عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

بين فعلي التدرب والتعلم، مقاربة ديداكتيكية

مقدمة: يحتل التمييز بين فعلي التدرب والتعلم موقعاً مركزياً في التفكير الديداكتيكي المعاصر، لأنه يمس جوهر العملية التعليمية-التعلمية ويحدد طبيعة الأهداف والممارسات وأدوار الفاعلين داخل الوضعية البيداغوجية. كثيراً ما يُستعمل المصطلحان بطريقة متداخلة أو تبادلية في الخطاب التربوي اليومي، غير أن التدقيق المفهومي والإجرائي يكشف عن اختلافات جوهرية في البنية والوظيفة والمسار. فالتعلم يشير إلى عملية أوسع وأعمق تهم بناء المعنى وإعادة تنظيم البنى المعرفية والوجدانية للمتعلم، بينما ينحو التدرب نحو صقل أداء محدد وتطوير مهارات جزئية عبر التكرار المنظم والتوجيه المتدرج. تنطلق هذه الدراسة من مقاربة ديداكتيكية تسعى إلى إبراز هذا التمييز لا بوصفه فصلاً قاطعاً، بل بوصفه أداة تحليلية تسمح بفهم أفضل لتكامل العمليتين داخل الفعل التعليمي، وبتصميم وضعيات أكثر نجاعة ووعياً بطبيعة الاشتغال الذهني والمهاري للمتعلمين. فما معنى التدرب؟ وكيف يفهم التعلم؟ وبأي شكل نميز مفهوميا بينهما؟

التعلم بوصفه بناءً والتدرب بوصفه صقلاً

يُفهم التعلم ديداكتيكياً على أنه سيرورة نشطة وبناءة يُعيد المتعلم من خلالها تنظيم معارفه وخبراته السابقة في ضوء وضعيات جديدة. إنه ليس مجرد استقبال لمعلومات أو اكتساب لسلوكات جاهزة، بل هو عملية تحويلية تمس البنى المعرفية الداخلية، وتتضمن الفهم والربط والتعميم ونقل التعلم إلى سياقات مغايرة. يتميز التعلم بطابعه الشمولي؛ فهو يدمج الأبعاد المعرفية والمهارية والوجدانية والاجتماعية، ويقتضي مشاركة واعية من المتعلم الذي يصبح فاعلاً في إنتاج المعنى لا مستهلكاً له. من هنا يرتبط التعلم بمفاهيم مثل الصراع المعرفي، والمنطقة القريبة من النمو، والوعي الميتامعرفي، والقدرة على المراقبة الذاتية للمسار الذهني. أما التدرب فيُقارب ديداكتيكياً بوصفه نشاطاً موجهاً يهدف إلى تثبيت مهارة أو إجراء أو أداء محدد وجعله أكثر دقة وسرعة وتلقائية. يقوم التدرب على مبدأ التكرار المنظم والتغذية الراجعة المستمرة والتصحيح المتدرج، وغالباً ما يركز على الجانب الأدائي المرئي أو القابل للملاحظة والقياس. إنه أقرب إلى منطق الصقل والإتقان منه إلى منطق البناء الجذري. فالمتدرب يعمل على تحسين ما هو موجود أصلاً أو ما تم اكتسابه جزئياً، عبر سلسلة من التمارين المتدرجة التي تقلل من الأخطاء وتزيد من درجة التحكم. لذلك يغلب على التدرب الطابع الإجرائي والتطبيقي، ويكون هدفه المباشر هو الوصول إلى مستوى من الآلية الوظيفية يسمح بأداء المهمة دون استهلاك مفرط للموارد المعرفية الواعية.

يتضح من هذا التمييز أن التعلم يشتغل على مستوى البنية العميقة للمعرفة والكفاية، بينما يشتغل التدرب على مستوى السطح الأدائي والمهاري. التعلم يطرح سؤال «ماذا أفهم؟» و«كيف أبني المعنى؟»، في حين يطرح التدرب سؤال «كيف أنفذ بشكل أفضل؟» و«كيف أقلل من الجهد الواعي في الأداء؟». هذا الاختلاف الجوهري ينعكس مباشرة على طبيعة الوضعيات الديداكتيكية وعلى أدوار المدرس والمتعلم.

التمييز الإجرائي: من تصميم الوضعية إلى أنماط التدخل

على المستوى الإجرائي، يظهر التمييز بوضوح في طريقة بناء الأنشطة وفي طبيعة التفاعلات داخل القسم. ففي وضعيات التعلم، يميل المدرس إلى تقديم مهمات مفتوحة أو شبه مفتوحة تثير الحيرة المعرفية وتدفع المتعلم إلى تعبئة موارده السابقة وإلى البحث عن حلول أصيلة. تكون التعليمات هنا أقل توجيهية، وتسمح بتعدد المسارات وبطرح الفرضيات وبمواجهة العوائق. يلعب المدرس دور الوسيط الذي يراقب مسار التفكير ويطرح أسئلة تعميق ويفتح فضاءات للنقاش والمقارنة بين الاستراتيجيات، دون أن يقدم الحل الجاهز مبكراً. التقييم في هذه الحالة يهتم بعمق الفهم وبطبيعة السيرورة الذهنية وبقدرة المتعلم على تبرير اختياراته ونقل تعلماته.

في المقابل، تُبنى وضعيات التدرب حول مهمات أكثر تحديداً وتدرجاً، حيث تكون معايير النجاح واضحة والأداء المطلوب قابلاً للملاحظة المباشرة. يعتمد المدرس هنا على سلسلة من التمارين المتكررة والمتنوعة في الشكل والمتدرجة في الصعوبة، مع تقديم نماذج للأداء الصحيح وتغذية راجعة فورية أو شبه فورية. يكون التدخل أكثر توجيهية في البداية، ثم يتناقص تدريجياً مع ارتفاع درجة التحكم. يركز التقييم على دقة الأداء وسرعته واستقراره، وعلى انخفاض معدل الأخطاء مع مرور الوقت. المتدرب في هذه الوضعية يمارس ويكرر ويصحح، بينما يراقب المدرس الجودة ويعدل مستوى الصعوبة ويوفر الدعم المناسب في اللحظة المناسبة. كما يظهر الفرق الإجرائي أيضاً في تدبير الزمن وفي توزيع الأدوار. فوضعيات التعلم تحتاج إلى زمن أطول نسبياً وإلى فضاء للتردد والخطأ المنتج، في حين أن وضعيات التدرب تستفيد من الكثافة والتكرار المنظم داخل وحدات زمنية أقصر. كما أن التعلم يفتح الباب أمام العمل التشاركي والحوار السوسيومعرفي بشكل أوسع، بينما قد يميل التدرب في مراحله الأولى إلى الاشتغال الفردي أو الثنائي الموجه لضمان التركيز على تصحيح الأداء الشخصي.

التكامل الوظيفي داخل السيرورة الديداكتيكية

رغم أهمية التمييز، فإن الفصل التام بين التعلم والتدرب يُعد خطأ ديداكتيكياً فادحاً. فهما ليسا مرحلتين منفصلتين أو عمليتين متعارضتين، بل لحظتان متكاملتان داخل سيرورة بناء الكفاية. التعلم بدون تدرب يظل هشاً وغير مستقر، لأن الفهم النظري أو البناء المعرفي الأولي يحتاج إلى تثبيت أدائي حتى يتحول إلى مورد قابل للتعبئة السريعة. والتدرب بدون تعلم سابق أو موازٍ يتحول إلى آلية عمياء تفتقر إلى المرونة والقدرة على التكيف مع الوضعيات الجديدة.

ديداكتيكياً، يمكن تصور العلاقة بينهما وفق منطق التعاقب والتداخل. غالباً ما تبدأ السيرورة بلحظة تعلم تبني الفهم أو تُرسي القاعدة المفاهيمية أو الإجرائية الأساسية، ثم تليها لحظات تدرب تُصقل الأداء وتُؤتمت بعض جوانبه. غير أن هذا التعاقب ليس خطياً صارماً؛ فخلال التدرب نفسه قد تظهر عوائق جديدة تستدعي عودة إلى التعلم، أي إلى إعادة بناء الفهم أو تصحيح التمثلات. كما أن بعض الوضعيات المعقدة تدمج اللحظتين في الآن ذاته، حيث يمارس المتعلم أداءً معيناً وهو يعيد التفكير في أسسه.

على هذا النحو يقتضي هذا التكامل من المدرس قدرة على التشخيص الدقيق لحاجة المتعلمين: متى يحتاجون إلى مساحة للبناء والاكتشاف؟ ومتى يحتاجون إلى كثافة التمرين والتكرار الموجه؟ كما يقتضي تنويعاً في أنماط الأنشطة وفي طبيعة التغذية الراجعة، بحيث لا تتحول الحصة إلى سلسلة تمارين آلية ولا إلى نقاشات مفتوحة بلا تثبيت.

الرهانات الديداكتيكية للتمييز الواعي

يحمل التمييز المفهومي والإجرائي بين التدرب والتعلم رهانات عميقة على مستوى تخطيط التعلمات وتقويمها وتدبير الاختلاف بين المتعلمين. فعلى مستوى التخطيط، يسمح هذا التمييز بصياغة أهداف أكثر دقة: أهداف تعلم تهم البناء والفهم والنقل، وأهداف تدرب تهم الإتقان والآلية والسرعة. وعلى مستوى التقويم، يساعد على تجنب الخلط بين اختبار الفهم واختبار الأداء الآلي، وعلى بناء أدوات تقيس كلا البعدين بشكل مناسب. أما على مستوى تدبير القسم، فيمكن المدرس من تنويع الإيقاعات ومنح بعض المتعلمين زمناً إضافياً للبناء المعرفي، بينما يوفر لآخرين فرصاً مكثفة للصقل المهاري.

كما يساهم هذا التمييز في مقاومة بعض الانحرافات الشائعة في الممارسة التعليمية، مثل الإفراط في التمارين المتكررة على حساب الفهم، أو الاكتفاء بمناقشات عامة دون تثبيت أدائي، أو التعامل مع كل نشاط وكأنه تعلم عميق بينما هو في حقيقته مجرد تطبيق آلي. الوعي بالفرق يجعل الممارسة أكثر قصدية وأكثر احتراماً لطبيعة الاشتغال الذهني للمتعلم.

خاتمة

يتبين من خلال المقاربة الديداكتيكية أن التمييز بين فعلي التدرب والتعلم ليس ترفاً نظرياً، بل ضرورة مهنية تمس جودة الفعل التعليمي برمته. فالتعلم بما هو بناء للمعنى وتنظيم للبنى الداخلية يختلف جذرياً عن التدرب بما هو صقل للأداء وتثبيت للإجراءات، سواء على المستوى المفهومي أو على مستوى تصميم الوضعيات وأنماط التدخل والتقييم. غير أن قوة هذا التمييز تكمن في الاعتراف بتكاملهما الضروري داخل سيرورة واحدة تهدف إلى بناء كفايات مستدامة ومرنة. المدرس الذي يدرك حدود كل منهما ومجال اشتغاله يصبح قادراً على تدبير أدق للزمن الديداكتيكي، وعلى الاستجابة لحاجات المتعلمين المتباينة، وعلى تحويل القسم إلى فضاء يفرق بين عمق الفهم ودقة الأداء. وبذلك يتحول التمييز من مجرد أداة تحليلية إلى ممارسة واعية تُعلي من شأن التعلم الحقيقي دون أن تُهمل ضرورات التمرين المنظم والإتقان الأدائي. فماهي المهارات والأهداف التي يجب أن نحرص على تعلمها؟ وعلى ماذا ندرب محبي الحكمة؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

الجُذُورُ التَّارِيخِيَّةُ وَالأَنْطُولُوجِيَّةُ لِلْحُبِّ وَالمُوسِيقَى فِي الوَعْيِ البَشَرِيِّ

(الموسيقى هي وحدها القادرة على فتح باب لعالم معرفي جديد، عالم يدركه الإنسان ولكنه لا يدركه بالعقل)... الموسيقار الألماني - لودفيغ فان بيتهوفن

بهذه الكلمات الخالدة لودفيغ فان بيتهوفن، ندرك أن المتأمل في جذور الوجود البشري يجد أن الموسيقى لم تكن يوماً مجرد ترف صوتي عابر، بل وُلدت من رحم الحاجة العميقة للتواصل والتعبير. وإذا كانت الجماعات البدائية قد وجدت في الإيقاع المنتظم وتكرار الأصوات أداتها الأولى لتنظيم الوعي والبقاء، فإن هذا التوق البدائي نحو التناغم قد وجد تعبيره الأصفى والأكثر إثارة في أسمى العواطف الإنسانية: الحب.

فمثلما تقرع الطبيعة إيقاعاتها السرمدية في نبضات القلب والكون، جاءت الموسيقى لتكون المرآة الحية التي تعكس تقلبات الوجدان البشري من شوق، ولوعة، ونشوة، وشجن. وبينما تقف الكلمات عاجزة أحياناً عن احتواء سعة المشاعر، تتكفل الألحان بردم الهوة بين العقل والروح، محولةً النبض والإيقاع إلى لغة عالمية تخاطب دواخلنا. من هنا، تتشابك خيوط الإثنوموسيقولوجيا وعلم النفس والجماليات، لنرى كيف ارتبطت الموسيقى بالحب ارتباط العلة بمعلولها، وكيف استحال النغم سفيراً أميناً لترجمة أعمق خفقات القلب البشري عبر التاريخ.

الإيقاع والنشأة الأولى: كيف تنفس الإنسان صوته الأول؟

تشير أبحاث الإثنوموسيقولوجيا التي تطوّع الأدوات الأنثروبولوجية إلى أن نشأة الموسيقى بوصفها نشاطًا إنسانيًا لدى الجماعات البدائية كانت تعتمد أساسًا على الإيقاع. فلم تكن الموسيقى في بداياتها وليدة آلات معقدة أو قواعد نغمية صارمة، بل وُلدت من رحم الحاجة العضوية للتنظيم والتعبير عن الوعي البشري الأول.

اعتمد الإنسان البدائي على التكرار بصفة أساسية؛ أي تكرار صوت أو نغمة واحدة أو نغمتين بشكل دوري منتظم. وبهذه الطريقة نفسها تأسست اللغة في جذورها الأولى عبر تكرار صوت واحد للدلالة على المرجع نفسه. ويمكن تلمس هذه الحقيقة بوضوح لدى الأطفال في سن مبكرة جداً، إذ يبدي الطفل تعلقًا فريدًا بالأصوات البسيطة المتكررة، كما يعتمد غناء الأم لتهدئة رضيعها على نغمة واحدة أو نغمتين لتوفير الأمان والسكينة.

تفسر الفونولوجيا وعلم نفس الأصوات هذه الظاهرة من خلال دراسة اكتساب الأطفال للكلمات؛ فالسهولة والسرعة التي يكتسب بها الطفل الكلمة التي أطلقت عليها اللغات اسم "الأم" تعود إلى عوامل فيزيولوجية ونطقية بحتة. إن تشابه نطق هذا اللفظ في لغات العالم القديمة والحديثة، الميتة والحية (مثل اللغات الرومانسية، والجرمانية، والسلافية، والعبرية، والصينية، واليابانية)، في مقطع صوتي يتكون من فونيمين فقط مثل "ما-ما"، يعود إلى أن هذا المقطع يُنطق مع فتح الفم كعلامة تلقائية يوحي بها الطفل للمؤوِل (الأم) بالحاجة الملحة إلى الطعام والرعاية والاحتواء.

من هنا، يتبين أن الإيقاع الصوتي الأول لم يكن ترفاً فنياً، بل كان لغة البقاء والنداء الأولى التي تداخل فيها الإيقاع الموسيقي مع الدلالة اللغوية، ليشكل الاثنين معاً الشفرة التعبيرية الأولى للإنسان.

الكلمة والنغمة: الجذر الصوتي المشترك للغة والموسيقى

إن الناظر في تاريخ التعبير البشري يدرك أن الانفصال الحاد بين الكلمة والموسيقى هو ثمرة متأخرة لتطور الوعي البشري، لم يكن موجوداً في فجر الإنسانية. في الغالب، كان ينظر إلى العلاقة المفترضة التي تجمع الموسيقى باللغة استنادًا إلى جانبٍ واضحٍ كل الوضوح في علاقة الموسيقى باللغة: أن الموسيقى واللغة ظاهرتان صوتيتان.

ويؤكد المؤرخ والجغرافيّ اليونانيّ سترابون (حوالي 63 ق.م) على أن الكلام والغناء كانا الشيء نفسه في الأزمنة القديمة. ولمّا لم يكن في البدء من موسيقى إلا النغم، ولا من النغم غير ما يحدثه الكلام من تنوع الصوت، كانت الموسيقى واللغة مرتبطتين بشكل وثيق. فالتنغيم البشري حمل في بداياته دلالة شعورية ومفاهيمية في آن واحد؛ حيث استخدم الإنسان القديم طبقات الصوت للتعبير عن الخوف، والبهجة، والنداء، والانتماء.

هذا التلاحم الأصيل يفسر لنا لماذا ظل الشعر محكوماً بالإيقاع والغناء، وكيف احتفظت الذاكرة البشرية بالأساطير والتاريخ عبر النغمة أسرع بكثير من بقائها مجرد حروف صامتة. لقد كانت اللغة في منبتها الأول محمولة على أجنحة النغم، والموسيقى محملة ببذور الدلالة، ليكونا معاً الوجهين لعملة واحدة هي الوعي البشري الخلاق.

الموسيقى والطبيعة: إيقاع الكون وسكونه

تتجاوز الموسيقى في جوهرها حدود العزف على الآلات المادية أو الصناعة البشرية المحضة، لتكون نظاماً شاملاً لتنظيم الأصوات والسكوت في زمن معين. لم يبدأ الإنسان من فراغ، بل وُجد في محيط طبيعي غني بالإيقاعات المنتظمة؛ كدقات القلب، وتنفس الكائنات، وتدفق المياه، وحفيف الأشجار، وهبوب الرياح، وتتارُع الفصول. هذه الأنماط المتكررة في قلب الطبيعة هي التي زرعت في الوعي البشري الحس الإيقاعي الأول، وجعلته يدرك فكرة الانتظام والتناغم.

ولا يقتصر هذا الارتباط على الأصوات المسموعة فحسب، بل يمتد إلى "سكون الطبيعة". فكما أن للحركة صخباً ونغماً، فإن للسكون قيمة جوهرية بالغة الأهمية. في البناء الموسيقي، يمثل الصمت أو السكون المدروس (Rest) المساحة التي تمنح النغمات معناها وتعلي من شأنها، تماماً كما يخلق سكون الليل وهدوء الطبيعة حالة من التأمل العميق وتناغم الروح. لقد استعار الإنسان هذه الإيقاعات والسكوت من محيطه، وأعاد صياغتها بوعيه الخلاق ليحولها من مجرد ظواهر كونية صماء إلى لغة تعبيرية تنفذ مباشرة إلى أعماق الوجدان الإنساني.

أوبرا العاطفة وسيمفونيات الوجدان: الموسيقى والترجمان الخفي للحب

إذا كان الإيقاع قد أسس لبقاء الإنسان، وكانت الطبيعة قد ألهمته نغماته الأولى، فإن ذروة التعبير الموسيقي تتجلى بوضوح عندما تلتقي الألحان بأعظم عاطفة بشرية: الحب. لقد أدرك كبار الموسيقيين عبر التاريخ أن الموسيقى تتجاوز ترجمة الكلمات الحرفية لتصبح نحتاً خالصاً للمشاعر الإنسانية الكبرى. وفي هذا السياق العبقري، تجلت رؤى هؤلاء المؤلفين في التعبير عن الوجدان الإنساني وأعماق العاطفة:

يوهان سباستيان باخ (التجلي الروحي والرياضي) - في عصر الباروك، لم يكن باخ يكتب عن "الحب الرومانسي" بالشفهية العاطفية الحديثة، بل كان يعبر عن العشق الإلهي والتناغم الكوني. كانت مقطوعاته مبنية على دقة رياضية محكمة وهارموني مهيب، لكنها متخمَة بفيض وجداني وعاطفة داخلية عميقة تخاطب الروح وتصفيها.

لودفيغ فان بيتهوفن (ثورة العاطفة والدراما) -حوّل بيتهوفن الموسيقى من سيمفونيات أرستقراطية منضبطة إلى دراما إنسانية حارقة. عندما عبر عن الحب (كما في رسائله الشهيرة للحبيبة الخالدة أو في الحركات البطولية الرقيقة لسيمفونياته)، كان يسخر التناقضات الحادة بين القوة والضعف، والتوتر والحل النغمي، ليعكس لوعة الشوق وعنفوان التعلق الإنساني.

بيتر إيليتش تشايكوفسكي (قمة الرومانسية المأساوي) -يُعد تشايكوفسكي النموذج الأصفى لمن حول الحب العاطفي والوجع الذاتي إلى سيمفونيات خالدة. لم يكن يترجم كلمات، بل كان يترجم "نبض القلب المحب"؛ فمقطوعاته مثل "روميو وجولييت" و"بحيرة البجع" هي تجسيد صوتي مباشر لاشتعال العاطفة، واليأس، والنشوة العريمة، مستخدماً الألحان الحالمة لتردد على أوتار النفس بدقة مذهلة.

أرام خاشاتوريان (النبض الفلكلوري والعاطفة الجياشة) - عبر الموسيقار الأرمني ببراعة عن العواطف الإنسانية المتأججة الممتزجة بروح التراث والقومية. في أعماله مثل "غابات سبارتاك وفريجيا" أو "رقصة السيف"، نجد أن الحب لا يُحكى بالكلمات، بل يُرقص ويُعاش عبر إيقاعات شرقية وغربية متباينة تعكس العاطفة الجارفة والارتباط العضوي بالأرض والإنسان. بهذا المعنى، تتجاوز الموسيقى حدود الفن الجميل لتصبح هي اللغة الحقيقية التي تبدأ حيث تنتهي الكلمات، مترجمةً خفقات الروح في أطهر تجليات العشق والشجن.

صدى النغم في خلود الوجدان

إن رحلة الموسيقى عبر التاريخ البشري تكشف عن كونها أعمق بكثير من مجرد تسلية صوتية أو مهارة أدائية؛ فهي الجسر الخفي الذي يربط بين الوعي البدائي للإنسان الأول وبين أسمى ذرى التأمل الروحي والعاطفي في العصر الحديث. لقد انطلقت الموسيقى من ومضة إيقاعية بسيطة على شفاه الجماعات البدائية، متخذة من تكرار الصوت ولغة الطفل الأولى (الماما) وسيلة للبقاء والتواصل، ثم تداخلت مع الكلمة في مهدها المشترك (الموسيلانغويج) كما أقرّ سترابون وغيره من المؤرخين. واستمدت من نبض الطبيعة وسكونها أسرار التناغم والانتظام، قبل أن تبلغ ذروتها الكبرى في أعمال العباقرة مثل باخ، وبيتهوفن، وتشايکوفسكي، وخاشاتوريان الذين صاغوا من الهارموني والتمبو مرايا صادقة لأعظم العواطف الإنسانية، وعلى رأسها الحب والشوق واللوعة.فهم الحب عن طريق الموسيقى: هكذا تمكن العشاق عبر العصور من تجاوز حدود العجز اللفظي ليدركوا كنه الحب واختراق حجب مجهوله عبر الألحان؛ فلم تكن الموسيقى مجرد ترف شعوري، بل مرآة أنطولوجية يرى فيها العاشق نبض قلبه المجسد، لتتحقق المعرفة الأصفى للوجدان حين ينطق النغم بما تعجز عنه كل لغات الأرض. في النهاية، تظل الموسيقى هي الشاهد الأبدي على أن الإنسان لم يكن يوماً كائناً ماديّاً فحسب، بل هو كائن حالم ينظم دقات قلبه وإيقاعات روحه في سيمفونية كبرى لا تنتهي، لتبقى النغمات دائماً هي اللغة الأصفى التي تروي ما تعجز عنه كل الكلمات

***

ئاريان علي

في أفق الفلسفة، لا تبدو القصيدة مجرد شكلٍ جمالي يجاور الفكر من الخارج، بل تبدو أقرب إلى موضعٍ تتعرض فيه اللغة نفسها للاختبار.. عندما يدخل الفيلسوف إلى القصيدة، لا يدخل بوصفه مؤولًا يبحث عن فكرةٍ مستقلةٍ جاهزة، بل بوصفه قارئًا يطلب من الشعر أن يكشف له كيف تتكون الحقيقة حين لا تعود حقيقةً تقريرية، وكيف يتشكل المعنى حين يتخلى عن صلابته المفهومية، القصيدة، بهذا المعنى، ليست ظلًا للوعي، بل أحد المعابر التي يعبر فيها الوعي إلى معرفةٍ أكثر التباسًا وأشدّ كثافة.. وبالتالي تبدأ الأسئلة الخمسة التي تضبط هذا المسار: الحقيقة، اللغة، الخيال، الزمن، الذات..

الحقيقة واللغة

 فالقصيدة لا تتعامل مع الحقيقة باعتبارها مطابقةً بين القول والواقع، بل باعتبارها انكشافًا؛ كشفًا لما كان مختفيًا خلف العادة، أو مألوفًا إلى حدّ الحجب. وحين يتأمل الفيلسوف القصيدة، فإنه لا يسأل إن كانت “صحيحة” بالمعنى المنطقي، بل يسأل كيف تجعلنا نرى الوجود من زاوية لم تكن متاحةً من قبل..

أما اللغة، فهي ليست مجرد وسيطٍ محايد، بل موضع التوتر ذاته، إذ يعيد الشعر ترتيب الكلمات، ويكثف الإيقاع، ويزحزح الدلالة، حتى يصبح القول الشعري طريقةً في التفكير لا منفذًا إلى معنى سابق عليه..

الخيال والزمن

بينما الخيال، فهو في القصيدة ليس هروبًا من العالم، بل وسيلةً لإعادة تكوينه. فالقصيدة لا تنقل الواقع كما هو، بل تكشف طاقاته الممكنة، وتمنح الأشياء العادية كثافةً رمزية تجعلها أكثر قدرةً على حمل المعنى. وهنا يلتقي الفيلسوف بالشاعر عند فكرة جوهرية: أن الخيال ليس نقيض الحقيقة، بل أداةٌ من أدواتها.

ثم يأتي الزمن بوصفه البعد الأكثر خفاءً في التجربة الشعرية؛ فالقصيدة لا تمشي في الزمن خطيًا، بل تصنع زمنها الخاص، زمن اللمحة، والاسترجاع، والانتظار، والرجوع، والانقطاع. ولهذا تتبدى القصيدة ككيانٍ زمنـيٍّ مكثف، يحول اللحظة إلى دلالة، والدلالة إلى إيقاع.

المعرفة بالذات

وأما الذات، فهي في القصيدة لا تظهر بوصفها جوهرًا مكتملًا، بل بوصفها وعيًا يتشكل وهو يتكلم، حيث الشاعر لا يعلن عن نفسه فقط، بل يعيد صياغة صورته في اللغة، ويختبر حدودها، ويجعل من القصيدة مكانًا لتشكّل الأنا لا لتثبيتها. ولذلك تبدو القصيدة في نظر الفيلسوف نوعًا من المعرفة بالذات عبر الانفعال والصورة والإيقاع، لا عبر المفهوم وحده، نكون أمام وعيٍ لا يملك العالم دفعة واحدة، بل يقترب منه من خلال اللغة وهو يتفتح على احتمالاته، ويتصالح مع نقصه، ويعيد ترتيب تجربته في هيئة شعرية..

من هذا المنظور، التفكير الفلسفي داخل القصيدة لا يتمثل في استخراج “أفكار” منها، بل في الإنصات إلى الكيفية التي تُنتج بها القصيدة أسئلتها الخاصة، فهي لا تُجاور الفلسفة من موقع التزيين، ولا تنافسها من موقع النسق، لكنها تضعها أمام ما هو أكثر بداهةً وأقلّ خضوعًا للتجريد: كيف تُرى الأشياء حين تنشد؟ وكيف تُدرك الذات نفسها حين تُكثّف لغتها إلى حدّ الاشتعال؟ وكيف يصبح المعنى، لا المفهوم، هو مركز التجربة؟ هنا تغدو القصيدة شكلًا من أشكال المعرفة، لكنها معرفة لا تتكلم بلسانٍ هادئ، بل بلسانٍ يقظٍ ومتوتر، يستبقي في اللغة قلقها الخلّاق..

الجواهري نموذجًا

 قصيدة «يا دجلة الخير» للجواهري تبدو مثالًا بالغ الدلالة، فهي ليست مجرد قصيدة حنين إلى النهر أو المكان، بل بناءٌ شعري يربط الحقيقة باللغة، والخيال بالذاكرة، والزمن بالمنفى، والذات بالانتماء المتشظي.

فالحقيقة فيها لا تُعرض بوصفها تقريرًا مباشرًا، بل تنكشف من خلال توتر الذات مع المكان، واللغة لا تعمل كوسيط محايد، بل كقوة تستعيد الوجود وتعيد رسمه، ويكفي أن نستحضر افتتاحها الشهير:

حييتُ سفحكِ عن بُعدٍ فحييني

يا دجلةَ الخيرِ يا أمَّ البساتينِ

حييتُ سفحَك ظمآناً ألوذُ به

لوذَ الحمائِمِ بين الماءِ والطينِ

يا دجلةَ الخيرِ يا نبعاً أفارقُهُ

على الكراهةِ بين الحينِ والحينِ

إنّي وردْتُ عيونَ الماءِ صافيةً

نبعاً فنبعاً فما كانت لترويني

ففي هذه الأبيات تتجلى الحقيقة بوصفها انكشافًا للانتماء والاغتراب معًا، وتنهض اللغة بوصفها نداءً وإيقاعًا وصورةً لا تكتفي بالوصف، بل تصنع حضور المكان في الوعي، بينما الخيال فيحوّل دجلة إلى كائن رمزي حيّ، فيما يصوغ الزمن تجربة منفى واستعادة، ويكشف الذات وهي تتكلم من موضع الحنين والانكسار لا من موضع الامتلاك، حتى تغدو القصيدة كلها شكلًا من أشكال الوعي الخلاق الذي لا يكتفي بمشاهدة العالم، بل يعيد ترتيبه داخل اللغة ليصبح أكثر كثافةً وعمقًا ودلالة.

في هذه القصيدة لا يكون دجلة موضوعًا خارجيًا، بل يتحول إلى كائنٍ يخاطَبه الشاعر ويعاد اكتشافه داخل النداء؛ وهنا يصبح المكان ذاته جزءًا من وعي الشاعر، لا مجرد إطارٍ له..

لعلي لا ابالغ اذا قلت أن الحقيقة في القصيدة ليست تقريرًا عن دجلة، بل انكشافٌ لعمق الارتباط بين الذات وفضائها؛ واللغة ليست وعاءً محايدًا بل آلة كشفٍ وإعادة خلق، عبر النداء والإيقاع والتشخيص؛ والخيال يحول النهر إلى معادلٍ وجودي، يجعل الماء ذاكرةً والضفافَ مصيرًا؛ والزمن يظهر بوصفه منفىً مفتوحًا على الاستعادة، لا مجرد تعاقبٍ للأيام؛ ثم الذات تتجلى كأنا منقسمة بين الحنين والغربة، بين الرغبة في العودة وإدراك استحالة العودة الكاملة. هكذا تصبح القصيدة كلها نموذجًا للوعي الخلاق، وعيٌ لا يكتفي باستقبال العالم، بل يعيد ترتيبه داخل اللغة حتى يكتسب معنى جديدًا..

الفيلسوف داخل القصيدة لا يبحث عن معنى جاهز، بل عن طريقة القصيدة في إنتاج المعنى نفسه، إنه يسألها عن الحقيقة التي تكشفها، وعن اللغة التي تصنعها، وعن الخيال الذي يوسّعها، وعن الزمن الذي تخلقه، وعن الذات التي تعيد تشكيلها، عبر هذا الأفق لا يعود الشعر مجرد فنٍّ جميل، بل يصير شكلًا من أشكال المعرفة يحرر الفكر من صلابته، ويذكّره بأن الوجود لا يُفهم كاملًا إلا حين يُصغى إليه وهو يتكلم شعراً، بل تظل القصيدة، في أعمق مستوياتها، أحد أكثر الأماكن التي يستطيع فيها الفياسوف أن يرى نفسه وهو يتجاوز نفسه..

(يتبع)

***

أ. مراد غريبي

 

استمعت مساء الأربعاء 9 – 9 - 2026 في "منتدى حوار التنوير" بألمانيا، إلى محاضرة مثيرة للدكتور عبد الجبار الرفاعي، حملت عنوان: "الولادة الثانية للدين في المتخيل"، ضمن منتدى حوار التنوير. تناول الرفاعي موضوعًا جديدًا في الدراسات الدينية العربية، لا يحضر كثيرًا في خطابنا الديني، على الرغم من امتداد أثره إلى مساحة واسعة من حياتنا. فنحن نناقش الدين عادة من خلال النص والعقيدة والفقه والتفسير والتاريخ، ونادرًا ما نتوقف عند السؤال الذي جعله الرفاعي محور محاضرته: كيف يعيش الدين في مخيلة الإنسان، وكيف تعيد الجماعات إنتاجه عبر الصور والرموز والحكايات والطقوس والذاكرة والهوية، وكيف يمكن لهذه الولادة الثانية أن تصبح أشد تأثيرًا في حياة المؤمن من الولادة الأولى للدين؟

وفي حدود اطلاعي، كان الرفاعي أول مفكر منحدر من الحوزة ومعاهد التعليم الديني الإسلامي يتناول "المتخيل الديني" بوصفه حقلًا مستقلًا وضروريًا للدراسة، ويكشف دوره في إعادة إنتاج الدين وتوسيع فضاء المقدس، وتحويل الصور المتخيلة إلى حقائق راسخة في وعي الجماعة وذاكرتها. وتنبع أهمية طرحه من انتقاله بدراسة الدين من الاقتصار على النصوص والعقائد إلى استكشاف الصور العميقة التي يصنعها المتخيل، وتغدو أكثر حضورًا وتأثيرًا وسلطانًا من النص المؤسس نفسه. كانت المحاضرة شيقة بالنسبة لي؛ لأنها تجاوزت الحديث عن مفهوم فلسفي، وكانت دعوة إلى النظر في منطقة خفية من الوعي الديني، لا تكفي أدوات الفقه أو علم الكلام التقليدي للوصول إليها؛ إذ تتشكل في الوعي واللاوعي، وتسهم في تكوينها الذاكرة والتاريخ والمجتمع والعاطفة والخوف والأمل والحاجة إلى المعنى.

 بدأ الرفاعي من الخيال، ورآه إحدى القوى الأساسية في تكوين الإنسان. فالإنسان ليس كائنًا عاقلًا فقط، وإنما هو كائن يتخيل أيضًا، فما يضيق به الواقع يتسع له الخيال. ومن دون هذه القدرة ما كان الإنسان قادرًا على تجاوز شروط وجوده المباشر، ولا على إنتاج الشعر والفن والأدب، وكثير من الفرضيات العلمية والاختراعات التي بدأت صورة في المخيلة قبل أن تتحول إلى شيء في العالم.

 وظهرت أهمية المحاضرة بوضوح عندما انتقل الرفاعي من الخيال الفردي إلى المتخيل الجمعي، ثم إلى "المتخيل الديني". هنا يصبح الأمر معقدًا؛ لأن المخيلة لا تنتج الجمال والإبداع وحدهما، فقد تنتج الأسطورة، والصورة المضخمة للزعيم والشيخ والمؤسس، وتمنح أشخاصًا ومؤسسات وأحداثًا تاريخية حصانة رمزية تجعل إخضاعها للنقد بالغ الصعوبة.

 ومن الأفكار التي وجدتها جديرة بالتوقف عندها قول الرفاعي إن لكل دين ولادتين: ولادة أولى في عصر المؤسس، ثم ولادة ثانية بعد غيابه، حين تبدأ الجماعة بإعادة إنتاج صورته، وتأويل النص المؤسس، وتراكم الحكايات والرموز والتصورات والتفسيرات حول الدين. ومع مرور الزمن، قد تصبح هذه الطبقات جزءًا من صورة الدين في الوعي الجمعي، إلى الحد الذي يصعب معه الفصل بين الأصل وما صنعه التاريخ حوله. تفتح هذه الفكرة بابًا مهمًا لفهم كثير من مشكلات الإصلاح والتجديد الديني؛ فقد انشغلت مشاريع الإصلاح والتجديد الحديثة بالنص والتفسير والفقه والعقل والاجتهاد، غير أنها لم تمنح المتخيل الديني ما يستحقه من اهتمام. وكان إهمال المتخيل، كما أشار الرفاعي، أحد الأسباب الخفية لتعثر كثير من محاولات الإصلاح والتجديد؛ فالإنسان لا يعيش معتقداته من خلال الأفكار المجردة وحدها، وإنما يعيشها أيضًا من خلال الصور الراسخة في الذاكرة، والطقوس والرموز والحكايات والمخاوف والآمال التي ورثها عن الجماعة. لا يكفي تقديم تفسير عقلاني جديد للنص، ما دام المتخيل القديم فاعلًا في الأعماق؛ فقد تتغير الأفكار، فيما تلبث الصور الموروثة راسخة. يبدأ التجديد الحقيقي حين يبلغ البنية المنتجة للمعنى الديني.

وكان من أجمل ما طرحه الرفاعي تمييزه بين الخيال والوهم؛ فالخيال ليس وهمًا، وليس خصمًا للعقل، وإنما هو قدرة خلاقة تشارك العقل في إنتاج المعرفة. أما الوهم فينشأ حين تتحول الصورة التي صنعتها المخيلة إلى اعتقاد زائف يتعامل معه المتوهم كأنه حقيقة. وهنا تظهر الحاجة إلى عقل نقدي لا يقتل الخيال، وإنما يمنعه من التحول إلى سلطة مغلقة تستعبد الإنسان. وتوقفت أيضًا عند حديثه عن المقدس والتقديس. أشار الرفاعي، من خلال استقراء الاستعمال القرآني، إلى أن القرآن لم يصف الأنبياء بأنهم أشخاص مقدسون، وإنما تحدث عن الإنسان بلغة التكريم والاصطفاء والاجتباء والنبوة والرسالة. أما القداسة فوردت في سياقات تتصل بالله وما ينسب إليه، كروح القدس والأرض المقدسة والوادي المقدس. ومن هنا يبرز سؤال تاريخي بالغ الأهمية: كيف اتسعت دوائر التقديس بعد عصر الرسالة حتى شملت أشخاصًا ومؤسسات وتفسيرات وموروثات؟ لا يستهدف هذا السؤال إلغاء الاحترام أو إنكار المكانة الدينية، وإنما يرسم فاصلًا ضروريًا بين التكريم والتقديس. فحين يتحول الإنسان إلى كائن فوق النقد، ويتحول التفسير البشري إلى حقيقة لا تقبل المراجعة، نكون أمام صورة صنعها المتخيل التاريخي أكثر مما فرضها النص المؤسس.

 ما أعجبني في حديث عبد الجبار الرفاعي أنه لم يتعامل مع الدين من خارجه، ولم يتحدث عنه بلغة الخصومة أو الدفاع التقليدي. كان يتحدث من داخل تجربة إيمانية، بعقل نقدي لا يخشى الأسئلة. وهذه منطقة فكرية دقيقة؛ لأن النقد من داخل الإيمان أصعب بكثير من النقد الذي يبدأ من خارجه. غاية الرفاعي ليست التخلص من الدين، وإنما تحريره مما تراكم حوله من صور تحجب قدرته على منح الإنسان المعنى والكرامة والأخلاق والحياة الروحية.

 خرجت من المحاضرة وأنا أفكر أن مفهوم "الولادة الثانية للدين" الذي تحدث عنه الرفاعي بمداخل محورية، وهو يستحق أن نتوقف عنده طويلًا؛ فالأديان لا تعيش في النصوص وحدها، وإنما تولد مرة أخرى في عقول الناس وذاكرتهم ومخيلتهم، وفي الحكايات التي يروونها، والصور التي يصنعونها، والشخصيات التي يرفعونها فوق منزلتها البشرية، والأماكن التي يضفون عليها المعنى، والطقوس التي يعيدون من خلالها بناء علاقتهم بالمقدس.

 السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل مشروع جاد لتجديد الفكر الديني لا يقتصر على: كيف نقرأ النص من جديد؟ بل يمتد إلى سؤال أعمق: كيف نقرأ المخيلة التي قرأت النص طوال قرون؟ في تقديري، كانت محاضرة الدكتور عبد الجبار الرفاعي هذا المساء من تلك المحاضرات التي لا تنتهي بانتهاء وقتها؛ لأنها لا تقدم إجابات جاهزة بقدر ما تترك في ذهن المستمع أسئلة جديدة. وهنا تتجلى قيمة الفكر الحقيقية حين نغادر المحاضرة ونحن نحمل أسئلة أكثر مما حملنا عند دخولها، وأن نعيد النظر في أشياء اعتدنا رؤيتها حتى حسبناها حقائق نهائية، فيما يكون بعضها نتاج تلك القوة العجيبة والخفية التي تحدث عنها الرفاعي طويلًا: قوة المتخيل وإنتاجه نسخة ثانية للدين غير ما ولد في عصر المؤسس.

***

د. تحسين الشخيلي

مقدمة: لا يظهر الجسد العراقي في الوشم بوصفه جسدًا واحدًا، ولا يمكن قراءة علاماته خارج الأمكنة التي نشأت فيها والبيئات التي احتضنتها والذاكرات التي منحتها معناها؛ فالجنوب ليس الوسط، والبادية ليست المدينة، والجبل ليس السهل، وأن العلامة التي تبدو متشابهة في شكلها قد تحمل في كل بيئة تاريخًا مختلفًا من الدلالة والاستعمال. غير أن الاختلاف الجغرافي لا ينبغي أن يحول الجسد العراقي إلى خريطة ثابتة لتوزيع الرموز، لأن الجغرافيا نفسها ليست ثابتة، والثقافة لا تقيم داخل حدود المكان إقامةً نهائية، بل تتحرك معه وعبره، فتنتقل العلامات بين الجماعات، وتغادر سياقاتها الأولى، وتدخل في سياقات جديدة تعيد تشكيل معناها.

من هنا يقترح هذا المقال الانتقال من أطلس الوشم إلى أطلس لعبور المعنى؛ أي من سؤال: أين يظهر هذا الرمز؟ إلى سؤال: كيف يتحرك هذا الرمز داخل الجغرافيا العراقية؟ وكيف تنتقل العلامة من بيئة إلى أخرى، ومن جماعة إلى أخرى، ومن الذاكرة المحلية إلى الذاكرة الفردية؟ فالجنوب، بما يحمله من علاقة كثيفة بالماء والخصوبة والأنوثة والذاكرة المحلية، لا يقدم مجرد مجموعة من الزخارف، بل يكشف عن نمط خاص في تكثيف المعنى؛ في حين تكشف مناطق الشمال والوسط والبادية عن علاقات أخرى تتصل بالجبل والقبيلة والانتماء والحركة والاختزال. وفي الحالتين لا تكون الجغرافيا خلفية للوشم، وإنما تدخل في إنتاج معناه.

وسيتحرك هذا المقال في بيئة الجنوب حصرا؛ للكشف عن الكثافة الرمزية التي تتمثل عند تقاطع الماء والخصوبة والذاكرة المحلية، فان البحث في الجنوب من العراق لا بوصفه مجرد إقليم جغرافي، بل بوصفه بنية حسية ورمزية تمثلت فيها علاقة الإنسان بالماء والجسد والإنجاب والأرض والمقدس، وهي علاقة ستتيح لنا لاحقًا الانتقال من جغرافيا الجنوب إلى رموزه، ومن الرمز إلى الجسد، ومن الجسد إلى الوشم، من غير أن نفترض استمرارية خطية بين القديم والمعاصر، بل نبحث عن قابلية الرمز للعبور والتحول.

1. الماء والأنوثة والخصوبة

إذا أردنا أن نبدأ من الجنوب، فلا ينبغي أن نبدأ من المدن وحدها، ولا من المعابد والقصور والنصوص التي حفظتها الكتابة، وإنما من ذلك العنصر الذي كان يسبق المدينة ويحيط بها ويمنحها إمكان وجودها: الماء. فالجنوب الرافديني لم يكن أرضًا مستقرة تنتظر الإنسان لكي يسكنها، وإنما كان فضاءً مائيًا متحركًا، تتداخل فيه الأنهار والفروع والمستنقعات والقصب والطين والفيضانات، وتتغير فيه الحدود بين اليابسة والماء بحسب المواسم وحركة النهر وتبدلات المناخ ومستوى البحر، ولذلك فإن الإنسان الذي نشأ في هذا المجال لم يكن يواجه الطبيعة بوصفها خلفية صامتة لحياته، بل كان يعيش داخل وسط متحرك يفرض عليه أن يفهم الماء بوصفه شرطًا للحياة، ومصدرًا للخطر، ومجالًا للرزق، ووسيطًا بين الأرض والخصوبة والمقدس.

وهنا تكتسب منطقة الأهوار الجنوبية أهمية تتجاوز الجغرافيا؛ فقد كانت أجزاء واسعة من السهل الرسوبي الجنوبي، منذ عصور مبكرة، بيئة مائية ومستنقعية ارتبطت بها مدن أور وأوروك وإريدو وغيرها، وتشير المعطيات الأثرية والبيئية إلى الأهوار وهي ليست «مكانًا» بالمعنى الساكن، وإنما نتيجة علاقات. النهر يدخل فيها، والريح تدخل فيها، والصحراء تدخل فيها، والكائنات الحية تدخل فيها، والمواد الكيميائية تدخل فيها، ثم تعيد الأهوار نفسها إنتاج مواد جديدة. ومن ثم فأن الأهوار لم تكن هامشًا بالنسبة إلى نشوء المجتمعات الجنوبية، بل كانت جزءًا من المجال الذي تمثلت فيه أنماط اقتصادية واجتماعية ودينية أساسية، حتى إن اليونسكو تؤكد أن الأهوار كانت مركزًا أساسيًا للاقتصاد والتصورات الدينية والرؤية الكونية لدى الثقافات المتعاقبة في جنوب بلاد الرافدين. ومن هنا يصبح الماء أكثر من مورد طبيعي؛ إنه وسط وجودي تمثلت داخله علاقة الإنسان بالأرض وبالجسد وبالخصوبة.

إن الجنوب، بهذا المعنى، لا يُفهم من خلال ثنائية اليابسة والماء، لأن الماء لم يكن نقيضًا للأرض بقدر ما كان أحد الشروط التي تجعل الأرض قابلة للحياة. فالفيضان لا يعني الماء وحده، وإنما يعني الرواسب والتربة وتجدد المجال الزراعي، والمستنقع لا يعني الماء الراكد فقط، وإنما يعني القصب والأسماك والطيور والحيوان وطرق الحركة والسكن والعمل، والنهر لا يعني مجرى مائيًا فحسب، وإنما يعني شبكة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والرمزية. وقد أظهرت الدراسات البيئية للأهوار الجنوبية أن دور الفيضانات الموسمية كان يتجاوز إمداد المنطقة بالماء إلى تجديد خصوبة التربة وترسيب الرواسب والتقليل من تراكم الأملاح، أي أن الماء كان يدخل مباشرة في دورة إنتاج الحياة.

ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين الماء والخصوبة بوصفها علاقة بنيوية قبل أن تكون علاقة رمزية؛ فالخصوبة لا تظهر في المخيال الرافديني من فراغ، وإنما تنبني فوق خبرة بيئية طويلة أدرك فيها الإنسان أن الحياة في الجنوب مرتبطة بحركة الماء، وأن الأرض لا تكون خصبة في ذاتها بصورة مطلقة، بل تصبح كذلك من خلال علاقتها بالماء. ولهذا فإن انتقال الماء من النهر إلى الحقل، ومن الحقل إلى النبات، ومن النبات إلى الحيوان والإنسان، كان يمكن أن يتحول في المخيال الديني إلى شبكة رمزية تجعل الماء جزءًا من قصة الخلق والتجدد والإنجاب.

وهنا تظهر الأنوثة داخل هذه البنية لا باعدها مجرد وصف بيولوجي للمرأة، وإنما بوصفها إحدى الصور الرمزية التي جرى من خلالها التفكير في القدرة على الإنبات والولادة والتجدد. غير أن الحذر المنهجي ضروري هنا؛ فلا ينبغي أن نختزل الأنوثة الرافدينية في صورة «الأم الكبرى» وحدها، ولا أن نفترض أن كل تصور للخصوبة كان مؤنثًا بصورة مطلقة، لأن النظام الديني الرافديني كان أكثر تعقيدًا، وكانت قوى الماء والنبات والخصوبة موزعة بين آلهة متعددة ووظائف متداخلة، كما أن إنانا، على سبيل المثال، لم تكن إلهة للخصوبة وحدها، بل ارتبطت أيضًا بالحب والسلطة والحرب والنجمة والكثير من الوظائف المتحولة داخل المخيال الرافديني.

ومع ذلك فإن العلاقة بين الأنوثة والخصوبة تظهر بقوة في عدد من التقاليد الرافدينية، خصوصًا عندما تصبح العلاقة بين إنانا ودوموزي جزءًا من تمثيل دورة الحياة والنبات والإنجاب والتجدد. وقد أظهرت الدراسات الأثرية للنقوش واللقى في مقبرة أور الملكية أن رموز الوفرة والخصوبة كانت حاضرة في الثقافة المادية، وأن بعض العناصر النباتية، مثل التمر وتجمعات الثمار والنخيل، ارتبطت رمزيًا بإنانا والوفرة والخصوبة. وهنا لا يكون الرمز مجرد صورة للطبيعة، بل يصبح طريقة ثقافية لإعادة صياغة العلاقة بين الطبيعة والحياة والجسد.

إن ما يهمنا في هذا السياق ليس أن نقول إن «الماء أنثى» أو إن «المرأة هي رمز الماء»، فهذه الصياغة ستكون تبسيطًا مفرطًا لتاريخ رمزي معقد، وإنما أن نبحث عن كيفية انتقال التجربة البيئية إلى اللغة الرمزية. فالإنسان الذي يعيش في بيئة يكون فيها الماء شرطًا للزرع والحياة، ويرى الأرض تستجيب للماء بالنبات، ويرى الحيوان والإنسان داخل الدورة نفسها، يمكن أن يعيد بناء هذه الخبرة في صور رمزية تجعل الخصوبة شبكة من العلاقات بين الماء والأرض والنبات والمرأة والآلهة. وهنا يبدأ العبور من الطبيعي إلى الثقافي.

فالماء في الطبيعة ليس رمزًا في ذاته؛ إنه ماء، لكنه يصبح رمزًا عندما يدخل في شبكة من المعاني التي يصنعها الإنسان. وكذلك المرأة ليست «رمزًا للخصوبة» بصورة طبيعية؛ إنما تصبح الأنوثة مرتبطة بالخصوبة عندما تقوم الثقافة بإدخال الجسد الأنثوي في منظومة رمزية أوسع تجعل الحمل والولادة والتجدد عناصر لفهم العالم نفسه. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: لماذا رمز الماء بالأنوثة؟ وإنما: كيف عبرت خبرة الماء والإنبات والولادة إلى بنية رمزية جعلت الخصوبة لغة لفهم العالم؟

هذه النقلة مهمة جدًا بالنسبة إلى فلسفة العبور، لأنها تكشف أن الرمز لا يولد جاهزًا في الطبيعة، وإنما يتشكل عند الحد الفاصل بين الإنسان والعالم. فالطبيعة تقدم المادة الحسية، والإنسان يمنحها القدرة على الدخول في شبكة من الدلالات، ثم تعود هذه الدلالات لتعيد تمثيل فهم الإنسان للطبيعة. إنها حركة ذهاب وإياب، الماء يؤثر في الإنسان، والإنسان يؤول الماء، والتأويل يعيد تشكيل صورة الماء في الثقافة.

ومن هنا يمكن فهم مكانة إريدو في تاريخ الجنوب الرافديني؛ فقد ارتبطت المدينة بإِنكي، إله المياه العذبة والحكمة والنظام، وكان الـ«أبسو» في التصورات الرافدينية مجالًا للمياه العذبة البدئية. وتشير المادة المتعلقة بتراث الأهوار إلى أن إنكي ارتبط بالمياه العذبة والأهوار والكائنات الحية التي تسكنها، بما يجعل الماء هنا جزءًا من تصور كوني وليس مجرد عنصر اقتصادي. وفي هذه النقطة يصبح الجنوب فضاءً تتداخل فيه البيئة والميتافيزيقا: فالماء الذي يشربه الإنسان ويسقي به أرضه يمكن أن يتحول في المخيال إلى أصل كوني للحياة.

ولا ينبغي أن نفهم هذا التحول باعده انتقالًا بسيطًا من «الطبيعة» إلى «الدين»، لأن الدين نفسه كان جزءًا من الطريقة التي كان بها المجتمع ينظم علاقته بالطبيعة. فالطقس، والأسطورة، والاحتفال، والزراعة، والسلطة، والمدينة، كلها كانت تتفاعل داخل منظومة واحدة، ولذلك فإن الماء يمكن أن يظهر في آن واحد بوصفه موردًا اقتصاديًا، وعنصرًا طقوسيًا، ورمزًا كونيًا، ومادة أساسية في الحياة اليومية.

ومن هنا أيضًا يمكن فهم الأنوثة بوصفها وسيطًا رمزيًا بين الماء والأرض والخصوبة. فالمرأة، في التجربة الإنسانية المباشرة، ترتبط بالولادة، لكن الثقافة تستطيع أن توسع هذه التجربة لتجعلها نموذجًا لفهم ولادة النبات، وتجدد الأرض، وعودة الحياة بعد الجفاف، ولذلك تصبح الأنوثة في بعض السياقات الدينية صورة للقدرة على الإنبات وإعادة إنتاج الحياة. غير أن هذه الصورة لا تظل ثابتة، بل تدخل في شبكة من علاقات السلطة والقرابة والمدينة والملك والطقس.

وهنا تظهر أهمية إنانا؛ فهي لا تمثل «المرأة الخصبة» في صورة أحادية، بل تكشف أن الأنوثة الرافدينية نفسها كانت فضاءً للقدرة والتحول. إنانا تجمع بين الحب والحرب والسلطة والخصوبة، وبين الرغبة والعنف، وبين الحياة والموت، ولذلك فإن حضورها يحررنا من القراءة الساذجة التي تجعل الأنوثة مرادفًا للولادة فقط. إن الأنوثة هنا قدرة على التحول، والخصوبة ليست مجرد إنتاج بيولوجي، وإنما قدرة على نقل العالم من حالة إلى حالة.

ولهذا فإن علاقتها بدوموزي تصبح ذات أهمية خاصة؛ فالثنائية ليست مجرد قصة حب إلهية، بل تدخل في تمثيل العلاقة بين النبات والموت والتجدد، وبين دورة الطبيعة ودورة المجتمع والطقس. وفي سياقات من «الزواج المقدس» ارتبط اتحاد إنانا ودوموزي بتجدد الخصوبة والنبات، بما يجعل الجسد والعلاقة الجنسية والإنبات الزراعي والشرعية الملكية أجزاء من بنية رمزية واحدة.

لكن الأهم بالنسبة إلى فلسفة العبور أن هذه البنية لا تعمل باتجاه واحد؛ فالطبيعة لا تتحول فقط إلى رمز، بل الرمز نفسه يعيد تنظيم رؤية الإنسان للطبيعة. عندما تصبح دورة الماء والنبات والولادة جزءًا من قصة كونية، فإن الإنسان لم يعد يرى الماء مجرد ماء، ولا الأرض مجرد تربة، ولا الجسد مجرد جسد؛ لقد أصبحت الأشياء محمولة على طبقات من المعنى. وهنا يظهر الجسد للمرة الأولى داخل هذا المسار بوصفه نقطة التقاء بين الماء والخصوبة والرمز.

