قضايا

في أخلاقيات نقد الرموز ومحنة الوعي الثقافي العربي

في خلال شهور قليلة تعّرض الوعي العربي لتحديين ثقافيين هامين، لكنه، للأسف الشديد، سقط سقوطا مدويا عندما أصرّ على أن يتعامل مع الأمور بمنطق انفعالي تقليدي لا يتناسب وأهمية الحدث!

أما عن التحديات فقد تمثلت في عرض فيلم (الست) الذي يدور حول حياة كوكب الشرق أم كلثوم، ووفاة المفكر مراد وهبة أحد رموز التنوير في الثقافة العربية المعاصرة. ففي كلتا الحالتين ثار جدل كبير حول الشخصيتين، تحول سريعا إلى نوع من التراشق بين أطراف متعارضة ومتصارعة. أطراف مؤيدة وأخرى معارضة، وهي السمة المميزة لكل خلاف يبرز في المحيط الثقافي العربي.

وكان أساس الخلاف هو رفض الطرح الذي قدمه الفيلم حول شخصية أم كلثوم، مبرزا فيه بعض السلوكيات والمواقف السلبية، التي من شأنها أن تعمل على تشويه الصورة المثالية التي يحتفظ بها الجمهور لكوكب الشرق. وكذا رفض التهمة السياسية التي نسبتها دكتورة يمنى طريف الخولي للدكتور مراد وهبة، على صفحتها بالفيسبوك، كاشفة عن انحيازه للجانب الإسرائيلي في الصراع العربي الإسرائيلي.

والملاحظ أن ردود الأفعال ضد صناع الفيلم والدكتورة الخولي كانت أكثر عنفًا وشراسة من الأفعال النقدية التي مورست ضد الشخصيات الرمزية موضوع النقد. ولعل أسوأ ما في ردود الأفعال هذه هو التحول من مناقشة الفكر إلى النيل من الشخص. وهنا تتبدى لنا تلك الآفة التي تهيمن على العقل العربي بحيث يتحول كل خلاف في الرأي فرصة للاقتتال، وكل مساحة للتفكير إلى ساحة للحرب!

ويظل منطق مباريات الكرة سائدًا في ميدان الفكر كما في ميداني السياسة والاجتماع. فدائما هناك انحياز أعمى لطرف وعداء غير مبرر لطرف آخر مقابل!

إن المسألة جد خطيرة، وتحتاج إلى إعادة نظر. فمازلنا نفتقر إلى شجاعة الاعتراف بالخطأ والجرأة على قبول الآخر!

في هذا المقال نحاول أن نمضي في طريق مختلفة لا ننحاز فيها إلى طرف ضد طرف، ولا نسعى للانتصار في أي معركة. فقط نحاول أن نقرأ المشهد في ضوء أكثر منهجية، وفي سياق فكر غربي تجاوز ما نعانيه من أزمة، ونجح في أن يضع قضاياه في حجمها الطبيعي، دون تطاول على شخص أو هجوم على فكر.

مضينا في هذا الطريق لا من أجل تفسير الظاهرة فحسب، لكن أيضا من أجل البحث عن مبادئ عامة تصلح أساسًا لبناء نوع من الأخلاقيات النقدية التي تمكننا من التعامل مع رموزنا الثقافية دون الوقوع في شرك التقديس الأعمى أو الانزلاق إلى حلبة وهمية من صراع لا وجود له، إلا في مخيلة وحشية، وعقل طفولي لم يتجاوز نزق البدايات!

ومن أجل تحقيق هذا الهدف كان علينا أن نستعين بالأدوات النظرية التحليلية المناسبة، وكذا النماذج الغربية الحية من مجالات الفكر والفن والأدب.

الرمز حين يتحوّل إلى منطقة محرّمة

يرى تيودور أدورنو أن أخطر ما يمكن أن يحدث للثقافة هو أن تتحوّل رموزها إلى أيقونات محصّنة ضد السؤال. فحين يتوقف النقد، لا يُصان الرمز، بل يُفرَّغ من معناه، ويُعاد إنتاجه بوصفه سلعة عاطفية أو أداة أيديولوجية.

بهذا المعنى، فإن الجدل الذي صاحب فيلم "الست" عن أم كلثوم، ثم عاد في صيغة أخرى مع رحيل المفكر العربي مراد وهبة، ليس جدلًا عرضيًا، بل علامة على أزمة بنيوية في علاقتنا بالرموز. لماذا نخاف من نقد من نحبهم؟ ولماذا نخلط بين المساءلة المعرفية والهدم الأخلاقي؟ وهل الوفاء للرموز يمرّ عبر الصمت، أم عبر التفكير؟

باستعارة أدوات ميشيل فوكو، لا يمكن فهم أم كلثوم خارج شبكة الخطابات التي أنتجتها وأعادت إنتاجها. فهي لم تكن صوتًا استثنائيًا فحسب، بل جسدًا رمزيًا اشتغل في تقاطع الفن، والدولة، والإعلام، والهوية القومية.

فوكو يعلّمنا أن السلطة لا تعمل بالقمع فقط، بل بالإنتاج: إنتاج الذوق، والانفعال، والذاكرة. ومن هذا المنظور، فإن مساءلة علاقة أم كلثوم بالسلطة الناصرية لا تُنقص من عظمتها الفنية، بل تكشف شروط تشكل رمزيتها.

غير أن الوعي العربي يميل إلى تجميد هذه الرمزية، وتحويلها إلى كيان متعالٍ على التاريخ. وهنا يتحوّل الدفاع عن أم كلثوم إلى دفاع عن صورة للذات الجماعية، لا عن فنانة بعينها.

على مستوى الفكر، يحتل مراد وهبة موقعًا موازياً. فهو أحد أبرز المدافعين عن العقلانية والتنوير في الثقافة العربية المعاصرة، مستلهمًا الإرث الكانطي في تعريف التنوير بوصفه خروجًا من القصور العقلي.

غير أن استدعاء يورغن هابرماس هنا ضروري. فالتنوير، عند هابرماس، ليس خطابًا تقريريًا من أعلى، بل عملية تواصلية داخل المجال العام. ومن هنا ينبع التوتر في تجربة مراد وهبة: هل ظل مشروعه التنويري مفتوحًا على الحوار الاجتماعي؟ أم انزلق أحيانًا إلى عقلانية معيارية تُصدر الأحكام بدل أن تُنتج النقاش؟

هذا السؤال لا يُضعف وهبة، بل يُدرجه داخل محنة التنوير العربي نفسه، حيث يتقاطع العقل مع السلطة، والنقد مع المؤسسة.

 مراد وهبة والقضية الفلسطينية: حين يُمتحن التنوير سياسيًا

إذا كان نقد مراد وهبة يظل ناقصًا دون مساءلة علاقته بالسلطة الثقافية، فإنه يصبح مبتورًا إن تجاهل موقفه من القضية الفلسطينية، لا بوصفها قضية سياسية فحسب، بل بوصفها اختبارًا أخلاقيًا ومعرفيًا للمثقف العربي المعاصر.

لقد أثار انضمام مراد وهبة إلى ما عُرف بـ "مجموعة كوبنهاغن للحوار العربي–الإسرائيلي" موجة واسعة من الغضب والاستياء في الأوساط الثقافية المصرية والعربية، ليس فقط بسبب فكرة “الحوار” ذاتها، بل بسبب السياق غير المتكافئ الذي جرى فيه هذا الحوار، وبسبب ما اعتُبر انحيازًا واضحًا للسردية الإسرائيلية، أو على الأقل تجاهلًا لبنية الاستعمار والاحتلال.

هنا لا نتحدث عن اختلاف سياسي عابر، بل عن مأزق بنيوي في خطاب التنوير العربي حين يُفصل العقل عن العدالة، والنقد عن التاريخ.

من منظور إدوارد سعيد، لا يمكن لأي خطاب عقلاني أن يدّعي الحياد وهو يتعامل مع واقع استعماري قائم. فالحياد، في حالات الاختلال الجذري في موازين القوة، ليس موقفًا عقلانيًا، بل شكل من أشكال التواطؤ الرمزي. إدوارد سعيد لم يرفض الحوار من حيث المبدأ، لكنه رفض الحوار الذي يتجاهل واقع الاحتلال، ويساوي بين الضحية والجلاد، ويحوّل الصراع إلى “سوء تفاهم ثقافي”.

ومن هنا، فإن موقف مراد وهبة، حين دافع عن الحوار مع إسرائيل دون تفكيك البنية الاستعمارية للصهيونية، بدا لكثيرين تنويرًا منزوع التاريخ، أو عقلانية مجردة من الحسّ السياسي.

في السياق نفسه، ربط كانط التنوير باستقلال العقل، لكن فرانز فانون ربطه بتحرير الإنسان المقموع من بنية الاستعمار. وبين هذين القطبين، يُختبر المثقف في العالم الثالث. حين يتبنّى المثقف خطابًا عقلانيًا لا يرى في الاستعمار إلا “نزاعًا”، ولا في الاحتلال إلا “قضية قابلة للتفاوض الثقافي”، فإنه – من حيث لا يدري – يُعيد إنتاج عقل المستعمِر، لا عقل التحرر.

وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة في تجربة مراد وهبة: مفكر نذر مشروعه لمواجهة "العقل الغيبي"، لكنه وقع في فخ العقل الأداتي الذي يفصل التفكير عن المعاناة المادية للناس.

هنا تستعيد المقارنة الغربية أهميتها.

جان-بول سارتر لم يُحاسَب فقط على مواقفه النظرية، بل على صمته السياسي. وصمته عن الستالينية ظل وصمة نقدية في تاريخه، رغم مكانته الفلسفية. وبالمثل، فإن موقف مراد وهبة من القضية الفلسطينية سيظل نقطة توتر لا يمكن تجاوزها بالتكريم أو الرثاء.

لكن – وهنا جوهر الحجة – هذا لا يعني شطب منجزه الفكري، بل إدراجه داخل تناقضه. إدخال موقف مراد وهبة من التطبيع داخل قراءة منجزه لا يهدف إلى: التشهير، ولا تصفية الحساب، ولا اختزال الرجل في موقف واحد، بل يهدف إلى: فضح وهم التنوير المحايد، وإعادة ربط العقل بالسياق، وتحويل الرمز من أيقونة إلى موضوع معرفة.

بهذا المعنى، فإن نقد موقفه من فلسطين هو وفاء للتنوير نفسه، لا خيانة له. ليس الخطر في أن يخطئ المفكر، بل في أن يتحول خطؤه إلى منطقة صمت، وأن يُطلب من الثقافة أن تغفر باسم العقل، ما لا يجوز غفرانه باسم العدالة.

لذلك كان الغضب العربي مبررًا. فغضب المثقفين والجمهور من موقف مراد وهبة لم يكن تعبيرًا عن "عداء للتنوير"، كما صُوِّر أحيانًا، بل عن إحساس عميق بالخيانة الرمزية. فالمثقف العربي، بخلاف نظيره الغربي، لا يتحرك في فضاء مجرد، بل في سياق: احتلال، هزائم، ذاكرة استعمارية حيّة. وعندما يتحدث مفكر عربي عن "السلام" و"الحوار" دون تسمية الاحتلال، فإنه لا يبدو عقلانيًا، بل منفصلًا عن شرطه التاريخي.

ومن منظور فرويدي–لاكانـي، يمكن قراءة الغضب الشعبي من نقد الرموز بوصفه قلقًا هوياتيًا. فالرمز الثقافي لا يمثل شخصًا فقط، بل يعمل كـ مرآة جماعية، وأي خدش فيها يُستقبل بوصفه تهديدًا للذات. لاكان يذكّرنا بأن "الأنا" تتشكل عبر التماهي، وحين نتماهى مع أم كلثوم أو مراد وهبة، فإن نقدهما يُشعرنا لاشعوريًا بأننا نحن من يُنتقَد.

هنا يصبح النقد فعلًا صادمًا، لا لأنه غير علمي، بل لأنه يكسر وهم الاكتمال.

نقد الرموز في الثقافة الغربية

في الغرب، لم يكن نقد الرموز خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة معرفية. أدورنو لم يتردد في نقد شونبرج، وهابرماس واجه هايدغر، وألان باديو كتب عن التناقض بين عبقرية فاجنر ومواقفه السياسية.

الفكرة المحورية هنا، كما يوضح باديو، أن: "الفكر لا يُقاس بنقاء صاحبه، بل بقدرته على فتح إمكانات جديدة للحقيقة".

وهذا ما نفتقده عربيًا: نحن نربط الحقيقة بالسيرة، والعبقرية بالأخلاق، فنخسر الاثنين معًا. إن إدخال أم كلثوم ومراد وهبة في أفق النقد لا ينتقص من مكانتهما، بل يحرّرهما من الاستخدام الأيديولوجي. فالثقافة التي تخاف من نقد رموزها، كما يقول فوكو، ليست ثقافة ضعيفة الرموز، بل ثقافة ضعيفة الثقة بنفسها.

من هنا، فإن الوفاء الحقيقي للست وللسيد، ليس في الصمت، بل في التفكير، وليس في الحراسة، بل في الفهم، وليس في التقديس، بل في النقد المسؤول.

تتضح المسألة أكثر إذا انتقلنا إلى ميدان الأدب. فقد كان جان-بول سارتر المثال الأوضح على ازدواجية الرمز الأدبي في الثقافة الغربية. فهو الكاتب الذي نظّر لـ الأدب الملتزم، ودعا المثقف إلى تحمّل مسؤوليته التاريخية، لكنه في الوقت نفسه: التزم الصمت طويلًا إزاء جرائم الستالينية، واعتبر أن نقد التجربة السوفيتية قد يخدم “المعسكر المعادي”.

هذا التناقض لم يؤدِّ إلى شطب سارتر من التاريخ الأدبي أو الفلسفي، بل إلى قراءة أعماله (مثل ما الأدب؟) في ضوء حدود الالتزام حين يتحوّل إلى أيديولوجيا. مساءلة مفهوم “الالتزام” نفسه: هل هو التزام بالحقيقة أم بالمعسكر؟ هنا يقدّم النموذج السارتري درسًا مهمًا للمقارنة العربية: الرمز لا يُلغى بتناقضه، بل يُفهم عبره.

في الجهة المقابلة، يقف ألبير كامو، الذي رفض العنف الثوري، واصطدم بسارتر بسبب موقفه من الثورة الجزائرية. كامو، الذي كتب "الإنسان المتمرد"، بدا في نظر كثيرين: إنسانيًا أخلاقيًا، لكنه سياسيًا “ملتبسًا”، بل متواطئًا بالصمت عن الاستعمار.

ومع ذلك، لم تُختزل تجربة كامو في هذا المأزق، بل جرى التعامل معها كنقطة توتر مركزية في فكره: هل يمكن الدفاع عن الإنسان دون مواجهة التاريخ؟ وهل الأخلاق الفردية كافية أمام عنف البنى الاستعمارية؟

هذه الأسئلة جعلت من كامو مادة نقدية حيّة، لا أيقونة معصومة.

ربما يكون لوي-فردينان سيلين المثال الأكثر حدة وإرباكًا. كاتب "رحلة إلى آخر الليل" أحدث ثورة أسلوبية في الرواية الفرنسية، لكنه كتب نصوصًا معادية للسامية، وعبّر عن تعاطف صريح مع النازية. الموقف الغربي من سيلين لم يكن موحدًا: لا تمجيد أعمى، ولا محو كامل، بل ساد اتجاه نقدي يفصل بين المنجز الجمالي، والسقوط الأخلاقي والسياسي.

في الثقافة العربية، غالبًا ما يُستخدم أي خطأ سياسي لإلغاء المنجز، أو يُستخدم المنجز لتبرير الخطأ، أما النموذج الغربي، فيسعى – رغم تناقضاته – إلى إدارة التوتر لا إنكاره.

حتى الرموز التقدمية، في الثقافة الغربية، لم تسلم من النقد. فيرجينيا وولف، أيقونة النسوية الأدبية، خضعت لمساءلات حادة بسبب نزعتها النخبوية، وبعض المواقف العنصرية والطبقية في كتاباتها الخاصة. لكن النقد النسوي المعاصر لم يُلغِ وولف، بل أعاد قراءتها داخل سياقها الطبقي، وفصل بين مساهمتها المفهومية في تحرير الكتابة النسوية، وحدود وعيها الاجتماعي.

هذا النموذج بالغ الأهمية عند مقارنته بالجدل حول أم كلثوم: كيف يمكن لامرأة أن تكون رمزًا للتحرر، وفي الوقت نفسه جزءًا من بنية سلطوية أو نخبوية.

ويمكن أن نقول الشيء نفسه عن غونتر غراس، الحائز على نوبل، حين اعترف بانتمائه في شبابه إلى قوات الـSS النازية، لم تُسحب منه الجائزة، ولم يُشطب أدبيًا، بل فُتحت أعماله "طبل الصفيح" على قراءة جديدة، وجرى إدخاله في نقاش أوسع حول الذنب والذاكرة والاعتراف.

هذا النموذج يطرح سؤالًا غائبًا في السياق العربي: هل نملك ثقافة الاعتراف الرمزي؟ أم نفضّل الصمت، ثم التقديس، ثم الانفجار؟

نحو أخلاقيات لنقد الرموز

من خلال هذه النماذج الأدبية الغربية، يمكن استخلاص ثلاث ملاحظات محورية: الرمز ليس وحدة متجانسة، بل بنية متصدعة. النقد لا يعني الإلغاء، بل إعادة التملك المعرفي. الثقافة الحية هي التي تحتمل التناقض دون انهيار. وبالعودة إلى أم كلثوم ومراد وهبة، يتضح أن أزمتنا ليست في وجود تناقضات لديهما، بل في عجزنا عن إدارتها ثقافيًا.

في الغرب، يُدرَّس سارتر مع نقده. ويُقرأ سيلين مع التحذير منه، وتُناقش وولف مع مساءلتها. أما في الثقافة العربية، فنميل إلى أحد خيارين: إما الرمز الطاهر، أو الرمز المدان. وبين هذين الخيارين، تضيع المعرفة.

من هنا، فإن الانتقال “من الست أم كلثوم إلى السيد مراد وهبة” ليس انتقالًا بين شخصين، بل بين نمطين من الوعي: وعي يخاف من السؤال، ووعي يرى في السؤال شرط البقاء.

إن أي محاولة لتأسيس أخلاقيات لنقد الرموز ينبغي أن تنطلق من مبادئ عامة يتم استخلاصها من الممارسات الواقعية النقدية بنحو ما تبدت في النماذج التي أشرنا إليها سابقا. ولعل أبرز هذه المبادئ هي: التمييز بين المنجز والقيم الأخلاقية للشخص، فالرمز يمكن أن يُنتقد من حيث السياسة أو الأخلاق دون محو المنجز الفني أو الفكري. ربط النقد بالسياق التاريخي والاجتماعي، بمعنى أن أي تقييم يجب أن يأخذ في الاعتبار شروط إنتاج الرمز. إدراك المنطقة الرمادية ذات الدلالة: أي أن الوفاء للرمز لا يكون بالصمت، بل بالنقد المسؤول. الحفاظ على التوتر بين النقد والتقدير: فالنقد لا يلغي الرمز، بل يثري فهمنا له ويزيد من قيمته المعرفية.

هذا الإطار يتيح نموذجًا متكاملاً لفهم الرموز الثقافية والفكرية العربية: أم كلثوم ومراد وهبة ليسا مجرد أيقونات، بل موضوعات معرفية حية. النقد الواعي يعيد الربط بين القيمة الإبداعية والمسؤولية السياسية، ويفتح المجال أمام قراءة تاريخية وفلسفية متوازنة. وبهذا المعنى يصير النقد وفاءً بالرمز والمعرفة، لا خيانة له.

***

د. ماهر عبد المحسن

لم تشر الدراسات الفلسفية العربية المعاصرة إلى ذلك المشروع الذي وضعه حكماء الحضارة الإسلامية للقضاء على ظاهرة الكذب المتفشي في السلوك الإنساني بوجه عام، وفي الأخلاق المهنية بوجه خاص، وذلك عن طريق تحليلاتهم الدقيقة للأخلاق التطبيقية الفاسدة لدوافع الكذب ومقاصده ومآلاته، فقد تبيّن لجلهم أن النصح والوعظ لم يعد العلاج الفعّال لآفة البهتان والرياء، وقلب الحقائق واصطناع الحيل المضللة التي تعيق العقل عن الوصول إلى الحقيقة والاهتداء للسلوك القويم، ومن ثمّ انتهجوا لوضع مشروع دقيق لإنقاذ الحضارة الإسلامية ممّا حاق بأخلاقياتها، وسياسة حكامها وآداب علماءها وسلوك عمالها وعوائد التربويين في البيوت والمدارس ومجالس الشورى وتوجيهات الوعاظ والفقهاء للصالح والنافع من العادات والتقاليد التي فسدت هي الأخرى بسبب مخالطة الأغيار والدخلاء والغرباء؟

وبقراءتنا الفلسفية لنتاج غرابيل حكماء الإسلام العقليّة النقديّة توصلنا إلى أن مشروعهم الحضاري قد أقاموه على مراجعة الأخلاق التطبيقية، والوقوف على بنيتها ومنهجية أنساقها ومدى ارتباط هذه الأنساق بالموروثات العقديّة السائدة وأحوال الواقع المعيش المتغيرة.

واستخلصوا من تحليلاتهم وتجاربهم أن التجديف والإجتراء يفسدان الدين والعقيدة، وأن التزوير والتدليس يفسدان العدالة، وأن النفاق والمداراة تفسدان الحكام والسلاطين، وأن الغش والخيانة يفسدان المودة والحب، وأن الإفك والزور يفسدان الأخلاق والتربية، وأن التضليل والتعمية يفسدان العلم والتعلم، وأن التلفيق والتحريف يفسدان الصدق. 

وجميع تلك الآثام ليست سوى أقنعة يتوارى خلفها الكذب الذي لا يصعب على الضرير قبل المبصر والبصير فضحه، الأمر الذي استوجب وضع نسقية من القيم يصعب تفكيكها لمواجهة صناع الكذب الذين لا يكفون عن اختراع الحيل واختلاق الأضاليل لإفساد الحياة الإنسانيّة والحضارة الإسلاميّة.

فقد ذهب المؤدبون إلى أن الكذب مثل الطاعون والأورام الخبيثة التي سرعان ما تنتشر في كل البدن، فلا يجوز لرجل الدين أن يُجافي الصدق فيفقد مكانته ومقامه ورسالته في الدعوة، ولا يصح للعالم أن ينطق بما لم يتأكد من صحته في توجيهه أو درسه، ولا يمكننا تصور قاضيًا ينحاز للتدليس ويسلم بالتزوير ويقيم عليهما الحكم والفصل في القضايا، ولا يجوز للحاكم أو قادة الرأي أو أمراء المنابر الانسياق للهوى والانصات للمداهنين واستشارة المنتفعين.

كما أن الحلول الجزئية المتمثلة في اللوائح والشروط الإلزامية للأخلاق المهنية لا تعدوا أن تكون مسكنات سرعان ما تستحيل هي الأخرى إلى أكاذيب تحت ضغط العنف والعوز والحاجة والفساد العام.

كل هذه النتائج قد استوعبها حكماء الإسلام فانتهوا إلى حقيقتين الأولى: أن الحرب ضد الكذب يجب أن تكون شاملة لا تختص بفئة أو بمهنة. 

وثانيها: أن القيم الإلزامية لا تنجح في الإصلاح إلا إذا أضحت التزاميه، أي نابعة من الداخل لترويض النفس، وليست خارجية بقوة القانون أو الاستبداد.

وأن المشروع الأمثل الذي يكفل لمن ينشد الإصلاح والقضاء على الكذب في المجتمع الإسلامي على وجه الخصوص هو تطبيق النسق العقدي المتمثل في الأوامر والنواهي القرآنية، والثابت والصحيح من سير الأنبياء والفضلاء والاتقياء.

ولمّا كان هذا المشروع يصعب تحقيقه وتطبيقه في ظل ثقافتنا المعاصرة فلا حيلة لكاتب هذه السطور سوى دعوة الباحثين المعاصرين إلى مراجعة تلك النسقية التي بني عليها لتدعيم روابط بنيته وتحديث آلياته التي طمست في ثقافتنا المعاصرة من جرّاء حملات التشكيك في متانة أصوله الأخلاقية القرآنية، والترويج للفلسفات التفكيكية والقيم النفعيّة الفرديّة وتصويرها على أنها الحلول الواقعية في زمن الأكاذيب الغربية.

وإذا ما عدنا إلى كتابات الحكماء في هذا السياق نجد ابن حزم (ت 1064 م) يعبر عن تلك البنية الأخلاقية التي يجب توفرها في سلوك الخاصّة والعامة على حد سواء؛ فيرى في ميدان السياسة أن الحاكم أو الخليفة أو السلطان إذا كان مستبدًا منكرًا للشورى مجاهرًا بالفسق غير عابئ بمآلات ظلمه في تسييس الرعية، جاهلًا بالضروري من المقاصد الشرعية، يستحق خلعه لأنه كذوب في عقد البيعة وخائنًا لمهام وظيفته المدنية ومدلسًا في خداع العوام بما يضفيه على نفسه من مظاهر الورع والتقوى، ومن أقواله (لا شيء أقبح من الكذب، وما ظنك بعيب يكون الكفر نوعًا من أنواعه، فكل كفر كذب، فالكذب جنس والكفر نوع تحته، والكذب متولد من الجور والجبن والجهل؛ لأن الجبن يولد مهانة النفس والكذاب مهين النفس بعيد عن عزتها المحمودة).

وإلى مثل ذلك ذهب ابن طفيل في رحلة بحثه العقليّة (حي بن يقظان) عن الأدلة الكافية على وجود الله مبينًا أن إيمان العوام الذي يستند إلى المنقول وحده لا يكفي لرسوخ عرفانه في عقله وقلبه، وذلك لأن سبيله هو التلقين الذي لا يخلو من كذب الملفقين في بعض الأحايين. وأخطر هذه الأكاذيب أن طريق العقل مخالف لطريق النقل في الوصول لليقين.  

 ويرى ابن رشد (ت 1198 م) أن الكذب لا يقوى على الصمود في وجه الحقائق البرهانية، ولا إغواء الأنفس إلا من جهلت النهوج النقديّة والأدلة الواقعية وكيف لا؟ فالكذب عنده ليس بغاية أو مقصد فطري بل هو نقص معرفي بغير قصد أو كتمان للحقيقة خوفًا أو ابتغاءًا لمنفعة أو اعتقادًا من صاحبه، بأن قول الصدق لا يروق لسامعيه لعجزهم عن تحصيل الحكمة منه، وإدراك فضائل تطبيقه، ومن ثم يصبح الكذب أداة لمنع ضرر أو معالجة لموقف أو كف شر. 

لذا نجده يرى ضرورة إخفاء الحقائق المطلقة المقطوع بصحتها عقليًا والمضادة للمعتقد السائد عن العامة خوفًا من إفسادها أو الكفر بها أو إضلالها أو تعرض صاحبها للأذى، ذلك مع ضرورة البوح بها والدفاع عنها في مجالس العلماء وخلال مصاولة الحكماء والعارفين بمنهاج الأدلة.

ويضيف ابن تيمية (ت 1328 م) أن الصدق هو نديم المؤمن الحريص على طلب الحق والجريء في الانتصار لليقينيات، والبوح بقناعاته في الاجتهاديات التي تبرأ عن الإفك والاجتراءات وهو المتريس في القاء الاتهامات جزافًا، ورمي المخالفين بالباطل من العلماء والعارفين بينما يعد الكذب شقيق المنافقين وأنيسهم في معيّة السلاطين والمتاجرين بالدين؛ فالصادق مآله مع الملائكة والكاذب يحشر مع زمرة الشياطين.

ويرى ابن القيم الجوزية ( ت 1350 م) أن الأخبار التي يرددها الفاسق تبدد الحقيقة وتشكك في الأخبار الصادقة، وتضلل العدالة، لذا نجده يستشهد برأي الإمام أحمد بن حنبل بعدم الأخذ بحديث الفاسق الكذوب، وإن أقر بأنه من المبتدعة في الدين فإن اخباره مشكوك فيها ولا يطمئن الحاكم لمآلاتها، فخطر ما يدعيه لا يسلم أثره من ضرر في معتقد الجمهور أو سلوكهم.

فعلى السلطان مراجعة خبره وفحصه، عساه أن يكون في اخباره نفعًا وذلك مصداقًا لقوله تعالى (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) سورة الحجرات الآية 6)

ويثير ابن القيم قضية أخرى ألا وهي عدم الاعتماد على الكتابات المحرفة، أو الأخذ بالأخبار المشكوك فيها، ولاسيما تلك المتعلقة بصلب العقيدة، مثل الاستشهاد بحكم ورد في التوراة أو الأناجيل في قضية حسمها القرآن في آياته أو يتعارض مآل المنقول من هذه الكتب مع مقصد شرعي اجتمع أهل العلم على صحته وأكدته السنة المشرفة. كما يجوز للقاضي استبعاد أي دليل يستند على رأي أو حديث مشكوك في صحة سنده ومتنه أو يناقض صريح المعقول، ولا سيما في أحكام النكاح والطلاق.

أمّا ما قيل عن حكم الآراء والمذاهب المخالفة لرأي الجمهور فلا يجب على الحاكم أو القاضي اعتبارها كذبًا بل يجب على أهل الرأي مراجعتها وأخبار الحاكم بمآلاتها فقد تكون واجبة ومستحبة ومباحة بحسب اقتضاء الحال. أمّا الكتب التي تشتمل على التجديف والاجتراء والأكاذيب والتحريض على الفجور والبغاء أو الفتن أو إثارة الفرقة والشقاق بين الناس فينبغي إتلافها وإعدامها مثل كتب السحر واستحضار الجن والعقائد الداعية لعبادة دون الله.   

ويؤكد عبد الله بن الأزرق (ت 1491 م)  على ضرورة الجمع بين سمات الحاكم التي حث عليها الشرع والضرورة التي يفرضها الواقع ويقتضيها العقل فأنه يجيز الكذب والجور والاستبداد إذا ما كان وراء ذلك كله نفعًا أعم للرعية واستقراراً للمُلك وأمنًا للمسالمين، شريطة أن مقدار هذه الآثام المولدة عن الشر والكذب تكون محدودة في بابها ولا تخالف مقاصد الشريعة  فالحاكم الأمثل في رأيه هو الذي يفلح في الموازنة بين مصالح الدنيا والآخرة ويجتهد في حل مشاكل الواقع دون جحود لأوامر الشارع ويقول عن حكمة تدبير الملك (أنما يعتد بالتدبير، إذا صدر من ذوي التجارب العارفين بما تحسن منه العاقبة وترضى به الاستقامة التي لا انحراف فيها عن نهج الصدق والصواب؛ فلذلك لا عبرة به من الأحداث غير المجربين.

 وإذا ما أوهم الحاكم الرعيّة صلاحًا، وهو كاذب، فحين إذًا لا يجب إهمال نقض الأحداث المعارضين إذا كان رأيهم هو الأصوب (فالحق أحق أن يُتبع في أمور السياسة) وقد ذهب جل العارفين بأصول تدبير الممالك أن الحاكم لا يُعاب على دينه إن كانت حكمته في التسيس هي الأفضل من الفقيه الجاهل بأمور الحكم وأصوله، فليس يليق التدبير به وإن أحسن منه في بعض الأوقات فإنه قبيح العاقبة، وهو كوجود الشيء، بالحسن يرى حُسنًا، والعقل يبين بعد قبحه). 

أمّا بهاء الدين العاملي (ت 1621 م)، فجاءت آرائه أقرب إلى ابن مسكويه والغزالي في هذا السياق فأكد على منطقية  النسقية في القيم الإسلامية المترابطة، ورأى أن الكذب ليس من الكبائر الضارة للنفس والعقل فحسب بل هو مفسد للروح أيضًا وهو صفة الجاهل المعاند والخائن ناقض العهود، وكيف لا وهو قرين إبليس الودود وهو الذي يجنح في خيالاته وأوهامه عن الحق، وهو الدساس الخناس المتآمر الذي يلبس الإفك عباءة الصدق فيغوي بدهائه الورع المؤمنين والأطهار العارفين، فيقطع سبيلهم إلى الكمال ويبدد حكمتهم، ويسوق أعمالهم إلى أسوأ مآل ويعد الصدق مفتاح الكمال والعرفان الإلهي.

ولا فكاك للإنسان من الكذب إلا بالتطهر الذاتي وانتزاعه من عوائده المذمومة وتحريمه على لسانه والنظر للصدق على أنه الصراط المستقيم الذي إذا ذلت قدماه وقع في الجحيم وبات جليس الشياطين.

ويروي عن المأثور من نصائح العلماء للخلفاء: اعلم أنه واجب على الملك اجتناب ما يفسد المروءة، وتغليب العقل على الطبع، واعلم أن الصدق عادة والكذب حاجة، وأن الملك أحق باختيار المحامد.

واياك أن تصاحب في حاشيتك خطيب متفكه ومتعالم متفقه، وجموح متعسر، وعتل متجبر، مجترأ متحرر وآفاق متندر، واياك أن تجحد الناصح الشريف والعالم الطريف، والحكيم الأريب والبصير اللبيب، والحكيم المجدد والمخطط المحدد، ولا يشترط فيمن من تحلى بهذه الصفات أن يكون من أفاضل النساء أو من شبيبة الرجال، فالعقول تدرك التباين والقلوب تستحيل من حال إلى حال، فالمقصود هو نقاء السرائر ورجاحة الألباب، والحاذق النحرير وليس اللطيف المكير، أو واحد من المشاهير، ولا يعيبه إن كان جريء في التناظر أو بصير ضرير.

وللحديث بقية عن نسقية أحكام البنية الأخلاقية التي ألتزم بها حكماء الحضارة الإسلامية في مناقشة قضايا الاجتماع والسياسة.

*** 

بقلم: د. عصمت نصار

 

في البدء كان الانسان ثم رحل

لم يكن البشير ربوح مثقفا تقليدياً، بل كان "الإنسان الفيلسوف والمفكر الثوري" فهو المفرد بصيغة الجمع "لا يظهر إلا مبتسما"، قريباً من الناس في الأسواق والمقاهي، منخرطاً في النسيج الاجتماعي لمدينته رأس الوادي ومسقط رأسه، كان بشير خير فاعلا متحركا في سعيه نحو الاكتمال جامعا بين شرف الاسم وتميز المسمى قولا وفعلا، كان كما وصفه صديقه عبد الحكيم بليليطة، "فلسفة تتحرك" فهو القائل في مفتتح كتاب فلسفة الفعل - من محاولات التأسيس إلى آفاق النقد " حين تريد الفلسفة أن تفكر، أن تسأل، أن تتخطى، أن تنقد، فما عليها إلاّ أن تعانق الحياة. معانقة تقودنا مباشرة إلى مفاصلها، وتعاريقها، وانشغالاتها. ربَّ انفتاح يمنحنا فرصة التحرر من الكسل، والقحط الوجودي، والتحجر، والانغلاق، ويضعنا في قلبها النابض بعشقها"

منذ البداية، اختط البشير ربوح لنفسه مساراً متميزاً. فحين سُئل في حوار فلسفي "من هو؟"، امتنع عن الإجابة المباشرة، معتبراً إياها سؤالاً "نيتشوياً" يستدعي النرجسية، وقدم نفسه ببساطة على أنه "الباحث المتواضع في مجال الفلسفة" كان هذا التواضع المعرفي عنواناً لرجل هو سقراط عصره، وظف كل طاقته في الفعل والفكر. لقد آمن بأن الفلسفة ليست حبيسة الأبراج العاجية، بل هي، في صميمها، حقلٌ دسمٌ للحياة اليومية والتحولات التاريخية. من هنا انطلق مشروعه من "التفكر مع كبار المفكرين" مثل هايدغر والمسيري وإدوارد سعيد، لا بوصفهم نصوصاً جامدة، بل بوصفهم شركاء في حوار يستهدف فهم أغوار العقل الغربي والبحث عن نموذج معرفي عربي متميز .

غير أن هذا الانشغال النظري لم يبقَ حبيس الصفحات. لقد تحول عند صديقنا البشير إلى "براكسيس" حي، إلى فلسفة فعل. فمع انطلاق الحراك الشعبي الجزائري في 2019، كان كمال في الصفوف الأولى، منخرطاً بكل كيانه، كان يرى في الحراك "منعطفاً تاريخياً" و "حقلًا كريماً للتفلسف الحق"، من الساحات العمومية يتحول الشارع إلى ما أسماه "الشارع الأنطولوجي"، أي فضاء وجودي تتحقق فيه الكينونة الحرة والقادمة للمجتمع لم يكن حضوره واجبا أخلاقيا فحسب، بل كان قراءة فلسفية عميقة؛ حيث وظف مفهوم هايدغر القائل بأن "اللغة هي بيت الكينونة" لاستكناه لغة الحراك، شعاراته ومفرداته، ليرصد من خلالها القطيعة التي أحدثها جيل جديد مع الماضي، كان همه أن "يُنتج معاني جديدة ويتصارع مع المعاني البائدة"

وإذا كنا اليوم نفتقده ونتحدث عن رحيله، فلا نروم من ذلك رثاء شخص عزيز فحسب، رغم ما يحمله الفراق من ألم، بل نرى فيه واجباً للصديق تجاه صديقه، وللتلميذ تجاه أستاذه: واجب الحفاظ على ذاكرته من خلال النبش في مشروعه الفكري واستئناف أسئلته الحارقة. فهو لم يكن مجرد أستاذ جامعي، بل كان ظاهرة فريدة جمعت بين العمق النظري المتجذر في التراث الفكري العالمي، والفعل الواعي المنغمس في قلب الواقع الاجتماعي والسياسي.

رحل البشير ربوح وهو يؤمن بأن النص الفلسفي، بما يكتنزه من زخم الدال وعمق المدلول، هو من يحرر الوعي ويوقظه من سباته، وهو من يغير الواقع ويصنع أفق التنوير. لقد رحل جسده، لكن أفكاره ونصوصه لا تزال متحركة نابضة بالحياة؛ فالنصوص العظيمة، كالنفوس النبيلة حية لا تموت. لذا فإن الحديث عن رحيله هو في الحقيقة حديث عن بيان استمرارية. إن الفراغ الذي تركه ليس فراغاً عدماً، بل هو مساحة مشحونة بالأسئلة والمشاريع التي أنجز بعضها وترك بعضها الآخر.

بناءً على هذا، يتساءل مقالنا: كيف شخّص ربوح "الخطيئة الأصلية" للتخلف الفكري والسياسي في واقعنا؟ وكيف حاول، عبر أدواته الفلسفية المركبة وحسه العميق باللحظة التاريخية، أن يبلور مشروعاً للخروج من هذه الدائرة؟ كيف ننتقل من حالة الاستهلاك والتلقي إلى حقيقة الإنتاج الحضاري المستقل؟ وأي إجابات قدمها على سؤال النهضة الذي لا يزال يشغلنا، مقترحاً طريقاً من "التشريح" إلى "التأسيس"، ومن "الفكر" إلى "الفعل"؟

في البدء كانت الخطيئة: تشخيص عوائق التخلف

إذا كان لكل سقوطٍ خطيئةٌ أولى، فقد وجد البشير ربوح خطيئة التجربة العربية الحديثة كامنةً في نظامٍ خماسي العطب، لا في مجرد أخطاء عارضة. لم تكن المشكلة لديه هي غياب العقول أو نقص الإرادات الفردية، بل خللٌ بنيوي أصاب علاقة الفكر بذاته، وعلاقة النخب ببعضها، وعلاقة المعرفة بالواقع. كانت "الخطيئة" هي تحوّل هذه العلاقات إلى دوائر مغلقة تعيد إنتاج التخلف، بدلاً من أن تكون محركات للتحرر.

- العطب الأول: الفكر التشريحي، أو "العقل الذي لم يتصيّر عقلاً بعد"

رأى ربوح أن الفكر العربي، رغم جهود كبار رواده في القرن العشرين، ظلَّ في مجمله "قاصرًا" و"يقتات على ما ينتجه العقل الغربي". والخطيئة هنا لم تكمن في طبيعة مشاريع المفكرين من الجابري واركون إلى سعيد والمسيري إلى حنفي...، بل في نتائج هذه المشاريع ذاتها التي ظلت – برأيه – في معظمها "نصوصًا تشريحية". لقد قامت بعملية تشريح رائعة لجثة الموروث، وكشفت عن "العقل السياسي" و"العقل الأخلاقي"، لكنها، في عمقها، لم تتحول إلى "نصوص بنائية" تضع لبنات المستقبل. النتيجة كانت فكرًا يملك أدوات هدم الماضي (نزعة نيتشوية/تفكيكية)، لكنه يفتقر إلى أدوات بناء الغد (منطق كانطي تأسيسي). هذا ما جعله، بحسب تشخيص ربوح القاسي، "عاجزًا عن فهم 'الحدث'" – أي التحولات العنيفة الكبرى كالربيع العربي – الذي تحول إلى "هتاف" انفعالي أو تأييد سطحي، لا إلى رؤية قادرة على التحليل والتوجيه.

- العطب الثاني: النخب المتشرنقة، أو من "الفرديات النخبوية" إلى غياب "الكتلة التاريخية"

لم يكن ربوح يخشى توجيه سهام نقده إلى الداخل، إلى شركائه في الحقل الثقافي. ففي وصفه الدقيق والصادم، رأى ان ما نملكه في الواقع العربي ليس "نخبة" بالمعنى الفاعل، بل "فرديات نخبوية". هؤلاء الأفراد – رغم امتلاكهم المعرفة والكفاءة – ظلوا جزرًا منعزلة، "لا تلتقي على مستوى المكان أو الرؤيا أو حتى الأسئلة الكبرى". أما النخبة الحقيقية، في منظوره المستلهم من غرامشي، فهي "الكتلة التاريخية"؛ كتلة تتماسك حول رؤية مشتركة وأسئلة مصيرية، وتستطيع تحويل معرفتها إلى فعل يغير وجه التاريخ. غياب هذا الكيان الحواري الفاعل جعل من الصعب تجاوز حالة "التصحر الثقافي"، حيث تتبدد الطاقات في صراعات هامشية، وتفشل في تشكيل قوة مجتمعة قادرة على مواجهة إما "القوى اللا تاريخية" ذات الوعد الميتافيزيقي (كما يصف التطرف الديني)، أو "النخب اليَعقُوبِيَّة" العلمانية التي فشلت – برأيه – في استنبات قيم حداثية حقيقية في التربة المحلية.

العطب الثالث: الجامعة المُلغاة، أو الانفصام بين "المعرفة" و"الوعي" و"الفعل"

هنا يقدم ربوح تمييزًا فلسفيًا جوهريًا. فالنخب، أو "الفرديات النخبوية"، قد تكتظ أذهانها بالمعرفة، لكنها تفشل في تحويل هذه المعرفة إلى "وعي". والوعي عنده ليس مجرد حشو معلوماتي، بل هو "المقدرة على اكتشاف الذات التي تعي ذاتها والعالم المحيط بها... وأن تكون ذاتًا واعية وناقدة، فاهمة وتسأل باستمرار" هذا الفشل في التحويل ليس بريئًا؛ فهو مرتبط، في تشخيصه، بـ "العجز البنيوي" الذي أصاب الجامعة الجزائرية والعربية، والتي من المفترض أن تكون "عقل الدولة". لقد رأى أن النظام السياسي البائد عمل بوعي على "لَجْم" الجامعة وعزلها عن الهم العام، مما رفع "منسوب غياب الكفاءة" وأفقدها دورها كرافد للنقد وتقديم الرؤى المغايرة. وبذلك، حُوصرت المعرفة في أروقة أكاديمية، ومنعت من أن تصبح وقودًا للوعي النقدي، ومن ثم محركًا للفعل التغييري في الشارع والواقع.

العطب الرابع: النظام السياسي المُعطوب وشرعية القبضة الحديدية

لم يكن نقد ربوح منصباً على المثقفين والجامعة فقط، بل امتدّ بجرأة إلى النظام السياسي الذي نشأ في مرحلة "الدولة الوطنية" ما بعد الاستعمار. رأى ربوح أن هذا النظام، الذي ادعى الشرعية الثورية والتاريخية، قام في الحقيقة على "رؤية تصحيرية لكل المجالات، وبخاصة المجال الثقافي". لقد أسس لهيمنته على أيديولوجيا أشبه بـ "البرقع"، جمعت بين بقايا المنظور الريفي وترسبات النظام الاشتراكي، في مزيج غارق – بحسب وصفه – في "السطحية والابتذال".

كانت استراتيجية هذا النظام، كما حللها ربوح، قائمة على وأد أي صوت نقدي مستقل. فقد "دشّن مسلكًا يعتمد على إبعاد الشخصيات النخبوية، التي تمردت على خطابها، أو العمل على طردها من الفضاء العام وتهميشها". لقد سلط الضوء على مصير مثقفين كبار مثل كاتب ياسين، ومحمد البشير الإبراهيمي، ومفدي زكريا، ومحمد حربي، الذين دفعهم النظام إما إلى الصمت أو الانزواء أو المنفى. وفي المقابل، شجّع على ظهور "شخصيات نخبوية انخرطت وتورطت في خطاب النظام القائم، بحسب قناعات هشة"، جعلتها أقرب إلى فهم منطق السلطة منها إلى فهم قضايا المجتمع.

هكذا، تحولت "الشرعية الثورية" من إطار لتأسيس دولة المواطنة والحريات، إلى غطاء ميتافيزيقي لاستبداد جديد. لم يؤمن هذا النظام بـ "الرأي الآخر" لأنه رأى في أي اختلاف تهديداً لأسطورة تماسكه المطلق. وكانت النتيجة، كما لاحظ ربوح في سياق الحراك، "فترة عبثية من الحكم البائد" عملت على "لجم المؤسسة الجامعية ونخبتها عن التواجد والحضور والمشاركة في الفضاء العام، ومقاسمة الهموم الوطنية". لقد حورب كل من حاول تقديم رؤى مغايرة، مما خلق فراغاً فكرياً وسياسياً استغلته لاحقاً قوى التطرف والعنف من جميع الجهات.

العطب الخامس: الخطاب الديني المُشتَّت بين "الوعد الميتافيزيقي" و"التبرير السلبي"

يمثل تحليل ربوح للخطاب الديني السائد في الواقع العربي امتداداً طبيعياً لتشخيصه للنظام السياسي المعطوب، حيث يرى أن الخطاب الديني التقليدي وقع في فخين متكاملين ساهما في تعميق الأزمة بدلاً من حلها: فخ التبرير السلبي للواقع، وفخ المواجهة العدائية مع الحداثة.

لم يكن ربوح ينقد الدينَ كجوهر روحي أو قيمة أخلاقية، بل كان ينقد الخطاب المشوَّه الذي حوَّل الدين من قوة تحرر وإلهام إلى أداة لتبرير القصور التاريخي. رأى ربوح أن نسخةً من هذا الخطاب قد تحولت إلى "قوى لا تاريخية، ترى في نفسها الفئة المرشحة لامتلاك السلطة، بحسبانها وعدًا ميتافيزيقيًا، وبالنظر إلى كونها مالكة للحقيقة المطلقة" في هذه الرؤية المغلقة، يتحول التخلف إلى قدر إلهي أو عقاب غيبي، ويُصوَّر الغرب على أنه كتلة منحطة أخلاقياً جُعلت سلطةً على المسلمين عقاباً لهم. هذا المنطق، كما حلله ربوح، يؤدي إلى استقالة مريحة من الفعل التاريخي، ويحوّل الصراع من كونه صراعاً على بناء الذات والمستقبل، إلى مجرد رد فعل دفاعي يخلط بين مقاومة الهيمنة ورفض كل ما أنتجه "الآخر".

في المقابل، وفي الجانب النقيض، لم يُعفِ ربوح ما أسماهم "النخب اليَعقُوبِيَّة" العلمانية من النقد. فقد رأى أن خطابها العنيف والقمعي تجاه الموروث الديني، تحت شعار التحديث القسري، كان "عنفاً آخر استوطن في التجربة العلمانية العربية" هذه النخب، التي فشلت – برأيه – في "استنبات قيم حداثية داخل مجتمعات تقليدية" أو تقديم الكوني كقيم إنسانية مشتركة، ساهمت في استفزاز ردات الفعل الانكفائية وحصْر الدين في أيدي أصحاب الخطاب التبريري أو التكفيري.

هكذا، رسم ربوح صورة لـ خطاب ديني محاصر بين مطرقة قوى داخلية تختزله إلى أداة تبرير سلبي أو صراع هووياتي مغلق، وسندان قوى علمانية عنيفة ترفضه جملةً وتفصيلاً. وكانت النتيجة، في تحليله، تغريب الدين عن مجاله الحضاري الفاعل وإبعاده عن أن يكون مصدراً لأخلاقيات التجديد والحوار والتقدم. من هنا، جاء اهتمامه الشديد بفكر عبد الوهاب المسيري، الذي يقدم نقداً داخلياً للمادية الغربية من منظور إنساني يمكن أن يستوعب البعد الروحي دون انغلاق. كما أن مشروعه الشخصي حول إدوارد سعيد كان يهدف إلى تفكيك ثنائية "نحن" المتخلفة مقابل "هم" المتقدمة، والبحث عن هوية منفتحة وقادرة على الفعل.

لذا، فإن تشخيص ربوح للخطاب الديني يُكمل مشهد "الخطيئة الأصلية": فكما أن النظام السياسي عطَّل الفضاء العام، والنظام الفكري عطَّل قدرة البناء، فإن هذا النمط من الخطاب الديني – في بعض تجلياته – ساهم في تعطيل الطاقة الأخلاقية والروحية للأمة، وحَوْلها إما إلى طاقة سلبية مستسلمة، أو إلى طاقة غضب عدائي منكفئ على الذات. خروجه من هذا المأزق لم يكن في تبني خطاب ديني محافظ أو علماني متطرف، بل في البحث عن "حداثة عربية خالصة"، كما قال، قادرة على استيعاب التراث الروحي ضمن أفق نقدي ومنفتح، يجعل من الدين مصدراً للتساؤل عن العدل والحرية والكرامة، لا أداةً للهروب من مسؤولية التاريخ.

مشروع البناء: نحو فلسفة الفعل والشارع الأنطولوجي

إذا كان تشخيص البشير ربوح لواقع التخلف العربي قد بلغ قسوة تشريح الجثة، فإن مشروعه للبناء كان جراحة طموحة لإعادة إحيائها. لم تكن "فلسفة الفعل" و"الشارع الأنطولوجي" مجرد مصطلحات براقة، بل كانتا خارطة طريق عملية للخروج من دائرة العطب الخماسي (الفكر التشريحي، النخب المتشرنقة، النظام السياسي المعطوب، الخطاب الديني المشتت، والمنظومة الثقافية الفاسدة). كان مشروعه إجابة على سؤال مركزي: كيف نتحول من حالة "القصور التاريخي" إلى "الفعل الحضاري"؟

فلسفة الفعل: من التأمل إلى التغيير

لم تكن 'فلسفة الفعل' عند البشير ربوح اصطلاحاً عابراً، بل كانت مشروعاً فكرياً مؤسسياً حاول أن يلتقط، مع فلاسفة عرب معاصرين، نبض اللحظة التاريخية. فقد شارك ربوح في تحرير كتاب جماعي حمل هذا العنوان، وقدم له الفيلسوف التونسي عبد العزيز العيادي تصديراً يعد بمثابة بيان نظري لها، عرّفها بأنها 'هيئة الفكر التي تستجمع صيغة الوجود التامة لكيان الإنسان في العالم' و 'التعبير عن رغبة المقاومة العاملة على تعرية الذحل الفردي والقهر الجماعي' من هذا المنطلق المتقدم، انطلق ربوح ليجعل من الفلسفة سلاحاً للتحرر.

في قلب مشروع ربوح تقف "فلسفة الفعل" كبديل جذري للنزعة التأملية المجردة. لم يكن يرى في الفلسفة "تفسيراً للعالم" فحسب، بل أداةً لتغييره من خلال الفعل الواعي المسؤول. لقد ميّز بوضوح بين "المعرفة" المجردة و"الوعي" النقدي الفاعل، مؤكداً أن الوعي هو "المهمة العسيرة في صناعة الفعل". من هنا، كانت فلسفته دعوةً لتحويل الطاقة الفكرية إلى إرادة عملية، تنتقل من التحليل النظري للأزمة إلى اختراقها عملياً عبر الممارسة النقدية المستمرة. كان هدفه تحرير الفكر من أسْر "النصوص التشريحية" ليكون فكراً تأسيسياً يبني ولا يهدم فقط.

الشارع الأنطولوجي: الفعل في قلب الواقع

إذا كانت "فلسفة الفعل" هي النظرية، فإن "الشارع الأنطولوجي" كان التطبيق الأكثر جرأةً وحداثةً. استقى ربوح هذه الفكرة من حراك 2019 الجزائري، الذي رآه "منعطفاً تاريخياً" وفرصة وجودية نادرة. لم يعد الشارع مجرد مكان للاحتجاج، بل تحول في رؤيته إلى فضاء أنطولوجي (وجودي) تتحقق فيه "الكينونة الحقيقية والقادمة" للمجتمع. وهنا، انتقل ربوح من تنظيم الحوارات إلى الانخراط المباشر في الفعل التاريخي الجمعي. كان حضوره في الشارع تطبيقًا حيًا لمفهوم "الشارع الأنطولوجي"، حيث يتحول الفضاء العام إلى مدرسة للتسييس وفعل الكينونة. لم يكن متفرجًا ولا هاتفًا فقط، بل كان قارئًا وفاعلًا: يحلل شعارات الحراك بلغة هايدغر، ويدعو إلى تحويل الزخم العفوي إلى "فعل واعٍ ومسؤول" يؤسس لمرحلة جديدة. بهذا، اختصر مسارًا طويلاً: من مقاومة "القحط الثقافي" في ندوة صغيرة، إلى المشاركة في صناعة "المنعطف التاريخي" في ساحات البلاد.

لقد طبق ربوح أدواته الفلسفية ببراعة، مستخدماً مقولة هايدغر "اللغة بيت الكينونة" لتحليل لغة الحراك: شعاراته، رموزه، صوره. كان يرصد من خلالها "القطائع المختلفة التي باشرها الجيل الجديد مع الماضي بكل وجوهه". الشارع الأنطولوجي هو المكان الذي تتحول فيه الطاقة العفوية إلى فعل مؤسس، ويتحول الهم الشعبي إلى مشروع حضاري. كان ربوح يدعو المثقفين إلى "النزول إلى الشوارع الأنطولوجية"، مغادرين أبراجهم العاجية ليكونوا شركاء في صناعة التاريخ، لا مشاهدين له.

الكتلة التاريخية: من الفرديات النخبوية إلى التجمع الفاعل

كيف ننتقل من "الفرديات النخبوية" المتشرنقة إلى الفعل الجماعي المؤثر؟ قدم ربوح حلاً مستلهماً من غرامشي: بناء "كتلة تاريخية". هذه الكتلة ليست تجمعاً عشوائياً، بل هي تحالف عضوي بين النخب الملتزمة من مختلف التوجهات، تجتمع حول "رؤية ثورية" و"أسئلة كبرى" مشتركة. هدفها تحويل فاعليتها إلى مستوى أعلى من الحركة، لتشكل محركاً اجتماعياً قادراً على تفعيل المجتمع.

