قضايا

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد أداة تقنية تُيسّر تفاصيل الحياة اليومية، بل أصبح مرآة كبرى تعكس أسئلة الإنسان عن ذاته، حدود تفكيره، ومصير وعيه في عالم تُدار مفاصله بخوارزميات دقيقة. ففي هذا العصر الرقمي المتسارع، لم يعد السؤال المطروح: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ بل صار السؤال الأعمق: ماذا يفعل بنا؟ وكيف يعيد تشكيل طرائق تفكيرنا، حدود وعينا، ومعنى إنسانيتنا ذاتها؟

إن التفكير في الذكاء الاصطناعي هو، في جوهره، تفكير في الإنسان: في امتداداته المعرفية، في مسؤوليته الأخلاقية، وفي موقعه داخل عالم لم تعد فيه الآلة محايدة، ولا الإنسان معفى من المحاسبة. فالذكاء الاصطناعي، مهما بدا محايدًا في بنيته التقنية، يظل مشبعًا بخيارات بشرية، ومنظومات قيمية كامنة، وقرارات تتجاوز حدود البرمجة الصرفة.

لقد أثّر التقدّم المتسارع في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تأثيرًا عميقًا في طرائق تفكير البشر وأنماط تفاعلهم مع العالم. وأثار إدماج هذه التكنولوجيا في مجالات حيوية كالرعاية الصحية والتعليم والنقل، تساؤلات جوهرية حول مستقبل الفكر البشري في عصر الذكاء الاصطناعي. ويسعى هذا المقال إلى مقاربة آثار هذه التقنية في عمليات التفكير الإنساني، وكيف يمكن لها أن تعيد تشكيل أفقنا المعرفي ومستقبلنا الوجودي.

يتمثّل أحد أبرز المخاوف المرتبطة بهذا التحوّل في احتمال أن تحلّ التكنولوجيا محلّ القدرات المعرفية الإنسانية. فمع التطوّر المتسارع لأنظمة الذكاء الاصطناعي، يتنامى القلق من اعتماد الإنسان المفرط عليها، بما قد يفضي إلى تآكل مهارات التفكير النقدي والاستقلالي، وانحسار الإبداع والابتكار، حيث يتحوّل الإنسان إلى مستهلك سلبي للمعلومة بدل أن يكون فاعلًا في إنتاجها وتأويلها.

غير أن الخطر الأعمق الذي يطرحه الذكاء الاصطناعي لا يتعلّق فقط بإزاحة بعض الوظائف أو إعادة تشكيل أنماط التفكير، بل يمسّ سؤال المعنى ذاته. فالآلة، مهما بلغت قدرتها على المعالجة والتحليل، تظل عاجزة عن طرح سؤال «لماذا؟» بوصفه سؤالًا وجوديًا وأخلاقيًا. إنها تجيب عن «كيف» و«متى» و«بأيّ كفاءة»، لكنها لا تفكّر في الغاية، ولا تُقيم وزنًا للقيمة. ومن هنا يظلّ المعنى حكرًا على الإنسان، بوصفه كائنًا يسائل أفعاله، ويتحمّل تبعاتها، ويعيد توجيهها وفق منظومة قيمية متحوّلة.

في المقابل، لا يمكن إغفال قدرة الذكاء الاصطناعي على تعزيز القدرات المعرفية البشرية وتوسيع آفاق الفكر الإنساني. فمن خلال أدواته المتقدّمة، أصبح الإنسان قادرًا على الولوج إلى كمّ هائل من المعارف والمعطيات التي لم يكن بلوغها ممكنًا في السابق. وهو ما قد يفضي إلى تحوّلات نوعية في البحث العلمي، وحلّ المشكلات، وصناعة القرار، بما يسهم في الارتقاء بنوعية التفكير الإنساني.

ومع ذلك، فإنّ هذا الاتّساع المعرفي يفرض تمييزًا ضروريًا بين الذكاء الحسابي والحكمة الإنسانية. فالذكاء الاصطناعي يوسّع حدود المعرفة، لكنه لا يُنتج الحكمة. والحكمة، كما أكد الفلاسفة، تقتضي تجربة إنسانية، وحدسًا، ومسؤولية، ووعيًا تاريخيًا، وهي عناصر لا يمكن اختزالها في خوارزمية أو نموذج تنبّؤي. ومن ثمّ، فإن التحدّي الحقيقي لا يكمن في تطوير آلات أذكى، بل في تربية إنسان أقدر على توظيف هذا الذكاء دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية.

ويتميّز الذكاء الاصطناعي كذلك بقدرته على إضفاء طابع ديمقراطي على المعرفة، عبر جعل التعليم في متناول فئات واسعة من البشر. فالأدوات التعليمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي تتيح تجارب تعلم مخصّصة تراعي الفروق الفردية، وتعيد صياغة علاقتنا التقليدية بالمعرفة، بما يمكّن الأفراد من استثمار إمكاناتهم إلى أقصى حدّ ممكن. غير أن هذا التحوّل يضع التربية أمام مسؤولية تاريخية جديدة: تربية الإنسان على ملكات السؤال، والشكّ، والتأويل، والتمييز بين المعلومة والمعنى.

فالتربية في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد معنيّة بنقل المعرفة فحسب، بل بتكوين عقل ناقد قادر على مساءلة ما تقدّمه له الآلة بدل الاكتفاء باستهلاكه.

غير أن هذا الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي لا يخلو من إشكالات أخلاقية عميقة، تتعلق بتأثير التكنولوجيا في الفكر والسلوك الإنسانيين. إذ يظلّ خطر إعادة إنتاج التحيّزات الاجتماعية والثقافية قائمًا، بل قد تتكثّف داخل خوارزميات تبدو محايدة في ظاهرها. ومن هنا تبرز أهمية تحمّل المطوّرين وصنّاع القرار لمسؤولياتهم الأخلاقية، والعمل على توجيه الذكاء الاصطناعي توجيهًا واعيًا يحمي الإنسان من الانزلاقات التقنية غير المحسوبة.

وثمّة بُعد آخر لا يقلّ أهمية، يتمثّل في قدرة الذكاء الاصطناعي على تعزيز التواصل والتعاون بين البشر. فبفضل التقدّم في معالجة اللغات الطبيعية والتعلّم الآلي، باتت هذه الأنظمة قادرة على تقليص الحواجز اللغوية والثقافية، وتعزيز التفاهم بين المجتمعات، بما يدعم بناء عالم إنساني أكثر ترابطًا.

كما يُنتظر أن يُحدث الذكاء الاصطناعي تحوّلًا عميقًا في مجال الرعاية الصحية، من خلال تحسين دقّة التشخيص وفعالية العلاج. إذ يتيح تحليل كميات ضخمة من البيانات الطبية استخلاص أنماط خفيّة تساعد المهنيين الصحيين على اتخاذ قرارات أدقّ وأكثر آنية، وهو ما يعزّز ثقافة القرار المستند إلى المعطيات والأدلّة.

اليوم، أصبح لعقولنا، المحدودة نسبيًا، شريك سريع يُدعى «الذكاء الاصطناعي». والسؤال الجوهري: هل يشكّل هذا التحالف إضافة نوعية أم تهديدًا مبطّنًا؟ فالذكاء الاصطناعي قادر على معالجة كمّ هائل من المعلومات في زمن قياسي، والتعرّف إلى أنماط تتجاوز الإدراك البشري، وتحفيزنا على التفكير من زوايا غير مألوفة.

ومع ذلك فإن هذا «الصديق الذكي» قد يُغذّي، في الآن ذاته، نزعتنا إلى الكسل المعرفي. فالثقة المفرطة في إجابات الأنظمة الآلية، وتغاضي الإنسان عن مساءلتها أو اختبارها، قد يؤدي إلى ما يُعرف بالتحيّز للأتمتة، حيث تتآكل تدريجيًا قدرات التفكير والاستدلال الذاتي.

وفي هذا السياق، يشير غيوم ديلاكور، الرئيس العالمي لتطوير الأفراد بشركة «إيه بي بي»، إلى أن امتلاك الذكاء الاصطناعي لإجابات جاهزة يمثّل فائدة وتحدّيًا في آن واحد، مؤكدًا أن الحاجة إلى التفكير النقدي تصبح أكثر إلحاحًا في بيئة تُقدّم فيها الإجابات بسرعة ويقين ظاهريين.

كما يفرض الذكاء الاصطناعي إعادة التفكير في مفهوم العمل ذاته. فمع أتمتة عدد متزايد من الوظائف، لم يعد العمل مجرّد نشاط إنتاجي، بل أضحى سؤالًا مرتبطًا بالكرامة والاعتراف الاجتماعي. ويستدعي هذا التحوّل تفكيرًا سياسيًا وتربويًا جديدًا، يعيد الاعتبار للعمل الإبداعي والرمزي، ويبحث عن صيغ بديلة للاندماج الاجتماعي تحفظ للإنسان موقعه في عالم تتقاسمه الآلة والخوارزمية.

وفي عمق هذا التحوّل، يبرز توتّر خفي بين منطق السيطرة التقنية ومنطق الحرية الإنسانية. فكلّما ازدادت الأنظمة الذكية قدرة على التنبّؤ بالسلوك الإنساني وتوجيهه، تزايد خطر تقليص هامش الحرية الفردية. ومن هنا تكتسب مسألة السيادة الرقمية وحماية المعطيات الشخصية بعدًا فلسفيًا، لا تقنيًا فقط.

وعلى خلاف التصوّرات التشاؤمية، تكشف قراءة فلسفية شمولية للشرط الإنساني المعاصر أن الإنسان، بوصفه مبدع الذكاء الاصطناعي، لا ينفكّ يكتشف ذاته عبر هذا الامتداد العلمي والمعلوماتي. فالذكاء الاصطناعي ليس كيانًا مستقلًا، بل تجلٍّ من تجلّيات الذكاء الإنساني ذاته، فيما يشكّل الحفظ الرقمي للمعطيات استعارة حديثة لفكرة التوثيق والمساءلة.

ومن ثمّ يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يشكّل اختبارًا أخلاقيًا للحضارة المعاصرة. فهو يكشف طبيعة علاقتنا بالسلطة والمعرفة والإنسان. فإذا استُخدم أداة للتحرّر، أمكن له أن يفتح آفاقًا جديدة للعدالة والمعرفة، أمّا إذا تُرك لمنطق الهيمنة والسوق، فقد يتحوّل إلى أداة لإعادة إنتاج اللامساواة والاغتراب.

كما يجب النظر إلى الذكاء الاصطناعي كفرصة لإعادة صياغة الثقافة الرقمية، وإرساء منظومة قيمية تحمي الإنسان من الانزلاق نحو استهلاك المعرفة بشكل آلي أو رقمي فقط.

إننا نتّجه نحو مجتمع إنساني جديد، تتداخل فيه العوالم الواقعية والافتراضية، ضمن حضارة يكون فيها الإنسان مدعومًا بالتقنية لا مستلبًا بها. فالآلة، مهما بلغت درجة تطوّرها، تظلّ أداة، ولا يمكنها أن تكون بديلًا عن الإنسان بوصفه غاية الحضارة ومرجعيتها القصوى.

يظلّ الإنسان، مهما تقدّمت الآلات وتطوّر الذكاء الاصطناعي، محورًا للمعنى وللسؤال الوجودي. فالوعي، والحرية، والمسؤولية الأخلاقية، هي مفاتيح لا يمكن لأي خوارزمية أن تحلّ محلّها. والإنسانية الحقيقية تكمن في قدرتنا على استعمال الذكاء الاصطناعي كامتداد لوعينا، لا كبديل عنه، على أن تظلّ كل خطوة في هذا الامتداد خاضعة للتأمل النقدي، والمساءلة الأخلاقية، والإبداع الوجودي. فالآلة تساعدنا على رؤية العالم أسرع، لكن الإنسان وحده قادر على تساؤل «لماذا؟» وصياغة معنى الحياة والوجود.

***

فؤاد لوطة - كاتب مغربي

 

من منطق الإغلاق إلى أفق المقاصد

يُثير السكوت التشريعي في الإسلام إشكالًا معرفيًا عميقًا طالما جرى التعامل معه بحذر أو تهميش، إذ اعتاد الوعي الفقهي قديمًا أن ينظر إلى ما لم يرد فيه نص صريح بوصفه مجالًا للاجتهاد الاضطراري أو محاولة لسدّ فراغٍ تشريعي فرضته محدودية الوقائع زمن التنزيل، وهو ما أسهم في شيوع فهمٍ اختزالي لدى بعض الخطابات المتعجلة، قوامه الاعتقاد بأن اكتمال الدين لا يتحقق إلا بكثافة القول وتضييق المساحات، وأن الصمت التشريعي علامة نقص لا مظهر حكمة.

غير أن هذا التصور، عند فحصه في ضوء بنية النص القرآني والسنة النبوية وممارسات التشريع الأولى، يكشف عن قصور منهجي بيّن، إذ يفترض أن اكتمال التشريع لا يتحقق إلا عبر الاستغراق في التفصيل، بينما تشير معطيات التاريخ والنص معًا إلى أن السكوت لم يكن عجزًا، بل اختيارًا مقصودًا، وأن ترك المساحات مفتوحة كان جزءًا من حكمة التشريع لا خللًا فيه، بل إن هذا السكوت ذاته شكّل عنصرًا ضابطًا لحركة الفهم لا ثغرة ينبغي سدّها. وهو ما أسهم لاحقًا في تغذية نزعة تقريرية لدى بعض المجدفين المجتزئين، ممن اختزلوا اكتمال الدين في كثافة القول وضيق الأفق، وتعاملوا مع الصمت التشريعي بوصفه نقصًا في البيان لا اختيارًا مقصودًا في التشريع.

فالقرآن، بوصفه النص التأسيسي الأول، لم يأتِ بمدونة قانونية تفصيلية مغلقة، بل بنسق قيمي عام، أو بنسقية تشريعية مرنة، تضع المبادئ الكبرى وتترك تنزيلها مفتوحًا لاجتهاد الإنسان في الزمان والمكان. فآيات الأحكام، على أهميتها، محدودة عددًا، وقد قدّرها الأصوليون بنحو خمسمئة آية من مجموع القرآن، وهو عدد ضئيل نسبيًا إذا قيس باتساع الحياة الإنسانية وتحوّلها المستمر.

وهذا التفاوت لا يمكن تفسيره إلا بكون النص قصد العموم والمرونة لا الاستيعاب التفصيلي، وقصد أن يكون هاديًا لا مُقيدًا، موجّهًا لا مصادِرًا. وقد عبّر الشاطبي عن هذا المعنى بوضوح حين قرر أن الشريعة «إنما وُضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل، وأنها راعت الكليات قبل الجزئيات» ، وهو تقرير يجعل السكوت وظيفة تشريعية واعية، لا نقصًا في البيان ولا ضعفًا في المقصد.

ويظهر هذا السكوت المقصود في عشرات الأمثلة التي شكّلت أساسًا لاجتهادات كبرى لاحقًا، بعد أن مرّت عبر غرابيل الفهم والتأويل. فالقرآن لم يحدّد شكل الدولة، ولا نظام الحكم، ولا آليات اختيار الحاكم، مكتفيًا بمبادئ عامة كالشورى والعدل والأمانة، تاركًا تفاصيل التنزيل رهينة السياق التاريخي والواقع الاجتماعي. وقد تُرك تحديد هذه المسائل للواقع المتغير، وهو ما يفسر اختلاف التجارب السياسية الإسلامية دون إخراجها بالضرورة من دائرة المشروعية، رغم محاولات بعض المتفقهين لاحقًا تحويل هذه التجارب إلى قوالب مقدسة، بما يقود إلى زيغٍ بيّن في الخلط بين التاريخ والنص. وقد نبّه القرافي المالكي إلى هذا الخلل حين فرّق بين الأحكام المرتبطة بالمقاصد العامة، وتلك التي تتغير بتغير الأعراف والأزمنة (الفروق).

كما لم يحدّد النص شكل النظام الاقتصادي تفصيلًا، فلم يضع نموذجًا مصرفيًا، ولا نظمًا دقيقة للتجارة الدولية، ولا قواعد للملكية الحديثة، بل اكتفى بتحريم الربا، والأمر بالعدل، ومنع أكل أموال الناس بالباطل، تاركًا ما عدا ذلك للاجتهاد المتغير بحسب الأغيار وتبدّل المصالح، وهو ما قرره الحنفية بوضوح، حيث أكد السرخسي أن «النصوص محدودة والوقائع غير متناهية، فلا بد من إعمال الرأي لتحقيق مقصود الشرع» .

وفي مجال العبادات نفسها، التي يُظن عادة أنها أكثر المجالات انغلاقًا، نلحظ مساحات واسعة من السكوت، خلافًا لما يتصوره الوعي الجمعي حين يُعاد إنتاج الدين في صورة طقوس جامدة. فالقرآن لم يبيّن عدد ركعات الصلاة، ولا تفاصيل هيئاتها، ولا أوقاتها الدقيقة، بل ترك ذلك للسنة العملية، ثم ترك للسنة نفسها هامش تنوع مشروع، كما في اختلاف صيغ الأذان، أو تنوع هيئات الصلاة الثابتة في الحديث، وهو تنوع فسّره العلماء على أنه توسعة لا اضطراب. وقد قرر الإمام الشافعي أن تنوع العبادة من مقاصد الشريعة، لما فيه من رفع الحرج وكسر الجمود، وهو قول ينسف محاولات الاختزال التي يمارسها بعض المجترئين المتأولين، ممن يتعاملون مع الدين بوصفه قالبًا واحدًا لا يحتمل التعدد. وهو أصل تبناه تلامذته، كإمام الحرمين الجويني والغزالي، حين أكدا أن التعدد الفقهي ثمرة طبيعية لاجتهاد معتبر لا خللًا في الشريعة.

ويبرز السكوت التشريعي بوضوح في القضايا المستجدة التي لم يعرفها العصر النبوي، مثل العقود المركبة، والأنظمة الإدارية، والعلاقات الدولية، والطب الحديث. فلم يرد نص يمنع أو يبيح التأمين، أو الشركات المساهمة، أو التلقيح الصناعي، أو نقل الأعضاء، ومع ذلك لم يُنظر إلى هذا السكوت بوصفه نقصًا، بل بوصفه مجالًا للاجتهاد وفق مقاصد عامة، كحفظ النفس والمال. وقد قرر النسفي الحنفي أن «الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يدل دليل على التحريم»، وهو أصل يجعل السكوت دالًا لا فارغًا.

غير أن هذا الفهم المقاصدي جرى تعطيله، في حاضرنا المعيش، على يد جماعات جانحة من المتأسلمين، ممن حوّلوا السكوت إلى ساحة تجريم، والاجتهاد إلى تهمة، والنص إلى أداة إغلاق، فمارسوا أقصى درجات التصلب باسم الدين، دون وعي بالمالات ولا اعتبار للعواقب. فاختزلوا الشريعة في أوامر صلبة، وأفرغوها من بعدها الأخلاقي والإنساني. وقد نبه ابن قدامة الحنبلي إلى خطورة هذا المسلك حين قرر أن «الجمود على الظواهر مع إهمال المعاني يفضي إلى مخالفة مقصود الشرع».

وقد استند الفقهاء في ضبط هذا المجال إلى أصل معتبر، هو قول النبي ﷺ: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدّ حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمةً لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها»، وهو حديث يضع حدًا فاصلًا بين البيان المشروع والتكلف في ملء المسكوت عنه. كما التقط الأصوليون هذا المعنى مبكرًا كالزركشي وابن النجار من الحنابلة أن اعتبار المآلات شرط في صحة الاجتهاد، وأن الحكم إذا أدى إلى مفسدة راجحة سقط اعتباره، ولو استند إلى ظاهرٍ مجرد. وذهب ابن القيم في إعلام الموقعين إلى أبعد من ذلك حين قال إن (الشريعة مبناها على الحكم ومصالح العباد، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور ليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل) ، وهو قول يكشف بوضوح أن الجمود ليس وفاءً للنص، بل خيانة لمقصده.

كما يظهر السكوت التشريعي في موقف النبي -صلى الله عليه وسلم- نفسه من كثير من الوقائع، حيث امتنع عن إصدار حكم مباشر، تاركًا المجال للاجتهاد أو العرف. ففي حادثة تأبير النخل، حين قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، أرسى مبدأً بالغ الأهمية، مفاده أن التشريع لا يتدخل في كل تفاصيل الحياة، وأن الخبرة الإنسانية لها مجال مستقل. وفي قصة الأسرى بعد بدر، لم ينزل النص ابتداءً بحكم قاطع، بل جرى النقاش والاجتهاد، ثم جاء التعقيب القرآني لاحقًا، وهو ما يدل على أن التشريع نفسه كان يتفاعل مع الواقع لا يصادمه، وهي دلالة غائبة تمامًا عن خطاب الإغلاق المعاصر الذي تمارسه الجماعات الحركية.

فتحويل الفراغ التشريعي إلى أصل مقصود يغيّر جذريًا طريقة التعامل مع النص. فبدل أن يُنظر إلى السكوت بوصفه نقصًا ينبغي سده بأي فتوى، يصبح السكوت مساحة اختبار للعقل الأخلاقي والاجتماعي، ومسؤولية مشتركة بين النص والواقع، وحريّ بنا أن نعي هذا التحول قبل أن نغرق في فوضى الإفتاء أو في استبداد القراءة الواحدة. وهذا ما يفسر لماذا رفض كثير من الصحابة الإكثار من الفتوى، وكانوا يتحرجون من الإجابة، إدراكًا منهم أن النص لم يُرِد أن يقول كل شيء، وأن كثرة القول قد تقتل الحكمة.

ومن ثم؛ فإن مصادرة السكوت التشريعي لا تفضي فقط إلى جمود فقهي، بل تؤسس لنمط من العنف الرمزي والديني، حيث يتحول القول الواحد إلى معيار للإيمان، ويُجرَّد المخالف من شرعيته قبل مساءلته. وقد نبّه الشوكاني والشنقيطي، كلٌّ بطريقته، إلى أن تضييق دائرة الاجتهاد واحتكار الفهم هو من أعظم أسباب الانحراف باسم النص، وأن الشريعة إنما جاءت «لرفع الحرج لا لتعميقه».

وعلى النقيض من ذلك، فإن الشريعة التي تعترف بالسكوت، وتؤسسه أصلًا مقصودًا، تُنتج فقهًا يضبط القوة، ويحدّ من التوحش باسم الدين، ويعيد الاعتبار للتواضع المعرفي بوصفه شرطًا من شروط الإيمان لا نقيضًا له. ولذلك فإن الدفاع عن السكوت التشريعي ليس دفاعًا عن فراغ، بل دفاع عن أخلاق التشريع نفسها، وعن حق المجتمع في أن يفكّر دون تهديد، وأن يختلف دون أن يُدان، وأن يجتهد دون أن يُقصى.

وهكذا يغدو السكوت أحد أقوى أدوات الشريعة في مواجهة العنف، لأنه يضع حدًا لوهم الامتلاك الكامل للحقيقة، وينقل الفقه من منطق الإغلاق إلى أفق المقاصد، ومن وهم الاكتمال إلى وعيٍ تاريخي وأخلاقي أعمق.

***

بقلم: د. بدر الفيومي

لا يعرف اسم فاديم زيلاند (Vadim Zealand) الحقيقي ، وهو اسم مستعار لكاتب ومفكر روسي مشهور في مجال علم الجذب وتطوير الذات،وكان مهندسا للفيزياء الكوانتية، وكاتبا ومدربا في مجال التطوير الذاتي، ومن اهم كتبه (تحول الواقع).

و فيما يتعلق بنظريته المعروفة باسم (التحول) فهي تقوم على فكرة أننا نعيش في "واقع متعدد الأبعاد و نستطيع التأثير في واقعنا من خلال القضايا الاتية:

1. التخلي عن السلبية والتركيز على ما نريده (بدلًا من التركيز على ما لا نريده).

2. استخدام الطاقة النفسية بشكل صحيح لتجنب "المعاكسات" التي تجذب المشاكل.

3. فكرة "السيناريوهات": الكون يعرض علينا سيناريوهات مختلفة، واختياراتنا تحدد أيهانعيش.

4. التوازن والحياد: عدم الانجرار وراء العواطف السلبية أو الإيجابية المفرطة.

5. "المرايا": يعكس الواقع أفكارنا ومعتقداتنا الداخلية.

تُرجمت كتبه للعديد من اللغات وحققت انتشارًا واسعًا في روسيا والعالم العربي.

ومما يؤاخذ عليه انه يستخدم مفاهيم الفيزياء الكوانتية بشكل مجازي أو غير دقيق علميًا، كما ان البعض يعد فكره مزيجًا من الروحانيات وعلم النفس أكثر منه منهجًا علميًا ، بالاضافة الى ان الاخرون يعتقدون  أن أفكاره مشتقة من نظريات قديمة (مثل قانون الجذب) ،مع هذا فشعبيته انتشرت في العالم العربي ، سيما افكار (قانون الجذب-الطاقة الكونية -تطوير الذات

والثقة بالنفس)، و من اشهر افكاره أنت لست ضحية للظروف، بل أنت من يختار الواقع الذي يعيشهعبر أفكاره وطاقته."

ويعتقد زيلاند أننا لا نعيش في كون واحد ثابت، بل في "فضاء من الاحتمالات" حيث توجد نسخلا حصر لها من الواقع متاحة لنا في كل لحظة.

يشبه الأمر بشجرة ضخمة من السيناريوهات المتوازية – كل فرع يمثل حدثًا محتملًا، ونحنننتقل بين هذه الفروع بخياراتنا وطاقتنا النفسية.

والمكونات الاساسية لنظريته تتكون من:

1. فضاء المتغيرات ، وهو مكتبة ضخمة تحتوي على كل ما يمكن أن يحدث في الماضي،الحاضر، والمستقبل ، والواقع الذي نعيشه هو فقط "مسار" واحد نختاره من هذا الفضاء.

2. "المرايا"  وكيف يعكس الواقع داخلك ، فالواقع كمرآة تعكس حالتك الداخلية (أفكارك، مشاعرك، معتقداتك).فإذا ما شعرت أنك ضحية، سيرسل الواقع لك أحداثًا تثبت ذلك، اما إذاشعرت بالثقة والاستحقاق، سينعكس ذلك في أحداث إيجابية.

وما يريده هو ان  لا تغير الواقع مباشرة، بل غير نفسك، فيتغير انعكاسك في المرآة.

3. المعاكسات– قوى الطاقة السلبية ، وهو كيان طاقي يتشكل عندما يركز مجموعة من الناسطاقتهم على فكرة واحدة (مثل دين، نظام سياسي، شركة، عرف اجتماعي) ، وهذه المعاكسات تتغذى على الطاقة الانفعالية للناس (الغضب، الحماس، الخوف) اما هدفها فهو البقاء والسيطرة، حتى لو كان على حساب أفرادها. ونصيحة زيلاند بهذا المجال هو ان لا تعطي طاقتكلها، حافظ على حيادك وعدم الانجرار.

4. الهدف. النية: وهو ما  تريده، لكنك تشعر بأنه بعيد، فترسل إشارة "نقص" للكون يبقىبعيدًا، اما النية فسوف تتصرف كأنه ملكك بالفعل، فتشعر بالاطمئنان ،عندها  يتحقق ، ويعطي مثالا

الهدف: "أريد سيارة" - تركيز على عدم امتلاكها - فستبقى بعيدة.

النية: أنا أختار واقعًا أملك فيه سيارتي- شعور بالامتلاك -فسوف تصل إليك.

آلية عمل "التحول" في الواقع:

1. اختر واقعك من "شجرة السيناريوهات

كل صباح، يستيقظ الكون ويقول لك: "هذه هي السيناريوهات المتاحة اليوم، أيها تختار؟".

إذا فكرت: "سيكون يومًا سيئًا" سوف تختار فرع الأحداث السيئة.

إذا فكرت: "سأتعامل مع ما يأتي" سوف تفتح احتمالات أفضل.

2. قانون (التخلي)

- كلما تشبثت بشيء، هرب منك (لأنك تشعُر بـالنقص).

- التخلي ليس استسلامًا، بل هو ثقة بأن ما يناسبك سيأتي.

- مثل طفل يمسك برملة: كلما أرخى قبضته، استقرت الرملة في يده.

3. الهمس الصباحي و"همس النجوم"

- الهمس الصباحي: تذكير نفسك كل صباح بأنك "سيد اختياراتك".

- همس النجوم: التواصل مع النسخة العليا منك في فضاء المتغيرات (النسخة التي حققت كلما تريده).

كيف تتحرك في هذا الواقع عمليًا؟

خطوات التطبيق:

1. حدد ما تريده

***

ا.د. رحيم محمد الساعدي

” ليست أزمة المعرفة في نقص الحقائق، بل في ضيق الأدوات التي نستخدمها لالتقاط المعنى، فالعقل قد يرى، لكنه لا يفهم إلا بحدود ما تعلّم أن يسأل عنه “.

” كل أداة معرفية تحمل داخلها تصوراً خفياً عن الإنسان والعالم، وما لا تسمح الأداة برؤيته، يُنفى خارج دائرة الفهم “ (الكاتب).

عندما تقرأ وتفهم معنى عبارة: المعرفة أسيرة أدواتها، تدرك بأنها تحذير له دلالاته ومعانيه الابستمولوجية، فالعقل الإنساني لا يرى العالم كما هو، بل كما تسمح له أدواته أن يراه. فالإنسان لا يلمس الحقيقة بيده، بل يتوسطها بعقله، بلغته، بمفاهيمه، وبالمنهج الذي يصنع به طريقه نحو الفهم. ولأن هذه الأدوات ليست بريئة، فهي تصوغ العالم الذي تدرسه على صورتها.

حين ينظر الفيلسوف أو العالم أو الباحث إلى ظاهرة ما، فإنه يفعل ذلك من خلف منظار منهجي محدد، يوجه رؤيته ويقيدها في آن معاً. فالأداة التي تمنحنا القدرة على الفهم، هي ذاتها التي تحدد حدود هذا الفهم. فالمنهج التجريبي، على سبيل المثال، يكشف عن القوانين لكنه يسكت عن المعاني، والاستبيان الكمي يترجم التجربة الإنسانية إلى أرقام، لكنه في الوقت نفسه يختزل غناها الرمزي والعاطفي. وهكذا، تتحول المعرفة شيئاً فشيئاً إلى انعكاس للمنهج الذي صنعت به، لا للواقع كما هو في ذاته.

في هذا السياق، ليست المشكلة في الأدوات بحد ذاتها، بل في وعينا بها. فحين يظن الباحث أن أدواته محايدة، يقع في فخ خفي من الهيمنة، لأن كل أداة تحمل في طياتها تصوراً للعالم، وللإنسان، ولما يعتبر " معرفة " أصلاً. ومن هنا ينبع البعد السوسيولوجي للعبارة: فالأدوات التي ننتج بها معرفتنا ليست معزولة عن بنية المجتمع الذي أنشأها. إنها تعبر عن قيمه، وعن مصالحه، وعن توازنات القوة فيه.

فالمجتمع الصناعي المتقدم، مثلاً، أنشأ أدوات معرفية تهتم بالقياس والضبط والإنتاجية، بينما المجتمعات التقليدية كانت تميل إلى أدوات تستند إلى الحكمة والتجربة المباشرة. في الحالتين، المعرفة تعكس روح المجتمع الذي أنتجها، بقدر ما تعيد إنتاج تلك الروح في وعي أفراده.

أما المنظور النقدي، فيتسلل إلى هذه العلاقة ليكشف ما وراءها من سلطة. فالمعرفة ليست مجرد بحث عن الحقيقة، بل هي أيضاً ممارسة اجتماعية تنطوي على علاقات قوة. الأداة المنهجية يمكن أن تكون وسيلة للسيطرة بقدر ما هي وسيلة للفهم، حين تختزل الإنسان إلى رقم، أو الظاهرة إلى متغير، أو الثقافة إلى نموذج قابل للقياس. وهنا يصبح تحرير المعرفة مرهوناً بتحرير أدواتها من منطق الهيمنة الذي يسكنها.

غير أن التحرر لا يعني التخلي عن الأداة، بل الوعي بها وإعادة تشكيلها. فكل ثورة فكرية في التاريخ الإنساني كانت في جوهرها ثورة في الأداة، حين تحول الفلاسفة من التأمل المجرد إلى الملاحظة التجريبية، وحين انتقل علم الاجتماع من الوصف الأخلاقي إلى التحليل البنيوي، وحين أعادت الثورة الرقمية تعريف مفهوم الملاحظة والتحليل من جديد. ومع ذلك، تظل كل أداة جديدة تقيم حدوداً جديدة للمعرفة، وكأن الفكر يسعى أبداً إلى الانعتاق وهو يدرك أن حريته مؤقتة.

إن إدراك أن المعرفة أسيرة أدواتها هو الخطوة الأولى نحو وعي نقدي حقيقي. فهو لا يدعونا إلى رفض المنهج، بل إلى مساءلته، إلى جعل الأداة شفافة أمام العقل لا متوارية وراءه. فالمعرفة لا تتطور حين نغير ما نعرف، بل حين نغير كيف نعرف. وعند هذه النقطة فقط، يصبح التفكير ذاته فعل تحرر مستمر من قيود أدواته ومن ظلال مسلماته، في رحلة لا تنتهي نحو رؤية أعمق للعالم وللذات معاً.

خلاصة القول إن المعرفة التي لا تراجع أدواتها، تتحول تدريجياً من مشروع وعي إلى نظام دفاعي ضد الأسئلة المقلقة وبالأخص النقدية منها، وهذا ما يحدث في مجتمعاتنا العربية المعاصرة التي لا تمتلك القدرة على مراجعة وتطوير أدوات فهمها وتفسيرها للواقع الاجتماعي المعاصر.

***

د. حسام الدين فياض

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

في لحظة ما، يطرق الوعي أبوابنا بلا استئذان، ويتركنا أمام الحقيقة عراة. لا يسأل عما إذا كنا مستعدين، ولا يمنحنا راحة الجهل، بل يفرض علينا رؤية ما لا تطيقه الجموع، في هذه اللحظة، ندرك أن السؤال لم يعد ترفا، بل موقف وجودي، وأن التمرد ليس اختيارا، بل ضرورة للحفاظ على ما تبقى من الذات.

لم أستيقظ على الوعى ولكني عانيت كثيرا، فجاءني كصدمة باردة، كعين ثالثة فتحت قسرا، فرأيت ما كان ينبغي ألا يرى. منذ تلك اللحظة، لم أعد صالحة للانتماء، ولا قادرة على الذوبان في دفء الجموع. لم يكن الوعي لحظة إشراق، بل لحظة قطيعة. قطيعة مع البديهيات التي تسلم بلا مساءلة، ومع الطمأنينة التي تمنح لمن يتنازل عن حقه في السؤال. في التفكير. وفي التأويل والتأمل والشك. منذ تلك اللحظة، لم أعد أسكن العالم كما يسكنه الآخرون، بل صرت أقف على مسافة منه، أراقبه بعين لا تطمئن، وعقل لا يقبل الاكتمال.

أن تكون واعيا، فذلك معناه أن تنفصل بصمت عن الدفء الزائف للجماعة، أن تكتشف أن ما يسمى بالانتماء ليس دائما سوى حيلة نفسية للهروب من عبء السؤال.  الوعي لا يمنحك الطمأنينة، بل يسلبك لذة الذوبان في القطيع، تلك اللذة السهلة التي تعفي الإنسان من التفكير، وتريحه من قلق الاختيار، وتمنحه شعورا مؤقتا بالأمان.

الواعي يرى ما لا يراد له أن يرى. يلمح الثقوب الصغيرة في الأثواب التي تتزين بشعار الكمال، ويدرك أن ما يلمع ليس بالضرورة نقيا، وأن ما يصفق له الجميع قد يكون أكثر الأشياء خواء. لذلك يصبح الوعي عزلة راقية، عزلة لا تقوم على احتقار الآخرين، بل على الشك، وعلى رغبة صادقة في ألا يعيش الإنسان مستعارا داخل أفكار لا ينتمي اليها.

أدرك الآن ما كان يقصده نيتشه حين تحدث عن القطيع؛ لم يكن يهاجم الناس بقدر ما كان يحذر من الراحة المميتة التي تمنحها الجماعة.  أنا دفعت ثمن هذه الراحة مرفوضة، واخترت قلق السؤال على طمأنينة التقليد، فكان نصيبي اغترابا لا يراه إلا من جرب أن يفكر وحيدا.

أعيش اغترابا لا يراه أحد. ليس اغتراب مكان، بل اغتراب عقل. كما لو أنني وضعت خطأ في زمن لا يحتمل الأسئلة. ديكارت علمني الشك، لكن أحدا لم يخبرني أن الشك يحرق أصحابه، وأن من يهدم المسلمات لا يجد مأوى بعدها. اغترابي ليس مكانيا، بل وجودي. كما قال سارتر، الإنسان محكوم بالحرية، وأنا محكومة بوعي لا يسمح لي بالهرب. أعرف أن بإمكاني أن أعود إلى القطيع، أن أغلق عيني وأعيش بسلام، لكنني فقدت هذه القدرة إلى الأبد. الوعي لا يمنح تذكرة رجوع. اغترابي ليس شعورا، بل موقف. أنا غريبة لأنني لا أقدس ما لا أفهمه، ولا أحترم ما لا يمر على عقلي. سارتر قال إن الإنسان مسؤول عن حريته، لكن أحدا لم يقل لنا إن المجتمع سيعاقبك كلما تحملت هذه المسؤولية بجدية.

نيتشه ايضا لم يكن متطرفا حين جلد أخلاق العبيد، كان دقيقا. هذه المجتمعات لا تريد قيما، بل قيودا. لا تريد إنسانا حرا، بل كائنا مطيعا يتقن ترديد ما لقن له. وأنا رفضت هذا الدور، فصرت نشازا، وصار وجودي نفسه استفزازا. أحيانا أشتهي بساطة الذين لا يسألون، أولئك الذين يعيشون داخل إجابات جاهزة، لكنني حين أحاول، أشعر أنني أخون نفسي. فكما قال كامو، التمرد ليس صراخا، بل موقف داخلي، وأنا متمردة فقط لأنني أرفض أن أعيش حياة لم أخترها. كل اختيار أتحمله وحدي، وكل قلق أدفع ثمنه من احتراق روحي.

أما كامو، فقد فهم العبث جيدا. هذا العالم لا يكافئ الوعي، بل يعاقبه. ومع ذلك، أتمرد. لا لأنني أؤمن بالنجاة، بل لأن الانصياع أقبح من الهزيمة.  تمردي صامت، لكنه عنيد، يشبه الوقوف منتصبة في وجه معنى لا يريد أن يولد.

 كامو فهم أن العبث ليس في العالم فقط، بل في البشر الذين يدافعون عن عبثهم بعنف. وأنا أتمرد، لا لأغيرهم، فقد فات الأوان، بل لأحافظ على ما تبقى مني. تمردي هو آخر خطوط الدفاع عن ذات ترفض أن تتحول إلى رقم..

في القطيع، الحقيقة جاهزة، والرأي موروث، واليقين معلب. أما الوعي فيعيد كل شيء إلى محكمة السؤال، ويجعل من الإنسان خصما دائما للمسلمات. هنا لا يعود الخطأ مخجلا، بل يصبح فضيلة، لأن الخطأ الناتج عن التفكير أكرم من صواب ناتج عن التقليد.

أن تكون واعيا يعني أن تتخلى عن راحة التصفيق الجماعي، وأن تتحمل ثقل الوقوف وحيدا حين يجلس الجميع. أن تدفع ثمن الرؤية وضوحا مؤلما، وأن تكتشف أن الكمال الذي يروج له ليس سوى قناع يخفي تحته خوفا عميقا من الاختلاف.

أنا لا أبحث عن الخلاص، ولا أطلب الفهم. كل ما أريده هو ألا أعود. ألا أرجع تلك المرأة التي كانت تصدق بسهولة، وتبتلع الأكاذيب كي تنام.  الوعي أخذ مني السلام، لكنه منحني نفسي.

وهذا، رغم كل شيء، ثمن أدفعه وأنا واقفة على قدماي وفي قمة اتزاني. أنا لا أدعي امتلاك الحقيقة، كل ما أملكه هو هذا القلق النبيل، وهذه المسافة بيني وبين العالم. مسافة موجعة، لكنها صادقة. ففي عالم يقدس الذوبان، يصبح الوعي شكلا من أشكال الشجاعة، ويغدو الاغتراب ثمنا لا مفر منه لمن قرر أن يرى بعينيه، لا أن يساق.

ما أريده فقط هو ألا أُستدرج مرة أخرى إلى يقين لا أفهمه، ولا أُقايض وعيي براحة زائفة. لقد تعلمت أن السلام الذي يشترى بإلغاء العقل ليس سلاما، وأن الانتماء الذي يبنى على الصمت ليس سوى شكل مهذب من العبودية.. أنا لا أنتمي إلا لهذا الوعي الذي أبقاني انسانه.

سأبقى في هذه المسافة، حيث لا دفء القطيع ولا عزلة الجهل، بل مواجهة عارية مع الذات والعالم. مواجهة موجعة، لكنها الوحيدة التي لا تخونني.  فالوعي، مهما بدا قاسيا، هو الشكل الأخير من الكرامة الإنسانية، والتمرد، وإن بدا بلا أفق، هو الاعتراف الصادق بأنني أرفض أن أعيش أقل مما أنا انا عليه الآن من وعي بنفسي والعالم.

***

ابتهال عبد الوهاب

تجمع غالبية المصادر السوسيولوجية الانثروبولوجية على حقيقة مفادها؛ أن الإنسان ليس فقط (صانع للرموز) وإنما هو كائن مغمور بها ومتماهي معها، بحيث لا يمكن له أن يأتي بأي نشاط اجتماعي أو يبادر بأي فاعلية ثقافية دون أن تكون مشحونة بالرموز ومعززة بالتمثلات، التي عادة ما تكون رابضة في قيعان الذاكرة التاريخية وراكسة بين ثنايا المتخيل الجمعي . وعلى هذا الأساس لا تألوا نظم الحكم السياسي جهدا"في توظيف تلك الرموز واستثمار تلك التمثلات، كلما دعتها الحاجة لتبرير مواقفها وتسويغ سياساتها وشرعنة سلطتها، واضعة نصب عينيها حقيقة ان الإجماع الذي توفره تلك الرموز والتمثلات يصعب على أية جهة معارضة أو معادية اختراق شباكه وتفكيك عناصره، حتى وان كانت ترزح تحت وطأة مظاهر الطغيان السياسي والحرمان الاقتصادي والارتهان الإيديولوجي .

ولأجل توضيح العواقب الاجتماعية والتداعيات السياسية والتبعات الحضارية التي قد تنجم عن انشطار الذاكرة التاريخية، حري بنا الإشارة الى ضرورة التمييز ما بين مفهوم (الذاكرة الاجتماعية) وبين نظيرة مفهوم (الذاكرة التاريخية)، اللذان يتواتر ذكرهما بكثافة في أغلب البحوث والدراسات السوسيولوجية والانثروبولوجية والسيكولوجية، دون الاهتمام بما يشتملان عليه من فوارق واختلافات دلالية . ذلك لأن الفرق بين الذاكرة الأولى والذاكرة الثانية فرق كبير واختلاف نوعي، يستحسن بالباحث المعني ألاّ بجهل أو يهمل تلك الفوارق والاختلافات وإلاّ فإنه سيكون عرضة لارتكاب الكثير من الأخطاء والوقوع في العديد من المغالطات . ولعل ما يحدث في واقع معظم المجتمعات المتصدعة والمفككة من حساسيات نفسية وانقسامات اجتماعية وصراعات سياسية، قمين بإظهار تبعات ما قد ينجم عن ذلك الإهمال أو التجاهل، ليس فقط في مضمار الخطابات المتشنجة والتصورات المحتقنة فحسب، بل وكذلك في مجال العلاقات المجيشة والسلوكيات المستنفرة .

فعلى الرغم من واقعة التشابه بين كلا المفهومين على صعيد الاشتغال في مجالات (الذاكرة السردية)، إلاّ أنهما لا يلبثان أن يفترقا على صعيد الفعل والتأثير في (السياقات الواقعية) . ففيما تستمد الذاكرة (التاريخية) أهميتها من كونها مقترنة بالسيرورات التاريخية التي يفترض أن أحداثها وقعت في الماضي وتعاقبت على تناقلها الأجيال كموروث مثخن بالرموز، الأمر الذي أكسبها ميزتين أساسيتين؛ الأولى وتتمثل بطابع (الثبات) النسبي في مضامير الوعي الجمعي والمتخيل التاريخي، بحيث ان دلالاتها القيمية والرمزية لا تسقط أو تضمحل بالتقادم الزمني، وذلك لكونها تعتمد في سردها وتدوينها على مصادر (الدين) و(الأسطورة) بشكل أساسي . والميزة الثانية تتجلى عبر خلقها نوع من (التوافق) العرفي والقيمي بين مختلف المكونات التي يتشكل من نسيجها المجتمع . هذا في حين تمتح الذاكرة (الاجتماعية) نسغ ديمومتها ودينامياتها من معين جدليات وتناقضات الواقع المعيش، الذي تتقاطع في إطاره الارادات، وتتصارع ضمن نطاقه الجماعات، من منطلق ارتكازها على ما تستدعيه أهداف (السياسة) من نوازع ومصالح (الاقتصاد) من منافع . وهو ما يسبغ عليها طابع (التغيّر) الدائم في المضامين، و(التبدل) المستمر في الاهتمامات .

وعلى أساس ما تقدم، يمكن القول إنه - على عكس ما يتوقع من الذاكرة (الاجتماعية) - يفترض بالذاكرة (التاريخية) أنها (توحد) أكثر مما (تفرّق)، و(تجمع) أكثر مما (تقسّم) . من حيث كونها تشتمل على كل يجعل الإنسان فخورا"بماضيه وشديد الاعتزاز بتاريخه، بصرف النظر عن مقدار ما تمثله من أحداث واقعية ومعطيات معاشة، لاسيما وان مواريث كلا المجالين (الماضي) و(التاريخ) غالبا"ما تستوحي قيمتها من (الدين) قداسته ومن (الأسطورة) رمزيتها، بحيث يمنحاها هامشا"لا يستهان به من (الحصانة) الاعتبارية إزاء كل ما يعرضها للنقد الموضوعي ويسوقها للمساءلة المشروعة . ولذلك، فالويل للمجتمعات التي لا توحّد جماعاتها سردية تاريخية مشتركة، ولا تجمع مكوناتها منظومة دينية موحدة . إذ كلما حاولت الذاكرة (الاجتماعية) رأب الصدوع وترميم الشروخ الناجمة عن الاختلاف في الرؤى والتباين في المصالح، لتخطي الخلافات الجانبية وتجنب الصراعات البينية التي من شانها إهدار الكثير من الفرص وفقدان الكثير من الامتيازات، كلما تدخلت الذاكرة (التاريخية) لتأجيج تلك الخلافات وتسعير تلك الصراعات، بوازع من دعاوى (الأحقيات) الفئوية و(الأفضليات) العصبوية التي طالما كانت – ولا تزال – السبب الرئيسي بخراب ودمار تلك المجتمعات، ومن ثم إعاقة خروجها من دوامات العنف السياسي والتخلف الاجتماعي والفوات الحضاري .

***

ثامر عباس

إعادة بناء التاريخ المصري في اعمال السيد القمني

كتب: وائل أبو عقصه*

ترجمة: علي حمدان

***

توسيع حدود التراث: تعدد الماضي، وتنويع الحاضر

في كتابه "الأسطورة والتراث" (1991)، يؤكد القمني أن الاهتمام الكبير الذي أبداه الباحثون العرب بموضوع التراث كان نتيجةً لفشل مشروع الحداثة العربية الذي تبناه المفكرون والأنظمة الثورية التقدمية ويتابع قائلاً: "إلى هذا الفشل العام، لم يجد الفكر العلماني العربي قاعدة اجتماعية راسخة في المجتمعات العربية". ويعزو السبب الأبرز لهذا "التوجه الهائل" نحو الماضي إلى الأثر السلبي لإسرائيل على جيرانها. إضافةً إلى الجرح الغائر للفخر القومي العربي، قدّم النظام الإثني الديني الإسرائيلي نموذجا لاتجاهات مماثلة في البيئة العربية.

يوضح القمني أن "الجماهير العربية" تشعر بالحاجة إلى أيديولوجية جماعية تستمد مرجعتيها في الإسلام. فبالنسبة لهم، يصبح الإسلام المُؤَدلج بالنسبة لهم أمة وعرق"، وبالتالي يشمل جميع المسلمين في كل مكان. ويتابع قائلاً إن المنطق الأيديولوجي الذي تجاوز هذا التجنيد الهائل، أطال المواجهة مع إسرائيل وحوّل النزاع العربي الإسرائيلي إلى نزاع مسلم-يهودي - صراع بين "أفضل أمة أُخرجت للبشرية [الشعب المسلم] ضد الشعب المختار [الشعب اليهودي]".

هكذا يفهم القمني، الذي يعتبر نفسه ابنًا لهزيمة عام 1967الحنين العربي إلى التراث. مثله مثل العديد من العلمانيين السابقين، وخاصة الماركسيين، يعتبر هذا الانخراط الفكري نتيجة ازمة ثقافية عميقة. أدت هذه الأزمة إلى تقديس مفهوم التراث، الذي شكل جوهر الشرعية في النهضة العربية المنشودة. من هذا المنظور، تشكل أعمال القمني محاولة مستمرة لإعادة تعريف، وتوسيع، وتحدي التعريفات التي تطورت في سياق الأزمة الثقافية. يُعرّف التوجه الأيديولوجي الذي شكل تفسيره للتاريخ بأنه الليبرالية، التي تبناها كـ "مبدأ، أيديولوجية ونموذج لإنقاذ" مصر.

على غرار المدرسة المصرية الليبرالية القومية في فترة ما بين الحربين العالميتين، التي أسسها أحمد لطفي السيد وطه حسين، يتبنى القمني الليبرالية كأيديولوجية شاملة. ففي حالته، لا تقتصر الليبرالية على كونها جوهر موقفه من التيارات السياسية والقيم الاجتماعية والدينية فحسب، بل إنها تُشكّل أيضًا تصوره للتاريخ والذاكرة الجمعية. ويؤكد القمني أن التعريف العربي للتراث لا ينبغي أن يقتصر على التراث الإسلامي العربي في العصور الوسطى، كما حدده المفكرون القوميون العرب والسياسيون. يرى أن الحدود الزمنية للتراث ينبغي أن تشمل أيضاً تاريخ ما قبل الإسلام وما قبل العرب للجانب الشرقي من البحر الأبيض المتوسط، ولا ينبغي حصر بدايته في "عصر التدوين".

يشير القمني إلى هذا النقد في "مشروع" الجابري الذي بدأ بكتابه "نحن والتراث" (1980)، واستمر من خلال سلسلته كتاب "نقد العقل العربي" (2002). الجابري، الذي ينحدر من خلفية عربية جامعة، حصر تعريفه للتراث في التاريخ الإسلامي العربي، وتحديدًا في عصر التوثيق في القرن الثامن الميلادي. يرى أن هذا العصر شهد بداية تطور العقل العربي، أو الوعي التاريخي العربي. وقد مثلت هذه التعريفات الزمنية بداية بناء ما سيُعرف بالتراث، أو كما يقول الجابري، "إطار الشرعية والإحالة إلى الجانب العربي من الأمور". وآخرون، مثل محمد أركون، وسّعوا تعريف التراث ليشمل "التقاليد الإسلامية الواسعة"، بحيث يمكن أن ينعكس مظهره في الأساطير والقصص الشفوية. وقد لعبت هذه العناصر دورًا فاعلًا في تشكيل "الخيال" الذي شمل في مراحل لاحقة في مسيرة أركون التراث المتوسطي التوحيدي.

يُوسّع القمني، الذي يكتب بصفته مصريًا لا عربيًا أو مسلما التعريفات الزمنية للتراث. ويؤكد أن المثقفين العرب والإسلاميين يستخدمون هذه التعريفات لتأسيس الذاكرة التاريخية والهوية السياسية، وهي عملية تنظر إلى التاريخ القديم على أنه غريب أو تعترف به فقط بعبارات سلبية، مثل الجاهلية، أي "العصر البربري" الذي حكمه الطغاة والزنادقة.

يرى القمني أن مفهوم الذاكرة الوطنية لمصر كقصة تبدأ بالفتح الإسلامي لعمرو بن العاص في القرن السابع الميلادي هو مفهوم خاطئ تماماً. فقد بدأ تاريخ مصر قبل ذلك بآلاف السنين، وسجل تاريخها القديم أول مملكة في تاريخ العالم.

لا تقتصر الموروثات التاريخية المصرية على التاريخ العربي فحسب، بل تشمل أيضًا التاريخ الفرعوني واليوناني والروماني والمسيحي والإسلامي. ينبغي إدراج جميع هذه الموروثات في تعريفات تاريخ مصر والدول العربية المجاورة لها. يرى القمني أن المرحلة التاريخية العربية والإسلامية لمصر هي إرث احتلال لا يختلف عن إرث الرومان أو أي ثقافة أخرى أثرت بعمق في النسيج المصري المحلي. ويجادل بأن الفتح الإسلامي لمصر كان في الواقع شكلاً من أشكال الاستعمار تضمن الاستيطان وفرض ثقافة أجنبية.

لا يقتصر مفهوم القمني للتراث على مجرد ادعاءٍ بالتاريخ الوطني؛ بل إن تعريفه قائم على حججٍ وضعية. والمنهجية التي يقوم عليها تتأثر بشدة بأعمال المؤرخ السوري المتخصص في الأديان والأساطير القديمة، فراس السواح، ومؤلفات من مجالاتٍ كالفرويدية والبنيوية. وتستند افتراضات القمني النظرية على فكرة أن الناس يميلون بطبيعتهم إلى تفسير حياتهم ووجودهم. ويتجلى هذا الميل في اللغة والدين والأساطير، وكل تعبير ثقافي يُستخدم للحفاظ على بنى المعنى الخفية. وبهذا المعنى، يُنظر إلى تاريخ المنطقة على أنه متسق، قبل وبعد ظهور التوحيد.

يستخدم القمني هذه المنهجية لتفسير تاريخ الأديان في سياق الصراعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية على السلطة. ويسلط الضوء على العلاقات بين الأديان التوحيدية، والأساطير والتقاليد الوثنية ما قبل الإسلام وما قبل التوحيد. ويتأصل نهجه العلماني في تصوره القومي، الذي يفترض أن جزءًا من ثقافة مصر القديمة قد تحول ونجا من التوحيد والإسلام. ويتسم نهجه بالعقلانية، إذ يؤكد أن العقلانية تتجاوز تطور الأساطير والأديان وتحولاتها.

