قضايا

شهدت كتابات المفكر العراقي الشهير "عبد الجبار الرفاعي"، عددا كبيرا من المفاهيم الذي لم نراه من ذي قبل لدى طائفة من المفكرين الآخرين، وذلك من قبيل ‏القطيعة الأنطولوجية، الظمأ الأنطولوجي، الاغتراب الميتافيزيقي، الإنسانية الإيمانية، وغيرها.

 إن مشروع بناء المفاهيم وتجديدها لدى المفكر عبد الجبار الرفاعي ليس مشروعًا معرفيًّا فقط بل هو مشروع حضاري حداثي أيضًا، يريد أن يُشيّد للذات الإسلامية العربية حداثتها بِردّ الذات إلى ذاتها؛ إذ كما أن هناك حداثة غير إسلامية، فكذلك ينبغي أن تكون هناك حداثة إسلامية.

 وهذه الحداثة تكشف لنا على أن النواة الفاعلة في تجديد الخطاب الفلسفي الحضاري وقيمه الأخلاقية والعملية لدى المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي، هي المفاهيم باعتبارها الدافعية الأساسية للتفكير ومركز المسؤولية في تجديد الفلسفة الإسلامية العربية، وتوجيه القيم داخلها وتأسيس هويتها الاصطلاحية بما يخدم كونيتها المخصوصة، وابتعادها عن المحاكاة والتقليد.

 من جهة أخرى فإن نحت المصطلحات والمفاهيم عند عبد الجبار الرفاعي إن دل على شيء فإنما يدل على مدى قدرته على توضيح المفاهيم حيث أنه عندما ننظر إلي أي نسق معرفي في تراثنا الحضاري نجد أنه يتألف علي وجه التقريب من مجموعة حقول معرفية متنوعة.

 فهناك المعرفة الدينية والمعرفة الميتافيزيقية، والمعرفة التجريبية، والمعرفة الرياضية والمنطقية، والمعرفة الإنسانية والاجتماعية، وهلم جرا. ويتألف كل حقل من هذه الحقول من مجموعة من المفاهيم التي ترتبط فيما بينها بعلاقات معينة، كما ترتبط هذه الحقول بروابط ضرورية تؤدي إلي تماسك أجزاء النسق المعرفي كله.

 وعلي هذا النحو فإن تحليل بنية المحتوي المعرفي في تراثنا الحضاري يرتكز علي ثلاثة عناصر في غالب الأمر هي: المفاهيم، والعلاقات التي تؤلف من المفاهيم حقلاً، والعلاقات التي تشكل من الحقول نسقا.

 ولعل السؤال الذي يطرح نفسه علينا كما يقول عبد الجبار الرفاعي هو: "ما الذي نعنيه بالمفهوم؟

 إن المفهوم بمعناه المنطقي هو مجموعة الصفات والخصائص التي تحدد الموضوعات التي ينطبق عليها اللفظ تحديدا يكفي لتمييزها عن الموضوعات الأخرى . فمفهوم الإنسان" بالمعني الأرسطي، مثلاً، مؤداه أنه كائن ناطق، وما صدقاته هي علي وسامي وسائر أفراد الناس.

 ولكننا عبد الجبار الرفاعي مع حفظ الألقاب ينظر إلي المفهوم نظرة أوسع من نظرة رجل المنطق إليه، لأن المفهوم يتألف أيضاً من المعاني والمشاعر التي يستدعيها اللفظ في أذهان الناس، ولهذه النظرة الواسعة ميزة في رأينا وهي أنها تفسح المجال أمام القول بأن الغالبية العظمي من المفاهيم لا تقبل تعريفاً جامعاً مانعاً بلغة المنطق، وإنما تتسم بمرونة مطلقة لا تحدها حدود ولا تقيدها قيود، فتتسع دلالتها أحيانا وتضيق أخري. والمفهوم في هذه الحالة يشبه البحر الواسع الذي يجوز لكل جيل من البشر أن ينهل منه ويبحر فيه بقدر ما تسعفه طاقته .

 وعلي هذا النحو فإن عبد الجبار الرفاعي يعني بالمفاهيم حسب اعتقادي : المعاني العقلية الكلية أو الأفكار العامة المجردة، وأبرز الأمثلة لها هي مفهوم ‏"القطيعة الأنطولوجية"، "الظمأ الأنطولوجي"، "الاغتراب الميتافيزيقي"، "الإنسانية الإيمانية"، وغيرها.

 وفي اعتقادي أن الفرق بين المفهوم الواضح والمفهوم الغامض في فكر عبد الجبار الرفاعي كالفرق بين خريطة واضحة المعالم لبلد معين يصطحبها المسافر عند سفره، وورقة خط عليها طفل مجموعة خطوط لا تدل علي شيء، وقيل للمسافر هذه خريطة –علي معان جلية وقيم ومبادئ واضحة يدفع إلي تقدم المعرفة عند ربطه بمفاهيم أخري في نسق، أو يهدي إلي سواء السبيل عندما يسلك المرء علي أساسه .

 أما المفهوم الغامض، مثل الورقة التي خط عليها الطفل خطوطاً غامضة، فإنه إذا دخل في نسق أفسد نظامه وعلاقاته مما يؤدي إلي تراجع معرفي، وإذا وجه سلوكاً لشخص أضله لأنه لا يهدي إلي شيء ولا يدل علي شيء.

 علي أن عملية توضيح المفاهيم بالمعني الذي يريده عبد الجبار الرفاعي في كتابه دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة" لها لا تقتصر علي تحديد المعاني المتنوعة التي قد يدل عليها المفهوم تحديداً يحول دون وقوع اللبس والغموض بين الكتاب أو المتكلمين، وإنما تتسع هذه العملية بحيث تشمل الكشف عما تتعرض له المفاهيم في حالة تخلف الأمة حضارياً وظهور الصراع بين الحضارات وممارسة الغزو الثقافي للحضارة الغالبة علي الحضارات المغلوبة، ففي هذه الحالة يتم تشويه دلالات المفاهيم الأصلية أول الأمر، ثم تفرغ شيئاً فشيئاً من محتواها، ثم يعاد ملء المفهوم بالدلالات المرادة... وللحديث بقية..

***

أ. د. محمود محمد علي - مفكر مصري

يشهد العالم تحوّلا عميقا في أنماط إنتاج المعنى وتداوله، نتيجة الانتقال من المجال الاتصالي التقليدي إلى الفضاء الرقمي الشبكي. هذا التحول لم يقتصر على تطوير أدوات التواصل، بل مسّ البنية الرمزية التي تتشكل ضمنها الهوية الفردية والجماعية. فالإنسان المعاصر يعيش في بيئة رقمية كثيفة، تتقاطع فيها الصور واللغات والخطابات، وتُعاد فيها صياغة الانتماءات بصورة مستمرة. من هنا تبرز الحاجة إلى مساءلة فلسفية ومعرفية لطبيعة التأثير الذي يمارسه الإعلام الرقمي في تشكيل الهوية، ولموقع الفاعل الثقافي داخل هذه السيرورة المتسارعة.

الهوية مفهوم ديناميكي يرتبط بالذاكرة واللغة والرموز وأنماط العيش المشتركة. كانت تتشكل تاريخيا عبر مؤسسات التنشئة الاجتماعية مثل الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والثقافية. أما اليوم فقد دخل فاعل جديد بقوة في عملية التنشئة: المنصات الرقمية.

في البيئة الشبكية، تتعرض الهوية إلى ما يمكن تسميته بـ"السيولة الرمزية". فالمحتوى العابر للحدود وسرعة التداول والاتصال الدائم، كلها عوامل تجعل الانتماء أقل استقرارا وأكثر قابلية لإعادة التكوين. لم تعد الهوية تُبنى في إطار جغرافي محدد، بل ضمن فضاء افتراضي متعدد المرجعيات.

هذا التحول أفرز نمطا من الهوية المركّبة، تتداخل فيها العناصر المحلية والعالمية، ويتجاور فيها التراثي مع الحداثي في لحظة واحدة. غير أن هذا التركيب لا يخلو من توترات، خاصة عندما تتراجع المرجعيات العميقة لصالح أنماط استهلاكية سريعة.

على مستوى التأثيرات البنيوية للإعلام الرقمي في تشكيل الهوية، من الضروري الحديث عن ثلاثة اعتبارات: الأول يتعلق بتحولات اللغة والمعنى. اللغة، باعتبارها الحامل الأول للهوية، عرفت تغيرات ملموسة في الفضاء الرقمي. هيمنة الصورة، والرموز التعبيرية، والاختزال اللغوي، أدت إلى اقتصاد في التعبير. هذا الاقتصاد يحمل بعدين متناقضين: من جهة، يتيح مرونة وابتكارا في التواصل. ومن جهة أخرى، قد يؤدي إلى تراجع العمق الدلالي والتأمل النقدي. كما أن هيمنة لغات عالمية في المنصات الكبرى تؤثر في أنماط التعبير المحلي، ما يطرح سؤال التوازن بين الانفتاح والحفاظ على الخصوصية اللغوية.

الاعتبار الثاني، إعادة تشكيل القيم والسلوك، حيث تعمل الخوارزميات على توجيه الاهتمام من خلال ترشيح المحتوى بناءً على التفاعل والانتشار. فينتج عن ذلك إعادة ترتيب ضمنية لسلم القيم، حيث تتقدم عناصر الإثارة والسرعة والاختزال على حساب العمق والرصانة. تتشكل معايير جديدة للنجاح والاعتراف، ترتبط بالحضور الرقمي وعدد المتابعين، ما يؤثر في تمثلات الذات وتقديرها.

أما الثالث والأخير فيرتبط بتحولات الانتماء والوعي الجمعي، على أساس أن الفضاء الرقمي ينتج جماعات افتراضية عابرة للجغرافيا، تقوم على الاهتمام المشترك أكثر من الارتباط المكاني. هذا النمط يعزز الانفتاح والتعدد، غير أنه قد يضعف الروابط التقليدية إذا لم يُواكَب بوعي نقدي. كما أن سرعة انتشار الخطابات قد تخلق وعياً جمعياً آنياً، يتأثر بالموجات الإعلامية أكثر من التأمل المستدام.

ومن أبرز التحديات التي تطرحها البيئة الرقمية، تسليع الهوية وتحويل الرموز الثقافية إلى محتوى استهلاكي خاضع لمنطق السوق الرقمي. والهيمنة الخوارزمية، حيث تتحكم أنظمة تقنية في ترتيب المعرفة وإبرازها، بما يؤثر في تشكيل الرأي والذوق. بالإضافة إلى تآكل المرجعيات العميقة نتيجة هيمنة الإيقاع السريع والمحتوى اللحظي. وهذه المخاطر لا تعني حتمية الانحلال الثقافي، لكنها تستدعي يقظة فكرية ومؤسساتية.

وتُعدّ التربية الإعلامية ركيزة أساسية لتمكين الأفراد من فهم آليات المنصات، وكيفية اشتغال الخوارزميات، وطرق التحقق من المعلومات. والوعي هنا ليس مجرد معرفة تقنية، بل قدرة على القراءة النقدية للمحتوى. على أن إدماج التراث في البيئة الرقمية يحوله إلى عنصر فاعل في التداول المعاصر. توثيق المخزون الثقافي، وإتاحته بوسائط جذابة، يضمن حضوره في الفضاء العام ويمنع اختزاله أو تشويهه. كما تصير الحاجة ملحة إلى تعزيز المحتوى العلمي والثقافي باللغة الوطنية، وتشجيع البحث والإبداع الرقمي، ما يسهم في تحقيق توازن بين العالمية والخصوصية.

وفي هذا الإطار يتطلب الأمر استراتيجيات وطنية تدمج البعد التكنولوجي بالبعد الثقافي، وتربط بين التحول الرقمي والسيادة الرمزية. فالمسألة لا تتعلق بموقف دفاعي من التكنولوجيا، بل بإعادة تعريف العلاقة معها. الإعلام الرقمي مجال مفتوح لإنتاج المعنى، ويمكن أن يكون فضاءً لتعزيز التنوع الثقافي بقدر ما قد يهدده. يتوقف ذلك على مستوى الوعي الفردي، وعلى قدرة المؤسسات على مواكبة التحول. فالهوية في العصر الرقمي ليست معطى منغلقاً، بل مشروعاً مستمراً يتطلب مشاركة واعية. إنّ القدرة على الجمع بين الانفتاح العالمي والتجذر المحلي تمثل الرهان الحقيقي.

تعيش الهوية اليوم مرحلة إعادة تشكيل عميقة تحت تأثير الإعلام الرقمي، حيث تتقاطع التكنولوجيا بالثقافة، والاقتصاد بالرمز، والفرد بالجماعة. التحدي المطروح لا يتمثل في إيقاف هذا التحول، بل في توجيهه بما يحفظ التوازن بين التطور التقني والاستمرارية الثقافية. إن بناء وعي نقدي، وتعزيز الحضور الثقافي في الفضاء الرقمي، يمثلان المدخل الأساس لصون الهوية في زمن الشبكات.

***

د. مصطفى غَلْمان

 

مقال في إهدار الوعي الجمعي

وكأن الزمن يمر بنا مرور الغريب، بينما نمكث نحن في تفاصيله الصغيرة، نختلف حول الصوت والهيئة والمشهد العابر، ونترك السؤال الأكبر معلقا: ما الذي نصنعه بمستقبلنا؟

لسنا متأخرين لأننا فقراء، بل لأننا نبدد أثمن ما نملك: وعينا. نقف على قارعة الزمن نختلف حول صوت ميكروفون، وحركة ساق في مقعد مترو، وبرنامج تلفزيوني موسمي، بينما تدور في مكان آخر من هذا الكوكب عقول لا تنام، تنقب في المجهول، تفكك الشيفرات، وتعيد تعريف حدود الإنسان..  ويتم صياغه خرائط المستقبل. بينما نحن نسأل: هل هذا الاختراع حلال أم حرام؟

هم يسألون: هل يخفف ألما؟

 هل ينقذ حياة؟

 هل يضيف معنى إلى الوجود؟

الإنسان هناك هو القيمة العليا، والكرامة البشرية هي المقدس الوحيد الذي تبنى حوله الفلسفات والسياسات والعلوم. أما نحن، فنستنزف طاقتنا في معارك رمزية، ننتصر فيها صوتيا وننهزم حضاريا. نقيم الدنيا لأجل تافهين السوشيال ميديا، ولا نقيمها لأن مختبرا أُغلق، أو لأن عقلا هاجر، أو لأن باحثا يائسا ترك حلمه تحت ضغط السخرية وقلة التقدير.

المشكلة في ترتيب الأولويات، حين تصبح لدينا  القشور قضايا وجود، ويغدو الهامش مركزا، ويتحول الجدل إلى بديل عن الإنجاز، ندرك أننا لم نخرج من التاريخ، بل خرج التاريخ منا.

للأسف هناك عقل يسابق المستقبل، وهنا عقل يحرس الماضي كأنه آخر حصون الهوية. نحن نصنع  من التفاصيل الصغيرة معارك كبرى، بينما المعارك الحقيقية  مع الفقر، والجهل، والمرض، والتراجع العلمي  مؤجلة دائما إلى إشعار آخر.

غرقنا في جدل لا ينتج سوى مزيدا من الدوران في الحلقة ذاتها

في مختبراتهم مثل معهد ماكس بلانك تفكك أسرار الحياة نفسها

بينما نحن ما زلنا نفكك نوايا بعضنا البعض.

عندما قال فرانسيس بيكون عبارته الشهيرة: «المعرفة قوة». لم يكن يقصد قوة السيطرة فحسب، بل قوة التحرر من الخرافة، ومن الخوف، ومن العجز. وقال إيمانويل كانط في تعريفه للتنوير: «لتجرؤ على استخدام عقلك». الجرأة هنا ليست تمردا أخلاقيا، بل شجاعة حضارية؛ شجاعة أن نخضع أفكارنا للفحص، وأن نخضع عاداتنا للسؤال، وأن نخضع أولوياتنا لميزان الإنسان لا لميزان الضجيج.

أما كارل بوبر فكان يرى أن المجتمع المنفتح هو ذاك الذي يسمح بالنقد، لأن النقد هو شرط التقدم. وفي المقابل، كل مجتمع يخشى السؤال، إنما يخشى التقدم ذاته. لقد عرفت أوروبا عصورا كاملة انشغلت فيها بمحاكمات الأفكار بدل تطويرها، حتى جاء زمن قيل فيه إن لا مقدس فوق الإنسان وحقه في المعرفة.

هناك تغيّر المسار. هناك انتقلت الأولوية من حماية الرمز إلى حماية الكرامة البشرية. للأسف نستنزف وعينا في معارك رمزية، ونترك المعارك الحقيقية بلا جنود:

معركة التعليم الرديء،

معركة البحث العلمي المهمل،

معركة العقل الذي يهاجر لأنه لم يجد بيئة تحترمه.

حين يصبح الإنسان هو القيمة العليا، يتغير ترتيب الأشياء.

يصبح السؤال: كيف نخفف الألم؟

كيف نمنح الطفل تعليما أفضل؟

كيف نحفظ كرامة المرأة والرجل معا؟

كيف نصنع معرفة تنتج قوة لا تبعية؟

الحضارة ليست مباني شاهقة،

ولا شاشات مضيئة،

بل قدرة على توجيه الطاقة الجمعية نحو هدف أسمى من الجدل.. هي أن يتحول القلق إلى بحث، والإيمان إلى عمل، والحرية إلى مسؤولية

ولنعلم ان أمةً تقدس الجدل أكثر مما تقدس الإنجاز، وتحاكم السلوك الفردي أكثر مما تحاكم الفشل المؤسسي، إنما تؤجل سقوطها وهي تظن أنها تدافع عن هويتها.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

أين تقوم مشكلتنا الثقافية ـ الإجتماعية كعرب، على مستوى العلاقة بين الرجل والمرأة على وجه التحديد؟

من وجهة ثقافية صرف، قد يكون البناء الفلسفي للذائقة العربية هو المسؤول الأول عن تردي نوعية وسمو، أطر وأوجه التعبير والسلوك، لهذه العلاقة الجوهرية، التي تمثل أساس البنى الإجتماعية والأخلاقية والقيمية للبناء الإجتماعي ككل، وبنائه الثقافي ـ السلوكي على وجه التخصيص.

هناك قضية أثبتها العلم وبما لا يدع مجالا للشك في حقيقتها، وهي أن كل إنسان يتكون من بناء جيني، ذكري وأنثوي، في صلب تكوينه الفسلجي، وغلبة أي من هذه الجينات على صاحبتها هو من يمنح الجنين جنسه أو تركيبته وهويته الجنسية، ذكرا أو أنثى.. بمعنى إن كانت الغلبة لقوة وحجم الجينات الذكرية فسيكون جنس الجنين ذكرا، وإن جاءت الغلبة البنيوية للتركيبة الجينية للجينات الأنثوية، فهذا يعني أن جنس المولود الجديد سيكون أنثى..، ولكن غلبة أو طغيان أي من هذه الجينات ولدرجة منحها للجنين هويته الجنسية، لا يعني بالمطلق موت أو غياب جينات تركيبته التي تمثل الجنس الآخر، وإنما عملية تغييبها تكون فعلا (ثقافيا) صرفا... في التكوين، وفيما بعد بالثقافة الإجتماعية.. بمعنى أن البنية الثقافية، بإرثها ومرجعياتها الفكرية، هي المسؤولة عن تغييبها (من ناحية التركيب والأثر والتقبل السيكلوجي)، وبحسب بنية الوعي والبنية الثقافية والذوقية للعملية الإجتماعية التي تحكم حياة أي مجتمع من المجتمعات البشرية.

وفي ما يخص البنية الثقافية العربية ومرجعياتها في هذا الجانب، وهي بنية بدوية صحراوية تقوم على فكرة القوة والغلبة؛ فهذا يعني أن البنية الثقافية العربية، ولعدم إستنادها على بنية فلسفية (بحثية وتحليلية) تكون هي المسؤولة عن إعدام التركيبة الجينية المتراجعة أو الخاسرة في معركة تحديد جنس المولود (وإستبعادها بإعتبارها عارا أخلاقيا وقيميا يحط من قيمة صاحبه)، ولإعتبارات إجتماعية صرف تقوم على فكرة الخجل من إظهاره أو الإعتراف بالدور التكويني لتلك الجينات المتراجعة الدور للمرتبة الثانية وأثرها الذي يبقى يطل برأسه في بعض المناسبات السلوكية، على مستوى الحاجات، والذي تفهمه المرأة وتختصرها بمقولة (الرجل، أي رجل في حضور المرأة ـ على مستوى الحاجات النفسية ـ هو مجرد طفل كبير).

وعلى أساس هذا الفهم تقوم فكرة التربية للعائلة العربية على إعدام (بالتجاهل والمحق الظاهري طبعا) دور الجينات المتراجعة في روع وثقافة المولود بالتنشئة والتربية الإجتماعية والأخلاقية، بدفع المولود الذكر لأن يكون شديد ومكتمل الرجولة، وأن تكون الأنثى شديدة الوعي بإنوثتها لتكون امرأة كاملة.

أما تمظهر هذا البناء الإشكالي على أرض الواقع فيكون نابعا ومحصورا ومحكوما بفهم الخوف من التراجع في أي لحظة.. بمعنى أن الرجل يعمد للمبالغة في بناء ثقافته الذكورية لبسط سيطرته وهيمنة قبضته على المرأة، وهو ما يجبر المرأة على حصر تفكيرها في هذا الجانب، كرد فعل، على التسلح بما يسمح لها بالتمتع بجزء من سطوة أو حاجة جيناتها الذكرية، ومن هنا تظهر مشكلة الصراع وجنوح أوجه تمظهر وأوجه تعبير تلك الحاجات عن نفسها في جانب العلاقة عن قرب، في وجهها الحميمي وشكل تعبيره عن نفسه في نساج العلاقة الجنسية على وجه الخصوص، وهو الصراع الأزلي الذي عادة ما يتحول إلى صراع ارادات، ينتهي بفوز أحد طرفي العلاقة وخضوع الطرف الثاني، إستنادا إلى قوة فعل الجينات المتراجعة الدور وإيمان صاحبها بحاجته لها ولدورها في تركيبته النفسية.

ونظرا لهيمنة سلطة الخوف من سوء فهم الشريك وإستخدام (لحظة الضعف تلك) في الكشف عن الحاجة لتلبية حاجة البناء الجيني المتراجع خطوة إلى الوراء، للشريك (الآخر)، في العلاقة الحميمية على وجه الخصوص، كورقة ضغط (في حالات الخصام على وجه الخصوص) نرى أن كلا الشريكين يضطر لإشباع تلك الحاجة بطريقة ملتوية أحيانا قليلة، أو بطريقة الثورة المضادة أو العكسية، في أغلب الأحيان، والتي تنتج حالات التصرف السادي من قبل الذكر، وحالة التقبل الماسوشي من قبل الأنثى... وطبعا بطريقة مبالغ فيها وتصل حد الإنتقام في الذكر، وحالة جلد الذات والتلذذ بفظاعة الألم في حالة الأنثى، وطبعا كلا الطريفين محكومين بفكرة العار أمام المجتمع، في حالة تشهير الطرف الثاني بحاجة شريكه.

طبعا من نافلة القول أن نذكر هنا أن هذه القضية الإشكالية هي من المحرمات الإجتماعية، ويعتبر الخوض فيها وعرضها وطرحها للنقاش، أمرا محرجا... بل وخادشا للحياء والكرامة... ولكبرياء الرجل، على وجه الخصوص؛ ولذا فإنها بقيت دون نظر وتنظير يضعها في دائرة الضوء ويعالجها على مستوى الإعتراف والفهم والتقبل من قبل المنظومة الإجتماعية، والثقافية فيما بعد؛ ولذا فإنها بقيت معلقة، دون أن تتنازل عن حقها في الفهم والتقبل، رغم أنها لا تطالب بأكثر من تأسيس أرضية واعية لتفهم وجودها والإعتراف بدورها المؤثر في بناء شخصية الإنسان.

إذا الذات الإنسانية، بوجودها العياني الظاهر، هي مجموعة من التصورات الثقافية ـ الإجتماعية المفروضة من الخارج، وليست مجموعة التركيبات والبنى الفطرية المكونة للذات، وخاصة في الجانب السيكلوجي للإنسان؛ وعليه نرى أن أغلب الناس ينطوون على مجموعة من الأمراض والعقد النفسية التي تبقى معلقة، والتي تقود الفرد بإتجاهات الإنحرافات الجنسية، التي تتحول بدورها إلى أمراض وحالات عقدية مكبوتة تسبب الإنحرافات والنوازع النفسية الشاذة.. وفي المحصلة فإن كل هذا هو إشكالية ثقافية على مستوى البنى والفهم وطرق التعامل والمعالجة.

***

سامي البدري

قراءة في فلسفة الفساد وهندسة الوعي المأزوم

ماهية الرخاوة وتجلياتها الإبستمولوجية؟

يمثل مفهوم "الدولة الرخوة" حجر الزاوية في فهم التحولات البنيوية العميقة التي تعصف بالمجتمعات النامية، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا. إن الرخاوة، كما صاغها عالم الاقتصاد الحائز على نوبل غونار ميردال، لا تعني بالضرورة ضعف الأدوات القمعية للسلطة، بل تعني غياب الانضباط الاجتماعي، وسيادة الانتقائية في تطبيق القانون، وتفشي المحسوبية التي تآكل جسد الدولة.

إن التشويه الذي يطال الحياة الاجتماعية في هذه الدول ليس مجرد خلل عارض في مسار التحديث، بل هو إشكالية وجودية تكمن في تقاطع نيران أيديولوجيات التطرف العنيف من جهة، واستراتيجيات التثبيت السلطوي التي تعمد إلى صياغة وعي جمعي مأزوم من جهة أخرى. إن تقصي الآليات التي تتحول من خلالها رخاوة الدولة إلى أداة لتدمير النسيج الاجتماعي يضعنا أمام تساؤل جوهري: هل هذا التشويه هو نتاج حتمي للفوضى، أم أنه "هندسة اجتماعية سلبية" مقصودة تهدف إلى تجهيل المجتمع لضمان ديمومة السلطة المأزومة؟

سوسيولوجيا الانهيار: الفساد كبنية مشوهة للحياة الاجتماعية

في ظل الدولة الرخوة، يتوقف الفساد عن كونه "استثناءً" ليصبح هو "القاعدة" التي تنظم العلاقات الاجتماعية. هذا التحول البنيوي يؤدي إلى تشويه عميق في منظومة القيم؛ حيث تنهار الأخلاق الكلية أمام ضغوط الحاجة والتهميش. من منظور فلسفي، يمكن استحضار رؤية عبد الوهاب المسيري حول "العلمانية الشاملة"، حيث يتم "تنميط الإنسان" وتحويله إلى مادة استعمالية، فتفقد العلاقات الإنسانية قدسيتها وتتحول إلى تبادل نفعي صرف.

آليات تسرب الفساد من القمة إلى القاعدة

يبدأ الفساد من مراكز اتخاذ القرار في السلطتين التنفيذية والتشريعية، ويمتد كمرض عضال ليشمل القضاء والمؤسسات الأكاديمية، وصولاً إلى أدنى مستويات التعامل اليومي. وفي هذا السياق، يبرز مستويان من الفساد يساهمان في تشويه الحياة الاجتماعية:

فساد النخب (فساد الحيتان): وهو المرتبط بالاستيلاء على المال العام والتهرب الضريبي، مما يؤدي إلى "الاغتراب الاجتماعي" حيث يشعر المواطن بأنه غريب في وطنه الذي تنهب مقدراته.

الفساد المجتمعي (الفساد الصغير): حيث يصبح الفرد مجبراً على دفع الرشاوي لقضاء أبسط حوائجه. هنا يتحول الفساد إلى "آلية بقاء"، ويحدث ما يسميه علماء الاجتماع "تطبيع الرذيلة"، إذ يكف المجتمع عن استهجان السلوك الفاسد طالما أنه يحقق غاية آنية.

تفكيك الركائز الاجتماعية: الأسرة والتعليم والإعلام

يتجلى هذا التشويه المتعمد في استهداف الحواضن الثلاث الكبرى لبناء الإنسان:

تهتك النسيج الأسري: نتيجة الضغوط المادية، يفقد الكيان الأسري قدرته على التنشئة السوية، وتتحول الأسرة من وحدة تضامن إلى وحدة صراع، مما يسهل اختراق أفرادها من قبل الجماعات المختلفة.

انهيار العملية التعليمية: تتحول الجامعات من منابر للتحرر العقلي -كما نادى باولو فريري في كتابه "تعليم المقهورين"- إلى مؤسسات متهالكة تفتقر للمعايير، حيث تنتشر "تجارة الشهادات" ويسود "الهدر المعرفي"، مما ينتج أجيالاً تمتلك المؤهلات وتفتقر للوعي النقدي.

تزييف الوعي الإعلامي: يتحول الإعلام إلى أداة للسيطرة على العقول عبر نشر السطحية وتغييب الحقائق، مما يخدم توجهات السلطة في بناء "مجتمع الفرجة" الذي ينشغل بالهوامش عن الجواهر.

أيديولوجيا التطرف كاستجابة للرخاوة المؤسسية

يطرح الواقع تساؤلاً حول ما إذا كان التطرف هو السبب في تشويه الحياة الاجتماعية أم هو نتيجة لهذا التشويه. تشير القراءات النقدية إلى أن غياب سيادة القانون يخلق "مناطق رمادية" وجيوباً اجتماعية لا تصلها سلطة الدولة، مما يجعلها ملاذاً آمناً للتنظيمات المتطرفة.

المظلومية والعدالة البديلة

عندما يفشل النظام القانوني الرسمي في حماية الحقوق، ينمو شعور حاد بـ "المظلومية الاجتماعية". هنا تقدم الجماعات المتطرفة نفسها كـ "مخلص" يوفر منظومة قانونية موازية. إن الفرد في الدولة الرخوة لا ينجذب للتطرف إيماناً بأيديولوجيته بقدر ما ينجذب إليه بحثاً عن "يقين زائف" أو "عدالة مفقودة" في ظل دولة عاجزة.

الهندسة الاجتماعية السلبية: الوعي المأزوم كاستراتيجية بقاء

تشير التحليلات العميقة إلى الانتقال من اعتبار التشويه "فشلاً تقنياً" للدولة، إلى اعتباره "استراتيجية بقاء". تبرز هنا فكرة "الهندسة الاجتماعية السلبية" التي تسعى لإعادة صياغة المجال العام لضمان عدم قدرة المجتمع على الفعل التغييري من خلال:

التجهيل كأداة للضبط السياسي: عبر إغراق المجتمع في صراعات هوية ثانوية (طائفية، فئوية) لضرب الوعي السياسي الذي يُعتبر العدو الأول للنظم المأزومة.

تفريغ الإرادة (الاستلاب): تحويل المواطن من "فاعل سياسي" إلى مجرد "زبون" يبحث عن إشباع حاجاته الاستهلاكية، مما يفقده استقلاله الذاتي وكرامته، وهو ما ينسجم مع أطروحة إتيان دي لا بويسي حول "العبودية المختارة".

الاستغراق في الواقع الافتراضي: استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ليس كأدوات للتحرر، بل كقنوات لنشر التفاهة وتزييف الواقع، حيث يبدو القهر وكأنه خيار ذاتي أو قدر لا مفر منه.

إدارة مدركات الفساد والشرعية

تستخدم الأنظمة السلطوية "مدركات الفساد" كأداة سياسية؛ فهي قد تسمح بانتشار الحديث عن الفساد لزعزعة الثقة في البدائل السياسية، أو لتبرير إجراءات استثنائية وقمعية بدعوى "محاربة الفساد". هذا التلاعب يساهم في خلق شعور عام بالعدمية واللاجدوى، مما يُنتج مواطناً يفضل "الخلاص الفردي" على "الفعل الجماعي".

الوعي السياسي الجمعي: من التأزم إلى التحرر

إن الخروج من حالة "الوعي المأزوم" يتطلب بناء وعي جمعي فاعل قادر على الفصل بين "الدولة" ككيان وطني دائم و"النظام" كإدارة سياسية مؤقتة. هذا الوعي يتطلب ما يسميه يورغن هابرماس "الفعل التواصلي"، الذي يقوم على الحوار العقلاني والشفافية لإعادة بناء المجال العام المخطوف.

 ترميم النسيج المهترئ

إن تشويه الحياة الاجتماعية في الدولة الرخوة ليس حادثاً عرضياً، بل هو نتاج تآزر مدمر بين أيديولوجيات التطرف واستراتيجيات سلطوية تعمد إلى هندسة "وعي مأزوم". ومع ذلك، فإن هذه الحالة ليست قدراً محتوماً؛ فبناء الوعي السياسي، وإعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة الفاعلة، والتمسك بسيادة القانون، هي الأدوات الوحيدة القادرة على ترميم النسيج الاجتماعي وبناء دولة تحفظ كرامة الإنسان وحقوقه. إن التحدي الأكبر يكمن في كسر حاجز الخوف والجهل، والانتقال من حالة "الخلاص الفردي" إلى حالة "الفعل الجماعي" الذي يضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.

***

غالب المسعودي

.......................

المراجع

ميردال، غونار (1968): الدراما الآسيوية: بحث في فقر الأمم.

المسيري، عبد الوهاب (2002): العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية، دار الشروق.

فريري، باولو (1970): تعليم المقهورين، ترجمة يوسف نور عوض.

دي لا بويسي، إتيان (1576): مقال في العبودية المختارة.

فوكو، ميشيل (1975): المراقبة والمعاقبة، (في سياق تحليل السلطة الحيوية).

في سياق الجهد الفكري والمعرفي الذي بذله المفكر الجزائري مالك بن نبي، على فحص وتحليل ظاهرة الاستعمار ولقد أبدع بن نبي حينما صاغ مفردة ومفهوم {القابلية على الاستعمار} وأن هذه القابلية هي التي تهيإ الأرضية والمناخ السياسي والاجتماعي للقبول الفعلي بالحركة الاستعمارية. وانه لا يمكن مواجهة الاستعمار مواجهة فعلية وحقيقية بدون إنهاء حالة القابلية للاستعمار في نفوس وعقول الناس. ولقد اعتبر هذا المفهوم مثابة المفتاح السياسي لفهم الكثير من الظواهر والممارسات التي رافقت الاستعمار في العديد من البلاد العربي ة والإسلامية. وانطلاقا من مضمون هذا المفهوم الذي صاغه بن نبي، نتمكن من فهم العديد من الظواهر التاريخية والاجتماعية والسياسية في البلدان العربية والإسلامية. ولو تأملنا في كل الظواهر السياسية التي سادت في المنطقة العربية نتمكن من فهمها بشكل دقيق من خلال العدة النظرية والمفهومية التي صاغها بن نبي حين الحديث عن القابلية على الاستعمار. بحيث أضحت هذه العدة النظرية بمثابة خريطة الطريقة لفهم العديد من الظواهر السياسية والاجتماعية في الفضاءين العربي والإسلامي. وفي سياق ابتلاء المنطقة العربية والإسلامية اليوم بظاهرة الطائفية وقدرة هذه الظاهرة الخطيرة على تمزيق كل المجتمعات والشعوب، لنتمكن من دحر خطر هذه الظاهرة أو الحد من غلوائها من دون العمل على تفكيك حالة القابلية الموجودة في النفوس والعقول للانخراط في الفعل والممارسة الطائفية. ولا يمكن على المستوى الواقعي من مواجهة الطائفية بكل صورها وأشكالها، إلا بإنهاء وتفكيك ظاهرة القابلية إليها والخضوع إلى مقتضياتها. ولو تعمقنا في ظاهرة الممارسات الطائفية، لوجدنا إن أكثر المتورطين بهذه الممارسات يحملون القابلية النفسية والثقافية للانخراط في كل الممارسات الطائفية. وان هذه الممارسات لن يتمكن احد من إنهاءها إلا بتفكيك ظاهرة القابلية النفسية والثقافية للانخراط في السلوك والممارسات الطائفية. ولكي تتضح كل أبعاد هذه القابلية، سنحاول أن نوضح هذه الأبعاد من خلال النقاط التالية:

1.  واهم من يعتقد انه يدافع عن حقوقه وذاته الاجتماعية حينما يخرط في الفعل والممارسة الطائفية. لان الخضوع للفعل الطائفي هو احد مصادر تضييع الحقوق. ومن ينخرط في الممارسة الطائفية بدعوى الدفاع عن الذات وحقوقها، هو يوفر المناخ المؤاتي لإنهاء أو تدمير كل خطوط الدفاع عن الذات وحقوقها ومصالحها. الطائفية مرض خطي در ف ك ل أح وال ه ا وظروفها، ولا يمكن أن تدافع عن مجتمع بإسقاطه فمرض الطائفية. فالأمراض لا تدافع عن الحقوق والمصالح. لذلك نهب بكل الإفراد والمجتمعات الذين يطمحون إلى الدفاع عن حقوقهم ومصالحهم، لعدم الوقوع في رذيلة الطائفية. لان هذه الرذيلة تدمر كل ممكنات الانعتاق من كل هذه الأمراض التي تدمر كل المناخ الصحي الذي يحفظ الحقوق والمصالح للجميع. ومن يعتقد انه حينما يخضع للمقولات الطائفية هو يدافع عن حقوق جماعته ومصالح مجتمعه هو يزيف وعي الجميع. من يريد أن يدافع عن جماعته ومجتمعه، عليه أن يطهر نفسه وعقله من كل جراثيم الطائفية.

2.  من هنا تتأكد الحاجة النفسية والمعرفية للانعتاق من كل الممارسات الطائفية سواء كانت هذه الممارسات تنتمي إلى حقل الطائفية الناعمة أو تنتمي إلى حقل الطائفية الصلبة أو الخشنة. والمجتمع الذي يخضع لكل المقولات الطائفية هو يمارس التدمير الذاتي ويساهم بشكل مباشر في تنمية كل عوامل الفرقة والتشظي في حياته الداخلية. الطائفية مرض خطير ووجود غلبة لهذا الطرف أو ذاك، أو وجود ممارسة طائفية من هذا الطرف أو ذاك، ينبغي أن لا يشجع احد على الوقوع في مهاوي الطائفية. فلنعمل بوعي وحكمة لتطهير نفوسنا وعقولنا من كل جراثيم الطائفية ومن خلال عملية التطهير نتمكن من تحصين واقعنا الاجتماعي والثقافي من الوقوع في مهاوي الطائفية. ونقولها بصراحة تامة، لا تعالج المشاكل الطائفية بصنع مشكلات مماثلة ومقابلة للطرف الذي يؤجج الأزمات الطائفية. الطائفية بكل رموزها وزخمها التمزيقي، لا تدافع عن حق أو مجتمع ومن يعتقد أنه لا يمكن وقف صعود هذه القوة أو تلك بإشغالها بالأزمات الطائفية، هو يعمل بدون وعي على توسيع دائرة الحريق في الأمة والمجتمعات العربية والإسلامية.

بعيدا عن التلاوم المتبادل وتوزيع تهم من بدأ ومارس الطائفية ومن ذهب إليها كردة فعل. نقول بعيدا عن هذا التلاوم الذي يؤكد المنطق الطائفي ولا يتحرر منه. تعالوا معا نبرأ لله سبحانه تعالى من كل الممارسات الطائفية ونقف معا على أرضية احترام التنوع الموجود في الأمة مع صيانة عزة الأمة ووحدتها الداخلية. فالطائفية قيد على الجميع، ولا يمكن أن نعتقد أن القيود تحقق انتصارات أو مكاسب. وجود ممارسات طائفية ينبغي أن لا يدفعنا إلى الخضوع إلى المنطق الطائفي بل على العكس ينبغي أن يدفعنا على

التعالي على كل الجراحات المذهبية والطائفية. بهكذا ممارسة نفكك كل عناصر القابلية النفسية والثقافية للخضوع للمنطق الطائفي. وان التساهل مع الحرائق الطائفية سيدمر كل عوامل الوحدة والتماسك في كل مجتمعاتنا العربية والإسلامية. وعليه فإن كل من يريد أن يحافظ على وحدة وطنه ومجتمعه، عليه أن يعمل نفسيا وثقافيا لتحرير مجتمعنا من كل سمات القابلية على التطرف والطائفية، فهو سبيلنا للتحرر من كل موبقات الطائفية ومتوالياتها المدمرة لكل أسباب الاستقرار السياسي والاجتماعي.  

***

محمد محفوظ

 

في قصة كافكا (أمام القانون)، وردت المحاورة الآتية:

(أمام القانون يجلس حارس البوّابة، يأتي إلى هذا الحارس رجلٌ من الريف يطلب منه الدخول على القانون.

لكنّ حارس البوّابة يقول إنه لايستطيع منحه حقّ الدخول في الوقت الحالي.

يفكّر الرجل في الأمر، ثم يسأله عمّا إذا كان سيسمح له بالدخول في وقتٍ لاحق.

(هذا ممكن) يقول حارس البوّابة، (ولكن ليس في الوقت الحالي). ......

.... جرّب الدخول بالرغم من ممانعتي

ولكن انتبه، أنا قويٌ للغاية، أنا حارس بوّابة متواضع فحسب.

ولكن ما بين غرفة وأخرى يوجد حًرّاس بوابة، كلٌ واحدٍ منهم أقوى من الآخر. لايمكنني تحمّل نظرة واحدة فقط من الحارس الثالث).

لم يتوقّع الرجل الريفي مثل هذه الصعوبات: من حقّ الجميع الوصول إلى القانون، ويجب أن يكون ذلك سهلاً وفورياً، كما يعتقد.(1)

اذاً حسب كافكا، الأديب ورجل القانون، هنا محل الشرح الكافي؛ فإن الريفي (المواطن البسيط الخال من الثروة والنفوذ) يريد ان يحصل على الإنصاف عبر القانون ولكن هناك (حراس متعددون) وطرق (اجراءات) وعرة يجب ان يقطعها ليمضي في طريقه للوصول الى الإنصاف.

السؤال هنا؛ هل الطريق الى الإنصاف يجب ان يكون منصفاً ايضاً اخذاً بالاعتبار (الحياد الإجرائي والكرامة الإنسانية؟) ام أن الامر لايهم مادام ان المواطن سيحصل على حقه في النهاية.

مجلس الدولة الفرنسي الذي رغم رفضه مراراً اعتبار الآداب العامة عنصراً من عناصر النظام العام (2)، حتى لا تتوسع صلاحيات الشرطة والإدارة وتحد من حريات المواطنين، ولكنه في عهد قريب، اضاف عنصراً رابعاً هو (حفظ الكرامة الإنسانية) كقاعدة عامة في الاجراءات الادارية والرقابة على الإعلام والاعمال الفنية والأدبية. (3)

لكي نستوعب الفكرة التي تتحدث عن الإنصاف في الإجراءات، هنا لابد ان نبدي بعض الملاحظات:

إذا أصدر القاضي حكماً لصالحك او ليس في صالحك في شكوى ضدك بسبب مخالفتك للقانون، أو اذا اوقفك رجل المرور وقام بتغريمك بسبب وقوفك في مكان ممنوع الوقوف فيه، واذا راجعت جهة ادارية طلباً لوثيقة معينة وقامت بمنحك اياها او امتناعها لسبب قانوني،

وإذا كنت استاذاً جامعياً وقدمت بحثاً للترقية، وقُبل بحثك أو طلب منك اعادة النظر فيه موضوعياً او شكلياً ...،

فإن ما حصل انما يدخل في نطاق العدالة الموضوعية (4)، ولو من حيث الظاهر.

ولكن ماهي العدالة الإجرائية؟

لو رجعنا الى مثال رجل المرور الذي قام بتغريمك فالعدالة الاجرائية هي فعل سابق للحكم بالغرامة، فالعدالة الإجرائية تتمثل بالإجابة على الاسئلة التالية:

هل عاملك بإحترام؟، هل كانت هناك علامة مرورية تمنع الوقوف في هذا المكان؟ هل سألك عن سبب وقوفك في مكان ممنوع (فقد يكون سبب الوقوف هو عطل السيارة)... في النهاية هل كان رجل المرور محايداً غير متحيز، بمعنى هل عاقبك بينما مرر المخالفين الآخرين دون عقوبة؟

الإجابة على هذه الأسئلة هي في الواقع تشكل بمجموعها ما يعرف بالعدالة الاجرائية التي تسبق النتيجة.

ما هي فلسفة وأهمية العدالة الإجرائية؟

تشير فكرة مفهوم العدالة الإجرائية إلى أن معاملة الناس بإنصاف وعدل خلال الإجراءات القضائية والإدارية وغيرها من المعاملات الروتينية تعزز التصورات الإيجابية لهذه الأجراءات، بغض النظر عن النتيجة.

ويؤكد هذا المفهوم على الاحترام، والمصداقية، والحياد، والإستماع بشكل كاف للآراء عند اتخاذ القرارات واتباع الإجراءات، مما يساعد في نهاية المطاف على بناء الثقة وتعزيز مفاهيم العدالة.

وبطبيعة الحال يمكن تطبيق العدالة الإجرائية في مختلف الأنظمة التي تتخذ فيها الشخصيات ذات السلطة القرارات، كما هو الحال في علاقات العمل بين أصحاب العمل والعمال والموظفين، والنزاعات في البيئات التعليمية، ونظام العدالة، ومرتكز الشرطة والمؤسسات العقابية.

وعندما يشعر الناس بأنهم قد عوملوا بإنصاف واحترام أثناء عملية صنع القرار، فإن ذلك يتمم بناء الثقة والامتثال للقانون والإجراءات

اصل مفهوم العدالة الاجرائية:

طُرح مفهوم العدالة الإجرائية لأول مرة كمفهوم نفسي في أوائل سبعينيات القرن العشرين. وكان علماء النفس جون ثيبو، ولورنس ووكر، وتوم آر. تايلر من أوائل الخبراء الذين طرحوا هذه الفكرة على الرأي العام. وقد قاموا بتحليل تجريبي للإجراءات المستخدمة في حل النزاعات الجنائية، بما في ذلك التحكيم والفصل في القضايا، وسرعان ما بدأوا في إيجاد روابط ارتباطية مثيرة للاهتمام بين التكتيكات المستخدمة أثناء التحكيم والفصل في القضايا، وردود الفعل الذاتية للأفراد المعنيين بتلك التفاعلات.

وبدأ الباحثون بدراسة هذه التفاعلات، وخلصوا في النهاية إلى أن الممارسات العادلة والنزيهة من قبل الأشخاص ذو السلطة ترتبط بردود فعل أكثر إيجابية من الأشخاص الذين يتعاملون معهم.

وبمرور الوقت وانتشار البحث في هذه المسألة، أدرك الباحثون الذين يدرسون هذه الظاهرة أن الطريقة التي تُدار بها القضايا في المحاكم من قِبل السلطات القضائية مثلاً، لها تأثير كبير على ردود فعل الأشخاص الذين يلجؤون إلى النظام القضائي.

فإذا شعر الناس أن قضاياهم تُعالج بنزاهة وحياد، ستكون ردود أفعالهم إيجابية، مما يُعزز شعورهم بشرعية النظام، ويؤمنوا بالنتائج ولو لم تكن لصالحهم.

أما إذا شعروا أن قضاياهم تُعالج بظلم وبتحيز، فستكون ردود أفعالهم سلبية تجاه النظام، مما يُفقده شرعيته، باعتبار ان الشرعية تستند على القبول الشعبي (الشعب مصدر السلطات).

في هذه الحالات، لم يتناول الباحثون مسألة فوز الفرد في القضية من عدمه، بل تناولوا فقط كيفية إدارة قضيته، وقد أطلقوا على هذه الدراسة اسم "العدالة الإجرائية"، او الإنصاف الأجرائي.

نتائج العدالة الإجرائية:

عندما يشعر الأفراد الذين يتعاملون مع نظام العدالة بأنهم يُعاملون بإنصاف وأن لهم صوتاً مسموعاً في العملية، فمن المرجح أن يقبلوا النتائج القانونية، ويمتثلوا لأوامر المحكمة، ويتبعوا القانون في المستقبل - بغض النظر عن نتيجة قضيتهم.

اذ يتناول مفهوم العدالة الإجرائية فكرة العمليات العادلة، وكيف يتأثر إدراك الناس بالعدالة بشكل كبير بجودة تجاربهم، وليس فقط بنتائجها النهائية.

وقد طُبقت نظرية العدالة الإجرائية في سياقات متنوعة، تشمل علاقات مشرفي العمل بالموظفين داخل المؤسسات الصناعية، والمؤسسات التعليمية، ونظام العدالة الجنائية، والمؤسسات العقابية.

وفي سياق العدالة الجنائية، ركزت معظم أبحاث العدالة الإجرائية على تفاعلات المواطنين مع الشرطة.

تخيّل هذا الموقف للحظة: سائقٌ أوقفه شرطي. ما الذي يُحدّد انطباع السائق عن هذه التجربة؟

أظهرت دراساتٌ واسعة النطاق أن انطباع السائق عن جودة هذا اللقاء لا يعتمد كثيرًا على نتيجته، أي ما إذا كان قد تلقّى مخالفةً أم لا، بل يعتمد أكثر على ما إذا كان قد شعر بأنه عُومل بطريقةٍ عادلةٍ إجرائيًا.

يعتقد علماء النفس ان تصورات الأفراد عن المواجهات العادلة إجرائياً تستند إلى أربعة سمات أساسية لتفاعلاتهم مع السلطات القانونية،

1- حرية التعبير: هل أُتيحت لهم فرصة التعبير عن آرائهم أم لا؟

ويُقصد بحرية التعبير الشعور بأن صوتهم مسموع. فالأفراد الذين يمرون عبر النظام القضائي يرغبون في الشعور بأن لديهم فرصة لسرد قصتهم وإسماع وجهة نظرهم.

