عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

اتخذ الفيلسوف اليوناني القديم ثيودورس Theodorus مسارا مختلفا عن المفكرين الاستفزازيين المعاصرين له بسبب جرأته في تحدّي ورفض الأخلاق ذاتها. وبينما شكّك العديد من معاصريه بالتقاليد، فهو ذهب بعيدا في إنكار ليس فقط الآلهة وانما أيضا جوهر الأسس الأخلاقية ذاتها. وبالنتيجة، جرى وصفه من جانب الكتّاب القدماء كملحد وكمؤيد لعدم احترام الاخلاق. وللوقوف على أهمية ثيودورس، من الضروري وضعه ضمن المناخ الثقافي السائد في زمانه. عاش ثيودورس في بداية القرن الثالث قبل الميلاد وكان عضوا في المدرسة القورينية التي اعتبرت المتعة أعلى أشكال الخير. هو لم يرث تعاليمه فقط وانما أضفى عليها طابعا متطرفا، نابذا القيود التقليدية ودافعا الشك الفلسفي الى استنتاجات مقلقة ومثيرة للجدل.2656 skay

الصورة تكشف العدد الهائل للنجوم في مجرة درب التبانة وحيث يشير ثيودورس الى هشاشة الاخلاق في ظل هذا الكون المترامي الاطراف

وُلد ثيودورس في قورين cyrene المدينة اليونانية التي تقع في شمال افريقيا والتي عُرفت بإنتاج مفكرين أذكياء وغير تقليديين. ومنذ نعومة أظفاره أظهر ثيودورس استقلالية فكرية، حيث درس تحت إشراف أتباع أرستيبو قبل ان ينحرف بسرعة عن تعاليمهم. وبينما قدّر القورينيون المتعة، الاّ انهم ظلوا يلتزمون ببعض الأعراف الاجتماعية التي تحدّاها ثيودورس ورفضها رفضا قاطعا. رؤاه غير التقليدية قادته الى صراع دائم مع السلطات، حيث واجه النفي اكثر من مرة. في أثينا، وُجّه الاتهام اليه بالمعصية، وهو اتهام خطير في مدينة لاتزال تتذكر محاكمة سقراط. وعلى الرغم من انه تجنّب الموت لكن الشكوك ظلت تحوم حوله. لاحقا، سافر ثيودورس كثيرا، ممضيا وقته في مصر تحت حكم بطليموس حيث زار المحاكم الهلنستية. هذه الرحلات عكست كل من سمعته المتزايدة وحالة اللااستقرار التي يعيشها. هو جذب الانتباه أينما حل لكنه نادرا ما وجد قبولا.2657 skay

في ظل قوانين الطبيعة لا وجود لحدود اخلاقية

أخلاق ثيودورس الراديكالية

المصدر الأساسي لحياة وتعاليم ثيودورس هو المؤرخ ديوجين لايرتيوس الذى روى عن شخصيته المثيرة وأفكاره الراديكالية. في هذه الشهادة تبرز فلسفته المتماسكة والمقلقة بعمق. عرّف ثيودورس المرح والحزن باعتبارهما الظروف الإنسانية الرئيسية، رابطا المرح بالمعرفة والحزن بالجهل. من هذا الأساس، هو اعتبر التعقل والعدالة هما الخير الحقيقي، بينما المضاد لهما هو الشر. غير انه اعتبر المتعة والألم محايدان أخلاقيا، و وضعهما خارج القيم الأخلاقية الرئيسية.

وفي نفس الوقت، هو رفض احدى الدعامات الأساسية في الحياة الاجتماعية اليونانية وهي الصداقة. وفقا لرؤيته، الصداقة الحقيقية ربما غير موجودة. الافراد الحمقى تخلوا عنها عندما اختفت مزاياها، بينما الحكيم لم يكن بحاجة الى أصدقاء ابدا. الكفاية الذاتية جعلت الصداقة غير ضرورية.

الفلسفة ضد المجتمع

كانت رؤى ثيودورس السياسية استفزازية. هو جادل بان الرجل الحكيم يجب ان لا يخاطر بحياته لأجل بلده، مصرّا على عدم وجوب التضحية بالحكمة لأجل مصلحة منْ يفتقرون اليها. بدلا من ذلك، هو أعلن صراحة ان العالم بأسره هو الوطن الحقيقي للرجل الحكيم، متوقعا شكلا من العالمية الراديكالية radical cosmopolitanism. غير ان معظم الجوانب المذهلة لفكر الفيلسوف ثيودورس تتعلق بالاخلاق ذاتها: هو زعم ان أفعالا مثل السرقة والزنا وتدنيس المقدسات لا تحمل عارا متأصلا، وانما سمعتها السلبية برزت فقط من الأعراف الاجتماعية وآراء الجهلة. لذلك، فان الشخص الحكيم يمكن ان ينخرط بمثل هذه الأفعال عندما تستدعي الظروف. هذه الأفكار بلا شك صدمت الاثنيين بعمق . هو وسّع هذا التفكير الى رغبة الانسان، مدّعيا ان الجمال موجود للإستخدام وان التمتع به غير خاطئ أخلاقيا. ثيودورس بإثارته أسئلة حادة ومقلقة – مثل ما اذا كان الجمال كالمعرفة يحقق غرضا عمليا – هو تحدّى بإصرار المعتقدات التقليدية للاخلاق، مجبرا مستمعيه لمواجهة حقائق غير مريحة.

صراع ثيودورس مع السلطة

عبّر ثيودورس عن فلسفته ليس فقط نظريا وانما عمليا أيضا. هو تحدّث بجرأة مبينا القليل من الاعتبار للسلطة او الرأي العام، ومواجهاته مع المفكرين الآخرين كشفت عن ذكائه وتحدّيه أيضا. فمثلا، عندما حاول ستيلبو الإيقاع به في مأزق منطقي، قبل ثيودورس الاستنتاج السخيف بدون تردد. حتى عندما أوحت الحجة بانه يمكن ان يكون أي شيء، ظل غير مبال مبديا تبنّيه للعقل والمبدأ بدلا من السمعة. هو أيضا واجه السلطات الدينية بمفارقة حادة. عندما سأل الكاهن الأكبر يوريكليدس عن المعصية، هو حوّل الجواب ضده، مجادلا ان الكشف العلني عن الاسرار المقدسة جعل الكاهن ذاته مذنبا بالمعصية. رؤاه غير التقليدية ومسائلة الاخلاق طالما وضعته في خطر جسيم. طبقا لديوجين، هو اوشك على مواجهة المحاكمة امام اريوباغوس وربما نال عقوبة الموت لو لم يتدخل ديمتريس الفاليرومي لإنقاذه.

وفي وقت لاحق، عمل ثيودورس في محكمة بطليموس وتصرّف كسفير لليسماخوس، محتفظا بجرأته حتى في المحاكم الملكية. عندما سخروا منه بسبب نفيه، هو أجاب بذكاء اسطوري، عندما حذّروه بعدم العودة، أجاب بهدوء انه لن يأتي الاّ اذا تم ارساله. وفي مواجهة أخرى، اتهمه مسؤول في المحكمة بعدم احترام الالهة والحكام. أجاب ثيودورس انه لم يتجاهل الالهة لكنه اعتبر المسؤولين أعداءً لهم – وهو جواب يعكس الاستقلالية الأخلاقية والجرأة التي صاغت اتجاهه في الاخلاق والسلطة.

السنوات الأخيرة لثيودورس

حتى بين زملائه، هو بقي متحديا. عندما سخر منه المتروكليس الساخر، أجاب بسرعة وبقوة تعكس الطبيعة الحادة للنقاش الفلسفي القديم. بالنهاية، هو عاد الى قورينا وعاش في ظل حماية الحكام المحليين. بالرغم من النفي حافظ  ثيودورس على روح الدعابة حول مصيره، قائلا وهو يمزح ان طرده يعني ارساله "من افريقيا الى اليونان".

جسّد ثيودورس واحدا من بين أكثر الشخصيات الراديكالية في اليونان القديمة، مفكر رفض التقاليد ونبذ الحدود الأخلاقية ورفع من قيمة العقل فوق كل المعايير الاجتماعية. وبالنهاية، هو لم يتحدّ فقط المجتمع وانما أجبره لمواجهة افتراضاته الخاصة وإعادة النظر في أسس الحياة الأخلاقية.  

***

حاتم حميد محسن

 

ليس غياب التعليم الفلسفي في مجتمعاتنا مجرد تفصيل ثانوي داخل ازمة التعليم، ولا يمكن تفسيره بضعف المناهج او قلة الكوادر او ازدحام المقررات الدراسية فقط. هذا الغياب في جوهره علامة على شيء اعمق: طريقة فهمنا للعقل نفسه، وحدود ما نسمح له ان يفعله، ونوعية العلاقة التي تربط المعرفة بالسلطة وبالمجتمع وبالمدرسة. نحن لا نتحدث عن مادة دراسية مفقودة بقدر ما نتحدث عن نمط تفكير غير مسموح له ان يتجذر. عندما يطرح سؤال الفلسفة في التعليم، غالبا ما يجاب عليه بطريقة تقنية: هل نضيف المادة ام لا؟ كم عدد الساعات؟ من يدرسها؟ لكن هذه الاسئلة، رغم اهميتها الادارية، تتجاهل السؤال الحقيقي: هل بنية التعليم نفسها تسمح بوجود فلسفة؟ لان الفلسفة ليست اضافة الى المنهج، بل هي طريقة في تفكيك المنهج نفسه.

منذ السنوات الاولى للتعليم، يتم تشكيل عقل المتعلم على اساس محدد: هناك اجابة صحيحة واحدة، وهناك مسار واحد للوصول اليها. هذا النموذج، الذي يبدو فعالا من حيث التنظيم، ينتج نوعا خاصا من الوعي: وعي يبحث عن الحلول الجاهزة اكثر مما يبحث عن الاسئلة. في هذا السياق، تصبح الفلسفة مادة مزعجة، لانها لا تقدم اجابات نهائية، بل تفتح احتمالات لا تنتهي. الفلسفة في جوهرها ليست تراكم معلومات، بل تدريب على الشك المنهجي. لكنها حين تدخل الى نظام تعليمي قائم على اليقين، تتحول الى عنصر غريب. ليس لانها صعبة، بل لانها ترفض ان تكون سهلة. فهي لا تسأل فقط: ما هو الشيء؟ بل تسأل ايضا: لماذا نفهمه بهذه الطريقة؟ ومن الذي قرر هذا الفهم؟ وما الذي يتم اقصاؤه حين نختار هذا التعريف؟

هنا يظهر ما اشار اليه ميشيل فوكو في علاقته بين المعرفة والسلطة. المعرفة ليست محايدة تماما، بل تتحرك داخل شبكات من القوة تحدد ما هو مقبول وما هو غير مقبول معرفيا. داخل المدرسة، هذا يتجلى في شكل واضح: بعض الاسئلة مرحب بها لانها ضمن المنهج، واسئلة اخرى غير مرحب بها لانها تخرج عنه. وهكذا يتم رسم حدود غير مرئية للعقل منذ البداية. لكن اختزال المشكلة في السلطة وحدها لا يكفي. لان هناك ايضا بنية ثقافية اوسع تتشكل داخل المجتمع. هذا المجتمع لا يرفض التفكير الفلسفي لانه يكرهه، بل لانه غالبا لم يُدرَّب على التعامل مع السؤال بوصفه قيمة ايجابية. في كثير من السياقات، السؤال يُفهم كتشكيك، والتشكيك يُفهم كتهديد، والتهديد يُفهم كفوضى. بهذه السلسلة، يصبح التفكير النقدي مشبوها حتى قبل ان يُمارس. غير ان هذا التفسير ايضا ناقص اذا لم نضع التعليم نفسه في مركز التحليل. النظام التعليمي الحالي، في كثير من اشكاله، لا يهدف الى انتاج مفكرين، بل الى انتاج ناجحين في الامتحان. النجاح هنا يقاس بالقدرة على اعادة انتاج المعرفة، لا على انتاج سؤال جديد حولها. لذلك يتم تدريب الطالب على مهارة اساسية واحدة: كيف يطابق الاجابة مع النموذج، لا كيف يفكك النموذج نفسه.

هذا النوع من التعليم لا يقتل الفلسفة بشكل مباشر، لكنه يخلق بيئة لا تحتاجها. لان الفلسفة تحتاج الى فراغ، الى مساحة غير محسومة، الى قدرة على تحمل عدم اليقين. بينما النظام التعليمي التقليدي يسعى الى تقليل هذا الفراغ الى الحد الادنى، لانه يعتبره علامة على الفشل التنظيمي، لا على الامكان الفكري. اذا انتقلنا الى مستوى اعمق، سنجد ان الفلسفة ليست مجرد مادة غائبة، بل هي غياب لطريقة معينة في التعامل مع العالم. في الفلسفة، لا ينظر الى المفاهيم كحقائق ثابتة، بل كبنى قابلة للتفكيك. ما معنى العدالة؟ ما معنى الحرية؟ ما معنى الدولة؟ هذه الاسئلة لا تهدف الى الوصول الى تعريف نهائي، بل الى كشف طبقات المعنى وتاريخ تشكله. لكن هذا النوع من التفكير لا يجد مكانه بسهولة داخل نظام يفضل التعريفات الجاهزة. حين نقارن هذا الوضع بتجارب تعليمية اخرى، مثل فرنسا او المانيا، يظهر الفرق بشكل واضح. في فرنسا مثلا، الفلسفة ليست مادة هامشية، بل جزء من الامتحان النهائي في المرحلة الثانوية. لكن الاهم ليس وجود المادة، بل طريقة التعامل معها. الطالب لا يُطلب منه ان يحفظ آراء الفلاسفة فقط، بل ان يكتب مقالا يناقش فيه اشكالا فلسفيا. السؤال هو المركز، وليس الجواب. هذا التحول البسيط في البنية يغير طبيعة التعليم بالكامل: من تعليم قائم على التكرار الى تعليم قائم على التفكير. عندمآ  تنقل الفلسفة الى سياقات لا تتبنى هذا التصور، يتم تفريغها من محتواها النقدي. تصبح اسماء: افلاطون، ارسطو، ديكارت، ابن رشد، لكنها لا تتحول الى اسئلة حية. يتم التعامل معهم كجزء من التاريخ، لا كجزء من الحاضر الفكري. وبهذا تتحول الفلسفة الى معرفة محفوظة، لا الى ممارسة تفكير.

يمكن استدعاء فكرة كانط عن التنوير، حين ربطه بقدرة الانسان على استخدام عقله دون وصاية. التنوير عنده ليس حدثا تاريخيا انتهى، بل حالة مستمرة من الخروج من الاعتماد على الاخر في التفكير. لكن هذا الخروج لا يمكن ان يحدث داخل نظام تعليمي يعيد انتاج الوصاية بشكل ناعم: وصاية الكتاب، وصاية المعلم، وصاية الامتحان، وصاية النموذج. المفارقة ان الخطاب الرسمي في كثير من السياقات التعليمية يتحدث عن تنمية التفكير النقدي، لكن هذا التفكير غالبا يبقى محصورا داخل حدود آمنة. يمكن للطالب ان يناقش داخل الاطار، لكن لا يُسمح له دائما باعادة تعريف الاطار نفسه. وهنا يبدأ التناقض: التفكير النقدي يصبح وظيفة داخل النظام، لا اداة لمساءلته.

هذا الوضع ينتج اثرا عميقا على مستوى الوعي العام. لان غياب الفلسفة لا يعني فقط غياب مادة دراسية، بل غياب قدرة على التعامل مع التعقيد. حين يغيب التفكير الفلسفي، يصبح العالم اكثر بساطة مما هو عليه فعلا: اما صح او خطأ، اما جيد او سيئ، اما مع او ضد. هذه الثنائية المريحة قد تبدو مفيدة في الحياة اليومية، لكنها غير كافية لفهم واقع معقد بطبيعته. في السياسة، يؤدي هذا الغياب الى اختزال القضايا في شعارات. في الدين، يؤدي الى تحويل الاسئلة الوجودية الى اجوبة مغلقة. في المجتمع، يؤدي الى صعوبة قبول الاختلاف. لان الفلسفة، في جوهرها، لا تعلمنا ماذا نفكر فقط، بل تعلمنا كيف نختلف دون ان نلغي الاخر. لكن من الظلم ايضا تحميل التعليم وحده المسؤولية. لان غياب الفلسفة هو نتيجة تفاعل بين عدة مستويات: التعليم، المجتمع، السلطة، والتاريخ الثقافي. كل مستوى يعيد انتاج الاخر بطريقة ما. المجتمع الذي يخاف السؤال يعزز تعليم لا يشجع عليه، والتعليم الذي لا يشجع السؤال يعيد انتاج مجتمع اقل استعدادا له. وهكذا ندور داخل حلقة مغلقة.

السؤال الحقيقي اذن ليس: لماذا لا ندرس الفلسفة؟ بل: ما نوع الانسان الذي نريد ان ننتجه من خلال التعليم؟ هل نريد انسانا يكرر المعرفة، ام انسانا يسائلها؟ هل نريد عقلا مغلقا داخل الاجابات، ام عقلا قادرا على العيش داخل الاسئلة؟ الاجابة عن هذا السؤال ليست تقنية، بل سياسية وثقافية في آن واحد. لانها تتعلق بتوزيع السلطة داخل المعرفة نفسها: من يملك حق السؤال؟ ومن يحدد حدود التفكير؟ ومن يقرر ما هو طبيعي وما هو مرفوض معرفيا؟ في غياب التعليم الفلسفي ليس فراغا بسيطا يمكن ملؤه بإضافة مادة الى المنهج. انه مؤشر على نمط اوسع من التفكير داخل المجتمع. نمط يفضل اليقين على السؤال، والاجابة على الاحتمال، والاستقرار على القلق المعرفي. لكن الفلسفة، في اعمق مستوياتها، لا تزدهر في اليقين، بل في القلق. ولذلك فإن استعادتها لا تعني فقط تدريسها، بل تعني اعادة الاعتبار للسؤال نفسه كقيمة تعليمية وثقافية. وحين يحدث ذلك، لن يكون غياب الفلسفة مجرد مشكلة تعليم، بل بداية تحول في طريقة فهمنا للعالم ولانفسنا.

***

زكريا - نمر

 

الجينات البيولوجية غير مُحدَّدة مما يفسِّر التحوّل الجيني فإمكانية الارتقاء الطبيعي والتطوّر. من الممكن التعبير عن لا مُحدَّدية الجينات من خلال القانون التالي: الجينات البيولوجية × صفر = إنتاج معلومات (حيال تكوّن الأحياء) × صفر. بما أنَّ الجينات × صفر = إنتاج معلومات × صفر، إذن الجينات = (إنتاج معلومات × صفر) ÷  صفر. وبذلك الجينات = صفر ÷  صفر. لكن الصفر مقسوم على صفر نتيجته غير مُحدَّدة. بذلك الجينات غير مُحدَّدة. هكذا ينجح القانون السابق في التعبير عن لا مُحدَّدية الجينات.

بما أنَّ، بالنسبة إلى قانون الجينات السابق، الجينات غير مُحدَّدة، إذن من المتوقع نشوء التحوّل الجيني من جراء أنَّ الجينات غير مُحدَّدة سلفاً مما يؤدي إلى الارتقاء الطبيعي والتطوّر. إن كانت الجينات مُحدَّدة، فحينئذٍ لن تتغيّر. لذلك لا مُحدَّدية الجينات تسمح بنشوء التحوّل الجيني. هكذا ينجح قانون الجينات السابق في تفسير نشوء التحوّل الجيني فالتطوّر البيولوجي مما يشير إلى صدق هذا القانون على ضوء نجاحه التفسيري. وبكلامٍ آخر، بما أنَّ، بالنسبة إلى هذا القانون، الجينات البيولوجية × صفر = إنتاج معلومات حيال تكوّن الأحياء × صفر، إذن الجينات كامنة في إنتاج معلومات حيال تكوّن الأحياء بدلاً من أن تكون معلومات متوارثة مما يمكّن من نشوء التحوّل الجيني من جراء أنَّ الجينات ليست معلومات متوارثة ومُحدَّدة مُسبَقاً.

من المنطلق نفسه، بما أنَّ، بالنسبة إلى القانون السابق، الجينات غير مُحدَّدة، إذن الجينات نفسها قد تؤدي إلى نتائج بيولوجية مختلفة (كما تؤكِّد البيولوجيا المعاصرة) وذلك من جراء لا مُحدَّدية الجينات. هكذا أيضاً ينجح هذا القانون في تفسير لماذا الجينات نفسها قد تؤدي إلى نتائج مختلفة. و في هذا دليل آخر على صدق قانون الجينات السابق على أساس نجاحه التفسيري. كما ينجح هذا القانون في التعبير عن أنَّ الكائنات الحيّة تتكوّن على ضوء جيناتها. فبما أنَّ الجينات البيولوجية × صفر = إنتاج معلومات حيال تكوّن الأحياء × صفر، وبذلك الجينات كامنة في إنتاج معلومات حيال كيفية تكوّن الكائنات الحيّة، إذن الكائنات الحيّة تتكوّن على ضوء جيناتها. و في هذا النجاح التعبيري دلالة على صدق قانون الجينات السابق.

بالإضافة إلى ذلك، ينجح القانون السابق في تفسير لماذا الأبناء والأحفاد يشبهون آباءهم وأجدادهم رغم أنَّ الجينات إنتاج معلومات بدلاً من أن تكون معلومات متوارثة. فبما أنَّ الجينات إنتاج معلومات حيال تكوّن الأحياء كمعلومة أنَّ التشابه مع الآباء والأجداد يضمن أرجحية البقاء على قيد الحياة علماً بأنَّ الآباء والأجداد تمكّنوا من أن يحيوا، إذن من المتوقع أن يشبه الأبناء والأحفاد أجدادَهم وآباءهم على ضوء اتبّاع الجينات لتلك المعلومة. هكذا ينجح القانون السابق في تفسير لماذا الأبناء والأحفاد يشبهون آباءهم وأجدادهم.

من جهة أخرى، الجينات إنتاج معلومات متعدّدة ومتنوّعة من جراء أنها غير مُحدَّدة. من تلك المعلومات معلومة أنَّ عدم التشابه مع الآباء والأجداد يضمن التطوّر مما يفسِّر نشوء التحوّل الجيني فالتطوّر البيولوجي. على أساس هذه الاعتبارات، الجينات إنتاج لمعلومات مختلفة ومتعارضة حيال كيف تتكوّن الكائنات الحيّة فمنها معلومة التشابه مع الأجداد مفيد ومنها معلومة أنَّ عدم التشابه مع الأجداد مفيد أيضاً. على هذا الأساس، الجينات مُنتِجة لمعلومات غير مُحدَّدة (من جراء إنتاجها لمعلومات متعارضة) مما يعبِّر عن لا مُحدَّدية الجينات.

قانون الجينات السابق يختلف عن النظرية التقليدية حيال تحليل الجينات البيولوجية ويناقضها لأنه يحلِّل الجينات على أنها إنتاج لمعلومات بينما النظرية التقليدية تعرِّف الجينات على أنها معلومات متوارثة. بذلك هذا القانون يمتلك فضيلة تجديد المعارف من جراء تحليله المُبتكَر. فبينما النموذج التقليدي في تحليل الجينات يعتبرها معلومات متوارثة وبذلك هي مُحدَّدة سلفاً، يؤكِّد قانون الجينات السابق على أنَّ الجينات ليست معلومات متوارثة بل هي إنتاج لمعلومات حيال تكوّن الكائنات الحيّة وبذلك الجينات فعّالة وليست مُحدَّدة ومجرّد كينونات منفعلة.

***

حسن عجمي

من سموّ النصوص إلى مأزق التفعيل في التجربة المغربية

ملخص الدراسة: تتناول هذه الدراسة إشكالية حقوق الإنسان من خلال مقاربة تحليلية-فلسفية مركّبة تستحضر تطورها التاريخي وتحولاتها النظرية، قبل ربطها بالسياق الدستوري المغربي، مع التركيز على دستور 2011 بوصفه لحظة مفصلية في مسار إعادة بناء المنظومة الحقوقية بالمغرب. وتنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن الإشكال الجوهري لحقوق الإنسان لم يعد مرتبطًا بمدى تطور التنصيص القانوني أو تعدد المرجعيات المعيارية، بل بقدرة هذه النصوص على التحول إلى ممارسة فعلية داخل بنية سياسية واجتماعية وثقافية معقدة ومتشابكة.

وتخلص الدراسة إلى أن التجربة المغربية أحرزت تقدمًا مهمًا على مستوى التأسيس الدستوري للحقوق والحريات، خاصة من خلال الانفتاح على المرجعية الكونية لحقوق الإنسان وتعزيز آليات الضمان الدستوري. غير أن هذا التقدم يظل نسبيًا ومحدود الأثر، بفعل استمرار الفجوة بين النص والتطبيق، وهي فجوة لا تفسر بعوامل قانونية أو مؤسساتية فقط، بل أيضا بتداخل البنى الاجتماعية وأنماط الثقافة السياسية وإكراهات الواقع العملي. وبذلك تكشف الدراسة عن استمرار التوتر بين الكونية الحقوقية وخصوصيات السياق المحلي، بما يجعل إشكالية التفعيل هي التحدي المركزي في المرحلة الراهنة.

على سبيل الافتتاح: حين تتحول حقوق الإنسان إلى سؤال وجودي:

لم يعد الحديث عن حقوق الإنسان في الفكر السياسي والقانوني المعاصر مجرد ترفٍ نظري أو خطابٍ أخلاقي يُستدعى في المناسبات أو يوظف في سياقات الضغط السياسي والدبلوماسي، بل غدا سؤالا وجوديا مركزيا يمسّ جوهر الدولة الحديثة، ويعيد تعريف حدود مشروعيتها ومعايير استمراريتها. فالدولة، في صيغتها المعاصرة، لم تعد تقاس فقط بقدرتها على احتكار العنف المشروع أو فرض النظام العام، كما بلور ذلك ماكس فييبر في تحليله الكلاسيكي لجوهر الدولة الحديثة، بل أصبحت تقاس أيضا بمدى احترامها لحقوق الإنسان وقدرتها على ضمان الكرامة الإنسانية بوصفها أساسًا للشرعية السياسية (Weber, 1978).

إن هذا التحول العميق في بنية التفكير السياسي يعكس انتقالًا من تصور سيادي تقليدي للسلطة، يقوم على مركزية الدولة وهيمنتها، إلى تصور تعاقدي-حقوقي يجعل من الفرد نقطة الارتكاز الأساسية في بناء الشرعية. وفي هذا الإطار، لم يعد الإنسان مجرد موضوع تمارس عليه السلطة، بل أصبح فاعلا ومعيارا لتقويمها، وهو ما يعكس إعادة صياغة جذرية للعلاقة بين الدولة والمجتمع، بين السلطة والحرية، وبين القانون والعدالة.

غير أن هذا التحول، على الرغم من طابعه التقدمي الظاهر، يكشف في عمقه عن مفارقة بنيوية تطبع الحداثة السياسية المعاصرة، ويمكن وصفها بـمفارقة الحداثة الحقوقية إذ كلما توسعت المنظومات القانونية والدستورية في الاعتراف بحقوق الإنسان وتكريسها نظريا، كلما برزت في المقابل صعوبات متزايدة على مستوى التفعيل والممارسة الفعلية لهذه الحقوق داخل الواقع الاجتماعي والمؤسساتي (Habermas, 1996). وهكذا تتسع الهوة بين النص والممارسة، بين الإعلان والتجسيد، إلى درجة تحول الحقوق من ضمانات فعلية إلى وعود معيارية مؤجلة، أو إلى أفق قيمي لا يجد دائمًا طريقه إلى التحقق.

إن هذه الفجوة بين المعياري والواقعي لا يمكن اختزالها في قصور قانوني أو ضعف مؤسساتي فحسب، بل ينبغي فهمها بوصفها نتاجا لتشابك معقد بين البنى السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، حيث تتداخل أنماط السلطة مع تمثلات المجتمع، وتتشابك الثقافة السياسية مع آليات إنتاج القرار وتوزيع القوة. ومن ثم، فإن إشكالية حقوق الإنسان لم تعد تطرح فقط على مستوى النصوص، بل أصبحت مرتبطة بمدى قدرة المجتمعات على إنتاج شروط تاريخية ومؤسساتية تجعل من هذه النصوص ممارسة ممكنة وفعالة.

وفي هذا السياق، تكتسب التجربة المغربية أهمية تحليلية خاصة، باعتبارها نموذجا إصلاحيا يسعى إلى إعادة بناء منظومته الدستورية في اتجاه تعزيز الحقوق والحريات، ولا سيما من خلال محطة دستور 2011 الذي مثّل لحظة مفصلية في مسار التحول الدستوري والحقوقي. غير أن هذا التحول، رغم ما يحمله من انفتاح على المرجعية الكونية لحقوق الإنسان، يظل محكوما بتوترات بنيوية بين الطموح المعياري والإكراهات الواقعية، وبين مطلب التحديث السياسي ومتطلبات الاستقرار الاجتماعي، وبين الانخراط في القيم الكونية وخصوصيات السياق المحلي.

ومن هنا تتبلور الإشكالية المركزية التي توجه هذا التحليل: هل نحن أمام تحول حقوقي حقيقي يعكس إعادة تأسيس عميقة للعلاقة بين الدولة والحقوق، أم أننا بصدد إعادة صياغة متقدمة لخطاب حقوقي حديث يظل، في جزء كبير منه، منفصلًا عن شروط التفعيل الفعلي داخل الواقع؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي تفكيك مستويات متعددة من التحليل، تتقاطع فيها الفلسفة السياسية مع السوسيولوجيا القانونية، ويعاد فيها النظر في مفهوم الدولة ذاته بوصفه بنية معيارية وممارسة تاريخية في آن واحد.

أولًا: حقوق الإنسان: من التأسيس الفلسفي إلى البناء الكوني:

إن حقوق الإنسان، في معناها العميق، ليست مجرد منظومة من القواعد القانونية أو النصوص المعيارية، بل هي نتاج مسار طويل ومعقد من التحولات الفكرية التي مست تصور الإنسان لذاته، ولموقعه داخل العالم، ولعلاقته بالسلطة والمجتمع. فهي في جوهرها انتقال من رؤية تجعل الإنسان عنصرًا خاضعًا لبنى كونية أو سلطوية مغلقة، إلى رؤية تؤسس له بوصفه ذاتا حرة، وعاقلة، ومتمتعة بكرامة أصلية غير قابلة للتصرف.

ففي المراحل الأولى من التاريخ الإنساني، لم يكن مفهوم "حقوق الإنسان' حاضرًا بوصفه تصورا مستقلا، إذ كانت الذات الفردية مندمجة داخل منظومات كبرى من قبيل الطبيعة، والمقدس، أو سلطة الحاكم. ففي مصر القديمة، على سبيل المثال، كانت السلطة الفرعونية تقدم باعتبارها امتدادا للنظام الكوني ذاته، حيث يتماهى السياسي مع المقدس، ويغدو القانون تعبيرًا عن إرادة إلهية أكثر منه نتاجًا بشريًا قابلاً للنقاش. ورغم ذلك، فإن وجود أنظمة إدارية وقانونية منظمة يعكس أن الاستقرار الاجتماعي كان ممكنًا دون حضور مفهوم الحرية الفردية بوصفه مبدأً مؤسسًا.

أما في بلاد الرافدين، فقد شكّلت شريعة حمورابي لحظة مفصلية في تاريخ تقنين العدالة، إذ انتقل التنظيم الاجتماعي من الأعراف الشفوية إلى نصوص مكتوبة تقيد السلطة وتحدد العقاب والحقوق. غير أن هذا التحول، رغم أهميته التاريخية، ظل محكومًا بمنطق تراتبي صارم، حيث كانت العدالة تمارس داخل بنية طبقية تكرس التفاوت بدل أن تلغيه. ومع ذلك، فإن مجرد إخضاع السلطة لنص مكتوب يعد خطوة أولى نحو عقلنة القانون وإخراجه من دائرة الغموض إلى مجال التنظيم العقلاني.

وفي التجربة اليونانية، وبالأخص في أثينا، برز تحول نوعي مع نشوء مفهوم "المواطن" حيث تم ربط السياسة بالمشاركة والنقاش العمومي داخل المجال العام. غير أن هذا التقدم ظل محدودا، لأنه قام على إقصاء فئات واسعة من المجتمع، مثل العبيد والنساء والأجانب، مما يكشف أن الديمقراطية الأثينية، رغم قيمتها التأسيسية، كانت ديمقراطية جزئية لا ترقى إلى الكونية التي ستشكل لاحقًا جوهر فكرة حقوق الإنسان. وهكذا، ولدت السياسة كممارسة حرة نسبيًا، لكن لم تولد معها بعد فكرة الإنسان الكوني المتساوي في الحقوق.

أما في روما القديمة، فقد بلغ التطور القانوني درجة عالية من الدقة والصرامة، حيث تبلورت مفاهيم أساسية مثل الملكية، والعقد، والمسؤولية القانونية، ضمن منظومة قانونية عقلانية أثرت لاحقا في الفكر القانوني الغربي. غير أن هذا التقدم التقني في بناء القانون لم يكن مصحوبًا بإلغاء الفوارق الاجتماعية أو تحقيق المساواة، إذ ظل المجتمع الروماني مجتمعا هرميا توزع فيه الحقوق وفق الانتماء الطبقي. وهو ما يؤكد أن تطور القانون، في حد ذاته، لا يعني بالضرورة تحقق العدالة، بل قد يكرس أشكالا جديدة من التراتب داخل إطار أكثر تنظيما.

ومع بزوغ الفكر الديني في مراحله التوحيدية، بدأت تتبلور فكرة جديدة مفادها أن للإنسان كرامة متأصلة، باعتباره مخلوقا ذا قيمة روحية عليا. غير أن هذا الاعتراف ظل في الغالب اعترافًا أخلاقيًا وقيميًا، لم يتحول بعد إلى منظومة حقوقية مقننة، بل بقي محكوما بسلطة التأويل الديني وبمؤسسات الوساطة الروحية.

غير أن التحول الحاسم في تاريخ حقوق الإنسان سيأتي مع الفكر الحديث، حيث سيتم إعادة تعريف الإنسان بوصفه ذاتا عاقلة مستقلة، تمتلك حقوقًا طبيعية سابقة على الدولة نفسها. فقد أكد جون لوك  أن الإنسان يولد مزودًا بحقوق طبيعية غير قابلة للتنازل، مثل الحق في الحياة والحرية والملكية، وأن وظيفة الدولة لا تتمثل في منح هذه الحقوق، بل في حمايتها وتنظيمها (Locke, 1689/1988). وبذلك، انتقل مركز الثقل من السلطة إلى الفرد، ومن الامتياز إلى الحق.

وقد عمّق جون جاك روسو هذا التحول حين ربط شرعية السلطة بالإرادة العامة، معتبرًا أن السيادة لا يمكن أن تكون مشروعة إلا إذا كانت تعبيرا عن الإرادة الجماعية الحرة، وهو ما يعني أن السلطة نفسها لا تكتسب معناها إلا من خلال انبثاقها من الشعب، لا من فوقه (Rousseau, 1762/2002). وهكذا، أصبحت الحقوق جزءًا من بنية العقد الاجتماعي، لا مجرد امتيازات ممنوحة.

ومع القرن العشرين، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، تم الانتقال بحقوق الإنسان إلى مستوى كوني مؤسساتي، من خلال اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي رسّخ فكرة أن جميع البشر يولدون أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق، بغض النظر عن العرق أو الدين أو الجنس أو الانتماء السياسي (United Nations, 1948). وقد شكل هذا الإعلان لحظة تأسيسية في تحويل حقوق الإنسان من فلسفة معيارية إلى مرجعية دولية ملزمة أخلاقيا وسياسيا.

غير أن هذا الطابع الكوني، رغم أهميته التاريخية، لم ينه الإشكال، بل أعاد صياغته بشكل أكثر تعقيدا. إذ لم يعد السؤال هو: ما هي حقوق الإنسان؟ بل أصبح: كيف يمكن تفعيل هذه الحقوق داخل سياقات تاريخية وثقافية وسياسية متباينة؟ وكيف يمكن التوفيق بين عالمية المبدأ وخصوصية الواقع؟ وهنا تتجدد الإشكالية في صيغتها الأكثر حدة والمتمثلة في الفجوة بين الكوني والمحلي، وبين النص والتطبيق، وبين المعيار والممارسة.

ثانيًا: التجربة الدستورية المغربية: من التراكم الإصلاحي إلى سؤال التحول البنيوي:

يكشف المسار الدستوري المغربي، عند قراءته في امتداده التاريخي، عن دينامية إصلاحية تدريجية اتسمت بالانتقال من الاعتراف المحدود والمتدرج بالحقوق والحريات، إلى توسيع نسبي في نطاقها، وصولا إلى لحظة دستور 2011 الذي مثل، من الناحية المعيارية، محطة مفصلية في إعادة صياغة العلاقة بين الدولة وحقوق الإنسان. غير أن هذا المسار، رغم طابعه التطوري الواضح، لا يمكن فهمه باعتباره خطًا مستقيمًا نحو التقدم، بل بوصفه مسارا مركبًا تحكمه تفاعلات دقيقة بين منطق الإصلاح ومنطق الاستمرارية، وبين مطلب التحديث وإكراهات الاستقرار.

ففي الدساتير الأولى، وخاصة دستور 1962، تم إدراج مجموعة من الحقوق الأساسية ضمن البنية الدستورية للدولة، غير أن هذه الحقوق ظلت في الغالب محكومة بصياغات عامة ومرنة، تفتقر إلى آليات التفعيل الصارمة، مما جعلها أقرب إلى إعلان مبادئ منها إلى ضمانات قانونية فعلية. وقد ارتبط هذا الوضع بسياق تاريخي كانت فيه أولوية الدولة تتمثل في ترسيخ الاستقرار السياسي وبناء المركز المؤسساتي، وهو ما يتقاطع مع أطروحات  صامويل ب. هنتنغتون التي ترى أن فترات الانتقال السياسي غالبًا ما تقدم النظام على الحرية باعتباره شرطًا أوليا للاستقرار المؤسسي (Huntington, 1991).

ومع مرحلة تسعينيات القرن الماضي، دخل المغرب في طور جديد من الانفتاح التدريجي على المرجعية الدولية لحقوق الإنسان، وهو ما تجسد في دستوري 1992 و1996، حيث تم لأول مرة التنصيص الصريح على التزام الدولة بالمواثيق الدولية. غير أن هذا التحول، رغم أهميته الرمزية والمعيارية، ظل محكومًا بمنطق التدرج الحذر، إذ لم يرافقه تغيير جذري في البنية المؤسساتية أو في آليات تفعيل الحقوق، مما أبقى الفجوة قائمة بين مستوى التنصيص ومستوى الممارسة.

أما دستور 2011، فقد مثل، من منظور تحليلي، لحظة إعادة تركيب للخطاب الدستوري المغربي، حيث تم توسيع منظومة الحقوق والحريات بشكل غير مسبوق، مع تعزيز موقع الاتفاقيات الدولية داخل الهرم القانوني، وإدراج مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقوية آليات المشاركة الديمقراطية. كما تم إرساء تصور أكثر تقدّما للحقوق باعتبارها منظومة متكاملة تشمل الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وهو ما يعكس انفتاحا واضحا على المرجعية الكونية لحقوق الإنسان.

غير أن هذا التحول المعياري، مهما بلغت أهميته، يظل محل سؤال نقدي جوهري: هل نحن أمام قطيعة دستورية فعلية تعيد تأسيس العلاقة بين الدولة والحقوق على أسس جديدة، أم أمام إعادة صياغة متقدمة للمنظومة السابقة ضمن منطق الاستمرارية المؤسساتية؟ إن القراءة المتأنية للتجربة المغربية تظهر أن ما يميزها ليس منطق القطيعة، بل منطق التراكم الإصلاحي التدريجي، حيث يتم إدماج عناصر التحديث داخل بنية الدولة القائمة بدل تفكيكها وإعادة بنائها جذريا.

إن هذا الخيار التراكمي يمنح التجربة المغربية قدرا مهما من الاستقرار المؤسساتي، ويقلل من مخاطر الانفجار السياسي أو القطيعة غير المحسوبة، لكنه في المقابل يطرح إشكالا بنيويا يتعلق بإيقاع التحول نفسه، إذ إن التدرج، رغم عقلانيته السياسية، قد يؤدي إلى إبطاء مسار التفعيل الفعلي للحقوق، ويبقي الفجوة قائمة بين النص الدستوري والممارسة الواقعية. وهنا تتجلى المفارقة المركزية التي تحكم هذا النموذج: تقدم واضح على مستوى البناء المعياري، يقابله بطء نسبي على مستوى التحقق العملي.

ومن ثم، فإن التجربة الدستورية المغربية لا تفهم فقط بوصفها مسارا قانونيا، بل بوصفها أيضا تعبيرا عن توازن دقيق بين مطلبين متعارضين نسبيا: مطلب التحديث الحقوقي وفق المرجعية الكونية، ومطلب الحفاظ على استمرارية الدولة واستقرارها التاريخي. وهو ما يجعل من سؤال "التحول الحقوقي" في المغرب سؤالا مفتوحا، لا يحسم فقط بالنصوص، بل بمدى قدرتها على التحول إلى ممارسة اجتماعية ومؤسساتية فعّالة داخل الواقع

ثالثا: كونية الحقوق وخصوصية السياق: جدلية التوتر وإمكانات التركيب

تعد العلاقة بين الكونية والخصوصية من أكثر الإشكالات تعقيدا في حقل حقوق الإنسان المعاصر، بل يمكن اعتبارها الإشكال النظري المركزي الذي يتقاطع عنده البعد الفلسفي بالقانوني، والسياسي بالثقافي. فحقوق الإنسان، في صيغتها الدولية الحديثة، تقوم على افتراض أساسي مفاده وجود طبيعة إنسانية مشتركة تبرر تعميم مجموعة من الحقوق باعتبارها صالحة لكل البشر، في كل زمان ومكان. غير أن هذا الافتراض، رغم قوته المعيارية، يصطدم عند الانتقال إلى الواقع التاريخي بتعدد السياقات الثقافية والاجتماعية والسياسية، التي تنتج تمثلات مختلفة للحرية، والعدالة، والسلطة، والواجب.

إن الكونية، في بعدها الحقوقي، لا تُفهم بوصفها مجرد توسع جغرافي للمعايير الغربية الحديثة، بل بوصفها مشروعا فلسفيا يسعى إلى إرساء حد أدنى من القيم المشتركة التي تضمن الكرامة الإنسانية خارج أي انتماء خاص. فهي تقوم على مبدأ التعميم المعياري، الذي يفترض أن الإنسان، بما هو إنسان، يملك حقوقا غير قابلة للتصرف أو التقييد الثقافي. في المقابل، تنطلق الخصوصية من فكرة مغايرة، ترى أن القيم لا يمكن فصلها عن سياقاتها التاريخية، وأن لكل مجتمع حقا في صياغة تمثلاته الخاصة للعدالة والحرية، وفقًا لتراكماته الثقافية والدينية والاجتماعية.

وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد اختلاف في وجهات النظر، بل بتوتر بنيوي عميق بين منطقين مختلفين في إنتاج المعنى الحقوقي: منطق كوني يسعى إلى التجريد والتعميم، ومنطق سياقي يميل إلى التحديد والتموضع. فبينما تميل الكونية إلى تقديم الحقوق باعتبارها مبادئ فوق-تاريخية تتجاوز الحدود، تميل الخصوصية إلى إعادة تأطير هذه الحقوق داخل شروطها التاريخية، بما يجعلها قابلة للتكيّف مع الواقع المحلي دون أن تفقد ارتباطها بهويته.

وقد أشار جاك دونيلي Jack Donnelly إلى هذا التعقيد حين بين أن الطابع الكوني لحقوق الإنسان لا يعني تجاهل السياقات، بل يقتضي فهم كيفية تفاعل هذه الحقوق مع البيئات الثقافية المختلفة، دون الوقوع في النسبية المطلقة التي تفرغها من مضمونها المعياري (Donnelly, 2013). ومن ثم، فإن الإشكال لا يتمثل في رفض الكونية أو الخصوصية، بل في كيفية بناء علاقة جدلية بينهما تسمح بالحفاظ على البعد المعياري للحقوق دون تجاهل شروط تحققها التاريخي.

في هذا الإطار، تكتسب التجربة المغربية دلالة تحليلية خاصة، لأنها تجسد بشكل واضح هذا التوتر بين الانخراط في المنظومة الكونية لحقوق الإنسان وبين الحفاظ على الثوابت المرجعية الوطنية. فالدستور المغربي، خاصة منذ 2011، يُعلن انفتاحا صريحا على المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ويقر بسموها النسبي داخل المنظومة القانونية، وفي الوقت ذاته يؤكد على خصوصيات الهوية الوطنية والثوابت الجامعة. هذا التداخل يُنتج صيغة مركبة يمكن وصفها بـالكونية المووَّلة، أي كونية لا تستنسخ بشكل ميكانيكي، بل تعاد قراءتها وإعادة إنتاجها داخل إطار سياقي محدد.

غير أن هذا النموذج المركب، رغم ما يوفره من توازن سياسي وقانوني، لا يخلو من إشكالات نظرية وعملية. فهو يطرح سؤال حدود التأويل: إلى أي مدى يمكن تكييف المبادئ الكونية دون تفريغها من مضمونها الأصلي؟ وأين تنتهي الخصوصية بوصفها إطارا للتكيف، وتبدأ بوصفها آلية للتقييد أو إعادة الإنتاج الانتقائي للحقوق؟ إن هذه الأسئلة تكشف أن العلاقة بين الكونية والخصوصية ليست علاقة فصل أو استبدال، بل علاقة توتر دائم تتطلب إدارة دقيقة ومستمرة.

ومن منظور أعمق، يمكن القول إن هذا التوتر يعكس طبيعة الحداثة الحقوقية نفسها، التي لم تلغ الاختلاف بقدر ما سعت إلى تنظيمه داخل إطار معياري مشترك. فحقوق الإنسان، في بنيتها الفلسفية، ليست مشروعًا لإلغاء الخصوصيات، بل لإعادة ضبطها ضمن أفق إنساني مشترك يضمن الحد الأدنى من الكرامة والحماية القانونية. غير أن تحقيق هذا التوازن يظل مشروطًا بقدرة الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين والثقافيين على إنتاج قراءة مرنة للكونية، لا تنزلق إلى التمركز الثقافي، وفي الوقت نفسه لا تقع في فخ النسبية المطلقة التي تفرغ الحقوق من مضمونها الكوني.

ومن ثم، فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود التوتر بين الكونية والخصوصية، بل في كيفية تحويل هذا التوتر إلى فضاء إنتاجي يسمح بإعادة ابتكار الحقوق داخل السياقات المختلفة، دون فقدان طابعها الإنساني المشترك. وهو ما يجعل من تجربة حقوق الإنسان، سواء في المغرب أو غيره، تجربة مفتوحة باستمرار على إعادة التفاوض بين العالمي والمحلي، بين المعيار والتاريخ، وبين النص والممارسة.

رابعًا: الممارسة: حين تختبر النصوص حدودها وتنكشف رهانات الفعل الحقوقي:

إذا كان النص الدستوري يمثل مستوى المعيارية القانونية وإعلانًا عن تصور الدولة لذاتها ولعلاقتها بالمجتمع، فإن الممارسة تُعدّ المجال الحقيقي الذي تتجلى فيه حقيقة هذا التصور، حيث تنتقل الحقوق من فضاء التجريد إلى فضاء التحقق الفعلي. وفي هذا الانتقال تحديدا، تختبر قوة الدستور، لا بوصفه وثيقة قانونية فحسب، بل بوصفه بنية حية تقاس بقدرتها على إنتاج أثر اجتماعي ومؤسساتي ملموس.

وفي الحالة المغربية، يكشف هذا الانتقال عن مفارقة مركزية: فبينما يسجل تقدم واضح على مستوى النصوص الدستورية والتشريعية، بما يعكس انخراطًا متزايدا في المنظومة الكونية لحقوق الإنسان، تظل الممارسة مجالا تتداخل فيه الإنجازات مع حدود بنيوية تبطئ من وتيرة التفعيل الكامل للحقوق. وهكذا يظهر نوع من الانفصال النسبي بين "حقوق معلنة" و"حقوق مُفعّلة"، بين خطاب دستوري متقدم وواقع اجتماعي ومؤسساتي أكثر تعقيدًا.

فمن جهة أولى، تشير العديد من التقارير الدولية، من بينها تقارير (Human Rights Watch)، إلى استمرار بعض التحديات المرتبطة بالحريات العامة، مثل حرية التعبير والتجمع، إلى جانب تفاوتات في ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رغم التقدم التشريعي والمؤسساتي المسجل في السنوات الأخيرة (Human Rights Watch, 2023). ولا يعني ذلك غياب الإصلاح، بقدر ما يعكس بطء الترجمة الفعلية للنصوص القانونية إلى ممارسات مستقرة وموحدة على أرض الواقع.

ومن جهة ثانية، تظهر التجربة أن الحقوق الاجتماعية، مثل الحق في التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، تظل مرتبطة بشكل وثيق بقدرات الدولة الاقتصادية وبفعالية السياسات العمومية، مما يجعلها رهينة إكراهات بنيوية تتجاوز النص القانوني إلى شروط التدبير العمومي ذاته. وهنا يتضح أن الإشكال لا يكمن في غياب الاعتراف بالحقوق، بل في شروط إنتاج العدالة الاجتماعية داخل سياق اقتصادي واجتماعي غير متكافئ.

ويكتسب هذا التحليل بعدًا أعمق عند مقارنته مع أطروحات يورغن هابرماس(Jürgen Habermas)، الذي يؤكد أن فعالية الحقوق لا يمكن أن تتحقق إلا داخل فضاء عمومي ديمقراطي يقوم على التداول الحر والعقلاني، حيث تتفاعل المؤسسات مع المجتمع المدني في إطار من الشفافية والمساءلة (Habermas, 1996). غير أن بناء مثل هذا الفضاء يظل عملية تدريجية ومعقدة، تتطلب ليس فقط إصلاحات قانونية، بل أيضا ترسيخ ثقافة سياسية قائمة على المشاركة الفعلية، واحترام التعدد، وتوسيع إمكانات النقاش العمومي.

ومن هذا المنظور، لا يمكن اختزال الفجوة بين النص والممارسة في كونها خللا قانونيا أو قصورا مؤسساتيًا فحسب، بل ينبغي فهمها بوصفها تعبيرا عن مسار تحول اجتماعي طويل، تتداخل فيه البنى السياسية مع الثقافة المجتمعية، وتتشابك فيه آليات الدولة مع ديناميات المجتمع. فحقوق الإنسان، في هذا السياق، ليست مجرد قواعد تطبّق، بل هي ممارسة تاريخية تبنى تدريجيًا عبر التفاعل بين الفاعلين المختلفين داخل المجتمع.

ومن ثم، فإن التجربة المغربية تظهر أن الانتقال من "الاعتراف الدستوري بالحقوق" إلى "التفعيل الفعلي لها"  لا يتم بشكل تلقائي أو ميكانيكي، بل يمر عبر مسار مركب يتطلب توافر شروط متعددة: كمؤسسات قوية وفعالة، وقضاء مستقل، ومجتمع مدني نشط، وثقافة سياسية تؤمن بالفعل بالحقوق بوصفها ممارسة يومية وليست مجرد إعلان دستوري.

وفي ضوء ذلك، يصبح من المشروع طرح السؤال التالي: هل ما نشهده هو تحول بنيوي عميق في فلسفة الدولة، يعيد تعريف علاقتها بالحقوق والحرية، أم أننا بصدد تحديث مهم في مستوى النصوص، لم يواكبه بعد تحديث مماثل في مستوى البنيات والذهنيات؟ إن هذا السؤال يظل مفتوحا، لأنه يمس جوهر الإشكال الحقوقي ذاته، حيث لا تقاس قوة الدساتير بما تنص عليه فقط، بل بما تنتجه من تحولات فعلية في حياة الأفراد والمجتمع.

على سبيل الختام: نحو أفق حقوقي يتجاوز ثنائية النص والواقع:

تكشف هذه الدراسة، في مجمل مسارها التحليلي، أن إشكالية حقوق الإنسان لا يمكن اختزالها في ثنائية بسيطة بين "نصوص متقدمة" و"ممارسات متأخرة"، بل هي تعبير عن سيرورة تاريخية معقدة تتداخل فيها التحولات الفلسفية مع التحولات السياسية والاجتماعية والمؤسساتية. فحقوق الإنسان ليست معطى نهائيا مكتمل البناء، بل مشروع مفتوح على التحقق، يتقدم ويتراجع وفق توازنات القوى، ووفق مدى نضج البنى القانونية والثقافية التي تحتضنه.

وفي الحالة المغربية، يتضح أن المسار الحقوقي لم يتأسس على منطق القطيعة الجذرية، بل على منطق التراكم التدريجي، حيث يتم إدماج الإصلاحات داخل بنية الدولة القائمة بدل تفكيكها. وقد شكل دستور 2011 لحظة مفصلية في هذا المسار، من خلال توسيع منظومة الحقوق والحريات، وتعزيز المرجعية الكونية لحقوق الإنسان، وإعادة هيكلة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس أكثر انفتاحًا. غير أن هذا التطور المعياري، رغم أهميته، لم يترجم دائما إلى تحول مماثل على مستوى الممارسة، مما يبقي الفجوة بين النص والتطبيق قائمة بوصفها أحد أبرز التحديات الراهنة.