على عكس القوميين العرب، والإسلاميين اليساريين، والليبراليين مثل الجابري، وحسن حنفي، وزكي نجيب محمود، الذين سعوا إلى التأكيد على التقاليد العقلانية داخل الإسلام، وبالتالي إهمال أو تجاهل التقاليد الأخرى التي يعتبرونها غير عقلانية، يرى القمني أن فهم التاريخ دون عنصر الأساطير ليس دقيقًا ولا علميًا لأنه يتجاهل تأثير التقاليد الجاهلية على الإسلام. وينتقد هذه المناهج الانتقائية بحجة أن هؤلاء الكتاب يعتبرون الأسطورة خرافة، وقد أشار القمني إلى أن تجاهل دور الأسطورة في صياغة التوحيد يشوه التاريخ الوطني بفصل شعوب المنطقة عن تراثها الوطني.

في كتابه "رب الثورة"، أطروحته للدكتوراه التي نُشرت لاحقًا ككتاب، ركّز القمني حصريًا على التاريخ الفرعوني. وناقش تطور فكرة "الإيمان بالأبدية" في مصر القديمة. هذه الفكرة، وفقًا لتفسيره، هي نموذج أولي لمفهوم الإله الموحد ككيان أبدي ويفسر تطور هذا المفهوم في مصر القديمة كنتيجة للصراع الاجتماعي بين الطبقات الدنيا والعليا. هذا الصراع أدى إلى الثورة التي أنهت الأسرة السادسة ومثّلت ظهور آلهة جديدة تُعنى بمصالح عامة الشعب بدلاً من الأرستقراطية. من بين استنتاجات القمني الادعاء بأن الديانة المصرية القديمة كانت أول من أنتج فلسفة ما وراء الطبيعة، حتى قبل الإغريق، وأن العقيدة المصرية القديمة احتوت على فكرة الخلق كنتيجة للوغوس وقدمت نموذجًا أوليًا لفكرة الجنة والنار. بالإضافة إلى ذلك، كانت أفكار شائعة مثل الخلود، والبعث، والخلاص، وطقوس مثل المعمودية والحج قد تطورت بالفعل في مصر القديمة.

يُفصّل القمني هذه الحجج في كتابه "الأسطورة والتراث"، مُجادلاً بأن:ظهور التوحيد هو المرحلة الأخيرة في تطور الدين، الذي يبدأ بـ "طقوس مُخصصة للطبيعة، وعبادة الأجداد... والشرك وإله قومي" وينتهي بـ "الإله الكوني" . وانطلاقاً من هذا الافتراض، يستكشف القمني تحوّل الأساطير عبر الديانات الوثنية القديمة إلى اليهودية والمسيحية والإسلام. ومن بين الأفكار والطقوس المُتحولة العديدة التي يصفها: مفهوم المسيح أو النبي الملك؛ فكرة التضحية؛ قصة الطوفان؛ وقصة الخلق. خصص كتابه "قصة الخلق" (1994) لهذا الموضوع، مقارنًا بين الروايات الأوغاريتية والبابلية لقصة الخلق والروايات التوحيدية اللاحقة.

باستخدام هذا التفسير، يجادل القمني بأن جزءًا من التراث الإسلامي للشعب المصري ذو أصل أجنبي، ومستمد من القصص التوراتية. هذه القصص موروثة من ثقافات ما قبل العبرية، جمعها العبرانيون القدماء، وحرّفوها لتناسب دينهم القومي، ولتبرير احتلالهم وتأسيس مملكتهم.على سبيل المثال، تُفسَّر قصة قابيل وهابيل التوراتية، وفقًا لمنهجه، على أنها قصة تُظهر الله مُفضِّلًا العبرانيين الرحل (الذين يُمثِّلهم هابيل الراعي) على المصريين والكنعانيين والبابليين، وهم سكان المنطقة الزراعيون (الذين يُمثِّلهم قابيل).

انطلاقًا من هذا التصور للتاريخ القديم، يجادل القمني بأن القومية العربية والإسلام السياسي قد تبنّيا روايات عبرية أجنبية (الإسرائيلية) حول التاريخ الوطني لشعوب المنطقة هذه قدّمت الروايات الفرعونية والكنعانية وغير العبرية لشعوب المنطقة بصورة سلبية. وتم تصوير تاريخ المنطقة قبل العرب وقبل التوحيد كعصر من الهرطقة والهمجية. وقد تبنّت المسيحية والإسلام هذا التراث المشوّه وقامت القومية العربية والإسلام السياسي بإضفاء الطابع المؤسسي عليه. لذا، فإن تعريب أو أسلمة التراث يُعدّ بالضرورة تشويهاً تاريخياً للذاكرة الوطنية وللتراث الأصيل: "إن غياب الوعي الحقيقي بالتراث الأصيل، كنتيجة لغياب التوجه النقدي، هو الخطر الحقيقي الذي يُهدد هذه الأمة [مصر]... وهو أسوأ أنواع الاستعمار." هذا المفهوم هو الأطروحة الرئيسية التي استندت إليها أعمال القمني في التاريخ القديم. من منظور سياسي، تُفكك أعماله في هذا السياق القصص التوراتية من خلال تقديم روايات بديلة وعلمانية عن أنبياء اليهودية، المسيحية، ثم الإسلام لاحقًا، وبذلك أعاد بناء التاريخ الوطني لـمصر والدول المجاورة لها. وختامًا، فإن نقد القمني الليبرالي للتراث لا يقتصر على التاريخ العربي والإسلامي فحسب، بل يشمل أيضًا التاريخ القديم قبل العرب وقبل الإسلام.  يرتكز تصوره على منهج علماني يعتبر التعريفات العربية والإسلامية للتراث امتدادًا للتوحيد. ومن خلال توسيع النطاق الزمني للتراث، سعى القمني إلى تقديم خطاب سياسي بديل لكل من القومية العربية والإسلام السياسي. وتختتم الرسالة السياسية لأعماله التاريخية بالقول ان جميع روايات الأديان التوحيدية، بما فيها الإسلام، تؤكد في الواقع أسس الصهيونية. كان توحيد الخصوم الداخليين (القومية العربية والإسلام السياسي) والخصوم الخارجيين (الصهيونية) استراتيجيته الحاسمة. وفي هذا الصدد، شكّل رفض الدولة العرقية الدينية والتطلع إلى نموذج ديمقراطي ليبرالي نظرته إلى موضوعين أساسيين: الدين والهوية الجمعية.

***

......................

* محاضر اول في الجامعة العبرية في القدس.

الأحتراق النفسي.. مفهوم او متلازمة تمت صياغته من قبل عالم النفس الأمريكي "هربرت فريودنبرج" في السبعينات لوصف عواقب الإجهاد النفسي الشديد، وتلك التي يتعرض لها الأطباء والممرضات بسبب مساعدتهم للآخرين الذين نصفهم بأنهم (شموع تحترق من أجل الآخرين).

ولقد شاع هذا المفهوم في الصحة النفسية التي تدّرس في الجامعات ليشير الى:

 حالة من التعب والاحباط وهبوط الأداء الوظيفي ناجمة عن ضغط الجهد النفسي في العمل، أو من جراء التكريس لقضية معينة، او لطريقة معينة في الحياة، او لعلاقة معينة.. ولكنها تفشل في انتاج الغاية المطلوبة.

لفت اهتمام علماء النفس المتخصصين بالصحة النفسية بعد ان اصبح ظاهرة مؤسساتية أصابت عددا من العاملين في المؤسسات الصحية والتربوية والاجتماعية والعاملين في البنوك، فتحول هذا الاحتراق الى ما يسمى (سايكولوجيا المنشأت والمنظمات والمؤسسات).. وبينها ما حصل في العراق خلال العشرين سنة الأخيرة.

وتسأل عن اسباب الأصابة بهذا الأحتراق فنوجزها:

 التركيبة الشخصية للفرد الذي يكون واقعا" تحت تأثير اتجاهات فكرية ووظيفية غير واقعية، كأن يرسم لمستقبله اهدافا" لا يستطيع تحقيقها على مستوى الواقع فيصاب بخيبة امل واحباط تؤدي الى احتراقه نفسيا" وقد حصلت لكثير من الشباب الخريجين في السنوات العشرين.

 و حين تسود بيئة العمل التنافر والبغضاء والحسد وتلقط الاخطاء، واتباع الادارة اسلوبا" سلطويا" لا يحترم انسانية العاملين، وقد حصل ايضا لأن اختيار الأدارات في العراق لا يتم على أساس الكفاءة، بل الانتماءات الحزبية والولاءات.

غير أن أهم أسبابه:

 شعور الموظف بالحيف حين يرى ان ما يتقاضاه لا يساوي ما يبذله من جهد فكري وتعب جسمي، وهذا ما حصل للعراقيين في سنوات الحصار الثلاث عشرة العجاف.. فراتب المعلّمة - في سبيل المثال – كان لا يساوي ثمن حذاء لها. او حين يشعر الفرد الكفوء أنه مغيّب أو مهمّش، وأن من دونه كفاءة يأمر وينهي ويجلس على كرسي أكبر من حجمه بكثير كما هو حاصل الآن،حتى على صعيد الوزراء كما هو الحال في وزارات التربية والتعليم العالي والنقل.. وسبع اخرى!.

 أو حين يشعر أن الحال قد تردّى وصار على وصف الشاعر: (تمزقت حتى لم أجد فيك مرقعا) فيكفر بالقيم والوطن.

هل يحدث فجأة؟

لا يحدث الاحتراق النفسي فجأه بل يمر بمراحل:

 الاولى: مرحلة الحماس الوظيفي، وفيها يكون الموظف (طبيب، مدرّسة..) في قمة نشاطه الايجابي، مفعما" بالتفاؤل والتوقعات الكبيرة بانجاز اشياء متميزة في مجال اختصاصه. وغالبا" ما يرفض الفشل في عمله ولا يقبل الا بالانجاز الكامل.

 الا أنه بعد سنوات يدخل المرحلة الثانية: الركود.. وفيها تنخفض الطموحات ويدرك الموظف " الطبيب النفسي مثلا " انه محدود بالمتغيرات الموجودة في البيئة الطبية والاجتماعية التي يعيش فيها، وانه لن يستطيع ان يغير ما يريد بمحض ارادته وحماسه لفعل ما هو افضل، وان الأمراض النفسية صارت كالوباء، وأنها ستبقى موجودة مهما كانت براعته. 

 واذا لم يكن واقعيا" في نظرته المهنية، فانه ينحدر الى المرحلة الثالثة: الاحباط، وفيها يكتشف ان كل نظرياته الوردية السابقة اصبحت باهته لا لون لها، وانه محدود جدا" فيما يريد ان ينجز، وانه لن يغير ولن يستطيع ان يغير. وفي مرحلة الاحباط هذه ستظهر عليه اعراض نفسية وبدنية ناجمة عن الشعور بالانهاك والارهاق والالام البدنية. 

 اذا استمر هذا الحال فانه يدخل المرحلة الرابعة: التبلّد،وفيها يكون يائسا" من التغيير، تسيطر عليه حالة من عدم المبالاة والسخرية والتهكم من كل شخص يفكر تفكيرا" ايجابيا" بالتغيير او تحسين الاوضاع بالمؤسسة التي يعمل فيها، وكأن لسان حاله يقول لكل من يفكر بأشياء جديدة للتحديث: لا فائدة من ذلك لقد حاولنا قبلكم وفشلنا.

والتساؤل:

 ترى كم من العراقيين أصيبوا بالاحتراق النفسي على مدى أربعين عاما من احتراقات بكل الوان النار؟!. بل لك أن تقول: كم منهم لم يحترق نفسيا ومع ذلك ما يزال متعلقا بالحياة.. وبالوطن؟!

***

د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

تعقيباً على مقالة باسم الموسوي "نقد نقد الحكم الديني"

هذه قراءة نقدية في دراسة مطولة بعنوان "نقد نقد الحكم الديني" بقلم الباحث باسم الموسوي. ولأن هذه الدراسة مهمة ونوعية وعميقة بحثياً، ورغم إنني أختلف مع مضمونها جوهريا، فقد أوليتُها اهتماما خاصا وتوقفت تحليليا عند فقرات مهمة منها ضمن قراءة نقدية أولية سريعة. قراءتي النقدية هذه لن تشمل غالبية مكوناتها للأسف بسبب انشغالاتي الكتابية الراهنة، ولكني سأحاول أن أركز قراءتي على نقطة أو نقطتين مركزيتين في موضوع الحكم الديني والدولة الحديثة وموقف النقد العقلاني التحرري منهما. وستجدون رابطا يحيل إلى نص الدراسة الكامل بعد فقرات قراءتي فيها ولها:

مماثلة سلطة القداسة بسلطة العقل

يبدأ الباحث مقالته بالتشكيك في "تحررية" الأطروحة التأسيسية لنقد الحكم باسم الدين، معتبرا أن هذه الأطروحة الذاهبة إلى أن "ربط السلطة بالقداسة يؤدّي حتما إلى تعطيل المحاسبة، وإلى تحويل الدين إلى أيديولوجيا قمع، هو ربط افتراضي لم يُساءَل نقديا بما يكفي". الباحث وإنْ كان يعترف بوجاهة هذا النقد، ولكنه يعتقد أن الافتراض القائل بأن "نزع الدين من الحكم يفضي تلقائيا إلى سياسة عقلانية، محايدة، وغير قمعية هو نقطة ضعف النقد لا قوّته".

بكلمات أخرى، فالباحث هنا ينقل النقد من مستوى التعارض المفاهيمي بين حكم ديني مسلح بقداسته الخاصة وغير قابل للمساءلة والمحاسبة النقديتين ونهج نقدي عقلاني يريد حكم سياسي ملموس وخاضع للمساءلة والمحاسبة البشرية، ثم يأخذ على المنطق الناقد للحكم الديني أنه يفترض نقلة تلقائية نحو سياسة عقلانية محايدة وغير قمعية. هذه النقلة متوهَمة تماما ولم يقل بها أكثر الباحثين التأسسيين التحرريين مبالغة في مناهضة الحكم الديني. لنلاحظ أن الباحث يختلق منطقا عقلانيا مليئاً بالثقوب وعلى مقاسه الخاص ليسهل له نقده ودحضة لاحقا بسهولة. إذْ ليس هناك منطق نقدي عقلاني فعلي على أرض الواقع وفي التجربة التاريخية يقول بهذه النقلة التلقائية أو يعفي نفسه من النقدية العقلانية فلا يطبقها على نفسه. بمعنى؛ حتى إذا وُجد افتراضا، ما يشبه هذه النقلة التلقائية أو يماثلها أعراضاً، فهو- أي هذا المنطق - ليس بمنجاة من النقد العقلاني ذاته. وسجل تجارب الحكم التي يمكن وصفها على سبيل التعريف بالتحررية أي غير الدينية لم يقدم تجربة خالية من العيوب والأخطاء كهذه.

إن الباحث لا يجيب على سؤال مقابل محتمل يقول: هل أن نزع العقلانية والتحررية القائمة على المحاسبة والانتخاب الحر من الحكم، والأخذ بقواعد الحكم المقدس الديني غير القابل للمحاسبة، أفضت تلقائيا إلى سياسة عقلانية، محايدة، وغير قمعية في التجربة التاريخية؟ وهذا السؤال افتراضي ولا تاريخي وخالي من المضمون كسابقه. أليست النقدية العقلانية التحررية هي بمثابة ردة فعل على "لاعقلانية" الحكم باسم الدين أحيانا وباسم الطاغية الفرد اللاديني أحيانا أخرى، والذي يقوم جوهره كسلطة على خدعة مفادها إنه "حكم بشري فئوي أو طبقي أو فردي استبدادي تذرع بالنص الديني أو بقداسة الطاغية ليديم سلطته وقمعه"؟  هل الخلاف هو إذن بين جوهرين الأول ديني والثاني لا ديني، أم بين نموذجين للحكم؛ الأول تحرري والآخر استبدادي قد يكون ديني وقد لا يكون؟

فوكو والحداثة والمقدس

يستعين الباحث الموسوي بالفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو صاحب «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي» ومبتكر مصطلح «أركيولوجية المعرفة»، ومنتفعا معرفيا من مفهوم فوكو الذاهب إلى أن "السلطة لا تعمل فقط عبر القانون أو السيادة أو الخطاب الديني الصريح، بل عبر أنظمة معرفة تُنتج ما يُعتبر عقلانيا، طبيعيا، أو بديهيا. حين يُنتقد «الحكم باسم الدين»، ولا ينتقد في الوقت نفسه الحكم باسم العقل، أو باسم الأمن، أو باسم الدولة الحديثة، فإنه يُعاد إنتاج تراتبية معرفية تجعل من بعض أشكال السلطة غير مرئية، وبالتالي غير قابلة للنقد".

ورغم أن الموسوي لا يوثق اقتباساته هذه من فوكو أو غيره توثيقا أكاديميا ولكني سأتعامل معها على أساس الثقة البحثية وبافتراض إنها اقتباسات دقيقة ترجمةً و نقلا، وأقول: هنا يقع الباحث في التباس كبير فهو يعول على مقولة فوكو بعدم اشتغال السلطة - السلطة عموما هنا - عبر القانون أو السيادة ثم يضيف إليهما "أو الحكم الديني" وليس ثمة مساواة في الماهية هنا، دع عنك أن فوكو يريد الافتراض إن الأنظمة المعرفية في كل سلطة سواء كانت دينية أو غير دينية تفعل فعلها في جعل "بعض أشكال السلطة غير مرئية، وبالتالي غير قابلة للنقد"، وهذا الافتراض سواء صحَّ أم لم يصح هو خارج نطاق دفاع أو تبرير الحكم الديني. أما في الفقرة التالية التي يقول فيها الباحث – الموسوي – إن فوكو يظهر "أن الحداثة لم تلغِ المقدس بل أعادت توزيعه فالدولة الحديثة لا تحكم باسم الله، لكنها تحكم باسم مفاهيم لا تقلّ إطلاقية: النظام، الصحة العامة، الأمن القومي، التنمية، المصلحة العامة. هذه المفاهيم لا تُطرَح بوصفها خيارات سياسية قابلة للنقاش، بل بوصفها ضرورات لا بدّ منها. وبهذا المعنى، فإن نقد «القداسة الدينية» من دون نقد قداسة الدولة الحديثة يظلّ نقدًا انتقائيًا".

أما هذه الفقرة، فالتساؤل الكاشف هو؛ لكن من قال "إن هذه المفاهيم حول النظام، الصحة العامة، الأمن القومي، التنمية، المصلحة العامة لا تُطرَح بوصفها خيارات سياسية قابلة للنقاش بل بوصفها ضرورات لا بد منها"، هل هو فوكو أم الموسوي استنباطاً، ونسبها القائل إلى مناهضي الدولة الدينية والحداثيين؟ وكيف يستقيم هذا القول والمفاهيم الحداثية ذاتها ومنذ بداياتها قائمة على الجوهر النقدي الذي لا تستثني شيئا من نيران نقده؟

التجربتان الدينية واللادينية تاريخيتان

والحال، فهذا الكلام في المحصلة الأخيرة لا يعني شيئاً على صعيد الوقائع والمفاهيم؛ فلا هو جعل الحكم الديني أكثر عقلانية ولا هو دحض عقلانية الحكم اللاديني. فالثابت أن كلا التجربتين في الحكم - الديني وغير الديني - كانتا بشريتين تاريخيتين، وكانتا موضوعا للنقد العقلاني. وبمقدار ما تحصنت كل تجربة في تطبيقاتها وإفرازاتها المؤسساتية بما هو عقلاني وإيجابي بمقدار ما صمدت أمام نقد العقل. إن مفهوم الحداثة على غموض ماهيته وتعقيدها، يتداخل بشكل عميق مع التجارب البشرية في الحكم مع الجوهر والنزعات العقلانية التي قد يفرضها الواقع أو قد تأتي نتيجة اجتهادات عبقرية لقيادات فلسفية وسياسية خاصة في ظروف تاريخية خاصة. وعلى هذا سيكون قول الموسوي "إن نقد «القداسة الدينية» من دون نقد قداسة الدولة الحديثة يظلّ نقدًا انتقائيًا" قولا نافلا وقليل الحصيلة المضمونية طالما إنَّ أحدا لم يحصن الدولة الحديثة ضد النقد العقلاني ولكن ما يريدون تحصينه واعتبارها مقدسا لا بشريا وغير قابل للنقد أو المحاسبة هو الدولة الدينية. أما محاولة إضفاء طابع شبه مقدس على الدولة الحديثية فلن تكون طريقة غير منتجة في الهجاء الفكري.

يتكرر هذا الخطأ المنهجي في قول الباحث إن "الأخطر من ذلك أن النقد يفترض نموذجا معياريا للدولة، غالبا ما يكون مستمدا ضمنيا من التجربة الأوروبية، ثم يقيس عليه تجارب غير أوروبية بوصفها انحرافات. "..." وفق هذا المنظور، لا يكون «الحكم باسم الدين» مجرد خطأ فكري داخلي في المجتمعات الإسلامية، بل نتيجة احتكاك عنيف بين أنماط حكم محلية وتشكّلات دولة حديثة فُرضت عبر الاستعمار أو ما بعده. إنّ نقد الدين بوصفه عائقا أمام الحداثة السياسية يتجاهل أن الدولة الحديثة نفسها دخلت هذه المجتمعات كجهاز قهر، لا كعقد اجتماعي". لدى تفحص هذه الفقرة نرى إنها تمارس لعبة اختلاق المشكلة والمشهد برمته لتفتي فيه وتفسره بشروطها "وبراحتها" فهي تفترض "وجود نموذج معياري للدولة، غالباً ما يكون مستمدًا ضمنيًا من التجربة الأوروبية"، ومعلوم إن نموذجا معياريا كهذا لا وجود له إلا في ذهن الباحث والذين يشاركونه نظرته الأيديولوجية للتجارب الإنسانية التأريخية ومنها التجربة الأوروبية. ففي أوروبا الغربية ذاتها لم تهبط الدولة الحديثة كاملة منجزة من السماء بل عبرت تضاريسها التاريخية الخاصة وخاضت في برك ومستنقعات دماء الحروب الأهلية والإقليمية حتى وصلت إلى ما وصلت إليه. وهي ما تزال تشكو من نقائص ونقاط ضعف كثيرة بل وقد زادت هي ذاتها وأفرزت في التطبيق نقاط ضعف وخلل أخرى جديدة وانحيازات طبقية مدمرة للطبيعة والإنسان.

الثقافة الحديثة والأخرى الغربية

إن سبب هذا الخلل المنهجي لدى الباحث هو خلطه بين ما هو أوروبي غربي وما هو إنساني مفتوح وتراكمي حديث. فالتجربة الإنسانية الحديثة هي عنده نفسها الأوروبية الغربية وهذا جهل خطر بالوقائع. صحيح أن حصة أوروبا وأوروبا الغربية تحديدا من الثقافة الإنسانية الحديثة كانت حاسمة لأسباب تاريخية قطعا، ولكنها لم تكن أوروبية فقط في المنشأ والسيرورة والمآل بل شاركت فيها البشرية جمعاء. والأوروبيون أنفسهم على سبيل المثال لا يخجلون ولا يخفون إسهامات الفيلسوف العقلاني العربي المسلم ابن رشد "آفيروس" في نهضتهم وصعود تجربتهم العقلانية في الحكم كما في الفلسفة والثقافة عموما، سواء في عصر النهضة (Renaissance) التي امتدت بين القرنين الرابع عشر والسادس عشر في إيطاليا ثم شملت أوروبا الغربية التي كانت غارقة في الظلام، أو في عصر التنوير "عصر العقل" الذي أشرق على عالم الأفكار في القارة الأوروبية خلال القرن الثامن عشر.

كما أن من المعروف على نطاق واسع ان نهضة اليابان الآسيوية الحديثة بدأت قبل مشاركتها في الحروب الأوروبية "العالمية بقرن تقريباً، وتحديدا منذ إصلاحات ميجي (Meiji Restoration) عام 1868 التي أنهت حكم الإقطاع الشوغوني الذي دام لعدة قرون، وحولت البلاد من دولة معزولة إلى قوة صناعية عالمية. وفي فترة مقاربة، وقبل اليابان بعقود قليلة شهدت السلطنة العثمانية محاولة إصلاحات تحديثية جريئة عرفت بعصر التنظيمات (1839م). العسكرية والإدارية والقانونية شملت تنظيم مؤسسات الحكم، تعديل الضرائب (إلغاء الجزية)، وإلغاء نظام الحكم الفردي المطلق، واجتماعية كضمان وتحسين حقوق غير المسلمين. ورغم تحقيق العثمانيين نجاحات في التحديث، إلا أن تجربتهم واجهت صعوبات في تحديث الإمبراطورية ككل، واستمرت محاولات الإصلاح حتى نهاياتهم لأن الوقت كان قد تأخر كثيرا على هذه الإصلاحات.

كل هذا يكشف تعسف النظرة التبسيطية والأيديولوجية الإسلامية أو القومية للتطورات الحضارية للعالم ككل ولأوروبا بشكل خاص. أضف إلى ذلك أن النظر إلى الصدام بين الشرق الإسلامي والغرب الاستعماري حديث زمنيا نسبيا ولم يتبق منه سوى شطره المتعلق بدعم الغرب للكيان الصهيوني الإبادي السائر إلى الزوال بفعل تناقضاته وطبيعته اللاعقلانية والعنصرية الخرافية أما اعتبار العلمانية عدوانا غربيا يريد القضاء على تجربة الحكم الديني في الشرق، فهو كلام لا يمت بصلة لمنهجية البحث العلمي ومكانة ليس هنا بل قراءة هذا الصدام في ميادين الصراع الطبقي على المستوى العالمي آنذاك.

مرة أخرى يلجأ الباحث الموسوي إلى باحث غربي مشهور بنظريته التأسيسية للمنهج التفكيكي والمعروف بـ "فيلسوف اللغة" هو جاك دريدا فيكتب ويقتبس من دون توثيق كالعادة: "تقوم إحدى الركائز الصامتة في نقد الحكم باسم الدين على افتراض أن الخلل الجوهري يكمن في استمداد الشرعية من مصدر متعالٍ، وأن الخلاص يتحقّق حين تُعاد الشرعية إلى القانون الوضعي والإرادة البشرية. غير أن هذا الانتقال، الذي يبدو بديهيًا في الخطاب الحداثي، يغفل سؤالًا أكثر إزعاجًا: من أين يستمدّ القانون نفسه شرعيته؟ وهل القانون، حين يقطع صلته بالمقدّس، يتحوّل فعلًا إلى فضاء عقلاني خالص، أم إلى شكل آخر من العنف المؤسِّس"؟ إن الإجابة على هذا السؤال أكثر من سهلة فإذا كان الحكم الديني يستمد شرعيته من نص مقدس متعال غير قابل للنقد والمحايثة والمحاسبة فإن حكم الدولة الحديثة يستمد شرعيته من المحكومين الذين يختارون حكامهم بحرية مع حقهم في نقد تجربتهم وتعديلها جزئيا أو كليا وإلى درجة إبطالها وإعادة كتابة دستورهم من جديد. أما الاستعانة بفكر جاك دريدا لتفكيك ما يسميه "هذا الاطمئنان" فهو شأن آخر، إذ أن دريدا الذي "يبيّن أن كل قانون يستند في لحظة تأسيسه إلى عنف لا يمكن تبريره قانونيا" كما يكتب الموسوي، لا يستثني من تحليله هذا النموذج في الحكم أو ذاك بل يتكلم بعمومية عن ميكانزمات تفاعل الشرعيات في التاريخ، وهي لا تفيد الباحث المدافع عن الحكم الديني مثلما هي لا تفيد غيره، لأنها تفكك وتحلل التجربة البشرية في الحكم أيا كان، ويفسر القانون أيا كان فلا يكون القانون - الديني او غير الديني - نقيضا للعنف، بل مؤجِّلًا له، منظِّمًا إياه، ومخفيًا مصدره". وحين يقول الباحث "يبدو أن النقد يتوجّه إلى «التشريع الإلهي» لأنه يغلِق باب النقاش، لكنه لا ينتقد بالقدر نفسه تحوّل القانون الوضعي إلى أفق نهائي لا يُساءَل الدساتير، والأنظمة، وحدود السيادة، كثيرًا ما تُعامَل بوصفها خطوطًا حمراء، لا لأنها عادلة دائمًا، بل لأنها شرط الاستقرار"، فهو يقفز على حقيقة مهمة هنا وهي أن الدساتير والأنظمة والقوانين في الدولة الحديثة لا تعتبر خطوطا حمراء لأنها "مقدسة علمانيا" كما قد يوحي كلامه، بل هي مما يجوز ويجب نقدها والاعتراض عليها وتعديلها بالأغلبية التصويتية، بعكس دساتير وأنظمة قوانين الدولة الدينية المقدسة.

لغة تصالحية بناءة

في الجزء الأخير من نصه الطويل هذا يميل الباحث إلى لغة تصالحية وبناءة يحاول من خلالها مقاربة خط ثالثٍ ينأى عن دعاة الدولة الحديثة العلمانية المتطرفة وعن الدولة الدينية القمعية فيكتب: "لا يعني هذا الدفاع عن إدخال الدين إلى الحكم، ولا إنكار مخاطر التوظيف الديني للسلطة، بل يعني أن نقد هذا التوظيف لا يكتمل إلا بنقد موازٍ للعلمنة حين تتحوّل إلى لغة تفوّق رمزي. فالدولة التي تُقصي الدين باسم الحرية قد تُقصي، في الوقت نفسه، فئات كاملة من المشاركة السياسية، لأنها لا تتكلّم اللغة الصحيحة للحداثة". وهذا كلام سليم يمكن البناء عليه سيما وأن تجارب الدولة الحديثة فعلت ذلك في خضم تطورها التأريخي ولكنها لم تنجح في الخروج من انحيازها ودورها الطبقي لمصلحة الطبقة السائدة والمهينة أيا كان مستوى تطور المجتمع موضوع البحث. ويقترب الباحث مزيدا من الاقتراب من المنهج الموضوعي المرتجى حين يكتب: "هكذا، يتّضح أن السؤال ليس: هل نريد دولة دينية أم دولة علمانية؟ بل: أيّ علمنة، وأيّ دولة، وأيّ تعريف للحرية؟ من دون هذا التفكيك، يبقى نقد الحكم باسم الدين نقدا ناقصا، لأنه يستبدل شكلًا من أشكال الهيمنة بشكل آخر، ويكتفي بتغيير مفردات السلطة من دون مساءلة بنيتها".

وأعتقد أن الاستنتاج الأخير يمكن أن يشكل أرضية مفاهيمية مناسبة لبحث تجديدي وتقدمي في مقاربة موضوع نموذج الدولة الحديثة المراد من وجهة نظر تحررية وحداثية لا تهمش وتشطب على التجارب الثقافية والروحية لأي شعب من شعوب العالم.

***

علاء اللامي - كاتب عراقي

...........................

*رابط يحيل إلى النص الكامل للدراسة: نقد نقد الحكم باسم الدين بقلم: باسم الموسوي

https://www.al-akhbar.com/topics-opinions/875480/

تخيل نفسك في عالم يعج بالتحديات والأزمات، عالم تتقاطع فيه الضغوط الاقتصادية مع الاضطرابات الاجتماعية والشخصية، وتتشابك فيه وتتلاقى المخاوف الأمنية مع القلق النفسي والوظيفي. في هذا الواقع المضطرب، لا يعود الإنسان مهدداً فقط في استقراره المادي، بل في توازنه الداخلي وهويته وصورته الذاتية وكيانه الاجتماعي. تتحول الحياة اليومية إلى ما يشبه “الأتون” الذي يصهر المشاعر والأفكار، ويجعل الفرد يعيش في بوتقة من التوتر المستمر والقلق الدائم، يفقد فيها الإحساس بالأمان، ويبتعد رويداً رويداً عن ذاته وعن الآخرين من حوله وكأنه في عالم لا يتعرف به على أحد.

في مثل هذا السياق، يظهر أثر الأزمات ليس فقط في القرارات الكبرى، بل في التفاصيل الصغيرة التي لا تكاد يدركها إلا من يعيش بقربها ومعها: في نبرة الصوت داخل البيت، في نظرة المدير لموظفيه، في صبر المعلم على طلابه وإنسجامه مع زملائه ومسؤوليه، وفي قدرة الأب أو الأم على الإصغاء لأبنائهم بعد يوم طويل من القلق والتعب. هنا يبدأ الإنسان بالشعور وكأنه يدور في دائرة مغلقة لا نهاية لها، تشبه الرحى التي تطحن القمح بلا توقف، فلا يرى نهاية واضحة لمعاناته ولا أفقاً قريباً للخلاص أو الشعور بالراحة.

الإنسان بين الضغط والانفصال عن الذات

حين تتراكم الضغوط دون مساحات للتفريغ والتعبير عن الأراء والمشاعر وغياب مساحات للتفهم والفهم والتعاطف والدعم، يدخل الإنسان في حالة من الانفصال النفسي والذهني. يصبح حاضراً بجسده وغائباً بإحساسه ومشاعره، يؤدي واجباته اليومية كأنها مهام آلية، بلا شغف أو معنى حقيقي للمهمات واليوميات التي يعيشها. هذا الانفصال لا يظهر فجأة، بل يتسلل تدريجياً: يبدأ بضعف وقلة للتركيز، ثم ببرود المشاعر وفقدان الأمل في الحاضر والمستقبل، ليس فقط لنفسه، بل لأبنائه وزملائه ومن يعمل معهم ويعيش بجوارهم ضمن دائرته الاجتماعية والمجتمعية.

في بيئة العمل، قد نرى هذا الانفصال في موظف كان يوماً مبادراً ومبدعاً، ثم أصبح يكتفي بأداء الحد الأدنى من المطلوب. لم يعد يقترح أفكاراً، ولا يشارك في النقاشات، ولا يشعر بأن صوته مسموع أو أن جهده مقدر ومعترف به. هذا الموظف لا يعاني فقط من ضغط العمل، بل من فقدان المعنى في ما يقوم به.

أما في الحياة الأسرية، فقد يظهر هذا الانفصال في أب أو أم يعودان إلى المنزل مثقلين بالتعب والهموم، فيجد الأبناء أمامهم وجوهاً متعبة، صامتة، تفتقر إلى الدفء والاحتواء. ومع مرور الوقت، يتعلم الأبناء بدورهم أن يكبتوا مشاعرهم، وأن يتعاملوا مع القلق كجزء طبيعي من الحياة، دون أن يجدوا نموذجاً حياً للصبر أو الأمل أو التوازن.

البحث عن “الملجأ الآمن”

في خضم هذا الواقع، يبدأ الإنسان بالبحث عن ملجأ نفسي، عن مساحة يشعر فيها بالاستقرار والطمأنينة، حتى لو كانت صغيرة ومؤقتة. قد يكون هذا الملجأ في ابتسامة صادقة تخرج من القلب، كلمة طيبة من زميل، أو في لحظة صمت وتأمل، أو في إنجاز بسيط يشعره بأنه ما زال قادراً على العطاء والتأثير.

في إحدى بيئات العمل التي تعاني من ضغط شديد بسبب الأزمات الاقتصادية، قرر مدير فريق أن يبدأ كل اجتماع أسبوعي بدقائق قليلة لما سماه “دائرة الأمان”. يطلب من كل موظف أن يشارك بشيء إيجابي حدث معه أو أنجزه خلال الأسبوع، مهما كان بسيطاً. في البداية، بدا الأمر غريباً ومستهجناً وغير عملي للبعض، لكن مع الوقت، تحولت هذه الدقائق إلى مساحة إنسانية اشعرت الفريق وأعادتهم فهمهم لأنفسهم ودورهم الإيجابي بأنهم ليسوا مجرد أرقام أو مهام جامدة، بل بشر يحملون قصص نجاح ومشاعر وتجارب ثرية.

وفي الحياة اليومية، قد نجد هذا الملجأ في أسرة تقرر أن تخصص وقتاً ثابتاً يومياً للجلوس معاً دون هواتف أو شاشات، يتحدثون فيه عن يومهم، عن مخاوفهم، وعن أحلامهم وآمالهم حتى لو كانت صغيرة. هذا الوقت، رغم بساطته، قدم معنى مهم واصبح يمثل حصناً نفسياً منيعاً يخفف من حدة الضغوط ويعيد بناء جسور الثقة والتواصل الفعال مع المجتمع الذي يحيط بهم ويعيشون في كنفه.

من الدائرة المغلقة إلى المسار الواعي

الخروج من “الدائرة المغلقة” للأزمات لا يكون غالباً بحلول سريعة أو شعارات كبيرة، بل بخطوات واعية ومتدرجة تعيد للإنسان إحساسه بالسيطرة والمعنى. أول هذه الخطوات هو الاعتراف بالمشاعر بدل إنكارها وكبتها. فالقوة الحقيقية لا تكمن في تجاهل الألم، بل في فهمه والتعامل معه بوعي وادراك.

الخطوة الثانية هي إعادة ربط الفرد بقيمه ومبادئه الأساسية: ما هي رؤيتهورسالته وغاياته؟ لماذا وكيف يعمل؟ ماذا يريد أن يزرع وينمي في أبنائه؟ ما الأثر الذي يتمنى أن يتركه في مجتمعه؟ حين تعود هذه الأسئلة إلى الواجهة، يتحول العمل من مجرد عبء وهم إلى رسالة وأهدف سامية وجليلة، وتتحول الحياة من سلسلة أزمات إلى مسار تعلم ونمو.

أما الخطوة الثالثة، فهي بناء شبكات دعم إنسانية، سواء في الأسرة أو في بيئة العمل أو في المجتمع. الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي من الصعب أن يعيش بمعزل عن غيره، وقوته تتضاعف حين يشعر أنه ليس وحده في مواجهة التحديات، بل هناك من يعيش معاناة ويدعمه ويسانده.

الأمل كفعل يومي

الأمل ليس شعوراً عابراً أو ترفاً تقال كلماته في زمن الرخاء والدعة، بل حياة وممارسة يومية. هو قرار يتخذه الإنسان كل صباح بأن يبحث عن معنى وقيمة لحياته ومهماته، مهما كانت الظروف قاسية ومؤلمة. في المدرسة، قد يكون الأمل في معلم يرى في طلابه طاقات مستقبلية رغم ضعف الإمكانيات التي يمتلكونها. في العمل، قد يختار القائد الإنصاف والتقدير بدل القسوة والضغط. وفي البيت، قد يكون مهمة الوالدين التنمية في أبنائهم قيم الصبر والانضباط والرحمة بدل الخوف والتشاؤم والعيش في مربع الألم والشكوى والسوداوية.

في عالم يعج بالأزمات، لا يكون الخروج من الأتون المؤلم هروباً من الواقع، بل إعادة بناء العلاقة معه وتكييفه. أن نتعلم كيف نقف في قلب العاصفة دون أن نفقد إنسانيتنا وحضورنا ودورنا، وكيف نحول الضغوط إلى وعي، والخوف إلى حذر إيجابي، والتحديات إلى فرص للنمو والترقي.

خاتمة: استعادة الإنسان في قلب الأزمة

في النهاية، قد لا نستطيع تغيير العالم من حولنا بسرعة، لكننا نستطيع أن نغير الطريقة التي نعيش بها داخله. حين يستعيد الإنسان علاقته بربه وعلاقته معه ارتباطاً روحياً قوياً على مستوى التعبد له والصلة والدعاء والتقرب به وتعميق فهم الذات واستثمار قوتها وما تمتلكه كمن نقاط إيجابية ومضيئة، ويجد ملجأه في قيمه وفهمه وأفكاره ومشاعره النبيلة، ويحيط نفسه بدوائر دعم إنسانية، يتحول الأتون من نار تحرق إلى نار تنضج وتشكل وتمنح معنى قوي لمهمته ودوره.

وهكذا، يصبح الخروج من الدائرة المغلقة ليس نهاية للأزمة، بل بداية لمسار جديد من الوعي، يحمل فيه الإنسان نفسه ومن حوله نحو مساحة أوسع من الطمأنينة والاتزان والأمل.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

31-1-2026 

لم يهمل حكماء الحضارة الإسلامية تحليل أقوال الأدعياء والمتعالمين الكاذبة التي لم تؤثر في فساد العقيدة عند ذيوعها في الجمهور فحسب، بل أصابت بعض خواص المتعلمين، وحفنة من العارفين، وعصبة من الحكام، وجل قادة الرأي وصنّاع الرأي العام أيضًا.

وقد ترتب على هاتيك الادعاءات وجود مجالًا فسيحًا للاجتراء والتجديف وتزوير الأحداث والزج بالعديد من المصطلحات العلميّة في غير موضعها.

فقد ذهب بعضهم إلى الدَّس في الحديث الشريف، والشطح في تأويل آيات القرآن الكريم، واختلاق المواقف التي تسيء إلى سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وقادة الرأي من علماء التراث الإسلامي؛ الأمر الذي دفع حكماء الإسلام إلى وضع مناهج نقدية تقوم بمهمة الغرابيل العقليّة الواعية لتنقية التاريخ الإسلامي الذي تأثر بالكثير من الادعاءات والشائعات التي باتت مع مرور الوقت جزءًا لا يتجزأ من موروثهم العقدي والثقافي الذي أصاب العادات والتقاليد، والتربية، والسياسة، والتعليم، والحياة اليومية في الثقافة الإسلامية، ومازال.

ويمكننا إيجاز نهج علماء الحديث الشريف في القواعد التي وضعوها لتخليص ثقافة المسلمين من هذه الآفة، تلك القواعد التي استنوها للتحري والتقصي في الطلب والجمع والتدوين، ثم الذيوع والاحتجاج بالصحيح منها على دونها، وأولى هذه الشروط والقواعد: التأدب والإخلاص في البحث عن الأصدق والأعلم والأتقن في الرواية.

فلا يقبل الحديث من الكذوب أو المشكوك في أخلاقه وعلمه، ثم عرض الرواية التي تلقاها على مائدة النقد قبل تدوينها، بادئاً بالقرآن الكريم لمقابلة مضمونها بما جاء في الذكر الحكيم، وإذا لم يجد سياقها فيلجأ إلى العقل ويجعل المقصد الإلهي هو معيار قبول تلك الرواية من عدمه، ثم الالتزام بدقة النقل لفظًا ومعنى ودلالة، وذلك لحفظ النص من التجديف أو التحريف مع ذكر أسماء الرواة الذين تلقى عنهم. على ألا يصح لجامع الحديث أن يدلي برأيه إلا بعد اكتساب خبرة الممارسة في التحري والجمع ثم تحصيل المعارف التاريخية التي تمكنه من الحكم على صحة الرواية، والدراية بحيثيات موضوعها.

كما أكدوا أنه لا ينبغي على من يشرع في تدوين الحديث أن يضيق بشكوك أو نقود غيره من العلماء الذين لهم باعٌ أكبر في هذا الموضوع، ذلك فضلًا عن حرصه على مراجعة المصنفات التي وضعها سابقوه من جُمَّاع الحديث؛ الأمر الذي يقطع بأن هذه القواعد اجتهادية عقلية تخضع بطبيعتها لدرجات الإصابة والخطأ.

وحسبنا أن نشير إلى اجتهادات علماء الحديث الذين حرصوا على وضع مصنفات لتنقية الحديث وضبطه وذلك بقدر معارفهم وتصوراتهم ومعاييرهم للحكم على الروايات ومضمونها فذكروا أسباب رد الحديث أو ضعفه أو تكذيبه أو الاضطراب في سنده ومتنه، أو الحكم بجودته أو استحسانه، أو الإسناد الصحيح، والأصح متنًا.

ولم يتحرَّج علماء الحديث من التصريح بأن كتب جُمّاع الحديث لا تخلو من البدع أي (ما أدخل في الدين مخالفًا للقرآن أو السُّنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) أو ما يناقض ظاهر الرواية أو مضمونها أيًا من المقاصد الشرعية التي اتفق علماء الأمة على صحّة استنباطها من أصول العقيدة.

وتجدر بنا الإشارة إلى باكورة إرهاصات البحث التاريخي عند المسلمين، وذلك لإثبات: أن علم الرواية والدّراية، والجرح والتعديل، وغير ذلك من غرابيل حكماء الإسلام النقديّة؛ لتنقية السيرة النبويّة والأحاديث من الأكاذيب والإفك والضلالات.

لم يكن هذا النهج محاكيًا أو دخيلًا على الفكر الإسلامي؛ فقد فطن علماء الإسلام إلى أهمية تدوين التاريخ منذ القرون الأولى للهجرة،  ومن أهم المصنفات التي ظهرت في ذلك الفن كتاب " التاريخ" لعوانه بن الحكم (ت 764 م)، وهشام بن محمد بن السائب الكلبي (ت 819 م) ثم كتاب " تاريخ البخاري" لمحمد بن إسماعيل البخاري (ت 870 م) الذي يختص بتتبع المرويات التاريخية وأصحابها، وكتاب " الطبقات الكبرى" لمحمد بن سعد البغدادي (ت 845 م)، وهو من أوائل كتب السيرة النبويّة.

أمّا أولى المصنفات العربية المعنية بالنقد التاريخي للأخبار الشفهيّة، لتخلصيها من البدع والخرافات والأكاذيب هي التي عرفت بالعبر ونذكر منها: كتاب "الأمثلة للدول المقبلة" لمحمد بن عبدالله المسبحي (ت 1038 م) وكتاب " مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان"؛ لعبدالله بن أسعد اليافعي (ت 1367 م)، وأخيرًا كتاب "العبر وديوان المبتدأ والخبر" لعبد الرحمن بن خلدون (ت 1406 م) الذي يعد بحق الرائد الأول لفلسفة التاريخ وعلم الاجتماع والنقض الحضاري في الثقافة العربية الإسلامية.     

لذا نجد ابن خلدون يثير قضية من أخطر القضايا التي لم نفلح في أن نبرأ من مآلاتها في ثقافتنا المعاصرة ألا وهي الكذب في الإعلام، وتزييف الأخبار، وتزوير الوقائع، والدَّس في الشرائع، فذهب في معرض حديثه عن الفلسفة العمليّة ومباحثها الأخلاقية والتربوية والسياسية والتعليمية إلى التحذير من الكذب في الرواية، وإذاعت الخبر بين الناس، والترويج للشائعات، وتأكيده على أن الجهل والتعصب متفشي بين العوام.

وبيّن أن الثقة المفرطة في أحاديث المشاهير من الرواة لا تضلل الجمهور فحسب بل أهل الرأي والسلاطين أيضًا، وأن المداهنة والتملق مثل فحيح الأفاعي فهو يدفع إلى الجنوح عن المقصد والعجز عن تقدير مآلات الخبر وتوابعه وعواقبه ذلك فضلًا عن التعلق بالأوهام والولع بالغرائب، وسيما بين حديثي السن ومحدودي التجارب.

وحسبنا أن نختم حديثنا في هذا السياق بآراء عبدالرؤوف المناوي     (ت1621 م) وذلك لأنه يقطع بصحة ما أوردناه عن صفات البنية الأخلاقية العمليّة في فلسفة حكماء الإسلام التطبيقية وأصولها القرآنية وحرصها على ربط الواقع المتحول بالمقصد الشرعي الثابت الذي لا يتبدل فها هو يقول عن مهام الحاكم (إن من وظيفة الحاكم حفظ الدين ودفع شبهات الزائغين الكاذبين، وزجر الغواة والمجترئين والمبتدعين في أصول العقيدة وذلك لأن الإهمال في ردعه وتقويمه يشكك الناس فيما يعتقدون من صحيح الدين ويثير الفتن ....، فإذا رسخت البدع والأضاليل في الصدور ولحقت بالعقول أفضت إلى عظائم الأمور، ومن خرج من المبتدعة عن الطاعة تدارك أمره حسب الاستطاعة، ولا يجوز للحاكم قتل من اتهم بالزندقة زورًا، وإن ظهرت عليه مخايلها ما لم يثبت عليه ما يوجب الكفر الصريح، بل إمهاله ومراجعته أسوة بالمصطفي صلى الله عليه وسلم الذي كان يدارى المنافقين مع تواتر الوحي بذكر نفاقهم وشقاقهم).

أمّا اختلاف العلماء في الأحكام، فلا يعد بدعًا أو كذبًا بل هو باب من أبواب الاجتهاد، فلا يجوز التعرض إليهم أو الاعتراض على اجتهاداتهم فيما يتنازعون فيه من تفاصيل الأحكام، كما ليس للحاكم أو السلطان أن يحملهم أو يكرههم على مذهب ارتضوه أو نحلة رفضوها، فإنّ ذلك لا يصدر إلا عن معاند.

تلك كانت صورة عامة لموقف حكماء الحضارة الإسلامية فقهاء ومتكلمين وفلاسفة من ظاهرة الكذب ومشتقاته، أما الصوفية فلهم منطق خاص لا تفلح فيه الغرابيل العقلية الناقدة التي لا تقوى على مراجعة مشاهدات أرباب الأحوال والمقامات ولا تحليل أقوال الفانين الماحين المستورة في القلوب والسرائر، ولا قراءة تنبؤاتهم أو الحكم على كراماتهم بالصدق أو البهتان، ولما لا ..؟

وقد أجمع الفلاسفة أن الإحجام عن محاورة أو محاججة أصحاب البصائر من العارفين هو الأسلم حتى لا يخوض العقل فيما يجهل، ويفصل في قضايا ذوقية لا يدركها سوى الواصلين ومع ذلك فأننا نعيب على أدعياء هذا الميدان ومنتحليه والمتشبهين بأصحابه الذين يقولون ويفعلون ما لا يقبله صحيح الدين ويقع في دائرة البدع المستهجنة.       

 وإذا ما حاولنا قراءة موقف حكماء الإسلام من ظاهرة الكذب قراءة فلسفية فسوف يتبيّن لنا: أن جميعهم تناول موضوع الكذب تناولًا عقليًا منطقيًا يحوي التفسير والتبرير ووحدة المعايير التي هي أقرب إلى النسقية المترابطة منه إلى السياقية المفككة في مبحثي المعرفة والقيم؛ إذ عرفوا الكذب بأنه نوع وعرض لجنس الشر في مفهومه وجعلوا أشكاله من (مداراة، تضليل، مداهنة، خيانة، اجتراء، تجديف، تزوير، خداع ....) ما صدقات له.

أمّا في معالجتهم للبنية الأخلاقية للشر من الزاوية العملية فقد نظروا إليه باعتباره آفة حاقت بالأنفس العاقلة ورذيلة أفسدت الأخلاق النقية فلم يرجع ذلك التقييم إلى حكم موروث أو إلزام وضعي أو محاكاة لنظرية فلسفية سابقة بل استمدوا ثوابته من بنية أخلاقية تستند إلى بديهية راشدة تشتمل في تكوينها على وعي ودراية بمفهوم الكذب باعتباره رذيلة مناقضة للصدق والحق والواقع، تحوي في أغراضها المنفعة الخاصّة والإفساد المبرر وهدم للثوابت الإنسانية القائمة على الاستعداد الفطري لفعل الخير.

وقد تميزت تلك البنية العاقلة التي انتصرت لفضيلة الصدق وحاربت الكذب بكل أشكاله بثبات ومرونة وحريّة إرادة في التطبيق، الأمر الذي جعلها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمنظومة القيمية القرآنية التي حملت على الكذب، وجعلته مرادفًا لصوت الشيطان المحرض دومًا على شتى الرذائل والمفاسد، ولعل هذه الرابطة سبقت في ذلك ما دعت إليه (فلسفة العلو المعاصرة) التي نادى بها الفيلسوف المتصوف الألماني فولفانج شتروفه     ( 1917 م: 2011 م) في الاخلاق العمليّة؛ إذ ذهب في نظريته الثيوصوفية ( theosophy ) إلى أن الانسان الواعي إذا كان في مقدوره إدراك مادية الواقع وميله إلى الشهوات والرذائل؛ فعلى الحكيم ألا ينفر من ذلك الحال بل يسعى إلى رده إلى أصله الشاغل بالقيم والفضائل عن طريق محاربته لأصل تلك الشرور التي تقوده إلى الشهوات المادية والمنافع الفردية، أي أنه واجب على الإنسان العاقل المصلح أن يتعالى على الدنس إذا بات واقعًا ثم يقوم بإصلاحه عن طريق اتصاله اتصالًا مباشرًا بالأصل الروحي النقي؛ لإعادة ذلك الواقع الدنس إلى أصله الذي فطر عليه.

ولعل هذا عين ما فعله حكماء الحضارة الإسلامية في انحيازهم للقيم الإسلامية التي تجمع بين الواقعي والروحي، والثابت القابل للتطور والخالي من الاضطراب والتناقض في نسقه الأخلاقي الذي يلزم به سائر البشر (أمة الدعوة وأمة الاستجابة) دون عنصريّة أو طبقية أو تحيز إلى جنس بعينه.

 كما أن تلك القيم الأخلاقية التي حث عليها القرآن مترابطة في نسقية صارمة لا يمكن تفكيكها أو الخروج عنها، ورغم ذلك أن نسقها الثابت عملي في تطبيقاته التي تتسع لكل الأوضاع الإنسانية وتراعي في استثناءاتها كل ما يفرضه الواقع من مواقف وضروريات، وذلك لأن حكمها على القيمة لا يحتكم إلى الغايات الجزئيّة المباشرة بل إلى المقاصد الكلية التي لا تتعارض مع الحق والخير والجمال، وعليه فإن حملة حكماء الإسلام على ظاهرة الكذب انطلاقًا من بنية جامعة بين المعقول والمنقول لا يشوبها أي اضطراب أو تناقض أعيى العديد من الفلاسفة قدماء ومحدثين، بل ومعاصرين في الغرب خلال تحليلاتهم للأخلاق الوضعية العمليّة.

وعلى رأسهم روجيه جارودي (ت 2012 م) الذي اعترف بأن ذيوع الأكاذيب في المنظومة الأخلاقية الوضعيّة الغربية هو الذي انتهى بفلاسفتها إلى القول بصدام الحضارات في حين أن المنظومة القيمية القرآنية ما برحت تدعو إلى حوار الحضارات والكف عن الخداع والكذب.

ومن الغريب أن نجد الفيلسوف التفكيكي جاك دريدا، يصرح في تحليلاته لتاريخ الكذب عام 1997 م،  بأنه ليس من الضروري الحكم على الكذب بأنه خطأ أو شر أو مناهض للحقيقة، بل يمكننا أن نحتكم للمقصد أو الغاية في تقييمنا الفردي النسبي لفعل الكذب مستشهدًا بحديث للقديس أوغسطين على وجه مغاير لمقصده الحقيقي!

