عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

تُعد الترجمة من أعظم الإنجازات الإنسانية التي أسهمت في بناء الحضارات وتقريب المسافات بين الشعوب، فهي ليست مجرد عملية نقل الكلمات من لغة إلى أخرى، بل هي وسيلة لنقل الأفكار والثقافات والقيم والمعارف والخبرات الإنسانية. فمنذ القدم أدرك الإنسان أن اختلاف اللغات لا ينبغي أن يكون حاجزًا يمنع التواصل، بل دافعًا للبحث عن وسائل لفهم الآخر والتفاعل معه، وكانت الترجمة هي الوسيلة الأهم لتحقيق هذا الهدف. وبفضلها استطاعت الأمم أن تتبادل العلوم والآداب والفنون، وأن تتعرف إلى عادات وتقاليد غيرها، مما أسهم في نشر المعرفة وتعزيز التفاهم والتعاون بين مختلف الشعوب.

لقد لعبت الترجمة دورًا محوريًا في تطور الحضارات عبر التاريخ، فالحضارات الكبرى لم تنهض بمعزل عن غيرها، وإنما استفادت من منجزات الأمم السابقة من خلال ترجمة الكتب والمؤلفات. فقد ازدهرت حركة الترجمة في الحضارة الإسلامية خلال العصر العباسي، حيث تُرجمت المؤلفات اليونانية والفارسية والهندية في الطب والفلسفة والرياضيات والفلك، مما أدى إلى تطور العلوم وظهور علماء تركوا بصمة كبيرة في تاريخ الإنسانية. وبعد ذلك انتقلت هذه المعارف إلى أوروبا عن طريق الترجمة، فكانت أحد الأسباب التي مهدت لعصر النهضة الأوروبية، وهو ما يؤكد أن الترجمة كانت ولا تزال جسرًا تعبر عليه الحضارات لتبادل الإنجازات والخبرات.

الترجمة ودورها في نقل المعرفة

تمثل الترجمة الوسيلة الأساسية لنقل المعرفة الإنسانية بين الأمم، إذ تتيح للباحثين والطلاب والقراء الاطلاع على أحدث الكتب والدراسات والبحوث المكتوبة بلغات مختلفة. ولولا الترجمة لبقيت كثير من الإنجازات العلمية حبيسة لغاتها الأصلية، ولما تمكنت الشعوب من الاستفادة منها. لذلك أصبحت الترجمة عنصرًا أساسيًا في تقدم الدول، لأنها تسهم في تطوير التعليم والبحث العلمي، وتساعد على مواكبة التطورات المتسارعة في مختلف المجالات.

وفي عصر التكنولوجيا والانفتاح العالمي ازدادت أهمية الترجمة بصورة كبيرة، إذ أصبحت وسيلة لا غنى عنها في مجالات الطب والهندسة والاقتصاد والإعلام والتقنية. كما أسهمت في تسهيل التواصل بين الشركات والمؤسسات الدولية، وأتاحت فرصًا أكبر للتعاون العلمي والثقافي والاقتصادي بين الدول. ولذلك تحرص المؤسسات الكبرى على توفير مترجمين محترفين يمتلكون القدرة على نقل المعنى بدقة مع مراعاة الفروق الثقافية واللغوية.

ولا تقتصر الترجمة على نقل المعلومات فحسب، بل تساعد أيضًا على الحفاظ على التراث الإنساني، إذ تُترجم الأعمال الأدبية والفكرية إلى لغات متعددة، فتصل إلى ملايين القراء حول العالم. وبهذا تسهم في نشر الإبداع الإنساني وإبراز التنوع الثقافي الذي يميز المجتمعات المختلفة.

الترجمة وجسر التواصل بين الشعوب

تؤدي الترجمة دورًا مهمًا في تعزيز التفاهم بين الشعوب، فهي تقرب الثقافات وتزيل الكثير من الصور النمطية والأفكار الخاطئة التي قد تنشأ نتيجة الجهل بالآخر. فعندما يقرأ الإنسان أدب أمة أخرى أو يتعرف إلى تاريخها وثقافتها بلغته، يصبح أكثر قدرة على فهمها واحترام خصوصيتها، مما يعزز قيم التسامح والتعايش والسلام.

كما تسهم الترجمة في دعم الحوار بين الحضارات، لأنها تفتح المجال أمام تبادل الآراء والخبرات، وتساعد على إيجاد حلول مشتركة للقضايا العالمية التي تواجه الإنسانية، مثل التغير المناخي والصحة والتعليم والتنمية المستدامة. فاللغة قد تكون حاجزًا في البداية، لكن الترجمة تجعل هذا الحاجز يختفي، وتمنح الجميع فرصة المشاركة في بناء مستقبل أفضل.

ومن ناحية أخرى، تعد الترجمة عنصرًا أساسيًا في قطاع السياحة والعلاقات الدولية، إذ تسهل التواصل بين الزوار وأصحاب الخدمات، كما تساعد الدبلوماسيين ورجال الأعمال على بناء علاقات قائمة على الفهم والثقة. وفي الوقت نفسه، تسهم في نقل الأخبار والمعلومات بدقة بين مختلف دول العالم، مما يجعلها أداة فعالة لتعزيز التعاون الدولي.

أهمية الترجمة في العصر الحديث

أصبحت الترجمة في العصر الحديث أكثر أهمية من أي وقت مضى، بسبب التطور السريع في وسائل الاتصال وانتشار الإنترنت، حيث أصبح العالم أشبه بقرية صغيرة. ويتبادل الناس يوميًا ملايين الرسائل والمقالات والأبحاث والكتب بلغات متعددة، الأمر الذي جعل الحاجة إلى الترجمة تتزايد باستمرار. كما ساعدت التقنيات الحديثة وبرامج الترجمة الإلكترونية على تسهيل عملية الترجمة، إلا أن المترجم البشري ما زال يحتفظ بدوره الأساسي، لأنه الأقدر على فهم السياق الثقافي والدلالات اللغوية التي قد تعجز عنها البرامج الآلية.

وتبرز أهمية الترجمة كذلك في المجال الأدبي، حيث تتيح للقراء التعرف إلى روائع الأدب العالمي والاستفادة من تجارب الكتّاب والشعراء من مختلف الثقافات. كما تمنح الأدباء فرصة للوصول إلى جمهور عالمي، مما يعزز الحوار الثقافي ويثري الفكر الإنساني. وفي المجال الاقتصادي، تساعد الترجمة على توسيع الأسواق وتشجيع الاستثمار والتجارة الدولية، لأنها تسهل التواصل بين الشركات والعملاء من مختلف الجنسيات.

إن الترجمة ليست مجرد مهنة، بل هي رسالة إنسانية سامية تهدف إلى بناء جسور من الفهم والمحبة بين الشعوب، وإزالة الحواجز اللغوية التي قد تعيق التعاون والتقارب. وهي أداة فعالة لنشر العلم والثقافة، ووسيلة لترسيخ قيم الاحترام المتبادل والتسامح والتعايش السلمي بين الأمم. وكلما ازداد الاهتمام بالترجمة وتطويرها، ازدادت فرص تبادل المعرفة والخبرات، واتسعت آفاق التعاون بين الحضارات المختلفة.

لذا، يمكن القول إن الترجمة كانت ولا تزال بوابة الحضارات وجسر التواصل بين الشعوب، فمن خلالها تنتقل العلوم والآداب والفنون، وتتلاقى الثقافات، وتتقارب الأمم رغم اختلاف لغاتها. ولذلك ينبغي دعم حركة الترجمة وتشجيع المترجمين والاهتمام بتعليم اللغات الأجنبية، حتى تستمر رسالة الترجمة في خدمة الإنسانية، وتظل وسيلة لنشر المعرفة وتعزيز السلام والتعاون بين جميع شعوب العالم، لأن الحضارات لا تزدهر إلا بالحوار والانفتاح والتبادل الثقافي المستمر.

***

د. عصام البرام

 

بين مالك بن نبي ومهدي عامل.. طرف ثابت في معادلة

الفكر الثوري النافذ في الأحداث إلى عقل الأحداث مهما اختلفت اشكال كتابته سواء أكان علما، فلسفة، شعرا، أودينا وفي شتى أنواع المعرفة، هو تَمَلُّكٌ للواقع التاريخي، هذه الكلمات هي من ثمار فكر مهدي عامل، حين يقولبها إلى شعر، فمهدي عامل شاعر قبل أن يكون مفكرا أو فيلسوفا، ولنا أن نربط العلاقة بين الشعر والفلسفة (إن أمكن ذلك طبعا) لأن ثمة اختلافا بينهما، لكن الشاعر حسن حمدان وهو الإسم الحقيقي للمفكر مهدي عامل، إن عالم الأفكار يجمع ولا يفرق، يقرب المسافات بين مفكر وآخر، كن ماركسيا أو كن إسلاميا، أو قوميا، كن سنّيّا أو شيعيا، فأنت وأنا قبل كل شيئ إنسان أبونا آدم وأمّنا حواء، نعيش على هذه الأرض وسنرحل عنها يوما (يابن آدم جئت من التراب وستعود إليه (التراب) كما ولدتك أمك، فلما هذا الغرور والتعصب والهمجية؟، ومهدي عامل هو اسمه الإبداعي، لا يهم إن كان هذا الرجل ماركسيا أو على مذهب آخر، فنحن هنا نتكلم عن الفكر، كمفهوم، والفكر يظل فكرا مهما كانت إيديولوجحية صاحبه، كما نحن هنا نتكلم عن حسن حمدان الشاعر والكاتب، الإنسان المرهف الحس، الذي يلقي بنظه إلى الأفق، يحاول أن يربط العلاقة بين الشعر والفلسفة، أي المزج بين التقابل والتكامل، رغم وجود اختلاف بينهما، فالشعر يعتمد على الخيال والوجدان، بينما تعتمد الفلسفة على العقل والبرهان

يحاول مهدي عامل استنباتط الأدوات القادرة على ترويض الواقع، ويذهب بعيدا وهو ينظر إلى الأفق بنظرة حادة ثابتة فيعمل على ترويض الفكر والسيطرة عليه من خلال الوعي، والممارسة المستمرة، لتغيير الأفكار السلبية أوة الأفكار الميتة، وهذه الأفكار تحدث عنه فيلسوفنا مالك بن نبي عن طريق مراقبة الأفكار وكأنها غيوم تمر في السماء دون أن تصدقها أو تتأثر بها، للتحول إلى أمطار تسقي الأرض وتطهر القلوب المربضة، كإنسان يمارس "اليوغا"، يغمض عينيه ويأخذ نفسا عميقا، ويفتح الأبواب للعقل، وليفكر بحرية ووعي، نعم....، فحياتنا فلسفة، ولكلٍّ مِنّا طريقة تفكيره، لكن الإنسان الكيِّسُ فقط يستطيع أن يفتح باب العقل، حتى ولو كان مفتاحه به صدأ ويترك الأفكار القديمة تخرج يضعها في مصفاة لفحصها وغربلتها.

فكلما اخترقت الفكرة واحدة منها اعترضتها أخرى، حتى نتمكن من اختيار الأفضل منها، يقول حسن حمدان كل كتابة إراءة، فإمّا أن تقبل بالمخاطرة، فينتصر الفكر في محاولة المعرفة، وتنتصر الكتابة حتى لو فشلت المحاولة، لكن يظل الفكر مستمرا ولا يقف بين العلم والجهل حائرا، فينتصر للأول (أي العلم)، اللهم إن هيمن فيه الجهلُ (التعصّب) فهو إذّاك ليس بالفكر، هكذا يضع حسن حمان العقل على بساط التحليل. فالفكر كما يقول مهدي عامل لمن يعد يقنع بأن يظل هو، وأن يُحركه الجاهلون، والجاهلون هم المتعصِّبون، للفكر ...للدين..... وللكتابة أيضا، وهم اليوم يحاربون الكتابة في كل اشكالها وبكل أساليبها، لقد وصف النقاد المفكر والشاعر مهدي عامل كمنظر الثورة وشهيدها ومُعَرّي الطائفية ورموزها، فكانت نهايته الإغتيال، لقد استطاعت الشيوعية الهيمنة على العقول في كل بلاد عربية، حتى أنها وصلت إلى بلادنا (الجزائر) عن طريق الإستعمار، فغيّرت الأفكار والسياسات، ولكنها حاربت الطائفية التي هي اليوم تخرب وتهدم كل ما بناه الأسبقون في مصر وفي لبنان وفي سوريا وفي تونس وفيالجزائر التي عاشت المأساة عشرية كاملة.

كل شيئ حرّموه، حتى الشعر الحُرَّ قالوا عنه كُفْرٌ، يريدون أن تكون قلوب الناس مثل الحجارة، صلبة، جامدة، قاسية، يعني أن يتحول جميعنا إلى "وحوش، نعيش حياة الغاب ونُطَلِّقٌ "الجَمَال" الذي أبدعه فينا الله وفي الطبيعة، "و في أنفسكم أفلا تبصرون)" صدق الله العظيم (سورة الذاريات الآية 21)، وهذا ما أشار إليه حسن حمدان عندما قال: " لم يعد الفكر يقنع أن يظل حيثُ هو، أو حيث كان أو حيث أراد له البعض أن يكون، في عليائه بعيدا عن حقل تلتحم فيه الأحداث بالأحداث، وفيه يُصْنَعُ التاريخ "، يريد الإنسان أن يكون له موقع قلم وموقف يدخل به في العوالم الأخرى، هي العوالم التي تحدث عنها مالك بن نبي (الأشخاص والأفكار والأشياء) وهو يعالج المشكلة الحضارية في ظل شبكة العلاقات الإجتماعية، وقج وضع لها معادلته الشهيرة (حضارة = إنسان+ تراب+زمن)، لقد جعل مالك بن نبي الإنسان جوهر الحياة، من خلال التربية الفكرية، والتهذيب الأخلاقي، والتمكين المعرفي. فالإنسان هو جوهر أي حضارة وأساسها الحقيقي قبل المباني والتقنيات

و فهم الواقع وحده يكون بعقل منفتح مُتَّزِنٍ، دون انغلاق، فلا ينبغي لليَدِ التي تكتبُ أن تكون ملوّثة بالأفكار السوداء أو الأفكار الميتة كتلك التي تحدث عنها مالك بن نبي، وكما قال مهدي عامل: لا طُهْرَ للفكر إلا بانتقائه، فكل يد ملوثة بما تكتب تنحاز حتى حين لا تنحاز، لكن من موقع رفض للتاريخ ومن خارج دائرة زمانه، أي من موقع " القدسيِّ"، هذا الذي هو في التاريخ موقع الفكر الديني، فيختلط الأسود بالأبيض سواء بسواء، ثم تلغى الأضداد فيبقى القدسيُّ وحده (الله المقدس)، فلا شيئ مقدس، لا الفكر ولا الإنسان ولا الطبيعة، إنه طرف ثابت في معادلة، وإن كانت نهاية حسن حمدان الإغتيال برصاص مسلّحين استخدموا مسدسات مزودة بكواتم صوت، فمالك بن نبي عاش منبوذا وهو بين قومه إلى أن مات، وهذا هو الإغتيال المعنوي بأبشع صوره.

(يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم، الذي خلقك فسوّاك فعدلك وفي أي صورة ما شاء ركّبك صدق الله العظيم (سورة الإنفطار الآية رقم 06)

***

علجية عيش

من صناعة الرأي العام إلى سلطة الخوارزميات والذكاء الاصطناعي

على سبيل الافتتاح: شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة في طبيعة العلاقات الإنسانية وأنماط التواصل بفعل الثورة الرقمية التي أعادت تشكيل مفهوم الاتصال، ونقلت الإنسان من فضاء التواصل التقليدي القائم على الوسائط الكلاسيكية إلى فضاء رقمي مفتوح يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والسياسية. فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي إحدى أبرز مظاهر هذا التحول الحضاري، بعدما تحولت من مجرد أدوات للتفاعل الاجتماعي وتبادل الأخبار إلى فضاءات مؤثرة في تشكيل الوعي الجماعي وصناعة المواقف وتوجيه السلوك الفردي والجماعي.

لقد أسهمت منصات التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب وغيرها، في إحداث تغيير جذري في مفهوم المجال العام، إذ لم يعد إنتاج الخطاب وتداوله حكرا على المؤسسات الإعلامية التقليدية أو النخب السياسية والفكرية، بل أصبح الفرد العادي قادرا على إنتاج المحتوى ونشره والتأثير في المتلقين. ومن هنا ظهرت أشكال جديدة من المشاركة الاجتماعية والسياسية، حيث أصبحت هذه المنصات فضاءات للحوار والتعبير عن الرأي، ومجالات لتعبئة الجماهير وتنظيم الحركات الاحتجاجية.

وقد كشفت تجارب سياسية واجتماعية عديدة عن القوة التأثيرية لهذه الوسائل، خصوصا مع بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، حين ارتبطت شبكات التواصل الاجتماعي بالحركات الاحتجاجية التي شهدتها بعض المجتمعات العربية، والتي أطلق عليها إعلاميا اسم " الربيع العربي ". فقد لعبت هذه المنصات دورا بارزا في نقل الأخبار وتنظيم الاحتجاجات وتبادل المعلومات، الأمر الذي جعلها فاعلا جديدا في الحياة السياسية والاجتماعية.

غير أن الوجه الآخر لهذه الثورة التواصلية يطرح مجموعة من الإشكالات المرتبطة بإمكانية توظيف هذه الوسائل في صناعة الرأي الموجه، ونشر الأخبار الزائفة، وإنتاج الخوف الجماعي، والتأثير في اختيارات الأفراد والجماعات. فكما أتاحت وسائل التواصل إمكانات غير مسبوقة للتعبير والحرية، أصبحت في الوقت نفسه مجالا خصبا للتلاعب بالمعلومات وتوجيه السلوك الجماعي عبر تقنيات التأثير النفسي والخوارزميات الذكية.

إن ظاهرة صناعة الرأي والتأثير في الجماهير ليست جديدة في التاريخ الإنساني، فقد ارتبطت منذ القرن العشرين بظهور الأنظمة الشمولية التي وظفت الدعاية السياسية والبروباغندا لتوجيه المجتمعات وخدمة مشاريعها الإيديولوجية. ويعد النظام النازي في ألمانيا أحد أبرز النماذج التاريخية التي كشفت عن خطورة استخدام وسائل الاتصال في تشكيل الوعي الجماعي، حيث تم توظيف الإعلام والخطاب الدعائي من أجل ترسيخ أفكار التفوق العرقي وتبرير السياسات التوسعية والعنف السياسي.

غير أن الفرق بين الماضي والحاضر يكمن في طبيعة الوسائط المستخدمة، فبعد أن كانت الدعاية التقليدية تعتمد على الصحافة والإذاعة والخطابات الجماهيرية، أصبحت اليوم تعتمد على تقنيات رقمية متطورة تستفيد من البيانات الضخمة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي. وهنا يبرز الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد أهم التحولات التكنولوجية المعاصرة، إذ لم يعد مجرد أداة تقنية لتحسين الأداء، بل أصبح عنصرا مؤثرا في طريقة إنتاج المعلومات وترتيبها وتوزيعها.

لقد دخل الذكاء الاصطناعي بقوة في عمل منصات التواصل الاجتماعي من خلال خوارزميات تحليل البيانات، وأنظمة التوصية، وتقنيات تصفية المحتوى، والكشف عن الأخبار الزائفة وخطابات الكراهية. غير أن هذا الاستخدام يثير أسئلة فلسفية وقانونية وأخلاقية حول حدود تدخل الآلة في تنظيم المعرفة والتحكم في تدفق المعلومات، ومدى تأثير ذلك على حرية التعبير وحق الإنسان في الوصول إلى المعلومات المتنوعة.

من هذا المنطلق، تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة العلاقة المعقدة بين وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، من خلال تحليل التحولات التي عرفتها العملية التواصلية الحديثة والكشف عن الأدوار المتناقضة لهذه التقنيات؛ فهي من جهة أدوات لتعزيز المشاركة والانفتاح الديمقراطي، ومن جهة أخرى قد تتحول إلى وسائل للرقابة والتوجيه وصناعة الوعي الزائف.

إشكالية الدراسة:

أحدث التحول الرقمي خلال العقود الأخيرة انقلابا عميقا في طبيعة التواصل الإنساني، حيث لم تعد عملية الاتصال محكومة بالأنماط التقليدية التي تقوم على ثنائية المرسل والمتلقي، بل أصبحت فضاء مفتوحا تتداخل فيه مختلف أشكال التفاعل الاجتماعي والثقافي والسياسي. فقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي للأفراد إمكانات غير مسبوقة للتعبير عن آرائهم، وتبادل المعارف، والمشاركة في النقاشات العمومية، مما جعلها أحد أبرز مظاهر التحول في بنية المجال العام المعاصر.

غير أن هذا الانفتاح الرقمي لم يكن خاليا من الإشكالات، فقد أفرز أنماطا جديدة من التأثير والتحكم في صناعة الرأي العام، حيث انتقلت آليات التوجيه من الخطابات الإعلامية المباشرة إلى أنظمة أكثر تعقيدا تعتمد على تحليل البيانات والخوارزميات الذكية. فأصبح المحتوى الذي يصل إلى المستخدم لا يخضع دائما لاختياره الحر، بل يتأثر بمنطق برمجي يقوم على ترتيب المعلومات وانتقائها وفق معايير تجارية أو سياسية أو خوارزمية، الأمر الذي يطرح أسئلة عميقة حول حدود استقلالية الفرد في بناء مواقفه وتصوراته عن العالم.

ومن هنا تبرز مفارقة العصر الرقمي، فوسائل التواصل الاجتماعي التي كان ينظر إليها باعتبارها أدوات لتحرير المعرفة وتوسيع دائرة المشاركة، أصبحت في الوقت نفسه فضاءات يمكن أن تنتشر فيها الأخبار الزائفة، وخطابات الكراهية، وأشكال التضليل الرقمي، بما يؤثر في تشكيل الوعي الفردي والجماعي. وإذا كانت الدعاية السياسية في القرن العشرين قد اعتمدت على وسائل الإعلام التقليدية لصناعة القناعة الجماهيرية، فإن العصر الرقمي أنتج أشكالا جديدة من التأثير تقوم على الخوارزميات والبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي.

ويزداد هذا الإشكال تعقيدا مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، الذي أصبح حاضرا بقوة في تنظيم المحتوى الرقمي، وتحليل سلوك المستخدمين، والتنبؤ باهتماماتهم، بل والمساهمة في إنتاج المحتوى ذاته. وبينما يقدم الذكاء الاصطناعي إمكانات مهمة في مواجهة التضليل الرقمي وتنظيم الفضاء الافتراضي، فإنه يثير في المقابل مخاوف مرتبطة بحرية التعبير، والخصوصية، والتحيز الخوارزمي، واحتمال تحول التكنولوجيا إلى أداة جديدة لممارسة السيطرة الرمزية على الإنسان.

وانطلاقا من هذه التحولات المتشابكة، تتمحور إشكالية هذه الدراسة حول السؤال المركزي الآتي:

كيف أسهم العالم الرقمي في إعادة تشكيل أنماط التواصل الإنساني وتحويل آليات صناعة الرأي العام من وسائل التأثير التقليدية إلى فضاءات خوارزمية تتحكم في إنتاج المعلومات وتوجيه الوعي؟ وإلى أي حد يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون وسيلة لتعزيز المعرفة والحرية الإنسانية، بدل أن يتحول إلى أداة جديدة لإعادة إنتاج الهيمنة والتضليل في المجتمع الرقمي؟

ويتفرع عن هذه الإشكالية المركزية عدد من الأسئلة الفرعية:

ما التحولات التي عرفتها صناعة الرأي العام منذ مرحلة الدعاية التقليدية إلى عصر التواصل الرقمي؟

كيف ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في توسيع المجال العام، وفي الوقت نفسه في إنتاج أشكال جديدة من التضليل والاستقطاب؟

ما طبيعة الدور الذي تلعبه الخوارزميات في تحديد المعلومات التي يتلقاها المستخدمون وتشكيل تصوراتهم عن الواقع؟

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تحقيق توازن بين حماية الفضاء الرقمي واحترام حرية التعبير؟

ما حدود قدرة الذكاء الاصطناعي على محاكاة القدرات الإنسانية، وما مستقبل العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا؟

أهمية الدراسة:

تظهر أهمية هذه الدراسة من كونها تتناول أحد أكثر الموضوعات راهنية في العصر الرقمي، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءا أساسيا من الحياة اليومية للأفراد والمجتمعات، وأصبحت تؤثر في تشكيل المواقف السياسية والثقافية والاجتماعية.

وتتجلى أهمية الدراسة في النقاط الآتية:

الأهمية العلمية:

تسهم الدراسة في تحليل التحولات التي عرفها مفهوم الاتصال الإنساني في ظل الثورة الرقمية، وربطها بالإشكالات الفكرية المرتبطة بالوعي والسلطة والمعرفة.

الأهمية الاجتماعي:

تبرز الدراسة عن تأثير المنصات الرقمية في تشكيل الرأي العام، وعن مخاطر الأخبار الزائفة والتلاعب بالمعلومات.

الأهمية الفكرية والفلسفية:

تطرح الدراسة أسئلة مرتبطة بعلاقة الإنسان بالتكنولوجيا، وحدود الذكاء الاصطناعي، ومستقبل العقل البشري في ظل التطور التقني المتسارع.

الأهمية النقدية:

تسعى إلى تجاوز النظرة الأحادية للتكنولوجيا، فلا تقدمها باعتبارها عامل تحرير مطلقا أو خطرا ، بل باعتبارها أداة تتحدد قيمتها وفق طبيعة الاستخدام البشري لها.

وسائل التواصل الاجتماعي وصناعة الرأي المتحيز والخوف والتضليل:

الجذور التاريخية لصناعة الرأي العام وآليات التضليل:

إن ظاهرة صناعة الرأي العام والتأثير في الجماهير ليست وليدة العصر الرقمي، بل تمتد جذورها إلى مراحل تاريخية سابقة ارتبطت بتطور وسائل الاتصال واستخدامها كأدوات للتوجيه والسيطرة. فقد أدركت الأنظمة السياسية منذ بداية القرن العشرين أهمية التحكم في الخطاب الإعلامي باعتباره وسيلة أساسية لتشكيل وعي الجماهير وتوجيه مواقفها بما يخدم أهدافا سياسية أو إيديولوجية معينة.

وقد شكلت الحربان العالميتان الأولى والثانية لحظة تاريخية بارزة في تطور أساليب الدعاية السياسية، حيث انتقلت الدعاية من مجرد نقل المعلومات إلى صناعة خطاب موجه يستهدف التأثير النفسي والفكري في الجماهير. ويعد النظام النازي في ألمانيا أحد أكثر النماذج وضوحا في هذا المجال، إذ أنشأ جهازا دعائيا ضخما تولته وزارة الدعاية بقيادة جوزيف غوبلز، بهدف توجيه الرأي العام الألماني وترسيخ المشروع السياسي للنظام.

لم تكن الدعاية النازية مجرد عملية إعلامية عابرة، وإنما كانت مشروعا متكاملا لإعادة تشكيل الوعي الجماعي، حيث استهدفت ثلاثة مستويات أساسية:

المستوى الفكري وصناعة القناعة الجماعية:

اعتمد النظام النازي على إعادة صياغة إدراك المواطن الألماني للعالم، من خلال تقديم الحرب باعتبارها ضرورة تاريخية ومشروعا لاستعادة مجد ألمانيا. فقد تم توظيف الخطابات السياسية والصور والملصقات والشعارات من أجل خلق قناعة جماعية مفادها أن التوسع العسكري يمثل طريقا نحو استعادة المكانة الدولية.

وهنا تظهر خطورة الدعاية حين تتحول من وسيلة لإيصال المعلومات إلى أداة لإنتاج حقيقة بديلة، حيث يصبح الفرد لا يتعامل مع الواقع كما هو، بل مع صورة مصطنعة عنه يتم بناؤها وفق أهداف السلطة.

المستوى النفسي وتوظيف العاطفة الجماهيرية:

اعتمدت الدعاية السياسية النازية على استثمار الجانب النفسي لدى الجماهير، خصوصا مشاعر الخوف والإحباط والرغبة في الانتقام بعد آثار معاهدة فرساي التي اعتبرها الألمان إذلالا تاريخيا. فقد تم تحويل هذه المشاعر إلى طاقة سياسية موجهة نحو قبول الحرب والتوسع.

وهذا يؤكد أن صناعة الرأي لا تقوم فقط على تقديم الأفكار، وإنما تعتمد كذلك على التحكم في الانفعالات الجماعية، لأن الإنسان غالبا ما يتخذ مواقفه بناء على منظومة من المشاعر قبل أن تكون نتيجة لتحليل عقلاني.

المستوى الاجتماعي والجسدي وتعبئة المجتمع:

لم تقتصر الدعاية النازية على الجانب الفكري والنفسي، بل امتدت إلى إعادة تنظيم المجتمع وفق متطلبات المشروع العسكري، حيث تم توظيف مختلف الفئات الاجتماعية لخدمة الدولة الحربية، بما في ذلك النساء والأطفال.

وقد غلف هذا الاستغلال بخطاب يقوم على مفاهيم مثل الوطنية والتضحية والانتماء، مما جعل الفرد يتحول إلى أداة داخل منظومة سياسية شاملة.

البروباغندا وصناعة الحقيقة الزائفة:

يشير مفهوم البروباغندا إلى نشر أفكار ومعلومات بطريقة موجهة بهدف التأثير في مواقف الأفراد وسلوكياتهم، وهي تختلف عن الإعلام الموضوعي الذي يقوم على التعددية والتوازن، لأنها تعتمد غالبا على الانتقاء والتوجيه وإخفاء جزء من الحقيقة.

وقد بينت التجارب التاريخية أن أخطر أشكال الدعاية لا تكمن في الكذب الصريح فقط، بل في القدرة على إعادة ترتيب الواقع وتقديم تفسير واحد للأحداث، بحيث يصبح المتلقي مقتنعًا بأنه يختار بحرية، بينما يكون في الحقيقة خاضعًا لمنظومة من الرسائل الموجهة.

ومن هذا المنظور يمكن الربط بين التجربة التاريخية للدعاية السياسية وبين أشكال التضليل الحديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ تغيرت الأدوات والوسائط، لكن بقي الهدف الأساسي متمثلًا في التأثير على الوعي الجماعي.

المجال العام عند هابرماس وإشكالية التواصل العقلاني:

يرتبط تحليل وسائل التواصل الاجتماعي ارتباطا وثيقا بتصور الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس حول مفهوم المجال العام، باعتباره فضاء يسمح للأفراد بمناقشة القضايا المشتركة بحرية اعتمادًا على الحوار العقلاني والحجاج.

فالمجال العام الحقيقي لا يقوم فقط على وجود فضاء للتواصل، وإنما يشترط توفر مجموعة من القيم، لعل من أهمها:

حرية التعبير.

احترام الاختلاف.

الاحتكام إلى العقل والحجة.

إمكانية مشاركة جميع الفاعلين الاجتماعيين.

غير أن وسائل التواصل الاجتماعي، رغم أنها فتحت فضاء واسعا للتعبير، تطرح تحديات جديدة أمام هذا النموذج، لأن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة وجود تواصل عقلاني. فقد يتحول الفضاء الرقمي إلى مجال للصراع الرمزي وانتشار الأخبار الكاذبة وخطابات الكراهية.

ومن هنا تظهر المفارقة الأساسية:

فوسائل التواصل الاجتماعي منحت الإنسان قدرة غير مسبوقة على الكلام، لكنها لم تضمن دائمًا القدرة على الحوار

وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها صيغة جديدة لصناعة الرأي العام:

الثورة الرقمية وتحول مفهوم الاتصال:

مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، أحدثت شبكة الإنترنت تحولا جذريا في طبيعة الاتصال الإنساني، حيث انتقل العالم من نموذج الاتصال العمودي الذي تتحكم فيه المؤسسات الإعلامية الكبرى إلى نموذج أفقي يسمح بتعدد مصادر إنتاج المعلومات.

لقد أتاحت الإنترنت إمكانات هائلة تتمثل في:

سرعة تداول الأخبار.

سهولة الوصول إلى المعرفة.

تجاوز الحدود الجغرافية.

خلق مجتمعات افتراضية قائمة على الاهتمامات المشتركة.

وبذلك أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي امتدادا طبيعيا لهذا التحول، حيث لم يعد المستخدم مجرد متلقٍ للمعلومة، بل أصبح منتجًا وناشرًا ومشاركًا في صناعة المحتوى.

وسائل التواصل الاجتماعي وتشكيل الرأي السياسي والاجتماعي:

أثبتت التجارب السياسية الحديثة أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت فاعلا مؤثرا في الحياة العامة، إذ انتقلت من وظيفة التواصل الشخصي إلى التأثير في الانتخابات والحركات الاجتماعية وصناعة القرار.

ففي الانتخابات الرئاسية الأمريكية سنة 2008، شكل استخدام الحملات الرقمية نموذجًا جديدًا للتواصل السياسي، حيث تم توظيف المنصات الاجتماعية للوصول إلى الناخبين وبناء شبكات من المؤيدين.

كما ظهرت أهمية هذه الوسائل خلال الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية في مناطق مختلفة من العالم، حيث ساهمت في سرعة انتشار الأخبار وتنظيم الحشود الافتراضية وتحويلها إلى حركات واقعية.

لكن هذا الدور الإيجابي لا يخفي المخاطر المرتبطة بإمكانية استغلال البيانات الشخصية وتوجيه السلوك الانتخابي، كما كشفت قضية شركة Cambridge Analytica التي أثارت نقاشا حول حدود استخدام بيانات المستخدمين في التأثير السياسي.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البشرية: بين التطور التقني وأسئلة الحرية والوعي:

الذكاء الاصطناعي بوصفه تحولا معرفيا وتكنولوجيا جديدا:

يمثل الذكاء الاصطناعي أحد أبرز التحولات العلمية والتكنولوجية في القرن الحادي والعشرين، حيث انتقل من كونه مجالا متخصصا داخل علوم الحاسوب إلى قوة مؤثرة في مختلف مجالات الحياة الإنسانية. فلم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية تهدف إلى تنفيذ عمليات حسابية أو معالجة بيانات، بل أصبح منظومة قادرة على التعلم والتحليل واتخاذ بعض القرارات اعتمادا على خوارزميات معقدة وكمّ هائل من المعلومات.

ويقوم الذكاء الاصطناعي في جوهره على محاولة محاكاة بعض القدرات العقلية البشرية، مثل التعلم، والاستنتاج، والتعرف على الأنماط، ومعالجة اللغة الطبيعية، واتخاذ القرار. وقد تطورت هذه التقنيات بشكل متسارع بفضل تطور الحوسبة، وتوفر البيانات الضخمة، وظهور تقنيات التعلم الآلي والتعلم العميق.

غير أن هذا التطور يطرح سؤالا فلسفيا جوهريا يتعلق بطبيعة العلاقة بين الإنسان والآلة: هل نحن أمام أدوات تقنية متقدمة تساعد الإنسان على تطوير قدراته، أم أمام مرحلة جديدة قد تجعل الآلة منافسا للعقل البشري؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب التمييز بين مفهومين أساسيين: الذكاء بوصفه قدرة حسابية ومعالجة للمعلومات، والذكاء بوصفه وعيا وتجربة إنسانية قائمة على الفهم والقيم والأخلاق. فالآلة تستطيع تحليل كميات هائلة من البيانات بسرعة تفوق الإنسان، لكنها لا تمتلك بالضرورة الوعي الإنساني بما يحمله من إحساس بالذات وقدرة على بناء المعنى.

تطبيقات الذكاء الاصطناعي في وسائل التواصل الاجتماعي:

أصبحت منصات التواصل الاجتماعي من أكثر المجالات استفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث تعتمد هذه المنصات على خوارزميات متقدمة لتحليل سلوك المستخدمين، واقتراح المحتويات، وتنظيم تدفق المعلومات.

وتتمثل أهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في هذه المنصات في:

خوارزميات التوصية وصناعة المحتوى الموجه:

تعتمد شبكات التواصل الاجتماعي على تحليل اهتمامات المستخدمين وسلوكياتهم الرقمية، مثل الصفحات التي يتابعونها، والمحتويات التي يتفاعلون معها، والمدة التي يقضونها في مشاهدة منشور معين.

وبناء على هذه البيانات، تقوم الخوارزميات بإنشاء تجربة رقمية شخصية لكل مستخدم، بحيث تختلف الأخبار والمنشورات التي تظهر لشخص عن تلك التي تظهر لشخص آخر.

ورغم أن هذه التقنية تهدف إلى تحسين تجربة الاستخدام، فإنها تثير إشكالية مهمة تتمثل في إمكانية عزل الفرد داخل ما يسمى بـ "فقاعات التصفية"، حيث يجد المستخدم نفسه محاطا بمعلومات تتوافق مع اهتماماته السابقة فقط، مما قد يؤدي إلى ضعف الانفتاح على الآراء المختلفة.

وهنا يظهر خطر جديد يتمثل في أن الإنسان لم يعد يختار دائمًا ما يراه، بل أصبحت الخوارزميات تشارك في تحديد المجال المعرفي الذي يتحرك داخله.

الذكاء الاصطناعي ومراقبة المحتوى الرقمي:

مع الانتشار الهائل للمحتوى الذي ينتجه المستخدمون، أصبحت الشركات الرقمية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لمراقبة المنشورات والصور والفيديوهات والكشف عن المحتويات المخالفة.

وتستخدم هذه التقنيات في:

الكشف عن خطاب الكراهية.

محاربة التحريض على العنف.

رصد الحسابات الوهمية.

الحد من الأخبار الزائفة.

حماية حقوق الملكية الفكرية.

وتكمن أهمية هذه الوظائف في قدرتها على معالجة ملايين المنشورات في وقت قصير، وهو أمر يصعب تحقيقه بالاعتماد على العنصر البشري فقط.

لكن هذه الوظيفة تطرح في المقابل إشكالات مرتبطة بحدود السلطة التي تمنح للخوارزميات، إذ إن عملية تصنيف المحتوى ليست دائمًا دقيقة، لأن اللغة الإنسانية ترتبط بالسياق والثقافة والتاريخ، وهي عناصر قد لا تستطيع الآلة فهمها بشكل كامل.

الذكاء الاصطناعي بين حماية الفضاء الرقمي وتهديد حرية التعبير:

يشكل موضوع حرية التعبير أحد أبرز التحديات المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في وسائل التواصل الاجتماعي. فمن جهة، يمكن لهذه التقنيات أن تساهم في خلق فضاء رقمي أكثر أمنا من خلال مواجهة خطاب الكراهية والمعلومات المضللة.

ومن جهة أخرى، قد تتحول هذه التقنيات إلى وسيلة للحد من حرية التعبير إذا تم استخدامها بطريقة غير شفافة أو دون معايير واضحة.

إيجابيات الذكاء الاصطناعي في تنظيم المحتوى:

يمكن تحديد أهم الإيجابيات في النقاط التالية:

مواجهة التضليل الرقمي:

يساعد الذكاء الاصطناعي في اكتشاف أنماط الأخبار الزائفة وتحليل مصادر المعلومات، مما يساهم في الحد من انتشار الشائعات.

الحد من خطاب الكراهية والعنف:

تستطيع الخوارزميات تحليل النصوص والصور والفيديوهات للكشف عن المحتويات التي تحرض على العنف أو التمييز.

حماية المستخدمين:

تساهم الأنظمة الذكية في حماية الأطفال والمستخدمين من المحتويات الضارة أو غير المناسبة.

تقليل الضغط النفسي على العاملين في مراقبة المحتوى:

إن مراقبة المحتويات العنيفة أو الصادمة تمثل عبئا نفسيا كبيرا على العاملين في هذا المجال، لذلك تساعد الخوارزميات في تقليل تعرضهم المباشر لهذه المواد.

مخاطر الذكاء الاصطناعي على حرية التعبير:

رغم أهمية هذه التقنيات، فإنها لا تخلو من مخاطر متعددة:

خطر الرقابة الخوارزمية:

قد تؤدي الخوارزميات إلى حذف محتويات مشروعة بسبب سوء فهم السياق أو عدم قدرتها على التمييز بين النقد وخطاب الكراهية.

فاللغة الإنسانية ليست مجرد كلمات منفصلة، وإنما هي شبكة معقدة من المعاني المرتبطة بالسياق الثقافي والاجتماعي.

التحيز الخوارزمي:

تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على البيانات التي يتم تدريبها عليها، وإذا كانت هذه البيانات تحمل تحيزات بشرية، فإن النظام قد يعيد إنتاج هذه التحيزات.

وهذا يطرح سؤالا مهما: هل الذكاء الاصطناعي محايد فعلا، أم أنه يعكس قيم ومواقف الجهات التي قامت بتطويره ؟

التحكم غير المرئي في المعلومات:

قد يشعر المستخدم بأنه يتصفح العالم بحرية، بينما تكون الخوارزميات قد رتبت له المعلومات وفق معايير تجارية أو سياسية أو خوارزمية لا يدركها.

وهنا تظهر إشكالية جديدة تتمثل في انتقال السلطة من التحكم المباشر في المعلومات إلى التحكم غير المرئي في طريقة ظهورها وانتشارها.

حدود الذكاء الاصطناعي ومستقبل الإنسان:

رغم التطور الكبير الذي حققه الذكاء الاصطناعي، فإن الحديث عن تجاوزه الكامل للإنسان يبقى موضوعا فلسفيا مفتوحا.

فالذكاء الاصطناعي يمتلك قدرة هائلة على معالجة المعلومات، لكنه يفتقر إلى عناصر أساسية مرتبطة بالوجود الإنساني، مثل:

الوعي بالذات.

التجربة الشعورية.

الحس الأخلاقي.

القدرة على إنتاج المعنى.

وقد أكد عدد من الفلاسفة والباحثين أن الآلة، مهما بلغت درجة تطورها، تظل مرتبطة بالتصميم البشري وبالأهداف التي يحددها الإنسان.

وفي هذا السياق يرى الفيلسوف هوبرت دريفوس أن الحاسوب لا يستطيع محاكاة كل جوانب التفكير البشري، لأن العقل الإنساني لا يقوم فقط على معالجة المعلومات، بل يرتبط بالتجربة الحية والسياق والمعنى.

ومن هنا فإن مستقبل البشرية لن يتحدد بوجود الذكاء الاصطناعي ذاته، وإنما بطريقة استخدامه، وبقدرة الإنسان على وضع إطار أخلاقي وقانوني يضمن أن تبقى التكنولوجيا في خدمة الإنسان وليس العكس.

على سبيل الختام:

بينت هذه الدراسة أن وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي يمثلان أحد أبرز التحولات التي أعادت تشكيل طبيعة الاتصال الإنساني في العصر الرقمي، حيث لم يعد التواصل مجرد عملية بسيطة تقوم على نقل الرسائل بين المرسل والمتلقي، بل أصبح منظومة معقدة تتداخل فيها التكنولوجيا والاقتصاد والسياسة والثقافة، وتؤثر بشكل مباشر في تشكيل الوعي الفردي والجماعي.

لقد أظهرت الدراسة أن وسائل التواصل الاجتماعي تحمل وجهين متناقضين؛ فهي من جهة فضاءات جديدة لتعزيز حرية التعبير، وتوسيع دائرة المشاركة الاجتماعية والسياسية، وتمكين الأفراد من إنتاج المعرفة وتبادلها خارج الأطر التقليدية. فقد ساهمت هذه المنصات في ظهور أشكال جديدة من المواطنة الرقمية، وفتحت المجال أمام فئات واسعة للمشاركة في النقاش العمومي والتعبير عن قضاياها ومطالبها.