ركائز هذه الكتلة هي القيم التي رآها ربوح أساسية للحداثة الحقيقية: النقد، الحوار، التجاوز، التفكيك، المسؤولية، الفردية الفاعلة، الإيمان بالاختلاف، الاعتقاد في الغيرية، الانفتاح. كانت هذه القيم نقيضاً تاماً لقيم "نظام التفاهة" والاستبداد السياسي والخطاب الديني المغلق.

لقد رأى ربوح أن العائق الأول والأعمق هو انحسار الفضاء الثقافي الجاد واستبداله بمناخ من التسطيح والانتهازية. كانت استجابته العملية المباشرة هي خلق فضاءات حوار حية تتحدى هذا المناخ. فلم يكتفِ بالتنظير لـ "الكتلة التاريخية"، بل أسس نموذجها العملي الناشئ من خلال الندوات السبتية واللقاءات الرمضانية التي كان ينظمها فرع الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية في رأس الوادي وبرج بوعريريج. كان يسافر ليلاً في رمضان مسافات تصل إلى 500 كلم لضمان استمرار هذه الشعلة الفكرية، مجسدًا بذلك أن "الفعل الصادق هو الذي يضعنا في قلب التاريخ". كانت هذه اللقاءات مختبرًا عمليًا لتحويل "الفرديات النخبوية" المبعثرة إلى نواة لجماعة فكرية متحاورة، تقاوم العزلة والانغلاق.

المثقف الجديد: من الانتهازية إلى المسؤولية التنويرية

كان ربوح واعيًا بأن الجامعة الجزائرية، كجزء من النظام المعطوب، قد عزلت نفسها. لذا، سعى إلى كسر حاجز العزلة بين الجامعة والجمهور. إدارته النشطة للجمعية الفلسفية لم تكن شكلاً إداريًا، بل كانت آلية لجرّ الأستاذ الجامعي من برجه العاجي إلى ساحات النقاش في المدن والقرى الصغيرة. لقد جسّد نموذج "المثقف التنويري المناضل" الذي يدعو إليه، ليس بالقول بل بالفعل: مثقف ينزل إلى الناس، ويشاركهم همومهم، ويجعل من معرفته سلاحًا للتحرر وليس لقبًا للامتياز.

في مواجهة "المثقف الانتهازي" و"النخب اليَعقُوبِيَّة" الفاشلة، قدّم ربوح نموذجاً جديداً للمثقف: المثقف التنويري المناضل. هذا المثقف لا يكتفي بالمعرفة، بل يحولها إلى وعي ثم إلى فعل. دوره ليس ترفياً بل "تنويري، نضالي، يسعى إلى إنجاز حالة الحضور الدائم في الفضاء العام". كان ربوح نفسه نموذجاً حياً لهذا المثقف: القريب من الناس في الأسواق والمقاهي، المنظم للندوات في القرى والمدن الصغيرة، المشارك بجسده وفكره في الحراك.

ان المثقف الجديد الذي دعا إليه ربوح هو من يستوعب أبعاد الفعل الأربعة: يربط قوله بفعل أخلاقي واضح، فكل فعل 'يتضمن اتهاماً، أو اعتذاراً، أو تبرئة، أو حمداً أو ذماً" ويجعل من فكره مقاومة سياسية دائمة ذلك ان "الانتفاضة لن تغير شيئاً، والكتاب لن يكتمل، والبناء لن يستمر، والاحتجاج لن يثمر ما لم يكن للإرادة شجاعة مواصلة ما استهلته."

وينخرط في الفضاء العمومي الاجتماعي "لا أحد يفعل منعزلاً، ذلك أنّ الفعل حتى وإن كان يصدر عن الفاعل الفرد فإنّه لا يصدر عنه منعزلاً" ويحمل مسؤولية وجودية تجاه تاريخه ومجتمعه. إنه المثقف الذي 'ليست مخربشاً ولا صغير كتّاب، بل عقل تتحول أفعاله إلى جزء من التاريخ البشري. "لسنا بالمخربشين ولا بصغار الكتبة، وإنّما عقول تتحول أفعالها إلى جزء من التاريخ البشري الشامل"

ولمواجهة هيمنة الخطاب التشريحي المجرد أو الخطابات الدينية والسياسية المغلقة، انخرط ربوح في صناعة خطاب نقدي بديل قادر على مخاطبة العقل العام. تحولت حواراته الصحفية والإذاعية والتلفزيونية – كمشاركته في برنامج "المعنى" – إلى منصة لتقديم الفلسفة بلغة واضحة وجريئة. من خلالها، قدم قراءات نقدية للمسيري وهايدغر وإدوارد سعيد، لا كمادة أكاديمية صرفة، بل كأدوات لفهم الواقع العربي والعلاقة المعقدة مع الغرب. لقد حوّل وسائل الإعلام، التي غالبًا ما تكون أداة في "نظام التفاهة"، إلى "شارع أنطولوجي" إعلامي، حيث يتحول الحوار الفلسفي إلى فعل تنويري عام.

وهكذا، يرحل البشير ربوح جسداً، لكنه يترك لنا إرثاً حياً يدعونا إلى فضاء 'تلتقي فيه النفوس النبيلة' من أجل التأسيس المشترك. إن مشروعه ليس مجرد تحليل، بل هو 'أفق بازغ' لحظة تاريخية حاسمة تتطلب منا 'تثوير قدراتنا المتعددة'. فكما أن 'الفعل الصادق هو الذي يضعنا في قلب التاريخ'، فإن استئناف هذا الفعل هو الضمانة الوحيدة لتحويل 'همس يتامى الدهر' إلى صوت مؤسس، ولتحمل 'نوازل الزمن' بشحنة وجودية تجعلنا 'نطمح في أفق جديد وطريف'. هنا تصبح الذاكرة فعلاً، والغياب حضوراً، والنص فلسفة تتحرك من جديد."

***

عمرون علي - أستاذ الفلسفة

إن سؤال الثقافة في العراق لا ينتمي إلى فضاء التنظير المجرد ولا إلى رفاه النقاشات المغلقة، ولا يقتصر على همّ جمالي أو نخبوية معزولة، بل يتخذ بعداً وجودياً ومصيرياً، يتشابك مع السياسة والهوية والسلطة والخوف، ويمتد أثره إلى مستقبل الدولة والمجتمع في آن واحد.

فالثقافة، في معناها العميق، ليست إنتاج نصوص ولا إقامة مهرجانات ولا تراكم ألقاب أكاديمية. إنها فعل مساءلة دائم، واشتباك مع السائد، ومحاولة مستمرة لإعادة تعريف الإنسان والعالم. وهي لذلك، بطبيعتها، في حالة توتر دائم مع كل سلطة مغلقة، سياسية كانت أم دينية أم اجتماعية.

وحين نسأل: هل يمكن للثقافة أن تنهض والمثقف أن يُبدع ويتألق في ظل الطائفية وتكالب الأحزاب؟ فإننا في الحقيقة نسأل: هل مازال للعقل مكانة في بلد تحكمه الانتماءات الضيقة وتُدار شؤونه بمنطق الغلبة لا الكفاءة؟ِ

من هنا ينبثق الإشكال العراقي: فالنظام الطائفي لا يرى في الثقافة أداة معرفة، بل عامل إرباك. إنه يحتاج إلى جمهور مطمئن إلى رواية واحدة، لا إلى مواطنين يطرحون الأسئلة. ولهذا لا تُقمع الثقافة صراحة دائماً، بل يُفرغ حضورها من محتواه، ويُعاد تدويرها بوصفها نشاطاً احتفالياً بلا أثر.

الطائفية ليست مجرد انقسام اجتماعي، بل هي منظومة تفكير تعيد تعريف الفرد بوصفه عضوًا في جماعة مغلقة، لا بوصفه مواطناً حراً. وفي ظل هذه المنظومة: يُختزل المثقف إلى "ممثل طائفي" شاء أم أبى، ويُنظر إلى الرأي بوصفه موقفاً هوياتياً لا اجتهاداً فكرياً، ويُفسر النقد باعتباره عداءً للجماعة لا محاولة إصلاح.

بهذا المعنى، تُلغى المساحة المشتركة التي تُعد شرطاً أساسياً لنهضة أي ثقافة وطنية. فالثقافة لا تزدهر في الجزر المنعزلة، بل في الحوار والتفاعل والتعدد، وكلها قيم تناقض جوهر الطائفية.

أمام هذا الواقع، وجد المثقف العراقي نفسه أمام خيارات قاسية، كلها ناقصة: الصمت بوصفه وسيلة بقاء، والتكيف بوصفه تنازلاً تدريجياً، والعزلة داخل الوطن، أو الهجرة إلى الخارج، حيث تتوافر حرية التعبير لكن يغيب التأثير المباشر.

ليس من المبالغة القول إن تاريخ الدولة العراقية الحديثة كُتب، في أحد وجوهه، على حساب مثقفيها. فقد وُضع المثقف العراقي، منذ منتصف القرن العشرين، باستمرار أمام معادلات قاسية لا تترك له سوى هامش ضيق للاختيار: إما الصمت أو القمع، إما التكيف القسري أو المنفى. وما بين ما قبل 2003 وما بعده، تغيّرت الأشكال وبقي الجوهر واحداً: سلطة معادية للعقل النقدي، ولو اختلفت لغتها وشعاراتها.

ولهذا لا تبدو ظاهرة بروز المثقفين العراقيين في الخارج مصادفة، بل نتيجة طبيعية لبيئة داخلية طاردة للعقل النقدي. أما من بقي في الداخل محافظاً على استقلاله، فقد دفع ثمناً مضاعفاً من التهميش والتشويه وربما التهديد.

قبل 2003، عاش المثقف العراقي في ظل دولة شمولية لا ترى في الثقافة سوى أداة تعبئة أو تهديداً محتملاً. كان المطلوب منه أن يتحول إلى بوق أيديولوجي، يجمّل خطاب السلطة ويمنحها شرعية رمزية. من قبل بذلك، حصل على امتيازات محدودة ومراقَبة؛ ومن رفض، واجه السجن أو الإقصاء أو التهجير أو الموت.

لم يكن المنفى خياراً رومانسياً، بل ضرورة وجودية. آلاف الكتاب والأكاديميين والفنانين غادروا العراق، لا بحثاً عن رفاه، بل هرباً من آلة أمنية لا تتسامح مع الاختلاف. أما من بقي، فقد اضطر إلى ممارسة نوع من "الرقابة الذاتية"، يكتب ما لا يقول، ويقول ما لا يؤمن به، في محاولة للبقاء.

على الرغم من هذا المشهد القاتم، فإن الحديث عن موت الإبداع في العراق يظل حكماً جائراً. فالإبداع لا يموت بسهولة، لكنه قد يُدفع إلى الظل. وما نراه اليوم هو انتقال الثقافة من المركز إلى الهامش، ومن المنابر الرسمية إلى المساحات البديلة.

ثمة نصوص تُكتب ولا تُروّج، وأعمال فنية تُنجز بلا دعم، وأصوات شابة تحاول كسر القوالب الطائفية واللغات الجاهزة. هذا الإبداع لا يملك سلطة الانتشار، لكنه يملك صدق التجربة، وغالباً ما يشكل نواة تحولات لاحقة.

الطائفية لا تُعلن الحرب على الثقافة، لكنها تفرغها من معناها. فهي لا تحاصر الكتاب مباشرة، ولا تحرق الكتب علناً، لكنها تُعيد تشكيل الوعي الجمعي بطريقة تجعل السؤال الحر فعلاً مشبوهاً، والنقد خيانة، والاختلاف تهديداً للتماسك الموهوم.

في مناخ طائفي، يُطلب من المثقف أن يُعرّف نفسه أولاً من خلال انتمائه لا من خلال فكره، وأن يُحسب على "هذه الجماعة" أو "تلك"، لا على ضمير المجتمع. وهنا تفقد الثقافة وظيفتها الأساسية: تفكيك المسلمات، وفتح أفق التفكير، وكسر السائد.

بعد عام 2003، لم تكتف الأحزاب العراقية بإدارة السلطة السياسية، بل تمددت إلى المجال الثقافي والإعلامي، وحاولت إعادة إنتاجه على صورتها. فغدت المؤسسات الثقافية ودور النشر والمنابر الإعلامية وحتى الفعاليات الفنية، خاضعة لمنطق المحاصصة والولاء.

وفي ذات العام، حيث كنتُ مديراً عاماً لتلفزيون شبكة الإعلام العراقي، (التي سميناها "العراقية" لاحقاً)، أنبرى خطيب مسجد في بغداد ليعلن رأيه دون خوف أو مواربة، ويقول: "كيف يمكن لإعلامي ليس من دين الغالبية ويحمل الجنسية الكندية أن يكون رئيساً للتلفزيون العراقي".

ومن هنا، لم يعد الدعم الثقافي يُمنح على أساس الجودة أو الإضافة الفكرية، بل على أساس القرب من هذا الحزب أو ذاك. وتحول المثقف من ناقد للسلطة إلى موظف لديها، أو عدوّ يجب تحييده. وأمام هذا الواقع، وجد المثقف نفسه محاصراً بين خيارات كلها مُرَّة: إما الصمت والانكفاء، أو التكيّف والتنازل، أو العزلة داخل وطنه، أو "المنفى الداخلي"، أو الهجرة الجغرافية. وهذا ما يفسر بروز كثير من المثقفين العراقيين في الخارج أكثر مما يُسمح لهم بالبروز في الداخل.

رغم كل هذا، فإن القول بموت الثقافة أو أنعدام الإبداع سيكون حكماً متسرعاً. فالتاريخ يعلمنا أن الإبداع كثيراً ما يولد في أحلك الظروف، وأن أعظم الأعمال الفكرية والأدبية خرجت من رحم القمع والتهميش.

لكن الفارق أن الإبداع في هذه السياقات لا يكون احتفالياً أو مدعوماً، بل فعل مقاومة لا ترفاً، وشهادة أخلاقية لا وظيفة، وصوتاً فردياً في مواجهة جوقة عالية.

في العراق اليوم، ثمة كتاب وفنانون وشعراء: يكتبون خارج القوالب الطائفية، ويرفضون الاصطفاف، ويؤمنون بأن الثقافة موقف قبل أن تكون مهنة. غير أن أغلب هؤلاء يعملون في الهامش، بلا منصات، وبلا حماية، وبلا اعتراف رسمي.

إن نهضة الثقافة لا تُصنع بقرار حكومي ولا بمهرجان موسمي، إنها عملية تراكمية طويلة تبدأ حين يتحرر المثقف من الخوف، ويستعيد المجتمع احترامه للعقل والمعرفة، وتكف الدولة عن معاداة السؤال الحر، وتُنفصل الثقافة عن دكاكين السياسة. وهذا المسار غالباً ما يبدأ من قلة عنيدة، لا من أغلبية صاخبة.

الثقافة في العراق اليوم لا تعيش زمن النهضة، بل زمن الاختبار: اختبار الضمير، والاستقلال، والقدرة على الصمود. وفي مثل هذه الأزمنة، لا يُقاس المثقف بعدد الجوائز ولا بحجم الحضور الإعلامي، بل بقدرته على قول الحقيقة، ولو وحيداً . فهؤلاء وحدهم، لا سواهم، هم بذرة أي نهضة ثقافية قادمة، مهما تأخرت.   

نعم، يمكن للمثقف أن يُبدع في ظل الطائفية وتكالب الأحزاب، لكن ذلك الإبداع سيكون مكلفاً، هشاً، ومحاصراً. ومع ذلك، فإن كل نص حر، وكل موقف مستقل، وكل رفض للانخراط في القطيع، هو لبنة صغيرة في بناء مستقبل مختلف.

فالثقافة لا تنهزم حين تُقمع، بل حين تستسلم. والمثقف الحقيقي لا يُقاس بمدى قربه من السلطة، بل بمدى اقترابه من ضمير المجتمع، حتى لو بقي وحيداً.

خاتمة

قدر المثقف العراقي، حتى الآن، أن يعيش دائماً "ضد التيار": ضد الدكتاتورية بالأمس، وضد الطائفية اليوم. وبين هذا وذاك، ظل المنفى حاضراً بوصفه حلاً فردياً لمأزق جماعي. لكن المجتمعات لا تُنقذ بالهجرة، بل بإعادة الاعتبار للعقل والمعرفة. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يأتي يوم يصبح فيه العراق وطناً صالحاً لمثقفيه، لا طارداً لهم؟

***

جورج منصور

لا يصدر اي عمل أو فعل انساني من فراغ، إذ تقف خلفه دائماً نية، بوصفها قصداً موجهاً ومعنى سابقاً للفعل، غير أن هذه النية لا تتشكل في فراغ أخلاقي محايد، بل تصاغ داخل بنية ثقافية واجتماعية تحدد مساراتها وتمنحها مشروعيتها، فالنية وإن بدت فطرية في ظاهرها إلا أن في حقيقتها نتاج تفاعل مع منظومات التربية، والتعليم، والدين، والايديولوجيات، والسلطة، أي أنها بناء ثقافي بامتياز. ومن هنا لا يمكن النظر إلى النية الحسنة باعتبارها قيمة أخلاقية مطلقة، بل بوصفها مفهوما نسبياً تحدده الثقافة السائدة ومصالح القوى التي تنتجها.

فالثقافة لا تحمل بُعدا أخلاقيا صافيا، بل تتضمن الحسن والسيء، ووفقاً لمعاني النية ومقاصدها، فالنية قد ترتبط بالفطرة الحسنة بمعناها العام، لكن ثقافياً فهي أيديولوجيا تتحكم بالفرد وتسعى لتوجيه حياته نحو أمر ما. لذلك تجد بوردو يربطها بالطبقة المهيمنة أو الوعي الثقافي السائد، حيث يتجلى هذا الوعي الثقافي عن طريق المدرسة والمؤسسات متعددة المهام والمراجع الثقافية والاعلام، بوصفها الأمكنة التي تملك رأس المال الثقافي وتمول المجتمع بالمعارف والمهارات والنوايا، وفي مجتمعاتنا العربية غالبا ما تتولى السلطة سياسية أو دينية دور الممول الثقافي، فتحدد ما ينبغي عده حسناً أو قيماً، وما يجب رفضه أو تهميشه.

فالمعرفة والمهارات والنوايا التي تكسبها الأسرة عن طريق المدرسة والمؤسسات وتزود بها الأبناء على أنها نوايا ثقافية حسنة أو سمات تميز الذوق الرفيع أو السليم أو الاهتمامات الخاصة سواءاً كانت هذه الميزات ذات أبعاد مدنية ام دينية ام سياسة ام ثقافية ام اجتماعية فهي تظهر كنوايا حسنة وطبيعية غير أنها في الحقيقة نوع من أنواع السيطرة التي تمارسه السلطة بشكل ناعم عبر الاقناع والتطبيع، لا عن طريق القسر المباشر.

وقد تتعدد هذه النوايا منها ما تجده هذه الأيام من نوايا ثقافية حسنة تفرض عن طريق الرفض للفن والتشكيك في الجمال والمعارض الثقافية، او المحاكمة الثقافية التي تمارس من قبل بعض المتثاقفين وأصحاب الفكر الديني أو المدني للإرث الثقافي لمجتمعهم تتمثل في نقد حياة شخصيات أو جماعات وعدم التفريق بين ما يقدمونه من معارف وفنون وحياتهم الشخصية، اذ ان الموضوعية توجب علينا النظر لهم بوصفهم بشرا ولهم مشاعر وخطايا، وليسوا ملائكة. وتاريخ الفكر الإنساني حافل بفلاسفة ومفكرين وعلماء حملوا تناقضاتهم واخطائهم، ومع ذلك شكلت أفكارهم ركائز أساسية لتقدم مجتمعاتهم، إذ أن تجاهل هذا الجانب لا يعني حماية الأخلاق، بل تكريس للعنف الرمزي ضد الثقافة والاختلاف والذات الإنسانية.

فالسلطة تهمين وتمارس عنفها الرمزي عن طريقنا، وعن طريق الجمعيات والمؤسسات والجماعات اذا ان الأمر لا يقتصر على هذا الجانب، بل حتى تصل إلى أدق التفاصيل في حياتنا اليومية فحين تدفع الاجيال الجديدة إلى ميادين وتخصصات ومسارات علمية أو سياسية أو دينية بحجة المكانة الاجتماعية أو لكونها تنسجم مع متطلبات الرقي وقيم النجاح، ما هي إلا بُعد آخر من السيطرة والعنف الرمزي الذي يمارس بحق قدرات الأبناء والجيل الجديد.

إذن النوايا الثقافية الحسنة هي منظومة متكاملة من الميول والاستعدادات لتقبل فكرة وجود أمر ما على أنه طبيعي من سلوك وأدوار ونوايا. فالفساد والمحاصصة والمحسوبية والطائفية وضياع المال العام بجميع انواعه في الدولة وما تضمه من كيانات سياسية واجتماعية وثقافية ورياضية اصبح لدينا تقبل على أنه شيء طبيعي حتى لو كانت تخدم طبقة معينة في مجتمعنا.

فالهيمنة غير المباشرة والخفية التي تمارسها الطبقة المهيمنة أو السلطة عبر فرض ثقافتها وقيمها وسلوكياتها على باقي الطبقات تجعلهم يتقبلونها كأمر طبيعي أو كفشل شخصي بدلاً من رؤيتها كأداة للقوة والسيطرة.

وعن طريق هذه النوايا يتم إعادة إنتاج النظام الاجتماعي لا عبر القمع المباشر، بل عن طريق مكافأة الامتثال تكريم الفشل الوظيفي، ودعم التملق، واسناد القرار إلى من يفتقر للكفاءة والضعيف، حيث يُعاد تعريف الفشل على انه اختيار فردي أو نقص شخصي، بدلاً من كشفه لكونه نظاماً طبقياً غير عادل.

لذا فإن أخطر أشكال الهيمنة ليست تلك التي تمارس بالقوة، بل التي تمارس باسم النية الحسنة والأخلاق والدين، حينها تتحول الثقافة إلى أداة طيعة لإدامة السيطرة، ويغدو الأفراد شركاء في إخضاع أنفسهم دون وعي.

فالنوايا الثقافية الحسنة ليست مجرد صفات فردية أو مجتمعية، بل هي ممارسات واذواق يكتسبها الأفراد وتكافأ اجتماعيا، لكنها في جوهرها أداة لترسيخ النظام الطبقي وهيمنة السلطة و الامتيازات غير المتساوية عبر آليات ثقافية خفية.

***

كاظم لفتة جبر

 

أزمة مزدوجة في قلب المنظومة الأكاديمية

في بلد يمتلك من الإرث العلمي ما يؤهله للريادة، ومن الكفاءات البحثية ما يبعث على الفخر، لا يزال البحث والنشر العلمي في العراق يعانيان من تهميش مزدوج: داخلي يتمثل في ضعف البنية المؤسسية والثقافة البحثية، وخارجي يتمثل في محدودية الحضور في المنصات والمؤتمرات العالمية. هذه المفارقة ليست قدرا، بل نتيجة تراكمات تاريخية من الاهمال وانعدام التمويل والفساد الإداري، جعلت من إصلاح منظومة البحث والنشر ضرورة وطنية واستراتيجية، لا مجرد مطلب أكاديمي.

المهمة الغائبة وسط ضجيج النشر

من المؤسف أن يختزل النشاط البحثي إلى إنتاج أوراق تستخدم لاجل الترقية أو التصنيف، دون أن ترتبط بمشكلات المجتمع أو تسهم في التنمية. هذا التصور المشوه لا يعكس جوهر المهمة الأكاديمية، ولا طموح الباحثين الحقيقيين الذين يواصلون العمل رغم غياب الحوافز وضعف الدعم وتحديات التمويل. البحث العلمي هو فعل معرفي أصيل، والنشر هو امتداده الطبيعي، لا غايته الوحيدة.

قلة من الباحثين العراقيين يسعون إلى النشر في المجلات العالمية، لا لأجل الترقية فحسب، بل مدفوعين بوازع يتجاوز الاستحقاق الوظيفي، ونحو حل مشاكل الوطن، وإحداث الأثر، وإثراء المشهد العلمي. إلا أن واقع الحال يشير إلى أن نتاجاتهم البحثية تعد غالبا مجرد بيانات كمية في سياق المنافسة على التصنيفات، بدلا من تقديرها كطروحات فكرية تعالج القضايا الوطنية العراقية.

إعادة توجيه البحث نحو التنمية

تحويل البحث والنشر إلى سباق عددي يفرغ العملية من معناها. المطلوب هو إعادة توجيه الجهد العلمي نحو خدمة المجتمع، عبر تشجيع المشاريع التي تعالج مشكلات محلية، وتنتج معرفة قابلة للتطبيق، وتسهم في التنمية الوطنية. العراق يواجه تحديات مركبة في الطاقة والمياه والتعليم والصحة والبطالة والبيئة، وكلها تحتاج إلى أبحاث تنشر وتناقش وتترجم إلى سياسات.

يجب أن تعيد الجامعات النظر في سياسات التقييم الأكاديمي، بحيث لا تكافئ الباحث على عدد الأوراق فقط، بل على أثرها، وارتباطها بالمجتمع، وقابليتها للتطبيق. ويجب أن تربط مكافآت النشر بالنتائج، لا بالأرقام، وأن تمنح الأولوية للأبحاث التي تسهم في بناء اقتصاد المعرفة وتحسين جودة الحياة وتعزيز السيادة العلمية للعراق.

المشكلة في عدم تحقيق هذه الاهداف تكمن في غياب الديمقراطية وحرية الفكر، حيث تدار السياسات التعليمية والعلمية ضمن منظومة مغلقة لا تسمح بالنقد او المشاركة المجتمعية، وفيها تقصى الكفاءات، وتهمش العقول المستقلة، ويحاصر التفكير الحر، وكما تذكر نور عبيد في المرصد الجامعي للحقوق تُدار الجامعات العربية: "بمنطق لبيك يا زعيم، حيث تصعد الجداجد إلى المنابر، والفارغون إلى مواقع القرار. تتحول الوظيفة إلى "حصة"، والدرجة العلمية إلى "غنيمة"، والبحث العلمي إلى إعلان ولاء. يُطرد المبدع لأنه يرفض الركوع، ويُهمّش الفاعل لأنه يزعج الصمت المطيع".

هكذا تتحول الجامعة من مصنع وعي إلى ثكنة للحرس القديم، من فضاء عقل إلى مكتب خدمات سياسي، ومن بيت للبحث إلى بقرة حلّابة تُوزع مقادير حليبها على الحاشية العلّامة بضروب الفساد.

البحث والنشر كمسار مزدوج وطني وعالمي

ينبغي أن ينظر إلى البحث والنشر العلمي لا كمجرد نشاط أكاديمي معزول، بل كمسار مزدوج متكامل يحمل بعدين متلازمين: بعد وطني وبعد عالمي. فالمسار الوطني يعنى بتعزيز الهوية المعرفية والثقافية، ويسهم في معالجة التحديات المحلية، ويكرس البحث كأداة لبناء المجتمع وخدمة قضاياه التنموية والاجتماعية. إنه مسار يعيد للجامعة دورها كمحرك للتغيير ومصدر للحلول، ويرسخ العلاقة بين المعرفة والواقع.

أما المسار العالمي، فهو الذي يربط الباحث العراقي بالشبكات العلمية الدولية، ويعزز حضوره في فضاء إنتاج المعرفة العالمي، ويسهم في نقل التجارب والخبرات وتبادل الرؤى والانخراط في الحوارات الكبرى التي تشكل مستقبل العلوم والمجتمعات. هذا المسار لا يعني الذوبان في الآخر، بل المشاركة الفاعلة من موقع الندية والتميز.

كلا المسارين ليسا متعارضين، بل متكاملان ومترابطان، ويجب أن يحظيا معا بالدعم المؤسسي والتربوي والتقني. فبدون بيئة حاضنة تقدر البحث ذي القيمة المجتمعية، وتشجع في الوقت ذاته على النشر الرصين في المنصات العالمية، سنظل أسرى منطق الاستهلاك الإحصائي الذي يفرغ البحث من مضمونه، ويحولّه إلى أرقام بلا أثر. المطلوب هو إعادة تعريف النجاح البحثي ليشمل الأثر المحلي والاعتراف الدولي معا، في إطار رؤية وطنية واعية ومفتوحة على العالم.

إصلاح المجلات الوطنية

تصدر الجامعات العراقية عشرات المجلات العلمية، لكن معظمها خارج التصنيفات الدولية وتعاني من ضعف التحكيم وتكرار المحتوى والتأخير في المراجعة والنشر وغياب الاستمرارية. المطلوب هو رفع معايير التحكيم واعتماد النشر المفتوح وتدريب المحررين وربط المجلات بمراكز القرار الحكومي لضمان التمويل والاستقرار. يمكن إطلاق "البرنامج الوطني لتأهيل المجلات العراقية"، بهدف تصنيف 50 مجلة خلال خمس سنوات، وتوجيه المجلات العلمية نحو التخصص الدقيق في مجالات تمثل نقاط قوة وتميز للجامعة، مع تعزيز انفتاحها على النشر المشترك مع باحثين فاعلين من خارج العراق، وذلك ضمن عدد محدود ومدروس من المجلات التي تعكس فيها الهوية البحثية للمؤسسة وتسهم في رفع مستوى التأثير العلمي والتعاون الدولي.

تمكين الباحث العراقي

يعاني الباحث العراقي من تحديات بنيوية ومعرفية تعيق قدرته على تنفيذ أبحاث رصينة ونشرها في المنصات العالمية المعتبرة. من أبرز هذه التحديات ضعف التمويل المخصص للبحث العلمي، مما يحد من إمكانية إجراء دراسات ميدانية أو تجريبية ذات جودة عالية. كما أن غياب التدريب المنهجي على مهارات البحث وأساليب الكتابة الأكاديمية وآليات النشر الدولي، يسهم في اتساع الفجوة بين الباحث العراقي ونظرائه في العالم.

يضاف إلى ذلك ارتفاع رسوم النشر في العديد من المجلات المفهرسة، والتي تطلب أجورا باهظة من الباحثين، في ظل غياب سياسات دعم واضحة من المؤسسات الأكاديمية والتي يتوجب على الجامعات تثبيط النشر فيها وبدلها يتم دعم النشر في المجلات المجانية الرصينة، التي تتيح النشر دون مقابل، وتعد خيارا مهما للباحثين في البيئات محدودة الموارد.

ولتمكين الباحث العراقي، لا يكفي تقديم حلول جزئية، بل المطلوب هو بناء منظومة دعم متكاملة تشمل تخصيص صناديق تمويل بحثي ونشري، وتوفير خدمات تحرير أكاديمي احترافية تساعد الباحث في تحسين جودة كتابته وتوافقها مع المعايير الدولية، وتنظيم ورش تدريبية مستمرة في منهجيات البحث والنشر، تستهدف مختلف مراحل المسار الأكاديمي.

كما ينبغي بناء شراكات دولية استراتيجية مع جامعات ومراكز بحثية عالمية، تتيح فرص التعاون والنشر المشترك، وتسهم في نقل المعرفة وتبادل الخبرات. ويجب أن تصمم هذه المبادرات ضمن رؤية وطنية واضحة، تدرك أن تمكين الباحث ليس ترفا، بل ضرورة لبناء مجتمع معرفي قادر على الإسهام في حل مشكلات العراق، وتعزيز حضوره في صناعة المعرفة العالمية.

تعزيز النشر باللغة العربية

في الوقت الذي يشجع فيه النشر باللغة الإنجليزية لأغراض الترقية الأكاديمية، يلاحظ تهميش متزايد للنشر باللغة العربية، حتى في التخصصات التي ترتبط مباشرة بالواقع الثقافي والاجتماعي، كالفلسفة والتربية والعلوم الإنسانية والاجتماعية والتاريخية. هذا التوجه يضعف قدرة البحث العلمي على خدمة المجتمع ويقصي جمهورا واسعا من الباحثين والطلبة عن الاستفادة من المعرفة المنتجة. من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار للنشر بالعربية من خلال تقديم حوافز أكاديمية واضحة، واحتسابه ضمن متطلبات الترقية، خاصة في التخصصات ذات الطابع المحلي. كما يتطلب الأمر دعم المجلات المحكمة التي تنشر بالعربية، وتوفير منصات رقمية مفتوحة الوصول، وتنظيم جوائز وطنية سنوية لأفضل الأبحاث المنشورة بالعربية، وتطوير أدوات تقنية متخصصة لتدقيق اللغة العلمية، تراعي الخصوصية الاصطلاحية لكل تخصص. وفي هذا السياق، يقترح تأسيس "منصة البحث والنشر العلمي العراقي" كمبادرة استراتيجية لتجميع الأبحاث المحكمة المنشورة داخل العراق، وإتاحتها مجانا للباحثين والطلبة، وربطها بالمكتبات الجامعية ومراكز التوثيق، وتخصيص قسم خاص للأبحاث المنشورة بالعربية، مدعوم بأدوات لغوية وتقنية، بما يسهم في تعزيز ثقافة القراءة والبحث، واستعادة الهوية العلمية الوطنية.

النزاهة العلمية حجر الزاوية في الاصلاح

في قلب اي اصلاح حقيقي لمنظومة البحث والنشر العلمي، تبرز النزاهة العلمية كحجر الزاوية الذي لا يمكن تجاوزه او الالتفاف عليه. فالنزاهة ليست مجرد التزام اخلاقي، بل هي شرط وجودي للثقة، ولانتاج معرفة صالحة ونافعة. في السياق العراقي، تتفاقم مظاهر الخلل الاخلاقي في البحث العلمي بشكل مقلق، حيث باتت ممارسات مثل الانتحال والاقتباس غير الموثق وشراء الاوراق الجاهزة ظواهر شبه مألوفة في بعض الاوساط الاكاديمية، لا سيما في ظل غياب الرقابة الفاعلة وتراخي المعايير وضغط الترقية والنشر الكمي. لقد تحول البحث في كثير من الحالات الى سلعة تباع وتشترى، تنتج في مكاتب تجارية او تستورد من منصات الكترونية، دون اي ارتباط حقيقي بالباحث او بالمشكلة العلمية المطروحة. هذا الانحدار لا يهدد فقط جودة الانتاج العلمي، بل يقوض ثقة المجتمع بالجامعة، ويفرغ البحث من رسالته التنموية والمعرفية.

ولمواجهة هذا التحدي البنيوي، لا بد من تبني اصلاحات جذرية تبدأ باصدار مدونة وطنية لاخلاقيات البحث والنشر، تحدد فيها المعايير الاخلاقية والسلوكية للباحثين، وتعتمد رسميا في الجامعات والمؤسسات البحثية. كما ينبغي تأسيس وحدات تحقيق مستقلة داخل الجامعات، تعنى بمتابعة الشكاوى، والتحقيق في حالات الانتحال او الغش، وتصدر توصياتها بشفافية وعدالة. ومن الضروري ايضا توفير ادوات تقنية متقدمة لكشف الانتحال، وتدريب الكوادر الاكاديمية على استخدامها، وربط تمويل المجلات والمؤتمرات العلمية بالتزامها الصارم بفحص النزاهة وتطبيق معايير التحكيم العلمي. وفي هذا الاطار، يقترح تأسيس "الهيئة العراقية للنزاهة العلمية" كجهاز وطني مستقل، يعنى بوضع السياسات، ومراقبة الالتزام، وتقديم الدعم الفني والتدريبي، بما يسهم في استعادة الثقة بالمنظومة البحثية، ويعيد الاعتبار للباحث النزيه ويحصن الجامعة من التلاعب والتزييف.

التربية على البحث والنشر

لا يمكن ان يطلب من الطالب العراقي ان ينشر بحثا علميا وهو لم يتعلم بعد كيف يكتب بطريقة اكاديمية، او كيف يحكم الاعمال العلمية، او كيف يوثق المصادر بشكل منهجي. فالنشر ليس مجرد اجراء شكلي، بل هو ثمرة لتكوين معرفي ومهاري متكامل. لذلك، يجب ادماج مهارات البحث والكتابة الاكاديمية في مناهج الدراسات العليا بشكل منهجي، وانشاء مختبرات بحثية تحاكي تجربة النشر الحقيقي، وتشجيع النشر المشترك بين مجموعات من الطلبة، وتوفير مرشدين اكاديميين متخصصين يتابعون الطلبة خطوة بخطوة. هذه الاجراءات ستسهم في بناء جيل جديد من الباحثين القادرين على الانتاج الرصين، والمتمكنين من ادوات البحث، والواعين باخلاقياته، مما يعيد الاعتبار للجامعة كمؤسسة علمية منتجة لا مجرد جهة مانحة للشهادات.

ربط البحث بالسياسات العامة

لا تزال نتائج الابحاث بعيدة عن دوائر صنع القرار، رغم الحاجة الماسة الى سياسات مبنية على الادلة. المطلوب هو الزام الوزارات بالرجوع الى الابحاث المنشورة، وانشاء قواعد بيانات تربط نتائج الابحاث بالمشكلات التنموية، وتنظيم حوارات دورية بين الباحثين وصناع القرار. وفي هذا السياق اقترح تاسيس "وحدات ترجمة البحث الى سياسة" داخل الجامعات سيكون خطوة لتحويل المعرفة الى ممارسة.

التكامل الوطني والاقليمي

تفتقر الجامعات العراقية الى منظومة وطنية موحدة للبحث والنشر العلمي، مما يؤدي الى تكرار الجهود، وتضارب المعايير، وتشتت الانتاج البحثي بين مؤسسات لا تتواصل فيما بينها بشكل فعال. ولتجاوز هذا التحدي، تبرز الحاجة الى انشاء بوابة وطنية رقمية تربط المجلات والباحثين، وتوحد معايير التحكيم والنشر، وتشجع التعاون البحثي بين الجامعات العراقية. كما ان الانفتاح على التعاون العربي والاقليمي يعد ضرورة استراتيجية، سواء عبر مشاريع بحثية مشتركة، او تبادل الخبرات، او ربط المنصات الوطنية بشبكات عربية اوسع، بما يسهم في تعزيز جودة البحث، وتكامل المعرفة، ورفع مكانة العراق العلمية في محيطه العربي.

من البحث الى الاثر

ان اصلاح منظومة البحث والنشر العلمي في العراق ليس ترفا فكريا، بل هو استثمار في السيادة المعرفية، وبناء لاقتصاد قائم على الابتكار، واستعادة لدور العراق التاريخي في انتاج المعرفة. فكل مشروع بحثي ينفذ بنزاهة، وكل ورقة تنشر باحتراف، وكل فكرة توثق وتناقش، هي لبنة في بناء عراق علمي، حر، ومؤثر في محيطه والعالم.

إن تجاوز الأزمة يتطلب إرادة سياسية وأكاديمية جادة، تعيد الاعتبار للعلم كأداة للتنمية لا كوسيلة للولاء. الإصلاح يبدأ من بناء بيئة جامعية تحترم الكفاءة وتكافئ الإبداع، وتربط البحث العلمي بحاجات المجتمع لا بمصالح النخبة الحاكمة. عندها فقط يمكن أن يتحول البحث إلى قوة إنتاجية تسهم في معالجة أزمات العراق، وتفتح الطريق أمام نهضة معرفية تعيد للجامعة دورها الريادي في بناء المستقبل.

***

ا.  د. محمد الربيعي

بروفسور متمرس ومستشار تربوي - جامعة دبلن

يبدو أن جدل العلاقة بين العقل والنص، قد ذهب في مسارات تشتت الفكرة وتعوق رؤية الهدف. وأبرزها هو المسار الذي يصور الجدل كدعوة للتخلي عن النص، بل هجر الدين كلياً، واعتماد العلم المحض في توجيه الحياة.

شهدت أوروبا دعوة كهذه في أوائل عصر النهضة، وانتهت باقتناع غالبية الأوروبيين، بأن العلم الحديث قادر على حل مشكلات العالم، ولذا لم تعد ثمة حاجة للدين أو وظيفة منتجة خارج دور العبادة.

أما في العالم العربي، فالأمر على عكس المثال الأوروبي. فالدعوات لإعادة الاعتبار للعقل والعلم، لا سيما دورهما في التشريع، يستهدف معظمها إحياء الروح الأصيلة للدين، ويشارك فيها إصلاحيون يسعون لنهضة المجتمع، ويرون أن قراءة جديدة للدين، تحترم العلم والعقل، أقرب إلى روحه وأكثر تعبيراً عن جوهره، من المنهج المتوارث في مدارس العلوم الشرعية، وهي أقرب استجابة لحاجات البشر في هذا الزمان.

من ضعف الرأي أن أتخيل أنا أو غيري، بأن كل نقاش حول مكانة العقل ودوره في التشريع، يستهدف إقصاء الدين أو النص أو الاستغناء عنهما. الواقع أن للدين دوراً في حياة البشر وأن للعلم دوراً آخر. وهما – من هذا المنظور – يشغلان مجالين مختلفين. لكنهما بمقتضى هذه الوظيفة، يتداخلان في بعض الأدوار والنطاقات، بل أستطيع القول إنهما يعملان بالتناوب في النطاق نفسه أحياناً. ومن ذلك على سبيل المثال أن العلم يتدخل في تفسير تعاليم الدين وقيمه، ومن خلال هذا التفسير يشخص موضوعاته ويحدد تطبيقاته. كما أن الدين يتدخل في تحديد أخلاقيات البحث العلمي، وقد يحجب تطبيقاته التي تعارض بشكل مباشر، ما يريد إقامته أو صونه من مصالح للإنسان والطبيعة. إن الجدل القائم حالياً حول الجوانب الأخلاقية في أبحاث الهندسة الجينية، مثال على هذا.

يمكن للدين أن يلعب دوراً واسعاً وفعالاً، في توجيه الأخلاقيات والأعراف الناظمة لحياة البشر، إذا استوعب التنوع الواسع جداً لهذه الحياة. الجدل القائم اليوم حول دور الدين، ناتج – كما أعتقد – من الفجوة الواسعة بين «زمن» التعاليم الدينية وزمن العلم. تنتمي الشريحة الأعظم من تلك التعاليم، إلى أزمنة بعيدة في عمق التاريخ. ويأبى القائمون على التعليم والتشريع، النظر في عامل الزمن بوصفه متغيراً يؤثر جوهرياً في موضوع الحكم ومفهومه، رغم أنهم يفاخرون بقبولهم لدخالة الزمان والمكان في تعيين الأحكام. نعلم أن هذه أمنية وليست التزاماً، لأنهم في نهاية المطاف سيرجعون إلى قول فقيه قديم أو رواية قديمة، قيلت في سياق مختلف، لتخدم ظرفاً قائماً، يختلف - بالضرورة - عن ظرف اليوم الذي سيتغير غداً أو بعد غد.

واقع الأمر أن هناك من يرفض الدين من حيث المبدأ. كما أن هناك من يرفض العلم من حيث المبدأ. رغم أنك لن تجد من يقول صراحة إنه يرفض الدين لأنه يدعو للخوف من الخالق، أو للتورع عن ظلم الناس أو تدمير البيئة الطبيعية. كما لن تجد من يقول صراحة إنه يرفض العلم، لأنه يفتح للبشر طريق القوة والثروة والصحة والتقدم.

في اعتقادي أن الرافضين لدور العلم/العقل في التشريع، يخشون من دوره الأوسع في الحياة الدينية.

بيان ذلك أن هؤلاء عدّوا العلم عامل تفكيك للقيم المستقرة، لأنه يفتح الأذهان ويثير الأسئلة ويعزز الشكوك. وهم يرون أن الدين منهج استمرار على إرث الآباء والأجداد، فهم يعرّفون أنفسهم بأهل «اتباع» لا أهل «ابتداع». والمقصود كما هو واضح التمييز بين الاستمرارية على الموروث أو تطوير مناهج جديدة، فكأن الدين خزانة الآباء أو متحف القدماء.

أرى أنه لا يمكن فهم الدين واستثمار طاقته الإيجابية العظيمة، من دون العلم الذي يفتح آفاق الحياة ويكشف أسرارها. الحياة من دون العلم جامدة توشك أن تموت. طريق العلم يبدأ بالشك والسؤال، وهذا هو السبب في المعضلة التي نجادل فيها اليوم.

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

 

إن القطيعة والتواصل لم تعد فرضية تفترض أو إشكالية تطرح فحسب، وإنما أصبحت تمثل توجها نظريا وبحثيا يستقطب اهتمام الدارسين للمجتمع القبلي أو المعاصر على حد السواء خصوصا في ظل التحولات الاجتماعية المعاصرة المحلية والدولية سواء تعلق الأمر بالتغير الاجتماعي أو التحديث أو بمسألة الهوية الثقافية أو الخصوصية الثقافية، خاصة في ظل زحف العولمة وعولمة الثقافة. وهي إشكاليات أو مسائل أعادت النظر وحتمت مراجعة المفاهيم نفسها لمحاولة فهم البناء الاجتماعي بأكثر تعمق أو تخصص خاصة في ظل استمرار الصراعات الإثنية والعرقية والطائفية والقبلية التي لم تهدأ ولم تنحصر في الزمان والمكان، بل أصبح الإعلان عن انتهائها بداية لنشاطها. هذه النزعات التي  تمتلك القدرة على الفعل والانفعال في تأثيرها على مجريات الأحداث الداخلية والخارجية، وهي مسألة جديرة بكل اهتمام سوسيولوجي يتخلص من كل الأفكار المسبقة والمؤدلجة، لأن خطوط التقسيمات الطائفية والدينية والآثنية والقبلية تلتقي مع التمايزات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية مما يجعل الاهتمام بهذا الموضوع المتعلق بالبحث في خفايا ومظاهر هذه النزعات شديد الارتباط بالتأثيرات الثقافية (السياسية، الدينية...) لذلك فإن طرح المسألة من وجهة النظر العلمية له من المشروعية في الطرح والاهتمام بحثا عن تمثيل حقيقي للواقع وتعبيرا عنه استنادا إلى  الموضوعية (objectivité) أو ما يسميه ماكس فيبر بـ"الحياد القيمي".

ومن هذا المنطلق يمكن القول أنّ البحث السوسيولوجي لا يفصل مع التاريخ على اعتبار أن الظاهرة الاجتماعية هي تاريخية بالضرورة وليكون قادرا على تفسير الحاضر وتقديم الأجوبة العميقة للإشكاليات الراهنة، ومن ذلك استشراف المستقبل كان من المفيد الرجوع للمنهج التحليلي التاريخي.ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى أنواع التعصب في المجتمع العربي للتدليل على أهمية ظاهرة العصبية (دينية أو قبلية أو أثنية...).2299 table

يظهر من خلال هذا الجدول أن العصبيات تحرك بنية المجتمع العربي وهي المدخل الأهم لفهم التوترات والصراعات والتناحرات والتحالفات، وكلما تفجرت الطائفية والمذهبية والقبلية إلا وظهر التفتت والتجزؤ والانقسام في المجتمع الشامل وغلبت النزعات الذاتية والأهواء وغاب الفعل العقلاني والسلوك المدني.

تطفو هذه الهويات على السطح خصوصا في فترة الأزمات سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية.

 ويتخذ هذا الصراع طابعا سياسيا من أجل الهوية والفوز بالثروة في شكل خفي لا يظهر فيه العنف في الظروف العادية وأحيانا تحدث الانفجارات الاجتماعية بسبب انحسار الأفق أمام هذه الهويات الخاصة.

إن القطيعة والتواصل كمدخل منهجي مزدوج يعرفنا على عناصر الانقطاع والتغير من جهة وعناصر التواصل والاستمرار من جهة ثانية لكن كيف يمكن تحديد ما انقطع وما تواصل في بنية المجتمع المعقدة؟ ما هي المؤشرات المحددة لذلك؟ خاصة إذا علمنا أن المؤشرات الخارجية (indices externes) لا تدل بالضرورة على التبدل أو التغير ومن ذلك الانقطاع، هذه الجدلية لا تقبل التكميم وإنما هي مسالة معقدة تتنزل في سياق معرفي يحاول التنسيق بين الفهم والتفسير لإنتاج الدلالة السوسيولوجية التي تستند للتاريخ والمعيش، فما يبدو من التاريخ ـ أو يعد ذكره تاريخا - (حسب ما يعتبره البعض) قد يظهر أمامنا في الحاضر وحتى في المستقبل في إطار عملية  إعادة إنتاج (reproduction) فالعلاقات التقليدية والتكتلات العائلية والنزعات القبلية... كلها لا تزال تتعايش وتتكيف مع كثير من المتغيرات العميقة التي عرفها المجتمع، فهي مستمرة في ظل عمليات "التحديث" و"التنمية" بعد انتصاب الدولة الحديثة، وهي رغبة في الحفاظ على التقاليد المتجذرة في المجتمع، وهي رغبة خفية أيضا ومشحونة بذهنية تغلب الانتماء الضيق، ومن هنا فان تبدل الإنسان لا يتم إلا بتغيير قيمه وثقافته، بما أن هذه الأخيرة هي الموجهة لسلوكه والحافظة لإرادته.

إن الحديث عن القطيعة وحده لا يكفي رغم حدوثها في صلب المجتمع لأن التغير المادي لا يصاحبه بالضرورة التغير الذهني والثقافي، فالتحضر لا يعني انقطاع أو انتهاء البنى التقليدية وظاهرة ترييف المدن خير دليل على استمرار وتواصل التكتلات والنزاعات بين الأحياء استنادا للانتماءات الجهوية والعروشية والقبلية لذلك يمكن القول بأن المجتمع هو في كل الأحوال في ديناميكية مستمرة بين القديم والجديد . وهذه خاصية النظام الاجتماعي،وهي نتيجة لعناصر التواصل وعناصر التغيير، وهذه المقولة تختزل المضمون المنهجي للقطيعة والتواصل.

***

د. محمد الهادي حاجي - تونس

 

إعادة تعريف الخيانة في الشرط الإنساني الراهن

في خضم التحولات الجذرية التي تعصف بالوعي البشري المعاصر، لم يعد مفهوم "الخيانة" قابلاً للاختزال في سياقاته التقليدية الضيقة، سواء تلك المتعلقة بنقض العهود الاجتماعية أو الانحرافات الأخلاقية المعيارية. إن سبر أغوار الشرط الإنساني الراهن، بعيداً عن السرديات الدينية أو اللاهوتية، يستدعي تفكيكاً وإعادة بناء جذرية لهذا المفهوم ليلامس جوهر الكينونة؛ تلك اللحظة الفارقة التي يتنكر فيها الكائن البشري لبنيته البيولوجية، وللشروط الفيزيائية التي تحكم انتظامه ضمن نسيج الكون، وللإمكانات العصبية والإدراكية التي تميز نوعه.

إنها خيانة لا تُقترف ضد "آخر"، بل ضد "الذات" في مستواها الوجودي (الأنطولوجي) الأعمق، وضد "الحياة" كصيرورة ديناميكية تتطلب التوتر الخلاق للبقاء بعيداً عن سكون الموت. ننطلق هنا من فرضية مفادها أن الإنسان المعاصر، عبر انغماسه في بيئات مصطنعة تتسم بـ "الفوضى الخلاقة" و"سعة الخيارات" و"الترهل"، يمارس تدميراً ممنهج لأسس وجوده. إن التردد في مقاربة هذه الحقائق، أو الخوف من مواجهة هذا العطب التكويني في الحضارة الحديثة، هو بحد ذاته خيانة لوجود ذات الباحث، حيث يتحول الصمت المعرفي إلى تواطؤ مع آليات الفناء.

الفيزياء الحيوية للوجود.. مقاومة العدم

لفهم "الخيانة الوجودية" كظاهرة كونية قبل أن تكون إنسانية، يتحتم علينا الانطلاق من القوانين الأساسية التي تحكم المادة والطاقة. فالإنسان، والمجتمع الذي يشكله، ليس سوى تجلٍّ معقد لأنظمة فيزيائية تخضع لصرامة القانون الثاني للديناميكا الحرارية. هذا القانون، الذي ينص على أن "الإنتروبيا" (ميل النظام نحو العشوائية والاضطراب) في أي نظام مغلق تميل دائماً إلى الزيادة، يشكل الخلفية التي يمكننا من خلالها فهم الوجود ليس كحالة ثابتة، بل كمقاومة مستمرة لجاذبية العدم.

قدم الفيزيائي والكيميائي الحائز على جائزة نوبل، إيليا بريغوجين، إطاراً ثورياً لفهم الأنظمة الحية من خلال نظريته حول "الهياكل المبددة للطاقة". وفقاً لهذا الطرح، فإن الكائنات الحية والمجتمعات البشرية هي أنظمة مفتوحة تعمل "بعيداً عن التوازن". إن البقاء على قيد الحياة، والحفاظ على التعقيد الحضاري والبيولوجي، يتطلب تدفقاً مستمراً من الطاقة والمادة والمعلومات من البيئة المحيطة، ومن ثم طرد العشوائية (الإنتروبيا) الناتجة عن العمليات الحيوية إلى الخارج.

تتجسد "الخيانة الوجودية" فيزيائياً في اللحظة التي يتوقف فيها النظام عن العمل كهيكل مبدد فعال. عندما يستسلم الكائن لما يمكن تسميته بـ "الترهل الديناميكي"، فإنه يكف عن استهلاك الطاقة اللازمة للحفاظ على تنظيمه الداخلي، ويبدأ في الانجراف نحو "التوازن الحراري". وفي لغة الفيزياء، التوازن الحراري هو مرادف للموت؛ حيث تتساوى درجات الحرارة، وتتوقف الحركة، وتتلاشى الفوارق. إذن، فإن الراحة المطلقة التي يسعى إليها الإنسان الحديث تحت شعارات الرفاهية هي، في جوهرها الفيزيائي، سعي حثيث نحو الموت الحراري، وخيانة للشرط الأساسي للحياة الذي يقتضي العمل الدائم ضد تيار الفناء.

من الديناميكا الحرارية إلى الاجتماع.. ميكانيكا التفكك

تنتقل مفاهيم الفيزياء الإحصائية بسلاسة لتفسير الظواهر السوسيولوجية عبر "نظرية الإنتروبيا الاجتماعية" التي طورها باحثون مثل كينيث بيلي. وفقاً لهذه النظرية، فإن المجتمع حالة غير طبيعية من النظام تتطلب جهداً مستمراً لصيانتها. وعليه، فإن "الترهل الاجتماعي" هو الحالة الافتراضية التي يؤول إليها المجتمع إذا تُرك لنفسه دون تدخلات تنظيمية واعية. وتتجلى "خيانة الوجود الاجتماعي" في المظاهر التالية:

تآكل المعنى: عندما تفقد الرموز الاجتماعية (اللغة، الفن، الثقافة) دقتها، وتتحول إلى ضجيج، يزداد مستوى العشوائية. المجتمعات التي تستهلك "التفاهة الإعلامية" تمارس خيانة لذاكرتها ولمستقبلها، إذ تستبدل المعلومات المنظمة ببيانات عشوائية لا تبني وعياً.

فقدان التمايز الوظيفي: تعتمد الأنظمة المعقدة على التخصص، بينما يعيد الترهل المجتمع إلى حالة من التجانس البدائي حيث يفقد الأفراد أدوارهم المميزة ويذوبون في كتلة جماهيرية غير متمايزة. هذا يسهل ظهور الأنظمة الشمولية التي تملأ الفراغ الناجم عن الفوضى بوعود زائفة عن النظام، مما يعد خدعة تسرع من عملية الانهيار بدلاً من علاجها.

العزلة والتذرّر: إن زيادة الإنتروبيا تعني تفكك الروابط بين جزيئات النظام. اجتماعياً، يعني هذا تحول المجتمع إلى أفراد مبعثرين فاقدين للقدرة على العمل الجماعي، وهو ما يمثل خيانة للطبيعة الاجتماعية للإنسان.