ونخلص من ذلك كله، إلى أن ذيوع الكذب في الحضارة الإسلامية كان من أهم عوامل أفولها وانحدارها وذلك عقب جنوحها عن البنية الأخلاقية الإسلامية، وميلها للمفاهيم المتعددة (للكذب) النابعة من الأغيار الأخلاقية التفكيكية.

وما أشبه اليوم بالبارحة؛ فعلى قادة الرأي في ثقافتنا إعادة قراءة فلسفة الكذب للمفاضلة بين بنية حكماء المسلمين الأخلاقية النسقية، وبين شبكة أمريكا التفكيكية التي يسعى فلاسفتها لإذاعتها في ثقافتنا المغتربة.

(إذًا لم يُصبح للحديث بقيّة)

***

بقلم: د. عصمت نصّار

  

 

ملخص البحث: تتناول هذه الدراسة ثنائية الفكر والمطالعة بوصفها محورًا مركزيًا في تكوين الشخصية المعرفية والثقافية للفرد، مع إبراز الدور التفاعلي بينهما في إنتاج المعرفة وفهم العالم. استندت الدراسة إلى رؤى شوبنهاور حول تأثير القراءة على تنمية الخيال والفكر الفردي، وإلى لوي التوسير في تحليل أنظمة العلامات ودورها في نقل المعاني، كما استندت إلى مقاربات أمبرتو إيكو في نظرية التأويل وقراءة النصوص، وإلى تأويلات رولان بارت حول النصوص الثقافية والرمزية.

ركز البحث على مفاهيم أساسية تتعلق بالعوالم الممكنة، التي تسمح للقارئ بتخيل تجارب معرفية متنوعة، والجماعات التأويلية التي تشكل إطارًا اجتماعيًا لتفسير النصوص وممارسات المطالعة، بما يعكس البعد الثقافي والسياقي للفكر. توضح الدراسة أن العلاقة بين الفكر والمطالعة ليست مجرد عملية اكتساب معلومات، بل هي عملية تفاعلية ديناميكية تؤدي إلى صقل القدرة على التفكير النقدي، وفهم الرموز الثقافية، وبناء شخصية معرفية قادرة على التعامل مع التعقيدات الفكرية والاجتماعية.

كما يبرز البحث أن المطالعة تعمل كأداة لتوسيع المدارك المعرفية، بينما يتيح الفكر إمكانية معالجة هذه المعرفة وتحويلها إلى إدراك نقدي وإبداعي، في حين يشكل السياق الثقافي والاجتماعي الإطار الذي تتجلى فيه هذه العملية. وتخلص الدراسة إلى أن دمج ممارسة المطالعة مع تنمية الفكر النقدي في سياق ثقافي واجتماعي محدد يمثل شرطًا أساسيًا لبناء شخصية معرفية متكاملة قادرة على التفاعل مع التحديات المعرفية الحديثة.

الكلمات المفتاحية:

الفكر - المطالعة - العوالم الممكنة - الجماعات التأويلية - التأويل الثقافي

Abstract:

This study examines the dialectical relationship between thought and reading, positioning it as a central axis in the formation of an individual’s cognitive and cultural identity, while highlighting the interactive role they play in knowledge production and world understanding. The research draws upon Arthur Schopenhauer’s insights on the impact of reading in cultivating imagination and individual thought, Louis Tousser on the analysis of sign systems and meaning transmission, Umberto Eco’s perspectives on interpretive theory and textual reading, and Roland Barthes’ reflections on cultural and symbolic texts.

The study emphasizes key concepts such as possible worlds, which allow readers to imagine diverse cognitive experiences, and interpretive communities, which provide a social framework for text interpretation and reading practices, reflecting the cultural and contextual dimensions of thought. The research demonstrates that the relationship between thought and reading is not merely the acquisition of information but a dynamic interactive process that sharpens critical thinking, enables understanding of cultural symbols, and fosters the development of a cognitive identity capable of engaging with complex intellectual and social challenges.

Furthermore, the study highlights that reading serves as a tool for expanding cognitive horizons, while thought enables the processing of this knowledge into critical and creative insight. The cultural and social context frames this interaction, underscoring that integrating reading practices with the cultivation of critical thought within a given socio-cultural context is essential for constructing a well-rounded cognitive personality able to navigate contemporary intellectual challenges effectively.

على سبيل التقديم

في عالم اليوم الذي تتسارع فيه المعلومات وتتعدد فيه مصادر المعرفة، أصبحت عملية المطالعة والفكر أكثر تعقيدًا وثراءً، حيث لم تعد القراءة مجرد نشاط تلقائي لنقل المعلومات، بل أصبحت مسارًا تأويليًا وفكريًا يفتح أمام القارئ آفاقًا متعددة للعوالم الممكنة. في هذا السياق، تؤكد فلسفة شوبنهاور على أهمية القراءة كأداة لتوسيع مدارك الفرد وإغناء خياله، بينما يركز لوي التوسير على العلاقة بين اللغة والفكر، معتبرًا أن المطالعة هي عملية تحويلية تتحقق عبر الوسائط اللغوية والثقافية. أما من منظور الدراسات السيميائية، يرى أمبرتو إيكو أن القارئ ليس مجرد مستقبل سلبي للنص، بل هو عنصر فاعل يشارك في بناء المعنى داخل الجماعات التأويلية، حيث تتشكل القراءات المختلفة وفق السياقات الثقافية والمعرفية والاجتماعية التي ينتمي إليها القارئ. كما يعزز رولان بارت هذا الطرح من خلال مفهومه "موت المؤلف"، مؤكدًا أن النص يكتسب أبعاده التأويلية الحقيقية فقط حين يُتاح للقارئ أن يشارك في تفسيره وقراءته المتعددة.

وتبرز أهمية هذه الدراسة في تسليط الضوء على العلاقة الجدلية بين الفكر والمطالعة، حيث تشكل هذه الثنائية محورًا لفهم كيف يبني القارئ المعرفة ويعيد إنتاجها ضمن أطر معرفية وثقافية متعددة. كما تهدف الدراسة إلى استكشاف كيف تتفاعل العوالم الممكنة مع الجماعات التأويلية، وكيف يساهم السياق الاجتماعي والثقافي في صياغة معاني النصوص وتجارب القراءة، ما يجعل المطالعة فعلًا معرفيًا وفكريًا متجددًا ومتعدد الأبعاد.

انطلاقًا من هذا الإطار، تطرح الدراسة الإشكالية الأساسية التالية:

كيف تؤثر المطالعة على تكوين الفكر الفردي والجماعي، وما هو دور العوالم الممكنة والجماعات التأويلية والسياق الثقافي في إعادة إنتاج المعنى وتأويل النصوص؟

وتسعى الدراسة من خلال هذه الإشكالية إلى:

أولا: تحليل العلاقة بين القراءة والفكر من منظور فلسفي وسيميائي.

ثانيا: فهم دور العوالم الممكنة في توسيع مدارك القارئ وإثراء التجربة التأويلية.

ثالثا: استكشاف آليات عمل الجماعات التأويلية وتأثيرها على إعادة إنتاج المعنى.

رابعا: إبراز أهمية السياق الثقافي والاجتماعي في صياغة التجربة القرائية والمعرفية.

بهذا، فإن الدراسة تسعى لتقديم إسهام متكامل في فهم ثنائية الفكر والمطالعة، انطلاقًا من مفاهيم كلاسيكية وحديثة، مع مراعاة البعد السيميائي والثقافي والاجتماعي، لتكون إسهامًا نقديًا وعلميًا يعزز الفهم المعرفي لهذه العلاقة الجوهرية في العملية الإنسانية للمعرفة.

ثنائية الفكر والمطالعة: سلطة الفئات التأويلية

إننا ونحن نعالج النصوص السردية للحكايات الشعبية، كان من اللازم والضروري أن نخلق تلك المسافة الواجبة بيننا وبين نص الحكاية على اعتبار أنها حكاية اكتمل تشكلها وأصبحت نصا أدبيا قابلا للقراءة، هذا التشكل منحنا نوعا ما، حرية في الكشف عن وجود قراءة أخرى للنصوص، حيث حاولنا أن نحاور هذه النصوص، وتحدونا الرغبة في ملئ فراغاتها، وكذا البياض الكامن بين السطور، والكشف عن المسكوت فيها لتكون هاته القراءات مبدعة لنصوص جديدة ، فالقارئ في هذا السياق يستحضر خلفياته المعرفية ويستدعيها ، بل وقد تفرض هي نفسها عليه ، كسلطة مؤسساتية وكجمعيات وفئات تأويلية، وهذا معناه أن القراءة ترتبط بالزمان الذي تتم فيه، وهي بالضرورة تفرض معاييرها على القارئ، وبهذا فالمعنى يوجد في القارئ وليس في النص، لكن يمكن الإشارة إلى أن هناك علاقة جدلية تفاعلية بين القارئ والنص من جهة، هذه العلاقة تحددها ضرورة عدم تجاهل النص الذي لابد من مراعات بنياته الداخلية ودلالة ألفاظه المعجمية والتي يجب استحضارها قبل تبني أي معنى آخر بعيد عما يمدنا به المعجم من معنى أولا، فالقراء هم من يصنعون النصوص ويقومون بإعادة تشكيلها مراعين في ذلك البنيات والدلالات المعجمية للنص، ومستحضرين خلفياتهم المعرفية والفكرية، وخاضعين للسياقات الزمنية للقراءة ، فالعلاقة الجدلية بين القارئ والنص هي ما تعطي للنص قراءة أخرى منفتحة على التجديد والإبداع، ما دام النص منفتحا على كل القراءات والتأويلات من جهة، ومحتفظا بكل خصائصه وبنيات مفرداته المعجمية الداخلية المشكلة له من جهة أخرى.

الفكر والمطالعة: رؤى شوبنهاور:

إن هذه العلاقة الجدلية والتفاعلية بين طرفي الإبداع، بين النص المشكل سلفا بكل مقوماته وخصائص بنياته الداخلية والقارئ المفكر/ الباحث، هي ما تعطي للنص سلطته وعنفوانه، حيث يبقى للقارئ حريته ومنطلقاته المرجعية ضمن تصور يؤمن بأن "المعنى لا يعطى بل يشيد، وأن تشييده يستند إلى معطيات من داخل الخطاب، ومن خارجه ومن علاقات تتجاوز المستوى الحكائي المباشر" على حد تعبير الدكتور جمال بندحمان في مقدمة كتابه سيمياء الحكي المركب"([1]). إذن فالعلاقة التي يطرحها الفكر والتفكير من داخل الخطاب وخارجه تعد إحدى المسائل التي اشتغل عليها الفلاسفة من أرسطو([2]) 384 – 322 إلى اليوم حيث حاول رصد طرق تنميته وتحفيزه وكذا عوائقه، وفي هذا السياق بين الفيلسوف الألماني أرتو شوبنهاور 1788– 1860 أن المطالعة تشكل أحد العوائق الأساسية

أمام التفكير الأصيل، إذ ليست المطالعة في نهاية المطاف سوى اقتحام أفكار وخواطر دخيلة على الذهن تجعله يخضع لقهر خارجي، ويفكر في قضايا غريبة عنه، في حين أن العقل المفكر هو الذي يفكر لنفسه وبنفسه ويصدر عن نوازعه الأصلية لتي يحددها في تلك اللحظة، وبناء عليه فإن الإفراط في المطالعة يمكن أن يحول دون مرونة الذهن وحيويته، ذلك أن أسهل طريقة لممارسة التفكير غير الأصيل هي أن يتناول – الإنسان – المرء كتابا كلما أحس بالفراغ.

إن الأفكار كي تكون أصيلة في نظر شوبنهاور يجب أن تكون نابعة من ذهنه، أما الاطلاع على أفكار الآخرين عن طريق المطالعة فيشبه الاقتيات على فتات المآدب التي لم يستدع الإنسان إليها، أو ارتداء أثواب الغير.

الظاهر أن المطالعة من منظور شوبنهاور تشكل بديلا سلبيا عن التفكير الأصيل الحر النابع من الذات، إذ أن هذا الحشد العارم من الكتب سوى مجموعة من الدروب الكاذبة نتوه فيها خطانا، في حين أن الذي يفكر لنفسه تفكيرا أصيلا بعيداً عن سلطة الكتب يملك البوصلة السحرية ترشده في طريقه السوي طريق التأمل الذاتي الحر.

صحيح أن الإنسان ينبغي عليه أن يطالع، لكن فقط عندما يصاب ذهنه بالخمول، وهو ما يحدث حتى لأفضل العقول، أما إذا تناول الكتب لا لشيء إلا لتشتيت أفكاره الأصلية النابعة من ذاته فإنه يكون قد انساق إلى الخطيئة ضد الفعل، مثله في ذلك مثل من يفر من روعة الطبيعة ليحملق في متحف من النباتات الجافة الميتة أو في رسم طبيعي على لوح ، فعلا، إن الإنسان قد يصل إلى اكتشاف حقيقة ما بعد عناء وتفكير طويل، وهذا أفضل من أن يجدها جاهزة وبسهولة دون تفكير في كتاب معين، ذلك أن المعرفة لا تصبح جزءا من نسق تفكيرنا، إلا إذا اكتسبناها بجهدنا الفكري الذاتي، حيث تصبح آنذاك على علاقة بمعارفنا السابقة وتصطبغ بصبغة أفكارنا، وتترسخ في أذهاننا، إلى درجة يصعب معها نسيانها.

إن الذي يفكر تفكيرا ذاتيا حراً بعيداً عن سلطة الكتب يجد أفكاره الشخصية أولا، ثم يبحث بعد

ذلك في الكتب عن الأفكار التي تعززها وتؤيدها.

أما فيلسوف الكتب، أو صاحب العقل القارئ كما يسميه "شوبنهاور"([3]) فيبدأ على العكس من

ذلك، من الكتب ليصل في النهاية على كل يشبه الكائن الآلي الذي لا يمت بصلة إلى اللحم الحي، دون أن يدرك أن الحقيقة التي اكتسبها بالمطالعة تشبه الأطراف الصناعية أو الإنسان الزائف. أما الحقيقة التي نتوصل إليها بتفكيرنا الشخصي فتشبه الأطراف الحية التي تخصنا بالفعل.

واضح أن "القارئ المفكر" لا يقيم قطيعة مطلقة مع الكتب بل يستعين بها إما لدعم أفكاره الشخصية أو لتزجية الوقت في انتظار مجيء الأفكار الذاتية الأصلية دون إدمان لأن هذا الأخير يجعل منها – أي الكتب – بديلا عن التفكير الشخصي فينسى المرء ما هو أصيل، ويغترب عن ذاته باقتفاء خطى الفكر الدخيل، وينسحب من عالم الواقع في حين أن هذا الأخير هو الذي يحفز أكثر على التفكير، ما دام العالم هو الموضوع الطبيعي للفكر لا الكتب. وهنا يكمن الفرق الجوهري في نظر "شوبنهاور" بين العلماء والمفكرين، فالعلماء هم من أدمنوا المطالعة أما أهل الفكر فهم الذين اتجهوا رأسا إلى عالم الطبيعة وأضاءوا الطريق أمام الإنسانية، وساروا بها قدما إلى الأمام.

يقول شوبنهاور: "... وأنا عندما أسمع عن أولئك الفطاحل من أهل العلم وعن معارفهم ... لا يسعني إلا أن أقول لنفسي: لا شك أنه لم يكن لديهم كثير من الفكر ليشغلهم حتى استطاعوا أن يقرؤوا كل ما قرؤوه ..." وعليه، وعلى الرغم من موقف "شوبنهاور" الداعي إلى ممارسة التفكير الشخصي ووجوب التحرر من العوائق التي تحول دون تحقيقه وفي مقدمتها القراءة / المطالعة فإنه ظل سجين تمثل "ميتافيزيقي" لا جدلي يفصل بين التفكير والمطالعة مختزلا هذه الأخيرة في المطالعة أو القراءة السلبية والشارحة التي يكتفي فيها القارئ بتكرار المقروء، في حين أن الفكر المعاصر قد كشف عن وجود قراءة أخرى للنصوص، تكون إيجابية وفاعلة يحضر فيها التفكير الأصيل، ويلعب فيها القارئ المفكر دوراً أساسياً في تشكيل النصوص المقروءة وإعادة بنائها.

القارئ والنص: من لوي ألتوسير إلى أومبرطو إكو

إن إعادة بناء النصوص المقروءة ليس بالأمر الهين كما يعتقد البعض، بل إنها عملية شاقة،

فهي عملية خلق وتجديد وإبداع وهذا ما نلاحظه مثلا عند المفكر لوي التوسير ([4]) 1918 – 1990 في مقدمة كتابه "قراءة في الرأسمال" حين أشار إلى وجود قراءة أخرى ألا وهي:

"... القراءة الفاعلة المنتجة التي تولد النص اللامكتوب ... قراءة مشككة تهم المباشر وترفض البداهات وهي تسعى إلى أن تكشف في بياض النص المسودة التي تختفي من ورائه ... قراءة تقوم على الابستمولوجيا اللامباشرة التي تعتبر أن لا وجود لمعرفة أولى بل تؤمن بأن كل معرفة هي دوما معرفة – ضد، وأن تملك المعاني نهاية درب، وأن التستر من محددات كل حقيقة ..." ([5]).

فالقارئ يلعب دورا محوريا حسب النظريات الحديثة في هذا المجال وأساسا في تشكل النصوص وإعادة بنائها انطلاقا من العوالم الممكنة كجهاز ونظام مفاهيمي استقاه "أومبرطو إكو" من علم الدلالة المنطقي ونقله من مجال تحليل "اللغة" إلى تحليل "النصوص السردية" على وجه الخصوص وذلك مع سيمائيين آخرين.

كييطوف Petofi

فان دايك Van Dijk

وبإيجاز يقتديها المدخل النظري لإشكالية علاقة النص بالقارئ "المفكر" يمكن أخذ فكرة عن العالم الممكن إذا ما علمنا أن البعض يسميه بالعالم الاعتقاديLes mondes Doxostiques العوالم الاعتقادية "العالم الممكن" هو وضع الأشياء معبر عنه بواسطة مجموعة من القضايا وهو عالم مكون من مجموعة من الأفراد المزودين بخصائص، وقد يتجسد في سلسلة من الأحداث، كما يتجسد في عالم توقعات القارئ ويندرج ضمنه كذلك عالم المتن الحكائي وعوالم شخصيات، هذا المتن، وقيمة العوالم الممكنة في مجال السيمياء تكمن في كونها تمد هذه الأخيرة بوسائل الوصف والمقارنة بين مختلف أوضاع الأشياء المتضمنة في العوالم التي ينشئها "القارئ"، وبين مختلف أوضاع العوالم السردية بالإضافة إلى تمكينها المحلل من تقديم محتويات هذه العوالم في صورة "جداول" للإحاطة بمكوناتها بدقة، ومعرفة إن كان بإمكان عالم من أن يتنافر مع عالم آخر وما الذي يميز أحدهما عن الآخر.

وعليه وللإشارة فأنواع "العوالم الممكنة" بالنسبة للسرد هي كالتالي:

- العالم السردي: وهو المصرح به من طرف المؤلف.

- العوالم الممكنة: وهي مجرى الأحداث الممكنة كما تتخيلها أو تتمناها أو تردها أو تعلنها شخصية

محددة.

- عالم القارئ: هو عالم يشكله القارئ التجريبي ويسمى كذلك بالجولات الاستدلالية.

عموما فالهدف من "العوالم الممكنة" وتحيينها باستخراج أفرادها، ورسم خصائصهم الضرورية هو المقارنة بينها وتعميق فهم النص، ويظهر أن العوالم الممكنة تتقاطع مع أفق الانتظار، إلا أنه إذا كان أفق الانتظار يُدْرس بوصفه منجزا وتاريخا، فإن "العوالم الممكنة": أداة إجرائية لفهم النص وتحليله.

إذن وانطلاقا من العوالم الممكنة، التي شيد صرحها أومبرطو إيكو واستقاها من علم الدلالة المنطقي كما أسلفنا ونقلها إلى مجال تحليل اللغة وإلى النصوص السردية على وجه الخصوص، هناك عوالم وسياقات أخرى وجب التطرق إليها بالضرورة إنها عوالم وسياقات تخص القارئ ومنطلقاته الفكرية والمعرفية في علاقته مع النص – وعوالمه الممكنة – لذا استوجب منا الأمر الإشارة والوقوف عند نظرية "استجابة القارئ" و"الجماعات التأويلية".

نظرية استجابة القارئ: ستانلي فيش

ستانلي فيش والجماعات التأويلية:

بشيء من التركيز يمكن القول إن هذه النظرية من خلال معطيات يتعلق بالأساس "كجمالية التلقي" سمحت للقارئ بأن يستحضر ما لديه من خلفيات معرفية في شكل المدونة مع إيزر، والموسوعة مع أومبرطو إيكو، وأفق الانتظار مع ياوس بحيث أصبح القارئ عنصرا فاعلا في عملية القراءة وإنتاج المعنى، كل ذلك مع عدم تجاهل النص الذي لابد من مراعاة – بنياته ودلالات ألفاظه الحرفية حسب إيكو والتي يجب استحضارها قبل تبني أي معنى آخر بعيدا عما يمدنا به المعجم أولا.

والاهتمام بالقارئ هو ما سوف نجده كذلك حاضرا لدى تيار نظرية استجابة القارئ، وما يطلق عليه كذلك نقد استجابة القارئ، وتعتبر نقد استجابة القارئ من النظريات النقدية التي تمثل نظرية التلقي في صيغتها الأمريكية والتي أسس منطلقاتها كل من الناقد "ستانلي فيش"Stanley Fish "ونورمان هولاند"Norman Holland و"روبرت هُولب " Robert Holub الذين ركزوا جميعا على عودة القارئ في عملية مقاربة النص الأدبي أو أي نص آخر.

انطلاقا من سنوات السبعينيات من القرن الماضي على التفكير في ذلك والتنظير له بطرق مختلفة، وتعتبر "ستانلي فيش"([6]). أحد أكبر منظري نقد استجابة القارئ وممن أثارت أفكارهم النقدية المعلقة بقراءة النصوص ودرجة حضور القارئ في عملية التلقي الكثير من ردود الفعل، وفي إطار سياق الردود ينطلق ستانلي فيش من نقد التيار الشكلاني الذي يعتبر أن النص يحتوي على خصائص شكلانية تظل ثابتة ولا تعرف التغيير بتغيير القراء والسياقات، لقد أضفى الشكلانيون على النص خصائص مادية فجعلوا منه مجرد مادة لا غير. وقد تحكم في هذه الرؤية الشكلانية الرغبة في اكتساب النقد الأدبي طابعا موضوعيا علميا Scientiste حيث رفضوا أن يكون لذاتية القارئ – الناقد أي دور في فهم النص وتحيينه.

وفي مقابل ذلك يرى ستانلي فيش أن النص ليس مادة، ويقترح فرضية أساسية مفادها أن القارئ هو من يمد النص بالمعنى وليس العكس، وحسب هذا التصور فإن النص يغيب ويصبح القارئ هو الحامل الحقيقي للمعنى إذ لا يوجد تأويل صحيح يمثل ما أراد النص قوله أو تأويل مكمل الحقيقة أو جزءاً منها على الدوام إن "المعنى" بالنسبة لفيش يوجد "في القارئ وليس في النص".

فبدل تصور عملية التلقي كما هي لدى أومبرطو إيكو الذي يركز على الضوابط والحدود التي يفرضها النص، فإن فيش يتحرر من كل تلك الضوابط ولا يعيرها أية أهمية لأن القراءة ترتبط "بالزمان" الذي تتم فيه وهي عبارة عن تجربة خاصة تكون المركزية فيها للقارئ. يقول ستانلي فيش: "إن التأويل ليس هو التحليل لكنه هو فن البناء، فالمؤولون لا يقومون بفك شفرات القصائد بل يصنعون هذه القصائد؛ النص هو ما يصنعه القارئ".

النص حسب هذا التصور لا يستطيع إذن أداء أية وظيفة، باستثناء أن يكون مرآة، تنعكس عليها أفكار قرائه، ولأخذ فكرة عن كيفية توصل ستانلي فيش إلى هذه النتيجة التي تقلب ما تعارف عليه الدارسون عامة، يذكر أنه في أحد الأيام سجل على السبورة وهو بصدد تدريس مادة اللسانيات سلسلة من أسماء الباحثين اللسانيين، الواحد أسفل الآخر وبدل أن يمحوها عند انتهاء الدرس تركها على السبورة، فالتحق طلبة آخرون بنفس القاعة، حيث قرر ستانلي فيش أن يخبرهم بأن سلسلة هذه الأسماء المكتوبة على السبورة، هي قصيدة دينية تعود إلى القرن السابع عشر، وبما أن المادة التي كان ستانلي فيش يدرسها لهؤلاء الطلبة هي تحديداً الأشعار الدينية للقرن السابع عشر فإن لا أحد ممن التحق منهم بالفصل، بعد خروج طلبة اللسانيات الآخرين، فطن إلى أن الأمر كان فقط مجرد خدعة، فانخرطوا في تأويل أسماء هؤلاء اللسانيين المعاصرين، وربطوا دلالتها بالكتاب المقدس وتعاملوا معها بوصفها قصيدة فعلا. وهذا ما انتهى بستانلي فيش إلى القول بأن الأمر لم يكن يتعلق سوى بسلسلة أسماء للسانيين معاصرين وليست قصيدة شعرية، بما أنها ليست من إنتاج مؤلف بعينه وهم تحديدا من جعل منها قصيدة. وبناء عليه أعلن فيش تصريحه الاستفزازي أن القراء هم من يصنعون النصوص، ومن هذا المنطلق عمل فيش على تبيان أن القارئ لا يستمد معنى النص من فراغ، فعلى الرغم من تأكيده على حرية القارئ، إلا أنها حرية مرتبطة بالسياق المؤسساتي الذي يوجد فيه القارئ.

إن القارئ يصنع النص فعلا، لكن ذلك لا يتم من تلقاء ذاته، فهو يصنعه من داخل ظروف تفرض عليه معاييرها، إنه يصنعه وفقا للعديد من الافتراضات والمحددات الناجمة عن وضع قراءته.

إن هذه الظروف التي يقرأ فيها القارئ النص هي ما يسميه ستانلي فيش بالجماعات التأويلية أو الفئات التأويليةCommunautés Interprétatives التي يتعذر على القارئ الإفلات منها، إذ هي التي تمده بسياق التأويل وتضبط تعليقات القراء وتهبها أطر الفهم الملزمة لها، وهذه الفكرة تبرز القيمة القصوى التي يهبها "ستانلي فيش" لسياق القراء بحيث يمكن القول إن القارئ هو من يصنع النصوص، إلا أن ذلك يتم في إطار فئة أو جماعة تأويلية كمجموعة طلبة يتلقون نفس الدرس مثلا. وهكذا يقول ستانلي فيش ما مفاده: "أن المعنى ليس ملكا لنصوص مستقرة ثابتة أو قراءة أحرار مستقلين بل هي ملك لفئات تأويلية مسؤولة في الآن ذاته عن شكل أنشطة القارئ وعن النصوص التي ينتجها هذا النشاط".

وإذا ما تم الرجوع إلى تجربة ستانلي فيش مع طلبته، يمكننا القول بأن هناك فئتين تأويليتين طبقتا على نص واحد طرقا مختلفة لتشييد المعنى، إذ بالنسبة للفئة الأولى فقد اعتبرت النص مجرد أسماء، أما بالنسبة للفئة الثانية فقد تعاملت معه على أساس أنه قصيدة دينية، وقد استطاع "فيش" بهذا المفهوم أن يثبت بأن التصريح بكون النص غير ثابت المعنى وبأن المعنى المحدد بشكل موضوعي لا وجود له، ولفهم تصور ستانلي فيش وربطه بسياق ظهوره يذهب إيف ستون YVES GITTON إلى أن نظرية القارئ الصانع للنص المقترحة من طرف ستانلي فيش ذات علاقة بموجة التحرر والابتكار التي ترجع لسنوات الستينيات وبداية السبعينيات، وأنه يجب ربطها بأشكال أخرى من أشكال التحرر المعاصرة، والتمكين والمطالبة بالاستقلال، فبمقتضى هذا التصور لسنا في حاجة إلى أن ننتظر السيد لكي يعطينا مفتاح التأويل الجيد والذي لا يمتلكه إلا هو، لذلك فعلى الرغم من الانتقادات التي تعرضت لها هذه النظرية إلا أنها ساهمت في تجديد الكثير من الأفكار التي ارتبطت بالتأويل والنص والقارئ قديما وحديثا.

دور القارئ في النصوص الشعبية:

وعليه فالتراكم والزخم الذي عرفته مختلف القراءات لإشكالية التفكير والقراءة أي علاقة القارئ بالنص ستبرزه النظريات والمدارس النقدية المتعددة التي تسعى وتبحث كلها في النص الإبداعي ليس فحسب للبحث عن كينونته ولكن لمحاولة إيجاد نقطة الالتقاء بين الذات القارئة والذات المبدعة.

لذا سنحاول العمل وبشيء من التركيز التطرق لبعض المنطلقات الفكرية والنظرية التي من خلالها صاغ "رولان بارت" نظرية التلقي حتى يمكننا من خلالها التفاعل بإيجابية مع نصوص الحكاية الشعبية، من منطلق وحدة التفكير والقراءة، على اعتبار أولا أن المؤلف في نصوص الحكاية الشعبية غالبا ما يكون مجهولا / موت المؤلف/ هذا من جهة ومن جهة أخرى فالقارئ / الباحث في متن الحكاية الشعبية يكون فاعلا ومتفاعلا في الان ذاته، مع بنياتها الحكائية القابلة للتأويل والمفتوحة على كل القراءات.

ولعل الاهتمام بإشكالية القراءة يكشف عن مستويات العلاقة بين الإنسان ومختلف المجالات المعرفية المكتوبة، لاسيما في عصر تعددت فيه جسور الروابط بين المثقفين وعبرت الكلمة الحدود لتجد مستقرا لها في الفكر الآخر.

إننا عندما نقرأ فإننا لا نبحث عن "معنى"، خلافا لما رأته الناقدة رويان سوزان سليمان حين خصصت مبحثا في كتابها للإجابة عن السؤالين: كيف نقرأ؟ ولماذا نقرأ؟ ([7]) فإن الناقد فولفغانغ إيزر قد ألف كتابين في هذا الموضوع "القارئ الضمني" و"فعل القراءة"([8]).

قلت أننا عندما نقرأ فإننا نبحث عن معنى، وإنما نبحث عن ذواتنا في المقروء، ولهذا تبرز الذات كعامل أساسي في اختيار المؤلف، لكن الإشكال يتجلى في الكيفية التي تتم بها القراءة كما يتجلى في الأدوات التي تسعف القارئ للكشف عن باطن النص.

وإذا كان العامل الأول في تحديد وجهة النظر إلى الحياة تبرز في نظرة المبدع إلى العالم، فإن القارئ أصبح ضروريا لتشكيل هذه النظرة بل ذهبت كثير من الدراسات إلى القول: بأن النص لا يولد إلا مع القارئ. لقد سبق "لرولان بارت" أن أعلن عن "موت المؤلف" وفي ذلك تعبير عن ولادة عصر "المتلقى" لأن الذي يخاطب في النص هي اللغة وليس المؤلف، ولأن دلالة النص لا يوحي بها مؤلفه وإنما نظامه اللغوي في علاقته بالمتلقى.

عناصر العلاقة بين القارئ والنص:

إن رولان بارت عندما يرى أن القراءة والنقد هي لعبة المرايا اللامتناهية للنص، لأن الأثر المقروء يوحي بقراءات متعددة "إن الأثر لا يخلو لكونه فرض معنى على أناس مختلفين، وإنما لكونه

يوحي بمعاني مختلفة لإنسان واحد"([9]).

هكذا تبرز عن كل عملية قراءة عناصر تستدعي المعالجة كشرط أدنى لتحقيق التواصل، ويمكن حصر هده العناصر فيما يلي:

1 القارئ / 2 النص

I ـ القارئ: يتموضع القارئ انطلاقا من رؤيتين للنص المقروء، ولهذا دأبت العديد من الدراسات المعاصرة إلى تعريفه تبعا لهذا التموضع. إنه في جميع الحالات المتلقى الذي يؤسس علاقة مع النص بدءا من مستوى اختياره ثم قراءته. فإعادة إنتاجه. والملاحظ أن صورة المتلقي كثيرا ما تعمل فيها مجموعة من العوامل يؤشر عليها وعي القارئ في تفاعله بوعي القراءة وبوعي النص المقروء الشيء الذي يجعلنا بين صنفين من المتلقين:

أ 1 * المتلقي المشارك أو القارئ المنتج؛

ب 2 * المتلقي غير المشارك أو القارئ المستهلك.

إن الحديث عن مختلف أصناف المتلقين هو الحديث عن المسافة الفاصلة بين "النص" ووظيفة "اللغة" ولهذا يتولد عن عملية الاندماج بينهما تعدد واختلاف في القراءات ويبقى السؤال مطروحا: ماذا يقول النص؟

البحث في "ماذا يقول النص" هو في الأصل نتيجة بحث "ما يقوله القارئ" ذلك أن سلطة الذات القارئة تختزل النص الأصلي، تريحه يخفت أمامها صوت المبدع، إنها سلطة لا تعمل على تحليل بواعث عملية الكتابة بقدر ما تعمل على إسقاط ثقافة جاهزة على إبداع وهذا من شأنه أن يحرف الموضوعية في القراءة.

إن الثابت في كل قراءة هو النص أما المتغير فهو القارئ وأدواته، وإذا كنا عند نهاية كل قراءة نصل إلى نتيجة، فإن هاته النتائج مهما بدت موضوعية فإنه لابد من التركيز على شيئين اثنين:

- ظروف الكاتب عند الكتابة.

- ظروف القارئ عند القراءة.

بالنسبة للقارئ نستطيع رصد مختلف الصعوبات التي تواجهه في عملية القراءة ونحصرها في المستويات التالية:  -1- القارئ   الذات

2- القارئ     مبدع النص

3- القارئ     النص المقروء

1 ـ القارئ / الذات:

هل يستطيع القارئ أن ينفصل من ذاته؟ هل يستطيع أن يقيم حدا فاصلا بين الذات

والموضوع؟

ما هي ظروفه عند القراءة؟ وما هي مؤهلاته؟

2 ـ القارئ / مبدع النص

ما هي علاقة القارئ بالمؤلف؟

أوجه الالتقاء وأوجه الاختلاف؟

هل يمكن للقارئ أن يندمج في عملية القراءة دون الاهتمام بظروف الكتابة؟

إلى أي حد يستطيع القارئ تمثل هذه الظروف؟

3 ـ القارئ / النص المقروء

ما هو سبب اختيار النص؟

ماذا يمثل هذا النص بالنسبة لفضاء القارئ؟

إلى أي حد تتحقق مقصدية القارئ في قراءته للنص المختار؟

هذه أسئلة القراءة إن لم تكن أسئلة القارئ، وهي بقدر ما تكشـف الحجاب عن المسكوت عنه في هذه العملية المعتدة فإنها تقيم الدليل على كل قراءة لا تخلو من خطورة وأن مبعث هذه الخطورة ليس هو النص وإنما هو القارئ، هي ثقافتهم الخاصة التـي اعتبرتهاJohanna natali بمثابة قوانين الأساس([10]).

IIـ النـــص:

سيقتصر البحث في هذه النقطة على دراسة نص الحكاية الشعبية بشكل عام نظرا لطبيعة التعامل معه سواء عند انتقائه أو عند قراءته، وسنقف على عنصر يشكل جوهر تحديد العلاقة بين النص والقارئ.

1 ـ النص العربي بين الاختيار والتمثل:

النص حيز كلامي تتعدد معانيه، وتتفاضل دلالته، وتختلف سياقاته وتتعارض بياناته، إنه حيز ينطوي على بياضات وفراغات تخترقه شقوق وفجوات، إنه كائن وليس جثة، ينبض دوما يتفاعل مع قارئه.

جاء في لسان العرب "النص رفعك الشيء، نص الحديث ينصه: رفعه، وكل ما أظهر قد نص.

وقال عمر بن دينار:

ما رأيت رجلا أنص للحديث من الزهري أي أرفع له وأسند.

يقال: نص الحديث إلى فلان، أي رفعه، وخصص الرجل غريمه: أي استقصى عليه...

ومنه قول الفقهاء:

نص القرآن، نص الحديث أي، نص الحديث أي ما دل ظاهر لفظه عليه من الأحكام ([11]).

والنص "مدونة كلامية، يعني أنه مؤلف من الكلام وليس صورة فوتوغرافية أو رسما أو عمارة أو ريا.... وإن كان الدارس يستعين برسم الكتابية وفضائها وهندستها أثناء التحليل. أما من حيث وظيفته فهو "تواصلي" يهدف إلى توصيل معلومات ومعارف ونقل تجارب إلى المتلقي"([12]).

وفي المعجم اللساني: نجد تعريفا للنص كما يلي: "النص هو مجموعة الأحاديث اللسانية الخاضعة للتحليل"([13]).

وبالعودة إلى رولان بارت: فهو يرى أن النص مجال منهجي لا يعرف النهايات ولا تحده التقسيمات، ولا يخضع لسلطته التسلسلات الهدمية، فهو استشارة مفتوحة على عدد لا نهائي من المعاني والدلالات الآن بناء بلا إطار، يتميز بالحركية والفاعلية المستمرة وينطوي على تقدريته المعنى الذي لا يمكن أن تقتصه شكية التفسيرات لأن له طبيعة انفجارية، كما أنه يتفاعل مع غيره من النصوص وينتمي إلى مجال تناصي ولكن يطيح في نفس الوقت نجد أنه الأصول والمصادر، ولا يعترف بمفهوم الأبوة لأن مفهوم التناص يقضي عليه".

لقد أصبح الاهتمام بالنصوص نامية ركز عليها النقاد المعاصرون سواء منهم "البنيويون أو الشكلانيون" ولهذا كثر الحديث عن أنحاء النص وتحليل النص ولسنيات النص، ودينامية النص، وبنية

النص وغيرها من الدراسات التي حاولت الإجابة على كثير من الجوانب الخفية من الإبداع.

إن المقصود بالنص هنا هو ذلك الأثر المتوفر على بنية شاملة محكومة بشرط الكتابة لهذا ليست كل النصوص المكتوبة تتوفر على هذه القاعدة وهنا يبرز مفهوم "التمثيل والاختيار" شرطا أساسيا في عملية الانتقاء. لكن كيف يمر النص شيئا فشيئا من الوظيفة التعليمية إلى الوظيفة الجمالية؟

يرى امبرطوايكــو: أن العقبة الأولى التي تواجه القارئ تنتمي إلى النوع الاستدلالي، أي أن يجعل القـــراءة معناه استنبـط – خمـن، استبدل على سياق ممكن انطلاقا من النص حيث ينبغـي لمتوالية القراءة إما تأكيده أو تصحيحه ثم أنه بمجرد ما يدخل القارئ إلى النص يكون فرضية أولية عن مجموع المضمون العام للنص وهذا يتطلب تفكيك وتحديد المعاني والدلالات التي يزخر بها([14]).

انطلاقا من هذه السياقات الفكرية والمنطلقات النظرية التي حاولت أن تصيغ وتنسج مقاربات جادة لإشكالية العلاقة بين فعل القراءة والنص أو ما يمكن التعبير عنه بوحدة التفكير والقراءة التي يؤشر عليها وعي القارئ في تفاعله بوعي القراءة وبوعي النص المقروء الشيء الذي دفع بنا ونحن نشتغل على نصوص الحكاية الشعبية أن نستحضر كل هذا الرقم النظري حول الموضوع، جاعلين من هاته المقاربات بوصلتنا ومنهجنا وخارطة طريق نقتحم من خلالها عوالم المتن السردي الحكائي بكل حرية وإيجابية متفاعلين بكل وعي مع "سلطة" ومكونات النص الأصلي جاعلين من ألفاظه ودلالاته المعجمية الإطار المرجعي، في ملئ بعـض من البيانات الكامنة بين السطـور، باحثين عن المسكوت عنه بين ثنايا المتن الحكائي، موسعين دلالة المعاني والألفاظ، انطلاقا من السياقات الزمنية الراهنة والخلفيات المعرفية والنظرية في هذا المجال.

وعليه فسيكون تعاملنا مع نصوص الحكاية الشعبية تعاملا مفتوحا على المعاني والمضامين والألفاظ أي الشكل والإطار المعجمي للنص من جهة ومن جهة ثانية سننفتح على التأويل ، خاضعين المضامين لسياقات القراءة مادام الكاتب/ المؤلف لنصوص الحكاية غائبا/ مجهولا والقارئ/ الباحث حاضرا ومتفاعلا ، من أجل إنتاج المعنى، من داخل النص ومن خارجه([15]) برؤية تتوخى إعادة بناء المتن الحكائي وفتحها على سياقات الزمن الراهن في محاولة إعادة صياغة وبناء المتن الحكائي انطلاقا من دواخله السردية وعوالمه المفتوحة على كل القراءات وهذا ما سنسعى للقيام به ونحن نشتغل على تحليل الحكايات الشعبية من خلال كتاب أجمل الحكايات من الفولكلور الشعبي المغربي لمؤلفه يسري شاكر

على سبيل الختام

في ختام هذا البحث، يتضح أن العلاقة بين النص والقارئ ليست مجرد عملية تلقائية أو استهلاكية للمعنى، بل هي جدلية معقدة تقوم على التفاعل بين الفكر النقدي للمتلقي والتمثلات التأويلية التي يحملها. لقد أظهرت الدراسة أن إنتاج المعنى عملية ديناميكية، تتشكل في أفق القراءة الحديثة بتداخل العوامل الثقافية والفكرية والشخصية للقارئ، فضلاً عن خصائص النص ذاته من حيث البنية والرموز والوظائف السيميائية.

إن هذا التفاعل البنّاء بين النص والقارئ يعكس طبيعة المعرفة الأدبية كعملية مستمرة تتجاوز حدود النص نفسه لتصل إلى فضاءات الفكر النقدي والتأويل الفردي والجمعي، مما يجعل القراءة تجربة معرفية ثرية وقادرة على إعادة إنتاج المعنى وتوسيع آفاقه. ومن هنا، تتضح أهمية اعتماد مقاربات تحليلية متعددة مثل السيميائية والدراسات الثقافية والنقد التأويلي لفهم هذه الجدلية، بما يضمن قراءة متعمقة للنصوص وتقديراً لعوامل السياق التي تؤثر في الفهم والتأويل.

ختامًا، يمكن القول إن النص والقارئ يشكلان وحدة وظيفية معرفية متكاملة، حيث تتجسد من خلالهما القدرة على الحوار بين الماضي والحاضر، بين الكاتب والمتلقي، وبين النص والوعي النقدي، ليبقى إنتاج المعنى عملية مفتوحة على التجدد والإبداع، تتجاوز حدود الزمن والمكان، وتؤكد الدور المركزي للقراءة كفعل ثقافي وفكري واجتماعي متجدد.

***

د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث جامعي مغربي

.................

الهوامش

([1] ) ـ جمال بندحمان، سيمياء الحكي المركب – البرهان والعرفان، الصفحة 11، الطبعة الأولى I، السنة 2014، القاهرة، رؤية للنشر والتوزيع.

([2] ) ـ أَرِسْطُو ‏( 384 ق.م 322 ق.م ) أو أَرِسْطُوطَالِيس المعلم الأول هو فيلسوف يوناني وتلميذ أفلاطون ومعلم الإسكندر الأكبر. وهو مؤسس مدرسة ليسيوم ومدرسة الفلسفة المشائية والتقاليد الأرسطية، وواحد من عظماء المفكرين. تغطي كتاباته مجالات عدة، منها الفيزياء و‌الميتافيزيقيا و‌الشعر و‌المسرح و‌الموسيقى و‌المنطق و‌البلاغة و‌اللغويات و‌السياسة و‌الحكومة و‌الأخلاقيات و‌علم الأحياء و‌علم الحيوان.كان لفلسفته تأثير فريد على كل شكل من أشكال المعرفة تقريبًا في الغرب، ولا يزال موضوعًا للنقاش الفلسفي المعاصر.

([3] ) ـ ولد شوبنهاور في الثاني والعشرين من شهر فبراير سنة 1788 م. درس الفلسفة بجامعة جوتنجن بين عامي 1809 و1811، ثم انتقل إلى جامعة برلين (1811 – 1813م) حيث ختم دراسته بحصوله على الدكتوراه عن رسالته التي دونها تحت عنوان: الأصول الأربعة لمبدأ السبب الكافي وهي رسالة في العقل وصلته بالعالم الخارجي، وهو يقصد بالسبب الكافي علاقتنا بالعالم الخارجي وفهمنا إياه. ويرى أن السبب الكافي الذي يتحدث عنه يقوم على أصول أربعة هي: ((علاقة بين مبدأ ونتيجة – علاقة بين علة ومعلول–علاقة بين زمان ومكان – علاقة بين داع وفعل)). والصور الثلاثة الأول تخص التصور النظري، أما الصورة الرابعة فهي العمل. وهذه الأربعة هي التي ينشأ عنها تصورنا للعالم الخارجي، وانفعالنا معه. ثم أخرج كتابه الثاني وهو العالم إرادة وتصور أو العالم إرادة وفكرة. وقد كان تلميذا لكانط. مات أبوه منتحرا وهو في السابعة عشرة (1805 م). عاش بعد ذلك حياة شقية تعيسة بسبب خلافه مع أمه بسبب حياة التحرر من كل قيود الفضيلة التي عاشتها أمه بعد أبيه، وقد انتهى الخلاف بينهما إلى قطيعة كاملة حتى ماتت ولم يرها.

([4] ) ـ لوي بيير ألتوسير (‏16 أكتوبر 1918 - 22 أكتوبر 1990) كان فيلسوفا ماركسيا. ولد في الجزائر ودرس في مدرسة الأساتذة العليا في باريس حيث أصبح أستاذا للفلسفة فيها. كان ألتوسير لفترة طويلة عضوا في الحزب الشيوعي الفرنسي واعتبر أحد أهم المنظرين الماركسيين في القرن العشرين.يعتبر ألتوسير ماركسيا بنيويا، رغم أن علاقته بمدارس أخرى للبنيوية الفرنسية ليست مسألة انتماء بسيط وقد انتقد العديد من أوجه البنيوية.

([5] ) ـ عبد السلام بنعبد العالي، سوسيولوجية الحياة اليومية، الصفحة 56-57.

([6] ) ـ ستانلي فيشStan Ley Fish 1938: ناقد أمريكي صدر له كتاب تحت عنوان: هل هناك نص في قاعة الدرس هذه؟". - سلطة الفئات التأويلية

.

IS There a texte in this choss, the Authonity of interpretive communitics

وقد ترجم باللغة الفرنسية بالعنوان التالي:

Quand lire c’est (L’autorité des communautés interactives).

([7]) – Le romon à thèse ou L’outorité fictive puf 1983, p.46.

([8]) – The implied of reader, London 1980 The oct of reading, London 1981.

([9]) –Roland, Bart, Le degré zéro de L’écriture. الطيب بيار، الدعم، العدد الثاني،يونيو1996

([10]) – A-propos des critiques des chots de bond laire

([11] ) ـ في منظور مادة نص، الصفحة 98.

([12]) ـ د: محمد مفتاح تحليل الخطاب الشعري استراتيجية التناص، دار السنوبر ط1 1985 ص120.

([13]) -Larousse Jaque du bois et autres.

([14]) ـ للمزيد من التعمق في نص القارئ أو القارئ كنص يراجع كتاب introduction aux études littéraires méthodes du texte.

([15]) ـ جمال بندحمان، سيمياء الحكي المركب – البرهان والعرفان، الصفحة 11، الطبعة الأولى I، السنة 2014، القاهرة، رؤية للنشر والتوزيع.

قراءة في عقل الباحث والمفكر تحسين الشيخلي

جاءت مقالة تحسين الشيخلي عن اعمال الملتقى العربي للذكاء الاصطناعي الذي اقامه اتحاد مجالس البحث العلمي العربي – جامعة الدول العربية بالتعاون مع جامعة المستقبل ببابل، لتكشف ما وراء النقاشات التقنية وتضعنا امام سؤال مصيري: هل نناقش الذكاء الاصطناعي، ام نعيش داخل ذكاء الاخرين؟

هذا السؤال يقود الى جوهر رؤيته: ان الخطر الحقيقي ليس في التاخر التقني، بل في فقدان السيادة المعرفية. الشيخلي يرى ان من يملك الخوارزمية يملك الواقع، وان الدول التي لا تمتلك نماذجها وبياناتها ستعيش داخل عقل غيرها، حتى لو بدت متقدمة تقنيا. هنا يظهر مفهومه عن "الاستعمار الخوارزمي": استعمار بلا جنود، لكنه يفرض ارادته عبر البنية التقنية ذاتها.

لقد كشف الشيخلي عن "الغفلة التقنية" التي قد تجعلنا ننبهر بالتطبيقات ونغفل عن الاصول. اعجابي بهذا الطرح ينبع من انه لا يكتفي بالحديث عن المستقبل كزمن سياتي، بل يفتش عن الهوية داخل الاكواد، عن الذات التي قد تضيع ان لم نملك عقلنا الخوارزمي. ومن هذا الوعي المبكر بخطر الغفلة التقنية، ينتقل الشيخلي الى التحذير الاشد خطورة: التبعية المعرفية.

"الاستعمار الناعم" والتحرر المعرفي

توقفت طويلا عند تحذيره من هذه التبعية. هنا اجد نفسي ماخوذا بعمق الفكرة، فالاستعمار الخوارزمي الذي وصفه الشيخلي هو استعمار بلا جنود، لكنه اخطر لانه يتسلل الى لا وعينا الجمعي. اعجابي بهذا التصوير انه يضعنا امام حقيقة ان الخوارزمية هي "دستور العصر الرقمي"، فاذا لم نكتب دستورنا بايدينا وبقيمنا، سنظل مجرد بيانات في جداول الاخرين. السيادة الخوارزمية التي ينادي بها الشيخلي هي بالفعل "بيان استقلال" جديد، يذكرنا ان التحرر في المستقبل لن يكون سياسيا او اقتصاديا فقط، بل معرفيا ايضا. واكثر ما يدهشني في هذا الطرح انه يحول القلق الى طاقة بحثية خلاقة، ويجعل من الاستشراف فعلا انقاذيا لا مجرد تنظير.

حوار "الواقع" و"الرؤية"

لكن الشيخلي لا يكتفي بالتحذير، بل يفتح بابا للحوار بين الواقع القائم والرؤية الممكنة. في ردوده على بعض المداخلات، تجلى نبل الشيخلي وادبه الفكري، فهو لا ينكر فجوة الواقع، لكنه يرفض ان تتحول هذه الفجوة الى مقبرة للطموح. اعجبتني هذه الصرامة الممزوجة باللطف، لانها تجعل الاستشراف فعلا انقاذيا لا مجرد تنظير. المجتمع الذي يتبنى هذه الرؤية لن ينتظر حتى يمتلك شروط السيادة ليبدا الحديث عنها، بل سيحول القلق الى وقود للبحث العلمي الجاد، ويجعل من الفكرة مشروعا للتحرر المعرفي.

ومع ذلك، فان هذه الرؤية، مهما كانت استشرافية وملهمة، تصطدم بواقع البحث العلمي العربي. فالتقدم في سباق الخوارزميات لا يمكن ان يتحقق في فراغ، بل هو جزء من منظومة اكبر اسمها العلم والبحث والابتكار. لا يمكن ان نطالب بذكاء اصطناعي عربي مستقل ونحن نهمل جذور المعرفة، ونترك الجامعات بلا انتاج علمي، والمختبرات بلا تمويل، والعقول بلا بيئة محفزة.

فالسيادة الخوارزمية ليست غصنا يمكن ان يزدهر وحده، بل هي ثمرة شجرة كاملة. من يملك الرقائق يملك القدرة الحسابية، ومن يملك البيانات يملك المادة الخام، لكن من يملك البحث العلمي يملك القدرة على تحويل هذه العناصر الى عقل صناعي مستقل. بدون ذلك، سنظل مجرد مدخلات في انظمة الاخرين، مهما بدا اننا نواكب العصر.

ان تبني رؤية الشيخلي سيظل امنية ما لم نبدا باصلاح جذري للبحث العلمي العربي. فالمستقبل لن يقسم الدول الى متقدمة ومتخلفة، بل الى دول تفكر بذاتها ودول يُفكر عنها. ولكي نكون من الفئة الاولى، علينا ان نعيد بناء منظومتنا العلمية من الاساس:

- تعليم يزرع حب البحث والتفكير لا مجرد حفظ المناهج.

- جامعات تنتج معرفة لا شهادات.

- سياسات تعتبر مراكز البيانات والنماذج الوطنية اصولا سيادية لا تقل اهمية عن النفط او الحدود.

- ثقافة ترى في الابتكار شرطا للبقاء لا ترفا.

وهنا يكتمل المعنى الذي طرحه الشيخلي: ان السيادة الخوارزمية لن تتحقق الا اذا امتلكنا الشجرة كاملة، لا غصنا واحدا. ومن لا يملك منظومته العلمية، لن يملك خوارزمياته، وسيظل يعيش داخل عقل الاخرين.

اخيرا، لقد علمتني قراءة الشيخلي ان المستقبل ليس مكانا نذهب اليه، بل هو خوارزمية نصممها الان. اعجابي بافكاره يتجدد كلما ادركت ان السؤال الحقيقي ليس: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل: هل نستخدم ذكاءنا نحن، ام ذكاء الاخرين؟

***

محمد الربيعي

مقدمة: في عمق الوجود الإنساني، يبرز الإنسان ككائن معقد يتشكل من تفاعل ديناميكي بين الخارج والداخل، حيث يُعتبر نتاجاً مباشراً للظروف المحيطة به، تلك الظروف التي تشمل البيئة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتاريخية التي يولد فيها وينمو. هذه الظروف ليست مجرد خلفية سلبية، بل هي قوى تشكيلية تُحدد مسارات الحياة، فالطفل الذي ينشأ في أحياء الفقر المدقع يتعلم الصراع منذ الصغر، يصبح مقاوماً للشدائد لكنه قد يحمل جروحاً نفسية تجعله يرى العالم من منظور الشك والحذر، بينما الشاب الذي يترعرع في بيئة الرفاهية قد يطور مهارات الابتكار والثقة بالنفس، إلا أنه قد يفقد القدرة على التعاطف مع الآخرين الذين لم ينعموا بمثل هذه الفرص. فكيف يتشكل الانسان؟ وماهي ظروف تشكله وتكون أفكاره؟

ظروف تشكل الانسان

هذا التشكيل البيئي يذكرنا بكيفية أن الإنسان ليس كائناً مستقلاً تماماً، بل هو نتاج تراكمي للتجارب الخارجية، حيث تؤثر الظروف الاقتصادية في تشكيل الطموحات، ففي مجتمعات الركود الاقتصادي يصبح البقاء هو الهدف الأسمى، بينما في اقتصاديات النمو السريع يصبح الطموح اللامحدود سمة أساسية، وهكذا يصبح الإنسان وليداً لظروفه، يتكيف معها ويتعلم منها، لكنه في الوقت نفسه يحاول أن يتجاوزها، محاولاً رسم مصيره بيده.