إن الرهان الأساسي الذي تكشفه هذه الدراسة لا يتعلق بإنتاج المزيد من النصوص القانونية، بل بمدى القدرة على تحويل النصوص القائمة إلى واقع معاش، يعيد الثقة في القانون، ويعزز مصداقية المؤسسات، ويجعل من الحقوق ممارسة يومية وليست مجرد إعلان دستوري. ومن ثم، فإن الانتقال المطلوب ليس انتقالا شكليا، بل انتقالا نوعيا من مستوى "الاعتراف بالحقوق" إلى مستوى "التمتع الفعلي بها" ، ومن منطق "الشرعية القانونية"  إلى منطق "الشرعية الاجتماعية" ، ومن "النصوص المعيارية"  إلى "العدالة الملموسة".

وفي ضوء ذلك، يمكن استخلاص النتائج التالية:

نتائج الدراسة:

حقوق الإنسان هي نتاج مسار تاريخي وفلسفي طويل ومركب، وليس معطى جاهزًا أو ثابتا.

الحضارات القديمة أسست أساسا لمنطق النظام والقانون، أكثر مما أسست لفكرة الحرية الفردية، مع بدايات تدريجية لعقلنة السلطة.

الديانات السماوية أسهمت في ترسيخ فكرة كرامة الإنسان من منظور أخلاقي وروحي، حيث قدّم الإسلام نموذجا متوازنا يجمع بين الحق والواجب ضمن تصور شمولي للعدالة.

الفكر الحديث أحدث تحولا جذريا، بنقل الحقوق من منحة سلطوية إلى حقوق طبيعية وعقلانية قائمة على العقد الاجتماعي، قبل أن يتم تدويلها بعد الحرب العالمية الثانية.

مثل دستور 2011 نقلة نوعية على مستوى التنصيص الحقوقي في المغرب، غير أن تحديات التفعيل ما تزال قائمة على مستوى الممارسة.

الإشكال المركزي الراهن يتمثل في استمرار الفجوة بين النص الدستوري والممارسة الفعلية، في ظل توتر دائم بين الكونية الحقوقية والخصوصيات المحلية.

التوصيات:

تعزيز استقلال السلطة القضائية وضمان فعاليتها كضامن أساسي للحقوق والحريات.

تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل عملي وشفاف داخل المؤسسات العمومية.

تعميم ثقافة حقوق الإنسان داخل المنظومة التعليمية والإعلامية، بما يرسخ الوعي الحقوقي المجتمعي.

تقوية دور المجتمع المدني باعتباره فاعلا رقابيً وشريكا في صياغة وتقييم السياسات العمومية.

تسريع ملاءمة التشريعات الوطنية مع الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان بشكل أعمق وأكثر شمولا.

اعتماد مقاربة شمولية لحقوق الإنسان، تربط بين البعد القانوني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، بدل الاقتصار على المقاربة القانونية الضيقة.

وفي النهاية، تؤكد هذه الدراسة أن مستقبل حقوق الإنسان في السياق المغربي، كما في غيره من السياقات المشابهة، لن يحسم فقط على مستوى النصوص الدستورية أو التشريعية، بل على مستوى القدرة الجماعية على تحويل هذه النصوص إلى ثقافة مؤسساتية ومجتمعية، تجعل من الحقوق ممارسة يومية، ومن القانون ضمانة فعلية للكرامة الإنسانية، لا مجرد إعلانٍ معياري معلق بين الطموح والواقع.

***

د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ

 

تبدو القضية التربوية في مجتمعاتنا اليوم وكانها معركة صامتة بين عقل يراد له ان ينطلق، ومنظومة تصر على تصفيده بالاغلال، حيث تبرز معضلة التلقين كقضية حاسمة لا تمس فقط جودة التعليم، بل تمس جوهر الهوية والمستقبل. ان ما يحدث في قاعات الدرس ليس مجرد نقل للمعلومات، بل هو عملية هندسة اجتماعية متعمدة، تعلي من شان الحفظ باعتباره قمة الهرم القيمي، وتتعامل مع التفكير النقدي بوصفه خطرا داهما يهدد استقرار الافكار والقوالب الجاهزة. هذا الاختيار المنهجي ليس وليد الصدفة، بل هو استراتيجية سلطوية تدرك تماما ان العقل الذي يسأل هو عقل يصعب ترويضه، لذا تستبدل ملكة الفهم بملكة الاسترجاع، ويصبح الطالب المثالي هو الاكثر قدرة على استنساخ اجابات الماضي لا على ابتكار اسئلة الحاضر.

اننا امام صناعة ممنهجة للجهل المتعلم، حيث يتضخم حجم المعلومات في العقول بينما تضمر القدرة على تحليلها، فيتحول التعليم من رحلة استكشاف الى طقس من طقوس الطاعة الفكرية. السلطات التي تخشى التغيير تجد في التلقين الدرع الواقي، فهي لا تريد علماء يفككون الواقع ويعيدون بناءه، بل تريد مرددين يمنحون الشرعية للموروث دون فحص. وبهذا يتحول التعليم الى عملية حقن مستمرة للوعي الزائف، حيث يكافأ الصبية على قدراتهم التخزينية وتصرف الجوائز لمن يجيد الترديد، بينما يدفع المفكر الحقيقي الى الهامش، لانه يرفض ان يكون مجرد وعاء لتجارب الاخرين.

هذا التغييب المتعمد للعقل النقدي ينتج اجيالا تعاني من العجز الادراكي، فهي تعرف ماذا تقول لكنها لا تدرك لماذا تقوله، مما يجعلها لقمة سائغة لاي فكر شمولي او تضليل اعلامي. ان تكريس التلقين هو في الحقيقة اعلان وفاة للابداع، لان الابداع يبدأ من حيث تنتهي المسلمات، بينما التلقين يبدأ وينتهي عند تقديسها. وبمرور الوقت، يتحول المجتمع الى قطيع معرفي، يمتلك اعلى الشهادات لكنه يفتقر الى ابسط ادوات المنطق، ليظل السؤال المعلق في اروقة وزارات التربية والتعليم: هل نحن بصدد بناء عقول تبني المستقبل، ام اننا نقوم بترميم سجون فكرية نطلق عليها زورا مسمى مدارس وجامعات؟ ان الكارثة الحقيقية تكمن في اننا لا ننتج الجهل بالصدفة، بل نزرعه بعناية فائقة، ثم نتساءل بكل براءة عن اسباب تخلفنا عن ركب الحضارة، متناسين ان الحضارة لا تبنى بمن يحفظون التاريخ، بل بمن يمتلكون الشجاعة لنقده وصناعته.

***

د. محمد الربيعي

 بروفيسور متمرس ومستشار، جامعة دبلن

الكولونيالية الغربية والحاضنات الثلاث لنشأة الكيان الإسرائيلي/ الجزء الثالث

أولاً: الحاضنة البريطانية: عمل الانتداب البريطاني على فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى على إيجاد مساحة مهمة لليهود؛ من أجل تحقيق حلمهم الكبير في الهجرة إلى فلسطين أولاً، وتحقيق غايتهم المهمة في إنشاء دولتهم المفترضة المنصوص عليها في الاتفاقات التي تمت مع الاستعمار البريطاني. ومن هذا المشروع ذي التصورات الكولونيالية في المنطقة، عملت بريطانيا على ترسيخ مفاهيم عديدة عن تاريخية إسرائيل وحقوق "الشعب اليهودي" في المنطقة، وعلى هذا الأساس انتعشت "آمال الحركة الصهيونية بإمكانية تحقيق الوطن القومي الموعود، وعملت سلطات الانتداب جاهدة على تسهيل الهجرة اليهودية، لتوسعة مجتمع (اليشوف) -اليهود المستوطنون- في فلسطين، كما ساعدت في نشوء الميليشيات الصهيونية المسلحة، وأمدتها بالخبرات والتدريب والسلاح، في مقابل التضييق الخانق على الفلسطينيين ومنعهم من تطوير قدراتهم القتالية للذود عن بيوتهم وأرضهم"(1).

وهذه الممارسات التي عمل عليها الاستعمار البريطاني وحاول تطبيقها بصورة عامة، أسهمت أيضاً في العمل على ممارسات أخرى تصب في مصلحة اليهود وفي السياق نفسه؛ أي أن هذا الاستعمار عمل قبل ستة أشهر من انسحاب قواته عام (1948) على إجلاء قواته من المناطق التي تتواجد فيها الميليشيات اليهودية، وجعل كل ما في المعسكرات من ذخيرة وعتاد لصالح المشروع الصهيوني، وتهيأ ميناء حيفا لاستقبال اليهود المهاجرين، وكذلك من أجل جعل هذا الميناء بوابة حقيقية لتزويد الجماعات المسلحة اليهودية بكل ما تريده من أجل إخضاع الآخر الفلسطيني لسيطرة هذه الجماعات(2).

لذا يمكن أن نستنتج دور الحاضنة البريطانية بما يأتي:

1. على المستوى السياسي: قام الاستعمار البريطاني بالمساهمة الفاعلة في إنشاء هذا الكيان سياسياً من خلال وعده المعروف بـ "وعد بلفور"، وتقديم كل ما يسهم في تدعيم فكرة إنشاء هذا الكيان ثقافياً وأخلاقياً ودينياً، على اعتبار أن اليهود في العالم أجمع ارتكنوا إلى هذا الوعد وتمركزوا حول فكرته؛ لجعله الخانة السياسية التي توفر الغطاء الشرعي لهذا الكيان.

2. على المستوى العسكري: ساعد الاستعمار البريطاني في جعل أرض فلسطين أرضاً صالحة لنمو هذا الكيان عسكرياً، من خلال تزويد ميليشياته بالموارد العسكرية والخبرات والتدريب، بل إنه ترك له بعد الانسحاب ما يجعله يزداد قوة وعنفاً تجاه السكان المحليين الأصليين لهذه الأرض التي أهداها لليهود وميليشياتهم.

3. على المستوى الاقتصادي: أسهم الاستعمار بتوفير ما تحتاجه الجماعات اليهودية والميليشيات المسلحة من خلال توفير بوابة اقتصادية تعد من الممرات المهمة في دعم الكيان الناشئ، وهي "ميناء حيفا" الذي أصبح من أهم النوافذ البحرية لهذا الكيان.

4. على المستوى البشري: أسهم الاستعمار البريطاني في تأمين الهجرة إلى فلسطين من خلال فسح المجال لليهود بالهجرة اللازمة وبالأعداد المفتوحة، وعدِّ فلسطين وطنهم الأم بعد أن كانوا مشتتين في بقاع الأرض.

5. على المستوى الإداري: أسهم الاستعمار البريطاني في بناء وتشكيل العقلية اليهودية إدارياً في بناء فكرة الدولة على أسس تنظيمية استقاها من البريطانيين أنفسهم، الذين مدوه بالخبرات والتدريبات الكافية؛ ليكون اليهودي قادراً على إدارة مناطقه -التي أخضعها بالقوة- إدارياً وتنظيمياً في مواجهة التحديات التي تهدد وجوده.

ثانياً: الحاضنة الفرنسية

إن الدور الفرنسي أعقب الدور البريطاني، وكانت الحاضنة الفرنسية داعمة ومكملة ومتبادلة في الظهور مع الدور البريطاني الذي بدأ يخفت قليلاً، إذ "أتت فرنسا، التي تلاقت مصلحتها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي مع مصلحة إسرائيل، على خلفية عدائهما المشترك للرئيس جمال عبد الناصر، الذي اتهمته باريس بدعم الثورة الجزائرية وأنظمة التحرر الوطني في أفريقيا"(3). مما دعا الاستعمار الفرنسي في هذه المنطقة إلى دعم الكيان الجديد الذي يعد جزءاً مهماً من أطر السيطرة والتمييز الجديدة التي يمارسها الاستعمار بشقيه البريطاني والفرنسي.

تميز هذا الدعم بوصفه مجالاً مكملاً للدعم البريطاني، وللعمل مع هذا الكيان لتحقيق أهداف أبعد مما هو ظاهر للعيان في أرض فلسطين، بل يمتد إلى خارجها أيضاً، ومن أمثلة ذلك: "قدمت باريس إلى تل أبيب عشية العدوان الثلاثي على مصر (72 طائرة ميستير-4 النفاثة، و200 دبابة من طراز AMX-13، و20 ناقلة دبابات، و30 شاحنة عسكرية، ومدافع 155 ملم). ونظراً لضخامة تلك الصفقة سميت (الفيضان)، وكان السلاح الرئيس الذي استخدمته القوات الإسرائيلية في حرب 1967"(4).

وكل هذه الأسلحة التي سلمتها فرنسا للكيان كانت فيها مصلحة مشتركة، وهذا يدلل على حقيقة الأهداف الاستعمارية؛ إذ يُستخدم هذا الكيان لضرب وحدة المنطقة العربية بزرعه في وسطها من جهة، ومن جهة أخرى يُستخدم بوصفه يداً مساعدة لضرب بقية المناطق وشعوبها التي تعارض الوجود الاستعماري، كما حصل في حرب 1967. وهذه الحاضنة عملت بشكل علني على تأييد هذا الكيان من خلال تكريم قادته ومؤسسيه، وعلى هذا الأساس قام الجنرال (شارل ديغول) عام 1961 بتكريم "بن غوريون في قصر الإليزيه بقوله: (نخب إسرائيل صديقتنا وحليفتنا)... لم يقتصر الدعم الفرنسي على السلاح التقليدي، فمنذ العام 1957، بدأ العمل بمشروع (لافوزيه) في مفاعل (ديمونا) لمساعدة إسرائيل على امتلاك القدرة النووية، التي أمنت لها شبكة ردع غير تقليدية تجاه محيطها العربي والإسلامي"(5)، مما جعل فرنسا تمنح هذا الكيان تفوقاً على كل دول المنطقة.

نستنتج مما تقدم أن الحاضنة الفرنسية ركزت على المستويات التالية:

1. المستوى السياسي: قدم الاستعمار الفرنسي أشكال الدعم والاعتراف بالكيان، وجعله حليفاً فوق العادة لفرنسا صاحبة المقعد الدائم في الأمم المتحدة.

2. المستوى الاقتصادي: دعم البناء الداخلي من خلال الصناعات المختلفة، ومنها الصناعات العسكرية المتقدمة.

3. المستوى العسكري: توفير الأسلحة التقليدية (طيران، دبابات)، والأسلحة غير التقليدية عبر المفاعل النووي.

4. مستوى المصالح المشتركة: استخدام الكيان كأداة لضرب الأهداف المعادية للمصالح الاستعمارية وجعله شريكاً كاملاً في حروب المنطقة.

ثالثاً: الحاضنة الأمريكية

لم يكن للدورين البريطاني والفرنسي كفاية في فسح المجال لقيام ونهضة هذا الكيان في سنواته المقبلة، بل كان للدور الأمريكي كلمته الفصل في انطلاقته. إن هذه البداية للدور الأمريكي كانت قريبة جداً من الدعم المباشر الذي قدمته بريطانيا وفرنسا، إذ أبدت الولايات المتحدة "حماستها الكلية للمشروع الصهيوني في آذار 1919، قال الرئيس الأمريكي (وودرو ويلسون): لقد قررت الأمم المتحدة المتحالفة، إلى جانب التأييد القوي لحكومتنا وشعبنا، وضع الأساس للدولة اليهودية في فلسطين. وتجسد الأمر عملياً عام 1924 في الاتفاقية الأنجلو-أمريكية، التي تشير بصراحة إلى حق اليهود في إقامة وطن قومي فيها" (6). وهذه المقدمات كانت ضمن المشروع الكلي للكيان الغربي لبناء دويلة في المنطقة لأسباب حضارية واقتصادية وسياسية وعسكرية، مما دعا الولايات المتحدة للانخراط في المشروع ثم قيادته لاحقاً، وهذا ما يؤكده انتقال مركز القوة في النظام العالمي الجديد إلى أمريكا. وقد دعا الرئيس (هاري ترومان) إلى "السماح بهجرة مئة ألف يهودي إلى فلسطين، والإقلاع عن سياسة (الكتاب الأبيض) التي حدّت من الهجرة نسبياً. فرد (بن غوريون) شاكراً: لم أعد أشك أن مركز الجاذبية لعملنا السياسي في الميدان الدولي انتقل من بريطانيا إلى الولايات المتحدة التي تتزعم العالم"(7). تطورت هذه العلاقة إلى مرحلة الدعم العسكري والاستراتيجي، وأصبحت المنطقة من أولويات الولايات المتحدة في تنافسها مع الاتحاد السوفيتي. هذا الصراع دعا واشنطن لدعم الكيان الصهيوني ليكون منطقة نفوذها الأهم، وتحول الدعم إلى رعاية شاملة كما وصفها (شيمون بيريز)، إذ يرى أن الرعاية بدأت بشكل مباشر "مع تسلم (جون كينيدي) ونائبه (ليندون جونسون) مقاليد السلطة... وتم تزويدنا بالطائرات والدبابات أواسط الستينيات. وعشية حرب 1967، حصلت تل أبيب على طائرات (سكايهوك) و250 دبابة باتون–م 48. وفي أعقابها أصبحت الولايات المتحدة الراعي الأول للكيان عسكرياً واقتصادياً ودبلوماسياً وعلمياً"(8).

نستنتج مما تقدم أن الحاضنة الأمريكية تميزت بالمستويات التالية:

1. التفوق على الدور البريطاني والفرنسي: حيث جعلت الكيان من أولوياتها في صراع القطب الواحد وصورة لقيمها الحضارية في المنطقة.

2. المستوى السياسي: سن قوانين (مثل معاداة السامية) لجعل الكيان غير قابل للنقد دولياً وفرض عقوبات على معارضيه.

3. المستوى الاقتصادي: تقديم دعم لا محدود جعل الاقتصاد الصهيوني مهيمناً إقليمياً في قطاعات صناعية وتقنية عديدة.

4. المستوى العسكري: ضمان "التفوق النوعي" الدائم بأحدث الأسلحة، والتدخل المباشر لحماية الكيان من الهزيمة كما يظهر في الحروب المعاصرة.

5. المستوى العلمي والتقني: توفير الدعم التقني في الحروب الإلكترونية والصناعات الحربية، مما جعل التفوق الصهيوني تفوقاً "مكتسباً" بفضل التجهيزات الأمريكية.

***

أ. د. محمد كريم الساعدي

.....................

الهوامش:

1. محمد خواجه: استراتيجية الحرب الإسرائيلية، بيروت: دار الفارابي، ط1، 2014، ص26.

2. ينظر: المصدر نفسه، ص25، ص27.

3. المصدر نفسه، ص27.

4. المصدر نفسه، ص27.

5. المصدر نفسه، ص27.

6. المصدر نفسه، ص28.

7. المصدر نفسه، ص28.

8. المصدر نفسه، ص28.

لقد تم ذكر مفهوم النور والظلمة في القرآن الكريم، باعتبارهما رمزين للحياة الإنسانية والوجود كله. فالقرآن الكريم كثيرًا ما جمع بين النور والظلمات ليُجسّد معاني الهداية والضلال، والإدراك والغفلة، قال تعالى: "اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ"1. وفي الفكر الصوفي نجد إشارات واسعة إلى أن النور ضياء يُبصر به وهو إشراق البصيرة أيضًا، وأن الظل ليس مجرد غياب للشمس، بل سكونٌ تستريح فيه الأرواح وتستتر فيه الأسرار. حتى الفلاسفة المسلمون، كابن سينا والفارابي، اعتبروا النور مبدأ الإدراك، والظلمة مبدأ الخفاء الذي لا يُدرك إلا بنور يوضحه.

وعلى هذا الأساس، يمكننا أن نستعير من تراثنا الإسلامي عدسة الضوء والظل لنطلّ منها على العلاقات الإنسانية، حيث إن التشابه بين الحقول المعرفية المختلفة يمنحنا فرصة إسقاط حقل أسهل في تفسير حقل أصعب، وهو ما يُطلق عليه في نظرية النظم التشاكل البنيوي. لاحظ بيرتالانفي، وهو عالم أحياء نمساوي وصاحب كتاب نظرية النظم، أن القوانين التي تحكم نمو خلية بكتيريا قد تشبه بشكل مذهل القوانين التي تحكم نمو شركة كبرى أو مدينة. هذا التشابه في الهيكل أو البنية بين مجالات مختلفة تمامًا هو ما سماه التشاكل.

ومن هذا المبدأ وجدنا أن العلاقات تتشابه بشكل مذهل أيضًا مع قوانين الضوء والظل وبنية العلاقات، فالعلاقات هي في جوهرها مزيج بين الضوء والظل يتكاملان ليكشفا لنا حقيقتها. إن ما نحياه من تقارب أو جفاء، وضوح أو غموض، إنما هو انعكاس لهذه الثنائية العميقة.

إن مبحث الضوء والظل في العلاقات الإنسانية، الذي سنخوض فيه هنا، يسعى إلى إعادة قراءة سلوكنا وتواصلنا انطلاقًا من هذه الثنائية الوجودية، في محاولة لضبط السيولة المعرفية التي تحكم العلاقات وتحديدها في قوانين ليست صارمة، لكنها تقدم لنا أدوات للفهم بشكل أفضل. ومن هنا ننتقل من الرؤية التراثية الرمزية للضوء والظل إلى توظيفهما كأدوات عملية لفهم أنفسنا والعالم من حولنا.

مثال على ذلك: عندما نسلّط ضوءًا على جسم مادي معتم، كجدار على سبيل المثال، فإن مركز شعاع الضوء يكون أكثر سطوعًا على الجزء المقابل تمامًا للجدار، أما باقي الأجزاء فيكون فيها الضوء أقل سطوعًا بالتدريج إلى أن نصل إلى مكان معتم تمامًا لا يصله أي شعاع من الضوء.

الآن دعنا نستبدل الجسم المادي، وهو الجدار في المثال السابق، بصفحة معتمة من كتاب ما مكتوب عليها نص ما نريد قراءته. عندما نسلّط شعاع الضوء على جزء معتم من صفحة الكتاب، يتشكّل في المركز حيز دائري مضاء بوضوح، في حين تبقى بقية الصفحة في العتمة. نحن نستطيع أن نقرأ النص الواقع في المنطقة المضيئة بسهولة، أما الأجزاء المعتمة فتبقى غير مقروءة، في حين أن الكلمات القريبة من حافة الضوء تظهر بشكل باهت ويمكن قراءتها بصعوبة، وهي أشبه بظلال باهتة تُقرأ بصعوبة كما لو أنها تتأرجح بين الحضور والغياب، وهذا ما ندعوه بمنطقة الظل. وهذا ما قاله جوردن بيترسون ولكن بطريقة مختلفة حين قال: "إنك ترى الأشياء التي تسهّل تحركك للأمام باتجاه أهدافك المنشودة، ولكنك أعمى عن رؤية كل شيء"2.

هذه الفكرة البسيطة للضوء والظل يمكن تطبيقها على نصوص محكية أيضًا، أو على مشاهد من مسلسل تلفزيوني، أو لوحات فنية وغير فنية. إنها تنطبق على أمثلة لا حصر لها في الحياة والعالم. وبمجرد التدرب على هذه الفكرة واكتساب بعض المهارة، ستجد تطبيقاتها أينما حللت ووقتما تشاء. كلما شاهدت نشرة أخبار، أو قرأت رواية، أو سمعت قصة، أو حكى أحدهم حكاية أو سرد لك حادثة ما، كل تلك الحالات تنطبق عليها طريقة الضوء والظل.

وبنفس الطريقة نقول: نحن نفهم من النص الذي نقرأه فقط المنطقة المضاءة، أما المنطقة المعتمة فلا نفهمها. كذلك ينطبق الشيء نفسه في المحادثة؛ حيث نفهم فقط المنطقة التي يكون شعاع الضوء مسلطًا عليها، أما المنطقة المعتمة من الحديث فلا نراها ولا نلقي لها بالًا، في حين أن المنطقة التي تقع على التخوم يُساء فهمها أحيانًا بقصد وأحيانًا بغير قصد، وهي منطقة حيوية لتلاقح التجارب وتنمية العلاقات.

فالضوء هو شعاع النور (سواء كان فيزيائيًا أو إدراكيًا) المسلط على مكان معين مادي أو معنوي، ويتدرج في شدته من الضوء الخافت إلى الساطع بشدة قد تصل إلى حد العمى البصري. ومما يعزز فهمنا لوجود الضوء الإدراكي ما ورد في القرآن الكريم: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)3، وتشير إلى أن البصر هو مفهوم إدراكي وليس مجرد قدرة فيزيائية فقط.

نحن في هذا المبحث نستخدم منهج الضوء والظل بشكل حركي (ديناميكي)، حيث يتغير المعنى بناءً على تغير سياق الكلام، سواء كان السياق لفظيًا أو سياق الحدث، لذلك أحيانًا يتحول الضوء إلى ظل، والظل إلى ضوء في لحظة أخرى أو مكان آخر، في لعبة ديناميكية من الفهم وعدم الفهم، ومن الإظهار والإخفاء بشكل مستمر ودائم.

مثال على لعبة الضوء والظل: أسعد يقول: إن هذا المطعم المكسيكي أفضل المطاعم في المنطقة. ساري يرد: إن التاكو المكسيكي ذو مذاق طيب وأنا أحبه جدًا، وكلما أرتاد مطعمًا مكسيكيًا أطلب هذا النوع من الطعام. لنحلل هذا النص البسيط المكتوب، والذي هو في الأصل كان نصًا منطوقًا. أسعد وهو المرسل يسلط الضوء على أفضل المطاعم في المنطقة، أما نوعية الطعام فلم يصل إليها أي ضوء، وإن وصل إليها فسيكون ظلًا هزيلًا جدًا. أما ساري فقد سلّط الضوء على نوع الطعام الذي يحبه في المطعم ولم يتحدث عن جودة المطعم. أسعد قد سلّط الضوء على شيء شخصي مفضل لديه وهو يعتبر ضوءًا ساطعًا عنده، أما ساري فقد عتم على ضوء أسعد وسلّط ضوءه الساطع على موضوعه المفضل وهو جودة الطعام.

والآن إذا نظرنا من زاوية مختلفة، سنجد أن ساري قام بإزاحة ضوئية عندما أضاء جزءًا من الظل الذي كان في حديث أسعد، فقد أضاف إلى الحديث بعدًا آخر عندما تحدث عن الطعام الذي يفضله في المطاعم المكسيكية، ونقل ضوء أسعد إلى الظل. هذه الحركة التي قام بها ساري قد حولت الضوء إلى ظل والظل إلى ضوء، وهذا ما يحدث في المحادثات اليومية بشكل يومي ومتكرر معنا جميعًا.

من هذا المثال البسيط من محادثة عادية يتضح أن الضوء والظل هما لعبة الفهم والتواصل أو لعبة الإظهار والإخفاء. الضوء والظل منهج بسيط للفهم، لكنه يحتاج إلى تدريب لتحسين المهارة. تستطيع أن تسقطه على كثير من جوانب الحياة المختلفة: السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها. وهي ستفيد في فهم العلاقات البشرية بشكل أفضل وستحسن مستوى النظر إلى الأشياء والعلاقات بشكل كبير جدًا بواسطة هذه الطريقة البسيطة.

***

الكاتب نبيل عيدو

من حق المجتمع ان يفتقد حضور المثقف في ما يمرّ بالبلاد من احداث وازمات، ومن حق المجتمع أيضاً أن ينتقد المثقف على غيابه أو ضعف حضوره أو انشغاله عنه.

يمكن تصنيف منطقة العمل الثقافي في العراق الى:

١- منطقة قلقة، انموذجها المجتمع.

٢- منطقة باردة، انموذجها السلطة.

٣- منطقة ظل، انموذجها الغربة.

* في منطقة الظل، عبّر المثقف المغترب عن وفائه لبيئة بلده الاجتماعية، فقدّم اعمالاً بيّنت مشاعره تجاه معاناة الناس في بلاده، وكتب عن امنياته وتطلعاته واقتراحاته لتجاوز تلك المعاناة والأزمات، لكنه يظل كما المثقف في الداخل بحاجة الى قاعدة عمل جماعي لتغيير هذا الواقع السيئ، وهذا العمل الجماعي يحتاج الى مشروع يحظى بقبول وتبنّي من قِبل ثقافة النخبة والثقاقة الشعبية وهو ما لم يتحقق لحد الآن.

* اما المثقف الذي يعمل في منطقة باردة فهو مثقف رسمي يعمل موظفاً في مؤسسات الدولة الثقافية.

بشكل أو بآخر صاغ هذا المثقف ثقافته في أروقة الوزارات ومكاتب المسؤولين السياسيين، فأكتفى من نشاطه بلبس الأربطة وقصّ الأشرطة، فهو يعيش الواقع لكنه بعيد عن تفاصيل المشهد الحياتي بحكم جوّ المنطقة الباردة التي يعمل فيها. وليس ادلّ على برودة هذه المنطقة من مقطع الفديو الذي ظهر فيه رئيس الوزراء جالساً في مكتبه، ثم يدخل عليه شاعر العرب الاكبر الجواهري ليقدّم له الشاي، في وضع كشف بشكل جلي عن حالة الزكام الحادة المصابة بها ثقاقة الرئيس، فبرغم إعلانه رفض المحتوى بعد موجة استياء كبيرة جداً ابداها الشارع العراقي، اكدّت الفتاة التي قدّمت الفديو ان كل شيء تم بموافقة سيادته، وان التصوير تم في مكتبه، خلا تلك اللقطة التي يدخل فيها الجواهري على سيادته حاملاً (استكان الشاي) التي تم انتاجها بمساعدة الذكاء الاصطناعي. في مثل هكذا اجواء باردة، لن يشعر المثقف الرسمي بغياب غاز الطبخ او ارتقاع سعر الطماطم في السوق، او ارتفاع سقف الضرائب والكمارك واسعار الادوية وأجور الأطباء في العيادات الخاصة.

- اما المثقف الذي يعمل في منطقة قلقلة فهو مواطن مهموم، يعاني ويتألم، يكتب ويتكلم، لكنه لا يجد سبيلاً لرفع هذه (الغمة عن هذه الأمة)، بسبب انتشار القلق في كل جسم المجتمع الى الحدّ الذي لم يعد ممكناً السيطرة عليه، وهو ما يعني حالة الإدمان. أصابت هذه الحالة جزء المثقف المسؤول عن انتاج الهمّة بالضرر، فأصيب جزء مهم من خلاياه الحية بالتلف، فلم تعد نفسه لتجد أملاً حقيقياً قي التغيير، فراح يكتب لأجل الكتابة، أو يكتب كي لا يفارقه الشعور بأنه لا زال يؤدي ما عليه من مسؤولية ثقافية بحق المجتمع. بعضهم أصيبت ثقافته بنوبة حادّة افقدته الشهية للكتابة والنقد، حتى ان نفراً منهم اعتبر الكتابة والنشر والطبع هدراً مالياً لا يعود بالنفع في بلاد اصابت التفاهة مفاصل الحياة فيها، وظهر وباء الفشل والفساد بين المسؤولين السياسيين، ثم انتقلت العدوى الى الشارع.

يعيش العدد الاكبر من المثقفين العراقيين داخل البلاد، ويمكن تصنيفهم الى جيلين:

١- جيل العهد القريب، وهو جيل المثقفين قبل 2003م

٢- جيل العهد الجديد، وهو جيل المثقفين بعد 2003م

- يتنوع مثقف جيل العهد القريب الى:

١- مثقف استنزف الإنتظار عمره، وجار عليه الزمن حين اعتقل أحلامه وأمنياته في حكومة الظالمين قبل 2003م، ثم أصيب لاحقاً بالشلل الابداعي في حكومة الفاشلين بعد 2003م، فأصبح متقاعداً مشغولاً بدوائه وغذائه أما العمل الثقافي فتحوّل الى محطة استراحة في اخر العمر، يسمع قصيدة شعر هنا، ومحاضرة عن الادب او التاريخ او الفلسفة هناك، و.. و.. فلم يعد بمقدوره التفاعل مع افكار التجديد الثقافي وتغيير الواقع بأكثر من عبارات المباركة والثناء.

٢- مثقف ادرك بوعيه مآلات الحال في البلاد، فتمكن بانتباهه من حثّ اولاده على مغادرة البلاد كي يرفعوا عنه قلقه المتواصل عليهم بسبب اوضاع البلاد التي يراها تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، فلما رحلوا عنه، وظّف الباقي من قلقه في كتابات ومحاضرات تنوّعت بين استذكارٍ للماضي ودعوة هادئة الى ثقافة هادفة في زمن الطباعة الملونة والنشر الالكتروني التي لا يزيد ما قدمته للواقع برغم كثرتها عن حركة (بيدق الجندي في لعبة الشطرنج).لكن هذا المثقف لا يزال يعمل اعتقاداً منه ان الثقافة حياة لا موت فيها.

٣- مثقف لم يسعفه الحظ - برغم وعيه - ليتدارك وضعه المعاشي الصعب، فانشغل في خريفه بعمل يداري به معنوياته، ويداوي بمعاشه احتياجاته، فهو مثقف مهموم حدّ الإعياء، يحتاج الى القراءة والكتابة حاجته الى حبوب الضغط وعلاج السكر، يفرح اذا تذكره احدهم بتكريم أو هدية.

٤- مثقف وجد من يعوّضه بعد سقوط النظام عن سنوات اعتقاله ونضاله، فانشغل بالالتفات الى ترميم ما الحقه النظام البائد به من تعذيب جسدي وتعب نفسي وامراض مزمنة وعاهات مستديمة، فراح يرمم ما بقي له من عافية وراحة، فهو مثقف كرّس وقته للكتابة عن المعاناة والظلم والتعذيب التي لقيها واهله في سجون النظام البائد، وراح ينشر مذكراته ويقيم الندوات والمحاضرات للتعريف بذلك، لم يعد ثائراً كالسابق، حتى وهو يرى الفساد والفشل في مفاصل النظام الجديد، حتى وهو يرى معاناة الناس وهي تكبر يوماً بعد يوم، فما باليد حيلة وقد مضى من العمر اكثره، ولم يعد في العافية ما يكفي.

٥- مثقف قضى جزءاً مهماً من عمره في زمن الظلم والدكتاتورية، حرص على تنمية وعيه الذاتي بعيداً عن اعين السلطة طلباً للسلامة، فهو مثقف يقرأ ويكتب وينشر ما لا يزعج الحاكم ولا يستفز اجهزة الأمن. يكتب لكي يشعر انه لا زال على قيد الوجود. ولما ولى ذلك الزمن الاغبر، كان هذا المثقف معافى ثقافياً، مستقر الى حدّ ما مالياً واجتماعياً، وجد في التغيير فرصته للتعبير عما ينبغي ان يكون عليه الحال الجديد، لكنه فوجئ بزمن تتسارع ايامه، وتتداخل احداثه، في عالم سائل تتحرك فيه الحياة بعشوائية لا تراتب فيها، ولا قانون يحكم حركتها، ولا حكمة تسوده.. لكنه واصل عمله الثقافي، فكان يكتب وينشر ويحاضر ويطبع كتبه، لكن المشكلة الجديدة التي ظهرت هي اختلاف ادوات هذه المرحلة عن الادوات في السابق، فلم يكن نشاط هذا المثقف سوى كتب صامتة على رفوف المكتبات قلما تجد من يقرأها، مع ذلك فهو يعمل بشكل متواصل إيماناً منه بأن المبدع لا يتقاعد وان دواء العقل التفكير، وغذاء الدماغ القراءة، وان الكتابة عافية .

- يصنف مثقف جيل العهد الجديد الى:

1- مثقف بدأ مشواره الثقافي مع نهايات العهد البائد، وواصل العمل الثقافي بعد زوال ذلك النظام، هو مثقف يدرك طبيعة حياة مجتمعه، يمتلك من الهمة ما يكفيه للعمل، لكن المجتمع بعد سقوط النظام البائد وبسبب ضنك المعيشة التي كان عليها، انشغل بتحسين دخله المعاشي على حساب دخله الثقافي، لذا لم يجد هذا المثقف بيئة مستعدة لاحتضان أفكاره ومشاريعه والتفاعل معها، وكان التغيير السياسي والاقتصادي يتسارع في البلاد والمنطقة بأكثر من قدرة مشاريع الثقافة على الإحاطة بذلك التغيير واحتوائه، مع ذلك هو مثقف يواصل نشاطه الثقافي بكل حيوية ويتابع الأحداث ويرصدها في كتاباته ومنشوراته.

2- مثقف شاب بدأ نشاطه الثقافي في زمن التغيير الذي حصل في البلاد بعد 2003م، فهو مثقف يتنوع بين:

- مثقف متفاعل مع جيل الآباء، يعمل على إيجاد منطقة مشتركة مع مثقفي ومفكري هذا الجيل بما يمكنه ان ينتج مشروعاً ثقافياً واعداً يضع خطة مستقبلية للثقافة في حياة الناس.

- مثقف اكتفى بعلاقته بجيل الآباء بالاحترام فقط، دون الالتزام، فهو يرى ان اختلاف أدوات العصر تجيز له ان يبحث عن ثقافة جديدة، ثقافة لا تتعالى على ثقافة جيل الآباء، ولا تلزم نفسها بإتباعها. يتحرك هذا النوع من المثقفين معتمداً على نقطة ارتكاز وهمية في عالم افتراضي تسيل فيه البيانات والمعلومات بسرعة تدفق عالية.

- مثقف وجد ان الصعود الى سفينة النجاة في عصر التقنية الرقمية الذكية، لا يأتي من الإيمان برسالة الثقافة الإنسانية والأخلاقية، وانما يأتي من ركوب موجة (الطشة) واتقان مهنة (بلوكر – ترند - فاشنستا...)، فظهرت صناعة المحتوى الرقمي والفديوهات القصيرة وثقافة ما يطلبه المشاهدون والمستمعون، أدّى هذا الى شيوع الثقافة الشعبية على مواقع التواصل الاجتماعي قياساً بثقافة النخبة.

- مثقف رأى الموج عالياً، فآوى الى ركن بعيد، حتى اذا ما طال مكوثه، أصيب بالنكوص، واصبح من المرجفين، تفاقمت حالته، فراح يثبط من عزيمة الطامحين والساعين الى التجديد والتغيير. فهو مثقف احتلت عنده المصلحة الخاصة كل الاهتمام، واختلت عنده رؤية المجتمع بعين واحدة، وانشلت فيه فكرة التغيير.

- مثقف يرى في التغريب سبيلاً افضل لمواكبة ما يجري في العالم، هو مثقف يوظف طبيعة المجتمع كي يمرر عليه ثقافة مستوردة، راقت لبعضهم بسبب غرابة محتواها ومضامينها، فظهرت في المجتمع سلوكيات وأفكار غريبة عن طبيعته، طالت بعضها قيم واخلاق اجتماعية متفق عليها فتسبب ذلك في ظهور مشاكل كثيرة داخل النفس الواحدة، وداخل الأسرة الواحدة.

- مثقف وجد في العمل الثقافي مكملاً غذائياً يحسّن مظهره الاجتماعي امام الآخرين، في زمن أصيبت فيه شخصيات بعضهم بالظمأ المتواصل للوجاهة و(الطشّة)، فهو مثقف غير معني بقضايا المجتمع، ولا حتى بقضايا الثقافة برغم اطلاعه وقراءاته، انه معني بالمظهر الثقافي، فتراه حاضراً في الأمسيات والمنتديات والملتقيات، يبحث عن (سلفي) وصور ينشرها على حسابه الخاص في منصّات التواصل الاجتماعي .

لم ينجح أياً من العقل السياسي او العقل الديني في العراق حتى اليوم، في تقديم مشروع ثقافي مستوفي وعملي لإنقاذ المجتمع من الضرر الذي لحقه منذ بداية القرن الواحد والعشرين وحتى يومنا هذا، فقد سجلت الإحصاءات المحلية ارقاماً ما كانت مسبوقة في حالات الطلاق التي اخذت تصل الى خمسة الاف حالة خلال شهر ، وحالات الانتحار التي بدأت بــ 13 حالة سنة 2003 لتصل الى 375 حالة سنة 2020م. ولا يكاد يمر يوم دون ان يكون في نشرات الاخبار حديث عن المخدرات والادمان في البلاد، فضلاً عن حالات العنف الأسري والعنف المجتمعي التي اخذت تزداد هي الأخرى و...

- يمكن توضيح علاقة المثقف بالمجتمع في ان:

-  المجتمع يشاهد ويسمع اكثر مما يقرأ. والمثقف يقرأ كما يشاهد ويسمع.

-  المجتمع سريع التأثر بطيء التغيّر.

-  موقف المجتمع انفعالي عاطفي، بينما موقف المثقف تأملي موضوعي.

-  المجتمع عادة لا يستجيب لمثقف لا يخضع لجوه العام مهما كانت فكرة المثقف قوية نافعة ومهما كان عطاؤه ثراً.

-  المثقف المستقل هو مثقف مغمور عادة، مهما كان مبدعاً، بينما المثقف المنتمي مثقف مشهور مهما كان عادياً، لأن القوة التي ينتمي اليها تهيء له أسباب الشهرة التي يفتقر اليها المثقف المبدع المستقل.

-  روح المجتمع اقوى من روح الفرد، لذا لابد للمثقف من ان يحمل روح المجتمع في عطائه الفكري، ليس بالشكل الذي يُخضع فيه تفكيره لروح المجتمع، ولكن بالشكل الذي يتمكن فيه من تطويع روح المجتمع لقبول أفكاره.

- العلاقة بين المثقف والمجتمع تحتاج الى مشروع قادر على تمكين المجتمع ثقافياً، فإذا أخذنا في نظر الاعتبار ان حوالي مليوني عنوان كتاب تصدر حول العالم سنوياً، فإننا مسؤولون عن إيجاد منطقة عمل مشتركة بين المثقف والمجتمع، يتم فيها تحويل قلق واستنفار المجتمع الى هدوء في جو تقني يساعد على تحصين روح المجتمع ضد الانهيار المراد له. تظهر هذه المنطقة بعيداً عن ثنائية الانعزال والمواجهة، لأن الانعزال يؤدي الى شلل ابداعي، والمواجهة تؤدي الى موت سريع. لذا نحن بحاجة الى مسار ثالث ننجح فيه في تمكين المجتمع ثقافياً فالمشكلة ليست في وجود او عدم وجود قدرة في المجتمع على العمل الجمعي، لكن المشكلة في طبيعة هذه القدرة، فمن خلال مواقف عديدة اثبت المجتمع ان لديه قدرة على العمل الجمعي. المشكلة هي ان المجتمع يفتقر الى مشروع او قوة تمنحه الاستمرارية في العمل الجمعي، وينبغي ان لا يفوتنا ان كثرة الأزمات في المجتمع العراقي تسببت في إرهاق الوعي الجمعي، او عززت غريزة الأنا في الفرد بحيث أصبحت (أنا شعليه) عكازة يتعكز عليها كثير من الناس عندما يرى موقفاً او حالة تستنفره. عندما تصبح الأزمة شأناً حياتياً متكرراً في حياة الناس، فإنهم سيتوقفون عن التفكير بالمشاريع الكبيرة كالتغيير والنهضة والثورة. لأنهم سينكفئون على تأمين الخبز وغاز الطبخ. مع كل هذا نعلم جيداً انه لم يولد مشروع نهضة في منطقة راحة في حياة أي مجتمع، لذا يمكننا ان نضع الخطوات الرئيسة لمشروعنا " تمكين المجتمع ثقافياً" كما يلي:

-  المطالبة بفصل الثقافة كمؤسسة دولة عن سياسة الأنظمة الحاكمة في البلاد بجعل الثقافة وزارة مستقلة شأنها شأن القضاء ومفوضية الانتخابات، وكنت قد كتبت في ذلك من قبل.

-  اعتماد الفهم الانثروبولوجي للثقافة، حيث علاقة المجتمع بالثقافة علاقة متواصلة متزامنة، فلا يفهم المجتمع بعيداً عن حضور الثقافة لدراسة طريقة حياة الناس لتطويرها. ولا تفهم الثقافة بعيداً عن دور المجتمع في التفاعل معها.

-   انشاء قاعدة عمل جماعية تعتني بالثقافة الشعبية وتعمل على تغذيتها بثقافة نخبوية من خلال الاعلام والتعليم التدريجي وصولاً الى مرحلة التمكن الثقافي.

- تطبيق عملي لمشروع تمكين المجتمع ثقافياً حيث ينتقل الفرد من مرحلة الوعي التلقائي الى مرحلة الوعي الموضوعي، وهي مرحلة يمكن ان نطلق عليها " إعادة ضبط المصنع" للعلاقة بين الدولة والمجتمع. عند ذاك سيتمكن المجتمع كمثقف ومواطن عادي من اتخاذ مواقف واضحة وخطوات عملية فيها من الجرأة ما يصدم ارباب صناعة الازمات في البلاد.

- السياسة بلا ثقافة تؤدي الى إعادة تدوير الوجوه والاسماء والكيانات مع بقاء العقلية السياسية ذاتها في السلطة وهو وباء خطير يجمد حركة المجتمع ويمنع نموه. والثقافة بلا سياسة ليست سوى أفكار محبوسة في عقول أصحابها او في كتاباتهم وكتبهم، لا تجد من يترجمها الى واقع معاش.

- صياغة دستور قائم على الاستقراء اليقيني لطبيعة حياة المجتمع، لقد كشفت سياسات الأنظمة الحاكمة طيلة عقدين من الزمن ان العقل السياسي العراقي لا يفهم طبيعة الشخصية العراقية وطبيعة المجتمع العراقي فهماً عميقاً.

- التعافي التدريجي، يبدأ عندما يشعر المواطن ان الحكومة صديقة للشعب، وليست مسلطة عليه. يتحقق هذا عندما يعمل الدستور لصالح ادق تفاصيل حياة الفرد والمجتمع.

- احداث تنسيق عالي المستوى بين المثقف الموضوعي والسياسي النزيه والمواطن المسؤول والعسكري الوطني.

- تحويل التظاهرات من مجرد أداة ضغط شعبيي عفوي، الى أداة ضغط وحصاد في الوقت ذاته، فقد تبين من خلال تظاهرات كثيرة ان المجتمع نجح في تظاهراته بالضغط على مصادر القرار، لكنه لا يزال لحد الان لا يعرف كيف يحصد نتائج تلك التظاهرات، بدليل ان كل التظاهرات انتهت لصالح ترقيعات السلطة او انقضاض قوى أخرى على المشهد لا تخدم اهداف التظاهرة.

- بدون أي غطاء ثقافي وفلسفي تبدو أي محاولة تغيير او أي تظاهرة وكأنها مجرد مطالب شخصية او صراع على المناصب والمكاسب، المثقف خير من يصوغ هذا الغطاء حيث هوية جديدة تتجاوز الطائفية والحزبية والفئوية وتقدم مشروع تمكين المجتمع ثقافياً كمشروع قابل للتحقق وليس كنشاط ثقافي ينتهي بـعبارة (شكراً للأستاذ المحاضر – شكراً للباحث..).

تتولى النخب السياسية المثقفة هندسة المؤسسات الحكومية عبر ثنائية الخبرة والرؤية، بحيث لا يغدو العمل الثقافي نشاطاً تكميلياً تجميلياً كما هو اليوم، بل يصبح برامج عمل حقيقية في مؤسسات رقابية غير روتينية.

-  النخب العسكرية المثقفة بإيمانها ان القوة الأمنية والقوة العسكرية هي قوة الشعب التي تستمد منها السلطة قوتها وليست قوة السلطة التي على الشعب ان يخضع لها، هذه النخب هي صمام أمان نجاح مشروع تمكين المجتمع ثقافياً.

-  التغيير الإيجابي لا يحتاج الى قوة خارجية او قوة خارقة او معجزة، بقدر ما يحتاج الى تنسيق ثلاثي بين الفكرة والتنفيذ والأمل.

-  عندما يصبح الخوف من انهيار الدولة اكبر من الخوف من تداعيات تفاهة السلطة، تنطلق شرارة البداية.

-  واخيراً، مهما تعاظم نفوذ السلطة السياسية، فإنها في لحظة ما تأكل نفسها من الداخل، وملامح هذه اللحظة واضحة من خلال سوء إدارة البلاد وتخبط قرارات السلطة وامعانها في استنزاف المواطن مالياً.

***

عدي عدنان البلداوي

فيما يشبه التهنئة بالجنسية الهولندية للعائلة الدهشلية

بعد خمس سنوات من التعايش والتعلم والاندماج الحضاري والتفاعل الثقافي. حصلت عائلة الصديق العزيز الناشط المدني عمر علي الدهشلي على الجنسية الهولندية. فألف مبارك هذا الاستحقاق السياسي، للعائلة الكريمة في الدولة الهولندية العدالة والمستقرة ونسأل الله أن يكتب لهم الخير والتوفيق في وطنهم الجديد هولندا، هذا البلد التي استطاعت عبر قرون من العمل والعقلانية أن تبني دولة حديثة تحترم الإنسان وتصون حقوقه وكرامته بوصفه كائنا يستحق الرعاية والعيش الكريم غير أن وراء هذه اللحظة الدهشلية السعيدة يختبئ سؤال عميق ومؤلم في آنٍ معًا هو: ما الذي يدفع الإنسان، وقد بلغ الثامنين من عمره، للبحث عن وطن بديل ؟ اقصد العم علي الدهشلي والد عمر واخوانه كما يبدون في الصورة مع اولادهم وأحفادهم مع رئيس البلدية الهولندي وهو يمنحهم وثيقة الجنسية الغالية القيمة والمعنى إذ ليس من السهل على إنسان أن يقتلع جذوره من أرضه الأولى، حيث الطفولة والذكريات واللغة والبيوت والقبور والأصدقاء. فالوطن ليس مجرد قطعة جغرافيا، بل هو ذاكرة وهوية وشعور عميق بالانتماء. ومع ذلك نرى ملايين البشر في عالمنا العربي يتركون أوطانهم بحثًا عن مكان آخر يمنحهم الأمان والكرامة وفرصة العيش الكريم والسبب في ذلك يعود في جوهره إلى غياب الدولة بمعناها الحقيقي.

الوطن البديل؛ سؤال عميق من بين ثنايا الفرح، سؤال لا يفسد البهجة بقدر ما يكشف طبقاتها الخفية: ما الذي يدفع الإنسان إلى أن يبحث عن وطن بديل، وهو الذي تشكّل وجدانه الأول في تربة أخرى، وارتبطت ذاكرته بلغة أخرى، وتشبعت روحه بروائح البيوت الأولى ودفء العلاقات القديمة؟ ليس الأمر بسيطًا كما قد يبدو في صوره السطحية؛ فالهجرة، خصوصًا حين تبلغ أعمار أصحابها عتبة الشيخوخة، ليست قرارًا إداريًا أو رغبة عابرة في تحسين مستوى المعيشة، بل هي اقتلاع بطيء للجذور من أرضها، ومحاولة شاقة لإعادة غرسها في تربة جديدة. الإنسان، بطبيعته، كائن ينتمي؛ والوطن ليس مجرد مكان جغرافي، بل هو امتداد نفسي ووجودي، هو ذاكرة متراكمة من التفاصيل الصغيرة: طرقات الطفولة، وجوه الجيران، أصوات الأسواق، وحتى الحزن المشترك. لذلك، فإن التخلي عنه لا يحدث إلا عندما تصبح كلفة البقاء فيه أعلى من كلفة الرحيل عنه، وعندما يتحول الوطن نفسه من مصدر للأمان إلى مصدر للخطر.

هنا يمكننا وضع يدنا على الجرح الدامي المتمثل في مأساة غياب الدولة، لا بوصفها جهازًا إداريًا، بل بوصفها الإطار الذي يمنح الحياة معناها الممكن. الدولة، حين تكون حقيقية، ليست مجرد سلطة، بل منظومة حماية؛ هي ذلك الكيان الذي يضمن للإنسان حدًا أدنى من الاستقرار، ويمنحه شعورًا بأن حياته ليست عرضة للانهيار في أية لحظة. وعندما تغيب هذه الدولة، أو تتآكل مؤسساتها، أو تتحول إلى أداة صراع بدل أن تكون أداة تنظيم، فإن المجتمع كله يدخل في حالة سيولة خطرة، حيث لا يعود هناك ما يمكن الاتكاء عليه. نقصد بالدولة بوصفها مؤسسة المؤسسات العامة التي تحتضن مواطنيها وترعى مصالحهم وتحمي سيادة أرضهم وتصون النظام العام. إنها تشبه الأم الحانية التي أنجبت أبناءها وسهرت على تربيتهم وخافت عليهم من الأخطار. ولهذا فإن الشعوب التي تعيش في كنف دول مستقرة تنام مطمئنة في حضنها كما ينام الطفل في حضن أمه غير أن الأمومة ليست مجرد عاطفة رومانسية كما يتصور البعض، بل هي أحد أعظم أشكال القوة الإنسانية. فالنساء غالبًا ما يكن أكثر صبرًا وصلابة ووفاءً في مواجهة الأزمات والمحن. فهن اللواتي حملن الأبناء في بطونهن، وسهرن على تربيتهم منذ كانوا مجرد احتمال في عالم الغيب، ولهذا يعرفن أكثر من غيرهن قيمة الحياة وثمنها الحقيقي وما أفدح أن ترى الأم أبناءها يسقطون في حروب عبثية، وما أفدح أن ترى الشعوب تعب أعمارها وثروات أوطانها تتحول في لحظة إلى دخان ورماد بسبب صراعات سياسية أو أيديولوجية لا معنى لها.