غير أن هذه الإمكانات التحررية لا تمنع من الاعتراف بأن هذه الوسائل أصبحت في الوقت نفسه مجالا لإعادة إنتاج أشكال جديدة من التأثير والسيطرة. فإذا كانت الدعاية السياسية في القرن العشرين تعتمد على وسائل الإعلام التقليدية والخطابات الجماهيرية، فإن العصر الرقمي أفرز أشكالا أكثر تعقيدا من التأثير تقوم على تحليل البيانات الشخصية، واستثمار الخوارزميات، وتوجيه المحتوى بما ينسجم مع أهداف اقتصادية أو سياسية معينة.

وقد بين التحليل التاريخي أن صناعة الرأي العام ليست ظاهرة جديدة، إذ عرفتها الأنظمة الشمولية خلال القرن العشرين، خاصة من خلال استخدام البروباغندا لتشكيل وعي الجماهير وتوجيهها. غير أن الاختلاف الأساسي يكمن في أن أدوات التأثير الحديثة أصبحت أكثر خفاء وتعقيدا، لأنها لا تعتمد فقط على الرسائل المباشرة، بل على أنظمة خوارزمية تعمل خلف الشاشات وتؤثر في ما يراه المستخدم وما لا يراه.

كما كشفت الدراسة أن الذكاء الاصطناعي يمثل مرحلة جديدة في تاريخ الاتصال، فهو يتيح إمكانات مهمة في تنظيم المحتوى، ومواجهة الأخبار الزائفة، والكشف عن خطابات الكراهية والعنف، غير أنه يطرح في المقابل مجموعة من الإشكالات المرتبطة بالخصوصية، وحرية التعبير، والتحيز الخوارزمي، وإمكانية تحول التكنولوجيا إلى أداة للرقابة غير المرئية.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه البشرية اليوم لا يتمثل في التطور التقني ذاته، وإنما في كيفية بناء علاقة متوازنة بين الإنسان والتكنولوجيا؛ علاقة تجعل الذكاء الاصطناعي وسيلة لتعزيز القدرات البشرية وليس بديلا عنها، وتحافظ على قيم الحرية والتعددية والكرامة الإنسانية.

وعليه، فإن مستقبل الاتصال الرقمي سيظل رهينا بقدرة المجتمعات على تطوير وعي نقدي يمكنها من الاستفادة من مزايا التكنولوجيا، مع مواجهة مخاطرها الأخلاقية والاجتماعية والسياسية.

نتائج الدراسة:

خلصت الدراسة إلى مجموعة من النتائج الأساسية، يمكن إجمالها فيما يلي:

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي فاعلا مركزيا في تشكيل الرأي العام المعاصر، ولم تعد مجرد أدوات للتواصل الشخصي، بل تحولت إلى فضاءات مؤثرة في السياسة والثقافة والمجتمع.

توجد استمرارية تاريخية بين الدعاية التقليدية والتضليل الرقمي الحديث، إذ تغيرت الوسائل والأدوات، لكن بقي الهدف المتمثل في التأثير في الوعي الجماعي وتوجيه السلوك.

أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في توسيع المجال العام الرقمي، لكنها لم تحقق دائمًا شروط التواصل العقلاني الذي تحدث عنه هابرماس، بسبب انتشار خطاب الكراهية والأخبار الزائفة والاستقطاب.

أصبحت الخوارزميات عنصرا أساسيا في تحديد طبيعة المعلومات التي يتلقاها المستخدمون، مما يجعلها شريكا خفيًا في تشكيل الإدراك الفردي للعالم.

تمثل" فقاعات التصفية" أحد أبرز تحديات البيئة الرقمية، لأنها قد تؤدي إلى عزل الأفراد داخل دوائر معرفية مغلقة تعزز مواقفهم السابقة وتحد من الانفتاح على الاختلاف.

يساهم الذكاء الاصطناعي في تحسين أمن الفضاء الرقمي من خلال الكشف عن المحتوى الضار، ومواجهة الحسابات الوهمية، والحد من انتشار بعض أشكال التضليل.

لا يخلو استخدام الذكاء الاصطناعي من مخاطر حقيقية على حرية التعبير، بسبب احتمال وقوع أخطاء في تصنيف المحتوى، أو حذف منشورات مشروعة، أو إعادة إنتاج تحيزات موجودة في البيانات المستخدمة.

يبقى الذكاء الاصطناعي مختلفا عن الذكاء الإنساني، لأنه يفتقر إلى الوعي والتجربة الذاتية والقدرة الأخلاقية، رغم تفوقه في سرعة معالجة البيانات.

أصبح الوعي الرقمي ضرورة اجتماعية وثقافية، لأن حماية الفرد في العصر الرقمي لا تعتمد فقط على القوانين، بل كذلك على قدرته على التفكير النقدي وتمييز المعلومات الصحيحة من الزائفة.

توصيات الدراسة:

بناء على النتائج السابقة، تقترح الدراسة مجموعة من التوصيات لعل من أهمها ما يأتي:

في المجال التربوي والثقافي:

إدماج التربية الرقمية والتفكير النقدي في المؤسسات التعليمية، من أجل إعداد أفراد قادرين على التعامل الواعي مع المعلومات الرقمية.

تعزيز ثقافة التحقق من الأخبار قبل نشرها أو تداولها.

نشر الوعي بمخاطر التضليل الرقمي وأساليب التأثير النفسي عبر المنصات الاجتماعية.

في المجال القانوني والأخلاقي:

وضع تشريعات واضحة تنظم استخدام البيانات الشخصية وتحمي خصوصية المستخدمين.

ضمان الشفافية في عمل خوارزميات الذكاء الاصطناعي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتنظيم المحتوى.

إيجاد توازن بين مكافحة خطاب الكراهية وحماية الحق في التعبير الحر.

في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي:

تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تراعي التنوع الثقافي واللغوي للمجتمعات المختلفة.

الحد من التحيزات الخوارزمية من خلال تحسين البيانات المستخدمة في تدريب الأنظمة الذكية.

تعزيز التعاون بين المختصين في التكنولوجيا والفلسفة والقانون والعلوم الإنسانية لضمان استخدام أخلاقي للذكاء الاصطناعي.

في مجال البحث العلمي:

تشجيع الدراسات متعددة التخصصات التي تجمع بين علوم الاتصال والدراسات الرقمية والفلسفة وعلم الاجتماع.

مواصلة البحث في تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل المعرفة والإنسان والعمل.

دراسة التحولات الجديدة التي ستنتج عن تطور الذكاء الاصطناعي التوليدي وتأثيره على إنتاج المحتوى.

بقلم د. منير محقق: كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ الحضاري والسياسي.

***

د. منير محقق

 

مانيفستو الوهم والجمال

يعجبني كثيرا أن أباهي بشعري الرطب المنساب وببريقه الأخاذ. تضحك زوجتي وأحيانا صغاري عندما أصرّ على هذا الادعاء. أبتسم عادة لأن حكاية شعري الذي ليس رطباً ولا منساباً ليست إلا أحد الأوهام التي أعيشها، وأتملكها بإضمار خفي وممتع، ربما لصورة أريد أن أكون عليها. وكلما ألححت، قالت لي زوجتي. أرني شعرك الرطب. فأمد يدي إليه كمن يلمس شيئا ليس له، ثم أعيدها خالية. غير أن الخلو لا يزعجني، لأن المتعة كانت في اللحظة التي سبقت اللمس، حين كان الشعر رطباً في خيالي. أعني بلا مواربة أن الوهم لا يُهزم باللمس، فاللمس وحده قد يمنحنا فرصة أن نكتشف أن الخيال أمتع من الجسد.

يرتهن كل هذا إلى افتقاد أزلي للإحساس الصحيح بالنفس. أعني عدم قدرة الوعي الباطني على التنبه الدائم للمقاس أو لطريقة الامتداد في الفضاء. هذا التوجس المستمر للموضع يشكل تمريناً على اكتشاف ذاتي. فعادة اللباس مثلا غادرت وظيفتها الأخلاقية والوقائية إلى وظيفة استعمالية واجتماعية، فصيغة الموضة تعتمد الهوس الدائم بالتعين واكتشاف المقاس واحتجاز الفضاء. طريقة متواترة لاكتشاف هذا الجسد الذي يمجد هوسنا الدائم بشكلنا المفقود.

هذا الوهم نفسه يدعو إلى الإصرار على فتح دولاب قديم والنظر في أشيائه اليائسة، والتأكد كل مرة من وجودها، من غير أن ننفض الغبار عنها. لا تبدو قصة الدولاب اعتباطا. لأن عدم الإقلاع عن هذا الطقس سيعطيك الانطباع أن شيئاً خفياً يسكن في ظلمته، ولأنه كان بعيداً عن المجانية التي تأكل منا نصف العمر. لماذا هذا الدولاب بالذات؟ لماذا نفتحه ولا ننفض غباره؟ لأنّنا لا نريد أن نراه نضراً. نريده كما هو مهملاً، يائساً. يأس الطرف الآخر طمأنينة. فالأشياء التي هجرنا الاهتمام بها وتُركت جانبا، تشهد أننا كنا هناك. كالجرح الذي نضغط عليه كي نتحقق أنه ما زال يؤلم. أعني أن الدولاب خزانة أوقات لم نعشها بالكامل. نفتحه كي نعيشها ناقصة. ثم نفعل ذلك مع المستقبل أيضا. نتخيل كلمات ستقال لنا، أو انتصارات سنحققها، ثم نعيش فرحتها قبل أوانها. نعود إلى تخيلها حين لا تتحقق. عندما تسألنا الذاكرة: هل كان هذا حقيقة؟ نقف حائرين. هذه الحيرة هي اللذة. أظنها رياضة في تأجيل خيبة الأمل، وتمريناً على احتمال أن تكون الحقيقة أقل بهاء

يحدث أن أستيقظ كل صباح وفي يدي بقايا حلم لم يكتمل. أحاول أن أمسك بخيطه قبل أن يفلت، كمن يركض خلف دخان. أغمض عيني من جديد لعلي أستكمله. لكن استعادته أشبه بمن يحاول أن يمد يده إلى ماء يجري. تخبرني زوجتي أنني تكلمت كثيراً في النوم؟ فأروي لها، هربا من الحرج، حكاية مبتورة وأزين فراغاتها بتفاصيل من عندي، حتى يصير ما أرويه أجمل مما رأيته.

تمتلك الكتابة هذا الاعتقاد الدائم بالاكتمال والبهاء. حتى تلك التي تُقترف ببشاعة، لا تنحاز إلى ذائقتنا فقط، لكنها تتهرب من النقد. الكتابة فعل ذهني موقوت بلحظة ضاغطة، قادرة على تجميع الجهد الفكري من كل الاتجاهات. لي فيها عجب أن أكتب الفقرة فأظنها مكتملة. ثم أعود فأرى فراغات لم تكن هناك، أو جملة كأنها لم تُكتب بيدي. وكأن النص كائن حي يمتد وينكمش، أو مرآة متغيرة كلما ابتعد الناظر. لست أدري إن أخطأت في التقدير أم إن النص يتهرب مني؟ لعل كليهما صواب.

أكتب الكلمة وأظن أنني وضعت فيها كل ما أريد، كمن يغلق حقيبة على أشيائه ويطمئن أنها هناك. ثم يقرأها آخر فيخرج منها بغير ما وضعت، وكأن الحقيبة انفتحت في الطريق ونثرت محتواها على قارعة أخرى. لا أغضب من هذا، لأنني أدرك أن معاني اللغة وهم مشترك. أتوهم أنني قلت ويتوهم أنه فهم. تولد بينهما قراءة ثالثة لا تشبه نيتي ولا تخون فهمه. لنقل كاتباً، أي كاتب يعيد قراءة رسائله القديمة فيجد نفسه فيها غريباً رغم أن الحبر لم يتغير. فماذا تغير إذن؟ لا شيء إلا أنه صار قارئا لنفسه. هو أمر قد يبدو اعتباطا لكن للمسافة والزمن أثر. أظن أن كل رسالة زجاجة نرميها في بحر، لا نعرف أي شاطئ سيلتقطها، ولا أي وجه سيبتسم أو يعبس حين يقرأها. هذا الجهل بالمصير هو ما يمنح الكتابة نشوتها. إننا نرميها إلى الريح، ونصدق أنها ستعود كما أردناها.

لا ينافي الوهم الجمالي الإدراك. على المرء أن يميز أن الذائقة في تحولاتها تفقد موازين التقنين. نمسك الجمال كمن يمسك الماء بيديه. يتسرب كلما اشتد القبض عليه. هذا ما جعل النقاد يختلفون في تعريفه، لأنه يفر من التعريف كما يفر الظل من الضوء. الجمال ليس صفة في الشيء. هو لحظة تواطؤ بين الشيء والناظر والمتلقي. ما أراه جمالاً، قد يراه الآخر قبحاً. لسنا أمام خطأ أو صواب. نحن أمام بصمات. لعل هذا هو المقاس الحقيقي. ليس مقاساً للجمال في ذاته. هو مقاس لقدرتنا على الاختلاف دون أن نكسر المرايا.

ترتهن قوة النص إلى هذا الظن المحفز على الانتشاء بالمعنى، أو التصور الدائم بالقبض على الجمال. لا يختلف عن إعجابنا بأصواتنا تحت الدش، أو قدرتنا على الغناء بصوت أوسع من أم كلثوم فقط في صمتنا. تعتمد رواية بروست "البحث عن الزمن الضائع" على خدعة النظر. يرى من بعيد شجرة واحدة وهو يعلم أنها غابة، لكنه يقبل الخدعة. إننا في النهاية رواة نبحث عن زمن أضعناه عن قصد.

يحدث أن أرى صورة قديمة التقطها صديق منذ سنوات، فلا أتعرف على الجالس فيها. أقول لنفسي. هل هذا أنا حقاً؟ أشعر أن الصورة تخونني أكثر مما تخلدني، لأنها حبست لحظة واحدة وزعمت أنها أنا جمبعا، بينما كنت في تلك اللحظة أفكر في شيء آخر تماما،. ربما في وجبة الغداء أو في دَين لم أسدده. يحمل كل منا صورا كثيرة يوزعها على الناس دون أن يقصد. أعجب كيف تُبنى هوية من شذرات متناثرة في رؤوس آخرين، كفسيفساء موزعة لا نملك منها إلا قطعة واحدة بينما الباقي محفوظ عند غرباء لن نلتقيهم ثانية. أتساءل أحياناً: أي صورة ستبقى بعدي؟ ولمن؟ أدرك أن هذا السؤال نفسه ملتبس، لأن البقاء ليس ملكاً أقرره. هو ملك الذاكرة التي ستحتفظ بما يحلو لها وتنسى الباقي أو ترميه.

تبقى لحظة الجمال مرهونة بوهم الجمال التام أو الكمال، رغم زعمها أن النص فوق المعنى. الامتداد في الفضاء لا يعادله إلا المقام في اعتقادنا نحن. أعرف أنني أمام المرآة أرى كل صباح وجهاً ليس وجهي تماما. أرى فيه شيئاً من أبي، من صديق قديم، من بطل فيلم قديم. أحاول أن أميز ملامحي فلا أعثر عليها. ثم أبتسم، لأن هذا التشوه هو ما يجعلني أنا. فلو كنت شبيها لنفسي، لكان دليلا على أنني لم أعش.

لن تكون هذه دعوة للقرار داخل لعبة تحرسها فزاعة. هي محاولة تقول إن تكريس مفهوم لذائقة معينة تحكمه الأوهام. التراكم لا يبرر وحده علو العمل الفني، لكنه يؤكد أنه ينحاز إلى الذائقة الجمعية، مثلما أريد أن أباهي بشعري المنساب.

***

سعيف علي

السينما والدين بين هيمنة النص وتحديات الشاشة

السينما والتاريخ الإسلامي بين التوثيق والدراما

تناقش العلاقة بين السينما والتاريخ الإسلامي إشكالية كبرى تتعلق بمدى قدرة الفن السابع على أن يكون مرجعاً تاريخياً موضوعياً، في مواجهة طبيعته الصناعية والتجارية التي تفرض لغة الدراما والإثارة وتبسيط الأحداث. ويبرز في صدارة هذا النقاش جذور التأسيس العالمي والمحلي؛ بدءاً من انطلاقة السينما العالمية في 28 ديسمبر 1895 على يد الأخوين لوميير (لويس وأوغِست لوميير)، وظهور أول فيلم أجنبي ذو طابع تاريخي وديني مثل "شغف المسيح" عام 1898، وصولاً إلى السينما العربية والمصرية التي دشنت مسيرتها بفيلم "ليلى" عام 1927 للمخرج استيفان روستي وإنتاج أزهار قيصر، قبل أن تنطلق الأفلام الدينية والتاريخية الإسلامية البارزة مثل فيلم "ظهور الإسلام" (1951) المقتبس من رواية "الوعد الحق" لعميد الأدب العربي طه حسين، وتلاه فيلم "فجر الإسلام" (1971) للمخرج صلاح أبو سيف، وصولاً إلى الملحمة العالمية "الرسالة" (1976) للمخرج مصطفى العقاد. لقد أدى الاعتماد غالباً على قالب "البطل المطلق" وصناعة الأيقونات في هذه الأعمال إلى طمس التعقيدات البشرية والسياسية والظلال الواقعية المذكورة في كتب التاريخ الأم. إن التضحية بالدقة التاريخية لصالح الحبكة السينمائية والخطاب العام أفرزت رؤية درامية خاضعة للمقاييس الفنية والرقابية، مما يطرح تساؤلات عميقة حول مدى تأثير هذه المعالجات على الوعي الجمعي في فهم طبيعة وتفاصيل التاريخ الإسلامي الحقيقي.

  مقص الرقيب والسلطة   التابوهات والمحاذير

تخضع صناعة الأفلام الدينية والتاريخية الإسلامية لمعادلة شديدة التعقيد تتجاوز المعايير الفنية البحتة، إذ تتقاطع فيها سلطة الرقابة السياسية مع اشتراطات المؤسسات الدينية. فمنذ ظهور التجارب الأولى، واجه صناع السينما محاذير قاسية تتعلق بتجسيد الأنبياء والصحابة وآل البيت، مما جعل أي محاولة للاقتراب من هذه المناطق تصطدم بمقص الرقيب الذي يرفع شعار حماية القدسية والتقاليد العامة. هذا المناخ الرقابي الصارم لم يقتصر على منع بعض الأعمال أو حذف مشاهد محددة، بل أسهم بمرور الوقت في خلق حالة من العزوف الإنتاجى والخوف لدى صانعي السينما من خوض هذه المغامرات خوفاً من الاتهام بالمساس بالثوابت أو التعرض للمساءلة القانونية والمجتمعية. ونتيجة لذلك، أدت هذه القيود إلى تراجع الإنتاجات التاريخية الجادة في الزمن الحالي، وتحولت السينما تدريجياً نحو خيارات أكثر أمناً وتجارية، مما طرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان غياب هذه الأفلام ناتجاً عن خوف حقيقي من التكفير والملاحقة أم عن تحولات السوق وعزوف المنتجين عن تحمل تكاليف ومخاطر هذه النوعية من الأعمال.

  السينما البديلة وعصر المنصات الرقمية

في ظل تراجع الإنتاجات السينمائية الكبرى وغياب الأعمال التاريخية والدينية عن شاشات العرض التقليدية، تبرز المنصات الرقمية وتقنيات الإنتاج الحديث كبديل استراتيجي محتمل لإحياء هذا النوع من الدراما. يطرح هذا المحور تساؤلات جوهرية حول قدرة المنصات الرقمية (مثل نتفليكس وغيرها) على تجاوز القيود الرقابية والتمويلية التي عانت منها السينما التقليدية، وإمكانية تقديم أعمال تاريخية وإسلامية بمعايير أكاديمية وموضوعية أكثر دقة تبتعد عن التسطيح والتجيمع التجاري. كما يناقش مدى نجاح السينما البديلة والإنتاجات المستقلة في إعادة صياغة السردية التاريخية بلغة بصرية معاصرة تخاطب الأجيال الجديدة دون السقوط في فخ الدعاية أو التمجيد المطلق.

الخلاصة التقييمية.. هل نجحت السينما في تقديم المفهوم الصحيح أم أساءت إليه؟

تُوجت مسيرة السينما في تناولها للتاريخ والإسلام بجدل عميق حول ما إذا كانت قد قدمت المفاهيم الدينية والتاريخية بصورة صحيحة أم أساءت إليها بقصد أو بدون قصد. فمن جهة، نجحت السينما عبر أعمالها الوجدانية والملحمية في ترسيخ قيم كبرى كالتسامح والصبر والثبات على المبدأ، وقربت السيرة النبوية وشخصيات التأسيس لوعي الجماهير بلغة بصرية مؤثرة. غير أنه من جهة أخرى، يرى الكثير من النقاد والمؤرخين أن السينما لم تقدم الإسلام بمفهومه التاريخي والواقعي العميق، بل وقعت غالباً في فخ "التقديس المطلق والتسطيح الدرامي". فعندما تم تجنب إظهار التعقيدات البشرية، والسياسات، والصراعات الحقيقية المذكورة في كتب التاريخ، وتحويل الشخصيات إلى أيقونات منزهة لتلبية متطلبات الحبكة أو الخطاب العام، جرى تقديم صورة مشوهة أو مثالية مبالغ فيها لا تشبه الواقع البشري للتاريخ الإسلامي. هذا النهج أضر أحياناً بالصورة الحقيقية للإسلام، لأنه خلق فجوة واسعة بين "إسلام السينما" المثالي الخالي من الشوائب، وبين "التاريخ الواقعي" المعقد، مما جعل هذا الإرث السينمائي قاصراً عن تقديم قراءة نقدية وموضوعية متكاملة تليق بعمق وحقيقة التاريخ الإسلامي.

آفاق المستقبل وتحديات الإنتاج الرقمي المعاصر

تمثل آفاق المستقبل وتحديات الإنتاج الرقمي المعاصر امتداداً طبيعياً لمسار السينما التاريخية والدينية، حيث يبرز التقاطع بين الثورة التقنية وتحولات العرض الحديث كعامل حاسم في إعادة تشكيل هذه الأعمال. فمع صعود تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتصوير الافتراضي، والمؤثرات البصرية المتقدمة، تراجعت تدريجياً التكاليف الباهظة التي كانت تشكل عائقاً أمام الملاحم التاريخية الكبرى، مما فتح الباب أمام صناع السينما المستقلين لتقديم أعمال ذات جودة عالمية دون الحاجة إلى رؤوس أموال ضخمة أو ديكورات عملاقة. وإلى جانب ذلك، أسهم الانتقال من قاعات السينما التقليدية إلى فضاءات البث المفتوح والمنصات الرقمية في كسر احتكار الخطاب الموجه، إذ أصبحت هذه الأعمال تخضع لتنافسية عالمية ومواجهة مباشرة مع جمهور واعٍ يمتلك أدوات المقارنة والبحث النقدي. هذا التحول الجذري يدفع صناع الدراما اليوم نحو جرأة أكبر في طرح الشخصيات التاريخية بمعزل عن التمجيد المطلق، وتقديم دراما إسلامية تتسم بالعمق الأكاديمي والواقعية الإنسانية التي تتماشى مع متطلبات العصر الحديث

***

ئاريان علي

حين يتحول الوهم إلى سلطة والعناد إلى منهج

في مقالنا السابق "اعرف نفسك بنفسك... فلسفة معرفة النفس وآفة الإسقاط النفسي" انتهينا إلى أن معرفة الإنسان لنفسه ليست ترفا فكريا، ولا ممارسة تأملية منعزلة عن الواقع، وإنما هي الشرط الأول لبناء شخصية متوازنة، قادرة على رؤية ذاتها قبل أن تحاكم غيرها. فالإنسان الذي يجهل نفسه لا يكتفي بسوء فهم الآخرين، بل يقع أسير أوهامه، فيرى الحقائق من خلال أهوائه، ويقيس الناس بمعاييره الخاصة، ويصبح أكثر استعدادا لإسقاط عيوبه على غيره، ثم الدفاع عنها باعتبارها حقائق لا تقبل النقاش.

ومن هذا المنطلق، ننتقل إلى آفة أخرى تنبت في التربة نفسها، هي آفة استبداد الجاهل بجهله؛ ذلك اللون الخفي من الاستبداد الذي لا يعتمد على قوة السلاح، ولا على سلطان المنصب، وإنما على وهم المعرفة، وغرور النفس، ورفض الاعتراف بالخطأ.

والاستبداد في معناه العام هو انفراد شخص أو جماعة بالرأي أو القرار أو السلطة مع إقصاء الآخرين، ورفض الاحتكام إلى الضوابط التي تكفل العدل والإنصاف. وهو ليس مقصورا على المجال السياسي كما يتصور كثير من الناس، بل هو نزعة قد تتسلل إلى مختلف مجالات الحياة. فقد يكون استبدادا سياسيا حين يحتكر الحاكم القرار، أو اجتماعيا حين تفرض فئة وصايتها على المجتمع، أو أسريا حين يلغي أحد أفراد الأسرة شخصية غيره، أو إداريا حين تتحول الوظيفة إلى وسيلة لفرض الأهواء، أو فكريا حين يتوهم الإنسان أنه وحده يملك الحقيقة، وأن كل رأي سواه باطل أو ناقص.

غير أن أخطر هذه الصور جميعا هو ذلك الاستبداد الذي يولد داخل النفس قبل أن يظهر في الواقع؛ لأن من استبد بنفسه سهل عليه أن يستبد بغيره. وهذا هو استبداد الجاهل بجهله، وهو استبداد لا يقوم على نقص المعرفة وحده، وإنما على تقديس هذا النقص، وتحويله إلى يقين مغلق، لا يسمح لصاحبه بأن يسمع، أو يتعلم، أو يراجع نفسه.

وليس المقصود بالجاهل هنا من لم تتح له فرصة التعلم، فذلك قد يكون أكثر الناس تواضعا، وأشدهم شغفا بالمعرفة. وإنما المقصود ذلك الذي يجهل، ثم يرفض أن يعترف بجهله، ويغضب إذا صحح له أحد خطأه، ويعد التراجع عن رأيه انتقاصا من كرامته، فيتشبث بخطئه كما يتشبث صاحب العقيدة بعقيدته، لا لأن لديه دليلا، بل لأنه يخشى أن يهتز البناء الوهمي الذي أقامه حول ذاته.

وهنا تتحول المشكلة من كونها نقصا في المعرفة إلى أزمة في الوعي، لأن الجهل البسيط يمكن علاجه بالتعلم، أما الجهل الذي يلبس ثوب اليقين فقلما يجد طريقه إلى العلاج، إذ كيف يطلب الإنسان الدواء وهو لا يشعر بمرضه؟ وكيف يبحث عن الحقيقة من يعتقد أنه قد امتلكها كاملة؟

ولعل أخطر ما يميز هذا النمط من البشر أنه لا يدخل أي حوار بحثا عن الحقيقة، وإنما يدخله بحثا عن الانتصار. فهو لا يصغي إلى الآخرين ليفهم، وإنما ينتظر انتهاءهم من الكلام ليعيد تكرار ما يؤمن به. ولا ينظر إلى الرأي المخالف باعتباره فرصة للمراجعة، وإنما يراه تهديدا لصورته، فيقاومه بعناد، ويخلط بين نقد الفكرة والطعن في شخصه.

ولذلك فإنك تراه شديد الحساسية تجاه أي تصحيح، سريع الغضب من كل نقد، قليل الاعتراف بالفضل، كثير التعلق برأيه، يظن أن التراجع ضعف، وأن الإصرار على الخطأ قوة، مع أن الحقيقة على النقيض من ذلك تماما؛ فالقوي هو من ينتصر للحقيقة ولو كانت على حساب رأيه، أما الضعيف فهو من ينتصر لرأيه ولو كان على حساب الحقيقة.

ومن سماته أيضا أنه ينتقي من الأدلة ما يوافق هواه، ويغض الطرف عن كل ما يخالفه، فإذا وجد نصا يؤيد رأيه تشبث به، وإذا وجد نصا آخر ينقضه بحث عن أي تأويل يخرجه عن ظاهره، أو تجاهله تماما. فهو لا يجعل رأيه تابعا للدليل، وإنما يجعل الدليل تابعا لرأيه، فيتحول العقل عنده من أداة لاكتشاف الحقيقة إلى وسيلة لتبرير ما يريد الوصول إليه سلفا.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل كثيرا ما يحيط نفسه بمن يوافقونه، وينفر من كل ناصح صادق، لأن وجود المخالف يزعزع يقينه الزائف، أما وجود المصفقين فيمنحه شعورا مؤقتا بالاطمئنان. ولهذا تراه يضيق بأهل الخبرة، ويستريح إلى أهل المجاملة، لأن الأولين يوقظون عقله، والآخرين يداعبون غروره.

ومن المفارقات اللافتة أن المستبد بجهله كثيرا ما يتهم غيره بالاستبداد، ويتهم أهل العلم بالتعالي، ويتهم الناصحين بالغرور، وهو في الحقيقة إنما يسقط ما في نفسه على الآخرين. وهنا تتجلى مرة أخرى آفة الإسقاط النفسي التي تحدثنا عنها في مقالنا السابق؛ فالإنسان إذا عجز عن رؤية عيوبه، راح يفتش عنها فيمن حوله.

ومن الوجهة النفسية، فإن هذا السلوك لا يصدر غالبا عن قوة، كما يظن أصحابه، بل عن ضعف مستتر. فكثير من المستبدين بجهلهم تحركهم نرجسية مرضية تجعلهم يرون أنفسهم فوق النقد، أو شعور دفين بالنقص يحاولون ستره بالتعالي، أو خوف عميق من انهيار الصورة التي صنعوها لأنفسهم أمام الناس. ولذلك فإنهم لا يدافعون عن آرائهم لأنها صحيحة، وإنما يدافعون عنها لأنها أصبحت جزءا من ذواتهم، فيتصورون أن سقوط الرأي هو سقوط للشخص نفسه.

إن الإنسان الواثق من نفسه لا يخجل من الاعتراف بخطئه، لأن كرامته لا تقوم على العصمة، وإنما على الصدق. أما المضطرب من داخله، فإنه يجعل من العناد درعا يحتمي به، ومن المكابرة وسيلة لإخفاء هشاشته، فيزداد بعدا عن الحقيقة كلما ازداد تمسكا برأيه.

ولهذا فإن المجتمعات لا يهددها الجهل وحده، فالجهل بداية كل تعلم، وإنما يهددها أولئك الذين يحولون جهلهم إلى سلطة، ورأيهم إلى قانون، وأهواءهم إلى مقياس للحق والباطل. فالجاهل المتواضع مشروع عالم، أما الجاهل المستبد فمشروع طاغية، وإن لم يملك من أدوات الطغيان سوى لسانه أو منصبه أو رأيه.

ولعل هذه الحقيقة هي التي تفسر كثيرا من صور الظلم التي نراها في حياتنا اليومية؛ إذ يبدأ الظلم في أغلب الأحيان بفكرة خاطئة، ثم تتحول هذه الفكرة إلى قناعة مغلقة، ثم إلى تعصب، ثم إلى استبداد، ثم إلى ممارسة عملية تفضي إلى إهدار الحقوق وإفساد العلاقات وتعطيل العدل.

وإذا كان استبداد الجاهل بجهله يولد في أعماق النفس، فإنه لا يظل حبيسها طويلا، بل يفرض نفسه على الواقع في صورة قرارات جائرة، وأحكام متعجلة، ومواقف متعنتة، حتى يصبح ضرره متعديا إلى كل من يتعامل معه. فصاحب هذا النمط لا يكتفي بأن يعيش أسير أوهامه، وإنما يسعى - عن وعي أو غير وعي - إلى إلزام الآخرين بها، وكأن رأيه قانون، واجتهاده حقيقة، وهواه ميزان للعدل.

ولعل أخطر البيئات التي يظهر فيها هذا اللون من الاستبداد هي المؤسسات التي تقوم على اللوائح والقوانين. فالأصل أن القواعد وضعت لتحكم الجميع، وأن يكون القائمون على تنفيذها أمناء عليها، لا أوصياء فوقها. فاللائحة لا تنتظر من الموظف أن يعيد صياغتها وفق مزاجه، وإنما تنتظر منه أن يطبقها بأمانة وتجرد وعدل.

غير أن الواقع يكشف أحيانا عن صورة مؤلمة تتكرر في أكثر من مؤسسة. توضع قواعد واضحة للترقي أو للمفاضلة أو لمنح الحقوق، وتحدد شروطها بدقة، ثم يتقدم أحد الأفراد مستوفيا جميع تلك الشروط. وهنا يكون دور اللجنة أو المسؤول هو التحقق من استيفاء الشروط، لا اختراع شروط جديدة، ولا تعطيل حق قررته اللائحة.

لكن المستبد بجهله لا يقف عند حدود النص، بل يقفز فوقه. فإذا وجد في اللائحة مادة تمنح المتقدم حقا معينا متى استوفى شروطها، رفض تطبيقها لمجرد أن قناعته الشخصية لا تستسيغها، وربما أصر على موقفه، مع وضوح النص، واتفاق بقية المختصين على سلامة تطبيقه. وهنا لا يكون الخلاف في فهم القانون، وإنما في رفض الاحتكام إليه، لأن هوى الفرد أصبح أقوى من سلطان القاعدة.

وهذا النموذج لا يقتصر على مؤسسة بعينها، بل يمكن أن يتكرر في أي مكان يغيب فيه الضمير، ويحل الهوى محل الأمانة. فالمستبد بجهله لا يرى نفسه منفذا للقانون، وإنما يرى القانون تابعا لرأيه، فإن وافقه استشهد به، وإن خالفه عطله أو أوله أو التمس له المخارج. ومن هنا تبدأ العدالة في التآكل، لا بسبب ضعف النصوص، وإنما بسبب ضعف النفوس.

ولا يقف الأمر عند حدود الإدارة، بل يمتد إلى الأسرة. فقد ترى أبا يرفض الاستماع إلى أبنائه، لا لأنهم مخطئون، وإنما لأنه اعتاد أن يكون صاحب الكلمة الأخيرة. فإذا قدموا له رأيا أكثر صوابا، أو أشاروا إلى تغير ظروف الحياة، عد ذلك تمردا على سلطته. وهكذا تتحول الحكمة التي يفترض أن تمنحها الخبرة إلى استبداد يمنع الحوار ويقتل الثقة.

وتتجلى الظاهرة أيضا في ميدان التعليم، حين يرفض معلم أو محاضر تصحيح معلومة ثبت خطؤها، لأن الاعتراف بها - في ظنه - ينتقص من هيبته. وهو لا يدرك أن هيبة المعلم لا تصنعها العصمة، وإنما يصنعها صدقه العلمي، وشجاعته في الرجوع إلى الحق متى تبين له.

وفي ساحات الفكر والحوار تبدو الصورة أكثر وضوحا. فكم من إنسان يدخل النقاش وقد حسم النتيجة قبل أن يسمع الطرف الآخر. إنه لا يحاور ليفهم، بل ليغلب، ولا يناقش ليصل إلى الحقيقة، بل ليؤكد ما يعتقده مسبقا. فإذا أعوزه الدليل لجأ إلى السخرية، أو التشكيك في النيات، أو التقليل من شأن المخالف، لأن الحجة خانته، فلم يبق له إلا الطعن في صاحبها.

بل إن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم بيئة خصبة لهذا النمط من السلوك. فكثير من الناس يكتفون بقراءة عنوان، أو سماع مقطع مبتور، ثم يبنون عليه أحكاما قاطعة، ويرفضون كل تصحيح، وربما هاجموا أهل الاختصاص أنفسهم، لا لأنهم يملكون علما أوسع، وإنما لأنهم استراحوا إلى جهلهم حتى توهموا أنه معرفة.

ومن السمات اللافتة لهذا النموذج أنه لا يفرق بين الثبات على المبدأ، والإصرار على الخطأ. فالثبات فضيلة إذا كان قائما على الحق، أما العناد فهو تمسك بالرأي بعد ظهور بطلانه. والفرق بينهما هو الفرق بين صاحب الضمير الذي يتبع الدليل حيث قاده، وصاحب الهوى الذي يجر الدليل إلى حيث يريد.

إن أخطر ما يفعله الجاهل المستبد أنه لا يظلم الأفراد وحدهم، بل يفسد البيئة التي يعيش فيها. فهو يشيع الخوف من إبداء الرأي، ويعاقب المبادرة، ويجعل الناس يفضلون الصمت على الصدق، والمجاملة على النصيحة، لأنهم يعلمون أن الحقيقة لن تجد أذنا تسمعها، بل كبرياء يرفضها.

ولهذا فإن المجتمعات لا تنهض بكثرة القوانين وحدها، وإنما تنهض بوجود رجال ونساء يؤمنون بأن القانون فوق الجميع، وأن الحقيقة لا تعرف الأشخاص، وأن الاعتراف بالخطأ شجاعة، لا ضعف، وأن الوظيفة أمانة، لا امتياز.

أما علاج استبداد الجاهل بجهله، فلا يبدأ بالعقوبات، وإن كانت ضرورية حين يترتب على الاستبداد ظلم للناس، وإنما يبدأ بتربية العقل والضمير معا. فالعقل يحتاج إلى أن يتعلم أن الحقيقة لا يحتكرها أحد، وأن كل إنسان معرض للخطأ، وأن الرأي يوزن بالدليل لا بصاحبه. والضمير يحتاج إلى أن يتربى على أن الرجوع إلى الحق فضيلة، وأن الاعتذار عن الخطأ رفعة، لا مذلة.

كما أن المؤسسات مطالبة بأن ترسخ ثقافة المراجعة، وأن تجعل اللوائح فوق الأشخاص، وأن تمنع احتكار تفسير النصوص، وأن تفتح أبواب الاعتراض والتظلم، لأن العدالة لا تكتمل بوجود النصوص، وإنما تكتمل بوجود الضمانات التي تمنع العبث بها.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه قبل أن يوجهه إلى غيره: هل أنا أبحث عن الحقيقة، أم أبحث عما يؤيد رأيي؟ وهل أغضب لأن الحق خفي علي، أم لأن صورتي اهتزت أمام نفسي؟

إن الجاهل لا يصبح خطرا لأنه لا يعلم؛ فكلنا بدأ حياته جاهلا، وإنما يصبح خطرا حين يقدس جهله، ويغلق أبواب التعلم، ويجعل من رأيه سلطة تعلو على العقل، ومن هواه حكما فوق العدل. فهناك يبدأ الاستبداد الحقيقي، لا من قاعات الحكم وحدها، بل من داخل النفس، يوم ترفض أن ترى نفسها على حقيقتها.

ولهذا فإن أول خطوة في مقاومة كل أشكال الاستبداد ليست أن نحاسب الآخرين فحسب، بل أن نحاسب أنفسنا أيضا. فمن عرف نفسه هذبها، ومن هذبها تواضع، ومن تواضع تعلم، ومن تعلم اقترب من الحقيقة. أما من جهل نفسه، ثم استبد بجهله، فقد خسر أعظم نعمة وهبها الله للإنسان: نعمة العقل الحر، والبصيرة المنصفة، والضمير الحي.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني - أستاذ الفلسفة الإسلامية

كلية الآداب جامعة المنوفية

هل صحيح ان الامومة شيء جسدي ومتسامي في آن واحد. يقال عادة ان المرأة حين تصبح أما ذلك يعني تحولا عميقا. هذا التحول يبدو مختلفا بالنسبة لكل شخص طالما انه يحدث ضمن سياق حياة شخص واحد. تقول نورا حسين زادة أستاذة الفلسفة السياسية في جامعة سان فرانسسكو، بالنسبة لي، الامر كان أشبه بصدمة نقلتني من عالم التجريد الى عالم الواقع الملموس، من الفلسفي الى الحياة اليومية، من الحرية الى التأمل، الى الحاجة لعمل قرارات. عندما وضعتُ اول طفل، كنت ادرّس النظرية السياسية في جامعة برينستون، وعندما أنجبت الثاني، كنت اعلّم في ستانفورد. لذا انتقلت فجأة من الانشغال في الأفكار الكبرى – العدالة، الحرية، النظريات الإسلامية في الحكومة، الحب في الكتابات الصوفية المسيحية، الحب في الشعر الإيطالي في القرون الوسطى – الى الاهتمام اكثر بالأبعاد المادية للحياة: تغيير الحفاضات ربما كأنه 1000 مرة في اليوم، الشعور بالحاجة الحتمية للنوم مع الولادة الجديدة، والطلب من جسدي تغذية هذا الكائن الحي بحليب الام(1).

في خضم الوقوع في فخ المكونات المادية للامومة، تستعيد الكاتبة كلمات الفيلسوفة الوجودية في القرن العشرين سيمون دي بوفوار. هي تكتب حول كل من الانوثة والأمومة في كتابها (الجنس الاخر،1949)، والذي تعلّمه نورا في ستانفورد. دي بوفوار، التي لم تكن ابدا اما بذاتها، ما عدى ما تبنّته من فتاة في الثلاثينات، كانت لها تعليقات سلبية حول الامومة، وهي تنظر في الطبيعة المادية لها. ان ممارسة الامومة ساعدت نورا زاده لفهم مخاوف دي بوفوار، لكنها أيضا ساعدتها لترى اين تكمن أوجه القصور في حججها – حيث انها لم تفهم جيدا كيف ان عناصر الامومة التي تبدو عملا بدنيا شاقا وتضحية يمكن ان تكون شيئا اكبر. تلك الأجزاء من الامومة التي هي مادية مثل الرضاعة الطبيعية والحمل ذاته – يقود الى نمو روحي بسبب طبيعة تلك العناصر المادية ومن خلالها.

الرضاعة كشيء أصيل

تعتمد دي بوفوار في وصف الامومة على التمييز الوجودي بين "التسامي" transcendence والحلول او "الوجود داخل الفرد" immanence . الشخص يزدهر بالكامل، حسب قولها، عندما يقوم باشياء تسهّل تساميه. هذا يعني، الانخراط الحر في مشاريع من اختياره وابتكاره. بهذه الطريقة، هو "يمدد" وجوده. ومن جهة أخرى، الوجود داخل الفرد، المضاد للتسامي، ينطوي على القيام بامور تحافظ على الحياة بدلا من توسيعها، هذه الانماط موجّهة بنفس أنماط الحياة المعتادة والمتكررة: ذات الأهداف المعتادة، ذات المبادئ المعتادة التي لن يتسائل فيها المرء ابدا، وعلى المستوى المألوف، نفس المهام المعتادة التي يجب ان يؤديها الفرد لكي يبقى حيا، او ليبقي الاخرين احياء. ببساطة حياة الرضيع -غاية موجهة من جانب الطبيعة – هي بالتأكيد ليست مشروع من ابتكارنا. الغاية التي تعمل بها الام هي مجرد وجود (او بقاء)، وليس توسيع الوجود. ولذا بالنسبة لدي بوفوار، الامومة تبدو مرتبطة بشكل أساسي في الحلول – في انجاز مهام ضرورية للحفاظ على حياة الطفل، او بشكل عام لبقاء النوع .