مع ذلك، فإن هذا التشكيل الخارجي لا يمثل الصورة الكاملة، إذ يظل الإنسان أسيراً لأفكاره، تلك الأفكار التي تتجاوز الظروف المادية لتصبح سجناً داخلياً يحد من حريته الحقيقية. الأفكار هنا ليست مجرد أدوات تفكير عابرة، بل هي بنى نفسية عميقة تشكل الإدراك والسلوك، فالإنسان الذي يعاني من ظروف قاسية قد يطور أفكاراً سلبية تكبله، مثل الاعتقاد بأن النجاح مستحيل أو أن العالم مكان معادٍ، مما يجعله يدور في حلقة مفرغة من اليأس، حتى لو تغيرت ظروفه الخارجية. هذا الأسر يظهر بوضوح في حالات الاكتئاب أو القلق المزمن، حيث تتحول الأفكار إلى أغلال غير مرئية، تجعل الإنسان يرى الفرص كتهديدات، والنجاحات كوهم، فالفرد الذي نجا من حرب أو كارثة طبيعية قد يحمل في ذهنه صوراً مرعبة تجعله يعيش في خوف دائم، حتى في أوقات السلام، مما يؤكد أن الظروف تخلق الإنسان، لكن الأفكار تحبسه داخل نفسه. هذا التوتر بين الولادة من الظروف والأسر في الأفكار يعكس طبيعة الإنسان ككائن مزدوج، حيث يتأثر بالخارج لكنه يعيد تفسير هذا التأثير من خلال مرشحات ذهنية، فالأفكار ليست نتاجاً سلبياً فقط، بل هي أيضاً أدوات للتغيير، إلا أنها غالباً ما تتحول إلى عوائق إذا لم يتم التعامل معها بوعي.

في سياق اجتماعي أوسع، يظهر هذا المفهوم في كيفية أن المجتمعات تشكل أفرادها من خلال الظروف الثقافية والتاريخية، فالشعوب التي مرت بفترات استعمار طويلة غالباً ما تولد أجيالاً تحمل أفكاراً عن الذات كضحية، مما يجعلها أسيرة لماضيها حتى بعد الاستقلال، حيث تظل الأفكار عن التبعية والضعف تحد من التقدم، رغم تغير الظروف السياسية. هنا، يصبح الإنسان وليداً لتاريخه الجماعي، يرث الظروف كتراث، لكنه يظل محاصراً بأفكار موروثة تحول دون الابتكار، فالفرد في مجتمع محافظ قد ينشأ في ظروف تفرض عليه قيماً تقليدية، لكنه إذا طور أفكاراً متمردة، يصبح في صراع داخلي، أما إذا بقي أسيراً للأفكار السائدة، فإنه يعيد إنتاج الظروف نفسها للأجيال القادمة. هذا الدور الدوري يبرز في الظواهر النفسية مثل التحيزات المعرفية، حيث تؤدي الأفكار المتحيزة إلى تفسير الظروف بطريقة تؤكد تلك الأفكار، مما يجعل الإنسان سجيناً في فقاعته الذهنية، فمثلاً، الشخص الذي يعاني من ظروف عمل قاسية قد يطور فكرة أن النجاح يأتي فقط من خلال الاستغلال، مما يمنعه من البحث عن فرص أفضل، وهكذا يظل أسيراً لأفكاره رغم إمكانية تغيير الظروف.

من الناحية النفسية، يعمق هذا المفهوم فهم الإنسان ككائن يعيش في توازن هش بين التأثير الخارجي والداخلي، حيث تُشكل الظروف الشخصية مثل التربية الأسرية أو التجارب المبكرة الأساس للأفكار، لكن هذه الأفكار تتطور لتصبح مستقلة نسبياً، قادرة على إعادة تشكيل الواقع. الإنسان الذي يولد في ظروف من العنف الأسري قد يصبح عنيفاً بدوره، أسيراً لأفكار عن السلطة كوسيلة للبقاء، أو قد يطور أفكاراً عن السلام كوسيلة للتحرر، مما يجعله يغير ظروفه، لكن في كثير من الحالات، يظل الأسر الذهني قائماً، كما في حالات الاضطرابات النفسية حيث تتحول الأفكار إلى هاجس يسيطر على الحياة، فالفنان الذي يعيش في ظروف الفقر قد يطور أفكاراً عن الفن كوسيلة للخلاص، لكنه إذا أصبح أسيراً لفكرة الكمال، قد يدمر نفسه قبل أن يحقق إنجازه. هذا يؤكد أن الإنسان، رغم كونه وليداً لظروفه، يحتاج إلى وعي ذاتي ليتحرر من أسره الذهني، فالتأمل والتعليم يمكن أن يكونا أدوات لإعادة تشكيل الأفكار، تحولها من أغلال إلى أجنحة، لكن بدون ذلك، يبقى الإنسان في صراع دائم، يتأرجح بين ما فرضته الظروف وما حبسته الأفكار.

في المجال الفلسفي، يتردد هذا المفهوم في أفكار كثير من المفكرين، حيث يُرى الإنسان كنتاج للظروف الاجتماعية التي تُحدد وجوده، لكنه في الوقت نفسه يمتلك حرية داخلية محدودة بأفكاره، فالحرية الحقيقية ليست في تغيير الظروف فقط، بل في تغيير النظرة إليها، مما يجعل الأفكار سجناً إذا كانت سلبية أو بوابة للتحرر إذا كانت إيجابية. الإنسان في ظروف الثورات الاجتماعية يصبح ثائراً، لكنه إذا بقي أسيراً لأفكار الانتقام، قد يعيد إنتاج الظلم نفسه، بينما إذا طور أفكاراً عن العدالة، يمكن أن يبني مجتمعاً أفضل. هذا التوازن يجعل الإنسان كائناً تراجيدياً، وليداً لعالمه الخارجي لكنه أسير لعالمه الداخلي، وفي هذا الصراع يكمن جوهر الوجود الإنساني، حيث يسعى دائماً للتوفيق بين ما هو مفروض وما هو ممكن، محاولاً التحرر من كلا الجانبين ليصبح سيد مصيره الحقيقي.

الجوانب النفسية لمفهوم الإنسان

في أعماق النفس البشرية، يتجلى الإنسان ككائن يتشكل من خلال تفاعل معقد بين الظروف الخارجية والعوالم الداخلية، حيث تُعتبر الظروف البيئية والاجتماعية والعاطفية الرحم الذي يولد منه الشخصية، لكن الأفكار تتحول تدريجياً إلى سلاسل غير مرئية تحد من حركته النفسية. من منظور نفسي، يُرى الإنسان كوليد لظروفه، فالتجارب المبكرة في الطفولة، مثل التربية الأسرية أو التعرض للصدمات، تشكل الأساس للنمط النفسي، حيث يتعلم الطفل كيفية التعامل مع العالم من خلال هذه الظروف، فإذا نشأ في بيئة مليئة بالدعم العاطفي، يطور آليات دفاعية إيجابية تجعله مرناً أمام التحديات، أما إذا واجه إهمالاً أو عنفاً، فإن هذه الظروف تخلق جروحاً نفسية تؤثر على بنية الذات، مما يجعله عرضة للقلق أو الاكتئاب في مراحل لاحقة من الحياة. هذا التشكيل النفسي ليس عشوائياً، بل هو عملية تكيفية تُشبه آلية التعلم الشرطي، حيث تربط الظروف بين المحفزات الخارجية والاستجابات الداخلية، فالإنسان الذي يعاني من فقر مدقع في صغره قد يطور خوفاً من الفقدان يجعله يتمسك بالممتلكات بشكل مرضي، حتى لو تحسنت ظروفه المادية، مما يبرز كيف أن الظروف ليست مجرد حدث عابر، بل هي بذور تنبت في اللاوعي لتشكل الشخصية الأساسية. مع ذلك، فإن هذا الولادة النفسية من الظروف لا تكتمل دون الاعتراف بالأسر الذي تفرضه الأفكار، إذ تتحول الأفكار إلى هيكل داخلي يسيطر على الإدراك والسلوك، مما يجعل الإنسان سجيناً في قفص ذهني من صنعه. من الناحية النفسية، تُعتبر الأفكار جزءاً من الآليات المعرفية، حيث تعمل كمرشحات تفسر الواقع، فإذا كانت الأفكار مشوهة بسبب تجارب سابقة، مثل الاعتقاد بأن "أنا غير كفء" الناتج عن فشل دراسي في الطفولة، فإنها تحول دون الاستفادة من فرص جديدة، حتى لو تغيرت الظروف إلى الأفضل، مما يؤدي إلى حالة من الجمود النفسي. هذا الأسر يظهر بوضوح في نظرية التحيزات المعرفية، حيث تميل الأفكار إلى تأكيد نفسها ذاتياً، فالإنسان الذي يرى نفسه ضحية لظروفه قد يركز فقط على الأحداث السلبية، متجاهلاً الإيجابيات، مما يعزز من حلقة اليأس والعزلة، وهكذا يصبح أسيراً لأفكاره التي تحول الظروف الخارجية إلى سجن داخلي، حتى في أوقات الازدهار. على سبيل المثال، الشخص الذي نجا من صدمة نفسية كبيرة، مثل فقدان عزيز، قد يطور أفكاراً عن العالم كمكان غير آمن، مما يجعله يعيش في حالة من اليقظة المفرطة، رغم أن الظروف الفعلية قد أصبحت مستقرة، وهذا يعكس كيف أن الأفكار ليست مجرد انعكاس للظروف، بل هي كيان مستقل يمكن أن يتجاوزها ويسيطر عليها. في سياق الاضطرابات النفسية، يتعمق هذا المفهوم ليصبح أداة تفسيرية للعديد من الحالات، فالإنسان وليد ظروفه في تشكل الاضطرابات مثل اضطراب ما بعد الصدمة، حيث تكون الصدمة الخارجية السبب المباشر، لكن الأفكار المتكررة عن الذنب أو الخوف تحولها إلى أسر دائم، مما يجعل العلاج يركز على إعادة هيكلة هذه الأفكار من خلال العلاج المعرفي السلوكي، الذي يساعد في تحرير الإنسان من أسره الذهني. هنا، يبرز التوتر النفسي بين الولادة والأسر، فالظروف تخلق الشقوق في الذات، لكن الأفكار تملأها بسموم تحولها إلى جروح مزمنة، كما في حالات الاكتئاب السريري حيث يولد الاكتئاب من ظروف مثل الفقدان أو الإجهاد المزمن، لكن الأفكار السلبية عن الذات والعالم والمستقبل، كما وصفها آرون بيك، تجعل الإنسان أسيراً في دوامة من اليأس، حتى لو تحسنت الظروف الخارجية، مما يؤكد أن النفس البشرية ليست مجرد رد فعل سلبي، بل هي نظام ديناميكي يعيد إنتاج الواقع من خلال أفكارها. كذلك، في مجال النمو النفسي، يظهر هذا المفهوم في مراحل التطور، فالطفل وليد لظروف عائلته التي تشكل هويته، لكن في مرحلة المراهقة، تتحول الأفكار عن الاستقلال إلى أداة للتحرر أو الأسر، إذ إذا كانت الأفكار مشبعة بالشك الذاتي، يبقى الشاب أسيراً لماضيه رغم تغير ظروفه. من منظور نفسي اجتماعي، يمتد هذا التوازن إلى كيفية أن الظروف الجماعية تشكل الأفراد، ففي مجتمعات تعاني من النزاعات أو الفقر، يولد الإنسان مع ميل نفسي للصمود، لكن الأفكار الجماعية عن الضعف أو الظلم تحول هذا الصمود إلى أسر، مما يؤدي إلى ظواهر مثل الاكتئاب الجماعي أو القلق المجتمعي، حيث يصبح الإنسان أسيراً لأفكار موروثة تحول دون الابتكار أو التغيير. هذا يظهر في دراسات علم النفس الثقافي، حيث تختلف كيفية تعبير الأفكار عن الذات بين الثقافات، ففي الثقافات الجماعية، قد تكون الظروف الاجتماعية أقوى في التشكيل، لكن الأفكار عن الالتزام بالجماعة تحول الفرد إلى أسير للتقاليد، بينما في الثقافات الفردية، تمنح الظروف حرية أكبر، لكن الأفكار عن النجاح الفردي قد تؤدي إلى عزلة نفسية. في كل الحالات، يظل الإنسان في صراع نفسي داخلي، يحاول التوفيق بين ما فرضته الظروف وما حبسته الأفكار، وهنا تكمن أهمية الوعي النفسي، الذي يمكن أن يحول الأفكار من أغلال إلى أدوات للنمو، من خلال ممارسات مثل التأمل أو العلاج، حيث يتعلم الإنسان كيفية إعادة صياغة أفكاره ليتحرر من أسره، محولاً ظروفه إلى فرص للتطور بدلاً من قيود. فماهي علاقة متشابكة في تشكيل الذات والسلوك؟

الذكاء العاطفي والأفكار

في قلب التجربة الإنسانية، يقف الذكاء العاطفي كجسر حيوي بين العالم الداخلي للمشاعر والعالم الخارجي للأفكار والأفعال، فهو ليس مجرد قدرة على التعرف على المشاعر وإدارتها، بل هو أداة عميقة تؤثر مباشرة في كيفية توليد الأفكار، تفسيرها، وتوجيهها نحو مسارات بناءة أو مدمرة. يُعرف الذكاء العاطفي، كما طوره دانيال جولمان، بأنه القدرة على إدراك العواطف الذاتية والآخرين، فهمها، استخدامها لتسهيل التفكير، وإدارتها لتحقيق أهداف إيجابية، وهذا التعريف يكشف عن ارتباط وثيق بالأفكار، إذ تُولد المشاعر أفكاراً، وتُشكل الأفكار بدورها مشاعر جديدة في حلقة مستمرة من التفاعل الديناميكي. عندما يمتلك الإنسان وعياً عاطفياً عالياً، يصبح قادراً على ملاحظة كيف تؤثر عواطفه على أفكاره، فالغضب قد يولد أفكاراً انتقامية أو دفاعية، بينما الفرح يفتح أبواب التفكير الإبداعي والتفاؤل، وهنا يبرز الذكاء العاطفي كحارس يمنع سيطرة العواطف السلبية على مسار التفكير، محولاً الطاقة العاطفية إلى وقود للتفكير المنطقي والإيجابي.

الجانب الأول في هذه العلاقة يكمن في الوعي الذاتي، وهو الركن الأساسي للذكاء العاطفي، إذ يتيح للفرد التعرف على مشاعره في اللحظة ذاتها، وفهم كيف تؤثر هذه المشاعر على تدفق أفكاره. الشخص ذو الذكاء العاطفي المرتفع لا يترك العاطفة تتحكم في أفكاره بشكل أعمى، بل يلاحظها كظاهرة منفصلة، فيقول لنفسه مثلاً: "أشعر بالقلق الآن، وهذا القلق يجعلني أفكر في أسوأ السيناريوهات"، مما يمنحه مسافة نفسية لإعادة تقييم الأفكار بدلاً من الاستسلام لها. هذا الوعي يمنع تشكل التحيزات المعرفية السلبية، مثل التفكير الكارثي أو التعميم الزائد، اللذين غالباً ما ينبعان من عواطف غير مدارة، فالخوف قد يولد أفكاراً عن "الفشل المحتوم"، لكن الذكاء العاطفي يتدخل ليحول هذا الخوف إلى حذر بناء يدفع نحو حلول عملية. بهذا المعنى، يصبح الذكاء العاطفي أداة لإدارة الأفكار غير المباشرة، إذ يساعد في كسر الحلقات السلبية التي تربط بين العاطفة والفكرة المشوهة، مما يفتح المجال لتفكير أكثر توازناً وواقعية. من جهة أخرى، تؤثر الأفكار بدورها في تعزيز أو إضعاف الذكاء العاطفي، فالأفكار الإيجابية والمتفائلة تغذي مشاعر الثقة والأمل، مما يجعل الإنسان أكثر قدرة على التعاطف مع الآخرين وإدارة علاقاته، بينما الأفكار السلبية المزمنة، مثل "أنا غير كفء" أو "الآخرون دائماً يخذلونني"، تحول دون الوعي العاطفي وتجعل الفرد أسيراً لردود فعل انفعالية. هنا يظهر دور الذكاء العاطفي في إعادة صياغة الأفكار، من خلال التنظيم الذاتي الذي يسمح بتهدئة العواطف أولاً، ثم استبدال الأفكار السلبية بأخرى أكثر توازناً، كما في تقنيات العلاج المعرفي السلوكي التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمبادئ الذكاء العاطفي. الشخص الذكي عاطفياً يستخدم عواطفه كإشارات لفحص أفكاره، فإذا شعر بالحزن، يسأل نفسه: "ما هي الأفكار التي أدت إلى هذا الحزن؟ هل هي واقعية أم مبالغ فيها؟"، وهذا التساؤل يحول العاطفة من عدو إلى حليف في عملية التفكير الناقد. في سياق العلاقات الاجتماعية، يبرز الارتباط بين الذكاء العاطفي والأفكار بشكل أوضح، إذ يتيح الوعي الاجتماعي فهم مشاعر الآخرين، مما يساعد في تعديل الأفكار عنهم بدلاً من الحكم السريع. الشخص ذو الذكاء العاطفي لا يفترض نوايا سلبية بناءً على عاطفة لحظية، بل يفكر في السياق العاطفي للآخر، فيقول: "ربما يكون غاضباً بسبب ضغط عمله، وليس بسببي"، وهذا يولد أفكاراً أكثر تعاطفاً ويقلل من الصراعات. كذلك، في إدارة الضغوط، يساعد الذكاء العاطفي في استخدام العواطف لتحفيز التفكير الإبداعي، فالتوتر المدار يمكن أن يصبح دافعاً لأفكار حلول مبتكرة، بينما التوتر غير المدار يولد أفكاراً جامدة وتجنبية. هذا التوازن يجعل الإنسان قادراً على تحويل العواطف إلى طاقة تفكيرية إيجابية، مما يعزز الإنتاجية والرضا الذاتي.

خاتمة

في النهاية، يظل هذا المفهوم دعوة للتأمل في طبيعتنا المزدوجة، حيث نولد من الظروف لنعيش أسرى أفكارنا، لكن في الوعي تكمن مفتاح التحرر، يفتح أبواباً نحو حياة أكثر حرية وإبداعاً. كما يعمق الجانب النفسي لهذا المفهوم فهم الإنسان ككائن مزدوج الطبيعة، وليد لظروفه التي تبني أساسه، لكنه أسير لأفكاره التي تحدد حدوده، وفي هذا التوتر يكمن سر الوجود البشري، حيث يسعى الإنسان دائماً نحو التوازن، مستخدماً الوعي كمفتاح للتحرر، ليصبح ليس مجرد رد فعل للخارج، بل مبدعاً لعالمه الداخلي، قادراً على تجاوز الظروف وإعادة تشكيل أفكاره نحو حياة أكثر سلاماً وإنجازاً. هذا المنهج النفسي ليس مجرد تحليل، بل دعوة للتأمل في أعماق الذات، حيث يمكن أن يتحول الأسر إلى حرية إذا تم التعامل مع الأفكار بذكاء عاطفي، مما يجعل الإنسان سيد مصيره النفسي الحقيقي. لذلك يمثل الذكاء العاطفي مفتاحاً لتحرير الإنسان من أسر أفكاره السلبية، إذ يمنحه القدرة على مراقبة التفاعل بين المشاعر والأفكار، وتوجيهه نحو نمو شخصي مستدام. بدون ذكاء عاطفي، تبقى الأفكار عرضة لسيطرة العواطف الخام، مما يؤدي إلى دوامات من القلق أو الاكتئاب، أما معه، فيصبح التفكير أكثر مرونة وإبداعاً، والحياة أكثر توازناً وانسجاماً. هذه العلاقة ليست مجرد آلية نفسية، بل هي جوهر القدرة على العيش بحكمة، حيث يتحول الإنسان من رد فعل لعواطفه وأفكاره إلى صانع واعٍ لمصيره الداخلي، مستخدماً الذكاء العاطفي كبوصلة توجه الأفكار نحو السلام الداخلي والعلاقات الإيجابية. فماهي الطرق المعرفية العلاجية السلوكية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

تعاضد الرأسمالية العالمية وتراجيديا الحياة العارية

تعد العلاقة بين السلطة السياسية وكرامة المواطن في المجتمعات المعاصرة واحدة من أعقد الإشكاليات التي تواجه الفلسفة السياسية وعلم الاجتماع والتحليل الاقتصادي. تبرز "سياسة الإذلال" كأداة حكم جوهرية في الأنظمة التي توصف بـ "الرخوة"، وهي الأنظمة التي تعاني من هشاشة مؤسساتية وبيروقراطية مزمنة، لكنها في الوقت ذاته تمارس سطوة سيادية مطلقة على جسد وحياة المواطن. إن التساؤل الجوهري الذي يطرح يتمحور حول ما إذا كان هذا الإذلال الممنهج يمثل آلية لدمج هذه الدول في منظومة الرأسمالية العالمية كأطراف تابعة ومستباحة، أم أنه يمثل "عذاب قبر حياتي" يفرضه النظام المحلي على "المواطن العاري" الذي جُرّد من حقوقه.

عبر تشريح مفاهيم "الحياة العارية" عند جورجيو أغامبين، ونظريات التبعية عند سمير أمين، ومفهوم "الدولة الرخوة"، يتضح أن الإذلال ليس مجرد عرض جانبي لسوء الإدارة، بل هو تقنية حيوية تهدف إلى تحويل سياسية فاعلة من قبل رأس المال العالمي. إن هذا التداخل المعقد بين الهيمنة الاقتصادية الدولية والبطش السيادي المحلي، مبيناً كيف يتم استغلال "حالة الاستثناء" لتحويل الوجود الإنساني إلى مجرد مادة خام في دورة التراكم الرأسمالي.

 جدلية الإدماج والإقصاء في الفكر الأرسطي وما بعده

يرى أغامبين أن تعريف أرسطو للمدينة (بأنها تنشأ من أجل الحياة، ولكنها تستمر من أجل الحياة الفضلى) يمثل اللحظة التأسيسية التي تم فيها إقصاء "الحياة العارية" من المجال السياسي مع شمولها فيه في آن واحد عبر هذا الإقصاء. في الأنظمة الرخوة، يتم إنتاج ما يسمى بـ "الحياة العارية" بشكل مكثف. هذه الحياة ليست مجرد وجود بيولوجي، بل هي المنتج السيادي الناتج عن التقاطع بين القانون وحالة الاستثناء. المواطن في هذه الحالة يتم إقصاؤه من الحقوق والضمانات السياسية مع إبقائه تحت رحمة السلطة في جانبها العقابي والمادي الصرف.  

الدولة الرخوة كبيئة حاضنة لسياسة الإذلال

تُعرف "الدولة الرخوة" في الأدبيات السياسية بأنها تلك الدولة التي توجد فيها منظومات قانونية ودستورية شكلية، لكنها تفتقر إلى الإرادة أو القدرة على تطبيقها بعدالة، حيث يتفشى الفساد والبيروقراطية والترهل الإداري. هذا الرخاء المؤسساتي يقابله "صلابة" مفرطة في ممارسة العنف الرمزي والمادي ضد الفئات الأضعف في المجتمع. 

تستخدم الدولة الرخوة سياسة الإذلال كآلية تعويضية عن فقدان شرعيتها الإنجازية. عندما تعجز الدولة عن توفير التنمية الاقتصادية أو الأمن الاجتماعي، تلجأ إلى تحطيم كرامة المواطن لجعله يشعر بالدونية والارتهان الدائم لعطايا السلطة أو تجنب بطشها. تشمل هذه السياسات آليات معقدة تتغلغل في النسيج اليومي للحياة: 

البيروقراطية كأداة تعذيب: تحويل الحصول على أبسط الحقوق (مثل وثيقة هوية أو علاج طبي) إلى رحلة من المذلة والانتظار والرشوة. هذا "الإذلال الإداري" يهدف إلى إفهام المواطن أن وجوده القانوني هو "منحة" من السلطة وليس حقاً أصيلاً. 

العقوبات البدنية والتشهير العلني: استخدام أجهزة الأمن لإهانة الأفراد علناً، سواء عبر التحرش اللفظي أو الجسدي في الأماكن العامة، مما يؤدي إلى كسر "الأنا" الجماعية للفرد والمجتمع. 

تخفيض سقف التوقعات: من خلال الإذلال المستمر، يتم دفع المواطن إلى القناعة بأن "النجاة" هي أقصى طموحه، مما يؤدي إلى خمول سياسي تام وتخلي عن المطالبة بالعدالة الاجتماعية أو التغيير الهيكلي. 

إن هذا الإذلال يمثل "عذاب قبر حياتي" لأنه يسلب الإنسان القدرة على التخيل أو التخطيط للمستقبل، ويحصره في لحظة البقاء البيولوجية المحضة. هنا تلتقي الفلسفة بالواقع الاقتصادي؛ فالمواطن الذي يشغله البحث عن رغيف الخبز أو النجاة من إهانة شرطي، هو المواطن المثالي لنظام يريد تحييد القوى الاجتماعية لضمان استمرار نهب الفائض لصالح النخب المرتبطة بالمركز العالمي.  

الدولة الرخوة والسيادة المنقوصة

ان الربط بين الأنظمة الرخوة ومفهوم "الدولة الرخوة" حيث تنهار الوظائف الأساسية للدولة وتتحول السيادة إلى مجرد أداة لحماية بقاء النخبة الحاكمة. يُستخدم الرعب السياسي والسيطرة على الموارد الطبيعية لترسيخ السلطوية السيادية، حيث تُحول الموارد إلى ثروات تُستعمل في تمويل أجهزة القمع بدلاً من التنمية. المواطن هنا يجد نفسه "عارياً" تماماً؛ فلا هو محمي بقانون الدولة المحلي، ولا هو مشمول بحماية القوانين الدولية التي غالباً ما تغض الطرف عن الانتهاكات في سبيل استقرار المصالح الاقتصادية.  

التبادل اللامتكافئ واستنزاف الفائض البشري

يرى سمير أمين أن النظام الرأسمالي العالمي يتكون من بنية ثنائية:

 "مركز" مسيطر يستثمر في "محيط" أقل تطوراً. يتم استخراج الفائض الاقتصادي من المحيط إلى المركز عبر آلية "التبادل اللامتكافئ". في هذا السياق، تؤدي الأنظمة الرخوة دور "الوسيط الكمبرادوري" الذي يسهل عملية النهب هذه. 

لتحقيق هذا الاستنزاف، يجب أن تبقى قوة العمل في المحيط رخيصة ومقموعة ومحرومة من الوعي المنظم. هنا تبرز "سياسة الإذلال" كضرورة اقتصادية؛ فهي الوسيلة لضمان عدم تمرد المواطنين على ظروف العمل القاسية أو الأجور التي تقل كثيراً عن القيمة الحقيقية للإنتاجية. إن الفرق بين الأجور في المركز والمحيط يتجاوز بكثير الفرق في الإنتاجية، وهذا هو جوهر الاستغلال العالمي الذي يحول العامل في الدول النامية إلى "حياة عارية" اقتصادياً. 

الإذلال لخفض التوقعات الشعبية

تؤكد هذه البنية أن إفقار المواطن وإذلاله في "الأطراف" ليس مجرد نتيجة للجهل المحلي، بل هو ضرورة هيكلية لاستمرار تراكم رأس المال العالمي. إن المواطن المستلب هو الترس الذي يدور لخدمة المصالح الكبرى، حيث يتم تحويل موارده الطبيعية وقوة عمله إلى ثروات تتدفق نحو المراكز الرأسمالية، بينما يُترك هو لمواجهة "عذاب القبر الحياتي" في ظل دولة لا تعترف به إلا كمصدر للجبايات أو مادة للقمع.  

استهلاك الفائض والبرجوازية الكمبرادورية

تشير الدراسات إلى أن جزءاً كبيراً من الفائض الاقتصادي المحقق في الدول المتخلفة يتم تبديده على استهلاك الطبقة الحاكمة التابعة (الكمبرادورية)، بدلاً من إعادة استثماره في الصناعة الوطنية. هذه الطبقة تستخدم سياسة الإذلال ضد الشعب لضمان عدم مطالبتهم بهذا الفائض. الرأسمالية العالمية، بدورها، تساند هذه البرجوازيات المحلية لأنها تضمن بقاء الدولة في حالة "تبعية تكنولوجية" ومالية دائمة. هكذا، يصبح الإذلال أداة لضمان "الاستقرار" المطلوب للاستثمارات الأجنبية، حيث تعني "الرخاوة" هنا غياب القوانين التي تحمي المواطن، مقابل "صلابة" القوانين التي تحمي رأس المال. 

 سيكولوجية المواطن الخامل والفاعلية المشوهة

طرحت الليبرالية المشوهة في ظل الأنظمة الرخوة فكرة "المواطن الخامل" مقابل "المواطن الفاعل" الذي يعمل فقط ليدفع الضرائب دون المطالبة بحقوق المشاركة السياسية. يتم ربط حق المواطنة الفعلي بمدى القدرة على الاستهلاك أو دفع الجبايات، مما يحول الفقراء (وهم الأغلبية) إلى "حياة عارية" خارج إطار الحماية الاجتماعية.

إنه "عذاب القبر الحياتي" يتجسد في فقدان "الوكالة السياسية.

 تاريخية الإذلال في العلاقات الدولية

لم يكن استخدام الإذلال وليد اللحظة؛ فالتاريخ يشهد على استخدامه كأداة لكسر إرادة الشعوب والدول التابعة. يُذكر تاريخياً أن سياسات الإذلال استخدمت ضد الدولة العثمانية في مراحل ضعفها لإجبارها على إصلاحات تخدم المصالح الأوروبية، مما أدى إلى فقدانها لسيادتها تدريجياً. كما مارست بعض الأنظمة الشمولية سياسة الإذلال ضد أعضائها وضد المنظمات الدولية لضمان التبعية المطلقة للقيادة. هذا التراكم التاريخي يثبت أن الإذلال هو "تقنية حكم" فعالة لخفض سقف الطموحات الشعبية أمام الهيمنة العالمية.  

تحدي سياسة الإذلال

رغم قتامة مشهد "الحياة العارية"، فإن الفكر النقدي والواقع النضالي يطرحان إمكانيات للمقاومة. تنتقد الفيلسوفة جوديث بتلر رؤية أغامبين، معتبرة أن فكرة "الحياة العارية" قد تنزع الوكالة عن الناس وتجعلهم يبدون كضحايا سلبيين لا يملكون إرادة.  

الإذلال كعقد عمل بين السلطوية والرأسمالية

يمكن استنتاج أن سياسة الإذلال في الأنظمة الرخوة تعمل كـ "بروتوكول تعاون" غير مكتوب بين النخب المحلية والنظام الرأسمالي العالمي. الأنظمة الرخوة توفر "البيئة البيولوجية" المقموعة والمذلة التي يحتاجها رأس المال العالمي لتعظيم أرباحه عبر التبادل اللامتكافئ، بينما يوفر النظام العالمي لهذه الأنظمة الغطاء السياسي والمالي للبقاء في السلطة.

هذا التعاضد يخلق "منظومة مغلقة" تجعل من الصعب على الدول الرخوة الخروج من دائرة التبعية دون تغيير جذري في بنية السلطة المحلية وعلاقتها بالسوق العالمي. إن "عذاب القبر الحياتي" ليس مجرد استعارة، بل هو وصف دقيق لحالة المواطن الذي يعيش في "برزخ" قانوني وسياسي؛ فلا هو مواطن يتمتع بكامل حقوقه، ولا هو كائن خارج التاريخ، بل هو مادة للاستغلال المستمر.  

تراجيديا الوجود في الهامش وآفاق التحرر

إن سياسة الإذلال في الأنظمة الرخوة ليست مجرد نتيجة لضعف الكفاءة الإدارية، بل هي تقنية سيادية وحيوية مدروسة تهدف إلى إنتاج "المواطن العاري" القابل للاستغلال في منظومة الرأسمالية العالمية. هذا الاستلاب يمثل "عذاب قبر حياتي" يسلب الإنسان جوهره السياسي ويحوله إلى مجرد جسد مستباح تحت رحمة حالة الاستثناء الدائمة.

إن كسر حلقة الإذلال يبدأ من رفض "حالة الاستثناء" ومن الإصرار على أن تكون الحياة البشرية "غير قابلة للاستباحة". إن الصراع ضد الإذلال هو صراع ضد تعاضد القمع المحلي مع النهب العالمي، وهو في جوهره صراع من أجل استعادة الحق في "الحياة الفضلى" بعيداً عن كابوس الاستلاب وعذاب الوجود العاري.

***

غالب المسعودي

.........................

المراجع

cambridge.org

Bare Life” and Politics in Agamben's Reading of Aristotle | The ... (“'Bare Life' and Politics in Agamben's Reading of Aristotle”)

sup.org

Homo Sacer | Stanford University Press

studysmarter.co.uk

Giorgio Agamben: 'Political Theory', 'Bare Life' - StudySmarter

democraticac.de

الدولة وتجلياتها: الأشكال التي ظهرت بها والأبعاد التي ذهبت إليها - المركز ... (“الدولة وتجلياتها: الأشكال التي ظهرت بها والأبعاد التي ذهبت إليها”)

ahewar.net

نجيب اسطيفان - صفحات مظلمة في تطبيق الماركسية

lubab.aljazeera.net

الجسد المستباح في الثقافة السياسية العربية خصائص العلاقة بين ...

revsoc.me

نظرية الإمبريالية: (2) نقد مسألة التبعية - بوابة الاشتراكي

asjp.cerist.dz

نظرية النظام العالمي الرأسمالي وموقع المنطقة العربية منها - ASJP

shorufatcenter.com

بحث في نظرية النظام العالمي / ايمانويل فالرشتاين - مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والارهاب

archive.org

أنينل ألكسندرو فنادولينا

 

لم يعد الإعلام وسيطًا للمعرفة، بل أداة لإعادة تشكيل الوعي في اتجاه مناوئ للعقل. فسياسات الميديا السائدة تعمل بوعي منهجي على خفض قيمة التفكير النقدي، ورفع منسوب التفاهة والجنون الرمزي، من خلال الإثارة والتسطيح وصناعة الوهم بدل البحث عن الحقيقة.

هذا الانحراف ليس عارضًا ولا بريئًا، بل يندرج ضمن منطق الهيمنة الرمزية؛ حيث يُقصى العقل ويُستبدل بالمؤثّر السطحي، ويُمنح أصحاب الفراغ ملايين المتابعين، لأنهم الأقدر على إدارة القطيع لا على إيقاظ الوعي.

تراجع الوعي، واستفحال التفاهة، وانحطاط الذوق العام، لا يعود إلى قصور القدرات العقلية بقدر ما يرتبط بإعادة تشكيل الإنسان ذاته داخل منظومة استهلاكية ضاغطة. ففي سياق تغمره المثيرات السريعة والصادمة والمحتوى المرئي التافه، يتبلّد الحسّ الجمالي تدريجيًا، ويفقد العقل القدرة على التذوق العميق والتمييز النوعي.

وقد نبّه فرويد إلى أن هيمنة مبدأ اللذة الفورية تُضعف وظائف الضبط النفسي، فتتراجع الحاجة إلى المعنى لصالح الإشباع العاجل. وعلى المستوى الاجتماعي، لم تعد الثقافة أداة لتشكيل الوعي وبناء الذات، بل تحوّلت إلى سلعة تُنتج على نطاق واسع وفق منطق السوق. وحين يُختزل الفن والفكر في منطق المنتَج، يصبح الهدف الانتشار والكمّ، لا الارتقاء والقيمة.

اليوم، لم يعد يهم ما تقول بقدر ما يهم عدد الذين أعجبوا بك. تحوّلت الصورة إلى حقيقة، والصوت العالي إلى معرفة، والوجه الجميل إلى فكرة. عصر أعاد تعريف القاع، قاعًا لا يُرى لأنه يعلو، ويتصدّر، ويصفّق له الجميع.

القيم لم تعد تُقاس بالمعنى، بل بعدد المتابعين، ولم يعد الوعي معيارًا للجدارة، بل قدرة التافه على إثارة الضجيج في فراغ بلا جدران. نحن في زمن غلب فيه الهامش المتن، وضاعت فيه الفكرة بين مؤثرات بصرية ومؤثرين بلا أثر.

إنه عصر الصعاليك الجدد؛ ليس أولئك الذين تمردوا على السلطة قديمًا بحثًا عن الحرية، بل الذين باعوا كل شيء مقابل ضجيج لحظي، واستبدلوا الفكر بالمؤثرات، والمضمون بالتصفيق، والوجود بالظهور.

لسنا نغرق في التفاهة فحسب، بل نصفّق ونحن نهوي. لقد تجاوزت التفاهة كونها سلوكًا عابرًا لتصبح هوية عامة، وثقافة سائدة، ومنهج حياة. والمؤلم أن مظاهر هذا الانحدار تتصدر المشهد، عبر سباق محموم نحو السطحيات وهروب جماعي من المعنى، والمسؤولية، وأي مساءلة للذات.

أي مجتمع هذا الذي حوّل مشكلاته الأسرية إلى عروض مفتوحة على منصات التواصل؟ تُنتهك الخصوصية علنًا، وتُهدر حرمة البيوت، وكأن الستر لم يعد قيمة، ولا الحياء مبدأ، ولا العيب عيبًا. والأخطر أن الجمهور يتغذّى على هذه الانتهاكات؛ يعطّل عقله، ويهدر وقته، ويتلذّذ بانهيار حياة الآخرين. هذه ليست متابعة عابرة، بل تواطؤ أخلاقي.

ولم تقف التفاهة عند هذا الحد، بل تسلّلت إلى تفاصيل الحياة اليومية، وقدّمت نفسها بوصفها “ترندًا” أو “مواكبة للعصر”. تحوّلت الأماكن الخاصة إلى مسارح استعراض، تُختزل فيها القيمة الإنسانية في صورة، أو لقطة، أو إعجاب عابر. لا فكر، ولا رسالة، ولا معنى؛ مجرّد حضور فارغ يطلب التصفيق.

إن أخطر ما في هذا العصر، أنه لا يشعر ضحاياه بالخطر، بل يجعلهم يستمتعون بالانحدار، ويبرّرونه، ويدافعون عنه. ومع الوقت، يصبح التفكير عبئًا، والجد مللًا، والقيم تخلّفًا، بينما تُكافأ التفاهة بالشهرة والمتابعة.

إلى أين نمضي؟ وإلى متى نواصل الهروب من قضايانا المصيرية إلى الانشغال بتوافه الآخرين؟ المجتمعات لا تسقط دفعة واحدة، بل تنهار حين تفقد بوصلتها، وحين تنشغل بالتافه عن الجوهري، وبالضجيج عن البناء. وما لم نُراجع أنفسنا بصدق، ونُعيد الاعتبار للقيم، والعمل، والخصوصية، فإن القادم—لا قدر الله—قد يكون أشد قسوة مما نراه اليوم.

***

فؤاد لوطة – كاتب مغربي وأستاذ اللغة العربية

 

على المستويين المنهجي والمعرفي، ثمة محاولات عديدة، تستهدف خلق مساوقة بين مفهوم الدين المنزل من السماء، وبين الأيدلوجيا، وهي تفسير بشري خاضع لظروف زمانه ومكانه لمبادئ الدين وقيمة الأساسية.

فقيم الدين واسعة وشاملة، وقادرة ذاتيا على استيعاب مستجدات الحياة، بما توفره نزعة الاجتهاد من علم عميق بالمكونات الأساسية للدين، وقدرة عقلية على استنباط أحكام وتصورات جديدة على موضوعات جديدة، انطلاقا من كليات الدين وثوابته العليا. 

كما أن قيم الدين الأساسية، بطبيعتها عابرة لكل زمان ومكان وخالدة بخلود الإنسان. بينما تفسيرات البشر لهذه القيم محددة بحدود زمان ومكان، وغير قادرة هذه التفسيرات على تجاوز مقتضيات الزمان والمكان. لذلك يصح القول أن في كل زمان ومكان، يمكن أن نعطي تفسيرا محددا لتلك القيم، بحيث يكون هذا التفسير متعلقا أو متأثرا بطبيعة ظروف ذلك الزمان والمكان. 

ولعل الإشكالية الحقيقية التي تثيرها النزعات الأيدلوجية على هذا الصعيد، هي أنها أي الأيدلوجيا تتعامل مع تفسيرات البشر أو تعمل عبر التعبئة الأيدلوجية، إلى التعامل مع عناصر الأيدلوجيا وتفسيرات البشر لمفاهيم الدين وقيمه الأساسية وكأنها هي الدين ذاته. 

من هنا لو تأملنا في طبيعة المجتمعات والجماعات الأيدلوجية، لرأينا أن هذه الجماعات تتعامل مع قناعاتها وأفكارها، بوصفها هي الإسلام ذاته، وإن رفض هذه القناعات أو معارضتها، يعود وفق المنظور الأيدلوجي وكأنه رفض أو معارضة لقيم الدين ذاتها. كما أنه في هذه الجماعات، تتفشى نزعة الجزمية والثبوتية في التعامل مع قناعات الذات وأفكارها الأساسية. وتعمل هذه الجماعات على تعميم نزعة الجزمية لدى الإتباع في التعامل مع قناعات الجماعات الأيدلوجية.  ولا شك أن نزعة الجزمية، تلغي إمكانية الانفتاح الفعلي والتواصل الحقيقي مع قناعات واجتهادات الغير. فبعض هذه الجماعات الأيدلوجية، تدعي الانفتاح والتواصل، ولكن على المستوى الفعلي هم لا يتعاملون أو لا يلتزمون بحقيقة التواصل ومقتضيات الانفتاح. فهم كأنهم فقط يزينون قناعاتهم الأيدلوجية بجلباب الانفتاح والتواصل. فالجزمية في التعاطي مع قناعات الذات، تفضي إلى الانطواء العملي والانكفاء المعرفي الذي يحول دون الاستفادة الفعلية من المنجزات والمكاسب العلمية والمعرفية الإنسانية. 

لهذا فإن هذه الجماعات الأيدلوجية المغلقة، تعيش حالة الرهاب من حقائق التنوع والتعدد بكل مستوياته. لأنها لا ترى إلا ذاتها وتلغي من الناحية الفعلية كل ما عداها. فهي تحارب التنوع والتعدد، وتتمسك بأهداب التفسير الأحادي لقيم الدين، ولا تتواصل معرفيا مع الاجتهادات العلمية الأخرى، والتي تنطلق من ذات الأرضية المعرفية، إلا أنها تختلف معها سواء في مضمون الفهم والتفسير أو في نظام الأولويات أو ما أشبه ذلك من دوائر الاختلاف. 

فأزمة الجماعات الأيدلوجية الدينية اليوم، هو في التعامل مع قناعاتها النظرية والتحليلية بوصفها هي المعادل الذاتي والموضوعي للدين، وإن الخروج على هذه القناعات، كأنه خروج من الحق إلى الباطل، وأنها تتعامل مع مبادئ وقيم الدين بنزعة حزبية ضيقة وكأن الدين جاء فقط بمقاس هذه الجماعة. وكل إنسان يريد الهدى والاستقامة فعليه أن يمر بصراط هذه الجماعة الأيدلوجية أو تلك ويلتزم بمقولاتها وقناعاتها الأساسية. ولعل الكثير من المشاكل التي تعانيها مجتمعاتنا اليوم، وبالذات فيما يتعلق وسؤال التعدد الديني والمذهبي، هي تعود في جوهرها، إلى هذه النزعة الأيدلوجية التي تعمل على حبس قيم الدين في فهمها وتفسيرها وحدها للدين. 

ويبدو أنه لا خروج فعليا من هذه المشاكل، إلا بفك الارتباط بين النزعة الأيدلوجية والدين. لأن الدين بمنظومته التشريعية وقيمة الأخلاقية ومبادئه الإنسانية، أوسع من كل النواحي من الأفهام الأيدلوجية مهما كانت هذه الأفهام. 

وإن التفسيرات التعصبية للأفهام الأيدلوجية هو الذي يساهم في تحويل الدين من طاقة إيجابية للتهذيب والوحدة بين الناس. 

إلى مصدر للشقاء والقتل والفرقة بين الناس. فقيم الدين كالمسجد تجمع ولا تفرق، وتحتضن الجميع مهما كان وضعها الاجتماعي أو فهمها ومستواها المعرفي. بينما النزعات الأيدلوجية تطرد المختلف، ولا يسع عقلها وقلبها للاختلاف والتعدد، وتعمل عبر آليات قسرية إلى إخضاع الناس إلى قناعاتها وأفكارها. وإذا أبدى الناس رفضهم لهذه القناعات اتهموا في دينهم، وتم التعامل معهم بوصفهم من أهل الزيغ والضلال. 

فقيم الدين تتعالى على انقسامات البشر، وتعمل عبر آلياتها التربوية والأخلاقية والقانونية لمعالجة هذه الانقسامات. بينما النزعات الأيدلوجية تساهم في إنتاج الخلاف والنزاع بين البشر، وتنمية الفوارق بين البشر. 

ولو تأملنا في طبيعة الوظائف والأدوار التي تقوم بها اليوم بعض الجماعات الأيدلوجية، لرأينا أن هذه الجماعات تخضع لتفسيرات بشرية، ضيقة لقيم الدين، دون أن تمتلك الجرأة على عرض هذه التفسيرات على النص القرآني وثوابته الأساسية. حينما تنادي بعض الجماعات الأيدلوجية الدوغمائية أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم جاء بالذبح، يتم التعامل مع هذه المقولة وكأنها من النصوص المتعالية على الزمان والمكان. 

بينما لو عرضنا هذه المقولة على آيات الذكر الحكيم وسيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، والتي كلها رحمة، لوجدنا أن هذه المقولة تساهم في تشويه سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وفق النص القرآني، وليس وفق مدونات المؤرخين التاريخية. 

فحينما يقبع الإنسان في السجن الأيدلوجي، يتعامل ببلادة تامة مع الإنسان وجودا ورأيا وحقوقا. وإن هذا الإنسان ما دام ليس على نهجي أو فهمي أو مذهبي، فهو لا يستحق مني التعاطف أو التضامن أو التعاضد. أسوق هذا الكلام لأنني اطلعت على بعض التغريدات الأيدلوجية بعد حادثة الدالوة في منطقة الأحساء مفادها إنني ذهبت إلى التعزية بهؤلاء الضحايا انطلاقا والتزاما بما قام به الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم مع اليهود. حينما نساوي بين اليهودي والمسلم المختلف، هل هذه المساواة منضبطة بمعايير التفاضل والتقوى وفق الرؤية القرآنية. 

أم أن هذه المساواة والبوح بها، هو نتاج تربية أيدلوجية، طائفية، منغلقة، ومعادية لحق الاختلاف.

قيم الدين لا تؤسس لبلادة في المشاعر الإنسانية، بل هي تساهم في إثراء المشاعر الإنسانية. لأن كل ما هو ديني هو بالضرورة إنساني. 

وإن الملتزم بقيم الدين تثرى مشاعره وتفيض إنسانية. 

أما من ينطلق من النزعات الأيدلوجية المغلقة، فهو يقمع مشاعره الإنسانية ويحجز البعد الإنساني في شخصيته بجدار سميك من التبريرات الأيدلوجية. 

لهذا كله فإن الخطوة الأولى في مشروع إصلاح أوضاعنا، هو الانعتاق من ربقة النزعات الأيدلوجية الدوغمائية، والانفتاح على كل الاجتهادات والمقولات الدينية التي تثري الواقع الإنساني في أبعاده المختلفة.

***

محمد محفوظ – باحث سعودي

 

إعادة بناء التاريخ المصري في اعمال السيد القمني

كتب: وائل ابو عقصه

ترجمة: علي حمدان

***

كان من أبرز التحولات في الخطاب الفكري العربي بعد عام 1967 انشغال فكري مكثف بمسألة التراث التاريخي، من قبل مثقفين ينتمون إلى تيارات سياسية علمانية غير إسلامية. وكان الافتراض النظري الذي استندت إليه معظم هذه الأعمال هو ضرورة إنتاج أساس إسلامي عربي "أصيل" للحداثة، لتجاوز ما وُصف بأنه أيديولوجيات "مستوردة" و"سطحية" و"غربية". وسعى الخطاب الفكري حول التراث إلى خلق أطر مرجعية جديدة لمسائل الشرعية في الفكر العربي، وهدف إلى تقديم تفسير وفهم حقيقيين للعصر المعاصر، الذي كان يُنظر إليه على أنه يمر بأزمة.

أدى صعود وسقوط النقد الماركسي الحديث وأزمة الفكر العلماني في أواخر سبعينيات القرن العشرين إلى ظاهرتين متناقضتين بين المثقفين اليساريين: تحول ميتافيزيقي نحو التراث الإسلامي، وبداية انتقال نحو الليبرالية بلغ ذروته في نهاية الحرب الباردة. شهدت سبعينيات القرن العشرين صعود الإسلام السياسي. وقد أدى انهيار الفكر اليساري السائد (الناصرية) بعد حرب 1967، والدور القيادي لدول الخليج النفطية المحافظة في السياسة الإقليمية العربية، وصعود السادات في مصر وحافظ الأسد في سوريا، إلى تراجع النظام الإقليمي ومفاهيمه السياسية - "المعسكرات المحافظة والرجعية" مقابل "المعسكرات التقدمية والجمهورية" - التي شكلت الخطاب السياسي لما قبل عام 1967. وقد عززت الثورة الإيرانية عام 1979 صعود الإسلام السياسي.

شكلت التغيرات الرئيسية على المستوى السياسي سياق الانشغال الفكري بالتراث. بالإضافة إلى التغيرات الداخلية العربية، تجلّى ذلك في تراجع نظرية المعرفة الثورية (الثورة) وشهدت أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن العشرين ظهور نقد يساري جديد متأثرًا بصعود ما بعد الحداثة (وخاصة أعمال ميشيل فوكو)، والذي هدف إلى تفكيك أسس التنوير، والمركزية الأوروبية، والعقلانية. نجح الإسلام السياسي من جهة وما بعد الاستعمار من جهة أخرى في فرض نقدهما على موضوع أصالة الفكر العربي، خاصة خلال الثمانينيات والسنوات التي تلتها.

تتميز الأعمال في مجال التراث بالشمولية، كما يتضح في المشاريع الفلسفية التي استكشفت مفاهيم مستمدة من مجال المعرفة، كالعقل العربي والإسلامي. وقد أثمر هذا الاهتمام أبرز وأشمل الأعمال في مجال الفكر والفلسفة باللغة العربية في العصر الحديث. بعض العلماء، مثل محمد عمارة، وحسن حنفي، ومحمد عابد الجابري، عرّفوا أنفسهم بالقومية العربية والإسلامية؛ وآخرون، مثل حسين مروة وغالي شكري، وطيب تيزيني، عرّفوا أنفسهم بالماركسية؛ بينما عرّف آخرون، مثل زكي نجيب محمود، ومحمد أركون، ونصر حامد أبو زيد، أنفسهم بالليبرالية؛ وقد أثرى هؤلاء جميعًا الساحة الفكرية العربية بأعمال ركزت على قضية التراث من منظورات أيديولوجية مختلفة. شمل الجدل الدائر حول التراث مجموعة متنوعة من المواضيع السياسية مثل الهوية السياسية، وروايات التاريخ الوطني، والأخلاق، ووضع الدين في الدولة.

كان تركيز الخطاب الفكري خلال سبعينيات القرن العشرين وما بعدها على موضوع التراث مصحوبًا باهتمام عام ومؤسس تجلى في تنظيم مؤتمرات وندوات عامة في العديد من الدول العربية. رأى ماركسيون بارزون هذا التوجه بين اليساريين واليساريين السابقين، والليبراليين، على أنه رجعي. واعتبروه في المقام الأول تجسيدا لتزايد نفوذ الإسلام السياسي على الخطاب السياسي العلماني ومظهرا من مظاهر أزمة اليسار التقدمي.

على سبيل المثال، علّق جورج طرابيشي عام ١٩٧٤ على البيان المشترك للعلماء المجتمعين في الكويت لمناقشة قضية التراث. جادل بأن هذا البيان يُمثّل أزمة المثقفين التقدميين ويُكرّس "الشعور بالتخلف". اتفق الفيلسوف المصري اليساري الشهير فؤاد زكريا مع هذا الرأي، وأكّد على الصلة بين الخطاب الفكري والممارسة الاجتماعية. ورأى أن المأساة الكبرى لهذا التوجه هي تجلّيه الشعبي، حيث تمّ من خلاله تجنيد العلماء لحماية الحجاب، وإطالة اللحى، وارتداء الأزياء "الإسلامية" الأخرى التي تُعتبر جزءًا من النهضة الأصيلة المتوقعة. وجد التنوير العربي، الذي وُصف بـ"العلماني"، نفسه في موقف دفاعي عندما تمّ تقديم "العلمانية" بصورة سلبية، باعتبارها رأس حربة للإمبريالية الثقافية. كان انشغال المثقفين العلمانيين بالنصوص الدينية، بالنسبة له، تعبيراً عن هزيمة مطلقة.

كان الدافع الرئيسي للنقد اليساري في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين والافتراض بأن انشغال اليسار بالتراث يعني تبني موقف نسبي تجاه الثقافة. وقد قوضت هذه النسبية وحدة التنويرين خلال استخدام تعريفات للأفكار والمعايير التي تعود أصولها إلى الأيديولوجية الإسلامية السياسية. جادل الخطاب الإسلامي بأن التراث" هو الأصل الأصيل للأمة الإسلامية؛ وبالتالي، فإن أي أيديولوجية لا جذور لها في هذا الإطار ليست إلهية هي دخيلة. وقد تبنى العديد من اليساريين هذا الافتراض خلال سبعينيات القرن العشرين. في الواقع، على الرغم من النقد اليساري للانشغال الفكري بالتراث، فقد أصبحت فكرة أهمية التراث الإسلامي في الحياة السياسية العربية مفهومًا سائدًا. بعد سبعينيات القرن العشرين، أدرك المفكرون العلمانيون ضرورة أن تكون أيديولوجيتهم السياسية متجذرة في التاريخ المحلي. ومن الأمثلة على هذا التحول الفكري تطور فكر الطرابيشي، الذي انخرط بعمق في مفهوم التراث خلال أواخر ثمانينيات القرن العشرين على الرغم من الاقتباسات المتكررة من سبعينيات القرن العشرين من مرحلته الماركسية.

