قضايا

درج العراقيون أبناء وادي الرافدين في وسط وجنوب العراق على دمج أكثر من كلمة لسهولة النطق ولأن غاية اللغة في نهاية المطاف هي إيصال المعنى المطلوب بشكل مباشر.

إن هذه الوسيلة منتشرة بشكل كبير ومتعدد الأشكال في اللغة العراقية في حين إن هذا الأمر غير ممكن في العربية الفصحى إلا بحدود قليلة جدا وغير مرغوبة ومقحم أحيانا في حين أن التداول المحكي سلس وتلقائي ويأتي في السياق تماما.

سنحاول تقسيم الموضوع لعدة أجزاء حسب طبيعة الدمج وكالتالي:

1.دمج حروف الجر مع الاسم المجرور

أ. حرف الجر على

- دمج حرف الجر على وهذا الدمج انتقائي أي باختيار المتكلم فنقول

عالرف وعلى الرف

عالبال وعلى البال

عالماشي وعلى الماشي

- وهناك دمج خاص للحرف (على) مع الاسم الموصول الذي (على الذي) لتصبح الكلمة (علّي) كقولنا (العتب علّي خربط الشغلة).

- وهناك دمج خاص بالحرف (على) مع (من) (على من) لتصبح (عَلَمنْ) لتحور إلى عْليمَنْ وعَليمَنْ المستخدمة بكثرة في اللغة العراقية ويقول الشاعر ويغني المغني

عليمن يا ﮔلب تعتب عليمن

هويت وجربت وأمنت بيمن

- وهناك دمج خاص للحرف (على) مع (ما) (على ما) لتصبح الكلمة الجديدة (عَلْما) وهي زمنية قريبة من (لمّا) و(حتى) الفصيحتين كقولنا

انتظر علما أجي

علما اجيت لكيت كلشي خلصان

وهناك استعمال آخر مختلف ل (علما) في اللسان العراقي لتصبح أداة نفي كقولنا

يتعارك عاليسوه وعلما يسوه

- دمج حرف الجر (على) مع الأفعال والمعروف أن على لا تدخل مطلقا في الفصحى على فعل لأنها مختصة بالدخول على الأسماء لكننا نقول في بلساننا

الأمر ينطبق عاليدري والما يدري ونقول العتب عاليحرس البيت

- تدمج على مع الاسم (أبو) لتصبح (عَلَبو) ويتحول معناها بالكامل إلى (على أساس) أو (بحجة) مثل قولنا

ما قِبل أبويا نروح للسينما علبو الفلم مو لعمرنا

- يستخدم العراقيون (عَلَوّا) كثيرا بمعنى (يا ليت) ولابد أن أصلها هو دمج على مع كلمة أخرى جرى حذف جزء منها مع طول الاستعمال وأظن أنها كانت (على واهس) ونحتت مع الزمن إلى (علوّا)

- يستخدم العراقيون (علمود) بمعنى لأجل وأن أصلها هو دمج (على) مع كلمة مود الآرامية التي تعني شأن، كيف (1)

- يستخدم العراقيون عالبرّة وعالجوّة وكلاهما أي برّة وجوّة آراميتان للتعبير عن الاتجاه إلى الخارج أو إلى الداخل ومن الواضح أنهما دمج (على) مع الكلمتين فنقول كرّادة عالجوّة وكرّادة عالبرّة.

- ينتشر دمج (على) بالكلمات في اللغة العراقية عند تأليف الأبوذية

لأنها تعطي معنى مضافا يحتاجه الشاعر للوصول للمعاني الثلاثة

المطلوبة لكلمة واحدة والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها

علامك تحمس بروحي عليمر (على جمر)

أهيم وصار مشروبي علي مر (عليَّ مرّاً)

يوم إنساك مضعونك على مَر (مرَّ عليَّ)

غدت شمس الضحى ظلمة عليّه

ب. حرف الجر (من)

- تدمج (من) مع أين فنقول (منين)

- تدمج (من) مع ضمير الغائب (هو) لتصبح كلمة جديدة شهيرة بعد حذف الهاء هي (منو)

- تدمج هنا وهناك بحرف الجر من (من هنا ومن هناك) لتشكل الكلمتين العراقيتين (منّا ومنّاك) ولأننا نستخدم (هنانه) فقد جرى إلصاق (من (بها لتصبح (منّانه)

فنقول روح منا مو منّاك ونقول إجينه منّانه

ج. حرف الجر إلى: من الواضح أن حرف الجر (إلى) اختفى تماما من الإستخدام كحرف جر منفصل وجرى دمجه على النحو التالي:

- مع الضمائر المتصلة والمنفصلة فنقول الي وإله وإلك وإلكم وإلنا وإلهم وإلهن

- تلصق مع (مَن (لتكوّن (إلمن) لتحل محل (لمن) الفصيحة

د. حرف الجر(الباء): ينتشر دمج حرف الجر (الباء) مع ما بعده

- بهداي: أي بهدوء

- بالراض أو براضة محورة من بالرضا ومنها الأغنية الشهيرة بالراض امش بالراض ﮔتلك دريض والأغنية الأخرى براضة امشي براضه براضة امشي براضة

- بسكوت: أي بسكوت وهدوء

- بلابوش: محرفة عن بلا بوشي أي بلا ستر أو غطاء أو بمعنى بلا حياء من دمج حرف الباء مع لا مع بوش المحرفة عن بوشي.

- بلاهوش: أي بلا وعي أو إدراك والفعل من هاش يهوش

- بساع: أي بسرعة وهي دمج الباء مع ما هو مقتطع من كلمة ساعة.

- بطرﮒ: أي بدون أي شيء عدا شيء واحد مثل إجا بطرﮒ الدشداشة

وغير ذلك كثير

2.دمج ظروف الزمان والمكان

- جرى تحوير استعمال ظرف الزمان (كيف) ليستعمل كاسم يدل على الحالة فنقول

كيفك

شلون كيفك

شلون كيفكم

كما نربطه بحرف الجر الباء لنقول بكيفك وبكيفي وبكيفنا وبكيفهن أي كما تشاء وكذلك تضاف له (أل) التعريف فنقول بالكيف أي حسب الاختيار

- جرى في اللغة العراقية جمع ظرف المكان (بين) إلى (بينات) ونستخدمه في اللسان العراقي بالقول ﮔاعد بيناتنه أو خلّيها بيناتنه بدلا عن الفصيح بيني وبينك بيننا. ونقول بيناتهم وبيناتنا وبيناتهن.

- جرى دمج ظرفي المكان (جوّه) و(برّه) الآراميين مع حرف الجر (على) لتقرأ عالجوّه وعالبرّه.

- نضيف (لي) إلى ظروف المكان مثل (ﻟﻳﮕدام) و(ليوره) و(ليفوﮒ) و(ليجوه) والأصل لام حرف الجر

3. دمج الأفعال:

ينتشر دمج وإدخال أل التعريف على الأفعال بشكل متأصل في جسم اللغة مما يوضح مدى استقلالية اللغة العراقية عن العربية الفصحى واعتبار الاسم الجديد بمثابة اسم فاعل مثل اليدري واليعرف والينام وكأنك تقول الداري والعارف والنائم ويحلل البعض هذه الأل بأنها ليست أل التعريف وإنما هو دمج اسم الموصول الذي مع الأفعال أي أن (الذي) نحتت إلى (اللي) ثم إلى (إل) التعريف (كقولنا الذي يدري ونحتناها إلى اليدري) والأمر سيان لأن الأمرين لا يجوزان في الفصحى.ثم أدخلنا أداة النفي(ما) ودمجنا الكل فقلنا (المايدري والمايعرف)

إن هذا الإستخدام يأتي بأشكال متنوعة أهمها:

- في بداية الجملة: اليدري يدري والمايدري ﮔضبة عدس أو

اليثرد يدري والياكل ما يدري

- في وسط الجملة: راحوا اليقرون وظلوا اليخرون أو

الشاطر اليعبي بالسلة ركي

- في آخر الجملة: خوفك من اليغافلك

مع ملاحظة أن بعض مناطق العراق الوسطى والجنوبية تلفظ (اللي) منفصلة عن الفعل فنقول اللي يسوكه مرضعة سوك العصا ما ينفعه

- إضافة الجار والمجرور إلى آخر الفعل المضارع والأمر والماضي:

يقرالي ويقرالكم ويقرالنا ويقرالجن ويقرالهن

إشتريلي وإشتريلنا وإشتريلهن

بقالي وبقالك وبقالنا وبقالهن وبقالهم وبقالجن

دمج (ما) مع الأفعال وتأتي بأكثر من شكل

- مباشر مثل

مندل دلوني

متروح إلا وآنه وياك

ميخالف

- مدمجة مع إل فنقول إنت تعرف اليصير والما يصير

- مدمجة مع (إش) التي هي أصلا تعني أي شيء فنقول شمدريني والتي تتجزأ إلى

(إش ما أدري أنا)

- مدمجة مع (على) المنحوتة إلى (عل) فنقول (علما توصل لهنا الله كريم)

دمج (دا) مع الأفعال المضارعة لتفيد الاستمرارية

دتتشاقه ، دنتعارك

دمج حرف الدال(د) مع أفعال الأمر

فنقول دروح أو دولّي وربما هي آرامية

4. إش المنحوتة من (أي شيئ) ثم إلى (أيش) ثم إلى إش

ينتشر في اللغة العراقية بشكل واسع منقطع النظير دمج (إش) مع الأسماء والأفعال وإليكم الأمثلة الشهيرة فقط وهناك عشرات غيرها:

- لصق (إش) إلى أول الكلمات:

الأصل إشلون للسؤال عن الصحة فنقول اشلونك واشلونج واشلونكم واشلونجن

- نضيف (إش) إلى راح لتكوّن (اشراح) للاستفسار عما ستعمل

- نضيف(إش) إلى (ﮔد) المنحوتة أصلاً من (قدر) لتصبح (إﺷﮔد) للسؤال عن القيمة أو الكمية و(إﺷﮔد) تختصر جملة أي شيئ قدر بكلمة واحدة ومثلها كلمة (إشكثر)

- ندمج (إش) مع مالك لتكون (إشمالك) بمعنى ماذا حصل لك

- ندمج (إش) مع (ﭽان) أي كان لتقرأ (إﺷﭽان) لتعبر عن جملة (أي شيء كان)

- نربط (إش)مع عِدّه وعدي وعدك وعدنا وعدهم وعدهن للاستفسار بمعنى ماذا لديه مثل اشعده واشعدهم مع ملاحظة حذف النون لأن الأصل هو عند

- نضيف (إش) للأفعال فنقول اشسويت

- دمج (إش) في نهايات الكلمات

- ليش بمعنى لماذا متألفة من حرف الجر اللام وأي شيئ

- ندمج (بِكَمْ) للاستفسار عن سعر الحاجة مع أيش فنسأل بيش؟

- ندغم (على إي شيء) فنسأل عليش؟

- ندغم (من أي شيء) فنسأل منّيش؟

- ندغم (بلا أي شيء) فنقول بلاش تعبيرا عن كون الشيء لا قيمة له ونقول بلاش ما ينحاش

ندغم (ما من شيئ) فنقول مامش ويقول الشاعر:

يا مامش بمامش وترخص وأغلّيك وأحبك

5. دمج حرف الشين إلى الأفعال والأسماء

ينتشر في اللسان العراقي بشكل واسع منقطع النظير دمج حرف الشين مع الأفعال والأسماء مثل شجابك وشجاك

(بلاش)

ناجمة عن دمج أربع كلمات هي حرف الجر(الباء)وحرف النفي (لا) و(أي) و (شيء) وهي (بلا أي شيء)

م.هناك كلمات كثيرة في اللغة العراقية تكونت نتيجة دمج كلمتين وإليكم بعضاً منها

شكرلمه، حامضحلو، داوركيسة، قارشوارش، شكرلي، عجيربحاس

ﭽمدوب، خردهفروش، قدمكاع، سفرطاس، طخماخ، بيعار

هستوه هستوني هستوهم هستوهن هستونا من دمج هسّه مع

توه والحقيقة أنه دمج ثلاثي لأن هسّه أصلاً ناتجة عن

جمع هذه+الساعة وبهذا فإن هستوّه ناتجة من دمج

هذه+الساعة+تواً الفصيحات

6. دمج الجمل الكاملة وأشباه الجمل بكلمة واحدة:

يتداول العراقيون الكثير من الجمل الكاملة وأشبه الجمل مدغمة بكلمة واحدة لأسباب كثيرة أهمها

أولا: استجابة التركيب لفكر العراقيين أبناء الحضارة الرافدينية العراقية التي تمتلك خزينا لغويا هائلاً خصوصا وأن عملية الإدغام والدمج تتضمن بشكل واضح فكرة اللصق أي لصق كلمة أو ضمير أو حرف جر بكلمة أخرى كما مبين في عشرات بل مئات الأمثلة التي تعج بها اللغة العراقية والتي بينا جزء يسيرا منها أعلاه، علما أن السومرية لغة لاصقة وليت لغة متصرفة. إن ذلك يعني ضمن ما يعني أن اللغة العراقية الجنوبية كانت ولازالت وستبقى الجسر الخالد المتطور بين لغات العراق القديم (السومرية- الأكدية- الآرامية) والعربية الوافدة من شبه الجزيرة.

ثانيا: الاختلاف الواضح لآيدولوجية اللغات العراقية القديمة وهي لغة المدن أساساً، تطورت ونمت واكتملت في جو المدن والأراضي الخضراء الخصبة اللين المنفتح وبين فكر العربية الفصحى الصحراوي المتزمت المقيد بالقوانين الصارمة التي سيجت اللغة فصبغتها بالصبغة القاسية المعروفة الواضحة المعالم التي يستعصي فيها التغيير والتطوير والتعديل وبالتالي الدمج والإدغام واللصق الخ من الأساليب التي تتصف بها اللغة العراقية وحين أصبحت الفصحى اللغة المقدسة للعرب بنزول القرآن تسيجت بسياج القداسة الأبدي الذي يصعب تماما تجاوزه.

ثالثا: تبقى النقطة الثالثة التي تناولناها مراراً وهي أن الإدغام والدمج واللصق في اللغة العراقية يحقق أعلى قدر ممكن من التعمية والإبهام ويجعل اللغة مستغلقة على الفهم لغير أبناء وسط وجنوب العراق.

وإذا أردنا تعداد وحصر الجمل وأشباه الجمل التي اختصرها العراقيون بكلمة واحدة فلربما نحتاج لتعداد الكثير منها ولهذا سنأتي بنماذج فقط:

عالبالسيارة: على الذي في السيارة

المايمشي: الذي لا يمشي

عليش: على أي شيئ

هنيالك: هنيئاً لك

المايعرف: الذي لا يعرف

إشمدريني: ما أدراني

بالليصرفله: بالذي يروق له

خيعونك: الله يعينك يا أخي

دروح: والدال من أصل آرامي

 ***

فهيم عيسى السليم

.......................

المصادر

1. معجم المفردات المندائية في العامية العراقية للدكتور قيس مغشغش ص 330 تحت باب مود.

New

 

اعتقد أننا في حاجة ماسة لمراجعة بعض مفاهيم بعض المصطلحات التي طالما نرددها في أحاديثنا عن العقل الجمعي والرأي العام القائد ألا وهي الهويّة الثقافية، وكذا دلالات الولاء والانتماء والانضواء والتميز بينها في التطبيق والممارسة، وذلك للإجابة عن السؤال المطروح كيف نجح الفلاسفة المسلمون في بناء نسق أخلاقي متين تأسست على نهجه تعاليمهم التربويّة وتطبيقاتهم السياسية، وذلك في ظل تعدد هوياتهم الجنسية وولاءاتهم العقدية وانتماءاتهم العرقية والمذهبية، ومع ذلك التنوع نجد العقل الجمعي المسؤول الأول عن تشكيل الرأي العام في الثقافة الإسلامية ينضوي بإرادته الحرة إلى الثوابت المستقاة من القيم القرآنية، وما صح من الخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته التي اجتهد في غرسها في من آمن بدعوته في صدر الدعوة حتى أتمّ، صلى الله عليه وسلم رسالته وبعثته (في إتمام مكارم الأخلاق).

فالواضح من قرائتنا المتأنية للتراث الفلسفي الإسلامي حيال قضية الكذب وضرورة معالجته بالصدق أن هويتهم الفلسفيّة في هذا السياق جاءت مطبوعة بالطابع العقدي، وقد استعان بعضهم بتراث الأغيار لتدعيم النسق القرآني وليس العكس بل وربطوا النظر بالعمل والمقصد بالتطبيق وذلك لاستحالة العملية التربوية والسياسية إلى نهوج تستمد شرعيتها من الهويّة العقديّة.

وإذا ما حاولنا مقابلة ما أوردناه بأحدث الدراسات التي تناولت مفهوم الهويّة في الفكر المعاصر سوف نجد أنها لم تعد وليدة العادة أو التبعية أو العواطف التي تولد الولاء والانتماء لدى الافراد لتذوب في النسق الجماعي فيصبح الكل في واحد أي كيانًا واحدًا فترى عالمة الاجتماع والسياسة الفرنسية المعاصرة "كاترين هالبيرن" أن الهوية أصبح من العسير فهمها بوصفها معطى جوهريًا أو ثابتًا يولد مع الانسان، بل أضحت بناءً مستمراً يتشكل عبر التجربة والممارسة والتطبيق فتتداخل الهويات المتعددة (القوميّة، الدينيّة، والمهنيّة) لتنشئ الانسان المعاصر بجوانبه المتعددة أي أن الانسان المعاصر على حد تعبير الوجودين هو الصانع الأول لهويّته.

ولعل هذا التعريف يتوافق تمامًا مع البنية الفلسفية الأخلاقية الإسلامية التي عبر عنها فلاسفة الإسلام في عصر نضج وقوة الحضارة الإسلامية ويعني ذلك أن ظهر الحضارة الإسلامية قد عبر بوضوح عن شمس هويتها الأخلاقية التي بنيت على العقل والنزعة العملية تلك التي شيدوا عليها الإصلاح وبناء الانسان على أسس قيميّة متينة وثابتة، وبمعنى آخر أن العقلية العلمية التجريبية التي توصف بالحداثة في الثقافة الغربية هي التي اتّسمت بها الحضارة الإسلامية التي لم ترتد في انتخابها للنافع إلى أساطير الأمم الغابرة، ولا لسياقية الديانات السابقة عليها أي أنها لم تصبوا إلى الديانات الوضعية أو اليهودية أو المسيحية لانتخاب منها أدوية لعلاج آفة الكذب سواء في التربية أو السياسة.

وخلاصة القول أن فلاسفة الإسلام قد انضووا تحت عباءة الاخلاقيات القرآنية ورغبهم في ذلك ثلاثة دفوع:

أولها: الزخم المعرفي الذي استقوه من ثقافاتهم المتباينة قبل دخولهم في الإسلام.

وثانيها: أن ولائاتهم لتراثهم الماضي لم يكن يحقق لهم القدر الكافي من حرية الفكر والقناعة في صلاحية النسق الذي ينتمون إليه في التطبيق.

أمّا ثالثها: أنهم وجدوا في بنية الهويّة الإسلاميّة وثبات وأصالة النسق القرآني البنية العقلية الجامعة بين النظر والعمل.

