قضايا

يشيع في الحقول العلمية والثقافية، وحتى في التداول الاجتماعي العام، استخدام مصطلح "المفكر" استعمالًا فضفاضًا، يكاد يفقده حدوده الدلالية ويحوّله إلى توصيف إنشائي أكثر منه مفهومًا معرفيًا دقيقًا. وحين يُسأل الناس عن معنى المفكر، تتشعّب الإجابات وتتنافر: فبعضهم يراه المنخرط في إنتاج الوعي، وبعضهم يحصره في العالِم الذي يمتلك مشروعًا معرفيًا ذا منطلقات ومنهجيات واضحة في المقاربة والتساؤل. وهكذا تتكاثر التعريفات من غير أنّ تستقر على معطى جامع أو معنى ضابط.

وليس المقصود هنا الانخراط في تفريع هذا المفهوم أو تعداد المؤاخذات النظرية التي تَرِد عليه، بقدر ما هو التنبيه إلى غياب مفهوم أجده أكثر قربًا في البيان، وأدقّ في توصيف الذات العالِمة حين تمارس مساءلتها العميقة لذاتها وللعالم. هذا المفهوم هو "المتأمِّل"، وهو في تقديري أصدق تعبيرًا عن تلك الذات البصيرة المتبحّرة التي جرى اختزالها، على نحو متعجّل في عنوان "المفكر".

فما معنى "المفكر" على التحقيق؟ إن التفكير، بالمعنى العام، فعل مشترك بين البشر جميعًا، وهو حاضر- بدرجات واستجابات مختلفة - حتى في السلوك الحيواني. وإذا كان الأمر كذلك، فإن إطلاق صفة "المفكر" لا ينهض وحده بتمييز نوعي دقيق، ولا يمنح الامتياز المعرفي الذي يُراد له عادة. من هنا تبدو الحاجة إلى مفهوم أكثر كثافة وأشدّ تخصيصًا، وهو ما أجده متحققًا في "المتأمّل".

في هذا السياق، يمكن الاستفادة من تجربة الغزالي(ت1112م) في دلالتها العميقة، بوصفها انتقالًا من عقل البرهان إلى أفق الكشف. فالغزالي لم يتخلَّ عن العقل، لكنه أدرك حدوده حين ينفصل عن البصيرة. والتأمّل عنده لم يكن نقيض التفكير، وإنما تجاوزه، أي نقله من مستوى الاشتغال الصوري إلى مستوى المعنى الحي، إذ لا تُختزل الحقيقة في الدليل، ولا المعرفة في النسق.

وعلى خطّ موازٍ، مارس محمد أركون(ت2010م) نقدًا جذريًا لما سمّاه "العقل الإسلاميَّ الكلاسيكي" و"العقل الأرثوذكسي"، ليس لأنّه عقل يفكّر، بل لأنّه عقل توقّف عن مساءلة نفسه واختبار وعوده. عقل راكم المفاهيم، وأدار النصوص، لكنّه فقد الجرأة على اختبار بداهاته الخاصة. ومن ثَّم، جاءت دعوته إلى تفكيك الاصطلاحات المهيمنة، لأن المفهوم حين يتحوّل إلى سلطة، يكفّ عن كونه أداة للفهم، ويغدو حاجزًا أمامه.

إن الذات العالِمة المتأمِّلة تسبق- من حيث العمق لا الزمن- الذاتَ العالِمة المفكِّرة. فالتفكير، في صوره الغالبة، يظلّ أسير العقل الأداتي: عقل التصنيف والترتيب والبرهنة. أمّا التأمّل فينشأ من تداخل العقل والروح، من منطقة لا يُختزل فيها الإنسان إلى آلة استدلال، ولا تُفصل فيها المعرفة عن الوعي الوجودي. ولا يُقصد بالتأمّل هنا نفي التفكير أو استبداله، وانما اعتباره شرطًا لتعميقه، إذ لا يبلغ التفكير مداه الكاشف إِلَّا حين يتجاوز أداتيته وينفتح على أفق المعنى.

ولتقريب الفكرة أكثر، يمكن النظر إلى المثقف المعاصر الذي يكتب مقالات أو يحلل ظواهر اجتماعية وسياسية بشكل سريع، ولكنه لا يوقف نفسه للتأمّل في أبعاد هذه الظواهر ومعانيها العميقة أو المطمورة، ويظلّ إنتاجه معرفيًا– لكنه محدود البصيرة. هذا الفرق البسيط يوضح لماذا التأمّل ليس رفاهية فكرية، بل شرط لتعميق الفهم، وإعطاء المعرفة أفقًا حقيقيًا بدل الانزلاق إلى التراكم العقلي الآلي.

الروح هنا ليست مفهومًا غيبيًا، بقدر ما هي أفق الكشف الذي يمنح التفكير معناه، ويقيه من التحوّل إلى مهارة فارغة، ويحول العملية المعرفية إلى فعل حيّ متواصل، لا مجرد تطبيق تقني أو استعمال آلي للمفاهيم.

وانطلاقًا من ذلك، فإن الدعوة موجّهة إلى الأوساط العلمية والثقافية والاجتماعية لإعادة النظر في هذا الاصطلاح الشائع، والعدول- ولو على مستوى النقد والمساءلة– عن عنوان "المفكر" لصالح عنوان "المتأمّل". فقلّة هم أولئك الذين يمارسون فعل التأمّل بوصفه اشتباكًا حيًّا بين العقل والروح، ومزاوجةً خلاّقة لا ينفصل فيها التحليل عن البصيرة، ولا المعرفة عن الوعي الوجودي. وقد أظهر الواقع المعاصر في الإعلام ووسائل التواصل الحديثة أنّ كثرة من يُنعتون بالمفكرين يملكون سرعة في التحليل والإجابة، ولكنهم يفتقرون إلى هذا العمق التأملي، ما يؤكد الحاجة الماسة لإعادة النظر في المصطلح.

وقبل أنّ أضع النقطة في نهاية السطر أود القول إن هذه المقاربة ما هي إِلَّا محاولة مفتوحة، قابلة للأخذ والرد، لا تدّعي امتلاك القول الفصل. غير أنّه إذا كان التعاون في المتّفق عليه واجبًا معرفيًا وأخلاقيًا ودينيًا، فإنّ التسامح في المختلف فيه أوجب، لأنه الشرط الضروري لكل تأمّل – أو تفكير- معتبر.

***

أ. م. د. حيدر شوكان السلطانيَّ

جامعة بابل- كلية العلوم الإسلاميَّة- قسم الفقه وأصوله

بين الجوهر الروحي والاستغلال الدنيوي.. رُؤيةٌ مُستقاةٌ منْ تَجربةٍ طَويلة

بعد مسيرة امتدت لما يقرب من أربعة عقود من التفاعل مع عالم الدين والتدين بمختلف أطيافه وخلفياته ورموزه وأفكاره وتمظهراته وتجلياته، شملت اطلاعات ودراسات وتحليلات ونقاشات وحوارات مع كثير من علماء الدين، مع متابعة دقيقة للخطابات الدينية، وقراءات نقدية معمقة في بنى التراث التاريخي الديني، ومشاركة في مؤتمرات وندوات وجلسات، تبلورت لدي رؤى محددة حول البعد الديني أو الظاهرة الدينية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية عموماً..

وهذه الرؤى لم تأت أو تنبع من فراغ، بل هي –كما قلت- ناشئة عن مقدمات وحصيلة تراكمية لتفاعل طويل مع الرؤى والنصوص الدينية الأصلية، وملاحظة للممارسات الواقعية، وتحليل للفجوة بين المثال والواقع..

الدين كسعي فردي وتجربة ذاتية نحو المعنى:

أرى أنَّ الدينَ في أساسه الحقيقي يرنو لبناء الإنسان على مقومات فكرية وروحية عميقة، هو بحاجة لها لإصلاح نفسه، وتهذيب ذاته، قبل الاندراج في معتركات الحياة وخوض غمارها وتحدياتها.. يعني هو أولاً تجربة ذاتية روحية، وسعيٌ فردي لإيجاد معنىً أعمق في الحياة وتحقيق سلام نفسي داخلي، قبل أن يكون له حالة ظهور خارجي على مستوى الفعل والحضور في الشأن العام.. إنها تجربة "جهاد أصغر" حقيقي، يقوم على بناء النفس وتهذيبها وفقَ القيم والأخلاق الرسالية السامية، قبل الانتقال إلى أي دور في الخارج على مستوى العلاقات والتبادليات والحضور.. وهذا البناء الداخلي هو الأساس المتين لأي بناء وعمران حضاري حقيقي خارجي، إذ كيف يمكن لمستخلَف في الأرض أن يساهم في بناء حضارة ذات معنى وغاية نبيلة، بلا قيم إنسانية راسخة أو فضائل نفسية متجذرة أو أخلاق رسالية قويمة؟!..

حرية التفكر مقابل التقليد والاستلاب الأعمى:

يقوم هذا السعي الروحي على التأمل والتفكر الحر، وليس على التقليد الأعمى أو الخضوع لتراث فقهي متحجر انتهت مفاعيله في الزمان والمكان.. النصوص الدينية الأساسية تؤكد باستمرار على أهمية التعقل والتدبر، وضرورة تحمّل مسؤوليات الاستخلاف والأمانة الربانية.. والآيات القرآنية التي تحث على التفكر والتعقل والتدبر ليست مجرد زخارف لفظية، بل هي دعوة صريحة لتفعيل العقل واعتماد الوعي النقدي في التعامل مع الدين وقضاياه الحياتية.. كما أن الأحاديث التي ترفع من شأن التفكر لتجعله "خيراً من عبادة ستين سنة" تؤكد على الأولوية الجوهرية للفهم الواعي على الممارسة الآلية الوظيفية.

علاقة والدين- احترام الفطرة ورفض التعقيد والغلو:

عامة الناس في مجتمعاتنا لا تنفر من الدين بحد ذاته، بل تحترمه كفطرةٍ وتوجهٍ فطري نحو الخالق. هذا الاحترام الفطري ينبع من حاجة إنسانية عميقة للاتصال بما يتجاوز الذات المحدودة. غير أن الناس عموماً ترفض -بحق- التطرف والتعقيدات والصراعات المذهبية التي لا طائل من ورائها، والتي غالباً ما تخدم أجندات فئوية مصلحية ضيقة بعيدة عن روح الدين الحقيقية في المعرفة والقيمية الأخلاقية.. وهي روح واحدة وحقيقة واحدة في كل الأديان في جوهرها.. فالدين واحد، وإن اختلفت شرائعُه. إنه حياة قلبية متجددة، تسمو بالإنسان من حظوظ نفسه إلى مشاهدة جمال الحق. وهو الجسر بين العبد والرب، حيث تصير الأخلاق عبادةً، والعبادة معرفةً، والمعرفة محبةً.

التدين المعتدل في الهواء الطلق:

يميل الناس بطبيعتهم إلى ممارسة تدينهم باعتدال وطمأنينة، بما يشبه ممارسة الطقوس في "الهواء الطلق" حيث التنفس حر والرؤية واضحة والآفاق ممتدة. وهم يبتغون علاقة مباشرة مع المقدس بعيداً عن الوسطاء المتعددين، وبمعزل عن الرؤى الجامدة المتكلّفة والاستغلال السياسي، وعدم احترام الخيارات الشخصية.. هذا النمط من التدين الفطري البسيط هو الذي يحافظ على حيوية الدين واستمراريته في سلوكيات الناس، بينما تهدده الممارسات المتشددة والتعقيدات المصطنعة والمغالاة المتكلفة.

مؤسسات رجال الدين.. بين الخدمة والاستغلال:

لا يمكن لأحد إلا أن يرى أمامه الكثير من الأمثلة الدالة على أن غالبية مؤسسات رجال الدين تحولت –مثل أي مجموعة ذات نفوذ في المجتمعات البشرية- تحولت مع الزمن إلى مجرّد هياكل تقليدية راكدة، تسعى فقط إلى تحقيق المصالح الخاصة لحرّاسها وسدنتها.. طبعاً هذا التحول من حالة الخدمة الروحية إلى حالة الجهاز المؤسسي المغلق ليس سمة دينية بحتة، بل هو ظاهرة بشرية تظهر في أي مؤسسة تتراكم فيها السلطة والامتيازات والمنافع الخاصة..

الاستغلال الاقتصادي والمعنوي:

ليس في السعي لتحقيق المصالح المشروعة مشكلة في حد ذاته.. أي أننا لا ننكر حقيقة أن الإنسان له مصالحه ومنافعه التي يسعى إليها، ولكن ليس تحت الغطاء والعمامة الدينية التي لها رمزيتها.. بما يعني أن العيب الحقيقي يكمن في الاستغلال الاقتصادي أو المعنوي للدين ومشاعر الناس تحت غطاء القداسة. حيث أنّ هذا التكسب "الرخيص" -الذي يتمُّ على حساب المشاعر الدينية الصادقة للناس، ويحول العلاقة الروحية إلى معاملة تجارية- هو الذي يفقد المؤسسة الدينية مصداقيتها والثقة فيها، ويبعدها عن دورها الأصيل المتمحور حول الفضيلة والرمزية القيمية الأخلاقية.

الصراعات الدينية- الجوهر السياسي تحت القشرة المقدسة:

الصراعات التي تُلبس ثوب الدين هي في حقيقتها صراعات سياسية دنيوية بحتة، تستخدم الشعارات الدينية لتبرير أطماعها ومحاولة إضفاء الشرعية عليها. والتاريخُ يظهر أن معظم الحروب التي توصف بأنها "دينية" كانت لها دوافعها ومسبباتها السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، حيث تم (ويتم) استخدام الدين كأيديولوجية تبريرية لتعبئة الأتباع وتحشيدهم، وإضفاء الشرعية على المطامع والمكاسب.

أحزاب التيار الديني والممارسات السياسية:

الأحزابُ ذات الخلفية الدينية لم تكن بأفضل حالاً من غيرها من الأحزاب في عالم السياسة؛ فقد انغمست في الممارسات السياسية نفسها، من صراع على السلطة والتآمر وحتى العنف أحياناً، متنكرةً في كثير من الأحيان للمبادئ التي ترفع شعارها. هذا التناقض بين الخطاب الأخلاقي والممارسة السياسية أضر بمصداقية التيارات الدينية في الحياة العامة، وجعلها في نظر كثيرين مجرد قوى سياسية تستخدم الدين كورقة ضغط.

النفاق الديني- أخطر أنواع النفاق.. استغلال القداسة لأغراض دنيوية:

أخطر أنواع النفاق هو ذلك الذي يتستر وراء الدين، لأنه يستغل قدسيته ومشاعر المؤمنين الطيبة لأغراض دنيوية خاصة. هذا النفاق المقدس يكتسب خطورته من كونه يحول المقدس نفسه إلى أداة للدنس، ويستعمل لغة القيم لنقض تلك القيم ذاتها. إنه نفاق مزدوج الخطورة: لأنه يخدع الناس باسم ما يقدسون، ويهدم الثقة في المؤسسات الدينية ذاتها.

وجود النماذج المخلصة:

مع هذا التشخيص النقدي، لا يعني ذلك عدم وجود علماء دين ومفكرين مخلصين، عملوا بصدق من أجل خدمة الإنسان وتخفيف معاناته، بغض النظر عن انتماءاته. هؤلاء المخلصون يمثلون الضمير الحي للدين، والذكرى المستمرة بما يمكن أن يكون عليه الدور الحقيقي لرجال الدين عندما يتحررون من الأجندات الضيقة، ويخلصون للقيم الإنسانية الكبرى.

نحو دولة مدنية عادلة-الدولة القوية كضامن للحرية الدينية:

إن الحل الجوهري يكمن في بناء دولة مدنية عادلة وقوية تحركها سلطات متغيرة، هي من تقود قاطرة الدولة التي هي بمثابة مظلة أمن واستقرار للجميع.. دولة تقوم على سيادة القانون والحرية والمساواة، وتضمن الحقوق الأساسية للمواطنين بما في ذلك حرية الاعتقاد والممارسة الدينية ضمن الحدود التي تحترم حرية الآخرين. في ظل هذه الدولة، تتراجع حاجة الناس للبحث عن ملاذات زائفة، وتفقد الخطابات الاستغلالية بريقها.

تحرير الدين من أسر السياسة:

في كنف الدولة المدنية العادلة، يعود الدين إلى جوهره الروحي والأخلاقي، ويؤدي رجاله دورهم الحقيقي في الهداية وترسيخ القيم، بعيداً عن متاهات السياسة والنفاق. تصبح العلاقة بين الدين والدولة علاقة تكاملية وليست تنافسية: الدولة توفر الإطار القانوني الذي يضمن حرية الممارسة الدينية ويحميها من الاستغلال، والدين يغذي القيم الروحية والأخلاقية التي تحتاجها أي مجتمع سليم.

ضعف الدولة وتنامي النفوذ الديني الزائف:

ضعف الدولة يفتح الباب على مصراعيه لتنامي نفوذ كل من هب ودب، من مستغلي الدين إلى المستبدين والمنافقين. في الفراغ السلطوي، تزدهر الخطابات الشعبوية الدينية التي تعد بالحلول السحرية، وتتحول الجماعات الدينية إلى بدائل للدولة في تقديم الخدمات، مما يعزز نفوذها ويوسع هامش استغلالها. بينما تقوى الدولة العادلة هي الضامن الحقيقي لتحرير الدين والمجتمع معاً من هذه الحلقة المفرغة.

نحو مستقبل أكثر إنسانية:

التجربة الطويلة مع عالم الدين تؤكد أن المشكلة ليست في الدين بحد ذاته، بل في العلاقة المشوهة بين الدين والمجتمع، وفي الاستغلال المؤسسي للدين لأغراض دنيوية. المستقبل الأكثر إشراقاً يكمن في إعادة الدين إلى مجاله الروحي والأخلاقي الشخصي، وفي بناء دولة مدنية عادلة تحمي هذا المجال من التدخلات والتوظيفات المشوهة.

إنَّ الدين الذي يُنظر إليه بوصفه طريقاً للوصول إلى المعرفة القلبية بالله، وليس مجرد مجموعة من العقائد والشعائر الظاهرة. وهذا هو الدين الذي يأتي العرفان (أو التصوف في السياق الإسلامي) ليكون جوهره الإنساني.. وهو يركز على البُعد الباطني، حيث يكون الهدف الأسمى هو الفناء في الله والبقاء به، عبر سُلَّم روحي يتدرج فيه السالك من ظاهر الدين إلى لبِّه الجوهري الفيّاض بالإشراقات والمعاني الإنسانية الوافرة.

وعندما يتم الفصل الوظيفي بين مجال الدين كمصدر للقيم والمعنى، ومجال الدولة كإطار للحقوق والواجبات، يمكن للمجتمعات أن تنتقل من دوامة الصراعات المذهبية إلى فضاء التعايش الإنساني. عندها فقط يتحرر الدين من أسر السياسة، وتتحرر السياسة من استغلال الدين، ويسير المجتمع نحو تكامل أكثر إنسانية بين حاجات الروح ومتطلبات العمران.

هذه الرؤى، رغم قسوتها أحياناً، تنبع من أمل عميق بإمكانية مصالحة حقيقية بين الدين والمجتمع، مصالحة تعيد للدين قدسيته وللمجتمع انسجامه، في ظل دولة تحمي الجميع وتخدم الكل.

***

نبيل علي صالح - باحث وكاتب سوري

الحرية، والفردية، والتاريخ

كتب: كريستوفر لينكيويتش

ترجمة: علي حمدان

***

مقدمة: كان فريدريك نيتشه (1844-1900) فيلسوفًا ألمانيًا يُذكر غالبًا كأحد رواد الوجودية، إلى جانب سورين كيركجارد (1813-1855). كان تأثير نيتشه هائلًا، وامتد إلى معظم فلسفة وأدب القرن العشرين، بما في ذلك الوجودية (كافكا، سارتر، كامو)، والظاهراتية (هوسرل، هايدغر، ميرلو-بونتي)، وما بعد البنيوية (دولوز، فوكو)، والتفكيكية (ديريدا).

على الرغم من أن تأثير نيتشه لا يظهر بشكل واضح، إلا أنه يُعتبر عاملاً حاسماً في تطور الفلسفة وتاريخها، ويُفهم حضوره وتأثيره على أنهما شبه شاملين. ولذلك، يُنظر إلى نيتشه بلا شك على أنه قوة مؤثرة في تاريخ الفلسفة وفي الفلسفة المعاصرة، وسواء قبلنا أو لم نقبل، على سبيل المثال، نقده للدين - وخاصة المسيحية - فقد تأثر به فلاسفة دينيون لاحقون مثل بول تيليش ومارتن بوبر. وتُعتبر رؤى نيتشه ومساهماته في الفلسفة عموماً بعيدة المدى وسابقة للعصر، إذ تتجاوز الزمان والمكان.

نيتشه والنازيون

لعلّ من الغريب أن اسم نيتشه يُرتبط غالبًا بالحزب النازي. فقد قامت شقيقته، إليزابيث فورستر-نيتشه، بتحريف ملاحظاته في إحدى النسخ الأولى من كتاب "إرادة القوة"، في محاولة لتبرير معاداة السامية والفاشية، مع أن البعض يعتقد أنها أرادت حماية إرث أخيها. لاحقًا، حاول النازيون أنفسهم استغلال كتابات نيتشه، مُوظفين فلسفته القاسية التي تبدو وكأنها تدعو للحرب، لتبرير أجندتهم السياسية.

يُوضح نيتشه معارضته لمعاداة السامية في مواضع عديدة، منها رسالته إلى فرانز أوفربيك، المؤرخة في 29 مارس 1883.

لعلّ قدري أن أُعتبر معادياً للسامية، مع أن غرائزي كلها تُعارض ذلك، ولا أتعامل مع أيٍّ من هؤلاء المُعادين للسامية. (Briefwechsel, 587)

إن استعداد نيتشه للسخرية من الشفقة والمساواة، بل وحتى الدفاع عن القسوة، يجعله عرضةً للتفسير، أو سوء التفسير، في سياق الدفاع عن المواقف والسلوكيات القاسية المرتبطة عادةً بالفاشية. لم تكن الفاشية انبثقت فعلياً في القرن العشرين، ومن المحتمل أن يكون نيتشه قد قلل من شأن احتمالية ظهور مثل هذا النظام.

نيتشه والنظرية السياسية

فيما يتعلق بعلاقة نيتشه بالديمقراطية تحديدًا، يبدو للوهلة الأولى أنه لا يُقدّم نفسه كمؤيد أو مدافع عن الديمقراطية أو حتى عن مُثلها. لكن من المؤكد أيضًا أنه لا يُقدّم نفسه لقرائه عمومًا كفيلسوف سياسي. فباستثناء بعض الجدالات ضد الديمقراطية، يتجنب عادةً الخوض في السياسة تمامًا. وهكذا يتضح أكثر فأكثر أن نيتشه مهتم بخلق قادة فاعلين (ليس بالضرورة سياسيين)، ومُجربين جريئين، ومُتحدّين للقيم الشعبية، وما إلى ذلك.

نيتشه والإغريق

تربط نيتشه علاقة فريدة بالإغريق، إذ يُكنّ تقديرًا كبيرًا للفلاسفة ما قبل سقراط، وتقديرًا أقل لسقراط وأفلاطون

وكما هو معروف، حُكم على سقراط بالإعدام من قِبل حكومة أثينا بتهمة الكفر وإفساد الشباب. أما أفلاطون، فليس فيلسوفًا بارزًا في مجال الديمقراطية، مع أن كتابه "الجمهورية" كان يُعنى عمومًا بتصور الحكم الأمثل للمجتمعات؛ وكذلك أرسطو، الذي صنّف الديمقراطية في كتابه "السياسة" (الكتابان الثالث والرابع) كثاني أسوأ أشكال الحكم بعد الاستبداد. ويرى أرسطو أن الديمقراطية تؤدي إلى ما وصفه الكاتب الفرنسي ألكسيس دو توكفيل لاحقًا بـ"استبداد الأغلبية". وبعبارة أخرى، تؤدي الديمقراطية إلى اختلالات في موازين القوى عندما يميل ميل مجموعة أكبر من الناس إلى تطبيق سياسات لا تلبي بشكل كافٍ احتياجات ورغبات الكل، أو مجموعة أصغر من الناس قد تشكل جزءًا من ذلك الكل.

على الرغم من أن سقراط لا يتبنى في كتابه "الجمهورية" رؤية ديمقراطية صريحة للحكم، إلا أن مفهوم الحكم الرشيد للمجتمع لا يتبنى رؤية متشائمة أو طائفية. ولذلك، يمكن اعتبار المدينة المتخيلة في "الجمهورية" لأفلاطون، من وجهة نظر معينة، جمهورية أو "ديمقراطية تمثيلية"، حيث يسعى حكامها إلى تمثيل مصالح المواطنين العليا. ويُختار الفلاسفة الملوك لحكم هذه المدينة المتخيلة لأنهم الأنسب بطبيعتهم للحكم. ونظرًا لطبيعة السلطة المُفسدة، فإن الأنسب للحكم في حكومة الجمهورية المتخيلة هم أولئك الذين يمتلكون، من جهة، القدرة على الحكم، ومن جهة أخرى، ارتيابًا عميقًا واستياءً من طبيعة السلطة؛ فعلاقة هؤلاء بالسلطة ليست علاقة براعة، كما قد يتوقع المرء من السياسيين، بل علاقة فهم؛ وفهمهم للسلطة هو أنها شيء بغيض. كان هدف الملوك الفلاسفة في جمهورية أفلاطون هو إقامة العدل بطريقة تعود بالنفع على المحكومين، فضلاً عن حماية حدود حكومتهم وضمان أمنها. وهذا يُشكّل تناقضاً صارخاً مع نظرتنا للسياسة اليوم: فالديماغوجيون الشعبويون، المتعطشون للسلطة، يُرددون ما يُرضي الجماهير دون الاكتراث بمصالحهم أو الوفاء بوعودهم. يُنظر إلى السلطة، إلى حد ما، كغاية في حد ذاتها، ووسيلة لتحقيق غاية أخرى، ألا وهي ضمان القدرة على الحكم، وإتاحة الفرصة، بكل ما يترتب على ذلك.

***

 

سلطة التفكير التي نمارسها قطعا وبمرات عديدة على الذوات، نستوثق من خلالها الكشف عن السلطة الديكتاتورية التحكمية الفوقية، حتى أننا قد نبيت نحمل أسفارا من المعلومات المعرفية المتنوعة، والوظيفية المتراكمة، وقد لا نستطيع قط حتى ترتيبها في تناسقية أفكارنا المبعثرة، وكيل التطفيف بالحسرة حين نفقد النسقية التكاملية.

من السهل (الممل) وضع رأس ممحاة طيعة ونُفعل من سلطتها سياسة الحذف لكل عُقد وإكراهات حياتنا، وبمقاضاة البحث عن متوالية ادفع نحو التخلص من أداء وأثر الماضي (الذكريات)، وكذا حتى إشكاليات الحاضر (الحلم) الموقعة بإجحاف من لحظات غير بادبة آتية حتما من المستقبل الغابر. ورغم ذلك، فإننا قد نسقط لزاما في صناعة لعبة الفراغات (الغميضة) والبياضات (الفارغة) في دواخل الذات (الأنا)، ولن نقدر حتما على ترميم تلك الفجوات ذات الفتحات المؤلمة بالوجع والألم ونكسات الحلم، ولما لا البحث عن صيغة مداومة بناء سلم سعادة الحياة نقطة نقطة.

من الإشكالات العويصة بانتظام، ضمان البحث عن أجوبة سليمة لسؤال متعدد الصياغات ومتنوع التطلعات: ماذا نريد؟ أو نريد ماذا؟ وفيه هذا (التقديم والتأخير) يلزمنا هذا السؤال (الصعب والسهل) بالضرورة على إعادة الصياغة بالتأني وبالترتيب أو التسبيق (من أنا؟ وماذا نريد؟)، وكأننا نبحث عن حل لإشكالية قديمة لا حل لها بتاتا بسلطة المنطق والعقل: من سبق (الفكر أم اللغة؟) وبتعبير اللغة والتفكير الشعبي: من سبق (البيضة أم الدجاجة؟)

عقم الإجابة الطيعة طبعا لهذه الإشكالية التي حيرت أجيالا سبقت من المفكرين والفلاسفة، لم ترحهم، ولن تريحنا حتى نحن لا بالعقل ولا باستيفاء علل النقل. من تم يبقى البحث عمَّا نريد؟ يتطلب منَّا أولا: الاعتراف بمحدودية التكهنات والتخمينات في ذات الغيب، وكذا ثانيا: عدم ثقتنا في المستقبل الخفي (الغائر بتفكير ودراسة جدوى المتاعب)، فما دمنا نؤمن بسلامة رأي (أخدمْ يا صغري لِكُبْري) وكأننا نبيع التعاسة والشقاق للصغر والشباب، لإراحتنا من همِّ الحياة ونحن كبار السن وفي دور الرعاية الاجتماعية، وبعدها قد نملأ الدنيا بالتحسر عمَّا ضاع منَّا من زمن سليم لصناعة جودة وسعادة الحياة.

كثير منَّا وقد نُجمع القول بالتأكيد، أن جلنا لن يقدر على الإجابة عن سؤال: ماذا نريد؟ إن نحن لم نضع سؤالا آخر ثانيا أكثر مكرا من الأول: من أنا؟ بالموازاة: من نحن؟ إنها لعبة مضحكة لفكر (الحداثة البعدية) الذي لم يحسم في تلك الاستعراضات النهائية.

نعم، ماذا نريد؟ أو نريد ماذا؟  تسيطر علينا الأنانية المفرطة، ونطلق عنان لسان الثرثرة في الإنفاق والتمني (أنا أستهلك...أنا موجود/ الحداثة البعدية)، ونحن نغفل قسما ساميا في حياتيا، ويتمثل في طلب الصحة أولا وأخيرا (العبرة مثلا في تواجد المال وغياب الصحة)، فقد صدق الشاب مامي غناء حين قال:" يا الصحة يا الصحة يا عدوة مولاها ... وإذا غابت الصحة وِينْ رَايَحْ نلقاها..."

الأهم بالضرورة، أن تعريف الذات (الأنا) لن يكون حتما إلا بالموازاة مع تفكير تواجد (الآخر) الذي يصنع المتغير والتحدي والوعي والسجال (عبد الله العروي الإيديولوجية العربية المعاصرة/ التفكير بادئ ذي بدء التفكير بالآخر، هذه القضية الصحيحة او الخاطئة نستوثق من صحتها (صدقها)  في حياتنا الجماعية، وبها بالضبط ينبغي البدء من هو الآخر؟  و ما هو التحدي للذات ؟/ بتصرف).

وبالتأكيد الحزين، قد نفسد بعض من ملذات حياتنا (غياب جودة سعادة الحياة)، في البحث الطويل عن قسط من الإجابات الشافية لهذين السؤالين (بصيغة النكرة/ وأجوبة الاستنكارية)، ونحن نزيد من الإفراط في رهان مضاعفات كمي من الأجوبة المتباينة والمتناثرة هنا وهنالك، في حين لن نقدر بتاتا على استيفاء ولو قسط بسيط من الحقيقة التي تتمثل في الأمانة التي حملها الانسان جهلا وظلما لذاته وعشيرته ونسل خلفه.

من السهل الاشتغال على لغة (الكوتشينغ) المفرطة في التمني وصناعة الحلم، ونحدد نقاط الانطلاق من الذات وبالمرور الآمن بنقاط الخط المستقيم بالترتيب وبدون قفز مفزع نحو حلم ما نريد؟ لكن يبقى التنظير المعياري، يصطدم بالطبع مع الحياة اليومية الاجتماعية والوضعيات الفئوية المتباينة بالتشكل، ويبقى توجيه التشوير يجري في وادي ( جزيرة الوقواق) والحقيقة البينة تكمن في اصطدامات المنعرجات المميتة للمجتمعات.  

حتما نختلف في التنشئة الاجتماعية، وفي كل مستلزمات الإدراك العقلاني، وفي حتى السندات الأصيلة من النقل العقائدي وتزكية الروح بالمنشطات السليمة بالقول والفعل والأعمال الرزينة، لكنا نتحد حلولا في البحث عن بدال الطريق السيار الآمن للذات (الأنا) العاقلة في متاهات إعادة صياغة الأسئلة: ماذا نريد نحن؟ ومن نحن؟.

***

محسن الأكرمين

في عمق العقل الجمعي وفي زواياه المعتمة تشكل وعي الانسان العربي وربما الانسان المعاصر عموما على قناعة خفية مفادها ان الفرح طارئ ثقيل الظل لا يليق به المقام الطويل وان الضحك الصافي فعل مشبوه يحتاج الى تبرير وان الانكسار وحده شهادة النضج والرصانة

نولد مهيئين للضحك لكننا لا نلبث ان نتعلم الحذر منه باكرا كأن الحياة تلقننا دروسها الاولى قائلة ان البهجة نذير شؤم وان الابتسام بغير حساب استفزاز لقوى خفية تترصدنا هكذا ترسخت في وجداننا ثقافة الخوف من السعادة فصرنا نبكي بصدق ونضحك بتحفظ نبتسم ثم نلتفت حولنا اعتذارا للقدر واسترضاء له حتى لا يعاقبنا على لحظة صفاء عابرة. صرنا نرتاب من الفرح ونتعامل معه كما نتعامل مع الأشياء القابلة للكسر نلمسه بحذر ونفرح على استحياء ونتهيأ دائما لما سيعقبه من خسارة محتملة.  نرتدي السعادة كما نرتدي ثياب المواسم العابرة ونخلعها سريعا حين تعصف بنا رياح الواقع. وحين يتحول الحزن من حالة الى عادة ومن رد فعل الى نمط وجودي يصبح اكثر فتكا من المأساة نفسها،  فالألم الذي ياتينا من الخارج يمكن احتماله اما الألم الذي نروضه ونسكنه في أعماقنا وندافع عنه فيصير جزءا من هويتنا ومن يقيننا اخطر انواع الالم لان اليقين بالحزن يغلق أبواب الإيمان بالفرح بلا شروط. هكذا غدت ثقافتنا من حيث لا ندري تعيد انتاج الحزن وتكافئه فترى في العبوس وقارا وفي الصرامة تهذيبا بينما تنظر الى الضحك بريبة وتضع البهجة في خانة قلة الرصانة الحزن صار الاصل والفرح استثناء يحتاج الى مسوغ اخلاقي

نحن جيل تشبع بالحزن حتى ادمنه فصار يزهر في دواخلنا كازهار الخريف جميلة في لحظتها لكنها محكومة بالذبول السريع نضحك من وراء القلب ونبكي من القلب كله ونحسب ان هذا هو الاتزان بينما هو في حقيقته خوف عميق من ان نصدق ان لنا حقا اصيلا في الفرح والحياة.

ان اخطر ما في هذه التربية انها لا تكتفي بانتاج افراد حزينين بل تنتج وعيا مشوها بالعالم وعيا يرى الحياة ساحة امتحان دائم لا مجال فيها للاحتفال ولا قيمة فيها للمتعة الا بقدر ما تسبق العقاب وبهذا المعنى يصبح الحزن ايديولوجيا صامتة تورث. 

استجابة انسانية للمعاناة بقدر ما تحول الى بنية ثقافية راسخة يعاد انتاجها عبر التنشئة واللغة والرموز اليومية حتى غدا معيارا ضمنيا للرصانة والجدية والعمق وعلى هذا الاساس صار الفرح موضع ريبة لا حقا اصيلا وانقلبت المعادلة فتم تطبيع الألم وتجريم البهجة

 ان تحرير الوجدان من هذه البنية لا يمر عبر انكار الواقع او القفز على المأساة بل عبر تفكيك اليقين الزائف الذي يربط النضج بالحزن والحكمة بالإنكسار واعادة الاعتبار للفرح بوصفه قيمة انسانية واخلاقية ومعيارا للصحة الوجدانية لا نقيضا لها

فالمجتمعات لا تتعافى حين تتقن البكاء بل حين تتعلم كيف تفرح دون خوف وتؤمن بان السعادة ليست استثناء مشبوها بل امكانية انسانية مشروعة وشرطا ضروريا لاي مشروع حضاري حي

لعل اول اشكال التحرر هو ان نعيد للفرح براءته وان نفك الارتباط القسري بين السرور والعقاب وان نسمح لانفسنا بان نكون سعداء دون شعور بالذنب مطمئنين دون فزع من الانهيار القادم فالحياة مهما كانت قاسية لا تحتمل الا بقدر ما نملك الشجاعة على الفرح لا بوصفه انكارا للألم بل بوصفه مقاومة له واعلانا صامتا بان الروح خلقت لتتسع للنور لا لتقيم ابديا في الظلام والحزن

وفي المحصلة ليس الحزن علامة عمق كما اوهمونا ولا الفرح دليلا على السذاجة كما لقنونا بل كلاهما موقفان من الوجود نختارهما او ننساق اليهما وحين نراجع علاقتنا بالحزن نكتشف كم مرة عشنا اقل مما نستحق وكم مرة خفنا من الضوء اكثر مما خفنا من العتمة

ان التحرر الحقيقي يبدأ حين نكف عن تربية الخوف في داخلنا ونمنح الفرح حقه الكامل في الاقامة لا كضيف عابر بل كمعنى أصيل من معاني الحياة وحينها فقط لا يعود السرور نذير شؤم ولا تصبح السعادة وعدا مخيفا بل فعلا شجاعا وموقفا أخلاقيا وانتصارا هادئا للروح على كل ما اراد لها الإنكسار.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

الموت الرقمي والذكرى في عصر الشبكات الاجتماعية

في عالم اليوم حيث تتشابك الحياة الواقعية بالفضاء الرقمي، نجد أنفسنا أمام ظاهرة جديدة تتحدى كل المفاهيم التقليدية للموت والخلود والذكرى. لقد صار الموت الرقمي أكثر من مجرد استعارة: هو حقيقة وجودية متغلغلة في نسيج حياتنا، في حيثيات علاقاتنا الاجتماعية، وفي طرقنا التي نحتفظ بها بما خلفناه من صور وكلمات وذكريات على الشبكات الاجتماعية. لم يعد الموت محدودا بالغياب الجسدي أو الحنين إلى الماضي في الذاكرة الجماعية، بل أصبح امتدادا رقميا يتجاوز حدود الزمن، متصلاً بشكل دائم بكل شبكة تربطنا بالآخرين، كما لو أن الخلود نفسه قد وُضع في حزمة بيانات لا تنتهي.

لقد تأمل الفلاسفة منذ القدم في مفهوم الخلود، ولكن هذا التأمل كان دائما محصورا في بعدين: الأول هو البعد الروحي أو الديني، حيث يرى الإنسان أن النفس تخلد بعد الموت؛ والثاني هو البعد الاجتماعي أو الثقافي، الذي يخص بقاء الإنسان في ذاكرة الآخرين، أو في إنجازاته وأعماله. أفلاطون في كتابه فيدون، جعل الخلود مرتبطا بالأفكار والروح التي تنجو من الجسد بعد الموت، بينما أرسطو ركّز على الإرث والذكرى كوسيلة لامتداد حياة الإنسان بعد فناء جسده. في العصر الحديث، ومع الفكر الوجودي لهيجل وسارتر، نلمس قلقا متزايدا حول الموت كفناء حقيقي، وحول غياب معنى للذكرى إذا لم يكن هناك تفاعل مستمر معها.

لكن الشبكات الاجتماعية قلبت هذه المفاهيم رأسا على عقب. فقد جعلت من الذكرى ليس مجرد أثر يتركه الإنسان في محيطه الاجتماعي أو الثقافي، بل أصبحت كيانا حيا يتفاعل ويتراكم بشكل شبه مستقل. فعندما يموت شخص تستمر حساباته على فيسبوك، إنستغرام، تويتر، تيك توك، وغيرها، في الظهور ككيان رقمي يتلقى الرسائل ويشارك الذكريات، ويصبح جزءا من ذاكرة الآخرين بطريقة لم يعرفها التاريخ من قبل. هكذا، صار الإنسان ميتا جسديا، لكنه حيّ رقميا، حضورا لا يمكن تجاهله في فضاء افتراضي دائم، يشبه إلى حد ما الخلود الذي تحدث عنه نيتشه حين وصف الإنسان الذي يترك أثره في التاريخ كجزء من إرادة القوة، لكن هنا الإرادة لم تعد قوة مجردة، بل قوة تقنية تضمن استمرار الصوت الرقمي بعد الصمت المادي.

إن هذا الوجود الرقمي بعد الموت يطرح سؤالا جوهريا: هل ما يظل من الإنسان في الشبكات الاجتماعية هو امتداد حقيقي للذات، أم مجرد نسخة مطابقة تُدار من قبل الخوارزميات؟ هل تظل الذكرى كما كانت نابضة بالحياة، أم أنها تتحول إلى صدى رقمي بارد، يكرر الأحداث بلا وعي؟ هانز جورج غادامير، في فلسفته التأويلية، يشدد على أن فهمنا للآخرين وللزمن يعتمد على التأويل المستمر للمعنى، وهذا التأويل يضع الموت الرقمي في منطقة غامضة: فالذكريات الرقمية ليست مجرد نصوص محفوظة، بل نصوص يتم قراءتها وتفسيرها باستمرار من طرف الأحياء، الذين قد يحرفون المعنى، أو يضيفون عليه أبعادا جديدة، بحيث تصبح الذكرى الرقمية كائنا مستقلا يتعايش مع الزمن بشكل مختلف عن الذكرى التقليدية.

تتعدد مظاهر الموت الرقمي، لكن أكثرها وضوحا يكمن في الطريقة التي تُدار بها الحسابات بعد وفاة صاحبها. ففيسبوك على سبيل المثال، يتيح تفعيل وضع "الحساب التذكاري" الذي يحافظ على بقاء الملف الشخصي، ويتيح للأصدقاء كتابة منشورات تكريمية، بينما تُمنع التعديلات على المحتوى الأساسي. يبدو هذا كإشارة إلى محاولة إعادة إنتاج معنى الخلود في الفضاء الرقمي، لكن مع قيود صارمة تجعل الإنسان ميتا جسديا، وحاضرا جزئيا رقميا. هو حضور محدود لكنه مستمر، وكأنه يُقال لنا: "أنت غير موجود، لكن صدى حضورك سيستمر"، وهو ما يذكّرنا برؤية هيجل للموت والحياة، حيث يظل الإنسان حاضرا في التاريخ والروح الجمعية، لكن هنا الفضاء التاريخي أصبح رقميا مفتوحا على الزمن بلا حدود.

الفلاسفة المعاصرون بدأوا يلحظون هذا التحول العميق. جورجيو أغامبين، في تحليله لمفهوم "الحياة العارية"، أشار إلى أن الإنسان في العصر الحديث صار معرضا لأن يكون موضوعا للبيانات أكثر من كونه كيانا حيا. الموت الرقمي هو نسخة من هذا الواقع، الإنسان يفقد جسده لكنه يستمر كبيانات، كصور، كتعليقات، كحسابات، وكأن الحياة أصبحت مرتبطة أكثر بما يُسجل عنها، وليس بما يعيشه الشخص بالفعل. هذه الظاهرة تعيد صياغة علاقة الفرد بالمجتمع، وتجعل من الذكرى الرقميّة نوعا من "الخلود التقني" الذي يختلف جوهريا عن الخلود الروحي أو الثقافي التقليدي.

في المقابل، يبرز الجانب النفسي والاجتماعي للموت الرقمي. فالذكريات الرقمية تمنح الأحياء شعورا بالاتصال المستمر بالراحلين، وهو شعور يختلف عن الفقدان التقليدي. وهنا يلتقي الإنسان بالآخرين في فضاء افتراضي، حيث تتفاعل الذكريات وتتجدد باستمرار، كما لو أن الموت لم يحدث فعليا. هذه الظاهرة ليست بريئة، فهي تغير طريقة الحزن، وطريقة التعامل مع الموت، وطريقة تكوين الذاكرة الجمعية. من جهة أخرى، قد يؤدي هذا الوجود الرقمي بعد الموت إلى نوع من السكون النفسي القسري، حيث يُصبح الحزن مرتبطا بوجود "ظل رقمي" للراحل، وقد يتحول إلى عبء نفسي لمن يظل مرتبطا بالكيان الرقمي، إذ يذكّره دائما بغياب الجسد، ويجعل الانفصال النهائي مستحيلا تقريبا.

هنا يظهر التوتر بين الحضور والغياب والواقع الافتراضي والواقع المادي، وبين الخلود الرقمي والموت الجسدي. جان بودريار، في نظريته عن المحاكاة والواقع الافتراضي، يوضح أن الصور والتمثيلات قد تصبح أكثر "واقعية" من الواقع نفسه، بحيث تتحول الذكرى الرقمية إلى كيان قائم بذاته، يتجاوز الحاجة إلى وجود الشخص في الحياة الفعلية. في هذا الإطار، قد نكون أمام حالة "موت افتراضي حي"، حيث يبقى الإنسان حاضرا، لكنه بلا جسد، وحيث يتحول الحزن إلى احتفال بالرمز الرقمي، وليس بالوجود الحقيقي.

يمكن الربط بين الموت الرقمي ومفهوم هيراقليطس عن الزمن والتغير المستمر. فالبيانات الرقمية، المنشورات، التعليقات، وحتى الصور والفيديوهات، تتحرك باستمرار ضمن شبكات مترابطة، وتتغير بحسب تفاعل الأحياء معها. الذكرى هنا ليست ثابتة كما كانت في الماضي، بل تتحول وتتطور، وكأنها كائن حي يعيش في فضاء الشبكة الاجتماعية. هذا يطرح أسئلة وجودية عميقة حول الهوية: هل الإنسان هو مجموع البيانات التي تركها، أم أنه شيء آخر يظل غير قابل للحصر الرقمي؟

بالعودة إلى الفكر الإسلامي التقليدي، نجد أن مفهوم البقاء بعد الموت كان مرتبطا بالذكر الطيب والأعمال الصالحة، كما ورد في القرآن الكريم: "فَمَن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره". هذه الرؤية تقوم على فكرة أن البقاء الحقيقي هو بقاء الأثر الأخلاقي والروحي، وليس مجرد بقاء الاسم أو الصور. لكن الموت الرقمي يقدم نموذجا جديدا: البقاء هنا ليس مرتبطا بالمعنى الأخلاقي أو الروحي، بل بالاستمرارية الرقمية، بما يشبه "خلودا صناعيا" يمكن إدارته وإعادة إنتاجه بشكل مستمر.

ثمة بعد آخر يجب الانتباه إليه: اللغة الرقمية تختلف عن اللغة التقليدية في تواصلها مع الموت والذكرى. الكلمات في الشبكات الاجتماعية، سواء كانت تعليقات، منشورات، أو رسائل، تخضع لخوارزميات الترتيب والتصنيف والتذكير. الذكرى هنا تُحذف أو تُعرض بناءً على تفضيلات الآخرين، أو على آليات التفاعل، وبالتالي تتأثر بالزمن والقراءة البشرية والآلية في آن واحد. هكذا تصبح اللغة الرقمية أداة مزدوجة: هي وسيلة للتواصل مع الراحل، لكنها في الوقت نفسه تحدد وتقيّد كيفية تذكره، وكأن الموت الرقمي يُعيد تعريف الذاكرة، ليس كأداة للوفاء أو الحنين، بل كإطار ديناميكي يتفاعل مع الأحياء بشكل مستمر.

لقد جعل هذا التحول الرقمي مفهوم الخلود أقرب إلى تجربة افتراضية، حيث يختلط الفعل بالتمثيل والحياة بالموت، والذاكرة بالبيانات. الإنسان لم يعد فقط كائنا حيا أو متوفى، بل أصبح كيانا متعدد الطبقات: جسدي، نفسي، واجتماعي، ورقمي. وهذا يعيد إلى الأذهان فكرة ديكارت عن الشك الميتافيزيقي: إذا كان الإنسان قادرا على التفكير، فهل يستطيع أيضا أن يعيش بعد موته، وإن كان في صورة رقمية؟ الخلود الرقمي يبدو هنا كإجابة غير مكتملة، غير متجانسة، لكنها موجودة وفعالة، تحمل أبعادا جديدة للموت والذكرى والوجود.

ولعل الشبكات الاجتماعية لم تغير فقط طريقة تواصلنا مع الأحياء، بل أعادت تعريف علاقتنا بالموت وبالخلود وبالذكرى. الذكرى لم تعد مجرد أثر في ذاكرة الآخرين، بل أصبحت كائنا حيا يتحرك ويؤثر، ويتفاعل مع الزمن والتكنولوجيا والمجتمع. الموت الرقمي هو اختبار جديد لفهمنا لماهية الحياة وماهية الإنسان، وللكيفية التي نحتفظ بها بما نحن عليه بعد رحيلنا الجسدي. إنه الخلود الممزق، الخلود الذي صار معلقا بين الحضور والغياب، بين الواقعي والافتراضي والذكرى والبيانات، وبين النفس والتقنية، وهو تجربة فلسفية جديدة تتطلب منا إعادة التفكير في كل ما اعتقدناه عن الموت والخلود والذاكرة.

إذا انتقلنا من النظرية الفلسفية إلى الممارسة العملية، نجد أن الموت الرقمي لم يعد مجرد حالة نظرية، بل أصبح واقعا ملموسا في حياة ملايين البشر. كل يوم يختفي أشخاص جسديا، بينما تستمر حساباتهم على الشبكات الاجتماعية ككيانات رقمية مستقلة، تتلقى التفاعل من الأحياء، وتسهم في إعادة إنتاج حضورهم بطريقة لم يعرفها التاريخ من قبل. فقد سجلت الدراسات الاجتماعية أن 60% من مستخدمي فيسبوك يزورون حسابات المتوفين بشكل دوري، كوسيلة للحزن أو لتخليد الذكرى، وهو سلوك لم يكن موجودا قبل الثورة الرقمية. هذا التحول يشير إلى أننا بصدد ظاهرة جديدة تماما: موت لم يعد مجرد غياب، بل حضور مستمر بوساطة الرموز الرقمية.

الوجود الرقمي بعد الموت يخلق نوعا من "المجتمع الهجين"، حيث يختلط الأحياء بالراحلين، والواقعي بالافتراضي، في شبكة من العلاقات لا تنقطع. إيمانويل كانط يرى أن العقل البشري لا يستطيع تصور الزمن بلا تتابع، لكن الشبكات الاجتماعية تخلق نوعا من الزمن المتعدد الطبقات: لحظة الموت الجسدي، والزمن الرقمي المستمر للبيانات، والزمن التأويلي للأحياء الذين يقرأون الذكرى ويعيدون تفسيرها. بهذه الطريقة، تصبح الشبكة الاجتماعية متحفا حيا أو فضاءً عامًّا يضم الأحياء والراحلين على حد سواء، بحيث يصعب التمييز بين ما هو حاضر وما هو غائب، بين ما هو فاعل وما هو مجرد أثر.

الأبعاد الأخلاقية للموت الرقمي تمثل تحديا آخر. هل يحق للشبكات الاجتماعية أن تحتفظ بحسابات الأموات، وأن تجعل منها كيانات رقمية تتفاعل مع الأحياء؟ الفلاسفة الأخلاقيون مثل بيتر سينغر قد يسألون: ما هي مسؤوليتنا تجاه هؤلاء الذين لم يعودوا موجودين جسديا، لكنهم موجودون رقميا؟ هل نحن ملتزمون بالحفاظ على ذكراهم، أو بإعادة إنتاج حضورهم الرقمي بطريقة تعكس شخصيتهم وقيمهم، أم أن هذا مجرد استغلال للبيانات؟ الواقع أن الكثير من الحسابات الرقمية بعد الموت تُدار بطريقة آلية، من قبل خوارزميات لا تفهم المعنى الحقيقي للإنسان، ولا تأخذ بعين الاعتبار إرادته أو شخصيته. هذه الظاهرة توحي بأن الموت الرقمي يمكن أن يتحول إلى نوع من "الخلود القسري"، حيث يبقى الشخص حاضرا رغم عدم موافقته، ما يثير أسئلة فلسفية عميقة حول الحرية والهوية والسيادة على الذات بعد الموت.

أحد الأمثلة الأكثر وضوحا على هذه الظاهرة هو ما يحدث على منصة فيسبوك بعد الوفاة. فالحسابات التذكارية تتيح للأصدقاء كتابة منشورات على حائط الشخص المتوفى، مشاركة الصور والفيديوهات، وحتى تفعيل الذكريات السنوية التي تذكّر الأحياء بالراحل. هنا نجد أن الذكرى تتحول إلى حدث دوري، وكأن الزمن أصبح دائرة متكررة، حيث يعيش الأحياء تجربة الحزن والوفاء ضمن إطار افتراضي، بعيدا عن الواقع الفعلي للرحيل. لكن هذا النوع من الوجود الرقمي يحمل خطرا ضمنيا، فقد يؤدي إلى تثبيت الشخص في صورة محددة مجمّدة، لا تعكس ديناميكية حياته، ولا تسمح للذكريات بالتطور الطبيعي مع مرور الزمن، كما يحدث عادة في الذاكرة الجماعية التقليدية.