في اليمن، كما في كثير من البلدان العربية التي عصفت بها الحروب والطوائف، لم يكن الانهيار فجائيًا تمامًا، بل كان تراكمًا بطيئًا للاختلالات، حتى جاءت اللحظة التي انكسر فيها التوازن بالكامل. ومع هذا الانكسار، لم تتفكك فقط البنية السياسية، بل تفكك معها الإحساس الجماعي بالأمان. صار الخوف جزءًا من الحياة اليومية، لا حدثًا طارئًا. لم يعد الإنسان قلقًا فقط على مستقبله، بل على يومه، على ساعته القادمة، على قدرته على البقاء وهنا يمكن البحث عن دوافع الهجرة التي تبداء في التشكل وفق منطق أعمق من مجرد الطموح؛ إنها ترتبط بالحاجات الأساسية للإنسان، تلك التي تحدث عنها علم النفس الإنساني إبراهام ماسلو ت 1970 فيما عرف بهرم الحاجات حين حاول فهم ما الذي يحرك البشر في جوهرهم فكل الكائنات الموجودة في هذا العالم تنطبق عليها قوانين الفيزياء ذاتها وكل الكائنات في هذا الكون تنطبق عليها قوانين الكيمياء بما في ذلك الجمادات والنباتات والحيوانات والبشر والأنبياء وكل الكائنات الحية الأرضية تنطبق عليها قوانين الحياة ولديها الاعضاء ذاتها ووظائفها الحيوية الفسيولوجية التي لا تكون حية إلا بها فلا فرق هنا بين الاحياء وفي مستوى حاجات الحياة الأساسية لا أحد يمكنه تجاوز هرم إبراهام ماسو بما في ذلك الرسل والأنبياء والحاجات هي:

1- الحاجات الفسيولوجية Physiological needs مثل الجوع، والعطش، وتجنب الألم، والجنس، وغيرها من الحاجات التي تخدم البقاء البيولوجي بشكل مباشر.

2- حاجات الأمان Safety needs وتشمل مجموعة من الحاجات المتصلة بالحفاظ على الحالة الراهنة، وضمان نوع من النظام والأمان المادي والمعنوي مثل الحاجة إلى الإحساس بالأمن.. والثبات.. والنظام.. والحماية.. والاعتماد على مصدر مشبع للحاجات. وضغط مثل هذه الحاجات يمكن أن يتبدى في شكل مخاوف مثل الخوف من المجهول.. من الغموض… من الفوضى واختلاط الأمور أو الخوف من فقدان التحكم في الظروف المحيطة. وماسلو يرى أن هناك ميلا عاما إلى المبالغة في تقدير هذه الحاجات.. وأن النسبة الغالبة من الناس يبدو أنهم غير قادرين على تجاوز هذا المستوى من الحاجات والدوافع.

3- حاجات الحب والانتماء Love & Belonging needs وتشمل مجموعة من الحاجات ذات التوجه الاجتماعي مثل الحاجة إلى علاقة حميمة مع شخص آخر الحاجة إلى أن يكون الإنسان عضوا في جماعة منظمة.. الحاجة إلى بيئة أو إطار اجتماعي يحس فيه الإنسان بالألفة مثل العائلة أو الحي أو الأشكال المختلفة من الأنظمة والنشاطات الاجتماعية.

(أ) المستوى الأدنى أو مستوى الحب الناشئ عن النقصDeficit or D-love وفيه يبحث الإنسان عن صحبة أو علاقة تخلصه من توتر الوحدة وتساهم في إشباع حاجاته الأساسية الأخرى مثل الراحة والأمان والجنس….. الخ.

(ب) المستوى الأعلى أو مستوى الكينونة Being or B-love وفيه يقيم الإنسان علاقة خالصة مع آخر كشخص مستقل… كوجود آخر يحبه لذاته دون رغبة في استعماله أو تغييره لصالح احتياجاته هو.

4 – حاجات التقدير Esteem needs هذا النوع من الحاجات كما يراه ماسلو له جانبان:

(أ) جانب متعلق باحترام النفس.. أو الإحساس الداخلي بالقيمة الذاتية.

(ب) والآخر متعلق بالحاجة إلى اكتساب الاحترام والتقدير من الخارج… ويشمل الحاجة إلى اكتساب احترام الآخرين.. السمعة الحسنة.. النجاح والوضع الاجتماعي المرموق.. الشهرة.. المجد… الخ. وماسلو يرى أنه بتطور السن والنضج الشخصي يصبح الجانب الأول أكثر قيمة وأهمية للإنسان من الجانب الثاني.

5- حاجات تحقيق الذات Self-actualization والحاجات العليا Metaneeds تحت عنوان تحقيق الذات يصف ماسلو مجموعة من الحاجات أو الدوافع العليا التي لا يصل إليها الإنسان إلا بعد تحقيق إشباع كاف لما يسبقها من الحاجات الأدنى. وتحقيق الذات هنا يشير إلى حاجة الإنسان إلى استخدام كل قدراته ومواهبه وتحقيق كل إمكاناته الكامنة وتنميتها إلى أقصى مدى يمكن أن تصل إليه. وهذا التحقيق للذات لا يجب أن يفهم في حدود الحاجة إلى تحقيق أقصى قدرة أو مهارة أو نجاح بالمعنى الشخصي المحدود.. وإنما هو يشمل تحقيق حاجة الذات إلى السعي نحو قيم وغايات عليا مثل الكشف عن الحقيقة.. وخلق الجمال.. وتحقيق النظام.. وتأكيد العدل.. الخ.

فالإنسان، قبل أن يبحث عن تحقيق ذاته أو التعبير عن إمكاناته، يحتاج إلى أن يضمن بقاءه أولًا: يحتاج إلى الطعام، إلى الماء، إلى المأوى، إلى حد أدنى من الصحة الجسدية. وحين تصبح هذه الحاجات مهددة، أو غير مستقرة، فإن التفكير في أي شيء آخر يصبح ترفًا فحتى إذا تمكن الإنسان من تأمين بعض ضرورياته، فإنه يظل محتاجًا إلى الأمان، إلى الشعور بأن حياته ليست مهددة بالعنف، وأنه ليس عرضة للاعتقال التعسفي أو القصف أو الفوضى المسلحة. الأمان ليس رفاهية نفسية، بل شرط أساسي لاستمرار الحياة الإنسانية بشكل طبيعي. وعندما يغيب هذا الأمان، يتحول الإنسان إلى كائن في حالة تأهب دائم، يعيش على حافة القلق، غير قادر على التخطيط أو الاستقرار.

ثم تأتي الحاجة إلى الانتماء، إلى أن يكون للإنسان مكان يشعر فيه بأنه جزء من جماعة، أن يكون معترفًا به، أن يكون له دور وعلاقات مستقرة. في المجتمعات التي مزقتها الصراعات، تتآكل هذه الروابط تدريجيًا؛ تتفكك العائلات، تتباعد المجتمعات، وتصبح الهوية نفسها موضع نزاع. وعند هذه النقطة، لا يعود الوطن قادرًا على احتضان أبنائه، بل يتحول إلى فضاء يطردهم نفسيًا قبل أن يطردهم ماديًا.

أما الحاجة إلى التقدير، فهي الأخرى تتعرض للتشويه؛ فالإنسان الذي يعيش في بيئة فوضوية، حيث لا يُكافأ العمل ولا تُحترم الكفاءة، يفقد تدريجيًا شعوره بقيمته. يصبح النجاح مسألة حظ أو انتماء، لا نتيجة جهد. وهذا الإحباط العميق يدفع كثيرين، خصوصًا الشباب، إلى البحث عن بيئة تعترف بقدراتهم وتمنحهم فرصة عادلة.

وفي قمة هذا الهرم، تأتي الحاجة إلى تحقيق الذات، إلى أن يعيش الإنسان حياته بما يتوافق مع إمكاناته وأحلامه. لكن هذه المرحلة تبدو بعيدة المنال في سياق يغرق في الفوضى؛ إذ كيف يمكن لإنسان أن يفكر في تحقيق ذاته، بينما هو منشغل بتأمين بقائه أو حماية أسرته؟

هكذا، تتراكم الضغوط من الأسفل إلى الأعلى، حتى تصل إلى نقطة يصبح فيها الرحيل خيارًا منطقيًا، بل ضرورة وجودية. لا يغادر الإنسان وطنه لأنه يريد ذلك ببساطة، بل لأنه لم يعد قادرًا على العيش فيه كإنسان كامل. يغادر لأنه يريد أن يستعيد الحد الأدنى من إنسانيته.

والمفارقة التي كشف عنها عمر الدهشلي وهو يقارن بين ما وجده في هولندا وما شاهده وعاشه في وطنه الجديد هولندا ومن الأشياء التي اثارت اهتمامي في حلقاته الشفاهية تنويهه إلى إن كثيرًا من الكائنات الجامدة والحية هنا السماء والماء والتراب والهواء هي ذاتها التي كنا نراها في أرضنا: الليمون والبرتقال والتفاح والريحان والنرجس والجرجير والطماطم والبطاطس والبصل والثوم والذرة وغيرها. كما وجدت الحيوانات نفسها: الغزلان والأرانب والكلاب والقطط والبقر والماعز والضأن.

بل حتى الناس ذاتهم هنا ذكورا وإناثا وجدناهم يشبهونا أو نحن نشبهم تمامًا؛ في الاجساد والمشي على قدمين، ولهه الأعضاء والوظائف نفسها، بل إن كثيرًا منهم أكثر صحة وتناسقًا في الأجسام، وأكثر التزامًا بقيم الاحترام والصدق والنظام العام وكذلك الأمر في الظواهر الطبيعية: المطر هو المطر، والماء هو الماء، والبحر هو البحر، والأرض هي الأرض، والزراعة هي الزراعة، والطعام هو الطعام وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال بسيط وعميق في الوقت نفسه:من أين جاءت اعتقادات بعض الجماعات بأنها أفضل من غيرها؟

بماذا فُضلتم على غيركم؟

هل بالشكل؟

أم باللون؟

أم بالطعم؟

أم بالرائحة؟

أم بالأخلاق؟

أم بالضمير؟

إننا نعيش جميعًا على كوكب أرض واحد، ونتنفس الهواء نفسه، ونشرب الماء نفسه، ونزرع الأرض نفسها، ونموت الموت نفسه. ولا فرق حقيقي بين البشر إلا بقدر ما يبنونه من نظم عادلة تحفظ كرامة الإنسان وتصون حقوقه وهنا فقط يمكن أن نفهم معنى التفاضل الحقيقي بين المجتمعات. فالتفاضل ليس بين الأعراق أو الأديان أو الشعوب، بل بين الدول العادلة المستقرة التي تحمي مواطنيها وتمنحهم الأمان والحرية، وبين النظم الفوضوية الممزقة التي تدفع أبناءها إلى التشرد في المنافي والبحار والصحارى ومن يستمع إلى حكايات اللاجئين من الشباب العرب والأكراد الذين تفرقوا في أصقاع الأرض بحثًا عن ملاذات آمنة. شباب في عمر الزهور ضاقت بهم بلادهم حتى اضطروا إلى بيع ما يملكون للخروج منها بعضهم ابتلعته البحار، وبعضهم ضاع في أدغال أفريقيا، وبعضهم تقطعت بهم السبل في صحارى ليبيا وتشاد والجزائر، وبعضهم تعرض للنهب والقتل في غابات أمريكا الجنوبية، وبعضهم علق على الحدود الأوروبية أو أعيد من المطارات، وآخرون ما يزالون في طوابير الانتظار الطويلة لكل واحد منهم قصة موجعة تكفي لأن تهز الضمير الإنساني. وكلها تطرح سؤالًا واحدًا فمتى يكون للإنسان وطن حقيقي يحميه من الضياع والتشرد؟ولهذا تبدو الدول العادلة والمستقرة نعمة كبرى لا يدرك قيمتها إلا من فقدها فالفارق الحاسم لا يكمن في الطبيعة، بل في النظام الذي ينظم حياة البشر. هناك، تصبح القوانين واضحة، والمؤسسات تعمل، والحقوق مصونة، والواجبات محددة. هناك، يشعر الإنسان أنه مرئي ومعترف به، وأنه ليس مجرد رقم أو ضحية محتملة.

وهنا نكتشف المعنى الحقيقي للتفاضل بين المجتمعات؛ ليس تفاضلًا في الأعراق أو الألوان أو أو الثقافات أو اللغات والأديان، بل تفاضل في القدرة على بناء دولة عادلة. الدولة العادلة لا تعني الكمال، لكنها تعني وجود قواعد مستقرة يمكن التنبؤ بها، وتعني أن الإنسان لا يحتاج إلى وساطة أو انتماء ضيق لكي يحصل على حقه. تعني أن كرامته ليست موضع تفاوض.

وهذا ما توفره الدولة الهولندية لمواطنيها والنتيجة ببساطة إن غياب هذه الدولة يفتح الباب أمام قوى بديلة: جماعات مسلحة، ولاءات ضيقة، صراعات لا تنتهي. وفي مثل هذا السياق، يتحول المجتمع إلى ساحة تنازع، ويصبح الفرد فيها ضعيفًا، مكشوفًا، بلا حماية حقيقية. ومع استمرار هذا الوضع، تتآكل الثقة بالكامل، ليس فقط في السلطة، بل في فكرة الدولة نفسها.

وهكذا يصبح البحث عن وطن بديل ليس خيانة للوطن الأصلي، بل محاولة للنجاة. إنه تعبير عن رغبة الإنسان في أن يعيش حياة يمكن احتمالها، حياة تتوفر فيها الشروط الأساسية للكرامة. وربما يكون أكثر ما يؤلم في هذه الرحلة، هو أن المهاجر لا يغادر فقط مكانًا، بل يغادر جزءًا من نفسه. يترك خلفه لغة مألوفة، ووجوهًا أحبها، وذكريات لا يمكن استعادتها في مكان آخر.

ورغم كل شيء يبق الأمل حاضرًا، ولو بشكل خافت. الأمل في أن يأتي يوم تصبح فيه العودة ممكنة، لا كحنين عاطفي فقط، بل كخيار واقعي. الأمل في أن تستعيد البلدان التي أنهكتها الحروب قدرتها على النهوض، وأن تعود الدولة إلى معناها الحقيقي: إطارًا يحمي الجميع، لا ساحة لصراع الجميع ضد الجميع.

ختاما يمكن القول: إن تجربة من يحصلون على جنسية جديدة بعد سنوات من الاغتراب تحمل وجهين متلازمين: وجه الفرح بالاستقرار الذي تحقق، ووجه الحزن على وطن لم يعد قادرًا على احتضان أبنائه. وبين هذين الوجهين، يتشكل وعي جديد بمعنى الوطن، لا بوصفه مجرد مكان وُلدنا فيه، بل بوصفه المكان الذي يتيح لنا أن نعيش بكرامة والسؤال الذي يبقى مفتوحًا، ليس لماذا يغادر الناس أوطانهم، بل متى تصبح هذه الأوطان قادرة على استعادة أبنائها؟ متى تتحول من بيئات طاردة إلى بيئات جاذبة؟ متى تصبح الدولة، في تلك السياقات، حقيقة لا شعارًا؟ حينها وحينها فقط، قد يتوقف الإنسان عن البحث عن وطن بديل، لا لأنه فقد القدرة على الرحيل، بل لأنه وجد أخيرًا ما يستحق البقاء.

تهانينا للعائلة الدهشلية الكريمة بالجنسية الهولندية وتمنياتنا بحياة مزدهرة ومثمرة وسعيدة في المملكة التي لا يظلم فيها احد أبدا مهما كان شكله ولونه وهويته ونسأل الله أن يكتب لهم حياة آمنة كريمة في وطنه الجديد، وأن يأتي يوم يجد فيه كل إنسان عربي وطنًا حقيقيًا يحميه ويعتز به.

***

ا. د. قاسم المحبشي

تتكرر نصيحة تبدو للوهلة الأولى أخلاقية وملهمة ابدأ بالقراءة، فالكتب تغير حياتك. تقال هذه العبارة بصيغة يقينية، كأنها قانون كوني لا يقبل الاستثناء. لكن حين نخضعها لنظرة نقدية صارمة، يتكشف أنها ليست نصيحة بريئة، بل خطاب محمل بالافتراضات، وأحيانا بالوصاية، وغالبا بالكسل الفكري. إذ تقدم القراءة بوصفها حلا جاهزا لمشكلة غير معرفة بدقة، وتسقط على أشخاص وسياقات لا نعرف عنها شيئا.

السؤال الذي يهمل عادة هو من هو هذا الشخص الذي لم يقرأ كتابا في حياته؟ هل هو كسول؟ غير مهتم؟ أم أنه نتاج منظومة تعليمية فاشلة، وبيئة اجتماعية لا تعلي من شأن المعرفة المكتوبة، وربما ظروف معيشية تضغط عليه بحيث لا يرى في القراءة أولوية؟ تحويل المسألة إلى خيار فردي صرف هو تبسيط مخل. فالفعل الثقافي، بما فيه القراءة، لا يحدث في فراغ، بل يتشكل داخل بنية من الفرص والقيود. ومن هنا، فإن نصيحة عامة توجه إلى الجميع تصبح بلا معنى تقريبا، لأنها تتجاهل الاختلافات البنيوية بين الأفراد. هناك أيضا بعد طبقي خفي في هذه النصيحة. من يملك وقتا للقراءة؟ من لديه إمكانية الوصول إلى كتب جيدة؟ من تعلم أصلا كيف يقرأ قراءة فعالة؟ هذه أسئلة لا تطرح، لكنها حاسمة. فحين نطلب من شخص يعمل لساعات طويلة لتأمين أساسيات الحياة أن يبدأ القراءة، فنحن لا نقدم له حلا، بل نضيف عبئا رمزيا جديدا: عبء الشعور بالتقصير. هكذا تتحول القراءة من فعل تحرري محتمل إلى معيار أخلاقي يقاس به الناس، ويدان به من لا يلتزم.

وإذا تجاوزنا البعد الاجتماعي، سنجد أن الخطاب نفسه يعاني من خلل مفاهيمي. القراءة ليست فضيلة في ذاتها، بل ممارسة. قيمتها ليست في حدوثها، بل في نوعها وأثرها. ليس كل ما يقرأ مفيدا، وليس كل قارئ واعيا. بل إن بعض أشكال القراءة تنتج وعيا زائفا أكثر تعقيدا من الجهل البسيط. القارئ الذي يستهلك الكتب كما تستهلك السلع، دون تمحيص أو مساءلة، قد يتحول إلى حامل مؤدلج لأفكار جاهزة، لا إلى عقل ناقد. وهنا تكمن المفارقة: القراءة التي يفترض أن تحرر قد تقيد، إذا لم تصاحبها مهارة التفكير النقدي. من ناحية أخرى، تفشل النصيحة الشائعة في الإجابة عن السؤال العملي كيف يبدأ من لم يقرأ؟ هل يبدأ بكتب ثقيلة لإثبات الجدية؟ أم بنصوص خفيفة تفتح شهية القراءة؟ هل يقرأ بدافع المتعة أم بدافع تطوير الذات؟ وهل عليه أن يلتزم بخطة، أم يترك نفسه للفضول؟ غياب الإجابة يحول النصيحة إلى شعار. كثيرون جربوا أن يبدؤوا، لكنهم اصطدموا بتجارب محبطة: كتاب لا يناسب مستواهم، لغة معقدة، موضوع لا يلامس حياتهم. النتيجة غالبا هي الانسحاب، ثم ترسيخ قناعة سلبية القراءة ليست لي.

الأخطر من ذلك أن الخطاب الثقافي يربط القراءة بالتحول السريع، كأنها وصفة جاهزة للنجاح. تروج قصص فردية، غالبا مبالغ فيها، عن أشخاص غيرتهم الكتب جذريا. لكن ما يخفى هو أن هذه التحولات نادرة، ومشروطة بسياقات متعددة: شخصية، تعليمية، نفسية. تحويلها إلى قاعدة ينتج توقعات غير واقعية، ثم إحباطا حين لا تتحقق. الحقيقة الأقل بريقا، لكنها أكثر صدقا، أن القراءة فعل تراكمي بطيء، وقد لا يحدث أثرا دراميا ظاهرا، لكنه يعيد تشكيل الوعي على المدى الطويل إذا تمت ممارسته بوعي.

هناك أيضا مشكلة في تصورنا لماهية الكتاب كأن المعرفة لا تكتسب إلا عبر النصوص المطبوعة. هذا تصور تقليدي يتجاهل تحولات العصر. اليوم، يمكن اكتساب معرفة عميقة عبر وسائط متعددة: محاضرات، نقاشات، محتوى رقمي، خبرة عملية. ليس الهدف تمجيد البدائل، بل تفكيك الاحتكار الرمزي الذي يمنح للكتاب. من لم يقرأ كتابا قد يكون قد تعلم بطرق أخرى. السؤال ليس: هل قرأت؟ بل: ماذا تعلمت؟ وكيف تفكر؟ في ضوء كل ذلك، تبدو النصيحة التقليدية ابدأ بالقراءة ناقصة إن لم نقل مضللة. النصيحة الأكثر صدقا يجب أن تنطلق من إعادة تعريف المشكلة. بدل أن نسأل: لماذا لا تقرأ؟ نسأل ما الذي يثير فضولك؟ ما الأسئلة التي تقلقك؟ ما الموضوعات التي تمس حياتك؟ إذا وجد هذا الدافع الداخلي، يمكن للقراءة أن تكون أحد المسارات الطبيعية لإشباعه، لا فرضا خارجيا. البداية الحقيقية ليست مع كتاب، بل مع سؤال حي.

كما أن من الضروري إعادة بناء العلاقة مع القراءة على أساس الواقعية لا المثاليات. لا حاجة لخطط صارمة أو أهداف متعالية. يمكن البدء بنصوص قصيرة، بلغة بسيطة، في موضوع مألوف. يمكن التوقف دون شعور بالذنب إذا لم يكن النص مناسبا. يمكن القراءة ببطء، أو حتى بشكل متقطع. المهم هو بناء عادة مرنة، لا طقس ثقافي مرهق. القراءة التي تفرض تتحول إلى عبء، أما التي تنبع من رغبة، ولو كانت محدودة، فهي القابلة للاستمرار. لكن حتى هذه المقاربة المرنة ليست كافية إن لم تدعم ببيئة حاضنة. نعود إلى البعد البنيوي. لا يمكن أن نطالب الأفراد بما لا تتيحه لهم مؤسساتهم. تحسين الوصول إلى الكتب، تطوير المناهج التعليمية لتشجع التفكير لا الحفظ، خلق فضاءات للنقاش، دعم مبادرات القراءة المجتمعية، كلها شروط تحول القراءة من فعل فردي معزول إلى ممارسة اجتماعية متاحة. دون ذلك، تبقى النصائح مجرد خطاب أخلاقي يحمل الأفراد ما لا يملكون تغييره. ثمة بعد آخر يستحق الانتباه الخوف. نعم، كثيرون لا يقرأون لأنهم يخافون. الخوف من الفشل في الفهم، من اللغة الصعبة، من الشعور بالنقص أمام المثقفين. هذا الخوف ناتج جزئيا عن الخطاب الإقصائي الذي يحيط بالقراءة، حيث تقدم كعالم نخبوي يتطلب استعدادا خاصا. كسر هذا الحاجز النفسي يتطلب خطابا مختلفا: خطابا يقر بأن الفهم التدريجي طبيعي، وأن عدم الإعجاب بكتاب ليس جريمة، وأن التعلم عملية غير خطية.

ولا بد من الاعتراف بأن بعض من يقدمون النصيحة يمارسون شكلا من الاستعراض الثقافي. القراءة تتحول إلى هوية يعلن عنها، لا إلى ممارسة تعاش. في هذه الحالة، النصيحة ليست موجهة للآخر بقدر ما هي تعزيز لصورة الذات. هذا يفرغها من مضمونها، ويجعلها جزءا من اقتصاد رمزي قائم على التمايز لا على المشاركة. من ، فإن نقد النصيحة هو أيضا نقد لثقافة ترى في المعرفة وسيلة للتمايز الاجتماعي، لا أداة للفهم المشترك. لا ينبغي أن ينزلق النقد إلى إنكار قيمة القراءة. المسألة ليست إلغاء النصيحة، بل إعادة صياغتها. القراءة تظل من أكثر الوسائل فعالية لتوسيع الأفق، شرط أن تمارس بوعي، وأن تكون جزءا من منظومة أوسع من التعلم. لكنها ليست الطريق الوحيد، ولا الضامن التلقائي للتحول. التعامل معها كحل سحري يسيء إليها بقدر ما يسيء لمن توجه إليهم النصيحة.

النصيحة الأكثر دقة قد تكون على هذا النحو: لا تقرأ لأنهم قالوا لك إن القراءة مهمة، بل اقرأ إذا وجدت ما يستحق القراءة. لا تبدأ بكتاب عظيم، بل بكتاب قريب. لا تكمل ما لا يقنعك، ولا تحمل نفسك عبء أن تصبح قارئا مثاليا. الأهم من كل ذلك: لا تفصل القراءة عن التفكير. اسأل، شكك، قارن، واربط ما تقرأه بحياتك. بدون ذلك، ستظل القراءة نشاطا شكليا، مهما كثر. من لم يقرأ كتابا في حياته ليس حالة شاذة تحتاج إلى تصحيح بل مؤشر على خلل أوسع في علاقتنا بالمعرفة. معالجة هذا الخلل لا تتم بنصيحة عامة، بل بفهم عميق للواقع، وبناء بدائل واقعية، وتبني خطاب أقل وصاية وأكثر صدقا. أما النصائح الجاهزة، فهي في أفضل الأحوال غير فعالة، وفي أسوأها تعيد إنتاج المشكلة التي تدعي حلها.

***

زكريا - نمر

 

حين يتحول صانع العقول الى معيار للفشل

كيف تحول من "كاد المعلم ان يكون رسولا" الى "لا يصلح ان يكون مدير مدرسة" في قاموس بعض السياسين العراقيين، يكشف لنا التحليل الفكري لازمة القيادة الجهل بمفهوم "بناء الانسان" مقابل ادارة الموارد، والمجتمع يعيش حالة من الصراح بين "رأس المال الثقافي" "ورأس المال الزبائني" الذي يجسده السياسي غير الناجح. وهذا السياسي الذي يطلق عبارات غير ناضجة سياسيا لاستصغار المعلم في الساحة السياسية لاجل حماية منطقة نقوذه عبر اقصاء الكفاءة التربوية وتصويرها للمجتمع على انها غير قادرة على ممارسة "اللعب السياسي".

السياسة في فكر افلاطون وساطع الحصري تعد من ارقى انواع التربية لانها تقود المجتمع، والذي يستصغر مكانة المعلم التربوية هو في الحقيقة يعترف بنكوص فكره، لانه يرى القيادة "امرا خاصة بالمال" وليس "صناعة وعي". ويعد مفهوم النكوص في علم الاجتماع حالة من الارتداد المجتمعي، ارتداد من قيم المدنية والمؤسساتية وتقدير الكفاءة الى قيم البداءة والعصبية التي تعتمد على المال والنفوذ والولاءات الضيقة، وعندما يتم نكوص المعلم، فأعلم أن هذا المجتمع بدأ يفقد بوصلته الحضارية العريقة عن طريق استبدال "سلطة المعرفة" ب "سلطة المنصب". وهذا النكوص هو نتيجة اختلال هرم المكانة الاجتماعية، ففي المجتمعات المتحضرة تضع التربوي والمفكر في قمة الهرم لانهم هم المنتجين لرأس المال الحقيقي، اما في حالة النكوص، فتتغلب القيم المادية وتسطيح الوعي الفكري والثقافي واللغة السياسية غير الناضجة.

صناعة الوعي هي نتيجة طبيعية لمعلم قائد واع خلق من رحم الطبقة المقدسة اجتماعيا لكن عندما انتقل هذا المجتمع من تقديسه لهيبة وقيمة المعلم الفكرية والعلمية الى مرحلة السطوة والنفوذ نتيجة تاكل الرمزية او القدسية، وفي وقت كان مدير المدرسة يمثل اعلى سلطة معرفية في المدينة او القرية، فاليوم قد اختزل المنصب في ابعاد ادارية ومالية ضيقة. وعندما يصرح السياسي بذلك فهو يمارس نوعا من التنمر الوظيفي ليبرهن أن مكانته او منصبة كنائب سياسي او وزير هو المعيار الوحيد للنجاح.

وفي مفهوم التسقيط السياسي تستخدم عبارة "انه لا يصلح لادارة مدرسة" فهي تغطية للفشل للسياسي، ويتم تصدير هذا الفشل للاعلام بايهام الناس او المجتمع وكأن المدرسة هي "سلة المهملات" لغير الناجحين سياسيا، وهذا تضليل للرأي العام، فالمدرسة كانت ومازالت وستبقى وأين كان يديرها او يرأسها هي المختبر الحقيقي الاول لنجاح الدولة او فشلها.

المعلم هو من اكثر الفئات المؤهلة لقيادة المجتمع، لانه هو الوحيد القادر على بناء العقول وأن المؤسسة التربوية هي الجهة الوحيدة القادرة على تشكيل الوعي، ومهارات المعلم القيادية اليومية للصف الذي يضم 30 الى 50 فردا من مختلف الثقافات والسلوكيات والحوار والتحفيز والانضباط وهي مهارات قيادية حقيقية تدرس ضمن القيادة التربوية. وتدريس المعلم الجيد القائم على تحليل المواقف واتخاذ القرارات الفورية هو جوهر العمل السياسي القائم على التفكير النقدي واتخاذ القرار لحل المشكلات وتقديم الحلول.

اذن لماذا هذا التقليل من قيمة المعلم سياسيا؟ من المنظور الاجتماعي للسلطة، تفسره الفلسفة الكانطية بقدر من يمتلك السلطة او المال اكثر من يمتلك المعرفة، وهذا ما انتقده الفيلسوف ايمانويل كانط عندما اشار الى "قصور عقلي" يقع فيه المجتمع. اما من المنظور الثقافي، فيتم اختزال المعلم بوظيفة اجرائية كناقل للمعلومات لا كصانع وعي، وهذا اختزال خطير عندما يتجاهل التعليم كأساس لكل بناء حضاري.

وعبارة "كيف اساويكم بمن علموكم" نابعة من وعي سياسي ناضح للمستشارة ميركل عندما طالبها القضاة والمهندسين والاطباء في المانيا بمساواتهم برواتب المعلمين، ولقب (Sensei) سينسي يطلق على المعلم في اليابان وهو تبجيلا يضاهي قدسية الرهبان او كبار المسؤولين نظرا لمكانته الاجتماعية والقانونية عندما قالوا اليابانين "لن نستطيع بناء السياسة الا عبر المعلم".

وفي الختام، عندما يصرح السياسي عبارة "لا يصلح لمدير مدرسة" فهو يثبت وقوعه في مصيدة "النكوص السوسيولوجي" وهو يظن بذلك أنتقاصه من خصمه السياسي، لكنه في الواقع يهين "الرحم" الذي ولد منه كل مبدع في الوطن. أن استعادة الوعي السياسي تبدأ من الاعتراف بأن "ادارة المدرسة" اشرف واصعب مهام الدولة، لانها تتعامل مع العقل، بينما تتعامل الساسية في صورتها المشوهة حاليا مع المصالح.

***

علاء جواد كاظم

يمكن القول إننا لا نعيش فقط في عصر الصورة، بل في عصر الانعكاس المستمر للذات. فلو قُدّر لأسطورة نارسيسوس أن تُعاد اليوم، لما كان غرقه في الماء، بل في شاشةٍ تعكس صورته بلا انقطاع. هكذا تتحول الحكاية القديمة إلى مرآة دقيقة لواقع معاصر، حيث لم تعد الحياة تُعاش بقدر ما تُعرض.

منذ زمن بعيد، حذّرت الأسطورة من خطر الانبهار بالذات، لكن هذا التحذير يبدو اليوم أكثر إلحاحًا. فمجتمعنا، الذي كان يُعرّف الإنسان بعلاقاته وتجربته الحية، بات يميل إلى تعريفه بما يعرضه عن نفسه. لم تعد الصورة انعكاسًا للحياة، بل أصبحت بديلاً عنها. نحن لا نعيش اللحظة بقدر ما نهيئها لتُلتقط، ولا نشعر بالتجربة بقدر ما نحرص على مشاركتها.

في هذا السياق، تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى مسرح دائم للعرض الذاتي. ملايين الصور تُنشر يوميًا، معظمها يدور حول محور واحد: “أنا”. أنا في هذا المكان، أنا مع هؤلاء، أنا في هذه الحالة. لكن المفارقة أن هذا التضخم في حضور الذات يقابله فراغ في معناها. فحين يصبح كل شيء قابلًا للمشاركة، يفقد معناه الاستثنائي. وتتحول الذات إلى صورة متكررة، لا تعكس عمقًا بقدر ما تعكس حاجة دائمة للظهور.

هذا التحول لا يحدث بمعزل عن سياق ثقافي أوسع. فالمجتمع المعاصر يدفع الفرد إلى أن يكون مشروعًا قائمًا بذاته: أن يسوّق نفسه، ويُحسّن صورته، ويستثمر حضوره. لم يعد الإنسان فقط كائنًا يعيش، بل علامة تُعرض وتُستهلك. الجسد، المظهر، التجارب، كلها تتحول إلى أدوات ضمن اقتصاد رمزي قائم على الانتباه والإعجاب.

ومن هنا، تتغذى النرجسية على منظومة متكاملة: تربية تعزز مركزية الذات، ثقافة تحتفي بالإشباع الفوري، فضاء رقمي يضخم الحضور الشخصي، واقتصاد استهلاكي يعد بتحقيق كل الرغبات. هذه العناصر مجتمعة تُنتج فردًا يرى نفسه مركز العالم، لكنه في الوقت ذاته هش، يعتمد على اعتراف الآخرين ليؤكد وجوده.

المشكلة الأعمق في هذا النمط ليست حب الذات بحد ذاته، بل غياب الآخر. فالنرجسية، في جوهرها، لا ترى الآخر كشريك، بل كوسيلة: مرآة تعكس الصورة، أو أداة تُستخدم. وهنا تتآكل الروابط الإنسانية تدريجيًا، لأن العلاقة الحقيقية تقوم على الاعتراف المتبادل، لا على الاستهلاك المتبادل.

ومع تراجع حضور الآخر، يتراجع أيضًا الاهتمام بالشأن العام. ينكفئ الفرد إلى ذاته، منشغلًا ببنائها وعرضها، بدل الانخراط في قضايا تتجاوزها. وهكذا، يتحول المجتمع إلى مجموعة من الذوات المنعزلة، المتجاورة ظاهريًا، لكنها منفصلة في العمق.

مع ذلك، لا يمكن اختزال كل أشكال الاهتمام بالذات في النرجسية المرضية. هناك فرق بين تقدير الذات الصحي، الذي يسمح للإنسان بأن يحقق إمكاناته، وبين الانغلاق المرضي عليها. الأول يفتح على العالم، والثاني يغلقه. الأول يحتاج إلى الآخر، والثاني يتوهم الاكتفاء به.

في مواجهة هذا الوضع، يبرز الحب بوصفه نقيضًا حقيقيًا للنرجسية. فالحب، في معناه العميق، هو خروج من الذات نحو الآخر، اعتراف به، واستعداد للارتباط به رغم ما يحمله ذلك من هشاشة ومخاطرة. لكنه يتطلب زمنًا، وصبرًا، والتزامًا، وهي عناصر يهددها إيقاع الحياة السريع وثقافة الاستهلاك.

لقد نبّه بعض المفكرين منذ عقود إلى هذا التحول، حيث لم تعد الاضطرابات النفسية تتمحور حول القلق، بل حول تمجيد الذات والسعي المحموم للنجاح الفردي. في هذا الإطار، تصبح الحقوق الشخصية هي القيمة العليا، حتى لو كان ذلك على حساب الآخرين.

ومع هيمنة الاستهلاك، يتغير مفهوم الحرية ذاته. لم تعد الحرية مرتبطة بالقدرة على الفهم أو الفعل، بل بالاختيار بين خيارات جاهزة: ماذا نشتري، ماذا نرتدي، ماذا نعرض. وهكذا، يتحول العالم إلى سلسلة من المرايا، يرى فيها الفرد نفسه باستمرار، لكنه يفقد القدرة على رؤية ما وراءها.

في النهاية، لا تكمن خطورة المجتمع النرجسي في حب الذات، بل في اختزال العالم فيها. فحين يصبح الآخر مجرد انعكاس، والعلاقة مجرد وسيلة، والمعنى مجرد صورة، نفقد ما يجعلنا بشرًا: القدرة على التواصل، وعلى التعاطف، وعلى بناء عالم مشترك.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

يُعدّ سؤال ما يحدث بعد الموت من أقدم الأسئلة التي شغلت البشرية. وبينما قدّمت الأديان والفلسفات إجاباتٍ متنوعة، يتناول العلم هذا السؤال من زاوية مختلفة تماماً، معتمداً على ما يمكن ملاحظته وقياسه واختباره. قبل الخوض في التفسير العلمي، سنقدم ملخصًا لما قد يحدث بعد الموت من منظور الدين والفلسفة.

يميل البشر إلى البحث عن تفسيرات مطمئنة؛ فالإيمان بالحياة الآخرة يوفر نظامًا للعدالة حيث يُكافأ الخير ويُعاقب الشر، كما أنه يخفف من ألم فقدان الأحبة الذين سنلتقي بهم مرة أخرى في الحياة الآخرة.

كان المصريون القدماء أول من أدخل فكرة الخلود والحساب في تاريخ البشرية، إذ آمنوا بوجود ضمير يوجه أفعال الإنسان، وروح متصلة بالجسد تنفصل عنه عند الموت، وحساب يحدد جودة الحياة الأبدية وفقًا لسلوك الإنسان خلال حياته. فإذا كانت حياته مثقلة بالذنوب، فإن مخلوقًا أسطوريًا مرعبًا يلتهمه، فيختفي من الوجود، وتُترك روحه تتألم إلى الأبد دون راحة أو سلام. أما إذا كان صالحًا، فإنه يعبر إلى "آرو"، جنة المصريين القدماء.

تؤمن الديانات التوحيدية المعاصرة بالحياة الأبدية بعد الموت، والحساب، والجنة والنار. استُخدمت فكرة الجنة والنار كأدوات للضبط الاجتماعي والأخلاقي، حيث تم ربط السلوك الدنيوي بمكافآت الآخرة. الجنة هي الحل الذي ابتكره العقل البشري لمواجهة حتمية الموت، ولتحقيق رغبات الإنسان التي لم تتحقق على الأرض.

تؤمن الديانات الشرقية، كالهندوسية والبوذية، بأن الروح تعود إلى حياة جديدة بعد الموت، وأن الغاية القصوى من الحياة الصالحه هي التحرر من دورة الولادة والموت.

تتفاوت المفاهيم الفلسفية من وجهة النظر القائلة بأن الموت ليس فناءً، بل هو انتقال للوعي أو الروح من سجن الجسد المادي إلى وجود أعلى في الفلسفة المثالية، إلى وجهة النظر القائلة بأن الموت هو فناء كامل في الفلسفة المادية، وأن الموت حقيقة تعطي معنى للحياة في الفلسفة الوجودية.

التفسير العلمي

يقر المنهج العلمي بمحدودياته في التعامل مع مسألة الحياة الآخرة والتفسيرات الميتافيزيقية. قدّم علماء الفيزياء آراءهم حول ما يحدث بعد الموت: رأى ألبرت أينشتاين الموت نهايةً لوهم الفردية. رفض كارل ساجان فكرة الحياة الآخرة. اعتقد ريتشارد فاينمان أن الموت جزء طبيعي من العالم المادي، وأن البشر مُكوّنون من ذرات تنتمي إلى الكون. تصور ستيفن هوكينج ان المخ مثل جهاز كمبيوتر يتوقف عن العمل عند تعطل مكوناته، ورأى الموت جزءًا من النظام الكوني. اقترح ميتشيو كاكو أن الموت والحياة الآخرة مشكلتان قد يفهمهما العلم في نهاية المطاف من خلال علم الأعصاب ونظرية الكم. أكّد برايان جرين وشون كارول أن الفيزياء لا تُقدّم أي دليل على بقاء الوعي بعد الموت، وأن قوانين الفيزياء لا تترك مجالًا لبقاء الروح بعد توقف وظائف المخ.

التفسير العلمي الحالي أن الموت ليس فناءً، بل هو تحوّل في الحالات الفيزيائية والمعلوماتية. بعد الموت، تتشتت الذرات، وتتفكك الحالات الكمية، وتتشابك المعلومات مع البيئة المحيطة، وتنتشر في أرجاء الكون بطرق بالغة التعقيد. المعلومات هي الحالة الفيزيائية للجسيمات دون الذريه تتضمن مستويات الطاقة، والدوران المغزلي.

في عالم ميكانيكا الكم: يختفي الحتمية ويحل محلها عدم اليقين. كل شيء مصنوع من حقول طاقة، وليس من أجسام صلبة. تتصرف الجسيمات كموجات، وهناك ترابطات بين الجسيمات المتشابكة. يتلاشى الخط الفاصل بين الراصد والمرصود، ويصبح التمييز التقليدي بين "الواقع الخارجي" المستقل ومعرفتنا به غير قابل للتطبيق، ونتائج القياسات ليست وصفًا للخصائص الموجودة مسبقًا للأجسام.

يرتبط الموت بفقدان الوعي وتوقف وظائف المخ، ولكن لا يوجد حتى الآن تفسيرًا كاملًا للوعي. لا يمتلك المخ مركزاً واحداً للوعي، بل يعتمد على مراكز متعددة يبني من خلالها نموذجاً للواقع وتجربة الوجود الذاتي. تكمن المعضلة الصعبة للوعي في استحالة قياس كيفية تحويل الإشارات الكهربائية في المخ إلى أفكار أو مشاعر أو وعي ذاتي، وكيف تنشأ التجربة الذاتية من المادة.

ربما يوجد شكل مبسط من الوعي في الجسيمات التي تتحد لتكوين جزيئات، ثم تتحد هذه الجزيئات في هياكل معقدة ة تُكوّن مادة المخ القادرة على توليد وعي جماعي من وحدات ماديه بسيطه، مثل الوعي الجماعي لمستعمرة نمل مبنية على التواصل والعمل المشترك بين أفرادها.

يتطلب الحديث عن الوعي ان ندرك ان الزمن هي سمة من سماته حيث يختبر المخ الأحداث بشكل متسلسل، ويُفسرها على أنها تدفق زمني. الذكاء أيضاً سمة من سمات الوعي، وهو امتداداً لمسار طويل من تنظيم المعلومات في الطبيعة، يبدأ في أبسط البنى الفيزيائية وينتقل تدريجياً إلى الحياة العضوية ثم إلى الذكاء الحيواني وصولاً إلى الذكاء البشري والتقنيات المعلوماتية الحديثة.

استطاع الانسان الحفاظ علي المعلومات مع ظهور اللغة التي سمحت بتبادل المعرفة بين الأفراد، ثم تعزز مع اختراع الكتابة التي أتاحت حفظ المعلومات خارج الذاكرة البشرية. ومع الطباعة توسعت قدرة المجتمعات على نشر المعرفة بسرعة أكبر، الأمر الذي أدى إلى تسارع التقدم العلمي. وأدت تقنيات الاتصال والكمبيوتر في العصر الحديث إلى ظهور شبكات معلومات عالمية خلقت نوعاً جديداً من الذكاء الجماعي يتجاوز حدود الأفراد والمجتمعات المحلية، ويأخذ شكل نظام معرفي كوكبي يعتمد على تبادل المعلومات على نطاق واسع.

يعتبر ظهور برامج الذكاء الاصطناعي التي تحاكي بعض وظائف المخ البشري، استمرار لمسار تطوري طويل، فالآلة الذكية تمثل نظاماً جديداً لمعالجة المعلومات يعتمد على التكنولوجيا بدلاً من البنية البيولوجية، ومن المحتمل ظهور نظم ذكاء اصطناعي تتجاوز قدرات الإنسان الفردية، وتمتلك خصائص عاطفية وقادره على اتخاذ قرارات معقدة.

هناك ايضا تقدم تكنولوجي في نقل المعلومات من مخ الإنسان إلى الكمبيوتر واستنساخ الوعي رقميًا، وهو ما يسمى "محاكاة المخ الكامل“ . لكن إذا تم نقل المعلومات بنجاح من مخ الإنسان إلى الكمبيوتر، فهل سيتصرف العقل الرقمي مثل العقل الأصلي أم سيكون له وعي ذاتي جديد؟

يُعدّ استخلاص المعلومات المخزنة في المخ ونقلها إلى كمبيوتر حتى لا تُفقَد نهائيًا بعد الموت، من أكثر الطموحات العلمية تعقيدًا. ويعود ذلك إلى ضرورة تخزين كم هائل من المعلومات الموجودة في مخ الإنسان، ويحتاج ذلك إلى أجهزة كمبيوتر ذات قدرات هائلة، مثل الكمبيوتر الكمي الذي بلغ مراحل متقدمة من التطوير. علاوة على ذلك، فإن طبيعة هذه الأبحاث مثيرة للجدل من الناحية الفلسفية والدينيه، لأن نقل المعلومات من المخ البشري إلى الكمبيوتر يمثل الحفاظ على الهوية بعد الموت البيولوجي، أي الخلود الأبدي الذي حلمت به البشرية عبر التاريخ.

ختاما، وفقا للمنهج العلمي لا يوجد دليل على بقاء الوعي بعد الموت. فالمعلومات التي شكلت الانسان تصبح جزءًا من الحالة الكمومية للكون الذي يعمل وفق مبادئ.

***

بقلم استاذ دكتور سامح مرقس

 

السلام الداخلي ليس حالة مثالية خالية من الاضطراب، ولا عزلة تامة عن صخب العالم، بل هو قدرة مكتسبة على الاتزان وسط الفوضى. هو ذلك التوازن الدقيق الذي ينشأ حين يعيد الانسان ترتيب علاقته بذاته وبما حوله، فيفهم ما يستطيع تغييره وما عليه ان يتقبله.

هو ليس غياب الالم، بل وعي مختلف به، ولا نهاية للصراع، بل طريقة اخرى للتعامل معه. يتشكل هذا السلام عبر التجربة، عبر الخسارات الصغيرة والكبيرة، وعبر لحظات الانكسار التي تعيد تشكيل الوعي وتفرض على الانسان ان يرى الحياة كما هي لا كما يتمنى.

السلام الذي اشعر به لم يات من تلقاء نفسه، ولم يكن هدية من الحياة، ولم يهبط علي كنسمة عابرة. السلام الذي اسكنه الان ليس وطنا ولدت فيه، بل منفى اخترته حين ضاقت بي الاوطان.  لم يكن هبة أعطيت لي، بل معرفة انتزعتها انتزاعا من قلب التجربة.

دفعت فيه شيئا من احلامي، وبعضا من قدرتي على الانبهار والدهشة، وجزءا لا يستهان به من براءتي الاولى. بل دفعت ثمنه بعضا من روحي واماني واغترابي ووحدتي. كل هدوء أحمله في داخلي يخفي خلفه معركة لم تحكي، وكل سكون يبدو للاخرين نعمة هو في حقيقته بقايا صخب انهك حتى خفت صوته.

دفعت ثمن هذا السلام من اعمق ما في، من اندفاعي الاول نحو الاشياء، من تلك الرغبة الطفولية في ان يكون كل شيء ممكنا، من يقيني القديم بان العالم يمكن ان يكون عادلا اذا ما احببناه بما يكفي. لكن العالم لم يكن كذلك، وانا ايضا لم اعد كما كنت.

هذا السلام الذي يبدو ناعما لم يكن الا حصيلة احتراق طويل. لقد تعلمت ان الوحدة ليست دائما عزلة، بل احيانا نجاة، وان الاغتراب ليس فقدانا للمكان، بل اكتشافا مؤلما للذات. وان الانسان حين يرهقه العالم لا يبحث عن السعادة بقدر ما يبحث عن اقل قدر ممكن من الالم، عن مساحة ضيقة يتنفس فيها دون ان يتمزق.

كنت اظن ان السلام صفاء، حتى اكتشفت انه في حقيقته نوع من الادراك، ادراك ان الحياة لا تمنح كاملة، وان كل امتلاء يخفي في داخله فراغا خفيا، وان الانسان لا يبلغ الطمانينة الا بعد ان يتخلى عن وهم امتلاك الحقيقة المطلقة.

السلام الذي اعيشه الان ليس امتلاء، بل توازن هش بين ما تبقى مني وما فقدته في الطريق. هو اشبه بوقوف حذر على حافة الحياة، لا اندفع فيها كما كنت، ولا انسحب منها تماما، بل اراقبها من مسافة كافية.

هو نتيجة لتعب طويل، لصبر مرهق، ولمعرفة قاسية بان بعض الاشياء لا تستعاد. ذلك هو السلام الحقيقي، ان تتصالح مع خساراتك دون ان تنكرها، وان تعيش بنقصك كما لو انه شكل اخر من الاكتمال، وانت واع تماما لهذا النقص.

شيئا فشيئا تعلمت ان اعيد ترتيب خساراتي، لا لاستردها بل لافهمها، ان انظر الى وحدتي لا كفراغ يخيف، بل كمساحة استرد فيها نفسي من ضجيج الاخرين، وان اقبل اغترابي لا كعطب، بل كعلامة وعي باني لم اعد انتمي بسهولة، لا الى الامكنة ولا الى اليقين.

السلام كما ادركته اخيرا ليس راحة خالصة، بل هو ترويض للالم، ليس غياب العاصفة بل القدرة على الوقوف في قلبها دون ان انهار. هو تلك اللحظة التي اتوقف فيها عن سؤال الحياة لماذا اخذت، وابدا في سؤال نفسي ماذا بقي، وكيف احسن العيش به.

لم اعد ابحث عن اكتمالي، فقد فهمت ان النقص ليس خللا طارئا، بل هو البنية العميقة للوجود الانساني، واننا لا نشفى تماما، بل نتعلم كيف نحمل جراحنا بخفة، وكيف نحولها من عبء يثقلنا الى معنى ينضجنا.

هذا السلام الذي يبدو الان هادئا هو في حقيقته اتفاق صامت بيني وبين الحياة، ان لا اطالبها بالكمال، وان لا تطالبني بالقوة المطلقة.

السلام الحقيقي ان تتصالح مع هشاشتك دون خجل، ان تحمل كسورك كانها جزء من هندستك الداخلية لا عيب فيها، وان تمضي لا لان الطريق صار اسهل، بل لانك صرت اعمق. هناك، في تلك النقطة التي لا يعود فيها القلب يطالب، ولا الروح تقاوم، ولا الذاكرة تساوم، يولد السلام. سلام لا يشبه البدايات، بل يشبه الحقيقة بعد ان سقطت عنها كل الاوهام.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

تعد مقولة بالضرورة أن يكون المثقف فاعلا في المجتمع من أكثر الاطروحات تداولًا في الفكر الثقافي الحديث، لأنها تمس سؤالا جوهريا يتعلق بوظيفة المثقف وحدود دوره بين انتاج المعرفة والمشاركة في الشأن العام. غير ان التعامل مع هذه المقولة بوصفها حقيقة مطلقة يفتح الباب امام اشكالات فلسفية ومعرفية معقدة، تتعلق بطبيعة الفعل ذاته، وبحدود العلاقة بين الفكر والمجتمع، وبما اذا كان من المشروع اصلا فرض الفاعلية كشرط وجودي للمثقف.

في البداية، لا يمكن انكار ان تاريخ المثقفين يكشف عن حضور قوي في المجال العام. فقد لعب العديد من المفكرين دورا حاسما في تشكيل الوعي الجمعي، سواء عبر النقد المباشر للسلطة، او عبر تفكيك البنى الاجتماعية والثقافية السائدة، او من خلال الدفاع عن قيم الحرية والعدالة. هذا التصور يجعل من المثقف كائنا مرتبطا بالمجتمع ارتباطا عضويا، لا يمكنه الانعزال في برج عاجي دون ان يفقد جزءا من مشروعيته الاخلاقية. فالمعرفة، في هذا السياق، ليست ترفا ذهنيا، بل مسؤولية تجاه الواقع، خاصة حين يتعلق الامر بقضايا الظلم او التهميش او الاستبداد.

من هذا المنظور، تبدو فاعلية المثقف امتدادا طبيعيا لوظيفته النقدية. فالمثقف لا يكتفي بوصف الواقع، بل يسعى الى مساءلته وتفكيكه وكشف تناقضاته. وحين يتحول الى عنصر مؤثر في تشكيل الرأي العام او في اعادة صياغة الوعي الاجتماعي، فإنه يؤدي دورا يتجاوز حدود التنظير الى التأثير الفعلي. لذلك، يرى انصار هذا الاتجاه ان صمت المثقف او انسحابه من المجال العام يمثل نوعا من التنازل عن مسؤوليته الاخلاقية، بل وقد يفهم احيانا كنوع من القبول الضمني بالواقع القائم. لكن هذا التصور، رغم وجاهته الاخلاقية، يطرح اشكالات عميقة اذا ما جرى تعميمه وتحويله الى قاعدة الزاميه. فليس كل انتاج فكري موجها بطبيعته الى الفعل المباشر. هناك مساحات واسعة من الفكر الانساني تعمل داخل مستويات نظرية او تأملية بعيدة عن الانخراط المباشر في القضايا اليومية، ومع ذلك فإن تأثيرها قد يكون عميقا وطويل الامد. فالفكر الفلسفي او العلمي، على سبيل المثال، لا يقاس دائما بمدى حضوره في اللحظة السياسية، بل بقدرته على اعادة تشكيل طرق التفكير ذاتها.

يظهر خطر اختزال وظيفة المثقف في النشاط الاجتماعي المباشر. فعندما يطلب من المثقف ان يكون فاعلا بالمعنى الحركي او السياسي فقط، فإنه يدفع تدريجيا نحو فقدان استقلاليته النقدية. اذ قد يصبح جزءا من صراعات ايديولوجية او ادوات توظيف سياسي، بدل ان يبقى مراقبا ومحللا ومفككا للواقع من مسافة نقدية. وهذا التحول قد يؤدي الى اضعاف دوره الاساسي، الذي يقوم على المساءلة لا على الانحياز. اضافة الى ذلك، فإن مفهوم الفاعلية نفسه ليس مفهوما محايدا او واضح الحدود. هل تعني الفاعلية المشاركة السياسية المباشرة؟ ام التأثير الثقافي؟ ام انتاج خطاب نقدي يعيد تشكيل الوعي؟ ام التعليم والتكوين؟ ان حصر الفاعلية في شكل واحد ضيق يجعل من الحكم على المثقف حكما اختزاليا، يتجاهل تعدد مسارات التأثير الممكنة. فهناك مثقفون لم ينخرطوا في السياسة اليومية، لكن افكارهم شكلت تحولات كبرى في التاريخ الفكري والاجتماعي.