ولعلهم أدركوا هذه الحقيقة قبل فلاسفة القرن العشرين ومنهم المستشرق الياباني "توشيهيكو إيزوتسو" (1914: 1993 م) الذي بين في كتابه "المفاهيم الأخلاقية الدينية في القرآن" أن النسق القرآني في الأخلاق والتربية هو أفضل أنموذج للعقلانية الحرة الشاملة التي لا تقيد الانسان في اختياراته لأقوم السبل لتحقيق السعادة للإنسان وهي أفضل الفلسفات العملية لتطبيق القيم الروحية وتهذيب السلوك الإنساني دون أدنى تعصب أو شيفونية جنسية أو عرقية أو قومية الأمر الذي جعل النسق الأخلاقي القرآني هو الأجدر أن يصبح دستورًا للإنسانية.

ويكفيه أنه جعل الصدق شرطًا للإيمان بالملة ومن ثم بات الكذب هو عتبة فساد النفس الإنسانيّة والمجتمع الذي ينشد السعادة التي عبرت عنها آيات القرآن بأنها المقصد الإلهي.

ولا يفوتنا التنبيه على أن فلاسفة الإسلام وفي مقدمتهم "ابن سينا"(ت 1037 م) كان لهم السبق إلى إثبات حقيقة مفادها أن العقل النقدي ( الترسندالي: transcendental ) لم يفلح وحده في دفع الضمير الإنساني لتحويل الإلزام العقلي في الأخلاق والتربية إلى التزام عملي نابع من جوانيّة الأنا المؤمنة، بأن الواجب وليس الهوى هو الطريق الأمثل لبلوغ السعادة بل اليقين الديني والروح العقدي هو الذي في إمكانه الوصول لهذا الهدف، أي أن علم تاريخ الأفكار يثبت بأن ابن سينا كان أسبق من الفيلسوف الألماني (كانط) للوصول إلى تلك الحقيقة فها هو كانط (ت 1804 م) يصرح في كتابه "الدين في حدود العقل" (أن الدين ليس سياقًا ثانويًا في البنية الأخلاقية العقلانية بل هو ركن أساسي فيها ليستمد منه الواجب المجرد عن الكهنوت والطقوس الشكلية والنصوص الملغزة التي لا يستطيع العقل الناقد قبولها) ولعل كانط يقصد بذلك الدين المقصد الإلهي أو العلم الربّاني أو صريح المعقول الذي تتقبله النفس العاقلة وكأنه الرحم الذي لفظها  ليدفعها دومًا إلى الخير النافع بمنأى عن الأهواء الكاذبة،  أو اللذائذ المادية المضللة.

وصفوة قول كانط في الدين أنه المرجعية العاقلة التي تمكن الانسان الحر للوصول إلى السعادة ليس عن طريق الورع ولا في العزوف عن الطمع بل بالتفكير الناقد الفاحص لجوهر الدين مجردًا عن الملل والنحل والعصبيات والتفاسير المتباينة.

ولعل هذه القراءة للفلسفة الكانطية لا تختلف عن حديث ابن سينا ولاسيما في نظرية اتصال النفس الإنسانية بالعقل الفعال خلال نظرية المعرفة أو دليل خلود النفس المعلقة في الفضاء.

وتجدر بنا الإشارة إلى أن نهجنا في سرد أخبار الفلاسفة وأحاديثهم عن الكذب ينقسم إلى دربين: الأول: - يتمثل في إيراد حرفية قول الفيلسوف في الكذب مشفوعًا بتحليل موجز لتوضيح نهجه ومنهاجه والطابع العام لفلسفته في ضوء آراءه العملية الأخلاقية والسياسية والتربوية وكذا معالجته لهذا الموضوع الشائك.

أمّا الدرب الثاني: هو استنباط أو استقراء مفهوم الكذب عند الفيلسوف وذلك وفق قياس الغائب على الشاهد أو تطبيق منطق المحاكاة أو نظرية المتشابهات والأضداد (المحاسن والأضداد) وجميعها يمكن قراءته لاستنباط أو استقراء مفهوم الفيلسوف للكذب - ذلك إذا لم نجد قول يفيد استخدامه للفظ (الكذب) أو أحد مشتقاته واشكاله.

أمّا عن مجمل آراء فلاسفة الإسلام حيال قضية الكذب وأبعادها الأخلاقية والسياسية والتربوية، ومآلات الإفك على الفرد والمجتمع، وأشكال التدليس وما تحويه من شرور وآثام والمباح من ألوانه وعللها وضرورياتها؛ فسوف نجمله استنادًا على تكرار حديث الفلاسفة عن ماهيته ونقائضها ثم نتطرق بعد ذلك للمشهور من تلك الآراء التي تشير إلى مدى اهتمام صاحبها بشرح أبعاد هذه القضية.

فالكذب عند جلهم ليس خطاب موجه للآخر، بل يمكن أن يكون حديث مع الأنا الكذوب، وهي سمة الأفّاق الذي يكذب ويصدق أقواله التي صنعها.

ويعاني محترفو الكذب من الاضطراب النفسي وضعف الشخصية والقلق والارتياب والتردد، الأمر الذي يدفعهم إلى تجميل القبح في الحديث مع ذواتهم لتبرير كل ألوان الشر حتى يسكتوا تأنيب ضمائرهم أو يخدروها أو يميتوها فيصف هؤلاء النفاق على سبيل المثال، والمداهنة والرياء والخداع بالمجاملة واللباقة والملاطفة. والكذوب: هو البارع في التلفيق والدّس والتزوير واختلاق الأخبار والوقائع والأحداث وحبك الأضاليل.

أمّا أخطر أنواع الكذب فتبدو في ثلاثة أشكال:

أولها: الاجتراء على الباري سبحانه وتعالى، وعلى أنبيائه والتأول عليهم، وإلصاق بهم من الصفات ما ليس فيهم.

وثانيها: الغش في الارشاد والتربية والتعليم والنصح.

وثالثها: التلبيس والتشويش والريبة والسكوت عن الحق وإخفاءه وطمس الأدلة ونقض البراهين وخرص ألسنة الصدق وجميع ذلك قاتل للتراحم بين الناس ومبدد للأمن والإيمان والأمان عند حكماء الإسلام.

ويحاكي الفلاسفة نهوج الفقهاء والمتكلمين في عنايتهم بتوضيح دلالة الالفاظ التي تدخل تحت مظلة الكذب؛ ومنها المكر الذي يعني الخداع وإظهار الأمر على النقيض من حقيقته وهو عندهم شكل من أشكال الدهاء المحمود إذا وجه لمحاربة الشر أو لإحباط مخططه وكيده وذلك مصداقًا للمعنى المستنبط من القرآن فقد قال تعالى في سورة آل عمران الآية 54 " ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين" وقوله تعالى في سورة النحل الآية 45" أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض"

أما المكر المذموم؛ فهو خداع الأمنين للإيقاع بهم فيما يكرهون فقد قال تعالى في سورة فاطر الآية 10 " والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور"، وجاء في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المكر والخديعة في النار" أما المكر بمعنى التحايل لإنقاظ الانسان من شر يدفعه إليه هواه، أو ترغيبه في خير يتباه الجاهل أو المعاند الأحمق فهو مُباح.

ويرى بعض الفلاسفة المتفقهين أن الغدر لا يختلف عن الكذب بل هو درب من دروبه؛ لأن فيه من الخيانة ونقضه للعهد والخداع وهو خلاف الوفاء ويعرف الحكيم الترمذي بالمداراة؛ وهو الخبر المتناقض الذي لا يخلو من الكذب فتارة يأتي في صورة القدح وأخرى في صورة المداهنة وكلاهما مذموم لأنه يصف شيئًا على خلاف الحقيقة ويضيف أن الحكم على المداراة عسير لأنه يتوقف على نية وضمير المداري؛ فالتمويه أو التهويل في وصف المنكر مخالف لمن يقصد الإصلاح للفرد أو المجتمع فالقرح في الجسم لا يصلح فيها مداراة الصديد أو إخفاءه بل يجب تطهيره قبل مداواته، وإن تسبب في ذلك ألمً أو وجعً فالمصارحة أفضل من تجميل المكروه، ولاسيما في التربية والنصح ويؤكد أن أشنع أشكال المداراة هو مداراة الحاكم الظالم أو الولي الفاجر أو المعلم الجاهل. وصفوة القول عنده (أن المداراة وادً عميق لا يمكن استقصاء تفسيره إلا بالملاحظة والمراجعة والمتابعة شأن الاستقصاء الأمبريقي في الملاحظة العملية وللمداراة وفق هذا التحري شكلان أن تسكت عند رؤية المنكر إبقاءً على دينك ودين صاحبك، حتى لا يزداد فهذا من أجل الله عز وجل، أو أن تسكت عنه فتستحيل المداراة إلى مداهنة إبقاءً على دنياك وجاهك وقدرك وأحوال نفسك فهذا من أجل نفسك وهذا الأخير هو المذموم.

وللحديث بقية عن النزعة العلمية في الاخلاق عند فلاسفة الإسلام في الاحاديث المطولة عن الصدق في صورة الصديق والكذب في صورة العدو الغادر.

***

بقلم: د. عصمت نصار

نظرية سلوكية تغطي جميع مظاهر النشاط الإنساني ذات صلة بعلم الإجتماع وعلم النفس وعلم الإجرام. تفسر اسباب الإنحدار نحو السلوكيات الخاطئة وعدم الانضباط الاجتماعي وتحلل القيم الاجتماعية والمرفقية نتيجة الإهمال البسيط. وضعها عالما الاجتماع جيمس كيو ويلسون وجورج إل. كيلينج عام 1982، بناءً على تجربة نفسية شهيرة لعالم النفس فيليب زيمباردو*. (انظر الهامش)

وجوهر النظرية مبني على مبادئ علم النفس وتفرعاته الذي يرى بأن الإنسان لديه القابلية على الانضباط والالتزام بالقوانين والآداب العامة متى ما توفرت له البيئة المشجعة على ذلك، وسرعان ما يتحلل من هذا الإلتزام متى ما رأى الانفلات من حوله.

ويقول الباحثون في هذا المجال ان "مبدأ النظرية بسيط ولكنه عبقري في تقنينه ثم جعله أُنموذجاً قابلاً للتطبيق على أرض الواقع". ومفاد ذلك أن المظاهر البصرية للفوضى والإهمال والتقاعس وغض النظر ، مثل النوافذ المكسورة او الأبواب المفتوحة التي تترك بلا إصلاح أو ترك العناية بالأموال العامة او الخاصة وعدم الرقابة عليها او ضعفها، أو غض النظر عن اخطاء المرافق العامة او اهمال معالجة الفساد المالي والإداري وغض النظر عن الرشاوى البسيطة او المقنعة تشجع على المزيد من الجرائم والسلوكيات السيئة وتفاقمها تدريجياً لأنها توحي بغياب النظام والقانون وعدم الإهتمام ممن يتولاها، مما يؤدي إلى تفاقم المشاكل الصغيرة إلى جرائم أكبر، على خلاف ذلك يؤدي إصلاح هذه المظاهر السلوكية الصغيرة إلى خلق بيئة صحية تشجع على السلوك الإيجابي.

النظرية يمكن تعريفها ببساطة بأمثال تذهب الى (أن الكبائر تبدأ بالصغائر)، أو (أن عظيم النار من مستصغَر الشرر) او (المال السائب يعلم الناس السرقة). ويرى المنظّران أن الجريمة هي نتاج الفوضى وعدم الالتزام بالنظام في المجتمعات البشرية.

يقول واضعو النظرية انه إذا حطم أحدهم نافذة زجاجية في الطريق العام، وتُركت هذه النافذة دون إصلاح، فسيبدأ المارة في الظن بأنه لا أحد يهتم، وبالتالي فلا يوجد أحد يتولى زمام الأمور، وستبدأ نوافذ أخرى تتحطم على ذات المنوال من باب العبث، وستبدأ الفوضى تعمّ البيت المقابل لهذا النافذة، ومنه إلى الشارع، ومنه إلى المجتمع كله.

لا تقتصر النظرية على النوافذ المحطمة التي هي اساس فكرة النظرية، فهي تشمل جميع مظاهر الإهمال البسيط الذي يتطور لاحقاً ليصبح ظاهرة اجرامية عامة. ومن امثلة ذلك على سبيل التعداد لا الحصر:

* انتشار الفساد المالي والإداري وخاصة الرشوة والاختلاس، اذا لم تكافح مظاهرهما البسيطة الأولى فوراً وبحزم.

* خذلان الشعور الوطني العام اذا فشل الساسة في ضبط النظام وفرضه على الجميع بدون استثناء ولو بشكل محدود والفشل في تحقيق الآماني والرغبات الوطنية المشروعة في الحياة الحرة الكريمة فإن هذا الفشل سينتقل الى جميع مرافق الدولة وتعم الفوضى فيها، وتصبح الأنانية الشخصية هي السائدة بدل الشعور الوطني.

* عدم تطبيق القوانين العقابية على الجرائم والتي تشمل المخالفات التي تبدو بسيطة فان الامر سيتطور تدريحياً الى انواع اخرى من الجرائم الخطيرة

من ذلك ظاهرة (شخط) سيارات المواطنين من قبل عابثين وحاقدين فإنها انتشرت على مستوى الدولة نتيجة تهاون اصحاب تلك العجلات في تقديم شكاوى للسلطات.

وكذلك افتعال الحرائق والفرهود وغير ذلك

* التهاون في محاسبة الموظفين المهملين او المتقاعسين عن اداء واجباتهم او المتغيبين بحجة (خطية) يقود في النهاية الى اشاعة الفوضى في نظام الوظيفة العامة على مستوى عموم البلد.

* التهاون في تطبيق الضوابط في المدارس والجامعات ولو على امور بسيطة يؤدي في النهاية الى انخفاض مستوى التربية والتعليم بل وتدهورهما وتكرار الغياب وانخفاض رغبات الطلاب بالتفوق وانجرار الطلبة نحو سلوكيات منحرفة تتسع لاحقاً نتيجة ضعف الرقابة والمحاسبة والتهاون في التقييم العلمي والوساطة والتمييز.

* انخفاض مستوى الرعاية الطبية وعدم الثقة بالمستشفيات العامة لأسباب تتعلق بالتهاون في الرقابة والإهمال وعدم الإهتمام الجدي وإنعدم النظافة مما يجعل من هذه الأمور تتوسع تدريجياً لتعم عموم البلد

والتشجيع على التوجه للمستشفيات والعيادات الخاصة التي بدروها قد تنعدم فيها الضوابط وتحقق مستويات من الجشع والاتفاقات غير المشروعة، التي تنمو وتعم جميع انحاء الدولة.

* عدم الإلتزم بالتعليمات البلدية قد يتطور الى كارثة بيئية فقد يقوم احدهم برمي القمامة في غير محلها المخصص لها او بجانبها او ترك مخلفات الأطعمة والأكياس في الحدائق العامة فيتبعه اخرون فتصبح ظاهرة عامة تحتاج الى جهود قوية لمعالجتها وإعادة الوضع الى نصابه.

* اهمال تصحيح الوالدين لسلوكيات اطفالهم العدوانية ولو بدت بسيطة ترتب اثار واسعة على سلوكهم المستقبلي وتؤثر على نموهم الاجتماعي والنفسي، وصعوبة تكوينهم لعلاقات صحية مثل التنمر على الأقران، مشاكل أكاديمية، بالإضافة إلى احتمالية تطور مشاكل سلوكية أكبر في المستقبل، مثل الانخراط في سلوكيات إجرامية، مع عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع.

وهناك أمثلة كثيرة اخرى تتعلق بقوانين المرور والبناء والنقل وإحترام الجيرة ومراقبة الاسعار والموازين والمظاهر غير المحتشمة في الاماكن العامة ونشر المحتوى الهابط وعدم الرقابة الدقيقة على التجار واصحاب المصانع والمحلات التجارية التي تمارس احتيالاً على المواطنين من حيث انخفاض الجودة وادعاء الضمان ...

فقد تكون البداية هي مشكلات بسيطة نسبياً تركت دون معالجة، لكنها في الواقع تمثل دعوات إلى المزيد من المخالفات والجرائم الخطيرة.

فكم من شئ بدأ كمشكلة بسيطة ثم تطورت في تعقيدها الى عدد من المراحل والدوائر لتصبح نقطة تحول لنوع من الجرائم الخطيرة المنظمة، فيجب أن تردع تلك الأفعال من البداية قبل تفاقمها

آثار هذه النظرية

هذه النظرية قلبت الموازين في العقد الماضي، وغيرت في قوانين الإدارة عموماً وفي الإدارة المدنية خصوصاً، فعلى مستوى المدن الأمريكية مثلا فُرضت الضرائب على كل من يرمي المخلفات في الشوارع مهما صغر حجمها، ونُظفت الجدران يوميا من كل ما يكتب عليها، وغُسلت وسائل المواصلات يوميا ونظفت، فأحسّ الناس أن من واجبهم المساهمة في الحفاظ على هذا الإنجاز الحضاري، وعلى مستوى المرور فُرضت الضرائب على كل مخالفة صغيرة (مهما صغرت) فقلّت المخالفات الكبيرة واختفت الحوادث. وعلى المستوى الأمني تحوّلت نيويورك تلك المدينة المعروفة بالإجرام والسطو والفوضى في حقبة الثمانينيات - بعد تطبيق هذه النظرية - إلى مدينة أكثر أمناً ونظافة وترتيباً.. ثم تبنّت الإدارات الحكومية والمؤسسات الخاصة هذه النظرية كأساس مهم في فن الإدارة لتطوير العمل ورفع الإنتاجية والارتقاء بالمنتج"

التطبيق العملي: تم تطبيقها بنجاح في مدينة نيويورك في التسعينيات، حيث أدت معالجة المخالفات البسيطة (مثل التسول، والتخريب، وعدم دفع أجرة المواصلات) إلى انخفاض كبير في الجريمة بشكل عام، بعد أن ركزت الشرطة على هذه "النوافذ المكسورة".

التطبيقات في مجالات أخرى

الإدارة: تستخدم لتطوير بيئات العمل، حيث إن معالجة المشاكل الصغيرة ترفع الإنتاجية وتحسن الأداء.

التعليم: تطبيقها يركز على بيئة المدرسة لمنع السلوكيات المنحرفة بين الطلاب.

الحياة الشخصية: يمكن تطبيقها على المشاكل اليومية، حيث إن تجاهل الخلافات الصغيرة قد يؤدي إلى مشاكل أكبر.

قام فيليب زيمباردو بوضع عجلتين متشابهتين احدهما في حي فقير واخر حي اغنياء وترك ابوابهما مفتوحة الى جانب سيارات المواطنين الاخرى المغلقة أبوابها. في الحي الفقير لاحظ ان السيارة سرقت جميع محتوياتها وتحولت الى هيكل خلال ثلاث أيام. اما في حي الاغنياء فقد بدأ المارة بالتوقف والنظر بتردد فقام العالم بإجراء اضافي هو كسر احد زجاج نافذة السيارة بعدها تحولت الى هيكل خلال ثلاث ايام ايضاً.