التأكيد بالنسبة لدي بوفوار هو على الأبعاد المادية، وحتى الحيوانية للامومة. هي تقول، حتى عند البلوغ، يبدو جسم المرأة "مملوكا بواسطة قوى خارجية" تهدف الى استمرار النوع. مختلف العمليات المادية – الحيض، الحمل، الرضاعة – هي جزء لا يتجزأ من عملية أوسع يتم بواسطتها الحفاظ على النوع الإنساني. في هذه العمليات، المرأة لا "تؤكد" ذاتها بأسلوب وجودي – هي لا تخلق أي شيء جديد وفردي. بدلا من ذلك، هي تشارك في الحفاظ على الوجود، ولا تتجاوز الوجود الأساسي لتخلق او تنخرط في مشاريع تحمل بصمة وجودها الفردي. في فصل "من سن البلوغ الى سن اليأس"، تكتب دي بوفوار، "هي الموقع الرئيسي للقصة التي تحدث فيها ولا تهتم بها شخصيا". هي تقول عن الرضاعة، على سبيل المثال، بانها "عبودية منهكة ... المرضعة تغذي مولودا جديدا على حساب قوتها".

هذا ليس خطأً. الرضاعة يمكن ان تكون مرهقة للغاية. لكن دي بوفوار تركز خصيصا على صعوبات الرضاعة التي تمنع المرأة من التصرف بحرية في العالم، دون التحدث عن الطرق التي يمكن ان تكون بها الرضاعة ذاتها محررة. فمثلا، ماذا لو، من خلال حميمية الرضاعة، يكون الشخص قادرا على فهم مشاعر لم يشعر بها من قبل؟

تقول نورا ان الرضاعة مرهقة جسديا. انها مرهقة للجسم لصنع الحليب، وانها مرهقة للمرضع طوال اليوم وعادة في الليل. لكن الشعور بالهدوء الذي يغمر جسد الرضيع اثناء الرضاعة مشهد يستحق التقدير. انا لم أر هذا الهدوء في أي مكان اخر. لذا الرضاعة تعلّم ما هو الهدوء، من خلال السماح للام برؤية ذلك على وجه الطفل، ومن خلال السماح لها لممارسته كنتيجة لإعطائه له. كل من الام والجسد يشعران بالارتياح في هذه الحالة من الهدوء معا. واذا كانت الام تشعر بحالة روحية وذهنية من خلال ممارسة الرضاعة، فهل يمكن فقط القول انها "حيوانية"؟ عندما هي تنخرط في هذا الفعل المادي، ألا تتجاوز الام المادي أيضا؟ دي بوفوار ربما تجيب بان الرضاعة ليست "مشروعا" جديدا وفرديا، ولذلك ليست مصدرا للتسامي. بالتأكيد النساء والرضع شعروا بالهدوء اثناء الرضاعة طوال الوقت، ما هو الجديد؟ نحن لا نضع أي شيء متفرد وفردي في العالم بواسطة الرضاعة. لكن الشعور بالهدوء الناتج عن الرضاعة هو متفرد بمقدار ما يتم ممارسته من جانب هذه المرأة المعينة، وهذا الطفل المعين، سرير للراحة يقف في تضاد مع هموم الحياة . الهدوء لا يعني نفس الشيء في كل مكان او له نفس الأهمية والقيمة والتجربة والمشاعر الموجودة ضمن كل سياق. مارتن لوثر كنك علّم أهمية التعاطف، بالإشارة الى الافريقيين الأمريكيين في أمريكا في منتصف القرن العشرين. بينما التعاطف نحو المضطهد هو قيمة خالدة، والتعاطف هو شعور خالد، لكن تشجيعه للتعاطف ضمن سياقه بالتأكيد شكّل مشروعا متفرد و ذو قيمة. تطبيق المرأة لـ "الهدوء" على سياقها وحياتها هو أيضا متفرد ومشروع جدير بالاعتبار.

بالطبع، النساء اللواتي لن يصبحن أمهات ابدا ربما ينجزن و بنفس المقدار حالات وجود متسامية وهادفة من خلال تجارب أخرى – لا تحتاج المرأة لتكون اما لمولود لكي تفهم الهدوء. لكن دي بوفوار لا ترى الرضاعة كمسار محتمل واحد لبلوغ المشهد المتجاوز. بالتأكيد انها مادية صعبة حتى لدرجة الحيوان، فعل يستهلك الزمن وطاقة الام مثل الاخرين في الحياة، لكنها لها مردود هام بسبب ذلك الفعل المادي، انها تساعد كل من الام والطفل في الدخول الى حالة جديدة من الوجود. هذه ليست مجرد إشادة بالرضاعة. الأمهات اللواتي لا يرضعن رضاعة طبيعية أيضا يشعرن بصعوبة تغذية اطفالهن – إعداد القناني، الاستجابة لصراخ الجوع، القلق من كمية الغذاء – وأيضا يشهدن الهدوء التحوّلي للطفل الذي ينال غذاءً كاملا .

لحظة صمت وتأمل

الحمل، مثل الرضاعة، يمكن ان يكون اثناء التجربة البدنية ومن خلالها، محفزا لتحول الأم، او حسب تعبير دي بوفوار، للتسامي.

في فصل بعنوان "الام" من كتاب الجنس الاخر، دي بوفوار، تبدو تعترف بان فترة الحمل تجربة عميقة. هي تقول انه فعل الخلق الذي يجعل المرأة تشعر "بنفس حجم العالم" – لكن في نفس الوقت، "هذا الثراء الشديد يسحقها تماما". لذا، فان دي بوفوار ترى الحمل كتجربة روحية عميقة لكنها عابرة، لأن الحمل لا يسمح للمرأة بالبقاء دائما في هذا الشعور. في النهاية، المرأة الحامل تغطس في عالم الحيواني والمادي: هي كفرد "محطمة تماما" بالعبء الذي تحمله للنوع.

"الأمهات ... في الحقيقة لايصنعن الطفل"، دي بوفوار تكتب،"انها تصنع نفسها في داخلها، لحمها، لحمها لا ينجب الا لحما". المسألة تبدو ان الجنين لا يتشكل قصديا بواسطة ام تسعى لتشجيع قيمة عبر خلق ذلك الجنين، بل، ان خلق الجنين يحدث بدون تصميم وابتكارية المرأة: الام الحامل "تنجب الطفل في عموم جسدها". هي لا تضع الشخص المحدد الذي سيصبح عليه الطفل في المستقبل، او القيم المعينة التي سوف يعززها ويجسدها الطفل. هي لا تخلق الرجل الرقيق، العادل، الطبيب، المعلم. خصيصا، هي لا تشجع أي قيم معينة تُحدد بواسطة فرديتها من خلال تفرد وجودها، عبر امتلاك طفل. سيمون ترى ان الابداع يجب ان يحمل بصمة الفرد ليكون ذا مغزى،أصيل، متسامي.

عندما هي تقول ان الحمل يجعل المرأة تشعر كأنها "بحجم العالم"، هي تبدو تعترف تقريبا ان المرأة يمكن ان تشعر بالحماس إزاء حقيقة انها تحمل حياة داخلها. لكن وفق رؤية سيمون، هذا الشعور في غير محله، من الأفضل للمرأة ان لا تخلط بين العملية الطبيعية البيولوجية التي تتكشف في داخلها وبين أي شيء يخصها هي شخصيا. لكن الام تشارك فعلا في خلق شخص سوف يهتم ويتصرف تجاه قيم في العالم: منْ سوف يختار ليكون رقيقا او عادلا، من سوف يختار ليكون طبيبا او معلما. هي ليست فقط وسيلة لكشف ظاهرة بايولوجية بحتة. وهنا حيث الحمل، مثل الرضاعة، يمكن ان يصبح مصدرا للرضى والقناعة. عندما يُعترف بالحياة كظاهرة عميقة كما هي، وبامكاناتها الهائلة، وقدرتها على تكريس قيم، فان الشعور ببطء النمو في الحياة داخلها يمكن ان يكون مقنعا. وعندما تتصور المرأة خلق الحياة اكثر من مجرد ظاهرة حيوانية، فان الإحساس الفيزيقي الذي يرافق الحمل يصبح اكثر معنى أيضا. هي تلاحظ بقوة وتشعر ببطء خلق الحياة داخلها، وتعرف الامكانية الهائلة التي تمتلكها هذه الحياة، والشعور بالمتعة من خلال كونها شاهدا، ووعاءً لهذا النمو البطيء. لذا مع المتعة هي تحس اول مشاعر الحركة في بداية حملها، وحركات اكثر حيوية لاحقا: الحركة الهامة ليس فقط بسبب انها تشير الى وجود حياة مادية، وانما لأن هذا الكائن ذاته سيتحرك في العالم بطرق سوف تغيره لاحقا، ربما نحو الأفضل. هذه السيقان، الايدي – كلها تستمر بالحركة خارج الرحم بطرق ذات مغزى. عندما تتأمل المرأة إنسانية جنينها وحقيقة ان طفلها سيصبح قوة تخلق قيمة في العالم، فان الحمل يصبح عميقا. حركة ونمو يصبحان اكثر من مجرد شيء مادي. وهذا يقودها للاحساس بحالة من الاكتمال والرضا الذاتي. تجربة مادية تقود الى تحول روحي غير مادي.

مثلما الرضاعة تعلّم المرأة حول الهدوء، وتسمح لها بالشعور بمعنى الهدوء، كذلك الحمل يعلّمها حول القناعة، ويسمح لها للشعور به من خلال الملاحظة والمشاركة في خلق الحياة الإنسانية، والحصول على مقعد أقرب حتى من الصف الأول لمشاهدة معجزة نمو كائن بشري.

الام مع الطفل

في هذه النقطة سنتوقف لطرح هذا السؤال: اذا كانت سيمون اخطأت كثيرا حول الفوائد الأخلاقية والروحية والعاطفية للحمل والرضاعة، لماذا يجب على المرأة ان تقرأ كتاباتها؟ هل ان كلماتها مجرد خلفية نُبرز من خلالها جمال الامومة ونحتفي به؟ كلا. حتى لو كانت لم تفهم تماما الطرق التي تتحول بها الامومة، سيمون دي بوفوار تعلّمنا الكثير حول الامومة، وحول الكيفية التي يجب ان تُعامل بها الأمهات. الحقيقة هي ان الامومة حتى عندما تكون محررة، هي أيضا مقيدة بلا منازع . لذا هي صائبة لتوجيه انتباهنا للاستثمار المادي المنخرط في الامومة. حتى لو كانت الرضاعة تعلّمنا ما هو الهدوء، انها أيضا تعيدنا الى أطفالنا، او الى استخدام مضخة الحليب كل بضع ساعات. عند عدم الارضاع، تشعر المرأة بالاحتقان وبالنهاية تفقد مخزونها. الامر يبدو كأنك مقيد بأغلال. والحمل يعلّمنا حول معجزة الحياة والقناعة، لكنه أيضا معيق جسديا. تقول نورا حاولي تعليم صف تدريسي وانت تشعرين بالغثيان اثناء الثلث الأول من الحمل، او حاولي كتابة مقال، كما فعلت هي أيضا، ستشعرين بمزيد من التعب واكثر مما كان اثناء حياتك.

كما في العديد من الأشياء في الحياة، الامومة تتفاوت بين الجيد والسيء – انت مثقل بالاعباء في بعض اللحظات، ومنتعش في أخرى.

تكتب سيمون بان "المرء لا يولد، وانما يصبح امرأة". هي تجادل ان المجتمع يعرّف الامومة بطرق تفيد الرجال – ومن ثم يغلق النقاش عبر الادّعاء ان هذا التعريف يستوعب منْ هي المرأة طبيعيا. لكن طوال كتاباتها، تذكّرنا سيمون بالطرق التي تولد بها المرأة كمرأة، وكم مقيدا وصعبا في ان تكون امراة بدنيا حتى قبل ان نصبح أمهات. هي تستوعب المدى الواسع لاستثمارنا البدني عندما نقرر ان نصبح أمهات. باختصار، هي تذكّرنا بانه لكي نفهم من هي المرأة، نحن يجب أيضا ان نفهم،حسب كلمات نانسي باور، "تجربة امتلاك جسم بملامح ذات طابع جنسي وليس فقط تجربة فرض مجتمع ما عقائد الجندر على ذلك الجسد"(سيمون دي بافوار حول الامومة والقدر،2017).

مضامين سياسية

احدى المشاكل هي انه، في الغالب، الناس (الرجال خصيصا) لا يفهمون هذه "تجربة امتلاك جسد بملامح جنسية" بكل جماله و صعوباته، الطريقة التي تفهمها سيمون. هذا ينعكس سياسيا في سياسات إجازة الامومة في العالم. منظمة العمل الدولية، وهي الوكالة الدولية التي تضع معايير لممارسات عمل عادلة، تنصح بان يتم ضمان على الأقل 14 أسبوعا إجازة امومة براتب للامهات الجدد. طبقا لتقرير حديث لمنظمة العمل الدولية، ان 120 دولة تلبي او تتجاوز هذا المعيار. لكن 64 دولة تقع دونه بما يعني انه في كل واحدة من ثلاث دول في العالم لا تمتلك المرأة القدرة للحصول على الاجازة. لكن حتى عند تلبية معايير منظمة العمل الدولية هذا لا يكون كافيا للعديد من النساء. أولا، هذه الـ 14 أسبوعا نادرا ما تُدفع بالكامل، المنظمة الدولية تفترض ان المعاش اثناء إجازة الامومة يجب ان يكون على الاقل ثلثي معاش المرأة المنتظم. والعديد من النساء، حتى فترة الـ 14 أسبوعا قد لا تكفي في ضوء الأعباء المركبة للاستعادة الجسدية من ولادة الطفل، الحرمان من النوم، الرضاعة الطبيعية واستعادة الرفاهية السايكولوجية في واقع جديد وصعب (كآبة ما بعد الولادة تؤثر على النساء في غضون سنة من ولادة الطفل). كذلك، تنصح منظمة الصحة العالمية بان الرضع يتم ارضاعهم لفترة لا تقل عن ستة شهور. الرضاعة تُعرف بصعوبتها البالغة حالما تعود المرأة للعمل، لذا فان الرجوع بعد 14 أسبوع يعنى تعريض قدرة الام للخطر في الاستمرار بالعمل حتى بلوغ الأشهر الستة. اذا كنت أمريكيا سيكون الامر أسوأ. بينما العديد من الدول الصناعية لديها اجازات امومة سخية، تبقى الولايات المتحدة قيمة شاذة: هي الدولة الصناعية الوحيدة لا تضمن إجازة امومة براتب لمواطنيها. حتى النساء اللواتي يعملن دواما كاملا في وظائف مستقرة لا يستطعن الحصول على منافع إجازة امومة كافية في الولايات المتحدة، المشكلة تكون حادة لاولئك اللواتي يعملن مؤقتا في اعمال حرة.

لا توجد رعاية مؤسسية مخصصة للام الجديدة، لا وقت يُعطى لاسترداد طاقتها بعد تضحيتها للنوع الإنساني كما تقول سيمون.

استنتاج

توضح سيمون دي بوفوار الحاجة الى قوانين تضمن تكافؤ الفرص في سوق العمل. هي تبرز أيضا الحاجة الى تغيير ثقافي، لكي يفهمن النساء اللواتي لسن أمهات بذاتهن الصراع الجسدي للامومة وبالتالي يجسدن المزيد من التعاطف نحو الأمهات الجدد. قلة هذا التعاطف مترافقا مع اهتمام ضيق بالمردود المالي، عادة يقود الى تمييز جنسي ضد المرأه في سوق العمل، حتى عندما يوفر أصحاب العمل إجازة امومة سخية على الورق. في دعوة قضائية حديثة ضد غوغل،مثلا، تدّعي ان الشركة طردت امرأة من العمل حينما كانت في إجازة امومة. النساء تحتاج وتستحق الخيار للحصول على إجازة امومة سخية. سيمون تفهم ذلك. صناع القوانين وأي شخص يهتم في مساندة الأمهات، يجب ان يقرأها لكي يفهم بشكل أفضل التضحيات الجسدية الهائلة التي تترافق مع صفة الام. ما لم تقله سيمون هو كيف يمكن ان تكون هذه التضحيات الجسدية مصدرا للانجاز. في الوقت الذي هي حقا تتصور الكيفية التي يُبتلع بها جسد الانثى في السعي لإبقاء النوع حيا، هي لم تفهم اننا لسنا مجرد حيوانات عند انجاز هذه الغريزة. لكن الامومة هي في الحقيقة مشروع سيمون الذي نتبنّاه بنشاط حتى لو كانت أجسادنا تعمل بصفة مادية .

وتضيف الكاتبة نورا ان يقظتنا لتجاربنا البدنية كأمهات يمكن ان ترفعنا روحيا. نحن نشعر باستنزاف بدني للرضاعة الطبيعية، نحن نعد ونغسل القناني مئات المرات ولكن في نفس الوقت نحن نشهد ونفهم الهدوء الذي نحن قادرين على خلقه عبر ارضاع الأطفال. نحن نشعر بالانهاك البدني للحمل ولكن في نفس الوقت نحن نشعر باولى علامات الحركة، نتأمل أهمية هذه الحركة ونشعر بالقناعة في اننا نساعد في خلق حركة في العالم. نحن يجب ان نأتي الى مكان وندرك ثقافيا كل من العبء ومعنى وأهمية الامومة لكي نعطي الأمهات المساندة وأيضا الاحترام الذي يستحقنه.

***

حاتم حميد محسن

.......................

الهوامش

(1) Philosophy Now, June/July 2026

حين يصبح الخيال الرقمي أقوى من الجغرافيا

  منذ أكثر من عقد، لم يكد يخلو حدث اجتماعي أو سياسي كبير في المغرب من حضور الشباب باعتباره الفاعل الأكثر ظهوراً، والأكثر إثارة للأسئلة في الآن ذاته. فمن حركة 20 فبراير، إلى احتجاجات الريف، ومن النقاش الذي أثاره ما اصطلح عليه بـ"جيل زد"، وصولاً إلى مشاهد الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة، يتكرر المشهد نفسه، بينما يتغير السياق فقط. أما السؤال الذي يظل معلقاً فهو: ماذا حدث لخيال الشباب المغربي؟.  قد يبدو هذا السؤال للوهلة الأولى بعيداً عن الاقتصاد والسياسة والاجتماع، لكنه في العمق يلامس جوهر التحولات التي يعيشها العالم. فالأزمات الكبرى لا تبدأ دائماً من نقص الموارد أو اختلال المؤسسات، بل تبدأ حين يتغير تصور الإنسان للمستقبل، وحين يصبح الأفق الذي يراه أمامه مختلفاً عن الأفق الذي يعيش داخله.

 لقد كان الفيلسوف الفرنسي بول ريكور يرى أن الإنسان لا يعيش داخل الوقائع وحدها، وإنما داخل السرديات التي تمنح تلك الوقائع معناها. واليوم، لم تعد هذه السرديات تنتجها المدرسة أو الأسرة أو الجامعة أو الأحزاب، بل أصبحت تصنعها المنصات الرقمية، عبر ملايين الصور والمقاطع القصيرة والخوارزميات التي لا تكتفي بعرض العالم، وإنما تعيد بناء الرغبة فيه.

  لهذا، فإن الحديث عن وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها مجرد أدوات للتواصل أصبح تبسيطاً شديداً. فالمنصات الرقمية لم تعد تنقل الواقع، بل تنتج واقعاً موازياً، وتعيد تعريف الممكن والمستحيل، والنجاح والفشل، والكرامة والتهميش. إنها، بتعبير ميشيل فوكو، لم تعد تمارس السلطة من خلال المنع، بل من خلال إنتاج أنماط جديدة من الذات؛ ذات ترى نفسها باستمرار في مرآة الآخرين، وتقيس قيمتها بمقدار ما تراه على الشاشات.

  ولعل أخطر ما فعلته البيئة الرقمية أنها نقلت الشباب من مقارنة أنفسهم بجيرانهم أو أبناء مدينتهم، إلى مقارنة حياتهم بعالم بأكمله. أصبح الشاب المغربي يقارن يومياً بين واقعه المحلي، وبين حياة مؤثر في برشلونة، أو طالب في أمستردام، أو عامل في مونتريال، أو صانع محتوى في دبي.

وهكذا لم تعد الجغرافيا تحدد سقف الطموح، بل أصبحت الخوارزمية هي التي ترسم حدود الرغبة.  كان بيير بورديو يؤكد أن الطموحات لا تولد في الفراغ، وإنما تتشكل داخل ما سماه "الهابيتوس"، أي البنية الاجتماعية التي تحدد ما يعتقد الإنسان أنه قادر على تحقيقه. غير أن الثورة الرقمية أعادت تشكيل هذا الهابيتوس بصورة غير مسبوقة؛ إذ صار الشباب يعيش داخل فضاء رمزي عالمي، بينما يظل محكوماً بشروط محلية لا تسمح غالباً بتحقيق ما يراه ممكناً على الشاشة.

 ومن هنا يتولد ذلك التناقض المؤلم: كلما اتسعت نافذة العالم، ازداد الشعور بضيق الواقع.  إن ما يدفع كثيراً من الشباب إلى التفكير في الهجرة ليس الفقر وحده، وإلا لكانت المناطق الأكثر فقراً هي الأكثر هجرة دائماً. إن الذي يتحرك، في جانب كبير منه، هو اتساع الفجوة بين ما يراه الإنسان ممكناً وما يستطيع بلوغه فعلاً.

 إنها فجوة يصنعها الخيال أكثر مما تصنعها الجغرافيا.  وقد وصف عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان هذه الحالة بأنها إحدى نتائج "الحداثة السائلة"، حيث تصبح الهويات والأماكن والروابط الإنسانية كلها مؤقتة، ويغدو الاستقرار نفسه نوعاً من الهشاشة.

 في هذا العالم السائل، تتحول الهجرة إلى وعد بالخلاص، حتى وإن كانت محفوفة بالموت.  ولذلك فإن مشاهد الشباب الذين يلقون بأنفسهم في البحر ليست مجرد رد فعل على البطالة أو الهشاشة الاجتماعية، بل هي أيضاً نتيجة مباشرة لما يمكن تسميته بالاستعمار الرمزي للخيال. فالمنصات الرقمية لا تعرض أوروبا باعتبارها فضاءً معقداً مليئاً بالتحديات، وإنما تقدمها في الغالب كصورة مكتملة للنجاح والرفاه والحرية.

وهنا لا يهاجر الشباب نحو مكان، بل يهاجرون نحو صورة.  لقد أدرك "غي ديبور"، في كتابه "مجتمع الفرجة"، هذه الحقيقة مبكراً حين كتب أن العالم الحديث لم يعد يُعاش مباشرة، بل أصبح يُعاش عبر الصور.

واليوم، تبدو هذه المقولة أكثر صدقاً من أي وقت مضى؛ فالصورة لم تعد تمثل الواقع، بل أصبحت بديلاً عنه، وأصبح كثير من الشباب يعيشون داخل تمثلات للعالم أكثر مما يعيشون العالم نفسه.  إن أخطر ما تفعله الخوارزميات أنها لا تفرض الأفكار بالقوة، وإنما تعيد إنتاجها بلا نهاية. فهي تمنح المستخدم باستمرار ما يشبه رغباته، فتغلقه داخل دائرة من الصور والقصص والمقارنات، حتى يقتنع بأن الحياة التي يشاهدها هي القاعدة، بينما حياته الواقعية ليست سوى استثناء مؤلم.

  لهذا، فإن معالجة ظاهرة الهجرة غير النظامية، أو أي احتجاج شبابي، لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية أو الاقتصادية وحدها. فقبل أن تكون أزمة حدود، هي أزمة معنى. وقبل أن تكون أزمة تشغيل، هي أزمة أفق. وقبل أن تكون أزمة تنمية، هي أزمة خيال اجتماعي فقد قدرته على إنتاج مستقبل يمكن العيش من أجله داخل الوطن.

 إن الرهان الحقيقي لم يعد فقط خلق فرص الشغل أو تحسين المؤشرات الاقتصادية، على أهميتهما، بل أصبح يتعلق بإعادة بناء الثقة في المستقبل، واسترجاع قدرة المجتمع على إنتاج سردية جماعية تمنح الشباب معنى للانتماء، وأفقاً للحلم، وإحساساً بأن المستقبل لا يوجد دائماً خلف البحر، بل يمكن أن يبدأ من هنا.  فالأمم لا تنهزم حين يهاجر أبناؤها فقط، وإنما حين يهاجر خيالهم قبل أجسادهم.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

الحرية الوحيدة التي يبدو أنها ازدهرت في كثير من مجتمعاتنا ليست حرية التفكير، ولا حرية الإبداع، ولا حرية الضمير

الحرية الوحيدة المتاحة في مجتمعاتنا، هي حرية التدخل في شؤون الآخرين!

هي حرية التطَفل والمراقبة والتسلط وفرض السيطرة! هي حرية إختراق خصوصيتك! طبعا مع إبداء الرأي في نواياك ومظهرك وأفكارك؛ بالإضافة إلى تحديد مصيرك بعد الموت إنطلاقا من رؤيتهم ومنظورهم

ما أتعس الإنسان حين يولد في بقعة جغرافية لا يملك فيها أفكاره، ولا أحلامه، ولا أمنياته، ولا حتى حقه في أن يتخيل عالما آخر.

 ما أتعسه حين يقضي أجمل سنوات عمره في مكان يشعره أن كل شيء فيه مستعار؛ صوته مستعار، وخياراته مستعارة، وحتى صورته عن نفسه تصاغ بأيدي الآخرين. يعيش محاصرا بنظرات لا ترحم، وأحكام لا تنتهي، وتوقعات لا يستطيع الإفلات منها، حتى يفقد تدريجيا القدرة على معرفة من يكون حقا.

ما أتعسه حين يقضي أجمل سنوات العمر في وطن يتفتقد فيه خصوصيته و ابسط حقوقه الإنسانيه

الجميع يراقب، والجميع يحاكم، والجميع يمنح نفسه سلطة لا يملكها. يسألون عن تفاصيل حياتك، ويقيمون اختياراتك، ويصادرون حقك في الاختلاف، ثم يمضون إلى ما هو أبعد من ذلك، فيفتشون في النوايا، ويصدرون الأحكام على الضمائر، بل ويتجرأ بعضهم على توزيع مفاتيح الجنة والنار، وكأنهم أوكل إليهم الفصل في مصائر البشر

وأصبح كل فرد رقيبا على الآخر، وقاضيا عليه، وسجانا له. واصبحت الحياة شبكة من العيون التي لا تنام، والألسنة التي لا تتوقف عن إصدار الأحكام، حتى بات الإنسان يختنق داخل ذاته، ويخشى أن يفكر بصوت مرتفع، أو يحلم بحياة لا تشبه ما ألفه الجميع

لقد أصبح الإنسان يعيش تحت احتلال اجتماعي دائم. ليس احتلالا للأرض، بل للعقل والوجدان. فحتى أفكارك لم تعد ملكك، بل تنتظر موافقة الجماعة. وحتى أحلامك يجب أن تمر عبر رقابة المجتمع. وحتى مظهرك،

 وضحكتك، وصمتك، وصداقاتك، وكتبك، وأسئلتك، كلها تتحول إلى ملفات مفتوحة للمراجعة والتقييم.

ولأن الوصاية لا تعرف حدودا، فإنها لا تكتفي بما تراه العين، بل تمتد إلى ما لا يعلمه إلا الله. يفسرون نياتك، ويحددون مقاصدك، ويحاكمون ضميرك، ثم يمنحون أنفسهم الحق في إصدار الأحكام على آخرتك

اعتقد ان الأمم لا تنهض لأن أبناءها متشابهون، بل لأنها تحترم اختلافهم. فكل إنجاز إنساني عظيم بدأ بفكرة خالفت السائد، وكل نهضة ولدت من عقل رفض أن يستعير وعيه من الآخرين. أما المجتمع الذي يصادر الفرد، فلن ينتج إلا نسخا متطابقة، تتشابه في الخوف، وتتوارث الصمت، وتعيد إنتاج التخلف جيلا بعد جيل.

ولعل أعظم اختبار لأخلاق الإنسان ليس مقدار تدينه، ولا كثرة شعاراته، ولا صخب مواعظه، بل قدرته على احترام المسافة التي تبدأ عندها حرية الآخر.

لا تسمح لأحد أن يحتل عقلك باسم النصيحة، ولا أن يصادر ضميرك باسم الفضيلة، ولا أن يرسم لك حدود أحلامك باسم العادات، ولا أن يختار لك كيف تفكر، أو كيف تعيش، أو حتى كيف تلقى ربك. احتفظ بمساحتك الإنسانية دائما

لا تسمح لأحد أن يعيش داخل رأسك، أو أن يتكلم بلسان ضميرك، أو أن يصادر حقك في أن تكون مختلفا.

لا تسمح لأحد أن يقنعك بأن الطاعة فضيلة إذا كانت ثمنا لفقدان ذاتك، ولا بأن الصمت حكمة إذا كان خوفا، ولا بأن التشابه نجاة إذا كان موتا للعقل. قاوم كل من يريد أن يصنع منك نسخة أخرى من القطيع.

***

ابتهال عبد الوهاب

كيف يصنع الحوار الأصدقاء.. وتصنع الصداقة الحضارة؟

بمناسبة اليوم العالمي للصداقة – 30 يوليو

في الثلاثين من يوليو من كل عام يحتفل العالم باليوم العالمي للصداقة، وهو اليوم الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2011 انطلاقًا من قناعة عميقة بأن الصداقة بين الشعوب والثقافات والأفراد ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل ركيزة من ركائز السلام العالمي، وجسر للتفاهم بين البشر، ووسيلة لمواجهة الكراهية والعنف والتمييز. لقد أرادت الأمم المتحدة لهذا اليوم أن يذكرنا بأن مستقبل الإنسانية لا يصنعه السلاح وحده ولا الاقتصاد وحده، وإنما تصنعه أيضًا الثقة المتبادلة، والحوار، والقدرة على بناء صداقات تتجاوز الحدود والهويات الضيقة.

ولعل هذا المعنى هو ما دفعني إلى الكتابة في هذه المناسبة، لا عن الصداقة بوصفها علاقة شخصية أو عاطفة وجدانية فحسب، بل بوصفها مفهومًا فلسفيًا وحضاريًا، وشرطًا من شروط التفكير الحر وإنتاج المعرفة. فالفلسفة، منذ ولادتها، لم تكن خطابًا يُلقى من أعلى، ولا حقيقة جاهزة تُفرض على العقول، وإنما كانت حوارًا مفتوحًا بين ذوات حرة ومتساوية، تبحث عن الحقيقة دون أن يدعي أحد امتلاكها كاملة. ولهذا يمكن القول إن الفلسفة تبدأ حيث تبدأ الصداقة، وأن الحضارة تبدأ حين يتحول الحوار إلى أسلوب حياة.

في كل مرة أشارك فيها في ندوة فلسفية، أو أنتهي من قراءة كتاب عميق، أو أكتب مقالًا يثير سؤالًا جديدًا، يزداد يقيني بأن الفلسفة لا تُولد في العزلة، ولا تنمو في الصمت، وإنما تنبثق من اللقاء الحي بين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان والعالم. فالعقل لا يكتشف نفسه إلا في مواجهة عقل آخر، ولا تتولد المفاهيم إلا من احتكاك التجارب واختلاف الرؤى. ولهذا لم يكن تاريخ الفلسفة سوى تاريخ للحوار، ولم يكن الحوار ممكنًا إلا في فضاء من الندية، حيث لا يحتكر أحد الحقيقة، ولا يمتلك أحد الكلمة الأخيرة.

الصداقة، في تقديري، ليست حالة واحدة، بل هي أنماط ودرجات ومستويات، كما أن الأصدقاء أنفسهم ليسوا صورة متطابقة. فمنهم صديق المصلحة الذي تزول صداقته بزوال المنفعة، وصديق المتعة الذي يخفت حضوره بانطفاء الرغبة، وصديق الزمالة الذي يبقى في حدود المؤسسة أو المهنة، وهناك صديق المعرفة والهموم المشتركة، وهو أندرهم جميعًا، لأنه لا يشاركك الوقت فحسب، بل يشاركك قلق السؤال، ومتعة الاكتشاف، وشغف القراءة والكتابة، ويمنحك أعظم هدية يمكن أن يقدمها صديق لصديقه: النقد الصادق.

ذلك هو الصديق الذي لا يصفق لكل ما تكتب، ولا يجاملك في كل ما تقول، بل يدفعك إلى مراجعة أفكارك، ويكشف لك مناطق الضعف قبل أن يثني على مناطق القوة. ولعل أجمل شعار يمكن أن يلخص هذا النوع من الصداقة هو: «أكتب كي أفهمك… وأنقدك كي أساعدك على أن تفهم نفسك.» فالصداقة الفكرية ليست مجاملة، وإنما شراكة في إنتاج المعرفة.

وليس غريبًا أن يجعل أرسطو الصداقة إحدى الفضائل الكبرى في كتابه «الأخلاق إلى نيقوماخوس»، حين رأى أن دوافعها ثلاثة: المنفعة، والمتعة، والخير. أما الصداقة القائمة على الخير فهي وحدها التي تستحق البقاء، لأنها تقوم على الاعتراف المتبادل بالقيمة الإنسانية، لا على المنفعة العابرة.

ثم جاء الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز ليمنح الصداقة معنى أكثر عمقًا. فالصديق، عنده، ليس من يوافقنا الرأي، وإنما من يوقظ فينا قدرة جديدة على التفكير. إن اللقاء الحقيقي لا يحدث بين الأجساد بقدر ما يحدث بين العقول، وبين الأعمال، وبين العلامات التي يتركها الآخر في وعينا. ولذلك تصبح الصداقة حدثًا معرفيًا، لا مجرد علاقة اجتماعية، وإبداعًا مشتركًا، لا مجرد تعارف.

ومن هنا أستطيع القول إن الفلسفة ابنة الصداقة أكثر مما هي ابنة السلطة. فالعلاقة الفلسفية علاقة أفقية، تقوم على الحوار، والاعتراف المتبادل، وحرية السؤال، بينما تقوم العلاقة السلطوية على الامتثال والتلقين واحتكار الحقيقة. وفي الأولى يولد المفهوم من النقاش، أما في الثانية فيتحول العقل إلى مجرد حافظ لما قاله السابقون.

لقد ازدهرت الفلسفة اليونانية في فضاء المدينة الحرة، وازدهرت الفلسفة العربية الإسلامية حين انفتحت على الحضارات الأخرى عبر الترجمة والمناظرة والحوار. فما كان الكندي، ولا الفارابي، ولا ابن سينا، ولا ابن رشد، مجرد ناقلين للفلسفة اليونانية، بل كانوا شركاء في إنتاج المعرفة الإنسانية، لأنهم دخلوا في صداقة عقلية مع التراث الإنساني، فأعادوا بناء مفاهيمه داخل أفق حضاري جديد.

إن كل لحظة إشراق في تاريخ الحضارات كانت ثمرة حوار، وكل لحظة انغلاق كانت ثمرة خوف من الحوار. فالحضارات لا تنهض حين تتشابه العقول، بل حين تختلف وتتجادل وتتفاعل. ولذلك فإن المعرفة لا تُولد من اليقين المغلق، وإنما من السؤال المفتوح، ولا تتقدم بالطاعة، وإنما بالنقد.

ولأن الصداقة هي أكثر العلاقات الإنسانية حرية، فهي تختلف عن سائر الروابط الاجتماعية التي يولد الإنسان داخلها؛ كعلاقات القرابة، والأبوة، والأمومة، والعشيرة، والقبيلة، والطائفة، والحزب. فهذه كلها روابط سابقة على إرادتنا، أما الصداقة فهي علاقة نختارها بإرادتنا الحرة، ولذلك فهي التعبير الأصدق عن نضج الإنسان واستقلاله.

واليوم، في عصر الاتصال الرقمي، اكتسبت الصداقة أبعادًا جديدة. فقد أصبح الإنسان قادرًا على أن يبني صداقات عابرة للقارات واللغات والثقافات، وأن يتحاور مع أشخاص لم يرهم وجهًا لوجه، لكنهم أصبحوا شركاءه في التفكير والإبداع. ومن هنا كنت دائمًا أستغرب ذلك السؤال الذي يتكرر في الفضاء الافتراضي: من أين أنت؟

إنه سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يكشف أحيانًا عن عقل ما زال يبحث عن الإنسان في قبيلته قبل أن يبحث عنه في فكره. أما أنا فلم أجد يومًا ما يدفعني إلى طرحه، لأنني أعرف الجواب سلفًا. كلنا أبناء هذا الكوكب، وليس بيننا من جاء من المشتري أو زحل أو المريخ. كلنا أبناء الأرض، يجمعنا أصل إنساني واحد، وتفرقنا هويات صنعها التاريخ، لكنها لا ينبغي أن تحجب عنا الحقيقة الكبرى: أن الإنسان قيمة قبل أن يكون انتماء.

ومن هذا الشعور كتبت قبل سنوات قصيدتي «كن من تكون»، التي حاولت فيها التعبير عن معنى الصداقة في الفضاء الرقمي، حيث تغيب الامتيازات الموروثة، وتتراجع سطوة الألقاب، ويصبح الإنسان مسؤولًا عما يكتبه، لا عما ورثه. قلت فيها:

“كن من تكون… ومن أين كنت… فلا قيمة للجهات في فضاء يتسع لجميع البشر.”

ولم تكن تلك القصيدة دعوة إلى إلغاء الهويات، بل كانت دعوة إلى الارتقاء فوق التعصب لها، وإلى اكتشاف الإنسان في الإنسان، قبل اكتشاف اسمه، أو قبيلته، أو مذهبه، أو جنسيته.

إن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى ثقافة الصداقة، لا بوصفها مجاملة اجتماعية، بل باعتبارها فلسفة للحياة. فالصداقة الحقيقية تعلمنا كيف نختلف دون أن نتخاصم، وكيف ننقد دون أن نهين، وكيف نتحاور دون أن نلغي الآخر. إنها مدرسة في الحرية، وأخلاق في الاعتراف المتبادل، وجسر تعبر عليه الحضارات نحو مستقبل أكثر إنسانية.

ولهذا أعتقد أن السؤال الحقيقي لم يعد: كم صديقًا نملك؟ بل: أي نوع من الأصدقاء نحتاج؟ هل نبحث عن أصدقاء يؤكدون قناعاتنا، أم عن أصدقاء يوسعون آفاقنا؟ هل نريد من يصفق لنا، أم من يصحح أخطاءنا؟ وهل الصديق من يوافقنا دائمًا، أم من يجعلنا أكثر قدرة على التفكير؟

إن أعظم صديق هو الذي يضيف إلى عقلك سؤالًا جديدًا، وإلى روحك أفقًا جديدًا، وإلى حياتك معنى جديدًا.

وإذا كانت الفلسفة تعلمنا كيف نفكر، فإن الصداقة تعلمنا كيف نفكر معًا. وبين التفكير والحوار، وبين السؤال والنقد، وبين الحرية والاعتراف المتبادل، يولد الإنسان في أجمل صوره، وتولد الحضارات في أكثر لحظاتها إشراقًا. فالحوار يصنع الأصدقاء، والأصدقاء يصنعون المعرفة، والمعرفة هي التي تصنع الحضارة.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

من بداهة القول أن نقرّ بأنّ التسلسل المنطقي بين القناعة إذْ نتبنّاها وبين الأدلة التي تقود إليها هو أن تكون الأدلة في سلّم التراتبية هي السابقة في المرتبة الأولى، والقناعات هي اللاحقة في المرتبة الثانية؛ نتيجةً طبيعيةً لأدلتها التي حتّمت علينا الصيرورة إلى الاقتناع بها؛ ومن هنا نقول: اقتنعتُ بكذا بسبب الدليل الفلاني، فالسبب يأتي قبل النتيجة، والمسبَّب يعقب المسبِّب؛ ولذا فهو تمظهرٌ متقدّم من تمظهرات الوعي، أي حين تكون قناعاتنا مبنية على أساس متين من الأدلة التي بمقتضاها أدخلنا القناعة في حيّز إدراكنا، وارتضيناها لأنفسنا.

ولكن أن يحدث العكس تماما، بحيث نتبنّى القناعة ثم نتعرّض لأدلتها فهذا ربما يُعدّ ُ أمرًا مستغرَبًا للغاية نظريًا، إلا أنّه يمثّل واقعا لا يمكن نكرانه، إذْ إنّ قناعاتنا كثيرا ما تكون سابقةً على أدلّتها بادئ الأمر، ثم تأتي الأدلة تبريرا وتعزيزا واستئناسا لتلكم القناعات التي تولّدت فينا سَلَفًا، فنتوهّم لاحقا بعد طول عهدٍ أن الأدلة هي السابقة والمتسبّبة.

هذا الانعكاس التراتبي يحدث لعدة أسباب، منها أن تبصر طفولتُنا الغضّة النديّة العالَم - أول ما تبصر - قناعات توارثتها البيئة التي نشأنا فيها، فنستنسخ قناعات بقية مَن نشأ في هذه البيئة، ثم تأخذنا الحميّةُ إزاءَها فنذود عنها وننافح ردحا من الزمن حتى لحظة اليقظة، ونقبل إذّاك الأدلة التي تعززها، وفي المقابل نلوي أعناق الأدلة التي تنقضها، ليس لأننا بحثنا في أدلتها وفتّشنا في مدى متانتها حتى قبلناها عن فحصٍ واعٍ حصيف، بل لأننا نشأنا عليها منذ نعومة أظفارنا حتى استمْرَأْناها؛ لأنها أول ما تلقّفَنا به العالَم وتلقّتنا به الحياة، لا أكثر من ذلك.

من تلك الأسباب التي تقلب تراتبية القناعة وأدلتها رأسا على عقب، التسرّب اللاواعي لسبب أو لآخر؛ نتيجة التأثر بالحملات الدعائية الممنهجة المتكررة، هذا التسرّب اللاشعوري يجعلنا ليّنين مُتراخين أمام الأدلة التي تعضد القناعة، وشرسين شيئا فشيئا حيال الأدلة المضادّة التي تعكّر صفوها وتقضّ مضجعها، حتى نجد أنفسنا في لحظة حاسمة وقد انتبه وعينا لقناعة جديدة، ظانّين أنها لحظة ولادة مباغتة لا مخاض قبلها، بَيْدَ أنها الحلقة الأخيرة لتراكمات متعاقبة في خلفية وعينا، تشكّلت دون ملاحظة منا.ويأتي الانفعال العاطفي كذلك واحدًا من أبرز أسباب تقدّم تبنّي القناعة على سَوْق أدلتها، إذْ إنّ المواقف المصحوبة بشحنة هائلة من العواطف من شأنها أن تشكّل قناعة معينة دفعة واحدة، وعلى نحو غائرٍ في العمق، ثم يبحث عقلنا بعدئذٍ عما يعضدها من براهين، هذا البحث هو بحث استدلال لاحق، لا استدلال سابق كما ينبغي له أن يكون.

خليقٌ بي هنا أن ألفت النظر إلى أنّنا لسنا مجبرين أساسا على حيازة أدلة لقناعاتنا الشخصية، وهذه اللفتة الجدلية على غرابتها، غير أنها إسقاطٌ اعتيادي نمارسه بدون غضاضة، ولو فتّشنا جيدا بين قناعاتنا لوجدنا جملة ضافرةً منها، فكم من قناعة تعشّش في إدراكنا ليس لها من سند إلا مَيلٌ داخلي لا غير، ونحن نقرّ بذلك عن طيب خاطر، أي عدم وجود أدلة تعضد قناعاتنا هاته، وليس عن هذا النوع من القناعات أتحدث في مقالتي هذه، وإنما عن فئة قناعاتنا التي نظن أن قاعدتها التي تستند إليها هي دليل دامغ أو طائفة من البراهين الساطعة، غير أن الأمر ليس بهذه التراتبية ألبتة.