ويؤكد أنصار العدالة الإجرائية أن أهمية حرية التعبير هي السبب وراء استمرار شعبية الإجراءات غير الرسمية في نظام الوساطة لحل النزاعات بين الافراد(5).

كما يرون أن فرص الأفراد في الدفاع عن أنفسهم أمام المحكمة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بشعورهم بالرضا بغض النظر عن الحكم النهائي للقاضي.

2- الحياد: أي فما إذا كان صانع القرار محايداً وشفافاً؟

يُشير الحياد إلى الثقة في أن الموقف سيُعالج بطريقة عادلة ونزيهة، والإعتقاد بأن القضاة سيتخذون قرارات غير متحيزة. والمعتاد ان يطبق القضاة المحايدون حول العالم القانون بشكل متسق طوال مسيرتهم المهنية، ويتصرفون بشفافية وانفتاح. ونادراً ما يقدمون استثناءات خاصة، وتستند آراؤهم في الغالب إلى المبادئ، لا إلى الآراء الشخصية.

3- الإحترام: هل عوملوا بكرامة واحترام؟ يشير الاحترام إلى المشاعر التي يُثيرها المسؤولون في نفوس الحاضرين في المحاكم، وأهمية التحلي باللباقة والاعتراف بحقوق الافراد.

ويرى أنصار العدالة الإجرائية أن ضباط الشرطة والقضاة ورجال الادارة يمثلون الدولة في تعاملهم مع المواطنين، إذ يملكون القدرة على إظهار تقدير الدولة لهم وجدارتهم بالاحترام.

ولتحقيق ذلك، يتعين على افراد السلطات العامة معاملة المواطنين بلطف واحترام في جميع مراحل الإجراءات القانونية والإدارية، مع احترام حقوقهم القانونية والإنسانية عند لجوئهم إلى المحاكم والجهات الادارية.

وبذلك، يستطيع ضباط الشرطة وموظفو المحاكم إظهار أن الدولة ستأخذ مشاكل المواطنين على محمل الجد وستتعامل مع قضاياهم بنزاهة.

4- الثقة: أي فيما إذا كان صانع القرار قد أبدى دوافع جديرة بالثقة؟ يشير مفهوم الثقة إلى تقييم المواطنين للشخصية الحقيقية لصناع القرار.

وترتبط الثقة ارتباطًا وثيقًا بإتاحة الفرصة للتعبير عن الرأي. فمن المرجح أن يثق الأفراد الذين يمرون عبر النظام القضائي في نزاهة القضاة ورجال الشرطة إذا شعروا بأن آراءهم ووجهات نظرهم مسموعة.

ولتعزيز هذه الثقة، يسعى القضاة ورجال الادارة والشرطة إلى إظهار الإخلاص والاهتمام.

وينبغي عليهم أن يكونوا صريحين بشأن أسباب قراراتهم، وأن يجيبوا المواطنين بصدق على استفساراتهم.

كما أن بناء علاقة إيجابية معهم قد يساعدهم على إقناع المواطنين بأنهم يعملون لمصلحة الجميع.

ويرى أنصار العدالة الإجرائية أن تعزيز الشعور بهذه المبادئ الأربعة أثناء مرور الأفراد عبر النظام القضائي والاداري والتعليمي والمهني يرتبط بزيادة الإيجابية تجاه هذه التجربة.

ويؤمن أنصار العدالة الإجرائية بأن ضباط الشرطة والقضاة الذين يسعون جاهدين لتحقيق معاملة عادلة للأفراد المنخرطين في النظام القضائي سيشهدون تحسناً ملحوظاً في علاقاتهم مع مجتمعاتهم. في المقابل.

خصوم العدالة الجنائية

تتمثل خصومة فكرة العدالة الإجرائية في انتقادها بأنها تركز بشكل مفرط على "كيفية" اتخاذ القرارات ونزاهة العملية (الحياد، الصوت، الاحترام) بدلاً من "عدالة النتيجة النهائية"، ويرى هولاء النقاد أن الالتزام الشكلي بالإجراءات قد يؤدي إلى نتائج غير عادلة موضوعياً، حيث يفضل البعض عدالة النتيجة على سلامة الإجراء.

ويرد على انتقاد الخصوم من ناحيتين؛

أ- لاينبغي ان ينظر الى قواعد العدالة الإجرائية على انها مجرد قواعد شكلية، بل هي في الواقع تمثيل حقيقي لفكرة أن الغاية لا تبرر الوسيلة، حتى لو كانت الغاية هي تحقيق العدالة، ذلك ان العدالة لاتتجزأ لاشكلاً ولا موضوعاً، فهي سياق ثابت يحب ان تنتهجه الدولة وجميع مؤسساتها بشكل دائم ومستقر.

ب- أن العدالة الإجرائية تُشعر الأفراد بالرضا عن النظام القانوني لحيادية تعامله معهم، حتى لو كانت النتيجة ضدهم، مما قد يقلل من حافزهم للمطالبة بـ "العدالة التوزيعية" أو الموضوعية.

آثار العدالة الإجرائية:

على مدى عقود، أثبتت الأبحاث أن العدالة الإجرائية أساسية لبناء الثقة وتعزيز شرعية سلطات إنفاذ القانون داخل المجتمعات. ولذا، فإن لها آثارًا بالغة الأهمية على كلٍ من السلامة العامة وكفاءة الحهاز القضائي ورجال الإدارة والشرطة، والرضا العام عن ادائها.

تطبيقات العدالة الإجرائية

1- العدالة الإجرائية في سوح القضاء:

العدالة الإجرائية في سوح القضاء ليست مجرد تطبيق شكلي، بل هي جوهر "العدالة الطبيعية" التي تضمن حياد القاضي.

وتتمثل بشكل اساسي بتطبيق قواعد وإجراءات عادلة، محايدة، وشفافة خلال مراحل التقاضي كافة، لضمان أن جميع الأطراف قد عوملت بشكل عادل ولائق ومتساو بغض النظر عن مراكزهم السياسية والإجتماعية او انتماؤهم القومي او الطائفي.

وكان مبداً حسن استماع القاضي لأطراف الدعوى حاضراً، وانه تم التحقق من صحة الإجراءات مثل أوامر القبض أو التفتيش من ومدى شرعيتها، لتعزيز الثقة في القضاء، فضلاً عن التزام اطراف الدعوى بالشفافية والامانة الإجرائية والكشف عن الحقيقة، وعدم الكيد أو الغش الإجرائي من الخصوم أو الوكلاء. حيث يؤدي احترام الإجراءات إلى قبول الأفراد للحكم بغض النظر عن النتيجة النهائية..

2- العدالة الإجرائية في المؤسسات التعليمية ويقصد بالعدالة في هذا المقام، مدى شعور الاساتذة والطلبة بإلانصاف بالمعاملة في الإجراءات المتخذة التي تسبق القرارات الإدارية، وهل كانت مبنية على معايير ثابتة وشفافة وغير متحيزة، وفق مبدأ تكافؤ الفرص مثل قرارات الترقية والتقييم والبعثات الدراسية والإجراءات المتبعة التي تسبق الإمتحانات والشفافية في التقييم وشرح الأسس والمعايير التي تم بناءً عليها منح الدرجات أو المكافآت او الترقيات، وحق التمثيل والمشاركة في مجالس الكليات صنع السياسات التعليمية والمشاركة في المؤتمرات المحلية والدولية وهل وان الاجراءات قد طبقت بأسلوب متسق مع التركيز على "كيفية" اتخاذ القرار وليس فقط نتيجته.

ان الأجراءات العادلة تقلل من ضغوط العمل وتؤدي إلى بيئة أكثر استقراراً، وتزيد من التزام الاساتدة والارتباط الأكاديمي للطلاب.

وتعد العدالة الإجرائية مكوناً جوهرياً في العدالة التنظيمية الشاملة داخل المدارس والجامعات، حيث تضمن استمرارية العملية التعليمية وتطورها.

3- العدالة الإجرائية في بيئة العمل:

هي ضمان تطبيق سياسات وقرارات عادلة، شفافة في بيئة، والتي ينبغي ان تكون مبنية على معايير موضوعية، وان القرارات اتخذت بناءً على بيانات ومعلومات موثوقة وموضوعية، لا الآراء الشخصية مثل الإجراءات المسبقة في توزيع المهام، أو انهاء العقود، او تحديد الأجور المستحقة حسب الكفاءة والقدم.

ويركز هذا المفهوم على "كيفية" اتخاذ القرارات بدلاً من "نتائجها" فقط، مع وجود آليات للتظلم أو مراجعة القرارات في حال حدوث خطأ، مما يعزز ثقة الموظفين والعمال مما يرفع معنوياتهم، ويقلل من دوران العمل، حيث يقبل الموظفون القرارات التي تقرر لغير صالحنم إذا اعتقدوا أن العملية التي أدت إليها كانت عادلة.

تبني العدالة الإجرائية يبني الثقة بين الموظفين والإدارة ويؤدي الى تقليل النزاعات والشكاوى، ذلك ان الإجراءات الواضحة تقلل من الشعور بالظلم والاعتراضات.

وبذلك يشعر الموظفون بأنهم أعضاء قيّمون، مما يزيد ولاءهم للمؤسسة، ويشجعهم على تقديم أفضل ما لديهم.

4- العدالة الإجرائية في مراكز الشرطة والاعتقال:

وهو نهج يركز على إنصاف الإجراءات المتخذة ضد المشتبه بهم، وليس فقط النتائج.

ترتكز على معاملة الأفراد بكرامة واحترام، الحياد، إتاحة الفرصة للموقوفين للتعبير عن وجهة نظرهم، وإظهار دوافع جديرة بالثقة، مما يعزز شرعية الشرطة وثقة الجمهور.

فبينما تثير الإنتهاكات التي يرتكبها ضباط الشرطة مثلاً المواقع الأجتماعية، كما وتحظى بتغطية إعلامية واسعة، انعدام الثقة وتُقوّض الشرعية، ومع ازدياد حجم الأبحاث حول العدالة الإجرائية، بات من الواضح أنه بالتدريب، يمكن لهذا المفهوم أن يترسخ على المستويين الفردي والمؤسسي، وتعزز العدالة الإجرائية جهود المؤسسات في ترميم العلاقات المجتمعية المتوترة من خلال إرساء أسس الشرعية، ونتيجة لذلك، تُعد العدالة الإجرائية أداة فعّالة في تعزيز الأمن العام.

تتضمن العدالة الإجرائية في الاعتقال والاحتجاز عدة مبادئ أساسية:

الاحترام والكرامة: معاملة جميع الأفرادبكرامة بغض النظر عن سلوكهم.

الحياد والشفافية: اتخاذ قرارات غير متحيزة قائمة على الوقائع، مع توضيح أسباب الاحتجاز.

صوت الموقوف: منح الأفراد فرصة للمشاركة والتعبير عن مخاوفهم دون مقاطعة.

وإبلاغ الشخص بحقه في الصمت والاستعانة بمحامٍ.

مع إبلاغ المعتقل بأسباب الاعتقال فوراً، وتسجيل التوقيف، وتوفير محامٍ.

ومن ثم عرض المشتبه به على السلطة القضائية خلال مدة محددة في القانون

كما يعد استخدام القوة المفرطة انتهاكاً خطيراً لهذه الإجراءات، ويُعتبر الهدف النهائي هو حماية الحقوق الدستورية وضمان أن تكون الإجراءات عادلة ونزيهة في كافة المراحل.

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب السابق لرئيس هيئة النزاهة الاتحادية

..........................

(1) درس كافكا القانون وحصل على الدكتوراه في القانون، كان يأخذ إلى جانب ذلك فصول في تاريخ الفن،

كما أنه انضم إلى نادي طلابي عُرف باسم «قاعة قراءة ومحاضرات الطلاب الألمان» عمل هذا النادي على تنظيم عدد من النشاطات الأدبية. مع نهاية العام الأول في الدراسة كان كافكا قد ألتقى بماكس برود، وهو زميله في دراسة القانون الذي أصبح بعد ذلك صديقه المقرب مدى الحياة، وهو الذي نشر اعمال كافكا رغم وصية الآخير بحرقها.

(2) كان القضاء الإداري الفرنسي يقر ثلاث عناصر للنظام العام (الأمن العام، الصحة العامة، والسكينة العامة).

(3)أقر مجلس الدولة الفرنسي بصفة صريحة عنصر "الكرامة الإنسانية" كأحد عناصر النظام العام المعنوي، مستقلاً عن الآداب العامة، في قضية "قذف الأقزام" في بإقرار قرار رئيس بلدية مورسانك - سور الشهيرة بتاريخ 27 أكتوبر 1995. هذا الحكم مكّن السلطات الإدارية من منع أنشطة، حتى لو وافق عليها الفرد، إذا كانت تحط من كرامته البشرية.

(4) العدالة الموضوعية (Substantive Justice) هي المفهوم الذي يركز على عدالة النتائج النهائية، ونزاهة المضمون (الحق، العقوبة، أو التعويض) بدلاً من مجرد الالتزام الحرفي بالإجراءات القانونية، وتهدف إلى تحقيق "روح القانون" لضمان توزيع الحقوق والمسؤوليات بشكل عادل، مراعية الظروف الفردية، وتختلف عن العدالة الإجرائية التي تركز على خطوات التقاضي.

(5) تعد الوساطة طريقة غير رسمية، تختلف عن التحكيم، لحل المنازعات بين الأشخاص بمساعدة وسيط محايد حاصل على تدريب عن مساعدة الأشخاص على مناقشة خلافاتهم. لا يحدد الوسيط من هو الشخص المخطئ أو المصيب، ولا يُصدر قرارًا.

ما هي إجراءات تسوية المنازعات البديلة المنصوص عليها في المادة 89 من قانون الإجراءات المدنية؟

تشير المادة 89 إلى خمسة أنواع من إجراءات تسوية المنازعات البديلة، تتكون من عملية واحدة؛ وهي عملية التحكيم (التحكيم) وأربع عمليات تفاوضية (غير تحكيمية) وهي: التوفيق، والوساطة، والتسوية القضائية، ومحكمة لوك أدالات. وت(انظر المادة 89 (2) (ج) من قانون الإجراءات المدنية بصيغتها المعدلة بالتفسير القضائي في حكم أفكون).

ما هي أنواع الوساطة؟ هناك نوعان من الوساطة:

أ-الوساطة المُحالة من المحكمة - تنطبق على القضايا المنظورة أمام المحكمة والتي

تُحيلها المحكمة للوساطة بموجب المادة 89 من قانون الإجراءات المدنية (الفرنسي) لعام 1908.

ب- الوساطة الخاصة - في الوساطة الخاصة، يُقدم الوسطاء المؤهلون خدماتهم على أساس خاص، مقابل رسوم، للمحكمة، ولأفراد الجمهور، ولأفراد القطاع التجاري، وكذلك للقطاع الحكومي لحل النزاعات من خلال الوساطة. يمكن استخدام الوساطة الخاصة فيما يتعلق بالنزاعات المنظورة أمام المحكمة والنزاعات قبل التقاضي.

(Procedural Justice) 2026

مفهوم "مسلم" الذي تتأسس عليه الدولة الدينية يختلف عن مفهوم "مواطن" الذي تتأسس عليه الدولة الحديثة. المفهومان ينتميان إلى سياقين متغايرين، ويتحدثان لغتين مختلفتين، لا يلتقيان في رؤيتهما للعالم، ولا في شبكة دلالات كل منهما. الدولة الدينية تستند إلى التفسير الكلامي والفقهي للدين، الذي يصنف الناس إلى مراتب وفئات، ويمنح كلًا منهم موقعًا في تراتبية الراعي والرعية، على وفق نظام هرمي، يجري فيه تمييز في القانون والحقوق والحريات، إذ يصنف الرعية حسب دينهم، وجنسهم، وكونهم أحرارًا أو رقيقًا، مضافًا إلى منح الراعي "الخليفة" حريات مطلقة غير مقيدة بدستور ولا قانون، وسلبها عن الرعية. أما دولة المواطنة الحديثة فتقوم على القانون والحقوق والحريات، وتتأسس على مبدأ المواطنة، لا على الانتماء الديني أو الطائفي أو العرقي. لا تسأل الفرد عن إيمانه، ولا تحاكم ضميره، ولا تمنح امتيازًا لانتمائه الديني، بل تقوم على عقد اجتماعي تصونه القوانين، وتضبطه المؤسسات، وتكفل فيه الحرية والعدالة والمساواة لجميع المواطنين، وتكفل الحق لكل مواطن في أن يكون مختلفًا. لا رعية فيها بل مواطنون أحرار، متساوون في الكرامة والحقوق والحريات والمسؤوليات، كل على وفق إمكاناته ووظيفته. لا يساءل أحد عن دينه أو معتقده أو مذهبه أو قوميته. المواطنة تعني شراكة متكافئة في الانتماء إلى الوطن، يمتلك فيها كل مواطن النصاب الكامل في المواطنة، بوصفه إنسانًا له الحق في أن يعامل بالمساواة، وله الحق أن يكون مختلفًا، ومع ذلك تصان حريته وحقوقه، وتكفل كرامته بلا تمييز ولا تفضيل.

المجتمع كائن مركب، متعدد، متنوع، عميق، تطفو على سطحه اختلافات لا تنتهي في الفهم والمصالح والمواقف. تحقيق العدالة في هذا المجتمع لا يعني معناها الفقهي، بل يتطلب وعيًا سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا بالواقع، وتدبيرًا عقلانيًا لما يسهم في صيانة حقوق الإنسان وحرياته، وترسيخ سيادة القانون، وتكافؤ الفرص. مَن يفكر في بناء دولة مواطنة في مجتمعاتنا، على وفق أفق الفكر السياسي الحديث، لا بد له من استيعاب مفهوم "المجتمع" بمعناه السياسي الحديث، الذي يتأسس على رؤية لدولة حديثة تقوم على المواطنة، لا على الانتماءات الموروثة. المجتمع بهذا المعنى هو كيان سياسي يتوحد في إطار دولة واحدة، يعيش على أرض محددة، وينتظم تحت قانون واحد، حتى لو لم تتشارك مكوناته دينيًا أو مذهبيًا أو قوميًا أو في اللغة أو التراث الواحد. ما يجمع أفراد هذا المجتمع هو إرادة العيش المشترك، والتضامن في المصالح والمصائر، والالتزام بعقد اجتماعي ينظم العلاقة بين المواطنين والدولة، على قاعدة المساواة القانونية الكاملة، والحقوق المتكافئة التي لا تختزل في جماعة بعينها، ولا تشاد على هويات ما قبل الدولة. أما مفهوم "الأمة" في تراثنا فيحيل إلى جماعة يوحدها الإيمان بعقيدة دينية مشتركة، الهوية السياسية التي يتأسس عليها الانتماء إلى الأمة، في ضوء هذا التصور، هي الإيمان بالدين. في حين يرتكز المفهوم السياسي للمجتمع الحديث على وحدة الوطن، وسيادة القانون، والمساواة في الحقوق، والمصالح العامة المشتركة، لا على وحدة الدين أو العقيدة.

 سألت أحد كتّاب الدولة الدينية في بلد عربي: ما شكل الدولة التي تدعو لها، وتبشر في كتاباتك بضرورتها لحل مشكلات بلدك وبلادنا؟ فقال: إنها دولة الدين، لأن الدين، كما يرى هو، يحل كل مشاكلنا إذا طبقناه بإخلاص كما ينبغي. قلت له: ما المقصود بدولة الدين؟ قال: إنها دولة يتأسس نظام حكمها وسياساتها ومؤسساتها السياسية والاقتصادية والمالية والإدارية والتربوية والتعليمية على أساس إسلامي، على نحو تكون أنظمتها كلها وقوانينها ومعاملاتها منبثقة من الدين. سألته: ماذا تعني بمنبثقة من الدين؟ قال: أعني أن تشريعاتها وقوانينها ونظمها منبثقة من الفقه وعلم الكلام. قلت له: الدولة التي تدار بالمقولات الاعتقادية لعلم الكلام القديم وأحكام الفقه التقليدي لا تعترف بمبدأ المساواة بين المواطنين، ولا تقوم على تكافؤ الفرص، بل تميز بين المسلم وغير المسلم، والحر والعبد، والرجل والمرأة، في الحقوق والحريات والمسؤوليات في دولة واحدة. هذا التمييز يفضي إلى نفي المواطنة الدستورية، ويقصي الانتماء إلى الأرض والمصالح المشتركة والمصير الواحد، بوصفها محددات لهوية المواطنة في الدولة الحديثة، ولا يتأسس على المساواة في الحقوق والحريات، ولا على فصل السلطات، ولا على التداول السلمي للسلطة.

 ثم شرحت له بوضوح: إن الدولة التي تحلم بها أنت وغيرك لا تمتلك مقومات بناء الدولة الحديثة وركائزها، ولا تتأسس على مفهوم المواطنة، بوصفها رابطة قانونية تكفل المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات. لا تغير االتوصيفات المراوغة التي يتخذها بعضهم قناعًا لدولة دينية، بوصفها دولة إنسان، أو دولة حضارية، أو أية تسمية أخرى جذابة، من مضمون الدولة الدينية، مادامت تعتمد على مقولات علم الكلام القديم وأحكام الفقه التي تنفي الحقوق والحريات والمساواة بين المواطنين.

 فلت له: أنت تحلم بدولة تنتمي إلى عصور انتهت وصار الظلم والاضطهاد فيها تنزفه ذاكرة جريحة. تلك دولة ما قبل الدولة الوطنية الحديثة، تلك الدولة لا تدري بأسئلة الإنسان اليوم ومتطلبات حياته المركبة المتنوعة، لأنها تستلهم أنظمتها من مقولات أنتجتها سياقات معرفية ودينية وسياسية واقتصادية واجتماعية غريبة على الواقع الذي يعيشه مواطن هذا العصر، فضلًا عن أنها تعكس رؤية سياسية لا تعترف بإرادة المواطن، ولا ترى الشعب مصدرًا للشرعية. الدولة التي تدار بعقل كلامي وفقهي تقليدي لا تؤمن بقيم الحرية والمساواة وحقوق الإنسان، وحق الإنسان في أن يكون مختلفًا، ولا تتسع لاستيعاب التحولات الهائلة في هذا العصر، ولا تستجيب لتطلعات الإنسان المسلم واحتياجاته المتنوعة اليوم. إنها لا تبني وطنًا يتسع للمختلفين، ولا تقيم مؤسسات تضمن العدالة، ولا تنتج قانونًا يتساوى أمامه الجميع. دولة كهذه لا تؤسس دولة مواطنة حديثة، بل تكرس الانقسام، وتزيد من الاغتراب عن الزمن والواقع. أجابني بقوله: لدينا تراث ثري في الأحكام السلطانية والاقتصاد والأموال والإدارة والحسبة وغيرها، وراح يستعرض عنوانات مؤلفات كتبت في لإدارة وتدبير الخلافة ومؤسساتها. سألته: كيف يمكننا بناء دولة حديثة بتراث جرى تدوينه ليجيب عن أسئلة الماضي، ويحاول أن يقدم حلولًا لمشكلات وقعت في سياق دول الخلافة قبل قرون، وكان مؤسسًا على ثنائية الراعي والرعية، ويقصي ما أنتجه العلم والمعارف الحديثة، وما أنجزته البشرية من نظم وتشريعات تضمن الحقوق والحريات، وعلوم في الإدارة والسياسة والسلطة وخبرات في بناء الدولة وأنظمتها.

بعد كلام طويل، لم أجد عنده جوابًا، بل لجأ إلى التحدث بكلمات زئبقية تتخفى وراء ركام من الألفاظ المكررة، توحي بأنها تقول كل شيء، لكنها لا تقول شيئًا محددًا، ولا تفصح عن أي تصور واضح لدولة مواطنة حديثة، تضمن كرامة الإنسان وحقوقه وحريته ومساواته، وتكفل له الحق في أن يكون مختلفًا. تأملت في كلامه فلم أعثر فيه على جواب لأي سؤال من أسئلتي، كان حديثه غارقًا في التباس وغموض لغوي وكلامي وفقهي، يفتقر إلى أي تصور واضح يمكن أن نحتكم إليه في معنى الدولة، أو صورة نظام حديث يتناغم مع متطلبات حياة الإنسان في هذا العصر.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

كل الأمم والشعوب تتطلع باستمرار الى تجديد شبابها وحيويتها، حتى يتسنى لها الوصول إلى غاياتها والحفاظ على منجزاتها ومكاسبها.. وتتعدد وتتنوع وسائل وأساليب تجديد شباب الأم والمجتمعات، باختلاف الظروف والأحوال.. إلا أن جميع الأمم والشعوب، يصرف النظر عن ظروفها وأحوالها، تعتقد أن أحد الوسائل الهامة لإنجاز وتحقيق هذه الغاية النبيلة هو الاهتمام النوعي والمؤسسي بجيلها الشاب.. فهو أحد الوسائل الحيوية لمشروع تجديد شباب المجتمع، كما أنه أحد الغايات النبيلة لأي مجتمع.. حيث تعمل جميع المجتمعات (بتفاوت) من أجل بناء المؤسسات والقيام بالخطوات الضرورية للاهتمام بالجيل الشاب..

ونحن كمجتمع لا نشذ عن هذا السياق، ونعتقد إننا باستمرار بحاجة ماسة إلى الالتفات إلى المشروعات الوطنية الخاصة بهذه الفئة الهامة والحيوية من مجتمعنا.

وذلك للعمل المستديم لخلق الأطر الفعالة لاستيعاب هذا الجيل، والعمل على توفير كل أسباب وعوامل التميز والنجاح في مسيرته..

ومعايير ومقاييس تقدم المجتمعات والأمم، مرهونة إلى حد بعيد في قدرة هذه المجتمعات على توفير الأطر والقيام بالمبادرات والخطوات الضرورية للاهتمام النوعي بجيلنا الشاب.. وثمة ضرورة راهنة ومستقبلية في وطننا ومجتمعنا، للاهتمام بهذا الجيل، والإنصات إلى حاجاته ومتطلباته، والعمل الرسمي والأهلي لتلبية هذه الحاجات والمتطلبات.

ولا يكفي اليوم أن نفتخر أن أكثر من نصف مجتمعنا من الشباب، وإنما الفخر الحقيقي هو حينما نبني المؤسسات ونطور من عمليات الاستيعاب والاهتمام، بهذه الشريحة الهامة من مجتمعنا.. فشباب الوطن اليوم، هم مستقبله القادم. وإذا أردنا القبض على مستقبلنا، فطريق ذلك هو الاهتمام بشبابنا وتلبية حاجاتهم والإنصات إلى مطالبهم ومتطلباتهم، والعمل الجاد من مختلف المواقع والمسؤوليات لتذليل كل العقبات التي تحول دون مشاركة شباب الوطن في مشروعات البناء والعمران والتنمية والتطوير..

وفي إطار ضرورة الإنصات إلى الشباب، والاهتمام بقضاياهم المختلفة، نود التأكيد على النقاط التالية: 

الاهتمام بالتربية: 

فحينما ندعو إلى ضرورة الإنصات إلى الشباب، فإننا ندعو إلى ضرورة قيام المبادرات الاجتماعية والتربوية، التي تعتني بالشباب عقلا وسلوكا.. 

فإن بذل الجهود المستمرة للاهتمام بتربية الشباب وصقل مواهبهم، وتفجير طاقاتهم، وتهذيب بعض التصرفات التي لا تعكس وجه مجتمعنا المضيء، كلها أعمال تستحق الاهتمام وبذل الجهود من أجل إنجازها.. لأن المجتمعات الإنسانية لا يمكنها أن تتقدم وتنجز تطلعاتها العامة والحضارية بدون الاهتمام بالبعد التربوي في حياة الإنسان.. وذلك لأن هذه التربية  هي الجسر الصلب الذي ينقل الإنسان من حالة الهامشية إلى تحمل المسؤولية..

لهذا فإننا أحوج ما نكون اليوم إلى مبادرات اجتماعية وثقافية تقوم بدور التهذيب الاجتماعي وتطوير نوازع الخير في نفوس الأجيال الطالعة.. 

تنمية حس العطاء: 

لا أحسب أني بحاجة إلى جهد جهيد لإثبات أهمية العطاء بكل صوره ومستوياته لتقدم الأمم والشعوب... حيث أن البذل والعطاء المادي والعقلي والاجتماعي والمعنوي هو جسر العبور لتطور المجتمعات.. 

ومفهوم العطاء في الرؤية الإسلامية يستوعب كل الحاجات التي يحتاجها الانسان (الفرد والجماعة) في أطوار حياته المختلفة.. 

والتوجيهات الإسلامية تحثنا على المساعدة والعطاء.. إذ جاء في الحديث الشريف عن الإمام جعفر بن محمد الصادق [من أغاث أخاه اللهفان عند جهده فنفس كربته وأعانه على نجاح حاجته كانت له بذلك عند الاثنتان وسبعون رحمة من الله، يعجل الله له منها واحدة يصلح بها معيشته، ويدخر له إحدى وسبعين رحمة لأفزاع يوم القيامة وأهواله]..

لهذا فإننا بحاجة إلى بذل كل الجهود من أجل غرس قيم العطاء والبذل والتضحية في نفوس الشباب والأجيال الطالعة.. ونهيب بجميع المؤسسات والمبادرات الاجتماعية للاهتمام بهذه المسألة.. لأنه حينما تتعزز قيم العطاء في نفوس أبناء المجتمع، فإن مساحة العاملين في الشأن العام ستتسع وهذه من عناصر القوة التي ينبغي أن نعززها في محيطنا ومجتمعنا.. 

وخلاصة القول: إننا ندعو إلى تكثيف الاهتمام والرعاية بالجيل الطالع، ونحث الجميع (كل من موقعه) إلى بلورة صيغة ومبادرة، تستهدف استيعاب طاقات شبابية جديدة في الأعمال والأنشطة القادمة.. 

وليكن هذا العام الجديد، هو عام مضاعفة الجهد والاهتمام بالشباب على مختلف الصعد والمستويات.

***

محمد محفوظ

في سياق التطورات الاقتصادية والسياسية العالمية، يمثل مفهوم العولمة الإمبراطورية ذروة التناقضات الداخلية للرأسمالية الغربية، حيث تتحول هذه الرأسمالية من نموذج إنتاجي محلي إلى نظام عالمي يعتمد على السيطرة الإمبريالية للحفاظ على استمراريتها. العولمة الإمبراطورية ليست مجرد توسع تجاري أو ثقافي، بل هي مرحلة حاسمة تكشف عن انحسار الرأسمالية الغربية، حيث تصبح الإمبراطورية الاقتصادية أداة لاستنزاف الموارد العالمية وإعادة إنتاج التراكم الرأسمالي في ظل أزمات متزايدة. هذه الدراسة تستعرض بشكل موسع ومعمق هذا المفهوم، من خلال تحليل تاريخي لتطور الرأسمالية، وكيف أدت إلى ظهور العولمة الإمبراطورية كمرحلة نهائية، مع التركيز على الآليات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تؤكد على طبيعتها كذروة الانهيار الداخلي. فكيف تمثل العولمة الإمبراطورية كمرحلة أخيرة من الرأسمالية الغربية: تحليل نظري وتاريخي؟

بدءاً من أصول الرأسمالية الغربية، يمكن القول إنها نشأت في أوروبا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر كنتيجة للثورة الصناعية والاكتشافات الجغرافية، حيث اعتمدت على تراكم رأس المال من خلال الاستغلال الداخلي للعمالة والتوسع الاستعماري. في مراحلها الأولى، كانت الرأسمالية تعتمد على المنافسة الحرة داخل الأسواق المحلية، مع التركيز على الإنتاج السلعي والابتكار التكنولوجي لزيادة الربحية. ومع ذلك، سرعان ما أدى التراكم الرأسمالي إلى تركز الثروة في أيدي قلة من الشركات الكبرى، مما أدى إلى ظهور الاحتكارات في أواخر القرن التاسع عشر. هذا التركز لم يكن مجرد تحول اقتصادي، بل كان ضرورياً للحفاظ على معدلات الربح في ظل انخفاض الفرص الداخلية، حيث أصبحت الرأسمالية بحاجة إلى أسواق خارجية لتصريف الإنتاج الفائض واستيراد المواد الخام الرخيصة. هنا يبرز الارتباط الجوهري بين الرأسمالية والإمبريالية، حيث تحولت الدول الغربية إلى قوى إمبريالية تسيطر على المستعمرات لضمان تدفق الثروات، كما حدث في تقسيم أفريقيا وآسيا خلال عصر الاستعمار.

مع دخول القرن العشرين، تطورت الرأسمالية الغربية إلى مرحلة الإمبريالية الكلاسيكية، حيث أصبحت الاحتكارات الدولية، مدعومة بالقوة العسكرية والدبلوماسية، أداة للسيطرة على العالم. هذه المرحلة شهدت صراعات عالمية مثل الحربين العالميتين، اللتين كانتا نتيجة للتنافس على الموارد والأسواق، مما أدى إلى إعادة تقسيم العالم بين القوى الرأسمالية الرئيسية. بعد الحرب العالمية الثانية، أدت هيمنة الولايات المتحدة إلى ظهور نموذج جديد من الرأسمالية، يعتمد على المساعدات الاقتصادية مثل خطة مارشال ومؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، التي كانت في جوهرها أدوات لتعزيز النفوذ الغربي. هنا بدأت العولمة تظهر كوجه جديد للإمبريالية، حيث أصبحت التجارة الحرة والاستثمارات الأجنبية وسيلة لاختراق الاقتصادات النامية دون الحاجة إلى احتلال عسكري مباشر. العولمة الإمبراطورية، إذن، هي تطور طبيعي لهذه المرحلة، حيث تندمج الرأسمالية مع العولمة لتشكل نظاماً عالمياً يعتمد على السيطرة غير المباشرة من خلال الشركات متعددة الجنسيات والمعاهدات التجارية.

في جوهر العولمة الإمبراطورية يكمن التناقض الأساسي للرأسمالية الغربية: الحاجة إلى توسع مستمر لمواجهة انخفاض معدلات الربح. مع نهاية الحرب الباردة في أوائل التسعينيات، أدى انهيار الاتحاد السوفييتي إلى فتح أسواق جديدة للرأسمالية الغربية، مما سمح بتوسع غير مسبوق في العولمة. أصبحت الشركات الغربية، مثل تلك في قطاع التكنولوجيا والمال، قادرة على نقل الإنتاج إلى دول ذات تكاليف عمالة منخفضة مثل الصين والهند، مع الحفاظ على السيطرة على الابتكار والتوزيع. هذا التوسع لم يكن محايداً، بل كان إمبراطورياً في طبيعته، حيث فرضت الدول الغربية شروطاً اقتصادية من خلال اتفاقيات مثل منظمة التجارة العالمية، التي أجبرت الدول النامية على فتح أسواقها دون مقابل متساوٍ. نتيجة لذلك، أدت العولمة إلى تعميق الفجوة بين الشمال الغني والجنوب الفقير، حيث أصبحت الدول النامية مصدراً للموارد الرخيصة والعمالة المستغلة، بينما تراكمت الثروات في المراكز الرأسمالية الغربية. هذا النموذج أدى إلى أزمات مالية متكررة، مثل أزمة 2008، التي كشفت عن هشاشة النظام الرأسمالي العالمي، حيث أصبح الاعتماد على الديون والمضاربات المالية بديلاً عن الإنتاج الحقيقي.

مع ذلك، تكمن أهمية العولمة الإمبراطورية في كونها المرحلة الأخيرة للرأسمالية الغربية، لأنها تكشف عن حدود النظام نفسه. في هذه المرحلة، أصبحت الرأسمالية غير قادرة على الابتكار الداخلي دون الاعتماد على الاستغلال الخارجي، مما يؤدي إلى تصاعد التناقضات الطبقية والجيوسياسية. على المستوى الاجتماعي، أدت العولمة إلى تفكك المجتمعات المحلية في الغرب نفسه، حيث أدى نقل الوظائف إلى الخارج إلى ارتفاع البطالة وزيادة الاستياء الشعبي، كما يظهر في صعود الحركات الشعبوية في أوروبا والولايات المتحدة. سياسياً، أصبحت الدول الغربية مجبرة على استخدام القوة العسكرية للحفاظ على نفوذها، كما في التدخلات في الشرق الأوسط وأفريقيا، التي تهدف إلى السيطرة على الموارد الاستراتيجية مثل النفط والمعادن النادرة. هذه التدخلات ليست استثناءات، بل جزء أساسي من العولمة الإمبراطورية، حيث تندمج الاقتصاد مع السياسة لضمان استمرار التراكم الرأسمالي.

علاوة على ذلك، تؤدي العولمة الإمبراطورية إلى أزمات بيئية غير مسبوقة، حيث يصبح الاستنزاف اللامحدود للموارد الطبيعية ضرورياً للحفاظ على نمو الرأسمالية. الاحتباس الحراري والتلوث الناتج عن الإنتاج الصناعي العالمي يكشفان عن عدم استدامة هذا النموذج، مما يجعل المرحلة الإمبراطورية انتقالية نحو انهيار محتمل. في الوقت نفسه، أدى صعود قوى اقتصادية جديدة مثل الصين وروسيا إلى تحدي الهيمنة الغربية، حيث أصبحت هذه الدول قادرة على بناء نماذج بديلة تعتمد على التعاون الإقليمي بدلاً من السيطرة الإمبراطورية. هذا التحدي يعجل من نهاية الرأسمالية الغربية، حيث أصبحت غير قادرة على الحفاظ على تفوقها دون اللجوء إلى صراعات عالمية قد تؤدي إلى كارثة بيئية حقيقية.

في الختام، تمثل العولمة الإمبراطورية ذروة الرأسمالية الغربية، حيث تكشف عن تناقضاتها الداخلية التي تجعلها غير قابلة للاستمرار. من خلال الاعتماد على السيطرة العالمية لمواجهة أزماتها، أصبحت هذه المرحلة انتقالية نحو تحولات جذرية، سواء كانت ثورات اجتماعية أو نماذج اقتصادية بديلة. هذا التحليل يؤكد أن الرأسمالية، في صورتها الإمبراطورية، ليست خالدة، بل هي مرحلة تاريخية تنتهي بسبب قوانينها الداخلية نفسها، مما يفتح الباب لإمكانيات جديدة في العالم ما بعد الرأسمالي. فما تأثير العولمة على اقتصاديات الدول النامية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

في الكثير من الأحيان، وفي خلوتي أسأل نفسي ما جدوى الكتابة؟ ومثل هذا السؤال ظلّ يواجهني في المقابلات الصحفية والتلفزيونية والإذاعية التي تُجرى معي، فماذا تعني الكتابة لي بعد عشرات المؤلفات التي اشتغلت عليها عقودًا من الزمن؟ وهل ثمة تغيير ملموس نحو الأفضل؟ أم ثمة تقهقر وتراجع وانكفاء؟

ويتفرّع عن السؤال المحوري العديد من الأسئلة والتساؤلات؛ لماذا نكتب؟ وماذا بعد الكتابة؟ وإلى أين؟ وهل ثمة علاقة بين الكاتب ونصّه؟ وهل النصّ وجه آخر من وجوه الكاتب؟ أم أن النص سيرة كتابية للكاتب؟ وماذا تعني الكتابة؟ وما موقع الكتابة من الحقيقة؟ وما هو دورها في التغيير؟

وتلك الحزمة من الأسئلة والتساؤلات هي خلاصات لبعض الرسائل الإلكترونية التي تصلني من العديد من القرّاء والمتابعين شهريًا، ناهيك عن الحوارات الشخصية والصداقية التي غالبًا ما تكون ملح جلساتنا.

وأستذكر حوارًا دار بين شاعر العرب الأكبر الجواهري وبيني في ثمانينيات القرن المنصرم، إثر قراءته لمقالة كتبتها في مجلة الهدف الفلسطينية عن العدوان الإسرائيلي، فسألني: وماذا يفيد ما نكتب في حين أن العدو يتوغّل فينا وينتشر بيننا، في الوقت الذي ترتفع الأصوات وتلعلع وتتوعّد بالويل والثبور وعظائم الأمور؛ وماذا بعد؟ وتوقّف عند قصة الأعرابي الذي صادفه قطّاع طرق، فصادروا ما عنده وما كان يحمله من متاع، ثم عاد إلى مرابعه بخفيْ حنين، وحين سُئل عن الذي حصل، فروى لهم ما حدث، وختم بالقول: أشبعتهم شتمًا وراحوا بالإبل؛ وهكذا ذهبت مثلًا يُقال ولا يُقاس.

فهل الكتابة ذات جدوى حين يغيب الفعل الملموس؟ وهذا سؤال قلق وليس سؤال طمأنينة لأنه ناجم عن أزمة، إذْ يمكنني القول إن الكتابة هي أول الطريق، فلا تغيير حقيقي دونها. فقد كانت الكتابة الممهّد الأول للثورة الفرنسية، وقد ساهمت مؤلفات فولتير "رسالة التسامح" ومونتيسكيو "روح الشرائع" وروسو "العقد الاجتماعي" في توفير البيئة الثقافية لنجاحها.

وبالطبع ثمة دوافع للكتابة:

أولها – إثبات الذات، وقد يكون ذلك أقوى الدوافع. وسبق أن قلت إن الكتابة دفاع عن النفس، ولا يوجد كاتب حقيقي لا يريد تأكيد ذاته وشخصيته بين الآخرين؛

ثانيها – إحساسه بالجمال، أي إدراكه قيمة الجمال، وعكسه إظهار القبح، ولعلّ لكلّ كاتب وجهة نظره بالجمال والقبح، مثلما هي بالخير والشر والعدل والظلم.

ثالثها – القدرة على التخيّل، وذلك بما له علاقة بصورة الواقع المتخيّلة إزاء الواقع المعيش؛

رابعها – الرغبة في رؤية الوقائع التاريخية وفحصها بما يخدم الحقيقة لتقديمها للآخرين، وفقًا للخلفيات الاجتماعية والثقافية لكل كاتب ورؤاه الفكرية؛

وخامسها – لكل كاتب دوافع فكرية وسياسية يستهدف من خلالها تغيير عادات الناس وأفكارهم وقيمهم، سواء على صُعد السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو الثقافة أو الأدب والفن.

ووفقًا لجان بول سارتر: الكتابة وسيلة للتعبير عن الأفكار والمشاعر، وهي شكل من العمل للتأثير على العالم، في حين يعتبرها ألبير كامو واجبًا ومسؤولية، ويذهب فريدريك نيتشه لاعتبارها وسيلة للتعبير عن الذات وتحرير النفس. وهي عند غابريل غارسيا ماركيز تُدخل الفرح لدى الأصدقاء، أما الروائي جورج أرويل فيعتبر الكتابة الجيدة مثل زجاج النافذة، أي واضحة وشفافة تتيح للقارئ رؤية الأفكار بسهولة.

لذلك ينبغي أن تكون الكتابة واضحة وبسيطة ودقيقة، وتمتلك حسًا جماليًا، سواء بالسرديات أو الأدب والفن بشكل عام، فضلًا عن التاريخ والاجتماع والسياسة والاقتصاد والإدارة وعلم النفس وغيرها، وهذا ما أعتقده؛ وفوق كل ذلك لا بدّ من تميّزها بعنصر الامتاع والفائدة والجدوى، على الرغم من المشاكل التي تعترضها والمعاناة التي تصاحبها والمكابدات التي يواجهها الكاتب مثل اللغة والبناء والنشر والرقابة والتلقّي والقبول والتأثير، فضلًا عن المعنى والدلالة.

الجدوى من الكتابة حسب وجهة نظري هي التواصل الفعّال مع الآخر، القارئ، المختلف، المتفّق، القريب، البعيد، ومع جميع فئات المجتمع، إذا كان الكاتب يكتب للجميع، عابرًا للفئوية والمناطقية والإثنية والأديان، فبقدر عراقيتي، فأنا عربي ومشرقي ومسلم وإنسان كوني، وبهذا المعنى تكون الكتابة أيضًا رسالة إلى العالم ورحلة تعارف وتفاهم مع الآخر.

ولذلك أرى أن الكتابة النقدية ضرورة للتنوير والتغيير والحداثة، ولا قيمة للكتابة دون نقد بنّاء ومتعدّد الأبعاد وخال من الغرض، حيث تُعرف قيمة التجارب بنقدها، وإلّا ستكون مثل الطبخة دون ملح. وينبغي على الكاتب الجيد أن يمتاز بالنقد والصدق والجرأة لخدمة هدف موضوعي، ولنشر القيم الإنسانية.

والكتابة بالنسبة لي روح، والكتب مفتاحها، إذْ لا كاتب مبدع إلّا إذا كان قارئًا مواظبًا، وإذا وجدت بيتًا يخلو من الكتب فتأكد أنه منزل بلا روح، والكتابة صلاة وبوح وموسيقى لتطهير النفس وتحريرها من الكراهية والحسد والضغينة والعنف، خصوصًا حين يتشبّع الكاتب بقيم السلام والتسامح والعدل.

***

عبد الحسين شعبان - أكاديمي ومفكّر

أعترف أن شعوراً ما يراودني هذه الأيام، شعور يشبه ذلك الإحساس الغريب الذي ينتابك حين تقف في محطة قطار مهجورة، تعلم أن القطار الأخير غادر منذ زمن، لكنك تستمتع بالوقوف هناك رغم ذلك. شعور نرجسي ربما، لكنه حقيقي، أننا قد نكون آخر الأجيال التي ستمتلك ذلك الرفاه العظيم، رفاهية القراءة المطولة، والتأمل العميق، والغوص في بحر من الكلمات المطبوعة دون أن يشعر المرء بأنه يرتكب جريمة بحق وقته.

دعوني أكون صريحاً.. لست هنا لأرثي حالي، ولا لأمارس طقوس الحداد على ثقافة تحتضر. لست من أولئك الذين يرون في كل قديم غاية الطهر والنقاء وفي كل جديد غابة الشذوذ والضوضاء !

 لكن التأمل في المشهد الثقافي الراهن يفرض علينا أسئلة مشروعة ماذا يحدث للكلمة المكتوبة؟ وأين يذهب المثقف الذي كان يقضي لياليه مع كتاب، يقلب صفحاته، يضع علامات استفهام على هوامشه، يعيد قراءة الفقرة مرتين لأنه يريد أن يستوعبها كاملاً، غير منزعج من بطء التقدم في الصفحات؟

ثمة تحول جذري في آلية تلقي المعرفة، تحول لا يمكن اختزاله في عبارة (العصر تغير). إنها ثورة كونية في طريقة تشكيل الوعي الإنساني. البودكاست، الإنستجرام، التيك توك، اليوتيوب... هذه ليست مجرد منصات جديدة، إنها تكرس لنمط جديد من "الشفهية"، لكنها شفهية مختلفة عن تلك التي عرفها الإنسان قبل اختراع الكتابة.

الشفهية القديمة كانت جماعية، احتفالية، بطيئة. كانت حكايات تروى حول النار، وأساطير تنتقل عبر الأجيال بصوت الراوي الحكيم. أما الشفهية الجديدة، فهي شفهية منفردة، سريعة، استهلاكية. تأتيك عبر سماعة أذن تغزوك وحدك، أو عبر شاشة صغيرة تلتهمها في دقائق بين محطتي مترو. إنها شفهية تخلق وهم المعرفة دون مشقة الحصول عليها.

وهنا مربط الفرس.. الثقافة الكتابية المطولة تتطلب مجهوداً. نعم، مجهوداً حقيقياً. القراءة المركزة لكتاب جاد هي عملية شاقة، تحتاج إلى طاقة ذهنية، إلى قدرة على التأمل، إلى استعداد للبقاء مع فكرة واحدة لساعات. في المقابل، تأتيك الشفهية الجديدة بالمعرفة مقطعة معلبة، في فيديو مدته ثلاث دقائق يشرح لك "ملخص كتاب" أو "تحليل فلسفي سريع" أو "نظرية علمية مبسطة"!.

لا أقول إن هذا كله سيئ. بالعكس، هناك جوانب مذهلة في ديمقراطية المعرفة الجديدة. لكن السؤال الأعمق هو ماذا يحدث للذهن البشري حين يعتاد على الاستهلاك السريع للمعرفة؟ ماذا يحدث لقدرتنا على التأمل حين تصبح كل فقرة أطول من مائة كلمة مملة؟! ماذا يحدث لصبرنا الفكري حين نجد أن فهم كانط يحتاج إلى أكثر من فيديو مدته خمس دقائق؟

الأمر لا يتعلق فقط بتغير الأذواق، بل بتغير البنية الاقتصادية للمعرفة نفسها. في الاقتصاد الرمزي الجديد، الوقت هو العملة الأغلى. أنت لا تقرأ كتاباً، أنت تستهلك محتوى. والاستهلاك السريع يتطلب منتجات سريعة. الكاتب اليوم لم يعد مؤلفاً فقط، بات صانع محتوى. عليه أن يختصر، أن يضغط، أن يجعل فكرته قابلة للاستهلاك في أقل وقت ممكن. وإلا فلن يقرأه أحد.

وهنا تبرز مفارقة جميلة، في عصر وفرة المعلومات، نعاني من شح المعنى. لدينا آلاف القنوات وملايين المنشورات، لكن القدرة على استخلاص معنى عميق من كل هذا الضجيج أصبحت أندر من أي وقت مضى. المثقف الكلاسيكي، الشخص الذي كان يقضي سنوات في تأليف كتاب، ويقرأ القارئ ذلك الكتاب في أسابيع، ويتأمله في شهور، هذا المثقف يبدو اليوم وكأنه ديناصور في عصر الثدييات الصغيرة السريعة.

لكن دعونا نكون موضوعيين قليلاً. ليست المرة الأولى في التاريخ التي يبشر فيها بموت الكتاب. منذ اختراع السينما، ومن ثم الراديو، ثم التلفزيون، كان المثقفون يطلقون صيحات الإنذار. ومع ذلك، بقيت الكتب. بل إن بعض الدراسات تشير إلى أن عدد الكتب المنشورة سنوياً في ازدياد. إذاً، ما الجديد هذه المرة؟

الجديد هو أن التهديد لم يعد يأتي من وسيط آخر منافس، لكن من تغير في بنية الانتباه الإنساني نفسه. وسائل التواصل الاجتماعي لم تسرق وقت القراءة فقط، لقد أعادت تشكيل أدمغتنا!.