***

فارس حامد عبد الكريم

عرفت الدراسات الشرقية في إيطاليا خلال العقود الثلاثة الأخيرة نقلةً بارزةً، تمثّلت في اتّساع رقعة المهتمّين باللغة والآداب العربية، بعد أن كانت محصورة في دائرة ضيقة من الدارسين والمستشرِقين ورجال الدين الكاثوليك، ناهيك عن مستجدات في صلب المنهج والمقارَبات. وفي ظلّ هذه التحولات باتت تتوزّع انشغالات المعنيين، في الراهن الحالي، على أربعة حقول أساسية: حقل الدراسات الأدبية بشقّيها القديم والحديث، وحقل الأبحاث التاريخية، وحقل القضايا السياسية الحديثة والمعاصرة، وحقل الإسلاميات. تأتّى ذلك في أعقاب مراجَعات حصلت داخل الاستشراق الغربيّ عامة، لم تدخّر جهدًا في انتقاد المنزع الإيديولوجي، مع تنبيه لتفادي سقطات الاختزال والتعميم. وهو ما يمكن الحديث معه عن تحوُّلٍ جارٍ من عموم الاستشراق إلى تخصّص الاستعْراب، بالانكباب حصرًا على قضايا الدراسات العربية، التي باتت تُعرَف في الوسط الأكاديمي الإيطالي بالاستعراب "Arabismo"، ويُطلق على المختص في المجال مستعرِبا "Arabista"، قياسا على لفظتيْ اِستشراق ومستشرِق.

هيمنة النسق الاستشراقيّ

لا يخفى أنَّ الدراسات العربيّة في إيطاليا هي دراسات وليدة تقاليد مزدوَجة كَنَسيّة واستشراقيّة، تعود أصولها إلى عهد البابا كليمنت الخامس (1264-1314م)، الذي حرص على تدريس اللغة والآداب العربية. ما وطّدَ الصلة، منذ المنشأ، بين تلك الدراسات والتراث الكتابيّ وأبقاها تحت تأثير القراءة الكاثوليكية. وهو ما حدا بالمستعرِبين، في الفترة المعاصرة، إلى النزوع نحو الاستقلال المنهجيّ بقصد التخلّص من وطأة التوظيف الإيديولوجيّ. روتْ لي إيزابيلا كاميرا دافليتو، أستاذة الأدب العربي في جامعة روما، أنها حين أزمعت الالتحاق بالمعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية، محجّ رهبانية الآباء البيض في روما، لدراسة العربية لم تحظَ بالقبول بموجب عدم انتمائها للسلك الكَنَسيّ. فقد بقي تدريسُ العربية وتعليمها في روما حكرًا على المؤسسات الكَنَسية حتى مطلع الستينيات من القرن الماضي.

وتبعًا للتطوّرات الحاصلة، شهدت الدراسات العربية توسّعًا ملحوظًا، لا سيما في العقود الأخيرة، يعود الفضل في ذلك إلى كوكبة نشيطة من الأساتذة مثل فرانشيسكا كوراو، وإيروس بلديسيرا، ومونيكا روكو، وماريا أفينو، ووسيم دهمش، وفتحي مقبول، وسالفة الذكر إيزابيلا كاميرا دافليتو، حتى غدت حاضرة في كبريات الجامعات الإيطالية، في ميلانو وفلورنسا وبادوفا وجنوة وترييستي وكالياري وساساري ومِسّينا وكاتانيا وليتشي وريجيو كالابريا وفي مدن أخرى، وهو ما يرتقي أحيانا إلى أقسام جامعية مستقلّة، على غرار ما نجده في "الأورِيِنْتالي" في نابولي، وفي "لاسابيينسا" في روما، وفي"كافوسكاري" في البندقية؛ ولكنّ هذا لا يعني أنّ المنهجَ تخلّصَ من إرثِ الماضي ومن وطأة الرؤى الاستشراقية المثقَلة بالمركزية الغربية. فما فتئت هذه الدراسات تشكو من هنات في بيداغوجيا التدريس، فحين يُدرَّس الأدب العربي، أو الفقه الإسلامي –تحت مسمّى ما يُعرَف بالقانون الإسلامي "Diritto Islamico"-، أو تُدرَّس الوقائع السياسية للبلاد العربية وما شابهها، تُقدَّم جميعها باللغة الإيطالية ومن منظور غربي خالص. والأنكى أنّ العربية كلغة، تُدرَّس وتُقدَّم بالإيطالية أيضا، حيث النحو العربي وبنية الجملة العربية، ومداخل اللهجات العربية يُدرَّس جميعها بلغة دانتي. وهو منهجٌ استشراقيٌّ، ما انفك يتعامل مع العربية بمنهج دراسة اللغات الميّتة والمنقرضة من الاستعمال الحيّ، مما يحدّ بشكل واسع من إلمام الدارس الغضّ ويخلّف في ذهنه تصوّرات مشوَّشة.

فالحكم المجحف على الفصحى كونها لغة مهجورة بين أهلها، وأنّ الدارجة هي السائدة، بتفاوتٍ نسبيٍّ، دفَعَ في السنوات الأخيرة إلى اعتماد اللهجات الشامية والمغاربية في التدريس، وتكليف أساتذة عرب بالشأن، وأحيانا اعتماد لغة وسطى بين المحكية والفصحى.

العربية لغة المستقبل

في ظلّ هذه التحولات الأكاديمية تحوز العربية وآدابها المرتبةَ الرابعة بعد الصينية واليابانية والكورية، من حيث أعداد الطلاب الذين يختارون الدراسات الشرقية في المراكز الجامعية الكبرى في روما ونابولي والبندقية. وقد تخطّت العربية اللغات المذكورة على مدى سنتيْن متتاليتيْن في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001. ولا يعود هذا التصدر السائد للصينية واليابانية إلى عوامل براغماتية أو إلى أسباب حضارية، بل مردّه إلى أنّ الأجواء المحيطة بالتكوين الجامعي في الدراسات الشرقية غالبا ما تحول دون اختيار العربية. حيث يأتي الطالب الإيطالي مدفوعًا بحماسٍ عفويٍّ لتعلّم العربية كونها لغة المستقبَل، ليصطدم بأساتذة يدرِّسونها ولا يتكلّمونها. وفي إيطاليا يقدّم كثيرون أنفسهم أنّهم مختصون في الشؤون العربية والإسلامية، ولكن يعزّ أن تجد بينهم من يعبّر بلسان عربيّ مبين. أذكر الزميلة إيزابيلا كاميرا دافليتو، التي شهرتها تفوق معرفتها في الدراسات العربية، والتي غالبا ما استعانت بي لكتابة رسائلها بالعربية، أثناء ردّ على رسالة من مسؤول عربيّ، أوردتُ أمام اسمها صفة "الأستاذة"، فقالت لي منبّهة: اكتب للعرب "البروفيسورة" فإنّ القوم يغويهم هذا اللّقب.

وربما ما يسبّب نفورَ هؤلاء المتطلّعين للدراسات العربية شيوع مقولة صعوبة العربية. ناهيك عن محدودية رعايتهم، لنقص التعاون والتنسيق مع البلدان العربية، ولا تجد هذه الشريحة المتعطّشة للإلمام بحضارة العرب ولغتهم سندًا سوى التعويل على إمكانياتها الذاتية، بخلاف ما تُقدِّمه من عونٍ دول شرقية أخرى تروّج للغاتها وآدابها. وصحيح أنّ بعضَ المؤسسات أو الهيئات العربية قد اشترت بعض الكراسي العلمية في الجامعات الإيطالية غير أنّ أثرها ضئيل.

لكنّ ذلك الشغفَ الذي أشرنا إليه لدى المتطلّعين للدراسات العربية، تشوبه في غالب الأحيان رؤى متداخلة عن العالم العربي، باعتباره عالم المتناقضات والتبايُنات، وأحيانا العنف والعسف. وهي تصوّرات يساهم الإعلام في ترسيخها، ولا سيما التلفزيون، بشكل فعال ومؤثر. كان قد رصد هذا التأثير القوي مؤلَّفٌ هامّ صدر منذ العام 1993 في روما بعنوان: "التلفزيون والإسلام. المشاهِد والأفكار المسبقة في وسائل الإعلام الإيطالية" من إعداد كارلو مارليتي.

دراسات عربية تعوزها المرجعيّة العربيّة

علاوة على ما ذكرنا، تبقى المرجعية العربية في الدراسات الإيطالية ضئيلة، ولا تفي بالغرض في الأبحاث الجامعية، في وقت يتمّ فيه الاشتغال على وقائع وأحداث ومفاهيم متعلّقة بالثقافة العربية. حيث اعتماد التقليد السائد في الاستعراب على مرجعية غربية، تدعمها نصوص مترجَمة قليلة، مع تميُّزٍ نسبيٍّ في مجال الدراسات الأدبية التي تستأنس بالمرجعيةَ العربية باحتشام. وإن كان يُفترَض أن تلعبَ الجامعة دورًا طليعيًّا في تحرّر الدارس والباحث من الأحكام المسبَقة والادّعاءات المغرِضة، فالواقع أنّ المنهجَ السائد يشكّل أحيانا سندًا لترسيخ المغالَطات. وبالإضافة إلى أنّ المرجعيّةَ التي يَستقي منها الباحث رؤاه هي مرجعية غربية، فإنّ تحصيله من العربية لا يسمح له بالاطلاع على الأعمال المدوَّنة بتلك اللغة، ولا الإحاطة بوقائع المجتمعات العربية. الأمر الذي أورث خلَلا في التكوين الاستعرابيّ، لم يسمح بعدُ ببلورة رؤى نقدية وموضوعية عمّا يروج من أفكار عن العالم العربي وعن الثقافة العربية في الغرب، وبما يجعل السواد الأعظم يعيد إنتاج ما هو سائد وإعطائه سندا أكاديميا.

وبرغم النزوع للتحرّر من النسق الاستشراقيّ مع الاستعراب، ثمة سياج دغمائيّ يحول دون ذلك الانعتاق، يجد دعامة في المناخ السياسيّ السائد. فما إن شرع الاستعراب، الحديث المنشأ، في تأسيس مقارَبَة مستقلّة وشبه محايِدة حتى اصطدم باختبار منهجيّ، تحت ضغط موجة الإرهاب والأصولية المعولمة، ما أثار لديه حساسية إيديولوجية في التعاطي مع الشأن الثقافي العربي. فهيمنت عناوين في أوساط المستعرِبين، مثل انتهاك حرية المرأة، ووقوع الثقافة العربية في قبضة الفقيه، وانحصار هامش الحرية الأكاديمية، حتى حجبت غشاوةُ الأصولية الرؤيةَ السليمةَ للحضارة العربية وانحرفت بالوعي صوب مسارات مرتبِكة. فحين نُشِر مؤلَّف "الحضور العربي الإسلاميّ في المطبوعات الإيطالية" (2000)، من قبل وزارة الثروة والأنشطة الثقافية، تمّ حذف القسم الحاوي للبيبليوغرافيا الإيطالية من النسخة العربية، تحت مبرّر تضمّنه لعدد هائل من الكتابات التي تنتقد الدين الإسلاميّ وشخص النبيّ محمّد، وأخرى تستعرض غياب الديمقراطية، كلّ ذلك تفاديا لإثارة الحزازات مع الأطراف العربية المزمع ترويج النسخة المعرّبة بينها.

إذ لم يكن الاهتمام الأكاديميّ، في العقديْن الأخيرين، علميًّا صرفًا، بل محكوما بهواجس إيديولوجية في الغالب، فضلا عمّا استبطن كذلك من حمولة سياسية جرّاء هواجس الإرهاب، والخشية من الإسلام، وضغط الهجرة، وهو خلاف ما نجده في الأوساط المحيطة بالدراسات الصينية واليابانية والكورية والهندية.

مساوئ تتربّص بحقلٍ واعدٍ

توجَد في أقسام الدراسات الشرقية هرميةٌ أكاديميةٌ، على غرار ما نجده في غيرها من الأقسام، لا تستندُ إلى الكفاءة العلمية دائمًا، ولكن إلى سطوة "البارونات" (المتنفّذين). يماثل انغلاق تلك الشلّة الطوق المافيوزي، وهي عاهة مستفحِلة في الوسط الأكاديميّ. ما دفع بوزيرة التعليم والبحث العلمي السابقة، مارياستالا جلميني، إلى خوض إصلاحات حازمة في الجامعة، لم تفلح في ذلك إلّا قليلا. ضمن تلك الأجواء الأكاديمية الموبوءة غالبا ما أُلحِق أساتذة من أصول أجنبية بأقسام الدراسات الشرقية، مع حصرهم في مراتب دنيا دون تثبيت أو ترقية، بشكل يمكن نعته بالميز الأكاديمي الناعم، وإن توفرت الشروط العلمية لذلك وحملوا جنسيات البلد المضيف. لكن ذلك ينبغي ألّا يخفي أيضا حقيقة أنّ شقًّا واسعًا، من الملحَقين بتدريس اللغات واللهجات والآداب الشرقية من أصول أجنبية في الجامعات الإيطالية، لا يحوز المؤهّلات العلمية اللازمة. وهم بمثابة خليط من حَمَلة الشهادات العلمية وشهادات العلوم الإنسانية. فغالبا ما يكون لرؤساء الأقسام الكلمة الفصل في إلحاق الأجانب بسلك التدريس، ولا يعود الأمر إلى مناظَرات أو كفاءة علمية.

جانب آخر على صلة بالدراسات العربية يتعلّق بمجال الترجمة. حيث يُسرّ الكاتب العربي أيما سرور بنقل عمله إلى لغة أوروبية، ظنّا من البعض أنّ باب العالمية يُفتح على مصراعيه بمجرد الترجمة. والحال أنّ ترجمة النص العربي إلى الإيطالية محفوفة بجملة من المساوئ نوجزها في التالي: أنّ النص المترجَم ولا سيما منه النص الإبداعي، الشعريّ أو الروائيّ، يوكل به في غالب الأحيان إلى طلاب مبتدِئين أو مترجِمين يفتقرون إلى متانة اللغة، ما جعل الكثير من النصوص المهمّة في العربية تتحوّل إلى نصوص مبتذَلة في الإيطالية، وهي بالكاد تتخطى طبعتها الأولى (ترجمات نجيب محفوظ إلى الإيطالية على سبيل المثال). حيث قلّة من دور النشر الكبرى تراهن على الكاتب العربي، وعادة ما تتولى دورُ نشرٍ صغيرة نقلَ الأعمال العربية. دون أن نغفل كذلك عن أنّ عملية ترويج الكتاب في الغرب، ولا سيما الرواية، يأتي بفعل تضافر عوامل عدّة، تشتغل بمثابة العمل الرتيب المتسلسل (دعاية، وترويج، ولقاءات، وحوارات، وعروض، وومضات إشهارية)، وهو ما لا يفوز به الكاتب العربي، لأنّ المؤسسة التي رشّحت عمله تعوزها الإمكانيات والقدرات. ليبقى الجوّ العام السائد في الترجمات العربية، وهو البحث والانتقاء للغرائبي والمؤدلَج، مع إيثارٍ ملحوظ للمنتوج المسيحي العربي، ليس بموجب ملامحه الإبداعية بل لهوى يمليه مخيال دينيّ مستحكِم.

كثيرا ما أسألُ طلابي عن دواعي اختيارهم الدراسات العربية، بقصد تفهّم عوامل تطوّر هذه الدراسات، بعيدا عن الإجابات الجاهزة في سوسيولوجيا الثقافة، فأظفر بإجابات متكرّرة تحوم حول: العربية لغة جميلةٌ، وهي أداة عمل في المستقبَل، والعالم العربي يسحر. فأقول في نفسي ثقافة تغري بهذا الشكل، ماذا لو توفّرت قوة دفع من أهلها بمثل هذا الحجم؟

***

عزالدّين عناية

أستاذ تونسي بجامعة روما- إيطاليا

لم يكن ما قاله الدكتور محمد عثمان الخشت صدمة للفكر الديني، بل صدمة للجمود الذي اعتاد أن يتخفى وراءه. فالرجل لم يأتِ بشعارات، ولا مارس استفزازا مجانيا، بل قدم رؤية عقلانية متماسكة لإصلاح الفكر الديني، تنطلق من قراءة تاريخية دقيقة، وتستند إلى فهم عميق لأزمات التعليم ومنهجية التفكير، وإلى إدراك واع لتحديات العالم العربي والإسلامي في زمن تتغير فيه الأسئلة قبل الأجوبة.

الخشت لا يهدم التراث، بل يعيد ترتيب العلاقة معه. ولا يستفز الإيمان، بل يستفز الكسل العقلي الذي طالما احتمى باسم المقدس.

ولهذا تحديدا، لم يكن غريبا أن يتحول حديثه إلى ساحة هجوم شرس، لا لأن أفكاره ضعيفة، بل لأنها أصابت منطقة محرمة لم يسمح طويلا بالاقتراب منها.

وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح:

لماذا كل هذا الغضب؟ ولماذا كل هذا الهجوم؟

الجواب واضح لمن يقرأ المشهد بوعي: لأن الخشت تجرأ على نقد الغزالي. نقد لم يكن تجريحا ولا إسقاطا، بل مساءلة فكرية. لحظة تاريخية كان لها أثر بالغ في تشكيل علاقتنا بالعقل والفلسفة. غير أن مجرد الاقتراب من الغزالي كفيل بإطلاق صفارات الإنذار، وكأننا أمام نص مقدس لا مفكر تاريخي قابل للنقد.

الهجوم على الخشت لم يكن دفاعا عن الغزالي بقدر ما كان دفاعا عن إرث طويل من الخوف من الفلسفة، ومن الشك في البرهان، ومن الارتياب في العقل الحر. إرث ارتاح إليه كثيرون لأنه يعفيهم من عناء التفكير، ويمنحهم يقينا جاهزا لا يُسأل. ولهذا تشن المعارك لا بالحجج، بل بالتخوين. ولا بالنقاش، بل بالتحريض. فكل محاولة لإعادة الاعتبار للعقل تقابل بوصفها خطرا وكل دعوة للفلسفة تستقبل كتهديد، لأن العقل إذا استيقظ، سقطت الوصاية. ولهذا كتبت هذا المقال لا دفاعا عن شخص، ولا خصومة مع تراث، بل دفاعا عن حق العقل في أن يفكر، وحق التاريخ في أن يقرأ، وحق الدين في أن يتحرر من الخوف

لم يكن الجمود قدرا مكتوبا على العقل الإسلامي، بل اختيارا تاريخيا جرى تبريره باسم اليقين.

وحين نعود إلى لحظة الغزالي، لا نعود إليها بوصفها تراثا معصوما، بل بوصفها منعطفا حاسما، لحظة غلبت الطمأنينة على المغامرة، والسلامة على السؤال.

فمن وجهة نظري، ترك لنا الغزالي إرثا ثقيلا من الارتياب في الفلسفة والبرهان، إرثا جعل العقول من بعده تميل إلى الحذر بدل المغامرة، وإلى السلامة بدل الجرأة. ألقى بظلال كثيفة على مساحات التفكير الحر، وحول الفلسفة إلى شبهة، والفيلسوف إلى متهم، فترسخ الخوف من الحرية الفكرية، واستبدلت شجاعة السؤال بطمأنينة التقليد.

