قضايا

عبد الأمير زاهد انموذجا

المقدمة: يبدو ان انحسار العقلانية صفة ملازمة لتشظي سلطة الدولة وسيادتها. حيث تعمل الدولة الوطنية الحديثة على كبح جماح السلطات الفرعية  (العشيرة، الدين، والعصابة...الخ) فتستعيض عنها بسلطة قاهرة تستند الى شرعية الدولة ونفاذ قانونها وقدرتها على البطش. عاني العراق من جور السلطة للدولة القاهرة منذ تأسيسه الحديث في بدايات القران الماضي الى ان حدث التغيير في طبيعة السلطة عام 2003، مما أدى الى تشظيها بعد ذلك. وفي كلا الحالين كانت السمة المميزة للفضاء الفكري هو غياب النقد ووقوع العقل اسير لمرجعيات الفكرية التقليدية والتي تحارب كل نقد وتسفه كل نقاش عقلاني تنويري.

لقد اتسم النقد التنويري العراقي بخاصية انه من خارج المنظومة الدينية في معظمها لذا كان من السهولة بمكان وصمها بأنها تحارب الدين من قبل المخالفين. وبالمقابل كان لابد من وجود افكار تنويرية من داخل المتن والقراءة الدينية، وهو امر ليس من السهل ان نجده وذلك لقلة المشتغلين عليه.

من هنا يمكنني القول بوجود اتجاهين من التنوير في الفكر الديني العراقي المعاصر أستطيع ان اسميهما  (الابستمولوجي والانطولوجي). الأنطولوجي الذي يستند غالبا الى مقولات من خارج المتسالم عليه في المنطومة الدينية السائدة. في هذا البحث افترض ان ما يطرحه  (عبد الامير كاظم زاهد) يمكن ان يعتبر انموذجا للتنوير الابستمولوجي العراقي لأنه يستند أيضا الى مقولات من داخل المنظومة الدينية.

المبحث الأول: جدل التنوير

عرفت البشرية في العصر الحديث اهتماما كبيرا بالإنسان، فبعد ان كان مهمشا اصبح يسعى لأن يكون مركزا، وبعد ان كان تابعا وجاهلا، سعى المصلحون والتنويريون لأن يجعلونه سيدا وعارفا. فاقترنت المعرفة بالحرية في العصر الحديث وان يكون مسؤولا وشجاعا في مواجهة أسباب فقدان العدالة والحرية. وهذا هو جوهر التنوير الذي دعا له كانت. فالتنوير الكانتي يدعو الى "خروج الإنسان من حكم القصور الذي غلب عليه والذي هو نفسه مسؤول عليه"  (1). فالتنوير هنا يكون بمعنى التقصير الذي يمنعنا من اللحاق بالركب العالمي الحضاري. والتقصير هو التكاسل والخوف الذي يمنعنا من البحث في أسباب عدم الاقتدار في ان نكون كما ينبغي ان نكون عليه.

لذا فالبحث عن أسباب التقصير وخاصة في المجال التراث الديني العراقي خاصة هو ما اسميه "التنوير الديني العراقي". فقد حظيت العلاقة بين التراث والحداثة باهتمام شديد من المشتغلين بالمجالات الدينية والاجتماعية والانثربولوجية والفلسفة والثقافة وغيرها من العلوم. مما دعت الكثير من رجال الدين للمبادرة في الدعوة للإصلاح الديني لغرض مواكبة المعرفة الدينية للمتغيرات التي طرأت وتحدث على المجتمعات الإسلامية. في خضم تأثيرات الحداثة وهجوم متبنيها على التراث تشكلت العلاقات الصراعية التي افرزت اتجاهات فكرية تبحث في الصراع وإمكانية ايجاد حل له الى عدة اتجاهات يمكن اجمالها بما يلي:

- اتجاه يتمسك بالتراث بكل ما فيه.

- اتجاه يرفض التراث بكل ما فيه.

- اتجاه يحاول العودة للأصول مع محاكمة الجديد الحادث على أساسها.

- واتجاه يحاول العودة للأصول ولكن بإخضاعها الى مراجعات نقدية حديثة.

- واتجاه يحاول الموائمة بين الحديث والقديم، تسمح بإضفاء الشرعية على الجزء الجديد منه (2).

مع كل الضجيج الذي تبنته الحداثة الدينية في العالم الإسلامي عامة والعراقي خاصة في الدعوة الى  (الصحوة الإسلامية والإصلاح او التجديد الديني) الى انه لم يصل الى الوضع الناضج فكريا وعمليا (3). فالعراق واجه تحديات ثقافية وفكرية وحضارية بعد عام 2003 بسبب الانفتاح الواسع على العالم والأفكار الوافدة الينا بواسطة النت والميديا وتوسع ملحوظ في ممارسة الحرية في مجالات الفكر والنقد، بعد الغلق المحكم من قبل النظام الديكتاتوري. مما تطلب نهوض مفكري التنوير لمواجهة هذه التحديات، وخاصة في دراسة العلاقة المتوترة بين التراث والحداثة. فالعقل التنويري العراقي هو العقل الذي يبحث:

في الميتافيزيقيا بكونها معرفة أي علاقة تربط بين التساؤل وبين الواقع الذي يتأسس عليها احكامنا. أي هي معرفة حدود العقل البشري من جهة. واستخدامه في تعقب الخصائص الخفية للأشياء من جهة أخرى (4).

وهو العقل التنويري العراقي بوصفه قوة ناقدة. (5)

في هذا الصدد يقول عبد الأمير زاهد في بحثه الموسوم  (معضلة الحداثة في المجتمع الإسلامي المعاصر) "لا يزال العقل الإسلامي يتحرك في مكانه حركة موضعية، ولاتزال شعوبه تعاني من غياب المنهج العلمي، ولا يزال عاجزا عن تحقيق تنمية إنسانية" (6). فهو يسأل مستغربا حول خسارة العالم الإسلامي لعملية تحقيق الحداثة، وهل العلمانية شرط الحداثة. ويجيب بانه لا يصح نقل تجربة أوربا كما هي بسبب اختلاف عوامل الصيرورة في العالم الإسلامي، وفي ذات الوقت لا يصح الاغفال القسري والمتعمد لتجارب الشعوب الأخرى. ويعتقد باستطاعة العقل الإسلامي ان يكتشف مشروعه النهضوي الجامع بين اشتراطات الوحي وضرورات العصر (7). وهو لا يرى ان العلمانية شرط للحداثة في العالم الإسلامي وان التنوير الإسلامي هو شرط الحداثة. ويعتقد ان الفهم الإيجابي القويم للنص الديني هو شرط لتجربة متقدمة في الشورى، وان الموجة الفكرية التنويرية بإمكانها ان تجدد ذاتها بتجديد التراث الفكري برمته وان على القوى العلمانية ان تقبل اسلمة الحداثة على أسس برهانية (8).

هنا دعوة الى إمكانية التنوير الذي يتطلب موقف "القبول" من جهة وحجج "برهانية" من جهة أخرى. القبول هنا موقف عملي كتجربة "انطولوجيا" بعد البرهان الذي هو منحى "ابستمولوجيا". والابستمولوجيا بكونها مبحث في نظرية المعرفة، تركز على ضرورة دراسة شروطها الضرورية والكافية، وكيفية اكتسابها وقيمتها (9)، وتُعّرف أيضا بكونها "الاعتقاد الصادق المبرر" (10). بذلك يكون التبرير المعرفي للتنوير الديني هو منحى ابستمولوجي للتنوير العراقي.

المبحث الثاني: المشروع التنويري للدكتور عبد الأمير كاظم زاهد

ما هو التنوير الذي نريد؟ او الذي يصلح لدينا. فالتنوير إشكالية تاريخية يتعلق بمصير الإنسانية الحديثة كما يقول فتحر المسكيني. واذا كان التنوير الكانتي يستند الى استخدام العقل دون وصاية وان آفة التنوير لديه هما  (الكسل والجبن). فان التنوير الذي نحتاج ان يكون مشروعا روحيا لأنفسنا، لذا فإن افة التنوير لدينا هما  (الخوف والقلق) (11). واحد أسباب الخوف الرئيسية هو العنف بالعموم بكل انواعه و (الديني بخاصة).

ان من يقرأ المنتج الفكر للدكتور عبد الأمير كاظم زاهد، تتلبسه الحيرة أحيانا. فالقراءة السريعة توهم بانه لا يقدم جديد، بل يعيد ما تم تداوله سابقا. ويؤخذ عليه كثرة ما يطرح من أسئلة يُفترض ان الإجابة عليها يجب ان تكون واضحة للعيان. ومن ناحية أخرى يؤخذ عليه انه يحاول ان يقدم نموذج ديني ينطلق من رؤيته الدينية  (من داخل الدين) لا من خارجه. ان المنتج الفكري التنويري "لعبد الأمير زاهد" هو في جله يتناول الجانب السياسي المترشح عن التشريع الديني. وهو اذ يقدم رؤيته للفكر السياسي الإسلامي فهو ينطلق من نقد لأهم اساسيات بناءه الحالي. لذا فهو يستند الى الفقيه النائيني لأنه يعتبره رئد الفقه الدستور في  (رسالة تنزيه الملة)، وانها أطروحة أساسية مستقلة للأنموذج المدني الدستوري الإسلامي. وضرورة نقدها نظريا وتطبيقيا وإصلاح ثغراتها لأجل بناء نموذج حضاري مدني إسلامي في العراق (12). ان محاولة زاهد تهدف لبناء أسس تنويرية من داخل الملة لا من خارجها، لكنها لن تنجح اذا لم تتجاوز محليتها الى الفضاء الوطني والعالمي.

وهو اذ يقدم نقدا مهما لإشكالية العنف الديني وللأصوليات الدينية التي تستند الى  (النص والتجربة الماضية) فهو بهذا يحاول جاهد نقد اهم سبب في فشل التنوير لدينا وهو  (الخوف والقلق) المصاحبان للعنف الديني. وهو اذ يدين استصحاب الماضي لأنه يهدر الحاضر، وينتقد تحويل الشعور الديني المستند الى التراث الى شعور بالهوية. وتقديمها على انها كينونة الهوية الحضارية، ولأنها تستصحب الماضي اليقيني في محاكمة الحاضر الظني. ولأن الحلول لمشكل في زمن\ ومكان معين تصبح غير نافعة اذا تغير الزمان والمكان. لذا فإن عملية الاستصحاب ستولد فراغات تسبب خللا في المسار والصيرورة الفكرية للتدين وعملية ملء الفراغ بالفكر المعاصر تعني ان "اليقين الماضوي" يحتاج ان يفكك ويوجه له النقد بما هو معاصر (13). والمعاصرة لا تعني لديه تقديم نموذج يستند الى مرجعية علمانية بل ان تبقى مرجعيته دينية في منهجية لا تبتغي التلفيق بل يسعى الى الاتساق المعرفي فيستند الى ارث فكري ضخم ليحرك الساكن فيه ليكيفه معاصرا. واهم ركائز فكره التويري هي:

السيادة: وهي القدرة على التصرف بالشأن العام والالتزام بمقتضى مناط بالمصلحة (14). وسيادة الإنسان تشكل الأساس الفلسفي النظري للسيادة لأنها التكليف في الأصل للإنسان الفرد، فتكليف الإنسان الفرد عندما يتحقق ترد التكاليف المجتمعية الكفائية والعينية (15). بهذا المعنى يكون اختيار الإنسان مركزي لأن اختيار حاكمية المنهج أي نظرية حاكمية الله تستلزم اسقاط لنتائج الاختيار وتعد قلبا لها ليصور انها الاختيار. فالإنسان يولد ويترعرع حرا، كائنا عاقلا، مختارا مريدا، قابلا لاكتساب الأهلة السياسية والرشد المدني، لذلك فهو لا يستبعد ان القول الراجح هو سيادة الإنسان الفرد (16).

المواطنة: وهو مفهوم حديث ويعترف المفكر عبد الأمير زاهد بان هذا المفهوم كان تجسيدا لنقلة الولاء من الدين او المؤسسة الدينية الى الانتماء للإقليم بعد تشكل الدولة المدنية الحديثة في أوربا. وهذا المفهوم يستدعي شبكة من المفاهيم كعناصر لها لا يمكن ان تستبعد كلها عند تأسيس مفهوم إسلامي للمواطنة، فأسس المواطنة لديه هي:

- الوجود الإنساني على إقليم جغرافي محدد.

- وجود علاقة اسماه  (فطرية) ثم يحولها علاقة وجدانية، بين الفرد وعناصر الأقليم.

- قواعد دستورية ثم لوائح قانونية.

- اندماج الهويات الثانوية في الهوية الوطنية للمجتمع (17).

وهو يذهب الى جواز اختيار المجتمع لنظرية غير إسلامية للدولة استنادا الى جواز استثمار النظم الديموقراطية والانتخابات كآليات ينتج عنها اختيار الناس للقوانين التي تنظم حركة المجتمع (18). وان اللوم يقع على الإسلاميين لأنهم لم يقدموا مشروعهم للناس تقديما مقنعا بالحكمة والموعظة الحسنة (19). ولغرض الوصول الى مشروع وطني عراقي للمواطنة. تتجاوز كل عوائق التوحد الوطني والاندماج الاجتماعي والسلم الأهلي. يدعوا "عبد الأمير زاهد" الى معالجة وتكييف فقهي وفكري وسياسي لعلاقة المسلم وغير المسلم في مجالات متعددة كالأحوال الشخصية والارث والجنائي وغيرها من المشكلات الفقهية التي تحول دون تأسيس رؤية للمواطنة (20).

نقد المرجعيات الأصولية الدينية:

يجد الباحث في فكر عبد الأمير زاهد العناية التي يوليها للنصوص والأصوليات المرجعية التي تؤسس للعنف والكراهية والارهاب. فالادعاء بامتلاك الحقيقة الحقة هي التي تنفي القدرة على قبول المختلف. فالأصولية ظاهرة دينية لها تأثير عام على حياة الناس اجتماعي وسياسي، ولها منهجها الخاص في الاستناد الى النص، أنعكس تأثيرها على المجتمع سياسيا واجتماعيا واخلاقيا، وظهر تأثيرها على السلم والأمن المجتمعي والوطني في البلدان التي تعاني من وزرها (21). فالشعور بان الخلاص النهائي بكونه "خلاصا حصريا" هو السبب بتكفير المخالف. فقد وجد ان كل الأصوليات التي تجذر ارتباطها بالأصول تلغي المتغيرات في الأصول المرجعية ذاتها، كما تلغي الاستجابة للواقع الراهن وتغيب رؤية المستقبل (22). لهذا فهو يرفض عقيدة "الفرقة الناجية" والتي يراها السبب وراء الاعتقاد ببطلان العقائد المختلفة والمذاهب الدينية المغايرة. وان تأثير هذه العقيدة في المجال الاجتماعي يؤسس لظهور مشكلات خطيرة الى اعتبار كل مخالف من اهل الكفر والضلال (23). ويؤشر "زاهد" لمفارقة في هذه العقيدة، في انها تستند الى حديث ضعيف السند وعدم موافقته للقران ومتواتر النصوص (24).

المدنية الإسلامية:

يقر عبد الأمير زاهد ان مفاهيم مثل المواطنة والمجتمع المدني قد اقترنت بتطور المجتمعات الغربية الحديثة ونزوعها نحو العلمانية، لكنه يستدرك ان قيام  (المواطنة والمجتمع المدني) لا يعني شرطا لوجود العلمانية (25). وهو بذلك يفتح المجال للتنظير لهما حيث يفتقر مفهوم "المجتمع المدني" من ضعف التنظير له في العالم العربي (26). لذا فهو لم يتناول المدنية بكونها مجتمع مدني بل بكونها مفهوم وهي ذاتها المواطنة. بينما المجتمع المدني مرة يكون تعبيرا عن نظام ملتزم بتأمين حكم القانون في صالح الخير العام. ومرة أخرى بكونه مجال يوجد بين الحكومة الوطنية والفرد، وهو مكرس للمحافظة على قيم معينة وتحقيق غايات معينة (27). والمجتمع يشير الى اشكال عديدة ومختلفة من الجماعات المؤتلفة في جمعيات تعطي هويات متعددة للفرد الواحد غالبا ما يطلق عليها جماعات طوعية او مؤسسات ثانوية. هذه المؤسسات توجد خارج الهياكل الرسمية لسلطة الدولة، وتشير الى مجال منفصل يتوافر فيه الأفراد حرية مزاولة عدد متنوع من خبرات الحياة. وأحد اهم الجوانب التي يضطلع بها المجتمع المدني كمجال منفصل هو عمله "كصد" ضد سلطة الحكومة المركزية (28). والمجتمع المدني يوفر بيئة أخلاقية يمكن فيها معاملة الأفراد بشكل متساوي ومتكافئ سياسيا، ويحترمون المعايير المشتركة، ومفهوم الخير العام فيه مكمل لحياة المجتمع المدني. ويتمتع افراد المجتمع المدني بالحقوق نفسها مثل؛ حرية التجمع، والتعبير، والمقاضاة، والملكية الخاصة، وبالتالي يصبحون قادرين على تتبع اهداف معقولة نابعة من الذات ويحققونها (29).

ملاحظات ختامية:

انه ركز على الجوانب القيمية والمعتقدات والأفكار أحيانا اكثر من تركيزه على الجوانب العلائقية او البنيوية بين المرجعيات الاصولية واثرها على التنوير الديني.

اهتم بالتأصيل وتناسى في مواضيع كثيرة عن التفصيل، مما أدى به أحيانا الى الدفاع اكثر من التنظير للبديل بشكل اكثر وضوحا.

اقتصر التأصيل على الجانب الفقهي ولم يؤشر لدينا التأصيل الكلامي للمواطنة والمجتمع المدني.

لم يذهب الى تأسيس منهج معرفي كامل  (استنادا الى مفهوم الاستصحاب) لكي يكون منهجا للكشف والتحليل والتغيير والبناء.  ففي تناوله للمساواة مثلا "حيث مجتمع المساواة شرط مبدئي للاندماج" (30) فهو يطرح ان التراتبية امر حاصل ولا يمكن لأية حضارة ان تصنف المواطنين دون تراتبية معينة. بل ما يمكن الحديث عنه هو المساواة امام القانون في الحقوق والواجبات العامة (31).

***

د. سليم جوهر

......................

(1) كانت، مقالات في التاريخ والسياسية-جواب عن سؤال ما هو التنوير، تر-فتحي انقزو، المركز العربي للأبحاث ودراسة الدراسات-قطر، ط1-بيروت، سنة 2022، ص121.

(2) انظر، الحداد، محم. تجارب كونية للإصلاح الديني، مؤمنون بلا حدود-الرباط، ط1-بيروت، سنة 2016، ص9.

(3) ياسين، رواء محمود. الحداثة المقلوبة، المركز العلمي العراقي-بغداد، ط1-دار ومكتبة البصائر\بيروت، سنة 2011، ص39.

(4) برجيته فالكينبورج، ميتافيزيقيا الجسيمات، تر-نبيل ياسين البكري واحمد حمدي مصطفى، المركز القومي للترجمة-القاهرة، ط1-سنة2017، ص19.

(5) باس صالحي، امير. إيمانويل كانط ج1\ الابستمولوجيا، المركز الأسلامي للدراسات الاستراتيجية، قم-ايران، ط1-سنة 2019، ص8.

(6) زاهد، عبد الأمير كاظم. التحديات الراهنة في المجتمعات الإسلامية، العارف للمطبوعات-بيروت، ط1-2025، ص6-7.

(7) زاهد، المصدر نفسه، التحديات، ص60.

(8) زاهد، المصدر نفسه، التحديات، ص70.

(9) ياسين، الحداثة المقلوبة، ص7.

(10) ياسين، الحداثة المقلوبة، ص8.

(11) المسكيني، فتحي، الدين والأمبراطورية\ في تنوير الإسنان الأخير، مؤمنون بلا حدود- الرباط، ط2-2016، ص243.

(12) زاهد، عبد الأمير كاظم، الفكر السياسي الإسلامي، دار العارف للمطبوعات-بيروت، ط1-2013’ ص58.

(13) زاهد، عبد الأمير كاظم. إشكالية العنف الديني، جامعة الكوفة\ العراق، ط1-سنة 2020، ص60.

(14) زاهد، الفكر السياسي الإسلامي، ص82.

(15) زاهد، الفكر السياسي الإسلامي، مصدر سابق ص83.

(16) زاهد، الفكر السياسي الإسلامي، مصدر سابق، ص84.

(17) زاهد، الفكر السياسي الأسلامي، ص118.

(18) زاهد الفكر السياسي الإسلامي، ص119.

(19) زاهد الفكر السياسي الإسلامية، ص112.

(20) زاهد، الفكر السياسي الإسلامي، ص132.

(21) زاهد، عبد الامير كاظم، إشكالية فهم النصوص المرجعية لدى الاصوليات الإسلامية المعاصرة، الانتشار العربي-بيروت’ ط1-سنة 2016، ص17.

(22) زاهد، عبد الامير كاظم، إشكالية فهم النصوص المرجعية، ص428.

(23) زاهد، عبد الامير كاظم، إشكالية فهم النصوص المرجعية، ص405.

(24) زاهد، إشكالية فهم النصوص المرجعية، مصدر سابق، ص407.

(25) زاهد، التحديات الراهنة، مصدر سابق، ص199.

(26) ستيفين ديلو وتيموثي ديل، التفكير السياسي والنظرية السياسية والمجتمع المدني، انظر مقدمة المترجم-ربيع وهبة، المركز القومي للترجمة-القاهرة، ط1-2010، ص20.

(27) ستفين ديلو، التفكير السياسي ، ص49.

(28) ستفين ديلو، التفكير السياسي، ص50.

(29) ستفين ديلو’ التفكير السياسي، ص51.

(30) بيار روزانفالان، انتصار المواطن، تر-سليمان الرياشي، معهد دراسات عراقية-سنة 2008، ص19.

(31) زاهد. التحديات الراهنة، ص214.

التّفَلْسُف باللّعب ضرورة إبستمولوجية من أجل إصلاح المناهج التربوية

قراءة تحليلية في كتاب"دليل التفلسف باللّعب" للمفكّرالعربي "سعيد ناشيد"

***

يشهد العالم اليوم تحوّلات متسارعة تضع النظم التربوية أمام امتحان حقيقي: هل ما تزال المدرسة تُعِدّ المتعلم للحياة، أم أنها تُعيد إنتاج أنماط معرفية لم تعد كافية لمواجهة زمن الذكاء الاصطناعي، والتضليل الرقمي، وانهيار اليقينيات الكبرى؟ ضمن هذا السياق يبرز مشروع سعيد ناشيد في كتابه "دليل التفلسف باللعب" بوصفه محاولة جذرية لإعادة تأسيس العلاقة بين الطفل والتفكير، وبين المدرسة والحرية، وبين الفلسفة والحياة. فالمؤلف لا يكتفي بنقد طرائق تدريس الفلسفة في المراحل الثانوية، بل يذهب أبعد من ذلك، داعيا إلى إدماج التفلسف باللّعب منذ المراحل التعليمية الأولى، باعتباره شرطا لبناء التفكير النقدي، ومقدّمة ضرورية لتكوين مواطن قادر على الفهم والتفاهم. من هنا يتبلور السؤال الإشكالي " إلى أي حدّ يمكن للهيئات المعنية بإعداد المناهج أن تتجاهل إدماج التفلسف باللعب في الطفولة المبكرة، في زمن أصبح فيه التفكير النقدي ضرورة وجودية لا ترفا معرفيا؟ "

يعلن ناشيد، في صيغة تحذيرية صارخة، أن الأزمة ليست في غياب الفلسفة بل في تفريغها من روحها، حينما يصرّح:  "إنكم تقتلون الفلسفة… لا لأنّكم حذفتموها… بل لأنّكم أبقيتم اسمها حيّا بالفعل، فيما جرّدتموها من روحها" (ص. 12). ويضيف موضّحا أن المشكلة تكمن في جعل التفلسف مستحيلا داخل المدرسة: " تُدرّسون الفلسفة… لكنّكم تفعلون ذلك بطريقة تجعل التفلسف مستحيلا "(ص. 12). هذه المفارقة تكشف أنّ النظام التعليمي يُراكم المعارف دون أن يُنمّي القدرة على مساءلتها. فالمدرسة ـــ كما يصفهاــــ تُفضّل الإجابة النموذجية على السؤال المفتوح.، وهو ما يؤدي إلى تكوين متعلّم يجيد الاستظهار أكثر مما يجيد التفكير، والحفظ أكثر ممّ يجيد حلّ المشكلات الحياتية.غير أن الحلّ، في نظر المؤلّف، لا يتمثّل في مضاعفة الجرعات المعرفية، بل في إعادة الاعتبار إلى التفلسف بوصفه ممارسة. فيستحضر التمييز الكانطي الشهير "لا يمكن تعليم الفلسفة، بل يمكن تعليم التفلسف" .

لكنّه ـــــ وبهذا الاستحضارـــــ لا يكتفي بإعادة المقولة، بل يسعى إلى تفعيلها بيداغوجيا عبر مفهوم اللعب. فالتفلسف، عنده، ليس خطابا مجرّدا، بل قدرة على مساءلة أكثر الأفكار بداهة،و قدرة على تجديد طاقة الاندهاش كما لو أننا خرجنا للتوّ من العدم إلى الوجود...

كما يؤكد أنّ هذه القدرة لا تُغرس عبر التلقين، بل عبر التجربة. ومن هنا تأتي أطروحته الجذرية: " لقد وُلد التفلسف من الحركة قبل المفهوم، ومن الدهشة قبل البرهان، ومن اللعبة قبل النص". (ص. 28 )

إذا كان الطفل، قبل أن يتقن اللغة، يجعل من الحركة لغته الأولى، فإن المدرسة التي تُجمّد الجسد، وتُجمّد معه إمكانات التفكير. فقبل أن نتقن اللغة، تكون الحركة هي لغتنا الأولى، ويكون اللعب مختبرنا الأول للوعي والإدراك. هذا التحليل يقود إلى نتيجة حاسمة، تجعل إدماج التفلسف باللّعب في السنوات الأولى ليس خيارا بيداغوجيا ثانويا، بل ضرورة أنثروبولوجية، لأنّ التفكير نفسه يتأسّس حركيا قبل أن يتبلور مفهوميا.

هنا تتقاطع أطروحة ناشيد مع برنامج  "الفلسفة للأطفال" الذي أطلقه ماثيو ليبمان في ستينيات القرن الماضي، والذي أثبت أن الأطفال قادرون على ممارسة التفكير الفلسفي إذا وُضِعوا في سياقات حوارية. لكن الفرق الجوهري أن ليبمان ركز على"مجتمع البحث" والحوار السقراطي داخل الفصل، بينما يضيف ناشيد بعدا جسديا-حركيا يجعل اللّعب وسيطا معرفيا. فبينما يعتمد كتاب الفلسفة للأطفال على النصوص القصصية لإثارة التساؤل، يقترح التفلسف باللّعب أن السؤال يمكن أن ينبثق من تغيير قاعدة في لعبة، أو من تفاوض حول دور، أو من اختبار الخسارة والفوز. اللّعب هنا ليس محفّزا خارجيا، بل استراتيجية تفكير قائمة بذاتها.

ولذلك يربط الكاتب بين التفلسف والأمن الروحي، معتبرا أنّه وفي عالم مكتظّ بالحقائق الجاهزة… يغدو التفلسف إحدى ضرورات الأمن الروحي. هذا الأمن الذي لا يتحقق بتكديس المعلومات، بل ببناء القدرة على الشكّ، والتمييز، وتعليق الحكم. ومن ثمّ فإن الهيئات المعنية بإعداد المناهج، إذا كانت جادة في تبني شعار "تنمية التفكير النقدي"، مطالبة بإعادة النظر في التصورات الكلاسيكية التي تؤجّل الفلسفة إلى المراحل المتقدمة، وكأنّ الطفل عاجز عن التفلسف. فالكتاب نفسه يذكّر بأن الأطفال يتوفرون على قدرات طبيعية للتساؤل لا تقلّ قوّة عن كبار الفلاسفة...

إن إدماج التفلسف باللّعب في التعليم الأولي لا يعني تحويل الفصول إلى فضاءات ترفيهية، بل إلى مختبرات للمعنى، حيث يتعلّم الطفل كيف يخطئ دون خوف، وكيف يخسر دون انهيار، وكيف يفاوض دون عنف. فيقول ناشيد: "كل خطأ هو معلومة، وإشارة، ولحظة تعلم"  (ص. 30). بهذا المعنى، يصبح اللعب تدريبا على المرونة الوجودية، وعلى قبول اللايقين، وهي مهارات لم تعد هامشية في عالم متقلب.إن مسؤولية واضعي المناهج اليوم لم تعد مقتصرة على تنظيم المحتويات، بل على إعادة تعريف أهداف التربية ذاتها. فإذا كانت المدرسة الحديثة قد ركزت على الكفاءات المعرفية، فإن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال إلى كفاءات التفكير والحوار والعيش المشترك. والتفلسف باللّعب يقدّم إطارا عمليا لتحقيق ذلك، لأنّه يدمج الجسد بالعقل، والحرية بالقانون، والتنافس بالتعاون، في تجربة واحدة  وفق سيرورة، تجعل السؤال مفتوحا أمام الهيئات التربوية:

- هل ستظل الفلسفة مؤجّلة إلى سنّ متأخرة، حيث يكون الخيال قد تراجع والدهشة قد خبت، أم ستُدرج التفلسف باللّعب منذ السنوات الأولى، حيث يتشكّل الوعي وتُبنى العادات الذهنية ؟ وهل يمكن الحديث عن إصلاح تربوي حقيقي دون إعادة النظر في العلاقة بين الطفل والسؤال؟

إنّ مستقبل المواطنة النقدية لا يُبنى في قاعات الامتحان، بل في دوائر اللّعب الأولى، حيث يتعلّم الطفل، بلا خوف، أن يسأل، وأن يشكّ، وأن يعيد بناء المعنى. وربما يكون السؤال الأعمق الذي ينبغي أن يُؤرق صانعي القرار اليوم:

أي مجتمع نريد، إن لم نُعلّم أبناءه منذ الطفولة كيف يفكرون وهم يلعبون، وكيف يلعبون وهم يفكرون؟

***

ليلى تبّاني - الجزائر

 

مدخل: لعل من الظواهر الإنسانية الثابتة، والتي تتطلب قراءة عميقة لمعرفة العوامل والأسباب المفضية إليها، والطرق المناسبة لتجاوز التأثيرات السلبية والمدمرة لهذه الظاهرة، أو التقليل من حدوثها وبروزها في الفضاء الإنساني. هي ظاهرة الكراهية والعداء والعداوة بين بني الإنسان. حيث تشترك عوامل عدة، موضوعية وذاتية، داخلية وخارجية، في بروز حالة العداء والعداوة بين الإنسان وأخيه الإنسان. وفي إطار سعينا الحثيث في إرساء ثقافة الحوار والتسامح وحقوق الإنسان في فضائنا الاجتماعي، من الأهمية بمكان، تفكيك هذه الظاهرة ومعرفة العوامل المباشرة لحدوثها، وما هي الكيفية أو الآليات المناسبة للتقليل منها في فضائنا الاجتماعي والوطني. فهل من الطبيعي أن يقود الاختلاف الأيديولوجي أو السياسي إلى العداوة والكراهية. أم أن هناك عوامل وأسبابا أخرى، تتدخل في هذا الأمر، فتحول الاختلافات بكل مستوياتها إلى مصدر من مصادر العداوة والكراهية..

إننا بحاجة ماسة اليوم، إلى قراءة هذا الواقع، وإزالة كل موجبات الكراهية والعداوة من فضائنا الاجتماعي.

وذلك لأنه حينما يسود العداء الواقع الاجتماعي، فإن الأخطار الحقيقية تتلاحق علينا. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تستقر أحوالنا وأوضاعنا، ونحن نحتضن ثقافة تدفعنا إلى ممارسة الكراهية ضد الآخر المختلف عنا والمغاير لتصوراتنا وقناعاتنا. وذلك لأن هذه الثقافة بتأثيراتها وانعكاساتها، قادرة على شحن النفوس بشكل سلبي ضد الآخر المختلف والمغاير.

والسلوك العدواني هو في جوهره حالة نفسية سلبية ضد الآخر بحيث تنفيه وترفضه في وجوده ونفسه أو في موقعه ومنصبه أو في مصالحه وعلاقاته، وتتحرك نحوه بطريقة عدوانية - تدميرية. والعلاقة جد قريبة بين الثقافة التي تؤسس لمقاولات الإكراه والإلغاء والنفي، والسلوك العدواني تجاه الآخر. فالثقافة التي لا ترى إلا ذاتها وتلغي ما عداها، هي المقدمة النظرية لذلك السلوك العدواني الذي لا يرى إلا قناعاته ومصالحه ويعمل على تدمير الآخر بمستويات متعددة.

فالعلاقة بين الثقافة التي تبث الكراهية بين بني الإنسان لدواعي أيديولوجية أو سياسية، وبين السلوك العدواني بكل مستوياته والذي يستهدف تدمير الآخر وإلغائه هي علاقة السبب بالنتيجة. فلا يمكن أن تنتج ثقافة الكراهية والبغضاء والإلغاء واقع المحبة والألفة والتسامح، بل تنتج واقعاً من سنخها ومن طبيعة ماهيتها وجوهرها. وهو العدوان بكل صوره ومستوياته.

جذور الكراهية

السلوك العدواني هو عبارة عن فكرة في العقل وغريزة في النفس وممارسة تدميرية وإلغائية في الواقع والموقف. لذلك نجد أن المجال الإسلامي المعاصر، يعيش هذه المحنة في صور ومستويات متعددة. فالأفكار والأيديولوجيات التي تلغي الآخر المختلف والمغاير، ولا تعترف بحقوقه، فإنها أوصلتنا في المحصلة النهائية إلى انتشار ظاهرة العنف والتطرف والإرهاب. والتي تعمل على معالجة خلافاتها مع الآخرين عن طريق استخدام القوة العارية. فتحسم اختلافاتها عن طريق ممارسة القهر والعنف.

والمشروعات السياسية التي سادت في مجالنا الإسلامي بصرف النظر عن أيديولوجياتها وشعاراتها، والتي كانت تحمل مضموناً سيئاً من الآخر. قادتنا هذه المشروعات وأوصلتنا إلى أنها تحولت إلى مصدر من مصادر العدوان والعنف في الواقع الاجتماعي والسياسي. فالمشروعات الأيديولوجية والسياسية، التي لا تحمل موقفاً حضارياً وتعددياً من الآخر المختلف والمغاير، فإنها ساهمت بشكل أو بآخر في نشوء ظاهرة العدوان والعنف والتطرف، فالذي يرفض الآخر على مستوى الشعور والفكر، هو الذي يؤسس للحرب وممارسة العنف تجاهه في الواقع الخارجي.

لذلك فإن المدخل الحقيقي لعلاج ظاهرة العنف والعدوان في الفضاء الاجتماعي، هو إعادة تأسيس العلاقة والموقف من الآخر المختلف والمغاير. فالأنا لا تقبض على كل الحقيقة، والآخر ليس شراً وباطلاً بالمطلق. إن تأصيل هذه الحقيقة، هو الذي يزيل من نفوسنا وعقولنا كل المسوغات النظرية والنفسية لمعاداة الآخر باعتباره مخالفاً لنا في الأيديولوجية أو الموقف الثقافي أو السياسي.

فالآخر هو مرآة ذواتنا، وإذا أردنا أن نتعرف على خبايا وخفايا ذواتنا، فعلينا أن نتواصل مع الآخر فهو مرآتنا الذي نكتشف من خلالها صوابية أفكارنا أو خطئها، سلامة تصوراتنا أو سقمها. لهذا كله فإن إعادة تأسيس العلاقة بين الذات والآخر على أسس القبول بالتعددية والاعتراف بحق الاختلاف ونسبية الحقيقة، هو الذي يزيل من ذواتنا وفضائنا الاجتماعي الكثير من موجبات العدوان على الآخرين.

فالاختلاف الأيديولوجي أو السياسي أو الثقافي، ليس مدعاة لانتهاك حقوق الآخرين، بل على العكس من ذلك تماماً، حيث إن الاختلاف بكل مستوياته، ينبغي أن يقود إلى التواصل والتعارف ومعرفة الآخرين على مختلف المستويات.. إذ يقول تبارك وتعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} (الحجرات 13).. فإلغاء الخصوصيات لا يمثل نهجاً واقعياً في التعاطي مع الواقع، لأن الإلغاء من أي طرف كان لا يغير شيئاً من المسألة في طبيعتها الذاتية، أو من تأثيراتها الموضوعية، باعتبار أنها تمثل بعداً في عمق الذات، لا مجرد حالة طارئة على الهامش، مما يجعل من مسألة الإلغاء مشكلة غير قابلة للحل.. والرؤية القرآنية تؤكد على ضرورة أن تحرك الخصوصية في دائرتها الداخلية في الجانب الايجابي الذي يدفع الإنسان للتفاعل عاطفياً وعملياً مع الذين يشاركونه هذه الخصوصية في القضايا المشتركة.. ويبقى التعارف غاية إنسانية من أجل إغناء التجربة الحية المنفتحة على المعرفة المتنوعة والتجربة المختلفة للوصول إلى النتائج الإيجابية في مستوى التكامل الإنساني.

ويقول عزّ من قائل: {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين، ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} (فصلت 33- 34).

فحينما يختلف الناس في مواقع الفكر أو في مواقع الحياة الخاصة والعامة، فتثور المشاعر، وتتعقد المواقف، حتى تتحول إلى خطر كبير على العلاقات الإنسانية في المجتمع، عندما يتجه الموقف إلى الصدام الذي يهدد الجميع، ويقطع التواصل في أفراده.. فهناك أسلوب السيئة الذي يعمل على إثارة الانفعال الذي يتحرك بالحقد والعداوة والبغضاء ويدفع بالموقف إلى القطيعة والصراع، وذلك بالكلمة الحادة والنابية، والموقف الغاصب، واليد المعتدية.

وهناك أسلوب الحسنة الذي يعمل على تحريك الموقف والرؤية على أساس الدراسة العقلانية - الموضوعية لكل المفردات المتناثرة في ساحة الأفكار والمواقع والمواقف ومحاولة اكتشاف العناصر والمفردات الداخلية والخارجية التي تضيق الهوة بين هذا الموقف أو ذاك، أو تردمها، وتجمع العقول والقلوب على قاعدة فكرية وحياتية واحدة، وذلك بالكلمة الطيبة والنظرة الحانية والموقف الموضوعي وباليد المصافحة والالتفاف على كل المشاعر السلبية بالمشاعر الإيجابية التي يختزنها الفكر والواقع.

ف {ادفع بالتي هي أحسن} ليتحول العدو إلى صديق، والبعيد إلى قريب، والخصم إلى رفيق، وذلك لأن الإيمان يفرض على الإنسان أن يختار الأحسن في حركة العلاقات، كما يريده اختيار الأحسن في حركة الحياة..

ولعل هذا الهدف يحتاج إلى الكثير من الجهد النفسي والفكري والعملي، الذي يتجاوز الكثير من الضغوط الداخلية والخارجية التي تريده أو تقوده إلى الاستسلام إزاء المشاعر الانفعالية والعدوانية. لذلك يقول تعالى: {وما يلقاها إلا الذين صبروا} على مشاعر الحرمان التي يفرضها الانفتاح على الآخرين، في مجاهدة النفس ضد رغباتها الذاتية الضيقة، وضد نزواتها العشوائية، وعلى بعض الأوضاع الصعبة التي قد تحصل للإنسان من خلال ذلك، وعلى الوقت الطويل الذي يحتاجه الفكر الموضوعي- المتزن للوصول إلى الحلول العملية التي تتناسب مع طبيعة المشاكل الموجودة في الساحة.. {وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} من الإيمان والوعي والإنسانية النابضة بكل معاني الخير والإحسان.

إن وأد ثقافة الكراهية من مجتمعنا وفضائنا الوطنية، بحاجة إلى إعادة الاعتبار إلى الآخر وجوداً ورأياً ومشاعر، حتى يتسنى للجميع صياغة العلاقة بين الذات والآخر، بين مكونات المجتمع وتعبيرات الوطن المتعددة على أسس الاعتراف بحق الآخر في التعبير عن وجوده وأفكاره بعيداً عن ضغوط الإكراه وموجبات النفي والإلغاء.

فالاختلاف مهما كان حجمه، لا يشرع للحقد والبغضاء وممارسة العدوان الرمزي والمادي، بل يؤسس لضرورة الوعي والمعرفة بالآخر، وعياً يزيل من نفوسنا الأدران والأحقاد والهواجس التي تسوغ لنا بشكل أو بآخر معاداة المختلفين معنا.

ومعرفة تضيء كل محطات العلاقة بمستوياتها المتعددة، وتحول دون إطلاق الاتهامات الجوفاء والشعارات الصفراء.. إننا اليوم وفي ظل الأوضاع الحرجة التي نعيشها على أكثر من صعيد، أحوج ما نكون إلى تلك الثقافة التي تدفعنا إلى تجسير الفجوة مع المختلفين معنا، وتحثنا على التعارف والتواصل والتفاهم والحوار المستديم، وتلزمنا باحترام الإنسان وحقوقه. وإلى تلك المبادرات الاجتماعية والسياسية، التي تستهدف إزالة كل ما من شأنه أن يشين إلى بعضنا البعض، ويعمق أواصر التلاقي والمحبة، ويجذر خيار التعايش والسلم الأهلي.

فلتتكاتف كل الجهود والطاقات والإمكانات، من أجل الخروج من شرنقة التعصب الأعمى إلى رحاب التواصل والحوار، ومن ضيق التطرف والغلو إلى سعة الرفق والتيسير، ومن دائرة الجمود المميتة إلى فضاء التجديد والاجتهاد والكدح المتواصل من أجل الحق والحقيقة. 

إن الظروف الحساسة التي نعيشها، تتطلب منا جميعاً الانعتاق من أسر الجمود والتعصب والأنانية القاتلة، وذلك حتى نتمكن من مجابهة هذه الظروف والتحديات التي تستهدفنا جميعاً.

فلنأخذ جميعاً بأسباب العدالة في تعاملنا مع الآخرين، في نطاق الرؤية التي تقول: عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به.

الحرية الدينية

    ثمة علاقة دقيقة وعميقة تربط بين قدرة الإنسان على التفكير واستقلاله فيه، وبين قيمة الحرية وممارسة مقتضياتها.

فالإنسان الذي يمتلك إمكانية التفكير المستقل، هو ذلك الإنسان الذي يستطيع استعادة حريته وإنسانيته، ويستثمر طاقاته وإمكاناته في سبيل تكريس نهج الحرية في الواقع الإنساني. فاستعادة الحرية بكل متطلباتها وآفاقها، تبدأ من الإنسان نفسه، فهو الذي يقرر قدرته على التحرر والانعتاق أو خضوعه واستغلاله واستبعاده لمراكز القوى. وذلك لأن التفكير السليم هو الشرط الأول للقوة في الحياة. من هنا ركز القرآن الحكيم على أن الإيمان بالله يعطي صاحبه التحرر، والتحرر يعطيه القوة (التمسك بالعروة الوثقى) والعلم (يخرجه من الظلمات إلى النور). ولكن أي إيمان هذا الذي يعطينا القوة والعلم. إنه الإيمان الواعي، لا الإيمان المكره عليه فهو الآخر نوع من الاستعباد والخضوع للقوة المادية.

من هنا تحدث القرآن في بداية الحديث عن الحرية الدينية وقال (لا إكراه في الدين). فجذر الحرية، هو أن يتحرر الإنسان من كل الضغوطات والأهواء والشهوات، التي تدفعه إلى الانسياق وراءها. فحينما يغمر الإيمان بالله عز وجل قلب الإنسان، ويتواصل بحب واختيار مع القدرة المطلقة، تنمو لديه القدرة على الانعتاق من كل الأشياء التي تناقض حرية الإنسان. فطريق الحرية الإنسانية الحقيقية يبدأ بالإيمان والعبودية المطلقة للباري عز وجل. وذلك لأن كل الأشياء حاضرة عنده لا يغيب شيء منها عن علمه، لأن الأشياء مكشوفة لديه، فلا مجال لاختباء الإنسان عن الله في أي عمل يخفيه، أو سر يكتمه أو خطأ يستره، لأن الإخفاء والكتمان والستر معان تلتقي بالحواجز المادية التي تحول بين الشيء وبين ظهوره مما لا مجال لتصوره في ذات الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

ولعل هذا الإحساس هو الذي يتعمق في وعي الإنسان من حركة إيمانه فيمنعه عن الجريمة الخفية، والمعصية المستورة، والنيات الشريرة التي تتحفز للاندفاع والظهور.

من هنا وقفت النصوص القرآنية ضد الإكراه والسيطرة، ودعت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى التحرك في أجواء الإبلاغ والإقناع وحركة حرية الفكر والتعبير. إذ قال تعالى: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} (الكهف، الآية 29).

وقال عز من قائل: {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر} (الغاشية، الآية 22). وقال تبارك وتعالى: {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} (يونس، الآية 99).

وقد تحدث الأستاذ (جودت سعيد) في كتابه (لا إكراه في الدين - دراسات وأبحاث في الفكر الاسلامي) عن مجموعة من الفوائد من آية (لا إكراه في الدين) منها:

إنها في ظاهرها حماية للإنسان الآخر من أن يقع عليه الإكراه من قبلك، ولكنها في باطنها حماية لك أيضا من أن يقع عليك الإكراه، فهي حماية للآخر وحماية للذات من أن يقع على كل منهما الإكراه.

يمكن فهم هذه الآية على أنها إخبار وليس إنشاء، أي يمكن أن تفهم على أنها نفي وليست نهياً، ويكون بذلك معناها إخبارا بأن الدين الذي يفرض بالإكراه لا يصير ديناً للمكره فهو لم يقبله من قلبه، والدين في القلب وليس في اللسان. فهي بهذا الشكل إخبار بأن الدين لا يتحقق بالإكراه ومن يكره إنما يقوم بعمل عابث لا أصل له.

هذا معنى الآية حينما نفهمها على أنها إخبار وليس انشاءاً أو أمراً، كما يمكن أن نفهم الآية على أساس الإنشاء أي أن تفهم على أنها نهي عن الإكراه، لأنه لا يليق بالعاقل أن يقوم بعمل عابث، ولأن فرض الإيمان والدين بالإكراه عبث فجدير أن ينهانا الله عنه، فيكون المعنى نهياً عن ممارسة الإكراه للآخر، ونهياً أيضا لنا عن أن نقبل الإكراه والخضوع له.

فرشد الإنسان فرداً ومجتمعاً، هو من جراء التزامه بحريته واحترامه التام لحريات الآخرين. فحينما تنتفي كل الضغوطات والإكراهات، يتحقق مفهوم الرشد في الواقع الخاص والعام..

فالحرية بكل ما تحمل من معان إنسانية نبيلة وقيم تعلي من شأن الإنسان وكرامته، وتحميه من كل نزعات الاستفراد والإقصاء والنبذ والإكراه، هي بوابة الرشد ووسيلته في آن. وهي التي تخرج الإنسان من الغي وتخلق حقائق الاستمساك بالعروة الوثقى.

والمجتمع الذي يمارس حياته السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، بعيداً عن كل أشكال الإكراه والعنف، هو المجتمع الرشيد الذي يدافع عن حقوقه ومكاسبه بالحرية. وبها أيضا يصون حرمات الآخرين ومكاسبهم.

والتاريخ يحدثنا أن كل من يمارس الإكراه والعنف للدفاع عن ذاته، لا ينجز مراده ولا يحقق هدفه، بل ترتد عليه هذه الممارسات أكثر سوءاً ويدخل في أتون النزاعات والحروب والعنف والعنف المضاد.

إن الاتحاد السوفيتي لم يستطع أن يحمي ذاته من التشرذم والانقسام والتلاشي، مع العلم انه يمتلك أعتى الأسلحة وأطورها. فهذه الأسلحة الفتاكة لم تمنع الشعوب المنضوية تحت لواء الاتحاد السوفيتي من النهوض ورفض كل أشكال القهر والإكراه.

فالحضارات لا تبنى بالإكراه، كما أن الأفكار لا تنتقل بالقسر والإكراه. فما أكثر الإمبراطوريات التي انهارت وتلاشت وأصبحت في ذمة التاريخ، بفعل اعتمادها واستنادها على القهر والإكراه. وفي المقابل نجد أن هناك أمماً ودولاً صمدت في وجه كل عمليات القمع والقسر والإكراه، لأنها تدير شؤونها وتسير أمورها بحرية وديمقراطية، وبعيداً عن كل أشكال القهر والإكراه.

فالحياة دائماً لكل أمة ومجتمع يدار بالحرية، وينبذ الإكراه بكل صنوفه وأشكاله ومستوياته. ويرتكب حماقة تاريخية كبرى كل من يسعى إلى إدخال غيره في دينه أو مذهبه أو حزبه بالإرغام والإكراه.

لذلك فإن الحرية من القيم الأساسية فحركة الإنسان الفرد والجماعة، وبها يقاس تقدم الأمم وتطورها. إذ لا يمكن أن يتحقق التقدم إلا بالتحرر من كل معوقاته وكوابحه. والحرية هي العنوان العريض للقدرة الإنسانية على إزالة المعوقات وإنجاز أسباب وعوامل النهوض والانعتاق.

لذلك نجد أن الأنبياء جميعاً حاربوا الاستبداد والإكراه، ووقفوا في وجه الفراعنة، وعملوا من مواقع مختلفة لإرساء دعائم الحرية للإنسان. ولقد فك الأنبياء جميعاً العلاقة بين الفكر والعنف، فحرروا معركة الأفكار من معركة الأجساد، والله تعالى حمى الأجساد من أن يعتدى عليها من اجل الأفكار، فلم يعط لأحد الحق على جسد الآخر مهما كانت فكرته. وفي سبيل نيل الحقوق والحريات، لم يشرع الله سبحانه وتعالى للأنبياء ممارسة الإجبار والإكراه، وإنما حدد مهمتهم ووظيفتهم في الدعوة بالموعظة الحسنة والتبشير والنذير.

فالوظيفة الكبرى هي هداية البشر، بوسائل عقلية - سلمية، بعيدة كل البعد عن كل أشكال الضغط والقوة والإكراه.

وعلى هدى هذا نقول: انه لا يجوز التضحية بحريات الأفراد تحت مبرر معارك الخارج وتحدياته الحاسمة. إذ انه لا يمكن أن نواجه تحديات الخارج بشكل فعال، إلا إذا وفرنا الحريات والحقوق لجميع المواطنين.

ولعلنا لا نعدو الصواب، حين القول بأن مجالنا العربي والإسلامي في العقود الخمسة الماضية قد قلب المعادلة. إذ سعت نخبته السياسية السائدة إلى إقصاء كل القوى والمكونات تحت دعوى ومسوغ أن متطلبات المعركة مع العدو الصهيوني تتطلب ذلك. وأصبح شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) هو السائد. ولكن النتيجة النهائية التي وصلنا إليها جميعاً حاكماً ومحكوماً، إن هذا الخيار السياسي لم يوصلنا إلا إلى المزيد من التدهور والانحطاط، وبفعل هذه العقلية أصبح العدو الصهيوني أكثر قوة ومنعة، ودخلنا جميعاً في الزمن الإسرائيلي بكل تداعياته الدبلوماسية والسياسية والأمنية والثقافية والاقتصادية.

فتصحير الحياة السياسية والمدنية العربية والإسلامية، لم يزدنا إلا ضياعاً وتشتتاً وضعفاً. ولقد دفع الجميع ثمن هذه الخطيئة التاريخية. لذلك آن الأوان بالنسبة لنا جميعاً أن نعيد صياغة المعادلة. فلا انتصار تاريخي على العدو الصهيوني، إلا بارتقاء حقيقي ونوعي لحياتنا السياسية والمدنية. فإرساء دعائم الديمقراطية وصيانة حقوق الإنسان. كل هذه الممارسات والمتطلبات من صميم معركتنا التاريخية والحضارية. وانتصارنا على العدو الخارجي، مرهون إلى قدرتنا على إنجاز هذه المتطلبات في الداخل العربي والإسلامي. فالإكراه الديني والسياسي، لا يصنع منجزات تاريخية، وان صنعت سرعان ما يتلاشى تأثيرها من جراء متواليات الإكراه وامتهان كرامة الإنسان.

فآراء الإنسان مصونة، بمعنى أن الإنسان لا يقتل بسبب آرائه وأفكاره. والآراء والأفكار والقناعات، لا تواجه بالقوة المادية أو استعداء الآخرين، وإنما بالرد الفكري والحوار المتواصل وبيان أوجه الخطل والضعف في الآراء المتداولة.

لذلك كله فإن الحرية قبل أن تكون أشكالاً سياسية ونصوصاً دستورية، هي خروج كل فرد فينا عن أنانيته وافقه الضيق ومغادرة تلك الأفكار الآحادية والإقصائية والاستغنائية، التي لا تزيدنا إلا بعداً عن الديمقراطية ومتطلباتها الفكرية والمجتمعية.

لذلك فإن النواة الأولى للاستقرار والتطور، هي الاحترام العميق للآخرين مشاعر وأفكاراً ووجوداً، ومساواة الآخرين بالذات، ونبذ كل أشكال ممارسة الإكراه.

وإننا اليوم وفي كثير من مواقعنا، أحوج ما نكون إلى رفع شعار (لا إكراه في الدين) والعمل على تحويله إلى مشروع مجتمعي ينظم حياتنا السياسية والاجتماعية والثقافية، ويرفع الغطاء الديني عن كل الممارسات العنفية والإرهابية، التي لا يقرها عقل ولا دين ولا تنسجم وثوابت الأمة.

فلننبذ من فضائنا السياسي والاجتماعي والثقافي، كل الممارسات الإكراهية والإقصائية، ونبني راهننا على أسس الحرية واحترام التعدد والتنوع، ونفسح له المجال لممارسة دوره ووظيفته في البناء وتعزيز خيار السلم والتعايش الأهلي.

من أجل تفاهم مشترك

جاء في التراث أنه كان هناك أربعة من الفقراء جالسين في طريق، وكل منهم من بلد: أحدهم رومي، والثاني فارسي، والثالث عربي، والرابع تركي، ومر عليهم محسن فأعطاهم قطعة من النقد غير قابلة للتجزئة، ومن هنا بدأ الخلاف بينهم، يريد كل منهم أن يحمل الآخرين على اتباع رأيه في التصرف في هذا النقد. أما الرومي فقال: نشتري به (رستا فيل) وأما الفارسي فقال: أنا لا أرى من (لا نكَور) بديلا، وقال العربي: لا والله لا نشتري به إلا (عنبا)، وقال التركي متشددا في لهجة صارمة: إن الشيء الوحيد الذي أرضى به هو (أوزوم)، أما ما سواه فإني لا أوافق عليه أبدا. وجر الكلام بين الأربعة إلى الخصام، وكاد يستفحل الأمر لولا أن مر عليهم رجل يعرف لغاتهم جميعا، وتدخل للحكم بينهم، فبعد أن سمع كلامهم جميعا، وشاهد ما أبداه كل منهم من تشدد في موقفه أخذ منهم النقد واشترى به شيئا، وما إن عرضه عليهم حتى رأى كل منهم فيه طلبته، فقال الرومي: هذا هو (رستا فيل ) الذي طلبته، وقال الفارسي: هذا هو (لا نكَور) وقال العربي: الحمد لله الذي أتاني ما طلبته ! وقال التركي: هذا هو (أوزوم) الذي طلبته. وقد ظهر أن كلا منهم كان يطلب العنب من غير أن يعرف كل واحد منهم أنه هو بعينه ما يطلبه أصحابه. 

لا ريب أن قراءة هذه القصة تثير الضحك وروح الفكاهة، وتثير الاستغراب والاستهجان في آن واحد. من جراء الاختلاف والنزاع الذي حدث بين هؤلاء الصحبة دون وجود مبرر عقلي وواقعي للخلاف والنزاع. فالكل يطلب العنب إلا أن اختلافهم اللغوي حال دون تفاهمهم المشترك، مما أدى إلى الخصام على موضوع أقل ما يقال عنه أنه وهمي. ولعلنا لا نجانب الصواب حين القول: أن الكثير من الاختلافات والتباينات بين أبناء الوطن والمجتمع الواحد، لا تخرج عن مضمون القصة المذكورة أعلاه. بمعنى أن الكثير مما نتصوره من اختلافات بيننا هو من جراء مواقف مسبقة أو رؤية جاهزة حملناها على بعضنا البعض، دون أن نكلف أنفسنا عبء فحص هذه الرؤية أو تجاوزها بشكل علمي وموضوعي. والإنسان الذي ينحبس في إطار رؤية ضيقة، فإنه سيتعصب لرأيه دون أن يدرك حجم الجوامع المشتركة بينه وبين الآخرين. فحين ينعدم التواصل، وتتضاءل فرص التعارف فإن مساحات سوء الظن والفهم تتسع وتتراكم. 

لذلك فإن التواصل بين مختلف مكونات المجتمع وتعبيراته المتعددة، هو من الروافد الأساسية التي تساهم في تعزيز خيار الوحدة والتضامن الداخلي. فوحدة المجتمعات والأوطان بحاجة بشكل دائم إلى التواصل والتعارف المباشر بين مختلف المكونات والشرائح. وذلك حتى تبنى الوحدة على حقائق المعرفة العميقة المتبادلة. وبدون هذه المعرفة سنجد أنفسنا نختلف وتتباين مواقفنا حتى لو كانت غايتنا واحدة. 

فالهدف المشترك بوحده لا يصنع وحدة، وإنما هو يحتاج إلى مساندة مستديمة عبر التعارف والتواصل الذي يزيل الالتباسات والهواجس ويحول دون الفرقة المذمومة.. وتاريخيا لم تكن الوحدة التي صنعها العرب والمسلمون، تعني التوحيد القسري ونبذ أشكال التعدد والتنوع الطبيعية في الوجود الاسلامي. وإنما صنع المسلمون وحدة، قامت على احترام التنوع وخصائص التعدد، لأنها حالات وحقائق تاريخية، مركوزة في التكوين النفسي والاجتماعي، ومتناغمة مع نواميس الوجود الإنساني.

لأن الباري عز وجل قد خلق البشر مختلفين من نواح عديدة: لتكوّنهم من ذكر وأنثى {وإنه خلق الزوجين الذكر والأنثى} وهم مختلفون لاختلاف ألسنتهم وألونهم {ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم} كما هم مختلفون لاختلاف عقائدهم {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} وعلى ضوء هذا الاختلاف والتنوع، تنشأ الوحدات الاجتماعية، لكن لا لكي تتباعد عن بعضها، وإنما لكي تتعارف.  

فالتعارف هو المنظور القرآني، لتجاوز الآثار السيئة والسلبية لحالة الاختلاف والتعدد. قال الله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}..

فالاختلافات العقدية والفكرية والسياسية، تزداد اتساعا وتأخذ منحى تصاعديا وفي بعض الأحيان عنفيا، حينما تتراجع خطوات التفاهم وتغيب حقائق التلاقي والتواصل بين المختلفين. بينما التلاقي والتفاهم والتواصل، يساهم في ضبط الاختلافات، ويحوله إلى رافد للثراء المعرفي والفكري، وترتفع من الفضاء الاجتماعي كل الهواجس والأكاذيب التي تسمم العلاقة وتدفعها نحو دوائر وخيارات خطيرة. 

ولقد دفع المسلمون جميعا غالي الأثمان من هواجس بعضهم البعض، ومن الأكاذيب والافتراءات التاريخية والراهنة، التي ساهمت بشكل مباشر في تأجيج النفوس وزيادة الاحتقانات بكل صورها وأشكالها. 

وأود في هذا السياق أن أؤكد على النقاط التالية: 

ضرورة العمل على تطوير التواصل العلمي والثقافي بين مكونات المجتمع والوطن الواحد.. فكل طرف في هذا المجتمع يمتلك من الكتب والمؤلفات الثمينة الشيء الكثير، ويعيش بين ظهراني هذا المجتمع العديد من العلماء والمفكرين والكتاب المتميزين. ولكن وبفعل الجفاء المتبادل، وغياب حقائق التلاقي والتواصل، كل طرف يجهل حقيقة الآخر، أو لا يمتلك رؤية واقعية عنه. 

وإننا نعتقد أن القيام بمبادرات حوارية وتواصلية بين حكماء المجتمع وعلمائه، سيفضي إلى فهم متبادل عميق، قادر على إفشال كل مخططات الفتنة والتشظي.  ويشير إلى هذه المسألة أحد العلماء بقوله :إن توحيد المسلمين ثقافياً لا ينافي أن تعمل كل طائفة من الطوائف الإسلامية بما ثبت عندها واعتقدته، ما دام هذا لا يمس العقائد الأساسية، التي يجب الإيمان بها، ولكن من الواجب أن تعرف كل طائفة من المسلمين حقيقة عقائد الآخرين، لعلها تجد فيها ما تستفيد منه، أو على الأقل إذا أراد أحد باحثيها أن يكتب عنهم شيئا، أو ينقل بعض فتاواهم، فلا يكتب وأما ما سمعنا عنهم أنهم يقولون كذا وكذا أو أنه يقال عنهم كذا وكذا. ولعمري أن هذا لسبة في جبين العلم أن لا يتعب رجاله أنفسهم بالبحث عن كتاب يجدون فيه كل ما يبحثون عنه، من غير أن يسندوا أقوالهم إلى السماع، وكثيرا ما يجيء هذا القول المسموع من ذوي الأغراض الخبيثة.

 لو أن التعارف بين المسلمين تم على أساس توحيد الثقافة، بما في ذلك التبادل الثقافي، وتأليف كتب عن كل طائفة لإعطاء صورة صحيحة عنها، وتعليم اللغات الإسلامية في جامعاتهم وترجمة آثارهم ورجالهم، لعرف المسلمون أنفسهم، وعلموا قوتهم ومقدرتهم، وأنهم مسلمون قبل كل شيء، مسلمون في كتابتهم وتآليفهم، مسلمون في قصصهم وأشعارهم، وأنهم أمناء فيما يكتبون.

فالحوار والتواصل بين مختلف التعبيرات والمكونات لا يلغي الاختلافات والتباينات، وإنما يوصل الجميع إلى أفضل صيغة ممكنة لإدارة الاختلافات وضبط الانقسامات والتباينات. فالتعددية على حد تعبير اللجنة العالمية للثقافة والتنمية في تقريرها الموسوم ب(التنوع البشري الخلاق) ليست مجرد غاية في حد ذاتها، فالاعتراف بالاختلافات ما هو إلا شرط لبدء الحوار، وبالتالي لبناء اتحاد أوسع نطاقا بين أناس مختلفين. وعلى الرغم من المصاعب فإننا نواجه مصيرا محتوما، فلا بد من إيجاد سبل للتوفيق بين تعددية جديدة ومواطنة مشتركة. وقد لا يكون الهدف مجرد مجتمع متعدد الثقافات، بل دولة تتألف من ثقافات متعددة، دولة يمكن أن تعترف بالتعددية دون أن تفقد وحدتها.

إن التحصين الوطني ضد كل المخاطر التي قد تهدد الأمن الاجتماعي والوطني، يتطلب العمل الجاد على بلورة مشروع ثقافي وطني، يحتضن كل أطياف وتعبيرات الحياة الثقافية الوطنية،  ويوظف كل إمكانات الوطن ويصبها في خدمة المشروع، وينفتح على كل الخصوصيات الثقافية، ويتفاعل ويستفيد من كل القوى والوسائط الثقافية والاجتماعية الموجودة، ويتواصل مع منابع الفعل الثقافي بتنوعه ومستوياته ومجالاته وآلياته القائمة والممكنة. 

وبكلمة: إن تحصين الوطن من المخاطر، يتطلب بلورة حياة ثقافية جديدة تتجاوز صعوبات الواقع وسيئاته، وتسعى نحو إرساء دعائم وتقاليد التواصل والحوار والانفتاح على كل مكونات الفعل الثقافي والإبداعي الوطني. فالتحصين لا يتأتى بالمنع وزيادة قائمة الممنوعات، بل بغرس أسباب الحياة والحيوية في حياتنا الثقافية والاجتماعية.  فالمجتمع الراكد، هو أقرب المجتمعات إلى الاختراق على المستويات كافة. أما المجتمع الحي والحيوي، فإنه يمتلك الدينامية الكافية التي تؤهله لمقاومة كل الأخطار ومجابهة كل محاولات الاختراق التي تهدد أمنه الاجتماعي والوطني.