فالجسد الإنساني نفسه مائي في تكوينه، وهو جسد يحتاج إلى الماء، وينمو من الغذاء، ويتغير مع الزمن، ويتكاثر، ويمرض ويشفى ويموت، ولذلك فإن التجربة الجسدية كانت من أقرب المجالات التي يمكن للإنسان من خلالها أن يفهم دورة الحياة. وإذا كان الجسد الأنثوي يحمل تجربة الحمل والولادة، فإن الثقافة تستطيع أن تنقل هذه التجربة إلى مستوى كوني، فتصبح الأرض «تلد»، والمياه «تحيي»، والنبات «يولد»، والخصوبة دورة تتجاوز الإنسان لتشمل العالم.

غير أن فلسفة العبور لا تتوقف عند التشابه بين الجسد والأرض، بل تسأل عن الحركة التي صنعت هذا التشابه. كيف انتقل معنى الولادة من الجسد إلى الأرض؟ كيف انتقل معنى الخصوبة من النبات إلى الجسد؟ كيف انتقل معنى الماء من مورد طبيعي إلى صورة كونية؟ وكيف عاد هذا كله ليظهر في الطقس والرمز والصورة والجسد؟ إنها سلسلة من العبور المتبادل، لا يمكن فيها تحديد نقطة بداية نهائية ونقطة نهاية نهائية.

ولهذا فإن الجنوب الرافديني يمكن قراءته بوصفه مختبرًا مبكرًا للرمزية البيئية؛ ليس بمعنى أن سكان الجنوب امتلكوا «فلسفة بيئية» بالمفهوم الحديث، وإنما بمعنى أن حياتهم كانت شديدة الارتباط بالوسط المائي بحيث أصبح هذا الوسط جزءًا من الاقتصاد والدين والخيال والذاكرة. فالطبيعة لم تكن خارج الثقافة، والثقافة لم تكن منفصلة عن الطبيعة، بل كانتا تدخلان في علاقات متبادلة أعادت تمثيل كل منهما؛ لكن هذا الاستمرار لا ينبغي أن يُفهم باعده دليلًا على أن كل ممارسة معاصرة هي بقايا مباشرة لممارسة سومرية؛ فمثل هذه الدعوى تحتاج إلى إثبات تاريخي مستقل، لكن ما يمكن قوله بثقة أكبر هو أن الوسط البيئي نفسه كان قادرًا على إعادة إنتاج أنماط من العلاقة بين الماء والعمل والجسد والذاكرة. وهنا نصل إلى مفهوم مهم في مشروعنا: الجنوب بوصفه وسطًا عابرًا.

فالجنوب ليس مكانًا ثابتًا تنتقل داخله الرموز فحسب، بل هو وسط تتحرك فيه المياه والطمي والقصب والأسماك والناس والسلع والأفكار والآلهة والطقوس. إنه مجال تكون فيه الحدود نفسها متحركة؛ فاليابسة تتغير، والماء يتراجع ويتقدم، والجزيرة تظهر وتختفي، والقناة تتغير، والمستنقع يتسع وينكمش، ولذلك فإن الثقافة التي تتمثل داخله تكون أكثر قابلية لتصور العالم بوصفه دورة وحركة وتجددًا. ومن ثم يمكن أن نفهم الخصوبة لا بوصفها «كثرة الإنتاج» فقط، بل باعدها قدرة العالم على الانتقال من حالة إلى حالة. الماء يعبر. والبذرة تعبر إلى نبات. والنبات يعبر إلى غذاء. والغذاء يعبر إلى جسد. والجسد يعبر إلى نسل. والنسل يعبر إلى جماعة. والجماعة تعبر إلى ذاكرة. ثم تتحول الذاكرة إلى رمز. وبذلك تصبح الخصوبة، في أعمق مستوياتها، شكلًا من أشكال العبور.

ومن هذه الزاوية يمكن إعادة قراءة العلاقة بين الماء والأنوثة والخصوبة بعيدًا عن التفسير الرمزي؛ فالماء ليس مجرد «رمز للحياة»، والأنوثة ليست مجرد «رمز للولادة»، والخصوبة ليست مجرد «كثرة النسل»، وإنما تتمثل هذه العناصر داخل منظومة أوسع يكون فيها الوجود نفسه عملية انتقال وتجدد.

وهذا يقربنا من جوهر فلسفة العبور: فالحياة لا تكون حية؛ لأنها تحافظ على صورتها، وإنما لأنها تستمر عبر التحول. والماء هو المثال الأكثر وضوحًا؛ فهو لا يبقى ماءً بالطريقة نفسها، بل يتبخر ويتكاثف وينزل ويتحرك ويدخل الأرض والنبات والجسد ثم يعود إلى الدورة من جديد. ولذلك فإن الماء يقدم، قبل أن يصبح رمزًا، نموذجًا طبيعيًا للوجود بوصفه حركة.

وإذا كان الجسد في يظهر بوصفه حاملًا للأثر ووسيطًا للعبور، فإن الجنوب يتيح لنا أن نعيده إلى بيئته الأولى: الجسد الذي يعيش من الماء، ويتمثل داخل دورة الخصوبة، ويتحول إلى رمز كما يتحول الماء إلى حياة.

ومن هنا يصبح الوشم، جزءًا من سلسلة أطول بكثير من مجرد تاريخ الزخرفة الجسدية؛ إذ إن الرمز الذي يصل إلى الجلد لا يصل إليه مباشرة من الماضي، وإنما يمر عبر طبقات من الطبيعة والثقافة والدين والذاكرة والهوية. وما يهمنا ليس إثبات أن وشمًا معاصرًا هو «وشم سومري» أو أن رمزًا حديثًا هو نسخة من رمز قديم، بل اكتشاف الكيفية التي يستطيع بها الرمز أن يعبر من عالم إلى آخر، ومن بيئة إلى جسد، ومن ذاكرة جماعية إلى هوية فردية. وهنا يمكن تثبيت النتيجة الأولى:

الماء في الجنوب لم يكن مجرد مادة للحياة، بل كان وسطًا تمثلت داخله تصورات الخصوبة والتجدد؛ والأنوثة لم تكن مجرد صورة بيولوجية للولادة، بل أصبحت في بعض البنى الرمزية وسيطًا للتفكير في قدرة العالم على إنتاج الحياة؛ أما الخصوبة فلم تكن مجرد كثرة، بل كانت صورة مبكرة للصيرورة، أي لقدرة الموجود على أن يعبر من حالة إلى حالة. وبذلك يصبح الجنوب؛ إنه أصل جغرافي لفكرة العبور نفسها.

فالماء يعبر الأرض، والأرض تستجيب للماء، والخصوبة تنشأ من العلاقة، والجسد يدخل في الدورة، والرمز يمنح هذه الدورة قابلية للذاكرة.

ومن الماء تبدأ الحكاية، لا لأن الماء هو «الأصل الوحيد» لكل شيء، وإنما لأنه يكشف لنا أن الجنوب الذي ستظهر فيه المدينة والكتابة والمعبد والأسطورة لم يكن فضاءً ثابتًا، بل عالمًا متحركًا، وأن الإنسان الجنوبي لم يبنِ رموزه فوق أرض صامتة، وإنما داخل بيئة كان عليه أن يتعلم فيها، منذ البداية، كيف يعيش مع ما يعبر.

2. الذاكرة المحلية

في هذه النقطة ينبغي ألا نتعامل مع «الذاكرة المحلية» بوصفها مجرد بقايا من الماضي أو مخزونًا من الرموز الشعبية، بل بوصفها ذاكرة حية يعاد إنتاجها داخل المكان والجسد والممارسة، ومن ثم نرى من الضروري ان لا تُفهم الذاكرة المحلية بوصفها صورة محفوظة لماضٍ انتهى، ولا بوصفها مستودعًا مغلقًا للرموز والعادات التي تنتظر من يستعيدها، وإنما بوصفها شكلًا من أشكال الحضور المتجدد للماضي داخل الحياة اليومية، حيث تستمر الأشياء لا لأنها بقيت على صورتها الأولى، وإنما لأنها وجدت طرقًا جديدة للظهور والتداول وإعادة المعنى. وفي هذا السياق يكتسب الوشم أهميته بوصفه واحدًا من المواضع التي يمكن أن تتجسد فيها الذاكرة المحلية، لأن العلامة التي تستقر على الجسد لا تحمل الماضي خارج سياقه، بل تدخل به في علاقة جديدة مع الحاضر، فيصبح الجسد نفسه وسيطًا بين ما كان وما هو كائن، وبين الذاكرة التي جاءت من الجماعة والمعنى الذي يعيد الفرد إنتاجه داخل تجربته الخاصة.

فالذاكرة المحلية لا تسكن الأمكنة وحدها، وإن كانت مرتبطة بها ارتباطًا عميقًا، وإنما تسكن أيضًا الأجساد واللغات والطقوس والأسماء والأشكال والعلامات. والمكان، في هذا المعنى، ليس مجرد مساحة جغرافية تستضيف الذاكرة، بل هو أحد الشروط التي تمنحها شكلها ودلالتها. فالعلامة التي تظهر في بيئة معينة لا تنفصل عن تاريخ تلك البيئة، ولا عن طبيعة علاقاتها الاجتماعية، ولا عن صور الحياة التي تمثلت فيها، ولذلك فإن قراءة الوشم المحلي لا تبدأ من السؤال عن شكله فقط، وإنما من السؤال عن الذاكرة التي جعلت هذا الشكل ممكنًا، وعن التجارب التي منحته قابليته لأن يصبح علامة قابلة للحفظ والتداول.

وفي السياق العراقي، تكتسب الذاكرة المحلية تعقيدًا خاصًا بسبب تعدد البيئات التاريخية والاجتماعية التي تمثلت داخلها التجربة الثقافية؛ فذاكرة الجنوب ليست نسخة من ذاكرة الشمال، وذاكرة الريف لا تتطابق مع ذاكرة المدينة، كما أن الذاكرة العشائرية أو النسوية أو المهنية أو العائلية يمكن أن تنتج لكل منها طرائق مختلفة في تمثيل الماضي واستحضاره. وهذا لا يعني وجود ذواكر منفصلة بصورة تامة، وإنما يعني أن الذاكرة الواحدة يمكن أن تتخذ أشكالًا متعددة بحسب المكان والجماعة والتجربة. ومن هنا فإن الوشم المحلي ينبغي أن يُقرأ ضمن شبكة من العلاقات التي تجعل العلامة جزءًا من ذاكرة مكانية واجتماعية، لا بوصفها رمزًا معزولًا يمكن تفسيره خارج البيئة التي أنتجته.

ولذلك يمكن النظر إلى الوشم في بعض سياقاته التقليدية بوصفه ذاكرة مجسدة؛ فهو قد يحمل أثر الانتماء، أو يستعيد رمزًا ارتبط بالجماعة، أو يعبّر عن علاقة بالمكان، أو يخلّد تجربة شخصية، أو يمنح الجسد قدرة على الاحتفاظ بشيء تخشى الذاكرة الشفوية أن تفقده. غير أن هذه الوظيفة لا تعني أن الوشم يحفظ الذاكرة بصورة كاملة، لأن العلامة نفسها تختار وتختزل وتعيد ترتيب ما تريد أن تحتفظ به. وما يُكتب على الجسد ليس الماضي كله، وإنما جزء منه جرى تحويله إلى صورة قابلة للحمل. ومن هنا يصبح الوشم فعلًا من أفعال انتقاء الذاكرة بقدر ما هو فعل من أفعال حفظها.

وهذا الانتقاء يكشف البعد العابر للذاكرة المحلية؛ فما ينتقل من الجماعة إلى الجسد لا يعبر دون تغيير، لأن الفرد الذي يحمل العلامة يمنحها تجربته الخاصة، وقد يكون الرمز الذي كان يدل على معنى جماعي في سياقه الأول قد اكتسب عند الفرد دلالة عاطفية أو جمالية أو شخصية جديدة. وهنا لا تختفي الذاكرة المحلية، وإنما تتغير طريقة وجودها. إنها تنتقل من الذاكرة المشتركة إلى الذاكرة الفردية، ومن المجال الاجتماعي إلى الجسد، ومن العلامة المتداولة داخل الجماعة إلى علامة تحمل سيرة صاحبها.

ولهذا فإن استمرارية الذاكرة المحلية لا ينبغي أن تُقاس بمدى تطابق العلامة الحديثة مع صورتها القديمة، لأن هذا النوع من القياس يفترض أن الذاكرة لا تستمر إلا إذا بقيت ثابتة، في حين تكشف تجربة الوشم عكس ذلك. فقد تستمر الذاكرة حتى عندما يتغير شكل الرمز، وقد يبقى أثرها حتى عندما تتغير وظيفته، وقد تنتقل دلالتها من الطقس إلى الجمال، ومن الجماعة إلى الفرد، ومن الموروث إلى الاختيار. إن ما يستمر ليس بالضرورة الشكل، وإنما القدرة على إنتاج المعنى داخل سياق جديد.

ومن هنا يمكن القول إن الذاكرة المحلية ليست شيئًا يقع خلف الحاضر، وإنما قوة تعمل داخله. إنها تظهر كلما استعاد الإنسان رمزًا من بيئته، أو أعاد استعمال شكل موروث، أو منح علامة قديمة معنى جديدًا، أو حمل على جسده أثرًا يتصل بمكان أو جماعة أو تجربة. وبذلك يصبح الجسد واحدًا من أهم مواقع الذاكرة المحلية، لا لأنه يحفظها كما تحفظ الوثيقة حدثًا تاريخيًا، وإنما لأنه يسمح لها بأن تعيش في صورة متحولة. فالوشم حين يعبر من الذاكرة الجماعية إلى الجسد الفردي لا يفقد محليته بالضرورة، بل يعيد تعريف المحلي نفسه بوصفه شيئًا يمكن أن ينتقل ويتحول.

وهنا تلتقي الذاكرة المحلية مع مفهوم الهوية العابرة، فالهوية لا تتمثل من ذاكرة واحدة مغلقة، وإنما من مسارات متعددة تعبر فيها الذات بين المكان والجماعة والتاريخ والتجربة الشخصية. والوشم يكشف هذه الحركة بوضوح، لأنه يجعل الذاكرة المحلية قابلة للحمل، ويجعل المكان حاضرًا في جسد قد يغادر المكان، ويجعل الرمز قادرًا على الانتقال من بيئته الأولى إلى بيئات جديدة دون أن يفقد بالضرورة كل علاقته بأصله.

وبذلك لا تكون الذاكرة المحلية نقيضًا للعبور، بل تكون إحدى صوره؛ فالذاكرة التي لا تستطيع العبور تتحول إلى أثر مغلق، أما الذاكرة التي تستطيع أن تنتقل من المكان إلى الجسد، ومن الجماعة إلى الفرد، ومن الماضي إلى الحاضر، فإنها تظل حية لأنها تظل قابلة لإعادة التمثيل. ومن هنا يمكن أن نفهم الوشم بوصفه إحدى تقنيات الذاكرة المحلية، لا لأنه يحفظ الماضي على الجلد، وإنما لأنه يمنح الماضي إمكانية أن يعبر إلى الحاضر في صورة جديدة.

فالعلامة المحلية لا تستمر لأنها بقيت في مكانها، وإنما لأنها استطاعت أن تتحرك دون أن تفقد قدرتها على إنتاج المعنى؛ والجسد لا يحفظ المكان كما هو، وإنما يحمل أثره إلى مكان آخر؛ والذاكرة لا تبقى حية لأنها ترفض التغيير، وإنما لأنها تجد في التغيير وسيلة جديدة للاستمرار. وهنا بالضبط تبدأ الذاكرة المحلية في التحول من مجرد ماضٍ مشترك إلى ذاكرة عابرة، أي ذاكرة تستطيع أن تنتقل بين المكان والجسد، وبين الجماعة والفرد، وبين ما ورثناه وما نعيد اختياره.

3. الرمز الكثيف

ينبغي أن تأتي هذه النقطة بوصفه ذروة مقالنا هذا؛ فإذا كانت الذاكرة المحلية هي المجال الذي يحفظ علاقة العلامة بالمكان، فإن الرمز الكثيف هو اللحظة التي تتكثف فيها طبقات متعددة من المكان والتاريخ والانتماء والتجربة داخل علامة واحدة، من دون افتراض أن لها معنى واحدًا نهائيًا.

إذا كانت الذاكرة المحلية تمنح العلامة سياقها، فإن الرمز هو الذي يمنح هذه الذاكرة قابلية الظهور والانتقال، غير أن بعض الرموز لا تؤدي وظيفة الإشارة إلى معنى واحد بقدر ما تختزن في داخلها طبقات متعددة من المعاني والتجارب والذكريات، حتى تبدو العلامة الصغيرة وكأنها تحمل وراءها عالمًا ثقافيًا كاملًا. ومن هنا يمكن الحديث عن الرمز الكثيف، لا بمعنى الرمز الذي يصعب فهمه، وإنما بمعنى الرمز الذي تتراكم داخله دلالات متعددة، بحيث لا يمكن اختزاله في تفسير واحد، لأن كل قراءة له تكشف طبقة من طبقاته دون أن تستنفد إمكاناته.

والوشم، في بعض سياقاته المحلية، يقدم مثالًا واضحًا على هذه الكثافة الرمزية؛ فالعلامة التي تبدو بسيطة في شكلها قد ترتبط بالمكان والذاكرة والانتماء والجمال والأنوثة والطقس والتجربة الشخصية، وقد تتغير دلالتها بحسب من يحملها، والبيئة التي تظهر فيها، واللحظة التاريخية التي تُقرأ من خلالها. ولذلك فإن محاولة اختزال الوشم في معنى قاموسي ثابت تفقده الجزء الأكبر من قوته الثقافية، لأن الرمز لا يعمل منفردًا، وإنما داخل شبكة من العلاقات التي تمنحه دلالته وتسمح له في الوقت نفسه بأن يتجاوزها.

إن كثافة الرمز تبدأ من علاقته بالجسد. فالرمز حين يكون على ورق أو حجر أو جدار يمكن أن يُقرأ بوصفه علامة منفصلة نسبيًا عن الشخص الذي يراه، أما حين يستقر على الجلد فإنه يدخل في علاقة مباشرة مع صاحب الجسد، ويصبح جزءًا من سيرته ومن حضوره الاجتماعي. وهنا تتداخل دلالة الرمز مع دلالة الجسد نفسه؛ فلا تعود العلامة تشير إلى شيء خارجها فقط، وإنما تصبح جزءًا من تعريف صاحبها وموقعه داخل جماعته. ولهذا فإن الوشم يمكن أن يجمع في مساحة صغيرة ما لا يمكن للنص الطويل أن يجمعه بالضرورة: علامة على الانتماء، وأثرًا للذاكرة، وإشارة إلى الجمال، وتعبيرًا عن التجربة، وربما أثرًا لطقس أو معتقد.

وهذه الكثافة لا تعني أن كل من يحمل الرمز يقرأه بالطريقة نفسها. فالرمز يعيش من خلال تعدد القراءات، وما يمنحه قوته ليس امتلاكه معنى واحدًا، وإنما قابليته لأن يدخل في علاقات جديدة. قد يكون الرمز في سياقه الأول مرتبطًا بجماعة أو ممارسة معينة، ثم ينتقل إلى فرد فيكتسب دلالة شخصية، وقد يعبر إلى بيئة أخرى فيصبح علامة على الاختلاف أو الغرابة، ثم يعاد اكتشافه في سياق فني أو جمالي، فيظهر بوصفه عنصرًا من عناصر الزينة. وفي كل مرة لا يختفي المعنى السابق بالضرورة، وإنما تضاف إليه طبقة جديدة. وهنا تتكون الكثافة: المعنى لا يُستبدل دائمًا، بل يتراكم.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم الرمز المحلي باعتباره نقطة التقاء بين أزمنة متعددة. فالعلامة قد تحمل أثرًا من الماضي، لكنها تظهر في الحاضر، وقد يقرأها جيل جديد بطريقة تختلف عن قراءة الجيل السابق لها، ومع ذلك تظل هناك صلة ما بين الطبقات. إن الرمز لا يعمل كوثيقة تعيد الماضي كاملًا، وإنما كأثر يتيح للماضي أن يدخل الحاضر بصورة مجتزأة ومتحولة. ولذلك فإن ما نراه على الجلد ليس الماضي نفسه، وإنما حضورًا معاصرًا لشيء ينتمي جزئيًا إلى ماضٍ سابق. وهذه المسافة بين الأصل والحضور هي التي تجعل الرمز مجالًا للتأويل.

وإذا كان الرمز الكثيف يجمع بين المكان والتاريخ والجسد، فإنه يجمع أيضًا بين الجماعة والفرد. ففي الوشم التقليدي يمكن أن تكون العلامة جزءًا من نظام رمزي مشترك، بحيث يعرف أفراد الجماعة ما تشير إليه، وتفهم داخل منظومة من العادات والتقاليد والانتماءات. لكن حين يحملها الفرد، فإنها لا تبقى ملكًا للجماعة وحدها، لأن الجسد الفردي يعيد امتلاكها وتأويلها. وبذلك يتحول الرمز من علامة جماعية إلى علامة شخصية دون أن يفقد بالضرورة أثره الجماعي. وهذا أحد أهم أشكال العبور التي يكشفها الوشم: انتقال الرمز من الذاكرة المشتركة إلى السيرة الفردية.

وتزداد كثافة الرمز عندما تتغير علاقته بالمكان. فالعلامة المحلية تكون في بدايتها شديدة الارتباط بالبيئة التي أنتجتها، لكن الإنسان يستطيع أن يحملها معه عندما يغادر تلك البيئة، فيتحول الجسد إلى مكان جديد للذاكرة. وهنا يحدث أمر بالغ الأهمية فلسفيًا: المكان لا يعود شرطًا وحيدًا لبقاء الرمز، لأن الجسد يستطيع أن يصبح حاملًا للمكان. فالذي يغادر القرية أو الريف أو الجماعة لا يغادر بالضرورة كل ما كان يربطه بها؛ يمكن أن يحمل بعض آثارها معه، فتنتقل الذاكرة من جغرافيا المكان إلى جغرافيا الجسد. وبذلك يصبح الوشم وسيلة لنقل المحلي خارج محليته الأولى.

وهذه الحركة تكشف أن كثافة الرمز ليست كثافة في المعنى فقط، وإنما كثافة في مسارات العبور. فالعلامة يمكن أن تعبر من المكان إلى الجسد، ومن الجسد إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الهوية، ومن الجماعة إلى الفرد. وكل عبور يضيف إليها إمكانًا جديدًا، ولذلك لا ينبغي البحث عن «المعنى الحقيقي» للرمز كما لو كان موجودًا في نقطة أصلية ثابتة، بل ينبغي تتبع ما يحدث له في رحلته بين السياقات. إن الرمز لا يكتسب قوته من كونه مغلقًا، وإنما من قدرته على أن يحمل طبقات مختلفة دون أن يفقد قابليته لأن يُقرأ من جديد.

ومن هنا أيضًا ينبغي الحذر من إسقاط معانٍ معاصرة على رموز قديمة أو افتراض استمرارية تاريخية مباشرة لمجرد التشابه في الشكل. فالتشابه قد يكون نقطة بداية للسؤال، لكنه ليس دليلًا كافيًا على وحدة المعنى أو استمرارية الرمز. إن المنظور العابر لا يسأل فقط: هل هذا الرمز هو نفسه؟ وإنما يسأل: ما الذي حدث للرمز أثناء عبوره؟ وما الذي فقده؟ وما الذي اكتسبه؟ وأي سياق جديد منحه معنى مختلفًا؟ بهذه الطريقة يصبح التحليل أكثر قدرة على التمييز بين الاستمرار الحقيقي وبين مجرد التشابه البصري، وبين الذاكرة الثقافية وبين اختراع الذاكرة بأثر رجعي.

والرمز الكثيف، بهذا المعنى، ليس رمزًا ساكنًا تتراكم حوله المعاني من الخارج، وإنما هو بنية حية يعاد إنتاجها كلما دخلت في علاقة جديدة. إنه أشبه بنقطة تتقاطع فيها خطوط متعددة: خط المكان، وخط التاريخ، وخط الجسد، وخط الجماعة، وخط الفرد. وكلما عبر الرمز من خط إلى آخر تغيرت زاوية ظهوره، لكن ذلك التغير لا يعني بالضرورة فقدان هويته، بل يمكن أن يكون هو نفسه شرط استمرارها.

وهنا يمكن القول إن كثافة الرمز هي إحدى صور التعدد السيال للهوية الجسدية؛ فالهوية التي يحملها الجسد لا تأتي من مصدر واحد، وإنما تتكون من طبقات متداخلة من الانتماءات والذكريات والتجارب والاختيارات. والوشم يكثف هذه الطبقات في علامة واحدة، ولذلك فإن الجسد الموشوم لا يقدم لنا هوية جاهزة، بل يقدم نصًا متعدد الطبقات يحتاج إلى القراءة والتأويل. ومن ثم يصبح الرمز الكثيف مدخلًا لفهم الجسد لا بوصفه سطحًا مكتوبًا فقط، وإنما بوصفه فضاءً تتجاور داخله أزمنة وثقافات وانتماءات مختلفة.

وعليه، فإن الرمز لا يستمد قدرته على البقاء من ثبات معناه، بل من قدرته على حمل التحول. وكلما استطاع أن ينتقل من سياق إلى آخر دون أن ينغلق على قراءة واحدة، أصبح أكثر قابلية للاستمرار. ومن هنا تتأكد فلسفة العبور في صورتها الأولى داخل تجربة الوشم: العلامة المحلية لا تعيش لأنها بقيت في مكانها، والرمز لا يستمر لأنه احتفظ بمعناه الأول، وإنما لأن كليهما استطاع أن يعبر من سياق إلى سياق، وأن يحمل بعض ماضيه إلى حاضر مختلف، وأن يفتح لنفسه إمكانًا جديدًا للظهور.

فالرمز الكثيف هو في النهاية ذاكرة مضغوطة في علامة، وتاريخ متجسد في صورة، وانتماء قابل للحركة، ومعنى لا يكتمل إلا بعبوره. ومن هذه النقطة يمكن الانتقال من الجنوب بوصفه مجالًا لتكثيف الذاكرة والرمز إلى البيئات العراقية الأخرى، حيث لا تختفي العلامة، وإنما تتغير طرائق تكثيفها للهوية والانتماء والمكان، لتكشف أن الجسد العراقي لا يحمل رموزًا متعددة فحسب، بل يحمل مسارات متعددة لعبور المعنى.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

يبدو أن استشهادي بآراء ميشيل فوكو في مقال الأسبوع الماضي، قد أخذ الفكرة نحو منحى النقد الموجَّه لهذا الفيلسوف، لا سيما القول إن تنظيره يؤول في نهاية المطاف إلى رؤية عدمية، وفي أحسن الأحوال نسبية مغالية.

والرؤيتان كلتاهما موضع نقد عند الأخلاقيين. أما العدمية فهي -بتبسيط شديد- تنفي كل الثوابت. فليس ثمة معرفة يقينية، ولا معنى مطابقاً لموضوعه، ولا حقيقة قائمة بذاتها، ولا قيمة يمكن الاستناد إليها كمعيار قطعي. ومن هنا فما نظنه غاية أو فضيلة أخلاقية، هي مجرد اعتبارات صنعناها. فإذا تخلينا عنها انتهت وزالت قيمتها، كأنها موضات الملابس وموديلات السيارات التي لها قيمة ما دام الناس مقبلين عليها، فإذا تركوها بعد زمن ذهبت للهامش.

وعليه، فلا يوجد فعل صائب وفعل خطأ؛ لأنه لا يوجد معيار قطعي نعتمده في التمييز بين هذا وذاك.

خلاصة الرؤية العدمية إذن: أنه لا شيء يستحق الاهتمام، ولا شيء يستحق الغضب.

أما النسبية فهي لا تنفي الثوابت ولا القيم العليا؛ بل تعاملها كثوابت محلية. أي أنه لا توجد قيمة كونية اسمها العدل ولا الحرية ولا الأخوة ولا الإحسان ولا النظام؛ بل لكل جماعة وبلد وزمن ودين مفهوم خاص للعدل، قد يشبه مفهومه عند الجماعات الأخرى والأزمنة الأخرى أو يخالفها. وكذا معاني الأفعال والصواب والخطأ... إلخ.

وهذا يخالف ما تعارفت عليه مختلف الثقافات، من وجود مجموعة محددة من القيم المجردة، متعالية على كل الثقافات وعابرة للأزمان، وهي علامة ضرورية لتعريف الوجود الإنساني وتمييزه عن بقية المخلوقات. إن قيماً مثل العدل والإحسان والكرم والتكافل والحرية والنظام ليست مشروطة بزمن بعينه، ولا دين ولا جماعة ولا حضارة بعينها؛ بل هي صحيحة دائماً وضرورية دائماً، ولولاها لفقدت الحياة الإنسانية أبرز معانيها.

ويقول دارسو فلسفة ميشيل فوكو إنه لم ينكر عالمية القيم، ولا يصح وصفه بالنسبية فضلاً عن العدمية، ولكنه أراد توجيه الأنظار إلى الأهمية الكبرى لتاريخ المعرفة، وخيوط التجربة التاريخية التي تسهم في تشكيل الواقع، حتى لو لم نلتفت لتأثيرها في الوقت المناسب. كما أراد توجيه الباحثين للتحول الجوهري في طبيعة السلطة الحديثة التي ما عادت تمارس العنف العاري على طريقة الدولة القديمة؛ بل استبدلت به تنظيم المجتمع وتوزيع الأدوار وتقسيم العمل، على نحو يرضي الغالبية، ولكنه في الوقت نفسه يقلص استقلاليتهم، ويحوِّل المجتمع إلى ما يشبه ماكينة إنتاج كبيرة، يعمل كل جزء فيها بطريقة ميكانيكية أو شبه ميكانيكية، من دون أن يتوقف أحدنا يوماً ليسأل: هل هذه هي الحياة التي أردت أن أعيشها حقاً؟

وأرى أن فوكو قد أصاب في رؤيته لتاريخ المعرفة، وتحوُّل المفاهيم وانتقالها من حقل دلالي إلى آخر، وتأثير الظروف الحياتية على فهم المجتمعات لذاتها، والمعاني المرتبطة بأفعالها. ولكن لعله بالغ في التقليل من دور «العقل المنشئ» وفق تعبير أندريه لالاند (1876- 1963) أو العقل النظري بتسمية الفلسفة القديمة.

وفقاً لرؤية لالاند، الفيلسوف الفرنسي المعاصر، يقوم «العقل المنشئ» بدور المراقب والناقد لمحتويات الذاكرة، أي ما استقر في ذهن الإنسان وبات قاعدة للتفكير.

في كل عقل إنساني ثمة جانب «منشئ» يبتكر الحلول الإبداعية، ويحرر الإنسان من أسر القناعات القديمة والمسَلَّمات الاجتماعية. لولا هذا العقل المتمرد، لما وُجدت فكرة جديدة، وما وُجد إبداع يخالف السائد. ويشهد تاريخ البشرية بأن الإنسان لم يتوقف يوماً عن التغيير والإبداع. وهذا بذاته دليل على أن العقل الذي صنعته التجربة التاريخية والمحيط الاجتماعي -وفق تصوير فوكو- ليس قدَراً ولا هو صورة نهائية. فهو -رغم قوته ورسوخه- لا يستطيع مجابهة العقل الآخر (المنشئ).

السؤال إذن ليس ما إذا كانت رؤية فوكو صائبة أم خاطئة؛ بل ما إذا كان الإنسان يسمح لعقله المنشئ بالقيام بدوره المفترض أم لا.

***

د. توفيق السيف

 

اعتادت البشرية على إسقاط المعاني على مفردات الطبيعة من حولها، وهي إذْ تستنطِقُها تحاول الولوج إلى ما وراء الأشياء؛ لعل ذلك لقناعة خفيّة متراكمة فينا مفادُها: أنه لا تنفكُّ الطبيعة تخفي شيئا وراء ما تُظهره لنا منها! فيُهَيَّأ لنا أنها ألِسنةٌ تخاطبنا بأعمق المعاني عن الوجود، متجاوزةً بذلك كيانها المادي وأبعاد مظهرها البادي.

واحدة من بُنيّات الطبيعة، مما أخذ بمجامعي، ولم أستطع تخطّيها بدون أن أخطّ فيها، شجرة البانيان (Banyan)، هذه الشجرة تستوطن أصالةً شبه القارة الهندية، وما يميّز هذه الشجرة الأعجوبة أنّها تنزل من أغصانها على  الدوام جذورٌ هوائية تتوغّل في الأرض، لتصبح جذوعا تسند امتداد الأغصان من جهة، وجذورا تمتص الغذاء والماء من التربة من جهة أخرى! فيمتد الانتشار الأفقي للشجرة الواحدة أغصانًا وجذوعًا وجذورا هوائية وجذورا أرضية، على رقعة شاسعة من الأرض، إذ يمكن لشجرة واحدة أن تشكّل لوحدها غابة متكاملة! فمثلا في شجرة البانيان العظيمة في كولكاتا بالهند، وصل عدد الجذور النازلة من الأغصان ما يربو على ثلاثة آلاف جذر، وبارتفاع يصل إلى ثمانية عشر مترا.

هذه الظاهرة البيئية الفريدة استوقفتني جدا، وجعلتني أستخلص منها فلسفاتٍ عدّة كعادتنا حين نلصق المعاني على جبين الأشياء عنوةً وربما استجابة! فلسفات تُلهمنا منظورا نعيش حياتنا بمقتضاها، وفي ذلك امتدادٌ للإنسان لنَسَق الطبيعة.

من هذه الفلسفات أنّ التوسّع يستلزم دعامة موارد، فكما أن شجرة البانيان تمد أغصانها لمسافات شاسعة، فهي ترسل جذورها من هذه التفرعات الغصنية إلى الأرض دعامةً فيزيائية؛ ليتحمّل ثقل التمدد، وقناةً للتموين؛ لتضمن حاجة الأغصان الممتدة من الغذاء، موارد تواكب المَدى، وهكذا يحيلنا على أهمية تهيئة الموارد عند إرادة التوسع سواءً أكان فردا أو مؤسسة أو دولة، أو أكانت مهام شخصية أو علاقات اجتماعية أو مشاريع مادية، إذْ لا بدّ من فحص مواردنا من وقت وطاقة وجهد وانتباه وميزانية، أما من يقفز على هذه القاعدة ويتوسع بدون حساب دقيق لموارده التي تضمن له استدامة توسّعه، فهذا التمدّد حتميّ التبدّد.

ومنها - أي الفلسفات المُستلهَمة - هذا الفرع الذي مدّ جذره الهوائي نحو الأرض، والذي أصبح جذعا متينا فيما بعد، ليس بغصن هامشي؛ لأنه عرف اتجاهه، واتخذ خيارا موفّقًا، وهكذا نحن  - بني البشر - مهما كنا فروعا لا تكاد يُؤْبَه لها، غير أننا حين نتبنّى خيارا مدروسا بعناية يمكن أن نكتب فصلا عظيما في روايتنا، تتجاوز كوننا فرعا من شجرة إلى غابة بأسرها، ففِعلُ النموّ في وسع الجميع، ولكن وجهة النمو ووظيفته ومنتهاه، يحدد مصير هذا النمو، فما هي مصائرنا من دون اختياراتنا في الحياة؟

ومنها، أن ظاهرة شجرة البانيان تعيد تذكيرنا بأنّنا ننطوي على إمكانياتٍ داخلية للنموّ، بل وننضَوي على حظ وافر منها، لكننا ما نفتأ ننظر بعيدا في الخارج، ورغم أنّ تكافلنا مع بني جنسنا ضروري، إلا أنّ ذلك يجب ألّا يحيد بنا عن التفتيش عن إمكاناتنا الذاتية وتوظيفها نحو أعلى كفاية ذاتية يتأتّى الوصول إليها، فمن المؤسف حقا أن يبحث نجّار عمّن يصلح مندوسَه، لا لشيء سوى أنه لا يعرف أنه نجّار في قرارة نفسه، إننا ممتلئون بإمكانيات مطمورة بفعل البيئة وضحالة الوعي والانجرار خلف التبعية وضعف التقدير الذاتي، وهي تنتظر منّا أن ننبُشَنا بأيدٍ من يقين وجِدّ، نعم من العبث أن يسري إلينا الوهم بأنّنا مُكْتفون، إلا أنّ فينا الكثير جدا مما لم نلتف إليه أصلا، ولم نعتقد أنه بحوزتنا يوما، ونتّكئ على غيرنا فيه، كمتسوّل يلبس نعلين من ذهب ظانا أنهما خردة طول عمره، ولك أنْ تتخيّل كم من الوقت والجهد ستدخّر حينما تُفعّل إمكانيّاتك الذاتية كليّةً؟ وكم من المنافع التي ستنُولها إذَّاك؟

وعلى غِرار ما أصَّله الفيلسوف الإيراني الفرنسي داريوش شايْغان تَبَعًا للكاتبَين الفرنسيين دولوز وغاتاري من وصف الهُوية بالريزويمة(1) نسبة للنباتات الجذمورية التي تتفرّع سيقانها أفقيا تحت الأرض مرسلة جذورها التي تمتد لاحقا براعمَ تنمو نباتات جديدة فوق سطح الأرض، ورغم أني متيّمٌ بتأصيل شايْغان عن الهُوية، إلا أنّ شجرة البانيان أراها الوصف الألصق بماهية الهُوية؛ إذْ إن تشابكاتها ليست تلاقيًا عند الأصول تحت الأرض فحسب، بل حتى الفروع في السماء تتشعّب وتتعقّد هي الأخرى كذلك، فلا تعرف السابق منها من اللاحق، فهذه الخُلطة الهُويّاتية التي نعيشها اليوم، خُلطة أصولٍ، وتمثله الجذور الأرضية، وخُلطة فروع، وتمثّله الجذور الهوائية، وهذا ينطبق تماما على ما تمثّله شجرة البانيان؛ ولذا أفضّل وصف الهُويّة الإنسانية بالهُوية البانيانية، ولا أعتقد أنّ أحدًا سبقني إلى ذلك، وهذا الوصف يحمل في تضاعيفه مفهوما صادما وهو أنّ الهُويّة جذرها الأول هو الإنسان تماما كجذر شجرة البانيان الأول، وعليه؛ فالهُويّة بما حُمِّلَت من دلالات جماعية تنحو نحو الانفصال، مجرد وهم يُجلَب لحماية قناعات جماعية معيّنة، أما الحقيقة الصاخبة فهي أنّ هُويتنا هي بمثابة أعراقنا، لا يوجد عرق نقي، بل خليطٌ من أعراق شتّى، كل ما في الأمر، أنّ بعض الأعراق مكثت فيما بينها مدة متطاولة، على أنّ عالَم اليوم لا يُعاش بهُوية موروثة تؤطر حركتنا بقدر ما يُعاش بمنظور ينطلق من الإنسانية ويمتد إلى أبعد مَدى من رحاب الكون الفسيح، متبنّيًا أيًا من الخيارات المتاحة، بل ومولّدًا خياراتٍ أخرى، ومتجاوزًا مما يراه من خياراته الأولى.

وأختم بهذه الفلسفة المدهشة، من أنّ مراحلنا اللاحقة يجب ألّا تكون مجرد نسخة كبيرة من مراحلنا المبكرة، تماما كشجرة البانيان فالشجرة المعمّرة منها ليست مجرد نسخة كبرى منها حينما كانت في سنينها الأولى، خلافا لبقية الأشجار، بل نسخةٌ معادٌ تشكيلُها على نحو لم تكن لتتعرّف على نسختها الأولية بادئ ذي بدء، وهكذا ينبغي لنا أن نكون بني البشر، أفرادًا نعيد تشكيلَنا بتجاربنا في الحياة إلى أقصى حدود ما نستطيع، ويالِعِظَم ما نستطيع! إنك لا تندهش من زميل جمعتكما مقاعد الدراسة، ثم لقيته بعد عقدين، لم يتغير منه إلا الجسم والشيب هنا وهناك، وبالكاد قد تغيّر نمط استجابته في الحياة، مثلما يدهشك ذاك الذي أصبح شخصية جامحة خلعت من ربقتها إسار نسختها البالية، واستقبلت الحياة بأقصى تجلّياتها، عمقا وتشعُّبا ودَهْشة، حتى بالكاد عرفت أنه هو هو!

وأني لَأجزم أنك حين تُنْعم النظر وتُمْعنه أكثر فأكثر في شجرة البانيان، فسَتَعْتَمِلُ فيك إشراقاتُ فلسفاتٍ أُخَر بحسب استعدادك الذهني في تَمَثُّل المعاني في الأشياء، فلسفات تتجسّد رِفادةً لكتابة قصة حياتك بأفضل حبكة ممكنة، إنّ ما حولنا لا يكفّ عن توجيهنا، غير أنّ هذا التوجيه بحاجة إلى بصيرة تجيد الاستقبال، وأما صُمّ الحجر فلا تنفعه غزارة الغيث ولو هبطت عليه السماء، هذا ما يحاول أن يقوله لنا هذا الجذر الهابط من السماء!

***

محمـــد سيـــف

........................

الهوامش:

داريوش شايْغان - الأصنام الذهنية، الفوات التاريخي، النفس المبتورة، د. خديجة زتيلي، ص61 ،62، دار فضاءات للنشر والتوزيع، الأردن، ط:1، 2021.

صراعٌ ما بين أعمق عُقد البشرية

(نحن لا نكون قط أضعف عرضة للمعاناة مما حين نحب، ولا قط أشد عجزاً عن السعادة مما حين نفقد موضوع حبنا أو نفقد من نحب)... سيغموند فرويد- كتاب قلق في الحضارة (Civilization and Its Discontents) نُشر عام 1930.

مقدمة لفهم البنية الفكرية لمدرّسة التحليل النفسي تتطلب تفكيك الافتراض المركزي الذي بنيت عليه؛ فـ سيغموند فرويد لم ينظر للإنسان باعتباره كائناً عقلانياً خالصاً يحركهُ الوعي والإرادة الحرة، بل بوصفه ميداناً لصراع خفي بين قوى غريزية عملاقة ورغبات مكبوتة تسكن "اللاوعي". الفلسفة الفرويدية تتأرجح بين الحتمية البيولوجية والاقتصاد النفسي، حيث تُدار الحياة البشرية بدوافع غير قابلة للمحو تُعرف بـ "الغرائز" (Trieb)، وأبرزها دافع الحياة ودافع الموت. من هنا، لا يُدرس أي سلوك بشري أو شعور إنساني بمعزل عن جذوره الغريزية ومساراته المعقدة داخل الجهاز النفسي، مما يجعل فهم مفاهيم كـ "الحب" و"العقد" مدخلاً أساسياً لكشف البناء الخفي للشخصية الإنسانية

الإطار المفاهيمي للحب عند فرويد (الاقتصاد الليبيدي)

يغوص التحليل النفسي الفرويدي في أعماق الاقتصاد الليبيدي للحب رافضاً أي تصور ميتافيزيقي أو مثالي للعاطفة الرومانسية، ليختزلها في حركة ديناميكية لطاقة غريزية حية تُعرف بـ الليبيدو، والتي تتحرك باستمرار صعوداً وهبوطاً بين الداخل والخارج في محاولة مستمرة من الجهاز النفسي لتحقيق التوازن وسط عالم مليء بالإحباطات والتوترات. في بداية المسار الوجودي للإنسان، تتمركز هذه الطاقة حصراً في الذات ضمن ما يُعرف بـ النرجسية الأولية، حيث يكون الفرد هو موضوعه العاطفي الوحيد، ولا وجود لاعتبار حقيقي للآخر إلا كصورة باهتة أو امتداد تكميلي لإشباع الحاجات البيولوجية البحتة. ومع التقدم في النمو والنضج، تفرض الواقعية الاقتصادية للنفس وطأة ضغوطها، فتضطر الأنا إلى تحرير جزء من هذا المخزون الليبيدي الضخم وتوجيهه نحو الخارج، لتستقر هذه الطاقة على موضوع خارجي محدد؛ سواء كان شريكاً عاطفياً، أو فكرة، أو حتى منظومة قيمية. هنا، يتحول الحب بمعناه الفرويدي إلى عملية استثمار طاقي وإزاحة دقيقة لمسار الرغبة، بحيث يضحى الشريك عبارة عن محطة خارجية تركد فيها طاقة الليبيدو المركزة. وهذا يفسر لِمَ يكون الارتباط العاطفي العميق محفوفاً دائماً بخطر الانهيار أو الألم؛ إذ إن سحب هذه الطاقة أو فقدان موضوعها الخارجي يعيد توجيهها بعنف نحو الداخل، مهدداً الأنا بانهيار نرجسي مدمر أو باكتئاب عميق ينتج عن عودة الليبيدو المتضخمة لتتمركز حول ذات عاجزة عن استيعاب حجم الفقدان أو التحرر من أسر الاستثمار القديم. وبذلك، يصبح الحب في جوهره الفرويدي صراعاً اقتصادياً مستمراً بين الرغبة في حماية الذات من خلال تقليص التعلق بالخارج، وبين الضرورة الغريزية الجامحة للاندماج مع الآخر عبر تضحية جزئية بالطاقة الليبيدية المتمركزة حول الأن

الجذور اللاواعية وعقد الطفولة (أوديب نموذجاً)

تنتقل البنية الفكرية للتحليل النفسي في تفكيكها لظاهرة الحب من التجريد الاقتصادي للطاقة إلى مسرح الحياة النفسية العميقة، حيث يُفكك الارتباط الرومانسي ليكشف عن كونه محاولة مستمرة لإعادة إنتاج دراما الطفولة المبكرة بعيداً عن أي تصور ساذج للصدفة أو التوافق العقلاني البحت. يرسخ هذا الاتجاه القناعة بأن الوعي العاطفي للإنسان محكوم بشبكة معقدة من الرغبات المكبوتة والمخاوف المتأصلة في "عقدة أوديب" للذكور أو "عقدة إلكترا" للإناث، حيث لا يختبر الطفل العاطفة بوصفها بريئة ونقية، بل بوصفها رغبة تملكية وإقصائية تستهدف الوالد المفضل في مواجهة الوالد الآخر الذي يمثل منافساً حقيقياً وتهديداً وجودياً. يترك هذا الصراع المبكر بصمة أبدية على الجهاز النفسي تدفع الإنسان في مرحلة البلوغ للبحث بلا وعي عن شخص يمثل "البديل الرمزي" لموضوع الحب الأول، لتصبح العلاقة العاطفية في الكبر مجرد محاولة لإعادة تمثيل ذلك السيناريو القديم أملاً في الحصول على القبول والإشباع المفقود. غير أن هذا البحث يظل محفوفاً بالتوتر الداخلي، والخوف من الفقد، والشعور الدفين بالذنب المرتبط بـ "عقدة الخصاء" والتهديدات الرمزية للاوعي، الأمر الذي يجعل الغيرة، والتملك، والخوف من الهجر مكونات خفية تتداخل بلا فصل مع مشاعر المودة عند الوقوع في الحب. وعليه، يتحول الحب الرومانسي الناضج في مدرسة فرويد إلى ساحة معركة خفية تتأرجح بين رغبة التحرر واستعادة فردية الذات وبين الحنين الدفين للعودة إلى دفء الطفولة وحماية الوالدين، مما يفسر الطبيعة المعقدة للعلاقات البشرية التي غالباً ما تتأرجح بين النشوة العارمة والانهيار النفسي العمي

ثنائية الحب ونقيضه في التحليل النفسي

تتجاوز المقاربة الفرويدية للبنية العاطفية الثنائيات البسيطة التي تحصر نقيض الحب في الكراهية المطلقة وحدها، لتقدم فهماً هيكلياً معقداً يتوزع عبر ثلاثة أبعاد متمايزة تعكس تطور الجهاز النفسي واستجاباته المتتالية للواقع. يبرز في البعد الأول اللامبالاة أو الحياد (Indifference) بوصفه النقيض التاريخي والأنطولوجي الأقدم للحب، حيث لا يشعر الكائن في بدايات الوجود النفسي ومرحلة النرجسية الأولية بأي ارتباط تجاه العالم الخارجي، لتتمركز الذات حصراً بوصفها مركز الكون وغايته بينما تقع البيئة والآخرون في منطقة من الفراغ النفسي والتجاهل المطلق. ومع نمو الأنا وإدراكها لصدمات الواقع الخارجي ومصادر الإزعاج، يظهر النقيض الثاني متمثلاً في الكراهية (Hate) ارتباطاً بجدلية اللذة واللاذة، لتتجه الأنا نحو كل ما يحقق لها الإشباع وتتجنب أو تقصي كل ما يهدد استقرارها. أما البعد الثالث فيتمثل في وضعية التبادل بين "أن يحب الإنسان" في مقابل "أن يكون محبوباً"، وهي ثنائية تعكس سعي الأنا المستمر لتلقي الطاقة الليبيدية وتغذية نرجسيتها بقدر ما تسعى لمنحها. وتتوج هذه الأبعاد بظاهرة "ازدواجية المشاعر" (Ambivalence) التي تؤكد التواجد المتزامن للحب والكراهية تجاه نفس الموضوع، مما يفسر التحولات الدراماتيكية والانقلابات الحادة في العلاقات البشرية حين يتحول التعلق العنيف إلى خصومة عميقة بفعل آليات الدفاع النفسي

حتمية الحب واستحالة الانسلاخ البشري

تتوج المنظومة الميتاپسيكولوجية الفرويدية بتأكيدها الحاسم على أن الحب ليس مجرد خيار عاطفي عابر أو رفاهية اجتماعية قابلة للاستغناء، بل هو قيد بيولوجي ونفسي أصيل في بنية الكائن البشري يستحيل الانسلاخ منه كلياً. يتأسس هذا الاستنتاج على الصراع الأبدي بين الغرائز الكبرى، وتحديداً التوتر المستمر بين دافع الحياة إيروس (Eros) المتمثل في النزع نحو التجمع، والتوحد، وبناء الروابط عبر استثمار الطاقة الليبيدية في الآخرين، وبين دافع الموت ثاناتوس (Thanatos) الذي يعمل صامتاً على تفكيك الكيان النفسي والجسدي وإعادته إلى حالته الأولى غير العضوية. في خضم هذا الصراع، يبرز الحب باعتباره أعظم أسلحة إيروس وأكثرها كفاءة في صد قوى الفناء والعدوان ومقاومة شعور الإنسان بالوحدة الوجودية المطلقة. من هذا المنطلق، تصبح محاولة الانسلاخ التام عن شباك التعلق واهية ومستحيلة، فلو اختار الفرد العزلة ورفض الانخراط في العلاقات حمايةً لذاته، فإن طاقة الليبيدو لا تفنى بل ترتد بوحشية نحو الداخل لتتجسد في أعراض عصابية واضطرابات مدمرة. وعليه، يظل الحب الثمن الباهظ الذي يدفعه الإنسان نظير بقائه النفسي واكتماله العضوي؛ إنه التوتر الأبدي المحرك للوجود البشري بين ألم التعلق وخطر الفقد في مهب توازنات دقيقة تحكمها الرغبة في الحياة والنزوع الخفي نحو الموت.

***

ئاريان علي

 

يُمثّل التمييز المعرفي بين فقه الأمس وفقه العصر أحد أدق المحاور الفكرية في مسيرة التجديد الحضاري الإسلامي، وهي إشكالية تتجاوز في جوهرها مجرد البحث في الفروع والجزئيات التعبدية المحدودة لتلامس عمق المنهج المعرفي وآليات تفعيله في سياقات تاريخية واجتماعية متبدلة. إنّ القضية الجوهرية هنا لا تكمن في المفاضلة المفاهيمية بين زمنين، ولا في الدعوة إلى قطع إبستيمولوجي مع التراث، كما أنّها لا تعني التماهي المطلق مع معطيات الحداثة؛ بل تتلخص في رصد الفجوة المنهجية الحاصلة بين أدوات فكرية فُصّلت تاريخياً لاستيعاب واقع اجتماعي معين، وبين واقع معاصر يتسم بالتركيب والسيولة والشبكية المعقدة.

وحين نعود بالنظر إلى المنجز الفقهي والتراثي العريض الذي صاغه الأئمة الأعلام عبر العصور المتقدمة، نكتشف أننا لسنا أمام مجرد مدونات جامدة، بل أمام نموذج معرفي حيوي تميز بقدرة فائقة على مواكبة حركة المجتمع والدولة في تلك الحِقب. وتتجلى عبقرية فقه الأمس في ارتباط أحكامه وفروعه ببيئتها الحاضنة؛ فلم يكن الفقه القديم فقهًا نظريًا معلقًا في الفضاء أو مجرداً عن شروط الواقع، بل كان وليد الأسئلة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لعصره، حيث اختلفت النوازل باختلاف الجغرافيا والأعراف المحلية، ممّا يؤكد أنّ الفقيه التراثي كان مدركاً تماماً للصلة الوثيقة بين النص والواقع. إنّ الإرث الحقيقي الذي تركه فقه الأمس ليس الأحكام الجزئية في المعاملات التاريخية التي قد يتغير مناطها كلياً اليوم، بل هو علم أصول الفقه، وتلك الآلة المنهجية الصارمة التي قعّدت لنظرية المصالح، ومقاصد الشريعة، وسد الذرائع، ومراعاة المآلات، ممّا يعني أنّ الأقدمين تركوا لنا دليلاً منهجياً للتفكير وصناعة الأحكام، ولم يتركوها كقوالب جامدة صالحة لكل زمان ومكان، حيث نجحوا في إحداث توازن ذكي بين القطعيات المحكمة التي تشكل الهوية الأخلاقية للأمة، وبين الظنيات المتغيرة التي تركها الوحي مرنة لتتسع لتبدل الأحوال والبيئات.

وتكمن الأزمة الفكرية المعاصرة في تحول هذا المنجز التاريخي المتميز من منهج مرن للتفكير والاستنباط إلى مخزن مكتنز بالإجابات الجاهزة، حيث أحدثت محاولات إسقاط إجابات الأمس التاريخية على أسئلة الحاضر المركبة فجوة معرفية وتطبيقية حادة في الواقع الحديث الذي لا يشبه في بنيته الهيكلية الواقع الذي تحرك فيه فقه الأمس. لقد انتقل العالم اليوم من نمط المجتمعات التقليدية البسيطة ذات العلاقات المباشرة والأبعاد الأحادية، إلى عصر المنظومات المعقدة، فلم تعد القضايا الفردية المنعزلة هي المحرك الأساسي للمجتمع، بل النظم الشاملة والشبكات المعقدة التي تحكم الدولة الحديثة بآلياتها التشريعية والرقابية، والنظام الفكري القائم على المركزية الغربية، والاقتصاد الرقمي الشبكي العابر للحدود، والثورة التكنولوجية المتسارعة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى الأزمات الكونية الكبرى مثل التغير المناخي والإنهاك البيئي الشامل الذي يهدد الوجود البشري نتيجة لغياب البُعد الأخلاقي والقيمي في نماذج التنمية والإنتاج المعاصرة. وأمام هذا التعقيد الهيكلي، يغدو الاجتهاد الفردي الجزئي القائم على قياس فرع حديث على فرع قديم قاصراً عن إدراك كنه الظواهر وسياقاتها الحقيقية ومآلاتها المجتمعية.

من هنا، فإنّ التأسيس لفقه العصر المأمول لا يعني بالضرورة تبسيط الأحكام أو التحلل من ثوابت الدين وقيمه الإنسانية الكبرى إرضاءً لثقافة العولمة الاستهلاكية، بل هو عملية تجديد بنيوية تعيد قراءة النصوص وتنزيلها في ضوء الكليات والمقاصد العامة، ممّا يتطلب تحولاً حاسماً نحو الرؤية المنظومية الكلية بدلاً من النظر إلى الوقائع كنوازل فردية معزولة، ويتعين على فقه العصر التعامل مع الظواهر كبنيات متكاملة يربط بعضها بعضاً. وفي هذا السياق، لم يعد مفهوم حفظ النفس أو المال أو العقل مقتصراً على الحماية الفردية المباشرة في حدودها الدنيا، بل يجب أن يتسع في فقه العصر ليشمل كليات حديثة ملحة مثل حفظ الكرامة الإنسانية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان الأمن البيئي، وحماية الهويات الثقافية من التذويب القسري. ولمّا كان الفقيه المعاصر غير قادر بمفرده على الإحاطة بمشكلات العصر الاقتصادية والعلمية، يصبح الفقه البيني المشترك الذي يزاوج بين علم النص الشرعي وعلوم الواقع، كعلم الاجتماع والفلسفة والاقتصاد والعلوم البيئية والطبيعية، ضرورة لازبة تتكامل فيها خبرة الفقيه مع عالم الاجتماع والمهندس والخبير الاقتصادي لصياغة حكم يستوعب الواقع ويحقق المصلحة الحقيقية للبشرية.