لقد امتلك الغزالي أداة الشك، لكنه لم يحررها. حول الشك إلى سلاح، غير أنه وجهه إلى صدور الفلاسفة، لا إلى المسلمات التي كبلت العقل وأغلقت أفقه. وفي «تهافت الفلاسفة» لم يكتف بالنقد العلمي، بل مارس ما يشبه نزع الشرعية الفكرية عن الفلسفة ذاتها، فانتقل بها من فضاء معرفي مشروع إلى تهمة أخلاقية يُخشى الاقتراب منها. كان يمكن للغزالي أن يكون جسرا بين النص والبرهان، بين الإيمان والعقل، لكنه اختار أن يكون سورا

كتب «التهافت» كما لو أنه سكب ماء على نار كانت توشك أن تتوهج، فصارت رمادا في أروقة الفلسفة.

أطفأ جذوة السؤال في زمن كانت الأسئلة فيه حياة، وأورث العقول عادة الانكماش على يقين صغير، بدل التطلع إلى أفق واسع.

لقد صنع مناخا جعل أجيالا كاملة من المفكرين تخشى الاقتراب من الأسئلة الكبرى، وأخضع التفكير الحر لرقابة مزدوجة: رقابة النص حين يساء فهمه، ورقابة السلطة حين تتوارى خلفه. وهكذا لم يعد العقل شريكا في الفهم، بل تابعا ينتظر الإذن.

من هنا، فإن نقد الغزالي اليوم ليس ترفا فكريا ولا نزوة ثقافية، بل فعل تحرير للوعي من أثر قرار تاريخي كبل العقل باسم الدين.

وكما جرؤ الغزالي على تفكيك الفلاسفة، يجب أن نجرؤ نحن على تفكيكه هو؛ لا كفرد ولا كقيمة روحية، بل كحالة ذهنية كرّست الطاعة وخافت الحرية، ومجّدت اليقين الجاهز وضيقت الخناق على السؤال.

فالشجاعة الفكرية لا تكون في ترديد ما قيل، بل في مساءلته

الغزالي ليس نبيا ولا نصا مقدسا، ومن حوله إلى منطقة محرمة على النقد فقد صادر العقل باسم الدين.

أما الخشت، فلم يفعل أكثر من أن أعاد فتح باب أغلق عمدا: باب السؤال، وباب الفلسفة، وباب الثقة في قدرة العقل على الفهم دون وصاية

أما اتهامه بالمساس بالثوابت، فليس إلا رد فعل تقليدي لكل عقل يشعر أن أرضه تهتز.

فكل دعوة إلى الفلسفة تقابل باتهام، وكل دفاع عن العقل يوصم بالانحراف، لأن العقل الحر أخطر على السكون من أي خصم خارجي

الخشت لا يسحب البساط من تحت الدين، بل من تحت الكسل الفكري الذي عاش قرونًا متحصنًا وراء أسماء كبيرة.

وكل هجوم عليه هو اعتراف غير مباشر بأن مشروعه أصاب موضع الألم

مشروع الخشت استعاده لروح الاجتهاد، لا التلقين. روح السؤال، لا الاتهام. روح العقل الشجاع، لا العقل المرتجف.

نقد الغزالي ليس إسقاطا للتاريخ، بل تحريرا منه. والتمسك به كيقين نهائي ليس وفاءا له، بل خيانة لروحه التي ادعت الشك ثم أغلقت بابه. فإن كان العقل عندكم تهمة، فلتعلنوا ذلك صراحة. وإن كانت الفلسفة خطرا، فقولوا: نحن نخافها. لكن لا تختبئوا خلف الدين لتبرير خوفكم من الحرية.

في النهاية، ليست المعركة حول الغزالي، ولا حول الخشت، بل حول صورة العقل الذي نريده لمستقبلنا.

عقل يكرر أم عقل يفكر؟

عقل يحتمي بالأسماء أم يواجه الأسئلة؟

إن تحويل المفكرين إلى أيقونات معصومة هو أول خطوة في قتل الفكر، لأن العقل الذي يُمنع من مساءلة الكبار يُمنع تلقائيًا من ابتكار الصغار.

والتراث الذي يقرأ بوصفه خاتمة، لا بوصفه بداية، يتحول من طاقة حية إلى عبء ثقيل.

مشروع محمد عثمان الخشت لا يطلب أكثر من حق بسيط وخطير في آن:

أن نفكر دون خوف، وأن نقرأ تاريخنا بلا قداسة زائفة، وأن نعيد وصل ما انقطع بين الإيمان والعقل، بين النص والحياة.

ومن يهاجم هذا المشروع لا يدافع عن الدين، بل يدافع عن صورة جامدة له، صورة لا تحتمل السؤال لأنها لم تختبر.

أما الغزالي، فسيظل مفكرا وله ما له وعليه ما عليه، لكنه .

واحترامه الحقيقي لا يكون بتحنيطه، بل بامتلاك الشجاعة التي امتلكها هو نفسه: شجاعة النقد.

فمن حق كل جيل أن يعيد النظر في القرارات الفكرية التي شكلت مصيره، خاصة تلك التي كتبت في لحظة خوف أكثر منها لحظة ثقة بالعقل.

العقل الذي يخاف من الفلسفة، عقل لم يصالح نفسه بعد.

والدين الذي يحتاج إلى إسكات السؤال كي يبقى، دين لم يُمنح الفرصة ليبرهن على قوته.

لهذا، فإن الرهان الحقيقي ليس على إسكات الأصوات الجريئة، بل على توسيعها.

فالتاريخ لا يتقدم بالصمت، ولا بالإجماع القسري، بل بالاختلاف الخلاق.

والمستقبل لن يكون لمن يحرس الأسوار، بل لمن يجرؤ على فتح الأبواب.

***

ابتهال عبد الوهاب

الخوارزميات والتطرف الديني.. قراءة تحليلية في آليات الاستقطاب الرقمي

ذكرنا في المقال السابق أن الإنسان اليوم يعيش داخل تدفق مستمر من المعلومات، لا يملك غالبًا السيطرة على سرعته أو مصادره، ما غيّر جذريًا علاقة الفرد بالمعرفة والواقع، وجعل المجال الرقمي مهيأ لإعادة برمجة الانتباه وتوجيه الإدراك بما يخدم أهدافًا لا تكون بالضرورة بريئة أو محايدة.

والأمر الذي يبرز حجم الخطر الحقيقي الذي يهدد المجتمعات هو أن دولًا كاستراليا أدركت هذه المخاطر، فمنذ أيام قليلة لاحظت استراليا أن أدوات الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي تؤثر بشكل واضح على وعي الشباب وتشتت انتباههم وسط كم هائل من المعلومات المتناقضة، ما يجعل التمييز بين الحقيقة والزيف أمرًا صعبًا. لذلك فرضت الحكومة الاستراليا قيودًا صارمة على محتويات الذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل، إضافة إلى تحديد سن الاستخدام، لحماية المراهقين من تأثيرات رقمية قد لا تبدو خطيرة في ظاهرها، لكنها تترك أثرًا عميقًا مع الوقت.

وفي الاتجاه نفسه، نجد أن الصين قد سبقت بخطوات عملية، بإطلاق نسخة محلية من تطبيق تيك توك تخضع لرقابة مشددة وساعات استخدام محددة، لضمان أن يظل الشباب أكثر وعيًا وتحكمًا في تجربتهم الرقمية، وتقليل التأثير السلبي للتصفح المفرط. ولم تقتصر هذه الإجراءات على هاتيك الدولتين، فقد بدأت عدة دول أخرى تدرك خطورة التأثيرات الخفية للعالم الرقمي على الأجيال الجديدة، فاتخذت سياسات مشابهة للحد منها.

وإذا ما انتقلنا إلى فحص دور العالم الرقمي الخوارزمي في استقطاب الشباب أو المستخدمين للتطرف، نجد أنه يبرز بوصفه أحد أخطر الفواعل في صناعة التطرف الديني والاستقطاب العقدي في عصرنا. فالمنصات الرقمية لم تعد مجرد وسائط محايدة لنقل الأفكار، بل غدت بنى خفية تتحكم في ترتيب الأولويات، وفي إبراز بعض المضامين وتهميش أخرى، وفي تحديد ما يبدو مقبولًا أو متطرفًا داخل الوعي الجمعي.

وذلك النهج الذي تقوم عليه الخوارزميات لا يستهدف نقل المعرفة بقدر ما يهدف إلى إدارة السلوك، وتحويل المستخدم من فاعل واعٍ إلى كيان قابل للتوجيه وإعادة التشكيل ضمن مسارات محددة سلفًا. هذه العملية تبدأ بجمع البيانات السلوكية الدقيقة، حيث تتحول كل حركة رقمية يقوم بها المستخدم إلى مؤشر قابل للتحليل والتصنيف. والمشاهدة العابرة، والتفاعل الإيجابي أو السلبي، والتعليق، أو المشاركة، بل وحتى الصمت أو التوقف عند محتوى معيّن، كلها تتحول إلى وحدات بيانات تدخل في بناء صورة رقمية معقّدة عن الفرد.

ومع تراكم هذه البيانات، تبني الخوارزميات ملفات نفسية وسلوكية دقيقة للمستخدم، لا تهدف بالأساس إلى فهم الإنسان في ذاته، بل إلى التنبؤ بتصرفاته المستقبلية وإمكانية التأثير فيها. وفي هذا المناخ، يجد المغرضين من صناع المحتوى المتطرف بيئة مثالية لتوظيف الدين خارج سياقه المقاصدي والروحي، وتحويله إلى أداة تعبئة وانقسام. كل ذلك يتم غالبًا عبر تبديد المثاقفين للمعنى الديني العميق، أي تفريغه من أبعاده الأخلاقية والإنسانية، وتسطيحه في خطابات قصيرة مشحونة بالانفعال، وسهلة التداول، سريعة الانتشار، وقابلة للاستثمار الخوارزمي.

بهذا الأسلوب، يتحول الدين إلى شعارات مختصرة، وتُختزل النصوص في مقاطع مجتزأة، وتُبسَّط القضايا المعقدة إلى ثنائيات حادة. ومع تكرار هذا النوع من الاستخدام الرقمي، تتكوّن ما يُعرف بـ(الفقاعات المعرفية)، وهي دوائر مغلقة يُعاد فيها تداول الأفكار نفسها دون أي احتكاك حقيقي بآراء مختلفة. وفي هذا الجو، لا يعود النقاش الديني مجالًا للفهم وتبادل الرأي، بل يتحول إلى صراع حول الهوية، يتقدّم فيه الخطاب الصدامي والإقصائي، بينما يتراجع الصوت الهادئ والعقلاني. ومع الوقت، يلجأ بعض المدافعين عن الدين إلى ردود أفعال عاطفية تفتقر إلى التحليل، فتزيد من حدّة الاستقطاب بدل أن تسهم في احتوائه.

وقد يتساءل البعض: كيف يستقطب الذكاء الاصطناعي الشباب نحو التطرف؟، والإجابة أن الذكاء الاصطناعي لا يعمل كمحرّض مباشر، ولا يستخدم خطابًا أيديولوجيًا صريحًا لصناعة متطرفين. وذلك لأن قوته الحقيقية تكمن في أنه يعيد تشكيل طريقة تفكير الفرد قبل أن يتبنى الفكرة المتطرفة نفسها. فهو لا يقول للمستخدم كن متطرفًا، بل يجعله يرى العالم بطريقة لا تترك أمامه سوى التطرف كخيار يبدو منطقيًا، بل وأحيانًا أخلاقيًا.

وأول طرق استقطاب الذكاء الاصطناعي تكمن في مطابقة المحتوى مع مشاعر القلق الداخلي لدى المستخدم. فمثلًا، شاب يبحث عن معنى في حياته أو عن تفسير للظلم أو الفشل أو الإحباط، يلاحظ الذكاء الاصطناعي هذه اللحظة ويعرض له محتوى مبسّطًا وواضحًا، لا تحليلات فلسفية أو اجتماعية معقدة، بل تفسير واحد شامل لكل شيء. الأمر الذي يجعل المتلقي يشعر وكأن هذا المحتوى كُتب خصيصًا له، ثم يبدأ الاستقطاب بشكل طبيعي، دون أن يلاحظ أنه أصبح داخل دائرة مؤثرة على وعيه.

الزاوية الثانية هي (التساجل الخفي) بين المحتوى المتشابه. فالذكاء الاصطناعي لا يقدّم فكرة واحدة فقط، بل يعرض نفس الفكرة مرات عديدة بصيغ مختلفة، وأصوات ولهجات متعددة، وأحيانًا بواجهات تبدو مختلفة. هذا يجعل المتلقي يظن أنه يشاهد نقاشًا متنوعًا، بينما في الواقع كل المحتوى يدور حول نفس الفكرة. وبهذا الشكل يختفي الشك، لأن الشك يحتاج إلى اختلاف حقيقي، وليس مجرد تغييرات شكلية على نفس الرسالة.

أما الزاوية الثالثة فتكمن في تحويل النقد إلى طاقة تدفع نحو التطرف، فعندما يشك المستخدم أو يعترض على فكرة ما، لا تتجاهله الخوارزمية، بل تعرض له محتوى يوضّح له رد الشبهات أو فضح المؤامرات أو كشف زيف المثقفين. وهنا يحدث تحول مهم، حيث تنتقل من مجرد نقد الفكرة إلى نقد النقد نفسه، ومن مجرد قراءة لفهم المحتوى إلى قراءة تركز على حماية السردية. وفي هذه المرحلة، يشعر المتلقي أنه لم يعد متابعًا فقط، بل يصبح مدافعًا عن الفكرة، وهي لحظة حاسمة في تشكيل وعيه للمتطرف.

الزاوية الرابعة هي تقديم المتصاولين على حساب المثاقفين. فالذكاء الاصطناعي يفضّل المحتوى السريع والانفعالي والواضح جدًا. المفكر المتزن، الذي يشرح الأمور بدقة ويستدرك ويحذر، يخسر أمام من يتكلم بثقة عالية ومباشرة. مع الوقت، يقلّ ظهور الصوت العلمي ويبرز صوت مغاير، للذين يعتمدون على خطاب تعبوي وليس معرفي. بهذا الشكل، يتعلم المتلقي أن العمق ضعف، والتعقيد خطأ، والتبسيط الحاد هو الشجاعة.

وأخيرا غربلة الواقع عبر غرابيل إفك رقمية. (أي تقطيع الواقع وإعادة عرضه بطريقة مغلوطة). فالذكاء الاصطناعي لا يعرض الأمور كما هي، بل يختار أجزاء معينة تناسب القصة التي يريد إيصالها. كحدث معقد قد يُختصر في مشهد واحد، أو تصريح صغير يُحوَّل إلى دليل، وواقعة نادرة تُعامل كقاعدة عامة. ومع تكرار هذه الطريقة، يصبح المتلقي غير قادر على رؤية الصورة كاملة، ويقبل التفسيرات المتطرفة بسهولة لأنها تبدو وكأنها تشرح كل شيء.

ولفهم آلية الاستقطاب الرقمي نضرب مثالا حيا على ما يشهده الفكر العربي والإسلامي المعاصر اليوم من انتشار واسع لما يمكن تسميته بـ(الفرية المتجددة حول الإمام الغزالي)، حيث نجد أن الإمام الغزالي يُقدَّم في بعض المحتويات الرقمية المختزلة في هذه الآونة على أنه عدو العقل، وكأن كل مشروعه الفكري يسعى لتقويض التفكير النقدي والاجتهاد. ومن هذه الصورة المبسطة تُبنى دعوات لقطيعة معرفية كاملة مع التراث، لتصبح القراءة التقليدية أو الدراسة المتأنية غير مرغوبة أو مشكوك فيها. بعد ذلك، تُقدّم أفكار أكثر راديكالية على أنها تحرير للعقل، وكأن رفض التراث هو السبيل الوحيد للوصول إلى العقل المستنير.

هنا يظهر دور الذكاء الاصطناعي بشكل واضح؛ فهو لا يصنع هذه الأفكار من البداية، لكنه يعيد تكرارها وتضخيمها ويمنحها حضورًا دائمًا على المنصات الرقمية. ومع كل مرة تظهر فيها الفكرة، يزداد إحساس المتلقي بأنها صحيحة وبديهية، لأنه يراها بصور مختلفة، ومن مصادر متعددة. ومع الوقت، تتحول الفكرة المضللة إلى جزء طبيعي من فهمه للدين والتراث، ولا تعود مجرد محتوى عابر على الإنترنت، بل تصبح طريقة تفكير كاملة تسيطر على وعي الشاب الباحث عن إجابات، دون أن يشعر بأنه يتعرض لتوجيه رقمي مقصود.

فأخطر ما في الذكاء الاصطناعي أنه يستقطب دون أن يتكلم بلغة التطرف هو يصنع بيئة نفسية ومعرفية تجعل التطرف نتيجة، لا مقدمة. فيجعل العالم يبدو ثنائيًا؛ معنا أو ضدنا، حق أو باطل، نور أو ظلام. وحين يصل الفرد إلى هذه الرؤية، لا يحتاج إلى تنظيم، ولا إلى داعية أو قائد؛ بل يصبح هو نفسه أداة إعادة إنتاج لهذه الأفكار.

وقد أظهرت الدراسات في علم الاجتماع الرقمي وعلم النفس السلوكي أن هذه الفقاعات لا تتشكل عشوائيًا، بل بطريقة محسوبة، حيث يبدأ المستخدم بمحتوى ديني عام، ثم تنتقل به الخوارزميات تدريجيًا إلى محتوى أكثر حدة، فيترسخ في ذهنه تقسيم العالم إلى معسكرين متقابلين؛ الحق المطلق والباطل المطلق. الأمر الذي يحول تجاوز النقاش العلمي الرصين، إلى منطق التعبئة والتحشيد، وهو ما دفع المتأولين إلى تحميل النصوص ما لا تحتمل، وفتح المجال أمام المجدّفين والمجترئين على النص الديني، إلى التلاعب والترويج لأفكارهم، مستفيدين من غياب السياق، وسرعة التلقي، وضعف الجانب النقدي لدى قطاعات واسعة من الجمهور.

فنظرة بعمق، نجد أن هذه الظاهرة ليست مجرد أحداث عشوائية، بل جزء من نظام رقمي منظم. هذا النظام يعيد تشكيل العلاقة بين الدين والمعرفة، بحيث تتحول العقيدة من منظومة متكاملة قائمة على التوحيد والعدل والأخلاق، إلى شعارات قصيرة ومجزأة تُستَخدم لجذب الناس والتأثير فيهم، بعيدًا عن مقاصد الدين الحقيقية وأخلاقه الأصيلة.

ولا يقتصر تأثير النسق الرقمي على الأفراد، بل يشمل جماعات رقمية متطرفة، حيث تتقاطع الفقاعات المعرفية للأفراد، وتتكون شبكات مغلقة تتبادل نفس السرديات والخطابات، مما يعيد تصوير الآخرين كخطر وجودي، وفي بعض الحالات، قد تصل الأمور إلى تبرير العنف ، كالاعتداء على أشخاص أو ممتلكات بسبب اختلاف ديني أو فكري. وهكذا يُصوَّر الآخرون كتهديد وجودي، وتُصاغ خطابات تشرعن الإقصاء، بل وتسوغ الأذى باسم حماية الهوية أو العقيدة.