فإذا كان ذلك كذلك، فوجود أدلة رصينة - بحسب رؤيتنا - لا يعني أنها سابقة سببية على قناعتنا، ومن ثَمّ فهي المحرك الرئيس وراء اقتناعنا بها، فالأمر ليس كذلك بالمرّة، إذْ لا تعدو أن تكون مجرد استدلال متأخر، نطرّز به تبريرنا ودافعنا الواعي وراء قناعتنا، محاولين إظهار درجة سامقة من الاتزان العقلي ونحن نستعرض قناعتنا إنْ لإسكات سياط عقلانيتنا وإنْ لصدّ هجمات الآخرين علينا.

إن الداعي وراء هذه اللفتة هو أن نَحمل أنفسنا على ممارسة ذهنية ضرورية، وهي المراجعة الدورية لقناعاتنا التي نتبنّاها بحكم أدلتها، ثم نقوم بالمساءلة الجادة والصارمة عمّا إذا كانت هذه الأدلة سببا حقيقيا وذات تسلسل منطقي بحيث كانت سابقة على القناعة، أم أنها مجرد تبرير متأخر على قناعتنا نضحك به على أذقاننا، ونتزيّا به في مجالس الوعي وعتبات النقاش؟ وما هي في الواقع إلا قناعة مزيفة سبقت استدلالَها، ولبست لَبوس قناعة حقيقية لحقت استدلالَها.

***

محمد سيف

 

لماذا يقاوم الانسان العقلانية كما يقاوم الظلامية؟

لماذا يتشبث الإنسان بعالمه القديم حتى لو كان سجناً، ويرفض الحقيقة حتى لو كانت خلاصه؟ هذا سؤال طالما شغلني، وطالما وجدت له صدى في تجربة أوروبا الفكرية قبل أن تجد صداه في تجربتنا نحن. فحين كان فولتير وديدرو وكانط يطلقون صيحاتهم المدوية ضد الجهل والخرافة في القرن الثامن عشر، لم يكونوا يواجهون فقط الكنيسة والسلطة، بل كانوا يواجهون شيئاً أعمق وأخطر: العقل الجمعي المتشبث بيقينياته القديمة، ذلك العقل الذي فضّل ظلام الكهف على نور الخارج، لأن الظلام كان مألوفاً والنور كان مرعباً بغرابته. هذه هي المفارقة الكبرى التي لم يفهمها الكثيرون: أن التنوير ليس معركة ضد الجهل بالمعنى البسيط، بل معركة ضد الألفة، ضد ذلك الحنين العميق إلى عالم نعرف حدوده حتى لو كانت حدود زنزانة.

وأنا حين أتأمل حالنا نحن العرب اليوم، أجد المشهد نفسه يتكرر بحذافيره، بل ربما بقسوة أكبر. فالإنسان العربي، الذي تشكّل وعيه عبر قرون من التراث المغلق والفكر الأصولي الذي لا يقبل المساءلة، لا يدافع عن هذا التراث لأنه مقتنع ببراهينه، بل يدافع عنه لأنه بيته الوحيد، لأنه الأفق الذي وُلد داخله ولم يتعلم قط أن هناك آفاقاً أخرى ممكنة. وهنا أستعيد ما قاله كانط في مقالته الشهيرة عن التنوير: إن القصور الذي يعيشه الإنسان هو قصور يفرضه على نفسه بنفسه، لأنه يخشى استخدام عقله دون وصاية الآخرين. وهذا بالضبط ما يحدث حين تُطرح الحقيقة الجديدة، الحقيقة التي تتحدى النص الموروث أو السلطة القائمة: فالإنسان لا يرفضها لأنه فحصها ووجدها باطلة، بل يرفضها لأنها تهدد ذلك القصور المريح الذي اعتاد عليه، ذلك الاتكاء الدائم على سلطة خارجية تُعفيه من عناء التفكير المستقل.

ولو تأملنا التاريخ الأوروبي جيداً، لوجدنا أن معركة العلمنة والتنوير لم تكن معركة أفكار مجردة تُطرح في الصالونات الفكرية فحسب، بل كانت معركة نفسية بامتياز، معركة ضد الخوف من فقدان المعنى. فحين أعلن نيتشه موت الإله، لم يكن يقصد فقط سقوط عقيدة، بل كان يشير إلى تلك الهاوية الوجودية التي ستفتح أمام الإنسان الأوروبي حين يفقد يقينه القديم، تلك الهاوية التي دفعت الكثيرين إلى الارتماء من جديد في أحضان أيديولوجيات شمولية جديدة، فاشية كانت أم شيوعية، لأن الإنسان، كما يقول إريك فروم في كتابه الرائع “الخوف من الحرية”، يهرب من الحرية بقدر ما يهرب من العبودية، لأن الحرية تضعه وجهاً لوجه مع فراغ وجودي لا يحتمله إلا القلة النادرة من الأرواح الشجاعة.

نحن، في عالمنا العربي، لم نمر بعد بهذه اللحظة الحاسمة، لحظة الجرأة على استخدام العقل دون وصاية، كما فعلت أوروبا في عصر الأنوار. ولهذا فإن كل من يحاول اليوم أن يطرح حقيقة جديدة، سواء في قراءة النص الديني أو في نقد السلطة السياسية أو في مساءلة الموروث الاجتماعي، يصطدم بهذا الجدار النفسي العميق: جدار الخوف من فقدان العالم المألوف. وهو خوف لا يجب أن نستهزئ به أو نستخف بأصحابه، فالمسألة ليست مسألة غباء أو تخلف كما يظن بعض المتحمسين للحداثة، بل هي مسألة بنية نفسية متجذرة، تحتاج إلى معالجة تدريجية صبورة، لا إلى صدمة عنيفة تزيد المتشبثين تشبثاً وتُحصّن جدرانهم أكثر فأكثر.

ولعل الدرس الأهم الذي تعلمته من متابعتي الطويلة للفكر الأوروبي الحديث هو أن التنوير الحقيقي لم يأتِ بالقطيعة الفجائية، بل جاء بمسار طويل ومتراكم من التشكيك المنهجي، من ديكارت إلى سبينوزا إلى لوك إلى فولتير، جيلاً بعد جيل، كل واحد منهم يفتح شقاً جديداً في جدار اليقين القديم دون أن يهدمه دفعة واحدة. لأن الهدم الفجائي، كما علّمتنا كل الثورات الكبرى التي انقلبت على نفسها، يُنتج فراغاً مرعباً سرعان ما يمتلئ بأشكال جديدة من الاستبداد، أشد قسوة أحياناً من الاستبداد القديم الذي ثارت عليه. فالإنسان الذي يُقتلع فجأة من عالمه المألوف، دون أن يُمنح بديلاً يمنحه الطمأنينة نفسها، سيبحث بلا وعي عن سجن جديد يأوي إليه، لأن السجن، مهما بدا قاسياً، أهون عليه من العراء الوجودي الذي لا حدود له. وهذه هي المهمة الحقيقية للمثقف التنويري اليوم: لا أن يهدم الأصنام بغضب انفعالي، بل أن يبني، بصبر الحكيم وأناة المربي، عالماً بديلاً يستحق أن يُغامر الإنسان من أجله بيقينه القديم.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

النزوح.. حين يقُتلع الإنسان من جذوره الثقافية

ليست الحرب في جوهرها تبادلًا لإطلاق النار بين متحاربين، ولا هي مجرد صراع على الحدود أو الثروات أو السلطة، بل هي قبل كل شيء ظاهرة اجتماعية شديدة التعقيد، تهدم عالم الإنسان الداخلي قبل أن تهدم المدن والقرى، وتعيد تشكيل المجتمع بأسره على نحو قد يمتد أثره إلى أجيال لم تشهد الحرب نفسها. فالرصاصة قد تقتل إنسانًا، أما الحرب فإنها تغيّر معنى الحياة، وتبدل خرائط الذاكرة، وتقتلع الناس من أمكنتهم كما تُقتلع الأشجار من جذورها.

تداعت إلى ذهني تلك الخاطرة وأنا أستمع، إلى محاضرة الباحثة ريم برو بعنوان “الحرب وتداعياتها على مجتمع النزوح: قراءة في سوسيولوجيا الحرب”، في غرفة 19 الثقافية، وأدارتها الأستاذة إخلاص فرانسيس بكفاءة واقتدار. إذ لم تكن المحاضرة عرضًا أكاديميًا جافًا، بل كانت شهادة إنسانية نابضة بالحياة عن تجربة شخصية مرت بها الباحثة ريم النازحة من جبل لبنان إلى بيروت بعد إن شاهدت بإم عينيها بيت العائلة الكبير وقد صار أثرا بعد عين🥲 مع ريم امتزج التحليل العلمي بالتجربة الشخصية، فبدت السوسيولوجيا وهي تنصت إلى نبض الإنسان لا إلى الأرقام وحدها فالحرب لا تغيّر الحكومات فقط، وإنما تغيّر العائلات، والذاكرة، والهويات، وأنماط التضامن، وصور الخوف، وحتى اللغة التي يتحدث بها الناس عن أنفسهم وعن الآخرين. إنها تعيد إنتاج المجتمع على صورة الألم إذ ليس من السهل على إنسان أن يقتلع جذوره من أرضه الأولى، حيث الطفولة والذكريات واللغة والبيوت والقبور والأصدقاء. فالوطن ليس مجرد قطعة جغرافيا، بل هو ذاكرة وهوية وشعور عميق بالانتماء. ومع ذلك نرى ملايين البشر في عالمنا العربي يتركون أوطانهم بحثًا عن مكان آخر يمنحهم الأمان والكرامة وفرصة العيش الكريم والسبب في ذلك يعود في جوهره إلى غياب الدولة بمعناها الحقيقي.

ويعد النزوح ابرز نتائج الحرب السوسيولوجية فكثيرًا ما ننظر إلى النازح بوصفه إنسانًا غادر بيته، بينما الحقيقة أن النزوح أعمق من الانتقال من مكان إلى آخر؛ إنه اقتلاع الإنسان من شبكة كاملة من المعاني والعلاقات. فالبيت ليس جدرانًا وسقفًا، بل تاريخ من الذكريات، وروائح الطفولة، وأصوات الجيران، وأسماء الموتى الراقدين في المقابر القريبة، والأشجار التي كبرت مع أصحابها، والطرقات التي تحفظ وقع خطواتهم. ولذلك فإن أخطر ما تفعله الحرب أنها لا تهدم البيوت فقط، بل تهدم الإحساس بالانتماء.

وأنا أستمع الى حديث الدكتورة ريم برو عن قصة نزوحها تذكرت ما سبق وأن كتبته عن تجربة النازحين في جنوب اليمن بسبب الحروب الإرهابية حينها دراسة بعنوان ( دراسة تحليلية: تفعيل دور المجتمع المحلي للحفاظ على السلم الاجتماعي) نشرت في صحيفة عدن الغد يوم الأربعاء 30 أكتوبر 2013م)

من يومها وانا مهتم في ظاهرة النزوح إذ لاحظت إن أكثر ما يؤلم في النزوح أن الإنسان لا يفقد مكانه فقط، وإنما يفقد جزءًا من هويته. فالمكان ليس إطارًا خارجيًا للحياة، بل أحد مكوناتها الأساسية. نحن لا نسكن المدن فحسب، بل المدن تسكننا أيضًا. ولهذا يشعر النازح، مهما أحسن الناس استقباله، بأنه يعيش في مكان لا يعرفه ولا يعرفه المكان. يصبح غريبًا حتى عن نفسه، وكأنه يحمل وطنه في ذاكرته ولا يستطيع العودة إليه فحين تغادر الأسر قراها ومدنها تتشقق شبكات القرابة، وتتبدل الأدوار الاجتماعية، وتنهار مصادر الرزق، وتضطرب أنماط التربية والتعليم، ويصبح المستقبل نفسه معلقًا بين ذاكرة لا تموت وواقع لا يستقر وتؤكد الدراسات النفسية أن كثيرًا من الناجين من الحروب يستمرون في العيش داخلها حتى بعد توقف إطلاق النار. فالحرب قد تنتهي سياسيًا، لكنها لا تنتهي في الذاكرة بسهولة. أصوات الانفجارات، ورائحة الدخان، وصور القتلى، ولحظة الهروب، كلها تتحول إلى ذاكرة حية تستيقظ مع أقل صوت أو مشهد مشابه. وهذا ما يعرف باضطراب ما بعد الصدمة، وهو في حقيقته ليس مرضًا فرديًا فحسب، بل ظاهرة اجتماعية تصيب مجتمعات بأكملها، فتورث الخوف جيلاً بعد جيل.

فكم من مدينة فقدت أبناءها، وكم من قرية أغلقت أبوابها، وكم من طفل كبر بعيدًا عن المكان الذي ولد فيه. ملايين اليمنيين لم يغادروا بيوتهم فقط، بل غادروا جزءًا من ذواتهم. لقد أصبح النزوح أحد أكبر التحولات الاجتماعية في تاريخ اليمن الحديث، ولم يعد مجرد أثر جانبي للحرب، بل صار بنية اجتماعية جديدة لها اقتصادها، وثقافتها، وعلاقاتها، ومشكلاتها.

إن الإنسان، كما قال أرسطو، كائن اجتماعي، لكنني أضيف: إنه أيضًا كائن مكاني. يولد في مكان، ويتعلم فيه أولى كلماته، ويكوّن فيه ذاكرته الأولى، ويمنح وجوده معنى من خلال علاقته بالمكان. ولذلك فإن اقتلاع الإنسان من أرضه يشبه اقتلاع الشجرة من تربتها؛ قد تبقى حية، لكنها تحتاج إلى زمن طويل حتى تستعيد قدرتها على الإثمار، وربما لا تستعيدها أبدًا فالمدن يمكن أن تعاد بناؤها في سنوات، أما الإنسان فيحتاج إلى زمن أطول كي يعيد بناء ثقته بنفسه وبالآخرين. إن أصعب ما تهدمه الحرب ليس الحجر، وإنما الإنسان.

وهذا يعني بان السلام الحقيقي لا يبدأ بتوقيع الاتفاقيات، بل يبدأ بإعادة بناء الإنسان، وترميم الذاكرة الجمعية، وإحياء الثقة بين الناس، وإعادة الاعتبار لفكرة المواطنة، وبناء دولة عادلة يشعر الجميع في ظلها بأن القانون يحميهم بالتساوي. فلا يمكن لمجتمع خرج من الحرب أن يتعافى إذا بقيت أسبابه قائمة، وإذا ظل الخوف هو اللغة المشتركة بين أبنائه.

وربما لهذا السبب ظل سؤال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط عن السلام الدائم أكثر راهنية من أي وقت مضى. فالتقدم التقني الهائل جعل الإنسان أكثر قدرة على التدمير، لكنه لم يجعله أكثر حكمة في تجنب الحروب. وما لم يتقدم الوعي الأخلاقي والسياسي بالسرعة نفسها التي يتقدم بها العلم، فإن العالم سيظل يحمل في جيبه هاتفًا ذكيًا، وفي يده الأخرى عود ثقاب قادرًا على إشعال الكوكب بأسره.

ولعل هذا هو الدرس الأكبر الذي خرجت به من الندوة: إن أخطر ما تفعله الحرب أنها لا تقتلع الناس من أوطانهم فحسب، بل قد تقتلع الأوطان من داخل الناس ذاتهم . وإذا كان بناء البيوت ممكنًا بعد كل حرب، فإن إعادة بناء الإنسان هي المهمة الأصعب، وهي وحدها التي تستحق أن تكون مشروع ما بعد الحرب، لأنها البداية الحقيقية لكل سلام دائم.

والوطن ليس مجرد مكان جغرافي، بل هو امتداد نفسي ووجودي، هو ذاكرة متراكمة من التفاصيل الصغيرة: طرقات الطفولة، وجوه الجيران، أصوات الأسواق، وحتى الحزن المشترك. لذلك، فإن التخلي عنه لا يحدث إلا عندما تصبح كلفة البقاء فيه أعلى من كلفة الرحيل عنه، وعندما يتحول الوطن نفسه من مصدر للأمان إلى مصدر للخطر.

هنا يمكننا وضع يدنا على الجرح الدامي المتمثل في مأساة غياب الدولة، لا بوصفها جهازًا إداريًا، بل بوصفها الإطار الذي يمنح الحياة معناها الممكن. الدولة، حين تكون حقيقية، ليست مجرد سلطة، بل منظومة حماية؛ هي ذلك الكيان الذي يضمن للإنسان حدًا أدنى من الاستقرار، ويمنحه شعورًا بأن حياته ليست عرضة للانهيار في أية لحظة. وعندما تغيب هذه الدولة، أو تتآكل مؤسساتها، أو تتحول إلى أداة صراع بدل أن تكون أداة تنظيم، فإن المجتمع كله يدخل في حالة سيولة خطرة، حيث لا يعود هناك ما يمكن الاتكاء عليه. نقصد بالدولة بوصفها مؤسسة المؤسسات العامة التي تحتضن مواطنيها وترعى مصالحهم وتحمي سيادة أرضهم وتصون النظام العام. إنها تشبه الأم الحانية التي أنجبت أبناءها وسهرت على تربيتهم وخافت عليهم من الأخطار. ولهذا فإن الشعوب التي تعيش في كنف دول مستقرة تنام مطمئنة في حضنها كما ينام الطفل في حضن أمه غير أن الأمومة ليست مجرد عاطفة رومانسية كما يتصور البعض، بل هي أحد أعظم أشكال القوة الإنسانية. فالنساء غالبًا ما يكن أكثر صبرًا وصلابة ووفاءً في مواجهة الأزمات والمحن. فهن اللواتي حملن الأبناء في بطونهن، وسهرن على تربيتهم منذ كانوا مجرد احتمال في عالم الغيب، ولهذا يعرفن أكثر من غيرهن قيمة الحياة وثمنها الحقيقي وما أفدح أن ترى الأم أبناءها يسقطون في حروب عبثية، وما أفدح أن ترى الشعوب تعب أعمارها وثروات أوطانها تتحول في لحظة إلى دخان ورماد بسبب صراعات سياسية أو أيديولوجية لا معنى لها.

***

ا. د. قاسم المحبشي

إن مسألة تأصيل الفكر السلفي الوثوقي الجبري وقوننته بدأت إرهاصاتها الأولى في نهايات القرن الأول للهجرة مع المالكي والشافعي وابن حنبل، مرورا بتلامذتهم مثل، أبو حسن الأشعري وأبو حامد الغزالي، والسيوطي، والقطني والشعيبي وابن قيم الجوزية وابن تيمية والباقلاني والقطني والسختياني وغيرهم. فكل هؤلاء التلاميذ آمنوا إيماناً مطلقا بدور النقل على حساب العقل، وقياس الشاهد على الغائب، وأن صريح العقل لا يخالف صحيح لنقل، وأن الحسن والقبيح هو ما حسنه الشرع أو قبحه. وإذا اضطروا لاستخدام العقل كما استخدمه الشافعي وغيره فيما بعد في القياس، أو كما استخدمه الأشاعرة في نظريّة الكسب، فيأتي استخدام العقل هنا للاستدلال والاستقراء أو البحث عن دليل في النص أو الأثر ليشرعن ما هو محدث او مستجد من أمور الحياة. أو بتعبير آخر، يأتي استخدام العقل في هذا المنهج لتثبيت النص والأثر وليس للحكم عليهما، لأن ما تم في الزمن الذي حدد أصحاب هذا التيار (القرون الهجرية الثلاثة الأولى)، صحته وضرورة الالتزام به، وهو زمن مقدس ولا نقاش أو رأي في ما ورد فيه من فكر وسلوكيات. كما أن التقديس راح يشمل فيما بعد عند البعض حتى أقوال فقهاء هذا المنهج السلفي أنفسهم.

لنعود وننظر في آراء من أصل لهذا التيار السلفي الجبري، حيث يعتبر الشافعي /150- 205/ للهجرة، هو أول من أصل قواعد الفقه السلفي في صيغته الوثوقية التي جئنا عليها، عندما حدد المراجع الأساسية للتشريع الإسلامي بالقرآن والحديث والإجماع والقياس، وإذا كان القرآن وما اتفق عليه من الحديث الصحيح هي مسائل ثابتة، فإن الإجماع جاء عنده مقتصراً على إجماع علماء الدين من أهل السنة، أو إجماع أهل المدينة، أما القياس فهو البحث عن دليل شرعي لكل محدث أو مستجد لم يرد فيه نص أو أثر، ودور العقل في القياس هنا هو البحث عن دليل في هذه المصادر الأساسية وليس لابتداع دليل .

يقول الشافعي حول ضرورة التمسك بالنص المقدس والأثر: (لم يجعل الله لأحد بعد رسول الله أن يقول إلا من جهة علم مضى).(1)

إن الماضي عند الشافعي يأتي هنا بصريح لفظه متمسكاً بالعلم الوحيد في الإسلام، فلا يحل أو يحق لجيل لاحق أن يحكم أو يفتي أو يفكر لنفسه، إلا ويكون مستنداً إلى حكم أو فتوى أو فكر الأجيال السابقة. وبالتالي فكل المحدثات من الأمور هي بدعة كما يورد ابن القيم الجوزي عن الشافعي قوله: (المحدثات من الأمور ضربان أحدهما، ما أحدث يخالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً أو أثراً، فهذه البدعة الضلالة). (2).

أما بالنسبة لأحمد بن حنبل المتوفى سنة /284/ هـ، فهو الممثل الرئيس لمدرسة الرواية، وهي المدرسة التي تأخذ بالحديث حتى المرسل والضعيف منه وترجحه على الأخذ بالرأي والقياس. فالحديث الضعيف عند ابن حنبل (أهم من الرأي)، وكذلك الخبر الضعيف كما يقول. فابن حنبل يحارب الأخذ بالرأي ويلتمس الخبر ولو كان ضعيفاً، هذا وقد روي عن ابنه عبد الله قوله: (سمعت أبي يقول: لا تكاد ترى أحداً نظر في الرأي إلا وفي قلبه دغل.).(3). والدغل هو فساد الرأي.

هذا ويعتبر ابن حنبل من أكثر الفقهاء تشدداً بالنسبة للتيار السلفي، وأن معظم من اشتغل على هذا التيار وأخذ به يعتبر ابن حنبل أستاذه، وفي مقدمة هؤلاء " أبو حسن الأشعري".

أما أبو حسن الأشعري المتوفى سنة /324/ هـ، وهو المعتزلي أصلاً، ثم تخلى عن فكره القدري ليلتحق بالفكر السلفي بعد أن راح أصحاب الفكر السلفي يُلاحقون من يقول بالقدر، وشُكلت لهم محاكم التفتيش منذ مرسوم المتوكل عام 232 للهجرة الذي اصدره لمعاقبة كل من يقول بالرأي، واعتماد العقل مرجعاً للحكم على مستجدات الحياه.

لقد انبرى الأشعري مدافعاً عن مقولات ابن حنبل بعد أن تبنى آراءه وهو القائل في ذلك: (قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها هي التمسك بكتاب الله وسنة نبينا محمد (ص) وما روي عن السادة الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون بما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل نضر الله وجهه وأجزل مثوبته قائلون، ولما خالف قوله مخالفون.).(4). وبهذا الموقف السلفي أصبح تياره فيما بعد الممثل الأكثر حضوراً للتيار السلفي الوثوقي الجبري في صيغته الحنبلية الضيقة، بالرغم من إشكالية الأشعري الواقعة بين رغبته في مدرسة الحديث من جهة، وبين انشقاقه عن المعتزلة وتأثره بدور العقل من جهة ثانية، وللخروج من هذه الإشكالية راح يستخدم العقل لتثبيت النص وليس للحكم عليه، أي استخدام العقل لنفي العقل. هذا وقد اعتبر الأشاعرة كتيار ديني سلفي من التيارات الأساسية التي توافق الخط العام السياسي للسلطات الحاكمة سابقاً ولاحقاً، وهو بإيمانه أو قوله – أي الأشعري - بالإجماع في زمن ظهوره، كان يلتمس الشرعية في فعل السلف وما ينسب إليهم من الإجماع على اختيار أبي بكر وعمر وعثمان، وذلك لنفي مقولة المعارضة الشيعية بالوصية لعلي وأبنائه من بعده.

على العموم، إن أبي حسن الأشعري في المحصلة أصل للسلفية من حيث العقيدة، في الوقت الذي أصل لها الشافعي فقهياً. أي هو من ولج باب الأصول أكثر من الفروع، في مسألة القضاء والقدر، وطرحه لنظرية الكسب، وهو من تحدث بالصفات العقليّة واعتبرها من ذات الله، وتكلم بمفهوم العدل والحسن والقبيح الشرعيين، وأنكر السببية، وقال ليس من قديم سوى الله أما العالم المادي فمحدث.

أما الغزالي المتوفى سنة /505/ هـ، وهو تلميذ أبي حسن الأشعري فقد تمسك بفكر أستاذه، في الوقت الذي فتح فيه الحدود بشكل (تلفيقي) بين الفلسفة والمنهج السلفي، بالرغم من بقائه محاربا للفكر العقلاني برده على الفلاسفة في كتابه المشهور (التهافت). فالغزالي واجه الفلاسفة الذين قالوا إن الله لا يعلم إلا بالكليات، أما الجزئيات فلا، فالغزالي يقول بأن الله خلق العالم بإرادة حرة قديمة وهو قادر على الإحاطة الكلية والجزئية بهذا العالم. كما يقول الغزالي إن حقائق الأمور الإلهية لا تنال بنظر العقل وليس بقوة البشر الاطلاع عليها.(5).كما حاول إقحام التصوف في الفكر السلفي حيث اشتغل على هذا الفكر والتقى مع المتصوفة في الكثير من أفكارهم، واختلف معهم في قضية (وحدة الوجود) حتى ولو على أساس روحي، كون هذا المبدأ يرمي في النهاية إلى إنكار الواحد الأحد المفارق والعلوي.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

........................

1- عبد الجواد ياسين- السلطة في الإسلام – المركز الثقافي

العربي –ط1- 1998- ص69

2- المرجع نفسه- ص 69.

3- المرجع نفسه- ص 72.

4- المرجع نفسه. ص- 55 .

5- الطيب تيزيني- من اللاهوت إلى الفلسفة العربية الوسيطة - القسم الثاني- دمشق – وزارة الثقافة- 2005– ص 253.

حرب، حربة، حرابة، محاربة… من الكلمات التي يرددها الناس كل يوم في حياتهم بمعانٍ ودلالات مختلفة: حرب استنزاف، حرب تقليدية، حرب نووية، حرب ظالمة، حرب بيولوجية، حرب باردة، حرب مقدسة، حرب أهلية، حرب عالمية، حرب تحرير، حرب عادلة، حروب الموجة الثالثة، حرب خاطفة، حرب طويلة، حرب مدن، حرب إعلامية، حرب شاملة، حرب عصابات، حرب برية، حرب جوية، حرب بحرية، حرب نووية، حرب ذكية، حرب رقمية… إلخ.

وكلها معانٍ تدور حول معنى الحد القاطع أو رأس الرمح، ومنها اشتُقت كلمة الحرابة بمعنى قطع الطريق ونهب العابرين فيه.

وتُعد الحرب من أخطر الظواهر الاجتماعية وأكثرها أثرًا في مسار تاريخ البشرية؛ إذ رافقت حياة الإنسان منذ أقدم العصور، وهي أعنف أنماط التفاعل والصراع بين الفاعلين الاجتماعيين. فمنذ الأنياب والمخالب، إلى الرجم بالحجارة، ثم السيف والرمح، فالبندقية، فالمدفعية، والقنابل، والصواريخ، وصولًا إلى الروبوتات والطائرات المسيَّرة الذكية؛ هكذا تطورت أدوات القتال لدى الإنسان.

أما الحيوانات فلا تحارب بالمعنى الإنساني للحرب، بل ظلت تستخدم أعضاءها الطبيعية في تدبير عيشها والدفاع عن بقائها.

وفي حقيقة الأمر، يمكن النظر إلى الحرب بوصفها أحد أشكال القوة البشرية المنظمة. وتُعد الحرب بين بني أمية وبني هاشم، من قريش العربية، من أطول الصراعات في التاريخ؛ إذ نشبت قبل نحو أربعة عشر قرنًا، ودارت واستدارت، وما تزال آثارها وتداعياتها حاضرة بأشكال مختلفة حتى اليوم.

يقول المستشرق لورنس أوليفانت (بحسب ما أورده إدوارد سعيد):

«كم ألفًا من السنين بقيت هذه الحالة من الوجود (أي كون العرب يعيشون في حالة حرب دائمة)، سيخبرنا أولئك الذين سيقرؤون أقدم سجلات الصحراء الداخلية؛ ذلك أنها تعود إلى أولهم. لكن العربي، عبر القرون كلها، لم يستفد حكمة من التجربة؛ فهو غير آمن أبدًا، ومع ذلك فإنه يتصرف وكأن السلم والأمان خبزه اليومي.»

(ينظر: إدوارد سعيد، الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء، ترجمة كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1980، ص120).

تُعد الحرب، من منظور علم الاجتماع السياسي، ظاهرة مركبة تتجاوز كونها مواجهة عسكرية بين أطراف متنازعة، أو صراعًا على الحدود والموارد والسلطة. فهي بنية اجتماعية معقدة ارتبطت بتاريخ المجتمعات البشرية منذ بداياتها الأولى، بحيث يمكن القول إن تاريخ الإنسان يتقاطع بدرجة كبيرة مع تاريخ الحروب، كما يتقاطع مع تاريخ بناء الحضارات.

وتشير الخبرة التاريخية إلى أن اندلاع الحروب يؤدي غالبًا إلى إعادة كشف البنى الاجتماعية والقيمية للمجتمع، حيث تتراجع الأطر المعيارية المستقرة، ويبرز سلوك الأفراد والجماعات في صورته الأكثر ارتباطًا بظروف الخوف وعدم اليقين، بما في ذلك أنماط التعاون والصراع، والتضامن والانقسام، والبناء والتدمير.

البارحة جمعتنا غرفة 19 في ندوة “الحرب وتداعياتها على مجتمع النزوح” قدمتها الدكتورة ريم برو، أستاذة علم اجتماع الحرب والأنثروبولوجيا بجامعة بيروت، وأدارتها الأستاذة إخلاص فرانسيس. اثارت مشكلات حيوية تهمنا جميعا أبرزها: دوافع الحروب، وآليات تحول المجتمعات من أنماط التعايش إلى أنماط العنف، والآثار الاجتماعية الممتدة للحرب على الأفراد والجماعات.

من منظور فلسفة الحضارة، تُظهر التجارب التاريخية أن فعالية الدولة ومؤسساتها القانونية تمثل عاملًا حاسمًا في استقرار المجتمع. فعندما تتراجع سلطة القانون أو تنهار مؤسسات الضبط الاجتماعي، تزداد هشاشة البنية الاجتماعية، ويضعف التمييز بين القوة والحق، بما يؤدي إلى إعادة تنظيم العلاقات الاجتماعية وفق منطق القوة المباشرة بدلًا قوة الحق المستندة على القواعد القانونية والمؤسسية.

وتؤكد الوقائع التاريخية أن انهيار السلطة السياسية أو ضعفها غالبًا ما يرتبط بارتفاع مستويات العنف الاجتماعي، حيث تتغير أنماط العلاقات بين الأفراد، ويتحول الفضاء الاجتماعي إلى مجال مفتوح للصراع. وفي مثل هذه السياقات، تتراجع وظيفة الدولة بوصفها الجهة المحتكرة لاستخدام العنف المشروع، بحسب ماكس فيبر.

وقد استوقفتني ظاهرة الحرب منذ زمن طويل. وتأملتها ورصدت تقسيمات وظيفية عامة للأدوار الاجتماعية خلال النزاعات المسلحة، يمكن تلخيصها في أربع فئات رئيسية:

1. الضحايا المدنيون: وتشمل هذه الفئة الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى وذوي الإعاقة، إضافة إلى المدنيين غير المنخرطين في العمليات القتالية. وتمثل هذه الفئة النسبة الأكبر من المتأثرين بالحروب، حيث تتحمل العبء الإنساني المباشر للنزاع.

2. المشاركون في العمليات القتالية: وتشمل الجنود والمجندين والمتطوعين والمرتزقة، إضافة إلى الأفراد المنخرطين في القتال ضمن أطر اجتماعية أو سياسية مختلفة. وغالبًا ما تمثل الفئات الشابة من الذكور الذين يشكلون النسبة الأكبرمن هذه الفئة.

3. صناع القرار في الحرب: وهم الفاعلون السياسيون والعسكريون الذين يتخذون قرارات الدخول في النزاع أو استمراره، سواء بدوافع تتعلق بالسلطة أو الموارد أو النفوذ أو الاعتبارات الأيديولوجية.

4. المستفيدون من الحرب: وتشمل الفاعلين الاقتصاديين وشبكات المصالح المرتبطة بتجارة السلاح أو إدارة الأزمات أو الاستفادة من اقتصاديات الحرب.

فالحرب لا تقتصر على كونها حدثًا عسكريًا، بل تمثل عملية إعادة تشكيل شاملة للبنية الاجتماعية، حيث تؤدي إلى إعادة توزيع السلطة، وإعادة إنتاج الهويات الاجتماعية، وتغيير منظومات القيم، وتكوين ذاكرة جماعية جديدة تمتد آثارها إلى ما بعد انتهاء النزاع.

حدثتني أمي الحانية بأن أبي، عبد عوض المحبشي، رحمهما الله، حفر في ذلك العام ملجأً آمنًا في قلب الجبل المطل على قريتنا (بغدة)، أشبه بكهف صغير يتسع لأفراد عائلتنا الصغيرة آنذاك: أبي وأمي، وإخوتي وأخواتي الخمسة، بينما كنت أنا ما أزال في أكثر الأماكن أمانًا التي يحل فيها جنين الإنسان: بطن أمي.

نعم، وُلدت في زمن حرب التحرير من الاستعمار الإنجليزي في عدن، وحرب حصار صنعاء، ثم عشت وشهدت سلسلة مهولة من الحروب الأهلية، الصغيرة منها والكبيرة. بدأت بأول حرب بين الجبهتين القومية والتحرير بعد خروج الإنجليز من عدن بعام واحد فقط، ثم أحداث عام 1968م، ثم مرحلة العنف الثوري المنظم، وما عُرف بالخطوة التصحيحية، وليلة السكاكين الطويلة عام 1969م، ثم حرب الثورة الفلاحية وسياسات التأميم، ثم حرب الحدود بين دولتي عدن وصنعاء عام 1972م، ثم سلسلة الاغتيالات والصراعات السياسية التي قُتل خلالها رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية سالم ربيع علي (سالمين)، ورئيس الجمهورية العربية اليمنية إبراهيم الحمدي، ثم أحمد الغشمي، وما تلا ذلك من حرب بين الجمهوريتين عام 1979م.

ثم جاءت الحرب الأهلية في 13 يناير 1986م، وكانت أشد تلك الحروب فتكًا وأعمقها أثرًا في نفسي. كنت يومها طالبًا في السنة الثالثة بقسم الفلسفة بكلية التربية العليا في عدن، وأسكن في القسم الداخلي بخور مكسر، فعشت تفاصيل تلك الحرب المجنونة بكل ما حملته من رعب وخسارات، وتركت آثارًا غائرة في النفس والذاكرة، فضلًا عن آثارها الكارثية على الصعيدين الوطني والاجتماعي، وهو ما ليس من أغراض هذه المقالة.

بعد تلك الكارثة، التي فقدت فيها زملاء وأصدقاء أعزاء، تغير كل شيء في حياتي، وأخذت أبحث في معنى الحرب وأسبابها ومسبباتها. فقرأت كتبًا كثيرة، من أبرزها: الأمير لنيقولو مكيافيللي، ومقدمة ابن خلدون، وعُسر الحضارة لسيغموند فرويد، وعن الحرب لكارل فون كلاوزفيتز، وفن الحرب للفيلسوف والاستراتيجي الصيني صن تزو، والحرب والحضارة لأرنولد توينبي، وغيرها من الكتب التي وسعت رؤيتي لهذه الظاهرة الإنسانية المعقدة.

وقد كتب الروائي اليمني حبيب سروري: «من لم يقرأ بعدُ كتاب “فن الحرب” للفيلسوف الاستراتيجي الصيني الشهير صن تزو، الذي كُتب قبل نحو 2500 عام؟». ويضيف: «في رؤية صن تزو، ينبغي أن تتناغم الحرب مع نموذج الطبيعة. واستعارة الماء هنا بالغة الأهمية، إذ تتكرر في مواضع كثيرة من الكتاب. يقول صن تزو: “يسيل الماء على إيقاع تضاريس الأرض، وكذلك يُكتسب النصر بالانسجام مع تغيرات وضع العدو. ليس للماء شكل ثابت، وكذلك ليست للعمليات وصفات جامدة. ومن يستطيع الانتصار بفضل تكيفه مع مختلف التغيرات يستحق أن يُسمى محاربًا إلهيًا”.»

ويستشهد سروري أيضًا بقول الاستراتيجي الصيني الآخر هواي نان تزو، الذي عاش في القرن الثاني قبل الميلاد: «كن كالشبح الذي لا يترك أثرًا، وكن كالماء الذي لا يجرحه أحد». (ينظر: حبيب سروري، من لم يقرأ بعدُ “فن الحرب”؟، مقالاتي، 13 مارس 2014).

وقد استهل سروري مقاله بعبارة لصن تزو تلخص فلسفته في الحرب: «يكمن فن الحرب في هزيمة العدو دون مواجهة، ودون أدنى خسارة، ودون قطرة دم… وقبل خوض المعركة ينبغي أن يكون النصر قد تحقق تمامًا».

ومن بين عوامل كثيرة أخرى، كانت الحروب التي عشتها وشاهدت نتائجها دافعًا قويًا للتعمق في الفلسفة الوجودية، التي درستها على يد الدكتور أحمد نسيم برقاوي، من خلال بحث بعنوان “الوجود والماهية عند جان بول سارتر” عام 1995م. وقد أسهمت الفلسفة الوجودية في تقديم إطار تحليلي لفهم التجربة الإنسانية في سياقات عدم الاستقرار، من خلال مفاهيم القلق، والحرية، والمسؤولية، والموت، بوصفها عناصر أساسية في الوجود الإنساني تحت وطأة التهديد المستمر.

لقد كان وقع حياتنا، ولا يزال، وجوديًا بامتياز؛ فالموت كان، وما يزال، يحوم فوق رؤوس الجميع. ومنذ تلك الأيام، وأنا أحفظ أبيات الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى…

وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ

وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ

مَتى تَبعَثوها تَبعَثوها ذَميمَةً

وَتَضرَ إِذا ضَرَّيتُموها فَتَضرَمِ

فَتَعرُكُّمُ عَركَ الرَحى بِثِفالِها

وَتَلقَح كِشافاً ثُمَّ تَحمِل فَتُتئِمِ

فَتُنتَج لَكُم غِلمانَ أَشأَمَ كُلُّهُم

كَأَحمَرِ حاشد ثُمَّ تُرضِع فَتَفطِمِ

قالها قبل 1400 عاما ولا زالت تحتفظ بكل معناها الدقيق في توصيف تلك الظاهرة الاجتماعية التاريخية البشرية بدقة متناهية.

فما هي الحرب؟ وما آثارها؟ وكيف شكلتنا ؟

إذا كانت الحرب في ظاهرها مواجهةً بين جيوش، فإنها في حقيقتها العميقة عمليةٌ لإعادة تشكيل المجتمع كله. فالرصاص لا يصيب الأجساد وحدها، بل يمتد أثره إلى منظومة القيم، وأنماط العلاقات، وبنية المؤسسات، والوعي الجمعي، بل وحتى اللغة التي يتحدث بها الناس.

الحرب لا تقتل الإنسان فقط، وإنما قد تقتل المواطن داخله، لتحل محله هويةٌ ضيقة، وخوفٌ دائم، وشعورٌ عميق بعدم اليقين. ففي زمن السلم ينتمي الإنسان إلى الدولة، أما في زمن الحرب فيعود غالبًا إلى العصبية الأولى: القبيلة، أو الطائفة، أو المنطقة، أو الجماعة المسلحة. وهنا تبدأ الدولة بالتراجع، ويبدأ المجتمع بالتفتت.

من منظور علم الاجتماع، ليست الحرب مجرد انفجار للعنف، بل هي لحظة انتقال اجتماعي حاد، تتغير فيها قواعد السلوك ومعايير الأخلاق. فما كان جريمة في السلم قد يصبح بطولة في الحرب، وما كان فضيلة قد يُنظر إليه بوصفه ضعفًا. وهكذا تعيد الحرب إنتاج منظومة القيم بما يخدم منطق البقاء أكثر مما يخدم منطق العدالة.

ولذلك فإن أخطر ما تخلفه الحروب ليس الخراب المادي، مهما كان واسعًا، وإنما الخراب الرمزي؛ حين يفقد الناس ثقتهم في القانون، وفي المؤسسات، وفي إمكان العيش المشترك. وعندما تنهار الثقة يصبح ترميم المباني أسهل كثيرًا من ترميم النفوس.

لقد أثبتت الدراسات السوسيولوجية أن الحرب ليست حدثًا عسكريًا معزولًا، بل ظاهرة اجتماعية كلية، تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام والدين والتربية، وتعيد صياغة العلاقات الاجتماعية بأسرها. ولذلك فإن آثارها تستمر سنوات طويلة بعد توقف إطلاق النار، لأن الذاكرة الجمعية لا تعرف الهدنة، ولأن الخوف يتوارث أحيانًا كما تتوارث الثروة والفقر.

ومن هنا فإن إعادة الإعمار الحقيقية لا تبدأ بالإسمنت والحديد، وإنما تبدأ بإعادة بناء الإنسان، واستعادة الثقة، وإحياء فكرة المواطنة، وإصلاح التعليم، وإعادة الاعتبار للقانون بوصفه المرجعية العليا للجميع. فالدولة ليست مجرد سلطة، بل هي الإطار الذي يجعل الناس يثقون بأن حقوقهم لا تحميها القوة، وإنما يحميها النظام العام والعدالة.

إن المجتمع الذي يخرج من الحرب أمامه طريقان: إما أن يبقى أسيرًا لذاكرة الانتقام، فيعيد إنتاج الحرب بأشكال جديدة، أو أن يحول ذاكرة الألم إلى مشروع للمصالحة وبناء المستقبل. والتاريخ يعلمنا أن الأمم العظيمة ليست تلك التي لم تعرف الحروب، بل تلك التي استطاعت أن تتعلم منها، وأن تجعل من مأساتها نقطة انطلاق نحو نظام اجتماعي أكثر عدلًا وإنسانية.

ولعل هذا هو الدرس الأكبر الذي ينبغي أن نستخلصه: فالحرب لا تُقاس بعدد القتلى فقط، بل بقدرتها على تغيير المجتمع. أما السلام الحقيقي فلا يعني غياب البنادق، بل حضور العدالة، وسيادة القانون، ووجود دولةٍ قوية بمؤسساتها، رحيمة بمواطنيها، عادلة بينهم، وقادرة على حماية كرامتهم جميعًا.

***

ا. د. قاسم المحبشي

.........................