خيانة الطبيعة والاغتراب الجيني

إذا كانت الفيزياء تضع الإطار العام لقوانين الوجود، فإن البيولوجيا التطورية تقدم التشخيص الدقيق للمأزق البشري. إن "خيانة الوجود" هنا تأخذ بعداً مادياً ملموساً يتمثل في التنكر للتاريخ التطوري الطويل الذي صاغ أجسادنا وعقولنا، مما ينتج عنه ما يُعرف بـ "عدم التطابق التطوري"

خيانة الحركة: الجسد المصمم لقطع عشرات الكيلومترات يومياً يُجبر الآن على الجلوس خلف المكاتب لساعات طويلة. هذا ليس مجرد تغيير في العادات، بل هو إرسال إشارات كاذبة للخلايا تؤدي إلى اضطراب التمثيل الغذائي والأمراض المزمنة.

خيانة النظام الهرموني: يمثل التعرض للإضاءة الصناعية وتجاهل دورات الليل والنهار خيانة لهرمونات تنظيم الإيقاع الحيوي (مثل الميلاتونين)، مما يؤدي إلى اضطرابات النوم والاكتئاب.

فخ المحفزات الفائقة: أحد أخطر أشكال الخيانة الوجودية يتمثل في الاستسلام لما أسماه عالم سلوك الحيوان نيكولاس تينبرجن بـ "المحفزات الفائقة". لقد قام الإنسان الحديث بهندسة بيئته لتمتلئ بمحفزات صناعية تفوق الواقع (كالوجبات السريعة المهندسة لتجاوز حد الشبع، أو المواد الإباحية التي تستبدل الشريك الواقعي)، مما يؤدي إلى "اختطاف" دوائر المكافأة في الدماغ، وتوجيه الطاقة الحيوية نحو أهداف زائفة تدمر الكائن بدلاً من خدمتهز.

البالوعة السلوكية ومصير المدن

في واحدة من أكثر التجارب العلمية إثارة للجدل، قدم عالم السلوك جون كالهون نموذجاً تجريبياً لمصير المجتمعات التي تتوفر فيها كل سبل الرفاهية وتغيب فيها التحديات، فيما عُرف بتجربة "الكون 25". قام كالهون ببناء بيئة مثالية للفئران (غذاء وفير، لا أمراض، لا مفترسات). النتائج كانت مرآة قاتمة لواقع المدن الحديثة:

ظهور "الجميلون": برزت فئة من الذكور انسحبوا تماماً من المنافسة الاجتماعية والتكاثر. كان اهتمامهم الوحيد الأكل والنوم وتنظيف فرائهم، فبدوا بصحة مظهرية رائعة لكنهم ميتون اجتماعياً ووجودياً. يرى المراقبون تشابهاً مذهلاً بين هؤلاء وبين ظواهر حديثة مثل "الهيكيكوموري" (الانسحاب الاجتماعي) في اليابان، والانغماس النرجسي في ثقافة الصورة والمظهر الخارجي مع خواء داخلي تامز

التفتت والعنف العبثي: في ظل ما أسماه كالهون "البالوعة السلوكية"، انهارت الأعراف الاجتماعية؛ تخلت الأمهات عن صغارهن، وانتشر العنف العشوائي. تشير الدراسات إلى أن الاكتظاظ مع غياب الخصوصية والهدف في المدن الحديثة يعيد إنتاج ظروف هذه البالوعة، مما يجعل تراجع معدلات الخصوبة في المجتمعات المرفهة نوعاً من الاستجابة البيولوجية لبيئة لم تعد توفر الأمان الوجودي.

ويمكن ربط ذلك بما طرحه عالم الأنثروبولوجيا جوزيف تينتر حول "انهيار المجتمعات المعقدة"، حيث يجادل بأن المجتمعات تزيد من تعقيدها لحل المشاكل، حتى تصل إلى نقطة "تتناقص فيها العوائد الحدية". هنا، يصبح الحفاظ على الوضع القائم مكلفاً جداً، ويغدو "الانهيار" استراتيجية اقتصادية عقلانية للتخلص من عبء التعقيد الذي لا يطاق.

 عبء الحرية وشلل الإرادة

تعتبر "سعة الخيارات" إحدى سمات الحداثة، لكن العلم يكشف عن وجهها المظلم؛ فهي تتحول إلى عبء عصبي يؤدي إلى شلل الإرادة.

تصاعد التوقعات والندم: مع كثرة الخيارات، يرتفع سقف التوقعات نحو "الكمال". أي نقص في الخيار المُتخذ يولد ندماً مضاعفاً، مما يخلق حالة من "التعاسة المزمنة".

إرهاق القرار: في عالم يضطر فيه الفرد لاتخاذ مئات القرارات اليومية، يستنفد مخزونه من الإرادة. عندما يحين وقت القرارات الوجودية الكبرى، يكون الدماغ في حالة إنهاك، فيلجأ إلى "الوضع التلقائي" ومسار المقاومة الأقل. هنا تحدث الخيانة: ليس لأن الفرد "سيء"، بل لأنه مستنزف عصبياً.

نحو "بطولة اليأس"

بعد هذا الطواف العلمي، نعود لتأصيل المفهوم فلسفياً. إن "خيانة الوجود" ليست مجرد عطب بيولوجي، بل هي موقف وجودي يتخذه الإنسان تجاه عبثية العالم. في عالم تحكمه الصدفة التطورية، يواجه الإنسان فراغاً لا يبالي بوجوده. إن الخروج من دائرة الخيانة هذه لا يكون بالعودة المستحيلة إلى الماضي، ولا بالاستسلام للترهل الذي هو انتحار بطيء. الحل يكمن فيما يمكن تسميته "التكيف الواعي مع الفوضى" وامتلاك "شجاعة اليأس". هذا يعني الاعتراف بأننا كائنات "غير متطابقة" مع عالمنا، وأن صناعة المعنى هي فعل مقاوم للإنتروبيا. المعنى لا يُكتشف جاهزاً، بل يُبنى عبر الانخراط في "أنظمة مبددة" فعالة كالإبداع والفن والعلم. إن الوفاء للوجود هو الجهد المستمر والشاق للسباحة عكس تيار العدم، حتى وإن كان هذا التيار حتمياً في النهاية.

***

غالب المسعودي

......................

المراجع (للاستزادة والتوثيق)

Prigogine, Ilya, and Isabelle Stengers. Order Out of Chaos: Man's New Dialogue with Nature. Verso Books, 1984. (المرجع الأساسي لنظرية الهياكل المبددة والفوضى الخلاقة).

علم السلوك والاجتماع (تجربة الكون 25):

Calhoun, John B. "Death Squared: The Explosive Growth and Demise of a Mouse Population." Proceedings of the Royal Society of Medicine, vol. 66, no. 1 Pt 2, 1973, pp. 80-88.

Tainter, Joseph A. The Collapse of Complex Societies. Cambridge University Press, 1988. (المرجع الخاص بتناقص العوائد الحدية).

Schwartz, Barry. The Paradox of Choice: Why More Is Less. Ecco, 2004. (المرجع الخاص بعبء الخيارات وشلل الإرادة).

Gluckman, Peter, and Mark Hanson. Mismatch: Why Our World No Longer Fits Our Bodies. Oxford University Press, 2006. (حول نظرية عدم التطابق التطوري).

منذ بداية القرن الواحد والعشرين شاعت ظاهرة استبدال الورق بالشاشات الرقمية، وغطت الكتابة الالكترونية على الكتاب المطبوع، وتولى الإعلام الرقمي توجيه ثقافة الجيل الجديد من مستخدمي التطبيقات الذكية وبرامج الحاسوب. ففي عصر التكنلوجيا لم يعد الانسان يكتفي بالتعامل مع النص المقدّس على انه كلمات إلهية تقف قراءتها عند حدود العبادة وطلب الاستشفاء واستنزال الرزق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقد فرضت ظروف حياة العصر الجديدة مستجدات تتعلق بانسانية الإنسان، وبهويته، وبقدراته. فقد تمكنت تكنلوجيا المعلومات ومشاريع الذكاء الإصطناعي من التفوق على قدرات الانسان في حفظ المعلومات والأرقام والبيانات والأحداث، بل فاق الأمر تلك الميكانيكية البشرية بظهور تطبيقات ذكية آلية رقمية قادرة على جمع المعلومات وربطها ببعضها وتشكيل قوالب جديدة منحت الآلة صفة الذكاء. الأمر الذي انعكس سلباً على معنويات الانسان وهو يستخدم هذه التكنلوجيا بوفرة معلوماتها، وسرعة الوصول اليها وسرعة الحصول عليها، ودقة النتائج، وسلامة التكوين اللغوي للنص الالكتروني المعدّ بشكل كامل من قبل الآلة الذكية، مما دفع بكثيرين الى إحالة جهودهم الى التقاعد بالاعتماد على هذه التقنية الذكية التي يتوقع لها الخبراء مستقبلاً ان تتجاوز إنسانية الإنسان وانها ستزجّ به في مشاريع الإندماج بالآلة بواسطة تقنية النانو الذكية التي يمكن حقنها في دم الإنسان.

يميل العقل المعاصر الى النتائج المختبرية اكثر من قبوله بالتأويلات الفلسفية والتحليلات المنطقية، فنرى انصراف بعضهم الى الرقم والعدد في القرآن الكريم، فجاءت بحوث في دلالات الرقم ثمانية مثلاً. واحصاءات عن عدد الآيات وكم مرة ذكر لفظ "الحق" مثلاً، وهكذا. برغم التزاحم الكبير للأرقام والحسابات والمعادلات الرياضية في حياة الانسان المعاصر، تظل نفسه توّاقة محتاجة للروحانية بحكم تكوينه الفطري (المادة والروح) فيجد في قراءة القرآن الكريم جانباً من احتياجاته الروحية، لكن ينبغي ان نشير الى ان عدم إشباع الحاجة الى الطاقة الروحية من شأنه ان يعرّض منظومة الانسان الى اهتزاز يتسبب في عدم توازن شخصيته في جوانبها النفسية والأخلاقية والسلوكية والعقلية، ومفتاح إعادة توازنها يكمن في اللغة، فهي الضامن الوحيد لتفعيل البعد الروحي بعمق في حياة الانسان الى جانب بعده المادي الذي يتحرك به في حياته اليومية. وما استطيع قوله واثقاً ان ثلاثية القرآن واللغة والخاتمية هي مفتاح استقرار واستمرار الانسان في مرحلتي الوحي والوعي باتجاه يتوازن فيه طلب العلم وطلب العبادة كما أوصى نبي الرحمة في قوله (اطلبوا العلم طلباً لا يضر بالعبادة، واطلبوا العبادة طلباً لا يضر بالعلم).

ابتعاد الانسان عن لغة القرآن بسبب انبهاره بالمنجز العلمي التقني الذكي منذ بدايات القرن الحالي، وبذله الجهد الأكبر لمعرفة استخدام هذه التقنية وتطبيقاتها المتنوعة. أدّى الى هيمنة الثقافة الشعبية على لغة تفكير الجيل الجديد المتصل بالشبكة على مدار 24 ساعة يومياً، بحيث اصبح القرآن الكريم كتاباً مباركاً لا يخلو بيت او مكان عمل من وجود نسخة منه، واقتصر مكان قراءته على المساجد والمزارات الدينية وانحصر وقت القراءة في أوقات الصلاة والمناسبات الدينية والاجتماعية (مجالس الفاتحة). يرجع ذلك في اعتقادي الى الأسئلة الجديدة التي يطرحها الجيل الجديد على الدين فيما يتعلق بقضاياه المستجدة، ولأنه لم يتلق إجابات مقنعة تناسب لغة العصر واداوته، ظهرت حالات من ضعف الارتباط بالنص المقدّس، وحالات انحراف وتطرف. أما بعض المثقفين الذين امكنهم ربط التفوق العلمي في مجال الخلق ورؤية الكون، بالدين فقد جمعوا بين الإقرار بالعلم والخشوع لله، أدّى جمعهم هذا الى صياغة مهذبة لنفوسهم بعثت فيهم روح البحث عن قوالب جديدة للثقافة العربية تحفظها من التدجين والتهجين، وعلى الرغم من هذه الجهود الكبيرة، تبقى المساحة الأكبر من حصة الثقافة الشعبية التي تفتقر الى روح اللغة الفصيحة وبلاغتها وبيانها، الأمر الذي نتج عنه ثقافة نخبوية وثقافة شعبية، وهو حال لا يفضي الى انتاج مجتمع جديد يدخل عصر الآلات الذكية حاملاً القرآن في يده، وفي قلبه يحمل روح كلماته التامات، مدركاً ولو في حدود بسيطة حيوية النص المقدّس وحضور الله في كل التفاصيل (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة الا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين) الانعام – 59

ما لا يمكننا تجاوزه، ان عصر التقنية الرقمية المتطورة قد فرض السرعة في كل شيء، حتى في قراءة النص، فظهر جيل يميل الى قراءة ملخص كتاب، على قراءة الكتاب نفسه. ويفضل قراءة سطور معدودة على قراءة مقال أو بحث كامل. ويفضل ان يقرأ منشوراً مرفقاً معه صورة فوتوغرافية على ان يقرأ النص مجرداً. ويفضل ان يشاهد مقطع فديو على ان يقرأ نصّاً، لذا ظهرت المقاطع القصيرة المصورة، وشاعت الى الحدّ الذي تدخلت فيه بتشكيل ثقافة المتلقي عبر محتوياتها أياً كانت تلك المحتويات هادفة او هابطة. فظهرت القراءة المجتزأة وهي قراءة تضر كثيراً بفهم النص وسياقه العام الذي يستوجب التدبر والتفكير وهما – التدبر والتفكير - صفتان يفتقر اليهما المشهد الحياتي لكثير من الناس، لذا شعروا بوجود صعوبة في تفاعلهم مع القرآن الكريم، فأكتفى بعضهم بتقديسه، وانصرف نفر آخر الى تدريسه كعلم من العلوم. من شأن هذا الحال ان يقلل من الحدود الرحبة التي يتحرك بها النص المقدّس في مجالات الحياة العقلية والنفسية والاجتماعية والعلمية و... القراءة المجتزأة مع ضعف حضور روح اللغة بالإضافة الى هيمنة الشاشة على ثقافة المتلقي، تسبب ذلك كله في في ظهور القراءة الفردية والفهم الفردي، هنا يواجه المجتمع تنوعاً كبيراً ومساحات كثيرة لاحتمالات عديدة تتعلق بفهم النص المقدّس. في السابق كان حلّ هكذا مشكلة يتأتى من خلال طرح الأسئلة والمضي بالبحث عن إجابات وعرض تعددها وتنوعها على التفكير والتأمل للوصول الى نتائج منطقية عملية، أما اليوم فيتدخل الذكاء الاصطناعي في ابداء رأيه الرقمي من واقع قاعدة بياناته الواسعة التي تتيح له تكوين صورة رأي مقبولة لدى كثير من المستخدمين، حتى صرنا نسمع عبارة : هذا ما قاله الذكاء الاصطناعي. سألت الذكاء الاصطناعي فقال لي.

في خضم هذا الحديث نحن بحاجة الى تطبيق معرفي معاصر يقدم فيه علماء اللغة وعلماء التفسير بحوثاً ميسرة تقدم نتائج عملية وطاقة كبيرة تستطيع ان تحرك ثقافة العربي المسلم باتجاه وعي حاضره في ظل القرآن الكريم الذي انفرد بربط قيمة وجود الانسان بقدرته على التعلم واكتساب المعرفة وبقدرته على الابداع، فقد علمه الله سبحانه وتعالى الأسماء كلها، كما في سياق الآية الكريمة (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين) سورة البقرة - 31، فجاء إقرار الملائكة بآدم إقراراً قائماً على العلم الذي أصبحت سبل اكتسابه في ظل التكنلوجيا المعاصرة ممكناً اكثر من أي وقت مضى، فإذا ربط الإنسان المعاصر تواصله مع المجتمع والعالم بثنائية الانسان والابداع، تغلب على تفوق الآلة الذكية بعمق وعيه، واللغة العربية تتيح إمكانية الوصول الى الوعي العميق عبر بلاغة النص المقدّس. 

لم يعد تعدد تفاسير القرآن يكفينا في عصر السرعة، ولم يعد يقلقنا ضعف قدرة الربط بين مضمون آية في سورة بآية أخرى في سورة أخرى، فقد وظف الذكاء الاصطناعي تقنيات تقوم بتحويل الكلمات الى ناقلات رياضية تمكن المستخدم من إظهار المعاني غير المرئية في النص المقدّس، أي إظهار معنى السياق العام للآية. فضلاً عن خدمات أخرى يقدمها الذكاء الاصطناعي منها " معالجة اللغات الطبيعية" حيت يتمكن من تحديد المعنى الأدق لكلمة تحتمل عدة معاني واختيار ما يتناسب منها مع سياق النص الذي وردت فيه. توفر التكنلوجيا عشرات التفاسير وتجعلها متاحة لمستخدميها في ثوان قليلة من الزمن، هذا الحال يجعل من المتلقي البسيط أمام تيه معرفي بسبب كثرة المعلومات وتنوع وتعدد التفاسير، مما يفقده القدرة على تكوين تصوّر واضح لحاجته من الآية فيكتفي مثلاً بحفظ سورة الفلق لأنها تبعد عنه الحسد، ويحفظ سورة الواقعة لأنها تجلب له الرزق، وقد يغيب عنه فهم معاني ما ورد من كلمات في الآية او السورة، وقد سجل أحد البرامج الإعلامية ذلك حين سأل مقدم البرنامج عدداً من الشباب: هل تحفظ سورة الإخلاص. الجواب : نعم. هل تعرف معنى " الصمد" الجواب : كلا.

التقنية الذكية ليست مجرد وسيلة رقمية متطورة، انها تتدخل في طريقة تفكير المتلقي وتحيله من مبدع الى متلقي محدود بأطر تقنية لا روح فيها إلا من حيث الصياغة الكلامية التي يفهم منها ان هناك محاولة بحث فيما هو جديد، وقد لا يكون كذلك في حقيقته. لا ننكر ان التقنية الذكية حفزت المتلقي على تجاوز الخوف من التفاعل مع النص المقدّس الى جرأة البحث والاستكشاف، لكن ينبغي ان لا نتجاوز أيضاً ان ذلك كله يحدث ضمن إطار بيانات التطبيق الذكي، وهذه البيانات أعدّت بلغة إنكليزية أهلها يحملون بشكل او بآخر عقائد معينة مرتبطة من قريب او بعيد بفكرة الإيمان، لذا علينا ان نستفيد من المزايا التقنية الذكية في مشاريعنا الثقافية المعاصرة في رحاب القرآن الكريم واللغة العربية، فهذا يكفل لنا إقامة صناعة وعي نكون قادرين بها على انتاج معنى جديد للحياة، لا يغادر سياق ومعنى الآية (فلنحيينه حياة طيبة) سورة النحل /97، كما يحفز فينا تفعيل روح الإنسانية وقدرة الإبداع، وان الإيمان ليس غيبياً بقدر ما هو منطقي وحاجة ضرورية، وهذا يتناسب مع منهج العقل العلمي المعاصر.

***

د. عدي عدنان البلداوي

 

الاشكالية في اعتقاد البعض ان ممارسة العمل السياسي او الاداري هو تكليف شرعي، ينبع من جذر فكري ميتافيزيقي للسلوك السياسي ما بعد عام 2003.

تكمن هذه المفارقة في ان الاعتقاد بالتكليف الشرعي يستلزم حضور اليقين في اداء الرسالة السماوية مقابل الممكن السياسي الذي قد يتطلب استخدام كل الوسائل المتاحة (دنيوية على الاعم الاغلب) من اجل انجاز هذا المهمة. حيث تتلازم ثنائية حضور اليقين بوجود خطر دائم يكمن في الفضاء العلماني، ويكفي تصور هذا الخطر مع عدم ضرورة وجوده فعلا من اجل بناء سياسات صراع متخيلة. ويستمد هذا التصور جذره الميتافزيقي من الاعتقاد باستحالة اجتماع الكفر والايمان (الشرع والعلمنة) في فضاء سياسي واداري على صعيد واحد.

والعقلية الشرعية في انخراطها بمسار عملية سياسية تدار في فضاء علماني تتطلب نهجا اقل ما يوصف به انه براغماتي. ومن ناحية اخرى بكونها تكتسب صفة (شرعية) فيتحتم على ذلك، انه لا يمكن تسليم الرسالة الى غير المكلف بها شرعا كواجب مقدس اي (ما ننطيها). بمعنى ان الثبات في العمل والدوام على متابعة الهدف حتى تحقيقه يتطلب ان تتماهى فيه الشرعية أي (الحق الالهي) مع الحزبية (الجوهر الايديولوجي) مع الشخصنة (الكفاءة الفردية). لذا لا يمكن تشخيص مسارات هذه العقلية في مساراتها المختلفة في اي قرار يتم اتخاذه في طريق اداء الرسالة وتحقيق الهدف (التكليف الشرعي) دون ملاحظة الثلاثية الكامنة خلفها. فقرارات هذه العقلية تتخفى خلف حصانة ذاتية لا ترى الخطأ في القرار السياسي في فضاء علماني الا بكونه عارض بسبب الشيطان الذي يمكن التحايل عليه بالعنوان الثانوي او الثالثي او غيره.

اي ان هذه المفارقة تؤدي بالعقلية الشرعية في فضاء سياسي علماني الجذر والنسق الى اعتماد "صناعة الحقيقة" بديلا عن امتلاكها، وهذا يتطلب نهجها "براغماتيا مشوها" يستند الى النجاح المؤقت ولو على حساب الخسائر الاستراتيجية بتطويع الوقائع او خسائر اخلاقية من خلال استدعاء التفسير التاريخي المأزق المعاصر. في هذه الاشكالية يختلط وعي الحقيقة مع العلم بالحقيقة كسردية تاريخية تحظى بالمقبولية في الذاكرة الجمعية الشعبية (حيث يتم القاء ضوء على الحاضر من خلال الاهتمام بالماضي، واستدعاء وهم التاريخ الرومانسي، اي الوصول الى الماضي انطلاقا من الحاضر) اي الأحياء للماضي بتصوير ازمنة اسطورية، وعصور البطولة والمظلومية، فيتم تحديد النقطة الزمنية في العصر الحديث، كوعيا تاريخيا لحقيقة مستعادة من اجل تحيينها في الحاضر.

غياب هذه التمييز واتخاذ تحيين الحقيقة التاريخية (شكل برنامج او مشروع ايديولوجي، يصطدم في اغلب الاوقات بثقل الماضي الاشد عتمة وفي الحاضر الاشد تعقيدا)، مما يؤدي الى أزمات حياتية ومعيشية يدفعهم الى التحقيب الاسطوري بتفضيل ازمان محددة، تتعلق بتواريخ ثورات او حروب وتحولات النظام السياسي، مما يثقل الذهنية والهوية الوطنية بسبب عدم الاتفاق على، او غياب الماضي المعروف والمعترف به من الجميع. فاعتمد الذاكرة الماضوية لتفسير الوقائع الحادثة في محاولة للاستحواذ على الذاكرة الجمعية العراقية الحديثة يولد تنافرا شديدا بين ماضي غير متفق عليه وواقع خطير وشديد التعقيد. وعلى الرغم ان السياسي المستند الى الشرعية الدينية يتسلح بالبراغماتية الا انها أي (البراغماتية) لم تحد من صلته مع التراث. بل ان الإسلام السياسي بنى نهجه السياسي في تجربته المريرة التي تميزت بطابع الصراع وخاصة مع الحداثة، مستندا الى فلسفة سياسية في قراءة الواقع تقوم باستحضار مقولات مأثورة من النصوص المقدسة مستعينا بارتفاع منسوب التعلق بالذاكرة الماضوية للجماعة المثقلة بهموم الهوية الملية.

لكل ذلك يتميز الفعل السياسي للعقلية الشرعية في فضاء علماني بالتباس الغاية الرسالية مستعينا بأدوات حداثوية (تحاول ان تكون كفؤة اكثر منها فاعلة) في الثبات على الهدف والاستمرار في العمل عبر تكييف الفضاء السياسي وفقا لثلاثية (الحق الإلهي، الجوهر الأيديولوجي، والكفاءة الشخصية). لذا لا يمكن ان تستقيم الامور بتشابك المسارات المتناقضة لاستراتيجيات تستند الى التكليف الشرعي والديمومة في العمل لتحقيق الهدف في فضاء علماني.

***

د. سليم جوهر

 

في الازمنة التي يعلو فيها صوت الجماعة حتى يخنق صوت الفرد يصبح الاختلاف جريمة غير مكتوبة، ويغدو التفكير الحر فعلا مريبا. يستدعي العقاب المعنوي قبل اي شيء اخر. هناك، حيث تقدس الطاعة ويكافأ التماثل، يولد القطيع بوصفه نظاما لا يرى في الإنسان سوى رقم، ولا يعترف بالذات الا بقدر ما تذوب في الجمع. في مثل هذه البيئات، لا يكون المختلف خارجا عن السرب فحسب، بل شاهدا خطيرا على زيفه، وكائنا يهدد استقرار الوهم اكثر مما يهدد اي نظام سياسي او اجتماعي معلن.

من هنا يبدا سؤال الاختلاف لا كترف فكري، بل كمعركة وجودية بين انسان يطلب حقيقته، وجماعة تخشى ان تنكشف امام مرآتها. ان تكون مختلفا ليس ترفا فكريا، بل قدرا وجوديا يلقى على كاهل من اختار ان يرى بعينين مفتوحتين. في بيئة القطيع، لا يدان المختلف لانه مخطئ، بل لانه يقوض الطمانينة الزائفة التي يستمدها الجمع من التشابه. فالتكرار يمنحهم شعورا بالامان، والامتثال يعفيهم من عناء السؤال، اما الاختلاف فهو مرآة قاسية تكشف فراغ اليقين وهشاشة المسلمات.

المختلف لا يواجه الناس وحدهم، بل يواجه الخوف بوصفه اداة ضبط جماعي. خوف مصنع بعناية، يزرع في النفس كي لا تجرا على الخروج من الصف، كي لا تسمع صوتك الحقيقي وانت تفكر خارج الاطار المرسوم. كل خطوة نحو الذات الحرة تربك النظام، لان هذا النظام لا يقوم على الحقيقة بل على العادة، ولا يحتمي بالقوة بل بعدد المطيعين له.

الفكرة الجديدة لا تخيف لانها خاطئة، بل لانها ممكنة. والامكانية هي العدو الاول لكل بنية راكدة.

حين يفكر المختلف بصوت مرتفع، يفضح ان ما بدا قدرا لم يكن سوى اختيارا مؤجلا، وان ما سمي ثوابت لم يكن الا خواء اتفق الجميع على عدم الاقتراب منه.

لذلك يعامل المختلف كخطر، لا لانه يهدم، بل لانه يكشف ان ما يدافع عنه القطيع لم يكن صلبا يوما.

لا تخش ان تكون الشرارة. فالزيف لا يحترق الا حين يلامس نورا صادقا. والخوف الذي يلقى في طريقك ليس الا صدى خوفهم هم، من ان يواجهوا انفسهم بلا اقنعة، وان يعترفوا بانهم احتموا بالجماعة هربا من مسؤولية ان يكونوا ذواتا كاملة. كن مختلفا، لا بدافع العناد، بل بدافع الوفاء للحقيقة التي ادركتها

لم يكن الاختلاف عبر التاريخ موقفا عابرا، بل كان دائما فعلا مقلقا للسلطات والجماعات، لذلك دفع الفلاسفة ثمنا باهظا لجراتهم على التفكير خارج القطيع.

ديوجين الكلبي اختار ان يعري الزيف الاجتماعي لا بالخطابة بل بالحياة نفسها، فكان وجوده صدمة دائمة لمن احتموا بالاعراف. بسخريته القاسية كشف ان القيم التي يدافع عنها الجمع ليست حقائق راسخة بل اقنعة هشة.

اما سقراط، فقد مارس الاختلاف بوصفه سؤالا لا يهدأ، فحوكم لانه ذكر المدينة بجهلها، وكان موته دليلا على ان الجماعة حين تخاف الاسئلة تفضل قتل من يطرحها على مواجهة ذاتها.

نيتشه ذهب ابعد، ففضح اخلاق القطيع نفسها، معتبرا ان ما يسمى قيما عامة ليس سوى نتاج خوف جماعي من الاستثناء، وان الكثرة لا تصنع الحقيقة بل تحاصرها

 وفي مستوى اخر، كشف سبينوزا ان الخوف هو الالة الاكثر فعالية في ضبط الجماهير، وان الانسان كلما خاف اكثر تخلى عن عقله طواعية، وهو ما يفسر عداء الجماعة لكل تفكير حر يهدد بنيتها النفسية قبل السياسية. وفي العصر الحديث، نبهت حنا ارندت الى ان اخطر اشكال الشر لا تصدر عن وحوش، بل عن بشر توقفوا عن التفكير وذابوا في منطق الامتثال، حيث يتحول القطيع الى اداة صماء تنتج العنف باسم النظام والطاعة.

ولم يكن الفكر العربي بمنأى عن هذه المعركة، فقد اشار مراد وهبة بوضوح الى ان تغييب العقل هو الشرط الاول لسيادة التطرف، وان المجتمعات التي تعادي الفلسفة انما تعادي امكان وعيها بذاتها. هكذا يظهر المختلف في تاريخ الفكر لا كمتمرد عابر، بل كضرورة وجودية، فبدونه يتكلس العقل، وتتحول الجماعة من فضاء انساني الى قطيع يخشى النور اكثر مما يخشى الظلام.

في النهاية، لا يقاس الانسان بمدى اندماجه في القطيع، بل بقدرته على مقاومة الذوبان فيه. فالسلام الذي يمنحه التشابه سلام هش، سرعان ما ينهار عند اول سؤال حقيقي. وحده المختلف يدفع ثمن الوعي، لكنه وحده ايضا يمتلك شرف المعنى.

 لا تنتظر تصفيقا من جماعة تخاف من صوتك، ولا اعترافا من نظام يقوم على اسكاتك. امض في اختلافك حتى النهاية، لان التاريخ لا يتذكر من ساروا في الصفوف، بل من كسروا المسار وفتحوا للانسان دروبا جديدة ليكون نفسه. والعالم لا يتغير بمن يشبهونه، بل بمن تجرؤوا على ان يكونوا انفسهم حين كان ذلك هو الخطر الاكبر.

***

ابتهال عبد الوهاب

حين تتحول الاستعارة إلى درجٍ خفي في مكتب الحياة، أو إلى ريشةٍ تكمّل جناح طائر، يغدو بالإمكان استدراج الحكمة من تخوم المستحيل، حيث تنمو ببطء، كما لو أنها تتعلم المشي في حضنه. فالإنسان في جوهره، لا يحتمل مواجهة الواقع عاريا.. إنه يفرّ منه حينا، ويؤوّله حينا آخر، ويستحييه غالبا، ثم لا يلتقط مآسيه إلا عند آخر حدود الرؤية.

الاستعارة ليست ترفا لغويا، بل نسقٌ من التأويل غير الفائض، يراعي هشاشتنا في الإصغاء، ويمنحنا مهلة لكتمان الحقيقة، وتذوّق الخديعة بجرعات محتملة. غير أنها رغم لطفها الظاهري، لا ترحم ضعفنا أمام الحقيقة المرة، أيًّا كان ثقل الألم الذي تحمله. فنحن نفهم الاستعارة غالبا كما لو أنها تقف ضد قناعاتنا، وضد إراداتنا، وضد محاولاتنا المتكررة لاختراع معنى للصمود في الحياة.

لكن الاستعارة في معناها العميق، ليست نقيضا للثبات، بل تفريغٌ لليقين الزائف، وتأسيسٌ لاكتمال الرؤية، وانعطافٌ واعٍ نحو الشك بوصفه أصلا للمعرفة. إنها ليست هروبا من الحقيقة، بل طريقة أخرى للاقتراب منها دون أن نسحق تحت وطأتها.

وحين قال ميلان كونديرا إن “الإمساك بجوهر الإنسان لا يتم إلا عبر الاستعارة، بواسطة الومضة الموحية”، كان يشير إلى تلك اللحظة التي يتصل فيها الإنسان بعالمه الخلفي، حيث يستعيد جوهره من الفشل، ويعيد تشكيل أحلامه انطلاقا من العدم. فهناك، في تلك المنطقة الهشة، تصبح الاستعارة قدرةً مشبعة بالصدى.. أن نصغي إلى أصواتنا الداخلية، دون أن نربك مصير انتمائنا للزمن، أو نخلخل علاقتنا بتداعياته، تلك التي كثيرا ما تتواطأ على تقويض أحلامنا نفسها.

2 ـ

لا نعادي كرة القدم.. لا ازدراءً لها ولا جفاءً للفرح الذي تعد به، فخفّة الروح قادرة على التقاط إيقاعات النصر وصوغها عبارات منسجمة مع البهجة. غير أننا نختار الابتعاد، لا نفورا بل اتقاءً لوجعٍ مألوف: وجع الاضطرار إلى تصريف خيبة غير متوقعة، وتحويلها إلى مراثٍ شعرية لا تزيد الألم إلا رسوخا.

إننا تدرك أن الهزيمة، حين تُستعاد عبر طقس التنفيس، لا تُشفى بل تُعاد كتابتها. لذلك نميل إلى ملء الفراغ بما هو يومي وبسيط، بشؤون البيت ونظامه، لا هربا من لحظة نهائية غير عادلة، بل حفاظا على توازنٍ داخلي لا تريد تعريضه لانفعالات لا طائل منها. فالوقت، وإن كان متسعا لمشاهدة مباراة حاسمة، يتسع أكثر للتأمل في جدوى المشاهدة ذاتها.

إننا نستعيد زخم اللحظة عبر أسئلة ذهنية هادئة: إلى أين يمضي هذا الفيض الصاخب من الاحتجاج على الهزيمة؟ وما معنى أن نروّع أنفسنا بما لا يمكن تبريره أو إصلاحه؟.

أسئلة لا تبحث عن إجابات جاهزة، بل تكشف عبث التعلّق بما يفلت من السيطرة.

لهذا نختار أن تتراجع خطوة عن انحياز القلب الوطني، لا خيانة له، بل إنقاذا للعقل من الاستنزاف. نعود إلى عزلتنا، لا باعتبارها انسحابا، بل بوصفها فضاءً للجدل الإيجابي، حيث يمكن استثمار الفكر والمعنى، وحيث يصبح الوجود قابلا لتأويلٍ أقل انفعالا وأكثر اتزانا.

ونبقى أوفياء لعبارة نردّدها كوصية صامتة: لندع الفراغات الموحشة لمن يتقن صناعة الأمل فيما لا يجدي. أما الحياة، فربما أجدر بنا أن نقبلها كما هي، عارية من الحقد والضغينة والاحتيال، بسيطة بما يكفي لأن تُعاش، وعميقة بما يكفي لأن تُفهم.

3 ـ

لا يحدث الانكسار إلا حين تدفعنا قوة خفية، لا نراها بقدر ما نشعر بثقلها، إلى أن نعيد امتلاك أنفسنا من بين الشظايا. ننكسر كي نلتقط جراحنا المشرعة على العراء، لا لنخفيها، بل لنفهم معناها. فالانكسار ليس سقوطا خالصا، بل وجعا مؤقتا، وانسحابا واعيا لتأجيل متاهات لم نعد قادرين على عبورها دفعة واحدة. وحين يتقاطع الألم مع التفكير، تتاح لنا فرصة نادرة لاسترجاع تلك الجذوة التي كادت تنطفئ.. حلمٌ كان هاربا نحو اللاجدوى، فيعود مترددا، ليمنح للوجود مبررا آخر للاستمرار.

4 ـ

تستبدّ بي، كلما تابعت انفعالات الجماهير وهي تلاحق أطوار منافسات كأس الأمم الإفريقية، حالةٌ من الحنين الهادئ، أقرب إلى ارتداد الذاكرة على ذاتها، حيث تمتزج صور الطفولة ببقايا الشباب، وتطلّ كرة القدم بوصفها أثرا وجوديا أكثر منها لعبة.

لم تكن آنذاك مجرد تسلية عابرة أو فرجة جماعية، بل كانت جزءا من نسيجنا النفسي والاجتماعي، عنصرا مكوِّناً لهويتنا الناشئة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بكل ما حملته تلك المرحلة من هشاشة وصدق وبساطة، قبل أن تتحول اللعبة إلى صناعة مكتملة الأركان للمال والنجومية والتمثيل الرمزي للقوة.

كنا نلعب كرة القدم بأدوات لا تستوفي شروط اللعبة، لكنّها كانت تستوفي شروط الحلم. بالونات بلاستيكية منفوخة، أو جلد مهترئ محشو بما تيسر من مواد تالفة، وعلى أرضيات مجروحة بالحفر، مثقلة بالحجر والطوب، لا تعرف الاستواء ولا الرحمة. وما إن نغادر فضاء المدرسة، التي كانت تستهلك طاقاتنا الصغيرة وتستنزف صبرنا الغض، حتى نندفع بأجسادنا النحيلة نحو ما نسميه ملعبا، وهو في الحقيقة مساحة قاسية لا تصلح للجري ولا للاحتفال، ومع ذلك كانت قادرة على احتضان فرحنا الخام.

هناك، في تلك البقعة الترابية، كانت تتشكل علاقتنا الأولى بالعالم.. بالصراخ، بالجري، بالاحتكاك، وباللعب دون حساب للوقت أو الخسارة. كنت أتقمص كل الأدوار دفعة واحدة.. أهاجم حينا، أدافع حينا آخر، وأقف حارسا للمرمى أغلب الوقت، لا عن اختيار واعٍ، بل لأن الفريق كان يهيئني لذلك بحكم طول قامتي، وكأن الجسد نفسه كان يفرض قدَره الكروي قبل أن يفرض عليه الزمن أقداره الأخرى. كانت الحراسة، بالنسبة لي، موقعاً للمواجهة والصبر والعزلة المؤقتة، لا وظيفة تكتيكية فحسب.

هذه المشاهد لا تغادرني، بل تعود إليّ في هيئة حنين نوستالجي غريب، كلما لمحت ضوءا يشبه ضوء ذلك الزمن، أو سمعت صرخة أحد أطفالي منفعلا بمباراة ما. غير أن اللعبة اليوم لم تعد تثير فيّ الحماسة ذاتها، ولا تستنفر وجداني كما كانت تفعل. صارت فكرة أكثر منها تجربة، عرضا بصريا أكثر منها ممارسة روحية.

أحب كرة القدم، نعم، لكنّها لم تعد توقظ في داخلي ذلك الفرح البدئي، ولا تعيد إنتاج تلك العلاقة البريئة مع الخسارة والانتصار. بل إن خسارة فريقي المفضل، اليوم، لا تفتح فيّ سوى مسافة باردة بين ما كنتُه وما صرتُه، بين لعبة كانت تشبهنا، ولعبة صرنا غرباء عنها.

هكذا، تتحول كرة القدم في الذاكرة إلى استعارة كبرى عن الزمن نفسه.. عن طفولة لا تعود، وبساطة لا تُستعاد، وعالم كان أقل بهرجة، لكنه أكثر صدقاً. وفي هذا الاسترجاع، لا أبحث عن تمجيد الماضي بقدر ما أفتش عن تلك الشرارة الإنسانية الأولى، التي كانت تجعل من اللعب فعلاً للحياة، لا مجرد صناعة للفرجة والنتائج.

5 ـ

البياضات في النصّ… همسات بلا صوت، فراغات بلا حدود، تنبثق كأصداء داخل الصمت، لا يعرفها الكاتب، ولا يملكها القارئ. هي خطوط بين الظاهر والباطن، مسافات تُفلت من المنطق، تتحرك على هامش المعنى، تتسلل كظلال بين الحروف، فتفتح أبوابا لغيب لا يُرى.

في هذه المساحات، يصبح الغياب حضورا، وتتحول الإشارة إلى أيقونة. كما في السينما المشهدية، حيث الصورة تحكم المشهد، لكنها تخفي عن عينك قدراتها النصية، فتتوه بين الاستعارة والتوجس، بين المباشرة والسرّ، بين ما يُرى وما يختبئ في الظلال.

هنا، في قلب الفراغ، يولد المعنى، ليس على نحو قاطع أو محدد، بل كإشراقة تتناثر بين الكلمات، حيث يصبح الصمت خطابا، والغياب حضورا، والبياض دعوة، ليس فقط للقراءة، بل للمشي بين ضفاف النصّ، والتأمل في سحره الذي لا ينتهي، في رحلة دائمة بين السؤال والجواب، بين الرؤية والخيال، بين ما نعرف وما نغفل.

6 ـ

ما بين جناحين لا يعود للطيران معنى الحركة، بل معنى الانفصال المؤقت عن الاسم، إذ الفراشة لا تشق السماء.. إنها تُؤجِّل ثقلها كي تختبر خفة الكينونة، فتدخل الفضاء لا بوصفه علوًّا، بل باعتباره احتمالا للوجود حين يتحرر من علله.

السماء هنا مقامٌ مائيٌّ يتعلّم من الغيم كيف يكون الحضور بلا امتلاء، وكيف يصير النور فعلا بلا مركز، ينقضّ على الجاذبية لا ليهزمها، بل ليُذكِّرها بأنها ميلٌ قابل للتأويل، وأن السقوط ليس نقيض العروج، بل صورته غير المفهومة بعد.

الفراشة في عبورها، لا تعصي الأرض ولا تغادرها، بل تضعها بين قوسين، كما توضع الفكرة حين تُمحى حدودها لتُرى في أصلها، فالأرض من هذا الاتزان الدقيق بين جناحين تبدو أقل واقعية وأكثر صدقًا، كأنها حقل نعناع ميتافيزيقي، لا يُشمّ بالحواس بل بالطمأنينة، يمسح جبينه من بقايا أضواء تاهت لأنها لم تجد معنى تستقر فيه. وفي ذلك، يتصالح الحارّ والبارد لا كدرجتين حراريتين، بل كإشارتين على وحدة الضدّ، إذ الهواء يصبح فكرا معلّقا، والفكر نسيمًا لا يُمسك.

وليس ما يحدث رؤية بالمعنى البصري، بل انكشاف بلا صورة، نقطة صمتٍ تستعير فضاءها كي تقول دون لغة إن الوجود لا يبدأ من الأرض ولا من السماء، بل من تلك اللحظة التي ينسى فيها الكائن سبب وجوده، فيصير وجودا خالصا...

قصيدة لا تُكتب، لأن الكتابة سقوطٌ آخر، ولأن البداية الحقيقية ليست حركة ولا سكونًا، بل ارتجافة المعنى حين يعي أنه كان حاضرًا قبل أن يُسمّى.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

 

الحرية، والفردية، والتاريخ 

كتب: كريستوفر لينكيويتش

ترجمة: علي حمدان

***

إرادة القوة

يُشكّل مفهوم إرادة القوة جوهر "نظام" نيتشه الظاهري - إن صحّ التعبير وفقًا لمعظم المعايير. وبما أن إرادة القوة تُعدّ ركنًا أساسيًا في فلسفته، فإنها تُقدّم لنا نقطة انطلاق مُحتملة لدراسة علاقته بالسياسة والديمقراطية والآراء والمُثل الشعبية. فإرادة القوة، في جوهرها، ليست مجرد فضيلة سياسية أو اجتماعية، بل هي ضرورة بيولوجية ونفسية تُحدّد أو تُؤثّر في كل جانب من جوانب الواقع الإنساني:

ينبغي على علماء الفسيولوجيا التفكير مليًا قبل اعتبار غريزة البقاء على قيد الحياة الغريزة الأساسية للكائن الحي. فالكائن الحي يسعى قبل كل شيء إلى إطلاق طاقته - فالحياة نفسها هي إرادة قوة؛ أما البقاء على قيد الحياة فهو مجرد نتيجة غير مباشرة، بل هي الأكثر شيوعًا. (ما وراء الخير والشر، §13، ص 21).

يرى نيتشه أن إرادة القوة، في حين أنها أعمق تعبير عن حيوية جميع الكائنات الحية، فإن مهمة فهم الفيلسوف وتفسيره تستلزم مواجهة مباشرة وضرورية مع "تحيزاته" - أي ميوله وقيمه:

وقد اتضح لي تدريجيًا ماهية كل فلسفة عظيمة حتى الآن: ألا وهي اعتراف شخصي من مؤلفها، ونوع من السيرة الذاتية اللاإرادية واللاواعية؛ وأن النوايا الأخلاقية (أو اللاأخلاقية) في كل فلسفة تُشكل البذرة الحقيقية للحياة التي نبتت منها النبتة بأكملها. (ما وراء الخير والشر، §6، ص 13).

يرى نيتشه أن الأهمية القصوى لإرادة القوة تستلزم إعادة النظر جذرياً في منظور الفلاسفة. فإرادة القوة لديهم تحدد تحيزاتهم وقيمهم، بل وأحياناً أيديولوجياتهم بأكملها. تصبح الأيديولوجيا موضع شك جوهري في فلسفة نيتشه، ويُعزى ذلك على الأرجح إلى طبيعة إرادة القوة وبنيتها.

نيتشه والحكومة

لفهم علاقة نيتشه بالحكومة، وتحديدًا بالديمقراطية، نحتاج أولًا إلى فهمٍ أعمّ لمنهجه الفلسفي. ينصح نيتشه قرّاءه في عرضه بإنكار مشاعر الشفقة والقيم الديمقراطية كالمساواة، بل ويسخر منها مرارًا، رابطًا إياها بالتواضع. فهل هو إذًا من دعاة شكلٍ بديلٍ من أشكال الحكم (ربما وحشيًا أو استبداديًا)؟ يبدو أنه يترك هذا الاحتمال مفتوحًا للتأويل، لكنه يكتب بانتقادٍ لاذعٍ عن معاداة السامية في مواضع عديدة (انظر: إنساني، إنساني جدًا، الفقرة 475، ما وراء الخير والشر، الفقرة 251). عمومًا، لا يكتب نيتشه بتفاؤلٍ عن الحكومات بشكلٍ عام. (وقد خدم هو نفسه كمسعفٍ في الحرب الفرنسية البروسية بين عامي 1870 و1871).

إن هموم الحكومات تبدو تافهة ونفعية نسبيًا، مقارنةً بالسمو الروحي والمخاطر التي يواجهها الفنانون والكتاب والفلاسفة. هؤلاء هم من يُرجّح أن يستفيدوا من وصفات نيتشه الفلسفية، وعليهم تجنّب إضعاف إرادتهم للسلطة بمشاعرهم الدافئة تجاه عامة الناس. من الواضح أنه يرى نفسه مناصرًا للقيم الفردية، إذ يعتبر القدرة الإبداعية والفلسفية - وهي قيم تخدم إرادة القوة - تمثل نوعًا أسمى وأجدر وأهم من عامة الناس.

بدلاً من أن يُصوّر نفسه عدواً لدوداً للديمقراطية، يبقى احتمال أن يرى أهداف الديمقراطية مناقضةً لقيم الأرستقراطية. فحتى لو تعاطف المرء مع قضية الديمقراطية، فقد لا تُمثّل مصالحه الشخصية. تمثل الديمقراطية انحرافاً عن النبل والسمو اللذين اتسم بهما جمهور نيتشه المُختار. ليس هدف نيتشه إقامة العدل - كما يفعل السياسيون تحت مظلة الديمقراطية - بل ممارسة الحرية وإرادة القوة كما تتجلى في إرادة أسمى: الاستعداد لاستخدام المواهب والقدرات والفكر وقوة الإرادة لتحقيق الإنجاز الفردي.

هكذا تكلم زرادشت: حول الألواح القديمة والجديدة

 قد نفترض أن نيتشه كان لديه رؤية معقدة للديمقراطية، حتى يكون شديد النقد لها. لذا، قد يستفيد بحثنا من ربط نيتشه بالديمقراطية من خلال مفهومه عن الإنسان المتفوق (Übermensch). في كتابه "هكذا تكلم زرادشت"، في الفصل "حول الألواح القديمة والجديدة" §3، يكتب نيتشه: وهناك أيضاً التقطتُ كلمة "الإنسان المتفوق" [Übermensch] بالمناسبة، وأن الإنسان شيءٌ يجب التغلب عليه، وأن الإنسان جسرٌ لا نهاية له: يُعلن نفسه مباركاً في ضوء ظهيرة ومساء يومه، باعتباره الطريق إلى فجر جديد، كلمة زرادشت عن الظهيرة العظيمة، وكل ما علّقته على الإنسان كآخر ضوء قرمزي في المساء. (نيتشه المحمول، ص 310) في موضع لاحق من الفصل نفسه، في الفقرة الرابعة من كتاب "عن الألواح القديمة والجديدة"، يقول زرادشت:           

ها هو ذا لوح جديد؛ ولكن أين إخوتي ليحملوه معي إلى الوادي وإلى قلوب البشر؟ هكذا يقتضي حبي العظيم لأبعد الناس: لا ترحم جارك! الإنسان شيء يجب التغلب عليه. [...] تغلب على نفسك حتى في جارك: والحق الذي تستطيع سلبه لا تقبله كهدية. ما تفعله، لا يستطيع أحد أن يفعله بك بدوره. ها هو ذا، لا عقاب. من لا يستطيع أن يضبط نفسه فليطع. وكثيرون يستطيعون ضبط أنفسهم، ولكن لا يزال هناك الكثير مما ينقصهم قبل أن يطيعوا أنفسهم. (نيتشه المختصر، ص 311):

وأخيرًا، في الفقرة الخامسة من الفصل نفسه، يقول زرادشت: 

  هذه هي طبيعة النفوس النبيلة: لا ترغب في الحصول على شيء مجانًا، وأقلها الحياة. من ينتمي إلى العامة يريد أن يعيش بلا مقابل؛ أما نحن، الذين وهبتنا الحياة نفسها، فنفكر دائمًا فيما يمكننا تقديمه على أفضل وجه. [...] لا ينبغي للمرء أن يرغب في التمتع حيث لا يمنح الفرح. ولا ينبغي للمرء أن يرغب في التمتع أصلًا! [...] (نيتشه المختصر، ص 311).

وهكذا يبدو أن اعتراض نيتشه على الديمقراطية وقيمها ينبع من نزعةٍ نحو النبل أو الجدارة. فالديمقراطية تسعى إلى تمثيل    مواطنيها وحمايتهم. أما حكام المدينة المتخيلون في جمهورية أفلاطون، فيسعون بإخلاص إلى تحقيق مصلحة المدينة ورعاياها. ويرى نيتشه أن أهداف الحكومة لا تخدم في حد ذاتها مصالح النبلاء                                               

في القسم ٧، يتابع زرادشت:

أن تكون صادقًا - قليلون هم القادرون! وحتى هؤلاء الصادقون يفتقرون إلى الإرادة. لكن الصالحين هم الأقل قدرة على ذلك. يا لهؤلاء الصالحين! الصالحون لا ينطقون بالحق أبدًا؛ لأن الروح ترى في الصلاح مرضًا. إنهم يستسلمون، هؤلاء الصالحون؛ يضحّون بأنفسهم؛ قلوبهم تردد، وأرضهم تطيع: لكن من يطيع الأوامر لا يطيع نفسه. (نيتشه المحمول، ص 312).

وهكذا ينأى نيتشه بنفسه عن المثال (الأفلاطوني ظاهريًا) لـ"الرجال الصالحين" - وهم، كما يُفترض، أولئك الذين يحكمون أو يشرعون. ويمكننا أن نستنتج أن "الرجال الصالحين" يُقارنون بالرجال "الحقيقيين" - الذين مع ذلك يُخضع زرادشت إرادتهم للتدقيق. ويتذكر المرء تأثير وهيمنة السفسطة في أثينا القديمة - وشخصية أولئك الذين حكموا في النهاية على سقراط بالإعدام. (كما نتذكر أيضًا سيطرة الخداع والمكر والميكافيلية - باختصار، السفسطة - على السياسيين الشعبويين المعاصرين). بالنسبة لنيتشه، يبدو أن "الرجال الصالحين" أنفسهم سفسطة: فهم يعيشون ويتواجدون ضمن زمان وسياق محددين. وبالتالي، فإن إرادتهم هي إرادة المظهر، واستعداد لاستغلال المظاهر. فهل يقصد نيتشه إذًا ببساطة النصح ضد "الصلاح"؟ - أم أنه يقصد النصح ضد تصديق "الرجال الصالحين"؟

في الفقرة ١٢ من كتاب "عن الألواح القديمة والجديدة"، يقول زرادشت:

يا إخوتي، أُكرّسكم وأُوجّهكم إلى نُبلٍ جديد: ستُصبحون مُنجبين ومزارعين وزارعين للمستقبل - لا نُبلاً يُمكن شراؤه كالباعة بذهبهم، فما له ثمنٌ قليل القيمة. ليس من أين أتيتم سيُحدد شرفكم، بل إلى أين أنتم ذاهبون! إرادتكم ورغبتكم في تجاوز ذواتكم - هذا ما سيُحدد شرفكم الجديد. [...] في أبنائكم ستُعوّضون كونكم أبناء آبائكم: هكذا ستُكفّرون عن كل ما مضى. هذا اللوح الجديد أضعه فوقكم. (نيتشه المحمول، ص 315-316)

وهكذا يبدو أن نيتشه يهتم بمفهوم الأصالة. فالمستقبل يحمل مصير الحاضر. و"أبناؤكم" يمثلون إرثكم. وينصح زرادشت الأبناء بألا يبخلوا بإرث آبائهم. وفي المجال السياسي، يكتسب هذا الأمر أهمية بالغة: إلى أي مدى نحترم حقًا إرث سياسيينا، على سبيل المثال، في إثارة الحروب؟

أُحبّ الشجعان، ولكن لا يكفي أن يحمل المرء سيفًا عريضًا، بل يجب أن يعرف أيضًا ضد من. وكثيرًا ما تكون الشجاعة أعظم عندما يمتنع المرء ويمرّ، ليُوفّر نفسه للعدو الأجدر. (نيتشه المحمول، ص 321).

فيما يتعلق بالحكم والقيادة والإبداع، يبدو أن أولوية نيتشه، بدلاً من إدارة الحكم مباشرةً، هي تنمية شخصية "قوية". قد تبدو جدالاته ضد الشفقة والمساواة مناسبةً لحكومة فاشية. مع ذلك، تشير قراءة متأنية لنيتشه إلى غاية "أرستقراطية" أكثر منها سياسية مباشرة.