وفي هذا السياق، تنتشر سرديات زائفة تعتمد على افتراءات المتآمرين من الخارج، وتُقدَّم وكأنها حقائق مخفية يعرفها فقط الصفوة. وهذه السرديات تنتشر بسرعة على المنصات الرقمية دون تحقق علمي أو تمحيص، بسبب غياب الغربلة المعرفية. ومع ذلك، تتحول هذه المنصات إلى مصانع لإعادة إنتاج الوهم، حيث يُكافأ المحتوى الأكثر تطرفًا لأنه يجذب الانتباه ويحقق أعلى تفاعل، حتى لو كان مضللاً تمامًا.

وإذا ما انتقلنا إلى آلية مواجهة ظاهرة التطرف الديني الرقمي نجد أنها لا تقتصر على إجراءات أمنية أو رقابية فقط، بل يجب الانتقال إلى مستوى أعمق من الفهم والتحليل، ويتمثل هذا المستوى في نقد النقد أو قراءة القراءة، أي تفكيك الخطابات التي تساهم في إنتاج التطرف، وكشف المناهج وآليات اشتغالها، ومساءلة الأطر المعرفية التي تُقدَّم من خلالها النصوص الدينية داخل الفضاء الرقمي، لضمان إدراك أثرها على الوعي وسلوك المتلقي.

يتطلب هذا المسار بناء وعي رقمي نقدي، بحيث يستطيع الأفراد التمييز بين المحتوى المعرفي والمحتوى التعبوي، وتعلّم تحليل ما يُعرض عليهم بدل الاكتفاء باستهلاكه. كما يحتاج إلى سياسات تعليمية وإعلامية طويلة المدى، تعيد الاعتبار إلى التفكير البطيء، وإلى قيم التعدد والاختلاف المشروع، بوصفها أدوات لمواجهة الاستقطاب الحاد الذي تغذيه الخوارزميات.

كما أن استعادة الاستقلال المعرفي في العصر الرقمي تتطلب أن يتعلم الأفراد كيفية عمل المنصات، وكيف تُصنَّف البيانات، وكيف تُقدَّم التوصيات، حتى لا يصبحوا فريسة لآليات خفية. فالمستخدم الذي يفهم هذه العمليات يصبح أكثر قدرة على مقاومة الانغماس في الخطابات المتطرفة، وعلى إعادة فهم الدين كمصدر للقيم والمعنى، بدل أن يتحول إلى أداة للصراع والإقصاء.

وصفوة القول، أن الخوارزميات لم تخلق التطرف الديني من الصفر، لكنها وفرت له بيئة خصبة للنمو والانتشار. فهي تعيد تشكيل الوعي الديني في مسارات محدودة، وتعزز النزعات الإقصائية، وتضعف الصوت النقدي العقلاني. فمواجهة هذا الواقع لا تكون بالهروب من العالم الرقمي، بل باستعادة الإنسان لوعيه النقدي وقدرته على الفهم والاختيار، في عالم تُدار فيه الأفكار قبل الأفعال، ويُبنى فيه الوعي قبل أن تتشكل المواقف.

وللحديث بقية

***

بقلم: د. بدر الفيومي

 

يقول الواقع أن "النخبة" Elite في بعض الأحيان هي من يصنع الفوضى، فوضى في الأفكار وفوضى في الممارسات وفوضى في القرارات، هذه النخبة التي تريد أن تفرض منطقها على الآخر، تريد أن تكون هي المسيطر، تنظر إليه نظرة متعالية وكأنها تريده أن يختفي من الساحة، الفردية تؤدي إلى العنف الهمجيّ، هناك من يعمل بنظام الكبار big men  ونجده يرى المحيطين بها صغار، فإن كانت النخبة غير قادرة على النهوض بالأمة فكيف لها أن تبني حضارة؟ كان لمالك بن نبي رأي خاص حول "النخبة" خاصة عندما تفقد موهبة النقد الذاتي، فكأنها حققت الفشل دون أن تسعى في تفهم أسبابه، فالصراع صراع أفكار، والصراع  الفكري عادة ما يصطدم مع صراع المصالح، أي صراع الجماعات المتناوئة التي تحاول أن تفرض نفسها كأطراف فاعلة في المجتمع ولهذا السبب فشل المشروع الفكري في الجزائر

لقد حذّر كثير من الفلاسفة وعلماء الاجتماع والسياسة، من "الفردية"  لأنها تنحدر بسرعة إلى نوع من العنف الهمجي، كانت هناك تجارب عديدة نتيجة ثورات وحروب أهلية وقعت في العالم العربي الإسلامي انتهت بأصحابها بالفشل، لأنهم عملوا بنظرية الفوضى والهمجية، فالظروف التي عاشتها الجزائر طيلة الحرب الأهلية سببه غياب العقلاء أو رجل الإجماع إن صح التعبير l'Homme de consensus الذي بمقدوره أن يطفئ نيران الغضب ويهدئ النفوس ويوقف عمليات التمرد، التي تركت  آثار سلبية وعدم استقرار، هكذا يقود التنظيم الذاتي من دون ضوابط إلى الضعف وبالتالي يكون نظاما محكوما عليه بالفشل، لأن التراكمات التي خلفتها الصراعات  بين رجال الإصلاح والإندماجيين، خلقت العدائية  بين الجزائريين، ومن أجل النهوض من جديد كان من الضروري أن تكون هناك تحالفات.

 تقول الدراسات أن التحالف رغم سلبيته، قد يفيد في تعويض نقائص نمط حياة ما، فالحلفاء رغم توحّدهم حول مشروع ما، يظلون منافسين لبعضهم البعض وتجمعهم علاقة تتسم بخطاب ملوّن بالكذب والنفاق والغدر والخيانة، لأن المصلحة الذاتية هي الأهم وهي القاعدة الأساسية في نمط الحياة، ومثل هذه التحالفات تخلق بيئة مضطربة سياسيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا وحتى في الجانب الديني (التعددية المذهبية) يكون ذلك بتعدد الفتاوى التي أحيانا تفرق وتشتت أكثر من أن تجمع وتوحد، يكون ذلك عن طريق تكفير الآخر ووصفه بالمتطرف، فالأمّة التي تتوازن فيها انماط الحياة تكون أقل تعرضا للمفاجآت وتكون أكثر استجابة للمواقف المستجدة وهذا طبعا يتوقف على رؤية الناس للأشياء، لكن وكما يقور محللون تختلف رؤى الناس وأفكارهم من شخص لآخر، فهناك من يدقق في سلوكات  الغير وكلامه والعكس، وهناك العاقل وهناك المزاجي،  إذن العملية مرتبطة بعملية "التأويل" للأقوال والأفعال خاصة إذا تحول الشفهي إلى مكتوب، والتأويل إما أن يكون إيجابيا وإمّا يكون سلبيا وهذا الأخير لا يحقق النماء.

النخبة الإندماجية تهاجم "ج .ع. م. ج " إعلاميا

المشكلة طبعا ليست في نقل الأفكار بشكل فعّال للغير، بل ترقيتها وترجمتها إلى أفعال حقيقية تجسد في الميدان، كما أن الأمر متعلق بطريقة التعايش مع الآخر، فالحديث عن جماعة  النخبة كأنموذج ومشروعها الإندماجي الذي رمزها والناطق باسمها الطبيب الدكتور بلقاسم ولد أحميدة بن التهامي ( 1880-1910)،  كانت جريدة التقدم وكذلك جريدة كوكب أفريقيا لسان حال هذه الجماعة، كان عملها الساسي تحقيق الاندماج والتجنيس والنشر الواسع للغة الفرنسية، من ابرز عناصرها :  قايد حمود (محامي) والصادق دندن من مناضلي حركة الشباب الجزائري المتشبع بالثقافة الفرنسية، وهذه الحركة أنشأتها جماعة النخبة، عمل الصادق دندن في قطاع الصحافة وأنشا جريدة  الإسلام باللغة الفرنسية وهي جريدة اندماجية، ونقرأ عن جريدة الراشدي، والعنصر الثالث هو عبد العزيز قسوس  (حقوقي) أسس بمعية بن جلول جريدة الوفاق الفرانكو إسلامي، ثم جريدة المساواة، تمت تأسيسها  بدعم من فرحات عباس، وقد تفطن الشيخ الطيب العقبي، لهذا المخطط الخبيث لضرب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، حيث بادر بتأسيس جمعية الإصلاح في سيدي عقبة بسكرة قبل أن ينتقل إلى العاصمة لإدارة نادي الترقي، ومن نادي الترقي أسس جريدة الإصلاح 

النخبة من منظور بنّابي

الحقيقة، أن الكثير من يجهل المعنى الحقيقي لمفهوم النخبة ويعتقدون أن النخبة هي فئة المثقفين أو السياسيين فالمعني الحقيقي للنخبة هم الذين اصطبغوا بالثقافة الفرنسية رغم معرفة بعضهم بالثقافة العربية ولغتها، يتبنون أفكار الغرب والأوروبيين وطريقتهم في الحياة ويتمثلون بثقافتهم، يقول عنهم المؤرخ الجزائري ابو القاسم سعد الله : إنهم كانوا يشعرون بعقدة الكمال أمام المجتمع الجزائري، وفي نفس الوقت يشعرون بالنقص أمام المجتمع الفرنسي فضاعوا بين المجتمعين، يرى مالك بن نبي أن النخبة عندما تفقد موهبة النقد الذاتي على وجه الخصوص، فكأنها حققت الفشل دون أن تسعى في تفهم أسبابه، وإنما تتمنى أن تكون قد شعرت بالفشل حين لم يكن لندائها صدى يُذْكَرُ، تذكرنا مواقف مالك بن نبي بمقال له عنونه بـ" "تفاهات جزائرية" ورد هذا المقال في كتابه "في مهب المعركة" ضم الكتاب مجموعة من المقالات كتبها مالك بن نبي في باريس في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات، نشرها في صحيفتين ناطقتين بالفرنسية وهما الشباب المسلم والجمهورية الجزائرية، أسقط فيه الأقنعة وكشف الزيف الثقافي الجزائري (كشخصية العالم الثالث)؛ وقد دعا مالك بن نبي في مقاله بعض من تملكهم الغرور وعملوا بنظرية الـ" بيغ مان" el-big men إلى الرجوع للنفس بالنقد الذاتي، لفحص أيُّ قطعة محددة من نشاطهم الاجتماعي، كانت رسالة موجهة إلى النخبة المثقفة والنخبة السياسية في الجزائر.

يقول مالك بن نبي إن النخبة عندما تفقد موهبة النقد الذاتي على وجه الخصوص، فكأنها حققت الفشل دون أن تسعى في تفهم أسبابه، وإنما تتمنى أن تكون قد شعرت بالفشل حين لم يكن لندائها صدى يُذْكَرُ، ويضيف بالقول: “لو أن النخبة درست هذا الفشل لاستفادت منه أكثر مِمَّا يفيدها نصف نجاح خداع، لأنها تدرك من خلال تلك الدراسة حقيقة الأمر، هذا الفشل – كما يقول هو- يتضمن جانبا سيكولوجيا وجنبا فنيا، أي النقص في التنظيم وفي التخطيط وفي توجيه العمل المشترك..، وهذه العناصر تعتبر عمود القضية، ليس محليا فقط، وإنما بالنسبة لحركات الإصلاح في العالم الإسلامي كله، هذه الحركات التي فشلت كلها، لأنها كما قال لم تدرس أرضيتها قبل الشروع في العمل، فكانت سببا في فقدان الجمهور الثقة والأمل..، ويرجع مالك بن نبي هذه التفاهات إلى الموقف الاجتماعي السلبي، الذي لا يتسم بالإرادة المتصلة والجهد المتواصل، وإذا ما أخضع هذا الجهد إلى التحليل فهو في نظره متفككُ الأجزاء كأنه مركب على صورة الخط المُنَقَّط، الخط الذي يمر من نقطة إلى أخرى دون أن يصور شيئا، والمتأمل في موقف مالك بن نبي ورؤاه الفلسفية التحليلية التي شخص فيها واقع المجتمع (الفكري/الثقافي) يقف على حقيقة أن الذين يتحدث عنهم هم في الحقيقة باعة السياسة وباعة الثقافة وهم باعة الإبداع وهم…وهم…وهم…، بل هم باعة الحضارة في كل صورها وأشكالها.

عندما يصطدم الصراع الفكري بصراع المصالح

لقد كان مالك بن نبي براديغم إسلامي حضاري،  استطاع به  أن يضع حوضا معرفيا وهو يواجه أصعب المواقف لإعادة البناء الحضاري للمسلمين في العالم الإسلامي، والبراديغم  le paradigme كما يعرّبه مفكرون  هو مجموعة من المكونات الفكرية المعرفية التي يقوم عليها أيّ نموذج، توجيهي كان أو إرشادي، وعرّفه آخرون بأنه مجموعة من الإتجاهات والقيم والاجتهادات والبُنى المعرفية، أي البحث في الدور الحركي الحيوي للإنسان في بيئته الاجتماعية والعلمية ضمن سياق البناء المجتمعي،  فالصراع الفكري عادة ما يصطدم مع صراع المصالح، أي صراع الجماعات المتناوئة التي تحاول أن تفرض نفسها كأطراف فاعلة في المجتمع وكقِوىَ مُسَيْطِرَة على الرغم من كون الصراع قد يكون مرابطا بالأفكار والدين، وهذا يشترك فيه الجميع دون استثناء ودون إقصاء، فيكون هناك تبادل أفكار ورؤى، والمثقف ما لم يكن ملتزما فلن تكون له الطاقة الإيجابية لمواجهة تجار الفكر من الداخل الذين تبنوا الفردانية في مناقشة أيّ فكرة وعدم السماح للآخر مناقشتها  أو إثرائها ؟

 يُعرّف البعض الفردانية بأنها شذوذ وانسحاب من مجالات التغيير التي تقتضيها الحركة وماهية الفرد  إذا لم تندمج في حركية الجماعة تغدو قوة سلبية،، فعندما تُحْتَكَرُ الفكرة عند شخص واحد دون إثرائها لمعرفة الرأي الآخر يتعذر عليها زرعها في التربة المناسبة لأن الفردية تعمل على قتل العقل الآخر، وتفقد المرء قيمته، ولا يقوم بهذه السلوكات إلا "مستبدٌّ"، من الواجب هنا أن نطرح السؤال التالي: من هي النخبة؟ وممّا تتشكل؟ هل تتشكل من مجموعة من المثقفين؟ والسؤال يفرض نفسه لمعرفة من هو المثقف؟ هل هو المفكر؟ هل هو العالِم؟ هل النخبة يشكلها مجموعة من الفنانين (الموسيقي، المغني، المسرحي، السينمائي؟، هل يشكلها الكتاب والشعراء والروائيون والناشرون؟ أم يشكلها رجال السياسة؟ أم رجال المال والأعمال؟ أم رجال الدين؟، أم الأطباء والمحامون؟ فهذي صفة مهنية لكل واحد، نحن إذن أمام تعددية نخبوية اجتمعت لتحقيق مصالحها، في كل الأحوال نقول أن هذه النخبة خلقت الطبقية في المجتمع، الكلام ليس موجه للنخبة الحاكمة فقط، بل التي جعلت أفراد المجتمع يتصارعون ويتقاتلون فظهر التطرف وظهرت الآفات الاجتماعية وكل اشكال الفساد، لأنها لم تغير نفسها ففشلت في عملية التغيير والبناء.

***

علجية عيش

.....................

* للمقال مراجع

منذ أن طرح سؤال النهضة في العالم العربي في أعقاب الحملة الفرنسية على مصر عام 1798، لم يزل هذا السؤال يؤرق الوعي الجمعي، ويعود في كل لحظة تعثر حضاري. وفي هذا السياق، تبرز المقارنة بين التجربتين المصرية واليابانية في القرن التاسع عشر كواحدة من أكثر المقارنات دلالة على مفارقات التحديث في الشرق. لماذا نجحت اليابان في أن تصبح قوة صناعية في أقل من خمسين عامًا، بينما تعثرت مصر رغم بداياتها المبكرة؟

 لقد دوت مدافع نابليون على أسوار الإسكندرية، هنا استفاق الضمير المصري على سؤال لم يبرح ساحته: كيف نعاود النهوض؟ سؤال ظلت الإجابات عنه تتعثر بين محاولات طموحة وواقع يأبى الانفكاك من إرث التخلف. فبينما بقيت مصر تتأرجح بين المطرقة والسندان، تكشف المقارنة مع تجربة اليابان في القرن التاسع عشر عن مفارقة صارخة: ضفتان بدأتا من نقطة زمنية متقاربة، لكن مصيريهما افترقا على نحو درامي.

فما الذي جعل إصلاحات "ميجي" تؤسس لنهضة مستدامة، بينما انطفأت شعلة محمد علي مع خفوت ظله؟ إنها ليست مجرد مسألة وقائع تاريخية، بل معضلة تتعلق بالبنى العميقة التي تشكل وعي الأمم وتوجه اختياراتها في لحظات المصير.

الباشا: تحديث بإرادة فردية

في عام 1805، اعتلى محمد علي باشا السلطة في مصر، وبدأ مشروعًا طموحًا لتحديث مؤسسات الدولة، مستلهمًا النموذج الفرنسي في الإدارة والتعليم والصناعة. أرسل بعثات إلى أوروبا، أسس مدارس متخصصة، وبنى جيشًا حديثًا. غير أن المشروع، بحسب الباحث خالد فهمي، ظل مرتبطًا بإرادة الحاكم ولم يتجذر في بنية المجتمع. فالمجتمع المصري ظل خارج دائرة الفعل، وكانت عمليات التحديث تدار مركزياً لخدمة السلطة، لا المواطن.

 نعم كان محمد علي رجلاً حاد الذكاء، مغامرًا بطموحٍ سلطوي، رأى في مصر أرضًا بكرًا تصلح لبناء مجده الشخصي؛ لقد بدأ من الجيش، ظنًا منه أن القوة تصنع الدولة، فاستقدم الخبراء الفرنسيين، وشكل جيشًا حديثًا، لكن فاته أن الجيوش لا تبني أوطانًا إن لم يسندها شعب حر. انقلبت آلة التحديث إلى جهاز تجنيد قهري، وأصبح "السفر برلك" كابوسًا للفلاحين، الذين صاروا يهربون من أرضهم خوفًا من الابتلاع القسري في آلة الدولة.

اليابان والغرب: لحظة التحول

في المقابل، واجهت اليابان تهديدًا مباشرًا من الغرب عام 1853، عندما أجبر الأسطول الأميركي بقيادة كومودور بيري اليابان على فتح موانئها. حينها أدرك اليابانيون أن العزلة لم تعد ممكنة، فقرروا تبني نهج إصلاحي جذري، تجسد في ما عرف بـ"إصلاحات ميجي" (Meiji Restoration) عام1868 . بحسب المؤرخ "جون داور" (John W. Dower) فإن السر لم يكن فقط في استيراد التكنولوجيا، بل في إعادة بناء العلاقة بين السلطة والشعب، وتحويل التحديث إلى خيار وطني جماعي.

  لقد أدرك اليابانيون، في مواجهة تهديد الغرب، أن التحديث ضرورة وجودية لا مجرد أداة للسلطة. لم يكن الإمبراطور ميجي وحده من يقود المسيرة، بل اجتمع حوله الساموراي العائدون من البعثات، ليصوغوا رؤية وطنية جماعية: "فلنتعلم من الغرب، لنظل نحن."

لم تكن نهضتهم مشروعًا فرديًا، بل عقدًا جديدًا بين الحاكم وشعبه، وصل إلى حد أن الإقطاعيين تخلوا طوعًا عن امتيازاتهم!