فوجود الحياة الثقافية الجادة بكل مستلزماتها ومتطلباتها وآلياتها، يساهم مساهمة أساسية في إرساء دعائم الأمن الاجتماعي والوطني. فحيوية المجتمع وديناميته، هو رهاننا لمجابهة كل التحديات والمخاطر لذلك فإن عملية التحصين الوطني، تتطلب منا جميعاً، تنمية الاستعدادات والإمكانات الثقافية الوطنية، التي تأخذ على عاتقها معالجة الظواهر المجتمعية، واستيعاب أبناء الوطن بمختلف مستوياتهم في أطر ومؤسسات، تنمي كفاءاتهم، وتصقل مواهبهم، وترفع من مستوياتهم وتشاركهم في صياغة حاضرهم ومستقبلهم.

***

محمد آل محفوظ – باحث سعودي

تقوم غاية القانون على أساس من مبدأين أساسيين تجسد مضمونها القيم الاجتماعية السائدة، هما مبدأ أمن المجتمع واستقرار المعاملات (السكينة الاجتماعية)، ومبدأ تحقيق العــدل في المجتمع، تضاف إليهما غاية تبنتها في العصور الحديثة التشريعات المتطورة هي غاية تحقيق التقدم الاجتماعي فكانت احد أعمدة النهضة في الحياة الإنسانية المعاصرة.

القانون وغاية السلم والسكينة الاجتماعية:

هذه هي الغاية الاولى من القانون التي نمت وتطورت فكرتها ووسائلها عبر التاريخ، وقد ارتأت البشرية منذ نشأتها ان السلم والأمن الاجتماعي لا يتحقق إلا بعدة وسائل، منها؛

أولا وجود حاكم ذو سيادة وسلطة على رعيته، استندت مشروعية حكمه في البدء الى طبيعته الإلهية او ان ترشحيه للحكم يتم من قبل الآلهة او ان تقود العناية الإلهية الى اختياره، وتطورت هذه الوسيلة لاحقاً الى صيغة حكومة ديمقراطية منتخبة .

وثانياً ان توجد قوانين صارمة تفرض الجزاء على من يخالفها.

وكان الهدف من العقوبة قديماً هو الانتقام من الجاني وشفي غليل الضحية او عائلته، بل ان الانسان البدائي كان لا يفرق عند الانتقام بين الانسان والحيوان والجماد، فان اعتدى عليه إنسان، مميز او غير مميز، انقض عليه ليصرعه او يجرحه او يسترقه، وإذا كان حيوانا قتله وإذا كان جماداً هدمه او أتلفه، ثم أصبح الهدف من العقوبة في العصور الحديثة هو إعادة تأهيل الجاني وتحقيق الردع العام.

كما أدركت البشرية ان السلام الاجتماعي لا يتحقق إلا إذا سعى القانون الى التوفيق بين المصالح المتعارضة.

وتذهب المدارس الشكلية الحديثة، الى ان الغاية الأساسية من القانون هي توفير الامن الاجتماعي وترى في تأكيد سلطة الحاكم اساس كل خير وتقدم للمجتمع وكان عدد من فلاسفة اليونان يرون ان القانون هو حكم القوة، ولهذا عرف الفقيه (ثراسماخوس) وهو سفسطائي، العدالة بانها في صالح الأقوى، ومن أقوال الفقهاء الرومان المأثورة (ان ما يريده الحاكم هو ما يريده القانون) (3)

وفي العصور الحديثة كان من الطبيعي ان تتبنى مدرسة الشرح على المتون هذا الاتجاه، كما تبناه كبار الفلاسفة الألمان ومنهم هيجل، فالقانون من وجهة نظرهم يعبر عن مشيئة الحاكم، وتكرس هذا الاتجاه في المدرسة الوضعية القانونية الذي تزعمه كلسن(4)، فالقاعدة القانونية حسب هذا الرأي هي أمر يصدر من صاحب سلطة الى من يخضع لهذه السلطة مقترن بجزاء لمن يخالفه، وهذه القاعدة تنفصل بمجرد سَنها عن الأخلاق والعدالة، وإن كانا مصدر مادتها الأولية، لتستقل بوجودها كأداة تنظيمية للمجتمع ملزمة للأفراد دون حاجة للتحقق مما إذا كان القانون الذي يضم هذه القواعد الوضعية متفقاً مع حسن الأخلاق وروح العدالة او غير متفقاً معهما.

وأعلن كلسن ان (لا شأن للقانون بعلم الحياة)، وان نظرية القانون يجب ان تتناول القانون كما هو كائن لاكما ينبغي أن يكون، واستبعد فكرة العدالة من مجال القانون، بداعي ان الحكم على القانون بالعدالة او عدم العدالة يتطلب معايير لا تخضع للمعرفة العلمية ودعا الى نظرية محضة في القانون، ومن ثم هاجم نظرية القانون الطبيعي واصفاً إياها بانها حصيلة استنتاج غير صحيح .

وبذلك استبعد كلسن وأنصاره الحقائق والقيم المطلقة من المنهج القانوني، فالقانون حسب هذه وجهة النظر هذه يجب ان لا يخضع لأي تقييم أخلاقي، وزعموا ان علم القانون ليس إلا تحليلاً مجرداً للأنظمة القانونية الوضعية في الدول المختلفة، وان المفاهيم القانونية ينبغي ان يُنظر إليها مستقلة عن العوامل السياسية والاقتصادية والتاريخية ..

ويترتب على هذه النظرية، ان كل سلوك إنما يحدده القانون بصورة مباشرة او غير مباشرة، وعندما لا يكون عمل الفرد ممنوعا بِسُنة قانونية فهو مسموح به قانونا بصورة غير مباشرة، وبتعبير أخر، حسب وجهة النظر هذه، ان القانون لا يمكن ان يحتوي على ثغرات (5)، ولا يمكن ان يتمتع القاضي بأية سلطات تقديرية.

فالغاية التي يجب ان يكرسها القانون، حسب رأي كلسن، هي الأمن الاجتماعي بواسطة قواعد قانونية ثابتة نسبياً لا يقبل تطبيقها التقدير، لا تتقادم ولا تنسخ إلا بتشريع لاحق.(6)

ان استقرار المجتمع واستتباب الأمن فيه أمر لازم لإطمئنان أبناء المجتمع على سلامة حياتهم وأموالهم وحماية مصالحهم المشروعة، فاستخدام القوة وفق الضوابط القانونية ودون تعسف ضرورة اجتماعية لمواجهة مظاهر الإجرام والأنانية والخروج عن القانون وحب الذات المفرط الذي يفرز تصرفات سيئة كالربا والاحتكار والإجرام وهذا لا يتلاءم مع طبيعة العلاقات الاجتماعية السليمة.

ومن جانب أخر، فان غاية السكينة الاجتماعية تفرض بطبيعتها ضرورة التوفيق بين المصالح المتعارضة.

ذلك ان من المهم جدا والضروري للغاية تنظيم تلك المصالح المتعارضة حتى لا تعم الفوضى ويهدر السكون الاجتماعي إذا ما ترك لكل إنسان مطلق الحرية في تحقيق رغباته وفقا لمشيئته او وفق ما يعتقد او يظن انه حقا وعدلا.

فالقانون يتولى التوفيق بين المصالح المتعارضة مع مراعاة الإبقاء على اكبر مجال لحرية الفرد والجماعة، ويمكن ان يضحي القانون بالمصالح الخاصة حماية للمصلحة العامة، إلا ان ذلك لا يكون إلا إذا لم يكن هناك سبيل آخر لحماية المصلحة العامة يمكن ان يبقي على المصلحة الخاصة دون ان يمسها، وان لا تؤدي تلك التضحية الى إعاقة قوى الانسان الخلاقة او تكبيلها بالقيود التي تحد من انطلاقها.

فلا يمكن تحت اية تبريرات مثلا حرمان الناس من حق التعبير وحرية نشر الفكر والرأي والعقيدة في الظروف الطبيعية بزعم انها تتعارض مع المصلحة العام، ولو قاد المنطق المجرد الى هذه النتيجة. وهذا يعني ان هناك مصالح خاصة لا يمكن هدرها وان بدا ظاهراً انها تتعارض مع المصلحة العامة.

وتعتبر مسألة تنظيم المصالح المتعارضة من أهم الاعتبارات التي يجب ان يراعيها واضع القانون، لان القانون الذي تختل فيه حماية المصالح ويبدو فيه التحيز واضحاً وغير مبرر لفئة او طبقة من المجتمع من أهم عوامل عدم الاستقرار وفقدان الأمن الاجتماعي وسبباً للانتفاضات الشعبية والثورات عبر التاريخ .(7)

ولكن ماهي معايير تقييم المصالح وما هي بالتالي الأولويات التي يجب ان يراعيها المشرع وهو بصدد تنظيم المصالح المتعارضة ؟

ان معيار المصلحة العامة في الدول الديمقراطية يبدو أكثر انضباطاً لسببين أولهما شيوع الفكر الفردي البراكماتي وثانيها ان القانون يصدر عن هيئة منتخبة هي البرلمان.

ويضع الفقيه روسكو باوند معياراً عملياً عاماً هو وجوب اشتمال الحل على اكبر قدر من المصالح بأقل تضحية ممكنة، ويوضح روسكو فكرته بأن اعتماد هذا المعيار لا يعني ان جميع المصالح يمكن النظر إليها على انها في مستوى واحد او انها لا تخضع للمعايرة من حيث ترتيب الأهمية، ومن بين أول الحقوق التي يجب ان يتمتع بها الأفراد والتي تكون حافزاً للمشاركة في النشاطات الاجتماعية هو الحق في الاستقرار والآمان من العدوان الداخلي والخارجي، وحماية الصحة العامة وحماية الأسرة وحماية المؤسسات العامة وحماية الآداب العامة والاهتمام بحياة الفرد وحقه في العيش بمستوى لائق يتناسب مع المستوى الاجتماعي العام السائد.(8)

والأفكار العظيمة لا تكفي لوحدها بل ينبغي ان تكون وسائل تنفيذها ملائمة وان لا توقع صدمة في مشاعر أبناء المجتمع نتيجة انهيار القيم المفاجئ، ذلك ان للبشر عداء تاريخي وحذر دائم من التغييرات المفاجئة.

تطبيقات فكرة الأمن الاجتماعي:

قد يبدو غريباً للكثيرين ان النظام القانوني يتبنى انظمة تجافي منطق العدالة بوضوح، ولكن ذلك يأتي من المشرع بقصد بناءاً على غاية تغياها وهي تحقيق امن واستقرر المعاملات بعد ان ارتأى تقديمها في تلك الأحوال على اعتبارات العدالة، ومن ذلك الاعتراف بالحقوق المكتسبة التي مضت عليها فترة محددة من الزمن ولو كان أصلها غير مشروع وتحديد مدد الطعن بالأحكام أمام محكمة الاستئناف او التمييز بموجب القوانين الإجرائية بمدد قصيرة نسبياً وكذلك مدد الطعن بالقرارات الإدارية فأن مرت تلك المدد يرد الطعن او ترد الدعوى شكلاً بغض النظر عن صحة الحكم او القرار او خطأه او مخالفته للقانون. ومن ذلك أيضا نظام التقادم المسقط في الالتزامات، والتقادم المكسب في العقارات والمنقولات كأثر من أثار الحيازة.

أولا ـ الحق المكتسب: يرتبط الحق المكتسب بمبدأ عدم رجعية القانون للماضي ومبدأ امن وسكينة المجتمع برابطة وثيقة وهما اللذان يوفران له الأساس القانوني للحماية وتقوم فكرة الحقوق المكتسبة في الغالب على أساس حق سواء كان مصدره مشروعاً او غير مشروع عند نشأته ولكنه يتحول إلى حق مشروع بفعل عامل الزمن في الغالب تطبيقاً لمبدأ قانوني كلي هو مبدأ استقرار المعاملات وامن المجتمع الذي يتقدم عند التعارض على مبدأ العدل القانوني والحق الطبيعي.

فقد ينشأ الحق المكتسب من واقعة مادية تتضمن معنى التعدي والبطلان في عرف القانون أصلاً، كوضع اليد على ملك الغير واكتساب ملكيته بمرور الزمان المكسب للملكية أي بالتقادم .

وقد ينشأ الحق المكتسب بسبب تغير الشرائع او القوانين او تعديلها، كأن يوجد الحق في ظل قانون يعترف به ويحميه ثم يصدر لاحقا، ومهما طال الزمن، قانون أخر لا يعترف بهذا الحق وينتزع منه الحماية، الا ان الحق القديم باق ولا يمسه التغيير .

فلو تعين شخص في وظيفة معينة في ظل قانون لا يشترط حصول المتقدم للتعيين على شهادة جامعية، ثم صدر لا حقا قانون يشترط توفر شهادة جامعية لشغل هذه الوظيفة، فان وضع هذا الموظف الوظيفي لا يتأثر البتة، لان حقاً مكتسبا قد نشأ له في ظل القانون الملغي، ويوفر له مبدأ عدم رجعية القانون على الماضي الحماية

وفي إطار القرارات الإدارية لا يستطيع من تعرض لقرار جائر ان يطعن به الا خلال مدد محددة وبخلافه يسقط حقه بالطعن، ومقابل ذلك لا تستطيع الإدارة ان تلغي قراراتها غير المشروعة التي تولدت عنها حقوق مكتسبة للآخرين الا خلال المدد المحددة للطعن القضائي، لأنه بفوات المدة ليس للقاضي ان يلغي قراراً إداريا ولو كان غير مشروع ومن باب أولى ان لا يكون للإدارة ما ليس للقضاء، ذلك ان حقا مكتسبا ينشأ منها ولو صدرت معيبة بعيب من عيوب القرار الإداري.

وفي إطار الأحكام القضائية فان اكتساب الحكم الدرجة القطعية سواء بعد الطعن به تمييزاً او بسبب فوات مدة الطعن يولد حقاً مكتسباً لمن صدر الحكم لصالحه ولو تبين فيما بعد انه لم يكن على حق فيما كسبه او ولو توفرت أدلة جديدة ضده إذا كان متهماً بقضية جزائية، فلو اتهم شخص بجريمة قتل ثم حكمت المحكمة ببراءته واكتسب الحكم الدرجة القطعية، ثم ظهرت بعد ذلك أدلة جديدة تدينه فلا سبيل لإعادة محاكمته (9)، وقد استثنت المادة 303 منه حالة تغير الوصف القانوني للجريمة،  لان البراءة حق مكتسب ولا سبيل لإعادة المحاكمة إلا في حالات محددة على سبيل الحصر،

والحكمة من الاعتراف بالحق المكتسب ومبدأ عدم الرجعية هو الحفاظ على امن واستقرار المعاملات التي يمكن ان يتسبب المساس بها في أزمة اجتماعية.

ثانياـ نظام الحيازة والتقادم المكسب:

الحيازة، سلطة واقعية يمارسها من وضع يده على شيء بحيث يظهر بمظهر صاحب حق عيني عليه كالمالك وبقصد مزاولة ذلك الحق، وان لم تستند هذه السلطة الى حق يعترف به القانون.

والحائز للشي قد يكون صاحب الحق فيه، وقد لا يكون كذلك، فان وجود الحق ليس لازماً لوجود الحيازة . فالغاصب او من يعتقد انه صاحب الحق يعتبر حائزاً مادام يمارس على الشيء سلطة فعلية، ظاهراً عليه بمظهر المالك او صاحب حق عيني اخر.

وتقوم الحيازة على عنصرين، مادي ومعنوي:

يتكون العنصر المادي من مجموعة الأعمال المادية التي يباشرها الحائز وتظهره بمظهر صاحب عيني كالمالك، فان كان حاز منزلاً سكنه، وان كانت أرضا زراعية باشر زراعتها وان كانت ارض سكنية باشر البناء عليها، ويجب لصحة الحيازة، ان تنطوي هذه الأعمال على معنى التعدي، فان كانت تلك الأعمال برخصة من المالك او القانون فلا يتحقق الركن المادي للحيازة ولا يكسب الحائز الملكية او الحق العيني على الشيء مهما طال الزمن، إلا إذا انقلب معتدياً وعندها تحتسب المدة من هذا الوقت . وفي هذا نصت المادة (1145 /2) مدني عراقي على انه (ولا تقوم الحيازة على عمل يأتيه الشخص على انه مجرد إباحة...) .

أما العنصر المعنوي فيقصد به ان تتوفر لدى الحائز نية استعمال الشئ الذي يحوزه كصاحب حق عيني كالمالك.

وعليه لا يعتبر الحائز العرضي حائزاً بالمعنى القانوني كالمستأجر والمستعير والوديع والولي والتابع والناقل لعدم ظهورهم بمظهر صاحب حق عيني إلا إذا تغيرت صفة حيازتهم للشيء بأن أنكروا حق المالك واستأثروا بالشيء لأنفسهم .

وهكذا يتمتع المعتدي، او الغاصب ...، بالحماية القانونية التي يوفرها نظام الحيازة ويعتبرهم أصحاب الحق العيني على الشيء الذي في حيازتهم، وعلى من يدعي انه صاحب الحق عبأ الإثبات قبل انتهاء مدة التقادم، فان مرت مدة التقادم المقررة قانوناً وتحققت شروط التقادم اكتسب المعتدي الحق بالتقادم.

يتضح مما تقدم ان الملكية سلطة قانونية، أما الحيازة فهي سلطة واقعية فعلية .

ثالثاًـ التقادم المسقط

التقادم المسقط عبارة عن مضي مدة معينة على استحقا الدين دون ان يطالب به الدائن، فيترتب على ذلك سقوط حقه في المطالبة إذا تمسك بالتقادم من له مصلحة فيه. وحكمة تبني التقادم المسقط هي استقرار المعاملات.

فلا يمكن من الناحية العملية ان يوفر القانون الحماية الى الدائن الى اجل غير مسمى، والقانون يفترض ان سكوته عن المطالبة مدة طويلة دلالة على انه استوفى حقه او انه قد نزل عنه للمدين، او ان المدين شخص مهمل فتكون رعاية المدين أولى . فليس من المقبول من ناحية استقرار المعاملات ان يسمح للدائن او ورثته بمطالبة المدين بعد مرور عدة أجيال.

وتبنى فكرة التقادم المسقط على أساس مزدوج يستند الى مراعاة فكرتي الصالح العام والصالح الخاص، وترتيباً على فكرة الصالح العام ومبناها عدم نظر المنازعات التي تقادم عليها العهد لتعذر الفصل فيها، لا يجوز النزول عن التقادم قبل ثبوت الحق فيه، ومن ثم لا يمكن للدائن ان يشترط مقدما تنازل المدين عن حقه بالدفع بالتقادم .ً وترتيباً على فكرة الصالح الخاص ومبناها قرينة الوفاء، لا يقع التقادم بقوة القانون، بل يجب ان يتمسك به من له مصلحة فيه .

وقد تبنى المشرع العراقي نظام التقادم المسقط في المادة (429) التي نصت على انه (الدعوى بالالتزام اياً كان سببه لا تسمع على المنكر بعد تركها من غير عذر شرعي خمس عشرة سنة مع مراعاة ما ورد فيه من أحكام خاصة) (13).

رابعاـ الغلط الشائع يقوم مقام القانون، مبدأ قانوني مهم وراسخ تاريخياً، متفرع من نظرية الأوضاع الظاهرة، التي تستند الى مبدأ امن واستقرار المعاملات في المجتمع، فإذا شاعت فكرة مغلوطة بين الناس وترتب عليها نشوء قواعد سار عليها افراد المجتمع ونظموا شؤونهم ومصالحهم على أساسها فإنها تصبح كالقاعدة القانونية، فان جاء احدهم وخرج على تلك القاعدة، استحق الجزاء المترتب على مخالفة القانون ولا يقبل منه احتجاجه بانها قاعدة مغلوطة. ومن تطبيقات ذلك ما نصت عليه المادة (384) مدني عراقي، من اعتبار الوفاء للدائن الظاهر مبرئاً لذمة المدين، واعتبار تصرفات الوارث الظاهر صحيحة ونافذة في مواجهة الوارث الحقيقي، فإذا وضع شخص يده على تركة متوفي باعتباره وارثاً وتصرف بأموال التركة للآخرين حسني النية، ثم تبين انه ليس بوارث، في هذه الحالة تبقى التصرفات التي أجراها صحيحة ولكن حقوقها تنتقل الى الوارث الحقيقي، ومن تطبيقات حماية الوضع الظاهر قاعدة (الحيازة في المنقول سند الملكية).

وهناك أمثلة عديدة أخرى في النظام القانوني ترجع في أصلها الى غاية السكينة الاجتماعية مثل نظرية الأوضاع الظاهرة واغلب قواعد الإجراءات والإثبات وقواعد تقادم الجريمة والعقوبة بالنسبة للقوانين التي تأخذ بها، وهناك قواعد ذات طبيعة جنائية مثل قاعدة لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، وهناك قواعد قانونية ذات طبيعة سياسية مثل قاعدة مصلحة الدولة فوق القانون.

ان غاية الامن والاستقرار تبنى على أساس الأوضاع الظاهرة التي تجسد الحقيقة القانونية، والوضع الظاهر قد يتطابق مع الحقيقة الحقة او الواقعية او لا يتطابق. والحقيقة القانونية هي المعترف بها ابتداءاً مالم يقم الدليل على خلاف ذلك.

والأمثلة المتقدمة وغيرها بما فيها من خروج واضح على قواعد العدالة، فقد تبنتها الأنظمة القانونية الحديثة جميعاً لانها انظمة تحفظ للمجتمع سكينته وأمنه الاجتماعي واستقراره.

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية

حين يتحول المنبر الى منصة تعبئة، ويتحول الواعظ الى محرض،و يتحول الخطاب الديني الى معول لهدم المشترك الانساني. ويغدو الدين وقودا لمشاعر الخوف والكراهية، نكون امام سقوط اخلاقي لا لبس فيه. ما قاله هذا الكائن وما يحمله كلامه من ايحاء تحريضي ضد المسيحيين، ليس مجرد زلة لسان، بل عرض لمرض اعمق، مرض تحويل الدين من افق روحي جامع الى سلاح رمزي يشهر في وجه المختلف.

اخطر ما في هذا النوع من الخطاب انه يتكئ على عاطفة دينية مشروعة ليزرع في وجدان الناس شعورا زائفا بالصراع. يوهم البسطاء بان التعايش خصم، وان الوجود المشترك تهديد، وان الاختلاف الديني معركة صفرية. وهنا تكمن الكارثة، حين يختزل الوطن في طائفة، ويختزل الايمان في اقصاء.

اي تصور هذا الذي يجعل بناء دار عبادة فعلا عدائيا؟ واي فقه هذا الذي يرى في التعدد خطرا لا ثراء؟

ان الفلسفة، منذ سقراط وحتى فلاسفة التنوير، علمتنا ان الحقيقة لا تخاف الحوار، وان الايمان الذي يرتعد من وجود الاخر هو ايمان لم يطمئن بعد الى ذاته. فالقوة لا تقاس بالغاء المختلف، بل بالقدرة على العيش معه دون خوف.

التحريض على الاقصاء ليس دفاعا عن الدين، بل اساءة اليه، لان الدين في جوهره الاخلاقي وعد بالعدل لا تفويض بالكراهية. وكل خطاب يشعل نار الشك بين ابناء الوطن الواحد انما ينسف اسس السلم الاهلي باسم قداسة موهومة.

وحين نتامل هذا النوع من الأطروحات لا نستطيع فصله عن سياق اوسع، خطاب تقليدي لم يراجع ادواته، ومناهج مفخخه، ومنابر تستسهل دغدغة العاطفه بدلا من اعمال العقل. فيتحول الوعي الجمعي الى ساحة تعبئة لا الى فضاء تفكير.

الحقيقة الفلسفية ابسط واعمق، الاخر ليس مشروع خصومة، بل شرط اكتمال المعنى الانساني. والتعدد ليس صدعا في الجدار، بل هو النسيج ذاته.

ان الاعتداء على المسيحي، لفظا او فعلا، ليس انتهاكا لحق فردي فحسب، بل اعتداء على مفهوم المواطنة ذاته، وعلى فكرة الدولة الحديثة، وعلى الضمير الاخلاقي الذي يفترض ان يسمو فوق الانتماءات الضيقة.

واذا كان البعض يتوهم ان حماية الهوية تكون باقصاء المختلف، فان التاريخ يعلمنا العكس، المجتمعات التي ضاقت بتنوعها انكمشت، والتي احترمت تعددها ازدهرت. الحضارة لا تبنى على انقاض الكراهية، بل على جسور الاعتراف المتبادل.

ان المجتمع الذي لا يواجه هذا الخطاب بحزم اخلاقي وفكري، انما يتواطأ معه بصمته. والصمت هنا ليس حيادا، بل مشاركة غير معلنة في صناعة الشقاق. فالكلمات التي لا تجد من يردعها، تتحول الى افعال، والافعال حين تتكرر تصير واقعا.

لسنا امام خلاف فقهي، بل امام ازمة وعي. ازمة عقل لم يتدرب على قبول التنوع. عقل يحتكر الحقيقه المطلقه ويتوهم ان الآخر باطل، ازمة خطاب لم يراجع نفسه، فاستمر في انتاج صورة الاخر كتهديد دائم... ازمة تعليم لم يغرس في الاجيال معنى التنوع بوصفه ثراء لا خطرا.

اما الدين الذي يستدعى لتبرير الانغلاق، فهو اول الضحايا. لانه حين يفقد بعده الاخلاقي، ويتحول الى اداة فرز، يفقد روحه. وحين يفقد الوطن قدرته على احتضان جميع ابنائه، يفقد معناه.

ذهنية كاملة تحتاج الى مراجعة جذرية. مراجعة تعيد تعريف الايمان بوصفه التزاما اخلاقيا قبل ان يكون هوية، وتعريف الوطن بوصفه عقدا مشتركا لا ملكية خاصة.

لسنا في حاجة الى اصوات تصرخ في وجه التعدد، بل الى عقول تجرؤ على مراجعه أفكارها بروح نقدية، تعيد للدين افقه الاخلاقي، وللوطن معناه الجامع.

كلنا ابناء هذا التراب. نصلي بطرق مختلفة، لكننا نحلم بالامان ذاته، ونخاف على الوطن ذاته، ونستحق الكرامة ذاتها. هذه ليست كلمات عابرة، بل دعوة الى يقظة اخلاقية، ان نعيد اكتشاف جوهر الفلسفة في حياتنا اليومية، لا بوصفها تنظيرا نخبويا، بل ممارسة للعدل، وللاحترام، ولحب من يختلف عنا.

وحده هذا الطريق يخرجنا من ظلام التحريض، الى نور لا ينطفئ بالعصبية، ولا تطفئه اصوات تظن ان الله يحتاج الى من يدافع عنه بالكراهية.

وحدها الشجاعة الفكرية قادرة على كسر هذا النسق، شجاعة تقول بوضوح ان التحريض خطيئة اخلاقية، مهما تلحف بعباءة الدين. وان الدفاع الحقيقي عن العقيدة لا يكون باقصاء المختلف، بل بترسيخ العدل، واحترام الانسان، اي انسان

كلنا بشر قبل ان نكون طوائف، وكلنا نحمل في قلوبنا الخوف ذاته والرجاء ذاته. نختلف في صلواتنا، في طقوسنا، في مفردات ايماننا، لكن يجمعنا احتياج واحد الى الامان، والعدل، والكرامة.

كلنا ابناء هذا الوطن، تربطنا شوارعه وذكرياته واحلام ابنائنا. يجمعنا الخبز ذاته، والهواء ذاته، والقلق ذاته على غد افضل. لا احد يملك وطنا بمفرده، ولا احد يختزل الله في جماعته. الوطن يتسع لنا جميعا، والايمان يسمو بنا جميعا حين يتحرر من الكراهية. فلنجعل ما يجمعنا اقوى مما يفرقنا، وما يوحد ضمائرنا اعمق من كل خطاب عابر. لان الانسان، في جوهره، لا يكتمل الا بالإنسان.

***

ابتهال عبد الوهاب

مبادرة أممية للرقمنة الجغرافية بمواجهة الإهانة المكانية

(المستوى الدولي والعربي والعراقي)

***

أنسنة التكنولوجيا تعني؛ تصميم وتطوير الأنظمة الرقمية كأنظمة المعلومات الجغرافية والمدن الذكية والإدارة الإلكترونية، لإعطاء الأولوية لـرفاهية الإنسان بدلاً من تكيفه مع الآلة، مع مراعاة الاعتبارات الأخلاقية بدمج القيم الإنسانية مثل؛ الخصوصية والعدالة والشمولية في صلب الخوارزميات. اما توطينها فتعني؛ غرس التكنولوجيا في البيئة المحلية لتصبح جزءاً من النسيج الاقتصادي والثقافي للإنسان وجعلها أكثر انتماءً لبيئته وهويته. وعليه فأن فلسفة أنسنة التكنولوجيا وتوطينها تتمثل بكونها؛ إطاراً جيومعلوماتياً معاصراً لمواجهة - الإهانة المكانية - في سياق التحولات الرقمية والبيئية والجيواقتصادية العالمية. ان حل المشكلات الكونية يتطلب؛ تحديث العقل الجغرافي ليواكب الثورة التكنولوجية بالانتقال من التوصيف إلى الاستشراف عبر؛ بقاء التفكير المكاني عنصراً فاعلاً، وتوظيف البيانات الضخمة ونظم المعلومات الجغرافية والذكاء الاصطناعي.

الركائز الاستراتيجية للجيومعلوماتية:

1. الجغرافيا محرك سيادي، اذ أن قياس الأرض التي تشغلها الدولة لم يعد بالمساحة الكيلومترية فقط وإنما بـالمساحة الرقمية/ الاستقلال الجغرافي الرقمي، اذ أن السيادة الوطنية في العصر الحديث تعتمد على؛ مدى قدرة الدولة على امتلاك ناصية البيانات المكانية وتحليلها لأن المكان كياناً او منظومة ذكية تُدار عبر البيانات والخوارزميات، وأن أي اختلال معرفي أو أخلاقي في إدارة هذه المنظومة يفضي إلى التهميش المكاني والإنساني.

2. فلسفة العبور القاري للمعرفة، حيث تعكس ذهنية البرمجة (الجيومعلوماتية الاستشرافية) لمستقبل كوكب الأرض رؤية عابرة للحدود، وذلك بطرح رؤى جديدة محدثة مثل؛ مسارات طرق التجارة الدولية، كممر القناة الجافة عبر العرق ’’مجيد ملوك السامرائي 2023’’ لمبادرة الحزام والطريق، والممرات الجيواقتصادية الاحدث كتلك العابرة للقطب الشمالي، ولابد من الاستثمار الاقتصادي لهذه الممرات كـعقدة اتصال ذكية في شبكة العولمة وليس مجرد ممرات جغرافية صامته.

3. أنسنة الخوارزميات، بمعنى تبني رؤية فلسفية تحذر من طغيان الآلة على الفكر الإنساني، لأن النمذجة الرقمية مثل نمذجة النمو الحضري والتغيّر المناخي؛ وسيلة لخدمة الإنسان ورفاهيته. وهناك ضرورة لوجود أخلاقيات رقمية بعدم إساءة استخدام المعلومات أو الخوارزميات، والتحكم بالتطور التكنولوجي لضمان عدم التحول بتطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى أداة للهيمنة في الجغرافيا الرقمية القائمة على دمج التحليل المكاني مع التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، لدراسة العلاقات المكانية والأنماط والتحولات الجغرافية المعاصرة.

4. التنمية المستدامة برؤية جيو- تقنية؛ فلسفة تقوم على مبدأ (لا يمكن إدارة ما لا يمكن قياسه رقمياً)، فعملية الربط بين البيئة واستحداثات التكنولوجيا تقود الى إيجاد حلول؛ للتصحر ولأزمات المياه وللتغير المناخي، وهذه تكمن في الاستشعار الذكي لتحليل البيانات البيئية أو المكانية لحظيًا، ثم وضع الحلول المستندة إلى البيانات الضخمة.

5. الدور المستقبلي للباحث العلمي الأكاديمي كبيرا بالاستشراف وليس بالتوصيف، وفلسفة ذلك تحتم على الباحث أن يكون راداراً يرصد التحولات قبل وقوعها، وهو ما يفسر تركيزه المستمر على مفاهيم مثل؛ المستقبليات، وتكنولوجيا المعلومات الجغرافية كأدوات حتمية للارتقاء العلمي.

6. هندسة المستقبل بمعنى تجاوز الدور الوصفي للجغرافي بالتحول إلى؛ دور مهندس استراتيجي يعيد رسم خرائط النفوذ العالمي بناءً على تقنيات المعلومات والجيوبوليتيك الرقمي.

7. التجسير المعرفي بالتحول لجسرً حيوي يربط بين الأكاديمية الرصينة بصرامتها المنهجية، وبين التقنيات الحديثة بمرونتها الفائقة، مما يجعل من النتاج العلمي مرجعاً لمن يبحث عن أنسنة التكنولوجيا وتوطينها لمواجهة الإهانة المكانية وخدمة التنمية المستدامة.

8. السيادة الرقمية بوضع تشريعات تحكم الفضاء الرقمي الوطني، والانتقال من مرحلة استهلاك الحلول الجاهزة إلى مرحلة؛ النمذجة والابتكار تعضيدا لمفهوم الاستقلال المعلوماتي واستشرافا ذكيا لمستقبل القوة، ودعوة لصناعة واقع يتحدث لغة العصر بلسانٍ واثق ومنهجية عالمية لضمان موقع ريادي في حل المشكلات الكونية.

المحاور الرئيسية للمبادرة:

1. تعد الإهانة المكانية شكلاً من أشكال قطع العلاقة بين الإنسان والمكان، وتتجلى آثارها في؛ تدهور البيئة والهجرة القسرية والتفاوت التنموي، وتفضي الى قطع الروابط التي تجمع المنظومة الشمولية للحياة، حيث يظهر تأثيرها العالمي في صورة حروب وهجرات غير شرعية وتراجع حضاري، وعلية فأنها قوة تدميرية للمجال الجغرافي - الإنساني.

2. يتمثل التأثير العالمي للإهانة المكانية بإهمال البيئة كالتلوث والتصحر الناتج عن الحروب، وهذا نوع من الإهانة المكانية لأنها تتسبب بنزاعات وصراعات دولية واسعة النطاق، والتي تؤثر بدورها على مستوى الأمن الغذائي العالمي، وهكذا فأن إهانة الإنسان ترتبط بإهانة الأرض.

3. تؤدي الإهانة المكانية لاتساع فجوة التنمية، اذ ان كرامة الإنسان هي المحرك الأساسي للإبداع عالمياً، وعندما تتعرض الشعوب بكل مستوياتها أو بعض فئاتها للإهانة أو التهميش فإن ذلك يؤدي إلى تعطيل الطاقات وهجرة العقول، وهذا يقود لاتساع مستويات فجوة التنمية بين الدول المتقدمة والنامية وعائقا للتنمية المستدامة.

4. تأتي الإهانة المكانية العابرة للقارات بفعل الخوارزميات المنحازة في عصر الذكاء الاصطناعي، والتي تعني التعلم الألي الذي يؤدي الى نتائج غير دقيقة مثل؛ أنظمة التعرف على الوجوه او الانحياز لمنتج معين او انحياز نظام القروض بالضد من بعض الفئات، وهذا يقود الى التمييز بين البشر أو إهانتهم، وبروز طبقية رقمية عالمية تهدد السلم الاجتماعي، حيث تصبح الإهانة عابرة للقارات وفورية التأثير.

5. تؤكد المبادرة الأممية للرقمنة الجغرافية على وحدة المعرفة، حيث تتداخل العلوم الصرفة مع العلوم الإنسانية لخدمة هدف أسمى وهو؛ تحسين جودة الحياة على كوكب الأرض بفلسفة شمولية لمواجهة الإهانة المكانية/ التهميش وتداعياتها والتي تبرز كإحدى الإشكاليات الناتجة عن سوء توظيف التكنولوجيا، وغياب البعد الإنساني طبقا لما تقدم.

6. الفلسفة العلمية للمبادرة بمواجهة ثقافة الإهانة عالمياً؛ تتجسد بالتواصل العلمي الرصين، لذلك لابد من تعزيز قيمة البحث العلمي وتقديره، وتعد المنصات العلمية الحصن الذي يحمي كرامة العلم والعلماء، ويعيد صياغة التأثير العلمي العالمي لمواجهة ثقافة الإهانة.

فلسفة المبادرة الأممية للرقمنة الجغرافية ومشروعها:

المبادرة نموذجٌ مفاهيميّ توضيحيّ لأنسنة التكنولوجيا وتوطينها، وهي مبادرة علمية – فكرية رائدة تتجلى في فلسفة شمولية تقوم على وحدة المعرفة، من خلال دمج العلوم الإنسانية والطبيعية والتقنيات الرقمية، والربط المحكم بين المكان والإنسان والتكنولوجيا بوصفها كتلةً واحدةً لا تتجزأ. وفلسفة المبادرة ليست مجرد نظريات أكاديمية، بل بيانٌ فكريّ يسعى إلى تحرير الجغرافيا من قوالبها الكلاسيكية وإعادة تعريف دورها في عصر التحول الرقمي.

تنطلق الرؤية الشاملة للمبادرة من إيمانٍ عميق بأن المكان لم يعد حيزاً فيزيائياً صامتاً، بل أصبح كياناً ذكياً يُدار عبر تدفقات البيانات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي. ويرتكز مشروعها على رؤية تكاملية تعتبر الجغرافيا نظامَ حياةٍ متكاملاً، من خلال فهم العلاقات المركبة بين الإنسان والمكان والتكنولوجيا، واستشراف مستقبل هذه العلاقات في ظل التحولات المناخية والاقتصادية والرقمية المتسارعة.

وتُعدّ المبادرة دعوةً إلى ثورة فكرية شاملة تستهدف الانتقال من ذهنية حفظ الخصائص الجغرافية إلى ذهنية (الجيومعلوماتية الاستشرافية) القادرة على برمجة مستقبل كوكب الأرض. كما تهدف إلى تحقيق تنمية مستدامة قائمة على حوكمة الموارد، عبر إدارة الموارد الطبيعية والبشرية بكفاءة وعدالة واستدامة. وتسعى إلى تحويل المعلومات المكانية إلى صيغ رقمية قابلة للتحليل والمعالجة باستخدام التقنيات الرقمية الحديثة، فضلاً عن ترسيخ العدالة المكانية في إطار التنمية المستدامة، ومواجهة مظاهر الإهانة المكانية، وصون كرامة الإنسان في المجال الجغرافي.

المستوى الدولي لأنسنة التكنولوجيا وتوطينها 2025

بهدف مقارنة مدى نضج البنى التكنولوجية يتم استخدام (مؤشرات عالمية) تقارب مفهوم مستوى أنسنة التكنولوجيا وتوطينها، ومبنية على تصنيف البلدان وفقا لعدد المؤشرات المتصدرة فيها، مع انها لا تمثل درجات رسمية منشورة. وهي؛ مؤشر (الابتكار العالمي) لقياس بنية التقنية الوطنية الشاملة، ومؤشر (جاهزية التكنولوجيا المكانية) لقياس قدرة الدول على استخدام البيانات والمعلومات المكانية، ومؤشر (التكنولوجيا المكانية) لقياس المستوى التقريبي المتحقق من الأنظمة والتكنولوجيا المساندة للمجتمع.

استنادا الى المنظمة العالمية للملكية الفكرية WIPO فأن؛ مستوى أنسنة التكنولوجيا وتوطينها عالميا وللدول الـعشرة الأوائل تصدرته سويسرا بالمرتبة الأولى، ثم السويد، الولايات المتحدة الأمريكية، كوريا الجنوبية، سنغافورة، بريطانيا، فنلندا، هولندا، الدنمارك، والصين. اما الترتيب النسبي للدول العربية الـعشرة الأوائل لمستوى أنسنة التكنولوجيا وتوطينها فقد تصدرت الإمارات العربية المتحدة المرتبة الأولى، ثم المملكة العربية السعودية، قطر، البحرين، المغرب، الأردن، عُمان، مصر، تونس، والعراق. وتشير المقارنة العربية إلى أن مستوى أنسنة التكنولوجيا وتوطينها يتراوح بين؛ المستوى المرتفع جدًا في دول الخليج، والمستوى المتوسط في دول ذات بنى بشرية جيدة لكنها محدودة الموارد، والمستوى المنخفض في دول تعاني اختلالًا مؤسساتيًا ومكانيًا. اما مرتبة العراق فأنها متأخرة نسبيًا. وهذا يتطلب من للدول العربية معالجة جادة لأنسنة التكنولوجيا وتوطينها عبر توظيف البيانات الضخمة، والتخطيط الذكي، والحوكمة الرقمية.

هكذا يتضح مسار أنسنة التكنولوجيا وتوطينها؛ (الاخلاقيات الرقمية للتكنولوجيا + البيانات الجيومكانية/ الخرائط الرقمية والمرئيات الفضائية (المكان/ التوطين) (السيادة الرقمية) تقنيات الذكاء الاصطناعي  التنمية لمستدامة). وأن أنسنة التكنولوجيا وتوطينها تشكل مدخلاً استراتيجياً لتحقيق التوازن بين التقدم التقني والقيم الإنسانية، وتمثل الجغرافيا الرقمية أداة فاعلة لمواجهة الإهانة المكانية وخدمة التنمية المستدامة.

***

مجيد ملوك السامرائي – كاتب أكاديمي

.........................

المراجع:

1. الجغـرافية، المكان والانسان والزمان، مـجــيد ملــوك السامــرائي، دار اليازوري، عمان، 2023.

2. United Nations Department of Economic and Social Affairs (UN DESA) E-Government Survey 2024

3. الجغرافية والمتغيرات الدولية الجيوسياسية- الاقتصادية، مـجــيد ملــوك السامــرائي، دار اليازوري، عمان ،2023.

4. Global Innovation Index 2024–2025: Innovation in the Face of  Uncertainty Geneva: WIPO، 2025

 

"رب معصية اورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة اورثت عزا واستكبارا"

بهذه العبارة المكثفة يلخص ابو حامد الغزالي واحدة من ادق افكاره الاخلاقية، وهي ان قيمة الفعل لا تقاس بظاهره وحده، بل بما يحدثه في النفس. فالطاعة ليست نجاة بذاتها، كما ان المعصية ليست هلاكا بذاتها. انما النجاة والهلاك يتحددان بنوع الوعي الذي يتولد عن الفعل.

هذا القول يرد في احياء علوم الدين في سياق تحذيره من العجب والغرور، حين تتحول العبادة من جسر عبودية الى حجاب خفي للانا. لم يكن الغزالي يمدح الذنب، ولا يهون من شأن الطاعة، بل كان يحارب اخطر ما قد يفسدهما معا: نرجسية التدين.

يمكن قراءة هذه الفكرة بصريا في لوحة Saint Francis in Meditation للرسام الاسباني Francisco de Zurbaran، احد ابرز وجوه الباروك الاسباني.

في هذه اللوحة لا نرى مشهدا معجزا، ولا طقسا احتفاليا، بل انسانا واقفا وحده في صمت كثيف. الضوء لا يغمر الجسد كله، بل يلامس الوجه والصدر فقط، كأن النور هنا ليس تكريما، بل مساءلة. العينان مرفوعتان، لا في نشوة يقين مكتمل، بل في يقظة داخلية. الجسد مستقيم، واليدان مطويتان، والثوب خشن بسيط. في الوقفة انكسار، وفيها ايضا ثبات.

هنا تلتقي اللوحة مع حكمة الغزالي عند نقطة دقيقة: المسألة ليست الطاعة ولا المعصية، بل العلاقة التي يبنيها الانسان مع نفسه من خلالهما.

الطاعة التي تولد شعورا بالاستحقاق والتميز تتحول الى حجاب كثيف. والمعصية التي توقظ وعيا بالافتقار قد تصبح بداية مراجعة. لكن الانكسار عند الغزالي ليس غاية في ذاته، بل لحظة تفكيك للانا المتضخمة. هو هدم لما فسد تمهيدا لبناء اصدق. فالهدف ليس ان يبقى الانسان منكسرًا، بل ان يخرج من انكساره اكثر اتزانا واقل ادعاء.

وهذا المعنى نجده بوضوح في حكم ابن عطاء الله السكندري حيث يقول: ربما فتح لك باب الطاعة وما فتح لك باب القبول. وفي قوله المشهور: معصية اورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة اورثت عزا واستكبارا.

غير ان ابن عطاء الله، كالغزالي، لم يكن يمجد الذنب، بل كان يهدم وهم السيطرة، وهم ان الانسان يملك خلاصه او يقيم عمله او يستحق قربه. الانكسار هنا ليس حالة نفسية سلبية، بل ولادة ضمير. انه انتقال من التدين بوصفه طقسا الى التدين بوصفه محاسبة ذات.

من هذا المنظور، لا تبدو لوحة زورباران صورة راهب منكسر فحسب، بل صورة انسان يراقب نفسه. ليس امامنا عابد مزهو، ولا عاص منهار، بل سالك في لحظة مواجهة مع ذاته. في الوقفة صلابة هادئة، وفي النظرة يقظة، وفي الضوء امتحان لا احتفال.

ليست الطاعة خطرا بذاتها، ولا المعصية فرصة بذاتها، بل الخطر ان تتحول الطاعة الى تغذية للانا، والهلاك ان يتحول الذنب الى قسوة او ياس. اما الطريق، فهو ان يتعلم الانسان كيف يرى نفسه رؤية صادقة، فلا يغتر ولا ينهار.

لهذا يصبح قول الغزالي مفتاح اللوحة الخفي: ليس الشان فيما نفعله امام الله فقط، بل فيما يفعله ذلك بنا، بشرط الا يتحول هذا الاثر الداخلي الى ذريعة لالغاء الفعل نفسه، ولا الى حالة وجدانية خالصة.

الدين، في اعمق تجلياته، ليس طقسا بلا ضمير، ولا شعورا بلا تكليف، بل توازنا دقيقا بين ظاهر يهذب وباطن يراقب.

في هذا التوازن وحده لا يعود الانكسار اقامة دائمة، بل يصبح لحظة تطهير. ولا تعود الطاعة مصدر استعلاء، بل طريقا لتواضع واع.

قد تكون دمعة ندم بداية، وقد تكون طاعة صامتة استمرارا، لكن النضج الحقيقي هو ان يخرج الانسان من كل تجربة، طاعة كانت او زلة، اكثر صدقا واقل وهما، واشد قدرة على مراقبة نفسه. وهذا هو مقام التكوين، لا مجرد الانكسار.2381 zorbaran

د احمد عابر

 

التلاشي المتوهج.. نص ميتا سريالي

أما علمتَ، يا سليل الغبار، أنَّ الحبَّ طينةٌ من سبخة "إريدو" الأولى؟ عُجنت بدمع "إنانا" حين نُحرت فوق مذبح الغياب، حيث الوجع أقدم من الذاكرة. هو "تموز" الذي قُيد في الأغلال الصدئة للعالم السفلي؛ لا ليعود بربيعٍ يغسل وجه الأرض، بل ليذوب في الصمت الأبدي، حيث لا صوتَ يُسمع في تلك الفجوات الكونية سوى حشرجة الآلهة المهجورة وهي تلفظ أنفاسها في رئتي الفراغ.

يا أيها الوالهُ في تيهِ العَمى الأرجواني، يا باحثاً عن سماءٍ فوق سماءٍ ليس لها َسلما، كفَّ عن الركض؛ إن الهوى هباءٌ تذرُوه الرياح العقيم، ونصلٌ يفتكُ بالأرواح في الغُدوِّ والرواح بلا هوادة. نظرةُ المحبوبِ، تلك التي ظننتها نجاة، ليست سوى نصلٍ من "لازورد" مغشوش، وعناقُه قبرٌ بارد في رمال "أور" المنقوشة بخرائط التيه.

تأمّل ملياً في مرآة العدم:

 قلبكُ زقورةٌ من طينٍ يابس، تهاوت تحت وطأة السنين العجاف، وعشقك لوحٌ كُسر مسمارُه الملحمي، وانطفأت في ليل العدم السحيق نارُه التي لم تدفئ أحداً. على ضفاف "الفرات" الذي جفَّ وتصحرت مآقيه قبل خلق الماء أصلاً، وقفتُ أرصدُ ظلّكِ الذي لم يُخلق، أرصدُ غيابكِ الذي هو الحضور الوحيد الذي أتقنه.

أنتِ "الإيغال" الذي سكنته الوحشة في أقاصي الوجد، وأنا الكاهن الذي نسيَ اسم الإله وسط طقوس النسيان، وراح يُرتل للصمت بلسانٍ من شمع. "يا من جئتِ من 'كور' بلا ملامح، لقد نقشتُ اسمكِ على هواءٍ متخثر، فصار الهوى هوىً يرتطم بجدران الروح، وصار الوجودُ أثراً بعد عين، ومحض خيال في عقلٍ كونيٍّ محموم".

ما الحبُّ في جوهره إلا ميتا سريالية الوجود؛ أن نركض خلف سراب "إنليل" اللاهث، ونحن نعلم يقيناً أننا محضُ طينٍ يتوق ليكون طيناً مرةً أخرى، في دورةٍ عبثية لا تنتهي. لا خلود في القُبلة، يا صاحبي، بل هي محاولةٌ بائسة، رقصة مذبوح لترميم تمثالٍ من رملٍ ينهار وسط إعصار "إنزو" الهائج. لقد انقضى العهد القديم، وجفت محابر القدر، وما بقِيَ في هذه الفلوات إلا صدى السجع في خرائب الروح المتعبة. الحبُّ هو الكذبة الجميلة، تلك الأسطورة التي اخترعها السومريون ليتحملوا ثقل السماء الزرقاء فوق رؤوسهم، بينما الحقيقة العارية هي أننا جميعاً.. محضُ عدمٍ يرتدي ثياب الحكايات.

يا من تبحث عن "أنا" المفقودة في مرايا "إنانا" المهشمة، كُفّ عن التحديق في الشظايا. الحبُّ ليس جسراً نحو الضفة الأخرى، بل هو الهاوية التي نُزين حوافها بالزهور البلاستيكية لنقنع أنفسنا بأن السقوط رحلة. نحنُ بقايا "نيبور" التي لم تُبنَ قط إلا في أحلام المجانين، وصيحاتُ كاهنٍ سكران أضاع لسانَه في حانةٍ كونيةٍ مهجورة خلف مدارات النسيان.

يا واهماً بالبقاء في دار الشقاء، اعلم أن الشوقُ داءٌ عضال وما من دواء في صيدليات الوجود. الحُبُّ سهمٌ من غيبٍ مسموم، يتركُ الصدرَ من الخواءِ مرجوماً بحجارة الندم. لا "عشتار" تُنجي من الغرق في بحار الوجد، ولا "جلجامش" نال الخلود في رحلة التيه الكبرى. الكلُّ فانٍ، والوجدُ جَانٍ، والكونُ لوحةٌ من دخانٍ تتلاشى في كفِّ ثوانٍ لا تعرف القهقري.

على شاشةٍ من العدم المحض، تظهر ملامحكِ كأنكِ "إيريشكيجال" ملكة العالم السفلي وهي تمشط شعر الظلام بأصابع من برق. الحبُّ في زمننا هذا هو ضحكةٌ صفراء وسط قداسة الرماد، وقُبلة "الأنوناكي" التي تعلن تلاحمُ كيانين يعلمان يقيناً أنَّ الروح ثقبٌ أسود يرتدي قميصاً من حرير ليخفي بشاعة الفراغ.

"نحنُ لسنا عُشاقاً كما يزعم الشعراء، نحنُ مجرد 'أخطاءٍ برمجية' في قصيدةٍ كونيةٍ كتبها إلهٌ غلبه النعاس فتاهت منه القوافي. نحنُ نحبُّ فقط لكيلا نسمع صوت تكسّر عظامنا في مطحنة الزمن التي لا تتوقف. ما الحبُّ إلا محاولةٌ يائسة لترميم جرةٍ مكسورة بماءٍ مسكوب مسبقاً. أنتَ لستَ نصفاً يبحث عن نصفه الضائع، أنتَ صفرٌ مستدير يتوهمُ أنه سيصبحُ واحداً إذا ما عانقَ صفراً آخر في زاوية معتمة من زوايا الوجود.

والآن، يا رفيق السديم، إليك "مأدبة الهذيان" الكبرى؛ حيث يجلس "نيتشه" بمطرقته التي تحطم الأوهام، و"سيوران" بسمّه الذي يقطر مرارة، على أطلال زقورة متهدمة. هناك، يرتشفان مرارة الوجود من جمجمة "تموز" المشروخة، ويتجادلان حول تلك الخديعة الكبرى التي نسميها "الحب".

يصرخ نيتشه، كاهن الرماد:

 "إن حبكم هذا ما هو إلا إرادة فاشلة! لقد اخترع السومريون 'إنانا' لأنهم لم يحتملوا رؤية وجوههم في مرآة الفراغ. الحب ليس تلاحم أرواح، بل هو محاولة بائسة من 'الإنسان الأعلى' لترويض الوحش القابع في جيناته الطينية. الحب هو 'العود الأبدي' للألم، لكنه ألمٌ يرتدي تيجان 'لازورد'. لا تطلب الشفقة من الآلهة الصماء، فالآلهة كانت تضحك بملء فيها حين رأت البشر يظنون أن قُبلةً عابرة قد تكسر قيد الزمن السرمدي...!

أما سيوران، فيقلب رماداً في كفه بنظرة فاترة كالموت، ويقول:

"نيتشه يتحدث عن القوة، وأنا أتحدث عن القذارة الأنيقة. الحب؟ إنه مجرد سوء تفاهم بيولوجي بين جثتين لم تتعفنا بعد، نكتة سمجة ترويها الطبيعة للأحياء. لماذا نكتب القصائد بالخط المسماري الوعر؟ لنوثق هزيمتنا المدوية أمام الصمت. كل نظرة حب هي مشروع 'نفي' جديد، صرخة في وجه الفراغ لا يعود منها إلا الصدى. نحن نحب لأننا لا نملك الشجاعة الكافية لنواجه السديم وحدنا. إن 'تموز' لم يهبط للعالم السفلي بحثاً عن الخلاص، بل ذهب هرباً من ضجيج العشاق الموهومين. يا للسخف.. إننا محضُ صدفةٍ بيولوجية تحاول إقناع نفسها بأنها "قصيدة عصماء".

الوجود، يا سيدي، نصٌّ سومريٌّ طويل ومعقد، لكنَّ الطين جفَّ وتشقق قبل أن تبدأ الحكاية الفعلية. المعنى ليس إلا حشرةٌ مسكينة محبوسةٌ في لوحٍ مسماري، تظنُّ بغرور أنَّ حركتها هي التي تُدير تروس الكون. الحب، هو أن تقول لشخصٍ ما في لحظة تجلٍ:

 "ساعدني على نسيان أنني لستُ موجوداً"، فيردُّ عليك ببرود: "وأنا كذلك". إننا نقتاتُ على أوهام 'بابل' ونبني أبراجها من ورق لنخفي حقيقة أننا لم نخرج قط من الثقب الأسود الذي بدأ منه كل شيء. فالحبُّ هو 'الميتافيزيقا' التي يبتكرها العبيد ليتحملوا سياط العدم المسلطة على ظهورهم.

لنتوج هذا الهذيان باستدعاء "ألبرت كامو"، بطل العبث وسيزيف العصر الحديث، ليدخل الزقورة المظلمة ببدلته الأنيقة وسيجارته التي تتحدى الريح، ليواجه مطرقة نيتشه ومرارة سيوران بابتسامة ساخرة أمام وجه "إنانا" الحجري البارد.

ينفض كامو الرماد عن معطفه، وينظر إلى سيوران بشفقة عقلانية:

 "يا أصدقائي، أنتم تُبالغون في منح العدم قيمةً درامية وكأن له قلباً. سيوران يريد الانتحار بالكلمات المنمقة، ونيتشه يريد تأليه الرغبة الجافلة، والحقيقة أبسط وأكثر سخرية من كل هذا. الحبُّ هو 'صخرة سيزيف' التي نرفعها كل يوم، لكننا في لحظة هذيان نتوهم أنها قلبٌ ينبض بالحياة. نحن نعلم أن 'إيريشكيجال' تنتظرنا في نهاية الرواق المظلم، وأن القبلة لن توقف زحف الدود في مسامه، لكن العبث الحقيقي والتمرد الأسمى هو أن نحبَّ رغم ذلك اليقين. الحب هو التمرد؛ ليس لأنه مقدس، بل لأنه فعل غير منطقي تماماً في كونٍ صامت ولا مبالٍ. نحن نحب لأن الكون جاف، ونحن نرد على هذا الجفاء بضحكةٍ مسمارية طويلة تخترق الآفاق.

نرى الآن "سيوران" وهو يحاول يائساً إطفاء سيجارة "كامو" بدموع "عشتار" الباردة التي تحجرت، بينما "نيتشه" يحاول عبثاً نحت ملامح "الإنسان الأعلى" على قطعة "همبرغر" متعفنة وجدت في أطلال بابل المنسية. الكل يضحك ضحكاً هستيرياً، والصدى يعود من عمق الأرض السومرية: "لا يوجد أحد.. لا يوجد شيء.. فقط نحن والريح".

إذن، لنستدعي "العدمي الأول"، صاحب أقدم خيبة موثقة في التاريخ. يدخل كلكامش الزقورة، لا بملامح الملك الذي قهر الوحوش، بل بهيئة التائه الذي غطاه غبار المسافات الطويلة، يجرّ خلفه خيبته الثقيلة من "أوروك" إلى أقاصي "أوتونابشتم". يضع كلكامش نعليه الممزقين اللذين طافا الأرض أمام نيتشه، ويبصق في وجه "تمرد" كامو، ثم يجلس صامتاً كجبلٍ من طينٍ معتق.

ما نفعُ مطرقتك يا نيتشه، إذا كان الموتُ هو المطرقة الوحيدة التي تحطم الرؤوس ولا تُكسر؟ وما نفعُ سجائرك يا كامو، وأنا الذي عبرتُ 'مياه الموت' الكبريتية ولم أجد سوى عجوزٍ مخرف يخبرني أن الخلود ليس إلا مرادفاً للنوم الأبدي؟ لقد أحببتُ 'أنكيدو'، لم يكن حباً 'سريالياً' منمقاً ولا 'بيولوجياً' بارداً، كان حباً طينياً خالصاً يفوح برائحة الأرض. وحين مات، رأيتُ الدود يخرج من منخره.. هناك سقطت الأقنعة وانكشف العدم عارياً. الحبُّ هو الفخ الذي نصبته الآلهة اللئيمة لنا لكيلا نلاحظ أننا مجرد 'وجبات مؤجلة' للتراب الذي نمشي عليه.

يهتف نيتشه:

 "لكنك بنيتَ أسوار أوروك العظيمة! هذا هو فعل الإنسان الأعلى".

يرد كلكامش بأسى:

 "الأسوار ستسقط يا أبله، والآجر سيعود طيناً تذروه الرياح. أنا لم أبنِ الأسوار لأخلُد، بل بنيتها لأحتمي من صرختي الداخلية التي تمزق صدري".

يهمس سيوران بانتشاء:

 "أخيراً.. رجلٌ يفهم أن الوجود هو فضيحة المادة الكبرى".

يتدخل كامو:

 "ولكن يا كلكامش، ألم تكن 'سيدوري' محقة حين قالت: كل، واشرب، وتزيّن، وحبَّ امرأتك.. هذا هو التمرد الحقيقي؟"

يجيبه كلكامش بيقين مرعب:

 "سيدوري كانت تبيع 'المورفين' الروحي للقطيع. الحبُّ تحت ظل المقصلة ليس تمرداً، إنه تخديرٌ موضعي قبل عملية الذبح الكبرى".

إنّما الوجدُ في هذا العالم وهْمٌ مسمارُه صدِئ، ونهايتُه بدْءٌ لم يبدأ وشيءٌ لم يفتدِئ إلا في خيالنا. كلكامش يمسك الآن بقلبٍ نابض بين يديه، يفتحه فيجد بداخله "ساعة رملية" تنزف دماً أسود لزجاً. نيتشه يحاول رسم "شاربٍ" لتمثال إنانا ليسخر من قدسيتها، وسيوران يكتب وصيته الأخيرة بمرارة على قطعة ثلج تذوب تحت شمس بابل المحرقة.

"نحنُ 'كلكامشيون' بالفطرة واللعنة؛ نهربُ من جثة الحبيب المتفسخة لنبحث عن خلودٍ نعلمُ يقيناً أنه وهمٌ سرابي، وفي الطريق الوعر، نخترعُ 'الحب' كأغنيةٍ نغنيها بصوتٍ عالٍ لكي لا يفتك بنا صمتُ الصحراء المطبق".

فجأة، يدخل أبو العلاء المعري الزقورة، يخطو بهدوءٍ ملائكي كأنه يطأ على الهواء لا على التربة المدنسة، يلفه وقارُ العمى وبصيرةُ العدم التي لا تخطئ. يضع عصاه الأبنوسية بين مطرقة نيتشه وصخرة كامو، ويجلس بجانب كلكامش، كأنهما شقيقان فُصلا في الرحم وجَمعهما القبر في عناق أخير. ينحني المعري قليلاً، يشتمُّ رائحة الطين المحروق، ثم يرسل صوته خفيضاً كحفيف الأفاعي في رمال بابل الذهبية.

يقول المعري، سادنُ لزومِ مالا يلزم:

 "رويدكم.. لا ترفعوا الأصوات عالياً، فما أظنُّ أديم الأرض إلا من هذه الأجساد الراحلة. يا كلكامش، لقد بصرتُ بقلبي المطفأ ما لم تبصره أنت بعينك الجاحظة في 'أوروك'. الحبُّ؟ هو جناية الآباء الكبرى على الأبناء، هو خيطٌ واهن من غزلِ الوهم نسجتهُ الطبيعة لتمطّ حبل الشقاء البشري. نحنُ حبائلُ العدم، نتحابُّ لنبقى، ونبقى لنتألم، ونتألم لنفنى في نهاية المطاف. يا نيتشه، قوتك وهنٌ واهن أمام سطوة الرماد، ويا كامو، عبثك تسليةٌ للصبيان في ساحة الموت. الحقيقة الصارخة أننا سجناء؛ سجن العمى، وسجن الجسد، وحبسُ هذا الكون الذي لا جدران له لكنه يطبق على أنفاسنا".

يضيف المعري بنبرة تقطر حكمة: "تخففوا من الوطء، فالحبُّ ثقلٌ لا تحتمله العظام الهشة".

يسأله كلكامش بكسرة قلب:

"لقد بكيتُ 'أنكيدو' حتى ذبلت عيناي وغارتا في جمجمتي، أكان ذلك جناية يا أبا العلاء"؟

يجيبه المعري: "كان ذلك احتجاجَ الطين اليائس على خالقه، ولكنَّ الطينَ لا يُسمع له صوت في عرش "آنو".

يهمس سيوران بإعجاب: "المعري هو نبيُّنا الذي لم يتبعه أحد، لأنه صدقنا القول".

تُطفأ الأنوار فجأة في الزقورة. يختفي الفلاسفة والملوك في ثقوب الزمن، ولا يبقى في الفراغ إلا لوحٌ طينيٌّ يطفو ككوكب منسي، تظهر عليه الكتابة المسمارية تتوهج ثم تخبو كأنها نبضاتُ قلبٍ تحتضر في نزاعها الأخير. لا شَـيءَ يَـبـقـى.. سِـوى الـخَـواء المطلق. تسقط الألواح، وتتحول الكلمات إلى ذرات غبار تسبح في الضوء الغارب.

بحرصٍ شديد، كمن يفتح ثقباً في جدار زنزانة بابلية مهجورة، نزيح ركام الألواح المكسورة لنبصر ما لم يقله المعري، وما فات كلكامش في رحلته العبثية. تتسلل من النافذة نسمةٌ باردة من جهة "الأهوار"، محملةً برائحة القصب النديّ، لتقول إنَّ العدم وإن كان حتمياً، إلا أنَّ "الفعل" في مواجهته هو ذروة الجمال السريالي. على عكس يأس سيوران المطلق، يهمس الضوء القادم من النافذة بأنَّ الحب ليس حلاً للعدم، بل هو "احتجاجٌ جمالي" صارخ عليه. إذا كان الكون فراغاً أسود موحشاً، فإن ملامح الحبيب هي "الكتابة المسمارية" المتمردة التي نشوه بها وجه الموت الأملس والممل.