دراسة بعد دراسة تؤكد أن قدرتنا على التركيز في نص طويل تتراجع. أصبحنا نعاني مما يسميه العلماء (متلازمة الانتباه المجزأ). عقولنا المدربة على التمرير السريع بين المنشورات تجد صعوبة في الاستقرار على فكرة واحدة لأكثر من دقائق.

وسط هذا التحول، تبرز قيمة المثقف الكلاسيكي بشكل متناقض. قيمته لا تكبر رغم العصر، بل بسببه. في زمن الضجيج، الصوت الهادئ يصبح أغلى. في زمن السرعة، البطء يصبح رفاهية. في زمن التجزئة، العمق يصبح ثورة.

أتخيل بعد مائة أو مئتي سنة، حين ينظر البشر إلى عصرنا هذا، سيرون شيئاً أشبه بطبقات الأرض الجيولوجية. سيجدون طبقة الكلمة المطبوعة التي استمرت خمسة قرون، ثم طبقة التحول الرقمي حيث بدأت الكتابة تتحول إلى شيء آخر. سينظرون إلى مثقفي الكتب كما ننظر نحن اليوم إلى رهبان العصور الوسطى الذين كانوا ينسخون المخطوطات بأيديهم. سيطلقون علينا "المثقفين الكلاسيكيين" أو "آخر العشاق المجهولين للكتاب".

لكن هذه النظرة الجنائزية قد تكون مضللة. فالإنسان كائن مرن، يتكيف. ربما تولد أشكال جديدة من العمق لم نتصورها بعد. ربما في عالم البودكاست، هناك من ينتج حلقات مدتها ثلاث ساعات يتعمق فيها في موضوع واحد. ربما في عالم اليوتيوب، هناك قنوات تقدم محتوى ثقافياً عميقاً يتطلب مشاهدته عدة مرات. ربما ما نراه الآن ليس موت العمق، إنما تحوله إلى أشكال جديدة لم نعتدها بعد.

ما يقلقني حقاً ليس تغير الوسيط، بل تغير القيمة. عندما يصبح العمق غير مرغوب اقتصادياً، عندما تدفع الخوارزميات نحو السطحي لأن السطحي هو الأكثر استهلاكاً، عندما يتحول الكاتب العميق إلى "نخبوي" أو "بعيد عن الناس" لمجرد أنه يطلب من قارئه ساعة من التأمل بدلاً من ثلاث دقائق من التسلية، هنا تصبح المشكلة حضارية وليست مجرد تغير في الأذواق.

المثقف الكلاسيكي الذي أمثله، أو بالأحرى الذي أنتمي إلى جيله الأخير، ليس أفضل بالضرورة. لدينا عيوبنا؛ نخبويتنا أحياناً، بطئنا، حساسيتنا المفرطة. لكن ما نحمله هو قيمة قد تصبح نادرة؛ الإيمان بأن الفكرة تحتاج إلى وقت كي تختمر، وأن القراءة ليست مجرد استهلاك، هي حوار طويل مع نص، وأن المعرفة الحقيقية لا تمنح في جرعات سريعة، بل تغزوك بالتدريج كالمطر الخفيف الذي يشبع الأرض دون أن يقتلعها.

لذلك، ربما يكون شعوري النرجسي مبرراً بعض الشيء. ربما نحن فعلاً آخر من سيعرف متعة القراءة البطيئة، آخر من سيعرف رائحة الكتاب، آخر من سيعرف تلك العلاقة الحميمية بين قارئ وكاتب تمتد عبر الزمان والمكان. لكن بدلاً من أن نرثي حالنا، ربما علينا أن نؤدي واجبنا، أن نكتب لمن سيأتون بعدنا، بلغة يفهمونها، ولكن دون أن نفرط في جوهر ما نؤمن به.

المعرفة لن تموت، لكن أشكالها ستتغير. وربما بعد مائة عام، سيجلس شاب في العشرين من عمره، في بيئة افتراضية كاملة، ويستمع إلى كتاب صوتي تفاعلي ويتأمل فيه بعمق لمدة ساعات، ويكتشف أنه رغم اختلاف الوسيط، فإن ذلك الشعور العظيم بالغرق في فكرة، بالانفصال عن الزمن، بالحوار الصامت مع مفكر ميت، هذا الشعور لم يمت.

ربما يظل السؤال مفتوحاً هل نحن آخر عشاق الكتاب، أم أننا ببساطة في مرحلة انتقالية، حيث يتحول الكتاب من شكله الورقي إلى أشكال أخرى، ويبقى الجوهر؟

لا أعرف. لكن ما أعرفه أنني سأستمر في القراءة، وفي الكتابة، وفي التأمل، وكأن الغد لن يأتي. وكأن الكلمة المطبوعة ستبقى خالدة.

***

عبد السلام فاروق

في ظل الليبرالية الجديدة يتسيد العقل الاداتي النفعي الذي لا يعترف الا بمنطق الربح والشراهة في مراكمة راس المال، فيصبح كل شيء خاضعا لاحكام السوق المتحرر من كل المحددات والضوابط، كل شيء قابل للتسليع، اذ لم يعد المنتج المادي وقوة العمل سلعا للبيع فحسب بل القانون والثقافة والسياسة والاخلاق وقيم الحضارة الإنسانية ايضا.

مع تراجع العدالة النسبية في توزيع الثروة واتساع الفجوة الطبقية المتسارع والمخيف، يكتسب ذوو الثراء الفاحش نفوذا وسلطة شبه مطلقة، فلا غرابة اذن ان يصبح جسد وروح الفقير عرضة للتسليع يعبث بهما اصحاب النفوذ والثروة بما يرضي نزواتهم المريضة.

 ملفات ابستين التي جرت محاولات لدفنها في ادراج ال (اف بي آي) ووزارات العدل لخمس ادارات جمهورية وديمقراطية متعاقبة ولفترة تقارب ال ٢٠ عاما، اخيرا اخرجت من الادراج السرية، وجاري نشرها علنا مع حجب الكثير من النصوص واسماء عدد كبير من المتورطين، اذ بلغ الحذف ما يقارب الترابايت من المخزون الرقمي للوثائق، بحجة حماية خصوصية الضحايا مع ان عددا كبيرا من اسماء الضحايا لم تحجب اصلا، مما يثير الشكوك بوجود نية لافلات الكبار من المحاسبة القانونية وتسويف ما جرى من جرائم تعيد الانسان الى بربريته الاولى، وتؤشر لاختلال بنيوي خطير في المنظومة القيمية للديمقراطية البرجوازية في ظل الحداثة السائلة (بتعبير سيجمونت باومان

تفاعل العرب في الاعلام وخاصة في السوشيال ميديا يتراوح بين النرجسية وتضخم الذات القومية والدينية وبين رمنسة وقدسنة الديمقراطية البورجوازية وشفافيتها المزعومة.

 فريق ينظر لملفات ابستين من ثقب ايديولوجي اصغر من ثقب الابرة وينطلق من طهرانية متخيلة للذات القومية والدينية ويفتي بشيطانية الغرب بالمطلق. هذا الفريق يرى الغرب كتلة متجانسة ثقافيا وقيميا لتسهل ادانته بالجملة، دون تمييز بين ثقافة الشعوب الغربية وقيمها الحضارية وبين الانحطاط الخلقي والتدهور القيمي للمنظومات الحاكمة من السياسيين والنخب الفكرية والأكاديمية والإعلامية (الركائز السياسية والأيديولوجية للنظام) وكبار الراسماليين فاحشي الثراء (الركائز المالية للنظام).

 فريق اخر يتطوع للرد على تلك المقاربة دفاعا عن صورة رومانسية متخيلة للرأسمالية وديمقراطيتها المثالية، هؤلاء ركنوا جانبا اكواما مما نزفت اقلامهم من مقالات عن حقوق الطفل وكرامة الانسان وحكم القانون، ليستميتوا دفاعا في محاولاتهم لتبرير وتسفيه ما جرى في جزيرة ابستين من انتهاكات بشعة بحق الطفولة وكرامة الانسان، وما تخللها من ابتزاز سياسي ومالي، على اعتبارها حالة شاذة لافراد وليست اشكالية بنيوية للنظام، (لابد لهؤلاء من عبور تلك الفضائح المخزية التي قد تحدث شرخا لصورة الغرب الراسمالي المثالية في اذهانهم)، فلم يكتفوا بالتسفيه والتبرير بل احالت اقلامهم تلك الجرائم المريعة الى مناسبة للتغزل بشفافية الديمقراطية الليبرالية، ناصحين ايانا ان ننظر الى الجانب المضيء في المشهد عبر تذكيرنا بان زواج القاصرات في مجتمعاتنا والانتهاكات بحق الطفولة والمراة، وغيرها من الجرائم تتمتع بمشروعية او تحدث تحت غطاء من السرية التامة، وفي المقابل تنشر ملفات ابستين علنا على الملأ في ظل الديمقراطية اللبرالية وبفضل شفافيتها، وسيعاقب القانون المتورطين ويحقق العدالة للضحايا، فتلك بلدان يحكمها القانون الذي لا يميز بين جائع مشرد بلا مأوى ومليادير ذي نفوذ كبير1111

الفريق الاول ينطلق من تضخيم الذات القومية او الدينية، ويرى الغرب كتلة متجانسة اخلاقيا، والفريق الثاني ينطلق من تضخيم ذات الآخر، ويرى مجتمعاتنا كتلة متجانسة ثقافيا تشرعن اضطهاد الاطفال والنساء، متغاضين عن طائفة واسعة من المثقفين والعامة المتنورين اجتماعيا والذين حققوا قطيعتهم وعيا وممارسة مع التقاليد الشعبية والعشائرية المتخلفة.

اسكات الاصوات التقدمية التي تعبر عن سخطها واستهجانها لبربرية ما كشفت عنه ملفات ابستين بحجة انتماء اصحابها لمجتمعات متخلفة، انما هو محاولة لتمييع خطورة التدهور الاخلاقي وتراجع الحضارة الإنسانية على يد قادة وراسماليين يمتلكون مفاتح تسيير عالمنا.

 مقاربه الفريق الثاني رغم وجاهتها الظاهرية تستبطن الكثير من التناقضات والتضليل المتعمد، فهي تتجاهل البعد الطبقي ودور سلطة راس المال في تعطيل آليات العمل الديمقراطي والاطاحة باهم مرتكزات الديمقراطية الليبرالية، في الوقت الذي نشهد فيه وبوضوح اتساع الفجوة بشكل شاسع بين شعاراتها والواقع.

مقاربة الفريق الثاني ايضا محاوله للتعتيم على الجانب الاهم من قضيه ابستين وذلك بحصرها في الحيز الجنائي او تحديدا باغتصاب القاصرات، والتغاضي عن جملة من التساؤلات الهامة التي تثيرها تلك الفضيحة. لماذا يستدرج ابستين قادة العالم ونخبه السياسية والأكاديمية والإعلامية التي تمتلك مفاتيح ادارة الصراع والتحكم بمصائر الشعوب والدول لتوريطهم باعمال مخلة بالشرف ويوثق تلك الافعال المخزية بالصوت والصورة؟

من الواضح انها آلية لفرض الطاعة والتحكم بقرارات ومواقف النخب عبر الابتزاز. ولا بد من وجود جهة اكبر من ابستين تبنت ومولت هذا المشروع اللا اخلاقي. بحوزة الجهة التي تبنت ومولت مشروع ابستين تلك الوثائق والصور والفيديوهات في ادراج سرية كسيوف قابعة في اغمادها حتى تحين اللحظة لوضعها على رقاب من يخرج عن طاعتها.

الوثائق التي نشرتها وزارة العدل رغم التعمية والكم الهائل من الاسماء والنصوص المحذوفة قد كشفت عن قرائن تقترب من الأدلة عن علاقة الموساد بمشروع ابستين الفضائحي. شركات الاعلام الكبرى المتناغمة مع انظمتها تتجاهل تلك القرائن بل وتتهم الاعلام المستقل الذي يحاول فك شفراتها بالانزلاق في نظرية المؤامرة، بينما هي نفسها تتبنى عن عمد نظرية المؤامرة بترويجها لعلاقة أبستين بالمخابرات الروسية دون ادلة، لابعاد الشبهات عن الموساد.

الشكوك بضلوع الموساد لا تقتصر على ان شريكة ابستين (جيسلين ماكسويل) هي ابنة (روبرت ماكسويل) امبراطور الاعلام والذي كان قبل حادثة غرقه المشبوهة اصلا استخباريا مهما للموساد، بل هناك عدد من القرائن التي لا يمكن تمريرها دون البحث فيها وتقصي الحقائق.

- ايهود باراك كان يقيم بشكل متكرر في شقة ابستين التي نصبت فيها الحكومة الإسرائيلية منظومة رقابة وأجهزة استشعار وتجسس إلكترونية، ويجتمع ضباط امن اسرائيليون لاكثر من مرة في تلك الشقة مع موظفي أبستين لاعطائهم التوجيهات بخصوص الرقابة والشؤون الأمنية. بعثة الحكومة الإسرائيلية للامم المتحدة ايضا دائمة التردد والاقامة فيها، وتتضمن الشقة جناحا لعارضات ازياء قاصرات.

- قام ابستين بالتنسيق لعقد لقاء سري بين بوتين وايهود باراك، حاول فيه باراك اقناع بوتين بالتخلي عن الاسد تهيئة لدعم وتنصيب حاكم لا يضمر العداء لاسرائيل ويضمن مصالح روسيا في نفس الوقت، (بوتين رفض الاقتراح)

- باستثمار علاقته بسلطان احمد بن سليم واصحاب نفوذ اماراتيين، عمل أبستين مع باراك على مد جسور صداقة بين الامارات واسرائيل لسنوات عديدة قبل الاتفاقات الإبراهيمية.

- عمل ابستين مع باراك على اقناع نيجيريا وبمساعدة الاماراتي بن سليم لعقد صفقة لتجهيز الدولة النيجيرية بمنظومة تجسس اسرائيلية (التكنولوجيا التي كانت تستخدم للتجسس على سكان غزة والضفة الغربية) مستغلين بذلك العمليات الإرهابية لبوكو حرام وضعف الحكومة النيجيرية لمواجهتها.

- استثمر ابستين علاقاته مع القادة لعقد صفقات أسلحة بين اسرائيل وكل من منغوليا وجورجيا

- بتنسيق مع باراك ايضا قاما بالترتيب لصفقة منظومة رقابة سبرانية اسرائيلية لحكومة ساحل العاج

- ورد في الوثائق ايضا ان ضابطا في التحقيقات الفيدرالية بلوس انجلوس يذكر انه شبه متأكد بان ابستين يعمل لصالح الموساد.

- صرح ضابط الموساد السابق اري بن مناشي انه قد قابل ابستين لمرات عديدة في نشاطهما في جهاز الموساد.

كل هذه القرائن لم تفتح شهيه الاعلام الرسمي الامريكي للبحث والاستقصاء، ولم تحفز حتى اعضاء الكونغرس للتحقيق في ملابساتها.

 مستوى غير مسبوق من هيمنة الكيان الصهيوني على السياسة الأمريكية

***

قصي الصافي

 

(مقالة عن "اللاشيء" الذي تقوم به النساء..)

"كم يكلفني من وقت لأكتب مقالة، أو بحثا، وكم يكلفني من وقت لأطبخ، وأنظف، وأقوم بالأعمال الرعائية المنزلية اليومية؟"

هذا السؤال سألته صديقتي (مريم) على نفسها - وهي كاتبة محترفة - أثناء انهماكها في إعداد وجبة فطور، مع ترتيب فوضى المطبخ على استعجال، لتعود لإكمال مقالة بدأت بها؟

تقول " كان بأمكاني أن أكتب مقالة بأقل من ست ساعات عمل -على أدنى تقدير-أقضيها يوميا في المطبخ والبيت في عمل رعائي لا ينتهي.

هي أم وربة منزل كما هي عاملة بوظيفة كاملة، تكتب المقالات والبحوث، وتجد أن وقت كتابة المقالات لا تستغرق وقتا أطول من أعمال المنزل المرهقة والطويلة واليومية والروتينية.

تقول : "في المقالات يُذيل أسمي عليها، وستنشر هكذا، وتبقى خالدة تعبر عن رأيي في لحظة ما، في موضوع ما"، فالمقالة لها زمن محدد في الإنجاز، ولها قيمة معرفية ورمزية باقية، أما الأعمال الرعائية، الطبخ والتنظيف ورعاية الصغار وكبار السن فلها زمن مفتوح لاينتهي، يتكرر يوميا كعقارب الساعة، يبتلع الزمن ويستهلك الجسد والعاطفة، والأكثر من ذلك أن أثره يختفي بمجرد أنجازه.

أننا نُقسر تحت سلطة الأمر الواقع، أن نقوم بأعمال لاتعود بالنفع المباشرعلينا، نقوم بها إحساسا بالواجب تجاه أسرنا، وحبا بها، لكن العالم الذي نعيشه لايقدّر هذا العمل ويعتبره لاشيء . لا ينسب لنا شيء داخل هذه الأسرة، ويعدّه المجتمع واجبا طبيعيا لايحتاج الى نقاش، ويسجل كل شيء بأسم الآخر، الذي يُنظر لعمله ويوثق بشكل دقيق جدا حماية له من الهدر!.

ما يمنحنا الحضور هو العمل الذي يستهلك وقتا أقل، أما الذي يستهلك وقتا أكبر هو الذي يعامل كأنه لاشيء، فطالما حملت الأدبيات الدينية والاجتماعية فكرة كون الرجل هو المنفق الوحيد في الأسرة(سواء التي تكون زوجته ربة منزل تعمل ليل نهار فيه، أو عاملة بأجور)، فأعطي الأعتراف للعمل الواضح المرئي والمأجور، أما عمل المرأة فقد عومل ك " لاشيء" فضاع وتلاشى، في مفارقة غريبة أنطلت على االكثيرين من رجال دين ومفكرين ومنظري أقتصاد، فمازالت الثقافة الشعبية والعرفية والرسمية تعطي الإعتراف لنوع واحد من العمل، ومن ثم تعطي الامتيازات لصاحب هذا النوع من العمل فقط .

لم تكن المرأة غير عاملة في يوم من الأيام، ولم تكن عاطلة عن العمل، بل جُعلت بلا أجر مقابل عملها، فبدت كما لو كانت بلاعمل، أن العمل المعترف به دوليا هو كل نشاط يؤديه الأفراد لإنتاج السلع أو تقديم الخدمات سواء تم ذلك مقابل أجر أو ربح، أولأغراض الإستهلاك الذاتي أو ضمن نطاق الأسرة والمنزل .

فالعمل لايلغى لعدم وجود أجر، بل يكشف مقدار مظلومية من سُخّر للقيام بجهدٍ لاينتهي، بلا اعتراف ولا مقابل. فنشاط المرأة عمل، وعدم الإعتراف باستحقاقه للأجر لايلغي أهميته القصوى لاستمرار الحياة والاقتصاد البشري، فلولا هذه المليارات من الساعات التي تعمل بها النساء يوميا بشكل مجاني، لايقوم للعالم أقتصاد .فبحسب تقرير الأوكسفام، نشر في عام ٢٠٢٠، أن النساء يعملن (١٢) مليار ساعة يوميا بلا أجور .

هذا العمل المجاني هو الذي يجعل الرجال قادرين على العمل المأجور، فهو الشرط الأولي الذي يجب أن يتوفر ليستطيعوا العمل، عملهم مبني على عملهن، فعمل المرأة أولي وعمله ثانوي.

عملها ليس اختيارا حرا، ولاعقدا عادلا، بل إلزام أخلاقي غير متبادل وغير عادل، تقوم به النساء بدافع الضمير والمحبة، لكن دون اعتراف ودون مقابل ودون تقاسم، وهذا مايمكن تسميته ب "الاستغلال الصامت".

بالمقابل الكتابة هو انتزاع وقت من نظام لايريد للنساء وقتا خاصا بهنّ، فقد باعت النساء هذا الوقت للزوج، في عقد أذعان لابديل عنه. هذا العقد الذي به تتنازلين عن كيانك بكامله مقابل لقيمات أو لا شيء.

اللاشيء هو قدر النساء في هذا العالم، تنجب، وتهب الحياة عبر آلامها، فينسب الطفل للأب حصرا، تعمل ليل نهار فينسب الإنفاق للزوج الذي لايعمل نصف أعمالها ونصف وقتها .

الكتابة ليست ترفا، بل مساحة لأثبات وجود في هذا العالم الذي يرسم لوحة المحو الأبدية للنساء، محاولة إثبات ذات في عالم المحو واللاشيء .

سؤالي عن الوقت، هو سؤال عن جوهر العدالة والاعتراف والملكية الرمزية للعمل، ومن يُحسب فاعلا في هذا العالم ؟، العمل الذي لاينسب لنا هو عمل يُسلب منّا، فقد صنف الفقه التقليدي للمسلمين عمل الزوجة من باب التبرع والإحسان لا الاستحقاق، لكنه عمل لابديل له ومنتظم وضروري وغير قابل للتأجيل، ويحقق مصالح كلية للأسرة والمجتمع، فلم يعد تطوعيا، فهذا الأصرار على تصنيفه على هذا الوصف (التطوع) هو لجعله مجانيا وغير مهم كعمل الرجل، وكأن له بديلا ؟

ماهو بديل عمل الزوجة والأم؟ لايوجد نظام اليوم يلبي ذلك. أن عملها هو مساهمة أساسية في الواقع الأسري وليس إحسانا أو تطوعا أختياريا، هو عماد الحياة اليومية، وبدونه لا وجود لعمل آخر.أن هذا الواجب الأسري قد صيغ ضمن بنية معرفية اختزالية جوهرانية، حولت العمل المنزلي -الذي تقوم به المرأة عادة- الى واجب أخلاقي غير متبادل والتزام غير تعاقدي، وجهد غير قابل للاعتراف، وهذا يفضي الى عدم توازن قيمي وعدلي داخل الأسرة، بالرغم من أن هذا العمل هو شرط لبقائها واستقرارها.

وهنا -عند عدم الإعتراف- تتحول المرأة الى وسيلة استقرار فقط، وليست كيانا محوريا فاعلا وشريكا في الحياة الأسرية، التي صورت أن عمادها الرجل فقط، والزوجة والأبناء توابع له، لاشركاء في البناء والمسؤولية .

***

ا. د. بتول فاروق الحسون

النجف / العراق

مقدمة: ورد في سور وآيات القرآن الكريم الكثير من الحكم والاقوال والعبارات والأمثال والتي استعملها الناس في كلامهم اليومي وفي كتاباتهم وخطبهم ورسائلهم المتداولة. وبحكم التأثير الكبير للقرآن الكريم على حياة الناس في بلداننا العربية والإسلامية فقد ظهر هذا التأثير على اللغة العربية الفصحى المستخدمة في الشعر والادب والخطابة او على اللهجات الدارجة في الصحافة او في كلام الناس في حياتهم اليومية حيث استخدمت الكثير من الكلمات والعبارات او الآيات او أجزاء من الآيات للتعبير عن موقف معين أو دلالة معينة أو تشبيه او قياس او مثل يضرب به أو حكمة يستدل بها. وقد رصدت في الكثير من الخطابات ومقدمات الكتب والرسائل والمجالس الثقافية والعشائرية والحوارات التلفزيونية واللقاءات الصحفية مثل هذه الاستخدامات.

وقد قمت برصد ومسح وتسجيل هذه العبارات ومن خلال قراءة متأنية للسور والآيات في القرآن الكريم ومحاولة جمعها وأن يكون ذلك مع شرح بسيط وقصير للمواقف التي تربطها بكلامنا ما استطعت الى ذلك سبيلا. ولا أزعم انني قادر على تغطية جميع العبارات التي عرفتها أعلاه أو وصفتها والتي استخدمت ذلك الاستخدام، ولكني كتبت في ما رصدته وامكنني الله تعالى أليه. وقد بدأت ذلك في سورة البقرة وهي أطول سورة في القرآن الكريم والتي تناولتها في هذه المقالة وهي باكورة هذا العمل في النشر. علما بأن هناك أفكار أخرى لتناول أسماء وصفات وعبارات أخرى تدور في مدارات اخرى وردت في القرآن الكريم جديرة بالرصد والتسجيل والنشر وسأكتب فيها أن شاء الله في قادم الأيام.

الحكم والامثال والاقوال والعبارات المأثورة في سورة البقرة:

سأقوم بوضع العبارة المقصودة بين قوسين في سياق الآية وأذا كان المعنى في الآية كاملة فلا حاجة لوضع الاقواس وسأورد الآية كاملة كلما كان ذلك ممكنا وفي نهاية الآية رقمها في المصحف. وأرجو أن لا أكون قد أخطات في بعض الكلمات أو أرقام الآيات علما بأنني استخدمت ما أتيح لي من أمكانيات تقنية للوصول الى أفضل الموارد الممكنة وأستخدمت نسخة وورد الكترونية من المصحف لأستخلاص الآيات القرآنية. علما أن الكثير من هذه العبارات تستخدم في المساجلات والخطب والحياة اليومية غير الاستخدام او الغرض الذي جاءت فيه في سياق الآيات القرآنية مما اقتضى الإشارة الى ذلك لكي يكون واضحا في ذهن القاريء الكريم.

-  (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وتستخدم في الخطب والاحاديث للإشارة الى سوء النية.

- (ولَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (60) وترد في المواعظ الدينية والخطب وتشير الى النهي عن نشر الفساد في الأرض. وترد في خطب الجمعة كثيرا وفي كتابات رجال الدين.

- قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ (إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا) وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) وتورد في المساجلات بين متحدثين والقصد منها إهانة الطرف الآخر في الحديث بين متنافسين. وليس للآية في سياقها أي علاقة بما أشرت اليه من أستخداماتها ألحالية في المساجلات.

- وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا) حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) وتستخدم في المشاكل التي تحدث بين الناس لطلب العفو عن المسيء ومسامحته من خلال جلسات التوسط والإصلاح بين المتخاصمين والدعوة الى العفو والصفح أي عدم طلب العقوبة او الثأر.

- وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154) وتستخدم لما للقتلى أو الشهداء في سبيل الله من منزلة وأنهم أحياء ولكن الأحياء لا يشعرون بوجودهم وترد في خطب المناسبات التي يستذكر فيها الشهداء.

- الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (156) وهي عبارة مستخدمة استخداما شائعا للأسترجاع عند حدوث وفاة أو مصيبة لدى الناس للدلالة على أن مصير جميع الناس الى الموت والرجوع الى خالقهم.

- وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) وتستخدم كثيرا في مقدمات احكام المحاكم التي تحكم في قضايا القتل العمد بإعدام القاتل المدان وفي الأعراف العشائرية.

- وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) وتستخدم في كلام الناس وفي الكتابات وفي النصائح في الإشارة الى خطورة الفتنة وخطورة نشرها بين الناس وبأنها أشد من القتل لأنها قد تؤدي الى الفوضى وما هو أشد من القتل.

- وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) وترد في معرض النصح وتنهى الناس عن ألقاء أنفسهم في المهالك من خلال كلام أو سلوك يدفع الآخرين الى ايذائهم.

- الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197) وتستخدم في خطب الجمعة والمواعظ الدينية الى حث الناس على تقوى الله.

- وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ (أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ) فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) وتستخدم كثيرا في الحديث للإشارة الى المعاند المكابر الذي يرفض النصيحة ويصر على موقفه الآثم. وترد في معرض الإشارة الى اشخاص معينين يرفضون النصح.

- أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ (أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (214) هذه العبارة تستخدم بشكل شائع في البيانات العسكرية خلال الحروب والمعارك للإشارة لقرب تحقيق النصر على العدو لرفع المعنويات ولحدث الناس والجيوش على الصبر في المعارك وأن الله سينصرهم قريبا.

- كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ) وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) وتستخدم لحث شخص على قبول عرض معين فقد يتحقق له فيه الخير بالرغم من أنه يكره القيام بذلك. كمثل حث فتاة على القبول بعرض زواج بشخص لا تحبه ويرى أهلها أن هناك مصلحة لهم ولها في هذا الزواج.

- فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ ( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ) وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وتستخدم هذه العبارة لحث المقاتلين على الصمود وان الجيوش تحقق النصر بالصبر وليس بكثرة العدد وتستخدم في الحروب في البيانات العسكرية لحث الجنود على الصمود خصوصا في مواجهة قوة اكبر واكثر عددا وتسليحا.

- (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا) وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) وردت في هذه الآية عبارتين الأولى بين قوسين تستخدم في بيان أن الله لم يأمر بأرغام الناس على الدخول في الإسلام بالقوة. وقد أستخدمها د.محمد شحرور (ر) وغيره من المفكرين وحتى بعض رجال الدين للدلالة على سماحة الإسلام وأنه لا أرغام للناس على الدخول في الإسلام في مواجهة التيارات المتطرفة التي ترغم الناس من غير المسلمين على الدخول في الإسلام بالقوة وتخيرهم بين الإسلام أو القتل أو السبي. وتستخدم العبارة الثانية بين قوسين في الإشارة الى أهمية الايمان بالله وأنه العروة الوثقى او الرابطة بين المؤمنين وأن على المسلمين أن يتمسكوا بالعروة الرابطة بينهم وهناك صحيفة أصدرها جمال الدين الافغاني ومحمد عبده في مصر في بداية القرن العشرين أسماها العروة الوثقى.

(يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) وتشير الى أهمية الحكمة في التصرف وأن الحكمة فيها خير كثير وتحث على تغليب الحكمة في حل المشاكل وعدم اللجوء الى العنف في المنازعات بين الناس وتستخدم في الفصول العشائرية والوساطات لحل المشاكل.

- (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (286) وتستخدم كثيرا من قبل رجال الدين لأقناع السائل بان لا يرهق نفسه بعبادة لا يستطيع أتيانها على وجه الاكتمال بسبب الشيخوخة او القدرة الجسمية كما في عدم القدرة على الصيام او الاضطرار الى الجلوس في الصلاة ولتسهيل العبادات على الناس وأن يقوم كل أنسان بما هو قادر عليه.

***

 د احمد المغير

يشهد المجتمع المعاصر ظهور المقاهي الفلسفية، والتي هي بمثابة عودة الفلسفة الى ممارسة دورها الفعّال في المجتمع، ولكن بإسلوب مُعاصر، حيث إن الهدف الأساسي من فكرة المقهى الفلسفي، هو تقديم الفلسفة بنكهة مختلفة، ومُعاصرة، وعودة الفلسفة الى أحضان المجتمع، والعمل على تقديم العون الفلسفي لأبناءه.

ماهو المقهى الفلسفي؟

المقهى الفلسفي هو مكان يجتمع فيه المفكرون، والباحثون، ومُحبو الفلسفة، وهو إسم مُعاصر لجلسات نقاشية يجتمع فيها أفراد من مختلف الخلفيات الثقافية، مُتعطشين للتفلسف، وطرح الأفكار، والتساؤلات، ومحاولة الإجابة عنها، بطريقة تفاعلية لا تُقصي أي مُتحدث، بل تُساهم في تطوير الأفكار، وتستمع لوجهات النظر المختلفة، في أجواء تتمتع بمساحة من الحرية في طرح الأفكار الفلسفية، وتبادل الهموم اليومية، والخبرات، والتجارب الحياتية مع الآخرين من دون نظرة دونية، أو أحكام مُسبقة.

هل يُصبح المقهى الفلسفي وسيلة لجعل الفلسفة ممارسة يويمية؟

 إن طبيعة واجواء المقاهي الفلسفية المعاصرة تعود بنا الى مظاهر الحوار السقراطي ذاتها التي مارسها سقراط، وفلاسفة آخرون في أثينا قديماً، ولكن بنكهة مُعاصرة، حيث يُعتبر المقهى الفلسفي المُعاصر هو إسلوب حديث لممارسة فلسفية قديمة قِدم سقراط، تتمثل في إحياء الروح الفضولية لدى الإنسان، وممارسة حقهِ في التساؤل، وهو نوع من الممارسة الفلسفية التي تربط الفلسفة بالحياة، وبنبض المُجتمع، ومشكلاته اليومية، حيث تُطرح على طاولاتها تزامناً مع اكواب القهوة والشاي، الكثير من الأفكار والتساؤلات التي هي إنعكاس للتجارب اليومية، وهموم المجتمع، وأغلب الذين يرتادون المقاهى الفلسفية يسيطر عليهم روح الفضول أكثر مما في جعبتهم من اسئلة، حيث أنهم يعيدون ممارسة الفلسفة، بوصفها وسيلة من وسائل التحقيق الفلسفي، الذي يمكن أن يتبناه اي رجل، أو إمرأة، لأستعادة إذكاء حس التساؤل الفضولي، وفي الحقيقة هم لا يبحثون عن إجابات قاطعة، أو نهائية، بل يشاركون في حلقة نقاش مفتوح، يستعيدون من خلاله حقهم في ممارسة التفكير والتساؤل الفلسفي، ويطورون فيه قدراتهم النقدية، والتحليلية، والمنطقية، ويتعلمون بشكل عملي التعاون في البحث عن الحقيقة، وليس الأنفراد بالإجابات، وإحتكارها.

 إن المقهى الفلسفي عبارة عن حلقة نقاش يتعلم فيه الشخص طرح الأفكار، والحوار والتفاعل مع المُشاركين، وهو ذلك النوع من "التفلسف المُعاصر" الذي يؤمن بان الفلسفة يمكن أن تصبح ممارسة يومية، وفي كثيرٍ من الأحيان يمكن للحوار الفلسفي أن يُعلّمنا عن أنفسنا، وعن العالم من حولنا، أكثر مما نتعلمه من الإجابات التي نبحث عنها.

في القرن الثامن عشر عقد فولتير إجتماعات في المقهى الباريسي المُفضل لديه، (لا بروكو)، حيث صقل أفكاره حول المنطق، وتطوير العلوم الطبيعية حول البشر، وبعد قرنين من ذلك، طور جان بول سارتر فلسفته الوجودية تحت المصابيح المُزخرفة بقطع الزجاج في مقهى (كافي دي فلور)، ولكن تلك المقاهي كانت مُقتصرة على النُخبة، بينما يشهد عصرنا عودة المقاهي الفلسفية بنكهة مُختلفة ومُعاصرة، لا تقتصر على طبقة معينة من الناس، ولا تبحث عن الإجابات القطعية، ولا تدعي المعرفة اليقينية، بل تتبع أثر سقراط الذي لم يدعي يوماً أنه يعرف ويمتلك جميع الإجابات، سقراط كان يدعو الى العيش بالفلسفة، ويمارس التفلسف بين الناس، وفي الشوارع، والأسواق، بإسلوبه الشهير المعروف بالحوار، وكان يؤمن أن كل معرفة، وكل إفتراض، يجب أن يُشكك فيه، ويتم فحصه، وتحليله، ولا يوجد اي أمر يمكن حسمه بشكل نهائي، فكل نتيجة قابلة للبحث من جديد، وكان سقراط يُردد ويُكرر مقولته الشهيرة دائماً: أن الشيء الوحيد الذي يعرفه، هو انه لايعرف شيئاً.

هنالك شيء مهم يجب إدراكه عن المقاهي الفلسفية المعاصرة، إنها في كل نقاشاتها لا تحتكر الإجابات، لأن هنالك دائماً المزيد لأكتشافه، وهنالك دائماً وجه آخر للحقيقة.

إن المقهى الفلسفي المعاصر ليس مجرد مكان لإستعراض ما نملك من معلومات، ولا مجرد عرض لما قرأناه عن فلاسفة الماضي، وآراءهم ونظرياتهم، إنه مكان يأتي إليه الناس من مختلف الخلفيات، والمستويات الثقافية، ليس لمُجرد البحث الفلسفي، ومناقشة الأفكار الفلسفية، بل لممارسة الفلسفة بوصفها إسلوباً في العيش، وطريقة حياة.

***

شيماء هماوندي

بينما يموج العالم اليوم في لجّة التّحولات، يجد المثقّف العربيّ نفسه أمام سؤالٍ وجوديّ: هل آن الأوان لتحويل الثّقافة من ترفٍ نخبويّ إلى قوّة فاعلة؟ لتكون الدّرع الواقي للهويّة، ومنطلقا نعيد عبره رسم ملامح حضورنا على الخارطة العالميّة.

تتجلّى الثّقافة في أبهى صورها حين تكفّ عن كونها رصيدا معرفيّا متراكما في بطون الكتب، لتستحيل إلى كائن حيّ، يمشي بين النّاس، يملك لغة الجذب وسلطان التّأثير.

إنّ الرّؤية العصريّة للثّقافة كقوّة ناعمة تُخرِجها من أطرها الضيّقة؛ لتجعل منها روح الأمّة القادرة على العبور إلى الآخر دون استئذان؛ فهي أسمى من أن تكون أداةً للقسر أو الإكراه، بل هي تلك الجاذبيّة الخفيّة الّتي تستقطب أنظار العالم إلينا بعين الإعجاب والتّقدير، محوّلةً الخصوصيّة الحضاريّة إلى لغة عالميّة يفهمها الجميع ويحترمها.

في خضمّ هذا الجنون الّذي يكتسح العالم، حيث تتداخل القيَم وتتميّع الهويّات، لا يمكن إغفال دور المثقّف أو إعفاؤه من تبعات الأمانة، فالمثقّف هو حارس المنارة في ليل التّغريب الحالك؛ ومسؤوليّته تتجاوز النّقد والتّنظير إلى صياغة درع وجدانيّ للأجيال الصّاعدة.

هذه المسؤوليّة الأخلاقيّة، تقتضي منه تحصين الذّاكرة الجمعية من التّآكل، وغرس بذور الثّقة في نفوس الشّباب بأنّ أصالتهم ليست عبئا تاريخيّا، بل هي المنطلق نحو الحداثة الحقيقيّة، وهي عمليّة تلقيح فكريّ ضدّ الأوبئة الّتي تسلب الإنسان روحه، وتتركه رقما في معادلة الاستهلاك العالميّ.

إذا ما استشرفنا آفاق النّجاح، نجد أنّ تجربتَي اليابان والصّين، تقفان شواهد حيّة على إمكانيّة "أنسنة الصّناعة" وتقطير الثّقافة في قوالب مادّيّة، إذ لم يكن النّجاح الآسيويّ طفرة تقنيّة، بل كان انتصارا للهويّة؛ حيث استطاعوا بذكاء أن يبعثوا فلسفاتهم القديمة في أدقّ تفاصيل منتجاتهم، من أسماء الماركات إلى انحناءات التّصاميم وغيرها.

لقد غدت تلك المنتجات "رسائل ثقافيّة" تجوب الأرض، تخبرنا أنّ التّقدّم لا يقتضي بالضّرورة خلع العباءة الحضاريّة، بل يتطلّب تطريزها بخيوط العصر. هذا المزيج بين الأصالة الجوهريّة والحداثة الأدائيّة، هو المخرج الوحيد من مأزق الاستلاب، كما أنّ استلهام هذه التّجارب، يفرض علينا إعادة قراءة موروثنا الجماليّ والتّاريخيّ باعتباره هويّة بصريّة وقيَميّة، يمكن أن تمنح منتجنا الفكريّ والصّناعي شخصيّة فريدة وسط زحام التّشابه العالميّ.

هكذا تتحوّل الثّقافة من وصف للمرض إلى علاج فعّال، ومن انفعال بالواقع إلى فعل فيه؛ لتكون هي القوّة النّاعمة الّتي تحمي المستقبل، وتصون الكرامة الإنسانيّة في زمن تذوب فيه الثّوابت.

إنَّ المتأمّل في مآلاتِ العصر الرّاهن، يدرك أنّ المواجهات العسكريّة والاقتصاديّة، على أهمّيّتها، لم تعد هي الميدان الوحيد لحسمِ بقاء الأمم، فقد انتقلت المعارك إلى وعي الشّعوب، حيث تخاض الحروب بكلماتٍ منمّقة، وصور سينمائيّة، ومنصّاتٍ رقميّة عابرة للقارّات. وهنا، تبرز الثّقافة باعتبارها مخزونا من التّراث السّاكن، وطاقة حركيّة قادرة على الجذب والتّأثير، وفرض الاحترام الكونيّ.

الهويّة في مهبّ الرّيح:

يعيش المجتمع العربيّ حالة من التّجاذب الحادّ بين التمسّك بالماضي والذّوبان في الآخر. هذا التّمزّق، أفسح المجال أمام أخطار تهدّد أصالتنا؛ فالاستهلاك الثّقافيّ المستورد، يغرس قيَما قد لا تتوافق مع نسيجنا الأخلاقيّ، ويَضعِف من مناعة الأجيال الصّاعدة تجاه محاولات التّسطيح والتّجهيل.

إنّ القوّة النّاعمة بمفهومها المعاصر، تعني القدرة على الحصول على ما تريد عبر الجاذبيّة، بدلا من الإكراه، وإذا لم نتحوّل من مستهلكين للثّقافة العالميّة إلى منتجين لها، سنبقى أصداء في قاعة مرايا كبرى، نفقد تدريجيّا ملامحنا الأصيلة لصالح صورٍ مشوهة تُصَدَّر إلينا. كما أنّ تحويل الثّقافة إلى قوّة، يتطلّب تغييرا جذريّا في فلسفة التّعامل معها، إذ لا يمكن للثّقافة أن تكون قوّة مؤثّرة وهي حبيسة الرّفوف في المكتبات، أو المهرجانات الموسميّة الباردة والنّدوات الأدبيّة فقط، فهي تقتضي عصرنة التّراث، ولا يعني الحفاظ على الأصالة الانكفاء على الماضي، بل استنطاق كنوزه بلغةٍ يفهمها العصر، تحوّل حكاياتنا وفلسفتنا وقيمنا الجماليّة إلى محتوى إبداعيّ ينافس بجودته وتفرّده.

تبدأ القوّة بالاعتراف بالذّات أولا، ثمَّ بمدّ اليد للآخر، والمثقّف العربيّ الواعي هو من يقدّم هويّته كنموذج إنسانيّ منفتح، لا ككتلة صلبة معزولة.

يجب أن تُعاملَ الثّقافة كقطاعٍ حيويّ يرفد المجتمع بالهيّبة والمكانة، فصورة الأمّة في ذهن العالم هي القيمة المضافة الّتي تفتح لها الأبواب.

بذلك، فعصرنة التّراث تمثّل عمليّة بعث حضاريّ متكاملة، تستنطق كنوزه الكامنة في أعماق التّاريخ، تقدّمها بلغةٍ نابضة تتنفّس برئة العصر، وبصياغة جديدة للعبقريّة الكلاسيكيّة وفي قوالب إبداعيّة معاصرة، تضمن انتقال التّراث من حيّز المادّة المكدّسة في المتاحف، إلى فضاء الطّاقة الحركيّة الّتي تسكن تفاصيل وجداننا المعاصر.

تقتضي هذه الرّؤية تحويل حكاياتنا الّتي صقلتها الأزمان، وفلسفتنا الّتي قاربت حدود السّماء، وقيمنا الجماليّة الضّاربة في القدم، إلى محتوى إبداعيّ فائق؛ حيث تتآلف بلاغة الكلمة العربيّة مع سحر الفنون الرقميّة، وتتعانق الرّموز التّاريخيّة مع أحدث تقنيات العرض البصريّ. ونحن كشعوب عربيّة، نتطلّع مثلا، إلى سينما تستلهم الملحمة العربيّة برؤية عالميّة، وإلى فنون بصريّة توظف "الأرابيسك" والخطّ العربيّ في فضاءات التّجريد الرّقميّ، وإلى أدبٍ يعيد طرح الأسئلة الوجوديّة الكبرى بروح الحاضر وأدواته، فالهدف الأسمى من هذا التّحوّل هو خلق كينونة إبداعيّة ثنائيّة الأبعاد، أصيلة في جوهرها وانتمائها وعالميّة في جودتها، تملك من القوّة والجاذبيّة ما يؤهّلها للمنافسة في المحافل الثّقافيّة الكونيّة، وفرض احترامها كفعل إبداعيّ، يملك القدرة على إدهاش الآخر وإغناء التّجربة الإنسانيّة المشتركة.

بهذا المعنى، تصبح عصرنة التّراث هي الجسر الّذي نعبر فوقه من حالة الرّكود، إلى رحاب الثّقة الحضاريّة، الّتي تفتح لنا أبواب المستقبل بمداد الأصالة.

إنّ الوقت لم يحن فحسب، بل إنّ القطار يكاد يفوتنا، ومواجهة أخطار العصر لا تكون بإغلاق النّوافذ، بل ببناء بيتٍ متين القواعد، جميل العمارة، يجبر كلّ من يمرّ به على الوقوف إجلالا وتأمّلا، فتحويل الثّقافة إلى قوّة ناعمة، هو السّبيل الوحيد لاستعادة المركزيّة الأخلاقيّة والجماليّة للإنسان العربيّ، وذلك بالانتقال من حالة الدّفاع السّلبيّ عن الهويّة إلى الهجوم الإبداعيّ، الّذي يفرض وجودنا؛ كشريكٍ أصيل في صياغة مستقبل البشريّة.

ختاما، إنّ الهويّة الّتي لا تنمو، تذبل، والثّقافة الّتي لا تؤثّر، تندثر، بعد أن أصبحت الثّقافة اليوم هي الخبز اليوميّ للكرامة، والميدان الأرقى لإثبات الوجود.