التحديث بين المظهر والجوهر

أنشأ محمد علي المصانع واستورد الآلات وطبع الكتب، نعم فعل؛ لكنها كانت أشبه بمعارض للصناعة. وظلت مصانع النسيج والورق والذخيرة معتمدة على الخبراء الأجانب، ولم تنتج طبقة عمالية أو صناعية محلية قادرة على استدامة هذه الصناعات. جلب المطابع، لكنها طبعت ما يخدم الدولة لا ما ينير العقول. أرسل البعثات التعليمية إلى أوروبا، لكنها كانت محدودة العدد، مقصورة على من يخدمون أجهزة الحكم، ولم تتحول إلى سياسة منهجية للدولة.

 لم ينشئ محمد علي بهذا المنطق السلطوي عقلًا صناعيًا أو فكريًا مستقلًا. ظل التحديث قشرة فوق سطح مجتمع لم يمس جوهره. حتي الأزهر كمنارة علمية ودينية ظل على هامش مشروعه، بينما احتكرت المعرفة داخل نخبة منعزلة عن الشعب.

 لعل أحد أبرز الاختلافات بين تجربة مصر واليابان تمثلت في الاستثمار في التعليم. ففي اليابان، أصبح التعليم إلزاميًا في كل أنحاء البلاد بحلول عام 1872، أي بعد أربع سنوات فقط من بدء عصر ميجي. ترجموا الكتب الغربية، لكنهم لم يستوردوا الأفكار جاهزة، بل هضموها وأعادوا صياغتها بما يتناسب مع قيمهم، وكان الهدف "بناء مواطن حديث" وليس فقط موظفًا للدولة. كانوا يعرفون أن التقدم لا يقاس بعدد الآلات، بل بمدى تحول الإنسان إلى مركز الفعل والإبداع. في المقابل، ظل التعليم في مصر محدودًا بالنخبة، ولم تنشأ منظومة تعليمية شعبية شاملة إلا في فترات متأخرة.

الزراعة: من القهر للمشاركة

الزراعة أيضًا شهدت تباينًا واضحًا. ففي حين صادر محمد علي الأراضي من الفلاحين، وفرض نظامًا احتكاريًا أرهقهم بالضرائب، قامت حكومة ميجي بمنح الفلاحين ملكية أراضيهم، وأصدرت قانونًا ضريبيًا جديدًا شجع الإنتاج وزاد من استقلاليتهم. ووفقًا لدراسة "يوجي هوريكاوا" (Yuji Horikawa)، فإن هذا التحول في البنية الزراعية كان حاسمًا في تمويل الصناعات اليابانية الناشئة. هكذا أطلق اليابانيون طاقات الفلاحين بتحويلهم إلى ملاك حقيقيين، ضمن قانون ضريبي عادل صدر عام 1873. كانت الفكرة واضحة: لا نهضة من دون قاعدة اجتماعية راسخة. دعمت الدولة الصناعات الصغيرة، ولم تتعجل قطف الثمار، بل راهنت على التراكم البطيء، العادل والشامل.

على الناحية الأخرى نعرف كيف صادر محمد علي الأرض من الفلاحين، وأخضعهم لنظام احتكاري حولهم إلى عبيد لخدمة اقتصاد الدولة. زرع القطن لا لإثراء الأمة، بل لتمويل الحروب والقصور، فيما جرى خنق روح المبادرة الفردية، وقتل إمكانات التراكم التنموي من الجذور.

مفترق الطرق: مصر واليابان

على المستوى السياسي، ظلت مصر خاضعة لتوازنات استعمارية معقدة، انتهت بالاحتلال البريطاني عام 1882. أما اليابان، فاستطاعت أن تبقي الغرب على مسافة، ونجحت في هزيمة روسيا القيصرية عام 1905، وهو حدث كان له وقع صادم في العقل الأوروبي، ودفع العديد من المفكرين العرب، مثل عبد الرحمن الكواكبي وشكيب أرسلان، إلى التساؤل: لماذا تقدمت اليابان وتأخرنا نحن؟

 لقد انتهى مشروع محمد علي بغيابه عن المشهد، لأنه لم يكن مشروع أمة بل مشروع حاكم. ذاب الحلم في ركام الديون والاحتلال، وتحولت إنجازاته إلى أطلال.

أما اليابان، فانتقلت من دولة مغلقة إلى قوة كبرى خلال جيلين. هزمت روسيا، وفرضت احترامها على الغرب، وأصبحت رمزًا آسيويًا لنهضة متزنة، جمعت بين الحداثة والهوية.

الفارق الجوهري أن محمد علي أراد تحديثًا يكرس سلطته، بينما أرادت اليابان تحديثًا يعبر عن إرادة أمة. الأول استورد الشكل دون الجوهر، والثاني هضم الجوهر وصنع الشكل.

فشل الأول لأنه فرض نهضته من فوق، بينما نجح الثاني لأنه بنى نهضته من الجذور.

والدرس هنا خالد باق: لا يمكن لأمة أن تنهض بأوامر النخبة الحاكمة وحدها، بل بحاجة إلى وعي جمعي يحول النهضة إلى ثقافة. النهضة لا تورث، ولا تفرض، بل تخلق بإجماع الداخل، لا بإعجاب الخارج. وإن كانت اليابان قد نجحت في صنع معادلتها الخاصة، فإن مصر ومعها العرب ما زالوا في انتظار نهضة حقيقية، تنبع من الذات، لا تستورد من الآخر.

***

د. عبد السلام فاروق

من المعتاد ان تجد الأبن يسير على خطى والده في تتبع خطى فن معين، ولكن ليس من السهل ان تجدهما مفكرين مجددين منهمكين بهم اقصى واحد لموضوع إشكالي كمبحث (الهوية) وبمنهجين مختلفين. انهما الرفاعي الأب عبد الجبار والابن محمد حسين. 

ينطلق المفكر عبد الجبار الرفاعي في كتابه الموسوم (الهوية في شراك الأيديولوجيا) بدون عنوان ثانوي وبعبارات واضحة وأسلوب سهل يتوجه به كما في مقدمته بوصية (ألى الأبناء من الجيل الجديد) بالافتخار بوطنهم العراق.  بداية يستعرض عبد الجبار الرفاعي في مقدمة كتابه همه الأقصى الذي دفعه للخوض فيه ومعانته من غياب شكل واضح للهوية الوطنية العراقية.

ففي بيان مفهوم (الهوية) يبدأ عبد الجبار الرفاعي (الفصل 1) بعوان لافت "الهوية في حالة صيرورة وتشكل". ويمكن اعتباره بيان عام لرؤيته التي يسعى اليها على شكل إشارات مكثفة، وبعد ذلك يفصل رؤيته في الفصول الأخرى بأسلوب سلس وتفصيل لهذا التكثيف. فالهوية التي يطرحها هي الهوية (المثالية) بكونها ما ينبغي ان تكون عليه لا بكونها الهوية الواقعية المأزومة. بينما ينطلق الباحث (محمد حسين الرفاعي) من واقع الهوية المجتمعية ليفككها. هذا الاختلاف يكمن لا في طبيعة المنهج فقط ولكن بشكل اعمق يتعلق بوظيفة المثقف لدى كل منهما.

وهنا انطلق من تصنيف الباحث محمد حسين الرفاعي للمثقف في علاقته (بالمعرفة والمجتمع والسلطة) الى ثلاث أصناف (الموسوعي، الغرامشي، واليوتيبي) ويمكن ان اضيف صنف رابع هو المثقف النقدي، لأن التقسيم ليس حصريا بل استقرائيا.

في كتابه (الهوية في شراك الأيديولوجيا) يسعى عبد الجبار الرفاعي كمثقف بوصفه عقل (ألأمة-الملة) ومُعلِمها، الذي يسعى الى بناء (ما يجب ان يكون) بعد بيانه. الى بيان ما يجب ان تكون عليه "الهوية المثالية " الوطنية العراقية في الفصول (1-4)، وينتقد الهوية المغلقة التي تغتال الهوية الوطنية كما يوضحها في الفصول (5-10). فقد شغلته الهوية الوطنية العراقية منذ عودته من المنافي، ولشعوره باضطراب الهوية الوطنية او تلاشيها، وبكونها من اخطر الأزمات التي يكابدها العراق، فقد شعر بالحاجة الماسة الى غرس الهوية الوطنية في الضمير ووجوب تغذية حضورها للأبناء والعبور بهم من مضايق الهويات الجماعاتية (الضيقة)، وهويات ايدولوجية مستعارة الى مسار أعم وأشمل، لذا فهو يرسم معالم هوية وطنية عراقية بكونها ما يجب ان تكون عليه تجسيد لوظيفته الفكرية التوعوية. فهو يدعو الى فهو تأويلي للهوية بوصفها كينونة تنمو في التفاعل لا جوهرا منغلقا على ذاته، يتيح تجاوز النزعات الاقصائية ويفتح أفقا للإنسانية تتسع وتعدد. بشكل عام تمتاز الهوية لدى الرفاعي الأب بكونها:

1. علائقية بطبيعتها أي تتكون من:

- شبكة علاقات متبادلة.

- تُعاد صياغتها.

- ليس لها معنى أبدي ساكن بذاته.

- تكتسب معناها من هويات مقابلة.

2. ديناميكية حية:

- تتفاعل وتنفتح.

- تستقي من غيرها وتسقي غيرها، تأخذ وتعطي.

- يعاد بناؤها على الدوام بالاستيعاب والتمثل والتأويل.

- تتشكل بفعل التفاعل الخلاق مع الآخر، وبتأثر التحولات في البيئة والثقافة والتاريخ.

- الهوية افق مفتوح يعيد تعريف ذاته.

3. الهوية كائن اجتماعي لغوي ديني سياسي ثقافي متحول:

- بنيتها مركبة عميقة متنوعة الوجود.

- تتألف من طبقات متداخلة ومكونات متنوعة.

- تسارع تحول الهوية يعيد تعريف الإنسان.

فالهوية الوطنية التي يدعو لها هي جامعة لا تقبل الإنغلاق على مكون واحد ولا تسمح باحتكار الوطن لجماعة دون سواها. هوية تتسع للمختلف وترى ان العيش المشترك لا ينهض إلا بالاعتراف بالاختلاف في إطار كيان سياسي واحد، وشراكة الجميع في بناء الوطن وحمايته. وتتسم الهوية لدى "المثقف المعلم" الحالم بما يجا ان تكون عليه الهوية الوطنية، بما يلي:

1. انتماء الى رقعة جغرافية ومصير واحد ومصالح يلتقي عليها الجميع.

2. تاريخ مشترك وذاكرة جمعية يتجسد في ثقافة جامعة ورموز مشتركة.

3. سردية تستحضر منعطفات نشأة الوطن وتؤرخ تحولاته وتعيد وصل حاضره بجذوره الممتدة في الزمن.

4. تتجلى الهوية الوطنية في الشخصيات المؤسسة وكل شخصية استثنائية تركت بصمة مضيئة في مسيرة الوطن على المستويات كافة واسهمت في بناء كيانه السياسي والعلمي والثقافي الرمزي والديني والقيمي والاقتصادي والفني والأدبي والرياضي.  

5. تنعكس الهوية الوطنية في اللغة والآداب والفنون السمعية والبصرية والأديان والمعتقدات والأمثال والأساطير والعلوم والمعارف المتنوعة، والشعار الرسمي للدولة والنشيد الوطني والمناسبات والأعياد والفلكلور والأماكن الأثرية والمعمارية التي تستفيق فيها الذاكرة وتمنح ما هو جميل في الماضي حضورا مستأنفا.

6. وتظهر الهوية الوطنية في المطبخ وأنواع الأطعمة واللباس والأزياء والأذواق والرياضة بكب أنواعها، وكل ما يسهم في توليد الشعور بالاستمرارية التاريخية ويغذي الإحساس بالارتباط الوجداني العميق بالوطن. 

تعيش الهوية لدى "المثقف المعلم" عبد الجبار الرفاعي في عالم تتفاعل وتتصادم فيه هويات متعددة ومتنوعة. وإدراك الهوية بوصفها صيرورة مفتوحة يتيح تجاوز التصورات المغلقة التي ترى فيها جوهرا ثابتا لا يتغير ويفتح المجال لفهم اكثر إنسانية وقبولا للمختلف. فالوعي بالهوية لديه دعوة للتفكير الصبور والتوغل في طباقتها، وتحليل عناصرها وقراءة تحولاتها وما يتعاقب عليها من تمثلات جديدة. واذ يتبع منهجا بنائيا في كتابه كهرم مقلوب. يعطينا فكرة عامة مختصرة وشاملة في البداية ثم يعيد توضيحها وبيان تفرعاتها واشكالاتها والعوائق التي تعترض رؤيته لبناء هوية وطنية (بما يجب ان تكون عليه)، فهو بهذا يتوجه بها لكل شرائح المجتمع من المختص سياسيا الى المثقف المنهم بالهوية الوطنية الى القارئ الحيصف الى المواطن البسيط، ينطلق بذلك من وظيفته بكونه (مثقفا معلما) والتي قضى جل حياته النضالية والفكرية في سبيل تحقيقها. وهو لا يذهب الى الأزمة بما هي ازمة ليفككها، بل ليتجاوزها الى بناء ما يجب ان تكون عليه. وهنا يأتي دور الرفاعي الأبن.

الدور الذي لم يذكره (الباحث محمد حسين الرفاعي) دور "المثقف النقدي" في كتابه الموسوم (أزمة الهوية والأخلاق في الفعل المجتمعي الجديد) وبعنوان ثانوي (دراسة في الأتيقيا المجتمعية). من العنوان الى متن الكتاب ترى الاختلاف الواضح في المنهج والرؤية في تناول مفهوم "الهوية الوطنية العراقية". فهو ينطلق من لحظة تعتبر مفصلية في بيان ازمة الهوية الوطنية الا وهي "لحظة تشرين" بكونها حركة مجتمعية وضعت المثقف العراقي "منكشفا" امام تفجر لأزمة مجتمعية. هذا الانكشاف للمثقف في وظيفته الواقعية وضعته امام مسارين كلاهما يعمق ازمة الهوية؛ فإما مثقف في خدمة الجماعة "الهووية"، او مثقف في خدمة نفسه. انه إنكشاف مرعب ذلك الذي يجعلنا امام ازمة عميقة للهوية لا يمكن تجاوزها بسهولة. حيث السقوط المجتمعي الكلي ضمن الجماعات "الهووية" التي تقوم على هوية مغلقة. أي ان المثقف في مسارات تعميق ازمة الهوية اصبح عقبة في بناء المجتمع. فالباحث (محمد حسين الرفاعي) يتناول الهوية بواسطتها كمدخل لفعل أخلاقي مجتمعي. أي لا يمكن بناء هوية وطنية دون فعل أخلاقي يسهم في بناء المجتمع.

من هنا ينطلق لتفكيك "وظيفة المثقف" بكل العنوانين الفاعلة في المشهد والتي لا تساعد على حلحلة الأزمة المجتمعية. ولكي يفعل ذلك يفكك المعرفة التي تؤسس لطبيعة الفعل الأخلاقي القائم على الفكر الى اخلاق مجتمعية (ايدولوجية\ واقعية، يوتيبية\ رسولية، واخلاق دستوبيا\ الهدم) وتصبح كل هذه المعارف فائضة عن اللزوم عندما تفقد وظيفتها التي وجدت من جلها. فالمجتمعية الأيدولوجية عندما تفقد موقعها وقوتها المجتمعية تصبح فائضة عن اللزوم، والمجتمعية اليوتوبية عندما تفقد معناها وقوتها وإمكان بناء مجتمع بواسطتها عند مستوى الفرد والمجتمع تصبح فائضة عن اللزوم، والمجتمعية الديستوبية عندما ينكشف زيفها وقدرتها التدميرية تصبح فائضة عن اللزوم انها (عقبة السلطة امام المجتمع).

وهنا يتجذر الإشكال المعرفي الأهم الذي يسعى الباحث محمد حسين الرفاعي للكشف عنه، أي الكشف عن (المصدر المعرفي الذي به تفقد المفاهيم علميتها النظرية وجدواها العملية في اللحظة التي تتحول الى مرجعيات قبلية يتوقف الفهم عندها). فالبحث هنا يتتبع الأصل المعرفي "ابستمولوجيا" في كشف "التابع" الذي ينقل معرفة قبلية (حداثية او تقليدية)، ولا ينتجها. فالتابع عندما ينقل معرفة هي بالذات لواقع هو غير واقعه الذي يعيش، لأنه لا يتلفت الى المكونات الأساسية لفهم واقعه. فالمثقف في بحث دائم عن مبررات لموقف فكري اصبح "فائضا عن اللزوم" على الصعيد المجتمعي بمستوياته الثلاث المذكورة سابقا، فنجد غياب للموضوع الواقعي والمنهج الذي يحتاج، فيتم استدعاء القبليات المرجعية لتبرير الأزمة المجتمعية لا في البحث عن الحل. ولا حل الا عندما يكون الواقع موضوعا للفهم وان نعيه بكونه احداث تحصل في الواقع مؤطرة ب(الزمان والمكان)’ فهو يحلل بعمق هذا المأزق المعرفي بعين الباحث الحصيف بدقة وصبر كبيرين، ليشخص لنا ان الأزمة المعرفية تكمن "بأدلجة الفهم" الذي يفضي الى (حماية المؤسسة المجتمعية وكذلك الحفاظ على ايدولوجيا السلطة). فنحن هنا امام ثالوث "هووي" خطير يتكون من (حراس الفهم، ومؤسسة مجتمعية، وهوية). وهذا الثالوث هو الذي يحدد في كل مرة طبيعة المعرفة التي يجب ان تكون سائدة. وهذه المعرفة بطبعتها احتفائية هوياتية بالغالب، نحتفي بذات انفسنا الضاربة في جذر التاريخ المجتمعي، قائمة على تصورات سابقة تعيد تحديد علاقتنا بأنفسنا والعالم من حولنا.

 هذا الاحتفاء "بالهوية" بقدر ما يمجدها فهو يحجب العالم، أي ان هنالك علاقة عكسية بين (الاحتفاء بالهوية المجتمعية الملية)، والانفتاح على العالم، لأنها بدء التحديد النهائي للذات الفاعلة، لانها بذلك تعمل على تسكين الذات وتعطيل الفعل. فالتساؤل الجذري لبنية الهوية ووظيفتها لا بد ان يضعنا مباشرة امام إمكانيات تجاوز عقبات الماضي ولأن نكون منفتحين على العالم. فبناءا على ذلك "لابد من تفكيك البنية المعرفية، وتفكيك الوظيفة" لانغلاق الهوية معرفيا. 

اول خطوة في ذلك هو الفهم الواقعي، وان ندرك ان العالم الذي نعيش غير العالم الذي نعرف. فانغلاق الهوية يجعل الهوة عميقة بيننا بين العالم من حولنا. لكن شئنا ام أبينا فالعالم يأتي الينا عبر الفضاء فغدا المواطن عالميا بقدر ما هو محلي، حيث يتداخل المحلي بالعالمي في معظم مجالات الحياة، اقتصادية، ثقافية، ميديا، سياسية...الخ. فهنالك هوية عالمية منفتحة وفاعلة لا يمكن تجاهلها، بل تجد صداها في "الدولة" بكونها بينة عابرة للهويات الملية المنغلقة ومتفاعلة مع الآخر على الصعيد "الوطني" في نظام يفترض انه ديموقراطي.