كلكامش لم يجد عُشب الخلود الأخضر، لكنه وجد "القصة" التي نرويها الآن. والقصة خلودٌ من نوعٍ آخر، خلودٌ لا يسكن الأجساد الفانية، بل يسكنُ الذاكرة الجماعية للطين. المعري رغم عماه وصومه الاختياري، لم يستطع أن يمنع عقله الجبار من توليد المعنى، والمعنى هو الضوء الذي يشع من قلب الثقب الأسود.

ابنِ من الرملِ المبلل بالدموع قصراً شاهقاً ولا تخشَ الانهيار الوشيك، فالرقصُ في قلب العاصفةِ هو قمةُ الانتصار الممكن. يا طينُ قُم من رقدتك، والبس من الوجدِ حُلّة ميتا سريالية، فما نفعُ كَونٍ بارد بلا عشقٍ ولا عِلّة تحرك سواكنه؟ في هذه النافذة الكونية، نرى "إنانا" لا كإلهةٍ غائبة أو غادرة، بل كفكرةٍ مجردة تبتسم للخراب الجميل. الحبُّ هنا هو "فنُّ الترميم بالذهب"؛ نحن نجمع شظايا وجودنا المحطم، لا لنعيدها كما كانت في كمالها الأول، بل لنجعل من شقوقنا مساراتٍ مشرقة للضوء النافذ.

إننا نُحبُّ لا لأننا سنبقى ونخلد، بل لأننا نملكُ من الجرأة والمجانة ما يكفي لنقول لـ 'آنو' الصامت في عرشه: 'لقد كنا هنا، وقد احترقنا بالجمال حتى الثمالة، وهذا يكفي لنهزم العدم لثانية واحدة".'

لقد أعدنا بناء الزقورة من الكلمات السريالية، وهدمناها بأيدينا، ثم فتحنا فيها نافذة تطل على المجهول.

 "رسالة أخيرة" إلى إنسان المستقبل الذي سيقرأ حطامنا ويحاول فك شفرات وجعنا"؟

السؤال الملح: هل سيقرأ حطامنا أحد؟ الحطام ستذروه الرياح العاتية قبل أن يرتد الطرف، كتمثال مصنوع من الرمل الناعم على شاطئ بحر هائج لا يرحم.

إلى اللاشيء الذي سيأتي بعدنا بآلاف السنين الضوئية، إلى الصمت الذي سيورثنا مدافننا.. نحنُ كتبنا إليكم بمدادٍ من ملح الأجاج، على ألواحٍ من رمل متحرك، في انتظار المدّ العظيم الذي سيمحو كل شيء. نحن لا نكتب لنُقرأ من قِبَلكم، بل لنُفرغ "امتلاءنا" الفائض من هذا العدم الذي يفيض في صدورنا كالنهر.

نحنُ لسنا كلماتٍ مرتبة في كتاب، نحنُ محض 'زفرةُ' كلكامش الحارقة حين أضاع العشب في غفلة من الزمن.. والزفرةُ لا تُقرأ بالعيون، بل تُحسُّ في صدرِ الهواء لثانيةٍ واحدة يتيمة، ثم تعودُ طائعة إلى العدم الذي نبتت منه.

لقد غرق المعري في عماه الجميل المستنير، وتحطمت مطرقة نيتشه فوق رؤوس الأوثان، وصمت كلكامش إلى الأبد في حضن التراب. والآن، هذه الكلمات التي تلامس عينيك، هي أيضاً تمثالٌ رمليٌّ بدأت أطرافه تذوب وتتلاشى في العدم. السؤال الحقيقي ليس: "هل سيقرأ حطامنا أحد؟، بل السؤال هو: "ألم يكفِنا شرفُ أننا كنا الحطام الجميل الذي حاول، رغم كل شيء، أن يكتب اسمه على وجه الريح؟

تتلاشى الآن النقوش المسمارية.. يغلق "آنو" النافذة بإحكام.. يسود الصمت المطلق.

يا حاملَ هذه الرقية الميتا سريالية في تيهِ الزمان، اعلم يقيناً أنك لستَ مجرد جسدٍ عابر في كون فسيح، بل أنتَ "كونٌ كامل يختبرُ الوهن البشري. إذا دهمكَ وجدُ "كلكامش" الحارق، فتذكر أن العُشبَ الخالد ينمو في الداخل، في ثنايا الروح، لا في رمال الصحراء القاحلة. وإذا أظلمت عليكَ بصيرة "المعري"، فاعلم أنَّ ضياءَ العقلِ أنفذُ وأبقى من ضياءِ البصر الزائل.

ردد في سِرّك، كصلاتك الأخيرة

"أنا الطينُ المتمرد الذي سخرَ من الفناءِ بالعشق"

"أنا الصفرُ العظيم الذي ملأَ الفراغَ بالهذيان الجميل"

"أنا الحطامُ الصامد الذي أبى أن يذروه الريحُ صامتاً دون أن يترك أثراً"

احملْ فناءَك على رأسك كأنهُ تاج مرصع بالنجوم، ولا تطلب من البحرِ الغاضب ردّ الأمانة. فكلُّ حبٍّ صادق هو 'بابل' مؤقتة نبنيها لنسكنها برهة، وكلُّ صمتٍ عميق هو خلودٌ مستتر وراء حجب الغيب. هذه الكلمات ليست لتُقرأ وتُحفظ، بل لـ "تُنسى" وتذوب في مسامك. ففي نسيانها تكمن قوتها السرية، وفي ذوبانها في روحك تكتمل ميتا سريالية الوجود. أنت الآن "التميمة" التي تحمي الفراغ، وأنت "الطلسم" الذي يفك شفرة اللاشيء، فلا تخشَ الهياج، فقد صرتَ أنتَ والبحرُ شياً واحداً في سيمفونية التلاشي.

***

غالب المسعودي

 

يشهد الإنسان المعاصر تحوّلا عميقا في علاقته بالزمن، بحيث لم يعد فيه الوقت مجرد إطار محايد لتتابع الوقائع، بل غدا قوة ضاغطة تعيد تشكيل الوعي، وتوجّه أنماط العيش، وتعيد تعريف معنى الفعل والمسؤولية. ففي عالم تحكمه السرعة وتُدار إيقاعاته بمنطق الأداء والفورية، يتآكل المجال الداخلي للتأمل، ويضيق الحيز الأخلاقي اللازم لاتخاذ القرار الواعي. لقد صار الزمن نفسه جزءا من منظومة السيطرة، وتحوّلت العجلة من حالة عرضية إلى قيمة مركزية، تُقاس بها الكفاءة، ويُعاد عبرها ترتيب سلم الفضائل.

ينطلق هذا المقال من فرضية مفادها أن الأزمة الأخلاقية الراهنة ليست ناجمة عن غياب القيم بقدر ما هي نتيجة اختلال الإيقاع الوجودي للإنسان، أي فقدان “الزمن الأخلاقي” الضروري لتكوّن الضمير واستقرار المعنى. ومن ثم يسعى إلى مساءلة بنية التسارع في الحضارة الرقمية، وتحليل آثارها على الذات المعاصرة، قبل اقتراح أفق فلسفي بديل يقوم على إعادة الاعتبار للبطء بوصفه ممارسة نقدية ومسؤولية وجودية، تُمكّن الإنسان من استعادة علاقته بذاته وبالآخر وبالعالم.

ولم يعد الزمن في التجربة المعاصرة، مجرد بعد محايد تتحرك فيه الأحداث، ولا إطارا فيزيائيا تتعاقب ضمنه الوقائع، بل صار قوة ضاغطة ونظاما قهريا وبنيةً مهيمنة تعيد تشكيل الوعي الإنساني وأنماط العيش وأفق المعنى. لقد انتقل الزمن من كونه شرطا للوجود إلى كونه سلطة على الوجود. وهذه النقلة الدقيقة هي التي تجعل سؤال “الزمن الأخلاقي” سؤالا فلسفيا ملحا، لا بوصفه مسألة نظرية مجردة، بل باعتباره معضلة وجودية تمس جوهر الكائن الإنساني في علاقته بذاته وبالآخر وبالعالم.

فالإنسان الحديث لا يعيش الزمن بل يُستنزف فيه. لا يسكن اللحظة، بل يُدفع دفعا من لحظة إلى أخرى. لا يتأمل الامتداد، بل يُقذف في تعاقب محموم من الوقائع حيث تصبح السرعة قيمة والتأخير رذيلة والتريث ضعفا والبطء علامة على التخلف. وكأن الحضارة التقنية قد نجحت في تحويل الزمن إلى سلعة، وفي اختزال التجربة الإنسانية إلى سلسلة من الاستجابات السريعة.

لقد سبق لهنري برغسون أن فرّق بين الزمن الفيزيائي القابل للقياس، والزمن المعاش الذي سماه “المدة” ، مؤكدا أن الزمن الحقيقي ليس ما تقيسه الساعات، بل ما تعيشه الذات في عمقها الشعوري. غير أن عالم اليوم يبدو وقد أطاح بهذا التمييز لصالح زمن واحد مسطح، متجانس، رقمي، تُختزل فيه التجربة إلى وحدات إنتاج واستهلاك. إننا نعيش كما يقول بول فيريليو، في “ديكتاتورية السرعة”، حيث لا يعود المهم هو ما يحدث، بل سرعة حدوثه.

هذا التحول ليس تقنيا فحسب، بل أخلاقي في عمقه. فالزمن السريع يعيد تشكيل منظومة القيم، يفضّل الفعل على التأمل والإنجاز على المعنى والحضور الافتراضي على العلاقة الحية، ويُقصي كل ما يحتاج إلى صبر أو إنضاج أو تراكم بطيء. هكذا يصبح التفكير عبئا، والذاكرة عائقا، والضمير ترفا لا وقت له.

في هذا السياق، يغدو سؤال الزمن الأخلاقي سؤالا عن إمكانية المسؤولية في عالم لا يمنحنا وقتا كافيا للتفكير في عواقب أفعالنا. كيف يمكن للضمير أن يشتغل في فضاء متسارع؟ كيف يمكن للقرار الأخلاقي أن يتشكل في ظل ضغط الإيقاع؟ كيف يمكن للإنسان أن يتحمل تبعات أفعاله إذا كان كل شيء يُطلب منه فورا؟.

لقد أدرك إيمانويل كانط في مشروعه النقدي، أن الأخلاق تفترض زمنا داخليا للتأمل، وأن الإرادة الحرة لا تنفصل عن القدرة على التريث. فالواجب الأخلاقي لا يُستجاب له آليا، بل يتطلب مسافة بين الدافع والفعل. وهذه المسافة هي جوهر الحرية. غير أن الحضارة المعاصرة تعمل باستمرار على تقليص هذه المسافة، عبر تسريع الإيقاع وتكثيف المنبهات وتحويل الإنسان إلى كائن ردود أفعال.

ولذلك ليس من قبيل المصادفة أن ترتبط الحداثة المتأخرة بأشكال جديدة من القلق الوجودي، وبانتشار الاكتئاب، وبالشعور المزمن بالاستعجال. فالذات المعاصرة تعيش في حالة طوارئ دائمة. كل شيء مستعجل وكل شيء قابل للتجاوز وكل شيء مؤقت. وكما لاحظ زيغمونت باومان، فإننا نعيش في “حداثة سائلة”، حيث لا تستقر القيم ولا تدوم العلاقات ولا يثبت المعنى.

لكن الأخطر من ذلك هو أن هذا التسارع لا يقتصر على المجال النفسي أو الاجتماعي، بل يمتد إلى المجال الأخلاقي ذاته. فالقرارات الكبرى تُتخذ بسرعة، والسياسات تُصاغ تحت ضغط اللحظة، والحروب تُدار عبر شاشات، والمعاناة الإنسانية تتحول إلى أخبار عابرة. لقد فقدت المآسي زمنها الخاص. ولم يعد للألم إيقاعه، ولا للحزن مداه، ولا للتوبة أفقها.

هنا يستعيد قول هيدغر راهنيته القصوى حين اعتبر أن جوهر الأزمة الحديثة يكمن في نسيان الوجود. فالإنسان لم يعد يسأل عن معنى الكينونة لأنه غارق في تدبير الموجودات. ولم يعد يصغي لصمت العالم، لأنه محاصر بضجيج الشبكات. لقد صار الزمن مجرد مورد يُستثمر، لا تجربة تُعاش.

ومن ثم، فإن الحديث عن “الزمن الأخلاقي” ليس ترفا فلسفيا، بل محاولة لاستعادة البعد المفقود في التجربة الإنسانية. الزمن الأخلاقي هو ذلك الزمن الذي يسمح للفعل بأن يُفكّر فيه، وللآخر بأن يُؤخذ بعين الاعتبار، وللعواقب بأن تُستحضر. إنه زمن المسؤولية وزمن التمهل وزمن الإصغاء.

وقد عبّر إيمانويل ليفيناس عن هذا المعنى حين ربط الأخلاق بتجربة اللقاء مع وجه الآخر، معتبرا أن هذا اللقاء يفرض علينا انقطاعا في سير الزمن النفعي، ويفتح فجوة في الاستمرارية الأنانية. فالآخر لا يظهر في زمن السرعة، بل في زمن التوقف. المسؤولية تبدأ حين نتوقف.

لكن العالم المعاصر يعمل بالعكس تماما، حيث يُلغِي التوقف ويشيطن البطء ويمجّد التدفق المستمر. حتى اللغة نفسها تأثرت بهذا التحول، فصرنا نتحدث عن “قتل الوقت”، و”تضييع الزمن”، و”الاستثمار الزمني”، وكأن الزمن مادة خام، لا نسيجا وجوديا.

إن الأزمة الأخلاقية الراهنة ليست ناجمة عن غياب القيم، بل عن غياب الزمن اللازم لتفعيل القيم. فالإنسان قد يعرف ما هو الصواب، لكنه لا يجد الوقت الكافي لفعله. وقد يشعر بالتعاطف، لكنه يُستدرج بسرعة إلى موضوع آخر. وقد يعي حجم الكارثة البيئية، لكنه يُدفَع إلى استهلاك جديد.

وهنا تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته “فلسفة البطء”، لا بمعنى الدعوة الرومانسية إلى الانسحاب من العالم، بل بوصفها مشروعا نقديا يروم إعادة تنظيم العلاقة بين الإنسان والزمن. البطء هنا، ليس كسلاً، بل مقاومة. ليس تأخرا، بل وعيا. ليس تعطيلا للإنتاج، بل استعادة للمعنى.

لقد نبه غونتر أندرس إلى أن قدرتنا التقنية تجاوزت قدرتنا الأخلاقية، وأننا ننتج أفعالا أكبر من قدرتنا على تخيل نتائجها. وهذا ما يجعل الزمن الأخلاقي متخلفا عن الزمن التقني. فنحن نبتكر بسرعة، لكننا لا نفكر بنفس السرعة. نغيّر العالم، لكننا لا نغيّر أنفسنا بالوتيرة ذاتها.

من هنا فإن تأسيس زمن أخلاقي بديل يقتضي إعادة الاعتبار للتأمل، وللذاكرة، وللتجربة البطيئة. يقتضي استرجاع ما سماه فالتر بنيامين “الهالة”، أي العمق الذي تفقده الأشياء حين تُستهلك بسرعة. ويقتضي أيضا مقاومة ثقافة الفورية التي تختزل الحقيقة في الخبر العاجل، والحكمة في الرأي السريع.

إن الزمن الأخلاقي هو زمن التراكم الداخلي، زمن التكوين، زمن الإنصات الطويل للأسئلة الكبرى. وهو لا يتشكل إلا حين يقبل الإنسان بأن يكون كائن انتظار، لا مجرد كائن إنجاز. وكما قال سيمون فايل: “الانتباه الخالص هو أندر وأثمن أشكال الكرم”. والانتباه يحتاج إلى زمن.

بهذا المعنى، فإن مشروع فلسفة البطء ليس دعوة إلى الهروب من الحداثة، بل محاولة لإنقاذ الإنسان داخلها. إنه سعي لإعادة التوازن بين السرعة الضرورية للحياة التقنية، والبطء الضروري للحياة الأخلاقية. لأن الحضارة التي تسرّع كل شيء، لكنها تُبطئ الضمير، إنما تسير نحو فراغ قيمي عميق.

والسؤال الذي يفرض نفسه في نهاية هذا التأسيس هو: هل ما يزال ممكنا، في عالم متسارع إلى هذا الحد، أن نستعيد زمنا إنسانيا صالحا للأخلاق؟ وهل يمكن للذات المعاصرة أن تعيد بناء علاقتها بالوقت على أساس المسؤولية لا الاستهلاك؟ أم أننا دخلنا طورا تاريخيا صار فيه الزمن نفسه معاديا للمعنى؟.

غير أن هذا الانقلاب لا يحدث اعتباطا؛ ذلك أن التسارع المعاصر ليس مجرد نتيجة عرضية للتقدم التقني، بل هو منطق كلي يغلغل في نسيج الحياة اليومية، ويعيد تنظيم العمل والعلاقات والمعرفة وحتى أشكال التديّن والتأمل. لقد بيّن هارتموت روزا أن الحداثة المتأخرة تقوم على ثلاث ديناميات متداخلة: التسارع التقني، وتسارع التغير الاجتماعي، وتسارع وتيرة الحياة. وهذه الديناميات لا تنتج فقط شعورا بالضغط الزمني، بل تخلق ذاتا “منزوعة الجذور الزمنية”، ذاتا لا تمتلك الاستقرار الكافي لبناء علاقة مستمرة مع العالم.

في ظل الرأسمالية الرقمية، لم يعد الزمن إطارا محايدا للتبادل، بل صار مادة أساسية في الاقتصاد السياسي للاهتمام. المنصات لا تبيع المنتجات فحسب، بل تستثمر في انتباه المستخدمين، وتتنافس على اقتناص ثواني وعيهم. كل إشعار هو مطالبة فورية بالحضور، وكل تمرير للشاشة هو إعادة إدخال الذات في دورة استهلاك لا تنتهي. وهكذا يتحول الإنسان إلى كائن مشتت، موزع على نوافذ متعددة، فاقد للتركيز العميق، عاجز عن الانغماس الطويل في فكرة أو علاقة أو سؤال.

وقد نبّه برنارد ستيغلر إلى أن هذا النمط من الحياة الرقمية الذي يؤدي إلى “تفقير الرغبة”، لأن الرغبة تحتاج إلى زمن للتكوّن، بينما الإشباع الفوري يفرغها من بعدها الرمزي. إننا لا نرغب بعمق، بل نستهلك بسرعة. ولا نفكر طويلا، بل نعلّق سريعا. ولا نحزن كامل الحزن، ولا نفرح كامل الفرح، لأن كل حالة وجدانية تُقطَع قبل أن تبلغ اكتمالها.

هنا تغدو الأخلاق نفسها خاضعة لمنطق التدفق. فالمواقف تُتخذ في لحظتها، والتعاطف يُمارس على هيئة “إعجاب”، والغضب يُفرّغ في تعليق، ثم يُنسى كل شيء مع الخبر التالي. لقد تحولت القضايا الكبرى إلى محتوى، والمعاناة الإنسانية إلى مادة تداولية، والالتزام الأخلاقي إلى رد فعل عابر.

وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة: نحن نعيش في زمن تضخم فيه الخطاب الحقوقي، وتكاثرت فيه المواثيق الأخلاقية، لكن القدرة الفعلية على تحمّل المسؤولية تتآكل. والسبب في ذلك ليس في نقص الوعي، بل في اختلال الإيقاع. فالزمن الأخلاقي يتطلب بطئا بنيويا، يتطلب فسحة للتفكير في العواقب، وللاعتراف بالآخر، ولإعادة النظر في الذات. غير أن بنية العالم المعاصر تضيق بهذه الفسحة باستمرار.

لقد ربط بول ريكور بين الهوية والمسؤولية عبر مفهوم “الهوية السردية”، معتبرا أن الإنسان لا يصير ذاتا أخلاقية إلا حين يستطيع أن يروي حياته، وأن يرى أفعاله في سياق زمني ممتد. غير أن الذات المتسارعة تفقد قدرتها على السرد؛ حياتها تتحول إلى لقطات، وذكرياتها إلى أرشيف رقمي، ومستقبلها إلى سلسلة توقعات قصيرة المدى. إنها ذات بلا قصة، وبالتالي بلا عمق أخلاقي.

إن الأزمة الأخلاقية المعاصرة هي في جوهرها أزمة زمنية. إنها أزمة فقدان الاستمرارية، وانهيار الامتداد، وتآكل الصبر. فالفضائل الكلاسيكية، من قبيل الحكمة والحلم والوفاء والتواضع، كلها تفترض زمنا طويلا للتكوين. ولا يمكن اختزالها في مهارات سريعة أو كفاءات وظيفية.

وقد أدرك أرسطو منذ القديم أن الفضيلة ليست حالة آنية، بل “ملكة مكتسبة بالتعوّد”، أي ثمرة ممارسة طويلة. لكن ثقافة السرعة لا تسمح بالتعوّد، لأنها تنتقل بنا باستمرار من تجربة إلى أخرى. إنها ثقافة البدايات المتكررة دون اكتمال، والانقطاعات الدائمة دون نضج.

أمام هذا الوضع، تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في الزمن بوصفه شرطا للأخلاق، لا مجرد مورد للإنتاج. وهنا تتقاطع الفلسفة مع الروحانية، لأن معظم التقاليد الروحية الكبرى ربطت الحكمة بالتمهل، وربطت القرب من الحقيقة بالانسحاب المؤقت من ضجيج العالم. ففي التصوف الإسلامي مثلا، يُنظر إلى “الخلوة” لا كعزلة سلبية، بل كاستعادة للإيقاع الداخلي. وفي المسيحية التأملية، يُعتبر الصمت طريقا للإنصات الإلهي. وفي البوذية، يُنظر إلى اليقظة بوصفها حضورا كاملا في اللحظة، لا استعجالا للنتائج.

غير أن فلسفة البطء التي ندعو إليها هنا ليست انسحابا صوفيا من الواقع، بل ممارسة نقدية داخل العالم. إنها محاولة لإعادة التوازن بين الفعل والتأمل والإنتاج والمعنى، وبين السرعة التقنية والبطء الإنساني. البطء بهذا المعنى، ليس نقيض الحركة، بل شرط الوعي بالحركة. إنه المسافة التي تسمح لنا بأن نسأل: لماذا نفعل ما نفعل؟ ولمن؟ وبأي ثمن؟.

وقد عبّر إدغار موران عن هذا المطلب حين دعا إلى “إصلاح الفكر” قبل إصلاح المؤسسات، معتبرا أن تعقيد العالم المعاصر يقتضي تفكيرا بطيئا، تركيبيا، قادرا على الربط بين المستويات المختلفة للواقع. فالمشكلات الكبرى من قبيل الأزمة البيئية أو تفكك الروابط الاجتماعية، لا تُحل بمنطق الاستعجال، بل تحتاج إلى زمن طويل من الفهم المشترك.

إن الزمن الأخلاقي الذي ننشده هو زمن يسمح بإعادة وصل الإنسان بالطبيعة، وبالتاريخ، وبالآخر. زمن يعترف بالحدود ويقبل الهشاشة ويعيد الاعتبار للانتظار بوصفه فعلا إيجابيا. ففي الانتظار يتكوّن المعنى، وفي التأجيل تُختبر الرغبة، وفي الصبر تتربى الإرادة.

ولعل من أهم ملامح هذا الزمن البديل استعادة مركزية المسؤولية. فالمسؤولية ليست مجرد التزام قانوني، بل علاقة زمنية بالآخر، بمعنى أن أتحمل أثر أفعالي في الحاضر والمستقبل، وأن أعي أن كل قرار هو امتداد لسلسلة طويلة من الأسباب والنتائج. وهذا ما قصده هانس يوناس حين صاغ مبدأ المسؤولية في سياق الحضارة التقنية، داعيا إلى أخلاق تستشرف العواقب البعيدة لأفعالنا، خصوصا تجاه الأجيال القادمة.

غير أن استشراف المستقبل يتطلب خيالا أخلاقيا، والخيال يحتاج إلى فراغ زمني، إلى مساحات غير مشغولة بالإلحاح اليومي. ولذلك فإن إعادة بناء الزمن الأخلاقي تمر عبر مقاومة الاستعمار الكامل للحياة من طرف منطق الأداء. وتمر عبر استعادة لحظات الصمت، وطقوس البطء، وأزمنة القراءة العميقة، والحوار غير المستعجل.

إن فلسفة البطء في أفقها العملي، تقتضي أيضا إعادة النظر في التربية وفي تنظيم العمل وفي علاقتنا بالتكنولوجيا. فالتربية التي تُلقّن ولا تُمهل تُنتج عقولا سريعة وفقيرة. والعمل الذي لا يعترف بالإرهاق الوجودي يُنتج ذواتا محترقة. والتكنولوجيا التي لا تُضبط أخلاقيا تُسرّع التفكك بدل أن تعزز التواصل.

إن الزمن لم يعد مجرد خلفية صامتة لتجربتنا الإنسانية، بل صار الفاعل الخفي الذي يعيد تشكيل معنى الذات وحدود المسؤولية وإمكان الأخلاق. لقد دخلنا مرحلة تاريخية يتقدم فيها الزمن التقني بسرعة تفوق قدرة الوعي الأخلاقي على المواكبة، فنتج عن ذلك اختلال عميق في الإيقاع الوجودي للإنسان.

هذا الاختلال لا يظهر فقط في مظاهر التوتر والقلق والتشتت، بل يتجلى أساسا في تآكل القدرة على التمهل وعلى الإصغاء، وعلى بناء علاقة مستمرة مع العالم. إن الإنسان المتسارع هو إنسان مهدد بفقدان العمق، لأن العمق يحتاج إلى زمن، والزمن صار نادرا.

ومن هنا فإن استعادة الزمن الأخلاقي ليست مسألة فردية فحسب، بل مشروع حضاري. إنها تتطلب إعادة ترتيب الأولويات، والاعتراف بأن ليس كل ما هو ممكن تقنيا مرغوب أخلاقيا، وأن ليس كل ما هو سريع جدير بالاتباع. إنها دعوة إلى إعادة الاعتبار للبطء بوصفه فضيلة معاصرة، وإلى المسؤولية بوصفها جوهر الإنسانية.

فالزمن الأخلاقي هو الزمن الذي يسمح لنا بأن نكون بشرا كاملين، نفكر قبل أن نتصرف، ونشعر قبل أن نحكم، ونتذكر قبل أن ننسى، وننتظر قبل أن نستعجل. وهو زمن لا يُقاس بالساعات، بل بعمق التجربة، ولا يُستثمر بل يُعاش.

ولعل التحدي الأكبر الذي يواجهنا اليوم هو كيف نعيش داخل عالم السرعة دون أن نصير أبناءه بالكامل، كيف نستعمل التكنولوجيا دون أن نُستعمل بها، وكيف نحافظ على بطء القلب وسط تسارع الآلات. إن مستقبل الأخلاق مرهون بقدرتنا على إعادة امتلاك الزمن، لا بوصفه موردا، بل بوصفه أفقا للمعنى.

فإما أن ننجح في تأسيس إيقاع إنساني جديد، يوازن بين الحركة والتأمل والفعل والمسؤولية، وبين الحضور الرقمي والحضور الوجودي، وإما أن نستسلم لمنطق التسارع الشامل، فنخسر تدريجيا ما يجعلنا بشرا، القدرة على التمهل وعلى الرحمة، وعلى التفكير العميق.

وفي هذا المفترق التاريخي الدقيق، يصبح البطء فعل مقاومة، والمسؤولية شكلا من أشكال الشجاعة، والزمن الأخلاقي أفقا مفتوحا لإعادة بناء إنسانية تتداعى.

***

د. حمزة مولخنيف

يشكل الزمن أحد أكثر المفاهيم حضوراً وتعقيداً في التجربة الإنسانية، وقد انعكس هذا الحضور بعمق في الأدب العربي منذ أقدم عصوره حتى يومنا هذا. فالزمن في النص الأدبي ليس مجرد إطار خارجي تتحرك فيه الأحداث، بل هو عنصر فاعل في تشكيل الرؤية واللغة والوجدان، ومرآة تعكس علاقة الإنسان بذاته وبالعالم من حوله. ومن خلال تتبع تمثلات الزمن في الأدب العربي، يمكننا قراءة تحولات الوعي العربي، وتقلبات نظرته إلى الوجود والمصير والذاكرة.

في الشعر الجاهلي، بدا الزمن قوة غامضة قاهرة، ارتبط بالفناء والخراب وتقلب الأحوال. فالوقوف على الأطلال لم يكن مجرد تقليد فني، بل كان فعلاً فلسفياً عميقاً، يواجه فيه الشاعر هشاشة الوجود أمام سطوة الدهر. الأطلال هي الزمن المتجسد في المكان، وهي الشاهد الصامت على ما مضى ولم يعد. ومن خلال مخاطبة الديار البالية، كان الشاعر يحاور الزمن ذاته، معترفاً بعجز الإنسان أمام جريانه الذي لا يتوقف، لكنه في الوقت نفسه يحاول تثبيت اللحظة بالكلمة، وكأن الشعر مقاومة رمزية للفناء.

ومع ظهور الإسلام، طرأ تحول جوهري على مفهوم الزمن في الثقافة العربية. لم يعد الزمن مجرد دهر أعمى، بل صار جزءاً من نظام كوني محكوم بالإرادة الإلهية. انعكس هذا التحول في الأدب، حيث اكتسب الزمن بعداً أخلاقياً وروحياً، مرتبطاً بالحساب والجزاء، وبفكرة العبور من الفناء إلى البقاء. أصبح الماضي مجالاً للعظة، والحاضر ميداناً للفعل، والمستقبل وعداً أو وعيداً. هذا الوعي الزمني الجديد أسهم في تهذيب النظرة إلى الحياة، وفي إعادة ترتيب علاقة الإنسان بالوقت، لا بوصفه عدواً، بل أمانة ومسؤولية.

في العصر العباسي، ومع ازدهار الفكر والفلسفة، اتخذ الزمن أبعاداً أكثر تعقيداً في الأدب. لم يعد يُنظر إليه فقط من زاوية دينية أو وجدانية، بل أصبح موضوعاً للتأمل العقلي. تجلت هذه الرؤية في الشعر والنثر، حيث برز الإحساس بتسارع الزمن، وبقصر العمر، وبزيف اللذة العابرة. كثير من النصوص العباسية عبّرت عن وعي حاد باللحظة، وعن محاولة لاقتناص المتعة قبل انقضائها، وهو ما يكشف عن صراع داخلي بين الفناء والرغبة في الخلود، بين العقل الذي يدرك حتمية النهاية، والوجدان الذي يرفض الاستسلام لها.

أما في الأدب الصوفي، فقد بلغ مفهوم الزمن ذروة تجريده الفلسفي. الزمن هنا لا يُقاس بالساعات والأيام، بل بالحالات الروحية والمقامات. الحاضر يصبح لحظة اتصال، والماضي والمستقبل يذوبان في تجربة الفناء في المطلق. الصوفي يسعى إلى الخروج من الزمن لا إلى الخضوع له، ويرى في الذاكرة والحلم معابر إلى الحقيقة. اللغة الصوفية، بما تحمله من رموز وإشارات، تعكس هذا التحرر من الزمن الخطي، وتفتح النص على أفق أبدي يتجاوز حدود التاريخ.

المفهوم الحديث

في الأدب العربي الحديث، عاد الزمن ليطرح نفسه بإلحاح، ولكن في سياق مختلف. فالتجربة الاستعمارية، وما رافقها من انكسارات وتحولات، خلقت وعياً زمنياً مأزوماً. أصبح الماضي عبئاً ثقيلاً تارة، وملاذاً حنينياً تارة أخرى، بينما بدا الحاضر مرتبكاً، والمستقبل غامضاً. انعكس هذا القلق في الرواية والشعر، حيث تكسرت الخطية الزمنية، وتداخلت الأزمنة داخل النص الواحد. لم يعد السرد يسير من البداية إلى النهاية، بل أصبح دائرياً أو متشظياً، يعكس تفتت الوعي وضياع البوصلة.

وتكشف الرواية العربية الحديثة بشكل خاص عن علاقة معقدة بالزمن. فالذاكرة تلعب دوراً محورياً في بناء السرد، وتتحول إلى أداة لاستعادة الماضي لا بوصفه حدثاً منتهياً، بل بوصفه قوة فاعلة في تشكيل الحاضر. الزمن الروائي يصبح ذاتياً، يتباطأ أو يتسارع وفق الحالة النفسية للشخصيات. هذا التلاعب بالزمن لا يخلو من بعد فلسفي، إذ يطرح أسئلة عن الحقيقة، وعن إمكانية الإمساك باللحظة، وعن جدوى البحث عن معنى ثابت في عالم متغير.

كما أن الشعر العربي المعاصر قدّم رؤية مغايرة للزمن، حيث تراجع الإيقاع المنتظم لصالح لحظة مكثفة، مشحونة بالدلالة. القصيدة الحديثة لا تحكي الزمن، بل تعيشه، وتكثفه في صورة أو إحساس أو مفارقة. الزمن هنا تجربة داخلية، مرتبط بالوعي الفردي أكثر من ارتباطه بالتاريخ الجمعي. وهذا التحول يعكس انتقال الإنسان العربي من الإحساس بالزمن الجماعي إلى القلق الفردي، ومن اليقين إلى التساؤل.

إن تتبع مفهوم الزمن في الأدب العربي يكشف أنه ليس مفهوماً واحداً ثابتاً، بل شبكة من الرؤى المتداخلة التي تتغير بتغير السياق الثقافي والفكري. الزمن في الأدب مرآة للفلسفة الكامنة خلف النص، وللأسئلة التي تشغل الإنسان في كل عصر. ومن خلال هذه المرآة، نستطيع أن نقرأ تاريخ الوعي العربي، لا بوصفه تسلسلاً للأحداث، بل بوصفه رحلة فكرية وروحية في مواجهة الفناء، ومحاولة دائمة لمنح الحياة معنى يتجاوز حدود اللحظة العابرة.

وإذا واصلنا التعمق في البعد الفلسفي لمفهوم الزمن في الأدب العربي، سنلاحظ أن الزمن لا يُطرح فقط كإشكالية وجودية فردية، بل بوصفه عنصراً حاسماً في تشكيل الوعي الجمعي والهوية الثقافية. فالأدب العربي، في كثير من تجلياته، يعكس توتراً دائماً بين زمن مثالي متخيل وزمن واقعي معيش. هذا التوتر يظهر بوضوح في الخطاب الأدبي الذي يستدعي الماضي الذهبي ليقارن به حاضراً مأزوماً، فيتحول الزمن إلى أداة نقد ثقافي، وإلى وسيلة لطرح سؤال النهضة والانحطاط، لا على مستوى التاريخ فقط، بل على مستوى القيم والمعنى.

وفي هذا السياق، تلعب الذاكرة دوراً مركزياً في تشكيل الزمن الأدبي. فالذاكرة ليست مجرد استرجاع لما مضى، بل إعادة بناء للماضي وفق حاجات الحاضر وهواجسه. كثير من النصوص العربية الحديثة تعيد كتابة التاريخ الشخصي والجماعي، لا بدافع التوثيق، بل بدافع الفهم والمساءلة. الزمن هنا يصبح مادة قابلة للتأويل، وليس حقيقة مغلقة. ومن خلال هذا الاشتغال على الذاكرة، يحاول الأدب أن يحرر الماضي من قدسيته الجامدة، وأن يجعله حوارياً، مفتوحاً على أسئلة الحاضر.

المفهوم المعاصر

كما يبرز في الأدب العربي المعاصر وعي متزايد بما يمكن تسميته «الزمن المكسور»، وهو زمن الانقطاعات الكبرى التي خلّفتها الحروب والهزائم والمنفى. هذا الزمن لا يسير في خط مستقيم، بل يتشظى إلى لحظات صدمة، تتكرر في الوعي وتفرض حضورها القسري. في مثل هذه النصوص، يفقد الزمن معناه التقليدي، ويتحول إلى إحساس دائم بالانتظار أو التعليق، حيث لا الماضي يُستعاد بالكامل، ولا المستقبل يُتخيل بوضوح. هذا الإحساس ينعكس في بنية النص ذاته، من خلال التقطيع، والتكرار، والقفز المفاجئ بين الأزمنة.

ومن زاوية فلسفية أعمق، يمكن القول إن الأدب العربي تعامل مع الزمن بوصفه سؤالاً عن المعنى، لا عن الامتداد. فالزمن لا قيمة له في ذاته، بل بما يحمله من تجربة ومعرفة وألم. لذلك نجد أن كثيراً من النصوص تركز على لحظة مفصلية واحدة، لحظة كشف أو فقد أو وعي، وتمنحها كثافة رمزية تجعلها أوسع من زمنها المحدود. هذه اللحظة تتحول إلى مركز ثقل النص، وإلى نقطة التقاء بين الماضي والمستقبل، وكأن الأدب يحاول أن ينتصر على الزمن الكمي بزمن كيفي أكثر عمقاً.

ويكشف هذا التصور عن علاقة الأدب العربي بالقلق الوجودي، إذ إن الوعي بالزمن هو في جوهره وعي بالموت. من هنا، يصبح الأدب محاولة لتأجيل الفناء، أو لمنحه معنى محتملاً. الكتابة نفسها فعل زمني بامتياز، لأنها تحفظ الصوت من الزوال، وتمنح التجربة شكلاً قابلاً للبقاء. ولذلك كثيراً ما يظهر الكاتب العربي في نصوصه منشغلاً بفكرة الأثر، وبما سيبقى بعد الرحيل، سواء أكان هذا الأثر كلمة، أم ذاكرة، أم سؤالاً مفتوحاً.

ولا يمكن إغفال البعد اللغوي في تشكيل مفهوم الزمن، فاللغة العربية بما تحمله من ثراء صرفي ودلالي، تتيح إمكانات واسعة للتلاعب بالزمن والتعبير عنه. صيغ الأفعال، وتعدد مستويات الحكي، والانزياح البلاغي، كلها أدوات تسهم في خلق زمن خاص بالنص، زمن لا يخضع بالكامل لقوانين الواقع. وهذا ما يمنح الأدب العربي قدرته على الجمع بين الآني والأبدي، بين اللحظة العابرة والدلالة المستمرة.

من خلال ذلك، يظهر مفهوم الزمن في الأدب العربي بوصفه مجالاً للتفكير الفلسفي بامتياز، وليس مجرد خلفية سردية أو شعرية. إنه مساحة للتأمل في المصير، وفي العلاقة بين الإنسان وتاريخه، وبين الذات وتحولاتها. ومن خلال هذا الاشتغال العميق على الزمن، يظل الأدب العربي قادراً على طرح أسئلته الكبرى، وعلى ملامسة جوهر التجربة الإنسانية في بعدها الأكثر هشاشة وصدقاً.

***

د. عصام البرّام

قد تبدو الكتابة، في اكتشافها المباشر، مجرّد فعل لغوي؛ يمسك إنسان بقلم أو لوحة مفاتيح، فتجود أنامله ما يجول في خاطره في سطورٍ قابلة للقراءة. بينما خلف هذا الاكتشاف البسيط تستّتر تجربة أعمق بكثير؛ تجربة تُسائل معنى أن يكون الإنسان كائنًا ناطقًا، متكلّمًا، ومقيمًا في فضاءات الكلمة. في المقابل، تتكشف القراءة غالبّا نوعًا من تلقي النصوص واستيعاب مضامينها، غير أنّها، عند التعمق الفلسفي، فعلٌ يطال بنية الذات نفسها، إذ تعيد من خلاله تشكيل علاقتها بالعالم وبذاتها في آن.

عليه بين الكتابة والقراءة علاقة تتجاوز التراتب التقليدي القائل بأن الأولى إنتاج والثانية استهلاك. إنهما منجزان متكاملان داخل أفق واحد هو أفق المعنى الذي تحمله الكلمة؛ حيث لا يعود النصّ شيئًا يُلقى من فكر على فكر، بل فضاءً مشتركًا تنشأ فيه الذات وتُختبر، ويتجدد فيه حضور العالم في الوعي الإنساني. من هنا جاءت هذه السطور بوصفها محاولة للتأمل في فنّ الكتابة ومعنى القراءة، لا كمهارة أو تعليم، وإنما كخبرة أنطولوجية ومعرفية، تتشابك فيها الفلسفة مع الأدب والعلم، ويتداخل فيها التأمل العقلي مع الشعور الجمالي والوجداني.

عند مقاربة "الكتابة" في جوهرها الأعمق، ليست نقلًا لما هو حاضر في الوعي إلى حيّز اللغة، بل هي لحظة تشكّل للوعي نفسه في رحاب اللغة. لما يشرع الكاتب في كتابة نصّ ما، فإنّه لا يفرغ مخزونًا جاهزًا من الأفكار فحسب، بل يدخل في اختبار جديد مع ذاته ومع العالم: يتوقف، يختار، يستبعد، يعيد الصياغة، يتردد، ثم يمضي. هذا النسق لا يكشف عن مسار تقنية فنية فقط، بل عن مسار داخلي يختبر فيه الكاتب حدود ما يمكن قوله وحدود ما يظل ممتنعًا عن القول. اللغة هنا لا تظهر كأداة طيّعة تمامًا، بل كأفق يتيح ويمنع، يكشف ويحجب في آن واحد.

من هذه الزاوية، تتبدّى أن الكتابة نوع من “السباحة” عبر تيارات اللغة؛ فالكاتب لا يقف خارجها ليتحكم فيها من أعلى، بل يتحرك داخلها في عمقها، يخضع لقوانينها وإيقاعها ومجازاتها، ويمنحها في الوقت نفسه سببًا جديدًا للحياة. إنّ كلّ نصّ حقيقي هو شكل من أشكال الإبحار في بحر من الكلمات؛ يخوض غماراته صاحبه، لكنه يكتشف، كلما تقدّم بين أمواجه وأعماقه، أنّ البحر يعاندّه هو نفسه، وأن الكيان الذي يخرج من النصّ لا ينفصل عن الكيان الذي يخرج منه الكاتب وهو يكتب.

ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى الكتابة بوصفها رياضة إصغاء مستدامة. فالكاتب الذي يتعامل مع اللغة بجدّية يدرك أن الكلمة لا تولد من فراغ، وأن الجملة الجيدة لا تأتي بقرارٍ إراديّ محض. في لحظات الكتابة الحقيقية، يكون هناك شيء أعمق من الإرادة يتحرك: حدس مبهم، نداء خفي، أو “صوت” جواني لا يتبدى بصورة حرفية، بل يتجلى في شكل توترٍ بين ما نريد قوله وما نشعر أنه يجب أن يُقال. حينئذٍ، يصبح فعل الكتابة إصغاءً لهذا التوتر، ومحاولة لإعطائه تمثلاً لغويًا.

عبر هذا المعنى، لا يكون الكاتب “مالكًا” للمعنى، بل شاهدًا على تشكّله. الكلمات تتقدّم أحيانًا كما لو أنّ لها منطقها الخاص، والكاتب يتبعها ويجرّبها ويختبرها، حتى تستقر على شكلٍ ما. هنا يكمن سرّ شعور كثير من الكتّاب بأن نصوصهم تذهب أبعد ممّا كانوا يخططون له، وتبوح بأمور لم يكونوا واعين بها تمام الوعي. إنّ الكتابة، في أحد أوجهها، تكشف للإنسان ما يجهله عن نفسه بقدر ما تفصح عما يعيه.

أما القراءة من هذا الأفق، يتضح أن اختزالها في “فهم المعنى” لا يكفي. كونها ليست فعلًا يستقبل به القارئ رسائل جاهزة، بل هي بدورها نسق تَشكّل؛ تَشكّلٍ للذات في غمرات النص. فحين يواجه القارئ نصًا أدبيًا أو فلسفيًا أو دينيًا، فإنّه لا يتعامل مع كتلة جامدة من الكلمات، بل مع مسارات ومقتضيات محتملة، تفتح أمامه إمكانات مختلفة للفهم والتأمل والتخيل. إنّ النصّ، مهما بدا محدودًا في عدد صفحاته، يحتوي على “مسارات” فهم كثيرة لا تظهر دفعة واحدة، بل تنكشف في ضوء تجربة القارئ، وسياقات المعنى لديه، وأفق النص.

هذه الرؤية تجعل من القراءة حركة مزدوجة: من الخارج إلى الداخل، ومن الداخل إلى الخارج. من الخارج، لأنّ القارئ يتلقى كلمات وصورًا وأفكارًا لم تصدر عنه؛ ومن الداخل، لأنّ هذه العناصر لا تكتسب معناها إلا حين تمر عبر خبرته الخاصة، وتتقاطع مع ذاكرته وألمه وآماله وهواجسه. وبهذا يمكن القول: إن القارئ لا “يفهم” النص وحسب، بل “يعاشره ويستضيفه”، يعيش معه زمنًا، ويتعرّف من خلاله إلى جزء من ذاته لم يكن قد رآه من قبل.

من هنا تنشأ أهمية القراءة كفعل حرية ومسؤولية في الوقت نفسه؛ فالقارئ يستطيع أن يقرأ قراءة سريعة، سطحية، لا تبقي أثرًا عميقًا في ذاته، كما يستطيع أن يقرأ قراءة متأنية، تتوقّف عند العبارات والمفاهيم والإشارات، وتسمح للنص بأن يعمل فيه عملًا حقيقيًا. النوع الأول لا يغيّر القارئ بتاتا وإلا قليلاً، والنوع الثاني يعيد تشكيل رؤيته للعالم ولذاته، وربما يبدل وجهة حياته كلها. لهذا لا تُقاس القراءة بعدد الكتب، بل بنوع العلاقة التي نقيمها مع ما نقرأ.

في ضوء هذا كله، يغدو من المشروع أن نستفهم: ما موقع التجربة القرآنية في هذا الأفق الواسع للكتابة والقراءة؟ فالوعي الإسلامي تشكّل، في جانب كبير منه، حول نصّ مؤسس هو القرآن الكريم؛ نصّ لا يُنظر إليه على أنه كتاب من بين الكتب، بل كلمة إلهية للإنسان، نزلت “ قلب النبي” و”قرأها اللسان” في آن واحد. إنّ أول ما يلفت الانتباه هنا هو افتتاح الوحي بكلمة ذات دلالة قصوى: «اقرأ»  .

هذا الأمر ليس مجرّد دعوة إلى الثقافة أو الحثّ على التعلّم، بل هو تأسيس لعلاقة مخصوصة بين الإنسان والكلمة. القراءة هنا ليست فعلاً عرضيًا، وإنما هي من صميم الوجود الإنساني كما يُراد له أن يكون: وجودٌ قائم على التأمل والتذكر والتفكر. كما أن تسمية النصّ المقدّس بـ «القرآن» تعيد التأكيد على هذا المعنى؛ فالاسم نفسه يحيل إلى الفعل: إلى القراءة، وإلى التلاوة، وإلى إعادة النطق بالمعنى في الزمن، بحيث لا ينقطع الحوار بين الإنسان والوحي.

من هذا المنطلق يمكن فهم أنّ النصّ القرآني لا يُعرَّف فقط بما هو مكتوب في المصحف، بل بما هو مقروء في حياة المؤمن، أي بما يثيره من أسئلة وما يفتحه من آفاق للفهم والعمل. فالقراءة القرآنية ليست قراءة “محايدة”؛ إنها فعل تديّن، وفعل تأويل، وفعل تزكية للنفس أيضًا. القارئ لا يكتفي بأن يفهم اللغة، بل يسعى إلى أن يدخل النص في قلب حياته، وأن يقرأ ذاته والعالم من خلاله لذلك جاء في التراث الحديثي قول أم المؤمنين السيدة عائشة (رض) عندما سئلت عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) قالت: "كان قرآنا يمشي بين الناس".

هكذا لابد أن يلتقي البعد الروحي بالبعد الفلسفي: القراءة تتحوّل إلى تجربة حياتية وجودية، يعاد فيها تعريف الإنسان لذاته في ضوء كلمة يعتقد أنها تتجاوزه وتُقصيه عن مركزية ادعاء المعرفة المطلقة.

إذا جمعنا هذه الخيوط معًا، بدا أن فنّ الكتابة ومعنى القراءة يشكلان معًا جدلية دقيقة بين الإبداع والإنصات. الكتابة، من جهة، فعل إبداع وابتكار؛ يبتكر فيه الإنسان نصوصًا لم تكن موجودة قبل أن يخطّها، يضيف بها إلى العالم “معنى” آخر، في شكل قصص وأفكار ونظريات وخطابات ورؤى. بهذا المعنى، تتحقق للإنسان عبر الكتابة قدرةٌ على المساهمة في صياغة الذاكرة الثقافية للبشرية، وعلى ترك أثرٍ يتجاوز زمنه الفردي. غير أن هذا الإبداع لا ينشأ من فراغ، ولا يتم في فضاء الرؤية المطلقة؛ فالكلمة التي يُبدعها الكاتب هي أيضًا ثمرة إنصات طويل للغة والتاريخ والروح والواقع والإنسان والحياة والله..

ثم القراءة، من جهة أخرى، فعل إنصات عميق، ليس للكاتب فحسب، بل لما يتجاوز الكاتب في نصّه. هي إنصات للكلمة وهي تكشف عن طبقاتها المتعددة من المعنى، وإنصات لما يتولّد في داخل القارئ من أسئلة وأحاسيس واستجابات. لكن القراءة ليست إنصاتًا سلبيًا؛ إنها تشارك في الإبداع أيضًا وتلتحق بقافلته بمعية الكتابة، إذ إن كل قارئ يضفي على النص لونًا خاصًا من الفهم، وبصمة خاصة من التأويل، فيخلق بذلك “نصّه” هو داخل النص الأصل. وهكذا تصبح القراءة ضربًا من إعادة الكتابة الصامتة، وتغدو الكتابة ضربًا من القراءة الأولى للعالم.

في هذا الجدل بين الكتابة والقراءة تتأسّس مسؤولية الإنسان في تعامله مع الكلمة. فالكاتب مسؤول عن اللغة التي يطلقها في العالم: هل تفتح آفاقًا للفهم والنقد والبناء، أم تعمّق الخداع والتسطيح؟ هل ترتقي بالذائقة وبالوعي، أم تكرّس الابتذال والعنف الرمزي؟ والقارئ كذلك مسؤول عن الطريقة التي يستهلك بها النصوص أو يثمرها: هل يكتفي بالمرور السريع عليها، أم يمنحها من نفسه ما يجعلها تتحول إلى تجربة داخلية مؤثّرة؟

من هنا يمكن القول إنّ المجتمعات لا تُقاس فقط بعدد الكتب التي تُنشر فيها، بل بنوع العلاقة التي تنسجها مع الكلمة؛ بنوعية الكتابة السائدة، ونوعية القراءة الممكنة. مجتمع يزدهر فيه فنّ الكتابة بمعناه العميق، ويتربّى فيه الناس على قراءة جادة، متأنية، ناقدة، سيكون لا محالة مجتمعًا أكثر قدرة على التفكير في مصيره، وعلى مراجعة مساراته، وعلى ابتكار مستقبله.

يتبدّى أنّ فنّ الكتابة ومعنى القراءة، في أفقهما الأقصى، ليسا فصلين من فصول الثقافة فحسب، بل هما من أسس الوجود الإنساني ذاته. نحن لا نكتب لكي نملأ الفراغ، ولا نقرأ لكي نقتل الوقت؛ نحن نكتب لكي نفهم ونُفهِم، ونقرأ لكي نرتقي بفهمنا إلى ما بعد حدود خبرتنا الضيقة أمام فضاءات الخبرات الإنسانية. وبين لحظة يمسك فيها إنسان بقلم، ولحظة يفتح فيها آخر كتابًا، تتشكّل قصة الحضارة كلها: قصة الكائن الذي اختار أن يسكن الكلمة، وأن يبحث فيها عن معنى نفسه ومعنى العالم ومعنى ما يتجاوز العالم، هنا تلتقي اقرأ بنون والقلم وما يسطرون..

***

مراد غريبي

 

من الملاحظ أن مصطلحات التنوير والفكر التنويري، وعصر التنوير وحركة التنوير وفلسفة التنوير، يتم تناولها بكثرة في الفكر العربي، وهي على الأغلب تستعمل كمترادفات تحمل نفس المفهوم أو المعنى. ويبدو أيضاً أن البعض من أفراد المجتمع العربي لا يعرف المغزى أو المفهوم لهذه المصطلحات، فتثار مثلاً تساؤلات عن ماهية التنوير وكيف يعمل التنوير أو كيف يمكن أن نستنتج وجود حالة التنوير في مجتمعنا أو انعدامها فيه، وما هي آليات التنوير؟ وما هو دور التنوير في الفكر العربي، وغالباً ما يكون من دون جواب واضح وشافي. هناك تساؤلات ونقاشات وحوارات كثيرة أثيرت حول التنوير في المؤلفات والكتب والندوات لكنها لم تضع صورة يتفق عليها الجميع بل نوقشت بشكل آراء مختلفة على الساحة الثقافية الفلسفية ولم تكن كافية أو شافية لأفراد المجتمع ليفهموا معنى التنوير بشكل واضح وصحيح.

فما هو التنوير وكيف يعمل؟ 

الفيلسوف إيمانويل كانط (1724م - 1804م) في رسالته المشهورة "ما هو التنوير" عرّف التنوير بأنه "خروج الإنسان من حالة القصور الذي اقترفه بحق نفسه من خلال عدم استخدامه لعقله إلاّ بتوجيه من إنسان آخر، ليس بسبب نقص في الذكاء بل بسبب نقص في العزيمة والشجاعة". ويعزو كانط حالة القصور هذه لسببين أساسيين، أحدهما هو الكسل والملل والآخر هو عامل الخوف فيه. ودليله على ذلك أن هناك من الناس مَن لا يبالي باستخدام العقل (بسبب الكسل أو الخوف)، لأن هناك غيره من الناس من يقوم بهذا العمل بدلاً عنه، أي التفكير في حل المشاكل المثارة في المجتمع. فتكاسُل الناس عن الاعتماد على أنفسهم في التفكير جعلهم متخلّفين، وأعطى الفرصة للآخرين لاستغلالهم بسبب عامل الخوف فيهم.

وقد اتخذ كانط شعاراً للتنوير يقول فيه " تحلّ بالشجاعة لاستخدام عقلك بنفسك". ولابد أيضاً من ذكر مقولة كانط المشهورة عن التنوير ويعني "خلاص الإنسان من سذاجاته التي جلبها على نفسه". ويعتقد كانط أن التنوير عملية مستمرة لا تتوقف بمرور الزمن، ويتساءل "عما إذا كنّا نعيش حالياً في عصر التنوير، فتكون الإجابة "لا" ولكننا نعيش في عصر من التنوير". ويعتبر هذا التعريف لمصطلح التنوير هو الأكثر قبولاً عند الجميع.

وعرّف الفيلسوف الألماني موسى مندلسون التنوير بأنه "عملية تعليم الإنسان التدريب على استعمال العقل".

ويتضح من هذين التعريفين أن استعمال العقل هو النقطة المحورية في معنى التنوير. وقد قيل أيضاً بأن التنوير هو حركة فكرية وثقافية تاريخية نشأت في أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. اعتمدت هذه الحركة الفكرية على استعمال العقل والمنطق كأدوات أساسية لفهم العالم وتحسينه بدلاً من الاعتماد على الخرافة والخيال (وقال البعض الآخر؛ بدلاً من الدين). 

وللتنوير علاقة واضحة بالدين عند المفكرين الأوروبيين أمثال فولتير وكانط وهيغل، فهم يدعون إلى إضعاف دور الدين (أو حتى إقصاءه إن أمكن) من التأثير والسيطرة على عقل الإنسان، ومنعه من استعمال عقله وجعله يؤمن ويصدق الخرافات والأساطير الكاذبة. لكن هناك من رفض هذه العلاقة وسماها "الوثنية الحديثة".

تميّز عصر التنوير (القرن الثامن عشر والذي سمي أيضاً بعصر العقل) بظهور ثورة فكرية وفلسفية شاملة في أوروبا وأمريكا عمّت كل المجالات في العلوم والمعرفة والفن والسياسة وغيرها. وعملت على تمجيد وإعلاء شأن العقل البشري ليكون الأداة الفاعلة لتوسيع المدارك والمعرفة وتطور البشرية. فتنوّرَ العقل الأوروبي والمجتمع الأوروبي، وأصبح الفرد الأوروبي محباً للعلم والمعرفة ومنتجاً للأفكار الخلّاقة المبتكرة. وتغيّرت ثقافة المجتمع الغربي من مجتمع متخلّف إلى مجتمع متحضّر. فانتشرت بينهم ثقافة التسامح والمحبة والتعايش بسلام، وإعلاء قيمة الإنسان وحريته...الخ 

من كل ذلك يمكن أن نقول إن التنوير هو الإيمان بقدرة العقل البشري القادر على أن يغيّر المجتمع نحو الأفضل ويخلّص المجتمع من العادات والتقاليد والأعراف البالية، ويوسّع المدارك والعلوم والمعرفة، ويعطي أفكار ونماذج جديدة تعيد الحياة للمجتمع.

في اللغة العربية، يمثل مصطلح التنوير التعريب للكلمة الإنكليزية    ENLIGHTENMENT والتي تمثل المصطلح الأصلي للتنوير. والتنوير كما هو معلوم، ظاهرة أوروبية أحدثت نهوضاً واضحاً في المجتمع الغربي، ثم انتقلت إلى الفكر العربي في القرن العشرين من خلال تفاعل المفكرين العرب مع الفكر الغربي. والتنوير مأخوذة من الفعل نوّر. والنور هو الضوء والضياء الذي ينير العقل والقلب. وتنوير العقل يعني توسيع مداركه، وهو مفهوم ومعروف في اللغة العربية.

كيف يدرِّب الإنسان نفسه على استعمال العقل؟

إذا كان الفلاسفة والمفكرين يعرفون كيف يدربون أنفسهم على استعمال العقل، فإن غالبية الناس لا يعرفون ذلك. وحيث أن التنوير لا يجب أن يقتصر على الفلاسفة والمفكرين، لأن الهدف من التنوير هو أن ينتشر لكل أفراد المجتمع كي يتنور المجتمع، لذلك فإن التساؤل عند الناس عن كيفية التدريب على استعمال العقل يكون مشروعاً. وهو وسؤال محيّر لكثير من الناس. فقد يقول بعض الناس بأننا بشر ونملك العقل، وبه نعمل ونتعايش مع المجتمع وأفراده، وباستعمال العقل ندير حياتنا اليومية كما نشأنا عليها وتربينا عليها، فكيف نُدرّب أنفسنا على استعمال العقل ونحن نستعمله يومياً؟

نذكّر هنا بمقولة ديكارت "لا يكفي للمرء أن يكون عنده عقل بل يجب أن يحسن استخدامه" وهذا يشير إلى تشخيص مشكلة أو حالة عدم حسن استعمال العقل عند الناس منذ بداية عصر النهضة. وقد وضع ديكارت ومن قبله ابي حامد الغزالي منهاجهم العقلاني في استعمال العقل باستخدام الشك الفلسفي للوصول إلى الحقيقة. وهذا المنهج يمثل أحد الأساليب التي يمكن اتباعها في تحسين استعمال العقل. وحسب مفهوم كانط للتنوير، فإن الإنسان لا يجب أن يكون سلبياً في تلقي المعلومة المعرفية فيصّدق كل ما يقال له، وألّا يبالي بتحري الحقيقة باعتبار أن هنالك غيره من البشر ممن يسعَون لنشر وتصحيح الأفكار، بل يجب أن يَعرف كلّ إنسان أنه فرد من هذا المجتمع، وعليه المشاركة في الحوارات والنقاشات وطرح وابتكار الأفكار حتى لو لم تكن بصورة علنية (أي بينه وبين نفسه)، فهذا يعزز ثقته بنفسه ويوسع مداركه.

يمكن للإنسان أن يدرب نفسه على استعمال العقل عن طريق التفكير في كل خطوة أو كل عمل يقوم به، أو مراجعة وتدقيق كل معلومة أو خبر يُعرض عليه، وذلك بالتحقق من صحته. هنالك البعض من الناس يكون أسيراً للمعلومات التي يقرؤها في الكتب أو المقالات، أو يسمعها في الحوارات والنقاشات، فيسارع لتصديقها من دون أي جهد للتحقق من صحتها، وهذا بالطبع موقف سلبي. لكن يجب عليه أن يكون إيجابياً في التعامل مع مثل هذه المواقف ويتقبّل المعلومات التي تتوافق مع أفكاره وليس لأنها قيلت من قبل عالم مشهور أو مفكر معروف أو غير ذلك. فالتفكير هو تمرين العقل، ينمّي العقل ويوسع آفاقه. وبالطبع فإن هذا المنهج يحتاج إلى الجهد والمثابرة والإصرار على فعله، كما يحتاج إلى الشجاعة للجهر به.

كيف حصل التنوير في المجتمع الأوروبي؟

يؤكد بعض الناس على إن التنوير هو الطريق الصحيح لنهضة المجتمع العربي، ويحث على استعماله لتحقيق النهضة، وكأن التنوير سلعة تُشترى من الأسواق وتطبّق حسب التعليمات المرفقة به، وطبعاً هذا غير صحيح. فالتنوير هو مصطلح ظهر في أوروبا في القرن الثامن عشر، واصفاً الحالة الفكرية والمتطورة التي وصل إليها المجتمع الأوروبي، وكان ذلك نتيجة الجهود المضّنية والذكية التي قام بها رواد النهضة الأوائل أمثال ديكارت وسبينوزا ولوك وتوماس هوبز ومارتن لوثر وغيرهم، خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر. فقد شخّص هؤلاء الفلاسفة العظام حالة المجتمع الفكرية المتخلّفة وعملوا على تغييرها لإخراجهم من الظلام إلى النور، أي تنوير العقول.

فالإصلاح الديني اللوثري الذي بدأ عام (1517م) مصحوباً بالاكتشافات العلمية لكوبرنيكوس وغاليليو، استطاع أن يقنع الناس بفساد الكنيسة ومحاربتها للعلم والتقدم، وهذا ما أضعف سلطة الكنيسة وقلل من سيطرة رجال الدين على عقول الناس. وكذلك دعا ديكارت إلى استخدام منهج الشك الفلسفي لمعرفة حقيقة الأشياء ودعا إلى استعمال التفكير المنطقي العقلاني. وكتب جون لوك رسالته في التسامح ليقضي على التطرف الديني والاقتتال المذهبي. وعمل آخرون كثيرون غيرهم على توعية أفراد المجتمع الأوروبي بمنطق وحجج عقلانية مقنعة حازت على رضا الناس، فاقتنع الناس بها وعملوا بها. هذه أمثلة على الجهود المضنية التي قام بها رواد النهضة الأوائل في أوروبا لتعبيد الطريق المؤدي للتنوير وأثمرت نتائجها في القرن التالي.

وبحلول القرن الثامن عشر بدأ الناس يستخدمون المنهج العقلاني في التفكير. واستمر فلاسفة هذا العصر أمثال فولتير وروسو وكانط بإكمال المسيرة، فنشر روسو نظريته في العقد الاجتماعي عن حرية الفرد والمجتمع، وقال باستبدال الحرية المطلقة للفرد بحرية مدنية أخلاقية أساسها تنازل الأفراد عن حقوقهم الطبيعية للمجتمع ككل. وكتب مونتسكيو كتابه "الرسائل الفارسية" كاشفاً العادات السيئة للمجتمع الفرنسي في ستين رسالة لستين حالة سيئة من عادات المجتمع، ودعا لنبذها والتخلص منها. ونشر مونتسكيو أيضاً كتابه المشهور "روح القوانين" ودعا فيه إلى فصل السلطات والعمل بالدستور واحترام القانون. أما نيوتن فكان دوره رائداً في القوانين الرياضية والحركية والفلسفة. ودائماً يذكر ديدرو مؤلف الموسوعة العالمية (الانسايكلوبيديا)، وساعدهم في ذلك وجود قائدين عظيمين هما ملك بروسيا فردريك الثاني وكاترين الثانية امبراطورة روسيا. فانتشر حب العلم والمعرفة عند الناس وحب القراءة، وتنوّر المجتمع.