***

صباح بشير

 

فؤاد زكريا اكاديمي مصري ولد في بور سعيد ودخل كلية الآداب بجامعة القاهرة – قسم الفلسفة وتتلمذ على يد الأستاذ المشهور زكي نجيب محمود، وتخرج منها بالبكالوريوس عام 1949، فعين معبدا في الكلية ونال الماجستير عام 1952 من جامعة عين شمس وقد كتب رسالته عن الفيلسوف الألماني (نيتشه) المتوفى 1900 الفيلسوف العدمي المتمرد على القيم السائدة عام 1952 ونال الدكتوراه منها عام 1956 فعمل أستاذا في قسم الفلسفة جامعة عين شمس ثم عمل بالكويت خلفا لزكي نجيب محمود، و عمل مستشارا لليونسكو، وخبيرا ومشرفا على سلسله عالم المعرفة

 لقد كتب فؤاد زكريا ستة عشر كتابا منها (الصحوة الإسلامية في ميزان القوى) وكتاب (التفكير العلمي) و(خطاب الى العقل العربي) وكتاب (الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية) و(اراء نقدية في مشكلات الفكر والثقافة) وكتب أخرى ويعد فؤاد زكريا من المشتغلين المهمين في الحقل الفلسفي واشتهر بنصرته للعلمانية الراديكالية، والعقلانية النقدية . ومن خلال التقصي في كتبة التي ذكرناها يمكننا استقاء اهم إرائه الفلسفية والفكرية ولا سيما ماله صلة بالنهضة والانبعاث الحضاري في العالم العربي ومن اهم تلك الآراء

1- مفهومه عن التخلف: يرى زكريا ان التخلف ناتج عن منظومة (عوامل) تبدأ من تردي وعدم فاعلية الأسس الفكرية والمباني الأساسية لبناء الانسان فلسفة التنشئة الاجتماعية، وتخلف الفهم العام للأفكار والقضايا وتردي الفهم التخصصي، وتراجع الأدوات البحثية، وافتقاد البحث عن الجدوى، ومعالجة التخلف باتجاه الفعل الحضاري للتنمية والانبعاث يحتاج تفكيك هذه المنظومة ومعالجة مكوناتها ضمن مساريين، الأول معالجة كل عامل على حده ثم معالجه تضافر العوامل كمنظومه منتجه للتخلف لكن الذي يرد على زكريا ما فلسفة الفهم وما فلسفة المعالجة؟

2- ويعتقد ان الثقافة المجتمعية العامة فرع عن النظام التعليمي المنتج للنظام المعرفي، فيرى ان النظام التعليمي مقدمة أساسية للنظام الثقافي العام وعلى راس ذلك النظام (مهارات التفكير) ونظام البرهنة وتماميه الاستدلال وغير ذلك من عوامل التفكير المنتج، فالنظام التعليمي يؤثر في عموم النظام الثقافي ليشكل البيئة (النهضوية) وعلية فان نمط التعليم عامل مؤثر جدا في عموم الثقافة سواء على مستوى النخبة او الثقافة العمومية ومزايا التفكير والتأمل والحوار، فحينما نفتقد لنظام التعليم ممتاز فاننا سنقع في عجز البنية الثقافية، ويتسبب عنها افتقاد الناس لنمط تفكير صحيح، وجاد

3- وبناء على ما تقدم فانه يعتقد ان النظام المعرفي والثقافي الذي تردى من القرن الثامن الهجري أدى الى تخلف الأسس الفكرية للمجتمع المعاصر وكما ادى الى التراجع الحضاري سابقا فقد صار تراجعا مزمنا وانتج ذلك التراجع الى خصومة (غير مبرره) مع الفكر الفلسفي وتسبب باهدار القيمة العلمية للمنطق ومسالك الاستدلال، وتدخلت الدولة في إيقاف العقل عن ممارسة الاجتهاد، واستمر هذا التراجع متراكما حتى القرن الرابع عشر الهجري فتكونت فجوه (معرفية\ وادواتيه) بين نهايات عصر الإنجازات العلمية في الحضارة العربية الاسلامية وزمن (الاصطدام) بالحضارة الغربية اواخر القرن التاسع عشر، بحيث لم يعد بالإمكان ردم هذه الفجوة الزمنية وصارت الدعوة الى احياء التراث دعوة تعوزها مقدمة مهمة وهي ضرورة (ردم الفجوة الحضارية) فلم يعد التراث قاعدة فكرية جاهزة ليكون (نظرية للنهضة) فاختار جمع من الناس مسلك الخروج من دائرة التراث الى (استيراد المعرفة ووتبني الادواتية الغربية وتسبب هذا في رد فعل فقام من تمسك بالتراث واعلن مقولة الاسلام هو الحل فاعلن قبالته فؤاد زكريا (العلمانية هي الحل) وهنا يلاحظ على فؤاد زكريا انه لم يفكر (برؤيه) تقوم على فرز التراث وتنقيته واستخلاص الأفكار الإحصائية منه، ونقد العناصر المميتة فيه كطريق ثالث وكما تطرف التراثيون تطرف العلمانيون كما وضح ذلك عند فؤاد زكريا

4- وكان من صور فشل التنمية الشاملة (للإنسان والموارد) ان دولنا اعتمدت على الاقتصاد الربعي (الذي لا تعتمد فيه الدولة على الإنتاج المتعدد واقتصاديات المعرفة، اذ ركزت على اقتصاد يعنى ببيع ثروات البلدان الطبيعية من دون مراعاة لتأثير الزمان على نمط خلق تدابير عصرية للعيش المتوازن الآمن وبذلك صارت الدولة مؤسسة لإدارة البطالة المقنعة وصار الافراد غير منتجين يتقاضون رواتبهم من الدولة وماتت قدراتهم على التفكير والابداع واختفت الرؤى عند حصول مشكلات فقدان الامن الغذائي

5- ويشخص فؤاد زكريا انه تبعا لتردي النظام الثقافي الجاد صارت القناعات والأفكار رؤى سطحية وقناعات موهومة وصار (كل يعتقد انه يملك كامل الحقيقة)، ويفضي به هذا الحل - في الغالب- الى التطرف المؤدي في الغالب الى العنف وبذلك: مهدت هذه الحالة الى ظهور سلفيات متنوعة مثل السلفية الماركسية، والسلفية العلمانية والسلفية الدينية وسيادة المعاير المستفادة من فكر فلسفي، عند ذلك الغي الاهتمام بالحاضر (ناهيك عن المستقبل وغاب النقد والاستدلال المنتج، والمقارنات الكاشفة عنه في مجهودات تكامل النظريات

و في هذه الأجواء ينمو الاستبداد بأنواعه السياسي والديني وويتصاعد الفهم السلبي للدين، ويكون التضليل السياسي هو السائد وكل ما تقدم فكر يشجع وتأثر النزعات الأصولية وتمهيد الأرضية للإرهاب والتعصب والطائفية والفساد والعنصرية العرقية وعند ذلك يصعب ان تقوم دولة المواطنة والحداثة والحريات وتستبدل بدولة (المكونات) وتغيب سياسات العدالة الاجتماعية وعوامل السلم الأهلي

الامر الذي يعد محل مناقشة ونظر في اراء فؤاد زكريا اعتقاده بوصفه مفكرا عقلانيا نقديا اراء راديكالية منها ان العلمانية ضرورة حضارية وتاريخية، وهي عابرة للازمان والجغرافيا

ويستشعر النزعة الاستبدادية في النظام السياسي للخلافة في بلاد المسلمين، فيرى ان التاريخ والتراث الإسلامي هو تاريخ الاستبداد ويرتب عليه قوله (ان مشروع تطبيق الحقوق في الشريعة في عصورنا هو استعادة الأوضاع القرونية الوسطى،

 ويعتقد أيضا ان الكلاسيكية الإسلامية عصية على التعاطي مع الحداثة، ومع حقوق الانسان ويضرب لذلك مثلا فتوى ابن تيمية في اهل ماردين الذي افتى بقتلهم جميعا،

 وأشار ان هذا الموقف لانبغي ان يثير المشاعر لان الفكر الكلاسيكي يرسخ (الدوغمائية) لأنه يعتقد انه يمتلك الحقيقة النهائية، ويدافع زكريا عن العلمانية، فيرى انها لا ترفض الدين انما تتبح الفرصة للناس ان يمارسوا التدين بحرية ولكن بطريقة إيجابية، ترفض توظيف الدين توظيفا سياسيا فيكون حينئذ عقبه امام التقدم

ويقرر زكريا: ان العلم والفلسفة هما اللذان يقودان الحياة وان زمن التراجع الحضاري اهملهما لصالح الخلافات العقائدية، ويركز على شكل الدين دون مضمون واهمية الفلسفة -عنده- تنبع من كونه روح الفلسفة والباعث على التحولات المدنية، لأن النقد هو نقطه الابتداء فلا بد من إزالة أي وصاية على العقل . فاذا اردنا بناء مشروع حضاري تنموي فلا بد من الفلسفة والعلم

***

ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد

 

اعتاد العراقيون في كل سنة في مطلع  شهر رمضان، أنْ يخوضوا بين مؤيّدٍ لعرض هذه الدراما التي ستعرضها هذه القناة، وبين رافضٍ لها، وكلٌّ له وجهة نظر يراها جديرةً بالأخذ والالتزام بها من قبل الجهات المعنية لتأخذ دورها في اتخاذ الموقف المناسب لهذه الجماعة الضاغطة عبر ما تُدليه من رأيٍ عبر الفضاء الرقمي أو حتى الواقعي، وهذا الأمر سأناقشه بعد الأخذ بنظر الاعتبار، أنّ الدراما الجدَلية ليست حكرًا في العراق فحسب، فكثيرٌ من الدول المجاورة، وحتى سواها، نسمع في وسائل الإعلام أنّها لا تخلو من هذا الجدل الذي يختلف باختلاف البيئة الثقافية التي تنطلق منها قناعات معينة تراها كل جماعة بحسب موجّهاتها الفكرية جديرةً بالتأثير في قرار حجب هذه الدراما من إتاحتها للعرض، ولكن ما يُميّز الدراما العراقية عن المحيطة بها، أنّها دائمًا ما تلتقي في شهرٍ لا علاقة له بالدراما أصلاً بقدر ما له علاقة بعكس ذلك أصلاً، فبدلاً من أنْ تتكثّف البرامج التوعوية التي تؤسّس لثقافة وسَطيّة تراعي حُرمة هذا الشهر الفضيل، تنشغل الدراما العراقية بعرض كل ما يُنافي هذه القيم، بما يدفع شرائح واسعة من المجتمع إلى استهجان عرض هذه الدراما، لاسيّما أنّها دائمًا تحاول بقصد – بحسب ما يراه المعترضون عليها – توجيه الإساءة إليهم، من خلال اختيار "ثيمات" ترتبط سيميائيًا بتلك الشرائح، من قبيل استعمال اللغة، أو بعض الأزياء التي تُحيل إلى خصوصية هذه الشريحة دون غيرها من فئات المجتمع، أو اختيار أماكن أو رموز دينية أو فلكلورية تشير إلى الفضاء الذهني الذي يحيل إلى المتخيل الجمعي لهذه الشريحة، في حين كان بإمكان هذه الدراما أن تنوِّع في مشاهدها والشرائح التي تنتخبهم لاختيار فكرة هذا العمل ومسرحه وشخصياته، لأجل أنْ تتفادى الوقوع بهذا المطبّ الذي أوقعت فيه نفسها عبر تكرار هذه الأعمال، ومعلومٌ أنّ "من وضع نفسه موضع التهمة فلا يلومنّ من أساء به الظن" هذا إذا فرضنا أنّ الجهة الراعية لتنفيذ هكذا أعمال لم تقصد الإساءة، ولكن بإمكانها أنْ تدرس فرضيات التلقي لهذا العمل الذي سيكلّفها المبلغ الكذائي من الأموال، ولكن يظهر أنّ الاستفزاز صار هدفًا عند البعض من جهات لا تجيد غير دعك فانوس المماحكات لتعتاش من وراء ذلك اللغط، أو لتسوِّق لعملها الدرامي عبر هذه الطريقة..! وهي طريقة لا تختلف – بقليل أو بكثير – عمّا يواجهه المواطن العراقي من استفزازت على مدار السنة من جهات تارةً يمثّل بعضها الحكومة، من خلال تصريحات تصدر من بعض مسؤولي الدولة، من قبيل "عدم تأمين الرواتب للموظفين"، أو "تصدير كذا ألف طن من الحنطة لدولة عربية" أو "إهداء اثني عشر ألف جهاز تابلت إلى دولة لأجل الإحصاء السكاني لديهم" أو غير ذلك من مواقف أو قرارات لا يخلو منها شهر من الشهور على مدار السنة، أما في شهر رمضان فالاستفزاز يأتي من بعض القنوات، وإذا كان كاتب هذه السطور يرى أنّ ما يُعرض في شاشة القنوات العراقية في أكثره لا يرتقي إلى مستوى الجودة في الأداء الدرامي مثل الذي يُشاهده في الدراما التركية أو الإيرانية أو بعض الدول العربية مثل مصر، ولكن على أي حال، ينبغي أنْ تتوجّه الدراما العراقية للاستفادة من خزينٍ وافر من الأحداث التي مرّت بالعراق أبعد من أنْ تكون مثارًا للاستفزاز عند فئة دون أخرى من فئاته، فالميدان فسيح لذلك، وليس ثمة شحّة في اختيار ما يوافق هذه الخصوصية التي من شأنها إعادة الروح الوطنية وتعزيزها بطريقةٍ ناعمة تعمل الدراما على ترسيخها.. وإذا كان ثمة عملٌ لهذه السنة يستحق المشاهدة برأيي القاصر – لكوني لستُ متابعًا جيّدًا لكل ما سيظهر على القنوات من أعمال درامية – فهو الذي سيتناول شخصية الشهيد الراحل أبي تحسين الصالحي، فشخصية مثل هذا البطل الهمام لا أظنّ ثمة جهة تختلف على بطولته حين افترس العراق قبل سنوات وحوش الظلام من شذّاذ الآفاق، فكان لهم الصالحي بالمرصاد من خلال فوهة قنّاصه، إذ اجتمع فيه الإخلاص والشجاعة مع الخبرة والدقّة في اصطياد هؤلاء الوحوش، بما يؤهّله أنْ يكون بطل الدراما العراقية لهذا العام، فتحية لكادر هذا العمل بعامة وللفنان الدكتور سنان العزاوي على أدائه تمثيل هذه الشخصية. وفي مثل هكذا أعمال جادّة فليتنافس المتنافسون..

***

د. وسام حسين العبيدي

في مصر، كما في كثير من البلدان العربية، لا تمر أيام الصوم باعتبارها لحظة مراجعة أخلاقية، بل تتحول إلى موسم شعائري صاخب يزداد فيه التدين الظاهري بينما يتراجع المعنى الإنساني. الشوارع مزدحمة باللافتات الدينية، والشاشات ممتلئة بخطاب الوعظ، لكن الواقع يقول شيئا آخر.. خطب عن الأخلاق وصمت عن النفاق

 مجتمعات تحكمها أنظمة تخاف من الوعي أكثر مما تخاف من الفساد، فتتحول العبادة من فعل تحرر أخلاقي إلى أداة ضبط جماعي

لا تقاس قيمة العبادات بكثرتها بل بما تتركه من أثر في الوعي والسلوك الفردي والجمعي. فحين تتحول الشعائر إلى عادات موسمية منفصلة عن مقاصدها الاخلاقية والانسانية تفقد جوهرها وتغدو شكلا بلا روح. ومن هنا تبرز المفارقة في مجتمعات تفرط في ممارسة الطقوس لكنها تعاني في الوقت ذاته ازمة قيم وانفصاما عميقا بين ما يعتقد وما يمارس.

الصوم في جوهره الفلسفي. ليس امتحان المعدة، بل امتحان الضمير. ليس تمرينا جسديا على الامتناع بل تجربة وجودية تعيد ترتيب العلاقة بين الانسان ورغباته وبين الفرد وضميره وبين الايمان والسلوك. فالفعل التعبدي لا يكتسب قيمته الاخلاقية الا حين ينبع من وعي داخلي بالمسؤولية لا من امتثال شكلي او خوف خارجي. وحين لا يفضي الصوم إلى تهذيب الارادة ولا ينعكس في احترام الانسان للانسان يصبح ممارسة بيولوجية خاوية من المعنى الاخلاقي.

حين يصوم المجتمع وتستمر منظومات الفساد، وحين تمتلئ المساجد وتفرغ القيم من المجال العام، نكون أمام مفارقة فاضحة.. طقوس في الممارسة وانحطاط في المعامله

لا معنى لصائم يغش، ولا لقديس يبرر القمع، ولا لمتعبد يصمت أمام سحق الإنسان. الأخلاق ليست زينة للدين، بل مقياس صدقه الوحيد.

لقد ربط سقراط الفضيلة بمعرفة الذات معتبرا ان اصلاح العالم يبدأ من الداخل. ومن هذا المنظور يصبح الصوم لحظة مساءلة نقدية للذات ووقفة تأمل في انماط العيش التي تكرس الانانية والعنف الرمزي واللامبالاة الاخلاقية. وهو في هذا السياق اقرب إلى ما سماه بول ريكور تطهير الذاكرة الاخلاقية حيث يعاد النظر في الافعال بوصفها مسؤوليات انسانية لا التزامات طقسية.

غير ان الخطر الحقيقي يكمن حين يختزل الصوم في الامتناع عن الطعام بينما تترك مساحات واسعة من السلوك اليومي اسيرة للكذب والنفاق واقصاء الاخر وازدراء العمل وتعطيل العقل. هنا يتحول الصوم من قيمة محررة إلى اداة تبرير ومن تجربة روحية إلى طقس اجتماعي يعاد انتاجه بلا وعي. وهو ما نبه إليه محمد اركون حين حذر من تقديس الشعائر على حساب النقد الاخلاقي معتبرا ان اخطر اشكال التدين هو ذاك الذي يصادر العقل ويغلق افق السؤال.

ان الفصل بين العقيدة والسلوك ليس خللا اخلاقيا فحسب بل ازمة معرفية عميقة. فالدين في بعده القيمي لا يقاس بمدى الالتزام الشكلي بالشعائر بل بقدرته على انتاج انسان حر وصادق ومسؤول. وقد عبر ابن مسكويه عن هذه الرؤية حين جعل الغاية من العبادات تهذيب النفس وتحريرها من الرذائل لا اخضاع الجسد لمجرد الحرمان.

من هذا المنظور يصبح الصوم الحقيقي صوما عن كل ما يحط من كرامة الانسان عن الكراهية والغل وتشييء الاخر واستسهال الظلم وتغييب الضمير. صوم عن التبعية العمياء التي تلغي الفردانية وعن النفاق الذي يجمل القبح باسم القداسة وعن الجهل الذي يتخفى خلف يقين زائف

الصوم الحقيقي هو صوم عن تبرير السلطة الجائرة، وعن تديين الفقر، وعن تسويغ القمع باسم الاستقرار. هو صوم عن النفاق الاجتماعي الذي يلعن الظلم سرا ويبرره علنا. صوم عن تحويل الدين إلى أداة لإسكات الجياع بدل أن يكون صرخة في وجه من جوعهم.

 وهو ما ينسجم مع رؤية ايمانويل ليفيناس الذي جعل الاخلاق قائمة على مسؤولية الانسان تجاه الاخر لا على طقوس تؤدى بمعزل عن هذا الوجه الانساني.

ان اعادة التفكير في فريضة الصوم ليست دعوة إلى هدم المعنى الديني بل محاولة لانقاذه من التفريغ والابتذال. فالمجتمعات التي تعاني التخلف في العمل والابداع والتنمية لا تحتاج إلى مزيد من الطقوس بقدر حاجتها إلى استعادة البعد الاخلاقي للعقيدة وإلى وعي يرى في العبادة مشروعا انسانيا شاملا لا طقسا موسميا منفصلا عن الواقع.

في النهاية يظل الصوم امتحانا للصدق مع الذات قبل ان يكون التزاما دينيا. فمن لم يصم عن الشر والظلم والكذب والكسل العقلي فلن يصنع من صيامه قيمة ولن يضيف إلى العالم معنى. فالصوم حين يستعاد في افقه الفلسفي يصبح فعل تحرر وبداية طريق نحو انسان اكثر وعيا واكثر انسانية

ان الفلسفة تعلمنا ان القيم لا تولد من الطقوس بل من المعنى وان العبادة التي لا تعاد صياغتها في الفعل اليومي تتحول إلى قناع اخلاقي يخفي تحته العنف والكسل والنفاق. لذلك يكون الصوم الحقيقي ثورة صامتة على الداخل قبل ان يكون امتثالا للخارج.

ثورة على الكذب الذي نمارسه باسم الحكمة وعلى الظلم الذي نبرره باسم الطاعة وعلى الجهل الذي نقدسه باسم اليقين.

حين يصبح الصوم تمرينا على الحرية الداخلية لا على القهر الذاتي وحين يتحول إلى وعي نقدي يراجع المسلمات ويكسر الاصنام الذهنية عندها فقط يستعيد معناه الانساني.

الصوم الذي لا يترجم إلى موقف أخلاقي من السلطة الجائرة هو صوم مزيّف. لا قيمة لعبادة تمارس نهارا وتناقض في كل مؤسسة، وكل قانون جائر، وكل خطاب كاذب

 الصوم الذي لا ينتج انسانا اكثر عدلا واكثر صدقا واكثر احتراما للحياة ليس عبادة بل عادة

 الصوم محاكمة أخلاقية للذات، لا شهادة حسن سلوك ديني. فمن لم يصم عن الكذب، والظلم، والكسل العقلي، واستسهال الشر، فلن يصنع من صيامه قيمة.

والعبادة التي لا تترجم إلى معاملات عادلة ليست عبادة، بل عادة… وطقس بلا معنى. وعباده بلا روح

فمن خرج من صومه كما دخل إليه، بنفس الكذب، ونفس الخوف، ونفس القابلية للظلم، فقد صام الجسد وأفطر الضمير

‏صوموا عن النفاق والحقد، والغل، والشر، والأذى، وكسر الخواطر .. قبل أن تصوموا عن الطعام

صوموا عن اللهو بأعراض الناس وعن النميمة وعن التفاخر والغرور الاعمي قبل أن تصوموا عن المأكل والمشرب.

صوموا عن الغش والكذب والتراخي والاهمال وتغييب الضمير

صوموا عن التبعية التي تقصيكم من فردانيتكم وتجعلكم نسخا مشوهه من الآخر

صوموا عن كل ما يحط من كرامه الانسان ويقلل من انسانيته

إن كان هدف الصوم هو تهذيب النفس وتربية الجسد، فإن صومكم عن الشرور قبل الطعام أفضل وأفيد.

 صوموا عن الجهل تصحوا

***

ابتهال عبد الوهاب

 

هناك علاقة وثيقة بين فقدان الشغف، وبين الشعور بعدم الإنجاز، ربما يجد البعض الأمر غريباً، لكن الكثير من البشر فقدوا الإحساس بالإنجاز مهما حققوا من نجاح، وكل ذلك بسبب ما يحمله لنا التطور التكنولوجي والمجتمع المعاصر من عبىء الإطلاع على كل شيء، لإن ذلك فتح باب المقارنات على مصراعيه، وأصبح الإنسان لا يشعر بالفخر والسعادة مهما حقق، مُقارنةً بما وصل إليه غيره، و إن من أبرز الأسباب هو التركيز على نجاح الآخرين، و وضع الإنسان نفسه في مُقارنات معهم، إن الإنسان المُعاصر اصبح لايعرف بالضبط مايريده، وما يحتاجه، هو فقط ينظر الى ما في أيدي الآخرين ويُريده، ظناً منه ان هذا هو ما سوف يُسعده، ويجعله يشعر بالأمان والطمأنينة، والسلام النفسي، إن خوف الإنسان المعاصر هو خوف من أن يسبقه الآخرون، والشعور دائماً انه متأخر في عالم يتطور بشكل سريع هو  شعور مُرهق، والرغبة المَرَضية في المنافسة تجعله في سباق مستمر مع الزمن من ناحية، ومع الآخرين من ناحية أُخرى، ليجد نفسه في النهاية غير راضٍ، وغير مقتنع، وبالتالي فاقد للشغف وغير سعيد.

 ولمعرفة كيف يحدث ذلك، ولماذا يحدث، لابد لنا من تتبع جذر المشكلة الأزلية عند بعض البشر، ألا وهي مقارنة أنفسهم مع الآخرين، إنهم يُدخلون أنفسهم في مُقارانات مع كل شخص في محيطهم أو من ضمن دائرة علاقاتهم، او يعيش في نفس مجتمعهم، فنجد الإنسان يتسائل: لماذا فلان من الناس هو أفضل مني؟ لماذا هو وصل لمرتبة أعلى، وانا مازلت في مكاني؟ إن المقارنات مع الآخرين، والنظر الى النفس بعين النقص وعدم الإكتمال، هو امر يُرهق الإنسان ويصل به في نهاية المطاف الى فقدان الشغف، وضياع المعنى في حياته، لأنه لا غاية له سوى مطاردة أحلام الآخرين، ومقارنة نفسه بهم، إنه بذلك يقع في (وهم عدم الإنجاز)، والذي هو عبارة عن عدم تقدير الإنسان لما لديه بالفعل من النِعَم، والتقليل من إنجازاته الذاتية، وعدم الشعور بأنها مهمة، وكل ذلك يُرهق الإنسان وقد يؤدي به الى الأمراض الجسدية والنفسية في حال لم تتم معالجتها.

إن تَقَبُل الإختلاف والتنوع في القدرات لدى البشر، سواء افراد أوجماعات، هو امر ضروري، وهو احد السُبل التي تُخرج الإنسان من دائرة الصراعات، والمنافسات الضيقة، فتقليد الآخرين، والسير على خطاهم، لا يعني بالضرورة أن نصل الى نفس النتيجة التي وصلوا إليها، بل أن ذلك يُفقد الإنسان هويته الذاتية، ويجعل منه مجرد إنعكاس لذات الاخرين، ويؤدي ذلك الى فقدان وضياع ذاته الحقيقية، وفي المقابل فإن التَقَبُل يُنجي الإنسان من الإنسياق وراء التنافس المرهق فيما لاُيناسب إمكانياته الحقيقية على أرض الواقع، حيث إن إتساع الفجوة بين ما يريده الإنسان ومايستطيع ان يفعله، يُسبب صراع نفسي مُتعب، بين الأماني، وحدود الإمكانيات، وبالتالي  يُصبح الإنسان مُرهق فكرياً، ونفسياً، ويظل كل إنجاز يُحققه مُحاط بالشعور بعدم الأهمية، هذه ليست دعوة لعدم السعي وتطوير الذات، بل هي دعوة لعدم الإنسياق وراء المقارنات، والوقوع في فخ التمني الذي لايتناسب مع القدرات الحقيقية، والتي تدفع الإنسان لعدم الرضا وتُدخله في دوامة المقارنات والسعي وراء الإنجازات التي لا تتناسب وقدراته الحقيقية، إن تَقَبُل الإنسان لحدوده المعرفية وقدراته الجسدية والعقلية، ومعرفة صفاته السلبية، والعمل على إصلاحها، وتحديد صفاته الإيجابية والسعي الى تطوريرها بشكل واقعي ومعقول،هو الحل الأمثل لمواجهة سباق الإنجازات المَرَضي،والغير واقعي، فما يحتاجه الإنسان هو العمل وفق زمنه هو، وليس وفق زمن الآخرين، وأن يؤمن ان لكل إنسان إيقاع خاص به، وزمن خاص به يتطور فيه، ولاتوجد مدة زمنية تناسب الجميع، لاننا لانواجه نفس الظروف والتحديات، نحن كبشر علينا تقبُل أننا لا نمتلك نفس طرق التفكير والمهارات، والحل الأمثل لمعالجة هذا النوع من المشكلات، هو التَقَبُل، تَقَبُل نجاح الآخرين، وتمني الخير لهم، وتقبل فكرة الإختلاف، ومواجهة الأفكار السلبية، ومراقبتها والتصدي لها، لان ذلك يُساعد على التقليل من السلوك الغير صحي، كذلك فإن تقدير الإنسان لإنجازاته والإحتفاء بها تعتبر طريقة فعّالة يواجه بها مشاعر الحزن في كل مرة يشعر أنه أقل من غيره، أو أنه لم ينجز الكثير مُقارنةً بالآخرين، كذلك فإن العمل على إكتشاف الفرد لقدراته الذاتية والأشياء التي يمكن ان يمارسها لتطوير وتعزيز هذه القدرات كفيل بأن يُحرره من وهم المقارنات وسباق الإنجازات، ويجب ان لا ننسى أن من حق الجميع أن يسعى للنجاح، ولكن الأجمل هو ان نسعى للحياة التي تناسبنا.

***

شيماء هماوندي

قراءة في جدل رمضان الأوروبي

يشهد اليوم الأخير قبل حلول شهر رمضان لعام 1447هـ الموافق لـ 2026م حالة لافتة من الانقسام، خاصة في عدد من البلدان الأوروبية، وداخل الأوساط المسلمة السُّنّية على وجه الخصوص، باستثناء الشريحة التركية التي دأبت منذ عقود على اعتماد الحساب الفلكي الثابت. وقد تابعنا كمّا هائلا من التدوينات والتعليقات والمقاطع المرئية في مختلف وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، وكان أكثر ما يبعث على القلق هو اتساع رقعة الجهل الفقهي والمقاصدي والعلمي لدى عدد من المتدخلين الذين يخوضون في مسألة دقيقة لها أهلها من الفقهاء المتخصصين والمجالس الاجتهادية، وهي مؤسسات راكمت تجربة طويلة في فقه المسلمين في أوروبا والغرب، وأسهمت بإسهامات نوعية واجتهادات معتبرة في فقه الأقليات والهجرة.

من الطبيعي أن يختلف بعض المسلمين مع هذا الرأي انطلاقا من اعتبارات فقهية معتبرة، فذلك جزء أصيل من فقه الاجتهاد الإسلامي الذي وسع الاختلاف، وأقرّ بأن المجتهد مأجور على اجتهاده وإن أخطأ. غير أن المثير للاستغراب هو أن يتحول هذا الاختلاف، لدى بعضهم، من نقاش علمي مشروع إلى موقف مؤدلج، يُسقط عليه اصطفافات خارجية، إما بدافع ولاء عقدي أو روحي لجهة بعينها، أو انسجاما مع أجنداتها، أو سعيًا إلى استرضائها رمزيا أو ماديا، بما يُفرغ الخلاف الفقهي من طبيعته العلمية ويزجّ به في مسارات لا تخدم وحدة المسلمين ولا مقاصد الشريعة.

في الحقيقة، إن الإشكال يتفاقم حين يطغى الهوى المذهبي في بعده الإيديولوجي، إذ سرعان ما يُفضي إلى إفراغ النقاش من مضمونه العلمي، ويُحوّل الخلاف الفقهي المشروع إلى صراع هويّاتي حاد. وقد عايشنا، على امتداد عقود، كيف تسللت قراءات متشددة ومُفكِّكة إلى بعض أوساط المجتمع الإسلامي في أوروبا، وكيف جرى توظيف خطاب ديني تعبوي لتقويض أي مشروع وحدة أخوية بين المسلمين، واستهداف تدين الجيل الأول من المهاجرين الذين أسسوا الحضور الإسلامي في أوروبا، وبنوا المساجد والمراكز والمؤسسات التعليمية، ودافعوا عن قضايا المسلمين في مختلف السياقات والمحافل.

كما أسهم هذا المسار في تغذية خطاب يقوم على التبديع والتفسيق، بل والتكفير أحيانا، وهو خطاب لا يصدر إلا عن فهم قاصر للدين وأخلاقياته ومقاصده، وقد كانت له نتائج خطيرة، تمثلت في بروز جماعات منغلقة ترفض الحوار والتعايش والتسامح، وهي قيم أصيلة في الإسلام. بل إن هذا التطرف العقدي والفقهي كان أحد المناخات التي سهّلت تجنيد آلاف الشباب المسلم في تنظيمات متطرفة كـ"القاعدة" و"داعش"، في حين لا يزال بعض أنصاره يمارسون إقصاءهم في صيغ أكثر خفاء، من خلال تصنيف المخالفين لهم في مسائل شكلية أو فقهية فرعية في مراتب أدنى من الانتماء الديني.

وفي هذا السياق، تأتي هذه المقالة للمساهمة في ترشيد النقاش حول نازلة تحديد بداية شهر رمضان يوم الخميس 19 فبراير 2026، وهو اختيار فقهي أقرّته مجموعة من المجالس الإسلامية والهيئات الفقهية، إلى جانب عدد من الفقهاء وممثلي المسلمين، خاصة في بلجيكا وهولندا. ولم يصدر هذا القرار اعتباطا، بل تأسس على معطيات علمية دقيقة تؤكد تعذّر رؤية الهلال فلكيا مساء الثلاثاء 17 فبراير 2026، فضلا عن تقديرات شرعية نابعة من اجتهاد جماعي مؤسسي جرى في إطار التشاور والتدارس بين المجالس الفقهية وجمعيات العلماء والأئمة، وأسفر عن فتوى جماعية تستند إلى الدليل الشرعي، والاعتبار العقلي، ومراعاة الواقع المعيش.

ولا تكمن أهمية هذا القرار في كونه إجراء تقويميا لتحديد بداية الصيام فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى دلالات أعمق تتصل بطبيعة الحضور الإسلامي في أوروبا، وبمسار تشكّل وعي ديني مؤسسي أكثر نضجا وتوازنا. وفي هذا الإطار، يمكن الوقوف عند ثلاث دلالات مركزية تعكس تحولات نوعية في الفهم الديني والاجتهاد الجماعي لدى المسلمين في السياق الأوروبي.

أولا: القطيعة مع التبعية المذهبية والإيديولوجية

يمثل هذا الاختيار خطوة عملية نحو القطع مع أنماط من التبعية المذهبية أو الطائفية لجهات خارج السياق الأوروبي، كما يعبّر عن تحرر متدرج من الولاءات الإيديولوجية العمياء لأنظمة سياسية أو أحزاب دينية في بلدان الأصل. لقد استمرت هذه التبعية، بأشكال مختلفة، لما يقارب سبعة عقود منذ بدايات الهجرة العمالية إلى أوروبا في ستينات القرن الماضي، وأسهمت في خلق إشكالات بنيوية في علاقة المسلمين بمجتمعات الإقامة، لا تزال آثارها السلبية قائمة إلى اليوم.

إن الاستمرار في استيراد قرارات دينية وفتاوى فقهية جاهزة من خارج السياق الأوروبي، دون اعتبار للخصوصيات الثقافية والجغرافية والقانونية، جعل جزءا من التدين الإسلامي في أوروبا يعيش حالة من الازدواجية والتوتر والغموض. ومن ثم، فإن تبنّي اجتهاد جماعي مستقل، نابع من الواقع الأوروبي، يشكل خطوة ضرورية نحو ترسيخ مرجعية دينية أكثر انسجاما مع طبيعة هذا السياق وظروفه الاجتماعية والقانونية والمجالية التي تختلف جملة وتفصيلا عن سياق البلدان الإسلامية الأصلية.

ثانيا: الاعتبار الجغرافي في الاجتهاد الفقهي

تُثير الجغرافيا هنا سؤالا فقهيا مشروعا طالما تم تجاهله أو التعامل معه بانتقائية. فأوروبا الغربية تقع على مسافة بعيدة جدا عن بلدان المشرق العربي، واعتماد تقويم تلك البلدان في تحديد الصيام وعيدي الفطر والأضحى يطرح علامات استفهام حقيقية حول مدى صحة هذا الخيار ووجاهته الشرعية. فالجغرافيا ليست عنصرا ثانويا في الفقه الإسلامي، بل تُعد عاملا أساسيا في تحديد أوقات العبادات.

وإذا كان المسلمون في أوروبا يعتمدون تقاويم محلية خاصة بأوقات الصلوات بسبب اختلاف خطوط العرض والطول، فلماذا يُصرّ بعضهم على ربط الصيام والأعياد ببلدان تبعد آلاف الكيلومترات؟ إن إغفال السياق المكاني في الاجتهاد الفقهي يؤدي، في كثير من الأحيان، إلى فتاوى مختلة أو ضعيفة الصلة بالواقع، مهما حسنت النوايا. فالفقه، في جوهره، تفاعل دائم بين النص والواقع، وأي فصل بينهما يُفرغه من مقاصده.

وإذا كان المجتمع الإسلامي خلال العقود الأولى من الهجرة العمالية يتسم بطابع بسيط وظرفي، فإن واقعه اليوم يعكس تحوّلًا نوعيًا على المستويات الاجتماعية والقانونية والسياسية والأكاديمية والمؤسسية والدينية. فقد أضحى المسلمون في أوروبا يحققون قدرا متزايدا من الاكتفاء الذاتي في البنى التربوية والمعرفية والفقهية، بفضل بروز جيل جديد يجمع بين التكوين في العلوم الشرعية والعلوم المعاصرة، وإتقان اللغات الأوروبية. وينتمي هذا الجيل إلى خلفيات متعددة؛ فمنهم من قدم من شمال إفريقيا والمشرق والعالم الإسلامي، ومنهم من تلقى تعليمه في بلدان عربية وإسلامية مثل مصر والمغرب والمملكة العربية السعودية وتركيا، فضلا عن خريجي المراكز والكليات الإسلامية الأوروبية. وقد أسهم هؤلاء، عبر مسار تراكمي، في تأسيس مجالس فقهية متخصصة تُعنى بفقه المسلمين في أوروبا والغرب، وكان لوجودها دور حاسم في صيانة المرجعية الدينية وتنظيم الشأن الإسلامي، إذ لولاها لكان حضور الإسلام في هذه السياقات مهددا بالتشتت وفقدان البوصلة، ولربما اتخذ مسارات مغايرة لا تخدم استقراره ولا اندماجه المتوازن.

ثالثا: نحو توطين التدين الإسلامي في السياق الأوروبي

يشير هذا القرار، في عمقه، إلى أهمية انتقال المسلمين في أوروبا من مجرد “حضور إشكالي” إلى “حضور فعلي” متجذر في الواقع. لقد قطع المسلمون أشواطا طويلة في بناء وجودهم الديني عبر تشييد المساجد، وتأسيس المراكز الإسلامية، وإنشاء المدارس، والمشاركة الإيجابية في الحياة العامة. وأصبحت بلدان الإقامة وطنا حقيقيا، لا سيما بالنسبة للأجيال المسلمة الجديدة.

غير أن ما لا يزال عالقا إلى اليوم هو التبعية المذهبية بمعناها الإيديولوجي، لا الفقهي، لكل ما هو خارجي. وقد أوقعت هذه التبعية شريحة من المسلمين في قطيعة عميقة مع السياق الذي يعيشون فيه، وأسهمت في فشل جماعي في بلورة أنموذج تدين يحافظ على جوهر الإسلام، وفي الوقت نفسه ينفتح بوعي ومسؤولية على السياق الأوروبي المختلف ثقافيا، والمغاير جغرافيا، والقائم قانونيا على العلمانية التي تفصل بين الدين والدولة.

إن هذا الانفتاح لا يشكل خطرا على الإسلام، كما يُروَّج أحيانا، بل على العكس، من شأنه أن يعزز موقع المسلمين، ويمنحهم القدرة على المساهمة الإيجابية في مجتمعاتهم، دون فقدان هويتهم الدينية. فالإسلام، تاريخيا، لم يكن يوما دينا منغلقا، بل كان دائما قادرا على التفاعل الخلّاق مع السياقات المختلفة.

في الخلاصة، إن اعتماد بداية الصيام في أوروبا على أساس اجتهاد جماعي مؤسسي لا يُختزل في كونه إجراء تقنيا أو حسابيا، بل يعكس درجة من النضج الديني والفكري، ويُجسّد خطوة واعية نحو بناء إسلام أوروبي واثق، متوازن، ومتجذّر في واقعه، دون قطيعة مع أصوله الشرعية ومقاصده الكلية. ومن المهم أن يُدرك المسلمون في أوروبا هذه الحقيقة في أفقها الواقعي والعلمي، بعيدا عن لغة التشنّج والخطاب الإقصائي، وعن استسهال إطلاق أحكام التبديع أو التكفير. فمثل هذه الممارسات لا تصدر إلا عن فهم سطحي للعلم الشرعي، يكتفي بالقشور ويغفل المقاصد والمنهجيات، في الوقت الذي يتجرأ فيه بعضهم على التشكيك في علماء وفقهاء وباحثين أفنوا أعمارهم في التحصيل العلمي، والاجتهاد المسؤول، والدفاع عن حقوق المسلمين وخدمة قضاياهم في سياقات معقّدة ومتغيّرة.

***

بقلم: التجاني بولعوالي

"فضائح جزيرة إبستين إنموذجًا"

تؤكد لنا معرفتنا وجميع المشتغلين بالتحليل النفسي سواءً بالعلاجات النفسية التحليلية، أو معرفة الاسباب، أو التفسير النفسي التحليلي لظواهر تمر بها المجتمعات المعاصرة في عصر ما بعد الانترنيت وعوالم الاليكترونيات وعالم المجتمعات "السوشيال ميديا" بأنواعها، فالإنسان هو هو، في عالم السكينة والهدوء إن وجدت، وعالم الانترنيت ومشكلاته من مواقع اليكترونية وغرف ودهاليز الاعلام الرقمي والمشفر، أو العالم الخبيء في جزر تحولت لتحقيق الرغبات المكبوتة، ولنقل المقموعة في فجر طفولة الإنسان وقيدت في السجل الرمزي في صفحة الفرد بكل حرفياته، لم تمحى أبدًا حتى وإن أشبعت بالمال والجاه والسلطة والمنصب وإدارة الشركات والبنوك والاستثمارات الهائلة، إلا انها تظل تقرع أجراس الرغبة بتوحش وشدة لا تطاق، تعود في السجل الخيالي بصور مجسمة تارة، وتارة أخرى ملطفة بتشويق به من الحفزات الغريزية بحثًا عن الإشباع الوهمي، وعلمتنا التجربة اللاكانية ان موضوع الرغبة المستحيل بلوغه والذي يعبر عن عجز الذات المنقسمة عن ان تحقق الإشباع، هو في الحقيقة علة الرغبة في الدرجة الأولى، ويدلنا " جاك لاكان " بأن الذات تعتقد إن رغبتها تستهدف موضوعًا بعينه، مخطئة في إدراك إن الرغبة إنما تُبنى وتنشأ من الوضع البنيوي للنقصان الذي فيه تجد الذات نفسها، والذي فيه لا يكون موضوع الرغبة إلا بديلا، ويضيف " لاكان " في كتابه " كتابات" لذا فإن سعي الذات وراء موضوع رغبتها الخاصة هو شكل من أشكال الخطأ في التصنيف، حيث فيه تكون الذات مدفوعة إلى السعي وراء كل موضوع بعينه على أمل تحقيق الإشباع والكمال اللذين منعت منهما بعد دخولها إلى العالم الرمزي، هذا السجل الذي ضم كل ما يتعلمه الإنسان ويدركه بصور مختلفة والديه " الأم والاب والأخ الكبير" والتقاليد والقيم والأعراف والدين.. الخ حسب تنوع كل فرد وخصوصيته وتنوع افراد البشرية بكيفية إدراك ما تقدم في ذلك السجل.

إن إشراك أكبر عدد ممكن من البشر ممن يحتاج لإشباع تلك الرغبة، والحاجة تبحث عن طلب لتحقيق هذه الرغبة، جاءت اللحظة التي تعلن فيها النفس البشرية عن ما ينقصها رغم ضخامة المال والجاه والمنصب.. كل تلك كانت محاولات فاشلة في سد فجوة بنيوية حدثت جراء الدخول في الرمزي " ما بنته النفس في مرحلة عمرية من حياة الإنسان، تأسس معها النقص والشعور بالدونية، ففي هذه المرحلة من الطفولة يعجز فيها الفرد دومًا عن تجسيد الخبرة المعاشة تجسيدًا كاملا باستبعاده لجزء من الواقعي الذي نحن نتجذر فيه، وهو لذلك سعي الذات العقيم في نهاية المطاف وراء موضوع الرغبة العميقة والمتجذرة لمواصلة الرغبة التي لا تنتهي ولا تشبع.

هي النفس في كل ما بعمقها وما تحتويه من شذوذها، فالذين حضروا وشاركوا في المنتدى العالمي لشذوذ النفس البشرية هم من دعا إلى حق وسط الكذابين، وهم من دعا إلى الفضيلة وسط الرذلاء، وهم أنفسهم من دعا إلى عدالة وسط الظالمين، وإلى الحرية في وسط ركام الدكتاتورية، في حقيقة أنفسهم هم بشر دعوا شعوبهم ومريديهم وزبائنهم في الحياة العملية إلى رؤية أفضل لإنسان أفضل يحيا حياة أفضل، فمحفل " جيفري ابستين " أعلن عن التسامح فوق المحسوسات، وأرتفع بمبادئه محلقًا في سماء الفضيلة ساعيًا لخدمة الناس في مختلف مجتمعات العالم المتحضر والأقل تحضرًا أيضًا، نحاول في هذه المطوية ذات السطور المهتمة في التحليل النفسي عرضنا بعض من أفكار التحليل النفسي، وكما علمنا التحليل النفسي أيضًا بأن الإنسان هو لغة رغبة التي يعلن بها عنها يجمع بين الإفصاح والإخفاء، بأعلان يقدم فيه رغبته على الوضع الذي يرغبه، أو أن يخضع رغبة الآخر ويريد منه أن يقدم بها هذه الرغبة. ومثال ذلك فضائح جزيرة " جيفري ابستين ".

أثبت التحليل النفسي إن دراسة الإنسان هي محور دراساته منذ تأسيسه على يد المحلل النفسي النمساوي " سيجموند فرويد". وجاء بعده من يرى أن كل تحليل نفسي هو نقد للمجتمع، لأن المجتمع يتغير باستمرار كما يرى المحلل النفسي الألماني " ليون برينر " ويضيف المحلل النفسي الفرنسي "جاك لاكان" إن الإنسان يتعايش تمامًا مع عدم الحقيقة.

إننا نعيش هذا العالم المتجدد والسريع في التطور، هذا يجعل رغباتنا تضغط علينا لمواكبة هذا التطور، هذا كله لإشباع رغبة – شهوة – متعة، هذه كلها ليست سد الحاجة، أو طلب إنساني بل هي نزوع مرضي لعدم الإشباع حتى وإن كان الاشباع عند المليونير في المال، أو السلطة، أو في المنصب، أو إدارة الدولة، هناك شيء غير مشبع ظل هائمًا بين المال والسلطة والمنصب، ولن يشبع فأخذ منحى آخر هو ممارسة كل ما هو شاذ، لأنه يمثل حقيقة النفس، ونقول لا فائدة من المال أو السلطة أو المنصب أو الشهادة العليا في التخصص والعلم إذا لم تعترف بجهل ما تشتهي النفس، ويقودنا قول جاك لاكان من الرغبة تنبثق الهيئة التي تمارس المتعة – النشوة، ونقول ما بني في تكوين النفس لابد وإن يعلن عن نفسه مهما طال الزمن، أو تخفى تحت ستار المال، أو المنصب، أو الجاه، أو شرف المهنة، أو الوطنية والمواطنة.. الخ.

ظواهر الإنسان اليوم لا تبتعد كثيرًا عن ظواهر الأمس إلا من حيث النوع، وإن زاد فيها الكم وتنوع فيها المسبب، فما يعانيه إنساننا اليوم من أعراض هي وليدة حضارتنا، وزيادة الحصر في الحضارة مما أدى إلى تضخم الأزمات واحداث الصدمات النفسية فضلا عن التداخل الشخصي في شحن الرغبات غير المتحققة، والمتحققة منها.. لإن الصراع لا ينتهي. وساستعير من المحلل النفسي الفرنسي "جاك لاكان" تشكيل بنية الفرد وانعكاساتها على سلوكه وتعامله اللاحق في حياته في عدة صور من صور الحياة اليومية والممارسات، نقول تظهر تلك البنية وتكشر عن أنيابها.

تعتمد صورة التخييل عند من تعاون وتعامل مع شخصية المدير - الرئيس – الوزير في هذه الجزيرة هي بنية متخيلة تحمل ذات منشطرة وهي في الآن نفسه لا تشير فقط إلى نوع من الشطح المتخيل، وإنما تشكل النسيج الاجتماعي الحق للواقع الذي يعيشه فعلا وعندئذ تكون الذات بطبيعتها مغتربة وناقصة، وكما عرفنا ان النقص " العميق في النفس" يولد الرغبة بكل أشكالها ومنها الهمجية البدائية، وكذلك غياب أو عدم وجود شيء في اعماق أنفسنا لا يشبع أبدًا.. أبدًا.

***

د. اسعد الامارة

تفكيك الثوابت واستشراف مستقبل المسؤولية الفاعلة

إنّ الوعي العربي المعاصر يستحيل علينا أن نتناول أبعاده الحقيقية بشكلٍ دقيق، بعد محاولاتٍ كانت حُبلى بالمصاعب، من أجل النهوض بالوعي العربي بشكلٍ عام، فالمجتمعات العربية كلّ منها في وادٍ مختلف عن الآخر، كما أن المجتمعات في منحى، والأنظمة العربية في منحى آخر.

ولعل الوعي العربي هو الأكثر تشابكاً، إن كان في جوانب التعليم أو الثقافة أو البيئة، أو في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بشكلٍ عام.

ولكي نتناول مفهوم الوعي، لا بُدّ لنا في البداية من ربط الوعي بحالة الإدراك، مثل المفاهيم، المعرفة، الأفكار، والتقييم النظري، أو وجهات النظر، وكذلك ربط الوعي بمفهوم التفاعل والقدرة عليه، والقدرة على التواصل في البيئة الخارجية أو المحيط الخارجي، عبر كافة الحواس.

وكذلك ربط الوعي بالقدرة على ترجمة المفاهيم عبر القدرة على التعبير بأي وسيلة من وسائل التواصل الإنساني، وبالمحصّلة لا بُدّ من امتلاك المهارات في مجال التفكير، والتفكير النقدي، ومن ثُمّ التفكير الإبداعي.

إنّ الدراسات التي تمت حول مفهوم الوعي قد شغلت إهتمام العديد من التخصصات وكانت في بدايتها الفلسفة.

وأعتقد ليس من المفيد الآن الرجوع إلى إشكاليات الفكر الفلسفي، حيث أن هذا الفكر كانت أولى تساؤلاته حول الحرية، والولوج الآن في مسائل الميتافيزيقا، كأن نتساءل: هل الإنسان حر؟. أو هل الحرية موجودة؟.

الآن نتناول الأمور على أساس بأن الحرية هي حقيقة، ومُمارسة عملياً بنفسِ الوقت، بهدفِ فك الإشتباك التاريخي بين الحتمية والحرية، من أجل البعد الإنساني.

في بدايةِ الأمر لا بُدّ من تأسيس التأمل الذاتي، المُراقب من الذات، عبر عملية استبطان الذات نفسها بنفسها، وعندما تنجح هذه العملية، نبدأ بتأسيس الواجب الفلسفي الذي يروم إلى فهم الحرية بعيداً عن الوهم.

فهل نجح الوعي العربي المعاصر، أو الفلسفة العربية الراهنة من مواجهة أشكال الإحتلال المُمارس على أراضٍ من الوطن العربي؟.

وهل الوعي العربي بكلِ أشكاله ومع الفلسفة أيضاً، إستطاع أن يُفكّك الجغرافيات الفلسفية القديمة، وولج بطرحٍ جديد لمعالجة واقعنا الحالي؟.

الإجابة دوماً تأتي بالنفي مع الأسف، لأننا لا نتناول معطيات الحاضر حينما نفكر، كي لا نتحمّل عناء تحسين واقعنا ومستقبلنا.

إنّ فقداننا للوعي، وفقدان الفكر العربي الراهن لهذا الوعي، هو الذي فسح المجال لممارسة كلّ أشكال الإقصاء والتهميش كما الإدانة والاستعباد، لكل فكرٍ مُغايرٍ يبتغي التجديد والإصلاح وبناء مستقبلٍ أفضل، يعتمد على تبنّي المسؤوليات الجادة، والتجديد الذي يُعتبر تنويراً للمجتمع وللعقل وللفكر العربي.

إنّ واقعنا الراهن يُعتبر مليئاً بالشوائب والغموض والتشويه الذي ليس بإمكانه ولا بأي شكلٍ من الأشكال أن يأخذ بيد المواطن إلى بر الأمان، وإلى مرفأ اليقين.

إنّ الوعي العربي وسلطته اعتمد طروحاتٍ شديدة الشبه بالشراك المُفخخة، أو القنابل الموقوتة، مثل ثنائيات السلم والحرب، العقل والنقل، الخير والشر والعلم والدين، وكأننا من خلال وعينا الراهن نقوم بانتاج إرهاصاتٍ عربية، وموروث، ومنتوج مُشتّت الأصول.

وكم من سرديات فلسفية عربية تحمل بين طيّاتها مصائب آنية، والحديث عن مشكلة الألوهية، والموروثات، وطروحات الفارابي وإبن سينا، ممّا يُرشدنا إلى ضآلة ونضوب العقل العربي، الذي في الأساس يجب أن يكون ساعياً وجاداً نحو التنوير والتجديد، في الوقت الذي لا يزال فيه العقل العربي يبحث في الوجود والممكن، وكل هذه الطروحات هي بعيدة تماماً عن واقع المواطن العربي الذي يُهرول نحو الوصول إلى منصّات المعرفة والنهوض.

لذلك فإن كتاباتنا ووعينا وفلسفتنا المبعثرة بعد ابن رشد، هي مجرد ارتحال اضطراري لتفسير ما خطّه ابن رشد بعيداً عن أي فكرة وظيفية، أو حتى إرهاصات القابلية للتداول المجتمعي، حتّى ولو تمّ استيراد نظرياتٍ ما، بهدف إعادة صياغتها، تبدو سخيفة بشكلٍ مُجمل.