* من وحي ندوة “الحرب وتداعياتها على مجتمع النزوح” في غرفة 19 الثقافية

 

كتب: ديلان إيفانز

ترجمة: علي حمدان

***

للوهلة الأولى، يبدو السؤال غريباً. كيف يُمكن لعالم دين مسلم من العصور الوسطى أن يكون سلفاً لثوري ألماني من القرن التاسع عشر؟ مع ذلك، فإنّ المقارنة أكثر أهمية مما تبدو عليه. فعندما كتب العالم الإسلامي أبو حامد الغزالي عن الأسواق والعمل والحياة الاقتصادية في القرن الحادي عشر، كان يُعالج العديد من الأسئلة نفسها التي شغلت كارل ماركس لاحقاً. صحيحٌ أن الأطر الفكرية كانت مختلفة جذرياً، إلا أن الاهتمامات الأساسية - حول الاستغلال والثروة والبنية الأخلاقية للحياة الاقتصادية - تتقارب أحياناً بطرق لافتة.

شبكة من الترابط

تزداد المقارنة إثارةً للاهتمام عندما نتذكر أن النظرية الاقتصادية الحديثة لم تظهر فجأةً في أوروبا خلال القرن الثامن عشر. فقد لاحظ عالم الأنثروبولوجيا ديفيد غرايبر أن العديد من الأفكار المنسوبة عادةً إلى آدم سميث قد طُرحت قبل ذلك بقرون على يد علماء كتبوا في العالم الإسلامي. فقد حلل مفكرو العصور الوسطى المسلمين الأسواق والأسعار والضرائب والعمل قبل ظهور الاقتصاد السياسي الكلاسيكي بزمن طويل. ورغم أن أعمالهم كانت متجذرة في اللاهوت والفقه لا في الاقتصاد المدني، إلا أن المشكلات الفكرية كانت متشابهة بشكل ملحوظ.

يُعدّ الغزالي من أبرز الشخصيات في هذا التراث الفكري. فقد عاش في بيئة فكرية ثرية في الإمبراطورية السلجوقية، ولم يكن مجرد عالم دين، بل كان أيضًا فقيهًا وفيلسوفًا أخلاقيًا شغوفًا بالحياة الاقتصادية اليومية. وفي مؤلفاته الغزيرة، ولا سيما في رسالته الأخلاقية "إحياء علوم الدين"، تناول التجارة والعمل وآلية عمل الأسواق بمستوى من العمق والدقة يُثير دهشة الكثير من القراء المعاصرين.

أدرك الغزالي أن الحياة الاقتصادية تقوم على شبكة معقدة من الترابط. وأوضح أن الخبز الذي نأكله يعتمد على المزارعين والطحانين والخبازين والتجار، حيث يساهم كل منهم بمهمة متخصصة. هذه الملاحظة حول التقسيم الاجتماعي للعمل تستبق مناقشات لاحقة لسميث وغيره، لكنها بالنسبة للغزالي كانت تخدم غرضًا أخلاقيًا ولاهوتيًا أكثر من كونها اقتصادية. يعتمد البشر على بعضهم بعضًا لأن الله خلق المجتمع كنظام تعاوني لا يستطيع فيه أي فرد البقاء بمفرده.

يُعدّ هذا التركيز على الترابط الاجتماعي من أوائل النقاط التي تبرز فيها أوجه تشابه مثيرة للاهتمام مع ماركس. فقد جادل ماركس، كما هو معروف، بأن الإنتاج في ظل الرأسمالية عملية اجتماعية عميقة، حتى وإن كانت نتائجها يستحوذ عليها بشكل فردي. فالسلع الفردية تُخفي شبكة العمل التي أنتجتها. ومع ذلك، فقد لفت الغزالي، الذي عمل ضمن إطار مفاهيمي مختلف تمامًا، الانتباه إلى الحقيقة الكامنة نفسها: فالسلع البسيطة ظاهريًا التي نستهلكها هي في الواقع نتاج طبقات عديدة من النشاط الإنساني التعاوني.

ضد الإفراط

ثمة تشابه آخر مثير للاهتمام يتعلق بالنقد الأخلاقي للتراكم المفرط. لم يكن الغزالي عدوًا للتجارة، فقد اعتُبرت التجارة في الحضارة الإسلامية مهنة مشروعة، بل ومُشرّفة، وكان النبي محمد نفسه تاجرًا. لم يكن للنبي أي اعتراض على الربح. ومع ذلك، حذّر الغزالي مرارًا وتكرارًا من الجشع والاحتكار والسعي وراء الثروة لذاتها. لم يكن النشاط الاقتصادي مشروعًا إلا بقدر ما يخدم الحفاظ على الحياة ورفاهية المجتمع.

بطبيعة الحال، ينطلق نقد ماركس للرأسمالية من مستوى مختلف تمامًا. فتحليله للاستغلال متجذر في نظرية العمل والقيمة واستخراج الفائض، لا في الأخلاق الدينية. ومع ذلك، جادل ماركس أيضًا بأن المجتمع الرأسمالي يشجع بشكل منهجي على التراكم اللانهائي للثروة بما يتجاوز أي حاجة إنسانية عقلانية. فالمشكلة، في نظر ماركس، ليست مجرد جشع فردي، بل إكراه بنيوي متأصل في النظام الرأسمالي نفسه.

على الرغم من هذا التشابه في الأسلوب، إلا أن المفكرين يختلفان اختلافًا كبيرًا في تشخيصهما للمشكلة. فقد رأى الغزالي أن الظلم الاقتصادي هو في المقام الأول خلل أخلاقي. فالتاجر الذي يغش زبائنه أو يحتكر الحبوب أثناء المجاعة ينتهك القانون الأخلاقي الذي وضعه الله. ولذلك، فإن الحل يكمن في الانضباط الأخلاقي، والتربية الدينية، وإنفاذ السلوك العادل من خلال الشريعة الإسلامية.

تناول ماركس المشكلة من منظور مختلف جذرياً. فبالنسبة له، لم يكن الاستغلال ناتجاً بالدرجة الأولى عن قصور أخلاقي فردي، بل سمة بنيوية لنمط الإنتاج الرأسمالي. فحتى أكثر الرأسماليين حرصاً على الخير، لا بد له من استخلاص فائض القيمة من العمال للبقاء في سوق تنافسية. لذا، لا تكمن المشكلة في السلوك الفردي، بل في النظام الاقتصادي نفسه.

الملكية الخاصة، الأسواق، والرأسمالية

يكشف هذا التباين عن مدى إمكانية توسيع نطاق المقارنة قبل أن تنهار. فقد أقرّ الغزالي بالملكية الخاصة كسمة طبيعية ومشروعة للمجتمع، شريطة استخدامها بمسؤولية وفي حدود الشريعة الإسلامية. في المقابل، جادل ماركس بأن الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج هي جوهر الاستغلال الرأسمالي، ويجب إلغاؤها في نهاية المطاف.

يظهر التباين نفسه في مواقفهم تجاه الأسواق. فقد افترض الغزالي عمومًا أن الأسواق مؤسسات شرعية ومفيدة في كثير من الأحيان. ولاحظ أن الأسعار غالبًا ما تنشأ بشكل طبيعي من تفاعل العرض والطلب، لا من التلاعب المتعمد. ويمكن أن تأتي محاولات الحكام لفرض أسعار مصطنعة بنتائج عكسية بسهولة، إذ تعرقل التجارة وتثني التجار عن جلب البضائع إلى السوق.

من جهة أخرى، تعامل ماركس مع الأسواق باعتبارها مؤسسات تاريخية محددة متأصلة في نمط إنتاج معين. ويُخفي التبادل السوقي في ظل الرأسمالية علاقات الاستغلال الكامنة التي تُشكل عملية الإنتاج. تبدو السلع وكأنها تمتلك قيمة في حد ذاتها، بينما في الواقع تستمد هذه القيمة من العمل الذي أنتجها.

لكن الكثير من هذا الخلاف الظاهر قد يتلاشى عند النظر إلى اختلاف العالمين التاريخيين اللذين كتب فيهما هذان المفكران. فقد عاش كارل ماركس في القرن التاسع عشر، خلال أول توسع هائل للرأسمالية الصناعية. وكانت الطاقة البخارية والمصانع الآلية والعمل بأجر جماعي تُغير أوروبا بوتيرة مذهلة.

بالنسبة للغزالي، الذي كتب قبل ثمانية قرون في الحضارة التجارية للعالم الإسلامي في العصور الوسطى، كان مثل هذا المجتمع شبه مستحيل التصور. كانت الأسواق والتجار والتجارة لمسافات طويلة سمات مألوفة لاقتصاد العصر السلجوقي الذي عاش فيه الغزالي، لكن النظام الصناعي للإنتاج في المصانع والعمل المأجور الشامل الذي حلله ماركس لم يكن قد ظهر بعد. ولذلك، واجه ماركس مشكلة لم تكن موجودة بالنسبة للغزالي: كيف يفهم نظامًا اجتماعيًا جديدًا أعيد فيه تنظيم الإنتاج بالكامل حول رأس المال.

يُسهم هذا الاختلاف في السياق التاريخي في توضيح نقطة مهمة في تحليل ماركس، غالباً ما يُساء فهمها. يُصرّ ماركس مراراً وتكراراً على أن تبادل السلع ليس هو الرأسمالية. يمكن أن توجد الأسواق في أنواع مختلفة من المجتمعات. ربطت التجارة القديمة في البحر الأبيض المتوسط الموانئ عبر بحر إيجة وشرق البحر الأبيض المتوسط. استضافت أوروبا في العصور الوسطى معارض موسمية ضخمة تبادل فيها التجار من مختلف أنحاء القارة البضائع. باع الحرفيون الصغار منتجاتهم في الأسواق المحلية، وكثيراً ما تاجر الفلاحون بفائض الحبوب أو النبيذ أو الماشية. مع ذلك، في هذه المجتمعات، كان الإنتاج لا يزال موجهاً بالدرجة الأولى نحو الاستخدام لا نحو البيع في السوق. كانت السلع تُنتج أساساً لتلبية الاحتياجات المباشرة، ولم تدخل في التبادل إلا بشكل ثانوي. لا تظهر الرأسمالية، من وجهة نظر ماركس، إلا عندما يُهيمن إنتاج السلع على الاقتصاد بأكمله، عندما تُنتج السلع أساساً لبيعها لا لاستخدامها.

رأس المال والنقود

يظهر التمييز نفسه في مناقشة ماركس للنقود. فالنقود، كالأسواق، يمكن أن توجد في العديد من الأنظمة الاقتصادية المختلفة. حتى الأشكال البسيطة نسبيًا لتداول السلع تميل إلى توليد أدوات نقدية لأن التبادل يتطلب مقياسًا مشتركًا للقيمة.

قبل ظهور الرأسمالية الحديثة بزمن طويل، كانت المجتمعات تمتلك أسواقًا وعملات معدنية وترتيبات ائتمانية وأنظمة متطورة للتجارة عبر المسافات الطويلة. طورت اليونان الكلاسيكية أنظمة نقدية معقدة وشبكات تجارية واسعة النطاق عبر البحر الأبيض المتوسط. وأدارت الإمبراطورية الرومانية طرقًا تجارية واسعة مدعومة بعملة موحدة. وربطت التجارة الإسلامية في العصور الوسطى المدن من شمال إفريقيا إلى آسيا الوسطى عبر شبكات تجارية وأدوات ائتمانية. واستضافت المدن الأوروبية في العصور الوسطى أسواقًا ومعارض تداولت فيها العملات المعدنية في جميع أنحاء القارة. امتلكت جميع هذه المجتمعات نقودًا، وأحيانًا أنظمة نقدية متطورة للغاية، ومع ذلك لم يكن أي منها رأسماليًا بالمعنى الذي قصده ماركس.

وذلك لأن رأس المال يختلف تماماً عن المال. يؤكد ماركس أن رأس المال لا ينشأ بمجرد وجود المال. فالمال في حد ذاته ليس سوى ثروة في صورة نقدية، ووسيلة ملائمة للتبادل أو مخزن للقيمة. ولا يظهر رأس المال إلا عندما يدخل المال في نوع محدد من العلاقات الاجتماعية.

الشرط الحاسم هو وجود لقاء محدد في السوق بين نوعين من الفاعلين. فمن جهة، يقف من يملك وسائل الإنتاج: المصانع، والأدوات، والأراضي، أو المواد الخام. ومن جهة أخرى، يقف عامل لا يملك هذه الموارد، وبالتالي عليه أن يبيع شيئًا آخر ليتمكن من العيش. ما يبيعه العامل هو قوة العمل، أي القدرة على العمل لفترة زمنية محددة.

يرى ماركس أن هذا اللقاء بين مالك رأس المال والعامل المأجور هو اللحظة الحاسمة التي تُعرّف الرأسمالية. فرأس المال ليس شيئًا ماديًا، ككومة من المال أو الآلات، بل هو علاقة بين طبقتين اجتماعيتين. تمتلك إحداهما وسائل الإنتاج، بينما لا تمتلك الأخرى سوى قوة العمل. وعندما تلتقي هاتان الطبقتان في السوق، تبدأ ديناميكية جديدة. يشتري الرأسمالي قوة العمل ويُشغّلها باستخدام وسائل الإنتاج التي يُسيطر عليها. وخلال يوم العمل، يُنتج العامل سلعًا تتجاوز قيمتها الأجر المدفوع مقابل ذلك العمل. والفرق بين هاتين الكميتين هو فائض القيمة، الذي يتحول إلى ربح. هذه العملية، إذا تكررت في جميع أنحاء الاقتصاد، تُولّد الديناميكيات المميزة للتراكم الرأسمالي.

حقبة تاريخية جديدة

يصف ماركس أحيانًا ظهور هذه العلاقة بأنها تحمل في طياتها "تاريخ العالم بأكمله". ويعني بذلك أن الظروف اللازمة للرأسمالية لم تنشأ تلقائيًا، بل نتجت عبر قرون من الاضطرابات الاجتماعية. كان لا بد من فصل العمال عن الأرض والأدوات والموارد الجماعية التي كانت تُمكّنهم سابقًا من إعالة أنفسهم باستقلالية. وكان لا بد من إضعاف أو تفكيك الحماية النقابية التي كانت تُنظّم الحرف. وكان لا بد من فقدان المجتمعات الفلاحية حق الوصول إلى الحقول والغابات التي لطالما دعمت الحياة الريفية. فقط عندما لم يمتلك عدد كبير من الناس شيئًا سوى قدرتهم على العمل، أمكن لسوق العمل الذي تتطلبه الرأسمالية أن يظهر.

تتطلّب نشوء هذا الوضع عمليات امتدت عبر القارات. ففي إنجلترا، أدّى استيلاء المزارع المشتركة تدريجيًا إلى تهجير سكان الريف وإجبارهم على البحث عن عمل بأجر. وفي أنحاء أوروبا، دفع انهيار الاقتصادات الفلاحية القديمة أعدادًا متزايدة من الناس إلى المدن والمصانع. وأعاد التوسع الاستعماري تنظيم شبكات التجارة العالمية ووجّه تدفقات هائلة من الثروة نحو مراكز القوة الأوروبية. وأنتجت أنظمة العبودية في المزارع في العالم الأطلسي سلعًا للأسواق العالمية، بينما أعادت تشكيل أنظمة العمل في مناطق بأكملها. وقد افرزت هذه التحولات طبقتين جديدتين ستحددان ملامح الاقتصاد الحديث: طبقة تملك رأس المال، وطبقة لا تملك سوى قوة العمل.

بالنسبة لماركس، مثّل هذا التحوّل بداية حقبة تاريخية جديدة. فقد نظّمت المجتمعات السابقة الإنتاج من خلال هياكل مختلفة تمامًا. في بعض المناطق، كانت الحياة الاقتصادية تتشكل أساسًا من خلال روابط القرابة داخل الأسر الممتدة. ونظّمت المجتمعات الإقطاعية الإنتاج من خلال شبكات السيادة والالتزامات التي تربط الفلاحين بالنخب المالكة للأراضي. واعتمدت أنظمة أخرى على العبودية أو الجزية أو الإنتاج المنزلي. أما الرأسمالية، فقد قدّمت مبدأً جديدًا: الإنتاج المنظم من خلال العمل المأجور بهدف الربح. فبدلًا من الإنتاج أساسًا للاستهلاك المباشر أو لدفع الجزية للحكام، بدأت المجتمعات بشكل متزايد في الإنتاج لتوسيع رأس المال نفسه. لم تعد السلع تُصنع لمجرد حاجة الناس إليها، بل لأن بيعها يُمكن أن يُولّد المزيد من التراكم.

من هذا المنطلق، يصبح التباين الظاهر بين الغزالي وماركس أكثر وضوحًا. فقد كان الغزالي يحلل عالمًا تجاريًا تتواجد فيه الأسواق والتجار، لكن الإنتاج فيه لا يزال متجذرًا ضمن أطر اجتماعية وأخلاقية تحدّ من السعي وراء الربح. أما ماركس، على النقيض، فكان يواجه نظامًا أصبح فيه دافع التراكم هو المبدأ المنظم للاقتصاد برمته. لم يكن الفارق بين الاقتصاد الأخلاقي للبازار في العصور الوسطى والرأسمالية الصناعية في أوروبا في القرن التاسع عشر مجرد قرون، بل تحولًا جذريًا في بنية الإنتاج نفسها.

الاقتصاد الأخلاقي

إذا كان من غير المعقول وصف الغزالي بأنه رائد للماركسية، فلماذا تبقى المقارنة منطقية؟ يكمن جزء من الإجابة في التاريخ الفكري الأوسع للفكر الاقتصادي. يُصوّر السرد التقليدي الاقتصاد الحديث على أنه اختراع أوروبي ظهر في عصر التنوير. إلا أن العالم الإسلامي في العصور الوسطى قدّم تراثًا فكريًا ثريًا حول الأسواق والتجارة والعدالة الاقتصادية، مما يُعقّد هذا السرد.

هذا أحد الأسباب التي جعلت غرايبر يجد المقارنة مثيرة للاهتمام. فإذا كانت العناصر الأساسية لنظرية السوق موجودة بالفعل في التقاليد الفكرية الإسلامية قبل قرون من ظهور سميث، فإن النقاشات الحديثة حول الرأسمالية والاشتراكية والعدالة الاقتصادية لا يمكن فهمها فقط ضمن إطار فكري غربي. إنها تنتمي إلى تاريخ أطول بكثير وأكثر تنوعًا جغرافيًا.

تُلقي هذه المقارنة الضوء أيضاً على النقاشات السياسية المعاصرة. إذ يرى العديد من أنصار الإسلام السياسي أن الإسلام يقدم رؤية اقتصادية متميزة عن كل من الرأسمالية والاشتراكية. ويُقرّ الإسلام بالأسواق والملكية الخاصة، لكنه يضعها ضمن إطار أخلاقي وقانوني مصمم لمنع الاستغلال وضمان العدالة الاجتماعية.

من هذا المنطلق، يُمثّل الغزالي صياغةً مبكرةً لمفهوم الاقتصاد الأخلاقي، حيث تخضع الأنشطة الاقتصادية للأهداف الأخلاقية والروحية. فالثروة مشروعة، لكنها تحمل في طياتها التزامات. والأسواق مفيدة، لكن يجب أن تعمل ضمن إطار العدالة. فالحياة الاقتصادية ليست مجالاً مستقلاً تحكمه المصلحة الذاتية وحدها، بل هي مجالٌ للمسؤولية الأخلاقية.

العدالة الاقتصادية

كان ماركس يرى أن هذا الإطار غير كافٍ لمعالجة الديناميات الهيكلية للرأسمالية. فالأخلاق الدينية، في رأيه، قد تخفف من حدة الاستغلال، لكنها لا تستطيع القضاء على الآليات الاقتصادية الكامنة التي تولد عدم المساواة. ومع ذلك، تكشف المقارنة عن جانب مهم في شخصية كلا المفكرين.

يذكرنا الغزالي بأن الأسواق لطالما كانت متجذرة في أطر أخلاقية واجتماعية، وليست مجرد آليات تقنية للتوزيع. ويذكرنا ماركس بأن هذه الأطر لا يمكن فهمها دون تحليل البنى الأساسية للسلطة والإنتاج.

لذا، فإن السؤال "هل كان الغزالي ماركسيًا بدائيًا؟" له إجابة بسيطة وأخرى أكثر إثارة للاهتمام. الإجابة البسيطة هي لا. أما الإجابة الأكثر إثارة للاهتمام فهي أن المقارنة تُبرز تقليدًا طويلًا ومعقدًا من التأمل في العدالة الاقتصادية يمتد عبر قرون وحضارات.

قبل وقت طويل من تحليل ماركس للرأسمالية، كان علماء المسلمين يطرحون سؤالاً أساسياً لا يزال يواجهنا حتى اليوم: كيف يمكن للمجتمع أن ينظم الحياة الاقتصادية بطريقة تسمح للأسواق والتجارة بالازدهار مع منع الثروة من أن تصبح مصدراً للظلم والهيمنة؟

 

مقدمة: إشكالية الموقع والموقف

تثير العلاقة بين المركز والهامش أسئلة جوهرية حول طبيعة السلطة وامتداداتها وكيفية تشكل الوعي المضاد داخل بنيات الهيمنة. فالمقاومة، كممارسة وجودية وسياسية، لا تنشأ في فراغ تاريخي بل تتحدد بتوازنات القوى وبتوزيع الأدوار وبتلك الحدود غير المرئية التي ترسمها الخطابات المهيمنة لتمييز الذات عن الآخر والجوهر عن العارض والأصل عن الصورة. غير أن هذه الثنائيات، رغم بداهتها الظاهرية، تخفي شبكات معقدة من العلاقات التبادلية، حيث يصبح المركز مهدداً من داخله والهامش منتجاً لمعنى مضاد يعيد تشكيل قواعد اللعبة.

إن تأمل المقاومة في سياق حداثي يستدعي تجاوز النماذج التقليدية التي تختزلها في فعل التصدي المباشر أو في رفض الأوضاع القائمة. فالحداثة بوصفها مشروعاً عقلانياً وسيرورة متواصلة من التفكك وإعادة التكوين، تمنح المقاومة أبعاداً جديدة تتعلق بالمعرفة والهوية والزمن والفضاء. ففي قلب المؤسسات الجامعة، وفي أطراف المجتمعات المهمشة، تتشكل أشكال من التمرد تختلف في أساليبها وتتقاطع في غاياتها وتتغذى من تناقضات النظام ذاته. لكن السؤال الأعمق الذي يظل معلقاً: هل المقاومة ردّ فعل على القمع أم أنها طاقة إبداعية تسبق أي شكل من أشكال التسلط؟ وهل يفقد الهامش قوته النقدية حين يطمح إلى احتلال المركز أم أنه يكتسب شرعيته من خلال هذه الرغبة ذاتها؟

لعل الإجابة عن هذه الإشكاليات تقتضي مقاربة تعددية تستوعب تنوع مواقع الفعل الإنساني، ولا تكتفي بوصف الظواهر، بل تغوص في بنياتها الأنطولوجية والمعرفية. فالمقاومة في جوهرها ليست مجرد استجابة لظروف خارجية بل هي تشكيل للذات وإعادة ابتكار للعلائق ونقض مستمر للجاهزية التي تفرضها القوى القائمة. ومن هنا، ينبغي أن يتجه التفكير نحو استكشاف كيف يمكن للفعل المقاوم أن يتحرر من إرث المركزية وأن يخلق فضاءات بديلة تعترف بالاختلاف وتحتفي بالغموض وتستبدل منطق الإقصاء بمنطق التضامن المختلف.

 المركز بوصفه موقعاً للسلطة وهشاشة السيادة

يمثل المركز في مختلف السياقات الاجتماعية والسياسية والثقافية، تلك النقطة المرجعية التي تُشتق منها المعايير وتُصاغ منها الحقائق وتُوزع منها المشروعيات. فهو ليس مجرد موقع جغرافي أو إداري بل هو بنية معرفية تنتج خطاباً يطمح إلى الكونية ويقدم نفسه باعتباره المقياس الوحيد للعقلانية والجمال والخير. تمارس هذه البنية تأثيرها عبر آليات دقيقة من الإدماج والإقصاء، حيث تُصنف الممارسات والأفعال وفقاً لدرجة اقترابها أو ابتعادها عن نموذج مركزي مفترض. بيد أن هذه الهيمنة ليست مطلقة البتة، فهي تنطوي على تناقضات داخلية وتواجه تحديات تنبع من أسرّتها، مما يجعل المركز في حالة ترقب دائم أشبه بحصن يخشى الاختراق من أولئك الذين يحرسون أبوابه.

تتجلى راهنية هذه الإشكالية في عالم متسارع التحولات، حيث تفقد الحدود وضوحها وتتداخل الأصوات وتتسارع وتيرة التفكيك. إن المركز، لكي يحافظ على نفوذه، يضطر إلى تحديث خطابه واستيعاب قدر من الانتقادات وفتح نوافذ محدودة على الهامش، لكن دون المساس بجوهر سيطرته. وهذه الاستراتيجية التي يمكن وصفها بمرونة الجمود، تخلق فضاءً خصباً للمقاومة الداخلية، حيث يصبح بوسع الفاعلين المنتمين إلى المؤسسات الكبرى أن يمارسوا نوعاً من العصيان الناعم عبر إعادة تفسير القواعد أو استغلال ثغراتها أو المماطلة في تنفيذها. فالمقاومة في المركز لا تتخذ غالباً شكل المواجهة العلنية بل تتخفى وراء أقنعة الموالاة وتعمل بوساطة السخرية والمفارقة والالتفاف على النصوص دون خرقها صراحة.

وإذا كان ميشيل فوكو قد أشار إلى أن السلطة ليست ملكية بل استراتيجية، وأنها تمارس أكثر مما تمتلك، فإن هذه الرؤية تفتح الباب لفهم المقاومة كجزء لا يتجزأ من العلاقات السلطوية نفسها. فالمركز، في منظوره، لا يخلو من فجوات وتصدعات تسمح بظهور أصوات معارضة بل إن هذه الأصوات هي التي تجدد الحيوية في جسم المؤسسات وتمنعها من التحجر. غير أن الخطر الذي يتهدد المقاومة الداخلية يكمن في استيعابها داخل لعبة السلطة، حيث تتحول إلى مجرد تنفيس عن التوترات أو إلى آلية لتبرير استمرار الوضع الراهن. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين المقاومة المؤسساتية التي تعيد إنتاج المركز، والمقاومة التحويلية التي تسعى إلى إعادة توزيع المقاعد على رقعة الشطرنج كلها.

إن التفكير حول المركز وهامشيته يستدعي أيضاً الانتباه إلى البعد الزمني، إذ أن المركزية كثيراً ما ترتبط بسردية التقدم، حيث يُصوَّر المركز على أنه طليعة التاريخ والهامش على أنه بقايا ماضٍ متخلف. وهذه النزعة التطورية تشكل أداة فعالة في تبرير الهيمنة وممارسة نوع من العنف الرمزي يدفع المهمشين إلى استبطان دونيتهم والسعي إلى محاكاة النموذج المركزي بدلاً من نقد أسسه. لكن الفكر الحداثي، في منعطفاته النقدية، كشف عن زيف هذه الخطابات وأظهر أن ما يُقدم كمسلمات عقلانية هو في الحقيقة نتاج ظروف تاريخية محددة ومصالح فئوية مضمرة. وهكذا، يصبح تفكيك المركزية المعرفية شرطاً لأي مقاومة جذرية لا تكتفي بتغيير ملامح الوجه بل تعيد النظر في بنية الجسد برمته.

الهامش كمساحة للإبداع وتعدد المرجعيات

على الضفة الأخرى من التقسيم الثنائي، يقبع الهامش بوصفه تلك المنطقة التي تعرفها النظرية الاجتماعية غالباً بصفات النقص أو الانحراف أو التأخر. لكن هذه الصفات ليست سوى انعكاسات لرؤية المركز لذاته، وهي لا تعكس بالضرورة حقيقة ما يجري في تلك المناطق التي يتعذر اختزالها في قوالب جاهزة. فالهامش، بعيداً عن كونه مجرد وعاء للسلبية، يزخر بطاقات إبداعية وبأشكال من المعرفة العملية وبعلاقات اجتماعية تفلت من قبضة الشكلانية المؤسساتية. إنه الفضاء الذي تنبت فيه بدائل ممكنة لأنظمة العيش والتفكير، حيث تتشابك الأنساق الثقافية المختلفة وتنتج توليفات غير متوقعة تتحدى ثنائيات المركزية.

إن المقاومة في الهامش تتخذ أحياناً أشكالاً عنيفة وصاخبة، كالثورات والانتفاضات، لكنها في معظم الأحيان تكون أكثر ليونة وانتشاراً، إذ تتخلل الممارسات اليومية وتتجسد في الحكايات الشفهية والأغاني والطقوس الدينية وأساليب التعامل مع البيئة المحيطة. هذه المقاومة الخفية التي أشار إليها كل من جيمس سكوت وميشال دو سيرتو، تتميز بقدرتها على التملص من شبكات المراقبة وصنع فضاءات للحرية داخل نسيج القهر ذاته. غير أن الخطأ الشائع هو النظر إلى هذه الممارسات باعتبارها مجرد ردود أفعال تجاه ضغوط الخارج، في حين أنها تشكل في واقعها نسيجاً ثقافياً مستقلاً يحمل رؤيته الخاصة للعالم ويبتكر حلولاً لتناقضات لا تعترف بها الأطر المرجعية السائدة.

المدهش في ديناميكية المركز والهامش أن العلاقة بينهما ليست أحادية الاتجاه، بل هي أشبه بحوار صاخب تتعدد فيه اللغات وتتداخل فيه الأصوات. فالهامش يؤثر في المركز بطرق غير مباشرة، عبر تسريب مفاهيمه وممارساته وحساسياته الجمالية، في عملية تمثل نوعاً من الاستعمار العكسي. ولعل التاريخ الثقافي للمدن الكبرى خير شاهد على كيف أن إبداعات الأحياء الفقيرة والمجتمعات المهاجرة والفئات المضطهدة أصبحت تشكل مادة خاماً لإنتاجات المركز الثقافية والاقتصادية. ولكن هذه الإسهامات تُسجل غالباً باسم المركز ويُعاد صياغتها بلغته، مما يثير سؤالاً أخلاقياً حول نهب التراث الرمزي وشروط الاعتراف بالآخر.

من هذا المنظور، يمكن القول إن الهامش يحمل في طياته نقداً ضمنياً لعقلانية المركز، ذلك لأنه يعيش التناقض بشكل أكثر حدة ويدرك أن الواحدية المعرفية لا تتسع لتعدد التجارب الإنسانية. إن تجربة التهميش تمنح الفاعلين فيها حساً مرهفاً بالغبن، لكنها تمنحهم أيضاً القدرة على رؤية الصورة كاملة، لأنهم يقفون خارج إطارها التقليدي. وهذه النظرة الشاملة التي يفتقر إليها كثيراً من ساكني المركز، تجعل من الهامش موقعاً امتيازياً لإنتاج معرفة نقدية قادرة على كشف الأسس المتزعزعة للأنظمة التي تبدو راسخة. غير أن هذه الميزة المعرفية لا تتحقق تلقائياً بل تستدعي جهداً واعياً لتجاوز آلام الإقصاء وتحويلها إلى طاقة تأملية، بدلاً من الانزلاق إلى مطامح انتقامية تعيد إنتاج منطق المركز على نحو مقلوب.

 حوارية المقاومة وتشابك المصائر

على الرغم من التمايز الظاهري بين مقاومة المركز ومقاومة الهامش، فإن الفصل الحاد بينهما يبقى شكليا، لأنه يتجاهل التشابك العضوي الذي يربط الموقعين في سياق تاريخي مشترك. فالمقاومة، في جوهرها، ليست ملكية حصرية لأي من الطرفين بل هي علاقة ديناميكية تنتج من احتكاك القوى وتتغذى من تناقضات كل منهما. إن المركز بحاجة إلى الهامش ليعرّف ذاته، والهامش بحاجة إلى المركز ليكون له موضوع للمعارضة، لكن هذه العلاقة الثنائية قد تتحول إلى شراكة في التغيير إذا ما أدرك كل طرف أن مصيره مرتبط بمصير الآخر، وأن أي تحول حقيقي لا يمكن أن يتحقق من دون إعادة توزيع جذرية للسلطة والمعرفة والثروة.

قد يبدو هذا الطرح طوباوياً في نظر البعض، خصوصاً في ظل تفاقم أوجه اللامساواة عالمياً وتصلب المواقف الأيديولوجية وتنامي خطابات الكراهية والإقصاء. لكن الفكر الحداثي، في توجهاته الأخيرة، يدعو إلى تجاوز منطق الأضداد والتفكير في علائق أكثر مرونة تعترف بالاختلاف ولا ترفع الصراع إلى مرتبة الغائية التاريخية. المقاومة الإبداعية هي تلك التي لا تكتفي بفضح عيوب الخصم بل تنشغل ببناء أنموذج جديد للتعايش، يستوعب التنوع البشري بكل تعقيداته ويستبدل إرادة السيطرة بإرادة التفاهم. هذا لا يعني التخلي عن النضال بل إعادة تعريف النضال بوصفه ممارسة دائمة لإنتاج المعنى بدلاً من أن يكون مجرد صراع على الحصص.

إن مسؤولية المثقف، في هذا السياق، تتجاوز دوره التقليدي كونه ناقداً أو مرشداً، إلى دور الوسيط الذي يترجم آلام الهامش إلى لغة يفهمها المركز ويفكك مسلمات المركز بلغة يفهمها الهامش دون أن يخون خصوصية أي من الطرفين. هذه المهمة الصعبة تستدعي شجاعة معرفية ورغبة في المغامرة خارج المناطق الآمنة واستعداداً لتحمل تهمة الخيانة من الجانبين. غير أن هذه الخيانة المتهم بها الوسيط قد تكون في الواقع أسمى صور الوفاء للحقيقة التي لا تنتمي إلى أحد بل تلوح في الأفق كلما اقتربنا من تفكيك الأقنعة التي تخفي وحدة المصير الإنساني تحت ستار الانقسامات المصطنعة.

لكل ما سبق، يمكن القول بأن المقاومة المعاصرة بحاجة إلى إعادة تأسيس على مستوى النظرية والممارسة، بحيث لا تظل رهينة لتصورات المركز التي تجعل منها مجرد رد فعل ولا أسيرة لأوهام الهامش التي تحلم بقلب الطاولة دون تغيير قوانين اللعبة. إننا أمام فرصة تاريخية نادرة لتجاوز الصراع الثنائي والانطلاق نحو أفق ثالث يقوم على الاعتراف المتبادل والتضامن الأفقي والتعاون المختلف. هذا الأفق لا يلغي التوترات بل يضعها في إطار خلاق، حيث يصبح الخلاف مصدراً للغنى والتنافس مدعاة للابتكار، والاختلاف أساساً للوحدة المنشودة.

نقد الحداثة واستعادة الفعل المقاوم

لا يمكن الحديث عن المقاومة في الزمن الراهن دون العودة إلى مشروع الحداثة نفسه، ذلك المشروع الذي وُلد من رحم الثورات العلمية والفلسفية والسياسية التي اجتاحت أوروبا منذ القرن السابع عشر وحمل معه وعوداً بالتحرر والعقلنة والتقدم. غير أن هذه الوعود، كما يقرر نقاد الحداثة من أمثال تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر، تحولت إلى أدوات لهيمنة جديدة، حيث أصبحت العقلانية الآلية والنزعة الأداتية عبئاً على الإنسانية بدلاً من أن تكون منقذاً لها. فالمقاومة، في هذا السياق، لا ينبغي أن تكون دفاعاً عن الحداثة بقدر ما تكون رفضاً لانغلاقها على نفسها وتذكيراً لها بما أهملته من أبعاد جمالية وأخلاقية في سباقها نحو السيطرة على الطبيعة والإنسان.

إن النقد الحداثي للمقاومة يتطلب الحذر من الوقوع في فخ النسبوية المطلقة، أو الانغماس في تشاؤم ما بعد الحداثة الذي ينفي إمكانية أي تحول جماعي. المقاومة التي نرتجيها هي تلك التي تستلهم روح الحداثة النقدية، أي قدرتها على مساءلة المسلمات وكسر التابوهات، دون أن تتخلى عن الإيمان بقيمة الحقيقة والعدالة والحرية. إنها مقاومة تعرف أنها ليست الأولى ولا الأخيرة وأن كل انتصار يحمل في طياته بذور هزيمته وكل هزيمة تفتح آفاقاً لانتصارات قادمة. وهذا الوعي الجدلي يحمي المقاومة من الغرور ويمنحها مرونة تمكنها من التكيف مع تحولات الزمن دون أن تفقد بوصلتها الأخلاقية.

في هذا المنحى، تبرز أهمية استعادة مفهوم "الفعل" بوصفه محوراً للمقاومة، بعيداً عن كل أشكال السلبية والانتظار. فالفعل المقاوم ليس مجرد استجابة للظروف بل هو خلق للظروف وتغيير لقواعد اللعبة وإنتاج لمعانٍ جديدة. والفعل هنا يفترض وعياً ذاتياً وقدرة على التخيل وشجاعة على المخاطرة وإرادة على التحمل. هذه الصفات تجتمع في الشخصية الحداثية التي لا تنتمي بالكامل إلى أي معسكر بل تظل في حالة من الترحال الفكري تمتحن الأفكار بالممارسة وتصحح الممارسة بالنظر النقدي. وإن كان هذا النموذج صعب المنال، فإنه يبقى مثالاً ينير الطريق ويدفع نحو اقتحام المجهول بثقة متواضعة.

ما يلفت النظر في تحولات المقاومة الحديثة هو ظهور أشكال جديدة من التضامن تتجاوز الحدود الجغرافية والانتماءات الهوياتية التقليدية، لتشمل قضايا البيئة والجنس والتكنولوجيا والمعرفة الرقمية. هذه التضامنات العابرة للقارات تشكل نوعاً من الهامش العالمي الذي يواجه مركزية الرأسمالية والإمبريالية الثقافية واستغلال الموارد الطبيعية. غير أن هذه الشبكات تواجه بدورها تحديات تتعلق بالتماسك وبتوزيع الأدوار وبإمكانية تحويل طاقتها الاحتجاجية إلى برامج بناءة. وهنا تعود إشكالية المركز والهامش لتطرح نفسها على مستويات متعددة، مما يستدعي وعياً مركباً قادراً على الربط بين المحلي والعالمي وبين اللحظي والتاريخي وبين الخاص والعام.

 نحو فلسفة للمقاومة المتجسدة

لكل ما تقدم، يبدو من الضروري تجاوز النظريات المجردة في معالجة المقاومة، والاتجاه نحو فكر يولي اهتماماً كبيراً للتجربة المعاشة، وللجسد بوصفه مسرحاً للصراع والتحرر. فالجسد، في منظومة المركز، يُختزل إلى موضوع للمراقبة والتأديب والاستثمار، بينما في منطق الهامش، قد يتحول إلى أداة للصمود والتعبير والانتفاض. المقاومة المتجسدة هي تلك التي تستعيد وعي الجسد بحدوده وإمكاناته وتستثمر ألمه في صنع رؤى جديدة للعالم وتجعل من شهوته ورهبته مصدراً للجمال والمقاومة في آن. هذا المنحى، الذي تجسد في فلسفات نيتشه وفوكو ودولوز، يفتح أمامنا آفاقاً لفهم المقاومة كطاقة إبداعية تتدفق في كينونة الإنسان وتتجاوز كل تقسيم ثنائي بين الروح والجسد، الفكر والفعل، الفرد والجماعة.

إن فلسفة المقاومة المتجسدة لا ترفض العقل بل توسع مفهومه ليشمل العاطفة والحدس والممارسة، كما لا تهمل البنى الاجتماعية، بل تنظر إليها باعتبارها نتاجاً لتجسيدات تاريخية قابلة للتغيير. ومن هنا، يصبح التغيير ممكناً عندما يتشكل وعي جديد بالجسد الجماعي، أي بالعلاقات التي تربط الأجساد فيما بينها، وتشكل شبكات من التأثير والتأثر. هذه الشبكات قد تكون مواقع للمقاومة حين تتحرر من هيمنة الصور النمطية وتستعيد قدرتها على الدهشة وعلى ابتكار أساليب عيش بديلة تفلت من قبضة التطبيع. وعلى هذا النحو، تتحول المقاومة إلى فن للوجود لا إلى مجرد سياسة للنفي.

إن التحدي الأكبر الذي يواجه هذا الفكر هو كيفية ترجمته إلى ممارسات سياسية واجتماعية ملموسة، دون أن يفقد غناه النظري، ودون أن تتحول إلى أيديولوجيا جديدة تكرر أخطاء سابقاتها. ولعل الحل يكمن في الحفاظ على التوتر الخلاق بين الطموحات الكبرى والإنجازات الجزئية، بين الرؤية الشاملة والخطوات التكتيكية، بين الثبات على المبادئ والمرونة في الوسائل. هذه المقاومة الهجينة، التي تمتزج فيها العزيمة بالدهاء والجدية بالسخرية والانتماء بالانفتاح، هي الأقدر على الصمود في وجه عواصف العولمة والتقلبات الاقتصادية والأزمات الوجودية التي تعصف بالإنسان المعاصر.

 خاتمة: في أفق مقاومة لانهائية

في ختام هذه التأملات، يبدو جلياً أن المقاومة ليست حالة استثنائية تظهر في لحظات الأزمات بل هي بُعد أصيل في الوجود الإنساني يرافق حركة التاريخ ويعكس قدرة الإنسان على تجاوز واقعه نحو آفاق جديدة. المركز والهامش، في هذه الرؤية، ليسا موقعين جامدين بل هما قطبان يتجاذبان ويتداخلان ويتبادلان الأدوار، مما يجعل أي مشروع مقاوم دائرياً بطبيعته، ممتداً في الزمان، متعدداً في المكان. وعليه، فإن السعي إلى تحرر نهائي أو إلى عدالة كاملة، هو وهم يغذيه الخيال المثالي، بينما الرجاء الحقيقي يكمن في القدرة على الاستمرار في المقاومة وتجديد أدواتها وتنويع أساليبها، مع إدراك أن كل نضال يفتح الطريق لنضالات لاحقة، وأن معنى الحرية يكمن في ممارستها ذاتها أكثر مما في تحقيقها كغاية.

إذا كانت الفلسفة الحديثة قد علمتنا شيئاً، فهو أن الإجابة عن الأسئلة الكبرى لا تكون بإغلاقها بل بإبقائها مفتوحة وتعميق حيرتها وجعلها قوة دافعة للتفكير والعمل. المقاومة بهذا المعنى هي حب للحياة ورغبة في تجاوز المألوف وإصرار على صنع معنى حيث يبدو العبث مسيطراً. وهي، في العمق، احتفال بتعدد الأصوات واعتراف بجمال الاختلاف وتوكيد لقيمة التضامن في عالم تمزقه آليات التنافس. إنها، أخيراً، نداء للخروج من شرنقة الأنانية والانطلاق نحو فضاءات مشتركة تلتقي فيها آلام الجميع وآمالهم، لتشكل نسيجاً لا ينفصم من الكرامة المشتركة والأفق المتجدد للأمل.

***

عبد السلام مسعودي

إذا ما حاولنا عبر غرابيل التحليل الحفرية، وضمن نسق فكري يستوعب حركة المفاهيم في التاريخ لا في الفراغ أن نقترب من مفهوم الإرهاب في الفكر العربي والإسلامي المعاصر، نجد أن من الخطأ المنهجي أن نبدأ من لحظة حضوره الاصطلاحي الحديث فحسب؛ لأن ذلك يُعدُّ ضربًا من عمل المجتزئين الذين يفصلون المفهوم عن جذوره التراثية، الأمر الذي يقودنا إلى زيغ في الفهم الفلسفي، ويقتطع الدلالات من سياقاتها التاريخية.