إذا عدنا إلى التحليل الفلسفي، نجد أن هذه الظاهرة تلتقي مع أفكار ميشيل فوكو حول السلطة والمعرفة. فالخوارزميات التي تدير الحسابات الرقمية للمتوفين تتحكم في طريقة ظهورهم، في كيفية قراءتهم، وفي إعادة إنتاج ذكراهم بشكل متكرر. هنا تصبح الشبكة الاجتماعية ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل فضاءً للسلطة الرقمية على الموت والذكرى، حيث تتحكم الشركات التقنية في إعادة إنتاج الوجود بعد الرحيل الجسدي. الموت الرقمي إذا ليس حرية للخلود، بل شكل من أشكال السلطة الرقمية، يتداخل فيه التكنولوجي مع الاجتماعي والأخلاقي، ويخلق علاقات جديدة بين الأحياء والأموات.

الأبعاد النفسية والاجتماعية لهذه الظاهرة عميقة أيضا. فالأحياء يتعاملون مع الموت الرقمي كوسيلة للحفاظ على الاتصال بالراحلين، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يطيل عملية الحزن، أو يحولها إلى شعور دائم بعدم الانفصال الكامل عن الفقد. ويشير علماء النفس مثل إليزابيث كوبلر-روس إلى أن الموت الرقمي قد يغير مراحل الحزن التقليدية، ويخلق تجربة جديدة تتسم بالخلط بين الوجود الفعلي والرمزي. فالحديث مع الحسابات التذكارية أو إعادة نشر صور الراحل أو حتى انتظار التذكيرات السنوية، يصبح جزءًا من ممارسة الحزن، وكأن الحزن نفسه تحول إلى فعل رقمي.

إن الموت الرقمي أعاد تشكيل مفهوم الهوية بعد الموت. فهويتنا لم تعد مرتبطة فقط بالجسد أو بالأثر الاجتماعي المباشر، بل أصبحت مرتبطة بالبيانات التي نتركها، وبطريقة تفاعل الآخرين معها. هذه الهويات الرقمية التي أطلق عليها بعض الباحثين "الأنا الافتراضية"، تتطور بعد الموت، تتغير بتغير التفاعلات الاجتماعية، وتصبح أكثر ديناميكية من الهوية التقليدية. ولكن السؤال المركزي يظل، هل هذه الهوية تمثل الشخص ذاته، أم أنها مجرد صورة افتراضية تُدار بواسطة الآخرين والخوارزميات؟.

ويمكننا ملاحظة أن اللغة الرقمية تُعيد تشكيل العلاقة بين الذكرى والموت. النصوص الرقمية سواء كانت منشورات، تعليقات، أو رسائل، تخضع لآليات مختلفة عن اللغة التقليدية: فهي قابلة للتكرار، للتعديل، للحذف، وللتأويل المتعدد من قبل الأحياء. هكذا تتحول اللغة إلى أداة مزدوجة: وسيلة لتواصل الذاكرة، وأداة للتحكم في كيفية تذكر الأموات. اللغة الرقمية تصبح إذا كيانا حيا يؤثر ويتأثر ويعيد تعريف العلاقة بين الموتى والأحياء، بين الواقع الافتراضي والوجود الفعلي.

لا يمكن تجاهل البعد الثقافي للموت الرقمي. ففي بعض الثقافات مثل الثقافة اليابانية، هناك اهتمام كبير بالحفاظ على ذكرى الأموات من خلال الوسائل الرقمية، بينما في ثقافات أخرى، قد ينظر إلى هذه الظاهرة بريبة، باعتبارها شكلا من أشكال الاستمرارية الصناعية للوجود البشري. هذا الاختلاف الثقافي يعكس طبيعة العلاقة بين الإنسان والموت وبين الذكرى والهوية، وكيف أن التكنولوجيا تُعيد إنتاج هذه العلاقة بشكل مختلف عن الماضي.

في الوقت ذاته، تطرح الشبكات الاجتماعية إمكانيات جديدة للخلود الرمزي. فالصور، الفيديوهات، المنشورات، والرسائل، جميعها تتحول إلى أشكال من الوجود المستمر، تُعيد إنتاج حضور الإنسان بعد رحيله. هذا النوع من الخلود الرقمي يختلف عن الخلود التقليدي، الذي كان يعتمد على الإرث، الأعمال، أو الذاكرة الجمعية، لأنه قائم على البيانات، وهو دائما معرض للتغيير، للتعديل، وللتفاعل المباشر مع الأحياء. هنا يظهر نوع جديد من الخلود، يجمع بين الاستمرارية والتغير وبين الثبات والمرونة والحضور الرقمي والغياب الجسدي.

إن هذا الخلود الرقمي له تداعيات أخلاقية كبيرة على المجتمعات. ففي بعض الحالات، يمكن أن يُستخدم وجود الحسابات الرقمية بعد الموت لأغراض تجارية، سياسية، أو إعلامية، وهو ما يثير أسئلة حول الاستغلال والخصوصية والسيادة على الذات بعد الرحيل. الفلاسفة مثل هابرماس يشددون على أن التواصل الإنساني يجب أن يكون قائما على الفهم المتبادل والحرية، ولكن في حالة الموت الرقمي، تصبح هذه المبادئ معرضة للتشويه، حيث يُدار تواصل الشخص بعد الموت بطريقة قد لا تعكس إرادته أو شخصيته الحقيقية.

يمكن أيضا ملاحظة تأثير الموت الرقمي على الذاكرة الجمعية. فالمجتمعات التي تحتفظ بالذكريات الرقمية قد ترى التاريخ بطريقة مختلفة، حيث تتحول الأحداث إلى سلاسل من البيانات، ويصبح التفاعل مع الماضي متاحا بشكل مستمر، لكنه مُحدد ومقيد بخوارزميات الشبكات الاجتماعية. هذا التحول يطرح تساؤلات حول مدى دقة التاريخ الرقمي، وعن كيفية تأثيره على الهوية الثقافية وعلى فهمنا للزمن والموت.

ويمكن أيضا الربط بين الموت الرقمي وفكرة مارشال ماكلوهان عن "الوسيط هو الرسالة". فالوسائط الرقمية لا تنقل فقط الذكرى، بل تُعيد إنتاجها بطريقة جديدة، وتُحدد شكل الوجود بعد الموت. الموت الرقمي ليس مجرد استمرار للحياة، بل هو شكل جديد من الحياة نفسها، شكل قائم على التفاعل الرقمي، وعلى إعادة إنتاج الحضور والذكرى باستمرار.

إن الموت الرقمي يمثل تجربة فلسفية واجتماعية معقدة، تغير طريقة فهمنا للموت، للذكرى وللهوية. فهو يخلق أبعادا جديدة للخلود، ليس كإرث ثقافي أو روحي، بل كوجود رقمي مستمر، يتفاعل مع الزمن والتكنولوجيا والمجتمع. الشبكات الاجتماعية أعادت تعريف العلاقة بين الأحياء والأموات والواقع والافتراضي، وبين الذاكرة والبيانات، لتصبح الذكرى تجربة ديناميكية مستمرة ومعقدة، تحمل في طياتها قلقا فلسفيا أخلاقيا واجتماعيا جديدا.

وتبعا لما أفضى إليه هذا الاستقصاء النظري ولما بدأناه من استكشاف الموت الرقمي وهي إعادة النظر في مفهوم الإنسان ذاته وفي علاقته بالزمن وبالذاكرة وبالحياة بعد الرحيل الجسدي. ولقد حاولنا أن نكشف في هذه الأسطر المتواضعة عن أن الشبكات الاجتماعية لم تقتصر على كونها أدوات للتواصل، بل أصبحت فضاءات وجودية جديدة، تعيد تعريف حضور الإنسان بعد الموت، وتغير طريقة فهمنا للخلود والذكرى. ففي الماضي كان الخلود يرتبط إما بالبعد الروحي، كما رآه الفلاسفة الكلاسيكيون، أو بالذكرى الاجتماعية والأثر الثقافي كما أشار أرسطو وهيجل، أما اليوم، فإن الخلود الرقمي يضيف بعدا جديدا، حضور دائم قائم على البيانات، قابل للتفاعل، متغير، ومتشابك مع حياة الأحياء.

هذا الحضور الرقمي بعد الموت يطرح أسئلة عميقة حول الهوية، هل الإنسان بعد وفاته الرقمية هو ذاته، أم مجرد نسخة رمزية، تُدار وفق خوارزميات وتعاد إنتاجها بواسطة الآخرين؟ وهل هذا الوجود الرقمي يمكن اعتباره امتدادا حقيقيا للذات، أم أنه مجرد صدى فارغ، يعكس رغبة الأحياء في الاحتفاظ بالراحل دون أن يحمل جوهره الحقيقي؟.

إن الموت الرقمي يمثل تحديا لمفهوم الذات كما عرفه الفلاسفة عبر التاريخ، ويضع الإنسان أمام تجربة وجودية جديدة، تجربة تتعلق بالاستمرارية في الفضاء الرقمي والحضور رغم الغياب، والخلود بصيغة افتراضية قابلة للتغيير والتحكم.

على المستوى النفسي والاجتماعي، يخلق الموت الرقمي نوعا من الحضور المزدوج، فالأحياء يجدون في الحسابات التذكارية وسيلة للتواصل مع الراحلين، وتجربة الحزن بطريقة رقمية، لكنها أيضا تجربة تحددها الخوارزميات والبيانات، ما يخلق علاقة جديدة بين الحنين والفقد، بين الواقع الافتراضي والغياب الجسدي. لقد تحول الحزن من عملية فردية وجماعية إلى فعل رقمي يتكرر ويتفاعل، وكأن الموت أصبح حدثا مستمرا، لا يمكن أن يكتمل بفعل الرحيل الجسدي وحده.

من الناحية الثقافية، يؤكد الموت الرقمي كيف أن التكنولوجيا تعيد إنتاج الهوية والذاكرة الجمعية. فالمجتمعات التي تعتمد على الشبكات الرقمية في تخليد الذكريات تواجه تحديات جديدة في تفسير التاريخ وفهم الماضي وبناء الهوية الجماعية. فالذكريات الرقمية رغم استمرارها معرضة للتعديل والتفسير، وليست ثابتة كما كانت الذكرى التقليدية. وهنا يظهر بعد آخر للخلود الرقمي، الخلود الذي ليس مجرد استمرار للحياة، بل حياة قائمة على إعادة التفسير والتفاعل المستمر، حياة لا تنفصل عن الأحياء الذين يقرأون ويعيدون إنتاجها.

الفلاسفة المعاصرون من بودريار إلى أغامبين، يشيرون إلى أن هذه الظاهرة تمثل تحولا جوهريا في فهم الإنسان والوجود والموت. فالوجود الرقمي بعد الموت يخلق نوعا من "الحياة بعد الفناء"، حيث تتحول البيانات إلى كيانات قائمة بذاتها، تتفاعل، تؤثر، وتُعيد إنتاج الحضور. هذه الظاهرة ليست مجرد تقنية، بل تجربة فلسفية وجودية، تتحدى المفاهيم التقليدية للموت والخلود والذاكرة، وتفرض علينا إعادة التفكير في العلاقة بين الذات والآخرين، بين الجسد والرمز وبين الحياة والموت.

إن الموت الرقمي يمثل تحديا للوجود الإنساني بقدر ما يمثل فرصة لإعادة تأمل العلاقة بين الحياة والموت والخلود والذكرى. الشبكات الاجتماعية جعلت من الذكرى تجربة ديناميكية مستمرة ومعقدة، تحمل في طياتها أبعادا أخلاقية فلسفية ونفسية لم يكن التاريخ البشري يعرفها من قبل. الإنسان المعاصر إذ يتعامل مع هذه الظاهرة، مدعو إلى التفاعل الواعي مع الوجود الرقمي بعد الموت، إلى إدراك أن الخلود لم يعد مجرد إرث روحي أو ثقافي، بل أصبح تجربة رقمية، تحمل في طياتها إمكانيات جديدة للوجود، لكنها أيضا تتطلب تأملا عميقا ومسؤولية أخلاقية تجاه الذات والآخرين.

في ضوء ما سبق، يمكن اعتبار الموت الرقمي دعوة للتفكر في معنى الحياة نفسها، في حدود الزمن المادي وفي حدود الجسد، وفي حدود الذاكرة التي يمكن أن تتحول إلى بيانات قابلة للتكرار والتحكم. إنه اختبار لفلسفة الهوية وللخلود وللعلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، وعلامة على أن الحضور بعد الموت لم يعد مسألة غيبية أو رمزية فحسب، بل أصبح قضية تقنية اجتماعية وفلسفية في آن واحد.

الخلود الرقمي إذن ليس مجرد استمرار في الذاكرة، بل إعادة تعريف للحياة بعد الموت، وإعادة إنتاج للوجود في فضاء افتراضي متغير، يحاكي الحضور، لكنه لا يعكس الواقع الكامل. إنه الخلود في زمن البيانات، والذكرى في زمن الخوارزميات، والحياة بعد الرحيل الجسدي في فضاء افتراضي دائم التغير. وهكذا، يصبح الموت الرقمي أكثر من ظاهرة تقنية، إنه تجربة إنسانية جديدة، تُعيد تشكيل فهمنا للزمن وللهوية وللحياة وللموت نفسه، وتضعنا أمام مسؤولية فلسفية وأخلاقية تجاه كيفية تذكرنا وكيفية تفاعلنا مع الوجود الرقمي للراحلين، وكيفية المحافظة على جوهر الإنسانية وسط عالم رقمي دائم التطور والتغير.

***

د. حمزة مولخنيف

أضحى التنافس المحموم حول الكيانات الإعلامية جزءاً عضويا من الاستراتيجيات العميقة التي تعتمدها القوى الكبرى، انطلاقا من إدراكها أن إخضاع الوعي يشكل المدخل الأنجع لإعادة تشكيل المجال السياسي والرمزي. فالإعلام المعاصر يتموضع داخل منظومات اشتغال معقدة، تُصمَّم فيها خوارزميات دقيقة تستهدف إعادة هندسة البنيات الفكرية والانفعالية للجماعات، بما يجعلها أكثر قابلية للتطويع وأسرع استجابة لمنطق السلطة.

وتشتغل هذه المنظومات على إحداث تحولات صامتة في الإدراك الجمعي، حيث يُعاد إنتاج الخضوع في صورة قبول، والانقياد في هيئة اختيار، فتتآكل مناعة النقد تدريجيا، ويغدو الانحياز نتيجة تلقائية لمسارات مبرمجة سلفاً. وبهذا المعنى، تتحول السيطرة إلى فعل غير مرئي، يُمارَس من داخل الذهن، ويستمد فعاليته من اعتياده اليومي وتغلغله البطيء.

 في هذا السياق، يتخذ جيوبوليتيك الإعلام أبعادا سوسيولوجية مركبة، تتجاوز حدود التواصل والتأثير المباشر، ليغدو مجالا تتقاطع فيه السلطة والمعرفة والرمز، حيث تُدار الصراعات الكبرى عبر التحكم في أنساق المعنى، وصياغة السرديات، وتوجيه الأفق الإدراكي للجماعات، بما يجعل الهيمنة فعلا ذهنيا يسبق كل تجلٍ مادي لها.

أضحى لزاماً على خبراء الإعلام أن ينخرطوا في تفكير استراتيجي عميق يروم تجاوز مأزق التبعية الاتصالية والإعلامية، عبر استنهاض القابليات المواطِنة، وتوسيع أفق الوعي الجماعي نحو بناء إطار نسقي قادر على إنتاج شروط الاستقلالية. ويتم ذلك في سياق بالغ التعقيد، يتسم بتسارع التحولات، وتكثف تدفقات المعطيات، وتنامي التضليل، وتبدل أنماط التلقي والقراءة، بالتوازي مع صعود أدوات الذكاء الاصطناعي واتساع النقاشات المرتبطة بالحياد والمصداقية.

 ضمن هذا المشهد المتشابك، تنكشف وظيفة الإعلام بوصفها فعلا تأسيسيا يتجاوز الأداء التقني إلى أفقه القيمي، حيث تتجلى أبعاده الأخلاقية والمهنية باعتبارها مرتكزا بنيويا في تشييد الخصوصية الإعلامية. فامتلاك البرامج والخطابات ذات المحتوى المنهجي لا يتحقق إلا من خلال إعادة وصل الإعلام بسياقه المحلي والثقافي، بما يجعله تعبيرا صادقا عن الهوية العميقة، لا مجرد صدى لنماذج مستوردة أو استنساخٍ لخطابات مهيمنة.

 في هذا الإطار، لا يعود الإعلام مجرد وسيط بين الحدث والمتلقي، بل يتحول إلى بنية إنتاج للواقع ذاته، حيث لا تُنقل الوقائع بقدر ما يُعاد تركيبها داخل أنساق دلالية محكومة بموازين القوة. فالسرديات الإعلامية لا تنشأ في فراغ، وإنما تتغذى من منظومات مصالح، وتشتغل ضمن حقول تنازع رمزي، يُعاد من خلالها ترتيب ما يُرى وما يُحجب، وما يُقدَّم باعتباره مركزيا وما يُدفع إلى هامش اللامرئي.

وهكذا، يغدو التحكم في تدفق المعنى شرطا لازما لإعادة إنتاج الهيمنة، لا باعتبارها قهرا مباشرا، بل بوصفها انتظاما طبيعيا للواقع في وعي الأفراد. ومن زاوية أعمق، يندرج هذا التحول ضمن ما يمكن تسميته بـ"عقلنة السيطرة"، حيث تُستبدل أشكال الضبط الخشنة بأنماط أكثر نعومة وفعالية، قوامها التوجيه غير المباشر، والتكييف الإدراكي، وصناعة الإجماع الصامت. ففي ظل اقتصاد الانتباه، تصبح السيطرة رهينة بالقدرة على احتلال الزمن الذهني للفرد، وتوجيه انتباهه، واستنزاف طاقته التأملية، بما يقلص إمكانات المساءلة والتفكير النقدي. وبهذا المعنى، يتقاطع الإعلام مع آليات السوق، ويتحول المعنى نفسه إلى سلعة تخضع لمنطق العرض والطلب. ويتضاعف هذا التعقيد مع صعود الذكاء الاصطناعي، الذي لا يكتفي بتسريع إنتاج المحتوى، بل يشارك في إعادة تشكيل شروط المعرفة ذاتها. فالخوارزميات، بما تحمله من افتراضات مضمَرة ومعايير غير محايدة، تسهم في إعادة ترتيب الأولويات، وتصنيف الأفراد وتوجيه أذواقهم، بما يجعل الحياد الإعلامي مفهوماً إشكاليا أكثر من كونه حقيقة قابلة للتحقق.

 وهنا تتجلى خطورة التحول من إعلام يصنع المعنى إلى أنظمة تصنع أنماط التفكير ذاتها، وتحدد مسبقا مسارات التلقي والاستجابة. أمام هذا الوضع، يكتسب سؤال الاستقلالية الإعلامية بعدا معرفيا وسياسيا في آن واحد، إذ لا يمكن اختزاله في امتلاك الوسائل أو التحكم في الأدوات، بل يتأسس على القدرة على إنتاج رؤية للعالم تنبع من السياق التاريخي والثقافي للمجتمع. فالتحرر من التبعية الاتصالية يفترض بناء ذات إعلامية واعية بذاتها، قادرة على تفكيك الخطابات المهيمنة، وإعادة مساءلة المسلمات، واستعادة الفعل التواصلي بوصفه ممارسة مواطِنة لا مجرد استهلاك رمزي.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف الوظيفة الاجتماعية للإعلام، باعتباره فضاءً عموميا للنقاش العقلاني، ومجالا لتداول المعنى، لا مجرد منصة للتأثير أو التوجيه. فالإعلام الذي يستمد شرعيته من المجتمع، ويغتني بتعدديته الثقافية واللغوية، يصبح قادرا على إنتاج سرديات بديلة، توازن بين الكوني والمحلي، وتؤسس لخصوصية لا تنغلق على ذاتها، ولا تذوب في نماذج وافدة. في المحصلة، يتحدد الرهان الحقيقي لجيوبوليتيك الإعلام في الانتقال من منطق التبعية إلى أفق السيادة الرمزية، حيث تُستعاد الكلمة من قبضة الخوارزمية، ويُعاد الاعتبار للمعنى بوصفه فعلا إنسانيا حرا، مرتبطا بالمسؤولية الأخلاقية، وبقدرة المجتمع على أن يروي ذاته بذاته، لا أن يُروى نيابة عنه.

***

د مصطفى غَلــــمَــان

 

بل مجتمعاً بلا حدود داخلية

مقدمة: في عصرنا الحالي، الذي يشهد تزايداً في التنوع الثقافي والعرقي والفكري داخل المجتمعات، يبرز مفهوم "المجتمع الموحد" كأحد أبرز التحديات الاجتماعية والسياسية. غالباً ما يُفهم هذا المفهوم بشكل خاطئ، حيث يُعتقد أنه يعني القضاء على كل أشكال الاختلافات لصالح توحيد قسري. ومع ذلك، فإن المجتمع الموحد الحقيقي ليس مجتمعاً خالياً من الاختلافات، بل هو مجتمع يتجاوز الحدود الداخلية التي تفصل بين أفراده، مما يسمح بتعايش التنوع ضمن إطار مشترك. هذا المفهوم يعكس تحولاً في النظرية الاجتماعية من التركيز على التماثل إلى التركيز على التكامل، حيث تُصبح الاختلافات مصدر قوة لا ضعف. في هذا المقال، سنستعرض هذا المفهوم بشكل موسع، لنكشف كيف يمكن للمجتمعات أن تحقق الوحدة دون التخلي عن تنوعها.

تعريف المجتمع الموحد وأهمية التمييز بين الاختلافات والحدود الداخلية

يُعرف المجتمع الموحد بأنه نظام اجتماعي يجمع بين أفراد متنوعين تحت مظلة مشتركة من القيم والأهداف، دون أن يفرض عليهم تماثلاً كاملاً. الاختلافات هنا تشمل التنوع الثقافي، العرقي، الديني، والفكري، والتي تعتبر ضرورية للابتكار والتطور الاجتماعي. أما الحدود الداخلية، فهي الحواجز النفسية والمؤسسية التي تحول دون التفاعل الحر بين هذه المجموعات، مثل التمييز العنصري أو التقسيمات الطبقية. في هذا السياق، يمكن القول إن الوحدة لا تتحقق بالقضاء على الاختلافات، بل بإزالة هذه الحدود ليصبح التنوع جزءاً من النسيج الاجتماعي المشترك. من الناحية النظرية، يعتمد هذا التمييز على أفكار الفلاسفة الاجتماعيين مثل جورج سيميل، الذي رأى في الحدود مؤسسات داخلية لبناء الهوية، لكنها يمكن أن تتحول إلى أدوات للفرز البيولوجي إذا لم تُدار بشكل صحيح.  كما أن القومية، كما يوضحها بعض الدارسين، يمكن أن تكون قوة توحيدية للمجتمعات المتنوعة، لكنها تصبح مدمرة عندما تؤدي إلى عنف أو انقسام.  هنا، يبرز الفرق الجوهري: الاختلافات تبني الثراء الثقافي، بينما الحدود الداخلية تعيق الانسجام.

المجتمع الموحد في الحالة العربية

في السياق العربي، يُعد مفهوم "المجتمع الموحد" تحدياً تاريخياً واجتماعياً يعكس التوتر بين التنوع الغني والسعي نحو الانسجام الجماعي. غالباً ما يُفهم هذا المفهوم بشكل خاطئ كمحاولة للقضاء على الاختلافات الثقافية، العرقية، الدينية، والقبلية، لصالح توحيد قسري يمحو الهويات الفرعية. ومع ذلك، فإن المجتمع الموحد الحقيقي في الحالة العربية ليس خالياً من الاختلافات، بل هو مجتمع يتجاوز الحدود الداخلية التي تفصل بين مكوناته، مما يسمح للتنوع بأن يصبح مصدر قوة لا ضعف. هذا النهج يعتمد على تحول في النظرية الاجتماعية من التماثل إلى التكامل، حيث تُدار الاختلافات ضمن إطار مشترك يعزز السلام والتطور. في هذا المقال، سنستعرض هذا المفهوم بشكل موسع، مستندين إلى أمثلة تاريخية عربية ونظرية، لنكشف كيف يمكن للمجتمعات العربية تحقيق الوحدة دون التخلي عن تنوعها، مع التركيز على التحديات مثل الطائفية والقبلية التي تشكل حدوداً داخلية. كما يُعرف المجتمع الموحد في الحالة العربية بأنه نظام اجتماعي يجمع بين شعوب متنوعة تحت مظلة مشتركة من القيم العربية والإسلامية، دون فرض تماثل كامل. الاختلافات تشمل التنوع العرقي (عرب، أكراد، أمازيغ)، الديني (مسلمون سنة وشيعة، مسيحيون، إلخ)، والقبلي، والتي تعتبر ضرورية للابتكار والحيوية الثقافية. أما الحدود الداخلية، فهي الحواجز النفسية، السياسية، والمؤسسية التي تحول دون التفاعل الحر، مثل الطائفية أو التقسيمات القبلية التي تؤدي إلى صراعات داخلية.  في هذا السياق، تتحقق الوحدة بإزالة هذه الحدود ليصبح التنوع جزءاً من النسيج العربي المشترك. من الناحية النظرية، يعتمد هذا التمييز على أفكار مفكرين عرب مثل ساتع الحصري، الذي رأى في الوحدة العربية قوة تجمع التنوع دون إلغائه، لكنها تواجه عقبات مثل الطائفية التي تعيق الانسجام.  كما أن القومية العربية، كما يوضحها بعض الدارسين، يمكن أن تكون توحيدية للمجتمعات المتنوعة، لكنها تصبح مدمرة عندما تؤدي إلى عنف طائفي أو قبلي.  هنا، يبرز الفرق الجوهري: الاختلافات تبني الثراء الثقافي، بينما الحدود الداخلية تعيق الوحدة، كما في حالات الطائفية في العراق أو السورية، حيث تحول التنوع إلى صراع بسبب السياسات التقسيمية. لنأخذ الجمهورية العربية المتحدة (1958-1961) بين مصر وسوريا كمثال. كانت محاولة للوحدة العربية تحت قيادة جمال عبد الناصر، لم تقضِ على الاختلافات الثقافية أو الاقتصادية بين البلدين، بل سعت إلى إزالة الحدود الداخلية لتعزيز التعاون. ومع ذلك، فشلت بسبب التنافسات الداخلية والطائفية، مما أدى إلى انفصال سوريا، لكنها أظهرت إمكانية الوحدة إذا تم إدارة التنوع بشكل صحيح.  كذلك، الجامعة العربية (تأسست 1945) تمثل نموذجاً لمجتمع موحد يحتفظ بالتنوع، حيث تجمع 22 دولة عربية دون إلغاء سيادتها، لكنها تواجه تحديات في إزالة الحدود الداخلية. هذه الأمثلة تظهر أن الوحدة العربية لا تتطلب التماثل، بل القدرة على التعايش دون حواجز، كما في الاتحاد المغاربي الذي يسعى لتوحيد الدول المغاربية مع الحفاظ على تنوعها الثقافي. من جانب آخر، في لبنان، يُعتبر النظام الطائفي نموذجاً لمجتمع متنوع، لكنه يعاني من حدود داخلية طائفية تحول دون الوحدة الحقيقية، كما في النزاعات بين السنة والشيعة.  ومع ذلك، يمكن للثقافة أن تلعب دوراً في إزالة هذه الحدود، كما في مشاريع التراث المشترك التي تعزز التعاون عبر الطوائف.

التحديات والآفاق المستقبلية

رغم الفوائد، يواجه مفهوم المجتمع الموحد تحديات، مثل انتشار الكراهية والتمييز الذي يعيد بناء الحدود الداخلية. في هذا السياق، يُؤكد بعض الدارسين على ضرورة إعادة صياغة التفكير الحدودي ليصبح أداة للتبادل لا للانفصال.  كما أن القومية المفرطة قد تحول التنوع إلى مصدر صراع، لكنها يمكن أن تكون بناءة إذا ركزت على التوحيد الداخلي دون استبعاد الآخرين. في المستقبل، يمكن للتكنولوجيا والعولمة أن تساعد في إزالة هذه الحدود، كما في رؤية عالم موحد تحت حكومة واحدة، حيث يصبح الجميع مواطنين عالميين دون فقدان هوياتهم الخاصة. هذا يتطلب سياسات تعليمية وثقافية تعزز الاحترام المتبادل.

رغم الفوائد، يواجه مفهوم المجتمع الموحد في العالم العربي تحديات كبيرة، مثل الطائفية التي تعيد بناء الحدود الداخلية، كما في العراق وسوريا حيث أدت إلى نزاعات مدمرة.  كذلك، القبلية تمثل حاجزاً، حيث تحول الولاءات القبلية دون الوحدة الوطنية، كما في اليمن أو السعودية.  بالإضافة إلى ذلك، التدخلات الخارجية، مثل اتفاقية سايكس-بيكو، رسمت حدوداً مصطنعة أدت إلى تقسيمات داخلية مستمرة.  يُؤكد بعض الدارسين على ضرورة إعادة صياغة التفكير الحدودي ليصبح أداة للتبادل لا للانفصال. في المستقبل، يمكن للعولمة والتعليم أن تساعد في إزالة هذه الحدود، كما في رؤية مجتمع عربي موحد يعتمد على التنوع كقوة، مستلهماً من الإسلام الذي يرى في الاختلافات آية إلهية.  هذا يتطلب سياسات تعزز الاحترام المتبادل والتكامل الاقتصادي، مثل تعزيز الجامعة العربية لتصبح أكثر فعالية في حل النزاعات.

خاتمة

المجتمع الموحد ليس حلماً مثالياً يقضي على الاختلافات، بل واقعاً عملياً يزيل الحدود الداخلية ليسمح بتعايش التنوع. هذا النهج يعزز السلام والابتكار، كما رأينا في أمثلة تاريخية مثل ألمانيا والأوروبا. ومع ذلك، يتطلب ذلك جهوداً مستمرة لمواجهة التحديات، مستلهمين من النظريات الاجتماعية التي ترى في الثقافة جسر الوحدة. بهذا، يصبح المجتمع الموحد نموذجاً لعالم أفضل، حيث تكون الاختلافات مصدر إثراء لا انقسام. وبالتالي المجتمع الموحد في الحالة العربية ليس حلماً مثالياً يقضي على الاختلافات، بل واقعاً عملياً يزيل الحدود الداخلية ليسمح بتعايش التنوع. هذا المنهج يعزز السلام والابتكار، كما رأينا في محاولات تاريخية مثل الجمهورية العربية المتحدة والثورات العربية. ومع ذلك، يتطلب جهوداً مستمرة لمواجهة التحديات مثل الطائفية والقبلية، مستلهمين من النظريات العربية التي ترى في الثقافة جسر الوحدة. بهذا، يصبح المجتمع الموحد نموذجاً لعالم عربي أفضل، حيث تكون الاختلافات مصدر إثراء لا انقسام. فكيف يعيد المجتمع في الحالة العربية ترميم ذاته ورأب تصدعاته؟

***

زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

لقد أدرك معظم متكلمي وفلاسفة الحضارة الإسلامية أهمية المنهج سواء في جمع المعلومات، أو تصنيف المعارف، أو نقد وغربلة الأفكار، وذلك لتجنب الخطأ الذي يوقعهم في دائرة الباطل أو نقل الحقائق على غير وجهها الصحيح، أي الكذب والتزوير الذي لا يليق بمقامهم.

ومن ثمّ حرص المؤدبون والحكماء على توخي الحذر في انتقاء ما يرددونه في مشروعاتهم الإصلاحيّة والتربويّة والتقويمية سواء للرأي العام القائد في صورة نصائح، أو للرأي العام التابع في صورة توجيهات ومواعظ، أو في صورة توعية وتلقين وتعليم وتدريب للرأي العام الناشئ (الصغار والصبية)، وقد مكنهم ذلك من بناء آرائهم على نسقية منطقية يتعذر نقضها سواء في تأليف الكتب والأبحاث وإجراء التجارب أو في التساجل أو التناظر أو صنع الغرابيل التي تفصل بين الصدق والكذب بكل أشكالهما، ويبدو ذلك واضحًا في كتاباتهم عن تصنيف العلوم في التربية الخُلقية والسياسية، وفي الأخلاق العامة وتهذيب النفس والآداب الاجتماعية، ذلك فضلًا عن نقودهم العلميّة للموروثات التراثية ولا سيما في ميدان العلوم التجريبية.

فها هو ابن المقفع (ت759 م) يؤكد على القائمين على التوجيه من المربيين والمعلمين والواعظين والمقومين توخي الحذر من الوقوع فيما عساه يكون مخالفاً للحقيقة التي ينبغي تحصيلها بدقة الفحص ونفعية المقصد وخيرية المآل، وهو يتفق في ذلك تمام الاتفاق مع أوائل المربيين وأكابر المعلمين في صدر الحضارة الإسلامية نذكر منهم (محمد بن سحنون (ت 256 م) وعبد الله بن حارث (ت 705 م) والضحاك بن مزاحم (ت 725 م) والكميت الشاعر (ت 744 م) وأبي بكر بن العربي (ت 1148 م) وأبو سعيد المؤدب!! وأبو بكر صالح الكلبي !!)

ويُلزم ابن المقفع المعلمين بوجه عام بضرورة صياغة المعارف التي يذكرونها في خطاباتهم بأسلوب يتناسب مع قدرات المتلقي؛ ليحسن تطبيقها والعمل بمقتضاها كما يوجب على المصنفين من الكُتاب والرواة توخي الصدق والانتصار للحق - حتى لو كان مخالف لوجهتهم -  ويجمعون الأدلة والبراهين لكل صغيرة وكبيرة ثم يراجعون كل ما ازمعوا البوح به وإذاعته بين الجمهور، وذلك كله تجنبًا للكذب بكل أشكاله التي تبدأ بالتهوين أو التهويل وتنتهي بالإضلال والتجهيل.

ويقول في ذلك (إنّ الكذب ليس له أصل ولا هيئة ثابتة شأنه شأن ظل الغمام، وخلة الأشرار، وعشق النساء، والنبأ الكاذب، والمال الكثير). ويضيف أن أسوأ أشكال الكذب هو الكذب على النفس وإقناعها بما يتوهم من فضائل في ذاته وقدرات لا يمتلكها فيصاب بالغرور والحمق والكبر. ويقول (من أشد عيوب الانسان خفاء عيوبه عليه. فإن من خفي عليه عيبه خفيت عليه محاسن غيره، ومن خفي عليه عيب نفسه ومحاسن غيره فلن يقلع عن عيبه الذي لا يعرف، ولن ينال محاسن غيره التي لا يبصرها ابدًا).

ويمضي ابن المقفع في ارشاداته مبينًا أن الكذوب المخادع يعرف بمجافاته للفضائل وعزوفه عن مجالسة الأخيار وإقباله على الشهوات والرذائل والخوض فيما لا يعلم من سيرة العلماء والأكابر.

ويقول (من علامات اللئيم المخادع أن يكون حسن القول، سيء الفعل، بعيد الغضب، قريب الحسد، حمولًا للفحش، مجازيًا بالحقد، متكلفًا للجود، صغير الخطر، متوسعًا فيما ليس له، ضيقًا فيما يملك)....( ليكن المرء سؤولًا، وليكن فصولًا بين الحق والباطل، وليكن صدوقًا ليُؤمن على ما قال، وليكن ذا عهد ليُوفي له بعهده).

ولم تقتصر كتابات ابن المقفع على النصح والإرشاد سواء للأطفال أو الصبيان أو توجيه العوام بل ذهب إلى أبعد من ذلك فراح يذكر أولي الأمر من السلاطين والقادة بأن السلطة والقيادة تحتاج إلى حزم بلا تجبر أو جور وحسم بلا استبداد، وصحبة من المستشارين العلماء وليس المتعالمين ولا الأدعياء.

ويقول في ذلك (إياك إن كنت واليًا أن يكون من شأنك حب المدح والتزكية ... واعلم أن قابل المدح كمادح نفسه ... واعلم أن ليس للملك أن يكذب؛ لأنه لا يقدر أحد على استكراهه على غير ما يريد).

أما محمد بن إسحاق الكندي (ت 873 م) فيري أن الكذب هو نقيض الحقيقة التي يمكن التحقق منها أو إدراكها بالحواس، وهو ضد الحكمة العقليّة التي توازن بين طبائع الأشياء والمتفق عليه من الأخبار والسلوك والطبائع الصحيحة، ويقابل الكندي بين اليقين العقلي والوحي الإلهي، ويربط بينهما باعتبارهما الصدق المطلق وضدهما هو الكذب بكل أشكاله وهو خلاف الفضيلة.

وإذا كان الصدق هو الذي ينبأ بخيريّة النفس وسلامتها من الشر، فإنّ الكذب يكشف عن فساد تلك النفس وميلها إلى ارتكاب الرذائل.

والجدير بالإشارة أن حديث الكندي لم يكن موجه للتربويين أو الوعاظ فحسب، بل كان موجهًا إلى أهل الرأي الذين يغلبون أهوائهم ومصالحهم الشخصية على دونها،  فيكذبون ويزورون الحقائق ويقدحون في الأمور المخالفة لأهوائهم ووجهتهم، ولعل أشهر ما ذكره الكندي في هذا المضمار يبدو في رسالته إلى المعتصم في سياق دفاعه عن الحكمة العقلية التي شكك في صحتها بعض المشاهير من الفقهاء في عصره، فوصفهم بالتزوير والكذب على السلطان ليصرفوه عن طريق الحق وترغيب الرأي العام في أقوالهم الجاهلة، ومعتقداتهم الفاسدة، فبين أن أعداء الحكمة العقلية لا يتبعون الحق وأنهم ضيقوا الفهم وأن الحسد يأكل قلوبهم، ويجعلون من أكاذيبهم سبيلًا للدفاع عن كراسيهم المزورة عند أصحاب السلطان، وأنهم بذلك يتاجرون بالدين للحفاظ على منافعهم ومكانتهم بين الناس. فيقول (إنّه ينبغي لنا ألا نستحي من الاستحسان الحق، واقتناء الحق من أين أتى، وإن أتى من الاجناس القاصية عنا، والأمم المباينة لنا؛ فإنه لا شيء أولى بطلب الحق من الحق، وليس يبخس الحق ولا يصغر بقائله ولا بالآتي به إلا أهل الباطل).

وتبدو أهمية حديث الكندي - عن أكاذيب المدلسين الطاعنة في حكمة الفلاسفة للدفاع عن كراسيهم المزورة - في أثارته واحدة من أكبر القضايا التي عجلت بأفول شمس الحضارة الإسلامية المتمثلة في  الادعاءات الكاذبة  التي ذاعها الجامدون من قادة الرأي، واتهموا فيها الفلاسفة بالكفر والمروق، فقد عانت الحضارة الإسلامية من هذه الأكاذيب التي حرضت العوام والحكام على  حرق كتب الكثير من الفلاسفة المسلمين، إمّا على يد العوام الذين غرر بهم فثاروا مدافعين عن دينهم، أو بأمر من السلطان اتقاءًا لغضبة الجمهور، أو يأسًا من قبل المؤلفين أنفسهم مثل (أبو سليمان الداراني (ت 830 م) الصوفي الذي قام بحرق مؤلفاته وهو يبكي على ما فيها قائلًا : ما حرقتك حتى كدت أحترق بك). (وابن الراوندي (ت 911 م) الذي حرقت كتبه في أواخر القرن الثالث الهجري عقب حكم معظم فقهاء عصره ومتكلميه عليه بالزندقة وانكار النبوة والتجديف، وذلك من جراء بوحه بارتيابه وشكوكه وتصريحه بذلك للعوام).

(وقد أحرق أبو حيان التوحيدي كتبه يأسًا وإحباطًا لجحد معاصريه لعلمه وإنكارهم لمكانته الأدبية والفلسفية، وخوفًا من كيد حساده عليه فيأولون كتاباته على وجه مكذوب فيحرضون العوام والحكام على قتله).

(وابن سينا الذي حرقت بعض كتبه في أوائل القرن الخامس الهجري لمسايرته فلاسفة اليونان في القول بقدم العالم وإنكاره البعث الجسماني؛ الأمر الذي أثار العوام بتحريض من أدعياء العلم والفقهاء). (وقد حرقت كتب ابن حزم الأندلسي لاجتهاداته العقلية وآرائه السياسية، وذلك بتحريض من الجامدين من فقهاء المالكية وقادة الرأي في حكم المرابطين).

(وحرقت كتب أبي حامد الغزالي أيضًا لآرائه الصوفية ولاسيما في كتابه إحياء علوم الدين الذي لم يرق ما فيه من آراء لفقهاء المرابطين). (وقد حرقت كذلك كتب ابن رشد (عام 1194 م) لتبحره في الفلسفة واتهامه فقهاء عصره بالجمود والجهل). (ولم يسلم ابن تيمية من كيد معاصريه وجور حكامه ودس مخالفيه من المتعالمين، وذلك من جراء اجتهاداته الشاذة واجترائه في التفسير وجرأة آرائه في السياسة).

وليس هناك أفضل من حديث جالينوس العرب عن تلك القضية التي حرّمت حرية التفكير، وجرّمت حق الحكماء في الشك والارتياب والنقد والمراجعة، بل وفي الاجتراء أحيانًا في رحلة بحثهم عن الحقيقة، وأغلقت باب الاجتهاد أيضًا بحجة الدفاع عن الموروث. وأباحت في الوقت نفسه كذب الادعياء من الفقهاء، وتلفيق المنتفعين، واستبداد السلاطين والخلفاء.

فها هو أبو بكر الرازي (ت 925م) مدافعًا عن الصدق والحق، موضحًا ضرورة الإخلاص في طلب العلم والوصول للحقيقة والتحلي بالفضائل في كل عمل يوكل به الإنسان وكره الكذب والغش والخداع، ولا سيما مع المرضى وطلاب العلم والمربيين والموجهين والمشتغلين بالتعليم  فيقول: (إن صناعة الفلسفة لا تحتمل التسليم للرؤساء والقبول منهم ولا مساهلتهم، وترك الاستقصاء عليهم، ولا الفيلسوف يحب ذلك من تلاميذه والمتعلمين منه، وأمّا من لامني على ذلك لا أعده فيلسوفًا، إذ أنه قد نبذ بهذا الصنيع سنة الفلاسفة وتمسك بسنة الرعاع من تقليد الرؤساء وترك الاعتراض عليهم).

فقد رفض بقوله هذا المداهنة والرياء والمداراة، وحجب العلم النافع عن طالبيه وشدد كذلك على وجوب البوح بالحقيقة في وجه كل باطل وكذوب مؤمنًا بأن النقد هو أصدق السبل للتحري وطلب الصدق والابداع.

وإلى مثل ذلك ذهب أبو العلاء المعري (ت 1057 م) فقابل بين الشيطان وأحفاده وعشيرته التي لمعوا نجمها وعلا صوتها وساد وضيعها وهم معشر الكذابين الذين صورت لهم أنفسهم المنحطة أن الكذب والغش والخديعة والخيانة والتلفيق والدس والفتن وغير ذلك من دركات الانحطاط هو السلم الخفي الذي صنعه الأبالسة العظام للقضاء على الفضائل لتبيت الأنفس الذكية لا ساتر لعوراتها سوى الفحش وذم الحياء ووصف البغايا بالعفة وتمكين الأراذل من اعتلاء المنابر وإغواء الحكماء وإفساد ذمم العلماء والفضلاء والنبلاء وقطع ألسنة الصدق واتهام زويه من الصرحاء بالعته والجنون وجعل الفحش مأوى للمحبين، وأجلسوا الخصي على كرسي المؤدبين والساسة والمصلحين؛ ليملي امرأته اللعوب آيات الكتاب المدنس الذي ينبغي على مجتمعاتهم اقتفاء تعاليمه وبالدهاء يزينوه.

وعلى هذا الدرب يمضي أبو حامد الغزالي فيقول :(إن الكذب يقود إلى الفجور، والفجور يقود إلى النار، وكيف لا وهو من أمهات الكبائر؛ فإن الإنسان إذا عرف بالكذب سقطت عدالته وثقته في نفسه، فتحتقره الأعين ولا يجوز للحاكم مع الرعية ولا للمعلم مع تلاميذه ولا للمربي مع أولاده ولا مع مروجي الشائعات والفضائح، ولا يستحل إلا إذا كان مقصده في خير يرضي الله والناس).

وينظر ابن باجة (ت 1138 م) للكذب من ثلاثة ضروب أولها: في طلب المعرفة لأنه لا يأتي إلا على لسان جاهل، فلا يرجى منه نفعًا ويحسن اتقاء شره بالإعراض عنه. وثانيها: أمام سلم الفضائل الذي لا يرفعك لأن الصدق هو باب الزورة والكذب لا يقوى على صعود الدرج بل يأخذك إلى أسفل الدرك.

وثالثها: يحشرك مع عصبة الجهلاء والعبيد والدهماء لأن الصدق لا يصاحب إلا العلماء والحكماء وأرباب الدربة والدراية، ومن أقواله (إنّ المدن الفاضلة هي التي تغلق أبوابها أمام الكذابين، وتخرج منها الجهلاء الذين استملحوا الحمق وكرهوا العلم، فعشق الصدق وطلب الحق هو سبيل النفس للوصول إلى الكمال، أمّا الكذب فهو مستنقع الرذائل ولا جمال فيه إلا في الفحش ووسوسة الشيطان).

أمّا ابن النفيس (ت 1288 م) فيرى أن الاقتداء بالعلم والسعي في طلب الحق وجعل كليهما معولًا لهدم الباطل، وإزالة الإفك ومحو الجهل هو السبيل الأوحد للجنة التي وعد الله بها الأخيار والأبرار لنفع مخلوقاته وإصلاحهم فيقول في ذلك (أن العلم الحقيقي هو غنى النفس وسعادتها العقلية والروحانيّة، وأن العالم يدعو الناس إلى الله بعلمه وحاله، بخلاف جامع المال الذي يدعوا للدنيا، وأن العالم يزداد تقديرًا كلما تقدّم به العمر، بينما زوال مال الغني يزيل إكرامه.

وأكد على أن العلم هو الطريق للسعادة الحقيقية والتقرب من الله، وأن اللذة الحقيقية هي لذة العلم العقلية، مشيرًا إلى أن المال زائل، ومتاع الدنيا فاني، بينما العلم باقي ونفعه دائم للناس حتى بعد موت العالم).

وللحديث بقيّة عن موقف حكماء الحضارة الإسلامية من الكذب وآثاره في قضايا الفلسفة العمليّة.

***

بقلم: د. عصمت نصّار

 

قال تعالى في كتابه الحكيم " وقُولُوا للنَّاسِ حُسْناً " وهذه الآية تحضّ على التعامل بالحسن واللين، واللطف مع الناسِ عموماً، وفي المقام الأول في مجالِ الأسرةِ واحتواء أبنائها.

تبقى ثقافة الاحتواء بمثابةِ حجر الأساس لأيةِ علاقةٍ كانت، قد تكون علاقة بين زوجين، أو علاقة عائلية، أو في دور العلم، أو في مجالِ الاقتصاد والتجارة والسياسة، ويبقى الاحتواء جوهر الأمان والاستمرار.

إنّ احتواء الطفل، يعني منحه كلّ أشكال الدعم العاطفي والنفسي، وكذلك بين الزوجين، حيثُ أنّ ثقافة الاحتواء وتوفير مساحةٍ آمنة بين طرفين تدعم مسيرة الاستقرار والاستمرار بالمفهوم الإنساني.

ونرى في كثيرٍ من الأحيان أنّ هذه الثقافة غير متوفّرة بين زوجين ما، وأنّ الدعم العاطفي بين الطرفين شبه مفقود، لذلك نرى هكذا علاقة تنتهي بالتفكك.

إنّ ثقافة الاحتواء ضرورية حتّى في المجال التجاري والصناعي، فحينما نُطبّق هذه الثقافة في هذه المجالات على سبيل المثال وليس الحصر، نرى أنّ الموظفين والعمال يعملون بكلِّ وفاء ورضا في وظيفتهم، وقد يشعرون بأن الشركة هي شركتهم، ويتفانون في عملهم، وبالتالي تُحقّق الشركة معدّلات نمو مُتسارعة.

ثقافة الاحتواء تُترجم بشكلٍ مُباشر معنى الدعم العاطفي، والقوة والاستدامة، والحوار والاستماع، وتحويل المفاهيم النظرية إلى مُمارسةٍ يومية، بهدفِ تعزيز جسور الثقة والتفاهم بشكلٍ دائم بيننا وبين الآخرين، أو بين طرفٍ وآخر، وحجب النزاعات بأكبرِ درجةٍ أو نسبةٍ مُمكنة، من خلالِ المساحات الآمنة التي تمّ تحقيقها، عبر المشاركة الفعلية في حلّ كلّ المشكلات التي تواجهنا.

فحينما تتوفّر عند الإنسان المساحة الآمنة للتعبير عن وجهةِ نظره أو مشاعره، بكلّ تأكيد ستتحسّن أموره بشكلٍ ملحوظ، وستكون أكثر جودة وأماناً.

إن الاحتواء ينبثق عن الإدراك العقلي والعاطفي عند الإنسان بنسبٍ متفاوتة، فعند شعور أحد الطرفين بالضيق، قد يلجأ إلى الطرف الآخر، وعندما يشعر بالسعادة أيضاً يُشارك الآخر بهذه السعادة.

ومن جانبٍ آخر حتّى حينما نُمارسُ ثقافة الاحتواء مع نزلاء السجون، من خلالِ برامج إعادةِ التأهيل، فإنّ هذا السجين سيكون أكثر إتزاناً، وسيخرج من السجن مواطناً عاديّاً وصالحاً، من خلال الثقافة والمعاملة التي تلقّاها عندما كان نزيلاً في أحد السجون.

حتّى في مجالِ المرضى نفسيّاً، يجب منحهم العاطفة وإشعارهم بالاحتواء من قِبلِ الآخرين، فلقد أثبتت الدراسات بأن هذه المعاملة حقّقت تحسّناً كبيراً مع المرضى بنسبةِ 40%.

كما أنّ سنغافورة خصّصت 20% من ميزانية التطوير، بهدفِ دعم مفهوم الاحتواء في مختلف المجالات في المجتمع.

إنّ العمل بثقافةِ الاحتواء، والعمل وفق نهجٍ يعتمد تقديم الدعم مع مفهوم الاستماع والفهم، يُساعد كلّ الأفراد على الشعور بالأمانِ والقبول، بهدفِ تحقيق الثقة والاستقرار والاستمرار، وبالتالي يُساهم هذا المنحى في تحقيق إنتاجيةٍ أفضل، ورضا مُبرمج في العمل الوظيفي، الذي يُحسّن الأداء والولاء للمكان، من خلالِ إستقرارٍ نفسي عبر التفاهم المُتبادل، الذي بكلِّ يبني جسوراً قوية في كُلّ العلاقات، إن كانت على مستوى الأسرة، أو المدرسةِ أو المجتمع أو العمل الوظيفي، حتّى في المجال الوطني والسياسي.

إنّ الاحتواء هو الطريقة المُثلى التي يستوعب فيها الشخص الطرف الآخر، هكذا عرّفه علم النفس التحليلي.

إنّ الاحتواء هو فنٌّ حقيقي، الفن الذي يُبدع في تأمين بيئةٍ داعمةٍ وشاملة، تضمن تعزيز الفرص، كما تُعزز تقبّل الاختلافات.

ثقافة الاحتواء هي حياة، وهي موقف، وبنفس الوقت هي الأساس بهدفِ بناء أي علاقة صحيّة، تنطلق من ذاتنا، قبل أن يتلقّاها الطرف الآخر أو الآخرين، وهي الأساس أيضاً لبناءِ أي مجتمع متساوٍ، ويُوفّر الفرص للجميع دون أي استثناء.

إنّ فنّ الاحتواء هو الذي يُرسّخ قيم الاحترام المُتبادل والتعاون المثّمر، وهو الذي يُوفّر المناخ التعليمي الآمن، والذي يُعزّز الشعور بالانتماء، وبنفس الوقت إنّ توفّر الاحتواء في مجالِ العمل يُؤمّن المناخ المستقر، ويُوفّر الدعم النفسي والمعنوي لكل العاملين والموظفين.

من خلالِ ذلك نُدرك أنّ الاحتواء بكلّ ما تعني الكلمة هو توفير بيئةٍ داعمةٍ وشاملة تضمن قبول الاختلافات، ويُركّز على التفاعل الإيجابي، والمشاركة الفعّالة، وهو فلسفةٌ ترتبط بماهيّة استيعاب الفرد لمشاعره، وكيفية التعامل مع أي أمورٍ أو مشاعر نفسية أو داخلية، حتّى ولو كان مصدرها من البيئة الخارجية.