***

وعملية التدريب على الذوق الرفيع

مقدمة: في سياق الدراسات الاجتماعية والثقافية، يُعد مفهوم "الذوق الرفيع" أداة تحليلية قوية لفهم كيفية ترسيخ الهيكل الاجتماعي داخل الثقافة. هذه العملية ليست عفوية أو طبيعية، بل هي نتاج تدريب منهجي ومستمر يتم من خلاله نقل وتعزيز الفروقات الطبقية عبر الأجيال. يركز هذا الدراسة على النظرية الاجتماعية لبيير بورديو ( 1930-2002)، الذي طور في كتابه الشهير التمييز: نقد اجتماعي لحكم الذوق ( 1979/1984) نموذجاً يفسر كيف يصبح الذوق أداة للتمييز الاجتماعي، وكيف يساهم في ترسيخ المجتمع داخل الثقافة من خلال الرأسمال الثقافي والهابيتوس (habitus). يُعرف بورديو الذوق بأنه ليس مجرد تفضيل شخصي، بل هو نظام تصنيف يعكس موقع الفرد في الفضاء الاجتماعي. هذا الذوق يتم تدريبه من خلال عمليات التنشئة الاجتماعية، التعليم، والاستهلاك الثقافي، مما يجعل الثقافة حقل معركة رمزية حيث يتم الحفاظ على الهيمنة الطبقية. الدراسة الحالية ستستعرض هذه العملية بشكل موسع، معتمدة على تحليل نظري وأمثلة تطبيقية، لتكشف كيف يصبح الذوق الرفيع آلية لإعادة إنتاج اللامساواة الاجتماعية. سنقسم الدراسة إلى أقسام رئيسية: شرح المفاهيم الأساسية، عملية التدريب على الذوق، آليات الترسيخ الاجتماعي، والنقد والتطبيقات المعاصرة. فكيف تتشكل الثقافة كذوق رفيع في البناء الاجتماعي؟

المفاهيم الأساسية في نظرية بورديو: الرأسمال الثقافي، الهابيتوس، والذوق كأداة نقد اجتماعي

يبني بورديو نظريته على فكرة أن الثقافة ليست محايدة، بل هي مجال للصراعات الرمزية حيث يتم ترسيخ الهيكل الاجتماعي. الرأسمال الثقافي هو أحد الأشكال الرئيسية لهذا الترسيخ، وهو يتكون من ثلاثة أشكال: المجسد ( مثل المعارف والمهارات الشخصية)، الموضوعي ( مثل الكتب أو الأعمال الفنية)، والمؤسساتي ( مثل الشهادات التعليمية). هذا الرأسمال يُكتسب عبر الزمن ويُحول إلى أداة للتمييز، حيث يسمح للطبقات المهيمنة بالحفاظ على مكانتها من خلال تفضيلات تبدو "طبيعية".الهابيتوس، بدوره، هو نظام من الاستعدادات الدائمة التي تُكتسب عبر التنشئة الاجتماعية والتي توجه السلوكيات والأحكام دون وعي كامل. إنه "مبدأ مولد للممارسات المنظمة"، يجعل الذوق يعمل كـ"حاسة اجتماعية" توجه الفرد نحو ما يناسبه في الفضاء الاجتماعي. يقول بورديو: "الهابيتوس هو ضرورة داخلية تحولت إلى استعداد يولد ممارسات ذات معنى وإدراكات تمنح معنى" . هكذا، يصبح الذوق ليس مجرد تفضيل، بل "نقد اجتماعي لحكم الذوق"، حيث يصنف الذوق المصنف نفسه، مكشفاً عن موقعه الطبقي.في هذا السياق، الذوق الرفيع هو نتاج تدريب يجعل الثقافة تبدو كـ"هبة طبيعية"، بينما هي في الواقع منتج للشروط الاجتماعية. يرتبط هذا بالفروقات بين الطبقات: الطبقات العليا تفضل الفنون المجردة (مثل كاندينسكي أو موسيقى باخ)، بينما الطبقات الدنيا تفضل الواقعية أو الوظيفية (مثل لوحات المناظر الطبيعية أو موسيقى شعبية).

عملية التدريب على الذوق الرفيع: الطرق والآليات

يتم تدريب الذوق الرفيع عبر عمليات متعددة، تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المدرسة والمجتمع.

في الأسرة (النمط المنزلي للاكتساب)، يحدث التدريب بشكل غير مباشر ومبكر، من خلال الغمر اليومي في الممارسات الثقافية مثل زيارة المتاحف أو الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية. هذا يمنح "الإرث الثقافي" شعوراً بالألفة والسهولة، يُعرف بـ"اللمسة الطبيعية"، مما يجعل الذوق يبدو فطرياً. يوضح بورديو: "الطريقة التي تم اكتساب الثقافة بها تعيش في الطريقة التي يتم استخدامها بها" .

أما في المدرسة (النمط المدرسي)، فيكون التدريب أكثر تنظيماً، من خلال المناهج التي تفرض تصنيفات ثقافية (مثل التمييز بين الكلاسيكي والرومانتيكي). الشهادات تعزز هذا، مما يمنح "تأثير الاعتماد" الذي يوسع الكفاءات الثقافية. ومع ذلك، يختلف الاكتساب: المنزلي يمنح الثقة، بينما المدرسي قد يؤدي إلى "التعلم الكتابي" أو الادعاء. يمتد التدريب إلى المجتمع عبر "الأسواق الثقافية"، مثل الحفلات أو النوادي، حيث يتم تقييم الكفاءات.

أمثلة تطبيقية: في الطعام، تدرب الطبقات العليا على "الذوق الرفيع" بالتركيز على الشكل والجودة (الخضروات الطازجة، الأسماك)، بينما الطبقات الدنيا على الكمية والقوة (اللحوم الدسمة). في الرياضة، الطبقات العليا تفضل الرياضات الطقسية مثل الغولف، المكتسبة مبكراً، مقابل الرياضات الشعبية مثل الملاكمة. هذه التدريبات تعزز التمييز، حيث يصبح الذوق "حاجزاً أقوى بين الطبقات".

آليات ترسيخ المجتمع في الثقافة عبر الذوق الرفيع

يترسخ المجتمع في الثقافة من خلال الذوق الرفيع كآلية لإعادة الإنتاج الاجتماعي. أولاً، من خلال "التماثل" بين الفضاء الاجتماعي وأنماط الحياة: الرأسمال الاقتصادي يعاكس الثقافي، مما يجعل التفضيلات تعكس المواقع الطبقية. ثانياً، عبر "الصراعات الرمزية"، حيث يصبح الذوق ساحة للتنافس على الشرعية (مثل تفضيل الفنون الجديدة للطبقات الصاعدة). ثالثاً، من خلال "الإنكار" ، حيث يُنظر إلى الذوق كهبة طبيعية، مخفياً عن اللامساواة. في السياقات المعاصرة، يظهر هذا في الاستهلاك: الطبقات العليا تستهلك الثقافة "المجردة" لتعزيز الهيمنة، بينما الطبقات الوسطى تقلد بـ"الإرادة الثقافية" ، مما يؤدي إلى "الألودوكسيا" (الخطأ في التصنيف). يقول بورديو: "الذوق هو تأكيد عملي لفرق حتمي". هذا الترسيخ يمتد إلى السياسة، حيث يشكل الذوق الآراء (النخب تفوض للكفء).

مفهوم الرأسمال الثقافي

في سياق النظرية الاجتماعية لبيير بورديو، يُعد الرأسمال الثقافي مفهوماً مركزياً لفهم كيفية ترسيخ الهيكل الاجتماعي داخل الثقافة. هذا المفهوم، الذي طوره بورديو في أعماله الرئيسية مثل التمايز ( 1979) وإعادة الإنتاج (1970/1977)، يشير إلى الموارد غير المادية التي يمتلكها الأفراد أو الجماعات، والتي تمنحهم ميزة في الفضاء الاجتماعي. الرأسمال الثقافي ليس مجرد معرفة أو مهارات، بل هو أداة للتمييز الطبقي، يُكتسب عبر عمليات التنشئة الاجتماعية ويُحول إلى رأسمال اقتصادي أو اجتماعي. توجد أشكال ثلاثة للرأسمال الثقافي. يصنف بورديو الرأسمال الثقافي إلى ثلاثة أشكال رئيسية، كل منها يعكس طريقة مختلفة للتراكم والاستخدام:

الرأسمال الثقافي المجسد : هذا الشكل يتجسد في الجسم والعقل، مثل المهارات اللغوية، الذوق الفني، أو القدرة على التصرف في المواقف الاجتماعية. إنه "الحالة المجسدة" التي تتطلب وقتاً طويلاً للاكتساب، وتكون مرتبطة بالهابيتوس، أي نظام الاستعدادات الدائمة. على سبيل المثال، القدرة على تقدير لوحة فنية مجردة أو إجراء حوار أدبي يعكس هذا الرأسمال، الذي يبدو "طبيعياً" لكنه في الواقع نتاج تنشئة اجتماعية. يؤكد بورديو أن هذا الشكل غير قابل للنقل المباشر، بل يُورث عبر "الاستثمار الزمني" في الأسرة أو المجتمع.

الرأسمال الثقافي الموضوعي: يتمثل في الأشياء المادية التي تحمل قيمة ثقافية، مثل الكتب، الأعمال الفنية، أو الآلات الموسيقية. هذا الشكل قابل للشراء أو البيع، لكنه يتطلب رأسمالاً مجسداً لاستخدامه بشكل فعال. على سبيل المثال، امتلاك مجموعة من اللوحات الكلاسيكية لا يمنح قيمة إلا إذا كان الشخص قادراً على تفسيرها أو عرضها بطريقة تعكس ذوقاً رفيعاً. هنا، يصبح الرأسمال الموضوعي أداة للعرض الاجتماعي، حيث يعزز التمييز الطبقي من خلال "الاستهلاك الثقافي".

الرأسمال الثقافي المؤسساتي: يتمثل في الاعتراف الرسمي، مثل الشهادات التعليمية أو الجوائز. هذا الشكل يمنح "ضماناً" اجتماعياً، حيث تحول المؤسسات (مثل الجامعات) الرأسمال المجسد إلى رأسمال معترف به. على سبيل المثال، درجة الدكتوراه في الأدب تمنح شرعية ثقافية، مما يسهل الوصول إلى مناصب نخبوية. ينتقد بورديو هذا الشكل كآلية لإخفاء اللامساواة، إذ يبدو النجاح "مبنياً على الجدارة" بينما هو مرتبط بالخلفية الاجتماعية.

هذه الأشكال مترابطة، حيث يعزز كل منها الآخر، مما يجعل الرأسمال الثقافي نظاماً ديناميكياً للحفاظ على الهيمنة. فماهي آليات اكتساب الرأسمال الثقافي والعمليات الاجتماعية والتعليمية المستعملة في ذلك؟

يُكتسب الرأسمال الثقافي عبر مسارات متعددة، تبدأ من التنشئة الأسرية وتمتد إلى النظام التعليمي والممارسات الاجتماعية:

الاكتساب الأسري: في الأسر النخبوية، يحدث الاكتساب بشكل غير مباشر من خلال "الغمر الثقافي"، مثل قراءة الكتب الكلاسيكية أو حضور العروض المسرحية. هذا يمنح "الألفة الطبيعية"، التي تجعل الرأسمال يبدو فطرياً. دراسات بورديو في فرنسا تظهر أن أبناء الطبقات العليا يمتلكون رأسمالاً ثقافياً أعلى، مما يعزز فرصهم في التعليم.

الاكتساب التعليمي: المدرسة تعمل كـ"سوق للرأسمال الثقافي"، حيث تكافئ الطلاب ذوي الخلفيات الثقافية الغنية. على سبيل المثال، المناهج التي تركز على الأدب الكلاسيكي تفضل الطلاب الذين يعرفون بالفعل هذه النصوص. يصف بورديو هذا بـ"العنف الرمزي"، حيث يُنكر النظام التعليمي دوره في إعادة الإنتاج الطبقي.

الاكتساب الاجتماعي: عبر الشبكات الاجتماعية، مثل النوادي أو الفعاليات الثقافية، يتم تبادل الرأسمال. في السياقات المعاصرة، مثل وسائل التواصل الاجتماعي، يصبح مشاركة المحتوى الثقافي (مثل اقتباسات من كتب فلسفية) طريقة لعرض الرأسمال.

أمثلة تطبيقية: في المجتمعات العربية، مثل تونس، يظهر الرأسمال الثقافي في إتقان اللغة الفرنسية أو معرفة الأدب الفرنسي، الذي ورث من الاستعمار كأداة للتمييز الطبقي. دراسات حديثة تظهر أن الطبقات الوسطى في الدول العربية تسعى للاكتساب من خلال التعليم الخاص، مما يعزز اللامساواة.

فماهو دور الرأسمال الثقافي في إعادة الإنتاج الاجتماعي والترسيخ الطبقي؟

يُعد الرأسمال الثقافي أداة رئيسية لإعادة الإنتاج الاجتماعي، حيث يحول الثقافة إلى مجال للصراعات الرمزية:

التمييز والإنكار: يسمح الرأسمال بـ"التمييز"، حيث يصنف الأفراد بناءً على ذوقهم، مخفياً اللامساواة تحت غطاء "الذوق الطبيعي". هذا "الإنكار" يجعل الهيمنة تبدو مشروعة.

التحويل إلى رأسمال آخر: يمكن تحويل الرأسمال الثقافي إلى اقتصادي (مثل وظائف في الإعلام) أو اجتماعي (شبكات نخبوية). في الاقتصاد الرأسمالي، يصبح "الثقافي" سلعة، كما في صناعة الترفيه.

مع العولمة، يتوسع الرأسمال الثقافي ليشمل الثقافات الرقمية، مثل المهارات في البرمجة أو التصميم الرقمي. ومع ذلك، يظل مرتبطاً بالطبقات، حيث يمتلك الأغنياء وصولاً أفضل إلى التعليم الرقمي. لكن بعض الدارسين، مثل ريتشارد بيترسون، يتحدثون عن "الذوق الشامل"، حيث تختلط الثقافات العليا والشعبية، مما يقلل من دور الرأسمال كأداة تمييز. لكن بورديو يرى هذا كتكيف للهيمنة. في العصر الرقمي، يظهر الرأسمال الثقافي في المنصات مثل إنستغرام، حيث يعرض الأفراد "أنماط حياة" ثقافية لتعزيز مكانتهم. في الدول النامية، يرتبط بالاكتساب الغربي، مما يعزز "الاستعمار الثقافي"، على سبيل المثال، يلعب الرأسمال الثقافي دوراً في التنقل الاجتماعي بعد الثورة، حيث يساعد التعليم في تشكيل نخب جديدة.  النظرية متهمة بالتركيز الغربي، لكن تطبيقات في آسيا وأفريقيا تظهر صلاحيتها، مع تعديلات للثقافات المحلية. فالرأسمال الثقافي، كمفهوم متعدد الأبعاد، يكشف كيف تترسخ اللامساواة داخل الثقافة. من خلال أشكاله واكتسابه، يعمل كآلية لإعادة الإنتاج الاجتماعي، محفزاً على سياسات تعليمية متساوية لتقليل الفجوات. هذا التوسع يدعو إلى بحوث إضافية في السياقات غير الغربية لفهم ديناميكياته العالمية. رغم قوتها، تواجه نظرية بورديو نقداً: بعض الباحثين يرونها جامدة، غير قادرة على تفسير التغيرات مثل "الذوق الشامل"، حيث تختلط الثقافات العليا والشعبية . كما أنها تركز على السياق الفرنسي، مما يتطلب تكييفاً للثقافات الأخرى، مثل في تركيا حيث يلعب الرأسمال الثقافي دوراً في تشكيل الطبقات منذ القرن التاسع عشر . توسعات حديثة تربطها بالتعليم، حيث يصبح الذوق أداة للتنقل الاجتماعي، أو بالاستهلاك الرقمي، حيث يعيد الذوق الرفيع تشكيل الهويات عبر المنصات.

خاتمة

الطريقة التي يترسخ بها المجتمع في الثقافة هي عملية التدريب على الذوق الرفيع، كما يفسرها بورديو، حيث يصبح الذوق آلية لإعادة إنتاج اللامساواة. هذا التدريب، من خلال الرأسمال الثقافي والهابيتوس، يجعل الثقافة ليست مجرد تعبير، بل أداة هيمنة. يدعو هذا إلى نقد اجتماعي يفضح "الأيديولوجيا الخواريزمية" للذوق، محفزاً على سياسات تعليمية تعزز الوصول المتساوي إلى الثقافة، لتقليل الترسيخ الطبقي. فكيف يتحول الراسمال الثقافي الى رأسمال رمزي يعيد انتاج الرأسمال الاجتماعي؟

***

د. زهبر الخويلدي - كاتب فلسفي

 

مفتتح: لا يزال مشروع المفكر الجزائري مالك بن نبي (1905-1973) يعاني من "نكسة دهشة" يتعكس أزمة بنيوية في آليات استقبال الأفكار داخل الفضاء العربي الإسلامي. فالمفكر الذي جاء ليتجاوز "الذرية الفكرية" و"الأصنام الجديدة" التي صارت تعبد في جغرافية "طنجة-مسقط"، ظل هو نفسه ضحية تلك الأصنام، محاصرا بين تصنيفات إيديولوجية جاهزة تختزل منظومته الشاملة إلى "علمانية" عند السلفيين، و"إسلاموية" عند العلمانيين، و"تجديدية" عند الإصلاحيين.[1]

الإفلاس الحضاري كمأزق ثقافي:

تنطلق منظومة بن نبي الفكرية من قراءة معمقة تؤكد بأن "الإسلام من حيث الوحي والنبوة جاء للعالمين"، مما يجعل رسالته حضارية إنسانية بالضرورة، متجاوزة كل جغرافية عرقية أو ثقافية مغلقة.[2] غير أن "الإنسان مابعد الموحدين" -وهو المصطلح لمالك بن نبي لما أصاب المسلمين من تحول في البنية الذهنية- بات كيانا مناهضا للنقد والحرية والتجديد بفعل الانحطاط السياسي واغتيال العقل المبرر "دينيا"[3]، هنا يطفو على السطح الجدل المركزي: اذ تقدم النهضات العربية والإسلامية السابقة  الإصلاح السياسي أو التجديد الديني كمدخل و أساس استراتيجي، يذهب بن نبي إلى "التأسيس للإنسان الجديد" عبر منظومة أخلاقية وجمالية ومنطقية وتقنية متكاملة، تستهدف "تثوير الفكرة-المحرك" ( (l'idée-motrice بلغة أرسطو، أي إعادة بناء "الإنسان" كفاعل حضاري قبل كل شيء[4]. لهذا كان مشروعه يطالب بتحقيق "ثنائية التنوير والتحرير" التي تشكل صلب منظومته الفكرية، حيث يرى أن التحرر الحقيقي لا يتحقق بالاستقلال السياسي وحده، بل بإعادة بناء "الذات الحضارية" عبر معادلة الحضارة الشهيرة: الحضارة = الإنسان + التربة + الزمن، حيث تلعب "الفكرة الدينية" دور المحفز الحاسم (Catalyseur) في هذه المعادلة[5]. فإذا تم تهميش أحد عناصر هذه المعادلة -وخاصة "الإنسان" ككيان مبدع- أفلس مشروع الحضارة ذاتها، مهما تكدست المكتسبات المادية.

محنة فهم خطاب بن نبي:

إحدى أعقد العقبات في "بنية الخطاب" عند بن نبي، أنه لم يكتب كفيلسوف أو عالم اجتماع بالمعنى التخصصي الضيق، بل كصاحب "مشروع تأسيسي" يريد إنشاء "أنساق ومناهج جديدة"[6]. هذه البنية تختلف جذريا عن أشكال التراثيين والنهضويين، مما أدى إلى "إعجاب من دون فهم"، حيث فهم المتلقون أفكاره حسب "مدركاتهم" المعرفية السابقة لا حسب "تصورات" المؤلف[7] أي الدهشة غلبت التشاور.

تتفاقم المحنة مع أنه كتب معظم أعماله -وعددها يتجاوز الخمسة والعشرين كتابا- بالفرنسية، فتعرضت عند الترجمة إلى العربية إما للتشويه أو التبسيط أو "التكييف" مع ثقافة المترجمين وما لا "يتعارض" مع المعتمد فكريا"؛ النتيجة: فهم مشوه يصور بن نبي "علمانياً" عند السلفيين، و"إسلاموياً" عند العلمانيين، و"مجدداً" عند الإصلاحيين[8]، بينما جاء فكره ليتجاوز هذه "الأصنام الجديدة" التي صارت تعبد في جغرافية "طنجة-مسقط" [9]. فالرجل الذي كتب الظاهرة القرٱنية ( بالفرنسية سنة 1946)  شروط النهضة (الجزائر، 1949)[10]و وجهة العالم الاسلامي (1954 بالفرنسية، 1956مترجم العربية) وفكرة كومنولث إسلامي (الجزائر، 1959)[11] الصراع الفكري في البلاد المستعمرة (صدر الكتاب عام 1960، وهو أول كتاب كتبه بن نبي بالعربية مباشرة دون ترجمة، ويُعد الجزء الأول من سلسلة "مشكلات الحضارة") والمسلم في عالم الاقتصاد (الجزائر، 1964)[12] ومذكرات شاهد القرن (الجزائر، 1965-1973)[13]، لم يكن يبحث عن أدلجة لمشروعه، بل عن "منظومة فكرية" تستجيب لتحديات "القابلية للاستعمار"colonisabilité

(ظهر هذا المصطلح لأول مرة في كتابه "Les conditions de la renaissance" (شروط النهضة) الذي نُشر عام 1949 باللغة الفرنسية. وقد لاقى هذا المفهوم قبولاً واسعاً وانتقادات شديدة في آن واحد، حيث اعتبره البعض تبريراً للاستعمار بينما رآه بن نبي تشخيصاً للمشكلة الحضارية التي يعاني منها المجتمع العربي الإسلامي[14].

أي منظومة تكتشف مالك بن نبي؟

تتسم غالبية الدراسات بـ"الشرح الممل" بدلا من "النقد و الابداع التجديدي"، مما أنتج عددا هائلا من صور "مالك بن نبي" دون بناء جديد[15].  "فالتأسيس يحتاج للنقد والثورة على الأنساق"، لا "إعادة الإنتاج والتعليب الجديد"[16]. إن الانتقال من "الاندهاش العقيم" إلى "الاستيعاب الخلاق" يتطلب قراءة منظومية تفهمه بمنظومته ولغته وأنساقه، كما هو الشأن مع ابن عربي أو جلال الدين الرومي أو كانط أو نيتشه ، بعيدا عن "الاستغراق الرجعي" الذي يخرج منظومته الفكرية عن مدارها التنويري[17]. فمشروع بن نبي ليس مجرد مجموعة أفكار مبعثرة، بل "رؤية ثقافية متكاملة" تتجسد في القضية الانسانية: "الحضارة"، وتحلل عبر مفاهيم مثل "أزمة الأفكار" و"تكديس الأشياء" و"الشيئية" التي تصف الميل المرضي لمعاملة الأفكار كأشياء مادية[18]. إن الاكتشاف الحقيقي هو غير الاندهاش العقيم (الذي يوصف كونه مجرد قراءة نصوص)، بينما اكتشاف بن نبي الحقيقي يعني إعادة بناء ذاتية تستجيب لتحديات العصر بمسؤولية حضارية تتجاوز كل مركزية أو شوفينية، وتسهم في "الحضارة الإنسانية" بروح عربية إسلامية أصيلة[19].

***

مراد غريبي

.........................

[1] محمد العاصمي، "مالك بن نبي: قراءة في المشروع الفكري"، في: مجلة الفكر المعاصر، العدد 45 (2015)، ص112

[2] Malek Bennabi, Vocation de l'Islam (Paris: Éditions du Seuil, 1954),P23

[3] محمد لزرق، "مرحلة ما بعد الموحدين عند مالك بن نبي"، في: الفكر العربي المعاصر، العدد 12 (2018)، ص45

[4] Malek Bennabi, Les Conditions de la renaissance (Alger : Entreprise nationale du livre, 1949), P78.

[5]  Alwi Alatas, "Malik Bennabi on Civilization", Hoggar Institute (2010), P3 et Z. H. Subhani, "Bennabi's Thoughts on Civilization", Journal of Arabic Studies 4 (2020), P112.

[6] فضيل بومالة، "هكذا أفكر! لماذا لم نكتشف مالك بن نبي بعد؟"، موقع عبد الحميد بن باديس، 01/11/2015

[7] محمد حبش، "إشكالية اللغة في فكر مالك بن نبي"، في: مجلة كلية الآداب، جامعة دمشق، العدد 32 (2016)، ص201

[8] محمد العربي، "مشكلات الترجمة في فكر مالك بن نبي"، في: مجلة الفلسفة واللغة، العدد 18 (2017)، ص89

[9]  انظر: بومالة، المرجع السابق

[10]  Malek Bennabi, Les Conditions de la renaissance (Alger : Entreprise nationale du livre, 1949), P45.

[11] Bennabi, Idée du Commonwealth islamique (Alger: Entreprise nationale du livre, 1959) , P112.

[12]  Malek Bennabi, Le Musulman dans le monde de l'économie (Alger : Entreprise nationale du livre, 1964), P67.

[13] Malek Bennabi, Mémoires d'un témoin du siècle، (Alger : Entreprise nationale du livre 1965), P45.

[14] Malek Bennabi, Le problème des idées dans le monde musulman (Alger: Office des publications universitaires, 1970), P201.

[15] انظر: بومالة، المرجع السابق.

[16] محمد لطفي، "من التكرار إلى التجاوز: قراءة نقدية في الدراسات البنابية"، في: مجلة الفكر الإسلامي، العدد 41 (2019)، ص167.

[17] انظر: محمد العاصمي، المرجع السابق.

[18]  Malek Bennabi, Le problème des idées dans le monde musulman,P215et encore Malek Bennabi, Naissance d'une société (Alger: Entreprise nationale du livre, 1960)، P78.

[19] Malek Bennabi, Mémoires d'un témoin du siècle, Tome 1 P 67.

 

بشكل مباشر، يمكنني القول ان مفهوم الحركة الجوهرية للامم، هي ان تبدا الامم من نشاة مادية عادية وتتحول الى روحية او بقايا تراث (كل بحسب قوته الحضارية) وهو يتاثر بالمؤثرات وبالعوارض او البيئة المسلطة على تلك الحضارة، ثم تتحول الى كيان يبحث عن هويته ثم تتخلص من روحيتها الى مادية وذاتية محددة، وبعدها يفنى الجانب المادي لتحشر روح الامة بوصفها نسيج شامل وهو عرضة للحساب الاخروي، لانها شخصية معنوية (وكل امة معها سائق وشهيد).

وفي جانبها الارضي المادي تتفق بعض الامم على مبادئ تسير عليها، قد تكون العنف او التعالي او الانكار الحقيقي للخير الاقصى .

ان هذه المحايثة الفكرية، مشتقة من منهجية الفيلسوف صدر الدين الشيرازي الذي قال بنظرية الحركة الجوهرية للنفس وأيضا بنظرية الحركة الجوهرية للطبيعة.

‏و هذه الفكرة تصطدم بمجموعة من المفاهيم والاراء، منها هل يمكن وصف الانتقال بالحتمي أم بجانب اختياري، مسالة أخرى ربما نجد أن بعض الامم بدأت معنوية وانتهت مادية، مثلما نلاحظ في بدايات الانبياء سيما النبي محمد (ص) فقد بدات الحضارية بابهى الجوانب المعنوية، ثم تحولنا الى فاتحين للدول، وسرعان ما اصبح الهم هو كيفية اعادة هيكلة المساحات الجغرافية في العالم، والانتفاع من ثروات الامم،و قد لا ينطبق هذا التنظير على بعض الأمم. لكن ذلك يعني بأن الحركة الجوهرية لتلك الامة تعثرت لبعض الوقت وهي تحمل في داخلها قوة استعادة الفعل التاريخي، مثال اخر ان الامم الوحشية مثلا بدات وحشية وانتهت كذلك، وهذا يعني أن هذه الأقوام أو الدول ليست لديها القدرة على تجديد السلوك أو الفعل التاريخي أو القدرة على الوعي، وسبب ذلك هو نظام افرادها السيء وعدم وجود منهجية للتغيير، او الاصلاح .

او خذ مثلا التنوير الذي اتت به الدول الغربية مثلا والذي يمثل بداية الجانب المادي ثم تطور تكنلوجيا وعلميا وانسانيا ليقود العالم، اقول ان هذا التنوير لا يمكن عده من الجانب المعنوي، لافتقاره الى النقاء فهو ملوث، وان وصف بالمعنوي فهو بجانبه السلبي، فهذه حركة جوهرية سالبة للامم .

ويمكن بشكل مختصر القول ان نمو الدول لا يختلف عن نمو الانسان، وهذا ما قاله ابن خلدون وشبنكلر وتوينبي، افهم هذا بالتأكيد ولكن ما أريد قوله أن هذه المساحة الحيوية للأمم يمكن وصف بداياتها بالجانب المادي وقدرة تلك الأمم على الاستمرار في جانب الحضاري فإن ذلك يتحول إلى جانب معنوي .

‏وعدم قدرة الاقوام الوحشية على إنتاج المعنى الحضاري فإن ذلك يعني أنها بدأت مادية وانتهت مادية.

‏ان من أعلى الحضارات قوة روحية هي التي تبدأ بشكل طبيعي ثم تقاوم التحدي باستجابة تنتهي بها إلى درجات من الجانب المعنوي، هذه الدرجات تختلف من أقوام إلى أخرى،

‏ومفهوم الحركة جوهرية للأمم هنا تعني بأن النسيج الواحد لمجموعة حضارية أو اقوام محددة تسير باتجاه نوع من أنواع الكمال.

‏ومن دلائل ذلك الكمال مثلا هو التراث الفكري او المادي او العلمي، او الاخلاقي أو الاستمرار في الفعل التاريخي، أو تبني الفعل الأخلاقي الصحيح، أول الانصياع إلى عدم الظلم.

‏ويمكن وصف الدول المتطورة تكنولوجيا وقت تخالف قواعد الفعل الإنساني والأخلاقي بأنها تسير وفق حركة جوهرية سالبة، والعكس من ذلك فإن هذه الأمة أو الحضارات او الدول فانها تسير وافق حركة جوهرية موجبة.

***

ا. د. رحيم محمد الساعدي

بين السيادة على الذات والتحكم الخفي

في سياق الفكر الفلسفي كانت الحرية دوما موضوعا مركزيا، فالفلاسفة منذ أرسطو وكانط وهيغل ونيتشه، حاولوا تحديد طبيعة الإنسان الحر وما يعنيه أن يكون الفرد سيدا على ذاته. أرسطو يرى الحرية باعتبارها القدرة على اختيار الخير وفق العقل، وهي وظيفة تكاملية للفضيلة والحياة الفاضلة، بينما يضع كانط الحرية في قلب مشروع العقل العملي، معتبرا أن الفعل الحر هو الفعل الذي ينسجم مع القانون الأخلاقي الداخلي، أي أنه ليس مجرد القدرة على الفعل، بل على الفعل وفق ما يمليه الواجب. هذه المفاهيم الكلاسيكية التي بنَت الحرية على أساس سيادة الذات والاختيار الأخلاقي، تتعرض اليوم لتحدٍ جديد ومعقد في ظل الثورة الرقمية وانتشار البيانات الضخمة، إذ لم يعد الإنسان يعيش في فضاء مادي واجتماعي فقط، بل في فضاء رقمي تتحكم فيه الخوارزميات وتتجمع فيه بياناته وتتقرأ تحركاته، متجاوزة حدود وعيه المباشر.

يمكن النظر إلى البيانات الضخمة باعتبارها صورة جديدة لما كان ميشيل فوكو يسميه "تقنيات الذات" و"السلطة المراقبة"، مع فارق أساسي، فوكو ركّز على المؤسسات التقليدية مثل السجون والمستشفيات والمدارس، حيث يتم التحكم في الأفراد جزئيا عبر المراقبة والمعايير، بينما اليوم تتم هذه المراقبة بشكل أوسع وأكثر عمقا، فهي تتغلغل في تفاصيل حياتنا اليومية، من تفضيلاتنا على الشبكات الاجتماعية إلى تحركاتنا الشرائية، ومن اهتماماتنا الثقافية إلى اختياراتنا السياسية. الخوارزميات أيضا ليست مجرد أدوات تحليلية، بل هي أدوات إدارة تحكمية تحاكي قدرات العقل البشري في التنبؤ، لكنها تفعل ذلك بطريقة تتجاوز السيطرة الفردية، فتتوقع رغباتنا وتوجه اختياراتنا دون أن ندرك بشكل كامل أننا تحت تأثيرها.

الحرية، في سياقنا هذا لم تعد مجرد فعل مقاوم للتأثيرات الخارجية، بل أصبحت مسألة معرفة الذات وإدراك آليات السيطرة التي تمارس علينا عبر البيانات. كما يشير جان بودريار في كتابه "المجتمع الاستهلاكي"، نحن لا نختار الأشياء فقط، بل يتم إنتاج رغباتنا وتوجيهها بواسطة أنظمة رقمية قادرة على محاكاة دوافعنا الداخلية. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى، فالحرية التي كانت دائما مرتبطة بالوعي الذاتي والاختيار الأخلاقي، تتعرض الآن لتهديد غير محسوس، لا يأتي بالضغط المباشر، بل من خلال التحكم الذكي والخفي الذي يمارسه النظام الرقمي على سلوكنا النفسي والاجتماعي. إنها حرية تحت الرقابة الدقيقة، حرية مشروطة بتقنيات التنبؤ والمعالجة الضخمة للبيانات، والتي تعمل في كثير من الأحيان دون وعي الفرد نفسه.

إن زمن البيانات الضخمة يعيد تعريف الحرية باعتبارها ليس مجرد قدرة على الفعل، بل قدرة على الفهم الذاتي في مواجهة مؤثرات خارجة عن إرادتنا المباشرة. فلوك أنطونيو غرامشي أشار إلى مفهوم "السيطرة الثقافية" في صياغة الرغبات والمعتقدات، وهو ما أصبح في عصرنا معادلاً رقميا من خلال البيانات، ليست السيطرة القسرية بالمعنى التقليدي، بل السيطرة الذكية التي تصنع نوعا من الانقياد الطوعي دون استخدام القوة المباشرة. الإنسان في هذا النظام الرقمي يصبح أداة لنفسه وللخوارزمية في الوقت نفسه، يعتقد أنه يختار، بينما يُدار اختياره ضمن أنماط محددة سلفا.

هذا التفاعل بين الحرية والسيطرة الرقمية يعيدنا إلى جدلية قديمة بين الفعل والنية وبين الوعي والبرمجة. إذ يمكننا القول مع هيجل، أن الفرد يحقق حريته عندما يصبح واعيا لمحددات واقعه، لكن في زمن البيانات الضخمة، هذه المحددات تتغير بسرعة وبعمق، فهي خفية موزعة، ومعقدة إلى درجة تجعل وعي الفرد بها تحديا فلسفيا بحد ذاته. الحرية لم تعد مسألة مجرد مقاومة لقوى خارجية، بل مسألة قدرة على التحليل النقدي لنفسنا في شبكة من البيانات المتشابكة، وهو ما يتطلب أدوات معرفية جديدة وربما طرقا جديدة للتفكير الذاتي.

ولكي نفهم ذلك بشكل أعمق، علينا أن نفكر في الحرية ليس فقط كقيمة أخلاقية، بل كأفق معرفي وجودي. فالمفكرون الوجوديون مثل جان بول سارتر رأوا أن الحرية مطلقة، لكنها مطلوبة ومؤلمة، إذ الإنسان "محكوم بالحرية" ويجب أن يتحمل مسؤولية اختياراته. في عالم البيانات الضخمة، هذه المطلقية تتعرض لتجربة جديدة، الحرية مطلقة ولكنها مشروطة بطريقة غير مباشرة من قبل الهياكل الرقمية التي تحدد السلوك. هذا يعيدنا إلى سؤال أساسي، هل يمكن أن يكون الإنسان حرا إذا كانت معرفته بذاته وبتأثيرات البيئة الرقمية غير كاملة؟ وهل يمكن اعتبار أي اختيار حر إذا كان مشفّرا مسبقا ضمن أنماط البيانات؟ .

الإجابة على هذا السؤال تتطلب إعادة التفكير في طبيعة السيادة على الذات. السيادة لم تعد تتعلق فقط بالقرار الأخلاقي أو الفعل المستقل، بل تتعلق بالقدرة على إدارة المعلومات الشخصية، وفهم كيفية استغلالها، وإدراك الديناميكيات الرقمية التي تتحكم في سلوكياتنا. الفيلسوف لوك، الذي وضع قواعد الحرية الطبيعية والحقوق الأساسية للفرد، لم يتصور يوما أن الحرية قد تكون مهددة من قبل كود رقمي وخوارزميات تتنبأ برغباتنا قبل أن ندركها نحن. هنا يظهر الفرق الجوهري بين الحرية الكلاسيكية في سياق العلاقات الاجتماعية التقليدية، وبين الحرية الحديثة في زمن البيانات، إنها حرية معرفية نقدية واستراتيجية، تتجاوز مجرد الإرادة لتصبح مسألة وعي وتحليل وإعادة تشكيل للذات في مواجهة بيئة رقمية ضخمة ومعقدة.

البيانات الضخمة تشكل منظومة تفاعلية مع الإنسان، ليس باعتباره مجرد موضوع مراقب، بل باعتباره شريكا في خلق نمط سلوكي يُقرأ ويستثمر. هذه الثنائية بين المراقب والمراقب عليه تعكس رؤية فوكو للسلطة، لكنها أعمق وأكثر نفوذا، فهي سلطة تحاكي العقل وتتعلم منه وتتكيف معه، وهو ما يجعل فهم الحرية عملية مستمرة من الوعي والتفكير النقدي. الإنسان الحر في هذا العصر ليس فقط من يختار، بل من يعرف ويستطيع تحليل تأثيرات المعلومات على نفسه، ويعيد صياغة ذاته ضمن هذا الفضاء الرقمي المعقد.

في عالم يسيطر فيه التزايد الهائل للبيانات، لم تعد الحرية مجرد قضية شخصية أو أخلاقية، بل أصبحت موضوعا وجوديا ومجتمعيا. فالبيانات الضخمة لا تمثل مجرد معلومات جامدة، بل هي شبكة مترابطة من المعاني والدلالات التي تُصاغ وتُعاد صياغتها باستمرار، فتخلق واقعا رقميا يتجاوز الإرادة الفردية. كما يشير هربرت ماركوزه في تحليله للمجتمع الصناعي المتقدم، إن حرية الإنسان لا تتحقق فقط في مواجهة القهر المباشر، بل في مقاومة الهيمنة الخفية التي تفرضها البنى الاقتصادية والاجتماعية، وإذا انتقلنا إلى عصر البيانات الضخمة، فإن هذه الهيمنة تتحول من مادية واجتماعية إلى معرفية رقمية، بحيث يُعاد إنتاج رغباتنا وسلوكياتنا ضمن أنماط متوقعة مسبقا.

إن السيادة على الذات تصبح تحديا معرفيا أعمق، ليست مسألة اختيار ضمن مجال محدد، بل القدرة على فهم كيفية تشكل اختياراتنا عبر الخوارزميات، والقدرة على إعادة توجيه هذه الاختيارات بما يعكس وعيا ذاتيا متجذرا. هنا تتلاقى أفكار سارتر حول الحرية المطلقة مع تحليل فوكو للسلطة الموزعة، فالفرد حر من حيث أنه مسؤول عن اختياراته، ولكنه يعيش ضمن شبكة قوة غير متكافئة وذكية، تتحكم في سلوكه بطرق غير مرئية. إن الحرية في هذا العصر إذن، لم تعد مجرد مقاومة للضغط الخارجي، بل فن التعرف على القوى غير المرئية التي تُشكل وعينا وقراراتنا.

المفارقة الكبرى تكمن في أن البيانات الضخمة ليست مجرد وسيلة للرقابة، بل أيضا وسيلة لتعزيز الإمكانيات الفردية إذا ما تمت إدارتها بوعي. إذ يمكن للمعرفة الدقيقة بسلوكنا الرقمي أن تمنحنا أدوات لفهم أنفسنا بشكل أعمق، وتطوير مهارات اتخاذ القرار، وصياغة استراتيجيات للتصرف الحر ضمن شبكة معقدة من التأثيرات. وهنا يظهر البعد الأخلاقي للحرية، فالحرية لم تعد فقط فعلا، بل مسؤولية مستمرة تتطلب تحليلا نقديا للبيانات، ووعيا بالخوارزميات، وقدرة على اتخاذ خيارات متأملة. كما يشير هانز جورج غادامير في فلسفته التأويلية، فإن فهم الإنسان لذاته ولعالمه مشروط بالوسط الذي يعيش فيه، وبالمعرفة التي يمتلكها، ومن هنا فإن الحرية تتطلب وعيا متأملا بما يحيط بنا من بيانات وتأثيرات غير مرئية.

إذا انتقلنا إلى النظرية السياسية، فإن الحرية في زمن البيانات الضخمة تضع تحديات جديدة أمام مفهوم الديمقراطية. فالقرارات السياسية، التي كانت تعتمد تاريخيا على التفاعل البشري المباشر والمعرفة الواقعية، أصبحت اليوم تتأثر بشكل كبير بتحليلات رقمية تتنبأ بسلوك الناخبين، وتوجه حملات الدعاية والسياسة العامة وفق ما يُعتقد أنه "الأكثر احتمالا". هذه السيطرة الخفية كما يوضح نيكولاس كار، تؤدي إلى نوع من "التلاعب الطفيف" الذي يغير قرارات الأفراد دون وعيهم المباشر، وهو ما يعيدنا إلى السؤال الفلسفي القديم، هل يمكن للإنسان أن يكون حرا إذا كانت قراراته تتأثر بصورة دقيقة ومنهجية بقوى خارجية، وإن كانت غير محسوسة؟.

إن الحرية في زمن البيانات الضخمة تعيد صياغة العلاقة بين الفرد والمجتمع والوعي والاختيار، وبين المعرفة والسلطة. فالتحكم الخفي الرقمي لا يلغي الحرية بالضرورة، ولكنه يحولها إلى ممارسة متواصلة من التأمل الذاتي، وإعادة قراءة السياق الرقمي، وفهم القوى المؤثرة على اختياراتنا. الحرية هنا لا تُختزل في الإرادة، بل تتطلب معرفة دقيقة بما يحيط بنا من بيانات، وتحليلا نقديا للأنماط الرقمية، ومقاومة واعية للتوجيهات الخفية. وهي بذلك تتحول من قيمة مجردة إلى ممارسة فلسفية يومية، تتطلب الانتباه والتحليل والفهم.

إن الخطر الأكبر الذي يهدد الحرية في هذا العصر ليس الرقابة المباشرة، بل الانقياد الطوعي غير المدرك، حيث يصبح الفرد جزءا من نظام رقمي يقرأ توجهاته ويعيد توجيهها دون أن يلاحظ ذلك. هنا يأتي دور الفلسفة ليس فقط في وصف هذه الظاهرة، بل في تقديم أدوات معرفية لفهمها وتحليلها، وإعادة صياغة ممارساتنا اليومية بما يعزز السيادة الذاتية كما يشير هابرماس في نظرية الفعل التواصلي. إن القدرة على النقاش الحر والتفكير النقدي هي أساس أي حرية حقيقية، وإذا نقلنا هذا إلى العصر الرقمي، فإن القدرة على تحليل البيانات وفهم تأثيراتها، والوعي بالتوجيهات الخفية للخوارزميات تصبح شرطا لازما للحفاظ على الحرية.

بالإضافة إلى ذلك، تعيد البيانات الضخمة تحدي مفهوم الهوية الفردية، إذ لم يعد الإنسان كائنا منفصلا عن بياناته، بل هو مزيج من سلوكه الواقعي والرقمي معا. فالبيانات تصبح امتدادا للذات، ومن ثم فإن التحكم فيها أو فهمها يصبح جزءا لا يتجزأ من ممارسة الحرية. كما تشير حنة أرندت في تحليلها للحرية السياسية، فإن الحرية تتطلب مشاركة فعالة وفهما عميقا لآليات السلطة، وفي العصر الرقمي، هذا الفهم يشمل أيضا فهم الشبكات الرقمية التي تحدد اتجاهاتنا وسلوكنا. الحرية إذن، تتحول إلى ممارسة معرفية متعمقة، تتطلب إعادة التفكير في علاقتنا بالذات، وبالمجتمع، وبالتقنيات التي تشكل حياتنا.

وفي هذا الإطار، يمكننا تصور الحرية كمسار مستمر من الوعي والتأمل والتحليل النقدي، وهو مسار يتحدى الفرد ليصبح سيدا على اختياراته، حتى في عالم تتحكم فيه الخوارزميات بشكل متزايد. إن الحرية لم تعد مجرد حالة ثابتة أو قيمة أخلاقية، بل عملية مستمرة من التفاعل الواعي مع محيطنا الرقمي، واستغلال البيانات لفهم أنفسنا بشكل أفضل، وتحقيق السيادة الذاتية في مواجهة التحكم الخفي.

إن الحرية في زمن البيانات الضخمة ليست مجرد خيار، بل مسؤولية وجودية وفلسفية، تتطلب من الفرد وعيا نقديا دائما، وفهما عميقا لكيفية تأثير الخوارزميات والبيانات على حياته. الحرية هنا ليست غياب القيود فقط، بل هي القدرة على فهم القوى المؤثرة، والتفاعل معها بوعي، وصياغة حياة متكاملة تتجاوز مجرد الانقياد. إنها حرية مُعاد تعريفها لتصبح مزيجا من الوعي الذاتي والتحليل النقدي، والسيادة على الذات، في مواجهة عالم رقمي معقد ومتشابك، حيث يُعاد تشكيل رغباتنا واختياراتنا باستمرار.

انطلاقا من هذا المعنى، يمكننا النظر إلى الحرية كفعل فلسفي حي، يمارس عبر كل لحظة من حياتنا اليومية، عبر كل تفاعل رقمي، وعبر كل قرار يتأثر بالبيانات والتحليل الرقمي. إنها حرية تتجاوز حدود التقليد الكلاسيكي، لتصبح ممارسة معرفية واستراتيجية، تتطلب من الإنسان ليس فقط أن يكون واعيا بما يحيط به، بل أن يكون قادرا على إعادة تشكيل ذاته وفهم ذاته ضمن شبكة متشابكة من المعلومات والتأثيرات الخفية.

تتحقق الحرية في زمن البيانات الضخمة عبر مزيج من الوعي الذاتي والتحليل النقدي، والمقاومة الاستراتيجية للسيطرة الخفية، لتصبح ممارسة فلسفية يومية، تتجاوز مجرد الإرادة إلى ممارسة عقلية معرفية عميقة، تُعيد تأكيد السيادة على الذات في عالم تحكمه البيانات والتقنيات الرقمية.

***

د. حمزة مولخنيف

تفكيك العقد الاجتماعي المشوه وسردية "نحن أو الفوضى"

مقدمة: هندسة الخوف والعبودية

في قلب البنية السياسية للدول المستبدة وتحديدا تلك المصنفة كدول فاشلة أو التي تتأرجح على حافة الانهيار تكمن سردية مركزية تحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم. هذه السردية لا تستمد مشروعيتها من الدستور، ولا من الإنجاز الاقتصادي، ولا حتى من الكاريزما التقليدية للزعيم، بل ترتكز على معادلة صفرية وحشية: "الذل والاستعباد مقابل وهم الأمن والأمان".

هذه المعادلة، التي يطرحها هذا التقرير للنقاش، ليست تكتيكاً سياسياً عابراً، بل هي "تقنية حكم" راسخة، تعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتشوّه البنية الاقتصادية، وتستدعي موروثات ثقافية ونفسية عميقة لضمان ديمومتها. إن السؤال المركزي الذي يوجه هذا البحث هو: هل نحن أمام تجلٍ متطرف لنظام رأسمالي عالمي يعيد إنتاج نفسه في الأطراف عبر ما يمكن تسميته بـ "الرأسمالية الاستبدادية"، أم أننا بصدد ظاهرة بنيوية ونفسية مرتبطة بـ "شرط ما بعد الاستعمار" وسيكولوجية الشعوب المقهورة؟

للإجابة، يستدعي التقرير أدوات التحليل الفلسفي (من هوبز إلى أرندت)، والاقتصادي السياسي (من سمير أمين إلى عجم أوجلو)، وعلم الاجتماع السياسي والنفسي (من فانون وميمي إلى شرابي وغليون).

أولاً: "الأمن" كسلعة للابتزاز.. تحوّل المفهوم

 في الفلسفة السياسية الكلاسيكية، يُنظر إلى الأمن باعتباره الغاية الأولى للعقد الاجتماعي. أسس الفيلسوف توماس هوبز في كتابه المرجعي "الوحش" (أو التنين) لشرعية الدولة بناءً على قدرتها على إنهاء حالة "حرب الكل ضد الكل".

ومع ذلك، فإن ما تقدمه الأنظمة الديكتاتورية يختلف جذرياً عن الأمن الهوبزي. فبدلاً من أن تكون الدولة هي "الحارس" الذي يمنع العنف، تصبح هي "المحتكر للعنف" الذي تهدد به المجتمع. الأمن هنا ليس حقاً عاماً، بل "منحة" مشروطة بالخضوع التام. وكما يشير المفكر برهان غليون في تحليله للدولة الأمنية العربية، فإن هذه الأنظمة أدخلت المجتمعات في حالة من "الموت السريري"، حيث تتم مقايضة الحقوق السياسية والمدنية ليس بأمن حقيقي، بل بـ "وهم الأمن". هذا الوهم يعني غياب الحرب الأهلية الشاملة مؤقتاً، لكن مع استمرار العنف البنيوي المتمثل في الفقر، والاعتقال، والإذلال اليومي. إنها معادلة تضع المواطن أمام خيارين: إما "الاستقرار في القبور" (السجون والمنافي) أو "الفوضى المتوحشة" التي يتم التلويح بها كفزاعة دائمة.

ثانياً: جدلية "الذل" والعبودية الطوعية

لماذا تقبل الشعوب بهذه المعادلة؟ هل هو القهر المادي فقط؟ هنا نستحضر أطروحة إتيان دو لا بويسي حول "العبودية الطوعية"، حيث يجادل بأن الطغاة لا يملكون قوة ذاتية لقهر الملايين، بل يستمدون قوتهم من قبول الشعوب لخدمتهم؛ إذ يقول: "إنه لا يملك عينين إلا عيونكم، ولا يملك يدين إلا أيديكم".

في الأنظمة الفاشلة، يتحول "الذل" من حالة طارئة إلى "مؤسسة"، ومن شعور بالألم إلى "استراتيجية بقاء". يصبح الذل جزءاً من نسيج الحياة اليومية: في طوابير الخبز، والحواجز الأمنية، والدوائر الحكومية. هذا "الإذلال الممنهج" ليس عبثياً، بل هو أداة لكسر "العمود الفقري الأخلاقي" للفرد، ودفعه للتركيز فقط على "النجاة البيولوجية" بدلاً من "العيش الكريم" وفق توصيف حنة أرندت.

ثالثاً: المقاربة الفلسفية.. تفكيك بنية الرعب

لفهم عمق المعادلة، يجب الغوص في الأسس الفلسفية التي تبرر الاستعباد بدعوى الأمن:

العقد الاجتماعي المغدور (هوبز ولوك): تستعير الأنظمة المستبدة لغة هوبز لتبرير بطشها، مدعية أن الطبيعة البشرية شريرة وأن "السيف" هو الضامن الوحيد للنظام. لكن جون لوك ينقض هذه المعادلة، مؤكداً أن الأمن بلا حرية وتملك هو "سجن"، وأن الحكومة التي تنتهك هذه الحقوق تفقد مبرر وجودها. في دولنا، نجد تبنياً انتقائياً ومشوهًا لهذه النظريات.

حنة أرندت وإلغاء الإنسانية: ترى أرندت أن الخطر في الأنظمة الشمولية ليس فقط قمع الحرية، بل في "تدمير العفوية" وإلغاء التفرد الإنساني. تقدم الدعاية الشمولية الأمن كبديل مغرٍ للجماهير المعزولة، قائلة: "تنازلوا عن تفكيركم وتحملوا المسؤولية، ونحن نضمن لكم مكاناً في حركة التاريخ". يعمل الذل هنا كأداة عزل؛ إذ ينكفئ الفرد على ذاته خجلاً من عجزه، مما يمنع تشكل أي فعل سياسي تشاركي.

أفيشاي مارغليت والمجتمع اللائق: في كتابه "المجتمع اللائق"، يطرح مارغليت معياراً جوهرياً: المجتمع اللائق هو الذي لا تهين مؤسساته الناس. في الديكتاتوريات، الإذلال هو "بنية مؤسسية" مصممة لإشعار المواطن بالعجز وأنه مجرد "موضوع" للسلطة، وكتلة بيولوجية تُدار بالحد الأدنى دون اعتراف بحقوقها.

رابعاً: الاقتصاد السياسي للقمع.. من "النيوليبرالية" إلى رأسمالية المحاسيب

تشير الأدبيات الحديثة إلى صعود نموذج "الرأسمالية الاستبدادية". في العالم العربي ودول الجنوب، لم يؤدِ الانفتاح الاقتصادي إلى الديمقراطية، بل أعاد تشكيل الاستبداد:

الانفتاح كأداة قمع: تزامنت سياسات السوق المنفلتة مع "تغول أمني". انسحبت الدولة من خدمات الرعاية الصحة والتعليم، مما كسر العقد الاجتماعي الرعوي، وعوضت فقدان الشرعية بـ "فائض القوة" الأمنية.

رأسمالية المحاسيب: البنية الاقتصادية ليست تنافسية، بل شبكة مصالح زبائنية بين النخبة الحاكمة ورجال الأعمال المقربين. وظيفة الأمن هنا حماية الاحتكارات ومنع المنافسة التي قد تهدد تدفق الريع.

الدولة الريعية وفخ "اللا تمثيل": في الدول المعتمدة على النفط أو المساعدات الخارجية، تستغني الدولة عن ضرائب المواطنين، وبالتالي عن تمثيلهم سياسياً. وحين يتراجع الريع، يتحول شراء الولاء بالمال إلى فرض الصمت بالخوف.

خامساً: المركز والأطراف.. جذور التبعية

من منظور الماركسية الجديدة، يرى الاقتصادي سمير أمين أن هذه الأنظمة نتاج "رأسمالية طرفية". هذه الدول ممنوعة بنيوياً من التطور المستقل، حيث تلعب النخب الحاكمة دور "الوسيط التابع" (بدلاً من مصطلح الكومبرادور) الذي يسهل نهب الموارد لصالح الشركات العالمية مقابل حماية عروشه. "الذل" هنا ضرورة اقتصادية للحفاظ على أجور منخفضة. كما أن مشاريع التنمية غالباً ما تكون "وهمية" تخدم الاستهلاك النخبوي وتترك الأغلبية في حالة فقر يسهل معه ضبطهم أمنياً.

ويتفق ذلك مع طرح عجم أوجلو وروبنسون حول "المؤسسات الاستحواذية" التي تنتزع الثروة من الأغلبية، وتفضل "الركود مع الأمن" على "النمو مع الحرية" خشية أن يزعزع الابتكار توازنات القوة.

سادساً: سيكولوجية القهر.. من الاستعمار إلى الاستبداد الوطني

الذل ليس صفة أصيلة في الشعوب، بل "تشوه بنيوي" تاريخي

فرانتز فانون وتذويب الدونية: الاستعمار لا يحتل الأرض فحسب، بل يستعمر العقل زارعاً شعوراً بالنقص. بعد الاستقلال، ورث الحاكم الوطني (الديكتاتور) "كرسي المستعمر"، ومارس نفس الدور الأبوي القمعي على شعب لم يتحرر نفسياً بعد.

ألبير ميمي واعتمادية الضحية: تنشأ علاقة اعتمادية تجعل المواطن يشعر بالعجز دون "الدولة/الأب" حتى لو كانت تذله. يصبح الذل مرادفاً للواقعية، ومحاولة التغيير ضرباً من الجنون.