وفي المحصلة، فإنّ العلاقة المثلى والمثمرة بين فقه الأمس وفقه العصر ليست علاقة صراع إلغائي أو نفي متبادل، بل هي علاقة تكاملية تبادلية محكومة بقاعدة الاتصال في المنهج وقواعد التفكير، والانفصال الفكري في السياق والشروط التاريخية. نحن اليوم بحاجة ماسة إلى استلهام الروح الاجتهادية الحية لأدوات الأمس وقواعدها الكلية الأصيلة، بالتوازي مع امتلاك الشجاعة الفكرية التامة لترك الإجابات التاريخية التي انتهت صلاحيتها الوظيفية بانتهاء سياقها المجتمعي القديم، ومن ثم العمل الجاد على صياغة بدائل فقهية وفكرية معاصرة قادرة على الاستجابة للتحديات الراهنة، حيث يظل فقه العصر المتجدد هو السبيل الوحيد لإعادة الفكر الإسلامي إلى قلب الدورة الحضارية العالمية، ليكون شريكاً حقيقياً في تقديم حلول أخلاقية وإنسانية منقذة للأزمات الحادة التي يمر بها عالمنا المعاصر

***

د. مولاي أحمد صابر

 

الفيلسوف الذي جعل من التمرد سؤالا ومن الإنسان قضية

في زمن كثرت فيه الأسماء حتى كادت الأسماء تطمس أصحابها، وكثر المتحدثون حتى أصبح ممكنا أن يصنع المرء حضورا صاخبا دون أن يترك وراءه فكرة واحدة جديرة بالبقاء، تصبح العودة إلى معنى المثقف الحقيقي ضرورة وليست ترفا.

فليس الفيلسوف من يحفظ تاريخ الفلسفة، وإنما من يستطيع أن يجعل هذا التاريخ سؤالا حيا في وجه عصره. وليس المفكر من يملأ رفوف المكتبات بالكتب، وإنما من يترك في عقل قارئه شقوقا صغيرة يتسلل منها ضوء جديد.

في المشهد الثقافي، ثمة فرق بين من يحتل مساحة ومن يصنع مساحة، وبين من يضيف اسمه إلى المشهد ومن يضيف إلى المشهد معنى. الأول تصنعه المنابر، أما الثاني فتصنعه الأسئلة.

ومن هذه الزاوية تبدو تجربة حسن حماد جديرة بأن تقرأ لا باعتبارها تجربة أستاذ جامعي أو صاحب مؤلفات متعددة فحسب، وإنما باعتبارها مشروعا فكريا ظل، عبر عقود، منشغلا بسؤال الإنسان: اغترابه، وحريته، وتمرده، وبحثه عن المعنى والخلاص.

وتكشف مسيرته الأكاديمية عن تكوين فلسفي عميق بدأ باهتمامه بإريك فروم، ثم اتجه في أطروحته للدكتوراه إلى النظرية النقدية عند هربرت ماركيوز. وهذا الاختيار المبكر لم يكن تفصيلا أكاديميا عابرا، فقد ترك أثره الواضح في مساره الفلسفي اللاحق.

وربما يكون سؤال الإنسان هو المفتاح الأهم لفهم عالم حسن حماد.

فالإنسان عنده ليس مفهوما مجردا يسكن الكتب، وإنما كائن مأزوم يبحث عن ذاته، ويصطدم بالسلطة، ويخاف الحرية أحيانا، ويبحث عن معنى لوجوده، ويحاول أن يفلت من كل البنى التي تحوله إلى مجرد تابع أو رقم داخل منظومة أكبر منه.

ومن هنا يمكن فهم انتقاله من الاغتراب عند إريك فروم إلى النظرية النقدية عند ماركيوز، ثم إلى الاغتراب الوجودي واليوتوبيا والأمل والسعادة والمعنى. فهذه الموضوعات، على اختلاف عناوينها، ليست جزرًا منفصلة في مشروعه، وإنما محطات على طريق سؤال واحد: كيف يستطيع الإنسان أن يستعيد ذاته في عالم يعمل باستمرار على انتزاعها منه؟

في كتاباته عن الاغتراب، يصبح الإنسان كائنا مهددا بفقدان ذاته. وفي حديثه عن اليوتوبيا والأمل، يبدأ البحث عن إمكانية تجاوز هذا الاغتراب. وهنا تتضح إحدى أهم سمات مشروعه: أنه لا يكتفي بتشخيص مأزق الإنسان، وإنما يبحث عن إمكانات الخروج منه.

وهذا هو المعنى الذي يأخذ عنده فكرة التمرد إلى مستوى فلسفي.

فالتمرد ليس مجرد رفض غاضب للواقع، وليس رغبة في الهدم من أجل الهدم، وإنما هو القدرة على إدراك أن الواقع القائم ليس بالضرورة هو الواقع الممكن، وأن ما اعتدناه ليس بالضرورة ما يجب أن يبقى.

ولهذا جاءت قراءته لهربرت ماركيوز في كتابه «هربرت ماركيوز.. فيلسوف النفي والتحرر» امتدادا طبيعيا لهذا المنظور، حيث يتناول علاقة النفي والتحرر والتمرد والثورة في فلسفة ماركيوز. فالنفي هنا لا يعني إنكار العالم، وإنما فتح إمكانية عالم آخر.

وهنا تكمن إحدى الوظائف الكبرى للفلسفة: أن تمنح الإنسان القدرة على تخيل ما لم يوجد بعد.

أن تقول له إن التاريخ ليس سجنا، وإن السلطة ليست قدرا، وإن الموروث ليس فوق السؤال، وإن الحقيقة لا تتحول إلى حقيقة لأنها تملك القوة، وإن الإنسان لا ينبغي أن يفقد حقه في التفكير لمجرد أن الآخرين سبقوه إلى الإجابة.

ومن هذه الأرضية نفهم لماذا أصبحت فكرة التمرد مركزية في تجربة حسن حماد.

إن الفلسفة، في قراءته، ليست مخزنا للأجوبة، وإنما ممارسة نقدية مستمرة؛ إنها تلك القدرة على مساءلة ما يبدو بديهيا، وكشف ما تختبئ خلفه السلطة، والبحث عما يغيب خلف الكلمات الكبيرة: الدين، والأخلاق، والتقاليد، والسياسة، والجمال، والحرية.

لكن مشروع حسن حماد لا يقف عند حدود الرفض.

وهذه نقطة مهمة في فهم تجربته.

فبعد أن يسأل: لماذا يغترب الإنسان؟ ينتقل إلى السؤال الأصعب: كيف يمكن أن يستعيد ذاته؟

ومن هنا جاءت أعماله حول «الخيال اليوتوبي»، و«آفاق الأمل»، و«بحثا عن المعنى والسعادة واليوتوبيا». فاليوتوبيا عنده ليست حلما ساذجا، وإنما فعل مقاومة لفكرة أن الواقع القائم هو نهاية الممكن، والأمل ليس مجرد حالة وجدانية، وإنما قدرة الإنسان على تصور مستقبل مختلف.

ومن هنا أيضا جاء اهتمامه بالفن وعلم الجمال.

فالفن عند حسن حماد ليس منفصلا عن أسئلة الحياة، وإنما إحدى إمكانات مقاومة الاغتراب والعبث. وفي «الخلاص بالفن.. التراجيديا نموذجا»، و«النقد الفني وعلم الجمال»، ودراساته للفن التشكيلي المصري، يواصل السؤال الفلسفي نفسه بلغة الجمال: هل يستطيع الفن أن يمنح الإنسان لحظة تحرر من عالم يثقل وجوده؟ وهل يمكن للجمال أن يقاوم القبح؟ وهل تستطيع التراجيديا أن تحول الألم من مجرد معاناة إلى معرفة؟

وهنا تتصل فلسفة الفن عنده بفلسفة الإنسان اتصالا عميقا؛ فالفن ليس موضوعا خارج الإنسان، وإنما إحدى الطرق التي يحاول بها الإنسان أن يفهم وجوده وأن يمنح الفوضى معنى.

ويبلغ هذا المسار ذروة لافتة في كتابه «محنة العبث ورحلة البحث عن خلاص.. قراءة وجودية في أدب نجيب محفوظ»، الذي حصل على جائزة الدولة التشجيعية عام 2014. وفي هذا العمل لا يصبح نجيب محفوظ مجرد روائي كبير، وإنما فضاء فلسفيا لقراءة مأزق الإنسان، والعبث، والبحث عن المعنى والخلاص.

ثم يخرج حسن حماد من سؤال الإنسان الفرد إلى سؤال الإنسان داخل المجتمع، حيث السلطة والمقدس والأيديولوجيا.

وهنا تصبح كتاباته عن التكفير والأصوليات والعنف المقدس امتدادا منطقيا لمشروعه، لا قطيعة معه.

في «ذهنية التكفير.. الأصوليات الإسلامية والعنف المقدس» يشتبك مع واحدة من أخطر صور إغلاق العقل: حين تتحول القناعة إلى يقين مطلق، ويتحول امتلاك الحقيقة إلى حق في إلغاء المختلف.

المسألة عنده، إذن، ليست خلافا في الأفكار فحسب، وإنما سؤال عن البنية التي تسمح للإنسان بأن يمنح نفسه سلطة الحكم على الآخرين، وأن يحول الاختلاف من حق إنساني إلى جريمة.

ثم يأتي «دوائر التحريم.. السلطة والجسد والمقدس» ليقترب من منطقة أكثر تعقيدا: العلاقة بين السلطة والجسد والمقدس، وكيف يمكن للتحريم حين يتحول إلى منظومة اجتماعية مغلقة أن يصبح أداة للسيطرة على الإنسان، لا مجرد تعبير عن اختيار أخلاقي أو ديني.

وفي «المقدس والسياسة» يواصل هذا الاشتباك مع واحدة من أكثر القضايا التباسا في الاجتماع العربي: أين ينتهي المقدس وتبدأ السياسة؟ وكيف يتحول المقدس، حين يدخل مجال الصراع على السلطة، من قيمة روحية إلى أداة سياسية؟

وهكذا تتسع خريطة مشروعه شيئا فشيئا.

من فروم إلى ماركيوز، ومن الاغتراب إلى الأمل، ومن اليوتوبيا إلى الفن، ومن الفن إلى العبث، ومن نجيب محفوظ إلى سؤال الخلاص، ومن التكفير إلى المقدس، ومن المقدس إلى السياسة والسلطة.

وعند هذه النقطة تحديدا يصبح من الخطأ قراءة حسن حماد باعتباره كاتبا في موضوعات متعددة.

إننا أمام مشروع له خيط داخلي واضح: الدفاع عن الإنسان في مواجهة كل ما ينتقص من حريته، ويصادر عقله، ويغلق أمامه إمكانات السؤال.

وهذا ما يفسر أيضا حضوره في المشهد الثقافي المصري؛ فالفلسفة عنده لم تكن نشاطا أكاديميا محصورا داخل الجامعة، وإنما معرفة ينبغي أن تعود إلى المجال العام، إلى المجتمع، إلى الأسئلة التي تؤرق الإنسان خارج قاعات الدرس ومصطلحات الكتب.

وقد تنوعت مؤلفاته بين الفلسفة الوجودية والنظرية النقدية وفلسفة الفن والجمال وقضايا الاغتراب واليوتوبيا، وصولا إلى قضايا السلطة والتكفير والمقدس والسياسة، بما يكشف عن مشروع واسع لا يجمعه عنوان واحد بقدر ما تجمعه رؤية واحدة للإنسان.

ولذلك فإن قيمة حسن حماد لا تكمن في عدد كتبه وحده، ولا في المناصب الأكاديمية التي شغلها، وإنما في قدرته على تحويل الفلسفة من معرفة مغلقة إلى سؤال مفتوح، ومن تاريخ للأفكار إلى أداة لفهم الحاضر.

إنه ينتمي إلى ذلك النوع النادر من المثقفين الذين لا يكتفون بأن يعرفوا ماذا قال الفلاسفة، وإنما يسألون: ماذا يمكن أن تفعل الفلسفة بنا الآن؟

وهنا تحديدا تكمن أهمية تجربته.

فهو لا يكتب عن الإنسان من الخارج، وإنما يبحث عن الإنسان داخل المفاهيم: الإنسان خلف السلطة، وخلف المقدس، وخلف الأيديولوجيا، وخلف الاغتراب، وخلف الخوف، وحتى خلف الفن والجمال.

ومن ثم فإن مشروعه كله يمكن أن يقرأ باعتباره رحلة طويلة لاستعادة الإنسان من الأشياء التي صادرته.

الاغتراب كان سؤالا عن فقدان الذات.

واليوتوبيا كانت بحثا عن الممكن.

والأمل كان مقاومة لليأس.

والفن كان محاولة للخلاص من العبث.

ونقد التكفير كان دفاعا عن حق الاختلاف.

ونقد السلطة كان دفاعا عن الحرية.

أما التمرد، فكان الخيط الذي يصل كل ذلك بعضه ببعض.

ولهذا أرى أن حسن حماد واحد من أهم فلاسفة العصر الحديث الذين حملوا هم الإنسان، ولم يتعاملوا مع الفلسفة بوصفها ترفا ذهنيا أو زينة أكاديمية، وإنما بوصفها مسؤولية تجاه العقل والحرية والإنسان.

لقد حاول أن يعيد للفلسفة وظيفتها الأولى: أن تسأل حين يصمت الجميع، وأن تشكك حين يتحول الشك إلى جريمة، وأن تفتح النوافذ حين تتحول الأفكار إلى جدران، وأن تخرج من أسوار الجامعة إلى فضاء المجتمع، حيث تبدأ الأسئلة الحقيقية وحيث يصبح التفكير ضرورة لا ترفا.

وحين نقرأ تجربته كاملة، ندرك أن التمرد عند حسن حماد ليس موقفا عابرا، وإنما هو طريقة في النظر إلى العالم؛ أن ترفض أن تكون عبدا لفكرة لم تختبرها، أو أسيرا ليقين لم تختره، أو تابعا لسلطة تخاف من السؤال.

وهنا يصبح الفيلسوف، في أعمق معانيه، ليس ذلك الذي يمتلك الإجابة، وإنما ذلك الذي يمنع الإجابة من أن تتحول إلى سجن.

لقد ظل مشروعه وفيا للإنسان: يبحث عنه حين يغترب، ويدافع عنه حين تقهره السلطة، ويستعيد حريته حين يحاصره المقدس، ويمنحه الأمل حين يثقل عليه العبث، ويمنحه الفن حين يعجز الواقع عن منحه الخلاص.

وربما لهذا تحديدا كان التمرد في فلسفته ليس خروجًا على العالم، بل محاولة لإنقاذ الإنسان من أن يتحول إلى نسخة مما يريد العالم أن يكونه.

ربما حسن حماد هو ذلك الفيلسوف الذي لم يجعل من الفلسفة مقبرة للأفكار، وإنما جعل منها مساحة حية للقلق والسؤال والحرية.

لهذا سيبقى حسن حماد، في المشهد الفلسفي والثقافي المصري، أكثر من أستاذ للفلسفة وأكثر من صاحب مؤلفات؛ سيبقى واحدا من أولئك الذين جعلوا من السؤال فعلا للمقاومة، ومن العقل مساحة للحرية، ومن الفلسفة طريقا لاسترداد الإنسان.

وهنا تكمن فرادة حسن حماد؛ فقد ظل وفيا للفلسفة بوصفها قوة نفي ومقاومة وتجاوز، ووفيا للإنسان بوصفه مشروعا مفتوحا لم يكتمل بعد.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في التعامل مع المستجدات في مجالات الاقتصاد السياسي والبيئة المستدامة والصحة الوقائية والهجرة القسرية والأعمال الحيوية والخدمات الأساسية، مقاربة إستراتيجية

مقدمة: تفرض التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر ضرورة إعادة النظر في نماذج الإدارة والتخطيط التقليدية التي اعتمدت طويلاً على ردود الفعل المتأخرة. لم تعد الأزمات تقتصر على أحداث منفصلة يمكن احتواؤها بعد وقوعها، بل أصبحت مترابطة ومتراكمة، تتفاعل فيها الأبعاد الاقتصادية والسياسية والبيئية والصحية والاجتماعية. في هذا السياق، تبرز التدابير الاستباقية بوصفها ضرورة إستراتيجية لا ترفاً تنظيمياً، إذ تسمح باستشراف المخاطر قبل تحولها إلى تهديدات وجودية، وبناء قدرات مرنة قادرة على التكيف والاستمرار. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل ضرورة تطوير هذه التدابير في ستة مجالات مترابطة، وتقديم مقاربة إستراتيجية متكاملة تتجاوز الحلول الجزئية إلى بناء منظومة متماسكة للتعامل مع المستجدات. فماهي التدابير الاستباقية في التعامل مع المستجدات في مجالات الاقتصاد السياسي والبيئة المستدامة والصحة الوقائية والهجرة القسرية والأعمال الحيوية والخدمات الأساسية؟ وكيف تساعد المقاربة الإستراتيجية على توفير هذه التدابير الاستباقية بالشكل الكافي وضمان نجاعتها؟

من رد الفعل إلى الاستباق

تقوم التدابير الاستباقية على ثلاث ركائز متكاملة: الاستشراف المنهجي للمستقبل المحتمل، وبناء القدرات الوقائية قبل وقوع الحدث، وتصميم آليات مرنة تسمح بالتعديل السريع عند تغير المعطيات. بخلاف الإدارة التقليدية التي تنتظر الأزمة ثم تستجيب، تعتمد الاستباقية على قراءة الإشارات الضعيفة، وتحليل السيناريوهات المتعددة، ودمج البعد الوقائي في السياسات اليومية. في عالم يتسم بالتعقيد واللايقين، يصبح الاستباق شرطاً للاستقرار وليس مجرد خيار. وتتطلب هذه المقاربة تحولاً في الثقافة المؤسسية من ثقافة "إدارة الأزمة" إلى ثقافة "منع الأزمة أو التخفيف من أثرها قبل أن تتفاقم".

الاقتصاد السياسي: استباق التحولات البنيوية والتقلبات الجيوسياسية

يشهد الاقتصاد السياسي تحولات عميقة ناتجة عن إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، وصعود القوى الاقتصادية الجديدة، وتزايد استخدام الأدوات الاقتصادية كأدوات ضغط جيوسياسي. تؤدي هذه التحولات إلى تقلبات حادة في أسعار السلع الأساسية، واضطرابات في تدفقات رؤوس الأموال، وتغيرات في أنماط التجارة والاستثمار. التدابير الاستباقية هنا تعني بناء منظومات رصد مبكر للتوترات الجيوسياسية والاقتصادية، وتطوير سياسات تنويع اقتصادي حقيقية تقلل الاعتماد على مصادر محدودة للدخل أو للواردات، وتعزيز الاحتياطيات الاستراتيجية والقدرات الإنتاجية المحلية في القطاعات الحساسة. كما تشمل بناء شراكات إقليمية مرنة تسمح بتبادل الموارد والمعلومات بسرعة، وتصميم آليات حماية اجتماعية مرنة تستجيب لتقلبات الدخول قبل أن تتحول إلى اضطرابات اجتماعية. بدون هذه الاستباقية، تتحول الصدمات الاقتصادية إلى أزمات سياسية واجتماعية ممتدة.

البيئة المستدامة: استباق التغيرات المناخية والضغط على الموارد

لم يعد تغير المناخ مجرد قضية بيئية بعيدة المدى، بل أصبح محركاً مباشراً لعدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. تؤدي موجات الحر الشديدة والجفاف والفيضانات وارتفاع مستوى سطح البحر إلى تهديد الأمن الغذائي والمائي، وتدمير البنى التحتية، وإجبار السكان على النزوح. التدابير الاستباقية تتطلب دمج سيناريوهات المناخ في كل عمليات التخطيط العمراني والزراعي والصناعي، وتطوير أنظمة إنذار مبكر دقيقة تعتمد على البيانات المناخية المحلية، والاستثمار المبكر في البنية التحتية المقاومة للتغير المناخي، وتحويل الأنظمة الزراعية نحو أنماط أكثر مرونة واستهلاكاً أقل للمياه. كما تشمل إدارة استباقية للموارد الطبيعية تمنع الاستنزاف قبل الوصول إلى نقاط اللاّعودة، وبناء اقتصادات دائرية تقلل من الاعتماد على الاستخراج المستمر. الاستباقية البيئية هنا ليست حماية للطبيعة فحسب، بل حماية لاستقرار المجتمعات والاقتصادات التي تعتمد عليها.

الصحة الوقائية: بناء المناعة المجتمعية قبل تفشي التهديدات

كشفت الجوائح والأوبئة المتكررة عن هشاشة الأنظمة الصحية التي تعتمد على العلاج بعد الإصابة بدلاً من الوقاية. تتفاقم المخاطر الصحية بفعل تغير المناخ، والتنقل العالمي السريع، ومقاومة المضادات الحيوية، وتغير أنماط الحياة. التدابير الاستباقية في الصحة الوقائية تعني الاستثمار المبكر في أنظمة الرصد الوبائي المتكاملة، وتعزيز قدرات المختبرات والتشخيص السريع، وبناء مخزونات استراتيجية من اللقاحات والأدوية والمستلزمات، وتطوير برامج توعية وتثقيف صحي مستمرة تغير السلوكيات قبل ظهور الأزمة. كما تشمل تقوية النظم الصحية الأولية لتكون قادرة على اكتشاف الحالات المبكرة، وتنسيق الجهود بين القطاعات الصحية وغير الصحية، ودمج الصحة في كل السياسات العامة. الصحة الوقائية الاستباقية تحول المجتمع من كيان قابل للانهيار أمام الوباء إلى كيان يمتلك مناعة جماعية وقدرة على الاحتواء السريع.

الهجرة القسرية: إدارة التدفقات قبل أن تصبح أزمات إنسانية وسياسية

تزداد الهجرة القسرية بفعل النزاعات والكوارث المناخية والفقر المدقع والاضطهاد. تتحول هذه التدفقات، إذا لم تُدار بشكل استباقي، إلى أعباء هائلة على الدول المستقبلة، وتوترات اجتماعية، واستغلال بشري، وفراغات أمنية. التدابير الاستباقية تتطلب فهم الجذور البنيوية للهجرة ومعالجتها في بلدان المنشأ من خلال دعم التنمية والاستقرار وبناء القدرة على الصمود، وتطوير آليات رصد مبكر لموجات النزوح المحتملة، وتصميم مسارات هجرة آمنة ومنظمة تقلل من اللجوء إلى الطرق غير النظامية. كما تشمل بناء قدرات استقبال مرنة في الدول المضيفة، وتنسيق إقليمي ودولي لتوزيع الأعباء، ودمج البعد الإنساني مع الاعتبارات الأمنية والاقتصادية. الاستباقية هنا تحول الهجرة من مصدر تهديد إلى فرصة يمكن إدارتها بطريقة تحفظ الكرامة الإنسانية وتحمي استقرار المجتمعات المضيفة.

الأعمال الحيوية والخدمات الأساسية: ضمان استمرارية الوظائف الحرجة

تشكل الأعمال الحيوية والخدمات الأساسية العمود الفقري لاستمرار المجتمعات: الطاقة، والمياه، والغذاء، والاتصالات، والنقل، والرعاية الصحية، والأمن. أي انقطاع في هذه المجالات ينعكس فوراً على الحياة اليومية والاستقرار العام. التدابير الاستباقية تتطلب تحديد دقيق للقطاعات الحيوية وسلسلة التبعيات بينها، وبناء خطط استمرارية أعمال مرنة، وتنويع مصادر التوريد والطاقة، وتعزيز الأمن السيبراني والمادي للبنى التحتية الحرجة، وتطوير قدرات الإصلاح السريع والتعافي. كما تشمل تدريب الكوادر على سيناريوهات متعددة، وبناء مخزونات استراتيجية، وتصميم أنظمة احتياطية تعمل تلقائياً عند تعطل الأنظمة الرئيسية. في عالم يزداد فيه الاعتماد على التكنولوجيا المترابطة، يصبح الاستباق في حماية هذه القطاعات شرطاً للسيادة والاستقرار.

آليات التمويل المرنة للاستباقية

تُعد آليات التمويل المرنة العمود الفقري لأي منظومة استباقية ناجحة، إذ تحول الاستشراف والتخطيط الوقائي من أفكار نظرية إلى قدرات عملية قابلة للتنفيذ. ففي ظل طبيعة المستجدات المعاصرة التي تتميز بالسرعة وعدم اليقين والترابط بين المجالات، تفشل الآليات التمويلية التقليدية القائمة على الميزانيات السنوية الجامدة والإجراءات البيروقراطية الطويلة في توفير الموارد في الوقت المناسب. لذلك تصبح المرونة التمويلية شرطاً أساسياً لضمان قدرة الدول والمؤسسات على التحرك المبكر، سواء في رصد المخاطر أو بناء القدرات أو التدخل قبل تفاقم الأزمات في مجالات الاقتصاد السياسي والبيئة المستدامة والصحة الوقائية والهجرة القسرية والأعمال الحيوية والخدمات الأساسية. كما تقوم فكرة التمويل المرن على عدة مبادئ مترابطة: السرعة في التعبئة والتحويل، والقدرة على التكيف مع تغير الأولويات، والتنويع في مصادر التمويل، وربط الصرف بنتائج استباقية قابلة للقياس، وضمان الاستدامة دون الاعتماد المفرط على مصدر واحد. وفيما يلي تحليل معمق لأبرز هذه الآليات وكيفية تفعيلها في السياق الاستباقي. لذلك تُنشأ صناديق احتياطية مخصصة للاستباق، تُمول من نسب محددة من الإيرادات العامة أو من فوائض الموازنات في سنوات الرخاء، وتكون محمية قانونياً من الاستخدام في النفقات الجارية. تتميز هذه الصناديق بإمكانية الصرف السريع بناءً على مؤشرات إنذار مبكر محددة مسبقاً، دون الحاجة إلى موافقات برلمانية أو وزارية مطولة في كل مرة. أما الصناديق الدوارة فتُغذى باستمرار من عوائد الاستثمارات أو من رسوم معينة، وتُعاد تغذية رصيدها بعد استخدامه، مما يضمن استدامتها. يمكن تخصيص أجزاء من هذه الصناديق لقطاعات محددة مثل الاستعداد الصحي أو التكيف المناخي أو تعزيز سلاسل الإمداد الحيوية، مع السماح بنقل الموارد بين البنود وفق تطور المخاطر. كما تجمع هذه الآليات بين الموارد الحكومية ورؤوس الأموال الخاصة والمؤسسات المالية الدولية، مما يوزع المخاطر ويوسع قاعدة التمويل. في الإطار الاستباقي، يمكن تصميم أدوات تمويل مختلطة تدعم مشاريع الوقاية طويلة الأمد، مثل البنية التحتية المقاومة للمناخ أو أنظمة الرصد الوبائي أو تطوير القدرات الإنتاجية المحلية في السلع الأساسية. تشمل هذه الآليات ضمانات حكومية جزئية، وتمويلاً ميسراً مرتبطاً بتحقيق مؤشرات استباقية، وصناديق استثمار مشتركة تركز على العائد الاجتماعي والاقتصادي إلى جانب العائد المالي. تتيح هذه الشراكات تجاوز القيود المفروضة على الإنفاق العام، وتسرع تنفيذ المشاريع التي تتطلب استثمارات كبيرة مسبقة. هكذا تربط هذه الآليات صرف الأموال بتحقيق نتائج محددة مسبقاً مرتبطة بالاستباق، مثل انخفاض معدلات الإصابة بأمراض معينة بفضل برامج وقائية، أو تحسن مؤشرات الأمن المائي والغذائي، أو تقليص زمن الاستجابة للإنذارات المبكرة. يمكن تصميم سندات اجتماعية أو سندات تأثير تنموي تُسدد عوائدها للمستثمرين فقط عند تحقق النتائج المتفق عليها. كما يمكن استخدام عقود أداء مرنة مع الجهات المنفذة، حيث يُربط جزء من التمويل بمدى جاهزية الأنظمة قبل وقوع الأزمة. هذا النهج يحفز الكفاءة ويوجه الموارد نحو ما يحقق أثراً وقائياً حقيقياً بدلاً من الإنفاق الشكلي.

تتطلب الاستباقية قدرة على نقل الاعتمادات بين البنود والقطاعات بسرعة عند ظهور إشارات خطر. يمكن تحقيق ذلك عبر تفويضات قانونية محددة تسمح للجهات المختصة بإعادة توجيه نسب معينة من الميزانيات في حالات الطوارئ المحتملة، مع آليات رقابة لاحقة تضمن الشفافية. كما تشمل هذه الآليات إنشاء بنود مرنة داخل الموازنة العامة تُخصص للاستعداد والوقاية، قابلة للزيادة أو النقصان وفق تطور السيناريوهات. في المجالات المترابطة، يتيح هذا النقل السريع توجيه الموارد من قطاع إلى آخر عند ظهور تهديد مشترك، مثل تحويل موارد من التنمية التقليدية إلى دعم المناطق المعرضة للجفاف أو إلى تعزيز الأنظمة الصحية عند رصد مؤشرات وبائية.  كما تشمل السندات الخضراء والسندات الاجتماعية وسندات الاستدامة التي تُخصص عائداتها حصرياً لمشاريع استباقية في البيئة والصحة والتنمية المستدامة. كما يمكن إصدار أدوات دين مرتبطة بمؤشرات مناخية أو صحية، حيث تنخفض تكلفة الاقتراض عند تحقيق أهداف وقائية معينة. تتيح هذه الأدوات جذب مستثمرين يبحثون عن أثر إيجابي إلى جانب العائد المالي، وتوفر تمويلاً طويل الأمد يتناسب مع طبيعة الاستثمارات الاستباقية التي قد لا تظهر عوائدها فوراً. في سياق الهجرة القسرية والأعمال الحيوية، يمكن تصميم أدوات مماثلة تدعم مشاريع الاستقرار في بلدان المنشأ أو تعزيز مرونة البنى التحتية الحرجة. من هذا المنطلق تشمل برامج التأمين السيادي ضد الكوارث، وآليات التأمين البارامتري التي تصرف التعويضات تلقائياً عند تحقق مؤشرات محددة (مثل مستوى معين من الجفاف أو شدة زلزال أو معدل انتشار مرض). تُمول هذه الآليات مسبقاً عبر أقساط منتظمة، مما يحول التكلفة من عبء مفاجئ بعد الأزمة إلى تكلفة متوقعة يمكن إدارتها. كما يمكن توسيع نطاقها لتشمل مخاطر اقتصادية وجيوسياسية وصحية، وبناء مجمعات تأمين إقليمية توزع المخاطر بين الدول. هذا النوع من التمويل يعزز القدرة على التدخل السريع دون استنزاف الميزانيات العامة فجأة.

لا تقتصر المرونة على المستوى الوطني. يمكن تفعيل آليات تمويل مجتمعي وصناديق محلية تُدار على مستوى المناطق أو البلديات، تُمول من موارد محلية ورسوم خدمات ومساهمات مجتمعية، وتكون مخصصة للاستعداد المحلي للمخاطر الأكثر احتمالاً في كل منطقة. كما تشمل منصات تمويل جماعي موجهة نحو مشاريع وقائية محددة، وآليات تمويل لامركزية تمنح الجهات المحلية صلاحيات أوسع في تعبئة الموارد واستخدامها. هذا البعد يعزز الملكية المحلية ويزيد من سرعة الاستجابة للتحديات الميدانية. لا تعمل هذه الآليات بفعالية إذا بقيت منفصلة. تتطلب المقاربة الاستراتيجية بناء منظومة تمويل استباقي متكاملة تربط بين الصناديق الاحتياطية والأدوات المختلطة والتمويل القائم على النتائج والتأمين، مع نظام حوكمة واضح يحدد قواعد الصرف والرقابة والمساءلة. يجب أن تتضمن هذه المنظومة مؤشرات أداء مرتبطة بالاستباق، وآليات مراجعة دورية للسيناريوهات، وشفافية عالية في الإفصاح عن استخدام الموارد، ومشاركة الجهات المعنية في تحديد الأولويات. كما ينبغي ربط التمويل ببناء القدرات المؤسسية والبشرية، حتى لا تتحول الموارد إلى إنفاق دون أثر مستدام. في المجمل، تمثل آليات التمويل المرنة الجسر الذي يعبر من خلاله الطموح الاستباقي إلى واقع ملموس. فبدون قدرة على تعبئة الموارد بسرعة وتوجيهها بمرونة نحو الوقاية والاستعداد، تبقى خطط الاستشراف حبراً على ورق. إن بناء هذه الآليات وتطويرها باستمرار ليس مجرد إجراء مالي، بل استثمار إستراتيجي في استقرار المجتمعات وقدرتها على مواجهة مستقبل يتسم بقدر عالٍ من اللايقين والتغير. الدول التي تنجح في تصميم منظومات تمويل مرنة ومتنوعة ومستدامة ستمتلك هامشاً أوسع للمناورة، وستحول الاستباق من شعار إلى ممارسة يومية تحمي حاضرها وتبني مستقبلها.

تطبيق الصناديق الدوارة في الصحة

تُعد الصناديق الدوارة إحدى أبرز آليات التمويل المرن القادرة على دعم الاستدامة المالية للخدمات الصحية، وتحويل التمويل من مصدر ناضب إلى دورة مستمرة تعيد تغذية نفسها. في القطاع الصحي، خاصة في سياقات السعي إلى تعزيز الصحة الوقائية والاستعداد الاستباقي، توفر هذه الصناديق أداة عملية تضمن تدفق الموارد بشكل منتظم، وتقلل الاعتماد على الاعتمادات السنوية المتقلبة أو المساعدات الخارجية المتقطعة، وتسمح بالتوسع التدريجي في التغطية وجودة الخدمات. يقوم جوهر الصندوق الدوار على مبدأ بسيط وعميق في آن واحد: استخدام رأس مال أولي لتقديم خدمة أو سلعة صحية مقابل رسوم معقولة، ثم إعادة استخدام العائدات المتحققة في تجديد المخزون أو توسيع الخدمة أو تحسينها، بحيث يستمر الصندوق في الدوران دون الحاجة إلى تمويل إضافي كبير ومتكرر من الخزينة العامة.

كما يتكون الصندوق الدوار الصحي عادة من رأس مال تأسيسي يُخصص لشراء أدوية أو مستلزمات طبية أو تمويل خدمات معينة، ثم تُباع هذه السلع أو تُقدم الخدمات بأسعار تغطي التكلفة مضافاً إليها هامش بسيط يضمن الاستمرارية ويسمح بالتوسع. تُعاد العائدات إلى الصندوق فوراً أو دورياً لتمويل دورة جديدة من الشراء أو التشغيل. يمكن أن يعمل الصندوق على مستوى منشأة صحية واحدة، أو شبكة من المنشآت، أو مستوى مديرية أو إقليم، أو حتى على المستوى الوطني في برامج محددة. كما يمكن تخصيصه لأغراض دقيقة مثل الأدوية الأساسية، أو اللقاحات، أو وسائل تنظيم الأسرة، أو مستلزمات الطوارئ، أو خدمات الصحة الإنجابية، أو برامج الأمراض المزمنة، أو التجهيزات الوقائية.

تتميز الآلية بالمرونة في التصميم. فقد يكون الصندوق موجهاً بالكامل لاسترداد التكلفة، أو مدعوماً جزئياً بحيث تتحمل الموازنة العامة جزءاً من التكلفة للفئات الهشة، أو مرتبطاً بنظام إعفاءات وتسعير تصاعدي يحمي محدودي الدخل. كما يمكن ربطه بمؤشرات أداء أو نتائج صحية، بحيث يُستخدم جزء من العائدات في تحسين الجودة أو التوسع في الخدمات الوقائية. في النسخ الأكثر تطوراً، يُدار الصندوق ضمن منظومة معلومات تسمح بتتبع المخزون والمبيعات والمالية في الوقت شبه الحقيقي، مما يقلل الهدر والتسرب ويعزز الشفافية. على هذا النحو يكتسب تطبيق الصناديق الدوارة في الصحة بعداً استباقياً واضحاً عندما يُوجَّه نحو الوقاية والاستعداد بدلاً من الاقتصار على العلاج التدفقي. ففي مجال الأدوية واللقاحات، يضمن الصندوق توفر المخزون بشكل مستمر، ويحول دون نفاد المواد الأساسية في اللحظات الحرجة، ويدعم برامج التطعيم الروتيني والحملات الوقائية. وفي مجال الأمراض المزمنة، يسمح بتوفير أدوية الضغط والسكري وأمراض القلب بأسعار ميسورة ومستدامة، مما يقلل المضاعفات المكلفة ويخفض الضغط على المستشفيات. أما في الصحة الإنجابية وصحة الأم والطفل، فيدعم توفر وسائل منع الحمل ومستلزمات الولادة الآمنة والرعاية قبل وبعد الولادة. وعلى مستوى الاستعداد للطوارئ، يمكن بناء مخزونات دوارة من المستلزمات الأساسية التي تُجدد باستمرار وتكون جاهزة للتوسع السريع عند ظهور مؤشرات خطر وبائي أو مناخي. بهذا المعنى، تساهم الصناديق الدوارة في بناء مرونة النظام الصحي، لأنها تقلل من الاعتماد على التمويل الخارجي المتقطع، وتحسن كفاءة استخدام الموارد المتاحة، وتخلق حوافز محلية للحفاظ على الخدمة وتطويرها. كما تدعم العدالة الصحية عندما تُصمم بعناية لتشمل آليات حماية اجتماعية تمنع إقصاء الفقراء، وتربط التسعير بالقدرة على الدفع مع الحفاظ على استدامة الصندوق.

يمكن تطبيق الصناديق الدوارة على مستويات متعددة. على مستوى الرعاية الصحية الأولية، تُستخدم لتأمين الأدوية الأساسية والمستلزمات الوقائية في المراكز والعيادات، مما يعزز ثقة المجتمع في الخدمة ويشجع على الاستخدام المبكر لها. وعلى مستوى المستشفيات، تدعم توفير الأدوية التخصصية أو المستلزمات الجراحية أو خدمات معينة مثل غسيل الكلى أو العلاج الكيميائي الجزئي. وفي برامج الصحة العامة، تمول حملات التطعيم أو توزيع الناموسيات أو مستلزمات مكافحة ناقلات الأمراض. كما يمكن تخصيص صناديق دوارة للخدمات المخبرية أو التصوير الطبي أو صيانة المعدات، بحيث تُستخدم العائدات في تجديد الكواشف أو قطع الغيار أو عقود الصيانة. وفي البعد المجتمعي، تُنشأ صناديق دوارة صغيرة تديرها لجان صحية محلية لتوفير خدمات أو سلع وقائية أساسية، مما يعزز الملكية المجتمعية والمساءلة الأفقية.عند ربط هذه الصناديق بمنظومة قياس الأثر الاجتماعي المستدام، يصبح بالإمكان رصد تأثيرها على مؤشرات مثل انتظام توفر الأدوية، وانخفاض نفاد المخزون، وتحسن الالتزام العلاجي، وانخفاض الإحالات غير الضرورية، ورضا المستفيدين، واستمرارية الخدمة بعد انتهاء الدعم الخارجي. هذا الربط يحول الصندوق من مجرد آلية مالية إلى أداة تحسين جودة وأثر.

لا ينجح تطبيق الصناديق الدوارة تلقائياً، بل يتطلب توافر شروط أساسية. أولها رأس مال تأسيسي كافٍ ومدروس، يُحسب بناءً على حجم الطلب المتوقع ودورة المخزون والتضخم المحتمل. وثانيها نظام تسعير عادل وشفاف يوازن بين الاسترداد المالي والقدرة على الوصول، مع آليات إعفاء أو دعم موجه للفئات الأشد هشاشة. وثالثها منظومة إدارة مالية ومخزنية رصينة، تشمل محاسبة منفصلة للصندوق، ومراقبة دورية، وفصلاً واضحاً بين أموال الصندوق والموازنات الأخرى لمنع التسرب. ورابعها بناء قدرات الكوادر في إدارة المخزون والمالية وخدمة العملاء، وتعزيز ثقافة المساءلة. وخامسها الربط مع نظام المعلومات الصحية وسلاسل التوريد الوطنية، حتى لا يعمل الصندوق بمعزل عن التخطيط الأوسع. وسادسها إطار قانوني وتنظيمي واضح يحدد ملكية الصندوق وصلاحيات الصرف والرقابة وآليات المراجعة. كما يلزم دمج الصندوق ضمن السياسة الصحية الوطنية، حتى لا يتحول إلى جزر منعزلة، وربطه باستراتيجيات التغطية الصحية الشاملة والصحة الوقائية. وفي السياقات التي تعاني من تضخم مرتفع أو اضطرابات في سلاسل الإمداد، تحتاج الآلية إلى مرونة إضافية في التسعير وإعادة التقييم الدوري لرأس المال. في إطار المقاربة الاستباقية الأشمل، لا تُعامل الصناديق الدوارة كأداة تمويل معزولة، بل كعنصر ضمن مزيج تمويلي يضم الموازنة العامة والتأمين الصحي والصناديق الاحتياطية وآليات التمويل القائم على النتائج. فهي توفر استدامة تشغيلية للخدمات الروتينية والوقائية، بينما تتولى الآليات الأخرى تمويل الاستثمارات الكبرى والطوارئ والتغطية للفئات غير القادرة. وعند ربطها بقياس الأثر الاجتماعي المستدام، وبمؤشرات الاستعداد والوقاية، وبمنظومات الإنذار المبكر، تتحول إلى رافعة لتعزيز مرونة النظام الصحي وقدرته على الاستجابة المبكرة دون انهيار مالي. كما يمكن توسيع مفهوم الصندوق الدوار ليشمل تمويل خدمات الصحة الرقمية أو التوعية المجتمعية أو صيانة البنية التحتية الصغيرة، أو حتى دعم سلاسل الإمداد المحلية للأدوية الأساسية، مما يخلق آثاراً مضاعفة على الاقتصاد المحلي والقدرة الإنتاجية الصحية. في المجمل، يمثل تطبيق الصناديق الدوارة في الصحة خياراً استراتيجياً عملياً لتعزيز الاستدامة المالية والكفاءة والجاهزية الوقائية. عندما يُصمم بعناية، ويُدار بشفافية، ويُحمى بإطار مؤسسي واضح، ويُربط بأهداف العدالة الصحية وقياس الأثر، فإنه يتحول من مجرد وسيلة لاسترداد التكلفة إلى أداة لبناء نظام صحي أكثر مرونة وقدرة على الاستمرار والتوسع. في عالم تتزايد فيه الضغوط على الموازنات الصحية وتتفاقم المخاطر الوبائية والمناخية، تصبح مثل هذه الآليات جزءاً أصيلاً من منظومة التمويل المرن التي تجعل الاستباق الصحي ممكناً ومستداماً، وتحمي حق الأفراد في الوصول إلى خدمات أساسية دون أن تُفلس المنظومة التي تقدمها.

سندات التأثير الاجتماعي المستدامة

تُعد سندات التأثير الاجتماعي المستدامة إحدى أبرز الأدوات التمويلية المبتكرة التي تجمع بين منطق السوق ومنطق الأثر الاجتماعي والبيئي طويل الأمد. وهي تمثل تطوراً نوعياً في مجال التمويل القائم على النتائج، إذ لا تقتصر على تحقيق عائد مالي للمستثمرين، بل تربط هذا العائد بتحقق نتائج اجتماعية وبيئية محددة مسبقاً وقابلة للقياس، مع الحرص على استدامة الأثر عبر الزمن. في سياق التدابير الاستباقية، تتحول هذه السندات إلى آلية فعالة لتمويل الوقاية وبناء القدرات قبل وقوع الأزمات، بدلاً من الاقتصار على معالجة آثارها بعد حدوثها. لذلك تقوم سندات التأثير الاجتماعي المستدامة على عقد متعدد الأطراف يجمع بين جهة حكومية أو مؤسسة عامة (الجهة الدافعة للنتائج)، ومستثمرين خاصين أو مؤسساتيين يوفرون رأس المال مقدماً، وجهات منفذة (غالباً من منظمات المجتمع المدني أو القطاع الخاص أو الشراكات المختلطة) تتولى تنفيذ البرامج، وجهة مستقلة تتولى قياس النتائج والتحقق منها. يُسدد رأس المال والعائد للمستثمرين فقط عند تحقيق النتائج المتفق عليها، وغالباً ما يكون العائد مرتبطاً بمستوى الإنجاز. أما صفة «الاستدامة» فتضيف بعداً إضافياً يتمثل في الحرص على أن تكون النتائج المحققة قابلة للاستمرار بعد انتهاء فترة السند، وأن تراعي الأبعاد البيئية والاجتماعية والاقتصادية معاً، وأن تساهم في بناء قدرات مؤسسية ومجتمعية لا تنتهي بانتهاء التمويل. تتميز هذه السندات بعدة خصائص تجعلها ملائمة للاستباق: فهي تحول المخاطر المالية من الجهة العامة إلى المستثمرين في مرحلة التنفيذ، وتشجع على الابتكار والكفاءة لأن الجهات المنفذة تحصل على التمويل المرتبط بالأداء، وتوفر تمويلاً مقدماً يسمح بالتحرك المبكر دون انتظار الاعتمادات السنوية، وتربط الإنفاق العام بنتائج حقيقية بدلاً من مجرد صرف الموازنات. على هذا الأساس تبدأ العملية بتحديد مشكلة اجتماعية أو بيئية ذات أولوية يمكن التدخل فيها بشكل وقائي، مثل الحد من تفاقم الأمراض المزمنة عبر برامج وقائية مبكرة، أو تقليل مخاطر النزوح الناتج عن التدهور البيئي عبر مشاريع تكيف مجتمعي، أو تعزيز مرونة سلاسل الإمداد الغذائية المحلية. ثم تُصمم مؤشرات نتائج واضحة وقابلة للقياس والتحقق، مع تحديد خط أساس ومستويات مستهدفة. بعد ذلك يُصدر السند ويجمع رأس المال من المستثمرين، ويُحوَّل إلى الجهات المنفذة لبدء البرامج. طوال فترة التنفيذ يجري رصد مستمر، وفي نهايتها تقوم جهة مستقلة بقياس النتائج. إذا تحققت المستويات المتفق عليها، تسدد الجهة العامة رأس المال مضافاً إليه العائد المتفق عليه، والذي غالباً ما يكون أقل من التكلفة التي كانت ستتحملها الحكومة لو انتظرت تفاقم المشكلة. أما إذا لم تتحقق النتائج، فيتحمل المستثمرون الخسارة جزئياً أو كلياً حسب هيكل السند. في النسخ المستدامة، يُضاف إلى هذه الآلية اشتراطات تتعلق باستمرارية الأثر، مثل بناء قدرات محلية، أو نقل المعرفة، أو دمج الحلول في السياسات العامة، أو ضمان عدم الإضرار بالجوانب البيئية. كما يمكن ربط جزء من العائد بمؤشرات استدامة طويلة الأمد تتجاوز مدة السند نفسها. في مجال الصحة الوقائية، يمكن استخدام هذه السندات لتمويل برامج الكشف المبكر والتوعية وتغيير السلوكيات قبل تفشي الأمراض، بحيث يرتبط العائد بانخفاض معدلات الإصابة أو دخول المستشفيات. في البيئة المستدامة، تمول مشاريع التكيف المناخي المجتمعي أو استعادة النظم البيئية أو تحسين كفاءة استخدام المياه، مع ربط السداد بتحسن مؤشرات المرونة البيئية. أما في ملف الهجرة القسرية، فتصلح لتمويل برامج استقرار في مناطق المنشأ أو الاندماج المبكر في الدول المضيفة، بما يقلل من التكاليف الإنسانية والاجتماعية اللاحقة. وفي الأعمال الحيوية والخدمات الأساسية، يمكن توجيهها نحو تعزيز مرونة البنى التحتية المحلية أو تطوير سلاسل إمداد مجتمعية قادرة على الصمود. هذه التطبيقات تحول التمويل من استجابة متأخرة إلى استثمار وقائي يحقق وفراً مالياً واجتماعياً على المدى المتوسط والطويل. تتيح سندات التأثير الاجتماعي المستدامة فرصاً مهمة، أبرزها جذب رؤوس أموال جديدة إلى المجالات الاجتماعية والبيئية، وتحفيز الابتكار في أساليب التنفيذ، وتحسين كفاءة الإنفاق العام عبر ربطه بالنتائج، وتعزيز الشفافية والمساءلة بفضل آليات القياس المستقلة. كما تساهم في بناء ثقافة تقييم الأثر داخل المؤسسات العامة والخاصة. غير أن تطبيقها يواجه تحديات جوهرية. أولها صعوبة تصميم مؤشرات دقيقة تعكس الأثر الحقيقي وتتجنب النتائج السطحية أو القابلة للتلاعب. وثانيها ارتفاع تكاليف التصميم والقياس والتحقق، خاصة في المراحل الأولى. وثالثها حاجة السوق إلى مستثمرين مستعدين لتحمل مخاطر النتائج مقابل عائد معقول، وهو ما يتطلب بيئة تنظيمية ومؤسسية ناضجة. ورابعها خطر التركيز على النتائج قصيرة الأمد القابلة للقياس على حساب التحولات البنيوية العميقة. أما في البعد المستدام، فيكمن التحدي في ضمان أن لا ينتهي الأثر بانتهاء السند، وأن تُدمج الحلول في النظم القائمة. لكي تؤدي هذه السندات دورها بفعالية ضمن منظومة التمويل المرن للاستباق، يلزم توافر عدة شروط. أولها وجود إطار قانوني ومؤسسي واضح ينظم إصدارها ويحدد مسؤوليات الأطراف ويحمي المال العام. وثانيها بناء قدرات وطنية في تصميم المؤشرات وقياس الأثر والتحقق المستقل. وثالثها اختيار القضايا بعناية، بحيث تكون قابلة للتدخل الوقائي وذات عائد اجتماعي واضح يبرر السداد. ورابعها دمج هذه الأداة ضمن مزيج تمويلي أوسع يشمل الصناديق الاحتياطية والتمويل المختلط والتأمين ضد المخاطر، حتى لا تُحمَّل أكثر مما تحتمل. وخامسها الحرص على الشفافية ومشاركة المجتمعات المستفيدة في تصميم البرامج، لضمان الملاءمة والاستدامة. وسادسها التدرج في التطبيق عبر مشاريع تجريبية محدودة تسمح بالتعلم قبل التوسع. في المحصلة، تمثل سندات التأثير الاجتماعي المستدامة أداة تمويلية واعدة قادرة على دعم التحول نحو الاستباق، بشرط أن تُصمم وتُدار ضمن رؤية إستراتيجية متكاملة تضع الأثر المستدام في صميمها. فهي ليست حلاً سحرياً يغني عن السياسات العامة الراسخة أو التمويل الحكومي الأساسي، لكنها آلية ذكية تسمح بتحريك رؤوس الأموال الخاصة نحو الوقاية، وتربط العائد المالي بتحسن حقيقي في حياة الناس وقدرة مجتمعاتهم على الصمود. عند توظيفها بحكمة، تساهم في بناء منظومة تمويل مرنة تجعل الاستباق ممكناً وقابلاً للاستمرار، وتحول جزءاً من مخاطر المستقبل إلى استثمارات ذات عائد مزدوج: مالي واجتماعي–بيئي.

المقاربة الإستراتيجية المتكاملة

لا يمكن التعامل مع هذه المجالات بمعزل عن بعضها. فالمناخ يؤثر في الهجرة والصحة والاقتصاد، والأزمات الاقتصادية تغذي الهجرة والتوترات السياسية، وضعف الخدمات الأساسية يفاقم كل الأزمات الأخرى. لذلك تتطلب المقاربة الإستراتيجية عدة عناصر مترابطة:

أولاً، بناء منظومة استشراف وطنية وإقليمية متكاملة تجمع البيانات من المصادر الاقتصادية والبيئية والصحية والاجتماعية، وتحولها إلى سيناريوهات عملية قابلة للاستخدام في صنع القرار.

ثانياً، إدماج البعد الاستباقي في كل السياسات العامة والميزانيات، بحيث يصبح الوقاية والاستعداد بنداً أساسياً وليس بنداً ثانوياً.

ثالثاً، تعزيز التنسيق بين القطاعات والمستويات الحكومية والمجتمع المدني والقطاع الخاص، لأن التهديدات الحديثة عابرة للحدود المؤسسية.

رابعاً، الاستثمار في رأس المال البشري والثقافة المؤسسية التي تقدر الاستباق وتكافئ التفكير بعيد المدى. خامساً، بناء شراكات دولية وإقليمية تسمح بتبادل المعلومات والموارد والخبرات بسرعة.

سادساً، تطوير آليات تمويل مرنة تسمح بالتحرك السريع دون انتظار الإجراءات البيروقراطية التقليدية. تتطلب هذه المقاربة أيضاً تحولاً في مؤشرات النجاح. بدلاً من قياس الأداء بمدى سرعة الاستجابة بعد وقوع الأزمة، يصبح المعيار هو مدى نجاح السياسات في منع الأزمة أو تقليل أثرها إلى الحد الأدنى. كما يتطلب الأمر شفافية ومشاركة مجتمعية، لأن الثقة العامة شرط أساسي لنجاح أي تدابير استباقية، خاصة تلك التي قد تتطلب تضحيات قصيرة الأمد مقابل مكاسب طويلة الأمد.

خاتمة

إن تطوير التدابير الاستباقية في مجالات الاقتصاد السياسي والبيئة المستدامة والصحة الوقائية والهجرة القسرية والأعمال الحيوية والخدمات الأساسية لم يعد خياراً يمكن تأجيله، بل أصبح شرطاً للبقاء والاستقرار في عالم سريع التغير. المقاربة الإستراتيجية القائمة على الاستشراف والتنسيق والمرونة والتكامل القطاعي توفر الإطار اللازم لتحويل المخاطر إلى فرص للتعزيز المؤسسي والاجتماعي. الدول والمجتمعات التي تستثمر اليوم في بناء هذه القدرات ستمتلك غداً هامشاً أكبر للمناورة والتكيف، بينما ستجد تلك التي تستمر في الاعتماد على ردود الفعل المتأخرة نفسها في دوامة أزمات متلاحقة تستنزف مواردها وتهدد تماسكها. الاستباق ليس مجرد تقنية إدارية، بل رؤية إستراتيجية للمستقبل تضع الإنسان واستقراره في صميم كل قرار. فكيف تساعدنا الحكمة الفلسفية ضمن مقاربة تقاطعية تكاملية على توقي المخاطر المتأتية من الكوارث الطبيعية والتغيرات المناخية والأزمات الصحية والاستعداد الحذر للآتي؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

تناولْنا، في الجزءِ الأولِ من هذه المقالةِ، المعالِمَ العامة للانهزام والاستبداد وأثرهما في صناعةِ الخرافةِ والتَّبَعِيَّة، وضَرَبْنا على ذلك مثالًا بعقيدة المهدي، وسنتناولُ في هذه المقالةِ مثالًا آخَرَ يتعلقُ بهذه القضية، ولكن قبل أن ننتقلَ إلى المثال، ينبغي علينا أن نتذكر ما أشرتُ إليه في الجزء الأول، وهو أنه ليس بالضرورة عند كلامنا في ظُلْمٍ وقعَ لأحدهم أن يكون بالفعل قد وقعَ؛ فكما قلنا إن ذلك قد يكون على سبيل الادِّعاء أو المبالغة؛ لغَرَضٍ كامنٍ خلف ذلك، ولْننتقل الآن إلى المثال الذي نود تقديمه في هذه المقالة.