كان الناس في القرن الثامن عشر يجتمعون كل يوم في المقاهي والنوادي والبيوت والصالونات وكل مكان يصلح للاجتماع، رجالاً ونساء، يناقشون فيه كل ما ينشر من المقالات والكتب والآراء المطروحة للتداول حتى سمي هذا القرن "بعصر الصالونات"، حيث أصبح الناس محبين ومتلهفين للعلم والتعلّم والمعرفة. نتيجة لذلك، أصبح المجتمع متنوّراً. تعلم الناس ثقافة التسامح واحترام الإنسان ورأيه وعقيدته (وإن كانت مخالفة لعقيدتهم)، وامتنعوا عن تكفير المذاهب والاقتتال بينهم، واحترموا القانون وأطاعوه. وتم تحديد سلطة الحاكم للتخلّص من الدكتاتورية والطغيان والفساد. كل ذلك تمّ بالجهود الحثيثة للفلاسفة والمفكرين من رواد النهضة والقادة السياسيين المتنوّرين وهي جهود عظيمة متواترة ومتواصلة. 

من كل ذلك يتضح لنا أن طريق التنوير لا يتم بالدعوة إلى التنوير والكلام عن التنوير فقط، بل يحتاج إلى من يسلكه ويقوده لتوعية المجتمع ونقلهم من حالة السبات والتخلّف واللامبالاة التي يعيشونها، إلى حالة جديدة من التفكير العقلاني المنطقي المبني على العلم والمعرفة.

هذا ما فعله الفلاسفة والمفكرون الأوروبيون لتنوير عقول أفراد مجتمعهم وليس فقط الدعوة إلى التنوير، فماذا فعل فلاسفتنا ومفكرينا لتنوير المجتمع؟

ما هو دور التنوير في الفكر العربي؟

قد لا يختلف اثنان على إن التنوير لم يحصل في الفكر العربي حتى الآن، ولا شك في أن الجميع يرغب في تنوير الفكر العربي وتنوير المجتمع العربي. وعلى الرغم من وجود عدد كبير من المفكرين والفلاسفة الكبار في المجتمع العربي إلاّ أن الفكر العربي مازال في حالة سبات وتخبط وفوضى. فهناك نقص كبير في الأفكار الأصيلة في ساحة الفكر العربي، وأقصد بالأفكار الأصيلة "الأفكار الجديدة المبتكرة غير المنقولة من آخرين"، وهناك أيضاً نقص كبير في الابتكارات الفكرية في ساحات الفكر العربي بصورة عامة. فقد خَلَت الساحة الفكرية العربية من أي فكرة عربية أصيلة ومبتكرة، والتي ليس لها مثيل، ويتم طرحها من قبل مفكر عربي. فمعظم الأفكار، المطروحة والمتداولة للنقاش، إن لم نقل جميعها هي أساساً منقولة من أصل ثقافي غربي. وما زال الكثير من الكتب الثقافية العربية تتحدث، على سبيل المثال، عن سيرة فولتير أو سبينوزا أو تنقل ما قاله ديكارت أو جون لوك، باقتباس النص دون أن تُجري مناقشة جادة ومبتكرة للأفكار المطروحة من قبل هؤلاء الفلاسفة الغربيين لتوضيح مدى صلاحيتها أو تناسبها مع المجتمع الشرقي على سبيل المثال لا الحصر، أو حتى تطويرها أو نشر نسخة معدّلة مشابهة للأصل لكن مناسبة للمجتمع العربي. ومازال الفكر النقلي المُقلّد مسيطر على ثقافتنا، ونحتاج أن نتعلم ثقافة الفكر النقدي الإبداعي المُبتَكر لأفكار جديدة وأصيلة.

يمكننا القول إن الدين الإسلامي قد عمل على تنوير عقول المسلمين الذين آمنوا به. فعندما بشّر الرسول محمد (ص) بالدين الإسلامي واعتنقه المسلمون وعملوا بتشريعاته تنوّرت عقولهم بالإسلام. فبعد إن كانوا قوماً أهل جاهلية يعبدون الأصنام، ويأكل القوي منهم الضعيف ويأتون الفواحش ويقطعون الأرحام، أصبحوا (بعد إسلامهم) يَصْدقون الحديث ويؤدون الأمانة ويصلون الرحم، ويحسنون الجوار والكف عن المحارم والدماء (حوار جعفر بن ابي طالب مع النجاشي)، وتخلّوا عن وأد البنات. وهذا مثال واضح لتنوير الإسلام لعقول المسلمين.    

ولقد أبدع الفلاسفة والعلماء العرب القدماء أمثال ابن رشد وابن سينا وابن خلدون وكثيرون غيرهم في عصر الحضارة الإسلامية الذهبي ونجحوا في تنوير مجتمعهم. فقدموا أفكاراً جديدة وابداعية في مختلف مجالات الفلسفة والعلوم مما حدا بالأوربيين إلى أن يدرسوها ويعتمدون عليها في نهضتهم. فلكي يتنوّر الفكر العربي وينهض من تخلّفه الحالي، فإنه يتعيّن على الفلاسفة والمفكرين العرب أن يكتبوا وينشروا ويدعوا الناس إلى اعتماد ثقافة المحبة والتعاون والتسامح مثلاً، وأن يتم ذلك باستعمال حجج وأساليب منطقية وعقلانية غير متحيّزة لجهة ما، بحيث يفهمها الناس ويقتنعون بها وبالتالي سيعملون بها. وبنفس المنطق والطريقة أو الأسلوب يدعون الناس إلى احترام الإنسان كقيمة عليا واحترام الرأي والعقيدة أو المذهب، حتى وإن كان مخالفاً لعقيدتهم، والتعايش بسلام. وتعليم الناس أهمية الحرية والقانون والعمل به. والعمل على تقييد سلطة الحاكم ومحاربة الفساد، وغيرها مما يؤدي إلى مجتمع متنوّر بعقول متنوّرة. 

ملاحظات ختامية عن التنوير

هنالك من يدافعون عن التنوير بشدة ويروّجون له باعتباره المسار الوحيد والأفضل لنهضة المجتمع العربي، لكنهم لم يقدموا شيئاً عن كيف يتم التنوير وكيف ينتشر التنوير في مجتمعنا. وكما هو معلوم فإن تنوير العقل يعني حَث الفرد على استعمال العقل بطريقة أحسن وأفضل مما هي عليه، ويتم ذلك بتعليم الناس كيف يتم ذلك، وهذا هو دور من يدعون للتنوير. 

ولأن التغيير يأتي من الداخل، فالرسالة الختامية هي "استعمل عقلك وفكر في كل شيء، وكن شجاعاً وأفصح عن رأيك".

***

د. صائب المختار

 

لقد أزاح الغرب الدين من المجال الاجتماعي حين عظمت التناقضات بين البراديغمين الديني والعلمي، وحين ثبت للطبقة البورجوازية الصاعدة أن الكنيسة ورجال الدين ليسوا سوى آليات لاستدامة الاقطاع. حلّت المنظومة التنويرية محل الدين وأصبح العلم هو الإله الجديد، فلا شيء في هذا الكون يمكن أن يسبح خارج فلك العلم.

حقق الغرب نقلة حضارية مبهرة وهيمن على العالم كله بفضل إنجازاته الحضارية، لكنه ما فتئ أن تحولت مكتسباته إلى نكسات وأزمات كشفت الجانب المظلم للحضارة الغربية. جاءت الحرب العالمية الأولى، ثم هيمنت الفاشية والنازية على عرش السلطة، تلتها بعد ذلك حرب عالمية ثانية، ثم أزمة تعددت أبعادها وكثرت مسمياتها قادها الشباب في أواخر ستينيات القرن العشرين. هذا من الناحية السياسة والاجتماعية، أما من الناحية المعرفية فقد شهد المجال العلمي البحت أزمة زعزعت عالم الكّم الذي شُيدت على أسسه الحضارة الحديثة، ثم تلتها أزمة العلوم الإنسانية التي كانت تقتفي آثار العلوم الدقيقة.

كل هذه الأزمات لخصها المفكر الفرنسي، العصي على التصنيف، (رينيه غينون René Guénon)، أو الشيخ عبد الواحد يحي، في كتاباته المختلفة، وعلى وجه الخصوص، كتابه المعنون بـ " أزمة العالم الحديث"، في تخلي الحضارة الغربية الحديثة عن الجانب الروحي وتنكرها للمبادئ الأخلاقية كمنبع للقوانين والمؤسسات.

هذه السردية أصبحت بمثابة عزائنا الوحيد فيما نعانيه من تخلف ومشكلات اجتماعية. فالتيار الذي يتشبث بالحل الإسلامي لازال يحاول تبرير موقفه هذا بالانحدار الأخلاقي والتفكك المجتمعي الذي بات يعاني منه الغرب. إلا أننا، ومن ناحية أخرى، لازلنا مفتونين بمنجزات المجتمعات الغربية على المستويين السياسي والاجتماعي... لماذا هذا الافتتان؟ لأننا على يقين أن الغرب استطاع إلى حدّ ما إيجاد حلول للعديد من مشكلاته الاجتماعية عن طريق الابداع وفسح المجال للمحاولات الفردية ومنح الفرصة للمتميزين والمتفوقين لتولي المناصب القيادية، وهي الحقيقة الغائبة في مجتمعاتنا.

يشتمل الدين على شقين: شق تعبدي فردي، وشق مجتمعي، أو ما يسمى في لغة أهل الدين: فقه المعاملات. يستعين المؤمنون بالجانب التعبدي لبناء مجتمع سوي بلا عيوب، وهذا بطبيعة الحال مطلبا مثالياً، فالتعاليم الدينية تحثهم على ذلك لأن الطبيعة البشرية تدفع الأفراد لإشباع رغباتهم ونزواتهم على حساب تجمعاتهم، صغيرة كانت أم كبيرة. وحتي نحن الذين نؤمن بأن الدين هو قارب النجاة، في الدنيا والآخرة، نخفق في تطبيق تعاليمه التي نعتمدها كمنهاج لحياتنا اليومية.

ما من شك في أن التعاليم الدينية جاءت لتهذيب أخلاق البشر وضبط غرائزهم الحيوانية، وهي تهدف في النهاية إلى بناء مجتمعات سوية، إلا أن تاريخ البشرية يثبت أن البشر، وإن كانوا يأملون في بلوغ مراتب الملائكة، إلا أن فطرتهم البشربة تشدهم إلى الأرض. فالدين لم يُتنزل ليخلق جنة في الأرض، بل ليَعد المؤمنين أن الخير الأسمى لن يتحقق إلا في جنة الخلد.

الدين يدعو إلى السمو، إلى الصفح والتسامح، إلى العفو والإحسان، إلى إزالة الأحقاد والضغائن، إلى المحبة والإيخاء...لكن لو بحثنا عن هذه القيم في مجتمعاتنا العربية الإسلامية فلن نجد إلا نقائضها، إلا ما ندر، وهذا دليل على أن التعاليم الدينية وحدها لن تصنع مجتمعات سوية، وكما ورد في الأثر: يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

جاء الدين ليوجه السلوك البشري فيما بين إعمار الأرض والزهد فيها، وهذا ما عصي على الفهم البشري، فكيف نُفني أنفسنا لصناعة مباهج الدنيا ثم نُأمر ألا نحبها. ترويض النفس على إعمار الأرض يُجبلها على حب متاعها، أما الدين فيطلب من الإنسان أن يتجرد من هذه العلاقة السببية لا لكي يحرمه من متعتها، بل لكي يذكره بأن فطرته ترنو إلى الخلود، أما متاع الدنيا فليس سوى لذّات وشهوات ظرفية زائلة وأن تعلقه بها سوف يُضنيه ويرهقه.

أعتقد أنه من المستحيل أن نجعل من التعاليم الدينية قانوناً أرضيا لإصلاح المجتمعات وتنظيمها، وإلا سنضطر لأكراه الناس على حب الله والآخرة وهذا ما يرفضه الدين في الأساس. لن تصلح المجتمعات إلا بالعدل البشري، ولن تنزل علينا حلولا جاهزة من السماء لمشاكلنا الأرضية إلا من خلال ما أـودعه الله في عقول البشر.

العقل البشري مزود بقابلية للتطور كلما تعقدت أساليب الحياة من حوله. فكلما وجد هذا العقل مساحة خصبة وبيئة محفزة على الابتكار تضاعفت فاعليته لإيجاد حلول للمشكلات الاجتماعية التي تزداد تعقيدا مع الزمن. وما جاء الدين إلا ليفسح للعقل البشري هذا المجال، وحين يساهم التديّن في تعطيل فاعلية الأفراد فاعلم أن هناك خلل في فهم الدين ممارسته. 

الدين لا يشتمل على حلول دنيوية جاهزة، بقدر ما هو منهاج ومسلك آمن يرسم الحدود للبشر ليضمن لهم النجاة في الدنيا والآخرة، وليدفع أذى بعضهم عن بعض. فالدين، من هذا المنظور، هو المشتلة التي تُنتج الفرد الفعال القادر على خلق المعجزات الدنيوية ضمن براديغم إعماري يبدأ بخشية الله وينتهي بحبه.

 أما نحن فقد اختزلنا الدين في مجرد طقوس تعبدبة ننتظر من ورائها تحقيق المعجزات، ونبرر لجوءنا للحلول الغربية على أنها تسخير من الله. فنحن نستخدم الدين لا كرابط اجتماعي ولا كضابط لسلوكاتنا ومعاملاتنا، بل كطقوس وعادات خالية من كل بعد روحي. نمارس الطقوس الدينية طلبا للمعجزات وننتظر حلا من السماء لمشكلاتنا الاجتماعية. نتوسل بطرق وأساليب ساذجة، نُصبغ عليها طابعا دينيا، لحل مشاكل عويصة ومعقدة، تماما كالذي يعالج مرضا يتطلب عملية جراحية معقدة بمرهم يُدهن فوق الجلد.

نغتبط حين يمدح الآخر ثقافتنا ونتلهف لسماع اعترافات بعضهم بفضل حضارتنا على حضارتهم، ونطير فرحاً حين يعتنق الأجنبي الإسلام، لأننا نبحث دوما عن تبريرات نوهم بها أنفسنا بأننا على حق، وأن الكون كله مسخر لنا، لا لشيء إلا لأننا عرب ومسلمون. نفرغ شحنات الهيمنة الغربية علينا، في كل يوم جمعة، بالدعاء على الكفار والمشركين، ونعطّل فاعليتنا بالدعاء والرجاء كي يُبلّغ الله مقاصدنا ويحقق أمانينا وأحلامنا.

 نصبّ جام غضبنا على الكفار والمشركين بدعوة أنهم مارقين عن الدين، لكننا نعيش على ما ينتجون ونقتفي آثارهم ونتبنى مناهجهم وحلولهم لمشكلاتنا الاجتماعية.

أصبح الدين عندنا عامل تفرقة لا عامل توحيد، فالمذاهب والفرق والطوائف ما فتأت تزداد وتتكاثر منذ الفتنة الكبرى إلى يومنا هذا. أما الأحزاب السياسية الإسلامية فلم يعد همها البحث عن حلول للمشكلات الاجتماعية بقدر ما أصبحت تهتم بالوصول إلى السلطة أو التحكم في جزء منها.

قد يكون الدين مفتاحا سحريا لجميع مشكلاتنا الاجتماعية إذا كان العالم كله يَدين بدين واحد ويمتلك ثقافة واحدة، وإلا فسيتحول الدين إلى عامل تفرقة ومصدراً لكل المحن والأزمات.

***

د. تركي لحسن

 

مقدمة: اثناء قراءتي لكتاب فاطمة المرنيسي "شهرزاد ترحل الى الغرب" (1)، وجدت نفسي أمام مفهوم عميق ومثير للتفكير في الصفحة 231، وهو مفهوم العنف الرمزي كما يطرحه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في كتابه "الهيمنة الذكورية" (2). هذا المفهوم استوقفني طويلا، لأنه يكشف عن اشكال خفية من السيطرة والقهر لا تعتمد على القوة المادية المباشرة، وانما تعمل عبر الرموز والثقافة والخطابات السائدة في المجتمع.

ما زاد اهتمامي بهذا المفهوم هو ملاحظتي لتقاطع واضح بين ما يقدمه بورديو وبين الطرح الذي تقدمه الكاتبة النسوية الامريكية ناعومي وولف في كتابها "اسطورة الجمال" (3)، خاصة كما يظهر في الصفحة 230 من كتاب فاطمة المرنيسي. فقد وجدت ان كلا بورديو وناعومي يتناولان الية مشتركة للسيطرة على النساء، وان اختلفت التجليات والسياقات.

يطرح بورديو فكرة ان العنف لا يكون دائما ماديا او مرئيا، فهناك عنف يمارس عبر الثقافة والقيم والتربية، يجعل المهيمن عليهم يقبلون بهيمنتهم ويعيدون انتاجها دون وعي. اما وولف فتكشف كيف ان معايير الجمال المفروضة على النساء ليست مجرد تفضيلات شخصية، وانما أداة سلطوية تستخدم لضبط النساء والسيطرة على أجسادهن وحياتهن.

هذا التقاطع بين الطرحين يقودنا الى فهم أعمق لكيفية عمل الهيمنة الذكورية في سياق النظام الرأسمالي، حيث يتحول جسد المرأة الى موقع للاستثمار الاقتصادي والسيطرة الرمزية في ان واحد. من هنا تأتي أهمية البحث في هذا الموضوع وفهم الياته المعقدة.

اولا: العنف الرمزي والهيمنة الذكورية

يرى بيير بورديو ان العنف لا يقتصر على اشكاله المادية المباشرة، فقد يتخذ شكلا غير مرئي يمارس عبر الرموز والمعاني والثقافة، وهو ما يسميه بالعنف الرمزي. يتميز هذا العنف بكونه ناعما وغير محسوس، اذ يمارس من خلال اللغة والتعليم والدين والاعلام والعادات الاجتماعية، دون اللجوء الى الاكراه الجسدي.

تكمن خطورته في انه غالبا ما يقبل من قبل الافراد الذين يتعرضون له، لأنهم يدركونه على انه أمر طبيعي او بديهي. يعمل العنف الرمزي عبر فرض انماط محددة من التفكير والتقييم تجعل العلاقات غير المتكافئة تبدو مشروعة، مما يؤدي الى اعادة انتاج الهيمنة الاجتماعية دون وعي صريح بها.

في هذا الإطار، يطور بورديو مفهوم الهيمنة الذكورية على انه نموذج واضح للعنف الرمزي. فالهيمنة الذكورية لا تقوم فقط على السيطرة المادية للرجال على النساء، لكنها تتكرس اساسا عبر البنى الرمزية والثقافية التي تجعل التفوق الذكوري يبدو طبيعيا ومشروعا.

منذ الطفولة، يكتسب الافراد تمثلات ذهنية وادوارا اجتماعية تعيد انتاج تقسيم ثنائي بين الذكوري والانثوي، حيث يقترن الذكوري بالقوة والعقل والقيادة، بينما تقترن الانثوية بالضعف والعاطفة والتبعية. لا يفرض هذا النظام من قبل الرجال وحدهم، فالنساء ايضا يشاركن في اعادة انتاجه من خلال ما يسميه بورديو بالهابيتوس، اي منظومة الاستعدادات الذهنية والجسدية المتجذرة في التجربة الاجتماعية.

وهكذا تتحول الهيمنة الذكورية الى نظام اجتماعي راسخ في اللاوعي الجمعي، يعاد انتاجه يوميا عبر الممارسات العادية والخطابات السائدة، من دون الحاجة الى عنف مباشر. يؤكد بورديو ان تفكيك هذا النوع من الهيمنة يتطلب وعيا نقديا بالبنى الرمزية التي تدعمه، لان مقاومته لا تتحقق فقط بتغيير القوانين او الشروط المادية، ولكن ايضا بتغيير طرق التفكير والتصنيف التي تجعل اللامساواة مقبولة ومستدامة.

ثانيا: الهيمنة الذكورية في سياق النظام الرأسمالي

يشير بورديو في كتابه الى ان الهيمنة الذكورية ليست مسالة طبيعية او بيولوجية، لكنها نظام اجتماعي وثقافي يعاد انتاجه عبر العنف الرمزي، اي عبر اشكال السيطرة غير المباشرة وغير المرئية التي تمارس من خلال اللغة والتقاليد والتربية والمؤسسات الاجتماعية، حتى تبدو سيطرة الرجل على المرأة أمرا طبيعيا ومقبولا.

في سياق النظام الرأسمالي، تشكل هذه الهيمنة أداة للحفاظ على ترتيب اجتماعي واقتصادي معين، اذ حصر دور النساء تاريخيا في المجال المنزلي ورعاية الاسرة، ما يوفر قوة عاملة منخفضة التكلفة للرجال في السوق، ويضمن استمرار توزيع العمل على نحو غير متكافئ.

يعتمد النظام الرأسمالي على شرعنة الرموز والقيم، وتسهم الهيمنة الذكورية في جعل الفصل بين أدوار الرجال والنساء يبدو أمرا طبيعيا، حيث يصور الرجل كمنتج قوي، والمرأة كمربية وراعية للمنزل. يسهل هذا الفصل استغلال القوى العاملة ويضمن استمرارية النظام الاقتصادي والاجتماعي من دون اللجوء الى القوة المباشرة.

ترتبط الهيمنة الذكورية ايضا بما يسميه بورديو رأس المال الرمزي، الذي يتحول الى شكل من اشكال السيطرة الاقتصادية والاجتماعية غير المباشرة، مثل حرمان النساء من فرص العمل، او خفض اجورهن، او الزامهن بأدوار منزلية غير مدفوعة الاجر.

وباختصار، يمكن القول ان العنف الرمزي الذكوري يشكل أحد أعمدة الشرعية الاجتماعية للرأسمالية، لأنه يجعل اللامساواة بين الجنسين تبدو طبيعية، ويضمن استمرار توزيع الموارد والسلطة على نحو يخدم النظام القائم.

ثالثا: اسطورة الجمال كشكل من اشكال العنف الرمزي

في كتاب "اسطورة الجمال"، تقدم ناعومي وولف مفهوم العنف الرمزي على انه شكل غير مباشر من القهر الذي يمارس على النساء عبر المعايير الثقافية للجمال، لا عبر القوة الجسدية او القوانين الصريحة. يعمل هذا العنف في هدوء، لكنه عميق الاثر، لانه يجعل النساء يشاركن في اخضاع أنفسهن من دون وعي.

ترى وولف ان اسطورة الجمال ليست مجرد تفضيلات جمالية، وانما هي نظام سلطوي برز في قوة مع تقدم النساء اجتماعيا واقتصاديا. فكلما حصلت النساء على حقوق وفرص اوسع، ازدادت القيود المفروضة عليهن عبر معايير جمال صارمة وشبه مستحيلة.

يتجلى العنف الرمزي هنا في فرض نموذج واحد للجسد الانثوي: جسد شاب، نحيف، خال من العيوب، قابل للاستهلاك البصري. يعمل هذا العنف من خلال الاعلام والاعلانات وصناعة الموضة والخطاب الطبي، حيث يقدم الجمال على انه قيمة اخلاقية وشرط للنجاح والحب والقبول الاجتماعي.

وهكذا يتحول الجسد الى مشروع دائم للمراقبة والتصحيح، وتتحول المرأة الى ناقدة قاسية لذاتها. الاخطر ان هذا الاخضاع لا يبدو مفروضا من الخارج، وانما يعاش كخيار شخصي ورغبة فردية.

توضح وولف ان العنف الرمزي لا يدمر النساء جسديا فقط، وانما نفسيا ومعرفيا ايضا، اذ يستنزف طاقتهن، ويقوض ثقتهن بانفسهن، ويزرع التنافس والعداء بينهن، ويبعدهن عن الفعل السياسي والابداعي. فالانشغال المستمر بالمظهر يتحول الى أداة لابعادهن عن القوة الحقيقية.

خلاصة القول، يكشف مفهوم العنف الرمزي في "اسطورة الجمال" كيف يمكن للثقافة ان تكون مجالا لقمع ناعم لكنه فعال جدا، وكيف يستخدم الجمال كسلاح غير مرئي لضبط النساء والحفاظ على اختلال موازين القوة، من دون الحاجة الى عنف صريح او قسر مباشر.

رابعا: العنف الرمزي كأداة رأسمالية: الجسد بين الهيمنة والربح

العنف ضد النساء لا يمارس دائما عبر الضرب او الاكراه المباشر، فغالبا ما يتخذ شكلا هادئا وغير مرئي، يتسلل عبر الخطاب والصورة والمعيار، ويقدم على انه ذوق عام او اختيار فردي. يشكل هذا العنف أحد الادوات الاساسية للنظام الرأسمالي في اخضاع النساء والسيطرة على أجسادهن.

في ظل الرأسمالية، يختزل جسد المرأة الى قيمة تبادلية، ويعاد تعريفه كسلعة قابلة للتسويق والتعديل والاستهلاك. لا ينظر اليه على انه جسد حي يحمل تجربة وذاكرة والما، وانما كواجهة بصرية تستثمر لتحقيق الربح.

تتولى الهيمنة الذكورية مهمة تطبيع هذا الاختزال، من خلال تحويل نظرة الرجل الى معيار عام للجمال، تقاس به قيمة النساء ومكانتهن الاجتماعية.

خامسا: الصناعة الثقافية وفرض النموذج الجمالي الواحد

تفرض الصناعة الثقافية نموذجا جماليا واحدا، عنيفا في اقصائيته، يتمثل في جسد شاب ونحيف وخال من العيوب وقابل للتشييء، او في وجوه خاضعة لعمليات تجميل مثل الشد والنفخ وتكبير الشفاه وتغيير الانوف، حتى تختفي الملامح الطبيعية ويظهر الشكل أقرب الى الدمية.

كما تروج لأجساد منحوتة عبر شفط الدهون وتكبير الصدور عبر السليكون او تكبير المؤخرة، وغيرها. لا يفرض هذا النموذج عن طريق القوة، وانما عن طريق التكرار والاغراء والابتزاز الرمزي.

حيث تتعلم النساء منذ الصغر ان أجسادهن ناقصة، وان عليهن اصلاحها على نحو مستمر، لا من اجل ذواتهن، وانما من اجل القبول والحب والاعتراف الاجتماعي.

سادسا: عمليات التجميل كعنف رمزي

تظهر عمليات التجميل هنا على انها أحد أكثر اشكال العنف الرمزي وضوحا. فهي ليست فعلا محايدا ولا خيارا فرديا بريئا، وانما نتيجة ضغط بنيوي عميق يجعل الجسد الانثوي مشروعا دائما للتعديل والتصحيح. يتم تقديم هذه العمليات في الخطاب السائد على انها وسيلة لتحسين الذات وتعزيز الثقة، لكنها في الحقيقة استجابة لمعايير مفروضة من الخارج، تحول المرأة الى كائن دائم البحث عن الكمال المستحيل.

تخضع النساء لعمليات جراحية مكلفة ومؤلمة ومحفوفة بالمخاطر، سعيا للاقتراب من نموذج جمالي مصطنع لا يمكن بلوغه حقيقة. تدخل المرأة في دوامة لا نهاية لها من التعديلات: شد الوجه، نفخ الشفاه، تصغير الانف، تكبير الصدر، شفط الدهون، وغيرها من الاجراءات التي تحمل في طياتها مخاطر صحية جسيمة ومضاعفات محتملة.

المفارقة المأساوية ان الالم يقدم على انه استثمار في المستقبل، والتشويه يسمى تحسينا وتجميلا. تتحمل المرأة معاناة جسدية ونفسية حقيقية، وتدفع مبالغ طائلة، وتخاطر بصحتها، كل ذلك في سبيل الاقتراب من صورة مثالية تفرضها صناعة الجمال والاعلام. وحين لا تحقق النتيجة المرجوة، او حين يظهر عيب جديد، تبدأ الدورة من جديد، في حلقة مفرغة من السعي وراء وهم الكمال.

سابعا: الامتناع عن الطعام، العمليات التجميلة والمخاطر الصحية

يعد الامتناع عن الطعام وتجويع الذات، كما في حالات فقدان الشهية العصبي، شكلا اخر من اشكال العنف الرمزي الذي تتعرض له اعداد كبيرة من الشابات، خاصة في مرحلة المراهقة.

تصاب بعضهن باضطرابات نفسية حادة يصعب التعافي منها، وتترافق مع مضاعفات صحية خطيرة، اضافة الى المخاطر المرتبطة بعمليات التجميل وحقن السيليكون، التي قد تزيد من احتمالات الاصابة بأمراض خطيرة مثل سرطان الثدي. كذلك استخدام الاظافر الصناعية ايضا تجارة مربحة، الا ان أحدث التقارير الصحية في دول الاتحاد الاوروبي تشير الى ان المواد المستخدمة في تصنيع هذه الاظافر قد تشكل خطرا كبيرا على صحة الاظافر.

ثامنا: الكلفة الجسدية والنفسية

يحمل هذا المسار كلفة جسدية ونفسية عالية ومتعددة الابعاد. على المستوى الجسدي، نجد أجسادا تخضع للتخدير والتقطيع والحقن، تتحمل الالم والنزيف والندوب، وتواجه مخاطر المضاعفات الطبية والتشوهات المحتملة. على المستوى النفسي، نجد نفوسا تستنزف عبر القلق المستمر وعدم الرضا الدائم عن الذات، ومن شعور مزمن بالنقص مهما بلغت درجة التغيير. الاخطر من ذلك ان الوعي نفسه يعاد تشكيله حتى يطبع الخضوع على انه تمكين، والقهر على انه اختيار حر.

فالمرأة لا تجبر فقط على تعديل جسدها وتحمل الالم والمخاطر، وانما ايضا على تبني خطاب كامل يبرر هذا العنف ويشرعنه تحت مسمى الحرية الشخصية والاختيار الفردي. تقول "انا اختار هذا لنفسي"، "هذا يجعلني اشعر بالثقة"، وكلها عبارات تبدو تحررية في ظاهرها. لكن المفارقة ان شروط هذه الحرية المزعومة لا تنتج من داخل المرأة نفسها، وانما تنتج داخل منطق السوق الرأسمالي الذي يحتاج الى استهلاك دائم، وداخل السلطة الذكورية التي تحدد معايير القيمة والجمال.

تاسعا: الرأسمالية وبيع كراهية الذات: حجم السوق الاقتصادي

الرأسمالية لا تبيع الجمال فقط، وانما تبيع كراهية الذات. كلما ازداد شعور النساء بالنقص، ازدهرت أسواق التجميل والموضة والطب التجميلي. وهكذا يتحول جسد المرأة الى موقع استنزاف اقتصادي دائم، تستخرج منه الارباح عبر تعميق اغترابها عن ذاتها.

تشير التقديرات الاقتصادية الى ان حجم السوق العالمي السنوي لمستحضرات التجميل بلغ حوالي 336-470 مليار دولار في عام 2024 (4)، وسوق الحمية وأدوية التخسيس حوالي 190-300 مليار دولار (5)، فيما بلغت صناعة الجراحة التجميلية حوالي 56-85 مليار دولار (6)، مع توقعات بارتفاع هذه الأرقام مستقبلا.

هذه الارقام الضخمة تكشف عن حجم الاستثمار الرأسمالي في جسد المرأة، وتؤكد ان تسليع الجسد الانثوي ليس مجرد ظاهرة ثقافية، وانما صناعة اقتصادية عملاقة تدر مليارات الدولارات سنويا. فالنظام الرأسمالي يحول اللامساواة بين الجنسين الى فرصة للربح، ويستثمر في ادامة القلق والنقص لدى النساء لضمان استمرار دورة الاستهلاك.

عاشرا: خاتمة

يتضح من خلال هذا التحليل ان العنف الرمزي ضد المرأة في النظام الرأسمالي ليس عنفا عابرا او عرضيا، وانما هو بنية منهجية متجذرة في صلب النظام الاقتصادي والاجتماعي.

في سياق الرأسمالية، يتحول هذا العنف الرمزي الى اداة اقتصادية فعالة، حيث يختزل جسد المرأة الى سلعة قابلة للتسويق والتعديل. ومعايير الجمال المفروضة ليست مجرد تفضيلات جمالية، وانما اليات سيطرة تستنزف طاقة النساء النفسية والمادية، وتبعدهن عن مواقع القوة والفعل السياسي.

الارقام الاقتصادية الضخمة لصناعات التجميل والحميات والجراحة التجميلية تكشف عن حجم الاستثمار الرأسمالي في ادامة هذا النظام. فالنساء لا يخضعن فقط لضغوط ثقافية ورمزية، وانما يتحولن الى سوق استهلاكية دائمة، تدر المليارات على صناعات تعيش وتزدهر من خلال تعميق شعورهن بالنقص والاغتراب عن اجسادهن.

مقاومة هذا العنف الرمزي تتطلب تفكيكا نقديا للبنى الثقافية والرمزية التي تدعمه. لا يكفي تغيير القوانين او تحسين الاوضاع الاقتصادية، فما لم تتغير طرق التفكير والتصنيف التي تجعل اللامساواة مقبولة، سيستمر النظام في اعادة انتاج نفسه. المطلوب هو وعي جمعي بان الجمال ليس حقيقة ثابتة، وانما فكرة اجتماعية قابلة للتغيير، وان الجسد ليس سلعة.

في النهاية، فان تحرر المرأة من العنف الرمزي لا يعني فقط رفض معايير الجمال المفروضة، وانما يعني ايضا اعادة تعريف العلاقة بالجسد، واستعادة السيطرة على المعنى والقيمة، وبناء نظام اجتماعي واقتصادي لا يقوم على استغلال اجساد النساء واستنزافها، وانما على الاعتراف بإنسانيتهن الكاملة وحقهن في الوجود خارج منطق السوق والسلطة الذكورية.

***

بيان صالح

......................

الهوامش والمراجع

(1)  فاطمة المرنيسي (1940 - 2015)

كانت فاطمة المرنيسي مفكرة وباحثة مغربية بارزة في مجالات علم الاجتماع وقضايا المرأة والدراسات الاسلامية. ولدت في فاس بالمغرب عام 1940 وتوفيت عام 2015. ركزت اعمالها على وضع المرأة في المجتمعات الاسلامية وخاصة حقوق النساء والحريات الفردية. من أشهر كتبها "المرأة بين الطاعة والتمرد" و"الحريم والسلطة" و"شهرزاد ترحل الى الغرب". كما عرفت بدفاعها عن تمكين النساء ونقدها الاجتماعي لسيطرة الفكر الذكوري في الثقافة العربية والاسلامية.

للمزيد:

https://en.wikipedia.org/wiki/Fatema_Mernissi

ملخص كتاب "شهرزاد ترحل الى الغرب" لفاطمة المرنيسي

يتناول الكتاب صورة المرأة العربية ممثلة في شخصية شهرزاد كما تظهر في الخيال الغربي، ويقارن بين صورة المرأة في الثقافة العربية وصورتها في الثقافة الغربية. توضح فاطمة المرنيسي كيف يحصر الغرب المرأة الشرقية في صورة شهوانية وخاضعة، بينما تفرض المجتمعات الغربية بدورها قيودا مختلفة على المرأة خاصة من خلال الجسد والاعلام. يهدف الكتاب الى تفكيك الصور النمطية المتبادلة والدفاع عن المرأة على انها عقل فاعل لا جسد فقط.

(2)  بيير بورديو (1930 - 2002)

كان بيير بورديو عالم اجتماع وفيلسوف فرنسي ولد عام 1930 وتوفي عام 2002. عرف بدراساته حول السلطة والطبقات الاجتماعية والثقافة. قدم مفاهيم اساسية مثل الحقول الاجتماعية ورأس المال الرمزي والثقافي لفهم كيفية توزيع السلطة والتمييز داخل المجتمع. ركز على تاثير البنى الاجتماعية والعادات الثقافية في فرص الافراد. يعد من ابرز المفكرين في نقد المجتمع الحديث وعلم الاجتماع النقدي.

للمزيد:

https://en.wikipedia.org/wiki/Pierre_Bourdieu

ملخص قصير لكتاب "الهيمنة الذكورية" لبيير بورديو

يشرح بيير بورديو في هذا الكتاب كيف يعاد انتاج السيطرة الذكورية في المجتمعات ليس فقط عبر القوانين والمؤسسات، وانما ايضا من خلال الثقافة والعادات واللغة والتربية. يبين ان الرجال والنساء يشاركون في ترسيخ هذا النظام غالبا دون وعي عبر ما يسمى بالعنف الرمزي حيث تقبل السيطرة على انها أمر طبيعي. يركز على ان تحرر المرأة يتطلب تفكيك البنى الاجتماعية والفكرية التي تجعل التفاوت بين الجنسين يبدو بديهيا.

(3)  ناعومي وولف (1962 - )

هي مفكرة وكاتبة وناشطة نسوية أمريكية ولدت عام 1962. اشتهرت بتحليلها لقضايا المرأة والجنس والثقافة. نالت شهرة واسعة من خلال كتابها "اسطورة الجمال" الصادر عام 1990، والذي يناقش كيفية استخدام المعايير الجمالية كوسيلة للسيطرة على النساء والحد من فرصهن. ركزت اعمالها على تمكين المرأة ومقاومة الصور النمطية للجسد والانثى في الاعلام والثقافة.

للمزيد:

   https://en.wikipedia.org/wiki/Naomi_Wolf

ملخص قصير لكتاب "اسطورة الجمال" لناعومي وولف

توضح ناعومي وولف في هذا الكتاب ان معايير الجمال المفروضة على النساء ليست بريئة، وانما تستخدم كأداة جديدة للسيطرة عليهن بعد حصولهن على حقوق قانونية واجتماعية. تبين كيف يستغل الجسد الانثوي عبر الاعلام والاعلانات وصناعة الموضة لخلق احساس دائم بالنقص مما يحد من حرية المرأة ويبعدها عن القوة والاستقلال. تؤكد ان الجمال ليس حقيقة ثابتة، وانما فكرة اجتماعية تخدم نظام السيطرة.

(4)  سوق مستحضرات التجميل العالمي

- Fortune Business Insights (2024). "Cosmetics Market Size, Share & Trends Report, 2034". القيمة السوقية: 335.95 مليار دولار في 2024.

https://www.fortunebusinessinsights.com/cosmetics-market-102614

- Maximize Market Research (2024). "Global Cosmetics Market Analysis 2025-2032". القيمة السوقية: 467.63 مليار دولار في 2024.

https://www.maximizemarketresearch.com/market-report/global-cosmetics-market/72541/

(5)  سوق الحمية وإدارة الوزن العالمي

- Expert Market Research (2024). "Weight Loss and Weight Management Diet Market Growth | 2034". القيمة السوقية: 190.35 مليار دولار في 2024.

https://www.expertmarketresearch.com/reports/weight-loss-and-weight-management-diet-market

- IMARC Group (2024). "Weight Loss Market Size, Share, Growth Analysis 2033". القيمة السوقية: 296.8 مليار دولار في 2024.

https://www.imarcgroup.com/weight-loss-market

(6)  سوق الجراحة التجميلية العالمي

- Grand View Research (2024). "Cosmetic Surgery & Procedure Market | Industry Report 2033". القيمة السوقية: 83.07 مليار دولار في 2024.

: https://www.grandviewresearch.com/industry-analysis/cosmetic-surgery-procedure-market

- Precedence Research (2025). "Cosmetic Surgery Market Size to Hit USD 160.47 Billion by 2034". القيمة السوقية: 85.83 مليار دولار في 2025.

https://www.precedenceresearch.com/cosmetic-surgery-market

 

يستدعي اليوم العالمي للسلامة على الإنترنت، الذي يحل في العاشر من فبراير من كل سنة، وقفة فكرية تتجاوز المقاربات التحسيسية المباشرة، نحو مساءلة أعمق لطبيعة التحولات التي أحدثها العالم الرقمي في أنماط التنشئة وبناء الوعي، خصوصا لدى الأطفال والمراهقين. فالحضور المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي في حياة القاصرين لم يعد مسألة استعمال فردي، بل أصبح عنصرا بنيويا في تشكيل الإدراك، وتنظيم الانتباه، وإعادة إنتاج القيم.

تشير التحليلات النفسية والفلسفية المعاصرة إلى أن التعرض المستمر لفضاءات رقمية قائمة على الصورة والمقارنة يترك أثرا بالغا في البناء النفسي للذات الناشئة. ففي عالم تحكمه آليات العرض والتقييم الفوري، تتشكل علاقة مشروطة بالقيمة الذاتية، قائمة على نظرة الآخر، وهو ما يلتقي مع تشخيص جان بودريار حين اعتبر أن الصورة لم تعد تحاكي الواقع، بل أصبحت تُنتج واقعا خاصا بها، أكثر حضورا وتأثيرا من التجربة المباشرة. ضمن هذا الأفق، تنمو لدى القاصر مشاعر القلق، وعدم الرضا واضطراب صورة الجسد، بوصفها تعبيرات عن اغتراب مبكر للذات داخل عالم رمزي كثيف.

وفي المستوى المعرفي، تُسهم المنصات الرقمية، ولا سيما تلك التي تعتمد الإيقاع السريع والتدفق المستمر للمحتوى، في إعادة تشكيل علاقة الطفل بالمعرفة. فالتفكير العميق، القائم على التركيز والصبر الذهني، يتراجع لصالح انتباه مجزأ واستجابات سريعة. وقد حذّرت حنة آرنت من هذا المسار حين ربطت بين فقدان القدرة على التفكير واتساع دائرة اللامعنى، معتبرة أن أخطر أشكال العجز لا تتجلى في نقص المعلومات، بل في تعطّل ملكة الحكم والتأمل. هذا التحول ينعكس بوضوح على التحصيل الدراسي، وعلى ضعف التفكير النقدي، ويجعل القاصر أكثر عرضة للتضليل وسهولة الانقياد لما هو شائع ومتداول.

أما في البعد الاجتماعي، فيكشف الانتقال الكثيف إلى التفاعل الرقمي عن تراجع ملموس في الخبرات التواصلية المباشرة. فالعلاقات التي تُبنى داخل الفضاء الافتراضي تفتقر في الغالب، إلى العمق الوجداني والاستمرارية الزمنية. ويجد هذا المعطى تفسيره في أطروحات زيغمونت باومان حول "السيولة"، حيث تصبح الروابط الإنسانية سريعة التشكّل وسهلة الانفصال، فاقدة لقدرتها على إنتاج التزام طويل الأمد. في هذا السياق تتقلص مهارات التعاطف وفهم الآخر، ويحلّ التواصل التقني محلّ الخبرة الإنسانية الحية.

ويتقاطع هذا التحول مع إشكالات تربوية عميقة. فالمحتويات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تحمل منظومات قيمية مغايرة لتلك التي تسعى الأسرة والمدرسة إلى ترسيخها. نماذج النجاح السريع، والاعتراف القائم على الشهرة، والتمثلات الاستهلاكية للحياة، تعيد صياغة أفق التوقع لدى القاصر. ويؤدي ذلك إلى تصدّع في أدوار التنشئة التقليدية، في ظل غياب سياسات تربوية تدمج الوعي الرقمي ضمن مشروع ثقافي شامل. وقد نبّه بيير بورديو إلى أن إعادة إنتاج القيم لا تتم فقط عبر الخطاب، بل عبر البُنى الرمزية الخفية، وهو ما تمارسه المنصات الرقمية بفاعلية كبيرة.

ولا تنفصل هذه التحولات عن آثارها الجسدية والأمنية. فاختلال إيقاع النوم، وتراجع النشاط البدني، ومشاكل النظر والعمود الفقري، مؤشرات على نمط عيش يضع الجسد في موقع ثانوي. ويذكّرنا ميرلوبونتي بأن الجسد يشكّل أساس علاقتنا بالعالم، وأن أي اختلال في هذا الأساس ينعكس على الوعي ذاته. وإلى جانب ذلك، تبرز مسألة الخصوصية بوصفها إحدى أكثر النقاط هشاشة، حيث يفتقر القاصر إلى إدراك عميق لمعنى البيانات الشخصية وآثارها المستقبلية. وقد لفت ميشيل فوكو إلى أن أشكال السلطة الحديثة تعمل عبر المراقبة الناعمة، حيث يُنتج الفرد ذاته داخل أنظمة ضبط غير مرئية، وهو ما يتجلى بوضوح في المنصات الرقمية.

تكشف هذه المعطيات أن إدمان القاصرين على وسائل التواصل الاجتماعي يمثل ظاهرة مركبة، تتداخل فيها الأبعاد النفسية والمعرفية والتربوية والقيمية. فالتكنولوجيا، بما تحمله من إمكانات، تظل مجالا مفتوحا على إمكانات متعددة، غير أن غياب التأطير الثقافي والتربوي يحوّلها إلى قوة مؤثرة في تفكيك المعنى. ويظل الرهان الأساسي مرتبطا ببناء وعي نقدي رقمي، يُعيد الاعتبار للتفكير، ويمنح القاصر أدوات الفهم والاختيار داخل عالم تحكمه الخوارزميات.

إن هذا النقاش يمثل مدخلا ضروريا لمساءلة السياسات التربوية، وأدوار المؤسسات الاجتماعية، وحدود المسؤولية الأخلاقية في زمن التحول الرقمي، وهي محاور تستدعي معالجة أكثر تفصيلا في مقاربات لاحقة.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

لقد تعلمنا منذ الصغر أن هناك أفكارا لا تمس، أسوارا لا تتخطى، أسئلة لا تطرح، وكتبا لا تفتح إلا بقداسة. كبرنا على الخوف من السؤال، وعلى التسليم لما نقل، حتى تحولت عقولنا إلى مخازن مغلقة وإلى مكتبات متربة وإلى غرف لم يدخلها النور منذ زمن. كانت النتيجة أن جيلا بعد جيل، تسللت الشيخوخة إلى العقل العربي، فلم يعد ينتج، بل يكرر، ولم يعد يبدع، بل يقلد، ولم يعد يتأمل، بل يردد كالببغاء.

في المجتمعات المغيبة، حيث يقدم الجهل في أثواب مذهبة على أنه علم منزه، وحيث تتحول الخرافة إلى دستور، والسكون إلى فضيلة، والفكر إلى لعنة، يصبح الوعي جريمة، والتفكير المستقل خيانة يعاقب عليها، لا بالرفض فقط، بل بالإقصاء وأحيانا بالمحو الكامل من ذاكرة الجماعة.

هناك، لا توزن العقول بمقدار ما تنير، بل بمقدار ما تطيع. العقل المتسائل المتشكك المفكر خارج أطر القطيع يعد خطرا يجب قمعه لا الإصغاء إليه، وينظر إليه كنغمة نشاز.

في مثل هذا المناخ، لا يعد الصمت فضيلة نابعة من الحكمة، بل مكرهة تفرضها شروط البقاء. يضطر الإنسان إلى أن يبتلع كلماته، لا لأنها خاطئة، بل لأنها صحيحة أكثر مما ينبغي، ولأنها توقظ النائمين في زمن لا يسامح من يوقظ أحدا.

لم يكن هذا التصور عن الوعي بوصفه عبئا في المجتمعات المغلقة غائبا عن الفلاسفة والمفكرين، بل كان حاضرا في قلب تجاربهم الفكرية. فقد ادرك سقراط ان السؤال ليس فعلا بريئا، وان التفكير النقدي يهدد التوازن الزائف الذي تقوم عليه الجماعة، ولذلك كان مصيره العقاب لا لان افكاره كانت خاطئة، بل لانها ايقظت ما لا يريد المجتمع ان يراه. وذهب سبينوزا الى ان اخطر اشكال القمع هو ذاك الذي يجعل الناس يخافون التفكير ذاته، فيدافعون عن الجهل بوصفه فضيلة، وعن الطاعة باعتبارها اخلاقا. وفي العصر الحديث، كشف ميشيل فوكو كيف تتحول المعرفة الى مجال صراع، وكيف يقصى الخطاب النقدي لا لضعفه، بل لقدرته على زعزعة انظمة السيطرة المستقرة. بينما رأى اريك فروم ان الانسان حين يثقل بعبء الحرية داخل مجتمع يخشاها، قد يهرب طوعا الى الامتثال، لان الجهل المنظم اقل قسوة من وعي بلا حماية. وهكذا يصبح الوعي في المجتمعات المغيبة خطيئة، لا لانه شر، بل لانه يكسر السكون، ويجبر الانسان على مواجهة مسؤوليته عن عقله، حتى حين يكون ثمن تلك المسؤولية العزلة او النفي.

يقول المتنبي، وهو من عرف جبروت الكلمة: "وأعظم ما تكلفني الليالي سكوت عندما يجب الكلام"

تلك العبارة ليست مجرد بيت من الشعر، بل هي صرخة مكتومة خرجت من عمق الوجع الإنساني، من قلب من عرف أن للكلمة ثمنا، وأن الثمن قد يكون روحك.

إن السكوت حين يجب الكلام، ليس راحة بل عبء، وليس سلاما بل تمزقا داخليا، صراعا بين ما تعرف أنه واجبك، وما تراه مستحيلا في واقعك. إنه البلاء الذي لا يُرى، والألم الذي لا يقال، والندبة التي لا تظهر في الجسد بل تتآكل في القلب.

الوعي في مجتمع مغيب ليس نعمة، بل نفي. أن تمتلك عقلا يفكر، يعني أن تحمل على ظهرك حملا من الأسئلة التي لا يريد أحد أن يسمعها. أن تفكر، يعني أن تعيش غريبا بين أهلك، متهما بالجنون أو الزندقة، فقط لأنك قلت لماذا.

أن تحوز عقلا حرا، في بيئة تخاف الحرية، يشبه أن تمشي حافيا فوق جمر متقد، كل خطوة تدفعك إما إلى الهروب، أو إلى الصمت، أو إلى الجنون. ولا أقسى من أن يطلب منك أن تكون جزءا من قطيع، وأنت لا تجيد الخنوع.

الوعي في هذه الأجواء ليس امتيازا، بل عبء. هو مثل مرآة لا يجرؤ أحد على النظر فيها، لأنها تكشف التشوهات، وتفضح العورات، وتكسر الصور المزيفة. وكل من يمشي بمرآته وسط هذا العالم، يصبح عدوا، حتى وإن كان صامتا، حتى وإن لم يقل سوى الحقيقة.

وفي هذه المعادلة الظالمة، يكون الصمت ضربا من النجاة المؤقتة، وبلع الكلام نوعا من الانتحار التدريجي. ففي كل مرة تصمت فيها عن قول ما تعرف أنه الحق، تخسر قطعة من ذاتك، تنطفئ شمعة صغيرة في داخلك، إلى أن تصبح الظلمة عادة، والخوف مألوفا، والاستسلام شكلا من أشكال العقلانية المريضة.

ومن ثقل هذا الإدراك، تجدنا نضطر أحيانا إلى بلع الكلام، لا جبنا، بل إحساسا بعدم جدواه، أو درءا لعاصفة لا نستطيع احتواءها. نمارس الرقابة الذاتية كمن يمارس طقسا دينيا مفروضا، نتفنن في ابتلاع الكلمات، نخنق أصواتنا في حناجرنا، وندفن أفكارنا وهي لا تزال تنبض

ولكن سرعان ما استفيق واكتب لأن السكوت ليس دائما فضيلة، وأحيانا يكون خيانة للذات وهدما بطيئا لما تبقى فينا من نور.

 كل صمت عند لحظة صدق، هو حجر جديد في جدار العتمة.

لكن صمتي أحيانا ليس موتا. بل يكون هدنة، وأحيانا يكون كمونا مؤقتا قبل الانفجار. فالفكرة الصامتة لا تموت، بل تختمر. والكلمة التي لم تقل، تتكاثر في الداخل، تنبت في العزلة، وتخرج حين يحين وقتها مثل برق لا يستأذن.

ومع كل ذلك، تظل مقاومتنا هذا الخراب ممكنة، لا بالشعارات، بل بالاستمرار في التفكير، في الرفض، في الحلم، في الكتابة، في الدفاع عن جوهر الإنسان.

 أن تحتفظ بصوتك، حتى لو لم يسمعك احد.  أن تقول "لا" حتى في أعمق لحظات الوحدة. تظل كلمتك المختنقة بذرة تنتظر التوقيت، وضميرك الموجوع دليلا على أنك لم تبع كل شيء، وأنك، وإن سكت، لا تزال تعرف كيف تصرخ في صمتك

وذلك، في زمن القطيع، مقاومة.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في حدود الرؤية الذاتية (الذات الإنسانية كفاعل مدرك لعملية الوجود والحياة)، مازال الإنسان يعيش ويموت بعبث بعيد عن أي شكل من أشكال المسؤولية. أي إن الكون أو الوجود عامل ومازال يعامل الإنسان كدمية قماش، محشوة بالقش أو القطن، ويجب أن تستهلك وتبلى، في أسرع وقت لترمى في حاوية القمامة أو حفرة للطمر الصحي.

هذا التصور، وهو عام ويشمل جميع الذوات التي تفكر بطريقة منطقية، ليس مبعثه النزعة الذاتية (رغم أنها أحد حقوق الإنسان التي ولد بها او فُطر عليها)، بل هو نتيجة لفعل العملية الحياتية المفروضة على الإنسان والتي تنتهي نهاية سلبية وغير هادفة، وهي فعل الموت الصامت الذي لا يقدم أي مبررات منطقية لفعله الهمجي والقاسي.

هل قدمت الحياة أو فعل الوجود أو إدارة قوانينهما (غير المنظورة)، تبريرات لنهاية الإنسان المأساوية وغير المقنعة وغير اللائقة؟

النزعة الذاتية أو نزعة رؤية الإنسان للحياة والوجود عبر وجوده الذاتي (كيانه الذاتي) كمحور أو مركز للحياة وقوانين الوجود، ليست وليدة مجرد شطحة غرور أو مبالغة في تقييم الذات، بل هي نتيجة لعملية عقلية، إدراكية - تحليلية لها مقدماتها الفرضية المستنبطة والتي يجب أن تنتهي إلى نتائج منطقية مبرهنة وقاطعة، وإلا لماذا يُفرض على الإنسان طريقاً لا يؤدي إلى البحر، عندما يكون قاصداً البحر؟ ولماذا يفرض عليه طريقاً لا يؤدي إلى الصحراء، عندما يقصد الصحراء؟ بالمقصد المجازي للمثالين طبعاً.

يولد الإنسان وليس لديه غير ذاته؛ بها ولها يجب أن يعيش ويمارس فعل الحياة والتمظهر الوجودي (ككيان قابل للإدراك ومشخص الوجود)، وعليه فلا وجود مادي محسوس لأي انسان بلا كيانه الذاتي العياني والمنظور، وعليه فإننا عندما نريد توصيف فعل الموت وأثره على أي إنسان (أو أي كائن حي آخر أيضاً)، فإننا نعني أن الكيان الذاتي الملموس لذلك الإنسان لم يعد قادراً على القيام بفعل الحياة والتمظهر الوجودي، بسبب تلف (أو بدء تلف) كيانه الذاتي الذي كنا نعرفه من خلاله ونحسبه، عبره، على فعل الحياة والوجود. وهذا يعني في النهاية، أن لا وجود لأي إنسان من دون كيانه الذاتي المنظور، وهذا يعني أيضاً، أنه بمجرد إعلان طبيب مختص أن فلاناً من الناس قد مات، فهذا يعني أن ذلك الكيان الإنساني قد صار ماضياً بسبب موت (تلف) كيانه الذاتي المنظور الذي كان يمثل وجوده وقيامه، كوجود ملموس ومستدل عليه، بسبب دفنه تحت التراب لأنه سيتحول إلى جيفة مثيرة للاشمئزاز، بعد مضي بعض الوقت، فيما لو ترك دون دفن، وأيضاً سينسى بسبب اختفاء (دفن) كيانه الذاتي الذي كان يعرف من خلاله.

إذن فإن النزعة الذاتية وتفكير الإنسان عبر ذاته وقياس أغلب الأشياء بمقياسها، رغم أن بعض هذه القياسات تكون ممجوجة ومرفوضة أخلاقياً واجتماعياً، إلا أنها ليست طارئة، بل أصيلة وتجاوزها إنما يعني معاملة الإنسان ككائن آخر أو خارج جلده أو تكوينه الطبيعي.

وجود الإنسان أو الإنسان كوجود لا يتحقق إلا عبر كيانه الذاتي المنظور والملموس، لذا فإن عملية إسقاط أو تهميش أو تجاوز نزعة الذات في تحقيق وجودها وإدامته، اعتبارياً أو تحت طائلة أي فرض، إنما هو عملية مقحمة وتنافي القانون الطبيعي لشروط وجود الذات وسبل إدامته، لأن الذاتية ليست فرضاً طارئاً، وعملية قمعها أو إسقاطها إنما يعني إنهاك أو تحجيم قدرتها على الإداء، ككيان لا يرى إلا عبر هذه الذات ووجه تمظهرها الملموس (في الوجود والحياة) وأيضاً ليبقى ويستمر في أحسن وأكمل وجه للحياة والوجود عبر كيانه.

النزعة الذاتية ليست فكرة أو رغبة، طرأت على خاطر الإنسان، في ساعة غرور وزهو للأنا، في حقه في الاستمرار في هذا الوجود (الذي لا يملك غيره كحيز زمكاني لتمثل واستمرار وجود الذات)، بل هي عملية إيمان بحق الذات المتأتي من فكرة أن الإنسان ليس لعبة، ولذا فإنه مادام قد جاء إلى هذا الوجود وتجشم عذابات تكوين ذاته وبنائها، لذا فليس من حق أية قوة أن تسلبه وجوده، وخاصة إذا ما كان هذا السلب لا يقدم أي مبررات مقنعة لفعله ويأتي عن طريق بشع ومتعسف، وهو الموت الذي ترفضه كل جزئية واعية وغير واعية (غريزية) في تكوين الإنسان، رفضاً قاطعاً، لأنه يمثل عملية مصادرة جائرة للذات ووجودها، بلا مبررات مقنعة أو تعويضات حقيقية وملموسة.

والسؤال المنطقي الذي تتمحور حوله رؤية الذات في الدفاع عن نفسها وحقها في استمرار وجودها هو: لماذا عليّ أن أسقط أو يصادر وجودي أو أن أموت بطريقة مهينة، في وقت أن عقلي الواعي (مقابل "عقل" الموت أو القوة التي تحققه، غير الملموس وعيه أو منطقيته) يقول مادمت قد وجدت فإن وجودي يجب أن يستمر وأن يحصل على المزيد من فرص الحياة (الكبيرة) و(المهمة) من صنف وحجم (الغير قابلة للفساد، الذي لا يمكن تدنيسه، ولا يخبو)، بحسب تعبير الروائي الأمريكي (جاك كرواك)، لا أن يصادر بموت مجحف ولا يقدم أي مبررات منطقية لفعله الجائر.

الطريف، ومقابل كل هذه النزعة الذاتية المؤمنة بنفسها والمتشبثة بالحياة، تأتي طبقة من الناس (رجال الأكليروس ومحركي خيوط المعابد) لتستغل فعل الموت القهري وتحمل الإنسان، قبل موته، بصنوف من ديون الذنوب المرعبة التي يجب عليه تسديد ثمنها أو التكفير عنها بعد موته، في جحيم أكثر وحشية وتعسفاً من وحشية وتعسف الموت. في حين أن الذات، في المقابل، تصرخ بغضب: لماذا؟ لم كل هذا؟ أكل هذا لأني جئت، وبطريق الخطأ، كنتيجة للقاء جنسي غير مسؤول وغير محسوب النتائج، وكان بمقدور أبويّ تأجيله أو إلغائه من الأساس فلا أكون؟ وطبعاً إذا ما سلكنا طريق المحاججة هذا فإنه سيوصلنا للتساؤل الأكثر أهمية (في حساب النزعة الذاتية): لماذا عليّ أن أدفع ثمن خطأ غيري (ثمن متعة أبي وأمي من رعشة جنسية، لا تستمر سوى بضعة ثوان، وكان، على أقل تقدير، تجنب أن تثمرني، أنا الذات والكيان، وليس مجرد الطفل الذي سيلهوان باللعب معه لبعض الوقت، قبل أن يكبر ويتحول إلى ذات عليها تحمل مسؤولية التعامل مع وجود وحياة لا يحترماني كذات، يحق – كما ترى هي - لها أن تكون بمنتهى الحرية في التعامل وتقرير مصير وجودها)؟

***

تبدأ إشكالية الذات الفردية أو تنبع من فكرة الفشل في التصريح بحرية الفرد وتحديد مساحاتها. ففي حين يرى أي فرد أن حريته يجب أن تكون مطلقة ولا يحدها حد، استناداً إلى فكرة الفطرة الطبيعية التي سبقت ظهور فكرة الدولة وما أنتجته من قوانين تحد من حرية الإنسان، يرى البعض (من ذوي الطموح الضيق والآني ونزعة السيطرة وأصحاب النفوس المرعوبة، وكل بحسب أسبابه) وهو – هذا البعض – يمثل رجال الاكليروس ورجال الدولة (السياسيين) ومن يأخذون على عاتقهم تأسيس هيكل الفضيلة الأخلاقية والاجتماعية (بحسب مقاييسهم الذاتية طبعاً) أن حرية الذات (حرية الأفراد ككيانات أو ذوات مستقلة) يجب أن تكبح وتقمع (نقصد على مستوى التفكير وطرح الأفكار والرؤى الجديدة)، ببساطة لأنها ترى في هذه الحرية عامل إفساد للقيم والفضائل الاجتماعية المتوارثة، وبالتالي طريقة الحياة والنظر فيها المتأسسة على تلك الفضائل وذلك النظام الاجتماعي.

إن إيمان الإنسان بذاته هو ما يدفعه للتصريح بحريته وحرية كيانه والدفاع عنها. أي إن فكرة حرية الذات أصيلة ونابعة أو مرافقة لفعل الوجود ونظام أو آلية حركيته، وليست طارئة أو مبتدعة بفعل دعوات بعض الأشخاص أو الحركات (الفكرية والسياسية) المأزومة أو الهدامة، كما يروج حراس (الفضيلة والنظام الاجتماعي العام).

وطبعاً فإن الكبح والقمع هو المسؤول عن فشل الانسان في التصريح بحريته وحقه فيها وحقه في استردادها، كشرط حياة وشرط تعبير عن الحياة وشرط اعتراف بوجود واستقلالية كيانه الذاتي. ولعلنا لا نتعسف إذا ما قلنا إن فكرة القطيع الاجتماعي قد بدأت بتنازل أول مجموعة أفراد عن حريتها، وهي بالتالي التي أوصلت البشرية أو فتحت الباب لفكرة تأسيس الدولة (بأنظمتها وقوانينها، كما يسميها أصحاب الفكرة ومروجيها) أوضح وأعتى أدوات مصادرة الحرية، بكل أشكالها وحلقاتها.

لا يولد الانسان (بالشكل المتعارف عليه لولادة الانسان ووجوده في الحياة، كثمرة لفعل جنسي، تعده أغلب المؤسسات الأخلاقية والقيمية والدينية، بل وجزء من مؤسسة الدولة السياسية، فعل مخجل ومنافي للآداب العامة ويجب التكتم عليه... بل وحتى غير لائق عند البعض) ليؤدي أي واجب، بل ليؤدي فعل حياته ودور كيانه كذات في الحياة والوجود ككل. وعليه فإن أول حقوقه هو الحرية وحقه في التصريح بها واسترداها، فيما لو سلبت منه، من قبل أي جهة ومهما كبرت هذه الجهة، لأن الانسان من دون حريته لا يعود كياناً فاعلاً وخلاقاً، بل يتحول إلى كائن آخر لا يشبه ذاته، بسبب إفراغه من ماهيته الفاعلة وإرادته. فالفعل الارادي يأتي من ذات حرة، لا من هيكل (كيان) مقموع ومستلب.