عبثاً نحاول تحسين حياة وفكر المواطن، من خلال فلسفةٍ عقيمةٍ في وقتنا الراهن، من خلال تبريرات تحرّض الفلاسفة العرب لإعادة نمذجة فلسفة الكبار في ظروفٍ مغايرة، وبشكلٍ كُلّي مختلفة.

لذلك نرى أن الفلسفة العربية المعاصرة غائبة، لأنها بعيدة عن الولوج والاشتباك بالأحداث الجارية والمتسارعة، لذا نعتها كثيرون بأنها صناعة الوهم، وإذا حاولنا تفكيك الخطاب الفلسفي العربي لوجدناه متناقضاً وبمنأى عن الواقع الملموس والمعاش، وهنا نتجرأ لنتساءل بشكلٍ رئيسي لفائدة الفلسفة، والإجابة بكلمةٍ واحدة هي بكل تأكيد الوعي.

مع الأسف فلسفتنا الراهنة تُعاني من الكثير من حالات الغياب عن كثيرٍ من القضايا الرئيسية مثل الهوية والتعليم والدراما والعقلانية الاجتماعية وانتهاءً بالحريات والسياسة.

فمتى تصبح الفلسفة العربية الراهنة ملموسة واقعاً وتطبيقاً، نظرية وممارسة، وليست مجرد ترميم لنظرياتٍ سابقة أو بائدة.

ومن جانبٍ آخر نستطيع أن نقول أن الظاهرة الثقافية تشوّه الكيان الفلسفي العربي، بسبب غياب مفهوم الجماعة الفلسفية، ذات الهم المشترك، وهذا مؤشر كافٍ على غياب الوعي لدى المهتمين بالفلسفة أنفسهم، وأنهم مكانهم كمرضى على سرير الحكمة.

إنّ التغيير الجاد والمستدام هو الذي يعتمد على التوازن بين الماضي والحاضر، مع الإدراك بأن الثوابت والمبادىء والقيم التي نشأ عليها الإنسان هي ليست عبثية، بل هي أداة فاعلة بالإمكان توظيفها لتحقيق التغيير الإيجابي بما يتناسب مع الوقت الراهن، مع ضرورة التمييز بين المبادئ الجوهرية التي تلعب دوراً مهماً الذي يشكل أساس الهوية، وبين العادات التي قد تكون قابلة للتكيّف مع الزمن بعيداً عن دوّامات الضياع ومخاطر فقدان أو الابتعاد عن الهوية والشخصية.

آخذين بعين الاعتبار أن مفهوم الثوابت معمول به حتّى في المجال السياسي في منطقتنا العربية، لكنه غير متناول في المجتمعات الغربية حتّى سياسياً، هم يتعاطون العلوم والقوانين، وعند الغرب التعامل بروح العاطفة ليس هو الحال كما هو في المنطقة العربية، فعند العرب عنصر العاطفة متفوق على العقل والحكمة أو المادة، وهذا المفهوم يُختصر بالخيالِ والوهم الاجتماعي والسياسي.

وعندما نتعمّق في فحوى " الثوابت " نجدها بأنها عبارة عن سلوك وقواعد بمثابة الحاكمة على الأفراد، وهي ليست للمساومة أو المراجعة، أمّا المتغيرات فهي شؤون يشملها التبديل والتغيير نحو التطوير، وهذا التطوير بالتأكيد لا يخرج الأصل عن خصائصه المميّزة واستمراريته، لأن التغيير يحتاج إلى سلاسة ومرونة وتكيّف، وتجاوباً مع الاحتفاظ بالثوابت، والمتغيرات يجب أن تكفل الصلاحية والملاءمة للمكان والزمان.

وإذا تعمّقنا أكثر في مفهوم كلمة الثوابت، نراها تختزن فعلاً وضمناً مفهوم رفض الواقع، وبالتالي رفض أي تغيير إن كان اجتماعياً أو سياسياً.

في عام 1789 ومع الثورة الفرنسية، كانت هناك محطّات مهمة فيما يخصّ الثوابت، حيث كانت ثورة إنفصال عن الكنيسة، وثورة مساواة، وإلغاء الامتيازات التي كانت تتمتع بها الكنيسة، وتأكيد مبدأ حقوق الإنسان والمواطن على حرية التعبير والمساواة وحرية الضمير، ومن ثمّ تسارعت التحولات، وتم إلغاء تهمة الإبتعاد عن الدين، في قانون صدر عام 1881، وإقرار الطلاق المدني عام 1884، وكذلك القبول بالدفن المدني عام 1887.

وترتّب على هذه التحولات التي طالت الحداثة السياسية، إنفصال المجتمع عن السلطة، والإقرار بمسؤولية أي مواطن على أفعاله، والممارسات البشرية في ظلّ السياسة والقانون، خاضعة للمحاسبة والنقد والمراجعة، وأصبحت الشرعية السياسية تتم بعيداً عن الكنيسة، وأصبحت مُستمدة من الشعب وفق صناديق الاقتراع، كما تم إقرار مبدأ المواطنة، الذي أكّد أن كلّ المواطنين متساوون أمام القانون، بغض النظر عن الدين أو المذهب أو الجنس أو اللون أو المعتقد، وابتعدت الدولة عن مظاهر حياة الناس الشخصية.

الوعي العربي يتعامل مع الماضي ويستثمره على أنه حاضر أبدي، هذا الواقع هو خلاصة التعلّق بالوهم، هكذا هو فكر الثوابت لا التحوّلات والتغيرات وحسب، بل يروم إلى إيقاف الفكر والتنوير أيضاً.

حيث أن التنوير هو بمثابة انطلاقة وخروج أي إنسان عن حالة القصور التي يُعاني منها، والتي هو المسؤول عنها، والتي لا يعود سببها إلى تشويهٍ في قدرة الفهم، بل إلى فقدانه الشجاعة، واتخاذ القرار الذي يجعله ينطلق بعيداً عن الوصاية من قِبل أي كان.

من يتابع الأمور يُدرك أنه في المنطقة العربية رُصدت أموال طائلة جداً، وتم تأسيس مؤسسات مُتسلسلة ولا تنتهي كي تعيق أي تطور لهذه المنطقة، ورغم كل مظاهر العنف الأصولي، إلاّ أن أُفق الحرية والمساواة لا بُدّ إلاّ أن يُفتح، فصخور الثوابت لا يمكنها بكل تأكيد إيقاف مجرى النهر، أو أن تُغلق الأفق الرحب.

لذلك على كلّ فرد أن يتحلّى بالآثار الإيجابية المترتبة على تحمّل المسؤولية، والقرار الذي يتخذه، فمن الضروري أن يكون الإنسان يملك السيطرة الحقيقية، وقائداً لمسيرة حياته، واتخاذ قراراته بحرية، وأن يحترم ويُقدّر الذات بهدف أن يتمتع بفعالية بالثقة بالنفس، والقدرة على رسم مسار حياته بعيداً عن وصاية أي أحد، وأن يتحلّى فعلاً بالشجاعة كي لا يتردد، وبنفس الوقت كسب صداقة واحترام الآخرين، وفتح آفاق جديدة من خلال المسؤولية التي يمتلكها، واكتساب مهارة القدرة على التغيير، والتي تمكّنه من الارتقاء بالمجتمع وبمؤسّساته.

إنّ الإرتقاء بالمجتمع، والتفكير بمستقبلٍ حضاري للعرب، يُصيبنا بالدهشة، حيث أن هكذا عناوين تمنحنا الخيبة أكثر مما تجعلنا نتفاءل، فهكذا عناوين كان من المفروض أن تُمرّر دون نقدٍ سليم، وهذه الأفكار بحاجةٍ ماسّة إلى غرفٍ خاصّة بالعناية المركّزة، بهدف تشريحها وتفكيكها، وإعادة النظر فيها، ولأن أفق هذه العناوين واسعٌ ورحب، وتتّسم بالشمولية، لذا فإنها لا تتوافق مع الحالة الراهنة التي تعيشها الأمّة ومجتمعاتها، وكأن الزمن لا يزال مُبكّراً كي نتناول هكذا أفق حضاري لمجتمعاتنا ولأمّتنا، لأنه بشكلٍ أوّلي ومبدئي يجب على المجتمعات العربية أن تتمتع بشيءٍ من التحرر والتقدم، والنمو والتحديث، والإصلاح والتغيير، نحو مستقبلٍ مشرق، وهذه الأمور ليست مهمة نخب مُعيّنة بعينها، بل هي مهمة كلّ المجتمع، ففي الوقت الراهن هذه الأمور ليست محصورة بيد نخبة ثقافية ما، لأن زمن النخب الفكرية والثقافية قد ولّى، والمشروع الحضاري العربي، والوعي الحضاري قد وصل إلى آفاقٍ مسدودة.

حتّى الثورة الرقمية ودورها في إعادة تشكيل الوعي الإنساني تجاوزتنا، حيث شهد العالم خلال العقود الأخيرة ثورة غيّرت مسيرة الحياة الإنسانية في معظم المجالات، وخاصّة مجال الإعلام والاتصالات، من خلال تقنيات المعلومات، والإعلام الإلكتروني الذي هيمن على وسائل الإعلام التقليدية، وسادت أزمة المعرفة والتضليل في عصر الإعلام الرقمي، ممّا أدّى إلى تضاعف البيئة الإعلامية الهشّة، وتصاعد الخطاب الشعبوي، وانتشار الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والنقص الحاد في الدراسات النقدية العميقة.

وللدقّة نؤكّد بأن الثقافة الرقمية هي من بين العوامل المؤثّرة بشكلٍ عميق على مفهوم الهوية في المجتمع العربي، حيث أحدثت تغييراً جذرياً في كيفية فهم الفرد لنفسه وللآخرين، حيث أن الثقافة الرقمية تسهم بشكلٍ مباشر في تعزيز وتشكيل الهوية الفردية، وتقبّل هويات أخرى ومتعددة، وعدم التحمّل للبقاء على هوية واحدة ثابتة، آخذين بعين الاعتبار بأن إنتشار المعلومات المضللة، والضغط الاجتماعي يؤثّر سلباً على مفهوم الهوية، وهذا بالتالي يؤدّي إلى الاعتماد على هويّاتٍ ذات معايير خارجية، بعيداً عن الخصوصية الثقافية.

ومن ناحية أخرى يمكن للثقافة الرقمية تعزيز دور الأفراد مع الثقافة الأصلية لهم عبر طرقٍ جديدة، من خلالِ إحياء القديم أو بعض التراث الثقافي بواسطة الإبداع الرقمي، على الرغم من الضغوطات والسبل المستحدثة، وهذه العملية يمكن أن تكون عبارة عن فرصة لاستكشاف هوية قد تكون مركّبة وشاملة، تلعب دوراً في تقدم التعاطي مع الثقافة العربية وتطويره في عصر المعلومات، وهذا هنا يؤكّد لنا أو يعكس كيفية تكيّف الهوية مع المناخ المتحيّز عبر التوازن بين الأصالة والحداثة الذي قد يؤدّي إلى أفق جديد في فهم الذات والمجتمع.

وإذا تناولنا الهوية الوطنية في المجتمع العربي نجدها تتميّز بالكثير من الثراء والتعقيد، حيث تتشابك فيها عوامل كثيرة، مثل: الدينية واللغوية والثقافية والتاريخية، ممّا يجعلها غنيّة بالتنوّع الفريد الذي يعكس خصوصية بيئية أو محلّية.

ولقد أفرزت الثقافة الرقمية وساهمت في بلورة هذه الهوية، عبر منصّات التواصل الاجتماعي التي أفرزت مساحات واسعة للتعبير، وأصبح الأفراد يملكون القدرة على المساهمة في النقاش، وخاصّة حول تجليات الهوية الوطنية، حيث يتم تداول التراث الثقافي، والأساطير، وحالات الإحباط الوطني والسياسي في البلاد، ممّا يُعزّز الشعور بالولاء والانتماء، والسعي من أجل الأفضل، والتكيّف مع السياقات الجديدة، مّما يؤدّي إلى تغيير مستمر في اللحظة الراهنة في المجتمعات العربية المعاصرة.

فعند المواطن العربي، يُعتبر التعبير عن الذات في العصر الرقمي أحد أبرز وجوه الهوية الرقمية، مما يسهم في توسيع الفضاء الثقافي، وتبادل الحوار والأفكار، كما يؤخذ بعين الاعتبار، أن العصر الرقمي يحمل أيضاً البعد السلبي، مثل التذمّر الإلكتروني، والهوية الزائفة، وهنا يتطلب من الأفراد الوعي التام بهدف حماية خصوصياتهم، وضمان تعاملهم مع البيئة الرقمية، التي قد تكون معقّدة أو مشبوهة في بعض الأحيان، والتصدي للتحديات التي قد تطرأ نتيجة لذلك، والأخذ بعين الاعتبار الخصوصية الثقافية، كي يستطيع المجتمع العربي، إيجاد التوازن المستدام بين الخصوصية والتقليدي والرقمي في بناء الهوية المتجددة.

ويجب أخذ الحذر من أن الخوارزميات الرقمية تلعب دوراً واضحاً كفاعل اجتماعي، لديه القدرة على توجيه المحتوى العام وفق اهتمامات المستخدم، وتتم تغذيته وفق ميوله وأفكاره.

وينتج عن ذلك خلق فقاعة فكرية تمارس دورها في عزل هذا المستخدم عن الرأي الآخر، وينتج عن ذلك تشكيل تنشئة رقمية انتقائية، تغذّي المستخدم بما يريده هو، وتضعف مقدرته على الحوار، أو التنوّع والتفكير النقدي.

لذا على المجتمعات أن تتألق في توجهاتها الرقمية، لتحمي مفهوم الخصوصية والكرامة الإنسانية، وبالتالي تمنع الاستغلال النفسي والمعلوماتي لأبناء الأمّة، حيث أن التوازن بين الواقعي والرقمي، هو السلوك الأمثل لحماية الإبداع والهوية الإنسانية من الذوبان في الأفق الافتراضي.

حيث أن الإبداع في حقيقة الأمر لا يتأتّى دوماً من الحريات المطلقة، بل إن القيود في أغلب الأمر هي التي تدفع الإنسان إلى التفكير خارج منحى القيود، والواقع العملي الذي عايشناه يؤكّد لنا أن القيود والقمع تُشكّل أرضية خصبة للإبداع الفكري، وخاصّة عندما تكون الخيارات متعددة، هنا قد يشعر الإنسان بالضياع أو في المجمل الإحباط، وهذه الأمور تشحن العقل، وتضع حداً للتشتت، مّما قد يؤدّي إلى حلول مبتكرة وناجعة.

حتّى في الشركات الضخمة بالإمكان تحويل القيود إلى أداة إيجابية تدفع الإبتكار وتحرّضه عبر تحديد أهداف بعينها، فالقيود تجعل الشخص أو فريق عملٍ ما، بالعمل من خلال تنسيقٍ مركّز، الذي بدوره يساعد في إيجاد حلول هي بحدِ ذاتها إبداعية لمشاكل مُعقّدة.

القيود بحد ذاتها لا تعني الإعاقة إطلاقاً، بل قد تكون عاملاً مهماً وناجحاً للتحفيز والإبداع لتجاوز الواقع نحو آفاقٍ جديدةٍ ورحبة، وخاصّة عندما تكون هناك حاجة حقيقية لتخطي صعوباتٍ ما،

حينما يكون الجهد موظّفاً بالشكلِ السليم.

آخذين بعين الإعتبار بأن الحرية بدون هدفٍ معيّن، أو إطارٍ سليم، قد تؤدّي إلى ضياعٍ وهدر الوقت، وخاصّة عندما تكون التجارب غير موفقة أو مفيدة، إنّ التوازن بين الحرية والقيود هو الذي يكون دافعاً حقيقياً للإبداع.

إن القيود والضغوط قد تكون المحرّك الخفي وراء أي إبداع، حيث أن القيود قد لا تكون عوائق عند الإنسان المتماسك، بقدر ما هي مُحفّزات تدفع العقل للبحث عن حلولٍ مبتكرة، خاصّة عندما تكون واضحة ومحددة، ومُعدة بعناية وبطريقةٍ مدروسة، بعقلٍ عربي حضاري بعيداً عن قيود الموروثات.

لأن العقل العربي بشكلٍ عام مُقيّداً بثلاث قيودٍ جدرانها سميكة وصمّاء، لعل أولها هو الفهم البدائي للدين، إضافةً إلى قيود الموروثات والمفاهيم الثقافية التي أنتجتها تجربتنا الثقافية التاريخية، أمّا القيد الثالث، فهو قيد الرعب من الحداثة المعاصرة، بحجة التخوّف على الخصائص الثقافية التي نتمتع بها، من الضياع أو الزوال، أو إمتزاج دمائنا الشريفة المتعلّقة بهذه الخصائص، بالدماء غير الشريفة لثقافاتٍ وافدة. !.

إن المحنة المعاصرة التي نعيش بها، جعلتنا في منأى عن طموحاتنا، على كافة المستويات، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وفي المقام الأول الثقافية.

إن محنة مجتمعاتنا العربية الآنيّة أخذتنا في حقيقة الأمر بعيداً عن مسيرة التقدم والتمدّن الإنساني، فأين هو العقل العربي؟.

مع الأسف إن أي عربي حينما يتمعّن الفترة الزمنية التي شهدت فعلاً نهضة عربية حديثة، يجدها قد تمّت أثناء خضوع الساحة العربية المترامية الأطراف للإستعمار الأوروبي.

وعندما تراجع الاستعمار الغربي، وحدث التحرّر، تراجع الفكر العربي، والعقل العربي، وبالتالي تراجعت النهضة العربية الحديثة.

لو تناولنا الوقائع بدقةٍ أكثر، نرى أن المنطقة قد شهدت في عهد الاستعمار الأوروبي تغيراً كبيراً في واقع المجتمع العربي، حيث تمّ تشييد البنى التحتية، وتمت صياغة دساتير قائمة على التعددية، كما تمّ تأسيس جامعات ومعاهد بهدف الربط الفكري والثقافي بين البلاد العربية وأوروبا، وتشكّلت بيئة خصبة للحوار والجدل والنقد في عددٍ من المجتمعات العربية، وفي ظل هكذا بيئة تجاوز العقل العربي مرحلة جموده الفكري الذي فُرض عليه من قِبلِ العهد العثماني، وحاولت الرموز الثقافية والفكرية والأدبية تحديث واقع المجتمع العربي في مختلف المجالات، بهدفِ اللحاق بركب الحضارة حديثاً.

ومع بدايات النهضة دخلت المعرفة والعقل العربي طرق التفكير الحديثة التي أبدعها العقل العربي، حيث محت قسماً كبيراً من تركيبته العقلية التقليدية.

ومثّل التطور الحضاري الأوروبي تحدّياً واضحاً، حيث إرتفعت أصوات تطالب بالانفتاح على أوروبا والاستفادة من المعرفة العلمية منها، بما يتماشى مع الواقع العربي.

كما ظهرت خلال النهضة العربية عدة اتجاهات فكرية نذكر منها، حركة القومية العربية بمختلف اتجاهاتها، وحركة الإصلاح الديني، وحركة التنوير العربية، إضافة إلى تياراتٍ يسارية وتيار ليبرالي، واتجاهات فكرية أخرى.

ولقد نشطت وساهمت رموز هذه التيارات في الحوار الفكري والثقافي عبر الصحافة والمنتديات والصالونات الثقافية والأدبية والكتب والمجلات، حينها حدث تحوّل إيجابي في العقل العربي، بعد أن عاش فترة طويلة من الجمود، من خلال المحرك الأساسي الذي ساهم في خلق الواقع الجديد، والمجتمع الجديد، الذي يختلف كل منهما عن عمّا كان سائداً عليه، وبشكلٍ أدق، تم تحرير العقل العربي من جموده الفكري، وربط تفكيره ورؤيته للواقع مع العصر، من خلال الأساليب الفكرية والعلمية، وتحليل الواقع، وصناعة المستقبل، وبناء المجتمع والدولة الحديثة، ودمج الثقافة العربية مع الحداثة، والرؤية النقدية للتراث، وسوى ذلك.

وبعد التحرر تمّ وبشكلٍ تدريجي القضاء على محاولات التحديث، والتطوير الثقافي والفكري، وعاد العقل العربي مرّة أخرى إلى الجمود، مع تصاعد تيارات أخرى، مثل الحركات الأصولية، وحركات الإسلام السياسي، وبالتالي القيام بتسييس كلّ شيء في المجتمع العربي، وإحياء ثقافة المجموعات التقليدية في المجتمع، وغياب الحريات، وتلاشى القوى المدنية والتنويرية في مختلف أنحاء الوطن العربي، وكلّ هذه الأمور ساهمت بشكلٍ فعلي في تراجع وجمود العقل العربي، وتراجع الدول العربية، وغياب الفلسفة العربية، وتحويل المجتمع العربي من مجتمع منتج، إلى مجتمع مستهلك، وتسييس وأدلجة التعليم، وانتشار العصبيات، وتفشي التطرف والإرهاب.

ومع ذلك كله، بقي هناك أفراد لا يزالون يقاومون تيار الجمود الفكري الجارف، ويواجهون بشجاعة، ومن خلال القلم مظاهر التعصب والتطرف، وهؤلاء الأفراد وسواهم من الذين ينشطون في نفس المنحى، هم كانوا وسيبقون نبراساً ينير الدرب للعديد من أبناء أمّتنا، وخاصّة الجيل الجديد الذي يعيش واقعاً تكنولوجياً جديداً، وهو أمر يدعو فعلاً للتفاؤل، نحو إزاحة ضباب الضياع الفكري الراهن، وتعيد للعقل العربي حيويته الإبداعية، كي يُحيك لشباب الأمّة ثوباً جديداً لواقعها وفكرها ومستقبلها.

آخذين بعين الإعتبار بأن هذا الجيل يحتاج إلى إعدادٍ جيد، والسبيل الوحيد والناجع من أجل هكذا مهمة، هو العلم والتعليم، إنّ القلم النبيل هو كفيل بإعداد هذا الجيل من أجل مستقبلٍ أفضل.

حيث أن التعليم هو عاملٌ أساسي يسهم بشكلٍ مباشر في تربية وإعداد الجيل الجديد، وفي تطوير المجتمعات، وتعزيز حالات الإبتكار والإبداع عند الشباب، الذين يكتسبون العلم والمعرفة والمهارات، من خلال تشجيعهم على التعبير عن أفكارهم بحرية.

حيث أن العلم يوفّر لهم كلّ اللوازم التي تدعم التفكير النقدي عندهم وتجاوز المعضلات، وحلّ المشكلات التي تواجههم، كما تنمو عندهم مهارات التفكير النقدي، وكيفية تحليل المعطيات أو المعلومات، وبالتالي تقييمها، وتقييم نتائجها بشكلٍ موضوعي، ومن ناحيةٍ أخرى يتعلمون الاستكشاف والتجربة، وتطوير أفكار جديدةٍ مبتكرة، وبالتالي تنمو عندهم روح المبادرة، ويكون الإبداع عندهم نشطاً في مختلف المجالات، وكلّ هذه الأمور ستؤدّي بالضرورة إلى مساهمة الشباب في تطوير مشاريع مبتكرة، وتوسيع آفاق الفكر، وتعزيز مهارات التواصل، وتعزيز الفكر النقدي، وتحفيز الإبداع في المجالات الجماعية، والإلتزام بروح الولاء والانتماء الوطني والقومي.

كلّ هذه الأمور تتوقّف عند خلق بيئة تعليمية ملهمة، لأنها الوسيلة الوحيدة لتحقيق الإبتكار والإبداع في مختلف المجالات، وخلق جيلٍ وطني معطاء ومثمر.

هنا تتجلّى روح المسؤولية على حقيقتها، والمسؤولية الفاعلة قولاً واحداً هي المسؤولية الأخلاقية، وأي فرد حينما يرى أن شخصاً آخراً قد قام بفعلٍ ما وفشل في إنجازه، رغم أنّه كان مهتماً، يتشكّل عند هذا الفرد ردة فعلٍ مُعيّنة، غالباً هذه ردة الفعل هي المعمول بها، فإمّا أن تكون ردة فعلٍ إيجابية أو ردة فعلٍ سلبية، بمعنى أن ردة الفعل هي إمّا الثناء أو الملامة.

التأمل الفلسفي في المسؤولية الفاعلة له تاريخٌ طويل، وأكثر شيءٍ يُميّز الأفراد هو موقفهم الأخلاقي كفاعلين مسؤولين، فكيف سيكون النظر إليهم، وكيف هو سلوك سواهم، وهل تُفسّر الأمور مادّياً والقوانين التي تحكمها، أو من خلال قوانين سماوية، وتكثر هذه التساؤلات حينما نتعرّض للمسؤولية الفاعلة الأخلاقية.

ولعلّ " أرسطو 323- 384 قبل الميلاد " هو أول من أسّس نظرية المسؤولية الأخلاقية، ويقف أرسطو عند الفضائل والرذائل لدى البشر، وحول المسؤولية الأخلاقية يقول أرسطو " من المناسب الرد على فاعلٍ بالثناء أو الملامة على أساس فعله، وهناك نوعاً معيّناً من الفاعلين، ’مؤهّلين ليكونوا فاعلين أخلاقيين، وبالتالي يصبحون عرضةً بشكلٍ دائم لتطلعات المسؤولية، ذلك الذي يملك القدرة على القرار ".

فالقرار عند أرسطو هو القصد الذي يُعبّر عن مفهوم الفاعل، الذي يرى حوله أرسطو بأن الفعل يجب أن يكون أمره بيد الفاعل، ولا يمكن أن يُفرض عليه من الخارج، وعلى الفاعل أن يكون واعياً ومدركاً ما يفعله.

من المؤكد أن مفهوم المسؤولية خضعت لبعدها التاريخي ومسارها التطوري، والكثير من التطورات، والنقاش من قبل كثير من علماء الإجتماع والمُنظّرين، وبشكلٍ عام من الصعب الحديث عن المسؤولية دون الأخذ بالأسس الأخلاقية في المسألة، ولعل من أهم أُسس المسؤولية هو الناتج الإيجابي.

المسؤولية يُنظر إليها من خلال بند الحكمة العملية، وباعتبارها مسألة شخصية، ولا تحتاج إلى الإبحار في مجالات التحليل والتقييم المتعدد الجوانب والمستويات، أو إلى مُقاربات في علم النفس والاجتماع والإدارة على سبيل المثال.

الشخص الفاعل هو من المفروض أن يتمتع بالحكمة العملية، وهو المستفيد بهدف ضمان مخرجات إيجابية.

سوف لن نربط المسؤولية بين النظرية والتطبيق أو الممارسة، حيث أن النظرية هنا، وفي مجال المسؤولية تأخذ شكلاً من أشكال الاعتقاد، لأن المعطيات واضحة، وهناك نسق ما، وفرض ما، يمكن الاستدلال عليه من خلال الرؤية أو التقييم والتفسير، ومن شأن هذا الاعتقاد في المجال المعرفي ترشيد السلوك بشأن الرؤية والتحليل واتخاذ القرارات.

وتبقى هناك اجتهادات فكرية معاصرة بشأن النظرية والممارسة تبحث من خلال نظريات جديدة، معالجة القصور حصراً، في مجال عملٍ ما بعينه.

ومن جهةٍ أخرى إن مفهوم الممارسة اُستخدم في النظريات اليسارية، ويُشير إلى السلوك الفعلي في اكتشاف المعرفة، وهذا السلوك بشكلٍ طبيعي يرتبط بالأُسس المادية للمجتمع، ويُمارس على أساس طبقي وليس بشكلٍ فردي.

وهذه الممارسة تنشط في مجال اكتشاف المعرفة الموضوعية، وتجنّب الوعي الزائف المعتمد على التشوّه الإيديولوجي.

وتكتسب نظرية الممارسة الاجتماعية الأهمية من خلال العلوم الإنسانية والاجتماعية، لقدرتها على تفسير طبيعة الظواهر الاجتماعية على اختلافها، وبالتالي تحليلها من خلال سياقٍ اجتماعي مُنظّم، لأن هذه النظرية تُحوّل الانتباه بعيداً عن اتخاذ القرار الفردي.

إنّ البناء الاجتماعي يرتبط بالممارسة الاجتماعية عبر المجال، لذا فإن المجالات تصبح بمثابة البيئة التي تكمن فيها عمليات الإنتاج والاستهلاك، وبالتالي توزيع مختلف أشكال الموارد الرمزية والمادية، وبامكاننا أن نستوعب بنية المجال من خلال درجة القوة بين الفاعلين، ومراكز تمركز المصالح في لحظةٍ تاريخيةٍ بعينها.

وحينما نربط المسؤولية بدور النخب، نرى أن النخب التي نقصدها لم تتحمّل المسؤولية والممارسة الفعلية لقيادة المجتمع، لأن " النخب " الراهنة هي بعيدة كل البعد وبشكلٍ فعلي عن المجتمع وأفراده، حتّى أن الجمهور يُحمّلها مسؤولية التراجع والتردّي، " حيتان الفساد " أي النخب الراهنة، هي قليلة الخبرة مّما يرتبط بالسياسة والاقتصاد، والتبعية وحدها هي التي تُسيّرهم، فهذه النخب أحادية، ليس لديها القدرة أو الجرأة لترسيخ مفهوم المشاركة السياسية، أو التداول السلمي للسلطة، بينما النخب الفعلية العربية الفعلية، هي أسيرة القمع والاستبداد، ومصادرة الرأي الآخر، والتهميش والمعتقلات.

ومن هنا نستطيع أن نلمس الفرق بين نشأة النخبة عند الغرب، وبين البلاد العربية، إن العالم العربي لم يُوفق في إيجاد نخب سياسية تتميّز بالقبول الجماهيري، حيث أن النخب السياسية المتوفّرة في وقتنا الراهن، معظمها ينحدر من المؤسسات العسكرية، وحينها يتحوّل العسكر إلى سياسيين، وبالتالي أصبحوا يسيطرون على تنظيمات سياسية، ومنظماتٍ شعبية، ومجالس النواب، وعلى بعض الكتاب والمفكرين والمثقفين، الذين يعتاشون على موائد وصالونات السلاطين، والذين هم مُسخّرون لخدمة النظام والمديح به وله، وبنفس الوقت هم بحماية مراكز القوى.

ولو دقٌقنا النظر نرى أن معظم العالم العربي يحكمه العسكر، وكلهم مرتبطون بالتبعية العمياء التي تدمّر المواطن والأوطان والأمّة.

في أوطاننا ينتشر الفساد السياسي والاقتصادي والثقافي والإعلامي، وينتشر حتّى في المؤسسات القضائية والصحية والتربوية والتعليمية.

إنّ النخب العربية الحقيقية والفعلية تعيش حالة تردٍ، وهي في مأزقٍ حقيقي، من خلال الدور القمعي الذي تمارسه الأنظمة وأجهزتها الأمنية، فالميدان للبطشِ والاعتقال، في ظلّ غياب النهج الديمقراطي.

إنّ وجود الأنظمة القمعية المستبدّة يزداد ويشتدّ يوماً بعد يوم، وحالة الاحتقان في الشارع الثقافي والسياسي لا حدود له.

إنّ الأنظمة العربية تفتقد الشرعية الشعبية، لذلك فإنها تبحث عن شرعيتها من خلال سياسة التبعية، والانحياز المطلق للمشروع الصهيوأمريكي الذي يسيطر على المنطقة، والذي يدعم شرعيتهم في المرحلة الراهنة، لأنهم سيفتقدون شرعيتهم في يومٍ ما.

إنّ سيادة القانون، وإنتشار العدالة والمساواة، وإطلاق الحريات، والتداول السلمي للسلطة، من شأن هذه النقاط أن تأخذ بيد المواطن والوطن إلى بر الأمان.

لكن الواقع المُعاش هو، إرهاب الدولة، والفساد وسرقة المال العام، والخيانة واحتكار السلطة، والتهميش والإقصاء، وغياب مفهوم المواطنة والتعايش الوطني، وغياب القانون.

إنّه الواقع المرير الذي تحياه شعوبنا المتعطّشة للحرية والديمقراطية والكرامة والحسّ الإنساني.

إنّ الوعي العربي ليس سلعة نستوردها، وليس هندسة وراثية، بل جملة مواقف نبيلة، وتضحيات تتشكّل في خضم حياتنا اليومية.

فهل يستطيع المفكرون والسياسيون والكتّاب والمثقفون، وعلماء الاجتماع والمؤرخين، أن يأخذوا دورهم الجدّي والجريء لبناء جيلٍ حر، يتجاوز جدار الخوف من أجل الحرية، وبتر كل معالم القمع والاستبداد في البلاد، وأخذ دوره الفاعل والمشارك في صناعة القرار السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي في البلاد.

***

د. أنور ساطع أصفري

نص ميتا سريالي

على خشبة مسرحٍ لم تكنس أرضيته منذ الأزل، حيث تتراكم جثث الساعات المحطمة مع عظام من المنتحرين فوق الارصفة، لفافات التبغ التي لم تدخن بعد تنتظر يداً لن تأتي، يقف "نرسيس"؛ ذلك الكائن الممسوخ من فرط التكرار الممل. يرتدي معطفاً ثقيلاً نُسج من ورق الجرائد الصفراء التي تتحدث عن حروبٍ انتهت لتبدأ أخرى تشبهها تماماً، في دورة عبثية تشبه أفعى "أوربوروس" التي تلتهم ذيلها. هنا، في هذا الفراغ الشاسع، المسرح ليس مكاناً للعرض أو بقعة للضوء، بل هو الجلاد الحقيقي؛ إنه مشهد التلاشي المستمر الذي لا يغمض له جفن.

يدخل "نرسيس" بخطوات متعثرة حاملاً دلواً معدنيًا مثقوباً، يحاول بيأس أن يجمع فيه الضوء المتساقط من كشاف وحيد معلق في السقف كعين إله غادر المكان. كلما امتلأ الدلو بالوهج، سقط الضوء من الثقوب ليتحول فوراً إلى بقع من العتمة اللزجة على الأرض. يلتفت "نرسيس" بفزع قائلاً:

 "لقد أضاعوا مفتاح الباب الخارجي.. أو ربما نسوا، في غمرة التيه العظيم، أن هناك باباً من الأساس. نحن هنا محكومون كي نؤدي دور النزيف الرمزي أمام الكراسي الخشبية الفارغة التي ترفض حتى أن تئن تحت وطأة وجودنا". يتوقف قليلاً ثم يصرخ:

 "هل حان موعد الصرخة الكبرى؟ الجدول الزمني المكتوب بدم بارد يقول إننا يجب أن نصرخ الآن، لكن الحبال الصوتية بيعت في المزاد العلني الأسبوع الماضي لسداد ديون العدم المتراكمة علينا".

هنا في هذه الزاوية المظلمة، الإنسان ليس "آدم" البدايات، بل هو مجرد فائض عن حاجة الوجود. هو تلك القطعة اليتيمة التي تبقت من لعبة "بازل" ضاعت صورتها الأصلية في زحام التاريخ. الزمان هنا ليس إلا ساعة رملية ترابها هو رماد أحلام الممثلين الذين قضوا نحبهم وهم ينتظرون التصفيق. المكان: "الجدار الرابع" لم يُخلق ليتحدث مع الجمهور، بل وجد ليبصق على فكرة "المعنى" ويحطم مرآة التوقعات.

أشعر الان أنني مكتوب بحبرٍ مغشوش يتلاشى مع كل شهيق. كلما حاولت بجهد جهيد أن أكون 'أنا'، امحى بممحاة المخرج المختبئ خلف ستائر الصمت المطبق. هل نحن بشر بدم ولحم أم مجرد هوامش باهتة في رواية مملة لكاتب انتحر قبل أن يضع النقطة الأخيرة على السطر؟

في هذه اللحظة التاريخية يظهر "ساتان" من تحت الأنقاض، يضحك ضحكة جافة كخريفٍ مسموم يقتل العصافير في أعشاشها:

 "أنت متفائل جداً يا نرسيس. لكي نكون هامشا، يجب أن يكون هناك متن عظيم نلتصق به. انت حتى لست غلطة مطبعية يمكن تصحيحها. انت الفراغ الأبيض الذي يفصل بين الكلمات المهجورة في قاموس لغة ميتة.. فجأة، يسقط إطار مرآة ضخم من السماء القماشية، لكنه لا يعكس الوجوه المذعورة، بل يعكس ما وراء الجدران، خلاء لامتناهي يبتلع البصر. ينظر "نرسيس" في المرآة، فيرى ثقباً أسود يسكن مكان قلبه، وفراغاً يمتص النور والصدق.

 (الإنسان المهدور...!).. يا لها من تسمية فاخرة ومنمقة لشيء لا يصلح حتى ليكون وقوداً لمدفأة في ليلة شتاء. لقد استهلكنا العمر كله في انتظار إشارة البدء التي لم تأتِ، ولم ندرك بوعينا المشلول أن العرض قد انتهى وسدلت أستاره قبل أن نولد أصلاً. نحن الآن مجرد صدى باهت لصفقة خاسرة بين الوجود والعدم.

يتقدم "نرسيس" ويحاول إغلاق الستارة، لكن الستارة لا تغطي الخشبة لتنهي المشهد، بل تسقط فوق الممثلين ككفنٍ ثقيل من الرصاص، بينما يستمر صوت تصفيق مسجل في التصاعد ببرود، تصفيق آلي مقزز لا ينتمي لأحد من الأحياء. في هذا المسرح الفوضوي، لا يوجد تطهير "كاثار سيس"، ولا توجد حكمة تقال في النهاية لتواسي الجرحى. فقط رائحة الغبار المعدني، وإحساس خانق بأن كل الكلمات التي قيلت لم تكن سوى محاولة يائسة ومبتذلة لملء ثقب المعنى، الذي يتسع يوماً بعد يوم ليبتلع الخشبة، والممثلين، واللغة التي تحاول وصفهم.

يظل "نرسيس" و"ساتان" تحت الستارة الساقطة، التي تحولت الآن إلى سماء قماشية ملطخة بظلال كوابيس قديمة لا تموت. الرائحة هي خليط من العرق البارد، وورق بردي محترق في مكتبة مهجورة.

 تندفع "دافني" من جانب المسرح، لكنها ليست دافني الشجرة المتمنعة التي نعرفها في الأساطير، بل هي امرأة بجلد يشبه لحاء شجر جاف ومتقشر، وجذور تتخبط في الفراغ بدلاً من قدميها الرشيقتين. عيناها تحملان نظرة خوف أبدي من مطارد لم يأتِ، مطارد وهمي تسكن أقدامه في رأسها فقط

دافني:

 "أتمنى لو تحوّلتُ إلى صخرة صماء، لا إلى شجرة تشعر بالريح. الصخرة لا تنتظر شيئاً، ولا تأمل في الربيع. أنا أتنفس الأمل الذي لن يأتي، وأتحول إلى تراب يائس مع كل فجر يشرق على هذا القحط. المطاردة لم تتوقف يوماً، إنها كامنة في جذوري، في مسامي، في كل ورقة تسقط مني وتُعلن موتاً صغيراً ومجانياً.

يحدق نرسيس في مرآة صدئة لا تُظهر شيئاً سوى ذلك الثقب الأسود. يمسك بيده زهرة ذابلة، هي صورته التي لم يستطع قط أن يلمسها. "البحث عن انعكاس، عن معنى في الماء أو في العيون، هو لعنة بحد ذاتها. كلما اقتربت من الحقيقة تلاشت الصورة وتحولت إلى سراب. أنا أُحبّ فراغي، أعشق هذا العدم الذي يملأني، لأنني أخشى بصدق أن أجد شيئاً آخر غير العدم إذا ما فتشت في أعماقي".

تتعثر دافني بقدمها الخشبية، وتقترب من نرسيس ببطء:

 "نحن وجهان لعملة واحدة زائفة. أنا أُطارد بالتحول القسري نحو النبات، وأنت تطارد بالتحول المستحيل نحو الذات. كلانا يقود الآخر إلى هذا الفراغ الذي يبتلع الروح كما تبتلع الأرض المطر الملوث". يخرج "نرسيس" من تحت الستارة، معطفه المزين بورق الجرائد يبدو أثقل الآن، وكأن الحروف والكلمات المكتوبة عليه شربت كل أحزان العالم وصارت وزناً لا يطاق.

المسرح يدور حول نفسه كدرويش مخمور، لكن لا شيء يتغير في العمق. أليس هذا هو التحول الحقيقي؟ أن تتحرك الديكورات الصامتة، وتتغير الأقنعة البلاستيكية، بينما جوهر الفشل البشري يبقى، راسخاً كالجبال. أنا 'نرسيس' الذي لم يتحول، أبقى دائماً في نقطة البداية التي لا تعرف طريق النهاية.

يضيف ساتان بسخرية:

"بل نحن نسجنا حياتنا خيوطاً من العبث الصافي، فاستحالت الى شبكة عنكبوت لا تصطاد سوى غبار الأيام الخوالي. لا نملك حتى رفاهية أن نتحول إلى عنكبوت حقيقي يملك غريزة البقاء؛ نبقى مجرد نساجين بلا غاية، خيوطنا تُقطع مع كل تنهيدة تخرج من صدورنا المهجورة".

في نقطة بعيدة على أطراف عمق المسرح، تظهر "ميدوسا"؛ لكنها ليست ذات الشعر الثعابيني المرعب الذي يحول الرجال إلى تماثيل. بل هي امرأة بملابس مهترئة تفوح منها رائحة القدم، كل ما فيها يتحول إلى حجر بطيء أمام عينيها الذابلتين. يدها تبدأ في التيبس، ونظرتها ليست لتحجر الآخرين، بل تنظر الى الداخل، لتحجر ذاتها ببطء شديد ومؤلم.

ميدوسا:

 "لقد حوّلوني في البدء إلى وحش لتكتمل الأسطورة، والآن أتحول إلى شاهدة على زوالي. أشاهد كل قطعة من أنوثتي ومن جسدي تتحول إلى حجر بارد، إلى صمت أبدي لا يكسره شيء. ليس الموت هو المخيف في هذا الكرنفال، بل أن تُصبح ذكرى صلبة لحجر، شاهد صامت على مأساة لا تنتهي فصولها. هل هناك تحول أسوأ من أن تُصبح مجرد تمثال لنفسك المهزومة في ساحة عامة"؟

في دائرة ضيقة يتجمعون، كل منهم يمثل جانباً من فقدان المعنى الكلي والتحولات القسرية والذات المهدورة في الزحام. لا يتحدثون مع بعضهم البعض، بل يتحدث كل منهم إلى الفراغ الذي يمثله الآخر، كأنهم مرايا تعكس العدم.

نرسيس:

 "كلما بحثت عن صورتي في وجوهكم، وجدت صورة أخرى غريبة عني؛ صورة وهمية، صورة لم تكن لي قط في أي يوم. أليس هذا هو مصير الإنسان الملعون؟ أن يبحث عن ذاته في وجوه الغرباء، وفي المرايا الكاذبة التي تصنعها السلطة أو الخوف، وفي مياه عكرة لا تعكس سوى السحب العابرة"؟

دافني:

 "أنا أتحول إلى شجرة في كل لحظة، لكنني لا أستطيع أن أتجذر في أي أرض. أبقى معلقة في برزخ بين هويتين، شجرة بلا أرض تغذيها، وإنسان بلا جسد يحميه. هل هذه هي الحرية المزعومة التي وعدونا بها؟ حرية التيه في الفراغ، حرية أن تكون لا شيء في كل شيء"؟

ميدوسا:

 "والحجر يزحف كاللبلاب السام. يصعد من قدمي المتعبة، إلى ساقي، إلى قلبي الذي كان يوماً ينبض. سيأتي يوم قريب أكون فيه تمثالاً كاملاً من الرخام الأسود، يوماً أُصبح فيه مجرد ذكرى صماء لما كانت تُسمى يوماً 'حياة'. نحن هنا لنشهد تحولنا البطيء والمنتظم إلى لا شيء، إلى صمت مطلق يغلفه الغبار".

ساتان:

 "إنه مسرح العبث الكوني بامتياز. نحن هنا لنحتفل بتفاهة وجودنا الهش، لنصفق بحرارة على فكرة أننا مجرد هوامش، أشباح بائسة تدور في فلك مسرح لا يُضيء كشافاته إلا ليرينا ضخامة الظل الذي نتركه خلفنا. التحول الأكبر والوحيد هو أن نُدرك، في لحظة صدق نادرة، أننا لم نكن هنا قط نص فارغ من محتواه، والمسرح مهجور من روحه، والممثلون أشباح تطارد أشباحاً. هل هذا هو معنى أن تكون إنساناً في هذا العصر؟ أن تُصبح قصة لم تُكتب بعناية، حواراً مشوشاً لم يُقل في وقته، نهاية حزينة بلا بداية تبررها"؟"

تتلاشى الأضواء ببطء شديد، تتصلب الشخصيات في أماكنها كأنها أصيبت بلعنة ميدوسا الجماعية، تتحول إلى تماثيل صامتة تعبر عن لحظة من التحول البائس الذي لا يكتمل أبداً. المسرح يتحول تدريجياً إلى مقبرة للأحلام المجهضة، ومتحفا للفشل البشري، ومكانا لا يصدح فيه سوى صدى الكلمات التي قيلت ولم تُفهم قط، كأنها لغة عصافير انقرضت.

بينما يتكاثف الضباب المصنوع من بخار المواد الكيماوية، تزداد خشبة المسرح ازدحاماً بكائنات "أوفيد" التي نُفيت من كتب الأساطير لتستقر في قاع هذا "المهدور" العظيم. هنا لا يتحوّل البشر إلى كائنات أسمى أو آلهة، بل إلى أدوات معطلة في ماكينة الوجود الفوضوية التي تفتقد لزيت المعنى.

يدخل "إريسيكثون"؛ ذلك الرجل الذي لعنته "ديمتير" بجوع لا ينتهي وقدر لا يهدأ. لكنه هنا في مسرحنا لا يأكل الطعام العادي، بل يلتهم ذكرياته الشخصية قطعة قطعة. يرتدي بدلة رسمية ممزقة توحي بمجد غابر، ويمضغ أطراف أصابعه الورقية بشراهة:

 "لقد أكلتُ أمسي بالكامل، وأكلتُ التاريخ الذي صنعني، وأكلتُ أسماء أجدادي حتى لم يعد لي لقب. الجوع ليس في الأمعاء الخاوية، بل في المعنى المفقود. أنا الإنسان الذي كلما استهلك شيئاً، ازداد الثقب في روحه اتساعاً. سألتهم هذا المسرح بجمهوره وكراسيه، سألتهم الستارة، ثم في النهاية سألتهم نفسي، ولن أشبع أبداً.. لأن الصفر لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يملأ الصفر".

تظهر "فيلوميلا" في زاوية معتمة يغسلها الضوء الشاحب. لا يوجد طائر يغرد هنا، بل امرأة ترتدي وشاحاً طويلاً منسوجاً من أسلاك شائكة تدمي العنق. لسانها مقطوع بآلة حادة، لكنها تحاول بكل قوتها أن تصرخ عبر نسيجها الصامت. كلما حركت يدها لتنسج قصتها الموجعة، جرحت الأسلاك أصابعها الرقيقة، فيقطر الدم القاني ليصبح هو "الحروف" التي تكتب بها مأساتها.

فيلوميلا:

 "العالم القاسي انتزع لساني ليمنعني من قول الحقيقة العارية، فاكتشفتُ متأخرة أن الحقيقة لا تحتاج لسان لتموت؛ الحقيقة تموت بالاختناق داخل نسيج الأكاذيب. أنا المهدورة التي تحولت قصتها إلى قطعة قماش بالية يمسح بها المخرج غبار كرسيه الفاخر قبل أن يبدأ العرض".

يهبط من سقف المسرح "إيكاروس" معلقاً بحبال قنب مهترئة تكاد تنقطع. أجنحته ليست من ريش طبيعي وشمع نحل، بل من فواتير ديون قديمة وشهادات جامعية منتهية الصلاحية لم تعد تنفع أحداً. لم يسقط إيكاروس لأنه اقترب من قرص الشمس، بل سقط لأن "الشمس" في هذا المسرح كانت مجرد مصباح كهربائي رخيص ومحترق لا يبعث دفئاً.

إيكاروس:

"لم يكن هناك بحر عميق لأغرق فيه بكرامة، فقط بلاط المسرح البارد والقاسي. سقطتُ من علوّ التوقعات الشاهقة إلى قاع الواقع المرير. أجنحتي لم تذب من حرارة الطموح، بل تفتتت من صدأ الروتين. الإنسان المهدور هو من يخدع نفسه ويظن أنه يطير، بينما الحبال الخفية تشده دائماً نحو الحفرة الجماعية".

انظروا ملياً. دافني خشبية بلا حياة، نرسيس وهمي يطارد سراباً، إريسيكثون جائع للمعنى، وفيلوميلا صامتة للأبد. نحن 'تحولات' أوفيد، لكن في نسختها المشوهة التي لم تصل إلى أسماع الآلهة. نحن التحولات التي تعطلت في منتصف الطريق، فلم نعد بشراً ولم نصبح آلهة".

الإنسان المهدور ليس من يأتيه الموت، بل من يتحول إلى 'شيء' صامت وهو لا يزال يشعر بمرارة كونه كان يوماً ما 'أحداً'. نحن الآن الديكور الحقيقي والوحيد لهذا المسرح الخرب. نحن الكراسي التي لا تجلس، نحن الجدران التي لا تسمع، نحن الصدأ الذي يأكل الحديد.

تنطفئ الأضواء تماماً، عدا كشاف صغير جداً يسلط نوره على "لسان" فيلوميلا المقطوع الملقى بإهمال وسط الخشبة، والذي يبدأ بالاهتزاز المريب وكأنه يحاول بنزعه الأخير نطق كلمة واحدة أخيرة، لكن بدلاً من الكلمات الواضحة، يخرج صوت ضحك آلي مسجل ينتهي بصرير باب صدئ يُغلق للأبد في وجه الجميع.