من ناحية اخرى، يمكن القول ان الضغط على المثقف ليكون فاعلا باستمرار قد يخلق نوعا من الالتزام القسري الذي يضر بجوهر العمل الفكري. فالمثقف حين يجبر على الرد الفوري على كل حدث اجتماعي او سياسي، قد يفقد القدرة على التعمق والتأمل والتحليل البعيد المدى. وهذا ما يجعل الفعل السريع احيانا على حساب الفهم العميق. فالفكر يحتاج الى بطء نسبي، والى مسافة نقدية تسمح بانتاج رؤية متماسكة، لا مجرد ردود فعل آنية.لا يمكن ايضا تبني موقف الانعزال الكامل للمثقف عن مجتمعه. فالفكر المنفصل تماما عن الواقع يتحول الى خطاب مغلق على ذاته، يفقد قدرته على التأثير او التفاعل. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في اختيار بين الفعل او اللافعل، بل في اعادة تعريف العلاقة بينهما بشكل اكثر توازنا. فالمثقف يمكن ان يكون فاعلا دون ان يتحول الى ناشط مباشر، ويمكن ان يؤثر دون ان ينخرط في كل تفاصيل الصراع الاجتماعي.

ان الفاعلية الحقيقية للمثقف قد تتجلى في مستويات متعددة في نقد الخطاب السائد، في تفكيك المسلمات، في انتاج مفاهيم جديدة، في تعليم الاجيال، وفي فتح افق التفكير النقدي. هذه الاشكال من الفعل ليست اقل اهمية من الفعل السياسي المباشر، بل قد تكون اكثر عمقا واستمرارية. فهي لا تتعامل مع الاعراض فقط، بل مع البنى الفكرية التي تنتج تلك الاعراض.في ضوء ذلك، يمكن اعادة صياغة المقولة الاصلية بشكل اكثر دقة ليس بالضرورة ان يكون المثقف فاعلا بمعنى الانخراط المباشر، بل من الضروري ان تكون للمثقف قدرة على التأثير النقدي في مجتمعه، بأشكال متعددة لا يحددها قالب واحد. فالمثقف ليس موظفا في خدمة الفعل الاجتماعي المباشر، بل هو منتج للمعنى، ومساءل للواقع، ومعيد تشكيل للوعي.

 إن الاشكال لا يكمن في وجود المثقف داخل المجتمع او خارجه، بل في طبيعة العلاقة بين الفكر والواقع. فكلما تحولت الفاعلية الى مفهوم متعدد الابعاد، امكن انصاف ادوار المثقف المختلفة دون اختزال او اقصاء. وبين الانخراط الكامل والانعزال التام، تظل المساحة الاكثر اهمية هي مساحة النقد العميق، الذي لا يكتفي بالفعل ولا يهرب من المسؤولية، بل يعيد تعريف معنى التأثير ذاته داخل المجتمع.

***

زكريا - نمر

 

في مأزق الوعي المعاصر

تضرب الأزمة الجوهرية للإنسان المعاصر جذورها في خلل بنيوي عميق يمس آليات تشكل الوعي الفردي والجمعي على حد سواء. يتجلى هذا الخلل في تضاد صارخ بين ما يمكن تسميته بـ "انشغالات العامة" و"تأملات الفيلسوف". إن هذا الانقسام ليس مجرد تفاوت عارض في القدرات الذهنية بين الأفراد، بل هو الثمرة المرة لهندسة اجتماعية واقتصادية شديدة الدقة، تستثمر فيها الرأسمالية الرمزية، بالتحالف الوثيق مع نظام التفاهة، لفرض هيمنة أيديولوجية شاملة على الفضاء العام.

يعتمد هذا النظام في ديمومته على تحويل الرداءة من حالة هامشية إلى معيار وجودي ومؤسسي، وإعادة صياغة الأنماط السلوكية المطبوعة (البنى النفسية الراسخة) لضمان انصياع الجماهير عفوياً لمنطق السوق والسيادة الطبقية. إن الخطورة هنا تكمن في أن هذا الانقياد يحدث دون حاجة إلى وسائل القمع التقليدية الخشنة، بل عبر استغلال ذكي لآليات سيكولوجية الجماهير والتحولات الرقمية التي جعلت من الرقابة فعلاً طوعياً يمارسه الفرد على نفسه.

معمارية الرأسمالية الرمزية: العنف الناعم ومشروعية الهيمنة

تتأسس الرأسمالية الرمزية على قدرة النخب على تراكم "الرأسمال غير المادي"، الذي يشمل السمعة، التقدير الاجتماعي، والوجاهة، ومن ثم تحويل هذا التراكم إلى سلطة فعلية قادرة على توجيه السلوك الجمعي. هذا النوع من السلطة يمارس ما يمكن وصفه بـ "العنف الرمزي"؛ وهو عنف ناعم، خفي، وغير محسوس، يجهله الممارس والضحية معاً. يكمن دهاء هذا العنف في أنه ينتزع اعترافاً بمشروعيته من الضحايا أنفسهم، الذين يرون في تراتبية السلطة نظاماً طبيعياً لا مفر منه.

تعمل مؤسسات الدولة، وعلى رأسها المدرسة والإعلام، كمصانع لإنتاج هذه المشروعية. فالمدرسة، بدلاً من أن تكون جسراً للتحرر، تعمل غالباً كأداة لفرض ثقافة الطبقة المهيمنة بوصفها الثقافة الوحيدة الرفيعة. هذا "الاعتباط الثقافي" يؤدي بالضرورة إلى أن يستبطن أبناء الطبقات الدنيا شروط دونيتهم، فيعيدون إنتاج تبعيتهم بأنفسهم عبر تبني قيم الانقياد التي رُسخت في لاوعيهم تحت مسمى "النجاح" أو "الاندماج الاجتماعي".

من القوة القسرية إلى الإذعان "الأخلاقي"

إن المسار التاريخي للسلطة انتقل من إخضاع الأجساد بالترهيب إلى إخضاع النفوس بالرموز. تصبح السلطة هنا مبنية على "الهيبة المكتسبة" للرموز والمظاهر، مما يجعل الإذعان فعلاً منعكساً يشبه الاستسلام اللاشعوري لمراسم المحاكم أو أردية القضاة؛ ليس اقتناعاً بالعدالة بالضرورة، بل لأن الرموز تفرض سطوتها على الوجدان. هذا الاندماج الجسدي في بنية العالم يجعل من المستحيل على الفرد التمييز بين رغباته الأصيلة وبين تلك التي تمليها عليه المنظومة المهيمنة. وهنا يكمن التفسير السوسيولوجي لاستمرارية الأنظمة الجائرة؛ فهي لا تُحكم قبضتها على الأجساد فحسب، بل تسكن في مخيلة المحكومين.

عندما تصبح الرداءة نظاماً وجودياً: حكم التافهين

في هذا السياق، يبرز "نظام التفاهة" كمرحلة تاريخية متقدمة، لم تعد فيها الرداءة مجرد استثناء، بل غدت القاعدة المحركة لكافة مفاصل المجتمع. يُطالب الفرد في ظل هذا النظام بأن يكون "متوسطاً" أو "نمطياً" ليحوز القبول المهني والاجتماعي. إن القاعدة الذهبية التي تحكم عصرنا هي: "لا تكن مبدعاً بشكل يربك المنظومة، بل كن بارعاً في إتقان قواعد اللعبة التي وضعها التافهون".

هذا النظام لا يسحق الكفاءة علانية، بل يعيد تعريفها لتصبح مجرد قدرة على التكيف مع البيروقراطية الرتيبة. وحتى الحقول التي يُفترض أنها معاقل للفكر النقدي، كالحقل الأكاديمي، تحولت إلى مصانع لإنتاج "الأوراق البحثية الكمية" التي تخدم مصالح النخب التقنية (التكنوقراط) بدلاً من البحث عن الحقيقة الجوهرية. لقد تحول الباحث من مفكر حر إلى موظف في آلة كبرى لإنتاج التفاهة المسلفنة.

ديناميكيات التحول المؤسسي: خصخصة السيادة وتسليع الوعي

تسلل التافهون إلى مفاصل السلطة عبر استبدال السياسة الحقيقية بمفهوم "الحوكمة" التقنية. هؤلاء الخبراء يمارسون دوراً تجميلياً لفساد المنظومات، مستخدمين لغة إدارية معقدة وجوفاء تهدف إلى حجب الحقائق الاقتصادية عن الجمهور. ويمكن رصد هذا التحول عبر أربع مسارات:

تحويل الحرفة إلى وظيفة: فقدان العامل لصلته الروحية بمنجزه، وتحوله إلى برغي في ماكينة لا يدرك غاياتها.

سيادة النخب التقنية: استخدام المصطلحات "المعقمة" لشل القدرة على التفكير النقدي.

خصخصة السيادة: إدارة الدولة بمنطق الشركات الكبرى، حيث المواطن هو "مستهلك" والوطن هو "سوق".

تسليع الوعي: تحويل المثقف والفنان إلى "مؤثر رقمي" يقاس نجاحه بعدد المتابعين لا بعمق الأثر.

تصنيع الرضا: الفلاتر البنيوية للهيمنة الإعلامية

لا تكتمل منظومة الانقياد دون جهاز إعلامي يصنع الرضا طوعاً. إن نموذج "تصنيع الرضا" يكشف كيف تقوم وسائل الإعلام بخدمة مصالح الشركات والنخب عبر "مرشحات" بنيوية خفية. هذه المرشحات تضمن بقاء النقاش العام محصوراً في تفاهات يومية، بعيداً عن القضايا المصيرية التي تمس جوهر الهيمنة. الإعلام هنا لا يملي عليك "ماذا تفكر"، بل ينجح ببراعة في إملاء "ما الذي يجب أن تفكر فيه"، محيداً بذلك أي صوت معارض حقيقي.

من مجتمعات الانضباط إلى مجتمعات التحكم الرقمي

لقد انتقلنا من عصر "السلطة الانضباطية" التي كانت تراقب الأجساد داخل جدران السجن أو المصنع، إلى عصر "مجتمعات التحكم" المرنة. في هذه المرحلة، لم يعد الفرد بحاجة إلى جدران مادية ليكون سجيناً؛ بل أصبح ملاحقاً بهويته الرقمية، وتقييماته المستمرة، وأكواد الوصول. السلطة اليوم شبكية، تعمل عبر تعديل السلوك اللحظي من خلال الخوارزميات، مما ينتج طاعة بنيوية "ذكية" تستبق حتى رغبة الفرد في التمرد.

 الجهل البنيوي وسيكولوجية الإنسان المقهور

يمثل "الجهل البنيوي" الركن الثالث في هذا المثلث؛ وهو جهل مصمم مؤسسياً، ليس ناتجاً عن نقص المعلومات، بل عن وفرة المعلومات التافهة التي تحجب الوعي النقدي. في الفكر العربي، حلل مصطفى حجازي سيكولوجية الإنسان المقهور الذي يتبنى "وعياً زائفاً" كآلية دفاعية لتجنب مواجهة واقعه الأليم. هذا الإنسان يتحول إلى كائن منغلق معرفياً، يفضل الانتماءات الضيقة (القبلية أو الطائفية) على التحليل العقلاني، مما يجعله فريسة سهلة للرأسمالية الرمزية التي تحول جهله إلى "مادة خام" للاستثمار السياسي.

خطاب السلطة: من "الحكمة" إلى "الوعظ الجماهيري"

تاريخياً، ميز خطاب السلطة بين "الخاصة" و"العامة" لاستقرار الحكم. فبينما يرى ابن رشد ضرورة مخاطبة الجمهور عبر "الخطاب الإنشائي" المعتمد على الصور الخيالية لضمان الاستقرار، نجد في الخطاب المعاصر توظيفاً مشوهاً لهذه الفكرة. السلطة اليوم تستخدم "التفاهة" كخطاب وعظي حديث، حيث يتم إغراق الجمهور بتمثيلات زائفة عن النجاح والسعادة الاستهلاكية لضمان انشغالهم عن تفكيك بنى الهيمنة.

انشغالات الفيلسوف كفعل مقاومة

في مواجهة هذا التحالف الشرس بين الرأسمالية الرمزية ونظام التفاهة، تبرز "انشغالات الفيلسوف" كفعل مقاومة وجودي. إن المقاومة لا تبدأ من الشارع فحسب، بل من استعادة السيادة على الوعي. إنها تبدأ بـ "التعليم النقدي" الذي يعلم الأجيال كيف يفككون شيفرات الخطاب السلطوي، وكيف يرفضون القيم المعلبة التي يفرضها السوق.

إن إنقاذ "الإنسان الأخير" من براثن التفاهة يتطلب ثورة فكرية تعيد الاعتبار للقيم الأخلاقية، وتستعيد حق الإنسان في أن يكون سيد نفسه، لا جزءاً من قطيع يساق نحو حتفه بإغراءات الاستهلاك السطحية. إن المعركة اليوم هي معركة استعادة "الخيال السياسي"؛ القدرة على تصور عالم لا تحكمه الرداءة، ولا تُقاس فيه قيمة الإنسان بمدى انصياعه للنظام، بل بمدى قدرته على التفكير الحر.

***

غالب المسعودي

يظن البعض أنهم يرون الواقع أمامهم بوضوح كامل، وكأن ما يلتقطوه من تفاصيل هو الصورة الكاملة للحقيقة، لكن التجربة العلمية في علم النفس الإدراكي تشير إلى عكس ذلك تمامًا، حيث يعمل الانتباه البشري بطريقة انتقائية تجعل جزءًا صغيرًا فقط من الواقع هو ما يدخل فعليًا إلى الوعي، بينما يتم تجاهل أجزاء أخرى بالكامل دون أن يشعر الإنسان بذلك.

هذه الفكرة ظهرت بشكل واضح في تجربة شهيرة في علم النفس تعرف بتجربة “الغوريلا الخفية”، التي أجراها العالمان دانيال سيمونس وكريستوفر تشابريس. في هذه التجربة، تم عرض فيديو بسيط أمام المشاركين، يظهر فيه فريقان من الأشخاص، أحدهما يرتدي قمصانًا بيضاء والآخر سوداء، يقومون بتمرير كرة فيما بينهم. طُلب من المشاركين أن يركزوا انتباههم على الفريق الأبيض فقط، وأن يقوموا بعدّ عدد التمريرات بدقة، وهو تمرين يبدو بسيطًا لكنه يتطلب تركيزًا عاليًا.

أثناء انشغال المشاركين في العدّ، حدث أمر غير متوقع داخل المشهد، إذ دخل شخص يرتدي زي غوريلا، ومرّ ببطء في منتصف الشاشة، توقف، قرع صدره بيديه، ثم خرج من المشهد. هذا الحدث استمر لعدة ثوانٍ وكان واضحًا من حيث الشكل والحركة، ومع ذلك، عندما سُئل المشاركون بعد انتهاء الفيديو، كانت النتيجة صادمة، إذ إن نسبة كبيرة منهم لم تلاحظ وجود الغوريلا أصلًا، رغم أنها كانت أمام أعينهم مباشرة.

هذه النتيجة كشفت أن الانتباه البشري لا يعمل كنافذة مفتوحة على كل ما يحدث، بل يعمل كضوء مركز يتم توجيهه نحو جزء معين من المشهد، بينما يتم ترك باقي المشهد في الظل. عندما يركز العقل على مهمة محددة مثل عدّ التمريرات، فإنه يقوم تلقائيًا بتقليل حساسيته تجاه أي شيء لا يخدم هذه المهمة، حتى لو كان هذا الشيء واضحًا وكبيرًا في المشهد.

هذه الظاهرة لا تتوقف عند المختبرات العلمية، وإنما تظهر في الحياة اليومية بشكل مستمر، حيث يمكن للإنسان أن يركز على هدف معين أو فكرة معينة، ثم يفوته الكثير من التفاصيل المحيطة به دون أن ينتبه لذلك. وهذا ما يجعل الإدراك البشري انتقائيًا بطبيعته، وليس شاملًا كما نعتقد في العادة. ما يركز عليه يبقيه تحت الضوء وما يتجاهله يتركه في الظل.

 هذه التجارب تكشف لنا طريقة عمل الإدراك البشري في الحياة اليومية، وكيف يرى الحداث وتفاصيلها في الواقع. حيث لا يرى الإنسان كل ما أمامه في وقت واحد، وإنما يقوم بعملية فرز مستمرة لما يدخل إلى وعيه وما يبقى خارجه. هذا الفرز يحدث بشكل عفوي في أغلب الأحيان، ويعمل بشكل تلقائي حيث أنه مرتبط بالهدف الذي يركز عليه الشخص في تلك اللحظة، سواء كان هدفًا بسيطًا أو ضغطًا نفسيًا أو حتى رغبة داخلية قوية.

يمكن فهم ذلك بشكل أعمق عندما نربط التجربة بفكرة الطاقة الإدراكية المحدودة، وهي الفكرة التي تشير إلى أن الانتباه موردًا محدود للطاقة، حيث يتم توزيعها على ما نعتبره مهمًا في تلك اللحظة. ولهذا السبب، عندما يوجه الإنسان انتباهه إلى مهمة معينة بشكل مكثف، فإنه يخسر القدرة على ملاحظة أشياء أخرى قد تكون موجودة بوضوح في محيطه. وهذا ما يجعل الإدراك دائمًا انتقائيًا، وليس شاملًا كما يبدو من الخارج. ومن هنا تكمن أهمية المشاركة في الأفكار والتصورات.  فهي تغني الصورة لدينا بجوانب كانت في منطقة ظلنا.

وقد أشار عالم النفس جوردان بيترسون إلى هذا المعنى من زاوية مختلفة عندما تحدث عن بنية الإبصار البشري، موضحًا أن جزءًا صغيرًا جدًا من العين مسؤول عن الرؤية الدقيقة، بينما يتم استخدام باقي المجال البصري بشكل محيطي وأقل دقة، مما يعني أن الدماغ مضطر دائمًا إلى اختيار ما يركز عليه بدقة عالية، وما يتركه في الهامش. هذه البنية البيولوجية تعكس حقيقة أعمق، وهي أن الإنسان لا يستطيع إدراك كل شيء بنفس الدرجة من الوضوح في وقت واحد، بل يحتاج دائمًا إلى عملية اختيار.

هذه الفكرة تنعكس أيضًا في الحياة الاجتماعية، حيث يظهر ما يمكن تسميته بالانتباه الانتقائي العاطفي. فالشخص المراهق الذي ينغمس في العشق تراه يقصر في دراسته كون العشق استحوذ على كامل الصورة الادراكية لديه وترك الدراسة في الظل. وكذلك أيضًا الشخص الذي يكون منشغلًا بفكرة معينة، أو بحاجة داخلية ملحة، قد لا يرى تفاصيل واضحة أمامه في ذلك الوقت لأنها لا ترتبط مباشرة باهتمامه الحالي. ومن هنا جاء التعبير الشعبي “صاحب الحاجة أعمى”، الذي لا يشير إلى فقدان البصر الحقيقي بل النفسي، حيث يضيق مجال الإدراك تحت تأثير الحاجة أو التركيز الشديد.

إذا عدنا إلى تجربة الغوريلا، يمكننا أن نفهم أن المشكلة الفعلية التي حدثت هي في طريقة توزيع الانتباه داخل العقل. وليست مشكلة في الأبصار. فعندما يتم توجيه الانتباه بالكامل نحو مهمة محددة، يتم تقليل حساسية الدماغ تجاه أي عنصر خارج هذه المهمة، حتى لو كان هذا العنصر واضحًا وكبيرًا في المشهد. وهذا يفسر لماذا يمكن لشخصين أن يشاهدا نفس الحدث، لكن يخرجان بتجربتين مختلفتين تمامًا.

في النهاية، ما تكشفه هذه الظاهرة هو أن الإنسان لا يتعامل مع الواقع كما هو، بل كما يتم التقاطه من خلال عدسته الإدراكية في تلك اللحظة. وهذه العدسة قابلة للتضييق أو الاتساع بحسب الحالة الذهنية، والهدف، والضغط، والسياق. وكلما ضاق هذا الانتباه، زادت احتمالية فقدان تفاصيل مهمة، وكلما اتسع، زادت القدرة على رؤية الصورة بشكل أكثر شمولًا، دون أن يعني ذلك رؤية كل شيء في الوقت نفسه.

بهذا المعنى، يصبح الإدراك البشري عملية اختيار مستمرة، أكثر من كونه عملية استقبال كاملة للواقع، وهو ما يجعل فهم “كيف نرى” لا يقل أهمية عن “ماذا نرى.

***

الكاتب نبيل عيدو

علينا أن نقول أولا بأنّ نيتشه " موسيقيّ" (وإن لم يُعرف بذلك بقدر ما عرف بكونه فيلسوفا) وانّه كذلك (موسيقيّ) بوصفه عارفا، يكتب عن الموسيقى ويضع الألحان أيضا. وليس هذا الاهتمام الخاص بالموسيقى بالأمر المستغرب فقد سبقه إلى ذلك فلاسفة سابقون أمثال أفلاطون و الفارابي وغيرهما...وجدوا في الموسيقى علاقة وثيقة بالفلسفة من حيث مشاركتهما في مبدأ الوحدة والتناسق...غير أنّ نيتشه، ولرؤية خاصة للفلسفة بوصفها " تجربة حياة "، لم يجد في الموسيقى أمرا متخارجا عن الفلسفة قد يشاركها من بعض الوجوه، بل إنّه يرى فيها، وربما في الفن عموما التصاقا بالفلسفة تكاد تختفي معه التخوم حينما ينظر إليها بوصفهما تجسيدا لتجربة " الكائن" وتعبيرا عن " إرادة الاقتدار " لديه أو بوصفهما " تجسيدا " لقوّة " الحياة في اندفاعها، بل قد يجد في الموسيقى تفوّقا في هذا المعنى على الفلسفة. ولعلّ هذا ما يفسّر العلاقة الخاصّة لنيتشه بالموسيقيين، علاقة تجاوزت مجرد الاهتمام الفلسفي - الاستيتيقي، ضمن دائرة التفكير الفلسفي في الموسيقى وفي الفن عامّة، إلى علاقة " صداقة " عميقة لا تخلو من هزّات وغِيرة وألم.. شأن ما كان من "صداقته" "لفاغنار" التي انتهت إلى قطيعة سببها خلاف حادّ حول " الموسيقى " بالخصوص، من جهة منزلتها من الحياة. ولم يقتصر اهتمام نيتشه بالموسيقيين على " فاغنار"، صديقا حميما من دون شكّ شغله وملأ حياته إلى حين، بل تعداه إلى الاهتمام بأعمال موسيقيين غيره أمثال موازرت و فرانزو وغيرهما. غير أنّ هذا الاهتمام بالموسيقيين، كما أسفلنا لم يكن اهتمام " المعجب" ولا حتى المفكّر، بل اهتمام الموسيقيّ، العارف بالموسيقى وشعابها؛ الأمر الذي سمح لنيتشه لا أن يؤلّف فيها مقطوعات عديدة خلفها لنا بعضها مكتوبا وبعضها" مسموع" أيضا (أبرز أعماله كانت على البيانو خاصة تشمل "ترنيمة الحياة" (Hymnus an das Leben)، و"تأملات" (Meditation)، و"أراك أيها الملاك الهادئ" (Es zieht ein stiller Engel)، بالإضافة إلى مقطوعة أرسلها لكوزيما فاغنر). وبالرغم من أن نيتشه لم يبلغ بهذه المقطوعات الموسيقية مبلغ " العظماء" من الموسيقيين أمثال فاغنار أو موزارت..، فإّنه كشف من خلالها عن حسّ فنّي راق وعن ذوق مرهف، فضلا عن اطلاع ومعرفة بالموسيقى وخاصة بما عرف بالموسيقى " السمفونية".

 وقد سمح هذا الاطلاع على الموسيقى وأحوال الموسيقيين لنيتشه أن يلعب على نحو ما دور " الناقد الفنّي" يحلّل ويقيّم إبداعات الموسيقيين ويبدي رأيه في القيمة " الفنّية والموسيقيّة " لهذه الأعمال وخصوصيتها فنيا بل ومقارنتها ببعضها البعض، كلّ ذلك انطلاقا من ثقافته الموسيقية أولا ووفق معايير " فنية" تستند إلى بالأحرى إلى خلفية فلسفية (فلسفة موسيقى). ذلك أن "نيتشه "الفيلسوف" يظلّ نيتشه الموسيقيّ حينما يتكلّم عن الموسيقى" حسب فلورانس فابر، "يعبّر عن الموسيقى بوصفه موسيقيّا لا بكونه باحثا في الموسيقى أو إستيتيقيا، أي موسيقيّا تمثّل الموسيقى لديه النواة المكوّنة لشخصيته وحياته"(1). وبصفته تلك كان يبدي رأيه في موسيقى غيره ويحكم على موسيقاهم. وقد ترك لنا نيتشه شذرات من آراءه تلك في أكثر من مؤلّف وخاصّة في كتابه" إنساني مفرط في الإنسانية" أو " المسافر وظلّه"، نسوق بعضا منها تباعا مقدّرين ما يذهب إليه شرّاح فلسفته الموسيقية من كون نيتشه قد مرّ بمرحلتين في تكوين هذه الاستيتيقا الموسيقية: أولاهما تأثر فيها بالموسيقى الكلاسيكية لباخ وموزار وبتهوفن وغيرهم، ثمّ مرحلة ثانية سميت لديهم "بحالة فاغنار" الذي كان له مع نيتشه شأن خاص لم يشهده مع غيره من الموسيقيين. ولكي نقف على مقدار اطلاع نيشته واستيعابه لموسيقى عصره وتقديره لقيمتها الفنية، نبسط فيما يلي آراءه حول بعض موسيقييي عصره، فهو القائل عن:

- " سيباستيان باخ اSébastien Bach: " إذا لم نسمع موسيقى باخ بوصفنا عارفين تماما بما يميّزها عن غيرها وبكلّ تنوّعات الأسلوب الشارد، وكان علينا بالتالي الاستغناء عن المتعة الفنية بالخصوص، فسيكون لنا، بالاستماع لموسيقاه، انطباعا (حتى نعبّر بطريقة "جوته" الرائعة) بكوننا حاضرين بالذات في اللحظة التي يخلق فيها الإله العالم. ونريد أن نقول، بأنّنا نحسّ بأنّها تحمل شيئا ما عظيما، غير أنّه لم يوجد بعدُ: موسيقانا الحديثة العظيمة. فقد تخطّت موسيقاه بعدُ العالم، وتجاوزت الكنيسة والقوميات وما يوازيها. يوجد بعدُ لدى "باخ" كثير من أثر المسيحيّة، ومن الجرمانية والمدرسيّة، وكلّ ذلك في الحالة الأولى البكر؛ فهو يقف على عتبة الموسيقى الأوروبية (الحديثة)، ولكنه يتجه بنظره من هناك إلى العصر الوسيط". "

- "هندال Händel: " مجدّد جريء في الإبداع الموسيقيّ، صادق وقويّ، يتّجه برقّة صوب البطولة التي يقدر عليها الشعب. كان هندال غالبا ما ينزعج ويصيبه الفتور في تجسيد أعماله، بمعنى يسأم من نفسه؛ فيستخدم إذن طرقا مجرّبة للإنجاز، فيكتب بسرعة وبكثرة، وكان سعيدا حينما يتمّ عمله، ولكن لا على نحو ما يكون الإله وغيره من المبدعين عشية تنفيذ مهمّتهم".

-"هايدن Haydn: بقدر ما تجتمع الروعة بالطيبة البسيطة للطبع، فهايدن يملكها. يذهب بالضبط إلى حدّ ما تفرضه الأخلاقية على الذكاء؛ فليس لكلّ الموسيقى التي يصنعها " أي ماض."

- "بيتهوفن وموزار Beethoven et Mozart: غالبا ما تبدو موسيقى بيتهوفن تأمّلا متأثّرا بعمق بإعادة الاستماع غير المنتظر لقطعة موسيقية نعتقد أنّها قد ضاعت منذ أمد، براءة الموسيقى؛ إنّها موسيقى عن الموسيقى. يكتشف يبتهوفن "ألحانه" من أغنية متسوّلين أو أطفال الشوارع، من نغمات رتيبة لمشرّدين إيطاليين، ومن مجموعة رقصات في فندق القرية أو من خلال ليالي كرنفال: يجنيها مثلما تجني النحلة الرحيق، يبحث هنا وهناك عن نوتة، عن تتمّة موجزة. إنّها ذكريات تتجلّى من "عالم أفضل"، تقريبا مثلما يتخيّل أفلاطون " أفكاره". لموزار علاقة مغايرة تماما مع ألحانه؛ فهو لا يجد إلهاماته بالاستماع للموسيقى، بل بمشاهدة الحياة، الحياة الجنوبية الأكثر نشاطا: يحلم دائما بإيطاليا حينما لا يكون فيها."

***

عبد الوهاب البراهمي

.......................

(1) نيتشه والموسيقي. الموسيقى وظلها" فلورانتس فابر "بيف" ص 276.

 

الْتفتُّ ورائي وقد تقدم بي العمر وبعُدت بي المسافات، فلا رجوع، واستحال العوْدُ الآن، بعد أن جمعتُ بداية الأمنيات، سوْف، وليْت، ولو، ولعلّ، كبرتُ وتسلل من بين السّنوات العمر، انتبهتُ فلم أجد إلاّ السّراب يحيطني ويحتويني ويبتلعُني.

بين الصّمت والكلام، تختبئُ الحكمة والنّدامة وتأتي هذه التّأمُّلات، الوصايا، المقامات، الأبواب، جامعة لمسار طويل من النّظر والتّأمُّل والتفكير والوعي والتساؤل، لتكون تمرة يانعة لقاطف، لا تدّعي الإلْمام كلّه أو التفريط كله، بل هي تأمّلات على الطريق تحاول سبر أغوار الإنسان الذي كُنْتُه، وما يختلج بداخله من خير وشر، وجمال وقبح، وحب وكراهية.

تجرُّني السنوات إلى الأمام المحتوم جرّاً، والأمام مجهول، غامض، ضبابي، لا يستبين خطوُه، كل أثرٍ للخَطْو يذوب بين أُخَرَ كثيرة، يحثني العمر للسيْر سريعاً، حبوا وهرولة وجريا، حتّى تتقطّع منّي الأنفاس، لا محطّات للاستراحة أو الوقوف، إذ لا وقت لذلك، ولا وقت لاحق. كل الثواني والدقائق والسّاعات محسوبة ومراقَبة. أسْتحضر الماضي والآن وأُفكّر في الغد الغامض، أفكّر في الذين يلحقون بي، أبحث لهم عن مكان آمن، أحكي لهم ما كنتُ وما هم إليه سائرون، لعلّ في الأثر عبرة، لعلّ هذه التّأمُّلات تّضيئُ لهم موضع وَطْء القدم، ليسيروا مُحمّلين بالأمل والتّجربة والسّؤال.

سأترك وصاياي وتأمُّلات على مسارٍ وصل خطّ النّهاية، أو في الطّريق إليه، وهي لا تُلزم أحداً، وصايا هي الأثر، وما تبقّى منّي، وما عاش من لم يترك الأثر، ومن لم يستهد بما اكتسب من تجارب الحياة وتجارب الآخرين. الحياة علّمتني أن من الإصغاء تأتي الحكمة، ومن الكلام والثّرثرة تأتي النّدامة، لدرجة أني أصبحتُ أحاسب لساني وأزن كلامي بميزان التدبّر والتّريُّث، والصّمت والتّعقُّل، فأصبحتُ أنطقُ جمالا حين يكون للكلام حاجة، دور أو هدف أو معنى، وأتجمّل بالصّمت حين يكون الصّمت من ذهب، على حدّ قول قُطب المتصوِّفة، «انطق جمالا أو تجمّل بالصّمت[1]». هذه الوصايا والتّأمّلات، تحمل توقيع خطواتي وما كنتُه في جميع حالاتي، هادئاً، غاضباً، متأمّلاً، متسائلاً، حالات أفرزت تجارب للتقاسم والتشارك مع الآخر ليسير إلى برّ الأمان، مزوّدا بما يفكّ به أسرار الوصايا ممّا يجعله واثقا من موضع خطوِه الذي يسيره عبر سنين عمره، طال أو قصر، محمّلا بما يغالب به اليأس، وبالتّجربة التي يبني بها الآتي، وبالسؤال الذي يفتحه على الوجود والمنغلق من أسراره.

هي وصايا وتأمُّلات بمثابة مقامات تعزف على وتر تجاوز في حزنه وشجنه وهدوءه مقامات «صُنِعَ بسحْر»[2]، وترٌ لا هو بالحزين ولا المُفرح ولا المبكي، مقامات توقفنا للسّؤال أكثر ممّا تُطرب، تتصاعد قوتها لتصل إلى درجة الانتباه والتفكير النقدي الواعي، وإلى السؤال. مقامات تبحث عن المعنى حين تُقرّبنا من الكمال، تموج من دون كمنجات ولا أعواد ولا نايات ولا دفوف، تسير بنا في مواكب رهيبة بعيداً عن البكاء والعويل والتّأسُّف والتّفرّج على الحال، توقفنا أمام مسؤولياتنا الوجودية والإنسانية.

وصايا اللحظة الأولى والأخيرة قبل الوداع، نورِّثُها لعلّ الفكر يستفيق وينتبه ويفتح للسؤال والعبرة أبواب التّأمّل، لعلّنا أمامها نحسُّ بنا لردم الخواء الذي يأكلنا ويلفُّ حياتنا حين قلّ الإيمان وعمِيت الأبصار وخاب الرّجاء. هي أيضاً أبوابٌ تنفتح على مصراعيها لنَلِجَها كفاعلين لا متفرّجين، فالأبواب رمزٌ للعبور والأسرار، وكل باب يؤدّي إلى عالم من التّأمّل جديد، إلى مغامرات وتحدّيات، بل ينفتح على تفاصيل تستحقُّ أن تُروى وتُعاش.

أمام الأبواب والمقامات ترتجف بين أصابع القارئ المفاتيح والأوتار، تنفتح له الأبواب على أسرارها والمقامات على أنغامها لتهب للحياة معنى. مقامات، أبواب، تأمّلات، وصايا، مسمّيات لتجارب ولحظات تفكير عميق وهادئ يغوص في الحال ويتأمّل المآل يقترب من جوهر الإنسان القابض على المعنى كالقابض على الجمر أو كالغريب في دائرة لا نهاية لدورانها، يبحث عن مكان آمن لتوطين النفس والسير سير العقلاء بعيون مفتوحة على النّور وقلوب عامرة بالأمل.

هذه الوصايا لا تعني من يقول «أنا وبعدي الطّوفان» ولا «الإمّعة» الذي يخوض مع من يخوض في الوحل ويقول «إذا أحسن النّاس أحسنت وإذا أساءوا أسأت» ولا الذي يقول «نفسي نفسي» أو «إذا متّ ظمآناً فلا نزل القطر»[3]، لكنّها تخاطب عقولاً أنضجتها التّجارب، ونفوساً صقلها التّأمّل وابتعدت عن القاع المزدحم بالعقول الصّغيرة والأفكار التّافهة، والرؤى الفارغة.

1ـ «ليس لي وقتٌ لوقت لاحق»[4].

هكذا أُعلن تمرّدي على عادة التّأجيل والتّسويف والانتظار، وأفضح وَهْمَ الغد الذي أستندُ إليه لأُبرّرَ صمتي وتردّدي وخوفي. «الوقتُ اللاّحق» هو أكبر كذبة اخترعها العقل البشري لتأجيل المواجهة، وتأجيل السعادة، واللحظة المواتية، وتأجيل الحلم.. الوقت لا ينتظر أحدا، لكنه يُسرق منّا دفعة واحدة، أويؤخذ منّا بالتأجيل. قد تأتي النّهايات في لمح البصر، فلْنُغادر صالات الانتظار، فالوقت اللاّحق سرابٌ يبتعد كلّما اقتربنا منه، و«الآن» هو الحقيقة الوحيدة التي تضعنا على سكّة المسير بكل الأخطاء، لكنّ الطريق كفيل بأن يُصلح ما فسد، ويُحقّق الوصول النّاجح.

«الآن»، ولا وقت لاحق، «الآن»، هو الفُرصة الوحيدة والأخيرة التي قد لا تتكرّر، والتّسويف يكسّر مجاذيف العوْم نحو الشُّطآن الآمنة، فلا تجعل من انتظار الوقت اللاحق مقبرة للأحلام والأفكار والمشاعر، لا تترك للغد ما يجعلك حيا الآن. فالحياة ليست تمرينا على مسرحية تُعاد مرّات عديدة، بل هي عرض واحد مستمر الآن.

هذه الوصية جمعت كل الوصايا والتّأمّلات لأنّها فلسفة الحضور في اللحظة المواتية، ودعوة إلى أن نفكّر الآن، لا عندما تهدأ العاصفة، أن نحب الآن، لا حين تسمح الظروف، أن نبدأ الآن، لا حين تكتمل الصّورة، لأنّ الصورة لن تكتمل أبدا، والتفكير الحقيقي لا يعيش في المستقبل الغامض، بل في لحظة الوعي، والوعي لا يُؤجّل.

2 ـ «القاع مزدحم، خفّفْ من أحمالك لتُحلّق»[5].

المُثقل لا يبلغ القمّة، والقاع مزدحم وغاصٌّ بمن أثقلتهم المخاوف، والانتظارات، والتّراجعات. القاع عميق ممتلئ بالقُبح والجُثث الآدمية التي اسْتَحْلَت المهانة والعبودية، وكل ما يشُدّ إليه من تراجع وانكسار وخيبة وبؤس، ولا مخرج من هذا القاع النّتِن والآسن إلا بِفَرْد الجناح والتّحليق عاليا بعيدا على وُسْع المدى وانفتاح الفضاء، فالتّحليق قوة يبدأ بالتّخلّي، التّخلّي عن الشّك الذي يُربك الخطى، وعن كل ما يشدُّ إلى القاع، التّحليق يحتاج خفّة، والخفّة قرار.

حلّق عاليا، وأنت تفتح كتابا لتقرأ، أو تسمع موسيقى راقية لتسبح عاليا في الملكوت، أو تشارك في نقاش مثمر لينفتح وعيك، أو تطرح سؤالا يدفع بك إلى الرقي والسّمو والتغيير. ارتق الفكر سُلّما يوصلك إلى السّطح، ويُبعدك عن القاع المظلم العامر بالتّفاهات والتّافهين والقيل والقال، وافتح للسّؤال بابه وادخل بحر القراءة واركب أمواجه، فالسؤال قنطرة للعبور، باب لا يدخله إلا من خبر أسرار المغامرة والمجهول، اقرأ وارتق واترك القاع للتّافهين.

القاع حضيضٌ مزدحمٌ يُعيق الحركة، ومن آثر القاع قُصَّتْ أجنحته وأتلف نعمة الطّيران، فالأحمال ثقيلة، والازدحام في القاع ليس أمانا، وليس كلاماً من قبيل، «المصيبة إذا عمّت هانت»، بل، لا تكن ممن اختاروا الرّاحة على المحاولة، والصّمت على المواجهة، فالسّماء تتّسع لمن يجرؤ، لمن يبادر، لمن يؤمن بمؤهّلاته ولا ييأس.

خفّف من أحمالك لتُحلّق عالياً، توقّف عن الاهتمام بصغائر الأمور، تخلّص ممّا يمنعك من الطّيران والصُّعود، جرّد أحمالك، وما يستنزفُ طاقاتك تخلّص منه، قرّر بوعي وتأمّل جيداً منْ هُم في القاع وما يشدُّهم إليه وركّز في القمّة.

3 ـ «كن عابراً، لا تكن قنطرة للعبور»[6].

العابر يترك الأثر، أما القنطرة فهي للعبور والركوب والوَطْء. "امشِ مع الماشين، لا تقف لتُراقب مواكب العابرين" فالوقوف سقوط في الهاوية، بل موتٌ، والمَشْيُ حياة.

كن عابراً وصاحب رحلة ومسار مدروس، تحرّكْ، تغيَّرْ، اسعَ إلى التّغيير، لا تكن محطّة انتظار أو قنطرة ثابتة للعبور يطؤها العابرون. كن عابراً واترك الأثر، اِعطِ ما يمنح حياتك معنى وللآخرين، ركّز على مسارك المهني والشخصي وقدّم الدعم والعون لمن سأله من دون أن تضيع منك مساحتك الخاصّة وكذا كرامتك.

لا تقف متفرّجا تُصفّق ضاحكا كالأبْله، بل اعبر وامش، واترك الأثر، ضع بصمتك في الحياة يستفيد منها العابرون، ولا تحتَقِرنَّ من الأثر جناح بعوضة، فالتّاريخ يسجّل وأعيُن النّاس لا تنام، تلتقط كل كبيرة وصغيرة، كل شاردة وواردة، عش حياتك وفْق اختياراتك ولا تذُبْ في خدمة الآخرين حدَّ محْوِ ذاتك، ولا تكن أنانيا، فالعطاء جميل ورائع، لكنّه عندما يتحوّل إلى تضحية دائمة بالذات، يفقد توازنه، والحياة زمنٌ محدود فلا تقضيه في تمهيد العبور والطّريق للآخرين من دون أن تعبر أنت فتصير بذلك قنطرة للعبور.

4 ـ «الحاجة صفةُ نَقْص، فمهما كثُرت كثُر النّقْص».[7]

الحاجة افتقار إلى الشيء، وهي صفة نقص، أي علامة على عدم الاكتمال، بمعنى أن كل من يحتاج إلى غيره، فهو ناقص بذاته، لأن الكمال الحقيقي لا يكون محتاجا. ورغم أن الإنسان قائم وجوده على الحاجة، مال، شكر، مدح، رضا النّاس، شهوات..، وكلّما كثرت حاجاته دلَّ ذلك على ازدياد فقره وضعفه، أي ازدياد نقصه. وكلّما كثرت التّعلُّقات، كثرت القيود، وكثرت مظاهر النّقص، وكلّما كثرت الحاجات ازداد الشعور بالنّقص والعجز والتّبعيّة. فالإنسان الكامل من قلّت حاجاته وافتقاره للآخرين.

الامتلاك وطلب المزيد يُشعل نار الاحتياج، فالحاجة ليست فراغاً يُسدُّ، بل ثُقب يتَّسع كلّما مرّتْ من خلاله الحاجات، إذ لا سعة لوعاء الحاجة، بل يتمَدّدُ بالطلب والزّيادة، وكلّما اتّسعت رُقعة الحاجات تضخّمت مساحة القلق والفقد فيتولّد نقصٌ جديد وخوف جديد. والافتقار إلى الله كمالٌ، لا نقصٌ.

5 ـ «كلما ضاقت، يُفرجها الأمل»[8].

الأمل يغير طريقة نظرنا إلى الظروف وما يحيط بنا من أحوال ووضعيات، فهو لا يغيرها مباشرة. من هنا يبدأ الفرج. الأمل يغير زاوية رؤيتنا للأشياء، فعندما تضيق السبل وتشتدّ الأمور، يميل العقل إلى التركيز على المشكلة، لكن الأمل يقدّم احتمالات جديدة، حلولا لم ننتبه لها، فرصا مَخْفِية خلف الألم، فنتحمّل أكثر، ونصبر أكثر، ونحاول مرّاتٍ عِدّة.

الأمل ليس شعوراً عاطفياً، بل هو في حقيقته فعلٌ وإرادة، فعلُ استشراف لا انتظار الفرج، نصنعه بالعقل والتّفكير وفتح ما انسدَّ في الرؤية، كما أنه ليس نهاية الطّريق حين تضيق الأمور. ابحث عن ثغرة يدخل منها النّور، لأنّ الأمل هو القدرة على رؤية الضّوء في ذروة العتمة.

لا شيء يبقى على حاله، والضّيْقُ حالة مؤقّتة والثّبات فيه وهمٌ قاتل الأمل قرار بينما الضيق حالة، فعندما نختار الأمل، فإنّنا نختار ألاَّ نبقى أسيري اللحظة. «اشتدّي أزمة تنفرجي / قد آذن ليلك بالفرج»[9]

6 ـ «هدفك غَيْر قابل للتّحقيق، لا تغير الهدف، غَيِّر الخُطّة»[10]

«العائق أمام الفعل يُعزّز الفعل، وما يقف في الطّريق يُصبح هو الطّريق»[11]، فالعائق لا يُلغي الغاية، بل يفرض تعديل الوسيلة.

الهدف قيمة عليا وغرض وجودي، أمّا الخطّة فمجرّد فرضية خاضعة للتّجريب والخطأ. وإن تغيير الخطّة ليس تراجعاً بل هو استجابة لتحديث البيانات والمعطيات والخطة وُضعت بناء على معطيات لحظة التّخطيط، والواقع متغيّر، والإصرار على خطّة فاشلة رغم تغيير المعطيات نوع من الجمود العقلي الذي ينافي العقلانية، وخسارة غير محمودة العواقب قد تصل إلى خسارة الهدف نفسه وخسارة الوقت والجهد، وتغيير الخطة في حقيقته عمليةٌ لإنقاذ الهدف.

الهدف رؤيتك، لا تتخلّ عنه بسهولة، لأنّ الفشل الحقيقي ليس في تغيير الخطّة، بل في التّخلي عن الهدف بسببها. والهدف يحتاج إيماناً، بينما الخطّة تحتاج ذكاء وأدوات، فلا تُبدّل غاياتك كلما ضاقت بك السّبل، ولكن بدّل السبل فإن الطريق قد يلتفّ ويتعرّج، لكن الهدف فهو نقطة الوصول وتغيير الهدف ضعفٌ في العزيمة، فالنهر لا يُغيّر وجهته نحو البحر، لكنه يغير مجراه ألف مرة.

7 ـ «لا يوجد الإنسان أنصافا أو على أقساط، يوجد دفعة واحدة أو لا يكون»[12]

الانسان الحقيقي يكون حاضرا بكلّيته، بمشاعره، بمواقفه، بمسؤوليته، لا يكون كما يشتهي أو كما يُناسبه، فأنصاف الأشياء تبعدك عن إنسانيتك وقد تؤذي، تُرْبك، تفقد المعنى، والهوية لا تبنى بالأنصاف أو بالتّقسيط، أو حسب المصلحة. وهي قولةٌ تعبّر بعمق عن رفضٍ قاطع لتَشْييء الإنسان أو تجزئته، فالإنسان ليس تراكما لقطع غيار مشاعرية أو عقلية، بل هو وحدة وجودية تتجلّى في المواقف والاختيار.

«الإنسان مشروع» لا يمكن أن يكون نصف حر، لأن الحرية لا تتجزّأ، أو يكون نصف شجاع أو بنصف كرامة، فالخيار أن تكون «كلّك» لا أن توجد نصف وجود. فإمّا أن تكون حاضراً بوعيك ومسؤوليتك في اللحظة، أو أنّك غائب لا حس ولا خبر.

التاريخ لا يصنعه المتردّدون أو الذين يعيشون على هامش الزمن، في انتظار وضوح الرؤية أو اللحظة الحاسمة والمواتية. فالذين تواجدوا أنصافا ذابوا في الزحام ولم يتركوا الأثر، لأن الأثر يتطلّب كثافة وجودية تتحقّق بالانصهار الكامل في الموقف.

الإنسان ليس كائناً يُبنى بالتّقسيط، بل هو كُلٌّ وفيض يتجلّى أو ينحسر، وهو ليس مجموع أجزاء، بل كُلٌّ يمنح لكل جزء معناه.

كن واضحا مع نفسك ومع الآخرين، كن حقيقيا من دون قناع أو رُتوش، لا تخلق لنفسك نسخة مزوّرة غيابها خير من حضورها.

8 ـ «أخرجوا الطفل الذي بداخلكم حتى لا تشيخوا قبل الأوان، وتسقط أسنانكم، وتتعثّر الكلمات في أفواهكم»[13]

عندما نكبت الطّفل الذي بداخلنا فإنّنا نكبت الدّهشة والمغامرة والسؤال، إذ من دونها نفقد الروح ولذّة الحياة وسر المعنى الإنساني. فالطّفل ليس مرحلة زمنية نتجاوزها، بل نمط وعي مستمر، والشيخوخة قبل الأوان هي تصلُّب الروح عندما تتبنّى عقلية الراشد العاقل جداًّ، وهي غياب أو موت الطفل بداخلنا.

الطفل، فضول، عفوية، سؤال، حلم، فرح واستمتاع بالأشياء والتفاصيل الصّغيرة، صوت المطر، قهوة ساعة الظّهيرة أو عند غروب. الطفولة فعلُ مقاومة وجودية، فهي بداية جديدة، واستعادة القدرة على الحياة بدل المعاناة والاستسلام للواقع والمرض والألم والخرف والزهايمر، وهي الممارسة التلقائية والعفوية للحياة وليست لهواً، بل آلية دفاعية تحمي الجهاز العصبي من التّآكل والموت تحتَ ضغْط الأنا والمطالب الاجتماعية التي لا تنتهي، والحركات العاقلة جدا والمحسوبة والمراقَبَة، وإخراج الطفل الذي بداخلنا بمثابة ضخّ دماء في شرايين المعنى، فنحن لا نشيخ لأنّنا كبرنا في السنّ، بل نشيخ لأنّنا قتلنا فينا حسّ الفضول وقرّرنا أن نكون رسميّين أكثر من اللاّزم. الطفولة هي الضّمانة الوحيدة لبناء روح حية حادة تفيض بالحياة والفضول والدهشة والمغامرة والسؤال.

أخرج حماسك، لا تكبر وتلبس أقنعة الجِدِّية والالتزامات، فالشيخوخة ليست سنوات نعُدّها في انتظار الموت، أو لحظات نفقد فيها الشغف، بل بداخلك طفل، حي بقلب أخف، وروح أقوى، يتجاوز الأزمات.

9 ـ «معادن الناس تكشفها المواقف، لا الكلمات»[14]

تُقال الكلمات في ساحات آمنة بينما المواقف تُعاش تحت الضّغط. تسقط الزوائد ويبقى الجوهر ويظهر المعدن الصّقيل. لهذا يبدو النّاس على حقيقتهم في الشّدائد لا في الأحاديث وترصيع الكلمات.

الكلمات بطبيعتها قابلة للتّزيين يمكنها أن تمنحك أشياء لا تملكها حقيقة، أخلاقا على مقاسك، ومقاما مُلفت ولا تكلّفك ثمنا، أمّا المواقف فلها كُلفة، فهي الشرف حين يخون الآخرون، والصبر حين يرتاحون، والوفاء حين ينسحبون في صمت، لهذا ما يُدفع في المواقف ثمناً، هو ما يكشف القيمة الحقيقية للإنسان.

10 ـ «من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجاً ومن أراد ودّك ثقب في الصخرة مدخلاً»[15]

هذه القاعدة الذهبية تلخّص مفهوم التعامل مع الآخرين. فكلّما ذبُلت الرغبة في البقاء تحوّل العقل إلى آلة لإنتاج المبرّرات، فيصبح الخطأ البسيط خطيئة لا تُغتفر، والظروف العادية حواجز مستحيلة للتّواصل، فيُصبح «ثقب الباب» رغم صغره، مخرجا للهروب والصدّ والابتعاد. في المقابل، بقاء الودّ والحفاظ عليه يحطّم الصّخر لاستمراره. فمن يريد الهجر يبحث عن الثّغرات والأسباب الواهية، يُركّز عدسته على العيوب والنّقائص، وتصيُّد الهفوات ولحظات التّقصير ليُقنع ضميره بأن الرحيل كان خياراً ضروريا. ومن أراد الود يبحث عن المساحات والمشتركات، ويتغاضى عن الزّلاّت والعثرات، ويخلق من العدم فُرصاً جديدة للاستمرار.

فلا تبدّد طاقاتك في سدّ ثقوب الباب أمام من قرّر الهجران والرحيل، فمن أراد الخروج سيخترق الجدران ليبتعد، وبالمقابل قدِّرْ عاليا من يبحث في الصّخر لأجلك، لأن مجهوده ليس دليلا على قوته فحسب، بل على موقف إنساني يُطيل به الود والمحبة.

***

عبد الهادي عبد المطّلب

الدار البيضاء/ المغرب

...........................

[1] قول ينسب لجلال الدين الرومي، وللشاعر نزار قباني قولة في نفس المعنى «أنطق جمالا أو تجمّل بالسكوت».

[2] «صُنع بسحْر» جَمعت الكلمة حروف المقامات السبعة: الصبا، النهاوند، العجم، البيات، السيكا، الحجاز، الراست.

[3] هذا البيت هو للشاعر العربي أبو فراس الحمداني. والبيت هو عجز لقصيدة مشهورة يقول فيها: "مُعللـتي بـالوصـلِ والـمـوتُ دونهُ، إذا مِـتّ ظَـمْآناً فَلا

نَـزَل الـقَـطْرُ!". وتُعد هذه القصيدة من أشهر قصائد الفخر والشوق.

[4] قولة للكاتبة الإماراتية بدور القاسمي في رسالة ملهمة عبر حسابها على انستغرام تدعو فيها إلى عدم تأجيل الأعمال، مؤكدة أن تأخير القرارات يؤدي إلى ضياع الفرص وندم في المستقبل،

[5] قولة جمعت بين قولٍ لجلال الدين الرومي: «خفف من أحمالك لتُحلّق» وقولٍ لجبران خليل جبران: «ارتقوا فالقاع مزدحم» قولةٌ تحمل دلالات عميقة

حول ضرورة الارتقاء بالنّفس والتّخلّص من قيود الدنيا.

[6] عبد الهادي عبد المطلب. على مرمى نظر (أشياء قريبة منا بعيدة عنّا) الناشر سوماكرام 2020. (ص 9)

[7] هذه العبارة هي جزء من فلسفة الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين" حول الزهد وتهذيب النفس، حيث يرى أن كثرة الاحتياجات هي أسباب للغم،

الحزن، ونقص الرتبة الروحية، لأن كل حاجة تمثل تعلقاً بغير الله أو استعباداً للقلب، فكلما زادت، زاد معها النقص.