كما يُعتبر الاحتواء بمثابة الخط الدفاعي الأول ضدّ كلّ أشكال الأمراض النفسية، بما فيها القلق والاضطرابات الشخصية والسلوكية.

لذا في حال فقدان ثقافة الاحتواء سيكون وضعنا مختلفاً تماماً، سنشعر بالعزلة، وتضعف الثقة بالنفس، وسيتقزّم النمو العاطفي والاجتماعي، ,وبالتالي تواجهنا صعوبات في تكوين علاقاتٍ أو صداقات وتفاعلٌ مع الآخرين، وقد تتلاشى مشاركتنا في العمل الجماعي على كل المستويات، أو الأنشطة الجماعية، وقد نفقد فرص التطور والرقي في المجال الشخصي أو المهني أو الحياتي، كما قد نتعرّض للتهميش أو التنمّر.

آخذين بعين الاعتبار أن الأطفال الذين يفتقرون إلى فنّ الاحتواء في الصغر يميلون غالباً إلى الانطواء أو العدوانية وفقدان الثقة بالنفس.

إنّ فن الاحتواء هو اللبنة الأساسية لبناء مجتمعٍ يُقدّرُ قيم العدالةِ والاحترام، ويُؤسّس لمجتمعٍ مزدهر، يمنح لأفراده فرصة تحقيق ذاتهم والمساهمة والمشاركة في بناء المستقبل.

إنّ ثقافة الاحتواء ليست مزاجاً، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية أولاً، تضمن سلامة المجتمع واستقراره.

وعلينا أن نجعل من فن الاحتواء سلوكاً نعيشه، لتستمر الأجيال من بعدنا على هذا النهج، بهدف بناء مجتمعٍ عادل يبدأ باحتضان كلّ فردٍ فيه، والحفاظ على هذا المجتمع الذي تبنّى ثقافة الاحتواء بقيمه وثوابته، وإنسانية وأخلاق أبنائه.

إنّ الاحتواء المثالي هو مهارة وثقافة وفن، بهدفِ عطاءٍ مثمر، وحياةٍ كريمة.

***

د. أنور ساطع أصفري

في زمن تتسارع فيه التحولات التقنية وتعاد فيه صياغة مفاهيم المعرفة، تبرز اسئلة تربوية لا يمكن تجاهلها: كيف نحفز الابداع لدى المتعلمين؟ وهل ما زال للابداع مكان في عصر الذكاء الاصطناعي؟ وهل يمكن للمعلم ان يعلم الابداع في بيئة باتت فيها الالة قادرة على التفكير، بل على انتاج ما يشبه الابداع ذاته؟

في عصر الذكاء الاصطناعي، لم تعد الاجابات حكرا على العقل البشري، بل باتت الخوارزميات قادرة على تقديم حلول جاهزة حتى للاسئلة التي تتطلب تفكيرا نقديا وتحليليا. هذه التحولات تضعنا امام مفارقة تربوية وفلسفية عميقة: اذا كانت الالة تفكر بالنيابة عنا، فهل ما زلنا بحاجة الى تعليم التفكير؟ واذا كانت قادرة على توليد نصوص ابداعية، فهل ما زال للخيال البشري قيمة تذكر؟

هذه الاسئلة لا تعكس قلقا وجوديا فحسب، بل تفتح الباب لاعادة النظر في جوهر العملية التعليمية ومفهوم الابداع ذاته. فالاكاديمي تحسين الشيخلي يرى في الذكاء الاصطناعي "اداة ستعيد تشكيل العالم نحو مزيد من الابداع والكفاءة والتقدم العلمي" (1)، ويصفه بانه "شريك معرفي يعيد تعريف طريقة صياغتنا للاسئلة نفسها"، لا مجرد وسيلة تقنية. من هذا المنظور، يصبح الذكاء الاصطناعي محفزا لابداع من نوع جديد، يتجاوز التلقين الى اعادة تشكيل ادوات التفكير.

وتتماهى هذه الرؤية مع التوجهات التربوية الحديثة التي تتبناها منظمات دولية كاليونسكو، والتي ترى أن الإبداع لن يُلغى في عصر التحولات الرقمية، بل سيُعاد تعريفه ضمن سياقات جديدة. فالثورة التربوية المرتقبة لا تقتصر على أدوات التعلم، بل تمتد إلى طرائق التفكير وسبل الانتفاع بالمعرفة. فالإبداع، في جوهره، لا يكمن في تقديم الإجابات الجاهزة، بل في القدرة على طرح الأسئلة العميقة، والربط بين الأفكار، وتجاوز المألوف، وتوظيف المعرفة توظيفا أخلاقيا يخدم المجتمع والإنسانية.

لكن هذا التفاؤل لا يخلو من تحذيرات. اذ يرى الباحث التربوي علي اسعد وطفة ان الذكاء الاصطناعي "يستحوذ على التعليم ويستولي على عقول الاطفال والناشئة" (2)، محذرا من ان الانظمة التعليمية التقليدية تواجه تحديات وجودية قد تهدد بنيتها ومضامينها. فالتكنولوجيا، رغم امكاناتها، قد تدفع المتعلمين خارج طبيعتهم الانسانية اذا لم تُضبط تربويا واخلاقيا.

وفي السياق ذاته، يذهب الاكاديميان خوسيه انطونيو بوين وادوارد واتسون في كتابهما ( Teaching with AI ) الى ان الذكاء الاصطناعي "لم يعد مجرد اداة مساعدة، بل اصبح قادرا على توليد افكار وتحليلات معقدة" (3)، مما يستدعي اعادة تعريف مفهوم الابداع الاكاديمي ووضع معايير جديدة لتقييم الاعمال الفكرية. ومع ذلك، يشددان على ان الذكاء الاصطناعي لا يمكن ان يكون بديلا للقدرة البشرية على الابتكار والتفكير النقدي، بل يجب اعتباره شريكا يعزز امكانيات الانسان ويوفر له ادوات غير مسبوقة للتطوير والانتاج المعرفي.

من "ماذا" الى "لماذا" و"ماذا لو"

لم يعد الابداع البشري ينافس الذكاء الاصطناعي في سرعة انتاج المحتوى او تنظيم البيانات، بل يجب ان يتحول الى مستوى اعلى من الابداع الوجودي والسياقي. بينما ينتج الذكاء الاصطناعي لوحة فنية بناء على مليون صورة، ياتي الابداع البشري من رغبة الفنان في التعبير عن المه، فرحه، او رؤيته للعالم. الابداع البشري هو القدرة على طرح اسئلة غير متوقعة: "ماذا لو جمعنا بين الفلسفة القديمة وازمة المناخ؟" او "كيف يمكن للشعر ان يصف شعورا لم يوصف من قبل؟". هنا، يصبح دور المعلم هو قيادة الطلاب الى مناطق التفكير "غير الماهولة" التي تفتقر اليها قواعد بيانات الالة.

الذكاء الاصطناعي كـ"خصم تدريبي" وليس كعدو

في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مساعدة، بل اصبح جزءا من البيئة التعليمية ذاتها. وبينما يخشى البعض ان يحل محل التفكير البشري، يرى تربويون ومختصون انه يمكن توظيفه كـ"خصم تدريبي" لا كعدو. فبدلا من ان ينظر اليه كمنافس للابداع، يمكن للمعلمين استخدامه لتحفيز الطلاب على التفكير النقدي والتمييز بين الانتاج الالي والبشري.

تخيل ان يطلب من الطلاب كتابة مقال حول قضية معينة، ثم ينتج الذكاء الاصطناعي مقالا اخر في الموضوع ذاته. يطلب من الطلاب بعدها مقارنة العملين وتحليل الفروق: اين كانت لمسة الانسان؟ اين تجلى العمق العاطفي؟ واين ظهر الربط غير المتوقع؟ هذه العملية لا تعلم الطلاب النقد فحسب، بل تظهر لهم قيمة ابداعهم الفريدة بشكل ملموس، وتحول الالة الى محفز ذهني يعيد شحن العقل البشري.

وتتقاطع هذه الفكرة مع رؤية المستشارة التربوية تهاني ياسين، التي تؤكد ان دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم يتطلب استراتيجية تربوية واضحة، تبدا من بناء الوعي الرقمي وتنتهي بأشراك الطالب والمعلم في استكشاف الاداة ومناقشة نتائجها (4). فحين يستخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد محتوى يحلل ويناقش، يتحول من تقنية صامتة الى شريك في التعلم، يعزز التفاعل ويعيد تعريف الابداع بوصفه قدرة بشرية على التمييز والتاويل.

ابداع "ما بعد الذكاء الاصطناعي".. التركيز على المهارات الانسانية الفائقة (Hyper-Human Skills)

اذا كان الذكاء الاصطناعي قد اتقن المهارات التقنية واصبح قادرا على تنفيذ مهام معقدة بكفاءة عالية، فان مستقبل التعليم لا بد ان يوجه تركيزه نحو المهارات الانسانية الفائقة التي تظل حكرا على العقول البشرية. من بين هذه المهارات، يتصدر التعاطف العميق القائمة، وهو القدرة على فهم المشاعر المعقدة والسياقات الثقافية والاجتماعية التي تنتجها، وهو جانب يختص به الانسان دون الالة. الى جانب ذلك، تأتي الحكمة التي تتمثل في توظيف المعرفة برؤية اخلاقية وبافاق طويلة الامد، وليس فقط لتحقيق نتائج فورية او حلول مؤقتة. كما ان القيادة الوجدانية تمثل مهارة جوهرية، اذ تنطوي على قدرة الانسان على تحفيز الاخرين والهامهم، لا سيما في ظروف غامضة وغير مؤكدة يصعب فيها الاعتماد على البيانات وحدها. واخيرا، يبرز الفضول الوجودي، وهو السعي المستمر لفهم الاسئلة الكبرى المتعلقة بالحياة والهدف والمعنى، وهي تلك الاسئلة التي تظل خارجة عن نطاق قدرة خوارزميات الذكاء الاصطناعي، مما يؤكد اهمية هذه المهارات في تشكيل مستقبل التعليم والانسانية نفسها.

ولتوضيح هذه المهارات في سياق تطبيقي مدرسي، يمكن تصور مشروع تعليمي ثانوي بعنوان "رحلة إلى الذات والآخر" يهدف الى تنمية المهارات الانسانية الفائقة عبر مراحل متعددة. يبدأ المشروع بمقابلات مع أفراد من خلفيات متنوعة لتعزيز التعاطف، ثم مناقشة قضايا أخلاقية معقدة لتفعيل الحكمة، يليه تكليف طالب بقيادة الفريق لتجسيد القيادة الوجدانية، واخيراً كتابة مقالات تأملية لتعزيز الفضول الوجودي. يهدف هذا النموذج الى اعادة تعريف المدرسة كمكان لتشكيل الانسان، واعداد جيل قادر على مواجهة تحديات المستقبل متجاوزاً حدود التقنية، مستنداً إلى عمق انساني وأخلاقي وفلسفي لا يمكن تقليده رقمياً.

التقييم في عصر الذكاء الاصطناعي

اصبح تقييم الابداع بناء على المنتج النهائي مثل مقال او لوحة فنية او تصميم امرا بالغ الصعوبة في ظل قدرة الالة على انتاج هذه الاعمال ذاتها. لذلك، من الضروري ان تتحول انظمة التقييم الى التركيز على عملية الابداع ذاتها وليس فقط على النتيجة النهائية. يمكن تحقيق ذلك عبر اعتماد مقابلات المنطق التي تتيح مناقشة الطالب حول رحلته الابداعية، مستفسرين عن اسباب اختياره لطرق معينة، والبدائل التي فكر فيها، وكيف توصل الى الفكرة الاساسية. اضافة الى ذلك، يصبح حفظ المسودات وعمليات التفكير جزءا لا يتجزا من التقييم، مما يعكس تطور الفكرة وتعمق الطالب في تجربته. كما ينبغي تبني التقييم القائم على المشاريع طويلة الامد التي توثق تطور الفكرة من مجرد بذرة الى ثمرة متكاملة، فتبرز بذلك مسار التفكير والابتكار المستمر بدلا من التركيز فقط على المنتج النهائي. على سبيل المثال، في درس الفنون، يطلب من الطالب تطوير مشروع بصري طويل الأمد، يبدأ بمسودة أولية ويخضع لتعديلات متعددة. يجرى معه حوار حول اختياراته الفنية، البدائل التي فكر فيها، وكيفية تطور الفكرة. يقيّم بناءً على عمق تفكيره ومسار تطوره، لا على اللوحة النهائية وحدها، مما يعكس فهمه الحقيقي لعملية الإبداع.

تحدي الاخلاقيات

يطرح الذكاء الاصطناعي اسئلة اخلاقية يجب ان تكون في صلب العملية التعليمية الابداعية: من يملك ابداعا ساهم في انتاجه الذكاء الاصطناعي؟ ما هي التحيزات الخفية في البيانات التي دربها عليها الذكاء الاصطناعي والتي قد تكرسها اعماله "الابداعية"؟ كيف نضمن ان ابداعنا البشري يظل في خدمة الانسانية ولا يتم توظيفه لاغراض ضارة بمساعدة ادوات اكثر كفاءة؟ تعليم الابداع اليوم يعني ايضا تعليم (المسؤولية الإبداعية) والوعي النقدي بتقنياتنا.

الابداع جوهر التعلم

في الختام احب ان ابين ان تحفيز الابداع لدى المتعلمين لا يتم عبر التلقين، بل عبر اثارة الفضول، والاحتفاء بالخطا كجزء من التعلم، ودمج النظرية بالتطبيق، والعقل بالوجدان. الطالب لا يجب ان يكون مستهلكا للمعرفة، بل منتجا لها، مشاركا في صياغتها، ناقدا لها، ومؤثرا من خلالها.

اما تعليم المعلمين كيف يعلمون الابداع، فهو ممكن، لكنه يتطلب اعادة تعريف جذرية لدور المعلم. لم يعد المعلم ناقلا للمعلومة، بل صار ميسرا للتفكير، وشريكا في البحث، وحارسا للقيم. وهذا يستدعي تغييرا في المناهج التي تدرس للمعلمين انفسهم، وتوفير مساحة للتجريب والتامل، لا مجرد تطبيق تعليمات جاهزة.

المناهج التي تحترم الزمن وتبتعد عن التلقين هي تلك التي تطرح اسئلة بدلا من تقديم اجابات، وتربط التعلم بالحياة لا بالامتحان، وتدمج بين المهارات المعرفية والوجدانية والاجتماعية، وتبنى على مشاريع لا على حفظ نصوص. وكما تشير دراسة منشورة في موقع "منهجيات"، فان "الذكاء الاصطناعي لا يجب ان ينظر اليه كبديل للمعلم، بل كاداة تكاملية تدفعنا لاعادة النظر في اسئلتنا التعليمية، والتامل في اي نوع من المعلمين نطمح ان نكون" (5).

الذكاء الاصطناعي قد غير قواعد اللعبة، لكنه لم يلغ الحاجة الى الانسان المفكر، المتامل، المبدع. ربما لم نعد بحاجة الى تعليم "كيف نحل المسالة"، لكننا ما زلنا بحاجة الى تعليم "لماذا نحلها"، وما الذي تعنيه لنا، وما الذي يمكن ان نفعله بها في عالم يتغير اسرع مما نتصور.

اننا لا نقف اليوم امام تحد تقني فحسب، بل امام اختبار حقيقي لانسانيتنا التربوية: هل نكتفي بمراقبة الذكاء الاصطناعي وهو يعيد تشكيل المعرفة؟ ام ننهض بدورنا لنعيد تشكيل التعليم ذاته؟ ان الابداع ليس رفاهية تربوية، بل هو جوهر وجودنا كمعلمين ومتعلمين. واذا كان الذكاء الاصطناعي قد علمنا كيف نسرع الاجابة، فان مسؤوليتنا الاخلاقية والتربوية هي ان نبطئ قليلا لنعيد طرح السؤال، ونعلم الجيل القادم كيف يفكر، لا فقط كيف يجيب.

فلنعلم ابناءنا ان الابداع لا يستعار من الة، بل يولد من شغف، من شك، من تجربة، ومن حلم. ولنعلم معلمينا ان دورهم لم ينته، بل بدا من جديد، اكثر عمقا، واكثر مسؤولية. فالمستقبل لا يكتب بالخوارزميات وحدها، بل يصاغ بالعقول التي تجرؤ على السؤال، وبالقلوب التي تؤمن ان التعليم ما زال اداة للتغيير، لا مجرد وسيلة للتكيف.

***

محمد الربيعي

بروفسور متمرس ومستشار دولي في جامعة دبلن

........................

المصادر:

1.  https://www.rudawarabia.net/arabic/interview/060820251

2.  https://www.almothaqaf.com/qadaya/979430-%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%91-%D8%A3%D8%B3%D8%B9%D8%AF-%D9%88%D8%B7%D9%81%D8%A9-%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%B5%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%B2%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%B7%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D9%91

3.  https://www.press.jhu.edu/books/title/53869/teaching-ai

4.  https://www.annahar.com/technology/artificial-intelligence/241995/%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%B7%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D9%83%D9%8A%D9%81-%D9%8A%D8%B5%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%84%D9%85-%D9%81%D9%8A-2025

5.  https://www.manhajiyat.com/ar/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%B7%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D9%91-%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D9%83%D8%A9%D9%8C-%D9%85%D8%A8%D8%AA%D9%83%D8%B1%D8%A9%D9%8C%D8%8C-%D8%A3%D9%85-%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D9%91%D9%8D-%D9%84%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D9%91%D8%9F/%D9%85%D9%84%D9%81%D9%91-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D8%AF

السلطة في سياقها العام، هي القدرة المشروعة على فرض رأي ما أو سلوك ما واتخاذ القرار في التنفيذ من قبلنا، سواء بشكل فردي أو جماعي. أو هي قوة شرعيّة لظاهرة ما يتقبلها الناس ويستخدمونها لتحقيق أهداف معينة ماديّة كانت أو معنويّة،

أما السلطة في المنظور الفلسفي فهي برأيي ظاهرة ماديّة أو فكريّة، تفرض علينا أن نتعامل ونتفاعل معها إيجابا أو سلبا ضمن ظروف تاريخيّة تفرضها علينا الطبيعة والمجتمع معاً.

والسلطة من حيث المعطى الوجودي أو الطبيعي لها، تظل خارج إرادة الإنسان، كسلطة قوانين الطبيعة، أو ما يسمى القوانين الموضوعيّة التي تتحكم بأليّة سير الطبيعة وتشكلها، وبالتالي مدى تأثيرها علينا.

وهناك السلطة المعنويّة بكل تجلياتها العاطفيّة والغريزيّة والفكريّة، وهي سلطة يقوم الفرد والمجتمع بإنتاجها من خلال نشاطهم المادي والروحي الذي يمارسونه داخل المحيط الاجتماعي الذي يتواجدون فيه، وما يولده هذا النشاط من علاقات اجتماعيّة أو سياسيّة أو ثقافيّة أو اقتصاديّة أو عاطفيّة أو جدانيّة بشكل عام.

وبناء على ذلك فالطبيعة تفرض سلطتها عبر قوانينها التي ستجري علينا خارج إرادتنا كما بينا أعلاه.. كسلطة الدورات المناخيّةّ ممثلة في فصول السنة، أو توالي الليل والنهار في اليوم الواحد، وكذلك سلطة الزلازل والبراكين والانزياحات الطبيعية، والتصحر، والفيضانات، وغير ذلك.

أما في المجتمع فنحن كما قلت من يقوم بصناعة هذه السلطات، وبعد صناعتها تفرض علينا هيمنتها. فنحن مثلاً من الناحية الاقتصاديّة من أوجد النقود للتداول بيننا بعد تطور قوى وعلاقات الإنتاج، ولكنها راحت تمارس سلطتها علينا داخل هذه العلاقات، حتى أننا رحنا نشرى ونباع بها بهذا الشكل أو ذاك.. وهناك سلطة السوق التي تفرض علينا اختيار ما ننتجه من سلع، أي ما قمنا نحن بإنتاجه للاستهلاك وعرضه في هذه السوق وفقاً لحاجاتنا.. فالسوق الاقتصادي ومن يتحكم به من قوى بشريّة، يتحكم في اختياراتنا من حيث طبيعة المنتج وجودته، (الايزو) أو من حيث الانبلاج الذي يتمتع به، وبالتالي راح يفرض علينا سلطته في ما يقدمه لنا من منتجات وعلى كافة المستويات من الخضار والفواكه إلى الأحذية والملابس وحاجاتنا الماديّة والروحيّة بشكل عام.

أما من الناحية السياسيّة، فهناك سلطة الدولة وقوانينها التي نوجدها بأنفسنا لنخضع لها فيما بعد ونعاقب عندما نخالفها.

ومن الناحية الفنيّة والأدبيّة هناك سلطة الأدب والفن.. فنحن من نرسم ونمارس النحت، ونغني ونخلق الموسيقا ونكتب الشعر والقصة والرواية والمسرحيّة، وبالتالي تبدأ هذه المنتجات الفنيّة تفرض علينا سلطتها فرحا أو حزنا أو قوة أو ضعفا.. كم أبكتنا الأغاني عندما لامست حزننا وقهرنا وغربتنا.. وكم أفرحتنا عندما لامست مسراتنا وجعلتنا نرقص ونضحك.. وكم أدهشتنا الرسوم الجميلة في الفن التشكيلي بسبب جماليتها، وكم حققت عند النظر إليها أو التمعن في دلاتها وألوانها ومنحنيات خطوطها أو استقامتها، وحتى في قدرتها على ملامسة مكامن ذواتنا وأحاسيسنا من الدهشة والانبهار والاحساس بماهية الجمال.

وفي النحت نحن من صنع تماثيل لآلهة اخترعناها نحن في عصور ما قبل التاريخ لتعبر عن موتنا وحياتنا وما يتعلق في هذه الحياة من علاقات.. كآلهة المطر والحرب والحب والجمال والصيد والخصب.. فكانت عشتار وتموز وبعل وباخوس وديانا.. الخ.. وحتى بعد دخولنا عتبة التاريخ كان هبل واللات والعزى..

أما في اللغة والأدب، فكانت السلطة تكمن منذ البداية في الحرف الذي أوجدناه، ورحنا نتفنن في رسمه وتركيب المفردات اللغويّة منه وصياغة جمل وتعابير وصور حسيّة وتخيليّة.. ثم استطعنا من الحرف أن نصوغ معرفة، وكيف تحكمت المعرفة فيما بعد في تصرفاتنا وتشكيل مناخات روحيّة وشعوريّة ووجدانيّة، تجلت في عالمنا الروحي والوجداني والعاطفي وحتى السلوكي، لقد تجلت قدرات الحرف في كل جماليات صياغاته ودلالاتها في شعرنا وقصصنا ورواياتنا ومسرحياتنا وكل سردياتنا، وكان حضور الحرف الأكثر فاعليّة وتسلطاً وتأثيراً علينا ليس على فكرنا فحسب، بل وعلى سلوكياتنا عندما صيغت الحروف برؤى أيديولجيّة، فراحت الأيديولوجا تتحكم بنا وتدفعنا للانغلاق حول مفاهيمها المغلقة، والادعاء بأننا نحن من يمتلك الحقيقة المطلقة، وبالتالي محاربة أو اقصاء أو قتل المختلف...

وها هي السلطة قد تجلت مجتمعياً في عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا وقيمنا الروحيّة، (هكذا وجدنا أباءنا يفعلون كما تجلت في السلطة الأبويّة ممثلة في سلطة رب الأسرة وفي مفردات العشيرة والقبيلة والدين والطائفة.. وما أنا إلا من غزيّة إن غوت.. غويت وإن ترشد غزيّة أرشد.

عموما نحن نعيش عالما من السلطات التي تدخل في كل مسامات حياتنا. منها ما يفرض علينا الخضوع والطاعة لها قسراً، أو بالقوة، وهذه تتجلى في سلطة الدولة، ممثلة في قوانين القضاء، وقوانين دوائر الدولة ومؤسساتها الوزاريّة والإداريّة، فكل وزارة أو دائرة لها قوانينها التي تلزم موظفيها ومراجعيها ضرورة الالتزام بها وتطبيقها على الجميع.

وهناك سلطة الغريزة التي تفرض علينا الخضوع لها بالضرورة حتى ولو قمنا بأنسنتها وتخليصها من فوضويتها وروح الحيونة فيها. وهناك سلطة العشيرة والقبيلة والطائفة والمذهب، وهي سلطات لا زال لها حضورها وفاعليتها في بنية المجتمعات وآليّة سير هذه المجتمعات والدول معاً، بل هي تصل في العديد من دول العالم الثالث إلى التحكم في آليّة البنية السياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، والويل كل الويل في هذه الدول أو المجتمعات إن تفجرت هذه السلطات حروباً أهليّة، فهي ستحرق الحجر والبشر معا.

وهناك السلطة الناعمة أو اللطيفة التي يحققها الجمال الذي تقدمه لنا الطبيعة في مناظر تشكيلاتها الخلابة، إن كان في أنهارها أو بحارها أو وديانها أو شلالاتها، أو ما تضمه بحارها من عوالم غريبة في تشكيلتها السمكيّة أو كنوزها من لؤلؤ وأصداف.. أو ما تضمه غاباتها من أشجار جميلة وحيوانات وطيور خلابه في تشكيلاتها والوانها وطبيعة حياته.

أما بالنسبة للحياة الاجتماعيّة، فكم مارس المبدعون علينا سلطتهم في الفن التشكيلي من خلال رسوماتهم الجميلة التي تجلت فيها إبداعاتهم في اختيار الألوان ومزجها، وفي هندسة خطوط لوحاتهم وخلق عوالم عبرها تحقق الدهشة والمتعة وتطوير الحس الجمالي لدى المتلقي، وهذا ينطبق على فن النحت والموسيقى والغناء والأدب إن كان في القصة أو الرواية أو المسرح، فكل هذه الفنون مارست علينا سلطاتها الجماليّة وخلقت لنا عوالم من الفرح والمتعة.

ملاك القول:

نعم نحن نعيش عالماً مليئاً بالسلطات، منها ما يمارس علينا حصار الروح والجسد، ومن خلالها يأتي حصار الإنسان وغربته وتشيئه واستلابه..بل وضياعه في السلطات التي ينتجها هو ماديا ومعنويا... ومنها ما ستطاع أن يعيد تشكيل وعينا وأحاسيسنا ليرتقي بها إلى عالم الأسنة وفرح الحياة.

***

د. عدنان عويد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا

 

في مصير القرار الأخلاقي داخل عصر الذكاء الاصطناعي

في عصر تحكمه السرعة المعلوماتية، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لحساب أو معالجة البيانات، بل صار شريكا فاعلا يتدخل تدريجيا في مجالات لم تعد حكراً على العقل البشري وحده. القرارات التي كان الإنسان يتخذها بناءً على خبرة وحدس ووعي أخلاقي، بدأت تتقاسم مجالها مع خوارزميات قادرة على التعلم والتنبؤ وضبط السلوك. وهنا يظهر الإشكال الأكثر جوهرية: الذكاء الاصطناعي ليس مجرد وسيلة للحساب، بل أداة قد تُعيد تشكيل الفضاء الرمادي الذي قد نسميه تاريخيا بالضمير، فتطرح مسألة جوهرية: هل ستصبح القرارات الأخلاقية تلقائية، أم ستظل خاضعة للإنسان؟ .

يُفتتح سؤال الذكاء الاصطناعي اليوم لا بوصفه سؤالا تقنيا، بل بوصفه سؤالا أنطولوجيا وأخلاقيا في آن، لأنه لا يطرق أبواب الأدوات فقط، بل أبواب الذات. حين تُسلَّم بعض دوائر القرار إلى خوارزميات متعلّمة، فإن ما يُستدعى ضمنيا ليس مجرد القدرة على الحساب، بل قدرة هذه الآلات على محاكاة ما كان يُعتبر فضاءً أخلاقيا للبشر وهو الضمير. وقد أشار كانط إلى أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يجب أن يُعامَل دائما كغاية لا كوسيلة، بينما منطق الخوارزميات لا يعرف الغايات إلا بوصفها نواتج محسوبة لمتغيرات، ولا يرى في الإنسان إلا مدخلاً ضمن مصفوفة احتمالات. وهنا بالضبط يولد التوتر العميق: هل يمكن أن تُستبدل تلك الهشاشة الأخلاقية، التي تجعل الإنسان يتردّد ويتألّم ويشعر بالذنب، بنظام صوري لا يعرف سوى الترجيح والحساب؟.

الوعي الإنساني في جوهره ليس جهازا لاتخاذ القرار فقط، بل تجربة للوجود. ما يجعل قرارا أخلاقيا هو ليس نتيجته الخارجية فحسب، بل الطريقة التي يمرّ بها عبر الذات، عبر ما سمّاه هايدغر “الانشغال القَلِق بالوجود”، حيث يكون الفعل محمّلاً بقلق الإمكان والخطأ والمسؤولية. أما الخوارزمية مهما بلغت من التعقيد، فهي بلا قلق وبلا شعور بالخسارة وبلا خوف من أن تكون قد خانت ذاتها. إنها تحسب لكن لا “تتعرّض” للنتيجة. وقد أدرك فيتغنشتاين في عبارته الشهيرة، أن “حدود لغتي هي حدود عالمي”، فإذا كانت لغة الخوارزمية هي الرياضيات والاحتمالات، فإن عالمها الأخلاقي لا يمكن أن يتجاوز ما يُشفَّر في هذه اللغة، أي ما يمكن قياسه وترجيحه أو تحسينه. أما ما لا يُقاس — الألم، الإهانة، الكرامة، الذنب — فهو خارج أفقها البنيوي.

يُشاع كثيرا أن الخوارزميات يمكن تزويدها بقيم أخلاقية، غير أن هذا الادعاء يقوم على افتراض مضمر مفاده أن الأخلاق ليست سوى مجموعة من القواعد. والحال أن أرسطو منذ قرون بيّن أن الفضيلة ليست قانونا يُطبَّق، بل هيئة راسخة في النفس تتكوّن عبر الممارسة والتجربة والاختيار. فالمرء لا يصير عادلا لأنه يحفظ تعريف العدالة، بل لأنه يمارسها في أوضاع ملتبسة ومتعارضة، حيث تحتاج إلى ما سماه أرسطو الحكمة العملية (phronēsis): قدرة على تقدير ما ينبغي فعله في وضع خاص لا يتكرر. وهذه الحكمة هي بالضبط ما يستعصي على الآلة، لأنها ليست تطبيق قاعدة على حالة، بل موازنة حيّة بين قيم متعارضة داخل سياق إنساني فريد. فعندما تقف طبيبة أمام مريض يحتضر، لا يكون قرارها مجرد تنفيذ بروتوكول، بل قراءة عميقة لوضع لا يُختزل في بيانات، نظرة في العين ورجفة في الصوت وتاريخ حياة كامل. الخوارزمية ترى مؤشرات؛ الإنسان يرى معنى، ويرى قصة.

غير أن العالم في انبهاره بالقوة التنبؤية للذكاء الاصطناعي، يميل إلى تحويل هذه القصص إلى سلاسل من المتغيرات. وهنا يظهر خطر أخلاقي جديد، ليس أن الآلة ستتخذ قرارات سيئة بالضرورة، بل أن معيار “الجيد” نفسه سيُعاد تعريفه وفق منطق التحسين والكفاءة. ما هو القرار الأخلاقي الأمثل؟ في لغة الخوارزميات، هو ذلك الذي يقلل الخسائر أو يزيد المنافع وفق نموذج مُسبق. لكن جون ستيوارت ميل حين دافع عن المنفعة، كان يفعل ذلك داخل أفق إنساني يعترف بالكيفيات لا بالكميات فقط. أما الخوارزمية فتميل إلى تسطيح الكيف إلى كمّ وإلى تحويل الكرامة إلى وزن رقمي. يصبح الخطر وجوديا، أن نعتاد نحن البشر على النظر إلى أنفسنا كما تنظر إلينا الآلات.

أشارت حنة أرندت، في تأملها حول “تفاهة الشر”، إلى إن أخطر ما في الأنظمة الشمولية ليس الكراهية، بل غياب التفكير. الشر يمكن أن يصبح تلقائيا حين يُختزل الفعل إلى إجراء. وفي هذا المعنى لا يختلف نظام بيروقراطي صلد عن خوارزمية ذكية؛ كلاهما ينفّذ دون أن “يسأل”. الفرق أن البيروقراطي يمكن أن يشعر بالذنب ويمكن أن ينهار وأن يعصي. أما الخوارزمية فلا تعصي لأنها لا تستطيع أن تقول “لا” بمعنى أخلاقي. إن تلقائية القرار هي بالضبط ما يجعل الخطر أخلاقيا، حين يتحول الفعل إلى ناتج، والمسؤولية إلى أثر جانبي.

ومع ذلك، لا يمكن الاكتفاء بنقد رومانسي للتكنولوجيا. فالذكاء الاصطناعي يكشف شيئا حقيقيا عن هشاشتنا نحن. إذا كنا نخشى أن تُسلَب منا قراراتنا الأخلاقية، فذلك لأن كثيرا منها كان في العمق آليا حتى قبل الآلة. لقد أشار فوكو إلى أن السلطة الحديثة لا تعمل عبر القمع فقط، بل عبر “تطبيع” السلوك، وعبر جعل ما هو تاريخي يبدو طبيعيا. الخوارزميات اليوم هي ذروة هذا التطبيع، إنها تجعل أنماط السلوك المتكررة تبدو كأنها “أفضل” الخيارات الممكنة. وحين نوافق عليها، فإننا لا نخضع لقوة خارجية، بل ننسجم مع صورة إحصائية عن أنفسنا. وهنا يتحول السؤال من: هل ستتخذ الآلة قرارات أخلاقية؟ إلى: هل ما نعتبره نحن قرارات أخلاقية ليس في كثير من الأحيان سوى استجابات مبرمجة اجتماعيا؟.

الوعي الإنساني إذاً، ليس ضمانة تلقائية للأخلاق. هو ساحة صراع بين العادة والحرية. لكن ما يجعل هذا الوعي أخلاقيا، في عمقه هو قدرته على الانقطاع عن نفسه، على أن يقول: “كان يمكنني أن أفعل غير ما فعلت”. هذا الندم ;هذا الشرخ في الهوية، هو ما يعطي للفعل وزنه الأخلاقي. الآلة لا تندم ولا تحمل ذاكرة ذنب. كل قرار لها هو في لحظة تنفيذه يكون الأمثل حسابيا. أما الإنسان فيعيش مع قراراته ويراجعها ويعيد تأويلها، وربما يغيّر حياته بسببها. وهذه الزمنية الأخلاقية — أن يكون القرار حدثا لا عملية — هي ما لا يمكن أتمتته.

لقد حلم ديكارت بآلة تفكر، لكن حتى هو اعترف بأن ما يميّز الفكر ليس الحساب بل الوعي بالذات. وفي هذا الوعي تكمن الأخلاق. حين أقول “أنا”، فإنني أتحمل. وحين تتحمل، فإنك تكون معرضا للخطأ وللذنب وللمساءلة. الخوارزمية لا تقول “أنا”، بل “المدخلات أعطت هذه المخرجات”. إنها بلا وجه وبلا صوت وبلا قابلية لأن تُلام. ولذلك فإن إسناد قرارات أخلاقية إليها ليس فقط خطرا عمليا، بل تفريغ لفكرة المسؤولية من معناها.

غير أن العالم يتجه ببطء ولكن بثبات، نحو مناطق رمادية حيث يصبح القرار موزعا بين إنسان وآلة. في هذه المناطق سيغدو السؤال الأخلاقي أكثر تعقيدا: من المسؤول عن خطأ سيارة ذاتية القيادة؟ المبرمج؟ الشركة؟ المستخدم؟ الخوارزمية؟ هذا التشظي في المسؤولية قد يؤدي إلى ما حذّر منه ليفيناس حين قال إن الأخلاق تبدأ من “وجه الآخر” الذي يطالبني. حين يختفي الوجه خلف شاشة وخوارزمية، يتلاشى هذا النداء المباشر. لا أحد يشعر بأنه هو المعني. وهنا يصبح الشر مرة أخرى ممكنا بلا فاعل واضح.

ليست المشكلة أن الآلة ستصبح “أخلاقية”، بل أن الإنسان قد يتنازل عن أخلاقيته بحجة الكفاءة. كل مرة نقبل فيها قرارا آليا لأنه “أدق” أو “أسرع”، نتخلى قليلا عن حقنا في الخطأ، وفي هذا الحق تكمن إنسانيتنا. فالحرية كما قال سارتر، ليست أن نختار دائما الصواب، بل أن نكون مسؤولين عن اختياراتنا حتى حين تكون خاطئة. الخوارزمية حين تصيب لا تستحق المدح، وحين تخطئ لا تشعر بالعار. إنها خارج مجال الفضيلة والرذيلة.

وهكذا يتكشف أن الصراع الحقيقي ليس بين الإنسان والآلة، بل بين نمطين من العقل: عقل يحسب، وعقل يتحمّل. الأول يسعى إلى الأمثلية، الثاني يعيش التراجيديا. وبينهما يتحدد مستقبل الأخلاق في عصر الذكاء الاصطناعي. هل سنعيد تعريف الخير بوصفه ما تحسنه الخوارزميات؟ أم سنحافظ على ذلك الفائض غير القابل للاختزال الذي يجعل من كل قرار أخلاقي مخاطرة وجودية؟ هذا السؤال في جوهره ليس تقنيا، بل هو سؤال عن أي نوع من الكائنات نريد أن نكونه ونحن نشارك العالم مع آلات لا تعرف ماذا يعني أن تشعر بثقل الاختيار.

يتواصل هذا التأمل حين ندرك أن المسألة لا تنحصر في ما إذا كانت الآلة “تفهم” الأخلاق، بل في الكيفية التي سيُعاد بها تشكيل وعينا نحن بالأخلاق تحت ضغط وجودها. فالتكنولوجيا كما نبّه مارشال ماكلوهان، ليست مجرد أدوات نستخدمها، بل هي بيئات تُعيد تشكيل حواسنا ولغتنا وصورنا عن أنفسنا. حين نعيش داخل بيئة خوارزمية تقترح علينا ما نقرأ، من نحب وكيف نتحرك، بل وحتى ما نعتبره خطرا أو أمانا، إن وعينا الأخلاقي نفسه يُعاد ضبطه. ما كان في الماضي ثمرة تردّد وتأمل يتحول شيئا فشيئا إلى استجابة لاقتراح آليّ مُقنع إحصائيا. وهنا يتسلل أخطر تحول: أن نستبدل السؤال “ماذا ينبغي أن أفعل؟” بالسؤال “ما هو الخيار الذي يُوصى به؟”.

في هذا الانتقال من “الينبغي” إلى “الموصى به” يضيع البعد المعياري للأخلاق. كانط لم يبنِ فلسفته على ما يفعله الناس عادة، بل على ما يجب أن يفعلوه حتى لو خالف ذلك ميولهم ومصالحهم. الواجب في هذا المعنى هو فعل مقاومة داخلية، تمرّد على ما هو سهل ومتاح. أما الخوارزمية فمهمتها الأساسية هي جعل ما هو “أنسب” هو ما يُختار دون توتر ودون مقاومة. إنها اقتصاد للرغبة، وليست تربية للإرادة. ومع الزمن قد نجد أنفسنا نخلط بين الاثنين، فنعتبر أن ما يُعرض علينا بوصفه الأمثل هو ما يجب علينا أخلاقيا.

لكن الأخلاق في جوهرها، ليست تحسينا للاختيارات، بل انفتاحا على إمكان التضحية. حين يتخلى شخص عن مصلحة واضحة من أجل آخر، فإن هذا الفعل لا يمكن تبريره خوارزميا إلا بوصفه “خسارة”. غير أن هذه الخسارة هي ما يعطي للإنسان قيمته. ليفيناس رأى في الاستجابة لنداء الآخر نوعا من “اللامعقولية” الأخلاقية: أنا مسؤول عنك حتى لو لم يكن ذلك مفيدا لي. هذا اللا-نفع هو قلب الأخلاق. أما الخوارزمية فلا تعرف إلا النفع الموزون، حتى حين تُبرمج على “الإيثار”، فهي تحوله إلى معادلة. إنها تحاكي التضحية دون أن تعيشها.

ومع ذلك فإن السؤال لا يمكن أن يُختزل في رفض التكنولوجيا، لأننا نعيش داخلها كما تعيش السمكة في الماء. ما يتطلبه الأمر هو إعادة تأسيس لفكرة المسؤولية في زمن الذكاء الاصطناعي. إذا كانت القرارات تُتخذ اليوم عبر شبكات معقدة من البشر والآلات، فإن الأخلاق يجب أن تنتقل من نموذج الفاعل الفرد إلى نموذج البنية المشتركة. لكن هذا الانتقال يحمل خطرا مزدوجا، إما أن نضيع المسؤولية في ضباب التوزيع، أو أن نُسقطها على الآلة بوصفها “الفاعل” الجديد. كلاهما تهرّب من الحقيقة الأساسية وهي أن البشر هم من يصممون ويضبطون، ويطلقون هذه الأنظمة.

نبه هايدغر إلى أن جوهر التقنية ليس تقنيا، بل هو نمط من الكشف، طريقة يظهر بها العالم لنا. ففي عصر الذكاء الاصطناعي، يظهر العالم بوصفه مخزونا من البيانات القابلة للاستخراج والتحسين. يظهر الإنسان نفسه بوصفه نمطا سلوكيا يمكن التنبؤ به. هذا الانكشاف حين يُترك بلا مقاومة فلسفية، قد يقود إلى تآكل فكرة الحرية. فإذا كان ما سأفعله غدا يمكن توقعه اليوم بنسبة عالية، فما معنى أن أكون مسؤولا عنه؟ هنا يتقاطع التنبؤ مع القدر، وتتحول الإحصاءات إلى نبوءات ذاتية التحقق. الأخلاق هنا تصير محاولة مستمرة لكسر ما يبدو محتوما.

ولعل ما يجعل الإنسان غير قابل للاختزال هو تلك القدرة على خيانة توقعات نفسه. أن يفعل ما لم يكن في “بياناته السابقة”. هذه القدرة على الانحراف وعلى المفاجأة، هي جوهر الحرية. الخوارزمية مهما تعلمت، تبقى أسيرة ماضيها المرمز. إنها تتوقع المستقبل انطلاقا من الأمس. أما الإنسان فيستطيع في لحظة قرار أن يقطع مع تاريخه. أن يتوب وأن يغيّر وأن يختار على نحو لا يمكن استنتاجه إحصائيا. هذه القطيعة هي ما يجعل الأخلاق ممكنة، لأنها تجعل الشر والخير ليسا استمرارا آليا، بل انبثاقا جديدا.

غير أن هذه الحرية مهددة حين نتعود على تسليم قراراتنا الدقيقة للأنظمة الذكية. ليس لأن هذه الأنظمة شريرة، بل لأنها مريحة. إنها تعفينا من عناء التفكير ومن ثقل الشك. لكن كما لاحظ نيتشه، فإن أعظم خطر على الإنسان ليس الألم، بل الراحة. الراحة التي تجعلنا نرضى بما هو معطى وبما هو مقترح، وبما هو “أفضل حسب الخوارزمية”. وفي هذا الرضا الهادئ، قد نفقد تدريجيا القدرة على الاحتجاج الأخلاقي، وعلى القول، هذا ناجع لكنه غير عادل، هذا مربح لكنه مهين.

ولا يعود السؤال: هل ستتخذ الآلات قرارات أخلاقية؟ بل: هل سنبقى نحن قادرين على اتخاذ قرارات غير قابلة للاختزال إلى حساب؟ هذا هو الامتحان الحقيقي للوعي الإنساني في عصر الذكاء الاصطناعي. فإذا كان الوعي هو كما قال هيغل وعيا بالحرية، فإن أي نظام يُضعف هذه الحرية يُضعف الوعي ذاته. قد تصبح الآلات أذكى وأسرع وأدق، لكن ما لا تستطيع امتلاكه هو تلك اللحظة التي يقف فيها الإنسان أمام نفسه ويقول: كان يمكنني أن أفعل غير هذا، وأنا مسؤول عما فعلت.

إن الأخلاق ليست خاصية يمكن إضافتها إلى نظام، بل علاقة متوترة بين ذات وعالم. إنها ما يحدث حين يلتقي الداخل بالخارج في لحظة مخاطرة. ولهذا لا يمكن أن تكون تلقائية حقا، لأن التلقائية نفي للمخاطرة. كلما صارت القرارات أكثر تلقائية، صارت أقل أخلاقية، ومهما كانت نتائجها “جيدة”. فالخير الذي لا يمر عبر الحرية هو مجرد نجاح وظيفي، لا فضيلة.

وفي أفق عالم تحكمه الخوارزميات، تصبح مهمة الفلسفة ليست مقاومة الآلة، بل حماية تلك المسافة الهشة التي تفصل بين ما هو محسوب وما هو مسؤول. أن نُبقي على مكان للارتباك، للشك، للندم وللجرأة على الخطأ. لأن في هذه المنطقة غير المريحة يسكن ما يجعلنا بشرا. وربما يكون أعظم تحدٍّ أخلاقي في زمن الذكاء الاصطناعي هو أن نجرؤ على أن نظل غير قابلين للتحسين الكامل.

ولا يبدو المستقبل صراعا بين إنسان وآلة، بل اختبارا للقدرة على العيش مع آلات دون التحول إلى آلات. أن نستخدم الخوارزميات دون أن نستعير منها صورتها عن العالم. أن نحتفظ بذلك الفائض الغامض الذي لا يُشفَّر ولا يُقاس ولا يُتوقع، الضمير وهو يرتعش أمام قرار يعلم أنه سيترك أثرا لا يمكن محوه.

هنا في هذا الارتعاش يتجدد معنى الأخلاق، لا بوصفها نظاما من القواعد، بل بوصفها شجاعة الوجود في عالم لم يعد يضمن لنا أن نكون أكثر من بيانات، إلا إذا أصررنا نحن على أن نكون أكثر.

***

د. حمزة مولخنيف

ما زال الاسلام السياسي حيا لا بوصفه تنظيما يرفع شعارا بل بوصفه طريقة تفكير وبنية ذهنية رسخت عميقا في الوعي الجمعي. لم يعد في حاجة الى رايات ولا الى منصات لانه استقر في اللغة التي نتكلم بها وفي الاسئلة التي نخشى طرحها وفي تلك المساحات الرمادية بين المقدس والبشرية. بين الايمان بوصفه تجربة روحية والسلطة بوصفها اداة للهيمنة.

سقط التنظيم حين اصطدم بجدار الدولة وتهاوى المشروع حين عجز عن ادارة الواقع لكن الفكرة لم تهزم لانها لم تحاكم معرفيا ولم تفكك فلسفيا بل ازيحت ازاحة امنية كأنها خطر عابر لا بنية ثقافية ممتدة. وحين يؤجل النقد تنمو الجذور في الظل وتعيد الافكار انتاج نفسها باقنعة اكثر دهاء واقل صخبا.

الاسلام السياسي ليس حدثا طارئا في التاريخ بل هو تعبير عن التباس مزمن بين الدين والدولة بين المطلق والنسبي بين ما يعتقد وما يدار انه تلك اللحظة التي يتحول فيها الايمان من معنى وجودي الى برنامج حكم ومن سؤال اخلاقي الى اداة ضبط ومن علاقة حرة بين الانسان وربه الى وصاية دائمة على الضمير والعقل.

ما زال رجل الدين يتصدر المشهد لا لانه الاجدر بالقيادة بل لان السلطة لم تتح بعد ان يفك الارتباط بين المعرفة والقداسة بين الراي والفتوى.

وما زال المثقف والمفكر الحقيقي متواريا عمدا مسلوبا من الادوات والامكانيات.  مازالت الأسئلة تمع وتشيطن ويستبدل التفكير بالجاهز والمعلب. ما زال الجهل يتقدم الصفوف لا باعتباره نقصا في المعلومات بل باعتباره موقفا معاديا للعقل.  جهل يلبس ثوب اليقين ويخاف من الشك ويعتبر السؤال خيانة والاختلاف تهديدا والتعدد لعنة وفي هذا المناخ مازالت العلمانية كلمة سيئة السمعة. شوهت واختزلت في الالحاد بينما هي في جوهرها تحرير للدين من التوظيف وحماية للايمان من الابتذال السياسي.

نحن في حاجة الى مواجهة من نوع اخر لا تدار بالعصا ولا تختزل في الامن بل تخاض في ميدان المعرفة مواجهة تعيد طرح الاسئلة المؤجلة:  ما معنى الدولة؟ ما حدود الدين واين ينتهي المقدس ويبدأ الانساني؟  وما الحق الذي لا يملكه احد في مصادرة اختلاف الاخر.

نحن في حاجة الى ثورة هادئة في الوعي الى تعليم يعلم التفكير لا الحفظ الى خطاب ديني يعترف بتاريخيته والى اعلام لا يوارب ولا يناور في حاجة الى ان يعود العقل الى مركز المشهد لا بوصفه خصما للايمان بل بوصفه شرطا لنضجه

 فالدولة الحديثة ليست تجليا للعقيدة ولا امتدادا للجماعة بل اطار قانوني يدير الاختلاف ويحمي التعدد ويضمن الحقوق بغض النظر عن المعتقد وحين تغيب هذه الفكرة يصبح الدين بديلا عن القانون وتصبح الهوية بديلا عن المواطنة ويغدو العنف مبررا باسم الدفاع عن المقدس

ان ازمة الاسلام السياسي هي في حقيقتها ازمة وعي ازمة تعليم يلقن ولا يحرر ازمة اعلام يلمح ولا يصرح ازمة ثقافة تفضل الطمأنينة الزائفة على القلق الخلاق ولذلك تظل الاسئلة الكبرى مؤجلة.

 ما معنى ان نكون مواطنين لا اتباعا؟؟

 ما حدود السلطة الدينية واين يقف حقها واين يبدأ حق الفرد في الاختيار والاختلاف؟؟

نحن في حاجة الى مواجهة معرفية شاملة لا تستهدف الاشخاص ولا تعادي التدين بل تعيد ترتيب المفاهيم وتفصل بين ما هو روحي وما هو سياسي وتعيد للعقل مكانته بوصفه اداة للفهم لا خصما للايمان نحن في حاجة الى فلسفة تنزل من ابراجها وتدخل المجال العام وتعيد الاعتبار للسؤال وتحرر اللغة من خوفها

ولنعلم ان الافكار لا تهزم بالقوة بل تهزم حين تفهم وتفكك وتستبدل بافكار اعمق منها اكثر انسانية واكثر قدرة على ان تجعل هذا المجتمع يعيش لا على هامش التاريخ بل في قلبه

فالمعركة الحقيقية ليست بين دولة وتنظيم ولا بين سلطة ومعارضة بل بين عقل يريد ان يرى وعقل يخشى الرؤية بين وعي يقبل التاريخ ووعي يريد ان يعيش خارجه

 واما ان ننجح في بناء انسان حر قادر على التفكير والاختيار واما ان نظل نعيد انتاج الازمة نفسها باسماء مختلفة وشعارات متبدلة بينما يبقى الجوهر اسيرا للخوف والوصاية والوهم.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

يعتبر سؤال العلاقة بين الفكر والمادة من أعمق الأسئلة في الفلسفة والعلوم، وقد شكّل محورًا لصراعات فكرية تمتد من اليونان القديمة إلى الفلسفة الحديثة والعلوم المعاصرة.

سنبدأ ب ”الموقف المادي“ الذي يرى أن المادة هي الأصل، والفكر مجرد نتاج ثانوي لعمليات مادية في المخ. يمكن تفسير كل الأفكار والمشاعر عبر نشاط الخلايا العصبية التي تمثل عمليات كيميائية حيويه تخضعي لقوانين الفيزياء الكموميه. وقد اوضح تصوير المخ المغناطيسي (Functional MRI) أن كل فكرة أو قرار يقترن بنشاط عصبي محدد في المخ . كما أظهرت دراسات أجراها عالم الأعصاب الأمريكي بنيامين ليبت في ثمانينيات القرن الماضي وجود نشاط كهربائي في الدماغ يسبق الشعور الواعي بالرغبة في الحركة. وهذا يُشكك في المفهوم التقليدي للإرادة الحرة، ويشير إلى أن الإرادة الواعية لا تبدأ الأفعال، بل تدركها فقط.

 يري ”الموقف المثالي“ ان الفكر أو الوعي هو الأصل، والمادة مجرد مظهر من مظاهره. كان افلاطون من رواد الفكر المثالي ويري ان العالم الحقيقي هو عالم المثل، وان الأفكار خالدة. اتفق الفيلسوف واللاهوتي الأنجلو-إيرلندي ”جورج بيركلي“، الذي عاش في القرن الثامن عشر، مع مبادئ المثالية واللامادية. ازداد الاهتمام بجورج بيركلي في الولايات المتحدة في أوائل القرن التاسع عشر، مما أدى إلى تسمية جامعة ومدينة في كاليفورنيا باسمه.