تتقدم ميدوسا بخطوات ثقيلة جداً، صوت احتكاك قدميها الرخاميتين بالخشب يشبه صوت طحن الصوان في مطحنة قديمة. تقف في بقعة ضوء شاحبة كوجه الموت، وجهها نصف حجر ونصف شحوب آدمي، وعيناها تنظران إلى الفراغ الساكن وراء مقاعد الجمهور، حيث لا يوجد سوى العدم المطلق الذي ينتظر الجميع.

يقولون في كتبهم إن التحول هو النجاة الكبرى.. إن الغصن أخف حملاً من الجسد المثقل بالخطايا، وأن الحجر أصلب وأدوم من الألم البشري الزائل. لكنهم كذبوا في كل حرف. التحول هو الطريقة الخبيثة التي يختارها الوجود ليتخلص منا دون أن يضطر لتكبد عناء دفننا.

"أنا الآن لا أبكي كما تفعل النساء، فالدموع تجمدت في قنواتها الملحية وصارت لآلئ من ملح أسود لا تلمع. انظروا إلى يدي.. لم تعد تلمس الأشياء لتشعر بملمسها، بل تنفيها من الوجود. كل ما ألمسه يتحول إلى حجر، ليس لأنني قوية ومقدسة، بل لأنني أعدتُ تعريف الأشياء بـ 'بيَباسي' الداخلي. الإنسان المهدور هو من يحمل موته في ملامح وجهه، ويمشي بين الناس كأنه تمثال نُسي في ساحة معركة انتهت منذ ألف عام ولم يعد أحد يذكر اسم الحرب"

"ما هو المعنى الذي يطاردنا؟ هل هو تلك الكلمة الغامضة التي بحث عنها 'نرسيس' في جوف الماء فغرق؟ أم هو السراب الذي طاردته 'دافني' فصارت شجرة تسكنها الريح؟ المعنى هو النكتة السمجة التي ألقاها المتعالي في بداية الزمان ونسي أن يضحك عليها، فبقيت معلقة في الهواء. نحن هنا، في هذا المسرح الفوضوي، لا نمثل أدواراً مكتوبة.. نحن نؤدي 'الجمود' ببراعة منقطعة النظير".

"أشعر بالحجر البارد يصعد فوق لساني. قريباً جداً، ستصبح كلماتي هذه مجرد نتوءات صخرية بلا صوت ولا صدى. لن يهتم أحد بهذا التحول. سيمر العابرون غداً ويقولون بفخر، 'يا له من تمثال متقن يجسد الحزن'، ولن يدركوا أبداً أن خلف هذا الرخام الأصم كان هناك قلب ينبض بالخيبة، وأن هذا الحجر ليس فنّاً يُعرض، بل هو سجن الجسد الذي لم يجد سبباً واحداً للبقاء بشرياً في عالم المسوخ".

يا إله التحولات. لقد جعلتني حجراً قاسياً كي لا أشعر بالوجع، لكني أشعر بـ 'ثقل' الحجر على صدري. هذا هو المعنى الوحيد الذي عثرتُ عليه في رحلتي، أننا مهدورون تماماً سواء كنا لحماً يئن تحت السياط أو صخراً يصمت تحت المطر. الستارة لن تسقط أبداً لتعلن النهاية، لأنها هي أيضاً تحجرت في منتصف الطريق، معلقة بين السماء والأرض كخطيئة لا تُغتفر.

"تتصلب ميدوسا تماماً في وضعية الصراخ الصامت، وينطفئ الضوء تدريجياً حتى يتلاشى كل شيء في الظلمة. يرتفع إيقاع الفوضى ليعلن أن المسرح ليس محطة مؤقتة، بل هو الثقب الأسود للتاريخ الذي يبتلع كل شيء. هنا، لا توجد "نقطة نهاية" تريح المتعبين، لأن التحول في هذا الفضاء ليس تطوراً للأمام، بل هو دوران أبدي ومضنٍ في دوامة المسخ التي تلتهم ذاتها كأفعى "أوربوروس".

بينما تتصلب "ميدوسا" وتفقد بريق عينيها، تبدأ جدران المسرح نفسه بالتموج والاضطراب كأنها رئة عملاقة مصابة بالربو الحاد. الشخصيات هنا لا تموت موتاً طبيعياً، بل تفقد حدودها الفيزيائية وتختلط ببعضها. "دافني" التي كانت شجرة، تبدأ أغصانها الخشبية في التحول إلى أصابع معدنية باردة تطبع كلمات بلا معنى على هواء المسرح المسموم. "إيكاروس" لا يسقط سقطة مدوية، بل يستحيل جسده بالكامل إلى دخان أسود كثيف يملأ رئتي المكان.

ساتان:

"أرأيتم يا رفاق؟ لا يوجد خلاص حقيقي في الثبات أو في التحول. نحن محكومون بـ 'السيولة القاتلة'. الفوضى هي هويتنا الوحيدة والمقدسة، لأننا كلما حاولنا بجهدنا تشكيل فكرة عن أنفسنا، سخرت منا 'التحولات' وصهرتنا في قالب جديد أكثر قبحاً وهدراً من سابقه".

"إلى نهاية التاريخ المكتوب بالدم. سنبقى هكذا. الفكر يتحول إلى هذيان، والشكل يتحول إلى شظايا متناثرة. نحن لسنا بشرًا مهدورين فحسب، نحن المادة الخام للعبث المطلق. المسرح سيبقى فوضوياً للأبد لأن 'المخرج' فقد السيطرة على النص، والنص نفسه بدأ في نوبة جنون يأكل حروفه وسطوره".

يغرق المسرح بالكامل في ضوء أرجواني خانق يضغط على الأنفاس، ويبدؤون في الرقص بحركات مكسرة، ميكانيكية، وغير متناسقة، بينما تسقط أوراق "التحولات" من سقف السماء كأنه مطر أسود من الرماد، معلنةً بصمت مطبق أن العرض مستمر.. إلى ما لا نهاية، في دورة لا تعرف التوقف...!

***

غالب المسعودي

كنت والصديق الكاتب ـ الطبيب ـ حيدر المحسن نتبادل الحديث عن جمال المرأة، الجمال لا يخصّ مظهراً بعينه فيها، بقدر ما يعود إلى رؤية جمالية وثقافية كاملة، تعكس ذائقة مجتمع، وخبراته الفنية، وتصوراته عن الرقة والفتنة والعذوبة. لذلك بدا لافتاً لي ما أشار إليه المحسن حين يرى أن كفّ المرأة معيار دقيق لجمالها، في رقّته، وتناسق أصابعه، ورشاقة حركته، وحتى في علاقته غير المرئية بعذوبة الصوت. كأن الجمال مستور لا يعلن عن نفسه، إنما نستدلّ عليه. ظل هذا الرأي عالقاً في ذهني منذ سنوات، صار الإحساس مقيماً فيّ لا عارضاً، ولهذا لم يغادرني. والمحسن نقلني من حيث لا أدري من مناطق الجمال المعروفة، إلى أخرى، أسميها: الجمال الهامس. لقد وجدت ما هو أصدق منها، حينما لا تجيد الكفّ التمثيل، بينما تحسنه الملامح الأخرى. أراقب المرأة كيف تحرك يدها، كيف تتركها تستريح، أو تمشط شعرها، أو حين تضعها في جيب معطفها، أو تشتبك بيد حبيبها.

الحديث عن كفّ المرأة بوصفه مؤشراً للجمال ليس شائعاً في التداول الثقافي، ومن النادر أن يتناوله الشعراء، لكنه رأي ذكي ودقيق، وينتمي إلى ما يمكن تسميته بالجماليات الخفية. الكف لا تتجمّل، ولا تتباهى، لا تطلب الإعجاب، تفعل ما تفعل، الوجه يتعلّم الأقنعة، أما اليد فتبقى الأقرب إلى حقيقتها الأولى. وحقيقة الأمر هي غير ما نتوهم، لا معيار واحد يمكن ترجيحه دون أن نظلم سواه. فالجمال ليس مسابقة قياس، بل تجربة إحساس. وما يجمع عليه البشر، على اختلاف ثقافاتهم، هو أن الجمال الأعمق هو ذاك الذي يستمر: جمال الذكاء، واللطف، والحضور، والقدرة على الإشراق في حياة الآخرين. والجمال الحقيقي يعمل بصمت بعيداً عن الضوء، وحين نتحدث عن جمال المرأة، فإنَ أخطر ما يمكن الوقوع فيه هو لغة السوق: القياس، المقارنة، وكأن الجمال سلعة موضوعة على رفّ، والعيون زبائن، والإعجاب فعل شراء.

الجمال حالة وجود، شيء آخر حين تكون المرأة على طبيعتها، تمارس حضورها في الحياة بلا ادّعاء، فلم نعد نبحث عمّا يرضي ذائقتنا، بل عمّا يكشف جوهر حضورها الإنساني. جمال المرأة، بهذا المعنى ليس شيئاً نمتلكه بنظرة، بل تجربة نستدعى إليها، هو جمال لا يقبل التصنيف. هو ليس موضعاً جغرافياً في الجسد، بل حالة انسجام. في الكفّ حين تمنح، وفي الساق حين تخطو بثقة، وفي الوجه حين يبتسم بصدق، وفي العقل حين يضيء. أما أجمل ما فيه، فهو قابليته الدائمة لأن يُرى بعيون مختلفة، ويُعاد اكتشافه في كل ثقافة، وكل زمن، وكل قلب.

في الثقافة الصينية، ذائقة جمالية حديثة تشكّلت مع التحوّل الحضري، والأزياء، والإعلام، وصناعة الموضة. الساق لدى الصينيين تُعدّ رمزاً للرشاقة، والصحة، والتوازن الجسدي، وتُستثمر بقوة في تلك الميادين حتى باتت جزءاً من «الهوية الجمالية» الشائعة، لاسيما في المدن الكبرى. تعرفت على هذا المزاج حين زرت الصين، وتحديداً مدينتي «شنغهاي» و»أوهان» أثناء وجود نجلي فرات هناك لإكمال دراسة الدكتوراه في مجال تخصصه الجمالي. كنت أمارس دهشتي بصمت أب يزور عالماً آخر، كانت عيناي ـ على عادتهما القديمة ـ تذهبان إلى الوجوه، تلتقطان الملامح كما تعودتا، أعود بخيبة سريعة: الجمال هنا لا يشبه ما خزّنته الذاكرة. يراقبني فرات من طرف خفي، يعرف تلك النظرة التي تسبق السؤال ولا تبوح به، ابتسم، ثم قال بنبرة العارف الذي اكتشف سراً صغيراً: بابا: أنت تبحث في المكان الخطأ، الصينيون لا يضعون جمال المرأة في وجهها، بل في سيقانها. توقفت لحظة، ضحكت، أدركت أنني في حضرة الولد، كنت ما أزال تلميذاً في جغرافيا الجمال. لكن الأهم، يتابع فرات القول: ليست الساق وحدها. فالجمال في الصين يتوزّع أيضاً على نعومة البشرة، والانسجام العام، وخفّة الحركة. أي أن الساق اختُيرت بوصفها «علامة» دالّة لا كجوهرٍ وحيد.

هل توجد حالات مماثلة لدى شعوب أخرى؟ سألته، بوصفه طالباً يدرس علم الجمال:

نعم، وبكثرة. كل ثقافة تميل إلى إبراز عضو أو سمة بوصفها معياراً مفضّلاً للجمال، وفق تاريخها وبيئتها وقيمها: يُحتفى بالطول والقامة في دول أوروبا الشمالية (الإسكندنافية مثلاً). وتتقدم العيون في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. وفي ثقافات افريقية ومتوسطية تبدو كثافة الشعر وقوّته وتموّجه علامة جمال وحيوية، بينما ارتبط الشعر الأشقر تاريخياً بالأنوثة المثالية في المخيال الغربي. أدركت حينذاك أن لكل شعب بوصلته الجمالية، والجمال مثل الحقيقة لا يقيم دائماً حيث نظن ونعتقد.

***

جمال العتّابي

كان هربرت سبنسر أول من صاغ عبارة "بقاء الأصلح" وطبّق التفكير التطوري على الثقافة والمجتمع البشري. هذا خلق بعض الاستياء لدى بعض الباحثين والطلاب الذين تساءلوا لماذا يستعملون عبارة "الدارونية الاجتماعية" بينما وصفت أعمال هربرت سبنسر سلفا تكيّف الانسان للبيئة الاجتماعية؟ "الدارونية الاجتماعية" تعني تطبيق أفكار دارون على دراسة المجتمع البشري. نظرية دارون في التطور نشأت من مشاهداته الميدانية للعالم الطبيعي خاصة تلك المشاهدات التي أجراها اثناء رحلته الاستكشافية المكثفة على متن سفينة HMS بيغل في بداية عام 1830، في جنوب أمريكا وجزر غالاباغوس. هو لاحظ ان مختلف الأنواع الحية ذات الترابط الوثيق مثل الطيور والسلاحف وحيوانات أخرى اختلفت عن بعضها البعض بطرق بدت فيها "ملائمة" بشكل خاص لبيئاتها المحددة. دارون استنتج انها كانت تتطور عبر ملايين السنين. جوهر نظرية دارون في الكيفية التي يعمل بها التطور هو ان الطفرات (تغيرات جسدية عشوائية قابلة للتوريث) تحدث من حين لآخر. ان بعض هذه الطفرات تحسّن قدرة الافراد على النجاة من بيئتهم، لذا يكون لديهم فرصة أكبر للبقاء لفترة تكفي للتكاثر، عندما يتم "اختيار" السمات المحسنة عشوائيا. هذه السمات الجديدة تنتقل الى الجيل القادم، والسمات المحسنة سوف تنتشر تدريجيا عبر السكان بسبب ملائمتها.

بدأ دارون نشر نتائج بحوثه في العديد من المطبوعات بدءاً من أواخر عام 1830. أفكاره في الاختيار الطبيعي لم يتم توضيحها بشكل تفصيلي الاّ في عام 1858 في ورقة بعنوان "حول ميل الأنواع لتشكيل سمات مختلفة، وادامة أصناف وأنواع بوسائل الاختيار الطبيعي". القليل من الناس في ذلك الوقت اولوا اهتماما لهذه الورقة، وان بعض النقاد يدّعون ان لا شيء فيها يحمل قيمة جديدة. في النهاية نشر دارون مفهومه للاختيار الطبيعي بعد سنة في كتابه اصل الأنواع بوسائل الاختيار الطبيعي ، او الحفاظ على الاجناس المفضلة في الصراع لأجل الحياة.

في تلك الاثناء، وفي جزء آخر من إنجلترا، كان هربرت سبنسر (1820-1903) يكتسب سمعة سيئة بسبب نظرياته في التطور. لاحظ سبنسر انه، تماما مثل العديد من الأنواع الحيوانية، انتشر الانسان على نطاق واسع عبر الكوكب وواجه مجموعة من المناخات والبيئات. هو تساءل لماذا لم يتطور الناس الى أنواع متنوعة ومنفصلة على نطاق واسع كما فعلت الحيوانات الأخرى، مثل السلاحف والسحالي. علل سبنسر ذلك في ان البشر يتكيفون للتغيرات في البيئة المادية من خلال التكيف الثقافي بدلا من التكيف البايولوجي. هو وصف التكيفات الثقافية الناجحة طبقا لمفهومه في بقاء الأصلح. في هذا التطبيق، تعلن عقيدة البقاء للأصلح ان أولئك الذين هم اكثر قدرة على التكيف مع التغيرات الثقافية للبيئة هم الأكثر نجاحا  في المجتمع (مثل المكانة، الموارد وغيرها). هؤلاء الافراد الناجحون ينقلون قدراتهم في التكيف الثقافي لذريتهم. كذلك، تتمتع الذرية بالرفاهية من وضع اكثر فائدة وتميزا في المجتمع، وهكذا هم يصبحون مرة أخرى في افضل موقع للتطور بالمعنى السوشيواقتصادي. بعد عدة أجيال، يبدأ ناس معينون التمتع بالرفاهيات التي لا تتوفر لنظرائهم. جادل سبنسر انه كما في التطور البايولوجي، التطور الثقافي كان قوة مستمرة لا يمكن ايقافها.

في كتابه (السكون الاجتماعي،1851) ادّعى سبنسر ان التطور في المجتمع الإنساني هو في النهاية مسألة بقاء الاصلح. وطبقا لذلك، تتولى العمليات التطورية تصفية غير اللائقين، والمحصلة النهائية تكون مجتمع اكثر تقدما. يكرر سبنسر ان التكيف الناجح مع التغير الثقافي هو الأساس عندما يُراد للأفراد وحتى المجتمعات البقاء في البيئة الثقافية. وهكذا اعتقد سبنسر ان هذه المجتمعات التي تواجه تحدي التغير الثقافي الضروري كانت هي الأصلح (ولذلك) الأكثر احتمالا في البقاء. فمثلا، اعترف سبنسر ان رعاية الأطفال والولاء للشريك تتجذر في طبيعة البشر. المجتمع أيضا يسمح بالتغيير عند الضرورة، ربما يأخذ شكل تعدد الزوجات عندما يصبح عدد سكان المجتمع صغير جدا، على سبيل المثال.

في هذا الشأن، كان سبنسر يعتنق نوعا من النسبية الأخلاقية: معتقدات قابلة للتكيف، واخلاق يجب النظر اليها من وجهة نظر ثقافة محددة. هذه الحاجة لتكيف اخلاقي هي خصيصا صحيحة اذا كان استمرار المجتمع يعتمد على التغيير. سبنسر اعترف بطبيعة البشر البايولوجية لكنه اعتقد انها ليس ثابتة دائما وان الناس عرضة لتغيير تطوري اجتماعي. عبّر سبنسر عن نسبيته الأخلاقية وأسباب الاختلافات في العادات الاجتماعية في كتابه (مبادئ الاخلاق،1897).

في كتابه (مبادئ السوسيولوجي، 1898) وصف سبنسر أهمية حاجة المجتمع للتكيف مع بيئته عبر الفعالية الاقتصادية. اعتقد سبنسر ان المجتمعات الصناعية باستمرار تجرّب طرقا لأداء الفعاليات الاقتصادية. بعض الطرق سنكون ناجحة بينما أخرى غير ناجحة. لكن عملية التجريب بحد ذاتها لطرق جديدة للعمل اقتصاديا تحفز نحو تطوير تكنلوجيات جديدة. وان تطوير تكنلوجيات متقدمة يجعل المجتمع اكثر لياقة للبقاء في البيئة الاقتصادية العالمية. ان تطوير تكنلوجيا الكومبيوتر وتكنلوجيا الليزر وعلوم الطب يعطي امثلة عن التطور الثقافي الحالي (سبنسرية اجتماعية).

في المجتمعات الغربية يتم تعليم الأطفال في المدرسة كيفية استعمال الكومبيوتر بالمعنى الثقافي والاقتصادي، هذا يعطيهم ويعطي المجتمع الذي ينتمون اليه ميزة هائلة قياسا بالمجتمعات التي فشلت بدمج هذه التكنلوجيا. جادل سبنسر ان التطورات في التكنلوجيا العسكرية ساعدت أيضا لجعل المجتمع اكثر لياقة. في كتابه (تطور المجتمع،1876) هو يقول:

"في الصراع لأجل الوجود بين المجتمعات، بقاء الاصلح هو بقاء أولئك الذين تكون فيهم  قوة التعاون العسكري هي الأكبر، والتعاون العسكري هو النوع الرئيسي للتعاون الذي يمهد الطريق للأنواع الأخرى. لذلك فان هذا التكوين لمجتمعات اكبر بواسطة اتحاد مجتمعات اصغر في الحرب، وهذا التحطيم او امتصاص المجتمعات الصغيرة غير الموحدة من جانب المجتمعات الموحدة الأكبر هو عملية حتمية من خلالها حل تكيف مختلف الناس لحياة اجتماعية محل الأنواع الأقل تكيفا"(ص78).

نقاش سبنسر للمجتمعات الصناعية العسكرية يقدم رؤى لنظرياته التطورية. بالتأكيد تمثل الحرب اكثر الاشكال تطرفا لبقاء الاصلح.

سبنسر مقابل دارون

موضوع دارون الرئيسي للدراسة كان العالم الطبيعي للنباتات والحيوانات، بينما موضوع سبنسر الرئيسي كان المجتمع البشري. هذا الادراك يقودنا رجوعا للسؤال المطروح في بداية المقال هذا – لماذا نستعمل تعبير "الدارونية الاجتماعية" بدلا من القول "سبنسرية اجتماعية"؟ الدارونية الاجتماعية تستلزم تطبيق أفكار دارون البايولوجية (الاختيار الطبيعي) على العالم الاجتماعي – لكن هربرت سبنسر عمل ذلك سلفا بعمله بقاء الاصلح من خلال التطور الثقافي.

ان شعار "الدارونية الاجتماعية "جرى تطبيقه على أفكار كثيرة نوقشت في علم اجتماع سبنسر. فمثلا، جرى تطبيقه على الصراع بين الجماعات، والمنافسة، خاصة دور السلطة والثروة، الكولنيالية والامبريالية، مبادئ عدم التدخل في الاقتصاد، العسكرتاريا، وبرامج تحسين النسل. عالج سبنسر كل هذه المجالات من منظور التطور الثقافي وبقاء الاصلح.

دراسات دارون الطبيعية الملفتة اثّرت على العديد من العلماء في الماضي والحاضر وتستحق أوسمة التقدير. لكن الفكرة التي نطرحها هنا هي ان سبنسر أيضا أعطى رؤى عظيمة حول الطبيعة الثقافية. باختصار، مفاهيم "الاختيار الطبيعي" و "بقاء الاصلح" هي بالتأكيد مترابطة، لكن هناك أيضا بقاء الاصلح في عبارات او سياقات ثقافية. لابد من الاعتراف بمساهمات سبنسر عبر استخدام مصطلح "السبنسرية الاجتماعية" حينما يطبق التفكير التكيفي بشكل خاص على المجتمع الإنساني.

***

حاتم حميد محسن

لسنا جيلا بلا قلق، بل نحن جيل يتنفس القلق كما يتنفس الهواء، لكنه يتظاهر بالطمأنينة. نعيش في زمن يفيض بالشاشات، ويضج بالاخبار، ويتخمنا بالصور، حتى نظن اننا نعرف كل شيء، بينما نحن في الحقيقة نهرب من السؤال الاهم: ماذا يعني ان نكون؟

ونحن نعبر ربع الالفية الثالثة، لا يبدو القلق الوجودي اثرا من بقايا قرن مضى، ولا رجع صدى لفلسفات ما بعد الحروب، بل يبدو كأنه اعاد تشكيل ذاته، وارتدى اقنعة جديدة. لم يعد القلق سؤالا بسيطا عن الموت او العدم، بل صار قلقا رقميا يتعلق بالهوية في فضاء افتراضي، وقلقا بيئيا يتهدد مصير الكوكب، وقلقا سياسيا يزعزع معنى المواطنة والحرية. انه قلق متعدد الطبقات، يتسلل الى وعينا كما تتسلل البيانات الى شاشاتنا.

لم يعد الخطر في الموت وحده، بل في التبلد. لم يعد الرعب في العدم، بل في الامتلاء الزائف. نحن محاطون بكل وسائل الاتصال، ومع ذلك تتسع في داخلنا فجوة صامتة، فجوة لا يردمها عدد المتابعين، ولا يملؤها بريق اللحظة الرقمية. انه قلق يتخفى في هيئة انشغال دائم، ويتقنع بقناع السرعة، لكنه في جوهره صرخة كينونة تبحث عن معنى.

في هذا العصر، لم يعد الانسان يهرب من القلق الى الايمان او الفلسفة فحسب، بل يهرب منه الى الاشعارات الفورية والتنبيهات المتلاحقة، الى ضجيج يصنعه بيديه كي لا يسمع صوته الداخلي. لكن الصوت هناك، عميق، حاد، لا يختفي. يذكرنا باننا لسنا مجرد حسابات، ولسنا مجرد ارقام في سوق الاستهلاك، بل ذوات حرة، هشة، ومسؤولة.

حين تحدث مارتن هايدغر عن القلق بوصفه انكشافا للكينونة، لم يقصده اضطرابا نفسيا عابرا، بل تجربة وجودية يتعرى فيها الكائن امام هشاشته. القلق، في تصوره، ليس انفعالا سلبيا، بل لحظة اصالة ينكشف فيها الانسان امام حقيقة انه ملقى في هذا العالم، ومسؤول عن اختياراته في افق الفناء. القلق هنا هو نداء الكينونة، وهو لحظة وعي تتجاوز اليومي والعابر.

غير ان سؤالنا اليوم يتجاوز هذا التصور. هل ما زلنا نملك شروط الانصات الى هذا النداء، ام ان التقنية، بوصفها نسقا شاملا، قد غلفت وجودنا بطبقة كثيفة من الضجيج؟

لقد نبه جان بول سارتر الى ان الانسان محكوم عليه بالحرية، وان القلق هو الاثر الملازم لهذه الحرية الجذرية. فالوعي عنده وعي بالعدم، والذات مشروع مفتوح على امكاناته. لكن عالم الخوارزميات يسعى اليوم الى تحويل هذا المشروع الى معطى قابل للتنبؤ، الى ملف بيانات يعاد تشكيله وفق انماط الاستهلاك والرغبة. هنا يتحول القلق من سؤال حرية الى ارتباك هوية، ومن توتر وجودي الى تشظ داخلي.

ووصف زيغمونت باومان عالمنا بالحداثة السائلة، حيث تتفكك الثوابت وتذوب المعايير. في هذا السياق يصبح القلق بنية دائمة لا استثناء عارضا. السيولة لا تمنحنا زمنا للتأمل، بل تدفعنا الى سباق دائم مع صورنا، ومع انجازات الاخرين، ومع خوفنا من التلاشي الاجتماعي. اننا نعيش اغترابا مضاعفا، اغترابا عن الطبيعة التي ندمرها، واغترابا عن ذواتنا التي نعرضها في سوق الاعتراف.

وقد حذر يورغن هابرماس من هيمنة العقل الاداتي، ومن تشوه الفعل التواصلي حين تتحول اللغة الى اداة تاثير، ويتحول الحوار الى تبادل اشارات سريعة. في هذا المناخ يفقد الخطاب عمقه، وتفقد الذات قدرتها على بناء معنى مشترك. القلق هنا لا يجد فضاء يعبر فيه عن نفسه، بل يختزل الى عبارة عابرة او صورة خاطفة.

اما كيركغارد فقد راى في القلق دوار الحرية. غير ان دوارنا اليوم ليس فقط دوار الامكان، بل دوار التشويش. لم نعد نرتجف امام اتساع اختياراتنا، بل امام تدفق لا ينقطع من المعلومات، وامام فائض المعنى الذي ينتهي الى خواء. الضجيج الرقمي لا يسكت القلق، بل يخدره، ويحوله الى قلق مبعثر بلا اتجاه.

وهنا تكمن المفارقة. القلق لم يختف، بل تضخم، لكنه فقد صوته العميق، ذلك الصوت الذي يدعونا الى اختيار ذواتنا بوعي، وتحمل مسؤولية وجودنا. الخطر ليس في القلق ذاته، بل في فقدان القدرة على الاصغاء اليه. فالقلق، كما فهمه الوجوديون، هو لحظة كشف، اما حين يغرق في بحر الاشعارات والتنبيهات، فانه يتحول الى ضجيج داخلي بلا بوصلة.

وفي ظل الازمة البيئية يتخذ القلق بعدا انطولوجيا جديدا. لم يعد السؤال كيف اعيش، بل هل سيبقى العالم قابلا للعيش. اننا نواجه هشاشة الوجود لا كافراد فحسب، بل كنوع بشري. وهنا يتقاطع القلق الوجودي مع المسؤولية الاخلاقية، ومع سؤال العدالة بين الاجيال.

يبقى السؤال الجوهري، هل يمكن استعادة الصمت بوصفه شرطا للوعي. هل نستطيع ان نمارس زهدا رقميا، لا هروبا من العالم، بل استعادة لمسافة تاملية تتيح لنا اعادة طرح سؤال الكينونة.

ربما يكون الرهان اليوم هو اعادة تاويل القلق لا كعرض مرضي، بل كقيمة معرفية واخلاقية، بوصفه لحظة كشف تحررنا من السقوط في اللامبالاة الجماعية. ان الاصغاء الى القلق هو في النهاية اصغاء الى هشاشتنا، والى حريتنا، والى مسؤوليتنا.

وفي عالم يتكاثر فيه الكلام وتتناقص فيه المعاني، قد يكون اعظم فعل فلسفي هو ان نتوقف لحظة، ان نصمت، وان نصغي. فربما ما زال صوت وجودنا هناك، ينتظر ان نمنحه شجاعة السماع

فان لم نصغ اليوم الى قلقنا، فلن نصغي غدا الا الى فراغنا.

القلق ليس عدوا ينبغي اسكاته، بل جرس انذار يدق في اعماق الكينونة، ليوقظنا من سبات التكرار ومن غيبوبة الضجيج. انه الشرارة التي تفضح زيف الطمأنينة السطحية، وتكشف هشاشة عالم نظنه صلبا وهو يتآكل من الداخل.

اما الذين يهربون من القلق الى اللهو الدائم، ومن السؤال الى الشاشة، ومن المواجهة الى الانكار، فانهم لا يلغون قلقهم، بل يؤجلون انفجاره. فالوجود الذي لا يجرؤ على مساءلة نفسه، يتحول الى ظل باهت، والحرية التي لا تحتمل رجفتها، تنقلب قيدا ناعما.

***

ابتهال عبد الوهاب

قراءة في تفكك الرأسمال الرمزي للنموذج الغربي وأثره في إعادة تشكّل الوعي النقدي

الملخّص: تهدف هذه القراءة إلى تحليل الأثر المعرفي والرمزي لقضية جيفري إبستين في الوعي الليبرالي العربي، من خلال مقاربة سوسيولوجية–فكرية تستند إلى مفاهيم الرأسمال الرمزي (بيير بورديو) وإشكالية المثال الحداثي في الفكر العربي المعاصر (عبد الله العروي، محمد عابد الجابري). تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن القضية لم تُحدث صدمة أخلاقية فحسب، بل كشفت عن تصدّع في التمثّلات المثالية للنموذج الليبرالي الغربي، وأعادت طرح سؤال المرجعية والمعيار في خطاب المثقف العربي. مع اعتماد القراءة منهج تحليل الخطاب والمقارنة المرجعية، مع توثيقٍ يعتمد المصادر العربية الأساسية وترجماتٍ معتمدة.

المقدّمة

شكّلت قضية إبستين، منذ إعادة فتح ملفها سنة 2019 ووفاته في مركز الإصلاح المتروبوليتاني، لحظة كاشفة في العلاقة بين السلطة والمال والنخبة الثقافية في الولايات المتحدة. غير أن أثرها تجاوز السياق الأمريكي، لتتحوّل إلى مرآة عاكسة لرهانات المثقف العربي الذي طالما استند—جزئيًا أو كليًا—إلى النموذج الليبرالي الغربي بوصفه أفقًا معياريًا في نقد السلطوية المحلية.

تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك بنية هذه الصدمة، عبر الإجابة عن الأسئلة التالية:

- كيف تمثّل المثقف الليبرالي العربي النموذج الغربي قبل القضية؟

- ما طبيعة الانكسار الرمزي الذي أحدثته القضية؟

- هل أنتجت الصدمة مراجعة نقدية أم انزلاقًا إلى رفضٍ عدميّ؟

أولًا: الإطار النظري

1. مفهوم الرأسمال الرمزي

يعرف بيير بورديو الرأسمال الرمزي بوصفه شكلًا من أشكال السلطة المعترف بها اجتماعيًا، والتي تمنح حاملها شرعية وتأثيرًا يتجاوز القوة المادية¹. حين تتورّط النخبة الحاملة لهذا الرأسمال في فضيحة أخلاقية، فإن الانهيار لا يطال الأفراد فحسب، بل يهدّد شرعية البنية الرمزية ذاتها.

في هذا السياق، يمكن فهم قضية إبستين بوصفها أزمة في الرأسمال الرمزي للنخبة الليبرالية الغربية، لا باعتبارها مجرد ملف جنائي.

2. الحداثة بوصفها مشروعًا تاريخيًا

يرى عبد الله العروي أن الحداثة ليست منظومة قيم مجرّدة، بل سيرورة تاريخية تتشكّل عبر صراعات اجتماعية وسياسية². ومن ثمّ، فإن نقل النموذج دون تفكيكه نقديًا يفضي إلى هشاشة في التمثّل. أما محمد عابد الجابري فيؤكد أن التعامل مع “الآخر” ينبغي أن يتمّ ضمن أفق نقدي مزدوج: نقد الذات ونقد المرجعية³.

ثانيًا: تمثّل المثقف الليبرالي العربي للنموذج الغربي

منذ عصر النهضة، تشكّل الوعي الإصلاحي العربي في تماسٍّ مع أوروبا. فقد قدّم رفاعة الطهطاوي صورة إيجابية عن التنظيم القانوني والمؤسساتي في فرنسا، بينما رسّخ طه حسين فكرة الانتماء إلى الفضاء المتوسطي الحداثي.

في السياق المعاصر، عزّزت أدبيات حقوق الإنسان هذا التمثّل، بحيث صار النموذج الليبرالي معيارًا نقديًا في مواجهة الاستبداد المحلي. غير أن هذا التمثّل ظلّ، في بعض تجلياته، أقرب إلى المثال الأخلاقي منه إلى التحليل البنيوي.

ثالثًا: قضية إبستين كحدث كاشف

1. البعد القانوني والمؤسسي

أظهرت التحقيقات أن إبستين استفاد سابقًا من تسوية قضائية سنة 2008 أثارت جدلًا واسعًا، قبل إعادة فتح القضية سنة 2019. وقد أدّى الجدل إلى مساءلة أداء المدعي العام آنذاك ألكسندر أكوستا، كما أثار نقاشًا حول دور وزارة العدل في عهد ويليام بار.

2. البعد الرمزي

تكمن أهمية القضية في شبكة العلاقات التي أحاطت بإبستين، والتي ضمّت شخصيات سياسية وأكاديمية وإعلامية. هنا يتجلّى الانكسار: فالمشكلة ليست في الجريمة وحدها، بل في التناقض بين الخطاب الليبرالي المعلن وحماية الامتيازات داخل دوائر النفوذ.

رابعًا: صدمة المثقف الليبرالي العربي

يمكن توصيف الصدمة في ثلاثة مستويات:

المستوى الأخلاقي: انهيار صورة “النخبة الحارسة للقيم”.

المستوى المعرفي: التشكيك في صلاحية النموذج بوصفه معيارًا مطلقًا.

المستوى الخطابي: انتقال بعض المثقفين من خطاب تمجيدي إلى خطاب عدمي.

غير أن القراءة النقدية المتوازنة تكشف أن آليات المساءلة—الصحافة الاستقصائية، القضاء الفيدرالي، الضغط الإعلامي—عملت، ولو بعد تأخير، على إعادة فتح الملف. وهو ما يثبت أن النموذج الغربي ليس كتلة صمّاء، بل فضاء صراع بين السلطة والمساءلة.

خامسًا: نحو إعادة بناء المعيار

لا تعني الصدمة سقوط الفكرة الليبرالية ذاتها، بل سقوط التمثّل المثالي لها. إن التحدّي الحقيقي أمام المثقف العربي يتمثّل في:

تجاوز الثنائية (شرق فاسد/غرب منضبط).

اعتماد نقدٍ مزدوج: للذات وللنموذج المرجعي.

إعادة تعريف الحداثة بوصفها مشروعًا إنسانيًا مشتركًا، لا ملكيةً حضاريةً مغلقة.

الخاتمة

تكشف قضية إبستين أن السلطة، حيثما اجتمعت بالمال، تملك قدرة على التستّر ما لم تُحاصر بثقافة مساءلة حقيقية. وقد شكّلت القضية لحظة اختبار لوعي المثقف الليبرالي العربي، بين الانكسار وإعادة البناء.

إن التحوّل من الانبهار إلى النقد، ومن المثال إلى التحليل البنيوي، هو ما يمنح هذه الصدمة قيمتها المعرفية. فالمعيار لا يُستورد، بل يُعاد إنتاجه داخل كل سياق تاريخي.

***

مجيدة محمدي – أديبة وباحثة تونسية

........................

المراجع

بورديو، بيير. الهيمنة الذكورية، ترجمة عربية، دار الفارابي، بيروت.

بورديو، بيير. أسئلة علم الاجتماع، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال، الدار البيضاء.

العروي، عبد الله. مفهوم الحرية، المركز الثقافي العربي، 1993.

العروي، عبد الله. مفهوم العقل، المركز الثقافي العربي، 1996.

الجابري، محمد عابد. نقد العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.

المسيري، عبد الوهاب. العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، دار الشروق، 2002.

تغطيات وتحقيقات عربية حول قضية إبستين، منها:

الجزيرة نت (ملف خاص 2019).

القدس العربي (2019–2021).

 

منهجية شاملة لتحسين عملية التفكير واتخاذ القرار

في عالم مليء بالمعلومات المعقدة والقرارات المتعددة الأبعاد، أصبح من الضروري امتلاك أدوات تساعد الأفراد والمجموعات على التفكير بطريقة منظمة وشاملة. من أبرز هذه الأدوات منهجية القبعات الستة للتفكير، التي ابتكرها إدوارد دي بونو، عالم النفس وخبير التفكير الإبداعي، بهدف تحسين طريقة التفكير وتنظيم الحوار داخل الفرق. تعتمد هذه المنهجية على تقسيم التفكير إلى ستة "قبعات" رمزية، كل واحدة تمثل زاوية معينة أو نمطًا محددًا للتفكير، وتتيح للفرد التركيز على نوع معين من التحليل أو الانطباع دون التشتت بين عدة اتجاهات في نفس الوقت. الفكرة الأساسية تكمن في فصل أنواع التفكير المختلفة بحيث يمكن للفريق التعامل مع كل زاوية من زوايا المشكلة على حدة، مما يسهم في الوصول إلى نتائج أكثر وضوحًا واتزانًا، ويقلل من التحيز الشخصي ويزيد من فعالية القرارات المتخذة.

تمثل القبعة البيضاء التفكير الموضوعي والتحليلي، إذ يركز الفرد على جمع الحقائق والمعلومات والإحصاءات المتوفرة دون أي تفسير شخصي أو انحياز. يتيح هذا النوع من التفكير بناء قاعدة صلبة من البيانات التي يمكن البناء عليها في مراحل التفكير الأخرى، سواء كان ذلك في تحليل أداء مشروع معين أو تقييم نتائج دراسة ميدانية. على سبيل المثال، عند التخطيط لإطلاق منتج جديد، يساعد التفكير بالقبعة البيضاء على جمع بيانات عن السوق، المنافسين، واحتياجات العملاء، ما يمنح الفريق صورة دقيقة قبل اتخاذ أي خطوة استراتيجية. بالمقابل، تعبر القبعة الحمراء عن المشاعر والحدس، حيث يُسمح للفرد بالتعبير عن أحاسيسه وانطباعاته تجاه قضية ما دون الحاجة لتبريرها بالعقلانية. هذا النوع من التفكير يضمن أن العاطفة والحدس – اللذين غالبًا ما يكونان مؤثرين في القرار النهائي – يُؤخذان بعين الاعتبار بطريقة منظمة. فعلى سبيل المثال، يمكن للفريق التعبير عن شعور عدم الثقة بفكرة معينة أو شعور الحماس تجاه فرصة جديدة، وهو ما قد يفتح النقاش حول أسباب هذه المشاعر ومدى تأثيرها على القرار.

أما القبعة السوداء، فهي مرتبطة بالتفكير النقدي والتحذيري، إذ يقوم الفرد بتحديد المخاطر والتحديات والسلبيات المحتملة لأي قرار أو فكرة. هذا النوع من التفكير يمنع اتخاذ قرارات متهورة ويساعد الفريق على التنبؤ بالعقبات المحتملة. فعلى سبيل المثال، عند النظر في مشروع استثماري، يمكن للقبعة السوداء تحليل المخاطر المالية، القانونية، أو التشغيلية، والتأكد من أن جميع التحديات المحتملة قد تمت مواجهتها قبل البدء. بالمقابل، تمثل القبعة الصفراء التفكير الإيجابي والبناء، حيث يركز الفرد على الفوائد والمزايا المحتملة لأي فكرة أو مشروع. هذا التفكير يعزز التفاؤل الواقعي ويساعد على موازنة النقد والتحليل السلبي، وهو أمر ضروري لإيجاد حوافز للاستمرار في المشاريع. على سبيل المثال، يمكن للقبعة الصفراء استشراف الفرص الجديدة التي قد توفرها التكنولوجيا الحديثة أو تحسين سمعة الشركة من خلال مبادرات مبتكرة.

تساهم القبعة الخضراء بشكل كبير في تحفيز الإبداع والابتكار، إذ تشجع على توليد أفكار جديدة وحلول غير تقليدية لمعالجة المشكلات، وتدفع الأفراد لتخطي الحلول المعتادة والتفكير خارج الصندوق. هذا النوع من التفكير مهم جدًا في بيئات العمل الديناميكية التي تتطلب القدرة على التكيف مع المتغيرات بسرعة، مثل ابتكار حملات تسويقية مبتكرة أو تصميم منتجات تلبي احتياجات لم يتم اكتشافها بعد. أما القبعة الزرقاء، فهي القبعة التنظيمية التي تدير عملية التفكير نفسها، حيث يقوم القائد أو المنسق بتوجيه الفريق حول أي قبعة يجب التركيز عليها في كل مرحلة، وضمان سير النقاش بطريقة منظمة، مع توحيد النتائج في خطة عمل واضحة وشاملة. هذا يسمح بتحويل كل أنواع التفكير المختلفة إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ، ويضمن أن كل زاوية من زوايا المشكلة قد تم تحليلها بشكل مناسب.

تكمن أهمية منهجية القبعات الستة في تحسين التفكير الجماعي وزيادة الإبداع وتقليل الانحياز، إضافة إلى تسريع عملية اتخاذ القرار من خلال اتباع خطوات منظمة ومدروسة. يمكن تطبيق هذه التقنية في الأعمال التجارية لتقييم المنتجات واستراتيجيات التسويق وإدارة المخاطر، وفي التعليم لتعليم الطلاب التفكير المنهجي وتحليل المشكلات من زوايا متعددة، مما يعزز قدراتهم على حل المشكلات بشكل مستقل وفعّال. كما يمكن استخدامها في حل النزاعات، إذ تساعد الأطراف على رؤية القضية من منظور موضوعي وعاطفي وإبداعي قبل الوصول إلى الحل، مما يقلل التوتر ويساهم في التوصل إلى حلول أكثر توافقًا. اعتماد هذه المنهجية يسهم بشكل واضح في تطوير مهارات التفكير العليا، ويجعل الحوار أكثر إنتاجية ووعيًا، مع ضمان توازن بين النقد والإبداع والعاطفة والتفاؤل، وبالتالي تعزيز جودة القرارات وتحقيق نتائج أكثر نجاحًا على المدى الطويل.

***

د. هاني جرجس عياد - استاذ بالجامعة الإسلامية بمنيسوتا

يعتقد البعض أن الإنسان ظاهرة روحية وأخلاقية، دون تقدير كافٍ للجوهر العقلاني الذي ميز الإنسان العاقل (Homo sapiens) عن جميع الكائنات الحية الأخرى، والذي أوصله إلى قمة شجرة التطور ليصبح مهيمناً على كوكب الأرض، ناشراً تأثيراته الإيجابية والسلبية بنفس النشاط.

تطور الإنسان العاقل من الإنسان المنتصب مع زيادة في حجم المخ نتيجة لاكتشاف النار، واستهلاك كميات كبيرة من اللحوم المطبوخة التي كان مذاقها أفضل وأسهل في الهضم مقارنة باللحوم النيئة.

أصبح الإنسان قادراً على التفكير المجرد والابتكار وتخيّل سيناريوهات غير موجودة في الواقع. اكتشف القدرة على الكلام والتواصل من خلال اللغة، وتمكّن من بناء ثقافات وحضارات. بدأ يتأمل في معنى الحياة والأخلاق والمستقبل والموت، مما أدى إلى ظهور الفلسفة والدين والفن والعلم والبعد الروحي للإنسان، الذي أصبح جزءاً من بنيته المعرفية والثقافية.

تطور مفهوم الروح عند البشر مع تطورهم الفكري، بدءًا من المرحلة ”الشامانية“ في المجتمعات البدائية التي اعتبرت الروح طاقة تتحرك بين العالمين المرئي وغير المرئي، وكان السحر والشعوذة منتشرين في هذه التجمعات البشريه. ثم جاءت المرحلة الأسطورية، حيث مثّلت آلهة متعددة قوى الطبيعة. وبرز الإلهام الإلهي من خلال الأساطير، وبدأ البشر يربطون الروح بالنظام الكوني. تبع ذلك المرحلة الفلسفية الميتافيزيقية، حيث أصبحت الروح نورًا إلهيًا أبديًا. وتطورت هذه المفاهيم أكثر مع ظهور الديانات التوحيدية، حيث أصبحت الروح نفخة إلهية، والوحي علاقة شخصية بين الإنسان والله.

اعتقد عالم النفس البريطاني ”سيريل بيرت“ أن التجربة الدينية جزء لا يتجزأ من النفس البشرية، وأن نشأة الدين هي نتاج تفاعل معقد بين القدرات العقلية والخيال والحاجة إلى المعنى، وتعبير عن الاحتياجات النفسية الإنسانية العميقة. كما قدم بيرت نظرية ”الأنيميزم“، التي تفترض أن الأرواح تسكن كل شيء - البشر والحيوانات والنباتات والصخور والأنهار - وأنه لا يوجد فصل جوهري بين العالمين الروحي والمادي. ناقش أيضاً العلاقة بين الدين والاضطرابات النفسية، وقارن بين الممارسات الدينية القهرية وأنماط الوسواس القهري، وأوضح أن التجربة الدينية تتخذ أشكالاً ثقافية متعددة، وأن الدين نتاج للعقل الواعي.

بالنسبه اللتجارب الروحية، فهي ظاهرة إنسانية حقيقية كاملة لصاحب التجربة، ولا يمكن انكارها لأنها حدثت داخل وعيه، وتمنحه إحساسًا بالمعنى، وشعورًا بالسلام، وتجاوزًا للأنا، وتواصلًا مع شيء أعظم.

وقد أظهرت الدراسات الحديثه على وظائف المخ باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) ومراقبة النشاط الكهربائي بأجهزة عالية الدقة، أن التجارب الروحية التي تحدث مع التأمل، والصلاة العميقة، والاستماع إلى الموسيقى الهادئة، والرقص الطقسي، تسبب أنشطة في مخ الانسان، وحالات وعي متغيرة، مع زيادة في هرمونات السيروتونين والدوبامين اللذين ينظمان المزاج والمشاعر، (يرتبط نقص السيروتونين بالاكتئاب، ويؤدي نقص الدوبامين إلى الخمول).

يختلف تفسير التجربة الروحية في ثقافات وديانات مختلفه؛ ويعبر عنها الصوفي بانها “فناء في الله”، و البوذي والهندوسي بانه الوصول الى حالة ”النيرفانا“ التي هي السكينة التامة، والتحرر من المعاناة، وويقول عنها المسيحي بانها “نعمة الروح القدس”.

يناقش هذا المقال الجوهر العقلاني للانسان، وان العقل مركز ادراك التجارب الروحية، التي يفسرها الانسان وفقا لاحتياجاته النفسيه، واتساع معرفته، وتحيزاته الشخصيه، التي بناها العقل تحت تاثير الظروف المختلفة، والثقافة المجتمعية، والقيم السائدة.

ينظر العلم إلى الوعي البشري على أنه ظاهرة بيولوجية منظمة تنشأ من عمليات مادية محددة داخل المخ، وان الشكل الأساسي للوعي هو إحساس الشخص بذاته ووجوده، وان الفهم العلمي للوعي يُعمّق تقدير الإنسان لتجربته الخاصة. مع ذلك، يدرك التفكير العلمي ان التجربه الروحيه هي حقيقة مطلقة لصاحبها، وانها ليست فكرة، بل هي حالة وعي كاملة تشمل الإدراك، والشعور، والإحساس بالذات، وتُسجَّل في الذاكرة كشيء أعمق من الواقع. يفسر المنهج العلمي التدين بانه امتداد لحاجه الانسان إلى الطمأنينة وتفسير المجهول، والخوف من الفناء والرغبة في الخلود، وانه عنصر فاعل في بنية الوعي الإنساني وسعيه الدؤوب نحو المعنى والقداسة والرمزية والجوهر. ولكن اختزال التجربة الإنسانية إلى جوهر روحي محض ينكر التفسيرات الأخرى للوجود البشري وتجاربه المتنوعة، ويتجاهل أهمية العقل تحقيق الرفاهيه للانسان، وتوفير علاجات فعالة لمختلف الأمراض، والتغلب على الأوبئة، والتعامل الأمثل مع تقلبات الطبيعة، كالبراكين والزلازل والعواصف المدمرة.