ولعل حضارتنا القائمة خير مثال على نظام الهياكل المفرغة والمستلبة، بعد أن ذوبت هذه الحضارة، بشكل دولتها الحديثة وقوانينها وأنظمتها واشتراطاتها الأمنية والدفاعية (تحت مسمى الأمن القومي للدولة وحماية مصالحها العليا) كل الفواعل الذاتية لكيان الانسان الفرد وحولته إلى مجرد ترس صغير وتافه في ماكنتها الكبيرة المعقدة، وخاصة في أول صور سلبه لحريته الفردية، نظام العمل ودوراته الاقتصادية، حتى تحول العمل إلى جلاد متوحش، ليس فقط لكرامة وحرية الفرد، بل لفرص بقاء كيانه على قيد الحياة قبلها: فأما أن تعمل أو تموت من الجوع، وإلى حد تحويله من كيان ذاتي مستقل وحر إلى مجرد عبد لفرصة العمل التي لا تقدم له شيء أكثر من بقائه على قيد الحياة.

وهنا سيحتج غالبية حراس المنطق والعقل، قبل الفضيلة والنظام الاجتماعي بالقول: وما عسى يكون دور الانسان من دون عمل؟ وماذا سيفعل بنفسه إن لم يعمل؟ هل يقضي حياته نائماً متسكعاً لاهياً؟ وهنا من حقنا أن نسأل: هل وجد مع أول انسان، وأول عائلة، وأول قرية... و... ملفاً أو مرسوماً أو قانوناً يقول أن الانسان وجد من أجل العمل؟ وإن وجد مثل هذا فهل حدد نوع العمل المفروض على الانسان؟ نعم قد تتفق شرائح كبيرة من البشرية على فكرة أن العمل يكون من أجل إغناء الحياة وإعمار الأرض، ولكن هذا العمل بأي مواصفات وبأي ظروف؟ هل هو العمل في مصانع فورد للسيارات (وهذا على سبيل المثال فقط) من أجل زيادة أموال صاحب هذا المصنع؟ هل هو العمل في المصانع التي تنتج الصواريخ وقذائف المدافع القاتلة؟ هل هو العمل في أحواض السفن التي تنتج الغواصات الحربية؟ بل وحتى هل هو في مصانع السلع الاستهلاكية التي لا هدف لها غير إثراء أصحاب تلك المصانع؟ بل وحتى هل هو العمل في مرافق أي دولة من الدول القائمة، من مثل دائرة تسجيل الولادات والوفيات والضرائب وتسجيل الزيجات وإصدار قوائم المطلوبين للتجنيد في الجيوش ودوائر اصدار البطاقات التعريفية وإصدار تأشيرات السفر؟ هل هو العمل في دور سك العملة، والحقيقة أن العملة كانت أقذر وأبشع وأحط اختراع في تاريخ البشرية كلها؟ هل العمل في المصارف وأسواق البورصة؟ وهذه المؤسسات أكثر بشاعة من بشاعة اختراع العملة. هذه بضعة أمثلة من أصناف العمل التي تراكمت في طريق الانسان، تحت شعار خدمته وتنظيم شؤونه ومصالحه، ولكم أن تعددوا المئات الباقية من أصناف العمل، فهل وجدت الذات البشرية من أجل ممارسة هذه الأعمال لمجرد أن بضعة أفراد (قياساً لعدد البشرية ككل) اخترعوا نظام الدولة لمجرد اشباع شهواتهم القذرة لحكم غيرهم والتحكم بمصائرهم؟

واسمحوا لي بأن أفرد هذه الفقرة لأضيف لأصناف العمل المشرعنة حالياً، في موطن حضارتنا العلمية والتكنلوجية الحالية على وجه الخصوص، وهي أكثرها انحطاطاً واذلالاً للإنسان، وللمرأة على وجه الخصوص، وهي تجارة الجنس (الدعارة) التي صارت لها مواقعها الرسمية (بموافقة حكومات ودول أوربا وأمريكا وقوانينها على وجه الخصوص) على شبكة الانترنيت، وتعرض في صور وفديوهات، أجساد النساء، بل وممارسة أحط أنواع الممارسات الجنسية... وتترك وسائل اتصال متنوعة، تحت إعلان (اعمل معنا)... فهل هذا عمل وتحت أي بند تدرج حق ممارسته الدول الأكثر حضارة والأكثر غنى؟ المضحك المبكي أن دول أوربا وأمريكا وكندا وأستراليا، تستقبل سنوياً مئات الآلاف من اللاجئين وتكفل لهم فرص حياة وعمل كريمة، فلم لا تمنع أعمال الرذيلة المهينة لنسائها وتتكفل لها بإيجاد أنواع عمل تحفظ لها كرامتها، بدل أعمال الدعارة القذرة، ولو اسوة بمن تستقبل من لاجئين وتحفظ لهم كرامتهم؟ أ لمثل هذه الأعمال وجد الانسان؟

والسؤال الأكثر مساساً بطرحنا هو: ماذا عمل انسان ما قبل اختراع الدولة وقبل اختراع المصارف والبورصات ودوائر التسجيل العقاري ودوائر الضرائب وتسجيل السيارات واصدارات الهويات التعريفية ودوائر تسجيل المخالفات على أملاك الدولة.... والقائمة تطول؟

ماذا عمل انسان ما قبل سيطرة الدولة على الانسان والأرض وخيراتها، بل وحتى على الفضاء والسماء التي تظلل بقع الأرض؟ عمل صياداً ومزارعاً. هل عاد لأي مواطن في دولة من دول العالم أن يأخذ قطعة أرض ويزرعها على هواه، كما كان لأجداده القدماء؟ هل عاد لإنسان أن يدخل الغابة أو الحقل القريب منه ليصطاد طيراً أو أرنباً لمأكله اليومي؟ لا بالقطع، لأن أرض البلاد صارت ملكاً للدولة (يسموها أملاكاً عامة) والتجاوز عليها يعد جريمة يعاقب عليها القانون. والغابة صارت ملكاً للدولة، هي الأخرى، تحت مسمى محمية طبيعية من أجل الحفاظ على النوع والتوازن الطبيعيين! فماذا عاد للإنسان في الأرض التي يعيش عليها، وهو حتى المترين التي تدفن فيها جثته، بعد موته، يجب أن يشتريها بالمال قبل موته؟ بل ماذا تبقى له من كيانه الذاتي وحريته؟ الحقيقة لا شيء سوى هيكله، الذي يجب أن يكد ويعمل ليبقيه حياً كي ينفذ المزيد من أوامر (قوانين، وحقيقة الأمر هي أوامر سلطوية مادام الانسان لا يستطيع غير الامتثال لها وتنفيذها) الدولة وأوامر وتحكمات أصحاب رؤوس الأموال.

ومن جهة كون أن الأديان تمثل فاعلاً تنظيمياً وروحياً وثقافياً في حياة أغلب البشر، فإن أغلب الأديان تتفق على أن الانسان قد خلق من أجل العبادة، كما تؤكد الكثير من نصوص الانجيل، ومنها الآية 15 /13 من رسالة العبرانيين (فلنستمر به، في تقديم ذبيحة التسبيح لله، أي ثمرة شفاهنا، شاكرين اسمه)، وكذلك كما يؤكد القران، وبصورة أكثر تحديداً، في الآية 56 من سورة الذاريات (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون). وبما إن الكثرة الكاثرة من البشر، تعتبر الأديان وتعاليمها هي الأقرب لفطرتها وروحها، و(القوانين) الأحق والأجدر بالاتباع (وإلى حد التقديس)، فإن هذه الكثرة من البشر ترى عكس ما ترى الدولة (الدول) وقوانينها الاقتصادية والتنظيمية، وبالذات فيما يخص قوانين العمل وقوانين امتلاكها لجميع ما على أرض الوطن، تحت ذريعة حماية المال والأملاك العامة، ببساطة شديدة لأن الأديان لم تفرض عليها غير العبادة وتركت فكرة العمل للاجتهاد والرغبة الشخصية، لأن الأصل في فكرة الأديان هو أن الأرض وثرواتها من حق كل انسان وله أن يأخذ نصيبه منها لإدامة بقائه ووجوده، صيداً من البر والبحر والفضاء، وزراعة لما يستطيع من مساحة أو لما يكفي عيشه، فبأي حق استولى نظام الدولة على كل شيء ليحيل الانسان إلى أجير تافه في مؤسساتها؟

كل ما قدمت كان من أجل إيصال فكرة إن الانسان لم يعد لنفسه، بل فقد إرادة السيطرة على نفسه، بل لم يعد يشبه فطرته... بل ومسخ، بعد أن سلبت منه ذاته أو أفرغ جانبه الذاتي من محتواه وفطرته، مقابل ماذا؟ مقابل حياة اجتماعية معقدة تعقيد ساعة اليد، وتسهر الدولة على حماية تعقيدها، بل وتعمق تعقيدها كل يوم. لماذا، وأي قضية يخدم هذا التعقيد؟ الحقيقة إنه لا يخدم الانسان كفرد بأي شيء، إنما هو يخدم منشئيّ وأصحاب فكرة الدولة، أولئك المهووسون بفكرة ونزعة السيطرة والتمتع بمزايا السلطة، أما الناس أو الأفراد الذين لم يصبهم مرض السلطة ونزعة السيطرة، فهم لا يرون فيها غير كارثة تحرمهم من حريتهم وميزة العيش أو الحياة في عراء الطبيعية، حيث لا قيود قهرية ولا نظام قمعي ولا حسد ولا تباغض ولا حرمان ولا فاقة ولا تمايز بين البشر ولا طبقية. يصحو الانسان في الصباح ليحلب أول بقرة أو شاة تمر من أمام خيمته أو كوخه لفطور يومه. وفي الظهيرة يذهب إلى الغابة التي تقوم خلف كوخه البسيط، أو إلى النهر الذي يجري أمام الكوخ، ليصطاد طيراً أو أرنباً أو غزالاً أو سمكة لغداء ذلك اليوم، دون أن تصادفه يافطة حمراء على بوابة الغابة تقول (ممنوع صيد الحيوانات في هذه الغابة لأنها محمية طبيعية) أو يافطات على طول مجرى النهر (يمنع صيد الأسماك لغير المرخصين) أو ما شابه. ولعل من الطريف أن نذكر هنا حق ملوك بريطانيا في توارث ملكية كافة طيور البجع التي تسبح في نهر التيمس، (ومازال هذا التوارث قائماً إلى اليوم، وآخر من ورثه هو الملك تشارلز الثالث، لدى تنصبه قبل بضعة أيام، ونحن الآن في أواسط عام 2023)، لأن مجاعة قاتلة كانت قد حلت في بريطانيا، في القرون الوسطى، ولم يعد من مصدر للحوم، للملك وحاشيته غير تلك الطيور المسكينة الصامتة. فبأي حق امتلك ملوك بريطانيا تلك الطيور، رغم أنها، ووفق ذائقتنا الحالية، غير صالحة للأكل؟ بحق السلطة والامتياز الطبقي لأصحاب السلطة طبعاً. كم عدد الناس الذين ماتوا جوعاً حينها، بسبب احتكار سلطة الملك لهذا الطائر ومنعه على غيره من سكان بريطانيا الذين لا يملكون السلطة؟

وبمقارنة هذا الفعل الطبقي اللاأخلاقي بمقولة هيجل (إن العقل يتحكم في كل شيء، وإن البشر ليسوا غير أجزاء في آلة عظيمة تعمل من أجل الخير النهائي)، يتضح لنا قصور العقل، لوحده، عن إدراك وتحديد نظم وقوانين الحياة من جهة، وإن عملية مسخ الانسان وكيانه الفردي (وتذويبه في مجموعة اجتماعية أو نظام اجتماعي، يأتيان على حساب فرديته وحريته) هي عملية جائرة وضد الطبيعة والفطرة، ببساطة لأن القرون الطويلة التي عاشها الانسان داخل التنظيمات وداخل كيان الدولة لاحقاً، لم تثبت غير فشل (الآلة العظيمة) الدولة وعدم إنتاجها للخير النهائي، بل أنتجت الحروب والمجاعات وكل أشكال مسخ فردية الفرد وحريته وتحويله لصنوف مفزعة للعبودية، أولها عبوديته للعمل الذي أنتجته الحضارات، وليس آخرها عبوديته لنظام الدولة، وبكافة أشكال تعبيرها عن نفسها، تحت مسمى قوانين وأنظمة من جهة ثانية.

ولنختم هذه الفرضيات التأسيسية بمقولة الشاعر الإنجليزي وليم بليك (ليس واجبي أن أدقق وأقارن، إنما واجبي أن أخلق. عليّ أن أخلق نظامي الخاص، وإلا فسأكون عبداً لنظام انسان آخر) وهذه المقولة تحدد لنا، وبدقة متناهية، الجوانب الذاتية التي يجب أن تقوم عليها فكرة الحرية الفردية ومساحة الذاتية التي يجب ألا يتنازل عنها أي فرد لأي شكل من أشكال النظام الذي تفرضه التجمعات الاجتماعية والسياسية والدينية... إلخ، لأن ثمن التنازل عنها إنما يعني تحول الفرد إلى عبد في نظام انسان آخر.

وأظن أن الجميع يوافقني في أن تنازل البشرية (في كافة تجمعاتها التي نطلق عليها مسمى الدول) هو الذي أدى إلى أن تؤخذ قرارات الحروب (وهذا على سبيل المثال لا أكثر) من بداية أول حرب جماعية في تاريخ البشرية إلى قرار اشعال الحرب الكونية الأولى والثانية وحرب فيتنام والحرب الكورية والحرب الإيرانية العراقية وحرب جزر فوكلاند والحرب الروسية الأوكرانية... والقائمة تطول. فتنازل الالمان، كأفراد، عن صناعة أنظمتهم الخاصة والبريطانيين والفرنسيين والمجريين و... و... هو الذي سمح لقادة دولهم بفرض أنظمتهم الخاصة عليهم وزجهم في حروب عبثية، ذهب ضحيتها عشرات الملايين منهم، تحت مسمى الدفاع عن وحدة الوطن أو الأمن القومي أو حماية المصالح العليا للبلاد. فأي مصالح عليا هذه التي تسمح لعشرين أو ثلاثين فرداً، من شعب تعداده ستين أو سبعين أو مئة مليون فرد، لمجرد أن الثلاثين فرد هؤلاء ينتظمون تحت مسمى حكومة؟

بل وأحيانا، شخص واحد فقط (رأس النظام أو الدولة أو الحكومة) هو من يتخذ قرار الحرب لوحده ويفرضه على شعب الدولة بكامله. ألم تتخذ ملكة بريطانيا السابقة قرار دخول الحرب العالمية الثانية بمشورة من رئيس وزرائها، ونستون تشرشل لوحده؟ ألم يتخذ جورج دبليو بوش الابن، قرار حرب غزو العراق وتدميره لوحده؟ ألم يتخذ فلاديمير بوتين، الرئيس الروسي، لوحده قرار حرب غزو أوكرانيا، وها هي مشتعلة منذ أكثر من عام ولها في كل يوم مئات الضحايا من كلا البلدين؟

فلماذا يتنازل الفرد عن حريته وحق تأسيس نظامه الذي وهبه إياه الوجود بفطرته؟ أمن أجل أن يزج في حرب يقتل فيها بلا طائل؟ هل وجد أي فرد ليموت إرضاء لغرور أو نزعة السيطرة لدى فرد، يسمي نفسه حاكماً أو ملكاً أو رئيساً؟ وماذا عني أنا الفرد؟ ماذا عن حريتي في اختيار نمط حياتي المستقل؟ ماذا عن حقي في رفض المشاركة في حروب الدولة أو النظام السياسي أو الاجتماعي الذي أقيم على بقعة الأرض التي وجدت فيها؟ أليس من حقي أن أقول أو أطلب منهم الذهاب بحروبهم بعيداً عني وعن بقعة الأرض التي أعيش عليها؟ بأي حق امتلك الملك تشارلز الثالث، قبل أسبوعين من لحظة كتابتي هذه السطور، جميع البجعات التي تسبح في نهر التايمس؟ بل وله الحق في امتلاك أي بجعة أخرى تسبح في أي مياه جارية على أراضي المملكة المتحدة، كما صرح راعي بجعاته؟ فقط لأنه ورث هذا الحق عن أمه التي ورثته عن أبيها بدورها، وهكذا إلى جدهم الملك الذي حكم في القرون الوسطى وسن أمراً بامتلاكه هذا الحق فقط. لم لا يكون لأي فرد آخر، في أي بقعة من الأرض، أن يسن أمراً يحق له بموجبه امتلاك طيور السمان أو طيور القطا أو الأوز البري أو طيور الدجاج أو أسماك أحد الأنهار أو إحدى البحيرات، ويحترم أمره هذا وينفذ؟ بأي حق يتملك الملك أو الرئيس أو السلطان بقعة الأرض التي يحكمها بما عليها، بما فيها الكيانات الإنسانية التي تشبهه في كل صفاته، ويرى كل منها أن من حقه أن يتمتع بذات الحقوق التي يمتلكها الملك أو الرئيس أو السلطان؟

***

دكتور سامي البدري

بين الانخراط في التحرر من التبعية والالتزام بالنضال من أجل المساواة، مقاربة ملتزمة

مقدمة: في أعماق الديناميات الاجتماعية والسياسية، يبرز مفهوم الفاعل الجمعي كعنصر أساسي يجسد القدرة الجماعية على التغيير والتحول. يُعرف الفاعل الجمعي على أنه تشكيلة من الأفراد أو المجموعات التي تتحد في إطار مشترك لتحقيق أهداف تتجاوز المصالح الفردية، مما يولد قوة دافعة نحو إعادة تشكيل الواقع الاجتماعي. هذا المفهوم، الذي يتجاوز الحدود النظرية ليصبح أداة عملية في النضالات الإنسانية، يجد نفسه في تقاطع حاسم بين الانخراط في التحرر من التبعية والالتزام بالنضال من أجل المساواة. في هذه الدراسة، سنستعرض هذا التقاطع من خلال مقاربة ملتزمة، تؤكد على الفعل الإنساني كمسؤولية أخلاقية وسياسية، حيث يصبح الفاعل الجمعي ليس مجرد مراقب، بل مشاركاً نشطاً في صياغة تاريخ ينبذ الاستغلال ويحتضن العدالة. فمن هو الفاعل الجمعي؟ وماهي المهام الموكولة له في الإطار الاجتماعي؟

مهام الفاعل الجمعي

يبدأ الانخراط في التحرر من التبعية كعملية أساسية للفاعل الجمعي، إذ يعكس رفضاً جذرياً للهيمنة الخارجية التي تفرض نفسها على المجتمعات من خلال أشكال متعددة من الاستعمار الاقتصادي، الثقافي، أو السياسي. التبعية هنا ليست مجرد حالة اقتصادية، بل هي نظام يعيد إنتاج اللامساواة من خلال آليات غير مرئية، مثل الاعتماد على الاقتصادات المتقدمة أو الثقافات المهيمنة التي تفرض نماذجها كمعيار عالمي. ينخرط الفاعل الجمعي في هذا التحرر من خلال بناء هوية جماعية مستقلة، تعتمد على الوعي التاريخي والقدرة على إعادة تفسير الماضي لصالح مستقبل حر. على سبيل المثال، في سياقات ما بعد الاستعمار، يتحول الفاعل الجمعي إلى حركة شعبية ترفض التبعية الاقتصادية من خلال تعزيز الإنتاج المحلي والسيطرة على الموارد الطبيعية، مما يولد دينامية تحررية تتجاوز الفرد لتصبح مشروعاً جماعياً. هذا الانخراط ليس عفوياً، بل يتطلب تنظيماً يعتمد على التواصل والتضامن، حيث يصبح كل فرد جزءاً من كل أكبر يسعى لكسر سلاسل التبعية. في هذه العملية، يبرز دور الوعي كأداة أساسية، إذ يساعد في كشف الآليات الخفية للتبعية، مثل كيفية تحول الديون الخارجية إلى أداة للسيطرة، أو كيف تفرض الثقافة الاستهلاكية نمط حياة يعزز الاعتمادية بدلاً من الاستقلال. مع ذلك، لا يقتصر دور الفاعل الجمعي على التحرر من التبعية الخارجية، بل يمتد إلى مواجهة التبعيات الداخلية التي تتجذر في الهيكليات الاجتماعية المحلية. هنا، يصبح التحرر عملية داخلية تستهدف تفكيك الهرميات الطبقية أو العرقية أو الجندرية التي تعيد إنتاج التبعية داخل المجتمع نفسه. ينخرط الفاعل الجمعي في هذا السياق من خلال تشكيل تحالفات عابرة للحدود الاجتماعية، مما يولد قوة جمعية قادرة على تحدي السلطات المحلية التي تستفيد من الحفاظ على التبعية. هذا الانخراط يتطلب التزاماً أخلاقياً يعتمد على مبدأ الالتزام السارتري، حيث يصبح الفعل الجماعي مسؤولية فردية وجماعية في آن واحد، إذ يرفض الفاعل الجمعي دور الضحية ليصبح صانعاً لتاريخه. في هذه المرحلة، يتحول التحرر من مجرد رفض إلى بناء إيجابي، حيث يسعى الفاعل الجمعي لبناء مؤسسات بديلة تعتمد على الديمقراطية المباشرة والمشاركة الشعبية، مما يضمن استمرارية التحرر بعيداً عن مخاطر العودة إلى التبعية تحت أشكال جديدة.من هنا، ينتقل الفاعل الجمعي إلى الالتزام بالنضال من أجل المساواة، الذي يمثل الجانب الآخر من العملة التحررية. المساواة هنا ليست مجرد مفهوم فلسفي، بل هي هدف عملي يستهدف إزالة الفوارق التي تحول دون تحقيق الكرامة الإنسانية للجميع. يلتزم الفاعل الجمعي بهذا النضال من خلال استراتيجيات متعددة، تبدأ بالوعي الجماعي وتنتهي بالفعل السياسي المباشر. في سياق التبعية، يصبح النضال من أجل المساواة امتداداً طبيعياً للتحرر، إذ لا يمكن تحقيق استقلال حقيقي دون ضمان توزيع عادل للموارد والفرص. على سبيل المثال، في الحركات الاجتماعية المعاصرة، يتحول الفاعل الجمعي إلى شبكة من النشطاء الذين يناضلون ضد التمييز العرقي أو الطبقي، مستخدمين أدوات مثل الاحتجاجات الشعبية أو الحملات الإعلامية لفرض تغييرات هيكلية. هذا الالتزام يعتمد على مقاربة ملتزمة، ترفض الحيادية وتؤكد على الفعل كوسيلة لتحقيق العدالة، حيث يصبح كل فرد ملتزماً بقضية أكبر من نفسه، مما يولد تضامناً يتجاوز الحدود الجغرافية أو الثقافية. في هذا التقاطع بين التحرر من التبعية والنضال من أجل المساواة، يبرز الفاعل الجمعي كقوة دينامية قادرة على مواجهة التحديات المعقدة للعولمة المعاصرة. التبعية في عصرنا الحالي تأخذ أشكالاً جديدة، مثل الهيمنة الرقمية أو الاستغلال البيئي، مما يتطلب من الفاعل الجمعي تكييف استراتيجياته ليشمل نضالاً متعدد الأبعاد. هنا، يصبح الالتزام بالمساواة ليس خياراً، بل ضرورة، إذ يساعد في بناء مجتمعات مقاومة قادرة على مواجهة الضغوط الخارجية دون التفريط في القيم الداخلية. المقاربة الملتزمة في هذا السياق تؤكد على دور الفكر النقدي في توجيه الفعل الجماعي، حيث يصبح التحليل النظري أداة لفهم الواقع وتغييره، مستوحى من أفكار مفكرين يرون في الالتزام سبيلاً للتحرر الإنساني. ينخرط الفاعل الجمعي في هذا النضال من خلال تشكيل تحالفات استراتيجية، مثل الشراكات بين الحركات العمالية والنسوية، مما يولد قوة جمعية قادرة على تحقيق تغييرات جذرية. مع ذلك، يواجه الفاعل الجمعي تحديات داخلية قد تعيق مسيرته، مثل الصراعات على السلطة داخل الجماعة أو الاختلافات الإيديولوجية التي قد تؤدي إلى تفكك الوحدة. في مواجهة هذه التحديات، يبرز دور الالتزام كعامل موحد، إذ يشجع على الحوار الداخلي والتسامح مع الاختلافات لصالح الهدف المشترك. هذا الالتزام يمتد إلى البعد الأخلاقي، حيث يرفض الفاعل الجمعي استخدام العنف كوسيلة إلا في حالات الدفاع عن النفس، مفضلاً استراتيجيات سلمية تعتمد على الوعي والتعليم لتحقيق المساواة. في سياق التحرر من التبعية، يصبح هذا الالتزام أداة لمنع تحول النضال إلى تبعية جديدة، مثل الاعتماد على قادة كاريزميين يحولون الجماعة إلى أداة لمصالحهم الشخصية. بدلاً من ذلك، يسعى الفاعل الجمعي لبناء نموذج ديمقراطي يضمن مشاركة الجميع، مما يعزز الاستدامة طويلة الأمد للنضال.

 التحديات الداخلية للفاعل الجمعي

في سياق الفاعل الجمعي، الذي يمثل التشكيلة الدينامية للأفراد والمجموعات المتحدة في سعيها نحو التحرر من التبعية والالتزام بالنضال من أجل المساواة، تبرز التحديات الداخلية كعنصر حاسم يختبر قوة الوحدة والالتزام. هذه التحديات ليست مجرد عقبات عرضية، بل هي تعبيرات عن التعقيد الإنساني داخل الجماعة، حيث يلتقي الطموح الفردي بالمصلحة الجماعية، والتنوع بالحاجة إلى الانسجام. من خلال مقاربة ملتزمة، نرى في هذه التحديات ليس تهديداً فقط، بل فرصة لتعزيز الوعي والتنظيم، إذ يصبح مواجهتها جزءاً أساسياً من عملية التحرر ذاتها. إن التحديات الداخلية تعكس التوتر بين الحرية الفردية والتضامن الجماعي، مما يجعلها محوراً لفهم كيفية استمرار الفاعل الجمعي في مسيرته نحو عالم أكثر عدلاً، حيث يتحول الصراع الداخلي إلى محرك للتطور بدلاً من سبب للانهيار.

أحد أبرز التحديات الداخلية هو الصراعات على السلطة داخل الجماعة، والتي تنشأ من الرغبة الطبيعية في القيادة والتأثير. في سياق التحرر من التبعية، حيث يسعى الفاعل الجمعي لكسر الهيمنة الخارجية، قد يتحول هذا الصراع إلى تكرار للنماذج الهرمية التي يحاربها، مما يؤدي إلى ظهور قادة كاريزميين يسيطرون على القرار، ويحولون الجماعة من فاعل ديمقراطي إلى أداة لمصالحهم الشخصية. هذا التحدي يتفاقم في مراحل النضال الأولى، عندما تكون الموارد محدودة والضغوط الخارجية عالية، فتصبح السلطة مورداً نادراً يثير المنافسة. على سبيل المثال، في الحركات الاجتماعية، قد يؤدي هذا الصراع إلى انشقاقات داخلية، حيث يشعر بعض الأعضاء بالتهميش، مما يضعف القدرة على مواجهة التبعية الاقتصادية أو الثقافية. المقاربة الملتزمة هنا تؤكد على ضرورة بناء آليات ديمقراطية داخلية، مثل المجالس التشاورية أو الانتخابات الدورية، لتوزيع السلطة بشكل عادل، وتحويل الصراع من عنصر تدميري إلى حوار بناء يعزز الالتزام بالمساواة. إن تجاهل هذا التحدي قد يؤدي إلى تحول الفاعل الجمعي إلى نظام استبدادي داخلي، يعيد إنتاج التبعية التي يرفضها، مما يجعل التحرر وهماً لا يتجاوز السطح. كما تبرز الاختلافات الإيديولوجية كتحدٍ داخلي آخر، ينبع من التنوع الفكري والثقافي داخل الجماعة، والذي، رغم أنه مصدر قوة، قد يؤدي إلى تفكك الوحدة. في نضال من أجل المساواة، حيث يجتمع أفراد من خلفيات متنوعة – عرقية، طبقية، أو جندرية – تظهر هذه الاختلافات كتوتر بين الرؤى المختلفة للتحرر. على سبيل المثال، قد يرى بعض الأعضاء التحرر كعملية اقتصادية بحتة، بينما يؤكد آخرون على البعد الثقافي أو البيئي، مما يؤدي إلى خلافات حول الأولويات والاستراتيجيات. هذا التحدي يتفاقم في سياقات العولمة، حيث تتداخل الإيديولوجيات العالمية مع الخصوصيات المحلية، مما يخلق صراعاً بين الراديكالية والبراغماتية. المقاربة الملتزمة ترى في هذه الاختلافات فرصة للحوار النقدي، حيث يصبح الالتزام بالمساواة مبدأ موحداً يتجاوز الاختلافات، من خلال تشجيع المناقشات المفتوحة والتعليم المتبادل. إن عدم مواجهة هذا التحدي قد يؤدي إلى انقسامات جذرية، تحول الفاعل الجمعي إلى مجموعات صغيرة ضعيفة، غير قادرة على مواجهة التبعية الخارجية، مما يجعل النضال مجرد صراع داخلي يستهلك الطاقات دون إحراز تقدم حقيقي. بالإضافة إلى ذلك، يواجه الفاعل الجمعي تحدياً داخلياً متمثلاً في نقص الموارد والإرهاق النفسي، الذي ينشأ من طول أمد النضال وشدة الضغوط. في مسيرة التحرر من التبعية، حيث تكون الموارد المالية أو اللوجستية محدودة، يصبح توزيع هذه الموارد مصدر توتر، مما قد يؤدي إلى شعور بالظلم داخل الجماعة. أما الإرهاق النفسي، فهو نتيجة للمعاناة المستمرة أمام القمع الخارجي، مما يولد حالات من اليأس أو الانسحاب، خاصة بين الأعضاء الأقل خبرة. هذا التحدي يتجلى في انخفاض المشاركة مع مرور الوقت، حيث يشعر الأفراد بالإجهاد من دون رؤية نتائج فورية، مما يضعف الالتزام بالنضال من أجل المساواة. المقاربة الملتزمة تؤكد هنا على أهمية بناء شبكات دعم داخلية، مثل برامج الرعاية النفسية أو توزيع الأدوار بشكل عادل، للحفاظ على الطاقة الجماعية. إن تجاهل هذا الجانب قد يؤدي إلى انهيار داخلي، حيث يصبح الفاعل الجمعي عرضة للاختراق الخارجي، مثل محاولات الاستقطاب أو الخيانة من قبل أعضاء محبطين. كذلك، لا يمكن تجاهل تحدي التنوع الثقافي والاجتماعي داخل الجماعة، الذي، رغم غناه، قد يولد صراعات حول الهوية والتمثيل. في سياق النضال من أجل المساواة، حيث يجتمع أفراد من خلفيات متنوعة، قد يشعر بعض المجموعات المهمشة بالتهميش داخل الجماعة نفسها، مما يعيد إنتاج اللامساواة التي يحاربها الفاعل الجمعي. على سبيل المثال، في الحركات العابرة للحدود، قد تبرز خلافات بين النساء والرجال، أو بين الأعراق المختلفة، حول من يمثل الصوت الرئيسي. هذا التحدي يتطلب مقاربة ملتزمة تعتمد على مبدأ التقاطعية، حيث يتم الاعتراف بالتعددية كقوة، ويتم بناء سياسات تضمن التمثيل العادل. إن عدم التعامل مع هذا التنوع قد يؤدي إلى تفكك، مما يجعل التحرر من التبعية هدفاً بعيداً، محاصراً بين الصراعات الداخلية. في مواجهة هذه التحديات، يبرز دور الالتزام كعامل حاسم في تعزيز الوحدة، حيث يصبح الحوار الداخلي والتعليم المستمر أدوات لتحويل التوترات إلى فرص للنمو. المقاربة الملتزمة ترفض الاستسلام لهذه التحديات، بل تراها كجزء من عملية التحرر، إذ يصبح الفاعل الجمعي أقوى من خلال تجاوزها، مما يضمن استمرارية النضال نحو مساواة حقيقية. إن التحديات الداخلية، إذن، ليست نهاية، بل بداية لإعادة بناء أقوى، حيث يتحول الفعل الجماعي من رد فعل إلى مشروع إبداعي يعيد تشكيل الواقع بوعي أعمق وتضامن أكبر.

التقاطعية الاجتماعية

في إطار الفاعل الجمعي، الذي يجسد الوحدة الدينامية للأفراد والمجموعات في سعيها نحو التحرر من التبعية والالتزام بالنضال من أجل المساواة، تبرز التقاطعية الاجتماعية كمفهوم أساسي يعيد تشكيل فهم التحديات الداخلية والاستراتيجيات الخارجية. التقاطعية، التي تعود جذورها إلى النظرية النقدية في دراسات الجندر والعرق، تمثل الاعتراف بتداخل أشكال التمييز واللامساواة المتعددة، مثل العرق، الطبقة، الجندر، الإعاقة، والتوجه الجنسي، في تشكيل تجارب الأفراد داخل الجماعة. هذه المقاربة ليست مجرد إضافة نظرية، بل هي أداة عملية ملتزمة تحول التنوع من مصدر توتر إلى قوة دافعة، إذ تكشف كيف تتداخل هذه الأبعاد في تعزيز التبعية أو في تعزيز النضال نحو المساواة. في هذا التوسع، سنستعرض التقاطعية كمحور لفهم الديناميات الداخلية للفاعل الجمعي، حيث تصبح الالتزام بها ضرورة أخلاقية وسياسية لتحقيق تحرر شامل، بعيداً عن الرؤى الوحيدة البعد التي قد تعيد إنتاج اللامساواة داخل النضال نفسه.تبدأ التقاطعية الاجتماعية في سياق الفاعل الجمعي بكشف الطبقات المتداخلة من التبعية، حيث لا تكون التبعية مجرد علاقة اقتصادية أو سياسية خارجية، بل هي نظام يتغذى على تقاطعات داخلية تعزز الاستغلال. على سبيل المثال، في مجتمعات ما بعد الاستعمار، قد يعاني الأفراد من تبعية مزدوجة: اقتصادية تفرضها الهيمنة العالمية، واجتماعية داخلية تنبع من التمييز العرقي أو الجندري، مما يجعل التحرر عملية معقدة تتطلب فهماً لكيفية تداخل هذه الأبعاد. ينخرط الفاعل الجمعي هنا من خلال مقاربة ملتزمة تعترف بهذه التقاطعات، فبدلاً من التركيز على قضية واحدة – مثل التحرر الاقتصادي – يصبح النضال متعدد الأوجه، يستهدف تفكيك التبعية في جميع أشكالها. هذا الاعتراف يمنع تحول النضال إلى حركة نخبوية، حيث يسيطر أفراد من طبقات معينة أو أعراق مهيمنة، ويضمن أن تكون المساواة هدفاً شاملاً يشمل الجميع. في هذه العملية، تصبح التقاطعية أداة لتعزيز التضامن، إذ تسمح للأفراد بمشاركة تجاربهم المتداخلة، مما يولد وعياً جماعياً يرفض التبعية كمصير محتوم ويحولها إلى هدف قابل للتغيير من خلال الفعل المشترك. مع ذلك، تكشف التقاطعية الاجتماعية عن تحديات داخلية عميقة داخل الفاعل الجمعي، حيث يصبح التنوع مصدراً للصراع إذا لم يُدار بحكمة. في نضال من أجل المساواة، قد تبرز خلافات حول الأولويات، مثل كيفية دمج قضايا النساء الملونات في حركة تحررية تركز أساساً على الاستقلال الاقتصادي، مما يؤدي إلى شعور بالتهميش لدى بعض المجموعات. هذا التحدي يتجلى في إعادة إنتاج اللامساواة داخل الجماعة، حيث قد يغلب صوت الرجال أو الطبقات الوسطى، متجاهلاً تقاطعات الفقر والعرق التي تعاني منها النساء أو الأقليات. المقاربة الملتزمة هنا تؤكد على ضرورة بناء إطار تقاطعي يجعل التمثيل العادل أولوية، من خلال تشكيل لجان داخلية تمثل التنوع الاجتماعي، أو من خلال برامج تعليمية تثقف الأعضاء حول كيفية تداخل أشكال التمييز. هذا الالتزام يحول التحدي إلى فرصة، إذ يصبح الفاعل الجمعي أكثر قوة عندما يعترف بأن المساواة لا تتحقق إلا من خلال مواجهة التقاطعات الداخلية، مما يمنع الانقسامات ويعزز الوحدة في مواجهة التبعية الخارجية. إن تجاهل هذه التقاطعية قد يؤدي إلى فشل النضال، حيث يصبح الفاعل الجمعي عرضة للانشقاقات التي تستغلها القوى المهيمنة للحفاظ على الوضع القائم. كذلك، تمتد التقاطعية الاجتماعية إلى البعد الاستراتيجي في النضال، حيث تصبح أداة لصياغة سياسات شاملة تتجاوز الرؤى الوحيدة البعد. في سياق التحرر من التبعية، يمكن للفاعل الجمعي استخدام هذه المقاربة لربط قضايا محلية بأخرى عالمية، مثل كيفية تداخل الاستغلال البيئي مع التمييز العرقي في مجتمعات الجنوب العالمي، مما يولد تحالفات عابرة للحدود. هنا، يصبح الالتزام بالمساواة ملتزماً بمبدأ التقاطعية، إذ يرفض الفاعل الجمعي التركيز على قضية واحدة على حساب أخرى، ويسعى لبناء استراتيجيات متعددة الأبعاد، مثل حملات تجمع بين النضال النسوي والعمالي. هذا النهج يعزز الفعالية، إذ يجعل النضال أكثر شمولاً وجاذبية لمجموعات متنوعة، مما يوسع قاعدة الدعم ويقلل من مخاطر الإخفاق الناتج عن الرؤى الضيقة. في هذه العملية، تصبح التقاطعية ليست مجرد نظرية، بل ممارسة يومية تحول الفاعل الجمعي من كيان مفكك إلى قوة متماسكة، قادرة على مواجهة التعقيدات المعاصرة مثل العولمة الرأسمالية التي تستغل التقاطعات الاجتماعية لتعزيز التبعية. أما في مواجهة التحديات العملية، فإن التقاطعية الاجتماعية تتطلب تطوير أدوات داخلية للحوار والتسوية، حيث يصبح الالتزام أخلاقياً يشجع على الاستماع المتبادل والاعتراف بالتجارب المتنوعة. على سبيل المثال، في حركات اجتماعية معاصرة، قد يؤدي التركيز على التقاطعية إلى إنشاء مساحات آمنة لمناقشة كيفية تأثير الإعاقة على النساء في سياق التبعية الاقتصادية، مما يولد سياسات أكثر عدلاً. هذا الالتزام يمنع تحول النضال إلى صراع داخلي، بل يحوله إلى عملية تعلم جماعي، حيث يصبح كل فرد مساهماً في فهم التقاطعات التي تشكل الجماعة. إن هذه المقاربة الملتزمة تؤكد على أن التحرر الحقيقي يبدأ من الداخل، بتفكيك التقاطعات السلبية لبناء تضامن إيجابي، مما يجعل الفاعل الجمعي نموذجاً لمجتمع مساوٍ يرفض التبعية في كل أشكالها.

خاتمة

في النهاية، يمثل الفاعل الجمعي في تقاطعه بين التحرر من التبعية والنضال من أجل المساواة نموذجاً للإنسانية الملتزمة، التي ترفض السلبية لتصبح فاعلاً في تاريخها. هذه المقاربة الملتزمة تؤكد على أن التحرر ليس نهاية، بل بداية لنضال مستمر نحو عالم أكثر عدلاً، حيث يصبح كل فرد جزءاً من كل يسعى لتحقيق الكرامة المشتركة. من خلال هذا الالتزام، يتحول الفاعل الجمعي من مجرد رد فعل إلى قوة إبداعية، قادرة على إعادة تشكيل الواقع نحو آفاق أوسع من الحرية والمساواة. لذلك، تمثل التقاطعية الاجتماعية ضمن الفاعل الجمعي قمة الالتزام بالنضال، إذ تحول التنوع من عبء إلى رصيد، وتجعل التحرر من التبعية والمساواة هدفين متداخلين لا يمكن فصلهما. هذه المقاربة الملتزمة ترفض السطحية لتغوص في عمق التعقيد الإنساني، مما يولد فاعلاً جمعياً أقوى وأكثر استدامة، قادراً على إعادة تشكيل الواقع نحو عالم يحتضن الجميع دون تمييز أو تبعية. من خلال هذا التوسع، يصبح واضحاً أن التقاطعية ليست خياراً، بل ضرورة لأي نضال ملتزم يسعى لتحقيق عدالة حقيقية. فمتى يرى الفاعل الجمعي العربي النور ويعانق الابداع والتأثير؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

قراءة فلسفية بين الدورات الخلدونية وسيولة الحداثة

يشهد الأفق العالمي الراهن حالة فريدة من التعقيد البنيوي، حيث تتجلى مفارقة وجودية يمكن اختزالها في أن المداخل كافةً باتت مشرعة أمام التدفقات المعلوماتية والتقنية والسلعية، في حين تبدو المخارج جميعها موصدة أمام أي بديل جذري قادر على تجاوز الأزمات الهيكلية للنظام القائم. هذا الوضع لا يمثل مجرد أزمة سياسية أو اقتصادية عابرة، بل هو تعبير عن "انسداد حضاري" شامل يضع الإنسانية أمام تساؤل مصيري:

هل نحن بصدد مخاض لمرحلة تاريخية غير مسبوقة، أم أننا نعيش الفصول الأخيرة من حضارة استنفدت طاقتها الحيوية؟ يتطلب فهم هذه اللحظة العودة إلى الجذور الفلسفية التي حللت حركة التاريخ وبنية المجتمعات، بدءاً من قوانين العمران الخلدونية، وصولاً إلى طروحات الحداثة السائلة وما بعد الحداثة، لاستنطاق آليات التحول التي أدت إلى هذا الانسداد المعاصر.

المنظور الخلدوني:

يعتبر ابن خلدون، من خلال عمله الرائد "المقدمة"، أول من أرسى دعائم "علم العمران البشري"، مقدماً رؤية عضوية للحضارة بوصفها كائناً حياً يخضع لناموس الولادة، والنمو، ثم الهرم والموت. تكتسب هذه الرؤية أهمية قصوى في تشخيص الانسداد الحالي، لأنها تربط بين القوة المعنوية (العصبية) وبين المآل المادي للحضارة (الترف).

الفلسفة الحديثة:

من حتمية التقدم إلى انسداد الغاية على عكس الدائرية الخلدونية، قدمت الحداثة الغربية رؤية خطية متصاعدة للتاريخ، قائمة على الإيمان بالتقدم اللانهائي والقدرة الكلية للعقل. هذه الرؤية جعلت "المداخل" مفتوحة على الدوام نحو المستقبل، معتبرة أن كل أزمة هي مجرد مرحلة عابرة نحو كمال أسمى.

هيغل وجدلية الروح: التاريخ كمسيرة للحرية

يعد هيغل الذروة الفلسفية لهذا التفاؤل الحداثي، حيث يرى التاريخ كعملية عقلانية تهدف إلى تحقيق وعي الروح بذاتها من خلال الحرية. في الفلسفة الهيغلية، لا يمكن للواقع أن "يتجمد" أو "ينسد"، لأن حركة "السلب" الجدلية تدفع بالروح دوماً لتجاوز تناقضاتها في تركيبات أرقى. ومع ذلك، فإن نقد هيغل المعاصر يركز على أن هذا النظام "المغلق" الذي يدعي استيعاب كل شيء قد أدى إلى تحويل التاريخ إلى عملية حتمية تفتقر إلى الفاعلية الإنسانية الحقيقية، مما يمهد لما وصفه البعض بـ "نهاية التاريخ".

مشروع التنوير وتصاعد "مناخ اليأس"

انطلق مشروع التنوير، عند إيمانويل كانط وغيره، من مبدأ "الخروج من حالة القصور" واستخدام العقل لتحسين الحياة البشرية. ولفترة طويلة، نجحت هذه المداخل المفتوحة في تحقيق قفزات علمية وتقنية هائلة. إلا أن القرن العشرين شهد تحولاً جذرياً؛ حيث حلت خيبة الأمل محل التفاؤل مع اندلاع الحروب العالمية، وتصاعد أزمات التدهور البيئي، واستبداد التقنية. يرى نقاد الحداثة أن العقل الذي كان أداة للتحرر تحول إلى "عقل أداتي" يخدم السيطرة، مما أغلق المخارج الأخلاقية والروحية أمام الإنسان المعاصر، وهو ما يتجلى في الأزمة المرجعية التي تعاني منها الحضارة الراهنة.

تشخيص باومان للانسداد المعاصر

يقدم زيجمونت باومان أحد أعمق التوصيفات للحالة الراهنة من خلال مفهوم "الحداثة السائلة". يرى باومان أننا انتقلنا من مرحلة الحداثة "الصلبة" التي كانت تسعى لبناء مؤسسات مستقرة وتخطيط طويل الأمد، إلى مرحلة "سائلة" تتسم بالتغير الدائم وغياب اليقين.

مدينة الصياد الفاضلة وتلاشي الوجهة في الحداثة السائلة

يتم وصف العالم كـ "يوتوبيا الصياد “، حيث لا توجد غاية نهائية أو "مخرج" نصل إليه لنستقر، بل إن المطاردة المستمرة للفرص، والسلع، والهويات هي الغاية في حد ذاتها. هنا تكون "المداخل مفتوحة" بشكل مفرط؛ فالفرد حر في اختيار هويته، وعمله، وعلاقاته، ولكن هذه الحرية تأتي بتكلفة باهظة من "عدم اليقين" والهشاشة. المخارج مغلقة لأن النظام السائل يمنع أي استقرار؛ فكل إنجاز هو مجرد محطة عابرة في رحلة لا تنتهي، مما يولد شعوراً بالدوران في حلقة مفرغة أو "المطحنة" التي تستهلك الإنسان دون أن توصله إلى بر الأمان.

انفصال القوة عن السياسة

يشير باومان إلى أن أخطر معالم الانسداد العالمي يكمن في انفصال "القوة" عن "السياسة". فالقوة (القدرة على الفعل) أصبحت عالمية، عابرة للحدود، وسائلة (تتمثل في الأسواق والتدفقات التقنية)، بينما ظلت السياسة (القدرة على اتخاذ القرار) محلية ومقيدة بحدود الدولة القومية. هذا الانفصال أدى إلى حالة من "العجز الديمقراطي"؛ فالناس يملكون "مداخل" للمشاركة السياسية، لكنهم يجدون "المخارج مغلقة" لأن القرارات الكبرى التي تؤثر على حياتهم يتم اتخاذها في فضاءات عابرة للحدود خارجة عن السيطرة السياسية المحلية.

النسبية المعرفية وضياع المعيار المشترك

أدى سقوط السرديات الكبرى إلى حالة من "التفتت" المعرفي؛ حيث أصبح لكل مجموعة "سرديتها الصغرى" الخاصة. ومع أن هذا يبدو تحررياً، إلا أنه أدى إلى انسداد الحوار الكوني؛ فغياب "معيار مشترك" للحقيقة جعل الصراعات بين الهويات صراعات "غير قابلة للحل"، مما يغلق المخارج أمام أي مشروع إنساني جماعي لمواجهة التحديات الكبرى مثل التغير المناخي أو الأزمات الاقتصادية العالمية.

"نهاية الإنسان" والأفق البيولوجي المسدود

لا يقتصر الانسداد التاريخي على الجوانب الاجتماعية والسياسية، بل يمتد ليشمل تعريف "الإنسان" نفسه. يحذر فرانسيس فوكوياما في كتابه "نهاية الإنسان" من أن الثورة في التكنولوجيا الحيوية قد تؤدي إلى كسر "الطبيعة البشرية" التي كانت الأساس لكل القيم السياسية والأخلاقية.

يتحدث فوكوياما عن "الإنسان الأخير" الذي يعيش في حالة من الرفاهية المادية لكنه يفتقد للدافع التاريخي أو "الثيموس" (النزوع إلى الاعتراف). الانسداد هنا يتمثل في أن البشرية قد تكون وصلت إلى نمط عيش لا يمكن تجاوزه، ومع ذلك فهو نمط يفتقر إلى المعنى الجوهري. التطور التقني يفتح "مداخل" بيولوجية قد تؤدي إلى "مخرج مغلق" يتمثل في انقراض الذات الإنسانية الحرة لصالح كائنات مصممة وراثياً، مما ينهي "التاريخ" كما عرفناه.

العصبية الرقمية والمدن العالمية

تطرح بعض الدراسات المعاصرة إمكانية نشوء "عصبية جديدة" قائمة على "الترابط الشبكي" بدلاً من القرابة أو الأيديولوجيا. في هذا السيناريو، تصبح "المدن الذكية" والشبكات العالمية هي مراكز العمران الجديد التي تتجاوز انسداد الدولة القومية. ومع ذلك، فإن هذا المخرج يظل محفوفاً بالمخاطر؛ فإذا لم يقترن هذا الترابط التقني بمرجعية أخلاقية وقيم إنسانية، فإنه قد يكون مجرد "إغلاق للمخارج" بشكل أكثر إحكاماً تحت سيطرة "الذكاء الاصطناعي" و"البيانات الضخمة."

الخلاصة التركيبية

إن حالة "كل المداخل مفتوحة وكل المخارج مغلقة" التي يعيشها العالم اليوم تمثل لحظة "الشيخوخة الحضارية" الكونية. نحن نعيش في حضارة بلغت ذروة "الترف" الخلدوني متمثلاً في الاستهلاك الفائق والسيطرة التقنية، ولكنها فقدت "عصبيتها" المعنوية والسياسية التي تمنحها القدرة على التجديد. إن الانفتاح المفرط للمداخل هو في الواقع أداة لإخفاء انغلاق المخارج.

سواء كان هذا الانسداد هو بداية "تاريخ جديد" أو الفصل الأخير من "حضارة الهرم"، فإن الحقيقة البارزة هي أن الأدوات الفلسفية والسياسية القديمة لم تعد كافية لفتح المخارج. إن الحاجة ماسة إلى "عصبية إنسانية كوكبية" تعيد ربط السياسة بالقوة، والتقنية بالأخلاق، والذات بالمعنى. إن "المخارج" لا تفتح من تلقاء نفسها، بل يتم "شقها" من خلال فعل إبداعي يتجاوز سيولة الحداثة وجمود التراث، ليعيد بناء "عمران بشري" يكون فيه الإنسان سيداً لمصيره.

***

غالب المسعودي

...........................

المراجع:

ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة. (تحقيق ودراسة الأزمات الحضارية).

المسيري، عبد الوهاب. العالمية والمركزية الغربية.

جاسم محمد، نادية. (د.ت). تدهور الحضارة عند ابن خلدون. جامعة الموصل. مسترجع من: uomosul.edu.iq

فريق التحرير. (2022). أزمة الحضارة والإنسان في فكر ابن خلدون. شبكة تنوير. مسترجع من: tanwair.com

محمد، إبراهيم. (2021). قيام الحضارات وسقوطها: ابن خلدون نموذجاً. شبكة الألوكة. مسترجع من: alukah.net

Bauman, Z. (two thousand). Liquid Modernity. Cambridge: Polity Press.

Fukuyama, F. (2002). Our Posthuman Future: Consequences of the Biotechnology Revolution. Farrar, Straus, and Giroux.

Güler, A. (2019). Ibn Khaldun's Cyclical Theory on the Rise and Fall of Sovereign Powers. DergiPark. Retrieved from: dergipark.org.tr

Smith, J. (2018). Cyclical and Linear Progress in Social Theories. AgEcon Search. Retrieved from: ageconsearch.umn.edu

تتطلّعُ قراءة الآخر، بوجه عامّ، إلى تقليص هامش الخواء المعرفيّ، وهو دورٌ منوط عادةً بعهدة الترجمة في جانب كبير منه، من خلال ما توفِّره من معارف وما تجليه من حقائق عن الآخر، درءًا لسوء الفهم وتمتينًا لعرى التواصل بين الثقافات. وضمن هذا الدور الجليل للترجمة، يأْتي الاطّلاعُ على الآداب الأجنبية في مقدّمة المواد المعرفية المحبَّذة. لذا يحرص عمل الترجمة الثقافية في الزمن الحديث على الانشغال بالأعمال الأدبية أكثر من الانشغال بالأعمال الفكرية والمؤلَّفات العلمية، وذلك ليُسْر نقل تلك الأعمال دون تعقيدات كبيرة، تمليها الترجمة المعرفية أحيانا، ولسرعة رواج الترجمة الأدبيّة في أوساط جمهور القرّاء. وعلى سبيل المثال ثمانين بالمئة ممّا نَقله العرب من اللغة الإيطالية يندرج ضمن التصنيف الأدبيّ، والباقي هي أعمال في الفنّ والمسرح ودراسات في العلوم الإنسانية والاجتماعية، من مجموع عامّ يبلغ 450 عملًا مترجَمًا.

مغامرة الترجمة المبكّرة

في مرحلة سابقةٍ مثَّلَ اِكتشافُ الآخر أحدَ المغريات القويّة للعرب إبّان مسيرتهم الحضارية الفاعلة. لم يكن الاكتشاف مجرّد اطّلاعٍ على تجربة الآخر، وإنّما قراءة متأمِّلة في مدى إسهامه في المسار الكونيّ. من هذا الباب عَوّلَ رواد الحضارة العربية، إبان فترتيْ حكم بني أميّة وبني العباس, على استجلاب ما لدى الأمم الأخرى من إنجازات معرفية وعلمية وتجارب عملية. ومنذ فترة مبكِّرة تنبّهَ العرب إلى أهمية الترجمة وجدواها، فقد أنفَقَ الخليفة الأمويّ المعزول خالد بن يزيد (توفّي حوالي 709م) من ماله الخاص لترجمة الأعمال اليونانية. وبات هذا الانشغال بالترجمة تقليدًا منذ الجهد المبذول لأبي جعفر المنصور (توفّي سنة 775م) في زمن الدولة العباسية. صحيح كان العرب على إيمان كبير بمخزونهم الروحي حينها، ولكنّهم كانوا أيضًا على يقين من حاجتهم إلى معارف الآخر وعلومه في شتى المجالات، وهو ما حَثّهم على استلهامِ تجربة الآخر واستجلابِها إلى حواضر بلاد الإسلام.

كانت الرؤية العامّة السائدة لدى العرب، تجاه الآخر، محكومةً بنظرة عَمَليّة بالأساس في فرز مخزونه الحضاريّ. ونقصد بالنظرة العمليّة للآخر التغاضي تقريبًا عمّا لديه من معتقدات وفهْمٍ للكون، والانشغال بعلومه ومعارفه وإنجازاته العلمية والحضارية. وقد أتت ترجمةُ الأعمال الفلسفية اليونانية ضمن هذه السياق، بوصف أعمال الفلاسفة القدماء لا تندرجُ ضمن معتقدات الشعوب، وإنّما تندرج ضمن البحث الأصيل عن تقديم إجاباتٍ عقلية لمعضلات الوجود. ولذلك لم يخلط التراجِمة الأوائل، ممن استجلَبوا المعارف من الهند وفارس وبلاد الإغريق، بين الأعمال العقلية الصرفة والأعمال الأسطورية والعَقَدية، التي عبّرت عنها ملاحم مثل "الإلياذة والأوديسة" في بلاد الإغريق أو "الشاهنامة" للفردوسي في بلاد فارس، وأهملوا ترجمتها ونقلها. فقد أورد غ. ستروهماير في "دائرة المعارف الإسلامية"، في معرض حديثه عن حُنين بن إسحاق أنه كان يلجأ في ترجماته إلى إسقاط الحديث عن المعتقدات الوثنية والآلهة، وهو تقليد لم يبتكره الرجل، وإنما دأبَ عليه معاصروه.

وفي غمار ذلك النزوع لفهْمِ الآخر وقراءته، لا يمكن الحديث دائما عن تقبُّلٍ مرحٍ لذلك المغايِر، في ظلّ استمراء الذائقة الجماعية لِما بحوزتها من إبداع. الأمر الذي قد يخلق أحيانا نفورًا من ذلك الآخر، بوصف ذلك الآخر ليس بوسعه أن يضيف للأنا شيئًا، وليس سوى تعزيز لهجانة المخزون النقيّ ولرطانة اللّسان القويم. عديد الحركات الشعوبية، في المشرق والمغرب، سلكت هذا المسلك الطهريّ في الثقافة، من خلال نشدان تحقيق النقاوة الصرفة.

اِستطاع العربُ بنباهة أن يَتجاوزوا هذا الانغلاق المتربِّص، وقد لخّصَ المقول الخلدوني في "كتاب المقدّمة"، أحدَ اللحظات المهمّة في تصحيح قراءة التاريخ لدى العرب، من خلال إعادة رسم المعالم التي يقف عليها تقدّم الاجتماع البشريّ. ففي "المقدّمة" توظيفٌ شفّافٌ لروح المعارف القديمة ولمعارف العصر، في ذلك الظرف التاريخيّ. لم يكن الفكر الخلدونيّ انغلاقًا على الذات العربية وإنما محاوَرة وقراءة لكلّ ما من شأنه أن يشكّل عنصرًا من عناصر صنع التاريخ ونزع الوعي الأسطوري عنه. أبانت أنّاليزا فيرزا، إحدى الدارسات الإيطاليات المعاصرات، ممّن اِنشغلن بالطروحات الخلدونية في الراهن، أنّ سوسيولوجيا الحضارة أو "علم العمران"، كما هو وارد ضمن الاصطلاح الخلدونيّ، قد جاء التطرق إليه من منظور صاحب "المقدّمة" على أساس الاعتماد على مضامين الثقافة المزدَوجة الإسلامية الإغريقية في عهده، وجرى تحليل المقولات والوقائع في مختلف أوجهها الاجتماعية والفلسفية والتاريخية والعلمية بهدف الإلمام بالسُّنن والقوانين المتحكّمة بالتحوّل التاريخيّ. فقد أدرك العرب، منذ البدء، أنّ الآخر هو رديفٌ ينبغي كسْبه معرفيّا في صفّ الذات، بنقل معارفه واسْتلهام مقولاته، وليس بوصفه نقيضًا ينبغي تجنّبه وتفاديه. كانت جغرافية الحضارات واضحةً المعالم لدى رواد الحضارة العربية، ولذلك عملوا على استلهام إبداع الأمم المجاورة والنائية بغرض رفْدِ ما لديهم من تطلّع حضاريّ.

نهْضة عقب غفْوة

وما إن أطلّت العصورُ الحديثة حتى استفاق العرب على فجوةٍ هائلةٍ تفصلهم عن أُمَم الفرنجة. سعوا فيها، عبر الرحلات والبعثات، للتعويض عمّا فاتهم، وتقليص الفارق بينهم وبين أوروبا الصاعدة. حرصت في ذلك كوكبة من المصلِحين (خيرالدين والطهطاوي وعبده وآخرين)، ممن اتّصلوا بالغرب، على تبليغ رسالة قوية للداخل مفادها أنّنا ما لم نسلك مسلك الآخر في اكتساب العلوم وتطوير المعارف، فإنّنا قادمون على أوضاع صعبة. وسارعَ هؤلاء المصلحون وغيرهم إلى ترجمة ما وعوه من ذلك الغرب، عبر الحثِّ على خوْضِ إصلاحات عاجلة في التعليم والاجتماع والقوانين، وبما تيَسَّر لهم من سبيل في خلْقِ نوًى للترجمة بغرض فتْحِ قنوات تواصُلٍ مع ذلك الغرب، تُحدِّث عمّا بلغه من معارف (مدرسة الألسن في القاهرة -1835-، ومدرسة باردو الحربية في تونس -1840- التي تولّت شأن الترجمة). كان تمثُّلُ الترجمة بمثابة العين الراصدة للحراك الحضاريّ في الغرب، ولذلك مثّلَ الاشتغال بالترجمة أعْلى أشكال الوعي بالآخر، بحثًا عن إدراك أسباب مناعته وعوامل تقدّمه. واستطاعت ترجمة وقائع الغرب وأحواله أن تحدِث رجّةً في الوعي السياسيّ لبعض الحكّام، غير أنّ تلك الرجّة سرعان ما تلاشى صداها في بنيةٍ اجتماعية متكلّسة، فقَدَت تواصلها بالمعارف. في ظرْفٍ كانت القوى الاقتصادية في الغرب تتحفّز للانقضاض على شعوب تعثّرت في السباق الحضاري، وتَعَجّل ذلك باقتحام الاستعمار معاقل الأمم الواهنة وسعى في استنزاف طاقاتها المتنوّعة.

كان شيخ المترجمين رفاعة رافع الطهطاوي (1801-1873) يقدّر أنّ دسْتَرة الواقع السياسي هو مدخل للّحاق بالغرب، ولذلك حرص على نقل الدستور الفرنسي، على أمل اختصار طريق النهوض. وأردفَ ذلك بتأليف كتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، كما اشتغل بترجمة "روح الشرائع" لمونتسكيو و"العقد الاجتماعي" لجان جاك روسو، وهي إنجازات تنمُّ عن وعيٍ ثقافيٍّ راق ونباهة حضارية فارقة في ذلك العصر. وعادة حين نستعرض أعمال الترجمة العربية في القرون الأولى نأتي على عناوين الأعمال وفحواها وأهميتها ومنجزيها وداعميها، ولا نتطرّق كثيرا إلى الحاضنة الحضارية المتحكمة بترجمة تلك الأعمال ورواجها. فلا بدّ أن نبرزَ قيمة هامش الحرية المسموح به للمترجم، ولمؤسسة الترجمة المعنية بالترجمة، والفضاء المروَّج فيه نص الترجمة. اليوم بالمثل نحن مدعوون إلى أن نعملَ على تقليص دائرة التضييق والرقابة حتى يجري تطوير الترجمة، ويتوفّر هامش رحب لذلك، لأنّ الترجمةَ هي المنظار الذي نرى من خلاله العالم. وما لم يكن هذا المنظار طليقًا فإنّ إمكانيات التشوّف عبره تبقى محصورةً. صحيح كان الطهطاوي رائدًا في عمل الترجمة، ولكنّ الرجلَ ناله ما نال أسلافه (ابن المقفّع على سبيل المثال) نتيجة الرقابة، فقد أُغلِقت بسبب جموحه المعرفيّ مدرسة الألسن زمن الخديوي عبّاس ونُفي على إثر ذلك رفقة جمعٍ من طلّابه إلى السودان.

سؤال الترجمة الراهن

نتساءلُ أحيانًا عن الدور المنوط بمشاريع الترجمة الناشطة في البلاد العربية في الراهن. لقد مثَّلت بعض مؤسّسات الترجمة الحالية في بلاد العرب، على غرار المركز القومي للترجمة في مصر، ومشروع كلمة في الإمارات العربية، وعالم المعرفة في الكويت، والمنظمة العربية للترجمة في لبنان، ومشروع نقل المعارف في البحرين، إسهامًا فعليًّا في تطوير الحوار مع الآخر، بالاطّلاع على مناهجِه وأبحاثِه وقضاياه المطروحة داخل ساحته الفكرية. وقد أمدّت تلك المؤسّسات الثقافةَ العربيةَ المعاصرة بمعارف وأدوات ومفاهيم، ما كانت لتتوفّرَ لولا عمل الترجمة. صحيح وُجِدت مؤسسات أخرى في البلاد العربية، ولكنّها كانت دون تلك المؤسسات زخمًا ونشاطًا، افتقدت إلى استراتيجيات واضحة، وكانت بدون إنجازات أحيانا. فقد اِلتَهمت البيروقراطية الاعتمادات وغابت الترجمات، ولذلك كانت بعض دُورِ النشر الخاصة أكثر نشاطا وأبلغ تأثيرا من بعض مؤسسات الترجمة الوطنية التي يُفتَرض رياديتها وتوجيهها لقطاع الترجمة العام. والسؤال المطروح ما الذي تحتاجه مراكز الترجمة الكبرى في البلاد العربية؟ إنّه الخروج من أرثوذكسية التعاطي مع الترجمة ومن بطرياركية الوصاية على القارئ، بمعنى أن تُراجَع حاجات الثقافة العربية باستمرار ولا نتصوّر، على سبيل المثال، أنّ ترجمةَ أمهات الكتب الغربيّة هو ما يمثِّل الرصيد الأول للنهوض وصنْع ثقافة عربية فاعلة. فقد يكون التعويل على هذه السياسة مدعاة إلى هدر الطاقات أحيانا، ومجرّد حشْو لرفوف المكتبات بكتب ضخمة و"أكاديمية"، مخيفة للقارئ والمقتني.