يمكن تلخيص العلاقة بين الفكر والمادة في ثلاثة نماذج رئيسية: ”النموذج المادي“، الذي يقر بان الفكر نتاج المخ؛ و ”النموذج المثالي“ يطرح ان الفكر هو الأصل والمادة مظهرًا من مظاهر الوعي؛ و ”النموذج الثنائي“، الذي يري ان الفكر والمادة تفاعلًا بين جوهرين.

هناك المدارس الروحية والفلسفات الشرقية مثل التصوف والبوذية التي تقدم رؤية مختلفة:

”التصوف" يعتبر الفكر والوعي والعقل أصل الوجود والحقيقة الأولى، والمادة هي مظهر من مظاهر وجود واحد، ولا يفصل التصوف بين العقل والعالم والوجود، ويرى أن كل شيء مترابطاً، وان المعرفة ليست فقط عقلية فحسب، بل تتضمن الحدس والشهادة والوجودية، وان الوعي يشارك في خلق المعنى، الذي يتجلى من خلال التجربة الداخلية.

اما "البوذية" فهي تعتبر العقل والمادة عمليتين مترابطتين، لا يمتلك أي منهما وجودًا مستقلاً.

تعرض الفلاسفه والمفكرين العرب والإسلاميين في العصور القديمه للعلاقة بين الفكر والمادة. اعتقد الفارابي وابن سينا ​​أن الفكر يتجاوز المادة؛ في المقابل، اعتقد ابن رشد أن العقل قادر على إدراك الكليات، وأن المادة أساس المعرفة. ويتفق هذا مع موقف المعتزلة، الذين يرفعون العقل إلى درجة جعله معيارًا للخير والشر، وأن العقل مستقل ولا تحكمه المادة. علي النقيض يعتقد الأشاعرة ان العقل محدود، وان الفكر ليس مستقلًا عن الإرادة الإلهية.

بالنسبه للفلاسفة والمفكرين العرب في العصر الحديث، مثل زكي نجيب محمود، وحسن حنفي، ومراد وهبة، فإنهم يميلون إلى المادية العلمية، ويعتقدون أن الفكر هو نتاج العقل وانعكاس منظم للمادة، ويرفضون الحتميات الميتافيزيقية.

ناقش العلاقة بين الفكر والمادة الفيلسوف برتراند راسل وعالم الفيزياء ستيفن هوكينج، وهما من أبرز مفكري القرن العشرين الذين لا يزال تأثيرهم مستمرًا حتى يومنا هذا.

تبنى راسل الوحدة المحايدة، وهو موقف يتجاوز كلاً من المادية والمثالية. فهو يعتقد أن تقسيم العالم إلى عقل ومادة هو تقسيم قديم موروث من أفلاطون والفكر الديني، وأنه يتعارض مع التقدم العلمي، لا سيما في الفيزياء وعلم النفس.

أوضح راسل أن الفكر والمادة ليسا جوهرين مختلفتين، ولا أحدهما أصل الآخر؛ بل هما مظهران للمادة المحايدة، وأن العقل والمادة هما جانبان لشيء محايد واحد.

قدم ستيفن هوكينج، رؤية واضحة حول العقل والوعي والمادة من منظور فيزيائي، ويمكن تلخيص موقفه في ثلاث نقاط رئيسية: الوعي هو نتاج عمليات فيزيائية في خلايا المخ؛ العقل ليس كيانًا مستقلاً عن المادة، بل هو نتيجة مباشرة لها؛ لا يوجد فكر أو وعي خارج المادة؛ والروح مفهوم ميتافيزيقي، وليس مفهومًا علميًا.

رفض هوكينج اي تفسير غير مادي، واعتبر الفكر الانساني هو نتاج درجة عالية من التعقيد في الماده التي تكون مخ الانسان، وليس هناك اي دليل علمي على وجود عقل مستقل عن البنية الفيزيائية.

تنظر فلسفة العلم الحديثة الي ان العقل لا يعكس الواقع كما هو، بل يبني نماذج تفسره، وهذه النماذج تتغير مع الزمن. وهناك أنطولوجيا جديدة للفكر والمادة توضح ان الوعي ليس ماديًا بحتًا، ولا روحانيًا محضا، بل هي علاقة تشاركية، وان الوجود هو شبكة من العمليات المعلوماتية، تتخذ شكلًا ماديًا عندما تُرى من الخارج، وشكلًا فكريًا عندما تُرى من الداخل، وان الفكر والمادة ليسا جوهرين، بل وجهان لعملية واحدة. (معني انطولوجي لغير المتخصصين؛ هو علم الوجود، وكيف يمكن تصنيف الأشياء وربطها ببعضها البعض).

في الختام، قدم العلم الحديث رؤية علمية شاملة للعمليات المعقدة في المخ البشري، حيث تتفاعل مليارات الخلايا العصبية من خلال شبكات واسعة من الاتصالات عبر عمليات تحكمها قوانين فيزياء الماده، لإنتاج الفكر البشري. اما المقاربات الأخرى للعلاقة بين الفكر والمادة فهي تفسيرات ميتافيزيقية تشكّلت قبل الفهم العلمي العميق للمادة، مع تصور سطحي وساذج لوظائف المخ، مما ادي الي انتشار معرفة زائفة لا تخضع للإثبات والدحض مثل المعرفه العلميه.

***

بقلم استاذ دكتور سامح مرقس

تعلمت منذ زمن بعيد أن نقد الأفكار هو الذي يهذّبها وينضجها. إني أتبع مذهب الفيلسوف المعاصر كارل بوبر، الذي رأى أن أي فكرة أو نظرية علمية، في أحسن أحوالها، احتمال راجح بالقياس إلى غيره. إعلان الفكرة تمهيد لكشف نواقصها، وصولاً إلى استبدالها بما هو أكمل وأفضل. المعارف القديمة التي تركناها لم تكن خطأ، بل كانت الخيار المتاح يوم ظهورها. ولولا إعلانها لما كشفنا نواقصها، وتوصلنا إلى بدائلها.

أردت بهذا التمهيد الإشادة بنقد أخي الأستاذ هاشم الشملة لمقالة الأسبوع الماضي، الذي كان – للحق – دقيقاً ومنهجياً، ومفيداً لي. وقد عرض نقاطاً عدّة تستحق التوقف. لكني مهتم أولاً باستشكاله على الدعوة لاعتماد العقل في تشخيص معاني الأفعال وما تنطوي عليه من مصالح وقيم. هذه الدعوة عنصر جوهري في المقال المذكور، سيما في فرضية أن علاقات الناس ليست مسألة دينية، وأن مرجعها حكم العقل وليس النص.

يشكك الأستاذ الشملة في قدرة العقل على تشخيص المصلحة من دون تحيز، مع علمنا بأنه يتأثر بميول صاحبه المادية وانتماءاته الاجتماعية وخلفيته الثقافية وإطاره الآيديولوجي وانشغالاته الآنية.

كما يخشى أن تنقلب التعددية القيمية إلى نسبوية، حيث لا يبقى فارق بين الحق والباطل إلا بالاستحسان الظرفي. سأترك هذه النقطة لمناسبة أخرى، وأركز في هذه السطور على النقطة الأولى، أي سلامة الاعتماد على حكم العقل. وهو اعتراض صحيح ومشروع. وللمناسبة، فإن جميع الذين عارضوا دخالة العقل في التشريع أو في الحياة الدينية بشكل عام، ذكروا هذا الاعتراض. وهو أبرز الأدلة التي رفعها الإخباريون في وجه المدرسة التي تقول بالاجتهاد في الشريعة. وقال أهل العرفان إن القيم الدينية غرضها توجيه الإنسان في طريق الكمال؛ لذا ينبغي أن تصدر عن كامل، لا أن تصدر عن ناقص يسعى لتكميل نفسه.

وفي الجهة المقابلة، فإن كافة الذين دعوا إلى إعلاء مكانة العقل ومحورية دوره في حياة الإنسان، أقرُّوا بتلك النواقص والحدود، وقالوا بوضوح، إنهم لا يرون العقل كاملاً ولا معصوماً من تأثير الانحيازات والشواغل الظرفية.

واضح إذن أن الجميع متفق على نقص العقل الإنساني. فكيف نجعله حكماً وحاكماً ومرجعاً؟

سبق أن أجبت عن هذا السؤال. وسأوجز هنا ما قلت سابقاً. سؤال العلاقة بين العقل والقيم/أحكام الشريعة ينحل إلى ثلاثة أسئلة ضمنية، أولها: هل نتحدث عن عقل كامل، بمعنى أنه معصوم عن الخطأ، ونعلم أن العصمة قصر على الرسول، فهل هذا موضوع نقاشنا، أم نتحدث عن عقل البشر العادي الذي يتجه إليه التكليف والاختبار في الحياة؟

السؤال الثاني: هل نرى أن طلب الخير هو الطبع الأولي للإنسان (الفطرة)، أم أن فطرته فاسدة ونزوعه الأولي نحو الشر؟ فإذا قلنا بأنه أميل إلى الشر، فلا حاجة أصلاً إلى النقاش؛ لأنه حتى لو أثبتنا قدرة العقل على إنشاء القيم، فسوف ينصرف إلى ما هو طبع أولي فيه، أي الشر والفساد. أما لو قلنا بأن الإنسان مفطور على الخير، فإنه لا خوف من اعتماد حكم العقل، حتى لو أخطأ.

السؤال الثالث: القول بأن العقل قادر على إنشاء القيم والأحكام، هل يعني أن هذه عملية ميكانيكية: يطلبها الإنسان من عقله فيستجيب هذا وينشئها، أم أنها تتبع تطور المعرفة، فكلما ازدادت معرفة البشر بعالمهم، ازدادت معها قدرتهم على إنشاء الأحكام والقيم؟ هذه العلاقة تشير أيضاً إلى تفاعل جدلي بين الإنسان والطبيعة، يقود لتطور في حياته المادية، فتتولد أسئلة جديدة، تثير العقل كي يولد معاني جديدة ومعارف جديدة، وبالتالي قيماً جديدة. هنا يتضح دور الزمن الذي يثير الأسئلة فيحرك مسيرة المعرفة، فيكشف قابلية متصاعدة للتعلم، تمكن الخلف مما عجز عنه السلف. وفي النقاش بقية، سأعود إليها في قادم الأيام.

***

توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

يُعد الإحباط الإنساني إحدى العلامات البارزة التي تكشف عن عمق الأزمة التي تعيشها المجتمعات المعاصرة في ظل انهيار منظوماتها القيمية واختلال مرجعياتها الأخلاقية، إذ لا يمكن النظر إلى الإحباط بوصفه حالة نفسية فردية معزولة عن سياقها الاجتماعي والثقافي، بل هو نتاج تفاعل معقّد بين الذات الإنسانية وواقع مأزوم يتسم بتراجع المعنى واهتزاز الثوابت التي كانت تؤطر علاقة الإنسان بالعالم وتمنحه الشعور بالاستقرار والجدوى. وفي هذا الإطار، يغدو الإحباط تعبيراً عن انكسار الأفق الوجودي للفرد، وعن عجزه المتنامي عن التوفيق بين طموحاته المشروعة وواقع لم يعد يتيح شروط التحقق أو الفعل المؤثر.

ينشأ الإحباط في سياقات الانهيار القيمي حين تفقد القيم قدرتها على أداء وظائفها التوجيهية والتنظيمية، فلا تعود الأخلاق مرجعية ناظمة للسلوك الفردي والجماعي، ولا يغدو الالتزام القيمي ضمانة لتحقيق العدالة أو الاعتراف الاجتماعي. ومع سيادة أنماط من السلوك النفعي والانتهازي، يشعر الإنسان بأن جهده لا يكافأ، وأن نزاهته تتحول إلى عبء بدل أن تكون مصدر قوة، وصدقه في التعامل يجعله ضعيفاً مستغلاً، الأمر الذي يولد شعوراً عميقاً بالخذلان واللاجدوى، ويقود إلى تآكل الثقة بالذات وبالآخرين على حد سواء.

وتتجلى تمثلات الإحباط الإنساني في هذه السياقات في أنماط متعددة من الاستجابة النفسية والثقافية، تتراوح بين الانكفاء على الذات والانسحاب من المجال العام، وبين التمرد والرفض بوصفهما محاولة أخيرة لاستعادة الفاعلية المفقودة. كما تظهر السخرية بوصفها آلية دفاعية يلجأ إليها الفرد لمواجهة عبث الواقع وتناقضاته، حين يعجز عن تغييره فعلياً، فيحول إحباطه إلى خطاب رمزي يخفف من وطأة القهر، وإن لم يفضِ إلى تجاوزه. وتكشف هذه التمثلات عن عمق الأزمة التي يعيشها الإنسان في زمن فقدت فيه الأفعال معناها، وأضحى فيه الصمت أو اللامبالاة بديلاً عن المشاركة الفاعلة.

ولا يقتصر الإحباط في سياقات الانهيار القيمي على بعده الفردي، بل يتخذ طابعاً جمعياً يعكس حالة من التوتر العام داخل المجتمع، حيث تتقاسم الذوات الإحساس ذاته بالفقد والخيبة، فتتشكل حالة من الوعي الجمعي المأزوم الذي يتغذى على سرديات الفشل وانكسار الأمل. وينعكس هذا الإحباط في الخطابات اليومية، وفي الإنتاج الثقافي والأدبي، الذي يغدو فضاءً لتمثيل الانكسار الإنساني وتفكيك أسبابه، كما يصبح وسيلة لفضح البنى القيمية المتهالكة التي أسهمت في إنتاج هذا الشعور الجماعي بالعجز والاغتراب.

كما يسهم تراجع الثقة بالمؤسسات الاجتماعية وغيرها من المؤسسات في تعميق الإحباط الإنساني، حين تفقد هذه المؤسسات مشروعيتها الأخلاقية، وتتحول من فضاءات للحماية والعدالة إلى أدوات للإقصاء أو الهيمنة. في مثل هذه السياقات، يشعر الإنسان بأنه كائن هامشي داخل نظام لا يعترف بإنسانيته ولا يصون كرامته، فيزداد اغترابه عن المجال العام، ويبحث عن بدائل رمزية أو فردية تمنحه الإحساس بالانتماء والمعنى، حتى وإن كانت هذه البدائل مؤقتة أو وهمية.

ويكشف الإحباط الإنساني، في ضوء ذلك، عن كونه مؤشراً ثقافياً عميق الدلالة على أزمة المعنى في المجتمعات المعاصرة، لا مجرد عرض نفسي عابر. فهو يعكس فجوة متسعة بين القيم المعلنة والممارسات الفعلية، وبين الخطاب الأخلاقي السائد والواقع اليومي الذي يناقضه. ومن هنا، فإن مقاربة هذه الظاهرة تقتضي تجاوز التفسير النفسي الضيق، والانفتاح على تحليل اجتماعي وثقافي شامل، يربط الإحباط بسياقاته البنيوية والتاريخية، ويكشف عن علاقته بتحولات السلطة والاقتصاد والخطاب.

وفي الختام، يمكن القول إن تمثلات الإحباط الإنساني في سياقات الانهيار القيمي تعبر عن مأزق الإنسان المعاصر في بحثه الدائم عن معنى ثابت في عالم متغير، وعن قيم قادرة على ترميم علاقته بذاته وبالآخرين. ولا يمكن تجاوز هذا الإحباط إلا عبر إعادة بناء المنظومة القيمية على أسس أخلاقية وإنسانية أكثر عدلاً وشمولاً، وإنتاج خطاب ثقافي يعيد الاعتبار للفعل الإنساني بوصفه إمكانية للتغيير، لا مجرد استجابة سلبية لزمن البؤس والانكسار.

***

أسمهان عبد القدوس القره غولي

هناك تشابه مدهش بين برج بابل والاساطير اليونانية. قصة برج بابل(1) هي احدى اشهر القصص في الانجيل. معظم الناس لا يعلمون ان هناك قصة مشابهة لها في الميثولوجيا اليونانية، تماما مثلما للميثولوجيا اليونانية نسختها الخاصة لقصة طوفان نوح الواردة في الانجيل. هذه القصة هي اسطورة اوتوس وافيالتس Otus and Ephialtes ومحاولتهما الوصول الى آلهة الاولمب.

منْ هما اوتوس وافيالتس؟

اوتوس وافيالتس كانا اميران من ثيساليا عاشا في وقت مبكر من التاريخ اليوناني. في بعض الروايات، هما كانا ابناء الملك الويوس Aloeus . لهذا السبب، هما كانا يُعرفان عادة بـ الالوادي او الالوادز. في نسخ أخرى ورد ان ابيهما الحقيقي هو بوسيدون poseidon. امهما كانت ايفيميديا Iphimedeia اميرة من ثيساليا. طبقا للميثولوجيا اليونانية، هذه الاميرة تذهب بانتظام الى الشاطئ وتشرب الماء الذي تغرفه من البحر، وهو ما قاد بالنهاية الى حملها من إله البحر بوسيدون. ان قصة اوتوس وافيالتس تحمل تشابها ملفتا مع قصة برج بابل. طبقا لهوميروس، كان اوتوس وافيالتس أقوياء جدا لدرجة هددا آلهة الاولمب ذاتهم.

لكي يشنا الحرب على الآلهة، حاول الالوادوز الوصول الى المقر السماوي للآلهة ومهاجمته. وبشكل مشابه لقصة برج بابل، حاول هذان العملاقان بناء هيكل شاهق جدا. هدفهما هو ان يستحوذا على زوجات الآلهة. اوتوس اراد ان يأخذ ارتميس بينما افيالتيس أراد هيرا. لهذا السبب، هما رصفا الجبال فوق بعضهما للتسلق الى مكان الآلهة. طبقا لهيموروس، ومصادر أخرى، وضع اوتوس وافيالتس جبل اوسا على قمة جبل اولمبس، بعدها وضعا جبل بيلون على قمة جبل اوسا. لكن قبل ان ينجحا في أخذ هيرا وارتميس لأنفسهما، تمكنت الآلهة من احباط الخطة.

في احدى القصص، اتخذت ارتيمس شكل غزالة وركضت بينهما، وعندما حاول الاخوان طعنها، انتهى الامر بإصابة كل منهما بجروح قاتلة. رواية أخرى توضح ان الإله ابولو قتلهما. كيف تتشابه اسطورة اوتوس وافيالتس مع قصة برج بابل؟ هناك عدة وجوه تبدو فيها اسطورة اوتوس وافيالتس مشابهة لقصة برج بابل في الانجيل. هذا يتضح في الاحداث التي حدثت والتوقيت والافراد المشاركين.

بالنسبة لما حدث، كلا القصتين تستلزمان افرادا يحاولون بناء هيكل كبير يصل الى السماء. لا توجد إشارة في قصة الانجيل بان النية كانت مهاجمة السماء. مع ذلك، الانجيل يصف البنّائين بانهم يرغبون ببناء برج "تصل قمته الى السماء".

متى حدث هذا؟ في قصة الانجيل حدث هذا بوقت قصير بعد الطوفان. بما ان نوح وعائلته فقط نجوا من الطوفان، لابد ان يكون قد مر وقت كاف لكي يتزايد السكان مرة أخرى. مع ذلك، يمكن القول انه حدث في وقت مبكر نسبيا من تاريخ البشرية.

الميثولوجيا اليونانية تصف اوتوس وافيالتيس كأحفاد لأيوس، جد احدى القبائل اليونانية الكبيرة. لاحظ الرحالة اليوناني بوسانياس انهما كانا في فترة مبكرة من تاريخ البشرية وهما اول من اطاعا الربات التسعة (آلهات ملهمات في الادب والعلوم والفنون). في جميع النسخ، تجدر الإشارة ان اوتوس وافيالتيس جرى التصدي لهما ومنعهما من جانب كائن الهي. وهذا مشابه للطريقة التي يصور بها الانجيل الله حين أوقف بناء برج بابل .

***

حاتم حميد محسن

.......................

Greek Mythology’s version of the Biblical Tower of Babel, GreekReporter, Jan8,2026

الهوامش

(1) يمثل برج بابل (2242 ق.م) تمردا ضد الله لما بعد الطوفان من جانب ذرية نوح. الله حكم عليهم بتجزئة لغة واحدة الى عدة لغات. ومع انتشار هذه الجماعات وانعزالها، سادت سمات معينة مثل لون الجلد او شكل العينين في جماعات محددة. المؤرخ ورئيس الأساقفة جيمس اوشيل 1 حدد تاريخ البرج بـ 106 سنة بعد الطوفان. يرى البعض ان برج بابل هو قصة انجيلية وليس بناءً اثريا مؤرخا بشكل موثوق. قصة البرج وردت في سفر التكوين 11:1-9 وهي جزء من الكتاب المقدس العبري/العهد القديم وفيما بعد لدى اليهود المتأخرين والمسيحيين والمسلمين. ان تحديد تاريخ القصة او تحديد مبنى تاريخي معين يعتمد على ما اذا كان المرء يتعامل مع النص كتاريخ او اسطورة او كذكرى لبناء الزقورة في بلاد ما بين النهرين.

لعلنا لا نضيف شيئا حين القول: أن الدين الإسلامي بكل تشريعاته ونظمه، وبالرغم من تقريره للغيب، فإنه ذو سمة عقلانية، أي أنه جاء ليوافق منطق العقل الإنساني وأحكامه. لذلك لا نجد أن هناك حكم في الدائرة التشريعية للإسلام، لا ينسجم وحقائق العقل الإنساني. وعالم الغيب في المنظور الإسلامي، ليس نفيا أو تغييبا لعالم الشهود والعقل. وإنما بالنظر العقلي المستند على حقائق الوحي يتم اكتشاف بعض جوانب وأبعاد عالم الغيب.

وإن الحرية الإنسانية لا تنجز على الصعيد العملي، إلا على قاعدة توفير المصالح التي يسعد بها الإنسان ويحيا حياة كريمة، ودفع الأضرار التي تجلب إليه الشقاء والبعد على الجادة والحياة الكريمة. (لذا لا يمكن تصور الإنسان حرا في المفهوم الإسلامي، إلا منذ أن أصبح يعتقد أنه مكلف ومسؤول. ذلك لأن معنى الحرية الذي نهض به التكليف قد غدا في أغوار النفس الإنسانية معتقدا، يمارسه على الوجه المرسوم له شرعا، امتثالا لأمر الله، وعن طواعية وكامل رضا، أو بعبارة أخرى، إن المسلم الحق لا يصدر عنه تصرف أو نشاط حيوي مادي أو فكري أو وجداني بمقتضى ما رسم له الشارع فيما خوطب به من تكاليف، إلا إذا كان يعتقد ابتداء، وفي قرارة نفسه، أنه مكلف به شرعا، لا بعامل الاستهواء أو بتسليط الغرائز الدنيا الأولية السليقية التي تغري بالتصرف المطلق، طمعا في تحصيل الثمرات القريبة العاجلة، أو استجابة للعصبية، والهوى، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم، وحذر منه، لفساد مآلاته على المجتمع البشري كله. بقوله تعالى [ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض].

وهذه الحرية ليست منفصلة في حقائقها وتجلياتها المتعددة عن نظام الحقوق، سواء كانت هذه الحقوق خاصة أم عامة. وإنما هي متداخلة مع نظام الحقوق ولا يمكن أن يتم إنجاز الحرية في الواقع الاجتماعي إلا بصيانة الحقوق فحماية الحقوق وصيانتها هي بوابة إنجاز الحرية في الواقع الاجتماعي. وبدون ذلك تبقى الحرية شعارات مجردة بعيدة عن حركة الإنسان الفرد والمجتمع .

" لذا ترى الإسلام قد أقام فلسفته التشريعية على أساس تضمين المعنى الإنساني والاجتماعي مفهوم الحرية، ضمانا كافيا للحيلولة دون الاعتساف في ممارستها، وناط بهذا المعنى مفهوم العدل، بأن جعل بينه وبين المشروعية تلازما، بحيث إذا انتفى المعنى الاجتماعي في التصرف الفردي، انتفت المشروعية وسقطت، ولاسيما عند تعارض الحرية الفردية مع المصلحة العامة، كما بينا، وهذا أصل مقطوع به، ومجمع عليه، تحقيقا للتوازن عملا وواقعا، ثم أقام الحق والحرية على أساس التكليف المؤيد بالعقيدة، ضمانا للتقيد بالمعنى الإنساني، لأنه يستند إلى أصل اعتقادي قبل أن يكون تدبيرا تشريعيا أو سياسيا محضا. ومن هنا نشأت الوظيفة الاجتماعية للحق والحرية وهذه الوظيفة هي أساس التكافل الاجتماعي الملزم أو جهة التعاون واستخلص العلماء من هذا المبدأ العام الذي هو قوام الحريات والحقوق ومؤداه أن حق الغير محافظ عليه شرعاً وهو حق الله تعالى في كل حق فردي، بما يحقق من معنى الحق الاجتماعي في الإسلام. " (راجع الدكتور فتحي الدريني، دراسات وبحوث ف الفكر الإسلامي المعاصر ، ص 47 ).

وبما أن المصلحة العامة من الشروط التي تتوقف عليها قدرة الفرد وإمكانيته من تحقيق مصالحه الذاتية المباشرة. لذلك فإن صيانة المصالح العامة بكل مقتضياتها ومتطلباتها من صميم صيانة الإنسان لمصالحه الخاصة والذاتية. وبهذا تتضح العلاقة العميقة والوثيقة في آن، بين رعاية المصالح الذاتية ورعاية المصالح العامة. وإنه لا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نصون مصالحنا الخاصة إلا بصيانة مصالحنا العامة. لأنه وببساطة شديدة لا تبقى مصالح خاصة على الصعيد الواقعي معتبرة، إذا تم التهاون والتضحية بالمصالح العامة.

و لعل هذا هو مؤدى المأثور التاريخي القائل ( إن قوما ركبوا سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها، إذا أرادوا أن يستقوا، مروا على من فوقهم، فقال أحدهم: لو إنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن أخذوا على يديه نجا ونجوا، وإن تركوه، هلك وهلكوا جميعا).

من هنا نستطيع القول: أن حياة الإنسان وفق الرؤية الإسلامية ليست حقا أو ملكا خالصا له، بل هي مسيجة بحق الله تعالى وحق المجتمع، تنفيذا لأمانة التكليف، وتفسيرا لمعنى استخلافه في الأرض. ويقول تبارك وتعالى [ولا تقتلوا أنفسكم].

ولقد صاغ الفقهاء مجموعة من القواعد الفقهية التي تنظم وتحدد وتوازن العلاقة وأولوياتها بين المصالح الخاصة والعامة. ومن هذه القواعد، لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ويتحمل الضرر الخاص في سبيل دفع ضرر عام، والضرر الأشد يزال بالأخف.

وكل هذه الحقوق والحريات العامة، التي هي ضرورية لأمن واستقرار المجتمعات، بحاجة إلى ركائز وسياج مجتمعي وقيمي، يحمي الحقوق، ويعزز فرص الاستقرار في المجتمع.

وهذه الركائز هي:

1.  الوفاء بالعهود والمواثيق، لأن ذلك هو الذي يؤكد الثقة بين أفراد المجتمع ويحفظ لهم تماسكهم الاجتماعي.

2.  المحافظة على الروابط الروحية والاجتماعية، فإنها تشد أواصر المجتمع وتجعله وحدة متماسكة بعيدة عن أي انقطاع وانفصام.

3.  النزعة الإصلاحية التي تعمل على إصلاح ما فسد من حياة الناس، ومحاربة تجدد الفساد وانطلاقه ف المجتمع سواء ف ذلك فساد العقيدة، أو فساد السلوك والوجدان، وهذا هو سر الإيمان في حياة المؤمنين عندما ينطلق الإيمان في حياتهم ليقوي هذه الركائز. فهم يحفظون عهد الله في كل التزاماتهم ومواثيقهم في العقيدة والحياة، ويصلون ما أمر الله به أن يوصل في علاقة الإيمان والقرابة والجوار وغيرها. ويصلحون الفساد في الأرض).

وتتضح هذه الركائز من قول الباري عز وجل [الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون].

فالعلاقات الاجتماعية الداخلية القائمة على الوفاء بالعهود والمواثيق، والمزيد من أشكال التضامن وأطر التعاون، والحيوية والدينامية في ملاحقة الانحرافات وكل أشكال الفساد. هذه العلاقات هي القادرة على احتضان واستيعاب كل أسس الحرية وآفاق المشاركة في الحياة العامة. فالمجتمعات لا تصون حقوقها، ولا تنجز حريتها، إلا إذا كانت حية وحيوية، وتمتاز بعلاقات حسنة وإيجابية بين مختلف مكوناتها وتعبيراتها. 

أما المجتمعات المفككة والمبعثرة في جهودها وطاقاتها، والخاملة تجاه حقوقها وحرياتها، فإنها مهما رفعت من شعارات لن تتمكن من القبض على كل أسباب عزتها وحريتها. لهذا فإننا مع كل المبادرات والخطوات التي تعزز وحدة المجتمع وتضامنه الداخلي، وضد كل نزعات التشظي والفرقة التي قد تصيب المجتمعات، وتضيع عليها فرص حقيقية ونوعية في مضمار التقدم والتطور. فالحقوق مهما كانت صريحة وواضحة، فإننا لن نحصل عليها إلا إذا وفرنا كل الأسباب الذاتية والموضوعية المؤدية إلى نيل الحقوق وكسب الحريات. وتوفير هذه الأسباب بكل مستوياتها، لا يمكن أن يتحقق دفعة واحدة، وإنما عبر عمليات التراكم والبناء المتواصل. ولعل من أهم المداخل لهذه المسألة، هي بناء قدرات المجتمع الذاتية في مختلف المجالات.

لهذا فقد جاء في الحديث الشريف عن رسول الله (ص) [هلاك أمتي في ترك العلم]. فالمجتمعات لا تبني قدراتها إلا بالعلم والمعرفة، لذلك وكما قال رسول الله (ص) [من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أرادهما فعليه بالعلم ]. ومن الضروري في إطار بناء المجتمع وتطوير قواه الذاتية، الاهتمام بالتخطيط والابتعاد عن كل أشكال العشوائية وردود الأفعال الغير محسوبة التي قد تضر باستراتيجية بناء قدرات المجتمع الذاتية.

ولا يمكننا أن نحدد معطيات الانطلاق وممكناته المعاصرة، بدون التعريف العميق على العالم والعصر الذي نعيش فيه. وذلك لأن تغييب الذات عن العصر، لا يفضي إلا إلى الغربة والانزواء في كهوف الهامشية. في معرفة العصر شرط لممارسة الشهود [لتكونوا شهداء على الناس]، ونصاب بالدهشة والاستغراب من أولئك النفر الذين يوجدون لأنفسهم حواجز وهواجس تحول دون تواصلهم الفكري والمع رفي مع مستجدات الحياة وتطوراتها المتعددة.

بطبيعة الحال كثيرة هي العوامل والأسباب، التي تحول دون إحداث قفزة نوعية - تجديدية في الواقعين العربي والإسلامي. ولكن يبقى الجمود والحرفية واليباس المعرفي والفكري والمجتمعي، هي العائق الأساسي الذي يمنع التجديد ويحارب إرهاصاته ويقمع نواته الأولى، ويحتقر كل القوى التي تنادي به. فالجمود هو العائق الصلب، الذي يمنع كل تجديد، ويحول دون تواصل نوعي مع تطورات الحياة. وأي تجاوز لهذا العائق بمقداره يتحقق التجديد والتواصل. وإن المشروعات الفكرية والثقافية، التي لا تعطي لهذا العائق أهمية، ولا تبلور لذاتها إستراتيجية مقاومته وطرده من النسيج المجتمعي العربي، هي في حقيقة الأمر تدق إسفينا في كل جهودها ومنا شطها التجديدية والتواصلية. وذلك لأن مكونات الجمود، ستطل برأسها لمحاربة هذه الجهود، وفي أحسن الفروض سينقسم المجتمع إلى مجتمعين، مجتمع يدار بالمؤسسات التقليدية والعقلية المنطوية والجامدة والتي لا تفكر إلا في بقاء الأمور على حالها، والقسم الآخر يدار بالمؤسسات الحديثة وبالعقلية المعاصرة دون أن يكون هناك تفاعل خلاق بين هاتين العقليتين أو هاتين المؤسستين. واليباس والجمود في المحصلة الأخيرة، هما المسؤولان عن الحط من إمكانيات هذين النمطين. وبهذا الحط تتسع دوائر الانفصام والفجوة في داخل المجتمع بين هاتين العقليتين.           

ولابد من القول هنا أن الجمود حينما يصيب مجتمعا، لا يبقى حبيس حقل أو مجال، وإنما يتسرب ويتمدد ويصبغ بصبغته كل المؤسسات والمجالات. وحتى المؤسسات الثقافية والعلمية تصاب بهذا الداء، ويبدأ ينخر في بنيانها وأدائها العلمي والثقافي فتنمو روح التقديس للآراء والأفهام البشرية التي دوّنها السابقون، وتسود العناية بالمجالات اللفظية العقيمة على حساب الروح العلمية والموضوعية، وتتغلب نزعة الاشتغال بالفروض والاحتمالات البعيدة عن الواقع، ويتم الإعراض عن تنمية الفقه العملي الذي يحتاجه الناس في حياتهم الخاصة والعامة. وبهذا تتحول هذه المؤسسات من مركز إشعاع ومصدر للعلم والمعرفة المبدعة، إلى مؤسسة تغذي واقع اليباس والجمود، وتبرر أشكالهما، وتنزع إلى التقليد والإتباع في كل شيء.

وهذا يساهم في المحصلة النهائية في تصدع البنية الاجتماعية بين حديث وقديم، وما أشبه من العناوين التي تصنف البشر، وتوجد بينهم شروخا وانقسامات دائمة. وثمة ضرورة في هذا الإطار، لبيان حقيقة أساسية واجهت العديد من المجتمعات وهي: أن ضيقها من اليباس والجمود وآثارهما العميقة، قد أغراها بالانفلات من الذات الحضارية، والانطلاق في مشروع إدماج وتبعية مع الدول أو الحضارة الغالبة.       

فالحرية لا يمكن أن تنجز وتتجسد في الواقع السياسي والثقافي والاجتماعي، بدون إزالة العقبات النفسية والثقافية والسياسية التي تكرس كل القيم المضادة للحرية. ومصلحتنا الجوهرية والإستراتيجية كعرب ومسلمين، هو في انخراطنا في مشروع الديمقراطية ومأسسة حياتنا الثقافية والسياسية على مقتضيات الشورى والديمقراطية والتداول. 

***

محمد محفوظ

نحو فهم بنيوي وإرادة تجاوز

مفتتح: تعيش المجتمعات العربية اليوم واقعًا حضاريًا متناقضًا؛ فبينما تشهد الثورة التكنولوجية والمعلوماتية تحولات هائلة في أنماط الحياة والفكر، تبقى الثقافة العربية حبيسة نمط إعادة الإنتاج للأفكار القديمة، وتعطيل الجدل الخلاق الذي يُفترض أن يكون محركًا للحضارة. إن الجمود الثقافي ليس حالةً عارضة تمرّ مع الزمن، بل هو بنية متجددة تستعيد نفسها كلما أعادت المؤسسات والذهنيات الجماعية إنتاج آليات التقليد، وتعطيل النقد، وتقديس الموروث خارج سياقاته التاريخية. والسؤال المركزي الذي يستحق التأمل العميق: لماذا يستمر هذا الجمود رغم تعاقب مشاريع الإصلاح والنهضة، ورغم ضغط العولمة والتحولات الرقمية التي تفرض منطقًا جديدًا على الفكر والسلوك؟1 وهل يمكن تفسير المفارقة الصارخة بين كثافة الخطاب النهضوي العربي وبين ضعف أثره الفعلي في تحويل الثقافة إلى قوة إنتاج للمعنى والحرية والتنمية المستدامة؟

الأزمة هنا ليست سوء فهم أو تراجع مؤقت، بل استمرار نسقي في تعطيل آليات التفكير النقدي، الذي يُعتبر العصب الأساسي لأي حضارة حية ومتطورة. فالجمود الثقافي لا ينبثق من "نقص المعرفة" وحسب، بل من نمط عميق في إنتاج المعرفة وتداولها: نمط يفضّل النقل على النقد، والامتثال على الابتكار، ويستبدل الأسئلة المؤسِّسة بإجابات جاهزة تُستعمل لضبط المجال الاجتماعي والرمزي.2 كما يفترض أن مواجهة الجمود تتطلب تفكيك شروطه: المؤسسية، والتربوية، والقيمية، والاقتصادية، لا الاكتفاء بوعظه أخلاقيًا أو نقده على المستوى النظري المجرد.

الإشكالية وتحديد المفاهيم

ينبغي أن نبدأ بتوضيح الإطار المفهومي: الجمود الثقافي لا يساوي المحافظة أو التمسك بالتراث، بل هو تعطيل نسقي لمنطق المراجعة والنقد. فحين تتحول الثقافة إلى "سلطة تفسير" مغلقة بدلاً من أن تبقى "مادة فهم" قابلة للتجدد، حين يصير التراث نصًا مقدسًا لا يخضع للتساؤل، لا حوار، يحدث الجمود.3 والفرق جوهري: المحافظ الحكيم يُعيد قراءة الموروث في ضوء الحاضر ويستخلص دروسه للمستقبل؛ بينما المتجمد يكرّر الصيغ بآلية، يستقيمها من منطق "كان هكذا، إذن يجب أن يبقى هكذا".

الجمود الثقافي تطبيقياً: هو حالة بنيوية تتسم بضعف القدرة على إنتاج أفكار جديدة وتحديث الأدوات المعرفية والمنهجية، مع الميل الثابت إلى تكرار صيغ تفسيرية قديمة بوصفها حلولاً نهائية لمشاكل حاضرة ومختلفة4 . وهو ليس مرادفًا للتقليد البريء بقدر ما هو إغلاق مقصود—أو غير مقصود لكنّه منتظم—لمسار السؤال والفحص النقدي. إنه يعني أن المثقفين والمؤسسات والقيادات تُفضّل نقل الأجوبة على إعادة صياغة الأسئلة، وتختار الراحة الفكرية على المشقة المنتجة للمعرفة.

مقاربة الأزمة:

يتجدد الجمود الثقافي عبر أربع آليات رئيسية متداخلة:

أولاً: تعطيل العقل النقدي في مؤسسات التربية

حين تُبنى المناهج التعليمية على الحفظ والتلقين، لاعلى الاستقصاء والتفكير، يتراجع التفكير التحليلي لصالح إعادة إنتاج المألوف المعروف5 . يتشكل المتعلم داخل منطق "الإجابة النموذجية" التي لا تناقش ولا تُسائل، بل تُستقبل وتُحفظ وتُكرر. وعبر سنوات الدراسة الطويلة (من التعليم الابتدائي حتى الجامعي) يتعود الطالب على أن الحقيقة موجودة في الكتاب أو المعلم، لا في الفضول الفكري والبحث المستقل. وهكذا ينشأ جيل "يحترم المعلومة" لكنه يخاف التفكير بها، يكرر الحكمة القديمة لكنه عاجز عن تكييفها مع واقع جديد. العقل الذي لم يتدرب على السؤال والنقاش في مراحل تكوينه الأولى، سيجد صعوبة بالغة لاحقًا في التحرر من السلطة (سلطة النص، النص الديني، الرأي الجماعي، الزعيم، الأيديولوجية).

ثانيًا: جدليات الخطاب والممارسة

كثير من الخطابات الثقافية والسياسية الرسمية تتحدث بلغة الحداثة والتقدم (الدولة، الحقوق، العلم، المساواة، العدالة)، لكنها تعمل ذهنيًا وسلوكيًا بمنطق ما قبل الحداثة (العصبية، المحسوبية، القبلية، تقديس الأب/الزعيم، الولاء الأعمى للرموز)6، هذه القطيعة الحادة بين المفاهيم والممارسة تُنتج شخصيات مشتتة، تقول شيئًا وتفعل الضد، وتُعلّم أطفالها الديمقراطية في الفصل بينما تمارس الاستبداد في البيت والمؤسسات. وهكذا، يبقى التراث الحي (السلوك الفعلي، المؤسسات، الممارسات اليومية) محافظًا جدًا، قاسيًا جدًا، غير متسامح، بينما الخطاب (الكلمات، الشعارات، الوعود) يبدو حداثويًا منفتحًا. هذه الازدواجية تُعطّل أي تراكم فكري حقيقي و تخلق جدلاً ينمي الأزمة.

ثالثًا: أدلجة الثقافة

حين تصبح الثقافة تابعة لمنازعات السلطة والاستقطاب الأيديولوجي والصراع السياسي، تتحول من ساحة معرفة وإنتاج معنى إلى ساحة تعبئة وصراع هوياتي.7 يُستبدل الحوار الحر بالتخوين الرمزي، والنقاش بالمواقف المسبقة. يصير المثقف ليس باحثًا بل "جندي" في معركة إيديولوجية. والفكرة التي لا تخدم "قضية" معينة أو "صف" معين تُعتبر خائنة، بلا قيمة. هكذا تفقد الثقافة استقلاليتها، وتفقد معها القدرة على الإنتاج الحر والمستقل للمعاني والأفكار.

رابعًا: هواجس ضغط العولمة

بدلاً من تحويل الانفتاح على العالم إلى فرصة للتثاقف الخلاق (الحوار مع الآخر دون فقدان الذات)، قد يحدث رد فعل دفاعي يخلط بين حماية الهوية ورفض النقد كليًا.8 يشتد الجمود بصفته "حصنًا" ضد الغزو الثقافي الخارجي، فتُقدّس القوالب الجاهزة، تُرفع أسوار ضد التأثيرات الخارجية، وبدلاً من أن تتعلم الثقافة الدفاع الذكي (قوة فكرية أصيلة) تختار الدفاع الأعمى (الرفض الشامل). وهنا تفقد الثقافة أيضًا قوتها، لأن الثقافة الحية لا تخاف التحدي، بل تستقطبه.

مالك بن نبي وسؤال القابلية للاستعمار

من المهم هنا أن نستحضر أطروحة الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي حول "القابلية للاستعمار"9 (Colonizability) لم يركز بن نبي على العامل الخارجي وحده (الاستعمار كقوة عسكرية واقتصادية)، بل انصبّ تركيزه على البنية الداخلية للمجتمع التي تجعله "قابلاً للاستعمار". وفي هذا السياق الفكري، يمكن القول إن الجمود الثقافي ليس نتيجة "الحصار الخارجي" وحده، بل هو نتاج ضعف "الوعي الذاتي" الذي يمنح المجتمع مناعة ثقافية ويمنع الانصهار التابع داخل الآخر.10

الثقافة المتجمدة هي ثقافة فقدت ثقتها بقدرتها على الإنتاج والتطوير، فاستسلمت للتقليد الأعمى. وفي هذا السياق، تصبح الثقافة العربية "قابلة للتبعية الرمزية والفكرية" (soft colonialism)؛ إذ تستورد أفكارًا دون فحص، تتقبل مفاهيم دون مراجعة، تُقلّد نماذج دون تكييف. وهنا يكمن الخطر الفعلي: ليس في الغزو العسكري أو الاقتصادي الذي يمكن مقاومته بالقوة، بل في الغزو الثقافي الذي ينفذ عبر استسلام الذات لمنطق الآخر.

من ثقافة الجمود إلى ثقافة الفعل

تجاوز الجمود لا يتحقق بشعار "التجديد" الحماسي وحده، بل بترتيبات معرفية ومؤسسية وقيمية عميقة وتدريجية:

إعادة بناء التعليم على أساس مهارات التفكير النقدي

لا بد من ثورة تربوية حقيقية تنقل المناهج من الحفظ إلى الفهم، من التلقي السلبي إلى البحث النشط. يجب تعليم الشباب الأسئلة قبل الأجوبة، تعليمهم أن لا سؤال سخيف، وأن أفضل الإجابات هي التي تنبثق من فضول حقيقي وبحث عميق. مهارات التفكير التحليلي والنقدي والكتابة الحجاجية وأخلاقيات الاستدلال يجب أن تكون محور العملية التعليمية، لا ملحقات هامشية11

فتح المجال العمومي للحوار والاختلاف

على المستوى المؤسسي والسياسي، يجب تقليل منسوب الاستقطاب الهوياتي والأيديولوجي الذي يُحول الثقافة إلى ساحة صراع. لا يعني هذا التنازل عن الآراء أو المواقف، بل السماح بتعددية حقيقية وحماية النقد والاختلاف. المؤسسات الثقافية والإعلامية والأكاديمية يجب أن تُؤمّن فضاءً آمنًا للحوار، حيث الفكرة تُناقش وتُفحص على أساس قوتها المنطقية والعلمية، لا على أساس الموالاة أو المعاداة السياسية.

تجديد المناعة الثقافية

الأمن الثقافي (Cultural Security)—الذي أصبح مفهومًا حاسمًا في ظل العولمة—لا يعني الانغلاق والرفض، بل بناء وعي أصيل قوي بالذات، باللغة، بالمرجعيات.12 أعني ثقافة حية تعرف من هي، تفهم جذورها، لكنها لا تخاف الحوار مع الآخر. هي التي تستقطب التأثيرات الخارجية وتُحولها إلى أسمدة لنموها، لا إلى سموم تُذيبها. إن بناء المناعة الثقافية يتطلب تعزيز الوعي الذاتي التاريخي والحضاري، والتعليم الراقي بأهمية اللغة الأم ودورها في بناء الهوية والتفكير، والحوار الجاد مع التراث الحي للتعلم منه دون الانسجام الأعمى به.

مستخلص: نحو مشروع نهضة ثقافية حقيقية

الجمود الثقافي العربي ليس "قدرًا" محتومًا، بل هو حالة يمكن تجاوزها بإرادة منظمة ومشاريع معرفية جادة. لكن هذا التجاوز لن يأتي من الخطابات الحماسية أو الشعارات النبيلة، بل من تفكيك واقعي لشروط الجمود وإعادة بناء نسق ثقافي جديد على أساس:

أولاً: ثقافة تُولّد أسئلة بدلاً من أن تكرر أجوبة جاهزة. ثقافة تُعلّم الناس أن يفكروا معها، لا أن يفكروا كما تريد.

ثانيًا: ثقافة لا تخاف من النقد الداخلي، بل تستقطبه كوسيلة تنقية ونمو. ثقافة تفصل بين الفكرة والشخص، بين الموقف والولاء.

ثالثًا: ثقافة تُرسّخ الحوار الحقيقي مع الآخر، لا الحوار الشكلي. حوار ينطلق من قوة فكرية أصيلة، لا من موقف دفاعي منهزم.

رابعًا: مؤسسات تُنتج المعرفة وليس التكرار. جامعات حقيقية، مجلات فكرية جادة، قنوات إعلامية تحترم الذكاء والتفكير، كل هذا يحتاج إلى موارد وحماية حقيقية من التدخل الإيديولوجي والسياسي.

وعليه الأزمة الثقافية العربية ليست أزمة أفراد بل أزمة نظام فكري وتربوي وإعلامي بات عقيمًا. والحل لا يأتي بين ليلة وضحاها، بل يتطلب تراكم جهود على مدى أجيال. لكن البدء يجب أن يكون الآن، من غرفة الدراسة، من الجامعة، من المؤسسة الثقافية، من كل مكان يُمكن أن ينجب فكرًا نقديًا جديدًا. فقط هكذا، من خلال حوار حقيقي مع التراث ومع الحاضر، يمكن للثقافة العربية أن تتحرر من الجمود وتستعيد دورها الحقيقي كمُحرّك للحضارة والإنسانية.

***

مراد غريبي

.......................

الهوامش

1- علي أسعد وطفة، الجمود والتجديد في العقلية العربية: مكاشفات نقدية، (دمشق: دار الفكر، 2010)، ص 127.

2- محمد عابد الجابري، نقد العقل العربي (الجزء الأول: تكوين العقل العربي)، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986)، ص 156.

3- فتحي المسكيني، الفلسفة والنوستالجيا: بحث في البنية الفلسفية للحنين الحضاري، (تونس: الدار التونسية للنشر، 2009)، ص 89.

4- محمد عابد الجابري، نقد العقل العربي (الجزء الأول: تكوين العقل العربي)، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986)، ص 176.

5- علي أسعد وطفة، الجمود والتجديد في العقلية العربية: مكاشفات نقدية، (دمشق: دار الفكر، 2010)، ص 134.

6- عبد الله العروي، الأيديولوجية العربية المعاصرة، (بيروت: دار الحقيقة، 1979)، ص 98.

7- فؤاد زكريا، الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة، (القاهرة: دار الفكر، 1987)، ص 156.

8- محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة: هاشم صالح، (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1996)، ص 203.

9- مالك بن نبي، قضايا الحضارة مالك بن نبي، شروط النهضة، (القاهرة: دار الفكر، 1986)، ص 71.

10- مالك بن نبي، قضايا الحضارة، (الجزائر: المكتبة العربية، 1978)، ص 156.

11- حسام كصاي، أزمة الفكر العربي المعاصر، (دجلة ناشرون، 2016)، ص 178.

12- علي أسعد وطفة، الأمن الثقافي والتربية، (الكويت: دار القلم، 2005)، ص 89.

قائمة المصادر:

العروي، عبد الله. الأيديولوجية العربية المعاصرة. بيروت: دار الحقيقة، 1979.

الجابري، محمد عابد. تكوين العقل العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1989.

نقد العقل العربي (الجزء الأول: تكوين العقل العربي). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986.

كصاي، حسام. أزمة الفكر العربي المعاصر. بغداد: دار دجلة ناشرون، 2016.

أركون، محمد. تاريخية الفكر العربي الإسلامي. ترجمة: هاشم صالح. بيروت: مركز الإنماء القومي، 1996.

العالم، محمود أمين. في الثقافة والاستقلال الوطني. القاهرة: دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، 1974.

المسكيني، فتحي. الفلسفة والنوستالجيا: بحث في البنية الفلسفية للحنين الحضاري. تونس: الدار التونسية للنشر، 2009.

بن نبي، مالك. شروط النهضة. القاهرة: دار الفكر، 1986.

بن نبي، مالك. قضايا الحضارة. الجزائر: المكتبة العربية، 1978.

وطفة، علي أسعد. الجمود والتجديد في العقلية العربية: مكاشفات نقدية. دمشق: دار الفكر، 2010.

وطفة، علي أسعد. الأمن الثقافي والتربية. الكويت: دار القلم، 2005.

زكريا، فؤاد. الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة. القاهرة: دار الفكر، 1987.

 

هناك تصوّر واسع وقناعة شبه كاملة عند البعض من أفراد المجتمع العربي بأن الدين يلعب دوراً أساسياً ومحورياً في تخلّف الشعوب والأمم. ويكاد يجزم الكثير من المفكرين والمثقفين العرب بهذا المبدأ، مبدأ أن الدين هو سبب تخلّفنا، وإن رجال الدين يتلاعبون بعقول الناس فيلقّنوهم بما يتناسب مع مصالحهم الخاصة، وينشرون الدجل والشعوذة والسحر والخرافات. وعلى الرغم من أن الذين يتهمون الدين بالتخلّف يَعرفون ويدركون الفرق بين الدين والتديّن، والفرق بين الدين ورجال الدين، وبين الدين والمقدس والنص، إلاّ أنّ عنوانهم الكبير والأساس يبقى هو الدين. وهذا ما يُحدث الخلط في المفاهيم عند عامة الناس، ويثير الحساسية عند البعض الآخر. وهم بذلك يكونون "كالذي لا يدري ما يقول ولا يدري أنه لا يدري ما يقول".

يجب أن يكون واضحاً للجميع أن الغربيين يعارضون الكنيسة ولا يعارضون الدين. ويعارضون سلطة الكنيسة ولا يعارضون سلطة الدين، ويعارضون رجال الدين وليس الدين ذاته. إن الإصلاح الديني في عصر النهضة حارب فساد الكنيسة ورجالها، وحارب سلطة الكنيسة، لكنه لم يحارب الديانة المسيحية. فعندما أعلن مارتن لوثر رائد الإصلاح الديني في عام 1517م عصيانه على الكنيسة الكاثوليكية وفضح فسادها، لم يعلن الحرب على الدين ولم يلحد بل هو اتخذ مذهباً جديداً (البروتستانتية) وأنشأ كنيسة جديدة تختلف عن الكنيسة الكاثوليكية وبقي راهباً مؤمناً بالديانة المسيحية.