 أحمد بن حنبل وقضية خَلْقِ القرآن

لقد أخذتْ قضيةُ خلْقِ القرآن مساحةً كبيرةً في تاريخنا الفكري؛ خاصةً عند تعلقها بـ أحمد بن حنبل وما حدثَ بينه وبين السُّلْطَةِ القائمة آنذاك، ممثلةً في الخليفة المأمون والمعتصم والواثق.

وتتلخَّصُ قضيةُ ما يُطلَق عليه «المحنة»(١) في أن المأمون دعا إلى القول بخلْق القرآن، واختبرَ بعضَ العلماء في ذلك، ومَن امتنع؛ كان جزاؤه الحبس والتنكيل، وعلى رأس هؤلاء الممتَحَنين الرافضين للاستجابة لدعوة المأمون في القول بخلْق القرآن، كان: أحمد بن حنبل، ولقد تعرض ابن حنبل في هذه القضية للحبس وبعض التعذيب، وضُربَ بالسَّوْطِ حتى أُغْشي عليه(٢).

لقد رأى أتباع ابن حنبل أن هذا نوع من الاضطهاد ضد إمامهم، ولكن ليتهم قدَّروا الأمر قدْره، وتكلموا فيما حدثَ فقط دون مبالغات وأسطرة، ولكن، ومن المنظور النفسي، فإن ابن حنبل خرجَ من قضية الامتحان هذه مختلفًا عمَّا كان قبلها، ولو أن المأمون ومَن تَبِعَهُ من الخلفاء لم يمتحنوا ابنَ حنبل؛ لَمَا حاز ابنُ حنبل نصفَ هذه المكانة والقداسة التي أُضْفِيَت عليه؛ ولكن يبدو أن بعض الحُكَّام يساهمون في تلميع بعض الناس مِن حيث أرادوا التنكيل بهم، ولنا على ذلك مثال في الحقبة المعاصرة، يتمثل في إعدام سيد قطب، وفي رأيي أيضًا، أنه لو تُرِكَ دون إعدام؛ لَمَا رُفِعَ إلى مصاف الأبطال عند أتباعه، ولكن إعدامه أعطى فرصةً على طبقٍ من ذهبٍ لأتباعه كي يستثمروا هذا الأمر في تلميعه والترويج لأفكاره، ولأن بعض الناسِ كانوا يمقتون جمال عبد الناصر؛ ومِن ثَمَّ رأوا في شخصية سيد قطب، الذي عارضَ عبد الناصر وتصدى له، بطلًا يعبر عن أفكارهم، وازدادت هذه الحالةُ اشتعالًا بعد إعدامه، وإعدامه هذا كان العامل الأبرز في تلميعه والتفات كثيرين لأفكاره أكثر من غيره.

وهكذا في القديم، فما تعرَّضَ له ابن حنبل، تم استثماره على يد أتباعه أشد الاستثمار، وتم وضْع ابن حنبل في مقام لا يضاهيه فيه أحد، وقد ذهبتْ بعضُ المبالغات في حقه إلى القول بأنه أثناء ضرْبه بالسوط في المحنة، سقطَ سرواله، فحركَ ابنُ حنبل شفتيْه؛ فعادَ السروالُ إلى مكانه(٣).

ومما يدل على تعامل أتباعه معه بمنطق التقديس، واستثمارهم لِمَا يقال عنه «المحنة»: ما أورده ابنُ الجوزي في كتابه: «مناقب الإمام أحمد بن حنبل»، والذي أوردَ فيه عددًا مِن المنامات، التي رأى فيها كثيرٌ من أتباع ابن حنبل أنها مناقب وفضائل لشيخهم، ومن هذه المنامات، على سبيل المثال: أن الإمام الشافعي أرسل الربيع بن سليمان برسالة مكتوبة إلى أحمد بن حنبل، فَحْوى هذه الرسالة يدور حول: أن الشافعي رأى النبي، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، في المنام، فأخبر النبيُّ الشافعيَّ بأنْ يكتب رسالة إلى أحمد بن حنبل، وأن يبلغه سلام النبي له، ويقول له: إنك ستُمتحن وتُدعى إلى خلْقِ القرآن؛ فلا تُجبْهم؛ يرفع اللهُ لك علمًا إلى يوم القيامة(٤).

أرأينا هذه الإيحاءات؟ النبي -طبقًا للرواية السابقة- يدعو ابن حنبل إلى عدم القول بخلْق القرآن، وهذا إسقاط شنيع للأيديولوجيا الحنبلية وتحميلها للنبي، أي أنهم يحاولون استنطاق النبي بمذهبهم رؤيتهم، وهذه النقطة لها حمولة ضمنية غير واضحة بشكل كافٍ، وهي: أنه طالما تم استنطاق النبي بمذهب أحمد بن حنبل ورؤيته؛ فبالتالي، مَن يعترِض على أحمد بن حنبل بعد ذلك؛ يكون قد اعترضَ على النبي، هذه نتيجة متوقَّعَة طالما أن هناك محاولة لتحميل النبي مذاهب وأيديولوجيات ظهرتْ بعد وفاته.

إننا هنا أمام حالة مظلومية يدَّعيها الحنابلة لإمامهم، أو يبالغون فيها، وقد أحسنوا استغلالَ هذه القضية، وارتفعوا بإمامهم إلى درجة القداسة، بل والخرافة، التي قمتُ بالإشارة إليها في العنوان، خرافات ينسبونها إلى إمامهم، سواء أكانت رؤى منامية أو تعظيم وتبجيل مُلفِت، هذه الحال بدورها أفرَزَتْ نوعًا من التبعيةِ العمياء في هذه القضية عند المنجرفين خلف إمامهم، ولقد يَصْدُقُ قولنا هنا: إنه لولا الاحتكاك الذي حدثَ بين أحمد بن حنبل وبين بعض خلفاء الدولة آنذاك؛ لَمَا وصلَ ابن حنبل إلى هذه المكانة من التقديس ولا اقتربَ منها.

ويزيد مِن دعْم رؤيتنا لهذه القضية: أن هناك مَن امتُحِنَ غير ابن حنبل في القول بخلْقِ القرآن، مثل: أحمد بن نصر الخزاعي، والذي لم يُمتحَن مثل ابن حنبل فقط؛ وإنما امتُحن أشد منه، إلى درجة أنه تُوفي في السجن على إثْر امتحانه وتعذيبه(٥)، وهنا لا يمكن أن تمر مثل هذه اللمحة مرور الكرام، إذ لو كان من ضمن معايير مكانة أحمد التي يُمتَدَح بها أنه ثبتَ في المحنة وتعرض للأذى وتحمل ذلك في سبيل الله -كما يُقال عنه-، فما الأمر إذًا بالنسبة لمَن تم إيذاؤهم أكثر منه إلى درجة الوفاة لا الضرب فقط، كما في مثال أحمد بن نصر الخزاعي؟ هنا تترجح كفة ما نذهب إليه، من أن الحنابلة قد تلقفوا الواقعة واستثمروها غاية الاستثمار، ومما مكَّنهم من ذلك: الانقلابُ الذي قام به المتوكل العباسي، وتقريبه لابن حنبل وأتباعه، واضطهاد المعتزلة؛ وبالتالي تكون الساحة قد خَلَتْ للحنابلة وأساطيرهم عن المحنة، ونحن نعلم أن التاريخَ يكتبُه المنتصر، وعلى هذا الأساس؛ تم تلميع ابن حنبل مِن قِبَلِ أتباعه، خاصة بعد وجود هذه الأرض الخصبة المُعَدَّة لهم.

***

بِقَلَم: محمد خليفة أحمد ـ باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم

...........................

هوامشُ المقالةِ:

(١) مصطلح «المِحنة» خير دليل على ما نذهبُ إليه من أن أتباع ابن حنبل حاولوا استثمار ما حدث من مواقف له في امتحان قضية خلق القرآن، للمبالغة في ادعاء المظلومية، ومِن ثَمَّ رسْم صورة ملائكية عن إمامهم ومواقفه.

(٢) الذهبي، «سِيَر أعلام النبلاء»، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، (ط١، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٩٨٣م)، ج ١١، ص ٢٣٧: ٢٤١، ٢٥١.

(٣) الذهبي، «سِيَر أعلام النبلاء»، ج ١١، ص ٢٥٥.

(٤) يُنظر: ابن الجوزي، «مناقب الإمام أحمد بن حنبل»، تحقيق: محمد أمين الخانجي، (ط١، القاهرة، مكتبة الخانجي، د.ن)، ص ٤٥٥: ٤٥٦.

(٥) الذهبي، «سِيَر أعلام النبلاء»، ج ١١، ص ١٦٦: ١٦٨.

 من الهوية المأزومة إلى الهوية الجامعة

تبرز الهوية في عصرنا الحالي كأكثر القضايا إلحاحًا وإرباكًا في آن واحد. لم تعد الهوية مجرد تعريف بسيط للانتماء أو إطار ثقافي يحدد ملامح الجماعة، بل تحولت إلى معضلة حضارية تهدد استقرار الدول وتضع المجتمعات أمام امتحان وجودي. فحين تتنازع الهويات الدينية والعرقية والطائفية على المجال العام، وحين تُستخدم الهوية كأداة سياسية لإقصاء الآخر أو فرض نموذج أحادي، يصبح الوطن نفسه ساحة تفخيخ قابلة للانفجار في أي لحظة.

لقد انتهى زمن الصراعات الطبقية التي كانت تُعرّف المجتمعات في القرن الماضي، وحلّت محلها حروب الهويات، حيث لم يعد السؤال "من يملك السلطة الاقتصادية؟" بل "من يملك الحق في تعريف الانتماء؟". هذا التحول جعل الهوية الوطنية في مواجهة مباشرة مع قوى داخلية وخارجية، من جماعات فرعية تبحث عن التمايز، إلى إمبراطوريات عالمية تعيد رسم الخرائط وتذيب الحدود. ومع صعود التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، باتت الهوية مهددة بفقدان معناها التقليدي، إذ أصبح المستقبل يُبنى على برمجة رقمية لا على إرث تاريخي.

إن الهوية اليوم ليست مجرد قضية ثقافية أو اجتماعية، بل هي معركة حضارية تحدد مصير الشعوب في القرن الحادي والعشرين. فهي إما أن تتحول إلى عامل توحيد يفتح المجال أمام مشاركة حرة وتعددية، أو أن تبقى مأزومة، أسيرة الانقسامات والولاءات الضيقة، لتقود المجتمعات نحو التفكك والانهيار. الهوية، بهذا المعنى، ليست سؤالًا عن الماضي فقط، بل عن المستقبل: كيف يمكن أن نكون جماعة واحدة في عالم يتغير بسرعة، دون أن نفقد خصوصيتنا أو نذوب في هيمنة الآخر؟

هذه المقدمة تضع الهوية في قلب النقاش الأكاديمي، باعتبارها ليست مجرد تعريف للذات، بل معضلة حضارية كبرى، تُعيد صياغة العلاقة بين الفرد والجماعة، بين الوطن والعالم، بين التاريخ والتكنولوجيا.

الهوية كمعضلة حضارية

يُطرح مفهوم الهوية في ثقافتنا كإشكالية لم تُحسم بعد، إذ لم يتبلور بوصفه إطارًا معرفيًا قادرًا على تجسيد الانتماء الوطني وإنتاج اندماج اجتماعي متماسك. فالهوية، بدلًا من أن تكون عامل توحيد، كثيرًا ما تتحول إلى أداة انقسام نتيجة انسياقها وراء منظومات مؤدلجة تُعيد إنتاج كتل اجتماعية متعارضة، حتى وإن بدت في ظاهرها مرتبطة بقضايا وطنية أو اجتماعية عامة.

في عالم يتغير بوتيرة متسارعة، لم تعد الهوية مجرد سؤال ثقافي أو اجتماعي، بل تحولت إلى معضلة حضارية تمس جوهر وجود المجتمعات والدول. فالهوية، التي يُفترض أن تكون إطارًا جامعًا للانتماء الوطني، أصبحت في كثير من الأحيان ساحة صراع بين قوى داخلية وخارجية، بين هويات فرعية تبحث عن التمايز والهيمنة، وتحولات عالمية تعيد صياغة مفهوم الدولة والمواطنة. هذا التوتر المستمر يجعل الهوية الوطنية عرضة للتفكك، ويضع المجتمعات أمام تحدٍ وجودي: هل يمكن أن تُبنى هوية جامعة في ظل الانقسامات الطائفية والدينية والعرقية، وفي ظل ضغوط العولمة والهيمنة الثقافية؟

المواطنة، التي يُفترض أن تكون المجال الأوسع لتجليات الهوية، تكشف عن تناقض داخلي؛ فهي تفترض وجود اختلافات أساسية بين هويات متعددة داخل الوطن الواحد. ومع اتساع الجماعات، تميل الهوية إلى رسم حدود فاصلة أو الانعزال، وكلما ازدادت ثوابتها تحولت إلى وسيلة للتجزئة. وهنا يبرز سؤال جوهري: أي الهويات تُعتبر أصلًا وأيها تُصنّف كفروع؟ ومن يملك سلطة تحديد الهوية التي يجب إقصاؤها لصالح أهداف سياسية أو دينية أو طائفية؟ وما المرجعية التي تُستند إليها هذه السلطة؟

الهوية الوطنية كثيرًا ما تتعرض لضغوط من الهويات القومية والدينية والعرقية، حيث تسعى هذه الجماعات إلى إبراز خصوصيتها على حساب الانتماء الوطني. وعندما تسيطر هذه المكونات على مفهوم الهوية، ينشأ ميل إلى عزل الآخر أو اختزاله، حتى لو كان يحمل الهوية القومية ذاتها، وقد يتطور الأمر إلى نزعات تطهيرية. المثال الأبرز على ذلك ما حدث في سراييفو عام 1994، حين رفع مواطنون أعلامًا أجنبية كالسعودي والتركي، في محاولة لإعادة اكتشاف هويتهم الدينية كوسيلة للتمايز الثقافي وسط صراع الهويات.

لا يمكن لأي مجتمع أن يمتلك هوية واحدة نقية، وإلا تحوّل إلى كيان مغلق وسلفي ومريض بالعصاب. وهذا ما سعت بعض الجماعات الإسلامية إلى فرضه عبر ما سُمي بالربيع العربي. المشكلة الجوهرية تكمن في غياب سيادة الهوية الوطنية، حيث يتناوب الواقع بين هوية دينية ذات طابع سياسي فاشي، وهوية سياسية ذات طابع ديني ديكتاتوري، مما يجعل الأوطان في حالة تفخيخ دائم، قابلة للانفجار وتدمير ذاتها، ومعها تتهاوى الهويات الأخرى.

الكارثة الحقيقية تظهر حين تحاول إحدى هذه الهويات فرض نفسها على الجميع، لتتصرف وكأنها ألغت باقي الهويات وأجبرت المجتمع على هوية واحدة. الهوية الوطنية لا تُبنى بالإكراه، بل عبر مشاركة حرة واختيارية من مختلف المكونات في تقرير مصير الوطن ومستقبله، لتصبح الانتماءات الخاصة – الدينية أو الطائفية أو الحزبية – جزءًا من هوية وطنية جامعة.

كما أشار هنري كيسنجر، فإن الصراعات في العالم الجديد لن تكون بين الطبقات الاجتماعية أو بين الغني والفقير، بل بين شعوب تنتمي إلى كيانات ثقافية مختلفة. الحروب القبلية والصراعات العرقية ستظل داخل الحضارات، لكن العنف بين الدول والجماعات ذات الحضارات المختلفة يحمل إمكانية التصعيد، حيث تتجمع القوى لدعم "دول القربى".

لقد انتهت مرحلة النضال الوطني والطبقي، ومع نهاية القرن الماضي تراجعت الحركات الوطنية والثورية، لتحل محلها الحروب الدينية والعرقية. قضية فلسطين مثلًا تحولت من قضية وطنية إلى قضية دينية، وهو ما يعكس بداية تاريخ جديد قائم على الانقسام الثقافي. وبما أن الهوية الثقافية ترتبط غالبًا بالانتماء الديني أو القبلي أو العرقي، فإن غياب الانتماء الوطني يجعل من الضروري إعادة النظر في البُنى التاريخية التي فُرضت قسرًا.

في ظل انهيار التوازن العالمي بعد سقوط المعسكر الاشتراكي، تصرفت الولايات المتحدة كإمبراطورية رومانية جديدة، متجاهلة مفهوم الدولة الوطنية، وجاعلة جغرافيا الشعوب مفتوحة أمام الهيمنة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي، يبدو أن البحث عن الهوية يفقد جدواه، إذ إن العالم يتجه نحو تاريخ جديد قائم على التكنولوجيا، حيث تُبنى الثقافة على برمجة المستقبل لا على إرث الماضي.

في هذا السياق، تبدو مجتمعاتنا المتأخرة معرفيًا عاجزة عن إنتاج هوية جامعة، وتكتفي بإعادة طرح مقومات سقوطها كلما واجهت الهزيمة. فكيف يمكن أن نبحث اليوم عن هوية لم نستطع تاريخيًا امتلاكها؟

الهوية والمواطنة – جدلية الانتماء

تُطرح العلاقة بين الهوية والمواطنة في السياق المعاصر كواحدة من أكثر الإشكاليات تعقيدًا وإثارة للجدل. فالمواطنة، التي يُفترض أن تكون الإطار الجامع لكل مكونات المجتمع، تتحول في كثير من الأحيان إلى ساحة صراع بين هويات متباينة، حيث يتبدى التناقض بين ما هو مشترك وما هو خاص، بين ما يوحّد وما يجزّئ. إن الهوية الوطنية لا تُبنى فقط على الانتماء الجغرافي أو القانوني، بل على شعور جماعي بالانتماء إلى مشروع سياسي وثقافي مشترك، وهو ما يجعلها عرضة للتحديات كلما ضعفت قدرة الدولة على إنتاج هذا المشروع أو ترسيخه.

في هذا السياق، يصبح مفهوم المواطنة اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الهوية على تجاوز الانقسامات الداخلية. فالمواطنة ليست مجرد بطاقة تعريف أو حقوق قانونية، بل هي ممارسة يومية للانتماء، تتجلى في قبول الآخر المختلف ضمن حدود الوطن الواحد. غير أن الواقع يكشف أن المواطنة كثيرًا ما تُختزل إلى مجرد إطار قانوني هش، بينما تُترك الهوية لتتأرجح بين الولاءات الدينية والطائفية والقومية، فتتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام بدلًا من أن تكون جسرًا للتوحيد.

إن جدلية الهوية والمواطنة تكشف عن مفارقة أساسية: كلما حاولت الهوية أن ترسخ نفسها عبر ثوابت صارمة، كلما ابتعدت عن جوهر المواطنة الذي يقوم على التنوع والاختلاف. فالمواطنة تفترض وجود تعددية داخل المجتمع، بينما الهوية المؤدلجة تسعى إلى إقصاء هذه التعددية لصالح نموذج واحد يُفرض بالقوة أو بالهيمنة الثقافية. وهنا يظهر السؤال الجوهري: هل يمكن أن توجد مواطنة حقيقية في ظل هوية مغلقة؟ أم أن المواطنة لا تتحقق إلا حين تُفتح الهوية على احتمالات التعدد والاختلاف؟

من الناحية التاريخية، ارتبطت المواطنة بالقدرة على بناء عقد اجتماعي يضمن مشاركة جميع المكونات في تقرير مصير الوطن. لكن في كثير من المجتمعات، خصوصًا تلك التي تعاني من ضعف مؤسسات الدولة أو من صراعات داخلية، تتحول الهوية إلى أداة سياسية تُستخدم لتقسيم المجتمع وإعادة إنتاج الولاءات الضيقة. وهكذا، بدل أن تكون المواطنة إطارًا جامعًا، تصبح مجرد شعار فارغ، بينما تُترك الهوية لتحدد من هو الداخل ومن هو الخارج، من هو المواطن الكامل ومن هو المواطن الناقص.

أالمواطنة لا يمكن أن تُفهم بمعزل عن الهوية، والعكس صحيح. فالمواطنة هي المجال الذي تُختبر فيه الهوية، والهوية هي البنية التي تُعطي المواطنة معناها. غير أن التوتر بينهما يظل قائمًا: فالمواطنة تسعى إلى الشمول، بينما الهوية تميل إلى التخصيص؛ المواطنة تبحث عن المساواة، بينما الهوية تبحث عن التمايز. هذا التوتر هو ما يجعل العلاقة بينهما جدلية مفتوحة، لا تُحسم بسهولة، بل تُعاد صياغتها باستمرار وفقًا للتحولات السياسية والاجتماعية والثقافية.

وبذلك، يمكن القول إن إدراك العلاقة بين – الهوية والمواطنة – يمثل المدخل الأساسي لفهم أزمة الانتماء في المجتمعات المعاصرة. فهو يكشف عن التناقض بين الرغبة في بناء وطن جامع وبين واقع الانقسامات التي تُعيد إنتاج نفسها عبر الهوية. إن المواطنة الحقيقية لا تتحقق إلا حين تُبنى الهوية الوطنية على أساس المشاركة الحرة والتعددية، لا على الإقصاء والفرض، لتصبح الهوية عامل توحيد لا عامل تفكيك.

ضغوط الهويات الفرعية على الهوية الوطنية

حين نتأمل في البنية الاجتماعية والسياسية للمجتمعات المعاصرة، نجد أن الهوية الوطنية لا تعيش في فراغ، بل تتعرض باستمرار لضغوط من هويات فرعية متشابكة: دينية، قومية، طائفية، وعرقية. هذه الهويات، التي يُفترض أن تكون جزءًا من النسيج الوطني، تتحول في كثير من الأحيان إلى قوى موازية تسعى إلى فرض خصوصيتها على حساب الانتماء الجامع. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: الهوية الوطنية التي يُفترض أن تكون مظلة شاملة، تصبح ساحة تنازع بين هويات فرعية تبحث عن التمايز والهيمنة.

إن هذه الضغوط لا تقتصر على المجال الثقافي أو الرمزي، بل تمتد إلى المجال السياسي والاجتماعي، حيث تُستخدم الهويات الفرعية كأدوات تعبئة جماهيرية أو كوسائل لإعادة إنتاج السلطة. فالجماعات الدينية مثلًا قد تسعى إلى فرض رؤيتها على المجال العام، معتبرة أن الهوية الوطنية لا تكتمل إلا عبر الانصياع لمعاييرها العقائدية. والجماعات القومية أو العرقية قد ترفع شعارات الخصوصية الثقافية لتبرير الانعزال أو الانفصال، وهو ما يؤدي إلى تفكيك الوحدة الوطنية من الداخل.

الأمثلة التاريخية تكشف خطورة هذه الظاهرة. ففي سراييفو عام 1994، رفع مواطنون أعلامًا أجنبية كالسعودي والتركي في محاولة لإعادة اكتشاف هويتهم الدينية وسط صراع دموي، وكأن الهوية الوطنية لم تعد قادرة على احتوائهم. وفي العالم العربي، برزت هذه الضغوط بشكل أوضح خلال أحداث ما سُمي بالربيع العربي، حيث تحولت الهوية الدينية إلى أداة سياسية فاشية، والهوية السياسية إلى أداة دينية ديكتاتورية، مما جعل الأوطان في حالة تفخيخ دائم، قابلة للانفجار في أي لحظة.

التحليل الأكاديمي لهذه الظاهرة يقودنا إلى إدراك أن الهوية الوطنية، إذا لم تُبنَ على أساس المشاركة الحرة والتعددية، تصبح عرضة للاختطاف من قبل الهويات الفرعية. فكلما ضعفت مؤسسات الدولة أو غابت المرجعية الوطنية الجامعة، ازدادت قدرة هذه الهويات على فرض نفسها كبديل، لتتحول إلى قوى إقصائية تسعى إلى إلغاء الآخر أو اختزاله. وهنا يظهر الخطر الأكبر: حين تتصرف إحدى هذه الهويات وكأنها ألغت باقي الهويات، فإنها لا تفرض فقط نموذجًا أحاديًا، بل تفتح الباب أمام نزعات تطهيرية تهدد وجود المجتمع نفسه.

إن الهوية الوطنية لا يمكن أن تُبنى بالإكراه أو عبر إقصاء المكونات الأخرى، بل عبر إدماجها في مشروع جامع يضمن لكل جماعة خصوصيتها دون أن تتحول هذه الخصوصية إلى أداة تقسيم. فالمجتمع الذي يسمح لهوياته الفرعية بأن تهيمن على المجال العام يفقد تدريجيًا قدرته على إنتاج هوية وطنية متماسكة، ويتحول إلى كيان هش، تتنازعه الولاءات الضيقة وتضعفه أمام التحديات الخارجية.

وبذلك، فإن ضغوط الهويات الفرعية تكشف عن هشاشة البنية الوطنية في كثير من المجتمعات، وتطرح سؤالًا جوهريًا حول كيفية إعادة بناء الهوية الوطنية على أسس جديدة، قادرة على استيعاب التعددية دون أن تتحول إلى تجزئة. الهوية الوطنية، إذا أرادت أن تصمد أمام هذه الضغوط، يجب أن تُعاد صياغتها كهوية جامعة، لا كهوية إقصائية، لتصبح عامل قوة لا عامل ضعف.

التحولات العالمية وأثرها على الهوية الوطنية

عندما ننظر إلى المشهد العالمي منذ نهاية الحرب الباردة وحتى صعود الذكاء الاصطناعي، ندرك أن الهوية الوطنية لم تعد مجرد قضية داخلية تخص كل دولة على حدة، بل أصبحت جزءًا من شبكة معقدة من التحولات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية التي تعيد صياغة مفهوم الانتماء. انهيار المعسكر الاشتراكي في بداية التسعينيات فتح الباب أمام الولايات المتحدة لتتصرف كقوة إمبراطورية جديدة، متجاهلة الحدود التقليدية للدول الوطنية، وجاعلة الجغرافيا السياسية للشعوب مفتوحة أمام الهيمنة. هذا التحول لم يقتصر على إعادة توزيع النفوذ، بل انعكس مباشرة على قدرة المجتمعات على إنتاج هوية وطنية متماسكة، إذ باتت الهوية معرضة للتفكك تحت ضغط العولمة والهيمنة الثقافية الغربية.

في هذا السياق، لم تعد الهوية الوطنية مجرد مشروع داخلي، بل أصبحت في مواجهة مباشرة مع قوى خارجية تسعى إلى إعادة تشكيلها أو تذويبها. فالعولمة الاقتصادية مثلًا فرضت أنماطًا جديدة من الاستهلاك والثقافة، جعلت الفرد أكثر ارتباطًا بالمنظومات العالمية من ارتباطه بالمنظومة الوطنية. ومع صعود التكنولوجيا الرقمية، أصبح الانتماء يتحدد عبر شبكات التواصل والفضاءات الافتراضية أكثر مما يتحدد عبر الانتماء الجغرافي أو السياسي. وهنا يظهر التحدي الأكبر: كيف يمكن للهوية الوطنية أن تصمد أمام عالم يتجه نحو تاريخ جديد قائم على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، حيث تُبنى الثقافة على برمجة المستقبل لا على إرث الماضي؟

التحولات العالمية أيضًا أعادت تعريف طبيعة الصراعات. فكما أشار هنري كيسنجر، لم تعد الحروب الكبرى تُخاض بين الطبقات الاجتماعية أو بين الغني والفقير، بل بين كيانات ثقافية مختلفة. هذا التحول يعني أن الهوية الوطنية لم تعد تواجه فقط تحديات داخلية، بل أصبحت جزءًا من صراع حضاري عالمي، حيث تُستخدم الهويات كأدوات تعبئة سياسية وعسكرية. الحروب القبلية والعرقية تستمر داخل الحضارات، لكن العنف بين الدول والجماعات ذات الحضارات المختلفة يحمل إمكانية التصعيد إلى مستويات غير مسبوقة، وهو ما يضع الهوية الوطنية في قلب معادلة الأمن العالمي.

يمكن القول إن التحولات العالمية فرضت على الهوية الوطنية أن تعيد تعريف نفسها باستمرار. فالدولة الوطنية التي كانت في الماضي الإطار الأساسي للهوية، أصبحت اليوم مهددة بالتفكك أمام قوى العولمة والتكنولوجيا. ومع ذلك، فإن هذه التحولات تفتح أيضًا إمكانات جديدة: الهوية الوطنية يمكن أن تُعاد صياغتها لتصبح أكثر انفتاحًا وتعددية، قادرة على التفاعل مع العالم دون أن تفقد خصوصيتها. لكن هذا يتطلب مشروعًا سياسيًا وثقافيًا واعيًا، قادرًا على مواجهة الضغوط الخارجية دون أن ينزلق إلى الانغلاق أو الانعزال.

إن التحولات العالمية وأثرها على الهوية الوطنية تكشف عن حقيقة أساسية: الهوية لم تعد مجرد مسألة داخلية، بل أصبحت جزءًا من شبكة معقدة من القوى العالمية التي تعيد تشكيل العالم. وهذا يفرض على المجتمعات أن تعيد التفكير في كيفية بناء هوية وطنية قادرة على الصمود أمام هذه التحولات، دون أن تتحول إلى كيان مغلق أو إلى مجرد انعكاس للهيمنة الخارجية. الهوية الوطنية، إذا أرادت أن تبقى فاعلة، يجب أن تُبنى على أساس المشاركة الحرة والتعددية، وأن تُعاد صياغتها بما يتناسب مع عالم جديد يتشكل على وقع التكنولوجيا والعولمة.

الهوية والرهانات المستقبلية

حين نتأمل في مسار الهوية داخل المجتمعات المعاصرة، ندرك أن التحدي الأكبر لم يعد فقط في مواجهة الضغوط الداخلية أو التحولات العالمية، بل في القدرة على صياغة رهانات مستقبلية تجعل الهوية عاملًا للتجديد لا للتفكك. فالمجتمعات التي تفتقد إلى هوية وطنية جامعة تجد نفسها أمام فراغ خطير، حيث تتحول الانتماءات الدينية أو الطائفية أو العرقية إلى بدائل قسرية، وتُستخدم كأدوات سياسية لإعادة إنتاج الانقسام. هذا ما نراه في قضايا مثل فلسطين، التي تحولت من قضية وطنية إلى قضية دينية، مما يعكس انتقالًا من مشروع جامع إلى مشروع انقسامي، ويكشف عن هشاشة البنية الوطنية حين تُختزل الهوية في بعد واحد.

إن جدلية الهوية في السياق المعاصر تكشف عن عمق الأزمة التي تواجه المجتمعات في سعيها لبناء انتماء جامع ومستقر. فالهوية لم تعد مجرد انعكاس للانتماء الوطني أو الثقافي، بل تحولت إلى ساحة صراع بين قوى داخلية وخارجية، بين هويات فرعية تبحث عن التمايز والهيمنة، وتحولات عالمية تعيد صياغة مفهوم الدولة والمواطنة. هذا التوتر المستمر يجعل الهوية الوطنية عرضة للتفكك، ويضع المجتمعات أمام تحدٍ وجودي: إما أن تُعيد صياغة هويتها على أساس المشاركة الحرة والتعددية، أو أن تنزلق نحو الانغلاق والتجزئة.

الرهان المستقبلي للهوية يكمن في تجاوز هذا الاختزال، عبر بناء مشروع وطني قادر على استيعاب التعددية دون أن يتحول إلى تجزئة. الهوية الوطنية لا تُبنى بالإكراه، بل عبر مشاركة حرة واختيارية من مختلف المكونات، بحيث تصبح الانتماءات الخاصة – الدينية أو الطائفية أو الحزبية – جزءًا من هوية وطنية جامعة، لا منافسًا لها. إن أي محاولة لفرض هوية واحدة بالقوة تؤدي إلى نتائج كارثية، لأنها تخلق مقاومة داخلية وتفتح الباب أمام نزعات تطهيرية تهدد وجود المجتمع نفسه.

لكن الرهانات المستقبلية لا تتوقف عند البعد السياسي والاجتماعي، بل تمتد إلى البعد التكنولوجي والثقافي. فمع صعود الذكاء الاصطناعي وتحوّل العالم إلى فضاء رقمي، يبدو أن البحث عن هوية تقليدية يفقد الكثير من جدواه. الثقافة لم تعد تُبنى فقط على إرث الماضي، بل على برمجة المستقبل، حيث تصبح الهوية مرتبطة بالقدرة على التفاعل مع التكنولوجيا وإعادة تعريف الذات في فضاءات جديدة. هذا التحول يفرض على المجتمعات أن تعيد التفكير في مفهوم الهوية، ليس كإطار مغلق، بل كعملية ديناميكية تتجدد باستمرار وفقًا للتغيرات العالمية.

إن الرهان الأكبر هو أن تتحول الهوية من عامل تفخيخ إلى عامل بناء، من أداة انقسام إلى أداة توحيد، من إرث جامد إلى مشروع متجدد. وهذا يتطلب إرادة سياسية وثقافية واعية، قادرة على مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية، وعلى صياغة هوية وطنية جامعة تستوعب الماضي وتستشرف المستقبل.

إن المستقبل يضع الهوية أمام اختبار غير مسبوق: كيف يمكن أن تبقى فاعلة في عالم يتجه نحو العولمة الرقمية والذكاء الاصطناعي، حيث تُبنى الثقافة على برمجة المستقبل لا على إرث الماضي؟ الإجابة تكمن في إعادة تعريف الهوية الوطنية كعملية مفتوحة، تستوعب التعددية وتستشرف المستقبل، لتصبح عامل قوة لا عامل ضعف. فالمجتمعات التي تنجح في هذا التحول ستكون قادرة على الصمود أمام التحديات، بينما تلك التي تفشل ستظل أسيرة انقساماتها، عاجزة عن إنتاج مشروع وطني جامع.

بهذا المعنى، الهوية ليست مجرد سؤال عن "من نحن"، بل عن "كيف نريد أن نكون" في عالم يتغير بسرعة، حيث يصبح المستقبل هو المرجعية الأساسية لإعادة تعريف الانتماء.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي مختص بالأنثروبولوجيا

 

لا يريد هذا المقال استعراض تاريخ الملحمة العربية كشكل كتابة او مشافهة. او الخوض في السّيرة الشعبية كسيرة عنترة او السيرة الهلالية او سيرة سيف بن ذي يزن او ذات الهمة فهذا مبحث يتجنب المقال خوضه لأنه منزلق يخرجها مما ارادت ان تقوله. السّؤال هنا راهن وربما يستجيب الى شغف العالم بالملاحم وهو ما بدا واضحا مع إعادة انتاج الاوديسة سينمائيا.  هل يمكن للراهن السياسي والحضاري والادبي والفني عموما خلق القدرة على انجاز ملحمة.

 أعاد دخول الوسائط البصرية الحديثة تشكيل الذاكرة الجمعية برمتها. فإذا كانت الملحمة القديمة تخشى المحو وتعتمد على الرّاوي لحفظ الحدث، فإن العصر الرقمي بات يمتلك أرشيفا بصريا هائلا ونشطا. حيث تحولت الصّورة الوثائقية البصرية إلى شريك حي يتغلغل في عمق النص. ممارسا وظيفة الجوقة الإغريقية المعاصرة التي تجعل المشهد المأساوي بَثّا حيا يتابعه الضمير الجمعي الإنساني في اللحظة ذاتها. فالتلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي، اليوم، تنقل الحروب والثورات والكوارث وهي تحدث، مما يجعل المتلقي شاهدا مباشرا، ليس مجرد قارئ لاحق. غير هذا طبيعة العلاقة بين السرد والجمهور، وجعل وظيفة الملحمة أقرب إلى التعليق الحي على الأحداث منها إلى سرد ماض مغلق.

يمتلك الواقع العربي المعاصر مادة خاما تفيض بالتراجيديا والدراما القومية. ممثلة في معارك التحرر الوطني، الثورات الكبرى، زلازل الانكسارات والتحولات الجيوسياسية المتلاحقة. تتجلى هذه المادة أيضا في ظهور أبطال وأيقونات تاريخية اختزلت في مساراتها الفردية صراع أمة بأكملها. مثل التحول العميق للقدس والأرض المحتلة مركز ثقل روحي تؤدي الوظيفة الرمزية التي كانت تؤديها الأماكن المقدس في الملاحم القديمة. غير أن توفر هذا الرصيد التاريخي الهائل يثبت أن أزمة الملحمة العربية المعاصرة ليست أزمة مادة ولا شح شهادات. هي أزمة تركيب وتأليف. إذ يظل التحدّي الجمالي رهين القدرة على تحويل المباشرة الصحفية والوثيقة الخام إلى صياغة رمزية تتسامى عن اللحظة السياسية العابرة دون أن تفقد حرارتها الواقعية.

 يملك المبدع العربي كذلك من الأحداث والسير الشعبية ما يكفي لعشرات الملاحم، لكنه يفتقر في الغالب إلى المسافة التي تمكنه من صياغتها فنيا. فالحدث الملحمي يحتاج إلى زمن كاف ليهدأ. وإلى رؤية تركيبية قادرة على استخلاص المعنى من الزخم، وليس مجرد توثيق الوقائع بأمانة. والمعنى هنا هو ابراز أهمية التخييل في إعادة بناء الواقع. وقدرة المبدع على تنظيم الشذرات المتضاربة دون أن يخون حقيقة التجربة التاريخية.

 تحول في بنية الراوي

عاش الفكر العربي الحديث زمنا طويلا أسير نموذج "الراوي العليم" - الصوت الواحد الذي يملك الحقيقة الكاملة ويوزعها على الجماعة، سواء كان هذا الصوت دينيا أو أيديولوجيا أو قوميا خالصا. هذا النموذج، بطبيعته الأحادية، عاجز عن استيعاب الملحمة الحديثة التي تقوم على تعدد الأصوات وتقاطع الشهادات المتنافرة.  كان التحول الجوهري انكسار سلطة الرّاوي الأوحد لصالح وعي تعددي يقبل التناقض بوصفه شرط المعنى لا نقيضه - وهو انكسار غذّته هزائم سياسية كبرى فتّتت اليقين الجمعي. وغذته أيضا موجة نقدية جعلت "الحقيقة الواحدة" فرضية مرفوضة..

ارتبطت المحاولات العربية لكتابة الملحمة ارتباطا وثيقا بالتأسيس لجنس المسرح الشعري، إذ مثلت التجربة سعيا طموحا لتطويع ديوان العرب ا ليتسع لفن وافد يقوم على الصراع الدرامي والموضوعية. لم تكن مشكلة هذه التجربة مجرد عجز عروضي أو هيمنة لصوت الشاعر على شخصياته. كانت تعبيراً عن توتر بنيوي وفلسفي عميق بين غنائية اللغة الشعرية ومتطلبات الحركة الدرامية، وبين كثافة العبارة وسرعة الفعل المسرحي. برز هذا التوتر في مسرحيات أحمد شوقي وعزيز أباظة في صيغة حوارات تميل إلى التجريد الجمالي على حساب اندفاع الصراع. حاول شعراء الحداثة مثل صلاح عبد الصبور وعبد الرحمن الشرقاوي تخفيف هذا الشد البنيوي عبر شعر التفعيلة لتقريب الإيقاع الشعري من نبض الدراما اليومية، غير أن التجربة أثبتت أن الشدّ القائم بين حصرية الصوت الشعري وتعددية الفعل المسرحي يجعل المسرح الشعري قنطرة عبور تاريخية ربما سلّمت التحدي الملحمي لوسائط سردية أكثر حرية وطواعية. كان المسرح الشعري محاولة نبيلة لكنها غير مكتملة، كشفت عن حدود القالب الشعري في استيعاب تعقيدات الواقع العربي الحديث، وأشارت إلى أن الملحمة القادمة قد تجد موطنها في الرواية أو في أشكال هجينة أخرى.

فلسطين والملحمة المفتوحة

تُشكل التجربة الفلسطينية أكثر التجارب العربية المعاصرة اقترابا من تجسيد الوظيفة الملحمية، متجاوزة أبعادها السياسية المباشرة لتغدو صياغة إنسانية لرحلة التيه والفقد والتغريب المقترنة بالإصرار على التحرر والعودة.

 تكمن قوة هذه التجربة في كونها نمط الملحمة المفتوحة أو الملحمة أثناء الحدوث كما وقع في غزة. خلافا للملاحم التقليدية التي كانت تُكتب عادة بعد انغلاق قوس التاريخ وبرود رماد المعارك. في الملحمة المفتوحة، تندمج الصورة اليومية للهدم والمفتاح القديم والوثيقة الرقمية مع النص الأدبي في لحظة الاشتعال ذاتها لمقاومة المحو. انعكس هذا التشكيل الملحمي في الشعر مع شعراء القضية الفلسطسنية خاصة محمود درويش عبر الارتقاء بالقصيدة من الغنائية الفردية إلى صياغة الصوت الجمعي، حيث أصبحت قصائده بمثابة أرضية مشتركة للوعي الفلسطيني، تؤرخ للجرح وتحلم بالعودة بأسلوب يجمع بين الأسطوري واليومي. بينما امتدت البنية السردية مع غسان كنفاني وصولاً إلى مشروع إبراهيم نصر الله الروائي الذي يسعى لبناء عمارة سردية تتشابك فيها الأجيال مع الأرشيف والذاكرة الحية. هذه التجارب تشير إلى أن الملحمة العربية المعاصرة، في غياب الدولة الموحدة والراوي الأوحد، قد تولد من رحم التجربة الاستثنائية، حيث يصبح التيه نفسه بطلا، وتصبح العودة المنشودة هي الغاية التي تمنح الرحلة معناها الملحمي.

محاولات

شهد النصف الأول من القرن العشرين محاولات لنظم الملحمة الكلاسيكية كما في ملحمة "أحسن القصص" لخالد الفرج أو ديوان "مجد الإسلام" لأحمد محرم، لكن التحول التاريخي الكبير تمثل في انتقال مركز الثقل الملحمي من البيت الشعري إلى العمارة الروائية، حيث قدمت أعمال مثل "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ و"مدن الملح" لعبد الرحمن منيف وإبراهيم الكوني في ملاحمه الصحراوية. نماذج رفيعة لاتساع الزمن والطبقات الاجتماعية والصراع الفلسفي. ومع ذلك، فإن الوسيط الملحمي المعاصر لم يعد محصورا في الرواية وحدها لأنه يتجه نحو تشكيل منظومة سردية هجينة عابرة للأجناس. فالملحمة القادمة قد لا تكون رواية مغلقة ولا قصيدة مطولة. انه نسيج يتقاطع فيه السرد الروائي مع كثافة الشعر، وحركية السينما، وحرارة الوثيقة الرقمية، ليصبح النص عبارة عن أرشيف متفاعل يمنح الفوضى التاريخية شكلا دالا.

يتطلب بعث الوظيفة الملحمية تجاوز العقبات التي يفرضها إيقاع العصر الرقمي، وفي مقدمتها التشتت وطغيان المباشرة على حساب عمق التأمل. لم تعد الملحمة المعاصرة تبحث عن الخلود في العالم الغيبي كما في الماضي. هي تخوض مواجهة حاسمة ضد النسيان والمحو الفكري وضد التواطئ والإبادة والشر. أصبح المبدع المهندس الجمالي الذي يستقبل فائض الصور والشهادات والأصوات المتضاربة ليقيم منها بناء كليا يمنح الواقع معناه الفلسفي. فالملحمة الحديثة لن تولد من التكرار الآلي للقوالب القديمة أو استنساخ البحور الممتدة. ستتشكل عندما تنصهر المنظومة السردية الهجينة مع عمق الرمز وفاعلية الأرشيف البصري. لم تعد حكاية الآلهة التي تصنع أقدار البشر. هي تجسيد لإصرار الإنسان على منح فوضى تاريخه شكلا دالا يحميه من المحو الحضاري.

***

سعيف علي

 

ليس من السهل أن يسأل الكاتبُ: إلى أين أنتمي؟. السؤالُ في الظاهر بسيطٌ، لكنَّه حين يخرج من فم كاتب أفريقي عاشَ الاستعمارَ، وورث لغته، وغادرَ بلدَه، ثم وجد نفسه يكتب من فضاء آخَر، يتحوَّل إلى سؤال ثقيل، يكاد يكون سؤالًا عن الحق في أن يكون الإنسانُ نَفْسَه.

الكاتبُ الذي وُلد في أفريقيا، وتعلَّمَ في مدارس تركتْ فيها فرنسا لغتها وثقافتها، ثم غادرَ إلى أوروبا، وعاش فيها، وكتبَ بلغة المُستعمِر، لا يستطيع أن يتعامل معَ الهُوية بوصفها بطاقة تعريف إدارية. لا يكفي أن يقول: أنا جيبوتي، أو أنا كونغولي، أو أنا فرنسي، وكأن المسألة انتهت. فالهُويةُ في هذه الحالة ليست خانة في جواز سفر، وإنما ذاكرة تتجاذبها أمكنة متعددة، ولغات متعددة، وتواريخ لا تزال آثارُها حاضرةً في الجسدِ واللغة والخيال.

مِن هُنا تبدو تجربة الكاتب الجيبوتي عبد الرحمن وابيري (وُلد 1965)، وتجربة الكاتب الكونغولي آلان مابانكو (وُلد 1966) جديرتين بالقراءة معًا. كلاهما كاتب أفريقي يكتب بالفرنسية، وغادرَ فضاءه الأفريقي إلى الغرب، ووجدَ نفسه أمام سؤال الانتماء، لكنَّهما لا يُقَدِّمان الجوابَ نفسه. إنهما يكشفان وجهين مختلفين للمأزق نفسه: كيف يمكن للكاتب أن ينتمي إلى مكان وُلد فيه، وإلى مكان آخَر أعادَ تشكيلَ وعيه، من دون أن يتحوَّل إلى سجين لأحدهما؟.

هناك وهمٌ شائع يقول إنَّ المهاجر يغادر وطنه كما يغادر المرءُ بيتًا قديمًا، يغلق البابَ وراءه، ويمضي إلى مكان جديد، ويبدأ حياته من الصفر. لكن الكاتب لا يستطيع أن يفعل ذلك، إنَّه يحمل البيت معه، يحمل رائحة الشوارع، وأصوات الأمهات، وأسماء الأماكن، والخوف القديم، واللغة الأُولَى، وصور الطفولة، وحكايات الجدات، وتفاصيل الجغرافيا، وحتى الأشياء التي كان يظنُّ أنه نسيها، لهذا لَم تكن الكتابة عند وابيري مُجرَّد نشاط أدبي بعيد عن الوطن، وإنما كانت مُحاولة لاستعادة بلده أو استملاكه من جديد عبر الكتابة. وهُنا تظهر المفارقةُ الجميلة والمؤلمة معًا: قد يغادر الإنسانُ وطنه لكي يعيش، لكنَّه قد يكتب لكي يعود.

يعود وابيري إلى جيبوتي، ليس بوصفها بطاقة بريدية أفريقية جاهزة للاستهلاك الغربي، وإنما بوصفها مكانًا حيًّا، ومتناقضًا، وقاسيًا وحميمًا في آنٍ واحد. وكتابته عن جيبوتي تَجمع بين الأفريقي والعربي والإسلامي والفرنسي والإنجليزي، أي إنَّها تنطلق من جغرافيا هجينة أصلًا قبل أن يصبح الكاتبُ مهاجرًا.وابيري لم يولد في هُوية " صافية " ثم جاء إلى المنفى ليخلطها، الهُوية كانت مختلطة منذ البداية.

جيبوتي تقع في منطقة تلتقي فيها أفريقيا بالعالَم العربي والبحر الأحمر، وتحمل آثار الاستعمار الفرنسي، وتعيش داخل شبكة من اللغات والثقافات والتاريخ البحري والتجاري والديني، لذلك فإنَّ فكرة " الانتماء الواحد " تبدو منذ البداية أضيق من الواقع الذي خرج منه الكاتب. رُبَّما لهذا يبدو الرحيلُ عند وابيري امتدادًا للأفكار التي تسكن ذاكرةَ المكان. إنَّه لا يخرج من وطن مستقر إلى عالَم غريب تمامًا، بل يخرج من فضاء كان يَحمل في داخله منذ زمن طويل معنى العبور.

أمَّا عند مابانكو، فإنَّ المسألة تأخذ شكلًا آخَر. الكونغو ليست مُجرَّد مكان طفولة بعيد، إنَّها تتحوَّل في أعماله إلى ذاكرة سردية، يعود إليها، ويستعيدها من خلال الشخصيات واللغة والسخرية والحكايات الشعبية والمدينة والأصدقاء والأهل، لذلك فإن الهجرة عنده لا تعني قطعَ الحبل، بلْ تعني تغييرَ المسافة بينه وبين الحبل.

في أعماله التي تستعيد الكونغو أو أفريقيا من موقع المهاجر، نجد كاتبًا لا يريد أن يكتب عن وطنه بالطريقة التي يتوقعها منه الآخرون. لا يريد أن يكون " صوت أفريقيا " بالمعنى النمطي، ولا يريد أن يصبح موظفًا لدى صورة جاهزة عن القارَّة، إنَّه يريد أن يكون كاتبًا أوَّلًا. وهذا التفصيل يبدو بسيطًا، لكنه ثَوري، لأن الكاتب الأفريقي كثيرًا ما يجد نفسه مُطَالَبًا بأن يشرح أفريقيا، ويُمثِّلها، ويدافع عنها، ويروي مآسيها، ويثبت أصالته، وكأن الأدب لا يسمح له بأن يكون حُرًّا مثل أي كاتب آخَر.

مابانكو يقاوم هذا القيد بالسخرية. يسخر من السياسيين، والنُّخبِ، والمثقفين، والمهاجرين، والأوروبيين، والأفارقة، وأحيانًا من نفسه. وهذه السخرية ليست هروبًا من الهُوية، وإنما طريقة لتحرير الهُوية من التحنيط. وعندما يسخر مِن هُويته، لا يتخلى عنها بالضرورة، رُبَّما يكون فقط قد رفض أن يُحوِّلها الآخرون إلى تمثال.

اللغة الفرنسية بالنسبة إلى وابيري ومابانكو ليست مُجرَّد لغة أجنبية دخلت حياتهما من الخارج. إنها لغة التعليم، والثقافة، والجامعة، والنشر، والفضاء الأدبي الذي صارا جزءًا منه. بلْ إنَّ مابانكو أوضح أن الفرنسية لم يكتشفها في فرنسا، لقد وجدها في الكونغو، أي إن اللغة الاستعمارية كانت قد أصبحت جزءًا من واقعه قبل رحيله. كما أكَّد أنه يكتب بها محاولًا أن يجعلها قادرةً على العيش إلى جوار اللغات المحلية. وهُنا تكمن المفارقة الكبرى، المُستعمِر رحل، لكن لغته بقيتْ، كيف يرفض لغةً أصبحت جزءًا من تعليمه وذاكرته؟، وكيف يقبل لغةً تحمل تاريخَ الهيمنة من دون أن يعيد تشكيلها؟.

الجوابُ الذي تُقَدِّمه تجربة وابيري وتجربة مابانكو ليس في الهرب من اللغة الفرنسية، بل في امتلاكها. فاللغة حين تدخل قلمَ الكاتب لا تبقى مِلْكًا للتاريخ وحده، يمكن للكاتب أن ينتزعها من سياقها القديم، ويضع فيها إيقاعَ مدينته، ونَفَسَ أهله، وسخريته، وأحلامه، وأسماءه، وذاكرته. وهكذا يصبح السؤالُ أقل تعلُّقًا بـ " مَن يملك اللغة؟"، وأكثر تعلُّقًا بـ " ماذا أفعل أنا باللغة؟".

وإذا كان مابانكو يميل إلى تحويل المنفى إلى مادة للسخرية واستعادةِ الذاكرة، فإنَّ وابيري يبدو أكثر اقترابًا من صورة الكاتب الرَّحَّال. وليس غريبًا أن تتكرر في دراسة تجربته مفردات مثل: الرحيل، والمنفى، والترحال، والبدوي، والمهاجر الكوزموبوليتاني. لكن الترحال عنده ليس انتقالًا جغرافيًّا فَحَسْب، إنَّه طريقة في النظر.

والكاتبُ الذي يعيش في أكثر من مكان، لا يرى العالَمَ من نافذة واحدة. تتعدَّد النوافذ داخله، وتتنازع الصور، ويصبح الوطنُ بعيدًا وقريبًا في الوقت نفسه، والغربُ لا يعود مُجرَّد " آخَر"، وإنما يصبح جزءًا من التجربة الشخصية، بما له من جمال وعُنصرية، وفُرص واستلاب، وحرية وذاكرة استعمارية. وشخصية الكاتب عند وابيري ليست شخصية رَجل يقف على ضفة، ويشير إلى ضفة أُخرى، إنَّه يقف بين الضفتين. وهذا " البَيْن" هو المكان الحقيقي الذي يكتب منه. إنَّه ليس فرنسيًّا تمامًا، وليس خارج فرنسا تمامًا، ليس مُجرَّد جيبوتي يعيش في المنفى، ولا مُجرَّد أفريقي يكتب للغرب، إنَّه كاتبٌ تشكلت هُويته من الحركة بين هذه الأمكنة.

مابانكو لا يخجل من أن يَكون كونغوليًّا وفرنسيًّا، ولا يتعامل مع الأمر باعتباه خطأ ينبغي إصلاحه. وفي حديثه عن الهُوية، يرفض النظرَ إلى المهاجر بوصفه شخصًا جاء من الخارج بصورة مُبسَّطة، ويشير إلى أنَّ العلاقة بين فرنسا وأفريقيا لا يمكن فصلها عن التاريخ الاستعماري واللغة والتعليم. والإنسانُ في النهاية ليس صندوقًا يمكن وضعه في رَف واحد. يمكن أن تحب الكونغو، وتنتقدها، ويمكن أن تعيش في فرنسا، وتنتقدها، ويمكن أن تكتب بالفرنسية، وتحمل داخلها إيقاعًا أفريقيًّا. وهُنا تُصبح الهُوية فِعلًا يوميًّا لا حُكمًا نهائيًّا.

ثمَّة فرق دقيق بين الكاتبين في علاقتهما بالوطن. عند وابيري يبدو الوطن أحيانًا كأنَّه شيء تجب استعادته عبر الكتابة، وهذا مفهوم تمامًا في تجربة كاتب غادرَ جيبوتي شابًّا، ثُمَّ ظلَّ يكتب عنها مِن الخارج.

أمَّا عند مابانكو، فإنَّ العودة إلى الكونغو تظهر في صور متعددة، جسدية وذاكرية وسردية. تصبح العودة إلى الوطن بعد غياب طويل مادَّةً لاستعادة المدينةِ والأهل والذاكرة، وليست رحلةً سياحية إلى الماضي.

كلاهما يصل في النهاية إلى الحقيقة نفسها: لا توجد عَودة كاملة، فالذي يعود بعد سنوات لا يجد المكانَ الذي تركه، والأهم: لا يجد نَفْسَه القديمة أيضًا. لقد تغيَّرَ المكانُ، وتغيَّرَ هو، لهذا لا تكون العَودة رجوعًا إلى نقطة البداية، وإنما لقاء بين شخصين: الشخص الذي غادر، والشخص الذي عاد. وفي هذه المسافة بالذات يولد الأدب.

اهتمَّ وابيري نظريًّا بمسألة الأدب الأفريقي العابر للحدود، وكتبَ عن الأجيال الجديدة من الكُتَّاب الأفارقة الفرنكوفونيين، فيما ارتبطت تجربته النقدية والأدبية بمسائل ما بعد الاستعمار والهجرة والتعدد الثقافي.

أمَّا مابانكو، فمشروعه الأدبي والنقدي يتحرَّك في فضاء الأدب الأفريقي والفرنكوفوني والعالمي، وهو ما يُفَسِّر لماذا لا يمكن اختزاله بسهولة في " كاتب كونغولي" بالمعنى الجغرافي الضَّيق.