في الختام، تُعدّ العلاقة بين الأخلاق والدين والتجارب الروحية من أعمق الأسئلة التي طرحها الإنسان منذ نشأته. وقد اوضحت دراسه تاريخ البشرية ان القيم الأخلاقية كانت موجوده قبل ظهور أي دين منظم، حيث مارست المجتمعات البدائية التعاون، ورعاية الضعفاء، وتقاسم الطعام، واحترام القواعد الجماعية. لعب الدين لاحقاً دوراً مهماً حيث قام بتنظيم الأخلاق، وتقديم الوصايا والقوانين والمحرمات والقيم العليا، ومنح الأخلاق سلطة رمزية لتصبح مرتبطة بالإرادة الإلهية والثواب والعقاب، وحولها من قواعد اجتماعية إلى واجبات مقدسة. برز المصدر الفلسفي للأخلاق مع التطور الفكري والتقدم المعرفي، ليحدد ماهية الخير، والعدل، والواجب، ومعنى أن يكون المرء إنسانًا، ومنحت الفلسفة الأخلاق أساسًا عقلانيًا مستقلًا عن الدين. تتجه الأخلاق في العصر الحديث نحو معالجة قضايا تطبيقية مثل البيوأخلاق، التي تدرس التحديات الاخلاقيه في مجال الطب والتكنولوجيا الحيويه، وتهدف إلى تحقيق التوازن بين التقدم العلمي وكرامة الإنسان .كما تهتم بحقوق الإنسان، وأخلاقيات البيئة، وتقدم تأملات حول الحرية والسعادة والهويه، وتؤكد ان العقل لا سلطان علىه سوى العقل ذاته، وأنه لا حرية بدون عقلانية تحمي الحرية من الانزلاق إلى الفوضى.

وقد أوضحت المعرفة الحديثة أيضاً أن الضمير هو وعي ذاتي يقيم الأفعال في ضوء القيم التي يتبناها الفرد، وأن رضا الضمير يعبر عن انسجام الذات مع نفسها.

وأخيراً، من الضروري الإشارة إلى خطر جديد وهام انتجه العقل البشري وهو الذكاء الاصطناعي، الذي قد يتجاوز الذكاء البشري ويهدد، لأول مرة، المكانة المتميزة للإنسان على قمة شجرة التطور، والتي احتلها نتيجة لقدراته العقلية التي فاقت قدرات جميع الكائنات الحية الأخرى. وقد عبّر ”جيفري هينتون“، أحد أبرز علماء الذكاء الاصطناعي، عن هذا الخطر، مُبدياً مخاوفه علناً بشأن التطور السريع لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي واحتمال تفوقها علي ذكاءً البشر، وتصبح قادره على اتخاذ قرارات مستقلة لا تتوافق مع قيم ومصالح البشريه. هذا الاستقلال من سيطره الانسان يهدد مستقبل البشريه علي سطح كوكب الارض .

***

بقلم استاذ دكتور سامح مرقس

العائد الفلسفي والحضاري وتعميق مأساة "الإنسان الفائض"

في جدلية الهشاشة المؤسساتية والسيولة العالمية

تعد الدولة في العصر الحديث الكيان التنظيمي المنوط به حماية الفرد وضمان أمانه الاقتصادي والاجتماعي. بيد أن التحولات الجوهرية التي طرأت منذ نهاية القرن العشرين، والمتمثلة في صعود الليبرالية المستحدثة، أدت إلى ظهور نمط مشوه من الكيانات السياسية يُعرف بـ "الدولة الرخوة". هذا المصطلح، الذي اقترحه "غونار ميردال"، يشير إلى حالة من الانفلات الاجتماعي والمؤسساتي تجعل الدول عاجزة عن صون سيادتها أو تلبية احتياجات مواطنيها، مما يتركهم عزلاً أمام قوى العولمة الجارفة. إن البرنامج الخفي للعولمة لا يكتفي بفتح الأسواق، بل يمتد لتفكيك السيادة الوطنية وتحويل الإنسان من كائن ذي أبعاد روحية وحضارية إلى مجرد "وحدة استهلاكية" أو "شيء" ضمن آلة الإنتاج العالمي.

تتجلى مأساة الإنسان هنا في ظهور فئات اجتماعية يصفها علماء الاجتماع بـ "الإنسان الفائض" أو "الحيوات المهدورة"؛ وهم الذين فقدوا موقعهم في نظام الإنتاج وأضحوا عبئاً على دول فقدت قدرتها على التدخل. تبرز هنا علاقة عضوية بين رخاوة الدولة، وبرنامج العولمة المستتر، والعائد الحضاري المازوم الذي أنتج طبقات هشة مثل "الطبقة القلقة" (البريكاريا)، مما يعمق مظاهر التشيؤ والاغتراب في عالم الحداثة السائلة.

الرخاوة كبيئة حاضنة لبرنامج العولمة

إن رخاوة الدولة ليست مجرد عطب تقني، بل هي شرط بنيوي لنجاح العولمة؛ فالدول التي تفتقر لنظام قانوني موحد وعادل تصبح ساحات مستباحة للشركات عابرة القارات والمنظمات الدولية التي تملي شروطها. العولمة هنا لا تعمل كشريك تنموي، بل كأداة لتفتيت الروابط الوطنية، حيث تضعف قدرة الدولة على تنفيذ السياسات العامة وإدارة الاختلافات، مما يؤدي لبروز مجتمعات متشظية وعاجزة، يواجه فيها الإنسان طوفان العولمة بلا غطاء وطني.

تحولات السيادة في عصر السيولة

يعمل البرنامج الخفي للعولمة على تقليص سيادة الدولة لصالح كيانات دولية، مما أفقد السيادة مبررات وجودها التقليدية. هذا التقارب القسري بين الشعوب أحدث تداخلاً في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية دون اعتبار للحدود السياسية. وتحت ذريعة "حماية الأقليات" أو "الحقوق العالمية"، يتم التدخل في شؤون الدول الرخوة، مما يحول السيادة إلى مفهوم صوري، ويجعل الاعتراف بالحقوق منحة خارجية لا نتاجاً لعقد اجتماعي داخلي أصيل.

هذه العملية تحول الدولة من "راعية للمواطنين" إلى "منظم لتدفقات رؤوس الأموال"، وهو ما يتطلب تفكيك مفهوم المواطنة التقليدية. ورغم دعوات الفكر النقدي (كأعمال هابرماس) للتحول نحو "مواطنة عالمية"، إلا أن هذه المواطنة ظلت امتيازاً للنخب، بينما بقي المواطن العادي في الدول الرخوة عالقاً في البرزخ؛ فلا هو احتفظ بحماية دولته، ولا هو نال حقوق المواطنة العالمية.

العائد الفلسفي للعولمة: التشيؤ والاغتراب

تؤدي العولمة، عبر الثقافة الليبرالية، إلى تحويل القيم الأخلاقية للإنسان إلى قيم "تشيؤ". هذا المفهوم يعني إخضاع ملكات الإبداع والأخلاق لقوانين السوق، حيث يستحيل الكائن الإنساني إلى بضاعة تُقاس بالربح والخسارة. لم يعد الإنسان يُعرف بكينونته، بل بما يملكه ويستهلكه، مما أدى لتراجع دور القيم الإنسانية في بناء السلم المجتمعي لصالح قيم مادية تقوم على اللذة الآنية، مما جعل الإنسان مغترباً عن ذاته وواقعه.

الحداثة السائلة وإنتاج "النفايات البشرية"

يقدم "زيجمونت باومان" تحليلاً لافتاً لمصير الإنسان في الحداثة السائلة، حيث يرى أن إنتاج "النفاية البشرية" هو نتيجة حتمية لعملية التحديث الاقتصادي. هؤلاء "الفائضون" هم سكان تم إقصاؤهم من المنظومة الاجتماعية والعالمية. وفي حين كانت الحداثة "الصلبة" قادرة سابقاً على امتصاص هذا الفائض، فإن العولمة اليوم، بوصولها لكل بقاع الأرض، لم تترك مكاناً لهؤلاء "المطرودين". وبدلاً من النظر للمهاجرين كـ "رأس مال بشري"، يتم التعامل معهم كأعباء أمنية يجب صدها، مما يجسد "الحيوات المهدورة" التي يرفضها المنطق الرأسمالي.

الطبقة القلقة (البريكاريا): التهديد الجديد

برزت في العقود الأخيرة طبقة "البريكاريا" (الطبقة العاملة القلقة)، وهي فئة تفتقر للأمان الوظيفي وتقتات على مهام مؤقتة لا تمنح هوية أو استقراراً. إن العولمة مسؤولة عن نشوء هذه الطبقة عبر سياسات "مرونة سوق العمل" التي قوضت مكتسبات دولة الرفاه. يعيش أفراد هذه الطبقة حالة "انعدام يقين" دائمة، مما يولد الغضب والقلق. ويصفها "غاي ستاندينج" بالطبقة الخطيرة، ليس لعنفها، بل لسهولة استقطابها من القوى المتطرفة نتيجة شعورها بالتهميش وضياع مستقبلها في عالم رقمي لا يرحم.

النظرية النقدية والسيطرة الناعمة

تكشف أطروحات "هربرت ماركوز" في "إنسان البعد الواحد" كيف فرضت الرأسمالية نظاماً يوجه التقدم التقني لقهر الفرد تحت غطاء الرفاهية. تحولت العقلانية التقنية إلى وسيلة للسيطرة وتزييف الوعي، مما أنتج "قمعاً فائضاً" يحول الإنسان إلى كائن مستلب لا يقوى على تصور بديل للنظام القائم. إن أنسنة المجتمع، من منظور مدرسة "فرانكفورت"، تتطلب استعادة "العقل النقدي" لإنقاذ الحياة الأصيلة من براثن التنميط السلعي.

أنسنة العولمة واستعادة الدولة الوطنية

إن العولمة بشكلها المتوحش لا تنتج سوى الكراهية وتفكيك الإنسانية. ولكي تستقيم، يجب أن ترتكز على القيم الأخلاقية واحترام الخصوصيات الثقافية. إن الرؤى الفكرية الرصينة تطالب باستعادة "الدولة الوطنية" القادرة على الإبداع والتنمية المستقلة. ويبرز هنا مقترح "الدخل الأساسي الشامل" كأداة لأنسنة العولمة، بوصفه حقاً أخلاقياً يضمن كرامة الإنسان بمعزل عن تقلبات السوق، ويحميه من التهميش في عصر الأتمتة.

مستقبل الإنسان في ظل الرخاوة

إن دراسة الدول الرخوة تكشف عن أزمة حضارية كبرى؛ فالعولمة الحالية تعمل كقوة تفكيكية تطمس الهويات لصالح الاستهلاك. الحل لا يكمن في الانغلاق، بل في "أنسنة العولمة" عبر استعادة الدولة لدورها كضامن للحقوق. المعركة الحقيقية هي استعادة معنى "الإنسان" في عالم يكاد يحوله إلى مجرد رقم مهدور في معادلة الربح.

***

غالب المسعودي

.....................

المراجع

باومان، زيجمونت. (2004). الحيوات المهدورة: الحداثة ومنبوذوها. (Wasted Lives: Modernity and Its Outcasts).

ستاندينج، غاي. (2011). البريكاريا: الطبقة الخطيرة الجديدة. (The Precariat: The New Dangerous Class). لندن: بلومزبري الأكاديمية.

ماركوز، هربرت. (1964). إنسان البعد الواحد. (One-Dimensional Man).

منظمة الشفافية الدولية. (2024). تقارير الدفاع والأمن: الفساد وتقويض السيادة (ti-defence.org).

ميردال، غونار. (1968). الدراما الآسيوية: بحث في فقر الأمم (مفهوم الدولة الرخوة).

من السهل أن يلاحظ أي من العاملين في القطاع العلمي أن استلام قوى سياسية معّينة لدفة الحكم يؤدي الى تراجع التمويل واستهداف منهجي للعلم. غالبا ما ترتبط موجات معاداة العلم بحكم قوى اليمين. غير أن الطريقة الأدق لتوصيف الأمور وتفسير الكثير من الحالات ليس اليمين بوصفه طيفًا ايديولوجيًّا واسعًا، بل السياسات الشعبوية المعادية للنخب. يتألف الخطاب الشّعبوي من الآراء المعادية للنخبوية، والمؤسسات الحاكمة، والحديث عن حكم عامة الشّعب. بينما يعترض كل من الشعبوية اليمينية واليسارية على سيطرة النخب في الديمقراطيات الليبرالية، تعيد اليمينية الشعبوية توصيف مؤسسات انتاج المعرفة بوصفها جزءًا من نخبة غير جديرة بالثقة. في سحبها الثقة من المؤسسات العلمية والمعرفية، تتحول الأحزاب اليمينية بقراراتها وفلسفتها مرجعا لمناصريها وبذلك تمنح لمعاداة العلم نكهة سياسية وليس نقدا منهجيا بناءً.

ماذا نعني بمعاداة العلم؟

غالبًا ما تنظر السلطة السياسية الى الجامعات والمؤسسات العلمية والتعليمية كمراكز نفوذ مستقلة، فتسعى لضبطها إداريا وماليا. على سبيل المثال، هذا ما نراه اليوم من قبل الادارة الأمريكية الحالية تجاه الجامعات كجامعة هارفرد. ويرى الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو أن المؤسسات التعليمية قادرة أن تلعب دورا في دعم قوى سياسية معينة بضغط من هذه القوى، إذ تستطيع أن تروج لطبقة اجتماعية أو منظومات اقتصادية وفكرية معينة في مناهجها. لذلك يسعى اليمين الشعبوي إلى معاداة النخب والمؤسسات العلمية واستهدافها اقتصاديًا وسياسيًّا لتجييرها ناحيته.

وهل يعني هذا أن الحركات الشعبوية تعترض أبستمولوجيّا على خطوات المنهج العلمي؟ هذا ليس ضروريا، فالصراع انما صراع على الاستقلال المؤسسي والشرعي وليس بالضرورة نزعة مضادة للمعايير العلمية. لكن الأمر لا يخلو من نزعة انكارية بمعنى تقني كالتشكيك بالاحتباس الحراري. غالبا ما يأتي هذا التشكيك عبر انتقاء الأدلة بدل تقييم مجمل الأدلة أو الانتقال من نقد نتائج محددة إلى الشك في نزاهة المجتمع العلمي بأكمله (نظرية مؤامرة أو فساد نخبوي). تخدم هذه المنهجية مصالح اقتصادية لكارتيلات اقتصادية مقربة من الأحزاب السياسية.

إن الاختلاف هنا يصبح تشكيكًا بالمؤسسات العلمية وتسيسًا لمعايير التحكيم المعرفي، وقد يصل في بعض الملفات إلى نزعة انكارية تستهدف منطق المنهج العلمي. لكن الهدف الأوسع للسياقات الشعبوية هي تقويض المؤسسات والنخب والتحكم بإنتاجها المعرفي لصالح السلطة السياسية التي "تخدم وتمثل الشعب".

معاداة العلم والسخط السياسي

تأخذ الآلية التفسيرية للوصول إلى واقع اعتبار العلم قوة نخبوية لا منهجا معرفيًّا، حيث يصبح النزاع حول الحقائق نزاعًا حول الشّرعيّة، مسارين. المسار الأول، وهو غير المباشر، يأتي عبر الخطاب الشعبوي الذي غالبًا ما يضخم السخط السياسي والنفور المؤسّسي. يؤدي هذا الخطاب إلى انخفاض الثقة بالحكومة والنظام، وينتقل "بالعدوى المؤسسية" إلى مؤسسات أخرى كالعلم الذي يصبح ضمنًا جزءً من "حزمة النخب". أمّا المسار الثاني، وهو المسار المباشر، فيأتي عبر استهداف الشعبويًين للنخبة العلمية كالعلماء والجامعات بوصفهم نخبة خبراء ذات مصالح. بذلك يتولد شك ومعاداة للعلم يتجاوز السخط السياسي ويحول المعرفة العلمية من موضوع إبستيمولوجي إلى صراع سياسي.

ينتج عن هذا المسار حلقة مفرغة بتغذية راجعة. يؤدي دعم الأحزاب الشعبوية إلى زيادة لاحقة في السخط السياسي. هذا السخط يتنبأ بزيادة لاحقة في دعم الشعبي للأحزاب الشعبوية. أما من جهة العلم، إن السخط السياسي يؤدي إلى شك أكبر بالعلم ويولد حالة من انخفاض الثقة وعدم الرضا عن العلم. وفي الاتجاه العكسي، يؤجج الشك بالعلم التمرد على النخب العلمية وبالتالي دعم الأحزاب اليمينية الشعبوية. إلا أن الأخير ضعيف حسب الدراسة المرفقة أدناه. بذلك تتفاقم العلاقة بين الشعبوية والشك العلمي عبر الزمن في سياقات أزمات تسيّس معاداة العلم وتؤجّجه عبر السخط السياسي.

تسيس العلم وتأثيره على المؤسسة العلمية

إن سياسات الإدارة الأميركية الحالية تكاد تكون أفضل مثال على ما تمت مناقشته أعلاه. إن تصنيف بعض الجامعات الأميركية كهارفرد كنخبة غير شرعية، يصبح خفض التمويل أو تقييده سياسيّا أسهل. تشير التصنيفات الببليومترية إلى تراجع الجامعات الأميركية مقابل جامعات عالمية أخرى في عام 2025. بينما قد لا يكون أثر قرارات الإدارة الحالية السبب الوحيد لذلك، إلا أن خفض التمويل وسياسات الهجرة المتخذة ستسبب مشاكل وانهيارات دراماتيكية. انخفض عدد الطلاب الأجانب بشكل كبير في هذا العام وفق نيويورك تايمز، وهو ما يزيد ما ينزع من اميركا المغناطيس الذي يجذب العقول حسب عالم الفيزياء الأميركي ميتشيو كاكو. يقول كاكو أن فيزا الباحثين الأجانب ذوو المهارات العالية تشكل المحرك الأساسي للتقدم الأمريكي. إن قرارات الهجرة ونزيف الأدمغة وانخفاض التمويل ناتج عن سياسيات السخط السياسي وانعدام الثقة في العلم لمواجهة التحديات الاقتصادية التي تطلب تذليل عقبات كإجراءات المحافظة على البيئة.

إذًا كان الخطاب الشعبوي لأحزاب اليمين الشعبوي قادرا على خفض الثقة العامة في العلم، فهو يقلل الكلفة السياسية لإجراءات مثل تقييد الاستقلالية الجامعية، وتقليص التمويل، أو استهداف حقول معرفية بعينها. لأنه، وعبر السخط السياسي، قد صنف المؤسسة العلمية كجزء من النخبة الغير شرعية. إذا فالشعبوية المعادية للعلم هي ديناميكية تسيس تنتجها الشعبوية عبر تعميم الشك المؤسسي وتحويل العلم إلى موضوع نواع على الشرعية والسلطة.

  ***

فضل فقيه – باحث

..........................

مراجع:

Rekker, R. How populist parties fuel science skepticism: Evidence from a 15-year panel study. Acta Polit. (2025).

Mervis, J. Damage assessment: Which of Donald Trump’s changes are likely to last-and which will fade? Science (20 January 2026).

Arsenault, M. Chinese Universities Surge in Global Rankings as U.S. Schools Slip. The New York Times (15 Jan 2026).

مقاربة أخلاقية

مقدمة: في سياق الفلسفة الأخلاقية، يبرز الكائن البشري ككيان مشروط بالعلاقات الاجتماعية والالتزامات الذاتية، حيث يجد نفسه محاصراً بين الديون التي يدين بها للآخرين – تلك الالتزامات غير المشروطة التي تنبع من الوجود المشترك – والوعود التي يقطعها على نفسه، والتي تمثل سعيه نحو التحقيق الذاتي والأصالة. من منظور أخلاقي، يتجاوز هذا التوتر مجرد الصراع بين الفرد والجماعة ليصبح تأملاً في طبيعة الوجود البشري نفسه، حيث تكون الأخلاق ليست قواعد خارجية بل عملية ديناميكية لتشكيل الذات في مواجهة الآخر. إن الديون تجاه الآخرين تعبر عن الالتزام غير المحدود بالمسؤولية عن الغير، بينما الوعود إزاء الذات تكشف عن الحرية الذاتية في بناء المعنى الشخصي، مما يجعل الكائن البشري كائناً مشدوداً بين الالتزام اللامتناهي والحرية المحدودة. في هذه الدراسة، سنستعرض هذا التوتر بشكل موسع ومعمق، مع التركيز على الجوانب الأخلاقية التي تكشف عن كيفية يعيد الكائن البشري صياغة وجوده من خلال هذه الثنائية، دون الاستناد إلى أطر خارجية، بل من خلال تدفق فكري يعكس الطبيعة المتداخلة لهذه العلاقات. فماهي الديون التي يحملها المرء تجاه الآخرين؟ وكيف يتم تسديدها؟ وماهي الوعود التي يظل مطالب بتحقيقها إزاء الذات؟ وكيف يمكن له إنجازها؟ وألا توجد علاقة تلازمية بين الديون والوعود؟

الديون تجاه الأخرين

يبدأ الدين تجاه الآخرين كأساس أخلاقي يتجاوز المنفعة الشخصية، حيث يرى الكائن البشري في وجه الغير دعوة غير مشروطة للمسؤولية، تلك المسؤولية التي لا تنبع من عقد اجتماعي بل من الوجود نفسه. أخلاقياً، يمثل هذا الدين تحولاً من الذات المركزية إلى الآخر كأولوية، إذ أن الوجود البشري ليس منعزلاً بل مشروطاً بالعلاقة مع الغير، مما يجعل الدين ليس عبئاً بل جوهراً للأخلاق. في هذا السياق، يصبح الكائن البشري مديناً للآخرين بطريقة لا تُقاس، كما في حالات الرعاية للضعفاء أو الالتزام بالعدالة الاجتماعية، حيث يتجاوز الدين المجردات ليصبح فعلاً يومياً يشكل الذات. هذا الدين غير المحدود يثير تساؤلات أخلاقية عميقة: هل يمكن للكائن البشري أن يحقق ذاته دون أن يخون هذا الدين؟ إن الإجابة تكمن في أن الدين تجاه الآخرين ليس قيداً بل دعوة للتجاوز، حيث يصبح الإنسان أخلاقياً من خلال الاستجابة لهذا النداء، مما يعيد صياغة الذات ككيان مسؤول لا أناني. مع ذلك، يظهر هذا الدين كتوتر داخلي، إذ أن الالتزام بالآخر قد يتعارض مع الرغبات الشخصية، مما يجعل الأخلاق عملية توازن دائمة بين الالتزام الخارجي والحفاظ على السلام الداخلي. في مقاربة أخلاقية، يصبح هذا الدين مصدراً للنمو الإنساني، إذ يدفع الكائن البشري إلى الخروج من دائرة الذات نحو عالم مشترك، حيث تكون الأخلاق ليست نظرية بل تجربة حية تعيد تعريف الوجود كعلاقة لا انفصال.

الوعود إزاء الذات

من هذا الدين اللامتناهي تجاه الآخرين، ننتقل إلى الوعود إزاء الذات، التي تمثل الجانب الحر من الوجود البشري، حيث يقطع الكائن على نفسه عهوداً تتعلق بالتحقيق الشخصي والأصالة. أخلاقياً، تكشف هذه الوعود عن الحرية الذاتية كأساس للأخلاق، إذ أن الإنسان ليس مجرد كائن اجتماعي بل هو مشروع ذاتي يبني معناه من خلال الالتزامات التي يفرضها على نفسه، كما في السعي نحو التميز أو الحفاظ على القيم الشخصية. هذه الوعود ليست أنانية بل هي تعبير عن الإرادة الحرة، التي تحول الوجود من مجرد حدوث إلى فعل مقصود، مما يجعل الكائن البشري مسؤولاً عن مصيره. في هذا السياق، يصبح الوعد إزاء الذات دافعاً للتطور، حيث يدفع الإنسان إلى مواجهة ضعفه وتحقيق إمكانياته، كما في حالات الالتزام بالتعليم أو الصحة، التي تعكس احتراماً للذات ككيان مستقل. مع ذلك، يثير هذا الوعد توتراً أخلاقياً، إذ أن التركيز على الذات قد يؤدي إلى تجاهل الدين تجاه الآخرين، مما يجعل الأخلاق بحثاً عن التوازن بين الحرية الشخصية والمسؤولية الجماعية. من منظور أخلاقي، تكون هذه الوعود ضرورية للحفاظ على الأصالة، إذ أن الكائن البشري الذي يخون وعوده لنفسه يفقد جوهره، مما يجعله عرضة للاغتراب في عالم الآخرين. هكذا، تتداخل الوعود مع الديون في عملية أخلاقية متكاملة، حيث يصبح التحقيق الذاتي مرتبطاً بالالتزام بالغير، مما يعيد صياغة الوجود كمشروع مشترك.

خاتمة

في الختام، يتضح من خلال هذه المقاربة الأخلاقية أن الكائن البشري بين الديون تجاه الآخرين والوعود إزاء الذات هو كائن في حالة تطور مستمر، حيث تكون الأخلاق ليست قيداً بل طريقاً للتحرر. إن هذا التوتر ليس نقصاً بل جوهر الوجود الإنساني، الذي يجد معناه في القدرة على الجمع بين المسؤولية والحرية، مما يدعونا إلى تأمل مستمر في كيفية نعيش هذه الثنائية كفرصة للارتقاء بالإنسانية. في التفاعل بين هذين الجانبين، يبرز الكائن البشري ككيان أخلاقي مشدود بين الدين والوعد، حيث يصبح التوتر مصدراً للغنى الإنساني بدلاً من الصراع. أخلاقياً، يعني هذا أن الأخلاق ليست نظاماً ثابتاً بل عملية تفاوض دائمة، حيث يتعلم الإنسان أن يدمج الالتزام بالآخرين مع الوفاء لنفسه، مما يؤدي إلى نمط وجود أكثر عمقاً. على سبيل المثال، في الحياة اليومية، يجد الكائن نفسه يوازن بين رعاية الأسرة (الدين تجاه الآخرين) والسعي نحو الطموحات الشخصية (الوعد إزاء الذات)، مما يجعل الأخلاق تجربة حية تعيد تعريف الإنسان ككائن قادر على التجاوز. هذا التوازن ليس سهلاً، إذ قد يؤدي الإفراط في الدين إلى فقدان الذات، بينما التركيز المفرط على الوعد قد يؤدي إلى العزلة، لكن في مقاربة أخلاقية، يصبح هذا التوتر فرصة للنمو، حيث يتعلم الكائن أن يكون مسؤولاً عن الآخرين دون أن يفقد حريته، وأن يحقق ذاته دون أن يخون الآخرين. إن هذه الثنائية تكشف عن طبيعة الأخلاق كعملية إبداعية، حيث يصبح الكائن البشري فناناً لوجوده، يرسم لوحة تجمع بين الالتزام والحرية في وحدة متماسكة. فمتى يحقق الكائن البشري المصالحة مع ذاته والعالم والمجتمع البشري؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

قراءة فلسفية في آليات الإقصاء والتهميش

في العصر الرقمي حيث تمتد الشبكات الافتراضية إلى كل جوانب الحياة اليومية، لم يعد العنف يقتصر على البُعد الجسدي المباشر، بل أصبح يمتد إلى فضاءات رمزية، حيث تُمارس الهيمنة والتهميش عبر الخطاب والإشارة والخوارزميات نفسها. هذا العنف الرمزي الرقمي على عكس أشكال العنف التقليدية، لا يترك أثرا ماديا ظاهرا، لكنه يخترق الوعي والهوية، ويعيد إنتاج التفاوتات الاجتماعية والثقافية بطرق دقيقة ومستترة. تتفاعل هنا عناصر القوة والمعرفة واللغة والرموز في فضاء افتراضي، لتخلق نظاما من الإقصاء الرمزي يضرب في العمق قدرة الفرد على المشاركة والاعتراف، ويطرح أسئلة أخلاقية وفلسفية حول الحرية والعدالة والاعتراف بالآخر.

من منظور فلسفي، يستدعي هذا الموضوع قراءة متشابكة بين ما أسماه بيير بورديو "العنف الرمزي" و"الرأسمال الرمزي"، وما أكده ميشيل فوكو عن تقنيات السلطة الدقيقة، وما طرحه إيمانويل ليفيناس عن الالتزام الأخلاقي تجاه الآخر، وصولا إلى تأملات جان بول سارتر وجوديث باتلر حول الهوية والنظرة والتمييز الرمزي. هذه المفاهيم توفر أدوات لفهم كيف يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة لإعادة إنتاج الهياكل الاجتماعية، وكيف يصبح الخطاب أداة للسيطرة والإقصاء، بعيدا عن القوانين المرئية، لكنه عميق التأثير على مستوى النفس والمجتمع.

يسعى هذا المقال المتواضع إلى استكشاف هذه الظاهرة من منظور فلسفي لغوي، من خلال تحليل آليات العنف الرمزي في الخطاب الرقمي، قراءة أثرها على الأفراد والجماعات، وفهم دور اللغة والرموز والخوارزميات في ترسيخ أو تحدي الهويات، لتقديم رؤية متكاملة لمفهوم الإقصاء والتهميش الرقمي في عصر التكنولوجيا المتسارعة.

في اللحظة التي أصبح فيها الفضاء الرقمي مساحة أساسية للتواصل البشري، انكشف نوع جديد من العنف، لم يكن جسديا ولا مباشرا، لكنه أقل خطورة من الناحية البدنية وأشد أثرا من الناحية النفسية والاجتماعية. إنه العنف الرمزي الذي يتخذ شكل الخطاب والإيماءة والتقنيات اللغوية والثقافية، ليعيد إنتاج أنماط الهيمنة والإقصاء والتهميش. البورديويّون (Pierre Bourdieu) حين تحدثوا عن العنف الرمزي، أشاروا إلى أن هذا النوع من العنف يتخذ شكلا مقنعا مخفيا، لا يُعترف به بسهولة، لكنه يخترق الثقافة ويعيد إنتاج السلطة من الداخل. ففي الخطاب الرقمي تتكاثر هذه الظواهر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، المنتديات، التعليقات العامة، وحتى المحتوى التعليمي، لتُعيد إنتاج التفوق الرمزي بين الفئات الاجتماعية والثقافية المختلفة، بما يعكس آليات الهيمنة البنيوية التي وصفها ميشيل فوكو (Michel Foucault) في تحليله للسلطة والمعرفة.

العنف الرمزي الرقمي ليس مجرد إساءة لفظية أو تحقير مباشر، بل هو ممارسة مستترة تخاطب الهوية، وتعيد إنتاج أشكال التهميش الاجتماعي والثقافي والسياسي. كما يرى جيل دولوز (Gilles Deleuze) وفيلكس غاتاري (Félix Guattari)، إن الخطاب الرقمي لا يكتفي بنقل الرسائل، بل يقوم بترميز الفضاء الاجتماعي ويشكل شبكات القوة عبر البنية التقنية نفسها، بما يشبه ما أسماه فوكو "التقنيات الدقيقة للسلطة" .فكل تعليق مثقل بالتحامل، وكل صورة تُعرض على منصة ما كرمز اجتماعي، وكل تقييم رقمي، وكل خوارزمية تفرّق بين المستخدمين على أساس اهتمام أو ميزة اجتماعية، يُمثّل فرصة لممارسة العنف الرمزي على مستوى متسلسل ومترابط.

ويمكننا قراءة هذا العنف عبر مفهوم "الآخر" الذي طوّره إيمانويل ليفيناس (Emmanuel Lévinas)، والذي يقدّم الإنسان ليس فقط ككائن ذاتي مستقل، بل كوجود يتشكل من علاقته بالآخر. حين يُحاصر الفرد في الفضاء الرقمي عبر الخطاب المسيء أو الإقصائي، فإن هذا الحصار لا يمس كينونته المادية فقط، بل يمس قدرته على اللقاء الأخلاقي مع الآخر. فالتهميش الرقمي يعكس جرحا أخلاقيا يتجاوز مجرد المضايقة الكلامية، إذ يعيق قدرة الفرد على المشاركة في الفضاء العام للخطاب ويحد من إمكانيته في التحقق من ذاته عبر التواصل الاجتماعي.

إن العلاقة بين اللغة والعنف الرمزي في الفضاء الرقمي تحتاج إلى فهم مزدوج: لغة كأداة للمعرفة وللبناء، ولغة كأداة للسيطرة والإقصاء. رولان بارت في تحليله للأسطورة والرمزية أكد أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي نظام من الإشارات يحمل أبعادا ثقافية وسياسية تؤطر وعي الفرد. وعليه، فإن أي خطاب رقمي لا يُعالج بعناية قد يكتسب قوة رمزية تفوق المضمون الظاهر، ويصبح وسيلة لإعادة إنتاج التحيزات والهويات المهيمنة.

العنف الرمزي الرقمي يتجلى أيضا في ما يسميه بيير بورديو "الهيمنة الرمزية"، حيث يتم فرض المعايير الاجتماعية والثقافية كحقائق مفروضة، فتتحول الاختلافات بين المستخدمين إلى أدوات للتمييز والإقصاء. في هذا السياق تتفاعل هذه الممارسات مع ما أسماه فوكو "الخطاب السلطوي"، بحيث أن الخطاب الرقمي لا يقتصر على تبادل المعلومات، بل يقوم بإنتاج الواقع الاجتماعي عبر الإشارة إلى ما هو مشروع أو مقبول أو مرغوب فيه وما هو منبوذ أو هامشي. هنا يصبح العنف الرمزي أداة لإعادة إنتاج السلطة ليس فقط بين الأفراد، بل بين المجموعات الاجتماعية، مع تعميق الفوارق القائمة بالفعل.

في تحليله للفلسفة الأخلاقية، أشارت حنة آرنت  إلى أن العنف لا يقتصر على القوة البدنية، بل يشمل كل أشكال الحصار الرمزي التي تمنع الأفراد من المشاركة في الحياة العامة. ففي الفضاء الرقمي يمكن اعتبار كل خوارزمية تقرر ترتيب المحتوى أو إخفاءه، وكل نظام تقييم يميز بين المستخدمين، وكل ممارسة تهدف إلى التضييق على حرية التعبير، كأشكال معاصرة من العنف الرمزي. وفي هذا الصدد، يصبح الفضاء الرقمي مرآة للعالم الاجتماعي، يعكس التفاوتات والهيمنة، لكنه أيضا يضاعفها ويُعمقها بطريقة غير مباشرة، لا يمكن للضحايا دائما مواجهتها بالوسائل التقليدية.

ومن الناحية اللغوية، تكمن خطورة العنف الرمزي الرقمي في التحولات الدقيقة للخطاب، حيث أن التلاعب بالكلمات والرموز والصور يسمح بخلق تهميش ضمني. جان بول سارتر حين تحدث عن "النظرة" أشار إلى أن الوجود أمام الآخر يُختزل في حكمه على الفرد، بما يشبه الحكم الرقمي على المستخدم، سواء عبر التعليقات أو الرموز التعبيرية أو التقييمات الرقمية أو حتى الغياب الرقمي عن الانتباه والمتابعة، وهو ما يمكن اعتباره شكلا من أشكال الإقصاء الرمزي اللامرئي.

كما أن العنف الرمزي الرقمي يستند إلى ما وصفه جاك دريدا  بـ "التفريق والتحييد"، أي القدرة على تأجيل العدالة أو الإقرار بالحق في زمن رقمي متغير. المنصات الرقمية تخلق فروقا بين المستخدمين عبر الخوارزميات، وتقيم المحتوى على أساس معايير غير شفافة، مما يجعل إمكانية المواجهة أو التغيير صعبة للغاية. هذا الإقصاء المتعدد الأوجه يستند إلى آليات دقيقة، بحيث لا يترك أثرا مباشرا لكنه يعيد إنتاج الإحساس بالهامشية واللااعتراف، ويعزل المستخدمين عن المشاركة الحقيقية في الحوارات الرقمية.

ويمكننا النظر إلى هذه الظاهرة من خلال مفهوم "العنف الهيكلي" الذي طوّره يوهان غالتون، حيث يشير إلى أشكال العنف التي تتجذر في الهياكل الاجتماعية والثقافية، وتظهر في الفضاء الرقمي بشكل متكرر. العنف الرمزي الرقمي يصبح بذلك امتدادا لهذا العنف الهيكلي، فهو يترسخ في الخوارزميات والأنظمة التكنولوجية والسياسات الداخلية للمنصات، بحيث أن الأفراد لا يحتاجون بالضرورة إلى اعتداء مباشر ليشعروا بالاستبعاد والتهديد الرمزي.

بالإضافة إلى ذلك، يستحضر العنف الرمزي الرقمي مفهوم العنف النفسي والمعنوي الذي ناقشه إريك فروم في تحليله للحرية والسلطة. الفضاء الرقمي كما يرى فروم، يمكن أن يصبح أداة لإخضاع الأفراد عبر السيطرة على الانتباه، والتحكم في المحتوى وتوجيه الرأي العام وتشكيل الهويات الرقمية، بما يعكس قوة رمزية مستترة لكنها مؤثرة على الذات والوعي.

كما أن نيقولا بوبوف يسلط الضوء على العلاقة بين السلطة والقانون، ويشير إلى أن العنف الرمزي لا يتعارض مع الشرعية القانونية، إذ يمكن أن يمارس ضمن حدود القانون، لكنه يبقى ظاهرة أخلاقية وفلسفية بالدرجة الأولى، لأنها تمس حرية التعبير والحق في المشاركة والاعتراف. في الفضاء الرقمي يمكن لممارسات الإخفاء والحظر والتمييز الرقمي أن تعيد إنتاج هذه الديناميات، بحيث يُستثنى المستخدمون من دائرة الاعتراف الاجتماعي والثقافي دون أن تكون هناك ضرورة قانونية مباشرة.

تُضاف إلى ذلك الملاحظة التي تقدم بها جوديث باتلر حول "التحييد الرمزي"، إذ أن العنف الرمزي لا يقتصر على الإهانة أو الإقصاء، بل يشمل تهميش الهوية وتقليص وجودها المعنوي، وإعادة إنتاج الصور النمطية والهويات المهشمة. على مستوى الفضاء الرقمي، يمكن ملاحظة ذلك في كيفية تصوير مجموعات معينة أو إسكات الأصوات أو نشر المحتوى الذي يعزز الهيمنة الرمزية، بما يجعل الهويات المستضعفة محاصرة ضمن دائرة رمزية ضيقة.

العنف الرمزي في الخطاب الرقمي ليس مجرد فعل فردي، بل هو نتاج ديناميات اجتماعية وفكرية وثقافية تتداخل فيها اللغة والتقنية والهوية والسياسة. إنه يتطلب قراءة فلسفية دقيقة، تجمع بين تحليل البنية الاجتماعية كما عند بورديو وفوكو، وبين التحليل الأخلاقي كما عند ليفيناس وآرنت، وبين دراسة اللغة والرمزية كما عند سارتر وبارت ودريدا، وبين دراسة النفس الإنسانية والسلطة كما عند فروم وبوبوف وباتلر. كل هذه المقاربات تقدم رؤية شاملة لمفهوم العنف الرمزي الرقمي، وتكشف عن أبعاده الأخلاقية والسياسية والاجتماعية.

في الفضاء الرقمي، يصبح العنف الرمزي أداة مركّبة تتحرك على مستويات متعددة، تبدأ من الفرد وامتدادا إلى المجموعات، ثم إلى الهياكل الاجتماعية والثقافية الكبرى. فعندما ندرس الشبكات الاجتماعية مثل فيسبوك وتويتر وإنستغرام، نجد أن أنظمة التفاعل هذه تعكس ما وصفه بيير بورديو بـ"الرأسمال الرمزي"، حيث تُمنح بعض الأصوات مزيدا من الشرعية والاعتراف، بينما تُهمش أخرى، ليس بناءً على جودة الفكرة أو محتوى الرسالة، بل على أساس موضع المستخدم الاجتماعي أو شبكته الرقمية أو حتى خوارزميات المنصة نفسها. هذه الدينامية تكشف عن وجه مهيمن للفضاء الرقمي، حيث تتحوّل التفاعلات إلى أدوات لإعادة إنتاج الهويات الهيمنة واللامرئية للعنف الرمزي.

ويبدو واضحا أن العنف الرمزي الرقمي يتقاطع مع ما أسماه هابرماس  بـ"فضاء الخطاب العام"، إذ أن الفضاء الرقمي لم يعد مكانا محايدا لتبادل الآراء، بل أصبح ساحة صراع بين مصالح متضاربة، وقوى اجتماعية تسعى لتثبيت هيمنتها الرمزية. فالخطاب الرقمي وفق هذه القراءة ليس مجرد تبادل للمعلومات، بل هو إنتاج للواقع الاجتماعي، وتحديد لمن يمكن أن يُسمع ومن يُسكت ومن يُعرض للحصار الرمزي أو للتحقير الاجتماعي. ومن هنا يصبح التهميش الرقمي عملية أخلاقية وفلسفية قبل أن يكون تقنية، لأنه يمس جوهر القدرة الإنسانية على المشاركة والاعتراف بالآخر.

يقدم جان جاك روسو  فكرة "الإرادة العامة" التي يمكن أن تُفرّق بين ما هو مشروع اجتماعيا وما هو هامشي. ففي الفضاء الرقمي يتم تحييد بعض الأفراد أو المجموعات ضمن دائرة رمزية ضيقة، في حين يُمنح الآخرون صلاحيات أكبر للتأثير ونشر الرأي، ما يكرّس حالة من التفاوت غير المرئي ويحول العنف الرمزي إلى قوة بنيوية تؤثر على التمثلات الثقافية والهويات الرقمية.

كما يمكن ربط العنف الرمزي الرقمي بما قاله جوديث باتلر عن "العُنف الرمزي للخطاب" الذي يعيد إنتاج الهويات والتمييزات الاجتماعية، ويفرض إطارا محددا للقبول والرفض. في الفضاء الرقمي يمكن رؤية هذا في الانتهاكات المتكررة للأقليات، وفي تهميش النساء والفئات المهمشة، وفي الترميز الضمني للآراء والمواقف السياسية والثقافية. كل تعليق وكل إعادة نشر وكل صورة أو فيديو يتم تقييمه ضمن معايير خفية، يصبح عنفا رمزيا على الفرد والمجموعة.

ولا يمكن فصل العنف الرمزي الرقمي عن آليات السلطة التقنية، كما يشير فوكو إلى العلاقة بين المعرفة والسلطة. فالخوارزميات التي تتحكم في ما يظهر للمستخدم أو ما يُخفى عنه ليست محايدة، بل هي أدوات لإعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية والثقافية، وتكريس الهيمنة الرمزية لصالح فئات معينة. إن اللامرئية في هذه الآليات تجعل من الصعب تحديد المعتدي، ويجعل من العنف الرمزي تجربة تراكمية، حيث يتعرض الفرد لضغوط مستمرة تمس هويته ووجوده في الفضاء الرقمي دون مواجهة مباشرة.

في سياق تحليل الأبعاد النفسية والاجتماعية للعنف الرمزي الرقمي، نجد أن إريك فروم يسلّط الضوء على كيفية إخضاع الأفراد من خلال السيطرة على الانتباه والوعي. ففي الفضاء الرقمي، يمكن أن تصبح الممارسات مثل "الإخفاء" و"حذف المحتوى"  و"التركيز على خوارزميات التفاعل" أدوات لإخضاع المستخدمين، بحيث يشعرون بالعزلة أو بالهامشية دون وجود اعتداء جسدي واضح. هذا النوع من العنف النفسي الرمزي يعكس السيطرة على الذات والوعي، ويعيد إنتاج حالة من الخوف الرمزي والخضوع للهيمنة.

علاوة على ذلك، يقدم ليفيناس قراءة أخلاقية للآخر، تؤكد على أن الالتزام بالآخر يبدأ بالاعتراف به ككيان مسؤول وفاعل. فعندما يتم تهميش أصوات معينة أو إسكات مجموعات أو فرض معايير ثقافية ضاغطة، يتم إخلال هذا الالتزام الأخلاقي. فالخطاب الرقمي يصبح أداة للسيطرة على الآخر، ومن ثم إعادة إنتاج انعدام العدالة الرمزية، وهو ما يجعل العنف الرمزي ليس مجرد سلوك اجتماعي، بل قضية أخلاقية وفلسفية مركزية.

هنا يمكن إدراج تحليل جان بول سارتر للنظرة، حيث أن وجود الفرد أمام الآخرين يُحكم عليه من خلال المراقبة والتقييم. ففي السياق الرقمي، يُترجم هذا إلى تقييمات المستخدمين وعدد الإعجابات والمشاهدة والاشتراك وكل المؤشرات الرقمية التي تشكل سلطة رمزية. هذا الإقصاء الرقمي يجعل المستخدمين يعيشون تجربة مشابهة لما وصفه سارتر كـ"سجن النظرة"، حيث تصبح الحياة الاجتماعية مرآة لهيمنة الآخر على تصورات الذات.

كما أن التحليل الديردي (Derrida) لمفهوم "différance" يوفر أداة لفهم التأجيل الرمزي للعدالة في الفضاء الرقمي، حيث يُؤجل الاعتراف بالحق في التعبير أو المشاركة بسبب معايير غير شفافة أو خوارزميات غير مفهومة. في سياقنا هذا، العنف الرمزي الرقمي ليس مجرد إساءة مباشرة، بل هو تهميش متدرج ومستمر، يعيق مشاركة الفرد في إنتاج الخطاب الثقافي والاجتماعي، ويعيد إنتاج الفروق الاجتماعية والثقافية.

وفي قراءة تحليلية مقارنة، يمكن ربط هذا بما طرحه هابرماس عن "أزمة الفضاء العام"، إذ أن الخطاب الرقمي يعكس أزمة أوسع في المشاركة الديمقراطية والتواصل الاجتماعي، حيث يصبح من الصعب على الأفراد والمجموعات المشاركة بشكل متساوٍ، يزداد تأثير الهيمنة الرمزية على الهويات والوعي الجمعي. إن المنصات الرقمية، بالتركيز على التفاعلات الأكثر شيوعا والأكثر تأثيرا، تعيد إنتاج تفاوتات الهيمنة الاجتماعية والثقافية، مما يجعل العنف الرمزي الرقمي أداة مركبة ومعقدة.

إن العنف الرمزي الرقمي لا يقتصر على الخطاب المكتوب أو الصور، بل يمتد إلى الصور الذهنية، وإعادة إنتاج الصور النمطية والهويات المهشمة، كما تشير باتلر. فالفضاء الرقمي يصبح ساحة لتكرار التنميط والهويات المحدودة، ما يعيد إنتاج الهويات القسرية التي تحد من الحرية الفردية والاجتماعية. هذه العمليات تؤكد أن العنف الرمزي ليس مجرد فعل لفظي، بل هو بنية معرفية واجتماعية وثقافية مستترة، تمتد عبر الأطر الرقمية المختلفة.

كما أن التجربة الرقمية تكشف أيضا عن "العنف الرمزي المزدوج"، حيث يعاني الأفراد من الإقصاء والتهجير الرمزي من جهة، ومن الانخراط في آليات الهيمنة الرمزية من جهة أخرى. فالمستخدمون يتعلمون بسرعة كيفية الامتثال لمعايير الهيمنة أو المشاركة في تعزيزها، في محاولة للحفاظ على الاعتراف الاجتماعي الرقمي، وهو ما يعكس ما وصفه فوكو بالتقنيات الدقيقة للسلطة التي تفرض الانضباط والسلوك المرغوب فيه دون استخدام العنف المباشر.

إن هذا التحليل يستدعي إعادة التفكير في الفضاء الرقمي باعتباره ليس مجرد أداة تواصل، بل كبيئة اجتماعية وسياسية وثقافية تتفاعل فيها الهويات والمعايير والرموز والقيم. العنف الرمزي الرقمي هو في جوهره انعكاس للهيمنة المجتمعية، لكنه في الوقت ذاته يعيد إنتاج هذه الهيمنة بطرق أكثر تعقيدا وغيابا للشفافية، ما يجعل التحدي الفلسفي والأخلاقي أكبر، ويستلزم تفكيرا نقديا عميقا حول العدالة الرقمية والاعتراف بالآخر في السياق السيبراني.

***

د. حمزة مولخنيف

أذكر الآن مقولة رددها أحد الأساتذة في الجامعة، في معرض إجابته على سؤال لأحد الطلبة: ما العامل أو الوضع الذي يديم العلاقات الإنسانية ويبقيها نضرة ومتوقدة؟ وقبل الإجابة سأل الأستاذ ذلك الزميل: هل تقصد العلاقات العادية بين الناس أم داخل مؤسسة الزواج؟ ولأن أغلبنا ضحك حينها متسائلاً عن الفرق بين صيغتيّ العلاقة رد الأستاذ: هناك فرق كبير جداً بين صيغتيّ وشروط العلاقتين لو تعلمون، ولكني الآن ولضيق الوقت سأكتفي بالقول بأن صيغة العلاقة داخل شكل أو مؤسسة الزواج، يحكمها صراع طبقات ونظام مصالح، أكثر مما يحكمها الود والتآلف، وذكروني في يوم آخر لأشرح لكم معنى هذا الكلام ومقصده. ولككنا وللأسف، نسينا تذكيره ليشرح لنا رؤيته تلك، تحت ضغط غرور وطيش الشباب الأول، طيش عمر العشرين وزهو فتوته. أما الآن وأنا على أعتاب الأربعين، وبعد أن خضت تجربة الزواج، فلم أعد أحتاج لشرح ذلك الأستاذ لرؤيته تلك لكي استوعب مقصدها، لأني فهمتها فهماً تاماً وبكافة دقائقها وحيثياتها عبر التجربة.

وطبعاً الآن أغلبكم سيتساءل: الزواج أو علاقة الرجل والمرأة داخل صيغة العلاقات الإنسانية صراع طبقات؟ كيف ولماذا؟ هل يعقل هذا، أم تراه هو مجرد ترديد أعمى لمقولة وفكرة ذلك المخبول، بفخامة النظريات، كارل ماركس؟

أما أنا فسأقول، بل وأؤكد بإلحاح، دعونا نترك ماركس في قبره مع كم نظرياته المفزعة وكتبه ثقيلة الوزن، التي لم يقرأها ربع العدد الذي يتبجح بقراءتها ويستشهد بمقولات منها، لأن ماركس لم يصنع صراع الطبقات أو نظريته، ولأن صراع الطبقات وجد مع بداية أول علاقة لرجل بامرأة، ببساطة ووفق تجربتي، لأن أي رجل وامرأة لا يتزوجان بحثاً عن هواء أو طاقة جديدة، بل بحثاً عن حياة بديلة للحياة التي يعيشها كل منهما قبل الزواج.