استمرارية الدولة الكولونيالية: لم تنشأ الدولة العربية الحديثة كعقد اجتماعي، بل كجهاز سيطرة ورثته الأنظمة الوطنية وقامت بـ "تبيئته" دون تفكيك وظيفته القمعية.

سابعاً: الثقافة كأداة هيمنة.. "الأبوية المستحدثة"

لا يمكن إغفال دور الثقافة كأداة يتم التلاعب بها:

الأبوية المستحدثة (هشام شرابي): لم تحقق مجتمعاتنا الحداثة، بل أنتجت مسخاً يجمع قشرة الحداثة (تكنولوجيا) وجوهراً تقليدياً (عشائرياً). الحاكم هنا هو "أب" العائلة، ونقده "عقوق"، مما يضفي شرعية دينية وثقافية على الذل.

الهيمنة الثقافية: يتم استخدام التعليم والإعلام لترسيخ فكرة أن الوضع القائم هو القدر المحتوم، وتصوير الحرية كـ "مؤامرة".

توظيف الانقسامات: يتم التلاعب بالطائفية والقبلية لإخافة المكونات الاجتماعية من بعضها، ليلجأ الجميع للاحتماء بعباءة المستبد.

ثامناً: الخاتمة والمسار المستقبلي

يخلص التقرير إلى أن معادلة "الذل مقابل وهم الأمن" بنية مركبة تتضافر فيها عوامل الاقتصاد السياسي، والتاريخ الاستعماري، والثقافة الأبوية. اقتصادياً، هي رأسمالية استحواذية؛ وتاريخياً، هي استمرار للدولة ما بعد الاستعمارية؛ وثقافياً، هي نظام أبوي يُشرعن الطاعة.

إلا أن هذه المعادلة محكوم عليها بالفشل الحتمي. فـ "اقتصاديات القمع" تستنزف الموارد (الإنفاق العسكري الهائل على حساب التعليم والصحة)، و"سياسات الإذلال" تخلق مخزوناً هائلاً من الغضب. لقد أثبتت الكوارث والأزمات (كزلزال 2023) أن هذا الأمن هش وأن الدولة "نمر من ورق". المخرج الوحيد يكمن في استبدال هذه المعادلة بـ "عقد اجتماعي جديد" يقوم على الكرامة كقيمة تأسيسية، حيث الأمن نتاج للعدالة وليس نقيضاً لها.

***

غالب المسعودي

.............................

المراجع المقترحة

أمين، سمير. (1974). التطور اللامتكافئ: دراسة في تشكيلات الرأسمالية المحيطية. بيروت: دار الطليعة

أوجلو، دارون، وروبنسون، جيمس. (2012). لماذا تفشل الأمم: أصول السلطة والازدهار والفقر. ترجمة مروان سعد الدين

أرندت، حنة. (1951). أسس التوتاليتارية. (يُشار هنا إلى تحليلاتها حول الشمولية والعزلة)

بشارة، عزمي. (2012). في الثورة والقابلية للثورة. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

شرابي، هشام. (1988). البنية البطركية: بحث في المجتمع العربي المعاصر. بيروت: دار الطليعة

غليون، برهان. (1991). نقد السياسة: الدولة والدين. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر

فانون، فرانتز. (1961). معذبو الأرض. بيروت: دار الفارابي

مارغليت، أفيشاي. (1996). المجتمع اللائق. (ترجمة ومناقشة للمفهوم في السياق السياسي)

ميمي، ألبير. (1957). صورة المستعمر والمستعمر

هوبز، توماس. (1651). الليفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة

لا بويسي، إتيان دو. (1576). مقالة في العبودية المختارة

 

" إن الحروف هي مفاتيح الكائنات وبها ظهر الأمر الإلهي في العالم، وإن كل موجود إنما قام على حرف أو أكثر، فمن عرف مراتب الحروف عرف مراتب الخلق، ومن جهلها بقي محجوبا عن أسرار التكوين... أن الحرف لا يعمل بذاته، بل بأخلاق حامله واستعداده.... إن الحروف لا تفتح أبوابها إلا لمن طهّر قلبه وزكّى نفسه، أما من طلب بها الغلبة أو الدنيا فإنها تنقلب عليه حجابا وظلمة، لأن الحرف نور، ولا يسكن النور قلبا ملوّثا.... إنّ الأعداد أصول المقادير، وإن الله أقام العالم على ميزان عدد معلوم، فلا زيادة ولا نقصان إلا بحكمة، وكل عدد له روح ومعنى، ومن أدرك معاني الأعداد أدرك انتظام الكون وسرّ التقدير فيه... والعدد ليس مجرد كمية رياضية، بل دلالة أخلاقية وروحية، فمن استعمل الأعداد بغير حقّها، ومن غير طهارة نية، فقد استعمل ميزان الله في غير موضعه، ومن خان الميزان فقد خان العهد، ومن خان العهد انقلب علمه وبالا عليه...الحروف أعداد ناطقة، و الأعداد حروف صامتة، و الجمع بينهما هو سرّ التأثير، لكن هذا السرّ لا يُؤتى إلا لمن جمع بين العلم والعمل، وبين المعرفة والتقوى، لأن الله لا يسلّم مفاتيح خزائنه لمن لا يؤتمن عليها....."

نصّ مقتبس من كتاب "شمس المعارف الكبرى"

يشكّل أحمد بن علي البوني المتوفى نحو سنة 622هـ أحد أكثر العقول إشكالية وعمقا في تاريخ التصوف الإسلامي الغربي، وهو ابن مدينة بونة( عنابة اليوم)، التي ستغدو لاحقا مسرحا لتقاطعات معرفية مدهشة بين التراث العرفاني والعلوم الحديثة. لم يكن البوني فقيها تقليديا ولا متكلّما عقلانيا، بل عارفا يرى أن الوجود يُقرأ لا بالعقل المجرد وحده بل بالرمز والكشف والتزكية، وأنّ اللغة القرآنية ليست أداة وصف بل بنية كونية خالقة. في هذا السياق يظهر كتابه" شمس المعارف الكبرى ولطائف العوارف" نصّا مركزيا كونه مشروع ميتافيزيقي جريء يربط بين الحرف والعدد والاسم والكون والإنسان ضمن رؤية شمولية تجعل المعرفة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون قدرة تقنية. ممّا يدعو إلى ضرورة تغيير نظرة النقاد والفقهاء حول الكتاب باعتباره كتاب سحر كما شاع.

يقيم البوني تصوره للوجود على علم الحروف، حيث لا تُفهم الحروف بوصفها أصواتا لغوية بقدر ماهي كيانات وجودية فاعلة، لكل حرف موقعه في نظام الخلق وعلاقته بالعناصر والكواكب والمراتب الروحية. العالم عنده مكتوب قبل أن يكون مرئيا، والقرآن هو الخريطة الكبرى التي تتوزّع فيها الحروف كوسائط للتجلّي الإلهي. بهذا المعنى تصبح المادة أثرا لاحقا للّغة، ويغدو الكون نصّا قابلا للقراءة بالبصيرة. هذه الرؤية تضع البوني في تماس فلسفي غير مباشر مع مفاهيم معاصرة ترى العالم شبكة معلومات وأنماطا قبل أن يكون كتلة مادية، وهو ما يجعل فكره لا ينحصر في الطقوسية كما روّج له بل قابلا للتحديث . ومن الحروف ينتقل البوني إلى الأسماء الحسنى، حيث يؤكد أن الاسم ليس لفظا للترديد بل حضورا وجوديا يتحقّق بالنّية والانسجام الأخلاقي. فالاسم عنده ليس تقنية للسيطرة بل علاقة، ولا يعمل إلا بقدر ما يعمل الإنسان على تهذيب ذاته. الذكر اللّساني بلا تزكية لا يولد أثرا، والاسم بلا أخلاق يتحوّل إلى فتنة. هنا تتجلّى فلسفة دقيقة تفصل بين المعرفة كقوة والمعرفة كمسؤولية، وتربط التأثير بالاستعداد الداخلي لا بالصيغة الخارجية.

أما الأعداد والأوفاق والطلاسم، وهي أكثر أجزاء الكتاب إثارة للريبة، فيقدمها البوني ضمن نظام تحذيري صارم. العدد ليس كمية محايدة بل دلالة كونية، ونمط رياضي يعكس انتظام الوجود. لكنه يشدد على أن العبث بهذه الأنظمة دون طهارة نية يقود إلى الانحراف لا إلى الكشف. فالأوفاق ليست أدوات هيمنة بل خرائط رمزية لفهم العلاقات الخفية بين الإنسان والكون، ويظلّ البعد الأخلاقي هو الضامن الوحيد لسلامة هذا الفهم.

في قلب هذا المشروع يقف الإنسان بوصفه الكائن الوسيط، نقطة التقاء بين العالم السفلي والعالم العلوي، قادرا على الترقي أو السقوط بحسب وعيه وأخلاقه. المعرفة لا تهدف إلى تغيير العالم الخارجي بل إلى إعادة تشكيل الداخل، ولا قيمة لأي كشف لا يقود إلى التزكية. هكذا يضع البوني حدّا فاصلا بين العرفان الحقيقي والاستغلال النفعي للرمز، ويجعل الغاية القصوى للمعرفة هي الانسجام مع النظام الكوني لا السيطرة عليه.

ورغم التحريم التاريخي وسوء التلقّي الشعبي، ترك شمس المعارف أثرا عميقا في المخيال العرفاني والفلسفي، إذ رّسخ فكرة أن الكون نظام مترابط قابل للقراءة، وأن اللغة والعدد والاسم مفاتيح لفهمه، وأن المعرفة المنفصلة عن الأخلاق تتحوّل إلى خطر. هذه الأفكار، وإن وُلدت في سياق صوفي، تجد اليوم صدى غير متوقع في عصر الذكاء الاصطناعي والميتافيرس.

في العالم الرقمي المعاصر لم يعد الإنسان يتعامل مع مادة صماء بل مع رموز وبيانات وخوارزميات، أي مع عالم مكتوب بلغة جديدة. هنا يمكن إعادة قراءة شمس المعارف بوصفه نصا استباقيا، إذ تتحول الحروف والأعداد إلى عناصر تفاعلية، وتصبح البيئات الافتراضية أنظمة رمزية تستجيب لتصرّفات المستخدم. المتافيرس ليس فضاء للترفيه فقط، بل كونا قابلا للبرمجة والمعنى، حيث كل فعل رقمي يعيد تشكيل البيئة، تماما كما رأى البوني أن كل نية تعيد تشكيل الأثر.

في هذا السياق يبرز تقاطع لافت بين البوني وأحد أبناء عنابة المعاصرين، عثمان بوقطاية، المختص في علوم البيانات وData Things. فكما اشتغل البوني على أنماط الحروف والأعداد لفهم النظام الكوني والتفاعل معه أخلاقيا، يعمل بوقطاية على تحليل أنماط البيانات والتفاعلات الرقمية التي تشكل العوالم الافتراضية الحديثة. كلاهما يشتغل على القراءة العميقة للأنظمة غير المرئية، وكلاهما يدرك أن المعنى لا ينتج من الكم وحده بل من العلاقة والسياق والتأثير. الفرق أن البوني استخدم لغة الرمز الصوفي، بينما يستخدم بوقطاية لغة الخوارزمية والبيانات، لكن الجوهر واحد وهو البحث عن منطق خفي يحكم التفاعل بين الإنسان والنظام.

بهذا المعنى تصبح عنابة نقطة التقاء رمزية بين زمنين، زمن العرفان وزمن البيانات، حيث يتجسّد الانتقال من الأوفاق إلى الخوارزميات، ومن الحرف الكوني إلى الكود الرقمي، دون أن يُلغى السؤال الأخلاقي. فكما حذر البوني من المعرفة بلا تزكية، يفرض عصر الذكاء الاصطناعي السؤال ذاته: هل نملك القدرة على توجيه التقنية أخلاقيا أم سنتركها تتحوّل إلى قوة عمياء.

إن شمس المعارف الكبرى ليس كتابا عن الماضي بل مرآة للمستقبل، نصا يضعنا أمام سؤال جوهري يتجاوز التصوّف والتكنولوجيا معا، هل المعرفة سيطرة أم مسؤولية. وفي زمن الميتافيرس والتواصل الافتراضي يمكن أن يصبح هذا الكتاب خارطة فلسفية لتصميم عوالم رقمية واعية، حيث تُترجم النية إلى أثر، والرمز إلى تجربة، والتكنولوجيا إلى وعي. هكذا يظل شمس المعارف وثيقة فكرية عابرة للزمن، تصل بين التصوف الإسلامي والميتافيزيقا الرقمية، وتؤكد أن جوهر المعرفة واحد مهما تغيرت لغتها.

***

ليلى تبّاني ـ الجزائر

يشيع في الحقول العلمية والثقافية، وحتى في التداول الاجتماعي العام، استخدام مصطلح "المفكر" استعمالًا فضفاضًا، يكاد يفقده حدوده الدلالية ويحوّله إلى توصيف إنشائي أكثر منه مفهومًا معرفيًا دقيقًا. وحين يُسأل الناس عن معنى المفكر، تتشعّب الإجابات وتتنافر: فبعضهم يراه المنخرط في إنتاج الوعي، وبعضهم يحصره في العالِم الذي يمتلك مشروعًا معرفيًا ذا منطلقات ومنهجيات واضحة في المقاربة والتساؤل. وهكذا تتكاثر التعريفات من غير أنّ تستقر على معطى جامع أو معنى ضابط.

وليس المقصود هنا الانخراط في تفريع هذا المفهوم أو تعداد المؤاخذات النظرية التي تَرِد عليه، بقدر ما هو التنبيه إلى غياب مفهوم أجده أكثر قربًا في البيان، وأدقّ في توصيف الذات العالِمة حين تمارس مساءلتها العميقة لذاتها وللعالم. هذا المفهوم هو "المتأمِّل"، وهو في تقديري أصدق تعبيرًا عن تلك الذات البصيرة المتبحّرة التي جرى اختزالها، على نحو متعجّل في عنوان "المفكر".

فما معنى "المفكر" على التحقيق؟ إن التفكير، بالمعنى العام، فعل مشترك بين البشر جميعًا، وهو حاضر- بدرجات واستجابات مختلفة - حتى في السلوك الحيواني. وإذا كان الأمر كذلك، فإن إطلاق صفة "المفكر" لا ينهض وحده بتمييز نوعي دقيق، ولا يمنح الامتياز المعرفي الذي يُراد له عادة. من هنا تبدو الحاجة إلى مفهوم أكثر كثافة وأشدّ تخصيصًا، وهو ما أجده متحققًا في "المتأمّل".

في هذا السياق، يمكن الاستفادة من تجربة الغزالي(ت1112م) في دلالتها العميقة، بوصفها انتقالًا من عقل البرهان إلى أفق الكشف. فالغزالي لم يتخلَّ عن العقل، لكنه أدرك حدوده حين ينفصل عن البصيرة. والتأمّل عنده لم يكن نقيض التفكير، وإنما تجاوزه، أي نقله من مستوى الاشتغال الصوري إلى مستوى المعنى الحي، إذ لا تُختزل الحقيقة في الدليل، ولا المعرفة في النسق.

وعلى خطّ موازٍ، مارس محمد أركون(ت2010م) نقدًا جذريًا لما سمّاه "العقل الإسلاميَّ الكلاسيكي" و"العقل الأرثوذكسي"، ليس لأنّه عقل يفكّر، بل لأنّه عقل توقّف عن مساءلة نفسه واختبار وعوده. عقل راكم المفاهيم، وأدار النصوص، لكنّه فقد الجرأة على اختبار بداهاته الخاصة. ومن ثَّم، جاءت دعوته إلى تفكيك الاصطلاحات المهيمنة، لأن المفهوم حين يتحوّل إلى سلطة، يكفّ عن كونه أداة للفهم، ويغدو حاجزًا أمامه.

إن الذات العالِمة المتأمِّلة تسبق- من حيث العمق لا الزمن- الذاتَ العالِمة المفكِّرة. فالتفكير، في صوره الغالبة، يظلّ أسير العقل الأداتي: عقل التصنيف والترتيب والبرهنة. أمّا التأمّل فينشأ من تداخل العقل والروح، من منطقة لا يُختزل فيها الإنسان إلى آلة استدلال، ولا تُفصل فيها المعرفة عن الوعي الوجودي. ولا يُقصد بالتأمّل هنا نفي التفكير أو استبداله، وانما اعتباره شرطًا لتعميقه، إذ لا يبلغ التفكير مداه الكاشف إِلَّا حين يتجاوز أداتيته وينفتح على أفق المعنى.

ولتقريب الفكرة أكثر، يمكن النظر إلى المثقف المعاصر الذي يكتب مقالات أو يحلل ظواهر اجتماعية وسياسية بشكل سريع، ولكنه لا يوقف نفسه للتأمّل في أبعاد هذه الظواهر ومعانيها العميقة أو المطمورة، ويظلّ إنتاجه معرفيًا– لكنه محدود البصيرة. هذا الفرق البسيط يوضح لماذا التأمّل ليس رفاهية فكرية، بل شرط لتعميق الفهم، وإعطاء المعرفة أفقًا حقيقيًا بدل الانزلاق إلى التراكم العقلي الآلي.

الروح هنا ليست مفهومًا غيبيًا، بقدر ما هي أفق الكشف الذي يمنح التفكير معناه، ويقيه من التحوّل إلى مهارة فارغة، ويحول العملية المعرفية إلى فعل حيّ متواصل، لا مجرد تطبيق تقني أو استعمال آلي للمفاهيم.

وانطلاقًا من ذلك، فإن الدعوة موجّهة إلى الأوساط العلمية والثقافية والاجتماعية لإعادة النظر في هذا الاصطلاح الشائع، والعدول- ولو على مستوى النقد والمساءلة– عن عنوان "المفكر" لصالح عنوان "المتأمّل". فقلّة هم أولئك الذين يمارسون فعل التأمّل بوصفه اشتباكًا حيًّا بين العقل والروح، ومزاوجةً خلاّقة لا ينفصل فيها التحليل عن البصيرة، ولا المعرفة عن الوعي الوجودي. وقد أظهر الواقع المعاصر في الإعلام ووسائل التواصل الحديثة أنّ كثرة من يُنعتون بالمفكرين يملكون سرعة في التحليل والإجابة، ولكنهم يفتقرون إلى هذا العمق التأملي، ما يؤكد الحاجة الماسة لإعادة النظر في المصطلح.

وقبل أنّ أضع النقطة في نهاية السطر أود القول إن هذه المقاربة ما هي إِلَّا محاولة مفتوحة، قابلة للأخذ والرد، لا تدّعي امتلاك القول الفصل. غير أنّه إذا كان التعاون في المتّفق عليه واجبًا معرفيًا وأخلاقيًا ودينيًا، فإنّ التسامح في المختلف فيه أوجب، لأنه الشرط الضروري لكل تأمّل – أو تفكير- معتبر.

***

أ. م. د. حيدر شوكان السلطانيَّ

جامعة بابل- كلية العلوم الإسلاميَّة- قسم الفقه وأصوله

بين الجوهر الروحي والاستغلال الدنيوي.. رُؤيةٌ مُستقاةٌ منْ تَجربةٍ طَويلة

بعد مسيرة امتدت لما يقرب من أربعة عقود من التفاعل مع عالم الدين والتدين بمختلف أطيافه وخلفياته ورموزه وأفكاره وتمظهراته وتجلياته، شملت اطلاعات ودراسات وتحليلات ونقاشات وحوارات مع كثير من علماء الدين، مع متابعة دقيقة للخطابات الدينية، وقراءات نقدية معمقة في بنى التراث التاريخي الديني، ومشاركة في مؤتمرات وندوات وجلسات، تبلورت لدي رؤى محددة حول البعد الديني أو الظاهرة الدينية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية عموماً..

وهذه الرؤى لم تأت أو تنبع من فراغ، بل هي –كما قلت- ناشئة عن مقدمات وحصيلة تراكمية لتفاعل طويل مع الرؤى والنصوص الدينية الأصلية، وملاحظة للممارسات الواقعية، وتحليل للفجوة بين المثال والواقع..

الدين كسعي فردي وتجربة ذاتية نحو المعنى:

أرى أنَّ الدينَ في أساسه الحقيقي يرنو لبناء الإنسان على مقومات فكرية وروحية عميقة، هو بحاجة لها لإصلاح نفسه، وتهذيب ذاته، قبل الاندراج في معتركات الحياة وخوض غمارها وتحدياتها.. يعني هو أولاً تجربة ذاتية روحية، وسعيٌ فردي لإيجاد معنىً أعمق في الحياة وتحقيق سلام نفسي داخلي، قبل أن يكون له حالة ظهور خارجي على مستوى الفعل والحضور في الشأن العام.. إنها تجربة "جهاد أصغر" حقيقي، يقوم على بناء النفس وتهذيبها وفقَ القيم والأخلاق الرسالية السامية، قبل الانتقال إلى أي دور في الخارج على مستوى العلاقات والتبادليات والحضور.. وهذا البناء الداخلي هو الأساس المتين لأي بناء وعمران حضاري حقيقي خارجي، إذ كيف يمكن لمستخلَف في الأرض أن يساهم في بناء حضارة ذات معنى وغاية نبيلة، بلا قيم إنسانية راسخة أو فضائل نفسية متجذرة أو أخلاق رسالية قويمة؟!..

حرية التفكر مقابل التقليد والاستلاب الأعمى:

يقوم هذا السعي الروحي على التأمل والتفكر الحر، وليس على التقليد الأعمى أو الخضوع لتراث فقهي متحجر انتهت مفاعيله في الزمان والمكان.. النصوص الدينية الأساسية تؤكد باستمرار على أهمية التعقل والتدبر، وضرورة تحمّل مسؤوليات الاستخلاف والأمانة الربانية.. والآيات القرآنية التي تحث على التفكر والتعقل والتدبر ليست مجرد زخارف لفظية، بل هي دعوة صريحة لتفعيل العقل واعتماد الوعي النقدي في التعامل مع الدين وقضاياه الحياتية.. كما أن الأحاديث التي ترفع من شأن التفكر لتجعله "خيراً من عبادة ستين سنة" تؤكد على الأولوية الجوهرية للفهم الواعي على الممارسة الآلية الوظيفية.

علاقة والدين- احترام الفطرة ورفض التعقيد والغلو:

عامة الناس في مجتمعاتنا لا تنفر من الدين بحد ذاته، بل تحترمه كفطرةٍ وتوجهٍ فطري نحو الخالق. هذا الاحترام الفطري ينبع من حاجة إنسانية عميقة للاتصال بما يتجاوز الذات المحدودة. غير أن الناس عموماً ترفض -بحق- التطرف والتعقيدات والصراعات المذهبية التي لا طائل من ورائها، والتي غالباً ما تخدم أجندات فئوية مصلحية ضيقة بعيدة عن روح الدين الحقيقية في المعرفة والقيمية الأخلاقية.. وهي روح واحدة وحقيقة واحدة في كل الأديان في جوهرها.. فالدين واحد، وإن اختلفت شرائعُه. إنه حياة قلبية متجددة، تسمو بالإنسان من حظوظ نفسه إلى مشاهدة جمال الحق. وهو الجسر بين العبد والرب، حيث تصير الأخلاق عبادةً، والعبادة معرفةً، والمعرفة محبةً.

التدين المعتدل في الهواء الطلق:

يميل الناس بطبيعتهم إلى ممارسة تدينهم باعتدال وطمأنينة، بما يشبه ممارسة الطقوس في "الهواء الطلق" حيث التنفس حر والرؤية واضحة والآفاق ممتدة. وهم يبتغون علاقة مباشرة مع المقدس بعيداً عن الوسطاء المتعددين، وبمعزل عن الرؤى الجامدة المتكلّفة والاستغلال السياسي، وعدم احترام الخيارات الشخصية.. هذا النمط من التدين الفطري البسيط هو الذي يحافظ على حيوية الدين واستمراريته في سلوكيات الناس، بينما تهدده الممارسات المتشددة والتعقيدات المصطنعة والمغالاة المتكلفة.

مؤسسات رجال الدين.. بين الخدمة والاستغلال:

لا يمكن لأحد إلا أن يرى أمامه الكثير من الأمثلة الدالة على أن غالبية مؤسسات رجال الدين تحولت –مثل أي مجموعة ذات نفوذ في المجتمعات البشرية- تحولت مع الزمن إلى مجرّد هياكل تقليدية راكدة، تسعى فقط إلى تحقيق المصالح الخاصة لحرّاسها وسدنتها.. طبعاً هذا التحول من حالة الخدمة الروحية إلى حالة الجهاز المؤسسي المغلق ليس سمة دينية بحتة، بل هو ظاهرة بشرية تظهر في أي مؤسسة تتراكم فيها السلطة والامتيازات والمنافع الخاصة..

الاستغلال الاقتصادي والمعنوي:

ليس في السعي لتحقيق المصالح المشروعة مشكلة في حد ذاته.. أي أننا لا ننكر حقيقة أن الإنسان له مصالحه ومنافعه التي يسعى إليها، ولكن ليس تحت الغطاء والعمامة الدينية التي لها رمزيتها.. بما يعني أن العيب الحقيقي يكمن في الاستغلال الاقتصادي أو المعنوي للدين ومشاعر الناس تحت غطاء القداسة. حيث أنّ هذا التكسب "الرخيص" -الذي يتمُّ على حساب المشاعر الدينية الصادقة للناس، ويحول العلاقة الروحية إلى معاملة تجارية- هو الذي يفقد المؤسسة الدينية مصداقيتها والثقة فيها، ويبعدها عن دورها الأصيل المتمحور حول الفضيلة والرمزية القيمية الأخلاقية.

الصراعات الدينية- الجوهر السياسي تحت القشرة المقدسة:

الصراعات التي تُلبس ثوب الدين هي في حقيقتها صراعات سياسية دنيوية بحتة، تستخدم الشعارات الدينية لتبرير أطماعها ومحاولة إضفاء الشرعية عليها. والتاريخُ يظهر أن معظم الحروب التي توصف بأنها "دينية" كانت لها دوافعها ومسبباتها السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، حيث تم (ويتم) استخدام الدين كأيديولوجية تبريرية لتعبئة الأتباع وتحشيدهم، وإضفاء الشرعية على المطامع والمكاسب.

أحزاب التيار الديني والممارسات السياسية:

الأحزابُ ذات الخلفية الدينية لم تكن بأفضل حالاً من غيرها من الأحزاب في عالم السياسة؛ فقد انغمست في الممارسات السياسية نفسها، من صراع على السلطة والتآمر وحتى العنف أحياناً، متنكرةً في كثير من الأحيان للمبادئ التي ترفع شعارها. هذا التناقض بين الخطاب الأخلاقي والممارسة السياسية أضر بمصداقية التيارات الدينية في الحياة العامة، وجعلها في نظر كثيرين مجرد قوى سياسية تستخدم الدين كورقة ضغط.

النفاق الديني- أخطر أنواع النفاق.. استغلال القداسة لأغراض دنيوية:

أخطر أنواع النفاق هو ذلك الذي يتستر وراء الدين، لأنه يستغل قدسيته ومشاعر المؤمنين الطيبة لأغراض دنيوية خاصة. هذا النفاق المقدس يكتسب خطورته من كونه يحول المقدس نفسه إلى أداة للدنس، ويستعمل لغة القيم لنقض تلك القيم ذاتها. إنه نفاق مزدوج الخطورة: لأنه يخدع الناس باسم ما يقدسون، ويهدم الثقة في المؤسسات الدينية ذاتها.

وجود النماذج المخلصة:

مع هذا التشخيص النقدي، لا يعني ذلك عدم وجود علماء دين ومفكرين مخلصين، عملوا بصدق من أجل خدمة الإنسان وتخفيف معاناته، بغض النظر عن انتماءاته. هؤلاء المخلصون يمثلون الضمير الحي للدين، والذكرى المستمرة بما يمكن أن يكون عليه الدور الحقيقي لرجال الدين عندما يتحررون من الأجندات الضيقة، ويخلصون للقيم الإنسانية الكبرى.

نحو دولة مدنية عادلة-الدولة القوية كضامن للحرية الدينية:

إن الحل الجوهري يكمن في بناء دولة مدنية عادلة وقوية تحركها سلطات متغيرة، هي من تقود قاطرة الدولة التي هي بمثابة مظلة أمن واستقرار للجميع.. دولة تقوم على سيادة القانون والحرية والمساواة، وتضمن الحقوق الأساسية للمواطنين بما في ذلك حرية الاعتقاد والممارسة الدينية ضمن الحدود التي تحترم حرية الآخرين. في ظل هذه الدولة، تتراجع حاجة الناس للبحث عن ملاذات زائفة، وتفقد الخطابات الاستغلالية بريقها.

تحرير الدين من أسر السياسة:

في كنف الدولة المدنية العادلة، يعود الدين إلى جوهره الروحي والأخلاقي، ويؤدي رجاله دورهم الحقيقي في الهداية وترسيخ القيم، بعيداً عن متاهات السياسة والنفاق. تصبح العلاقة بين الدين والدولة علاقة تكاملية وليست تنافسية: الدولة توفر الإطار القانوني الذي يضمن حرية الممارسة الدينية ويحميها من الاستغلال، والدين يغذي القيم الروحية والأخلاقية التي تحتاجها أي مجتمع سليم.

ضعف الدولة وتنامي النفوذ الديني الزائف:

ضعف الدولة يفتح الباب على مصراعيه لتنامي نفوذ كل من هب ودب، من مستغلي الدين إلى المستبدين والمنافقين. في الفراغ السلطوي، تزدهر الخطابات الشعبوية الدينية التي تعد بالحلول السحرية، وتتحول الجماعات الدينية إلى بدائل للدولة في تقديم الخدمات، مما يعزز نفوذها ويوسع هامش استغلالها. بينما تقوى الدولة العادلة هي الضامن الحقيقي لتحرير الدين والمجتمع معاً من هذه الحلقة المفرغة.

نحو مستقبل أكثر إنسانية:

التجربة الطويلة مع عالم الدين تؤكد أن المشكلة ليست في الدين بحد ذاته، بل في العلاقة المشوهة بين الدين والمجتمع، وفي الاستغلال المؤسسي للدين لأغراض دنيوية. المستقبل الأكثر إشراقاً يكمن في إعادة الدين إلى مجاله الروحي والأخلاقي الشخصي، وفي بناء دولة مدنية عادلة تحمي هذا المجال من التدخلات والتوظيفات المشوهة.

إنَّ الدين الذي يُنظر إليه بوصفه طريقاً للوصول إلى المعرفة القلبية بالله، وليس مجرد مجموعة من العقائد والشعائر الظاهرة. وهذا هو الدين الذي يأتي العرفان (أو التصوف في السياق الإسلامي) ليكون جوهره الإنساني.. وهو يركز على البُعد الباطني، حيث يكون الهدف الأسمى هو الفناء في الله والبقاء به، عبر سُلَّم روحي يتدرج فيه السالك من ظاهر الدين إلى لبِّه الجوهري الفيّاض بالإشراقات والمعاني الإنسانية الوافرة.

وعندما يتم الفصل الوظيفي بين مجال الدين كمصدر للقيم والمعنى، ومجال الدولة كإطار للحقوق والواجبات، يمكن للمجتمعات أن تنتقل من دوامة الصراعات المذهبية إلى فضاء التعايش الإنساني. عندها فقط يتحرر الدين من أسر السياسة، وتتحرر السياسة من استغلال الدين، ويسير المجتمع نحو تكامل أكثر إنسانية بين حاجات الروح ومتطلبات العمران.

هذه الرؤى، رغم قسوتها أحياناً، تنبع من أمل عميق بإمكانية مصالحة حقيقية بين الدين والمجتمع، مصالحة تعيد للدين قدسيته وللمجتمع انسجامه، في ظل دولة تحمي الجميع وتخدم الكل.

***

نبيل علي صالح - باحث وكاتب سوري

الحرية، والفردية، والتاريخ

كتب: كريستوفر لينكيويتش

ترجمة: علي حمدان

***

مقدمة: كان فريدريك نيتشه (1844-1900) فيلسوفًا ألمانيًا يُذكر غالبًا كأحد رواد الوجودية، إلى جانب سورين كيركجارد (1813-1855). كان تأثير نيتشه هائلًا، وامتد إلى معظم فلسفة وأدب القرن العشرين، بما في ذلك الوجودية (كافكا، سارتر، كامو)، والظاهراتية (هوسرل، هايدغر، ميرلو-بونتي)، وما بعد البنيوية (دولوز، فوكو)، والتفكيكية (ديريدا).

على الرغم من أن تأثير نيتشه لا يظهر بشكل واضح، إلا أنه يُعتبر عاملاً حاسماً في تطور الفلسفة وتاريخها، ويُفهم حضوره وتأثيره على أنهما شبه شاملين. ولذلك، يُنظر إلى نيتشه بلا شك على أنه قوة مؤثرة في تاريخ الفلسفة وفي الفلسفة المعاصرة، وسواء قبلنا أو لم نقبل، على سبيل المثال، نقده للدين - وخاصة المسيحية - فقد تأثر به فلاسفة دينيون لاحقون مثل بول تيليش ومارتن بوبر. وتُعتبر رؤى نيتشه ومساهماته في الفلسفة عموماً بعيدة المدى وسابقة للعصر، إذ تتجاوز الزمان والمكان.

نيتشه والنازيون

لعلّ من الغريب أن اسم نيتشه يُرتبط غالبًا بالحزب النازي. فقد قامت شقيقته، إليزابيث فورستر-نيتشه، بتحريف ملاحظاته في إحدى النسخ الأولى من كتاب "إرادة القوة"، في محاولة لتبرير معاداة السامية والفاشية، مع أن البعض يعتقد أنها أرادت حماية إرث أخيها. لاحقًا، حاول النازيون أنفسهم استغلال كتابات نيتشه، مُوظفين فلسفته القاسية التي تبدو وكأنها تدعو للحرب، لتبرير أجندتهم السياسية.

يُوضح نيتشه معارضته لمعاداة السامية في مواضع عديدة، منها رسالته إلى فرانز أوفربيك، المؤرخة في 29 مارس 1883.

لعلّ قدري أن أُعتبر معادياً للسامية، مع أن غرائزي كلها تُعارض ذلك، ولا أتعامل مع أيٍّ من هؤلاء المُعادين للسامية. (Briefwechsel, 587)

إن استعداد نيتشه للسخرية من الشفقة والمساواة، بل وحتى الدفاع عن القسوة، يجعله عرضةً للتفسير، أو سوء التفسير، في سياق الدفاع عن المواقف والسلوكيات القاسية المرتبطة عادةً بالفاشية. لم تكن الفاشية انبثقت فعلياً في القرن العشرين، ومن المحتمل أن يكون نيتشه قد قلل من شأن احتمالية ظهور مثل هذا النظام.

نيتشه والنظرية السياسية

فيما يتعلق بعلاقة نيتشه بالديمقراطية تحديدًا، يبدو للوهلة الأولى أنه لا يُقدّم نفسه كمؤيد أو مدافع عن الديمقراطية أو حتى عن مُثلها. لكن من المؤكد أيضًا أنه لا يُقدّم نفسه لقرائه عمومًا كفيلسوف سياسي. فباستثناء بعض الجدالات ضد الديمقراطية، يتجنب عادةً الخوض في السياسة تمامًا. وهكذا يتضح أكثر فأكثر أن نيتشه مهتم بخلق قادة فاعلين (ليس بالضرورة سياسيين)، ومُجربين جريئين، ومُتحدّين للقيم الشعبية، وما إلى ذلك.

نيتشه والإغريق

تربط نيتشه علاقة فريدة بالإغريق، إذ يُكنّ تقديرًا كبيرًا للفلاسفة ما قبل سقراط، وتقديرًا أقل لسقراط وأفلاطون

وكما هو معروف، حُكم على سقراط بالإعدام من قِبل حكومة أثينا بتهمة الكفر وإفساد الشباب. أما أفلاطون، فليس فيلسوفًا بارزًا في مجال الديمقراطية، مع أن كتابه "الجمهورية" كان يُعنى عمومًا بتصور الحكم الأمثل للمجتمعات؛ وكذلك أرسطو، الذي صنّف الديمقراطية في كتابه "السياسة" (الكتابان الثالث والرابع) كثاني أسوأ أشكال الحكم بعد الاستبداد. ويرى أرسطو أن الديمقراطية تؤدي إلى ما وصفه الكاتب الفرنسي ألكسيس دو توكفيل لاحقًا بـ"استبداد الأغلبية". وبعبارة أخرى، تؤدي الديمقراطية إلى اختلالات في موازين القوى عندما يميل ميل مجموعة أكبر من الناس إلى تطبيق سياسات لا تلبي بشكل كافٍ احتياجات ورغبات الكل، أو مجموعة أصغر من الناس قد تشكل جزءًا من ذلك الكل.

على الرغم من أن سقراط لا يتبنى في كتابه "الجمهورية" رؤية ديمقراطية صريحة للحكم، إلا أن مفهوم الحكم الرشيد للمجتمع لا يتبنى رؤية متشائمة أو طائفية. ولذلك، يمكن اعتبار المدينة المتخيلة في "الجمهورية" لأفلاطون، من وجهة نظر معينة، جمهورية أو "ديمقراطية تمثيلية"، حيث يسعى حكامها إلى تمثيل مصالح المواطنين العليا. ويُختار الفلاسفة الملوك لحكم هذه المدينة المتخيلة لأنهم الأنسب بطبيعتهم للحكم. ونظرًا لطبيعة السلطة المُفسدة، فإن الأنسب للحكم في حكومة الجمهورية المتخيلة هم أولئك الذين يمتلكون، من جهة، القدرة على الحكم، ومن جهة أخرى، ارتيابًا عميقًا واستياءً من طبيعة السلطة؛ فعلاقة هؤلاء بالسلطة ليست علاقة براعة، كما قد يتوقع المرء من السياسيين، بل علاقة فهم؛ وفهمهم للسلطة هو أنها شيء بغيض. كان هدف الملوك الفلاسفة في جمهورية أفلاطون هو إقامة العدل بطريقة تعود بالنفع على المحكومين، فضلاً عن حماية حدود حكومتهم وضمان أمنها. وهذا يُشكّل تناقضاً صارخاً مع نظرتنا للسياسة اليوم: فالديماغوجيون الشعبويون، المتعطشون للسلطة، يُرددون ما يُرضي الجماهير دون الاكتراث بمصالحهم أو الوفاء بوعودهم. يُنظر إلى السلطة، إلى حد ما، كغاية في حد ذاتها، ووسيلة لتحقيق غاية أخرى، ألا وهي ضمان القدرة على الحكم، وإتاحة الفرصة، بكل ما يترتب على ذلك.

***

 

سلطة التفكير التي نمارسها قطعا وبمرات عديدة على الذوات، نستوثق من خلالها الكشف عن السلطة الديكتاتورية التحكمية الفوقية، حتى أننا قد نبيت نحمل أسفارا من المعلومات المعرفية المتنوعة، والوظيفية المتراكمة، وقد لا نستطيع قط حتى ترتيبها في تناسقية أفكارنا المبعثرة، وكيل التطفيف بالحسرة حين نفقد النسقية التكاملية.

من السهل (الممل) وضع رأس ممحاة طيعة ونُفعل من سلطتها سياسة الحذف لكل عُقد وإكراهات حياتنا، وبمقاضاة البحث عن متوالية ادفع نحو التخلص من أداء وأثر الماضي (الذكريات)، وكذا حتى إشكاليات الحاضر (الحلم) الموقعة بإجحاف من لحظات غير بادبة آتية حتما من المستقبل الغابر. ورغم ذلك، فإننا قد نسقط لزاما في صناعة لعبة الفراغات (الغميضة) والبياضات (الفارغة) في دواخل الذات (الأنا)، ولن نقدر حتما على ترميم تلك الفجوات ذات الفتحات المؤلمة بالوجع والألم ونكسات الحلم، ولما لا البحث عن صيغة مداومة بناء سلم سعادة الحياة نقطة نقطة.

من الإشكالات العويصة بانتظام، ضمان البحث عن أجوبة سليمة لسؤال متعدد الصياغات ومتنوع التطلعات: ماذا نريد؟ أو نريد ماذا؟ وفيه هذا (التقديم والتأخير) يلزمنا هذا السؤال (الصعب والسهل) بالضرورة على إعادة الصياغة بالتأني وبالترتيب أو التسبيق (من أنا؟ وماذا نريد؟)، وكأننا نبحث عن حل لإشكالية قديمة لا حل لها بتاتا بسلطة المنطق والعقل: من سبق (الفكر أم اللغة؟) وبتعبير اللغة والتفكير الشعبي: من سبق (البيضة أم الدجاجة؟)

عقم الإجابة الطيعة طبعا لهذه الإشكالية التي حيرت أجيالا سبقت من المفكرين والفلاسفة، لم ترحهم، ولن تريحنا حتى نحن لا بالعقل ولا باستيفاء علل النقل. من تم يبقى البحث عمَّا نريد؟ يتطلب منَّا أولا: الاعتراف بمحدودية التكهنات والتخمينات في ذات الغيب، وكذا ثانيا: عدم ثقتنا في المستقبل الخفي (الغائر بتفكير ودراسة جدوى المتاعب)، فما دمنا نؤمن بسلامة رأي (أخدمْ يا صغري لِكُبْري) وكأننا نبيع التعاسة والشقاق للصغر والشباب، لإراحتنا من همِّ الحياة ونحن كبار السن وفي دور الرعاية الاجتماعية، وبعدها قد نملأ الدنيا بالتحسر عمَّا ضاع منَّا من زمن سليم لصناعة جودة وسعادة الحياة.

كثير منَّا وقد نُجمع القول بالتأكيد، أن جلنا لن يقدر على الإجابة عن سؤال: ماذا نريد؟ إن نحن لم نضع سؤالا آخر ثانيا أكثر مكرا من الأول: من أنا؟ بالموازاة: من نحن؟ إنها لعبة مضحكة لفكر (الحداثة البعدية) الذي لم يحسم في تلك الاستعراضات النهائية.

نعم، ماذا نريد؟ أو نريد ماذا؟  تسيطر علينا الأنانية المفرطة، ونطلق عنان لسان الثرثرة في الإنفاق والتمني (أنا أستهلك...أنا موجود/ الحداثة البعدية)، ونحن نغفل قسما ساميا في حياتيا، ويتمثل في طلب الصحة أولا وأخيرا (العبرة مثلا في تواجد المال وغياب الصحة)، فقد صدق الشاب مامي غناء حين قال:" يا الصحة يا الصحة يا عدوة مولاها ... وإذا غابت الصحة وِينْ رَايَحْ نلقاها..."

الأهم بالضرورة، أن تعريف الذات (الأنا) لن يكون حتما إلا بالموازاة مع تفكير تواجد (الآخر) الذي يصنع المتغير والتحدي والوعي والسجال (عبد الله العروي الإيديولوجية العربية المعاصرة/ التفكير بادئ ذي بدء التفكير بالآخر، هذه القضية الصحيحة او الخاطئة نستوثق من صحتها (صدقها)  في حياتنا الجماعية، وبها بالضبط ينبغي البدء من هو الآخر؟  و ما هو التحدي للذات ؟/ بتصرف).

وبالتأكيد الحزين، قد نفسد بعض من ملذات حياتنا (غياب جودة سعادة الحياة)، في البحث الطويل عن قسط من الإجابات الشافية لهذين السؤالين (بصيغة النكرة/ وأجوبة الاستنكارية)، ونحن نزيد من الإفراط في رهان مضاعفات كمي من الأجوبة المتباينة والمتناثرة هنا وهنالك، في حين لن نقدر بتاتا على استيفاء ولو قسط بسيط من الحقيقة التي تتمثل في الأمانة التي حملها الانسان جهلا وظلما لذاته وعشيرته ونسل خلفه.

من السهل الاشتغال على لغة (الكوتشينغ) المفرطة في التمني وصناعة الحلم، ونحدد نقاط الانطلاق من الذات وبالمرور الآمن بنقاط الخط المستقيم بالترتيب وبدون قفز مفزع نحو حلم ما نريد؟ لكن يبقى التنظير المعياري، يصطدم بالطبع مع الحياة اليومية الاجتماعية والوضعيات الفئوية المتباينة بالتشكل، ويبقى توجيه التشوير يجري في وادي ( جزيرة الوقواق) والحقيقة البينة تكمن في اصطدامات المنعرجات المميتة للمجتمعات.  

حتما نختلف في التنشئة الاجتماعية، وفي كل مستلزمات الإدراك العقلاني، وفي حتى السندات الأصيلة من النقل العقائدي وتزكية الروح بالمنشطات السليمة بالقول والفعل والأعمال الرزينة، لكنا نتحد حلولا في البحث عن بدال الطريق السيار الآمن للذات (الأنا) العاقلة في متاهات إعادة صياغة الأسئلة: ماذا نريد نحن؟ ومن نحن؟.

***

محسن الأكرمين

في عمق العقل الجمعي وفي زواياه المعتمة تشكل وعي الانسان العربي وربما الانسان المعاصر عموما على قناعة خفية مفادها ان الفرح طارئ ثقيل الظل لا يليق به المقام الطويل وان الضحك الصافي فعل مشبوه يحتاج الى تبرير وان الانكسار وحده شهادة النضج والرصانة

نولد مهيئين للضحك لكننا لا نلبث ان نتعلم الحذر منه باكرا كأن الحياة تلقننا دروسها الاولى قائلة ان البهجة نذير شؤم وان الابتسام بغير حساب استفزاز لقوى خفية تترصدنا هكذا ترسخت في وجداننا ثقافة الخوف من السعادة فصرنا نبكي بصدق ونضحك بتحفظ نبتسم ثم نلتفت حولنا اعتذارا للقدر واسترضاء له حتى لا يعاقبنا على لحظة صفاء عابرة. صرنا نرتاب من الفرح ونتعامل معه كما نتعامل مع الأشياء القابلة للكسر نلمسه بحذر ونفرح على استحياء ونتهيأ دائما لما سيعقبه من خسارة محتملة.  نرتدي السعادة كما نرتدي ثياب المواسم العابرة ونخلعها سريعا حين تعصف بنا رياح الواقع. وحين يتحول الحزن من حالة الى عادة ومن رد فعل الى نمط وجودي يصبح اكثر فتكا من المأساة نفسها،  فالألم الذي ياتينا من الخارج يمكن احتماله اما الألم الذي نروضه ونسكنه في أعماقنا وندافع عنه فيصير جزءا من هويتنا ومن يقيننا اخطر انواع الالم لان اليقين بالحزن يغلق أبواب الإيمان بالفرح بلا شروط. هكذا غدت ثقافتنا من حيث لا ندري تعيد انتاج الحزن وتكافئه فترى في العبوس وقارا وفي الصرامة تهذيبا بينما تنظر الى الضحك بريبة وتضع البهجة في خانة قلة الرصانة الحزن صار الاصل والفرح استثناء يحتاج الى مسوغ اخلاقي

نحن جيل تشبع بالحزن حتى ادمنه فصار يزهر في دواخلنا كازهار الخريف جميلة في لحظتها لكنها محكومة بالذبول السريع نضحك من وراء القلب ونبكي من القلب كله ونحسب ان هذا هو الاتزان بينما هو في حقيقته خوف عميق من ان نصدق ان لنا حقا اصيلا في الفرح والحياة.

ان اخطر ما في هذه التربية انها لا تكتفي بانتاج افراد حزينين بل تنتج وعيا مشوها بالعالم وعيا يرى الحياة ساحة امتحان دائم لا مجال فيها للاحتفال ولا قيمة فيها للمتعة الا بقدر ما تسبق العقاب وبهذا المعنى يصبح الحزن ايديولوجيا صامتة تورث. 

استجابة انسانية للمعاناة بقدر ما تحول الى بنية ثقافية راسخة يعاد انتاجها عبر التنشئة واللغة والرموز اليومية حتى غدا معيارا ضمنيا للرصانة والجدية والعمق وعلى هذا الاساس صار الفرح موضع ريبة لا حقا اصيلا وانقلبت المعادلة فتم تطبيع الألم وتجريم البهجة

 ان تحرير الوجدان من هذه البنية لا يمر عبر انكار الواقع او القفز على المأساة بل عبر تفكيك اليقين الزائف الذي يربط النضج بالحزن والحكمة بالإنكسار واعادة الاعتبار للفرح بوصفه قيمة انسانية واخلاقية ومعيارا للصحة الوجدانية لا نقيضا لها

فالمجتمعات لا تتعافى حين تتقن البكاء بل حين تتعلم كيف تفرح دون خوف وتؤمن بان السعادة ليست استثناء مشبوها بل امكانية انسانية مشروعة وشرطا ضروريا لاي مشروع حضاري حي

لعل اول اشكال التحرر هو ان نعيد للفرح براءته وان نفك الارتباط القسري بين السرور والعقاب وان نسمح لانفسنا بان نكون سعداء دون شعور بالذنب مطمئنين دون فزع من الانهيار القادم فالحياة مهما كانت قاسية لا تحتمل الا بقدر ما نملك الشجاعة على الفرح لا بوصفه انكارا للألم بل بوصفه مقاومة له واعلانا صامتا بان الروح خلقت لتتسع للنور لا لتقيم ابديا في الظلام والحزن

وفي المحصلة ليس الحزن علامة عمق كما اوهمونا ولا الفرح دليلا على السذاجة كما لقنونا بل كلاهما موقفان من الوجود نختارهما او ننساق اليهما وحين نراجع علاقتنا بالحزن نكتشف كم مرة عشنا اقل مما نستحق وكم مرة خفنا من الضوء اكثر مما خفنا من العتمة

ان التحرر الحقيقي يبدأ حين نكف عن تربية الخوف في داخلنا ونمنح الفرح حقه الكامل في الاقامة لا كضيف عابر بل كمعنى أصيل من معاني الحياة وحينها فقط لا يعود السرور نذير شؤم ولا تصبح السعادة وعدا مخيفا بل فعلا شجاعا وموقفا أخلاقيا وانتصارا هادئا للروح على كل ما اراد لها الإنكسار.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

الموت الرقمي والذكرى في عصر الشبكات الاجتماعية

في عالم اليوم حيث تتشابك الحياة الواقعية بالفضاء الرقمي، نجد أنفسنا أمام ظاهرة جديدة تتحدى كل المفاهيم التقليدية للموت والخلود والذكرى. لقد صار الموت الرقمي أكثر من مجرد استعارة: هو حقيقة وجودية متغلغلة في نسيج حياتنا، في حيثيات علاقاتنا الاجتماعية، وفي طرقنا التي نحتفظ بها بما خلفناه من صور وكلمات وذكريات على الشبكات الاجتماعية. لم يعد الموت محدودا بالغياب الجسدي أو الحنين إلى الماضي في الذاكرة الجماعية، بل أصبح امتدادا رقميا يتجاوز حدود الزمن، متصلاً بشكل دائم بكل شبكة تربطنا بالآخرين، كما لو أن الخلود نفسه قد وُضع في حزمة بيانات لا تنتهي.

لقد تأمل الفلاسفة منذ القدم في مفهوم الخلود، ولكن هذا التأمل كان دائما محصورا في بعدين: الأول هو البعد الروحي أو الديني، حيث يرى الإنسان أن النفس تخلد بعد الموت؛ والثاني هو البعد الاجتماعي أو الثقافي، الذي يخص بقاء الإنسان في ذاكرة الآخرين، أو في إنجازاته وأعماله. أفلاطون في كتابه فيدون، جعل الخلود مرتبطا بالأفكار والروح التي تنجو من الجسد بعد الموت، بينما أرسطو ركّز على الإرث والذكرى كوسيلة لامتداد حياة الإنسان بعد فناء جسده. في العصر الحديث، ومع الفكر الوجودي لهيجل وسارتر، نلمس قلقا متزايدا حول الموت كفناء حقيقي، وحول غياب معنى للذكرى إذا لم يكن هناك تفاعل مستمر معها.

لكن الشبكات الاجتماعية قلبت هذه المفاهيم رأسا على عقب. فقد جعلت من الذكرى ليس مجرد أثر يتركه الإنسان في محيطه الاجتماعي أو الثقافي، بل أصبحت كيانا حيا يتفاعل ويتراكم بشكل شبه مستقل. فعندما يموت شخص تستمر حساباته على فيسبوك، إنستغرام، تويتر، تيك توك، وغيرها، في الظهور ككيان رقمي يتلقى الرسائل ويشارك الذكريات، ويصبح جزءا من ذاكرة الآخرين بطريقة لم يعرفها التاريخ من قبل. هكذا، صار الإنسان ميتا جسديا، لكنه حيّ رقميا، حضورا لا يمكن تجاهله في فضاء افتراضي دائم، يشبه إلى حد ما الخلود الذي تحدث عنه نيتشه حين وصف الإنسان الذي يترك أثره في التاريخ كجزء من إرادة القوة، لكن هنا الإرادة لم تعد قوة مجردة، بل قوة تقنية تضمن استمرار الصوت الرقمي بعد الصمت المادي.

إن هذا الوجود الرقمي بعد الموت يطرح سؤالا جوهريا: هل ما يظل من الإنسان في الشبكات الاجتماعية هو امتداد حقيقي للذات، أم مجرد نسخة مطابقة تُدار من قبل الخوارزميات؟ هل تظل الذكرى كما كانت نابضة بالحياة، أم أنها تتحول إلى صدى رقمي بارد، يكرر الأحداث بلا وعي؟ هانز جورج غادامير، في فلسفته التأويلية، يشدد على أن فهمنا للآخرين وللزمن يعتمد على التأويل المستمر للمعنى، وهذا التأويل يضع الموت الرقمي في منطقة غامضة: فالذكريات الرقمية ليست مجرد نصوص محفوظة، بل نصوص يتم قراءتها وتفسيرها باستمرار من طرف الأحياء، الذين قد يحرفون المعنى، أو يضيفون عليه أبعادا جديدة، بحيث تصبح الذكرى الرقمية كائنا مستقلا يتعايش مع الزمن بشكل مختلف عن الذكرى التقليدية.

تتعدد مظاهر الموت الرقمي، لكن أكثرها وضوحا يكمن في الطريقة التي تُدار بها الحسابات بعد وفاة صاحبها. ففيسبوك على سبيل المثال، يتيح تفعيل وضع "الحساب التذكاري" الذي يحافظ على بقاء الملف الشخصي، ويتيح للأصدقاء كتابة منشورات تكريمية، بينما تُمنع التعديلات على المحتوى الأساسي. يبدو هذا كإشارة إلى محاولة إعادة إنتاج معنى الخلود في الفضاء الرقمي، لكن مع قيود صارمة تجعل الإنسان ميتا جسديا، وحاضرا جزئيا رقميا. هو حضور محدود لكنه مستمر، وكأنه يُقال لنا: "أنت غير موجود، لكن صدى حضورك سيستمر"، وهو ما يذكّرنا برؤية هيجل للموت والحياة، حيث يظل الإنسان حاضرا في التاريخ والروح الجمعية، لكن هنا الفضاء التاريخي أصبح رقميا مفتوحا على الزمن بلا حدود.

الفلاسفة المعاصرون بدأوا يلحظون هذا التحول العميق. جورجيو أغامبين، في تحليله لمفهوم "الحياة العارية"، أشار إلى أن الإنسان في العصر الحديث صار معرضا لأن يكون موضوعا للبيانات أكثر من كونه كيانا حيا. الموت الرقمي هو نسخة من هذا الواقع، الإنسان يفقد جسده لكنه يستمر كبيانات، كصور، كتعليقات، كحسابات، وكأن الحياة أصبحت مرتبطة أكثر بما يُسجل عنها، وليس بما يعيشه الشخص بالفعل. هذه الظاهرة تعيد صياغة علاقة الفرد بالمجتمع، وتجعل من الذكرى الرقميّة نوعا من "الخلود التقني" الذي يختلف جوهريا عن الخلود الروحي أو الثقافي التقليدي.