خلال ثمانينيات القرن العشرين، أبرزت حدود التعريف العربي الإسلامي للتراث التصورات العرقية الدينية لدى المثقفين الذين تم تعريفهم بالقومية العربية والإسلاموية. استند نقدهم الثقافي إلى فكرة أنه لا يمكن أن يكون هناك بناء أيديولوجيا و اجتماعي أو سياسي مشروع خارج إطار التراث العربي الإسلامي. على سبيل المثال تم تصوير التاريخ العربي الحديث للقرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين الذي أطلق عليه العديد من المفكرين العرب اسم النهضة على أنه نتاج ثقافة منحطة متبناة من الغرب الإمبريالي، وبالتالي أدى الى الفشل. أحد الفلاسفة البارزين الذين يمثلون هذا التوجه هو محمد عابد الجابري، الذي كتب عام 1980 أن الليبرالية تساوي "الاستغلال الطبقي، والتلفيق الأيديولوجي، والهيمنة الإمبريالية.

يتناول هذا الفصل الانشغال بالتراث من منظور الأفكار السياسية المنهجية. ونقدم بالتفصيل إسهامات السيد القمني جدل التراث في سياق الصراع بين مختلف الأيديولوجيات. وقد يكشف عرض أعماله في السياق العام للفكر العربي عن الانقسام السياسي الكامن وراء النقاش الفكري العربي في مواضيع مثل الذاكرة الجمعية، والقومية، والديمقراطية، والدين، والأخلاق، ومن هذا المنظور، نبين كيف تشكل أعمال القمني المتعلقة بـالماضي والحاضر أيديولوجية ليبرالية شاملة أو رؤية للعالم تم التعبير عنها باللغة العربية بمصطلح "الليبرالية" – وهي تيار سياسي يمثل احد رموزها.

السيد القمني عالم مصري بارز، انخرط بعد ثمانينيات القرن العشرين انخراطاً عميقاً في المسعى الفكري العربي لإعادة تعريف موضوع التراث. وسعى القمني من خلال مؤلفاته إلى إرساء أساس معرفي لرؤية عالمية ليبرالية تهدف إلى تعزيز الجذور الأصيلة للنظرية الليبرالية في التاريخ الوطني المصري.

وُلد القمني عام ١٩٤٧؛ وكان والده تاجرًا وخريجًا من الأزهر. بدأ مسيرته الفكرية كقومي، وفي أواخر ثمانينيات القرن العشرين - لا سيما بعد الغزو العراقي للكويت -تحوّل إلى الليبرالية. منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين، أصبح القمني أحد أبرز المدافعين عن الليبرالية المصرية، وربما الأكثر انتقادًا للإسلام السياسي. لم يقتصر نشاطه الجدلي على المؤلفات المكتوبة، بل امتدّ إلى وسائل الإعلام الشعبية أيضًا. في هذا الصدد، يجدر بالذكر أنه شارك ثلاث مرات في مناقشات على أحد أشهر البرامج التلفزيونية باللغة العربية، برنامج "الاتجاه المعاكس" على قناة الجزيرة، حيث هاجم الإسلام السياسي بشدة. كتب أطروحته للدكتوراه تحت إشراف فؤاد زكريا. وفي عام ١٩٨٨، نشر أطروحته ككتاب بعنوان "رب الثورة: أوزريس وعقيدة الخلود في مصر القديمة".

تنقسم أعمال القمني إلى ثلاث فئات رئيسية: أعمال تركز على التاريخ القديم للمنطقة (وقد جُمع بعضها تحت عنوان

الإسرائيليات أو "التراث اليهودي العبري")؛ وأعمال تركز على تأسيس الإسلام (والتي جمعها تحت عنوان الإسلامية أو "الأعمال الإسلامية")؛ ومجموعته من المقالات حول المواضيع اليومية التي كتبها للصحف والمجلات المصرية.

يُعَدُّ التعليم في أي بلد مرآةً لمشروعه المجتمعي وأداة مركزية لتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية. وفي السياق المغربي، يشكّل ملف التعليم منذ عقود أحد أبرز التحديات التي لا تزال تؤرق صناع القرار، وتثير نقاشًا متواصلًا في مختلف الأوساط السياسية والثقافية والاجتماعية. فالحديث عن النهضة التعليمية في المغرب يستدعي الوقوف عند ثلاثية مترابطة: الرؤية الإصلاحية، والطموح المجتمعي، والعوائق البنيوية، وهي ثلاثية تُحدد مسار التحول الذي تتطلع إليه البلاد في هذا المجال الحيوي.

ملامح الرؤية الإصلاحية

تبنّى المغرب منذ مطلع الألفية الثالثة سلسلة من الإصلاحات الكبرى في المجال التربوي، لعل أبرزها الميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999)، الذي اعتُبر لحظة تأسيسية في إعادة التفكير في المدرسة المغربية، ثم جاء بعده البرنامج الاستعجالي (2009-2012)، فـرؤية 2030، التي راهنت على جعل التعليم في قلب النموذج التنموي الوطني.

الرؤية الحالية للإصلاح ترتكز على محاور عدة، أهمها:

- ترسيخ مبادئ الإنصاف وتكافؤ الفرص.

- تحسين جودة التعلمات.

- إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية.

- تعزيز دور الرقمنة والابتكار في العملية التعليمية.

- تأهيل العنصر البشري، خاصة المدرسين وأطر الإدارة التربوية.

لكن ما يُسجَّل، رغم تعدد هذه المحاولات، هو وجود فجوة واضحة بين التصورات النظرية الطموحة والواقع الميداني الذي ما يزال يعاني من أعطاب بنيوية مزمنة.

تطوير المناهج الدراسية…الرهانات والصعوبات

إن أي حديث عن إصلاح المنظومة التعليمية لا يستقيم دون التطرق إلى مسألة المناهج الدراسية. فالمقررات هي وعاء المعرفة والقيم التي يُفترض أن يُبنى بها المواطن الصالح والكفء. وقد شهد المغرب عدة مراجعات لهذه المناهج، لكن معظمها بقي رهين المقاربة التجزيئية أو ذات الطابع التقني، دون معالجة جوهرية للأسئلة الكبرى، من قبيل: ما نوع الإنسان الذي نريده؟ وما دور المدرسة في بناء هذا الإنسان؟

رغم بعض الجهود التي بُذلت في إدماج القيم الحقوقية، وتكريس مقاربات بالكفايات، وتبني البيداغوجيا النشيطة، إلا أن المقررات ما تزال:

- ثقيلة المحتوى وضعيفة التحفيز.

- تُراكم المعارف بدلًا من تنمية الروح النقدية والإبداعية.

- تعاني من انفصالها عن الواقع، خصوصًا في التعليم القروي.

- تُدرّس بلغة غير مستقرة (بين العربية، والفرنسية، ومحاولات إدماج الأمازيغية والإنجليزية).

هذا التذبذب اللغوي يُضعف كثيرًا من فعالية العملية التعليمية، ويخلق صراعًا هوياتيًا ومعرفيًا لدى المتعلمين، الذين يُطالبون بفهم مضامين لا تُقدَّم لهم بلغتهم الأم، ولا بلغة علمية موحدة.

الطموح المجتمعي وأزمة الثقة

التحولات التي يشهدها المغرب في مختلف الميادين أفرزت طموحًا مجتمعيًا متزايدًا نحو تعليم منصف وذي جودة، لكن هذا الطموح يصطدم بـأزمة ثقة حقيقية في المدرسة العمومية. هذه الأزمة تعكسها عدة مؤشرات:

- لجوء الأسر، حتى ذات الدخل المحدود، إلى القطاع الخاص رغم كلفته الباهظة.

- انتشار دروس الدعم المؤدى عنها، ما يعمّق الفوارق الطبقية.

- تراجع مكانة الأستاذ في الوعي الجمعي، بفعل ظروف العمل غير المشجعة، والمشاكل المرتبطة بالتوظيف الجهوي، وضعف التكوين الأساس والمستمر.

في هذا السياق، تغيب الرغبة في الاستثمار في المدرسة العمومية كمشروع وطني جامع، ويستفحل نوع من اللامبالاة أو الاستسلام للأمر الواقع، مما يهدد الأسس القيمية لأي إصلاح حقيقي.

العوائق البنيوية للإصلاح

رغم الاعتراف السياسي المتكرر بمكانة التعليم كأولوية وطنية، فإن عوائق الإصلاح تبقى عميقة، نذكر منها:

  • ضعف الحكامة:

لا تزال المنظومة تعاني من التداخل في الصلاحيات، وغياب آليات صارمة للتتبع والتقويم، وخلل في توزيع الموارد.

  • الهشاشةالمجالية:

التفاوتات بين الوسطين الحضري والقروي صارخة، سواء من حيث البنية التحتية أو عدد الأطر التربوية أو جودة التكوين.

  • التمويل:

الاستثمار في التعليم لا يزال دون المطلوب، كما أن صرف الميزانيات لا يراعي دائمًا الأولويات الحقيقية (البحث العلمي، التكوين المستمر، التحفيز).

  • الإرادةالسياسية:

غياب نفس طويل المدى والتناوب المستمر على تدبير القطاع يُفرغان الإصلاحات من مضمونها، ويكرسان نوعًا من العبث المؤسساتي.

أي أفق للنهضة التعليمية في المغرب؟

لا يمكن التفكير في نهضة تعليمية حقيقية دون تبنّي مقاربة شمولية تُعيد الاعتبار للمدرسة كمؤسسة لإنتاج الإنسان والمواطن، لا فقط كفضاء لتلقين المعارف.

نهضة التعليم تتطلب:

- إعادة الاعتبار للمدرس: مهنيًا وماديًا ورمزيًا.

- دمقرطة التعليم: أي تجاوز الفوارق بين الجهات والطبقات.

- إصلاح جذري للمنهاج الدراسي: من حيث اللغة، والمحتوى، والطريقة.

- تفعيل حقيقي للجهوية التربوية: بما يسمح لكل جهة بالاستجابة لخصوصياتها الثقافية والتنموية.

- دمج الرقمنة والتكنولوجيا بشكل ذكي ومتدرج.

- ترسيخ ثقافة التقييم والمحاسبة في مختلف مفاصل النظام.

لكن الأهم هو امتلاك إرادة سياسية صادقة، تضع التعليم فوق كل الحسابات الظرفية، وتجعل من المدرسة العمومية رافعة استراتيجية للعدالة الاجتماعية والتنمية البشرية.

إن الطموح نحو نهضة تعليمية مغربية ليس رفاهًا فكريًا، بل هو ضرورة تاريخية ومجتمعية لا تحتمل التأجيل. فإما أن نمتلك الشجاعة الكافية لكسر الحلقة المفرغة بين الإصلاح والتراجع، وإما أن نظل ندور في دوامة القرارات المؤجلة والرؤى المنفصلة عن الواقع.

وبين الرؤية والطموح والعوائق، تقف المدرسة المغربية اليوم على مفترق طرق حاسم: فإما أن تكون قاطرة للتقدم، أو أن تبقى عالقة في أزمات مزمنة، تكلف البلاد أجيالًا ضائعة ومستقبلًا مهدورًا.

***

حسن لمين

مدرس اللغة العربية ومهتم بالشأن التربوي

تظل التوهمية الاولى العقلية الغربيه المواكبه للظاهرة الاليه تولد التوهمات بلا توقف حتى وصلت درجة من التفارق الخطر، بين الادراكية البشرية والوعي، بمقابل الواقع وحركته والياته، ومع اخر ظاهرة هي من تولدات وتحورات طور الانتقال من الانتاجية اليدوية، لم يعد ممكنا تجاوز الحاح الضرورة الواجبه عقليا من يومها، عندما اصبحت مسالة الارتقاء العقلي التصوري محكومة لانقلابيه من نوع ماهو حاصل واقعا من تحول تاريخي نوعي، الامر الذي عجز دونه العقل البشري، وبالذات الاوربي بما هو مركز الانقلابيه الاليه الاول،اذ ظلت الرؤى واجمالي الفعالية العقلية ساعتها مرهونه لقوة وطاة ومخلفات المنظور اليدوي، ماقد اشاع والى اليوم مفاهيم توهميه دون السياق التحولي الانقلابي الحاصل.

 ويشمل الوهم لهذه الجهه اغفال المسالة المجتمعية باعتبارها المحور الاساس لعملية الانتقال من اليدوية بما تنطوي عليه من انقلابيه في النوع المجتمعي، من المجتمعية اليدوية الحاجاتيه الجسدية، الى العقلية التكنولوجية، مع كل مايتصل بهذا الاغفال للجانب الدينامي الاساس من عجز عن رؤية التصارعية الناشئة الفعليه مع الاله وحضورها، وانتقال المجتمعية الى الاشتراطات البنيوية الاليه، في الوقت الذي يظل فيها العقل الاوربي مصرا على ابقاء المجتمعية الارضوية الجسدية كما هي، باعتبارها الظاهرة او المعطى المجتمعي الاحادي الذي لايتغير، ومن هنا تنبثق اخطر التوهميات القائلة ابتداء بالنوع الغربي واعلى صيغه كما تجلت في الكيانات والدول والنظم الحديثة باعتبارها تطويرا غير عادي للقائم، والعجز دون رؤية عدم اهلية الصيغ المذكورة عن مواكبه التحولية الجارية، وانتقال المركز الالي الى القارة الجديدة والكيانيه المفقسة خارج رحم التاريخ، باعتبارها مجتمعية لفكرة نافيه لمفهوم ( الدولة الامه) التي تستمر مستعمله وغالبه جهلا، كاداة تعريف لغيرها ولما يخالفها كليا نوعا وتكوينا واليات فعل وحضور، بالذات كقيادة للغرب المنهار بالحروب والتنافس، وكقوة دفع بالدينامية الاليه الى مرحله مختلفة، مابعد الالية المصنعية، الى التكنولوجيا الانتاجية.

 وليس لدى الغرب ولا العالم اية محاولة نظر مستمدة من واقع التحولية المجتمعية الاليه الحاصلة، وبالذات ماقد رافقها من انبثاق اخر، سوى انبثاق الاله كمثال "المجتمعية بلا تاريخ مجتمعي"، المنفصلة عن ماقبلها، وبالاخص منه الاوربي والمتميزه بخاصيات اولها محو ماقبل، اي ازالة المجتمعية التاريخيه من الوجود بالاستناد للاله المصنعية ابتداء، حين تمت ازاله 60 مليون انسان هم اهل المكان، مع ماتبع من غزو مستمر للعالم باسم رساليه متوهمه تقول بان الامريكي كائن اوجده الله بعد ان اختاره لكي يعمم العدالة على الارض (1) وهو مايمثل مبدا كيانيا وجوديا لهذا الجزء المستجد من الكرة الارضية، جوهر مسوغات وجوده واستمراره بغض النظر عن مسالة " الحرية التي تقتل اهل الارض وتبيدهم" فيصفق لها الغرب، واعتماد مبدا الابادة جوهرا وجوديا شاملا للعالم، ابتداء من السلاح النووي الذي جرى استعماله للمرة الاولى والاخيرة على يد هذا المكان المستجد "الرسالي"، ذهابا الى التكنولوجيا الانتاجية وانعكاساتها العسكرية والاقتصادية، وصولا اليوم الى "الذكاء الاصطناعي" حيث ينتظر ان يدخل الجنس البشري عملية ابادة شبه تامه، كينونة ووجودا طبيعيا، عن طريق اخراج الكائن البشري من العملية الحياتيه والاجتماعية.

 واذا ماجرى حتى الان استعمال مامعروف ب " الذكاء الاصطناعي" في المجالات حيث انهاء التفاعلية العقلية الطبيعية، ومنها الخطأ والقصور، مع المشاعر ومستلزمات الفعل والتطور العقلي الطبيعي، فان مايواكب هذا الشكل من استعمال التكنولوجيا بصيغتها الراهنه سوف يلغي اهم مدعيات الغرب المتعلقة ب "الحرية الشخصية"، بانهاء الحيز الشخصي واستباحته على مستوى الافراد، والاهم استعمال الوسائل المستجده عسكريا بما يتعدى مع اجراءات اخرى فعل القنابل النووية، ولعل ماحصل مؤخرا في فنزويلا مثال يلقي ضوءا، هذا غير الغزو الروبوتي القادم، والذي سيرمي الكائن البشري خارج العملية الانتاجية، تاركا اياه للعطالة المطلقة، ومن ثم للا جدوى ولا اهميه تبيح التخلص منه اذا اعتمدنا النوايا الاصل، هذا مع العلم ان الممكنات العسكرية الحالية هي الاخرى في طريقها للزوال لصالح الربوت المقاتل الذي سيضع الكائن البشري امام حالة ابادة "آلية" من نوع مناسب، مقارنه بتلك الاولى التي اودت بالهندي الاحمر حامل القوس والنشاب.

 الكيانيه المسماة بداهة مجتمعية، المولوده خارج الرحم التاريخي، تجد نفسها اليوم ومن هنا فصاعدا سيدا مطلقا، و" ضرورة" اوجدتها الارادة الالهية كي تنهي المجتمعات التقليديه من على ظهر الكوكب الارضي، في الوقت الذي ماتزال المجتمعات المشار اليها سادرة تتغنى بمنجزها العظيم، وعلومها التي لاتضاهى الى يوم تقع الواقعه الكبرى.

 والاهم الاخطر والمثير للحنق، استمرار مستوى الجهل بما حاصل، لابل والتغني به واعتباره من قبيل المنجز العلمي البشري الاخير، وفي افضل الاحوال محاولة الدخول في منافسه او مايعتبر صراعا من اجل وضع مفاعيل وممكنات الحدث الحاصل بصالح القوى المجتمعية المعتبره معبرا عن المطامح البشرية، مثل مايفعل من مازالوا يصرون على اعتبار انفسهم بمثابة "يسار" انتهى زمنه، وصار رواية مرهونه بمحطة تاريخيه منتهيه ولم يعد لها وجود الا في التخيلات المريضة، بينما تلح على الكائن البشري وسط الخطر الاعظم الداهم، ضرورة اعادة النظر في الانقلابيه الالية والتكنولوجية اجتماعيا، على اعتبار هذا التحول هو بالاحرى حالة انتقال نحو مجتمعية اخرى لاارضوية عقلية، مع ان التطور ات تشير الى مابعد تكنولوجيا انتاجية، هي الحالية الراهنه وقد غدت واجبه، والعقل البشري قريب من ان ينفتح امامه الباب لاول مرة كي يحضر لنصبح بعد اليوم بشرا يمتلكون الاسباب المادية الضرورية لايقاظ الذكاء البشري النائم، ذلك الموجود في الجمجمه البشرية بنسبة تزيد على الخمسة وثمانين بالمئة، غافيه وغير مستخدمه ماتزال، لان الاشتراطات التطورية ونوع الانتاجية اليدوية الجسدية واشتراطاتها كانت تمنع يقظتها، بانتظار الساعه.

 اليوم تبدا معركة الكائن البشري المصيرية العظمى الفاصله، فاما الفنائية الزاحفة على يد اللا مجتمعية المتاخرة، و مايعرف"بالذكاء الاصطناعي" تمويها وقصورا عقليا، مع انه بالاحرى "الذكاء الابادي"، او الانقلاب التحولي الاكبر الذي هو مصير ومآل الكائن البشري المقرر له منذ ان وجد، حين يتحول الى عقل، مغادرا الجسد ومتبقيات الحيوانيه العالقة به من زمن ابعد بكثير، ويروح مغادرا كوكب الارض بعد ان انتهت مهمته، الى الاكوان العليا غير المرئية المناسبه للحياة العقلية.

 ـ يتبع ملحق : التكنولوجيا العليا العقلية او الفناء ـ

***

عبد الأمير الركابي

برحيل المستشرق فرانشيسكو غابريالي (1904-1996) طَوت الدراسات العربية في إيطاليا مرحلة مهمّة من تاريخها، ودخلت طورًا جديدًا صار يُعرَف بـ "الاستعراب" (L’arabismo)، طرأت عليه مستجدّات ودبّ فيه نوع من التفرّع. لماذا شَكّل الرجل مرحلة فاصلة رغم أن السابقِين واللاحِقين العاملين في مجاليْ الاستشراق والاستعراب كثيرون؟ أوّلا لانهماكه بحزم في تطوير الدراسات العربية بحثًا وتدريسًا وترجمةً؛ وثانيا لطبعه الأجيال اللاحقة بمنهج التعاطي العلمي والتخصّصي مع الدراسات العربية. ففي مرحلة مبكرة كان الإتيان بفرانشيسكو غابريالي لتولي مهام "معهد الشرق" في روما (IPO)، الذي أسّسه المستشرق كارلو ألفونسو نللينو سنة 1921، والذي مثّل أهم بؤرة في دراسة الحضارة العربية في إيطاليا، بغرض تطهير المعهد من النظرة الفاشية للشرق والعبور به نحو رؤية جديدة تجاري أوضاع إيطاليا ما بعد الفاشية. لكن غابريالي لم ينحصر عمله بتولي مقاليد المؤسسة البحثية المعنية بالشرق والعالم العربي، بل أشرف أيضا على كرسي اللغة العربية وآدابها في جامعة روما "لاسابيينسا"، كبرى جامعات أوروبا التي يفوق عدد طلابها في الوقت الحالي المئة ألف. ولِثقل المهام التي تولاها فرانشيسكو غابريالي مثّلَ الرجل مرجعية للعديد من المستشرقين والمستعرِبين الإيطاليين ممن تتلمذوا على يديه وتشرّبوا منهجه في دراسة الحضارة العربية، وكذلك لوفرة الأعمال التي أنجزها حتى باتت من المرجعيات الكلاسيكية في إيطاليا. نذكر من بينها "تاريخ الأدب العربي" (1951)، "الإسلام في التاريخ.. دراسات في التاريخ" (1966)، "محمد والفتوحات العربية الكبرى" (1967).

فمنذ أواخر الألفية الثانية، وتحديدا منذ العشرية الأخيرة، بدأ يدبّ في ساحة الاستشراق الإيطالي حراك، ستتّضح ملامحه وسيرسو عند الاهتمام بالعربية وآدابها، وهو ما سيُعرَف لاحقا بالاستعراب. توزّعت انشغالاته على ثلاثة محاور رئيسة: تدريس العربية، وتقديم الأدب العربي بوجهيه القديم والحديث، وترجمة الأعمال الأدبية. وشكّل تدريس العربية وآدابها محور نشاط عدد من الجامعات الإيطالية مثل "الأورِيِنتالي" في نابولي، وجامعة روما "لاسابيِينسا"، وجامعة البندقية، وجامعة باليرمو، أبرز المؤسسات الجامعية في إيطاليا وأعرقها. ليغدو تدريس العربية وآدابها، في الوقت الحالي، شائعا في العديد من الجامعات في شمال إيطاليا وجنوبها.

ذاع صيت أسماء إيطالية في مجال الترجمة من العربية لارتباطها أساسا بترجمة الأعمال الأدبية. نذكر على سبيل المثال عَلَمين بارزين: إيزابيلا كاميرا دافليتو وفرانشيسكا كورّاو، لريادتهما في المجال ولنشاطهما الحثيث في الترويج للأدب العربي، حيث انشغلت الأولى بترجمة الأعمال الروائية بشكل رئيس، واهتمت الثانية بترجمة الشعر. تقاسم الثنائي الساحة الإيطالية ولم يخل عملهما من التنافس والتدافع، وكوّنت كل منهما فريقا من الأتباع والمريدين صبّ في مصلحة ترويج الأدب العربي واللغة العربية. واستطاعت كلتاهما تقديم سلسلة من الروائيين والشعراء العرب للقارئ الإيطالي، تسنّى بمقتضاه إخراج الدراسات العربية من حيز الجامعات الضيق إلى الساحة الثقافية الرحبة. وهي رحلة شاقة وممتعة كما روت لي كاميرا دافليتو وكورّاو بعضا من فصولها، أخرجت المنتوج العربي من العتمة إلى النور، حتى باتت أسماء عربية مثل غسان كنفاني، وإميل حبيبي، وصنع الله إبراهيم، ورشيد ضيف، ونجيب محفوظ، ولطيفة الزيات، وعبد الرحمان منيف، وإبراهيم الكوني، والطيب صالح، وأبو القاسم الشابي، والسياب، ومحمود درويش، وعبد العزيز المقالحي، وأدونيس متداوَلة على ألسنة الطلاب والمثقفين الإيطاليين.

اليوم أضحى المعنيون بالترجمة من العربية كثيرين. فقد شهدت العشريتان الأخيرتان ظهور لفيف من المترجمين استطاع كسب ثقة دُور النشر وحاز شيئا من القبول لدى القارئ الإيطالي. نذكر على سبيل الذكر ماريا أفينو ومونيكا روكّو وديانا إِلفيرا وباولا فيفياني وبربارا تيريزي ووسيم دهمش وفرانشيسكو ليجيو وألدو نيكوسيا وسيمونِه سيبيليو. صحيح يبذل المترجمون جهودا مقدَّرة في الترجمة من العربية، غير أنّ التخيلية المركزية للثقافة العربية المتأتية من حقبة الاستشراق الكلاسيكي لا تزال تحول دون الاهتمام الكافي بالأدب الخليجي أو الأدب المغاربي مثلا. بالإضافة أن التحولات الجارية في الساحة الثقافية العربية لا تجاريها مواكَبة دائمة من المترجم الإيطالي، وهو ما يجعل كثيرا من الترجمات تأتي نتيجة العلاقات الشخصية أو التوصيات، وقد لا تعبّر عن واقع الحركة الأدبية العربية.

لقد مثّل خطّ الاستعراب، المتمحور حول دراسة الأدب العربي المعاصر وتدريس العربية، عنصر تحوّل إيجابي. وتركّزَ الاهتمام على نقل الأعمال الإبداعية، وتدريس القضايا التي تمور بها الساحة الثقافية العربية، بغرض تقديم صورة راهنة عن العالم العربي. لكن تبيّن أن ملاحَقة الإنتاجات الأدبية وحدها لا تكفي، وهو ما حثّ على توسيع نطاق الانشغال بالثقافة العربية. فكان أن ظهرت في الساحة اهتمامات بالمقاربات السوسيولوجية والتاريخية والدينية والأنثروبولوجية والسياسية، بغرض إتاحة وعي شامل بالوقائع العربية الجديدة، بعيدا عمّا تُروّجه الدعاية، وكان من أبرز المشتغلين فيها الراحل ماسيمو كامبانيني وإنزو باتشي وإيدا زيليو غراندي وأوغو فابييتي وستيفانو آليافي ولاورا غواتزوني.

في خضمّ تلك المنجزات المقدَّرة، ثمة جانب مهمّ في ترويج العربية وتيسيرها للمتعلم الإيطالي، بقي بعيدا عن الضوء. وهو دور تولّته المؤسسة الجامعية الإيطالية في أقسام اللغة العربية وآدابها داخل الكليات. فقد انكبّ جمع من الأكاديميين الإيطاليين على الاشتغال على بنية العربية كلغة، وعلى مناهجها التعلّمية كلغة عصرية، وعلى الجانب الألسني والتاريخي للغة الضاد. ونظرا إلى طابع الاشتغال التقني لتلك المجالات، فقد ظلّت حبيسة الوسط الأكاديمي. توزعت الأشغال على مجالين بالأساس: الجانب المعجمي والجانب النحوي للغة، في المستوى الأول تعود الحركة المعجمية بين العربية والإيطالية إلى قرون سالفة، ويُعدُّ القاموس الإيطالي العربي "فابريكا مانيا" (1636م) وهو من إعداد دومينيكو جرمانو الأقدم. شهدت الحركة عدة تطورات حتى بلغنا في الحقبة المعاصرة قاموس ريناتو ترايني العربي الإيطالي، الصادر سنة 1966، والأكثر اعتمادا بين الدارسين والمترجمين في إيطاليا. يكشف القاموس عن دراية معمقة لصاحبه بالصناعة المعجمية، وهو شبيه بموسوعة لغوية (1763ص). وفي مسعى لتحيين هذا القاموس العمدة وتجديده جرى اختصاره في مجلد واحد، وتبقى الحاجة ملحة اليوم إلى تحويله إلى قاموس إلكتروني.

يَروج في الأوساط الجامعية كذلك "قاموس اللغة العربية" لإيروس بلديسيرا، أستاذ اللغة العربية في جامعة كافوسكاري في البندقية. وهو قاموس يحاول أن يلبي حاجة الطلاب الناطقين بالإيطالية والساعين إلى تعلّم العربية. كان الهاجس الرئيس لبلْديسيرا وهو تقديم قاموس يلبّي حاجة الدارس من المصطلحات والمفردات في لغة عربية معاصرة. فبموجب نشاطه التدريسي كان بلْديسيرا على دراية بالحاجة الملحة إلى قاموس معاصر. التجربة الناجة لبلديسيرا في "قاموس اللغة العربية" شجّعته على توليد قاموسين آخرين، "العربي الوجيز" و "العربي الصغير"، من القاموس الأصلي استهدف بهما شرائح مبتدئة في تعلّم العربية. 

لكن تعليم العربية وتعلّمها قام أيضا على عاتق دارسين وباحثين في المجال اللغوي، منهم الأستاذ جوليانو ميون الذي تركزت أبحاثه حول قضايا تاريخ اللغة وتيسير مسائل الإعراب. والدارس أوليفييه دوران الذي انشغل بقضايا اللهجات والدارجة. وكذلك ومونيكا روكو التي انشغلت بالقضايا التعلّمية للعربية، وبالمثل أيضا ماريا أفينو التي قدمت عملا مميزا في مجلدين من خلال تيسير النحو العربي عبر تجديد الكِتاب الكلاسيكي للاورا فيتشا فالياري.

أضحى الإيطالي يطالع إبداعات عربية راهنة مترجَمة إلى لغته، مثل "موت صغير" لمحمد حسن علوان، و"الطلياني" لشكري المبخوت، و"لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" لخالد خليفة وأخرى، بعد أن تعزّزت المواكَبة بفضل الصدى الحسن للجوائز العربية التي باتت تسلّط الضوء على الأعمال الجيدة. وقد كانت حركة الترجمة في ما مضى بطيئة للغاية، حيث لم يُترجَم من العام 1900 وإلى غاية العام 1988 سوى 27 عملا روائيا عربيا إلى الإيطالية.

***

د. عزالدّين عناية - كاتب تونسي مقيم بروما

كان الفيلسوف اليوناني اناكساجوراس رائدا في فهمه لتوسع الكون. أفكاره الثورية حول تعدد الأكوان والطبيعة اللانهائية للوجود وضعت الأساس للاكتشافات العلمية اللاحقة وردمت الفجوة بين التأمل القديم والفيزياء الفلكية الحديثة. في السردية الكبرى لعلم الكون، يبرز الفلكي الأمريكي ادوين هابل Edwin Hubble (1929) كرائد في فهمنا الحديث لتوسع الكون. لكن قبل ألفي سنة من ملاحظة هابل لإبتعاد المجرات عن الارض، طرح الفيلسوف اليوناني اناكساجوراس (500-428 ق.م) اطارا فكريا لازال يتردد صداه في نظريات الكون الحديثة. ومع انه لم تتوفر لديه الأدوات الحالية للعلم، لكن أفكاره الراديكالية حول حركة الكون ودور العقل (نوس) Nous ووجود عوالم متعددة، كل ذلك ميّزه كشخص تنبؤي في تاريخ الفكر.

توسع الكون: علم الكون المبكر لدى اناكساجوراس

تبدأ رؤية اناكساجوراس العالمية بقول هام وعميق: "كل الأشياء كانت مجتمعة". وكما جاء في مذكرات الفيلسوف الافلاطوني الجديد سيمبليسوس Simplicius في تعليقه على فيزياء ارسطو، ان هذه العبارة تقترح حالة بدائية للكون حيث كل شيء كان موجودا في خليط غير مختلف. فقط من خلال تدخّل العقل – العقل الكوني – بدأت الحركة في هذه الوحدة الفوضوية. وبهذا انطلقت عملية من الانفصال والاختلاف. هذه الحركة لم تكن متناهية وانما مستمرة، تشير الى ان الكون يتوسع ويتطور.

في هذه الرؤية، يبدو اناكساجوراس سابقا لعصره. مفهومه لكون دائم التطور حيث العناصر تتحرك وتنفصل باستمرار، يعكس المبادئ الأساسية الكامنة خلف التوسع الكوني الحديث. هابل اظهر ان المجرات تتحرك بعيدا عن بعضها، بما يشير الى توسع الكون. ونفس الشيء، افترض اناكساجوراس ان الكون في حركة دائمة يقودها مبدأ عقلاني أساسي.

اناكساجوراس ونظرية تعدد العوالم

طور اناكساجوراس أيضا مفهوما يتماشى مع آخر النظريات في الكواكب والعوالم المتعددة التي يمكن العيش فيها. كاتب السيرة اليوناني ديوجين لايرتيوس في عمله (حياة وأفكار فلاسفة بارزين) يسجل بعض أقوال اناكساجوراس .هو ادّعى ان العوالم الأخرى تحتوي على شموس واقمار كما في عالمنا. كان هذا ادعاءً ثوريا: اذا كانت الاجرام السماوية توجد في أماكن أخرى، لماذا لا توجد حياة هناك أيضا؟ هذه الرؤية وضعت الأساس للتأملات الفلسفية حول تعدد العوالم وأثّرت على مفكرين مثل الفيلسوفين اليونانيين ديمقريطس وابيقور. اليوم، ومع اكتشاف آلاف الكواكب في مناطق خارج النظام الشمسي والتي يمكن ان تصلح للسكن تبدو رؤى اناكساجوراس اكثر تنبؤية وأقل تأملا. رفضه لوجود عالم احادي عكس إحساسا عميقا حول طبيعة الكون.

الفصل بين العقل والاحساس

ما وراء مساهماته للعلم، ادخل اناكساجوراس نظاما مزدوجا للواقع احدهما نظام فكري والأخر نظام حسي. هو جادل ان العقل هو القوة التي تضع نظاما للكون والذي بدونه يبقى فوضويا. العقل يحكم انفصال العناصر وظهور الواقع المنظم. في حوار فيدو، يذكر افلاطون تأكيد اناكساجوراس على العقل كسبب للنظام في الكون. هو ميز بين ما نتصوره بالحواس وما نفهمه بالعقل. هذا الاطار المفاهيمي سبق الاتجاهات العقلانية للفلاسفة اللاحقين أمثال افلاطون وديكارت.

هذا التمييز كان حاسما في تطور المنهجية العلمية. عبر إعطاء الأولوية للعقل والمشاهدة على التجربة الحسية، مهد اناكساجوراس الطريق لرؤية عالمية تُفهم فيها الطبيعة من خلال تحقيق منهجي بدلا من تفسير ميثولوجي.

تأثير اناكساجوراس

كانت أفكار اناكساجوراس مثيرة للجدل في زمانه. طبقا لما ذكره المؤرخ اليوناني بلوتارخ  في عمله (حول النفي) ان الاثنيين عاقبوه بالنفي بسبب اقتراحه ان الشمس هي صخرة نارية وليست كينونة الهية. مع ذلك، رؤيته لكون ديناميكي منظم عقليا تنبأت المبادئ التي ستحدد لاحقا الفيزياء الحديثة وعلم الفلك. عقيدته في الحركة الكونية والفصل ووجود عوالم متعددة يتماشى مع الاكتشافات العلمية الحديثة، ما جعله رائدا ليس فقط كفيلسوف وانما كمبدع غير معترف به في علم الكون. لو انه عاش في عصر التلسكوبات والرياضيات المتقدمة، ربما لكان اول من يتحدث عن تمدد الكون. في هذه الحالة، يكون اناكساجوراس جسرا فكريا بين التأمل القديم واكتشافات علم الكون الحديث. هو كان مفكرا حقا بقيت أفكاره تتردد عبر الزمان والمكان.

***

حاتم حميد محسن

في تأملنا الأولي لما أعقب تنظيم كأس الكاف الأخيرة بالمغرب، لا يفرض علينا الحدث الرياضي ذاته أسئلته بقدر ما تستفزنا المقاربة الإعلامية، بوصفها بنية سوسيولوجية كاشفة لا محايدة. إذ تتبدى أعطاب آلية إعلامية عابرة للقيم والثقافات، منزاحة عن أخلاقياتها، غارقة في التزييف، ومطمئنة إلى شيوع الخبر الكاذب كأداة اشتغال عادية.

هذا الانزلاق الفج لا يبدو عارضا، بل يفتح على أسئلة ملحّة تتصل بوظائف الرقابة وحدودها، وبأدوار الإعلام حين يتحول إلى ذراع للدعاية السياسية، خاصة عندما يكون موجها من جهات تناصب البلد المنظم العداء

. وفي عمق الإشكال، يطفو سؤال النسقية: أي موقع يشغله الإعلام داخل المنظومة القيمية التي يفترض أن تحكم لعبة رمزية ككرة القدم، من حيث كونها فضاءً للتقارب الإنساني، ولتوحيد مخيال السلام والتسامح، لا لتغذية الأحقاد وإعادة إنتاج الكراهية؟. إنه سؤال لا يقبل التبسيط ولا التسطيح، ولا يمكن الاحتماء بتأويلاته المتشعبة لتبرير الانزلاقات الخطيرة في فهم الرسالة الإعلامية. فنحن إزاء زمن لم تعد فيه العلاقات والقيم والأسس الإنسانية قادرة على حجب الحقائق، ولا على عزل الإعلام عن التقاطعات السياسية التي تعيد توجيهه، وتفرغه من وظيفته الأخلاقية، وتحرفه من أفق الإخبار إلى منطق الاصطفاف. ومن ثمة لا يصبح الخلل في الخطاب فحسب، بل في الوعي ذاته، حين يُستبدل الدور التنويري للإعلام بوظيفة التمويه، ويغدو الحدث الرياضي مجرد ذريعة لصراع رمزي تتخفى فيه السياسة خلف قناع الخبر.

 إن ما يُصطلح عليه بفظاظة الإنترنت لا يُختزل في انحراف لغوي أو سلوك تواصلي منفلت، بل يتجلى كقوة ناعمة تُلهب المشاعر الجمعية وتُعمّق تشظي النسيج الاجتماعي، حتى وهي تفتح، paradoxically، أفقًا موهومًا لما يُسمّى بالديمقراطية الإعلامية. هذا التناقض البنيوي يضعنا أمام إشكال ملحّ يتعلق بمعايير جودة الخبر، ويستدعي انتقالا أفقيا في الممارسة الإعلامية، لا يراكم السرعة وحدها، بل يُثمّن الجِدّة المصحوبة بالصبر الموثوق، ويعيد الاعتبار للزمن بوصفه شرطا للفهم لا عائقا أمامه.

صحيح أن غرف الأخبار الأكثر قدرة على الصمود والمنافسة هي تلك التي نجحت في إدماج أدوات الذكاء الاصطناعي ضمن عمليات جمع الأخبار وتحليل تفاعلات الجمهور، غير أن هذا التحول لا يعكس مجرد تحديث تقني، بقدر ما يكشف انتقالا عميقا في منطق الاشتغال الإعلامي، من هوس السبق الصحفي إلى بناء قدرة تحليلية تسمح بتأويل الحدث داخل سياق اجتماعي واقتصادي وسياسي مركب. وهو ما نبّه إليه الباحث نيكولاس دياكوبولوس حين أشار إلى أن الخوارزميات لم تعد أدوات محايدة، بل فاعلا بنيويا يعيد تشكيل الممارسات الصحفية وحدودها المعرفية والأخلاقية. غير أن الركيزة الأنجع في هذه النسقية الإعلامية الجديدة تتجلى في الدور الحاسم الذي بات يضطلع به الذكاء الاصطناعي في مواجهة الأخبار المضللة، وفي التحقق من الصور والفيديوهات المفبركة، بما يعزز رأسمال الثقة داخل المؤسسات الإعلامية، ويُقلّص من الأثر التخريبي للمحتوى الزائف. ومن هنا، فإن القطيعة الضرورية مع الممارسات المنافية لجودة العمل الإعلامي، كما تجلت في بعض تغطيات دورة “الكان” بالمغرب، لا يمكن أن تتم دون استيعاب واعٍ لمنطق الذكاء الاصطناعي، ليس كبديل عن الأخلاق المهنية، بل كرافعة نقدية وتقنية تُعيد للإعلام وظيفته الأصلية: الكشف، لا التضليل. الفهم، لا التحريض.

لقد كشفت أبحاث ودراسات سوسيولوجية إعلامية حديثة عن الروافد الكبرى التي يتأسس عليها أفق مستقبليات الإعلام، خاصة في ما يتصل بتقاطعه المتنامي مع علوم البيانات. ويتجلى ذلك بوضوح في صعود الصحافة البيانية، وتكثيف استخدام أدوات التحقق الرقمي، وتطوير تقنيات أكثر عمقا في تخصيص المحتوى، مع استحضار إكراهات الخصوصية بوصفها حدًّا أخلاقيًا لا يجوز تجاوزه. وهي تحولات لا يمكن قراءتها كترف تقني، بل كمؤشرات على إعادة تشكيل بنية الفعل الإعلامي ذاته.

ولا ريب أن هذه المبادرات ستُعزّز من قدرة الذكاء الاصطناعي على دعم الإنتاج الإعلامي وتوسيعه، دون أن تؤدي إلى إلغاء دور الصحفي، بل إلى إعادة تعريفه. فالصحفي في هذا الأفق الجديد لا يُختزل في ناقل للمعطى، بل يغدو فاعلا نقديا، يُحسن استنطاق البيانات، ويفكك التباسات تدوير المعطيات الكاذبة أو الزائفة أو المنحرفة عن مقصديتها، بما يضمن اتساق الأدوار الإعلامية مع مقتضيات الحقيقة والمعنى.

ومن هنا، يبرز الرهان الجوهري على انتقال الذكاء الاصطناعي من مجرد وظيفة آلية اختزالية، قد تنزلق إلى الهيمنة الصمّاء، إلى رافعة للتحدي التكنولوجي ذات ميسم نبيل، تُسخّر التقدم العلمي والنهضة المعرفية في خدمة التفوق والنجاح، لا بوصفهما امتيازا نخبويا، بل كقوة مُنَشِّطة للحياة العامة للإنسان، ومعززة لقدرة الإعلام على الإسهام في بناء وعي جماعي أكثر اتزانا ومسؤولية.

إن خلاصة هذا المسار التأملي لا تقودنا إلى إدانة عابرة لممارسات إعلامية معطوبة، بقدر ما تضعنا أمام سؤال وجودي يتعلق بمصير الإعلام نفسه في زمن تَشابُك السلطة بالمعرفة، والتقنية بالقيم. فما جرى في أعقاب كأس الكاف بالمغرب لم يكن إلا كاشفا عن أزمة أعمق. أزمة وعي بدور الإعلام وحدوده، وأزمة ثقة في قدرته على أن يكون وسيطا أخلاقيا بين الحدث ومعناه. فالرهان الحقيقي لا يكمن في استبدال الإنسان بالخوارزمية، ولا في تقديس الذكاء الاصطناعي كحلّ سحري، بل في بناء تعاقد جديد بين الصحفي والتقنية، بين السرعة والحكمة، وبين الخبر ومسؤوليته الرمزية. تعاقد يُعيد للإعلام وظيفته بوصفه أفقًا للفهم المشترك، لا ساحة للاصطفاف، وفضاءً لتكثيف المعنى لا لتبديده، حتى يظل الحدث الرياضي، وغيره، مناسبة لتجديد الثقة في الإنسان، لا ذريعة إضافية لانكسارها.

***

د مصطفـــى غَلْمـــان

تحليل النزوع البشري نحو التضليل في سياق الارتقاء

يتربع الكائن البشري على قمة الهرم التطوري، متميزاً بقدرات معرفية فائقة، ولغة رمزية معقدة، وهياكل اجتماعية لا تضاهى. بيد أن هذا الارتقاء البيولوجي والذهني واكبته ظاهرة تبدو للوهلة الأولى متناقضة مع أسس التعاضد الاجتماعي: وهي الميل البنيوي، وربما النزوع الفطري، نحو الخداع. إن السؤال حول ما إذا كان الكذب يمثل "استراتيجية بقاء" ليس مجرد تساؤل فلسفي مجرد، بل هو بحث في صميم البيولوجيا التطورية وعلم النفس المعرفي. فالمعطيات العلمية الحديثة تشير إلى أن القدرة على الخداع ليست عيباً في التصميم البشري، بل هي ميزة تكيفية محورية ساهمت في تطوير الدماغ البشري ذاته.

من المنظور الأخلاقي إلى الوظيفة التطورية

إن السردية التقليدية التي تحصر الكذب في إطار "الخطيئة الأخلاقية" تتجاهل الجذور الضاربة لهذه الممارسة في تاريخنا النوعي. ففي صراع البقاء، برز الخداع كاستراتيجية فعالة لإدارة الموارد؛ إذ يكشف التحليل السلوكي أن جزءاً كبيراً من الأكاذيب اليومية يهدف بشكل مباشر إلى حيازة الموارد أو حمايتها. هذا الارتباط الوثيق بين التضليل والمكاسب المادية والاجتماعية يضع الكذب في قلب معادلة البقاء والاستمرار.

فرضية الذكاء الاجتماعي النفعي (الميكافيلي)

لفهم أسباب هذا النزوع، يجب العودة إلى الدوافع التي أدت لتضخم الدماغ البشري. تشير "فرضية الذكاء النفعي" إلى أن المحرك الرئيسي لتطور العقل البشري لم يكن مجرد التحديات البيئية المادية، بل كان التعقيد الهائل للحياة الاجتماعية. ففي المجموعات الكبيرة، يحتاج الفرد إلى الموازنة بين التعاون والمنافسة، وتشكيل التحالفات، والتلاعب الرمزي بالآخرين لتحقيق مكاسب شخصية دون اللجوء إلى العنف الجسدي عالي الكلفة. ويقترح الباحثون (أمثال بيرن ووايتن) أن القدرة على "الخداع الإجرائي" كانت عاملاً حاسماً في الانتقاء الطبيعي؛ فالأفراد الذين ملكوا القدرة على استقراء عقول الآخرين وتضليلهم بنجاح، استطاعوا الوصول إلى الموارد والشركاء بشكل أفضل.

الارتباط بين حجم القشرة المخية الحديثة ومعدلات الخداع

تدعم الأدلة التشريحية العصبية هذه الفرضية بقوة؛ حيث أظهرت الدراسات المقارنة وجود علاقة ارتباطية طردية بين حجم "القشرة المخية الحديثة" ومعدلات ممارسة الخداع المناور. فالكذب يتطلب قدرة حسابية ومعرفية عالية؛ إذ يتحتم على الكاذب استحضار الحقيقة في "الذاكرة العاملة"، وبناء سيناريو بديل متماسك، والتنبؤ بردة فعل الضحية، مع ضبط لغة الجسد لتتوافق مع الرواية المختلقة. هذه العمليات المعقدة تتطلب "مخزوناً معرفياً" وسلوكيات مرنة لا تتوفر إلا للأدمغة المتطورة.

نيتشه وإرادة الخداع: الكذب كشرط حيوي

في القراءة الفلسفية لهذا النزوع، نجد أن فريدريك نيتشه كان سبّاقاً لربط الحقيقة بالبيولوجيا. يرى نيتشه أن الكذب ليس مجرد رذيلة، بل هو "شرط وجودي" للحياة. ففي كتابه "ما وراء الخير والشر"، يطرح فكرة أن الحقيقة هي نوع من الأوهام التي نسينا أنها كذلك. بالنسبة لنيتشه، فإن "إرادة القوة" تقتضي التلاعب بالواقع؛ فالأقوياء يستخدمون الخداع كأداة للإبداع والسيطرة وصناعة قيم جديدة، بينما يمثل الصدق المطلق أحياناً عائقاً أمام الحيوية والارتقاء.

الماركسية والأخلاق: الخداع كأداة للصراع الطبقي

من زاوية أخرى، تقدم الماركسية مراجعة نقدية للأخلاق بوصفها "بناءً فوقياً" يعكس مصالح الطبقة المهيمنة. ترى الماركسية أن الطبقة المسيطرة تروج لقيمة "الصدق" كواجب مقدس لضمان انضباط الطبقات الكادحة، بينما تمارس هي "الخداع الأيديولوجي" لتزييف وعي الجماهير والحفاظ على علاقات الإنتاج. لذا، فإن الزيف في هذا المنظور هو نتاج لاحتدام الصراع المادي، ولا يمكن تجاوزه إلا بتحرر الإنسان من الاستلاب الاقتصادي.

"الكذب الفئوي (الأزرق): "الغراء الاجتماعي والولاء

يتجلى أقصى تعقيد لهذه الظاهرة فيما يُعرف بـ "الكذب الفئوي" (أو الكذب الأزرق)؛ وهو التضليل الذي يُمارس لتعزيز تماسك الجماعة. على خلاف الكذب الأناني، يُعد الكذب الأزرق "إشارة ولاء"؛ حيث يقبل الفرد إنكار الحقيقة الموضوعية في سبيل الحفاظ على "الحقيقة الاجتماعية" للجماعة، مما يحول الكذب إلى أداة تضامن سياسي وهوّياتي ضد الخصوم. هذا النزوع يفسر كيف تتحول الأساطير والقصص المشتركة إلى "غراء اجتماعي" يربط آلاف الغرباء تحت راية واحدة.

الدين كآلية لضبط الخداع

مع تجاوز المجتمعات لـ "رقم دنبار" (حوالي 150 فرداً)، فقدت آليات المراقبة المباشرة فاعليتها، مما سهل عمليات الغش. هنا نشأت الحاجة لرقيب مفارق: "الآلهة الكبرى". لقد عمل الإيمان بقوى عليا مراقبة كـ "رادع تطوري" للحد من الخداع الضار، وتحويل التدين وطقوسه المكلفة إلى "إشارة صادقة" تعزز الثقة والتعاون بين المجموعات الكبيرة، وتمنحها ميزة تنافسية في التجارة والحروب.

تحديات المستقبل في عصر المعلومات

يظل الكذب استراتيجية بقاء أصيلة، وجزءاً لا يتجزأ من النسيج البيولوجي والمعرفي للإنسان. واليوم، يواجه الإنسان تحدياً جديداً؛ فمع تراجع سطوة "الرقيب الأخلاقي التقليدي" وصعود التكنولوجيا الرقمية التي تضخم القدرة على الخداع وتلغي كلفته الجسدية، أصبحنا أمام خطر انهيار "افتراض الصدق". إن فهم جذورنا التطورية وآلياتنا المعرفية الضابطة أصبح ضرورة وجودية لإيجاد توازن جديد يحفظ الحقيقة... أو على الأقل، يضمن البقاء.

***

غالب المسعودي

........................

المراجع

علي الوردي: وعاظ السلاطين، ومهزلة العقل البشري (لتحليل ازدواجية الأخلاق في المجتمع العربي).

طه عبد الرحمن: سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية (حول فلسفة الائتمانية والصدق).

يوڨال نوح هراري: العاقل: تاريخ موجز للبشرية، ترجمة نهى عباس (لفهم دور الأساطير والخيال التكيفي).

فريدريك نيتشه: ما وراء الخير والشر، ترجمة علي مصباح (حول إرادة القوة ونسبية الحقيقة).

كارل ماركس وفريدريك إنجلز: الأيديولوجيا الألمانية، ترجمة فؤاد أيوب (لتحليل الأخلاق كبناء فوقي).

روبن دنبار: كم عدد الأصدقاء يحتاج الشخص؟، ترجمة ممدوح عدوان (حول العلاقات الاجتماعية وحجم الدماغ).

عبد الله العروي: مفهوم الأيديولوجيا (لتحليل التزييف الواعي وغير الواعي في الفكر والسياسة).

إدوارد هال: اللغة الصامتة، ترجمة يسرى عويص (حول التواصل والخداع الثقافي).

Expertise and the Evolution of Intellect. 10. Dunbar, R. I. (2004): The Human Story: A New History of Mankind's Evolution. 11. Sipos, M. (2020): The Evolutionary Role of Lies and the Dilemma of Telling the Truth.

 

استفزني هذا الاعلان لأن هذا السؤال في حد ذاته فضيحة معرفية قبل أن يكون زلة إعلامية. أن تطرح «ضرب المرأة: إجرام أم تهذيب؟» فذلك يعني أننا لم نعد نناقش الفعل، بل نساوم على إنسانية كاملة، كأن كرامة المرأة بند قابل للتفاوض

في الفلسفة، لا يبدأ السؤال من الفعل بل من المبدأ. وكل مبدأ يسمح بإيذاء جسد إنسان تحت أي مسمى تأديب، تهذيب، تقويم . هو مبدأ فاسد من جذوره. لأن التهذيب فعل أخلاقي، والأخلاق لا تبنى بالعنف، بل بالاعتراف المتبادل بالكرامة. العنف لا يعلم الفضيلة، بل يدرب على الطاعة العمياء، ويحول الإنسان إلى كائن مكسور يتعايش مع القهر كأنه قدر.

الأدهى أن يقدم هذا السؤال في ثوب التوعية.

أي وعي هذا الذي يبدأ من افتراض حق الضرب؟ وأي إعلام هذا الذي لا يرى في المرأة إنسانا مكتمل الأهلية، بل مشروع تقويم دائم؟

هنا لا نكون أمام جهل بسيط، بل أمام منظومة فكرية تعيد إنتاج العنف، وتشرعنه، وتمنحه لغة أخلاقية زائفة.

الفلسفة، منذ أرسطو إلى كانط، ومن سبينوزا إلى المعاصرين، لم تختلف على حقيقة واحدة: الإنسان غاية في ذاته، لا وسيلة، ولا أداة، والمرأة ليست استثناء من هذا المبدأ، إلا في عقول لم تغادر بعد كهف الوصاية

المفارقة القاسية أن المجتمعات تجرم ضرب الحيوان ونحن مازلنا نتحدث هل ضرب المرأه إجرام ام تهذيب

المرأة ليست ناقصة إلا في خطاب ينقصه الوعي.

 هي ليست بحاجة إلى تهذيب، بل إلى اعتراف. ليست مشروع إصلاح، بل شريك وجود. هي مثل الرجل، مثل الطفل، مثل الشيخ الكبير: كائن يستحق الاحترام لا الشفقة، والحقوق لا الوصاية، والحماية لا العنف.

سيبقى هذا السؤال علامة عار ما دامت بعض المجتمعات تخلط بين السلطة والأخلاق، وبين القهر والتربية، وبين الجهل والفضيلة. ولن تبدأ النهضة من استنكار الضرب فحسب، بل من تجريم الفكرة التي تري الضرب احتمالا مشروعا.