فما يُعاب أحيانا على بعض مشاريع الترجمة في البلاد العربية في الراهن، وهو عدم تنبّهها إلى متطلّبات القراءة، يحدث هذا جراء القطيعة في التواصل مع القارئ، وعدم معرفة مشاغله، وممارسة الأسْتَذة عليه من خلال تقديم منجَزات معلَّبَة له تبقى محفوظة في رفوف المكتبات لاغير. وكان الأجدى لخلْقِ ترجمةٍ فاعلة في النسيج الثقافي هو تحويل المنجَز الترجميّ إلى منتوج حيّ يتحاوَر مع القارئ ويلبّي حاجاته. ربّما بهذا الشكل يغدو توطين الترجمةِ في الأوساط الثقافية الجديدة عنصرًا مؤثّرًا في الحوار وفي التفاعل الحضاري.

ولذلك وكما هو ملاحَظ، نجحت استراتيجية "مشروع كلمة" الإماراتي وكذلك سلسلة عالم المعرفة الكويتية، في عدم التعامل مع العمل الترجمي، بوجه عامٍ، بأرثوذكسية وبطرياركية، والسعي الدائم للاقتراب من هواجس القارئ وحاجاته. فلو أخذنا على سبيل المثال كتاب "علم الأديان" للفرنسي ميشال مسلان أو كتاب "علم الاجتماع الديني" للإيطاليين سابينو أكوافيفا وإنزو باتشي المترجَميْن لدى مشروع كلمة. فقد حقّقا من النجاح والشيوع والاطلاع بين القرّاء العرب في ظرف وجيز، أكثر مما حققته كتب ضخمة وفخمة في المجال. لذلك ينبغي ألّا نغترّ بأنّ نقل أعمال الأسماء الكبرى في مجال من مجالات الثقافة هو ضمانة للرواج والنفع، وأن تكون لنا من النباهة الثقافية اللازمة حتى ندرك كيف يتحرّك عالَم القرّاء اليوم.

ومن هذا الباب نحن لا نحتاج إلى ترجمة "دفاتر السجن" حتى نستفيد من أنطونيو غرامشي اليوم، وإنما نحتاج إلى من يفكّك غرامشي بمنظور نقديٍّ تحليليٍّ حتى يتسنّى لنا الاستفادة من هذا المفكر. فقد أُقيمت في البلاد العربية ثلاثة ملتقيات اِحتفت بغرامشي، وذلك منذ اكتشاف هذا المفكر في أعقاب هزيمة 67. اِنعقد الملتقى الأول في تونس بين الرابع والعشرين والسادس والعشرين من فبراير سنة 1989. تلاه ملتقى ثانٍ حول غرامشي انعقد في القاهرة بين الرابع والعشرين والسادس والعشرين من شهر نوفمبر من العام نفسه. وانعقدت خلال العام 2017، بالتعاون بين "جامعة جندوبة" التونسية و"مؤسسة روزا لوكسمبورغ"، ندوة بتونس العاصمة تحت عنوان "العودة إلى غرامشي". حامَ جميع تلك الملتقيات حول سؤال مدى راهنية غرامشي؟ والحال أنه منذ إطلالة غرامشي في الأدبيات العربية، وقد مرّ زهاء الخمسة عقود على اكتشاف الرجل، والخطاب لم يتعقّل ولم ينضج، فلا يزال الكلفُ بغرامشي يفتقر إلى استيعاب نقديّ لمقولاته. من هذا الباب لا ننشد ترجمة إيديولوجية منبهِرة وإنّما نتطلّع إلى ترجمة ناقدة وواعية بالمنتوج العالمي. فنحن اليوم أمام حاجة ماسة إلى منهج في تفكيك الآخر ووعي عمقه الثقافي لقراءته القراءة الصائبة، ولن يتسنّى ذلك سوى بمتابعة منتوجاته بشكلٍ نبيهٍ وعميقٍ.

آتي إلى شيء مهمّ في هذا المجال، يتمثّل في أنّ توطينَ الترجمة والاستفادة من إضافاتها وإسهاماتها، لن يتيسّر سوى باعتماد قراءة رصينة تؤسّس إلى ما يمكن أن نُطلقَ عليه نقد الترجمة. فلا شكّ أنّ فعلَ الترجمة في المطلق هو فعلٌ حسن ومحمودٌ، لما يسديه للثقافة من انفتاح وتطوير وثراء، ولكن وجبَ كذلك رفْدُ هذا العمل بقراءات واعية، تستقرئ اللغة والمقدرة والنباهة لدى المترجم. إذ يجد القارئ نفسه أحيانا أمام أكداس من النصوص بدون دليل أو مرشد، وهو شأن من مهامّ نقد الترجمة، غير أنه يغيب بشكل واضح في الحالة العربية. فما يهدف إليه نقد الترجمة بالأساس هو ترشيد الترجمة بغرضِ الإسهام في النهوض الثقافي والحوار الجادّ مع الثقافة الأخرى. ولا شكّ أنّ غيابَ النقد في الترجمة، كما هو الحال في الواقع العربي، هو مدعاة لوجود فوضى ولانتهاكات متنوّعة تطال حقوق المشتغلين في هذا الحقل.

لقد أبانت تاريخية الترجمة لدى العرب أنّ القراءة العميقة للآخر متيسّرة، بتحويل منتوجه الفكري إلى منتوج عربيّ، أي بدمجه ضمن مستهلَك القراءة المعرَّب، وليس ببقائه في لغته الأصلية. هذا فضلا عمّا ندعو إليه من تعريبٍ وظيفيٍّ، ونقصد به جعل الإبداعات والأدوات المعرفية الأجنبية في خدمة الواقع العربي لفهم مضامينه وتحولاته وتحدّياته. ولذلك كثيرٌ من الكتب الأجنبية المؤثِّرة في ثقافتنا ما كان ليتسنّى لها ذلك لولا الحضور في ترجمات عربية. لعلّ المفكّر محمد أركون نفسه، المنتمي إلى الحضارة العربية الإسلامية، انشغالًا واشتغالًا، ما كان ليتحقّق له الحضور الباذخ في مجال الإسلاميات الحديثة في البلاد العربية لولا ترجمة أعماله.

وفي هذا التوطين للمعارف الأجنبيّة، ثمة قراءة منبهِرة بالآخر وأخرى واعية بالآخر، وغالبا ما جاءت قراءتنا ضمن الصنف الأول. فلا يعني الانبهار الغلوّ في الإعجاب فحسب، بل الإعجاب السلبيّ أيضا، على غرار ما حصل لدينا مع المفكر نيكولو ماكيافيللي، مع أنّ الرجل من أعمدة الفكر السياسي في الغرب. لم نعِ من طروحاته السياسية سوى من خلال "الطباع المراوِغة في العمل السياسي". باتت هذه الصورة تخفي الثراء المعرفيّ لفكر الرجل، والأمر ذاته ينسحب على أعلام آخرين في الفكر الإنسانيّ حوّلتهم القراءة المختزِلة إلى أوثان جامدة: فرويد يساوي الجنس، ونيتشه يساوي العدمية، وماركس يساوي الإلحاد، وعلي شريعتي يساوي التشيّع، والحال أنّ القراءةَ المختزِلة هي أخطر ممارسات قتل المفكّر والحيلولة دون الانتفاع بآرائه وأفكاره. لذلك يقتضي الاحتضان الصائب لفكر الآخر عدم الانحصار في القراءة داخل المعايير الجامدة أو القوالب الجاهزة، والتعاطي مع الإبداع الفكري بروح منفتحة، وهكذا يسهم الفكر المترجَم في تجديد الذات وإثرائها.

***

عزالدّين عناية

أستاذ تونسي بجامعة روما، إيطاليا

 

في التسعينات من القرن الماضي لاحظ المحامي الأمريكي مايك جودوين كم هو شائع انخراط الناس في الجدال على الانترنيت واتهام بعضهم البعض بالنازية بصرف النظر عن طبيعة الموضوع. هذه الملاحظة التي يُشار لها الان بـ قانون جودوين Godwin’s Law أصبحت قاعدة أساسية في الانترنيت. صيغتها الرسمية، طبقا للويكيبديا كالتالي:

عندما يمتد النقاش على الانترنيت لفترة أطول، تزداد احتمالية مقارنة الفرد بهتلر او أي نازي آخر.

مع ان قانون جودوين صيغ قبل ثلاثين سنة، لكننا عندما نتصفح منصات التواصل الاجتماعي لعشر دقائق سنجد القانون لازال يعمل. ما بدأ كملاحظة طريفة في التسعينات تطور الى ادانة لاذعة لأكبر قنوات الاتصال السائدة  في تاريخ البشرية. وبدلا من العمل المشترك لإيجاد حل، يبدو ان العديد من الناس في الاونلاين هم اكثر اهتماما "بالفوز" في الجدال وانهم يصفون خصومهم بالشر المطلق.

مهما كان الشخص المتحفز بالاعجابات والمشاركات فهو يسعى وبأقل عدد من الكلمات الى إهانة العدو بتغريدة جذابة تمنحه اشادة حماسية من جماعته. ان استحضار النازية هو احد الطرق لكن هناك كلمات أخرى تلعب دورا مشابها مثل كلمة فاشي او شيوعي.

ماذا تعني أي من هذه الكلمات؟ لا يهم. انها تُستعمل في الغضب والإزدراء، جميعها تدل على نفس الشعور: "انت نازي/فاشي/شيوعي، الناس خطرون، وحمقى لا يُرتجى منهم أي خير. انت خضعت لغسيل دماغ، وتتحدث كشخص لم يتعرض لذلك، انا لا ارغب الاستماع الى كلمة أخرى مما لديك لتقوله".

بالطبع، القبلية وُجدت قبل الانترنيت بوقت طويل، الانترنيت فقط يمكّن القبائل لتنمو اكبر ولترسم حدودها بشكل اكثر وضوحا من خلال الخطابة. لو اردنا نتجنب تبادل الاتهامات الجماعية البشعة، احدى ردود الأفعال سيكون الانسحاب من الفضاءات التي تحدث فيها تلك الاتهامات. نبقى بعيدين عن التواصل الاجتماعي ومنتديات الاخبار وأقسام التعليق، ونعيش حياتنا حرة من  الخطاب اللامعقول وغير المتزن.

هنا تأتي عبارة جورج برناردشو: "لا تتصارع مع خنزير. كلاكما ستصيبكما القذارة، والخنزير يحب ذلك". انها نصيحة سليمة عندما يبدو النقاش بحسن نية مستحيلا. لكن اذا كانت مخاطر النقاش عالية، فان الانسحاب ربما يكون غير مسؤول. تصحيح هذه الرؤية بالذات يُعد امرا هاما. ماذا نعمل اذن؟ كيف نوفق بين الفجوات في العقيدة والرأي؟ كيف ننخرط بشكل أفضل مع أولئك الذين نختلف معهم؟

الفلاسفة كانوا لقرون يجادلون مع بعضهم حول موضوعات مشحونة عاطفيا: كيف ننظم المجتمع، ماذا نؤمن، كيف نعيش. في هذا الشأن برز دليل او مرشد للتفاعل يساعد في تقدم النقاشات بدون إراقة مفرطة للدماء، هذا الدليل يساعدنا كيف نتعامل مع الاختلافات في مجالات أخرى، سواء كانت سياسية او دينية او اجتماعية او اقتصادية. لنأخذ هذا المقطع الشهير من جون ستيوارت مل في عمله (حول الحرية) عام 1859:

ذلك الذي يعرف فقط  جانبه في القضية لا يعرف الاّ القليل من ذلك. مبرراته ربما جيدة، ولا احد ربما كان قادرا على دحضها. لكن اذا كان غير قادر على دحض المبررات في الجانب المضاد، فهو لا يمتلك أساسا للتفضيل .. ولا يكفي ان يسمع رأي خصومه من اساتذته كما يعرضونه، مصحوبا بما يقدمونه من ردود. هو يجب ان يكون قادرا ليسمع ذلك من اشخاص يؤمن حقا بهم. هو يجب ان يعرفهم بشكلهم الأكثر معقولية وحضورا. الفيلسوف اللاحق دانيال دينيت أيضا أكّد على أهمية الفهم الحقيقي والدقيق لرؤية الخصم.

في عمله (مضخات الحدس والأدوات الأخرى للتفكير) عام 2013، يلخص دانيت قائمة من القواعد دعا لها منظّر المباراة اناتول رابوبورت – قائمة يشارك بها أساتذة الفلسفة للسنة الأولى مع طلابهم:

كيف تؤلف تعليقا نقديا ناجحا:

1-  يجب ان تعيد التعبير عن هدفك بوضوح شديد، وبحيوية .

2-  يجب ان تضع قائمة بأي نقاط للاتفاق .

3-  يجب ان تذكر أي شيء تعلمته من هدفك

4- حينذاك فقط يُسمح لك بالرد او النقد.

هذا الاتجاه لا يحترم  فقط خصومك ككائنات بشرية، انه أيضا يحوّلهم الى اشخاص اكثر تقبلا للنقد. اذا كان شخص ما يقوم بجهد منصف في فهم رؤيتك والتعبير عنها ، سيكون امرا مزيلا للتوتر حالا. منظورك جرى احترامه. و جرى الاستماع لك. وانت الان ستعمل مع محاورك بنجاح، اذا لم يكن حلا، على الأقل سيكون نقطة خلاف متفق عليها حضاريا. لكن بالطبع، توقّع هذا المستوى من المقبولية المدروسة في الانترنيت غير المنظم ربما هو امر ساذج. حتى الفلاسفة لا يؤمنون به – العديد من الاعمال الشهيرة تزخر بأمثلة استثنائية للقدح والذم.  هنا مثال عن شوبنهاور حول هيجل، من كتابه (العالم كإرادة وتمثيل، جزء 11)، كتبه قبل وقت طويل من الانترنيت:

(هيجل، كفيلسوف كبير ذو رأس مسطح، غير مشوّق، مقرف، امي دجال، وصل قمة الجرأة في كتابته وتقديمه لأكثر الهراء جنونا وغموضا.)

حتى رموز التفكير العقلاني تستمتع بالنقد اللاذع. في الحقيقة، نحن جميعنا بشر، فينا ضعفنا، ولدينا نقاط عمياء ونغضب. مشاركتنا مل ودانيت في قواعد التفاعل سوف لن يغير ذلك. وبينما لن تُحل مشكلة كل الانترنيت بنصيحتهما، لكن من خلال الاحتفاظ بهذه القواعد في الذهن نحن نجعل خلافاتنا اكثر ودية وبنّاءة.

على أقل تقدير، نحن نستطيع انجاز فرق من خلال تجسيد التغيير الذي نريد رؤيته في العالم، ونحاول التعامل مع الناس ذوي الرؤى المختلفة بحساسية ولباقة. في النهاية، كل شخص على هذا الكوكب هو ضعيف كونه في بحث دائم عن الحياة الجيدة. من خلال التعامل مع الآخر بهدوء وبالإستماع الى منظورات الآخرين المتفردة والثمينة، وعبر الحفر تحت الخطاب السطحي وتجريد الأشياء بإعادتها الى المبادئ الأولى، سنكتشف حالا اننا نمتلك أرضية مشتركة اكثر مما نتصور.

***

حاتم حميد محسن

كثيرا ما أجد نفسي مشدودة، وقد تصاعد توتري وأنا أسمع بعض المتشددين يرددون كلمة "كرغلي " كأداة للسب والتقليل من شأن الجزائريين ذوي الأصل التركي. يغمرني شعور بالغضب والاشمئزاز من هؤلاء الذين يجرؤون على اختزال تاريخنا وهويتنا في كلمة واحدة تحمل حكما جاهزا لم يُسائل الواقع ولا التاريخ. إنّهم يتجاهلون حقيقة بسيطة، نُقلت لنا على لسان الرسول ﷺ حين قال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ". ألم يكن أجدادنا مخطئين حين زوّجوا بناتهم للجنود العثمانيين؟ هؤلاء الغرباء عن وطنهم كانوا يحملون الدين نفسه والخلق الطيب نفسه، وكانوا وسيلة للحفاظ على المجتمع وبناء جسور الولاء والاحترام بين شعبين متقاربين في الأخلاق والدين، رغم اختلاف الأصول. الكرغلي لم يكن خطأ، ولم يكن وصمة عار، بقدر ما كان شهادة على تمازج اجتماعي ناجح، وعلى حكمة اجتهاد تقليدي تفهم الواقع ولا يخلط بين الدم والأخلاق .

يُثار الجدل حول الوجود العثماني في الجزائر عادة من داخل سؤال ملغوم " هل كان احتلالا أم لا؟ غير أن هذا السؤال، في حدّ ذاته، يعكس ارتباكا معرفيا قبل أن يعكس اختلافا تاريخيا. فهو يفترض مسبقا أن مفهوم "الاحتلال"صالح للتطبيق على القرن السادس عشر، وأن مقاييس الدولة القومية الحديثة يمكن إسقاطها دون حذر على أنماط حكم إمبراطورية سابقة. بهذا المعنى، فإن الإشكال لا يكمن في طبيعة الوجود العثماني فقط، بل في اللّغة التي نحاكمه بها .

فمفهوم الاحتلال كما نفهمه اليوم لم يولد إلا مع التجربة الاستعمارية الأوروبية الحديثة، حيث ارتبط بالغزو، والاستيطان، والمصادرة، واقتلاع السكان من أرضهم، وإعادة تشكيل المجتمع قسرا وفق نموذج ثقافي واقتصادي أجنبي. أما في زمن الإمبراطوريات التقليدية، فقد كانت السلطة تُمارَس عبر منطق الحماية والولاء، لا عبر مشروع إحلالي يهدف إلى محو الهوية المحلية. إن تجاهل هذا الفرق الجوهري ليس بريئا، بل يؤدي إلى قراءة تاريخية مشوّهة تُساوي بين أنماط حكم لا تتشابه إلّا في الاسم .

دخول العثمانيين إلى الجزائر لم يتم عبر حملة غزو تستهدف إخضاع مجتمع قائم، بل جاء في سياق استنجاد محلّي فرضته التهديدات الإسبانية المتواصلة. هذا المعطى وحده كافٍ لنسف فكرة الاحتلال القسري منذ لحظته الأولى. فالسلطة التي تُستدعى لا تُشبه السلطة التي تُفرض، حتى وإن تحوّلت لاحقا إلى بنية حكم مستقرة. ومع ذلك، فإن الخطاب الذي يُصرّ على توصيف الوجود العثماني كاحتلال يتجاهل هذه البداية عمدا، لأنّه لا يبحث في التاريخ بقدر ما يبحث عن إدانة جاهزة. غير أنّ التفكيك لا يكتمل بالبراءة المطلقة. فالوجود العثماني لم يكن حكما وطنيا جزائريا خالصا، ولم يُبنَ على عقد اجتماعي شامل. لقد كان حكما إمبراطوريا ذا طابع عسكري، تركّزت فيه السلطة في يد نخبة محدودة، واعتمد على القوة أكثر ممّا اعتمد على التمثيل. غير أنّ تحويل هذه الحقيقة إلى دليل على الاحتلال، يكشف خلطا مقصودا بين الهيمنة الإمبراطورية والاستعمار الكولونيالي. فالهيمنة، مهما كانت قاسية، لا تعني بالضرورة مشروع اقتلاع، ولا تساوي تلقائيا الإبادة الرمزية والمادية التي مارستها القوى الاستعمارية الحديثة .

ويبلغ التشويش ذروته عند استحضار مصطلح" الكرغلي "بوصفه علامة نقص أو إحراج. فهذا المصطلح، في أصله، توصيف اجتماعي محايد يعني"ابن الجندي"، ويشير إلى فئة نشأت من تزاوج طبيعي داخل المجتمع الجزائري، لا من علاقة استعمارية إحلالية. الإحراج المرتبط بالكلمة ليس تاريخيا، بل أُنتج لاحقا حين أُعيدت قراءتها بمنطق الهوية الصافية، وهو منطق غريب عن المجتمع الجزائري وعن الدولة العثمانية على حدّ سواء. والأكثر مفارقة أن هذا الإحراج يُمارَس باسم النقاء، في حين أن الدولة العثمانية نفسها لم تقم يوما على أساس عرقي. فالجنود والإنكشارية والنخب العثمانية كانوا في غالبيتهم من أصول بلقانية وقوقازية، من الألبان والبوسنيين والصرب والشيشان والجورجيين، لا من "أتراك أناضوليين" بالمعنى المتخيَّل اليوم. وإذا كان الاختلاط مدعاة للخجل، فإن الدولة العثمانية بأكملها تصبح موضع إدانة، وهو ما يكشف تهافت هذا المنطق من أساسه.

إن الحرج من الكرغلي، وتوصيف العثمانيين كمحتلين، ليس سوى انعكاس لتأثر غير واعٍ بخطاب الدولة القومية الحديثة، وبمفاهيم استعمارية أوروبية زرعت وهم الهوية النقية مقابل"الآخر الدخيل". هذا الخطاب لا يقرأ التاريخ، بل يعيد تشكيله وفق حساسيات معاصرة، ويحوّل مفاهيم وصفية إلى أدوات إقصاء رمزي. وبدل أن يُسائل الاستعمار الحقيقي وآثاره العميقة، ينقل ساحة الاتهام إلى الماضي الإمبراطوري، حيث تبدو الإدانة أسهل وأقل كلفة فكرية .

تقودني قناعتي بأنّ  توصيف الوجود العثماني في الجزائر كاحتلال، والكرغلي كهوية محرجة، لا يعكسان حقيقة تاريخية بقدر ما يعكسان أزمة في أدوات القراءة. لقد كان الحكم العثماني ممارسة إمبراطورية تقليدية، لا مشروعا استعماريا حديثا، وكان الكرغلي نتاج تمازج اجتماعي طبيعي داخل هذا الفضاء، لا علامة نقص أو اغتراب. وكل قراءة تصرّ على عكس ذلك إنما تُعيد إنتاج أوهام حديثة، وتفرضها على تاريخ لا يعترف بها .

***

ليلى تبّاني  ـــ  الجزائر

 

ما أُطلق عليه (البطريق العدمي) ليس مجرد طائر خرج عن مساره الطبيعي، بل كائن أعلن تمرّده الصامت على منطق القطيع… ففي المشهد الذي وثّقه الفيلم الوثائقي عام 2007، لم ترصد الكاميرا حركة بيولوجية عابرة، بل لحظة وعي نادرة، إذ اتّخذ أحد البطاريق اتجاهاً معاكساً، مبتعداً عن دفء الجماعة ومتقدّماً نحو المجهول، وكأنه يرفض أن يُختزل الوجود في طقس دائري مكرر تُعاد فيه طقوس الأكل والبقاء بلا سؤال، بدا وكأن قراره يهمس بحقيقة أعمق: أن العالم لم يُخلق ليكون حظيرة آمنة، بل فضاءً مفتوحاً لاكتشاف ما يخفيه من معانٍ مؤجَّلة.

وعلى ذات المسار الرمزي سار النورس (جوناثان ليفنجستون) في رواية (ريتشارد باخ)، إذ تمرّد على سرب لا يعرف من الطيران سوى ما رُسم له سلفاً ولا يرى في الأفق إلا حدود الحاجة والغريزة، فاختار أن ينفلت من هندسة التحليق الموروثة وأن يقفز بروحه قبل جناحيه نحو علوٍ آخر خارج جمود السرب ورتابة قوانينه، وهناك حيث الخطر والاحتمال تحققت له بحبوحة التحرر حين استعاد الطيران بوصفه معنى لا وظيفة.

أما (إيرين ييغر) بطل الكاتب الياباني الشهير (هاجيمي ايساياما) ورائعته في مانغا (الهجوم على العمالقة)… فقد حمل منذ طفولته جرح السؤال ذاته؛ سؤال ما وراء الأسوار، فلم تكن الجدران وسيلة حماية بالنسبة له بل رمزاً خانقاً لعالم مسروق، لذلك أصر على الخروج إلى الخارج، إلى البحر والصحارى والمحيطات، لا بوصفها أمكنة جغرافية فحسب، بل باعتبارها استعارات كبرى للحرية، فانضم إلى فيلق الاستطلاع مؤمناً بأن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع وأن الوجود الحق يبدأ لحظة كسر السياج الأول.

تكشف هذه الثلاثية، رغم اختلاف وسائطها بين الوثائقي والأدب والأنمي، عن جوهر واحد: قلق الكائن أمام حدوده وتمرده على المعنى الجاهز وسعيه المحموم نحو الحرية، وحين نضع هذه النماذج الثلاثة جنباً إلى جنب لا يعود السؤال متعلقاً بالشخصيات ذاتها بل بما تمثله في وعينا نحن، (فالبطريق العدمي) ليس كائناً غريباً عن الإنسان بل صورته الأولى حين يُلقى في العالم قبل أن يتعلم اللغة وقبل أن يفهم الدين وقبل أن تمنحه الثقافة تفسيرات جاهزة لما يحدث له، إنه الإنسان في لحظة الصدمة الأولى، موجود لأنه موجود، يتحرك لأنه إن توقف سيفنى، يمضي لا بدافع الأمل بل بدافع الغريزة الخالصة، هنا لا معنى للحياة ولا عبث لها، لأن العبث ذاته يحتاج وعياً كي يُدرك، ولهذا تبدو عدميته صافية باردة خالية من الغضب كأنها حياد كوني مطلق، وجود بلا احتجاج ولا تصالح، مجرد حضور عارٍ في عالم لا يفسر نفسه.

لكن هذا الوجود لا يمكن أن يستمر طويلاً، فالكائن ما إن يبدأ بالسؤال حتى يغادر براءته الأولى، وهنا يولد (جوناثان) لا كنورس فحسب بل كقفزة في الوعي، لم يعد الاكتفاء بالبقاء كافياً ولم تعد الغريزة مبرراً أخلاقياً للحياة، يظهر لأول مرة التوتر الخطير بين الفرد والجماعة بين ما أستطيع أن أكونه وما يُراد لي أن أكون، (جوناثان) لا ينكر القطيع لكنه يرفض أن يكون القطيع سقفاً للوجود، فيكتشف أن الحرية ليست حالة طبيعية بل انحراف عن السائد وأن كل خروج عن المتوسط يُقرأ بوصفه تهديداً للنظام، ومن هنا تصبح الحرية فعلاً أخلاقياً قبل أن تكون حقاً اختياراً واعياً لدفع الثمن، لأن من يرى أفقاً أبعد لا يستطيع أن يعود إلى العمى الطوعي دون أن يخون ذاته. غير أن هذه المرحلة، على نقائها، تظل رومانسية إلى حد ما، ف(جوناثان) ما زال يؤمن بأن الحرية ممكنة دون أن تتحول إلى لعنة، وأن الفرد يستطيع أن يسمو دون أن يهدم العالم من حوله، لكنه لا يرى بعد البنية العميقة للعنف الكامن في التاريخ ولا يدرك أن بعض الحُجب لا تقطع بالطيران، بل تُبنى أصلاً لمنع أي تحليق محتمل، وهنا يولد (إيرين ييغر) بوصفه انهيار الحلم الوجودي الجميل وانتقال الحرية من سؤال أخلاقي إلى معضلة كونية.

(إيرين) لا يسأل كيف يكون الإنسان حراً بل لماذا تُصادَر الحرية أصلاً ومن المستفيد من استمرار القيد، وحين يكتشف أن العالم منقسم بنيوياً إلى سادة وضحايا، مركز وهامش، إلى من يكتب التاريخ ومن يُسحق تحته، تتشقق داخله فكرة الخلاص النقي، لم تعد الحرية مشروعاً فردياً بل صراعاً صفرياً إما أن أكون حراً أو يُمحى وجودي، وهنا تتحول الحرية من نور إلى نار ومن قيمة إلى قوة ومن حلم إلى آلة، في هذه اللحظة المأساوية لا يعود العنف خياراً أخلاقياً بل ضرورة وجودية كما يراها الوعي المكسور، فيصبح الإنسان مستعداً لأن يحمل خطيئة العالم كله على كتفيه كي يفتح ثغرة واحدة في جدار القدر، حتى لو علم مسبقاً أن هذه الثغرة ستبتلعه هو أولاً، (إيرين) لا ينكر بشاعة ما يفعل لكنه يرى أن البشاعة جزء من منطق العالم ذاته وأن البراءة لم تكن يوماً متاحة للجميع، بل هي امتياز لمن وُلد خارج دائرة القهر.

وهكذا نكتشف أن المأساة الحقيقية لا تكمن في تحوّل الضحية إلى جلاد بل في أن النظام نفسه لا يتيح خياراً ثالثاً، فالحرية هنا لا تُنال دون أن تُلوَّث ولا تتحقق دون أن تنقلب ضد ذاتها، ولذلك يبدو (إيرين) أقرب إلى التراجيديا الإغريقية منه إلى بطل معاصر، محكوماً بمعرفة لا يستطيع الهروب منها، ومساقاً نحو مصير يكرهه لكنه يحققه في آن واحد، وكأن الوعي حين يبلغ منتهاه يتحول من نعمة إلى عبء لا يُحتمل.

وعند هذه النقطة تعود الثلاثية لتلتقي في دائرة واحدة: البطريق يمشي لأنه لا يعرف، جونوثان يطير لأنه يؤمن، وإيرين يدمر لأنه عرف أكثر مما ينبغي، ثلاثة أشكال للوجود الإنساني لا يتناقض أحدها مع الآخر، بل يتعاقبون داخل الإنسان نفسه عبر الزمن، فنبدأ حياتنا عدميين بلا وعي، ثم نصبح مثاليين نحلم بالحرية، ثم نكتشف أخيراً أن العالم أعقد من أن يُنقَذ بنقاء الفكرة وحدها، وهنا لا يبقى السؤال: من هو على حق؟ بل أي مرحلة نعيشها الآن؟ وأي ثمن نحن مستعدون لدفعه مقابل أن نقول: نحن أحرار؟.

إن البحث المحموم عن المصير المجهول لا يقود بالضرورة إلى خلاص منتظر بل كثيراً ما يستتبع الوقوع في مصير معلول، فكل خروج عن المألوف يحمل لعنة السؤال، وكل محاولة لبلوغ الحرية تستبطن ثمناً لا يُدرك إلا بعد فوات الأوان، فذلك (البطريق) الذي انتهج درب فردانيته حين انسل من قطيعه متجهاً عكس المسار، لم يكن يخطو نحو النجاة بقدر ما كان يوقّع على عزلته الأخيرة، لقد اختار أن يرى العالم بعين واحدة، عين السؤال، غير آبه بنداء الدفء ولا بحكمة البقاء، فسقط وحيداً في بياض لا نهاية له، ليغدو تمرده فعلاً نبيلاً من حيث النية، ومأساوياً من حيث المآل، إذ لم يحتمله الجليد ولم تنتظره الحياة…

وكذلك (النورس جوناثان) حين اختار التحليق خارج سربه لم ينل الحرية بوصفها نعمة صافية بل ذاقها بوصفها اغتراباً، لقد حلق أعلى، نعم، لكنه حلق وحيداً، فالسرب لا يغفر لمن يرى أبعد منه ولا السماء تكافئ من يغامر بلا سند، فكانت حريته مشروطة بالعزلة، ومعرفته مقرونة بالنبذ، وكأن الارتفاع في مدارج الوعي يستلزم دائماً الانفصال عن الجماعة…

أما مجنون الحرية (إيرين ييغر) فقد طاردها طوال حياته كما يُطارد السراب، ظن أن الحرية تكمن خلف الأسوار ثم خلف البحر ثم خلف العدو ليكتشف متأخراً أن كل باب يُكسر يولّد جداراً جديداً، فكلما اقترب منها ابتعدت عنه أكثر، حتى غدت الحرية نفسها قدراً قاسياً لا يُحتمل، وتحول الساعي إليها إلى أداة من أدواتها العمياء، وهكذا لم يكن المصير المجهول وعداً بالخلاص، بل اختباراً وجودياً فادحاً، فمن يخرج عن القطيع لا يختار طريقاً آخر فحسب بل يختار شكلاً آخر من الألم أشد نقاءً… وأشد وحدة.

تكشف هذه الثلاثية العدمية — البطريق، جونثان ليفنجستون، وإيرين ييغر — أن الحرية لا تأتي بوصفها خلاصاً نهائياً بل بداية لمأساة جديدة، فالخروج من القطيع لا يعني النجاة بل الدخول في عزلة مؤلمة حيث يصبح الإنسان مسؤولاً عن اختياره بدل أن يكون محمياً بالامتثال، التمرد هنا فعل أخلاقي لا فوضوي لكنه لا يُكافأ، فالعالم لا يحتفي بمن يرى أبعد منه بل يعاقبه، القطيع لا يخشى الشر بل يخشى الوعي ولهذا يُقصى المختلف، لا لأنه مخطئ بل لأنه مبصر، كما تُظهر هذه النماذج أن المعرفة ليست نوراً خالصاً بل عبء ثقيل يسلب الطمأنينة، فالحقيقة حين تُكتشف لا تمنح عزاءً بل تجرّد الإنسان من راحة الجهل، وقد يتحول السؤال نفسه إلى لعنة حين يعجز صاحبه عن التعايش مع واقع لم يعد يقبله، وفي أقصى تجلياتها قد تنقلب الحرية إلى طغيان باسمها، كما في نموذج (إيرين) حين يصبح الحلم مبرراً للدمار وتتحول القيمة إلى صنم يطلب الضحايا…

الخيط الفلسفي الجامع بين هذه العدميات المتباينة يقوم على سؤال واحد يتخفّى خلف كل الحكايات: هل نحن أحرار لأننا نختار؟ أم نختار لأننا محكومون بما نحن عليه؟ (البطريق) يمثّل حرية بلا وعي، وجوداً يتحرك داخل الطبيعة دون سؤال أو قلق أو معنى، فهو حر لأنه لا يعرف أنه ليس حراً، (جوناثان) ينتقل بنا إلى التمرد الواعي، إذ يدرك حدوده ويرفضها دون أن يحوّل حريته إلى أداة تدمير، فيسعى إلى تحقيق ذاته لا إلى كسر العالم، أما (إيرين) فيبلغ أقصى درجات الوعي حيث تتحول المعرفة نفسها إلى عبء، فيرى المصير قبل أن يعيشه فيغدو اختياره ملتبساً بين الإرادة والقدر، وكأن الرحلة الوجودية تسير من العدم الصامت إلى التمرد الواعي ثم إلى المأساة الوجودية الكاملة، حيث كلما اتسع الوعي ضاقت الحرية وكلما اقترب الإنسان من الحقيقة ازداد ثقلها عليه، وهكذا تقف هذه الثلاثية عند مأزق الإنسان الأبدي: إما حياة بلا معنى داخل القطيع أو معنى يُدفع ثمنه من الحياة نفسها.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

هل التكنولوجيا بديل للمعلم ام امتداد لخبرته؟

كان المعلم في السابق المصدر الرئيس للمعلومة والموجه الوحيد للدرس وصاحب السيطرة الكاملة على مجريات العملية التربوية. فضلا عن كونه المقوم الرئيسي لاداء الطلاب والمصمم الوحيد للانشطة التربوية داخل المدرسة. وقد اتسمت العملية التعليمية بوقتها بطابعها التقليدي القائم على الحفظ والتلقيين وقلة التفاعل الصفي، ومحدودية مصادر التعلم التي اقتصرت على الكتاب المدرسي والسبورة، الى جانب الوقت الطويل التي تستغرقه عملية التقويم والتقييم. اما اليوم، قد دخل التعليم مرحلة جديدة غير مسبوقة في تاريخ البشرية. في ظل التسارع الهائل في التطور التكنولوجي وما يرافقه من تحديات وفرص حقيقية لتغيير مسار الانسان كيفا وكما. يرى بعض الباحثين أن ازدياد وتيرة استخدام التكنولوجيا الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي في كل مفاصل الحياة اليومية للانسان قد يحدث تحولا جذريا في انماط التعليم والتعلم ويخلق بيئات تعلم ذاتية ومتكيفة. بينما يؤكد اخرون أن المعلم سيبقى حجر الاساس في العملية التربوية مهما بلغت تطور الادوات الرقمية. ومن هنا يبرز سؤال جدلي: هل ستحل التكنولوجيا الذكية مكان المعلم أم انها امتدادا لخبرته وتعززا لدوره؟. أن هذه الجدلية لا تعبر عن صراع بين القديم والجديد، بقدر ما تعكس محاولة لفهم طبيعية العلاقة المتغيرة بين طرفان يشتركان في غاية واحدة: هي تحقيق تعليم اكثر فعالية وانسانية وقدرة على مواكبة تحديات المستقبل. وبين حيوية حضور المعلم وقدرات ودقة الادوات الذكية، يتشكل مسار تربوي جديد يعيد تعريف التعليم في القرن الواحد والعشرين.

ويقصد بالجدلية هنا "التفاعل بين مسارين قد يبدوان متعارضين" لكنهما بالواقع قد يكونان تكامليين، وهما: المعلم والتكنولوجيا لا سيما تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي. قد ظهرت هذه الجدلية بسبب تسارع وتيرة التطورات التكنولوجية وقدرتها على تقديم محتوى تعليمي تلقائي، وتقييم فوري، ومحاكات تعليمية فضلا عن وتخصيص التعلم وفق احتياجات كل طالب. الامر الذي فتح بابا للتسائل: هل مازال المعلم ضروريا في غرفة الصف؟.

ورغم هذا التطور، ما زال للمعلم ادوار جوهرية لا يمكن للتكنولوجيا أن تحل محلها، واهمها البعد الانساني والاجتماعي، والتوجيه الفكري والتفكير النقدي، والعدالة بالتعامل مع الفروق الفردية للطلبة، وقيادة الصف الدراسي وفق قواعد السلوك التربوي، وبناء الثقة ومراعاة مشاعر وعواطف الطلبة. فالتكنولوجيا مهما بلغت درجة تطورها تبقى اداة مبرمجة تفتقر الى الحس الانساني.

في المقابل، تؤدي التكنولوجيا دورا محوريا في تسريع الوصول الى المعلومة والمعرفة عبر المصادر المفتوحة، وتعزيز التفاعل باستخدام تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز والمحاكاة التعليمية والتجارب الافتراضية، والالعاب التعليمية. كما تمتلك ادوات الذكاء الاصطناعي التوليدي قدرة على تخصيص التعلم من خلال تتبع مستوى الطالب وتقترح له مسارا يناسب مستواه، فيما يعرف "التعلم التكيفي"، فضلا عن تخفيف العبء الاداري عن المعلم من خلال تصحيح وتقييم الواجبات وادارة الصف الافتراضي واعداد تقارير الاداء.

بعد دخول واستخدام مختلف انواع هذه التقنيات الرقمية في المدرسة وغرفة الصف اسهم في اعادة تعريف دور المعلم الذي لم يعد ناقلا للمعرفة، بل اصبح ميسرا وموجها للتعلم، ومصمما لبيئة التعلم الرقمية ومحللا لبيانات الطلبة ومرشدا لاستخدام ادوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحسين جودة التعلم. ونتيجة لذلك، اتسمت العملية التربوية المعاصرة بالتفاعل والتشاركية، والتعلم الذاتي، وتعدد الوسائط الرقمية الى جانب التقييم الفوري والمستمر.

ومع ذلك، لا يخلو هذا التحول من المخاطر والتحديات التي تفرضها استخدام التكنولوجيا في عملية التعليم والتعلم، وابرزها تهميش الدور الحيوي للمعلم في حال الافراط في استخدام التقنية وتحويله من قائد تربوي لعملية التعلم الى مجرد مشرف تقني واتساع الفجوة الرقمية بين الطلاب، بالاضافة الى تهديد بعض المهارات الاساسية مثل الكتابة اليدوية والتفكير النقدي والبحث الاكاديمي المنهجي.

ومن هنا تبرز جدلية القوة: من يوجه من؟ وتعد هذه الجدلية واحدة من اكثر الجدليات اثارة في الفكر التربوي المعاصر، اذ لم يعد استخدام ادوات الذكاء الاصطناعي مجرد وسيلة تقنية جديدة الى المنظومة التربوية، بل هو تحولا فلسفيا اعاد طرح سوال جوهري: هل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي منافس للمعلم ام شريك له؟ في حال قاد الذكاء الاصطناعي عملية تعلم الطلبة تحول دور المعلم الى مجرد مراقب وتحول الطالب الى متلقي سلبي يتلقى اجابة جاهزة دون انخراط ذهني في البحث والتحليل. اما اذا قاد المعلم المحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي، أن هذه التقنية تصبح وسيلة للتمكين وتمنح الطلبة تعلما اعمق واكثر تفاعلا من خلال تنمية مهارات التفكير النقدية، وتحليل دقة الاجابات ومصداقيتها.

ومن هنا تبرز الحاجة لايجاد توازن تربوي واخلاقي في اخضاع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لفلسفة تربوية معاصرة يقودها المعلم لجعلها وسيلة فعالة وليست غاية في حد ذاتها. فهي تصبح منافسا عندمنا تستخدم بلا رؤية تربوية، وشريكا معرفيا عندما يحدد المعلم اهداف وغايات استخدامها في تعزيز التفكير النقدي والابداعي، ودعم التعلم القائم على الاستقصاء ومعالجة الفروق الفردية وتنمية المهارات الرقمية كالابداع والذكاء الجماعي وحل المشكلات وتقديم الحلول المناسبة.

وفي الختام، يتضح أن العلاقة بين التكنولوجيا الذكية والمعلم ليست صراعا، بل هي علاقة تكامل مشروط بين الاداة الذكية والعقل الانساني. فالتكنولوجيا لا تلغي دور المعلم، لكنها تنهي نموذج المعلم التقليدي القائم على الحفظ والتلقين لان التعليم ليس مجرد نقل معلومات، بل هو تربية شاملة ومتكاملة. وستفسح المجال امام معلم قادر على توظيف الادوات الذكية بوعي تربوي، يقود التعلم نحو الفهم العميق والتحليل والاستنتاج والابداع والتفكير النقدي والتعلم القائم على الاستقصاء.

***

علاء جواد كاظم

 

في المفهوم: المنهج هو مجموع الخطط والأساليب والطرائق التي تُستخدم لتحقيق أهداف ومصالح محددة. والمناهج وفق هذا المعطى، تتعدد بناءً على طبيعة الأهداف والمصالح المراد الوصول إليها، سياسيّة كانت أو علميّة أو أدبيّة أو إداريّة .. وغير ذلك. أما عنوان موضوعنا المراد بحثه هنا فهو المنهج المتعلق في الجوانب السياسيّة والفكريّة بشكل عام، وخاصة المتعلق منها في قضايا نهضة الشعوب وتقدمها، ومنها بشكل خاص نهضة أمتنا العربيّة المتخلفة وكيفيّة تقدمها.

نقول في هذا الاتجاه: إذا كان معظم من اشتغل ولم يزل يشتغل على قضايا النهضة والتقدم في عالمنا العربي من أحزاب ومثقفين ومفكرين وسياسيين، يقرون أو يعترفون بتخلف الواقع العربي، وأنه يعيش حالة فوات حضاري في وجوديّه المادي والفكري، وأن هناك أمماً أو شعوباً أو دولاً قد سبقتنا في مجال التطور والتنمية الماديّة والقيميّة والفكريّة، إلا أن الكثير ممن اشتغل على قضايا نهضتنا وتقدمنا ظل ينظر في مسائل تجاوز تخلف ومعوقات هذه النهضة من باب مناهج فكريّة غالباً ما تلتقي مع يؤمن به هذا المشتغل أو ذاك من هذه المناهج، أو ما يمتلك من خطط وأساليب تفكير وعمل يجد فيها طريق النهضة والخلاص من مأزق التخلف الذي نحن فيه. فهناك من يأخذ بالمناهج الماديّة مثلاً كالمنهج المادي التاريخي الجدلي، والمنهج التاريخاني وغيرهما من المناهج ذات التوجه المادي العقلاني النقدي عموماً، وهناك من يأخذ بالمناهج المثاليّة بعمومها الذاتيّة والموضوعيّة منها، كالمنهج البنيويّ والظاهراتي والسيكولوجي وغيرها من المناهج التي تقوم على الرؤى الذاتيّة المنفردة والمعزولة عن محيطها الاجتماعي، أو على قوى غيبيّة أو طبيعيّة خارج إرادة وعقل الإنسان وتحكمهما في الواقع المعيوش. فكل منهج من هذه المناهج له حوامله الاجتماعيّة، مثلما له مواقفه الأيديولوجيّة أيضاً التي تشكل السياج الداعم لهذا المنهج، بل إن كل من المنهج والموقف الأيديولوجي يشكلان وجهين لعملة واحدة إذا ما كانت تكمن وراء المنهج قوى طبقيّة محددة. فمن يأخذ بالمنهج المادي التاريخي مثلاً نراه يقسم الواقع الذي يتعامل معه إلى بنائين، تحتي ويشمل قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، وبناء فوقي ويمثل مجموعة الرؤى والأفكار والمبادئ والقوانين التي تعبر عن درجة تطور البناء التحتي، ثم هو ينظر أيضاً إلى تلك العلاقة الجدليّة ذات التأثير المتبادل بين مكونات البناء التحتي مع بعضها من جهة، وبين التأثير المتبادل أيضاً بين مكونات البناء الفوقي مع بعضها من جهة ثانية، وأخيراً بين كل مكونات البنائين مع بعضهما بعضاً في سيرورتهما وصيرورتهما التاريخيتين، أي في حركة وتطور وتبدل مكونات البنائين من جهة ثالثة. أما الموقف الأيديولوجي أو النظري الداعم لهذا المنهج فهو الموقف اليساري عموماً، وحوامله الاجتماعيّة التي تتوزع ما بين الطبقات الكادحة ممثلة بالعمال والفلاحين وتحالف قوى الشعب العامل، ووصولاً إلى البرجوازيّة الوطنيّة. وهذا الموقف المادي الجدلي يختلف عن موقف كل المناهج المثاليّة العاملة أو الموظفة لخدمة الطبقات المستغِلة، فالمنهج البنيوي على سبيل المثال لا الحصر، يقوم بفصل كل ظاهرة من ظواهر الواقع عن بعضها وأخذها كبنية واحدة قائمة بذاتها بكل أجزائها، لها تاريخها وواقعها ومكوناتها وعلائقها الخاصة بها. بينما الموقف الأيديولوجي أو النظري فهو الموقف الليبرالي، وحوامله وغالباً ما تكون من القوى البرجوازيّة، وهي قوى تجد في السوق الحرّة الاقتصاديّة عالمها وحركتها ونشاطها، بكل ما تعبر عنه هذه السوق من فوضى الإنتاج، وما يقوم على هذه الفوضى من استغلال لجهود الآخرين وتفاوت في توزيع الثروة الوطنيّة، ومن منافسة واحتكار للسلع، واستلاب وتغريب وتشيئ للإنسان.

أما لو أخذنا بعض المناهج المثاليّة الأخرى كالمنهج المثالي الموضوعي على سبيل الثقال لا الحصر، لوجدنا أن هذا المنهج بقر بأن هناك قوىً خارج عالم الإنسان تؤثر في حياة الفرد والمجتمع، وأن هذا التأثير غالباً ما يكون بشكل حتمي ليس للإرادة الإنسانيّة فيه أي دور، وإن وجد هذا الدور الإرادي فهو ضعيف لا يتعدى خصوصيات عالم الفرد الروحيّة والسلوكيّة، لأن كل شيء قد حدد حدوثه بكتاب محفوظ إما من قبل قوى خارج نطاق الطبيعة، أو من قبل فكرة مطلقة قد تمثل مفهوم الحتمية الميكانيكيّة لسيرورة الظواهر وصيرورتها. أما الموقف الأيديولوجي أو الفكري لهذا المنهج فهو العقيدة الدينيّة على الغالب، والحوامل الاجتماعية لهذا المنهج هي حوامل خليطة من كل شراح وطبقات المجتمع، ففي الوقت الذي تجد فيه القوى الاجتماعية المسحوقة خلاصها من شقائها واستغلالها وتحقيق عدالتها في هذا الدين، تجد فيه القوى الاستغلاليّة كذلك عوامل قوتها وتبرير سيطرتها واستغلالها للآخرين أيضاً. وذلك من خلال تفسير وتأويل نصوص هذه الأيديولوجيا وفقاً لمصالح كل شريحة أو طبقة من هذه الحوامل.

بشكل عام نستطيع القول هنا: إن طبيعة الحوامل الاجتماعيّة الحاملة لهذه المناهج ومصالحها بشكل عام، تلعب دوراً كبيراً في تبني المنهج وسياجه الأيديولوجي أو النظري الذي يحقق لها مصالحها، وبالتالي نراها تشتغل عليه لتحقيق ما تدعيه من مواقف فكريّة وسلوكيّة ومنها نهضة المجتمع وتقدمه.

وبتعبير آخر، إن كل حامل اجتماعي له مصالحه التي تحدد بالضرورة توجهاته الفكريّة والعملياتيّة معا. فالقوى الوطنيّة والقوميّة التي تكره الاستغلال والتفاوت الطبقي الحاد والتجزئة القوميّة، نراها في الغالب تميل نحو تبني المناهج العلميّة أو العقلانيّة، والسعي لتطبيق أفكارها الداعية إلى العدالة والمساواة والحرية، فهي مع الملكيّة العامة ومع المواطنة والتعدديّة والتشاركيّة في السلطة، بغض النظر هنا عن شهوة السلطة ومنافعها وتأثيرها على بعض هذه الحوامل، وما تمارسه هذه الحوامل من انحرافات عن الخط المنهجي والنظري الذي تتبناه. أما الحوامل الاجتماعيّة الحاملة للمناهج المثاليّة، فهي في الغالب تميل إلى الملكيّة الخاصة، والدفع باتجاه الروح الفرديّة والحفاظ على البنى الطبقيّة القائمة بكل إشكالاتها. هذا بالنسبة للحوامل الاجتماعيّة المتبنية للمناهج المثاليّة المتعلقة بالفكر الليبرالي، وأدوات هذه المناهج القوى الطبقية المالكة، وهي تقوم بالغالب على الذاتيّة والارتجال والحدس والوعظ والضمير وغير ذلك. أما الحوامل الاجتماعيّة المتبنية للمنهج المثالي الموضوعي بصيغته الدينية الوثوقيّة، فهي حوامل تتمسك بالنص الديني وما شرع له هذا النص من مسائل تتعلق في حريّة وسعادة الإنسان، وهي لا تملك من شيء سوى العمل على تطبيق ما تطالب به هذه الشريعة ووفقاً لصيغتي الحلال والحرام الواردة في النص المقدس أو الحديث أو ما أجمع عليه رجال الدين في مراحل تاريخيّة محددة، وبالتالي كيفيّة الوصول إلى هذا الحلال والابتعاد عن الحرام، ففي الوقت الذي نجد من الحوامل الاجتماعيّة للعقيدة من يستخدم مفهوم الدولة والسلاح كوسائل فاعلة لتطبيق العقيدة أو الأيديولوجيا الدينيّة، وهم أصحاب الإسلام السياسي، نجد في الوقت الآخر من يعتقد بان الطريق الصحيح لتحقيق شريعة هذا الدين هو ترك مفاسد الحياة والابتعاد عن كل ما يدنس الروح والجسد، وذلك عبر الانعزال والمجاهدة على الطريقة الصوفية للوصول إلى الحقيقة المطلقة التي تربط الفرد بربه.

أمام هذه المواقف المنهجية، يتبين لنا بأن للمنهج وحوامله والموقف الأيديولوجي أو النظري الذي يسيج هذا المنهج، وتظهر لنا أيضاً سبل المعرفة الصحيحة للطرق والأساليب التي علينا اتباعها للوصول إلى نهضتنا، مثلما تبين لنا القوى الاجتماعيّة الحقيقيّة المنوط بها تحقيق الفعل النهضوي.

إن تجارب الماضي النهضويّة وما حققته المناهج الفكري بما تقوم عليه من مواقف فكريّة أو أيديولوجيّة، قد أثبتت فشلها وعجزها لأسباب قد لا تتعلق بالمنهج وبآليّة عمل هذه المناهج فحسب، وإنما تتعلق بحواملها الاجتماعيّة أيضاً التي تغيريها شهوة السلطة. لذلك لا بد لنا من إعادة النظر بطبيعة المناهج التي اشتغلنا عليها مئات السنين وأثبتت فشلها حتى الآن، فنحن بحاجة ماسة في الحقيقة إلى المنهج العقلاني النقدي والتنويري فكراً وممارسة... نحن بحاجة للمنهج والفكر الذي يعمل على استيعاب كل من يؤمن بوطنه ومواطنيته، ويؤمن بالآخر شريكاً له ومن حقه أن يساهم في إدارة شؤون وطنه دون إلغاء أو تكفير أو استفراد بالسلطة... نحن بأمس الحاجة للمنهج العلمي ونظريته العلميّة التي تحتوي في مضمونها قيم العلمانيّة والديمقراطيّة والمواطنة، وأن الوطن للجميع بغض النظر عن دين الفرد وعرقه ومذهبه وعشيرته وقبيلته.

***

د.عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد من سوريا

إذا كانت حروب الإشاعة تمثل القلب الصلب في منظومة التحديات التي تفرزها الحروب المعلوماتية والتكنولوجية المعاصرة، فإن مكمن خطورتها لا يكمن فقط في سرعتها أو في اتساع مجال انتشارها، بل في قدرتها على طمس الحدود الفاصلة بين الوسيلة والغاية، وبين الخبر كأداة معرفة، والدعاية باعتبارها تقنية للهيمنة. فهي تُقيم مساواة خادعة بين ما تنتهي إليه أنظمة الإعلام، بما راكمته من أدوات وتقنيات، وبين الغايات القصوى للبروباغندا التي لم تعد فعلا عفويا أو ارتجاليًا، بل أضحت بنية استراتيجية محكمة، تُدار بعقل بارد لإعادة تشكيل الواقع، لا لوصفه.

في هذا السياق، تتحول الإشاعة من خطاب هامشي إلى سلطة موازية، تتغذى على هشاشة الوعي الجمعي، وتستثمر في الفراغات التي يعجز القانون الدولي عن ملئها، لتحل محلّه منطق القوة والاصطفاف. وهنا لا يعود الصراع محكوما بقواعد النزاعات التقليدية، بل يُعاد إنتاجه داخل الفضاء الرمزي، حيث تُهزم الدول قبل أن تُقهر، وتُسقَط الشرعيات عبر السرديات قبل أن تُستهدف بالبندقية.

إن الوقائع الحديثة تكشف بوضوح أن السلطة الإعلامية لم تعد منشغلة فقط بنقل الأحداث أو تفسيرها، بل بانخراطها العميق في تجارب ثقافية موجهة، تقوم على التشويش المتعمد، وإرباك المعنى، وإعادة تركيب الحقائق بما يخدم منطق السيطرة. فالتزييف لم يعد استثناءً، بل أصبح ممارسة منهجية، تُدار عبر شبكات معقدة من الرموز والصور والخطابات، تُفرغ الحقيقة من بعدها الأخلاقي، وتحولها إلى مادة قابلة للتلاعب.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة فلسفية نقدية لهذه الظاهرة، لا بوصفها خللا عابرا في أخلاقيات الإعلام، بل كتحول بنيوي في طبيعة السلطة ذاتها، حيث لم يعد النفوذ يُمارس فقط عبر الجغرافيا أو الاقتصاد أو السلاح، بل عبر التحكم في السرد، وتوجيه الإدراك، وصناعة الوهم بوصفه حقيقة قابلة للتداول. ففي زمن الحروب المعلوماتية، لا يُهزم الخصم حين يُدمر، بل حين يُقنع بأنه قد هُزم. وفي امتداد هذا الأفق الفلسفي، تبرز التدافعات الدولية الراهنة بوصفها إعلانا صريحا عن أفول نموذج العلاقات الدولية المؤسَّس على مرجعية القانون الدولي ومنظومة الاتفاقات متعددة الأطراف. فالعالم وهو يعيد ترتيب توازناته، لم يعد يحتكم إلى النصوص بقدر ما ينصاع لقوة الفعل، ولا إلى الشرعية بقدر ما يخضع لفاعلية التأثير. وفي هذا التحول العميق، تنسحب القواعد القانونية إلى الهامش، لتحل محلها هندسة جديدة للصراع، قوامها السيطرة على المعنى قبل السيطرة على المجال.

ضمن هذا السياق، تنخرط وسائل الإعلام، بتقنياتها المتسعة وقدراتها المتجددة، في مسار يتجاوز الوظيفة الإخبارية أو التفسيرية، لتغدو فاعلا بنيويا في إعادة إنتاج الهيمنة. فالتطبيقات الحاسوبية الكبرى، التي تهيمن على مجالات الثقافة واللغة والتواصل، لم تعد مجرد أدوات محايدة، بل أنظمة اشتغال قائمة على خوارزميات وظيفية دقيقة، تُعيد تشكيل البيانات وتوجيهها داخل فضاءات سيبرانية منظمة، تخدم في جوهرها منطق التسلط المؤسساتي وتكريس اللامتكافئ في القوة.

وهنا، يفرض السؤال نفسه حول مدى اتساع الاختراقات الممنهجة التي تستهدف البنى العالمية الهشة، تلك التي أنهكها الحصار وضيّق عليها الخنق الاقتصادي والسياسي. فهذه البيئات، بما تحمله من هشاشة معرفية وإعلامية، تتحول إلى حقول اختبار مثالية لتقنيات التأثير السيبراني، حيث يُعاد تشكيل الوعي الجمعي وفق نماذج جاهزة، تُزرع في العمق دون أن تُرى، وتُفَعَّل لحظة الحاجة السياسية.

وفي هذا المقام، تستعيد البروبجندا دورا يتجاوز ما عُرف عنها في قراءاتها الكلاسيكية. فهي لم تعد مجرد أداة لتأليب الرأي العام أو فرض سردية بعينها، بل أصبحت ممارسة متقدمة لإنتاج أفكار "مؤتمتة"، تُضبط إيقاعاتها عبر توجيه منظم، وتُمرَّر باعتبارها تعبيرًا تلقائيا عن الواقع. وبهذا تُصنع قطيعة صامتة بين الماضي والحاضر، حيث يُفرغ التاريخ من سياقه، ويُعاد تأويل الحاضر خارج جذوره، فيتحول الزمن نفسه إلى مادة قابلة لإعادة البرمجة.

إننا إزاء نمط جديد من الهيمنة، لا يقوم على محو الذاكرة دفعة واحدة، بل على تشويشها، ولا على فرض خطاب أحادي، بل على إغراق الفضاء بخطابات متنافرة تُعطّل القدرة على التمييز. وفي هذا التشتت المنهجي، تفقد الحقيقة مركزيتها، ويصبح الوعي أسيرًا لتدفقات لا يملك أدوات مساءلتها، في زمن لم تعد فيه السيطرة مرئية، بل موزعة، ناعمة، وعميقة الأثر.

إن ما نشهده اليوم لا يمكن اختزاله في مجرد تحولات تقنية أو انزياحات إعلامية عابرة، بل هو تعبير كثيف عن تحول سوسيولوجي عميق في بنية السلطة والمعنى معا. فالصراع لم يعد يدور حول من يمتلك الحقيقة، بل حول من يمتلك القدرة على تنظيم تداولها، وضبط شروط ظهورها واختفائها. وكما نبه ماكس فيبر إلى أن السلطة الحديثة تقوم على "شرعية المعنى قبل شرعية الإكراه"، فإن الهيمنة المعاصرة لا تُمارَس بالسلاح وحده، بل عبر إنتاج قبول اجتماعي مُسبق لما يُراد فرضه.

وفي هذا الأفق، تستعيد أطروحة بيير بورديو راهنيتها حين اعتبر أن أخطر أشكال العنف هو العنف الرمزي، ذاك الذي يُمارَس بموافقة ضمنية من ضحاياه، لأنه يتخفى في اللغة، وفي الصور، وفي أنماط التفكير اليومية. فالإعلام المؤدلج والخوارزميات الموجهة لا تفرض خطابها بالقسر، بل تُعيد تشكيل "الهابيتوس" الجمعي، فتجعل المهيمن يبدو طبيعيًا، والمفروض يبدو بديهيًا، والمُختلّ يبدو نظامًا.

و يُضيء زيغمونت باومان هذا التحول حين تحدث عن "السيولة" بوصفها سمة العصر، حيث تتفكك الأطر المرجعية، وتغدو الحقائق عابرة، واليقينيات مؤقتة. كما لا تنتصر البروبجندا لأنها أكثر صدقا، بل لأنها أكثر قدرة على التكيف مع اللامعنى، وعلى السباحة داخل الفوضى الإدراكية دون أن تفقد فعاليتها.

وكان ميشال فوكو قد قدّم المفتاح الأعمق لفهم هذا المشهد حين ربط بين المعرفة والسلطة، مؤكدا أن كل نظام معرفة يُنتج في الوقت نفسه نظاما للضبط والمراقبة. فالحرب الإعلامية والخوارزمية ليست سوى امتداد لهذا المنطق، حيث تُدار الأجساد والعقول معا، لا عبر المنع، بل عبر التوجيه الدقيق للرغبات والاهتمامات وأنماط الاستهلاك الرمزي.

وعلى هذا الأساس، فمواجهة هذا النمط من الهيمنة لا يمكن أن تتم عبر أخلاقيات إعلامية مجردة، ولا عبر استعادة خطاب قانوني فقد الكثير من فاعليته، بل عبر إعادة بناء الوعي النقدي، وتحصين المجال العمومي بأدوات الفهم السوسيولوجي، التي تسمح بكشف آليات الإخضاع غير المرئي. فكما يقول إميل دوركايم، "لا يمكن للمجتمع أن يفهم ذاته إلا حين يجعل من نفسه موضوعًا للمعرفة".

إنها دعوة في جوهرها إلى مقاومة ناعمة، لا تقوم على الرفض الانفعالي، بل على تفكيك البديهيات، واستعادة القدرة على السؤال، في زمن لم تعد فيه السيطرة تعلن عن نفسها، بل تمارس صامتة، باسم الحرية، وتحت قناع التواصل.

***

د. مصطفى غَلْمان

تُعد إشكالية الاستبداد في المجتمعات المعاصرة، لاسيما في الدول التي يصنفها الفكر الاقتصادي والسياسي بـ "الدول الرخوة"، من أعقد المعضلات التي تواجه مسارات التنمية والتحرر الإنساني. إننا نسعى هنا إلى تقديم تحليل معمق للتعاضد القائم بين أنماط "الاعتمادية المسمومة" التي تربط المحكومين بالسلطة، وبين تمدد "الفجاجة السلطوية" التي تتجاوز الأطر القانونية والمؤسسية لتستقر في فضاءات الميتافيزيقيا والخطاب الغيبي. إن الاستبداد في هذا السياق ليس مجرد ممارسة قمعية فوقية، بل هو منظومة "تعاضدية" تشترك فيها بنية الدولة الرخوة مع البنية النفسية للإنسان المقهور؛ لتنتج واقعاً يتغذى فيه الفساد على غياب القانون، وتقتات فيه السلطة على "العبودية المختارة" والاعتراف المبتور.

تشريح الدولة الرخوة وآليات الفجاجة السلطوية

 تمثل "الدولة الرخوة"، كما صاغها الاقتصادي السويدي غونار ميردال، المختبر المثالي لفهم كيف يتحول الاستبداد إلى بنية مستدامة تتجاوز شخوص الحكام لتصبح أسلوب حياة. إن "الرخاوة" في هذا السياق لا تشير إلى غياب القوة القمعية أو الأجهزة الأمنية، بل تعني تحديداً غياب "هيبة القانون" والقدرة على تطبيقه بإنصاف وشمولية على كافة طبقات المجتمع.

يرى ميردال أن جوهر التخلف والفقر في دول العالم الثالث لا يعود حصراً إلى نقص الموارد المادية، بل يمتد إلى غياب احترام القانون وانتشار الفساد الذي أضحى هيكلياً ومؤسسياً. ففي الدولة الرخوة، تعمد السلطة إلى إصدار قوانين قد تبدو مثالية أو متقدمة من الناحية النظرية، لكنها تظل "حبراً على ورق"؛ إذ تمتلك النخب المتنفذة من المال والنفوذ ما يمنحها حصانة فعلية من الخضوع لهذه التشريعات، بينما يتم توظيف القوانين ذاتها كأداة مشروعة لقمع الضعفاء أو معاقبة خصوم السلطة السياسيين.