كذلك يجب أن يكون معلوماً عند الجميع؛ إن الدين مقدس عند المسلمين عامة، وعند العرب خاصة. وسواء شئنا أم أبينا فإن الدين عندنا مقدس ومحترم، وهذا بحد ذاته ليس خطأ أو عيباً بل هو إيمان واعتقاد يجب أن يُحترم. إن هذا هو ما تربينا عليه وتعلمناه في مجتمعنا. ومن يتجاهل هذه الحقيقة ويتغاضى عنها فقد يواجه متاعب جمّة قد لا تحمد عقباها. وهناك أمثلة على ذلك حدثت في مجتمعاتنا، نذكر منها على سبيل المثال ما حدث لفرج فودة ونصر حامد أبو زيد، عندما تعدّو حدود التقديس وأساءوا للمقدس من وجهة نظر المتشددين. لكن هذا لا يعني الدعوة إلى عدم إبداء الرأي وتكميم الأفواه، بل هي دعوة إلى إبداء الرأي المخالف بكل ود واحترام بدلاً عن التشهير والازدراء.

دور الدين في تطوّر أو تدهوّر الحضارات

في تاريخ البشرية العام، هناك ما يزيد عن عشر حضارات نشأت ثم بادت أو أفِلَت، ولم يُعرف للدين دور في تدهور أيٍ من هذه الحضارات. فابتداءً من حضارات بلاد الرافدين والحضارة الفرعونية مروراً بكل الحضارات التي أتت بعدها في التاريخ ولغاية الحضارة الأوروبية، لم تُعرف حضارة انهارت بسبب تأثير العامل الديني.  قد يتساءل البعض "ماذا عن الحضارة الأوروبية، ألم يلعب الدين دوراً مهماً في انحطاطها؟" ولكي نكون دقيقين في هذا التوصيف فإن الدين لم يكن له دور واضح ومحدد في انهيار الحضارة الرومانية، التي يفترض أنها سبقت الحضارة الأوروبية، بل إن الحضارة الرومانية سقطت وانهارت بسبب غزو واحتلال أوروبا من قبل القبائل الجرمانية (الإسكندنافية) المتخلّفة والمتوحشة. ولم تنهار الإمبراطورية الرومانية بسبب انتشار الديانة المسيحية فيها، وذلك لأن الغزو الجرماني لأوروبا كان قد بدأ في القرن الأول الميلادي واستمر حتى سقوط الإمبراطورية الرومانية في منتصف القرن الخامس الميلادي. وفي ذلك الوقت، كان الرومانيون وثنيون وقد منعوا التديّن بالديانة المسيحية، وهذا يعني أنها بدأت بالانهيار وهي وثنية. ثم سمح الإمبراطور قسطنطين للرومان بممارسة شعائر المسيحية في القرن الرابع الميلادي. ثم فرض الإمبراطور جستنيان في القرن السادس الميلادي اعتناق المسيحية إجباراً على كل الرومانيين. وعلى الرغم من ذلك، يمكن القول بأنه؛ كان للكنيسة الكاثوليكية ورجالها (وليس الدين) دور في تأخر النهضة الأوروبية وتخلّف شعبها.

من جانب آخر، لم يُعرف للدين دور مهم في تطوّر أيٍ حضارة من حضارات العالم المعروفة سوى الحضارة الإسلامية. وفي كلتا الحالتين (انهيار أو تطوّر الحضارات)، ومن دراسة المعلومات التاريخية، يتوضح لنا أن الدين لا يلعب دوراً مهماً في تطوّر أو تأخّر الحضارات. فالدين يدعو إلى مكارم الأخلاق وأداء العبادات والالتزام بالتشريعات الدينية.

ولو كان للدين دور في تخلّف المجتمعات كما يدّعي البعض، لفشلت الحضارة الإسلامية في تطوّرها أثناء نهضتها الأولى، ولما نهضت الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي وسادت على العالم في كل المجالات الثقافية والعلمية والقتالية والفلسفية وغيرها. ومن المعلوم أنّ للدين الإسلامي دور حيوي وأساسي في شحذ همم المسلمين للتطوّر والتمدن والتحضّر مما جعل المسلمون ينهضون بحضارتهم ويَعلون بها. لقد كان المسلمون في عصرهم الذهبي يسعون جاهدين بجد وبدون كلل للسمو والرقيّ، مدفوعين بالوازع الديني للحصول على الثواب الموعود. وهذا دليل على إن الدين يمكن أن يكون عاملاً محفزاً لتفوّق وتقدم المجتمع وليس العكس.

وعلى الرغم من أن المسلمين في العصر الذهبي كانوا ملتزمين جداً بالدين الإسلامي، ومواظبون على أداء الشعائر الدينية والعبادات وبقناعة كاملة وبدون تردد، مع ذلك ظهر فيهم الحكماء والفقهاء والعلماء والمقاتلون ومن كل الفئات الأخرى، ولم تحبط هممهم ولم يتأخروا أو يتخلّفوا في نهضتهم. فلماذا لم يكن للدين دور في إحباط المسلمين وإفشال نهضتهم؟ إذ لو كان الدين عامل تأخر وإحباط للتقدم والنهضة لفشلت الحضارة الإسلامية في الارتقاء والتمدن مما كانوا عليه من جهل وتخلّف.

في مفهوم الدين والتديّن

يقول البعض من أفراد المجتمع، أنهم لا يحاربون الدين وإنما يحاربون التديّن، وأنهم يحترمون الدين ويعظّموه. ويبدو أنهم يقصدون أن التديّن هو السبب في التخلّف وإشاعة الجهل وليس الدين. لكنهم مع ذلك ينادون بفصل الدين عن الدولة (كما هو مبدأ العلمانية) ولا ينادون بفصل التديّن عن الدولة. وهذه دعوة صريحة لإبعاد الدين عن دوره في المجتمع. فهل هناك لبس وخلط في المفاهيم؟

يمكن تعريف الدين بأنه: إيمان واعتقاد الإنسان بوجود قوة عليا خالقة لكل ما في الكون ومسيطرة عليها. والدين هو مجموعة الأحكام الشرعية والعبادات واصول العقيدة التي يعتقد بها المؤمنون، ويعتبرونها ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان. 

أمّا التديّن فهو التزام الشخص بأحكام الدين الشرعية وأداء العبادات كما نصّ عليها الدين. ويشمل أيضاً الممارسة الفعلية للدين وسلوكياته. وقد يكون التديّن ظاهري أو باطني حسب فهم وإدراك الفرد أو المجتمع للدين وأحكامه. وقد يختلف التديّن من شخص لآخر أو من مجتمع لآخر بحسب التفسيرات المختلفة والمتداولة، فقد يقال تديّن معتدل أو متشدد أو سلفي أو تديّن متعصب مذهبي طائفي أو تديّن منافق أو غيرها من المسميات حسب ما يرتئيه البعض من الناس. 

وبذلك يكون الفرق الأساسي بين الدين والتديّن "أن الدين هو المنهج الإلهي الثابت والمنزّل من عند الله"، بينما "التديّن هو التطبيق والفهم البشري للمنهج الديني". وقد يكون ممارسة التديّن مختلفاً بين الأفراد أو المجتمعات كما هو واضح، لكن الدين واضح وثابت عند الذين يؤمنون به. فالمشكلة إذن تبدو فعلاً في التديًن وليست في الدين. فالتديّن بذلك يكون تصرفاً شخصياً يمارسه الأشخاص وليس المجتمع ولا دخل للدين به. وعليه، فقد يكون من المنطقي الاعتراض على بعض من صور التديّن التي يتخذها الفرد، والتي هي في الواقع تعكس سلوك وتصرفات الأشخاص بحسب ما يتصورونها صحيحة. ويجب ألّا يكون الاعتراض عن طريق الازدراء والذم أو التشهير بالرأي الآخر، لأن القول السيء الخشن يولد العداوة والشقاق بينما يولّد القول الحسن الثقة والتفاهم. من كل هذا يتبين لنا أن التديّن هو السبب في المشاكل التي تحدث في مجتمعاتنا ويلام بها الدين.

هل للتديّن دور في تخلّف الشعوب

أما فيما يخص دور التديّن في تخلّف الشعوب فلا توجد علاقة مباشرة بين التديّن والتخلّف، لأن التديّن يختص بالتزام الفرد بالسلوك التشريعي والعبادات ويحث على حسن الأخلاق وطلب العلم والتمدّن. وليس من التديّن على اختلاف أنواعه ما يتعمّد الدعوة إلى الجهل والأمية أو محاربة العلم والعلوم والتطور، بل فيه ما يحثّ على طلب العلم والتطور. فعلى سبيل المثال، يَتهم العلمانيون الإسلاميون المتشددون بأنهم يرفضون الحداثة ويعرقلونها وبذلك فإنهم يدعون إلى التخلّف. بينما يرفض الإسلاميون هذه التهم ويقولون بأنهم لا يرفضون الحداثة إنما يرفضون الأفكار الغربية المستوردة باسم الحداثة والتي لا تتناسب مع تقاليد وعادات مجتمعنا فينتج عنها اضرار وتفتت المجتمع. وإذا كان هناك من يمارس سلوك التديّن المسيء والضّار بالمجتمع فهؤلاء ليسوا حكراً على المجتمع الإسلامي بل هم موجودين في كل الأديان وفي كل المجتمعات، وهم القلّة في المجتمع وليسوا الكثرة، وغالباً ما تكون عقولهم خاوية من الأفكار المؤثرة في عقول الناس. وعموماً فهم موجودون دائماً في الساحة وفي كل زمان ومكان، ولو بحثت في المجتمع الأوروبي المعاصر لعلمت أنهم موجودون ويحاولون اثبات وجودهم، لكنهم مهمشون في مجتمعهم. ولأن من المهم أن تمضي مسيرة التطور في طريقها الفكري والعلمي والاجتماعي فيتعيّن على ذلك اهمالهم، لأن الاهتمام بهم لا يؤدي إلى نتيجة مُرضية بل يُحيد مسيرة التطوّر عن طريقها ويؤخّرها ويضّر بالمجتمع ويخلق انشقاق فيه.

دور رجل الدين في تخلّف المجتمع

يعتقد الكثير من أفراد المجتمع العربي بأن رجل الدين ينشر الأساطير والخرافات والخزعبلات، وهو بذلك يساهم في تخلًف المجتمع مما يستوجب محاربته والحدّ من تأثيره. ولمناقشة هذه الفكرة ينبغي أن نعرف مصدرها وكيف دخلت في ثقافتنا المعاصرة.

من المعروف إن فكرة شيطنة الكنيسة ورجال الدين هي فكرة أوروبية، ظهرت في عصر الإصلاح الديني الأوروبي، في القرن السادس عشر، عندما تبيّن للأوروبيين أن الكنيسة وعلى رأسها البابا وكبار رجال الدين قد احتكروا العلم والتعليم لمنتسبي الكنيسة فقط، ومنعوا وحرّموا التعليم والعلم للناس، ممن لم ينتسبوا إلى الكنيسة. فمثلاً لا يسمح لأحد غير منتسبي الكنيسة بتملك الكتاب المقدس ولا قراءته وكان ذلك حكراً على القساوسة فقط. كما إنها حاربت العلم والتعليم خارج نطاق الكنيسة وحاكمت مرتكبيها، كما حدث لكوبرنيكوس وغاليليو وبرونو الذي أحرق حياً بسبب أفكاره التي اعتبرتها الكنيسة مناقضة لعقائدها. أمام هذه الحقائق التاريخية اقتنع الناس بدور الكنيسة التسلطي وقبلوا محاربتها.

أمّا في الحضارة العربية والإسلامية وعلى مدى تاريخها، فلم يُعرف (ولم يُذكر) وجود مؤسسة دينية لها سلطة فعلية سياسية تعلو على سلطة الحاكم كما كانت سلطة الكنيسة في أوروبا العصور الوسطى. بل كان المسلمون جميعاً والعرب خاصة، خاضعون لأوامر الحاكم (الخليفة) ويمتثلون لها ويهابونه. ومن المهم أن نذكّر أيضاً بأنه؛ لا يُعرف ولم يُذكر في التاريخ العربي أو الإسلامي رجل دين وقف ضد العلم والتطور وأشاع التخلّف. فلماذا، إذن، يُتهم رجال الدين بإشاعة التخلّف؟ ومن أين جاءت هذه الفكرة وكيف دخلت في ثقافتنا المعاصرة؟

يعتقد بعض الناس أنّ ما يتحدث به رجال الدين يرقى إلى كونه من الخرافات والأساطير والخزعبلات التي تعمل على تخلّف المجتمع. لكن رجال الدين لا يبتدعون هذه القصص والأساطير ولم يخترعونها بل هم يقولون ما تعلّموه ودرسوه من الموروث الديني، واقتبسوه مما هو مذكور في الكتب المقدسة مثل معجزات الأنبياء والقصص التوراتية والقرآنية وما شابهها في الموروث والمرويات الدينية، وهي بالنسبة لهم صحيحة ومقدسة، وكذلك يعتقد بها المؤمنون من الناس ويصدقونها. وعلى ذلك يمكن القول إن رجال الدين لم يبتدعون الأساطير والخرافات، ولم يكذبوا على الناس وإنما تحدثوا بما نشأوا عليه وتربوا عليه. 

وقد يثير البعض تساءل آخر مفاده " ولكن، لماذا يكذب رجال الدين أو لماذا يبتدعون الخرافات والأساطير والخزعبلات إن كان ذلك صحيحاً؟" هل لأنهم أعداء للمجتمع أو لأنهم أشرار يتعمدون السيطرة على المجتمع بهدف تخلّفه؟ إنّ من المنطقي والمقبول أن يُقال أنّ رجال الدين هم من أبناء هذا المجتمع ويشكلون جزءً منه، فلماذا يستخفون بعقول أفراد المجتمع ويبغون إخضاعهم والسيطرة عليهم بدلاً من يكونوا راغبين بتثقيف المجتمع بثقافة دينية كما درسوها وتعلموها. فعلى سبيل المثال هل يمكن اتهام رجال دين فاضلين أمثال الطهطاوي ومحمد عبدة والكواكبي وباقر الصدر (وغيرهم كثيرين) بإشاعة التخلّف ونشر الأساطير والشعوذة!! الجواب بالتأكيد كلا، فهؤلاء هم نخبة من رجال الدين العلماء ومفكري المجتمع وقادته. وإذا كان هناك صنف آخر من رجال الدين غير هؤلاء الأفاضل يكونون هم المقصودين بنشر الضلالة، كما يقول البعض، فعندئذ يجب عدم التعميم في اتهام رجال الدين بتخلّف المجتمع، ويجب أيضاً أن يُذكر توصيف دقيق لهؤلاء الفئة السيئة من رجال الدين ليتسنى لنا معرفتهم والتعامل معهم. ولا أجد توصيفاً دقيقاً ينطبق عليهم ويؤهلهم لمنصب رجل الدين، إذ لا توجد جهة سياسية أو مؤسسة دينية مؤهلة ومخوّلة لمنحهم هذا المنصب أو هذه الصفة، فهم قد جعلوا أنفسهم رجال دين من دون تزكية من جهة معيّنة، ونحن صدقناهم واعتبرناهم فئة مؤثرة وهم لا يملكون أي صفة أو ميزة تؤهلهم لهذا الدور المزعوم.

الخلاصة

بما إن الدين هو رسالة سماوية تدعو إلى التوحيد والحثّ على أداء العبادات والعمل بشريعة الإله، ولأن التديّن ينحصر في الأداء والسلوك الشخصي للفرد للقيام بالشعائر الدينية والعبادات، حسب ما يفهمه الفرد من تأويلات الفقه والحديث والتفسير، لذلك فلا يوجد تناغم سلبي للدين والتديّن في التعامل مع تطور المجتمع بل على العكس يعمل الدين على تشجيع الناس باستعمال العقل والبحث عن العلم والمعرفة والتطوّر. ولذلك، ليس من المنطقي أن نُضيّع الوقت والجهد في محاربة الدين والتديّن أو محاولة إثبات دورهما في تخلّف المجتمع. بل من الأفضل أن نجتهد ونركّز ونتجه إلى العمل على تفعيل عوامل النهضة المعروفة مثل محاربة الظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي وتحديد سلطة الحاكم والفساد لتحقيق العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع للوصول إلى ما يسمى بالأمن السياسي والحريات بأنواعها، وكذلك تشجيع الناس على الثقافة القراءة وحب العلم والمعرفة لتحقيق التقدم العلمي والصناعي والتكنولوجي لخلق اقتصاد فعّال يوفر الرفاهية للمجتمع، أي ما يسمى بالأمن الاقتصادي الذي يقضي على الفقر والعَوَز وبالتالي التخلص من الجهل.

***

د. صائب المختار

هندسة البقاء في مسرح الوجود:  يتموضع الإنسان داخل "مسرح الوجود" بوصفه بطلاً لدراما معقدة تتجاذبها حتميات الطبيعة وإكراهات الثقافة. ففي صميم كينونته، لا يعدو الإنسان كونه كائناً استراتيجياً يسعى لغاية حيوية قصوى: البقاء وضمان امتداد النسل. ورغم مركزية هذا البعد، فإن اختزال الإنسان في "الحتمية الجسدية" يُعد تبسيطاً مخلاً لظاهرة شديدة التركيب؛ فالإنسان هو الكائن المتفرد بنجاحه في تسامي غرائزه الأولية وتحويلها إلى منظومات رمزية وثقافية معقدة، مشكلاً ما يمكن تسميته بـ "حضارة الغريزة". تقتضي الدراسة الرصينة تفكيك "المثلث الحيوي" الذي يحكم جدلية الفرد في التاريخ:

 (الغذاء) كمصدر للطاقة الحيوية، و(الجنس) كآلية للاستمرار في النسل، وثنائية (الدين والسلطة) كتقنية اجتماعية عليا لإدارة العنف وضمان التماسك الجماعي.

أولاً: سطوة الجسد: من حكمة الغريزة إلى "الشرخ التطوري" قبل انبثاق الفلسفة أو العقائد كأنساق معرفية، واجه الإنسان الإشكالية الأكثر إلحاحاً، تأمين الطاقة اللازمة لتلبية متطلبات الدماغ البشري الباهظة التكلفة. يؤكد علم النفس التطوري أن تفضيلاتنا الغذائية المعاصرة ليست نتاج ذائقة ثقافية عابرة، بل هي "أحافير حيوية" نُحتت عبر ملايين السنين من ضغوط البيئة القاسية، حيث مثّلت الأغذية المكثفة (كالسكريات والدهون) عملة نادرة وضرورية للبقاء. بيد أن هذه الآلية، التي حفظت النوع البشري لآلاف السنين، تحولت في زمن الحداثة والوفرة المفرطة إلى ما يُعرف بـ "الشرخ التطوري"؛ إذ لا تزال أدمغتنا تعمل وفق "برمجة العصور البدائية"، دافعةً إيانا لتكديس الطاقة تحسباً لمجاعة لن تأتي. ويتجاوز أثر الغذاء البعد العضوي ليشكل البنى النفسية والاجتماعية؛ فقد أثبتت تجارب "الحرمان الغذائي" (كتجربة مينيسوتا الشهيرة) أن الجوع يعيد صياغة الوعي البشري، فتضمر الرغبات العاطفية وتتآكل الروابط الاجتماعية. وتدرك السلطة هذه الحقيقة، فتوظف الغذاء كأداة للضبط والسيطرة؛ فسياسات التجويع ليست مجرد تكتيكات اقتصادية، بل هي هيمنة مباشرة على كيمياء العقول والأعصاب.

ثانياً: اقتصاديات الغريزة: الجنس والسلطة والتحالف المقدس على المنوال ذاته، تخضع غريزة "التكاثر" لمنطق المنفعة الحيوية. فالسلوك الجنسي، وفقاً لنظريات التطور، محكوم بتباين "الاستثمار الوالدي" (الجهد المبذول في الرعاية)، مما يخلق ديناميات تنافسية معقدة بين البشر. ولضبط هذه النزعات الفطرية (الجنس والعدوان) وضمان الأمن الجماعي، تأسست الحضارة على مبدأ "كبح الغرائز". وهنا برزت الحاجة إلى تحالف استراتيجي بين "السلطة الزمنية" و"السلطة الروحية". من خلال:

شرعنة الطبقية، يصف المؤرخون الثورة الزراعية بأنها نقطة تحول أسست لمفهوم الملكية وتراكم الثروات. احتاجت هذه التراتبية الجديدة إلى غطاء "متعالٍ"؛ فعمل الدين التقليدي كظهير للمؤسسة السياسية، محولاً الفوارق الطبقية من ظلم بشري قابل للرد، إلى "قدر سماوي" وجب التسليم به.

الاستبداد والنسل، تجادل دراسات التاريخ الحيوي بأن السلطة السياسية لم تكن غاية في ذاتها فحسب، بل وسيلة لتعظيم "النجاح التناسلي" للحكام عبر احتكار النساء، مستخدمة "الحق الإلهي" لتبرير هذا الاستئثار المفرط.

 ثالثاً: أفول الغيبيات وصعود "لاهوت السوق": نقف اليوم أمام تحول جذري في بنية "المقدس". مع تراجع السرديات الكبرى التي تستند إلى عالم الغيب (ما وراء الطبيعة)، لم يتخلص الإنسان من حاجته الفطرية للتدين والتقديس، بل أعاد توجيه هذه الحاجة نحو موضوعات أرضية، مشكلاً ما يمكن تسميته "العقائد الوضعية" أو "ديانات الزمن الأرضي". وتبرز الرأسمالية هنا، لا كنظام اقتصادي فحسب، بل كأشرس ديانة وضعية في التاريخ الحديث.

 لاهوت السوق والرأسمالية كدين:

 خلافاً للأديان القديمة التي وعدت بالخلاص في العالم الآخر، تقدم الرأسمالية وعودها في "الآن وهنا". إنها ديانة شعائرية بامتياز، تعتمد على منظومة عقائدية متكاملة:

الإله الخفي (السوق)، حلّت "اليد الخفية" للسوق محل "العناية الإلهية". فالسوق، في العرف الرأسمالي، كيان كلي القدرة، عليم وحكيم، يوزع الأرزاق (الثروات) وفق منطق غامض لا يجوز التشكيك فيه. وأي تدخل لضبطه يُعتبر "كفراً" بقوانينه المقدسة.

طقوس العبادة (الاستهلاك)، تحولت مراكز التسوق الكبرى إلى "كاتدرائيات" العصر الجديد، حيث يمارس المؤمنون طقوس "الشراء" ليس لتلبية حاجة، بل لشراء "المعنى" و"المكانة". أصبح الاستهلاك هو فعل التعبد اليومي الذي يمنح الفرد شعوراً زائفاً بالامتلاء والوجود.

الخطيئة والخلاص في هذا الدين الجديد، "الفقر" هو الخطيئة الكبرى والدليل على غضب "آلهة السوق"، بينما "الثراء" هو علامة الرضا ودليل الاصطفاء. لم يعد الزهد فضيلة، بل أصبح "الفشل المالي" وصمة عار أخلاقية تلاحق الفرد.

سلعنة الإنسان، أخطر ما في هذه العقيدة هو تحويل الإنسان نفسه من "غاية" إلى "وسيلة" أو "سلعة". لقد تآكلت الروحانية لصالح المادية الصرفة، حيث تُقاس قيمة الإنسان بمدى إنتاجيته وقدرته الشرائية، لا بجوهره الإنساني أو الأخلاقي.

 الوعي في مواجهة الأصنام الجديدة:

إن الكائن الاستراتيجي اليوم لا يواجه فقط تحديات الجسد واحتياجاته، بل يواجه تحدياً وجودياً يتمثل في "عبودية الأصنام الجديدة". لقد نجحت البشرية في حل معضلة "الغذاء" (مخلفةً وباء التخمة)، وفصلت "الجنس" عن الإنجاب، لكنها سقطت في فخ الفراغ الروحي الذي ملأته بضائع السوق. إن الوعي بهذه الديناميات – كيف يتحول الجوع إلى سياسة، والجنس إلى سلعة، والسوق إلى معبد – هو خط الدفاع الأول لاستعادة إنسانيتنا. نحن لسنا تروساً في آلة ربحية، ولا وقوداً لمحرقة الاستهلاك، بل كائنات تملك القدرة على مساءلة هذه "الآلهة الأرضية" قبل الخضوع لها، والسعي لابتكار أنظمة حياة تعيد الاعتبار للإنسان كقيمة عليا، لا كمستهلك عابر.

***

غالب المسعودي

.....................

المراجع

أرون، ريمون. (1955). أفيون المثقفين. (ترجمة عربية).

باس، ديفيد. (2016). علم النفس التطوري: العلم الجديد للعقل.

بنيامين، فالتر. (1921). الرأسمالية كدين. (شذرات فلسفية).

بيتزيغ، لورا. (1986). الاستبداد والتكاثر التفاضلي.

جنتيل، إميليو. (2006). السياسة كدين.

فرويد، سيغموند. (1930). قلق في الحضارة.

كيز، أنسيل وآخرون. (1950). بيولوجيا التجويع البشري.

هراري، يوفال نوح. (2011). العاقل: تاريخ مختصر للجنس البشري.

في مصائر التجربة الدينية داخل العالم العلماني

لم تعد التجربة الدينية في عالمنا الحديث حدثا يقع داخل جدران المؤسسات، ولا ممارسة تُختزل في طقوس مُقنّنة أو عقائد مصوغة في قوالب لاهوتية مغلقة، بل غدت على نحو متزايد، تجربة ذاتية قَلِقة متشظية، تبحث عن معناها في فضاء كوني لم يعد يعترف بمرجعية واحدة للحقيقة ولا بمركز ثابت للقداسة. فالعلمانية في معناها العميق، لم تكن يوما مجرد فصلٍ قانوني بين الدين والدولة، بل كانت قبل ذلك كله تحوّلا أنطولوجيا في بنية الوجود الإنساني ذاته، انتقالا من عالم مشبع بالمعنى المتعالي إلى عالم يُطلب فيه المعنى من داخل التجربة البشرية نفسها. وكما عبّر ماكس فيبر في تشخيصه الشهير عن “نزع السحر عن العالم”، فإن الإنسان الحديث يعيش في كونٍ لم تعد تحكمه القوى الغيبية ولا الرموز المقدسة، بل تحكمه العقلنة والوظيفة والحساب.

غير أن هذا النزع للسحر لم يؤدِّ إلى اختفاء الدين، كما توهّم رواد التنوير الكلاسيكي بل إلى تحوّله. فالإيمان لم يمت، بل غيّر موضعه. انتقل من المجال العام إلى الحيّز الباطني، ومن العقيدة المؤسسية إلى التجربة الوجودية، ومن اللاهوت إلى الروحانية، ومن الكنيسة والمسجد إلى الضمير الفردي. هنا تتجلى المفارقة الكبرى للحداثة، لقد أزاحت الأديان عن مركز الفضاء العمومي، لكنها فتحت أمام التجربة الدينية فضاءً أوسع في الداخل الإنساني. فكما يقول شارل تايلور في كتابه عن العصر العلماني، لم نعد نعيش في عالم يستحيل فيه عدم الإيمان، بل في عالم صار فيه الإيمان خيارا من بين خيارات متعددة، ما جعله في الوقت نفسه أكثر هشاشة وأكثر كثافة.

إن تحوّل الإيمان إلى خيار لا يعني ضعفه بالضرورة، بل يعني تغيّر بنيته. فالإيمان حين يكون مفروضا اجتماعيا يفقد الكثير من عمقه الوجودي، وحين يصبح قرارا فرديا يُعاد اكتشافه بوصفه علاقة حميمية مع المعنى والمطل ومع السرّ الذي لا يُختزل في مفاهيم. وهنا يلتقي التحليل الفلسفي بالتحليل الظاهراتي: فالتجربة الدينية لم تعد قبل كل شيء انتماءً إلى جماعة عقدية، بل انخراطا ذاتيا في سؤال المعنى، في مواجهة القلق والموت والعدم. وقد كان كيركغارد أول من أدرك هذا التحوّل حين أعلن أن “الذاتية هي الحقيقة”، وأن الإيمان ليس تصديقا لقضية، بل مخاطرة وجودية، قفزة في المجهول وفعل شجاعة أمام عبث العالم.

تغدو العلمانية لا نقيضا للتجربة الدينية، بل شرطا جديدا لإمكانها. فحين تسقط السلطات الرمزية الكبرى لا يبقى أمام الإنسان سوى أن يخترع طريقه الخاص نحو المعنى. وحين تتفكك الميتافيزيقا التقليدية، يُدعى الإيمان إلى أن يعيد تعريف نفسه خارج أنظمة العقائد الصلبة. وهنا بالضبط تولد ما يسميه بعض المفكرين “الروحانية ما بعد الدينية”، حيث لا تعود العلاقة بالمقدس محكومة بالانضباط المؤسسي، بل بالحساسية الوجودية. فالإنسان المعاصر قد يرفض الكنيسة أو الفقهاء، لكنه لا يكفّ عن البحث عن ما يتجاوز ذاته. وقد يتشكك في اللاهوت، لكنه لا يتخلى عن التوق إلى المطلق.

لقد عبّر بول تيليش عن هذا الوضع بدقة حين عرّف الدين بأنه “الانشغال الأقصى”، أي ذلك الشيء الذي يمنح للوجود وحدته النهائية ومعناه الأخير. فإذا كان الله في اللاهوت التقليدي قد تراجع في الوعي الحديث، فإن وظيفة الإله لم تختفِ. ما زال الإنسان يحتاج إلى أفق يمنح حياته دلالة تتجاوز الاستهلاك والنجاح واللذة. ولذلك فإن الكثير من أشكال الإيمان المعاصر تتخفى في قوالب غير دينية، في الالتزام الأخلاقي وفي البحث الروحي والدفاع عن القيم والتجارب التأملية والفنون والسياسة حتى. هنا تغدو التجربة الدينية تجربة معنى قبل أن تكون تجربة عقيدة.

غير أن هذا التحول لا يخلو من توترات عميقة. فحين ينفصل الإيمان عن المؤسسات، يفقد في الوقت نفسه الضمانات التي كانت تمنحه الاستقرار والاستمرارية. فالمؤسسة مهما كانت سلطوية، كانت توفر إطارا رمزيا يحمي التجربة من الذوبان في الذاتية المطلقة. أما الإيمان الفردي فهو معرّض دائما للتشظي وللارتياب وللضياع في سوق المعاني. ولهذا يعيش المؤمن المعاصر في وضع مفارق، يكون أكثر حرية في إيمانه، لكنه أيضا أكثر وحدة وهشاشة. وكما لاحظ زيغمونت باومان في معرض حديثه عن “الحداثة السائلة”، فإن الروابط التي كانت تمنح الهوية صلابة قد ذابت، وأصبح الفرد مضطرا إلى إعادة اختراع ذاته باستمرار، بما في ذلك ذاته الدينية.

ولا يصير السؤال: هل ما زال الإنسان يؤمن؟ بل كيف يؤمن؟ وبأي لغة؟ وبأي خيال؟ فالإيمان في العالم العلماني لا يُقال بلغة اليقينيات الكبرى، بل بلغة القلق والبحث والاختبار. ولم يعد المؤمن الحديث يقول “أنا أعرف”، بل “أنا أرجو”، “أنا أبحث”، “أنا أختبر”. وهذا ما يجعل التجربة الدينية أقرب إلى الشعر منها إلى العلم وأقرب إلى التأمل منها إلى العقيدة. وقد كان بول ريكور محقا حين رأى أن الرموز الدينية لا تُقدّم معاني جاهزة، بل تفتح أفقا للتأويل، وأن الإيمان الحقيقي لا يعيش إلا في منطقة التوتر بين الفهم والغموض.

هكذا تتراجع صورة الإله بوصفه سيّدا كونيا يفرض قوانينه من الخارج، لتحل محلها صورة الإله بوصفه عمقا للوجود، أو نداءً داخليا أو سرا يسكن التجربة. وهذا التحول ليس مجرد انحراف حديث، بل يجد جذوره في تقاليد روحية عميقة، من التصوف الإسلامي إلى اللاهوت السلبي المسيحي، حيث الله لا يُدرك بالتصورات بل يُعاش في الصمت. إن ما يحدث اليوم هو تعميم حداثي لهذا الحدس القديم، أن المقدس لا يُختزل في النظام، بل يتجلّى في الهشاشة.

لكن هذه الهشاشة ليست ضعفا بالضرورة، بل قد تكون شكلا جديدا من الصدق الوجودي. فالإيمان الذي يعرف أنه بلا ضمانات وبلا يقينيات نهائية، قد يكون أكثر تواضعا وأكثر عمقا. وهو إيمان لا يدّعي امتلاك الحقيقة، بل يسكنها كسؤال مفتوح. وهنا يلتقي الإيمان المعاصر مع الفلسفة الوجودية، التي رأت في الإنسان كائنا مُلقى في عالم بلا أسس، مدعوا إلى أن يمنح حياته معنى رغم ذلك. وكما كتب ألبير كامو فإن مواجهة العبث لا تقود بالضرورة إلى اليأس، بل قد تفتح بابا لنوع جديد من الوفاء للوجود.

إن التجربة الدينية في عالم علماني لا يمكن فهمها إذن بمنطق الانحطاط أو الانبعاث، بل بمنطق التحوّل. نحن لسنا أمام موت الدين، ولا أمام عودته البسيطة، بل أمام تحوّله من نظام إلى تجربة، من سلطة إلى مسار، ومن يقين إلى بحث. وهذا التحوّل يعيد صياغة علاقتنا بالمقدس وبالذات وبالعالم. فالإيمان لم يعد ملجئا من الحداثة، بل أحد أشكال عيشها من الداخل، بكل ما تحمله من قلق وحرية ومخاطرة.

وهنا بالضبط يكمن رهانه الفلسفي الأعمق، أن الإيمان في زمن العلمانية لم يعد ضد العقل، بل يتشكل في حواره الدائم معه. ولم يعد يقيم في يقينيات مغلقة، بل في أسئلة مفتوحة. لم يعد يطلب حماية المؤسسات، بل يواجه العالم عاريا متسلحا فقط برغبته في المعنى. وهذا ما يجعل التجربة الدينية اليوم على الرغم من كل هشاشتها، واحدة من أعمق تجارب الإنسان المعاصر، لأنها تختبر في صمتها وارتباكها، ذلك التوتر الأصلي بين المحدود واللامحدود والزمن والأبد، وبين الإنسان وما يتجاوزه.

تتواصل هذه التحوّلات في أشكال الإيمان المعاصر على نحو أكثر تعقيدا حين ننظر إلى الفضاء الرمزي الذي يعيش فيه الفرد العلماني اليوم. فالعالم الذي سحبت منه المرجعيات الكبرى لم يُترك فارغا، بل امتلأ بأصناف من الخطابات التي تدّعي كلٌّ بطريقتها منح المعنى والهوية والطمأنينة. في هذا الفضاء المتعدد، لم يعد الدين وحده من ينافس على الروح، بل صارت السوق والإيديولوجيا والعلم والفن وحتى التقنية، تعرض نفسها بوصفها مصادر للمعنى. وهذا ما يجعل التجربة الدينية المعاصرة تجربة مقاومة بقدر ما هي تجربة بحث، مقاومة للابتذال وللاختزال ولتحويل الوجود إلى وظيفة أو سلعة، وبحث عن ما يعيد للإنسان عمقه الداخلي.

لقد أدرك يورغن هابرماس رغم دفاعه العميق عن العقلانية التواصلية، أن الحداثة لا تستطيع الاستغناء كليا عن المخزون الديني، لأن هذا المخزون يحتوي على طاقات معنوية ورمزية لا يعوّضها الخطاب الأداتي. فالأديان حتى حين تفقد سلطتها التشريعية تظل قادرة على تسمية المعاناة، وعلى التعبير عن الضعف الإنساني بلغة لا تختزله في أرقام أو وظائف. ولهذا يتحدث هابرماس عن “الترجمة” بدل الإقصاء، أي عن ضرورة أن تُترجم الحدوس الدينية إلى لغة عمومية، من دون أن تُفقد كثافتها الوجودية. ولا يعود الدين خصما للعلمانية، بل شريكا نقديا لها، يذكّرها بما لا تستطيع أن تقوله عن الألم والشر والموت والرجاء.

غير أن هذا الحوار لا يتم في فراغ، بل في عالم تتنازع فيه القوى الاقتصادية والتقنية على تشكيل وعي الإنسان. فالرأسمالية المتأخرة لا تبيع السلع فقط، بل تبيع أنماط العيش وصور السعادة ووعود الاكتمال. وهنا تتعرض التجربة الدينية لخطر مزدوج، خطر الانكماش في خصوصية معزولة لا تأثير لها، وخطر الذوبان في سوق الروحانيات حيث يتحول المقدس إلى منتج، والتأمل إلى تقنية للرفاه، والصلاة إلى أداة للتوازن النفسي. وقد نبّه ثيودور أدورنو منذ زمن إلى أن الصناعة الثقافية قادرة على ابتلاع حتى ما هو نقدي وروحي، وإعادة تدويره في شكل ترفيه مفرغ من عمقه.

إن هذا الخطر لا يلغي إمكانات التجدد. فالتجربة الدينية التي تنجو من التشييء هي تلك التي تحتفظ ببعدها السلبي، أي بقدرتها على قول “لا” للعالم كما هو. إن الإيمان حين يكون حيا لا يبارك الواقع، بل يضعه موضع سؤال. وهنا يلتقي الدين بالفلسفة النقدية، كلاهما ينطلق من شعور بأن ما هو قائم ليس ما ينبغي أن يكون. إن نداء العدالة والكرامة والمعنى الذي يسكن قلب التجربة الدينية، يظل عنصر توتر داخل العالم العلماني، يزعج منطقه النفعي ويفضح محدوديته. ولهذا لا يمكن اختزال الدين في وظيفة نفسية أو اجتماعية، لأنه يحمل دوما بُعدا احتجاجيا حتى حين يصمت.

تبرز أشكال جديدة من التدين لا تنتمي بسهولة إلى التقسيمات الكلاسيكية. فهناك مؤمنون بلا معابد، ومتدينون بلا عقائد صلبة، وروحانيون بلا طقوس محددة. هؤلاء لا يرفضون المقدس بل يرفضون احتكاره. إنهم يعيشون إيمانهم كمسار شخصي وكرحلة مفتوحة، لا كهوية مغلقة. وقد يكون في هذا شيء من النزعة الفردانية، لكنه يحمل أيضا توقا أصيلا إلى الصدق، وإلى أن يكون الإيمان متطابقا مع التجربة لا مع الامتثال. وكما كتب ميشيل دو سيرتو فإن الإيمان حين يتحرر من المؤسسات، يعود إلى كونه ممارسة أسلوب عيش وفنا في الوجود.

غير أن هذا الفن ليس بلا مخاطر. فحين يفقد الإيمان لغته المشتركة، يصبح عرضة للذوبان في تجارب ذاتية لا يمكن التواصل بشأنها. ولهذا تظل الحاجة قائمة إلى أشكال من الوساطة الرمزية وإلى سرديات وطقوس وتقاليد ولو أعيد تأويلها. فالتجربة الدينية مهما كانت فردية تحتاج إلى ذاكرة وتاريخ ولغة. وإلا فإنها تخاطر بأن تتحول إلى انطباع عابر. وهنا تظهر إحدى مفارقات الإيمان المعاصر، هو يريد أن يتحرر من السلطة، لكنه لا يستطيع أن يعيش بلا شكل. ويشك في المؤسسات، لكنه لا يستغني عن الرموز.

وهذا ما يجعل السؤال اللاهوتي اليوم مختلفا جذريا عن صيغته الكلاسيكية. ولم يعد السؤال هو: ما هي الحقيقة التي يجب أن أؤمن بها؟ بل: كيف أعيش علاقتي بما أراه ذا قيمة قصوى؟ ولم يعد اللاهوت بناءً لنظام مفاهيمي مغلق، بل تأملا في التجربة واللغة والصمت. وقد عبّر إيمانويل ليفيناس عن هذا التحول حين رأى أن الإله لا يُلتقى في المعرفة، بل في العلاقة الأخلاقية مع الآخر، في الوجه الذي يطالبني بالمسؤولية. هنا يصبح الإيمان حدثا بين الذوات لا عقيدة فوقها.

وهكذا، فإن التجربة الدينية في عالم علماني لا تنفصل عن الأخلاق. بل ربما يكون هذا هو مجالها الأكثر خصوبة اليوم. ففي عالم تفككت فيه المعايير وصارت القيم قابلة للتفاوض، يعود السؤال الأخلاقي بوصفه سؤالا عن المطلق داخل النسبي. لماذا يجب أن أكون عادلاً؟ لماذا يجب أن أحترم الآخر؟ لماذا يجب أن أقاوم الظلم؟ هذه الأسئلة لا تجد جوابها النهائي في الحساب العقلاني وحده، بل تحتاج إلى نوع من الإيمان بمعنى الكرامة الإنسانية. وهنا حتى في أكثر الصيغ علمانية، يظل هناك أثر لما يمكن تسميته بالمتعالِي الأخلاقي.

كما أن السياسة هي الأخرى لا تنفصل عن هذه التحولات. فالعلمانية حين تُفهم بوصفها إقصاءً كاملاً للدين، تخاطر بأن تفرغ الفضاء العمومي من كل طاقة رمزية قادرة على تعبئة الناس حول قيم غير نفعية. ولهذا نرى في كثير من السياقات، عودة الدين في أشكال متطرفة أو هوياتية، كرد فعل على فراغ المعنى. غير أن البديل عن هذا ليس عودة الثيوقراطية، بل انخراط التجربة الدينية في النقاش العمومي بوصفها صوتا للضعف وللضحايا، وللذين لا تمثلهم لغة السوق أو السلطة. هنا يمكن للدين أن يكون كما كان عند فالتر بنيامين ذاكرة للمقهورين، ووعدا لم يتحقق بعد.

إن التجربة الدينية في عالم علماني ليست إذن بقايا ماضٍ، بل مختبرا للمستقبل. إنها المكان الذي تُختبر فيه إمكانات جديدة للعلاقة بين الإنسان والمعنى والحرية والانتماء، وبين الذات والآخر. هي تجربة تعيش في الهامش، لكنها تضيء المركز. تعيش في الصمت، لكنها تفضح الضجيج. تعيش في الشك، لكنها لا تتخلى عن الرجاء. وكما كتب غابرييل مارسيل، فإن الإيمان ليس امتلاكا بل مشاركة في سرّ وليس يقينا بل أمانة.

ويتضح أن التجربة الدينية في العالم العلماني لا يمكن فهمها بمنطق التراجع أو الانقراض، بل بمنطق التحوّل العميق. لقد خرج الإيمان من حضن المؤسسات ليقيم في هشاشة الذوات، ومن يقينيات اللاهوت ليعيش في أسئلة الوجود، ومن أنظمة العقائد ليختبر نفسه في أخلاقيات المسؤولية والرجاء. وفي هذا الخروج، خسر كثيرا من سلطته، لكنه ربح شيئا من صدقه. صار أقل قدرة على فرض نفسه، وأكثر قدرة على أن يكون تجربة حرّة للمعنى.

إن الإيمان في سياقنا هذا لم يعد ملاذا من الحداثة، بل أحد أكثر أشكال مواجهتها راديكالية. فهو يقيم داخل عالم بلا أسس، لكنه يرفض أن يقبل بلا معنى. يعيش داخل زمن بلا يقينيات، لكنه لا يتخلى عن التوق إلى المطلق. ولهذا يظل رغم كل شيء، أحد أكثر أبعاد الوجود الإنساني كثافة وعمقا، لأنه يحفظ في قلب عالم مفكك، ذلك السؤال الذي لا يستطيع أي نظام أن يلغيه: كيف يمكن للحياة أن تكون جديرة بأن تُعاش؟.

***

د. حمزة مولخنيف

احب قراءه رسائل كافكا الي ميلينا.. قرأته عشرات المرات. في رسائل كافكا إلى ميلينا لا نقرأ قصة حب بالمعنى المألوف، بل نلج مختبرا داخليا للروح، حيث تتحول اللغة إلى اعتراف، والكتابة إلى نجاة مؤقتة من ثقل الوجود.

كان كافكا يكتب لا ليخبر ميلينا بما حدث، بل ليطمئن إلى أنه ما زال موجودا، وأن صوته، رغم ارتعاشه، يجد صدى في قلب آخر. هذه الرسائل ليست مراسلات بين عاشقين، بل حوارا بين ذات منكسرة ونفس تحاول أن تفهم نفسها عبر الآخر.

كافكا، الذي ضاقت به الحياة حتى صارت أشبه بقفص، وجد في ميلينا نافذة يتنفس منها، لا لأنها وعدته بالخلاص، بل لأنها قبلت أن تسمع هشاشته كاملة دون أن تطلب منه أن يكون أقوى أو أكثر اتزانا. أمامها فقط تخلّى عن أقنعته، وسقطت عنه صرامة الكاتب، ليظهر الإنسان العاري من أي بطولة.

كان يخاطبها كما لو كان يخاطب أعماقه. يكتب عن يومه، عن أرقه، عن خوفه من المرض، عن ضيقه من العالم، كأن التفاصيل الصغيرة هي آخر ما يربطه بالحياة. وفي هذا البوح اليومي تتجلى مفارقة كافكا الكبرى: الرجل الذي شيد في أدبه عوالم كابوسية مغلقة، كان في رسائله كائنا شفافا، شديد الرقة، يتألم من تأخر رسالة، ويغار، ويعاتب، ويحتاج إلى طمأنة بسيطة كي يستعيد توازنه. ثورته حين تتأخر ميلينا في الرد ليست نزقا عاطفيا، بل خوفا وجوديا من الانقطاع.

 الصمت بالنسبة لكافكا لم يكن فراغا، بل تهديدا. لذلك كان عتابه رقيقا، طفوليا أحيانا، كأنما يقول لها: لا تتركيني وحيدا في هذا العالم الذي لا أفهمه. وحين يصف نفسه بتلميذ ميلينا، فهو لا يمارس تواضعا عاطفيا، بل يعترف بأن الحب عنده معرفة، وأنها كانت معلمته في كيفية الاقتراب من الحياة دون أن يفترسه رعبها.

قراءة هذه الرسائل تكشف امتدادا خفيا لشخصية كافكا، امتدادا لا تمنحه لنا نصوصه الإبداعية وحدها. ففي الروايات والقصص نرى القلق وقد تحول إلى بناء فني محكم، أما في الرسائل فنرى القلق وهو ما يزال خاما، نابضا، يتنفس بين السطور. نرى إنسانا يحاول أن يحتمي بالكتابة من نفسه، وأن يجعل من الحب شكلا من أشكال المقاومة.

ميلينا لم تكن خلاص كافكا، ولم يكن هو خلاصها. كانا يعرفان، في العمق، أن هذا الحب محكوم بالاستحالة: المسافات، المرض، الزواج، هشاشة كافكا الوجودية نفسها. ومع ذلك استمرا في الكتابة، كأن الحب لا يقاس بما يتحقق، بل بما يمنحنا من قدرة على الاحتمال. كانت ميلينا القلب الحنون الذي يمنع العالم من الانهيار دفعة واحدة، وكانت الرسائل هي الخيط الرفيع الذي أبقى كافكا متماسكا أمام هاوية العدم.

كافكا وميلينا… حب لم يكتب له أن يكتمل في الواقع، لكنه اكتمل في اللغة. حب لم يعاش بالجسد، بل عاش بالكلمات، وربما لهذا السبب كان أكثر صدقا، وأكثر إيلاما، وأكثر خلودا. ففي هذه الرسائل لا نقرأ فقط حكاية رجل أحب امرأة، بل نقرأ إنسانا وجد في الحب لحظة صفاء نادرة، سمحت له أن يقول: أنا خائف، أنا ضعيف، وأنا حي… ما دمت أكتب إليك.

وفي النهاية، لا تبقى رسائل كافكا إلى ميلينا مجرد أثر عاطفي في تاريخ الأدب، بل شهادة إنسانية نادرة على أن الحب قد يكون أعمق أشكال المعرفة، وأن الكتابة ليست ترفا جماليا بل ضرورة وجودية. لقد كتب كافكا لأنه كان يخاف، ولأنه كان يحب، ولأن العالم من حوله لم يمنحه سببا كافيا للبقاء سوى هذه الرسائل.

إن هذا الحب، الذي لم يكتمل، يعلمنا أن القيمة لا تكمن في النهاية السعيدة، بل في الصدق الذي نعيشه ونحن نكتب ونحب. وأن بعض العلاقات لا خلقت لتستمر، بل لتنقذنا مؤقتا من السقوط الكامل.

هكذا بقيت ميلينا مركز عالم كافكا، وبقي كافكا شاهدا على أن الإنسان، حين يحاصر بالعدم، قد يجد خلاصه الوحيد في رسالة… وفي امرأة جعلت الوجود محتملا، ولو بالكلمات

***

ابتهال عبد الوهاب

 

العقل العربي غالبا هو عقل وثوقي، أي عقل مستسلم وخاضع ومقدس للإجابات المسبقة واليقينيات الموروثة، لذا فهو يعيش في صراع طويل وعنيف مع التحولات والتغيرات العالمية لرفضه الاندماج وخوفه من التغيير. وهو ما أنتج بالتالي تناقضات وانفصامات في تعاطيه مع الأخلاق والدين والدولة والآخر المختلف

ما يحدث في مجتمعاتنا اليوم هو نتاج غياب العلمانية وليس بسبب عدم تمسكنا بالدين، فنحن أكثر الشعوب في العالم تدينا لكننا اقلها في الأخلاق والعلم والحريات، مما يضعنا امام مطالبات ثقافية وتنويرية تؤسس لمفاهيم فصل الدين عن الدولة وحقوق الإنسان والمساواة وقبول الآخر المختلف

من السذاجة أن تعتقد وتؤمن وتصدق بأن المكان الذي ولدت فيه هو أفضل مكان وأن اللغة التي يتكلمها والداك هي أفضل لغة وأن عقيدتك ومذهبك هي الأفضل.. كل ذلك صدفة آمنت بها بلا سؤال ولا تشكيك ولا مراجعة ولا إعادة تفكير.

العقل ‏العربي غالبا لا يرى رأيا سوى رأيه ولا فكرا غير فكره ولا دينا ما عدا الدين الذي يدين به، فهو يعتقد بأنه يمتلك الرأي الصائب الذي لا يوجد غيره والحقيقة المطلقة التي لا تحتمل الخطأ، كما أنه يؤمن بإلزامية تعميم قناعاته وتطبيقها على الآخرين حتى لو إستلزم ذلك الجبر أو الإكراه

أكبر عائق أمام العقل هو الإرتكاز على أفكار مدونة لا تقبل الشك ولا النقد ولا تسمح بطرح تساؤلات حولها، تحيط بهذه الأفكار أسلاك شائكة ويمنع على الجميع الإقتراب منها ومحاولة تفكيكها

لذلك مثل هذه الأفكار تحد من نشاط الشخص في إطلاق تفكيره وتساؤلاته لفضاء أوسع، خوفا من الوقوعِ في المحظور.. فيسلم بما  سمع وبما نشأ وتربى عليه

وأصبحت عقولنا مجرد مخازن للكتب الصفراء دون إدراك لما فيها من عوار.. وفقدت بعدها الأجيال جيلا بعد جيل ملكات النقد والتفكير والتدبر والتأمل والتحليل

يكون الوطن بخير حين يبتعد الدين عن السياسه، وحين يكون الإنسان حرا دون قيود، وحين تكون الأخلاق والحريات والديمقراطية أساس التعليم

يكون الوطن بخير حينما لا يستخدم الدين لاغراض سياسية ويعيش جميع ابناءه في ظله دون تمييز ديني او طائفي او عرقي او حزبي او اي تمييز عنصري ويكون القانون هو المرجع الأول والاخير

الإنسان العربي هو ذلك الكائن الذي أهملنا عقلنته ووضعه في المسار الصحيح ليواجه تحديات وجوده ومستقبله، فالعالم اليوم يتميز بالتطور والأنسنة والنقد، وهذه كلها تم منعها ووضع القيود عليها، فأنتج ذلك إنسانا مقيدا ومحبطا وعدوانيا منزوع الأخلاق ومستقيل العقل يعيش هاجس الموروث وخوف السؤال

علينا أن نرى الاختلاف والتنوع والتعددية والاقليات في المجتمع كإثراء وغنى، وليس كانتقاص للأديان والمعتقدات

علينا أن نبدأ من جديد في كل شئ، علينا أن نبني الانسان المواطن الحر، وليس الفرد التابع الخائف المتطرف، علينا أن نتناقش ونفكر دون حدود حتى نستلهم أفضل الافكار والرؤى لقيام مجتمعات علمانية. علينا أن نفهم أولا أننا لسنا على هذا الكوكب الصغير وحدنا ولسنا مركز الكون ولسنا أفضل أمة.

‏كل منجزات العلم والفلسفة والفنون والحريات بدأت حين رفض الإنسان ما تم تلقينه، وفكر خارج العادات والتقاليد والتراث.. ‏الأمل والسعادة والإبداع والمستقبل، للشعوب التي تفكر وتعمل وتبدع، وليس للشعوب التي تنتظر المعجزات والدعاء والسكون في الماضي.