[8] ـ من أقوال الشافعي. وهو الإمام محمد بن إدريس القرشي المُطَّلِبِي الشافعي، يوصف بأنه "عقل فقهي ومنهجي عبقري"؛ وبأنه "مجدد القرن الثاني

الهجري"، ويعد أول من وضع لبنات علم أصول الفقه بكتابه "الرسالة". إمام في الفقه والحديث وعلم التفسير، وأديب وشاعر.

[9] كاتب كلمات القصيدة "المنفرجة" الشهيرة هو الشاعر والعالم الفقيه أبو الفضل يوسف بن محمد بن يوسف التوزري، المعروف بـ ابن النحوي.

توفي عام 513 هـ (1119 م) وهو من أهل توزر في الجنوب التونسي، وتعتبر قصيدته من أشهر قصائد التوسل والفرج.

[10] تُنسب القولة للفيلسوف الصيني القديم كونفوسيوش.

[11] قولة لماركوس أوريليوس: هو فيلسوف رواقي والإمبراطور الروماني السادس عشر.

[12] الشاعر محمد الصغير أولاد أحمد هو شاعر تونسي ولد يوم 4 أبريل 1955 في سيدي بوزيد وتوفي في يوم 5  أبريل. 2016.عاش في بيئة فقيرة

وقاسية في فترة خروج الاستعمار الفرنسي وبداية بناء الدولة التونسية.

[13] عبد الهادي عبد المطلب. على مرمى نظر (أشياء قريبة منا بعيدة عنّا) الناشر سوماكرام 2020. (ص10)

[14]هذه العبارة تعتبر حكمة مأثورة وشائعة، وغالباً ما تُنسب في السياقات الأدبية والخواطر إلى الروائي المصري نجيب محفوظ، كما تتردد بأشكال

مشابهة في العديد من الأمثال والحكم العربية التي تؤكد أن الأفعال والمواقف هي المعيار الحقيقي لتقييم البشر، وليست الكلمات المنمقة.

[15] جلال الدين الرومي هو محمد بن محمد بن حسين بهاء الدين البلخي (1207-1273)    شاعر وفقيه حنفي ومنظِّر وقانوني صوفي. أصوله

فارسية، وعاش في تركيا، وعرف بالرومي لأنه قضى حياته في بلخ بالأناضول أيام سيطرة الروم السلاجقة.

 

يظهر الدور المريع للخوارزميات في الحروب بوصفه أحد أكثر التحولات غرابة وإثارة للذعر، إذ يفاقم قلقًا متناميًا مع كل خطوة جديدة في مسار تطوير أسلحة ذاتية التشغيل. تلوح في الأفق حروب، يقول عنها الخبراء إنها تشهد تطورًا مثيرًا، إذ تستغني فيها ساحات القتال عن الإنسان كليًا، فتدار المعارك من دون حضور المقاتل البشري، ويغدو الجندي الغائب الأكبر عن الحرب التي كان يومًا مَن يخوضها ويصنع الانتصارات في ساحاتها أو ينهزم فيها.

 في حروب الخوارزميات لا يُلغى القانون الدولي وقوانين الحروب من حيث المبدأ، لكنها تفقد فاعليتها في الواقع، لأن هذه القوانين تفترض فاعلًا إنسانيًا يمتلك ضميرًا قادرًا على التمييز والتردّد والشعور بالمسؤولية، بينما تتخذ الخوارزميات قراراتها بوصفها عمليات حسابية صماء لا تعرف الشفقة ولا تختبر المعنى الأخلاقي للفعل. حين تنفصل المسؤولية عن الفعل، ولا يعود أحد مسؤولًا عن القتل والتدمير بصورة واضحة، يتعطل القانون بعد تفريغه من مضمونه. في هذا الواقع يصير الإنسان مجرد بيانات وأنماط واحتمالات، فتفقد فكرة التمييز بين المدني والمقاتل عمقها الأخلاقي، وتتحول إلى قرار إحصائي رقمي، لا يرى الإنسان ككائن حي له مشاعر ومخاوف وقلق. ويجري استنزاف التجربة الوجودية للحرب، فلا يرى الفاعل نتائج فعله، ولا يختبر صدمة الألم أو الندم، فتخمد الحساسية الأخلاقية التي كانت تحد من العنف العبثي في الحروب التقليدية. حين يغيب الإنسان في حروب الخوارزميات تغيب معه الرحمة والعطف والندم، فتغدو الأخلاق غائبة لا بإعلان موتها، بل بتحويل الفعل إلى عملية حسابية، ويظل القانون حاضرًا في النص غائبًا في الواقع.

تشير دراسات المختصين في الحروب اليوم إلى أن ساحات القتال لم تعد تقوم على المواجهة المباشرة بين البشر، إذ تولّت الروبوتات والطائرات المُسيَّرة جانبًا حاسمًا من القتال، وتراجع حضور الإنسان إلى دور المشغِّل عن بُعد، الذي يجلس خلف الشاشات، منفصلًا عن الميدان، ومقطوع الصلة بالتجربة الحسية المباشرة للحرب. حروب الخوارزميات ينطفئ فيها الشعور ويموت الضمير الإنساني، ويفقد القتل طابعه الإنساني بوصفه فعلًا يضع الفاعل وجهًا لوجه أمام ضحيته، ويتحول إلى إجراء تقني تديره خوارزميات وحسابات باردة بلا قلب، وبلا مشاعر وعواطف، لا تعرف الخوف، ولا تختبر التردد، ولا تستشعر ثقل المسؤولية الأخلاقية. يصدر قرار من روبوت لممارسة عمليات كما لو كان اختيارًا رقميًا داخل نظام مغلق، لا يمر عبر الضمير، ولا يتوقف عند معنى الحياة التي تُزهق، أو الألم الذي يكابده الضحية.

في هذا النمط من الحروب القذرة يغدو الانتصار على الأرض مرهونًا بكفاءة إدارة الخوارزميات، وتطور الروبوتات متعددة المهام، وقدرة الأنظمة الذكية على التعلم السريع والتكيف. يتراجع الإنسان من موقع الفاعل الأخلاقي إلى عنصر تقني داخل منظومة أعقد منه، ويزداد خطر أن تنفصل الحرب نهائيًا عن أي ضابط إنساني أو قانوني أو أخلاقي، حين تتخذ الآلة موقع القرار، ويُختزل معنى القتل إلى معادلة رياضية لا ترى في الإنسان أكثر من هدف رقمي قابل للإزالة. "أسلوب الحرب تغيّر، وإن بقيت طبيعتها"، بحسب مارك ميللي وإريك شميت في مقالة نشرتها "فورين أفيرز"، فحددا أربعة أشياء غيّرت أسلوب الحرب: "المسيّرات والصواريخ، والروبوتات، والذكاء الاصطناعي"، مما سجل تغييرات مهمة جداً، "المسيّرات أنهت سيطرة الدبابات، فصاروخ فرط صوتي واحد مما لدى الصين يمكنه تدمير حاملة طائرات أميركية. ومسيّرة تكلّف 500 دولار تدمر دبابة روسیة تكلف 10 ملايين دولار. والمسيّرات والصواريخ التي أطلقتها إيران في أبريل (نيسان) عام 2025 على إسرائيل كلفت 100 مليون دولار. لكن الاعتراض الأميركي والإسرائيلي بوسائل الدفاع كلّف ملياري دولار".  جريدة اندبندنت عربية، الأربعاء 8 أبريل 2026.

في الحروب التي تديرها الخوارزميات نرى بريطانيا، على سبيل المثال، تستهدف أن يكون ربع جيشها بحلول عام 2030 مكوّنًا من روبوتات قتالية، فقد صرّح الجنرال نيك كارتر في نوفمبر 2020 أن بلاده تخطط لنشر نحو 30 ألف وحدة روبوتية، أي ما يعادل ربع الجيش البريطاني، البالغ آنذاك 120 ألف جندي، وستعمل هذه الوحدات بالقرب من الخطوط الأمامية لدعم القوات البشرية وتعزيز فعالية المهمات القتالية، في تحول خطير ينقل الحرب من ميدان دموي مألوف إلى ساحة يغيب عنها الإنسان ليحضر الذكاء الاصطناعي بثقله المدمر كله. مع العلم أن الجنرال نيك كارتر شغل منصب رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة البريطانية بين عامي 2018 و2021، وهو أعلى منصب عسكري في بريطانيا، أي القائد المهني الأول للجيش البريطاني والمسؤول عن قيادة جميع أفرع القوات المسلحة وتطويرها.

من جانبها تكشف الصين عن روبوتات متقدمة، مثل بايونير 2 (Pioneer II)، وروبوتات بيونيكية متناهية الصغر (Bionic Microrobots) بحجم البعوض، تمتلك إمكانات قادرة على تغيير ديناميكيات الحرب تغييرًا جذريًا. يمكن توظيف هذه الروبوتات في مهمات استطلاع سرية، أو في هجمات دقيقة داخل بيئات شديدة الحساسية، كغرف النوم، حيث تعمل بصمت شبه غير مرئي، فتغدو أداة فعالة لجمع المعلومات أو لتنفيذ عمليات مميتة من دون إنذار. في هذا الواقع لا يقتصر أثر الذكاء الاصطناعي على تبديل أساليب القتال، وإنما يفتح أبوابًا لأشكال غير مسبوقة من الدمار، تمس عمق الحياة الإنسانية وخصوصيتها. لذلك تبرز الحاجة الملحة إلى تشريعات دولية صارمة تكبح انفلات هذه التقنيات، وتمنع تحولها إلى أدوات دمار شامل تنتهك الكرامة الإنسانية، وتقوّض فرص السلام، وتدفع العالم إلى حروب بلا مسؤولية أخلاقية ولا ضمير إنساني.

 في عرض الصين العسكري عام 2025 برز التحول من القوة التقليدية إلى أنظمة غير مأهولة وذاتية التشغيل، في رسالة تؤكد سعي بكين إلى توظيف التقنيات الناشئة لتغيير ميزان القوة. يقوم تحديث الجيش الصيني على ثلاث مراحل: الميكنة، ثم المعلوماتية، ثم "التذكية" القائمة على الذكاء الاصطناعي، وقد أحرز تقدمًا كبيرًا في المرحلتين الأوليين، ويندفع سريعًا نحو الثالثة. تكشف الوثائق العسكرية عن توسع واسع في دمج الذكاء الاصطناعي في القيادة، والاستهداف، والحرب السيبرانية، وتحليل البيانات، إلى جانب توظيفه في "الحرب الإدراكية" عبر التضليل والتلاعب بالوعي، ومحاكاة المعارك، واستهداف الفضاء والبحار بأنظمة ذاتية. هذا المسار لا يمثل برامج متفرقة، وإنما بناء منظومة قتالية متكاملة تتعلم وتتكيّف بسرعة.

 في المقابل تحتفظ الولايات المتحدة بتفوق في الحوسبة والخبرة، لكنها تواجه تسارعًا صينيًا يعتمد على التجريب السريع، ودمج التكنولوجيا المدنية بالعسكرية، والإنتاج واسع النطاق. ومع تشابه بعض البرامج بين الطرفين المتنافسين، يتجه التنافس نحو سباق تطوير متسارع قد يجعل التفوق مؤقتًا، بينما يظل التحدي الحاسم في التوازن بين القرار البشري والقرار الخوارزمي، إذ قد يؤدي الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي إلى أخطاء في التقدير وتصعيد غير محسوب. وعلى الرغم من العقبات التي تواجه الصين، فإن سرعة التعلم والتجريب قد تمكّنها من تقليص الفجوة، في وقت تتجه فيه الحروب نحو صراع بين أنظمة مترابطة، يصبح فيه الذكاء الاصطناعي عاملًا حاسمًا في كشف نقاط الضعف، وتسريع القرار، وصياغة ملامح الحرب المقبلة. راجع مقالة: سام بريسنيك، إميليا بروباسكو، كول ماكفول، "ترسانة الصين من الذكاء الاصطناعي: استراتيجية جيش التحرير الشعبي تؤتي ثمارها"، المنشورة في: جريدة اندبندنت عربية، الاثنين 6 أبريل 2026. مترجمة عن: "فورين أفيرز"، 2 مارس (آذار) 2026.

أما حضور الخوارزميات بدل الإنسان في الحرب داخل الجيش الروسي فيتجه نحو تعميق الأتمتة القتالية استنادًا إلى الخبرة الميدانية المتراكمة، ولا سيما في الحرب الأوكرانية، حيث غدت الأنظمة غير المأهولة جزءًا أساسيًا من بنية القتال. توسّع روسيا اعتمادها على الطائرات المُسيّرة والروبوتات القتالية المزودة بخوارزميات للتعرّف البصري وتحليل الأهداف واتخاذ قرارات آنية في الاستطلاع والضرب، كما في نماذج Lancet وKUB وغيرها، وهي تمثل طيفًا من الطائرات المسيّرة والأنظمة الروبوتية التي تعكس توسّع الدور الخوارزمي في العقيدة العسكرية الروسية. مع السعي إلى تطوير أسراب تعمل بتنسيق ذاتي يقلل من الحاجة إلى التوجيه البشري المباشر. في هذا المسار يتحول الجندي تدريجيًا من فاعل ميداني إلى مشغّل تقني أو مراقب عن بُعد، بينما تنتقل لحظة الاشتباك من الخبرة الإنسانية المباشرة إلى حسابات خوارزمية تحكمها السرعة والكفاءة. رغم التقدم، فإن الطائرات المُسيّرة الروسية ليست مستقلة بالكامل؛ غالبًا ما تحتاج إلى إشراف بشري في لحظة القرار النهائي، فالأتمتة الكاملة ما زالت طموحًا أكثر من كونها واقعًا. هذا التحول يعكس توجهًا روسيًا واضحًا نحو حرب تعتمد على التفوق التقني لتعويض الكلفة البشرية، لكنه يفتح في الوقت نفسه أفقًا مقلقًا، إذ تتآكل المسؤولية الأخلاقية مع تصاعد استقلالية الأنظمة، ويتحول القتل إلى إجراء تقني منفصل عن القلب والعواطف الشعور الإنساني، فتغدو الحرب نشاطًا تحكمه الخوارزميات أكثر مما تحكمه الإرادة البشرية والضمير الأخلاقي.

أما في أوكرانيا، ففي مقابلة مع مجلة "المجلة"، بتاريخ 19 مارس 2026، يؤكد الجنرال ديفيد بترايوس، القائد السابق للقيادة المركزية في الجيش الأميركي، أن الحروب المعاصرة تشهد تحولًا جذريًا نحو الاعتماد الكثيف على الطائرات المُسيّرة بوصفها الأداة الأكثر تأثيرًا في ميدان القتال، مستندًا إلى التجربة الأوكرانية التي كشفت نقلة نوعية في طبيعة الصراع من حيث الكم والسرعة والابتكار. إذ تشير المعطيات إلى أن أوكرانيا يمكنها أن تنتج نحو 7 ملايين طائرة مُسيّرة سنويًا، بعدما صنعت قرابة 3.5 مليون طائرة خلال عام واحد، وهو رقم غير مسبوق مكّنها من تشغيل ما بين 9 آلاف إلى 10 آلاف مُسيّرة يوميًا، ما جعلها عنصرًا حاسمًا في العمليات لا مجرد أداة مساندة. ولا يتوقف التحول عند الكثافة العددية، إذ يتجه الجيل القادم نحو الاستقلالية، مع اقتراب ظهور أسراب المسيّرات القادرة على تنفيذ هجمات منسقة دون تدخل بشري مباشر عبر برمجة الأهداف مسبقًا، وهي تقنية دخلت مراحل متقدمة. ويحذر بترايوس من أن مواجهة هذه الأسراب تمثل تحديًا معقدًا يتطلب تقنيات نوعية مثل الموجات الميكروية عالية القدرة أو وسائل إلكترونية لتعطيلها جماعيًا، في وقت لا يزال فيه الاستعداد الدولي دون المستوى المطلوب. في المقابل، تواصل أوكرانيا التكيّف بوتيرة سريعة من خلال تحديثات برمجية كل أسبوع أو أسبوعين، وتعديلات على العتاد كل أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، ما يكشف أن الحروب الجديدة لم تعد تحسم بالقوة التقليدية وحدها، وإنما بالقدرة على مواكبة المعطيات المتسارعة للذكاء الاصطناعي، والتطوير المستمر، واستثمار التكنولوجيا في إدارة الصراع.

في هذا السياق يعمل البنتاغون على مشروع JADC2/CJADC2 الذي يسعى إلى ربط أنظمة الاستشعار والقيادة والأسلحة في شبكة متكاملة، تُنتج ما يُسمّى "ميزة القرار" عبر تسريع جمع البيانات وتحليلها واتخاذ القرار في ثوانٍ معدودة، بسرعة تتجاوز الإدراك البشري. هنا لا يتقلص الزمن فقط، وإنما يتبدل معنى الفهم، إذ تتولى الخوارزميات قراءة المعطيات الكثيفة واستخراج أنماطها، فيغدو القرار استجابة آنية عاجلة. لا يُفهم مشروع JADC2/CJADC2 بوصفه نظامًا واحدًا مكتملًا، وإنما بوصفه نسيجًا شبكيًا يتكون من قدرات مترابطة لم تبلغ بعد صورتها النهائية، إذ ما يزال في طور التشكّل والتطوير.

 وتكشف المعطيات الرسمية عن استثمار وزارة الدفاع الأمريكية مليارات الدولارات سنويًا في الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية، بالتوازي مع خطط لإدخال أعداد كبيرة من الطائرات المُسيّرة القتالية الذكية خلال العقد الحالي ضمن برامج الطائرات القتالية، لتعمل إلى جانب الطائرات المقاتلة، وتضطلع بمهام الاستطلاع والهجوم والتشويش، فيتقلص حضور الجندي في الميدان، ويتحول الإنسان إلى مشغّل عن بُعد أو مراقب خلف الشاشات، بينما تتقدم أنظمة قادرة على التحليل والاختيار والتنفيذ بسرعة تتجاوز طاقة الإدراك البشري، فتغدو الحرب عملية تُدار عبر الخوارزميات، حيث تنتقل من مواجهة بشرية مباشرة إلى فعل تقني تُنجزه الخوارزميات.

غير أن هذا التحول لا يقتصر على تبدل الأدوات، وإنما يلامس جوهر المعنى الأخلاقي للحرب، إذ يفضي تسريع القرار وتفويض الخوارزميات بمهام الحياة والموت إلى تآكل المساءلة، وتلاشي الشعور بالمسؤولية، فيتحول القتل إلى إجراء تقني منفصل عن القلب والمشاعر والضمير، في عالم تتصاعد فيه قدرة الآلة على الفعل، ويتراجع فيه حضور الضمير الإنساني بوصفه رقيبًا على معنى الفعل وحدوده.

تجدر الإشارة إلى تطور هائل يحدث في الذكاء الاصطناعي المعروف بـ AI، وهو ذكاء اصطناعي أداتي محدود يُصمَّم لأداء مهام محددة داخل نطاق ضيق، لذلك يظل مرتبطًا بسياق معين ولا يتجاوزه، في حين تشير القفزة الجديدة التي يسميها الخبراء AGI إلى نمط من الذكاء الاصطناعي القادر على الفهم والتعلم في مجالات متعددة، ونقل الخبرة من حقل إلى آخر، بما يجعله أقرب إلى البنية الذهنية للإنسان.

 يتجلى الفرق بينهما بوضوح في الحروب، حيث يُستعمل AI بوصفه أداة مساندة: تحليل البيانات، وتوجيه الطائرات المُسيّرة، ودعم القرار العسكري، وكل ذلك يتم تحت إشراف الإنسان الذي يظل صاحب القرار النهائي، لأن هذا الذكاء لا يمتلك قدرة مستقلة على الفهم الشامل. أما AGI، في حال تحققه، فيمكن أن يتولى التخطيط الاستراتيجي، وإدارة العمليات، واتخاذ القرارات في الزمن المناسب عبر تحليل شامل للمعطيات، مع قدرة على التعلّم والتكيّف، ما يفتح أفقًا لإمكانية الاستغناء التدريجي عن الإنسان في بعض وظائف الحرب، وربما إبعاده عن مركز القرار.

هنا لا يظل الفرق تقنيًا، وإنما يغدو فرقًا وجوديًا، لأن انتقال القرار من الإنسان إلى AGI يعني انتقال سلطة الفهم والتأويل إلى نظام يعمل بكفاءة عالية، من دون أن يختبر المعنى الإنساني للفعل أو يشعر بتبعاته في الضمير الأخلاقي، فتغدو القرارات الحاسمة في الحياة والموت صادرة عن عقل لا يعرف الأخلاق والقانون، ولا يستشعر ثقل المسؤولية، ولا ينفتح على معنى الرحمة والتعاطف والشفقة، فيتحول الفعل إلى إجراء محسوب بالكفاءة والسرعة، فيما يتراجع حضور الإنسان بوصفه كائنًا يشعر بتلك المعاني ويعيشها في داخله.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

عندما نتأمل في حال الفكر العربي المعاصر نجد أننا نبصر العالم بعيون مستعارة، تأتي نتيجة ارتهاننا لرؤية إدراكية صُنعت في مختبرات الغرب الفلسفية لتناسب سياقاً تاريخياً واجتماعياً لا يشبه سياقنا في شيء. مما جعل المفكر العربي يقف في منطقة الظل المعرفي، يراقب كيف تسطع الأسئلة الغربية في سمائنا بينما تظل أسئلتنا الجوهرية قيد العتمة والإهمال.

إن ما نحتاجه اليوم هو جرأة في إعادة توزيع الضوء داخل وعينا الفلسفي، وهذا لا يعني بالضرورة القطيعة مع المنجز الإنساني العالمي، وإنما يتطلب الانتقال من حالة الانعكاس التي نكتفي فيها بترديد أصداء النظريات، إلى حالة التوليد التي تجعل من واقعنا العربي الملموس هو المختبر الأول لإنتاج المفاهيم. في التراث العربي الكامن خلف ركام التاريخ، توجد طاقة بيانية هائلة تمنح اللغة قدرة عجيبة على توليد المعاني من جذورها الحية، وهي ميزة تجعل الفكر العربي قادراً على صياغة علاقة فريدة بين اللفظ والمعنى وبين العقل والوجود، بشكل يتجاوز المأزق الذي وصلت إليه الفلسفات الغربية الحديثة التي انتهت إلى تفكيك كل شيء حتى فقدت القدرة على الإمساك بجوهر الإنسان.

إن التفكير الضوئي يطرح علينا ضرورة الانتباه إلى الإزاحة التي تمارسها المناهج المستوردة على واقعنا، فحين نطبق نظرية غربية جاهزة على مجتمع عربي، نحن نقوم قسراً بإزاحة مركز الضوء عن مناطق الألم والاحتياج الحقيقي في الواقع العربي، لنسلطه على قضايا فرعية تخدم بنية النظرية والبيئة التي نشأت بها. الميزة الكبرى التي يمتلكها تراثنا، والتي يجب أن نستعيدها فوراً، هي مفهوم الحكمة بوصفه إطارًا يربط بين المعرفة والقيمة، بحيث لا تُفصل الحقيقة عن غاياتها الأخلاقية.  فبينما ساد في الغرب في العلم الأداتي الذي أنتج قوة بلا روح وتكنولوجيا بلا بوصلة، يظل العقل العربي قادراً على تقديم نموذج "المعرفة النافعة" التي تربط الحقيقة بالقيمة، وتجعل من التفكير فعلاً أخلاقياً يهدف إلى إصلاح الوجود الإنساني وتناغمه مع الفطرة الأولى، تلك الفطرة التي تمثل نظام التشغيل القبلي الذي يسبق كل تجربة، ويحمي الإنسان من الوقوع في فخ العدمية أو التيه الوجودي الذي تعاني منه المجتمعات الحديثة اليوم.

نحن نريد أن نكتب فلسفة تستخدم طاقة الماضي لتنير ممرات المستقبل، وهذا يتطلب منا أن نتوقف عن معاملة التراث كـأرشيف ميت أو نصوص للحفظ، لنبدأ في معاملته كـحقل إمكانات مفتوح لا يزال يخبئ في طياته حلولاً لأزمات الإنسان المعاصر. إن الانتقال من عتمة الإمكان إلى سطوع التحقق يبدأ عندما ندرك أن قوتنا تكمن في خصوصيتنا الإبستمولوجية التي تجعل منا شركاء في تشكيل أسئلة الوجود الكبرى، لا مجرد تلاميذ يرفعون أيديهم طلباً للإذن بالكلام في قاعة الدرس الكبرى التي يديرها الآخرون.

إن المعضلة الكبرى التي تواجه العقل العربي المعاصر تكمن في ذلك الخلل البنيوي في نقطة التوصيل التي تربط الفكر بالواقع، فنحن نمتلك تراثاً زاخراً بالطاقات البيانية والقيم الأخلاقية، لكننا حوّلناه إلى حالة شعورية مغلفة بالحنين وبعيدة كل البعد عن مختبرات الفعل اليومي. إن المأزق الذي جعل الغرب يسود رغم أزماته الوجودية هو أنه نجح في تحويل أفكاره المشوشة إلى فيزياء اجتماعية ومؤسسات وقوانين وتقنيات تتحرك بشكل آلي، بينما ظل الفكر العربي يدور حول المركز في حلقات مفرغة، يعيد إنتاج الأسئلة ذاتها دون أن يعمل على تحويل الحكمة إلى نظام تشغيل يحكم المعاملات والصناعة وإدارة الوجود المادي.

إن حالة "السطوع حد العمى" التي نعيشها حين نستورد النظريات الغربية تجعلنا نغفل عن حقيقة أن الفكر تحركه مصالح وصراعات قوى وشركات رأسمالية وبنى اجتماعية صلبة، وهو ما أسقطه الفكر العربي من حساباته حين غرق في التجريد الفلسفي وابتعد عن سوسيولوجيا الواقع. إننا بحاجة إلى "إزاحة ضوئية" تعيد الاعتبار للإنسان العربي ليس كمتلقٍ للأوامر المعرفية، بل كفاعل يمتلك القدرة على عجن التراث في صلب التحولات المعاصرة، فلا يكفي أن نتغنى بشمولية البيان أو بمركزية الأخلاق في علومنا القديمة، بل يجب أن نتساءل عن الكيفية التي يمكن بها لهذه المفاهيم أن تعيد صياغة العقد الاجتماعي، وأن توفر شبكة أمان نفسية ووجودية تحمي الفرد من الفردانية المتطرفة التي تمزق المجتمعات الحديثة.

إن التفكير الضوئي يفرض علينا كسر "عتمة الإمكان" عبر شجاعة النقد الذاتي، والاعتراف بأننا حوّلنا "الفطرة" من طاقة انفتاح وتناغم مع الوجود إلى جدار من الانغلاق عن التجربة، وحوّلنا "الحكمة" من بوصلة للفعل إلى مجرد نصوص تُحفظ لتزيين المجالس. إن الخروج من حالة التبعية إلى حالة الإنتاج يتطلب منا أن نوجد ذلك تلك الأدوات الإجرائية التي تنقل الفلسفة من الأوراق إلى الشوارع، ومن بطون الكتب إلى قوانين المؤسسات، لنثبت أن التراث العربي يمتلك زمنه النفسي الخاص الذي يحرر الإنسان من استعباد الزمن الآلي. وفي هذا السياق يمكن فهم مفهوم الزمن بوصفه امتدادًا لبنية الإدراك نفسها؛ إذ يتجلى ما يمكن تسميته بالزمن الآلي الغربي باعتباره زمنًا خطيًا صارمًا يُقاس بالإنجاز والعمل وفق منطق “الوقت هو المال”، حيث يُختزل الإنسان في وحدات إنتاج قابلة للقياس. في المقابل، يفتح الزمن النفسي العربي أفقًا لزمنٍ أكثر مرونة يرتبط بالمعنى والسياق، لا بالقياس الميكانيكي وحده، بما يسمح بإعادة وصل الفعل الإنساني بدلالته الأخلاقية وليس بمجرد مدته الوقتية.

 الفلسفة العربية التي تبدأ في توليد ضيائها الخاص من خلال الاشتباك الحقيقي مع تفاصيل الألم والآمال المحلية، حيث يصبح المعنى طاقة محركة للشعوب، وتصبح القيم مرجعاً للتشريع، وتتحول اللغة من وعاء للبلاغة الجوفاء إلى محرك للنهضة الشاملة. عندها فقط، يمكن للفكر العربي أن يخرج من قاعة الانتظار التاريخية ليشارك في صياغة مستقبل البشرية، وذلك عبر تقديم نموذج وجودي يجمع بين سطوع العقل وطمأنينة الروح.

***

الكاتب نبيل عيدو

قراءة نقدية في فلسفة العقد الاجتماعي من هوبز إلى سبينوزا

تقدم هذه الدراسة قراءة نقدية لمفهوم الدولة في إطار نظرية العقد الاجتماعي، من خلال تحليل تصورات كل من توماس هوبز، وجون لوك، وجان جاك روسو، وباروخ سبينوزا. تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الدولة الحديثة ليست معطى طبيعياً، بل بناء تعاقدي يعكس تصورات مختلفة للطبيعة البشرية وحدود السلطة. وتسعى إلى الكشف عن التوتر البنيوي داخل النظرية بين مطلب الحرية ومقتضيات السلطة، كما تقف عند تحولات العلاقة بين الدين والسياسة في الفكر التعاقدي. وتخلص الدراسة إلى أن نظرية العقد الاجتماعي، رغم طابعها التأسيسي، لم تنه إشكالية الشرعية، بل أعادت إنتاجها في صورة أكثر تعقيداً داخل الدولة الحديثة.

على سبيل الافتتاح:

لم يكن ظهور الدولة الحديثة حدثًا عرضيا في تاريخ الفكر السياسي، بل كان نتيجة تحولات عميقة مست البنية المعرفية والقيمية للمجتمع الأوروبي، خاصة مع تراجع سلطة الكنيسة وصعود العقل بوصفه مرجعية مركزية في تفسير العالم وتنظيمه. وفي هذا السياق، برزت نظرية العقد الاجتماعي باعتبارها محاولة فلسفية لتأسيس السلطة السياسية على قاعدة إنسانية عقلانية، بدل الارتكاز على المشروعية اللاهوتية.

لقد أعادت هذه النظرية صياغة سؤال الدولة من جذوره، حين افترضت وجود حالة طبيعية سابقة على التنظيم السياسي، يكون فيها الإنسان حرًا خارج كل سلطة، ثم جعلت من التعاقد آلية انتقال إلى المجتمع المدني. غير أن هذا البناء النظري، رغم وحدته المنهجية، يخفي داخله اختلافات جوهرية تتعلق بطبيعة الإنسان، ومصدر الشرعية، وحدود السلطة.

ومن هنا، تطرح هذه الدراسة الإشكالية التالية: هل أسست نظرية العقد الاجتماعي لدولة الحرية، أم أنها أعادت إنتاج منطق الهيمنة في صيغة عقلانية؟

الحالة الطبيعية كأصل إشكالي للسياسة:

تشكل الحالة الطبيعية لحظة تأسيسية في الفكر التعاقدي، لكنها ليست معطى تاريخياً بقدر ما هي بناء افتراضي يكشف عن تمثلات الفلاسفة للطبيعة البشرية. وفي هذا المستوى، يظهر التباين الحاد بين التصورات.

يقدم توماس هوبز تصورًا جذريًا للطبيعة الإنسانية، حيث تتحول المساواة الطبيعية إلى مصدر للصراع لا للتكامل، إذ يرى أن البشر، بحكم تساويهم في القدرة والرغبة، يدخلون في حالة تنازع دائم، تجعل من الوجود الإنساني مهددًا باستمرار. لذلك، يصف هذه الحالة بأنها حرب شاملة، حيث " حياة الإنسان منعزلة، وفقيرة، وبغيضة، ووحشية وقصيرة" . إن هذا التشخيص لا يعكس فقط نظرة تشاؤمية، بل يؤسس منطقياً لضرورة قيام سلطة قاهرة.

في مقابل ذلك، يرفض جون لوك هذا التصور، معتبرًا أن الحالة الطبيعية محكومة بقانون طبيعي يستمد شرعيته من العقل، ويضمن للأفراد حقوقهم الأساسية في الحياة والحرية والملكية. غير أن غياب سلطة محايدة يجعل هذه الحقوق عرضة للانتهاك، مما يبرر الانتقال إلى المجتمع السياسي.

أما جان جاك روسو، فيقلب المعادلة جذريًا، إذ لا يرى في الحالة الطبيعية مصدر الفساد، بل يعتبرها وضعًا منسجمًا، حيث كان الإنسان يعيش في بساطة وبراءة، قبل أن تفسده الملكية الخاصة وتؤسس لعدم المساواة، وهو ما يلخصه قوله: "ولد الإنسان حراً، وهو في كل مكان مكبل بالأغلال.

هكذا تكشف الحالة الطبيعية عن مفارقة أساسية: فهي في الآن ذاته أصل الحرية وأصل الحاجة إلى السلطة.

العقد الاجتماعي بين التأسيس والتحويل:

يمثل العقد الاجتماعي لحظة انتقال نوعي من الطبيعة إلى الثقافة، ومن الحرية المطلقة إلى النظام السياسي. غير أن هذا الانتقال لا يتم وفق منطق واحد، بل يتخذ أشكالًا متعددة تعكس اختلاف الرؤى الفلسفية.

عند هوبز، يقوم العقد على تنازل كلي عن الحقوق لصالح سلطة مطلقة، تمثل الضامن الوحيد للأمن. وهنا تتحول الحرية الطبيعية إلى طاعة سياسية، ويصبح الاستبداد مبررًا عقلانيًا لتجنب الفوضى. أما عند لوك، فإن العقد لا يلغي الحقوق الطبيعية، بل يحميها، مما يجعل السلطة محدودة ومشروطة برضا المحكومين، بل وقابلة للنقض في حال الإخلال بها.

أما روسو، فيسعى إلى تجاوز هذا التعارض من خلال مفهوم "الإرادة العامة"، حيث لا يكون التنازل لصالح الحاكم، بل لصالح الجماعة، بما يضمن تحقيق الحرية في إطار المساواة. غير أن هذا التصور، رغم طابعه الديمقراطي، يطرح إشكالًا عميقًا: هل يمكن للإرادة العامة أن تعبر فعلاً عن الجميع دون أن تتحول إلى أداة قسر؟

الدولة بين الحرية والسلطة:

تكشف تحليلات الفلاسفة أن الدولة ليست مجرد أداة تنظيم، بل فضاء توتر دائم بين الحرية والسلطة. فبينما يرى هوبز أن الأمن يسبق الحرية، يؤكد لوك أن الحرية هي أساس الشرعية، في حين يحاول روسو التوفيق بينهما عبر السيادة الشعبية.

أما باروخ سبينوزا، فيقدم تصورا أكثر تركيبا، حيث يربط بين قوة الدولة وحريتها الفكرية، مؤكدًا أن "الغاية الحقيقية للدولة هي الحرية". ومن هنا، يدافع عن فصل الدين عن السياسة، ليس بوصفه موقفًا إيديولوجيًا، بل كشرط لإمكان التفكير الحر.

إن هذا التحول من الدولة القهرية إلى الدولة العقلانية يعكس تطورًا عميقًا في فهم السلطة، لكنه لا يلغي التوتر البنيوي الذي يظل قائمًا بين الضبط والتحرر.

الدين والسياسة وإعادة تشكيل الشرعية:

لم تكن نظرية العقد الاجتماعي مجرد نظرية في الدولة، بل شكلت أيضًا لحظة حاسمة في إعادة تعريف العلاقة بين الدين والسياسة. فقد سعت إلى إخضاع الدين لسلطة الدولة (هوبز)، أو فصله عنها (سبينوزا)، أو حصره في المجال الأخلاقي (لوك).

هذا التحول يعكس انتقال الشرعية من السماء إلى الأرض، ومن الوحي إلى العقل، لكنه في الوقت ذاته يطرح سؤالًا جديدًا: إذا كانت الدولة لم تعد تستند إلى الدين، فما الذي يضمن مشروعيتها؟

نتائج الدراسة:

تكشف الدراسة عن مجموعة من النتائج الأساسية:

أن الدولة الحديثة نتاج بناء فلسفي يعكس تصورات متباينة للطبيعة البشرية.

أن العقد الاجتماعي لا يلغي التوتر بين الحرية والسلطة، بل يعيد تنظيمه.

أن العلمنة شكلت شرطًا بنيويًا لقيام الدولة الحديثة.

أن الشرعية السياسية تظل إشكالية مفتوحة وليست محسومة.

التوصيات

ضرورة تجاوز القراءة المدرسية لنظرية العقد الاجتماعي نحو قراءة نقدية.

إعادة التفكير في مفهوم الشرعية في ضوء التحولات السياسية المعاصرة.

تعميق البحث في العلاقة بين السلطة والحرية خارج النماذج الكلاسيكية.

على سبيل الختام:

إن نظرية العقد الاجتماعي، رغم ما تحمله من طموح تأسيسي لإقامة دولة عقلانية، لا تمثل نهاية الإشكال السياسي، بل بدايته الفعلية. فقد نجحت في تحرير السلطة من مرجعياتها اللاهوتية، لكنها لم تنجح في القضاء على منطق الهيمنة، بل أعادت إنتاجه في شكل جديد، أكثر تعقيدًا وأشد خفاء.

وهكذا، فإن الدولة الحديثة لا يمكن فهمها باعتبارها تحققًا نهائيًا للحرية، بل بوصفها فضاءً مفتوحًا للصراع بين الإرادة الفردية والسلطة الجماعية، وبين الأمن والتحرر، وبين العقل والقوة. ومن ثم، يظل التفكير في الدولة مهمة فلسفية مستمرة، لا تقبل الاكتمال.

***

بقلم: د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث مغربي في الأدب والفكر والتاريخ.

.........................

لائحة المصادر والمراجع

Hobbes, T. (1996). Leviathan. Cambridge University Press. (Original work published 1651)

Locke, J. (1988). Two Treatises of Government. Cambridge University Press. (Original work published 1689)

Rousseau, J.-J. (2002). The Social Contract. Dover Publications. (Original work published 1762)

Spinoza, B. (2001). Theological-Political Treatise. Cambridge University Press. (Original work published 1670)

ونحن نقف على اعتاب مرحلةٍ عاصفةٍ بالتباينات، يستدعي تقييمُ العمل العربي المشترك قراءاتٍ أكثر عمقاً مما أُنجز حتى الآن؛ دراساتٍ جادة تتجاوز التأبين العاطفي والاتهام المُبسَّط/المُبطَّن، لتتوقف أمام أسئلة جوهرية: أين كانت الأخطاء؟ وما طبيعة المعوقات البنيوية التي أجهضت مشاريع الوحدة والتكامل؟ وكيف تشكّلت الخطابات التي حكمت هذه الدعوات وأطّرت تصوّراتها؟

في هذا المقال لن نُقدِّم إجابةً شاملة لكل هذه الأسئلة، بل نسعى إلى قراءةٍ تحليلية حول ظاهرتين بعينهما، تكشف كل منهما عن أعطابٍ عسيرةٍ في منهجية التفكير وطريقة العمل. الأولى هي وَهْمُ الوحدة المحتومة؛ ذلك الاعتقاد الراسخ الذي جعل الوحدة العربية تبدو مجرد تحصيلاً حاصلاً لا يحتاج إلى هندسة، فتم تحويل خيبات الأمل إلى عملةٍ رائجة ومزدهرةٍ من التهم والتخوين. والثانية هي أخلاق الفزعة؛ تلك المنظومة العلائقية المستمدة من ثقافة تقليدية حكمت العلاقات العربية البينية وأبقتها رهينةَ الأمزجة والمواقف اللحظية المتبدلة عوضاً عن بناء سكك إستراتيجية متينة تستطيع فيه عربات قطار العمل العربي المشترك السفر مع بعضٍ لمسافاتٍ طويلةٍ، ودون حدوث انفصالات غير ضرورية، أو ارتجاجات وخروج كليّاً عن السكّة.

وهم الوحدة المحتومة

سيطرت على الخطاب العربي السياسي فكرةٌ أقرب إلى العقيدة الراسخة منها إلى الفرضية القابلة للاختبار: أن الشعوب العربية هي حالةُ تكاملٍ ناجزةٍ في جوهرها، تنتظر فقط من يُفتح لها الأبواب لتدخل إلى فضاء الوحدة الكبرى بكل سلاسةٍ وتلقائيةٍ. وأن كل ما يفصلها عن ذلك المصير المحتوم ليس سوى تشطيباتٍ خطابيةٍ أو نضاليةٍ بسيطةٍ مع إزالة الأعشابٍ الاستعمارية التي نبتت على قارعة الطريق. وعلى هذا الأساس الهشّ صُيغت البيانات القومية وأُعلنت الجمهوريات المتحدة، واُقيمت مشاريع وحدوية عدّة، بأشكالٍ ومستوياتٍ مختلفة حفزتها المشاعر المتوثبة نحو إقامة مشروعٍ وحدويٍّ شاملٍ.

بيد أن الإنسان العربي، شأنه شأن كل إنسان على هذه الأرض، كائنٌ مركّب ومُعقد التضاريس، ولا يمكن اختزاله في نداء عرقيٍّ واحدٍ ولا في قاسمٍ ثقافيٍّ وحيدٍ، وهو مجموعةٌ حيّةٌ ومتحركةٌ من الولاءات المتشعبة، والتحيّزات المتراكمة والمُستجدّة، والمصالح المتنافسة، والهويات/الانتماءات المتداخلة والمتزاحمة. وحين يأخذ العقلُ السياسي العربي هذه الحقيقة على محمل الجد، لا على سبيل انتهازها كفرصة كسولة ولئيمة لشحن رصيد الأحكام المُسبقة، ولبناء ترسانة من الاتهامات والتخوينات، سيُدرِكُ فوراً أنه ليس أمام مجموعة من قطع السيراميك المرتبة والمتناسقة والجاهزة لوضع بعضها بجانب بعض بكل سهولةٍ ويُسرٍ أو في أسوأ الأحوال أمام مادة خام كل ما تحتاجه هو قليلٌ من الصهر فحسب، بل هو أمام مجتمعات إنسانية كاملة بكل ما في المجتمعات الإنسانية من تناقضات وتعقيدات وتقاطعات، متون أو هوامش للانعزال وللأنانية وللتفانٍ وللعمل الجماعي في الوقت ذاته، وكل ذلك يحتاج إلى هندسة دقيقة وصبورة، ولعملٍ مؤسسي شديد الإتقان والحساسية، ورؤية استراتيجية مُحصنة بالواقعية الطموحة وبتراكم التخطيط المُبتكر.

وبمراجعة تقييمه للكيفية التي ظهرت من خلالها الدعوة لإقامة مشاريع تكامل عربية، سيلاحظ المرء بسهولة أن المشكلة لم تكن في أن العرب أرادوا مشروع الوحدة أو التكامل على سبيل المثل، أو حلموا به طويلاً كاستجابةٍ لتحدياتٍ كثيرةٍ، بل لأنهم أرادوا كل شيءٍ على الفور وبضغطة زرٍ واحدةٍ، وظنّوا أن الإرادة تكفي، وأن الحماس يُغني عن هندسة المشروع، وأن الخطابة تنوب عن المؤسسة أو العمل المؤسسي. وحين ظهرت الخلافات، كما لا بد أن تظهر في كل مشروع إنساني، لم تُعامَل تلك الخلافاتِ والاختلافات بوصفها محطاتٍ في مسيرةٍ طويلة الأمد، بل استُقبِلت كدليلٍ واضح على الخيانة، وكشاهدٍ أكيدٍ على المؤامرة، فأُنتج بذلك سلسلة متتالية من مقاصل التخوين ودوامات الإحباط والطرد والانسحابات التي لم تتوقف للحظة.

وتجنباً للإطالة أو للإسهاب في توصيف الحالة التي يعرفها جميعناً جيداً، والانتقال إلى الحديث عن مصفوفة من المعوقات البنيوية تضافرت في إجهاض العمل العربي المشترك، يمكن الإشارة هنا إلى أبرزها:

أولاً: أزمة الدولة قبل أزمة الوحدة. لم تشهد معظم الدول العربية بناءً حقيقياً للدولة بمعناها المؤسسي العقلاني، بمعنى الدولة القادرة على تحويل الموارد إلى رفاه، وتحويل التنوع إلى تعدد منتِج، وتحويل المواطنة من شعار إلى عقد اجتماعي نافذ. الدولة التي لم تُوحّد الداخل لا تملك ما تقدمه في إطار التوحيد الخارجي، إذ لا يُصدَّر إلا ما يُنتَج. وقد أفضى هذا إلى ظاهرة مقلقة: أن المشاركة في المشاريع الوحدوية كانت في أغلب الأحيان أداةً من أدوات تعزيز الشرعية الداخلية الهشّة، يُلوَّح بها في مواجهة المعارضة الداخلية، لا التزاماً استراتيجياً بمشروع مشترك. ولهذا تحديداً كانت الانسحابات مباغتةً وقاسيةً كلما أصبح الثمن الداخلي أعلى بكثيرٍ من الربح الرمزي من أصول شعارات مشروع الوحدة.

ثانياً: غياب ثقافة التفاوض الندّي. اتسمت العلاقات العربية البينية في الغالب بأحد نمطين متطرفين: إما الاندماج العاطفي الكامل الذي لا يتسامح مع الاختلاف، وإما القطيعة التامة حين يبرز الخلاف. وغاب النمط الثالث والأهم: علاقة التفاوض المؤسسي بين أطراف متساوية في القيمة الاعتبارية ومتباينة في المصالح، تتفق حين تتفق وتختلف حين تختلف دون أن يُصبح الاختلاف كارثةً وجودية.

ثالثاً: سوء قراءة طبيعة النظام الدولي. تعاملت نخب الوحدة العربية مع النظام الدولي كأنه إما حليف يجب استرضاؤه، وإما عدوٌّ يجب مقاومته، وأهملت الاحتمال الأكثر قرباً إلى الواقع: أنه نظام فوضوي تُديره المصالح، لا الولاءات ولا العداوات الدائمة. وهذا القصور في الفهم أدى إلى نتيجتين متناقضتين: إما الإفراط في التبعية للقوى الكبرى ظنّاً أن الحماية الخارجية وحدها ستعوّض الأمن المشترك، وإما مغامرات المواجهة الانتحارية التي تحاول تجاوز موازين القوى بالشعارات الثورية وحدها. وغنيٌّ عن القول بإن كلا الخيارين كلّف وسيكلّفُ المنطقة ثمناً باهظاً.

رابعاً: فخ الخطاب الاستبدالي. أنتج الخطاب القومي والإسلامي معاً - وإن من منطلقات مختلفة - نمطاً من التعبئة يقوم على استبدال السياسة بالهوية. أي أن الشعور بالانتماء المشترك، سواء أكان عروبةً أم إسلاماً، طُرح بديلاً عن بناء المؤسسات وتنظيم المصالح، والتركيز على المشاريع التنموية، وإدارتها بصورة عقلانية. والخطورة في هذا الاستبدال أنه يُعطّل العقل السياسي، ويزيح عنه المسئولية، ويعفيه من المساءلة، لصالح الاكتفاء عن كل ذلك بفرض الكفاية الوخيد: الارتجال الخطابي عالي النبرة.

أخلاق الفزعة

لا تزال قاعدة العلاقات العربية البينية في معظمها قائمةً على ما يمكن تسميته بـ"أخلاق الفزعة": منظومة علائقية تنبثق من القيم التقليدية ومفاهيم الشرف المتبادل، حيث تدفع الهبّةُ الهبّةَ، ويستدعي النداءُ الإغاثةَ، وتُؤدي المساعدةُ وظيفة بناء العلاقة وتجديد الود والتموضع الرمزي. ولهذه الأخلاق قيمتها في سياقها الأصلي، بل إن فيها من الكرم والتضامن الإنساني ما يستحق الإجلال. غير أن المشكلة تقع حين تُصبح هذه الأخلاق بنيةً تحتيةً للعلاقات بين الدول، إذ قد تنقلب فضائلها إلى عوائق في أوقات الشدّة والتوترات.

فالهبّة، في سياق العلاقات بين الدول، لا تُبنى على تخطيطٍ صارمٍ ومصلحةٍ عقلانيّةٍ تعاقديّةٍ مشتركةٍ وقابلة للاستمرار، بل تُلقي بكل رهانها على الرأسمال الرمزي ومتطلبات الموقف اللحظي. وهي لذلك حادةٌ في التدفق، غير منتظمة في الاستمرار، مشروطةُ بتوافق الأمزجة السياسية لا بمتانة التفكير العقلاني والإطار التعاقدي.

ولا يعني الحديث هنا الدعوة إلى التخلي عن "أخلاق الفزعة" بما فيها من إيجابيات، وبالتالي التخلي عن التضامن، بل يعني إعادة تأسيسها على قواعد أكثر صموداً أمام اختبارات الزمن والمصلحة والتغيّر. والنموذج البديل الذي ندعو إلى بنائه يقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية:

العمود الأول: الانطلاق من واقعية بلا قسوة. أي القبول بأن الدول العربية كيانات سياسية عقلانية، تسعى كل واحدة منها إلى حماية أمنها وتعظيم مصالحها وفق منطقها الداخلي وضغوطها المحيطية. هذا القبول ليس تشاؤماً ولا استسلاماً، بل هو شرط أولي للتفكير الجاد. فالشراكة التي تقوم على افتراض أن الطرف الآخر سيتصرف كأخٍ لا كدولة، وهو متاحٌ وتحت التصرّف في كل الأوقات والأزمنة، سيُصاب بصدمة عنيفة عند أول لحظة سيتصرف فيها "الأخ" كدولة، وهو ما لا بد وأن يَحدُث. أما الشراكة التي تقوم على افتراض أن الطرف الآخر دولة تسعى إلى مصلحتها، وبالتالي الاجتهاد في تصميم الإطار المشترك المناسب حيث تكون المصلحة أفضل داخل هذا الإطار من خارجه، هذا النوع من الشراكة القادر على الصمود والاستمرار.

العمود الثاني: تفعيل الاتفاقيات المتعلقة ببناء مصفوفة مصالح مشتركة، وتطويرها وتوسيعها. فشبكة أو منظومة الروابط الاقتصادية والتقنية والبنية التحتية المتشابكة تعمل لوحدها على تمتين عُرى التكامل، بحيث يُصبح تفكيكها مكلفاً على جميع الأطراف، ومحاولة تدميرها تدميراً للنفس. ومصفوفة المصالح المشتركة تخلق حوافز داخلية للحفاظ على الشراكة بدلاً من الاتكال على الإرادة السياسية وحدها. ودون هذه الخطوة سنستمر طويلاً بالدوران في فلك الخطابات الإنشائية.

العمود الثالث: بناء مؤسسات للعمل الجماعي فاعلة، وتضمن تمثيلاً حقيقياً للكل، وبطريقة لا تعكس التقسيم السلبي الفج الذي ساد (مراكز وهوامش). وليس المقصود هُنا، ومن وجهة نظر شديدة الواقعية، إقامة مؤسساتٍ تقوم تذويب الفوارق وتتظاهر بأن الدول سواسية في القدرة والثروة والحجم، فذلك وهمٌ آخر يُضاف إلى قائمة الأوهام. المطلوب شيءٌ أدق وأعمق: إطارٌ قانوني ومؤسسي يُحوّل اللامساواة الموضوعية بين الدول من مصدر توتر وتنازع إلى محفّز تكامل ومحرّك للإنتاج المشترك. وفي سبيل ذلك، يُمكن ابتكار إطار يضمن نوع من "التكافؤ الاعتباري الإيجابي"؛ أي لا تساوٍ مصطنع بين غير المتساوين، ولا تراتبيةٌ تُكرّس التهميش والاستعباد والحط، بل علاقةٌ تعاقدية عقلانية يربح فيها الجميع بنِسَب مختلفة، ويدفع فيها الجميع تكاليف مختلفة، لكنهم يدفعونها باختيار لا باضطرار (لقد كشفت تجربة جامعة الدول العربية بصدقٍ مريرٍ الثمنَ الذي تدفعه المؤسسةُ حين تفتقر إلى سلطة إلزامية واستقلالية حقيقية في إدارة النزاعات: تتحوّل من أداة بناء إلى مرآة خلاف، ومن فضاء للتفاوض إلى منبرٍ للشكوى. والمؤسسة التي لا تملك شرعية اتخاذ القرار لا تستطيع أن تضمن لأي طرف ـ صغيراً كان أم كبيراً، ناشئاً أم متقدماً ـ أن مصلحته محميةٌ داخل الإطار المشترك، فتبقى كل دولة تُراهن على قوتها المنفردة، وهو الرهان الذي يخسر فيه الجميع في نهاية المطاف).

ليس دعوة التكامل العربي المؤسس على نوع العقلانية الواقعية ترفاً فكرياً أو اختلاجات وهواجس قومية/هوياتية، بل هي ضرورة تفرضها ثلاث مقتضيات موضوعية لا تقبل الإلغاء:

الأول: لعنة الجغرافيا. لا تختار الدول جيرانها، والجغرافيا العربية منظومة متصلة تربطها شبكة من التداخلات البنيوية: في المياه والصحاري والسهول ومسارات التجارة والهجرة. ما سيحدث في مكانٍ ما سينتقل إلى مكانٍ آخرٍ كما تنتقل الجوائح. الجغرافيا لا تُفرز خياراً بين التعاون والتنافر، بل تُفرز خياراً بين التعاون المُدار بالعقلانية وحسابات المصالح المتبادلة، وبين التنافر الذي يجعل كل طرف يدفع ثمناً مضاعفاً لما يمكن الحصول عليه بثمنٍ أقلٍ فيما لو اختار طريق التكامل.