كلاهما أصبحَ، بطريقة أو بأُخرى، جزءًا من أدب لا يعترف كثيرًا بالحدود التي رسمتها الخرائط. إنَّهما يَعرفان أنَّ اللغة يمكن أن تَحمل تاريخًا من القهر، لكنَّها تستطيع في الوقت نفسه أن تصبح أداةً للتحرر، والوطن يمكن أن يكون محبوبًا ومؤلمًا، والمنفى ليس جَنَّة، والعَودة ليست خلاصًا، والآخَر ليس شيطانًا، والذات ليست بريئة دائمًا. وهذه المعرفة المُركَّبة هي بالضبط ما يحتاجه الأدب. فالأدبُ لا يعيش في اليقين الكامل، وإنما يعيش في المسافة بين الأشياء.

وابيري يحمل إلى الأدب جغرافيا البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بتداخلاته العربية والأفريقية والإسلامية والاستعمارية، أمَّا مابانكو فيحمل معه الكونغو، والذاكرة الوجودية، واللغة الشعبية، وتجربة الهجرة الأفريقية في فرنسا وأوروبا. والكاتبُ الذي لَم يجد نَفْسَه كاملًا في الوطن، ولا كاملًا في المهجر، يستطيع أن يبني بيتًا ثالثًا، وهو الكتابة. في الكتابة لا يحتاج إلى جواز سفر، ولا أن يثبت أنَّه أفريقي بما يكفي، ولا أن يثبت أنَّه فرنسي بما يكفي، ولا أن يُقَرِّر أين ينتهي الوطن، وأين يبدأ المنفى. في الكتابة يستطيع أن يكون الاثنين معًا، وأكثر مِن الاثنين.

يستطيع وابيري أن يحمل معه جيبوتي إلى الغرب، ويعيد تشكيلها في النص. ويستطيع مابانكو أن يحمل الكونغو معه إلى الغرب، ثم يعود إليها أدبيًّا كلما شاء. وكلاهما، بهذا المعنى، لا يهرب من الوطن حين يكتب من الخارج، بلْ يعيد اختراعَه. وهذا رُبَّما هو سِر الأدب، فنحن لا نكتب فقط عن الأماكن التي نعيش فيها، بلْ أيضًا عن الأماكن التي تعيش فينا. وهل الوطن هو المكان الذي وُلِدْتُ فيه، أم المكان الذي صَنَعْتُ فيه وَعْيي، أم المكان الذي أحنُّ إليه، أم المكان الذي أخشاه، أم المكان الذي أعود إليه في الخيال؟.

***

إبراهيم أبو عواد

 

مفتتح: في ضوء الفلسفة، لا تبدو الرواية مجرد جنسٍ أدبيٍّ واسعٍ ومفتوح، بل هي المختبر الذي تجرّب فيه الفكرة قدرتها على أن تعيش داخل العالم، حيث في مسرح الشخصيات والوقائع والظلال، لا تظهر الحقيقة بوصفها صيغةً نهائية، بل بوصفها أثرًا متحركًا، يتشكل كلما تقدّم السرد خطوةً نحو كشفٍ جديد أو التباسٍ أعمق ، ثمّ الرواية لا تروي العالم فقط، بل تعيد ترتيبه داخل وعيٍ يتعلّم أن الحقيقة ليست ما يُقال مرة واحدة، بل ما يُروى ويُعاد روايته تحت ضغط الزمن والذاكرة واللغة..

إذ السؤال الفلسفي داخل الرواية لا يطل علينا من باب الخطابة أو التقرير، بل ينشطر داخل البنية السردية نفسها، عبر توزيع الأصوات، بناء الشخصية، هندسة الزمن، وكذا التوتر بين ما يُقال وما يُخفى.. فتبدو الرواية، في أفضل حالاتها، شكلًا من أشكال التفكير لا يقل كثافةً عن الفلسفة، لكنه أكثر التصاقًا بالحياة وهي تتعرّض للتجربة والخسارة والالتباس، كونها لا تشرح الأفكار فقط، بل تختبرها داخل مصائر بشرية، ولا يعود المفهوم مجرد تعريف، بل يصبح جرحًا أو اختيارًا أو ذاكرةً أو شكًا أو اعترافًا..

ما يهمّنا هنا، ليس أن الرواية تضمّ أفكارًا فلسفية، فذلك أمر شائع في كثير من النصوص، بل أن تتحول الفكرة إلى نسيج سردي، بحيث يختفي التعارض الموروث بين “التحليل” و“الحكاية”، فالرواية الحديثة، كما تشير دراسات كثيرة (كتاب جيسي ماتز (Jesse Matz) "تطوّر الرواية الحديثة" [The Modern Novel: A Short Introduction] ترجمة لطفية 413 صفحة الدليمي، دار المدى 2016م)، لم تعد تقيّم على محاكاة الواقع وحدها، بل على مساءلته: كيف يُصنع؟ ومن يرويه؟ وأيّ لغة تمنحه شكله النهائي؟ بهذا المعنى، تصبح الرواية أكثر من قصة؛ بل تصبح أفقًا معرفيًا تُعاد فيه كتابة الحقيقة من داخل التشظي، لا من فوقه...

الحقيقة واللغة

إذا كان هناك محوران يبدوان أساسيين في التفكير الفلسفي داخل الرواية، فهما الحقيقة واللغة، لأن الرواية الحديثة لا تتعامل مع الحقيقة بوصفها معطىً نهائيًا، بل بوصفها شيئًا يتكشف ويتوارى في آن واحد؛ أي حقيقةٌ لا تنفصل عن المنظور، ولا تتجلى خارج السرد الذي يمنحها وجودها القابل للفهم.. وفق هذا المعنى، لا يعود السؤال: هل الرواية صادقة أم متخيلة؟  وإنما: كيف تصنع الرواية شكل صدقها الخاص؟ وكيف تكشف أن ما نعتبره “الواقع” لا يدخل الوعي إلا عبر لغة تؤطره وتعيد ترتيبه؟

لذلك يكتسب تحليل الرواية بعدًا فلسفيًا دقيقًا، حيث اللغة ليست مجرد وسيلة لنقل المعنى، بل هي نفسها موضع المعنى ومادته وحدوده، والرواية تكشف أن الكلمات لا تعكس العالم بشكل بريء، بل تبنيه داخل منظور خاص، وأن كل صوت سردي يحمل في داخله موقفًا من الحقيقة، على هذا الأساس تبدو الأعمال الروائية الكبرى مختبرات مركزية لسؤال الحقيقة، لأنها لا تعرض المعنى كشيء مستقيم، بل كشيء مضطرب، قابل للانكسار والتعدد والانزياح..

الخيال والزمن والذات

أما الخيال، فهو ليس في الرواية مجرد ديكور، بل قوةٌ معرفية تسمح للفكر بأن يلامس الممكن، لا الواقعي فقط، الخيال هنا لا يهرب من العالم، بل يعيد ترتيبه، ويمنح الحدث أفقًا أوسع من وقائعه المباشرة، وعليه تلتقي الرواية مع الفلسفة في تلك المنطقة التي لا تكتفي بما هو قائم، بل تسأل عمّا كان يمكن أن يكون، وما الذي يخفيه الواقع من وجوهه المحتملة.. أما الزمن، فليس في الرواية مجرد خلفية للأحداث، بل هو إحدى لبناتها الكبرى، حيث الرواية تفكر في الزمن بوصفه خبرةً داخلية، لا مجرد تعاقبٍ كرونولوجي، فالاسترجاع، والانتظار، والانقطاع، والبطء، والتكرار، والتعليق؛ كلها صيغ تجعل الزمن في الرواية تجربة معيشة، وتحوّل السرد إلى طريقة في فهم الوجود، وهذا ما جعل دراسات “السرد والزمن” ترى أن الرواية لا تصف الزمن فقط، بل تُعيد تشكيل الوعي به، وتحوّل الماضي والحاضر والمستقبل إلى طبقات متداخلة في بناء الذات..

أما جهة الذات، تُظهر الرواية أن الأنا ليست جوهرًا ثابتًا، بل بناءٌ سردي يتشكّل عبر الذاكرة والمراجعة والاعتراف والتصادم مع الآخر. فالشخصية الروائية الكبرى ليست مجرد فرد داخل أحداث، بل شكلٌ من أشكال الوعي وهو يختبر نفسه في العالم، لذلك ترتبط الرواية الفلسفية عادةً بأسئلة الهوية: من أنا؟ كيف أروي نفسي؟ وما الذي يبقى من الذات حين تتفكك صورتها الأولى؟ الرواية هنا لا تصف الأنا، بل تكشف أنها كائن يتكون في اللغة، وفي الذاكرة، وفي العلاقة بالآخر..

مصابيح أورشليم

لو أردنا نموذجًا عربيًا معاصرًا تتكثف فيه هذه الأسئلة الخمسة، فإن مصابيح أورشليم لعلي بدر تبدو مثالًا بالغ الدلالة، لأن الحقيقة فيها لا تُقدَّم كجوهر ثابت، بل كصراع سردي بين روايات متنازعة عن القدس، واللغة لا تعمل بوصفها وصفًا محايدًا، بل باعتبارها أداةً لإعادة كتابة المكان ومراجعة صورته في الوعي، بينما الخيال، يتحول إلى قوة تأويلية لا تهرب من التاريخ بل تعيد ترتيبه، فيما يغدو الزمن طبقاتٍ متراكبة من الذاكرة والمحو والاسترجاع، وتظهر الذات—في صورتها الفلسطينية واليهودية ومدينة القدس أو اورشليم معًا—بوصفها بناءًا متحركًا لا يُفهم إلا داخل شبكة العلاقة بالآخر وبالمدينة وبالسرد المضاد..

عندئذ لا تكون الرواية مجرد حكاية عن الدكتور إدوارد سعيد والقدس المحتلة، بل مختبرًا فلسفيًا يضع الأسئلة الخمسة في قلب التجربة السردية نفسها، بل في هذه الرواية، لا تكون القدس مكانًا فقط، بل نصًّا مفتوحًا على طبقات من المحو والاستعادة، والهوية لا تأتي كجوهر متين، بل كتركيب هشّ يتبدل وفق من يكتب ومن يُروى عنه، هنا تتجلى قوة الرواية فلسفيًا: إنها لا تفسّر العالم، بل تكشف أن العالم نفسه لا يظهر إلا من خلال سردياته المتنازعة، فتغدو مصابيح أورشليم أكثر من رواية عن مدينة؛ إنها رواية عن المدينة حين تصبح مرآة للصراع بين الرواية الرسمية والرواية المزورة، بين الذاكرة المتطفلة والذاكرة المستعادة، وبين المكان كما يُفرض والمكان كما يُعاد تخيّله..

عندما تتجدد العلاقة بين الفلسفة والأدب، الرواية لا تقف في مواجهة الفلسفة، ولا تقف تحت ظلها؛ إنها، على العكس، تفرض على الفلسفة أن تعيد النظر في طريقة سؤالهـا عن الإنسان..

لقد علّمتنا الرواية أن الحقيقة لا تسكن العبارة النهائية، وأن اللغة ليست مرآة شفافة، وأن الخيال ليس نقيض المعرفة، وأن الزمن لا يُختزل في خط مستقيم، وأن الذات ليست شيئًا يُعثر عليه مرة واحدة ثم يحنط ويوضع بإقامة جبرية.. هذه المعاني لا تُقال في الرواية بوصفها نتائج، بل تُعاش بوصفها تجارب، ولعل أعظم ما تقدمه الرواية للفلسفة ليس “مادة” جديدة، بل حساسية جديدة، أقصد حساسية ترى الإنسان كائنًا يُكتب، ويُعاد كتابته، ويظلّ أكثر اتساعًا من أي تعريف وحيد.

عبر هذا المعنى، ليست الرواية مجرد محطة في علاقة الفيلسوف بالأدب، بل هي الصيغة التي أعادت لهذه العلاقة عمقها وحداثتها، عبر منح الفكر جسدًا، واللغة قلقها الخلّاق، والسؤال الفلسفي قدرةً على أن يسكن التجربة بدل أن يطل عليها من عليائه..

حين نقرأ الرواية بهذا الوعي، لا نكون أمام نص يجاور الفلسفة، بل أمام شكل من أشكال الفلسفة وقد تعلم أن يتكلم بلغة الحياة نفسها..

(يتبع)

***

أ‌. مراد غريبي

 

في يثرب/المدينة استطاع محمد بن عبد الله (ص) تشكيل وبناء الجماعة الإسلامية كخطوة أولى في طريق تحقيق الأمة الكبرى، وذلك عندما كتب الرسول الكريم عقد المؤاخاة أو الصحيفة، التي هي بمثابة الدستور بين المهاجرين والأنصار واليهود، المبني على قاعدة المواطنة أي الإنتماء للوطن وليس المعتقد الديني في محاولة لتجاوز الإطار القبلي والتوافق على العيش المشترك، أي عيش الجماعات المتعددة قبليا ودينيا على نفس الأرض وفي إطار سياسي واحد.

والحقيقة التي لا نقاش فيها أن ما يميز الرسول هو أنه نظر للأمور نظرة واسعة وكان يمتلك رؤية سياسية شاملة تتجاوز حدود القبيلة والعشيرة وتتجاوز حتى حدود العواطف والمنافع الشخصية، كما كانت قراراته السياسية مبنية على دراسة لطبيعة المشكلات وعواملها الأساسية، وليس هذا فحسب، بل وتصدر عن قراة واعية واستشرافية لتداعياتها وأسسها البعيدة والقديمة، كما كانت رؤيته السياسية مقرونة بعزم وإرادة ونظرة مستقبلية متبصرة، تنظر إلى القبائل والعشائر التي عيش في الجزيرة العربية، على أنهم أمة واحدة، تجمعهم رابطة الجنس والوطن واللغة، كما يجمعهم التاريخ المشترك والمصير المشترك.

ولهذا كان تأثير الدعوة المحمدية تأثير يتيز بميزتين أساسيتين هما الديمومة والعالمية، وهذا هو النجاح الكبير الذي حققه الرسول الكريم، وجسَّدته الفتوحات التي تواصلت بعد وفاة النبي وبلغت الذروة في عهد الدولة الأموية، إذ كانت حدود الأمبراطوية الإسلامية تمتد من جبال البرييني في غربا أوروربا حتى حدود الصين شرقا.

وثمة ملاحظة في هذا الصدد، وهي أن الجماعة المؤمنة برسالة محمد بن عبد الله (ص) العدد، وقد كانت جماعة صغيرة من حيث العدد، لأن الدعوة لم تنتشر الانتشار الواسع بين الناس في المرحلة المكية بسبب الحصار المحكم الذي فرضه سادة قريش على الدعوة المحمدية، وهناك سبب أخر في عدم الانتشار هو الإضطهاد والتعذيب الذي تعرض له المسلمون الأوائل، وخاصة المستضعفين من أتباع الرسالة المحمدية، من عبيد وفقراء ونساء (السيد، الأمة والجماعة والسلطة، 2011، صفحة 23).

من البديهي القول، أن الرسول كان قد أسّس الأمة الإسلامية كجماعة دينية، الأمة التي تضم المهاجرين والأنصار وعدد كبير من قبائل الجزيرة العربية، وأساس الرابطة في هذه الجماعة التي تحولت أمة هو الدين الجديد، والعنصر الأساسي للإنتماء هو العقيدة الإسلامية. فأفراد هذه الأمة في البداية كان ضئيلاً ومحدوداً، إذ لم يتعد عدد من دخل في الإسلام، مائة وأربعة وخمسون(154) شخص، في المرحلة المكية أي في سنوات البعثة، والتي دامت، كما هو معروف، ثلاثة عشر سنة، ثم وصل عدد المؤمنين إلى عشرات الألاف في المرحلة المدينة والتي إستغرقت عشر سنوات، وانتهت سنوات الهجرة ومفهوم الهجرة بعد فتح مكة.

و من نافلة القول، أن هؤلاء الأفراد في مكة وهذه الجماعات في المدينة، إلتفوا حول رجل ذو كاريزما وتبعوا رسول صاحب رسالة وآمنوا بنبي نزل عليه الوحي عن طريق جبريل، وهذا ما يسمى في علوم القرآن بالتنزيل، وهو النص القرآني، ومن المتفق عليه بين المفسرين أن القرآن الكريم يتضمن أوامر ونواهي إلهية، يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويحدد شكل المعاملات، كافة أشكال المعاملات الإجتماعية والتجارية، نص إلهي ينطق بلغة الحرام والحلال، ويعبر عن عقيدة دينية، أساسها الإيمان بالله، وبرسله وملائكته وباليوم الأخر (السيد، الأمة والجماعة والسلطة، 2011، صفحة 140).

ما نسعى إلى بيانه، أن الدعوة المحمدية تكونت حولها جماعة مِلّية/دينية بالأساس وتسمى هذه الجماعة بالمسلمين. ولكن مع تطور الأحداث والتحولات السياسية والإقتصادية والتغيرات الاجتماعية، وكذلك مع انفجار الصراعات السياسية وتغير الخريطة الطبقية، تحولت هذه الجماعة الدينية إلى أمة تنطوي تحت لوائها عدة جماعات، وتخضع لسلطة سياسية مركزية في المدينة، ثم انقسمت الأمة إلى جماعات سياسية متناحرة في مرحلة الخلفاء الراشدين وخاصة في النصف الثاني من خلافة عثمان بن عفان واستمرت الصراعات بحدة في عهد الخليفة الرابع علي بن أبي طالب، وبقي الأمر كذلك حتى مع قيام الدولة الأموية، إذ هدأت الأمور بعض الشيء. (غليون، نقد السياسة.. الدولة والدين، 2007، صفحة 55).

وغني عن البيان القول، أن محمد بن عبد الله (ص) كان يتصرف كقائد روحي من ناحية وكزعيم سياسي من ناحية أخرى، فهو بإعتباره نبي وقائد لجماعة دينية، كان يرشد على العمل الصالح ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحذر من فعل الشر ويقرر ما ينفع الناس ويدعو إلى مكارم الأخلاق.  أما كقائد سياسي، فقد كان يحث المؤمنين على القتال في سبيل الدعوة وذلك بدعوته إلى الجهاد كما كان يجهز الكتائب ويعد السريات للقتال، وفي نفس الوقت كان يفاوض القبائل ويعقد الصفقات مثل صلح الحديبية الذي يقدم مثالا أعلى على المسلك السياسي النبوي النازع نحو الواقعية والمرحلية والبراغماتية، وهو صلح جاء في أعقاب مفاوضات شاقة خاضها الرسول مع سادة قريش، وقد وفرت له هذه المفاوضات هدنة كان يحتاجها المسملون لإلتقاط الانفاس ولإعادة بناء الجيش ورص صفوف المسلمين وتمتين الجبهة الداخلية، كما كان الرسول وبحنكته السياسية الفذة، يناور الأعداء ويعقد التحالفات مع الأصدقاء ويخطط للغزوات ويبرم الاتفاقيات... الخ (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 111)

ما نريد التأكيد عليه، أن النبي كان يجمع في شخصه بين الزعامة الروحية والقيادة السياسية، بين الدعوة والدولة، ومن البديهي القول، أن تلك الحقبة الممتدة من سنة 610 م حتى سنة 632م هي حالة إستثنائية، وُجدت فقط في تلك الحقبة عند الرسول محمد بن عبد الله والرسول(ص). ولفهم ملابسات تلك التحولات من الجماعة إلى الأمة والصراع على السلطة، لا بد لأي باحث أو مؤرخ من تتبع الدعوة المحمدية من البداية حتى النهاية. أي من المرحلة المكية حتى الفترة المدينية، وبعبارة أخرى لا بد من قراءة السيرة النبوية في سياقها التاريخي والأخذ بعين الإعتبار الظرفية الاجتماعية /الإقتصادية.

النبوة والسلطة السياسية

ففي المرحلة المكية كان النبي زعيمًا روحيًا ورمزًا دينيًا، ولا أحد يجادل في ذلك، والأفراد الذين آمنوا به شكلوا جماعة روحية /دينية بمعنى الكلمة، وبعبارة أخرى فإن الشيء الوحيد الذي كان يربط أفرادها بعضهم ببعض هو الإيمان بالله وبرسوله وبما يوحى إليه، لم يكن ما يجمع بين أفراد الجماعة الإسلامية التي كانت أخذةً في التكوين غير العقيدة (جعيط، الفتنة.. جدلية الدين والسياسة، 2012، صفحة 35)

و حتى الدعوة في هذه المرحلة- وكثير من الآيات تشهد على ذلك- كان يغلب عليها طابع المُوادعة ونحت منحى المُسالمة واتسمت بروح التسامح. لأن التركيز في هذه المرحلة كان على الدعوة إلى الدين الجديد، والتأكيد على وحدانية الله" قل هو الله احد الله صمد لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوءا احد" (سورة الإخلاص) والإشارة إلى الحياة الأخرى والتذكير بيوم الحساب.. الخ.

و بالتالي لم يكن من مصلحة هذه الجماعة قليلة العدد، ضعيفة الإمكانيات، الدخول في مواجهة إنتحارية مع القوة الضاربة لقبيلة قريش، التي كنت تفوق المسلمين عددا وعدة (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 75).

ففي هذه الحقبة كذلك، كان محمد بن عبد الله يتصرف كنبي ورسول، حامل لرسالة وصاحب دعوة دينية مع المؤمنين برسالته في مكة أي " أمة الإجابة " وإلى الناس كافة وإلى العالم أجمع أي " أمة الدعوة "، ولم يكن يتصرف كقائد سياسي أو رئيس دولة، ومع مقاومة قريش الشرسة للدعوة، واﻹضطهاد الذي مارسته على أتباع محمد، وخاصة على الضعفاء منهم، كان لابد من إتباع تكتيك السرية والمقاومة السلمية والصبر والمسالمة.

و الحقيقة التي لا مرية فيها، أن النبي في هذه المرحلة، كان أعزل ومحاصر من كل الجهات، فعدد الجماعة الإسلامية قليل بل وقليل جدا، لا يسمح بالمواجهة المباشرة مع خصم عنيد، شديد المِراس تحت قيادة " الملآ "، يفوق جماعة محمد بن عبد الله، عددا وعدة. لكن ميزان القوة سرعان ما سيتغير رأسا على عقب، في الحقبة المدينية. إذ سيصبح الرسول " النبي المسلح " (أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، 1998، صفحة 167) والقائد السياسي الذي له أتباع كثيرون، وهؤلاء الأتباع قد يتحولون في آية لحظة وبإشارة فقط من الرسول، إلى جيش يقاتل بضراوة وعن عقيدة دينية راسخة. و هو ما حصل بالتمام والكمال، مع غزوات الرسول العديدة والتي بلغت سبعة عشر غزوة في السنوات العشر للهجرة في المدينة/يثرب.

ما نريد التنبيه إليه، أن هناك اختلاف واضح بين المرحلتين، مرحلة ما قبل التمكين ومرحلة ما بعد التمكين، المرحلة الأولى كانت سِمتّها الأساسية هي الضعف وقلة الحيلة في مواجهة قوة قريش الضاربة وبأس سادة قبيلة قريش الذي لا يرحم والمرحلة الثانية كان يميزها القوة ممثلة في جيش مسلح قوامه عشرة آلاف مقاتل، جيس مستعد للقتال وقادر على خوض الحروب وشن الغزوات، ويمتلك عقيدة قتالية تقوم على التضحية في سبيل الله وعلى السعي نحو اكتساب صفة الشهيد، فالنبي في المرحلة المكية كان أعزل، أما النبي في المرحلة المدينية فكان نبي مسلح عددًا وعدة وهناك فرق، بطبيعة الحال بين قائد أعزل وقائد مسلح.

و لهذا إختلفت لهجة الخطاب وارتفعت نبرة الصوت وتبدل أسلوب المعاملة ليس فقط مع قبيلة قريش في مكة بل مع عدة قبائل في نجد والحجاز، وعن الإختلاف بين المرحلتين، يشير باحث معاصر إلى ذلك بقولهʺ.. مع الهجرة إلى المدينة تنتهي مرحلة وتبتدئ أخرى. كانت المرحلة المكية مرحلة الدعوة والصبر، أما المرحلة المدينية، فستكون مرحلة تأسيس الدولة والحرب. أن هذا لا يعني أن الدعوة السلمية قد انتهت، كلا، إن النهج التبشيري السلمي سيبقى قائما دائما، ولكنه لن يكون هو النهج الوحيد. إن الصراع مع قريش الذين حاربوا الدعوة المحمدية دفاعا عن مصالح معينة سينتقل هذه المرة إلى مرحلة أرقى، مرحلة ضرب تلك المصالح نفسها.. وهكذا ستشق الدعوة المحمدية طريقها إلى بناء الدولة عاملة في واجهتين، البناء الداخلي من جهة، وممارسة السياسية مع قريش بوسائل أخرى، وفي مقدمتها الحرب النفسية وضرب تلك المصالح، من جهة ثانية،.. " (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 91)

و بالفعل، كان من الضروري في هذه الحقبة، من تنظيم المجتمع الجديد وفق هندسة اجتماعية جديدة. والعمل شيئا فشيئا، على تحقيق ما يسمى اليوم بالاندماج الوطني بين المهاجرين والأنصار، من خلال الأخوة التي تحقق التضامن والتكافل الاجتماعي وكذلك كان يجب عقد معاهدة بين المسلمين واليهود، وهي المعاهدة المعروفة باسم الصحيفة التي حددت النظام الداخلي للتعايش بين جميع الأطراف التي تسكن المدينة. وخاصة التعايش في إطار عدم الاعتداء وإحترام كل طرف لمعتقد الأخر طبقا لمبدأ " لا إكراه في الدين" (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 93) نستنتج من هذا الكلام، أن تنظيم الجماعة الإسلامية والتركيز على البناء الداخلي، أي تمتين الجبهة الداخلية، وعقد معاهدات مع أطراف قد تشكل خطرا محتملا في المستقبل، كل ذلك وأكثر، هو ممارسة سياسية بامتياز (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 94).

فالدين الجديد، كان يُحَارب بضراوة من طرف قريش التي استخدمت كل الوسائل المتاحة لديها للقضاء على هذه الدعوة في المهد، من التعذيب المادي والاعتداء الجسدي على المستضعفين من المسلمين، إلى الحصار الاقتصادي، إلى الإغراء المادي.

هذه الحرب الشاملة جعلت الرسول وأنصاره في المدينة يمارسون السياسية في الدين ومن أجل الدين. إنه عمل سياسي بامتياز، يراعي الواقع ويقدر الظروف ويأخذ بعين الاعتبار موازين القوى.  ما نخلص إليه ها هنا، أن الجماعة الدينية في مكة تحولت بالتدريج إلى جماعة سياسية في المدينة / يثرب، والجماعة السياسية هي الأخرى تحولت وبالتدريج وعلى مراحل إلى أمة لها دولة ونستطيع أن نطلق عليها وبتحفظ شديد مصطلح الدولة - الأمة.

نهاية مرحلة.. وبداية مرحلة

وفي سياق تاريخي محدد هو مرحلة النبوة، أي مع وجود نبي مع الصحابة والجماعة المؤمنة، شكَّل الرسول الكريم حالة استثنائية، إذ جمع بين الزعامة الروحية والقيادة السياسية، وهو صاحب الدعوة وحامل الرسالة. و لكن انتفت هذه الحالة بمجرد وفاة الرسول وانتهت الدعوة بنهاية صاحب الدعوة وانقضى بذلك زمن النبوة وبدأ زمن الخلافة. وبعبارة أفصح نقول، مع وفاة النبي محمد(ص) أُستدل الستار على المرحلة " المشاعية ".. كانت فيها العلاقات الاجتماعية فوق قبلية تحكمها الرابطة الدينية / كما كنت مرحلة مثالية بحكم وجود الأباء المؤسسين المتجسمة في النبي وأصحابه، وبالتالي هي حقبة زمنية غير قابلة للتكرار، مرحلة شهدت ميلاد أمة إسلامية، العنصر الأساسي في وجودها وتوحيدها هو الدين، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى العنصر الأساسي في تفرقها وتمزقها، هو السياسية، والمفارقة الكبرى أن الأمة هي التي أبدعت حضارة والسلطة هي أسقطت هذه الحضارة.

ففي هذه الحالة، الطرق السلمية وحدها لا تكفي، بل لا بد من طرق ووسائل وآليات أخرى سواء كانت أو غير سلمية. وقد تكون الوسائل السياسية ومنها الطرق الحربية. وهنا كان ضروريا إختلاط السياسية بالدين، في هذا السياق التاريخي، ومن أجل التمكين لهذه الجماعة الدينية وضمان إنتشار الدعوة، ومن هذا المنطلق مارس النبي كل الوسائل التي تحقق له هذا الهدف، الوسائل السياسية حينا من خلال عقد الإتفاقيات والصفقات، والوسائل اﻹقتصادية عن طريق إعتراض القوافل التجارية أحيانا أخرى، في إطار مواجهة الخصوم والأعداء من جهة وزيادة الأتباع من جهة أخرى (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 113).

وفي هذا السياق نجد أن الرسول مارس السياسية بأتم معنى الكلمة، حيث قام بعقد عدد من التحالفات مع قبائل عربية مختلفة مثل بيعة العقبة، الأولى والثانية، التي أفضت إلى دخول قبيلتي الأوس والخزرج في الإسلام، وبالتالي مهدت الطريق للهجرة إلى يثرب. (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 89)

ومما يلفت الانتباه، أن النبي طبق فن التفاوض والصلح وعقد الإتفاقيات بقدر كبير من الذكاء السياسي، من إبرام معاهدة الصحيفة، وهي الاتفاقية/ الدستور التي جمعت ثلاثة أطراف، الطرف الأول يمثله المهاجرون والطرف الثاني هم الأنصار والطرف الثالث يتمثل في اليهود، من أجل العيش المشترك والتعايش في الوطن الواحد.

وكذلك من الأحداث البارزة، في السيرة النبوية والدعوة الإسلامية صلح الحديبية الذي تجلى فيه التكتيك السياسي والحنكة الدبلوماسية ومراعاة المصالح الاقتصادية.

ولهذا هناك فرق بين الأمة والدولة، في التاريخ الإسلامي منذ مشكلة الخلافة إلى غاية اليوم، فالأمة الإسلامية هي شعور عاطفي يجمع بين أفرادها رغم اختلافاتهم العرقية واللغوية والمذهبية، يجمعهم شعورهم الديني والروحي، بالانتماء إلى نفس العقيدة وكذلك ممارسة نفس العبادات وأداء نفس المناسك والطقوس وإحياء نفس المناسبات والاحتفال بنفس الأعياد الدينية.. كل ذلك شعور عاطفي وإحساس روحي لا يغير من الواقع شيئا، أم الدولة فهي علاقة قانونية بين الفرد والدولة الذي يحمل جنسية nationalité-- وشعور وطني وانتماء مادي وممارسة سياسية.

وعلى هذا الأساس، يمكن أن نتصور أمة إسلامية تجمع بين إفرادها روابط عاطفية روحية عقائدية لأن الدين بطبيعته يوحد ولا يفرق، يجمع الناس حول عقيدة واحدة، والدليل على ذلك، الدور التاريخي الذي لعبه الدين الإسلامي في تحديد مهام الدولة وهي الكفاية والشوكة، الكفاية بمعنى منع الفتنة الداخلية والشوكة بمعنى صد العدوان الخارجي.

و لا نجانب الصواب، إذا قلنا أن الإسلام هو دين توحيد بإطلاق، ودين أخلاق بإطلاق، هو رسالة للناس كافة، ومجاله الدائرة الروحية/ الدينية. أما الدولة فمجالها الشؤون الدنيوية وهي تنطبق على عدد معين من الناس يحملون الجنسية ويحوزون على صفة مواطن- citoyen-، تجمعهم رابطة الوطن، أي الإرتباط بالوطن والموطن له علاقة بالأرض والتي تقام عليها دولة، وهكذا فالمواطان هو الفرد الذي ينتمي إلى دولة.

ولا جدال، في أن الدعوة كانت دعوة موجهة إلى الناس كافة، ومن المعقول أن يعتنق سكان العالم ديانة واحدة، ولكن أن يعيش كل سكان العالم في دولة واحدة فهذا أمر غير معقول.

وواضح أن مفهوم الأمة في التراث العربي وحسب التجربة التاريخية الإسلامية يختلف تماما عن مفهوم الدولة، الأمة تحكمها عقيدة دينية واضحة ومحددة. بينما الدولة تحكمها سياسيات وقوانين وضعية والدستور والإرادة العامة ومصلحة الدولة، أما الأمة فيغلب عليها الطابع، العاطفي/ الروحي، والدولة يغلب عليها الطابع العقلاني/ الواقعي.

ما نخلص إليه أن الإسلام هو في الأساس وفي الأصل هو رسالة إلهية ودعوة دينية ولم يكن دعوة ولا كان يحمل مشروع سياسي هدفه إقامة دولة وتأسيس ملك، والنبي محمد بن عبد الله (ص) هو أخر الأنبياء وخاتم الرسالات والدعوة المحمدية انتهت بوفاة صاحب وبعد وفاة الرسول الكريم، هي أراء وأفكار وإجتهادات وإيديولوجيات، ما يسمى قديما وحديثا بالدعاة، هم دعاة لمذهب أو لفرقة عقدية ودعاة لطائفة ولإيديولوجيا معينة، فعندما انقسم المسلمون بعد وقوع مشكلة الخلافة وأحداث الفتنة الكبرى الدامية، لم يعد هناك من يحمل صفة المسلم وكفى، بل أصبح هناك المسلم الشيعي والمسلم السُّني والمسلم الإباضي والمسلم السلفي الوهابي.

والنتيجة.. أن الجماعة قليلة العدد تحولت إلى جماعة كثيرة العدد، أي إلى أمة، كان لا بد لها من سلطة سياسية حاكمة، وعندما تشكلت السلطة، بدأت ارهاصات بناء الدولة، ومع وفاة الرسول الكريم، انتهت حقبة النبوة، ومن ثمة طفت على السطح مشكلة الخلافة /السلطة والتي أفضت إلى انقسام الأمة إلى جماعة متناحرة على السلطة وعلى الدولة.

***

مصطفى دحماني

باحث في الفكر السياسي الإسلامي /الجزائر

 

لم تكن المعرفة في الحضارة الإسلامية الأولى مدينةً مقسمةً إلى أحياء معرفية مغلقة، لكل علم سور لا يعبره إلا أهله، ولكل سؤال بطاقة هوية تحدد الجهة التي ينتمي إليها، وإنما كانت، في مراحل تشكلها الكبرى، فضاءً متداخلًا تتقاطع فيه اللغة والعقيدة والفقه والفلسفة والتفسير والتصوف والطب والفلك والمنطق، ويتحرك فيه العالم بين أكثر من مجال بحسب طبيعة المشكلة التي يواجهها وبحسب الأدوات التي يحتاج إليها.

ومع ذلك، فإن تاريخ الفكر الإسلامي اللاحق استقر على خريطة أكثر صلابة، فصلت بين «الفلسفة» و«علم الكلام»، وبين «الفقه» و«التصوف»، وبين «التفسير» و«العقل»، حتى بدا لكل علم موضوعه الخالص ومنهجه الخاص وحدوده التي لا يجوز تجاوزها. ولا شك أن لهذه التقسيمات قيمة تنظيمية وتاريخية، لكنها تصبح موضع مساءلة عندما نعاملها كما لو كانت حقائق أنطولوجية ثابتة، لا تصنيفات تشكلت في سياقات معرفية ومؤسساتية وصراعية معينة.

إن صناعة الحدود بين العلوم ليست مجرد مسألة تتعلق بتقسيم الكتب أو ترتيب المناهج، وإنما تتصل بسؤال أعمق: من يملك حق إنتاج الحقيقة؟ فعندما يقال إن هذا السؤال فلسفي، وذاك كلامي، وهذا فقهي، وذلك صوفي أو تفسيري، فإننا لا نصف السؤال فحسب، بل نحدد له الجهة التي يحق لها أن تجيب عنه، والأدوات التي يُسمح باستخدامها، ونوع البرهان الذي يمكن الاعتراف به، بل ونحدد أحيانًا حدود المقبول والمرفوض. ومن هنا فإن الحدود المعرفية ليست بريئة تمامًا؛ لأنها قد تتحول إلى حدود للشرعية، والسلطة العلمية، والاعتراف الاجتماعي. ولذلك فإن إعادة النظر في علاقة الفلسفة بالعلوم الإسلامية الأخرى لا تعني إلغاء التخصص، وإنما تعني الكشف عن المناطق التي أخفاها التخصص.

أولًا: الفلسفة والكلام: السؤال المشترك واختلاف الطريق

تبدو العلاقة بين الفلسفة وعلم الكلام، في السردية التقليدية، علاقة مواجهة واضحة: الفلاسفة يبحثون في الوجود بالعقل والبرهان، والمتكلمون يدافعون عن العقيدة بالجدل؛ الفلاسفة يستمدون كثيرًا من أدواتهم من التراث اليوناني، والمتكلمون يتحركون داخل فضاء الوحي؛ الفلاسفة يبحثون عن الحقيقة لذاتها، والمتكلمون يوظفون العقل لحماية حقيقة دينية سابقة. غير أن هذا التقابل، على الرغم من احتوائه على قدر من الحقيقة التاريخية، لا يكفي لتفسير التشابك الفعلي بين المجالين، لأن كليهما وجد نفسه أمام مجموعة من الأسئلة التي لا يمكن احتكارها باسم علم واحد: ما الوجود؟ هل العالم قديم أم حادث؟ ما طبيعة الزمان والمكان؟ هل الأشياء قائمة بذواتها أم بأعراضها؟ هل الإنسان حر؟ ما معنى السببية؟ كيف نعرف؟ وما حدود العقل؟

إن المتكلمين، منذ المعتزلة وما تلاهم، لم يكونوا مجرد حراس للعقيدة بالمعنى الضيق، بل مارسوا عمليات عقلية معقدة في تعريف الموجود والمعدوم، والجوهر والعرض، والسبب والشرط، والإرادة والقدرة، والعلم والجهل، والحسن والقبح. وقد دخلوا في سجالات عميقة مع الفلاسفة، وتأثروا ببعض أدوات المنطق، وطوّروا بدورهم أنماطًا من البرهنة الكلامية. ومع الأشعري والجويني والغزالي وفخر الدين الرازي، أخذ علم الكلام يزداد احتكاكًا بالمفاهيم الفلسفية، حتى أصبح من الصعب أحيانًا رسم خط فاصل واضح بين «السؤال الفلسفي» و«السؤال الكلامي» إذا كان المعيار هو الموضوع وحده.

لكن الاختلاف الحقيقي بين الفلسفة والكلام لا ينبغي إنكاره، بل ينبغي نقله من مستوى الموضوع إلى البنية والمنهج والغاية. فالمتكلم غالبًا ما ينطلق من مقدمات عقدية يريد الدفاع عنها أو تفسيرها، بينما يسعى الفيلسوف إلى بناء نسق برهاني أوسع، وإن كانت هذه الصورة نفسها قابلة للتعديل بحسب الفيلسوف والمتكلم. ومن هنا فإن الفرق بينهما ليس أن أحدهما «يعقل» والآخر «ينقل»، ولا أن أحدهما فلسفة والآخر خالٍ منها، وإنما يتعلق بالسؤال عن موقع الحقيقة الدينية من عملية البرهنة، وبالحدود التي يضعها كل خطاب للعقل.

ولهذا يصبح الغزالي شخصية كاشفة لهذا التداخل؛ فهو متكلم وفقيه وصوفي ومشتغل بالمنطق، وقد دخل عالم الفلاسفة من داخله قبل أن ينتقده، ولم يكن نقده ممكنًا دون معرفة عميقة بالبنية التي ينقدها. إن «تهافت الفلاسفة» نفسه يكشف أن الحدود بين الفلسفة والكلام كانت منطقة صراع معرفي، لا جدارًا قائمًا منذ البداية. فحين يستخدم المتكلم أدوات فلسفية لنقد الفلسفة، وحين يستعير الفيلسوف أسئلة كلامية لإعادة بناء مذهبه، فإننا لا نكون أمام علمين متجاورين فقط، بل أمام تاريخ مشترك للسؤال.

ثانيًا: الفلسفة والفقه: من الحكم إلى شروط الحكم

قد تبدو العلاقة بين الفلسفة والفقه أكثر بعدًا من العلاقة بين الفلسفة والكلام، لأن الفقه ينشغل بالأحكام العملية، في حين تنشغل الفلسفة بالوجود والمعرفة والحقيقة. لكن هذا الفصل ينهار بمجرد أن ننتقل من «الحكم» إلى السؤال عن كيف يصبح الحكم ممكنًا. فالفقه لا يتعامل مع النص باعده مادة شفافة تصل مباشرة إلى الحكم، وإنما يواجه قضايا اللغة والدلالة والعموم والخصوص والمطلق والمقيد والحقيقة والمجاز والتعارض والترجيح، ويحتاج إلى قواعد عقلية ومنهجية لتحديد معنى النص وتنزيله على الواقع.

وهنا يظهر علم أصول الفقه بوصفه منطقة فلسفية شديدة الأهمية، ليس لأنه «فلسفة» بالمعنى الاصطلاحي، وإنما لأنه طور أسئلة تتعلق باللغة والمعرفة والاستدلال والسببية والمصلحة والعلاقة بين الكلي والجزئي. وعندما يبحث الأصولي في دلالة الأمر والنهي، أو في القياس، أو في الاستصحاب، أو في الاستحسان، أو في المصلحة، فإنه لا يشتغل على الحكم وحده، وإنما يشتغل على الشروط التي تسمح للعقل بالانتقال من النص إلى الحكم.

ولهذا فإن الفقه، من منظور فلسفة العبور، يمثل نموذجًا واضحًا للمعرفة العابرة: النص ثابت في صورته، لكن الواقعة متحركة، والحكم لا ينتقل من النص إلى الواقع انتقالًا آليًا، بل يحتاج إلى عمليات من الفهم والتأويل والتعليل والقياس. وهذه المسافة بين النص والواقعة هي التي تجعل الاجتهاد ممكنًا، وهي أيضًا التي تجعل الأصولي يواجه بصورة غير مباشرة سؤالًا فلسفيًا عميقًا: كيف يمكن للمعنى أن ينتقل من عالم اللغة إلى عالم الحدث؟

إن الفقه لا يتحول بذلك إلى فلسفة، ولا ينبغي أن نسلبه خصوصيته الدينية والعملية، لكننا نكتشف أن العقل الذي يعمل داخله ليس عقلًا خاليًا من الأسئلة الفلسفية. بل إن بعض أعقد قضايا الفقه لا يمكن فهمها دون النظر إلى تصورات عن اللغة والعقل والإنسان والزمن والمصلحة والواقع. ومن هنا يصبح الفصل الصارم بين «الفلسفي» و«الفقهي» أقل قدرة على تفسير حركة المفاهيم داخل التراث.

ثالثًا: الفلسفة والتصوف: حين ينتقل السؤال من البرهان إلى التجربة

أما العلاقة بين الفلسفة والتصوف فتبدو أكثر حساسية؛ لأن التصوف أسس شرعيته المعرفية، في جانب مهم منه، على التجربة الروحية والذوق والكشف، بينما جعلت الفلسفة البرهان العقلي أداة أساسية في إنتاج المعرفة. ومع ذلك فإن اختلاف طريق المعرفة لا يعني اختلاف موضوع السؤال دائمًا. فالصوفي يسأل عن الله والإنسان والنفس والعالم والحقيقة والوجود، وهي أسئلة تقع في قلب التفكير الفلسفي، لكنه يدخل إليها من طريق مختلف، فيجعل تغير الذات جزءًا من إنتاج المعرفة.

وهنا تكمن أهمية قراءة التصوف بعيدًا عن الثنائية بين «العقل» و«الروح». فالتصوف لم يكن مجرد حالة وجدانية بلا مفاهيم؛ لقد أنتج معجمًا معقدًا في المعرفة والوجود والإنسان، واشتغل على مفاهيم مثل الفناء والبقاء والحضور والغيبة والتجلي والمحبة والمعرفة والإنسان الكامل. ومع ابن عربي خصوصًا، أصبحت هذه المفاهيم جزءًا من بناء نظري شديد الاتساع، لا يمكن اختزاله في التجربة الصوفية الفردية وحدها.

ولا يعني ذلك أن ابن عربي أو غيره من الصوفية «فلاسفة» بالمعنى نفسه الذي كان عليه ابن سينا أو الفارابي؛ فالفرق في مصادر المعرفة وفي مفهوم البرهان وفي طبيعة الحقيقة يظل جوهريًا. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: هل يمكن أن يكون هناك تفكير فلسفي خارج النموذج البرهاني المشائي؟ وإذا كان الجواب نعم، فإن التصوف يصبح مجالًا لاكتشاف صورة أخرى من صور التفلسف، حيث لا تكون المعرفة مجرد امتلاك لمعلومة عن الوجود، وإنما تحولًا في علاقة الذات بالوجود.

ومن منظور العبور، تصبح هذه النقطة حاسمة؛ لأن الصوفي لا يقيم بين الذات والحقيقة جدارًا نهائيًا، بل يعيش المعرفة بوصفها انتقالًا وتحولًا. الذات التي تعرف ليست هي الذات نفسها قبل المعرفة، والحقيقة لا تظهر بوصفها موضوعًا خارجيًا ثابتًا فحسب، بل بوصفها تجربة تغير من يعرفها. وهنا يلتقي التصوف مع أحد أهم أسئلة فلسفة العبور: المعرفة ليست وصولًا نهائيًا، وإنما عبور يعيد تشكيل العابر نفسه.

رابعًا: الفلسفة والتفسير: النص بوصفه مجالًا للتأويل

قد يبدو التفسير بعيدًا عن الفلسفة أكثر من المجالات السابقة، لأنه يرتبط بتفسير النص القرآني وبيان معانيه، لكن التأويل، بمجرد أن يصبح سؤالًا، يفتح مجموعة من القضايا التي تقع في قلب الفلسفة: ما معنى النص؟ هل المعنى ثابت أم متجدد؟ ما العلاقة بين اللفظ والقصد؟ هل يمكن للغة أن تحيط بالحقيقة؟ ما دور السياق؟ ما حدود العقل في فهم النص؟ ومتى يصبح المجاز مشروعًا؟ ومن يحدد الانتقال من الظاهر إلى الباطن؟

هذه الأسئلة لا تعني أن كل تفسير فلسفة، وإنما تكشف أن فعل التفسير نفسه يتضمن افتراضات حول اللغة والمعنى والحقيقة والقارئ. وقد كان الاختلاف بين المفسرين في كثير من المواضع اختلافًا حول نظرية القراءة قبل أن يكون اختلافًا حول النتيجة التفسيرية. فالذي يرفض التأويل غير الذي يجيزه، والذي يقدم اللغة على العقل غير الذي يمنح العقل مجالًا أوسع، والذي يربط الآية بسياقها التاريخي غير الذي يجعلها مفتوحة على دلالات تتجاوز لحظة النزول؛ كل واحد منهم يتحرك داخل تصور مختلف عن طبيعة النص والمعنى.

ومن هنا يمكن أن نرى في التفسير مجالًا آخر للعقل الفلسفي، لا لأن المفسر يمارس الفلسفة عمدًا، وإنما لأن التعامل مع النص يفرض عليه أسئلة لا يستطيع التخلص منها. وعندما يدخل التأويل، يصبح النص حدًا لا يغلق المعنى، بل ينظم حركة العبور بين اللفظ والفهم، وبين الماضي والحاضر، وبين النص والقارئ.

وهنا أيضًا تظهر أهمية المنظور العابر: الحد لا يمنع الحركة دائمًا؛ قد يكون هو الذي يجعلها ممكنة. فالنص ليس مفتوحًا بلا حدود، وليس مغلقًا بلا تأويل؛ إنه مجال تتفاوض فيه الحدود مع إمكانات الفهم. ومن هذه المسافة يتشكل العقل التأويلي.

خامسًا: هل كانت الحدود بين هذه العلوم صلبة فعلًا؟

بعد النظر في هذه العلاقات، يمكن القول إن الحدود بين الفلسفة والكلام والفقه والتصوف والتفسير كانت حقيقية من جهة، وسيالة من جهة أخرى. كانت حقيقية لأن لكل مجال مصطلحاته ومؤسساته وغاياته وتقاليده وسلطاته، وكانت سيالة لأن الأسئلة والمفاهيم والأدوات كانت تعبر بينها باستمرار. ومن الخطأ أن نختار أحد طرفي المعادلة: إما أن نذيب العلوم كلها في «فلسفة» واحدة، أو أن نحولها إلى جزر معرفية لا صلة بينها.

المطلوب هو مفهوم ثالث: الحدود بوصفها مناطق عبور. فالفاصل بين الفلسفة والكلام لم يكن مجرد جدار، بل كان أيضًا موقعًا لتبادل الحجج. والفاصل بين الفقه والتفسير لم يمنع الأسئلة اللغوية والتأويلية من الانتقال بينهما. والفاصل بين التصوف والفلسفة لم يمنع تشكل مفاهيم مشتركة حول النفس والوجود والمعرفة. وحتى الصراع بين هذه العلوم كان في ذاته وسيلة من وسائل إنتاج المعرفة؛ إذ كثيرًا ما كان الفكر يتقدم عندما يحاول خطاب أن يحدد نفسه في مواجهة خطاب آخر.

وهذا يعني أن تاريخ العلوم الإسلامية ينبغي ألا يُقرأ فقط بوصفه تاريخ التخصص والتمايز، وإنما أيضًا بوصفه تاريخ التداخل والعبور. فكل علم كان يبني هويته عبر التمييز عن غيره، لكنه كان في الوقت نفسه يستعير من غيره بعض أدواته ومفاهيمه، أو يرد على أسئلته، أو يعيد صياغة مشكلاته داخل جهازه الخاص. ولذلك فإن الحدود لم تكن ثابتة، وإنما كانت تُنتج وتُعاد صياغتها باستمرار.

ومن هنا تتخذ عبارة «صناعة الحدود» معناها الدقيق؛ فالحدود بين العلوم لم تكن مجرد انعكاس طبيعي لاختلاف الموضوعات، بل كانت نتيجة لعمليات تصنيف وتأسيس وترتيب للمعرفة. وقد ارتبطت هذه العمليات أحيانًا بالصراع على السلطة العلمية: من يحق له الكلام في العقل؟ من يحق له تفسير النص؟ من يملك تحديد الصحيح من الباطل؟ من يحدد ما هو برهان وما هو جدل؟ ومن يملك حق تسمية معرفة ما بأنها «فلسفة» أو «بدعة» أو «علم» أو «حكمة»؟

إن هذه الأسئلة تنقلنا من تاريخ العلوم إلى أركيولوجيا السلطة المعرفية. فحين نكتشف أن تسمية علم ما «فلسفة» واسم علم آخر «كلامًا» ليست مجرد مسألة لغوية، نبدأ في فهم أن التصنيف ذاته جزء من تاريخ الصراع على تعريف المعرفة. ومن هنا لا تعود مهمة الباحث أن يهدم التصنيفات، وإنما أن يجعلها مرئية، وأن يسأل عن شروط ظهورها، وعن المصالح المعرفية التي خدمتْها، وعن الإمكانات التي فتحتها أو أغلقتها.

وهذا هو المدخل الذي يسمح بإعادة التفكير في «الفلسفة في الإسلام» من دون الوقوع في فخين متقابلين: فخ التبعية الذي يجعل الفلسفة الإسلامية مجرد امتداد للفلسفة اليونانية، وفخ التوسيع الاعتباطي الذي يجعل كل فكر إسلامي فلسفة. فالطريق الثالث هو البحث عن العقل الفلسفي بوصفه حركة تعبر الحقول دون أن تلغي اختلافها.

وبذلك لا يصبح السؤال: هل كان الغزالي فيلسوفًا أم متكلمًا؟ ولا: هل ابن عربي فيلسوف أم صوفي؟ ولا: هل أصول الفقه فلسفة أم فقه؟ وإنما يصبح السؤال الأكثر إنتاجًا: ما الأسئلة الفلسفية التي ظهرت داخل هذه الحقول، وكيف تغيرت عندما عبرت من حقل إلى آخر؟

وهنا نقترب من التحول المنهجي الأكبر في هذه البحوث: إذا كان تاريخ الفلسفة قد كُتب طويلًا بوصفه تاريخًا للفلاسفة، فإن تاريخ العقل الفلسفي يحتاج إلى أن يُكتب بوصفه تاريخًا للأسئلة التي عبرت الحدود. فالاسم قد يبقى في مكانه، أما السؤال فلا يبقى؛ إنه يتحرك، ويتحول، ويغير اللغة التي يستعملها، ويعيد تشكيل المجال الذي يدخل إليه.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

 عندما سبقت المخيلةُ التكنولوجيا

لم تكن الآلة وليدة العصر الصناعي وحده، ولا ثمرةً حصرية للثورة التقنية الحديثة، بل كانت، قبل أن تصبح واقعاً مادياً، فكرةً سكنت خيال الإنسان منذ أقدم الأزمنة. فكل تقدم تقني عرفته البشرية كان، في جوهره، تحقيقاً لحلم سبق أن رسمته المخيلة، قبل أن تحوله المعرفة إلى حقيقة. ومن بين أكثر الشواهد دلالة على ذلك، تقف الأساطير اليونانية، التي لم تكتفِ بسرد حكايات الآلهة والأبطال، بل نسجت أيضاً صوراً مدهشة لآلات وكائنات ميكانيكية تبدو، في ضوء حاضرنا، أقرب إلى الروبوتات والذكاء الاصطناعي منها إلى عالم الخرافة.

وتعرِّف المعاجم الآلة بأنها منظومة من الأدوات تُسخِّر شكلاً من أشكال الطاقة لتحويله إلى عمل يحقق غاية معينة. وإذا كان الإنسان الأول قد ابتكر أول آلة عندما استخدم الفأس لتحويل قوة الضربة إلى أداة تقطع الخشب والحجر، فإن التاريخ الحديث يعد اختراع المحرك البخاري، على يد المهندس الاسكتلندي جيمس واط، نقطة التحول الكبرى التي دشنت الثورة الصناعية، وأطلقت مسيرة هندسية غير مسبوقة جعلت الآلات شريكاً دائماً في حياة الإنسان.

غير أن هذه القفزة التكنولوجية لم تظهر فجأة من فراغ، فقد سبقتها قرون طويلة من الأحلام والأساطير التي تخيلت عالماً تتحرك فيه الأشياء من تلقاء نفسها، وتؤدي أعمالها دون تدخل بشري. ولعل كلمة «أوتوماتون»، المشتقة من اللفظ اليوناني Automatos، والتي تعني «الذي يتحرك بإرادته الذاتية»، تكشف أن فكرة الآلة المستقلة ليست ابتكاراً حديثاً، بل امتداد لتصور قديم عن إمكانية منح الجماد حياةً وحركة.

ففي قلب الأساطير اليونانية يقف هيفايستوس، إله النار والحدادة، بوصفه أعظم صانع عرفته المخيلة الإغريقية. لم يكن مجرد إله للمعادن، بل مهندساً كونياً يجمع بين الحرفة والابتكار، حتى إن زيوس نفسه أوكل إليه مهمة صناعة مخلوقات وآلات تؤدي وظائف تتجاوز قدرة البشر.

ومن أشهر ما أبدعته يداه "تالوس"، العملاق البرونزي الذي كُلِّف بحراسة جزيرة كريت. كان هذا الكائن يجوب سواحل الجزيرة بلا كلل، يراقب السفن القادمة، فإذا رأى غزاة أو قراصنة، قذفهم بصخور هائلة تمنعهم من الوصول إلى اليابسة.

ورغم أن الأسطورة تصفه كائناً معدنياً، فإن صورته تقترب بصورة لافتة من مفهوم الروبوت المعاصر؛ فهو مخلوق صُمم لأداء مهمة محددة، يعمل بصورة مستقلة، ولا يعرف سوى تنفيذ البرنامج الذي خُلق من أجله.