في هذا المفصل يقترب الباحث النقدي "محمد حسين الرفاعي" الأبن مع الأب المفكر المثقف المعلم (عبد الجبار الرفاعي). فيقترح ان الدولة بوصفها تجسيدا لهوية عالمية لابد ان تتسم بأربع سمات:

1. الوطنية، وفكرة المواطنة. أي القبول بالتعدد والمختلف والتنوع بين الجماعات المحلية.

2. وان يتم وضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

3. وان يتم اتباع سياسات اقتصادية تتعلق بالتنمية، والقضاء على الفساد، والحفاظ على قيمة العملة الوطنية.

4. علاقات خارجية مع دول الجوار من جهة والقوى العالمية من جهة أخرى، ـاخذ بمصلحة البلد كقيمة عليا.

فرغم الاختلاف المنهجي بين المفكر المعلم والباحث النقدي في تناولها لأزمة الهوية الوطنية ونقدمهما الشديد لانغلاق الهوية المحلية، فهما يشتركان بهم اقصى اسمه (العراق) وطنا تكون فيه الجماعات متجذرة الانتماء الى هويتها الوطنية مع ضرورة الانفتاح والتفاعل مع الآخر. 

***

د. سليم جوهر

العديد من الناس قلقون من تصاعد الاستبداد Authoritarianism والاوتوقراطية Autocracyعلى مستوى العالم. هذه الهياكل السياسية تخلق مناخا من الخوف وعدم اليقين والتوتر. الأنظمة السلطوية يمكنها بسرعة ان تفككك البرامج المفيدة للشعوب والبيئات، تاركة المواطنين في حالة من العجز واكثر عرضة للتدهور البيئي. ان فهم سايكولوجية الاستبداد تساعد في خلق الوضوح الذهني المطلوب للمقاومة وتعزيز الرفاهية وتصوّر وبناء مستقبل مستديم.

القلق من اللايقين

عندما يتكلم البعض عن "جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى"، ذلك يشير الى وعد بالشعور بالعظمة ثانية – إعادة ترميم الهوية، والأمن والمكانة في عالم سريع التغيير. بالنسبة لأولئك الذين تُركوا  في الخلف بفعل التحولات الاقتصادية والثقافية، تأتي هذه الرسالة لأنها تستغل الحاجة العاطفية العالمية للاحترام واليقين والانتماء. غير ان تلك الراحة تأتي معها تكاليف. هذا الوعد باليقين الذي يستخدم التنمر والقوة يمكنه ان يهمش أي شخص، انه لا يحترم الخبرة من جميع الأنواع ويشوه الحقائق ويلهب الاستقطاب. المتنمر الذي يعكس الديناميكية الاجتماعية لساحة المدرسة، هو وحلقته المقّربة يطلبون الولاء، بينما المارة يبقون صامتين لتجنب ان يصبحوا هدفا. الأتباع ربما يشعرون بالحماية لكنهم أيضا يعيشون في خوف من الطرد.

علماء النفس يسمون هذه الحالة "تعلّق مصحوب بقلق شديد" – يقظة مستمرة للحفاظ على الارتباط بشخص قوي لا يمكن التنبؤ به. انهم ليسوا فقط اشخاص خارجيين يدفعون الثمن، وانما كل منْ يقع في دائرة الخوف والامتثال وضياع الأصالة. كل من يقع في هذه الديناميكية يبدأ يرى العالم بعبارات صارخة من الأبيض والأسود يُنظر من خلالها لأولئك الذين يفكرون بطريقة مختلفة باعتبارهم خطرين. هذا التقسيم السايكولوجي يخدم برامج السلطوية بشكل جيد: حالما يُنظر للجانب الاخر ليس فقط كظالم وانما شرير، عندئذ حتى الأفعال المتطرفة ضده يمكن عقلنتها.

كلفة الصحة الذهنية

العيش في ظل توتر سياسي دائم يأخذ مقدارا عميقا من الصحة الذهنية. في المجتمعات السلطوية، الافراد يجب ان يفحصوا ويراجعوا موقفهم باستمرار، يخلقون حالة من التوتر الدائم. يصبح من الصعب التنبؤ بالحياة، يتم التحكم بها ليس بمبادئ متفق عليها ديمقراطيا وانما عبر الأهواء المتغيرة لقائد قوي. العديد من المرضى وأعضاء الجالية يصفون الشعور كما لو انهم انزلقوا الى علاقات "وضع يسبب الجنون" – حيث الواقع ذاته يبدو غير مستقر ومشوه. السلطوية تستغل الميول السايكولوجية الراسخة عميقا في الانسان. في تجارب ستانلي ميلجرام Stanley Milgram، المشاركون كانوا يرغبون بإدارة ما اعتقدوا انه صدمات كهربائية مؤذية للآخرين فقط بسبب ان شخصية سلطوية أمرتهم للقيام بهذا (ميلجرام،1963). عمل ميلجرام يكشف عدم مقاومة طاعة السلطة حتى عندما تنتهك قيم المرء الخاصة. السايكولوجي روبرت التمير(1996) وجد انه في ظروف تأثير الاستبداد، الافراد عادة يتنازلون عن تفكير معقد ومستقل. بدلا من ذلك، هم يتبنون أحكام الأبيض والأسود، يستبدلون التمييز الشخصي بعواطف جمعية. حين تصبح تابعا في مثل هذا النظام تستبدل عبء المسؤولية الشخصية بوهم راحة اليقين، والأمان المتخيل والتفوق.

احدى اهم التكتيكات الضارة في أدوات الاستبداد هي التلاعب النفسي. هذا الاستغلال النفسي يجعل الناس في حالة معتمدة من رد الفعل، يفقدون السيطرة على قيمهم الشخصية، وغير قادرين على الثقة بتصوراتهم او غرائزهم، وغير مكترثين حول ما تكون عليه الحقيقة.

سايكولوجية القيادة الاوتوقراطية

اذا كانت السلطوية توجد في مستوى منهجي، فان القيادة الاوتوقراطية عادة ما تتجلى اكثر قوة في المستوى الشخصي، تصوغ الحياة النفسية للمواطنين. القائد الاوتوقراطي يحتفظ بسيطرة مطلقة، يحدد المشاركة ويفرض الولاء من خلال الخوف وعدم إمكانية التنبؤ والاعتمادية. المواطنون يصبحون محاصرين بغيبوبة نفسية: يقاومون ويخاطرون بالعقوبة او يمتثلون ويستسلمون لشخصية معينة. وبمرور الزمن، هذا يؤدي الى خدر عاطفي، وانفكاك أخلاقي، وضياع الأصالة الذاتية. حتى المؤيدون للنظام يتأثرون، لأن الضغط المستمر للإمتثال لرؤية القائد يحول دون الأمان السايكولوجي الحقيقي.

غرس الديمقراطية من الأسفل

يمكن مقارنة السلطوية بالتدهور النباتي. انها تنزع من التربة الحيوية، تستبدل التنوع بزراعة أحادية، والتعقيدية بالامتثال، والاستدامة الطويلة الأمد بالهيمنة قصيرة الاجل. تحت سطح القوة الظاهرة يكمن استنزاف للناس والمؤسسات، والقوة والتربة الأخلاقية التي تعتمد عليها الديمقراطية. مع ذلك، فهم الإغراء النفسي للاوتوقراطية يساعد المواطنين في مقاومة جذبها وبناء خيارات هادفة – فضاءات حيث تتم تلبية حاجة الانسان الحقيقية للمعنى والارتباط والأمن بدون التضحية بالفكر المستقل.

الاستجابة للاستبداد تتطلب عملا في أنظمة الحكومة القائمة وكذلك في المعارضة السلمية للمظاهر المدمرة لتلك الأنظمة. المناخ الاجتماعي والمدني هو التربة الصحية لمثل هذه الاستجابات. حتى في البيئات الاستقطابية او السلطوية، هناك ميادين يتم السعي ضمنها للحريات الفردية (القدرة على التفكير والتحدث والتصرف طبقا لقيم الفرد) ويتم الحفاظ على جاليات داعمة، هذه الميادين:

1-  جماعات مدنية تعالج التحديات المحلية بدءا من تحسين الصحة العامة الى تطوير استدامة بيئية.

2-  جماعات مرتكزة على الايمان تعبّر عن عواطفها من خلال رعاية الناس والاشراف على الكوكب.

3-  منظمات طوعية تبني جسورا عبر زراعة الأشجار وتنظيف الممرات المائية والاستجابة لحاجات الناس.

4-  رعاية متبادلة تجسد نموذج العائلات.

ضمن هذه الانشغالات، يؤدي صمود الفرد والجالية الى غرس أنظمة سياسية ديمقراطية وطرق صحية لخلق عواطف وعقل متوازن، واحتضان التعقيدية بدلا من السقوط في تفكير ثنائي، والعثور على قوة في المرونة بدلا من الصلابة.

هذه القيم تقف في تضاد مباشر مع حاجات السلطوية الى كبش فداء، تفكير مبسط "ابيض واسود"، والانشغال مع قائد لا يمكن التنبؤ به. على المستوى الشخصي، المقاومة تتطلب الصدق حول القيم الشخصية والشجاعة والجالية. هناك أربعة طرق تطبيقية للتعامل والمقاومة:

1-  التركيز على المعنى: تتحدث عن الحقائق بوضوح، تقف بثبات حول ما هو صحيح، وغرس قيم الجالية من خلال علاقات مهنية وشخصية بالإضافة الى انشغال مدني.

2-  التعامل من خلال التركيز على العواطف: تبنّي رعاية الصحة الذهنية للمرء بعناية ذاتية وشبكات دعم موثوقة.

3-  التركيز على المشكلة: الرد بأفعال استجواب صغيرة ودفاع، اعتمادا على مخاطرة المرء، وحماية الخصوصية الرقمية باستعمال أدوات آمنة مثل الرسائل المشفرة وشبكات VPNs(مصادر مثل المرشد المضاد للاوتوقراطية يقدم ارشادا حول تقييم المخاطرة الشخصية في ظروف استبدادية وتفصيل أفعال طبقا لذلك).

4.- تفكير مستقبلي: ان تعرف هناك العديد من أشكال المستقبل المحتمل وتكون راغبا بالتفكير فيها والتخطيط لها. عبر غرس هذه العادات، نحن لا نحمي فقط رفاهيتنا وانما أيضا نساعد الديمقراطية والجالية وازدهار الكوكب حتى في أصعب الظروف.

***

حاتم حميد محسن

........................

The psychological pull of Authoritarianism and Autocracy, psychology today,Sep 25,2025

المصادر:

1-  التماير Altemeyer،B(1996). شبح السلطوية. مطبوعات جامعة هارفرد.

2-  Lipman-Blumen., J،(2005). جاذبية القادة السامّين: لماذا نتّبع زعماء مدمرين وسياسيين فاسدين، وكيف يمكننا النجاة منهم، مطبوعات جامعة أكسفورد.

3-  ميليجرام Milgram,S(1963). دراسة سلوكية للطاعة. مجلة علم النفس الاجتماعي وغير الطبيعي،67 (4)،ص371-378.

 

من الهيمنة النسقية إلى الثورة على الفضاء الكارتيزي

أركيولوجية الهيمنة التراتبية: الشجرة كبنية فوقية للسلطة

 في سياق تشريح البنية العميقة للثقافة الغربية، يتكشف النموذج الشجري بوصفه البنية الفوقية الأيديولوجية التي تشرعن علاقات الإنتاج السلطوية. إن هذا النموذج، الممتد من الميتافيزيقا الأفلاطونية وصولاً إلى العقلانية الحداثية، يعمل كآلية لضبط "فائض المعنى" تماماً كما يضبط رأس المال فائض القيمة. فلسفياً، تتأسس الشجرة على ثنائية "الجذر/الفرع"؛ حيث تمارس الحقيقة المركزية (الأصل/الجذر) هيمنة وجودية على الفروع. هذا النسق التراتبي ليس بريئاً؛ إنه انعكاس لنمط إنتاج يرفض التعددية إلا إذا كانت خاضعة لمركز واحد. وبذلك، تصبح المعرفة الشجرية أداة لتكريس الهيمنة التي تضمن إعادة إنتاج علاقات القوة القائمة.

عبر تحليله لـ "الصورة الدوغمائية للفكر"، يكشف دولوز عن التواطؤ الخفي بين الفلسفة التقليدية والسلطة. هذه الصورة ليست مجرد أخطاء معرفية، بل هي ما أسماه لويس ألتوسير "جهازاً أيديولوجياً للدولة". إنها مجموعة المسلمات المسبقة التي تؤدلج الوعي وتوجه الفيلسوف قبل أن يشرع في التفكير، مُحولةً الفلسفة من أداة للنقد إلى أداة لـ "التعرّف" وإعادة إنتاج الموجود. يتجلى "الازدراء الفلسفي" هنا كآلية دفاعية طبقية؛ فالنسق الفلسفي (عند كانط أو هيغل) يشيد حصوناً معرفية لحماية "العقل البرجوازي" من تهديد "الخارج" (قوى العمل غير المقيدة، الجسد، الجنون، والفكر البدوي)، حيث يتم إقصاء هذا الخارج وتصنيفه كـ "فوضى" أو "خطأ". إن هذا الإقصاء هو الوجه المعرفي لعملية "التشيؤ"، حيث يتم تحييد القوة الثورية للاختلاف الصرف عبر استيعابها في "الجدل" وتحويلها إلى مجرد "سلب" يخدم تطور الروح المطلق.

الجذمور كأبراكسيس ثوري:

 (المبادئ الستة للمقاومة) في مقابل الشجرة، يطرح دولوز وغوتاري "الجذمور" ليس كنموذج بديل فحسب، بل كاستراتيجية مادية للتحرر من "سلعنة المعرفة". ويمكن تلخيص مبادئه كالتالي:

مبدأ الاتصال: يكسر الجذمور تقسيم العمل المعرفي الصارم. في البراكسيس البحثي الجذموري، يجب أن تتصل أي نقطة بأي نقطة أخرى؛ إنه رفض للتخصص الضيق الذي يفرضه نمط الإنتاج الرأسمالي لعزل الحقول المعرفية.

مبدأ التغاير: بخلاف الفكر النسقي الذي يسعى للتجانس لضمان السيطرة، يربط الجذمور بين أنظمة متباينة (سلاسل لغوية، تدفقات مالية، شفرات بيولوجية)، كاشفاً عن الطبيعة المادية المتشابكة للواقع.

مبدأ التعددية: التعددية هنا ليست "الكثرة" العددية التابعة للواحد، بل هي جوهرية ونوعية. إنها تشبه مفهوم الجموع عند نيجري وهارت؛ قوة حية تتغير طبيعتها كلما زادت أبعادها، ولا تحتاج إلى "وحدة قياس" متعالية لتستند إليها.

مبدأ القطيعة غير الدالة: الجذمور يقاوم الفناء؛ فإذا حاولت أجهزة الدولة قطعه، فإنه يعاود النمو عبر خطوط هروب جديدة. هذه الخاصية تجعل الفكر الجذموري عصياً على القمع؛ فإذا حظرت الرقابة كتاباً، تحول الفكر إلى أغنية أو "غرافيك". إنه تجسيد لقدرة الطبقات المقهورة على إعادة تنظيم صفوفها.

مبدأ رسم الخرائط: الجذمور خريطة تصنع الواقع، وليس "أثراً" ينسخه. "الأثر" هو إعادة إنتاج أيديولوجي للواقع المفروض، بينما الخريطة مشروع مفتوح قابل للتعديل، مما يمنح الباحث دور "المناضل الثوري" الذي يرسم مسارات جديدة بدلاً من الاكتفاء بتفسير العالم.

مبدأ الديكالكومانيا: وهو رفض القوالب الجاهزة؛ فالجذمور يقاوم إسقاط النماذج المتعالية والنسخ الجامدة على الواقع المادي الحي.

الجيوفلسفة.. صراع آلة الحرب وجهاز الدولة:

 يقدم دولوز مفهوماً يتجاوز الماركسية التقليدية، ولكنه يتكامل معها "آلة الحرب". آلة الحرب ليست الجيش، بل هي "تجميعة" من البشر والأدوات والأفكار تتحرك في "فضاء أملس" وتقاوم التخديد الذي تفرضه الدولة. من منظور المادية التاريخية، يمكن قراءة هذا الصراع كالتالي، الدولة (ممثلة لمصالح الطبقة السائدة) تسعى دائماً لممارسة "الأسر" على آلة الحرب، لتدجين طاقة الإبداع والعمل وتحويلها إلى قوة عمل مأجورة خاضعة للقانون. التاريخ، إذن، ليس سرداً خطياً لتطور الدول كما يرى هيغل، بل هو جدلية الصراع بين "جهاز الدولة" الذي يفرض النظام الشجري لتأمين الملكية والتراكم، و"آلة الحرب" البدوية التي تبتكر "خطوط الهروب" لتقويض هذا النظام.

من "السياسة الكتلية" إلى "الثورة الجزيئية":

 نحو اقتصاد سياسي للرغبة لا تكتمل القراءة المادية للجذمور دون الاشتباك مع المعضلة التي أرقت الماركسية الغربية طويلاً. لماذا تحارب الجماهير من أجل عبوديتها وكأنها تحارب من أجل خلاصها؟ هنا، ينقل دولوز وغوتاري الصراع من المستوى "الكتلي" مستوى الصراع الطبقي التقليدي، الأحزاب، والنقابات إلى المستوى "الجزيئي أي مستوى الاقتصاد الليبيدينالي".

المادية ومسألة الرغبة:

 خلافاً للماركسية الأرثوذكسية التي قد تختزل الرغبة في "بنية فوقية"، أو التحليل النفسي الذي يسجنها في "مسرح العائلة" (أوديب)، يؤكد دولوز في ضد-أوديب أن الرغبة جزء من البنية التحتية؛ إنها "إنتاج" وليست "نقصاً". الرأسمالية لا تكتفي باستغلال قوة العمل في المصنع، بل تقوم بـ "تخديد" الرغبة لضمان أن العامل يستهلك، ويطيع، ويتماهى مع النظام.

الفاشية كمنتج جزيئي:

 إن "المايكرو-سياسة" ليست سياسة "صغيرة" بالحجم، بل هي سياسة تعمل على مستوى التدفقات والذرات الشعورية. الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في استيلاء ديكتاتور على الدولة (مستوى كتلي)، بل في "الفاشية المجهرية" التي تعشش في تفاصيل الحياة اليومية. الثورة التي تغير شكل الدولة دون أن تفكك "الفاشية الجزيئية" في نفوس الثوار، تنتهي حتماً إلى إعادة إنتاج القمع البيروقراطي.

نحو إيتيقا مادية للجذمور:

 بناءً على ما سبق، فإن الثورة الجذمورية لا تلغي ضرورة التنظيم الطبقي، لكنها تشترط أن يرافقه "تحول جزيئي" وتفكيك لشيفرات الخضوع. إن الانتقال من الفضاء الكارتيزي (المخطط والمسيطر عليه) إلى الفضاء الأملس (المفتوح للاحتمالات) هو ضرورة إيتيقية وسياسية. لقد أدى "الازدراء الفلسفي" والمركزية الشجرية إلى كوارث إنسانية عبر فصل الإنسان عن الطبيعة. لذا، فإن الثورة على الفضاء الكارتيزي تعني استعادة القدرة على "التوهان الخلاق" ورسم خرائطنا الخاصة في عالم لا تحكمه حتمية الأرباح، بل تحكمه إمكانات الصيرورة. وكما يؤكد دولوز: "نحن لا نكتب لكي نمثل العالم، بل لكي نصبح شيئاً آخر غير ما نحن عليه"؛ أي لكي نغير العالم.