الفجاجة السلطوية كبديل للشرعية الإنجازية

 عندما تخفق الدولة في النهوض بوظائفها الحيوية كالتنمية والتعليم وإرساء العدالة، فإنها تفقد "هيبتها" المعنوية وشرعيتها القائمة على الإنجاز. ولكي تعوض السلطة هذا الفقدان الجوهري، تلجأ إلى ممارسات "فجة" تتسم بالعنف المادي والرمزي المباشر. الفجاجة هنا تعني ممارسة السلطة في صورتها الخام العارية، دون أقنعة مؤسسية أو وسائط ديمقراطية؛ حيث يتم استغلال ذريعة "أمن الدولة" بشكل مفرط في الخطاب الإعلامي للنيل من المطالبين بحقوقهم المشروعة. وبذلك، تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات صلبة لحماية المتنفذين وصيانة فسادهم. هذا النمط من الحكم يعزز حالة "الاعتمادية المسمومة"؛ إذ يدرك المواطن -تحت وطأة الحاجة والخوف- أن الحصول على حقه أو نيل الحماية لا يتم عبر القنوات القانونية، بل عبر التقرب من مراكز القوى أو القبول بالخنوع التام مقابل ضمان البقاء.

جدلية السيد والعبد والاعتمادية المسمومة

 لفهم الأسباب الكامنة وراء استمرار الشعوب في تحمل هذا النمط من السلطة الفجة، ينبغي العودة إلى الجذور الفلسفية التي تفسر العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتحديداً "جدلية السيد والعبد" عند هيغل ونظرية "العبودية المختارة" عند إتيان دي لا بويسي:

قدم هيغل في أطروحته "ظواهرية الروح" تحليلاً فلسفياً عميقاً للعلاقة بين وعيين يتصارعان من أجل نيل "الاعتراف". ينتهي هذا الصراع بانتصار طرف (السيد) الذي خاطر بحياته في سبيل الحرية، وهزيمة طرف آخر (العبد) الذي آثر البقاء المادي والنجاة على الكرامة والحرية. ومع ذلك، يكتشف هيغل مفارقة مذهلة: وهي أن السيد يصبح معتمداً كلياً على العبد؛ ليس فقط في تلبية احتياجاته المادية، بل في استمداد جوهر هويته كـ "سيد" من اعتراف العبد به، مما يخلق قيداً تبادلياً يربط الطرفين في حلقة من التبعية.

تكتمل هذه الرؤية مع إتيان دي لا بويسي الذي تساءل: كيف يمكن لشخص واحد (الطاغية) أن يستعبد ملايين البشر؟ وجاء جوابه متمثلاً في مفهوم "العبودية المختارة"؛ أي القبول الطوعي بالخضوع نتيجة التعود أو فقدان الرغبة الفطرية في الانعتاق. يرى لا بويسي أن الشعوب هي التي تمنح الطاغية قوته في المقام الأول، وأن التحرر لا يحتاج بالضرورة إلى عنف مضاد، بل يتطلب فقط "التوقف عن الخدمة". غير أن هذه التراتبية تخلق شبكة واسعة من المنتفعين الصغار الذين يذودون عن النظام الاستبدادي ليس حباً فيه، بل دفاعاً عن مصالحهم المرتبطة بوجوده، مما يجعل "العبودية المختارة" حالة جماعية معقدة يصعب فك ارتباطاتها المتشابكة.

بنية الإنسان المقهور وهدر الكرامة في الدول الرخوة

لا يكتفي الاستبداد بالسيطرة على المجال السياسي، بل يتوغل في أعماق البنية النفسية لينتج ما وصفه الدكتور مصطفى حجازي بـ "الإنسان المقهور" أو "الإنسان المهدور". إن القهر هنا يتجاوز الممارسة الخارجية ليصبح عملية داخلية تهدف إلى "تحطيم اعتبار الذات". ويرى حجازي أن التخلف ليس مجرد حالة اقتصادية، بل هو "بنية شخصية" تتسم بالاستلاب وضياع الهوية. ففي المجتمعات المقهورة، تفضل الأنظمة الحاكمة "الأشياء" على "الإنسان"؛ حيث يُعتبر فقدان الموارد أشد إيلاماً من هدر الأرواح، مما يعمق شعور الفرد بأنه مجرد أداة لا قيمة ذاتية لها.

تؤدي هذه الحالة النفسية إلى ظهور أنماط سلوكية تعزز "الاعتمادية المسمومة". فعندما ينهار اعتبار الذات، يتضخم في المقابل تقدير "المتسلط" في وعي المقهور، فيبدأ بالتماهي مع الجلاد والاعتراف الضمني بحقه في السيادة والقهر. كما يركن الإنسان المقهور إلى "الحلول السحرية"؛ فهو لا يبحث عن وسائل عقلانية للتغيير، بل يظل في انتظار "الزعيم الملهم" أو "القوة الخارقة" التي ستغير واقعه دون جهد منه. ولعجزه عن مواجهة السلطة مباشرة، يفرغ غضبه المكتوم في تدمير الممتلكات العامة أو في ممارسة الاضطهاد على من هم أضعف منه داخل الأسرة أو تجاه الآخر المختلف.

إن هدر الكرامة يؤدي بالضرورة إلى فقدان السيطرة على المصير؛ حيث يعيش الفرد تحت رحمة "تعسف المستبد" و"تقلبات الطبيعة" في آن واحد. ففي الدولة الرخوة التي ينهار فيها التعليم وتغيب العدالة، ينشأ المواطن في بيئة تقمع ملكة النقد وتغرس قيم الاستكانة، مما يغلق السبل أمام أي محاولة واعية للتغيير.

هيمنة الميتافيزيقيا وفضاء الغيبيات

 عندما تضعف المؤسسات وتتوارى العقلانية السياسية، ينفتح الباب لهيمنة "الميتافيزيقيا" والخطاب الغيبي كأداة لشرعنة الاستبداد وتخدير الوعي الجمعي. لقد أبدع عبد الرحمن الكواكبي في تحليل العلاقة العضوية بين الاستبدادين السياسي والديني، موضحاً كيف يتخذ المستبد السياسي لنفسه دائماً "صفة قدسية" يدعي بها مقاماً ذا صلة خاصة بالخالق.

هذا التوظيف للدين يهدف:

أولاً إلى "إضفاء الشرعية الإلهية" على الظلم، فتصبح معارضة الحاكم خروجاً عن الإرادة السماوية، ويصبح الصبر على الجور فضيلة وقضاءً لا مرد له.

وثانياً، يؤدي ذلك إلى بروز طبقة من "أعوان الاستبداد" من بعض رجال الدين والمثقفين الذين يسوغون أفعال السلطة. وأخيراً، يتم تحويل انتباه الجماهير عن البحث في أسباب الانحطاط السياسي والاقتصادي، لتُدفع للبحث عن الخلاص في "الأدعية" و"السكينة" وتجنب ما تصفه السلطة بـ "اللغو"، وهو في حقيقته المطالبة بالحقوق الأساسية.

في ظل "العجز المؤسسي" للدولة الرخوة وفشلها في تقديم تفسيرات منطقية للأزمات، يلجأ الإنسان المقهور إلى التفسيرات الخرافية لواقعة. فتصبح مفاهيم كـ "الحسد" و"القسمة والنصيب" هي المسؤول الأول عن الفشل التنموي، بدلاً من مساءلة السياسات الحكومية الخاطئة. يؤدي هذا التحول الميتافيزيقي إلى تحريف دور الدين من كونه قوة محفزة ، إلى أداة للسيطرة وإخماد النزعات التحررية، حيث يكتفي الناس بانتظار "الكرامات" بدلاً من الفعل المنظم، وتكتسب السلطة حصانة مطلقة ضد أي نقد موضوعي.

الاستنتاجات والتطلعات المستقبلية

 إن تحليل "الاعتمادية المسمومة" في الدول الرخوة يكشف عن أن الاستبداد ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج تداخل معقد بين الفشل المؤسسي، والانهيار النفسي، والتوظيف الميتافيزيقي الممنهج. إن ما يضمن امتداد هيمنة "الفجاجة السلطوية" هو هذا "التعاضد" المعقد؛ حيث تغذي رخاوة الدولة الفساد، ويحطم الفساد كرامة الإنسان، مما يدفعه للوذ بالغيبيات التي تمنح السلطة بدورها شرعية مطلقة تسمح لها بمزيد من الفجاجة. إن التحرر الحقيقي يتطلب مسارات متوازية تبدأ باستعادة سيادة القانون وإعادة بناء اعتبار للذات الإنسانية.

***

غالب المسعودي

.....................

المراجع:

ميردال، غونار. (تحليل مفهوم الدولة الرخوة)، مراجع كلية الإدارة والاقتصاد، جامعة كربلاء.

هيغل، جورج فريدريك. ظواهرية الروح. (دراسات في جدلية السيد والعبد).

لا بويسي، إتيان. مقال في العبودية المختارة.

حجازي، مصطفى. التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور. المركز الثقافي العربي.

الكواكبي، عبد الرحمن. طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد.

تقارير ودراسات: (جريدة القبس، نداء الوطن، مجلة الجديد) حول بنية الدولة الرخوة وسيكولوجية القهر.

لم يتحدث الفيلسوف الألماني الكبير" مارتن هايدغر" عن السعادة بالمعنى التقليدي المرتبط بالمتعة أو الرضا النفسي، بل نظر إليها كحالة نابعة من الوعي العميق بالوجود. الإنسان عند هايدجر ليس مجرد كائن يفكر أو يشعر، بل كائن "هنا" في العالم (Dasein)؛ أي موجود بوعي كامل بما حوله، متصل بزمنه ومحيطه، ومسؤول عن خياراته ووجوده. السعادة الحقيقية عنده لا تتحقق من التسلية أو الممتلكات، بل من القدرة على العيش حياة أصيلة وواعية بالموت وبالحرية الفردية.

إدراك الموت هو حجر الزاوية في فلسفة هايدغر، فهو يحرر الإنسان من الروتين والعادات، ويجعل وجوده ذا معنى. يقول في Being and Time: "Confronting death is the possibility of authentic existence." بمعنى أن مواجهة حقيقة الموت تمنح الإنسان فرصة ليعيش أصيلًا. هذا المفهوم يتقاطع مع الفكر الإسلامي، الذي يعتبر الموت واقعًا حتميًا: "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ" (آل عمران: 185)، ويدعو الإنسان إلى وعي مسؤول بحياته، والسعي لتحقيق الغاية من وجوده.

هايدغر يميز بين الحياة الأصيلة والحياة غير الأصيلة، حيث تمثل الحياة الأصيلة مواجهة الإنسان لذاته، واختيار قراراته بحرية واعية، بعيدًا عن التقليد والسطحية. والفكر الإسلامي يشبه هذا المفهوم، إذ يشجع على التفكر والوعي بالمسؤولية الفردية أمام الله: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ" (الأنبياء: 7)، مؤكداً أن الاختيار الواعي والالتزام بالقيم الأخلاقية هما أساس حياة صادقة.

الوجود مع الآخرين أيضا عنصر مهم في فلسفة هايدغر، فالإنسان موجود اجتماعيا، لكن علاقاته تصبح أصيلة إذا كانت صادقة وواعية. وفي الإسلام، يحثّ الدين على الصدق والإحسان مع الناس: "وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا" (البقرة: 83). هذا يشير إلى تقاطع واضح بين الفلسفة الوجودية والحياة الإسلامية في أهمية العيش بصدق ووعي داخل المجتمع.

أما عن الحب، فإن حياة هايدغر الشخصية تكشف جانبا إنسانيا وعاطفيًا. تزوج من إليزه شولتز عام 1917 ولديه ابنة واحدة، لكنه عاش الحب بطريقة فلسفية وعميقة؛ فهو يعشق الوجود نفسه والأفكار والمعنى والطبيعة، كما يظهر في اهتمامه بالمشي في الغابات والتأمل في الفن واللغة، وكتبه مثل Being and Time و_Introduction to Metaphysics_ و_Poetry, Language, Thought_ تعكس هذا العشق للوجود والفكر. يمكن القول إن حبه كان حبًا وجوديًا وفلسفيًا، حيث يلتقي العاطفي بالواعي، والإنساني بالمعنوي.

يمكن اعتبار فلسفة هايدغر حول السعادة والحياة والحب بأنها العيش الأصلي والواعي مع الذات والعالم، مواجهة الموت، اختيار الحرية، وتقدير الوجود بصدق وعمق. وهذا يتقاطع مع الفكر الإسلامي الذي يؤكد على المسؤولية أمام الله، الوعي بالموت، السعي للحياة الصادقة، والعلاقات الإنسانية المبنية على الصدق والإحسان. كلاهما يدعونا إلى فهم أعمق للوجود، وجعل حياتنا مليئة بالمعنى، سواء على المستوى الفردي أو الروحي أو الاجتماعي.

***

ليلى تباني - الجزائر

جماليات مستترة في نصوصه الوجودية والأدبية

لم يخصص جان بول سارتر للفن التشكيلي دراسة مستقلة، ولم يترك كتاباً عن الجمال أو فلسفة الفن يتضمن موقفاً واضحاً من التعبير الفني والجمالي، لكننا نجد في ثنايا كتاباته ودراساته الأدبية والفلسفية ما يمكن أن نعتبره نظرة فنية، أو موقفاً جمالياً له تطبيقاته في الفن التشكيلي.

في دراسته المهمة عن المتخيل التي حلل فيها التخيل، توصل إلى أن الوعي يمارس التخيل على شكل إبداعي، ولهذا يختلف عن "المدرك"، وربط بين التخيل والجمال أو الموضوع الجمالي، ووازى بينهما، اعتمد سارتر في هذه الدراسة على المنهج الظواهري في التحليل، لتأثره بهذه الفلسفة في بداية حياته.

وفي دراسة أخرى مهمة له عنوانها "ما الأدب"، فيها يتوصل إلى أن الفن التشكيلي والشعر والموسيقى يتقاربون ويتلاقون في مهماتهم الإبداعية، ذلك أن الفنان والموسيقار والشاعر يتعاملون مع الأشياء لا المعاني أو الدلالات، والأشياء تبدو مستقلة، تفيض بغناها وتدعونا لتذوقها بحرية تامة، ولهذا لا يمكن للفنان التشكيلي أن يلتزم، كالشاعر والموسيقى، النثر وحده هو الملتزم لأنه مرتبط بالمعاني.

هاتان الدراستان تمثلان التجارب الأولى للكتابة عن الفن التشكيلي، فيهما، يبدو سارتر منظراً، بعيداً عن الدراسات التطبيقية الوصفية، هما محاولة لتطبيق نظرته في الجمال والفن على تجارب فنية محددة.

يبدو أن سارتر يربط بين مفهومه للالتزام في الفن التشكيلي والابتعاد عن التمثيل والمشابهة، لذلك يقول: حين يفلح الرسام في رمي التشابه والتمثيل فان المعنى المتحرر يتجلى. هذا يعني أن الفنان إذا استطاع أن يحقق شكلاً من التعبير لا مجال فيه للمحاكاة فان الالتزام في الفن التشكيلي ممكن، بل يصبح ضرورة بالنسبة لفنان اختار أن يعبّر عن عصره، شرط أن يتمتع الفنان بحسّ سليم. لا ينفر الجمهور من عمل يقدمه له حضوره الذي يعتمد توفر العناصر المرئية والخفية. وهذا ما حققه بيكاسو في لوحته الخالدة "الجورنيكا"، التي يقول عنها سارتر أنها العمل الفني الوحيد الذي يقدم لنا مجزرة رهيبة، فيها من الجمال لا مجال للشك فيه.

كان لسارتر تأثير مباشر على الفن التشكيلي المعاصر، وذلك لعدة أسباب، لعل أهمها الأزمة النفسية في المرحلة القلقة التي عاشتها أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، والشعور بالخوف الذي رافقها، يضاف إلى ذلك رغبة سارتر في نشر الأفكار على نطاق الحياة ليوسّع دائرة تأثيره، وربطها بالواقع، وهكذا تأثر عدد من الفنانين بأفكاره، وعاش عدد آخر منهم حالة من التشابه مع الأزمة، عبروا عنها على نحو آخر.

ولعل أهم هذه الدراسات التي ارتبطت بمعاصريه من الفنانين ما كتبه عن الفنان النحات جياكوميتي، لأنهما ينطلقان من أرضية مشتركة، عايش فيها سارتر تجارب صديقه، وعرفها عن قرب، وتأثر جياكوميتي بالوجودية بل عاينها.

يقول سارتر: ليس هدف جياكوميتي تقديم صورة لنا، إنما يقدم أخيلة تثيرنا، وتهبنا ذاتها، تماثيل جياكوميتي لا تقدم لنا نسخاً من الواقع، بل تقدم خيالاً، هذه الخيالات هي الموضوعات الجمالية التي تتمتع بوجودها الخاص، وتستقل بنفسها عنا.

ارتبط جياكوميتي بسارتر فكرياً وسلوكياً منطلقاً من فكرة أساسية تقول: إن كل إنسان يعيش في العالم في جزيرة مغلقة. وبهذا لا وجود لتماس حقيقي بين الأشياء، لذلك نحت تماثيله متباعدة يحيط بها الفراغ، من مادة هشّة، تتعرض للفناء، وجعل الفضاء المحيط بالإنسان أكثر أهمية منه. لهذا قال عنه سارتر: إنه الفنان الأول الذي خطر له أن ينحت الإنسان عن بُعد، أي عن مسافة ما.

إن الفراغ برأي سارتر هو مسافة محددة تفصل بين انسان وآخر غير قابلة للنقصان مهما حاول الإنسان الاقتراب من أخيه الإنسان.

تمكن جياكوميتي من ربط فنه بالوجودبة عبر محاولة تجسيد أهم أفكار سارتر حول الوجود والعدم، وعلاقة الإنسان بالآخر، وهي منطلق أساسي لمشكلة عاشها، بكل جوارحه.

لم يكن جياكوميتي مجرد فنان يطبّق آراء سارتر بل يعيشها، ولذا كان يعيش بوضع بوهيمي، يقضي سنوات في عمل فني ما، ثم يحطّمه، ويعود منصرفاً لعمل آخر، كان مخلصاً إخلاصاً غريباً للحظة التي يعيشها، يكره الأبدية، ويركّز على الإبداع، يحب الإنسان وينقّب عن نفسه في مغامرة تبدو الإبداعية كلها فيها.

هكذا نرى بوضوح كيف انتقلت الأفكار الوجودية إلى الفن التشكيلي وكيف عبّر الفنان عنها بأعمال، وكيف ارتبطت أفكار عدد من الفنانين بالتجربة الوجودية على مستوى التنظيم والأفكار، وعلى مستوى الممارسة. وهناك عدد من الفنانين في الغرب وفي بلداننا العربية تأثروا بتلك الأفكار، لشعورهم بالوحدة والقلق، لم يكن التأثير مباشراً في بعض الأحيان، بل تعبير حر عن شعور الإنسان بالعبث واللا جدوى في العالم الرأسمالي المسؤول عن الفجوات والأزمات الإنسانية والاقتصادية.

قدم سارتر للفن التشكيلي رؤية فلسفية عميقة، جعلت من النقد الفني وسيلة للتعمّق في فهم الوجود الإنساني والعلاقات الاجتماعية. ولم تكن كتاباته مجرد تحليلات شكلية للأعمال الفنية، بل كانت غوصاً في أعماق التجربة الإبداعية وربطاً عضوياً بين الفن والحرية والوجود.

لقد نجح سارتر في تقديم وجهة نظر وجودية للفن، جعلت من العمل الفني وسيلة للتحرر والتعبير عن الذات في عالم مليء بالقلق والغربة. وتظل آراؤه النقدية مرجعاً هاماً لكل من يريد فهم العلاقة العميقة بين الفلسفة والفن في القرن العشرين.

***

جمال العتّابي

يُعدّ الخيال من أعظم المنح التي أُعطيت للإنسان، حتى إن العالم ألبرت أينشتاين اعتبره أقوى من المعرفة ذاتها، لأن المعرفة تقودنا من نقطة إلى أخرى، بينما الخيال قادر على أن يحملنا إلى أي مكان. فالخيال ليس ترفًا ذهنيًا، بل هو المساحة الأولى التي تولد فيها الأفكار قبل أن تتحول، عبر الإبداع، إلى واقع ملموس. ولولا الخيال العلمي، لما وصل الإنسان إلى ما يشهده اليوم من تطورات مذهلة في شتى مناحي الحياة.

ورغم ذلك، يظل السؤال مطروحًا: لماذا نعيش بخيالٍ له جناح واحد؟

يسعى الإنسان، في معظم الأوقات، إلى الكمال والمثالية، ويواصل محاولاته في البحث والاكتشاف، لكنه في كل مرة يصطدم بحقيقة أن الصورة لا تكتمل. فالتاريخ البشري مليء بأحلام بدأت خيالًا محضًا، ثم تحولت إلى إنجازات واقعية، مثل حلم السفر إلى الفضاء، الذي ظل طويلًا حبيس عقول العلماء قبل أن يصبح حقيقة. ومع ذلك، ليست كل الأحلام قابلة للتحقق، فهناك أفكار لا تزال حتى اليوم أسيرة الخيال.

من أبرز هذه الأحلام، حلم السفر عبر الزمن. لم يكن هذا الحلم مجرد رغبة في العودة إلى الماضي أو القفز نحو المستقبل، بل محاولة إنسانية عميقة لكسر سلطة اللحظة، والسيطرة على الزمن الذي يمضي دون استئذان. ومع هذا الحلم ظهرت أفكار أخرى لا تقل جرأة، مثل إيقاف الزمن أو تسريعه أو إعادة لحظة بعينها، وكأن الوجود شريط يمكن التحكم في سرعته.

ويتسع الخيال ليشمل حلم الانتقال الفوري، حيث يختفي الإنسان من مكان ليظهر في آخر دون عبور المسافة، وكأن الجغرافيا مجرد وهم مؤقت. ومن هنا برزت تصورات الثقوب الدودية ومحركات أسرع من الضوء، في محاولة لطيّ الزمكان بدل الخضوع لقوانينه. وفي الخلفية، يلوح احتمال الأكوان المتوازية، لا باعتبارها مجرد فرضية علمية، بل كإمكانية للعبور بينها، ومواجهة نسخ أخرى من ذواتنا عاشت اختيارات مختلفة.

وفي قلب هذه الأحلام يقف السؤال الأخطر: العقل البشري.

هل يمكن نقل الوعي الإنساني إلى وسيط رقمي دون فقدان الذات؟

وهل يمكن قراءة الأفكار لا بوصفها إشارات عصبية فقط، بل بوصفها معنى وشعورًا وحنينًا؟

وهل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يمتلك وعيًا حقيقيًا، أم سيظل مجرد محاكاة متقنة؟

عند هذه النقطة، يتجاوز الخيال العلمي حدود التقنية، ليصبح اختبارًا حقيقيًا لمعنى الإنسانية ذاتها.

أما الجسد، ذلك السجين الزمني، فيحلم الإنسان بتجاوزه؛ بإيقاف الشيخوخة، وتجديد الأعضاء، وتغيير الشكل والقدرات بإرادة واعية، كأن الجسد لم يعد قدرًا محتومًا، بل مشروعًا قابلًا للتطوير. وفي أقصى هذا الحلم، تظهر فكرة الخلود، أو حتى إعادة إحياء الموتى بوعيهم الكامل، لا كنسخ ناقصة، بل كامتداد حقيقي للوجود.

وفوق كل ذلك، يظل الكون مفتوحًا على أسئلته الكبرى: المادة المظلمة، الطاقة المظلمة، تسخير طاقة النجوم، بل وحتى احتمال أن يكون واقعنا كله محاكاة كبرى، وأن أعظم اكتشاف علمي لم يتحقق بعد هو اكتشاف باب الخروج منها.

وهكذا يبقى الخيال العلمي مجموعة أفكار لم تتحقق بعد، خيالًا بجناح واحد، لكنه رغم ذلك يواصل التحليق في الوعي الإنساني، لا ليمنحنا إجابات جاهزة، بل ليذكّرنا بأن كل تقدّم بدأ بسؤال، وأن ما نعيشه اليوم كان يومًا ما مجرد حلم تجرأ عقلٌ ما على تخيّله.

***

بقلم: محمد أبو العباس الدسوقي

 

من نقد الغرب الى تبرير الذات

ليست قضية إبستين، في جوهرها، معركة بين الشرق والغرب، ولا صداما بين العلمانية والدين، ولا دليلا على انحطاط الحداثة كما يتوهم بعضهم. هي قضية واحدة بسيطة في معناها، ثقيلة في دلالتها: انتهاك الجسد البشري، وسحق براءة الطفل، وتحويل الانسان الى سلعة.

إبستين في الوعي الغربي ليس رمزا ثقافيا ولا شيخا ولا مرجعا اخلاقيا، بل متهم وجانح، سقط اجتماعيا واخلاقيا وقانونيا. وما يثار حوله من فضائح وملفات هو تعبير عن صدمة مجتمع، لا عن تبرير جريمة. الفعل هناك مدان لذاته، لا لكون فاعله ينتمي الى معسكر بعينه.

اما المأساة الاكبر، فهي حين يصبح الفعل ذاته، اذا ما عبر حدود جغرافيتنا الملعونة، قابلا للتقديس، لا للادانة. لا لان جوهره تغير، بل لان الغطاء تغير. فالجريمة حين تتدثر بعباءة الشريعة، تتحول من انتهاك الى حكم، ومن اغتصاب الى زواج، ومن قتل الى حد، ومن سبي الى فقه.

هنا لا يعود السؤال: ماذا فُعل؟ بل: تحت اي اسم فُعل؟

فالطفلة التي تغتصب تصبح  زوجة. والمرأة التي تقتل تصبح عارا مغسولا. والمرتد الذي يعدم يصبح خطرا عقائديا. والطفل الذي يذبح يختفي خلف قاعدة فقهيه جافة: لا يؤخذ الاصل بالفرع

لم يكن سبي الايزيديات حدثا شاذا، ولا خطف الدرزيات والعلويات استثناء، ولا بيع الكرديات اليوم مفاجأة. كلها حلقات في منطق واحد: تحويل الانسان الى غنيمة حين يخرج عن الهويه السائدة، وتطبيع الوحشيه حين يوقعها نص، او يباركها شيخ، او يسكت عنها مجتمع.

الفرق الجوهري بين ما حدث مع إبستين، وما يحدث هنا، ليس في الفعل، بل في الموقف منه. هناك، يحاسب الفعل لانه جريمة ضد الانسان. هنا، يبرر الفعل لانه منسوب الى الله. وهناك، ينهار الفاعل اخلاقيا مهما علا شأنه، وهنا، يرفع الجاني الى مرتبة الصلاح كلما ازداد دمه على يديه

العلمانية لم تخلق هذه الجرائم، والحداثة لم تبررها. على العكس، كل منظومة قانونية حديثة تعتبر المساس بالطفل جريمة مطلقة، لا يخففها عقد، ولا يبررها عرف، ولا يغسلها نص. الجسد الطفولي هناك خط احمر انساني، لا ماده فقهية قابلة للاجتهاد.

الفلسفة الاخلاقية، منذ كانط، وضعت مبدأ لا يحتمل الالتفاف: الانسان غاية في ذاته، لا وسيلة لتحقيق غايات الاخرين ولا مادة لاختبار النصوص. والطفل بوصفه اكثر اشكال الانسان هشاشة، هو الاختبار الحقيقي لاي منظومة اخلاقية. فمن يفشل في حماية الطفل، يفشل في ادعاء الاخلاق، مهما علت لغته، او تقدست مراجعته

المفارقة المؤلمة ان من يدين إبستين لا يدينه لان الفعل قبيح، بل لانه فعل خارج منظومته. ولو ان إبستين كان شيخا، او مسلما، او حمل توقيعا فقهيا، لوجدوا له الف مخرج، والف فتوى، والف تأويل. فالمشكله ليست في الجريمة، بل في مرآتها.

نحن لا نعيش ازمة اخلاق، بل ازمة تعريف الاخلاق. حين يفصل الضمير عن الانسان، ويلصق بالنص، يتحول كل شيء الى مباح، شرط ان يحمل اسما مقدسا. وهنا تصبح البيدوفيليا شريعة، والقتل فضيلة، والسبي سنة، والاعتراض كفرا.

القضية، في حقيقتها، ليست إبستين، بل نحن. ليست الغرب، بل المعايير. ليست العلمانية، بل الانسان.

ان اخطر ما تواجهه المجتمعات ليس وجود العنف، بل تطبيعه، ولا ارتكاب الجرم، بل منحه قداسة رمزية تحصنه من المساءلة.

ان اي منظومة اخلاقيه لا تضع كرامة الطفل، وحق الحياة، وسلامة الجسد فوق كل اعتبار ديني او ايديولوجي، هي منظومة تعيد انتاج الجريمة باسم الفضيله، وتستبدل العدالة بالتأويل، والضمير بالطاعة. ومن هنا، لا يكون تجاوز هذه الازمة ممكنا الا باستعادة الانسان بوصفه معيارا، والقانون بوصفه حدا، والعقل النقدي بوصفه ضمانه، ضد كل عنف يرتدي ثوب المقدس.

واعتقد ان كل مجتمع لا يحسم هذه القضية لصالح الإنسان، انما يعلن، صامتا، افلاسة الأخلاقي.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

يحدث، في اللحظات التاريخية الفارقة التي تبلغ فيها الأمم ذروة عطائها المادي وسلطانها الظاهري، أن يلتقي الثراء الفاحش بالنفوذ المطلق، فيلقى هذا الالتقاء شرارة خاصة، تولد شكلاً استعراضياً متفرداً من أشكال القوّة، يجد في الجسد البشري للآخر مسرحه الأثير والأكثر دلالة.

هذا ليس مجرد استنتاج نظري يجترحه العقل، ولا هو فرضية جامدة، لكنه، في تقديري، نمط تاريخي عميق الجذور، يتكرر ظهوره عبر تعاقب الحضارات الإنسانية، كلما بلغت نخبتها الحاكمة ذروة الترفع عن المحاسبة وانعدام المنافس الحقيقي.

في هذه اللحظات الحرجة، تشهد المتعة الجنسية تحولاً جوهرياً في وظيفتها من فعل طبيعي ومشترك بين البشر، إلى أداة من أدوات إثبات الهيمنة وإعلان السيادة، وقد تتحول أحياناً إلى طقس سادي مرعب، يتم فيه إهانة جوهر الإنسان نفسه، عبر استباحة جسده وتحويله إلى مجرد ألعوبة، أو أداة قابلة للاستهلاك ثم التخلص منها. إنه ما يمكن أن نسميه، بتعبير يحاول رصد هذه الآلية المعقدة، (اقتصاد الرغبة المرتبطة بالقهر)، حيث لا تكتمل لذة السيطرة السياسية والاقتصادية، ولا يشعر صاحبها بالتمام والاكتمال، إلا باقتحام جسد الآخر، واستباحته، سواء أكان هذا الآخر عبداً أو جارية في المجتمعات القديمة، أم ضحية من ضحايا شبكات الاستغلال الحديثة، المخبأة خلف واجهات متعددة من الشرعية والرفاهية والامتياز.

وقد شهدت مجتمعاتنا العربية والإسلامية، في أيام مجدها المادي وتراكم ثرواتها الكثيفة، وجوهاً صارخة من وجوه هذه الظاهرة. ففي قصور بني أمية المتأخرة، وفي ديوان بني العباس في عصور ترفهم وزهوتهم، وصولاً إلى قصور السلاطين العثمانيين في قمة بذخهم وسلطتهم، لم تكن علاقات القوة والنفوذ تقدر بالجيوش الجرارة والعقود التجارية الضخمة فقط، إنما كانت تحسب أيضاً بعدد الغلمان والجواري، وبنوعية الوصيفات اللاتي يتم انتقاؤهن وفقاً لها، وكيفية تدريبهن وتشكيلهن وإعدادهن لخدمة أهواء السادة وإشباع رغباتهم. بحيث تحولت مؤسسة الرق آنذاك، وبموجب الشرعية الدينية والثقافية السائدة، إلى آلية مؤسسية فعالة لهذا النمط من الاستعراض. فما يروى من حكايات عن تهذيب الغلمان أو تزيين الجواري وتعليمهم فنون الغناء والرقص، ليس مجرد حكايات عن متعة بريئة؛ هو في جوهره تأكيد رمزي عميق على ملكية الإنسان للإنسان، واختزال الكائن البشري إلى شيء مادي يكتسب قيمته وأهميته من قدرته على الإمتاع والخدمة.

بل إننا، في عصرنا الحالي هذا، الذي تعلن فيه المجتمعات التزامها الصارم بمبادئ حقوق الإنسان وكرامته، لا نزال نسمع بين الحين والآخر أخباراً تتسرب عن بعض أفراد الأسر الكبري أو النخب المالية، الذين نشأوا وتربوا في بيئات تشدد على القيم الدينية والأخلاقية في خطابها العلني، وتروي هذه الأخبار حكايات عن مطالب جنسية غير تقليدية، تصل أحياناً إلى حد الجريمة المنظمة في تنظيمها واستغلالها للضعفاء.

هذا التناقض الصارخ بين ثقافة حساب الآخرة الديني، وبين ممارسات اللذة الأرضية غير المحدودة، يكشف عن فجوة عميقة في النسق الاجتماعي والسياسي السائد، وعن قدرة الثروة الهائلة والنفوذ المطلق على خلق دوائر أخلاقية خاصة، منفصلة تماماً عن الأخلاق العامة للمجتمع، ومعفاة من قوانينه الضابطة.

وهنا قد يثور سؤال مشروع أليست المجتمعات القديمة، بوجود نظام الرق المقنن والمقبول، كانت أكثر حرية وصراحة في التعبير عن الرغبة، مقارنة بمجتمعاتنا الحديثة التي اخترعت ثقافة الكبت والحشمة منذ القرن التاسع عشر؟

الحقيقة أن هذه الحرية المزعومة كانت امتيازاً حصرياً لفئة السادة والأقوياء فقط، وكانت مبنية على إنكار إنسانية فئة أخرى كاملة هي فئة المستعبَدين والمملوكين. إنها حرية قائمة على الاستعباد، وليست حرية إنسانية شاملة وعادلة. أما الكبت الحديث، فهو في أحد وجوهه الجوهرية، أداة من أدوات الضبط الاجتماعي للدولة القومية والطبقة البرجوازية الصاعدة، وهو يمارس بصرامة على العامة والضعفاء، بينما تظل دوائر النخبة والقوة تمارس انحرافاتها وشهواتها في الخفاء، ولكن بنفس الجوهر الاستغلالي والاستعلائي القديم.

والهدف من استحضار هذا الموروث التاريخي وتحليله ليس الانزلاق إلى فخ تشويه التراث أو تبني رؤية استشراقية تجعل من كل خليفة أو سلطان شره مثالاً على تشوه الحضارة العربية الإسلامية. فذلك تبسيط ساذج، يغفل حقيقة أن كل حضارة عرفتها البشرية على مر العصور شهدت أوجهاً مظلمة ومنحرفة، وأن تقييم الحضارات لا يتم بوجود الانحراف في ذاتها، بل بقدرتها على إنتاج آليات فعالة لضبط هذا الانحراف وردعه. فالحضارة الراشدة، في تعريفها العملي، هي التي تنجح في وضع سياج أخلاقي وقانوني متين يحمي كرامة الإنسان الأساسية، ويحد من طغيان الأقوياء، ويضمن محاسبتهم إذا ما تجاوزوا الحدود والخطوط الحمراء.

الأزمة الحضارية في ضوء انهيار الضوابط

وهذه هي بالضبط المعضلة الكبرى التي تكشف عنها لحظتنا الراهنة، خاصة في مجتمعات كانت تقدم نفسها، وتقدم على أنها، النموذج الأرقى للديمقراطية وحقوق الإنسان. فالأزمة التي تعيشها الولايات المتحدة الأمريكية، وتتجلى رمزياً وقوةً في فضيحة "جيفري إبستين" وجزيرته الخاصة، هي في جوهرها أزمة ضبط مؤسسي. إنها تمثل الانهيار المخيف لقدرة المجتمع المدني ومؤسساته التشريعية والقضائية والإعلامية على محاسبة الأقوياء، عندما تصل ثرواتهم ونفوذهم إلى مستوى أسطوري يمكنهم من خلق دولة داخل الدولة، ونظام قانوني مواز، ومناعة اجتماعية وسياسية تكاد تكون تامة.

إن مشاهدة مجتمع يتغنى صباح مساء بحرية الصحافة والإعلام، أو مجتمع يتشدق بقدسية الحياة البشرية، ثم يتغاضى مؤسسياً عن قتل مواطنين عزل في الشوارع دون محاسبة حقيقية للجناة، هي صدمة كاشفة لهشاشة المبادئ الكبرى التي قامت عليها هذه المجتمعات.

هذه الفضائح ليست مجرد حوادث جنائية معزولة يمكن تطويقها؛ إنها فضائح كاشفة عن بنية نفسية واجتماعية أعمق، تستعيد منطق السيد والعبد في ثوب عصري مزركش. إنها إعادة إنتاج، بآليات جديدة، لمنطق الاستعراض السادي للقوة عبر امتلاك الجسد الآخر، ولكن هذه المرة تحت غطاء من القانون والمشروعية الزائفة، وباستخدام أدوات العولمة والمال والاتصالات الحديثة.

طبعاً، لكل ظاهرة فرادتها وتعقيداتها الخاصة، ولا يمكن إسقاط التعميمات التاريخية ببساطة وسذاجة على فضيحة مثل (فضيحة إبستين)! . لكن القراءة المتأنية والعميقة لما تكشفه ملفات هذه القضية المظلمة تجعلنا نربطها بتحولات كبرى، تعصف بالرأسمالية المعاصرة وبالذات الإنسانية في عالم الحداثة المتأخرة. ويمكن رصد هذه التحولات في ثلاثة محاور رئيسية:

أولاً: الرأسمالية (النيوليبرالية) في ذروتها

لقد وصل التراكم الرأسمالي إلى مستوى هائل وغير مسبوق من التركيز في أيدي قلة ضئيلة، وهو ما أنتج طبقة من "الأوليجارشية العابرة للقوميات" !، تشعر في قرارة نفسها بأنها فوق القوانين المحلية والدولية. هذا التراكم الفاحش لا يولد سلطة اقتصادية وسياسية فحسب، بل يولد شعوراً مرضياً بالعظمة والإفلات التام من العقاب، وهو ما يترجم نفسياً وسلوكياً إلى ممارسات استعراضية ومتهورة. فالثروة هنا تتحول من وسيلة للعيش الكريم إلى أداة لتمويل وتحصين عالم خيالي مواز، تسقط فيه كل المحرمات والقيم الأخلاقية. إنه عنفوان إجرامي متولد عن اليقين المطلق بالقدرة على شراء الذمم واختراق كل الأنظمة. كما أن طبيعة الاقتصاد الاستهلاكي اللامادي المعاصر تعزز من منطق تحويل كل شيء، بما في ذلك العلاقات الإنسانية والجسد البشري نفسه، إلى سلعة قابلة للاستهلاك والاستبدال والإهدار.

ثانياً: تحرير الرغبة الموجه

لقد شهدنا تحولاً جذرياً في المنطق الرأسمالي المهيمن، من مرحلة اعتمدت على كبت الرغبة وتأجيل الإشباع، من أجل خلق قوى عمل منضبطة وقادرة علي الادخار كما رأى عالم الاجتماع ماكس فيبر، إلى مرحلة جديدة تعتمد بشكل صارخ على تحرير الرغبة وتوظيفها واستثمارها وتسليعها. فاقتصاد الخدمات والاستهلاك المعولم يحتاج إلى إنسان مشتعل الرغبات، يسعى لإشباعها باستمرار وبأسرع الطرق. هذا التحرير الموجه والمدروس يخلق مناخاً ثقافياً عاماً يمجد اللذة الفردية المباشرة، ويبرر السعي وراءها بكل السبل الممكنة. في هذا السياق، تخرج الممارسات الجنسية المتطرفة والشاذة من هامش الانحراف السري الضيق، إلى سوق تحت الأرض واسعة ومتداخلة، تقدم بضائع وخدمات متخصصة، مدفوعة بمبدأ المتعة كغاية قصوى مطلقة، منفصلة عن أي إطار أخلاقي أو اجتماعي أو إنساني.

ثالثاً: الهشاشة النفسية للإنسان المعاصر

يعيش الإنسان في مجتمعات (الحداثة السائلة)، على حد تعبير زيجمونت باومان، في حالة من التشرذم الوجودي والقلق الدائم. حيث اهتزت روابط الجماعة التقليدية، وانهارت السلطات الدينية والأخلاقية الموحدة، وغرق الفرد في عزلة قاتلة رغم اتصاله الافتراضي الهش بكل العالم. هذه العزلة العميقة تخلق فراغاً وجودياً هائلاً، وشعوراً باللامعنى، وتوقاً محموماً لتجارب شاذة وحادة تثبت للفرد أنه ما يزال حياً، وأن له وجوداً مميزاً.

وفي المقابل، فإن التطور التكنولوجي المذهل يمنح هذا الإنسان المعزول والقَلِق إحساساً واهماً بالسيطرة المطلق على العالم من خلال شاشة هاتفه الذكي. هذا المزيج الخطير من الهشاشة الداخلية والسيطرة الخارجية الوهمية، يبحث عن متنفس، وغالباً ما يجده في أشكال من العنف الجنسي المشهدي. هنا، يتحول الجنس من فعل حميمي ومتبادل إلى مجرد مشهد لإثبات الذات وإعلان السيطرة، حيث يصبح الآخر مجرد دمية أو خلفية صامتة في مسرحية تأكيد "الأنا". إنه منطق يقترب كثيراً من رؤية "الماركيز دي ساد" الفلسفية المظلمة، التي رأت في العنف الجنسي أسمى تعبير عن حرية الإرادة الفردية المطلقة، المتحررة من كل القيود الدينية والاجتماعية والإنسانية.

 التحدي الحضاري الأكبر

ما نراه اليوم، في الولايات المتحدة وغيرها من مراكز القوة العالمية، ليس مجرد فساد أخلاقي عابر يمكن للنظم القانونية إصلاحه بسرعة، إنه عرض لمرض بنيوي عميق حيث تتفكك فكرة المواطنة المتساوية تحت وطأة التراتبية الطبقية المهولة التي خلقتها الرأسمالية المتأخرة. كما تحول القانون في الكثير من الأحيان من أداة سامية لحماية الضعيف وصون كرامته، إلى غطاء قانوني معقد ومتداخل لحماية القوي وتكريس امتيازه. إنه انهيار للمنظومة الضابطة التي تميز المجتمع الحضاري عن غابة المصالح الفردية المتوحشة.

لذلك، فإن التحدي الحضاري الحقيقي أمام الإنسانية في القرن الحادي والعشرين، لم يعد مقتصراً على تحقيق النمو الاقتصادي المتوازن أو التفوق التكنولوجي المذهل. التحدي الأكبر والأعمق هو إعادة بناء العقد الأخلاقي الاجتماعي على أسس جديدة وراسخة. عقد اجتماعي يؤكد، بشكل لا يقبل الجدل أو المساومة، أن الكرامة الإنسانية هي خط أحمر غير قابل للانتهاك أو الشراء، بغض النظر عن مقدار الثروة أو النفوذ أو الجاه. عقد يبني مؤسسات رقابية وقضائية مستقلة حقيقياً، لا تستطيع الثروة الطائلة اختراقها أو التأثير على قراراتها العادلة. عقد مجتمعي حي يرفض الصمت والاستسلام، ويثور على انحرافات النخب وانتهاكاتها، مهما بلغت قوتها وامتيازاتها وعلاقاتها.

فالحضارة، في نهاية المطاف، ليست أبراجاً زجاجية شاهقة ولا ثروات طائلة متراكمة في الخزائن السرية. الحضارة الحقيقية تتجلي في قدرة البشر، مجتمعين ومتضامنين، على وضع قيود لأقواهم، وحماية أضعفهم، وصون الكرامة المتأصلة التي تجعل من الإنسان إنساناً. وهذا هو الدرس الأعمق الذي تقدمه لنا صفحات التاريخ المترعة بالألم والأمل، من قصور بغداد وإسطنبول القديمة، إلى جزيرة إبستين "الحديثة"!

***

د. عبد السلام فاروق

في العصر الرقمي الذي يسيطر على تفاصيل حياتنا اليومية، أصبح الهاتف الذكي رفيق الطفل الدائم، لا باعتباره وسيلة للتواصل أو التعلم فقط، بل بوصفه نافذة مفتوحة على عالم متسارع بالأحداث والمعلومات. ومع تزايد الاعتماد عليه، لم يعد الهاتف مجرد أداة مساعدة، بل غدا جزءًا من يوميات الطفل وهويته الناشئة، وهو ما يفرض على الأسرة وعيًا متزايدًا بكل لحظة يقضيها الطفل أمام الشاشة.

لقد تغيرت ملامح الطفولة ذاتها، إذ يقضي كثير من الأطفال ساعات طويلة في التحديق في الشاشات، على حساب اللعب الحر والتفاعل المباشر مع الأقران. هذا التحول ينعكس تدريجيًا على السلوك الاجتماعي، فيعزز الميل إلى العزلة، ويضعف مهارات التواصل، ويحد من قدرة الطفل على التعبير عن مشاعره وتكوين علاقات إنسانية متوازنة.

ومن الناحية النفسية، يؤدي الاستخدام المكثف للهاتف إلى اختلال التوازن الانفعالي، حيث تظهر علامات التوتر والعصبية عند حرمان الطفل من الجهاز. فالهاتف يوفر متعة فورية وإشباعًا سريعًا، ما يجعل ضبط الوقت وحدود الاستخدام تحديًا حقيقيًا للأسرة، ويكشف عن اعتماد متنامٍ على الإثارة الرقمية بدل التفاعل الواقعي.

كما يكتسب الطفل منظومته القيمية والسلوكية تدريجيًا من المحتوى الذي يتعرض له. فالمشاهد العنيفة، والألعاب التنافسية، والتحديات الخطرة، تشكل تصوراته عن العالم، وقد تشوش فهمه للصواب والخطأ، وتخلق فجوة بين ما يتلقاه من توجيه أسري وما يراه في فضائه الافتراضي المفتوح.

وينعكس هذا الاعتياد المبكر على الهاتف في القدرات العقلية للطفل، إذ يعتاد على التلقي السريع والمجزأ للمعلومة، مما يضعف التركيز والاستيعاب والتفكير التحليلي. ويصبح من الصعب عليه متابعة الأنشطة التعليمية التي تتطلب صبرًا وانتباهًا متواصلًا، في ظل عقل اعتاد الإيقاع السريع للتطبيقات الرقمية.

ويؤثر هذا النمط كذلك على الصبر والتحمل، فالطفل الذي ينشأ في ثقافة الإشباع الفوري يواجه صعوبة في تقبل الفشل أو مواجهة التحديات التي تحتاج جهدًا واستمرارية. ومع الوقت، تتراجع قدرته على المثابرة، ويصبح أقل استعدادًا للتعامل مع مشكلات الحياة اليومية بثبات وحكمة.

ومن الزوايا اللافتة، أن بعض التطبيقات تزرع سلوكيات سطحية، كالمقارنة المستمرة بالآخرين وربط القيمة الذاتية بعدد الإعجابات والمشاهدات. هذه الممارسات تولد القلق الاجتماعي، وتضعف الثقة بالنفس، وتهدد نمو شخصية متزنة، ما يستدعي تدخلًا تربويًا واعيًا لإعادة تشكيل نظرة الطفل إلى ذاته.

أما على مستوى العلاقات الأسرية، فيعيد الهاتف الذكي تشكيل الروابط داخل البيت. فالجلسات العائلية قد تتحول إلى لحظات صامتة، ينشغل فيها كل فرد بشاشته، فيضعف الحوار الوجداني، ويصبح التفاعل الافتراضي بديلاً عن التواصل الإنساني المباشر، وهو ما يقلص فرص التنشئة الاجتماعية السليمة.

ويظهر التأثير الجسدي للهاتف بوضوح في حياة الطفل، حيث يؤدي الجلوس الطويل أمام الشاشة إلى إجهاد العين، واضطرابات النوم، وقلة الحركة. فالضوء الأزرق يؤثر في إفراز هرمون الميلاتونين، ويضعف جودة النوم، بينما يقل النشاط البدني الضروري لنمو العضلات والعظام، ما يزيد من مخاطر الخمول والسمنة.

ومن منظور نفسي أعمق، يعزز التعرض المفرط للشاشات القلق والتقلب المزاجي، خاصة مع انتشار التنمر الإلكتروني ومشاهد العنف. هذه التجارب الرقمية قد تولد شعورًا بالخوف أو العجز، وتضعف إحساس الطفل بالأمان، ما يجعل المراقبة الأسرية ضرورة لا غنى عنها.

ولا يمكن إغفال تأثير الهاتف على الهوية القيمية والدينية، فالمحتوى غير المراقب قد يضعف قدرة الطفل على التمييز الأخلاقي، ويخلق تعارضًا بين القيم الأسرية والقيم المضمرة في العالم الرقمي. وهنا تبرز أهمية الحوار الأسري بوصفه جسرًا بين الطفل وما يستهلكه من محتوى.

ويكمن الخطر الأكبر في تحول الهاتف إلى “معلّم صامت”، يشكل وعي الطفل ووجدانه بعيدًا عن النقاش والتفكير النقدي. فالطفل قد يصدق الصورة الرقمية أكثر من توجيه والديه أو معلميه، مما يجعل تحقيق التوازن بين التقنية والتربية مسؤولية ملحّة.

كما يسهم الاعتماد على الهاتف كمصدر أساسي للمتعة في نشوء إدمان رقمي تدريجي، تحفزه آليات المكافأة السريعة وإفراز الدوبامين. ومع الوقت، تتراجع القدرة على الاستمتاع باللعب الطبيعي، والتفاعل الاجتماعي، والأنشطة التي تنمي الخيال والإبداع.

وتلعب الفوارق الاجتماعية والثقافية دورًا حاسمًا في توجيه استخدام الطفل للتكنولوجيا. فالأسر الواعية توظف الهاتف كأداة تعليمية داعمة، بينما تجعل قلة الوعي الطفل أكثر عرضة للمخاطر الرقمية، مما يعمق الفجوة في النمو المعرفي والسلوكي بين الأطفال.

كما يؤثر الاستخدام المفرط للهاتف على اللغة والتواصل، إذ يؤدي ضعف الحوار المباشر إلى محدودية المفردات، وتراجع مهارات التعبير الشفوي، وهو ما ينعكس على الأداء الدراسي والتفاعل الاجتماعي لاحقًا.

وفي هذا السياق، يبرز دور الأسرة في اعتماد رقابة ذكية لا تقوم على المنع المطلق، بل على وضع ضوابط واضحة، ومتابعة المحتوى، وإشراك الطفل في تنظيم وقت الشاشة، بما يعزز حس المسؤولية والانضباط الذاتي. ولا يقل دور المدرسة أهمية، من خلال برامج التربية الرقمية التي ترسخ الاستخدام الواعي للتكنولوجيا.

وفي المحصلة، يظل الهاتف الذكي أداة مزدوجة التأثير؛ يمكن أن يكون نافذة للمعرفة والإبداع، كما يمكن أن يتحول إلى تهديد لنمو الطفل النفسي والاجتماعي والجسدي إذا غاب التوجيه. فالطفولة مرحلة تأسيس، تتشكل فيها القيم والعادات والمهارات التي ترافق الإنسان طوال حياته.

إن مستقبل أطفالنا مرهون بقدرتنا على تحقيق التوازن بين العالم الرقمي والواقع الإنساني، بين المتعة اللحظية والتجربة العميقة، وبين الشاشة والحياة. فالأسرة الواعية، والمدرسة المسؤولة، والمجتمع الفاعل، شركاء في حماية الطفولة ومنحها حقها في النمو المتكامل.

فالطفولة ليست شاشة، بل حياة نابضة بالاكتشاف، والحركة، واللعب، والحوار. ومن واجبنا أن نعيد رسم حدود التقنية، بما يضمن للطفل الحرية والحماية معًا، ليكبر إنسانًا متوازنًا، واعيًا، وقادرًا على العيش في عالم تتداخل فيه الرقمنة مع الواقع دون أن تفقده إنسانيته.

***

فؤاد لوطة كاتب مغربي/ أستاذ اللغة العربية

 

إعادة بناء التاريخ المصري في اعمال السيد القمني

كتب: وائل ابو عقصه*

ترجمة: علي حمدان

***

تحرير الدين، تحرير الوطنية

القمني ليس عالم آثار محترفًا ولا مؤرخًا. يُعرّف مجاله بأنه علم اجتماع الدين، ويُفسّر اهتمامه الكبير بالإسلام بأنه نابع من خشيته من أن الإسلام السياسي بدأ يفرض نمطًا جديدًا من الحياة. تتأثر أعماله في مجال التاريخ تأثرًا عميقًا بالتحديات اليومية التي واجهها الليبراليون في مصر. ومن هذا المنظور، فإن لأعماله التاريخية التفكيكية وظائف سياسية. وتؤكد هذه الملاحظة الغالبية العظمى من مقالاته القصيرة في الصحف والمجلات التي تُركز على الإسلاموية والقومية العربية. في الواقع، يُعدّ نقاش التاريخ أسلوبًا يستخدمه في جدالاته السياسية الواقعية.

 أكثر أعماله إثارةً للجدل في التاريخ هي تلك التي تركز على الإسلام. وأبرز كتبه في هذا الصدد هو كتاب "الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية" (1996). في هذا الكتاب، يتحدى القمني التصور التقليدي الجامد لتأسيس الإسلام. ويحلل الأسس الاجتماعية والاقتصادية التي شكلت خلفية ظهور الإسلام وعصره النبوي في مكة المكرمة في القرن السابع الميلادي. ويرى أن فكرة التوحيد العربي قبل الإسلام (الحنفي) قد طورها جد النبي، عبد المطلب بن هاشم، الذي رغب في تأسيس مملكة هاشمية وتوحيد شبه الجزيرة العربية تحت حكمه وحكم أبنائه من بعده. وقد تأثر عبد المطلب بالفكرة التوراتية للدولة التي يؤسسها ملك نبي. أما ما تبقى من العصر النبوي فيُوصَف بمصطلحات علمانية تُبرز العلاقات الاستراتيجية بين الهاشميين والقوى الأخرى في مكة التي كان من المقرر أن تُقام فيها مثل هذه الدولة. وكانت خلفية ظهور الإسلام صراعًا اجتماعيًا سياسيًا بين الأمويين طبقة النبلاء في مكة والهاشميين، الذين شجعوا الطبقات الدنيا من النساء والعبيد على الثورة ضد أسيادهم الأمويين. وكما في مؤلفاته عن مصر القديمة، يؤكد القمني على الدوافع الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية التي تقوم عليها الرواية الإلهية للنبي وآل بيته. وقد طور هذه الأفكار في كتابه "حُروَبُ دَولَةِ الرَّسُولِ" (1993)، حيث يقترح تفسيرًا علمانيً لسيرة محمد. وكما في مؤلفاته التي تركز على نبيي التوراة إبراهيم وموسى يطبق القمني سياقه العلماني والتاريخي على تاريخ النبي والإسلام في كتابه.

أثارت كتاباته حول تاريخ الإسلام جدلاً واسعاً من المثقفين المحافظين والشخصيات الإسلامية البارزة. هاجم فهمي هويدي "الحزب الهاشمي"، واصفاً إياه بأنه "كتابات عربية شيطانية". هويدي، الذي تناول كتاب القمني بعد مناقشة رواية سلمان رشدي آيات شيطانية، زعم أن عمل القمني – ومحمد أركون - أسوأ من رواية رشدي لأنه يدمر العقيدة الإسلامية "بصمت ودون أي ألم". ويكمن خطر هذه الأعمال، كما أضاف، في قدرتها على "التسلل إلى العقل والروح". انتقد الإسلامي عصام الدين أبو العزيم كتاب القمني، مشيرًا إلى أن الكتاب يتضمن في الواقع هجماتٍ خفيةً وعلنيةً على الإسلام والكعبة والنبي ووصف كتاب القمني بأنه يحتوي على أفكارٍ أسوأ حتى من أفكار الكافر الذي يكره الإسلام وهاجم إسلامي آخر، هو محمد أحمد المسير، القمني، قائلاً: إن الإنسان في هذا الكون ليس إلهًا صغيرًا، ولكنه يتحرك بإرادة الله.

كانت القضية الأكثر إثارة للجدل في هذه المناقشات هي منهج القمني في التاريخ. انتقده الإسلاميون لمحاولته علمنة الرواية الإسلامية للتاريخ. اقترح هويدي حلاً لهذه "المشكلة": "إذا كانت هناك حاجة لمثل هذا النقاش [حول المقدس]، فليكن بين علماء من النخبة الدينية (أهل العلم والخاصة) لأن إشراك عامة الناس في نقاش حول الدين قد يؤدي إلى الفتنة."

إلى جانب تفسير التاريخ القديم والإسلامي، تتناول مؤلفات القمني القرآن الكريم أيضًا. ففي أحد مؤلفاته المبكرة، نشر نصًا حول ظاهرة النسخ في القرآن. وفي هذا العمل، يؤكد على ما طرحه مفكرون بارزون سبقوه، مثل نصر حامد أبو زيد ومحمد أركون، حول ضرورة وضع آيات القرآن الكريم في سياقها التاريخي في سياق إعادة التقييم الإسلامي. من هذا المنظور، يقترح القمني رفض التصنيفات التقليدية للنسخ، وبالتالي تجاوز حتى التفسير الجريء لأبي زيد، الذي استُخدم لاحقًا كدليل في محاكمته، مما أدى إلى مأساة.

يستند القمني في ادعاءاته إلى المنهج العلماني. وهو يفسر حديث الغرانيق (حديث الكركي المتوج) وفقًا لما يلي: إلى التحول الاجتماعي والاقتصادي الذي شهدته مكة في القرن السابع الميلادي. ووفقًا لهذا التقليد، في بدايات الإسلام، صلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم بين طبقة قريش. وبينما كان يتلو آية تتعلق بآلهة العرب قبل الإسلام، تابع بالدعاء طالبًا شفاعتهم. وينسب القرآن الكريم هذه الأحداث إلى تدخل الشيطان في وحي النبي. يقترح القمني، الذي يستشهد بالحديث والتفسير القرآني، فهم تغير "موقف الوحي" تجاه آلهة الجاهلية كتطور للإيمان. ويفسر حديث الغرانيق في سياق التحول من الدولة القبلية إلى الاتحاد العربي (ضد البيزنطيين والفرس) ومنح امتيازات لأرستقراطية مكة في النظام الجديد. وكان النسخ في الواقع هو الأسلوب الإجرائي لهذا التحول.

علاوة على ذلك، يتفق القمني مع ما طرحه علماء الليبرالية السابقون أركون في سبعينيات القرن العشرين وأبو زيد في ثمانينياته حول التعقيد الناجم عن الترتيب غير الزمني للآيات في جمع عثمان للقرآن. جادل هؤلاء العلماء بأن هذا يجعل الفهم التاريخي للقرآن صعبًا. يؤكد القمني على ضرورة إعادة ترتيب آيات القرآن وفقًا لتسلسلها الزمني (أو على الأقل موضوعاتها) وليس وفقًا لطولها، كما في النسخة التي جمعها عثمان. وبالتالي، فإن القراءة الصحيحة للقرآن ينبغي أن تكون من النهاية – من أقدم الآيات - إلى البداية. يرى القمني أن الخطر الأكبر في هذا الوضع هو الخلط بين الآيات المنسوخة والآيات الصحيحة، وبين الآيات التي تتحدث عن الحرب وتلك التي تتحدث عن السلام وحرية المعتقد، وبين فرض الإسلام. ويخلص القمني إلى أن النتيجة كانت أن المسلمين يواجهون صعوبات في فهم الدين البسيط. وقد أدى هذا الوضع إلى الحاجة إلى "رجال دين في دين لا يعترف برجال الدين"، ونشأت فئة من الناس يفسرون إرادة الله، وأصبحوا وسطاء بين المؤمنين والله.

شكّلت هذه الأعمال المذكورة أعلاه بداية صراع مستمر بين القمني والإسلاميين. وحدثت واقعة مهمة عام 1997، حين أوصى مجمع البحوث الإسلامية، وهو هيئة معتمدة داخل الأزهر، المحكمة بحظر كتاب القمني "رب الزمان". اتُهم القمني باستغلال الدين، ومحاولة إثارة الفوضى، وتشويه صورة الإسلام، والاستهزاء بالعلماء والتراث، والإضرار بالوحدة الوطنية. ُبرئ القمني من هذه التهم، وألغى القاضي قرار حظر نشر الكتاب. وبلغ هذا الصراع ذروته في الفترة 2004-2005، حين اتُهم القمني بالردة، وتلقى تهديدات بالقتل من حركة الجهاد المصرية ومن أحد فروع تنظيم القاعدة في العراق. بعد هذه الحادثة، نشر رسالة ندم وأعلن توقفه عن الكتابة؛ إلا أنه عاد إلى الكتابة بعد نحو عامين. وفي عام 2009، حصل على إحدى أرفع الجوائز الوطنية في مصر (جائزة الدولة التقديرية)، وهي مناسبة أصبحت محور جدل واسع.

يعتقد القمني أن الإسلام في العصور الوسطى لا صلة له بالعصر الحديث. ويرى أن الإسلاموية كأيديولوجية سياسية مدمرة للحداثة، وستؤدي إلى الفاشية. ويؤكد أن الإسلاموية أيديولوجية شمولية تسعى إلى تشكيل الأخلاق الإنسانية، والمعايير، والسلوك، والعلاقات بين الأفراد والعالم. وتنبع هذه الأيديولوجية من رؤية للعالم قائمة على وجود الحقيقة اللاهوتية في النص المقدس الخالد للقرآن الكريم. في نظر مؤيديه، ليس مجرد دين أو خطاب ديني بل هو مشروع شامل يهدف إلى تغيير الوضع الراهن وفرض العقيدة الإسلامية على العالم. يزعم القمني أن أوضح تناقض داخلي في هذا المشروع يكمن في افتراض الإسلاميين أن إرادة الله هي فرض تصور إلهي أبدي واحد غير تاريخي للنص في مختلف الظروف والفترات. ويجادل بأن الدين لا يمكن أن يكون إلا مسألة فردية، وبالتالي فهو قابل للتغيير.

يؤكد القمني في مؤلفاته على التناقض المزعوم بين الإسلام في العصور الوسطى والأفكار الحديثة كالقومية والديمقراطية وحرية الإيمان والمساواة بين المرأة وغير المسلمين. ويزعم أن جميع هذه الأفكار قد رفضتها مختلف تيارات الإسلام السياسي.  على عكس العديد من المصلحين الإسلاميين، يرفض القمني الادعاء التبريري بأن الإسلام في العصور الوسطى يجب أن يكون مصدر أي فكرة سياسية أو أخلاقية يتبناها المسلمون. ويجادل بأن الأفكار الليبرالية الحديثة غريبة عن تقاليد الإسلام في العصور الوسطى، ويجب على المسلمين المعاصرين تبنيها. ويؤكد أن أهم رسالة يجب أن يتعلمها المسلمون من الوحي القرآني هي التكيف مع العصر: فتكيف الإسلام مع عالم متغير هو "السمة المميزة للإسلام مقارنة بالأديان الأخرى".

يتحدى القمني العديد من التصورات السائدة عن الإسلام السياسي. في العديد من المقالات، يجادل بأن الشورى (التشاور) ليس ديمقراطية؛ وأن التصور "القديم" للإسلام لا يزال يضطهد النساء وغير المسلمين. بل إنه يدعو إلى إلغاء التعاليم الدينية المتعلقة بقوانين الرق (فقه العبودية) وإلى إلغاء الشرعية القانونية لـ 23 آية قرآنية تُجيز الرق. ويجادل بأن أتباع الإسلام السياسي يصرون على أن الإسلام هو أول دين يُرسي حقوق الإنسان، بينما يرفضون الحريات الأساسية كحرية المعتقد. ويتابع قائلاً إن الإسلاميين يشيرون إلى أن الإسلام هو أول دين منح المرأة حقوقها، مع أن الشريعة تنص في الوقت نفسه على أن المرأة ترث نصف ما يرثه الرجل، وأن شهادة امرأتين تعادل شهادة رجل واحد، ولا يجوز للمرأة أن تكون حاكمة دولة.