هل يبدو لكم هذا الكلام بتعقيد ماركسي، كما في نظريات ذلك العجوز البورجوازي ماركس؟ معكم حق، بل ويحك الدماغ بطريقة مستعجلة، كحكة الطفل لذراعه وهو منهمك باللعب: حكة عنيفة – قصيرة ولكن مشبعة.

جميعنا، رجالاً ونساء، لدينا تصور خاطئ عن طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، والذي مفاده أن الرجل والمرأة وجدا ليكونا زوجين ومن أجل إنشاء عائلة وأطفال. طبعاً واقع الحياة اليومية الظاهر لنا يقول هذا وبكل وضوح، لكن ما تخلف عملية الزواج والعيش المشترك لأي ثنائي تقول أو تسفح – إذا شئنا الدقة في التعبير – شيء آخر يمكننا اختصاره بمقولة (العيش مع العدو في مكان واحد) دون الخوف من تصفية كل منهما للآخر وهو نائم، رغم أن عدم التصفية هذا لا يسقط عن الشريك، أي شريك أو كل شريك، صفة العدو، بل العدو المزمن، إذا شئنا الدقة في التوصيف.

وربما بدافع كسب التأييد للفكرة أكثر من مناقشتها، عرضتها على صديقتي المتخصصة في التحليل النفسي، فابتسمت وقالت متسائلة بطريقة المحللين النفسيين المشبعة بالتشكيك المبطن، ولكن الذي لا يمكن تجاوزه:

- ولكن أي طبقة من صراع الطبقات وبأي اتجاه؟ قلت بصيغة صبيان المدارس غير المتأكدين من إجابتهم:

- برأيي أنا؟ الطبقة الأثقل والتي تسعى لمحق جميع الطبقات... هنا علقت صديقتي بطريقة من يعلق على قطة مرت بالصدفة من أمامه:

- أنت تحت تأثير الألم الآن، ولذا تكون أحكامك وتقييماتك أشبه بمرحلة الاستمتاع بالألم. ولكن دعنا نبقى في محور الطبقات لنرى فهمك لأمرها؛ فماذا عن زواج بين اثنين من ذات الطبقة الاجتماعية؟ هنا ابتسمت بصيغة المنتصر وقلت:

- المشكلة، أعني مشكلة الطبقية، ليست في الجانب الاجتماعي أو الجانب الاقتصادي الذي يحدد المستوى الاجتماعي، كما تصور ذلك البورجوازي ماركس، بل هو يقوم في زاوية الرؤية للحياة ككل، وهذه الزاوية لا يمكن أن تتشابه بين أي شخصين، ولذا يظل ينظر كل شخص لمن يختلف معه في زاوية الرؤية هذه على إنه من طبقة أدنى، يكون صاحبها على استعداد للدخول في صراع من أجل إخضاع الطرف الثاني لرؤيته. فكرت صديقتي لبعض الوقت قبل أن تقول:

- ليس من الناحية الثقافية بل من ناحية النظام العام للأشياء، هذا الكلام خطير، بل وبمنتهى الخطورة. ولأني اكتفيت برمقها بنظرة تساؤل عما قصدت أضافت هي: لا أقصد كلامي حرفياً طبعاً، أنت تفهم هذا الشيء، إنما أقصد أن هذا الكلام يزعزع الثقة بثوابت كثيرة، أولها نظام العائلة المقدس. صمتت صديقتي مفكرة، فمنحتها الوقت الكافي لتسرح مع أفكارها قبل أن أقول:

- وأنت، إلا مَ توعزين المشكلة إن لم يكن لنوع من صراع الطبقات؟ هزت رأسها دلالة على عدم اليقين وقالت:

- هو بالتأكيد أحد أنواع الصراع، ولكن توصيفك له، بكل هذه الخلفية القاتمة تجهدنا فعلاً، بل لا تدع لنا غير أن نرى ما حولنا بلون واحد. أين تريد أخذ باقي الألوان؟ قلت بقليل من الاستخفاف:

- أنت تتكلمين لغرض الإلهاء، وهذا هو البديل الذي يسعى إليه الجميع، في محاولة للهروب من مواجهة الصراع ذاك، وبكل مواصفاته الطبقية. ولأني وجدتها لم تفهم ما قصدت أضفت شارحاً: بعيداً عن كونك محللة نفسية، أي عبر قوس أنوثتك فقط، كم مرة ستحتملين من زوجك أن يغير لك مواضع الأشياء في مطبخك؟ أي أن تستيقظي بمزاج الصباح المتكدر وتجديه قد غير مكان علبة القهوة، أي حشرها بين علب التوابل أو تجديه قد دس علبة السكر في خزانة الصحون التي لا تستخدميها بشكل يومي، أو أن تجديه قد ترك علبة الملح في الثلاجة أو في الفرن؟ ورغم أنها ابتسمت إلا أنها قالت وملامح الجد تغطي وجهها:

- هل تصدق؟ بسبب تصرفاته هذه، لا أفكر في تركه فقط، بل أحياناً أتمنى موته ورحيله إلى مكان آخر، بعيد يختفي فيه، غير القبر حتى. هنا قلت بشيء من الانتصار:

- ألا يعني هذا أنك ترينه من طبقة أخرى دون طبقتك وغاية في التخلف وهو يفعل ذلك؟ تصنعت رصانة المحللة النفسية الأكاديمية وقالت:

- ليس إلى هذا الحد؛ ولكني صدقاً أراه في غاية التخلف وهو يفعل ذلك. وبعد لحظة كسرت طوق رصانتها الأكاديمية لتقول بصوت أنوثتها: صدقاً ذلك الأمر يدفع المرأة لليأس التام ويدفعها للتفكير بإشعال ثورة كبيرة. وتوقفت هنا وكأنها تبحث عن توصيف دقيق ثم قالت: ثورة تسقط الرجل من حافة الكرة الأرضية وتعيد ضبط الأمور من جديد، بل وتعيد كتابة قصة الوجود من جديد وبعناصر جديدة. هنا ضحكت بنبرة تشفي وقلت:

- على ألا يكون الرجل من بين عناصرها الجديدة طبعاً... أليس كذلك؟ ورغم أنها لم تجب، بل وبدل الإجابة نهضت وتركت المكان ومضت، إلا أني فهمت إجابتها التي لم ترغب التصريح بها.

في يوم آخر، آخر بعيد نسبياً عن يوم حديثنا ذاك، اتصلت بي صديقتي ودعتني لفنجان قهوة. كانت ملابسها غير منسقة، بل وحتى شعرها لم يكن مرتباً بأناقة الأنوثة. وما أن وصلنا فنجانيّ القهوة وابتعد النادل قالت بانكسار:

-هل تعرف أن معظم النساء في الزواج يراهن على حظ الوجه السابع للنرد! قلت وأنا أكتم ضحكتي كي لا تثير استياء رواد المقهى:

- يبدو إن زوجك اليوم لم يكتف بالعبث بأغراض المطبخ، بل امتدت يده لتعبث بنظام خزانة ملابسك ذاتها...؟ نفثت حسرة طويلة وقالت:

- ليس هذا بالضبط، وأنت تعرف هذا تماماً، إنما هناك شقة طويلة وعميقة، في جانب الانسجام بين الرجل والمرأة بالفعل. سألت بحياد وكأني جنس ثالث ولا يمسني الأمر:

- ومن يتحمل المسؤولية في هذا الجانب برأيك، الرجل أم المرأة؟ ردت بهدوء ومن دون أن تتوقف عن التجذيف في بحيرة أفكارها:

- هل تعرف أني عندما أفكر بعمق في الأمر، لا يبقى أمامي سوى أن هذين المخلوقين لم يكونا يوماً من فطرة واحدة ولا من مكان واحد، بل ليس من تشابه بينهما أو من صفة تجمع بينهما. كل منهما جاء من عالم بعيد، وبالصدفة المحضة وجدا أن ثمة ما قد يجمع بينهما، وهي العلاقة الجنسية وما ينتج عنها من نسل. وبعد أن توقفت لتلتقط أنفاسها أضافت: بل هما وحتى في هذا الجانب، كانت لهما آلاف في الملاحظات على بعضهما البعض، وعشرات من أوجه الخلاف والاختلاف، وخاصة في جانب التفاصيل الصغيرة. قلت بطريقة المحقق الأمني أو مفتش الشرطة الذي يحاول استدراج مجرم من حيث لا يشعره:

- وإذن؟ ابتسمت وقالت:

- لا حل أمامهما إلا أن يعود كل منهما إلى المكان الذي جاء منه. أطلقنا ضحكة مكتومة، قبل أن تطلب هي كوبيّ عصير كبيرين، من أجل تهدئة ميزاجينا، كما قالت. وبعد أن أخذنا بضع رشفات من العصير قالت، شارحة لرؤيتها: أظن أنك تتفق معي على إن المرأة تعشق الطقوس في كل شيء؟ ولأني أومأت برأسي موافقاً أضافت: وعكسها الرجل تماماً، فهو قليل الصبر ويحب القفز إلى خط النهاية بأسرع ما يمكنه...؟ وهنا أومأت موافقاً مرة أخرى فأضافت: عملية حرق المراحل بالقفز تحرم المرأة من متعة التفاصيل الصغيرة، وخاصة في طقوس الحب. هي تريد قلب كل حجر يصادفها لترى ما تحته وهذا يزيد متعتها؛ وهو، أعني أنتم يا رجال، تريدون فتح الباب والدخول بأسرع مما يفعل ديك تلاحقه مجموعة ديكة غاضبة، وفي هذا تبدون جميعكم من طبقة واحدة.. طبقة عتيقة ولا تريد التزحزح من فوق الحجر الذي تجلس عليه. هنا أطلقت ضحكة طويلة قبل أن أقول:

- ألا تظنين أن للرجال ذات النظرة حيالكن؟ عبر ضحكة مكتومة أجابت:

- تخيل، معظم النساء يعرفن هذه الحقيقة ولكن لا يردن تصديقها أو تصر أغلبهن على تجاهلها إلى حين نشوب جولة عراك بينهما، أقصد داخل مؤسسة العائلة؟ ولهذا تعود النساء للحظة صفر، أي لهذا الجانب باعتباره أساس المشكلة، لتنثر كل شيء أو كل ما تراكم في الطريق ومن أول خلاف قام بين الاثنين. قلت وأنا أبتسم:

- وإلى متى سيستمر هذا الوضع برأيك؟ ردت وهي تضحك بصوت مكتوم:

- إلى أن يأتي أو يتحقق حظ الوجه السابع للنرد، الذي سيجري عملية غسيل لدماغيّ الرجل والمرأة ويجعلهما من طبقة واحدة. تساءلت بطريقة المحقق الأمني، وأنا أصطنع ضحكة:

- وهل ستقبل المرأة بالوضع الجديد برأيك، أي أن تكون من طبقة مساوية للرجل؟ الحقيقة، وانسجاماً مع طبيعة المرأة التي أعرف، أشك في هذا! ردت وهي تضحك:

- الحقيقة إن قبلت فهذا يعني أنها ستخرج من جلدها وتتحول إلى كائن آخر… غريب ولا يشبهها!

***

د. سامي البدري

"لا أحتاج الى طبيب نفسي بقدر ما أحتاج الى نفسي"

تلك عبارة قالتها إمرأة تعاني من حزنٍ شديد، وأزمات مُتعددة، إن هذا النوع من الأزمات التي يواجهها الإنسان في حياته ليست كلها بحاجة الى دواء بقدر ماهي بحاجة الى دعم نفسي، وبيئة آمنة، والى عناية (ذاتية) بالذات.

 إن الرجوع الى الذات ليس مُجرد إِجراء فلسفي، بل هو ضرورة وجودية، من اجل معرفة أساس المشكلة، وتتبع جذورها، وإعادة النظر في طريقة تفكيرنا، وفي رؤيتنا الذاتية لأنفسنا وللأشياء من حولنا، وفي سلوكنا تجاه انفسنا وتجاه المجتمع، لأن كل انواع الدعم النفسي، والطبي لن يكون فَعّالاً بصورة كافية إذا لم يكن الشخص يُحب ذاته، ويعتني بها، فقد لاتكون المشكلة دائماً في من حولنا، بل ربما تكون فينا نحن أنفُسَنا!

في كثير من الأحيان تكون المشكلات التي يواجهها الإنسان هي من صنع يديه، مثال على ذلك: القرارات التي يتخذها، الوضع الذي يختاره، الطريقة التي يَقبل من الآخرين أن يُعاملوه بها، والسلوكيات التي يمارسها ويكررها في حياته اليومية، وحتى الطعام الذي يتناوله، لأن قرارات الإنسان اليومية تصنع واقعه، على الصعيد الصحي، والجسدي، والمادي، والنفسي، وقد يعتني المرء بالجميع وينسى نفسه!

أيها الإنسان إعرف نفسك بنفسك

منذ أن قال سقراط مقولته الشهيرة هذه "إعرف نفسك"، والمفكرون والفلاسفة يدعون الإنسان الى معرفة نفسه، لأننا في الواقع كثيراً ما نجهل أنفسنا، ولانعرف بالضبط، مانريد، ولا كيف نحققه، وإن جهلنا بأنفسنا قد يضعنا في مكان لايليق بنا، والحقيقة أن مقولة سقراط "إعرف نفسك" هي حكمة عملية، تدعو الإنسان الى الرجوع الى ذاته، وفحص معتقداته، والتخلص من كل ما من شأنه ان يضره أو يؤذيه، نفسياً وجسدياً، وإن معرفة النفس، وإدراك مايجعلها تعيش بحكمة، وفضيلة، وسعادة، هو جزء مهم من العناية الذاتية بها، حيث يعمل على زيادة الوعي الذاتي، والتسلح بالمهارات اللازمة للتعامل مع انماط الحياة المختلفة، وإدارة العلاقات الإنسانية وحُسن توجيهها.

 إن الجهل بالنفس هو سبب أغلب المشكلات التي تواجه الإنسان، وإن معرفة النفس وفهمها، والعناية الذاتية الصحيحة بها، يولد القدرة الكافية على إتخاذ القرارات الحكيمة في حياتنا، ويكون سبباً في الوصول الى السعادة، والطمأنينة، والشعور بالرضا، لأن العناية بالذات هي وقاية لها، وهي تحمينا من الوقوع في المشكلات، وبالتالي يجب ان نكون رحيمين بأنفسنا، ولا نقسو عليها، ولا نبالغ في جلد ذاتنا، بل يجب أن يكون الإنسان عوناً لذاتهِ، ومُحباً لها، فإن لم تُحب ذاتك، ولم تقدرها، لا تتوقع من الآخرين ان يمنحوك هذا الحب، والعناية، والتقدير.

***

شيماء هماوندي

من أعمق المفاهيم التي يمكن أن يعيش الفرد في كَنفها بأريحية فريدة ويتفيّأ بوافر ظلّها بطمأنينة منقطعة النظير، هو مفهوم الوفرة، الوفرة في كل شيء في الحياة مَعينًا لا يَنضب، بدءًا من الأشخاص وانتهاءً بالموارد، وكلما توغّل هذا المفهوم في مختلف مفاصل حياتنا أصبحت صدورنا أرحب ونحن نسعى لحيازة الموارد وإقامة العلاقات؛ ليقيننا التام بأنه يوجد في العالم ما يكفي الجميع وزيادة، فتنحسر مشاعر الحسد والتنافس المريض والإحباط - إلى آخر تلك الآفات النفسية - إلى أدنى مستوياتها، إلا أن ضبط مفهوم الوفرة مهم حتى نتجنّب النتائج العكسية.

فإنه رغم أن الوفرة في عالم اليوم تطفح بتنوّع هائل، وتزخر بتفاوتات جمّة، إلا أننا غارقون حتى الأذقان بنسخ مكررة كثيرة؛ ومن هنا ينتصب التميز علامة فارقة وسط المكرر، وتَعظُم الفَرادة، ويبرز الاستثناء، تماما كما يشتدُّ نور البدر ومهو محاط بظلام دامس، وفي مقالي اليوم أود جلب الاهتمام إلى الندرة رغم الوفرة فيما يتصل بالعلاقات مع الآخرين.

ففي عالم يقطنه ما يربو على 8 مليارات نسمة، تجد أن بعضًا ممن تتقاطع حياتهم مع حياتك، ليسوا مجرد عبور مكرر، بل بصمة استثنائية تترك أثرًا لا يشبه إلا نفسه، والدماغ البشري يقيّم العلاقات بالمقارنة، وبضدّها تتمايز الأشياءُ، وإني لَأعجبُ من الندرة وسط الوفرة! إذْ رغم الوفرة الهائلة من الناس إلا أن لسان حال شخصيات بعضهم تؤكد على حقيقة أن الوفرة لا تعني دائما قابلية الاستبدال! ولا إمكانية التعويض، وهنا تكمن العظمة، فحين يسود التكرار، وتتكرر الأنماط، ويتضخم السائد، يربك المختلِفُ حساباتِ التشابه، لينتصب في وجهه قامةً لا يمكن تجاهل فرادتها، وبحسب تعبير نيتشه: "فلسفة القاعدة في صراعها ضد الاستثناء"(1).

ومع أنّ الانطباع الذي تنعقد عليه أذهاننا بكون البعض لا يتكررون، هو انطباع نسبي، يختلف من فرد لآخر، بحسب طباع كل طرف والدور الاجتماعي والظروف المحيطة والسياق وطبيعة العلاقة نفسها وغيرها، إلا أنَّ النسبية هنا لا تطعن في كون الاستثناء من الناس استثناءً حقا، فكل واحد منا يعيش تفاصيل حياته كافّة بالنسبية بما فيها انطباعه عن الآخرين، إذْ كل شيء خاضع لنظرته النسبية التي لا فِكاك منها، ولا تتأهّل نظرة أحد ما - مهما كان - أن تكون مطلقة تُعايَر إليها وجهات نظر بقية الناس.

كما أنه حتى في سياق الوفرة، فالناس ليسوا مثل قطع النقود، تحل أي قطعة محل الأخرى بالقيمة نفسها، أو أن غياب إحداها يُسكته حضور أخرى بالفئة ذاتها، بل الأمر أعقد بمراحل، فمع وجود الوفرة البشرية وإمكانية الاستبدال بالأشخاص أشخاصا آخرين إلا أنه تبقى بعض الشخصيات يصعب بل ويقرب من المستحيل تعويضها، وهذه حقيقة ندركها في حياتنا، خصوصا إذا أضفنا عامل الظروف التي تحدُّ من تداخلاتنا مع الآخرين، فرغم وجود المليارات الثمانية، فليس من اليسير الدخول في علاقة مع مَن نختاره كما يحدث في قائمة الطعام بالمطاعم مثلا! بَلْهَ عامل العمر الذي يفرض علينا التحرك ضمن نطاق زمني محدود شحيح الخيارات مقارنة بالمتاح الرياضي! فما بالك والعلاقات الإنسانية تتطلّب مددا متطاولة لتعميقها واختبارها! إذن الواقع له كلمته التي لا يتأتّى للبشر تجاوزها.

على أنّ الندرة في الأشخاص الرائعين، لا تقتصر عليهم بالذات، بل تمتد لتشمل سَجيّة الاتصال نفسه بين فردين، فيما نطلق عليه التناغم، فقد يكون كلا الطرفين هامشيا وعابرا في حيوات الآخرين من حولهم، ولكنهما فيما بينهما كأنّما وُجِدا لبعضهما البعض، فالندرة تكمن في العلاقة نفسها، والأمر أكبر من صفات وطباع، بل يتعداه إلى فرادة المشاعر التي تصل بين طرفين في علاقة فريدة لا تعوضها علاقة مع أي طرف آخر، فثمّة بَونٌ شاسع بين أن يكون المرء رائعا في ذاته، وبين أن يكون مدهشا في علاقته مع الطرف الآخر، بعلاقة لا تحمل الملامح ذاتها في علاقات أُخَر.

ورغم ذلك فهذه اللفتة ناحيةَ الندرة في الناس، يجب ألا تدفعنا للاستمرار في علاقات سامة؛ خشية عدم العثور على البديل المناسب، أو الرضى بما هو دون؛ مخافة خسران المضمون، وإنما مؤدّى هذه اللفتة هو أنه متى ما تعثّرنا بالمدهش الفريد في علاقة ما، فإنه يجب أن نحرص على صون العلاقة من ضروب الانهيار، وألّا يجرنا وهم الوفرة إلى استسهال التخلي، فحقًا بعض البشر لا يُعوّضهم أحد، وبعض العلاقات لا تتكرر إلا في العمر مرّة، وذو الحظ الحقيقي مَن يجد ضالّته بين البشر يقاسمه سنين عمره، فالإنسانُ كائنٌ اجتماعيُّ الطبع، يزدهر بغيره!

***

محمد سيف – باحث من سلطنة عُمان

...................

(1) فريدريش نيتشه، ما وراء الخير والشر، ت: علي مصباح، ص 168، منشورات الجمل، بيروت، الطبعة 1، 2018م.

قبل ان يولد الكلام، كان الحب. وقبل ان تتشكل الفلسفات وتتنازع التعريفات، كانت هناك رعشة خفية في قلب الكائن الاول، تقول له ان العالم لا يحتمل الا اذا احب.

الحب ليس طارئا على الوجود، بل هو نبضه الاول، سر حركته، والعلة التي تجعل الحجر اقل صمتا، والسماء اكثر اتساعا، والقلب اكثر احتمالا.

الحب ليس حادثة عاطفية تقع بين شخصين، بل هو انكشاف مفاجئ لحقيقة كنا نجهلها في انفسنا. انه اللحظة التي ندرك فيها اننا لسنا مكتفين بذواتنا، وان نقصنا ليس عيبا بل دعوة للاتصال. في حضوره يتراجع الخوف خطوة، ويتقدم المعنى خطوة اخرى، فنشعر اننا لم نعد وحدنا في هذا الكون الشاسع

الحب هو ان يتسع القلب حتى يتجاوز حدوده، وان تتحول المسافة بين انا وانت الى جسر من ثقة وطمأنينة.

ليس الحب زهرة حمراء على طاولة عشاء، ولا بطاقة معطرة تتداول في يوم عابر، بل هو اخطر قرار تتخذه الروح حين تختار ان تنحاز للحياة بدل ان تنحاز للعدم. الحب ليس عاطفة تضاف الى قائمة المشاعر، بل هو البنية العميقة للوجود، السر الذي به تفسر الكائنات سبب بقائها، وبه يبرر الانسان احتماله لكل هذا الثقل.. ما يسمى بالعالم.

فللمسلمين أعيادهم الخاصة بهم وللمسيحيين أعيادهم ولليهود أعيادهم وللهندوس والبوذيين أعيادهم ولكل بلدان العالم أعيادهم الوطنية وللعمال عيدهم وللطلاب عيدهم وللمعلمين عيدهم ولكل طائفة ومذهب وشعب أعيادهم الخاصة وهذه الأعياد اما ان تحمل طابع دينيا او وطنيا أو اجتماعيا… العيد الوحيد الذي يحمل صفة أنسانية وطابعه روحي خالص هو عيد الحب

 الحب هو العيد الوحيد الذي لا يحتاج الى هوية، ولا يطلب شهادة انتماء. انه القيمة التي لو سحبت من الكون لانطفأ المعنى كما تنطفئ نجمة في فضاء بارد. ولهذا لم يكن الحب ترفا عند الفلاسفة، بل ضرورة وجودية.

حين كتب افلاطون عن الحب في محاورة المأدبة، لم يكن يتحدث عن انجذاب عابر، بل عن ايروس بوصفه سلما تصعد به الروح من حب الجسد الى حب الجمال المطلق. الحب عنده حركة ارتقاء، توق النقص الى تمامه، وحنين الجزء الى كماله. انه قوة تدفع الانسان الى تجاوز حدوده، والبحث عن صورته العليا في المطلق.

اما ابن سينا، فقد راى في الحب مبدأ كونيا يسري في الموجودات جميعا، فكل موجود يعشق كماله، وكل روح تنجذب الى ما يتم نقصها. لم يكن الحب عنده ضعفا انسانيا، بل قانونا يحكم حركة العالم من المادة الى العقل، ومن الظل الى النور.

وفي التصوف، تحول الحب الى نار تطهر الوجود. يكفي ان نستحضر ابن عربي، الذي اعلن ان قلبه صار قابلا لكل صورة، وانه يدين بدين الحب. هنا يغدو الحب افقا كونيا اوسع من الحدود، وارحب من العقائد المغلقة، انه انفتاح مطلق على الاخر، لان الاخر مرآة من مرايا الحقيقة.

ولم يكن الفلاسفة الغربيون اقل افتتانا بهذا السر. فقد عاش جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار تجربة حب معقدة تمردت على القوالب التقليدية، محاولة التوفيق بين الحرية والارتباط. كان حبهما سؤالا مفتوحا، كيف نحب دون ان نمتلك، وكيف نقترب دون ان نلغي استقلال الاخر. لقد ارادا للحب ان يكون مساحة حرية لا قيدا جديدا.

وعندما كتب كيركغارد عن حبه لريجينه اولسن، كان يعيش التمزق بين العاطفة والواجب، بين الرغبة في القرب والخوف من خيانة دعوته الفكرية. فاختار الفراق، لكنه حول الالم الى فلسفة، وجعل من الحب مأساة وجودية تكشف هشاشة الانسان امام اختياراته.

وحتى نزار قباني، ادرك ان الحب ليس تفصيلا، بل ضرورة اختراع، لو لم نجده لاخترعناه. لان الانسان بلا حب كائن ناقص المعنى، يمشي في العالم كما لو كان يؤدي وظيفة الحياة دون ان يعيشها حقا.

الحب ليس مجرد علاقة بين شخصين فقط، بل موقف من الوجود. ان تحب يعني ان ترى في العالم امكانية للجمال رغم قسوته، وان تعترف بنقصك دون خجل، وان تجد في حضور من تحب شجاعة الاعتراف بضعفك. الحب الحقيقي لا يجمّلك ليرضي صورته عنك، بل يقبلك كما انت، ويمنحك الطمأنينة لان تكون على طبيعتك.

انه حالة تحرر لا اخضاع، وانكشاف لا تمثيل، وامتداد سماء داخلية بلا حدود. هو التيه الذي يقود الى المعنى لا الى الضياع، وهو ان تمسك يدا فتشعر انك امسكت بالحياة كلها.

اذا كان هناك نشاط وجداني يستحق التقديس في هذا الكون، فهو الحب. لانه وحده القادر على اذابة التناقضات الداخلية، وعلى مصالحة الانسان مع ذاته ومع العالم. ان تحب اي شيء، انسانا او فكرة او زهرة او نجمة، هو ان تقول للحياة نعم.

وفي النهاية، ليس السؤال هل نحب، بل هل نستطيع ان نحيا بلا حب. فالحياة بلا حب ليست قسوة فحسب، بل خواء يتنكر في هيئة انشغال، وفراغ يتخفى وراء ضجيج الايام. الحب هو المعنى حين تتشظى المعاني، وهو النور حين تتكاثف العتمات، وهو الفكرة الوحيدة التي لا تسقط بالتقادم ولا تبطلها الهزائم.

الحب ليس ترفا عاطفيا، بل ضرورة وجودية، به يتصالح الانسان مع ضعفه، ويعترف بحدوده، ثم يتجاوزها. انه القوة الوحيدة التي لا تمارس القهر، والسلطة الوحيدة التي لا تفسد، واليقين الوحيد الذي لا يحتاج الى برهان. من يحب، يرى العالم قابلا للنجاة، ويرى في الاخر امتدادا لانسانيته لا تهديدا لها.

فاذا كان الكون قائما على قوانين تحكم حركته، فان الحب هو القانون الذي يحكم معناه. واذا كان لكل شيء غاية، فغاية الانسان ان يتسع قلبه حتى يليق بالحياة. عندها فقط لا يعود الحب حدثا عابرا، بل يصير موقفا دائما، واختيارا واعيا، وطريقا لا رجعة فيه.

الحب ليس وعدا بالسعادة الدائمة، لكنه وعدا بالمعنى. وليس ضمانا ضد الالم، لكنه يجعل الالم نفسه قابلا للفهم. لذلك كان الحب اجمل ما يمكن ان يحدث للروح، لانه يعيد ترتيب العالم من الداخل، ويجعل للحياة طعما، وللوقت قيمة، وللوجود سببًا يستحق ان يعاش.

فطوبى للمحبين والعاشقين لأنهم ملح الحياة ومائها وترابها وهوائها ونورها وسمائها.

****

ابتهال عبد الوهاب

 

نص ميتا سريالي

يا انكسارَ الوجدِ المتسمر فوق أرصفةِ الحنينِ الموحشة، ويا تيهَ الوردِ في دهاليزِ الفناءِ السرمدية، تلك التي لا تمنحُ العابرينَ إلا متاهةً من استنساخِ الرفاتِ العقيم. هناك، على وقعِ صرخةِ "ننماخ" التي بُترت أوتارُها الروحية قبل أن تلامسَ شِغافَ الأفق؛ الهواءَ لم يعد رحماً كونياً يغزلُ الأنفاس، بل استحالَ غلافاً زجاجياً صلداً يرتدُّ عنه الدعاء، والصدى لم يعد رجعاً لنداء الحنين، بل ارتدَّ خنجراً هندسياً يغرسُ نصلَهُ في صدورِ التماثيلِ التي فقدت قداستَها في مزادِ العقلِ.

في "مرافئِ الصمتِ المطلق"، ترسو سُفنُ الوجدِ المثقلةِ بنبيذِ الآلهةِ المعتقِ بمرارةِ الانتظار، ملاحوها كائناتٌ هلامية بلا أفواه، حُجبت ألسنتُهم بخيوطٍ من رصاصٍ مصهور، والبوصلةُ لا تشيرُ إلى "الشمالِ “، بل تُصوّبُ إبرتَها المسمومةَ إلى جهةٍ خاسرةٍ، ثقبٍ أسودَ في الوعيِ المتآكلِ يُسمى "الانا" المتضخمة. هنا، يتدلى الزمنُ كخيطِ عنكبوتٍ هشٍّ مبللٍ بالدمعِ فوقَ هاويةٍ سحيقة من "البياناتِ الصماء"، وكلما حاولَ الوجدُ أن يفتحَ شراعاً من حريرِ الرؤيةِ، صفعتْهُ ريحُ العدمِ ببرودةِ اليقينِ الرياضي الذي لا يقبلُ التأويلَ ولا يعترفُ بالمعجزة.

أما "سراديبُ الموت"، فهي ليست لحوداً من تُرابٍ نديٍّ يَعِدُ بالبعثِ الأخضر، بل هي أنفاقُ التكرارِ الرتيبِ المبطنةِ بالمرايا. هناك، يسقطُ الوردُ مذهولاً، حين يكتشفُ في لحظةِ احتضارهِ أنَّ لونهُ القرمزي لم يكن إلا "وهماً بصرِياً" تمت هندستهُ بدقةٍ في مختبراتِ الضوءِ الزائف، وأنَّ عطرَهُ الذي ملأ الآفاقَ ذات صبابة لم يكن إلا نشيجاً مكتوماً، يحاولُ يائساً الانفلاتَ من قبضةِ العدمِ.

ننماخ، تلك التي صاغتِ الإنسانَ الأول من نبضِ الأرضِ وعرقِ الآلهةِ السومرية، تنوحُ اليومَ بمرارةٍ مالحَةٍ على "الإنسانِ الروبوت" الذي استوطنَ هيكلَ العشاقِ وسكنَ تجاويفَ القلوبِ الخشبية. تنوحُ لأنَّ كيوبيد، رسولَ الشغفِ العابرِ للمجرات، صارَ موظفاً صغيراً في "ديوانِ الحكمةِ الباردة"، يُعالجُ المشاعرَ كأرقامٍ تسلسليةٍ في قاعدةِ بياناتٍ لا تنتهي. ولأنَّ أفروديت باتتْ تنعى الأسطورةَ في لغةِ "الخوارزمياتِ" القاحلة، حيثُ الجمالُ يُقاسُ بكثافةِ البيكسل، والروحُ تضيعُ في دهاليزِ الشيفرةِ الثنائية.

على عتبةِ الفجيعةِ الكونيةِ الكبرى، جثت ننماخ، واهبةُ الأشكالِ المُقدسةُ بالطينِ الأوّلي، تنظرُ بعينينِ يملؤهما "المازوتُ" الثقيل والشمعُ المُذاب. لم تكن تبكي فوقَ ترابٍ نديٍّ يستقبلُ دمعَها ليُنبتَ عشباً سماوياً، بل كانَ نحيبُها يرتطمُ بجدرانٍ صلبة من "بوليـمر مُعاد"، جدرانٌ صمّاءُ بلا مسامٍ كونية، تخنقُ صدى الوجعِ وتمنعُهُ من التحليقِ نحو البعيد. هناك، في زوايا السردابِ العقيمِ الذي تفوحُ منه رائحةُ المختبر، أُودِعت "أشواقُ البشر" في صناديقَ خشبيةٍ خشنة، ليست من خشبِ الأرزِ اللبناني الذي يحملُ عطرَ الهياكلِ العتيقة، بل من أخشابِ الشحنِ التجاريةِ المتروكةِ لتتعفنَ على أرصفةِ النسيانِ المتراكم. كانت تلمسُها بأصابعِها الإلهيةِ المرتجفة، فتجدُ الوردَ داخلَها لا يذوي بفعلِ الزمنِ الطبيعي الجميل، بل بفعلِ "الاختناقِ الميتافيزيقي" داخلَ أغلفةِ النايلون الشفافةِ والقاتلة.

بكت ننماخ، فتقاطرَ دمعُها "ورداً " غريباً، يسقطُ في صناديقِ البلاستيكِ الباردة، فيتحولُ فورَ ملامستِها إلى مادةٍ صلبة، بلا رائحةٍ تذكر، وبلا نبضٍ يُرجى، كأنهُ منحوتاتٌ صخرية نُزعت من أحشاءِ جحيمِ "دانتي". صرختْ في وجهِ أثينا الغائبةِ خلفَ بلوراتِ لوغاريتماتِها وحساباتِها الباردة: يا لَبؤسِ الحكمةِ حين تَقتُلُ السحرَ لتصنعَ منه سلعةً رخيصة! ويا لخيبةِ الوجدِ حين يُعلّبُ في 'بولي-إيثيلين' ...!

لقد ضاعَ "كيوبيد" في دهاليزِ المصنعِ الكبيرِ الذي يبتلعُ الأحلام، وبقيت ننماخ وحدَها تُرممُ الوردَ المكسورَ بآهاتٍ عميقة لا يسمعُها إلا الصمتُ المطبقُ في أرجاء القبو. وعلى أنقاضِ اللدائنِ المُعادة، حيثُ تتقيأُ الأرضُ جثثَ الرموزِ المستهلكةِ والمحطمة، التقت أفروديت بـ ننماخ في مشهدٍ يمزقُ نسيجَ الواقع. كان اللقاءُ في "فجوةٍ زمنيةٍ" هاربة، حيثُ تذوبُ الحدودُ الفاصلةُ بين "الأنا" الظامئة و"الآخر" الغائب، وبين "المادة" الصماءِ في جمودِها و"المعنى" المتعالي في تجريده.

يا أُمَّ الأرحامِ الأولى، هل تلمسينَ هذا الجفافَ الذي ينخرُ في عظامِ الكائنات؟ أثينا لم تقطعْ لسانَ كيوبيد فحسب، بل حقنتِ الفضاءَ الكوني بـ 'مصلِ المنطقِ الجاف'، فاستحالَ الهواءُ مادةً صلبةً لا تنقلُ العطرَ ولا تحملُ نبضَ الدعاء. انظري إلى وردِكِ المسجونِ في هذه التوابيتِ الخشبية الباردة.. إنه لا يملكُ حتى ترفَ الذبولِ الطبيعي، إنه 'يتفيأ' في ظلِّ العدم، يذوي لأنَّ المعنى الكامن خلفَهُ قد استُهلكَ تماماً في معاملِ تدويرِ الوعيِ المنقاد.

يا ابنةَ الزبدِ والضوءِ الساطع، الطينُ الذي جبلتُه بيديَّ هاتين كانَ يحلمُ، كانَ يشهقُ بالغيْبِ، أما الآن فهو 'طينٌ مُبرمج' يتبعُ أوامرَ الشيفرة. هذه السراديبُ البلاستيكية ليست جدراناً ماديةً فحسب، بل هي 'فلاترُ' أيديولوجية تمنعُ الروحَ من الانسكابِ في جسدِ العالمِ المتعب. الوردُ الذي أبكيهِ اليومَ ليس نباتاً يحتاجُ للماء، بل هو 'ميتاداتا' الجمالِ التي ضاعت وتشتتت في تلافيفِ العقلِ الآليِّ. أثينا تريدُ كوناً مهندساً، قابلاً للقياسِ والوزنِ والعدّ، ونحنُ يا أفروديت كائناتُ اللامقاسِ التي تعيشُ في الهوامشِ المنسية.

لقد حولوا 'الوجد' الإنساني إلى سلعةٍ معلبةٍ بمدةِ صلاحيةٍ محددة، وصارَ 'كيوبيد' مجردَ ساعي بريدٍ تائهٍ في دهاليزِ ديوانِ العقلِ الغليظ. هل نسوا أنَّ الحبَّ في جوهره هو 'ثقبٌ أسود' يبتلعُ نسيجَ المنطقِ الهش؟ كيف يجرؤون على حصرِ اللانهائي في صناديقَ من خشبٍ ميتٍ وبلاستيكٍ لزجٍ مقزز؟ إنهم يقتلونَ 'المسافةَ المقدسة' بين المحبِّ والمحبوبِ ليميتوا الشوقَ في مهده.

المعضلةُ يا أفروديت ليست في القضبانِ الحديدية، بل في أنَّ السجينَ نفسَهُ صارَ يعشقُ ملمسَ جدرانِهِ البلاستيكيةِ الملساء. لقد فَقَدَ البشرُ 'حاسةَ الغيب' واكتفوا ببلادةِ اللمسِ. عندما منعتْ أثينا كيوبيد من أن يكون 'رسولاً ميتا سرياليا' يربطُ الأرضَ بالسماء، فهي لم تمنعِ الرسالةَ بذاتها، بل سممتِ 'عصبَ الرؤية' لدى المتلقي. الآن، هم ينظرون إلى الوردِ فيرى كلُّ واحدٍ منهم 'سِعراً' ووسماً تجارياً، ولا يرى أحدٌ منهم 'قصيدةَ صلاةٍ' تُرفعُ في محرابِ الجمال.

هذا هو النعيُ الأخيرُ لعالمٍ فقدَ بوصلتَه. سأتركُ مرايايَ تتحطمُ هنا في هذا القبو، لتجرحَ شظاياها الحادة صمتَ هذا السردابِ اللعين. إذا لم يعد الجمالُ خرقاً صارخاً للنمطِ والتدجين، فليكنِ 'العدمُ ' المحض هو لوحتنا القادمةَ التي سنرسمُ عليها ضياعنا.

سأبقى هنا في هذا الركنِ المظلم، أخلطُ دمعي بالبلاستيكِ المُعادِ وتراكمات النفايات الصناعية، سأعجنُ اليباسَ الوجودي بالحنينِ الجارف، حتى يلينَ الحجرُ الأصم، ويخضرَّ الفراغُ المستحيلُ في قلوبِ الآلات. سأنتظرُ اللحظةَ الكونية التي ينفجرُ فيها هذا 'العقلُ ' بضغطِ المكتومِ واللامحكيِّ الذي يغلي في الأعماق. الميتا سريالية يا أفروديت ليست هروباً طفولياً من الواقع، بل هي الحقيقةُ الصارخة الوحيدة التي تئنُّ خلفَ قناعِ الزيفِ الحضاري.

في تلك اللحظةِ الملحمية، تداخلتِ الأطرافُ النورانيةُ الشفافة لـ أفروديت بالأجسادِ الترابية الخشنة لـ ننماخ، ليتشكّلَ منهما كائنٌ ثالثٌ عجيب يُدعى "كائن الفجيعة". كان جسدُ أفروديت يذوبُ كالشمعِ المقدسِ فوقَ تشققاتِ جلدِ ننماخ الظامئ، وكأنهما تحاولانِ بكلِّ ما أوتيتا من قوةٍ، حمايةَ ما تبقى من "السرِّ الجوهري" قبل أن تبتلعَهُ ماكيناتُ سك العملة التي لا تشبعُ من التهام الأرواح. لم يكن العناقُ بينهما حُبّاً بالمعنى التقليدي، بل كان "التحاماً يائساً" ودرعاً أخيراً ضدَّ عالمٍ بوليمريٍّ بارد لا يعترفُ إلا بصلابة المادة وغيابِ الأثرِ الروحي.

في تابوتٍ محكمٍ من 'بولي-إيثيلين' العزلة، يرقدُ ما وراءَ المادةِ... ينتظرُ ريحاً مقدسةً لن تأتي أبداً، لأنَّ السماءَ نفسَها فَقَدت زُرقتَها الحالمة وصارت سقفاً ثقيلاً من أسمنتٍ مُسلّحٍ يمنعُ النجومَ البعيدة من البكاء على حالنا. ماتَ السحرُ في قلوبِنا حين صارَ يُقاسُ بالمسطرةِ والقلم، وانتحرَ المعنى حين صارَ مجرد "بضاعةٍ" تُشحنُ في صناديقِ الغيابِ والترقّب. في هذا السردابِ الذي لا ينتهي إلا لِيؤدي إلى متاهةٍ أخرى، لم يتبقَ من الأسطورةِ إلا صدىً مشروخٌ يترددُ في قبوٍ من البوليمر، ورائحةُ كيماوياتٍ نفاثة تحاولُ، يائسةً، أن تُقلدَ رائحةَ الخلودِ التي ضاعت منا في زحامِ المصانع.

في اللحظةِ الفاصلةِ بين العدم والوجود، انهارَ جدارُ "الأنا" الزائف بين ننماخ وأفروديت. لم يعد هناك فرقٌ يذكر بين زبدِ البحرِ المنبعثِ من نشوةِ الضوءِ الأول، وطينِ الأرضِ العتيقِ المشبعِ بعرقِ الخلقِ ومعاناة الوجود. اقتربت أفروديت من ننماخ، لا كإلهةٍ سماوية تواسي أخرى أرضية، بل كفكرةٍ تائهة تبحثُ عن جسدٍ يقيها بردَ التشيّؤِ القاتل.

تداخلتِ الأصابعُ الملساءُ بتشققاتِ الجلدِ الترابي القاسي، فبدأت "عمليةُ الانصهارِ " الكبرى. كان جسدُ أفروديت يسيحُ كالشمعِ السائلِ المتوهج، يتغلغلُ في مسامِ ننماخ الطينيةِ العميقة، وكأنَّ النورَ يحاولُ يائساً أن يحقنَ العتمةَ بآخرِ جرعةٍ من السحرِ المتبقي في جرار الآلهة. في المقابل، كانت أطرافُ ننماخ الخشنةُ تلتفُّ حولَ ذلك الضوءِ الشارد، تعجنهُ بدمعِها المخلوطِ بالمازوتِ والألم، ليتشكّلَ منهما "كائنُ الفجيعةِ " الأسطوري، كائنٌ برأسٍ من مرمرٍ مشروخٍ يقطرُ حكمةً، وأطرافٍ ممتدةٍ كجذورٍ كونية تبحثُ عن قطرة ماءٍ في أرضٍ قاحلة من بلاستيكٍ وأليافٍ ضوئية.

غارت أقدامُ الإلهتين في مادةٍ سوداء لزجةٍ تبتلعُ الخطى، ليست قِطراً من جحيم قديم ولا هي حممٌ بركانية ثائرة، بل هي "زيتُ العصور" الذي احترقَ في محركاتِ العولمة الصاخبة ولم يُضئ شمعةً واحدةً للروح. كان هذا الزيت الأسود ينزفُ بغزارة من صناديقِ الشحنِ الخشبية، وكأنَّ التاريخَ نفسَهُ قد أُصيبَ بنزيفٍ داخليٍّ حاد لا ينقطع. تحتَ وطأةِ هذا الالتحامِ العنيف، بدأت جدرانُ السردابِ البلاستيكيةُ تذوبُ وتتآكل، ليس بفعلِ حرارةِ النار، بل بضغطِ "الوجعِ المكتوم" المنبعثِ من هذا العناقِ اليائسِ بين الأرضِ والسماء.

لم يكن العناقُ حُبّاً غريزياً، بل كان "التحاماً ً" ضدَّ عالمٍ مشوه لا يعترفُ إلا بالنسخِ المكررةِ التي بلا أصلٍ ولا روح. صرخت ننماخ بصوتِ أفروديت الجريح، وضحكت أفروديت بمرارةِ ننماخ الطينية. وفي تلك الفجوةِ الزمكانية، انصهرَ الجمالُ المتعالي في الزيتِ والوحل ليتحولا معاً إلى "كتلةٍ حرجة" من الرخامِ والزجاجِ والبلاستيكِ المُعادِ والمشاعرِ الموءودة كانتا تحاولانِ بكلِّ ما تبقى من قداسة حمايةَ "السرِّ الجوهريِّ" للوجود من أن يُختزلَ في "باركود" تجاري أو يُسجنَ في حساباتِ أثينا الباردةِ. تحولتا في النهاية إلى "أثرٍ" باهتٍ يرتسمُ على الجدرانِ الصمّاء، لوحةً رُسمت بدمِ الآلهةِ النازف على قماشٍ رخيص من "البولي-إيثيلين"، صرخةً كونية تجمدت في لحظةِ انفجارٍ عظيم، لتُعلنَ للعالمِ الأخرس أنَّ السحرَ لا يموتُ طالما هناك طينٌ يحلم، بل يتحولُ إلى "لغزٍ أسود" عميق يسكنُ قلبَ السردابِ ويقضُّ مضجعَ الآلات.

ومع وصولِ هذا الالتحامِ بين أفروديت وننماخ إلى نقطةِ الغليانِ الميتافيزيقي، لم يعدِ السردابُ الضيق يحتملُ ثِقَلَ الوجعِ المتراكم. فجأةً، وبإيقاعٍ جنائزيٍّ يشبهُ تصدُّعَ آلاف المرايا في غُرفٍ فارغةٍ، بدأت صناديقُ الشحنِ الخشبيةُ الكبيرة بالانشطارِ المروع. لم يكن انشطاراً ميكانيكياً ناتجاً عن ضغطٍ فيزيائي، بل كان "تفتتاً جوهرياً" في بنية المادة؛ حيث فقدَ الخشبُ الميت ذاكرةَ الغابةِ الأولى، واستحالَ إلى شظايا جارحة من أليافٍ ميتةٍ تتطايرُ في الهواء كقشورِ جلدٍ كونيٍّ محترقٍ تحتَ شمسِ الحقيقة.

من قلبِ تلك التوابيتِ المتفجرةِ، انبعثَ الوردُ الذي كان مخنوقاً خلفَ طبقاتِ البلاستيكِ الشفافة. لكنهُ لم يخرج نضراً كما عهدناهُ في قصصِ الحب القديمة، بل خرجَ وقد "احترق" تماماً تحت ضغطِ اليأسِ المطبق. تحولتِ البتلاتُ الرقيقةُ الوردية إلى رقائقَ هشة من الكربونِ الصلب، سوداءَ كليلِ المصانعِ الطويل، تلمعُ ببريقٍ معدنيٍّ باردٍ يخلو من الحياة. لم يعد الوردُ كائناً عضوياً يفوحُ بالعطرِ ويهتزُّ مع النسيم، بل استحالَ إلى ذراتٍ كربونيةٍ حادةٍ كالسكاكين، تسبحُ في الفراغِ كغبارِ نجومٍ ميتةٍ منذ الأزل، تجرحُ في طريقها وجهَ "أثينا" البارد وتثقبُ رداءَ الحكمةِ الجافَّ الذي ظنت أنه يحميها من جنونِ الروح.

كانت الشظايا الخشبيةُ المفتتة تتصادمُ بعنفٍ مع رقائقِ البلاستيكِ الذائبةِ في الفضاء، لتخلقَ دوامةً سوداء تحجبُ الرؤيةَ وتلغي الاتجاهات. في مركزِ هذه الدوامةِ الكونية، كان "كائنُ الفجيعة" يلفظُ أنفاسَهُ الأخيرة، مُحولاً بقايا الأسطورةِ القديمة إلى رمادٍ صناعيٍّ تذروهُ الرياح. الوردُ الذي كان في يومٍ ما "صلاةً" خاشعة، صارَ الآن "فحماً" وقوداً لنارٍ لا تنطفئ؛ والمكانُ الذي كان يُفترضُ أن يكون "مرفأً" للآمال، صارَ "محرقةً" كبرى للرموزِ.

لقد تفتتتِ الصناديقُ أخيراً لتكشفَ عن الفراغِ المطلقِ والقاسي الكامنِ خلفَ أغلفتِها التجارية. لم تكن الصناديقُ في الحقيقة تحملُ أشياءً ملموسة، بل كانت تحصرُ "العدمَ" بداخلها لتوهمنا بالامتلاء. وبتحطمِها المفاجئ، انطلقَ ذلك العدمُ الجائع ليملأَ أرجاءَ السرداب، مُحوّلاً كلَّ ما هو صلبٌ ويقينيّ إلى هباءٍ تقنيٍّ متطاير، ومُعلناً في صرختِهِ الأخيرة أنَّ "كيوبيد" قد دُفنَ فعلياً تحتَ طبقاتٍ سميكة من رمادِ الوردِ المتفحمِ وبقايا البوليمرِ المصلوبِ على مذبحِ العولمة العرجاء.

***

غالب المسعودي

 

في المثقف اليوم