في المقابل، يبرز الجانب النفسي والاجتماعي للموت الرقمي. فالذكريات الرقمية تمنح الأحياء شعورا بالاتصال المستمر بالراحلين، وهو شعور يختلف عن الفقدان التقليدي. وهنا يلتقي الإنسان بالآخرين في فضاء افتراضي، حيث تتفاعل الذكريات وتتجدد باستمرار، كما لو أن الموت لم يحدث فعليا. هذه الظاهرة ليست بريئة، فهي تغير طريقة الحزن، وطريقة التعامل مع الموت، وطريقة تكوين الذاكرة الجمعية. من جهة أخرى، قد يؤدي هذا الوجود الرقمي بعد الموت إلى نوع من السكون النفسي القسري، حيث يُصبح الحزن مرتبطا بوجود "ظل رقمي" للراحل، وقد يتحول إلى عبء نفسي لمن يظل مرتبطا بالكيان الرقمي، إذ يذكّره دائما بغياب الجسد، ويجعل الانفصال النهائي مستحيلا تقريبا.

هنا يظهر التوتر بين الحضور والغياب والواقع الافتراضي والواقع المادي، وبين الخلود الرقمي والموت الجسدي. جان بودريار، في نظريته عن المحاكاة والواقع الافتراضي، يوضح أن الصور والتمثيلات قد تصبح أكثر "واقعية" من الواقع نفسه، بحيث تتحول الذكرى الرقمية إلى كيان قائم بذاته، يتجاوز الحاجة إلى وجود الشخص في الحياة الفعلية. في هذا الإطار، قد نكون أمام حالة "موت افتراضي حي"، حيث يبقى الإنسان حاضرا، لكنه بلا جسد، وحيث يتحول الحزن إلى احتفال بالرمز الرقمي، وليس بالوجود الحقيقي.

يمكن الربط بين الموت الرقمي ومفهوم هيراقليطس عن الزمن والتغير المستمر. فالبيانات الرقمية، المنشورات، التعليقات، وحتى الصور والفيديوهات، تتحرك باستمرار ضمن شبكات مترابطة، وتتغير بحسب تفاعل الأحياء معها. الذكرى هنا ليست ثابتة كما كانت في الماضي، بل تتحول وتتطور، وكأنها كائن حي يعيش في فضاء الشبكة الاجتماعية. هذا يطرح أسئلة وجودية عميقة حول الهوية: هل الإنسان هو مجموع البيانات التي تركها، أم أنه شيء آخر يظل غير قابل للحصر الرقمي؟

بالعودة إلى الفكر الإسلامي التقليدي، نجد أن مفهوم البقاء بعد الموت كان مرتبطا بالذكر الطيب والأعمال الصالحة، كما ورد في القرآن الكريم: "فَمَن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره". هذه الرؤية تقوم على فكرة أن البقاء الحقيقي هو بقاء الأثر الأخلاقي والروحي، وليس مجرد بقاء الاسم أو الصور. لكن الموت الرقمي يقدم نموذجا جديدا: البقاء هنا ليس مرتبطا بالمعنى الأخلاقي أو الروحي، بل بالاستمرارية الرقمية، بما يشبه "خلودا صناعيا" يمكن إدارته وإعادة إنتاجه بشكل مستمر.

ثمة بعد آخر يجب الانتباه إليه: اللغة الرقمية تختلف عن اللغة التقليدية في تواصلها مع الموت والذكرى. الكلمات في الشبكات الاجتماعية، سواء كانت تعليقات، منشورات، أو رسائل، تخضع لخوارزميات الترتيب والتصنيف والتذكير. الذكرى هنا تُحذف أو تُعرض بناءً على تفضيلات الآخرين، أو على آليات التفاعل، وبالتالي تتأثر بالزمن والقراءة البشرية والآلية في آن واحد. هكذا تصبح اللغة الرقمية أداة مزدوجة: هي وسيلة للتواصل مع الراحل، لكنها في الوقت نفسه تحدد وتقيّد كيفية تذكره، وكأن الموت الرقمي يُعيد تعريف الذاكرة، ليس كأداة للوفاء أو الحنين، بل كإطار ديناميكي يتفاعل مع الأحياء بشكل مستمر.

لقد جعل هذا التحول الرقمي مفهوم الخلود أقرب إلى تجربة افتراضية، حيث يختلط الفعل بالتمثيل والحياة بالموت، والذاكرة بالبيانات. الإنسان لم يعد فقط كائنا حيا أو متوفى، بل أصبح كيانا متعدد الطبقات: جسدي، نفسي، واجتماعي، ورقمي. وهذا يعيد إلى الأذهان فكرة ديكارت عن الشك الميتافيزيقي: إذا كان الإنسان قادرا على التفكير، فهل يستطيع أيضا أن يعيش بعد موته، وإن كان في صورة رقمية؟ الخلود الرقمي يبدو هنا كإجابة غير مكتملة، غير متجانسة، لكنها موجودة وفعالة، تحمل أبعادا جديدة للموت والذكرى والوجود.

ولعل الشبكات الاجتماعية لم تغير فقط طريقة تواصلنا مع الأحياء، بل أعادت تعريف علاقتنا بالموت وبالخلود وبالذكرى. الذكرى لم تعد مجرد أثر في ذاكرة الآخرين، بل أصبحت كائنا حيا يتحرك ويؤثر، ويتفاعل مع الزمن والتكنولوجيا والمجتمع. الموت الرقمي هو اختبار جديد لفهمنا لماهية الحياة وماهية الإنسان، وللكيفية التي نحتفظ بها بما نحن عليه بعد رحيلنا الجسدي. إنه الخلود الممزق، الخلود الذي صار معلقا بين الحضور والغياب، بين الواقعي والافتراضي والذكرى والبيانات، وبين النفس والتقنية، وهو تجربة فلسفية جديدة تتطلب منا إعادة التفكير في كل ما اعتقدناه عن الموت والخلود والذاكرة.

إذا انتقلنا من النظرية الفلسفية إلى الممارسة العملية، نجد أن الموت الرقمي لم يعد مجرد حالة نظرية، بل أصبح واقعا ملموسا في حياة ملايين البشر. كل يوم يختفي أشخاص جسديا، بينما تستمر حساباتهم على الشبكات الاجتماعية ككيانات رقمية مستقلة، تتلقى التفاعل من الأحياء، وتسهم في إعادة إنتاج حضورهم بطريقة لم يعرفها التاريخ من قبل. فقد سجلت الدراسات الاجتماعية أن 60% من مستخدمي فيسبوك يزورون حسابات المتوفين بشكل دوري، كوسيلة للحزن أو لتخليد الذكرى، وهو سلوك لم يكن موجودا قبل الثورة الرقمية. هذا التحول يشير إلى أننا بصدد ظاهرة جديدة تماما: موت لم يعد مجرد غياب، بل حضور مستمر بوساطة الرموز الرقمية.

الوجود الرقمي بعد الموت يخلق نوعا من "المجتمع الهجين"، حيث يختلط الأحياء بالراحلين، والواقعي بالافتراضي، في شبكة من العلاقات لا تنقطع. إيمانويل كانط يرى أن العقل البشري لا يستطيع تصور الزمن بلا تتابع، لكن الشبكات الاجتماعية تخلق نوعا من الزمن المتعدد الطبقات: لحظة الموت الجسدي، والزمن الرقمي المستمر للبيانات، والزمن التأويلي للأحياء الذين يقرأون الذكرى ويعيدون تفسيرها. بهذه الطريقة، تصبح الشبكة الاجتماعية متحفا حيا أو فضاءً عامًّا يضم الأحياء والراحلين على حد سواء، بحيث يصعب التمييز بين ما هو حاضر وما هو غائب، بين ما هو فاعل وما هو مجرد أثر.

الأبعاد الأخلاقية للموت الرقمي تمثل تحديا آخر. هل يحق للشبكات الاجتماعية أن تحتفظ بحسابات الأموات، وأن تجعل منها كيانات رقمية تتفاعل مع الأحياء؟ الفلاسفة الأخلاقيون مثل بيتر سينغر قد يسألون: ما هي مسؤوليتنا تجاه هؤلاء الذين لم يعودوا موجودين جسديا، لكنهم موجودون رقميا؟ هل نحن ملتزمون بالحفاظ على ذكراهم، أو بإعادة إنتاج حضورهم الرقمي بطريقة تعكس شخصيتهم وقيمهم، أم أن هذا مجرد استغلال للبيانات؟ الواقع أن الكثير من الحسابات الرقمية بعد الموت تُدار بطريقة آلية، من قبل خوارزميات لا تفهم المعنى الحقيقي للإنسان، ولا تأخذ بعين الاعتبار إرادته أو شخصيته. هذه الظاهرة توحي بأن الموت الرقمي يمكن أن يتحول إلى نوع من "الخلود القسري"، حيث يبقى الشخص حاضرا رغم عدم موافقته، ما يثير أسئلة فلسفية عميقة حول الحرية والهوية والسيادة على الذات بعد الموت.

أحد الأمثلة الأكثر وضوحا على هذه الظاهرة هو ما يحدث على منصة فيسبوك بعد الوفاة. فالحسابات التذكارية تتيح للأصدقاء كتابة منشورات على حائط الشخص المتوفى، مشاركة الصور والفيديوهات، وحتى تفعيل الذكريات السنوية التي تذكّر الأحياء بالراحل. هنا نجد أن الذكرى تتحول إلى حدث دوري، وكأن الزمن أصبح دائرة متكررة، حيث يعيش الأحياء تجربة الحزن والوفاء ضمن إطار افتراضي، بعيدا عن الواقع الفعلي للرحيل. لكن هذا النوع من الوجود الرقمي يحمل خطرا ضمنيا، فقد يؤدي إلى تثبيت الشخص في صورة محددة مجمّدة، لا تعكس ديناميكية حياته، ولا تسمح للذكريات بالتطور الطبيعي مع مرور الزمن، كما يحدث عادة في الذاكرة الجماعية التقليدية.

إذا عدنا إلى التحليل الفلسفي، نجد أن هذه الظاهرة تلتقي مع أفكار ميشيل فوكو حول السلطة والمعرفة. فالخوارزميات التي تدير الحسابات الرقمية للمتوفين تتحكم في طريقة ظهورهم، في كيفية قراءتهم، وفي إعادة إنتاج ذكراهم بشكل متكرر. هنا تصبح الشبكة الاجتماعية ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل فضاءً للسلطة الرقمية على الموت والذكرى، حيث تتحكم الشركات التقنية في إعادة إنتاج الوجود بعد الرحيل الجسدي. الموت الرقمي إذا ليس حرية للخلود، بل شكل من أشكال السلطة الرقمية، يتداخل فيه التكنولوجي مع الاجتماعي والأخلاقي، ويخلق علاقات جديدة بين الأحياء والأموات.

الأبعاد النفسية والاجتماعية لهذه الظاهرة عميقة أيضا. فالأحياء يتعاملون مع الموت الرقمي كوسيلة للحفاظ على الاتصال بالراحلين، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يطيل عملية الحزن، أو يحولها إلى شعور دائم بعدم الانفصال الكامل عن الفقد. ويشير علماء النفس مثل إليزابيث كوبلر-روس إلى أن الموت الرقمي قد يغير مراحل الحزن التقليدية، ويخلق تجربة جديدة تتسم بالخلط بين الوجود الفعلي والرمزي. فالحديث مع الحسابات التذكارية أو إعادة نشر صور الراحل أو حتى انتظار التذكيرات السنوية، يصبح جزءًا من ممارسة الحزن، وكأن الحزن نفسه تحول إلى فعل رقمي.

إن الموت الرقمي أعاد تشكيل مفهوم الهوية بعد الموت. فهويتنا لم تعد مرتبطة فقط بالجسد أو بالأثر الاجتماعي المباشر، بل أصبحت مرتبطة بالبيانات التي نتركها، وبطريقة تفاعل الآخرين معها. هذه الهويات الرقمية التي أطلق عليها بعض الباحثين "الأنا الافتراضية"، تتطور بعد الموت، تتغير بتغير التفاعلات الاجتماعية، وتصبح أكثر ديناميكية من الهوية التقليدية. ولكن السؤال المركزي يظل، هل هذه الهوية تمثل الشخص ذاته، أم أنها مجرد صورة افتراضية تُدار بواسطة الآخرين والخوارزميات؟.

ويمكننا ملاحظة أن اللغة الرقمية تُعيد تشكيل العلاقة بين الذكرى والموت. النصوص الرقمية سواء كانت منشورات، تعليقات، أو رسائل، تخضع لآليات مختلفة عن اللغة التقليدية: فهي قابلة للتكرار، للتعديل، للحذف، وللتأويل المتعدد من قبل الأحياء. هكذا تتحول اللغة إلى أداة مزدوجة: وسيلة لتواصل الذاكرة، وأداة للتحكم في كيفية تذكر الأموات. اللغة الرقمية تصبح إذا كيانا حيا يؤثر ويتأثر ويعيد تعريف العلاقة بين الموتى والأحياء، بين الواقع الافتراضي والوجود الفعلي.

لا يمكن تجاهل البعد الثقافي للموت الرقمي. ففي بعض الثقافات مثل الثقافة اليابانية، هناك اهتمام كبير بالحفاظ على ذكرى الأموات من خلال الوسائل الرقمية، بينما في ثقافات أخرى، قد ينظر إلى هذه الظاهرة بريبة، باعتبارها شكلا من أشكال الاستمرارية الصناعية للوجود البشري. هذا الاختلاف الثقافي يعكس طبيعة العلاقة بين الإنسان والموت وبين الذكرى والهوية، وكيف أن التكنولوجيا تُعيد إنتاج هذه العلاقة بشكل مختلف عن الماضي.

في الوقت ذاته، تطرح الشبكات الاجتماعية إمكانيات جديدة للخلود الرمزي. فالصور، الفيديوهات، المنشورات، والرسائل، جميعها تتحول إلى أشكال من الوجود المستمر، تُعيد إنتاج حضور الإنسان بعد رحيله. هذا النوع من الخلود الرقمي يختلف عن الخلود التقليدي، الذي كان يعتمد على الإرث، الأعمال، أو الذاكرة الجمعية، لأنه قائم على البيانات، وهو دائما معرض للتغيير، للتعديل، وللتفاعل المباشر مع الأحياء. هنا يظهر نوع جديد من الخلود، يجمع بين الاستمرارية والتغير وبين الثبات والمرونة والحضور الرقمي والغياب الجسدي.

إن هذا الخلود الرقمي له تداعيات أخلاقية كبيرة على المجتمعات. ففي بعض الحالات، يمكن أن يُستخدم وجود الحسابات الرقمية بعد الموت لأغراض تجارية، سياسية، أو إعلامية، وهو ما يثير أسئلة حول الاستغلال والخصوصية والسيادة على الذات بعد الرحيل. الفلاسفة مثل هابرماس يشددون على أن التواصل الإنساني يجب أن يكون قائما على الفهم المتبادل والحرية، ولكن في حالة الموت الرقمي، تصبح هذه المبادئ معرضة للتشويه، حيث يُدار تواصل الشخص بعد الموت بطريقة قد لا تعكس إرادته أو شخصيته الحقيقية.

يمكن أيضا ملاحظة تأثير الموت الرقمي على الذاكرة الجمعية. فالمجتمعات التي تحتفظ بالذكريات الرقمية قد ترى التاريخ بطريقة مختلفة، حيث تتحول الأحداث إلى سلاسل من البيانات، ويصبح التفاعل مع الماضي متاحا بشكل مستمر، لكنه مُحدد ومقيد بخوارزميات الشبكات الاجتماعية. هذا التحول يطرح تساؤلات حول مدى دقة التاريخ الرقمي، وعن كيفية تأثيره على الهوية الثقافية وعلى فهمنا للزمن والموت.

ويمكن أيضا الربط بين الموت الرقمي وفكرة مارشال ماكلوهان عن "الوسيط هو الرسالة". فالوسائط الرقمية لا تنقل فقط الذكرى، بل تُعيد إنتاجها بطريقة جديدة، وتُحدد شكل الوجود بعد الموت. الموت الرقمي ليس مجرد استمرار للحياة، بل هو شكل جديد من الحياة نفسها، شكل قائم على التفاعل الرقمي، وعلى إعادة إنتاج الحضور والذكرى باستمرار.

إن الموت الرقمي يمثل تجربة فلسفية واجتماعية معقدة، تغير طريقة فهمنا للموت، للذكرى وللهوية. فهو يخلق أبعادا جديدة للخلود، ليس كإرث ثقافي أو روحي، بل كوجود رقمي مستمر، يتفاعل مع الزمن والتكنولوجيا والمجتمع. الشبكات الاجتماعية أعادت تعريف العلاقة بين الأحياء والأموات والواقع والافتراضي، وبين الذاكرة والبيانات، لتصبح الذكرى تجربة ديناميكية مستمرة ومعقدة، تحمل في طياتها قلقا فلسفيا أخلاقيا واجتماعيا جديدا.

وتبعا لما أفضى إليه هذا الاستقصاء النظري ولما بدأناه من استكشاف الموت الرقمي وهي إعادة النظر في مفهوم الإنسان ذاته وفي علاقته بالزمن وبالذاكرة وبالحياة بعد الرحيل الجسدي. ولقد حاولنا أن نكشف في هذه الأسطر المتواضعة عن أن الشبكات الاجتماعية لم تقتصر على كونها أدوات للتواصل، بل أصبحت فضاءات وجودية جديدة، تعيد تعريف حضور الإنسان بعد الموت، وتغير طريقة فهمنا للخلود والذكرى. ففي الماضي كان الخلود يرتبط إما بالبعد الروحي، كما رآه الفلاسفة الكلاسيكيون، أو بالذكرى الاجتماعية والأثر الثقافي كما أشار أرسطو وهيجل، أما اليوم، فإن الخلود الرقمي يضيف بعدا جديدا، حضور دائم قائم على البيانات، قابل للتفاعل، متغير، ومتشابك مع حياة الأحياء.

هذا الحضور الرقمي بعد الموت يطرح أسئلة عميقة حول الهوية، هل الإنسان بعد وفاته الرقمية هو ذاته، أم مجرد نسخة رمزية، تُدار وفق خوارزميات وتعاد إنتاجها بواسطة الآخرين؟ وهل هذا الوجود الرقمي يمكن اعتباره امتدادا حقيقيا للذات، أم أنه مجرد صدى فارغ، يعكس رغبة الأحياء في الاحتفاظ بالراحل دون أن يحمل جوهره الحقيقي؟.

إن الموت الرقمي يمثل تحديا لمفهوم الذات كما عرفه الفلاسفة عبر التاريخ، ويضع الإنسان أمام تجربة وجودية جديدة، تجربة تتعلق بالاستمرارية في الفضاء الرقمي والحضور رغم الغياب، والخلود بصيغة افتراضية قابلة للتغيير والتحكم.

على المستوى النفسي والاجتماعي، يخلق الموت الرقمي نوعا من الحضور المزدوج، فالأحياء يجدون في الحسابات التذكارية وسيلة للتواصل مع الراحلين، وتجربة الحزن بطريقة رقمية، لكنها أيضا تجربة تحددها الخوارزميات والبيانات، ما يخلق علاقة جديدة بين الحنين والفقد، بين الواقع الافتراضي والغياب الجسدي. لقد تحول الحزن من عملية فردية وجماعية إلى فعل رقمي يتكرر ويتفاعل، وكأن الموت أصبح حدثا مستمرا، لا يمكن أن يكتمل بفعل الرحيل الجسدي وحده.

من الناحية الثقافية، يؤكد الموت الرقمي كيف أن التكنولوجيا تعيد إنتاج الهوية والذاكرة الجمعية. فالمجتمعات التي تعتمد على الشبكات الرقمية في تخليد الذكريات تواجه تحديات جديدة في تفسير التاريخ وفهم الماضي وبناء الهوية الجماعية. فالذكريات الرقمية رغم استمرارها معرضة للتعديل والتفسير، وليست ثابتة كما كانت الذكرى التقليدية. وهنا يظهر بعد آخر للخلود الرقمي، الخلود الذي ليس مجرد استمرار للحياة، بل حياة قائمة على إعادة التفسير والتفاعل المستمر، حياة لا تنفصل عن الأحياء الذين يقرأون ويعيدون إنتاجها.

الفلاسفة المعاصرون من بودريار إلى أغامبين، يشيرون إلى أن هذه الظاهرة تمثل تحولا جوهريا في فهم الإنسان والوجود والموت. فالوجود الرقمي بعد الموت يخلق نوعا من "الحياة بعد الفناء"، حيث تتحول البيانات إلى كيانات قائمة بذاتها، تتفاعل، تؤثر، وتُعيد إنتاج الحضور. هذه الظاهرة ليست مجرد تقنية، بل تجربة فلسفية وجودية، تتحدى المفاهيم التقليدية للموت والخلود والذاكرة، وتفرض علينا إعادة التفكير في العلاقة بين الذات والآخرين، بين الجسد والرمز وبين الحياة والموت.

إن الموت الرقمي يمثل تحديا للوجود الإنساني بقدر ما يمثل فرصة لإعادة تأمل العلاقة بين الحياة والموت والخلود والذكرى. الشبكات الاجتماعية جعلت من الذكرى تجربة ديناميكية مستمرة ومعقدة، تحمل في طياتها أبعادا أخلاقية فلسفية ونفسية لم يكن التاريخ البشري يعرفها من قبل. الإنسان المعاصر إذ يتعامل مع هذه الظاهرة، مدعو إلى التفاعل الواعي مع الوجود الرقمي بعد الموت، إلى إدراك أن الخلود لم يعد مجرد إرث روحي أو ثقافي، بل أصبح تجربة رقمية، تحمل في طياتها إمكانيات جديدة للوجود، لكنها أيضا تتطلب تأملا عميقا ومسؤولية أخلاقية تجاه الذات والآخرين.

في ضوء ما سبق، يمكن اعتبار الموت الرقمي دعوة للتفكر في معنى الحياة نفسها، في حدود الزمن المادي وفي حدود الجسد، وفي حدود الذاكرة التي يمكن أن تتحول إلى بيانات قابلة للتكرار والتحكم. إنه اختبار لفلسفة الهوية وللخلود وللعلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، وعلامة على أن الحضور بعد الموت لم يعد مسألة غيبية أو رمزية فحسب، بل أصبح قضية تقنية اجتماعية وفلسفية في آن واحد.

الخلود الرقمي إذن ليس مجرد استمرار في الذاكرة، بل إعادة تعريف للحياة بعد الموت، وإعادة إنتاج للوجود في فضاء افتراضي متغير، يحاكي الحضور، لكنه لا يعكس الواقع الكامل. إنه الخلود في زمن البيانات، والذكرى في زمن الخوارزميات، والحياة بعد الرحيل الجسدي في فضاء افتراضي دائم التغير. وهكذا، يصبح الموت الرقمي أكثر من ظاهرة تقنية، إنه تجربة إنسانية جديدة، تُعيد تشكيل فهمنا للزمن وللهوية وللحياة وللموت نفسه، وتضعنا أمام مسؤولية فلسفية وأخلاقية تجاه كيفية تذكرنا وكيفية تفاعلنا مع الوجود الرقمي للراحلين، وكيفية المحافظة على جوهر الإنسانية وسط عالم رقمي دائم التطور والتغير.

***

د. حمزة مولخنيف

أضحى التنافس المحموم حول الكيانات الإعلامية جزءاً عضويا من الاستراتيجيات العميقة التي تعتمدها القوى الكبرى، انطلاقا من إدراكها أن إخضاع الوعي يشكل المدخل الأنجع لإعادة تشكيل المجال السياسي والرمزي. فالإعلام المعاصر يتموضع داخل منظومات اشتغال معقدة، تُصمَّم فيها خوارزميات دقيقة تستهدف إعادة هندسة البنيات الفكرية والانفعالية للجماعات، بما يجعلها أكثر قابلية للتطويع وأسرع استجابة لمنطق السلطة.

وتشتغل هذه المنظومات على إحداث تحولات صامتة في الإدراك الجمعي، حيث يُعاد إنتاج الخضوع في صورة قبول، والانقياد في هيئة اختيار، فتتآكل مناعة النقد تدريجيا، ويغدو الانحياز نتيجة تلقائية لمسارات مبرمجة سلفاً. وبهذا المعنى، تتحول السيطرة إلى فعل غير مرئي، يُمارَس من داخل الذهن، ويستمد فعاليته من اعتياده اليومي وتغلغله البطيء.

 في هذا السياق، يتخذ جيوبوليتيك الإعلام أبعادا سوسيولوجية مركبة، تتجاوز حدود التواصل والتأثير المباشر، ليغدو مجالا تتقاطع فيه السلطة والمعرفة والرمز، حيث تُدار الصراعات الكبرى عبر التحكم في أنساق المعنى، وصياغة السرديات، وتوجيه الأفق الإدراكي للجماعات، بما يجعل الهيمنة فعلا ذهنيا يسبق كل تجلٍ مادي لها.

أضحى لزاماً على خبراء الإعلام أن ينخرطوا في تفكير استراتيجي عميق يروم تجاوز مأزق التبعية الاتصالية والإعلامية، عبر استنهاض القابليات المواطِنة، وتوسيع أفق الوعي الجماعي نحو بناء إطار نسقي قادر على إنتاج شروط الاستقلالية. ويتم ذلك في سياق بالغ التعقيد، يتسم بتسارع التحولات، وتكثف تدفقات المعطيات، وتنامي التضليل، وتبدل أنماط التلقي والقراءة، بالتوازي مع صعود أدوات الذكاء الاصطناعي واتساع النقاشات المرتبطة بالحياد والمصداقية.

 ضمن هذا المشهد المتشابك، تنكشف وظيفة الإعلام بوصفها فعلا تأسيسيا يتجاوز الأداء التقني إلى أفقه القيمي، حيث تتجلى أبعاده الأخلاقية والمهنية باعتبارها مرتكزا بنيويا في تشييد الخصوصية الإعلامية. فامتلاك البرامج والخطابات ذات المحتوى المنهجي لا يتحقق إلا من خلال إعادة وصل الإعلام بسياقه المحلي والثقافي، بما يجعله تعبيرا صادقا عن الهوية العميقة، لا مجرد صدى لنماذج مستوردة أو استنساخٍ لخطابات مهيمنة.

 في هذا الإطار، لا يعود الإعلام مجرد وسيط بين الحدث والمتلقي، بل يتحول إلى بنية إنتاج للواقع ذاته، حيث لا تُنقل الوقائع بقدر ما يُعاد تركيبها داخل أنساق دلالية محكومة بموازين القوة. فالسرديات الإعلامية لا تنشأ في فراغ، وإنما تتغذى من منظومات مصالح، وتشتغل ضمن حقول تنازع رمزي، يُعاد من خلالها ترتيب ما يُرى وما يُحجب، وما يُقدَّم باعتباره مركزيا وما يُدفع إلى هامش اللامرئي.

وهكذا، يغدو التحكم في تدفق المعنى شرطا لازما لإعادة إنتاج الهيمنة، لا باعتبارها قهرا مباشرا، بل بوصفها انتظاما طبيعيا للواقع في وعي الأفراد. ومن زاوية أعمق، يندرج هذا التحول ضمن ما يمكن تسميته بـ"عقلنة السيطرة"، حيث تُستبدل أشكال الضبط الخشنة بأنماط أكثر نعومة وفعالية، قوامها التوجيه غير المباشر، والتكييف الإدراكي، وصناعة الإجماع الصامت. ففي ظل اقتصاد الانتباه، تصبح السيطرة رهينة بالقدرة على احتلال الزمن الذهني للفرد، وتوجيه انتباهه، واستنزاف طاقته التأملية، بما يقلص إمكانات المساءلة والتفكير النقدي. وبهذا المعنى، يتقاطع الإعلام مع آليات السوق، ويتحول المعنى نفسه إلى سلعة تخضع لمنطق العرض والطلب. ويتضاعف هذا التعقيد مع صعود الذكاء الاصطناعي، الذي لا يكتفي بتسريع إنتاج المحتوى، بل يشارك في إعادة تشكيل شروط المعرفة ذاتها. فالخوارزميات، بما تحمله من افتراضات مضمَرة ومعايير غير محايدة، تسهم في إعادة ترتيب الأولويات، وتصنيف الأفراد وتوجيه أذواقهم، بما يجعل الحياد الإعلامي مفهوماً إشكاليا أكثر من كونه حقيقة قابلة للتحقق.

 وهنا تتجلى خطورة التحول من إعلام يصنع المعنى إلى أنظمة تصنع أنماط التفكير ذاتها، وتحدد مسبقا مسارات التلقي والاستجابة. أمام هذا الوضع، يكتسب سؤال الاستقلالية الإعلامية بعدا معرفيا وسياسيا في آن واحد، إذ لا يمكن اختزاله في امتلاك الوسائل أو التحكم في الأدوات، بل يتأسس على القدرة على إنتاج رؤية للعالم تنبع من السياق التاريخي والثقافي للمجتمع. فالتحرر من التبعية الاتصالية يفترض بناء ذات إعلامية واعية بذاتها، قادرة على تفكيك الخطابات المهيمنة، وإعادة مساءلة المسلمات، واستعادة الفعل التواصلي بوصفه ممارسة مواطِنة لا مجرد استهلاك رمزي.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف الوظيفة الاجتماعية للإعلام، باعتباره فضاءً عموميا للنقاش العقلاني، ومجالا لتداول المعنى، لا مجرد منصة للتأثير أو التوجيه. فالإعلام الذي يستمد شرعيته من المجتمع، ويغتني بتعدديته الثقافية واللغوية، يصبح قادرا على إنتاج سرديات بديلة، توازن بين الكوني والمحلي، وتؤسس لخصوصية لا تنغلق على ذاتها، ولا تذوب في نماذج وافدة. في المحصلة، يتحدد الرهان الحقيقي لجيوبوليتيك الإعلام في الانتقال من منطق التبعية إلى أفق السيادة الرمزية، حيث تُستعاد الكلمة من قبضة الخوارزمية، ويُعاد الاعتبار للمعنى بوصفه فعلا إنسانيا حرا، مرتبطا بالمسؤولية الأخلاقية، وبقدرة المجتمع على أن يروي ذاته بذاته، لا أن يُروى نيابة عنه.

***

د مصطفى غَلــــمَــان

 

بل مجتمعاً بلا حدود داخلية

مقدمة: في عصرنا الحالي، الذي يشهد تزايداً في التنوع الثقافي والعرقي والفكري داخل المجتمعات، يبرز مفهوم "المجتمع الموحد" كأحد أبرز التحديات الاجتماعية والسياسية. غالباً ما يُفهم هذا المفهوم بشكل خاطئ، حيث يُعتقد أنه يعني القضاء على كل أشكال الاختلافات لصالح توحيد قسري. ومع ذلك، فإن المجتمع الموحد الحقيقي ليس مجتمعاً خالياً من الاختلافات، بل هو مجتمع يتجاوز الحدود الداخلية التي تفصل بين أفراده، مما يسمح بتعايش التنوع ضمن إطار مشترك. هذا المفهوم يعكس تحولاً في النظرية الاجتماعية من التركيز على التماثل إلى التركيز على التكامل، حيث تُصبح الاختلافات مصدر قوة لا ضعف. في هذا المقال، سنستعرض هذا المفهوم بشكل موسع، لنكشف كيف يمكن للمجتمعات أن تحقق الوحدة دون التخلي عن تنوعها.

تعريف المجتمع الموحد وأهمية التمييز بين الاختلافات والحدود الداخلية

يُعرف المجتمع الموحد بأنه نظام اجتماعي يجمع بين أفراد متنوعين تحت مظلة مشتركة من القيم والأهداف، دون أن يفرض عليهم تماثلاً كاملاً. الاختلافات هنا تشمل التنوع الثقافي، العرقي، الديني، والفكري، والتي تعتبر ضرورية للابتكار والتطور الاجتماعي. أما الحدود الداخلية، فهي الحواجز النفسية والمؤسسية التي تحول دون التفاعل الحر بين هذه المجموعات، مثل التمييز العنصري أو التقسيمات الطبقية. في هذا السياق، يمكن القول إن الوحدة لا تتحقق بالقضاء على الاختلافات، بل بإزالة هذه الحدود ليصبح التنوع جزءاً من النسيج الاجتماعي المشترك. من الناحية النظرية، يعتمد هذا التمييز على أفكار الفلاسفة الاجتماعيين مثل جورج سيميل، الذي رأى في الحدود مؤسسات داخلية لبناء الهوية، لكنها يمكن أن تتحول إلى أدوات للفرز البيولوجي إذا لم تُدار بشكل صحيح.  كما أن القومية، كما يوضحها بعض الدارسين، يمكن أن تكون قوة توحيدية للمجتمعات المتنوعة، لكنها تصبح مدمرة عندما تؤدي إلى عنف أو انقسام.  هنا، يبرز الفرق الجوهري: الاختلافات تبني الثراء الثقافي، بينما الحدود الداخلية تعيق الانسجام.

المجتمع الموحد في الحالة العربية

في السياق العربي، يُعد مفهوم "المجتمع الموحد" تحدياً تاريخياً واجتماعياً يعكس التوتر بين التنوع الغني والسعي نحو الانسجام الجماعي. غالباً ما يُفهم هذا المفهوم بشكل خاطئ كمحاولة للقضاء على الاختلافات الثقافية، العرقية، الدينية، والقبلية، لصالح توحيد قسري يمحو الهويات الفرعية. ومع ذلك، فإن المجتمع الموحد الحقيقي في الحالة العربية ليس خالياً من الاختلافات، بل هو مجتمع يتجاوز الحدود الداخلية التي تفصل بين مكوناته، مما يسمح للتنوع بأن يصبح مصدر قوة لا ضعف. هذا النهج يعتمد على تحول في النظرية الاجتماعية من التماثل إلى التكامل، حيث تُدار الاختلافات ضمن إطار مشترك يعزز السلام والتطور. في هذا المقال، سنستعرض هذا المفهوم بشكل موسع، مستندين إلى أمثلة تاريخية عربية ونظرية، لنكشف كيف يمكن للمجتمعات العربية تحقيق الوحدة دون التخلي عن تنوعها، مع التركيز على التحديات مثل الطائفية والقبلية التي تشكل حدوداً داخلية. كما يُعرف المجتمع الموحد في الحالة العربية بأنه نظام اجتماعي يجمع بين شعوب متنوعة تحت مظلة مشتركة من القيم العربية والإسلامية، دون فرض تماثل كامل. الاختلافات تشمل التنوع العرقي (عرب، أكراد، أمازيغ)، الديني (مسلمون سنة وشيعة، مسيحيون، إلخ)، والقبلي، والتي تعتبر ضرورية للابتكار والحيوية الثقافية. أما الحدود الداخلية، فهي الحواجز النفسية، السياسية، والمؤسسية التي تحول دون التفاعل الحر، مثل الطائفية أو التقسيمات القبلية التي تؤدي إلى صراعات داخلية.  في هذا السياق، تتحقق الوحدة بإزالة هذه الحدود ليصبح التنوع جزءاً من النسيج العربي المشترك. من الناحية النظرية، يعتمد هذا التمييز على أفكار مفكرين عرب مثل ساتع الحصري، الذي رأى في الوحدة العربية قوة تجمع التنوع دون إلغائه، لكنها تواجه عقبات مثل الطائفية التي تعيق الانسجام.  كما أن القومية العربية، كما يوضحها بعض الدارسين، يمكن أن تكون توحيدية للمجتمعات المتنوعة، لكنها تصبح مدمرة عندما تؤدي إلى عنف طائفي أو قبلي.  هنا، يبرز الفرق الجوهري: الاختلافات تبني الثراء الثقافي، بينما الحدود الداخلية تعيق الوحدة، كما في حالات الطائفية في العراق أو السورية، حيث تحول التنوع إلى صراع بسبب السياسات التقسيمية. لنأخذ الجمهورية العربية المتحدة (1958-1961) بين مصر وسوريا كمثال. كانت محاولة للوحدة العربية تحت قيادة جمال عبد الناصر، لم تقضِ على الاختلافات الثقافية أو الاقتصادية بين البلدين، بل سعت إلى إزالة الحدود الداخلية لتعزيز التعاون. ومع ذلك، فشلت بسبب التنافسات الداخلية والطائفية، مما أدى إلى انفصال سوريا، لكنها أظهرت إمكانية الوحدة إذا تم إدارة التنوع بشكل صحيح.  كذلك، الجامعة العربية (تأسست 1945) تمثل نموذجاً لمجتمع موحد يحتفظ بالتنوع، حيث تجمع 22 دولة عربية دون إلغاء سيادتها، لكنها تواجه تحديات في إزالة الحدود الداخلية. هذه الأمثلة تظهر أن الوحدة العربية لا تتطلب التماثل، بل القدرة على التعايش دون حواجز، كما في الاتحاد المغاربي الذي يسعى لتوحيد الدول المغاربية مع الحفاظ على تنوعها الثقافي. من جانب آخر، في لبنان، يُعتبر النظام الطائفي نموذجاً لمجتمع متنوع، لكنه يعاني من حدود داخلية طائفية تحول دون الوحدة الحقيقية، كما في النزاعات بين السنة والشيعة.  ومع ذلك، يمكن للثقافة أن تلعب دوراً في إزالة هذه الحدود، كما في مشاريع التراث المشترك التي تعزز التعاون عبر الطوائف.

التحديات والآفاق المستقبلية

رغم الفوائد، يواجه مفهوم المجتمع الموحد تحديات، مثل انتشار الكراهية والتمييز الذي يعيد بناء الحدود الداخلية. في هذا السياق، يُؤكد بعض الدارسين على ضرورة إعادة صياغة التفكير الحدودي ليصبح أداة للتبادل لا للانفصال.  كما أن القومية المفرطة قد تحول التنوع إلى مصدر صراع، لكنها يمكن أن تكون بناءة إذا ركزت على التوحيد الداخلي دون استبعاد الآخرين. في المستقبل، يمكن للتكنولوجيا والعولمة أن تساعد في إزالة هذه الحدود، كما في رؤية عالم موحد تحت حكومة واحدة، حيث يصبح الجميع مواطنين عالميين دون فقدان هوياتهم الخاصة. هذا يتطلب سياسات تعليمية وثقافية تعزز الاحترام المتبادل.

رغم الفوائد، يواجه مفهوم المجتمع الموحد في العالم العربي تحديات كبيرة، مثل الطائفية التي تعيد بناء الحدود الداخلية، كما في العراق وسوريا حيث أدت إلى نزاعات مدمرة.  كذلك، القبلية تمثل حاجزاً، حيث تحول الولاءات القبلية دون الوحدة الوطنية، كما في اليمن أو السعودية.  بالإضافة إلى ذلك، التدخلات الخارجية، مثل اتفاقية سايكس-بيكو، رسمت حدوداً مصطنعة أدت إلى تقسيمات داخلية مستمرة.  يُؤكد بعض الدارسين على ضرورة إعادة صياغة التفكير الحدودي ليصبح أداة للتبادل لا للانفصال. في المستقبل، يمكن للعولمة والتعليم أن تساعد في إزالة هذه الحدود، كما في رؤية مجتمع عربي موحد يعتمد على التنوع كقوة، مستلهماً من الإسلام الذي يرى في الاختلافات آية إلهية.  هذا يتطلب سياسات تعزز الاحترام المتبادل والتكامل الاقتصادي، مثل تعزيز الجامعة العربية لتصبح أكثر فعالية في حل النزاعات.

خاتمة

المجتمع الموحد ليس حلماً مثالياً يقضي على الاختلافات، بل واقعاً عملياً يزيل الحدود الداخلية ليسمح بتعايش التنوع. هذا النهج يعزز السلام والابتكار، كما رأينا في أمثلة تاريخية مثل ألمانيا والأوروبا. ومع ذلك، يتطلب ذلك جهوداً مستمرة لمواجهة التحديات، مستلهمين من النظريات الاجتماعية التي ترى في الثقافة جسر الوحدة. بهذا، يصبح المجتمع الموحد نموذجاً لعالم أفضل، حيث تكون الاختلافات مصدر إثراء لا انقسام. وبالتالي المجتمع الموحد في الحالة العربية ليس حلماً مثالياً يقضي على الاختلافات، بل واقعاً عملياً يزيل الحدود الداخلية ليسمح بتعايش التنوع. هذا المنهج يعزز السلام والابتكار، كما رأينا في محاولات تاريخية مثل الجمهورية العربية المتحدة والثورات العربية. ومع ذلك، يتطلب جهوداً مستمرة لمواجهة التحديات مثل الطائفية والقبلية، مستلهمين من النظريات العربية التي ترى في الثقافة جسر الوحدة. بهذا، يصبح المجتمع الموحد نموذجاً لعالم عربي أفضل، حيث تكون الاختلافات مصدر إثراء لا انقسام. فكيف يعيد المجتمع في الحالة العربية ترميم ذاته ورأب تصدعاته؟

***

زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

لقد أدرك معظم متكلمي وفلاسفة الحضارة الإسلامية أهمية المنهج سواء في جمع المعلومات، أو تصنيف المعارف، أو نقد وغربلة الأفكار، وذلك لتجنب الخطأ الذي يوقعهم في دائرة الباطل أو نقل الحقائق على غير وجهها الصحيح، أي الكذب والتزوير الذي لا يليق بمقامهم.

ومن ثمّ حرص المؤدبون والحكماء على توخي الحذر في انتقاء ما يرددونه في مشروعاتهم الإصلاحيّة والتربويّة والتقويمية سواء للرأي العام القائد في صورة نصائح، أو للرأي العام التابع في صورة توجيهات ومواعظ، أو في صورة توعية وتلقين وتعليم وتدريب للرأي العام الناشئ (الصغار والصبية)، وقد مكنهم ذلك من بناء آرائهم على نسقية منطقية يتعذر نقضها سواء في تأليف الكتب والأبحاث وإجراء التجارب أو في التساجل أو التناظر أو صنع الغرابيل التي تفصل بين الصدق والكذب بكل أشكالهما، ويبدو ذلك واضحًا في كتاباتهم عن تصنيف العلوم في التربية الخُلقية والسياسية، وفي الأخلاق العامة وتهذيب النفس والآداب الاجتماعية، ذلك فضلًا عن نقودهم العلميّة للموروثات التراثية ولا سيما في ميدان العلوم التجريبية.

فها هو ابن المقفع (ت759 م) يؤكد على القائمين على التوجيه من المربيين والمعلمين والواعظين والمقومين توخي الحذر من الوقوع فيما عساه يكون مخالفاً للحقيقة التي ينبغي تحصيلها بدقة الفحص ونفعية المقصد وخيرية المآل، وهو يتفق في ذلك تمام الاتفاق مع أوائل المربيين وأكابر المعلمين في صدر الحضارة الإسلامية نذكر منهم (محمد بن سحنون (ت 256 م) وعبد الله بن حارث (ت 705 م) والضحاك بن مزاحم (ت 725 م) والكميت الشاعر (ت 744 م) وأبي بكر بن العربي (ت 1148 م) وأبو سعيد المؤدب!! وأبو بكر صالح الكلبي !!)

ويُلزم ابن المقفع المعلمين بوجه عام بضرورة صياغة المعارف التي يذكرونها في خطاباتهم بأسلوب يتناسب مع قدرات المتلقي؛ ليحسن تطبيقها والعمل بمقتضاها كما يوجب على المصنفين من الكُتاب والرواة توخي الصدق والانتصار للحق - حتى لو كان مخالف لوجهتهم -  ويجمعون الأدلة والبراهين لكل صغيرة وكبيرة ثم يراجعون كل ما ازمعوا البوح به وإذاعته بين الجمهور، وذلك كله تجنبًا للكذب بكل أشكاله التي تبدأ بالتهوين أو التهويل وتنتهي بالإضلال والتجهيل.

ويقول في ذلك (إنّ الكذب ليس له أصل ولا هيئة ثابتة شأنه شأن ظل الغمام، وخلة الأشرار، وعشق النساء، والنبأ الكاذب، والمال الكثير). ويضيف أن أسوأ أشكال الكذب هو الكذب على النفس وإقناعها بما يتوهم من فضائل في ذاته وقدرات لا يمتلكها فيصاب بالغرور والحمق والكبر. ويقول (من أشد عيوب الانسان خفاء عيوبه عليه. فإن من خفي عليه عيبه خفيت عليه محاسن غيره، ومن خفي عليه عيب نفسه ومحاسن غيره فلن يقلع عن عيبه الذي لا يعرف، ولن ينال محاسن غيره التي لا يبصرها ابدًا).

ويمضي ابن المقفع في ارشاداته مبينًا أن الكذوب المخادع يعرف بمجافاته للفضائل وعزوفه عن مجالسة الأخيار وإقباله على الشهوات والرذائل والخوض فيما لا يعلم من سيرة العلماء والأكابر.

ويقول (من علامات اللئيم المخادع أن يكون حسن القول، سيء الفعل، بعيد الغضب، قريب الحسد، حمولًا للفحش، مجازيًا بالحقد، متكلفًا للجود، صغير الخطر، متوسعًا فيما ليس له، ضيقًا فيما يملك)....( ليكن المرء سؤولًا، وليكن فصولًا بين الحق والباطل، وليكن صدوقًا ليُؤمن على ما قال، وليكن ذا عهد ليُوفي له بعهده).

ولم تقتصر كتابات ابن المقفع على النصح والإرشاد سواء للأطفال أو الصبيان أو توجيه العوام بل ذهب إلى أبعد من ذلك فراح يذكر أولي الأمر من السلاطين والقادة بأن السلطة والقيادة تحتاج إلى حزم بلا تجبر أو جور وحسم بلا استبداد، وصحبة من المستشارين العلماء وليس المتعالمين ولا الأدعياء.

ويقول في ذلك (إياك إن كنت واليًا أن يكون من شأنك حب المدح والتزكية ... واعلم أن قابل المدح كمادح نفسه ... واعلم أن ليس للملك أن يكذب؛ لأنه لا يقدر أحد على استكراهه على غير ما يريد).

أما محمد بن إسحاق الكندي (ت 873 م) فيري أن الكذب هو نقيض الحقيقة التي يمكن التحقق منها أو إدراكها بالحواس، وهو ضد الحكمة العقليّة التي توازن بين طبائع الأشياء والمتفق عليه من الأخبار والسلوك والطبائع الصحيحة، ويقابل الكندي بين اليقين العقلي والوحي الإلهي، ويربط بينهما باعتبارهما الصدق المطلق وضدهما هو الكذب بكل أشكاله وهو خلاف الفضيلة.

وإذا كان الصدق هو الذي ينبأ بخيريّة النفس وسلامتها من الشر، فإنّ الكذب يكشف عن فساد تلك النفس وميلها إلى ارتكاب الرذائل.

والجدير بالإشارة أن حديث الكندي لم يكن موجه للتربويين أو الوعاظ فحسب، بل كان موجهًا إلى أهل الرأي الذين يغلبون أهوائهم ومصالحهم الشخصية على دونها،  فيكذبون ويزورون الحقائق ويقدحون في الأمور المخالفة لأهوائهم ووجهتهم، ولعل أشهر ما ذكره الكندي في هذا المضمار يبدو في رسالته إلى المعتصم في سياق دفاعه عن الحكمة العقلية التي شكك في صحتها بعض المشاهير من الفقهاء في عصره، فوصفهم بالتزوير والكذب على السلطان ليصرفوه عن طريق الحق وترغيب الرأي العام في أقوالهم الجاهلة، ومعتقداتهم الفاسدة، فبين أن أعداء الحكمة العقلية لا يتبعون الحق وأنهم ضيقوا الفهم وأن الحسد يأكل قلوبهم، ويجعلون من أكاذيبهم سبيلًا للدفاع عن كراسيهم المزورة عند أصحاب السلطان، وأنهم بذلك يتاجرون بالدين للحفاظ على منافعهم ومكانتهم بين الناس. فيقول (إنّه ينبغي لنا ألا نستحي من الاستحسان الحق، واقتناء الحق من أين أتى، وإن أتى من الاجناس القاصية عنا، والأمم المباينة لنا؛ فإنه لا شيء أولى بطلب الحق من الحق، وليس يبخس الحق ولا يصغر بقائله ولا بالآتي به إلا أهل الباطل).

وتبدو أهمية حديث الكندي - عن أكاذيب المدلسين الطاعنة في حكمة الفلاسفة للدفاع عن كراسيهم المزورة - في أثارته واحدة من أكبر القضايا التي عجلت بأفول شمس الحضارة الإسلامية المتمثلة في  الادعاءات الكاذبة  التي ذاعها الجامدون من قادة الرأي، واتهموا فيها الفلاسفة بالكفر والمروق، فقد عانت الحضارة الإسلامية من هذه الأكاذيب التي حرضت العوام والحكام على  حرق كتب الكثير من الفلاسفة المسلمين، إمّا على يد العوام الذين غرر بهم فثاروا مدافعين عن دينهم، أو بأمر من السلطان اتقاءًا لغضبة الجمهور، أو يأسًا من قبل المؤلفين أنفسهم مثل (أبو سليمان الداراني (ت 830 م) الصوفي الذي قام بحرق مؤلفاته وهو يبكي على ما فيها قائلًا : ما حرقتك حتى كدت أحترق بك). (وابن الراوندي (ت 911 م) الذي حرقت كتبه في أواخر القرن الثالث الهجري عقب حكم معظم فقهاء عصره ومتكلميه عليه بالزندقة وانكار النبوة والتجديف، وذلك من جراء بوحه بارتيابه وشكوكه وتصريحه بذلك للعوام).

(وقد أحرق أبو حيان التوحيدي كتبه يأسًا وإحباطًا لجحد معاصريه لعلمه وإنكارهم لمكانته الأدبية والفلسفية، وخوفًا من كيد حساده عليه فيأولون كتاباته على وجه مكذوب فيحرضون العوام والحكام على قتله).

(وابن سينا الذي حرقت بعض كتبه في أوائل القرن الخامس الهجري لمسايرته فلاسفة اليونان في القول بقدم العالم وإنكاره البعث الجسماني؛ الأمر الذي أثار العوام بتحريض من أدعياء العلم والفقهاء). (وقد حرقت كتب ابن حزم الأندلسي لاجتهاداته العقلية وآرائه السياسية، وذلك بتحريض من الجامدين من فقهاء المالكية وقادة الرأي في حكم المرابطين).

(وحرقت كتب أبي حامد الغزالي أيضًا لآرائه الصوفية ولاسيما في كتابه إحياء علوم الدين الذي لم يرق ما فيه من آراء لفقهاء المرابطين). (وقد حرقت كذلك كتب ابن رشد (عام 1194 م) لتبحره في الفلسفة واتهامه فقهاء عصره بالجمود والجهل). (ولم يسلم ابن تيمية من كيد معاصريه وجور حكامه ودس مخالفيه من المتعالمين، وذلك من جراء اجتهاداته الشاذة واجترائه في التفسير وجرأة آرائه في السياسة).

وليس هناك أفضل من حديث جالينوس العرب عن تلك القضية التي حرّمت حرية التفكير، وجرّمت حق الحكماء في الشك والارتياب والنقد والمراجعة، بل وفي الاجتراء أحيانًا في رحلة بحثهم عن الحقيقة، وأغلقت باب الاجتهاد أيضًا بحجة الدفاع عن الموروث. وأباحت في الوقت نفسه كذب الادعياء من الفقهاء، وتلفيق المنتفعين، واستبداد السلاطين والخلفاء.

فها هو أبو بكر الرازي (ت 925م) مدافعًا عن الصدق والحق، موضحًا ضرورة الإخلاص في طلب العلم والوصول للحقيقة والتحلي بالفضائل في كل عمل يوكل به الإنسان وكره الكذب والغش والخداع، ولا سيما مع المرضى وطلاب العلم والمربيين والموجهين والمشتغلين بالتعليم  فيقول: (إن صناعة الفلسفة لا تحتمل التسليم للرؤساء والقبول منهم ولا مساهلتهم، وترك الاستقصاء عليهم، ولا الفيلسوف يحب ذلك من تلاميذه والمتعلمين منه، وأمّا من لامني على ذلك لا أعده فيلسوفًا، إذ أنه قد نبذ بهذا الصنيع سنة الفلاسفة وتمسك بسنة الرعاع من تقليد الرؤساء وترك الاعتراض عليهم).

فقد رفض بقوله هذا المداهنة والرياء والمداراة، وحجب العلم النافع عن طالبيه وشدد كذلك على وجوب البوح بالحقيقة في وجه كل باطل وكذوب مؤمنًا بأن النقد هو أصدق السبل للتحري وطلب الصدق والابداع.

وإلى مثل ذلك ذهب أبو العلاء المعري (ت 1057 م) فقابل بين الشيطان وأحفاده وعشيرته التي لمعوا نجمها وعلا صوتها وساد وضيعها وهم معشر الكذابين الذين صورت لهم أنفسهم المنحطة أن الكذب والغش والخديعة والخيانة والتلفيق والدس والفتن وغير ذلك من دركات الانحطاط هو السلم الخفي الذي صنعه الأبالسة العظام للقضاء على الفضائل لتبيت الأنفس الذكية لا ساتر لعوراتها سوى الفحش وذم الحياء ووصف البغايا بالعفة وتمكين الأراذل من اعتلاء المنابر وإغواء الحكماء وإفساد ذمم العلماء والفضلاء والنبلاء وقطع ألسنة الصدق واتهام زويه من الصرحاء بالعته والجنون وجعل الفحش مأوى للمحبين، وأجلسوا الخصي على كرسي المؤدبين والساسة والمصلحين؛ ليملي امرأته اللعوب آيات الكتاب المدنس الذي ينبغي على مجتمعاتهم اقتفاء تعاليمه وبالدهاء يزينوه.

وعلى هذا الدرب يمضي أبو حامد الغزالي فيقول :(إن الكذب يقود إلى الفجور، والفجور يقود إلى النار، وكيف لا وهو من أمهات الكبائر؛ فإن الإنسان إذا عرف بالكذب سقطت عدالته وثقته في نفسه، فتحتقره الأعين ولا يجوز للحاكم مع الرعية ولا للمعلم مع تلاميذه ولا للمربي مع أولاده ولا مع مروجي الشائعات والفضائح، ولا يستحل إلا إذا كان مقصده في خير يرضي الله والناس).

وينظر ابن باجة (ت 1138 م) للكذب من ثلاثة ضروب أولها: في طلب المعرفة لأنه لا يأتي إلا على لسان جاهل، فلا يرجى منه نفعًا ويحسن اتقاء شره بالإعراض عنه. وثانيها: أمام سلم الفضائل الذي لا يرفعك لأن الصدق هو باب الزورة والكذب لا يقوى على صعود الدرج بل يأخذك إلى أسفل الدرك.

وثالثها: يحشرك مع عصبة الجهلاء والعبيد والدهماء لأن الصدق لا يصاحب إلا العلماء والحكماء وأرباب الدربة والدراية، ومن أقواله (إنّ المدن الفاضلة هي التي تغلق أبوابها أمام الكذابين، وتخرج منها الجهلاء الذين استملحوا الحمق وكرهوا العلم، فعشق الصدق وطلب الحق هو سبيل النفس للوصول إلى الكمال، أمّا الكذب فهو مستنقع الرذائل ولا جمال فيه إلا في الفحش ووسوسة الشيطان).