في مجموعته "شكرًا... بن لادن!" (شكرًا لك... بن لادن!)، يكتب أن ربما أهم حقيقة انكشفت للعالم الحر بعد

 11 سبتمبر 2011، هي الخطأ الفادح الذي ارتكبته هذه الدول مع الشعوب العربية عندما قررت التحالف مع أكثر الأنظمة استبدادًا والإسلام السياسي "الإجرامي". ويؤكد أن الحركات الإسلامية لا تختلف جوهريًا، بل تختلف فقط في الاستراتيجيات، لا في الأهداف. علاوة على ذلك، يرفضون الإرث الليبرالي للديمقراطية ولا يتبنون سوى المبدأ التقني للانتخابات.

في إحدى مقالاته، يقارن القمني بين أفكار يوسف القرضاوي، الذي يُنظر إليه من قِبل العديد من المسلمين على أنه معتدل، وفهمي هويدي، الذي يُنظر إليه على أنه مستنير. وينقل عن القرضاوي، الذي كتب عن المبدأ العلماني المتعلق بحياد الدولة في المسائل الدينية، قائلاً: "قد يكون هذا مقبولاً لدى المسيحية... لكن الإسلام يطالب بتشكيل الحياة وفقًا لقوانينه ومبادئه... فطبيعة الإسلام هي القيادة لا "الانقياد". وينقل كذلك عن هويدي، الذي ذكر أنه "لا توجد صلة ضرورية بين الديمقراطية والعلمانية". يخلص القمني إلى وجود تناقض بين الدولة الليبرالية ومُثُل الإسلام السياسي. ووفقًا لوجهة نظره، فإن الديمقراطية التي يطمح إليها الإسلاميون ليست ديمقراطية ليبرالية.

إضافةً إلى نقد القمني المستمر للإسلاموية، فإنه ينتقد أيضًا القومية العربية. ويزعم أنه لا توجد فروق جوهرية بين هاتين الأيديولوجيتين رغم تاريخ الصدام بينهما. فمن وجهة نظره، تُشكل كلتا الأيديولوجيتين خطابات سياسية جماعية تسعى إلى توحيد العرق أو الدين ضد الأعراق أو الأديان الأخرى. كما أن كلا التيارين السياسيين يدعوان إلى الشعبوية التي تسحق الفرد المدني. ويطرح القمني بديله الليبرالي بالقول إن العلاقة بين الوطن والمواطن يمكن تحديدها بقوانين دستورية واضحة تعتمد بالدرجة الأولى على حريات المواطن الفرد، دون النظر إلى دينه أو لونه أو عرقه. لا يمكن للوطن أن يكون وطنًا بدون التاريخ الذي صنعه شعبه. ينبغي أن تكون هذه نقطة انطلاق كل نقاش سياسي.

لا يعترف تعريف القمني للهوية السياسية الجماعية بأي سمات سياسية عرقية أو دينية. فمن وجهة نظره، تقوم القومية على الشراكة القانونية للدولة القومية المصرية، لا على الدين (الإسلام السياسي) أو العرق أو الثقافة (العروبة). وكما هو الحال في المدرسة الليبرالية المصرية في فترة ما بين الحربين، تُصيغ الليبرالية مفهوم الهوية الجماعية. بالنسبة للقمني، فإن الحجة المؤيدة للقومية المصرية ليست مجرد نقاش حول هوية المجتمع السياسي، بل هي حاجة ملحة في النضال السياسي ضد من يُسيّسون العرق والدين. وهو يجادل بأن بناء أيديولوجية وطنية على الدين، كما يفعل الإسلام السياسي، سيؤدي إلى الطائفية، بينما بناء أيديولوجية وطنية على العرق، كما تفعل القومية العربية، سيؤدي إلى العنصرية. وكما في حججه حول التاريخ القديم، يؤكد القمني على العلاقات المفترضة بين النماذج العرقية الدينية للقومية العربية والإسلاموية والصهيونية.

الخلاصة

من منظور سياسي، قدمت الأعمال التاريخية للقمني للمفهوم القومي بعده "المتخيل" استناداً إلى تصوره في أعماله، يُقدّم سردًا وطنيًا لتاريخ مصر، يسعى إلى تعزيز التعددية العرقية والدينية. يبدأ هذا السرد في مصر القديمة والوثنية، ويستمر عبر العصور. يُنظر إلى الغزو العربي الإسلامي على أنه على قدم المساواة مع الغزو اليوناني والروماني، أي حكم مصر من قِبل غير المصريين. يُنظر إلى عهد محمد علي ومصر الملكية نظرة إيجابية، لأنهما حفّزا تأسيس دولة قومية مصرية. تُعتبر فترة ما بين الحربين العالميتين عصرًا من التقدم نحو التحرر والديمقراطية، انتهى بصعود الناصرية القومية العربية وانقلاب عسكري أدى إلى إقامة نظام استبدادي .بالنسبة للقمني، ازدهرت الثقافة المصرية في كل مرة نجح فيها المصريون في خلق استقلالهم الذاتي وثقافتهم التعددية.

يتحدى سياق أعمال القمني التصورات القومية العربية والإسلامية للماضي، وذلك من خلال إعادة بناء بديل ليبرالي قومي. يمثل فكره أيديولوجية ليبرالية شاملة تُصاغ من خلالها مفاهيم التراث والأخلاق والدين والهوية والديمقراطية والقومية.

***

.....................

* محاضر اول في الجامعة العبرية بالقدس، قسم العلوم السياسية.

المصادر:

Academia.edu.

سيد القمني، رب الزمان، مؤسسة هنداوي، القاهرة، مصر، 1996 .

سيد القمني، حروب دولة الرسول، مؤسسة الهنداوي، القاهرة، مصر،  1993.

سيد القمني، النبي إبراهيم والتاريخ المجهول، مؤسسة الهنداوي، القاهرة، مصر، 1996.

هل هو الدراسة أم الثروة؟

في سياق الدراسات الإنسانية والنفسية، يُعد السؤال عن مفتاح السعادة للإنسان واحداً من أكثر الأسئلة إثارةً للجدل والتأمل، حيث يتقاطع فيه الفلسفي مع الاجتماعي والاقتصادي، ويعكس تنوع التجارب البشرية عبر العصور. السعادة، كمفهوم، ليست مجرد حالة عابرة من الرضا أو الفرح، بل هي حالة شاملة من التوازن الداخلي والانسجام مع الذات والمحيط، تتجاوز اللحظات المؤقتة لتصبح نمط حياة مستدام. منذ أيام الفلاسفة اليونانيين القدماء، الذين ربطوا السعادة بالفضيلة والمعرفة، وحتى العصر الحديث الذي يربطها بالإنجازات المادية، يظل السؤال قائماً: هل مفتاح السعادة يكمن في الدراسة والتعليم، الذي يبني الوعي والقدرات الفكرية، أم في الثروة والغنى، الذي يوفر الرفاهية والأمان المالي؟ هذه الدراسة تسعى إلى استكشاف هذا الجدل من منظور أكاديمي معمق، مسترسل في تحليل الأبعاد النفسية والاجتماعية والاقتصادية، لنصل إلى فهم أعمق لما يشكل السعادة الحقيقية، مع الاعتراف بأنها ليست مطلقة بل نسبية تختلف باختلاف السياقات الثقافية والفردية.

لنبدأ بفحص دور الدراسة كمفتاح محتمل للسعادة. الدراسة، كعملية مستمرة للاكتساب المعرفي، تمثل أداة أساسية للتنمية الشخصية، حيث تفتح أبواباً لفهم العالم والذات بشكل أعمق. من الناحية النفسية، ترتبط الدراسة بالإحساس بالإنجاز والتقدم، فالإنسان الذي يتعلم يشعر بأنه يتطور، مما يعزز من الثقة بالنفس ويقلل من الشعور بالعجز أمام تحديات الحياة. على سبيل المثال، في مجتمعات تعتمد على الابتكار والتكنولوجيا، يصبح التعليم مصدراً للفرص المهنية التي تؤدي إلى الاستقلالية، وهذا الاستقلال بدوره يغذي السعادة من خلال الشعور بالسيطرة على المصير الشخصي. كما أن الدراسة توسع الأفق الفكري، مما يسمح للفرد بتجربة متعة الاكتشاف والتأمل، كما في قراءة الأدب أو استكشاف العلوم، حيث تتحول المعرفة إلى مصدر فرح داخلي مستقل عن العوامل الخارجية. في السياق الاجتماعي، يساهم التعليم في بناء علاقات أقوى، إذ يمكن المتعلمين من التواصل مع الآخرين على أساس مشترك من الأفكار والقيم، مما يقلل من العزلة ويعزز الشعور بالانتماء. ومع ذلك، لا تخلو الدراسة من تحدياتها، فالضغط الأكاديمي المفرط قد يؤدي إلى الإرهاق والقلق، خاصة في أنظمة تعليمية تركز على المنافسة بدلاً من التعلم الحقيقي، مما يجعلها في بعض الحالات مصدراً للشقاء بدلاً من السعادة. إذن، الدراسة ليست مفتاحاً مطلقاً، بل هي أداة تعتمد على كيفية استخدامها، حيث تكون أكثر فعالية عندما تكون مدفوعة بالفضول الداخلي لا بالإكراه الخارجي.

من جهة أخرى، تُقدم الثروة نفسها كمفتاح بديل للسعادة، مستندة إلى قدرتها على توفير الراحة المادية والحرية في الاختيارات. من الناحية الاقتصادية، تعتبر الثروة ضماناً للأمان، حيث تلبي الحاجات الأساسية مثل الطعام والسكن والرعاية الصحية، وتتجاوزها إلى الرفاهية مثل السفر والترفيه، مما يقلل من التوتر الناتج عن القلق المالي. في مجتمعات استهلاكية حديثة، ترتبط السعادة غالباً بالقدرة على الاستهلاك، حيث يشعر الغني بأنه يمتلك الوسائل لتحقيق الرغبات الفورية، مما يولد شعوراً بالقوة والرضا. كما أن الثروة تفتح أبواباً اجتماعية، مثل الانضمام إلى نخبة معينة أو دعم الأعمال الخيرية، مما يعزز الشعور بالقيمة الذاتية والتأثير على الآخرين. ومع ذلك، تكشف الدراسات النفسية عن حدود هذا النهج، فالسعادة المرتبطة بالثروة غالباً ما تكون مؤقتة، حيث يتكيف الإنسان سريعاً مع مستويات الرفاهية الجديدة، مما يؤدي إلى ظاهرة "الدوامة الاستهلاكية" التي تطلب المزيد دون الوصول إلى رضا دائم. بالإضافة إلى ذلك، قد تؤدي الثروة إلى العزلة، إذ يصبح الغني عرضة للشك في نوايا الآخرين، أو يفقد المتعة في الجهد اليومي الذي يمنح الحياة معنى. في سياقات ثقافية مختلفة، مثل تلك التي تؤكد على القيم الروحية أو الجماعية، قد تُنظر إلى الثروة كعبء يبعث على الحسد أو الشقاء، خاصة إذا كانت مصحوبة بفقدان التوازن بين العمل والحياة الشخصية. إذن، الثروة توفر أساساً مادياً للسعادة، لكنها لا تضمنها إلا إذا كانت مدعومة بعناصر أخرى مثل الغرض والعلاقات.

عند مقارنة الدراسة بالثروة كمفتاحين للسعادة، يبرز التباين في طبيعتهما: الدراسة تمثل استثماراً داخلياً يبني القدرات الذاتية، بينما الثروة تعتمد على عوامل خارجية قد تكون عرضة للتقلبات الاقتصادية أو السياسية. في كثير من الحالات، تكمل الدراسة الثروة، إذ يؤدي التعليم إلى فرص مهنية أفضل تؤدي بدورها إلى الغنى، مما يجعل السؤال ليس اختياراً بين اثنين بل اندماجاً. ومع ذلك، إذا أردنا تحديد أيهما أقرب إلى المفتاح الحقيقي، يميل التحليل إلى تفضيل الدراسة، لأنها توفر سعادة مستدامة مبنية على النمو الشخصي، بينما الثروة قد تكون وهماً إذا لم تكن مدعومة بمعرفة كيفية إدارتها أو استخدامها لأغراض أعلى. في السياق النفسي، يشير مفهوم "التدفق" إلى أن السعادة تنبع من الانغماس في أنشطة تحدي المهارات، وهو ما توفره الدراسة أكثر من الاستهلاك السلبي الذي قد ترتبط به الثروة. كما أن الدراسة تعزز القدرة على التكيف مع التغييرات، مما يجعلها أكثر مقاومة للصدمات مقارنة بالثروة التي قد تتبخر في أزمة مالية. ومع ذلك، في مجتمعات فقيرة أو غير مستقرة، قد تكون الثروة الأولوية الأولى لتلبية الحاجات الأساسية قبل الاستثمار في التعليم، مما يعكس نسبية المفتاح حسب الظروف.

في النهاية، يتجاوز مفتاح السعادة الحقيقي الثنائية بين الدراسة والثروة، ليشمل مزيجاً من العناصر المتكاملة مثل الصحة الجسدية والنفسية، العلاقات الاجتماعية القوية، والشعور بالغرض في الحياة. السعادة ليست في الوصول إلى هدف معين، سواء كان درجة علمية أو حساب بنكي، بل في الرحلة نفسها والقدرة على الاستمتاع باللحظة الحاضرة. إذا كانت الدراسة توفر الأدوات الفكرية لفهم هذا، والثروة الوسائل المادية لتحقيقه، فإن المفتاح الحقيقي يكمن في التوازن بينهما، مع التركيز على القيم الداخلية التي تجعل الحياة ذات معنى، مما يجعل السعي للسعادة عملية مستمرة ومتطورة تعكس جوهر الوجود البشري.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

لَيْسَ التاريخُ سِجِلًّا للأحداثِ فَحَسْب، بَلْ هُوَ أيضًا مِرْآةٌ للنَّفْسِ الإنسانية، ومَنظومةٌ لفهمِ صِراعات المُجتمعاتِ وهُوِيَّاتها. وفي الأدب، يَتحوَّل التاريخُ إلى تَجْرِبة فَنِّية تَتحرَّك بَيْنَ الذاكرةِ والخَيَالِ مِنْ جِهةٍ، وَبَيْنَ الواقعِ الماديِّ والرُّوحِ المَعنويةِ للأحداثِ مِنْ جِهةٍ أُخرى.

في الأدبِ الفِلَسْطينيِّ، يَتجلَّى التاريخُ في تَجْرِبة الاحتلالِ والنَّكْبةِ والتَّهْجير، وَهُوَ حالةٌ مُستمرة مِنَ الألَمِ والمُواجَهة. الأديبُ والصحفيُّ غَسَّان كَنَفَاني (1936- 1972) لَمْ يَكُنْ يَكتبُ التاريخَ بِمَعناه التقليدي، بَلْ كانَ يُحوِّله إلى تَجْرِبة إنسانية شخصية وجَمَاعِيَّة في الوَقْتِ نَفْسِه. ففي كِتاباته، يُصْبحُ التاريخُ مَسْرَحًا للألَمِ الفَرْدِيِّ والجَمَاعِيِّ، وعَيْنًا تَرى المَأساةَ، وتَبحثُ عَن العَدالة.

لكنْ مَا يُميِّز كنفاني هو الطريقة التي يُعالج بها التاريخَ عَبْرَ الذاكرةِ والغِيابِ. فالأماكنُ المُهدَّمةُ، والمَنازلُ التي هُجِّرَ أهْلُها، والأسماءُ التي تتلاشى، لَيْسَتْ مُجرَّد رُموز، بَلْ هِيَ عَلامات على انكسار الإنسان الفِلَسْطينيِّ، وتَشَظِّي هُوِيَّته. والتاريخُ عِند كنفاني لَيْسَ سَرْدًا فَحَسْب، بَلْ هُوَ أيضًا بُنيةٌ عاطفية تَغمُر القارئَ في مَأساةِ شعبٍ يُصارع النِّسيانَ والاحتلالَ. إنَّه تاريخٌ يَنْزِف، تاريخٌ يعيشُ في الأحلامِ والكوابيسِ، تاريخٌ يَتحوَّل إلى فِعْلِ مُقَاوَمةٍ أدبي.

على الجانبِ الآخَر مِنَ المُحيطِ الأطلسي، نجدُ الروائي الأمريكي وليام فوكنر (1897 - 1962) الذي استعارَ التاريخَ مِنَ الجنوبِ الأمريكي بعد الحربِ الأهلية، مُحاولًا فهم أثر العُبودية والانقسامِ الاجتماعيِّ على النَّفْسِ الإنسانية.

في أعماله، يتجاوز فوكنر السَّرْدَ التاريخيَّ لِيَصنعَ بُنيةً نَصِّيةً مُعقَّدة تتداخل فيها الحِكاياتُ الفرديةُ والجَمَاعِيَّة. التاريخُ بالنِّسْبةِ إلَيْه هُوَ شَبَكَةٌ مِن الأصواتِ والذاكراتِ المُتقاطعة، ومَساحةٌ لبحثِ الإنسانِ عَنْ هُوِيَّته وسط الخرابِ الأخلاقي والاجتماعي.

يَعتمد فوكنر في مُعالجةِ التاريخ على التقنياتِ السَّرْدية غَير الخَطِّية: تَعَدُّد الأصوات، الانسياب الحُر للوَعْي، التداخل بين الماضي والحاضر. هذه التقنيات تُتيحُ للقارئِ تَجْرِبة التاريخ بطريقةٍ نَفْسِيَّة ومَعرفية في الوقتِ ذاتِه، حيث لا يَكُون التاريخُ حَدَثًا مَوضوعيًّا، بَلْ حياة مُستمرة تَتَنَفَّسُ في النَّصِّ. حياة تُعبِّر عن التَّنَاقضاتِ والجُرْحِ العميقِ للمُجتمع.

مِثْل كنفاني، يَجعلُ فوكنر مِن التاريخِ مَلحمةً إنسانية، لكنْ مِنْ زاويةِ التَّفكيكِ النَّفْسِيِّ، والتَّحليلِ الاجتماعيِّ العميق.

رَغْمَ الفُروقِ الثقافيةِ والجُغْرافيةِ بَيْنَ كنفاني وفوكنر، إلا أنَّ هُناك خُطوطًا مُتوازية في تعاملهما معَ التاريخ:

1- التاريخ كَجُرْحٍ نَفْسي وجَمَاعي: في كُلٍّ مِنْ فِلَسْطين وجَنوبِ الولايات المُتَّحدة، التاريخ لَيْسَ أحداثًا فَقَط، بَلْ هُوَ أيضًا إرْثٌ مِنَ الألمِ والصَّدمةِ التي تتغلغل في الفردِ والمُجتمع.

2- التقنيات السَّرْدية للتعبير عن الذاكرة: كنفاني يعتمد على الحَكْي البسيط المَشحون بالعاطفة، بَينما فوكنر يَستخدم أساليب مُعقَّدة تَعكِس تداخلَ الماضي والحاضرِ، لكنَّ النتيجة واحدة: جَعْل القارئِ يَشعر بالوزنِ النَّفْسي للتاريخ.

3- الهُوِيَّة والانتماء: في نُصوصِ الكاتبَيْن، التاريخُ مُرتبط بالهُوِيَّة، وهذا يُشكِّل الفردَ، ويُحدِّد عَلاقته بِمُجتمعه وماضيه.

أمَّا الاختلافُ الأساسي فَهُوَ في المَنَاخِ الثقافي والسياسي. كنفاني يَكتبُ التاريخَ بِوَصْفِه أداةَ مُقَاوَمَةٍ وَصَرْخَة ضِد الظُّلْم، وفوكنر يكتبُ التاريخَ كَتَحليلٍ نَفْسي واجتماعي لِصِراعاتِ الإنسانِ معَ نَفْسِه، ومعَ الآخَرين، في بيئةٍ مَشحونة بالذَّنْبِ والانعزالِ.

مُعالجة التاريخ عِند كنفاني وفوكنر تُؤَكِّد أنَّ الأدبَ لَيْسَ مُجرَّد تَوْثيق، بَلْ هُوَ تَجْرِبة إنسانية وَوِجْدَانية وفِكْرية. كِلاهُما يُحوِّل الماضي إلى حاضرٍ حَيٍّ، ويَجْعله مَحفورًا في وِجْدانِ القارئ.

كنفاني يَجعلُ التاريخَ صَرْخَةً للمُقاوَمةِ والذاكرةِ الفِلَسْطينية، وفوكنر يُحوِّله إلى صَدى نَفْسي واجتماعي يُضيء التناقضاتِ الإنسانية. والأدبُ عِندهما يُظْهِرُ أنَّ التاريخ لَيْسَ أحداثًا عابرة، بَلْ هُوَ رُوحُ الإنسانِ، وذاكرةُ الشعب، وجُروحُ الزمنِ التي لا تلتئم.

والكاتبان يُمثِّلان صَوْتَيْن مُخْتَلِفَيْن في الزمانِ والمكان، لكنَّهما يتشابهان في الاهتمامِ بالتاريخ كَحَقْلٍ مَليء بالنِّزَاعاتِ الإنسانيةِ والجُروحِ الجَمَاعِيَّة. فوكنر في جنوبِ الولايات المُتَّحدة بعد الحربِ الأهلية، وكنفاني في فِلَسْطين بعد النَّكْبَة، يُعالجان التاريخ كحاضرٍ يَطغى على الوَعْي الفرديِّ والجَمَاعِيِّ.

يُواجِه كنفاني في رِواياته تاريخَ النَّكْبَةِ والمَأساةِ الفِلَسْطينية، لكنَّه يَحْمِلُه عَبْرَ صَوْتِ المُهَجَّرِين واللاجئين، مُكَثِّفًا المُعاناة اليَومية، وَصِرَاعَ الهُوِيَّةِ الضائع بَيْنَ الحَنينِ للأرضِ والفِقْدانِ القَسْرِيِّ.

وفي رِواياتِ فوكنر، يتشابكُ الزمنُ معَ تقنيات الوَعْي الداخلي، وتُستعاد الذكريات في ضَبابها لتشكيلِ فَهْمٍ مُركَّب للهُوِيَّةِ الجَنوبيةِ المُمزَّقة بَيْنَ العُبوديةِ والحربِ الأهلية.

وَيَربطُ بَيْنَ الكاتبَيْن إدراك أنَّ التاريخ لَيْسَ مُجرَّد خَلْفية للأحداث، بَلْ قُوَّة حَيَّة تُشكِّل الوَعْيَ، وَتَفْرِض على الأفرادِ والشُّعوبِ مُوَاجَهَتَه،وإعادة رِوايته بشكلٍ يُوازن بَيْنَ الواقعِ والذاكرةِ، بَيْنَ الألمِ والبحثِ عَن المَعْنى.  

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار عبر الشاشات، وتُختصر العناوين في إشعارات الهواتف، بدا المشهد الفرنسي مختلفاً وهو يمنح وساماً رسمياً لبائع صحف متجوّل. لم يكن الحدث سياسياً ولا عسكرياً ولا علمياً، بل إنسانياً خالصاً، إذ قلد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأربعاء الماضي، بائع صحفٍ مخضرماً وسام الاستحقاق الوطني برتبة فارس. ومثل هذا الخبر قد يمر مروراً عابراً في نشرات الأخبار، لكنه في الحقيقة يحمل معنى أعمق من مجرد تكريم فرد. إنه احتفاء بمهنة، وبذاكرة مدينة، وبعلاقة حميمة بين الناس والورق.

أمضى علي أكبر، وهو من أصل باكستاني، أكثر من خمسين عاماً في شوارع باريس يبيع الصحف للناس. ولد في شمال باكستان أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، وانتقل إلى باريس في عام 1973 بحثاً عن حياة أفضل، ليدخل مهنة بيع الصحف في أحد أحياء العاصمة. وسرعان ما أصبح شخصية مألوفة لدى سكان المدينة وزائريها. يقرأ عناوين الصحف بأعلى صوته، ويوزّعها على المقاهي والمارة، بروح من الدعابة والمحبة والدفء الإنساني، حتى غدا آخر بائع صحف متجول في باريس، وربما في فرنسا بأكملها، بعد أن انقرضت هذه المهنة تقريباً بفعل التطور التكنولوجي والتحول الرقمي. وكان من اللافت أن يصفه ماكرون بأنه " أكثر الفرنسيين فرنسياً "، و" صوت الصحافة الفرنسية "، في إشارة إلى أن الصحف الورقية لم تكن مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل جسراً يومياً للتواصل بين الناس، ونبع حياة اجتماعية في المقاهي والشوارع. وتكريم كهذا يقول أن المهن البسيطة في ظاهرها قد تكون عظيمة في أثرها، فبائع الصحف ليس حلقة تجارية فحسب، بل حلقة ثقافية. بين يديه تمرّ عناوين السياسة والفكر والأدب والفن، ومن " بسطيته " الصغيرة تبدأ رحلة الخبر نحو عقل القارئ. إنه أحد آخر الحراس الواقفين على بوابة الورق.Screenshot

في عالمنا العربي، حيث تتراجع الصحافة الورقية تحت ضغط الأزمات الاقتصادية والتحولات الرقمية، يبدو هذا الوسام رسالة رمزية بليغة، فالصحيفة ليست مجرد سلعة، بل تقليد مدني، وطقس يومي، وذاكرة ملموسة. رائحة الحبر، خشخشة الصفحات، طيّ الجريدة ووضعها تحت الإبط، كل ذلك ليس حنيناً رومانسياً فحسب، بل جزء من تاريخ المعرفة الحديثة. وكثيراً ما يحمّل صحفيون مخضرمون، تراجع الصحف الورقية لغياب مؤسسات توزيع فاعلة، واختفاء باعة الصحف المتجولين من الشوارع والتقاطعات، وهذا ما أضر بالصحف الورقية، وليس العصر الرقمي وحده.

يظل علي أكبر ليس مجرد بائع صحف، بل صوتاً حياً لحقبة إعلامية تحوّلت مع الزمن، ودليلاً على أن للصحافة الورقية إرثاً ثقافياً وإنسانياً لا يمكن تجاهله حتى في عصرنا الرقمي المتسارع . والطريف أنه، رغم اقامته الطويلة في باريس، لم يحصل بعد على الجنسية الفرنسية، وهو يأمل - كما يقول - أن يساعده هذا التكريم في تحقيق حلمه بالحصول عليها .

***

د. طه جزّاع – كاتب أكاديمي

 

إنَّ الخطأ، والنسيان، والزيادة والنقصان، أدواء تَعْتَوِر المكتوب كما تَعْتَوِر المرويَّ شفويًّا.  بل قد يكون ما يَعْتَوِر المكتوب من ذلك أكثر وأفسد للنصِّ، وإنمَّا مزيَّة الكتابة على الرواية تكمن في مغالبتها عوامل الزمن المتطاول، بتثبيت الذاكرة في مادَّة، يُفترض أنْ تبقَى أطول مدَّةٍ لتُتوارث عبر الأجيال.  ومع ذلك، فكم في تراثنا العَرَبي من نصوصٍ مكتوبةٍ ضاعت؛ لأنَّها كُتِبت، ولم تُحفَظ ولم تُرْوَ!  ولو كانت مرويَّةً لبقيت منها بقايا، على أقلِّ تقدير. وحسبنا شاهدًا تاريخيَّا ما حدث جرَّاء الغزو المغولي، أو ما حدث في الأندلس، أو ما يحدث دائمًا جرَّاء الكوارث الطبيعيَّة أو الحرائق من تلف مقتنياتٍ، قد يشمل مكتباتٍ كاملة. وهكذا يتبيَّن أنَّ المسألة التوثيقيَّة تظلُّ نِسبيَّةً في المفاضلة بين الشفاهي والكتابي، والرواية والتدوين، وأنَّ من المجازفة إطلاقَ الأحكام التعميميَّة في هذا الشأن، دون دراسة كلِّ حالة بحالها، بعيدًا عن المصادرات النمطيَّة، بلا تأمُّلٍ عِلميٍّ دقيق، وتحليلٍ استقرائيٍّ شامل.

أمَّا منهاج الشَّكِّ، فمنهاجان: منهاج الشَّكِّ للوصول إلى ما يُشبِه اليقين على أساسٍ عِلمي.  وهو ما يُفهَم من المنطلقات الديكارتيَّة على حقيقتها. ومنهاج شكٍّ آخَر، هو منهاج الشَّكِّ للشكِّ.  وهو منهاجٌ مريض؛ قد ينشأ عن أسباب أيديولوجيَّة، أو قوميَّة، وبالجُملة عن قِيَمٍ عاطفيَّة، لا شأن لها بقضايا العِلم وإحقاق الحقائق. وفي ميدان الأدب، قد ينشأ الشَّكُّ- بدعوَى العِلميَّة- عن فرض مقاييس عقليَّة، أو واقعيَّة، لا صلة لها بطبيعة الأدب أصلًا. فلو فُرض منطق العقل والواقع، لساغ، إذن، أن تُنكَر نسبة معظم الأدب إلى أصحابه، بما في ذلك الأدب المعاصر. لأنَّ الخطاب الأدبيَّ خطابٌ مضادٌّ للعقل العِلمي، والواقع الاجتماعي، والبيئة المحيطة. ولولا هذا لكانت القصيدة، مثلًا، تقريرًا صحفيًّا لا شِعرًا.

وهذا اللَّون المريض من الشَّكِّ بات مضمار راكضين معاصرين، من مدَّعي البحث، من مستشرقين وعَرَب، حتى بلغ الأمر لدَى فئام منهم إلى التشكيك في تاريخيَّة بعض الأعلام(1)، والأحداث، والكُتُب، واللُّغات، والنصوص، بل التشكيك في التاريخ كلِّه؛ بذريعة أنَّ وثائقه غير كافية عِلميًّا، من وجهة نظر هؤلاء!  يكاد أحدهم يُكذِّب كلَّ روايةٍ أو خبر، مهما تواترا، أو تضافرت عليهما الأدلَّة، أو أُثبِتا بالنصوص القطعيَّة الثبوت، ما لم يكن صاحبنا قد عاش بنفسه في الماضي، وشَهِد بعينَيه، وسمع بأذنَيه، وصافح بيدَيه ذلك الماضي بتفاصيله! بل لو أنَّه عاش بنفسه في الماضي، لرأيت له في الاعتلال بحَوَص العَينَين، أو عشاهما، أو طَرَش السمع، أو عَطَب اليد، ما يتنصَّل به بُغيةَ الإنكار أو التشكيك؛ لأنَّ الغَرَض مَرَضٌ، فوق مَرَض الشَّكِّ، ولا يجتمعان والبحث عن الحقيقة المجرَّدة في غِمدٍ واحدٍ أبدًا.

ومن الطريف في هذا السِّياق أن تجد مِن هؤلاء المَرْضَى- وبعضهم قد يحمل شهادةً عُليا بزعمه- مَن يتساءل عن الشواهد الكتابيَّة عن أعلام عاشوا قبل التاريخ. نعنى قبل وجود الكتابة التي نعرفها. فتراه يتساءل مثلًا عن حقيقة شخصيَّات مثل (النبيِّ موسى)، أو (إبراهيم)، بل عن (نوح)، متسائلًا: ولِـمَ لا نجد كتابات عنهم، إنْ كانوا حقًّا شخصيَّات تاريخيَّة؟!

هكذا خاض بنا (ذو القروح) مخاضه الجديد. فقلتُ له:

-إذن، هذه محض شخصيَّات أسطوريَّة، هكذا ببساطة، لدى أولئك المؤتفكة!

-مع أنَّ تعامل الباحث هنا مع التاريخ. ولتاريخ نشوء الكتابة في العالَم مسارٌ معلوم.  والقفز على هذه الحقائق قفزٌ على العِلم والتاريخ إلى ضروب من الأساطير المعاصرة. ذلك أنَّ فَنَّ الكتابة في عصر (مُوسَى)، مثلًا، كان إمَّا بالكتابة التصويريَّة، وإمَّا بالكتابة المقطعيَّة، وربما بالكتابة الحروفيَّة الأبجديَّة. فالأُولَى: الهيروغليفيَّة التصويريَّة المِصْريَّة، والثانية: المسماريَّة المقطعيَّة العِراقيَّة، والثالثة: الأبجديَّة، التي كانت قبل القرن العاشر قبل الميلاد في بداياتها الأُولَى، وبالفينيقيَّة غالبًا، وظلَّت حينًا من الدَّهر محدودة الاستعمال، وفي الأغراض التجاريَّة أكثر من أيِّ مجالٍ آخَر.  تلك هي الضروب الثلاثة من الكتابة التي عُرِفَت في العالم خلال الحقبة التي عاش فيها (مُوسَى)، أو قُل: خلال القرن 13 و14ق.م. هذا فضلًا عمَّا قبل ذلك من حِقَب لم تعرف الكتابة. فأمَّا المسماريَّة، فبَعيدة الاحتمال جِدًّا في استعمال (مُوسَى) و(بني إسرائيل) في ذلك الطَّور المبكِّر. واحتمال الكتابة بالأبجديَّة الرمزيَّة الحروفيَّة يبدو أبعد من المسماريَّة؛ لتأخُّر نشوئها قياسًا إلى عصر (مُوسَى)، أو تأخُّر انتشارها.(2) وعلى افتراض أنها قد عُرِفت الكتابة الأبجديَّة في عصره، فلا بُدَّ أنها كانت نادرةً جدًّا ومحدودة الأغراض.(3) فإنْ كانت من كتابةٍ في بني إسرائيل إذ ذاك، فبالكتابة التصويريَّة المِصْريَّة.  و«التوراة» تشير إلى أنَّ وسيلة الكتابة كانت النقش على الحجَر.(4) وعلى هذا قِسْ تصوُّرك لتلك المجاهل من التاريخ السحيق، التي يُصِر بعضٌ على وجود وثائق مكتوبة عنها، وإلَّا حكمَ بأن أخبارها من قبيل الأساطير.

-ومؤدَّى ذلك أنَّ الاعتماد الأكبر خلال تلك الأزمان كان بالضرورة على الحِفظ والترديد، حسب الثقافة الشفاهيَّة البدائيَّة.

-ومثالب الذاكرة الشفاهيَّة، والرواية السماعيَّة، وعيوب آليَّاتها معروفة، وهي قابلة للخلط والنسيان، والإضافة والنقصان.(5) وهي إلى ذلك جماعيَّةٌ، تذوب فيها الفرديَّة غالبًا في اللِّسان الجمعي.  ولذا كانت عوامل الاضطراب متضافرةً جدًّا، وأسباب الضياع كثيرة، وطُرق التناقض واردة، وبخاصَّة مع عدم الاستقرار، ونزول الكوارث التي تتتالَى على الناس، وناهيك بهذا كلِّه من أسبابٍ لغياب الشواهد التوثيقيَّة.

-وما تلك الأسفار المسطورة في مجلَّدها الضخم، بين دفَّتَي ما يُسمَّى «العهد القديم»؟

-ما هو إلَّا نتاج قرونٍ لاحقةٍ من التدوين التاريخي الجماعي؛ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سجلَّات الذاكرة.

-ومع هذا، سترى، وَفق هذا السياق، مشهدًا لظاهرة أراها في تفاقم، خلال السنوات الأخيرة.

-وما ذاك؟

-أعني كثرة المُثَرثرين عن عوالم الغيب، والعجائب، وأسرار الإنسان، والكون. ولا سيما من فئة الشباب، وتصدُّر النساء هذا المضمار، على نحوٍ لافت، وغير مسبوق. خائضين في موضوعات مثل: «المفتاح السحري لتحقيق ما تريده»، «أسرار الكون وحقيقتك من خلال التعرُّف على السِّرِّ القديم»، «الاستقبال اللَّا محدود: تمرين عملي لزيادة الرزق والبركة في حياتك»، «لتدخل حياتك المعجزات»، «من أين جئنا؟ قصة بدايتنا مع الخالق قبل التقمُّص»، «سِرٌّ من أسرار عالم الغيب: البُعد الأعلى- كيف تتصل بعالم الغيب؟»، «كلُّ شيءٍ من جوهر واحد، يُدرِك ذلك بالوجدان في لحظة اتصال حقيقي»، «ما الشيء الذي يقف حائلًا بينك وبين رزقك؟»... إلخ.

-حسبك حسبك من هذا الهُراء!

-ويُلحظ أنَّ معظم هذا الضخِّ من الكهانة الجديدة يأتي عبر وسائل التواصل من بلدان عربيَّة بعينها أكثر من غيرها. وهي خطابات تنطلق غالبًا من منطلقات دِينيَّة. مع أنَّ المتصدِّرين فيها لا يُحسنون قراءة آيةٍ قرآنيَّةٍ دون لحنٍ أو خطأٍ لُغويٍّ، يَدُلَّان على أنْ لا علاقة لهؤلاء بما يقولون، لا من حيث النص، ولا من حيث القراءة، ولا من حيث فهم النصوص، فضلًا عن تفسيرها أو تأويلها!

-ويزيد الطِّين بِلَّة توظيف ما يُسمَّى (الذَّكاء الاصطناعي) صوتيًّا لتسمع لغةً منكرة، لم يسبق للعَرَبيَّة أن عرفتها، حتَّى في قراءة «القرآن». وهذه آفة عربانيَّة مبتدعة عبر ما يُسمَّى الذَّكاء الاصطناعي! وبذا يُدلي الذكاء الاصطناعي بدلوه في إفساد ما تبقَّى من اللُّغة العَرَبيَّة، وإفساد الذائقة واللِّسان، لدى الناشئة وغير الناشئة!

-يبدو أنَّ لديك ثأرًا، يا (ذا القُروح)، مع الذَّكاء الاصطناعي. ولسان حاله يقول لك:

ترفَّـقْ عَـذُولِـي، فمـاذا الصِّـِياحْ

على (GPT) في حِـمَى العُرْبِ طاحْ؟!

لكن هل الظاهرة جديدة؟  أم أنَّ وسائل المتابعة المستجدَّة الراهنة هي الجديدة؟ فأبرزتها، وأتاحت متابعتها، وإنْ دون قصد؛ إذ صارت تقتحم عليك عينيَك أنَّى اتجهتا؟  تُرى أهي تأتي بحثًا عن الشهرة؟  أم عن انشغالٍ حقيقيٍّ بتلك القضايا المثارة؟  أ وَتدل على فراغ أم على امتلاء؟

-لا، ليست بجديدة، بل هي ظاهرة ثقافيَّة قديمة، لكن التقنية اليوم تروِّج لها. وتمثِّل تأرجح الذِّهن بين اليقين المطلَق والشَّكِّ المطبِق، وكلاهما مرضٌ ثقافي. ونحن هنا لا نقصد بالضرورة تلك البثوث المتعلِّقة بالتبشير، أو التنفير، أو التشكيك، أو السياسة، أو نحوها من خطابات الصِّراع الفكري والدِّيني، ذات المآرب الواضحة؛ دعوةً للناس للاصطفاف في صفٍّ معين، ومناصبة صفٍّ آخَر العداء.  بل بعضها خطابات تبدو بريئة، سِوَى ممَّا قد تكتنفها من الرغبات في الإثارة والصِّيت. وهكذا تلحظ أنَّنا أمام عصر شفويٍّ جديد، عبر التقنية، لا لتوثيق المعلومات، بل لنشر الأفكار الجماهيريَّة، المعبَّأة بهدف تحشيدٍ ما. ولا سبيل إلى مكافحة مثل هذا الوباء إلَّا بنشر الكلمة الصحيحة، والفكرة العِلميَّة، وهما كفيلتان ببثِّ الوعي، وإيصاد نوافذ العقول عن عجاج السنين والساحات. فالعُملة الجيِّدة في عالَم الأفكار تطرد العُملة الرديئة، بخلاف ما يزعمه الاقتصاديُّون في عالَم المال؛ من حيث إنَّ عُملة الأفكار تتعامل مع عقل الإنسان، والأصل في عقل الإنسان البحث عن الحق، ما لم يكن العقل نفسه قد تُودِّع منه، ففقد هويَّته. وهنا تأتي مسؤوليَّتا التعليم والإعلام.

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

........................

(1)  بل من طرائف هذا المِراء أن يصل الأمر إلى ما قد يُطرَح من تساؤلات معاصرة حول تاريخيَّة شخصيَّة (محمَّد، عليه الصلاة والسلام)، أو تاريخيَّة «القرآن»، والزعم أنَّ ذلك كلَّه صناعةٌ عباسيَّة! وإنْ كان هذا أصلًا محض تقليدٍ استنساخيٍّ أعمَى واستيرادٍ تقليديٍّ رخيص. وجَدوا مثل هذا مطروحًا في الغرب حول شخصيَّة (السيِّد المسيح، عليه السلام)، فقالوا: لماذا لا ننقل هذا إلى ساحة الإسلام أيضًا؟ وقد يأتي مثل هذا الاستيراد (الموازي والمقرصَن) بأيدي مسيحيَّة، دفاعًا عن طريق الهجوم، وإنْ على غير عدو، لكن لتتساوى الرؤوس! في غفلةٍ عن الفارق البيِّن بين تاريخٍ مغرقٍ في القِدَم- اكتنفه الغموض، وانقطاع التواتر التوثيقي، والغُلوُّ الفاحش، والأَسْطَرة؛ فهو لذلك يحتمل التساؤل- وتاريخٍ واقعيٍّ، متواتر التوثيق، روايةً وكتابةً وشواهد، لا يعدو التشكيك فيه، والحالة هذه، ضربًا من مسرحيَّات العَبَث واللَّا معقول، تليق بـ(صموئيل بيكيت)، لا بالعِلم وأهله.

(2)  يُنظَر ما جاء تحت عنوان «التوراة في ضوء تاريخ الكتابة»، الفَيفي، عبدالله بن أحمد،(2019)، تاريخ بني إسرائيل وجزيرة العَرَب، من التَّاريخ الميثولوجي إلى الجغرافيا الهرمنيوطيقيَّة: مُراجعاتٌ منهاجيَّةٌ في نماذج تاريخيَّة مُعاصرة (مع ترجمة «وصف بلاد العَرَب قبل الميلاد»، لسترابو)، (الأردن: عالم الكُتب الحديث)، 373- 000.

(3)  عُثِر على ألفبائيَّتين بدائيَّتَين، بسيطتَين ومحدودتَي الانتشار، تعودان إلى بضعة قرون قبل الألفبائيَّة الفينيقيَّة، هما (كتابة طُور سيناء)، والكتابة (الأوغاريتيَّة). الأُولى بالكنعانيَّة القديمة، عُثِر عليها في (شِبه جزيرة سيناء)، في (سرابيط الخادم)، اختُلِف في تاريخها، فهناك مَن أعادها إلى القرن 19ق.م، ومَن لا يراها تتعدَّى في قِدَمها القرن 15ق.م.  كما عُثِر على هذا النَّمَط من الكتابة في بعض أماكن من جَنوب (فِلسطين). أمَّا الأوغاريتيَّة، فبالكنعانيَّة القديمة أيضًا، وعُثِرَ عليها في تلٍّ بقرية (رأس شُمرة)، على ساحل (البحر الأبيض المتوسِّط)، شَمالي (اللَّاذقيَّة)، في (سُوريَّة). وتعود إلى القرن 15 أو 14ق.م.  وهي كتابة تستعمل المسماريَّة في شكل الحروف، وإنْ لم تكن مسماريَّةً مقطعيَّة. (يُنظَر: سوسة، أحمد، (1973)، العَرَب واليهود في التاريخ: حقائق تاريخيَّة تُظهرها المكتشفات الآثاريَّة، (دمشق: العربي)، 130- 133، 461). غير أنَّ هاتين الألفبائيَّتَين البدائيَّتَين المحدودتَين لم تحظيا بالانتشار كالألفبائيَّة الفينيقيَّة. وبذا فإنَّ استعمال كتابة طُور سيناء في تدوين «التوراة» ربما عُدَّ محتملًا، وإنْ كان استعمالهم الكتابة التي جاؤوا من بيئتها الثقافيَّة، وهي (الهيروغليفيَّة) المِصْريَّة، يظلُّ الأرجح.

(4)  يُنظَر: سِفر الخُروج، 24: 12.

(5)  يُنظَر في هذا مثلًا: (Lord, Albert, The Singer of Tales؛ أونج، والتر ج، الشفاهيَّة والكتابيَّة).

نحن نحدق طويلا في تاريخ الصلاحية المطبوع على علبة طعام محفوظ، ونسال بقلق عن بلد المنشأ، كانما نخشى ان يتسرب الينا الفساد من طعام فاسد. نتحرى، ندقق، ونعيد العلبة الى الرف ان شككنا في يوم واحد زائد عن عمرها المسموح.

لكننا، على نحو يثير الدهشة والقلق معا، نبتلع الافكار كما هي، بلا سؤال، بلا فحص، وبلا ادنى ارتياب.

الافكار لا تحمل تاريخ انتاج، ولا تلصق على جبينها بطاقة تحذير تقول، صنعت في زمن القهر، او نشات في بيئة الخوف، او صالحة للاستعمال في عصور الجهل فقط.

ندخلها الى عقولنا بثقة عمياء، ونسمح لها ان تعيد ترتيب وعينا، وان تشكل احكامنا، وان تحدد مواقفنا من الانسان والحياة والاختلاف.

كم من فكرة فاسدة عاشت فينا اطول من اي منتج منتهي الصلاحية؟

وكم من معتقد عتيق نجا من المساءلة لانه قدم لنا في غلاف مقدس، او ورثناه دون ان نجرا على مساءلة اصله وسياقه وضرورته؟

الفكرة التي لا نعرف تاريخها، تشبه طعاما بلا مكونات. قد تشبع لحظة، لكنها تسمم على المدى البعيد.

والفكرة التي نجهل بلد منشئها، قد تكون ابنة ظرف سياسي، او اداة سلطة، او نتاج خوف جماعي، لكنها تقدم لنا باعتبارها حقيقة ابدية.

المجتمعات التي تخاف من فحص الافكار، تصاب بتسمم عقلي مزمن، لا يظهر فجاة، بل يتراكم في السلوك، في اللغة، في نظرتنا للاخر، وفي قدرتنا على التفكير الحر.

وحين نرفض مراجعة الافكار، نحول عقولنا الى مخازن لكل ما هو منتهي الصلاحية، ونستغرب لاحقا لماذا نمرض، ولماذا نعجز عن التقدم.

الفلسفة، في جوهرها، ليست ترفا ذهنيا، بل جهاز فحص دقيق.

تسال عن تاريخ الفكرة، عن سياقها، عن من استفاد منها، ولماذا صمدت، وهل ما زالت صالحة لزمننا ام لا.

انها دعوة لان نقرا الافكار كما نقرا الملصقات الصغيرة على المنتجات، بحذر، وبمسؤولية، وبحق كامل في الرفض.

فالعقل الذي لا يفحص ما يدخل اليه، لا يختلف كثيرا عن جسد لا يميز بين الغذاء والسم.

واسوا اشكال الفساد، ذلك الذي لا رائحة له، ولا لون، لكنه يسكن الافكار.

لهذا لم يكن سقراط مزعجا لمدينته لانه شكك، بل لانه علم الناس ان يسالوا عن اصل الافكار قبل الايمان بها. ولم يكن كانط يطالب بالعقل الجريء ترفا، بل ضرورة اخلاقية حين قال ان التنوير هو خروج الانسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه. اما نيتشه فحذر من الافكار التي تطيل عمرها بالعادة لا بالحقيقة، وتعيش فينا لاننا ورثناها لا لاننا اختبرناها.

الفكرة التي لا تخضع للنقد تتحول الى سلطة، والسلطة حين تفلت من السؤال تفسد، حتى لو ارتدت ثوب الحكمة او القداسة. وكما قال سبينوزا، فالعقل الحر هو الذي يفهم لا الذي يخضع. لذلك فان خلاص المجتمعات لا يبدا بتغيير المنتجات، بل بتجديد الافكار، ولا يتحقق بتقديس الموروث، بل بمساءلته، ولا يكتمل الا حين نمتلك شجاعة ان نلقي في سلة المهملات كل فكرة انتهت صلاحيتها، مهما كان اسمها، او قداستها، او عدد المؤمنين بها.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

مفتتح: ليس خفيا على احد أن العالم يشهد اليوم تحولات عميقة و جذابة في بنية وتشكيل القوة والثروة، تحولات تختلف في عمقها عن كل ما سبق من ثورات صناعية وتقنية. لقد كانت القوة في الماضي تُقاس بما تملك الأمم من موارد طبيعية وجيوش وآلات، بينما اليوم تُقاس بما تُنتجه من معرفة، وبما تبتكره من أفكار، وبما تمتلكه من عقول قادرة على تحويل هذه المعرفة إلى تكنولوجيا، وإلى نماذج تنظيمية، وإلى حلول للمشكلات المعقدة التي تواجه البشر¹. إن أهم التحولات العميقة في مطلع القرن 21 هو التحوّل الذي يُطلق عليه «اقتصاد المعرفة» لم يعد خيارًا اختياريًا للأمم التي تريد أن تحافظ على سيادتها وكرامتها، بل أصبح شرطًا وجوديًا للبقاء في قلب الحضارة الإنسانية المعاصرة².

وعالمنا العربي، الذي كان يومًا مركزًا لإنتاج المعرفة ونشرها، من بغداد العباسيين الى قرطبة الأمويين و حواضرالموحدين بالغرب الإسلامي، نجده اليوم كما قال الدكتور كمال أبو المجد أمة ترى و لا ترى (برفع الشتاء) إننا لانزال في موقع المتفرّج والمستهلك، الذي يدمن شراء ما ينتجه الآخرون، ويستورد التكنولوجيا التي يبتكرها غيره، ويُصدّر عقوله الذكية إلى الجامعات والمختبرات الغربية³. هذا الواقع المؤلم يثير إشكالات مركزية: هل يمكن للعالم العربي أن يستعيد موقعه في خريطة المعرفة العالمية؟ وما هي العوائق البنيوية التي تحول دون ذلك؟ وما هي الإمكانات الحقيقية المتاحة للنهوض؟

اقتصاد المعرفة

يُقصد باقتصاد المعرفة ذلك النمط الاقتصادي-الحضاري الذي تصير فيه المعرفة – بكل تجلياتها العلمية والتقنية والتنظيمية والإبداعية – هي المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي، والمصدر الرئيسي للاشكال التنافسية، والمعامل الرئيسي في تحديد مكانة الأمم ودورها في النظام العالمي⁴.

في هذا الاقتصاد، تتجاوز القيمة الاقتصادية للفكرة قيمة الآلة التي تُنتجها، ويصبح الباحث والمبتكر أكثر أهمية من صاحب رأس المال التقليدي، وتتحوّل الجامعات ومراكز البحث من فضاءات للتدريس إلى حقول إنتاج حقيقية للثروة الوطنية⁵.

هذا التحوّل ليس مجرد تطوّر تقني أو اقتصادي محدود، بل هو إعادة تشكيل عميقة للبنية الحضارية: في طريقة التعليم، وفي نوعية النخب، وفي شكل المؤسسات، وفي توزيع السلطة والنفوذ⁶. لأن الدول التي تملك أكبر احتياطيات النفط لم تعد بالضرورة الأقوى، بل تلك التي تملك أكبر عدد من الباحثين المتميزين، وأفضل الجامعات، وأكثر براءات الاختراع، وأقوى النظم التعليمية القادرة على تحويل الأجيال الجديدة إلى عقول مبدعة وناقدة ومنتجة⁷.

هنا يتحدد التحدي الأكبر للعالم العربي: كيف ينتقل من اقتصاد ريعي يعتمد بشكل أساسي على استخراج الموارد الطبيعية وتصديرها، إلى اقتصاد منتِج يعتمد على العقول والأفكار والابتكارات؟ وكيف يتحوّل من مستهلك سلبي للتكنولوجيا إلى منتج فاعل لها؟⁸

العالم العربي وسلم اقتصاد المعرفة

حين نضع العالم العربي على مقياس اقتصاد المعرفة، تبرز صورة كارثية لكنها ضرورية للمواجهة الصادقة مع الذات. فالإنفاق على البحث العلمي في معظم الدول العربية لا يتجاوز 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 2-4% في الدول المتقدمة⁹. وعدد الباحثين يبلغ في المتوسط 650 باحثًا لكل مليون نسمة، بينما يتجاوز 4000 في الاتحاد الأوروبي و7000 في كوريا الجنوبية¹⁰. أما براءات الاختراع المسجّلة من العالم العربي كله من طنجة الى مسقط فلا تتجاوز 1% من المجموع العالمي، بينما تسجّل دولة مثل كوريا الجنوبية وحدها أكثر من 200 ألف براءة سنويًا¹¹. والمنشورات العلمية العربية لا تتجاوز 2% من الإنتاج العلمي العالمي، رغم أن العالم العربي يضم 5% من سكان الأرض¹².

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات باردة، بل هي تعبير عن تخلف معرفي حضاري عميق يتسع يومًا بعد يوم، ويُبقي العالم العربي في موقع التابع لا القائد، والمستهلك لا المنتج، والمقلّد لا المبتكر¹³. وما يزيد الأمر خطورة أن هذه الفجوة لا تُترجَم فقط في شكل تأخّر اقتصادي، بل تتحوّل إلى نوع جديد من التبعية الحضارية يمكن تسميته بـ«الاستدمار المعرفي»: حين تصبح الأمة مجبرة على شراء التكنولوجيا من الخارج، وعلى استيراد الخبراء، وعلى التعلم بمناهج ليست من صنعها، وعلى قبول المعايير التي يفرضها الآخرون¹⁴. هذا الشكل من التبعية أخطر من الاستعمار التقليدي؛ لأنه لا يحتل الأرض فقط، بل يحتل العقل والخيال والإرادة، ويجعل الأمة تفكر بلغة الآخر، وتحلم بأحلامه، وتقيس نجاحها بمعاييره¹⁵.

لماذا تأخرنا في اقتصاد المعرفة؟

يمكن إرجاع تأخر العالم العربي في اقتصاد المعرفة إلى مجموعة من العوامل البنيوية المتشابكة:

أولها وأخطرها الأنظمة التعليمية اللاواقعية و العاجزة، التي لا تزال تقوم في جوهرها على التلقين والحفظ والاستظهار، بدلًا من تنمية ملكات التفكير النقدي والإبداع وحل المشكلات¹⁶. الجامعات العربية تحوّلت في معظمها إلى مؤسسات تدريس فقط، لا إلى مراكز بحث وابتكار، وهي تُخرّج ملايين الخريجين بمهارات لا يحتاجها السوق ولا تتناسب مع متطلبات الاقتصاد المعرفي¹⁷.

ثاني هذه العوامل هو نزيف هجرة العقول المستمر نحو أمريكا و كندا و أستراليا و الاتحاد الاوروبي، حيث يغادر مئات الآلاف من أفضل الخريجين والباحثين العرب، بحثًا عن بيئة تقدّر الكفاءة وتدعم البحث وتحترم الحرية الأكاديمية¹⁸. الأسباب متعددة نعد منها: انخفاض الأجور، ضعف التقدير الاجتماعي، غياب بيئة البحث، نقص المختبرات والإمكانيات، القيود السياسية والبيروقراطية الخانقة، وغياب الحرية الفكرية¹⁹. النتيجة أن العقول العربية تبني حضارة الآخرين، بينما يعاني وطنها من الركود والتخلف.

ثالث هذه العوامل هو سيطرة الاقتصاد الريعي على معظم الدول العربية، وخصوصًا النفطية منها، التي بنت اقتصاداتها على عائدات الموارد الطبيعية لا على الإنتاج المعرفي²⁰. هذا النمط الاقتصادي لا يحفّز الابتكار، ولا يشجّع البحث، ولا يستثمر في العقول؛ لأن الثروة تأتي بلا جهد إنتاجي حقيقي. والأخطر من ذلك أن الاقتصاد الريعي يُنتج عقلية ريعية: انتظار الفرص الجاهزة، والاعتماد على الآخر، وغياب روح المبادرة والمخاطرة²¹.

رابع هذه العوامل وربما أعمقها هو تقييد الحريات الأكاديمية، فلا يمكن أن يزدهر البحث العلمي والابتكار في بيئة تقمع حرية التفكير²². الجامعات العربية تعاني من رقابة على المناهج، وتدخلات سلطوية في تعيينات الأساتذة، وخوف من المواضيع الحساسة، ومناخ عام لا يشجع على المساءلة والنقد.

بينماالإبداع يحتاج إلى حرية: حرية السؤال، وحرية الشك، وحرية التجريب، وحرية الخطأ. وهذه كلها نادرة في كثير من الفضاءات الأكاديمية العربية²³.

آفاق النهوض باقتصاد المعرفة عربيا

رغم سوداوية الصورة العربية فيما يرتبط بإقتصاد المعرفة، إلا أن هناك إمكانات حقيقية وفرصًا واعدة يمكن التأسيس عليها. فالعالم العربي يمتلك ثروة بشرية هائلة: ملايين الشباب المتعلمين، المتصلين بالإنترنت، القادرين على التعلم الذاتي، والمنفتحين على العالم²⁴. هذا الجيل يمكن أن يكون المحرك الحقيقي للنهضة المعرفية، إذا وُفّرت له البيئة المناسبة. كما أن الثورة الرقمية أتاحت فرصًا غير مسبوقة: التعليم عن بُعد يتيح لأي شاب أن يتعلم من أفضل الجامعات العالمية، وريادة الأعمال الرقمية تسمح لأي مبدع أن يطلق مشروعه بتكلفة منخفضة، والاقتصاد الإبداعي يفتح مجالات واسعة في المحتوى الرقمي والتطبيقات والتصميم و الإدارة و الهندسة بشتى مجالاتها²⁵.

وهناك أيضًا تجارب عربية رائدة بدأت تشق طريقها نحو اقتصاد المعرفة، وخصوصًا في دول الخليج. التي رفعت بعضها الإنفاق على البحث والتطوير إلى 1.75% من الناتج المحلي، على سبيل المثال لا الحصر المملكة العربية السعودية سجلت زيادة 17.4% في الإنفاق على البحث العلمي في سنة واحدة، وقطر دخلت ضمن قائمة أفضل 50 دولة في مؤشر الابتكار العالمي²⁶. هذه التجارب تُثبت أن الإرادة السياسية والاستثمار الجاد يمكن أن يُحدثا تحولًا حقيقيًا.

استراتيجيات اللحاق بمضمار اقتصاد المعرفة

لاشك بأنه لا نهضة حقيقية بلا إصلاح تعليمي عميق مدخله الانتقال من الحفظ إلى التفكير، ومن التلقين إلى الإبداع، ومن الانفصال عن الواقع إلى الارتباط بحاجات المجتمع والاقتصاد²⁷. ويجب أن يبدأ هذا الإصلاح من التعليم المبكر، لأن بناء العقل النقدي لا يمكن أن يتأخر إلى الجامعة. كما يجب ربط التعليم بسوق العمل، بحيث تُخرّج الجامعات كفاءات يحتاجها الاقتصاد المعرفي، لا عاطلين عن العمل يحملون شهادات لا قيمة لها²⁸.

ويجب أن تعمل الدول العربية الجادة على اطلاق برامج جادة لاستعادة الكفاءات المهاجرة، من خلال توفير رواتب تنافسية، وبيئة بحثية محترمة، وحرية أكاديمية حقيقية، وتكريم اجتماعي للعلماء والباحثين²⁹. كما يجب مضاعفة الإنفاق على البحث العلمي عدة مرات، ورفعه إلى 2% على الأقل من الناتج المحلي، وإنشاء مراكز بحث متقدمة في المجالات الاستراتيجية كالذكاء الاصطناعي والطاقات المتجددة والتكنولوجيا الحيوية³⁰.

ولن يكون هناك اقتصاد معرفي حقيقي بلا حرية: حرية الباحث في اختيار موضوعاته، وحرية الأستاذ في التدريس، وحرية الطالب في السؤال، وحماية الجامعات من التدخلات الخارجية، وتشجيع ثقافة النقد والمساءلة³¹. كما يجب إشراك القطاع الخاص في هذه المعركة، من خلال تشجيع الشركات على الاستثمار في البحث والابتكار، ودعم الشركات الناشئة، وخلق حاضنات ومسرّعات أعمال في المجالات التكنولوجية³².

مستخلص

عالمنا العربي اليوم أمام خيار مصيري: إما أن ينهض ويدخل عصر اقتصاد المعرفة بقوة وجدية، وإما أن يبقى على الهامش، يتفرج على الآخرين وهم يصنعون المستقبل. الخيار الأول صعب، يتطلب إرادة سياسية قوية، واستثمارات ضخمة، وإصلاحات عميقة، وتغييرًا في العقليات³³. لكنه ليس مستحيلًا؛ فالتاريخ يشهد أن أممًا كانت متخلفة قبل عقود استطاعت أن تتحول إلى قوى معرفية واقتصادية عالمية. الخيار الثاني سهل، لا يتطلب جهدًا: الاستمرار في الاستهلاك والاعتماد على الريع وتصدير العقول واستيراد التكنولوجيا. لكن نتيجته واضحة: التهميش الحضاري، والتبعية الدائمة، وفقدان السيادة³⁴.

ما يُطمئن أن العالم العربي لم يكن يومًا عاجزًا عن الإبداع. حين أُتيحت الفرص، وتوفرت البيئة، أنتج علماء وفلاسفة ومفكرين غيروا وجه التاريخ. المشكلة ليست في العقل العربي، بل في البيئة والنظام والإرادة³⁵. اليوم، الفرصة لا تزال قائمة، لكنها فرصة لن تدوم طويلًا. حركة التغيير في العالم تتسارع، والفجوة تتسع، والوقت ينفد. اقتصاد المعرفة ليس لهوا فكريًا، بل ضرورة بقاء. والسؤال الحقيقي ليس: «هل نستطيع؟»، بل: «هل نريد حقًا بناء اقتصاد معرفي؟»³⁶.

***

مراد غريبي

.......................

الهوامش

1.  محمد عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً لإعادة تعريف السلطة والتأثير"، الاقتصاد الرقمي العربي، 11 أكتوبر 2025، ص 3.

2.  نبيل جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي في الوطن العربي: الفرص والتحديات"، مجلة الباحث، العدد 7 (2010): ص 47.

3.  "هجرة العقول العربية"، موقع علوم اليمن، ص 2.

4.  مركز الملك فهد الثقافي، الاقتصاد المعرفي (الرياض: مركز الملك فهد الثقافي، 2018)، ص 17.

5.  جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي"، ص 48.

6.  عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 5.

7.  المرجع نفسه، ص 6.

8.  جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي"، ص 51.

9.  المرجع نفسه، ص 53.

10.   عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 8.

11.   صالح المطيري، "الابتكار أو الاندثار: البحث العلمي العربي واقعه وتحدياته"، الجمعية الكويتية لحماية البيئة، 25 يوليو 2018، ص 4.

12.   المرجع نفسه، ص 5.

13.   جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي"، ص 55.

14.   عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 9.

15.   المرجع نفسه، ص 10.

16.   عبد الله الجبوري، "مجتمع الاقتصاد المعرفي وآفاق الذكاء الاصطناعي في عالمنا العربي"، موقع كتابات، 15 مارس 2024، ص 3.

17.   "تحديات المستقبل: الاقتصاد المعرفي والبطالة"، الرابطة العربية للتربويين التنويريين، 12 نوفمبر 2025، ص 6.

18.   رياض القاسم، "هجرة الأدمغة العربية: الأسباب والحلول"، مجلة الدراسات القانونية والاقتصادية، المجلد 6، العدد 2 (أكتوبر 2020): ص 232.

19.   "هجرة العقول العربية"، ص 3.

20.   جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي"، ص 57.

21.   المرجع نفسه، ص 58.

22.   عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 11.

23.   الجبوري، "مجتمع الاقتصاد المعرفي"، ص 7.

24.   عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 12.

25.   المرجع نفسه، ص 13.

26.   المرجع نفسه، ص 14.

27.   "تحديات المستقبل: الاقتصاد المعرفي والبطالة"، ص 9.

28.   المرجع نفسه، ص 10.

29.   القاسم، "هجرة الأدمغة العربية"، ص 238.

30.   جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي"، ص 60.

31.   عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 15.

32.   المرجع نفسه، ص 16.

33.   جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي"، ص 61.

34.   المرجع نفسه، ص 62.

35.   المطيري، "الابتكار أو الاندثار"، ص 11.

36.   عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 18.

في المثقف اليوم