ففي "الإلياذة" يصف هوميروس خادمات ذهبيات يصنعهن إله النار لمساعدته داخل ورشته. لم تكن مجرد تماثيل مزخرفة، بل كائنات تمتلك القدرة على الحركة والكلام والفهم، وتساعد سيدها في أعماله كما يفعل البشر.

ولعل هذه «العذارى الذهبيات» تمثل، في المخيال الأسطوري، أول تصور لما يمكن أن نسميه اليوم الروبوتات الذكية، أو حتى النواة الأولى لفكرة الذكاء الاصطناعي؛ إذ إنها تجمع بين الهيئة الإنسانية والقدرة على التعلم والعمل والاستجابة.

ولم تتوقف المخيلة اليونانية عند ابتكار الكائنات البشرية الآلية، بل امتدت إلى الحيوانات أيضاً.

ففي رحلة الأرجونوتيين الشهيرة بقيادة جيسون للبحث عن الصوف الذهبي، تروي بعض الروايات أنهم استعانوا بكلب ميكانيكي لحراسة سفينتهم أثناء نزولهم إلى الشاطئ، كي لا يتعرضوا لهجوم مفاجئ.

وتروي أسطورة أخرى أن ريا، أم الآلهة الأولمبية، صنعت كلباً ذهبياً ليحرس الطفل زيوس أثناء اختبائه من والده كرونوس الذي كان يلتهم أبناءه خوفاً من أن ينازعوه سلطانه.

ولم يكن الهدف من هذه الكائنات الزينة أو الترف، بل أداء وظيفة واضحة: الحماية والمراقبة، وهي الوظائف ذاتها التي تؤديها اليوم كثير من الأنظمة الآلية الحديثة.

ومن بين أكثر الأساطير عمقاً تأتي قصة "بيغماليون وجالاتيا"، لأنها لا تتحدث عن صناعة آلة، بل عن العلاقة العاطفية التي قد تنشأ بين الإنسان وما يصنعه بيديه.

كان بيغماليون نحاتاً بارعاً، لكنه عجز عن العثور على المرأة التي توافق مثاله الأعلى للجمال. فقرر أن ينحت امرأة من العاج، جاءت على الصورة التي طالما حلم بها، وأطلق عليها اسم جالاتيا.

ومع مرور الوقت لم يعد يرى في تمثاله حجراً منحوتاً، بل كائناً حياً يستحق الحب. رقَّ قلب أفروديت لهذا العاشق، فنفخت الحياة في التمثال، فتحولت جالاتيا إلى امرأة حقيقية.

قد تبدو القصة بعيدة عن عالم التكنولوجيا، لكنها في جوهرها تطرح سؤالاً ما زال يشغل عصر الذكاء الاصطناعي: ماذا يحدث عندما ينجح الإنسان في منح مصنوعاته مظهراً إنسانياً؟ وأين تنتهي الحدود الفاصلة بين الخالق وصنعته، وبين العاطفة والآلة؟

وإذا كانت الروبوتات إحدى ثورات العصر الحديث، فإن الطيران يمثل ثورة أخرى غيرت تاريخ البشرية.

ومع ذلك، فإن حلم التحليق في السماء سبق اختراع الطائرة بآلاف السنين، وقد حفظته الأسطورة اليونانية في قصة ديدالوس وابنه إيكاروس.

كان ديدالوس أشهر مهندس في جزيرة كريت، وقد كلفه الملك مينوس ببناء المتاهة الشهيرة التي سُجن فيها المينوتور، الكائن نصف الإنسان ونصف الثور. لكن الملك، خوفاً من أن يكشف المهندس أسرار المتاهة لغيره، حبسه مع ابنه داخلها.

وهنا لم يجد ديدالوس وسيلة للنجاة سوى أن يقلد الطبيعة نفسها. صنع جناحين من الريش والخيوط وثبتهما بالشمع، ثم علَّمهما الطيران بعيداً عن البحر والشمس.

نجحت الخطة، لكن إيكاروس، مدفوعاً بنشوة الحرية، حلق أعلى مما أوصاه والده، حتى اقترب من الشمس، فذاب الشمع، وتناثرت الريشات، وسقط في البحر حيث لقي حتفه.

ليست هذه الحكاية مجرد أسطورة عن أول محاولة للطيران، بل تأمل عميق في العلاقة بين الابتكار والمسؤولية. فالمعرفة تمنح الإنسان القدرة على تجاوز حدوده، لكنها تفرض عليه أيضاً احترام حدود الطبيعة. وما لم يقترن الطموح بالحكمة، تحول الإنجاز إلى سبب للهلاك.

واليوم نعيش في عالم أصبحت فيه الآلات شريكاً دائماً للإنسان، وتغلغلت التكنولوجيا في أدق تفاصيل الحياة، حتى بات من الصعب تصور العالم من دونها. لكن هذه الثورة لم تبدأ في المصانع أو المختبرات، بل بدأت في الخيال.

لقد حلم الإغريق بآلات تتحرك وحدها، وبخدم آليين، وحراس معدنيين، وأجنحة تحمل الإنسان إلى السماء، قبل أن تمتلك البشرية الوسائل العلمية لتحقيق تلك الأحلام.

وهذا ما يمنح الأساطير الكلاسيكية قيمتها الدائمة؛ فهي لا تخبرنا بما كان عليه الماضي فحسب، بل تكشف أن التقدم العلمي يبدأ دائماً بفكرة، وأن كل اختراع عظيم كان، في لحظة ما، مجرد حكاية يرويها شاعر أو حلم يراود إنساناً يتطلع إلى تجاوز حدود الممكن.

فالأسطورة ليست نقيض العلم، بل ذاكرته الأولى؛ إنها اللحظة التي سبقت التجربة، حين كان الخيال هو المختبر الوحيد الذي يستطيع الإنسان أن يختبر فيه مستقبله.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

من وحي ندوة الفلسفة والحقيقة في أسفار أفلاطون

تلك الندوة الرائعة التي كرستها وحدة الدراسات الفلسفية بالمعهد العالمي للتجديد ل«قراءة كتاب د. خديجة زتيلي الموسوم ب الفلسفة والحقيقة في الرسالة السابعة لأفلاطون: عندما تعيد الأسفار تشكيل الذات وصوغ المعنى»، التي أدارها بكفاءة واقتدار رئيس الوحدة الدكتور بن شرقي بن مزيان، واختتمها مقررة الوحدة دكتورة ريم الدندشلي وقدمت ورقتها الرئيسة الدكتورة خديجة زتيلي، أكثر من مجرد قراءة في كتاب جديد عن أسفار أفلاطون"؟" حفزتني لاعادة تأمل معنى السفر في ضوء كتاب الفيلسوفة الأنجليزية ايميلي توماس استاذة الفلسفة في جامعة دورام البريطانية فضلا عن جرعة التغذية الراجعة التي منحتني ايها الندوة بشأن سؤال السفر والمسافرين وانا احدهم؛ سؤال يشغلني منذ زمن طويل ويتجدد كلما غادرت مكان مررت به إلى آخر ؟

خبرتي بالسفر ومداراته بينت لي أنه؛ السفر مجرد ليس انتقال الإنسان من مكان إلى آخر، كما توحي به التعريفات الجغرافية البسيطة، ولا هو مجرد استراحة من رتابة الحياة اليومية أو بحث عن المتعة واكتشاف الأمكنة. السفر، في معناه الأعمق، هو خروج الإنسان من دائرة المألوف إلى فضاء المختلف؛ خروج من المكان الذي اعتاد أن يرى العالم من خلاله إلى مكان يجبره على إعادة النظر في نفسه وفي العالم معًا.

وهذا هو ما فحوى كتاب إيميلي توماس «معنى السفر»، الذي يحاول أن يجعل من السفر موضوعًا فلسفيًا قائمًا بذاته، لا مجرد موضوع عرضي في تاريخ الفلسفة. فالكتاب لا يسأل فقط: لماذا يسافر الإنسان؟ وإنما يسأل سؤالًا أكثر عمقًا: لماذا كان السفر مهمًا للفلاسفة؟ وكيف أسهمت الفلسفة نفسها في تغيير الطريقة التي نسافر بها وننظر بها إلى العالم؟ (القافلة)

وربما كان كتاب خديجة زياني عن أسفار أفلاطون اضافة متميزة للمعرفة بشأن سفر الفيلسوف الذي اعتدنا أن نتخيله جالسًا في مكتبه، محاطًا بالكتب والمفاهيم، يظهر في هذا الكتاب بوصفه إنسانًا يمشي ويجوب الطرق ويعبر الحدود ويصطدم بالمجهول. فالفلسفة ليست دائمًا تأملًا ساكنًا؛ إنها قد تكون حركة أيضًا. وإذا كانت الفلسفة تبدأ بالدهشة، فإن السفر ربما يكون أحد أكثر الأفعال الإنسانية قدرة على إنتاج الدهشة؛ لأن المسافر يخرج من عالم يعرفه إلى عالم لا يعرفه وبهذا المعنى نفهم اسطورة الكهف في جمهورية أفلاطون بوصفها خروج من المكان المعتم الضيق إلى المكان المشرق المفتوح إذ إننا حين نبقى في المكان نفسه، لا نرى المكان بالضرورة؛ لأن الاعتياد يحول الأشياء إلى خلفية صامتة لوجودنا. البيت الذي نعيش فيه لا نراه كما يراه الغريب، والشارع الذي نعبره كل يوم يفقد شيئًا من غرابته، والمدينة التي نولد فيها تصبح جزءًا من بديهيات وعينا. ولذلك فإن السفر لا يضيف إلى الإنسان أمكنة جديدة فحسب، بل يعيد إليه القدرة على رؤية المكان القديم فحين نسافر، نكتشف أن ما كنا نعتقد أنه طبيعي ليس طبيعيًا بالضرورة، وأن ما كنا نراه بديهيًا ليس إلا عادة ثقافية. الطعام، والملابس، واللغة، وأنماط السلوك، والعلاقات الاجتماعية، وحتى مفهوم الزمن؛ كلها تبدو مختلفة عندما نعبر حدود المكان والثقافة. وهنا يصبح السفر تجربة فلسفية في نقد المركزية: مركزية الذات، ومركزية الثقافة، ومركزية المكان الذي ننتمي إليه

وهذا هو ما اشترت اليه في الحلقة الاولى فيما اسميته بالآخر مرآة الذات 

إذ قد يعيش الناس عشرات أو مئات السنين في بعض الحالات دون أن يتمكنوا من إختراق الحجب والأقنعة التي تحول دون وعيهم لذاتهم وللآخرين، فالذات إذا ما تركت لذاتها دون خبرة التفاعل والإحتكاك المباشر بالآخرين تظل عمياء ساذجة وفطرية غير واعية لذاتها وغير مدركة لهويتها التي تميزها عن هوياتهم المختلفة إذ بأضدادها تتمايز الأشياء. والطريق الوحيد لتحقيق كشف المحجوب في عمليات الذات والآخر لا يتم إلا بالإحتكاك والتفاعل المتبادل بين الفاعلين الاجتماعيين في أثناء الممارسة الحياتية وتغذيتها الراجعة في سياق تفاعلي مقارن، فرصد الآخرين وتأويلهم هو الوسيلة الممكنة في فهم الذات؛ فالآخر هو دائماً مرآة الذات ومبعث هويتها ولعل هذا هو ما يفسر اهتمام الفلاسفة بالسفر في مختلف العصور ففي النهضة؛ عصر الكشوف الجغرافية كان اكتشاف الآخر اكتشافًا لحدود الذات الأوروبية، وإن لم يؤدِّ ذلك دائمًا إلى الاعتراف بالآخر. وهنا ينبغي ألا نقرأ تاريخ السفر قراءة رومانسية؛ فالسفر الذي وسّع أفق المعرفة الإنسانية كان في الوقت نفسه جزءًا من تاريخ الاستعمار والسيطرة ورسم الخرائط وإعادة تقسيم العالم. فالخريطة ليست بريئة دائمًا، والسفر ليس بريئًا دائمًا.

كان المستكشف الأوروبي يعبر البحار بحثًا عن المجهول، بينما كان الإنسان الواقع في الطرف الآخر من الخريطة يُكتشف بوصفه موضوعًا للمعرفة والسيطرة. ومن ثم فإن فلسفة السفر ينبغي ألا تتوقف عند جمال الرحلة، بل عليها أن تسأل أيضًا عن السياسة الكامنة وراءها: من يسافر؟ ومن يُمنع من السفر؟ من يملك جواز المرور؟ ومن يتحول إلى مهاجر أو لاجئ أو غريب غير مرغوب فيه؟

المفكر العربي الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه المهم (الاستشراق؛ المعرفة السلطة الإنشاء ١٩٨١) الاستشراق من حيث هو الأسلوب الغربي للتعرف على الشرق وبحثه ودراسته وفهمه وتصوره وتشكيله واختلاقه وتمثيله وترويضه وإحكام السيطرة عليه وامتلاكه. إذ هو حصيلة خبرة تاريخية متراكمة لشبكة واسعة من الممارسات والعلاقات الثقافية والحضارية والمدنية، بين الشرق والغرب، بين الأنا والآخر، بين نحن وهم. هذه العلاقة التي نمت وتطورت عبر التاريخ في مسارات متقاطعة من الفهم وسوء الفهم، والشدة واللين، والحوار والصدام، والسلم والحرب، والندية والتبعية، والتكافؤ والهيمنة، والقوة والضعف، والتحدي والاستجابة، وغير ذلك من تجليات التوتر والاضطراب في جدل التماس والصراع بين الشرق والغرب، بين القوة والضعف منذ الاستشراق الأول المحمول على رؤوس الحروف الإغريقية الأكاديمية، حتى الاستشراق الأخير المحمول على رؤوس الصواريخ البالستية الأوروأمريكية. لأنها تحتاج إلى تبويب المراحل الثلاث بعدها ....ويمكن من ذلك تمييز ثلاث مراحل أساس لتطور الاستشراق. وهكذا غدت العلاقة بين الغرب والشرق، علاقة بين ذات فاعلة وموضوع منفعل، بين من يرى ويتأمل ويكتب ويفسر وبين من يبُسط موضوعاً للرؤية والتصنيف والتقييد والحكم بين المستشرق الآتي من بلاد الغرب المزدهر، والشرق المتخلف الضعيف العاجز الذي ينتظر من يؤخذ بيده ويحييه، وهذا ما عبر عنه المستشرق الألماني (لودفيغ هيرمان فون) بعد زيارته للجزائر وتونس عام 1835 بقوله: "إنهم يتحلون أكثر مَنا بمظهرهم وسلوكهم بهيبة الإنسان الفطري، ويفوقوننا من حيث السجايا البدائية، لكنهم لظروف معينة ظلوا جاثمين عند أول درجة من سلم الحضارة، بالنسبة لغرائزهم الطبيعية التي لا يتورعون عن إشباعها بفظاظة بل قل بوحشية رغم رقة شمائلهم.. أصبحوا جنساً منتكساً قاصراً عن تحقيق أي نوع من النهضة أو عن بعث أي ضرب من ضروب الحضارة، ولا سبيل لحضارة إليهم إلا إذا أُخضِعوا لهيمنة المسيحيين". ويتساءل بكامل الدهشة، كيف يمكن لمملكة تونس أن تصبح لو آلت إلى الأوربيين من ذوي الخبرة والاجتهاد، إن في وسع هذه البلاد الخصبة أن توفر العيش والنعمة لستة أضعاف عدد سكانها، وينتهي إلى التصريح برغبته في حكم البلاد والعباد معلناً: "إنه ليس هناك مهمة أنبل وأجمل من تنصيبه من قبل القوى الأوربية إثر انهيار الإمبراطورية العثمانية ملكاً على شمال إفريقيا من حدود المغرب الأقصى إلى حدود برقة، وذلك إشفاقاً منها على هذا الربع المهمل.. ويضيف وسينجح في تسخير كل حياته لتكوين البدو وترويض شعوب القبائل، وتسوية أوضاع أهالي المدن من المسلمين وفي حكم الجميع بقبضة من حديد.. وبتحقيق هذا العمل فإن هذا الأمير يصبح مؤهَّلًا لكي تطلق عليه أجيال الحاضر والمستقبل لقب (المحيي) إذ يكون أجدر به من نابليون" (بنظر، علي شلق، كارل بروكلمان والاستشراق، مجلة الاجتهاد، بيروت العددان (٥٠ - ٥١) صيف ٢٠٠١) على هذا النحو تنتج القوة المعرفة التي تسوغها وتقويها وتعزز مواقعها ولا يهمها ما إذا كانت هذه المعرفة حقيقية أم باطلة. لأنها معنية بإنتاج ذاتها وإعادة إنتاج حقيقتها هي، وعلى هذا لم يكن بمقدور الاستشراق أن يأتي تعبيراً صادقاً عن الشرق بقدر ما كان تعبيراً عن الشرق كما يراه الغرب، أي الشرق المستغرب. وهذا ما أدركه مؤخراً بعض المستشرقين أمثال الإنجليزي (مايكل كاريدرس) فقد أشار في كتابه (لماذا ينفرد الإنسان بالثقافة؟) إلى أنه "بات لزاماً على علماء الأنثروبولجيا والمستشرقين عموماً أن يعملوا للتغلب على افتراضاتهم هم وعلى حكمتهم التي اكتسبوها، وعلى نظراتهم التي حددتها لهم ثقافاتهم، وذلك بغية الوصول إلى فهم واضح قدر المستطاع، لنظرة أولئك الذين يتخذونهم موضوعاً لدراستهم وأصبحت القاعدة البديهية: "إذا كنا نقرأ في نفوس الآخرين دوافعنا وفهمنا فكيف لنا أن نفهم دوافعهم وفهمهم؟. إن من طبيعتنا أن نتبنى نظرة وموقفاً من حيث علاقتنا بالآخرين ومن ثم فإن هذه النظرة تتأثر لزوماً بأسلوب الحياة الذي نشأنا عليه منذ الميلاد" (ينظر، قاسم المحبشي، فلسفة التاريخ في الفكر الغربي المعاصر، صنعاء ٢٠٠٦)

 فليس كل من قطع آلاف الكيلومترات مسافرًا بالمعنى الفلسفي، كما أن الإنسان قد يسافر بعيدًا دون أن يغادر مكانه فكريًا. يمكن للسائح أن يحمل معه وطنه بالكامل، بلغته وعاداته وأحكامه المسبقة، وأن يرى العالم الجديد من خلال مرآة القديم وربما كان الفرق بين السائح والمسافر ليس في المسافة التي يقطعها، وإنما في درجة انفتاحه على المختلف؛ السائح يبحث غالبًا عن العالم الذي يتوافق مع توقعاته؛ أما المسافر الحقيقي فيسمح للعالم بأن يغيّر توقعاته فالإنسان يسافر وهو يحمل خريطة ذهنية للعالم، ثم يكتشف أن العالم أكثر تعقيدًا من الخريطة. وما نعتقد أننا نعرفه قبل الرحلة قد لا يبقى كما هو بعدها. بهذا المعنى، السفر يشبه التجربة العلمية: نخرج بفرضيات عن العالم، ثم نصطدم بالواقع، فنضطر إلى تعديلها.

لكن السفر لا يختبر معرفتنا فقط، بل يختبر هويتنا أيضًا.

في الوطن، تبدو الهوية أمرًا مستقرًا؛ أما في الخارج فإنها تصبح أكثر وضوحًا. هناك نكتشف أننا لسنا مجرد «أنا»، وإنما «أنا» تحمل لغة وذاكرة وعادات وتاريخًا. الغربة تجعل الهوية مرئية. وربما لهذا السبب يكون السفر أحيانًا تجربة وجودية مؤلمة؛ لأن الإنسان يفقد مؤقتًا شبكة المعاني التي كانت تحيط به وتحميه.

وهنا يصبح الخوف جزءًا من فلسفة السفر كما اشرنا في مكان سابق . فالخوف من المجهول ليس عيبًا في الرحلة، بل أحد شروطها. وتشير توماس إلى العلاقة بين السفر والخوف، مستحضرة كامو، حيث يصبح الخوف نفسه جزءًا من قيمة السفر؛ لأن الإنسان حين يبتعد عن مألوفه يكتشف هشاشته واعتماده على ما يعرفه فالإنسان لا ينفتح على العالم لأنه شجاع تمامًا، وإنما لأنه يتعلم كيف يعيش مع قدر من عدم اليقين.

ورغم انكماش الزمان والمكان في عالمنا المعاصر، حيث أصبحت الطائرات والخرائط الرقمية ومحركات البحث تسهل معرفة العالم بحيث يبدو قريبًا ومكشوفًا، بما يجعلنا نظن أن السفر فقد شيئًا من معناه القديم. لكن المفارقة أن العالم، رغم سهولة الوصول إليه، لم يصبح بالضرورة أكثر فهمًا. يمكننا اليوم أن نرى آلاف الصور لمدينة لم نزُرها، وأن نعرف أسماء شوارعها وفنادقها ومتاحفها قبل الوصول إليها، لكن المعرفة الرقمية لا تلغي تجربة الحضور فالصورة لا تحمل رائحة المكان، والخريطة لا تمنحنا ارتباك الطريق، والمعلومة لا تستطيع أن تحل بالكامل محل المفاجأة. ولذلك يبقى السفر الحقيقي هو الانتقال من المعرفة عن الشيء إلى تجربة الشيء.

في الختام، يتجاوز السفر الحديث فكرة الانتقال الجغرافي ليصبح تجسيدًا صارخًا لما وصفه زيجمونت باومان بـ «الهجرة السائلة» و«الحداثة السائلة». إن الانتقال من سؤال «ماذا يفعل السفر بنا؟» إلى «ماذا نفعل نحن بالأماكن؟» يعكس تحول السفر من تجربة صلبة ومستقرة إلى ممارسة استهلاكية عابرة، تتسم بالسيولة والهشاشة والأنانية الفردية. فالسياحة المفرطة وتحويل الثقافات والمدن إلى سلع جاهزة للاستهلاك الفوري يثبتان أن السفر المعاصر بات مدفوعًا برغبات الفرد السائل الذي يستهلك الأمكنة دون الالتزام بمسؤولية أخلاقية تجاهها. 

هنا تتحول فلسفة السفر إلى اختبار للمسؤولية الأخلاقية في عالم سائل. السفر الحقيقي ليس استهلاكًا سريعًا للمكان أو تحويل الآخر إلى مجرد «نسخة سياحية» لإرضاء رغباتنا المتغيرة، بل هو تفكيك لـ «اليقينيات الصلبة» التي تسكننا. إن السفر، في ضوء رؤية باومان، هو حركة مستمرة في الوعي والهوية؛ حيث لا يسافر الإنسان للوصول إلى جغرافيا جديدة، بل للهروب المؤقت من نسخته القديمةوالتملص من ثباتها. 

بناءً على ذلك، فإن أجمل أنواع السفر ليس عبور القارات، بل السفر السائل عبر الأفكار. إن الرحلة الحقيقية لا تقاس بالكيلومترات، بل بمدى قدرتها على تسييل قناعاتنا الصلبة، وتركنا أمام سيل من الأسئلة التي تعيد تشكيل رؤيتنا للعالم ولذواتنا. 

***

ا. د. قاسم المحبشي

تطرَّقت المساقات الماضية إلى نقدٍ منهجيٍّ لترجمة مادَّة «جازان» في «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، للمستشرق الأميركي (جورج س. رنتزGeorge Snavely Rentz، -1987)، من عمل (إبراهيم زكي خورشيد). وقد كشفت تلك المقالات عن سلسلةٍ من الأخطاء اللُّغوية، والجغرافيَّة، والتاريخيَّة، تُظهِر ضعفًا عامًّا في الترجمة، واضطراب الفهم، ما أفضى إلى إساءة في التعامل مع النصِّ الإنجليزي، وما تضمَّنه من إشارات، ولاسيما في مجالات الأنساب، والأسماء، والأحداث. منتهين، من خلال ذلك النموذج، إلى أنَّ كثيرًا من الترجمات العربيَّة الحديثة قد لا تزيد القارئ إلَّا التباسًا وجهلًا بالمصادر الأجنبيَّة.

قال (ذو القُروح)، مواصلًا عرض الإشكالات في تلك الترجمة:

 ـ ثمَّ اقرأ، إنْ شئتَ، عن شيءٍ غريبٍ، سمَّاه المترجِم: «السنامكى»!

ـ «السنامكى»؟ ما هذا؟

ـ هذا لُغز! وقد ذكرَ (رنتز) أنَّه كان يُحمَل مع (البُنِّ) من جبالنا في (فَيفاء) وما جاورها إلى (القاهرة) في القرن التاسع عشر؟

ـ أُعلِنُ، إذن، انسحابي من المسابقة لحلِّ هذا اللُّغز!

ـ لقد نقل المترجِم كلامه هكذا: «وكان نبات السنامكى والبن يحملان من الجبال إلى القاهرة.»(1) غير أنَّ ما قاله (رنتز)(2) هو:

Senna and coffee were sent from the mountains to Cairo.

ذلك أنَّ المترجِم أراد أن يكحِّل الكلمة فأعماها، كما يقال! مضيفًا إلى الاسم، كما أورده رنتز، كلمة «مكى»، ملصقًا كلمة (سنا) بكلمة (مكى). ولم ينقط الياء، كالعادة. وهو يَظنُّ أنْ لو التزمَ بما ذكرَه المؤلِّف، لن يكون الاسم معروفًا لدَى القارئ العَرَبي. وهذا غير صحيح. فـ(السَّنا، أو السَّنَة): نباتٌ طِبِّي، من نباتات (فَيْفاء). أوردَ عنه (ابن منظور)(3): أنَّ «السَّنا نبتٌ يُتَداوَى به، قال ابن سِيْدَه: والسَّنا والسَّناءُ نبتٌ يُكتَحَلُ به، يُمَدُّ ويُقصَر، واحدته سَناةٌ وسَناءَةٌ.» وليس (السَّنا المكِّيُّ) غير نوعٍ منه، يُنسَب إلى (مَكَّة). ويُعرَف أيضًا بـ(سَنا مَكَّة). وهناك نوعٌ آخَر ينبت في بلاد (الرُّوم)، يُعرف بـ(السَّنا الرُّومي).

ـ لكن حلوة «السنامكى» هذه! ثمَّ لاحظ أنهم ينقلون «النبات» نفسه، كما زعمَ المترجِم!

ـ لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله! تخيَّل القوافل تحمل أشجار البُنِّ من جبال (فَيْفاء) إلىٰ (القاهرة)! وأضف، أخيرًا، إلى ما سبق ما كتبه المترجِم، قائلًا، أو بالأحرى متقوِّلًا: «وكان أقوى الخيراتية الذي خلف حمودًا هو الحفيد الأكبر لابن أخيه الحسين بن على (حكم من سنة ١٨٤٠ إلى ١٨٤٨م) وهو الذي استولى على تهامة حتى بلغ جنوبًا إلى مخابل احتل تعزّ مدة من الزمن وغير ذلك من الأمكنة في جبال اليمن الأسفل. وهزمه في معركة من المعارك المتوكل محمد بن يحيا الزيدى فنزل الحسين عن العرش.» وعَدِّ عن كتابته «يحيا» بالألف الممدودة، فلا جديد هاهنا!

ـ لكن ماذا عنى بقوله: «حتى بلغ جنوبًا إلى مخابل»؟ أثمَّة مكان اسمه (مخابل)؟!

ـ هو هنا يحاول ترجمة قول (رنتز)(4):

…who held Tihāma as far south as Mocha and even occupied for a time Taʿizz…

يتَّضِح، إذن، أنَّ المقصود (المَخاء)، إحدى مُدن منطقة (تَعِزّ). وقد أراد المترجِم أن يكتب: «بلغ جنوبًا إلى مخا، بل احتلَّ تَعِزّ» فاختلط لديه الحابل بالنابل! فظهرت الكلمتان في طبعة (القاهرة): «مخا بل»، وفي طبعة (الشَّارقة): «مخابل».

ـ السؤال: لماذا يقرأ العَرَبيُّ مثل هذه الترجمات الشَّوهاء؟ أما كان الأجدى أن يرجع إلى الأصل الإنجليزي، وكفى الله العَرَب الترجمة؟! إذ مهما كانت في النصِّ بغير العَرَبيَّة أغلاط في بعض المعلومات، سيجده أسلمَ لُغويًّا من تراجم هؤلاء المترجمين «العَرَب»: انتماءً لا لُغة!

ـ هذا غيضٌ من فيض، من الرَّكاكة، وغلط المعلومة، وإهمال التدقيق، والتصرُّف في النصِّ المترجَم، والاستخفاف بالأمانة العِلميَّة.

ـ هو نموذجٌ صارخٌ، يتجاوز بنا ما كُنَّا بصدده من شؤون التاريخ والعَرَبيَّة المعاصرة، إلى مآزق لُغويَّة وثقافيَّة وترجميَّة شتَّى. بَيْدَ أنَّه ليس ممَّا كُنَّا بصدده ببعيد، بل هو منه في الصَّميم. لكن ماذا لو عدنا إلى رحلة النصِّ، لا من لغة أجنبيَّة إلى العَرَبيَّة، بل من العَرَبيَّة إلى العَرَبيَّة، عبر كُتب التراث؟ 

ـ أمَّا تراثنا القديم، فيَصْدُق عليه ما ذهب إليه أستاذُ العَرَبيَّة بجامعة (كامبريدج)، المستشرق الأسكتلندي (ويليم روبرتسون سميث William Robertson Smith، -1894)(5)، من أنَّ الكُتب التراثيَّة، التي وصلت إلينا من عصور ما قبل الطباعة، قد تعرَّضت بالضرورة لتغييرات عديدة.  وقد حُفِظت بعض الكُتب في نُسَخٍ ناقصة، صنعَها نُسَّاخٌ جَهَلةٌ من العصور المظلمة، وبعضها أفسده محرِّرون خَلَطُوا موادَّ أجنبيَّة مع النصِّ الأصلي.  ولذا أبقَى لنا التاريخ كتاباتٍ كثيرة، لا تعدو عمليَّات تزويرٍ محض.  وفي كلِّ الأحول، فإنَّ على الناقد التاريخي، لكي يتوصَّل إلى الحقيقة العِلميَّة، أن يتخلَّص من المفردات المقحمة على النصوص، وكشْف صُوَر التزوير؛ لعرض البقايا القديمة في صُوَرها الحقيقيَّة.  ولن يضير كتابًا قديمًا قَيِّـمًا حقًّا عملُ الناقد الذي يحاول أن يضعه في ضوء الشمس، ويؤسِّس مكانته على قواعد أرسخ.

ـ وأمَّا لو كان المؤرِّخ- العَرَبي خاصَّة- من نمط (كمال الصليبي)، نموذجًا، ومن لَفَّ لَفَّه، أو من نمط (فراس السوَّاح) ومن لَفَّ لَفَّه، فليس في حاجة إلى كلِّ هذا العناء، وإنَّما عليه أن يكتب التاريخ من بنات أفكاره، وكفى الله المؤرِّخ العناء!

ـ صحيح. ذلك أنَّ نماذج طريفة من المؤرِّخين المعاصرين، من أهل الشَّام خاصَّة، واجهوا ضرورة تاريخيَّة ضاغطة لمواجهة التاريخ والحاضِر؛ فأين المفر؟! كلَّا، لا وَزَر! الأوَّل، (الصليبي)، سعَى إلى ترحيل تاريخ الشَّام إلى جزيرة العَرَب، ولكن (تاريخ بني إسرائيل) تحديدًا دون غيره؛ لأسباب واضحة. وآزرَه كثيرون من الشاميِّين، وبعض مجاوريهم، مثل (فاضل الربيعي) من العراق، أو (يوسف زيدان) من مِصْر.

ـ صاحب نظريَّة أن (المسجد الأقصى)، المشار إليه في «القرآن الكريم»، إنَّما هو مسجد في (الجعرَّانة)، بجوار (مكَّة)، لا في (فلسطين)!

ـ هو بعينه! فإذا كان العُربان قد خابوا في تحرير الأقصَى الشريف في (فلسطين)، فأقصى الجعرَّانة، إنْ وُجِد، هو البديل! أمَّا الآخَر (السوَّاح)، فعارضَ تلك الآراء بشِدَّة؛ لأنَّ له وُجهة أخرى معاكسة، تقول بترحيل تاريخ الجزيرة العربيَّة نفسها إلى بلاد الشَّام! فذهب إلى أن (محمَّد بن عبدالله، صلى الله عليه وسلَّم) شاميٌّ، لا حجازي، ولا علاقة له بـ(مكَّة)! بل ربما كانت مكَّة ، والمسجد الحرام خاصَّة، يقعان في ديار (الأنباط)، في منطقة (البتراء)، بالأردن، كما سبقه غيره من أساتذته في لعبة الشطرنج التاريخي هذه. ولعلَّ هذا هو ما أرهص للسوَّاح بأخرة بنظريَّته الساحقة الماحقة! لينتهي مَن كان فِراسًا منشغلًا بالأساطير، ومفكِّرًا سابقًا، يتظاهر بالعِلميَّة والعقلانيَّة، إلى محض «سوَّاح» اليوم، اسمًا على مسمًّى.

ـ وهذا يعني أنها ما زالت في التاريخ كتابات كثيرة، لا تعدو عمليَّات تزويرٍ محض. 

ـ بل إنَّ تلك الكتابات في الحاضر أكثر من تلك في الماضي، موظِّفةً أدواتها لمزيدٍ من التزوير، لمآرب سياسيَّة أو أيديولوجيَّة. وذو المرض السياسيِّ أو الأيديولوجيِّ، لا يمكن أن يكون مؤرِّخًا نزيهًا أبدًا. بل لا يمكن أن يكون صاحب طرحٍٍ عِلميٍّ يحترم العقول؛ مهما حمل من هالات الألقاب والأدوات؛ ففاقد الشيء لا يعطيه. وما تلك الألقاب والأدوات سِوَى وسائل يتوخَّى منها أن تسعفه لممارسة تزويرٍ أشدَّ إحكامًا، وأكثر قدرةً على تضليل العامَّة، أو تأييد أقرانه من ذوي الأهواء لا العقول. على أنَّ الناقد التاريخي هنا، ولكي يتوصَّل إلى الحقيقة العِلميَّة، ليس في حاجةٍ إلى كبير جهد لكشف صُوَر التزوير، لحُسن الطالع؛ لأنَّ هؤلاء النَّفَر من المعاصرين لا يستندون أصلًا إلى أدلَّةٍ عِلميَّةٍ تصمد لأدنى محاولة للفحص، هذا إنْ وُجِدت، وإنَّما هي مغامرات ساذجة، وتأويلات سطحيَّة بائسة، تارةً تهدف إلى نقل (الشَّام) إلى (اليَمَن)، وتارةً إلى نقل (اليَمَن) إلى (الشَّام)! والدليل لديهم: حروف اسمٍ هنا تشبه حروف اسمٍ هناك، فإذن المكان هو هو. بل إنَّ الصراع بين هؤلاء النَّفَر أنفسهم محتدم،  وعلى أَشُدِّه، متناشدين: أيُّ مكان من الجزيرة العَرَبيَّة يُختار لتوطين شعب الله المحتار، أفي اليَمَن؟ أم في الحجاز؟ أم عُمان؟ أم جازان؟ أم عسير؟ أم بلاد غامد وزهران؟ أم في تشكيلة من تلك البلدان؟

ـ ثمَّ أيُّ الوجهتين أولَى وأنجع؟ أترحيل الشَّام إلى الجزيرة العَرَبيَّة؟ أم العكس؟

ـ تشابهت قلوبهم، واختلفت مناهجهم، إلَّا في التهافت. ولذا هم مضطرُّون إلى عَقْد مَجْمَع، أو مؤتمر، لدراسة الخلافات بينهم، قبل كلِّ خصومة مع غيرهم؛ فالغاية واحدة، وإنْ تفرَّقت بهم السُّبل!  

***

* مرفأ:

وما يُجْـدِيْ الغِـنَـاءُ عَلَى المُـغَـنِّـيْ

إذا ابتَلَعَتْ حَنَـاجِـرَهُ الثُّـعَالَـى؟!

ولـكِـنْ نَـحْـنُ قَـوْمٌ مِـنْ ضِـرَامٍ

فـلا تَـقْـنَــطْ إِذَا الـبُرْكَـانُ سَـالا

فبَـعْـدَ سُـيُـوْلَةِ الذَّهَبِ انْـفِـجَارٌ

يُطَـهِّـرُ مَعْـدِنَ الذَّهَـبِ الـمُسَالا

لِـكُـلٍّ يَـوْمُــهُ ، لا رَيْــبَ فِـيْـهِ،

وإِنْ أَمْطَـى مَـواعِـدَهُ الـمِـطَـالا!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

........................

(1)  تُقارَن ترجمة: دائرة المعارف الإسلاميَّة، طبعة (القاهرة: دار الشعب، 1969)، 13: 109- 115، بطبعة (الشارقة: مركز الشارقة للإبداع الفكري ، 1998)، 11: 3292- 3299.      

(2) Rentz, George Snavely, (1991), The Encyclopaedia of Islam, Prepared by a number of leading orientalists, Under the patronage of the international union of academies. (Leiden: E. J. Brill), 2: 518.

(3)  لسان العَرَب، (سنا).

(4) 2: 518.

(5) See: (1895), The Old Testament in the Jewish Church: A Course of Lectures on Biblical Criticism, (London: Adam and Charles Black), p. 17. 

قد نغادر بعض الأماكن، لكن بعضها لا يغادرنا. قد نترك بيتًا أو شارعًا أو مدينة سنوات طويلة، ثم نعود فنجد الطريق نفسه وربما المبنى نفسه، لكننا نشعر بأن المكان تغيّر. وربما تكون الحقيقة أن المكان تغيّر فعلًا، وأننا نحن أيضًا لم نعد الأشخاص الذين رأيناه بأعينهم الأولى.

لهذا لم يكن المكان عند الفلاسفة والأنثروبولوجيين مجرد مساحة تحددها الخرائط، بل سؤالًا عن الذاكرة والهوية والزمن والانتماء، وعن العلاقة الخفية بين الإنسان وما يحيط به.

كتب غاستون باشلار في «جماليات المكان» عن البيت بوصفه أكثر من جدران وسقف؛ إنه مستودع للذاكرة والخيال. الغرفة، والنافذة، والسلم، والممر، وحتى الزاوية الصغيرة التي كنا نختبئ فيها، تتحول مع الزمن إلى أجزاء من عالمنا الداخلي. لذلك قد نشتاق إلى بيت قديم أكثر مما نشتاق إلى أشخاص عاشوا فيه. لكننا في الحقيقة لا نشتاق إلى الجدران وحدها، بل إلى الزمن الذي كان يسكنها: طفولتنا، ووجوهًا غابت، وطمأنينة لم تعد ممكنة، ونسخة قديمة من أنفسنا.

أما مارتن هايدغر، فرأى أن الإنسان لا يوجد في العالم كما توجد الأشياء داخل صندوق، بل «يسكن» العالم. والسكن ليس امتلاك منزل فحسب، بل إقامة علاقة مع الأشياء والأشخاص والطبيعة. نحن لا نمر بالمكان فقط، بل نمنحه معنى، وهو بدوره يترك أثرًا فينا.

وذكّرنا موريس ميرلو-بونتي بأن علاقتنا بالمكان ليست ذهنية فقط، بل جسدية أيضًا. نتعلم الأمكنة بأقدامنا وعيوننا وحواسنا؛ نحفظ الطريق إلى البيت، ونعرف صوت باب، ورائحة شارع، وطريقة سقوط الضوء في غرفة. هناك أمكنة يعرفها الجسد قبل أن تستدعيها الذاكرة.

لكن المكان لا يحمل الذكريات وحدها، بل يحمل المجتمع أيضًا. رأى هنري لوفيفر أن الفضاء ليس محايدًا، بل تنتجه العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فالمدينة يمكن أن تُقرأ مثل نص: أين يعيش الأغنياء والفقراء؟ أين توجد الحدائق والمدارس والمستشفيات؟ ومن يملك الوصول إليها؟ يكشف توزيع المكان غالبًا عن توزيع القوة والموارد داخل المجتمع.

ومن زاوية قريبة، درس ميشيل فوكو علاقة المكان بالسلطة. فالسجن والمدرسة والمستشفى والثكنة ليست مباني فقط، بل فضاءات صممت للمراقبة والتنظيم وضبط الأفراد. أحيانًا تكون السلطة مكتوبة في الجدران والممرات والنوافذ أكثر مما هي مكتوبة في القوانين.

أما الأنثروبولوجيا، فقد نظرت إلى المكان بوصفه مرآة للثقافة. أظهر كلود ليفي-شتراوس أن توزيع البيوت وتنظيم القرى ليسا عشوائيين؛ فشكل القرية قد يكشف نظام القرابة والانقسامات الاجتماعية والعلاقات بين الجماعات، وكأن المجتمع يرسم نفسه على الأرض.

وبيّن بيير بورديو، في دراسته للبيت القبائلي في الجزائر، أن المنزل قد يكون خريطة رمزية للثقافة. فالأعلى والأسفل، والداخل والخارج، والمضيء والمظلم، تحمل معاني تتجاوز وظيفتها المادية. البيت صورة مصغرة عن النظام الاجتماعي والثقافي.

ومع المدن الحديثة ظهر سؤال آخر: ماذا يحدث عندما تصبح الأماكن بلا ذاكرة؟ قدّم مارك أوجيه مفهوم «اللامكان» لوصف المطارات ومحطات القطارات والطرق السريعة والمراكز التجارية. إنها فضاءات يعبرها ملايين الناس من دون أن يبنوا معها علاقة حقيقية؛ نستخدمها ثم نغادرها، فهي أماكن للحركة أكثر من كونها أماكن للانتماء.

في المقابل، رأى الجغرافي الإنساني يي-فو توان أن الفضاء يصبح مكانًا عندما تمنحه التجربة معنى. فالشقة الفارغة ليست سوى مساحة، لكنها بعد سنوات من الضحكات والأحاديث والأعياد والخصومات والوداع تصبح مكانًا. لذلك لا تكفي الخرائط لفهم علاقتنا بالمدن والبيوت، لأن أهم ما فيها لا يظهر عليها.

لهذا تكون العودة إلى الأماكن القديمة مربكة. نبحث عن الشارع والمقهى والجيران والشجرة، لكننا في الحقيقة نبحث عن زمن كامل. قد نجد المكان نفسه ولا نجد الشعور نفسه، لأن العودة إلى المكان ممكنة، أما العودة إلى الزمن فليست كذلك.

المكان الذي نحمله في الذاكرة ليس بالضرورة المكان الموجود في الواقع. بين الاثنين سنوات من التغير، وفي المسافة بينهما يقيم الحنين والخيبة والدهشة. فالمكان ليس جغرافيا نعيش فوقها، بل طبقات من الذاكرة والعلاقات والرموز. نحن نصنع الأماكن حين نعيش فيها، ثم تحملنا هي بعد أن نغادرها.

بعض المدن نتركها إلى الأبد، لكنها تظل حاضرة فينا، وبعض البيوت تُهدم، ومع ذلك يبقى بابها وممرها ورائحة غرفها أوضح في الذاكرة من أماكن نعيش فيها اليوم. وربما لهذا لا يكون السؤال الأجمل: أين عشنا؟ بل: أي الأماكن ما زالت تعيش فينا؟

***

إبراهيم السعدي

 

نحو تأسيس عقلاني للتعددية الداخلية

تستند دراسة ظاهرة الصراع والصلح داخل المجتمع الواحد -لا سيما في الكيانات التي تقاسمab الذاكرة والمصير المشترك واكتوت بنيران الانقسامات البينية الحزبية والقومية على مدى عقود - إلى ضرورة تفكيك البنى التحتية للتفكير السياسي والأخلاقي السائد. فالتاريخ المعاصر للحركات والقوى السياسية لم يكن سوى مرآة لصدام إرادات تتغذى على وهم احتكار الحقيقة المطلقة، مما أفضى إلى تكريس "عصبيات حزبية" وأيديولوجيات استئصالية تعاملت مع الآخر كخطر وجودي يجب محوه لا كشريك تفاوض يجب الاعتراف به. من هنا، لا يمكن لأي مشروع تسوية سياسية أو مصالحة مجتمعية أن يكتب له النجاح أو الاستمرار ما لم يستند إلى أرضية فلسفية وأخلاقية صلبة تعيد هندسة المفاهيم المؤسسة للرابطة الاجتماعية. إن الانتقال من ثقافة "الإلغاء المتبادل" إلى ثقافة "التفاوض العقلاني" يتطلب أولاً وقبل كل شيء تقويض الجذور الفلسفية للتعصب، وإعادة الاعتبار للإنسان بوصفه كائناً عاقلاً وحراً قادراً على صياغة العقد الاجتماعي من جديد عبر حوار الند للند، بعيداً عن منطق الغلبة والهيمنة والاستقطاب الأعمى.

الجذور الفلسفية للتسامح: من حتمية الاختلاف إلى عقلانية القبول

يمثل الانتقال من حالة "الاختلاف الوجودي" إلى "قبول الآخر عقلانياً" المنعطف الأبستمولوجي والأخلاقي الأهم في تاريخ الفكر السياسي الحديث. فمن الناحية الأنطولوجية، يُعد التنوع البشري والتعدد الفكري والقومي والسياسي حتمية لا رجعة فيها؛ غير أن الإشكالية التاريخية لم تكمن أبداً في أصل الاختلاف ذاته، بل في كيفية مقاربته وتأويله داخل النسق المجتمعي الواحد. لقد تعامل الفكر الاستبدادي والتعصبي دائماً مع هذا التنوع بوصفه "خطيئة" أو انحرافاً ينبغي استئصاله، بينما ينطلق التأسيس الفلسفي للتسامح من إعادة اعتبار جذرية تنظر إلى التعدد بوصفه الشرط الأساسي لحيوية العقل البشري وتطور المجتمعات.

وفي هذا السياق التأسيسي، شكلت أطروحات الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (John Locke)، خصوصاً في إسهاماته حول التسامح، ثورة مفاهيمية كبرى نقلت مفهوم التسامح من دائرة "المنة السياسية" أو "الهدنة المؤقتة" التي تمنحها السلطة وفق أهواءها، إلى دائرة الواجب العقلي والحق الإنساني الأصيل. لقد أدرك لوك بعمق استحالة إكراه الضمائر أو فرض القناعات الفكرية والسياسية بالقوة المادية، لأن الإيمان أو الولاء الفكري والسياسي هو فعل باطني وعقلي حر لا يولد في أروقة الإكراه ولا يُستتب بالقمع القانوني أو الأمني. وعند إسقاط هذه المقاربة على واقعنا المجتمعي والسياسي المعاصر -حيث تتصارع الأحزاب والقوى والتيارات ضمن الفضاء القومي والوطني الواحد- فإن أطروحة لوك تقدم لنا مبرراً عقلياً قاطعاً يفيد بأن محاولة إقصاء الآخر أو فرض رؤية حزبية أو قومية أحادية بالقوة هي خرق سافر لطبيعة العقل الإنساني وشرود عن العقلانية السياسية.

غير أن هذا التأسيس الكلاسيكي لجون لوك وجد صداه النقدي والساخر في أطروحات فولتير (Voltaire)، الذي رفع لواء المعركة ضد التعصب الأعمى واحتكار الحقيقة المطلقة. لم يكن دفاع فولتير عن التسامح مجرد تنظير بارد، بل كان صرخة وجودية في وجه العقل المتكلس الذي يحول الخلاف الفكري إلى حرب إلغاء شاملة. يقرر فولتير أن البشر كائنات خطاء بطبيعتها، ولذلك فإن الخطأ الأول للتعصب يكمن في توهم العصمة واحتكار اليقين. وعند تطبيق هذه الرؤية على تاريخنا الحزبي والسياسي الممتد لنحو قرن من الصراعات العبثية، نكتشف أن الآفة الكبرى التي مزقت النسيج الاجتماعي لم تكن سوى استبداد اليقين الحزبي والتعصب الأيديولوجي الذي يرفض مجرد الاعتراف بوجود الآخر، ناهيك عن محاورته.

من هنا، لا يعود التسامح في هذا الفصل مجرد قيمة أخلاقية مسالمة أو ترفاً فكرياً، بل يتحول إلى "عقلانية قبول" صارمة؛ عقلانية تدرك أن بقاء المكونات والأحزاب وتماسك المجتمع الواحد مرهون بالانتقال من منطق "الحرب الاستئصالية" إلى منطق "الاعتراف المتبادل بحق الاختلاف". فالقبول العقلاني للآخر هو التجسيد الحق للوعي التاريخي الناضج الذي يتعلم من جراح الماضي ليصوغ عقداً اجتماعياً جديداً، يصبح فيه الاختلاف الحزبي أو القومي غنىً حضارياً لا مبرراً للتمزق والإبادة المعنوية.

فلسفة الاعتراف عند أكسل هونيث: تجاوز التسامح السلبي إلى العدالة الهوياتية

على الرغم من الأهمية الكبرى للتأسيس الكلاسيكي لمفهوم التسامح عند لوك وفولتير، إلا أن الاكتفاء به في المعالجات السياسية والاجتماعية المعاصرة قد يوقعنا في فخ "التسامح السلبي"؛ وهو تسامح غالباً ما يُمارس بنوع من التعالي أو التحمل القسري، حيث تنظر جهة نافذة أو حزب مهيمن إلى الآخر باعتباره عبئاً يجب تحمله شريطة صمته، لا شريكاً أصيلاً في صياغة المجال العام. ومن هنا تبرز الحاجة الماسة للانتقال إلى مستوى أعمق وأكثر رصانة، وهو ما تقدمه "فلسفة الاعتراف" (The Theory of Recognition) عند الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني أكسل هونيث (Axel Honneth)، أبرز ممثلي الجيل الثالث لمدرسة فرانكفورت النقدية.

ينطلق هونيث من أطروحة مركزية مفادها أن الصراعات المجتمعية والسياسية الكبرى لا تنشأ فراغاً، ولا تفسرها وحدها المصالح الاقتصادية المادية الصرفة، بل تغذيها في عميق جوهرها "معاناة الازدراء" (Pathologies of Recognition)؛ أي ذلك الشعور الدفين والمستميت بأن الهوية، أو الحزب، أو التيار، أو المكون القومي يتعرض لتهميش ممنهج، أو إنكار لمكانته، أو استخفاف بتاريخه ونضالاته. وحين تتعرض جماعة بشرية أو حزب سياسي عريق لتجربة الازدراء أو الإقصاء الاعتباري، فإن ردة فعلها لا تكون مجرد غضب عابر، بل تحولاً نحو صراع وجودي عنيف تدافع فيه عن كرامتها وبقائها المعنوي والمادي.

ولتحليل هذا البعد، يؤسس هونيث نظريته على ثلاثة أبعاد أساسية للاعتراف، تنعكس بوضوح على بنية الصلح والتفاوض داخل المجتمع الواحد:

البعد الأول: الدعم القانوني والمساواة الحقوقية

لا يمكن لأي تسوية داخلية أن تستقيم إذا شعر أي طرف بأنه مواطن أو شريك من الدرجة الثانية. يتطلب الاعتراف القانوني هنا إقراراً دستورياً ومؤسسياً بحقوق جميع الأطراف المتنازعة (سواء كانت أحزاباً سياسية، أو تيارات فكرية، أو مكونات قومية)، بحيث يُنظر إلى الجميع باعتبارهم متساوين أمام القانون وفي الفضاء العام، دون استئثار بالسلطة أو احتكار لشرعية تمثيل الوطن.

البعد الثاني: الاحترام الأخلاقي للذات

يتعلق هذا البعد بالاعتبار المعنوي؛ فلكل جماعة سياسية أو قومية رصيدها النضالي وتاريخها الذي يجب احترامه. إن محاولة تشويه الخصم الحزبي أو التبرير لإلغائه وتخوين رموزه التاريخية هو تدمير مباشر لشروط التفاوض. الاحترام الأخلاقي يلزم الأطراف بالتعامل مع الخصم كذات عاقلة ومسؤولة، لا كعدو وجودي يجب محوه.

البعد الثالث: التضامن الثقافي والسياسي والتقدير الاجتماعي

وهو البعد الأعمق الذي يعالج جذور الأزمة البينية؛ حيث يكتسب الأفراد والجماعات شعوراً حقيقياً بقيمتهم عندما تجد خصوصياتهم الثقافية والفكرية والسياسية تقديراً وإسهاماً فاعلاً في بناء المجتمع. التضامن هنا يعني أن تنوع الأحزاب والتيارات ليس عيباً بنيويّاً، بل هو "رأسمال رمزي" يغني التجربة الديمقراطية المشتركة.

وعند إسقاط نظرية هونيث على واقعنا الحزبي والسياسي، الممتد لعقود من الصراعات والتقاطعات المريرة في العراق وعموم منطقة الشرق الاوسط، يتضح جلياً أن فشل محاولات الصلح السابقة كان ناتجاً عن اختزالها في "تسويات فوقية" هشة وصفقات سياسية تكتيكية، تفتقر إلى العدالة الهوياتية. فحين نستحض الذاكرة السياسية العراقية، وما تلاها من مخاضات وتقاطعات بين القوى الوطنية والقومية والإسلامية، وصولاً إلى تعقيدات المشهد الكردستاني بصراعاته البينية التاريخية وتفاعلاته الإقليمية الممتدة من إشكاليات سلاح حزب العمال الكردستاني وتجربة الحركة في سوريا، وصولاً إلى الفراغ المستدام ومخاطر الانهيار في الإقليم والمنطقة، نرى بوضوح كيف تكلست هذه الأزمات نتيجة غياب الاعتراف المتبادل. إن الصلح الحقيقي والعميق لا يتحقق إلا برد الاعتبار للآخر المغاير، والاعتراف بأن أمن واستقرار المجتمع الواحد لا يقوم على إلغاء الذاكرة أو محو المخالف، بل على بناء منظومة متكاملة من الاعتراف المتبادل، تصبح فيها الاختلافات الحزبية والقومية رافداً للتكامل لا مبرراً للاقتتال والتمزق، لتتحول تلك الجغرافيا الملتهبة من حقل حروب استئصالية إلى فضاء رحب للسلام والعيش المشترك.

3. أخلاقيات الحوار والتواصل عند يورغن هابرماس: أفق التوافق العقلاني إذا كانت الجذور الفلسفية للتسامح قد وضعت الأساس الأخلاقي لتقبل الاختلاف، وفلسفة الاعتراف عند هونيث قد عالجت جروح الكرامة والازدراء الهوياتي، فإن الانتقال من التأملات النظرية إلى الممارسة الفعلية للصلح والتفاوض يتطلب هندسة إجرائية دقيقة للكيفية التي يتواصل بها البشر. وهنا تبرز مساهمة الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس (Jürgen Habermas)، أبرز أعلام مدرسة فرانكفورت المعاصرة، من خلال مشروعه الرائد في "نظرية الفعل التواصلوي" (Theory of Communicative Action) وأخلاقيات المناقشة.

ينطلق هابرماس من نقد جذري للعقلانية الأدواتية أو البراغماتية الضيقة، التي تسيدت التاريخ السياسي والحزبي الحديث، حيث يُنظر إلى الحوار لا باعتباره أداة للفهم، بل كوسيلة للهيمنة والسيطرة وإفحام الخصم. يرى هابرماس أن العقل البشري في جوهره ليس عقلاً أحادياً منغلقاً على ذاته، بل هو "عقل تواصلوي" يتجلى بوضوح عندما يتوجه الأفراد والجماعات نحو التفاهم المتبادل لا نحو فرض الإرادات. وفي بيئة الصراع الداخلي -حيث تتحكم العصبيات الحزبية والذاكرة الجمعية المشحونة بندوب الصراعات الممتدة لعقود- تنغلق الأطراف غالباً داخل "مونولوجات" استئصالية تعطل لغة العقل وتستبدل بها لغة القوة والتعبئة الإعلامية الهادفة إلى الإلغاء.