فالعنف المنفلت ليس مفهومًا وُلِد فجأة في حاضرنا المعيش، بل هو بناءٌ دلاليٌّ مركب، تتداخل في تكوينه نسقية معقدة من الطبقات اللغوية والصراعات السياسية، جعلته من أكثر مفاهيم الوقت المعيش التباسًا وتنازعًا. فلو تتبعنا نهج التأصيل الأوّلي، لوجدنا أن الجذر اللغوي (رهب) في العربية كان يحيل في الأصل إلى معانٍ تتصل بالخوف والخشية، وهي دلالات لم تكن في مهدها مشحونة بالصراعات السياسية الحديثة. فالمعنى اللغوي يحيل إلى التخويف والفزع؛ إذ جاء في لسان العرب: رَهِبَ... أي خاف، وذكر الراغب الأصفهاني أن الرهبة هي مخافة مع تحرّز واضطراب، وهو قيد مهم يوضح كيف تشكلت الملامح الأولى للمفهوم في الوعي الجمعي القديم، ناهيك عن كونه يدل على أن المعنى لا يقف عند مجرد الفزع، بل يتصل بحالة من اليقظة والاستنفار.

 بل إن الاستعمال القرآني ذاته قد حمل هذا الجذر في سياقات متعددة؛ فبينما يتناوله المتأولون تارة في مقام الخشية التعبدية والإيمانية من الله، نلمحه تارة أخرى يتصل بإعداد القوة السيادية وردع الأعداء، كما في قوله تعالى: (وَأَعِدّوا لَهُم ما استطعتم من قوةٍ ومن رباط الخيل تُرهبون به عدوَّ الله وعدوَّكم). وهنا يبدو للباحث الحصيف أن لفظ الإرهاب في الاستعمال النصي القديم لا ينصرف أبدًا إلى الاعتداء العبثي، بل يدخل في باب الردع المشروع لحماية الأمة من عدوان الأغيار والخارجين، وصيانة أمن الجماعة؛ لذا فإن خلط هذا السياق بالتعريف الحديث ليس إلا شططاً يمارسه بعض المجترئين على الحقائق الدلالية والتشريعية.

وإذا ما انتقلنا إلى التاريخ الإسلامي المبكر، نلاحظ أن الفعل العنيف الذي يهدد استقرار الأمة لم يكن يُصاغ داخل مفردة الإرهاب بصيغتها المعاصرة، بل كان يدور في فلك مفاهيم صاغها مجتمع المتفقهين بدقة، مثل: الفتنة، والبغي، والحرابة، والخروج. ونجد أن لكل مصطلح من هاتيك المصطلحات وظيفته وحدوده داخل البناء الفقهي؛ فالحرابة تشير لتهديد الأمن العام، والتعدي على الأنفس والأموال، والبغي يتصل بالخروج المسلح ذي الشبهة، والفتنة تشير لاختلال العمران المعنوي والسياسي. هذا التعدد المفهومي منع الوعي الجمعي من السقوط في فخ التعميم والخلط.

 ومن جهة أخرى، فإن حضور الترويع في التاريخ لم يكن حكرًا على الخوارج أو حركات المتأسلمين في ذلك العصر، بل قد يظهر في ممارسات السلطان نفسه حين تتحول السياسة إلى بطش وقهر واستبداد. لقد واجهت الأمة عبر تاريخها حركات مارست ما يشبه التجديف الفكري والسياسي، وخرجت بجنوحها عن الإجماع، وظل الخطاب الفقهي يصف هؤلاء المجدفين والخارجين بالمارقين وأهل الجور، متخذين في ذلك نهوجاً تحليلية صارمة ومفرقة بين ممارسات السلطة الجائرة وممارسات الجماعات المنفلتة، دون إدراجهم تحت مسمى الإرهاب بمفهومه الحداثي الوافد.

أما التحول الحاسم فقد بدأ مع الاحتكاك بالعالم الغربي الحديث، حيث أخذ المثاقفين العرب، ومعهم قادة الرأي وشبيبة الفكر المتطلع للتجديد، يتعرفون على مفاهيم السياسة الأوروبية الحديثة، ومنها مصطلح (terror) الذي ارتبط بعهد الرعب في الثورة الفرنسية. وهنا انفتحت الأبواب أمام ترجمة المفهوم وتأويله، ودخلنا في طور جديد أصبحت فيه المصطلحات ساحة للتنازع الاصطلاحي، الأمر الذي استغله بعض المشككين لإرباك المفاهيم الثابتة والخلط بين المقاومة المشروعة والتخريب المنفلت.

وبذلك نعلم أن الإرهاب لم يكن في التراث الإسلامي مفهومًا مستقلًا باسمِه الحديث، بل تطور عبر سياقات متحركة تتجاذبها السياسة والأيديولوجيا والقانون.

واليوم، حري بنا أن نعيد قراءة هذه التحولات بعين واعية تفكك المصطلحات بدقة، حتى نفهم حاضرنا بعيداً عن زيغ التأويل وسوء التوظيف.

للحديث بقية...

***

بقلم: د. بدر الفيومي

غادرتُ جامعة الزيتونة في تونس، منذ زهاء ثلاثة عقود، بعد أن لبثتُ في رحابها عقدًا بأكمله، طيلة فترة التحصيل الجامعي، وإلى غاية إعداد رسالة الدكتوراه حول المقاربة الدينية لليهودية في الفكر العربي. مع ذلك لم أنقطع عن متابعة أحوال الزيتونة وأحوال مثيلاتها من الجامعات التاريخية في أرجاء البلاد العربية. لعلّ ذلك الهاجس هو ما دفعني إلى إهداء أوّل عمل ترجمة أنجزته لمّا كنت طالبا إلى "الزيتونة والقرويين والنجف والأزهر"، وهو كتاب "علم الأديان" للأنثروبولوجي الفرنسي ميشال مسلان. ورغم اتخاذي روما مقاما والتحاقي بالتدريس في الجامعة الإيطالية، ظلّ الإسهام في الإنماء المعرفي العربي حاضرا لديّ، وذلك بموجب عاملين أساسيين: حرصي على تطوير المناهج العلمية لدراسة الأديان في البلاد العربية بحثًا وترجمةً؛ واشتغالي بالشأن العربي والإسلامي في قسم الدراسات الشرقية في الجامعات الإيطالية التي درّستُ فيها سواء في نابولي أو في روما.

ونحن نعالج موضوع "أزمة التكوين الجامعي" حريّ أن نستهلّ الحديث من البدايات. "أليس الصبح بقريب؟" هو عنوان كتاب، أو بالأحرى هو برنامج إصلاحي تعليمي سطره الراحل محمد الطاهر ابن عاشور خلال صائفة 1907، على أمل تطوير التعليم من أجل خلق خرّيج فاعل في المجتمع، ودارس مستوعب لقضايا العصر، حائز لما يكفي من الأدوات العلمية والمعرفية. وأحسب أنّ البرنامج لا يزال حيّا وملحّا، حين نرى دروس جامعاتنا الدينية ومناهجها التعليمية لا تنأى كثيرا عمّا نسمعه في خطب الوعظ في المساجد وفي دروس الحسينيات. والمنهج الرثّ والعقيم في كثير من مضامينه وأساليبه، ليس خاصية من خاصيات كليات الشريعة، بل هو شائع في شتى الكليات المدرّسة للعلوم الإنسانية والاجتماعية أيضا. أتساءل أحيانا أين علم الاجتماع العربي ومدرسته المغاربية الرائدة في المجال، من حيث الانشغال بالدين ولواحقه؟ وهل بلغ إلى مسامعنا الحديث عن علم الاجتماع الديني، وسوسيولوجيا الأديان، والأنثروبولوجيا الدينية، و"الدراسات الدينية" (Religious studies)؟ وكيف لمجتمعات تتنفّس المقدّس وتستهلكه كما تستهلك الخبز والماء، والدّين يقع خارج اهتماماتها العلمية والبحثية المواكبة لتحولات العصر.

البيّن أنّ ثمة خللا مستفحلا في كثير من جامعات بلاد المغرب الكبير، يتمثّل في افتقاد استراتيجية الترابط بين حلقات التكوين، والاستيعاب، والإحاطة بمسارات المعرفة، ممّا حوّلها إلى مؤسّسات مقصّرة في الإسهام في صنع التنمية في أوطانها، وواهنة عن منافسة نظيراتها من المؤسسات العلمية المعتبرة، وبالتالي متخلِّفة بمقاييس جدوى أبحاثها، وقوة كوادرها، ومتانة تكوين خرّيجيها. إذ لم يعد العقل الأكاديمي، منذ ارتباك الاستراتيجيا الوطنية في الخيارات التعليمية، عقلا حاضرا في معترك الحياة ومواكبا لسير المجتمعات، بل غدا عقلا منكفئا على أحواله ومستمرئا لأوضاعه السيكولوجية الاجتماعية لفقدانه حسّ الإحاطة بالماحول والتشوّف قدما، نظرًا للضيق الرؤيوي، والتخبّط المعرفي، والكسل العلمي المستشري بين كثير من الكوادر الجامعية المتحكمة بمصائر الوسط الأكاديمي وأهليه.

الأمر الذي جعل العقل الجامعي سجين مناخاته، ومستفرِغا قدراته في الهراء الذي ينتجه ويعيد تدويره. لسنا هنا بصدد إعداد جرد حساب أو جلد للذّات، لأنّ هذا المقال ليس ذلك مقصده، وإنما غرضنا التملّي في العُقد المستعصية التي جرّت إلى هذا التخبّط وتفكيكها، والتي حالت دون بناء قدرات عتيدة تتحاور بجدارة مع بات معروضا على نطاق كوني، إلى حدّ انكفأنا عن عرض مخزوننا الحضاري العربي والإسلامي، وليتكفّل به غيرنا في الموسوعات العالمية المعنية بتراثنا وثقافتنا، وما شابهها من المداخل العلمية المعتبرة التي باتت البوابة الرئيسة لمعرفة ماضينا وحاضرنا على نطاق عالمي.

وجهٌ بسيطٌ من أوجه هذا التيه الذي نعانيه، يتجلى في شكل تواصلنا مع العالم. ففي قطاع الترجمة الذي أتابعه عن كثب منذ سنوات، وفي أوساط جامعية مغاربية بعضها يدرّس اللغة والآداب الإيطالية منذ أمد يزيد عن نصف قرن، بَيْد أنها لا تملك في أحضانها أو ضمن دفعات خرّيجيها مترجما مقتدرا على ترجمة كتاب أطفال في عربية نقيّة تليق بناشئتنا. وهذا عجب عجاب وحديث لا يصدّق لدى من لا يعرف البيت من الداخل، ولكنّه واقع أليم عن هدر الزمن الدراسي، واستنزاف الأموال العامة، وعن شهادات خادعة صادرة عن جامعات مشوّهة. ومن شاء التثبّت من الأمر، فليبحث عن مترجمين مقتدرين من الإيطالية وإليها على طول خارطة بلاد المغرب الكبير وعرضها، باستثناء ثلّة قليلة جدّا. والسؤال المطروح: هل العقل الأكاديمي المنهَك والمستنزَف في اللّغو والعبث هو قادر على التواصل مع أكاديميات عالمية والتحاور مع كوادرها بندّية والتثاقف مع مخزونها الحضاري بكفاءة واقتدار؟ سألني ذات مرة صحفي مغاربي أثناء برنامج إذاعي، وإحدى الدول المغاربية تتأهّب لعقد شراكة اقتصادية واعدة مع إيطاليا: كيف سنخوض هذه الشراكة وليس لدينا من يفقه الإيطالية؟ فلم أجد جوابا لهول الطامة.

والبيّن أنّ العياء الذي يُعيق جامعاتنا عن أداء دورها، هو على صلة وثيقة بالقدرات المتدنّية أحيانا لمسؤوليها والساهرين عليها. فخلال إحدى زياراتي لرئيس جامعة مغاربية حدّثني عن التطلّع إلى تحويل الجامعة التي يترأّسها إلى جامعة عالمية تستقطب الطلاب من شتى أرجاء المعمورة، وتروّج المعارفَ شرقا وغربا نظرًا للرمزية الفائقة التي تحوزها، في حين هو لا يحسن غير العربية، وانشغالاته لا تتعدّى فقه القرون الخوالي. فهل ذلك الصنف ممّن توكل إليه مهام المؤسّسات العريقة، لديه القدرة على التواصل مع العالم وفهم مقتضياته؟ لا أدري أين تقف مختلف جامعاتنا للدراسات الدينية والإنسانية والاجتماعية والسياسية من مسارات العالم اليوم وحاجاته ومتطلّباته؟ والحال أنها تعقد الندوات والملتقيات، وتنشئ حلقات البحث التي تعجّ بالباحثين والباحثات، مع ذلك تظلّ غير واعية بما يجري في العالم وتظلّ منطوية على أسفارها القديمة وتلوك قضايا مهجورة. خلال السنوات القليلة الماضية كانت مشاركتي في مؤتمر دولي حشِدت له "كفاءات الأمة" -كما قيل- تَعلّق باستيعاب الآخر ضمن نسيج الأوطان، وهو موضوع مغر ولافت. لم يَتمحور الحديث فيه حول مقتضيات المواطَنة وتحدّياتها في الزمن المعولم، بل تركّز الحديث حول مؤسسة أهل الذمة والدفاع المستميت عنها من قبل جلّ المتدخّلين، فيا له من اغتراب عن قضايا عالم متبدّل! وفي مناسبة أخرى دعيت بإلحاح من إحدى جامعاتنا المغاربية للمشاركة بمداخلة علمية ضمن ندوة دولية تتناول موضوع "الدعاء" وأثره في الإنسان والمجتمع. بقيت متأرجحا بين المشاركة والإحجام، ثم حسمت الأمر حين تذكرت قول الراحل علي شريعتي الوارد في كتيّب بعنوان "النباهة والاستحمار"، يحمل فيه الرجل على المفاهيم البائسة، لما فيه من خيانة جلية لجوهر الدين، قائلا: عندما يشبّ حريق في بيت، ويدعوك أحد للدّعاء والتضرّع إلى الله، ينبغي عليك أن تعلم أنها دعوة خائن لأنّ الاهتمام بغير إطفاء الحريق، والانصراف عنه إلى عمل آخر، هو الاستحمار، وإن كان عملا مقدّسا.

وقوفي على مشارف ضفّتين حضاريتين، جعلني متيقّظا لرصد أشكال التمايز والتفاوت بين المناهج والمقاربات، وعلى غاية من الحساسية في هذا الشأن. فمنذ أيام قليلة احتفت كوكبة من المستعربين والمتخصّصين الإيطاليين في دراسات الإسلام بإنجاز عمل ضخم (588 صفحة) وفي غاية من الإتقان والإخراج، بعنوان "العوالم الإسلامية" من إعداد الأستاذين ميكالي برنارديني وروبارتو توتولي من منشورات "دار موندادوري". تابع حشدٌ من المساهمين، كلّ من زاوية تخصّصه، المنجزَ المعرفي، والتحوّلَ الحضاري، والوضع السياسي والاجتماعي، لمجمل أطراف العالم الإسلامي وحواضره، أو كما أطلقوا عليها العوالم الإسلامية. جاءت الأبحاث ذات منزع تاريخي، وسوسيولوجي، وسياسي، وفقهي، وحضاري، وغاصت في الزمن الإسلامي بأبعاده الثلاثة الماضية والراهنة والآتية. الكتاب جديرٌ بالاطلاع والتمعّن والترجمة أيضا لمواكبة ما يشغل الآخر، ولإدراك أي زوايا ينظر منها إلى حضارتنا وشعوبنا ومعارفنا. بَيْد أنّ إيطاليا القريبة من بلاد المغرب جغرافيا تبدو قصيّة معرفيا، وكأنّها في كوكب ناء عن كوكبنا بالنسبة إلى عقلنا الأكاديمي، وقِس على ذلك جيراننا الأوروبيين الذين يقاسموننا المتوسّط. فالجامعة التي يفترض أن تكون في آن، المنصة التي تتقدّم جميع المبادرات والقاطرة التي تجرّ مختلف العربات، إذا بها تتحوّل إلى هيكل خائر ومقعَد.

فكما أشرت آنفا، مرّت عقود ثلاثة تقريبا على اختياري إيطاليا مقاما، أنتجت خلالها عشرة مؤلفات وعشر ترجمات وسهرت على نقل مئة (100 عمل) من الإيطالية إلى العربية والعكس، في التاريخ، والقانون، وعلم الاجتماع، وأدب الناشئة، والسينما، والشعر، بمعية ثلّة من المترجمين، جلّها لفائدة مشروع كلمة في أبوظبي.. أذكر أثناء انعقاد ندوة في دولة مغاربية لمّا اطّلع أستاذ جامعي على سيرتي الذاتية وكان يشاركني الجلسة، ولم تربطني به علاقة سابقة، علّق هازئا ساخرا: لديك "إسهاب" في الكتابة! فلم أعر قوله اهتماما، لأنّي أدرك أنّ الكسل الأكاديمي في أوساط جامعية قد بات قيمة وفخارا.

غالبا ما يتمحور الحديث مع زملائي من الجامعات المغاربية، حين نلتقي، حول تقصّي أخبار البحث العلمي، والسؤال عن المشاريع المعرفية التي تشغل بال الدارسين والباحثين. ولكن نادرا ما أظفر بما يثلج الصدر، أو أجد كلفا حقيقيا بالبحث والإنتاج العلمي على غرار ما رافق الرعيل الأول من رواد الجامعات المغاربية مع الراحلين محمد عابد الجابري، ومحمد الطالبي، وعلي فهمي خشيم، والمنصف ونّاس ومن شابههم. وقد بات يسترعي انتباهي أنّ الفطاحلة الجدد الموكّلين بمهمة النهوض بالوعي الأكاديمي المغاربي قد أضحى لا يشغل بال الكثير منهم البحث العلمي ولا الإنتاج المعرفي، ولكن تشغلهم مزارع الحبوب، وإصطبلات المواشي، والمناقصات التجارية، ومضامير الخيل التي يستثمرون فيها. وكثير منهم غدوا يعتبرون مهنة التعليم والبحث لا تدرّ ربحا مجزيا، ولم يبق فضاء الجامعة معهم سوى لاكتساب الوجاهة وحيازة الكاريزما الواهية. حتى أنّ البحث عن الترقي في سلّم الوظيفة، في الجامعات العمومية، بات التماسه بأي ذريعة كانت، ومن أعيته الحيلة في الترقّي النزيه صار يمارس النطّ عبر ما يسمّى بالنشر "على الحساب الخاص" ومن ثَمّ صعود مصعد الترقّي بما تمّ دفع أجره، بحثًا عن الزيادة في المرتّب واقتلاع درجة علمية ووظيفية أعلى. أضحى هذا الأمر سائدا بشكل مشين وبائس يندى له الجبين. حيث تُطبع أعمال لا يتوفّر فيها الشرط العلمي أو الأكاديمي، وقد تنطوي على مجاهل وليس معارف، ومفعمة بالأخطاء "المتوحشة" لضراوة ما تنطوي عليه من مساوئ، ولكنّها مجدية في اجتياز سلّم الترقي الوظيفي.

ومن جانب آخر، حين يكون الزّاد المعرفي الذي يتلقّاه الطالب طيلة مشواره التكويني لا يخلّف فيه نباهة حضارية، ولا مقدرة علمية، ولا معرفة متينة بالحقل الذي تخصّص فيه، فمن الطبيعي أن يتلبّد المستقبل بالغيوم ويتبخّر الرهان المعوّل عليه، ويغدو الأستاذ والباحث والدارس طرفا ضمن من ينتظرون الإنقاذ لا عناصر فاعلة في تطوير الوطن وإنمائه. ينطبق هذا الوضع على ألوف الخرّيجين من جامعاتنا وقد باتوا جزءا لا يتجزّأ من ثقافة موبوءة ومن مناخ أكاديمي فاسد ومفسد.

وقد كان الأحرى التطرّق في جامعات العلوم الدينية والاجتماعية والإنسانيات وما شابهها، إلى أزمة خرّيجيها، وهشاشة تكوينها، وخواء طروحاتها، وكساح أساتذتها أيضا، وهو ما أخرجها من معايير التصنيف العالمية وعدم اقتدارها على خوض سباق المنافسة على جميع الأصعدة؛ ولكن غالبا ما يقع الاختباء وراء "الظروف"، ونقص الاعتمادات، وتدنّي المستويات، وهي في جلّها تعليلات واهية.

الذي حصل أنّ الجامعة في بلاد المغرب الكبير وفي المشرق قد خبا توهجها المعرفي الذي حازته في مستهلّ إنشائها وعلى مدى العقود القليلة اللاحقة، وذلك على إثر الزعزعة الهائلة الحاصلة في استراتيجياتها التعليمية والتكوينية، الناشئة بفعل التدمير الصامت لمقدراتها وتفرّق الصفوة من حولها، وهو ما بات يتجلى في المستقبل الضبابي المتربّص بخرّيجيها. ضمن هذا التراجع يلحظ المراقب في الراهن الحالي هجران أبناء الفئات المترفّهة وحتى أبناء الشرائح الاجتماعية المحظوظة من الطبقة الوسطى مدارجها التعليمية إلى جامعات خاصة أو غربية، وما عادت جموع واسعة تعلّق أملا كبيرا على الجامعة الوطنية وعلى تكوينها وقدراتها إلا من أعوزته الحيلة، لتقادم البرامج، وترهّل الكوادر، وفقدان المصداقية في مؤسّساتها، مما حوّلها إلى مؤسّسات غير موثوقة لتأمين مستقبل واعد. وأمّا الجامعات التاريخية، مثل الزيتونة والقرويين والنجف والأزهر، وما شابهها فقد تحولت إلى جامعات "متريّفة" و"متكلّسة" تاريخيا، تقع على هامش فائض التخلّف الذي ينهش المجتمعات في وسطها الجامعي الوطني، وتقع خارج التصنيف العالمي للمؤسّسات، وكان الأحرى أن تقود هي القاطرة المعرفية في بلدانها نظرا لعراقتها وثقلها التاريخي، وقد كان منشأها قبل جامعات الدول الغربية بأسرها بقرون.

فحين تنوء المؤسسة التعليمية بمختلف فئاتها، الدارسة والباحثة والساهرة، تحت وطأة القدامة وعدم الكفاءة والموالاة وتلحق بها الفئة المدرّسة، فالأمر يعني أنّ هناك أزمة هيكلية تشقّ المؤسّسة برمّتها لا يفيد معها تغيير عنصر هنا أو إدخال تحوير هناك. وحين يغدو الموكل بالعملية الإنتاجية للمعرفة في حاجة إلى من يرعاه ويسهر عليه يصير التعويل على المؤسّسة الجامعية في رسم خريطة النهوض وانتشال المجتمع من أوضاعه الرثّة خدعة كبيرة، يتقاسمها حشدٌ غفيرٌ من الذئاب والحملان بوعي وبدون وعي. في هذا الوضع لا بد من مصارحة كبرى من الأكاديميين أنفسهم، تطرَح فيها تساؤلات حازمة بشأن الهوية الجامعية، وبشأن الجامعي المعني بالتدريس والتأطير والبحث: هل هو في مستوى هذا الدور المعرفي والرسالة الملقاة على عاتقه؟

ولندنو قليلا من أوضاع تلك الجامعات التاريخية. ما الذي حصل في فضاء جامعة مثل جامعة الزيتونة إبان العقود الثلاثة الأخيرة؟ لقد بلغ الاهتزاز البنيوي للجامعة مبلغه على إثر الصراع في تونس بين الإسلام السياسي ونظام بن علي إبان تسعينيات القرن الفائت، مما حوّل الزيتونة إلى ساحة تصفية حسابات طاحنة بين قوتين: معارضة وسلطوية، عصفت فيها الأوضاع بالجامعة وشرِّد أهلها: خرّيجين وباحثين وأساتذة، وأوشكت أن توصد أبوابها لولا خشية أطراف سلطوية حينها من رمزيتها التاريخية، وأمّا خرّيجوها الذين كانوا يعدّون بالآلاف في الثمانينيات والتسعينيات، فقد أوصدت أبواب التشغيل أمامهم وخضعوا إلى فرز أمني صارم. ألفيتُ نفسي وأنا في مستهلّ مشواري العلمي أتسكّع في شوارع روما وليس معي سوى شهادة دكتوراه ومخطوطات ترجمة وزّعتها لاحقا على دور النشر بأبخس الأثمان خشية تلفها، من ضمنها كتاب ميشال مسلان آنف الذكر وكتاب "السوق الدينية في الغرب" لمجموعة من علماء الاجتماع الأمريكان، وهذا غيضٌ من فيض كما يقول المثل.

***

عزالدّين عناية

جامعي تونسي مقيم في إيطاليا

 

الأبعاد الهيكلية للنيوباتريكونية والتبعية النيوكولونيالية

تشهد مجتمعات ما بعد الاستعمار حالة ممتدة من التعثر التنموي والتآكل المؤسسي، وهي ظاهرة لا يمكن إرجاعها إلى مجرد أخطاء إدارية ظرفية أو نقص في الموارد المادية، بل تعود إلى بنية مركبة يتقاطع فيها الاستبداد السياسي الداخلي مع آليات التبعية الاقتصادية والمعرفية الخارجية. إنّ التفاعل المتزامن بين الاستفراد بالسلطة، وتغييب النخب الوطنية، وتنشيط العصبيات الأولية، والارتهان للسياسات النقدية والاقتصادية النيوكولونيالية، يخلق متوالية من الانهيار الهيكلي تتجاوز الخسائر التنموية المباشرة لتصيب المفصل الحضاري للمجتمع. وتتضح أسباب هذه التكلفة الحضارية المتراكمة وآليات التجريف المعرفي والنزيف التنموي من خلال تحويل الدولة الوطنية من أداة للنهضة الشاملة إلى وسيلة لإدارة الزبائنية وحماية البقاء السياسي للسلطة الحاكمة.

الهندسة السياسية للنيوباتريكونية

تُشكل النيوباتريكونية الإطار التحليلي الأبرز لفهم طبيعة الحكم في العديد من دول ما بعد الاستعمار؛ حيث تتجاور المؤسسات البيروقراطية الحديثة شكلياً مع شبكات من العلاقات الشخصية والزبائنية التي تُسيّر الممارسة الفعلية للسلطة وتوزع الموارد. وفي هذا النسق الهجين، تذوب الحدود الفاصلة بين المجالين العام والخاص، وتتحول موارد الدولة المادية والرمزية إلى ريع شخصي يُستخدم لشراء الولاءات وضمان استمرار النظام الحاكم، بدلاً من توجيهها نحو الخدمات العامة والتنمية المستدامة.

تعتمد الأنظمة النيوباتريكونية على إقصاء الكفاءات الفنية والمتخصصة والخبرات المستقلة؛ نظراً لأن معايير الجدارة والشفافية تتعارض مع منطق المساءلة المغلقة والولاءات الشخصية. وكبديل للمؤسسية الوطنية الجامعة، تعمد السلطة إلى إعادة تنشيط العصبيات الهوّياتية الفرعية،كالقبيلية والطائفية والمناطقية،وتوظيفها كقواعد اجتماعية محصورة للتأييد. يؤدي هذا النمط الزبائني إلى استبدال مفهوم "المواطنة المتساوية" بتمييز فئوي يُعيد توزيع الفرص، والوظائف العامة، والمشاريع التنموية بناءً على القرب أو البعد من مركز السلطة.

ينتج عن إحلال الولاء محل الكفاءة تآكل كامل للقدرة الإدارية للدولة، وفقدان شرعيتها الإنجازية والرمزية. ومع تنامي الشعور بالغبن لدى الشرائح الاجتماعية المحرومة، تتحول الدولة من إطار جامع لحل النزاعات إلى طرف أساسي في إنتاجها، مما يُشعل المأزق الأمني الداخلي ويُحفز التعبئة المضادة، مدفوعةً بتوزع الموارد غير العادل وانغلاق قنوات التعبير السياسي السلمي.

التجريف المعرفي ونزيف العقول

يمثل التجريف المعرفي أحد أخطر أبعاد الانهيار الحضاري الممتد؛ حيث تؤدي سياسات التضييق المنهجي على حرية البحث العلمي، وقمع النخب الوطنية، واستبدال المعايير الأكاديمية بالرقابة الأمنية والولاء السياسي، إلى دفع الكوادر الأكاديمية للهجرة القسرية نحو مراكز الغرب الرأسمالي. ولا تُعبر هذه الظاهرة عن مجرد فقدان جزئي للأفراد، بل عن تصفية منهجية لطبقة الخبراء والمتخصصين المستقلين الذين يشكلون عصب الابتكار والإدارة المعرفية للمجتمع.

إنّ تدمير رأس المال البشري يبدأ عندما تستثمر الدول النامية استثمارات ضخمة من ميزانياتها المحدودة لتعليم وتدريب الكوادر البشرية، لتؤول الثمار في النهاية إلى الدول المتقدمة دون أي مقابل تعويضي، مما يُعد تحويلاً عكسياً للثروة المعرفية من المحيط إلى المركز. ويترتب على ذلك تعميق الفجوة التقنية؛ إذ تحرم هجرة العقول مجتمعات ما بعد الاستعمار من القدرة على تطوير استجابات علمية محلية لتحدياتها التنموية في مجالات الصحة، والزراعة، والتصنيع، والطاقة.

وفي مرحلة لاحقة، يؤدي هذا العجز المعرفي المحلي إلى الارتهان المستمر للاستشارات الخارجية؛ حيث تصبح الدولة معتمدة كلياً على استيراد الخبرات والحلول الفنية من الشركات والمؤسسات الأجنبية بأسعار باهظة تُثقل كاهل الموازنات العامة وتُعمق الديون. يخلق هذا المسار حالة من العجز الذاتي المقنن؛ إذ تُنفذ المشروعات التنموية عبر نماذج جاهزة ومستوردة لا تتوافق مع البيئة المحلية، وتفتقر إلى استدامة التشغيل والصيانة لغياب الكفاءات الوطنية القادرة على توطين المعرفة وتطويرها.

المأزق الأمني وتزاحم الإنفاق العام

في ظل ضعف الشرعية السياسية وتفاقم الاحتقان الاجتماعي الناجم عن التمييز الزبائني والارتهان الاقتصادي، تنشأ حالة من التهديد الدائم لبقاء النظام الحاكم. يدفع هذا التهديد السلطة إلى الانخراط في مأزق أمني داخلي؛ حيث يُنظر إلى المجتمع ومكوناته غير الموالية كمصدر خطر يستوجب الرقابة والقمع بدلاً من مشاركته في إدارة الدولة.

ينعكس هذا المأزق الأمني مباشرةً على هيكل الموازنة العامة؛ حيث يحدث تزاحم هيكلي يستحوذ فيه الإنفاق العسكري والأمني على النسبة الأكبر من الموارد المالية المتاحة، على حساب القطاعات التنموية والحيوية كالصحة والتعليم والبحث العلمي. وقد أظهرت التقديرات القياسية الصادرة عن المؤسسات الدولية أن زيادة حصة الإنفاق العسكري بمقدار انحراف معياري واحد تُخفض حصة الإنفاق على الصحة والتعليم بنسبة تصل إلى نقطة مئوية واحدة في المدى المتوسط في الدول النامية، مما يُجهز على فرص بناء رأس المال البشري.

تؤكد البيانات الصادرة عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، وتحليلات صندوق النقد الدولي، أن الدول الهشة والمستبدة تخصص حصصاً متزايدة من ناتجها المحلي الإجمالي لتسليح الأجهزة الأمنية والنخب العسكرية لحماية قمة السلطة، متجاهلة العجز الفادح في البنية التحتية الأساسية والخدمات الاجتماعية. ويكرس هذا التشوه في ترتيب الأولويات حلقة مفرغة، فتقليص الإنفاق الاجتماعي يُفاقم الفقر والأمية وتدهور الرعاية الصحية، مما يُغذي الاحتجاجات والنزاعات المسلحة، والتي تُتخذ بدورها ذريعة لزيادة الإنفاق الأمني وتعزيز القمع، وصولاً إلى تثبيت حالة مصيدة الهشاشة.

الاستلاب الحضاري والتحديث المشوه

تتوج المتوالية المكونة من الاستبداد والزبائنية والتجريف المعرفي والتبعية الاقتصادية بالوصول إلى حالة عميقة من الاستلاب الحضاري والعجز عن صياغة نموذج تنموي حداثي أصيل. وتكتسب هذه الحالة بعداً تحليلياً ذا كفاءة.اذ تتغذى حالة الاستلاب الحضاري والتحديث المشوه من خلال نوعين من الأفكار التي تحاصر العقل في مجتمعات ما بعد الاستعمار:

"الأفكار الميتة"، وهي رواسب عصر الانحطاط الذاتي والتقاليد الجامدة التي تعزل الفكر عن واقع المشكلات الحقيقية وتُشيع الروح السلبية والعجز.

و"الأفكار القاتلة"، وهي النماذج والمفاهيم النيوكولونيالية والتحديثية الغربية المستوردة والمبتورة عن سياقها الفلسفي والاجتماعي الأصيل، والتي تُفرض على المجتمع فتزيد من غربته وتُفكك نسيجه الثقافي دون أن تمنحه الفعالية الحضارية.

إنّ العجز عن صياغة نموذج تنموي يستند إلى قيم التاريخ والسياقات المحلية يدخل المجتمع في حالة من التيه الفكري والتنموي؛ حيث يظل مستهلكاً لمنتجات غيره ومفاهيمه، ويدفع ثمنها من موارده المستنزفة ورأسماله البشري المهجر، دون أن يملك زمام إنتاج المعرفة أو امتلاك الإرادة الحرة لتقرير مصيره السياسي والتنموي.

مسارات لتفكيك الارتهان

تظهر نتائج التحليل الهيكلي المركب أن الانهيار الممتد في دول ما بعد الاستعمار ليس حالة حتمية ناجمة عن شح الموارد الذاتية، بل هو حصيلة بنوية لتضافر شبكات السلطة النيوباتريكونية مع سياسات التبعية النيوكولونيالية. إنّ هذا التضافر يحول الدولة من رافعة للنهضة إلى أداة لإعادة إنتاج التخلف؛ حيث يُضحى برأس المال البشري والمؤسسية الوطنية في سبيل تحصيل مكاسب فئوية واستمرار النخب الحاكمة في السلطة.

إنّ الخروج من هذه المتوالية يتطلب تجاوز المقاربات التجميلية والإصلاحات الإدارية القشرية، والانتقال إلى استراتيجية تغيير بنيوي متكاملة. يقتضي المسار الأول تفكيك الزبائنية هيكلياً من خلال التأسيس لمفهوم المواطنة المتساوية المستندة إلى سيادة القانون والشفافية المؤسسية، وإلغاء المحاسبية القائمة على الولاءات القبائلية والطائفية. ويتزامن ذلك مع مسار يتصل باستعادة السيادة المعرفية وتوطين العقول عبر توفير البيئة الحرة للبحث العلمي وتكريم الكفاءات والخبراء المحليين، وبناء سياسات تحول الكفاءات المهاجرة إلى شبكات دعم للتنمية الوطنية بدلاً من خسارتها كلياً.

كما يتطلب التجاوز التنموي تحولاً جذرياً في توزيع الموارد المالية، بحيث يُعاد توجيه الأولويات من الترسانات الأمنية الموجهة للضبط الداخلي إلى قطاعات التعليم والبحث العلمي والرعاية الصحية والبنية التحتية الإنتاجية؛ لكسر حلقة التزاحم الهيكلي ومصيدة الهشاشة. ويرتبط هذا التعديل الداخلي بضرورة تفكيك التبعية الاقتصادية والنقدية عبر استعادة السيادة على القرار النقدي والمالي، وإعادة تنويع الشراكات الدولية على أسس تكافؤية، وتشجيع التصنيع المحلي بدلاً من الامتثال لسياسات التكييف القسرية.

على المستوى الفلسفي والحضاري، تتطلب النهضة تصفية جذرية لذهنية "القابلية للاستعمار" بالمعنى الذي صاغه مالك بن نبي، وذلك باستبدال نمط التكديس والاستهلاك الشكلي بنموذج تنموي أصيل يدمج الإنسان والموارد والزمن ضمن إطار أخلاقي وفعال، ويتخلص من الأفكار الميتة والقاتلة لصالح إنتاج معرفي مستقل يستجيب لمتطلبات المجتمع ويضمن سيادته الوطنية وحضوره التاريخي.

***

غالب المسعودي

يأتي هذا المقال في سياق التفاعل مع نص للكاتبة الفاضلة الأستاذة ابتهال عبد الوهاب نُشر بصحيفة المثقف بتاريخ 27 تموز/يوليو   2026، ضمن قسم قضايا تحت عنوان: تعدد الزوجات (انتشار الغريزة وهزيمة العقل) والذي قدّم قراءة نقدية حادة لموضوع تعدد الزوجات، بوصفه تعبيرًا عن “انتصار الغريزة وهزيمة العقل”. وهو طرح يلفت الانتباه بقوته البلاغية ووضوح موقفه الأخلاقي، كما يثير، في الوقت ذاته، أسئلة تستحق مزيدًا من التفكيك والمراجعة.

تنطلق الكاتبة من ملاحظة واقعية لا يمكن إنكارها: تحول بعض القضايا الحساسة، وفي مقدمتها الزواج، إلى مواد تدريبية وتسويقية تُقدَّم في دورات مدفوعة، هذه ظاهرة تفتح الباب لنقد مشروع لما يمكن تسميته بـ”تسليع العلاقات الإنسانية”، حيث يُختزل المعنى الأخلاقي في مهارات قابلة للبيع والشراء.

غير أن الإشكال يبدأ حين ينتقل النقد من هذه الممارسة المحددة إلى تعميم حكم قيمي على التعدد في ذاته، فاعتباره “انتصارًا للغريزة” يفترض، ضمنًا، أن هذه الممارسة لا يمكن أن تُفهم إلا في هذا الإطار، متجاهلًا اختلاف السياقات والدوافع، فضلًا عن البنية التشريعية التي تنظمه.

علمًا ان التصور الإسلامي، لا يطرح التعدد بوصفه حقًا مطلقًا أو قيمة قائمة بذاتها، بل كإباحة مشروطة، يتصدرها شرط العدل، وهو شرط لا يُقدَّم بوصفه تفصيلًا ثانويًا، بل معيارًا حاكمًا يكاد يضيّق مجال التطبيق بدل أن يوسّعه. لهذا فإن الخلل لا يكمن في النص بقدر ما يكمن في أنماط تمثله داخل الواقع الاجتماعي.

كما أن ربط التعدد بفشل الرجل في إدارة علاقة واحدة، رغم وجاهته في بعض الحالات، لا يمكن تعميمه بوصفه تفسيرًا شاملًا، فالعلاقات الإنسانية، بطبيعتها، أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في سبب واحد، وهي تتشكل ضمن تداخل عوامل نفسية واقتصادية وثقافية.

في محور آخر، يطرح النص نقدًا لافتًا للخطاب الديني، معتبرًا أنه يساهم في تغذية “وهم ذكوري”. غير أن هذا الطرح، في صيغته العامة، يغفل التمييز بين أنماط متعددة من هذا الخطاب، بعضها يكرّس فعلًا تصورات اختزالية، وبعضها الآخر يسعى إلى إعادة قراءة النصوص في ضوء مقاصد العدل والكرامة والإنسانية.

أما المقارنة بين انشغال المجتمعات بقضايا مثل التعدد، وانشغال غيرها بالعلم والتقدم، فهي مقارنة تحمل بعدًا تحفيزيًا، لكنها تحتاج إلى قدر من التحفظ المنهجي، حيث التاريخ لا يقدّم علاقة سببية بسيطة بين أنماط الزواج ومستوى التقدم، كما أن المجتمعات المتقدمة نفسها تعيش تحولات عميقة في بنية الأسرة، لا تخلو من أزمات وتعقيدات وتجاوزات.

من جهة أخرى، يقدّم النص قراءة مهمة لدور اللغة في إنتاج الهيمنة، حين تتحول الألفاظ إلى أدوات لتوزيع الفضائل والوصم الاجتماعي، بينما هذه الملاحظة، على أهميتها، يمكن أن تُستكمل بالتنبيه إلى أن الخطاب النقدي ذاته قد يقع في إنتاج ثنائيات حادة (عقل/غريزة، تقدم/تخلف) تحجب تعقيدات الظواهر بدل أن تكشفها.

على هذا الأساس يكون النقاش حول تعدد الزوجات، في جوهره، ليس نقاشًا حول حكم جزئي، بل حول الإطار الأخلاقي الذي تُفهم داخله العلاقة الإنسانية.

بل بين مقاربة تختزل الظاهرة في الغريزة، وأخرى تكتفي بإحالتها إلى المشروعية، بينما تضيع المساحة التي يفترض أن يعمل فيها التفكير النقدي.

ما نحتاجه اليوم ليس الدفاع عن التعدد ولا الهجوم عليه بوصفه شعارًا، بل تحرير النقاش من التوظيف الأيديولوجي، وإعادته إلى شروطه الحقيقية: العدالة، والمسؤولية، والقدرة على صون كرامة الإنسان، رجلًا كان أو امرأة.

عند هذا الحد فقط، يمكن أن يتحول الجدل من مواجهة خطابية إلى حوار معرفي، ومن سؤال انفعالي إلى سؤال منتج: متى تكون العلاقة الإنسانية، أيًّا كان شكلها، تعبيرًا عن العدل لا عن الهيمنة؟

ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يُطرح، بعيدًا عن الاختزال، وقريبًا من تعقيدات الواقع.

في ختام هذا النقاش، لا يسعني إلا أن أقدّر للكاتبة جرأتها في ملامسة سؤال مركزي يتجاوز ظاهر الموضوع إلى عمقه الحضاري: كيف نفكر في الإنسان، وكيف نعيد ترتيب العلاقة بين الأخلاق والدين والواقع؟ إن إثارة مثل هذه القضايا، في سياق عربي مثقل بالمسكوت عنه، ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة معرفية تُوقظ الوعي وتكسر رتابة المسلمات.

غير أن قيمة الإثارة تكتمل حين تتحول إلى أفق للفهم، فالتعدد، بعيدًا عن ثنائيات الإدانة والتبرير، يكشف عن حاجة ملحّة لإعادة وصل الأحكام بمقاصدها، والنصوص بأخلاقها، والممارسات بشروطها.

 في التصور القرآني، لا تُقاس العلاقات بشكلها، بل بما تحققه من عدل، وما تصونه من كرامة، وما تمنعه من ضرر، هنا تحديدًا ينتقل النقاش من سؤال “المشروعية” إلى سؤال “التحقق”: هل بقيت القيم المؤسسة حاضرة، أم تحولت إلى غطاء لممارسات منزوعة من روحها؟

إن الأزمة، في جوهرها، ليست في قضية بعينها، بل في انفصال وعينا عن منطقه المقاصدي؛ حين نفصل بين الحكم وغايته، وبين النص وسياقه، وبين الفعل وأثره الإنساني، عندها فقط تفقد القضايا معناها، وتتحول إلى شعارات تتنازعها الخطابات.

للكاتبة فضل الإشارة إلى مواضع الخلل، وللنقاش فضل تعميقها، وللفكر مسؤوليته في إعادة البناء. وبين هذا كله، يظل التحدي الحقيقي هو أن نرتقي بأسئلتنا: من جدل الأشكال إلى جوهر القيم، ومن صراع المواقف إلى بناء المعايير.