أمّا ابن النفيس (ت 1288 م) فيرى أن الاقتداء بالعلم والسعي في طلب الحق وجعل كليهما معولًا لهدم الباطل، وإزالة الإفك ومحو الجهل هو السبيل الأوحد للجنة التي وعد الله بها الأخيار والأبرار لنفع مخلوقاته وإصلاحهم فيقول في ذلك (أن العلم الحقيقي هو غنى النفس وسعادتها العقلية والروحانيّة، وأن العالم يدعو الناس إلى الله بعلمه وحاله، بخلاف جامع المال الذي يدعوا للدنيا، وأن العالم يزداد تقديرًا كلما تقدّم به العمر، بينما زوال مال الغني يزيل إكرامه.

وأكد على أن العلم هو الطريق للسعادة الحقيقية والتقرب من الله، وأن اللذة الحقيقية هي لذة العلم العقلية، مشيرًا إلى أن المال زائل، ومتاع الدنيا فاني، بينما العلم باقي ونفعه دائم للناس حتى بعد موت العالم).

وللحديث بقيّة عن موقف حكماء الحضارة الإسلامية من الكذب وآثاره في قضايا الفلسفة العمليّة.

***

بقلم: د. عصمت نصّار

 

قال تعالى في كتابه الحكيم " وقُولُوا للنَّاسِ حُسْناً " وهذه الآية تحضّ على التعامل بالحسن واللين، واللطف مع الناسِ عموماً، وفي المقام الأول في مجالِ الأسرةِ واحتواء أبنائها.

تبقى ثقافة الاحتواء بمثابةِ حجر الأساس لأيةِ علاقةٍ كانت، قد تكون علاقة بين زوجين، أو علاقة عائلية، أو في دور العلم، أو في مجالِ الاقتصاد والتجارة والسياسة، ويبقى الاحتواء جوهر الأمان والاستمرار.

إنّ احتواء الطفل، يعني منحه كلّ أشكال الدعم العاطفي والنفسي، وكذلك بين الزوجين، حيثُ أنّ ثقافة الاحتواء وتوفير مساحةٍ آمنة بين طرفين تدعم مسيرة الاستقرار والاستمرار بالمفهوم الإنساني.

ونرى في كثيرٍ من الأحيان أنّ هذه الثقافة غير متوفّرة بين زوجين ما، وأنّ الدعم العاطفي بين الطرفين شبه مفقود، لذلك نرى هكذا علاقة تنتهي بالتفكك.

إنّ ثقافة الاحتواء ضرورية حتّى في المجال التجاري والصناعي، فحينما نُطبّق هذه الثقافة في هذه المجالات على سبيل المثال وليس الحصر، نرى أنّ الموظفين والعمال يعملون بكلِّ وفاء ورضا في وظيفتهم، وقد يشعرون بأن الشركة هي شركتهم، ويتفانون في عملهم، وبالتالي تُحقّق الشركة معدّلات نمو مُتسارعة.

ثقافة الاحتواء تُترجم بشكلٍ مُباشر معنى الدعم العاطفي، والقوة والاستدامة، والحوار والاستماع، وتحويل المفاهيم النظرية إلى مُمارسةٍ يومية، بهدفِ تعزيز جسور الثقة والتفاهم بشكلٍ دائم بيننا وبين الآخرين، أو بين طرفٍ وآخر، وحجب النزاعات بأكبرِ درجةٍ أو نسبةٍ مُمكنة، من خلالِ المساحات الآمنة التي تمّ تحقيقها، عبر المشاركة الفعلية في حلّ كلّ المشكلات التي تواجهنا.

فحينما تتوفّر عند الإنسان المساحة الآمنة للتعبير عن وجهةِ نظره أو مشاعره، بكلّ تأكيد ستتحسّن أموره بشكلٍ ملحوظ، وستكون أكثر جودة وأماناً.

إن الاحتواء ينبثق عن الإدراك العقلي والعاطفي عند الإنسان بنسبٍ متفاوتة، فعند شعور أحد الطرفين بالضيق، قد يلجأ إلى الطرف الآخر، وعندما يشعر بالسعادة أيضاً يُشارك الآخر بهذه السعادة.

ومن جانبٍ آخر حتّى حينما نُمارسُ ثقافة الاحتواء مع نزلاء السجون، من خلالِ برامج إعادةِ التأهيل، فإنّ هذا السجين سيكون أكثر إتزاناً، وسيخرج من السجن مواطناً عاديّاً وصالحاً، من خلال الثقافة والمعاملة التي تلقّاها عندما كان نزيلاً في أحد السجون.

حتّى في مجالِ المرضى نفسيّاً، يجب منحهم العاطفة وإشعارهم بالاحتواء من قِبلِ الآخرين، فلقد أثبتت الدراسات بأن هذه المعاملة حقّقت تحسّناً كبيراً مع المرضى بنسبةِ 40%.

كما أنّ سنغافورة خصّصت 20% من ميزانية التطوير، بهدفِ دعم مفهوم الاحتواء في مختلف المجالات في المجتمع.

إنّ العمل بثقافةِ الاحتواء، والعمل وفق نهجٍ يعتمد تقديم الدعم مع مفهوم الاستماع والفهم، يُساعد كلّ الأفراد على الشعور بالأمانِ والقبول، بهدفِ تحقيق الثقة والاستقرار والاستمرار، وبالتالي يُساهم هذا المنحى في تحقيق إنتاجيةٍ أفضل، ورضا مُبرمج في العمل الوظيفي، الذي يُحسّن الأداء والولاء للمكان، من خلالِ إستقرارٍ نفسي عبر التفاهم المُتبادل، الذي بكلِّ يبني جسوراً قوية في كُلّ العلاقات، إن كانت على مستوى الأسرة، أو المدرسةِ أو المجتمع أو العمل الوظيفي، حتّى في المجال الوطني والسياسي.

إنّ الاحتواء هو الطريقة المُثلى التي يستوعب فيها الشخص الطرف الآخر، هكذا عرّفه علم النفس التحليلي.

إنّ الاحتواء هو فنٌّ حقيقي، الفن الذي يُبدع في تأمين بيئةٍ داعمةٍ وشاملة، تضمن تعزيز الفرص، كما تُعزز تقبّل الاختلافات.

ثقافة الاحتواء هي حياة، وهي موقف، وبنفس الوقت هي الأساس بهدفِ بناء أي علاقة صحيّة، تنطلق من ذاتنا، قبل أن يتلقّاها الطرف الآخر أو الآخرين، وهي الأساس أيضاً لبناءِ أي مجتمع متساوٍ، ويُوفّر الفرص للجميع دون أي استثناء.

إنّ فنّ الاحتواء هو الذي يُرسّخ قيم الاحترام المُتبادل والتعاون المثّمر، وهو الذي يُوفّر المناخ التعليمي الآمن، والذي يُعزّز الشعور بالانتماء، وبنفس الوقت إنّ توفّر الاحتواء في مجالِ العمل يُؤمّن المناخ المستقر، ويُوفّر الدعم النفسي والمعنوي لكل العاملين والموظفين.

من خلالِ ذلك نُدرك أنّ الاحتواء بكلّ ما تعني الكلمة هو توفير بيئةٍ داعمةٍ وشاملة تضمن قبول الاختلافات، ويُركّز على التفاعل الإيجابي، والمشاركة الفعّالة، وهو فلسفةٌ ترتبط بماهيّة استيعاب الفرد لمشاعره، وكيفية التعامل مع أي أمورٍ أو مشاعر نفسية أو داخلية، حتّى ولو كان مصدرها من البيئة الخارجية.

كما يُعتبر الاحتواء بمثابة الخط الدفاعي الأول ضدّ كلّ أشكال الأمراض النفسية، بما فيها القلق والاضطرابات الشخصية والسلوكية.

لذا في حال فقدان ثقافة الاحتواء سيكون وضعنا مختلفاً تماماً، سنشعر بالعزلة، وتضعف الثقة بالنفس، وسيتقزّم النمو العاطفي والاجتماعي، ,وبالتالي تواجهنا صعوبات في تكوين علاقاتٍ أو صداقات وتفاعلٌ مع الآخرين، وقد تتلاشى مشاركتنا في العمل الجماعي على كل المستويات، أو الأنشطة الجماعية، وقد نفقد فرص التطور والرقي في المجال الشخصي أو المهني أو الحياتي، كما قد نتعرّض للتهميش أو التنمّر.

آخذين بعين الاعتبار أن الأطفال الذين يفتقرون إلى فنّ الاحتواء في الصغر يميلون غالباً إلى الانطواء أو العدوانية وفقدان الثقة بالنفس.

إنّ فن الاحتواء هو اللبنة الأساسية لبناء مجتمعٍ يُقدّرُ قيم العدالةِ والاحترام، ويُؤسّس لمجتمعٍ مزدهر، يمنح لأفراده فرصة تحقيق ذاتهم والمساهمة والمشاركة في بناء المستقبل.

إنّ ثقافة الاحتواء ليست مزاجاً، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية أولاً، تضمن سلامة المجتمع واستقراره.

وعلينا أن نجعل من فن الاحتواء سلوكاً نعيشه، لتستمر الأجيال من بعدنا على هذا النهج، بهدف بناء مجتمعٍ عادل يبدأ باحتضان كلّ فردٍ فيه، والحفاظ على هذا المجتمع الذي تبنّى ثقافة الاحتواء بقيمه وثوابته، وإنسانية وأخلاق أبنائه.

إنّ الاحتواء المثالي هو مهارة وثقافة وفن، بهدفِ عطاءٍ مثمر، وحياةٍ كريمة.

***

د. أنور ساطع أصفري

في زمن تتسارع فيه التحولات التقنية وتعاد فيه صياغة مفاهيم المعرفة، تبرز اسئلة تربوية لا يمكن تجاهلها: كيف نحفز الابداع لدى المتعلمين؟ وهل ما زال للابداع مكان في عصر الذكاء الاصطناعي؟ وهل يمكن للمعلم ان يعلم الابداع في بيئة باتت فيها الالة قادرة على التفكير، بل على انتاج ما يشبه الابداع ذاته؟

في عصر الذكاء الاصطناعي، لم تعد الاجابات حكرا على العقل البشري، بل باتت الخوارزميات قادرة على تقديم حلول جاهزة حتى للاسئلة التي تتطلب تفكيرا نقديا وتحليليا. هذه التحولات تضعنا امام مفارقة تربوية وفلسفية عميقة: اذا كانت الالة تفكر بالنيابة عنا، فهل ما زلنا بحاجة الى تعليم التفكير؟ واذا كانت قادرة على توليد نصوص ابداعية، فهل ما زال للخيال البشري قيمة تذكر؟

هذه الاسئلة لا تعكس قلقا وجوديا فحسب، بل تفتح الباب لاعادة النظر في جوهر العملية التعليمية ومفهوم الابداع ذاته. فالاكاديمي تحسين الشيخلي يرى في الذكاء الاصطناعي "اداة ستعيد تشكيل العالم نحو مزيد من الابداع والكفاءة والتقدم العلمي" (1)، ويصفه بانه "شريك معرفي يعيد تعريف طريقة صياغتنا للاسئلة نفسها"، لا مجرد وسيلة تقنية. من هذا المنظور، يصبح الذكاء الاصطناعي محفزا لابداع من نوع جديد، يتجاوز التلقين الى اعادة تشكيل ادوات التفكير.

وتتماهى هذه الرؤية مع التوجهات التربوية الحديثة التي تتبناها منظمات دولية كاليونسكو، والتي ترى أن الإبداع لن يُلغى في عصر التحولات الرقمية، بل سيُعاد تعريفه ضمن سياقات جديدة. فالثورة التربوية المرتقبة لا تقتصر على أدوات التعلم، بل تمتد إلى طرائق التفكير وسبل الانتفاع بالمعرفة. فالإبداع، في جوهره، لا يكمن في تقديم الإجابات الجاهزة، بل في القدرة على طرح الأسئلة العميقة، والربط بين الأفكار، وتجاوز المألوف، وتوظيف المعرفة توظيفا أخلاقيا يخدم المجتمع والإنسانية.

لكن هذا التفاؤل لا يخلو من تحذيرات. اذ يرى الباحث التربوي علي اسعد وطفة ان الذكاء الاصطناعي "يستحوذ على التعليم ويستولي على عقول الاطفال والناشئة" (2)، محذرا من ان الانظمة التعليمية التقليدية تواجه تحديات وجودية قد تهدد بنيتها ومضامينها. فالتكنولوجيا، رغم امكاناتها، قد تدفع المتعلمين خارج طبيعتهم الانسانية اذا لم تُضبط تربويا واخلاقيا.

وفي السياق ذاته، يذهب الاكاديميان خوسيه انطونيو بوين وادوارد واتسون في كتابهما ( Teaching with AI ) الى ان الذكاء الاصطناعي "لم يعد مجرد اداة مساعدة، بل اصبح قادرا على توليد افكار وتحليلات معقدة" (3)، مما يستدعي اعادة تعريف مفهوم الابداع الاكاديمي ووضع معايير جديدة لتقييم الاعمال الفكرية. ومع ذلك، يشددان على ان الذكاء الاصطناعي لا يمكن ان يكون بديلا للقدرة البشرية على الابتكار والتفكير النقدي، بل يجب اعتباره شريكا يعزز امكانيات الانسان ويوفر له ادوات غير مسبوقة للتطوير والانتاج المعرفي.

من "ماذا" الى "لماذا" و"ماذا لو"

لم يعد الابداع البشري ينافس الذكاء الاصطناعي في سرعة انتاج المحتوى او تنظيم البيانات، بل يجب ان يتحول الى مستوى اعلى من الابداع الوجودي والسياقي. بينما ينتج الذكاء الاصطناعي لوحة فنية بناء على مليون صورة، ياتي الابداع البشري من رغبة الفنان في التعبير عن المه، فرحه، او رؤيته للعالم. الابداع البشري هو القدرة على طرح اسئلة غير متوقعة: "ماذا لو جمعنا بين الفلسفة القديمة وازمة المناخ؟" او "كيف يمكن للشعر ان يصف شعورا لم يوصف من قبل؟". هنا، يصبح دور المعلم هو قيادة الطلاب الى مناطق التفكير "غير الماهولة" التي تفتقر اليها قواعد بيانات الالة.

الذكاء الاصطناعي كـ"خصم تدريبي" وليس كعدو

في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مساعدة، بل اصبح جزءا من البيئة التعليمية ذاتها. وبينما يخشى البعض ان يحل محل التفكير البشري، يرى تربويون ومختصون انه يمكن توظيفه كـ"خصم تدريبي" لا كعدو. فبدلا من ان ينظر اليه كمنافس للابداع، يمكن للمعلمين استخدامه لتحفيز الطلاب على التفكير النقدي والتمييز بين الانتاج الالي والبشري.

تخيل ان يطلب من الطلاب كتابة مقال حول قضية معينة، ثم ينتج الذكاء الاصطناعي مقالا اخر في الموضوع ذاته. يطلب من الطلاب بعدها مقارنة العملين وتحليل الفروق: اين كانت لمسة الانسان؟ اين تجلى العمق العاطفي؟ واين ظهر الربط غير المتوقع؟ هذه العملية لا تعلم الطلاب النقد فحسب، بل تظهر لهم قيمة ابداعهم الفريدة بشكل ملموس، وتحول الالة الى محفز ذهني يعيد شحن العقل البشري.

وتتقاطع هذه الفكرة مع رؤية المستشارة التربوية تهاني ياسين، التي تؤكد ان دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم يتطلب استراتيجية تربوية واضحة، تبدا من بناء الوعي الرقمي وتنتهي بأشراك الطالب والمعلم في استكشاف الاداة ومناقشة نتائجها (4). فحين يستخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد محتوى يحلل ويناقش، يتحول من تقنية صامتة الى شريك في التعلم، يعزز التفاعل ويعيد تعريف الابداع بوصفه قدرة بشرية على التمييز والتاويل.

ابداع "ما بعد الذكاء الاصطناعي".. التركيز على المهارات الانسانية الفائقة (Hyper-Human Skills)

اذا كان الذكاء الاصطناعي قد اتقن المهارات التقنية واصبح قادرا على تنفيذ مهام معقدة بكفاءة عالية، فان مستقبل التعليم لا بد ان يوجه تركيزه نحو المهارات الانسانية الفائقة التي تظل حكرا على العقول البشرية. من بين هذه المهارات، يتصدر التعاطف العميق القائمة، وهو القدرة على فهم المشاعر المعقدة والسياقات الثقافية والاجتماعية التي تنتجها، وهو جانب يختص به الانسان دون الالة. الى جانب ذلك، تأتي الحكمة التي تتمثل في توظيف المعرفة برؤية اخلاقية وبافاق طويلة الامد، وليس فقط لتحقيق نتائج فورية او حلول مؤقتة. كما ان القيادة الوجدانية تمثل مهارة جوهرية، اذ تنطوي على قدرة الانسان على تحفيز الاخرين والهامهم، لا سيما في ظروف غامضة وغير مؤكدة يصعب فيها الاعتماد على البيانات وحدها. واخيرا، يبرز الفضول الوجودي، وهو السعي المستمر لفهم الاسئلة الكبرى المتعلقة بالحياة والهدف والمعنى، وهي تلك الاسئلة التي تظل خارجة عن نطاق قدرة خوارزميات الذكاء الاصطناعي، مما يؤكد اهمية هذه المهارات في تشكيل مستقبل التعليم والانسانية نفسها.

ولتوضيح هذه المهارات في سياق تطبيقي مدرسي، يمكن تصور مشروع تعليمي ثانوي بعنوان "رحلة إلى الذات والآخر" يهدف الى تنمية المهارات الانسانية الفائقة عبر مراحل متعددة. يبدأ المشروع بمقابلات مع أفراد من خلفيات متنوعة لتعزيز التعاطف، ثم مناقشة قضايا أخلاقية معقدة لتفعيل الحكمة، يليه تكليف طالب بقيادة الفريق لتجسيد القيادة الوجدانية، واخيراً كتابة مقالات تأملية لتعزيز الفضول الوجودي. يهدف هذا النموذج الى اعادة تعريف المدرسة كمكان لتشكيل الانسان، واعداد جيل قادر على مواجهة تحديات المستقبل متجاوزاً حدود التقنية، مستنداً إلى عمق انساني وأخلاقي وفلسفي لا يمكن تقليده رقمياً.

التقييم في عصر الذكاء الاصطناعي

اصبح تقييم الابداع بناء على المنتج النهائي مثل مقال او لوحة فنية او تصميم امرا بالغ الصعوبة في ظل قدرة الالة على انتاج هذه الاعمال ذاتها. لذلك، من الضروري ان تتحول انظمة التقييم الى التركيز على عملية الابداع ذاتها وليس فقط على النتيجة النهائية. يمكن تحقيق ذلك عبر اعتماد مقابلات المنطق التي تتيح مناقشة الطالب حول رحلته الابداعية، مستفسرين عن اسباب اختياره لطرق معينة، والبدائل التي فكر فيها، وكيف توصل الى الفكرة الاساسية. اضافة الى ذلك، يصبح حفظ المسودات وعمليات التفكير جزءا لا يتجزا من التقييم، مما يعكس تطور الفكرة وتعمق الطالب في تجربته. كما ينبغي تبني التقييم القائم على المشاريع طويلة الامد التي توثق تطور الفكرة من مجرد بذرة الى ثمرة متكاملة، فتبرز بذلك مسار التفكير والابتكار المستمر بدلا من التركيز فقط على المنتج النهائي. على سبيل المثال، في درس الفنون، يطلب من الطالب تطوير مشروع بصري طويل الأمد، يبدأ بمسودة أولية ويخضع لتعديلات متعددة. يجرى معه حوار حول اختياراته الفنية، البدائل التي فكر فيها، وكيفية تطور الفكرة. يقيّم بناءً على عمق تفكيره ومسار تطوره، لا على اللوحة النهائية وحدها، مما يعكس فهمه الحقيقي لعملية الإبداع.

تحدي الاخلاقيات

يطرح الذكاء الاصطناعي اسئلة اخلاقية يجب ان تكون في صلب العملية التعليمية الابداعية: من يملك ابداعا ساهم في انتاجه الذكاء الاصطناعي؟ ما هي التحيزات الخفية في البيانات التي دربها عليها الذكاء الاصطناعي والتي قد تكرسها اعماله "الابداعية"؟ كيف نضمن ان ابداعنا البشري يظل في خدمة الانسانية ولا يتم توظيفه لاغراض ضارة بمساعدة ادوات اكثر كفاءة؟ تعليم الابداع اليوم يعني ايضا تعليم (المسؤولية الإبداعية) والوعي النقدي بتقنياتنا.

الابداع جوهر التعلم

في الختام احب ان ابين ان تحفيز الابداع لدى المتعلمين لا يتم عبر التلقين، بل عبر اثارة الفضول، والاحتفاء بالخطا كجزء من التعلم، ودمج النظرية بالتطبيق، والعقل بالوجدان. الطالب لا يجب ان يكون مستهلكا للمعرفة، بل منتجا لها، مشاركا في صياغتها، ناقدا لها، ومؤثرا من خلالها.

اما تعليم المعلمين كيف يعلمون الابداع، فهو ممكن، لكنه يتطلب اعادة تعريف جذرية لدور المعلم. لم يعد المعلم ناقلا للمعلومة، بل صار ميسرا للتفكير، وشريكا في البحث، وحارسا للقيم. وهذا يستدعي تغييرا في المناهج التي تدرس للمعلمين انفسهم، وتوفير مساحة للتجريب والتامل، لا مجرد تطبيق تعليمات جاهزة.

المناهج التي تحترم الزمن وتبتعد عن التلقين هي تلك التي تطرح اسئلة بدلا من تقديم اجابات، وتربط التعلم بالحياة لا بالامتحان، وتدمج بين المهارات المعرفية والوجدانية والاجتماعية، وتبنى على مشاريع لا على حفظ نصوص. وكما تشير دراسة منشورة في موقع "منهجيات"، فان "الذكاء الاصطناعي لا يجب ان ينظر اليه كبديل للمعلم، بل كاداة تكاملية تدفعنا لاعادة النظر في اسئلتنا التعليمية، والتامل في اي نوع من المعلمين نطمح ان نكون" (5).

الذكاء الاصطناعي قد غير قواعد اللعبة، لكنه لم يلغ الحاجة الى الانسان المفكر، المتامل، المبدع. ربما لم نعد بحاجة الى تعليم "كيف نحل المسالة"، لكننا ما زلنا بحاجة الى تعليم "لماذا نحلها"، وما الذي تعنيه لنا، وما الذي يمكن ان نفعله بها في عالم يتغير اسرع مما نتصور.

اننا لا نقف اليوم امام تحد تقني فحسب، بل امام اختبار حقيقي لانسانيتنا التربوية: هل نكتفي بمراقبة الذكاء الاصطناعي وهو يعيد تشكيل المعرفة؟ ام ننهض بدورنا لنعيد تشكيل التعليم ذاته؟ ان الابداع ليس رفاهية تربوية، بل هو جوهر وجودنا كمعلمين ومتعلمين. واذا كان الذكاء الاصطناعي قد علمنا كيف نسرع الاجابة، فان مسؤوليتنا الاخلاقية والتربوية هي ان نبطئ قليلا لنعيد طرح السؤال، ونعلم الجيل القادم كيف يفكر، لا فقط كيف يجيب.

فلنعلم ابناءنا ان الابداع لا يستعار من الة، بل يولد من شغف، من شك، من تجربة، ومن حلم. ولنعلم معلمينا ان دورهم لم ينته، بل بدا من جديد، اكثر عمقا، واكثر مسؤولية. فالمستقبل لا يكتب بالخوارزميات وحدها، بل يصاغ بالعقول التي تجرؤ على السؤال، وبالقلوب التي تؤمن ان التعليم ما زال اداة للتغيير، لا مجرد وسيلة للتكيف.

***

محمد الربيعي

بروفسور متمرس ومستشار دولي في جامعة دبلن

........................

المصادر:

1.  https://www.rudawarabia.net/arabic/interview/060820251

2.  https://www.almothaqaf.com/qadaya/979430-%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%91-%D8%A3%D8%B3%D8%B9%D8%AF-%D9%88%D8%B7%D9%81%D8%A9-%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%B5%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%B2%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%B7%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D9%91

3.  https://www.press.jhu.edu/books/title/53869/teaching-ai

4.  https://www.annahar.com/technology/artificial-intelligence/241995/%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%B7%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D9%83%D9%8A%D9%81-%D9%8A%D8%B5%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%84%D9%85-%D9%81%D9%8A-2025

5.  https://www.manhajiyat.com/ar/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%B7%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D9%91-%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D9%83%D8%A9%D9%8C-%D9%85%D8%A8%D8%AA%D9%83%D8%B1%D8%A9%D9%8C%D8%8C-%D8%A3%D9%85-%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D9%91%D9%8D-%D9%84%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D9%91%D8%9F/%D9%85%D9%84%D9%81%D9%91-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D8%AF

السلطة في سياقها العام، هي القدرة المشروعة على فرض رأي ما أو سلوك ما واتخاذ القرار في التنفيذ من قبلنا، سواء بشكل فردي أو جماعي. أو هي قوة شرعيّة لظاهرة ما يتقبلها الناس ويستخدمونها لتحقيق أهداف معينة ماديّة كانت أو معنويّة،

أما السلطة في المنظور الفلسفي فهي برأيي ظاهرة ماديّة أو فكريّة، تفرض علينا أن نتعامل ونتفاعل معها إيجابا أو سلبا ضمن ظروف تاريخيّة تفرضها علينا الطبيعة والمجتمع معاً.

والسلطة من حيث المعطى الوجودي أو الطبيعي لها، تظل خارج إرادة الإنسان، كسلطة قوانين الطبيعة، أو ما يسمى القوانين الموضوعيّة التي تتحكم بأليّة سير الطبيعة وتشكلها، وبالتالي مدى تأثيرها علينا.

وهناك السلطة المعنويّة بكل تجلياتها العاطفيّة والغريزيّة والفكريّة، وهي سلطة يقوم الفرد والمجتمع بإنتاجها من خلال نشاطهم المادي والروحي الذي يمارسونه داخل المحيط الاجتماعي الذي يتواجدون فيه، وما يولده هذا النشاط من علاقات اجتماعيّة أو سياسيّة أو ثقافيّة أو اقتصاديّة أو عاطفيّة أو جدانيّة بشكل عام.

وبناء على ذلك فالطبيعة تفرض سلطتها عبر قوانينها التي ستجري علينا خارج إرادتنا كما بينا أعلاه.. كسلطة الدورات المناخيّةّ ممثلة في فصول السنة، أو توالي الليل والنهار في اليوم الواحد، وكذلك سلطة الزلازل والبراكين والانزياحات الطبيعية، والتصحر، والفيضانات، وغير ذلك.

أما في المجتمع فنحن كما قلت من يقوم بصناعة هذه السلطات، وبعد صناعتها تفرض علينا هيمنتها. فنحن مثلاً من الناحية الاقتصاديّة من أوجد النقود للتداول بيننا بعد تطور قوى وعلاقات الإنتاج، ولكنها راحت تمارس سلطتها علينا داخل هذه العلاقات، حتى أننا رحنا نشرى ونباع بها بهذا الشكل أو ذاك.. وهناك سلطة السوق التي تفرض علينا اختيار ما ننتجه من سلع، أي ما قمنا نحن بإنتاجه للاستهلاك وعرضه في هذه السوق وفقاً لحاجاتنا.. فالسوق الاقتصادي ومن يتحكم به من قوى بشريّة، يتحكم في اختياراتنا من حيث طبيعة المنتج وجودته، (الايزو) أو من حيث الانبلاج الذي يتمتع به، وبالتالي راح يفرض علينا سلطته في ما يقدمه لنا من منتجات وعلى كافة المستويات من الخضار والفواكه إلى الأحذية والملابس وحاجاتنا الماديّة والروحيّة بشكل عام.

أما من الناحية السياسيّة، فهناك سلطة الدولة وقوانينها التي نوجدها بأنفسنا لنخضع لها فيما بعد ونعاقب عندما نخالفها.

ومن الناحية الفنيّة والأدبيّة هناك سلطة الأدب والفن.. فنحن من نرسم ونمارس النحت، ونغني ونخلق الموسيقا ونكتب الشعر والقصة والرواية والمسرحيّة، وبالتالي تبدأ هذه المنتجات الفنيّة تفرض علينا سلطتها فرحا أو حزنا أو قوة أو ضعفا.. كم أبكتنا الأغاني عندما لامست حزننا وقهرنا وغربتنا.. وكم أفرحتنا عندما لامست مسراتنا وجعلتنا نرقص ونضحك.. وكم أدهشتنا الرسوم الجميلة في الفن التشكيلي بسبب جماليتها، وكم حققت عند النظر إليها أو التمعن في دلاتها وألوانها ومنحنيات خطوطها أو استقامتها، وحتى في قدرتها على ملامسة مكامن ذواتنا وأحاسيسنا من الدهشة والانبهار والاحساس بماهية الجمال.

وفي النحت نحن من صنع تماثيل لآلهة اخترعناها نحن في عصور ما قبل التاريخ لتعبر عن موتنا وحياتنا وما يتعلق في هذه الحياة من علاقات.. كآلهة المطر والحرب والحب والجمال والصيد والخصب.. فكانت عشتار وتموز وبعل وباخوس وديانا.. الخ.. وحتى بعد دخولنا عتبة التاريخ كان هبل واللات والعزى..

أما في اللغة والأدب، فكانت السلطة تكمن منذ البداية في الحرف الذي أوجدناه، ورحنا نتفنن في رسمه وتركيب المفردات اللغويّة منه وصياغة جمل وتعابير وصور حسيّة وتخيليّة.. ثم استطعنا من الحرف أن نصوغ معرفة، وكيف تحكمت المعرفة فيما بعد في تصرفاتنا وتشكيل مناخات روحيّة وشعوريّة ووجدانيّة، تجلت في عالمنا الروحي والوجداني والعاطفي وحتى السلوكي، لقد تجلت قدرات الحرف في كل جماليات صياغاته ودلالاتها في شعرنا وقصصنا ورواياتنا ومسرحياتنا وكل سردياتنا، وكان حضور الحرف الأكثر فاعليّة وتسلطاً وتأثيراً علينا ليس على فكرنا فحسب، بل وعلى سلوكياتنا عندما صيغت الحروف برؤى أيديولجيّة، فراحت الأيديولوجا تتحكم بنا وتدفعنا للانغلاق حول مفاهيمها المغلقة، والادعاء بأننا نحن من يمتلك الحقيقة المطلقة، وبالتالي محاربة أو اقصاء أو قتل المختلف...

وها هي السلطة قد تجلت مجتمعياً في عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا وقيمنا الروحيّة، (هكذا وجدنا أباءنا يفعلون كما تجلت في السلطة الأبويّة ممثلة في سلطة رب الأسرة وفي مفردات العشيرة والقبيلة والدين والطائفة.. وما أنا إلا من غزيّة إن غوت.. غويت وإن ترشد غزيّة أرشد.

عموما نحن نعيش عالما من السلطات التي تدخل في كل مسامات حياتنا. منها ما يفرض علينا الخضوع والطاعة لها قسراً، أو بالقوة، وهذه تتجلى في سلطة الدولة، ممثلة في قوانين القضاء، وقوانين دوائر الدولة ومؤسساتها الوزاريّة والإداريّة، فكل وزارة أو دائرة لها قوانينها التي تلزم موظفيها ومراجعيها ضرورة الالتزام بها وتطبيقها على الجميع.

وهناك سلطة الغريزة التي تفرض علينا الخضوع لها بالضرورة حتى ولو قمنا بأنسنتها وتخليصها من فوضويتها وروح الحيونة فيها. وهناك سلطة العشيرة والقبيلة والطائفة والمذهب، وهي سلطات لا زال لها حضورها وفاعليتها في بنية المجتمعات وآليّة سير هذه المجتمعات والدول معاً، بل هي تصل في العديد من دول العالم الثالث إلى التحكم في آليّة البنية السياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، والويل كل الويل في هذه الدول أو المجتمعات إن تفجرت هذه السلطات حروباً أهليّة، فهي ستحرق الحجر والبشر معا.

وهناك السلطة الناعمة أو اللطيفة التي يحققها الجمال الذي تقدمه لنا الطبيعة في مناظر تشكيلاتها الخلابة، إن كان في أنهارها أو بحارها أو وديانها أو شلالاتها، أو ما تضمه بحارها من عوالم غريبة في تشكيلتها السمكيّة أو كنوزها من لؤلؤ وأصداف.. أو ما تضمه غاباتها من أشجار جميلة وحيوانات وطيور خلابه في تشكيلاتها والوانها وطبيعة حياته.

أما بالنسبة للحياة الاجتماعيّة، فكم مارس المبدعون علينا سلطتهم في الفن التشكيلي من خلال رسوماتهم الجميلة التي تجلت فيها إبداعاتهم في اختيار الألوان ومزجها، وفي هندسة خطوط لوحاتهم وخلق عوالم عبرها تحقق الدهشة والمتعة وتطوير الحس الجمالي لدى المتلقي، وهذا ينطبق على فن النحت والموسيقى والغناء والأدب إن كان في القصة أو الرواية أو المسرح، فكل هذه الفنون مارست علينا سلطاتها الجماليّة وخلقت لنا عوالم من الفرح والمتعة.

ملاك القول:

نعم نحن نعيش عالماً مليئاً بالسلطات، منها ما يمارس علينا حصار الروح والجسد، ومن خلالها يأتي حصار الإنسان وغربته وتشيئه واستلابه..بل وضياعه في السلطات التي ينتجها هو ماديا ومعنويا... ومنها ما ستطاع أن يعيد تشكيل وعينا وأحاسيسنا ليرتقي بها إلى عالم الأسنة وفرح الحياة.

***

د. عدنان عويد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا

 

في مصير القرار الأخلاقي داخل عصر الذكاء الاصطناعي

في عصر تحكمه السرعة المعلوماتية، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لحساب أو معالجة البيانات، بل صار شريكا فاعلا يتدخل تدريجيا في مجالات لم تعد حكراً على العقل البشري وحده. القرارات التي كان الإنسان يتخذها بناءً على خبرة وحدس ووعي أخلاقي، بدأت تتقاسم مجالها مع خوارزميات قادرة على التعلم والتنبؤ وضبط السلوك. وهنا يظهر الإشكال الأكثر جوهرية: الذكاء الاصطناعي ليس مجرد وسيلة للحساب، بل أداة قد تُعيد تشكيل الفضاء الرمادي الذي قد نسميه تاريخيا بالضمير، فتطرح مسألة جوهرية: هل ستصبح القرارات الأخلاقية تلقائية، أم ستظل خاضعة للإنسان؟ .

يُفتتح سؤال الذكاء الاصطناعي اليوم لا بوصفه سؤالا تقنيا، بل بوصفه سؤالا أنطولوجيا وأخلاقيا في آن، لأنه لا يطرق أبواب الأدوات فقط، بل أبواب الذات. حين تُسلَّم بعض دوائر القرار إلى خوارزميات متعلّمة، فإن ما يُستدعى ضمنيا ليس مجرد القدرة على الحساب، بل قدرة هذه الآلات على محاكاة ما كان يُعتبر فضاءً أخلاقيا للبشر وهو الضمير. وقد أشار كانط إلى أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يجب أن يُعامَل دائما كغاية لا كوسيلة، بينما منطق الخوارزميات لا يعرف الغايات إلا بوصفها نواتج محسوبة لمتغيرات، ولا يرى في الإنسان إلا مدخلاً ضمن مصفوفة احتمالات. وهنا بالضبط يولد التوتر العميق: هل يمكن أن تُستبدل تلك الهشاشة الأخلاقية، التي تجعل الإنسان يتردّد ويتألّم ويشعر بالذنب، بنظام صوري لا يعرف سوى الترجيح والحساب؟.

الوعي الإنساني في جوهره ليس جهازا لاتخاذ القرار فقط، بل تجربة للوجود. ما يجعل قرارا أخلاقيا هو ليس نتيجته الخارجية فحسب، بل الطريقة التي يمرّ بها عبر الذات، عبر ما سمّاه هايدغر “الانشغال القَلِق بالوجود”، حيث يكون الفعل محمّلاً بقلق الإمكان والخطأ والمسؤولية. أما الخوارزمية مهما بلغت من التعقيد، فهي بلا قلق وبلا شعور بالخسارة وبلا خوف من أن تكون قد خانت ذاتها. إنها تحسب لكن لا “تتعرّض” للنتيجة. وقد أدرك فيتغنشتاين في عبارته الشهيرة، أن “حدود لغتي هي حدود عالمي”، فإذا كانت لغة الخوارزمية هي الرياضيات والاحتمالات، فإن عالمها الأخلاقي لا يمكن أن يتجاوز ما يُشفَّر في هذه اللغة، أي ما يمكن قياسه وترجيحه أو تحسينه. أما ما لا يُقاس — الألم، الإهانة، الكرامة، الذنب — فهو خارج أفقها البنيوي.

يُشاع كثيرا أن الخوارزميات يمكن تزويدها بقيم أخلاقية، غير أن هذا الادعاء يقوم على افتراض مضمر مفاده أن الأخلاق ليست سوى مجموعة من القواعد. والحال أن أرسطو منذ قرون بيّن أن الفضيلة ليست قانونا يُطبَّق، بل هيئة راسخة في النفس تتكوّن عبر الممارسة والتجربة والاختيار. فالمرء لا يصير عادلا لأنه يحفظ تعريف العدالة، بل لأنه يمارسها في أوضاع ملتبسة ومتعارضة، حيث تحتاج إلى ما سماه أرسطو الحكمة العملية (phronēsis): قدرة على تقدير ما ينبغي فعله في وضع خاص لا يتكرر. وهذه الحكمة هي بالضبط ما يستعصي على الآلة، لأنها ليست تطبيق قاعدة على حالة، بل موازنة حيّة بين قيم متعارضة داخل سياق إنساني فريد. فعندما تقف طبيبة أمام مريض يحتضر، لا يكون قرارها مجرد تنفيذ بروتوكول، بل قراءة عميقة لوضع لا يُختزل في بيانات، نظرة في العين ورجفة في الصوت وتاريخ حياة كامل. الخوارزمية ترى مؤشرات؛ الإنسان يرى معنى، ويرى قصة.

غير أن العالم في انبهاره بالقوة التنبؤية للذكاء الاصطناعي، يميل إلى تحويل هذه القصص إلى سلاسل من المتغيرات. وهنا يظهر خطر أخلاقي جديد، ليس أن الآلة ستتخذ قرارات سيئة بالضرورة، بل أن معيار “الجيد” نفسه سيُعاد تعريفه وفق منطق التحسين والكفاءة. ما هو القرار الأخلاقي الأمثل؟ في لغة الخوارزميات، هو ذلك الذي يقلل الخسائر أو يزيد المنافع وفق نموذج مُسبق. لكن جون ستيوارت ميل حين دافع عن المنفعة، كان يفعل ذلك داخل أفق إنساني يعترف بالكيفيات لا بالكميات فقط. أما الخوارزمية فتميل إلى تسطيح الكيف إلى كمّ وإلى تحويل الكرامة إلى وزن رقمي. يصبح الخطر وجوديا، أن نعتاد نحن البشر على النظر إلى أنفسنا كما تنظر إلينا الآلات.

أشارت حنة أرندت، في تأملها حول “تفاهة الشر”، إلى إن أخطر ما في الأنظمة الشمولية ليس الكراهية، بل غياب التفكير. الشر يمكن أن يصبح تلقائيا حين يُختزل الفعل إلى إجراء. وفي هذا المعنى لا يختلف نظام بيروقراطي صلد عن خوارزمية ذكية؛ كلاهما ينفّذ دون أن “يسأل”. الفرق أن البيروقراطي يمكن أن يشعر بالذنب ويمكن أن ينهار وأن يعصي. أما الخوارزمية فلا تعصي لأنها لا تستطيع أن تقول “لا” بمعنى أخلاقي. إن تلقائية القرار هي بالضبط ما يجعل الخطر أخلاقيا، حين يتحول الفعل إلى ناتج، والمسؤولية إلى أثر جانبي.

ومع ذلك، لا يمكن الاكتفاء بنقد رومانسي للتكنولوجيا. فالذكاء الاصطناعي يكشف شيئا حقيقيا عن هشاشتنا نحن. إذا كنا نخشى أن تُسلَب منا قراراتنا الأخلاقية، فذلك لأن كثيرا منها كان في العمق آليا حتى قبل الآلة. لقد أشار فوكو إلى أن السلطة الحديثة لا تعمل عبر القمع فقط، بل عبر “تطبيع” السلوك، وعبر جعل ما هو تاريخي يبدو طبيعيا. الخوارزميات اليوم هي ذروة هذا التطبيع، إنها تجعل أنماط السلوك المتكررة تبدو كأنها “أفضل” الخيارات الممكنة. وحين نوافق عليها، فإننا لا نخضع لقوة خارجية، بل ننسجم مع صورة إحصائية عن أنفسنا. وهنا يتحول السؤال من: هل ستتخذ الآلة قرارات أخلاقية؟ إلى: هل ما نعتبره نحن قرارات أخلاقية ليس في كثير من الأحيان سوى استجابات مبرمجة اجتماعيا؟.

الوعي الإنساني إذاً، ليس ضمانة تلقائية للأخلاق. هو ساحة صراع بين العادة والحرية. لكن ما يجعل هذا الوعي أخلاقيا، في عمقه هو قدرته على الانقطاع عن نفسه، على أن يقول: “كان يمكنني أن أفعل غير ما فعلت”. هذا الندم ;هذا الشرخ في الهوية، هو ما يعطي للفعل وزنه الأخلاقي. الآلة لا تندم ولا تحمل ذاكرة ذنب. كل قرار لها هو في لحظة تنفيذه يكون الأمثل حسابيا. أما الإنسان فيعيش مع قراراته ويراجعها ويعيد تأويلها، وربما يغيّر حياته بسببها. وهذه الزمنية الأخلاقية — أن يكون القرار حدثا لا عملية — هي ما لا يمكن أتمتته.

لقد حلم ديكارت بآلة تفكر، لكن حتى هو اعترف بأن ما يميّز الفكر ليس الحساب بل الوعي بالذات. وفي هذا الوعي تكمن الأخلاق. حين أقول “أنا”، فإنني أتحمل. وحين تتحمل، فإنك تكون معرضا للخطأ وللذنب وللمساءلة. الخوارزمية لا تقول “أنا”، بل “المدخلات أعطت هذه المخرجات”. إنها بلا وجه وبلا صوت وبلا قابلية لأن تُلام. ولذلك فإن إسناد قرارات أخلاقية إليها ليس فقط خطرا عمليا، بل تفريغ لفكرة المسؤولية من معناها.

غير أن العالم يتجه ببطء ولكن بثبات، نحو مناطق رمادية حيث يصبح القرار موزعا بين إنسان وآلة. في هذه المناطق سيغدو السؤال الأخلاقي أكثر تعقيدا: من المسؤول عن خطأ سيارة ذاتية القيادة؟ المبرمج؟ الشركة؟ المستخدم؟ الخوارزمية؟ هذا التشظي في المسؤولية قد يؤدي إلى ما حذّر منه ليفيناس حين قال إن الأخلاق تبدأ من “وجه الآخر” الذي يطالبني. حين يختفي الوجه خلف شاشة وخوارزمية، يتلاشى هذا النداء المباشر. لا أحد يشعر بأنه هو المعني. وهنا يصبح الشر مرة أخرى ممكنا بلا فاعل واضح.

ليست المشكلة أن الآلة ستصبح “أخلاقية”، بل أن الإنسان قد يتنازل عن أخلاقيته بحجة الكفاءة. كل مرة نقبل فيها قرارا آليا لأنه “أدق” أو “أسرع”، نتخلى قليلا عن حقنا في الخطأ، وفي هذا الحق تكمن إنسانيتنا. فالحرية كما قال سارتر، ليست أن نختار دائما الصواب، بل أن نكون مسؤولين عن اختياراتنا حتى حين تكون خاطئة. الخوارزمية حين تصيب لا تستحق المدح، وحين تخطئ لا تشعر بالعار. إنها خارج مجال الفضيلة والرذيلة.

وهكذا يتكشف أن الصراع الحقيقي ليس بين الإنسان والآلة، بل بين نمطين من العقل: عقل يحسب، وعقل يتحمّل. الأول يسعى إلى الأمثلية، الثاني يعيش التراجيديا. وبينهما يتحدد مستقبل الأخلاق في عصر الذكاء الاصطناعي. هل سنعيد تعريف الخير بوصفه ما تحسنه الخوارزميات؟ أم سنحافظ على ذلك الفائض غير القابل للاختزال الذي يجعل من كل قرار أخلاقي مخاطرة وجودية؟ هذا السؤال في جوهره ليس تقنيا، بل هو سؤال عن أي نوع من الكائنات نريد أن نكونه ونحن نشارك العالم مع آلات لا تعرف ماذا يعني أن تشعر بثقل الاختيار.

يتواصل هذا التأمل حين ندرك أن المسألة لا تنحصر في ما إذا كانت الآلة “تفهم” الأخلاق، بل في الكيفية التي سيُعاد بها تشكيل وعينا نحن بالأخلاق تحت ضغط وجودها. فالتكنولوجيا كما نبّه مارشال ماكلوهان، ليست مجرد أدوات نستخدمها، بل هي بيئات تُعيد تشكيل حواسنا ولغتنا وصورنا عن أنفسنا. حين نعيش داخل بيئة خوارزمية تقترح علينا ما نقرأ، من نحب وكيف نتحرك، بل وحتى ما نعتبره خطرا أو أمانا، إن وعينا الأخلاقي نفسه يُعاد ضبطه. ما كان في الماضي ثمرة تردّد وتأمل يتحول شيئا فشيئا إلى استجابة لاقتراح آليّ مُقنع إحصائيا. وهنا يتسلل أخطر تحول: أن نستبدل السؤال “ماذا ينبغي أن أفعل؟” بالسؤال “ما هو الخيار الذي يُوصى به؟”.

في هذا الانتقال من “الينبغي” إلى “الموصى به” يضيع البعد المعياري للأخلاق. كانط لم يبنِ فلسفته على ما يفعله الناس عادة، بل على ما يجب أن يفعلوه حتى لو خالف ذلك ميولهم ومصالحهم. الواجب في هذا المعنى هو فعل مقاومة داخلية، تمرّد على ما هو سهل ومتاح. أما الخوارزمية فمهمتها الأساسية هي جعل ما هو “أنسب” هو ما يُختار دون توتر ودون مقاومة. إنها اقتصاد للرغبة، وليست تربية للإرادة. ومع الزمن قد نجد أنفسنا نخلط بين الاثنين، فنعتبر أن ما يُعرض علينا بوصفه الأمثل هو ما يجب علينا أخلاقيا.

لكن الأخلاق في جوهرها، ليست تحسينا للاختيارات، بل انفتاحا على إمكان التضحية. حين يتخلى شخص عن مصلحة واضحة من أجل آخر، فإن هذا الفعل لا يمكن تبريره خوارزميا إلا بوصفه “خسارة”. غير أن هذه الخسارة هي ما يعطي للإنسان قيمته. ليفيناس رأى في الاستجابة لنداء الآخر نوعا من “اللامعقولية” الأخلاقية: أنا مسؤول عنك حتى لو لم يكن ذلك مفيدا لي. هذا اللا-نفع هو قلب الأخلاق. أما الخوارزمية فلا تعرف إلا النفع الموزون، حتى حين تُبرمج على “الإيثار”، فهي تحوله إلى معادلة. إنها تحاكي التضحية دون أن تعيشها.

ومع ذلك فإن السؤال لا يمكن أن يُختزل في رفض التكنولوجيا، لأننا نعيش داخلها كما تعيش السمكة في الماء. ما يتطلبه الأمر هو إعادة تأسيس لفكرة المسؤولية في زمن الذكاء الاصطناعي. إذا كانت القرارات تُتخذ اليوم عبر شبكات معقدة من البشر والآلات، فإن الأخلاق يجب أن تنتقل من نموذج الفاعل الفرد إلى نموذج البنية المشتركة. لكن هذا الانتقال يحمل خطرا مزدوجا، إما أن نضيع المسؤولية في ضباب التوزيع، أو أن نُسقطها على الآلة بوصفها “الفاعل” الجديد. كلاهما تهرّب من الحقيقة الأساسية وهي أن البشر هم من يصممون ويضبطون، ويطلقون هذه الأنظمة.

نبه هايدغر إلى أن جوهر التقنية ليس تقنيا، بل هو نمط من الكشف، طريقة يظهر بها العالم لنا. ففي عصر الذكاء الاصطناعي، يظهر العالم بوصفه مخزونا من البيانات القابلة للاستخراج والتحسين. يظهر الإنسان نفسه بوصفه نمطا سلوكيا يمكن التنبؤ به. هذا الانكشاف حين يُترك بلا مقاومة فلسفية، قد يقود إلى تآكل فكرة الحرية. فإذا كان ما سأفعله غدا يمكن توقعه اليوم بنسبة عالية، فما معنى أن أكون مسؤولا عنه؟ هنا يتقاطع التنبؤ مع القدر، وتتحول الإحصاءات إلى نبوءات ذاتية التحقق. الأخلاق هنا تصير محاولة مستمرة لكسر ما يبدو محتوما.

ولعل ما يجعل الإنسان غير قابل للاختزال هو تلك القدرة على خيانة توقعات نفسه. أن يفعل ما لم يكن في “بياناته السابقة”. هذه القدرة على الانحراف وعلى المفاجأة، هي جوهر الحرية. الخوارزمية مهما تعلمت، تبقى أسيرة ماضيها المرمز. إنها تتوقع المستقبل انطلاقا من الأمس. أما الإنسان فيستطيع في لحظة قرار أن يقطع مع تاريخه. أن يتوب وأن يغيّر وأن يختار على نحو لا يمكن استنتاجه إحصائيا. هذه القطيعة هي ما يجعل الأخلاق ممكنة، لأنها تجعل الشر والخير ليسا استمرارا آليا، بل انبثاقا جديدا.

غير أن هذه الحرية مهددة حين نتعود على تسليم قراراتنا الدقيقة للأنظمة الذكية. ليس لأن هذه الأنظمة شريرة، بل لأنها مريحة. إنها تعفينا من عناء التفكير ومن ثقل الشك. لكن كما لاحظ نيتشه، فإن أعظم خطر على الإنسان ليس الألم، بل الراحة. الراحة التي تجعلنا نرضى بما هو معطى وبما هو مقترح، وبما هو “أفضل حسب الخوارزمية”. وفي هذا الرضا الهادئ، قد نفقد تدريجيا القدرة على الاحتجاج الأخلاقي، وعلى القول، هذا ناجع لكنه غير عادل، هذا مربح لكنه مهين.

ولا يعود السؤال: هل ستتخذ الآلات قرارات أخلاقية؟ بل: هل سنبقى نحن قادرين على اتخاذ قرارات غير قابلة للاختزال إلى حساب؟ هذا هو الامتحان الحقيقي للوعي الإنساني في عصر الذكاء الاصطناعي. فإذا كان الوعي هو كما قال هيغل وعيا بالحرية، فإن أي نظام يُضعف هذه الحرية يُضعف الوعي ذاته. قد تصبح الآلات أذكى وأسرع وأدق، لكن ما لا تستطيع امتلاكه هو تلك اللحظة التي يقف فيها الإنسان أمام نفسه ويقول: كان يمكنني أن أفعل غير هذا، وأنا مسؤول عما فعلت.

إن الأخلاق ليست خاصية يمكن إضافتها إلى نظام، بل علاقة متوترة بين ذات وعالم. إنها ما يحدث حين يلتقي الداخل بالخارج في لحظة مخاطرة. ولهذا لا يمكن أن تكون تلقائية حقا، لأن التلقائية نفي للمخاطرة. كلما صارت القرارات أكثر تلقائية، صارت أقل أخلاقية، ومهما كانت نتائجها “جيدة”. فالخير الذي لا يمر عبر الحرية هو مجرد نجاح وظيفي، لا فضيلة.

وفي أفق عالم تحكمه الخوارزميات، تصبح مهمة الفلسفة ليست مقاومة الآلة، بل حماية تلك المسافة الهشة التي تفصل بين ما هو محسوب وما هو مسؤول. أن نُبقي على مكان للارتباك، للشك، للندم وللجرأة على الخطأ. لأن في هذه المنطقة غير المريحة يسكن ما يجعلنا بشرا. وربما يكون أعظم تحدٍّ أخلاقي في زمن الذكاء الاصطناعي هو أن نجرؤ على أن نظل غير قابلين للتحسين الكامل.

ولا يبدو المستقبل صراعا بين إنسان وآلة، بل اختبارا للقدرة على العيش مع آلات دون التحول إلى آلات. أن نستخدم الخوارزميات دون أن نستعير منها صورتها عن العالم. أن نحتفظ بذلك الفائض الغامض الذي لا يُشفَّر ولا يُقاس ولا يُتوقع، الضمير وهو يرتعش أمام قرار يعلم أنه سيترك أثرا لا يمكن محوه.

هنا في هذا الارتعاش يتجدد معنى الأخلاق، لا بوصفها نظاما من القواعد، بل بوصفها شجاعة الوجود في عالم لم يعد يضمن لنا أن نكون أكثر من بيانات، إلا إذا أصررنا نحن على أن نكون أكثر.

***

د. حمزة مولخنيف

ما زال الاسلام السياسي حيا لا بوصفه تنظيما يرفع شعارا بل بوصفه طريقة تفكير وبنية ذهنية رسخت عميقا في الوعي الجمعي. لم يعد في حاجة الى رايات ولا الى منصات لانه استقر في اللغة التي نتكلم بها وفي الاسئلة التي نخشى طرحها وفي تلك المساحات الرمادية بين المقدس والبشرية. بين الايمان بوصفه تجربة روحية والسلطة بوصفها اداة للهيمنة.

سقط التنظيم حين اصطدم بجدار الدولة وتهاوى المشروع حين عجز عن ادارة الواقع لكن الفكرة لم تهزم لانها لم تحاكم معرفيا ولم تفكك فلسفيا بل ازيحت ازاحة امنية كأنها خطر عابر لا بنية ثقافية ممتدة. وحين يؤجل النقد تنمو الجذور في الظل وتعيد الافكار انتاج نفسها باقنعة اكثر دهاء واقل صخبا.

الاسلام السياسي ليس حدثا طارئا في التاريخ بل هو تعبير عن التباس مزمن بين الدين والدولة بين المطلق والنسبي بين ما يعتقد وما يدار انه تلك اللحظة التي يتحول فيها الايمان من معنى وجودي الى برنامج حكم ومن سؤال اخلاقي الى اداة ضبط ومن علاقة حرة بين الانسان وربه الى وصاية دائمة على الضمير والعقل.

ما زال رجل الدين يتصدر المشهد لا لانه الاجدر بالقيادة بل لان السلطة لم تتح بعد ان يفك الارتباط بين المعرفة والقداسة بين الراي والفتوى.

وما زال المثقف والمفكر الحقيقي متواريا عمدا مسلوبا من الادوات والامكانيات.  مازالت الأسئلة تمع وتشيطن ويستبدل التفكير بالجاهز والمعلب. ما زال الجهل يتقدم الصفوف لا باعتباره نقصا في المعلومات بل باعتباره موقفا معاديا للعقل.  جهل يلبس ثوب اليقين ويخاف من الشك ويعتبر السؤال خيانة والاختلاف تهديدا والتعدد لعنة وفي هذا المناخ مازالت العلمانية كلمة سيئة السمعة. شوهت واختزلت في الالحاد بينما هي في جوهرها تحرير للدين من التوظيف وحماية للايمان من الابتذال السياسي.