فالضرب إجرام. والسؤال عنه جريمة أخرى.2320 weman

ابتهال عبد الوهاب

 

يَقُومُ التشاؤمُ الوُجودي على رُؤيةٍ فلسفية تَتَّسم بالشُّكوكِ العميقة حَوْلَ مَعنى الحياةِ، ووجودِ الإنسانِ في هذا العَالَم.

يُعَدُّ أبو العَلاء المَعَرِّي (363 ه - 449 ه / 973 م - 1057م) واحدًا مِنْ أعظمِ شُعراءِ وفَلاسفةِ العَصْرِ العَبَّاسي، وله بَصْمة فِكرية واضحة في الأدبِ العربيِّ والفلسفةِ.

كانَ المَعَرِّي شخصيةً مُتفرِّدة في تفكيره، فَقَدْ عُرِفَ عَنْد تَمَرُّدُه على الواقعِ، وَرَفْضُه للأنظمةِ الاجتماعية التقليدية التي كانتْ تَحْكُم مُجْتَمَعَه. وفلسفته التشاؤميةُ تأثَّرَتْ بشكلٍ كبير بحياته المَليئةِ بالمُعاناةِ، على الصَّعِيدَيْن الشخصي والثقافي.

فَقَدَ المَعَرِّي بَصَرَه في سِن مُبكِّرة، فكانتْ مُعاناته الجسدية والروحية سببًا رئيسيًّا لتشكيلِ نَظْرته العميقةِ والمُتشائمة تجاه الحياة. في شِعْره وأدبه، نَجِدُ أنَّه يَتأمَّل في مَصيرِ الإنسانِ، ويُعبِّر عَنْ يأسِه مِنَ الحياة، ويُشيد بالمَوْتِ، ويَعْتبره نِهايةً مأمونة مِنَ الألمِ والضَّياع. وَالحياةُ - بالنِّسْبةِ إلَيْه - سِلْسلة مِنَ المُعاناةِ التي لا تَنْتهي، والإنسانُ يعيشُ في صِراعٍ مُستمر معَ نَفْسِه، ومعَ الواقعِ الذي لا يَرْحَم. وَهُوَ يَرى الحياةَ طريقًا مَسْدودًا، لا شَيْء فيه سِوى الهُمومِ والآلامِ التي لا مَفَرَّ مِنْها. والمَعَرِّي يُعَدُّ بذلك رمزًا للتشاؤمِ الوُجوديِّ في الأدبِ العربيِّ، حَيْثُ يُقَاوِمُ بِشِدَّةٍ مفاهيمَ السعادةِ والخُلودِ في الحياة.

الفَيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور (1788 م - 1860) يُعْتَبَر أحدَ أبرزِ مُمَثِّلي التشاؤم الفلسفيِّ. وَهُوَ يَعتقد أنَّ الحياة في جَوْهرها تَتَّسم بالألمِ والمُعاناة، وأنَّ الوجودَ البشري مَحكومٌ بالألمِ المُستمر. وَقَدْ وَضَّحَ في كِتاباته كَيْفَ أنَّ الإنسان يَتمنَّى بشكلٍ دائم أنْ يَتحقق مُرادُه، لكنَّه في النِّهاية يُصاب بالخَيبة، فالرغباتُ لا تَتوقَّف، وأيُّ إشباعٍ للرَّغْبة يَعْقُبُه شُعورٌ آخَر بالنقص.

يَعْتبر شوبنهاور الحياةَ ساحة صِراعٍ دائم بَيْنَ الإرادةِ والواقعِ. فالإرادةُ البشرية لا تَشْبَعُ أبدًا، وكُلُّ رَغْبةٍ يَتِمُّ تحقيقُها تَقُود إلى ألمٍ جديد، وهذا الألمُ لا يَنتهي إلا بالمَوْت. إذًا، المَوْتُ هُوَ النِّهاية الوحيدة التي تضعُ حَدًّا لهذه المُعاناة المُستمرة. هذا التشاؤمُ الوجوديُّ الذي يَراه شوبنهاور في حياته لا يَتعلَّق فَقَط بالمُعاناةِ الفَرْدية، بَلْ يَمتدُّ لِيَشملَ الكَوْنَ بِرُمَّتِه، الذي يَراه مليئًا بالعبثية.

تأثَّرَ شوبنهاور بالفَلسفةِ الهندوسيةِ والبُوذية، حَيْثُ يَعتقد أنَّ الحَلَّ الوحيد لتجاوزِ هذه المُعاناة هُوَ الانسحاب مِنَ الحياة مِنْ خِلال مُمارسةِ الزُّهْدِ والتَّأمُّلِ العميق، ولكنْ، حتى في هذا الحَلِّ، يَبْقى السُّؤالُ قائمًا: هَلْ يُمكِن للإنسانِ أنْ يَتخلَّص فِعْلًا مِنْ هذه الإرادةِ التي تَسْحبه نَحْوَ الألمِ، أَمْ أنَّ الإنسانَ مَحكومٌ بالمأساةِ الوُجوديةِ إلى الأبد ؟.

رَغْمَ الفُروقِ الجُغْرافيةِ والفِكرية بَيْنَ المَعَرِّي وشوبنهاور، فإنَّ هُناك نِقاطًا مُشتركة بَينهما في تَصَوُّرهما للعَالَم. كِلاهُما يُشكِّك في قِيمةِ الحياةِ، ويَعْتبرها مَليئةً بالمُعاناة. المَعَرِّي يَرى الحياةَ مَليئةً بالتفاهةِ والألم، ويُشدِّد على فِكرةِ المَوْتِ كَحَلٍّ وحيد للانتهاء مِنَ الألم. أمَّا شوبنهاور، فَيَرى أنَّ العَالَمَ مَلِيءٌ بالعَجْزِ والفشل، ويَعكِس ذلك في فلسفته عن الإرادةِ والشَّهوةِ التي لا تَنتهي.

كذلك، نَجِدُ في فِكْرِ المَعَرِّي وفَلسفةِ شوبنهاور رفضًا واضحًا للمثاليةِ التي تُقَدِّمُها الأديانُ أو الأنظمةُ الاجتماعية. المَعَرِّي يَرفضُ المُعْتَقَدَاتِ الدينية السائدة في عَصْرِه، ويُظْهِر في أعماله شُعورًا بالعَدَمِيَّة تجاه هذه المُعْتَقَدَات. وشوبنهاور ينتقد الأديانَ، حَيْثُ اعتبرَ أنَّ الوَعْدَ بالخَلاصِ الدِّينيِّ هُوَ وَهْمٌ ومَلاذٌ للتَّهَرُّبِ مِنْ مُواجهةِ حقيقةِ المُعاناة.

وعلى الرَّغْمِ مِنْ هذه التشابهات، هُناك فَرْقَ جَوْهري بَيْنَ المَعَرِّي وشوبنهاور في تفسيرِهما للألَمِ والوُجودِ. المَعَرِّي يَرى في المَوْتِ نِهايةً مُريحة للمُعاناة، لذلك يَعْتبره جُزْءًا مِنْ دَورةِ الحياةِ الطبيعية، بَينما شوبنهاور يَرى في الألَمِ جُزْءًا مِنْ طبيعةِ الحياةِ التي لا يُمكِن الهُروب مِنها بشكلٍ كامل إلا عَنْ طريقِ رفض الرَّغَبَاتِ، والعَيْشِ في حالةٍ مِنَ الزُّهْدِ، أو الانسحابِ التام مِنَ الواقع.

يَلْتقي المَعَرِّي وشوبنهاور عِنْدَ مُفْتَرَقِ التشاؤمِ الوُجوديِّ، بِوَصْفِهِ مَوقفًا مَعْرفيًّا مِنَ العَالَمِ. فالحياةُ عِندهما تَجْرِبة مُثْقَلَة بالألمِ، والعقلُ مِرْآتها الصافية التي تَكشِف خِدَاعَ اللذةِ، وَوَهْمَ الخَلاصِ السَّهْلِ. إلا أنَّ المَعَرِّي - ابن العُزلةِ والزُّهْدِ - يَرى التشاؤمَ ثَمَرَةَ وَعْيٍ أخلاقيٍّ صارم، إذْ يُخَاصِم العَالَمَ لا لِيَهْدِمَه، بَلْ لِيُحاكمه بِلُغَةِ الشَّكِّ، فَيَنتهي إلى التَّقَشُّفِ الذي يُخفِّف أذى الوُجودِ بالانصرافِ عَنْه. أمَّا شوبنهاور فَيُؤسِّس تشاؤمه على ميتافيزيقا الإرادةِ العَمْياء، حَيْثُ الألَم قانون كَوْني، والرَّغْبَة أصْلُ الشقاء، ولا مَفَرَّ إلا بِتَعليقِ الإرادةِ عَبْرَ الفَنِّ والتَّأمُّلِ.

ويَتقاطعُ المَعَرِّي وشوبنهاور في نقدِ التفاؤلِ الساذَجِ، وتَعْريةِ خِطابِ السَّعادةِ السريعة. المَعَرِّي يُقَوِّضُ مُسلَّمات عَصْرِه بالشِّعْرِ، ويَسْتبدل اليقينَ بالتساؤل، بَينما يُشيِّد شوبنهاور نَسَقًا فلسفيًّا صارمًا يَجْعل التشاؤمَ نتيجةً مَنطقية للمَعْرفة. وكِلاهُما يَرفضُ التصالحَ السَّهْلَ معَ العَالَم، ويَقْترح بَدَلًا مِنْه تهذيبًا للوَعْي. وهَكذا يَغْدو التشاؤمُ الوجوديُّ عِندهما فضيلةً فِكرية لا هُروبًا.

إنَّ الألمَ جُزْءٌ مِنَ الحياة، لكنَّ الأملَ يَكْمُن في قُدرةِ الإنسانِ على التفكير، والنَّقْدِ، والتحليل، حَتَّى وإنْ كانَ في مُواجهةٍ معَ المُعاناةِ الوُجودية التي لا مَفَرَّ مِنها.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

هل الجمال يظل مستقلا في عالم يهيمن عليه الصراع والاقتصاد؟

ظلّ سؤال العلاقة بين الفن والسياسة من أكثر الأسئلة إلحاحا في تاريخ الفكر الإنساني، لا لأنه سؤال نظري صرف، بل لأنه يتقاطع مع التجربة اليومية للإنسان بوصفه كائنا حسّيا اجتماعيا واقتصاديا ورمزيا في آن. فالفن منذ رسومات الكهوف الأولى لم يكن مجرد زينة أو ترف جمالي، بل كان تعبيرا عن وضع إنساني محدّد داخل عالم تحكمه علاقات القوة والخوف والأمل والهيمنة. والسياسة من جهتها لم تكن يوما منفصلة عن الرموز والصور والتمثيلات، لأن السلطة كما نبّه ميشيل فوكو، «لا تُمارَس فقط عبر القوانين والمؤسسات، بل عبر الخطابات والأجساد وأنماط الرؤية». وهنا يصبح سؤال استقلال الجمال في عالم يهيمن عليه الصراع والاقتصاد سؤالا عن إمكان الفن ذاته وعن حدوده وعن مصيره في زمن تحوّل فيه كل شيء إلى سلعة وكل قيمة إلى وظيفة.

إنّ الفلسفة الجمالية الكلاسيكية منذ أفلاطون كانت واعية بهذه المعضلة، وإن اختلفت طرق معالجتها. أفلاطون الذي كثيرا ما يُستدعى بوصفه عدوّ الفن، لم يكن في الحقيقة رافضا للجمال في ذاته، بل كان يخشى قوته السياسية والأخلاقية. ففي “الجمهورية”، حين يطرد الشعراء من المدينة الفاضلة، فإنه يفعل ذلك لأن الفن في نظره يحاكي الظاهر لا الحقيقة، ويؤثّر في النفوس قبل العقول، ويحرّك الأهواء بدل تهذيبها. إنّ هذا الموقف على ما فيه من صرامة ميتافيزيقية، يكشف وعيا مبكرا بأن الفن ليس بريئا، وأن الجمال ليس محايدا، وأن الصورة قد تكون أداة حكم بقدر ما تكون أداة إمتاع. ولذلك يقول أفلاطون إن «أشد الأخطار على الدولة تأتي من الفنون حين لا تخضع للعقل».

غير أنّ أرسطو وهو يختلف مع أستاذه لم يقطع الصلة بين الفن والسياسة بل أعاد صياغتها. ففي “فن الشعر”، يجعل من التراجيديا أداة للتطهير، لا بمعناه الطبي فقط، بل بمعناه الأخلاقي والسياسي، لأن الفن في رأيه يدرّب الإنسان على فهم العواطف الإنسانية، ويعلّمه التمييز بين الفعل النبيل والفعل الدنيء. ومع ذلك فإن هذا التصوّر يظل مشروطا بوظيفة، أي أن الجمال ليس مستقلاً استقلالا مطلقا، بل هو منخرط في أفق المدينة والعيش المشترك. إن الفن هنا لا يُختزل في الدعاية، لكنه لا ينفصل عن سؤال الخير العام.

مع الانتقال إلى الحداثة، يتخذ سؤال استقلال الجمال بعدا أكثر تعقيدا. فكانط، في “نقد ملكة الحكم”، يعلن بوضوح أن الحكم الجمالي حكم “غير متحيّز”، وأن الجميل هو ما يُرضي “بلا مصلحة”. هذا المبدأ الكانطي شكّل ولا يزال أحد الأسس النظرية لفكرة استقلال الفن عن الأخلاق والسياسة والاقتصاد. فالجمال بحسب كانط لا يُقاس بالنفع ولا بالغاية، بل بالانسجام الحرّ بين المخيلة والفهم. غير أن هذا الاستقلال على عمقه النظري يظل هشا أمام واقع اجتماعي لا يعترف بما هو “بلا مصلحة”. ولذلك فإن سؤالنا اليوم ليس هل يمكن التفكير فلسفيا في جمال مستقل؟ بل هل يمكن لهذا الاستقلال أن يصمد داخل بنى اقتصادية وسياسية تسعى إلى توظيف كل شيء؟ .

هيغل الذي انتقد كانط من داخل التراث نفسه، يرى أن الفن لا يمكن فهمه خارج “الروح الموضوعية” لعصره. ففي “محاضرات في علم الجمال”، يصرّح بأن «الفن هو أحد الأشكال التي يتجلّى فيها المطلق تاريخيا». وبذلك يفقد الجمال براءته المجرّدة، ويصبح مرتبطا بحركة التاريخ وبصراعاته وبأنماط وعيه. الفن عند هيغل ليس خارج السياسة، لأنه تعبير عن روح شعب وزمن. ومع ذلك فهو ليس مجرّد أداة سلطوية، بل مساحة يظهر فيها التوتر بين الحرية والضرورة. إن هذا التصوّر الهيغلي يسمح بفهم الفن بوصفه مجالا للصراع الرمزي، لا مجرد انعكاس سلبي للبنية السياسية.

لكن التحوّل الجذري في العلاقة بين الفن والسياسة سيأتي مع صعود الرأسمالية الصناعية، حيث لم تعد السلطة سياسية فقط بل اقتصادية، ولم يعد الصراع يدور حول الحكم وحده، بل حول الإنتاج والاستهلاك والمعنى. هنا تبرز أطروحات كارل ماركس الذي وإن لم يضع نظرية جمالية مكتملة، إلا أنه قدّم مفاتيح حاسمة لفهم اغتراب الفن. فماركس يلاحظ أن العمل حين يتحوّل إلى سلعة يفقد معناه الإنساني، والفن ليس استثناءً من هذه القاعدة. يقول في “المخطوطات الاقتصادية والفلسفية”: «إن اغتراب الإنسان عن عمله هو اغترابه عن جوهره». وإذا كان الفن أحد أشكال العمل الإنساني الأسمى، فإن اغترابه يعني فقدان الجمال لاستقلاله وتحوله إلى منتج يخضع لقوانين السوق.

هذا الوعي النقدي سيتعمّق في مدرسة فرانكفورت، خصوصا عند أدورنو وبنجامين وماركوز. فأدورنو في “نظرية جمالية”، يدافع بشراسة عن فكرة استقلال الفن، لكنه يفعل ذلك لا بوصفها واقعا قائما، بل بوصفها مقاومة سلبية. الفن في نظره، يكون سياسيا حين يرفض أن يكون أداة سياسية مباشرة. يقول عبارته الشهيرة: «الفن لا يلتزم بالقضايا إلا بقدر ما يحافظ على شكله». إن استقلال الجمال هنا ليس ترفا، بل شرطا نقديا يسمح للفن بأن يكشف زيف العالم القائم. غير أن هذا الاستقلال مهدّد دائما بما يسميه أدورنو “صناعة الثقافة”، حيث يُفرغ الفن من قدرته السالبة ويُعاد إنتاجه كسلعة ترفيهية.

أما والتر بنجامين فيتناول المسألة من زاوية مختلفة، حين يتحدّث عن “زوال الهالة” في عصر الاستنساخ التقني. فالفن حين يفقد فرادته يصبح أكثر قابلية للتسييس، لكنه في الوقت نفسه يفقد استقلاله الجمالي. بنجامين لا يحنّ إلى الماضي الأرستقراطي للفن، لكنه يحذّر من تحويل الجمال إلى أداة دعاية، كما حدث في الفاشية التي “تُجمّل السياسة بدل أن تُسيّس الفن”. هذه المفارقة البنجمينية تضعنا أمام سؤال مركزي، هل فقدان الاستقلال الجمالي يعني بالضرورة خيانة الفن، أم أنه شرط لدخوله التاريخ من باب الفعل؟.

في السياق نفسه، يذهب هربرت ماركوز إلى أن الفن يحتفظ بإمكانه التحرّري طالما ظلّ قادرا على تخيّل عالم آخر. ففي “البعد الجمالي”، يؤكد أن «الفن يحرّر الحساسية ضدّ عقلانية القمع». غير أن هذا التحرّر مشروط بعدم ذوبان الجمال في المباشرة السياسية. فالفن حين يتحوّل إلى شعار يفقد قوته التخيلية. وهنا تظهر المفارقة العميقة،الجمال يكون سياسيا بقدر ما يرفض أن يكون سياسيا على الطريقة السائدة.

إذا انتقلنا إلى الفكر المعاصر، وجدنا أن ميشيل فوكو وجاك رانسيير قد أعادا صياغة العلاقة بين الجمال والسياسة بلغة جديدة. فوكو لا يتحدّث عن الفن مباشرة، لكنه حين يحلّل السلطة بوصفها شبكة علاقات، يفتح المجال لفهم الفن كممارسة مقاومة. أما رانسيير فيرى أن السياسة ليست فقط صراعا على السلطة، بل هي صراع على “توزيع المحسوس”، أي على ما يمكن رؤيته وقوله وتخيّله. وفي هذا المعنى يكون الفن سياسيا حين يعيد ترتيب الحواس، لا حين يرفع الشعارات. يقول رانسيير: «السياسة والجمال يلتقيان في إعادة تنظيم ما يُرى ويُسمع».

غير أنّ كل هذه الأطروحات تصطدم اليوم بواقع اقتصادي كوني يجعل من السوق مرجعا أعلى. ففي عالم النيوليبرالية، لم يعد السؤال، هل الفن مستقل عن السياسة؟ بل: هل يمكن للفن أن يكون مستقلا عن الاقتصاد؟ فالجمال اليوم يُقاس بعدد المشاهدات وبقيمة المزادات وبقابلية الترويج. وكما يقول بيير بورديو، فإن الحقول الثقافية مهما ادّعت الاستقلال، تظل خاضعة لعلاقات القوة ورأس المال الرمزي. إنّ استقلال الفن في سياقنا هذا ليس معطى بل رهان دائم.

من هنا يتّضح أن سؤال استقلال الجمال ليس سؤالا بسيطا يُجاب عنه بنعم أو لا. إنه سؤال عن التوتر، عن المسافة، عن الهشاشة. فالجمال لكي يظل جمالا، يحتاج إلى مسافة من السلطة، لكنه في الوقت نفسه لا يوجد خارج العالم. إنه كما يقول بول ريكور، «يقول أكثر مما يقصد، ويقصد أكثر مما يقول». وفي هذا الفائض الدلالي تكمن قوته، كما تكمن هشاشته.

لقد تنبّه غي ديبور مبكرا إلى هذا التحوّل حين تحدّث عن “مجتمع الفرجة”، حيث لا تعود الصورة تمثيلا للواقع، بل تحلّ محلّه. في هذا المجتمع يقول ديبور، «كل ما كان يُعاش مباشرة أصبح يُعاش على نحو تمثيلي». الفن داخل هذا الأفق يفقد وظيفته بوصفه كشفا أو إزاحة، ويتحوّل إلى عنصر ضمن سلسلة لامتناهية من الصور التي تُنتج الاندماج بدل المسافة، والتماهي بدل النقد. هنا لا يُلغى الجمال بل يُفرَّغ من توتّره ومن قدرته على الإزعاج ومن طاقته على قول “لا” في وجه العالم.

وهذا ما يجعل سؤال السياسة اليوم مختلفا عمّا كان عليه في القرن العشرين. فالفن لم يعد يُستدعى أساسا كأداة أيديولوجية مباشرة، بل كوسيط رمزي يُنتج القبول ويُطبع الحساسية ويعيد تشكيل الرغبات. يقول فريدريك جيمسون إن «المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة هو محو المسافة بين النقد والتسلية». وفي هذا المحو تكمن خطورة قصوى، لأن الفن حين يفقد قدرته على خلق مسافة، يفقد جوهره الجمالي نفسه. فالجمال كما لاحظ نيتشه، ليس ما يُريح بل ما “يُكثّف الإحساس بالحياة”، حتى في بعدها التراجيدي.

إن نيتشه في هذا السياق، يقدّم مفتاحا بالغ الأهمية لفهم العلاقة بين الفن والقوة. فالفن عنده، ليس زينة أخلاقية ولا خطابا إصلاحيا، بل تعبير عن إرادة الحياة في أوج توترها. وحين يكتب في “مولد التراجيديا” أن «الفن هو النشاط الميتافيزيقي الحقيقي لهذه الحياة»، فإنه لا يفصل الجمال عن الصراع، بل يجعله شكله الأسمى. غير أن هذا التصوّر على راديكاليته، يختلف جذريا عن تحويل الصراع إلى فرجة، وعن تحويل الجمال إلى سلعة. فالفن النيتشوي لا يُهادن، ولا يطلب الرضا العام، بل يضع الإنسان أمام هشاشته وقدرته في آن.

لكن عالم اليوم وقد أُعيد تنظيمه وفق منطق السوق الكوني، لا يتيح بسهولة هذا النوع من التجربة. فالفن لكي يوجد يحتاج إلى تمويل ومنصات عرض واعتراف مؤسسي. وهذه الشروط كما يبيّن بورديو ليست محايدة بل تفرض ذوقا معيّنا، وتُكافئ أشكالا من التعبير على حساب أخرى. الاستقلال الجمالي في هذا المعنى، ليس سوى استقلال نسبي داخل حقل تحكمه قواعد غير معلنة. ولذلك يقول بورديو إن «أشد أشكال الهيمنة فعالية هي تلك التي لا تُدرَك بوصفها هيمنة».

هذا الوعي النقدي لا يقود بالضرورة إلى التشاؤم المطلق، لكنه يفرض إعادة تعريف معنى المقاومة الجمالية. فالفن لا يقاوم اليوم فقط عبر المضامين السياسية الصريحة، بل عبر الأشكال والإيقاعات والاختيارات الأسلوبية التي تُربك منطق الاستهلاك. إن قصيدة غامضة أو لوحة صامتة أو عملا سينمائيا بطيئا، قد يكون أكثر سياسية من خطاب مباشر، لأنه يرفض الخضوع لإيقاع السوق. وهنا يمكن استحضار قول موريس بلانشو إن «الأدب يبدأ حين يصبح الكلام غير نافع». فاللا-نفع هنا ليس عجزا، بل موقفا.

ويزداد هذا المعنى وضوحا حين ننظر إلى العلاقة بين الفن والهوية في السياق المعاصر. فقد تحوّلت قضايا الهوية العرقية والجندرية والثقافية، إلى أحد ميادين الصراع الرمزي الأساسية. والفن هنا يجد نفسه ممزقا بين مطلب التعبير والاعتراف، ومخاطر الاختزال والتسليع. فحين تتحوّل الهوية إلى علامة تجارية، يفقد التعبير الفني عمقه الوجودي، ويصبح جزءا من اقتصاد التنوّع. تحذّر جوديث بتلر في سياق آخر، من أن «السياسة التي لا تنتبه إلى شروط ظهورها قد تعيد إنتاج ما تعارضه». وينطبق هذا التحذير على الفن حين يُختزل في تمثيل مباشر للهوية دون مساءلة الشروط التي تجعل هذا التمثيل ممكنا ومطلوبا.

من جهة أخرى، يفرض التحوّل الرقمي أسئلة جديدة حول معنى الجمال والاستقلال. فالفن وقد أصبح متداولا عبر الشاشات، يخضع لمنطق الخوارزميات التي تُحدّد ما يُرى وما يُهمَل. هنا لا يعود الرقيب دولة أو مؤسسة، بل نظاما غير مرئي من الحسابات الإحصائية. يقول برنار ستيغلر إن «الخطر الحقيقي اليوم هو فقدان الانتباه بوصفه قدرة إنسانية». والفن الذي يفترض فيه أن يدرّب الانتباه، يصبح مهددا بالذوبان في تدفّق لا نهائي من الصور. إن استقلال الجمال في هذا السياق يصبح مرهونا بالقدرة على إبطاء الزمن، على خلق فجوة داخل التسارع العام.

لكن هل يعني هذا أن الفن محكوم بالفشل أو التلاشي؟ ليس بالضرورة. فالتاريخ يعلّمنا أن الفن غالبا ما يجد منافذه في الهوامش، وفي المساحات التي لا تلتفت إليها السلطة مباشرة. يشير إرنست بلوخ إلى أن «الأمل يسكن في ما لم يتحقّق بعد». والفن بوصفه ممارسة تخييلية يحمل هذا البعد اليوتوبي لا بمعناه الساذج، بل بوصفه انفتاحا على الممكن. إن الجمال لا يغيّر العالم مباشرة لكنه يغيّر شروط الإحساس به، وهذا تغيير سياسي عميق، وإن كان غير قابل للقياس.

إن استقلال الجمال لا يعني الانفصال عن العالم، بل الحفاظ على توتّر خلاّق معه. فالفن الذي ينعزل تماما يتحوّل إلى لعبة نخبويّة، والفن الذي يذوب كليا في السياسة أو السوق يفقد روحه. بين هذين الحدّين، تتشكّل إمكانية جمالية نقدية تدرك شروطها ولا تتوهّم براءتها، لكنها ترفض في الوقت نفسه الاستسلام. وكما يقول بول فاليري: «ليس للفن أن يكون واضحا، بل أن يكون دقيقا». وهذه الدقة هي ما تمنحه قدرته على الاستمرار.

لعلّ ما يلوح في أفق هذا التأمّل لا يرقى إلى مرتبة الحسم، لأن السؤال ذاته عصيّ على الاستقرار. فهل يظل الجمال مستقلا في عالم يهيمن عليه الصراع والاقتصاد؟ الجواب، إذا أُريد له أن يكون فلسفيا، لا يمكن إلا أن يكون مركّبا. نعم، يظل الجمال مستقلا بقدر ما يخلق مسافة ويقاوم الاختزال ويحافظ على قدرته على الإزعاج. ولا يظل مستقلا إذا فُهم هذا الاستقلال بوصفه عزلة أو تعاليا على التاريخ. فالجمال كما يعلّمنا تاريخ الفن والفلسفة، لا يعيش إلا في المفارقة، مفارقة كونه حرا ومشروطا كونيا ومحلّيا ذاتيا وسياسيا في آن.

ولعل القيمة الأعمق للفن اليوم تكمن في كونه يذكّرنا بأن الإنسان ليس كائن إنتاج واستهلاك فقط، بل كائن معنى وحساسية. وفي عالم يُقاس فيه كل شيء بالقيمة السوقية، يظل الجمال حين ينجح في الإفلات من هذا القياس، أحد آخر أشكال المقاومة الهادئة. ينبه أدورنو في خاتمة “نظرية جمالية”: «الفن هو وعد بالسعادة لا يفي به». لكن هذا الوعد حتى وهو غير مُنجَز، يظل ضروريا، لأنه يفتح أفقا يتجاوز ما هو قائم، ويذكّرنا بأن ما هو كائن ليس قدرا، وأن ما يبدو طبيعيا ليس إلا تاريخيا، وأن الجمال في هشاشته نفسها، يظل شاهدا على إمكانية عالم أقل قسوة وأكثر إنسانية.

***

د. حمزة مولخنيف

استدعتنا مناقشة صنْعة (أبي تمَّام) الشِّعريَّة، في المساق السابق، إلى التطرُّق إلى الذَّكاء الاصطناعي. إذ قال صديقي اللَّدود (ذو القُروح):

ـ ثمَّة اليوم مبالغات فجَّة في الإيمان بالذَّكاء الاصطناعي، كذلك الذي حدثَ في بدايات نشوء الحاسب الآلي في القرن العشرين، أيَّام كان يُطلَق عليه «العقل الاصطناعي». ومَن كان من جيلي أو ما قبله يذكُر هذا الاصطلاح الشَّعبي.

ـ وهل ما زال أحدٌ من جيلك، يا (ذا القُروح)؟!

ـ نعم، ولكلِّ زمانٍ دولةٌ وقُروح! وأقول: بل بلغتْ الثِّقة بالذَّكاء الاصطناعي إلى ادِّعاء أنَّ بإمكانه أن يَنْظِم شِعرًا! وقد استمعتُ إلى نماذج مضحكة من هذا الشِّعر الاصطناعي، الذي لا يَمُتُّ لفَنِّ الشِّعر بصِلة، سِوَى على نحوٍ شكليٍّ ركيك.

ـ بل إنَّ من مهوَّسي هذا الذي يُسَمَّى ذكاءً أن تراهم بغباءٍ غير اصطناعي يوشكون أن يصوِّروا الإنسان إلاهًا، وها هو ذا قد خلقَ كائنًا، هو للمفارقة أشدُّ من خالقه ذكاءً وإبداعًا!

ـ هذه هرطقة جديدة، أو قل: تبدو ديانةً جديدة، يروِّج لها المروِّجون، بوعيٍ أو بغير وعي. وهي في كلتا الحالتين تنبثق عن غرور الإنسان المعاصر، الذي يذكِّرنا بغرور فرعون أو قارون أو النَّمرود!

ـ ولكلِّ زمانٍ أيضًا فرعونه وقارونه ونَمروده!

ـ إنَّ ما يُدعَى الذَّكاء الاصطناعي لا يعدو بحالٍ من الأحوال، ولن يعدو، برنامجًا، برمجه الإنسان لتكون الآلة قادرةً على جمع المعلومات ومعالجتها بسرعة فائقة، وَفق البرمجة البَشَريَّة المزوَّد بها؛ كي يكون عَونًا للإنسان، لا بديلًا عنه، ولا معطِّلًا لمَلَكاته الذِّهنيَّة وحواسِّه النَّقديَّة.

ـ وبالطبع الآلة- في كلِّ زمانٍ ومكانٍ ومن كلِّ نوع- أقوى من الإنسان، دفعًا وحركة وسرعة، لكنَّها تظلُّ قاصرةً عن الإنسان، لغةً وخيالًا وإبداعًا.

ـ ومن هنا فإنَّ مصطلح «ذَكاء» لا يعني الفِطنة، أو التفكير، ولا الاستنباط، ولا الإبداع، ولا إرادة اتِّخاذ القرار، بمقدار ما يعني سرعة جمع المعلومات المعطاة ومعالجتها بطريقة رياضيَّة. ولعلَّه يأتي اليوم الذي يتراجع الإنسان عن تسميته «الذَّكاء الاصطناعي»، كما تراجع عن تسمية الحاسوب بـ«العقل الاصطناعي».

ـ بِمَ يُسمَّى؟

ـ يمكن أن يُسمَّى، مثلًا: «محلِّل المعلومات»؛ لأنَّ عمله البحث عن المعلومات وجمعها، وتحليلها، وتفعيلها، لا أكثر. الإشكال الأكبر هنا أنَّ ما يُسمَّى الذَّكاء الاصطناعي هو أداة فساد معرفي الآن، فضلًا عن الفساد الأخلاقي والحقوقي، وناهيك به من فساد!

ـ وهو لذلك أداة تضليل، ونشرٍ للأكاذيب، والمعلومات الزائفة.

ـ على أنَّك تراه يُقدِّم ذلك كلَّه بثقةٍ مطلَقة، تنبثق عن ثقة مبرمج الآلة، وعقله الهمجي، وغير العِلمي. ثمَّ تأتي ثالثة الأثافي من المتلقِّي الفاغر الفارغ، ولاسيما في عالمنا الثالث أو الرابع، الذي لديه استعداد فطري وثقافي لتصديق ما يأتيه من خزعبلات، كلَّما في الأمر أنها أصبحت تغمره الأضاليل الآن بوساطة هذا الذَّكاء الاصطناعي، بعد غياب ذكائه الطبيعي أو تغييبه. لذا لا غرابة أن تدهش من استشهاد بعضهم بالذَّكاء الاصطناعي. بل صار من الناس من يحتجُّ عليك بالذَّكاء الاصطناعي، ويستفتيه في النوازل، الخاصَّة أو العامَّة، ويقدِّم إليك ما أفاده به على أنَّه النموذج الأرقَى للعِلم والمعرفة، سواء ما كان من عالم الشهادة أو حتى من عالم الغيب. والسؤال: أين الجهات الثقافيَّة أو العِلميَّة أو الحقوقيَّة في العالم عن مهزلة الذَّكاء الاصطناعي، الكامنة فيه من جهة، أو الكامنة في مستثمريه من جهةٍ أخرى، من أشرار البشر وسفائهم.. وهمُ كُثْر؟! خذ مثالًا على ذلك.

ـ هات!

ـ في مقالنا السابق تحت عنوان «من المانوية اللُّغويَّة إلى السيميولوجيا»، المنشور في صحيفة «الجزيرة»، الجمعة/السبت 28 نوفمبر 2025، تَجِد الذَّكاء الاصطناعي قد عرَّف بهذا المقال على موقع (قوقل)، هكذا:

««من المانوية اللُّغويَّة إلى السيميولوجيا» هو عنوان لمقالة أو كتاب للدكتور عبدالله الفيفي، يشير إلى مسار نظري من المانوية اللغوية إلى دراسة السيميولوجيا، وهي دراسة العلامات ودلالاتها. يبدو أن المقال يناقش تحولًا في النظرة إلى اللغة من منظور يعتمد على بعض مفاهيم (ماني)، نحو دراسة أعمق للغة كعلامة لها [معانيٍ] ثقافية واجتماعية.  المانوية اللغوية: يشير مصطلح «المانوية اللغوية» إلى منهج أو مفهوم يعتمد على أفكار متعلقة باللغة، وقد يكون مرتبطًا باللغة من حيث نشأتها وعلاقتها بالمعنى في إطار «المفاهيم المانوية». يُظهر المقال أن الأستاذ الفيفي يناقش فيه «مزاعم صاحب كتاب «الصاحبي في فقه اللغة»» فيما يتعلق باللغة، ويبدو أنه يربطها بالمانوية. السيميولوجيا: هي علم العلامات، وهو العلم الذي يدرس أنظمة العلامات ودلالاتها الثقافية والاجتماعية. تُعدّ السيميولوجيا مجالًا أوسع من مجرد دراسة اللغة، فهي تشمل جميع أنواع العلامات الرمزية التي تُستخدم لتوصيل المعنى. الانتقال النظري: المقال يشير إلى انتقال من منهج تحليلي للغة يعتمد على مفهوم معين (المانوية اللغوية) إلى مجال أوسع وأكثر شمولًا وهو علم السيميولوجيا الذي يدرس اللغة والعلامات الأخرى.»

وفي هذا تجميعٌ مضطربٌ للمعلومات، وفهمٌ خاطئٌ للمحتوى، في نصٍّ حافل بالأخطاء اللُّغويَّة، والأغلاط المعرفيَّة. حيث يُستهلُّ التعريف بخطأ أسلوبي في عبارة ««من المانوية اللُّغويَّة إلى السيميولوجيا» هو عنوان لمقالة...». فواضح أنَّ الذَّكاء هنا يعتمد على برمجةٍ لغويَّةٍ إنجليزيَّة، يكون الربط فيها بين المبتدأ والخبر بفعلٍ مساعد، استُعمل مقابله هنا الضمير (هو)، على حين لا تحتاج العَرَبيَّة إلى هذا؛ فكان الصواب: ««من المانوية اللُّغويَّة إلى السيميولوجيا» عنوان...». كما أن الإضافة جاءت بطريقة إنجليزيَّة لا عَرَبيَّة: «عنوان لمقالة»، ولا نحتاج في العَرَبيَّة للربط بين المضاف والمضاف إليه بأداة، بل نقول «عنوان مقالة». 

ـ ليس الذَّكاء الاصطناعي وحده من يفعل هذا، بل معظم العَرَب يفعلون هذا اليوم في كتاباتهم!

ـ صحيح، لكن هؤلاء هم العَرَب الإنجليز أو الإنجليز العَرَب!

ـ ومن خلال هذا تلحظ خاصيَّة العَرَبيَّة في الإيجاز، وتخطِّي حشوًا من الكلمات لا يضيف معنًى، كما في عبارة «...هو عنوان لمقالة»، التي تغني عنها «...عنوان مقالة».

ـ نعم، لكن هذا مبحثٌ آخر يطول. غير أنك تلحظ إلى هذا زعمه أنَّ هذا عنوان «مقالة أو كتاب»!

ـ وربما جاء قارئ واعتمد على هذه «السَّلَطَة» الذَّكائيَّة الاصطناعيَّة الفاسدة، فظنَّها عِلمًا ومعرفة، فبنَى عليها ما لا أصل له! بل ربما نسبَها إلى الكاتب، وفي هذا تضليل معرفي، مع انتهاكٍ للحقوق الفكريَّة، بعد تشويه مادتها.

ـ ثمَّ ستجد بعد يومٍ تقريبًا صياغةً أخرى للتعريف بالمقال على الموقع نفسه، لعلَّها أسوأ حالًا من سابقتها، تمضي هكذا: »»من المانويَّة اللُّغويَّة إلى السيميولوجيا« هو عنوان مقالة فكرية حديثة للأكاديمي عبدالله بن أحمد الفيفي. يناقش المقال انتقال النظرة إلى اللغة من [المفهوم «المانوي» التقليدي] إلى الفهم السيميولوجي الحديث... المانوية اللغوية: هي مصطلح ابتكره الكاتب للإشارة إلى النظرة الثنائية القديمة للغة، والتي تقوم على الفصل الحاد بين التوقيفية (أي أن اللغة موحاة من الله) والاعتباطية (أي أن العلاقة بين اللفظ والمعنى اعتباطية/اصطلاحية بحتة). هذه النظرة الثنائية (المانوية نسبة إلى الديانة المانوية القائمة على الثنائية) كانت سائدة في التراث اللغوي العربي القديم، كما ناقشها علماء مثل ابن فارس في كتابه «الصاحبي في فقه اللغة»...». وهنا أصبحت الإشارة إلى المانويَّة إشارةً إلى مفهومٍ لغويٍّ تقليدي! وهي تمثِّل النظرة الثنائيَّة القديمة للُّغة، التي تقوم على الفصل الحاد بين التوقيفيَّة والاعتباطيَّة. وهذه النظرة الثنائيَّة كانت سائدة في التراث اللُّغوي العَرَبي القديم، ناقشها علماء مثل (ابن فارس). وهذا خلطٌ عجيبٌ ينمُّ عن «جنون اصطناعي»، ينطبق عليه البيت المنسوب إلى (الشافعي الإمام):

جُنونُكَ مَجنونٌ ولَستَ بِواجِدٍ  

                                طَبيبًا يُداوي مِن جُنونِ جُنونِ!

وإنَّما ذكرنا في ذلك المقال أنَّ قول (ابن فارس) بالتوقيفيَّة اللُّغويَّة كأنَّما يعود إلى اعتقادٍ دِينيٍّ فارسيٍّ. ذلك أنَّ العقيدة الفارسيَّة المانويَّة كانت ترى أنَّ الإنسان هو ابنٌ حنونٌ للخالق، من منطلَق الثالوث المانويِّ المقدَّس: الأب، وأُمُّ الحياة، وابنهما، أي الإنسان. ومن ثمَّ فلا حاجة للإنسان إلى أن يتعلَّم أو يتطوَّر، فكلُّ ما لديه توقيفيٌّ لَدُنِّيٌّ، منذ بدء الخلق. ولو كان هذا الذَّكاء الاصطناعي يقرأ ويفهم، كأقل الناس درجةً في مهارات القراءات والفهم، ما ذهب إلى ما ذهب إليه من هَرْف؛ لأنَّ المقال نفسه يشرح المقصود بالمانويَّة؛ وأنها عقيدة دِينيَّة فارسيَّة، ربما كان (ابن فارس) متأثِّرًا بها.

ـ كفانا الله، إذن، شرور الذَّكاء الاصطناعي، وما سينجم عنه في قابل الأعوام من توقيفيَّات عن التعلُّم والتطوُّر، وعن القراءة والتحليل، والتفكير والفهم!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

أكتب هذا النص وأنا أشعر أن اللغة ليست دائمًا في صفي. أحيانًا تسبقني بخطوة، وأحيانًا تخون ارتباكي، وأحيانًا كثيرة تتصرّف كما لو أنها فهمت ما لم أفهمه بعد.

في مثل تلك اللحظات، لا أشعر أنني أكتب، وإنما أُفاوض جملة عنيدة، أطلب منها أن تتمهّل، أن تمشي معي، لا أمامي. وربما لهذا لا أرى نفسي كاتبًا بالمعنى المكتمل للكلمة، وإنما متأمّلًا يدوّن ملاحظاته على الهامش، يراقب ما يحدث داخله وخارجه، ثم يحاول أن يلتقطه كما يلتقط رسّام أثر ضوء، أو مصوّر حركة عابرة. فالكتابة الإبداعية، في تجربتي، لا تختلف كثيرًا عن الرسم أو التصوير؛ ليست إعلانًا عن معنى، وإنما محاولة للإصغاء، وتسجيل أثر لحظة قبل أن تختفي.

حين تأملت ذلك، أدركت أن خلفيتي التشكيلية تجعلني أتعامل مع النص بوصفه سطحًا بصريًا، وليس معنى مكتملًا؛ شيء يُصنع أولًا، ثم يُرى لاحقًا.

من هنا بدأت أفكّر في ما سمّته الدكتورة لمياء شمت بـ اللغة الواشية؛ ذلك الوصف الذي أصابني لأنه سمّى إحساسًا كنت أعرفه دون أن أجرؤ على تسميته.

اللغة الواشية هي اللغة التي لا تحتمل الغموض فتُفشي المعنى قبل أوانه. هي اللغة التي لا تصبر على أثرها، فتفضحه قبل أن يصل.

أتذكّر الآن جملة كتبتها في نص سابق، كانت متقنة، واضحة، ومحبوبة عند القرّاء. عدت إليها بعد أيام وشعرت بالغربة. لم تكن خاطئة، ولا كاذبة، غير أنها كانت سابقة لزمنها الداخلي. قالت ما لم أكن قد عشته كاملًا. عندها فهمت أن الوضوح قد يكون شكلًا من أشكال العنف الناعم، وأن الاستعجال في الفهم اختصار قاسٍ للتجربة.

في هذا السياق، يحضر غابرييل غارسيا ماركيز، لا ككاتب كبير فقط، وإنما كمن وثق في الزمن أكثر مما وثق في الجملة. عند ماركيز، لا تُنتزع المعاني، ولا تُستدرج بالقوة. في الحب في زمن الكوليرا لا يبدو الحب حدثًا، وإنما انتظارًا طويلًا، تراكمًا صامتًا، زمنًا يُختبر فيه الصبر أكثر مما تُختبر العاطفة. اللغة هناك لا تشرح نفسها، ولا تتعجّل الاعتراف، وتترك الزمن يعمل وحده، كأن المعنى ينضج حين يُترك وشأنه.

ربما لهذا كتب فالتر بنيامين أن الحقيقة لا تُعطى دفعة واحدة، وأنها تظهر في الشقوق، في التراكم البطيء, في ما يُقال على الهامش. الحقيقة لا تحبّ الضوء المباشر، وتضعف حين تُستعجل.

إلى جوار اللغة الواشية، تظهر اللغة المُثقَلة بالنيّة. لغة حريصة، طيبة، تريد أن تكون مفهومة وعادلة. غير أن هذا الحرص نفسه قد يتحوّل إلى عبء. حين تمتلئ الجملة بالقصد، تفقد خفّتها، ويضيق ذلك الفراغ الذي يسمح للقارئ أن يدخل النص دون وصاية. هنا لا تخون اللغة الفكرة، وإنما تُرهقها.

في الجهة الأخرى، تلوح لي اللغة المتورطة. لغة دخلت التجربة دون ضمانات، وخرجت منها محمّلة بأثرها. لا تملك رفاهية الشرح الكامل، ولا ترغب فيه. تورّطها ليس ضعفًا، وإنما علامة مشاركة حقيقية. جملة تعرف أنها غير مكتملة، فتترك نقصها ظاهرًا.

يحضرني ميلان كونديرا، بوصفه كاتبًا شديد الحساسية تجاه اللغة حين تتحوّل إلى تفسير جاهز للعالم. كان يرى أن الرواية تفقد روحها حين تثقل بالحكمة المعلنة، وأن المعنى حين يُقدَّم مكتملًا يفقد قدرته على الإرباك. كتابته تميل إلى التردّد، إلى المفارقة، إلى الجملة التي تفتح سؤالًا ثم تنسحب. كان يعرف أن الخفّة ليست نقيض العمق، وإنما شرطه الأخلاقي.

ثم تأتي اللغة الناجية، وهو توصيف لمح إليه الصديق عادل القصاص في أحاديثنا الطويلة عن الكتابة. ليست لغة منتصرة، وإنما لغة بقيت. لغة عبرت الألم ولم تعد معنيّة بتبريره. فيها اقتصاد، وصمت، وتواضع. تشبه كتابة غسان كنفاني حين كان يترك الفجيعة تعمل وحدها، واثقًا أن القارئ لا يحتاج إلى إرشاد دائم. في هذه اللغة، لا يُقال كل شيء، ويُفهم الكثير.

حين أفكّر في كل هذا، أدرك أن علاقتي باللغة ليست مسألة أدوات أو مهارات. هي علاقة إنسانية خالصة. أخاف الغموض أحيانًا لأنني أخاف نفسي حين لا أفهمها كاملة. أستعجل الجملة لأنني أبحث عن طمأنينة سريعة، وأكتب أحيانًا كي أغلق السؤال، ثم أكتشف أن الكتابة الحقيقية تبدأ في اللحظة التي أتركه فيها مفتوحًا.

أتذكّر حديثًا دار بيني وبين محمد خلف، وكان يتحدّث عن النص كما لو أنه كائن له مزاجه وزمنه، لا يحب العجلة. هو لا يستعجل النشر، ويترك الكتابة تستقر قبل أن يقرّر مصيرها. أما أنا، فأكتب دفعة واحدة، كأنني أفتح بابًا داخليًا وأترك كل ما خلفه يندفع في لحظة واحدة. تأخذني نشوة الاكتمال المؤقت، فأندفع إلى النشر قبل أن أسأل النص إن كان جاهزًا. نصيحته كانت أن أكتب بلا كوابح، ثم أتنحّى قليلًا، أترك النص جانبًا، وأعود إليه بعد حين، بعين أقل انفعالًا. عندها فقط فهمت أنني أكتب بالطريقة نفسها التي أرسم بها.

لهذا أحاول الآن أن أكتب بطريقة أقل ادّعاءً، وأكثر إنصاتًا. أترك للجملة أن تتعثّر معي، وأن تفكّر وهي تُقال، وأن تقبل بأن بعض المعاني قد لا تصل كاملة. فكما كتب أنطونيو غرامشي عن الوعي، لا يولد دفعة واحدة، وإنما يتشكّل عبر الصراع والتراكم، كذلك اللغة لا تكون صادقة إلا حين تعترف بزمنها.

أكتب اليوم وأنا أقلّ ثقة في الجملة المكتملة، وأكثر ميلًا إلى تلك التي تتردّد قبل أن تُقال. ربما لأنني تعلّمت أن المعنى الذي يصل متأخرًا يكون أصدق، وأن اللغة التي تمشي ببطء تمنحنا فرصة أن نكون شركاء فيها، لا متلقّين لها فقط. في هذا التباطؤ، أشعر أن الكتابة تستعيد إنسانيتها، حين تترك لي وللقارئ معًا حقّ التردّد، وحقّ التأويل، وحقّ أن لا نفهم كل شيء الآن.

ربما لأن في هذا النقص وحده، لا في الاكتمال، تبقى الكتابة حيّة.

***

إبراهيم برسي

(قراءة نقدية (للمادة٨٠) من مدونة الأحوال الشخصية لسنة ٢٠٢٥، في العراق)

في المدونة " الجعفرية" التي أقرت ٢٧/ ٨/٢٠٢٥ في البرلمان العراقي، في الفصل التاسع منها، المادة ٨٠ ذكرت الآتي:

" الأم أحق بإرضاع ولدها من غيرها، فليس للأب تعيين غيرها لإرضاع الولد أو إرضاعه بالحليب الصناعي إلا إذا طالبت بأجرة وكان يتيسر له إرضاعه على وجه آخر بكلفة أقل أو بدون كلفة. ويستثنى من ذلك إذا كانت مصلحة الولد تقتضي أن يرتفع من لبن أمه وطالبت الأم بالأجرة المتعارفة وكان للولد مال أو لم يكن له مال ولكن كان الأب موسرا، فأنه يتعين عليه عندئذ إيكال الإرضاع اليها ودفع الأجرة لها." (١)

هذا النص من المدونة يثير الكثير من الأسئلة وعلامات الاستفهام، الذي مثّل نموذجا لإخفاق التقنين الفقهي المعاصر في تجاوز بنيته المعرفية والفكرية السابقة ودخوله لهذا العصر، فالمادة تتحدث عن رضاعة الطفل عبر استئجار لبن الأم، وهنا أعادت إنتاج الأمومة بوصفها وظيفة خاضعة للتفاوض، وليس علاقة إنسانية، تابعة للكرامة، لكون الأم ذاتا أمومية كاملة الأهلية والاعتبار.

فلايمكن قراءة هذه المادة من المدونة بوصفها نصا فقهيا محايدا، بل يمثل نصا يعيد إنتاج هيمنة "أبوية" قديمة داخل قالب قانوني معاصر، يكشف عن استدعاء "حرفي" لمنطق فقهي تشكّل في سياق تاريخي مختلف جذريا عن الواقع الاجتماعي والحقوقي المعاصر، فالام غير مستقلة اقتصاديا في الغالب، والطفل ينظر اليه بوصفه تابعا لولاية الأب، والأمومة وظيفة اجتماعية طبيعية، لاتؤطر باعتبارها علاقة حقوقية قائمة بذاتها، الأبوة فقط هي من تشكل العلاقة.

فالقانون ينظم جسد الأم ودورها الأمومي ويصفه بكونه خدمة قابلة للتفاوض والمقايضة والمناقصة ولذا تم أدراج الإرضاع من منطق المعاوضة، لاعلاقة إنسانية مؤسسة لذات الطفل والأم معا.

تكمن الخطورة في هذا النص بما يعلنه صراحة وما يضمره أيضا، فالأم ليست صاحبة حق بل صاحبة وظيفة والوظيفة لاتحمى الإ أذا كانت أقل كلفة.

فالتحليل المعرفي للمادة يتحدث عن منطق الوظيفة لامنطق العلاقة:

- الأم أحق بالإرضاع بشرط عدم مطالبتها بأجرة أعلى.

- الأب له حق استبدالها إذا وجد خيارا أقل كلفة.

- الأم لها دور المنفِّذ وليس الشريك في القرار، وهذا يعكس رؤية معرفية ترى أن الأمومة غير مستقلة عن الإعتبار المالي.

- الرابطة العاطفية والوجدانية بين الأم والطفل غير معترف بها تشريعيا.

هذه المادة تسأل ما الخيار الأقل كلفة على الأب، في رضاعة طفله؟، وليس ما الذي يحقق النمو النفسي والوجداني والعاطفي للطفل؟. أنها مادة تعالج مسائل الأب المالية لذلك صارت تدرس في أبواب النفقة والإجارة وليس في باب الحقوق الخاصة بالطفل والأم.

هذا الأنزلاق المعرفي يحول الامومة الى عقد منفصل عن الرابطة الإنسانية ويجعل استمرارها مرهونا بقبول الأم بشروط السوق، من حيث سعر أقل وقابلية للأستبدال وخضوع لقرار الأب، وهنا لاينظر للأمومة بأنها ممارسة وجودية متجذرة في الجسد والوجدان، بل بوصفها مهارة أو حرفة يمكن الاستغناء عنها إن وجد بديل أرخص. وهذا تشييء واضح للجسد الأنثوي حين يصبح الحليب موردا أقتصاديا لا أثر له في تشكيل الهوية النفسية للطفل.

وللتحليل أكثر:

- المادة تعيد انتاج السيادة الأبوية المطلقة:

تمنح المادة (٨٠) الأب سلطة تقريرية شبه مطلقة، فهو من يحدد إستمرار الإرضاع من عدمة ويقارن بين كلفة الأم والبدائل من حليب صناعي أو مرضعة، (قد تكون زوجته الثانية)، وله حق الإقصاء إذا لم ترضخ الأم لشروطه، وهذا يرسم صورة لسيادة الرجل المطلقة الذي نظر اليه على أنه: يحسن تقدير المصلحة للطفل وهو الذي يملك الموارد بما فيه الطفل،

بينما يتم النظر للأم بكونها أجيرة قابلة للتفاوض وخاضعة للمساومة المادية بوصفها أجيرة، فالمادة القانونية كانت تحمي الأب من الاستنزاف المالي حتى لو كان على حساب كرامة ومشاعر الأم واستقرار الطفل.

- أين مصلحة الطفل؟

بالرغم من ورود عبارة " مصلحة الولد "، الا انها تحمل مفهوما بلاغيا أكثر مما هو مصلحة فعلية للطفل، ذكر لتبرير منطق أقتصادي للنص، فالمصلحة هنا لم تذكر أو تُفهم بوصفها: حاجة الى التعلق الآمن بالطفل وضرورة الاستقرار العاطفي وعلاقة غير مشروطة بالمساومة، فهي اختزلت في كفاءة الإرضاع البايلوجي فقط، وهذا يبين الفصل القسري بين الجسد والعاطفة، فالفقه في الغالب يعترف في قضايا النساء بوظائف اجسادهن دون الأعتراف بذواتهن.