هناك، حيث يصبح العدل ميزانًا لا شعارًا، والمقاصد أفقًا لا زينة، يبدأ الطريق نحو وعي لا يكتفي بالنقد، بل يؤسس لمعنى أصدق للإنسان، وأفق أوسع للعمران.

***

مراد غريبي

..................

للاطلاع

ابتهال عبد الوهاب: تعدد الزوجات.. انتصار الغريزة وهزيمة العقل

سيرةُ الإنسان في كسر القالب وصناعةُ المعنى

الوعي ليس حالة ثابتة يولد بها الإنسان مكتملة، بل هو مسار يتشكل عبر الاحتكاك بالتجارب، والتساؤل، والقدرة على الشك فيما يبدو بديهياً. ومن بين أهم الأدوات التي تُنمّي هذا الوعي وتدفعه إلى الأمام تأتي الكتابة، ليس بوصفها مجرد وسيلة للتعبير، بل كفعل وجودي يعيد من خلاله الإنسان صياغة نفسه والعالم من حوله. وعندما يتقاطع الوعي مع الكتابة، يصبح التمرد على التقاليد الجامدة أمراً شبه حتمي، لأن الإنسان يبدأ في إدراك الفجوة بين ما هو مفروض عليه وما يمكن أن يكون عليه.

الكتابة في جوهرها ليست ترفاً فكرياً، بل هي فعل مقاومة. مقاومة للنمطية، للقوالب الجاهزة، للأفكار الموروثة التي تُستهلك دون مساءلة. حين يكتب الإنسان بصدق، فإنه يفتح نافذة على داخله، ويبدأ في تفكيك ما تراكم فيه من قناعات لم يخترها بنفسه. هنا تحديداً يتجلى دور الوعي، إذ يصبح الكاتب قادراً على التمييز بين ما هو نابع من تجربته الخاصة وما هو مجرد صدى لتقاليد مفروضة. هذه العملية ليست سهلة، لأنها تتطلب شجاعة في مواجهة الذات أولاً، ثم في مواجهة المجتمع.

التقاليد، في كثير من الأحيان، تؤدي وظيفة تنظيمية مهمة، فهي تحفظ استمرارية المجتمعات وتمنحها نوعاً من الاستقرار. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه التقاليد إلى قيود تمنع التفكير الحر، وتفرض على الإنسان أن يعيش وفق قوالب جاهزة، دون أن يُتاح له حق التساؤل أو الاختلاف. عند هذه النقطة، يصبح التمرد ضرورة، لا بوصفه رغبة في الهدم، بل كحاجة إلى إعادة التوازن بين الفرد والجماعة. التمرد الواعي لا يعني رفض كل ما هو قديم، بل يعني اختبار هذا القديم، وتمييز ما يصلح منه للاستمرار وما يجب تجاوزه.

الإنسان النمطي هو نتاج بيئة تُكافئ التقليد وتعاقب الاختلاف. في مثل هذه البيئات، يُنظر إلى الإبداع بوصفه تهديداً، وإلى التفكير النقدي كنوع من التمرد غير المرغوب فيه. وهنا يأتي دور الكتابة مرة أخرى، كمساحة آمنة نسبياً يستطيع الفرد من خلالها أن يعبر عن أفكاره دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة. الكتابة تمنح الإنسان فرصة لتجريب أفكار جديدة، لتخيل عوالم مختلفة، ولصياغة رؤى قد لا يجد لها مكاناً في الواقع المباشر.

لكن الكتابة وحدها لا تكفي إذا لم تكن مدعومة بوعي حقيقي. فالإنسان قد يكتب كثيراً، لكنه يظل أسير نفس القوالب التي يحاول الهروب منها. الوعي هو الذي يمنح الكتابة عمقها، ويحولها من مجرد كلمات إلى أداة للتغيير. وعندما يتطور هذا الوعي، يبدأ الإنسان في إدراك أن التمرد ليس هدفاً في حد ذاته، بل وسيلة للوصول إلى حالة أكثر صدقاً واتساقاً مع الذات.

من هنا، يمكن القول إن العلاقة بين الوعي والكتابة والتمرد هي علاقة جدلية، حيث يؤثر كل عنصر في الآخر ويتأثر به. الكتابة تعمّق الوعي، والوعي يدفع إلى التمرد، والتمرد بدوره يفتح آفاقاً جديدة للكتابة. هذه الدائرة المستمرة هي ما يضمن تطور الإنسان وخروجه من حالة الجمود. فالإبداع لا يمكن أن ينمو في بيئة تخاف من الأسئلة، ولا في عقل يرفض الشك.

إن أخطر ما يمكن أن يواجهه الإنسان هو أن يعيش حياة لم يخترها، وأن يتبنى أفكاراً لم يفكر فيها، وأن يعيد إنتاج نفس الأنماط دون وعي. في هذه الحالة، يتحول إلى نسخة مكررة، فاقدة للقدرة على الإبداع والتجديد. وهنا تكمن أهمية التمرد الواعي، الذي لا يهدف إلى الفوضى، بل إلى تحرير الإنسان من القيود غير المرئية التي تشكّل وعيه دون أن يدرك.

الكتابة، في هذا السياق، تصبح فعلاً تحررياً بامتياز. هي ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل أداة لإعادة تشكيل الواقع. من خلال الكتابة، يستطيع الإنسان أن يعيد النظر في المسلمات، وأن يطرح أسئلة قد تبدو محرجة أو غير مألوفة، لكنه بذلك يفتح الباب أمام احتمالات جديدة. وهذا هو جوهر الإبداع: القدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون، والتفكير فيما لم يُفكّر فيه من قبل.

ومع ذلك، فإن هذا الطريق ليس خالياً من التحديات. فالمجتمع غالباً ما يقاوم التغيير، ويميل إلى الحفاظ على ما هو مألوف. الكاتب الواعي قد يواجه رفضاً أو نقداً أو حتى عزلة، لكنه في المقابل يكتسب شيئاً أكثر قيمة: حريته الفكرية. وهذه الحرية هي الشرط الأساسي لأي تطور حقيقي، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع.

لذا، يمكن القول إن الوعي والكتابة والتمرد ليست مجرد مفاهيم منفصلة، بل هي أبعاد متكاملة لتجربة إنسانية واحدة تسعى إلى التحرر من النمطية والوصول إلى حالة من الأصالة. الإنسان الذي يكتب بوعي، ويتمرد بعقل، هو إنسان قادر على أن يكون أكثر من مجرد نسخة مكررة. هو إنسان يشارك في صناعة مستقبله، بدلاً من أن يكون مجرد امتداد لماضٍ لم يختره.

وإذا ما تأملنا أعمق في هذه العلاقة، سنجد أن الوعي لا يتشكل فقط من خلال القراءة أو التجربة، بل من خلال القدرة على إعادة صياغة هذه التجارب بلغة شخصية متفردة. هنا تحديداً تتحول الكتابة إلى مختبر داخلي، يختبر فيه الإنسان أفكاره ويعيد ترتيبها، ويكتشف عبرها مناطق لم يكن يدرك وجودها في ذاته. فكل نص صادق هو في الحقيقة محاولة لفهم العالم، لكنه في الوقت نفسه محاولة لفهم النفس، وهذا التداخل هو ما يجعل الكتابة فعلاً معرفياً بقدر ما هو فعل إبداعي.

التمرد في هذا السياق لا يكون دائماً صاخباً أو ظاهراً، بل قد يتخذ أشكالاً هادئة وعميقة، مثل اختيار كلمات مختلفة، أو طرح سؤال غير متوقع، أو حتى الصمت عن تكرار ما يقوله الجميع. هذا النوع من التمرد هو الأكثر تأثيراً، لأنه لا يصطدم مباشرة بالجدران، بل يتسلل عبرها ويعيد تشكيلها من الداخل. ومن هنا، فإن الكاتب الواعي لا يسعى إلى إثارة الجدل بقدر ما يسعى إلى إحداث خلخلة في طرق التفكير السائدة، حتى لو كان ذلك بشكل تدريجي وبطيء.

كما أن التحرر من النمطية لا يعني بالضرورة القطيعة التامة مع المجتمع، بل يعني إعادة تعريف العلاقة معه. فالفرد الواعي لا يعيش في عزلة، بل يختار أن يكون جزءاً فاعلاً، لكنه جزء ناقد ومبادر، لا تابعاً ومقلداً. وهذا التوازن هو ما يمنح التمرد معناه الحقيقي، لأنه يجعله أداة للبناء لا للهدم.

وفي لحظة ما، يدرك الإنسان أن أكبر معركة يخوضها ليست مع التقاليد الخارجية، بل مع ذلك الصوت الداخلي الذي يخشى الاختلاف ويميل إلى الأمان الزائف في التكرار. حينها فقط تصبح الكتابة فعلاً شجاعاً، ويصبح الوعي طريقاً مستمراً لا ينتهي، ويغدو التمرد ضرورة للحفاظ على إنسانية الإنسان في عالم يميل باستمرار إلى تحويله إلى نسخة قابلة للتكرار.

***

د. عصام البرّام - القاهرة

ليست "مذكرات طه حسين" الصادرة عن دار الآداب في بيروت عام 1967، مجرد سجل لحياة رجل فقد بصره في طفولته ثم شق طريقه إلى المجد العلمي والأدبي. إن قيمتها الأعمق تكمن في أنها تقدم، من خلال سيرة فرد، صورة لصراع طويل بين الإنسان والقيود التي تحيط به: قيود الفقر، والجهل، والتقاليد، والسلطة، والمؤسسة، وحتى ذلك النوع من اليأس الذي يستطيع أن يتسلل إلى النفس حين تبدو الطريق أطول من قدرة العابر عليها. وفي قلب هذا الصراع تظهر شخصية طه حسين لا بوصفها شخصية استثنائية فحسب، بل بوصفها نموذجا مبكرا للمثقف الذي جعل من المعرفة وسيلة للتحرر، ومن النقد طريقة في الوجود، ومن الاستقلال الفكري شرطا لا يمكن التنازل عنه.

لا سلطة للآخرين على العقل

إن أول ما يلفت في طه حسين هو أن فقدانه للبصر لم يكن القضية المركزية في شخصيته، على الرغم من أن حياته كلها ظلت محاطة بآثاره. لقد كان الآخرون يرون فيه الرجل الأعمى الذي تحدى إعاقته، أما هو فكان يرى نفسه طالب علم. وهذه النقطة بالذات هي التي تجعل تجربته أكثر عمقا من مجرد قصة نجاح فردي. فقد رفض، في العمق، أن يسمح للشفقة بأن تكون التعريف الذي يقدمه للعالم عن نفسه. لم يكن يريد أن يقال عنه إنه بلغ ما بلغ لأنه أعمى، بل لأنه امتلك القدرة على أن يتعلم، وأن يفكر، وأن يناقش، وأن يختلف، وأن يثبت أن العقل لا ينبغي أن يخضع للحدود التي يرسمها له الآخرون.

كان العلم بالنسبة إلى طه حسين أكثر من مهنة أو وسيلة للارتقاء الاجتماعي. كان نوعا من الضرورة الداخلية. لذلك بدا إصراره على طلبه أشبه بعناد لا يقبل المساومة. لم يكن يتعلم لكي يكتسب موقعا، ولا لكي يصنع لنفسه صورة اجتماعية، ولا لكي يقترب من أصحاب النفوذ. كان يتعلم لأن الجهل، في نظره، لم يكن مجرد نقص في المعلومات، بل حالة من الخضوع. ومن هنا يمكن فهم ذلك النزوع العميق إلى الاعتماد على النفس الذي يميز شخصيته. كان يريد أن يقف على قدميه، حتى حين كان الطريق يفرض عليه أن يستعين بالآخرين. كان يعرف أن الإنسان قد يحتاج إلى المساعدة، لكنه كان يرفض أن تتحول المساعدة إلى وصاية، أو إلى ثمن مطلوب دفعه من استقلاله.

نفوره من التزلف والنفاق

وهنا تبرز إحدى أهم سمات شخصيته: نفوره من التزلف والنفاق. لم يكن طه حسين من أولئك الذين يرون في الثقافة سلما للصعود إلى المناصب. ولو أنه اختار طريق المجاملة، لكان في إمكانه أن يجني كثيرا من المكاسب. كان يستطيع أن يصمت في مواضع الكلام، وأن يمدح حين يكون النقد أكثر ضرورة، وأن يتجنب الاصطدام بالسلطان أو بإدارة الجامعة، وأن يحول علمه إلى رأسمال من العلاقات والمنافع. لكنه لم يفعل. لقد أدرك، على نحو مبكر، أن المثقف الذي يجعل كلمته رهينة للمصلحة يفقد الشيء الوحيد الذي يمنحها قيمتها: حريتها.

لم تكن هذه الاستقلالية موقفا رومانسيا سهلا. لقد كانت لها أثمانها. فالمؤسسة لا تحب دائما من يذكرها بحدودها، والسلطة لا ترحب بمن لا يطلب رضاها، والجامعة قد تتحول، في بعض لحظاتها، من فضاء للمعرفة إلى جهاز يريد من أعضائه الطاعة. ومع ذلك، ظل طه حسين يضع العلم في مواجهة السلطة، لا بمعنى أن العلم يستطيع وحده إسقاط السلطة، بل بمعنى أن المعرفة تمنح الإنسان القدرة على رؤية ما تريد السلطة إخفاءه. ومن هنا جاء صراعه المتكرر مع أشكال الوصاية، سواء أكانت وصاية سياسية أم دينية أم أكاديمية.

نزوع نقدي مبكر

لقد بدأ هذا النزوع النقدي في وقت مبكر جدا. فطه حسين لم ينتظر أن يصبح أستاذا لكي يكتشف حقه في السؤال. كان طالبا في الأزهر حين بدأ يخضع ما يتعلمه للفحص والمناقشة. لم يكن يتلقى الأفكار كما تصل إليه، مغلقة ومكتملة، بل كان يتعامل معها بوصفها موضوعا للنظر. حتى الشيوخ والأساتذة لم يكونوا بمنأى عن أسئلته. وهذه النقطة شديدة الأهمية، لأن الثقافة العربية في ذلك الوقت كانت لا تزال تعاني من هيبة الشخص والمرجع. كان السؤال، في كثير من الأحيان، يبدو كأنه اعتداء على مكانة العالم. أما طه حسين فقد جعل السؤال أداة من أدوات التعلم، وجعل الشك المنهجي طريقا إلى المعرفة.

كان يعرف أن العلم الذي لا يسمح بالنقد يتحول إلى عقيدة، وأن الأستاذ الذي لا يقبل السؤال يتحول إلى سلطة، وأن الطالب الذي لا يملك حق الاعتراض لا يتعلم، بل يحفظ. ولذلك فإن معركته الأولى لم تكن مع الجهل وحده، بل مع الطريقة التي كان الجهل يتخفى بها في هيئة يقين. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى طه حسين بوصفه أحد أكثر المثقفين العرب اقترابا من مفهوم المثقف الحديث: شخص يتعلم من المؤسسة، لكنه لا يعبدها؛ يستفيد من التراث، لكنه لا يستسلم له؛ يعرف قيمة الماضي، لكنه يرفض أن يتحول الماضي إلى سجن للحاضر.

وتزداد هذه الصورة وضوحا في سنواته الباريسية خلال الحرب العالمية الأولى. لم تكن باريس في تلك الفترة فضاء ثقافيا مثاليا ينتظر الطالب القادم من مصر لكي يكتشفه. كانت مدينة محاصرة بالخوف، والحرب، والاضطراب، وصعوبات الحياة. وكان طه حسين، فوق ذلك كله، طالبا أعمى، غريبا عن بيئته، يواجه لغة جديدة ونظاما علميا مختلفا وعالما ثقافيا لا يمنح أحدا مكانه مجانا. لقد كان يمكن لكل هذه العوامل أن تتحول إلى أعذار. لكنه لم يسمح لها بأن تصبح كذلك.

لم يستبدل تبعية بتبعية

إن أهمية تجربته في باريس لا تكمن في أنه ذهب إلى أوروبا وعاد منها حاملا الشهادات، بل في أنه دخل إلى فضاء معرفي جديد من دون أن يفقد قدرته على الحكم. لم يكن تلميذا مبهورا بكل ما هو أوروبي، كما لم يكن مدافعا عصبيا عن كل ما هو عربي. كان يريد أن يتعلم، لا أن يستبدل تبعية بتبعية. ولذلك استطاع أن يجعل من المعرفة الأوروبية أداة لإعادة النظر في أسئلة الثقافة العربية، لا وسيلة للانفصال عن مجتمعه.

لقد تجاوز طه حسين فقدانه لبصره، لا بمعنى أنه ألغى وجوده، فهذا أمر مستحيل، بل بمعنى أنه رفض أن يجعل منه قدرا يحدد سقف حياته. تجاوز الفقر، وتجاوز العزلة، وتجاوز صعوبة اللغة، وتجاوز المسافة بين طالب قادم من بيئة ثقافية تقليدية وعالم أكاديمي حديث. والأهم من ذلك أنه تجاوز الصورة التي كان يمكن للمجتمع أن يفرضها عليه. لم يقبل أن يكون مجرد حالة إنسانية تستحق التعاطف، بل أراد أن يكون عقلا يناقش، ويختلف، ويخطئ، ويصيب.

مكانته الثقافية أكبر من حدود مؤلفاته

ومن هنا تبدو مكانته في الثقافة العربية المعاصرة أكبر من حدود مؤلفاته. لقد كان طه حسين، قبل كل شيء، طريقة في النظر. وكان هذا النظر يتسع من قضية الأدب إلى قضية المجتمع، ومن سؤال التراث إلى سؤال الحرية، ومن الجامعة إلى مستقبل الشعب. لم يكن العلم عنده منفصلا عن الحياة. ولذلك ظل متداخلا مع قضايا بلده، ومع تطلعات شعبه إلى الحرية والاستقلال والعدالة. كان يرى أن الجامعة لا ينبغي أن تكون جزيرة معزولة عن المجتمع، وأن الثقافة التي لا تنعكس على حياة الناس تظل ناقصة مهما بلغت من الدقة الأكاديمية. لهذا يمكن اعتبار طه حسين واحدا من أبرز، وربما أبرز، المثقفين في تاريخ الثقافة العربية المعاصرة. ليس لأنه كان أكثرهم إنتاجا في كل مجال، ولا لأن كل ما كتبه بقي خارج النقد والمراجعة، بل لأنه جمع بين عناصر نادرا ما تجتمع في شخص واحد: العلم الأكاديمي الرفيع، والقدرة النقدية، والشجاعة الأخلاقية، والارتباط بقضايا المجتمع، والإيمان بأن المعرفة حق عام وليست امتيازا خاصا.

ظل حرا وسط عالم كانت فيه الحرية مكلفة

إن طه حسين الذي يظهر في مذكراته لا يطلب منا أن نعجب بانتصاره على فقدانه للبصر فحسب. إن ما يطلبه، بصورة أعمق، هو أن نفهم معنى أن ينتصر الإنسان على كل ما يريد أن يحوله إلى تابع. لقد كان بإمكانه أن يربح أكثر لو أنه كان أقل استقلالا، وأن يصعد أسرع لو أنه كان أكثر مرونة أمام أصحاب النفوذ، وأن يحقق مكاسب أوسع لو أنه عرف كيف يرضي السلطان وإدارة الجامعة. لكنه اختار شيئا آخر: أن تكون له كلمته، وأن يدفع ثمنها. وهنا تكمن القيمة الحقيقية لمذكراته. فهي لا تقدم حياة رجل نجح رغم العمى فحسب، بل تقدم حياة عقل نجح في أن يظل حرا وسط عالم كانت فيه الحرية مكلفة. وهذا هو الدرس الذي يجعل طه حسين معاصرا لنا، حتى بعد عقود طويلة من رحيله: أن المثقف لا يقاس بعدد المناصب التي بلغها، ولا بعدد الأبواب التي فتحت له، بل بعدد الأبواب التي استطاع أن يظل واقفا خارجها حين كان الدخول إليها يتطلب منه أن يتخلى عن نفسه.

طه حسين والمثقف العربي المعاصر

تكتسب مذكرات طه حسين دلالة تتجاوز زمنها. فالقارئ المعاصر لا يواجه فيها ماضيا ثقافيا منتهيا، بل يواجه سؤالا ما زال قائما: ماذا يفعل المثقف حين تتعارض الحقيقة التي يصل إليها بالعلم مع ما تريده السلطة، أو ما تفرضه المؤسسة، أو ما يفضله الجمهور؟ لقد كان طه حسين، منذ بداياته الأولى، مثقفا فاعلا لا يكتفي بتلقي المعرفة، بل يستخدمها في مساءلة المجتمع ومؤسساته وأفكاره السائدة. كان يكتب وهو طالب، ويناقش وهو في موقع المتعلم، وينقد شيوخه وأساتذته، لا رغبة في هدم مكانتهم، بل لأن العلم، في نظره، لا يكتمل إلا حين يظل مفتوحا على السؤال. وفي ذلك يكمن الفارق الكبير بين المثقف الذي يرى الثقافة مسؤولية، والمثقف الذي يراها امتيازا اجتماعيا.

ولعل مقارنة هذا الموقف المبكر بموقف قطاعات واسعة من المثقفين العرب اليوم تكشف تراجعا مؤلما في الدور العام للثقافة. فقد كان طه حسين يرى أن المثقف لا يستطيع أن يعزل نفسه عن قضايا المجتمع، وأن المعرفة التي لا تقود إلى مساءلة الظلم والتخلف والاستبداد تتحول إلى معرفة ناقصة. أما اليوم، فقد أصبح عدد غير قليل من المثقفين أكثر حذرا في علاقته بالسلطة والسياسة. بعضهم يفضل الصمت كي يحافظ على موقعه، وبعضهم يحول الثقافة إلى مساحة للظهور الاجتماعي، فيما يختار آخرون الاقتراب من السلطة بحثا عن منصب أو امتياز أو حماية. وهكذا تتحول المعرفة، التي يفترض أن تمنح صاحبها استقلالا، إلى وسيلة لإنتاج التبعية.

سؤال نقدي عن الحاضر

لم يكن طه حسين مثاليا بالمعنى الساذج للكلمة، ولم يكن يجهل أثمان المواجهة. لكنه كان يعرف أن المثقف يفقد مبرر وجوده حين يتحول إلى صدى للسلطة. ولهذا فإن المقارنة بينه وبين واقع المثقف العربي المعاصر لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد حنين إلى زمن مضى، بل إلى سؤال نقدي عن الحاضر: أين ذهب ذلك الإيمان بأن الجامعة ينبغي أن تكون فضاء للحوار، وأن العلم حق اجتماعي، وأن الثقافة لا تنفصل عن الحرية والعدالة والاستقلال؟ لقد كان طه حسين يرى أن المثقف الأكاديمي ليس موظفا في مؤسسة المعرفة، بل أحد المسؤولين عن مستقبل المجتمع. أما حين يتخلى المثقف عن هذه المسؤولية، فإنه لا يخسر تأثيره فحسب، بل يفقد أيضا المعنى الأخلاقي للثقافة. لهذا تظل شخصية طه حسين حاضرة لا بوصفها نموذجا تاريخيا مكتمل الصياغة، بل بوصفها تحديا مستمرا. فالرجل الذي بدأ حياته طالبا فقيرا وأعمى، ثم دخل عالم العلم من أكثر أبوابه صعوبة، لم يكن يطلب من الثقافة أن تمنحه مكانة، بل كان يريد أن يجعل منها قوة لتحرير الإنسان. وفي زمن يزداد فيه حضور السلطة، وتتسع فيه مساحات الخوف، وتصبح المساومة أكثر إغراء، تبدو شجاعته الفكرية أكثر راهنية. إن السؤال الذي تتركه مذكراته للمثقف العربي اليوم ليس: كيف نبلغ مكانة طه حسين؟ بل: هل نملك، في اللحظة التي نحتاج فيها إلى قول الحقيقة، الاستعداد نفسه لدفع ثمنها؟

***

مروان ياسين الدليمي

من أسرار الفلسفة إلى حتمية الهيمنة الرقمية

مفهوم التكنولوجيا من الجذور التاريخية إلى العمق الفلسفي

(كلما اقتربنا من التكنولوجيا، كلما وجدنا أنفسنا مأسورين لها وعُمياناً عن جوهرها).. مارتن هايدغر

 تعد الثنائية الرابطة بين الزمن والتكنولوجيا واحدة من أعظم الإشكاليات الفكرية والتاريخية التي أعادت تشكيل الوعي البشري. إن فهم هذا التشابك يتطلب تفكيك المفهوم من جذوره التاريخية، مروراً بمدلولاته في العلوم القديمة، وصولاً إلى عمقه الفلسفي والنقدي، وامتداداته السياسية المعاصرة في العصر الرقمي       .

السرد التاريخي لمفهوم التكنولوجيا وجذورها في العلوم القديمة تاريخياً كلمة التكنولوجيا ليست وليدة العصر الحديث بصيغتها اللغوية بل تعود جذورها إلى اللغة اليونانية القديمة حيث تتكون من مقطعين تيكني وتعني الفن أو المهارة أو الحرفة أو البراعة اليدوية في صنع الأشياء ولوجيا وتعني العلم أو الدراسة أو الخطاب المنظم في معناها الأصلي القديم كانت تعني حرفياً علم الفنون أو الحرف ولم تكن مرتبطة بالآلات المعقدة بالمعنى المعاصر بل شملت المهارات البشرية والأنشطة الإبداعية والصناعية اليدوية تتجلى المعجزة الهندسية والفلكية في منجزات العالم القديم التي تتجاوز مجرد الجهد البشري الخام وتنم عن هندسة فلكية ورياضية فائقة تظهر في الأهرامات المصرية وتوجيهها الفلكي بنسبة خطأ تكاد تكون معدومة والارتباط الرياضي بين أبعادها وثوابت الكون فضلاً عن آلية أنتيكيثيرا بوصفها حوسبة يونانية قديمة مزودة بتروس تفاضلية لحساب مواقع الكواكب والنجوم وتوقيت الخسوف والكسوف وخطوط نازكا في بيرو التي تدل رسومها الهندسية الضخمة على نظام قياس ورؤية مكانية متقدمة للغاية وفي مسار تفسير هذا التقدم ينقسم الباحثون إلى اتجاهين رئيسيين يفترض الأول وجود دورات حضارية ترتفع وتندثر بفعل كوارث كبرى طورت علوم ومجازات اندثرت ولم يبق منها سوى أجزاء غامضة بينما يرى الاتجاه الثاني أن هذه المنجزات لم تكن علماً تكنولوجياً متقدماً بالمفهوم الحديث بل كانت نتاج مراكمة هائلة للخبرة التجريبية والزمن الطويل والاعتماد على عقول بشرية استغلت الموارد المتاحة إلى أقصى طاقة ممكنة عبر آلاف السنين من الملاحظة اليومية الدقيقة وهذا النقاش يتقاطع بشكل مذهل مع جوهر بحثنا حول الذاكرة والتكنولوجيا حيث كانت الحضارات القديمة تعتمد على الذاكرة الحجرية والوراثة الرمزية لحفظ المعرفة لآلاف السنين مما يعيد طرح التساؤل حول ما إذا كان التقدم حصرياً لما أنتجته الثورة الصناعية والرقمنة أم أن إنسان الأمس كان يمتلك فهماً عميقاً للكون تفوقنا نحن فيه واستبدلناه بالسرعة المادية مع الثورة الصناعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تحول المفاد الدلالي للكلمة تدريجياً من مجرد المهارة اليدوية إلى التطبيق المنظم للعلوم المعرفية في الإنتاج والآلات ليصل المعنى في العصر الرقمي الحديث إلى الشبكات والأتمتة وأنظمة المعالجة الرقمية المتقدمة أما عن وجود مرادفات لها في العلوم القديمة فقد تجلت بوضوح عبر الحضارات في التراث اليوناني والفلسفة القديمة استُخدم مصطلح تيكني ذاته عند أرسطو وفلاسفة اليونان في مقابل الطبيعة فالطبيعة تخلق بذاتها بينما التكني هي ما يصنعه الإنسان بمهارة وعقله لتعديل الطبيعة أو تلبية احتياجاته وفي الحضارة العربية والإسلامية عُرفت الابتكارات والعلوم التطبيقية تحت مسمى علم الحيل النافعة أو علم الحيل الهندسية وبرز ذلك بوضوح في مؤلفات بني موسى والجزري حيث اعتبرت تلك الابتكارات تطبيقاً عملياً دقيقاً للرياضيات والفيزياء لتسهيل حياة الإنسان وفي الحضارات الشرقية القديمة بلاد ما بين النهرين ومصر عُبر عنها تطبيقياً بـ الصنائع أو الفنون المرتبطة بالري وهندسة السدود وعلم الفلك وصناعة المعادن والفخار باعتبارها مهارات عملية متوارثة

العمق الفلسفي لكلمة التكنولوجيا في الفكر الإنساني بالانتقال من السرد المادي والتاريخي إلى العمق الفلسفي تتكشف التكنولوجيا بوصفها مرآة لكيفية إدراك الإنسان لوجوده وصراعه مع الزمن والطبيعة التكنولوجيا بوصفها طريقة للكشف عند مارتن هايدغر يرى الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر أن التكنولوجيا الحديثة ليست مجرد أدوات محايدة يمكن استخدامها كيفما شئنا بل هي طريقة للكشف عن الحقيقة في العصور القديمة كان الكشف يتم باحترام وانسجام مع الطبيعة بينما تفرض التكنولوجيا الحديثة كشفاً هجومياً يحول الطبيعة بأكملها إلى مجرد مخزون احتياطي وطاقة قابلة للاستنزاف والاستخدام الفوري الاغتراب والتشييء والمدرسة النقدية ومدرسة فرانكفورت على خطى الفكر النقدي تحولت التكنولوجيا من وسيلة لتحرير الإنسان إلى أيديولوجيا قائمة بذاتها يقع الإنسان في فخ العقلانية الأدواتية حيث تصبح الكفاءة والسرعة المعيارين الأخلاقيين الوحيدين وتفقد الأسئلة الكبرى قيمتها لصالح السؤال التقني البحت كيف يعمل هذا وهذا يؤدي إلى اغتراب الإنسان وتحوله من سيد للآلة إلى ترسٍ صغير داخل منظومة تكنولوجية ضخمة تفرغ وجوده من عمقه التجريبي البطيء التكنولوجيا كامتداد للجسد والوعي والفلسفة المعاصرة تنظر الفلسفة المعاصرة إلى التكنولوجيا باعتبارها امتداداً أنثروبولوجياً يعوض النقص البيولوجي للبشر ولكن المفارقة اليوم تكمن في أن هذا الامتداد لم يعد مجرد أداة نتحكم بها بوعينا بل أصبح شريكاً فاعلاً يساهم في صياغة هذا الوعي وإدراكنا للزمن والمكان مما يضع الإنسان وجهاً لوجه أمام تحديات هويته وسرعته الرقمية المتسارعة

التكنولوجيا والسياسة السلطة والصراع والتحكم

إن الجهاز التقني هو نظام هيمنة وإنجاز يُحدد مسبقاً كل الاحتمالات السياسية والشخصية.  هربرت ماركوزه

لم تكن التكنولوجيا أبداً مجرد أداة محايدة أو حيادية في الفراغ بل كانت دائماً امتداداً للسلطة وأداة للسيطرة ومجالاً للصراع الجيوسياسي البيوسياسة والسيطرة الرقمية عندما ننتقل من الجذور الفلسفية إلى الواقع المعاصر نجد أن التكنولوجيا والأنظمة الرقمية تُمثل الأدوات الكبرى التي تستخدمها الدول والحكومات للسيطرة على الأفراد ومراقبتهم وقد تحدث الفيلسوف ميشيل فوكو عن البيوسياسة وهي الكيفية التي تتدخل بها السلطة السياسية في حياة الأفراد وأجسادهم عبر شبكات الإدارة والتقنية وفي العصر الرقمي تحولت خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الكبرى إلى سلطة ناعمة لا تقمع الأفراد بالعنف المباشر بل تدجنهم وتوجه سلوكياتهم وخياراتهم السياسية والاستهلاكية بما يخدم مصالح الأنظمة الحاكمة والشركات العملاقة سلطة البنى التحتية والصراع الجيوسياسي السياسة الدولية اليوم لم تعد تُدار فقط بالجيوش والتحالفات العسكرية التقليدية بل بالسيطرة على البنى التحتية التكنولوجية مثل شبكات الاتصالات العالمية وتصنيع الشرائح الإلكترونية الدقيقة والتحكم بالبيانات الضخمة يعكس الصراع المحتدم بين القوى الكبرى على تكنولوجيا الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي تماماً كيف أصبحت التقنية هي ميدان الحرب السياسية الأبرز لفرض النفوذ وإعادة ترسيم خريطة العالم الاغتراب التقنوقراطي وفقدان الإرادة كامتداد للاغتراب الذي طرحته مدرسة فرانكفورت فإن تحول الإنسان إلى ترس صغير في منظومة تقنية يخلق حالة من التبلد السياسي وفقدان الإرادة فبروز الكفاءة والسرعة كمعيارين وحيدين يجعل المواطن يفقد القدرة على التفكير النقدي أو المساءلة السياسية لتتحول الديمقراطيات تدريجياً إلى أنظمة تقنوقراطية تدار بالأرقام والخوارزميات لا بالإرادة الشعبية الحرة

***

ئاريان علي

 

حين نقش الحكماء اليونان على معبد دلفي العبارة الخالدة: "اعرف نفسك بنفسك"، ثم جعلها سقراط محور مشروعه الفلسفي، لم تكن تلك الكلمات دعوة إلى التأمل الذهني فحسب، وإنما كانت تأسيسا لأعظم قضية أخلاقية في حياة الإنسان؛ وهي أن إصلاح العالم يبدأ من إصلاح الذات، وأن أعظم صور الجهل ليست الجهل بالأشياء، بل الجهل بالنفس الإنسانية.

لقد أدرك سقراط أن الإنسان الذي لا يعرف نفسه يظل أسير أوهامه، فيختل ميزان أحكامه، ويضطرب تقديره للناس، ويخلط بين ما هو كائن خارج ذاته، وما يعتمل في أعماقه من أهواء ورغبات ونقائص. ولهذا كانت معرفة النفس عنده أصل الحكمة، وكانت الحكمة أساس الفضيلة.

ثم جاء أفلاطون ليؤكد أن النفس إذا استسلمت لشهواتها وأوهامها فقدت قدرتها على إدراك الحقيقة، بينما رأى أرسطو أن الفضيلة لا تتحقق إلا حين يربي الإنسان نفسه على الاعتدال، ويخضع انفعالاته لحكم العقل. وبعد قرون، عاد تراثنا الإسلامي ليؤكد المعنى ذاته، فكتب الحارث المحاسبي عن محاسبة النفس، وجعلها أساس التزكية، ثم أفاض ابن القيسراني المقدسي، والغزالي، واللجائي، وغيرهم، في بيان أن أخطر حجب الإنسان ليست حجب البصر، وإنما حجب البصيرة، وأن النفس قد تخدع صاحبها حتى يظن نفسه محسنا وهو أبعد ما يكون عن الإحسان.

ومن هذا الأفق الفلسفي والأخلاقي يمكن أن نفهم ما يسميه علم النفس الحديث الإسقاط النفسي، وهو إحدى الآليات الدفاعية التي قد يلجأ إليها بعض الناس، دون وعي، حين يعجزون عن مواجهة عيوبهم أو الاعتراف بها، فينسبونها إلى الآخرين، وكأن النفس تخفف عن نفسها عبء الاعتراف بإلقائه على من حولها.

فالإسقاط ليس مجرد خطأ في الحكم، بل هو صورة من صور الاغتراب عن الذات. إنه هروب من مرآة النفس إلى مرايا الناس، ومحاولة لتبرئة الضمير بإدانة الآخرين.

ومن يتأمل بعض الشخصيات يجدها لا تكاد ترى في الناس إلا ما يسكن أعماقها هي. فمن تضخمت ذاته لا يفتأ يتهم الآخرين بالغرور وتضخم الذات، ومن ألف الكذب ارتاب في صدق الجميع، ومن اعتاد التدليس والتزوير ظن أن الآخرين مدلسون ومزورون، ومن ثبت في حقه الانتحال والتدليس العلمي راح يروج - كذبا وبهتانا - أن غيره كذلك، ومن يمارس النفاق والمداهنة يرفع راية الصراحة والاستقامة، ومن جعل الوصولية منهجا في الحياة يصف كل ناجح بالانتهازية، ومن اعتاد الظلم لا يرى نفسه إلا ضحية لظلم الآخرين. وكأن النفس، لعجزها عن مواجهة حقيقتها، تعيد رسم صورتها على وجوه الناس، فتنسب إلى غيرها ما تعجز عن الاعتراف به في ذاتها.

وقد لاحظت دراسات نفسية عديدة أن بعض أصحاب السمات النرجسية قد يكونون أكثر ميلا إلى استخدام الإسقاط بوصفه وسيلة دفاعية لحماية الصورة المثالية التي رسموها لأنفسهم. فالنرجسية لا تحتمل بسهولة الاعتراف بالنقص أو الخطأ، لذلك قد يلجأ صاحبها - في بعض الحالات - إلى نسبة ما يرفض رؤيته في ذاته إلى غيره. فيتهم الآخرين بالكبر وهو أسير تضخم الذات، أو بالكذب وهو يمارس التزييف، أو بالحسد وهو يضيق بكل نجاح لا يكون له، أو بسوء النية كلما واجه نقدا صادقا. وهنا لا يكون الإسقاط سعيا إلى الحقيقة، بقدر ما يكون محاولة للحفاظ على صورة ذهنية متخيلة عن الذات. ومع ذلك، فإن هذه السمة لا تنطبق على كل من يحمل صفات نرجسية، كما أن الإسقاط ليس مقصورا عليهم وحدهم، وإنما هو آلية قد تظهر بدرجات متفاوتة لدى شخصيات مختلفة.

وهذه ليست قاعدة مطردة، فليس كل ناقد مسقطا، ولا كل من كشف خطأ وقع في هذه الآلية النفسية. فالنقد الموضوعي ضرورة عقلية وأخلاقية، بل هو شرط من شروط الإصلاح. غير أن الفارق كبير بين من ينشد الحقيقة، فيزن أحكامه بميزان العدل والإنصاف، وبين من ينشد تبرئة نفسه، فيجعل من الناس مستودعا لعيوبه، ويلقي عليهم كل ما يعجز عن الاعتراف به في داخله.

ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تحرم الإنسان من النمو الأخلاقي. فالذي يلقي بعيوبه على الآخرين لا يعود يرى ما يحتاج إلى إصلاح في نفسه، فيتوقف عن التعلم، ويستغني عن المراجعة، ويغلق باب التوبة الفكرية والأخلاقية. وهنا يتحول تضخم الذات إلى حجاب كثيف يحول بين الإنسان وبين الحقيقة.

إن العلاج الحقيقي لا يبدأ في عيادات الطب النفسي وحدها، وإنما يبدأ قبل ذلك في مدرسة الحكمة. يبدأ حين يملك الإنسان شجاعة أن يقف أمام نفسه بلا أقنعة، وأن يعترف بخطئه قبل أن يفتش عن أخطاء الناس، وأن يسأل نفسه قبل كل حكم يصدره: هل ما أراه في غيري حقيقة قائمة فيه، أم أنه ظل لشيء لم أواجهه بعد في داخلي؟

ولذلك لم تكن حكمة سقراط: "اعرف نفسك بنفسك" عبارة خالدة من فراغ، بل لأنها تختصر طريق الحكمة كلها. وتلتقي معها الحكمة الإسلامية في قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا." فمعرفة النفس ليست ترفا فكريا، وإنما هي بداية الإصلاح، وأصل الفضيلة، والحصن الذي يحمي الإنسان من أن يتحول إلى قاض يدين الناس جميعا، بينما يظل هو المحامي الوحيد عن نفسه.

لقد التقت الفلسفة اليونانية، والحكمة الإسلامية، وعلم النفس الحديث على حقيقة واحدة، وإن اختلفت مناهجها ولغاتها، وهي أن الإنسان لا يستطيع أن يبني علاقة سليمة مع العالم ما لم يبن أولا علاقة صادقة مع نفسه.

إن الحضارات لا تنهض بكثرة من يحاكمون الآخرين، وإنما بكثرة من يحاكمون أنفسهم. والإنسان لا يبلغ النضج حين يكتشف أخطاء الناس، وإنما حين يمتلك الشجاعة ليكتشف أخطاءه هو، ويبدأ رحلة إصلاحها. وهناك، وعند تلك اللحظة وحدها، يصبح شعار "اعرف نفسك بنفسك" منهجا للحياة، لا مجرد حكمة ترددها الألسنة، ويغدو إصلاح الذات هو الطريق الأقصر إلى إصلاح المجتمع، وأصدق سبيل إلى بناء إنسان أكثر تواضعا، وأكثر عدلا، وأكثر اقترابا من الحقيقة.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

ليس من طبيعة المجتمعات أن تتفق على كل رمز أو موقف، فالاختلاف حول الشخصيات والرموز والصور أمر مألوف في مختلف الأمم. غير أن المشكلة تبدأ حين تتحول القضايا الرمزية إلى مركز الاستقطاب العام، بينما تتراجع إلى الهامش الأسئلة التي تمس حياة الناس اليومية، كالفقر، والبطالة، والخدمات، والتعليم، والصحة، ومكافحة الفساد.

وتُروى عن فترة الاستعمار البريطاني للهند قصة مفادها أن إثارة المقدسات الدينية كانت، في أحيان كثيرة، كافية لتحويل أنظار الناس عن القضايا الوطنية الكبرى وإشغالهم بصراعات داخلية بين أبناء البلد الواحد. وبغض النظر عن مدى دقة هذه الرواية من الناحية التاريخية، فإن فكرتها العامة تؤكدها تجارب سياسية عديدة؛ إذ يكفي أحيانًا حدث رمزي واحد حتى ينقسم المجتمع إلى معسكرين متقابلين، بينما تتوارى الملفات التي تمس حياة المواطنين وتحدد مستقبلهم.

ولعل ما شهده العراق أمس يقدم مثالًا يستحق التأمل. فخلال ساعات قليلة تصدرت واقعة إنزال صورة واجهة النقاش السياسي والإعلامي، وانقسم الرأي العام بين مؤيد ومعارض، وتعالت المطالبات بالإدانة والعقوبات، حتى بدا وكأن هذه الحادثة أصبحت القضية الأولى في البلاد، بينما غابت عن الواجهة الملفات التي تثقل كاهل العراقيين منذ سنوات. وهنا لا يتعلق الأمر بإدانة الفعل أو الدفاع عنه، فلكل موقف منطلقاته، وإنما يتعلق بالسؤال الأعمق: لماذا تمتلك الأحداث الرمزية هذه القدرة الاستثنائية على احتلال المجال العام؟ ولماذا تصبح أكثر قدرة على استنفار القوى السياسية والإعلامية من قضايا الفساد، وتعثر الخدمات، والبطالة، وتراجع التعليم، وسائر الملفات التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة؟

إن التأمل في طبيعة الخطاب السياسي يكشف أن بعض الفاعلين يجدون في مثل هذه الوقائع فرصة مثالية لإعادة تقديم أنفسهم بوصفهم حماةً للمقدسات أو المدافعين عن الهوية، بينما لا يظهر القدر نفسه من الحماس حين يتعلق الأمر بإصلاح مؤسسات الدولة، أو مكافحة الفساد، أو تحسين الخدمات، أو حماية المال العام. وهكذا تتحول الرموز، في كثير من الأحيان، إلى مساحة مريحة للمزايدة السياسية، لأنها تستثير العاطفة أكثر مما تستدعي المحاسبة.