‏المجتمع البعيد عن الحريات والعلمانية والتفكير النقدي، لا ينتج مبدعين ومواطنين، بل مرضى ومنافقين ومتخلفين.

و‏الأوطان التي تخنق الأحلام، وتقيد الأفكار، وتحارب الحريات، وتفرض القيود، تصاب الشعوب فيها بالبلادة والجمود، بالخوف والخنوع، بالجهل والإندثار.

للاسف ‏ثقافة مجتمعاتنا العربية، هي ثقافة دينيه طائفية، ثقافة تقوم على الهوية قبل الانسان، ثقافة تقف مع المجرم لأنه من نفس المذهب أو القبيلة، ثقافة تدعم الوصاية، وترى المرأة عورة، والتفكير جريمة والحريات عهرا.

ثقافة خافت من إصلاح ذاتها فخلقت الإرهاب والتطرف والجهل..‏‏تواطئ الدولة مع الرغبات الدينية، لأي طرف في المجتمع، يجعلها دولة ظالمة ومخلة بالعدل، لأنها ستغدو شريكة في محاولة فرض توجه أحادي الهوية بالإكراه، بينما دور الدولة والحكومة الحقيقي، ليس في الدفاع عن أي دين وإنما في الحفاظ على السلم المجتمعي، وحماية حريات المواطنين في حق الإعتقاد.

مجتمعاتنا العربية، لا يزال ينتظرها أشواط من النضال والمعارك من أجل تجاوز أشكال الماضي.

‏لأن لوطن هو استمرارية وتاريخ وتطور وبناء، هو أنت وأنا. وطن لا يجمعنا داخله تعصب لأي دين، أو محاباة لأي مذهب أو عرق بل ما يجعلنا مواطنون فقط هو قيم المواطنة والمساواة والديمقراطية والاندماج الحضاري.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في تشظّي العقل العمومي وانهيار شروط الحوار

لم يعد السؤال اليوم هو لماذا يختلف الناس، بل لماذا صار الاختلاف ذاته مستحيلاً أن يُدار؟. فأن يختلف البشر هو علامة الحياة، أما أن يعجزوا عن تحويل اختلافهم إلى كلام قابل للفهم المتبادل فذلك علامة على تصدّع عميق في بنية العقل العمومي. لقد كان يورغن هابرماس يرى أن الحداثة لا تقوم على التقنية أو السوق، بل على «الفعل التواصلي» بوصفه الفضاء الذي تتكوّن فيه الإرادة العامة عبر الحجاج العقلاني، غير أن هذا الفضاء نفسه بات اليوم ملوّثاً مخترقاً ومختزلاً إلى تبادلات انفعالية لا تتوخّى الحقيقة ولا تسعى إلى التفاهم بل إلى الغلبة الرمزية.

العقل العمومي كما تشكّل تاريخياً في الفلسفة السياسية الحديثة، لم يكن مجرد مجموع آراء الأفراد، بل نمطاً مخصوصاً من التعقّل المشترك، حيث تتلاقى الذوات في أفق افتراضي من القابلية للتبرير. كان كانط يقول إن التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه، وهذا الخروج لا يتم إلا عبر الاستعمال العمومي للعقل، أي حين يتكلّم المرء لا بصفته فرداً خاصاً بل بوصفه عضواً في جمهور افتراضي يخضع فيه القول لمعيار الكونية. غير أن هذا الأفق الكوني تآكل اليوم، لأن اللغة نفسها فقدت قدرتها على إنتاج معنى مشترك، وصارت الكلمات تُستهلك كما تُستهلك السلع: سريعة آنية بلا ذاكرة ولا مسؤولية.

ما نعيشه ليس مجرد تراجع في آداب الحوار، بل انكسار في البنية الرمزية التي تجعل الحوار ممكناً. حين يقول فيتغنشتاين إن «حدود لغتي هي حدود عالمي»، فإنه لا يقصد مجرد المفردات، بل أشكال الحياة التي تمنح الكلمات معناها. فإذا تشظّت أشكال الحياة، وتفكّكت المرجعيات، وصار كل فرد يعيش في فقاعة دلالية خاصة، فإن الكلمات نفسها تتحوّل إلى أشباح تتجاور دون أن تتلامس. حيث يبدو الحوار وكأنه قائم، بينما هو في الحقيقة مجرد تصادم مونولوجات.

العقل العمومي كان يفترض وجود حد أدنى من العالم المشترك، من الوقائع المتقاسمة، ومن القيم القابلة للتداول. اليوم في زمن ما بعد الحقيقة، لم يعد الواقع نفسه متفقاً عليه. فكما تقول حنة أرندت، «حين ينهار التمييز بين الحقيقة والرأي، يصبح كل شيء ممكناً سياسياً». في هذا المناخ، لا يعود النقاش بحثاً عن الصواب، بل صراعاً على فرض رواية. تختفي الحجة لتحل محلها الهوية، ويُستبدل البرهان بالانتماء، وتتحوّل اللغة إلى أداة تعبئة لا إلى وسيط فهم.

تتجذّر هذه الأزمة في تحوّل عميق أصاب الفضاء العمومي نفسه. كان هذا الفضاء، كما تصوّره هابرماس، مجالاً وسطاً بين الدولة والمجتمع تُتداول فيه القضايا العامة بحرية نسبية، خارج منطق السلطة والمال. غير أن هذا الفضاء أُفرغ اليوم من مضمونه النقدي، وأُعيد تشكيله وفق منطق الخوارزميات التي تكافئ الإثارة لا العمق، والحدّة لا التعقّل. ما ينتشر ليس ما هو أكثر صدقاً بل ما هو أكثر قابلية للتداول، وما يُرى ليس ما هو أكثر وجاهة بل ما هو أكثر قابلية للاستفزاز.

ولم يعد العقل العمومي يُنتَج من خلال النقاش، بل من خلال التكرار. الرأي الذي يتكرّر أكثر يكتسب سلطة، لا لأنه أُخضع للنقد، بل لأنه خضع للخوارزمية. في هذا الأفق يغدو الحوار وهماً إجرائياً، لأن الأطراف لا تلتقي في ساحة مشتركة، بل في أسواق متجاورة، لكلٍّ منها منطقها ولغتها ومعاييرها. لا أحد يسمع الآخر حقاً، لأن كل واحد يتكلّم داخل نظام صدى يعيد إليه صوته مضخَّماً.

تفقد المفاهيم الكبرى معناها التداولي. الحرية، العدالة، الحقيقة، الديمقراطية، كلها كلمات تُستعمل بكثافة، لكنها نادراً ما تُفهم بنفس الطريقة. وكما لاحظ جورج أورويل، فإن «أخطر ما يمكن أن يصيب اللغة هو أن تتحوّل إلى أداة لإخفاء الفكر لا للتعبير عنه». حين تُستعمل الكلمات لتعبئة المشاعر لا لتوضيح المعاني، يصبح الحوار مستحيلاً، لأن المتحاورين لا يتنازعون حول نفس الأشياء.

تزداد الأزمة تعقيداً حين يدخل عامل الهوية على خط النقاش. فبدل أن يكون الرأي موقفاً قابلاً للنقد، يصير امتداداً للذات، وأي اعتراض عليه يُستقبل كاعتداء وجودي. في هذه اللحظة، تنهار المسافة التي تجعل النقاش ممكناً، تلك المسافة التي تسمح لي أن أقول «قد أكون مخطئاً». وقد عبّر كارل بوبر عن جوهر العقلانية بقوله إننا لا نبحث عن إثبات أننا على حق، بل عن اكتشاف أين نكون على خطأ. لكن هذه الروح النقدية تفترض ذاتاً قادرة على الانفصال عن آرائها، وهو ما تآكل في زمن تتماهى فيه الهوية مع الموقف.

لا يمكن فهم استحالة الحوار اليوم دون ربطها بتحوّل الذات الحديثة نفسها. فالذات التي كانت في مشروع الأنوار ذاتاً نقدية، قابلة للمراجعة، صارت اليوم ذاتاً تعبيرية، تسعى إلى تأكيد نفسها عبر الكلام لا إلى اختبار صدقه. كما أشار إلى  شارل تايلور، نحن نعيش في عصر «أخلاق الأصالة»، حيث يُقاس القول بمدى تعبيره عن الذات لا بمدى مطابقته للواقع. ضمن ترتيب كهذا، يصبح كل حوار صراعاً بين ذوات تطلب الاعتراف، لا بين عقول تطلب الحقيقة.

يتحوّل النقاش العمومي بذلك إلى مسرح للعواطف الجريحة، لا إلى مختبر للأفكار. ويكفي أن تُمسّ هوية ما حتى ينفجر الخطاب في شكل اتهامات وشيطنة وتخوين. لا أحد يصغي، لأن الإصغاء يفترض استعداداً للتغيّر، وهذا ما يتعارض مع منطق الهوية الذي يقوم على الثبات. هنا يفقد العقل العمومي وظيفته التوفيقية، ويغدو مجرد حقل ألغام رمزية.

ثمّة أيضاً بعد تقني لا يمكن إغفاله. فالوسائط الرقمية لم تغيّر فقط سرعة التواصل، بل غيّرت بنيته. النصوص القصيرة والصور والمقاطع السريعة، كلها تفرض نمطاً من الإدراك يقوم على الومضة لا على الحجاج. وقد حذّر نيتشه منذ القرن التاسع عشر من أن «الأدوات التي نكتب بها تشارك في تشكيل أفكارنا». فإذا كانت أدواتنا اليوم مصمّمة للاختصار والانتباه السريع، فإن أفكارنا نفسها تصبح مجتزأة، غير قادرة على بناء مسارات استدلالية طويلة. كيف يمكن لحوار فلسفي أن ينشأ في فضاء لا يصبر على جملة مركّبة؟.

تتجسّد أزمة العقل العمومي أيضاً في انهيار الثقة. فالحوار لا يقوم فقط على تبادل الأقوال، بل على افتراض حسن النية. حين يتكلم الآخر، أفترض أنه يسعى مثلي إلى شيء من الصواب. لكن في زمن الاستقطاب، يُفترض في الآخر مسبقاً أنه خادع ومتواطئ أو أيديولوجي. في ضوء ذلك، يصبح كل قول مشبوهاً قبل أن يُفهم. وكما كتب بول ريكور، «الريبة حين تتحوّل إلى موقف دائم، تقتل إمكان المعنى».

هذا المناخ من الشك الشامل يحوّل الحوار إلى معركة تأويل. لا نناقش ما قيل، بل ما نعتقد أنه قُصد. لا نرد على الحجة، بل على النية المفترضة وراءها. وهكذا تُستبدل السجالات الفكرية بمحاكمات أخلاقية. وضمن وضع كهذا، لا يعود الخطأ مسألة معرفية، بل خطيئة سياسية أو أخلاقية، ما يجعل التراجع مستحيلاً، لأن الاعتراف بالخطأ يعني فقدان المكانة داخل الجماعة.

العقل العمومي في جوهره، كان وعداً بأن الحقيقة يمكن أن تكون نتيجة لتفاعل الذوات لا لسلطة مفروضة. هذا الوعد يتآكل اليوم لأن شروطه الرمزية والمؤسساتية تآكلت. لم يعد هناك وقت كافٍ للتفكير، ولا ثقة كافية بالآخر، ولا لغة مشتركة بما يكفي. ما بقي هو ضجيج دائم، يملأ الفراغ الذي تركه المعنى.

ومع ذلك، فإن تشخيص الأزمة لا يعني التسليم بها. فكما يقول غرامشي، «تشاؤم العقل يجب أن يقترن بتفاؤل الإرادة». إدراك أن الحوار صار مستحيلاً في صورته الراهنة هو الخطوة الأولى نحو التفكير في شروط إمكانه من جديد. لكن هذا يقتضي أولاً أن نعترف بأن العقل العمومي ليس معطى طبيعياً، بل بناء هشّ يحتاج إلى رعاية لغوية تربوية ومؤسساتية. بدون ذلك، سيظل الكلام يتكاثر فيما المعنى يتضاءل، وسيبقى كل واحد يتكلم لا مع الآخرين بل ضدهم.

يمتدّ هذا التفكك في العقل العمومي إلى مستويات أعمق من مجرد ضعف التواصل، ليطال البنية الأخلاقية التي تجعل الخطاب ممكناً من حيث هو تعاقد ضمني على الاعتراف المتبادل. فكما نبّه إيمانويل ليفيناس، فإن العلاقة مع الآخر ليست علاقة معرفة فقط بل علاقة مسؤولية، وحين يُختزل الآخر في صورة نمطية أو في تمثيل أيديولوجي، يُلغى بوصفه ذاتاً ويُستبدل بوظيفة في خطاب صراعي. في هذه الحالة لا يعود الحوار لقاءً بين وجوه، بل احتكاكاً بين أقنعة، كل واحد منها مصمم لردّ الضربات لا لتلقي المعنى.

يشتغل هذا التحوّل على مستوى اللغة نفسها، إذ تصبح الكلمات حوامل لمواقف جاهزة بدل أن تكون وسائط لاستكشاف المعنى. حين أقول «حرية» أو «هوية» أو «تقدّم»، لا أفتح أفقاً للتداول بل أطلق إشارة انتماء. وهنا يتحقق ما كان ميشيل فوكو يسميه «أنظمة الخطاب»، حيث لا يُقاس القول بصدقه بل بموقعه داخل شبكة من القوى. العقل العمومي في هذه الحالة لا يُدار بالحجج بل بالاستقطابات، ولا يُنتج معرفة بل يعيد إنتاج مواقع سلطوية في شكل رمزي.

وإذا كان كانط قد ربط العقل العمومي بالقدرة على التفكير من موقع الآخر، فإن هذه القدرة نفسها تبدو اليوم معطوبة. التفكير من موقع الآخر يفترض خيالاً أخلاقياً يسمح لي بتعليق مركزيتي، لكن هذا الخيال يتآكل في بيئة رقمية تشجّع على التمركز حول الذات. كل واحد محاط بصورته وبآرائه وبتفاعلات تؤكد ما يعتقده، فلا يعود مضطراً لعبور المسافة التي تفصل بينه وبين المختلف. وبدون هذه المسافة لا يوجد حوار بل تكرار.

تُفاقم الثقافة السياسية المعاصرة هذا الوضع حين تحوّل كل نقاش إلى ساحة استقطاب. فبدل أن تكون السياسة مجالاً لتدبير الاختلاف، صارت مجالاً لتضخيمه. كما لاحظ كلود لوفور، الديمقراطية تقوم على فراغ في مركز السلطة، أي على غياب حقيقة نهائية تُفرض على الجميع، لكن هذا الفراغ صار اليوم يُملأ بهويات صلبة تدّعي امتلاك الحقيقة، فتغلق أفق النقاش باسم اليقين. وهكذا يتحوّل العقل العمومي من فضاء مفتوح إلى ميدان مغلق تُرسم فيه الحدود بين «نحن» و«هم».

تلعب العاطفة دوراً مركزياً في توجيه الخطاب. ليس لأن العاطفة نقيض العقل، بل لأنها صارت بديلاً عنه. تُستثمر المخاوف والإهانات ومشاعر الظلم لتعبئة الجماعات، فتغدو الحجج زوائد غير ضرورية. وقد أدرك سبينوزا منذ قرون أن الإنسان يُقاد بعواطفه أكثر مما يُقاد بعقله، لكن مشروع التنوير كان محاولة لبناء مؤسسات تخفف من هذا القيد. اليوم تُهدم هذه المؤسسات الرمزية، وتُترك العواطف لتدير الفضاء العمومي مباشرة بلا وساطة.

تظهر هنا مفارقة عميقة: كلما تضاعفت وسائل التعبير، تقلّصت إمكانات الفهم. ليس لأن الناس صاروا أقل ذكاءً، بل لأن شروط الانتباه والتفكير المشترك تدهورت. وكما كتبت حنة أرندت، التفكير يحتاج إلى عزلة مؤقتة وإلى توقف عن الضجيج، لكن ثقافة الاتصال الدائم لا تتيح هذه العزلة. نحن نتكلم باستمرار، لكننا نفكّر أقل، ومن لا يفكّر لا يمكنه أن يحاور.

ومع تراجع التفكير، يتراجع أيضاً الإحساس بالزمن. الحوار يفترض صبراً وتراكم حجج، وإمكانية للعودة والتصحيح. لكن الزمن الرقمي زمن لحظي، يقيس القيمة بالسرعة لا بالعمق. في هذا الزمن، يبدو من يتأنّى ضعيفاً ومن يتردد مهزوماً. حيث هنا تُكافأ القطيعة لا المراجعة، وتُستبدل الاستدلالات الطويلة بعبارات حاسمة قصيرة، وتُغلق النقاش بدل أن تفتحه.

إن استحالة الحوار اليوم ليست إذن فشلاً أخلاقياً فردياً بقدر ما هي أزمة بنيوية في نمط إنتاج المعنى. فالعقل العمومي لا يعيش في الفراغ، بل داخل منظومات تعليمية إعلامية وتقنية. حين تُربّى الأجيال على الامتحان لا على السؤال، وعلى الرأي لا على الحجة، فإنها تدخل الفضاء العمومي وهي تفتقر إلى أدوات الحوار. وكما قال سقراط، الحياة التي لا تُفحص لا تستحق أن تُعاش، لكن ثقافة اليوم تدرّب الناس على الاستهلاك لا على الفحص.

ولا يمكن استعادة إمكان الحوار دون استعادة قيمة التفلسف بالمعنى الواسع، أي بوصفه ممارسة للشك المنهجي، وللسؤال الذي لا يطمئن إلى أول جواب. التفلسف ليس ترفاً أكاديمياً، بل شرطاً لوجود عقل عمومي حي. حين يسأل المواطن لا كخبير بل كذات راغبة في الفهم، يُعاد فتح أفق التداول. لكن هذا يتطلب شجاعة الاعتراف بالجهل، وهي فضيلة نادرة في زمن تُكافأ فيه اليقينيات الجاهزة.

ثمّة بعد آخر لا يقل أهمية وهو البعد السردي. فالمجتمعات لا تتحاور فقط عبر الحجج، بل عبر القصص التي ترويها عن نفسها. حين تتفكك هذه السرديات المشتركة، يصير كل فرد حاملاً لرواية لا يجد من يشاركها. وكما أشار بول ريكور، الهوية السردية هي ما يجعل الذوات قادرة على أن ترى نفسها في حكاية أوسع. بدون هذه الحكاية، يتحول النقاش إلى تنازع بين ذاكرات متنافرة.

إن أزمة العقل العمومي هي في العمق أزمة معنى. ما الذي يعني أن نعيش معاً؟ ما الذي يجعلنا شركاء في عالم واحد؟ هذه الأسئلة لا تُطرح اليوم، لأن الضجيج يغطي عليها. لكن بدونها لا يمكن لأي حوار أن يتأسس. الحوار ليس تبادلاً للمعلومات، بل محاولة لبناء عالم مشترك بالكلمات. وحين تفقد الكلمات قدرتها على البناء، يتحول العالم إلى شظايا.

ومع ذلك، لا ينبغي السقوط في نوستالجيا مثالية عن زمن كان فيه الحوار نقياً. لم يكن كذلك أبداً. الصراع جزء من السياسة، واللغة كانت دائماً ساحة قوة. الجديد اليوم هو أن هذا الصراع فقد وسائطه العقلانية. لم نعد نختلف داخل أطر مشتركة بل خارجها. وهذا ما يجعل كل خلاف يبدو وجودياً.

استعادة إمكان الحوار تقتضي إعادة بناء هذه الأطر، لا فرض توافقات مصطنعة. تقتضي تعليم الحجاج، وإحياء الفضاءات التي تسمح بالكلام الطويل وبالخطأ وبالتراجع. تقتضي أيضاً مقاومة منطق الخوارزمية الذي يحوّل كل شيء إلى محتوى، وكل رأي إلى سلعة. فكما قال أدورنو، حين تُستعمر الثقافة بمنطق السوق، يفقد العقل قدرته على السلب، أي على قول «لا» لما هو قائم.

إن العقل العمومي ليس كياناً مجرداً بل ممارسة يومية. هو يتكوّن حين يختار الناس أن يصغوا بدل أن يصرخوا، أن يسألوا بدل أن يتهموا، أن يفكروا بدل أن يكرروا. قد يبدو هذا مثالياً، لكنه في الحقيقة واقعي أكثر من وهم التواصل الذي نعيشه. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات، بل إلى مزيد من المعنى.

إن استحالة الحوار ليست قدراً بل نتيجة. نتيجة تاريخ طويل من تآكل المؤسسات الرمزية ومن تسليع اللغة ومن تحويل السياسة إلى هوية، ومن اختزال الذات في صورتها. إدراك هذا المسار هو الخطوة الأولى نحو قطعه. فكما كان يقول فالتر بنيامين، كل وثيقة حضارة هي في الوقت نفسه وثيقة بربرية، وكذلك كل أزمة تحمل في طياتها إمكان تجاوزها.

هذا التأمل ليست دعوة إلى توافق ساذج، بل إلى شجاعة الاختلاف العقلاني. أن نختلف لا بوصفنا أعداء، بل بوصفنا شركاء في عالم لم يُحسم بعد. أن نستعيد الثقة في اللغة بوصفها بيت الوجود كما قال هايدغر، لا بوصفها سلاحاً. أن نعيد للعقل العمومي معناه بوصفه أفقاً مفتوحاً للتبرير، لا ساحة مغلقة للتعبئة. عندها فقط يمكن أن يعود الحوار ممكناً لا لأنه سهل، بل لأنه ضروري.

***

د. حمزة مولخنيف

يُعدّ الحديث عن الثقافة الجنسية في المجتمعات الإنسانية من أكثر الموضوعات حساسية وتعقيدًا، نظرًا لتداخله العميق مع البُنى القيمية والدينية والاجتماعية والنفسية، فضلًا عن ارتباطه المباشر بتشكيل السلوك الفردي واستقرار الأسرة وتماسك المجتمع، الأمر الذي يجعل أي تناول غير منضبط منهجيًا عرضة للانزلاق نحو التشويه بدل التصحيح. نعم، إنّ الإشكالية لا تكمن في أصل هذا الحديث، إذ إنّ الإنسان منذ أقدم العصور لم ينفكّ يتساءل عن جسده وغرائزه وعلاقته بالآخر، وإنما تكمن في طبيعة الخطاب المُنتِج لهذه الثقافة، وفي المرجعية التي تستمدّ منها معاييرها وضوابطها، وفي النسق المعرفي الذي يُؤطرها ويضبط اتجاهها.

ومن هنا برز في العصر الحديث ما يمكن تسميته بالتطرف الأخلاقي في الثقافة الجنسية، وهو تطرف لا يعني بالضرورة الانحلال المطلق فحسب، بل يشمل أيضًا الانزياح الحاد عن الفطرة الإنسانية المتوازنة، سواء باتجاه الإفراط أو التشويه أو العنف أو الوهم، الأمر الذي يقودنا إلى واقع اجتماعي مضطرب أفرز أجيالًا تعيش حيرة وزيغًا عميقًا في فهم العلاقة بين الرجل والمرأة، وبين الجسد والروح، وبين الرغبة والمسؤولية.

 وإذا ما حاولنا قراءة هذا الواقع قراءة تحليلية، نجد أنّ هذا التطرف تغذّيه خطابات متباينة، من بينها خطابات المجترئين، وخطابات بعض المتشككين والمشككين، بل وقراءات المجتزئين الذين يتعاملون مع الظاهرة بمعزل عن سياقها القيمي والإنساني.

وعلى خلاف ما يروّجه بعض الخطابات المعاصرة التي تحاول تصوير الدين، وبخاصة الإسلام، بوصفه منظومة كابحة أو صامتة تجاه المسائل الجنسية، فإنّ القراءة العلمية المتأنية للتراث الإسلامي تكشف بجلاء أنّ الإسلام لم يُهمل هذا الجانب، ولم يتعامل معه بوصفه مجالًا مسكوتًا عنه أو منطقة محرّمة، بل أولاه اهتمامًا عظيمًا، ووضع له أسسًا وقواعد ومبادئ دقيقة، تراعي طبيعة الإنسان، وتحفظ كرامته، وتوازن بين حاجاته الغريزية وقيمه الأخلاقية، ضمن نسقية معرفية متكاملة.

فالقرآن الكريم تناول العلاقة بين الذكر والأنثى بواقعية أخلاقية عالية، مستخدمًا لغة تجمع بين الحياء والوضوح، كما في قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾، وهي آية كثيرًا ما استشهد بها الفقهاء لإثبات مشروعية العلاقة الزوجية وإباحتها ضمن إطارها الشرعي، مع مراعاة المقاصد والآداب. كما أن السنة النبوية زاخرة بالأحاديث التي تنظّم هذا الجانب، سواء من حيث الحقوق المتبادلة، أو آداب المعاشرة، أو التحذير من الإضرار الجسدي أو النفسي، حتى إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يتردد في الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالحيض والجماع والاحتلام، بل جعل من البيان في هذه المسائل جزءًا من التعليم الديني العام، مما يدل على وعيٍ عميق بخطورة الجهل في هذا الباب.

وقد أدرك علماء الإسلام قديمًا وحديثًا أنّ الثقافة الجنسية ليست ترفًا معرفيًا، بل ضرورة تربوية وأخلاقية، ولذلك أفردوا لها أبوابًا مستقلة في مصنفاتهم الفقهية، فكانت كتب الطهارة تعالج مسائل البلوغ والاحتلام وأحكام الجنابة، وكانت كتب النكاح وفقه الأسرة تتناول تفاصيل العلاقة الزوجية، وحقوق كل طرف، وحدود المباح والممنوع. ولم يترك هؤلاء العلماء مسألة إلا وأشاروا إليها، بل نجد في بعض كتب الفقه إشارات دقيقة إلى مراعاة الفروق النفسية بين الزوجين، وإلى ضرورة الرفق بالمرأة، وإلى أن العلاقة الحميمية ليست مجرد إشباع غريزي، بل ميثاق سكن ومودة ورحمة، كما عبّر القرآن الكريم.

ولم يكن هذا الاهتمام مقتصرًا على الفقهاء وحدهم، بل شارك فيه الأطباء المسلمون والفلاسفة وعلماء النفس الأوائل، مثل ابن سينا وابن القيم، الذين ربطوا بين الصحة الجسدية والتوازن الجنسي والاستقرار النفسي، وهو ما يكشف عن رؤية شمولية متقدمة قياسًا بسياقهم التاريخي، قائمة على فهم الإنسان بوصفه وحدة متكاملة لا مجرد جسد منفصل عن روحه.غير أنّ هاتيك المنظومة المتكاملة بدأت تتعرض لتآكلٍ تدريجي مع التحولات الكبرى التي شهدها العالم في العصر الحالي، حيث فرضت التكنولوجيا الرقمية والخوارزميات واقعًا جديدًا أعاد تشكيل أنماط المعرفة والسلوك.

وإذا ما انتقلنا إلى تحليل هذا التحول، نجد أنّ الانتقال من المجتمعات التقليدية إلى المجتمعات الرقمية أدى إلى تفكيك كثير من الأطر الضابطة للوعي، وأصبحت الثقافة الجنسية تُنتَج اليوم في الغالب عبر منصات رقمية لا تخضع لمنطق القيم بقدر ما تخضع لمنطق السوق والربح وجذب الانتباه. وتشير دراسات حديثة في علم الاجتماع الرقمي إلى أنّ خوارزميات المنصات الكبرى تعمل على تضخيم المحتوى المثير للغرائز، لأنّه يحقق معدلات تفاعل أعلى، مجرد أن يظهر الشاب أو الفتاة ما اهتمامًا عابرًا بموضوعٍ ما حتى يُغرق في سيلٍ متتابع من الفيديوهات والصور والإعلانات ذات الطابع الجنسي، دون أي سياق تربوي أو أخلاقي، ودون المرور عبر غرابيل النقد والتمحيص.

وتكمن خطورة هذا الواقع في أنّه لا يقدّم ثقافة جنسية واقعية أو علمية، بل يصنع نموذجًا زائفًا ومشوّهًا للعلاقة الحميمية، قائمًا على الأداء الاستعراضي، والمقارنات غير الواقعية، وتسليع الجسد، وتحويل العلاقة الحميمية إلى مشهد استهلاكي. وتشير إحصاءات منشورة في تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أنّ متوسط العمر الذي يتعرض فيه المراهقون لمحتوى إباحي صريح أصبح أقل من 13 عامًا في كثير من الدول، وأنّ هذا التعرض المبكر يرتبط بارتفاع معدلات القلق الجنسي، واضطرابات الصورة الجسدية، وتدنّي الرضا عن العلاقات الواقعية.

كما أظهرت دراسات نفسية أنّ الاستهلاك المكثف للمحتوى الإباحي يؤدي إلى إعادة تشكيل التوقعات الجنسية لدى شبيبة المجتمعات، بحيث يصبح الواقع الطبيعي مخيبًا للآمال مقارنة بالصور المصطنعة التي تعرضها الشاشات. وفي هذا السياق، تُروَّج تصورات مغلوطة عن العلاقة الحميمية، وعن الأعضاء التناسلية، وعن التوقيت المثالي والأداء النموذجي، وكأنّ العلاقة الزوجية اختبار تقني يجب اجتيازه بنجاح، لا تجربة إنسانية تقوم على التفاعل العاطفي والانسجام الروحي والنفسي.

ويُضاف إلى ذلك سيل الإعلانات التي تروّج لعقاقير ومنشطات جنسية غير مصرح بها طبيًا، والتي يُقبل عليها بعض الشباب بدافع القلق أو المقارنة أو الخوف من الفشل، ناهِيك عن المخدرات التي تُسوّق بوصفها وسائل لتعزيز المتعة، رغم ما تحمله من أضرار جسيمة، وهو ما يحوّل الشاب من إنسان يسعى إلى بناء علاقة سوية إلى مستهلك قلق يطارد وهمًا صُنع له بعناية عبر الخوارزميات.

ولا تقف آثار هذا التشويه عند حدود الرجل وحده، بل تمتد بعمق إلى المرأة، إذ تُفتح أعين الفتيات قبل الزواج على صورة خيالية لشريك الحياة، صورة مصنوعة وفق معايير لا تمثل الإنسان الطبيعي، بل تمثل نموذجًا تجاريًا معدًّا للتسويق. وحين تصطدم هذه الفتاة بالواقع، يبدوا لها الزوج أنه ضعيف فقير مخيب لآمالها، وليس هذا خلل فيه، بل لأنّ التوقعات بُنيت على أساس وهمي. حيث تشير دراسات أسرية حديثة إلى أنّ فجوة التوقعات تُعدّ من العوامل المؤثرة في ارتفاع نسب الطلاق في السنوات الأولى من الزواج.

ومع تراكم هذه الصور المشوهة، قد تلجأ بعض النساء إلى البحث عن إشباع بديل، سواء عبر المقارنات المستمرة، أو التعلّق العاطفي خارج إطار الزواج، أو متابعة المحتوى الإباحي بدافع الفضول أو التعويض، وهو ما يخلق دائرة مغلقة من الاغتراب عن الذات وعن الفطرة السليمة. وقد بيّنت أبحاث في علم النفس الأسري أيضا أنّ هذا النمط من السلوك لا يؤدي إلى الإشباع الحقيقي، بل يزيد من الشعور بالوحدة والفراغ.

ومن أخطر ما يفرزه هذا الواقع الرقمي المشوّه هو تطبيع العنف الجسدي في العلاقة الحميمية، إذ يتعلم بعض الشباب أنماطًا قسرية من السلوك، ويُسقِطونها على الواقع عند الزواج دون إدراك منهم للفارق بين التمثيل والاستغلال، مما يعمّق الأزمة بدل حلها. وإذا نظرنا إلى هذه الظواهر مجتمعة، أدركنا أنّ ما نعيشه اليوم ليس تحررًا جنسيًا بالمعنى الإنساني، بل تطرفًا أخلاقيًا يُخرج الإنسان عن فطرته، ويحوّل الجسد إلى ساحة صراع بين الرغبة والقلق، وبين الصورة والواقع.

وهذا التطرف لا يعالج بإلغاء الحديث عن الجنس، ولا بإطلاقه بلا ضوابط، بل بإعادة بناء ثقافة جنسية متوازنة، تقوم على نهج علمي وأخلاقية رشيدة. فالإسلام حين نظّم هذا الباب لم يفعل ذلك بدافع القمع، بل بدافع الحماية، حماية الإنسان من أن يُختزل في جسده أو تُستباح إنسانيته باسم اللذة. وحري بنا اليوم أن نستعيد الخطاب القائم على العلم الرصين في هذا المجال، خطابًا قائمًا على النقد الواعي، يواجه الخوارزميات بالمعرفة، ويعيد بناء الوعي الجمعي بعيدًا عن أوهام السوق وخطابات المتأولين من المجدفين والمجترئين، وكذلك بعيدًا عن تشدد بعض المتأسلمين.

وصفوة القول، إنّ أزمة الثقافة الجنسية المعاصرة ليست أزمة نقص معلومات، بل أزمة تشويه مرجعية، حيث انتقلت سلطة التشكيل من العلماء والمربين إلى الخوارزميات والشركات، ومن القيم إلى السوق. ولا يمكن مواجهة هذا الواقع إلا بإحياء التراث العلمي الإسلامي بروح معاصرة، وبإنتاج خطاب أكاديمي نقدي يعيد الإنسان إلى توازنه، لا بوصفه سلعة في سوق الإثارة، ولا ضحية في عالمٍ بلا وجهة أخلاقية.

***

بقلم: د. بدر الفيومي

 

أي أقدار مرة هذه التي تحملنا علي استعارة ذواتنا من متاحف الغرباء؟ وأية مهانة معرفية تجعلنا نقتفي أثر هويتنا في مرايا الآخرين؟!

إنها أقدار عجيبة غريبة.. أن نجد ذواتنا مطمورة تحت ركام ذاكرة الآخرين؟! وأن نستعيد هويتنا الحضارية من خلال عيون الغرباء!

المستشرق الفرنسي "لويس ماسينيون" يعود إلينا من الماضي، محملاً برسالة استشراقية مزدوجة الوجه، تعكس تلك الازدواجية العميقة التي طبعت كيانه: بين انجذاب روحي صوفي إلى التراث الإسلامي، وولاء كولونيالي استعماري لا يتزعزع لبلاده.

يعود في هذا السفر المعرفي "مهمة في بلاد الرافدين"، الذي نقله إلى العربية بمنهجية دقيقة المترجم نزار هليل، نجدنا إزاء ظاهرة فكرية تستحق التأمل العميق: إنه المستشرق الذي يبحث عنا، ويغوص في أعماقنا، أكثر مما نبحث نحن عن أنفسنا! إنها مفارقة وجودية تطرح سؤالاً جوهرياً يخترق الأعماق: لماذا نستعير ذاكرتنا الجماعية من سجلات الآخر ومحفوظاته؟

لقد كان ماسينيون - بحق - عالماً موسوعياً نادر المثال، جمع بين عمق المؤرخ المدقق ودهشة الرحالة المغامر وحساسية الصوفي المتأمل. لكنه مع ذلك، ظل أسيراً لإشكالية الاستشراق الجوهرية، وهي النظرة الاستعلائية التي تتعامل مع تراثنا الحضاري وكأنه موضوع للدراسة والتحليل، لا كـ "ذات" حية تنبض بالحكمة والتاريخ والإرث الإنساني العميق.

يذهب البعض إلى أن هذا الكتاب يكشف عن المهمة العلمية والثقافية التي قام بها ماسينيون في العراق. أما أنا فأقول: إن كل مستشرق يحمل في حقائبه مهمتين متمايزتين، واحدة ظاهرة للعيان، وأخرى خفية في اللاشعور الجمعي للغرب. فالمهمة الظاهرة هي البحث والتنقيب والجمع، أما المهمة الخفية فهي إعادة تشكيل صورة الشرق وفق رؤية غربية، حتى عندما تبدو هذه الرؤية متعاطفة ومحبة!

الخرائط التي تحدث عنها ماسينيون، والنقوش التي فك طلاسمها، والسطور التي حللها وفسرها، كلها تحمل في طياتها إشكالية التمثيل الثقافي. فالشرق الذي يرسمه هذا المستشرق، حتى في أصدق لحظاته وأكثرها تعاطفاً، هو شرق متخيل، معاد تركيبه في مختبر العقل الأوروبي ومنظوره الحضاري.

وهنا أصل إلى لب الإشكال الخطير العميق، لماذا نقبل نحن العرب أن تكون ذاكرتنا منسية مدفونة في رمال التاريخ، حتى يأتي من ينقب ويفتش عنها ويكتشفها؟ لماذا نرضى بأن نكون مجرد موضوعاً للدراسة والتحليل، لا فاعلين أصليين في إنتاج المعرفة بأنفسنا ولأنفسنا؟ وترجمة مثل هذه الأعمال، على أهميتها المعرفية البالغة، تظل خطوة في اتجاه واحد. فالأهم من ذلك كله أن ننتج نحن قراءتنا الخاصة لتراثنا، أن نكتب تاريخنا بأيدينا وأقلامنا، أن نستعيد الذاكرة الحضارية من أقبية الاستشراق وأروقة المتاحف الغربية.

العراق العظيم، بلاد الرافدين، مهد الحضارة والإبداع الإنساني، يستحق أكثر من أن يكون مجرد "موضوعاً" لمهمة علمية أجنبية. إنه ذات حاضرة، تنبض تحت الرماد، تنتظر من أبنائها أن ينهضوا ويقرأوا تراثهم قراءةً وجودية أصيلة، لا استهلاكية مستوردة.

لقد قدم لويس ماسينيون عملاً أكاديمياً رصيناً، بلا أدنى شك. لكن الحقيقة التي لا بد أن نعيها تمام الوعي والإدراك، أن كل قراءة للتراث هي في النهاية إعادة إنتاج له. والخطر كل الخطر أن نستمر في استهلاك صورة أنفسنا كما ينتجها ويرسمها غيرنا. فإلى متى نظل نستعير هويتنا من عيون الآخرين؟ وإلى متى تبقى ذاكرتنا رهينة مهمات المستشرقين، وإن كانت مغلفة بإعجابهم وحبهم الظاهري لتراثنا؟

بالتأكيد إن طريقنا إلى الذات الحقيقية يبدأ عندما نكف عن كوننا هوامش على نصوص الآخرين، عندما نتحول من موضوع للدراسة إلى فاعلين في المعرفة والإبداع. وإذا أردنا أن نعمق النظر، فلنسأل: أي عراق كان يبحث عنه ماسينيون؟ وأي عراق نبحث عنه نحن اليوم؟

كان ماسينيون - في حقيقته العميقة - يبحث عن العراق الصوفي الذي يتوافق مع رؤيته الخاصة للتراث الإسلامي. العراق الحامل لسر الغربة والانتماء، العراق الذي يتجاوز الجغرافيا إلى الميتافيزيقا. لكن هذه الرؤية، على جمالها الأخاذ، تظل قاصرة عن إدراك كينونة العراق الحضارية الشاملة المتكاملة.

فالمستشرقون الكبار مثل ماسينيون، غالباً ما يأتون إلى تراثنا محملين بإشكالياتهم وقضاياهم الغربية الخاصة. فهم يدرسون ويبحثون تراثنا من خلال مرايا فلسفتهم، ويحملون أسئلة قد لا تكون أسئلتنا. وإن بدت إجاباتهم عميقة، فإنها تظل إجابات عن أسئلتهم هم، لا عن أسئلتنا نحن! والأخطر من ذلك، أننا نتلقى هذه الإجابات وكأنها حقائق مطلقة، فنصبح تلامذة في مدرسة الغرب نتعلم عن أنفسنا! أليس هذا ضرباً من الاستلاب المعرفي والثقافي؟

وفي هذا السياق، يذهب البعض إلى أن الترجمة جسر مهم وضروي بين الحضارات. أما أنا فأقول: نعم، لكن بشرط أن لا نبقى واقفين على الجسر! لأن الترجمة يجب أن تكون محفزاً للإبداع الذاتي، لا بديلاً عنه. كم من مترجم نقل إلينا كنوز الغرب، فأنسانا كنوزنا نحن!

بالتالي فإن تحقيق المترجم نزار هليل لهذا العمل - وهو جهد مشكور دون أدنى ريب - يظل خطوة في طريق طويل. فالمطلوب ليس مجرد نقل النصوص، بل تفكيكها وإعادة تركيبها في وعينا الجمعي. وبلاد الرافدين، بكل طبقاتها الحضارية المتعاقبة، تشبه نهراً جارياً يحمل في تياراته أسرار الأمس وأحلام الغد. لكننا للأسف نقف على شاطئ النهر ننتظر من يأتينا بعبارة لنجتازه!

لقد آن الأوان أن نصنع سفننا المعرفية الخاصة، أن نغوص في أعماق هذا النهر بأنفسنا، أن نستعيد ثقتنا بقدرتنا على فهم تراثنا دون وساطة.

ولا أريد أن أظلم ماسينيون، فهو دون شك من المستشرقين القلائل الذين حاولوا فهم روح الحضارة الإسلامية من داخلها. لكن تظل هناك هوة شاسعة بين الفهم من الخارج، والإحساس من الداخل. الفرق بين دراستنا لتراثنا ودراسة المستشرقين له، كالفرق بين من يدرس المحبة بكتب العلم، ومن يعيشها بكل كيانه ووجوده!

فليكن هذا الكتاب مناسبة لنهضة معرفية جديدة، لا نكرر فيها أخطاء الماضي. لنقرأ المستشرقين، ولكن بعين ناقدة. لنأخذ منهم ما يفيد، ولكن لننسج على منوالهم رؤيتنا الخاصة. إن ذاكرة العراق المدفونة لن يستخرجها إلا أبناء العراق أنفسهم، بحفرهم المعرفي الصادق، وبعزمهم الأكيد على استعادة هويتهم من براثن النسيان والاستلاب.

العراق ليس مجرد أرض، العراق فكرة متجددة. وبلاد الرافدين ليست آثاراً وتراثا، هي روح حية تنتظر من يوقظها من سباتها العميق.

***

د. عبد السلام فاروق

 

عرفت بأنها أكبر عملية إحياء لغة ميتة في التاريخ. ويرجع الفضل في ذلك لجهود (اليعازر بن يهودا)، الذي يعتبر رائد حركة إحياء اللغة العبرية الحديثة. تأثر اليعازر بن يهودا بالحركة التنويرية اليهودية، والافكار الاشتراكية والقومية التي كانت سائدة في أوروبا حينها. حملت تلك الافكار مفاهيم غلب على بعضها العصبية القومية مثل (الشعب العضوي)، الذي لا يمكن أن يتحقق إلا في أرض خاصة به، وهوية وثقافة مستقلة تجمعه، وينبذ كل من غير ذلك. نشر بن يهودا أولى مقالاته باللغة العبرية في عام 1879، طارحا فكرة العودة لصهيون، وإحياء اللغة العبرية القديمة. آمن بن يهودا أن إحياء اللغة العبرية وإيجاد وطن لليهود مرتبطان بشكل وثيق ببعضهما البعض؛ فتحقيق أحدهما شرط أساسي للآخر. ووجدود اليهود في دول الشتات يعني إندماجهم لغويا وثقافيا مع مجتمعاتها؛ أما هجرتهم لفلسطين فستسمح بظهور ثقافة ولغة مستقلة. إستقر بن يهودا في فلسطين عام 1881 مع زوجته، وحصل على تصريح بإستخدام اللغة العبرية في تدريس الموضوعات اليهودية. شارك بعدها في العام نفسه في تأسيس جمعية صهيونية تنشر فكرة القومية، وإحياء اللغة العبرية لغةً يومية، والادب العبري الحديث.

كرس بن يهودا عمله خلال سنوات عديدة متواصلة لإقناع المتشككين بإمكانية إعادة إحياء العبرية مرة أخرى. لكنه على الوجه الآخر لم يسلم من معارضة الطوائف اليهودية لإستخدام اللغة العبرية في غير الاغراض الدينية بإعتبارها لغة مقدسة. أدى إقتصار اللغة العبرية قديما على العبادة، وكلغة يمارسها رجال الدين وحسب إلى جعلها عاجزة عن التعبير عن جوانب الحياة الانسانية المختلفة. لذا عكف بن يهودا على تطوير اللغة العبرية القديمة بإشتقاق ألفاظ وعبارات جديدة والاستعانة باللغة العربية، وأسس جمعية اللغة العبرية عام 1889. وألزم أبناءه بالحديث باللغة العبرية؛ فكانوا أول من تحدث العبرية الحديثة كلغتهم الأم.

حث بن يهودا في عام 1919، هربرت صمويل، المندوب السامي البريطاني على إعلان العبرية إحدى اللغات الثلاث الاساسية في فلسطين. وذلك بعد إندلاع الحرب العالمية الاولى، والاحتلال البريطاني لفلسطين، وبعد ثلاث سنوات أقر الأنتداب البريطاني اللغة العبرية بإعتبارها إحدى اللغات الرسمية في البلاد.

تعد أبرز أعمال بن يهودا على الاطلاق هو المعجم العبري القديم والجديد، الذي جاء في تسعة مجلدات وأستغرقت كتابته 40 عاما من العمل. أكملت جمعية بن يهودا بعد تحولها لأكاديمية اللغة العبرية مشروعه اللغوي الكبير، فأكملت المعجم في سبعة عشر جزءاً كاملاً عام 1959.

قد يتساءل البعض عن سبب إختيار اللغة العبرية مع إن الجماعات اليهودية آنذاك كانت تتحدث أكثر من لغة منها: اليديشية و اللادينو. إلا انه من جانب، تمثل اللغة العبرية في الفكر الصهيوني قيمة من الماضي يتوجب الحفاظ عليها، لذا وقع الاختيار على هذه اللغة دون غيرها لتكون اللغة القومية المنتظرة. وعلى الجانب الآخر،كان للحركة الصهيونية منذ بدايتها أبلغ الاثر في القضاء على اليديشية، فصدرتها بإعتبارها لغة المنفى. وصار التخلص من اللغة اليديشية لليهود في دول الشتات حتميا، وتكوين الفكر العبري المعاصر القائم على أرض فلسطين متخذاً من اللغة العبرية وعاء لهذه الثقافة والتراث. فأختفت اللغة اليديشية ولم تعد تستخدم.

كرست العقيدة الصهيونية جهودها لإحياء العبرية عبر الاهتمام بالادب العبري والترجمة والبحث اللغوي، وممارستها اللغة في الحياة اليومية، بجانب التعليم والمسارح، نلاحظ أن الادب العبري هو الادب الذي إستطاع إنشاء دولة، وتعود أولى الاعمال الادبية لعام 1856 وهي رواية (محبة صهيون) للاديب اليهودي إبراهام مابو، رائد القصة العبرية، ونشرت في روسيا، كان للرواية دور محوري في شيوع الحركة الصهيونية، وتأجيج الشعور بالحنين لوطن على أرض فلسطين. تبعتها عدد من الاعمال الادبية الاخرى من روايات وقصص وأشعار كرست لخدمة الحركة الصهيونية، والتي بدورها عملت على تشجيع المفكرين والمشتغلين بالادب في الخارج على الاستقرار بفلسطين، والمساهمة في تحويل اللغة العبرية من لغة قديمة ميتة إقتصر إستخدامها على العبادة إلى لغة للادب والحوار، فأنطلقت الاعمال من خارج فلسطين قبل بدء هجرة اليهود إليها وبعدها وفقا للمخطط الصهيوني لإنشاء وطن قومي يجمع اليهود على أرض فلسطين، والذي وضعه هرتزل. وبعد إعلان قيام دولة لإسرائيل عام 1948، تطور الادب ليصبح الادب العبري المعاصر خاصة مع إنشاء المطابع والصحف والمجلات العبرية.

رسخت الشخصية الصهيونية اللغة لا الدين بإعتبارها هوية وثقافة قومية، فعملت تحت شعار (آخر يهودي وأول عبري)، وحول بن يهودا المفهوم اليهودي للخلاص بإنتظار الماشيح لتخليص الشعب اليهودي من معاناته إلى العودة لفلسطين وإستيطانها؛ فمن يلبي لها النداء هم من النخبة الذين يرفضون الشتات والانتظارالسلبي، ويجتمعون في وطن يهودي وثقافة مشتركة، فأصبحت اللغة العبرية مرادفا للهوية اليهودية تستمر بإستمرارها، لذلك تفرض إسرائيل شرط إجادة العبرية للهجرة إليها.

جدير بالذكر أنه رغم دعوات بن يهودا لليهود من أجل الهجرة لتكوين أمة يهودية على أرض فلسطين؛ إلا إنه كان على رأس الداعين لقبول بقاء اليهود في الخارج بشرط أن تجمعهم ثقافة مشتركة مع الوطن الأم. ومع أن بن يهودا عانى من المرض والجوع والاضطهاد لكنه نجح في أن يشهد نجاح مساعيه، فأصبحت اللغة العبرية اللغة القومية التي تجمع اليهود من جميع الانحاء.

***

رنا فخري جاسم

كلية اللغات/ جامعة بغداد

يرى بعض الفلاسفة وفقهاء القانون أن الظلم مفهوم أساسي يمكن إدراكه بسهولة على عكس العدالة التي قد تكون أصعب تعريفًا وإدراكاً، فلا يصلح كل الناس للقضاء.

وأن القوانين غير المدرسة او التي جاءت من غير بيئتها بنية اقرار العدالة قد تعطي نتائج معكوسة.

فالظلم هو شعور في النفس البشرية تدركه العقول والضمائر وتستنكره سواء كان المظلوم عالماً او جاهلاً، طفلاً او كبيراً.

وتعد الشرائع القانونية قديمها وحديثها من أهم مظاهر استنكار الظلم، تهدف الى رفع الظلم وردع الظالمين.

اولاً؛ تعريف الظلم:

أ: الظلم لغة: هو وضع الشيء في غير موضعه الصحيح، أو هو انحراف عن القصد أو التعدي عن الحق إلى الباطل، وهو جور وانحراف عن العدل.

ب: الظلم في الاصطلاح الشرعي: هو التعدي عن الحق إلى الباطل، وهو انحراف عن العدل.

ج: الظلم في الفقه القانوني: في سياق قانوني أو اجتماعي،  يعرف الظلم بأنه غياب العدالة ويشمل مخالفة القوانين والأنظمة، وإلحاق الضرر بالغير دون وجه حق، ويشمل أخذ حقوق الآخرين، والتصرف في ملك الغير بغير حق، ومماطلة المدين

ويشمل إساءة المعاملة، التعسف، الإهمال، أو ارتكاب جرم دون تصحيح أو عقاب، ويُعتبر "الإجحاف البين" أو عدم تطبيق العدالة بشكل صحيح، حتى لو كان نتيجة خطأ بشري في النظام ظلماً

ثانياً: بيئة الظلم: لايتشأ الظلم إلا في بيئة تحتضنه وتكون سبباً له مثل؛ جور الحكام وولاة الأمور، وانعدام القيم وانحدارها بين ابناء المجتمع، والفساد المالي والاداري اذ يُعدّ الظلم أساسًا لارتكاب الجرائم والفساد في الأنظمة.

ومن مجالات الظلم خرق قواعد المساواة وتعطيل الحقوق في نطاق الوظيفة العامة

فضلاً عن الظلم في الأسر غير المتماسكة او التي تتمسك بقيم واباطيل جاهلية كالتفرقة بين الولد والبنت او الإكراه على الزواج وغير ذلك

ثالثاً: انواع الظلم وصوره

ويمكن تصنيف الظلم حسب مجالاته (اجتماعي، سياسي، اقتصادي).

او حسب وسيلته (قولي، فعلي، سكوتي)

أ: صور الظلم حسب مجالاته

* الظلم الإجتماعي: ويتمثل بالمعاملة غير العادلة أو التمييزية التي يتعرض لها أفراد أو جماعات داخل المجتمع، مما يؤدي إلى حرمانهم من حقوقهم وفرصهم المتساوية في مجالات كالتعليم والصحة والعمل والسكن، ويترسخ عبر أنظمة وقوانين وتحيزات راسخة تُعمق الفوارق وتُديم التهميش، وتخلق حاجزًا أمام تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص للجميع.

** الظلم السياسي: هو استخدام السلطة بشكل تعسفي او غير عادل أو مفرط لممارسة القمع والتمييز ضد الأفراد أو الجماعات، وانتهاك حقوقهم الأساسية وحرياتهم، ويظهر في صور مثل: الاستبداد، الفساد، إدارة الانتخابات بطرق غير نزيهة، تجويع الشعوب، استخدام القوة المفرطة، وتشويه الحقائق، بهدف الحفاظ على السلطة وتحقيق مصالح شخصية أو فئوية على حساب العدالة والشرع والقيم الإنسانية. ومن اهم مظاهر الظلم السياسي هي الدكتاتورية وإنكار الديمقراطية او التحايل عليها.