الثاني: المجال الأمني المشترك. لا يمكن لأي دولة عربية، مهما بلغت من الثروة أو القوة العسكرية، أن تُحقق أمنها الاستراتيجي بمعزل تام عن محيطها الإقليمي. التهديدات الأمنية الكبرى التي تواجه المنطقة اليوم، من الإرهاب العابر للحدود إلى الهشاشة الدولتية إلى التنافسات الإقليمية الضارية، والصراعات الدولية الكُبرى، لا تُعالَج بالمنطق القُطري الضيق. الدولة التي تختار العزلة الأمنية تدفع فاتورةً أمنية أثقل وأقسى بمراحل من تكلفة الشراكة.

الثالث: المجال الثقافي المُهدَر. ثمة رأس مال ثقافي ضخم تمتلكه المنطقة العربية دون أن تستطيع تحويله إلى قيمة استراتيجية: وحدة اللغة، تكامل الإرث المعرفي، كثافة الإشعاع الحضاري التاريخي. هذا الرأسمال لم يستثمره عقلٌ تنمويٌّ جادٌ في بناء صناعات إبداعية مشتركة وخلاّقة، ولا في تشييد منظومات تعليم وبحث علمي إقليمية، ولا في تصميم سوق ثقافي عربي حقيقي يُعظّم عائد هذا الإرث ويُحوّله من نوستالجيا إلى طاقة فاعلة. إن الاستثمار في هذا المجال الثقافي ليس رفاهية جانبية، بل هو أحد أعمدة بناء المصالح المشتركة، لأنه يخلق طبقات مجتمعية عابرة للحدود لها مصلحة مباشرة في استمرار التكامل واتساعه.

كل ما سبق يستند في نهاية المطاف إلى شرط قِبلي أعمق وأصعب: نضجٌ سياسيٌّ جماعيٌّ يستطيع التمييز بين الاختلاف والعداوة، وبين الخلاف والخيانة، وبين المصلحة الوطنية المشروعة والأنانية المدمِّرة. هذا النضج لا يُستورَد ولا يُفرَض بمرسوم، بل يُبنى في الزمن الطويل عبر تراكم التجارب والخبرات المشتركةـ وتطوير ثقافة المساءلة والمحاسبةـ وترسيخ قيم العمل المؤسسي داخل كل دولة على حدة، وفي إطار منظومة العمل العربي، وقبل كل ذلك بناء نمط من التفكير العقلاني المرتبط بالنزعة الواقعية الموضوعية لدى الأطفال.

ما ندعو إليه في نهاية هذا المقال ليس إصلاحاً برنامجياً جاهزاً يُطبَّق في خطوات معدودة. إنه دعوة إلى تحوّل في طريقة التفكير ذاتها: أن ننتقل من نزعات الوحدة العاطفية المُستعجلة إلى منهج التكامل الصبور المتدرج؛ من منطق "إما كل شيء أو لا شيء" إلى منطق "ما يمكن بناؤه اليوم أفضل من الانتظار أبداً"؛ من ثقافة التخوين حين يظهر الخلاف إلى ثقافة الحوار والتفاوض. وهذه الدعوة تدعو إلى التعلم من كل الدروس المتاحة، دروس التجربة الذاتية وتجارب الآخرين. وما أنجزه البشر في سياقٍ ما، يُمكن إنجازه في سياقٍ آخرٍ، بشروط هذا السياق، وبمنطقه هو، وبإيقاعه الخاص به.

وبطبيعة الحال، الطريق ليست قصيرة، والعوائق ليست هيّنة، والدعوة ههنا ليست إلى الوصول، بل إلى ضرروة البدء، ليس إلى اليقين، بل إلى الجديّة (الواقعية) في الرؤية والعمل.

***

أمين اليافعي

 

الدولة المدنية الدستورية البرلمانية

لكل انجاز فكري سياق تاريخي يتقدم على زمن إنجازه زمنا وظرفا كما ان له اثارا ومتغيرات فكريه وتطبيقيه تحصل بعد زمن ظهوره واطروحة الشيخ النائيني ولدت في سياق تاريخي معقد غاية التعقيد فقد بدأت ارهاصات التفكير في نموذج سليم للدولة أواخر القرن التاسع عشر عندما تسربت التجربة السياسية الاوربية للعالم الإسلامي وقد تزامن ذلك مع تداعي الإمبراطورية العثمانية وتصدعها وهزائمها العسكرية (1839-1867)

وما تسرب هو: أولا مسالة الشرعية السياسية للدولة. وثانيا مسألة التخلف والتقدم ودور نمط الدولة) فيه وبسبب سلبيه (المراكز والمؤسسات الدينية) وعدم استشرافها متغيرات العالم الغربي المتسللة للعقل الإسلامي في تركيا وايران ومصر فقد غاب الوعي المستقبلي لقادة اللمجتمع في رصد المتغيرات المؤثرة وعليه فقد مال كثير من الباحثين المتطلعين للخروج من ازمة النظم الاستبدادية (المزمنة) التي عاشتها امتنا لقرون عديدة والخروج من (وضع التخلف المزمن) باختيار النموذج الغربي لإقامة دولة على الغرر الغربي وتبنى تلك (الاتحاد والترقي) وطلائع التفكير الحداثي في مصر وفي ايران وكان هذا الخيار من اكثر الخيارات انتشارا.

يقابله الخيار التقليدي وهو الدعوة الى استعادة (دوله على نموذج الخلافة التقليدية) بوصفها رمزية إسلامية وكان ممن تبناها محمد رشيد رضا ومعه التيارات التقليدية السلفية، وينافس هذا الخيار النموذج الوهابي السعودي (الذي يمزج بين الايدلوجية الدينية السلفية والمنظومة القبلية الابوية ومصداقها (نموذج الدولة السعودية) هذه الخيارات السائدة كانت في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ولم يتقدم عليها مشروع سياسي لدولة حديثة صارت من معطيات الحرب الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية 1918 وتحول الولايات العثمانية الى (دول مستقلة) على وفق معاهدة سايكس بيكو، عند ذاك جاءت هذه الافكار في هذا الخضم وهذه الظروف بإزاء أطروحة الامام النائيني (الدولة الدستورية البرلمانية) التي اخذت افضل ما في النموذج الغربي من سمات وعاملتها على انها نتاج فكر انساني متاح للإفادة لمن يريد الإفادة منه ويكون له الحق عملية الفرز لما هو سليم وعلمي من النموذج واستبعاد مالم ينسجم مع تراث وثقافة المجتمع، وكان الى جانب تلك الآراء والنظريات، ما كان يعتقده المحافظون من علماء الفقه الشيعي من ان الدولة والحكم والسلطة من مختصات الامام الغائب (المنتظر) وعليه فانه من غير الجائز السطو على مختصاته وحقوقه المقدسة والبقاء على الراي التاريخي ان الشيعة لا يقيمون الدولة قبل زمن الظهور لانه (عمل محرم) ونزعه طاغوتيه.

ووسط هذه التجاذبات والآراء المتضاربة كانت أطروحة النائيني (نظريه خلاص ضرورية) تعتمد على قوة التنظير وصرامة الاستدلال وعمق البرهنة للتخلص من (نمط الاستبداد التاريخي لنموذج الخلافة) وصنمية الحاكم وحصانته اللانهائية ومصادرة الحقوق والحريات، وادماج موارد الدولة بملكية الحاكم، وخضوع القضاء لسلطته وتحجيم مهمات القضاء بفض النزاعات الفردية ومنعه من محاسبة الحاكم وهذا ما افرزته تجربه الخلافة في تاريخنا من زمن الخلافة الاموية على الأقل الى سقوط الخلافة العثمانية 1924

كما انها (مخلص ايديولوجي) لخيار الراغبين بالنموذج الغربي، اذ أوضح النائيني ان الدولة على غرار النمط الغربي عباره عن منظومة حل لمشكلات الواقع الأوربي مثل مشكلات الاقطاع، والحروب الدينية بين البروتستانت والكاثوليك وتسلط الكنيسة وتحلل الروابط الاجتماعية وهذا الخيار عندما يعتمد فكأنه غرسا في غير ارضه وتكون تداعياته ضارة، لأنها أولا لا تتصل بتراثه وتاريخه ومنظومته القيمية، والدليل ان الدولة التي أقامتها الانتدابات الغربية كانت دولا هشة فشلت في أقامة التنمية والانعتاق وسقطت في مستنقع قمع المعارضين

وكان اهم ركن في مشروع النائيني هو مسألة الشرعية (التي سطرها النائيني بانها قداسة المصدر الفكري (نظرية الدولةوفلسفتها) مقرونه بقناعة المواطنين ان السلطة صحيحة وقانونية، وان الحاكم خادم للشعب لان الحكام (وظيفيون) وان المواطنين جميعا – بلا استثناء – متساوون قانونا، وان الطاعة ليست لشخص الحاكم انما لانتظام وتطبيق القانون وتحكيم الدستور الذي هو عماد الشرعية وحدد الشرعية بطبيعة السلطة ودورها وبنية المؤسسات وطبيعة قوانين الأحزاب ومنظمات المجتمع الذي يتحقق بقبول اغلبية الافراد بنظام الحكم من ذلك حقهم في اللجوء الى قواعد الشرعية لإخضاع السلطة للرقابة العامة ومحاسبة القانون وأوضحت رساله النائيني ان الحاكم الذي يصل الى السلطة لا بد له من طريق شرعي ولابد ان تكون قراراته حائزة على رضا المواطنين، فقد اخذ النائيني من النموذج الغربي ضرورة وجود برلمان يراقب السلطة ويشرع مالم تنص علية الشريعة نصا قاطعا قابلا للتطبيق وذهب الى ضرورة تحديث النظام القضائي مؤكدا على فصل السلطات مؤصلا كل هذه التحديثات من النصوص القرآنية والسنة النبوية ونصوص نهج البلاغة والاجتهادات العقلية منبها على فشل المشروع الغربي ونمط الدولة فيه في العالم الإسلامي، وابان ان هذا المشروع سيكون عاجزا عن الوصول الى جذور الوجدان الإسلامي ولا يتفق مع مرتكزاته وثقافتة ولا يتوغل في ضميره ووجدانه الفردي او الجمعي، وبهذا يسقط النائيني المقولة الغربية التي ظهرت بعد ثلاثة ارباع القرن من زمن النائينئ من ان الديمقراطية الغربية هي (نهاية التاريخ) وهي حتمية كونية فقد اسقط قيمة هذه الدعوى قبل ظهورها بزمن ليس بالقريب

ثم: غرست أطروحة النائيني الإشارة لما ظهر بعد اكثر من نصف قرن من ان النموذج الغربي للدولة الديمقراطية  يحمل تحديات جدية إزاء الانسان المسلم، فقد كشفت أدوارد سعيد إشكالية اغتراب المسلم الذي يقع في احابيل الفكر الاستشرافي وماكشفه وائل حلاق حول (التباينات والتناقضات بين معطيات دولة الغرب ومخرجات التراث والثقافة لدى الشعوب الإسلامية، ذلك ان الدولة على الطراز الغربي ليست دولة محايدة دينيا وفكريا وهي دولة خدمية فقط لانها معبرة عن أيديولوجية لصناعة فرد منتج ومنضبط بالجزاءات القانونية في حين ان أطروحة النائيني تسعى الى دولة لها دور تربوي لان أهم وظائفها صناعة مجتمع مثقف فاهم رشيد، وفرد منضبط باعتقاداته وايمانه وان مفهوم السيادة في أطروحة النائيني انها في الأصل لله تعالى ثم للامة بشراكة وتفاعل داخلي، لإنتاج القوانين وتنفيذها وتعظيم القيم النبيلة وتطبيقاتها وبذلك يكشف النائيني كشفا مبكرا عن (مزايا) الدولة المدنية البرلمانية الدستورية المنتزعة من الفكر الإسلامي التنويري وبين النموذج الغربي المادي المجدب

ويمكن القول: ان النائيني انتج من الفكر الإسلامي الأيديولوجي للدولة نسقا معرفيا، وسطر لها قواعد الشرعية وأوضح لها مسالك تحريك الموارد ورسم ملامح السلوك الاجتماعي وفعًل منظومة القيم النبيلة. لقد حول النائيني (الفقة السياسي الإسلامي) من نمطه التاريخي القديم الى أيديولوجية للناشطين وصاغ من الإسلام مفاهيم للحركة الاجتماعية والنشاط السياسي عندما جعل ثوابت الإسلام وقواعده العامة والكلية حاكمة على كل المجالات وبذلك فتح خزائن التصورات لحل معضلة التخلف المزمنة

ماذا علينا الان: ان اصل أطروحة النائيني كان (أصلا نظريا حاز درجة عالية من الاستشراف المستقبلي، وعلى من يرون انضاج أطروحته ان يطوروها بالكشف عن دور النظرية النائينيه في التعامل مع اثار عالمية الليبرالية، واثار ومعطيات العولمة على نموذج الدولة المدنية النائينية تلك التي تربط الدولة بمنظومات اقتصادية ومالية ومعرفية تهيمن من خلال مؤسساتها الاقتصادية والمصرفية الدولية على حركة راس المال والتجارة العالمية وترسم نظاما للتعليم لا يستنسخ النظام الغربي ويفكر عميقا بتوقي ثقافه الاستهلاك ان هذه التحديات تركها النائيني للمفكرين المسلمين بعد عصره ورسم لها أصولا فكرية اساسية اهمها ان الامة هي المستقبل وهي المستخلفة من الله لأعمار الكون وإقامة العدل واحقاق الحق وتطبيق الحريات والحقوق المدنية وان لها السلطة العليا وان التسلسل السياسي الصحيح (الله، الامة، الحاكم المنتخب) وان الشورى البرلمانية نظام واجب وملزم وان للديمقراطية في فهم النائيني خصائص وسمات تختلف عن الديمقراطية الغربية المغايرة لاطروحه تنبيه الامه وتنزية المله

***

ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد

 

(حينما يتكرر السلوك يتحول إلى عادة، وحينما تترسخ العادة تتحول إلى ثقافة) ق.م.

بذهول شديد شاهدت فيديوهات لفتاتين احدهما يمنية القت بجسده الحي من سطع عمارة والدها في الدور الثامن بعد إن ترددت خوفا ورهبة من ذلك الفعل العنيف جدا الذي لا يجرؤ عليه إلا شخصا فقد الأمل بكل ممكنات الحياة؛ ارتمت في حوش العمارة الصخرة وانتهى كل شيء وفيديو، من الإسكندرية في مصر تظهر فيه سيدة تدعى بسنت سليمان وهي تنهي حياتها انتحارا في بث مباشر على مواقع التواصل الاجتماعي؛ القت بنفسها من الدور الثالث عشر بعد إن ودعت العالم بالبث المباشر.

فما الذي دفع هاتين السيدتين إلى الانتحار بهذه الطريق الشديدة العنف؟

ولأنني لا اكتفي بمشاعر المؤمن تجاه المشاهد المروعة بل احاول النظر إلى الإسباب والعوامل التي جعلتها ممكنة فقد حاولت في دراسة سابقة فهم البنية الحقيقة التي تتطلع منها رؤوس الأفاعي! اقصد هذه الشرور الخطيرة على الاستقرار الاجتماعي وذلك بالنظر إلى العنف، لا بوصفه فعلاً طارئًا، بل بوصفه بنية عميقة تتسلل إلى الوعي الجمعي، وتعيد تشكيل الإنسان من الداخل. فالعنف في مجتمعاتنا لم يعد مجرد رد فعل على ظروف استثنائية، بل صار نسقًا مستبطنًا، يتجدد عبر التربية واللغة والعلاقات اليومية، حتى أصبح جزءًا من تعريفنا لأنفسنا وللعالم من حولنا إذ إن أكثر ما يبعث على القلق ليس مشاهد العنف الصادمة في ذاتها، بل ذلك الاعتياد البارد عليها، ذلك التآكل التدريجي في الحساسية الإنسانية الذي يجعل المأساة حدثًا عابرًا، والخبر الدامي مادة استهلاك يومي. حين تقف فتاة على حافة الحياة، مترددة بين القفز والتراجع، فإنها لا تواجه الموت وحدها، بل تواجه تاريخًا من القهر، وثقافةً ضاقت بها حتى لم تترك لها منفذًا سوى السقوط. تلك اللحظة ليست لحظة فردية، بل خلاصة مسار طويل من العنف المادي والرمزي الذي يطوق الإنسان منذ ولادته. واكثر تجليات هذا العنف المادي والرمز تتبدى بوضوح في العلاقة المختلة مع المرأة، حيث لا يبدأ العنف عند لحظة الاعتداء، بل قبل ذلك بكثير، منذ التكوين الأول، منذ اللحظة التي يُستقبل فيها الجنين بالدعاء المشروط: أن يكون ذكرًا لا أنثى. هنا، في هذه اللحظة الرمزية المبكرة، يتأسس أول شكل من أشكال العنف، حيث يُمنح الوجود نفسه قيمة متفاوتة، ويُختزل الكائن البشري في نوعه البيولوجي. ومنذ تلك اللحظة، تدخل الأنثى في مسار طويل من التمييز، يبدأ بالقلق المحيط بالأم، ويمتد إلى لحظة الميلاد حيث تتجلى المفارقة الفجة بين الاحتفاء بالذكر والحزن من قدوم الأنثى.

إن هذه الصدمة الأولى ليست عابرة، بل تؤسس لعلاقة مضطربة بين المرأة ووجودها ذاته. فهي تتعلم، منذ لحظاتها الأولى، أنها ليست موضع ترحيب كامل، وأن عليها أن تبرر وجودها في عالم لم يُصمم لها. وهنا يتخذ العنف شكله الأكثر خبثًا: الوأد الرمزي، حيث لا تُقتل الأنثى جسديًا، بل تُمحى تدريجيًا عبر التهميش والإقصاء والتقليل من القيمة. تُخفى، تُقيد، تُربى على الخوف، وتُحاصر بسلسلة من المحظورات التي تجعل حياتها فضاءً ضيقًا لا يتسع لحريتها.

ومع نموها، تتسع دائرة العنف وتتعقد. فالعنف لا يُمارس فقط بالضرب أو الإكراه، بل يُمارس أيضًا عبر المنع: منع من اللعب، من التعلم، من الاختيار، من الحلم. تُحرم من أبسط حقوقها في تقرير مصيرها، ويُعاد تشكيلها لتكون كائنًا تابعًا، خاضعًا لمنطق السيطرة الذكورية. وفي كثير من الحالات، تُدفع إلى الزواج المبكر، قبل أن تكتمل ملامح وعيها، وكأن حياتها مشروع يُدار من الخارج لا تجربة تُعاش من الداخل.

هكذا يبدا العنف ضد النساء في مجتمعنا من لحظة الأخصاب الاولى إذ الأم الحامل في حالة قلق وتوتر طوال مدة حملها بشأن هذا الكائن الذي بدأ يتحرك في رحمها! خشية من غضب الزوج وذويه، ولا يزول القلق إلا في لحظة الولادة، حيث يبلغ التمييز أوجه، بانشراح الأسارير وإطلاق الزغاريد بالقادم الجديد إذا كان ذكرًا، بينما تعبس الوجوه وتذرف الدموع ويعم الحزن والغضب والتجهم إذا كان المولد الجديد أنثى، وبهذا تواجه الأنثى منذ لحظة ميلادها أول صدمة عنيفة في حياتها، صدمة تتمثل برفض المجتمع لوجودها بوصفها كائنًا غير مرحب به، ولا بد من وأدها بالمهد، كما كان يفعل العرب قبل الإسلام، غير أن العقلية الذكورية المهيمنة ابتكرت طرقًا شتى لممارسة وأد البنات بعد الإسلام الذي حرمه؛ الوأد الرمزي، إذ يتم وأد الجنين الأنثى بعدم الترحيب بميلادها وبإخفاء خبر مجيئها، بعكس المولود الذكر الذي يعد ميلاده في العائلة العربية موسم احتفال مستمر منذ الصرخة الأولى والختان والتهاني والهدايا والزيارات التي تستمر مدة أربعين يومًا وأكثر! منذ ذلك الحين يتم وأد أنثى الإنسان بالمزيد من الإخفاء عبر التمييز الجنوسي باختيار الملابس والألعاب، والإهمال، والقسوة في التربية، والتحقير والتخجيل من جميع أفراد العائلة، ومن ثم الحرمان من اللعب الحر في الشارع والفضاء العام كما هو حاصل في بعض الدول العربية الأشد تخلفًا، والتي تحرم على البنات الخروج للعب في الشارع والكلام مع الغرباء، والحرمان من التعليم، وإجبار الفتيات على البقاء في البيت حتى يأتي العريس الذي يتم تدبير أمره برغبة أهلها دون علمها وبغير إرادتها، قبل بلوغها سن النضج، وقد شهدت اليمن ودول الخليج حالات لا تحصى من زواج الصغيرات، وبعضهن يتم ربطهن منذ الولادة في ما يعرف بزواج المبادلة وهذا التمييز ليس مجرد خلل أخلاقي، بل هو بنية ثقافية متكاملة، تتغذى من العادات والتقاليد والتفسيرات المشوهة للدين، وتعيد إنتاج نفسها عبر الأجيال. فالأم التي عانت من القهر قد تعيد إنتاجه على ابنتها، ليس بدافع القسوة، بل بوصفه “الطبيعي” الذي لا يمكن تغييره. وهكذا يتحول العنف إلى ميراث غير مكتوب، ينتقل من جيل إلى آخر، ويترسخ كجزء من “الهابيتوس” الاجتماعي، أي ذلك النسق من الاستعدادات الذهنية والسلوكية التي تحدد كيف نفكر ونشعر ونتصرف.

ولا يقف الأمر عند حدود الأسرة، بل يمتد إلى كل مجالات الحياة. فالمرأة تواجه عنفًا اقتصاديًا بحرمانها من العمل أو الاستقلال المالي، وعنفًا سياسيًا بإقصائها عن مراكز القرار، وعنفًا قانونيًا عبر تشريعات تنتقص من حقوقها، وعنفًا أخلاقيًا في النظرة التي تختزلها في جسد أو موضوع رغبة. وفي الفضاء العام، تصبح عرضة للتحرش والملاحقة، دون حماية كافية، وكأن المجتمع بأسره يشارك، بصمت أو بفعل، في تكريس هذا الوضع.

إن أخطر ما في هذا الواقع هو أنه لا يُنظر إليه دائمًا بوصفه ظلمًا، بل يُبرر أحيانًا باسم “الخصوصية الثقافية” أو “التقاليد”. وهنا يتجلى العنف الرمزي بأوضح صوره، حيث يتم تحويل القهر إلى قيمة، والتمييز إلى نظام طبيعي، والمساواة إلى تهديد. وهذا ما يجعل مقاومة العنف أكثر تعقيدًا، لأنها لا تتطلب فقط تغيير السلوك، بل تغيير البنية الفكرية التي تشرعنه.

غير أن نتائج هذا العنف لا تتوقف عند النساء وحدهن، بل تمتد إلى المجتمع بأسره. فالمرأة المقهورة لا تستطيع أن تكون مصدر أمان، والطفل الذي ينشأ في بيئة مشبعة بالخوف والإهانة يحمل داخله بذور اضطراب عميق. وهكذا يتشكل جيل يعيد إنتاج العنف، لا لأنه يريده، بل لأنه لم يعرف غيره. ومع كل جيل جديد، تتعمق الأزمة، ويصبح الخروج منها أكثر صعوبة.

إن المجتمعات التي تهمش نساءها تدمر نفسها ببطء. فهي تحرم نصف طاقتها البشرية من الإسهام، وتفقد توازنها الأخلاقي، وتنتج علاقات مشوهة قائمة على الهيمنة لا على الشراكة. لذلك فإن وضع المرأة ليس قضية هامشية، بل هو مؤشر حاسم على مستوى التحضر الإنساني. فحيث تُحترم المرأة، يُحترم الإنسان؛ وحيث تُهان، يُهان الجميع.

ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن بعض الجهود الإصلاحية قد بدأت تظهر في عدد من الدول، عبر سياسات تمكين وتشريعات أكثر عدالة. غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، تظل محدودة ما لم تترافق مع تحول ثقافي عميق. فالدولة قد تشرع القوانين، لكنها لا تستطيع وحدها تغيير العقول. وهذا يتطلب انخراطًا واسعًا من المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية، لإعادة بناء الوعي على أسس جديدة.

غير أن السؤال الأكثر إلحاحًا يظل مطروحًا في السياقات المنهارة، حيث تغيب الدولة نفسها، كما هو الحال في بعض البلدان التي أنهكتها الحروب. في هذه البيئات، تصبح المرأة أكثر عرضة لكل أشكال العنف، دون أي شبكات حماية حقيقية. وهنا يتضاعف التحدي، لأن مواجهة العنف لا تتطلب فقط إصلاح الثقافة، بل إعادة بناء الدولة ذاتها. فنقد الصور النمطية للعنف ضد المرأة والتنوير بأهمية دور المرأة في التنمية المستدامة لا يكفي لوحده، بل لا بد من اتخاذ خطوات عملية ملموسة في واقع الممارسة الحياتية، خطوات تشريعية وسياسية ومؤسسية واضحة في منح المرأة المكانة المستحقة.

إن العنف، حين يتحول إلى ثقافة، يصبح أشبه بمرض مزمن يتغلغل في كل خلايا المجتمع. لا يظهر فقط في الحروب والجرائم، بل في التفاصيل اليومية الصغيرة: في الكلمات، في النظرات، في طرق التربية، في ما نعتبره عاديًا أو مقبولًا. ومع الزمن، يفقد الناس قدرتهم على تخيل عالم مختلف، ويصبح العنف قدرًا لا مفر منه لكن هذا القدر ليس حتميًا. فكما صُنع العنف، يمكن تفكيكه. غير أن ذلك يتطلب شجاعة فكرية وأخلاقية، تبدأ بالاعتراف بالمشكلة، وتمر بنقد جذري للذات، وتنتهي بإعادة بناء منظومة القيم. ويتطلب أيضًا إعادة الاعتبار للإنسان كغاية لا وسيلة، وللكرامة كقيمة لا تقبل المساومة.

وفي قلب هذه المعركة، تظل قضية المرأة مركزية، لأنها تمثل نقطة التقاطع بين كل أشكال العنف: الجسدي والرمزي، الفردي والمؤسسي، الخاص والعام. وحمايتها ليست فقط واجبًا أخلاقيًا، بل شرطًا لبقاء المجتمع نفسه. لأن مجتمعًا يعجز عن حماية أضعف أفراده، إنما يعلن، بطريقة غير مباشرة، عجزه عن حماية ذاته.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نستطيع كسر هذه الحلقة؟ هل يمكن لمجتمع تشرب العنف لعقود أن يعيد اكتشاف إنسانيته؟ الجواب ليس بسيطًا، لكنه يبدأ من إدراك حقيقة أساسية: أن أخطر ما في العنف ليس ما يفعله بنا، بل ما يجعلنا نصبحه. وحين نصل إلى هذه النقطة، يصبح الصمت مشاركة، والتبرير جريمة، ويغدو التغيير، مهما بدا صعبًا، ضرورة لا خيارًا لأن كل ما في هذا العالم، مهما تضخم، لا يساوي لحظة كرامة مهدورة، ولا دمعة فجيعة في عيني طفلة.

***

أ. د. قاسم المحبشي - استاذ فلسفة التاريخ والحضارة مقيم في هولندا

 

في البديهيات المعرفية، يُفترض أن السؤال هو الجسر الذي نعبره نحو ضفة الإجابة، أو الكشاف الذي يزيح عتمة المجهول. لكن في أروقة الفلسفة المعاصرة، حدث انزياح ملحوظ؛ إذ استحال السؤال من أداة للاستكشاف إلى غاية قائمة بذاتها في بعض الخطابات. قرأت قبل عدة أيام مقالًا في صحيفة المثقف يمجّد السؤال ويبرره لذاته. ولا أخفي عليكم أنني كثيرًا ما كنت سابقًا أتباهى بعشقي للسؤال واعتباره دليلًا على فكر عميق أتمتع به. هنا يبرز عشق السؤال كظاهرة إشكالية، حيث يُطرح السؤال بهدف "التنكيش" في ركام المنظومات السابقة، ووضع اليقين التاريخي على محك الهز، دون التزام واضح بتقديم بديل معرفي متماسك. وهذا ما يجعل عملية الهز هي الغاية. إن الفيلسوف الذي يتبنى تأليه السؤال ينطلق من بديهية متناقضة: فهو يشكك في كل المبادئ إلا في قدسية سؤاله، ويرفض كل المسلمات إلا مسلمة أن الحقيقة غائبة بالضرورة. هذا الاستعلاء المنهجي يحول الفلسفة إلى رياضة ذهنية قد تصبح تخريبية؛ فالسؤال هنا لا يهدف إلى البناء، بقدر ما يهدف إلى زعزعة الاستقرار المعرفي دون تحديد أفق بديل. إنهم يعشقون السؤال الذي لا إجابة له، ويدّعون أن اللا جواب هو أرقى مراتب الوعي، بينما هو في الحقيقة قد يكون هروبًا من المسؤولية الأخلاقية والمنطقية التي تفرضها الإجابة. فكل إجابة هي التزام، وكل سؤال مفتوح قد يتحول إلى سيولة تعفي السائل من تقديم البديل.

بتطبيق "التفكير الضوئي"، نكتشف أن هذا المسار يعاني من "عتمة الغاية". الضوء الفلسفي هنا مسلط فقط على الآخر (المنظومات السابقة) لكشف عيوبها، بينما يظل السؤال نفسه ومشروعيته أو هدفه غير المفحوص قابعًا في العتمة، وبعيدًا عن أي نقد ذاتي. الفيلسوف الذي يقدس السؤال لذاته قد يمارس نمطًا من العدمية المنهجية؛ فهو يثقب قاع السفينة (المنظومات الاجتماعية والفكرية السابقة) بدعوى استكشاف ماهية الماء، دون أن يدرك أن الغرق هو الثمن. إن تحويل العقل إلى مطحنة للأسئلة دون نتاج معرفي صلب يؤدي إلى التيه المعرفي، حيث يُطرد اليقين لصالح شك لا ينتهي، ويُصنّف البحث عن الحقيقة كنوع من السذاجة الفكرية. هذا النمط من الفكر يرى في المنظومة تقييدًا للفكر الحر، وفي الإجابة نهاية للإبداع، ولذلك يفضل البقاء في المنطقة الرمادية بدل الانتقال إلى صياغات أكثر دقة.

لكن الحقيقة التي يجب استرداد ضوئها هي أن السؤال الذي ينفصل عن غاية الوصول يتحول من كشاف للضوء إلى آلة لتدمير المنجزات البشرية. إن القدرة التخريبية عند عشاق السؤال والتي تتباهى بصناعة الأسئلة لا تخدم الحقيقة، لأنها تطبق الشك بشكل انتقائي وتتجاهله في مواضع أخرى. هي ببساطة تخدم الأنا المتضخمة للمثقف الذي يريد أن يبقى سيدًا للهدم دون وازع للبناء. إن استعادة توازن العقل تقتضي الاعتراف بأن الإجابة القابلة للفحص والتصحيح هي غاية مرحلية ضرورية، وأن السؤال وسيلة شريفة لا تكتمل كرامتها إلا بالوصول. وليس غاية في حد ذاته يتم السعي إليها بهدف إنتاج أسئلة بلا أجوبة. السؤال الحقيقي هو الذي يمتلك شجاعة التوقف أمام الحقيقة عندما تلوح، وهو الذي يحترم التراكمات اليقينية للبشرية، بدل أن يهزأ منها، لأن التجربة الفكرية ليست بالضرورة تصاعدية خطية، ومن يقبع في مرحلة وعي مختلفة ليس بالضرورة ساذجًا أو متخلفًا؛ فقد تكون الحركة المعرفية نفسها قد أعادت إنتاج أسئلة سبق تجاوزها.

لقد حان الوقت لإعادة ضبط الفلسفة التي تعشق الحيرة، لتتجه نحو فكر يرى في الإجابة محطة ضرورية، وفي العقل أداة لصناعة المعنى، لا لصناعة الفراغ تحت غطاء "عشق السؤال.

***

الكاتب نبيل عيدو

 

ليس هناك ما هو اخطر على مجتمع من أن يتوهم أنه يتعلم، بينما هي في الحقيقة يعيد إنتاج الأمية بطريقة أكثر تنظيما واناقة. فتردي التعليم لا يبدأ بانهيار جدران المدرسة، أو بنقص عدد القاعات الدراسية، بل يبدأ عندما يصبح المقرر الدراسي نص يجب حفظه، والدروس روتين تنفذ، والشهادة هدفًا بحد ذاتها. عندها لا ينهار التعليم مباشرة، بل يتلاشى معناه يوما بعد يوم.

ويرى ابو حيان التوحيدي أن "خراب المعنى يحدث حين تنفصل الألفاظ عن الحقائق، ويغدو القول بلا روح، والعلم بلا حكمة". وإذا نقلنا هذا المفهوم إلى الواقع التعليمي، فاننا نجد أن تدهور التعليم ليست الا امتدادا ممنهجا لخراب المعنى.

ففي نمط التعليم القائم على الحفظ، يحفظ الطالب التعريف دون ان يفهم سياقه، ويردد النظرية دون ان يختبرها، ويكتب الجواب النموذجي دون ان ينتج سؤالا، وهنا تنفصل المعلومة عن التجربة، وتتحول المعرفة الى الفاظ محفوظة، وكما وصفها التوحيدي: انفصال اللفظ عن الحقيقة، فيصبح الدرس كلاما محفوظا، لا حدثا معرفيا.

والمنهج الدراسي في اغلب مؤسسات التعليم التقليدي لا يبنى على سؤال: كيف تفكر؟ بل على سؤال: كم تحفظ؟ تُخزن المعلومات، وتُختزل المفاهيم في اوراق كثيرة، ويُختصر التعلم في القدرة على استرجاع ما قيل. حينها يصبح الكتاب حاوية للكمّ لا وعاء للمعنى، ويتحول الامتحان الى اختباراً للحفظ، بدلاً من أن يكون معيارا للفهم. وهكذا يغدو التعليم الى وسيلة للاحتفاظ بالمعلومات لفترة قصيرة حتى يأتي وقت الامتحان، وبمجرد انتهاء هذا الامتحان، تتلاشى غالبية ما تم حفظه، لأن المعرفة التي لم تفهم لا تستقر في الذهن.

اما اسلوب التدريس التقليدي فيعيد تشكيل علاقة فوقية بين المعلم والمتعلم: المدرس يشرح، والطالب يستمع؛ المدرس يسال، والطالب يجيب، ولا حوار فعلي، ولا مناقشة معرفية، ولا مساحة للشك البناء للنقد. فعندها يتحول التعليم من فضاء للمعنى الى فضاء للامتثال؛ فالمعنى لا يولد من تلقين او حفظ الجواب الجاهز، بل من اثارة السوال والتفكير. وهكذا تختزل عملية التعليم في اتجاه احادي، ويختزل المتعلم في دوره التلقي. ومع الزمن، يتربى المتعلم على طاعة الافكار اكثر مما يتدرب على مناقشتها، فننتج عقل يتقن تدوير الاجابة ولا يجيد طرح الاسئلة.

وعندما يخشى المتعلم من طرح السؤال، يضعف التفكير الناقد؛ اذا لا ينشأ هذا التفكير في بيئة تكافئ الجواب النموذجي الجاهز، وتحاسب على الاختلاف. فاذا كان الامتثال هو الطريق الى النجاح، والمطابقة هو معيار التفوق، فأن روح المحاولة تذوب ويصبح السؤال خروجا عن المالوف لا بحثا مشروعا عن المعنى. في مثل هذا المناخ التربوي، ولا يكافئ المتعلم على التسائل ولا على الاجتهاد، بل يصبح سؤاله تهديدا للنظام الصفي.

والمفارقة المؤسفة أن تدهور التعليم يرتبط احيانا بزيادة كبيرة في عدد الشهادات، تزداد الجامعات، ويتوسع قبول الطلاب في كليات دون معايير حقيقية، وتتوسع برامج الدراسات العليا، وتمنح الألقاب الأكاديمية بشكل مفرط. لكن السؤال الحقيقي يبقى معلقا: اين الاثر المعرفي؟ اين الاضافة البحثية؟ اين الاثر الاقتصادي والصناعي لهذا الانتاج الاكاديمي؟ وعندما تتحول الشهادة إلى أداة للمكانة الاجتماعية أو للترقية في العمل فقط، تفقد معناها الحقيقي او قيمتها العلمية، ويغدو اللقب العلمي من كونه مسؤولية معرفية كبرى إلى مجرد زينة لفظية، عندها نجد أنفسنا أمام تناقض مؤلم: كثرة الألقاب، وقلة في الانتاج والابداع.

الجامعة، في حالتها المثالية، بيئة لانتاج المعرفة، لا مجرد وسيلة لنقلها، لكن عندما يتم إعادة صياغة البحث، ويتكرر تناول الموضوع، وتُكتب الاطاريح والرسائل من أجل تلبية متطلبات شكلية، هنا تفقد المؤسسة مكانتها التاريخية العريقة. وتتحول الجامعة إلى مجرد مكان لمنح الشهادات، وليست منتجة للأفكار والحلول المناسبة للمشكلات، لان المعرفة موجودة في النصوص الكتابية لكنها مفقودة في الواقع، والبحوث مركونة على الرفوف لكن اثرها غير موجود في السياسة والاقتصاد والصناعة.

ولفهم الفارق بشكل اوضح، نستطيع ان ننظر الى تجارب تعليمية مختلفة، ففي التعليم البريطاني من حيث المناهج واساليب التدريس، نلاحظ التعليم يميل بوضوح الى الحوار والتحليل، لا سيما في مراحل الدراسية العليا. ففي جامعات عريقة مثل اكسفورد او كامبريدج او هارفرد او ملبورن والخ، يقوم نظام الاشراف الفردي Tutorial سواء في تعلم اللغة الانجليزية او المواد الدراسية على توجه الطالب لكتابة مقال تحليلي فصلي ويناقش مع الاستاذ. ولا يقتصر التقييم على امتحان نهائي، بل يشمل مقالات تحليلية فصلية واوراق بحثية ومشاريع عملية. صحيح ان ثمة صعوبات، مثل الضغوط المعيارية وجدل واسع حول "تسليع" التعليم وزيادة الرسوم الدراسية، الا ان ثقافة الحفظ ليست هي السائدة، بل تعد الكتابة النقدية والتحليل والاستنتاج ركن اساسي في البناء المؤسسي التعليمي.

اما في الولايات المتحدة الامريكية، فالتعليم في الجامعات البحثية، يقوم على المشاريع والبحث العلمي التطبيقي، ويشارك المتعلم في المختبرات والابحاث الميدانية والنقاشات الصفية، مع ارتباط واضح بين الجامعة وسوق العمل والاقتصاد المعرفي، مما يعزز وجود البحث العلمي في الصناعة والابتكار. ومع وجود عدم تكافئ مناطقي في جودة التعليم، ونقد متزايد لنزعة بعض الجامعات الربحية، ورغم ازمة الديون الدراسة للطلاب، تبقى العلاقة بين البحث والابتكار الصناعي قوية.

وفي استراليا، يقترب التعليم من النموذج البريطاني، مع التركيز على مهارات التفكير العليا مثل التحليل والتقويم والابداع، وربط وثيق بين التعليم والبحوث التطبيقية في العلوم والهندسة والطب والعلوم الانسانية. غير ان صعوبات تمويل الجامعة تعتمد بشكل كبير على الطلبة الدوليين، مما يثير تساؤلات حول استدامة التمويل واستقرار السياسة التعليمية.

فأن ازمة التعليم تتخذ اشكال مختلفة بحسب السياسة والاقتصاد وفلسفة المنهج واساليب التقييم ومستوى التمويل ومهارات المعلم وعلاقة الجامعة بسوق العمل لكل مجتمع. وتستند كثير من انظمة التعليم التلقيني الى نمط سلوكي في التعلم بالتركز على الجواب اكثر من بناء الفهم، مما يبقي الطالب في ادنى مستويات هرم بلوم المعرفي (التذكر) دون انتقال فعلي الى التحليل والتقويم والابداع. ففي نموذج الحفظ تهيمن ثقافة التلقين والامتثال، بينما في نظام التعلم القائم على المشاريع تبرز اشكالية تسليع المعرفة وضغط السوق. غير ان كلا السياقان يواجهان تحدي مشترك يرتبط بعلاقة المعرفة بالمعنى. ويتضح أن الفارق لا يكمن في المحتوى فحسب، بل في الفلسفة التربوية التي يقوم عليها ذالك المنهج.

والمنهج في التعليم التلقيني يبنى حول المحتوى المطلوب حفظه، بينما في النظام المعرفي - البنائي يبنى حول المهارة المطلوب اكتسابها. ففي الاول، يكون المعلم محور العملية التعليمية، بينما في الثاني، يكون المتعلم ليس مجرد محور عملية التعلم، بل شريك في انتاج المعرفة. وكما يكافئ المتعلم في البناء المعرفي على طرح السؤال والنقاش، في حين ينظر الى السؤال في منهج الحفظ بوصفه خروج عن النص. وتعاني بعض الانظمة التعليمية من تضخم في اعداد الحاصلين على الشهادات دون ان يقابله زيادة في الانتاج المعرفي والاقتصادي. بينما ينبغي ان يرتبط الترقي العلمي في التعليم على القائم على المشاريع وحل المشكلات وغالبا بالنشر العلمي في المجلات العلمية الرصينة والحصول على تمويل مالي بحثي.

اذن ما الحل؟ اصلاح التعليم لا يقتصر على تغيير كتاب او منهج دراسي او وسيلة تعليمية، بل يتطلب تحولا في الفلسفة التربوية نفسها، ونحتاج الى مناهج تزيد من قيمة السؤال والحوار والشك قبل تقديم الجواب الجاهز، بمعنى الانتقال من "ثقافة الجواب الجاهز الى ثقافة السؤال"، والى بيئات تعليم تفتح مكان للنقاش والنقد بدل الاكتفاء بالالقاء والشرح. وكما يجب ان يقيس التقويم القدرة على الفهم والتحليل والاستنتاج، لا الحفظ والاسترجاع للمعلومات. ولابد من ثقافة تربوية تربط الالقاب العلمية بالانتاج المعرفي الحقيقي، لا بالمدة الزمنية. وكما يستدعي الاصلاح اعداد وتأهيل المعلم ليصبح موجه ومحفز على التفكير، لا ناقلا للمعرفة.

أن الاشكالية ليست في كثرة الاوراق والمعلومات، بل في غياب المعنى الحقيقي للتعلم الذي يمنحنا قيمة وفاعلية. فأذا استمر التعليم بشكله الحالي كوظيفة شكلية بلا وظيفة معرفية، فلن نكون امام مشكلة تعليم فقط، بل امام ازمة حضارية. فتراجع التعليم لا يحدث فجأة، بل هو عملية صامتة تتسلل الى الصفوف الدراسية، فتجعل المعلومة بلا معنى، والاوراق بلا اثر. وحين يموت المعنى الحقيقي في المدرسة، يبدأ المجتمع بضياع بوصلته، فاما أن نعيد للمعرفة معناها، او ان نمضي في انتاج اوراق مختومة وعقولا خالية من الحوار.

والفارق ليس في وجود ازمة، بل في طبيعتها: ازمة فلسفة تعليم ومهارة من جهة، وازمة ادارة وضغط سوق من جهة اخرى. فالتعليم الذي لا يعكس اثره خارج جدران المدرسة يبقى تعليما شكليا مهما تزايدت ارقامه او اعداده. وأن اعادة الاعتبار للمعنى في عملية التعليم تعني بناء مناخ يشجع على الحوار ويحترم النقد، ويربط المعرفة بالحياة، لا بالورقة الامتحانية وحدها، وفي حينها يتحدد مستقبلنا المعرفي ومكانتنا في العالم. 

***

علاء جواد كاظم

من يوبا الثاني إلى أوغسطين

يُعدّ التواجد الروماني في شمال إفريقيا من أكثر القضايا التاريخية إثارة للجدل، إذ يطرح إشكالية فلسفية عميقة تتعلق بطبيعة هذا الحضور، ما إن كان احتلالا واغتصابا للأرض، أم تعميرا حضاريا يمكن الاعتزاز به؟ وتتفرّع عن هذه الإشكالية تساؤلات أكثر تعقيدا حين نتناول شخصيات عاشت في ظلّ هذا الواقع، مثل الفيلسوف أوغسطين ويوبا الثاني، حيث يبدو الحكم عليها متأرجحا بين التبعية والإبداع، وبين الخيانة والمرونة. فكيف يمكن فهم هذه الظواهر دون الوقوع في أحكام تبسيطية؟

هناك من يرى أن التواجد الروماني لم يكن سوى شكل من أشكال الاحتلال الذي فرضته الإمبراطورية الرومانية بالقوة، حيث خضعت شعوب المنطقة لسلطة أجنبية، وتم توجيه خيرات الأرض لخدمة المركز الإمبراطوري، كما فُرضت أنماط ثقافية ولغوية غريبة عن السكان الأصليين. ومن هذا المنظور، فإن الآثار الرومانية لا تعكس ازدهارا محليا بقدر ما تمثّل شاهدا على الهيمنة، كما أن الشخصيات التي برزت في تلك المرحلة، ومن بينها أوغسطين، يمكن اعتبارها امتداد لهذا النفوذ الثقافي، خاصة وأنه كتب باللاتينية وتأثر بالفلسفة الرومانية. أما يوبا الثاني، فيُنظر إليه هنا كحاكم نشأ في كنف روما وعاد ليحكم تحت سلطتها، مما يجعله في نظر هذا الاتجاه أقرب إلى الخضوع السياسي منه إلى الاستقلال، بل وقد يصل الحكم إلى اعتباره خيانة للانتماء المحلي، وهاك من اعتبرها خيانة لعهد والده يوبا الاول الذي قتل وهو يذود عن ارضه .

غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يعكس الصورة الكاملة، إذ يذهب اتجاه ثان إلى أن التواجد الروماني حمل معه مظاهر تعمير حضاري لا يمكن إنكارها، تمثلت في بناء المدن، وتنظيم الإدارة، وإدخال قوانين وهياكل ساهمت في تطوير الحياة العامة، وربطت المنطقة بمجال حضاري أوسع. ووفق هذا التصور، فإن الآثار الرومانية تعد تراثا إنسانيا عالميا يمكن الاعتزاز به، لا بوصفه تعبيرا عن الخضوع، بل باعتباره دليلا على انخراط هذه الأرض في مسار حضاري متنوع. وفي هذا السياق، يُنظر إلى أوغسطين كابن لهذه الأرض استطاع أن ينتج فكرا إنسانيا عميقا تجاوز حدود زمانه ومكانه، بينما يُفهم يوبا الثاني كشخصية سياسية مثقفة سعت إلى تحقيق التوازن بين الانتماء المحلي والواقع الدولي، فعمل على تطوير مملكته وجعل من عاصمته موريطانيا قيصرية مركزا للإشعاع الثقافي.

غير أن الحقيقة الفلسفية لا تكمن في الانحياز المطلق لأي من هذين الموقفين، بل في تجاوزهما نحو رؤية تركيبية أكثر عمقا، ذلك أن التواجد الروماني كان في بدايته احتلالا قائما على القوة، لكنه مع مرور الزمن تحول إلى فضاء تفاعل حضاري معقد، امتزجت فيه العناصر المحلية بالوافدة، فنتجت عنه أشكال جديدة من الثقافة والفكر. وفي هذا الإطار، لا يمكن اختزال أوغسطين في كونه مجرد تابع لروما، ولا يوبا الثاني في كونه خائنا أو أداة، بل ينبغي فهمهما كنموذجين للإنسان الذي يتحرك داخل شروط تاريخية محددة، فيُبدع ضمنها ويعيد تشكيلها. فأوغسطين يجسد التفاعل الفكري العميق الذي يجعل من الهوية بناء مفتوحا، ويوبا الثاني يمثل الذكاء السياسي الذي يحوّل التبعية إلى مجال للفعل والتأثير بدل الاستسلام السلبي.

وعليه، فإن قراءة هذه المرحلة من التاريخ تقتضي تجاوز الأحكام الأخلاقية المبسطة، نحو فهم نقدي يعترف بأن التاريخ ليس صراعا ثنائيا بين خير وشر، بل هو شبكة معقدة من العلاقات والتفاعلات. ومن ثم، فإننا لا نعتز بالاحتلال في حد ذاته، لكننا لا ننكر ما خلّفه من آثار أصبحت جزءا من ذاكرتنا، ولا نرفض شخصيات نشأت في ظله، بل نفهمها في سياقها، حيث تتحول المرونة إلى قوة، والتفاعل إلى إبداع، وبذلك نبني وعيا تاريخيا متوازنا يدرك أن الهوية ليست نقية ولا جامدة، بل هي حصيلة تراكمات متعددة صنعت ما نحن عليه اليوم.

***

ليلى تبّاني - الجزائر

 

في السجال العربي المعاصر، تبدو العلمانية وكأنها كلمة ملغومة اكثر من كونها مفهوما قابلا للفهم. تستدعى في النقاش العام، اما بوصفها خلاصا نهائيا من التطرف الديني، او باعتبارها تهديدا مباشرا لهوية المجتمع وقيمه الروحية. هذا الاستقطاب الحاد لا يعكس قوة الفكرة بقدر ما يكشف هشاشة مقاربتنا لها ذ يتم التعامل مع العلمانية كحكم جاهز، لا كاشكالية فلسفية وسياسية معقدة تستحق التفكيك. السؤال الاكثر دقة ليس: هل نحن مع العلمانية ام ضدها؟ بل: هل تمثل العلمانية حيادا حقيقيا للدولة، ام انها قد تنزلق في بعض تطبيقاتها الى شكل من اشكال الاقصاء المقنع؟

العلمانية في معناها النظري تقوم على مبدأين اساسيين: فصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية، وضمان حرية الاعتقاد لجميع الافراد. بهذا المعنى، تبدو اقرب الى اطار قانوني ينظم العلاقة بين الدين والدولة، لا مشروعا فكريا يهدف الى الغاء الدين. غير ان الاشكال يبدأ حين يتحول هذا الاطار الى ايديولوجيا صلبة، تعيد تعريف المجال العام بطريقة تقصي كل ما هو ديني، لا فقط ما هو سلطوي. لذلك، يجب التمييز بين مستويين من العلمانية: مستوى اجرائي هدفه تنظيم التعدد الديني ومنع الاحتكار، ومستوى ايديولوجي يسعى الى اعادة تشكيل المجتمع وفق تصور غير ديني للحياة. المشكلة في الواقع العربي ان النقاش غالبا ما يخلط بين هذين المستويين، فيتم رفض الاول بسبب الخوف من الثاني.

نشأت العلمانية في واقع تاريخي خاص، حيث كانت المؤسسة الدينية تملك سلطة واسعة على السياسة والعلم والحياة اليومية لذلك كان الفصل بين الدين والدولة خطوة تحررية. لكن هذا الواقع لا يتطابق تماما مع واقع المجتمعات العربية، حيث لم تكن العلاقة بين الدين والسياسة دائما على نفس النمط. حين يتم استيراد العلمانية كنموذج جاهز دون اعادة تأويلها، تتحول من حل الى مشكلة ،اذ يشعر المجتمع ان الفكرة لا تنبع من داخله، بل تفرض عليه من خارج تجربته التاريخية. وهنا يبدأ الرفض، لا للدولة المحايدة، بل لفكرة القطيعة مع الذات. الاشكالية، اذن، ليست في العلمانية ذاتها، بل في طريقة نقلها: هل هي ترجمة حرفية ام تكييف نقدي؟

الحياد، نظريا، يعني ان الدولة لا تفضل دينا على اخر، ولا تفرض معتقدا بعينه؛ لكن في الواقع، هذا الحياد ليس دائما بسيطا. فالدولة، حتى وهي تدعي الحياد، تنتج سياسات ثقافية وتعليمية وقانونية تعكس تصورا معينا للحياة. عندما تمنع الدولة الرموز الدينية في الفضاء العام، هل تمارس حيادا ام تفرض تصورا علمانيا محددا؟ وعندما تسمح بحضور الدين في التشريع، هل تحترم هوية المجتمع ام تفتح الباب لهيمنة دينية؟ هذا التوتر يكشف ان الحياد ليس وضعا ثابتا، بل عملية توازن مستمرة، وقد يتحول، اذا لم يدار بحساسية، الى شكل من اشكال الاقصاء الناعم. جزء كبير من الاشكالية يعود الى الخلط بين الدين كايمان فردي، والدين كاداة سلطة. فالدين في جوهره تجربة روحية واخلاقية، لكنه قد يتحول في المجال السياسي الى وسيلة للهيمنة. عندما يدخل الدين الى السياسة، يكتسب صفة الالزام، ويتحول من خيار الى معيار؛ وهنا تظهر مخاطر الاقصاء، حيث قد يعتبر من لا ينتمي الى هذا الاطار خارج الجماعة او اقل شرعية. وفي المقابل، فان اقصاء الدين بالكامل من المجال العام لا يحل المشكلة، بل ينقلها الى مستوى اخر؛ اذ يشعر المتدين ان هويته يتم نزعها من الفضاء المشترك، وان الدولة تعيد تعريفه كمواطن ناقص الحضور.

الاقصاء لا يحدث فقط حين يمنع الدين، بل ايضا حين يفرض؛ لذلك يجب توسيع مفهوم الاقصاء ليشمل حالتين: اقصاء ديني، حين تهيمن قراءة دينية واحدة على الدولة، واقصاء علماني متشدد، حين يتم تهميش كل تعبير ديني من المجال العام. في الحالتين، النتيجة واحدة: تقليص التعدد، وتحويل الاختلاف الى مشكلة بدل ان يكون مصدر غنى. في المجتمعات العربية، لا يمكن فهم العلمانية بمعزل عن الدين؛ لان الدين ليس مجرد مؤسسة، بل مكون اساسي للهوية. لذلك، فان اي مشروع يفصل بينهما بشكل جذري قد يفهم كفصل بين الانسان وذاته. لكن، في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل ان تسييس الدين ادى في كثير من الحالات الى صراعات حادة، والى تبرير العنف او الاقصاء. نحن، اذن، امام معادلة صعبة: لا يمكن الغاء الدين من المجال العام، ولا يمكن تركه يتحكم في الدولة.