لتجاوز هذا المأزق، يطرح هابرماس مفهوم "موقف الكلام المثالي" (Ideal Speech Situation)؛ وهو نموذج معياري تخيلي ولكنه ضروري لتنظيم أي عملية صلح أو تفاوض ناجحة. يشترط هذا الموقف توفر شروط تواصلية صارمة تضمن نزع فتيل الهيمنة، وتتمثل في:

- تكافؤ فرص الخطاب: ألا يحتكر طرف سياسي أو حزبي نافذ المنبر لوحده، بل يُمنح الجميع حق الكلام وطرح الرؤى دون وصاية أو استعلاء.

- التحرر من الإكراه: أن تُدار طاولة الصلح بمعزل عن الضغوط المادية، أو التهديدات الأمنية، أو الابتزاز السياسي والإعلامي، بحيث يكون الحاكم الوحيد هو قوة الحجة لا حجة القوة.

- الصدقية وقصدية التفاهم: أن يتجه المتفاوضون إلى طاولة الحوار بنية صادقة للوصول إلى حقيقة مشتركة ومصلحة عليا، لا بهدف تسجيل النقاط أو خداع الخصم.

وعند إسقاط هذه البنية الفلسفية على واقعنا الحزبي والسياسي المعقد - سواء على مستوى القوى الوطنية والداخلية، أو في امتداداتها الإقليمية المأزومة - فإن مقاربة هابرماس تقدم لنا التشخيص والدواء معاً. إن الأزمات المستحكمة والحروب الإعلامية العبثية ما هي إلا نتيجة لانهيار الشروط التواصلية العقلانية. وبناءً عليه، فإن الصلح والتفاوض الحقيقيان لا يتحققان عبر صفقات الغرف المغلقة أو التوازنات الهشة المؤقتة، بل يتطلبان تأسيس فضاء عمومي ديمقراطي حُر، يتحول فيه "صراع الأحزاب والعصبيات" المهدِم إلى "صراع فكري عقلاني" من أجل السلام، تُصاغ فيه الإرادة المشتركة على أساس التراضي، ليغدو الحوار هو الملاذ الأخير لإنقاذ المجتمع من أتون التمزق المستدام.

***

ئاريان علي

المسألة اليهودية في ضوء الدفاتر السوداء

مقدمة: في ذكرى ميلاد مارتن هايدغر (26 سبتمبر 1889)، يعود السؤال مجدداً حول إرثه الفلسفي الأكثر إشكالية، فقلما شغلت قضية فلسفية الرأي العام والأوساط الأكاديمية كما شغلتهما قضية ساحر ميسكيرش كما كان يلقب، فمنذ عام 1945 وصورة الفيلسوف الألماني الأكثر جدلا في القرن العشرين تتأرجح بين قطبين متنافرين: عبقرية فلسفية أعادت تأسيس السؤال عن الوجود بعد أن نسيته الميتافيزيقا الغربية طوال عصورها، ونازية معلنة انخرط فيها هايدغر بإرادته، وتحمس لها، ولم يتراجع عنها قط.

غير أن نشر "الدفاتر السوداء" بين عامي 2014 و2015 نقل النقاش بأسره إلى مستوى جديد كلياً. لم تعد المسألة تتعلق بموقف سياسي، بل بشيء أعمق وأخطر يعكس علاقة بنيوية بين فلسفة الوجود والمسألة اليهودية، صاغها هايدغر بنفسه حين كتب أن "مسألة دور اليهودية العالمية ليست مسألة عرقية، بل هي مسألة ميتافيزيقية"

هذه العبارة وحدها كفيلة بإعادة صياغة السؤال الفلسفي بأكمله. فإذا كانت المسألة اليهودية عند هايدغر ميتافيزيقية وليست عرقية، فهذا يعني أنه لا يمكن عزلها عن نسق تفكيره، بل هي نتاج داخلي لهذا النسق ذاته. والسؤال الذي يفرض نفسه حينئذ هو: هل يمكن للمرء أن يقرأ "الوجود والزمان" ومحاضرات هايدغر عن التقنية والفن والشعر بمعزل عن هذه المعاداة الميتافيزيقية لليهود؟ أم أن الفلسفة الغربية ذاتها، في تراثها الممتد من كانط إلى نيتشه، كانت تحمل في أعماقها استعداداً لصياغة هذا النوع من الإقصاء؟

الواقع انه يمكن مقاربة هذه الإشكالية عبر خمسة محاور أولاً: الانتقال من سيرته إلى الموقف الفلسفي في تفسير نازية هايدغر، ثانياً: تتبع جذور معاداة اليهود في الفلسفة الألمانية الكلاسيكية التي مهدت الطريق لهايدغر، ثالثاً: تحليل البنية الميتافيزيقية الخاصة التي بنى عليها هايدغر تصوره لليهودي، رابعاً: مواجهة النص الأكثر إشكالية في هذا الملف كله، وهو تفسيره للمحرقة بوصفها "إبادة ذاتية": وخامساً: استعراض القراءات النقدية المضادة التي حاول من خلالها فلاسفة يهود، من ليفيناس إلى دريدا، أن يقيموا حواراً نقدياً مع هذا الإرث الثقيل.

من السيرة إلى الارتباط الفلسفي

منذ وفاة هايدغر عام 1976، سادت رواية رسمية لعلاقته بالنازية تلخّصها عبارة "الفاصل السياسي، وبحسب هذه الرواية، انساق هايدغر وراء حماسة عابرة حين تولى رئاسة جامعة فرايبورغ في أفريل 1933، وسجل نفسه عضواً في الحزب النازي في الأول من شهر ماي من العام نفسه، لكنه سرعان ما اصطدم بواقع النظام، فاستقال من رئاسته في افريل 1934، وانسحب إلى عزلته الفلسفية في تودتناوبرغ.

هذه الرواية، التي روّج لها هايدغر نفسه في اعترافاته المتأخرة وفي مقابلته الشهيرة مع مجلة دير شبيغل (التي لم تُنشر إلا بعد وفاته وفقاً لشرطه)، تركت أسئلة كثيرة معلّقة: لماذا ظلّ هايدغر عضواً في الحزب النازي حتى سقوط الرايخ عام 1945؟ لماذا لم يُدِن التزامه هذا قط، ولو مرة واحدة، بعد الحرب؟ ولماذا التزم ذلك الصمت العنيد حيال ما يسمى المحرقة طوال حياته؟

الدفاتر السوداء تجيب عن هذه الأسئلة بطريقة تهدم الرواية الرسمية من أساسها. فهي تكشف عن ان معادته لليهود مستمرة ومتصاعدة تمتد من عام 1931 إلى عام 1948، أي إنها تسبق تولي هايدغر رئاسة الجامعة وتلي سقوط النازية بثلاث سنوات كاملة. وهذا يعني أن الأمر لا يتعلق بحادثة عابرة محصورة في فترة زمنية محدودة يمكن "وضعها بين قوسين" كما فعل كثير من المفسرين، بل بموقف بنيوي راسخ يتخلل نسيج تفكيره الفلسفي بأكمله. كما تكتب دوناتيلا دي تشيزاري في كتابها المرجعي عن هذه القضية: "لم تكن معاداة السامية 'إضافة' أيديولوجية، بل كانت حجر الزاوية للاشتراكية الوطنية" في تفكير هايدغر، وهذا "يدحض أيضاً الفكرة التي يتبناها الكثيرون بأن معاداة هايدغر للسامية كانت بعيدة كل البعد عن معاداة كارل شميت أو إرنست يونغر".

والأهم من ذلك أن الدفاتر السوداء تُظهر أن هايدغر لم يكن يتحدث عن "اليهود" بوصفهم جماعة عرقية أو دينية بالمعنى الشائع، بل كان يفكر فيهم بوصفهم مقولة فلسفية داخل نسقه الخاص عن "تاريخ الوجود هذا الانتقال من التصنيف العرقي إلى التصنيف الميتافيزيقي هو ما يجعل موقف هايدغر أشد خطورة، لا أقل، من معاداة السامية النازية "المبتذلة" القائمة على نظريات الأجناس. فحين يصرّح هايدغر بأن "المسألة اليهودية ليست عرقية بل ميتافيزيقية"، فإنه بذلك يمنح كراهية اليهود شرعية فلسفية لم تكن لتحظى بها لو ظلّت حبيسة الخطاب العرقي الذي كان يهيمن على الدعاية النازية الرسمية.

جذور معاداة السامية في الفلسفة الألمانية الكلاسيكية

لفهم كيف أمكن لهايدغر أن يصوغ هذا النوع من معاداة اليهود "الميتافيزيقية"، لا بد من الرجوع إلى تراث طويل من الفلسفة الألمانية الكلاسيكية التي مهّدت الطريق لهذا التصور، بدءاً من الإصلاح البروتستانتي وانتهاءً بنيتشه.

يمثّل مارتن لوثر نقطة الانطلاق التاريخية. فرغم أن أوغسطينوس كان قد أرسى تقليداً مسيحياً معادياً لليهودية يقوم على فكرة أن اليهود "شهود" على حقيقة المسيحية يجب الحفاظ عليهم حتى نهاية الزمان، فإن لوثر قلب هذا الموقف رأساً على عقب في كتابه الشهير "عن اليهود وأكاذيبهم" (1543)، حيث ألغى أي أمل في خلاص اليهود، ودعا صراحة إلى حرق معابدهم ومصادرة ممتلكاتهم وإسكاتهم إلى الأبد. والأخطر من ذلك أن لوثر ربط بين "كذب" اليهود وطريقتهم في تفسير النصوص المقدسة، فحوّل التهمة من مجرد كراهية دينية إلى اتهام بنيوي بالتزوير والخداع، وهو الاتهام ذاته الذي سيتردد صداه عند كانط ونيتشه وهتلر لاحقاً.

وفي كتاب "الدين ضمن حدود العقل المحض"، ينفي كانط عن اليهودية صفة "الدين" أصلاً، معتبراً إياها مجرد تنظيم سياسي محض قائم على قوانين خارجية لا صلة لها بالأخلاق الداخلية المستقلة التي يتأسس عليها العقل العملي. وفي "الأنثروبولوجيا من منظور براغماتي"، يذهب كانط إلى وصف اليهود بأنهم "أمة من الغشاشين"، معلناً في "صراع القدرات" ضرورة "القتل الرحيم لليهودية، أي ذوبانها الكامل في المسيحية الأخلاقية العقلانية.

ويطور هيجل هذا الإقصاء باتجاه أشد جذرية. ففي "روح المسيحية ومصيرها"، يصف هيجل اليهود بأنهم شعب "بلا ملكية"، لأن الشريعة الموسوية، بحسب تأويله، لا تمنحهم حق التملك الفعلي بل مجرد "استعارة" مؤقتة من الله. ومن هذا الحرمان الميتافيزيقي من الملكية، يستنتج هيجل حرمانهم من الحقوق المدنية: "كمواطنين لم يكونوا شيئاً" وقد علّق جاك دريدا على هذه العبارة قائلاً إنها تعني أنه "لا وجود لكائن يهودي في حد ذاته" بالمعنى الفلسفي الهيجلي. أما في "فينومينولوجيا الروح"، فيصف هيجل اليهودي بأنه "الوعي الشقي" الجامد على عتبة الخلاص، رافضاً الرفع الجدلي الذي يفتح الطريق أمام تحقق الروح المطلقة.

في نفس الاتجاه يمثل نيتشه حالة أكثر تعقيداً والتباساً؛ فهو من جهة يهاجم معادي السامية بعنف "أريد أن أقتل كل معادي السامية"، كما كتب في إحدى رسائله الأخيرة، ومن جهة أخرى يحمّل "اليهودية الكهنوتية" مسؤولية "ثورة العبيد في الأخلاق"، أي ذلك الانقلاب التاريخي الذي أحلّ قيم الضعف والاستياء محل القيم النبيلة الأرستقراطية. بحسب نيتشه، فإن اليهودية هي التي "زوّرت" الطبيعة، ثم صدّرت هذا التزوير إلى العالم عبر المسيحية، التي وصفها بأنها "يهودية للجماهير". هذا المفهوم عن "التزوير" سينتقل مباشرة إلى الخطاب النازي، ومنه إلى فلسفة هايدغر ذاتها حين يتحدث عن "الأكاذيب" اليهودية التي تحجب الوجود.

هذا الخط المتصل - من لوثر إلى كانط فهيجل فنيتشه - يكشف أن هايدغر لم يخترع معاداة السامية الفلسفية من العدم، بل ورث تقليداً ألمانياً عريقاً حوّل اليهودي، عبر قرون من التنظير، من "الآخر الديني" إلى "الآخر الأخلاقي" فـ"الآخر السياسي" فـ"الآخر الميتافيزيقي". وما فعله هايدغر هو أنه استكمل هذا المسار عبر ربط اليهودي بمفهومه الخاص عن "تاريخ الوجود"، فمنحه بذلك أعمق وأخطر تسويغ فلسفي عرفته معاداة السامية الحديثة.

البنية الميتافيزيقية لتصور هايدغر عن اليهودي

يقوم النسق الفلسفي الذي يبني عليه هايدغر تصوره عن اليهودي على ثلاثة مفاهيم مركزية متشابكة: انعدام الجذور، والمكائد أو التقنية، ونسيان الوجود.

وهنا يقيم هايدغر تعارضاً حاداً بين "التجذر " وهو حالة الشعب الذي يستمد أصالته من ارتباطه العضوي بالأرض واللغة والتربة، وبين "انعدام الجذور" الذي ينسبه لليهودي. فاليهودي، بوصفه شعباً بلا أرض ثابتة، محكوم عليه بحياة التيه والتشتت، وهو بذلك عاجز - بنيوياً لا عرضياً - عن بلوغ تلك "الأصالة" التي يشترطها هايدغر للوجود الحقيقي. هذا التصور مستمد جزئياً من فيرنر سومبارت، الذي قابل في كتابه "اليهود والرأسمالية الحديثة" بين "الغابة" الألمانية الرمزية للتجذر والانتماء، و"الصحراء" التي يُفترض أنها تشكّل الأفق الروحي لليهودية المرتحلة. غير أن هايدغر يرفع هذا التقابل الأنثروبولوجي-الاقتصادي إلى مستوى وجودي-تاريخي، فمن لا أرض له لا يمكنه أن "يسكن" الوجود بالمعنى الذي يقصده هايدغر حين يتحدث عن "السكنى الشعرية" للإنسان على الأرض.

لا حقا يطور هايدغر في الدفاتر السوداء مفهوم "الماكينشافت"، أي تلك القوة التي تخضع الكائنات لمنطق الحساب والاستغلال والهيمنة التقنية، والتي يعتبرها النتيجة القصوى لتاريخ الميتافيزيقا الغربي بأسره. والمفارقة الخطيرة هنا أن هايدغر يربط هذه القوة التقنية المدمرة تحديدا باليهودية، فيصفها بأنها "القوة اليهودية" التي، لكونها مجردة من الجذور والعمق، تنتشر أفقياً على سطح الكوكب، ناسجة علاقات المصلحة والحساب والتبادل بلا أي التزام تجاه الأرض أو التاريخ أو الوجود. وهكذا تتحول اليهودية، في هذا النسق، إلى الاسم الفلسفي لتلك القوة العدمية التي تُفرغ الوجود من معناه وتختزله في مجرد "مخزون احتياطي" قابل للاستغلال، وهو بالضبط المفهوم الذي سيستخدمه هايدغر لاحقاً، وبشكل صادم، لوصف ضحايا معسكرات الإبادة أنفسهم.

أما المفهوم الأخطر فهو ربط اليهودي بـ"نسيان الوجود"، وهو المفهوم المحوري في كل فلسفة هايدغر، والذي يصف به تاريخ الميتافيزيقا الغربية بأسره منذ أفلاطون، حين اختُزل الوجود إلى مجرد كائن من بين الكائنات وأُهملت مسألة الوجود بما هو وجود. في الدفاتر السوداء، لا يعود هايدغر يصف اليهودي بوصفه ضحية أو نتاجاً لهذا النسيان، بل يحمّله مسؤوليته المباشرة: فاليهودي هو من يقف حائلاً دون وصول "الشعب الألماني" - الذي يعتبره هايدغر الوريث الوحيد للبداية اليونانية والمهيّأ الوحيد لـ"البداية الأخرى" إلى استعادة السؤال عن الوجود. بهذا المعنى، لا يعود اليهودي مجرد أقلية دينية أو عرقية يمكن التسامح معها أو إقصاؤها سياسياً، بل يصبح "العدو الميتافيزيقي بامتياز، الكيان الذي يجسّد في ذاته نقيض كل ما يسعى إليه تاريخ الوجود من أصالة وبداية جديدة.

هذا التماسك البنيوي بين المفاهيم الثلاثة هو ما يجعل معاداة السامية عند هايدغر، كما تصفها دي تشيزاري "معاداة سامية ميتافيزيقية": فهي ليست موقفاً سياسياً عابراً يمكن فصله عن باقي فلسفته، بل هي نتيجة منطقية لتطبيق أدواته الفلسفية ذاتها (الأصالة، التجذر، تاريخ الوجود، نقد الميتافيزيقا) على "المسألة اليهودية".

مواجهة النص الأكثر إشكالية

إذا كان ما سبق يكفي وحده لإثارة أزمة فلسفية عميقة، فإن النص الذي يستحق أقصى درجات الجدية والحذر التأويلي هو ذلك المقطع من الدفاتر السوداء الذي كتبه هايدغر أثناء سنوات المحرقة ذاتها (بين 1939 و1941)، حيث يفسّر إبادة اليهود على أنها ما يسمّيه بـ"الإبادة الذاتية" الميتافيزيقية: أي أن اليهود، بوصفهم عملاء التقنية والميتافيزيقا، هم من "يبيدون أنفسهم" حين تبلغ سيطرتهم على العالم ذروتها التي تستدعي انقلابها الذاتي.

هذا التفسير، الذي كتبه هايدغر هو إعادة تأطير فلسفي للمحرقة، يُحمّل فيه اليهود مسؤولية إبادتهم، ويحوّل ما قامت به النازية إلى مجرد "لحظة" حتمية في تاريخ الوجود لا يتحمل الجاني فيها أي مسؤولية أخلاقية أو سياسية. وهذا ما يفسر أيضاً ما كان يُعتقد سابقاً أنه "صمت هايدغر" المطبق حيال المحرقة بعد الحرب - فهو لم يكن صمتاً فارغاً، بل تعبيراً عن موقف مكتوب ومتماسك، لم ير هايدغر يوماً حاجة للتراجع عنه.

وتزداد خطورة هذا الموقف حين نضعه إلى جانب رسالة هايدغر الشهيرة إلى تلميذه السابق هربرت ماركوزه Herbert Marcuse عام 1948، حين طالبه ماركوزه، وقد كان يهودياً مهاجراً، بالاعتراف العلني بجريمة إبادة اليهود. فأجاب هايدغر بأنه لو استبدل كلمة "اليهود" بكلمة "الألمان الشرقيين" (في إشارة إلى المرحّلين الألمان من أراضي أوروبا الشرقية بعد الحرب) لصح الكلام "بنفس القدر" على تصرفات الحلفاء.

القراءات النقدية المضادة

في مواجهة هذا الإرث الثقيل، نشأ تقليد فلسفي يهودي حاول أن يفكّك أدوات هايدغر ذاتها لينتج منها نقيضها. لا يسع هذا المقال إلا أن يستعرض أبرز هذه المحاولات بإيجاز:

إيمانويل ليفيناس، الذي كان تلميذاً لهايدغر قبل الحرب، أعاد صياغة السؤال الفلسفي كله بقلبه رأساً على عقب: فبدلاً من أن ينطلق التفكير من "الوجود" كأفق أول، اقترح ليفيناس أن الأخلاق، أي مواجهة "وجه الآخر" ومسؤوليتنا تجاهه - هي "الفلسفة الأولى" التي تسبق الأنطولوجيا. عبارته الشهيرة "وجود مختلف عن الوجود" هي رد مباشر وعميق على مركزية الوجود الهايدغرية التي أفضت، في نهاية المطاف، إلى إقصاء اليهودي بوصفه غريباً عن "تاريخ الوجود".

كما نجد جاك دريدا، من جهته، طوّر مفهوم "اليهودية" بوصفها استحالة بنيوية لتحقيق الهوية الذاتية الكاملة، وهو بذلك يقلب الاتهام الهيجلي-الهايدغري (اليهودي "بلا شيء"، "بلا جذور") ليجعل من هذا "النقص" ذاته شرطاً للانفتاح على الآخر وعلى العدالة، بدلاً من أن يكون علة للإقصاء.

هانس يوناس، تلميذ هايدغر الآخر الذي قاتل في الجيش البريطاني ضد ألمانيا النازية، وصف الحرب بأنها "حرب يهودية" بالمعنى الوجودي، إذ لم يكن اليهود فيها مهدَّدين في جزء من وجودهم كباقي الشعوب، بل في وجودهم بالمطلق - وهو ما ميّز، في نظره، خصوصية المحرقة عن أي إبادة جماعية أخرى، خلافاً لتسوية هايدغر المذكورة أعلاه.

هذه القراءات النقدية لا تكتفي بإدانة هايدغر أخلاقياً من الخارج، بل تحاول أن تبني من داخل الحوار الفلسفي معه وضده أنطولوجيا بديلة لا تقصي "الآخر" اليهودي بل تجعل من مواجهته أساساً للفلسفة ذاتها.

خاتمة

يبقى السؤال الذي طرحناه في المقدمة معلّقاً بلا حسم نهائي، هل تُسقط معاداة السامية الميتافيزيقية مشروع هايدغر الفلسفي بأكمله؟ ثمة من يذهب إلى القول - كما فعل إيمانويل فاي - بضرورة إخراج هايدغر من قاعة الفلسفة كلياً، بوصفه "مدخلاً للنازية إلى الفلسفة" لا أكثر. وثمة من يحاول، على النقيض، عزل "الوجود والزمان" (1927) عن الدفاتر السوداء اللاحقة، معتبراً أن هذا العمل المبكر لا يزال يحتفظ بقيمته الفلسفية المستقلة عن انحرافات صاحبه اللاحقة.

غير أن ما تكشفه الدفاتر السوداء يجعل هذا الفصل الأنيق أمراً بالغ الصعوبة، فإذا كانت المفاهيم المركزية في فلسفة هايدغر - الأصالة، التجذر، الوجود-من-أجل-الموت، تاريخ الوجود، نقد التقنية - هي ذاتها الأدوات التي استخدمها لبناء تصوره الإقصائي لليهودي، فإن أي قراءة "بريئة" لهذه المفاهيم تصبح مشكوكاً فيها سلفاً. لعل الموقف الأكثر نزاهة فلسفياً هو ذلك الذي تقترحه دي تشيزاري نفسها حين تصر على "قراءة نقدية" تأخذ كلا الجانبين على محمل الجد، الاعتراف بعمق الأسئلة الهايدغرية عن الوجود والتقنية والزمن من جهة، والمواجهة الصريحة غير المتهاونة مع الجذور الفلسفية العميقة لمعاداة السامية عنده من جهة أخرى، دون السماح لأي منهما بأن يبرر الآخر أو يمحوه.

***

عمرون علي – الجزائر

........................

هوامش

1. نُشرت الدفاتر السوداء ضمن الأعمال الكاملة لهايدغر في المجلدات 94 إلى 97، بإشراف بيتر تراوني (Peter Trawny)، عن دار Klostermann، فرانكفورت، ابتداءً من 2014.

2. حوار دير شبيغل أُجري مع هايدغر عام 1966 بعنوان "لم يعد بمقدور إلا إله أن يُنقذنا"، ولم يُنشر إلا في 31 مايو 1976، أي بعد وفاة هايدغر بأيام، تنفيذاً لشرطه.

3. مارتن لوثر، عن اليهود وأكاذيبهم،1543.

4. عمانويل كانط، الدين في حدود العقل وحده، 1793.

5. ج. و. ف. هيغل، روح المسيحية ومصيرها، كتابة 1798–1800، نُشر لاحقاً بعد وفاته.

6. فيرنر سومبارت، اليهود والرأسمالية الحديثة، 1911.

7. إيمانويل ليفيناس، الوجود بخلاف الماهية أو ما وراء الجوهر 1974.

8. رسالة هايدغر إلى هربرت ماركوزه، 20 يناير 1948، منشورة ضمن مراسلاتهما المتبادلة (1947–1948)، وترد ترجمتها الإنجليزية في عدة دراسات نقدية عن العلاقة بين هايدغر والمدرسة النقدية.

مدخل: ليس الأدب مجرد زينةٍ للفكر، ولا هو ملحقٌ لطيفٌ يجاوره من بعيد، بل هو المجال الذي يختبر فيه الفيلسوف حدود يقينه، عندما يدخل الفكر إلى الأدب، لا يدخل إلى فضاءٍ مريح، بل إلى منطقةٍ تكشف أن الحقيقة لا تُعطى في صورة واحدة، وأن الإنسان أعقد من أن يُختزل في تعريف، وأن اللغة نفسها ليست أداةً شفافة بقدر ما هي كائنٌ حيّ، مراوغ، ومفتوح على أكثر من معنى..

 لهذا ظلّ الأدب بالنسبة إلى الفلسفة سؤالًا لا ينتهي، هل يكشف عن العالم أم يربكنا فيه؟ هل يضيء الوجود أم يضاعف غموضه؟ وهل الفلسفة، حين تقرأ الأدب، تفسّر نصًا فقط، أم تكتشف في النص ما يعجز خطابها عن قوله؟ من هنا تبدأ المغامرة الفكرية الحقيقية، عندما يدرك الفيلسوف أن الأدب لا يجمّل الحقيقة، بل يعرّيها، ولا يقدّمها مطمئنة، بل يضعها في حالتها الأكثر حيوية وقلقًا وانفتاحًا على التأويل.

فمنذ أفلاطون، ارتبط الأدب بسؤال الحقيقة والتمثيل، وكأن الفلسفة كانت تختبره بقدر ما كانت تخشاه، ثم جاء أرسطو ليحوّل هذا التوتر إلى فهمٍ أعمق لطبيعة العمل الأدبي، بوصفه بناءً يشتغل على الفعل والاحتمال والانفعال لا على النقل الحرفي للواقع. ومع نيتشه صار الأدب أقرب إلى قلب الفلسفة من هامشها؛ إذ كشف أن اللغة ذاتها ليست وعاءً شفافًا، بل قوةً خالقة للمنظور، وأن الحقيقة لا تُمنح دفعة واحدة، بل تُصاغ في أساليب القول. بينما هايدغر فقد رفع الشعر إلى مقام الانكشاف، كأن الوجود لا يُفهم كاملًا إلا حين يصغي الفكر إلى ما تقوله القصيدة..

بينما دريدا يؤكد أن النصوص الفلسفية والأدبية معًا لا تقيم خارج البلاغة، وأن كل قراءة هي دخول في شبكة من الأثر والاختلاف والتأجيل.

 الفيلسوف لا يفكر في الأدب بوصفه ترفًا جماليًا أو ملحقًا ثانويًا للمعرفة، بل بوصفه إحدى الصيغ التي يتشكل فيها فهم الإنسان لذاته وعالمه.. فالأدب ليس مجرد كلام جميل، وإنما طريقة في إظهار التجربة وهي تتكثف في لغة، وتتحول إلى صورة، وتكتسب معنى يتجاوز العبارة المباشرة، حتى صارت العلاقة بين الفلسفة والأدب علاقة قديمة ومتوترة في آن، توترٌ بدأ مع أفلاطون، ومرّ بأرسطو، واشتد مع نيتشه، ثم صار أكثر عمقًا مع هايدغر ودريدا..

الأسئلة الخمسة

لعل أول ما يشغل الفيلسوف في الأدب هو سؤال الحقيقة، فالأدب، منذ البدايات، وُضع في مواجهة الحقيقة أحيانًا، أو على الأقل في مواجهة تعريفها الضيق، عندك أفلاطون الذي رأى في الشعر محاكاةً قد تُبعد النفس عن الأصل، لكنه في الوقت نفسه لم يستطع أن يستغني عن الأسطورة والحوار والمشهد، لأن الفلسفة نفسها احتاجت إلى شكل سردي لكي تقول ما تريد قوله.. في حين أرسطو، فقد حرّر الأدب من موضع التهمة، حين فهمه باعتباره فعلًا له منطق داخلي، لا مجرد نسخ للواقع.

فمنذ ذلك الحين صار الأدب يُنظر إليه لا باعتباره نقيض الحقيقة، بل باعتباره أحد طرق بلوغها، خاصة حين تتعلق الحقيقة بالتجربة الإنسانية لا بالصيغة المنطقية المجردة.

ثم يأتي سؤال اللغة، فالفيلسوف لا يرى في اللغة وعاءًا محايدًا، بل قوةً تصنع المعنى وتشكله، إذ الأدب يفضح هذه الحقيقة بوضوح، لأنه يكشف أن الكلمات ليست مجرد أدوات تسمية، بل حقول توتر وإيحاء وانزياح.. هنا يلتقي التفكير الفلسفي الحديث مع الأدب لدى نيتشه الذي هاجم وهم الشفافية اللغوية، ثم عند هايدغر الذي رأى أن اللغة ليست أداة خارجية بل موطنًا للوجود، وكذا دريدا الذي أظهر أن كل نص يحمل داخله أثرًا من البلاغة والاختلاف والتأجيل. الأدب، بهذا المعنى، لا يعلّم الفيلسوف كيف يكتب فحسب، بل يعلّمه أن المعنى نفسه لا يستقرّ في صياغة واحدة نهائية..

ولدينا كذلك سؤال الخيال، وهو من أهم ما يلتفت إليه الفيلسوف في الأدب، حيث الخيال ليس هروبًا من الواقع، بل وسيلة لإعادة تنظيمه وفهم إمكاناته، كون الأدب يشتغل على ما يمكن أن يكون، لا على ما كان فقط، ولذلك فهو يفتح أفقًا للمعنى لا توفره المعرفة التجريبية وحدها، ضمن هذا السياق يكتسب السرد قيمة فلسفية، لأنه لا يصف الحدث بوصفه واقعة فقط، بل يعيد تشكيله في صورة يمكن للوعي أن يفهمها.. لذلك درست الفلسفة الحديثة الخيال لا كملكة ثانوية، بل كعنصر أساسي في المعرفة والتأويل وبناء التجربة..

وأعمق من ذلك كله هو سؤال الزمن، فالأدب يفكر في الزمن بطريقة لا تشبه العلم أو التاريخ أو الفلسفة المجردة، كونه يجعل الزمن محسوسًا: زمن الانتظار، والذكرى، والانقطاع، والتكرار، والندم، والتحول، في الرواية والاعتراف واليوميات، لا يكون الزمن خطًا فقط، بل تجربة معيشة تُعاد صياغتها في السرد، لهذا أضحى السرد، في كثير من الدراسات الفلسفية، وسيلةً لفهم الزمن الإنساني نفسه، لأن الإنسان لا يعيش الزمن كتعاقب مجرد، بل كخبرة تُنظَّم داخل قصة عن الذات والعالم..

ثم نصل إلى سؤال الذات، فالأدب من أقدر الأشكال على كشف تشظّي الأنا، وتبدلها، وتكوّنها عبر التجربة، لأن الفيلسوف يهتم بالذات بوصفها موضوعًا للإدراك، لكن الأدب يُريه الذات بوصفها كائنًا يتشكل في الحركة، والذاكرة، والعلاقة، والصراع الداخلي.. مما جعل الرواية، على وجه الخصوص، مختبرًا فلسفيًا ممتازًا، لأنها تُظهر الذات وهي تصنع نفسها عبر الحكاية، وقد اتسع هذا المنظور مع فلسفات الهوية السردية التي ترى أن الإنسان لا يكتشف نفسه إلا من خلال القصة التي يرويها عن حياته أو تُروى عنه..

بهذه الطبقات الخمس، يتحدد تفكير الفيلسوف في الأدب: فهو يسأل كيف يكشف النص عن الحقيقة، وكيف تعمل اللغة، وكيف يشتغل الخيال، وكيف يُعاش الزمن، وكيف تتشكل الذات، لكن هذه الأسئلة كلها تفضي في النهاية إلى نقطة مركزية واحدة، الأدب ليس مجرد موضوع للتأمل الفلسفي، بل شكل من أشكال التفكير ذاته، كونه يضع المعنى في حركة، ويجعل الوعي يختبر حدوده، ويمنح الحقيقة بعدًا إنسانيًا محسوسًا لا يتحقق في الجملة النظرية وحدها..

إذا أردنا أن نرى هذه الأسئلة الخمسة متجسدة في تراث ذي نفس فلسفي، وجدنا أنها تظهر منذ النصوص القديمة في صور مختلفة: عند أفلاطون في الحوار الذي يحوّل الفكرة إلى مشهد؛ وعند أرسطو في تحليل التراجيديا بوصفها فهمًا للفعل الإنساني؛ وعند أوغسطين في الاعترافات حيث تتحول الذات إلى سؤال عن الزمن والذاكرة والخطيئة؛ وعند ابن طفيل في حي بن يقظان حيث تتداخل الحكاية مع المعرفة والتأمل في نشأة الوعي؛ وعند المعري في شعره الذي يجعل الشكّ وجودًا لغويًا؛ وعند المتصوفة، من ابن عربي إلى جلال الدين الرومي، حيث يصبح الرمز والخيال لغةً للبحث عن المطلق، وفي العصر الحديث تتجدد الأسئلة نفسها مع كافكا وبورخيس وكالفينو وكامو، ثم في الكتابات التي جعلت السرد مختبرًا للهوية والعبث والمعنى، حتى صرنا أمام تراثٍ متصل يثبت أن الأدب لم يكن يومًا بعيدًا عن الفلسفة، بل كان في كثير من الأحيان الطريق الأكثر حساسية لقول ما تعجز المصطلحات عن احتوائه.

بالتالي، من هذه الزاوية، لا يعود السؤال الأساسي في المقال مجرد: كيف يفكر الفيلسوف في الأدب؟ بل: كيف يظل الأدب، عبر العصور، الشكل الذي يذكّر الفلسفة بأن الحقيقة لا تُرى من جهة واحدة، وأن الإنسان لا يُفهم إلا وهو يُروى؟ وهذا ما سنسلط الضوء عليه في المقالة القادمة- بإذن الله تعالى- عبر سؤال أكثر تركيزا: كيف يفكر الفيلسوف داخل الرواية؟

(يتبع)

***

مراد غريبي

 

في العصر الذي تمضي فيه مشاريع الذكاء الاصطناعي في انتاج آلة تفوق قابلية الإنسان من حيث قدرات حفظ البيانات والمعلومات وسرعة وسهولة استحضارها، والقدرة على حل المعادلات الصعبة والعمليات الحسابية المعقدة، فإن ابلغ درس في الوعي يمكن ان يقدّمه المثقف والباحث الاكاديمي هو ان يفكر باستمرار في حث الفرد والمجتمع على الإبداع من خلال إثارة ملكة الإنسانية. فبالإنسانية يدرك مستخدم التقنية الذكية، المعنى الحقيقي لحريته وبإدراكه لهذا المعنى الحقيقي سيدرك معنى المسؤولية الاخلاقية والادبية والعلمية، وبهذا الإدراك سيتمكن من تحرير نفسه وتحرير مجتمعه وتحرير عالمه من التفاهة التي قد تتسرب اليه من بعض التطبيقات الالكترونية، التي تخاطب فيه المتعة والراحة واللذة، هذه الصفات التي تطرب لها النفس البشرية، فمثلما يشكل التكوين البيولوجي للجسم محورا للتوجهات الجاذبة للـ (ميديا)، فعلى الباحث الأكاديمي الذي يتحرك في بحثه من منطلق الحس الثقافي الانساني المسؤول أن يفتش عن السبل التي يمكنه من خلالها إعادة هيكلة التكوين الانساني في ضوء الاهتمام البيولوجي الطبيعي. لقد اصبح مستخدم التقنية الذكية يعلم كيف يدار العالم وكيف تسير الامور من حوله، لكنه قد لا يعلم كيف يحافظ على انسانيته في هكذا مناخ يفرض نفسه عالمياً، لذا بدا لنا ان البحث في ايجاد علاقة ثقافية بين الفلسفة والتكنلوجيا والانثروبولوجيا والتاريخ، يمكنها ان تسهم في احداث توازن في جوانب شخصية الفرد النفسية والعقلية والسلوكية والاخلاقية والعاطفية، لاعتقادنا ان حالة التوازن هذه سيرافقها حالة مصالحة مع النفس وهي غاية ما يحتاجه كثير من مستخدمي التقنية اليوم لكي لا يصبحوا مجرد مستهلكين لمنتجات شركات التقنية الرقمية، الأمر الذي يحوّلهم بالتدريج الى مستهلكين (بفتح اللام). انه امر ممكن التحقيق لأن بنية الناس الطبيعية لا تزال محتفظة بالانسانية وهي مادة خام اساسية ومعدن مقاوم للتلف اذا وجد من يعتني به.

الفلسفة

من تعريفات الفلسفة المعاصرة التي اراها قريبة جداً من لغة العصر وروحه، ما تناوله الدكتور حسام الدين الآلوسي في كتابه (دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي) حيث يقول (تعني الفلسفة، حسب اشمل تعريف لها واكثره قبولاً عندنا: انها نظرة الى العالم، وشكل من اشكال معرفة الواقع، الذي هو الإنسان والمجتمع والطبيعة، وهي موقف يعكس الوعي الاجتماعي الى جانب الاشكال الأخرى التي يتمظهر فيها هذا الوعي الإجتماعي، وباعتبارها موقفاً إجتماعياً فهي ذات بعد ايديولوجي يعبر عن المصالح المادية للطبقات المختلفة. وللتبسيط نقول ان الفلسفة موقف، سواء كان ها الموقف عن إدراك ووعي او لم يكن، فموقف الإنسان الأول الذي يقدم القرابين للآلهة ويعتقد بوجود ارواح معينة، وحياة اخرى، هو موقف فلسفي بها المعنى او ذاك، وكذلك موقف المؤمن العادي الذي لم يتجاوز مرحلة "التقليي" في اعتقاداته خالية من البراهين والأدلة العقلية، هو موقف فلسفي بها المعنى او ذاك... على ان للفلسفة معنى أدق وهو انها التفكير الحر المنظم والمتناسق والواعي..) (1)

وفي كتابه (الفلسفة والانسان) يقول الدكتور الآلوسي (ان الفلسفة موجودة في أي مجتمع في الأقل منذ بضعة آلاف من السنين، موجودة في الفرد بأي درجة من الوعي أو عدم الوعي، وموجودة في المجتمع بشكلين بشكل وعي منظم وبشكل شعبي اعتيادي يفصح عنه مجموع ما تواضع عليه المجتمع او فئات منه، وفي التقاليد ومختلف اشكال الشعور والتفكير والعمل لدى الجماعة...) (2)

 ما حاجتنا الى الفلسفة في عصر التقنية الذكية؟

من خلال التعريف السهل المبسط الذي قدّمه الدكتور حسام الدين الآلوسي للفلسفة، وفي ضوء الواقع الحياتي الذي نعيشه اليوم في ظل التطور العلمي والتقني المتسارع، حيث عصر التقنية الرقمية، والشاشات الملونة، ومشاريع الذكاء الإصطناعي، ومستقبل التطبيقات الذكية، التي باتت بشكل او بآخر ضرورة حياتية ملحة، لا غنى لديمومة الحياة عن استخدامها.

وحيث يذهب المشتغلون في مشاريع الذكاء الاصطناعي الى ان العمل جار على تطوير هذه التطبيقات الذكية، كي تخاطب حاجات النفس البشرية وميولها عند مستخدميها، بحيث يجد المستخدم اجابات سريعة ومفصلة لكل اسئلته التي سيوجهها للذكاء الاصطناعي في كل مجالات حياته وشؤونه الخاصة.

نعتقد ان هذا الجانب الإيجابي من التطور العلمي التقني، يمكنه ان ينطوي على خطر يكمن في اعتياد مستخدم التطبيقات الذكية على ادمان حضورها المتواصل في حياته الى الحد الي لا يجد معه ضرورة او حاجة الى ان يفكر فيما حوله وفي شؤون حياته، ما دامت تطبيقات الذكاء الاصطناعي مستعدة لتقديم الحلول المقبولة. ونشير هنا الى ان الذكاء الاصطناعي يقدم حلولاً مقبولة، وهذا لا يعني بالضرورة انها حلول منطقية، او انها حلول لا تتقاطع مع منظومة القيم والاخلاق والدين. لذا نعتقد ان ثمة خطر يمكنه ان يهدّد سلامة استمرار واستقرار الحياة الانسانية، وقد يشكل هذا الخطر تهديداً حقيقياً لمنظومة القيم الحضارية للانسانية، من شأن هذا الخطر ان يطال الإبداع كميزة انسانية بحتة، بتهديده بالتحول الى تقليد وتطبيق اجتماعي تقترحه وتقرره التقنية الرقيمة الذكية لمستخدمها، فإذا تعطل أو أهمل الجانب الإبداعي في الانسان، اصبح الانسان كتلة بشرية، هو اقرب الى الآلة الذكية منه الى الإنسان الحي المبدع المفكر. واذا اصبح الانسان كتلة بشرية، تحوّل المجتمع الى تجمعات بشرية فاقدة للانسانية او تفتقر اليها، عندها تستحيل الحياة الى روتين لا بد منه، والاستمرار في هذه الحياة يصبح مرهوناً بدرجة تفاعل تلك الكتلة البشرية مع منتجات شركات التقنية الرقمية، فالتسوق سيضحى ميزة حياتية، وستصبح كثرة الاستهلاك مؤشراً حياتياً. عندها سيمكن تعليب المشاعر وتسطيح العقول، وفرض الفردية كحل للتخلص من الحاح الضمير على تفعيل الشعور بالمسؤولية. من كل ها نجد اننا في حاجة ماسة الى علم وضعي يمكنه ان يحول دون تفاقم الأمور الى ما تحمله الرؤى الواقعية والمستقبلية الينا، وفيما يلي جانب من بحث شاركت به في مؤتمر اقامته جامعة فردوسي في مدينة مشهد الايرانية في 2026م، عرضت فيه فكرة تأسيس علم جديد يقوم على صياغة علاقة علمية بين الفلسفة والثقافة والانثروبولوجيا والتكنلوجيا والتاريخ.

الفلسفة والانثروبولوجيا

الانثروبولوجيا – علم الانسان – علم يعنى بدراسة كل ما له علاقة بطبيعة المجتمعات البشرية، ويتناول تأثير اللغة في الانسان، وتأثير الدين، ويأخذ في نظر الاعتبار العادات والثقافات والتقاليد، فضلاً عن اشتغاله على الجانب البيولوجي لجسم الانسان، فهو علم يدرس الإنسان ويدرس ثقافة عصره.

وهو اصطلاح يوناني من مقطعين (انثروبو) وتعني انسان، و(لوجك) وتعني علم، ظهر منذ قرنين تقريباً، اخذ شكله كعلم مختص في الجامعات في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتطور ليشمل مجالات اجتماعية وثقافية وفيزيائية، وما يهمنا في هذا البحث هو الانثروبولوجيا الثقافية الاجتماعية التي تعنى بدراسة سلوك الناس وعاداتهم وتفاعلاتهم مع ثقافة العصر الذي يعيشونه. يقوم البحث الانثروبولوجي على معايشة واقع الحال وتدوين الاحداث كما هي بتفاصيلها، ثم تليها مرحلة عرض تلك التفاصيل على التأمل والتفكير والتحليل بغية الخروج بنتائج تخدم تطوير طريقة او طرق الحياة وتحسين الأداء وتجنب المشاكل والمعوقات التي حصلت. هدف الانثروبولوجيا هو الانسان، كما ان هدف الفلسفة هو الانسان، واذا اضفنا اليهما الثقافة كمفهوم انثروبولوجي، تهيأ لدينا مستلزمات علم وضعي جديد يجمع بين الفلسفة كنظرية والبحث العلمي الانثرولوجي كتطبيق، هدفه انساني بالمفهوم المتوارث لمعنى الانسانية في التاريخ والكتب السماوية، وهذا العلم الوضعي قد يساعدنا في تحقيق توازن لصالح قيمة الانسانية في عصر الآلات الرقمية الذكية، بحيث لا تتحول علاقة الانسان بالآلة الذكية الى عبء او قلق او ضرورة الزامية، بقدر ما نريد لها ان تصبح علاقة ثقافية واعية، واقعية، تواصلية، تكاملية تطورية.

تأتي العلاقة بين الفلسفة والانثروبولوجيا من حيث الهدف وطريق البحث، فالانسان هدفهما، تحاول ان تصل اليه الفلسفة عن طريق الاستفهام الـنظري والتأمل، وتحاول الانثروبولوجية ان تصل اليه عن طريق الاستفهام العلمي والعملي، فالانثروبولوجيا تثير اسئلة من قبيل: لماذا يدمن مستخدم الموبايل على استعمال التطبيقات الذكية، ولماذا تجذبه الشاشات الملونة ومواقع التواصل الاجتماعي، لماذا لم يعد تفاعل الفرد مع الكتاب الورقي كتفاعله مع المنشور الالكتروني، لماذا تتفوق دول على غيرها في انتاج التقنية الرقمية، لماذا تتراجع بعض المجتمعات مع انها تعيش في ظل عصر يتطور علمياً وصناعياً واقتصادياً وبتسارع كبير. كما ان الفلسفة تتساءل عن مصير الانسان في ظل هذا التطور العلمي التقني وتتساءل عن مكانته وقيمته امام الحاسوب الذكي.

الفلسفة والتكنلوجيا

في كتابه (الآلة قوة وسلطة) يقول المختص بتاريخ التكنلوجيا آر إيه بوكانان (التكنلوجيا حديث عن الماكينات والعمليات مثلما هو حديث عن الناس، وهي معنية بشكل خاص بالنتائج المباشرة وطويلة المدى المترتبة على العلاقات بين الماكينات والعمليات من ناحية والناس في المجتمع من ناحية اخرى) (3)

مع استخدام التقنية البدائية حيث الاعتماد على طاقة المياه والخشب في تسيير شؤون الحياة اليومية، بدأت التكنلوجيا بدراسة تاريخ التقنية. بقيت هذه التقنية سائدة حتى القرن الثامن عشر الى ان جاءت تقنية الفحم والحديد، التي استمرت حتى نهاية القرن التاسع عشر. بعدها جاءت تقنية محركات الاحتراق الداخلي والكهرباء وصولا الى تقنية الذكاء الاصطناعي التي تعتمد على البيانات.

ميزة هذا العصر انه عصر تدفق هائل للبيانات والمعلومات، وهو عصر التطور المتسارع قياساً بالقرون الماضية. لهذه الميزة بعدان، بعد ايجابي يتمثل في تحفيز الانسان على تطوير مهاراته وقدراته بالاعتماد على الخدمات الوفيرة التي تتيحها تكنلوجيا المعلومات والتقنيات الذكية التي من شأنها ان توفر مساحة ابداع كبيرة كانت بالأمس مرهونة بالظروف والإمكانات والقدرات المالية والعلمية.

البعد الثاني لميزة هذا العصر هو البعد السلبي المتمثل بتوظيف هذه التقنية الذكية وهذا التدفق الهائل للبيانات والمعلومات في تسخير اكبر عدد ممكن من المستخدمين وتوظيفهم عبر وسائل التواصل وتطبيقات الانترنت لتحويلهم الى مستهلكين ومستخدمين دائميين حد الإدمان على الشاشة، من شأن هذا النوع من الإدمان ان يبطء نمو القدرات البشرية على التفكير الذاتي، وعلى الابداع، وعلى النقد الذاتي، فيصبح المستخدم جزءا من التقنية التي يستخدمها، الأمر الذي يخشى منه ان يؤثر في شخصية مستخدم التقنية بحيث تتمكن شركات انتاج رقمي وحكومات عالمية من توظيف وفرة البيانات في إعادة هيكلة التكوين الثقافي للمستخدم بإتجاه يخدم مشاريع مثل أمركة العالم ثقافياً، ومشاريع شرق اوسط جديد، ومشاريع الديانة الابراهيمية وممر داود، وغيرها من المشاريع التي تصب في صالح هيمنة النظام العالمي على القرار السياسي والسيادي حول العالم من خلال التطوير المستمر لتقنيات الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق التي تعيد انتاج التاريخ بأحداث ووقائع مزيفة ينقله اشخاص حقيقيون. من هنا جاءت فكرة هذا البحث، من اجل تمكين مستخدم التقنية الذكية ثقافياً بحيث يصبح قادراً على معرفة ما هو مزيف مما هو حقيقي، فقد أشارت توقعات الى ان العام 2030 سيشهد تطويراً في تقنية الذكاء الاصطناعي يمكن معه تزييف 90% من مقاطع الفديو المنشورة على شبكة الانترنت، وهذا يعني ان الجيل القادم سيتعذر عليه التمييز بين المزيف والحقيقي مما يشاهدونه، يشكل هذا التوقع خطراً على مستقبل الجيل القادم وعلى الحياة الانسانية، لذا نجد ان التوصل الى صياغة حديثة للعلاقة بين الفلسفة والتكنلوجية في ضوء الانثروبولوجيا سيعطينا امكانية تشكيل ثقافة وعي كافية لتكوين قاعدة عمل جماعي بدافع الحفاظ على الانسانية والابداع والحرية الحقيقية.  

الفلسفة والتاريخ

تنطلق علاقة الفلسفة بالتاريخ في عصر الذكاء الاصطناعي من الاستفهام المستقبلي: من سيكتب التاريخ في عصر الالات الذكية؟

في جواب هذا الاستفهام تدخل ثنائية الانسان والآلة كمحور اساسي في الوصول الى نتيجة تضمن سلامة التاريخ من محاولات إعادة كتابته م قبل الآلة على وفق اجندات بشرية تخدم سوق المال والأعمال في مجال التقنية وتكنلوجيا المعلومات على حساب انسانية الانسان.

بدخول الفلسفة مع تاريخ التكنلوجيا وتاريخ الثقافة، في صياغة معاصرة سيتمكن مستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي من ان يضع نصب عينيه كل الاحتمالات الواردة بشأن الحاضر والمستقبل اذا تدخلت الآلة الذكية في إعطاء اجوبة لكل اسئلة مستخدميها الذين يتحولون الى مستفيدين تابعين معتمدين اعتماداً كلياً على شبكة المعلومات الالكترونية كمصدر لمعلوماتهم وثقافاتهم، وتأتي الحاجة الى وجود الفلسفة في علاقة صداقة مع التاريخ في عصر الذكاء الاصطناعي من خلال الفارق الكبير الذي احدثه عصر التقنية بين البلدان المنتجة لهذه التقنية وبين البلدان المستهلكة لها. فمن المثقفين المعاصرين من وجد ضرورة الحاجة الى اعادى قراءة تاريخ بلدانهم القديم، من اجل اعادة كتابته من جديد بادوات العصر التقني الذكية، لإعتقادهم ان الطريقة التي عليها التاريخ الآن غير قادرة على منح حاضر المجتمع فرصة استيعاب التطور التقني المتسارع، مما يجعل المجتمع متأخراً. لكي لا يصبح جيل المستقبل أمام مصادر الكترونية لا بديل عنها بعد هجر الكتاب والقراءة والمصادر الاصلية الرصينة وبعد الاعتماد كلياً على ما توفره التقنية الرقمية من نسخ من تلك المصادر الرصينة التي لن يكون بوسعهم معرفة مدى مطابقتها لحقيقة ما في المصادر الاصلية، ولكي لا يسهم التدوين الرقمي للتاريخ في تغيير، او تشويه، او تحوير، او اختلاق احداث والباسها جلباب الحقيقة، فإن دور الفلسفة يأتي مهماً في كشف ذلك عن طريق التقاء استفهاماتها مع استفهامات التكنلوجيا في سياق انثروبولوجي ثقافي.  

الفلسفة والثقافة

تأتي دعوة النظر الى الفلسفة كثقافة ضرورية في عصر الذكاء الاصطناعي من حيث بدأت الآلة بالتفكير الرقمي، واخذت تحمل صفة الذكاء الاصطناعي. هنا يصبح من الضروري على البحث العلمي الذي يتمحور حول انسانية الانسان ان يبحث عن صناعة جديدة يقابل بها صناعة الآلة الذكية. هذه الصناعة هي صناعة الوعي. الوعي بنوعيه التلقائي والموضوعي يحتاج الى استفهامات تحرك منظومة التفكير من اجل انتاج فكرة جديدة، يتحقق ذلك في تقديرنا من خلال العلم الوضعي الجديد الذي تحاول اوراق هذا البحث ان تكون مقدمة له.

العلاقة بين الفلسفة والثقافة علاقة مترابطة، محورها الإنسان والطبيعة. فإذا كانت الثقافة بحكم اسبقيتها التاريخية على الفلسفة، قد بدأت مع حياة الإنسان الطبيعية، فيمكن القول ان الفلسفة بدأت مع حياة الانسان المعرفية.. واذا كان للثقافة نصيبها الكبير في التعبير عن الواقع، فإن للفلسفة نصيب كبير في تغيير ذلك الواقع. فالثقافة تهيئ للفلسفة أدوات عملها، والفلسفة بدورها تطور اداوت الثقافة. ولعلي استطيع القول ان الفيلسوف مثقف بالضرورة، والمثقف فيلسوف بالصيرورة.

اذن جميع الناس فلاسفة على اختلاف درجات وعيهم، وجميع الانثروبولوجيين يبحثون في هدف هؤلاء الفلاسفة وهو الإنسان، والتكنلوجيا تدرس تاريخ انتاج الانسان للتقنية، وكل هذه الميادين تستخدم في معاملها ومعاملاتها ادوات الاستفهام: من، متى، لماذا، كيف.. هكذا يمكننا ان نقيم صناعة وعي تتيح للمجتمعات المتقدمة وعي مصيرها في ظل التطور المتواصل لتقنية الذكاء الاصطناعي التي تنتجها بالاضافة الى ما يمكن ان يخفيه مستقبلها من مفاجآت ضارة وسارة. وتتيح صناعة الوعي للمجتمعات المتأخرة وعي مصيرها في ظل حاجتها المستمرة لمخرجات تطور الدول المتقدمة، فقد يكون من المعقول قبول مهندس متفوق في مجال الذكاء الاصطناعي، لكن من غير المعقول قبول مثقف واعي لا يعيش الفلسفة وهو يستخدم هذه التقنية الذكية. وقد يكون من البديهي ان نجد طبياً يجيد استخدام الروبوت الذكي في صالة العمليات، لكن من غير البديهي ان نجد طبيباً يعطل تفكيره الفلسفي الفطري بالاعتماد على ذكاء الآلة.

 نتائج وتوصيات

اولاً: جعل التفكير الفلسفي جزءاً من السلوك الاجتماعي للفرد الاعتيادي.

ثانياً: ادخال الفلسفة كنقاش استفهامي يرمي الى إثارة التفكير النقدي بدلاً عن الاستفزاز أو الاستفهام بهدف التفاهة، ويمكن توظيف ذلك في وسائل الإعلام وتدريب مقدمي البرامج وصنّاع المحتوى ومعدّي برامج (البود كاست) والمقاطع المصورة.

ثالثاً: ربط الفلسفة بمشكلات الواقع الحياتي للناس من خلال حثهم على الاستفهام والاستعلام عن معاني الحياة والسعادة والعدالة والحرية والنجاح. 

رابعاً: منح مستخدم التطبيقات الذكية شعوراً إيجابياً بسمو النفس وقدرتها على مجاراة تطور الآلة الذكية.

خامساً: جعل الفلسفة قوة اخلاقية معيارية داخل الثقافة.

سادساً: تقليل الضغط النفسي الذي يتعرض له الفرد جرّاء سعيه الحثيث المتواصل لتلبية احتياجاته الحياتية التي يرتفع سقفها، من مأكل وملبس ومسكن ومعيشة واسرة، بحيث تدخل الفلسفة كعامل تخفيف حدّة الاضطراب والزدواجية التي يمكن ان تصيب الفرد

سابعاً: تحويل الفلسفة الى بنية ذهنية للثقافة، لا الى مجرد مادة دراسية.  

ثامناً: دعم الترجمة والنشر الفلسفي الميسر مع شروحات توضح علاقة واقع المجتمع بالفكر العالمي.  