*** الظلم الاقتصادي: ويتمثل بالتوزيع غير العادل للثروات والموارد والفرص في المجتمع، مما يؤدي إلى فجوات كبيرة بين الأغنياء والفقراء، ويُعرقل الحراك الاجتماعي، ويُرسّخ الفقر، ويتجلى في صور مثل عدم تكافؤ الفرص، والفساد، والقوانين المجحفة، واستغلال العمال، وضمان عدم وصول الشرائح المهمشة للتعليم والرعاية.

ب: صور الظلم حسب مصدره:

وتشمل الظلم القولي والظلم الفعلي والظلم السكوتي.

* الظلم القولي: كالكذب، الغيبة، السب

الكذب والبهتان: اختلاق الأكاذيب عن الناس.

الغيبة والنميمة: ذكر الناس بما يكرهون في غيابهم، ونقل الكلام بينهم بقصد الإفساد.

السب والشتم: الإهانة والتنابز بالألقاب والسخرية.

القذف والاتهام: رمي الناس بالباطل.

فضح الأسرار: إفشاء ما يستر به الناس أسرارهم.

** الظلم الفعلي: كأكل أموال الناس بالباطل، منع الحقوق وغصب عقارات الغير، الظلم في العمل، الاعتداءات.

أكل أموال الناس بالباطل، مثل أكل مال اليتيم، تأخير سداد الديون، الرشوة، الربا، أو الغش في المعاملات.

الفساد المالي والإداري هو ظلم كبير، فهو استغلال غير قانوني للسلطة والموارد العامة لتحقيق مكاسب شخصية، مما يضر بالمجتمع عبر إعاقة التنمية، إهدار المال العام، تقويض العدالة، زيادة الفوارق الطبقية، ويعيق تحقيق المساواة ويحرم المواطنين من حقوقهم، وهو ما يعتبر ظلماً يتجاوز مجرد مخالفة قانونية ليصبح فعلاً يهدد استقرار الدول وتنمية الشعوب

تفضيل شخص على آخر في الترقيات أو المكافآت، أو التقصير في أداء الواجب الوظيفي.

ومن ذلك ايضاً، ظلم الخدم والعمال، أو التسبب في الأذى برمي المخلفات في الشوارع.

الظلم بين الأزواج: الإساءة للزوج أو الزوجة.

الاعتداءات: الزنا واللواط والاعتداء على الأعراض.

*** الظلم السكوتي: كالتخاذل عن نصرة المظلوم ومن صور الظلم السكوتي

التخاذل: السكوت عن المنكر والقدرة على تغييره، أو عدم نصرة المظلوم ومنعه من الظلم.

رابعاً: رد الظلم وردع الظالمين

الردع قد يكون دنيوي وقد يكون اخروي

ويتمثل بالقضاء وحكم الشريعة الاسلامية

أ: دور القضاء: دور القضاء هو حماية الحقوق والحريات وإرساء العدالة عبر فض النزاعات وتطبيق القانون بنزاهة واستقلالية، أما أخلاقياته فتتمحور حول النزاهة، الاستقلال، الحياد، والقدوة الحسنة، متطلبة من القاضي التزاماً بأعلى المعايير الشخصية والمهنية داخل وخارج المحكمة لضمان الثقة العامة في العدالة،

أخلاقيات القضاء.

لايجوز ويحرم شرعاً تولية من لم يكن صالحاً للقضاء، أو تولية من هو غير أهل له.

ومن يتولى القضاء يحب ان يتصف بما يلي من صفات:

النزاهة والاستقلال: يجب أن يكون القاضي مستقلاً عن أي تأثيرات خارجية (سياسية أو مالية) وأن يتصرف بنزاهة مطلقة.

الحياد والموضوعية: تفسير القانون دون تحيز أو محاباة، وتجنب أي مصلحة شخصية في القضايا.

الاجتهاد والتحلي بالعلم: السعي المستمر لطلب العلم وتطوير المعرفة.

القدوة الحسنة: التصرف بما يتناسب مع شرف الرسالة القضائية، داخل المحكمة وخارجها، والالتزام بمظهر لائق.

السرية والكتمان: المحافظة على أسرار المتقاضين وأعراضهم.

اللباقة والاحترام: التعامل بلباقة مع الزملاء والمتقاضين وإظهار الاحترام المتبادل.

تجنب تضارب المصالح: التنحي عن القضايا التي قد يكون للقاضي فيها مصلحة شخصية.

الالتزام بالصمت الإعلامي: التواصل مع الإعلام يكون عبر مسؤولين محددين لتنوير الرأي العام بشكل رسمي.

باختصار، يمثل القضاء ركيزة أساسية لدولة القانون، وتُعد أخلاقياته بوصلة توجه القاضي ليكون حاملاً للعدل، متصفاً بالنزاهة والاستقلال، وملتزماً بالقيم التي .تحفظ هيبة العدالة وثقة الجمهور،

ب: دور الشريعة الإسلامية:دور الشريعة في ردع الظلم أساسي وجوهري، حيث تضع قواعد للعدل وتُحذر بشدة من الظلم، وتوجب نصرة المظلوم وردعه بالقانون والترغيب والترهيب، وتُحمل الظالم عواقب وخيمة دنيوية وأخروية، وتؤكد على أن الظلم يُقوّض أسس المجتمع ويُفضي إلى دمار، فتدعو إلى العدل بين الناس وتُعلي من قيم المساواة والإنصاف، وتُحارب الظلم بشتى أشكاله من شرك، وظلم الحاكم، واعتداء على الحقوق، وفقًا لـمبادئها ومقاصدها.

خامساً: التحذير من الظلم

دعوة المظلوم مستجابة: لا حجاب بينها وبين الله، والمظلوم منصور ولو بعد حين.

الظلم ظلمات يوم القيامة: لا يهتدي الظالم في ذلك اليوم.

الظالم يعذب في الدنيا: إن الله يعذب من يعذب الناس في الدنيا.

الظلم عاقبته وخيمة، فقد حرّمه الله تعالى في جميع أشكاله (بيكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"

خطب النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- يوم النحر في حجة الوداع في مجمع عظيم شهده أكثر من مئة ألف مسلم، فقال: «أتدرون أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسمّيه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى. قال: أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسمّيه بغير اسمه، فقال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى. قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسمّيه بغير اسمه، قال: أليست بالبلدة الحرام؟ قلنا: بلى. قال: فإن دماءكم وأعراضكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد! فليبلغ الشاهد الغائب، فرُبَّ مبلغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض»

. وقال عليه الصلاة وآله وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه».

***

فارس حامد عبد الكريم

عوامل الوعي البشري: يتطلب بيان مكونات الوعي البشري مناقشة جملة من المسائل والقضايا التي ترتبط بعوامل تشكل هذا الوعي ومنها: مواضيع المعرفة البشرية، ودور العمل في تشكل وتطور الوعي البشري. ودور الدماغ البشري في تكوبن المعرفة،

1- مواضيع المعرفة البشريّة:

وجدت الطبيعة قبل وجود الإنسان، ومنذ وجودها، ظلت في وحدتها وكليتها مترابطة ومستقلة عن وعيه وأحاسيسه وأفكاره، على الرغم من أن كل النشاط الحيوي الذي مارسه فيها، عبر نشاطه التاريخي هذا لم يستطع في الحقيقة تغيير أشكال الموجودات الأساسيّة فيها، لذلك بقيت الطبيعة وحتى في ظل المجتمعات البشريّة الأكثر تطوراً، محافظة على ماديتها وموضوعيتها وقوانين عملها واستقلاليتها تجاه الإنسان، إلا أنها رغم استقلاليتها، استطاعت في كل مرة يمارس الإنسان نشاطه فيها من أجل اكتشاف آليتها وظواهرها أن تغني معرفته وتطور وعيه تجاهها .

أما بالنسبة للعلاقات أو الظواهر الاجتماعيّة كمواضيع للمعرفة، فهي تكتسب أهميتها هنا، وخاصة بالنسبة للإنسان الذي يرى أن مهمته الأساسيّة تقوم أساساً على تحويل نفسه والمجتمع تحويلاً عقلانيّاً، فالعلاقات الاجتماعيّة في سياق صيرورتها وسيرورتها، هي نتاج للنشاط الشيئي المادي والفكري للإنسان ولا تنفصل عنه، وعند التكلم عن موضوعيّة هذه العلاقات أو الظواهر، فإننا نقصد بالدرجة الأولى واقع صلة هذه العلاقات بالأشياء ذات المواصفات المجسّدة والمتكوّنة من موجودات الطبيعة من جهة، ثم علاقات الملكية والعلاقات الطبقيّة والصراع الطبقي والمؤسسات الاجتماعيّة والعلاقات الفكريّة من جهة ثانية، هذه المواضيع كلها تصبح بعد إنتاجها خارج الإرادة الإنسانيّة ووعي الأجيال المنفردة القائمة في مجتمع معين، في وقت معين، وبصورة مستقلة عنها. (1).

إذن، إن كل تلك المقدمات التاريخيّة التي هي مواضيع موضوعيّة وواقعيّة تماماً بالنسبة لنا، هي في الحقيقة نتاج للنشاط المادي والروحي لأناس ملموسين تماماً ومتمتعين بإرادة حرة ووعي وعواطف، لذلك من هنا يأتي تعقد العمليات المعرفيّة التي تتمثل مواضيعها في علاقات الناس عبر المجتمع، لكون الناس الواعين والمتمتعين بالإرادة والعاطفة، يتصرفون بناء على مواقف فكريّة أو معرفيّة قبليّة، غالباً ما تهيمن عليها المنافع والأهواء بل وحتى الروح الأيديولوجيّة.

إن واقع الظواهر الاجتماعيّة تنعكس من خلال وعي الناس وإرادتهم وتصرفاتهم وآرائهم وأفكارهم، وعلى هذا، فليس التغيير والتحول فقط، بل ومعرفة العلاقات الاجتماعيّة أيضاً، لا يمكن تصورها بدون مراعاة تغيير عالم القيم والأفكار والأيديولوجيات والمصالح، وبناء على ذلك أيضاً، ترتبط عمليّة تحول الظواهر الاجتماعيّة مع مواضيع عمليّة المعرفة، على نحو معين، من خلال وحدة العلاقات الفكريّة والماديّة (الاجتماعيّة) وتبعيتها المتبادلة عبر ممارسة النشاط التحويلي العقلاني منه (2).

إن استيعاب ومعرفة الظواهر الاجتماعيّة، رغم تعقدها، يتوقفان في كل لحظة معينة على وجهات نظر القائم بعمليّة المعرفة، ومصالحه، ومشاعره السلبيّة والإيجابيّة، ومثله، وتطلعاته، وأفكاره، ومن هنا تأتي عملية التعقيد المعرفي في هذا الجانب من مواضيع المعرفة كما قلنا سابقاً. ففي الصراع الحاد مثلاً بين القوى الاجتماعية وفي سير التطور التاريخي الأشد تعقيداً في إطار هذا الصراع، يمكن للوعي أن يقع فريسة للأوهام وأن يخلق بذلك موضوعيّاً الحواجز على طريق عمليّة معرفة القوانين الاجتماعيّة، وهذا ما يدفعنا للنظر أيضاً في الوعي ذاته كموضوع لعملية المعرفة.

إن الإنسان في سياق تطور الممارسة الاجتماعيّة التاريخيّة، يمعن النظر في الحالات المتموضعة مباشرة لوعيه، وهذا ما يسمى بإدراك الذات، أي إن الإنسان، إلى جانب إدراكه لمواضيع الطبيعة والمجتمع، لديه القدرة على إدراك ذاته وذات الآخرين المحيطين به، وبذلك يصبح وعيه ووعي الآخرين من خلال هذه القدرة مواضيع معرفة قائمة بذاتها، كما يصبح من مواضيع المعرفة هذه، مضمون وتوجه وعي الفرد ووعي الجماعات الأخرى الاجتماعيّة بشكل عام. ما يعني إن شتى عناصر الوعي، مثل الأمزجة، والمشاعر، والتطلعات، والآراء، والنظريات، والأفكار التي تدرس وعي الفرد ووعي المجتمع، أو أي كتلة اجتماعية كانت، طبقة، طائفة، مذهب ..الخ، تغدو بدورها مواضيع معرفة، بل حتى الآليات الداخليّة التي يخضع لها تطور الوعي، ثم الميول والعمليات التي تنكشف في تطور وعي الأفراد والجماعات، وكذلك الصراع الداخلي بين التطلعات والآراء والأفكار المتعارضة، كما يضاف إلى ذلك أيضا كل ما يتعلق باللاشعور الباطني للإنسان وغير ذلك. ومع ذلك فإن الوعي في المحصلة لا يبقى مجرداً، بل هو يتجسد واقعيّاً في تصرفات وتعابير الناس الملموسين، كما يتجلى في الأعمال والكلمات ومنتجات الثقافة، أي أنه يتحول إلى أشكال مادية ما.

2- دور الدماغ في تكوين المعرفة:

لقد أثبتت التجارب العلميّة لنشاط الإنسان، بأن الوعي البشري – الذي يمثل هنا أفكاره، عواطفه، أحاسيسه، تصوراته، آراءه... إلخ – هو نتاج تطور طويل للمادة، ولكن ليس لكل مادة، بل للمادة الرفيعة التنظيم، وهي الدماغ البشري. وكما دلت العلوم (الفسيولوجية)، فإن كل النشاط النفساني للإنسان يقوم على عمليات مادية محددة هي العمليات الفسيولوجيّة الجارية في الدماغ الإنساني، وبخاصة في نصف الكرة الكبيرين، كما هو معروف علميّا، لذلك كثيراً ما يؤدي أي اضطراب معين في نشاط الدماغ إلى حدوث اضطراب أو خلل في تفكير الإنسان. (3).

يؤكد "بافلوف" في نظريته بأن القدرة الحسيّة تقوم على أساس فسيولوجي، وأن هذه القدرة الحسيّة، تشكل جهازاً يستجيب الكائن خلاله للتأثيرات المباشرة من الأشياء والظواهر العينيّة، إلا أن هذه الإحساسات تبقى لدى الإنسان مضاءة بنور العقل، لذلك يأتي التأكيد هنا بأن الدماغ والعمليات الفسيولوجيّة الجارية، تمثل أساس تشكل الوعي الوعي الإنساني وآليّة عمله، وأنها هي الشرط المادي الذي يستحيل التفكير بدونه.

إن أحاسيس الإنسان مثل، الرؤية، السمع، الشم، اللمس.. الخ، لا يمكن لها أن تنشأ وتتطور كما هو معروف بداهة إلا تحت تأثير مواضيع الوعي التي جئنا على ذكرها سابقاً. وهذه المواضيع بما تحمل من صفات وخصائص، مثل اللون، الرائحة، الأصوات، الحرارة... إلخ، تؤثر في حواس الإنسان، ثم ينتقل التأثير الحاصل عبر الأعصاب إلى قشرة نصفي الكرة الكبيرين، حيث تظهر أيضاً الأحاسيس المناسبة، وعلى أساس هذه الأحاسيس تتشكل المدركات والتصورات والمفاهيم وغيرها من أشكال الفكر، وكلها في المحصلة تمثل صوراً، أي انعكاسات دقيقة إلى هذا الحد أو ذاك للأشياء والظواهر الموجودة موضوعيّاً، ولا يمكن لهذه الصور أن تظهر في وعي الإنسان، بدون أشياء وظواهر مواضيع الوعي / التفكير، إلا أن الإنسان عبر نشاطه الطويل وتشكل وعيه، يصبح فيما بعد قادراً على الإبداع الذهني/ المعرفي من خلال التراكم المعرفي عنده، كأن يتصور مخططاً لبناء هندسي لمرحلة زمنيّة لاحقة، أو يضع نظريّة لنظام اجتماعي مقبل... وهكذا. إلا أن هذه التصورات في حقيقة الأمر لا يمكن لها أن تفرخ بشكل مجرد، أي هي لا يمكن لها أن تنشأ إلا على أساس انعكاس ما هو موجود بالفعل. بمعنى آخر، هي تقوم على معرفة الإنسان للواقع الموضوعي المحيط به، واحتمالات واتجاهات تطوره .(1).     ولكن يبقى السؤال المشروع يطرح نفسه بعمق وهو: هل يكفي الدماغ وحده مع مواضيع العمل لتشكل الوعي؟.

لا شك أن الجوب سيكون / لا /، على اعتبار أن هناك شرطاً آخر لا بد أن يتوفر لتحقيق عمليّة المعرفة، أي لا بد من (عمل الإنسان نفسه)، هذا العمل الذي أكدت تجارب الإنسان العمليّة التاريخيّة، بأن الإنسان من خلاه استطاع أن يطور نفسه.

ثالثاً: دور العمل في تشكل وتطور الوعي البشري:

في سياق عمل الإنسان التاريخي الطويل، جرى تطور كبير ومستمر في أعضائه ووعيه، فأثناء مواجهته الأشياء والظواهر في الطبيعة، وفي مجرى حصوله على وسائل عيشه، تعلم خصائصها وراح يميز ما هو مشترك ومختلف بينها، وفي كل مرة يعمل فيها من أجل تحسين أدوات عمله، كان يرافق هذا التحسين تطور في مهاراته اليدوية وفي وعيه ومراكز إحساسه لاستيعاب عمليات تحسين تلك الأدوات، هذا بالإضافة إلى دور التراكم المعرفي المتوارث من جيل إلى آخر والذي خدم الأجيال اللاحقة على تواصل تحسين هذه الأدوات وتطويرها.

لقد ارتبط وعي الإنسان منذ البدء ارتباطا عضوياً بعمله، إلا أن هذا الوعي أخذ ومع مرور الأيام وفي كل مرة يحصل فيها تطور في هذا الوعي، يستقل شيئاً فشيئاً عن الممارسة المباشرة لحياة الإنسان، ليصبح هو نفس موضوع عمل ومعرفة بذاته. أي إن الإنسان استطاع عبر التطور التاريخي، والتراكم المعرفي الحاصل نتيجة هذا التطور، أن يسعَا لفهم أفكاره ومشاعره ومصالحه ودوافعه وتصرفاته ومكانه ودوره في العمليّة الإنتاجيّة والاجتماعيّة، وهذا السعي أسهم بدوره في تطوير مهاراته العمليّة والفكريّة معاً، هذه المهارات التي تمثلت بأبهى صورها في كل الإنجازات الحضارية المعاصرة.

***

عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

........................

1- غليزيرمان- قوانين التطور الاجتماعي – دار التقدم – موسكو-1983 – ص ص129 وما بعدها.

2- المرجع نفسه.

3- أفاناسييف – أسس المعارف العلمية – دار التقدم موسكو– 1979 ص54 وما بعدها .

4- المرجع نفسه.

لعل الكثير يتفق معي على أنّ من أبرز سمات الوعي من حيث إنجاز الأحكام على الأطروحات الفكرية والأشخاص والمواقف والمفاهيم ونحوها، أمرين: أولهما ندرة اليقينيات وربما عدمها، إذْ تكاد تغيب صيغة الجزم عن صاحب هذا المستوى من الوعي، وبدلا من ذلك تغلب عليه صيغ الاحتمال والظن والميل، وغيرها من المصطلحات التي تترك الباب موارَبًا؛ عَلّ أنْ تظهرَ من الدلائل ما ينقض توجُّهه الراهن. وثانيهما البطء في الانزياح من مُربع الملاحظة إلى مُربع تبنّي الرأي، حتى مع تضافر العديد من القرائن والشواهد؛ ولذلك فإن غالب آرائه عادة ما تكون كتلة من الإجابات المفتوحة والأسئلة المعلّقة، فلا ضَيْر أنه ينتقل ببطء نحو إصدار حكمه، ومع ذلك حتى هذا الحكم يبقى في خانة المحتمل القابل للعدول عنه.

ما يحدث لدى غالبيتنا الساحقة هو العكس تماما، فنحن متخمون جدا من اليقينيات، ومتشبّعون إلى حد مخيف من ذلك غير القابل للمناقشة رأسًا، كما أننا سريعون للغاية حين ننتقل من الملاحظة إلى الاستنتاج؛ ولذلك فتَمثُّلنا ما حولنا مشوَّه لأبعد حد، وأبعد ما يكون عن الموضوعية والاتّزان والرويّة، وتغدو أحكامنا مترهّلة لا تصمد إزاء أول حجة معارضة.

تحدثتُ في مقال سابق لي عن مفهوم (كسل الدماغ) ولا أريد تكراره هنا، ولكن نوجز فحواه في أنه يعني ميل الدماغ إلى اختصار العمليات الذهنية لتوفير استهلاك طاقة الجسم؛ ولذلك فإنه لدينا ميل داخلي للاستعجال في إصدار الأحكام واستسهال اتّباع رأي الأكثرية، عِوَضًا عن إفراغ الوُسع في التفتيش عن الصواب بتأنٍ ودقة؛ لأنه يستهلك منا الكثير من الوقت والجهد، وليس لدى أغلبنا الفُسحة الكافية ولا الأناة اللازمة لذلك.

وما يحدث في الضفة المقابلة هو أنّ هناك زُمرة منّا ترفض أن تكون رهينةً لهذا الميل الدماغي، فتحاول جاهدةً التوقّف مليًا، وإعادة النظر المرة تلو الأخرى، والتفريق بين القرينة والدليل، واعتبار السياق، وغيرها من المتغيرات، قبل إصدار حكم ما.

فمن مآسي الإدراك فينا أن طريقة تَمَثُّل أغلب الناس الآراء ووصولهم للاستنتاجات يمكن اختزالها في معادلة: بما أنه كذا (=قرينة معينة) فهو كذا (=نتيجة يقينية)، ضاربين عُرض الحائط أن مُؤَدَّى القرينة يختلف عن الدليل، وأنّ مستوى النتائج تَبَعٌ لأدلّتها، فالأدلة المحتمَلة لا تُفضي بحال إلى نتائج حتمية! بَلْهَ أنه من العبث تجاهل مبدأ الاحتمال الذي ينسف الوشيجة الرابطة بين وهم الجزم وقرينة ما، فمن رأيناه يركب سيارة فارهة جدا (قرينة) لا يعني بالضرورة أنه رجل باذخ الثراء (نتيجة)، إذْ يُحتَمل أن يكون سائقًا أو مستأجرا أو مستعيرا، إلى غير ذلك من الاحتمالات اللانهائية، أما الجزم المباشر بين قرينة عابرة ونتيجة جازمة فهذا محض سذاجة وقصور نظر وسطحية جوفاء.

وفي قطاع الاستخبارات والتحقيقات الجنائية ثمّة إعْمالٌ دقيق لضبط الميل الدماغي في العلاقة بين الملاحظات الجزئية وبين الاستنتاج العام، إذْ إنه عادة ما تكون إستراتيجية الاستنباط (Deduction) أدق من إستراتيجية الاستقراء (Induction) إذْ إن الأخيرة تنطلق من جمع ملاحظات متفرقة والجمع بينها للوصول إلى استنتاج عام، ومع ذلك يبقى في خانة الاحتمال، وفي المقابل فإنّ إستراتيجية الاستنباط تنطلق من قاعدة عامة ومحاولة اختبار إسقاطها على الحالة الاستخبارية أو الجنائية من خلال المعطيات المتوفرة، أي أن الإستراتيجيتين متعاكستان في اتجاه الانتقال بين الجزئيات والاستنتاج العام، فحين تطبيق إستراتيجية الاستنباط في مسرح جريمة مثلا قد يُصار إلى الاستنتاج بوجود اقتحام عنيف بناءً على القرائن المتوفرة، إلا أنه حين تُطبّق إستراتيجية الإستقراء فإنه واردٌ جدا الوصول إلى استنتاج مفادُه أنّ مسرح الجريمة مفبرك (Staged Crime Scene)، ومن هنا يطلق على المحقق في الإنجليزية (Deductive)!

ومن المناسب الالتفات إليه كذلك في هذا السياق أنّه من الدوافع الإدراكية الأساسية للقفز من الرصد إلى الاستنتاج هو الخلط بين الترابط (Correlation) والسببية (Causation)، فالترابط يعني علاقة تزامنية بين متغيرين دون أن يكون الأول سببا للثاني، كأن تقوم بغسل سيارتك ثم يهطل المطر، ويتكرر معك ذلك، أما السببية بشكل عام فهي تأثير أحد المتغيرين على الآخر، مثل: تناول السكر يؤدي للسمنة، ما يحدث هو أن الكثير من أشكال القفز الطائش للاستنتاجات يكون من قبيل علاقة الترابط باعتبار أنها سببية والحال أنها ليست كذلك، فيكون المسار كالآتي: بما أنه حدث كذا فهو كذا! في خلط صارخ بن الترابط وبين السببية.

إنّ مغبّة هذه الطريقة الإدراكية من اتجاه الانتقال المتسارع والحاسم من القرائن إلى الأحكام، لا تقف عند حدّ الفرد نفسه، بل تتعداه إلى النسيج المجتمعي، فبسبب قفز متهور لإصدار الأحكام يمكن أن تُفَضّ شَرَاكات، وتتفكك علاقات، وتسود عداوات، كل ذلك منشؤه عملية ذهنية شوهاء هوجاء ولَّدها أحدهم ثم تكفَّل مبدأ العدوى الاجتماعية ببقية المهمة! فإذا كان ذلك كذلك، فإن الانتباه الحذر من المساهمة في السماح للقفز السريع للاستنتاجات في تقويض بنية المجتمع، ينِمُّ عن درجة ناضجة من المسؤولية، ودرجة متقدمة من الوعي.

ومع ذلك فإنه من المثالية المتوهَّمة أن نظن أنّه يمكننا بحال الوصول إلى مرحلة تامة من السبْر والاختبار أو الادّعاء بإفراغ الجهد كاملا في تقليب النظر حول حكم شيء معين، فدون ذلك خرط القتاد، وتفنى دونه الأعمار، فما بالك بسيل لا يتوقف مما يدعونا لإصدار حكم عليه، إلا أنه لا غَرْوَ أنّ الأحكام المؤقتة ضرورة لسير الأمور، فنضطرّ اضطرارا إلى اعتبار شحّ القرائن للخروج بنتيجة ما باعتبارها ضرورة لسير الحياة، ولكن في مثل ذلك ينبغي استصحاب أهمية النظر إلى النتائج التي نخرج بها بعدسة الاحتمال لا غير.

وختاما فالمعياران اللذان ذكرتهما في ديباجة هذا المقال، ندرة أو استحالة اليقينيات، وكذلك بطء السيرورة نحو الاستنتاجات، يكشفان لك الكثير عن مستوى وعي الآخرين من حولك؛ ولذا بات من المهم جدا أن تأخذ ذلك بجدية تامة حينما تتعامل مع أصحاب هذا المستوى من الوعي، إذْ إنه لا يمكنك الاتّكال على موضوعية الوعي المتقدم، وتراهن على أن الآخر لن ينتقل من القرينة إلى الاستنتاج في لمح البصر بوصف استنتاجه حقيقة لا يمكن دفعُها!

وتذكر: أن كثيرا من آرائك الناتجة من قفزات سريعة للاستنتاجات، هي في مناطق لا داعي أبدا أن يكون لك رأي فيها أساسا! كما أنني بسردي المستفيض في هذا المقال لا ألغي إطلاقا ما يهمس به حدسنا إلينا! ولكن المعضلة - كل المعضلة - في مهارة مسك العصا من المنتصف!

***

محمـــد سيـــف

لم يعد الزمن في التجربة الإنسانية المعاصرة، ذلك الامتداد المتصل الذي افترضته الفلسفة الكلاسيكية شرطا لإمكان الوعي والتاريخ معا، بل غدا زمنا مكسورا متشظيا، تحكمه إيقاعات متسارعة تُعيد تشكيل علاقتنا بالوجود والمعنى والذاكرة. إن ما نعيشه اليوم لا يمكن اختزاله في مجرد تطور تقني محايد، أو في تسارع عرضي لوسائط التواصل، بل هو تحوّل أنطولوجي عميق في بنية العيش الزمني ذاته، تحوّل يطال صميم التجربة الإنسانية، ويعيد ترتيب علاقتنا بالماضي والحاضر والمستقبل. ففي ظل السرعة الرقمية تتعرض الذاكرة لضغط غير مسبوق، ويتراجع التاريخ من كونه أفقا للفهم والتأويل إلى مجرد مادة للاستهلاك الرمزي السريع، تُستدعى وتُهمَل وفق منطق اللحظة العابرة.

لقد تصوّر أرسطو الزمن بوصفه عدد الحركة بحسب قبل وبعد، أي باعتباره انتظاما نابعا من تتابع الحركة، بينما ربط أوغسطين الزمن بتجربة النفس، حيث لا يوجد الماضي والمستقبل إلا بقدر ما يحضران في الذاكرة والتوقع. ثم جاء كانط ليمنح الزمن مكانته التأسيسية بوصفه صورة قبلية للحدس، شرطا لإمكان كل تجربة ممكنة. وعلى اختلاف هذه التصورات، فإنها تشترك في افتراض بنية متصلة للزمن، تسمح بتراكم الخبرة وتشكّل الذاكرة واستمرارية التاريخ. غير أن منطق السرعة الرقمية يعمل اليوم على تفكيك هذا الاتصال، محوّلا الزمن إلى وحدات آنية متتابعة لا تسمح بالترسّب، ولا تتيح للتجربة أن تستقر بما يكفي لتتحول إلى معنى قابل للاستبطان.

فالسرعة الرقمية لا تعني فقط تسريع تداول المعلومات، بل تمثل نمط وجود جديدا، يفرض على الوعي إيقاعا قسريا يختزل المسافة بين الحدث وتمثله، وبين الوقوع والتأويل. وقد نبّه بول فيريليو في تحليله لما سماه «الدرومولوجيا»، إلى أن السرعة ليست عاملا تقنيا فحسب، بل سلطة جديدة، إذ إن من يمتلك السرعة يمتلك القدرة على إعادة تعريف الواقع نفسه. فالحدث في زمن السرعة لا يُقاس بعمقه ولا بآثاره البعيدة، بل بقدرته على الظهور السريع والانتشار الواسع، واستقطاب الانتباه قبل أن يذوب في سيل لا ينقطع من الأحداث المتلاحقة. وهكذا تتعرض الذاكرة إلى تآكل بنيوي، لأن ما يُستهلك على عجل لا يجد الزمن الضروري ليُحفظ، ولا المسافة الكافية ليُفهم.

ويظهر هذا التحول بوضوح في الانتقال من التذكر بوصفه فعل استعادة وتأمل، إلى التذكير بوصفه وظيفة تقنية آلية. فقد صارت الذاكرة، في كثير من تجلياتها الرقمية، خارجية ومفوَّضة، تُخزَّن في الخوادم، وتُستدعى عبر الخوارزميات، وتُرتَّب وفق معايير النفعية والاهتمام اللحظي. وهو ما يجعلنا أقرب إلى ما ميّز به هنري برغسون بين الذاكرة الخالصة بوصفها خزّانا للزمن المعاش، والذاكرة العادية المرتبطة بالفعل والمنفعة. غير أن الرقمية لا تكتفي بإضعاف الذاكرة الخالصة، بل تعيد برمجة الذاكرة الوظيفية ذاتها، بحيث يغدو الاستدعاء خاضعا لمنطق الترجيح الخوارزمي، لا لحاجة المعنى أو مقتضيات الفهم.

ولا يعود التاريخ مجالا للسردية الكبرى التي تمنح الحاضر جذوره وأفقه، بل يتحول إلى أرشيف مفتوح، قابل للتجزئة وإعادة التركيب، وفق طلب السوق الرمزي ومنطق التداول السريع. وقد كان والتر بنيامين قد حذّر من «التاريخانية» التي ترى التاريخ تتابعا خطيا للأحداث، داعيا إلى إنقاذ لحظات الماضي المقموع من النسيان. غير أن المفارقة المعاصرة تكمن في أن الماضي صار متاحا بكثافة غير مسبوقة، ومع ذلك يتراجع حضوره الفعّال في الوعي. فوفرة الأرشفة لا تعني كثافة الفهم، بل قد تفضي إلى تخمة معرفية تُفقد الذاكرة قدرتها على الاختيار والتمييز.

إن الزمن المكسور الذي تخلقه السرعة الرقمية يُنتج حاضرا متضخما، حاضرا يلتهم الماضي ويؤجّل المستقبل. وقد وصف فرانسوا هارتوغ هذا الوضع بمفهوم «النظام الحاضري»، حيث يغدو الحاضر المرجعية الوحيدة، ويُعاد تأويل الماضي بما يخدم احتياجات اللحظة، بينما يُختزل المستقبل إلى توقعات قصيرة الأمد. وفي ظل هذا النظام، تفقد الذاكرة طابعها البنائي، أي قدرتها على الربط بين الأزمنة، وتتحول إلى مستودع صور ومقاطع وأحداث منفصلة، لا يجمعها خيط سردي متماسك.

ولا يمكن فهم هذا التحول دون الالتفات إلى الاقتصاد السياسي للسرعة الرقمية. فالرأسمالية المعاصرة، وقد انتقلت إلى طورها المعرفي والرقمي، باتت تستخرج القيمة من الانتباه والزمن الذهني بقدر ما تستخرجها من العمل المادي. وهنا تغدو الذاكرة عائقا محتملا لأن التذكر يبطئ الإيقاع، ويفتح مجالا للمساءلة والنقد. لذلك يُعاد تشكيل علاقتنا بالماضي على نحو يجعل النسيان وظيفة بنيوية لا مجرد قصور فردي. وقد أشار هربرت ماركيوز إلى أن السيطرة الحديثة لا تمارس بالقمع المباشر، بل بإنتاج حاجات وأنماط وعي تُفرغ النقد من محتواه، بحيث يمكننا  أن نقول إن السرعة الرقمية تُتمّ هذا المسار عبر تحويل الزمن ذاته إلى مورد قابل للاستنزاف.

تتعرض الذات لانقسام زمني حاد، إذ تُطالَب بالحضور الدائم والاستجابة الفورية، وإعادة تشكيل نفسها وفق تدفقات متغيرة من الخطابات والصور. فالهوية التي كانت تُبنى تاريخيا عبر تراكم السرديات الشخصية والجماعية، تصير هوية سائلة، على حد تعبير زيغمونت باومان، قابلة للتعديل السريع، ومشدودة إلى راهن لا يستقر. وهكذا تغدو الذاكرة عبئا على الذات، لأنها تذكّرها باستمرارية لم يعد لها موطئ قدم في عالم يفضّل المرونة على الرسوخ.

ويمتد هذا التفكك الزمني ليصيب البنية الأخلاقية للوعي التاريخي. فحين يغدو الماضي مادة قابلة للاستحضار الانتقائي، لا بوصفه تجربة مؤسسة بل بوصفه مخزونا رمزيا جاهزا للتوظيف، تفقد الذاكرة بعدها القيمي، وتتحول من مجال للمساءلة إلى أداة للتبرير أو الزينة الخطابية. وقد أشار نيتشه إلى أن الإفراط في التاريخ قد يثقل الحاضر، غير أن ما نعيشه اليوم هو تفريغ التاريخ من قوته النقدية، لا امتلاؤه بها. فالذاكرة الرقمية على كثافتها لا تمنحنا حكمة التاريخ، لأنها تُغرق الوعي في وفرة لا تسمح بالترسّب.

وينتج عن ذلك ما يمكن تسميته بأخلاق النسيان السريع، حيث تتوالى الأحداث الجسيمة دون أن تترك أثرا يتناسب مع فداحتها. فالكوارث والحروب ما إن تبلغ ذروة التداول، حتى تُزاحمها أحداث أخرى، فتغدو جزءا من أرشيف متراكم لا يستدعي الوقوف أو الحداد أو التفكير الطويل. وقد لاحظت سوزان سونتاغ أن تكرار عرض صور الألم قد يؤدي إلى بلادة الحس الأخلاقي بدل تعميقه، وفي زمن السرعة الرقمية تتكثف هذه البلادة، لأن الصورة لا تُمنح الزمن الضروري لتتحول إلى تجربة داخلية.

ويتغير تبعا لذلك معنى الشهادة التاريخية. فالشاهد الذي كان يحمل عبء الذاكرة بوصفها أمانة، يتحول إلى منتج محتوى، يخضع لمنطق المنصات، حيث القيمة تُقاس بعدد المشاهدات لا بعمق الدلالة. وهنا تتقاطع السرعة الرقمية مع ما وصفه غي ديبور بمجتمع الفرجة، غير أن الفرجة الرقمية تُسرَّع إلى حد تلاشيها، لأن ما يُعرض اليوم يُنسى غدا.

كما يشهد مفهوم الأرشيف تحولا جذريا. فالأرشيف الرقمي بسيولته ولامركزيته، يخضع لمنطق الخوارزميات التي تقرر ما يظهر وما يُخفى. وقد نبّه جاك دريدا إلى أن كل أرشفة تنطوي على سلطة، غير أن السلطة اليوم لم تعد مؤسسية فقط، بل تقنية أيضا، وهو ما يجعل التاريخ نفسه خاضعا لمنطق الترجيح لا لمنطق الحقيقة.

ويطرح هذا الوضع إشكال الحقيقة التاريخية، إذ تتجاور الوقائع مع التأويلات والدعايات، ويضيق الزمن المتاح للتحقق والتفكير. وقد حذّرت حنّة آرنت من أن أخطر أشكال الكذب هو خلق واقع بديل متماسك ظاهريا، وهو ما يجد في السرعة الرقمية بيئة مثالية للانتشار.

ولا يقف الخطر عند تشويه الماضي، بل يمتد إلى تقويض أفق المستقبل. فحين يفقد التاريخ عمقه، يفقد المستقبل معناه، ويتحول إلى امتداد تقني للحاضر. وقد ربط إرنست بلوخ الأمل بالزمن المستقبلي بوصفه أفقا لم يتحقق بعد، غير أن السرعة الرقمية تُفرغ الانتظار من معناه، لأنها توهم بالإشباع الفوري.

وهكذا نواجه مفارقة عميقة: فالتقنيات التي وُعدت بتحرير الإنسان من قيود الزمن أسهمت في إنتاج شكل جديد من العبودية الزمنية. وقد وصف هارتموت روزا هذا الوضع بالتسارع الاجتماعي، حيث لا يؤدي التسارع إلى توفير الوقت، بل إلى شعور دائم بندرته.

ويترتب عن ذلك تراجع القدرة على السرد الذاتي. فالسيرة الشخصية تتشظى إلى لحظات موثقة، دون أن تنتظم في قصة ذات معنى. وقد بيّن بول ريكور أن الهوية السردية شرط لإمكان القول بـ«أنا» عبر الزمن، غير أن السرعة الرقمية تُضعف هذا الشرط.

ومع ذلك، لا يخلو هذا المشهد من إمكانات مقاومة. فالسرعة الرقمية بقدر ما تفكك الذاكرة، يمكن أن تفتح إمكانات جديدة لإعادة تركيبها، شرط إدراجها في أفق نقدي يعيد الاعتبار للبطء والمسافة والتأمل. وهنا تستعيد الفلسفة دورها بوصفها تفكيرا في شروط الزمن، لا خطابا خارج التاريخ.

وواضح أن الزمن المكسور ليس مجرد نتيجة عرضية للتقدم التقني، بل تعبير عن أزمة أعمق في علاقتنا بالمعنى. فالذاكرة حين تُختزل إلى وظيفة تقنية، تفقد بعدها الإنساني، والتاريخ حين يُحوَّل إلى محتوى سريع التداول، يفقد قدرته على الإضاءة. ويبقى الرهان مفتوحا على إمكان إعادة وصل ما انكسر، لا بالعودة إلى زمن ماضٍ، بل بابتكار أشكال جديدة من العيش الزمني، تجعل من البطء فضيلة، ومن التذكر فعل مقاومة، ومن التاريخ أفقا للفهم لا مجرد مستودع للصور.

وإذا كان هذا التشخيص يكشف عمق الأزمة التي يعيشها الزمن الإنساني في أفق السرعة الرقمية، فإنه لا ينبغي أن نكتفي بوصف الانكسار، بل أن نفتح أفقا للتفكير في إمكانات تجاوزه. فالفلسفة منذ نشأتها لم تكن مجرد مرآة تعكس ما هو كائن، بل ممارسة نقدية تسائل شروط إمكانه وحدوده. ومن هذا المنطلق، فإن التفكير في الزمن المكسور ليس ترفا نظريا، بل ضرورة وجودية، لأن الطريقة التي نعيش بها الزمن تحدد في العمق، الطريقة التي نكون بها بشرا.

إن استعادة المعنى لا تمرّ عبر إنكار السرعة أو رفض التقنية، بل عبر إعادة إدراجها ضمن أفق إنساني أوسع، يعترف بأن ليس كل تسريع تقدما، ولا كل إبطاء نكوصا. فالزمن كما تُظهر التجربة التاريخية والفلسفية، ليس مجرد وعاء محايد للأحداث، بل هو شرط لتكوّن الوعي وتشكّل المسؤولية ونشوء القيم. وحين يُختزل الزمن إلى مورد يُستنزف، أو إلى سلسلة من اللحظات المنفصلة، يفقد الإنسان قدرته على بناء علاقة أخلاقية مع ماضيه ومع غيره ومع ذاته.

ويكتسي مفهوم البطء دلالة جديدة، لا بوصفه نقيضا تقنيا للسرعة، بل بوصفه موقفا نقديا من العالم. فالانتباه البطيء والتذكر المتأني والقراءة العميقة ليست مجرد ممارسات ثقافية، بل أشكال مقاومة رمزية لمنطق الاستهلاك الزمني. إنها محاولات لاستعادة المسافة الضرورية بين الحدث وتأويله، والصورة وتجربتها، وبين المعلومة ومعناها. حيث يغدو البطء شرطا للفهم، لا عائقا أمامه.

كما أن إعادة الاعتبار للتاريخ لا تعني العودة إلى سرديات كبرى مغلقة، بل تعني استعادة البعد التأويلي للتجربة الماضية. فالتاريخ حين يُفهم بوصفه حوارا مفتوحا بين الأزمنة، يسمح للحاضر بأن يرى حدوده، وللمستقبل بأن يظل أفقا لا مشروعا تقنيا محضا. وهنا تبرز أهمية الذاكرة بوصفها فعل اختيار ومسؤولية، لا مجرد تخزين واستدعاء. فالذاكرة الإنسانية بخلاف الذاكرة الآلية، تقوم على النسيان بقدر ما تقوم على التذكر، لكن نسيانها ليس محوا بل ترتيبا للمعنى.

وتظل التربية بمعناها الواسع، مجالا حاسما لإعادة بناء علاقتنا بالزمن. فتعليم التفكير التاريخي وتنمية الحس النقدي تجاه الصور والمعلومات وتعويد الأجيال على الصبر المعرفي، كلها شروط ضرورية لمواجهة آثار التسارع الرقمي. فالمعركة ليست ضد التقنية، بل ضد اختزال الإنسان في مستهلك زمني، وضد تحويل الوعي إلى سطح قابل للاختراق الدائم.

الزمن المكسور ليس واقعا طبيعيا لا فكاك منه، بل نتاج اختيارات حضارية وثقافية قابلة للمساءلة. وإعادة وصل ما انكسر تقتضي شجاعة فكرية للاعتراف بأن التقدم التقني حين ينفصل عن المعنى، يتحول إلى قوة إفقار للخبرة الإنسانية. لذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في استعادة زمن ماضٍ، ولا في الارتماء الكامل في زمن آلي قادم، بل في ابتكار أشكال جديدة من العيش الزمني، تسمح للإنسان بأن يسكن زمنه بدل أن يُسحق داخله.

إن مقاومة انكسار الزمن تبدأ من استعادة الحق في التأمل وفي السرد وفي الذاكرة الحيّة. فحيثما وُجد زمن يُفهم ويُروى ويُفكَّر فيه، يمكن للمعنى أن يستعيد أنفاسه، وللتاريخ أن يعود أفقا للفهم، لا مجرد صدى باهت في ضجيج السرعة الرقمية.

***

د. حمزة مولخنيف

ظل خطاب إصلاح المنظومة التربوية في المغرب منذ الاستقلال وإلى الآن، هو الخطاب الأكثر تداولا في دهاليز السلطة وصالونات النخبة السياسية والثقافية والاقتصادية، ومنتديات نساء ورجال التعليم، وفضاءات الطبقات الشعبية.

إن قضية إصلاح التعليم من أبرز القضايا التي أقيمت لها عشرات اللجان الخاصة والمؤتمرات والندوات والملتقيات...، وسطرت لها العديد من المشاريع والمخططات، وصرفت من أجلها ملايين الدراهم، حتى اعتبرت من الأولويات الاستراتيجية للدولة بعد الوحدة الترابية.

ورغم كل هذا، بقي وضع هذا التعليم سيئا كما كان، بل ويزداد سوءا سنة بعد سنة وبعد كل مشروع إصلاح، ينتج البطالة والعطالة كما هو ظاهر للعيان، ولا يلبي حاجات الدولة من الأطر التقنية المتخصصة كما تدعي الجهات الرسمية، ولا يجيب على الأسئلة الحارقة لتنمية أصبحت تقوم على اقتصاد المعرفة أكثر من أي نوع آخر، ولا يلبي طموحات الشعب في النجاح وتحسين الوضع المادي والترقي الاجتماعي كما كان وكما هو منتظر.

وعليه نتساءل كما يتساءل كثير من الباحثين وصناع الرأي والفكر والسياسة في بلادنا:

هل إصلاح التعليم في المغرب مشروع استراتيجي للدولة، نابع من قناعة واعية ورغبة صادقة في تطوير المنظومة التربوية باعتبارها رافعة للتنمية والتقدم؟ أم أن المخططات والمشاريع الممتالية والموصوفة ب ”الإصلاحية” مجرد تكتيكات تسعى إلى ربح الوقت وخلط الأوراق وتعميق الأزمة وتعميم الفشل وإفقاد الثقة في كل مكونات المنظومة، للإبقاء على الوضع كما هو ضبابيا ومهلهلا، تلبية لرغبة جهات داخلية وخارجية تستفيد من هذا الفشل التعليمي والتربوي؟.

إن معظم المعطيات والتقديرات والتحليلات والـتأويلات تذهب إلى أن الدولة ونخبها الحاكمة، لا تريد إصلاحا حقيقيا لمنظومة التربية والتعليم رغم إدراكها العميق لنقط ضعفها وأسباب فشلها، وهو الأمر الذي يبدو واضحا في تقرير الخمسينية، وتقارير المجلس الأعلى للتعليم وخاصة تقرير 2008، وكثير من التقييمات التي خضع قطاع التعليم ... وذلك لاعتبارات كثيرة نذكر الواضح والصريح منها:

1- التغيير المستمر وغير المفهوم لوزراء التعليم ببلادنا، حيث وصل عدد وزراء التعليم منذ الاستقلال (1956م) إلى الآن حوالي 34 وزيرا بمعدل وزير كل 22 شهرا، وهذا دليل واضح على غياب الإرادة السياسية الحقيقية في الإصلاح. فهل يعقل أن يتم إصلاح قطاع التعليم أو أي قطاع آخر بمثل هذه التغييرات المستمرة والمفاجئة في كثير من الأحيان لوزرائها؟.

2- تعدد مشاريع الإصلاح وتنوعها؛ حيث وصلت منذ الاستقلال حتى اليوم أزيد من 14 مشروعا توزعت بين مخططات ومناظرات ولجان ملكية... .

3- التسرع في تنزيل سياسة التعريب رغم عدم توفر شروط نجاحها، مما عجل بفشلها أو بالأحرى إفشالها ليتم التراجع عنها سريعا، ويستقر الأمر على تعريب التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي والإبقاء على التعليم العالي مفرنسا في الشعب العلمية والتقنية، وهو ما خلق حالة ثنائية في لغة التدريس لا مثيل لها في كل التجارب الدولية في التعليم في العالم، فكانت النتيجة المباشرة هي مغادرة عدد كبير من التلاميذ والطلبة لقاعات ومدرجات الدراسة بالمدارس والجامعات دون الحصول على أي شهادة.

4- ازدواجية السياسة اللغوية والتعليمية في مسالة اللغة، بين لغات وطنية رسمية (العربية والأمازيغية) مهمشة في كل مناحي الحياة الاقتصادية والتعليمية والإعلامية والبحث العلمي وفي الفضاءات العامة والخاصة، ولغة أجنبية (الفرنسية) تحظى بالأولوية في كل القطاعات والمجالات الحيوية.

5- الخلط المتعمد بين لغات التدريس وتدريس اللغات، وبين لغة الهوية ولغات الانفتاح، وتجاهل أن لغات الوطن أيا كانت درجة ضعفها، هي اللغات التي يجب أن تكون لغات التدريس في كل التخصصات بما فيها العلمية والتقنية، بينما اللغات الأجنبية أيا كانت درجة تطورها وتفوقها هي لغات للانفتاح على العلوم والمعارف والثقافات الأخرى. وهناك دول لا تصل لغتها إلى مستوى اللغة العربية من حيث حمولتها الحضارية وعدد الناطقين بها كالسويدية والهولندية والبولونية ومع ذلك نجد السويدي والبولوني والهولندي يعلم ويتعلم بلغته، ويعتز ويتشبث بها، وفي نفس الوقت يتعلم اللغات الأجنبية الأخرى التي تساعده على الانفتاح.

6- غياب تخطيط لغوي يحدد وظائف اللغات وأدوارها في ظل تعدد لغوي غير حقيقي رغم واقعيته، لأنه من مخلفات السياسة الاستعمارية.

7- سن نظام العمل بالعقدة وما شابه ذلك في مجال التدريس رغم غياب شروط ضمان الحريات والحقوق، مما يهدد الأمن الوظيفي والاستقرار النفسي والاجتماعي للمدرسين، وينعكس سلبا على مردوديتهم وفاعليتهم التربوية والتعليمية.

كل هذه العناصر وغيرها، تدل بوضوح تام على غياب الإرادة السياسية لدى الدولة ونخبها الحاكمة في إصلاح قطاع حيوي لا بديل عنه في أي نهوض حضاري أو تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية ممكنة.

إن هذا الفشل المزمن الذي تعاني منه منظومة التربية والتعليم في بلادنا له مظاهر متعددة، من بينها:

1- احتلال المغرب للمراتب المتأخرة في التصنيفات الدولية والعربية لجودة النظام التعليمي وجودة مؤسسات البحث العلمي.

2- الضعف المهول في البنية التحتية لدى كثير من المؤسسات التعليمية وخاصة في المجال القروي وشبه القروي يصل إلى حد غياب الفصول الدراسية ووسائل العمل وأسوار المؤسسات التعليمية والمرافق الصحية.

3- انتشار ظاهرة الاكتظاظ في التعليم العالي والتعليم الثانوي والإعدادي، والأقسام المشتركة في التعليم الابتدائي رغم المجهودات التي بذلتها الدولة في السنوات الأخيرة.

4- ضعف ميزانية البحث العلمي؛ حيث لا تتعدى % 0.8 من الناتج الداخلي الخام، في حين تصل مثلا إلى: % 4 في كوريا، و% 4.7 في إسرائيل، و3 % في تركيا... .

5- ضعف أو غياب توظيف التكنولوجيات الحديثة في التدريس بسبب غياب البنيات التحتية من كهرباء وأنترنت في كثير من المؤسسات التعليمية، رغم الشعارات التي ترفعها الوزاراة الوصية على القطاع منذ سنوات.

إن هذه الأمور وأخرى، أبقت المنظومة التعليمية التي كانت على مدى التاريخ محركا للنهضات الحضارية والثورات العلمية والفكرية والثقافية والاجتماعية، غارقة في فشلها وتخلفها، مكرسة للتبعية اللغوية والثقافية والاقتصادية... كمظهر بارز للتخلف الحضاري الذي تعيشه الأمة بشكل عام وبلادنا بشكل خاص.

***

د. بوجمعة وعلي - أستاذ محاضر مؤهل

المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بني ملال خنيفرة/ المغرب

على سبيل التقديم: تنعتق اللغة من قواعد كهنتها وسدنتها، ومن حرّاس الأبواب العالية، لتلج ببساطتها وعفويتها عمق الجرح الإنساني وهي تحتفظ بسعتها وسلاستها البليغة والعميقة، وقوتها النّافذة، وتعبيراتها الرّصينة، وتلتقط من الخبايا ما ووريَّ عن البال والنّظر، لتبني مدناً من الألم والهامش والنسيان. تنعتق اللغة، إذن، لتُعاش بين الفاصلة والفاصلة، بين الدّلالة والغموض، بين الصّوت والمعنى، لتتكشّف حياة منسية بين دروب الإنسانية المقهورة أو التي مَرَدَتْ على القهر والإقصاء، لتُعيد رسم خرائط الوجع الإنساني، ولتُرصِّص حروف الألم في محاولة لصناعة الأمل الهارب بين المُقل والأيادي والأمنيات.