الطرح التقدمي لا يقوم على اختيار احد الطرفين، بل على اعادة صياغة العلاقة بينهما عبر تمييز وظيفي، لا قطيعة عدائية؛ حيث يوجه الدين القيم، وتنظم الدولة الحقوق. كما يقوم على حماية الحرية الفردية، سواء في الايمان او عدمه، دون وصاية من الدولة او الجماعة؛ وعلى الاعتراف بالتعدد باعتباره واقعا يجب تنظيمه، لا مشكلة يجب القضاء عليها؛ وعلى منع احتكار الحقيقة، لا من قبل رجال الدين، ولا من قبل النخب العلمانية؛ وعلى بناء علمانية مرنة تأخذ بعين الاعتبار خصوصية المجتمع، بدل فرض نموذج واحد. بدل ان تطرح العلاقة بين العلمانية والدين كصراع صفري، يمكن اعادة تصورها كعلاقة تفاعل؛ فالدين يمكن ان يساهم في اثراء القيم الاخلاقية، والعلمانية يمكن ان توفر الاطار الذي يحمي هذا التنوع من التحول الى صراع. المشكلة ليست في وجود الدين او غيابه، بل في كيفية ادارته داخل المجال العام؛ وكذلك ليست في العلمانية كفكرة، بل في طريقة تطبيقها. لا يمكن اختزال الاشكالية في حكم بسيط؛ فالعلمانية ليست حيادا مطلقا، كما انها ليست بالضرورة اقصاء، بل هي اداة يمكن ان تستخدم لتحقيق العدالة او لفرض رؤية معينة.

السؤال الحقيقي الذي يجب ان نطرحه هو: كيف نبني نموذجا يضمن حرية الافراد، ويحترم هوية المجتمع، دون ان يتحول اي منهما الى اداة اقصاء؟ هذا السؤال لا يملك اجابة نهائية، لكنه يفرض علينا الانتقال من منطق الشعارات الى منطق التفكير النقدي؛ وربما في هذا الانتقال يكمن المعنى الحقيقي لاي طرح تقدمي.

***

زكريا - نمر

 

الحياة والموت كلاهما يحتاج شجاعة.. لذا قررت الهجرة وغادرت طوعا إلى ما وراء الإنسان..

اعتقد ان المرء ينتحر لا لأنه يريد أن يموت ولكن لأنه ميت بالفعل.. إنها شده الوعي بقساوة العالم. المنتحر ليس جبانا كما يروج، بل هو كائن بلغ حافة الشعور، وانهارت لديه المسافة بين الألم والوعي.. فبعض البشر لا يموتون حين يتوقف قلبهم، بل يموتون قبل ذلك بكثير.. حين يخذلون، حين يهانون، حين يتركون وحدهم في مواجهة قسوة العالم.. وفي هذا السياق، يصبح الانتحار سؤالا أخلاقيا موجها إلى المجتمع قبل أن يكون فعلا فرديا.

إن السؤال الحقيقي ليس: لماذا ينتحر الإنسان؟ بل: كيف وصل إلى درجة صار فيها العدم أكثر رحمة من الوجود؟. أي عالم هذا الذي يدفع إنسانا إلى كراهية الحياة؟. أي قسوة هذه التي تجعل البقاء عبئا أثقل من الرحيل؟ إنها ليست مأساة فرد، بل مأساة إنسانية تتكشف فيها هشاشة التضامن، وغياب الرحمة، وانطفاء المعنى.

رفقا بالإنسان.. فليس كل من يبتسم بخير، وليس كل من صمت سالما. فبيننا أرواح تتآكل في صمت، وقلوب تصرخ دون صوت.  إن أقسى ما يمكن أن يواجهه الإنسان ليس الألم ذاته، بل أن يترك وحيدا داخله. فلنخفف عن بعضنا ثقل هذا العالم، ولندرك أن الرحمة ليست ترفا أخلاقيا، بل ضرورة وجودية.  فرب كلمة حانية تؤجل موتا، ورب حضن صادق يعيد إنسانا من حافة العدم.

الحياة تحتاج شجاعة.. نعم. لكن ما يحتاجه الإنسان أكثر من الشجاعة، هو إنسان آخر يشاركه ألمه وهمومه فكل روح هي كون هش، وكل قلب معركة خفية لا ترى. لا تحاكموا الساقطين من اعلي، بل انظروا إلى الحافة التي وقفوا عليها طويلا وحدهم

والفلسفة في أقصى تواضعها، لا تملك أن تمنع موتا لكنها تستطيع أن تزرع وعيا: وتقول لنا أن الوجود، رغم قسوته، لا يحتمل إلا بنا معا.. مشاركه الإنسان للإنسان. وأن الإنسان قبل أن يحتاج معنى للحياة، يحتاج من يشعره أنه مستحق للحياة.

تفقدوا أحوال بعضكم.. اسألوا عن الغائب قبل الحاضر، وعن الصامت قبل المتكلم. قد يكون السؤال البسيط: كيف حالك؟ طوق نجاة. فكونوا رحماء.. لأن الرحمة في عالمٍ كهذا، ليست فضيلة فحسب بل هي آخر ما تبقى لإنقاذ الإنسان من نفسه. فلا تؤجلوا الحضور الإنساني، فبعض الأرواح لا تنتظر طويلا.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

حين ننظر إلى مجتمعاتنا العربية اليوم، نقف حائرين أمام سؤال مؤرق كيف تحولنا من مجتمع كان يعرف قيمه وثوابته إلى هذا الفضاء اللأخلاقي المشوه؟ كيف تمت هذه الرحلة الطويلة من اليقين إلى الشك، ومن الثبات إلى الانهيار، ومن الوضوح إلى العتمة؟

إنها رحلة نصف قرن، ليست طويلة بما يكفي لتغيير طبائع البشر، ولكنها طويلة بما يكفي لتدمير منظومة قيمية كانت عصية على الاختراق. خمسون عاماً من العشوائية المقنعة، من التفكك البطيء، من الموت التدريجي للضمير الجمعي.

كانت السبعينيات من القرن الماضي نقطة تحول حقيقية في تاريخنا المعاصر. كانت لحظة انفجار أخلاقي صامت. بدأت الأمور تتفكك بهدوء، كخيوط نسيج يتآكل خيطاً خيطاً، دون أن ننتبه إلى أن الصورة الكاملة تتشوه أمام أعيننا.

في تلك الفترة، اختلت موازين كنا نظنها راسخة كالجبال. تزعزعت ثوابت اعتقدنا أنها محفورة في صخر التاريخ. المجتمع الذي كان يحتكم إلى منظومة قيمية واضحة المعالم، يفرز من خلالها الصواب من الخطأ، ويميز المقبول من المرفوض، بدأ يفقد بوصلته الأخلاقية. تلك البوصلة التي كانت تشكل حصونه الدفاعية الأولى ضد التفلت والانحلال.

العقل المريض

كالعادة، ظهرت بوادر الاختلال أولاً في السياسة. فالسياسة -كما نعرف - هي العقل المدبر للجسد الاجتماعي. أي خلل يصيب هذا العقل لا بد أن ينعكس على كل عضو من أعضاء الجسد. والواقع أن العقل السياسي العربي أصيب بمرض عضال منذ تلك الحقبة. تحولت السياسة من أداة لتحقيق الصالح العام إلى وسيلة صراع شرسة على النفوذ والمكانة. صارت المفاهيم الكبرى مثل الوطنية والعدالة الاجتماعية والحرية مجرد شعارات ترفع في الخطب الرنانة، وتدفن في الممارسات اليومية. تآكلت الجسور التي كانت تربط الحاكم بالمحكوم، والدولة بالمواطن. صار كل طرف ينظر إلى الآخر بشك وريبة، وبدأت الثقة تتبخر كالندى تحت شمس الظهيرة.

لقد حولتنا السياسة إلى قطع شطرنج تتحرك على رقعة لا نرى أبعادها الحقيقية. صنعنا لأنفسنا أوهاماً كبيرة، أوهاماً بالديمقراطية التي لم نذق طعمها، وأوهاماً بالتنمية التي مرت علينا كالسحاب، وأوهاماً بالعدالة التي ظلت حبيسة الأدراج.

حصن ينهار

لم يكن التعليم بمنأى عن هذا الزلزال القيمي. المدرسة التي كانت حصناً منيعاً للقيم، ومعقلاً للعلم النزيه، تحولت إلى سوق للصفقات. النجاح صار سلعة تشترى، والشهادة أصبحت ورقة تتداول، والمعرفة تحولت إلى متاع يباع ويشترى. لقد فقد التعليم براءته. تلك البراءة التي تجعل من العلم غاية في حد ذاته، لا وسيلة لتحقيق مكاسب مادية. بدأنا نرى جيلاً يحمل شهادات عليا بدون معرفة حقيقية، يملك وثائق تثبت تخرجه من أفضل الجامعات ولكن بدون مهارات تمكنه من الإضافة والإبداع.

الطالب الذي كان يبحث عن المعرفة أصبح يبحث عن الدرجات. الأستاذ الذي كان قدوة ومنارة تحول إلى مجرد موظف يؤدي واجباً روتينياً. المناهج التي كانت تشعل شرارة الفضول أصبحت تخمد أي روح نقدية. تحول التعليم إلى آلة لتخريج حفظة لا مفكرين، ومقلدين لا مبدعين.

الإعلام مرآة مشوهة

وجاء الإعلام ليكمل الصورة المشوهة. تحول من مرآة تعكس واقع المجتمع إلى أداة لتشويه الواقع وتبسيطه وتسليعه. الخبر صار سلعة، والحقيقة مزاداً يعلو فيه أعلى مزايد، والرأي العام أصبح هدفاً يمكن التلاعب به واستغلاله بسهولة. فقد الإعلام مصداقيته تدريجياً. أصبحت الكلمة لا تقدر بقيمتها الحقيقية ولا بصدقها، وإنما بما تحققه من انتشار ومشاهدات وإثارة للجدل. صار الجمهور يتلقى صورة مشوهة عن نفسه، صورة لا تعبر عن حقيقته ولا تحترم عقله.

الإعلام العربي اليوم يعاني من انفصام حاد، فهو من جهة يقدم خطاباً أخلاقياً مثالياً، ومن جهة أخرى يمارس أساليب التحريض والتضليل. ينادي بالحرية وهو يكبت الأصوات، ويدعو للوحدة وهو يزرع الخلافات، ويثير القضايا المصيرية وهو غارق في التفاهات.

الرغبتان المتوحشتان

في خضم هذه الفوضى القيمية، سيطرت رغبتان أصبحتا المحرك الأساسي للسلوك الفردي والجماعي: الرغبة في المال والثراء، والرغبة في المكانة والوجاهة والنفوذ. صار تحقيق هاتين الرغبتين هو الهدف الأسمى، بغض النظر عن الوسائل، وبمعزل عن الجدارة والاستحقاق والمشروعية. لقد بات النجاح المادي معيار وحيد للقيمة. أصبح الغني - بغض النظر عن مصدر ثروته وأيًا كانت طريقة تكوينها - هو النموذج الذي يحتذى ويقلد. انهار مبدأ أن الغنى ليس بكثرة العرض ولكن غنى النفس، واستبدل بمبدأ الغني هو من يملك أكثر. في هذا المناخ، لم يكن مستغرباً أن يصبح التحايل والالتفاف والمرور من الثغرات هو أقصر الطرق لبلوغ الأهداف. تحولت المهارات الحقيقية إلى سلع مهجورة لا قيمة لها في السوق الاجتماعية، وحلت محلها مهارات جديدة: مهارة الغش، وفن التزوير، وبراعة انتهاك المعايير والأخلاق دون أن تكتشف. صارت القوانين واللوائح مجرد عوائق شكلية يمكن تجاوزها لمن يملك المال أو النفوذ أو الذكاء الماكر. أصبح القانون سلاحاً للأقوياء ضد الضعفاء، وللأغنياء ضد الفقراء، وللمتسلطين ضد المحرومين.

الصمت الأكبر

الأمر الأكثر إيلاماً في هذه القصة ليس فقط سقوط القيم، لكن الصمت على هذا السقوط. صمت مرعب أصاب المجتمع بأسره. كان هناك صمت الخائفين الذين ارتعدت قلوبهم من بطش السلطة أو من الإقصاء الاجتماعي. وكان هناك توافق من المستفيدين الذين وجدوا في الفوضى الأخلاقية فرصة لتعزيز مكاسبهم. وكان هناك تواطؤ من المشاركين في الجريمة الذين صاروا جزءاً من النظام الفاسد.

الجميع رأى، والجميع علم، ولكن قلة فقط تجرأت على الكلام. تحول الفساد من فعل استثنائي يشمئز منه الضمير إلى ظاهرة طبيعية مقبولة، ومن انحراف عن القاعدة إلى قاعدة جديدة تحكم العلاقات الاجتماعية بأسرها.

في مجتمع كهذا، صار الملتزم بقيمه الأصيلة شاذاً وغريباً. صار الصادق في حيرة، والنزيه في عزلة، والمبدع في سجن. انقلبت المفاهيم، فصارت الفضيلة رذيلة، والرذيلة فضيلة. تحول الصمت عن الفساد إلى واجب، والكلام عنه إلى جريمة.

المجتمع الذي صنعناه

نصف قرن على هذا الحال أنتج مجتمعاً جديداً تماماً، مختلفاً جذرياً عن المجتمع الذي كنا نعرفه. مجتمع نحن من صنعناه بأيدينا، باختياراتنا الصغيرة والكبيرة، بصمتنا وتواطؤنا، بمشاركتنا الفاعلة أو بسكوتنا المتواطئ.

إنه مجتمع نحن من ننكره الآن، ونشيح بوجوهنا عنه وكأننا لم نكن شركاء في صناعته. مجتمع نحن من نتنصل من مسئوليته، ونرمي باللائمة على الآخرين على النظام، على الظروف، على المؤامرات الخارجية، على أي شيء إلا أنفسنا. هذا المجتمع الجديد يعاني من أزمات متراكمة؛ أزمة ثقة في كل شيء وفي الجميع، أزمة هوية لم نعد نعرف من نحن وإلى أين نتجه، أزمة قيم لم يعد لدينا ما نؤمن به سوى المال والمظهر، أزمة أمل جعلت اليأس ينسل إلى قلوب شبابنا قبل شيوخنا.

مهمة إعادة البناء

اليوم، ونحن نقف على أنقاض منظومتنا القيمية، نجد أنفسنا أمام مهمة تاريخية عظيمة: مراجعة شاملة لكل شيء. القيم تحتاج إلى إعادة نظر، والمهن تحتاج إلى تصحيح مسار، المرافق والمؤسسات تحتاج إلى إصلاح جذري، والبناء الاجتماعي بأسره في حاجة إلى إعادة هيكلة من القاعدة إلى القمة. ولكن هذه المراجعة يجب أن تكون مسئولة، صادقة، أمينة. يجب أن تبدأ بأنفسنا أولاً، بأن ننظر في المرآة دون خوف أو مواربة. لا يمكن إصلاح مجتمع وأعضاؤه مصابون بالإنكار والهروب من المسئولية. إن إعادة بناء المنظومة القيمية ليست مهمة مستحيلة، كما قد يظن البعض. ولكنها تحتاج إلى شجاعة نادرة. شجاعة الاعتراف بالأخطاء، وشجاعة تحمل المسئولية، وشجاعة البدء من نقطة الصفر. نحن بحاجة إلى تعليم جديد يقدس العلم ويحترم العقل ويشعل روح النقد والإبداع. نحن بحاجة إلى إعلام يبحث عن الحقيقة ويحترم عقل الجمهور ويخدم المصلحة العامة. نحن بحاجة إلى سياسة تخدم الشعب لا تستهلكه، وإلى اقتصاد ينتج الثروة لا ينهبها، وإلى عدالة تحمي الضعيف قبل القوي.

الجيل الجديد: الأمل الوحيد؟

ربما يكون الأمل الوحيد في الجيل الجديد، الجيل الذي لم يشهد "الزمن الجميل" الأسطوري ولكنه يدفع ثمن خرابه اليوم. جيل يبحث عن معنى في عالم فقد معناه، ويبحث عن قيم في مجتمع تآكلت قيمه وتفسخت أخلاقه.

هذا الجيل الذي يرفض أن يكون نسخة مكررة منا، ويسعى لبناء عالمه الخاص بقيمه الخاصة ورؤيته الخاصة، ربما يكون حقاً هو المنقذ الذي ننتظره. إنه يمتلك من الأدوات ما لم نمتلكه نحن: وعياً أكبر، واتصالاً أوسع بالعالم، وإحباطاً من الواقع يدفعه للتغيير لا للاستسلام. ولكن علينا نحن أيضاً أن نمنحه الفرصة، أن نفتح له الطريق، أن نزيل عن كاهله إرث نصف قرن من العشوائية الأخلاقية. لا يمكن أن نطلب منه أن يبني على أنقاض قيمنا دون أن نعطيه أدوات البناء، أو أن ننتظر منه الخلاص ونحن مازلنا متمسكين بأساليبنا الفاسدة وعقلياتنا المتخلفة.

 البداية من هنا

لقد صنعنا هذا الواقع بأيدينا، وعلينا أن نصلحه بأيدينا أيضاً. ليس هناك من ينقذنا إلا نحن، وليس هناك وقت نضيعه في الانتظار أو التمني. البناء يبدأ بحجر واحد، والإصلاح يبدأ بقرار واحد، والتغيير يبدأ بإنسان واحد.

فلنكن نحن هذا الإنسان. ولتكن هذه اللحظة هي البداية. قبل أن يمر نصف قرن آخر، ونقف حائرين مرة أخرى، نبحث عن من يلومه على خراب جديد، ونحن نعلم في أعماقنا أن المسئولية تبدأ منا وتنتهي إلينا. إن استعادة القيم ليست حلماً رومانسياً، إنما ضرورة وجودية. بدون قيم، نفقد بوصلتنا. بدون أخلاق، نصبح مجرد كائنات تتصارع على البقاء والثراء. بدون ضمير جمعي، نصبح جزراً منعزلة في بحر من الفوضى. لقد آن الأوان لنقول كفى للصمت، كفى للتواطؤ، كفى للتنصل من المسئولية. آن الأوان لنبدأ رحلة العودة إلى أنفسنا، إلى قيمنا، إلى إنسانيتنا التي كدنا ننساها.

نصف قرن عشوائي كاف لتدمير أي مجتمع. ولكن التاريخ يعلمنا أن الأمم لا تموت إلا حين تستسلم لموتها. ونحن لم نستسلم بعد. ولن نستسلم.

***

د. عبد السلام فاروق

لا يقل حضور الطفولة في الثقافة الشعبية عن مثيله في حقل الدراسات النفسية والتربوية المعاصرة، سواء محليا أو عالميا. تشهد بذلك الأمثال والألعاب والأهازيج، وآلاف الخرافات وحكايات الجدات التي تعد مدرسة في الإبداع، والجنوح بالخيال إلى أقصى مداه. فالثقافة الشعبية كانت، ولاتزال بدرجة ما، هي الحاضنة الأساسية للطفل، يتشرب منها القيم والعادات، ويكتسب منها معايير السلوك الاجتماعي، وقواعد العيش داخل فضاء الأسرة والقبيلة.

إن عملية تنشئة الطفل شكلت تحديا لدى كل أمة للوصول به إلى أفضل مستويات النمو والتعلم، من خلال تزويده بالتجارب والخبرات، والممارسات العملية التي يتوجب تمريرها من جيل إلى جيل. هكذا تصبح شخصية الطفل حصيلة معتقدات الراشدين، التي تعبر بدورها عن مخطط ثقافي، هاجسه الأساسي هو ضمان الاستمرارية والخصوصية، ومكافحة كل أشكال التغريب والاقتلاع.

والأمثال، باعتبارها إحدى قوالب الموروث الثقافي، تلعب دورا مستمرا في غرس معتقدات مشتركة، تتسم عادة بالثبات وصعوبة التغيير. فكما أنها تنطوي على مبادئ تربوية واجتماعية أصيلة، فإنها أيضا تُسهم في تغذية تمثلات خاطئة، وتضطلع بوظيفة الدفاع عن تصورات جرى تفنيدها بفعل التقدم الحاصل في شتى حقول المعرفة.

من هذا المنطلق، وسعيا للكشف عن صورة الطفل في الموروث الشعبي، والأدوار أو المعايير الثقافية التي يجد نفسه مرتبطا بها وملزما بالتكيف معها، تم رصد نماذج من الأمثال العامية المتداولة في المغرب، واستنطاق دلالاتها النفسية والتربوية، من خلال أربع مستويات تهم: صورة الطفل في المثل المغربي، وعلاقته بالأم، ثم الاتجاهات الإيجابية والسلبية المتعلقة برعاية الطفل وتنشئته. وفي الأخير نلقي نظرة على موقف المجتمع من الطفل في وضعية خاصة "الربيب، اليتيم، ابن الأمة..." والتي تؤسس لوضع مُفارق، بين توجيهات الخطاب الديني وتجلياته في الواقع.

بداية تجدر الإشارة إلى أن المثل، باعتباره خلاصة بليغة وموجزة للتجربة الإنسانية، لا يكتسي في جميع الأحوال طابع التوجيه والإلزام السلوكي، بل كما يرى الأستاذ عبد العزيز الأهواني، فإنه يضطلع أيضا بوظيفة أدبية وبلاغية، تقصد إلى عرض صور تحقق الإمتاع الفني، بما تشتمل عليه من تشبيه دقيق، أو مفارقة مضحكة، أو فن من القول طريف(1).

غير أن الممارسة التربوية، سواء داخل الأسرة أو على مستوى الفضاء المدرسي، تكشف عن تأثر واضح بالتوجيهات التربوية التي تتضمنها بعض الأمثال، حتى وإن كانت أدبيات التنشئة والرعاية المعاصرة تؤكد ضررها وآثارها السلبية. ولا أدل على ذلك من استمرار العقاب البدني داخل الفصول الدراسية اقتناعا بأن "العصا خرجات من الجنة!"

- صورة الطفل في المثل المغربي:

تتراوح صورة الطفل المغربي في الأمثال العامية بين القبول به كعطية من السماء، يضفي على الحياة بهجتها، ولا تستقر الحياة الزوجية إلا بوجوده، وبين اعتباره هما ينضاف إلى سائر الهموم التي تقيد حركة الإنسان وتؤرق معيشه اليومي.

وتبدو المسألة في عمقها رهينة بسوء فهم لمدلول الرزق وارتباطه بالمشيئة الإلهية، كما نبهت إلى ذلك النصوص الدينية والثقافة العالِمة. كما تحيل ضمن سياق تاريخي على مخاوف الأوبئة والمجاعات التي كان المغرب مسرحا لها خلال فترات محددة، والتي جعلت من القمح صاحب القول الفصل في تاريخه، كما يقول المؤرخ فرنان بروديل، وبالتالي ارتبط إنجاب الأولاد بزيادة الهم والبلاء.

في وضع اليسر والرخاء، تبرز أمثال بالغة الإشادة بالطفل من قبيل:

- الدراري ربيع القلب

- الخدمة على الأولاد سبقت العبادة والجهاد.

- اللي ما عنده بنات ما عرفوه الناس فوقاش مات.

أما في حال الضنك وقلة ذات اليد، يفقد الطفل حضوره كعطاء، ليصبح بلاء وهمّا يُنغّص المعيشة. بل وتكتسي بعض الأمثال صبغة احتجاج على الفوارق الاجتماعية:

- التاجر إيلا اطلب العيال كيجيه الريال، والمسكين إيلا اطلب الريال كيجيه العيال.

- أنا نشكي له بعذري، وهو يقول: الله يعطيك الدراري.

بيد أنه في الحالتين معا، يشكل الأولاد لبنة أساسية لاستمرار الحياة الزوجية، والمحافظة على مقدرات الأسرة المادية "الإرث"، والمعنوية "الشرف، المكانة الاجتماعية، الدينية..." لذا تدافع الأمثال عن حضورهم كتوثيق لتلك العلاقة:

- الزواج بلا عيال قليل دوامو للرجال.

- الزيتونة كتصبر للضرب على أولادها.

- علاقة الطفل بالأم:

يختزن المثل تعبيرات متفردة للأمومة في أوضاعها وحالاتها، التي يلتئم فيها الاستئناس بهم مع الشكوى من متاعب التنشئة والرعاية:

- الأولاد تينوّسوا وتيهوّسوا.

كما نجد في الأمثال مغربية تنوعا في الإشادة بأدوار الأمومة، ما بين ذكر الأم صراحة، أو استعارة أدوات ثقافية دالّة من عالم الطبيعة والحيوان:

- كل خنفوس عند أمه غزال.

- قالتها العودة: من نهار اللي ولدت ولادي، ما كليت علفي وافي، ولا شربت مايَ صافي.

- الزيتونة كتصبر للضرب على أولادها.

- الزيزون (الأبكم) ما تعرف لغته غير امه.

غير أن التعبير المفرط عن الأمومة يثير سلوكيات تربوية غير مقبولة، ويلقي على عاتق الأم مسؤولية تقييد مشاعرها الجارفة، لتنشئة الطفل بشكل متوازن، يؤهله لتحمل تبعات الحياة.

- حبّ أولادك من قلبك، وربّيهم بيدك.

- دردب تكسب؛ وهي عبارة تقال لحثهم على عدم الخوف، ومواجهة المواقف بشجاعة.

- تكبر وتنسى؛ وتقال للصغير حين يسقط على الأرض، لتسليته وحثه على الكف عن البكاء.

-  زيّر اللّوالب، لا تبقى راخي الحبل.

ويظل الاستثناء الوحيد الذي تسمح به الذاكرة الشعبية، على مضض ربما، هو وحيد أمه الذي رزقت به بعد عناء، إما بسبب المرض، أو تأخر الإنجاب، أو قدوم الإناث أولا. وسبب ذلك أن محيط الأسرة يتقاسم تلك المعاناة بشكل حاد، ويدفع الأم بشكل مباشر أو غير مباشر، لبذل مساع مؤثرة، تطرق من خلالها المرأة فضاءات الزوايا والأضرحة، وتقدم النذور، وتستجيب لألوان الشعوذة والدجل:

- هذاك الولد جا على تَاتَه والفكرون، وسيدي قاسم بن رحمون.

- هذاك غير لقيمة مسعية.

- هذا لهرا طايب فالكدرة (القِدر).

- رعاية الطفل وتنشئته.. آراء واتجاهات:

تنطوي الأمثال المغربية على قيمة تربوية وتعليمية، تتمثل في رصد مختلف الاتجاهات والممارسات التي طبعت أداء الأسرة لهذه الوظيفة الاجتماعية الهامة. وإذا كانت الأصول والمبادئ العامة سليمة ومعبرة عن ثوابت المجتمع وقيمه، إلا أن الأساليب والمواقف اختلفت تبعا للأدوار التي سيلعبها الطفل في محيطه السوسيو ثقافي، وكذا للتصور السائد حول التعلم كمدخل للاندماج في فضاء أرحب.

تعكس بعض الأمثال تباينا في الآراء حول فعل التربية نفسه، والمحصلة النهائية من توجيه سلوك الطفل وإلزامه بمعايير اجتماعية وثقافية محددة. حيث يعتبر الفريق الأول أن التربية جهد إنساني خالص، يتصل فيه السبب بالنتيجة:

- العنقود الكبير من الدالية المخدومة.

- شبّع وطبّع!

- الفقوس من الصغر تَيْعواج.

- اللي ربى ولده نكا عدوه.

- اللي ما تربى على طبلة بوه ما يشبع.

بينما يربط الفريق الثاني جهد التربية بسبب غيبي، ويقدم ذريعة لبعض مظاهر السلبية والتواكل التي ترخي بظلالها حتى اليوم على علاقة الأسرة بالمدرسة، والفضاء السوسيو ثقافي بشكل عام:

- المربي من عند ربي.

- الشّا الرّا ما ربّات حمير.

- الوردة كتولد الشوكة، والشوكة كتولد الوردة.

- اللي ولد الغول ما عنده ما يقول.

من جهة أخرى تتفق الأمثال على أن التنشئة الحسنة تمنح الأسرة قيمة مضافة، وسمعة طيبة؛ مثلما أن التفريط فيها يعود بالضرر وسوء العاقبة:

- اللّي خلّا اسم مليح، ولادو يصلّيوا بلا تسبيح.

- الترابي قبل الجامع.

- أولاد عبد الواحد كاع واحد: كناية عن تربية الأبناء على نمط سيء مشابه للأب. ويحكى أن عبد الواحد هذا كان رجلا طماعا، ومحتالا على ما في يد الناس، وربى أبناءه على هذه الخصلة الذميمة.

- ولدك كوّنيه لا تكوّن ليه: ويحيل المثل هنا على توجيه تربوي فريد، يقوم على إعداد الطفل ليبني مستقبله بنفسه، بدل أن ينشغل الآباء بذلك. ويقال أن هذا المثل من مآثر أهل سوس جنوب المغرب، والذين يشتهرون بالحذق في التجارة.

- قرّيه وأنت اقتل وانا ندفن: وهي دعوة صريحة للتشدد في تعليم الصبيان، حتى يتعلموا العلم ويتربوا على الأخلاق السامية. وبالرغم من آثاره الضارة، لايزال هذا الموقف يحظى بتأييد من لدن الآباء والمدرسين حتى اليوم!

- اغرس قلّع ما فيه اربح، و" النبتة المقلعة ما تنبّت ربيع": وهي عبارة تقال لمن يكثر تغيير المدرسة لأبنائه، فلا يحقق ذلك التوفيق المطلوب.

وعلى المستوى التعليمي استوعبت الأمثال جانبا من النقاش المجتمعي حول أيهما الأفضل في تلقي العلم: الشفهية أم الكتابية؟ ويبدو أن للأمر علاقة بانتشار المدارس العصرية، وما مثّله ذلك من تراجع لدور الكتاتيب القرآنية، فأرخت المسألة بظلالها على أنماط تلقي العلوم والمعارف، رغم أن الثقافة لا تقيم تعارضا بين الاثنين:

-العلم فالراس ماشي فالكراس.

- ينسى الراس وما ينسى الكراس. 

- كيسكتو اللّحِي ويتكلمو الكواغط.

- أطفال في وضعية خاصة:

لعل أغرب موقف اختزنته ذاكرة الأمثال المغربية، هو موقف الأسرة من الربيب، والذي لا يكتفي بالتحذير من تقبله وإدماجه في نسيج الأسرة، بل يصل إلى حد الدعاء عليه بالفقدان والموت. كما جرى التحذير من "ولد بنادم" او الدخيل على العائلة، واعتبار محاولة تنشئته ورعايته جهدا بغير طائل، وهدرا للوقت والمال.

وقد يجد هذا الموقف تفسيره في تكلفة الرعاية إذا كان الوضع المعيشي للأسرة لا يسمح بذلك، كما قد يحيل على أسطورة زوجة الأب الشريرة، والتي تغذيها عشرات القصص، رغم وجود زوجات يتمتعن بحس العطاء، وتستوعب أمومتهن القريب والغريب. وقد يعود الأمر من جهة ثالثة إلى ما أثير من إشكالات فقهية مرتبطة بالإنفاق، واستغلال مال الربيب وغيرها.

- زِد هاذ الصبي على صبيانك تكمل احزانك.

- اللي تيربي ولاد الناس بحال اللي كيدق الما فالمهراس.

- ولد الأمَة ما يفلح، وإذا افلح يا عجبا!

- فرّش لأولاد الناس فاين ينعسو ولادك: وهي حالة فريدة في الدعوة للمعاملة بالمثل، تستلهم معطى الخطاب الديني، والثقافة العالِمة.

- الربيب كله علّة وطُليب، طيّره يا رحمن: والطُليب في مأثور أهل فاس هو العدو.

- ولد ابنــادم لا تربـيـه       بعد ما تربيه نادم

    يا السايلني على الغول       الغول، هو ابنادم.

 وهي إحدى رباعيات الشيخ عبد الرحمن المجذوب الذي جرت أقواله وأزجاله مجرى الأمثال في شمال إفريقيا.

وفي وضعية اليتم يفقد الطفل كل ناصر ومعين، لذا تقرنه الذاكرة الشعبية بصور الانكسار والضعف، وضياع الحقوق:

- رجلين ليتيم كيجيبو الغيس في السمايم.

- كيتعلموا الحجامة فريوس ليتامى.

أما وضعية الإعاقة فتحتفظ الأمثال بمواقف قاسية، وتمثلات خاطئة تحيل على العجز والتشفي الذي يقرن تلك الوضعية بالعقوبة الإلهية:

- ما يعواج ولا يعراج غير البلا المسلط.

- يدي ويد القابلة ويخرج الحرامي اعور.

- عيات أم الحمق ما تعض فشواربها، قال ليها: من جهتي غير قطعيه.

إن الأمثال باعتبارها وحدات كلامية تختزن ذاكرة الشعوب، بحاجة إلى مراجعة استخداماتها وإعادة فرزها، وتحرير مضمونها الإنساني من المواقف السلبية، خاصة في مجالات تتنافى أدوارها الحديثة، مع التمثلات المجانبة للصواب كمجال التربية والتعليم.

وتظل الأمثال، بالرغم من قيمتها و رمزيتها، ودلالتها على الانتماء الثقافي، وليدة خبرات ذاتية، بعضها يعكس حقائق تحظى بالواقعية في حياتنا الاجتماعية، بينما يحيل البعض الآخر على تصورات وعادات، وردود أفعال لا تقبل التعميم.

***

حميد بن خيبش

.....................

1- إلى طه حسين في عيد ميلاده السبعين: إعداد وإشراف عبد الرحمن بدوي. ص251- القاهرة1962

مشهدية العنف العاري وفحش السلطة

من السيادة القانونية إلى العرض المستمر; يشهد العالم المعاصر تحولاً جذرياً ومقلقاً في طبيعة ممارسة السلطة وتجليات القوة الدولية. لقد غادر جوهر القوة مربعه التقليدي القائم على منطق "السيادة"؛ ذلك المنطق الذي كان يستند إلى وضوح القانون، وهيبة المؤسسات، والقرار السياسي المرتبط بنتائج مادية ملموسة على أرض الواقع. اليوم، نحن نعيش في عصر "المشهدية الطاغية"، حيث تُعاد صياغة الواقع السياسي والاجتماعي كعرض مسرحي أو سينمائي مستمر لا ينقطع، مما أدى إلى تآكل الفوارق الجوهرية بين الحقيقة الصلبة وتمثيلها الصوري.

إن التوصيف الفلسفي لما يدور في الساحة العالمية اليوم باعتباره "عرضاً عارياً وفجاً" ليس مجرد مجاز لغوي أو استعارة بلاغية لتجميل النص، بل هو تشخيص دقيق لحالة "الواقع المفرط" الذي استلب إرادة المجتمعات. في هذا الفضاء، يُصبح العنف المكشوف والمصور وسيلة استراتيجية لإخفاء آليات القوة البنيوية العميقة التي تتحكم في مصائر الشعوب. هنا، يُدفع بـ "الممثلين السياسيين" إلى الواجهة وهم يحملون أسلحة حقيقية ويديرون صراعات دامية، لا لغرض الحسم العسكري الذي ينهي النزاع فحسب، بل لتأكيد "صدقية" السيناريو المشهدي أمام جمهور عالمي يقبع خلف الشاشات، معزولاً تماماً عن مراكز القرار الحقيقية، ومكتفياً بدور المتفرج المستلب.

الميتافيزيقا السياسية للمشهد واستعمار الحيز العام

تنبثق الجذور المعرفية لهذه الحالة من النقد العميق الذي وجهه الفلاسفة لمجتمع الاستعراض. فالنظام العالمي في مراحله المتقدمة لم يعد يكتفي بإنتاج السلع المادية واستهلاكها، بل انتقل إلى مرحلة "إنتاج الصور" التي أصبحت هي الوسيط الوحيد للعلاقات الاجتماعية والبشرية. في هذا النظام، لم يعد الواقع يُعاش بشكل مباشر أو عفوي، بل يتم استبداله بتمثيلات صورية مبرمجة تُقدم للجمهور بوصفها النسخة الأفضل والأكثر لمعاناً من الحقيقة.

إن "المشهد" بهذا المعنى هو المرحلة التاريخية التي تنجح فيها الصورة في استعمار الحياة الاجتماعية بالكامل. هذا الاستعمار يؤدي إلى نشوء "عالم مسطح" محاصر بالوسائط البصرية، حيث يُنفي وعي الإنسان خلف جدران التمثيل الصوري. المواطن في هذا العالم لم يعد فاعلاً سياسياً يمتلك القدرة على التغيير، بل تحول إلى مستهلك للمادة السياسية المعروضة، تماماً كما يستهلك السلع التجارية. إنها عملية "تسطيح" للوعي البشري تجعل من المستحيل النفاذ إلى ما وراء الصورة لفهم المحركات الحقيقية للقوة.

تحولات القوة: من هيبة القانون إلى تصميم الحركات الجمالية

تاريخياً، كانت السلطة تُمارس عبر آليات واضحة للعيان؛ فالقوانين والمراسم الرسمية والقوة البدنية المباشرة كانت تستخدم لفرض النظام وحماية حدود الدولة. أما في العصر الراهن، فإن السلطة تحكم من خلال الإيماءات، والرموز، واللعب اللامتناهي بالتمثيلات الرقمية. لقد تحولت الحوكمة من تدبير شؤون الناس إلى ما يمكن وصفه بـ "التصميم الحركي" الجمالي الذي يهدف في المقام الأول إلى أسر الانتباه العام والسيطرة على مساحات الوعي الجمعي.

في هذا السياق، نجد أن وضع القائد العسكري أو السياسي في الصورة، وطريقة هندسة المؤتمرات الصحفية، واختيار زوايا التصوير، وترتيب السجاجيد والشعارات، أصبحت تفوق في أهميتها النتائج الفعلية للسياسات المنفذة على الأرض. إن هذا الانتقال نحو "الواقعية الأدائية" يمثل تخلياً صريحاً عن التماسك النظري للواقعية السياسية الكلاسيكية التي كانت تؤكد على الحذر، والتحليل السياقي، والدبلوماسية الهادئة. لقد استُبدل ذلك كله بأفعال مرئية صاخبة وخطاب يبسط التعقيدات العالمية بشكل مخل بالمعنى. يُعامل التعقيد اليوم كعائق أمام تدفق المشهد، ويتم تطبيع استخدام القوة العسكرية الفتاكة ليس لجدواها الاستراتيجية، بل لأنها توفر لغة بصرية واضحة ومباشرة لجمهور فقد الثقة في المؤسسات والخبرات التقليدية ويبحث عن "اليقين" في قوة الانفجار وسطوة الصورة العارية.

العنف العاري وفحش السلطة الدولية

عندما نتحدث عن "العنف العاري" في سياق القوة العالمية، فإننا نشير إلى حالة من "الرؤية الكلية" التي تلغي كل خصوصية أو ستر لصالح العرض الفج. الفحش السياسي هنا لا يعني الأخلاقيات بالمعنى الضيق، بل يعني بالمعنى الفلسفي "الانكشاف المطلق" الذي يلغي كل مسافة تأملية، ويضع حداً للتمثيل من خلال جعل كل شيء شفافاً ومطروحاً على السطح بقسوة منفرة.

عندما تصبح السلطة "فاحشة" بهذا المعنى، فإنها لا تعود تهتم بـ "مسرح القسوة" الذي كان يهدف قديماً لكشف حقائق يرفض الجمهور رؤيتها. بدلاً من ذلك، نحن أمام "مشهد مكشوف للعدم"، حيث يتميز الفعل السياسي باللاجدوى والارتهان الكامل للواقع المفرط. إن السلطة لم تعد تخفي سوءاتها، بل أصبحت تستعرض قسوتها كدليل على تمكنها، مما يخلق حالة من الذهول والانبهار الذي يشل القدرة على النقد الأخلاقي أو السياسي.

 العنف البنيوي والنزعة التلصصية في الإعلام الحديث

يُعد "عرض العنف الفج" تجلياً مرعباً لهذه الأوبسينية السياسية. فمن خلال التركيز المفرط على الجوانب الفيزيائية والرسومية للأذى (مثل صور الأشلاء، لقطات التعذيب المسربة، وبث عمليات القصف الحي)، يتم إخفاء الظروف البنيوية الأوسع للظلم والمعاناة النظامية. هذا التصوير التلصصي للمعاناة يحول فعل "الشهادة على المأساة" إلى تمرين بارد ومحايد يفرغ الاستجابة الأخلاقية من معناها الإنساني.

من خلال التركيز الحصري على الفعل الجسدي العنيف، ينجح المشهد في جعل "العنف اليومي الصامت" غير مرئي؛ فالفقر الممنهج، والجوع الناتج عن السياسات الاقتصادية، والإقصاء الاجتماعي، كلها أنواع من العنف البنيوي التي تقتل بصمت بعيداً عن صخب الكاميرات. هنا تتداخل المفاهيم مع "السلطة الحيوية"، حيث تُمارس الأنظمة المعاصرة قدرتها على التحكم في الحياة والموت عبر آليات تقنية وإدارية غير مرئية، ولكنها مميتة. تعمل مشهدية العنف كأداة تشتيت كبرى؛ فالوضوح الصارخ للفعل الحربي يمنع المشاهد من إدراك العمليات العميقة التي تنتج الهشاشة والموت ببطء في ثنايا النظام العالمي.

إنها "سياسة الموت" التي تنظم الفناء البشري حول نمط إدراك جنائزي، حيث يُختزل البشر إلى أرقام في إحصائيات أو صور عابرة في شريط الأخبار، مما يكشف عن مفارقة وجودية مريرة؛ حيث يُعامل الجسد البشري كشيء قابل للاستهلاك والممارسة الاجتماعية تماماً كأي مادة إعلانية.

الأسلحة الحقيقية في مسرح الواقع المصطنع

تؤكد مقولة "الممثلون يحملون أسلحة حقيقية" على الاندماج المرعب بين "المحاكاة" والعنف المادي الملموس. فالحروب الحديثة لم تعد نزاعات تقليدية تهدف إلى تحقيق مكاسب جغرافية فحسب، بل أصبحت أحداثاً "فائقة الواقعية". وبينما يكون التدمير المادي وفقدان الأرواح حقيقياً وموجعاً لأصحابه، فإن "الحرب" كحدث سياسي وتاريخي تُطمس معالمها تحت وطأة وجودها كبناء إعلامي مصمم سلفاً للتحكم في الرأي العام العالمي.

لقد امتدت هذه الحالة إلى الفضاء الرقمي والشبكي، حيث تُعامل "الأسلحة الفضائية والشبكية" كأدوات لعب أو تُخلط بالأسلحة التقليدية. هذه الأسلحة يمكنها أن تسبب دماراً فيزيائياً ووظيفياً هائلاً، لكنها تعمل ضمن مجال يفتقر إلى تعريفات دولية واضحة. في الصراعات الكبرى المعاصرة، يجد البشر أنفسهم يقاتلون في "حرب محاكاة مستمرة" تجري رحاها في خلاصات الأخبار وتطبيقات التواصل، مما يخلق حالة من الانفصال عن الواقع المادي للحرب وتداعياتها الإنسانية، لصالح الانغماس في الدراما الرقمية للصراع.

المسرح المغلق: ما بعد الديمقراطية وإقصاء الشعوب

يصف مجاز "المسرح المغلق" بيئة سياسية تظل فيها المؤسسات الديمقراطية (مثل مجالس النواب وصناديق الاقتراع) قائمة من حيث الشكل، ولكنها تفرغ تماماً من طاقتها الإبداعية وقدرتها الحقيقية على صنع القرار. هذه الحالة، التي يمكن تسميتها بمرحلة "ما بعد الديمقراطية"، تمثل الاندماج الكامل بين سلطة الشركات الكبرى والنخب المالية مع الأجهزة الحكومية.

في هذا النظام، تُنتج السياسة داخل دوائر نخبوية مغلقة تقوم على دورات مالية معقدة، بينما يُقدم للجمهور "واجهة استعراضية" من الانتخابات والمناظرات التي لا تغير من جوهر السياسات شيئاً. المواطن في هذا "المسرح المغلق" يلعب دوراً سلبياً بامتياز، حيث يكتفي بالاستجابة للإشارات والرسائل التي يبثها المتخصصون في فنون الإقناع والتوجيه الإعلامي. إن إقصاء الجمهور لا يتم عبر الصمت أو المنع القمعي كما في الاستبداد القديم، بل يتم عبر "التخمة المعلوماتية"؛ حيث يغرق المعنى في فيضان مستمر من الضجيج والبيانات التافهة، مما يخلق "رقابة جديدة" تجعل الحقيقة غير ذات صلة لأنها تبدو مطابقة تماماً للوهم المصطنع.

الديمقراطية المُدارة وحالة الاستثناء الدائمة

لقد تدهورت الأشكال السياسية الحديثة إلى ما يُعرف بـ "الديمقراطية المُدارة"، وهي شكل متطور من حكم القلة (الأوليغارشية) يستبدل "إرادة الشعب" بالإيمان المطلق بمديرين "كفؤين" يدعون فهم تعقيدات النظام العالمي. هؤلاء الأشخاص "الاستثنائيون" يُؤتمنون على إدارة ما يسمى بـ "حالات الاستثناء"، حيث يطغى منطق الضرورة الأمنية أو الاقتصادية على صنع القرار الديمقراطي.

يوفر الجمهور في هذه الحالة "وهم الموافقة" من خلال المشاركة في طقوس انتخابية مبرمجة، مصممة بعناية لإنتاج لحظات من الإثارة الدرامية العالية عبر وسائل الإعلام، بينما تُخفي وراءها التضاؤل المستمر لقوة الناخب وتأثيره. يخلق هذا النظام عالماً "ما بعد سياسي"، حيث لا يتم قمع البدائل للنظام القائم فحسب، بل يتم استبعاد فكرة وجود بديل أصلاً من المخيلة الجمعية. تتوقف السياسة كفعل بشري واعٍ لصنع المستقبل، وتتحول إلى آلية تقنية تحكم نفسها بنفسها بأقل قدر من التدخل البشري المباشر.

استبداد الصورة وفحش الحياة المُدارة

إن استبداد القوة في العصر الحديث مرتبط ارتباطاً عضوياً بـ "استبداد الصورة"؛ فالظهور الإعلامي هو الذي يحدد حدود ما يُعتبر حقيقياً أو موجوداً. كل فعل تتخذه الدولة أو المؤسسات الكبرى يتبع "منطق الرؤية"، حيث تُستخدم المنصات الرقمية للحفاظ على "وهم الحضور". السلطة اليوم تتصرف "كما لو أنها تحكم"، وهذا التظاهر كافٍ لاستمرارية النظام لأن المشهد يتطلب التدفق لا الجوهر.

في هذا العالم المكشوف والشفاف بقسوة، يصبح الفرد مجرد "شاشة" لامتصاص تأثيرات الشبكة العالمية. يتجاوز انتشار المعلومات والأشياء قدرة البشر على التصور أو السيطرة، مما يؤدي إلى حالة من الارتباك الشديد وتآكل القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف. والنتيجة هي مجتمع تُعتبر فيه القسوة "قوة"، ويُعد الإقصاء الجماعي برنامجاً نظامياً مقبولاً. لقد تم تطبيع القيم الحربية والعدائية لا كجنون، بل كـ "منطق سليم" تفرضه ضرورة العيش في عالم متصارع.

رفض المشهد واستعادة كرامة الواقع

إن "مسرح القوة العالمي" هو الآلية التي تحول الحياة البشرية إلى مجرد مادة صورية، مما يجعل الأصالة والصدق فعلاً ثورياً بامتياز. هذا النظام لا يستند إلى كذبة يصدقها الناس، بل إلى اتفاق جماعي غير معلن لرفض الحقيقة لصالح المصطنع المريح. "الأسلحة الحقيقية" والعرض "الفج" هما الأداتان اللتان يحافظ بهما هذا المسرح على هيمنته، مما يضمن بقاء الجمهور منخرطاً كـ "أسير طوعي" للخشبة.

لكسر هذه الحلقة المفرغة، يتطلب الأمر رفضاً فلسفياً وسياسياً جذرياً. هذا الرفض لا يوجد بالضرورة في الاحتجاجات التي يمكن للمشهد امتصاصها بسهولة وتحويلها إلى "أداء" إضافي، بل يوجد في "عدم المشاركة" الواعية: الصمت، إيقاف اللعب، وترك المشهد دون جمهور. إن الطريقة الوحيدة لتحدي استبداد الواقع المفرط هي "استعادة" أدوات الممارسة الاجتماعية من يد العرض المسرحي وإعادتها للاستخدام الحر للبشرية. وحتى يحدث هذا التحول، سيبقى العالم مسرحاً مغلقاً حيث يلوح الممثلون بأسلحة حقيقية في مسرحية الرؤية الكلية والإقصاء الشامل، بانتظار لحظة يستعيد فيها الإنسان قدرته على الرؤية وراء الستار.

***

غالب المسعودي

................................

هوامش ومرجعيات

ديبور، غي. مجتمع الاستعراض. (تحليل كلاسيكي لتحول الحياة إلى صور في ظل الرأسمالية المتأخرة).

بودريار، جان. المحاكاة والاصطناع. (دراسة مفهوم الواقع المفرط وكيف تسبق الصورة الواقع الأصلي).

فوكو، ميشيل. المراقبة والمعاقبة. (حول تحولات السلطة وآليات السيطرة على الأجساد).

كراوتش، كولين. ما بعد الديمقراطية. (حول تآكل الدور الشعبي في الأنظمة الليبرالية المعاصرة).

أغامبين، جورجيو. حالة الاستثناء. (حول تعليق القانون لصالح السلطة السيادية في الأزمات).

مبيمبي، أشيل. سياسة الموت. (حول كيفية إدارة السيادة للحق في القتل والعيش في الصراعات الحديثة).

آرنت، حنة. في العنف. (دراسة التمايز بين القوة والعنف والسلطة في الحيز العام).

باومان، زيجمونت. الحداثة السائلة. (حول تآكل الروابط الاجتماعية والثبات في عصر الاستهلاك المستمر).

 

نعيش في زمن يتسارع فيه كل شيء، وجبات أكل سريعة تدافع سريع للتقنية والمعلومات حتى وصل الأمر إلى الوجبات النفسية السريعة في قوائم تطوير الذات. يكفي أن تمرر إصبعك على شاشة هاتفك لتجد قوائم جاهزة تعدك بنسخة أفضل من نفسك: “عشر عادات للشخص المتوازن”، “سبع خطوات للثقة بالنفس”، “افعل ولا تفعل”. نقرأ ونفهم ونشعر بشيء يشبه الارتقاء اللحظي، ثم نعود بعد أيام إلى أنماطنا القديمة وكأن شيئًا لم يحدث. هنا تظهر مشكلة لا تتعلق بالقوائم بحد ذاتها، وإنما بطريقة فهمنا لطبيعة الوعي والتغيير.

المشكلة الأساسية هي افتراض ضمني أن الإنسان يتغير كما يتغير جهاز الكمبيوتر حيث تُدخل له معلومات صحيحة، فيُنتج سلوكًا صحيحًا. ولكن هذا لا يحدث في حالة الإنسان. فالمعرفة ليست دائمًا قوة، هي قوة عندما تستخدمها فقط. وما عدا ذلك، ربما تكون مجرد وهم بالقوة. إن فهم مبدأ لا يعني القدرة على تطبيقه تحت الضغط. هناك فرق جوهري بين أن تعرف شيئًا، وأن تكون قادرًا على تطبيقه والعيش وفقه.

العقل البشري يعمل كمنظومة متداخلة من التجارب والانفعالات والتوقعات. ويمكن تشبيه هذه المنظومة بالعجين الذي يتشكل عبر سنوات طويلة من المخاوف القديمة والخبرات المؤلمة ولحظات النجاح وأنماط تفسير العالم. وبعد هذا الامتزاج العميق، كما أننا لا نستطيع أن نقول هنا طحين وهنا ماء داخل العجين، لا نستطيع أيضًا أن نفصل في العقل بين ما هو تفكير وما هو شعور وكأن كل واحد منهما عنصر مستقل. فكل ما يصدر عن الإنسان يكون مزيجًا متداخلًا من الاثنين معًا، حتى في أكثر لحظاتنا التي نظنها عقلانية. لذلك، ما نسميه تفكيرًا عقلانيًا يكون في كثير من الأحيان مشبعًا ببنية عاطفية عميقة تعمل في الخلفية دون أن ننتبه إليها.

من هنا، تصبح قوائم تطوير الذات أدوات محدودة الوظيفة. هي تعمل في أفضل حالاتها كوسيلة تذكير أو توجيه. فائدتها تظهر لدى من يمتلك أصلًا بنية داخلية قريبة من تلك السلوكيات؛ أي أنها تصف ما هو موجود أكثر مما تصنع ما هو مفقود. أما تحويل السلوك بشكل مستقر، فهو يتطلب تدخلًا أعمق من مجرد التذكير. وهذا ما دعانا إلى كتابة هذا المقال.

 ذلك لا يعني أن القوائم بلا قيمة. ففي بعض الحالات، يمكن للسلوك أن يسبق الإدراك، ويحقق التغيير المطلوب وهي فكرة معروفة في العلاج المعرفي السلوكي، حيث يُستخدم التكرار المقصود للسلوك لإحداث تعديل تدريجي في البنية الداخلية. غير أن نجاح هذا المسار مشروط بعوامل محددة: الاستمرارية، الارتباط العاطفي، والسياق الذي يُمارس فيه السلوك. بدون هذه الشروط، يتحول التطبيق إلى أداء شكلي سرعان ما ينهار عند أول اختبار حقيقي.