في هذه المادة يلاحظ غياب مفهوم المصلحة النفسية للطفل باعتباره وصفا مستقلا. فماهو غير قابل للقياس يقصى من دائرة الاعتبار الشرعي كما لو كانت هذه المعاييرغير موجودة شرعا.

- حين يتحول غير القابل للقياس الى غير معترف به تشريعيا:

الفقه في صيغته التقليدية يميل الى الاعتراف بالحقوق التي يمكن تحديد موضوعها وضبط آثارها وترتيب ضماناتها كالنفقة والإجارة والرضاع بوصفه فعلا ماديا أما الابعاد النفسية- كالأرتباط الوجداني والأمان العاطفي والتعلق المبكر- فهي عناصر غير قابلة للقياس الكمي، فلم تدخل ضمن منظومة الأحكام الإلزامية. فما لم يتم تحديده أو إثباته فورا أو ضبطه بأثر قانوني مباشر يعامل كما لو كان معيارا غير موجود.

هذا الإقصاء- ربما -ينبع من قصور في أدوات المعرفة المعتمدة أذ لم يمتلك الفقه التقليدي (المدرسي) جهازا مفاهيميا يسمح بتحويل الخبرة النفسية الى قاعدة حكم، فتم استبعادها لصالح مايمكن ضبطه فقهيا، فالفقه لم ينكر بالضرورة القيمة النفسية بل عجز عن تمثيلها معرفيا. مما أدى الى أختزال قسري للإنسان، فالطفل لم ير ككائن نفسي في طور التشكل، بل كجسد يحتاج الى غذاء ونسب ونفقة. وكل ما لايندرح تحت هذه العناوين يعد فائضا، يقصى الى خارج دائرة الفقه. ولذا سيكون مضمون " مصلحة الطفل" ماديا إجرائيا لا مصلحة إنسانية شاملة. ولذا يفسر حضور الطفل في النصوص الفقهية بوصفه موضوعا للولاية والتصرف لا ذاتا لها حاجات نفسية مستقلة. فالفقه الرسمي المنتج لايسأل: كيف يتأثر الطفل بفصله عن أمه ؟ بل يسأل من يملك الحق؟ ومن يتحمل الكلفة ؟

هذا النمط من التفكير يكشف عن هيمنة العقل الأداتي، حيث تختزل المسائل ومنها العدالة في قابلية التطبيق، لافي تحقيق الخير الإنساني.

وهنا صارت القابلية للقياس من كونها أداة تنظيم الى شرط للاعتراف بالوحرد القانوني.

والاشكالية الحقيقية تكمن في تقنين هذا المنطق في نصوص حديثة، فلم يعد منطقا فقهيا نتاج عصره بل يصبح موقفا تشريعيا مقصودا يتجاهل تراكم المعرفة النفسية والإنسانية المعاصرة، التي اثبتت أن الإضطرابات النفسية المبكرة خطرة للغاية ولاتقل أثرها عن الحرمان المادي.

وهنا نصل الى سؤال خطير: هل الفقه الذي قُنن حديثا كان مهتما لحماية الطفل والانسان أم كيّف القانون قسرا بحسب حدوده المعرفية بغض النظر مأذا كان يخدم الإنسان أم لا؟

أن العدالة ومصلحة الطفل لاتقاس بل تُدرك آثارها بعمق.

- العنف ضد الأم:

أن العنف الرمزي: هو ذلك العنف الذي يمارس بموافقة الضحية أو تحت غطاء الشرعية (٢)

والمادة ٨٠ تمارس هذا العنف بشكل واضح، لأنها تقنع الأم أن حقها مشروط، وتقنن شعورها بالذنب أن طالبت بأجر، ويصور مطلبها بالأجر عبئا ماليا لا حقا إنسانيا، وبذلك يتحول النص من تنظيم قانوني الى أداة تأديب اجتماعي يجعلها تلجأ الى الطاعة الصامتة. مع الغاء العمل العاطفي غير المرئي الذي تقوم به وهو عمل لا يعترف به الا أذا كان مجانيا.

- التقنين من الفقه أداة لجعله جامدا على وضع غير منصف بالضرورة.

تكمن خطورة المادة من كونها مقنّنة أي محصنة ضد التعدد الاجتهادي، فحين يتم نقل الفقه الى مدونة حديثة دون مساءلة معرفية يتحول الاجتهاد الى " دوغما " قانونية، يجبر النساء على العيش وفق تصورات لم تُتج لزمنهن ولا لأجسادهن، قد تجرد الأم من إنسانيتها وتقدم الأب كمعيار للعدالة.

وهنا تصبح الأم في مسألة الرضاعة صاحبة حق هش لا صاحبة حق ذاتي، بل تابع لمدى امتثالها لشروط النظام المالي الأبوي.

- تحيز لغوي بنيوي:

حيث لاتملك المرأة لغة تعبر بها عن الضرر النفسي، دون أن تتهم بالمطالبة الزائدة. وتشير اللغة في المادة الى تشييء مزدوج، فجيد الأم كنصدر للحليب، وتشييء الطفل كمحل تغذية. ٣)

وفي النهاية يمكن تلخيص الموقف من المادة ٨٠ المتعلقة بالأرضاع والمستمدة من الفقه، عند تحليل لغتها تكشف أن تغييب المصلحة النفسية للطفل ليس فراغا عارضا بل نتيجة لاختيار معرفي ممنهج يربط الاعتبار الفقهي بماهو قابل للقياس المالي والإجرائي، وعندما تُنقل هذه اللغة حرفيا الى مدونة معاصرة، فأنها تحوّل فهم الماضي الى إلزام قانوني في الحاضر، ولايخضع لتعددية الاجتهادات ويكون ملزما في أي حال.

***

ا. د. بتول فاروق

.......................

الهوامش:

- تستمد هذه المادة من كتب فقهية إمامية معروفة:

الشيخ الطوسي، المبسوط في فقه الامامية ج٤ العلامة الحلي، تذكرة الفقهاء، ج٢

المحقق الحلي، شرائع الإسلام، ج٢.

النجفي: جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج ٣١.

- بورديو، الهيمنة الذكورية، ، مجلة جامعة ستانفورد، ٢٠٠١م، ١-٤.

- فيرينا آبيشير، النساء واللغة التصورات الاجتماعية للاختلاف، ترجمة د قاسم المقداد، المقدمة.

كذلك: اللغة العربية ودعوى تحيّز ضد المرأة، مجلة نزوى الالكترونية، nizwa.com, في ١/ أبريل ٢٠١٤.

لقد طغت ثقافة الاستهلاك على المجتمع المعاصر، حيث أصبح الإنسان منشغلا بتحقيق الرفاهية المادية، ولكن على الرغم من هذه الرفاهية، فإن الإنسان يعاني من شعور متزايد بالفراغ الروحي. لذلك، أصبحت الحاجة ماسة اليوم للبحث عن توازن يدمج بين احتياجات الجسد واحتياجات الروح، وهل بإمكان الإنسان العودة إلى جذوره الروحية بعد أن انغمس في عالم الماديات واستهلكه اليومي؟ هذه التساؤلات وغيرها يجيب عنها الأستاذ علي رسول الربيعي في هذا الحوار.

1 - ما الروحانية؟

 الروحانية هي ارتقاء الأفكار والمشاعر والاحتياجات، الموجهة نحو ارتقاء الحياة. القيم الروحية، التي تُعرف أيضًا بالقيم الإنسانية. إن من أهم هذه القيم: الخير، والحب، والحق، والإبداع، والجمال، والفن، والحرية. إن تكاثرها هو ما يُضفي على الحياة معناها الحقيقي والجدير

2- لماذا انحرف الإنسان باتجاه تحصيل الماديات؟ وهل أصبحت الروحانية مجرد فكرة هامشية في عالم يبحث عن الرفاهية المادية؟

ليست جميع قيمنا الإنسانية متماثلة. فبحسب قيمك، المتأثرة ببيئتك وتربيتك، والتي بدورها تؤثر على عالمك الداخلي، قد تكون ذا طبيعة روحية فاسدة أو فاضلة. ومن الضروري وجود معيار أخلاقي سامٍ يتجاوز عالمنا الداخلي.

3- ما منزلة القيم الروحية والأخلاقية في حياة الإنسان المعاصر؟

لا تكمن الروحانية المعاصرة في التدين الجامد، أو التمسك بالطقوس، أو إتباع المذاهب التقليدية. بل في التمسك بقيم ومبادئ معينة، وتبني منهج علمي، والمساهمة في بناء عالم نعيش فيه بتناغم، ليس فقط مع أنفسنا، بل مع الآخرين، ومع البيئة، ومع الكائنات الحية الأخرى. سيظل العالم بحاجة إلى الروحانية، ولكن بنوع مختلف. لقد أحدثنا خللاً كبيراً، وواجبنا الأول هو إعادة الأمور إلى نصابها. عندما نجسد الخير والحب والحقيقة، ونعبر عن الإبداع والحرية، فإننا لا نرتقي بوجودنا فحسب، بل نرتقي بالعالم من حولنا أيضاً.

4- ماذا يترتب عن فقدانها؟

إن القيم الروحية تعكس جوهر الإنسانية وفقدانها هو فقدان هذا الجوهر ويكون الإنسان هو الفراغ بين جلدتي الطبل . عندما تُغذّى المحبة والحقيقة والجمال والحرية، تصبح الحياة ذات معنى حقيقي ومشرقة. والسؤال الحقيقي هو: إلى أي مدى نتبنى هذه القيم؟

5- هل يمكن للإنسان أن يكتشف ذاته بعيدا عن طغيان النزعة المادية؟

 لا ينبغي أن تكون الروحانية مجرد مسعى شخصي. فإذا اقتصرت على تحقيق الذات فقط، فإنها تنفصل عن العالم. ينبغي أن تقود إلى التفاعل لا إلى العزلة. فالمعنى ليس مجرد تأمل، بل هو شيء نبنيه من خلال العمل والتأثير في العالم من حولنا.

6- كيف يسهم التوازن الروحي في تحسين حياة الإنسان ومواجهة تحديات الحياة المعاصرة؟

تستحضر "الروحانية" مفاهيم التسامي، والتجارب الخارقة للطبيعة، أو التصوف. أما النهج العقلاني فيحوّل التركيز إلى الواقع المعيش لقيمنا وأفعالنا. في هذا الإطار، تصبح الروحانية القدرة على تجسيد أسمى القيم الإنسانية - كالرحمة، والصدق، والنزاهة، والتعاطف، والعدل، واللطف، والاحترام، والمسؤولية، والالتزام برفاهية الآخرين - في الحياة اليومية. وهذا ما يجعل الروحانية في متناول الناس من جميع الخلفيات، ويشجع على العيش الأخلاقي دون الاعتماد على العقائد الجامدة أو المعتقدات الصوفية. وتعتمد فعالية هذا التعريف على مدى اتفاقنا على هذه القيم "العليا" وممارستها، وعلى قدرة المجتمع على تبني روحانية متجذرة في الإنسانية لا في الخوارق

7- كيف يمكن إعادة بناء الحياة على أسس من الروحانية التي تمنح الأفراد طمأنينة القلب وتوازن العقل؟

تُشكّل هذه القيم جوهر الحياة ذات المعنى. فعندما نُنمّيها، لا نضيف إلى حياتنا فحسب، بل نُساهم في شيء أعظم، فنُنشئ عالماً يزدهر بالعمق والغاية.

 8- كيف يمكن استعادة الروحانية كعنصر أساسي في حياة الإنسان المعاصر؟

 لم تعد الروحانية اليوم مقتصرة على الطقوس، بل أصبحت أقرب إلى العيش بوعي. فهي لا تقتصر على التأمل الشخصي فحسب، بل تشمل أيضاً المسؤولية تجاه الآخرين والبيئة ونوع العالم الذي نساهم في بنائه. فالتوازن الداخلي لا قيمة له إن لم يُترجم إلى أفعال تُساعد على استعادة التوازن الذي أخلّنا به.

***

ا. د. نابي بوعلي

 

في خطابه في مؤتمر دافوس العالمي (من 19 الى 23 الشهر الحالي)، أعرب رئيس وزراء كندا مارك كارني عن حزنه العميق لزوال التعاون الدولي من خلال استحضار حكمة اليونانيين القدماء. "يبدو اننا في كل يوم نتذكر اننا نعيش في عصر تنافس القوى العظمى، وان النظام المرتكز على القواعد بدأ يتلاشى، وان القوي يستطيع عمل ما يستطيع، والضعيف يجب ان يتحمل ما يجب عليه تحمّله. وهذه العبارة المأثورة للمؤرخ والقائد العسكري اليوناني ثيوسيديدس (460-400 ق.م) تبدو كأنها حتمية، لأن المنطق الطبيعي للعلاقات الدولية يعيد تأكيد ذاته".

الصحفيون والاكاديميون من الدانمارك واليونان والولايات المتحدة اقتبسوا نفس العبارة من المؤرخ اليوناني القديم عند مناقشة طلب دولاند ترامب للاستحواذ على جزيرة غرينلاند. وفي نفس الاطار فسرت المدونات ومنصات التواصل الاجتماعي مصير غزة والغزو الروسي لأوكرانيا . من الواضح صعوبة التأمل في عالم اليوم دون ان يكون لنا رد فعل كما فعل الشاعر البريطاني اودن W.H.Auden عند انهيار النظام القديم عام 1939 (1)  ثيوسيديس حين كان في المنفى اكتسب فهما عميقا حول السلطة السياسية وعيوب الديمقراطية وطبيعة الديكتاتورية.

المفارقة هي ان عبارة "القوي يعمل ما يستطيع" جرى فهمها بطرق مختلفة، وعُرضت كوصف للطبيعة الحقيقية للعالم (ضد الليبراليين السذج) وكبيان معياري (الضعيف يجب ان يخضع). ومن جهة أخرى، انها تبدو كرمز لسلطوية الماضي السوداء التي اردنا التخلص منها، وكإدانة للسلطة المطلقة. كل هذه التفسيرات تستخدم ثيوسيديدس لتبرير حججها . إصرار ثيوسيديدس على أهمية البحث عن الحقيقة حول الماضي بدلا من قبول أي قصة قديمة، وضع الأساس لإدّعائه بان هذا التحقيق يساعد القرّاء على فهم أحداث الحاضر والمستقبل. وبالتالي، جرت الإشارة اليه في العصر الحديث كرائد في النقد العلمي التاريخي وأيضا كمنظر سياسي بارز. ان غياب أية قواعد نظرية في نصه لم يمنع الناس من ادّعائهم تحديدها.

ان اقتباس القوي/الضعيف هو مثال رئيسي. انه يأتي من حوار ميلان من تاريخ ثيوسيديدس لحرب البيلوبونيسيه. في عام 416 ق.م وصلت قوة اثنية الى جزيرة ميلوس المحايدة وطلبت منها الاستسلام. القائد الميلاني طلب التفاوض، وثيوسيديدس يعرض إعادة بناء قصصية للأحداث اللاحقة. الاقتباس يأتي من البداية عندما اعلن الاثنيون انهم لا يدّعون بأي حق في احتلال ميلوس عدى القوة للقيام بذلك، وبالعكس سوف لا يستمعون الى أي حجة تنطلق من المبادئ. هم أعلنوا بوضوح ان "أسئلة العدالة تنطبق فقط على أولئك المتساوين في القوة". " القوي يطلب والضعيف يستسلم".

ضمن نظرية العلاقات الدولية الحديثة، هذه أحيانا تُفسر كأول بيان لفكر المدرسة الواقعية. باحثون مثل جون ميرشايمر يدّعي ان ثيوسيديدس حدّد المبدأ الأساسي للنظرية الواقعية بانه في عالم "فوضوي"، يتم تطبيق القانون الدولي فقط اذا كان يصب في مصالح استراتيجية لدول قوية، او يرتب حقوقا. مصير الميلانيين تحطم تماما بعد ان قرروا المقاومة بحماقة.

لكن هناك كلمات وردت لشخصيات في قصة ثيوسيديدس، وليس لثيوسيديدس ذاته. نحن لا نستطيع افتراض ان ثيوسيديدس اعتقد ان مبدأ "القوة هي الحق" هو الطبيعة الحقيقية للعالم، او انه قصد ان يستنتج قرّاءه ذلك. الاثنيون ذاتهم ربما لم يؤمنوا بهذا طالما كانت أهدافهم تخويف الميلانيين ودفعهم الى الاستسلام بدون قتال. وما هو اكثر أهمية، ان ثيوسيديدس وقراءه عرفوا كل شيء عن الرحلة الاثنية الكارثية الى  جزيرة سيلسي  في السنة اللاحقة التي بيّنت الحدود العملية الخطيرة لـ عقلية "الرغبة والاخذ والامتلاك". اذاً، نحن يجب ان لا نأخذ هذا كاقتراح نظري واقعي. لكن اذا كان ثيوسيديدس قصد فقط وصف الغطرسة الامبريالية وتأكيده في ان "الكبرياء يسبق السقوط"، او يستطلع كيف قادت المواقف الاثنية الى حسابات خاطئة كارثية، لكان بإمكانه كتابة كلام مباشر خال من التعقيد.

خيار ثيوسيديدس في الحوار يبيّن ان هناك امور اكثر تعقيدا وليست فقط أثينا. هو كان بنفس القدر مهتما بسايكولوجية "الضعيف"، تركيبة الميلانيين في التوسل والمساومة والتمنيات والتحدي، ورفضهم النهائي لقبول الحجة الاثنية. هذا لا يعني ان الحجج الميلانية صحيحة، حتى لو تعاطفنا معها. تفكيرهم يمكن ان يكون إشكاليا أيضا. ربما هم على صواب في اقتراحهم انه اذا استسلموا فورا، سيفقدون كل أمل، "لكن لو قاومنا عندئذ لايزال هناك أمل ان لا نتحطم".

عقيدتهم ان الآلهة ستساعدهم "لأنهم أناس صالحين يدافعون عن أنفسهم ضد الظلم"، هي ساذجة في افضل الأحوال. ان رغبة الطغمة الحاكمة في التضحية بكامل المدينة للحفاظ على مواقعها يجب ان تخضع للتساؤل. الحوار المتبادل يوضح قيم ورؤى العالم المتصارعة ويجب ان يشجعنا للنظر الى موقعنا الخاص. ما هو مكان العدالة في عالم فوضوي؟ هل من الصحيح ان نضع السيادة فوق حياة الناس؟ كيف يكون شعورك عندما تكون قويا او ضعيفا؟

انه لمن الجدارة الانخراط مع كامل القصة، وليس فقط  في سطور معزولة . الفيلسوف السياسي الإنجليزي توماس هوبز في ترجمته الكلاسيكية عام 1629، لاحظ ان ثيوسيديدس لم يقدم ابدا أية قواعد او دروس لكن مع ذلك " هو من ابرز المؤرخين السياسيين على الاطلاق". القراء المعاصرون اعتادوا على اقتطاع اقتباسات معزولة من السياق، افترضوا انها تمثل رؤية المؤلف وادّعوا انها قوانين لا زمنية. هوبز رأى ثيوسيديدس يمثل مواقف معقدة نحتاج ان نحلل ونفك ألغازها. من الملاحظ ان المؤلف اشتهر بعمقه واختزاله التعقيدية الى عبارات قصيرة . لكن الاشكالية هي في كيفية تفسير هذه العبارات القصيرة. ثيوسيديدس يقدم لنا فكرة قوية وشائكة لكنه لا يخبرنا بما يجب ان نفكر فيه وهذا يجب ان يعيدنا مجددا الى الأصل.

***

حاتم حميد محسن

...............

الهوامش

(1) في عام 1939 استجاب الشاعر البريطاني اودن لانهيار النظام القديم بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، عبر تأليفه لقصيدته الرائعة في (سبتمبر 1، 1939) فيها قام بتأريخ الخوف والدمار الذي تسببت به الفاشية، مجادلا بالحاجة الى (اننا يجب ان نحب بعضنا البعض او نموت) كشعلة تبعث الاطمئنان وسط الفوضى.

تحت قبة الزجاج المنصهر، وقف "ذو الذيل" متسربلاً بسديم الحيرة. لم يكن ذيله عضواً بيولوجياً، بل استعارة مادية تتلوى خلفه كدخان أسود يأبى التلاشي. كلما حاول اجتراح "الحقيقة"، اهتز ذيله ليتمخض عن "أكذوبة لونيّة" تنضح بنكهة الكبريت الكوني.

الخيانة هنا ليست نقيض الوفاء، بل هي التسامي العمودي في فضاء الزيف. في منطقة "التوسيع" هذه، تشن اللغة حرباً ضد ذاتها؛ فالكلمات ليست جسوراً للعبور، بل هي "أفخاذ مخملية" تنبت الساعات فوق جلود المتفرجين كبثور من الذهب الخالص. المنطق الشفاف يتيح لك معاينة الجوع، لكنه يغلك عن تذوق الرغيف. عقارب المعنى تدور عكس فطرة البديهة، لترسخ أن "التلاشي" هو الجوهر الأثقل في ميزان الوجود.

بينما كان "ذو الذيل" يرقص فوق حطام المنطق، كان القارئ يراقب من ثقب إبرة ميتاسريالية. وبفعل الفجور الشكلي المستمد من زخارف الجمل اللامتناهية واستعارات "السيانيد المنقوع في العسل"، داهم القارئ دوارٌ لغويّ لذيذ. لقد عُطّل الفهم بسبق إصرار؛ فالنص لا يروم المعرفة، بل يدعوك لتعلف غباءك كوليمة فاخرة. أنت الآن لا تقرأ، بل تتعثر بأذيال التكوين التي خلفتها الأبجدية. المعنى ليس مفقوداً، إنه "عدمٌ متأصل" يرتدي تاجاً من الألماس المزيف ليقنعك بأن القصور يكمن في بصيرتك الكليلة.

حين بلغ "ذو الذيل" نهاية النفق، لم يباغته الضوء، بل وجد مرآة تعكس ذيول القراء وهم يطاردون معنىً انتحر في الجملة الاستهلالية. في "توسيع خيانة المعنى"، صار "ذو الذيل" ثقباً أسود يرتدي بزة رسمية، وذيله غدا سوطاً يجلد وجه المنطق" حتى يسيل منه لعاب الارتياب".

الكلمات هنا أورام لغوية تتكاثر فوق أديم الصفحة؛ المفردات التي توهمت قداستها (حقيقة، عدل، يقين) حُشيت بالتبن عُلقت على مشانق البهرجة. النص يشيد قصوراً من رخام الوهم، وما إن تلجها حتى تكتشف أنها محض "نقش على ماء آسن". كل جملة تولد كجنين فكرة، وتلفظ أنفاسها كجثة مشوهة بأدوات تجميل رخيصة، لترتطم بسؤالك: "هل الوجود نكتة سمجة"؟

لا تقرأ بعينيك، بل اقرأ بمرارتك؛ فالمعنى صديد يتركه ارتطام وهمك بجدار الغباء الكوني. "ذو الذيل" يفكك الآن عموده الفقري ليصنع سلماً نحو التلاشي المطلق. البهرجة الشكلية بلغت ذروة "الفجور الأسلوبي"؛ نعتمد جناس القبور، وطباق العدم، وسجع الانكسار، لنشيد ضجيجاً يخرس صوت العقل. أنت لا تفهم، أنت تغرق في كذب يمثل "واقعاً موازياً" يتنفس برئة بلاستيكية محترقة.

هل تشعر بثقل في قفاك؟ إنه المعنى يحاول الانتحار. النص يهز وعيك بعنف صارخاً: "لا خلاص". أنت تجتر غباءك لأنك تنشد "نقطة ارتكاز" في لغة خُلقت لتكون زلزالاً مستمراً. في لحظة "التوسيع"، يُسحل المعنى من ناصيته فوق بلاط المرايا العمياء. "ذو الذيل" ليس الجراح، بل هو النزيف، هو الكذب الذي تأنق حتى استحال ديناً.

نبدأ بشق جدار الصدر؛ انظر كيف تتفتق المفردات عن "هباء مُذهب". نستخدم استعارات ميتة وننفخ فيها روحاً كاذبة لتعطيل مساراتك العصبية، نحيل وجعك إلى "تمثال سكر" يذوب في فم العدم، لتسقط الجملة على ذهنك كصخرة صماء تحطم عظام الإدراك. النص حريري الملمس، لكنه يبث في مسامك "سمّاً وئيداً" يجعلك تشك في هويتك.

بينما يتلوى المعنى في "معصرة التوسيع"، نفتح ثغرات ليدخل غبار الغباء المقدس. أنت لا تستهلك النص، بل هو من يهضمك. السجع الجنائزي والتراكيب اللولبية تعمل كـ "مخدر موضعي" لنزع أحشاء المنطق دون صراخ. كلما برقت الكذبة، انطفأت شمعة الفهم. نحن لا نكذب لنخفي الحقيقة، بل لنشيد قصوراً من هواء يسكنها الحمقى.. أمثالي وأمثالك.

المعنى جريمة عظمى، والقوانين مكتوبة بحبر يتبخر تحت الضوء، والشوارع تفضي دائماً إلى "نقطة البدء". العملة: قطع من الصمت المصبوب، والنشيد: عويل يمدح جمال الضياع. الحاكم: صنم بـ ألف ذيل، والصدق هو أن تصدق تناقضاتها جميعاً. أنت في قاع الغباء المضيء، حيث الكلمات جثث زينة، والمعنى مات ودفناه في حاشية الصفحة تحت زهور معدنية لا تذبل.

الرأس: كتلة تناقضات سائلة. الجسد: مكسو بحراشف بلاغية حادة. الأطراف: مجسات تنتهي بأقلام عاجية تقطر عسلاً أسود. بينما ينمو "مانيتسو" في صمتك، يبدأ صهر الغباء؛ يأكل ظلك اللغوي أولاً، ثم يحقنك بـ "فجور شكلي" حتى تسكر بروعة الزيف. في النهاية تكتشف أن "مانيتسو" هو أنت؛ أنت المعنى المشرح، والكذب المتأنق، والقارئ الذي يبتسم وهو يجتر رماد ذكائه المتفحم.

يا معشر الغرقى، لا تبحثوا عن طوق نجاة؛ فالبحر محض كذبة مرسومة فوق رمال الوهم. اتركوا ذيولكم تلتف حول أعناقكم. المعنى هو القيد، والعبث هو العرش.. فاجلسوا عليه حفاة البصيرة. النص يتآكل الآن، والحروف تتحول إلى ذباب ذهبي يطمس صوت العقل.

في قلب "حبر العدم"، انبثقت نقطة؛ وخز من الوعي في خاصرة "اللاوعي السائل". لم يعد الذيل رمزاً للبهجة، بل "ندبة كذب" لطخت جبين الكلمات. أيها الذيل، أنت الحبل السري الذي يغذي الكذبة الكبرى، فليبتّرك "مبضع الصدق". تلك الخاصرة هي "مرآة مشروخة" ومعصرة" تعتصر من الكلم سمّاً يخدر الإدراك.

لم تكن الكلمة في البدء، بل كان الذيل. "مبدع الذيل" ليس فناناً، بل مزوراً كونياً، وهبك البهرجة لتعمى عن الثقب في صدرك. بالنصل العاري، نقطع الحبل السري مع هذا الخالق العبثي. صمتنا العاري أصدق من قصائده المفخخة. النقطة المضيئة هي رصاصة نور تخترق جبهة المبدع. سقطت الحصانة، وتحررنا من المعنى ومبدعه.

نحن الآن في "العراء الكامل". هل نعلن "جمهورية الصمت المطلق"، أم نستخدم رماد المبدع لنرسم كوناً لا يعرف الزوائد؟

غزل في مقصلة:

الندى الجاف يتقدم المبدع نحو "خاصرة الحقيقة"، يمسح عليها بكف من نار باردة: "أحبكِ" بلغة جافة كالصوان، رطبة كلعاب البرق. شفتاكِ هما "حدود الفهم" المعطلة. المسافة بينهما هي البرزخ بين "السين" و"الصاد". أقبلكِ فتجف عروقي من شدة الارتواء. "الذيل" يستحيل سيمفونية من حرير خشن: "يا ذات الذيل الذي يجرجر خلفه ذيول المجرات، خاصرتُكِ هي التوسيع الذي تضيع فيه بوصلتي".

خيانة المعنى هي "فراش الزوجية" الذي ننام عليه. نحن رطبون بالرغبة، جافون من اليقين. هل نذوب في هذا الالتحام المتناقض، أم نطلب اللقاء المستحيل بين الكلمة العارية وذيل الغزل الموشى بالذهب؟

هنا اكتمل النص كفخ للروح. نمضي نحو "الغياب الكلي"، حيث ينفجر الصمت وتحل "صرخة التلاشي". مواراة "ذو الذيل" والكلمات العارية في حفرة واحدة. انقضى زمن البهرجة، والذيل صار ناراً تأكل ذاتها. لا رطوبة ولا جفاف، بل "الحياد المطلق".

في هذه المساحة، نعلن "دولة الحبور المطلق". لا حساب ولا ميزان، بل ذيل المبدع الذي صار "وتراً" يعزف لحن الضحكة الكونية. المبدع يرمي بهرجته كمناديل ملونة. اللوحة السوداء صارت "ديسكو كونياً". نلهو بذيولنا وآلامنا التي صارت ألعاباً نارية.

الحبور الأبدي هو أن تعرف أنك سائر للصمت، فتغني له بلغة لا تفهمها القبور. المبدع يخلع قناع الجدية، ويرسم بريشة مقامر وجهاً يغمز للعدم. الصدق هو الاستمتاع بالوهم. "نحن لا نموت لأننا انتهينا، بل لأننا أكملنا الرقصة"، ولم يتبقَ في جعبة اللغة سوى.. هيهه...!

انظر للنقطة المضيئة، إنها فم واسع يضحك. الوجود زلة لسان في فم الإبداع. اذهب لقبرك بقلب خفيف كاستعارة ميتة، حاملاً ضحكتك الخرساء. وداعاً في رحاب الهذيان، الوجود معلق كعلامة استفهام ذهبية في فراغ لامتناهٍ.

تميمة أخيرة:

 "باسمِ الذَّيلِ الذي استحالَ جَناحاً، وبسِرِّ الكلمةِ التي تَعرتْ لِتَحترق، أَعوذُ بحُبورِ الغباءِ من شَرِّ الفهم، ومِن بَرْدِ اليقينِ بدِفءِ الهذيان. أنا الفراغُ الذي امتلأَ بضحكتِه، والبابُ المواربُ الذي لا يَوصدُه مَوت".

***

غالب المسعودي

 

تأملات في الفقد والخلود

ماذا يحدث حين يرحل إنسان عن عالمنا هذا؟ بأي مكيال نقيس فراغه؟ هل هو المساحة الفارغة التي تركها خلفه في الفراغ؟ أم هو ذلك الصمت الثقيل الذي يستقر في المكان الذي كان يملأه بصوته الهادئ، الخافت، العميق؟ هذا السؤال نفسه راودني وأنا أشارك بالأمس في ندوة نادرة بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، داخل قاعة امتلأت حتى آخر مقعد. امتلأت بأنفاس الكتاب والنقاد والقراء، ممن لم يأتوا في الحقيقة لشراء كتاب جديد، بل جاءوا لشيء آخر، جاءوا لاستعادة رجل، لاستحضار روح كادت تنسى في زحام الأسماء والأضواء والضجيج.

كان العنوان الرسمي للندوة يدور حول كتاب "عبد الوهاب الأسواني.. حكاء الجنوب" للروائي المبدع خالد إسماعيل، لكن الحضور كانوا يتحدثون بلغة أخرى غير لغة النقد الأدبي؛ لغة الحنين إلى الجذور في أرض تزلقت من تحت الأقدام بعواصف التغيير، لغة التوق إلى الطمأنينة التي يمنحها الأصل الثابت في زمن يحاول اقتلاع كل ما هو ثابت من جذوره.

والغريب، الغريب حقًا، أن عبد الوهاب الأسواني لم يكن يومًا من الأيام "نجمًا" بالمعنى التجاري المتداول في أوساطنا الثقافية المألوفة. لم تملأ صورته الصفحات الأولى للصحف، ولم تعلُ صيحته في المعارك الأدبية الصاخبة التي تشبه معارك الاستعراض أكثر مما تشبه معارك الفكر، ولم يلهث وراء الأضواء أو يبحث عن أضواء جديدة. كان يشبه، إلى حد بعيد، تلك الأشجار المعمرة العملاقة التي تظلل قرى الصعيد ونجوعه؛ جذورها مغروسة في أعماق الأرض، وظلها وارف ممدود، ووجودها بديهي لدرجة أنك لا تدرك قيمتها الحقيقية ولا تعرف عمقها إلا حين تقلع فجأة، فتنكشف المساحة الشاسعة التي كانت تشغلها، وتظهر الشمس الحارقة التي كانت تردها عنك. وهذا بالضبط ما حدث. رحل الجسد الفاني، ولكن بقيت المساحة الشاغرة التي كان يشغلها، ذلك الفراغ الشاهق الذي يحكي بحضوره الغائب عن حجم الرجل الحقيقي، عن حجم ما كان يملأه من فراغنا.

لنبدأ من نقطة أولى، تمس شرائح عريضة من أبناء أمتنا ممن اختاروا، أو اضطروا، لسلوك طريق مختلف للتعلم. فقد توقف التعليم الرسمي للأسواني عند شهادة الثانوية العامة. كم هو مألوف هذا النموذج في مجتمعاتنا العربية التي كثيرًا ما تحكم على الإنسان من خلال حدود شهادته، فتختزله فيها! لكن ما هو غير مألوف إطلاقًا، بل هو استثنائي ونادر، هو ما فعله الرجل بعد ذلك. ففي مدينة الإسكندرية، بين رفوف المكتبات العتيقة التي تفوح برائحة الورق القديم، وفي مجالس المثقفين والأدباء التي كانت ندواتها جامعة شعبية حقيقية، شرع هذا الشاب في صناعة تعليمه بيديه. كان يبني، بوعي وصبر، معمار معرفته لبنة لبنة، بلا مهندس رسمي يرسم له المخطط، وبلا منهج معتمد يحدد له المسار، وبلا شهادة في النهاية تعلن عن تخرجه. إن نظرة متأملة إلى هذا المسار الفردي في عصرنا الحالي، حيث نقدس الشهادات ونتناسى جوهر العلم، تكتشف أن نموذج عبد الوهاب الأسواني يمثل ثورة صامتة على تلك المقولات الجاهزة. إنها ثورة تذكرنا، في صبر وأناة، بأن العقل الجائع للعلم أقوى وأبقى أثرًا من المنهج الممتلئ بالحفظ والتلقين، وأن شغف القلب بالمعرفة يتجاوز كل الأطر المؤسسية الجامدة، ويهدم كل الأسوار التي تبنى حول المعرفة لتكون حكرًا على فئة دون أخرى. أليس محيرًا حقًا أن نظامنا التعليمي ينتج ملايين الخريجين سنويًا، بينما يندر أن تجد بينهم من يلتهم المعرفة بنهم الأسواني وعشقه الأولي لها؟ ربما يكمن الجواب في أننا علمنا الأجيال كيف يجتازون الامتحانات، وكيف يحصدون الدرجات، ولكننا للأسف، لم نعلمهم كيف يحبون المعرفة لذاتها، وكيف يجعلون منها رفيق عمر ودرب، نورًا للعقل وغذاء للروح.

وما أدهشني حقًا في قصة روايته الشهيرة "سلمى الأسوانية" ليس النجاح الأدبي الذي حققته وحسب، إنما التوقيت التاريخي والنفسي الدقيق الذي صدرت فيه. ففي اللحظة التي كان العالم كله ينظر فيها إلى أسوان النوبية - أسوان الضحايا والضياع والغرق تحت مياه بحيرة ناصر بسبب بناء السد العالي - جاء عبد الوهاب الأسواني ليكشف للمصريين وللعالم عن أسوان أخرى، مختلفة وغنية ومدهشة. أسوان القبائل العربية والعائلة الأنصارية، أسوان التاريخ المختلف والمتعدد والغني الذي طمس وتوارى تحت وطأة الرواية الأحادية، رواية الضحايا وحدهم. هذا الفعل، في صميمه، هو سياسة بالمعنى الأعمق والأشمل للكلمة؛ إنه رفض جذري للصورة النمطية الأحادية، وإعلان صريح بأن الأرض أكبر وأعقد من أن تختزل في رواية واحدة، مهما بلغت قوتها وجمالها. وكما قال الناقد سعد القليعي، فإن الأسواني "اكتشف أسوانًا للمصريين أنفسهم". كم هذه العبارة مؤلمة ومفرحة في آن واحد! مؤلمة لأننا في الواقع نحتاج لمن يكتشف لنا أجزاء من وطننا قد غيبها التناول السطحي أو الإهمال المتعمد، ومفرحة لأن هناك، على الدوام، من يملك الجرأة الفكرية والأمانة التاريخية لفعل ذلك، من يملك الشجاعة ليقلب الطاولة على الرواية الرسمية، ويكشف عن الثراء المختبئ تحت السطح.

وفلسفته في الإبداع، التي لخصها في عبارته الشهيرة "عِش سنةً علشان تكتب شهرًا"، تحمل في طياتها نظرية كاملة في الإبداع والحياة. إنها تضع العملية الإبداعية في مكانها الحقيقي، فهي نتيجة طبيعية حتمية لتجربة إنسانية غنية، عميقة، ممتدة. الفرق هنا جوهري وخطير. فمعظمنا اليوم، في زمن التسليع السريع والنجومية الفورية، يريد أن يكتب ليقال إنه كاتب، بينما كان الأسواني يكتب لأنه عاش حياة تستحق أن تروى. لنتخيله كأنثروبولوجي متمرس، ينزل إلى مجتمعه لا بوصفه مراقبًا خارجيًا منعزلاً في برج عاجي، بل كجزء حيوي منه، كخلية في هذا الجسد الاجتماعي الكبير. يمتص التفاصيل الصغيرة، يتنفس الصراعات الخفية، يعيش التناقضات اليومية بكل جوارحه وقلبه، ثم بعد ذلك كله، بعد أن يمتلئ حتى الحافة بالتجربة، يجلس ليكتب. فالفرق بين هذا النموذج، نموذج الكاتب الذي هو جزء من المادة التي يكتب عنها، وبين الكاتب الذي يجمع "مادة خام" لرواية من هنا وهناك، هو فرق السماء عن الأرض. الأول يكتب من داخل التجربة الإنسانية، من القلب النابض بالحياة، والثاني يكتب عن التجربة من خارجه، كطائر يحلق في السماء وينظر إلى الأرض من بعيد.

وهنا بالضبط تكمن إحدى الإشكاليات الكبرى للإبداع المعاصر. اليوم، بينما تهيمن وسائل التواصل الاجتماعي وتتسارع وتيرة الحياة إلى درجة الجنون، صار المحتوى هو الملك. المطلوب أن نكتب بسرعة، أن ننتج بغزارة، أن ننشر بأسرع ما نستطيع، نطلب التفاعل الفوري، الإعجاب اللحظي، النجومية العابرة. لكن الأسواني يذكرنا، كنداء يأتينا من زمن آخر أكثر هدوءًا وعمقًا، بأن الفن الحقيقي، كالكائن الحي، يحتاج إلى فترة حضانة طويلة، يحتاج إلى أن ينضج ببطء، كالجنين في رحم أمه، لا يمكن استعجال نضجه دون أن يخسر العمل روحه وعمقه وإنسانيته، دون أن يتحول إلى قشرة جوفاء، جميلة المظهر، خاوية الجوهر.

وإذا انتقلنا إلى نظرته للتاريخ، فإنه يمكن تلخيصها في عبارة واحدة: "التاريخ يجري في العروق". ففي روايته الخالدة "كرم العنب"، التاريخ ليس مجرد أحداث كبرى وأسماء عظيمة تحفظ في الكتب وتدرس في الجامعات. التاريخ عند الأسواني كائن حي ينمو ويعيش ويتطور ويؤثر في حياة الناس البسطاء، وقرارات بعيدة تتخذ في قصور الحكم تتحول في نهايتها إلى مصائر شخصية مؤلمة أو مفرحة لأهل النجوع البعيدين. هذه هي القوة الحقيقية الساحرة لأدبه؛ قدرته الفذة على جعل التاريخ تجربة إنسانية حية نعيشها نحن اليوم، نلمسها بأيدينا، نشم رائحتها. هو يعلمنا، من خلال شخصياته الواقعية التي تشبهنا ونشبهها، أن الماضي ليس وراءنا، إنه حاضر يعيش فينا؛ في عاداتنا، في طباعنا، في صراعاتنا الداخلية، وحتى في أحلامنا وأمنياتنا وخيباتنا. التاريخ عنده نبض متدفق يتواصل عبر الأجيال، يحمل معه الحكايات والدماء والذكريات والدمع والفرح، وليس مادة جامدة محنطة في الكتب المدرسية الجافة التي تفرغ الحدث من إنسانيته.

وهنا، عند مسألة الهوية، يصبح عبد الوهاب الأسواني أكثر من كونه كاتبًا بارعًا؛ فهو يتحول إلى نموذج حي، إلى حالة دراسة لإشكالية كبرى تعيشها أمتنا كلها. فهو العربي الأنصاري، وهو المصري، وهو ابن الحضارات المتعددة في الجنوب. كيف جمع كل هذه الهويات في نفسٍ واحدة دون أن تنفجر تناقضًا؟ الإجابة بسيطة ومعقدة في آن واحد، لأنه لم ير تناقضًا حيث رأى الآخرون تناقضًا، لم ير تعارضًا حيث اعتقد الكثيرون أن هناك تعارضًا. كانت الهوية عنده إثراء واتساعًا، لا سجنًا وانحصارًا. فانتماؤه القبلي المتجذر لم يمنعه من الانتماء المصري الأوسع، وانتماؤه المصري الثابت لم يلغ انتماءه الإنساني الشامل لكل بني آدم، مهما اختلفت ألوانهم وأديانهم ولغاتهم.

اليوم، تحاول تيارات شتى، بوعي أو بغير وعي، اختزال الهوية في بعد واحد ضيق؛ سياسي أو ديني أو عرقي. فيأتي الأسواني ليقول لنا، من خلال حياته قبل أدبه، إن الهوية الحقيقية هي تلك التي تتسع لتضم ولا تفرق، التي تثرى بالتنوع ولا تضيق بالاختلاف. هو الذي قال – في جرأة المثقف الواثق من فكره – إنه يتعاطف مع أبناء الديانات "التي يسمونها وثنية". ولننتبه جيدًا إلى دلالة العبارة: "التي يسمونها". فهناك اعتراف ضمني عميق بأن هذه التسميات مجرد اصطلاحات بشرية قابلة للجدل والنقاش، وأن الجوهر الإنساني المشترك، جوهر البحث عن المقدس وعن معنى للوجود، يتجاوز هذه الاصطلاحات والحدود الضيقة. في زمن يموت فيه الناس وتزهق الأرواح كل يوم بسبب اختلافات في الدين أو المذهب أو العرق، يقدم الأسواني نموذجًا فريدًا للتسامح الذي لا يقوم على الضعف أو المسايرة أو المجاملة، إنما على القوة المعرفية والوجدانية المتجذرة، على يقين أن التنوع هو سنة الحياة، وأن محاولة توحيد البشر على نسق واحد هي محاولة ضد الطبيعة، محكوم عليها بالفشل.

ولعل موقفه الشهير، الصارم، من تحويل روايته "كرم العنب" إلى عمل تلفزيوني، يظل درسًا أخلاقيًا وفنيًا نادرًا في زمننا الذي تطغى فيه القيم المادية والمصلحية. كم منا كان سيفعل مثله؟ في وقت باتت فيه الفرص قليلة على الكتاب، وحيث يتشبث المبدعون بأي فرصة للظهور والانتشار والشهرة التي قد تأتي بالمال أيضًا، يأتي هذا الرجل فيرفض فرصة ذهبية، لأن مبدأه الأخلاقي والفني يقول له: روح المكان لا ينقلها إلا ابن المكان. هذا الموقف، الذي قد يراه البعض غريبًا أو متطرفًا أو حتى غير عملي، يحمل في طياته فلسفةً كاملة عن العلاقة بين الفنان وعمله؛ إنه رفض صارخ، علني، لفكرة أن العمل الفني سلعة قابلة للتداول والتشويه بأي ثمن. فهناك كرامة للعمل الإبداعي، وكرامة للجذور التي استقى منها، وكرامة للحقيقة التاريخية والاجتماعية التي يحاول الفن نقلها. إنه يشبه الأب الحريص الذي يرفض أن يسافر بابنه إلى مكان لا يفهم لغته ولا ثقافته، خشية أن يضيع الولد في غربة التشويه والابتذال، وأن يفقد روحه التي تربى عليها. هنا، في هذا الموقف بالذات، تلتقي الأخلاق بالجماليات لتشكلا نظرية إبداعية متكاملة، لا انفصال فيها بين القيمة الفنية العالية والقيمة الأخلاقية السامية. إنه إعلان أن الجمال الحقيقي لا يمكن أن ينفصل عن الحق وعن الخير.

واستمرارًا للمسيرة، فإن كتاب "عبد الوهاب الأسواني ..حكاء الجنوب" للروائي المبدع خالد إسماعيل - وهو النص الذي دارت حوله هذه الأمسية النادرة - هو في ذاته استمرار حي، وتطبيق عملي، لفلسفة الأسواني نفسه في الوفاء والعمق والالتزام. فالوفاء هنا منهج ورؤية فلسفية عميقة. فكيف تكتب عن رجل عاش حياته كلها ملتزمًا بمبادئه، صارمًا في أخلاقياته الفنية؟ لا يمكنك ببساطة، إلا أن تلتزم أنت أيضًا بمبادئ صارمة في الكتابة عنه. هذا ما نفتقده اليوم، وبمرارة، في ثقافتنا العربية: الاستمرارية الحقيقية، التوارث الحقيقي للمعرفة والمنهج والأخلاق. فنحن نستهلك الشخصيات ثم ننساها بسرعة، نمر على التجارب مرور الكرام كالسائح العابر الذي يلتقط الصور ثم يمضي. لكن كتابًا كهذا يأتي ليقطع هذه الدورة القاتلة، ليؤسس لعلاقة مختلفة بين الأجيال؛ علاقة ليست قرابة دم فحسب، بل قرابة روح وفكر ومنهج في رؤية العالم وفي التعامل معه. إنه جسر من الضمير الحي، يصل الماضي بالحاضر، ليسكن الحاضر في المستقبل.

وفي النهاية، تتلخص فلسفة عبد الوهاب الأسواني الإبداعية والوجودية في تلك العبارة الذهبية التي صارت دستورًا لمن يريد أن يكتب بحق: "عِش سنة علشان تكتب شهرًا". إنها دعوة صريحة، واضحة، صادمة في بساطتها، إلى العيش العميق الحقيقي، إلى الوجود الواعي في العالم، إلى التجريب والاحتكاك بالحياة بكل ما فيها من حلو ومر، من بهجة وألم، قبل أن نحاول روايتها أو تقليدها أو حتى فهمها.

بالأمس احتشدت الأمسية الثقافية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب بأنفاس المحبين والمشتاقين لتذكره، كان كل حاضِر، بوعيه أو بلا وعي، يبحث عن شيءٍ ما مفقود: عن جذور في عالم بلا جذور، عن عمق في عالم سطحي يلهث على السطح، عن صدق في عالم من التمثيليات والأقنعة والادعاءات. عبد الوهاب الأسواني رحل بجسده الفاني، لكن صخر الذاكرة الذي نحته بأنامله الماهرة، بصبر النحاتين العظام، يظل قائمًا شاهدًا على زمن آخر، وعلى إمكانية أخرى للإنسان وللفن. والأهم من ذلك، أن أدوات النحت التي استخدمها - الصبر، العمق، الاحترام للتفاصيل الصغيرة، الحب الشغوف للإنسان في وضعه العادي البسيط – تظل متاحة ومعروضة لكل من يريد أن يستخدمها، لكل من يريد أن ينحت ذكراه هو في صخر الزمن.

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة الأن هو: هل لا نزال نعرف كيف ننحت في الصخر؟ أم أننا، في غمرة السرعة والسهولة والاستهلاك، صرنا نفضل الصور الفوتوغرافية السريعة العابرة على المنحوتات البطيئة الخالدة؟ الإجابة، كما كان يقول الأسواني نفسه، لا توجد حبيسة في صفحات الكتب وحدها، لأنها تكمن، في المقام الأول والأخير، في كيف نعيش حياتنا، في كيف نصنع من أيامنا العادية ذاكرةً تستحق البقاء، في كيف نتحول، نحن أيضًا، إلى صناع للذاكرة.

***

عبد السلام فاروق

هي أفكار تناولها مختصون في الفكر الإسلامي ومقارنة الأديان وقد اتسع الجدل حولها كلما ظهر في الساحة الفكرية والدينية مصطلح جديد، لإثارة إشكاليات والرد على أسئلة الساعة كالفرق بين الدين والمشروع الفكري، من أجل تقديم رؤية مشتركة وإدخال عليها أفكارا جديدة مثل توحيد الأديان وجمعها في دين واحد، وذلك تفي إطار حوار الأديان، والثقافات وهي مفاهيم تم توظيفها لخدمة مشروع أكثر خطورة على البشرية وبخاصة العالم الإسلامي، المشروع يتعلق الديانة الإبراهيمية حيث برز كـ: أرضية للنقاش باستخدام معايير وقيم كالتسامح والتعايش والسلام، وقد استغل أصحاب هذا المشروع مستوى المسلمين الثقافي المتدني لترسيخ في اذهانهم فكرة أن الدين عبارة عن تراث أخلاقي الهدف منه ضرب عقيدة التوحيد، وقد أشار إلى ذلك رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الدكتور عبد الكريم قابة في افتتاحه ندوة علمية نظمها مركز الشهاب للبحوث والدراسات سطيف (الجزائر) حول الديانة الإبراهيمية، لاسيما وهذا المشروع الغاية منه إفراغ الإسلام من مرجعيته .

 فما يشكل خطرا على الإسلام كدين سماوي هي المفاهيم والمصطلحات وكيف يتم توظيفها من خلال نظرية الخداع في التاريخ ومن هي السماء البارزة التي اعتمدت على هذه النظرية بدءًا من نابليون ولورانس العرب ثم ماسينيون، يقول الدكتور رزاق لحسن أن الديانة الإبراهيمية مشروع جدليٌّ يسعى أصحابه إلى التلبيس والتدليس وهي رؤية نقدية قدمها هذا الباحث يدعو فيها إلى الحفر في الأساسيات لمعرفتها أكثر، فالمشروع من وجهة نظره قديم، وقد عُرف باسم "الميثاق الإبراهيمي سنة 1811، وهو اليوم يظهر بثوب جديد وبصيغ جديدة تحت "اتفاقيات أبراهام" وهي مجموعة من معاهدات السلام والتطبيع الدبلوماسي وقعت عام 2020 برعاية أمريكية بين إسرائيل وعدة دول عربية (الإمارات، البحرين، السودان، المغرب) وهو مشروع سياسي محظ استعمل ضمن مسارات فكرية تعبوية من خلال آليات اشتغال مؤسساتية مثل (بيت العائلة الإبراهيمية ومركز الدين من أجل السلام وغيرها).

 والحديث عن الديانة الإبراهيمية التي تدعو إلى التسامح والسلام والتعايش بين الشعوب بطرح سؤالا جوهريا لمعرفة كيف يكون التسامح مثلا مع إسرائيل التي تمارس كل اشكال القمع ضد الشعب الفلسطيني وبالأخص سكان غزة منذ طوفان الأقصى، يربط الدكتور رزاق لحسن الديانة الإبراهيمية بفكر مالك بن نبي حين عالج قضية الصراع الفكري في البلاد المستعمرة، بأن ظهور هذه الديانة من صنع الاستعمار وقد مكنها من التسرب - كنا قال هو- إلى الشقوق عن طريق التخليق والاصطناع والتأويل والتطبيع ووصلت إلى حد التمييع وقد انخدع الشباب العربي المسلم بهذه المفاهيم والمصطلحات، فقد فيها بوصلته ووجد نفسه يمشي في دهاليز مظلمة، هكذا انتقلت الديانة الإبراهيمية المعاصرة من توصيف ديني إلى أداة لإدارة الصراع، وهي الورقة التي قدمها الدكتور عبد الحكيم فرحات، في رأيه هو، فإن الموضوع متداول بكثرة في مجال مقارنة الأديان، وهذا التداول أخرجه من إطاره الديني إلى صراع سياسي، بدليل أن المشروع زج به في الشرق الأوسط، وهذا ما يؤكد أن الدعوة وظيفية تخدم قضية سياسية ولا علاقة لها بحوار الأديان وهي تعتبر ضلالة القرن كما يقال، لأنها استخدمت فيها مصطلحات مخدوع فيها بل مغشوشة إن صح القول تم تمييعها من أجل تحقيق أهداف، من بينها العبث بالمرجعية الدينية

ما علاقة الظاهرة الشحرورية بالأديان الإبراهيمية؟

سؤال يطرح بحدة لفهم ورقة الدكتور علي حليتيم طبيب مختص في الأمراض العقلية، ومؤسس ومدير مركز الشهاب للبحوث والدراسات، سطيف شرق الجزائر وهو تابع لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، يقدم الدكتور علي حليتيم الديانة الإبراهيمية في وجهها الآخر وكيف تم تسويقها وتوظيفها بالطرق الناعمة كما وصفها هو، فقد طرحت في بادئ الأمر على أساس انها دين، لكنها تغيرت وتطورت، الغريب أن هذا الباحث يربط الديانة الإبراهيمية بالظاهرة الشحرورية، فهو يقول إن غفلة المسلمين ستحولهم في يوم ما إلى أقلية وتصبح الشحرورية هي الغالبة، خاصة وأن هذه الأخيرة تحولت إلى حقل دراسات مستقلة بنفسها، والسردية التي تطرح الآن يريدون أن ينقلوا المسار من القابلية إلى الإيمان بها، مشيرا إلى الدور الذي تقوم به الدبلوماسية الروحية في العالم الإسلامي في إبراز ظاهر ما كالتصوف وكيف تحول الشيخ العلوي الصوفي إلى شخصية عالمية فيس مؤتمر وهران (غرب الجزائر حضرته 27 دولة، كانت ورقة الدكتور علي حليتيم عبارة عن رسالة تحذير من الهجمات والسرديات لمحاصرة الإسلام، وهذه الهجمات تطرح من جانبين : سياسي من أجل تقبل إسرائيل كدولة على أرض فلسطين وثقافي عن طريق سرديات السلام، شريطة أن تكون هذه السرديات متوافقة مع القانون الدولي، قبل أن تتحول إلى عقيدة ( الولاء والبراء) والسلام.