نسرّجُ صهْوَة اللغة العامرة بالأحاسيس، العابرة للأفكار والأصوات والإشارات، المسكونة بأسرار القول والمعاني، نركب صهوتها، ونُحسُّ، رهافتها وقوتها، نُروّض الإشارات والتّلميحات، نُشكِّلُ خباياها بلهجةٍ شديدة كوصايا الآباء، لكنّها صادقة كبَلَجِ الصُّبْح، نغوص في الذّات الإنسانية، نُساءلُ «الإنسان لا بما هو كائنُهُ، وإنّما ما يجب أن يكونه، أي تحديد الإنسان لا من حيث هو «واقع» حاصل، وإنّما حيث هو «أفق» ، «فالإنسانية أفق، والإنسان متحرّك إلى أفقه بالطّبع، ودائر على مركزه» ، إلاّ أن يكون ذا خُلقٍ مُنْكَر، «كشيء على مسلاخ إنسان ».

إشارات وتلميحات..

فتحتُ للإشارات جرحا صعبٌ اِلْتِئامُه، يزداد اتّساعا كلّما اتّسع الوقت، حملتُ اللغة مبضعاً، أشذِّبُ، أزيل، أقطع، وتصرخ من الألم الإشارات، قلتُ كما قالت الحكمة قديما: «للتّعافي ثمن، ومن يريد خياطة الجرح عليه تحمّل وخز الإبر»، اتَّسَع على الرّاتق الجرح، حتىّ فاض على جوانبه الشقاء والانكسار والخيبة.

ليست صوراً ساخرة، إنما هي بحثٌ في الحال علَّ المآل ينصلح، إنها ضوءٌ نسلّطه على زمن دائخ بين القيل والقال، وكثرة الأسئلة الفارغة من معناها، هي أيضا تلميحات وإشارات ضوئية تنفتح على معيوش النّاس البسطاء والمهمشين الذين استسلموا طوْعاً للقدر واستكانوا إلى الواقع البئيس حين هربوا إلى الكلام غير المباح يأكلون به أوقاتهم، وقد بَنَوْا سدّاً يحول بينهم وبين إنسانيتهم واكتمال وجودهم.

قد تأخذ هذه الصّور بعداً تراجيديا تتحرّك داخله شخوص يعيشون بيننا، وقد نكون نحن أنفسنا، فالإنسان هنا، موضوعٌ، لا كلام عابر، خصوصا حين وقفتُ عند قولة العالم الصّوفي يحيى بن معاذ «إنّي وجدتُ أمر الإنسان أمراً عجيباً»، في شقائه، كأنّه يدفع صخرة إلى شاهق عنيدٍ شاقّ، وهو يعرف أنّ الصّخرة، عاجلا أم آجلا، ستسقط عليه لتهشّم رأسه، وترديه قتيلا، في صبره على الذُلّ، كأنه يجلد ذاته إن هي حنّت للانعتاق، فيرتاح حين يعيش بين الأرجل والحفر، وفي ابتساماته البليدة، كأنّه ارتاح للسّقوط، وارتاح حين تنازل عن المعنى، وعن الحق، الحقّ في المواجهة، الحق في التّغيير والحقّ في قول «لا»، وحين سقط فقد قبِل الاستكانة والإقصاء ووجد لهما مبرّرات، فتعايش معهما كقدر ملازم لا مفرّ منه، لكنه مُصِرٌّ أن يسير في صراعه مع القهر والشقاء والتهميش والإقصاء، يقاوم، بمفهومه هو، يعتاش على اليأس حيث أصبح حاله البائس قدراً مقبولا، يُحقّر ذاته وينظر إليها كأنّها لم تعد ذات نفعٍ،  فتمسّك بالصبر، وسكن إلى الاستسلام والخنوع، وثوى سراديب المعاناة والعزلة، ونسي ترميم ذاته المشروخة قبل أن يحمل الصّخرة على كتفيه ويستسلم لها صعودا وهبوطاً دون هدف.

كثيرون منّا، وهم المعنيون بهذه الإشارات، جالسون على هامش الزمن، يمر بطيئا من تحتهم ومن حولهم، يفتلون حبل الأيام البليدة، يسُبّون الزمن، لا شيء يتحرّك فيهم سوى ألسنتهم، ولا ينشغلون بالحياة ولا بتفاصيلها، ولا يشاركون في إعطاء معنى لوجودهم، لم يكن القطار السريع هو ما فاتهم، بل المحطّة والطريق معا، قد خسروا السباق مبكّراً، لم يفقدوا إنسانيتهم فقط، ولم يفقد الواحد منهم، «إرادته فقط، بل كيانه ذاته بكل ما فيه من حيوية ونزوع إلى الانطلاق والإمساك بزمام المصير، [هذا الحصار] هو الذي يعاق ويُقهر بل يُهدر. إنه يدفع بالإنسان إلى النّكوص إلى مستوى حاجات السلامة والمعاش، والجري وراء توفيرها والحفاظ عليها، ولا يعود معها سيد ذاته، ولا هو سيد في وطنه. حتى مواطنيته ذاتها تتحول في الكثير من الأحيان إلى نوع من المنّة التي يُمَنُّ بها عليه، مادام يستكين إلى البقاء في القمقم» .

هؤلاء المنسيون المهمّشون الهَضَرَةُ يضيعون وسط الزّحام والتيه، لا يعرفون كيف يسكنون أوقاتهم حين انسحب المعنى من حياتهم ووجودهم، تحاصرهم العطالة والإقصاء وانسداد الأفق، وغياب السؤال المشرع على الوجود، الهاربون إلى الوراء للاختفاء والخنوع وتقَبُّلِ الأمر والحال.

تراهم داخل المقاهي الهامشية الرّابضة خارج الأحياء، العامرة بالصراخ، والنكت والضحكات، والأدخنة الكثيرة، والأغاني الركيكة، والمُزاح والسُّعال، والقيل والقال، ناسٌ يأكلهم الفراغ، يلوكون أمنياتهم وأحلامهم التي اعتاصت عن التّحقّق، اختلّت وجهاتهم، تشابكت طرقهم، لم تعد لهم وجهة إلاّ الجلوس لساعات عالقين بين الكراسي المهترئة وكؤوس الشاي الرخيص والبارد، يتفرّجون على وقتهم يمرُّ ثقيلا كسولاً، متكدّسين كأشياء منسية في زوايا منسية، ضاق بهم العالم واتّسعت لهم المقاهي، وجوههم يأكلها الغياب رغم ثرثراتهم، كأنّهم يساقون إلى مشانق وهمية تسحب أعمارهم ببطء شديد إلى الضّياع، يراقبون وقتهم يتآكل، أحلامهم ليس كأحلام النّاس، طموحهم انحصر في مخدّر رخيص أو سيجارة أو عقبها، أو كأس شاي بارد بلا طعْم، لا معنى للُغَتهم التي تحاصر ما تبقّى من إحساسهم بالوجود وإنسانيتهم. في لجج هذا الحضور/الغياب، يعيشون بلا توقّف داخل دوامة تُعطّلُ أحاسيسهم وتُفقدهم سر المواجهة، وتسكنهم خانات الصّمت والاستكانة والرضى بالواقع.

وآخرون ينشرون أجسادهم في الشمس، عيونهم جاحظة في رقعة مقسمة إلى مربعات صغيرة «ضاما» ، يراقصون بين أصابعهم، هبوطا وصعودا، يمينا ويساراً، بيادق مختلفة الألوان والأشكال، في بحثٍ عن انتصار، رغم أنهم هم الخاسرون في كل الجولات. يحرّكون القطع بتركيز كبير، كأنّهم يستعيدون أوهاماً أمنياتٍ خاطوها على مقاسهم في انتظار ربحٍ تافه، كأس شاي أو قنينة مشروب أو تفكُّهٍ على خاسر. يتقاذفون كلاما لا معنى له، مستهلَكٌ ومكرور، كلامٌ فارغٌ من المعنى لقتل الوقت والذات والسؤال، كلامٌ كأنه الستار الحاجبُ لخيباتهم وسقوطهم وهزيمتهم.

يحرّكون البيادق ويبعثرون الكلام، ويبنون أحلاما من قشّ سريعا ما تتهاوى عند أرجلهم، يخطّطون وهم ينقلون البيادق من مربع إلى آخر، وحياتهم عن التّخطيط بعيدة لا تستجيب، كأنّ الأرض التي اقتعدوها تشدّهم إليها شدّاً لا انفكاك لهم منها.

وآخرون، قريباً منهم، اقتعدوا الأرض، يتقاذفون أوراقا بأرقام مختلفة، يروّضونها، يقرأون أوراقهم ويحسبون أوراق منافسيهم، يتهامسون، ويتنابزون بالألقاب، في انتظار انتصار يتكلل بأس شاي أو قنينة مشروب غازي بالمجّان، أناسٌ مضحكون ذوو عاهات مؤسفة، اكتسبوها من كثرة جلوسهم على الأحجار أو الكراسي المهترئة. وآخرون يراقبونهم يتابعون بعيونٍ تَعِبَة مسار الأوراق، يعجبهم التّكوّم في جلابيبهم الصوفية، يفركون خصياتهم، ينتظرون متّكئين على الحيطان التي رسمت ظلّهم وحفرت وجودهم، يربّون في الانتظار الطويل واليومي، الأوهام والأحلام والأمنيات، وجوههم تتشابه، يتناسلون العادات السيئة، والمعاناة البائسة والأحلام السوداء، توقّف عندهم الزمن، لا يحدث شيء، يدور الوقت بينهم بطيئا، ينتظرون  من السماء، معجزة تنقذهم مما هم فيه، لعلّ «سيدنا قْدَرْ» ، كما يتوهّمون، ينزل يوما، ويحقق لهم الأمنيات ويأخذ بيدهم نحو تغيير حالهم، يحمل في جرابه كل الأمنيات. على أحر من الجمر، ينتظرون انفلاق قبة السماء وخروج الملاك مبتسما بوجه عامر بالحب، يُنير ظلمة ليلهم. يطول بهم العشق وهم ينتظرون الإشارة، ويطول الانتظار، فتضيق بهم الأمنيات، تتعب الأجساد، وتنامون على أمنيات تعلقت بين السماء والأرض، في انتظار أن يُحقّقها «سيدنا قدر».

كأنهم سجناء، يبْرون، في نوادي عطالتهم، ألسنتهم بالنّميمة والبهتان لتشحيم الكلام اللئيم الجارح حين يخوضون في الأعراض، مشدودون بشيء غير بادٍ للعيان، يدورون يلجمهم الكلام كبغال مربوطة إلى ناعورة، يدورون ويدورون حتى التّعفّن أو الموت أو الانتحار.

يلبسون أقنعة تُخفي سَوْءاتهم عن النّاس، يتشابهون حين يتقاسمون الهواء والمكان والزمان، والكلام المباح وغير المباح، يتكلّمون بهمّة، بجنون، بتشفٍّ يسابقون السّراب، يترصّدون بآذانهم، في خضم الكلام، أخباراً يزيدون فيها ويملأونها بالتّشهير والقذف لتكون أقرب للصدق، كل شيء من حولهم تغيّر، البلاد والعباد، حتى الهواء تغير، والعالم من حولهم اختطّ له نمطا من الحياة مُمِلاًّ حين رآهم لا يسعون إلى تغيير ما بأنفسهم، فمضى وتركهم يلوكون نفس الأسئلة، عن الله والعطالة، عن الألم والموت، عن الحال والمآل، نفس الأحلام، نفس الأمنيات التي لن تتحقّق.

انتهت صلاحيتهم..

تلك بعض الإشارات والتلميحات لأناس فاض بهم الزمن، وفاض عن وقتهم الوقت، حكموا على أنفسهم بالتهميش والإقصاء، إذ «كيف يرقى من يذوب بين الأحذية، يُعفر وجهه التراب، ينظر إلى السماء فيتيه في عليائها، لا ينال غير انكسار وانحسار النظر، وينظر عند قدميه فيرى التراب يشده إلى الأرض شدا. تنأى به المسافات وتتشعّب الطرقات والمسارب والمنعرجات، وتتلوى عند قدميه الخائرتين المنعطفات والمسالك، وتضيع منه البوصلة، وتتلاشى الاتجاهات سرابا فيتيهُ دائخاً ويقف حيث هو، لا يدري أين الاتجاه. خيبات وانكسارات، يعيشها داخل سجن محكم الإغلاق اسمه الجسد، [والمقهى، وجنبات الطرق] ميّتٌ يتنفس فقط، نفْس طالع وآخر نازل، ولا حياة، لا صرخ، لا مقاومة، لا تمرد، يبحث عن الظل تحت حائط شديد الارتفاع، يعيش وجع الاغتراب داخل سجونه. استحلى التراب والتمرغ فيه والحياة بين الأحذية. يحاول جهده بلوغ المدى وهو منه على مرمى كرامة، أو وقوف أو مواجهة أو رفض. كبقّة يلتصق بالتهميش والإقصاء، لا يُجيد إلا الحك والهرس الضحك البليد، يبحث عن كلمات للمضغ اليومي يجترها، يُعيدها، نفسها، بصياغات مختلفة، ركيكة، مكرورة، ممجوجة، ارتضى الذل فأصابه العَطَل حتى أصبح غير صالح للحياة، على ملامح وجهه الكئيب تكاد تقرأ بخط عريض واضح فاضح: "انتهت صلاحيته" ».

يتسلَّلُ بين أعمارهم العمر، يمرّ بلا أثر، ينتظرون لا شيء، فُرص لن تأتي، يحلمون، يشتكون، يلهون، ينسحبون في صمت ولا مبالاة، أفرغوا ذواتهم من المعنى، لا أفق، يغيب صوتهم، حياتهم صورٌ عابرة تموج عند أطراف الحياة، بلا ضمان، بلا إنسانية، يضيق بهم القوس، يزحمهم، يحاصرهم الصمت والتقاعس والاتِّكال، وقتهم انتظار، أحلامهم وأمنياتهم انتظار، يتآكلون من الدّاخل، يفقدون علاقتهم بأنفسهم، يبتعدون إلى الوراء، في غير انشغالٍ بالحال والمآل.

***

عبد الهادي عبد المطّلب

الدار البيضاء - المغرب

دائما ما ‏اتمسك باللحظة بشراسة واقبض على كل تفصيلة بها واوثقها.. لا اجمل من ان تكون رهن اعتقالها . تؤبدها وتحتفل بعدد الثواني بها ولا تركنها لأمنية مؤجلة في ذمة المجهول ومزاجية الزمان.. استقر في اللحظة واحتفل بمكاتفتها دون ارتباطات بائسة بالقادم والآتي وبعد الآتي.

دائما ما اكتب عن اللحظه.. اللحظة الحاضرة هي ما تملك.. اللحظه رغم أنها عابرة ووهمية وسرابية لكنها اليقين الوحيد الذي أملكه على أطلال هذا العالم الخرب.

للا اؤمن باسطورة اللحظة المناسبة كأنها موعد سماوي بينما الحقيقة ان اللحظة الوحيدة الممكنة هي الان.  وان الرغبة التي لا تختبر تتحول مع الزمن الى ندم صامت.

لم نوجد في هذا العالم لامتلاك الاشياء بل لاختبار المعنى. الاشياء تكدس. تستبدل. تنسى، اما التجارب فتنقش نفسها في الوعي فتهذب الروح وتعيد تعريفنا لانفسنا.

المال ضرورة نعم لكنه وسيلة لا غاية. اداة لعبور الحياة لا لاحتجازها وحين نربط سعادتنا بما نكسبه نحول اعمارنا الى جداول حسابية باردة وننسى ان القلب لا يفهم لغة الأرقام. كم من بشر عاشوا عمرهم وهم يستعدون للحياة ولم يعيشوها قط. ادخروا الفرح ليوم التقاعد واجلوا الاحلام الى زمن افتراضي وبنوا بيوتا لم يسكنوها وخططوا لايام لم تأت. كانوا يركضون خلف الامان فخسروا الطمانينة وسعوا الى الاستقرار ففقدوا التوازن. الفلسفة البسيطة للحياة تقول لا تجعل النجاح عدوا لسلامك الداخلي. ليس المجد في اعلى منصب ولا القيمة في اثقل لقب بل في ان تنام دون ثقل وان تستيقظ دون خوف وان تجد في يومك مساحة لك لا لما يفرض عليك. الحياة لا تقاس بما نملكه بل بما نعيشه فعلا وبالصدق الذي نمنحه لانفسنا. فالحياة قصيرة على ان نعيشها مؤجلين واثمن ما نملكه ليس المال بل العمر وكل ما لم نفعله فيه لن يعاد.

فلسفة عيش اللحظة ليست نزوة حديثة، هي ضاربة في عمق الوعي الإنساني، من عمر الخيام الذي قال: غدا بظهر الغيب واليوم لي. الى نيتشه الذي دعا لان نعيش الحياة كما لو كنا نرقص على حافة الهاوية. كلاهما يذكرنا ان كثافة الوجود لا تتحقق الا بالحضور الكامل في الان.

المؤمنون باللحظة هم العبثيون، الإنسان العبثي. لا يأمل فيما هو قادم، لأنه يردد دائما: إذا كنا نمتلك أفعالنا فإننا لا نملك نتائجها. نحن ألقي بنا في عالم لم نختره ولم نرتب لهذا المجئ، لذلك كل شئ محفوف بالعبثية واللاجدوي. نعيش بين الأمس والغد وننسى أن الحياة لا تعطينا سوى الآن. لحظة واحدة مليئة بالتفاصيل، كل ما نحتاجه. واعتقد ان الوعي بالحاضر ليس هروبا من الألم بل عودة للسلام، استراحة محارب من أفكار متراكضة ومشاعر متخبطة.

نحن الكائن الحي الوحيد الذي يدرك حتمية الموت ولذا لا يجوز أن نؤجل السعادة إلى زمن قادم، يجب أن نكون سعداء الآن. لهذا لا يستقيم أن نضيع الوقت في الصراعات والتفاهات بعيدا عن الفرح والمسرات وإدخال السعادة على علاقاتنا ومحيطنا معنويا وماديا. بعيدا عن خطابات الوعيد الكهنوتية التي تمارس النصب والإحتيال على إرادتنا واختياراتنا وتطلعاتنا.

العظيم دويستوفسكي أعتمد في غرس أدبه داخل الوجدان على وصف اللحظة كأنها ذات روح أبدية عندما كان يعيش تفاصيلها من لحظة ميلادها الخاطفة إلى أن تموت ببطء وتسكن قيعان الذاكرة، كل شيء يسكن التفاصيل الصغيرة التي تهرب من طغيان الإنكار او العاطفة.

اما عني فدائما ما ‏اتمسك باللحظة بشراسة.. استقر في اللحظة واحتفل بمكاتفتها دون ارتباطات بائسة بالقادم والآتي وبعد الآتي. ضوء القمر.. دفء الشمس.. نباتاتي الصغيره.. كتبي ومكتبتي.. كوب الشاي الساخن.. اغنيات فيروز المحببه والأقرب لقلبي.. إن التمعن في تفاصيل هذه الأشياء بحثا عن الجمال في المكان حولي يسد جميع الثقوب التي أحدثتها الأيام الشاقة في روحي.

لابد للانسان ان  يقتنص الفرص، يعيش الحياة وكأنه لا يوجد غدا، ربما الآن هي اخر لحظة لك لتقول كلمة لمن تحب، لتأكل وجبتك المفضلة، لتبوح بشعور اخفيته دوما، ولذلك ارى ان الحياة غاليه جدا لأن اللحظات لن تتكرر ولن تعيشها مستقبلا. العلاج بالواقع وقوة الان أفضل علاج من الاستغراق في الماضي أو اوهام واحلام غدا.

لن انتظر الوقت المناسب لافعل ما اريد، سوف افعل كل ما بإمكاني لتحقيقه وانجازه - لن اشتري اشياء لا احتاجها حتى ابهر من حولي، لن اربط سعادتي بما اجنيه من المال، لن اصدق اكذوبة "عندما اصل للتقاعد" سوف افعل ما يحلو لي؛ لا اريد ان امتلك الاشياء، اريد ان اخوض التجارب.

 علينا ان نرتب الاولويات في حياتنا قبل فوات الأوان. لا تؤجل نفسك. لا ترهن فرحك لمستقبل غامض. ولا تستهلك روحك في سباق لا خط نهاية له. عش بخفة من يفهم ان الامتلاك لا يمنح معنى، وان المناصب لا تعوض روحا منهكة. احتفظ بسلامك الداخلي. الانسان ليس مشروع ادخار للمستقبل ولا كائنا مؤجلا الى حين. انه حدث عابر في زمن عابر ولا يملك من اليقين سوى هذه اللحظة. من يفهم هذا يتحرر من وهم التراكم ومن اسطورة الوصول. ويصالح فكرة النقص بوصفها شرطا انسانيا لا عيبا. فالمعنى لا يسكن القمم بل يسكن الطريق. الحياة لا تمنح فرصة ثانية واعظم حكمة هي ان نحيا قبل ان نصبح مجرد ذكري في ذاكرة الزمن.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

الديمقراطية بين الأفق اليوتوبي وآليات الضبط في الديكتاتوريات الجديدة

تطرح ماهية الديمقراطية في القرن الحادي والعشرين إشكاليةً فلسفيةً وسياسيةً بالغة التعقيد: هل لا تزال الديمقراطية تُمثّل "يوتوبيا" للخلاص السياسي، أم أنها استُحيلت إلى أداة تكنولوجية وأيديولوجية لترسيخ هيمنة "الديكتاتوريات الجديدة"؟ عبر تحليل دقيق لتيارات الفلسفة السياسية المعاصرة، يتكشف لنا أن الديمقراطية تعيش حالة من "الأبوري"" أي المأزق الوجودي المستعصي. فهي من جهة تمثل "المكان الخالي للسلطة" الذي يحول دون الاستبداد الكلي، ومن جهة أخرى، باتت ذريعة لتشريع "حالة الاستثناء" الدائمة و"الرأسمالية المراقِبة". يأتي هذا التحليل في سياق تفكيك استحالة الدولة الحديثة وفشل الانتقال الديمقراطي، باعتبارهما جزءاً من أزمة الحداثة السياسية العالمية، وليسا مجرد استثناء ثقافي عربي.

الديمقراطية في مواجهة طيفها

في المشهد الفلسفي والسياسي المعاصر، تقف الديمقراطية عند مفترق طرق حرج، تتأرجح بعنف بين كونها مثلاً أعلى متعالياً غير قابل للتحقق “يوتوبيا" وبين كونها آلية محايثة ومتطورة للسيطرة توظفها أشكال جديدة من السلطويّة. إن التساؤل الجوهري حول ما إذا كانت الديمقراطية وعداً جديداً أم وسيلة لسيطرة الديكتاتوريات المستحدثة، يضرب في عمق أزمة الشرعية السياسية الراهنة. إنه يفرض مواجهة حتمية بين الوعد "المسيحاني" بالحكم الذاتي، والواقع القاتم للديمقراطيات "المُدارة" أو "غير الليبرالية" التي باتت ترسم التضاريس الجيوسياسية للقرن الحادي والعشرين.

لقد انزاح مسار النظرية الديمقراطية بشكل دراماتيكي من نشوة ما بعد الحرب الباردة التي بشرت بـ "نهاية التاريخ" وعالمية الليبرالية إلى حالة عميقة من الميلانخوليا والشك. نحن نشهد اليوم صعود "الأنظمة الهجينة" حيث لا يتم تفكيك المؤسسات الديمقراطية (الانتخابات، مجالس النواب، الدساتير)، بل يتم تحويلها إلى أسلحة لترسيخ السلطة. وبالتوازي، تخضع الديمقراطية في مجال النظرية النقدية لتدقيق صارم، ليس كنظام معيب يُخفي عمليات رأس المال العالمي في الإدارة البيوسياسية.

لا يكتفي هذا الطرح بفهرسة الانتقادات، بل ينسجها في سردية متماسكة حول "مأزق" الديمقراطية؛ عابراً من "المكان الخالي للسلطة" عند كلود لوفورت، إلى "حالة الاستثناء" لدى جورجيو أغامبن؛ ومن "الديمقراطية القادمة" لجاك دريدا، إلى "السياسات النفسية" لبيونغ تشول هان؛ وصولاً إلى "الاستحالة" البنيوية للدولة في السياق العربي كما نظّر لها وائل حلاق وعزمي بشارة. يُشير التحليل إلى أن الديمقراطية ليست كذبة بسيطة ولا حقيقة خالصة؛ إنها "فارماكون"" دواء وسُمّ في آن واحد؛ أفق للانعتاق وقفص مخملي للاستبداد الجديد.

 أنطولوجيا الفراغ: الديمقراطية كأفق يوتوبي ومستحيل

لفهم الطبيعة اليوتوبية للديمقراطية، يتحتم علينا استجواب وضعها الأنطولوجي، ففي الفلسفة السياسية الحديثة، نادراً ما تُعرَّف الديمقراطية كمجموعة ثابتة من المؤسسات، بل يتم تصورها كاضطراب، أو وعد طيفي، أو فراغ بنيوي يمنع انغلاق النظام الاجتماعي.

المكان الخالي للسلطة: لوفورت واللاحسم الديمقراطي

يُوفر كلود لوفورت القواعد التأسيسية لفهم الهشاشة الديمقراطية، مجادلاً بأن التحول الحاسم للحداثة يكمن في "تجريد" السلطة من التجسد. في النظام القديم، كانت السلطة متجسدة في الشخص المادي للملك، الذي لعب دور الوسيط بين الإلهي والاجتماعي، ضامناً وحدة الجماعة. لم تستبدل الثورة الديمقراطية جسداً بآخر، بل "أذابت" جسد السلطة بالكامل. في الديمقراطية، يصبح موقع السلطة "مكاناً خالياً"؛ لا يمكن لأي فرد أو حزب أن يدعي التطابق الجوهري معه. ورغم أن الشرعية تُستمد من "الشعب"، إلا أن "الشعب" يظل كياناً مجرداً يستحيل تمثيله كلياً. هذا الفراغ الهيكلي هو مصدر الديناميكية اليوتوبية للديمقراطية، ولكنه أيضاً مكمن ضعفها. ولأن مكان السلطة فارغ، فهو مفتوح للتنافس المستمر، مما يجعل الديمقراطية نظاماً "يُمأسس الصراع" ويعترف بالانقسام الرمزي للمجتمع.

ومع ذلك، يحذر لوفورت من أن هذا "اللاحسم" يخلق دواراً أو رعباً من الفراغ. وهنا تنشأ الشمولية كاستجابة لمحاولة "إعادة ملء" المكان الخالي بجسد جديد، الشعب، البروليتاريا، العرق، أو القائد. إذن، الديكتاتوريات الجديدة ليست نقيض الديمقراطية، بل ظلها؛ إنها "ثورة مضادة" تستخدم اللغة الديمقراطية لتدمير اللاحسم الديمقراطي.

معمارية الهيمنة: تحولات السيطرة في عصر ما بعد الحداثة

يفرض السؤال حول الديمقراطية كـ "وسيلة للسيطرة" الانتقال من النظرية المجردة إلى تشريح تقنيات السلطة المعاصرة، حيث تم استيعاب الأشكال الديمقراطية داخل أجهزة هيمنة متطورة.

حالة الاستثناء كنموذج للحكم: جورجيو أغامبن

يقدم أغامبن سرداً مرعباً لكيفية تحول "الديمقراطيات" إلى آلات شمولية دون تغيير دساتيرها. يجادل بأن "حالة الاستثناء" لم تعد إجراءً مؤقتاً، بل النموذج المهيمن للحكم. في هذه الحالة، يُعلّق القانون لـ "حماية" القانون، مما يخلق منطقة "لا-معيارية" تتصرف فيها السلطة بحصانة تجاه "الحياة العارية" للمواطن. اليوم، تُطبّع الأنظمة (الديكتاتورية والليبرالية على حد سواء) هذا التعليق عبر سرديات "الحرب على الإرهاب" أو "الأزمات الاقتصادية". في هذا المنظور، تصبح الديمقراطية "قناعاً" للإدارة البيوسياسية، وتذوب الفوارق بينها وبين الشمولية في "دولة الأمن" حيث الحق الوحيد هو الحق في أن تكون "محمياً" (أي مسيطراً عليك).

التسامح القمعي ووهم الاختيار: ماركوزه وجيجك

كيف يُصنع الإجماع دون عنف؟ يشرح هربرت ماركوزه عبر مفهوم "التسامح القمعي" كيف تُحيّد الديمقراطيات الليبرالية المعارضة عبر التسامح مع كل وجهات النظر، مما يُسطّح النقد الراديكالي ويغرقه في ضجيج "سوق الأفكار". ويذهب سلافوي جيجك أبعد من ذلك، واصفاً الديمقراطية بـ "الصنم" الذي يحفظ تماسك النظام. إنها تقدم "وهم الاختيار" (كوكا كولا مقابل بيبسي) بينما تظل إحداثيات الرأسمالية العالمية غير قابلة للمساس. بالنسبة لجيجك، "الديكتاتورية الجديدة" هي حكم السوق منزوع السياسة الذي يستخدم الطقوس الديمقراطية لمحاكاة الفاعلية.

من البيوبوليتيكا إلى السياسات النفسية: فوكو وهان

تجاوزنا اليوم "مجتمع الانضباط" الفوكوي (السجن، المصنع) إلى "مجتمع الإنجاز" كما يصفه بيونغ تشول هان، والذي تحكمه "السياسات النفسية" في هذا النظام، لا تُكره الذات من قبل "أخ أكبر"، بل تستغل نفسها طواعية واهمةً بأنها حرة. لا تحتاج الديكتاتوريات الجديدة إلى التعذيب، بل إلى "الإعجاب" و"المشاركة". من خلال "البيانات الضخمة"، نعري ذواتنا طواعية (الشفافية)، فنتحول إلى كائنات قابلة للحساب. تصبح الديمقراطية، كمداولة جماعية، مستحيلة حين يكون المواطنون رواد أعمال لأنفسهم، معزولين وتحكمهم "الوكزات الخوارزمية".

السياق الفلسفي العربي: دراسة حالة في "الاستحالة"

في العالم العربي، تصطدم "الديمقراطية القادمة" بـ "ديمقراطية البندقية"، مما يجعل الخطاب الفلسفي العربي نقطة مراقبة فريدة لهذه الجدلية.

الدولة المستحيلة (وائل حلاق): يرى حلاق أن الدولة الحديثة غير متوافقة بنيوياً مع الحكم الأخلاقي الإسلامي. فالدولة الحديثة، بمركزتيها واحتكارها للتشريع، "تلتهم" المجال الأخلاقي المجتمعي. لذا، فإن "الديكتاتوريات الجديدة" ليست انحرافاً، بل نتيجة طبيعية لإرادة الدولة الحديثة التي سحقت المجتمع المدني التقليدي.

الانتقال الفاشل (عزمي بشارة): يعزو بشارة تعثر الانتقال الديمقراطي إلى غياب "الثقافة الديمقراطية" لدى النخب وتسيس الهويات (الطائفية). تنجح الأنظمة السلطوية في استخدام "فزاعة" الفوضى لشرعنة عودتها، مصورة الديمقراطية لا كيوتوبيا، بل كديستوبيا تؤدي إلى التفكك.

الديمقراطية كشعار استعماري: يُنظر لخطاب الديمقراطية أحياناً كإملاء استعماري جديد، مما يضع الديموقراطي العربي في "عقدة مزدوجة": الدفاع عن الديمقراطية قد يبدو عمالة، ودعم المقاومة قد يعني الاصطفاف مع الديكتاتورية.

 نحو ديمقراطية راديكالية أو "قوة معطلة

في مواجهة هذا الأفق المسدود، يطرح إرنستو لاكلاو وشانتال موف خيار "الديمقراطية الراديكالية" التي تعترف بالتناقض ولا تسعى لإجماع زائف، بل لتحويل الأعداء إلى "خصوم سياسيين". بينما يقترح أغامبن حلاً أكثر راديكالية يكمن في "القوة المعطلة"؛ أي سحب الموافقة وتعطيل أجهزة السلطة بدلاً من محاولة الاستيلاء عليها.

لقد استوعبت "الديكتاتوريات الجديدة" درس الحداثة جيداً: لا تُلغِ الديمقراطية، بل فرغها من محتواها. استخدم الصندوق لقتل القانون، والسيادة لقتل الحقوق، ووهم الاختيار لإخفاء الخوارزمية. لذا، فإن المهمة الفلسفية اليوم ليست رفض الديمقراطية ولا عبادتها، بل الانخراط في الجهد الشاق لإبقاء "المكان الخالي" للسلطة فارغاً حقاً. الديمقراطية ليست ملاذاً آمناً؛ إنها إبحار خطر في مياه مفتوحة. واليوتوبيا الحقيقية ليست وجهة نهائية، بل هي فعل "الانشقاق" المستمر ضد الليل الزاحف للديكتاتوريات الجديدة.

***

غالب المسعودي

نحن نعاني من هشاشة نفسية؛ بداخلنا فراغ عاطفي وهيجان مشاعر غير طبيعي. نتأثر بكلمة، نبكي بسبب القسوة، ونفرح بالمدح الكاذب. نتصنع القوة ودموعنا تفضحنا، وهي ليست دموع طيبة وإنما تهشم داخلي، رفاهية زائدة وتقديس للأنا. الموازين التي نزن بها علاقاتنا معطلة وغير صحيحة، أصبحنا نقيم الناس حسب نفاقهم، ننخدع بالمظاهر بسرعة لأننا نبحث عمن يكملنا دائماً. هل تعلمون ما هي المشكلة الأساسية؟ هي أننا دائماً نعتبر أنفسنا ناقصين، ننتظر من يفهمنا ونحن نجهل أنفسنا، نعجز عن احتواء أنفسنا وننتظر الاحتواء من خارج ذواتنا.

جيل رقائق الثلج يقتله الحب الكاذب فينتقم ممن حوله. الخيانة اسم لجريمة بشعة نرتكبها في حق أنفسنا؛ لا أحد يخونك لكنك تخون نفسك، لذلك ترى خيانات متتالية عليك ولا ترى الوفاء حولك لأنك لم تتعلمه ولست وفياً لذاتك. قلبك المكسور ليس ذنبه أنه أحب، لا بل ذنبك أنت أنك خدعته وتوهمت أن ذاك الشعور العابر حب. هل تعلمون ما هو الحب؟ سوف أشرحه لكم بحقيقته وليس بخيال مفتعل؛ الحب عبارة عن وهم: شاب يعجب بفتاة لأن جمالها مناسب لذوقه، ثم يبدأ يفكر فيها ليلاً ونهاراً، يغني على هواها ويسهر على طيفها، فتصبح عادة لأنها وصلت للعقل الباطن، والأشياء التي تصل إليه يصبح من الصعب نسيانها أو تغييرها. أي فكرة تكررها على نفسك تصبح عادة ثم تتحول لأسلوب حياة، إذاً فهو ليس حباً، نعم.. حسب علم النفس.

وهذا الانغماس في أوهام العاطفة ليس إلا وجهاً واحداً من وجوه الهشاشة، أما الوجه الآخر فهو تضخيم الألم؛ إذ إننا لا نكتفي بتمجيد الأوهام، بل نبالغ في تصوير أوجاعنا ككوارث وجودية. فلقد ذُكر الحب في القرآن الكريم كضلال: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [يوسف: 30]. حتى في هذا العصر القديم قلن النسوة "إنا لنراها في ضلال مبين". ثم ذُكر على أنه حديث نفس من النفس الأمارة بالسوء: {قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ * وَمَا أُبَرِّئُ نفسي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف: 51-53].

الحب عقاب لذنب، وهو مجرد وساوس من النفس الأمارة بالسوء. هل ما زلتم تفكرون أنه حقيقة؟ بل هو سراب يهلك بسببه كل ظمآن للحياة بعيد عن واحة الإيمان، يتخبط في صحراء الأوهام. أفيقوا يا معشر الشباب، فالله عز وجل ذكر الحب في كتابه أنه ذنب وضلال، وذكر ما هو أعظم وأسمى من الحب: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْواجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]. خلق لكم من أنفسكم؛ إياكم أن تسمحوا لأنفسكم بالانغماس في الضلال فلا تجدون إلا نفوساً ضالة، وتُحرمون من السكن الذي تعمره المودة والرحمة.

مشكلتنا أننا نضخم الألم ونتوقع الكوارث قبل حدوثها، ننتظر النهايات ونحن لم نصنع بدايات من الأساس. كم نحن بائسون! نتحمس لدقائق ونعمل لساعات، ثم عند أول تعثر نبكي لأيام ونشتم أنفسنا ونلوم الحظ ونتهمه بأنه نحس، ونرمي المسؤولية من فوق عاتقنا لعاتق أهلنا ومجتمعنا. نحن لا نتقدم لأننا لا ندرس خطواتنا بقدر ما ندرس محيط الفشل حولنا. نمشي على طريق الأمل لكننا ننظر لليأس متى سيسبق خطواتنا. نتوقع الأسوأ، أو نتوقع أننا أسوأ من أن نحقق حلماً أكبر منا.

نظن في أنفسنا ظن السوء، نستهين بقدراتنا ولا نؤمن بأننا نستطيع، فتكون النتيجة هي الإخفاق أو نجاح عادي بسيط بقدر أفكارنا البسيطة عن قدراتنا. هشاشتنا النفسية جعلت حياتنا هشة وأحلامنا صغيرة وغير مستقرة وأهدافنا متلاشية مع كل صعاب وتحديات. نحن نضعف ولا نقوى لأننا نهرب ولا نواجه، نخاف ولا نغامر، نتقدم ولا نبادر، نراجع ولا نتقدم.

إن لعبنا لدور الضحية هو القيد الذي يمنعنا من النهوض، وخراب أرواحنا لم يأتِ من الخارج، بل من حصوننا التي أهملناها. فنحن لسنا تلك الدموع ولا بحار الأحزان، لسنا مقيدين بكلام الإحباط ولسنا ضعيفين لدرجة أن يحطمنا الإخفاق، لكننا هشّون من الداخل، لم نبنِ بداخلنا حصوناً منيعة تواجه كل تحديات الحياة ولا تتصدع وتدخل مشاعر البؤس من خلالها إلينا. نحن أهملنا بناء ذواتنا من الداخل واشتغلنا ببناء الخارج، فكانت النتيجة هي الانهيار الدائم حتى عند هبوب رياح عادية. تحدثنا عن الأمل ونسينا أنه يحتاج إلى عمل، وتحدثنا عن الإصرار وانسحبنا عند أول عقبة وعند أول جدار.

وإذا كان التوصيف النفسي يشخص لنا العلة، فإن الشفاء الحقيقي يتجاوز حدود الحروف البشرية ليتصل بوحي السماء؛ حيث الترميم اليقيني. فنحن لسنا بحاجة لجلسات نفسية ولا لشخص يفهمنا، ولا نحتاج لحبيب يكملنا ولا علاج يشفينا؛ لأن الداء فينا ودواه أيضاً فينا. يجب أن نبني ما تهدم فينا ونعمر خراب أرواحنا بالعلم الذي يغذي الإيمان واليقين.

لنرسخ بداخلنا الإيمان بالعلم بالقراءة والاطلاع والفهم الصحيح للإسلام ولأركان الإيمان. لنبني ذواتنا بناءً صحيحاً، نحن بحاجة لبداية مباركة من وحي السماء حيث تجد أرواحنا ملاذها ومسكنها من القرآن الكريم: {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رروحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52].

سماه الله روحاً لأنه يحيي الروح ويرمم تشققاتها ويبني ما خربته الحياة فيها. لتبني روحك بناءً صحيحاً وقوياً لا يتزعزع، عليك بالقرآن الكريم؛ اقرأ الأحاديث والتفسير، تعلم السنة واقرأ كل ما يتعلق بالدين لتكون من الراسخين في العلم: {لَّـٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} [النساء: 162].

أولئك لم يبنوا فقط، بل إنهم رسخوا بناءهم. من كان الله معه فمن عليه؟ كلنا ضائعون حتى نعود لخالقنا العظيم سبحانه، وكلنا متعبون حتى نرتاح بهدي نبينا صلى الله عليه وسلم ونسير على نهجه وعلى خطى صحابته الكرام. نحن بحاجة للدين وهو ليس بحاجتنا، لكننا بدونه مجرد لا شيء، مخلوقات تسير وتعمل ثم تموت وهكذا. لكن من عرف هدفه وعمل لما خلقه الله له فاز فوزاً عظيماً وربح الدنيا والآخرة. أما من ضاع في الدنيا فلن يجد الأمان إلا عند ربه، مهما بحث لن يجد، وسيبقى يبحث حتى يغرق في التيه ويخسر خسراناً مبيناً.

***

بقلم: فاطمة الدفعي

مؤسسة حرية قلم للإنتاج الفكري

بين الردود على مقال الأسبوع الماضي، ركز اثنان على الجانب الديني للمسألة. وخلاصة رأي الزميلين تتلخص في السؤال التالي: التسامح مع المختلفين دينياً وحتى الملحدين، قد يكون صحيحاً من الناحية العقلائية البحتة، أي أنه يتضمن - ظاهرياً على الأفل - مصلحة عقلائية. لكن الشريعة تدعونا إلى تجنب العلاقة معهم، بل حتى منافرتهم. فماذا نفعل في هذه الحالة: هل نترك الأمر الشرعي وراء ظهورنا، لدواعي المصلحة المادية؟

ولتعزيز الموقف؛ أرسل أحد الزميلين مقالة قديمة، تطرح ما أسماه الكاتب التعايش، بديلاً عن التقارب الديني. وقال الزميل في تعليقه عليها، أن الخيار الصحيح هو التزام اللطف واللين في معاملة المختلفين، مع تذكيرهم باعتراضنا على دينهم وإنكارنا خياراتهم.

وأتذكر نقاشات عديدة في الموضوع، في أوائل القرن الحالي، تبلورت على ضوئها تلك الرؤية، والتي عدّها أصحابها «تنازلاً» كبيراً ينبغي تقديره. والحق أنها كذلك، إذا قايسناها بالرؤية الأكثر تشدداً، التي تدعو إلى مقاطعة أتباع الأديان الأخرى، بل وحتى الإنكار على أصحاب المذاهب الأخرى في الإسلام. ويستدل المتشددون على رأيهم هذا بأن الإسلام قد ألغى ما قبله، فلا يقبل أي دين غيره. إن تطور الإعلام والطباعة في العصر الحاضر، لا يسمح لأحد بادعاء أنه لم يسمع بالدعوة المحمدية، فكل مَن في الأرض اطلع عليها من خلال الكتب والإعلام واللقاء مع المسلمين، وبذلك بلغهم الحق وقامت عليهم الحجة، فما عاد لهم حق في البقاء على طريقة غير الإسلام.

ويهمني هنا إيضاح نقطتين تتعلقان بالمسألة. أولاهما أنني لا أرى العلاقة بين الناس، مسألة عبادية كي يتعلق بها حكم ثابت. بل هي من الأمور الحياتية العادية، التي يعمل فيها الإنسان بمقتضى إملاءات العقل ووجهات المصلحة. وأما الأحكام التي وردت فيها، فتتعلق بظرف خاص، تجري فيه فقط، ولا تجري في غيره. وإغفال هذا القيد تكلف بلا ضرورة، وتعسير على الخلق من دون داعٍ حثيث. نحن نستفيد من النصوص التي تتحدث عن العلاقة مع المخالفين، كمرجع علمي لا كنص ملزم. لأن هذه العلاقة جزء من شبكة التبادلات الاجتماعية السريعة التغير، ولا يمكن ضبطها بحكم واحد، وإنما نتعامل مع كل تطبيق من تطبيقاتها من زاوية المصالح التي يحققها، والقاعدة في أحكام المعاملات، أنها تدور مع المصالح العقلائية الصريحة، فما حقق مصلحة فهو مطلوب، وما قاد إلى مفسدة فهو مردود.

زبدة القول، أن الجواب على سؤال الزميلين عن الأمر الشرعي، هو أن ما نقلاه من أحكام وما تستند إليه من نصوص، خاصة بظرفها وليست عامة لكل زمان ومكان. ولذا؛ لا يصح الاحتجاج بها في الظروف المتغيرة.

النقطة الأخرى تخص مستويات العلاقة بين المختلفين، على مستوى الدين أو المذهب، أو حتى على مستوى القومية والعرق والآيديولوجيا السياسية والطبقة الاجتماعية، وغيرها. ويذكر هنا أربعة مستويات إيجابية، أدناها هو «السماح» للمختلف بالعيش وممارسة طقوسه. ثم يأتي «التعايش»، أي تقبُّل العيش مع المختلفين بالنظر لضرورات الحياة: تحتاج إلى الطبيب المسيحي فتتعايش معه. المستوى الثالث هو العلاقة القائمة على احترام خيارات الآخرين، ومرجعه الإقرار الصريح بحرية الإنسان وكرامته وحقه في اختيار طريقه الدنيوي والأخروي، حتى لو كان باطلاً في نظرنا.

أما المستوى الرابع والأرفع فهو الإيمان الداخلي بأن الحق متعدد، أو أن وجوهه متعددة متنوعة، وأن التنوع أو التعدد سبب لإثراء الحياة المادية والأخلاقية؛ لأنه يوفر تجارب مختلفة ومقاربات متنوعة، ويعزز قدرة الإنسان على النقد والمقارنة. أي أنك تقرّ بحق الآخرين في مخالفتك؛ لأن الاختلاف أصل في الحياة وسبب لإغنائها.

تأمل الآن في التجربة الواقعية للبشر: الذين قبلوا بالمستوى الرابع والذين اكتفوا بالمستوى الأول، أيهما طوَّر حياته وتجربته الروحية والمادية حتى بات مصدراً للمعرفة، وأيهما بقي مستهلكاً لمنتجات الفريق الأول. الدليل واضح كما أظن، فهل تراه؟

***

د. توفيق السيف

 

لم تعد العربية اليوم محصورة في صفحات الجرائد الورقية أو نشرات الأخبار التقليدية، بل انتقلت بقوة إلى فضاءات الإعلام الجديد بكل ما يحمله من سرعة وانتشار وتنوع في المنصات والأشكال. ومع هذا الانتقال، تفجّر سؤال مركزي يفرض نفسه بإلحاح: هل تشهد العربية نهضة حقيقية في الإعلام الجديد، أم أنها تتعرض لتراجع مقلق يهدد مكانتها ووظيفتها الثقافية والمعرفية؟ سؤال لا يمكن الإجابة عنه بإطلاق أو تبسيط، لأن الواقع يكشف عن مسارين متوازيين؛ أحدهما يبشر بالفرص والآخر ينذر بالمخاطر.

لقد أتاح الإعلام الجديد للعربية مساحة غير مسبوقة من الحضور. فالملايين من المستخدمين العرب يكتبون يومياً بالعربية على منصات التواصل الاجتماعي، وينتجون محتوى متنوعاً يشمل الأخبار والرأي والثقافة والترفيه والتعليم. هذا الحضور الكثيف لم يكن متاحاً في الإعلام التقليدي الذي كانت تتحكم فيه مؤسسات محدودة ومعايير تحرير صارمة. اليوم، أصبح أي فرد قادراً على أن يكون منتجاً للنص العربي، وأن يصل بكلماته إلى جمهور واسع عابر للحدود. من هذه الزاوية، تبدو العربية وكأنها استعادت شيئاً من حيويتها الشعبية، وتحررت من النخبوية التي كانت تحاصرها أحياناً.

كما أن الإعلام الجديد أسهم في تجديد أشكال التعبير بالعربية، فظهرت أساليب كتابة أقرب إلى الحياة اليومية وأكثر تفاعلاً مع قضايا الناس. وانتشرت المبادرات الرقمية التي تهدف إلى تبسيط اللغة العربية، أو تعليمها لغير الناطقين بها، أو إعادة تقديمها للأجيال الشابة بوسائل جذابة تعتمد على الصورة والفيديو والإنفوغرافيك. هذا كله يعكس وعياً متزايداً بأن اللغة كائن حي، وأن قدرتها على البقاء مرهونة بقدرتها على التكيف مع التحولات التقنية والثقافية.

غير أن هذه الصورة المضيئة لا تلغي وجهاً آخر أكثر قتامة. فالإعلام الجديد، بما يتسم به من سرعة وتلقائية وغياب الرقابة اللغوية، فتح الباب واسعاً أمام أخطاء لغوية فادحة، وأمام شيوع لغة هجينة تمزج العربية بالعاميات المحلية وبالألفاظ الأجنبية، وأحياناً بالحروف اللاتينية. ومع الوقت، لم تعد هذه الظواهر استثناءً، بل تحولت إلى نمط سائد في كثير من المحتوى الرقمي، حتى في بعض المنصات الإعلامية التي يفترض أنها مهنية.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود العامية أو التنوع اللغوي بحد ذاته، فذلك جزء طبيعي من أي مشهد لغوي حي، وإنما يكمن في تهميش العربية الفصحى وإقصائها من مجالات مؤثرة، أو تقديمها بصورة مشوهة توحي بأنها لغة ثقيلة أو عاجزة عن مواكبة العصر. حين يعتاد المتلقي على نصوص ركيكة وأخطاء متكررة، فإن حسه اللغوي يضعف، وتصبح المعايير الصحيحة غريبة عنه، وهو ما ينعكس سلباً على التعليم والثقافة العامة.

كما أن من تحديات الإعلام الجديد هي هيمنة منطق “الترند” والمحتوى السريع، الذي يفضل الاختصار المخل والتعبير السطحي على العمق والدقة. هذا المنطق لا ينسجم دائماً مع متطلبات اللغة العربية التي تحتاج إلى عناية في الصياغة وضبط في التركيب. ونتيجة لذلك، يميل كثير من صناع المحتوى إلى التضحية بجودة اللغة في سبيل سرعة الانتشار، ما يعمق الفجوة بين العربية بوصفها لغة معرفة، والعربية بوصفها مجرد أداة تواصل عابر.

ولا يمكن إغفال دور المؤسسات الإعلامية الرقمية في هذا السياق. فبعضها أسهم فعلاً في الارتقاء باللغة من خلال الالتزام بالتحرير الجيد والاستعانة بمدققين لغويين وتدريب الصحفيين على الكتابة السليمة في البيئة الرقمية. في المقابل، تخلت مؤسسات أخرى عن هذه المعايير بحجة مواكبة العصر أو جذب الجمهور الشاب، فأسهمت من حيث لا تدري في تكريس صورة سلبية عن العربية، وكأنها عبء يجب التخلص منه لا رصيداً ينبغي الاستثمار فيه.

إن السؤال عن نهضة العربية أو تراجعها في الإعلام الجديد يرتبط أيضاً بالسياسات التعليمية والثقافية الأوسع. فالإعلام لا يعمل في فراغ، بل يتأثر بمستوى تعليم اللغة في المدارس والجامعات، وبمكانتها في سوق العمل، وبالصورة التي تُرسم لها في الوعي الجمعي. فإذا كان الطالب يتخرج وهو يعاني من ضعف في التعبير بالعربية، فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك على أدائه الإعلامي الرقمي. وإذا كانت اللغة الأجنبية تُقدَّم دائماً باعتبارها مفتاح النجاح، فيما تُحاصر العربية بخطاب تقليدي جامد، فإن كفة التراجع ستظل راجحة.

ومع ذلك، لا يجوز الاستسلام لنبرة التشاؤم. فالإعلام الجديد، رغم كل سلبياته، يظل فرصة تاريخية لإعادة الاعتبار للعربية إذا أحسن استثماره. هذه الفرصة تكمن في القدرة على الوصول إلى الأجيال الجديدة بلغتهم ووسائطهم المفضلة، وفي إمكان خلق محتوى عربي رقمي عالي الجودة يجمع بين سلامة اللغة وجاذبية الطرح. كما تكمن في تشجيع المبادرات الفردية والجماعية التي تجعل من العربية أداة للإبداع لا مجرد مادة دراسية جامدة.

إن النهضة اللغوية في الإعلام الجديد لا تتحقق بالخطابات الإنشائية أو الدعوات المجردة، بل بعمل تراكمي يشمل التدريب، ووضع معايير مهنية واضحة، ودعم المحتوى الجاد، وتحفيز المبدعين على استخدام العربية بثقة وابتكار. وهي أيضاً مسؤولية مشتركة بين الإعلاميين، والمؤسسات التعليمية، وصناع السياسات الثقافية، بل وحتى الجمهور الذي يملك اليوم سلطة الاختيار والتأثير أكثر من أي وقت مضى.

في المحصلة، يمكن القول إن العربية في الإعلام الجديد تقف عند مفترق طرق. فهي ليست في حالة تراجع حتمي، ولا في نهضة مكتملة الأركان. إنها في مرحلة اختبار حقيقي لقدرتها على الصمود والتجدد في زمن رقمي متسارع. والنتيجة النهائية ستتحدد بقدر ما نمتلك من وعي وإرادة لتحويل هذا الفضاء الجديد من تهديد محتمل إلى فرصة واعدة، تعيد للعربية حضورها الطبيعي كلغة حية قادرة على التعبير عن الإنسان العربي وهمومه وطموحاته في القرن الحادي والعشرين.

***

د. عصام البرّام

في المثقف اليوم