تاسعاً: تحفيز البحث العلمي على انتاج نصوص موجهة لعموم الناس، لا للنخب فقط كما هو الحال.  

عاشراً: توسيع مساحة عمل المثقف العضوي في المجتمع من اجل تمكين المجتمع ثقافياً وتأهيل ارضية متينة للعمل الجماعي.

أحد عشر: تعزيز ثقة مستخدم التقنية الذكية بنفسه بمنحه شعوراً متواصلاً بالاستقلالية الفكرية والحرية المسؤولة والهوية الشخصية.  

ثاني عشر: بهذا لن تكون الفلسفة بديلاً، لكنها ستكون اداة مؤثرة وفاعلة في تنظيم علاقة العقل العضوي بانسانية الانسان، لكي لا تتأثر الحاجة الضرورية لعلاقة الفرد بالحاسوب الذكي بالاتجاه الذي يضفي صفة الرقمنة البعيدة عن الانسنة.  

ثالث عشر: تحويل الفلسفة من معرفة نظرية الى ممارسة ثقافية من حق الجميع التمتع بها.

رابع عشر: تنمية مهارات التفكير الطبيعي في الوسط الجامعي والتعليمي عموماً عبر التحفيز على الابداع بصفته حاجة اجتماعية ضرورية.

 خامس عشر: اعداد برامج تعليمية اعلامية ومناهج دراسية ثقافية مكملة للمناهج التعليمية المقررة في المدارس، على سبيل المثال منهج (التربية الإنسانية) لطلبة المدارس، ومنهج (الثقافة الانسانية) لطلبة الجامعات.

 سادس عشر: انشاء مراكز ابحاث فكرية وفلسفية تعنى بتوظيف الدراسات الانثروبولوجية في الثقافة الاجتماعية.

سابع عشر: ارتفاع معدل الوعي الثقافي في لغة الحوار مما ينتج عنه ظهور بارز لسلوك الاحترام المتبادل في النقاشات الاجتماعية والثقافية والعلمية.

ثامن عشر: تدخل الفلسفة كقوة باعثة ومحركة للوعي الذاتي عند مستخدمي التقنية الذكية.

  ***

د. عدي عدنان البلداوي

.....................

1- الآلوسي، د. حسام الدين - دراسات في الفكر الفلسفي الاسلامي، ص47، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1992م

2- الألوسي، د. حسام الدين، الفلسفة والانسان، دار الحكمة، بغداد 1990م، ص185

3- آر إيه بوكانان، الآلة قوة وسلطة، ترجمة شوقي جلال، مؤسسة هنداوي، 2023م، ص

ثمة نوع من النقد يبدأ بالفلسفة وينتهي بشيء آخر. يدخل من باب المفاهيم ويخرج من باب الشخص. يستشهد بكانط وسقراط وأرسطو، ثم يستخدمهم لتشريح من كتبها، بدل فحص الفكرة. هذا النوع من الخطاب ظاهرة تستحق الرصد بعيداً عن أي نص بعينه أو حادثة بذاتها، لأنها ليست استثناء فرديا، بل نمط متكرر في تاريخ الحوار الفكري، يظهر في كل حقبة بلباس جديد وبنفس الحركة الجوهرية: أن تجعل من الفلسفة سلاحا في مواجهة من يكتبها بدلا من أن تجعل منها مرآة يقف الجميع أمامها.

المفارقة المركزية في هذا النمط النقدي، أنه يستعير لغة الفلسفة وأدواتها ليقول شيئا يأباه جوهر الفلسفة: أن من يكتب عن الحرية ينبغي أن يُثبت حريته بسيرته، والكاتب عن الصدق عليه إثبات صدقه بسلوكه الخاص، وإلا فإن كتابته مجرد قناع أنيق يخفي وهما أعمق. وهذا الشرط، لو طُبِّق بالاتساق الذي يطالب به أصحابه، ببساطة يعني أن الفلسفة لا يحق لها أن تُكتب إلا من قِبَل القديسين. وحين لا يكون القديسون متاحين، وهم ليسوا كذلك أبدا، يتحول هذا الشرط إلى أداة تصفية لا أداة نقد.

كانط لم يضع معيارا لتقييم الفلاسفة والكتّاب حين صاغ أمره المطلق، بل وضع معيارا لتقييم الأفعال والمبادئ. تصرّف وفق المبدأ الذي تستطيع أن تريد له أن يصبح قانونا كونيا، هذه الصيغة تسأل عن المبدأ ذاته، عن قابليته للتعميم، لا عن السيرة الشخصية لمن يعلنه. الاتساق الكانطي يحاكم الفكرة في ميزان العقل، لا يحاكم صاحبها في ميزان حياته. والخلط بين هذين المستويين، بين نقد الحجة ونقد من يحملها، ليس تدقيقا فلسفيا، بل هو تحويل للمنهج إلى سلاح.

وسقراط، الذي يُستشهد به دوما في مثل هذه السياقات، لم يكن يذهب إلى محاوريه ليقول لهم: أشك في أنكم تطبقون في حياتكم ما تعلنونه في حديثكم. كان يسأل عن التعريف، عن الاتساق الداخلي للحجة، عما يُلزم المرء به منطق مقدماته. تواضع سقراط الشهير لم يكن في تعليم الآخرين فن الشك بمن يحيط بهم، بل في إدراك حدود ما يعرفه المرء، وأول ما يجهله المرء حقا هو ما يجري في باطن الآخرين. سقراط الذي يُستحضر للتشكيك في أخلاق الكتّاب لم يكن ليعترف بهذا التوظيف.

غير أن ما يجعل هذا النمط أشد خطورة من مجرد خطأ منهجي هو بنيته الداخلية التي تُصمَّم بحيث تُفلت من أي رد. حين يُقال لكاتب ما: "قد تكون صادقا في لحظة الكتابة، لكنك لا ترى المسافة بين صورتك عن نفسك وسلوكك الفعلي"، فأي جواب يمكن أن يأتي به إلا وأعيد تفسيره كدليل إضافي على الوهم المزعوم؟ الاعتراض يُقرأ دفاعا يدل على الإحراج، والصمت يُقرأ إقرارا يدل على القبول، والموافقة تُقرأ خضوعا يدل على ضعف الحجة. ما لا يمكن دحضه بأي دليل محتمل لا يمكن إثباته، وما لا يمكن إثباته لا يستحق اسم الحجة الفلسفية. كارل بوبر حين وضع معيار القابلية للدحض كان يشير إلى هذه الخاصية الجوهرية في أي خطاب يريد أن يكون عقلانيا: أن يقبل بوجود شرط يمكن لو توافر أن يثبت خطأه. الخطاب الذي يصمَّم بحيث يخرج صحيحا من كل موقف ممكن لا يستحق اسم الفلسفة، هو عين الأيديولوجيا.

لهذه الظاهرة تاريخ قديم يستحق استعادته. في كل مرحلة شهدت توترا فكريا حادا، ظهر نمط من النقد يستخدم الفلسفة لتصفية الخصوم لا لفحص أفكارهم. نيتشه نفسه، وهو من أكثر الفلاسفة استخداما لهذا الأسلوب، كان يتساءل عن "إرادة القوة" المختبئة خلف الخطاب الأخلاقي للآخرين. لكن نيتشه كان يستهدف المنظومات والأنساق لا الأفراد، وكان يعترف صراحة بأن هذا التشخيص يعود عليه هو أيضا، أن لا أحد يقف خارج دائرة التشكيك. هذا الاعتراف بالتساوي هو ما يميز الفيلسوف الحقيقي عمن يستخدم الفلسفة: أن تدرج نفسك في السؤال قبل أن تدرج غيرك.

ما نراه في النمط المعاصر مختلف: الانتقال من نقد الفكرة إلى تشريح صاحبها يتم بسلاسة كأنه خطوة طبيعية في الاستدلال، ملفوفا في الغالب بتحفظات منهجية تمنح الخطاب حصانة شكلية مع احتفاظه بكامل أثره التقليلي. "لا أشخص ..."، "هذا تحليل احتمالي ..."، "لا أدّعي معرفة البنية النفسية ..."، ثم تأتي المساءلة التفصيلية للسيرة والنيات والتناقضات المزعومة كأن التحفظ لم يُقَل. هذا النوع من الاحتياط الشكلي لا يخفف من أثر الخطاب، بل يضيف إليه طبقة من الاحترافية تجعله أصعب في المواجهة المباشرة.

ثمة سؤال لا ينبغي تجنبه حين نرصد هذه الظاهرة: لماذا يلجأ الخطاب إلى هذا المسار؟ الجواب الذي تقترحه الفلسفة نفسها، وهو جواب مُحرج للجميع، بمن فيهم من يكتب هذه السطور، أن تشريح الآخر أسهل دائما من مواجهة حجته. حين تعسر الإجابة على فكرة ما، يكون الانتقال إلى الشخص الذي يحملها مخرجا مريحا لأنك لا تحتاج بعد ذلك إلى إثبات خطئها، تكتفي بالتشكيك في أهلية من يحملها. والأكثر إغراء أن هذا الانتقال يمكن تقديمه في صورة عمق فلسفي: من يدّعي أنه لا يكتفي بالنقد الفكري، بل يذهب إلى الجذور النفسية، يبدو أشد جرأة وأعمق نظرا ممن يقف عند سطح النص. لكن هذا العمق الظاهري هو بالضبط ما ينبغي التدقيق فيه.

للظاهرة أيضا وجه آخر ينبغي الإقرار به بنفس الأمانة. كل ما سبق لا يعني أن الحياة منفصلة تماما عن الفكر، ولا أن الكاتب محصّن من أي مساءلة تتعلق باتساقه. الفلسفة ليست لعبة مفاهيم في الفراغ، هي طريقة في العيش أيضا، أو تسعى إلى ذلك في أفضل صورها. والتناقض الفاضح المتكرر بين ما يعلنه مفكر وما يمارسه ليس من المحظور الإشارة إليه. لكن الفارق الحاسم يكمن في المنهج وفي الترتيب: هل نبدأ من الفكرة أم من الشخص؟ هل نعترض على الحجة ثم نلاحظ التناقض دليلا إضافيا يستحق التأمل، أم نبدأ بالشك في الشخص ثم نستخدم تشكيكنا لإلغاء حجته قبل أن نفحصها؟ الأول نقد فلسفي مشروع ومطلوب. والثاني إجراء يشبه المحاكمة أكثر مما يشبه الحوار، ويشبه أكثر ما يشبه إصدار حكم قبل انعقاد الجلسة.

وهنا يصبح السؤال الأكثر عمقا: ما الذي تفعله هذه الظاهرة بالفضاء الفكري المشترك حين تسود؟ الجواب المقلق أنها تجعل الكتابة الصادقة مغامرة مكلفة. حين يعلم الكاتب أن أي شيء يكتبه عن الحرية أو الصدق أو الكرامة قد يحوَّل إلى شاهد على شخصيته لا على أفكاره، فإن أول ما يتعلمه هو أن يكتب بحذر، وبحساب، وبمسافة آمنة من الصدق الكامل. وهذا بالضبط ما تصنعه محاكم التفتيش الأيديولوجية في كل صورها: لا تمنع الكتابة، بل تصادر الخيال والإبداع، وتعلم الكاتب كيف يراقب نفسه قبل أن يراقبه الآخرون، حتى تصبح الرقابة الداخلية أكثر فتكا من أي رقابة خارجية.

الفلسفة في جوهرها فضاء مشترك لا ملكية خاصة لأحد. حين يكتب مفكر عن الحرية أو العبث أو الكرامة الإنسانية، فهو لا يشهد على نفسه ولا يُقدّم سيرته للتقييم، هو يدعو القارئ إلى تأمل في أفكار تتجاوزه هو شخصيا وتتجاوز القارئ أيضا، لأنه حر في قبول هذه الدعوة أو ردها، في الاتفاق مع الحجة أو الاعتراض عليها. لكنه ليس مُفوَّضا، لا فلسفيا ولا أخلاقيا، بأن يحوّل هذه الدعوة إلى محاكمة يجلس فيها الكاتب في قفص الاتهام وتُقدَّم أفكاره أدلة على جرائمه المحتملة.

الفلسفة لا تشترط في صاحبها القداسة. تشترط فيه الأمانة في التفكير، والشجاعة في طرح ما يراه حقيقيا، والتواضع أمام ما لا يعرفه. وتشترط في ناقده شيئا واحدا قبل كل شيء: أن يحاكم الفكرة بنفس الجدية التي يحاكم بها صاحبها، وربما أكثر. لأن الفكرة التي تصمد أمام نقد حقيقي تستحق البقاء، وتلك التي لا تصمد تستحق الرفض، لا لأن صاحبها لا يطبقها في حياته، بل لأنها لا تصمد في ميزان العقل.

وفي النهاية، ربما كان أصدق ما يمكن قوله، هو أن الفيلسوف الذي يجلس مع سؤاله الحقيقي يعرف أن السؤال لا يعفيه من شيء، لكنه يعرف أيضا أن الجلوس مع السؤال أشرف من التظاهر بامتلاك الجواب. ومن يمتلك الجواب الجاهز الذي يُقيّم الآخرين دون أن يُقيّم نفسه بنفس المعيار، هو بالضبط من يجسّد الوهم الذي يزعم أنه يكشفه.

***

عبد الرحيم الجرودي

نشأة التجمعات البشرية من المجتمعات المبكرة إلى الدولة المعاصرة

تمثل لحظة الانتقال البشري من مجتمعات الصيد والجمع المتنقلة إلى الاستقرار الزراعي وبناء المدن والكيانات الهرمية الأولى واحدةً من أكثر المحطات تعقيداً وجدلية في تاريخ البشرية؛ حيث سيطرت على الفكر التاريخي والأنثروبولوجي لفترات طويلة سرديات خطية تفترض أن التطور الحضاري مسار محتوم يبدأ بالبداوة والهمجية وينتهي بالدولة المركزية والسلطة الملكية المطلقة، معتبرةً أن هذا التطور استوجب بالضرورة تنازل الإنسان عن حرياته التلقائية لصالح التنظيم والاستقرار. غير أن إعادة قراءة الشواهد الأثرية والأنثروبولوجية المعاصرة تفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات جوهرية حول تلك التحولات الكبرى؛ لتطرح تساؤلاً ملحاً عما إذا كان ظهور المدن والملوك نتاجاً حتمياً للتقدم التقني والاقتصادي والبيئي، أم أنه جاء نتيجة خيارات اجتماعية وصراعات مبكرة حول السيطرة والفائض والملكية، وكيف تعاملت المجتمعات البشرية المبكرة مع معضلة السلطة وتنظيم العيش المشترك بعيداً عن أطر الدول الكبرى. ومن هنا تكمن أهمية البحث في تجاوز المقاربات الاختزالية التي تفسر التاريخ البشري من زاوية واحدة، وإعادة تسليط الضوء على آليات التفاعل بين البيئة والاقتصاد والسلطة، وكيف أسست التحولات المادية الأولى لهياكل البنى الاجتماعية والسياسية التي ما زالت تلقي بظلالها على العالم المعاصر، وذلك بهدف دراسة العوامل البيئية والمادية والاقتصادية التي دفعت نحو الاستقرار ونشأة الكيانات المدنية الأولى، وتحليل طبيعة الصراع بين الهياكل القسرية للسلطة ومرونة المجتمعات البشرية المبكرة، مع مقارنة التفسيرات المختلفة التي قدمتها الحقول المعرفية المتنوعة من أنثروبولوجيا وعلم آثار واقتصاد سياسي لتفسير نشأة الدولة والطبقات الاجتماعية، ليتمحور البحث حول إشكالية رئيسية تسعى للإجابة عن مدى إمكانية اعتبار ظهور المدن والملوك والهياكل الهرمية مساراً حتمياً تفرضه متطلبات الحضارة، أم أنه كان خياراً تاريخياً رافق تحولات السيطرة الاقتصادية واحتكار الفائض.

الإطار النظري وتعدد المقاربات المعرفية

يتطلب فهم مسار التطور البشري ونشأة المدن والكيانات الهرمية الأولى الغوص في أدبيات حقول معرفية متعددة تتقاطع فيها الأنثروبولوجيا وعلم الآثار والاقتصاد السياسي والفلسفة التاريخية؛ حيث قدمت هذه الحقول مقاربات متباينة لتفسير الانتقال من مجتمعات المساواة المتنقلة إلى مجتمعات الدول والملوك. فمن الناحية البيئية والمادية، يبرز التفسير القائم على الحتمية البيئية وتوافر الموارد، إذ يرى مؤيدو هذا الاتجاه أن ظهور التوافقات الكبرى والطبقات الحاكمة لم يكن مجرد خيار حر، بل فرضته التحولات المناخية وظهور محاصيل قابلة للتدجن والتخزين، مما أنتج فائضاً غذائياً تطلب بالضرورة وجود جهاز إداري وكهنة وملوك لتنظيمه وحمايته وإدارة شبكات الري الكبرى، وهو ما يتسق مع رؤى المفكرين الذين اعتبروا المدينة الكبرى آلة سلطة صُممت لهندسة المجتمع والسيطرة على الطبيعة. وفي المقابل، تقدم نظريات الصراع والسيطرة الاقتصادية قراءة ترتكز على تطور قوى الإنتاج وظهور الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج؛ حيث أدى تراكم الفائض الاقتصادي إلى انقسام المجتمع إلى طبقات متصارعة بين مستغِلين ومستغَلين، لتنشأ الدولة وأجهزتها السياسية والقسرية بوصفها أدوات في يد الطبقة المسيطرة لحماية مصالحها وتثبيت هيمنتها. وإلى جانب ذلك، تبرز مقاربات أنثروبولوجية نقدية أخرى تنظر إلى نشأة الدول الأولى بوصفها آلات استعباد وتثبيت سكاني ركزت على زراعة الحبوب الأساسية التي تسهل مراقبتها وإخضاعها ضريبياً، في مقابل حركات التمرد والهروب التي قادها البدو والمهمشون بحثاً عن فضاءات أوسع للحرية. بينما تذهب نظريات العقد الاجتماعي التقليدية إلى أن التنازل عن جزء من الحريات الفردية لصالح سلطة مركزية لم يكن سوى استجابة ضرورية للخروج من حالة الفوضى والصراع المستمر لضمان الأمن والاستقرار الاجتماعي؛ لتتكامل هذه الرؤى والنظريات وتستبين معالم إطار تحليلي مركب يساعد على تفكيك الخلفيات المعرفية والتاريخية التي أحاطت بظهور الحضارات الأولى، ويمهد الطريق لفهم طبيعة التفاعل بين البنى الاقتصادية والخيارات الاجتماعية في تشكيل الخريطة السياسية للبشرية.

المنهجية العلمية والآليات التحليلية

يعتمد هذا البحث على المنهج التاريخي التحليلي والمنهج المقارن لتفكيك مسارات التطور البشري ونشأة الكيانات الهرمية الأولى؛ حيث يستند إلى تتبع الأدبيات الأنثروبولوجية والأثرية والفلسفية وقراءة الشواهد التاريخية قراءة نقدية تعيد تقييم السرديات الكبرى حول الانتقال من مجتمعات الصيد والجمع إلى مجتمعات الدول والمدن. ويتم التركيز في هذا السياق على فحص الآليات المنهجية المتبعة في دراسة الوثائق والنصوص التاريخية والمقارنات العابرة للثقافات التي قدمتها مختلف الحقول المعرفية بعيداً عن تبني نموذج أحادي الجانب، وذلك عبر استنطاق المعطيات المادية والاقتصادية والاجتماعية المتوفرة في الدراسات المقارنة حول نشأة السلطة والفائض. كما يعتمد البحث على تحليل الخطاب النظري السائد ومقارنة فرضيات الحتمية البيئية بنظريات الصراع الطبقي وخيارات التنظيم الاجتماعي، مما يتيح بناء إطار منهجي متكامل يربط بين البنى الاقتصادية والخيارات السياسية الأولى، ويمهد الطريق نحو قراءة علمية وموضوعية للنتائج المستخلصة حول طبيعة المدن والملوك في التاريخ البشري.

نحو مدن بلا ملوك: أفق المستقبل بين إكراهات البيروقراطية ورهانات الحرية

يتضح في الختام أن المجتمعات البشرية لم تكن مسيَّرة دائماً بمسارات حتمية صارمة، بل تراوحت بين خيارات التمرد والمرونة الاجتماعية والوقوع في أسر البنى الهرمية والسلطة المركزية التي تحولت تدريجياً إلى ركيزة أساسية لتنظيم التعقيد المدني. وهو ما يقود إلى التساؤل المباشر حول إمكانية صنع مدن في العصر الحالي بدون ملوك أو سلطة مركزية مطلقة؛ حيث تعتمد الإجابة عن ذلك على إعادة تعريف مفهوم الملك؛ فإذا قصدنا بالملوك الأفراد الذين يحكمون بالوراثة أو السلطة المطلقة، فإن أغلب مدن العالم المعاصر تدار بالفعل عبر أنظمة جمهورية وديمقراطية أو إدارات مدنية منتخبة لا توجد فيها ملكيات بالمعنى التاريخي. أما إذا قصدنا بالسلطة المركزية والبيروقراطية وأجهزة الدولة المهيمنة، فإن إقامة وتسيير المدن المعاصرة يبدو مستحيلاً بمعزل عنها، نظراً لأن تعقيد الحياة الحضرية الحديثة من شبكات طاقة ومياه ونقل ومستشفيات وأنظمة أمنية واقتصادية يتطلب بالضرورة وجود إدارة مركزية ومؤسسات تخطيط تضمن بقاء واستمرار هذه التجمعات الضخمة، بخلاف المدن والمجتمعات التاريخية المبكرة التي كانت تملك مرونة فائقة في الانفصال والتنقل وإدارة شؤونها أفقياً دون الحاجة إلى دولة أو بنى هرمية معقدة

نماذج من مدن بلا ملوك في العصر الحديث

يمكننا التعمق نظرياً واعتبار بعض المدن العالمية والحركات الحضرية الحالية "مدناً بلا ملوك" بالمعنى السياسي والفلسفي الدقيق، خصوصاً عند إسقاط المفاهيم الأنثروبولوجية المعاصرة على التنظيم الحضري الحديث؛حيث تبرز من منظور النظرية السياسية وعلم الاجتماع الحضري نماذج معاصرة تتجاوز الأشكال التقليدية للسلطة الأحادية، مثل تجارب المدن الحرة والإدارات الأفقية والبلديات الديمقراطية التشاركية التي تسعى جاهدة لإلغاء الهيرمية البيروقراطية الصارمة وتدار عبر المجالس الشعبية والتعاونيات الإنتاجية والمحلية دون وجود حاكم فرد أو سلطة مركزية فوق العادية، لتتحول إدارة الشأن العام إلى عملية أفقية تفاوضية تقترب من مرونة المجتمعات البشرية المبكرة التي رفضت التمركز السلطوي. وحين نناقش هذا الأمر نظرياً، يجب التمييز بدقة بين السلطة السياسية المانعة للحرية مثل الملوك والديكتاتوريات وبين الإدارة التقنية للتعقيد مثل شبكات الطاقة والمياه والنقل، إذ يمكن للمدن العالمية المعاصرة أن تتخلص نهائياً من ملوكها وتصبح مدناً حرة، في حين يكمن التحدي الأكبر في مدى قدرتها على تفكيك البيروقراطية التقنية التي تفرض نفسها كبديل حديث للسلطة المركزية، ليظل الحلم الإنساني القديم بالتحرر والعيش في فضاءات مدنية تتسع للحرية والعدالة دون تسلط ملوكي أو هرمي قسري حياً في الفكر السياسي المعاصر وشاهداً على صراع الإنسان المستمر بين التنظيم والحرية

***

ئاريان علي

حين يسقط المثقّف الحداثيّ في فخّ العنصريّة

"النّاس صنفان: إمّا أخٌ لك في الدِّين، أو نظيرٌ لك في الخَلْق" -علي بن أبي طالب (ر)

"لدينا من الدين ما يكفي لكي نكره، وليس لدينا منه ما يكفي لكي يحبّ بعضنا بعضًا" - جوناثان سويفت

"التعصّب هو طاعون القرن الحادي والعشرين" - آموس عوز

1- مقدمة:

ما أكثر ما تُفسد العصبيّة عقولًا نحسبها قد تحرّرت منها، وما أكثر ما يعود الموروث ليتكلّم بأفواه أولئك الذين أمضوا أعمارهم يعلنون القطيعة معه. وقد تكون المفارقة أبلغ ما تكون حين نرى مثقّفًا حداثيًّا، شديد الجرأة في نقد التراث، يعيد إنتاج بعض أبنيته العميقة من حيث لا يشعر، لا بلغته القديمة، بل بمفردات أكثر أناقة وحداثة.

كنت في مجلس بين أصدقاء، وقد دار الحديث عن العلماء والمفكرين، فتحدّثت عن أبي الريحان البيروني، وعن عبقريته العلمية وإسهاماته في الفلك والرياضيات والجغرافيا والطبيعة. وما إن مضيت في الحديث حتى اعترضني أحد الحاضرين، وكان أستاذًا جامعيًّا، وقال في انفعال شديد: إن عليّ بن أبي طالب أعلم من البيروني، بل هو أعرف من البشر جميعًا بدروب السماء ومدارات الأفلاك.

سألته يومها: وما الذي جاء بعليّ إلى الحديث عن البيروني؟ فنحن لسنا في مسابقة للفضائل، ولا في حلبة لترتيب البشر. إننا نتحدّث عن عالمٍ أسهم في تاريخ العلوم، فما معنى أن نستدعي شخصية دينية كبرى كي نثبت أنها «أعلم» منه؟

لقد بدا لي الموقف آنذاك نموذجًا صغيرًا لعطب ثقافيّ كبير: نحن لا نعرف كيف نُعجب بإنسان من غير أن نبحث عمّن نضعه فوقه أو تحته. وكأنّ الاعتراف بالفضل لا يكتمل إلا بالمقارنة، وكأنّ العظمة تحتاج دائمًا إلى ضحية.

2- العظمة لا تحتاج إلى خصم:

يمكنني أن أقول إنّ فلانا من الناس شخصية عظيمة من غير أن أقارنه بأحد. ويمكنني أن أقول إنّ البيروني عالم عظيم من غير أن أبحث عمّن هو أعلم منه. ويمكنني أن أتحدّث عن نيوتن من غير أن أضع أينشتاين في مواجهته، وعن ابن سينا من غير أن أجعله في منافسة مع الرازي، وعن المتنبي من غير أن أطالب الناس بالاعتراف بأنه أعظم شاعر ولدته العربية. العظمة الحقيقية لا تحتاج إلى منصة تفاضل.

ومن هنا كان ما استوقفني في حديث لأدونيس عن عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه، وقد اسْتمعْت إليه يتحدّث في فيديو مصور عن شخْصيّة عليّ بْن أبي طالب رضي الله عنه وكرّم الله وجهه إلى حد الغو والمغالاة في حبه وتقديسه، وقد رفع مقامه إلى أعْلى درجات التّمْجيد على مبْدأ التّفْريد، وكمْ هو جميل أنْ نتحدّث عن فضائل علي الإسلاميّة وجهاده العظيم في نشْر الإسلام وتحْقيق معانيه، فهذا أمْر جميل ومسْتحبّ وجائز، وربّما مطْلوب، على ألا يكون في الأمْر تعصّب أوْ تصلّب مذْهبيّ .

ولكنْ ما يؤْخذ على أدونيس أنْ يعْتمد منْهج التّفْضيل بيْن عليّ وغيْره من البشر، وقدْ أدْهشتْني صيغة التّمْجيد على مبْدأ التّفْريد الّذي أعْطاه أدونيس لشخص للإمام عليّ (رضي الله عنه وأرضاه)، فوضعه فوْق غيْره من البشر، ووصفه بأنّه الشّخْصيّة المتفرّدة في التّاريخ الّتي تجاوزت الحدود الجغْرافيّة والأعْراق والثّقافات، إلى الدّرجة الّتي نسب فيها إليْه من الأفْضال ما ليْس في غيْره من البشر. وممّا لا شكّ فيه أنّ عليّ بْن أبي طالب شخْصيّة إسلاميّة كبيرة كان لها حضورها المتميّز في الإسلام، ويكْفيه أنّه كان الصّحابيّ الرّابع، ولا ينْسى فضْله في نشْر الإسلام كغيْره من الصّحابة رضي الله عنهم جميعًا.

ونحْن لا نخْتلف مع أدونيس في تمْجيده لعليّ بْن أبي طالب(ر)، ولكنّ يجب عليْنا أنْ نقول بأنّ تجاوز الحدود والثّقافات لا ينْفرد به عليّ وحْده، فهناك شخْصيّات إسلاميّة تاريخيّة لا تقلّ أهمّيّةً عن عليّ أوْ غيْره، مثْل شخْصيّة الفاروق عمر، وأبي بكْر، وعمر بْن عبْد العزيز، وخالد بْن الوليد، وغيْرهمْ كثير، وقد تدفق صيتهمْ وتأْثيرهمْ في الدّنْيا والثّقافات.

ومهْما يكن الأمْر، فإنّ هذا التّفْضيل – برأينا يخفي - ما لا يخفى – إذ يخْفي تعصبا مذهبيا طائفيًّا خطيرًا كامنا في عقْل أدونيس وفي ترْبته الدّينيّة، إذْ لمْ يكفّ يوْمًا عن تمْجيد آيات الله والثّوْرة الإسلاميّة في إيران على خلْفيّات دينيّة تعصّبيّة.

إنّ التّمْجيد على مبْدأ التّفْريد يفْهم بدقّة على أنّه تعصّب، ولا سيّما إذا صدر عن مثقّف يدّعي العلْمانيّة والحداثة. وعليْه فإنّ تفْضيل عليّ بْن أبي طالب على غيْره من المسْلمين يأْخذ طابع الشّدّ العصبيّ الطّائفيّ في هذه المرْحلة الّتي تتفجّر فيها العنْصريّة الطّائفيّة في بلداننا الكئيبة.

ولوْ جاء هذا التّمْجيد والتّفْريد منْ قبل إنْسان عاديّ لقبلْناه، ولكنْ أنْ يأْتي منْ قامة فكْريّة، فهذا يرمز إلى نشْوة التّعصّب الطّائفيّ لا أكْثر. ومن الغريب أنْ يحْمل رجل يدّعي الحداثة هذا العنْوان الطّائفيّ في وقْت يجب عليْنا فيه أنْ نفكّك هذه المعْتقدات العصبيّة، وأنْ نعْمل على تصْفيتها، فعمر وعليّ وعثْمان وخالد وسائر الصّحابة (رضي الله عنهم جميعًا) شخْصيّات إسلاميّة تاريخيّة انْتشرتْ فضائلهمْ في العالم، وليْس الأمْر حكْرًا على أحد وليس لأحدهم فضل على الآخر.

فالإمام عليّ كرّم الله وجهه ورضي الله عنه، لا يحتاج للمقارنة بغيره من الصّحابة الكرام الّذين أسْهموا في نشْر الإسلام وتجْسيد معانيه في الدّنْيا شرْقًا وغرْبًا. فالأوائل من الصّحابة والمسْلمين حاضرون في كلّ الثّقافات الّتي انْتشر فيها الإسلام شرْقًا وغرْبًا، وإنّ ثقافة التّفْضيل ثقافة رخيصة اليوْم؛ فلا فضْل لأحد على آخر إلّا بالتّقْوى، وإنّني لأجد أنّه من المناسب اليوْم العمل على تفْكيك العصبيّات الدّينيّة الطّائفيّة لا أنْ نحْييها، وعليْنا أنْ نعْمل اليوْم على تصْفيتها لا أنْ نغذّيها.

ويا لبؤْس الثّقافة والمثقّفين في هذا الزّمن التّعس الّذي ينْحدر فيه المثقّف الحداثيّ إلى منْحدر التّعصّب الدّينيّ المذْهبيّ الطّائفيّ. وسؤالي: ألمْ يحن الوقْت بعْد لتفْكيك العنْصريّة الطّائفيّة بدلًا منْ تغْذيتها؟  فالتقدير، فهذا حق مشروع، وإنما التفريد المطلق، أي رفع الشخصية إلى مرتبة تبدو معها فوق المقارنة وفوق التاريخ وفوق سائر الشخصيات. فهذا أمر مستهجن.

وهنا يبدأ السؤال. حين نقول إنّ شخصًا هو الأعظم أو الأكثر تفرّدًا، فالأعظم في ماذا؟ في الشجاعة؟ في العلم؟ في الزهد؟ في السياسة؟ في الأخلاق؟ في الفقه؟ في التأثير التاريخي؟ في الحضور الرمزي؟ إنّ كلمة «الأعظم» ليست حكمًا علميًّا إذا لم تُحدّد جهة العظمة ومعيارها. وأمّا العظمة المطلقة فهي في الغالب تعبير وجداني، لا حكمًا تاريخيًّا.

3- مِن المحبّة إلى الهيمنة الرمزيّة

لا مشكلة في أن يحب الإنسان شخصيّة تاريخيّة أو دينيّة حبًّا عميقًا. فالمحبّة شأن وجداني. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحوّل هذه المحبّة إلى معيار للحقيقة. حين يقول المحب: إن هذه الشخصية عظيمة عندي، فهذا حقه. وحين يقول: هذه الشخصية أعظم البشر، فعليه أن يبرهن. وحين يطالب الآخرين بالتسليم بذلك، لم نعد أمام محبّة، بل أمام نوع من الهيمنة الرمزيّة.

فالذاكرة الطائفيّة تقوم في جوهرها على هذه الآلية: كل جماعة تريد أن ترى رمزها أعلى من رموز الجماعات الأخرى. وكل جماعة تبحث في الماضي عن بطل تتماهى معه، ثم تمنحه من الفضائل ما يعيد إنتاج صورتها المتخيّلة عن ذاتها.

وعندئذ لا يعود التاريخ مجالًا للفهم، بل يصبح مرآةً للنرجسيّة الجماعيّة. فالتفريد ليس بريئًا دائمًا، وقد يبدو في ظاهره ثناءً بريئًا، لكنه في السياقات الطائفيّة ليس دائمًا كذلك. لأنك حين تقول إنّ شخصية واحدة تجاوزت الجميع، فأنت لا ترفعها وحدها، بل تضع الآخرين ضمنيًّا في منزلة أدنى. وهكذا يتحوّل التمجيد إلى ترتيب خفيّ للقيم. ومن هنا كانت الحساسية الشديدة في الخطاب الدينيّ؛ لأن الشخصيات الدينية ليست أفرادًا منعزلين في الذاكرة، بل علامات لهويات وجماعات وانتماءات.

والكلمة التي تبدو مجرد ثناء قد تُستقبل بوصفها انتصارًا لطائفة على أخرى. ولهذا ينبغي للمثقف أن يكون أكثر حذرًا من غيره، لا أقل. المثقف الذي لا ينقد انحيازاته، والمشكلة ليست في أن يكون الإنسان ابن بيئته؛ فجميعنا أبناء بيئاتنا. المشكلة أن يدّعي الإنسان التحرر الكامل من الموروث، ثم يتصرّف حين تلامس المسألة رموزه الخاصة كما يتصرف أكثر الناس تقليدية.

فالحداثة لا تُقاس بكمية التمرّد الظاهر على الماضي، بل بقدرة الإنسان على إخضاع موروثه هو للنقد. ومن السهل جدًا أن تكون حداثيًّا في مواجهة مقدّسات الآخرين. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ حين تصل أداة النقد إلى مقدساتك أنت. هناك يظهر الفارق بين المثقف الذي يمارس النقد بوصفه منهجًا، والمثقف الذي يستخدمه سلاحًا في مواجهة خصومه. ولهذا فإنّ السؤال الذي يثيره خطاب أدونيس هنا ليس سؤالًا عن عليّ بن أبي طالب، بل عن أدونيس نفسه بوصفه مثقفًا حداثيًّا:

هل يستطيع المثقف أن يكون نقديًّا حقًا إذا احتفظ في داخله بمناطق محرّمة على النقد؟ فالتاريخ ليس سباق خيل.   لقد تعاملنا طويلًا مع التاريخ الإسلاميّ كما لو كان سباقًا لا بدّ أن يخرج منه فائز. من أفضل؟ من أعظم؟ من أشجع؟ من أعلم؟ من أزهد؟ من أحق؟ وكأن التاريخ لا يُقرأ إلا بمنطق الترتيب.

وهذا من أفقر أشكال التفكير. فالتاريخ ليس سباق خيل، ولا جدول ترتيب، ولا منصة تتوزع عليها الميداليات. عليّ بن أبي طالب لا يحتاج إلى أن يكون أفضل من عمر كي يكون عظيمًا. وعمر لا يحتاج إلى أن يتقدّم على عليّ كي تثبت مكانته. وأبو بكر لا يحتاج إلى أن يُفضّل على عثمان. وخالد لا يحتاج إلى أن يُقارن بسواه. كلّ شخصية تُفهم في سياقها، وفي أفعالها، وفي أثرها، وفي حدود تجربتها.

السؤال الناضج ليس: من الأفضل؟ السؤال الناضج هو: ماذا فعل؟ وكيف نفهم تجربته؟ وهذا الفارق الصغير في صيغة السؤال هو الفارق الهائل بين العقل التاريخيّ والعقل الطائفيّ.

4- حين يصبح الماضي وقودًا للحاضر

مشكلتنا ليست في الماضي ذاته، بل في الطريقة التي نستخدمه بها. نحن نعيد تعبئة الماضي داخل صراعات الحاضر، ونستنطق الموتى لكي يخوضوا معاركنا. نستدعي الصحابة والأئمة والفقهاء والقادة، لا لكي نفهمهم، بل لكي ننتصر بهم. وهكذا يتحوّل التراث من ذاكرة إلى ذخيرة. ومن معرفة إلى تعبئة. ومن تاريخ إلى اصطفاف. وعندما يفعل المثقف الشيء نفسه، فإنّ المشكلة تصبح أشدّ مرارة؛ لأنه يُفترض أن تكون وظيفته تفكيك العصبيّة، لا تزيينها بلغة ثقافيّة رفيعة.

5- لا تصغّروا الآخرين كي يكبر أبطالكم:

ثمة عبارة أراها جديرة بأن تصبح قاعدة في قراءة التاريخ: لا تُصغّروا الآخرين كي يكبر أبطالكم.

إذا كان عليّ عظيمًا وهو كذلك، فدعوا عظمته تتكلم من خلال سيرته. وإذا كان عمر عظيمًا وهو كذلك، فليتكلم تاريخه. وإذا كان البيروني عبقريًّا، فلتشهد مؤلفاته. العظيم لا يحتاج إلى هزيمة أحد.

والفكرة الكبرى لا تحتاج إلى تحقير فكرة أخرى كي تكتسب قيمتها. والمحبّة الناضجة لا تحتاج إلى أن تتحول إلى مفاضلة. بل إنّ التمجيد الذي لا يستطيع أن يعيش من دون مقارنة يكشف في الغالب عن خوف خفي: الخوف من ألا تكون الشخصية عظيمة إلا إذا جعلنا غيرها أقل عظمة.

6- العصبيّة حين ترتدي ثياب الحداثة:

للعصبيّة أشكال قديمة نعرفها: الشتيمة، والتكفير، والتحريض، والانغلاق. لكن لها أيضًا أشكالًا حديثة أكثر أناقة. قد ترتدي لغة الشعر. وقد ترتدي مفردات الفلسفة. وقد تتحدث باسم الحداثة والتحرر. لكن البنية العميقة تظلّ هي نفسها: نحن وهم، رمزنا ورمزهم، بطلنا وبطلهم، تفوقنا ونقصهم. وهنا تصبح الحداثة قشرة لغوية فوق وجدان لم يغادر منطق العصبية.

وتلك مفارقة مؤلمة. فما قيمة أن نهدم الأساطير القديمة ثم نصنع لأنفسنا أساطير جديدة؟

وما قيمة أن ننتقد التقديس حين يقع عند الآخرين، ثم نمارسه في موضع آخر؟ إن المطلوب: عقل تاريخي لا ذاكرة مقاتلة لسنا في حاجة إلى محو الماضي، ولا إلى تحطيم الرموز، ولا إلى مطالبة الناس بالتخلي عن محبّتهم لشخصياتهم التاريخيّة. المطلوب أبسط وأصعب في آن:

أن نحبّ من غير أن نكره. أن نُجلّ من غير أن نحتقر. أن نختلف من غير أن نرتب البشر في سلالم الطوائف. أن نقرأ التاريخ بوصفه تاريخًا، لا سلاحًا هوياتيًّا. وأن نحرّر الشخصيات الكبرى من الاستخدام الطائفيّ الذي جعلها رهائن لصراعات لم تختَرها.

7- الخاتمة

أما آن للمثقفين العرب، من جميع الاتجاهات والمذاهب، أن يعلنوا هدنة مع هذا الولع المرضيّ بالتفاضل؟ أما آن لنا أن نتوقف عن السؤال: من أفضل من؟ أما آن لنا أن ندرك أنّ كل مفاضلة طائفيّة تنطوي في باطنها على انتقاص من الآخر، وأن كل تمجيد مطلق لشخصية دينية يمكن أن يتحول، في مجتمع مأزوم طائفيًّا، إلى وقود جديد للانقسام؟

إنّ عليّ بن أبي طالب أكبر من أن نستخدمه في معارك المفاضلة. وعمر أكبر من أن نحوله إلى نقيض له. وأبو بكر وعثمان وخالد وسائر الشخصيات التاريخيّة أكبر من أن نختصر حضورهم في مسابقة للفضائل. والثقافة أرفع من أن تجعل التاريخ ساحةً لتصفية العصبيّات. إنّنا لا نحتاج اليوم إلى مزيد من الأبطال الذين نضعهم فوق بعضهم، بل نحتاج إلى مزيد من العقل والتعقل والعقلانية .

وهذا يعني أننا لا نحتاج إلى تضخيم الذاكرة التراثية وتفخيخها، بل إلى فهمها وتخليلها و تفكيكها. وعليه لا نحتاج إلى تمجيد يُقصي ويصنف ويبعد بل إلى فهم يعي ويدرك ويستوعب دون تحيز أو تعصب .  وحين يستطيع المثقّف أن يقول عن رمزه: «أحبّه وأقدّره، لكنني لا أحتاج إلى أن أجعله فوق البشر»، يكون قد خطا أولى خطواته الحقيقية نحو الحداثة الإنسانية الحقيقية ـ أما أن نهدم العصبيّة في كتبنا ونبعثها حيّة في وجداننا، فتلك ليست حداثة، إنها فقط عصبيّة قديمة بملابس جديدة.

وسؤالي إلى المثقفين من كل الطوائف والملل ألم يحن الوقت كي نقدم رؤية موضوعية للتاريخ الإسلامي وشخصياته دون تفضيلات ودون عصبيات مذهبية أو دينية. لأن تناول هذه الشخصيات يحمل في ذاته معاني دينية مذهبية، والأمر هنا خطير وحساس إذ لا يجب أن نقلل من شأن أحدهم دون الآخرين، أو أن ترفع بعضهم فوق بعض بالتفضيل. ولو كان الأمر يتعلق بشخصيات علمية أو فكرية أو لما كان في الأمر ما نخشاه، فعلى سبيل المثال لو قلت إن البيروني عالم فاق فضله جميع العلماء قد يجوز وإن كان في القول بعض المبالغة. ولكن الشخصيات التي تحمل معان دينية فيجب علينا أن نحذر لأن هذا الأمر يغذي النفوس بالتعصب والكراهية

وأخيرا نقول بأنه في أي حال إذا أردنا أن نبجل شخصية تاريخية يمكننا أن نفعل ذلك دون المقارنة بينها وبين شخصيات أخرى على مبدأ التفضيل المطلق . وعلى هذه الصورة يمكننا أن نمجد – إذا كان التمجيد مشروعا – بشخص ما دون حدّ التقديس ودون مقارنته بأشخاص آخرين أي: خارج مقارنات التفوق والتفضيل. ولكننا في حالة التفضيل على مبدأ التفريد فإننا ننتقص من قيمة اشخاص لحساب أشخاص أخر. وعلى هذه الحالة يمكننا أن نمجد عليا أو عمرا أو خالدا (رضي الله عنهم) أو البيروني أو الفارابي أو ابن سينا دون أن نفاضل بينهم أو بينهم وبين أحد آخر ولكل منهم فضله العظيم.

***

د. علي أسعد وطفة

جامعة الكويت

سامح الطنطاوي هو مفكر وباحث وأكاديمي مصري في الفلسفة والإستشارة الفلسفية وعلم الجمال، حاصل على درجتي دكتوراه في الفلسفة، و"مُستشار فلسفي دولي" لدى المؤسسات والشركات الإيطالية، بالإشتراك مع وزارة الصحة والتعليم والعدل الإيطالية منذ عام 2023م، ويُعد من الرواد الذين تحدثوا عن الإستشارة الفلسفية في الفكر العربي المعاصر، كما ويُعد كتابه المشترك مع الدكتور "مصطفى النشار" بعنوان" مدخل الى الإستشارة الفلسفية"عام( 2024م)، من أبرز الكتب التي تحدثت عن الإستشارة الفلسفية، كما ناقش الكتاب موضوع مهم وجديد على المجتمع العربي ألا وهو "الإستشارة الفلسفية للأطفال"، وأهمية تدريس الفلسفة للطفل في المدرسة.

من أبرز أبحاثه في مجال الإستشارة الفلسفية: "الإستشارة الفلسفية عند جيرد آشينباخ" نُشر في عام 1918م، و"الإستشارة الفلسفية بوصفها فناً" في عام 2023م، وصدر له العديد من الكُتب في الفلسفة، والدراسات الجمالية، والإستشارة الفلسفية، أبرزها "مدخل الى الإستشارة الفلسفية" الذي أصبح مرجِعاً مهماً لكل الباحثين والراغبين في التعرف على مفهوم الإستشارة الفلسفية ومهام المستشار الفلسفي باللغة العربية، وفي أثناء قراءتي لكتاب "مدخل الى الإستشارة الفلسفية" إستوقفني حديث الدكتور "سامح الطنطاوي" عن الأسباب التي ألهمته فكرة الكتابة عن ضرورة تدريس الفلسفة للأطفال، والعمل على تفعيل الإستشارة الفلسفية في مدارس الأطفال، حيث يقول في هذا الكتاب، في الفصل الرابع بعنوان "الإستشارة الفلسفية والأطفال: إشكالية السؤال الفلسفي": ((كتبت هذا الفصل من خلال مُعايشتي لإبني "محمود"، في مرحلة طفولته البريئة، والمُدهشة بحق..، ولعل الدهشة والشغف في عيون إبني تجاه تفاصيل الحياة بوصفها تفاصيل جديدة في كونه الخاص، ورؤيتي له، كانا وراء التفكير في إعداد دراسة حول السؤال الفلسفي عند الأطفال، هذا السؤال الذي كان وراء إبداعات فلاسفة ومفكرين كِبار على مر العصور))، نستطيع أن نستشف من هذا النص حرص"الطنطاوي" على أن لا يُقدم الفلسفة للأطفال كنسق مُغلق، بل "كخبرة جمالية حية"، وهذا ما يجعل فكره مدخلاً ممتازاً للإستشارة الفلسفية للأطفال، لأنه يربط الفلسفة بالدهشة والجمال لا بالتعقيد.

لماذا يجب تدريس الفلسفة للأطفال؟

يُركز "الطنطاوي" على قضية مهمة تقع في صُلب الإستشارة الفلسفية وهي تتعلق "بالفلسفة للأطفال" Philosophy For Children التي يتم إختصارها الى ( PC4)، من خلال التركيز تحديداً على السؤال الفلسفي، حيث لاحظ الطنطاوي (توفر دراسات باللغات الأجنبية والعربية حول موضوع الفلسفة للأطفال بشكلٍ عام)، ولكن مع ندرة شديدة تُركز على موضوع (السؤال الفلسفي لديهم)، إذ لم ياخذ هذا السؤال الإهتمام الكافي في الفكر الفلسفي المعاصر في وقت كتابة هذا الكتاب في عام 2024)، من هنا جاءت أهمية هذه الدراسة الفلسفية التي يقدمها "الطنطاوي" لتُسلط الضوء على الإهتمام بهذا النوع من البحث الفلسفي الذي يهتم بقيمة السؤال الفلسفي بشكلٍ عام، وسؤال الطفل بشكل خاص، كما أشار"الطنطاوي" الى رأي استاذ الفلسفة الأمريكي (ماثيو ليبمان) الذي إشتهر بدعوته الى ضرورة تطوير التفكير النقدي عند الأطفال في مرحلة الطفولة وبالتحديد في سن الحادية عشرة وماقبلها، خصوصاً حينما لاحظ "ليبمان" أن طُلابه في الجامعة وإن كانوا قادرين على دراسة تاريخ الفلسفة، إلا أنهم غير قادرين على التفلسف، وهذا يرجع الى عدم ممارسة التفكير النقدي، وطرح السؤال منذ الطفولة، ونحن نعتقد أن دراسات الفلسفة التي أسسها "ماثيو ليبمان" تتفق مع ما يؤكده "الطنطاوي" في جمالياته في أن "الطفل يمتلك ما يفقده الكبير، وهو القدرة على الدهشة"، فالطفل يسأل: من هو الجميل؟ لماذا هذا عادل وهذا ليس عادلاً؟ ماذا يعني أن أكون طيباً؟ ماهي السعادة؟ إن هذه الأسئلة ليست أسئلة ساذجة، بل هي أسئلة فلسفية خالصة، لكن المشكلة تكمن في أن طريقة التدريس في المدرسة التقليدية تقتل السؤال بالإجابة الجاهزة، وهنا ياتي دور الإستشارة الفلسفية لتشجيع الأطفال "أن لا يخافو من التساؤل"، وأن يتعلموا الحوار، ويتدربوا على "فن طرح السؤال الصحيح".

وقد أورد الطنطاوي في هذا الكتاب بعض التجارب الدولية في تعليم الفلسفة للأطفال، حيث يذكر مركزين جديرين بإهتمامٍ خاص في مجال تنمية الفلسفة من أجل الأطفال، وقد إعتمد هذان المركزان في البداية "على منهج " ماثيو ليبمان"، إلا أنهما ضما فيما بعد مناهج أخرى، المركزان هما:

- معهد تطوير الفلسفة للأطفال (IPAC)، وقد تأسس في عام 1974.

- والمجلس العالمي للبحث الفلسفي مع الأطفال، وقد تأسس في عام 1975.

كما يوجد عبر العالم عدد من المجلات التي تهتم بالأنشطة الفلسفية للأطفال، منها:

- Childhood and Philosophy يُصدرها (ICPIC)، وتتضمن مقالات وتدوينات وبرامج دراسية ليس فقط للأطفال، بل الى كل من يُهمه أمر تدريس الفلسفة لليافعين.

- Aprendar a Pensar، حيث تنشُرها في إسبانيا المجلة الدولية للمراكز اللاتينية الأمريكية، للفلسفة من أجل الأطفال.

- Thinking Critical and Creative Critical، ينشرها مركز (LAPC)، منذ عام 1979م، وتُمثل منتدى يتعلق بأعمال الممارسين في مجال الفلسفة من أجل الأطفال.

- وفي ألمانيا هناك قطبان مهمان أحدهما حول أعمال "إكهارت مارتنزEkkehard Martens" (جامعة هامبورج)، والثاني حول "هيرب كارل فريدريك Friedrich Herb Regensburg"، (أستاذ كرسي التربية في مجال الفلسفة السياسية وتاريخ الأفكار بجامعة ريجنزبيرج Regensburg)

وكذلك يُشير "الطنطاوي" الى أن النموذج الإيطالي في تدريس الفلسفة في المدرسة يُعتبر نموذجاً مثالياً يُركز على تاريخ الفلسفة، وقد أتاح أحد المؤتمرات في عام 2003 من خلال الجمعية الفلسفية الإيطالية (SFI) وضع وتحديد الافاق والتطورات المُتعلقة بمنهج تدريس الفلسفة في إيطاليا.

وتُدَّرس الفلسفة في بعض المدارس الثانوية في العالم العربي، وهناك أقسام فلسفة في أغلب كليات الآداب، وأيضاً هناك في أفريقيا في كل من "كينيا" (شعبة الفلسفة بجامعة كينياتا)، وفي "نيجيريا" (معهد التربية)، وكذلك في جنوب إفريقيا، جامعة، Western Cape، في كلية التربية.

إن الفلسفة من أجل الأطفال تُمثل تجديداً في تاريخ تدريس الفلسفة في العالم المعاصر، ويُشير الطنطاوي الى أنه لأمر مُستحب أن تتعدد الممارسات الفلسفية في إستشارات الأطفال، وأن تتنوع الُسُبل التربوية والتعليمية في تدريس الفلسفة للأطفال، وذلك لأن سُبل الفلسفة ذاتها متنوعة ومُتعددة.

الإستشارة الفلسفية للأطفال برؤية "سامح الطنطاوي"

لو طبقنا منهج سامح الطنطاوي على الإستشارة الفلسفية للأطفال، سنخرج بثلاث مبادىء:

الأول: من المفهوم المجرد الى التجربة الجمالية:

لاتسأل الطفل ما هوتعريف العدالة؟ بل إعرض عليه قصة مصورة لوحة أو موقفاً من حياته، الطنطاوي يرى أن الجمال هو المدخل للفهم، فحين يرى الطفل صورة غير عادلة، سيشعر بالقُبح قبل أن يفهم الظلم، وهذا الشعور هو بداية التفلسف.

الثاني: المعلم ليس مُلقناً بل وسيطاً جمالياً:

في الإستشارة الفلسفية عند الطنطاوي، دور المًستشار ليس أن يُعطي،إجابة صحيحة، بل أن يوزع سلطة السؤال، كما يقول الطنطاوي في تحليله للجماليات، فإن العمل الفني عمل مفتوح، وكذلك حوار الأطفال يجب أن يكون عملاً مفتوحاً، يجلس فيه الأطفال في دائرة تكون (على شكل لُعبة)، يقترحون حلولاً ويبنون على أفكار بعضهم البعض، ويتعلمون فن السؤال، والحوار، والقدرة على الإنصات للآخرين، والتفكير النقدي البسيط المناسب لعمرهم.

الثالث: الإرشاد بالمعنى لا بالتشخيص:

الطفل الذي يُعاني من خوف أو غضب لا يحتاج الى "وصم بالتشخيص"، بل يحتاج الى مساحة آمنة ليسأل: ما الخوف؟ ما الغضب؟ ما السعادة؟، فالإستشارة الفلسفية للأطفال لاتُعالج الطفل، بل تُعلمه كيف يُفكر فيما يؤلمه، فيحوله من مُعاناة صامتة، الى سؤال قابل للفهم.

إن أهمية الإستشارة الفلسفية للأطفال عند " سامح الطنطاوي" تكمن في أنه أعاد الجمال من جديد الى قلب الفلسفة العربية" وبالأخص "الإستشارة الفلسفية عند الأطفال"، وهذا بالضبط ما تحتاجه الإستشارة الفلسفية للأطفال، وهو أن تُعيد للفلسفة جمالها، وللطفل حقه في أن يسأل دون خوف، فالفلسفة ليست فقط مادة تُدرس في المدرسة، أوالثانوية فحسب، بل هي حق إنساني منذ أن يندهش الطفل أول مرة ويسأل لماذا. أو كيف؟ تلك الدهشة لو حافظنا عليها يصبح لدينا جيل قادر على التفكير النقدي، والحفاظ على القيم الإنسانية، ويُجيد مهارات الحواروالتواصل الإجتماعي، وقادر على بناء المجتمع وتطويره.

***

شيماء هماوندي

...................

المصادر التي إستند إليها المقال:

1- مدخل الى الإستشارة الفلسفية، مصطفى النشار، وسامح الطنطاوي، 2024م.

2- الإستشارة الفلسفية عند جيرد آشينباخ، سامح الطنطاوي، 2018م.

3- الإستشارة الفلسفية بوصفها فناً، سامح الطنطاوي، 2023م.

في المثقف اليوم