إذًا، الإشكال ليس في القوائم، بل في المبالغة في تقدير قدرتها. حين نتعامل معها كأدوات تحويل جذري، نقع في وهم معرفي: نخلط بين إدراك الفكرة وامتلاكها. أما حين نراها كبوصلة تشير إلى اتجاه مرغوب، فإنها تستعيد قيمتها الحقيقية.

حين ننتقل من السلوك إلى التطبيق، يتغير السؤال من ماذا أفعل؟ إلى كيف أرى؟، وهنا تبدأ المسافة الحقيقية بين القوائم والتغيير الفعلي. فالسلوك االمطلوب هو المحطة الأخيرة لسلسلة طويلة من العمليات الداخلية التي تعمل بصمت، وتعيد إنتاج نفسها مع كل موقف مشابه. يمكن وصف هذه السلسلة بأنها عدسة إدراكية تتكون من تراكمات الذاكرة والانفعال والتوقع، وهي التي تحدد زاوية التقاطنا للواقع قبل أن نقرر كيف نتصرف حياله. وعندما تكون هذه العدسة مشبعة بإحساس خفي بالتهديد أو المقارنة أو النقص، فإن أي سلوك يُبنى فوقها يحمل هذا الأثر، حتى وإن بدا متزنًا في شكله الخارجي.

في هذا المستوى يصبح الحديث عن الجذور والثمار أكثر وضوحًا. فمحاولة تغيير السلوك دون فهم الطريقة التي يتشكل بها تشبه محاولة تعديل نتيجة دون النظر إلى السبب الذي أنتجها. ومع مرور الوقت يظهر فرق بين ما نحاول أن نظهره للآخرين وما نشعر به في الداخل، ويزداد هذا الفرق في لحظات الضغط، حيث تعود ردود الفعل القديمة للظهور بشكل تلقائي. لذلك، يبقى الحديث عن تطوير الذات غير مكتمل إذا لم يتجه إلى طريقة فهمنا للأحداث، وكيف نعطي معنى لما يحدث لنا.

 هذا يقودنا إلى إعادة فهم السلوك لا إلى إنكار دوره ضمن منظومة أوسع. فالتكرار يمكن أن يترك أثرًا مرغوبًا، خاصة حين يكون مصحوبًا بانتباه صادق وتجربة شعورية وعاطفية حاضرة، وعندها يتحول الفعل من محاولة تطبيق خارجي إلى عملية إعادة ترميز تدريجية، حيث تبدأ العدسة نفسها في التحول ببطء.   وهي عملية تحتاج زمنًا كافيًا يسمح بإعادة ترتيب العلاقات الداخلية دون استعجال النتائج.

التغيير الحقيقي، أو ما أسميه تنظيف العدسة الإدراكية، يبدأ من معالجة توزيع الضوء داخلنا. عندما نفهم لماذا نشعر بالتهديد من تميز الآخرين، يبدأ العجين النفسي في التحلل وإعادة التشكل من جديد. إن مدح الآخرين، إضافة إلى كونه مهارة اجتماعية، هو أيضًا فيض طبيعي يحدث عندما يستوعب العقل فكرة الوفرة؛ أي عندما يدرك أن ضوء الآخرين لا ينقص من ضوئك شيئًا، بل يضيف إلى العالم مزيدًا من الإنارة.

ضمن هذا الفهم، تستعيد قوائم تطوير الذات مكانها الواقعي كإشارات اتجاه، تذكّر بما يمكن أن يكون عليه السلوك عندما تنضبط الرؤية الداخلية، وتفتح باب المراجعة دون أن تدّعي القدرة على إعادة البناء.

الاتزان النفسي لا يأتي من إضافة سلوكيات جديدة، بل من تغيير الطريقة التي يتشكل بها السلوك من الداخل. وعندما يحدث هذا التغيير، تبدأ الصفات الجيدة بالظهور بشكل طبيعي ودون جهد كبير، بدل أن تكون مجرد محاولة لإظهار صورة معينة أمام الآخرين.

***

الكاتب: نبيل عيدو

المفكر والمثقف يبدوان للوهلة الأولى متشابهين، لكن بينهما فروق في الوظيفة وطريقة التعامل مع المعرفة والواقع. المفكر، حسب اعتقادي، هو ذلك الرجل الذي يتمتع بمواهب لا تنكر، وطلاقة فلسفية حقيقية، بحيث يفرض على الجميع أن يكون أحد الأسماء المهمة واللامعة في فكرنا المعاصر، وأن يسهم بقسط وافر في بناء هذا الصرح، بحيث تكون اللبنات الفكرية التي يضعها بمثابة الأساس الذي يبني عليه الكثيرون، وألا يكون مجرد مفكر يدعي أنه نذر حياته للبحث عن الحكمة متذرعًا بمبادئ الحق والخير والجمال، بل لا بد أن يكون إنسانًا في تفلسفه، وفيلسوفًا في إنسانيته.

 علاوة على ذلك، فإن المفكر في نظري يجب أن يتمتع بصفات أخرى، منها: أن يكون مغامرًا لا يحده خوف، ومناضلًا لا تتعبه خيبة، ومقاومًا لا تكسره شراسة الأيام، وأن يخوض بمفرده أشرس المعارك الفكرية، وأن يتحمل ما يكفي من معاناة أزهرت فيما بعد كتبًا لم تكن في الحسبان، بحيث يكون سلاحه الاحتراف والاشتغال على الذات، وأن يكون صاحب فكر متقد انتهج النقد سبيلًا، والتجديد أسلوبًا، والكشف عن المنسي هدفًا، وألا يرضى بالبكاء على الأطلال، ولا التغني بنهضة سبقت، إنما يسن قلمه وينهض بنفسه في حراك لا يهدأ، سفرًا وبحثًا وإنتاجًا، وأن تكون له حركة هادرة لا تعرف الراحة، وأن تكون لديه القدرة على الدوران في المعنى، والاستنطاق المستدام الذي لا يعرف السكون، وأن يكون جيشًا من الفاعلين، وأن يكون مبدعًا في أكثر من مجال، وكأنه مركز أبحاث أو خلية نحل.

  بينما نجد المثقف يتميز بعدة ميزات من أهمها :

1- المثقف شخص يكوّن عبر سنوات عمره مخزونًا معلوماتيًا يحوي بيانات ومعلومات وأفكار المفكرين والمتخصصين والفلاسفة وغيرهم. فهو شخص يحمل العلم، لكنه لا يصنعه أو يصوغه أو يخلقه أو يبدعه.

2- المثقف وسيط بين المعرفة والمجتمع، يقرأ ويطلع على الفلسفة والأدب والتاريخ والعلوم الاجتماعية، ثم يعيد صياغة هذه المعارف في شكل خطاب موجه إلى الجمهور، مثل المقالات والمحاضرات والدروس المميزة والبرامج الإعلامية والمحاضرات الثقافية وغيرها.

3- المثقف ينشر الوعي ويدخل الأفكار في الفضاء العام، ويحول النقاش النظري إلى قضية رأي عام. قد يكون المثقف مبدعًا في أسلوبه ومناقضًا للواقع، لكنه غالبًا ما يعتمد على رصيد فكري أنتجه آخرون، ثم يعيده في ثوب سياق اجتماعي محدد.

مع ذلك، فالعلاقة بين المثقف والمفكر ليست علاقة قطيعة تامة. في أحسن الأحوال يتداخل الدوران، وذلك حين يخرج المثقف من برجه النظري ليخاطب المجتمع، ويكون المثقف مفكرًا عندما يتجاوز مجرد التعليق على الأحداث إلى إنتاج أسئلة جديدة وهدم بنى فكرية راسخة. لكن التمييز بين المفهومين يبقى مهمًا لكي نفهم أن امتلاك رصيد معرفي واسع، أو الظهور في الإعلام، لا يعني بالضرورة أن صاحبه مفكر، وأن العمل الفكري لا يقاس بعدد المتابعين، بل بقدرة الفكرة على إعادة تشكيل طريقة فهمنا للعالم.

   في اعتقادي أن عبد الجبار الرفاعي (مع حفظ الألقاب) مفكر من طراز فريد، ووريثًا لسلسلة من المفكرين العراقيين النوابغ، أمثال: هبة الدين الشهرستاني، ومحمد رضا المظفر، ومحمد باقر الصدر، وغيرهم من الذين آثروا الخروج بفكرهم واجتهاداتهم عن الخط التقليدي الذي يغلب في خطابه العقلي الفلسفي على النقل. وذلك من حيث مناشدته في كل كتاباته التي كتبها لفكرة التغير الجذري الرامية إلى إحداث خلخلة الثوابت الجامدة، وزعزعة الأفكار السائدة، وتأسيس نوع من الانقطاع الإبستمولوجي بين المعارف القديمة من جانب، والمعارف الجديدة من جانب آخر، مستهلًا الجديد الجذري الذي يطرح سؤال المستقبل بقوة على الفكر، نفيًا لتقاليد الأتباع، وتأسيسًا لقيم الابتداع.

    لقد كان عبد الجبار الرفاعي بارعًا في ذلك، سيما أنه نجح في تقديم أعسر الأفكار على الهضم العقلي للقارئ العربي في عبارات أدبية مشرقة، وفكَّ أصعب مسائل قضايا العقيدة، وجعلها في متناول قارئ الصحيفة اليومية. واستطاع بكتاباته أن يخرج علم الكلام الجديد من بطون الكتب وأروقة المعاهد والجامعات، ليؤدي دوره في حياتنا الفكرية المعاصرة، وذلك من خلال سعيه إلى تقديم قراءة تأويلية إنسانية للنصوص، بعيدة عن التوظيف الأيديولوجي والسياسي، تهدف إلى استعادة البعد الروحي والأخلاقي والجمالي للدين، وذلك ضمن تجربة ورؤية واعية ومركبة، ومسلحة بمعرفة تراثية وعصرية، تكره الخضوع لآليات المناهج الفلسفية والمنطقية التي لا تفصل بين الديني والدنيوي، أو بين المقدس والمدنس.

لذلك تميز المشروع العقدي عند عبد الجبار الرفاعي، كما قال كاظم عبد النبي لعيبي وعلي عبد الهادي المرهج، برؤية نقدية تتناول جذور الأزمات الفكرية التي أنتجت خطاب العنف، مع تأكيده على ضرورة تجديد آليات التفكير الديني لتكون أكثر انسجامًا مع المتغيرات الحضارية والإنسانية.كما يعد من الأصوات القليلة التي سعت إلى تفكيك العلاقة بين الدين والأيديولوجيا، محذرًا من مخاطر التوظيف السياسي للنصوص في إذكاء الصراعات. ويبرز في فكره اهتمام خاص بالبعد الإنساني للدين، إذ يرى أن الأديان جاءت في جوهرها لترسيخ قيم الرحمة والعدل وصون كرامة الإنسان. ومن هنا تكتسب دراسة مشروعه أهمية خاصة في ظل التحديات الراهنة التي تواجه المجتمعات العربية والإسلامية في التصدي للفكر المتطرف.

   عبد الجبار الرفاعي مفكر وفيلسوف عراقي معاصر، ولد عام 1954 في محافظة ذي قار بجنوب العراق. يُعنى بقضايا تجديد علم الكلام والفكر الديني، ويُعرف بدعوته إلى أنسنة الدين وتطوير الفكر الديني ليكون أكثر انفتاحًا على قيم الرحمة والحرية والعقلانية. نشأ في بيئة دينية ريفية، ودرس العلوم الدينية في الحوزة العلمية والجامعات، وله مؤلفات عديدة في الفكر الديني وفلسفة الدين.

والسؤال الآن: ما مبرراتي وإصراري على جعل عبد الجبار الرفاعي مفكرًا من الطراز الأول؟

أعتقد أن ذلك يعود إلى عدة أسباب، من أهمها:

أولا: أن عبد الجبار الرفاعي من المفكرين الذين جعلوا من إنتاج الأفكار مهمتهم الأولى، وذلك حين انطلق في مشروعه في فلسفة الدين بأجزائه المتعددة من أسئلة كبرى حول الإنسان والمجتمع والمعنى، ويشتغل على بناء مفاهيم جديدة أو تفكيك مفاهيم سائدة، مستخدمًا أدوات الفلسفة والنقد والتحليل المنهجي.

ثانيًا: أن ما يميز عبد الجبار الرفاعي أنه لا يكتفي بنقل المعرفة أو تلخيصها، بل يحاول إعادة بناء الإطار النظري نفسه، حيث يبتكر ويشكك ويعيد الصياغة ويقترح رؤى بديلة. لذلك كثيرًا ما نجده في صراع مع السائد واللغة اليومية، ومع البنى الراسخة في الثقافة والدين والسياسة.

ثالثًا: أن عبد الجبار الرفاعي منتج للمعنى، وليس ناقلًا ومنظمًا ومفسرًا له؛ لذلك فهو يهتم بالبنية العميقة للفكرة والأسئلة الأولى مثل: ما الحرية؟ وما الحقيقة؟ وما العدالة؟ ما الدين؟ ما الإنسان؟ وغيرها. لم يهتم بترجمة هذه الأسئلة إلى مواقف وممارسات، مثل: كيف ندافع عن الحرية في هذا البلد، أو كيف نصلح التعليم، أو كيف نواجه الاستبداد والفساد.

رابعًا: أن عبد الجبار الرفاعي غالبًا ما يظهر في كتاباته ومقالاته على المستوى النظري التجريدي، لا العمومي العملي؛ لذلك كثيرًا ما أجد لديه حديثًا عن علاقة بالسلطة والجمهور. الرفاعي غالبًا ما يكون معزولًا، يعمل في صمت، ويكتب نصوصًا قد يصعب على الجمهور الواسع قراءتها، لأنها تفكك المسلمات، وتستعمل لغة مفهومية دقيقة.

خامسًا: إن عبد الجبار الرفاعي يصر دائمًا على أن يجعل دوره كمفكر متصلًا بحركة الحياة، وهداية المجتمع، وتغيير الإنسان وإنضاجه أو تحسين حاله. وفي الوقت نفسه، أراه يتقمص وظيفة المثقف والعالم، الرامية إلى إدارة الحياة، ودفع المجتمع إلى التقدم، وتحصيل القوة والمنفعة والرفاهية، وتحسين أوضاع الإنسان.

سادسًا: أن وظيفة المفكر تتصل بحركة الحياة، وكأن عبد الجبار الرفاعي كان مصرًا على تأكيد قول علي شريعتي في كتابه "العودة إلى الذات" (2006)، بأن السمة البارزة فيه هي معرفة مجتمعه معرفة حقيقية ومباشرة، ويحسن التفاهم مع قومه، ويتقن معرفة عصره، ويعيش الإحساس بآلام العصر، ويدرك في أي مرحلة من التاريخ يعيش مجتمعه، ويكون واعيًا بزمانه الاجتماعي.

سابعًا: إن أهم ما يميز فكر عبد الجبار الرفاعي أيضًا هو ما أسماه علي حرب في كتابه "أوهام النخبة أو نقد المثقف" (1996م) بـ"جبهة الممتنع"، ويقصد به ما يتصل بعالم الفكر والتفكير. لذلك يهتم الرفاعي بتفكيك العوائق الذاتية للفكر، كما تتمثل في عادات الذهن، وقوالب الفهم، وأنظمة المعرفة، وآليات الخطاب، وكأنه في النهاية مفكر صانع أفكار، أو مبتكر مفاهيم، أو خالق بيئات مفهومية. لذلك لم أكن مبالغًا حين نعتُه بأنه: "نحّات المفاهيم الجديدة".

ثامنًا: من الأمور التي جعلتني أصف عبد الجبار الرفاعي بأنه مفكر من الطراز الأول نقدُه لأدلجة الدين، من خلال قضية ترحيل الدين من مجاله الأنطولوجي العميق إلى سياقات وظيفية ضيقة يُستلب فيها ويُسخَّر لخدمة أهداف محدودة، ما يميت رحمانيته ورحابته الأنطولوجية، ويجعله أكثر عنفًا وانغلاقًا ونبذًا للآخر. ومن هنا جاء نقده لـ علي شريعتي تحت عنوان: "المثقف الرسولي علي شريعتي: ترحيل الدين من الأنطولوجيا إلى الأيديولوجيا". ونفس الشيء يُقال عن حسن حنفي حين اختزل الدين في الأيديولوجيا.

تاسعًا: كذلك لا ننسى براعة عبد الجبار الرفاعي في تأسيس فهمه للدين على: إعادة تعريف الإنسان، وإعادة تعريف الدين، وإعادة تعريف الوحي والنبوة، وإعادة قراءة نصوصه في أفق العصر، وإعادة تحديد وظيفته في الحياة، والكشف عما يمكن أن يقدمه الدين للإنسان من احتياجات روحية وأخلاقية وجمالية، وما يترقبه الإنسان من عواطف ورفق، وما يمنحه للروح من سكينة، وللقلب من طمأنينة. في ضوء ذلك يعيد الرفاعي تعريفه الخاص للدين، بوصفه شفقة ورحمة تمنحها الأديان للحياة، فيراه في كتاباته: "حياة في أفق المعنى" استجابة لحاجة الإنسان إلى المعنى.

عاشرًا: وأخيرًا وليس آخرًا، أرفع القبعة لـ عبد الجبار الرفاعي في جمال دعوته نحو تعريف منظور حداثي للدين، حيث انتقل فيه الرفاعي من كون الدين منظومة مغلقة من الأحكام والطقوس إلى كونه تجربة وجودية مفتوحة تستجيب لحاجات الإنسان في أبعاده العميقة. فحين يعرف الدين بأنه "حياة في أفق المعنى"، فهو يعيد ربطه بالأسئلة الكبرى للوجود، ويخرجه من أسر الصراعات الأيديولوجية أو التفسيرات الجامدة إلى فضاء أرحب يلتقي فيه الروحي مع الجمالي والخلقي مع الإنسان... وللحديث بقية..

***

أ. د. محمود محمد علي

مفكر مصري

القبيلة إطار اجتماعي، والدولة إطار سياسي. عبارة تبدو في ظاهرها توصيفا بسيطا، لكنها في العمق تكشف عن بنية مأزومة، حيث تختلط الحدود بين ما هو تقليدي وما هو حديث، بين ما يفترض أنه مجال للانتماء الثقافي، وما يفترض أنه مجال لتنظيم السلطة. في المجتمعات المستقرة، يظل هذا الفصل واضحا نسبيا: القبيلة تحتفظ بوظيفتها الرمزية والاجتماعية، بينما تحتكر الدولة المجال السياسي والقانوني. أما في المجتمعات التي تعاني من هشاشة بنيوية، فإن هذا الفصل يتآكل تدريجيا، حتى يصل إلى مرحلة التداخل الكامل، حيث لا تعود القبيلة مجرد إطار اجتماعي، ولا الدولة مجرد إطار سياسي، بل يتحول كل منهما إلى امتداد مشوه للآخر.

الأزمة السياسية التي تتصاعد وتزداد تعقيدا ليست مجرد نتيجة لصراع على السلطة، بل هي انعكاس لفشل عميق في تعريف من يملك الحق في إدارة الشأن العام، وبأي أدوات، وعلى أي أساس. حين تكون مساهمة أطراف الصراع في إدارة الملف السياسي محدودة أو معدومة، فإن ذلك لا يعني غياب الفعل السياسي، بل يعني احتكاره من قبل قوى ضيقة، غالبا ما تستند إلى الولاءات الأولية، وفي مقدمتها القبيلة. وهنا تبدأ السياسة في الانحدار من فضاء التفاوض العقلاني إلى فضاء الاصطفاف الهوياتي، حيث لا تحسم القضايا وفق منطق المصلحة العامة، بل وفق ميزان القوة والانتماء.

تتحول القبيلة من بنية اجتماعية إلى فاعل سياسي مركزي. لم تعد مجرد إطار يوفر الحماية المعنوية أو التكافل الاجتماعي، بل أصبحت أداة تعبئة، ومنصة للشرعية، وقناة للوصول إلى الموارد والسلطة. ومع هذا التحول، يعاد تعريف مفاهيم أساسية مثل الحق والتمثيل والعدالة. فالحق لم يعد مرتبطا بالمواطنة، بل بالانتماء؛ والتمثيل لم يعد قائما على البرامج أو الكفاءة، بل على القدرة على حشد الجماعة؛ أما العدالة، فتفقد طابعها المؤسسي لتتحول إلى تسوية عرفية تدار داخل حدود القبيلة أو بين القبائل.

الدولة، في المقابل، لا تختفي، لكنها تفقد مضمونها. تبقى مؤسساتها قائمة شكليا، وتستمر القوانين في الوجود كنصوص، لكن الفاعلية الحقيقية تنتقل إلى خارجها. يصبح القانون انتقائيا، يطبق حين يخدم موازين القوة، ويعطل حين يتعارض معها. وتتحول المؤسسات إلى واجهات، تستخدم لإضفاء شرعية شكلية على قرارات تتخذ في أماكن أخرى، غالبا خارج الإطار الرسمي. هكذا، تتحول الدولة إلى كيان هجين: لا هي دولة قانون حقيقية، ولا هي بنية تقليدية خالصة، بل مساحة رمادية يسودها الالتباس.

هذا الوضع لا ينشأ من فراغ، بل من تاريخ طويل من الإخفاقات. فالدولة، منذ نشأتها، قد تكون فشلت في بناء عقد اجتماعي جامع، أو في تحقيق حد أدنى من العدالة في توزيع الموارد، أو في خلق شعور عام بالانتماء الوطني يتجاوز الانتماءات الضيقة. وفي غياب هذه الشروط، لم يجد الأفراد سببا كافيا للثقة في الدولة، فعادوا إلى ما هو أقرب وأكثر موثوقية: القبيلة. لكن هذا الرجوع ليس بريئا، لأنه لا يتم في فراغ، بل في سياق صراع على السلطة، مما يجعل القبيلة نفسها عرضة للتسييس، وبالتالي للتشويه. المفارقة أن هذا التداخل بين القبيلة والدولة لا ينظر إليه دائما بوصفه أزمة، بل يعاد إنتاجه وتبريره. تستخدم مفاهيم مثل الخصوصية الثقافية أو الواقع الاجتماعي لتبرير استمرار الهيمنة القبلية على المجال السياسي. لكن هذه التبريرات تتجاهل أن ما يحدث ليس مجرد تعبير عن الثقافة، بل هو توظيف سياسي لهذه الثقافة. فالقبيلة، في حد ذاتها، ليست مشكلة؛ المشكلة تكمن في تحويلها إلى أداة للسلطة، وفي استخدامها كبديل عن مؤسسات يفترض أن تكون أكثر شمولا وحيادا.

النخب السياسية تلعب دورا محوريا في تكريس هذا الوضع. بدل أن تعمل على بناء دولة تتجاوز الانقسامات، فإنها غالبا ما تستثمر فيها. تعتمد على القبيلة كقاعدة دعم، وتعيد إنتاج خطاب يعزز الانتماءات الضيقة، لأنها تدرك أن بقاءها في السلطة مرتبط بقدرتها على التحكم في هذه الشبكات. وهكذا، تتحول النخبة من فاعل إصلاحي محتمل إلى جزء من المشكلة، بل إلى أحد أهم أسباب استمرارها. هذا التواطؤ بين النخبة والبنية القبلية يخلق حلقة مفرغة يصعب كسرها. فكلما ضعفت الدولة، ازدادت قوة القبيلة؛ وكلما ازدادت قوة القبيلة، تراجعت فرص بناء دولة قوية. وفي ظل هذا التوازن المختل، يصبح أي مشروع إصلاحي مهددا بالفشل، لأنه يصطدم ببنية مصالح متجذرة، لا ترى في الإصلاح إلا تهديدا مباشرا لنفوذها. أن هذا الوضع يعيد تعريف الصراع نفسه. لم يعد صراعا سياسيا يمكن حله عبر التفاوض أو التسوية، بل يتحول إلى صراع هوياتي، حيث تختزل القضايا في ثنائيات حادة: نحن مقابل هم. وفي هذا النوع من الصراعات، تصبح التسويات أكثر صعوبة، لأن التنازل لا ينظر إليه كخيار سياسي، بل كخيانة للانتماء. وهنا، تدخل المجتمعات في دوامة من العنف الرمزي والمادي، يصعب الخروج منها.

كما أن سيطرة المنطق القبلي على المجال السياسي تؤدي إلى تشويه الاقتصاد نفسه. فبدل أن توزع الموارد وفق معايير الكفاءة أو الحاجة، يتم توزيعها وفق اعتبارات الولاء والانتماء. تتحول الوظائف العامة إلى أدوات للمحاصصة، وتستخدم المشاريع التنموية كوسائل لكسب الدعم، لا كخطط لتحقيق التنمية. وفي ظل هذا الوضع، تتآكل الثقة في المؤسسات، ويصبح الفساد ليس استثناء، بل قاعدة. لكن، رغم هذا التشخيص القاتم، فإن الحل لا يكمن في إعلان حرب على القبيلة، ولا في محاولة اقتلاعها من جذورها. القبيلة، في نهاية المطاف، جزء من النسيج الاجتماعي، ولها وظائف لا يمكن إنكارها، خاصة في مجتمعات تعاني من ضعف الدولة. المطلوب ليس إلغاءها، بل تحييدها سياسيا، وإعادة وضعها في إطارها الطبيعي كحامل للهوية والثقافة، لا كأداة للسلطة.

تحقيق ذلك يتطلب إعادة بناء الدولة من الأساس، ليس فقط كمؤسسات، بل كفكرة. يجب أن تقوم على عقد اجتماعي جديد، يضمن المساواة أمام القانون، ويوفر حدا أدنى من العدالة في توزيع الموارد، ويخلق شعورا حقيقيا بالانتماء. كما يتطلب إصلاح النظام السياسي بحيث يتيح مشاركة فعلية لمختلف الأطراف، بدل إقصائها أو تهميشها، لأن الإقصاء هو أحد أهم الأسباب التي تدفع الجماعات إلى الاحتماء بالقبيلة. إلى جانب ذلك، لا بد من إعادة تعريف دور النخبة. يجب أن تتحول من وسيط قبلي إلى فاعل وطني، من مستثمر في الانقسام إلى منتج للتوافق. وهذا لن يحدث بسهولة، لأنه يتطلب تغييرا في بنية الحوافز نفسها، بحيث يصبح البقاء في السلطة مرتبطا بالأداء، لا بالولاء.كما أن المجتمع نفسه له دور لا يقل أهمية. فالتغيير لا يمكن أن يفرض من الأعلى فقط، بل يحتاج إلى تحول في الوعي، إلى إدراك أن الاعتماد على القبيلة كبديل للدولة هو حل قصير المدى، يحمل في داخله بذور أزمات مستقبلية أكبر. هذا الوعي يمكن أن يتشكل عبر التعليم، والإعلام، والنقاش العام، لكنه يحتاج أيضا إلى نماذج ناجحة تثبت أن الدولة يمكن أن تكون بديلا حقيقيا.

الأزمة ليست في وجود القبيلة، ولا في فكرة الدولة بحد ذاتها، بل في العلاقة المختلة بينهما. حين تفشل الدولة في أن تكون إطارا جامعا، تتقدم القبيلة لملء الفراغ؛ وحين تسيّس القبيلة، تفقد الدولة قدرتها على الاستقلال. وبين هذا وذاك، تضيع السياسة، ويتحول الصراع إلى معركة مفتوحة بلا أفق.إعادة التوازن بين الإطارين ليست مهمة تقنية، بل مشروع تاريخي معقد، يتطلب إرادة سياسية، ووعيا مجتمعيا، وصبرا طويلا. لكنه، رغم صعوبته، يظل الخيار الوحيد للخروج من الدائرة المغلقة، وبناء دولة لا تكون مجرد اسم، بل حقيقة قادرة على احتواء الجميع، دون أن تلغي أحدا، ودون أن تختزل في جماعة أو قبيلة.

***

زكريا نمر

 

في عالم يستهلك المعرفة بسرعة، ويقدس المظهر اكثر من الجوهر، اصبح من السهل تمييز المثقف الحقيقي عن مثقف المظاهر. فالمجتمع اليوم يخلط بين من يمتلك شهادات، او كتب، او حضور اعلامي، وبين من يمتلك القدرة على التفكير النقدي واثارة الاسئلة التي تحرك الفكر. كثير من الذين يسمون بالمثقفين يعيشون في فقاعة ظاهرية، يكررون الافكار الجاهزة، ويكرسون الوقت للجدل العقيم بدل مساءلة الواقع. ويظهر الفرق الجوهري المثقف الحقيقي هو من يصنع الاسئلة، بينما المثقف المزيف يكتفي بتكرار الاجوبة الجاهزة.

صناعة السؤال ليست مجرد مهارة ذهنية، بل موقف وجداني وفكري. انها شجاعة مزدوجة: شجاعة تجاه الذات، للاعتراف بالجهل والتواضع امام المجهول، وشجاعة تجاه المجتمع، لمواجهة المألوف وكسر الثوابت الاجتماعية والفكرية. المثقف الحقيقي يعرف ان السؤال احيانا اقوى من الجواب، لان الجواب يقف عند حدود المعرفة، بينما السؤال يفتح افقا جديدا للتفكير، يهدد الثوابت، ويحرر الفكر من القيود المفروضة عليه. المثقف المزيف غالبا ما يظهر في وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، يكرر شعارات جاهزة عن الحرية والعلم والفكر، لكنه يتجنب مواجهة الواقع الحقيقي. يتحدث عن العدالة لكنه يخاف مساءلة السلطة، يتحدث عن التغيير لكنه يخاف التحدي. دوره يقتصر على نقل الاسئلة القديمة والاجوبة المتكررة، بينما العالم يتغير من حوله، وتتسرب الفرص للتفكير الحر من بين يديه.

المثقف الحقيقي لا يكتفي بالاسئلة التقليدية، بل يخلق اسئلة جديدة، يزعج بها المجتمع، ويكشف التناقضات التي يفضل الناس تجاهلها. يسأل لماذا يستمر التعليم في تكريس افكار قديمة، لماذا السياسة تدور في حلقة مفرغة، ولماذا يقبل المجتمع بقيود على الفكر وكأنها قوانين طبيعية. السؤال بالنسبة له ليس تمرينا عقليا، بل اداة للمواجهة، وللتغيير، ولتحريك الفكر من الجمود. صناعة السؤال ايضا تعني مواجهة المخاطر. كل سؤال جريء قد يزعج جماعة، قد يحرج السلطة، وقد يفضح المظاهر الزائفة للمجتمع. المثقف الحقيقي يختار الطريق الصعب، ويستمر في طرح اسئلته رغم كل التهديدات، لان الصمت او تكرار الاجوبة الجاهزة هو الموت الحقيقي للفكر. بينما المثقف المزيف يبحث عن الامان الاجتماعي، ويتجنب اي سؤال قد يجرح صورته او مكانته.

اليوم، كثير من المثقفين الزائفين يروجون لفكر سطحي، يتحدثون عن حقوق الانسان والحرية والعلم، لكنهم لا يجرؤون على طرح اسئلة عن الفساد، التمييز الاجتماعي، او دورهم في مواجهة القهر. اسئلتهم دائما مأمونة، اسئلتهم تخدم الشهرة اكثر من الحقيقة. اما المثقف الحقيقي، فكل سؤال يطرحه يهدف الى كشف الحقيقة، دفع المجتمع للتفكير النقدي، واحداث اثر مستدام.

المثقف الحقيقي هو من يترك اثر طويل المدى. اسئلته لا تختفي مع رحيله، بل تستمر في ايقاظ العقول، تحفيز النقاشات، واجبار الاخرين على البحث والمساءلة. السؤال بالنسبة له اداة للحرية، للفكر، وللتحرر من القيود الفكرية والاجتماعية. في النهاية، المثقف الحقيقي ليس من يعرف كل شيء، ولا من يمتلك اجوبة لكل استفسار، بل من يجرؤ على طرح اسئلة لم يجرؤ احد على طرحها، ويستمر في ذلك رغم كل الصعاب، لان تقدم الفكر يعتمد على الجرأة في السؤال والمثابرة في البحث.

***

زكريا نمر

 

اطَّلعت هذه الأيام على كتابين، يقدم كل منهما رؤية خاصة لتاريخ الاقتصاد، ومن ثم نظرية اقتصادية متمايزة عن الآخر. الكتاب الأول «مقالة في طبيعة علم الاقتصاد وأهميته» أصدره ليونيل روبنز في 1932، وكرَّسه للبرهنة على أن موضوع الاقتصاد هو سلوك الأفراد حين يواجهون محدودية الموارد التي يحتاجون إليها لتحقيق غاياتهم. كمثال: تحتاج للطعام كي تبقى على قيد الحياة. توفير الطعام يتطلب المال لشرائه أو العمل لإنتاجه. وكلاهما (المال والعمل) كميته محدودة. أما حين تتوفر الموارد/ الوسائل بما يغطي الحاجة، فلا موضوع للاقتصاد. طالع مثلاً الماء والهواء: الماء متوفر لكنه محدود، فكلما صرفت شيئاً توجَّب أن تدفع ثمنه، مما يدفعك للاقتصاد فيه؛ خصوصاً لو كنت تريد استعمال المال لغايات أخرى، كالسفر أو العلاج أو غيرهما. أما الهواء فمتاح مجاناً وبكميات لا متناهية، لذا نستطيع استهلاكه قدر ما نشاء.

ندرة الموارد تملي على الإنسان أن يختار بين الغايات المختلفة، كي ينفق أقل قدر من موارده، لتحصيل أكبر قدر من غاياته. وتطابق هذه الرؤية نظرية مشهورة، هي نظرية «الاختيار العقلاني». وخلاصتها أن الإنسان –بطبعه– يسعى لزيادة مكاسبه في أي معاملة. جوهر العقلانية أن تسعى للاستفادة القصوى من تبادلاتك مع الآخرين، وليس تقبُّل الخسارة.

أثارت رؤية روبنز جدلاً كثيراً في وقتها. ثم ترسخت بمرور الزمان كأساس لمبدأ السوق الحرة، أو السوق الذاتية التنظيم، الذي تقوم على أرضيته معظم اقتصادات العالم المعاصر.

أما الكتاب الثاني فهو «التحول الكبير: الأصول السياسية والاقتصادية لزمننا المعاصر» للمفكر النمساوي- المجري كارل بولانيي (1886- 1964). ومساره معاكس تماماً للكتاب السابق. ولهذا اعتبره باحثون كثيرون أهم المقاربات النقدية لاقتصاد السوق ومنطلقاته الفلسفية.

كان روبنز قد افترض أن مشكلة الندرة جزء من طبيعة الحياة، وليست مسألة عارضة ولا مؤقتة، ولا حل لها غير تبادل الموارد بين من يحتاج ومن لا يحتاج، أو الاختيار بين الغايات بأخذ بعضها وترك الآخر. وقال إن هذه العناصر تشكل الموضوع الجوهري للمسألة الاقتصادية.

أما بولانيي فقرر أن هذه الرؤية تحول المجتمع من نظام لحياة البشر إلى جزء من الماكينة التي تتولى توزيع المال والسلع، أي إلى ملحق بالسوق وتابع لحركتها. والصحيح أن اقتصاد المجتمع جزء من صلب حياته، فلا يمكن فهمه بمعزل عن العالم المفهومي والثقافي للجماعة.

كل مؤسسة أو نشاط، اقتصاداً كان أو غيره، لا يُفهم خارج التجربة التاريخية التي شهدت تطوير المجتمع لنظام حياته وامتداداتها المؤسسية.

عالم الإنسان لا يدور حول تبادل المال. غالبية المجتمعات البشرية -أو ربما جميعها- تتضامن للحفاظ على حياة أفرادها وأملاكها وثقافتها وأعرافها، وتنفق على هذه المهمة كثيراً من المال، حتى لو كان عائدها المادي ضئيلاً أو معدوماً.

يجادل بولانيي بأن نظرية الاختيار العقلاني واقتصاد السوق، تفترض أن الأفراد يتخذون قراراتهم المعيشية أو التجارية في عزلة تامة عن قواعد المجتمع وهمومه. حين يكون الإنسان في السوق، فلا شيء يهمه سوى تعظيم منافعه المادية. هذا التفكير يؤثر بعمق في تنظيم السلوك الفردي وتحديد ما يعد مصلحة أو العكس. فإذا هيمن هذا المنطق، فإن المجتمع سيخسر دوره كنظام للحياة الطيبة، ويتحول إلى مجرد احتشاد للأفراد المشغولين بمصارعة بعضهم لبعض من أجل المال.

يقول بولانيي أن اقتصاد السوق واحد من النماذج الاقتصادية التي عرفها التاريخ، وليس أفضلها، وأن الندرة ليست حتمية، فهي مفهوم يجري تعريفه على ضوء ثقافة المجتمع وهمومه. ما يعد مورداً نادراً في مكان، قد يكون مهملاً في مكان آخر أو زمان آخر. وهو يخص بالذكر الأرض التي باتت سلعة في ظل اقتصاد السوق، وكان ينبغي أن تبقى موضوعاً للعمل كأي جزء من أجزاء الطبيعة، من دون تملُّك أو احتكار على النحو الذي نعرفه اليوم

***

د. توفيق السيف

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الخميس - 21 شوّال 1447 هـ - 9 أبريل 2026 م

 

نتفاجأ يوميًا في مجتمعنا العراقي، في الداخل والخارج، بحالات طلاق لأزواج، وبخاصة من الشباب، كنا نظن أنهم يعيشون حياة مستقرة وسعيدة. وغالبًا ما كان يُعتقد أن زواجهم قائم على “علاقة حب!”، بما يُفترض معه أن يكون أكثر قدرة على الاستمرار. إلا أن الواقع يكشف، مع الأسف، عن انهيار سريع في بعض هذه الحالات، دون الالتفات الكافي إلى انعكاسات الطلاق على الأطفال وما قد يترتب عليه من آثار نفسية واجتماعية بعيدة المدى.

أصبحت ظاهرة الطلاق في العراق من الظواهر الاجتماعية الخطيرة التي تدعو إلى القلق، والتي ينبغي أن تحظى باهتمام جاد من الدولة والمجتمع. وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن مجلس القضاء الأعلى إلى أن الطلاق أصبح من القضايا الاجتماعية البارزة خلال السنوات الأخيرة. فقد بلغ عدد حالات الطلاق في عام 2024 نحو 66,000–72,000 حالة، مقابل حوالي 291,000 حالة زواج في العام نفسه، أي أن نسبة الطلاق تقارب حالة واحدة لكل 4 إلى 5 زيجات (بنسبة 20%–25%). ويُقدَّر أن العراق يسجل نحو 8–9 حالات طلاق في الساعة، فيما تتصدر بغداد غالبًا أعلى نسب الطلاق مقارنة ببقية المحافظات.

كما تشير بيانات شهرية حديثة إلى استمرار هذه المعدلات المرتفعة؛ ففي شباط 2025 بلغت حالات الزواج 21,411 حالة، مقابل 6,962 حالة طلاق. وفي شباط 2026 سُجلت 28,479 حالة زواج مقابل 6,151 حالة طلاق (وفقًا لإحصائيات مجلس القضاء الأعلى المنشورة مؤخرًا). ومن الجدير بالإشارة أننا نلاحظ وجود زيادة في الإقبال على الزواج بين 2025 و2026، وهو مؤشر إيجابي يعكس استمرار الرغبة في بناء الأسرة رغم التحديات.

يحتل العراق مرتبة متوسطة بين الدول العربية (نحو المرتبة 7–8 عربيًا)، أي أنه ليس من بين الأعلى، لكنه أيضًا ليس منخفضًا، بل يقع ضمن المستوى “المتوسط المرتفع”. ومن المفارقات أن بعض الدول ذات الدخل المرتفع تسجل نسب طلاق أعلى، ما يدل على أن المشكلة ليست اقتصادية فقط، بل ترتبط أيضًا بعوامل اجتماعية وثقافية وتكنولوجية.

تشكل الأسباب الاقتصادية ما يقارب 50% من حالات الطلاق في العراق، وتشمل البطالة، وضعف الدخل، وارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة توفير السكن. ومن الواضح وجود ارتباط وثيق بين تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات الطلاق.

أدّت الطفرات المالية التي شهدها العراق مؤخرًا، والتي استفاد منها بعض الأفراد، إلى بروز حالات ثراء سريع لدى فئات كانت تنتمي إلى طبقات فقيرة أو محدودة الدخل، في حين بقي المحيط الاجتماعي لهؤلاء الأفراد من أقارب وأصدقاء عند مستوياته المعيشية السابقة أو تحسن بشكل محدود. وقد أسهم هذا التفاوت في نشوء مشاعر المقارنة والغيرة والحسد، وما يرافقها من ضغوط نفسية، مما قد يفضي إلى حالة من الإحباط تنعكس سلبًا على الاستقرار الأسري والعلاقات الاجتماعية، لتصل في بعض الحالات إلى الطلاق.

وتأتي الأسباب الاجتماعية في المرتبة الثانية، ومن أبرزها تدخل الأهل والأقارب في الحياة الزوجية، والعادات والتقاليد التي تحد من استقلالية الزوجين، إضافة إلى الزيجات القائمة على الإكراه أو الترتيبات العائلية دون قناعة الطرفين. كما يُعد الزواج المبكر (زواج القاصرين) من العوامل المهمة، نظرًا لغياب النضج الفكري والعاطفي وضعف القدرة على تحمل المسؤولية.

ومن الأسباب الأخرى: عدم التوافق بين الزوجين نتيجة اختلاف المستوى التعليمي والثقافي والفكري، فضلًا عن مشكلات العنف الأسري، والخيانة الزوجية، وضعف الحوار والتفاهم، نتيجة محدودية الوعي الأسري والديني، وعدم الاستعداد الكافي للحياة الزوجية، وغياب ثقافة إدارة الخلافات.

ولا يمكن إغفال تأثير التكنولوجيا الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أسهمت في زيادة الشك والخلافات، وتعزيز المقارنات الاجتماعية، وتسهيل إقامة علاقات خارج إطار الزواج (الخيانة الإلكترونية).

في الماضي، كانت بعض الفتيات يتأثرن بما تعرضه الأفلام العاطفية من صور مثالية وغير واقعية للحياة الزوجية، فيتشكل لديهن تصور مبالغ فيه عن طبيعة العلاقات. أما اليوم، فقد أصبح تأثير منصات التواصل الاجتماعي أكثر حضورًا، حيث تُعرض عبرها أنماط حياة مثالية ومبالغ فيها، وأحيانًا غير دقيقة، مما يسهم في تكوين توقعات مرتفعة قد لا تنسجم مع الواقع. وعند الاصطدام بالحياة الحقيقية، ينشأ شعور بالإحباط وخيبة الأمل، ينعكس أحيانًا على تقييم العلاقة الزوجية.

لقد وفّرت الجامعات بيئة واسعة للتفاعل بين الطلبة في مرحلة عمرية حساسة، مما قد يؤدي في بعض الحالات إلى نشوء علاقات غير ناضجة. وفي الوقت نفسه، يعتقد بعض الشباب أنهم يعيشون “علاقة حب!”، بينما تكون في حقيقتها استجابة لاحتياجات عاطفية أو شعور بالحرمان. وحتى عندما تنتهي بعض هذه العلاقات بالزواج، فإنها قد تكون غير مستقرة، وغالبًا ما تنتهي بالطلاق. ولا يقتصر هذا النمط على البيئة الجامعية، بل قد يتكرر أيضًا في بيئات العمل.

يلجأ بعض الطلبة أو صغار الموظفين إلى إظهار صورة من الثراء غير الحقيقي؛ إذ يعمد البعض إلى إظهار مستوى مادي غير واقعي. ففي ظل انخفاض تكلفة الملابس، أصبح من الممكن الظهور بمظهر لائق لا يختلف كثيرًا عن مظهر أبناء الميسورين. كما يلجأ البعض، وخاصة من الفتيات، إلى استعارة الحلي أو الإكسسوارات، بل وحتى الملابس، للظهور بمستوى معيشي أعلى من الواقع. ويُستغل هذا المظهر أحيانًا لاستقطاب أشخاص ينجذبون إلى المظاهر المادية، مما قد يوقع الطرفين في علاقات غير متوازنة تكون عواقبها سلبية على المدى البعيد.

ولمعالجة ظاهرة الطلاق المتزايدة، لا بد من تبني مجموعة من الإجراءات المتكاملة، من أبرزها:

- تعزيز الاستقرار الاقتصادي للشباب من خلال توفير فرص العمل، ودعم المشاريع الصغيرة، وتقديم قروض ميسرة، والمساعدة في توفير السكن.

- إلزام المقبلين على الزواج بدورات تأهيلية تشمل التوعية بحقوق وواجبات الزوجين، ومهارات التواصل، وإدارة الخلافات، والتخطيط المالي.

- الحد من الزواج المبكر عبر تشديد تطبيق القوانين ورفع الوعي المجتمعي بمخاطره.

- تقليل تدخل الأهل في الحياة الزوجية من خلال حملات توعوية تعزز استقلالية الأسرة الجديدة.

- إنشاء مراكز إرشاد أسري فعّالة لتقديم الاستشارات قبل الزواج وبعده، والمساهمة في حل النزاعات.

- مواجهة العنف الأسري قانونيًا ومجتمعيًا عبر تفعيل القوانين ونشر ثقافة الاحترام المتبادل.

- ترشيد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من خلال برامج توعوية تعزز الاستخدام الواعي.

- تعزيز دور الإعلام والمؤسسات الدينية والتربوية في نشر ثقافة الزواج الواعي وقيم المسؤولية والتفاهم.

ختامًا، يمكن القول إن الطلاق في العراق ظاهرة متزايدة ومقلقة اجتماعيًا، ترتبط بشكل وثيق بالأوضاع الاقتصادية والتحولات الاجتماعية، فضلًا عن ضعف الاستعداد للحياة الزوجية. وهي ليست نتيجة سبب واحد، بل حصيلة تداخل عوامل متعددة، مما يتطلب معالجة شاملة ومستمرة من جميع مؤسسات الدولة والمجتمع.

ومن المؤلم حقًا أن تكون أشد انعكاسات الطلاق قسوةً هو تأثيره على الأطفال، فهم الأكثر تضررًا نفسيًا وعاطفيًا من الانفصال. لذا، يتوجب على الأبوين الانتباه بعناية لهذا الجانب، والعمل على حمايتهم ودعمهم، لضمان استمرار شعورهم بالأمان والاستقرار رغم تغير ظروف الأسرة. وما زال بالإمكان احتواء هذه الظاهرة إذا توفرت الإرادة والتعاون بين جميع الأطراف.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

شهد العالم خلال العقدين الماضيين تحولاً رقمياً متسارعاً غير طبيعة العلاقات الاجتماعية وأنماط التعبير عن الذات، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ركناً أساسياً من الحياة اليومية للأفراد، ومنصة رئيسة لبناء الصورة الشخصية والتفاعل الاجتماعي والمهني. ولم تعد الهوية الفردية مرتبطة فقط بالواقع المباشر، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي الذي يتيح للأفراد تقديم أنفسهم بصورة انتقائية ومنمقة تعكس ما يرغبون ويتمنون أن يكونوا عليه بعيداً عنا يلاقونه ويتعرضون له في حياتهم من صعوبات أو تحديات تهدد نجاحاتهم وتحقيق ذواتهم بشكل ملائم ومناسب. وهكذا ظهرت الهوية الرقمية بوصفها تمثيلاً افتراضياً للذات يتشكل من خلال المحتوى المنشور، وطبيعة التفاعلات معه، والصورة الذهنية التي يبنيها الفرد يود أن يعيش أبعادها وأطرافها عبر المنصات الرقمية.

تتكون الهوية الرقمية من مجموعة العناصر التي يقدمها الفرد عبر حساباته عبر وسائل التوصال الاجتماعي المختلفة مثل فيس بوك، انستجرام، تويتر، لينكد إن، تيك توك وغيرها، مثل الصور الشخصية، والمنشورات، والفيديوهات، والتعليقات، وطبيعة اللغة المستخدمة، وأنماط التفاعل مع الآخرين. ومع مرور الوقت، تتراكم هذه العناصر لتشكل تصوراً عاماً لدى المتابعين حول شخصية الفرد، واهتماماته، وقيمه، ومكانته الاجتماعية أو المهنية. ومن هنا تصبح وسائل التواصل الاجتماعي أداة لإدارة الانطباع الشخصي والاجتماعي والوظيفي المهني، حيث يسعى الأفراد إلى تقديم صورة إيجابية تعزز القبول الاجتماعي والانتماء لدى الآخرين.

وقد أسهمت طبيعة المنصات الرقمية في تعزيز هذا التوجه، إذ توفر أدوات متعددة للتحكم في طريقة عرض الذات، مثل اختيار الصور الأكثر جاذبية، وإبراز اللحظات الإيجابية والسعيدة من حياتهم، ونشر النشاطات والإنجازات الشخصية أو الاجتماعية والمهنية. في المقابل، يميل كثير من المستخدمين إلى إخفاء الجوانب السلبية أو التحديات اليومية والصعوبات التي تواجههم، مما يؤدي إلى بناء صورة رقمية مثالية تختلف بدرجات متفاوتة عن الواقع الفعلي المعاش. ومع تكرار هذه الممارسات، تبدأ الهوية الرقمية في التحول إلى نسخة محسنة ومعدلة من الذات، تعكس التوجهات والطموحات والرغبات والتوقعات الاجتماعية أكثر مما تعكس التجربة الواقعية التي يعيشها الأفراد حقيقة.

تلعب التفاعلات الرقمية دوراً مهماً في تعزيز هذه الهوية، حيث يحصل المستخدم على تغذية راجعة فورية من خلال الإعجابات والتعليقات والمشاركات من قبل المشاركين والأصدقاء عبر منصته. ويؤدي هذا التعزيز الاجتماعي إلى تشجيع الأفراد على الاستمرار في تقديم المحتوى الذي يحظى بقبول أكبر وثناء ومديح من الآخرين، ما يدفعهم إلى إعادة تشكيل حضورهم الرقمي باستمرار. ومع الوقت، قد يصبح الفرد أكثر اهتماماً بكيفية ظهوره أمام غيره، مقارنة بتركيزه على تجربته الواقعية، الأمر الذي يعزز ظاهرة إدارة الانطباع الاجتماعي في البيئة الرقمية.

كما أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي بيئة خصبة للمقارنة الشخصية والاجتماعية أو المهنية، حيث يتعرض الأفراد يومياً لصور النجاح والسعادة والإنجاز لدى الآخرين. هذه المقارنات قد تؤدي إلى شعور بعض المستخدمين بأن حياتهم أقل جودة أو أقل نجاحاً  وأقل سعادة منهم، رغم أن المحتوى الرقمي غالباً ما يكون انتقائياً ويعكس الجانب الإيجابي فقط دون أن يسلط الضوء على سلبياتهم والأخطاء التي يقعون فيها. ونتيجة لذلك، يسعى بعض الأفراد إلى تحسين صورتهم الرقمية لمجاراة الآخرين ونيل الأعجاب والقبول منهم، مما يعزز دائرة بناء الهوية الافتراضية المثالية التي تسعى نحو الكمال، ويزيد من الفجوة الكبيرة بين الواقع الوجاهي والصورة الرقمية الأفتراضية.

من جهة أخرى، توفر المنصات الرقمية مساحة للتعبير عن الذات بصورة أكثر حرية مقارنة بالتفاعلات الواقعية المباشرة، الأمر الذي يدفع بعض المستخدمين إلى تبني هويات رقمية تختلف عن شخصياتهم الواقعية. فقد يظهر الفرد أكثر جرأة في التعبير عن آرائه وأفكاره ومشاعره، أو أكثر انفتاحاً وحرية في تفاعلاته، أو أكثر نجاحاً في عرض إنجازاته ونشاطاته اليت يقوم بها. هذه الهويات الرقمية قد تمنح المستخدم شعوراً بالتمكين والثقة والشعور بالراحة، لكنها قد تخلق أيضاً حالة من الازدواجية بين الذات الحقيقية والذات الرقمية المطروحة.

ورغم التحديات المرتبطة ببناء الهوية الرقمية المثالية، فإن لهذه الظاهرة جوانب إيجابية مهمة. فقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي للأفراد فرصة التعبير عن أنفسهم، وبناء شبكات علاقات واسعة، وعرض مهاراتهم وخبراتهم، وتعزيز حضورهم المهني والاجتماعي والشخصي. كما ساعدت في تمكين الأفراد من مشاركة تجاربهم، والتفاعل مع مجتمعات افتراضية تشترك في الاهتمامات والقيم نفسها. إلا أن الاستخدام غير المتوازن لهذه المنصات قد يؤدي إلى التركيز على الصورة والمظهر أكثر من الجوهر، وعلى الانطباع أكثر من الواقع.

إن التوازن بين الهوية الرقمية والهوية الواقعية أصبح قضية مهمة في ظل الاعتماد المتزايد على وسائل التواصل الاجتماعي في الحياة اليومية. فكلما زادت الفجوة بين ما يقدمه الفرد رقمياً وما يعيشه فعلياً، زادت احتمالية الشعور بالضغط والتوتر النفسي أو التناقض الداخلي. في المقابل، يسهم الاتساق بين الهوية الرقمية والواقعية في تعزيز الشعور بالأصالة، وبناء علاقات اجتماعية أكثر مصداقية، وتحقيق رضا شخصي أعلى.

في النهاية، لم تعد الهوية الرقمية مجرد امتداد للهوية الواقعية، بل أصبحت عنصراً مؤثراً في تشكيلها. ويجد الأفراد أنفسهم اليوم في مساحة بين الواقع والشاشة، يعيدون من خلالها تعريف ذواتهم وبناء حضور اجتماعي يعكس طموحاتهم وتصوراتهم. ويبقى التحدي الأساسي في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كأداة للتعبير الصادق عن الذات، دون الوقوع في فخ المثالية الرقمية، بحيث تعكس الهوية الرقمية حقيقة الفرد، لا صورة مثالية بعيدة عن الواقع.

***

د. أكرم عثمان

8-4-2026