الملاحظ أن الدكتور علي حليتيم ربط الديانة الإبراهيمية بالظاهرية الشحرورية نسبة إلى المفكر التنويري محمد شحرور الذي دعا إلى إجراء قراءة عصرية للنص الديني ( القرآن)، وقد تحول محمد شحرور إلى ظاهرة فكرية، ووصفه البعض بأنه أخطر عقلية في العالم الإسلامي، وهو لا يختلف عن محمد أركون الذي يوجه له الدكتور علي حليتيم انتقادات كثيرة، تبقى قضية المصطلحات أشار هؤلاء الباحثين أن البعض وظفها في غير مكانها وفي غير مدلولها الحقيقي، كمصطلح الإرهاب منثلما حدث في الجزائر في فترة التسعينيات، ونبه الباحثون من خطر "المقاصدية" في جانبها السلبي، أي الاعتماد على مقاصد الشريعة الإسلامية فقد تضر بالإسلام مثلها مثل الشحرورية، ومثل هذه الدعوات يريد أصحابها صناعة فكر إسلامي جديد لا يحتكم إلى الشريعة، خلاصة القول وما تم الإجماع عليه هو أن الديانة الإبراهيمية هي في صلب الصهيونية واليهودية وروح الصهيونية هي روح أبراهام، تبقى مشكلة المسلمين عي كيف يفهمون الصهيونية، لأن الغرب يفكر بعقل يهودي، التوصيات التي أفرزتها هذه الندوة هي تأسيس مخبر ودراسي خاص لفهم الخطاب الصهيوني، وعقد ندوات لتجديد المفاهيم مع التركيز على ضبط المصطلحات نشير هنا أن ندوة الشهاب حول الديانة الإبراهيمية تعد الندوة الثانية التي تسلط الضوء على مثل هذه الظواهر الفكرية والدينية.

***

علجية عيش

الحرية، والفردية، والتاريخ

كتب: كريستوفر لينكيوتش

ترجمة: علي حمدان

***

التغلب على الذات

بالنسبة لنيتشه، لا ينبغي أن يكون هدف التفلسف تحقيق حلم مجرد (كحلم يجد ذروته في انتصار حكومة ما). ينصب تركيز نيتشه بالدرجة الأولى على الفرد، ومن الأهداف التي يوصي بها لقرائه عملية التغلب على الذات. وقد خصص نيتشه جزءًا من كتابه "هكذا تكلم زرادشت" للتغلب على الذات. وفي كتابه "ما وراء الخير والشر"، يتجلى أحد أهداف فلسفته في القدرة على التساؤل عن دوافع المرء وإعادة النظر في القيم وخلقها. هذه مهام تعبر عن إرادة القوة وتحفز عملية التغلب على الذات. يُعد التغلب على الذات فضيلة للمبدعين والمفكرين؛ فهو يدفعهم لمواجهة أنفسهم واستجواب تحيزاتهم وعيوبهم وأفكارهم المسبقة ونقاط ضعفهم الشخصية. إنها فضيلة للفنانين والكتاب والمفكرين، بل وأيضًا، نظريًا، لكل من يسعى إلى تطوير ذاته على أكمل وجه.

تأثير نيتشه على الوجودية

كان لنيتشه تأثيرٌ بالغٌ على الوجودية، ولا سيما على الثلاثي الفلسفي والأدبي: سارتر، وبوفوار، وكامو. طرح هؤلاء المؤلفون، الذين كتبوا في أوائل ومنتصف القرن العشرين، آراءً مثيرةً للجدل تتناول الشواغل والاعتبارات السياسية المعاصرة، ولكن ليس دائمًا بطرقٍ متوافقةٍ فيما بينها. في نهاية المطاف، لم تتناول هذه المجموعة القيم "الديمقراطية" بشكلٍ مباشرٍ وصريح، ولكن من الواضح أيضًا أن هذه القيم ظلت محل اهتمامهم، حتى مع تطويرهم لوجهات نظرٍ مستقلةٍ ظلت مع ذلك قريبةً في جوهرها من قيمٍ كالحرية والمساواة.

كان الخلاف الذي ساد بين سارتر وكامو، منذ تلك اللحظة وحتى نهاية مسيرتهما الأدبية، يدور في معظمه حول علاقتهما بالشيوعية. فكامو، الذي كان عضوًا في الحزب الشيوعي الفرنسي (PCF) عام 1935، قطع صلاته بالشيوعية عام 1937. وخلال الحرب العالمية الثانية، انضم كامو إلى المقاومة الفرنسية وساهم في صحيفة "كومبا" السرية. وكان كامو، بشكل عام، مدافعًا قويًا عن حقوق الإنسان، حيث نشر، على سبيل المثال، مقال "تأملات في المقصلة"، الذي كتبه معارضًا لعقوبة الإعدام. أما سارتر، على النقيض من كامو، فقد ظل متعاطفًا مع الشيوعية طوال حياته، على ما يبدو رغم اعتراضات كامو الأخلاقية على استعداد الشيوعيين لاستخدام العنف والفساد لتحقيق أهدافهم. وفي عام 1960، نشر سارتر كتابه "نقد العقل الجدلي"، الذي سعى فيه إلى توحيد الشيوعية مع فلسفته الوجودية، التي استمرت في التطور باتجاه الماركسية. في عام ١٩٥٢، نشب خلاف شهير بين سارتر وكامو، تمحور في معظمه حول شكوك كامو وانتقاداته الأخلاقية للشيوعية، بينما استمر سارتر في اعتبارها خيارًا قابلاً للتطبيق. لم يتصالح الرجلان قط بسبب خلافاتهما الأيديولوجية، وانقطعت صداقتهما نهائيًا.

تأثير نيتشه على ما بعد البنيوية

تُعدّ ما بعد البنيوية حركة فلسفية وأدبية متنوعة سعت إلى تطوير وتحسين الأدوات السوسيولوجية واللغوية للبنيوية - التي يُمكن القول إنها أقرب إلى البنيوية من حيث النطاق، ولكنها أكثر رصانةً، وأكثر نفعية. فبينما سعت البنيوية إلى وضع قواعد وأساليب محددة للتعامل مع البنى اللغوية والاجتماعية - من خلال تطوير نظريات تقنية للغاية حول تطور اللغة وقواعدها - انطلق فلاسفة ما بعد البنيوية من بدايات البنيوية اللغوية والاجتماعية، وربطوا هذه المجالات بمجالات أكثر تجريدًا وتنوعًا مفاهيميًا كعلم المعرفة والأخلاق والميتافيزيقا، وسعوا إلى ربط الممارسة المعاصرة في هذه المجالات "البنيوية" المتخصصة - اللغويات وعلم الاجتماع - بتاريخ الفلسفة وممارستها بشكل عام. في حين سعت البنيوية إلى حقائق واضحة وجلية وشاملة، سعت ما بعد البنيوية إلى الفروق الدقيقة والأسئلة الجديدة، محاولة ربط الاهتمامات المتخصصة للبنيوية على نطاق أوسع بالتاريخ الواسع للفلسفة - والذي يمكن للبنيوية بالتالي أن تحاول فيه تحديد موقعها بشكل أكبر.

تتراوح اهتمامات جيل دولوز (1925-1995) بين الميتافيزيقا والأخلاق ونظرية المعرفة وغيرها، وتمثل نطاقًا واسعًا من المواضيع، مع محاولته الحفاظ على صلة معينة بالهموم المعاصرة في الفلسفة - كظلال هايدغر، والسياق التاريخي لما بعد الحرب العالمية الثانية، والقضايا المتعلقة بما يُسمى مشروع "ما بعد البنيوية"، فضلًا عن زمنية فلسفة القرن العشرين وعلاقتها بتاريخ الفلسفة برمته. لا تستلزم محاولات دولوز العامة لتصنيف مواضيعه بالضرورة منهجية نيتشوية صريحة، لكن تأثيره واضح، إذ يُغطي دولوز، على سبيل المثال، في أهم أعماله "الاختلاف والتكرار"، طيفًا واسعًا من المواضيع الفلسفية، جامعًا إياها في عملٍ كثيفٍ ومعقدٍ حول موضوعين يبدوان رياضيين ظاهريًا هما "الاختلاف في ذاته" و"التكرار لذاته".

من جهة أخرى، يسعى ميشيل فوكو (1926-1984)، متأثراً بهيغل ونيتشه، إلى فهم قضايا تتعلق في جوهرها بنظرية المعرفة وبنى السلطة - بالمعنى المجرد والعام، النفسي والاجتماعي.. ويشمل عمله جوانب تاريخية ونفسية واجتماعية ولغوية هامة، فضلاً عن كونه، بشكل أوسع، إنتاجاً فلسفياً بامتياز.

الخلاصة

يبدو أن أعمال نيتشه تشترك في هدف واحد، ألا وهو مساعدة الفرد - أياً كان - في سعيه نحو معرفة الذات، وامتلاكها، وتجاوزها - باختصار، إرادة القوة. تمثل السياسة مسعىً أكثر ابتذالاً، مهما بدت نبيلة أحياناً من خلال أهدافها، فيما يتعلق بمصير البشرية. بالنسبة لنيتشه، من المرجح أن غزو الإمبراطوريات ليس قيمة، إذ أنه مهتم بشكل أساسي بتنمية إرادة القوة لدى الهويات الفردية. يمكن القول إن هذا لا ينفي بالضرورة إمكانية تعايش الديمقراطية مع العمل الفردي، والتنمية، والنزاهة. ولأن نيتشه يرتبط شعبياً بتطور الفاشية، فمن المهم الإشارة إلى أن العديد من انتقاداته لسطحية غرائز القطيع، كما تتجلى في الديمقراطية، تنطبق أيضاً على الفاشية. إنه يهاجم معاداة السامية بشكل متكرر في أعماله، وربما ينبغي أن يُعفى من بعض اللوم الذي يتعرض له عادةً بسبب الحرب العالمية الثانية والمحرقة، سواء كان يُعتقد أنه قلل من شأن تطور الفاشية في القرن العشرين أم لا.

***

......................

* نشر في مجلة الفلسفة اليوم

المصادر:

- Camus, Albert, 2004. The Plague, The Fall, Exile and the Kingdom, and Selected Essays. Translated by Stuart Gilbert, Justin O’Brien, Hamish Hamilton. New York, Alfred A. Knopf.

- Foucault, Michel, 1969. The Archaeology of Knowledge. Translated by Alan Sheridan. New York: Vintage Books.

- Hegel, Georg Wilhelm Friedrich, 1807. Phenomenology of Spirit. Translated by A. V. Miller. Oxford: Oxford University Press.

- Marx, Karl, 1867–1894. Capital, Volume 1. Translated by Ben Fowkes. New York: Penguin Books.

- Marx, Karl, 1875. Critique of the Gotha Program. Peking: Foreign Languages Press, 1972.

- Nietzsche, Friedrich, 1886. Beyond Good and Evil. Translated by Walter Kaufmann. New York: Vintage Books.

دفء الحضور في زمن الشاشات

في زمن تتكاثر فيه الشاشات وتتناقص فيه الوجوه، صار التواصل وفيرا والمعنى نادرا. لم يعد الانسان بعيدا عن الاخر، لكنه صار ابعد عن حضوره، ابعد عن صوته الحقيقي، وعن تلك الرجفة الخفية التي لا تنقلها الاسلاك ولا تحفظها الذاكرة الرقمية.

نحن نعيش عصر السرعة، حيث تختصر العلاقات في اشارات، ويستبدل اللقاء الحي بنسخ افتراضية بلا نبض.

وسط هذا الضجيج التقني، يطرح سؤال بسيط في شكله، عميق في جوهره: ماذا يبقي من الانسان حين يغيب الانسان؟

 وهل تستطيع التكنولوجيا، مهما بلغت دقتها، ان تعوض تلك اللحظة الوجودية التي يلتقي فيها وجه بوجه، وصوت بصوت، ووعي بوعي؟

مهما بلغت التكنولوجيا ذروة تطورها، ستبقى عاجزة عن ملامسة ذلك السر الخفي الذي يولد حين يلتقي الانسان بالانسان، فالشاشات تنقل الصورة، لكنها لا تنقل الارتجافة الاولى للصوت، ولا ذلك الصمت المشترك الذي يقول ما تعجز عنه الكلمات، التكنولوجيا تجيد الحساب، لكنها لا تفهم الرجفة، ولا تحفظ حرارة النظرة حين تتلاقى العيون بلا وسيط.

في لقاء الانسان بالانسان يحدث ما لا يبرمج، يتشكل المعنى في المسافة القصيرة بين كفين، في نبرة صوت مترددة، في ابتسامة عابرة تحمل تاريخا كاملا من التجربة والالم والامل، هناك، في الحضور الحي، تستعيد الفكرة روحها، ويتحول الحوار من تبادل معلومات الى مشاركة وجود.

الفلسفة ولدت في الساحات، لا في الحواسيب والهواتف.  في الجدل الحي، لا في الرسائل المؤجلة، لان الحقيقة لا تقال فقط، بل تعاش، ولا تفهم الا حين تمر عبر الجسد والوجدان معا، وكل تواصل لا يمر عبر هذه الكثافة الانسانية يظل ناقصا، مهما بدا متقنا.

التكنولوجيا اداة عظيمة، لكنها تظل وسيطا، والوسيط لا يصنع دفئا ولا يهب معنى، اما لقاء الانسان بالانسان، فهو لحظة كشف، واعتراف ضمني باننا لا نكتمل الا بحضور الاخر.

لذلك، سيظل لقاء الانسان بالانسان فعل مقاومة صامتة في عالم يتسارع نحو البرودة، مقاومة للاختزال، وللوحدة المقنعة بالاتصال، وللوهم القائل ان التقنية يمكن ان تحل محل الروح، فحين نجلس وجها لوجه، بلا شاشات ولا فلاتر، نستعيد حقيقتنا الاولى، كائنات خلقت للحوار، لا للارسال، للفهم، لا للتحميل، هناك فقط، في هذا الحضور العاري من الوسائط، يولد المعنى كاملا، ويستعيد الانسان صوته، ودفئه، وحقه في ان يكون اكثر من مجرد اشارة رقمية

هذا النص محاولة للانحياز الى الحضور، الى اللقاء بوصفه فعلا انسانيا مقاوما، والى الحوار باعتباره تجربة وجود لا مجرد تبادل معلومات. محاولة لاستعادة الانسان من بين الاسلاك، واعادة المعنى الى مكانه الاول، حيث يولد حيا، هشا، ودافئا.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

تجدر الإشارة ابتداء إلى أن مقصدنا من هذه الحلقات لا يتمثّل في اتخاذ موقف رافض على نحوٍ مطلق للعالم الرقمي أو للشبكة العنكبوتية والخوارزميات التي تحكم آليات عملها، بل ينصرف إلى تقديم نقد بنّاء لطبيعة تعاملنا معها، وإلى مساءلة أنماط استفادتنا منها في سياق مواكبة العصر بما يحمله من تحوّلات متسارعة وتحديات متجددة. فالغرض الأساس هو بيان الكيفية التي يمكن من خلالها توظيف هذه الوفرة المعرفية الهائلة توظيفًا واعيًا، دون الوقوع في براثنها أو الانسياق غير النقدي خلف تدفقاتها، بما يضمن أن تظل هذه الأدوات خاضعة لما تشكّل عليه وعينا وقيمنا واختياراتنا، لا أن تتحوّل هي إلى قوة مهيمنة تُعيد تشكيل وعينا، أو تفرض علينا أنماطًا من التفكير والسلوك لم نخترها بإرادتنا ولم نقرّها بوعينا.

وإذا ما انتقلنا إلى الكلام عن الإنسان المعاصر وأزمة التركيز؛ نجد أن التشتت الذهني في زمننا لم يعد ظاهرة هامشية أو عرضًا نفسيًا فرديًا، بل صار سمة بنيوية للإنسان المعاصر، ونتاجًا مباشرًا لتحولات عميقة في طريقة إنتاج المعرفة وتداولها. ففي عصر ثروة المعلومات، لم يُصب الإنسان بعجز عن الوصول إلى المعلومة، بل أُصيب بعجز أخطر وهو العجز عن الثبات معها. حيث تتدفق الأفكار، والآراء، والتأويلات، والشبهات، في نسق متسارع، حتى تحوّل العقل الإنساني إلى مساحة عبور مؤقت لا إلى حقل استقرار معرفي. ومن ثم يتشكّل نموذج الإنسان المشتت، الذي لا يعاني من فقر في المحتوى، بل من وفرة تُنتج فقدان القدرة على التركيز، أكثر مما تُنتج الفهم.

هذا التشتت لم ينشأ صدفة، بل تقف خلفه منظومة خوارزمية دقيقة تعمل وفق نسقية محددة، هدفها الأول ليس بناء الوعي، بل تعظيم التفاعل. فالخوارزميات لا تميز بين الحق والباطل، ولا بين العميق والسطحي، وإنما تُفضّل ما يُثير، وما يُستفز، وما يُغذّي الانفعال السريع. وفي هذا المناخ، يُكافأ المجدفون والمجترئون، ويُقصى المتأملون، ويُدفع العقل الجمعي إلى الاستجابة لا إلى التفكّر. ومع هذا التكرار، تتآكل قدرة الإنسان على الثبات الذهني. إذ تشير دراسات في علم النفس المعرفي إلى أن التعرّض المتواصل لمحتوى متشظٍ يؤدي إلى ما يُعرف بـ التقطيع المعرفي (Cognitive Fragmentation)، حيث تُفصل الأفكار عن سياقاتها، وتُجتزأ القضايا الكبرى إلى مقاطع قصيرة، خالية من العمق.

وتشير دراسة لجامعة ستانفورد (2018) إلى أن متوسط مدة التركيز المتواصل لدى مستخدمي المنصات الرقمية انخفض بنسبة تقارب 40% خلال العقد الأخير، الأمر الذي ينعكس مباشرة على القدرة على التحليل وبناء المواقف. هذا التقطيع لا يصنع إنسانًا جاهلًا بالمعنى التقليدي، بل يصنع إنسانًا واثقًا بغير علم، ممتلئًا بانطباعات لا بمعرفة، وهو ما يفتح الباب أمام فوضى التأويل. فالمجتزئون لا يرون الصورة الكلية، والمتأولون يحمّلون النصوص ما لا تحتمل، والمشككون يتغذّون على هذا الاضطراب المعرفي ليبثوا زيغًا يبدو في ظاهره عقلانيًا، بينما هو في جوهره نتاج عقل لم يعد قادرًا على التثبّت.

ومن منظور علم الأعصاب، فإن هذا النمط من الاستهلاك المعرفي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بنظام المكافأة العصبي. إذ تؤكد أبحاث عالم الأعصاب الأمريكي آدم غازالي أن التنقل السريع بين المحتويات الرقمية يرفع من اعتماد الدماغ على الدوبامين، ما يجعل الإثارة السريعة أكثر جاذبية من التفكير العميق. ومع الوقت، يصبح العقل نافرا من التركيز، مستثقِلًا للقراءة المتأنية، ميّالًا إلى القفز المستمر، فيتحول التشتت من حالة مكتسبة إلى نمط ذهني مستقر.

وإذا ما نظرنا إلى وعي الجيل الحالي في هذا السياق، نجده وعيًا هشًا، سهل الاختراق، تقوده الخوارزميات، وتشكّله غرابيل المنصات لا ميزان العقل. فشبيبة اليوم، وهم في مرحلة التشكّل الفكري، يتعرضون لسيل من الخطابات المتناقضة، من قبل المتأسلمين المجترئين، إلى المجدفين المتشككين، مرورًا بنهج المتفقهين بلا منهج، ما يقود في كثير من الأحيان إلى زيغ يبدو في مظهره تحررًا، لكنه في حقيقته فقدان للحقيقة.

ويتجلّى هذا الاضطراب بوضوح في المجال الديني والفكري خاصة. فالتدين في ظل العقل المشتت يتحول إلى تدين مجتزأ، يُنتقى فيه من النصوص ما يخدم الانفعال اللحظي، ويُترك ما يتطلب صبرًا وفهمًا وسياقًا. وفي المقابل، يظهر الإلحاد عند كثيرين لا بوصفه نتيجة رحلة فلسفية عميقة، بل كحصيلة تراكم شبهات قصيرة، متكررة، غير مفحوصة، يتداولها المشككون والمتأولون في دوائر مغلقة نتاج خوارزمي سريع الانتشار.

وحريّ بنا أن ننتبه إلى أن أخطر ما في الإنسان المشتت ليس جهله، بل وهم معرفته. فالجاهل يدرك نقصه، أما الإنسان المشتت فيظن أنه وصل، لأنه استهلك كمًا هائلًا من المحتوى. هذا الوهم يجعله أكثر قابلية للتلاعب، وأكثر عرضة للانخراط في تطرف فكري أو أخلاقي، سواء في صورة تشدد أعمى أو انفلات قيمي كامل. وتشير تقارير صادرة عن الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) إلى أن ارتفاع معدلات القلق، والاكتئاب، وفقدان المعنى بين الشباب يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالاستهلاك الرقمي المكثف، لا سيما المحتوى المتقطع السريع. فالمعنى يحتاج إلى استمرارية، وإلى بناء داخلي متراكم، وهو ما يعجز عنه عقل لا يستطيع الثبات على فكرة واحدة.

وفي المحصلة، لا يمكن فهم ظاهرة الإنسان المشتت بمعزل عن النظام الرقمي الذي ينتجها. فاقتصاد الانتباه لا ينتفع بعقل متماسك، بل بعقل سريع الانفعال، متقلب الاهتمامات، يسهل توجيهه. ولذلك فإن معركة الإنسان المعاصر ليست مع نقص المعلومات، بل مع فائضها غير المنضبط، وليست مع الجهل، بل مع التشتت.

وإذا ما أراد الإنسان المعاصر أن يستعيد ذاته من حالة التشتّت المعلوماتي التي تحيط به، فإنّ البداية لا تكون بكثرة الاطلاع، بقدر ما تكون بإعادة الاعتبار لقيمٍ كادت تُهمَّش، مثل البطء الواعي، والتفكير العميق، والالتزام بالمنهج؛ بوصفها أفعالًا معرفية مقاومة في زمنٍ يكافئ السطحية ويحتفي بالعابر.

ففي زمنٍ تتدفّق فيه المعلومات بلا توقف، لا يعود الامتحان الحقيقي في كمّ ما نعرفه، بقدر ما يكون في قدرتنا على التمييز بين ما يستحق أن نقف عنده وما يجب أن نتجاوزه، وعلى امتلاك شجاعة التمهّل أمام الحقيقة بدل الاكتفاء بالمرور السريع فوقها.

***

بقلم: د. بدر الفيومي

 

اخيرا تحول الذكاء الارضوي الجسدي الى القمه الاصطناعية، تلك محطه لم تعرفها الانتقالة الاولى الالية المصنعية، ف"الذكاء الاصطناعي" هو منتوج التكنولوجيا الانتاجية الموافقة للمحطة التحولية الاليه الثانيه التكنولوجية، على انقاض المصنعية الاقرب الى اليدوية، وكما العادة فان العقل الذي مايزال هو السائد والفاعل، تداعي فعليا امام الظاهرة الجديده وصارت هي الموضه الغالبه، بالاخص بناء على اثر الحدث الاخير على الشؤون المعاشية بمختلف وجوهها، ومنها وفي مقدمتها بالطبع الناحية الانتاجية ومعها الهيمنيه السلطوية، بالذات من الزاوية الانتاجية الاقتصادية، حيث الاثر الذي يقع من جانب التطور الجديد على التصرف الاستغلالي العام الراسمالي والامبريالي كما صار يلاحظ، بالاخص من قبل المهتمين من اليساريين، وكاننا صرنا على مشارف انقلابية "طبقية" تستوجب ردا ونوع مواجهة غير تلك التي ظلت سائدة ابان الالية المصنعية، وماقد تسببت به من احتدام تصارعي ناجم عن نوع العملية الانتاجية المستجده على اثر اليدوية مباشرة.

والحاصل بلا ادنى شك هو محطة ولحظة مفصلية، بالاخص اذا اعدنا ترتيب السردية الالية وفصلنا المصنعية منها عما قد حصل بعدها ومع انتهاء دورها الافتتاحي، واكملنا المروية لمابعد، اي الاعتقاد بفرضية انتهاء الطور التكنولوجي الراهن هو نفسه، لابقائه النهائي كما كان يظن بالنسبه للمحطة المصنعية المنقضثة اوربيا، والامر يقتضي لهذه الجهه انقلابا في المنظور المعتمد للتحولية الالية التكنولوجية، مقصدها وماسيترتب عليها، وهو مالانجد له افصاحا بحسب المنظور الحداثوي العصري المرافق للالية المصنعية النهوضيه مقارنه بما قبل وماسبقها، وماكان ابان الطور السابق اليدوي من اشكال ممارسه وتنظيم من دون اي افق نوعي مختلف، او هو من عالم اخرواجب التنويه مايزال قيد الظهور بنتيجة تفاعلات واصطراعية الالة / المجتمع.

وكما العادة منذ انبثاق الاله الى اليوم، فان المواكبه العقلية المعرفيه تبقى دون المطلوب وخارج الحقيقة الحاصلة مجتمعيا، وفي حين يتعاظم الميل "الالي" للفعل التغييري النوعي في المجتمعية وتركيبها، يستمر النظر للظاهرة المستجده كما كان الامر عليه ايام الالة المصنعية خارج موضوع البحث، مصرا على اعتماد معطيات منتهية ولم تعد قائمه، من نوع النظر للمجتمعية على انها ذاتها تلك اليدوية الطبقية، وغيرها من انماط المجتمعات الارضوية المرتهنه لغلبة الانتاجية اليدوية، من دون التوقف عند اثار ومعنى الانقلاب الالي الحاصل واثره على البنيه المجتمعية القائمه، وتحويرها النوعي الحتمي، من مجتمعية يدوية الى اخرى خاضعه اليوم لفعالية الاله، العنصر الجديد المباين اثرا والمخالف لليدوي المنتهي الصلاحية، وها نحن نصادف اليوم وبعد ماحصل من توهمات رافقت الفترة الاليه الاولى المصنعية، حين جرى التركيز على ماكان اكتشف في حينه من "اصطراع طبقي" غير مكشوف عنه النقاب حتى القرن التاسع عشر، من دون الاشارة الى كون الظاهرة مدار البحث/ الطبقية/ هي ظاهرة "يدوية"، عائدة الى طور مجتمع منتهي الصلاحية، فلا استمرار لمايعرف بالطبقات وصراعها مع ظهور الالة ومجتمعيتها الحالية الموكولة لاعادة الصياغه البنوية بحكم ظهور التبدل النوعي لاشتراطات التشكل البنيوي.

وفي الوقت الذي صار بحكم الانقلاب التحولي المجتمعي الواقع حتما مع الالة، من اللازم على العقل التركيز على "الاصطراع النوعي المجتمعي" كما ممثل ب( لاارضوية / ارضوية)، ذهبت حالة التوهمية الانيه الاوربية الى اعتماد "الصراع الطبقي" وسيلة لتفسيرظاهرة المجتمعات وقوانين حركتها ومالاتها كما فعل ماركس، باذلا لاسباب تخص تكوينه كارضوي، مجهودا استثنائيا لاجل قول ماقد انتهى زمنه، على انه الحاضر والمستقبل. الامر الذي تظهر اثاره اليوم بقوة اكثر مما كان عليه الحال وقت الاحتدامية الاخيرة للاصطراعية الاوربية الطبقية، المرافقه للفترة المصنعية التي اوحت بقوة احتدامها لماركس مااوحته، بينما الديناميات المستحدثة مع الاله تنتقل وقتها الى المجتمعية المولودة خارج رحم التاريخ المجتمعي، بلا طبقات، ولا معطيات تراكمية خاصة بالطور اليدوي وتفاعليته، الى حيث "الكيانيه الفكرة" الامريكيه التي ضاعف وجودها مفعول القصورية العقلية الغالبه وقتها، بان اسبغ عليها صفات موروثة ليست منها، ولاعلاقه تكوينيه بنيوية تربطها بما قبلها، بالاخص الاوربي الذي انبثقت الالة بين تضاعيفه، حيث اعلى الديناميات المجتمعية الناجمه عن الازدواج الاصطراعي الطبقي التكويني.

وهانحن اليوم ومع اللحظة الاعلى في الحضور الالي المجتمعي النوعي المستجد، مع ظاهرة " الذكاء الاصطناعي" المتعاظمة الحضور، نعود الى سماع ذات النغمة المنقضية الفعالية بعد فترة من الحضور غير العادي، فاذا بمن يعتبرون مما يعرف ب"اليسار" يجدون انفسهم معنيين بالحضور والتعرض للحدث الحاصل، مذكرين ايانا بتحفيزيه الالة الاولى المصنعية، علما بان ماقد اعتقده ماركس لم يعرف حضورا فعليا في اوربا الغربيه، بل عرف لاسباب آليه انتقالية محورة، تجربة توهمية في شرق اوربا وروسيا بالمقدمه، انتهت بعد اقل من قرن من الزمن مخلفة متبقيات آليه راسمالية، لتنطفيء كليا في اوربا وفي العالم، سوى كحدث من بين احداث التحولية الالية الاوربية وتلوناتها بحسب تنوع البنى المجتمعية ومساراتها المنقضية، والخارجه من جوهر اتحورات العملية الالية التكنولوجية، وما قد ظل يرافقها قصورا مع افتراض استمرار نموذجية المجتمعية الارضوية اليدوية وبقايا تفكراتها القصورية الوهميه.

ولم بعد ثمة من شك بان سيرورة الطور الالي مرهونه وخاضعه فعليا لنمطية المجتمعية بلا تاريح يدوي، ولا بنيه من نوع تلك التي تمثلها اوربا، وفيما عدا الابتداء الانبثاقي الالي المصنعي، فان اوربا ليست هي الموضع الذي اليه يعود استمرا ر وتطور الالة، وبالاخص انتقالها الاهم من المصنعية الى التكنولوجية الانتاجية الراهنه المعولمه، وهنا بالذات وفقط تصير الاله كطور تاريخي مجتمعي، منفصلة عن اليدوية المجتمعية بكل صنوفها، فكأن المجتمعات تبدا "ولادة نوعية جديده"، وهو ما يواكب تفكرا وسلوكا مجمل المسار الامريكي، الظاهرة التي تقف باعتبارها التحدي الاكبر امام العقل البشري والاوربي الحداثوي منه، ومايعرف من علومه المدعاة، وبالاخص منها "اخر العلوم"، دالة على عجزه وقصوره المتمثل في العزوف الكلي عن اي محاولة اعادة نظر وتفكير في النمطية المجتمعية المولودة في القارة الجديده ضمن عصر الاله، على انقاض وجثة ستين مليون كائن بشري، باسم رسالية توهميه، وعودة الى الاصول الابراهيمه القادرة حتى على استعمال السلاح النووي بدون حاجه فعليه احترابيه، وصولا الى بدء الخطوة الاولى من محاولة الهرب من الارث البشري المجتمعي مع " الذكاء الاصطناعي" مافوق المجتمعي.

***

عبد الأمير الركابي

دراسة سوسيو- نفسية (للأقليات) في المجتمع السوري

مقدمة البحث: يُعرِّف علم النفس الاجتماعي (Psychosocial) الشخصية الأقلوية لا بصفتها عدداً حسابياً صغيراً، بل بصفتها بنية سيكولوجية تتشكل تحت ضغط الشعور بالتهديد، يحكمها الخوف من الذوبان أو الاضطهاد، وتتسم بنرجسية دفاعية تهدف إلى حماية خصوصيتها الرمزية والمادية أمام ضغط المجموع الأكبر، والحاجة المستمرة للدفاع عن الهوية في مواجهة (الأكثرية)"

تُعد إشكالية "الشخصية (الأقلوية)" من أكثر القضايا تعقيداً في علم الاجتماع السياسي، خاصة في السياق السوري الذي يشهد تداخلاً حاداً بين الهويات الدينية والإثنية والسياسية. ينطلق هذا البحث من فرضية مركزية مفادها أن العداء الكامن لدى بعض "الجماعات ا(الأقلوية)" تجاه الأكثرية ليس انعكاساً مباشراً للظلم المادي فحسب، بل هو نتاج بنيةٍ سيميائيةٍ معقدة تتجلى في "عقلية الحصار" وتُترجم إلى استجابات دفاعية نفسية واجتماعية. يهدف البحث إلى تحليل جذور هذه الديناميكيات، وتفكيك آليات التعويض النفسي والاجتماعي، واستكشاف الأبعاد السيميولوجية التي تشكل وعي (الأقلية) بذاتها وبالآخر ضمن المجتمع التعددي السوري.

الإطار المفاهيمي وضبط المصطلحات

لضمان الدقة الأكاديمية والتحليل الموضوعي، يعتمد البحث مجموعة من المصطلحات المركزية:

 - عقلية الحصار (Siege Mentality): حالة ذهنية جماعية يشعر فيها أفراد (الأقلية) أنهم محاطون ببيئةٍ خارجيةٍ معادية، أو تحمل نيّاتٍ عدوانيةً، ما يدفعهم إلى الاستنفار الدائم وتفعيل آليات الدفاع النفسي والاجتماعي على مستوى الجماعة [1].

 - النرجسية الجماعية (Collective Narcissism): آلية دفاعية نفسية تتجلّى في المبالغة بتقدير عظمة الجماعة، وإضفاء قيمةٍ مفرطةٍ على خصوصيتها، كتعويضٍ عن الهامشية السياسية أو الاجتماعية، والحاجة المستمرة للاعتراف الخارجي [2].

 - الإغلاق الاجتماعي (Social Closure): استراتيجيةٌ واعية أو غير واعية، تلجأ إليها الجماعات المهدَّدة لترسيم حدودها الثقافية والاجتماعية، ومنع الذوبان في المحيط الأكبر؛ وغالباً ما يتمّ ذلك عبر توظيف المقدَّس أو اللغة (أو اللهجة المحلّيّة) كحواجز رمزيةٍ [3].

أنثروبولوجيا البقاء والمقدّس الطائفي

في المجتمعات التعددية، لا سيّما في الحالة السورية، تظهر العزلة الطائفية كآلية بقاءٍ قصوى تفرضها التحديات البنيوية والتاريخية. تتجلى هذه الديناميكية في بعدين رئيسيين:

 - تسييس المقدس: يتحوّل الحفاظ على الجماعة (الدينية، أو الطائفية) إلى فعلٍ تعبّدي، حيث يغدو الدفاع عن الكيان الاجتماعي بمثابة دفاعٍ عن "الحقيقة المطلقة" التي تحتكرها الجماعة، مما يبرّر العداء الرمزيَّ للأكثرية التي تُتَصوَّر سيميائياً كتهديدٍ للمقدّس. يندمج البقاء المادي بالجذور الدينية أو الطقسية، فتُشَرْعَن العزلة وتُضفَى القداسةُ على حدود الجماعة [4].

 - ديناميكية التعويض الوظيفي: تلجأ الأقليات، تاريخياً، إلى التميّز النوعيّ في قطاعاتٍ محدّدةٍ كالتجارة، السلك العسكري، أو المهن العلمية، لخلق حالة من "التبعية العكسية"؛ بحيث تعتمد الأكثرية على خبرات (الأقلية)، فيتحوّل "الضعف العدديّ" إلى "قوةٍ وظيفيةٍ" تفرض نفسها على بنية المجتمع [5].

التحليل السيميولوجي والسيكولوجي للعلامة ا(الأقلوية)

تُقارب هذه الدراسة "الفرد االأقلوي" كـ "مستقبلٍ للعلامات"، إذ أن القراءة السيميائية للواقع تكشف عن صراعٍ رمزيٍّ عميق:

 - تشفير العلامات: يرى الفرد ا(الأقلويّ) رموز الدولة (كالعلم الوطني، اللغة الرسمية، العمارة العامة) كأدوات هيمنةٍ وإقصاءٍ سيميائي، لا كرموزٍ جامعة. يؤدّي ذلك إلى حالةٍ من الاغتراب السيميائي، حيث يُعادُ تفسيرُ الواقع بوصفه شبكةٌ من "علامات الهيمنة" [6].

 - اللغة واللهجة: تتحوّل اللغة الأم أو اللهجة الخاصة إلى "قلعةٍ لغوية" تحمي الهوية من الذوبان في الأكثرية، بينما يُضفى على المكان (القرية، الحي، المعبد) قداسةٌ سيميائيةٌ، تجعله نقيضاً لفضاء الأكثرية.

التحليل السيكولوجي: يعاني الفرد (الأقلّوي) من "التهديد الرمزي"، حيث يشعر بالاغتراب النفسي عندما لا يجد قيمه ورموزه ممثلةً في الفضاء العام. تظهر الاستجابة الدفاعية في تقوية الروابط الداخلية مع الجماعة، (والجماعات الأقلوية الأخرى)، وتفسير تصرفات الأكثرية—حتى العادلة منها—كإشاراتٍ عدائيةٍ مبطنة.

 - التعويض النفسي (نظرية أدلر): يتم قلب "الدونية العددية" إلى "فوقية أخلاقية" أو معرفية، ما يفسّر الانجذاب أحياناً إلى سلطةٍ ديكتاتورية تضمن الحماية وتكسر "طغيان العدد" [5]. تتجلى ديناميكيات التعويض (الأقلوي) في مستويين مترابطين:

1.  التعويض التاريخي: عندما تُحرم (الأقلية) من السلطة السياسية على مدى زمني طويل، تلجأ إلى التفوق الوظيفي في مجالات التعليم العالي، التجارة، أو الفنون، لخلق علاقة "تبعية عكسية" تجعل استمرار الأكثرية مرهوناً بخبرات (الأقلية).

2.  التعويض السلطوي: يدعم بعض أفراد (الأقلية) الأنظمة السلطوية أو الديكتاتورية إذا ضمنت لهم موقعاً مميزاً في هرم السلطة، حيث يتم التعويض عن النقص العددي بـ"فائض القوة" الممنوح من النظام، ما يخلق وعياً زائفاً بالأمان الوجودي.

تحولات الذات الأقلوية بين المركزية السلطوية وانكسار السيادة

تتوزع ديناميكيات (الأقلوي) في ظل "سلطة الطائفة" على مرحلتين متعاقبتين:

1. المرحلة الأولى: (الشخصية الحصينة)

 - تحوّل السلطة إلى "كيان وجودي": عند "الشخصيات الأقلوية" لا يعود النظام مجرد جهاز إداري، بل يصبح "الرحم" الذي يحمي الأقلية. هنا، يصبح نقد السلطة بالنسبة ل(الأقلوي) هو تهديدٌ مباشرٌ لحياته الشخصية.

 - النرجسية الدفاعية (Defensive Narcissism): تبدأ الشخصية بادّعاء تفوق "نوعي" (نحن الأكثر علمانية، نحن حماة الدولة، نحن الأكثر كفاءة). هذا الادعاء يهدف لشرعنة حكم الأقلية للأكثرية وتسكين الشعور بـ "عدم الشرعية العددية".

 - تضخيم "فوبيا الآخر": يتم شحن الشخصية بصور نمطية عن الأكثرية (أنهم إرهابيون، حاقدون، انتقاميون). هذا الخوف هو "اللاصق السيكولوجي" الذي يربط (الأقلوي) بالنظام، حتى لو كان معارضاً لممارساته؛ فهو يرى في النظام "شراً لا بد منه" للحماية من "شرٍّ مطلق" (الأكثرية).

2. المرحلة الثانية: بعد انهيار السلطة: صدمة الاقتلاع والقلق الوجودي

 - قلق الانتقام (Retaliation Anxiety): تسيطر على الشخصية حالة من الرعب الجماعي. بما أنه تماهى مع السلطة سابقاً، فإنه يفترض أن الأكثرية ستعامله كـ "جزء من آلة القمع"، فيسقط في فخ "التعميم المتبادل".

 - الحداد الهوياتي: يشعر بفقدان "الأنا المتضخمة" التي كانت تمنحها له السلطة. فجأةً، يعود ليصبح "عدداً صغيراً" في مجتمعٍ كبير، مما يولّد شعوراً بالانكسار والدونية المفاجئة.

تنقسم الشخصية هنا إلى مسارين: الانكفاء التام: العودة للعزلة المكانية أو الطائفية الصلبة (عقلية الحصار المتجددة). والتحول البراغماتي: محاولة الاندماج السريع عبر تبني لغة الأكثرية الجديدة (التظاهر بالتماهي) كآلية بقاء، لكنها تظل مغلَّفةً بحذرٍ شديد.

بالمحصلة: إن الشخصية (الأقلوية) التي ارتبطت بالسلطة تعيش مأزقاً سيميائياً؛ فهي قد فقدت "الدرع المادي" (السلطة) ولم تكتسب بعد "الأمان الرمزي" في ظل الأكثرية. ولإخراج هذه الشخصية من دوامة الخوف، يحتاج المجتمع إلى "تفكيك الارتباط بين الجريمة والطائفة". إذا لم يشعر (الأقلوي) أن القانون سيحمي "براءته الفردية" بعيداً عن "مسؤولية طائفته الجماعية"، فإنه سيظل حبيس "عقلية الحصار"، وهو ما يهدّد السلم الأهلي على المدى الطويل.

سيكولوجية الأقلوي النخبوي (المعارض الأبدي):

لماذا يتمايز المعارض (النخبوي) عن المعارضة الشعبية (الأكثرية) أثناء النضال الثوري لتغيير السلطة؟ ولماذا تعادي المعارضة النخبوية الأكثرية بعد نجاح ثورتها؟

سيكولوجية الانفصال النخبوي عن الحاضنة الشعبية: يشعر المعارض النخبوي أنه متميز بمعرفته وأدواته التحليلية، ويضع شروطاً ثقافية للنضال، ويرفض الذوبان في الحشود. يعاني من "النرجسية القيادية" ويتوقع أن الأكثرية ستنصّبه قائداً بمجرد سقوط المستبد، ويصاب بخيبة أمل إذا لم يحدث ذلك.

النخبوي يقدّس "فردانيته" وتميزه الشخصي؛ والنضال مع الأكثرية يتطلب "ذوبان الذات" في الكتلة، وهو ما يرفضه النخبوي سيكولوجياً لأنه يخشى فقدان بريقه الخاص. فينسحب من المسارات الميدانية إذا أصبحت شعبيةً أكثر من اللازم، ويبحث عن مساراتٍ نخبوية تعمّق الفجوة بين "المثقف" و"الشارع".

بعد نجاح الثورة، قد يشيطن السلطة الجديدة إذا لم تأتِ به كحاكمٍ مطلق، وقد يجد نفسه يفضّل "ديكتاتوراً مثقفاً" (يشبهه في اللغة والنمط) على "ديمقراطي شعبي" (يشبه الأكثرية في القيم والتدين)، وهذا هو قمّة الانفصال السيكولوجي عن أهداف الثورة الأصلية.

يعدّ التمايز بين "المعارض النخبوي" (الذي ينتمي لأقلية ثقافية عابرة للطوائف والأعراق) و"المعارضة الشعبية" (الأكثرية) من أعقد معضلات الثورات. هذا الشرخ ليس سياسياً فحسب، بل هو شرخ سيكولوجي وأنثروبولوجي عميق يتعلق بكيفية تعريف "الوطن" و"العدالة".

أولاً: التمايز أثناء النضال الثوري - صراع "الخلاص" و"التغيير":

1.  اختلاف الدوافع (القيم مقابل الحاجات):

المعارض النخبوي: يناضل من أجل مفاهيم تجريدية (دولة القانون، العلمانية، الحريات الفردية، التعددية). هو يرى الثورة أداةً لتحديث المجتمع قسراً. بينما المعارضة الشعبية (الأكثرية): تناضل من أجل الكرامة، العدالة الاجتماعية، وإزالة القهر. الثورة بالنسبة للأكثرية هي فعل "تحرر" لاستعادة سيادة الهوية المغيبة.

2.  اختلاف أدوات المقاومة: المعارض النخبوي يميل إلى "النضال الرمزي" (البيانات، الصالونات السياسية، الضغط الدولي). بينما الأكثرية تميل إلى "النضال الميداني" (التظاهر، العصيان، المواجهة المباشرة). هذا الاختلاف يجعل النخبوي يخشى من "راديكالية" الشارع التي قد تخرج عن سيطرته الفكرية.

ثانياً: عداء ما بعد انتصار الثورة (صدمة الديمقراطية):

بمجرّد سقوط النظام القديم، يكتشف المعارض النخبوي أن "حليف الأمس" (الأكثرية) أصبح هو "الخطر اليوم".

أسباب هذا العداء:

 - متلازمة "الوصاية الثقافية": يعتقد المعارض النخبوي أنه "المصمّم" الحقيقي للثورة. عندما تستخدم الأكثرية حقها وتختار قياداتٍ أو رموزاً لا تشبه النخبة (محافظة أو دينية)، يشعر النخبوي بـ "الغبن التاريخي". هو لا يقبل أن يكون صوته مساوياً لصوت "العامي".

 - الخوف من "تغوّل الهوية": يرى المعارض النخبوي أن استبداد النظام البائد كان "عقلانياً" أو "متوقعاً"، بينما يخشى مما يسمّيه "استبداد الغالبية" الذي قد يهمّش نمط حياته. هو يتوجّس من أنّ الأكثرية ستحوّل الدولة إلى نسخةٍ من هويتها الخاصة، مما قد يهمّش نمط حياته "المغاير".

 - الارتقاء الطبقي والرمزي: يخشى النخبوي أنّ العدالة الاجتماعية التي تطالب بها الأكثرية (وينظّر هو لها) ستمسّ بمكانته الاجتماعية أو الاقتصادية، ويفضّل "ديمقراطية شكلية" تحافظ على امتيازاته، ويرفض "الديمقراطية الجوهرية" التي تعيد توزيع القوة، والهيمنة الثقافية.

ثالثاً: سيكولوجية "اليتم المزدوج":

الأقلّي النخبوي يجد نفسه في حالة يتم سيكولوجي فريدة: هو مغتربٌ عن السلطة القديمة (لأنه ناهض استبدادها). وهو خائفٌ من السلطة الجديدة (لأنه لا يثق في ثقافة الأكثرية).

هذا "الارتياب الوجودي" يدفع النخبة أحياناً للتحالف (سرّاً أو علناً) مع بقايا النظام القديم (الدولة العميقة) لعرقلة السلطة الجديدة، تحت ذريعة "حماية مدنية الدولة" أو "منع الفوضى"

سيكولوجية "الأكثرية المقهورة"، ووعي المظلومية:

عندما تتعرض الأكثرية لاضطهاد من سلطة تُحسب (رمزياً أو فعلياً) على أقليات، يتولّد لديها وعيٌ جمعيٌّ يرى أن "الوضع الطبيعي" (سيادة الأكثرية) قد سُلب منها غصباً. في الحالة السورية، ومنذ ما ينوف عن نصف قرن، اختبرت الأكثرية التهميش السياسي الممنهج، ما خلق لديها سيكولوجيةً فريدةً سندعوها ب "الأكثرية ذات الجرح الوجودي".

المركزية الجريحة:

تشعر الأكثرية أن هويتها، التي من المفترض أن تكون المتّصل الوطني، قد اغتُصبت، وتمّ استبدالها بهوياتٍ فئوية، فتلجأ إلى سلوكيات وردّات فعل سيكولوجية، لا تساعد على بناء السلم الأهلي الذي تدعو إليه:

التعميم السيكولوجي: قد تميل الأكثرية، في لحظات الغضب، إلى تحميل الأقليات، ككتلةٍ واحدة، مسؤولية أفعال السلطة، وترى في استعانة السلطة بالأقليات نوعاً من التحالف ضد المجتمع.

وهم السيادة المهددة: تميل الأكثرية الخارجة من الاضطهاد إلى تبنّي خطاب "الدولة للأكثرية"، أو "من يحرّر يقرّر" كنوعٍ من جبر الضرر التاريخي الذي لحق بها.

سيكولوجية "الخوف المعاكس" في ظل الانتقال: هنا نصل إلى لبّ المشكلة: لماذا تخاف الأكثرية من مطالب (الأقلية) حتى بعد التغيير؟

الخوف من استمرار "الاستثناء": تخشى الأكثرية أن تؤدي حقوق الأقليات إلى "تفتيت" الدولة أو إبقاء الأقليات في مراكز قوةٍ غير متناسبةٍ مع حجمها العددي، كما كان يحدث في عهد السلطة (الأقلوية).

تفسير المطالب كـ "امتيازات": سيكولوجيّاً، أي مطلب ذي خصوصيةٍ هوياتيةٍ للأقلية قد يُفهم من قبل الأكثرية الجريحة كطلب لـ "امتياز جديد" وليس كحقٍّ طبيعي.

هندسة الخطاب وآليات السلطة في إزالة مخاوف الأقليات:

لإزالة المخاوف والهواجس المتبادلة، بين أكثرية جريحة، انتصرت ثورتها حديثاً، وأقليات تنتابها مخاوف من الأكثرية، يحتاج الخطاب إلى آليات محددة:

 - خطاب المواطنة السيادية: التأكيد أن الدولة ملكٌ للجميع بالحقّ القانوني، وليس بمنحةٍ من أحد، ما يطمئن الأكثرية بأن سيادتها الوطنية مضمونةٌ، ويطمئن الأقلية بأنّ وجودها ليس منوطاً برضا السلطة.

 - فصل السلطة عن الجماعة: ضرورة وجود خطابٍ إعلاميٍّ وتربويٍّ يفصل بين "أفعال النظام البائد" و"الجماعات (الأقلوية)" كمكوناتٍ اجتماعية.

 - الضمانات القانونية التبادلية: التأكيد على أنّ حماية حقوق الأقلية هي الضمانة الوحيدة لعدم عودة الاستبداد مرةً أخرى، لأن التغوّل على أي فئةٍ هو تمهيدٌ للتغوّل على الجميع.

الخلاصة والتوصيات

مما سبق توصلنا إلى أن المجتمع السوري يعاني من قلق على المستوى الاجتماعي، ناجمٍ عن عدم توازن نفسي؛ فالأكثرية، المنتصرة بعد صراعٍ مرير، وتضحياتٍ جمّة، في مراحل مختلفة من نصف القرن الأخير، تسلّمت السلطة بالشرعية القانونية للمنتصر، وجدت نفسها تحمل جراحاً نفسية، ليس من السهل تجاوزها، يزيدها إيلاماً تبجّح بعض الأقلويين الذين فقدوا سلطةً كانت تحقق لهم امتيازات لا يمكن لهم تحقيقها بمقياس الكفاءة الذاتية، وأقلية نخبوية، سجينة أقفاص أيديولوجية، أو نرجسيات مريضة، ترى أن سلطة الأكثرية رجعية، وغير شرعية، وأنهم، كمناضلين مثقفين، أولى بقيادة المجتمع، نحو الحداثة والتطور. ولتطمين أفراد المجتمع، بأقلياته وأكثريته، ولأم الجراح، لا بدّ من بعض الإجراءات الضرورية:

1.  المسار القانوني: تفعيل هيئة العد الة الانتقالية بأسرع وقت، لتشعر الأكثرية الجريحة ببعض العزاء عن تضحياتها، ولتطمين الأشخاص من الأقليات غير المتورطين بالجرائم، بأن العقوبة تلحق المجرم فقط، بغض النظر عن طائفته أو إثنيته.

ودسترة التنوع السيميائي والاعتراف بالحقوق الثقافية والرمزية للأقليات، وتحويلها إلى قوانين تحمي ممارسة الهوية في الفضاء العام، ما ينهي "عقلية الحصار" ويستبدلها بشعور "المواطنة المحمية".

2.  المسار الفلسفي الوجودي: إعادة تعريف الهوية الوطنية كهوية مركبة تسمح بالسيولة الهوياتية، وتعزيز الحوار الذي يرى في "الآخر" شريكاً في الوجود، مما يقلل من ديناميكية التعويض الاستعلائية.

3.  المسار التربوي: إعادة صياغة الذاكرة الجمعية الوطنية في المناهج الدراسية لتشمل رموز الجميع، وبناء جيل يمتلك مناعة سيميائية ضد التعصب ويرى في تنوع الرموز إثراء لهويته الشخصية.

4.  التعليم التعددي: إدماج السير الذاتية والتاريخ الثقافي (للأقليات) في المناهج الوطنية لكسر "الغربة السيميائية" وتعزيز شعور الانتماء المشترك.

5.  اللامركزية الإدارية: تشجيع الإدارة المحلية وتمكين الأقليات (الإقليمية) من إدارة شؤونها الخاصة، مما يخفف من حدة العداء تجاه المركز ويدعم الاستقرار.

الخاتمة

تؤكد نتائج البحث أن "الشخصية (الأقلوية)" ليست قدراً بيولوجياً، بل هي استجابةٌ سيكولوجية وسوسيولوجية لبيئةٍ تفتقر للأمان الرمزي والمادي. إن محاولات صهر الأقليات القسري في بوتقة الأكثرية غالباً ما تؤدّي إلى تعميق "عقلية الحصار" وزيادة التوترات البنيوية، في حين أن الاعتراف بالخصوصية الثقافية و(الهوياتية) هو المسار الأكثر فاعليةً لبناء الثقة وتحقيق الاندماج الحقيقي.

يبقى الربط بين الجماعة والمقدّس الحصن الأخير ضد الذوبان، مما يتطلب معالجة حذرة تحترم هذا الربط ولا تصطدم معه مباشرةً. إنّ العدالة العددية وحدها لا تضمن إنهاء مخاوف الأقليات ما لم يرافقها اعتراف سيميائي عميق، وتوسيع مفهوم المواطنة ليشمل الجميع على قاعدة الحقوق المتساوية.

***

بقلم: منذر فالح الغزالي

فاحتبيرغ،23.01.2026

.......................

المراجع المعتمدة

1.  Bar-Tal, Daniel. Group Beliefs: A Ideology, Orientation, and Maintenance. Springer-Verlag, 1990. (الصفحات: 125-140) - حول مفهوم "عقلية الحصار".

2.  Golec de Zavala, Agnieszka. Collective Narcissism and Its Social Consequences. Journal of Personality and Social Psychology, 2009. (الصفحات: 1074–1091).

3.  Weber, Max. Economy and Society. University of California Press, 1978. (الصفحة: 342) - حول مفهوم "الإغلاق الاجتماعي".

4.  ليبهارت، أريند. الديمقراطية التوافقية في مجتمع متعدد. معهد الدراسات الاستراتيجية، 2006. (الصفحات: 45-60) - حول إدارة الانقسامات الطائفية.

5.  Adler, Alfred. Understanding Human Nature. Greenwich, CT: Fawcett, 1927. (الصفحات: 68-85) - حول ديناميكيات التعويض وعقدة النقص.

6.  بارت، رولان. سيميولوجيا الحياة اليومية. (ترجمة عربية)، دار نينوى. (الصفحات: 30-55) - حول كيفية قراءة الرموز كأدوات هيمنة.

 

في المثقف اليوم