نحن في حاجة الى مواجهة من نوع اخر لا تدار بالعصا ولا تختزل في الامن بل تخاض في ميدان المعرفة مواجهة تعيد طرح الاسئلة المؤجلة:  ما معنى الدولة؟ ما حدود الدين واين ينتهي المقدس ويبدأ الانساني؟  وما الحق الذي لا يملكه احد في مصادرة اختلاف الاخر.

نحن في حاجة الى ثورة هادئة في الوعي الى تعليم يعلم التفكير لا الحفظ الى خطاب ديني يعترف بتاريخيته والى اعلام لا يوارب ولا يناور في حاجة الى ان يعود العقل الى مركز المشهد لا بوصفه خصما للايمان بل بوصفه شرطا لنضجه

 فالدولة الحديثة ليست تجليا للعقيدة ولا امتدادا للجماعة بل اطار قانوني يدير الاختلاف ويحمي التعدد ويضمن الحقوق بغض النظر عن المعتقد وحين تغيب هذه الفكرة يصبح الدين بديلا عن القانون وتصبح الهوية بديلا عن المواطنة ويغدو العنف مبررا باسم الدفاع عن المقدس

ان ازمة الاسلام السياسي هي في حقيقتها ازمة وعي ازمة تعليم يلقن ولا يحرر ازمة اعلام يلمح ولا يصرح ازمة ثقافة تفضل الطمأنينة الزائفة على القلق الخلاق ولذلك تظل الاسئلة الكبرى مؤجلة.

 ما معنى ان نكون مواطنين لا اتباعا؟؟

 ما حدود السلطة الدينية واين يقف حقها واين يبدأ حق الفرد في الاختيار والاختلاف؟؟

نحن في حاجة الى مواجهة معرفية شاملة لا تستهدف الاشخاص ولا تعادي التدين بل تعيد ترتيب المفاهيم وتفصل بين ما هو روحي وما هو سياسي وتعيد للعقل مكانته بوصفه اداة للفهم لا خصما للايمان نحن في حاجة الى فلسفة تنزل من ابراجها وتدخل المجال العام وتعيد الاعتبار للسؤال وتحرر اللغة من خوفها

ولنعلم ان الافكار لا تهزم بالقوة بل تهزم حين تفهم وتفكك وتستبدل بافكار اعمق منها اكثر انسانية واكثر قدرة على ان تجعل هذا المجتمع يعيش لا على هامش التاريخ بل في قلبه

فالمعركة الحقيقية ليست بين دولة وتنظيم ولا بين سلطة ومعارضة بل بين عقل يريد ان يرى وعقل يخشى الرؤية بين وعي يقبل التاريخ ووعي يريد ان يعيش خارجه

 واما ان ننجح في بناء انسان حر قادر على التفكير والاختيار واما ان نظل نعيد انتاج الازمة نفسها باسماء مختلفة وشعارات متبدلة بينما يبقى الجوهر اسيرا للخوف والوصاية والوهم.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

يعتبر سؤال العلاقة بين الفكر والمادة من أعمق الأسئلة في الفلسفة والعلوم، وقد شكّل محورًا لصراعات فكرية تمتد من اليونان القديمة إلى الفلسفة الحديثة والعلوم المعاصرة.

سنبدأ ب ”الموقف المادي“ الذي يرى أن المادة هي الأصل، والفكر مجرد نتاج ثانوي لعمليات مادية في المخ. يمكن تفسير كل الأفكار والمشاعر عبر نشاط الخلايا العصبية التي تمثل عمليات كيميائية حيويه تخضعي لقوانين الفيزياء الكموميه. وقد اوضح تصوير المخ المغناطيسي (Functional MRI) أن كل فكرة أو قرار يقترن بنشاط عصبي محدد في المخ . كما أظهرت دراسات أجراها عالم الأعصاب الأمريكي بنيامين ليبت في ثمانينيات القرن الماضي وجود نشاط كهربائي في الدماغ يسبق الشعور الواعي بالرغبة في الحركة. وهذا يُشكك في المفهوم التقليدي للإرادة الحرة، ويشير إلى أن الإرادة الواعية لا تبدأ الأفعال، بل تدركها فقط.

 يري ”الموقف المثالي“ ان الفكر أو الوعي هو الأصل، والمادة مجرد مظهر من مظاهره. كان افلاطون من رواد الفكر المثالي ويري ان العالم الحقيقي هو عالم المثل، وان الأفكار خالدة. اتفق الفيلسوف واللاهوتي الأنجلو-إيرلندي ”جورج بيركلي“، الذي عاش في القرن الثامن عشر، مع مبادئ المثالية واللامادية. ازداد الاهتمام بجورج بيركلي في الولايات المتحدة في أوائل القرن التاسع عشر، مما أدى إلى تسمية جامعة ومدينة في كاليفورنيا باسمه.

يمكن تلخيص العلاقة بين الفكر والمادة في ثلاثة نماذج رئيسية: ”النموذج المادي“، الذي يقر بان الفكر نتاج المخ؛ و ”النموذج المثالي“ يطرح ان الفكر هو الأصل والمادة مظهرًا من مظاهر الوعي؛ و ”النموذج الثنائي“، الذي يري ان الفكر والمادة تفاعلًا بين جوهرين.

هناك المدارس الروحية والفلسفات الشرقية مثل التصوف والبوذية التي تقدم رؤية مختلفة:

”التصوف" يعتبر الفكر والوعي والعقل أصل الوجود والحقيقة الأولى، والمادة هي مظهر من مظاهر وجود واحد، ولا يفصل التصوف بين العقل والعالم والوجود، ويرى أن كل شيء مترابطاً، وان المعرفة ليست فقط عقلية فحسب، بل تتضمن الحدس والشهادة والوجودية، وان الوعي يشارك في خلق المعنى، الذي يتجلى من خلال التجربة الداخلية.

اما "البوذية" فهي تعتبر العقل والمادة عمليتين مترابطتين، لا يمتلك أي منهما وجودًا مستقلاً.

تعرض الفلاسفه والمفكرين العرب والإسلاميين في العصور القديمه للعلاقة بين الفكر والمادة. اعتقد الفارابي وابن سينا ​​أن الفكر يتجاوز المادة؛ في المقابل، اعتقد ابن رشد أن العقل قادر على إدراك الكليات، وأن المادة أساس المعرفة. ويتفق هذا مع موقف المعتزلة، الذين يرفعون العقل إلى درجة جعله معيارًا للخير والشر، وأن العقل مستقل ولا تحكمه المادة. علي النقيض يعتقد الأشاعرة ان العقل محدود، وان الفكر ليس مستقلًا عن الإرادة الإلهية.

بالنسبه للفلاسفة والمفكرين العرب في العصر الحديث، مثل زكي نجيب محمود، وحسن حنفي، ومراد وهبة، فإنهم يميلون إلى المادية العلمية، ويعتقدون أن الفكر هو نتاج العقل وانعكاس منظم للمادة، ويرفضون الحتميات الميتافيزيقية.

ناقش العلاقة بين الفكر والمادة الفيلسوف برتراند راسل وعالم الفيزياء ستيفن هوكينج، وهما من أبرز مفكري القرن العشرين الذين لا يزال تأثيرهم مستمرًا حتى يومنا هذا.

تبنى راسل الوحدة المحايدة، وهو موقف يتجاوز كلاً من المادية والمثالية. فهو يعتقد أن تقسيم العالم إلى عقل ومادة هو تقسيم قديم موروث من أفلاطون والفكر الديني، وأنه يتعارض مع التقدم العلمي، لا سيما في الفيزياء وعلم النفس.

أوضح راسل أن الفكر والمادة ليسا جوهرين مختلفتين، ولا أحدهما أصل الآخر؛ بل هما مظهران للمادة المحايدة، وأن العقل والمادة هما جانبان لشيء محايد واحد.

قدم ستيفن هوكينج، رؤية واضحة حول العقل والوعي والمادة من منظور فيزيائي، ويمكن تلخيص موقفه في ثلاث نقاط رئيسية: الوعي هو نتاج عمليات فيزيائية في خلايا المخ؛ العقل ليس كيانًا مستقلاً عن المادة، بل هو نتيجة مباشرة لها؛ لا يوجد فكر أو وعي خارج المادة؛ والروح مفهوم ميتافيزيقي، وليس مفهومًا علميًا.

رفض هوكينج اي تفسير غير مادي، واعتبر الفكر الانساني هو نتاج درجة عالية من التعقيد في الماده التي تكون مخ الانسان، وليس هناك اي دليل علمي على وجود عقل مستقل عن البنية الفيزيائية.

تنظر فلسفة العلم الحديثة الي ان العقل لا يعكس الواقع كما هو، بل يبني نماذج تفسره، وهذه النماذج تتغير مع الزمن. وهناك أنطولوجيا جديدة للفكر والمادة توضح ان الوعي ليس ماديًا بحتًا، ولا روحانيًا محضا، بل هي علاقة تشاركية، وان الوجود هو شبكة من العمليات المعلوماتية، تتخذ شكلًا ماديًا عندما تُرى من الخارج، وشكلًا فكريًا عندما تُرى من الداخل، وان الفكر والمادة ليسا جوهرين، بل وجهان لعملية واحدة. (معني انطولوجي لغير المتخصصين؛ هو علم الوجود، وكيف يمكن تصنيف الأشياء وربطها ببعضها البعض).

في الختام، قدم العلم الحديث رؤية علمية شاملة للعمليات المعقدة في المخ البشري، حيث تتفاعل مليارات الخلايا العصبية من خلال شبكات واسعة من الاتصالات عبر عمليات تحكمها قوانين فيزياء الماده، لإنتاج الفكر البشري. اما المقاربات الأخرى للعلاقة بين الفكر والمادة فهي تفسيرات ميتافيزيقية تشكّلت قبل الفهم العلمي العميق للمادة، مع تصور سطحي وساذج لوظائف المخ، مما ادي الي انتشار معرفة زائفة لا تخضع للإثبات والدحض مثل المعرفه العلميه.

***

بقلم استاذ دكتور سامح مرقس

تعلمت منذ زمن بعيد أن نقد الأفكار هو الذي يهذّبها وينضجها. إني أتبع مذهب الفيلسوف المعاصر كارل بوبر، الذي رأى أن أي فكرة أو نظرية علمية، في أحسن أحوالها، احتمال راجح بالقياس إلى غيره. إعلان الفكرة تمهيد لكشف نواقصها، وصولاً إلى استبدالها بما هو أكمل وأفضل. المعارف القديمة التي تركناها لم تكن خطأ، بل كانت الخيار المتاح يوم ظهورها. ولولا إعلانها لما كشفنا نواقصها، وتوصلنا إلى بدائلها.

أردت بهذا التمهيد الإشادة بنقد أخي الأستاذ هاشم الشملة لمقالة الأسبوع الماضي، الذي كان – للحق – دقيقاً ومنهجياً، ومفيداً لي. وقد عرض نقاطاً عدّة تستحق التوقف. لكني مهتم أولاً باستشكاله على الدعوة لاعتماد العقل في تشخيص معاني الأفعال وما تنطوي عليه من مصالح وقيم. هذه الدعوة عنصر جوهري في المقال المذكور، سيما في فرضية أن علاقات الناس ليست مسألة دينية، وأن مرجعها حكم العقل وليس النص.

يشكك الأستاذ الشملة في قدرة العقل على تشخيص المصلحة من دون تحيز، مع علمنا بأنه يتأثر بميول صاحبه المادية وانتماءاته الاجتماعية وخلفيته الثقافية وإطاره الآيديولوجي وانشغالاته الآنية.

كما يخشى أن تنقلب التعددية القيمية إلى نسبوية، حيث لا يبقى فارق بين الحق والباطل إلا بالاستحسان الظرفي. سأترك هذه النقطة لمناسبة أخرى، وأركز في هذه السطور على النقطة الأولى، أي سلامة الاعتماد على حكم العقل. وهو اعتراض صحيح ومشروع. وللمناسبة، فإن جميع الذين عارضوا دخالة العقل في التشريع أو في الحياة الدينية بشكل عام، ذكروا هذا الاعتراض. وهو أبرز الأدلة التي رفعها الإخباريون في وجه المدرسة التي تقول بالاجتهاد في الشريعة. وقال أهل العرفان إن القيم الدينية غرضها توجيه الإنسان في طريق الكمال؛ لذا ينبغي أن تصدر عن كامل، لا أن تصدر عن ناقص يسعى لتكميل نفسه.

وفي الجهة المقابلة، فإن كافة الذين دعوا إلى إعلاء مكانة العقل ومحورية دوره في حياة الإنسان، أقرُّوا بتلك النواقص والحدود، وقالوا بوضوح، إنهم لا يرون العقل كاملاً ولا معصوماً من تأثير الانحيازات والشواغل الظرفية.

واضح إذن أن الجميع متفق على نقص العقل الإنساني. فكيف نجعله حكماً وحاكماً ومرجعاً؟

سبق أن أجبت عن هذا السؤال. وسأوجز هنا ما قلت سابقاً. سؤال العلاقة بين العقل والقيم/أحكام الشريعة ينحل إلى ثلاثة أسئلة ضمنية، أولها: هل نتحدث عن عقل كامل، بمعنى أنه معصوم عن الخطأ، ونعلم أن العصمة قصر على الرسول، فهل هذا موضوع نقاشنا، أم نتحدث عن عقل البشر العادي الذي يتجه إليه التكليف والاختبار في الحياة؟

السؤال الثاني: هل نرى أن طلب الخير هو الطبع الأولي للإنسان (الفطرة)، أم أن فطرته فاسدة ونزوعه الأولي نحو الشر؟ فإذا قلنا بأنه أميل إلى الشر، فلا حاجة أصلاً إلى النقاش؛ لأنه حتى لو أثبتنا قدرة العقل على إنشاء القيم، فسوف ينصرف إلى ما هو طبع أولي فيه، أي الشر والفساد. أما لو قلنا بأن الإنسان مفطور على الخير، فإنه لا خوف من اعتماد حكم العقل، حتى لو أخطأ.

السؤال الثالث: القول بأن العقل قادر على إنشاء القيم والأحكام، هل يعني أن هذه عملية ميكانيكية: يطلبها الإنسان من عقله فيستجيب هذا وينشئها، أم أنها تتبع تطور المعرفة، فكلما ازدادت معرفة البشر بعالمهم، ازدادت معها قدرتهم على إنشاء الأحكام والقيم؟ هذه العلاقة تشير أيضاً إلى تفاعل جدلي بين الإنسان والطبيعة، يقود لتطور في حياته المادية، فتتولد أسئلة جديدة، تثير العقل كي يولد معاني جديدة ومعارف جديدة، وبالتالي قيماً جديدة. هنا يتضح دور الزمن الذي يثير الأسئلة فيحرك مسيرة المعرفة، فيكشف قابلية متصاعدة للتعلم، تمكن الخلف مما عجز عنه السلف. وفي النقاش بقية، سأعود إليها في قادم الأيام.

***

توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

يُعد الإحباط الإنساني إحدى العلامات البارزة التي تكشف عن عمق الأزمة التي تعيشها المجتمعات المعاصرة في ظل انهيار منظوماتها القيمية واختلال مرجعياتها الأخلاقية، إذ لا يمكن النظر إلى الإحباط بوصفه حالة نفسية فردية معزولة عن سياقها الاجتماعي والثقافي، بل هو نتاج تفاعل معقّد بين الذات الإنسانية وواقع مأزوم يتسم بتراجع المعنى واهتزاز الثوابت التي كانت تؤطر علاقة الإنسان بالعالم وتمنحه الشعور بالاستقرار والجدوى. وفي هذا الإطار، يغدو الإحباط تعبيراً عن انكسار الأفق الوجودي للفرد، وعن عجزه المتنامي عن التوفيق بين طموحاته المشروعة وواقع لم يعد يتيح شروط التحقق أو الفعل المؤثر.

ينشأ الإحباط في سياقات الانهيار القيمي حين تفقد القيم قدرتها على أداء وظائفها التوجيهية والتنظيمية، فلا تعود الأخلاق مرجعية ناظمة للسلوك الفردي والجماعي، ولا يغدو الالتزام القيمي ضمانة لتحقيق العدالة أو الاعتراف الاجتماعي. ومع سيادة أنماط من السلوك النفعي والانتهازي، يشعر الإنسان بأن جهده لا يكافأ، وأن نزاهته تتحول إلى عبء بدل أن تكون مصدر قوة، وصدقه في التعامل يجعله ضعيفاً مستغلاً، الأمر الذي يولد شعوراً عميقاً بالخذلان واللاجدوى، ويقود إلى تآكل الثقة بالذات وبالآخرين على حد سواء.

وتتجلى تمثلات الإحباط الإنساني في هذه السياقات في أنماط متعددة من الاستجابة النفسية والثقافية، تتراوح بين الانكفاء على الذات والانسحاب من المجال العام، وبين التمرد والرفض بوصفهما محاولة أخيرة لاستعادة الفاعلية المفقودة. كما تظهر السخرية بوصفها آلية دفاعية يلجأ إليها الفرد لمواجهة عبث الواقع وتناقضاته، حين يعجز عن تغييره فعلياً، فيحول إحباطه إلى خطاب رمزي يخفف من وطأة القهر، وإن لم يفضِ إلى تجاوزه. وتكشف هذه التمثلات عن عمق الأزمة التي يعيشها الإنسان في زمن فقدت فيه الأفعال معناها، وأضحى فيه الصمت أو اللامبالاة بديلاً عن المشاركة الفاعلة.

ولا يقتصر الإحباط في سياقات الانهيار القيمي على بعده الفردي، بل يتخذ طابعاً جمعياً يعكس حالة من التوتر العام داخل المجتمع، حيث تتقاسم الذوات الإحساس ذاته بالفقد والخيبة، فتتشكل حالة من الوعي الجمعي المأزوم الذي يتغذى على سرديات الفشل وانكسار الأمل. وينعكس هذا الإحباط في الخطابات اليومية، وفي الإنتاج الثقافي والأدبي، الذي يغدو فضاءً لتمثيل الانكسار الإنساني وتفكيك أسبابه، كما يصبح وسيلة لفضح البنى القيمية المتهالكة التي أسهمت في إنتاج هذا الشعور الجماعي بالعجز والاغتراب.

كما يسهم تراجع الثقة بالمؤسسات الاجتماعية وغيرها من المؤسسات في تعميق الإحباط الإنساني، حين تفقد هذه المؤسسات مشروعيتها الأخلاقية، وتتحول من فضاءات للحماية والعدالة إلى أدوات للإقصاء أو الهيمنة. في مثل هذه السياقات، يشعر الإنسان بأنه كائن هامشي داخل نظام لا يعترف بإنسانيته ولا يصون كرامته، فيزداد اغترابه عن المجال العام، ويبحث عن بدائل رمزية أو فردية تمنحه الإحساس بالانتماء والمعنى، حتى وإن كانت هذه البدائل مؤقتة أو وهمية.

ويكشف الإحباط الإنساني، في ضوء ذلك، عن كونه مؤشراً ثقافياً عميق الدلالة على أزمة المعنى في المجتمعات المعاصرة، لا مجرد عرض نفسي عابر. فهو يعكس فجوة متسعة بين القيم المعلنة والممارسات الفعلية، وبين الخطاب الأخلاقي السائد والواقع اليومي الذي يناقضه. ومن هنا، فإن مقاربة هذه الظاهرة تقتضي تجاوز التفسير النفسي الضيق، والانفتاح على تحليل اجتماعي وثقافي شامل، يربط الإحباط بسياقاته البنيوية والتاريخية، ويكشف عن علاقته بتحولات السلطة والاقتصاد والخطاب.

وفي الختام، يمكن القول إن تمثلات الإحباط الإنساني في سياقات الانهيار القيمي تعبر عن مأزق الإنسان المعاصر في بحثه الدائم عن معنى ثابت في عالم متغير، وعن قيم قادرة على ترميم علاقته بذاته وبالآخرين. ولا يمكن تجاوز هذا الإحباط إلا عبر إعادة بناء المنظومة القيمية على أسس أخلاقية وإنسانية أكثر عدلاً وشمولاً، وإنتاج خطاب ثقافي يعيد الاعتبار للفعل الإنساني بوصفه إمكانية للتغيير، لا مجرد استجابة سلبية لزمن البؤس والانكسار.

***

أسمهان عبد القدوس القره غولي

هناك تشابه مدهش بين برج بابل والاساطير اليونانية. قصة برج بابل(1) هي احدى اشهر القصص في الانجيل. معظم الناس لا يعلمون ان هناك قصة مشابهة لها في الميثولوجيا اليونانية، تماما مثلما للميثولوجيا اليونانية نسختها الخاصة لقصة طوفان نوح الواردة في الانجيل. هذه القصة هي اسطورة اوتوس وافيالتس Otus and Ephialtes ومحاولتهما الوصول الى آلهة الاولمب.

منْ هما اوتوس وافيالتس؟

اوتوس وافيالتس كانا اميران من ثيساليا عاشا في وقت مبكر من التاريخ اليوناني. في بعض الروايات، هما كانا ابناء الملك الويوس Aloeus . لهذا السبب، هما كانا يُعرفان عادة بـ الالوادي او الالوادز. في نسخ أخرى ورد ان ابيهما الحقيقي هو بوسيدون poseidon. امهما كانت ايفيميديا Iphimedeia اميرة من ثيساليا. طبقا للميثولوجيا اليونانية، هذه الاميرة تذهب بانتظام الى الشاطئ وتشرب الماء الذي تغرفه من البحر، وهو ما قاد بالنهاية الى حملها من إله البحر بوسيدون. ان قصة اوتوس وافيالتس تحمل تشابها ملفتا مع قصة برج بابل. طبقا لهوميروس، كان اوتوس وافيالتس أقوياء جدا لدرجة هددا آلهة الاولمب ذاتهم.

لكي يشنا الحرب على الآلهة، حاول الالوادوز الوصول الى المقر السماوي للآلهة ومهاجمته. وبشكل مشابه لقصة برج بابل، حاول هذان العملاقان بناء هيكل شاهق جدا. هدفهما هو ان يستحوذا على زوجات الآلهة. اوتوس اراد ان يأخذ ارتميس بينما افيالتيس أراد هيرا. لهذا السبب، هما رصفا الجبال فوق بعضهما للتسلق الى مكان الآلهة. طبقا لهيموروس، ومصادر أخرى، وضع اوتوس وافيالتس جبل اوسا على قمة جبل اولمبس، بعدها وضعا جبل بيلون على قمة جبل اوسا. لكن قبل ان ينجحا في أخذ هيرا وارتميس لأنفسهما، تمكنت الآلهة من احباط الخطة.

في احدى القصص، اتخذت ارتيمس شكل غزالة وركضت بينهما، وعندما حاول الاخوان طعنها، انتهى الامر بإصابة كل منهما بجروح قاتلة. رواية أخرى توضح ان الإله ابولو قتلهما. كيف تتشابه اسطورة اوتوس وافيالتس مع قصة برج بابل؟ هناك عدة وجوه تبدو فيها اسطورة اوتوس وافيالتس مشابهة لقصة برج بابل في الانجيل. هذا يتضح في الاحداث التي حدثت والتوقيت والافراد المشاركين.

بالنسبة لما حدث، كلا القصتين تستلزمان افرادا يحاولون بناء هيكل كبير يصل الى السماء. لا توجد إشارة في قصة الانجيل بان النية كانت مهاجمة السماء. مع ذلك، الانجيل يصف البنّائين بانهم يرغبون ببناء برج "تصل قمته الى السماء".

متى حدث هذا؟ في قصة الانجيل حدث هذا بوقت قصير بعد الطوفان. بما ان نوح وعائلته فقط نجوا من الطوفان، لابد ان يكون قد مر وقت كاف لكي يتزايد السكان مرة أخرى. مع ذلك، يمكن القول انه حدث في وقت مبكر نسبيا من تاريخ البشرية.

الميثولوجيا اليونانية تصف اوتوس وافيالتيس كأحفاد لأيوس، جد احدى القبائل اليونانية الكبيرة. لاحظ الرحالة اليوناني بوسانياس انهما كانا في فترة مبكرة من تاريخ البشرية وهما اول من اطاعا الربات التسعة (آلهات ملهمات في الادب والعلوم والفنون). في جميع النسخ، تجدر الإشارة ان اوتوس وافيالتيس جرى التصدي لهما ومنعهما من جانب كائن الهي. وهذا مشابه للطريقة التي يصور بها الانجيل الله حين أوقف بناء برج بابل .

***

حاتم حميد محسن

.......................

Greek Mythology’s version of the Biblical Tower of Babel, GreekReporter, Jan8,2026

الهوامش

(1) يمثل برج بابل (2242 ق.م) تمردا ضد الله لما بعد الطوفان من جانب ذرية نوح. الله حكم عليهم بتجزئة لغة واحدة الى عدة لغات. ومع انتشار هذه الجماعات وانعزالها، سادت سمات معينة مثل لون الجلد او شكل العينين في جماعات محددة. المؤرخ ورئيس الأساقفة جيمس اوشيل 1 حدد تاريخ البرج بـ 106 سنة بعد الطوفان. يرى البعض ان برج بابل هو قصة انجيلية وليس بناءً اثريا مؤرخا بشكل موثوق. قصة البرج وردت في سفر التكوين 11:1-9 وهي جزء من الكتاب المقدس العبري/العهد القديم وفيما بعد لدى اليهود المتأخرين والمسيحيين والمسلمين. ان تحديد تاريخ القصة او تحديد مبنى تاريخي معين يعتمد على ما اذا كان المرء يتعامل مع النص كتاريخ او اسطورة او كذكرى لبناء الزقورة في بلاد ما بين النهرين.

لعلنا لا نضيف شيئا حين القول: أن الدين الإسلامي بكل تشريعاته ونظمه، وبالرغم من تقريره للغيب، فإنه ذو سمة عقلانية، أي أنه جاء ليوافق منطق العقل الإنساني وأحكامه. لذلك لا نجد أن هناك حكم في الدائرة التشريعية للإسلام، لا ينسجم وحقائق العقل الإنساني. وعالم الغيب في المنظور الإسلامي، ليس نفيا أو تغييبا لعالم الشهود والعقل. وإنما بالنظر العقلي المستند على حقائق الوحي يتم اكتشاف بعض جوانب وأبعاد عالم الغيب.

وإن الحرية الإنسانية لا تنجز على الصعيد العملي، إلا على قاعدة توفير المصالح التي يسعد بها الإنسان ويحيا حياة كريمة، ودفع الأضرار التي تجلب إليه الشقاء والبعد على الجادة والحياة الكريمة. (لذا لا يمكن تصور الإنسان حرا في المفهوم الإسلامي، إلا منذ أن أصبح يعتقد أنه مكلف ومسؤول. ذلك لأن معنى الحرية الذي نهض به التكليف قد غدا في أغوار النفس الإنسانية معتقدا، يمارسه على الوجه المرسوم له شرعا، امتثالا لأمر الله، وعن طواعية وكامل رضا، أو بعبارة أخرى، إن المسلم الحق لا يصدر عنه تصرف أو نشاط حيوي مادي أو فكري أو وجداني بمقتضى ما رسم له الشارع فيما خوطب به من تكاليف، إلا إذا كان يعتقد ابتداء، وفي قرارة نفسه، أنه مكلف به شرعا، لا بعامل الاستهواء أو بتسليط الغرائز الدنيا الأولية السليقية التي تغري بالتصرف المطلق، طمعا في تحصيل الثمرات القريبة العاجلة، أو استجابة للعصبية، والهوى، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم، وحذر منه، لفساد مآلاته على المجتمع البشري كله. بقوله تعالى [ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض].

وهذه الحرية ليست منفصلة في حقائقها وتجلياتها المتعددة عن نظام الحقوق، سواء كانت هذه الحقوق خاصة أم عامة. وإنما هي متداخلة مع نظام الحقوق ولا يمكن أن يتم إنجاز الحرية في الواقع الاجتماعي إلا بصيانة الحقوق فحماية الحقوق وصيانتها هي بوابة إنجاز الحرية في الواقع الاجتماعي. وبدون ذلك تبقى الحرية شعارات مجردة بعيدة عن حركة الإنسان الفرد والمجتمع .

" لذا ترى الإسلام قد أقام فلسفته التشريعية على أساس تضمين المعنى الإنساني والاجتماعي مفهوم الحرية، ضمانا كافيا للحيلولة دون الاعتساف في ممارستها، وناط بهذا المعنى مفهوم العدل، بأن جعل بينه وبين المشروعية تلازما، بحيث إذا انتفى المعنى الاجتماعي في التصرف الفردي، انتفت المشروعية وسقطت، ولاسيما عند تعارض الحرية الفردية مع المصلحة العامة، كما بينا، وهذا أصل مقطوع به، ومجمع عليه، تحقيقا للتوازن عملا وواقعا، ثم أقام الحق والحرية على أساس التكليف المؤيد بالعقيدة، ضمانا للتقيد بالمعنى الإنساني، لأنه يستند إلى أصل اعتقادي قبل أن يكون تدبيرا تشريعيا أو سياسيا محضا. ومن هنا نشأت الوظيفة الاجتماعية للحق والحرية وهذه الوظيفة هي أساس التكافل الاجتماعي الملزم أو جهة التعاون واستخلص العلماء من هذا المبدأ العام الذي هو قوام الحريات والحقوق ومؤداه أن حق الغير محافظ عليه شرعاً وهو حق الله تعالى في كل حق فردي، بما يحقق من معنى الحق الاجتماعي في الإسلام. " (راجع الدكتور فتحي الدريني، دراسات وبحوث ف الفكر الإسلامي المعاصر ، ص 47 ).

وبما أن المصلحة العامة من الشروط التي تتوقف عليها قدرة الفرد وإمكانيته من تحقيق مصالحه الذاتية المباشرة. لذلك فإن صيانة المصالح العامة بكل مقتضياتها ومتطلباتها من صميم صيانة الإنسان لمصالحه الخاصة والذاتية. وبهذا تتضح العلاقة العميقة والوثيقة في آن، بين رعاية المصالح الذاتية ورعاية المصالح العامة. وإنه لا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نصون مصالحنا الخاصة إلا بصيانة مصالحنا العامة. لأنه وببساطة شديدة لا تبقى مصالح خاصة على الصعيد الواقعي معتبرة، إذا تم التهاون والتضحية بالمصالح العامة.

و لعل هذا هو مؤدى المأثور التاريخي القائل ( إن قوما ركبوا سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها، إذا أرادوا أن يستقوا، مروا على من فوقهم، فقال أحدهم: لو إنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن أخذوا على يديه نجا ونجوا، وإن تركوه، هلك وهلكوا جميعا).

من هنا نستطيع القول: أن حياة الإنسان وفق الرؤية الإسلامية ليست حقا أو ملكا خالصا له، بل هي مسيجة بحق الله تعالى وحق المجتمع، تنفيذا لأمانة التكليف، وتفسيرا لمعنى استخلافه في الأرض. ويقول تبارك وتعالى [ولا تقتلوا أنفسكم].

ولقد صاغ الفقهاء مجموعة من القواعد الفقهية التي تنظم وتحدد وتوازن العلاقة وأولوياتها بين المصالح الخاصة والعامة. ومن هذه القواعد، لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ويتحمل الضرر الخاص في سبيل دفع ضرر عام، والضرر الأشد يزال بالأخف.

وكل هذه الحقوق والحريات العامة، التي هي ضرورية لأمن واستقرار المجتمعات، بحاجة إلى ركائز وسياج مجتمعي وقيمي، يحمي الحقوق، ويعزز فرص الاستقرار في المجتمع.

وهذه الركائز هي:

1.  الوفاء بالعهود والمواثيق، لأن ذلك هو الذي يؤكد الثقة بين أفراد المجتمع ويحفظ لهم تماسكهم الاجتماعي.

2.  المحافظة على الروابط الروحية والاجتماعية، فإنها تشد أواصر المجتمع وتجعله وحدة متماسكة بعيدة عن أي انقطاع وانفصام.

3.  النزعة الإصلاحية التي تعمل على إصلاح ما فسد من حياة الناس، ومحاربة تجدد الفساد وانطلاقه ف المجتمع سواء ف ذلك فساد العقيدة، أو فساد السلوك والوجدان، وهذا هو سر الإيمان في حياة المؤمنين عندما ينطلق الإيمان في حياتهم ليقوي هذه الركائز. فهم يحفظون عهد الله في كل التزاماتهم ومواثيقهم في العقيدة والحياة، ويصلون ما أمر الله به أن يوصل في علاقة الإيمان والقرابة والجوار وغيرها. ويصلحون الفساد في الأرض).

وتتضح هذه الركائز من قول الباري عز وجل [الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون].

فالعلاقات الاجتماعية الداخلية القائمة على الوفاء بالعهود والمواثيق، والمزيد من أشكال التضامن وأطر التعاون، والحيوية والدينامية في ملاحقة الانحرافات وكل أشكال الفساد. هذه العلاقات هي القادرة على احتضان واستيعاب كل أسس الحرية وآفاق المشاركة في الحياة العامة. فالمجتمعات لا تصون حقوقها، ولا تنجز حريتها، إلا إذا كانت حية وحيوية، وتمتاز بعلاقات حسنة وإيجابية بين مختلف مكوناتها وتعبيراتها. 

أما المجتمعات المفككة والمبعثرة في جهودها وطاقاتها، والخاملة تجاه حقوقها وحرياتها، فإنها مهما رفعت من شعارات لن تتمكن من القبض على كل أسباب عزتها وحريتها. لهذا فإننا مع كل المبادرات والخطوات التي تعزز وحدة المجتمع وتضامنه الداخلي، وضد كل نزعات التشظي والفرقة التي قد تصيب المجتمعات، وتضيع عليها فرص حقيقية ونوعية في مضمار التقدم والتطور. فالحقوق مهما كانت صريحة وواضحة، فإننا لن نحصل عليها إلا إذا وفرنا كل الأسباب الذاتية والموضوعية المؤدية إلى نيل الحقوق وكسب الحريات. وتوفير هذه الأسباب بكل مستوياتها، لا يمكن أن يتحقق دفعة واحدة، وإنما عبر عمليات التراكم والبناء المتواصل. ولعل من أهم المداخل لهذه المسألة، هي بناء قدرات المجتمع الذاتية في مختلف المجالات.

لهذا فقد جاء في الحديث الشريف عن رسول الله (ص) [هلاك أمتي في ترك العلم]. فالمجتمعات لا تبني قدراتها إلا بالعلم والمعرفة، لذلك وكما قال رسول الله (ص) [من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أرادهما فعليه بالعلم ]. ومن الضروري في إطار بناء المجتمع وتطوير قواه الذاتية، الاهتمام بالتخطيط والابتعاد عن كل أشكال العشوائية وردود الأفعال الغير محسوبة التي قد تضر باستراتيجية بناء قدرات المجتمع الذاتية.

ولا يمكننا أن نحدد معطيات الانطلاق وممكناته المعاصرة، بدون التعريف العميق على العالم والعصر الذي نعيش فيه. وذلك لأن تغييب الذات عن العصر، لا يفضي إلا إلى الغربة والانزواء في كهوف الهامشية. في معرفة العصر شرط لممارسة الشهود [لتكونوا شهداء على الناس]، ونصاب بالدهشة والاستغراب من أولئك النفر الذين يوجدون لأنفسهم حواجز وهواجس تحول دون تواصلهم الفكري والمع رفي مع مستجدات الحياة وتطوراتها المتعددة.

بطبيعة الحال كثيرة هي العوامل والأسباب، التي تحول دون إحداث قفزة نوعية - تجديدية في الواقعين العربي والإسلامي. ولكن يبقى الجمود والحرفية واليباس المعرفي والفكري والمجتمعي، هي العائق الأساسي الذي يمنع التجديد ويحارب إرهاصاته ويقمع نواته الأولى، ويحتقر كل القوى التي تنادي به. فالجمود هو العائق الصلب، الذي يمنع كل تجديد، ويحول دون تواصل نوعي مع تطورات الحياة. وأي تجاوز لهذا العائق بمقداره يتحقق التجديد والتواصل. وإن المشروعات الفكرية والثقافية، التي لا تعطي لهذا العائق أهمية، ولا تبلور لذاتها إستراتيجية مقاومته وطرده من النسيج المجتمعي العربي، هي في حقيقة الأمر تدق إسفينا في كل جهودها ومنا شطها التجديدية والتواصلية. وذلك لأن مكونات الجمود، ستطل برأسها لمحاربة هذه الجهود، وفي أحسن الفروض سينقسم المجتمع إلى مجتمعين، مجتمع يدار بالمؤسسات التقليدية والعقلية المنطوية والجامدة والتي لا تفكر إلا في بقاء الأمور على حالها، والقسم الآخر يدار بالمؤسسات الحديثة وبالعقلية المعاصرة دون أن يكون هناك تفاعل خلاق بين هاتين العقليتين أو هاتين المؤسستين. واليباس والجمود في المحصلة الأخيرة، هما المسؤولان عن الحط من إمكانيات هذين النمطين. وبهذا الحط تتسع دوائر الانفصام والفجوة في داخل المجتمع بين هاتين العقليتين.           

ولابد من القول هنا أن الجمود حينما يصيب مجتمعا، لا يبقى حبيس حقل أو مجال، وإنما يتسرب ويتمدد ويصبغ بصبغته كل المؤسسات والمجالات. وحتى المؤسسات الثقافية والعلمية تصاب بهذا الداء، ويبدأ ينخر في بنيانها وأدائها العلمي والثقافي فتنمو روح التقديس للآراء والأفهام البشرية التي دوّنها السابقون، وتسود العناية بالمجالات اللفظية العقيمة على حساب الروح العلمية والموضوعية، وتتغلب نزعة الاشتغال بالفروض والاحتمالات البعيدة عن الواقع، ويتم الإعراض عن تنمية الفقه العملي الذي يحتاجه الناس في حياتهم الخاصة والعامة. وبهذا تتحول هذه المؤسسات من مركز إشعاع ومصدر للعلم والمعرفة المبدعة، إلى مؤسسة تغذي واقع اليباس والجمود، وتبرر أشكالهما، وتنزع إلى التقليد والإتباع في كل شيء.

وهذا يساهم في المحصلة النهائية في تصدع البنية الاجتماعية بين حديث وقديم، وما أشبه من العناوين التي تصنف البشر، وتوجد بينهم شروخا وانقسامات دائمة. وثمة ضرورة في هذا الإطار، لبيان حقيقة أساسية واجهت العديد من المجتمعات وهي: أن ضيقها من اليباس والجمود وآثارهما العميقة، قد أغراها بالانفلات من الذات الحضارية، والانطلاق في مشروع إدماج وتبعية مع الدول أو الحضارة الغالبة.       

فالحرية لا يمكن أن تنجز وتتجسد في الواقع السياسي والثقافي والاجتماعي، بدون إزالة العقبات النفسية والثقافية والسياسية التي تكرس كل القيم المضادة للحرية. ومصلحتنا الجوهرية والإستراتيجية كعرب ومسلمين، هو في انخراطنا في مشروع الديمقراطية ومأسسة حياتنا الثقافية والسياسية على مقتضيات الشورى والديمقراطية والتداول. 

***

محمد محفوظ

نحو فهم بنيوي وإرادة تجاوز

مفتتح: تعيش المجتمعات العربية اليوم واقعًا حضاريًا متناقضًا؛ فبينما تشهد الثورة التكنولوجية والمعلوماتية تحولات هائلة في أنماط الحياة والفكر، تبقى الثقافة العربية حبيسة نمط إعادة الإنتاج للأفكار القديمة، وتعطيل الجدل الخلاق الذي يُفترض أن يكون محركًا للحضارة. إن الجمود الثقافي ليس حالةً عارضة تمرّ مع الزمن، بل هو بنية متجددة تستعيد نفسها كلما أعادت المؤسسات والذهنيات الجماعية إنتاج آليات التقليد، وتعطيل النقد، وتقديس الموروث خارج سياقاته التاريخية. والسؤال المركزي الذي يستحق التأمل العميق: لماذا يستمر هذا الجمود رغم تعاقب مشاريع الإصلاح والنهضة، ورغم ضغط العولمة والتحولات الرقمية التي تفرض منطقًا جديدًا على الفكر والسلوك؟1 وهل يمكن تفسير المفارقة الصارخة بين كثافة الخطاب النهضوي العربي وبين ضعف أثره الفعلي في تحويل الثقافة إلى قوة إنتاج للمعنى والحرية والتنمية المستدامة؟

الأزمة هنا ليست سوء فهم أو تراجع مؤقت، بل استمرار نسقي في تعطيل آليات التفكير النقدي، الذي يُعتبر العصب الأساسي لأي حضارة حية ومتطورة. فالجمود الثقافي لا ينبثق من "نقص المعرفة" وحسب، بل من نمط عميق في إنتاج المعرفة وتداولها: نمط يفضّل النقل على النقد، والامتثال على الابتكار، ويستبدل الأسئلة المؤسِّسة بإجابات جاهزة تُستعمل لضبط المجال الاجتماعي والرمزي.2 كما يفترض أن مواجهة الجمود تتطلب تفكيك شروطه: المؤسسية، والتربوية، والقيمية، والاقتصادية، لا الاكتفاء بوعظه أخلاقيًا أو نقده على المستوى النظري المجرد.

الإشكالية وتحديد المفاهيم

ينبغي أن نبدأ بتوضيح الإطار المفهومي: الجمود الثقافي لا يساوي المحافظة أو التمسك بالتراث، بل هو تعطيل نسقي لمنطق المراجعة والنقد. فحين تتحول الثقافة إلى "سلطة تفسير" مغلقة بدلاً من أن تبقى "مادة فهم" قابلة للتجدد، حين يصير التراث نصًا مقدسًا لا يخضع للتساؤل، لا حوار، يحدث الجمود.3 والفرق جوهري: المحافظ الحكيم يُعيد قراءة الموروث في ضوء الحاضر ويستخلص دروسه للمستقبل؛ بينما المتجمد يكرّر الصيغ بآلية، يستقيمها من منطق "كان هكذا، إذن يجب أن يبقى هكذا".

الجمود الثقافي تطبيقياً: هو حالة بنيوية تتسم بضعف القدرة على إنتاج أفكار جديدة وتحديث الأدوات المعرفية والمنهجية، مع الميل الثابت إلى تكرار صيغ تفسيرية قديمة بوصفها حلولاً نهائية لمشاكل حاضرة ومختلفة4 . وهو ليس مرادفًا للتقليد البريء بقدر ما هو إغلاق مقصود—أو غير مقصود لكنّه منتظم—لمسار السؤال والفحص النقدي. إنه يعني أن المثقفين والمؤسسات والقيادات تُفضّل نقل الأجوبة على إعادة صياغة الأسئلة، وتختار الراحة الفكرية على المشقة المنتجة للمعرفة.

مقاربة الأزمة:

يتجدد الجمود الثقافي عبر أربع آليات رئيسية متداخلة:

أولاً: تعطيل العقل النقدي في مؤسسات التربية

حين تُبنى المناهج التعليمية على الحفظ والتلقين، لاعلى الاستقصاء والتفكير، يتراجع التفكير التحليلي لصالح إعادة إنتاج المألوف المعروف5 . يتشكل المتعلم داخل منطق "الإجابة النموذجية" التي لا تناقش ولا تُسائل، بل تُستقبل وتُحفظ وتُكرر. وعبر سنوات الدراسة الطويلة (من التعليم الابتدائي حتى الجامعي) يتعود الطالب على أن الحقيقة موجودة في الكتاب أو المعلم، لا في الفضول الفكري والبحث المستقل. وهكذا ينشأ جيل "يحترم المعلومة" لكنه يخاف التفكير بها، يكرر الحكمة القديمة لكنه عاجز عن تكييفها مع واقع جديد. العقل الذي لم يتدرب على السؤال والنقاش في مراحل تكوينه الأولى، سيجد صعوبة بالغة لاحقًا في التحرر من السلطة (سلطة النص، النص الديني، الرأي الجماعي، الزعيم، الأيديولوجية).

ثانيًا: جدليات الخطاب والممارسة

كثير من الخطابات الثقافية والسياسية الرسمية تتحدث بلغة الحداثة والتقدم (الدولة، الحقوق، العلم، المساواة، العدالة)، لكنها تعمل ذهنيًا وسلوكيًا بمنطق ما قبل الحداثة (العصبية، المحسوبية، القبلية، تقديس الأب/الزعيم، الولاء الأعمى للرموز)6، هذه القطيعة الحادة بين المفاهيم والممارسة تُنتج شخصيات مشتتة، تقول شيئًا وتفعل الضد، وتُعلّم أطفالها الديمقراطية في الفصل بينما تمارس الاستبداد في البيت والمؤسسات. وهكذا، يبقى التراث الحي (السلوك الفعلي، المؤسسات، الممارسات اليومية) محافظًا جدًا، قاسيًا جدًا، غير متسامح، بينما الخطاب (الكلمات، الشعارات، الوعود) يبدو حداثويًا منفتحًا. هذه الازدواجية تُعطّل أي تراكم فكري حقيقي و تخلق جدلاً ينمي الأزمة.

ثالثًا: أدلجة الثقافة

حين تصبح الثقافة تابعة لمنازعات السلطة والاستقطاب الأيديولوجي والصراع السياسي، تتحول من ساحة معرفة وإنتاج معنى إلى ساحة تعبئة وصراع هوياتي.7 يُستبدل الحوار الحر بالتخوين الرمزي، والنقاش بالمواقف المسبقة. يصير المثقف ليس باحثًا بل "جندي" في معركة إيديولوجية. والفكرة التي لا تخدم "قضية" معينة أو "صف" معين تُعتبر خائنة، بلا قيمة. هكذا تفقد الثقافة استقلاليتها، وتفقد معها القدرة على الإنتاج الحر والمستقل للمعاني والأفكار.

رابعًا: هواجس ضغط العولمة

بدلاً من تحويل الانفتاح على العالم إلى فرصة للتثاقف الخلاق (الحوار مع الآخر دون فقدان الذات)، قد يحدث رد فعل دفاعي يخلط بين حماية الهوية ورفض النقد كليًا.8 يشتد الجمود بصفته "حصنًا" ضد الغزو الثقافي الخارجي، فتُقدّس القوالب الجاهزة، تُرفع أسوار ضد التأثيرات الخارجية، وبدلاً من أن تتعلم الثقافة الدفاع الذكي (قوة فكرية أصيلة) تختار الدفاع الأعمى (الرفض الشامل). وهنا تفقد الثقافة أيضًا قوتها، لأن الثقافة الحية لا تخاف التحدي، بل تستقطبه.

مالك بن نبي وسؤال القابلية للاستعمار

من المهم هنا أن نستحضر أطروحة الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي حول "القابلية للاستعمار"9 (Colonizability) لم يركز بن نبي على العامل الخارجي وحده (الاستعمار كقوة عسكرية واقتصادية)، بل انصبّ تركيزه على البنية الداخلية للمجتمع التي تجعله "قابلاً للاستعمار". وفي هذا السياق الفكري، يمكن القول إن الجمود الثقافي ليس نتيجة "الحصار الخارجي" وحده، بل هو نتاج ضعف "الوعي الذاتي" الذي يمنح المجتمع مناعة ثقافية ويمنع الانصهار التابع داخل الآخر.10

الثقافة المتجمدة هي ثقافة فقدت ثقتها بقدرتها على الإنتاج والتطوير، فاستسلمت للتقليد الأعمى. وفي هذا السياق، تصبح الثقافة العربية "قابلة للتبعية الرمزية والفكرية" (soft colonialism)؛ إذ تستورد أفكارًا دون فحص، تتقبل مفاهيم دون مراجعة، تُقلّد نماذج دون تكييف. وهنا يكمن الخطر الفعلي: ليس في الغزو العسكري أو الاقتصادي الذي يمكن مقاومته بالقوة، بل في الغزو الثقافي الذي ينفذ عبر استسلام الذات لمنطق الآخر.

من ثقافة الجمود إلى ثقافة الفعل

تجاوز الجمود لا يتحقق بشعار "التجديد" الحماسي وحده، بل بترتيبات معرفية ومؤسسية وقيمية عميقة وتدريجية:

إعادة بناء التعليم على أساس مهارات التفكير النقدي

لا بد من ثورة تربوية حقيقية تنقل المناهج من الحفظ إلى الفهم، من التلقي السلبي إلى البحث النشط. يجب تعليم الشباب الأسئلة قبل الأجوبة، تعليمهم أن لا سؤال سخيف، وأن أفضل الإجابات هي التي تنبثق من فضول حقيقي وبحث عميق. مهارات التفكير التحليلي والنقدي والكتابة الحجاجية وأخلاقيات الاستدلال يجب أن تكون محور العملية التعليمية، لا ملحقات هامشية11

فتح المجال العمومي للحوار والاختلاف

على المستوى المؤسسي والسياسي، يجب تقليل منسوب الاستقطاب الهوياتي والأيديولوجي الذي يُحول الثقافة إلى ساحة صراع. لا يعني هذا التنازل عن الآراء أو المواقف، بل السماح بتعددية حقيقية وحماية النقد والاختلاف. المؤسسات الثقافية والإعلامية والأكاديمية يجب أن تُؤمّن فضاءً آمنًا للحوار، حيث الفكرة تُناقش وتُفحص على أساس قوتها المنطقية والعلمية، لا على أساس الموالاة أو المعاداة السياسية.

تجديد المناعة الثقافية

الأمن الثقافي (Cultural Security)—الذي أصبح مفهومًا حاسمًا في ظل العولمة—لا يعني الانغلاق والرفض، بل بناء وعي أصيل قوي بالذات، باللغة، بالمرجعيات.12 أعني ثقافة حية تعرف من هي، تفهم جذورها، لكنها لا تخاف الحوار مع الآخر. هي التي تستقطب التأثيرات الخارجية وتُحولها إلى أسمدة لنموها، لا إلى سموم تُذيبها. إن بناء المناعة الثقافية يتطلب تعزيز الوعي الذاتي التاريخي والحضاري، والتعليم الراقي بأهمية اللغة الأم ودورها في بناء الهوية والتفكير، والحوار الجاد مع التراث الحي للتعلم منه دون الانسجام الأعمى به.

مستخلص: نحو مشروع نهضة ثقافية حقيقية

الجمود الثقافي العربي ليس "قدرًا" محتومًا، بل هو حالة يمكن تجاوزها بإرادة منظمة ومشاريع معرفية جادة. لكن هذا التجاوز لن يأتي من الخطابات الحماسية أو الشعارات النبيلة، بل من تفكيك واقعي لشروط الجمود وإعادة بناء نسق ثقافي جديد على أساس:

أولاً: ثقافة تُولّد أسئلة بدلاً من أن تكرر أجوبة جاهزة. ثقافة تُعلّم الناس أن يفكروا معها، لا أن يفكروا كما تريد.

ثانيًا: ثقافة لا تخاف من النقد الداخلي، بل تستقطبه كوسيلة تنقية ونمو. ثقافة تفصل بين الفكرة والشخص، بين الموقف والولاء.

ثالثًا: ثقافة تُرسّخ الحوار الحقيقي مع الآخر، لا الحوار الشكلي. حوار ينطلق من قوة فكرية أصيلة، لا من موقف دفاعي منهزم.

رابعًا: مؤسسات تُنتج المعرفة وليس التكرار. جامعات حقيقية، مجلات فكرية جادة، قنوات إعلامية تحترم الذكاء والتفكير، كل هذا يحتاج إلى موارد وحماية حقيقية من التدخل الإيديولوجي والسياسي.

وعليه الأزمة الثقافية العربية ليست أزمة أفراد بل أزمة نظام فكري وتربوي وإعلامي بات عقيمًا. والحل لا يأتي بين ليلة وضحاها، بل يتطلب تراكم جهود على مدى أجيال. لكن البدء يجب أن يكون الآن، من غرفة الدراسة، من الجامعة، من المؤسسة الثقافية، من كل مكان يُمكن أن ينجب فكرًا نقديًا جديدًا. فقط هكذا، من خلال حوار حقيقي مع التراث ومع الحاضر، يمكن للثقافة العربية أن تتحرر من الجمود وتستعيد دورها الحقيقي كمُحرّك للحضارة والإنسانية.

***

مراد غريبي

.......................

الهوامش

1- علي أسعد وطفة، الجمود والتجديد في العقلية العربية: مكاشفات نقدية، (دمشق: دار الفكر، 2010)، ص 127.

2- محمد عابد الجابري، نقد العقل العربي (الجزء الأول: تكوين العقل العربي)، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986)، ص 156.

3- فتحي المسكيني، الفلسفة والنوستالجيا: بحث في البنية الفلسفية للحنين الحضاري، (تونس: الدار التونسية للنشر، 2009)، ص 89.

4- محمد عابد الجابري، نقد العقل العربي (الجزء الأول: تكوين العقل العربي)، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986)، ص 176.

5- علي أسعد وطفة، الجمود والتجديد في العقلية العربية: مكاشفات نقدية، (دمشق: دار الفكر، 2010)، ص 134.

6- عبد الله العروي، الأيديولوجية العربية المعاصرة، (بيروت: دار الحقيقة، 1979)، ص 98.

7- فؤاد زكريا، الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة، (القاهرة: دار الفكر، 1987)، ص 156.

8- محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة: هاشم صالح، (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1996)، ص 203.

9- مالك بن نبي، قضايا الحضارة مالك بن نبي، شروط النهضة، (القاهرة: دار الفكر، 1986)، ص 71.

10- مالك بن نبي، قضايا الحضارة، (الجزائر: المكتبة العربية، 1978)، ص 156.

11- حسام كصاي، أزمة الفكر العربي المعاصر، (دجلة ناشرون، 2016)، ص 178.

12- علي أسعد وطفة، الأمن الثقافي والتربية، (الكويت: دار القلم، 2005)، ص 89.

قائمة المصادر:

العروي، عبد الله. الأيديولوجية العربية المعاصرة. بيروت: دار الحقيقة، 1979.

الجابري، محمد عابد. تكوين العقل العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1989.

نقد العقل العربي (الجزء الأول: تكوين العقل العربي). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986.

كصاي، حسام. أزمة الفكر العربي المعاصر. بغداد: دار دجلة ناشرون، 2016.

أركون، محمد. تاريخية الفكر العربي الإسلامي. ترجمة: هاشم صالح. بيروت: مركز الإنماء القومي، 1996.

العالم، محمود أمين. في الثقافة والاستقلال الوطني. القاهرة: دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، 1974.

المسكيني، فتحي. الفلسفة والنوستالجيا: بحث في البنية الفلسفية للحنين الحضاري. تونس: الدار التونسية للنشر، 2009.

بن نبي، مالك. شروط النهضة. القاهرة: دار الفكر، 1986.

بن نبي، مالك. قضايا الحضارة. الجزائر: المكتبة العربية، 1978.

وطفة، علي أسعد. الجمود والتجديد في العقلية العربية: مكاشفات نقدية. دمشق: دار الفكر، 2010.

وطفة، علي أسعد. الأمن الثقافي والتربية. الكويت: دار القلم، 2005.

زكريا، فؤاد. الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة. القاهرة: دار الفكر، 1987.

 

في المثقف اليوم