وفي علم الاتصال السياسي تُعرف هذه الظاهرة بما يُسمى "سياسة الإلهاء"، وهي فكرة ارتبطت في الوعي العام باسم نعوم تشومسكي، وإن كانت تمثل ممارسة سياسية وإعلامية أوسع من أن تُنسب إلى شخص بعينه. وتقوم هذه السياسة على نقل اهتمام الرأي العام من القضايا الجوهرية التي تتطلب حلولًا معقدة إلى أحداث أكثر قدرة على إثارة الانفعال والاستقطاب. فبدل أن ينشغل الناس بأسئلة الكهرباء، والتعليم، والصحة، والبطالة، والاقتصاد، يصبح النقاش منصبًا على صورة، أو تصريح، أو شعار، أو حادثة رمزية تستأثر بالمشهد كله. وفي مثل هذه الحالات لا يكون السؤال الأهم: من بدأ الأزمة؟ بل: من المستفيد من استمرارها؟ لأن بقاء الجدل محتدمًا حول قضية رمزية يعني، في المقابل، تراجع الملفات الثقيلة تلقائيًا إلى الصفوف الخلفية، حيث يقل الضغط الشعبي وتتراجع المطالبة بالإصلاح الحقيقي.

ولا تبدو هذه الظاهرة غريبة عن المشهد العراقي. فما إن يقع حدث يمس رمزًا دينيًا أو سياسيًا حتى تستنفر المنابر، وتشتعل وسائل التواصل، ويتسابق بعض السياسيين إلى تسجيل المواقف ورفع سقف الخطاب، وكأن اللحظة أصبحت فرصة لإثبات الولاء أو استعادة الحضور الإعلامي. وفي خضم هذا الضجيج يغيب السؤال الذي يفترض أن يبقى حاضرًا دائمًا: ماذا تحقق في مكافحة الفساد؟ ماذا أُنجز في قطاع الكهرباء؟ ماذا عن البطالة، والتعليم، والصحة، وفرص العيش الكريم؟

إن المجتمعات التي تُستنزف باستمرار في معارك الرموز قد تجد نفسها تؤجل، مرة بعد أخرى، معارك بناء الدولة، وترسيخ سيادة القانون، وتحقيق العدالة، وتحسين حياة الناس. والخطورة لا تكمن في وجود الاختلاف حول الرموز، فذلك أمر طبيعي، وإنما في أن تتحول هذه الرموز إلى البديل الدائم عن النقاش في القضايا التي تمثل جوهر العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن.

فحين يصبح الجدل حول صورة أعلى صوتًا من الجدل حول مستشفى، أو مدرسة، أو مشروع تنموي، أو محطة كهرباء، فإن المشكلة لا تعود في الصورة نفسها، بل في ترتيب الأولويات داخل المجال العام. عندها تنتصر الضوضاء على القضايا الحقيقية، ويحل الانفعال محل التفكير، ويتراجع الإصلاح أمام الاستقطاب؛ ولذلك، فإن وعي المجتمعات لا يُقاس بقدرتها على صناعة الجدل، بل بقدرتها على التمييز بين ما يستحق أن يكون في صدارة الاهتمام وما يُراد له أن يحتل تلك الصدارة. فالقضايا الرمزية قد تستحق النقاش، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى ستار يحجب عن الناس الأسئلة التي يتوقف عليها مستقبلهم. وعندما ينجح حدث عابر في إزاحة قضايا الدولة والمجتمع من واجهة النقاش، فإن الخاسر الحقيقي لا يكون طرفًا من أطراف الجدل، بل تكون الأولويات الوطنية نفسها.

***

د. وسام حسين العبيدي

حين تعلق على أبواب الأسواق دورات لتعليم التجارة، أو البرمجة، أو اللغات، يبدو الأمر طبيعيا. أما حين يصبح الزواج، وهو أكثر العلاقات الإنسانية حساسية وتعقيدا، مادة تباع في دورة مدفوعة، فإن السؤال لم يعد عن الزواج، بل عن الكيفية التي ننظر بها إلى المرأة، وإلى الأسرة، وإلى الإنسان ذاته.

إن المجتمعات التي تعاني من نسب مرتفعة من الطلاق، والعنف الأسري، والبطالة، وصعوبة زواج الشباب، لا تحتاج إلى مدربين على التعدد، بل إلى معلمين للحب، وخبراء في الحوار، وفلاسفة يعلمون الناس كيف يعيشون معا، لا كيف يضيفون إنسانا جديدا إلى قائمة العلاقات المأزومة.

ومن المؤسف أن يتحول الخطاب الديني أحيانا إلى خطاب يغذي الوهم الذكوري، فيصور للرجل أن خلاصه في زوجة ثانية، بينما يتجاهل أن مشكلته قد تكون في شخصيته، أو في فشله في إدارة علاقة واحدة. فالهروب من أزمة لا يكون بإضافة أزمة أخرى.

إن المرأة ليست جائزة يحصل عليها المنتصر، ولا احتياطا عاطفيا، ولا رقما يضاف إلى سجل الإنجازات. إنها إنسان كامل، له أحلامه، وكرامته، وحقه في علاقة تقوم على المودة والاحترام، لا على شعور دائم بأنه قابل للاستبدال.

لقد تحول الجسد عند بعضهم إلى وظيفة، والزواج إلى مهارة تباع وتشترى، والرغبة إلى سلعة مغلفة بعبارات دينية براقة.

كيف وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها المجتمع الذي تتآكل فيه المدارس، وتنهار فيه الجامعات، وتتراجع فيه القراءة، وتفرغ فيه المكتبات، مشغولا بتعليم الرجال كيف يتزوجون امرأة ثانية؟

أي حضارة هذه التي تؤجل الحديث عن العلم لتتحدث عن السرير؟

أي عقل هذا الذي يرى خلاص الأمة في زيادة عدد الزوجات، بينما يعجز عن إنتاج فكرة واحدة تغير وجه التاريخ؟

لقد بات ينظر إلى الزوجة لا بوصفها ذاتا مستقلة، ووعيا، وعقلا، وشريكة وجود، بل بوصفها إمكانية قابلة للإضافة متى شاء الرجل، وكأنها قطعة أثاث يمكن تغييرها إذا تغير المزاج.

فالإنسان، كما قال كانط، لا يجوز أن يعامل أبدا كوسيلة، بل كغاية في ذاته. أما حين تتحول المرأة إلى "خيار إضافي"، فإننا لا نهين امرأة واحدة، بل نهين فكرة الإنسان نفسها.

أي أخلاق تلك التي تجعل الرجل يبحث عن دورة ليتزوج الثانية، بينما لم يبحث يوما عن دورة ليتعلم الاعتذار، أو الإصغاء، أو تحمل المسؤولية، أو احترام مشاعر زوجته؟

وما يثير السخرية أن أصحاب هذا الخطاب يتحدثون كثيرا عن نهضة الأمة، بينما لا يقدمون لها سوى خطاب يدور كله حول المرأة: حجابها، وصوتها، وخروجها، وزواجها، وطلاقها، وتعدد زوجها.

وكأن تاريخ البشرية اختزل في جسد امرأة.

أين العقل؟

أين البحث العلمي؟

أين الصناعة؟

أين الفلسفة؟

أين الأسئلة الكبرى التي صنعت الحضارات؟

لقد خرجت أوروبا من عصور الظلام حين نقلت اهتمامها من مراقبة الأجساد إلى تحرير العقول. أما نحن فما زلنا نعيد إنتاج الخطاب نفسه، لكن بوسائل أكثر حداثة: دورة إلكترونية، وإعلان ممول، ومنصة رقمية، بينما المضمون لم يتغير. إنه الاتجار بالدين، وتسويق الشهوة في ثوب الفضيلة.

لقد أصبحنا شعوبا يكاد يبتلعها الهوس بالجنس، والعورة، والمتعة، والمسيار، وتعدد الزوجات، بينما تتراجع قضايا الإنسان، والعلم، والحرية، والإبداع. ولم يعد السؤال: كيف نبني حضارة؟ بل: كيف نبرر المزيد من الامتيازات الذكورية؟

إن تعدد الزوجات، حين يتحول من استثناء تاريخي إلى مشروع ثقافي، يجسد علاقة التملك بكل هيمنتها على المرأة، وينفي في جوهره مبدأ المساواة بين الجنسين، ويدعم تفريغ المرأة من حقوقها، وتحويلها من شريك كامل في الحياة إلى موضوع يخضع لإرادة الرجل.

والأغرب أن المجتمع لا يكتفي بصناعة الأحكام، بل يصنع اللغة التي تحرسها. فالمرأة التي يطلب منها أن تتقاسم زوجها مع أخرى تمنح لقب "الصالحة" لأنها قبلت بالتضحية، بينما الرجل الذي تخالف زوجته تصوره للشكل أو المظهر قد يوصم بصفات تنتقص من رجولته.

هنا لا تصبح الألفاظ مجرد أوصاف، بل أدوات لإدارة السلطة. توزع الفضائل والرذائل وفق ميزان لا تحكمه العدالة، بل المصلحة الذكورية. فاللغة، حين تفقد حيادها، تتحول إلى مؤسسة خفية تعيد إنتاج الهيمنة، وتمنح الامتيازات لفئة، ثم تقنع الجميع بأن ذلك هو النظام الطبيعي للأشياء. وهكذا لا يقاس الإنسان بما يملكه من أخلاق، بل بمدى توافقه مع منظومة اجتماعية صاغت معاييرها بما يخدم طرفا واحدا، ثم ألبستها ثوب الفضيلة، وقداسة العرف.

نحن نغرق في جدل تعدد الزوجات، والعالم يتقدم ببحوث الخلايا الجذعية، ويطور علاجات السرطان، ويصنع أعضاء بشرية في المختبرات، ويقترب من فك شفرات الشيخوخة، بينما لا يزال وعينا أسير السؤال ذاته منذ قرون: كم امرأة يحق للرجل أن يتزوج؟

العالم يناقش مستقبل الإنسان، ونحن ما زلنا نتجادل حول امتيازات الذكر.

هم يستثمرون في العقل، ونحن نستثمر في الغريزة.

هم يبنون مختبرات، ونحن نبني منابر لإعادة إنتاج الأسئلة نفسها، حتى أصبح الماضي عندنا مستقبلا، وأصبح التقدم يقاس بمدى قدرتنا على استدعاء معارك انتهى زمنها.

ليست المأساة في وجود التعدد بوصفه حكما فقهيا، وإنما في تحويله إلى مشروع ثقافي وإعلامي، بينما تهمش القضايا التي تصنع الأمم: التعليم، والبحث العلمي، والحرية، والعدالة، والابتكار.

إن الحضارات لا تسقط لأنها اختلفت في تأويل نص، بل لأنها توقفت عن إنتاج المعرفة. وما من أمة دخلت التاريخ من باب غرفة النوم، بل دخلته من باب المختبر، والجامعة، والمكتبة، والعقل الحر.

والسؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا يا ساده ليس: هل نتعلم التعدد؟ بل: متى نتعلم كيف ننتج عالما، ونكتب نظرية، ونكتشف دواء، ونصنع مستقبلا؟

***

ابتهال عبد الوهاب

 

كانت مهمة كتاب الأموات Book of Dead هي إرشاد المتوفي في العالم السفلي المرعب في مصر القديمة. الكتاب كان نصا جنائزيا ضروريا لأي شخص يريد ان تعيش روحه في الخلود. لم يكن كتاب الأموات كتابا منفردا وانما مجموعة مرتّبة من التعاويذ لإرشاد الأرواح. بالنسبة للمصريين القدماء، لم يكن الموت فقط شرطا مسبقا للروح لتجد طريقها للحياة الأخرى. كانت هناك ابتلاءات ومحن تتطلب التغلب عليها. قياس وزن القلب كان عملية محفوفة بالمخاطر لأن الفشل فيها يؤدي الى فناء الروح.

لكي يتم إرشاد الميت، فان المعرفة كانت هامة، وهذه المعرفة كُتبت في لفائف تُعرف مجتمعة بكتاب الأموات.

ما هو كتاب الأموات؟

الكتاب عبارة عن مجموعة من النصوص الطقسية تحتوي على تعاويذ وصيغ لرحلة الفرد اثناء المحن التي تلي الموت في الطريق نحو الاخرة. انها تطورت من نصوص التوابيت التي تعود الى حوالي 2000 سنة قبل الميلاد، ونصوص الأهرام المبكرة قبل 2400 سنة ق.م، التي كُتبت في العادة على الجوانب الداخلية للتوابيت الحجرية وعلى جدران المقابر. كمجموعة، هي ليس لها مؤلف منفرد وانما كُتبت بواسطة قساوسة بارزين على مدى الف عام. في الأصل تُعرف بـ"تعاويذ الخروج الى ضوء الحياة الأبدية "، وقد أعطيت لقبا اكثر اثارة للرهبة "كتاب الأموات" عام 1842 من جانب عالم المصريات الألماني كارل ريتشارد ليبسس. هذا هو العنوان الأكثر جاذبية و الذي استمر وترك اهتماما كبيرا لدى العامة والاركولوجيين. لم تكن هناك نسخة موحّدة او معتمدة من النصوص، النسخ جرى تخصيصها تبعا للافراد. انها كُتبت بالهيروغلوفية واحتوت على لقطات موجزة توضح مختلف الفصول في الرحلة الى عالم الآخرة.

حياة اخرى للجميع

ان تطور كتاب الأموات يبدأ بنصوص الاهرام، التي رافقت الملوك في قبورهم. نُظر الى الحياة الاخرة  كامتياز لأصحاب الحسب والنسب الرفيع بدلا من ان تكون فرصة متساوية لكل المصريين. في نهاية المملكة القديمة، جرى دمج النصوص في أماكن مثوى كبار المسؤولين من غير افراد العائلة المالكة. أماكن القبور هذه كانت في العادة توابيت خشبية مستطيلة وليست توابيت حجرية ملكية متقنة الصنع .في بداية المملكة الجديدة، بدأ كتاب الأموات في الظهور، وكُتب اما على ورق البردي او على الأكفان الكتانية التي كانت يُلف بها المتوفي. هذه الممارسات استمرت حتى العصر البطلمي (نسبة الى بطليموس) بعد اكثر من الف سنة . وبالرغم من عدم وجود قانون يمنع عامة الناس من امتلاك كتاب الموتى، لكنه كان باهض الثمن، حيث كان العامة من الناس يواجهون صعوبات مالية. هذه النصوص المقدسة قد تصل كلفتها الى ما يعادل نصف الأجر السنوي للعامل العادي. وبمرور الزمن توفرت نسخ من النصوص أقصر وأرخص ثمنا. هذا جعل الكتاب يسهل اقتنائه من جانب العامة رغم ان البعض لايزال يراه باهض الثمن.

مع ذلك، كان الطلب عال على النصوص، وطالما أغلبية المصريين كانوا اميين، فان الكتبة وقدرتهم على خلق كتاب الأموات كان مسألة ذات قيمة عالية جدا. وبما ان كل كتاب يتطلب تخصيصه لفرد معين، لذا فان الكتبة صنعوا لفائفا بأسماء تُركت فارغة لتُملأ لاحقا.

الدليل من العصر الانتقالي الثالث (1069-664 ق.م) يبيّن ان حوالي ثلث النصوص المملوكة تعود الى نساء، وهو ما يشير الى ان المصريين كانوا اكثر عدالة نحو المرأة في ذلك العصر.

اخطار العالم السفلي

بالنسبة للمصريين، الموت يعني الدخول الى العالم السفلي Duat، وهو عالم سفلي مظلم يعج بالاخطار والآلهة والاموات. اجتياز العالم المحفوف بالمخاطر والحصول على الخلود يعني مواجهة سلسلة من المحن في رحلة تمر بالعديد من الغرف والبوابات او "صروح" تحرسها وحوش مثل ثعابين سامة او كائنات تنفث النيران. كل قسم يثير تحديا جديدا، والفشل في هذه المحن يعني النسيان، حيث الروح لم تعد موجودة.

ونظرا للتنوع الواسع للنصوص غير الموحدة والفترة الزمنية الهائلة التي تشكلت بها، فان الكتب تختلف في العديد من التفاصيل، لكن الاتجاه العام هو ان كل قبر (أعدادها تختلف طبقا للنص) كان تحت حراسة إله ثانوي يجب النطق باسمه السرّي من جانب الميت. الروح لكي تجتاز، يجب ان تعرف اسم البوابة والإله المرتبط بها، بالإضافة الى الحراس الذين يدافعون عنها.

التفاصيل في كتاب الأموات كانت عبارة عن  تعاويذ تساعد الميت في التغلب على هذه العقبات. من بين هذه التعاويذ كانت تعاويذ لطرد الحشرات، وأخرى للحماية من الحيوانات السامة، وأخرى لصد التماسيح. كانت هناك تعاويذ تسمح للميت ان يأخذ شكل أشياء معينة مثل طيور البلشون وزهرة اللوتس، او حتى كائنات الهية. باختصار، كان هناك اكثر من 200 تعويذة، لكن لا توجد نسخة واحدة من كتاب الأموات تحتوي عليها جميعا.

العقبة الاخيرة

ربما الجزء الأكثر شهرة في المحن هو قياس وزن القلب. لهذا، كانت هناك تعويذة منعت القلب من الشهادة ضد صاحبه يوم الحساب. وزن القلب يُعرف أيضا بـ حكم اوسيرس osiris، يزن قلب الميت ضد ماعت Ma’at – الحقيقة، العدالة، الانسجام، والأخلاق، متمثلة بريشة ماعت.

في العديد من كتب الأموات، هذا المشهد تم تصميمه على شكل لوحة مصغرة وجرى تخصيصه لكل فرد. وبهذا، كانت هناك اختلافات في الكيفية التي يُصور بها المشهد، لكن الموضوعات والتفاصيل الهامة تبقى متسقة. هنا، انوبيس يقود الميت الذي يظهر امام اوسيرس، إله الحياة الأخرى، في قاعة الحكم. في حضور الالهة التي تعمل كمحلفين، يتلو الميت الاعتراف السلبي، قائمة من الآثام التي يجب ان يدّعي بعدم ارتكابها.

الالهان حورس و انوبس يحضران الى ميزان الالهة، يزنان القلب، بينما يدوّن الاله الكاتب (تحوث) النتيجة. اذا كان القلب اثقل من ريشة ماعت، سيقوم الوحش Ammut وهو حيوان مخيف برأس تمساح بالتهام الروح. واذا بقي الميزان متوازنا، عندئذ تنضم الروح الى صحبة اوزيريس في الخلود. العديد من الاوصاف لوزن القلب تحتوي ايضا على قرد بابون يجلس على الميزان او بجواره. هذا شكل آخر لتحوث  يمثل مظهرا منفصلا مرتبطا بقياس دقيق.

وزن القلب

بين جميع نسخ كتاب الأموات، تبقى بردية اني papyrus of Ani هي الأفضل والأجمل، مكتملة بصور محفوظة جيدا. بطول 78 قدما، انها أيضا من بين الأطول، لكن لا تزال اقصر بكثير من بردية غرينفيلد التي يبلغ طولها 121 قدما.

في عام 1888، تم استعادة بردية اني للمتحف البريطاني بواسطة عالم المصريات E.A.Wallis Budge الذي اكتسب التعويذة من خلال الخداع والمكيدة، متاجرا بتعاملات غير قانونية، متهربا من الاعتقال، عبر الممرات والانفاق في المباني. التعويذة صُنعت لـ اني الذي عاش اثناء سلالة الاسرة التاسعة عشرة حوالي 1250 ق.م. تفاصيل في النص الجنائزي تبيّن انه تزوج من امرأة تسمى توتو، التي كانت "منشدة لامون"، وهو لقب مرموق يُمنح للنساء اللواتي يقمن بواجبات طقسية في خدمة الاله امون.

زوجها اني، وُصف كمسؤول تقي ضمن العائلة الحاكمة. لقبه الكامل كان "كاتب ملكي، محاسب القرابين المقدسة لجميع الالهة ومشرف على مخازن الغلال الخاصة بأسياد ثيبيس".

ان كتاب الأموات الذي اُعد لاني يُحتمل جاء نتيجة الجهود المشتركة بين كاتب واحد وفنان واحد على الأقل. لاحظ بيج ان كتاب الاموات كُتب بواسطة ثلاثة كتاب او اكثر. انه كان ممارسة رائعة خاصة عندما يكون المتلقي شخصا منفردا.

ان كتاب الأموات يبقى المصدر الرئيسي لفحص المعتقدات المصرية القديمة حول الحياة الأخرى. انه يمثل موضوعات شائعة بين الأفكار الدينية والروحية اللاحقة وربما كان أصل هذه الموضوعات في بعض الحالات. انه يمثل فكرة ان ما نقوم به في الحياة يهم في الموت، ويرسخ فكرة الخير على الشر. الكثير من الأفكار المادية تتضمن بحيرة من نار كواحدة من اخطار العالم السفلي، وهي فكرة تنسجم مع الاوصاف المسيحية للجحيم. مع السلالة 21 (1077-943 ق.م)، وُصفت هذه البحيرة وهي تحتوي على ناس، أعداء الاله والفراعنة. وما هو اكثر أهمية، ان كتاب الأموات يتناول سمة إنسانية مشتركة: تلك الرغبة العارمة في الوجود فقط. في عالم يكتنفه المجهول، يحاول الكتاب فهم الحياة والموت بطريقة ذات مغزى، تلامس واقعنا اليوم تماما كما كانت قبل 4000 سنة في مصر القديمة.

***

حاتم حميد محسن

 

مقاربة تاريخية - دلالية

يفرض تصاعد التوترات بين الدول العربية من جهة، وإيران والقوميات المتعددة داخل حدودها والمناطق المجاورة لها من جهة أخرى، إعادة النظر في منظومة المصطلحات التي ما تزال تُستدعى، بوعي أو من دونه، في الخطاب المتبادل من قدحٍ وازدراء. ويحتل مصطلح "العجم" موقعاً مركزياً في هذا الخطاب، إذ يكاد يكون عتبة لا يستغني عنها كثير من الكتّاب العرب عند الحديث عن الآخر غير العربي.

وقد أدّى تكرار استعمال هذا المصطلح عبر قرون طويلة إلى تحوّله إلى لفظ متداول لا يُستحضر أصله ولا الغاية التاريخية من نشأته. تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك هذا المصطلح دلالياً وتاريخياً، من خلال العودة إلى العصر الجاهلي ولحظة ظهور الإسلام، وتتبع طبيعة العلاقة بين القبائل اليهودية والقبائل العربية في شبه الجزيرة العربية، بوصف هذه العلاقة الحاضنة الأولى التي تشكّل فيها الثنائي المفهومي "أمّة/عجم".

وتنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن مصطلح "العجم" ليس نتاجاً عربياً أصيلاً بمعزل عن سياقه، بل هو استعادة بنيوية لمفهوم توراتي سابق هو "الغوييم" (Goyim)، أُعيد إنتاجه ضمن شروط تاريخية جديدة بعد تشكّل الهوية الإسلامية-العربية.

أولاً: الحضور اليهودي في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام

استوطنت جماعات يهودية شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام بقرون، في يثرب وخيبر واليمامة ونجران واليمن وتيماء، وقد ورد ذكر تيماء في سفر إشعياء من العهد القديم. ومن هذه الجماعات بنو قينقاع، الذين تُرجّح الروايات أنهم هُجّروا من أورشليم إثر إخفاق الثورات اليهودية ضد الإمبراطورية الرومانية، إضافة إلى بني النضير وبني قريظة وسواهم.

اشتغل اليهود بالزراعة وصناعة السيوف وصياغة الذهب والتجارة، وتمكّنوا بفعل خبرتهم التراكمية من الهيمنة على قطاعات واسعة من الحرف والتعامل النقدي في المنطقة. أما على الصعيد الاجتماعي والعقدي، فقد شكّلوا جماعة منغلقة على ذاتها، متمسكة بشعائرها الدينية إلى حدّ اندماج الدين بالحياة اليومية اندماجاً كلياً، وهو ما تجسّد في قيود صارمة كتحريم الزواج من غير اليهود، وأحكام رادعة كرجم الزاني، بما يرسم حدوداً واضحة لعلاقتهم بالآخر.

في المقابل، كانت القبائل العربية تعيش حالة من عدم الاستقرار، غلبت عليها البداوة وسادتها العصبية القبلية والعقيدة الوثنية، وهي حالة وصفها القرآن ذاته بـ"الجهل" في أكثر من موضع. وبين الطرفين قامت مفارقة جوهرية: امتلك اليهود ديانة توحيدية موروثة، وكتاباً سماوياً (التوراة)، وشريعة مدوّنة (التلمود)، وسِفراً من تاريخ الأنبياء وحكمهم، فضلاً عن وعد إلهي بالاصطفاء. وقد أسهمت هذه المفارقة في تشكيل نظرة استعلائية لدى اليهود تجاه العرب وسائر الأمم، عبّرت عن نفسها في مصطلح توراتي جامع.

ثانياً: مصطلح "الغوييم" وجذور الاستعلاء الديني

استمدّ اليهود نظرتهم الاستعلائية من نصوصهم المقدسة، إذ أطلقت التوراة لفظ "جوييم" (Goyim) بصيغة الجمع، و"جوي" (Goy) بصيغة المفرد، على كل الأقوام والأمم غير اليهودية، وتُترجم الكلمة عربياً بـ"الأقوام" أو "الشعوب" أو "الأمم". ويحمل هذا التوصيف في سياقه التوراتي دلالة تراتبية تضع اليهود في مرتبة الشعب المختار، وسائر الأمم في مرتبة تابعة أو خادمة.

«ويقف الأجانب ويرعون غنمكم، ويكون بنو الغريب حرّاثيكم وكرّاميكم، أما أنتم فتُدعون كهنة الرب» — سفر إشعياء 61: 5-6

«والآن قد اجتمعت عليكِ أممٌ كثيرة... قومي ودوسي يا بنت صهيون، لأني أجعل قرنكِ حديداً» — سفر ميخا 4: 12-13

وتفيد قراءة هذه النصوص أن مصطلح "الأمّة" أو "الأمم"، بوصفه ثقافة موروثة داخل التقليد الديني اليهودي، وُظّف لأغراض متعددة، أبرزها حماية النخبة اليهودية المشتّتة جغرافياً من الذوبان في الشعوب المضيفة، وتجنّب التزاوج والاختلاط معها، تحت غطاء عقدي يقوم على التمايز والاصطفاء.

ثالثاً: "الأمّيّون" في القرآن الكريم: قراءة لغوية-تاريخية

تعكس آيات قرآنية عدّة هذا الواقع الاجتماعي-الديني القائم على التمييز بين "أهل الكتاب" و"الأمّيّين"، الذين يُراد بهم العرب.

﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ [الجمعة: 2]

﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: 75]

﴿وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ [آل عمران: 20]

من الناحية الصرفية، وردت لفظة "الأمّيّين" بصيغة جمع المذكر السالم، مجرورة بالياء في الآيتين الأولى والثانية، ومنصوبة بالياء في الآية الثالثة، وفق القاعدة الصرفية لجمع المذكر السالم. وقد ذهب معظم المفسرين الأوائل إلى أن "الأمّيّين" في الآيتين الأولى والثانية يعنون بها العرب غير القارئين، في حين فسّروا ورودها في الآية الثالثة بمعنى مشركي العرب من دون تخصيص دلالة الأمّية بالقراءة.

﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]

ويمكن قراءة هذه الآية بوصفها خطاباً مزدوجاً: إقرار ضمني، موجّه إلى اليهود، بأممية العرب ومساواتهم بهم من حيث الانتماء إلى فئة "الأمم"، مقروناً بردّ يفيد أفضلية العرب عليهم؛ وخطاب موازٍ موجّه إلى العرب أنفسهم، مؤمنيهم ومشركيهم، يقرّر تفضيلهم على سائر الأمم وتكليفهم بقيادتها.

﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: 157-158]

وتستدعي هذه القراءة إشكالية النسب الصرفي في صيغة المفرد. فوفق قواعد النسب في اللغة العربية، عند التنسيب إلى اسم مختوم بتاء التأنيث تُحذف التاء ويُستعاض عنها بياء مشددة مكسورة، فتصبح "أمّة" منسوبة إليها "أمّيّ"، والتنسيب أصلاً إجراء صرفي يخصّ المفرد دون الجمع؛ فلا يصحّ، على سبيل المثال، أن يُقال "صُحُفي" نسبة إلى الجمع "صُحُف"، بل "صَحَفي" نسبة إلى المفرد "صحيفة".

وعلى الرغم من هذا الأساس الصرفي، فسّر جمهور المفسرين الأوائل "الأمّي" بمعنى الجهل بالقراءة والكتابة، استناداً إلى نسبة المرء إلى أمّه التي ولدته على الفطرة الأولى. وهو تفسير يثير إشكالاً منطقياً: كيف يُنسب الجهل والغفلة إلى نبيّ وُصف في السياق ذاته بأنه المعلّم والمزكّي والهادي إلى الكتاب والحكمة؟ ويترجّح، في ضوء هذا التعارض، أن دلالة "الجهل" لصقت بلفظة "الأمّي" في مرحلة لاحقة لعصر النبوّة، وأن بعض العلماء المسلمين اجتهد في نسبتها إلى "أمّ القرى"، إلى جانب اجتهادات أخرى متباينة حول مفهومَي "الأمّة" و"الأمّية".

رابعاً: يثرب ولحظة التحوّل التأسيسية

كانت القبائل اليهودية الثلاث الكبرى، بنو قريظة وبنو قينقاع وبنو النضير، أول من استوطن يثرب، قبل أن تستوطنها قبيلتا الأوس والخزرج، القحطانيتا الأصل، اللتان هاجرتا إلى المدينة بعد انهيار سدّ مأرب، ودخلتا في تحالفات منفردة مع القبائل اليهودية، وسط صراع داخلي متطاول بينهما، إلى أن أرسى النبي المؤاخاة بينهما عبر وثيقة المدينة، التي أقرّت أيضاً لليهود بحرية الدين وممارسة شعائرهم.

ويمكن قراءة هذا الإقرار في سياق استراتيجي مزدوج: تهيئة مناخ من الاستقرار يتيح ترسيخ أسس الدولة الوليدة وبسط النفوذ على القبائل المجاورة من جهة، وبناء مركز رمزي جامع يتمثّل في المسجد من جهة أخرى، تمهيداً لتحويل اسم "يثرب" إلى "المدينة".

ويلحظ الدارس تشابهاً بنيوياً بين عدد من القصص القرآني المدني (خلق آدم وحواء، الطوفان، خلق الكون) ونظائرها في التوراة، ويمكن تفسير هذا التشابه بعاملين: غياب تراث ديني مدوّن لدى العرب قبل الإسلام سوى الوثنية، والرغبة الضمنية في توظيف السردية التوراتية ذاتها كأداة إقناع لليهود بالدخول في الدين الجديد.

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 62]

بيد أن تمسّك اليهود بعقيدتهم القاضية بحصر النبوّة في سلالة بني إسرائيل حال دون قبولهم نبوّة عربية جاءت من خارج هذه السلالة، وهو ما يفسّر جزئياً انتساب النبي محمد إلى إسماعيل بن إبراهيم، في مقابل انتساب اليهود إلى إسحاق بن إبراهيم. ولم يقتصر موقف اليهود على عدم الاعتراف، بل تحوّلوا، بحكم حجاجهم الديني أمام حشود العرب المترددين بين القبول والشك، إلى ما يشبه العقبة البنيوية أمام مشروع النبوّة الجديد.

لم يكن الإسلام، في هذا الإطار، مجرّد نسق عقدي، بل مشروعاً سياسياً-اجتماعياً يرمي إلى توحيد القبائل العربية المتفرقة ضمن كيان جغرافي-سياسي منظّم، وبناء شخصية عربية جامعة ذات هوية ومنهج مستقلين. وقد اقتضى هذا المشروع، بعد إخفاق التجربة في مكة والطائف، إزاحة كل عائق بنيوي أمامه، فاتخذ الصراع مع اليهود بعداً عقدياً وسياسياً في آن، وصُوّروا في الخطاب القرآني بوصفهم شعباً نقض عهده مع الله، بعد أن كانوا، وفق الآية "يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضّلتكم على العالمين"، محلّ اصطفاء إلهي، لتُستبدل هذه المكانة بجملة اتهامات: نقض العهود، تحريف الكتاب، قتل الأنبياء، وقساوة القلب، وهي اتهامات أسهمت في بناء هوية جماعية عربية-إسلامية متماسكة، توّجت، من الناحية التاريخية، بتصفية الوجود الديني غير الإسلامي في شبه الجزيرة، عبر الترحيل والسبي والإبادة.

خامساً: من "الأمّيّين" إلى "العجم": انتقال الاستعلاء

بما أن النبي عربي من قبيلة قريش، وأن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وفق قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، فقد أثار ورود ألفاظ غير عربية الأصل في النص القرآني (كسندس واستبرق وعليون وسجين ومرقوم ومشكاة وجهنم)، وهي ألفاظ ذات جذور عبرية وحبشية وفارسية وسريانية وآرامية، تساؤلاً لدى الصحابة حول مبرر ورودها في نصّ يُوصف بالعربية الخالصة.

وقد جاء الردّ القرآني على مستويين متلازمين: مستوى تفاخري بفصاحة اللغة العربية، ومستوى استعلائي ينتقص من الأمم التي استُعيرت ألفاظها، عبر وصفها بـ"الأعجمية".

﴿لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل: 103]

﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: 44]

وتُبيّن مراجعة المعاجم العربية الكلاسيكية، كالصحاح ولسان العرب والمحيط والمعجم الوسيط، أن لفظة "العجم" تحمل دلالة تراتبية صريحة: فهي، من جهة، نقيض "العرب"، ومن جهة أخرى تشير إلى "العجماء" أي البهيمة التي لا تنطق، بحيث يوصف كل من لا يُفصح كلامه، عربياً كان أو غير عربي، بـ"الأعجم". ويمكن تلخيص الدلالات المعجمية للفظ في أربع نقاط أساسية:

- تصنيف العرب في جهة وسائر الأمم في جهة مقابلة.

- اعتبار كل خطاب غير مفهوم "عجمياً".

- ربط "العجمة" دلالياً بالبهيمية وانعدام القدرة على البيان.

- تأسيس اللغة العربية بوصفها لغة البيان المطلق في مقابل لغات موصوفة بالقصور التعبيري.

يتيح هذا التحليل استنتاجاً مركزياً: أن "العجم" لم يكن ابتكاراً عربياً مستقلاً بمعزل عن سياقه التاريخي، بل إعادة إنتاج بنيوية لمفهوم "الغوييم" التوراتي، بعد تبدّل موازين الهيمنة الرمزية. فبعد أن كان العرب أنفسهم مصنَّفين ضمن "أمم" اليهود، أعاد المسلمون، بعد توحّد القبائل العربية تحت راية الإسلام ومؤاخاة الأوس والخزرج، إنتاج المنطق التصنيفي ذاته، فاستبدلوا موقعهم من "أمّة مصنَّفة" إلى "أمّة مصنِّفة"، واستحدثوا مصطلح "العجم" ليقوم بالوظيفة البنيوية نفسها التي قام بها "الغوييم" في السياق التوراتي، مع عكس موقعَي المركز والهامش.

خاتمة

تكشف هذه المقاربة أن ثنائية "أمّة/عجم" ليست بناءً لغوياً محايداً، بل نتاج تحوّلات في موازين القوة الرمزية بين جماعتين دينيتين-إثنيتين تقاسمتا الفضاء الجغرافي والثقافي لشبه الجزيرة العربية. فقد استُخدم المصطلح، في صورته التوراتية والقرآنية على حدّ سواء، أداةً لترسيخ حدود الهوية الجماعية عبر إقصاء الآخر لغوياً ورمزياً. وقد استمر هذا المنطق التصنيفي فاعلاً عبر قرون طويلة، حتى بعد قيام منظومة الأمم المتحدة وحقوق الإنسان الحديثة، إذ لا تزال البشرية، في المخيال الديني الموروث، "أمماً" في نظر اليهود، و"عجماً" في نظر العرب، من دون أن يقدم أي من الطرفين على مراجعة نقدية لهذا الإرث المصطلحي.

***

ستار بزيني

تشكل المدرسة، في المخيال الاجتماعي والسياسي للحادثة المعاصرة، ذلك الحصن المنيع الذي يفترض فيه أن يكون مشتلاً للحرية ومصنعاً للوعي والترقي الإنساني. غير أن القراءة النقدية الجذرية لبنية هذه المؤسسة ووظيفتها الكامنة في صلب النظام الرأسمالي المهيمن، تكشف عن مفارقة مركزية: فبدلاً من أن تكون فضاءً لإنتاج الإنسان الحر والمستقل، تحولت إلى آلية محكمة للتدجين والنمذجة، وأداة إيديولوجية لتأبيد التفاوتات الطبقية وإعادة إنتاج شروط الخضوع. إن الأزمة لا تكمن في تراجع كفاءة المناهج أو شح الإمكانيات المادية فحسب، بل في الفلسفة المؤسسية ذاتها التي تقوم على الإلزام، والتنميط، وتفريغ المعرفة من سياقها الإنساني والوجودي الحي.

تعتمد المدرسة التقليدية في جوهرها على نموذج إنتاجي صناعي صُمم خصيصاً لتلبية احتياجات الدولة البيروقراطية واقتصادات السوق الحديثة. وكما يلاحظ المفكرون النقديون في حقل الاجتماع التربوي، فإن التعليم الإلزامي لا يسعى بالدرجة الأولى إلى تحرير العقول أو تفجير الطاقات الإبداعية الكامنة، بل يهدف إلى تهيئة أفراد منضبطين يقبلون التسلسل الهرمي بوصفه قدراً محتوماً، ويخضعون لإقاعات زمنية صارمة تفرضها جرس الحصة الدراسية وصفوف المقاعد المتلاصقة في صمت مطبق.

يبدأ هذا المسار الخطير باغتيال الفضول الطبيعي للطفل. فالطفل يأتي إلى العالم مفعماً بالدهشة والتساؤل، مستعداً لاستكشاف محيطه بدافعية ذاتية خالصة. غير أن المؤسسة التعليمية تعيد توجيه هذه الطاقة العضوية عبر نظام المقارنة، والدرجات، والامتحانات الدورية، ليتحول التعلم من غاية جمالية وفكرية نبيلة إلى سلعة تنافسية أو عبء إلزامي ثقيل يُقاس بالنجاح والرسوب. وبهذا، تُستبدل الرغبة العضوية في المعرفة بالخوف من العقاب أو اللهث خلف المكافأة الخارجية. وكما يشير العقل النقدي في مقاربته لبنيات الهيمنة، فإن "المدرسة تُعلِّم الأطفال، قبل أي شيء آخر، مكانتهم الحقيقية في التراتبية الاجتماعية، وتغرِس فيهم قناعة باطنية بأن عجزهم اللاحق هو نتيجة لقصورهم الذاتي لا لخلل في النظام".

تقوم المدرسة على احتكار صارم لإنتاج المعرفة وتوزيعها واستهلاكها. فهي تفترض أن الحقيقة يمكن تقطيعها إلى أجزاء متجانسة تُعرف بـ"المناهج الرسمية"، وتوزيعها على عقول الطلبة بحسب فئات عمرية محددة مسبقاً، وكأن المعرفة سلعة معلبة ومعدة للاستهلاك المباشر. هذا الاحتكار المطلق لا يقصي فقط الأساليب المتنوعة وغير النظامية لاكتساب المعرفة، بل يلغي تماماً البيئات الحياتية والمجتمعية بوصفها حاضنات أصيلة للخبرة الحية.

حين تُنتزع المعرفة من سياقها المجتمعي والوجودي الحقيقي وتُحشر بين دفتي كتاب مدرسي واحد، فإنها تفقد حيويتها ومعناها التحرري. يصبح الطالب مستهلكاً سلبياً لخطاب جاهز، ومُلقىً به في علاقة سلطوية يكون فيها المعلم هو المالك الوحيد للحقيقة والوكيل الحصري للدولة والمجتمع. في هذا المناخ المغلق، يتلاشى الحوار الخلاق وتضمحل القدرة على الاشتباك مع تعقيدات الواقع، لصالح الحفظ والاستظهار المؤقت الذي يتبخر بمجرد انتهاء الاختبار. إن هذا التجريف المنهجي للتنوع الفكري والنفسي هو المعنى الحقيقي للتدجين المؤسسي الذي يفرغ الوعي من مضمونه النقدي.

وهم الشهادات واقتصاد الامتثال

من أبرز أدوات الضغط التي تستخدمها المدرسة التقليدية لتأبيد سلطتها هو ربط القيمة الإنسانية والوجودية للفرد بحيازة "الشهادة". فالشهادة المدرسية أو الجامعية ليس مجرد إثبات لكفاءة تقنية أو مهارة عملية، بل هي رخصة عبور اجتماعي واقتصادي، وبدونها يُحكم على المرء بالتهميش المطلق والإقصاء من دائرة الاعتراف. هذا الاحتكار للعبور يمنح المؤسسة ونظام الإنتاج سلطة هائلة على وعي الأفراد وسلوكهم؛ إذ يضطر الشاب إلى خوض سنوات عمره الباكر في تدجين ميوله وتطويع أفكاره لتتطابق مع المعايير المفروضة، خوفاً من نبذ السوق والمجتمع.

وقد تنبأ الفكر النقدي المبكر بهذه المعضلة، محذراً من أن هذا الارتباط الوثيق بين الشهادة والوظيفة يخلق سوقاً زائفة للتعليم، تُستهلك فيها زهرة العمر في تحصيل علامات واعترافات مؤسسية لا علاقة لها بالقدرة على الفهم العميق أو الإسهام الحضاري. وحين تتحول الشهادة إلى صك غفران اجتماعي، يتحول المتعلم إلى مأجور مستقبلي، جُهز عقلياً لتقبل شروط الهيمنة الاقتصادية والاجتماعية دون تذمر، مقتنعاً بأن شقاءه لا يعدو لكونه قدراً فردياً.

إن موت المدرسة التقليدية بوصفها الاحتكار المطلق للتعلم لم يعد مجرد فرضية نظرية نخبوية، بل هو ضرورة وجودية وتاريخية ملحة لاستعادة إنسانية الإنسان المغترب. إن تجاوز هذه البنية المهترئة لا يعني بالضرورة الفوضى أو التخلي عن تراث الإنسانية المعرفي، بل يقتضي إعادة الاعتبار لشبكات التعلم المفتوحة التي تتشكل من خلال الرغبة الحقيقية في الاكتشاف، والخبرة الحياتية المشتركة، والتفاعل الحر مع البيئة والمجتمع.

لقد حان الوقت لنعيد النظر في مفهوم التعلم ذاته، لننظر إليه بوصفه فعلاً تحررياً مستمراً يرافق حياة الإنسان كلها، لا فترة حجز إلزامي تقضي على طفولته وشبابه. إن التحرر من أسر المؤسسات التعليمية التقليدية هو المدخل الإلزامي نحو بناء مجتمعات تتبنى العقل النقدي الجذري، وتقدر الإبداع الإنساني الخلاق، وتحرر المعرفة من قيود الإكراه المؤسسي.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

 

في المثقف اليوم