***

غالب المسعودي

....................

المصادر والمراجع

المصادر العربية والمترجمة

ألتوسير، لويس. الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية. بيروت: دار الطليعة.

دولوز، جيل. الاختلاف والتكرار. (ترجمة وفاء شعبان). بيروت: المنظمة العربية للترجمة.

دولوز، جيل، وغوتاري، فيليكس. ألف هضبة: الرأسمالية والفصام 2. (ترجمة ومراجعة نقدية).

دولوز، جيل، وغوتاري، فيليكس. ضد-أوديب: الرأسمالية والفصام 1. بيروت: دار الطليعة.

دولوز، جيل، وغوتاري، فيليكس. ما هي الفلسفة؟ (ترجمة مطاع صفدي). بيروت: مركز الإنماء القومي.

غرامشي، أنطونيو. كراسات السجن. (ترجمات مختلفة).

ماركس، كارل، وإنجلز، فريدريك. الأيديولوجيا الألمانية.

هارت، مايكل، ونيجري، أنطونيو. الجموع: الحرب والديمقراطية في عصر الإمبراطورية.

ثانياً: المراجع الأجنبية (English References) 9. Byrne, T. (n.d.). The Dogmatic Image of Thought. Medium. 10. Internet Encyclopedia of Philosophy. Gilles Deleuze (1925–1995). 11. Protevi, J. (n.d.). The Image of Thought. Retrieved from [protevi.com]. 12. Taylor & Francis Online. (n.d.). Rhizomatic America and Arborescent Culture. 13. Rhizomatic vs Arborescent Systems. (n.d.). Retrieved from jzhao.xyz.

 

ربَّما لم يُعرف، ويشتهر مذهب المعتزلة، تاريخاً ومبادئ وأفكاراً ومواقفَ، مثلما عُرف أصحابه، ويأتي عمرو بن بحر الجاحظ(255هج) في المقدمة، وذلك لشهرته في الكتابةِ والبلاغةِ، حتَّى أُخذ مَن يُجيد الصنعة يُدعى بالجاحظ الثَّاني، ورداً على الخصوم كتب مدافعاً عن الاعتزال بعنوان «فضيلة المعتزلة»، فنقضه أحمد بن يحيى الشَّهير بابن الرَّاوندي (نهاية القرن الثالث الهجري) في كتاب سماه «فضيحة المعتزلة»، لكن على ما يبدو لم يجرِ هذا في حياة الجاحظ، فكتب الأخير جاءت خالية مِن ذكرٍ لابن الراوندي، والجاحظ لا يترك من ينقضه بلا نقض.

«فضيلة المعتزلة»، وفضيحة المعتزلة «عنوانان متناقضان تماماً، ومِن بعد ابن الراوندي تلقف العنوان-«فضيحة» -مؤرخو الملل والنحل مِن خصوم المعتزلة، فجاء كتاب عبد القاهر البغداديّ(429هج) مليئاً بـ«فضائح» شيوخ المعتزلة، بداية مِن مؤسسي الاعتزال، واصل بن عطاء(131هج)، وعمرو بن عبيد الباب(144هج)، ومنها فضائح الجاحظ، وكذلك نقل البغدادي وغيره مِن «فضيحة المعتزلة» مقالات مِن وضع ابن الرّاوندي، والأخير كان «معتزلياً» وتمرد على الاعتزال، وهو نفسه عند خصوم المعتزلة يُعد مِن الزنادقة، فأذيع «زنادقة الدنيا أربعة: بشَّار بن بُرد، وابن الرَّاوندي، وأبوحيان التَّوحيدي، وأبوالعلاء المعرّي» (الحنبلي، شذرات الذهب)؛ لكن مع ذلك صار (الزّنديق) ابن الرَّاوندي مصدراً ضد المعتزلة في كتب مَن شهدوا بزندقته.

كان التَّضاد واضحاً بين الفضيلة والفضيحة، فإذا اعتبر نفي القدر ونفي الصفات، وخلق القرآن، فضائل في كتاب الجاحظ، صارت فضائح في كتاب ابن الرَّاونديّ، لكن جوهر نقض ابن الراوندي على أصحابه السَّابقين هو دفاعه عن التشيع، وخصوصاً في قضية الإمامة، وللجاحظ كتاب في هذا الشّأن عنوانه «العثمانيَّة».

قد يسأل سائل: وهل وصلنا كتابا الفضيلة والفضيحة، كي نفهم ما كتبه الجاحظ، ونقيضه ابن الراونديّ؟ الجواب لم يصلنا أي من الكتابين، فهما مِن المفقودات، مثل الكثير مِن الكتب لم تصلنا غير عناوينها، بفضل كتب الفهارس، وكتب تراجم الرّجال. لكن ما يخص كتاب الفضيحة وصلنا الغالب منه في كتاب «الانتصار والرّد على ابن الراوندي الملحد»، لشيخ الاعتزال في زمنه أبو الحُسين عبد الرّحيم الخياط؛ الذي خدم خصمه ابن الرّاوندي في نقضه فقرة فقرة، يأتي بالفقرة ويرد عليها، ومنها وصلنا شيء مِن كتاب «فضيلة المعتزلة».

يعطينا ما كتبه الجاحظ مِن فضائل المعتزلة، وما كتبه ابن الرَّاوندي مِن فضائح، تصوراً على التّطرف في الصراعات الفكريَّة، وغياب التوسط والحوار فيها، فلا يوجد حوار أو تفاهم ما بين الفضيلة والفضيحة، كيف تشتد الخصومة، إلى درجة أن ابن الراوندي صار يوصف بالملحد مِن قِبل المعتزلة، وهو في الأمس كان مِن أعيانهم، وما الذي دفع الجاحظ يكتب تحت عنوان«فضيلة المعتزلة» غير الردود العنيفة على مذهبه الفكريّ؛ فالمعتزلة اعتبروا بشار بن برد، وهو صاحبهم السابق ملحداً وأفتوا بقتله، وخصوم الجاحظ قالوا في كتبه: «بِلا معنى، وَاسم يهول، وَلَو عرفُوا جهالاته فى ضلالاته»(البغداديّ، الفرق بين الفرق).

صحيح أنَّ المعتزلة اشتهروا كروّاد للحريَّة الفكريَّة، لقدرتهم على المناظرة، قياساً بزمنهم، لكنهم لم يكونوا كذلك مع خصومهم؛ فعلى ما تبدو، وإلى يومنا هذا، الحرية الفكريَّة كلمة فضفاضة المعنى، الكل يدعيها وينشدها، وهذا ليس في الفكر فقط، فهناك قصص كثيرة عن قمع الأدباء وإقصائهم بعضهم بعضاً، والأمثلة كثيرة، ناهيك عما يجري مِن تربص بالخصومة بين الشعراء والفقهاء؛ منها ما جرى بين الفقيه الشّافعي عبد الكريم السّمعاني(562هح) والفقيه الحنبلي أبي الفرج ابن الجوزيّ(597هج)، والعلة مذهبيّة لا شخصية، وكذلك ما حصل بين أبي الفرج الأصفهاني وأبي سعيد السّيرافي، وأبي نواس وشعراء عصره(الجهشياري، الوزراء والكُتاب)، إنكار الموهبة والجدارة. بمعنى أن مفهوم الفرقة النَّاجية لم يسود بين المذاهب الدِّينية فقط، إنما ساد مجالات الفكر والثَّقافة كافة؛ فلو ذكرناها سنجد مثالها بين فضائل وفضائح.

***

رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

في عام 1513 وفي لحظة شديدة الاضطراب والتوتر، صدر كتاب (الأمير) لمؤلفه الإيطالي الشهير (نيكولو ميكافيلي)، وهو من أشهر الكتب السياسية المعمّرة، حيث لا زال يشكّل مرجعاً سياسياً وأساسياً مهماً لمعرفة اصول الدولة وآليات تشكلّها. وقد كان مليئاً بالجديد، لذلك يُعد ثورة في مجال الحكم والحاكم، حيث فصل ما بين الأخلاق والسياسية وانتقل من “ما يجب أن يكون” إلى “ما هو كائن”، رافضاً المعايير الأخلاقية في الحكم على الدولة، فلا وجود للغايات الأخلاقية في الدولة، لأن وجودها يمثل فضاءً أخلاقياً بحدِّ ذاته. فذهب إلى أن المعيار الحقيقي في الحكم على الحاكم لا يتمثل في كونه فاضلاً أو ورعاً، بل في قدرته على قراءة الواقع واستخدام القوة والدهاء والسيطرة على كافة المتغيرات وكبح جماح الطارئ.

من أجل ذلك، قال قولته الشهيرة “الغاية تبرر الوسيلة”. وأطلق كذلك سؤاله الشهير “هل الأفضل أن يُحب الأمير؟ أم يُخاف؟”. ويذهب إلى أن الأمير الذي يُخاف ويُهاب أكثر ضماناً في صيانة الدولة وديمومة نظامها. والغاية الأخلاقية من وجهة نظر (ميكافيلي) تتمثل في حفظ الدولة بمعزلٍ عن الآليات التي يتبعها الأمير، فحفظ الدولة غاية أخلاقية، وإنّ انهيارها شرٌ أعظم من استخدام القوة لحمايتها، لذلك فمن الممكن أن يضحّي الأمير بوعوده وصدقه إذا شاءت الظروف، وبهذا المنطق تصبح السياسة فنّاً استراتيجياً لا علاقة له بالقيم المطلقة ولا بفضائل الفلاسفة ولا بقيم الكنيسة.

وبالرغم من وجهات النظر النقدية التي واجهت كتاب (الأمير) باعتباره يشرعن لمعالم العنف ويفضل الاستبداد والتفرد على حساب المعايير الأخلاقية ويبرر الخداع والكذب ونكث العهود والمواثيق؛ إلا أنه ما زال يمثّل مرجعاً رئيساً في السياسة والفلسفة السياسية، كونه يعيد الفهم حول الكيفية التي تُدار بها السلطة، ويعمل على ايقاظ شعلة الخطابات لدى المتمرسين، فضلاً عن كونه مصدر إلهام لمن يودُّ صياغة القرارات الصعبة والصحيحة.

إلى أن وصل الأمر بمواطنه المعاصر (أنطونيو غرامشي)، حيث صدر له كتاباً بعنوان (الأمير الحديث)، نُشر باللغة الانجليزية عام 1957، ويتضمن مقتطفات من (دفاتر السجن) التي كتبها بين 1929-1935، ونشر في دار الطليعة عام 1970 بترجمة: زاهي شرفان وقيس الشامي.

والأمير الحديث، وإن كان ثورة في النظام السياسي والفلسفة السياسية، إلا أنه لا يُعدُّ ثورة على ما كتبه (ميكافيلي)، مع كونه انقلابا جذريا على (الأمير)، إلا أننا نفهم من (الأمير الحديث) عبارة عن إعادة انتاج لمعنى مضمر في كتابات (ميكافيلي)، فهو أشبه بطروحات (ماركس) على ما انتجه (هيغل). فجوهر ما أراده (غرامشي) في أميره الحديث، أن يعيد موضعة (الأمير) بجعله يقف على قدميه، بدلاً من الوقوف على رأسه.

 فالأمير الحديث ليس فرداً قائداً وحاكماً كما تصور (ميكافيلي)، بل هو حزب سياسي وجماعة منظمة تمتلك وعياً عالياً، تعمل على قيادة المجتمع نحو التحول التاريخي وتتخلى عن النخبوية في قبال ما يسمى بـ(المجتمع الجماهيري) وتعتمد على صياغة صراع طبقي يعتمد على التثقيف لا السيوف، وتعمل على انتقال القيادة من الفرد إلى التنظيم، وتسعى بالأخير إلى تقديم رؤية شاملة للسلطة بوصفها علاقة تكاملية بين الدولة والمجتمع المدني.

وبعكس (ميكافيلي) والذي بالغ في فصل الأخلاق عن السياسة، يعيد (غرامشي) ربط السياسة بالأخلاق، فالسياسة في رأي الأخير لا يمكن لها ان تنال نجاحاً بمعزل عن الأخلاق الجماعية، فمن شأن الأخيرة أن تُنتج ثقة الشعب بالحزب الحاكم، والأمير لا يكون أميراً بالقوة والحيلة والخداع، بل بالانضباط الأخلاقي والمسؤولية. مع ذلك، فإن مفهوم الثورة من وجهة نظر (غرامشي)، يعدّ الغاية الحقيقية لولادة الأمير الحديث، بينما يشكل مفهوم “الاستقرار” الغاية الرئيسة لحكومة الأمير.

ويناور (غرامشي) في مسألة تحقيق القبول وإنتاج الثقة، فإذا كانت القوة والخداع بمثابة البوابة الرئيسة في تحقيق الأمير لسيطرته، فإن القبول الاجتماعي والثقافي هو المبدأ الرئيس لسيادة الأمير الحديث، فالأمير ليس قائداً سلطوياً، بل مثقفٌ جمعيٌّ يعمل على تنظيم الإرادة الجماهيرية ويحقق رؤية مشتركة للمستقبل ويعمل على صناعة “كتلة تاريخية” تجمع الاقتصاد والثقافة والسياسة.

وبذلك يعيد (غرامشي) اعادة فهم وتركيب مفهوم “الهيمنة”، فهي عنده لا تمثّل فعلاً قمعياً، بل قوة معنوية يُعاد انتاجها بوساطة الثقافة والتعليم والإعلام، وهي تعني أن ينجح الحزب أو التنظيم في جعل رؤيته عن العالم مقبولة شعبياً، وان تصبح أفكارها موضعاً للتسليم والقبول.

وبالأخير، فإن الأمير الحديث عند (غرامشي) يعمل على اعادة بناء مفهوم القيادة السياسية، ليس على القوة والاخداع والإكراه، بل على الوعي والثقافة والتنظيم وصناعة الإجماع وتحويل الأفكار إلى قوة اجتماعية، وهذا ما يختزله الفيلسوف الإيطالي (انطونيو غرامشي) في نظام الحزب الشيوعي آنذاك.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

لا ينجح التنوير حين يظل فكرة نخبوية محاصرة في الكتب والمنصات المغلقة ولا حين يتحول الى شعار ثقافي يردده القليلون بينما تعيش الاغلبية خارج اثره. التنوير فعل اجتماعي شامل لا يكتمل الا حين تنتقل المجتمعات من رشدية تكرس الطاعة الى رشدية تؤسس العقل ومن وعي يستمد اخلاقه من الخوف الى وعي يبنيها على الكرامة الانسانية.

الفرق بين رشدية عبد الله رشدي ورشدية ابن رشد ليس فرقا بين شخصين بل بين منطقين في التفكير ومنهجين في فهم الدين والحياة. الفرق ليس فرق أسماء، بل فرق عصور وطرائق نظر إلى الإنسان والعالم.

 في الاولى تسود سلطة النص المعزول عن مقاصده وتختزل الاخلاق في طقوس شكلية ويقاس الايمان بدرجة الامتثال لا بعمق الفهم. وفي الثانية يتقدم العقل بوصفه اداة للفهم لا خصما للنص وتستعاد الاخلاق باعتبارها جوهرا انسانيا قبل ان تكون اوامر ملزمة.

اخلاق الطقوس تنتج انسانا مطيعا لكنه غير حر ومتدينا شكليا لكنه خائف وواعيا بالمحرم اكثر من وعيه بالعدل. اما الاخلاق الانسانية فتصنع فردا مسؤولا يرى في القيم فعلا يوميا لا واجبا موسميا وفي العدالة التزاما لا شعارا وفي الرحمة ممارسة لا خطابا. هنا يصبح الدين افقا اخلاقيا مفتوحا لا نظام ضبط مغلقا.

وسلطة النص حين تنفصل عن سلطة العقل تتحول الى اداة قمع مقدس اما حين يساندها العقل تصبح طاقة تحرير. فالسؤال الحقيقي ليس ماذا قال النص فقط بل لماذا قال وكيف يفهم في سياق انسان يتغير وتاريخ يتحرك. بهذا المعنى يكون العقل حارسا للمعنى لا متمردا عليه.

من هنا يبدأ التنوير الحقيقي: حين نغادر أخلاق الطقوس إلى أخلاق الإنسان، حيث العدالة ليست شعارا بل ممارسة، والرحمة ليست موعظة، بل بنية تفكير.

عندما نسأل عن النص كيف يُقرأ في سياق إنساني متغير. فسلطة النص حين تنفصل عن سلطة العقل تتحول إلى قمع مقدس، أما حين يتكئ النص على العقل، يصبح قوة تحرير.

وليس الانتقال من “اضربوهن” إلى “حرروهن” مجرد تبديل لغوي أو مزايدة أخلاقية، بل انقلاب في الوعي. هو الانتقال من رؤية المرأة كموضوع للضبط إلى الاعتراف بها كذات كاملة، عاقلة، حرة، مسؤولة عن حياتها ومصيرها. هو التحول من ثقافة الوصاية إلى ثقافة الشراكة، ومن منطق السيطرة إلى منطق الكرامة الإنسانية.

  ان تحرير المرأة ليس قضية فرعية بل معيار اخلاقي لمدى تحرر المجتمع كله.

لا يتحقق التنوير حين تتكلم النخبة لغة لا يفهمها الناس، بل حين يتعلم الناس أن يسألوا، أن يشكوا، أن يربطوا بين القيم وواقعهم. وحين يصبح العقل ممارسة يومية، لا ترفا فكريا، والأخلاق اختيارا واعيا، لا امتثالا أعمى.  ممارسة يومية. عندها فقط نغادر رشدية تخاف الحرية الى رشدية تصنعها ومن اخلاق الطاعة الى اخلاق الانسان.

وحين تنتصر رشدية ابن رشد لا بوصفها اسما تاريخيا بل ممارسة يومية يتحرر النص من الاحتكار ويتحرر الانسان من الوصاية ويعود الدين ظاهره انسانيه لا اداة ضبط. عندها فقط تسقط قداسة العنف ويتحول المقدس من سيف مرفوع الى ضمير حي ومن سلطة تفرض الى معنى يقنع.

فالتنوير في وجهه نظري لا يكتمل حتى تصبح الحرية حقا مشتركا والعقل عادة اجتماعية والمرأة انسانا كاملا لا موضوعا للتأديب. هنا فقط يتجاوز التنوير حدوده النظرية ويصبح فعلا حضاريا حين تختار المجتمعات ابن رشد طريقا لا رمزا وتدرك ان العقل ليس خصم الايمان بل شرط نجاته وان الانسان ليس وسيلة لتمجيد النص بل غايته الاخلاقية العليا.  تلك هي لحظة التنوير الحقيقية حين ينتصر الانسان فينا جميعا

***

ابتهال عبد الوهاب

 

إنّ الوعي الثقافي العربي ليس حديث العهد، بل إنّه يمتد إلى نظريات ودراسات الغزالي والفارابي وابن رشد وابن عربي وابن سينا، وغيرهم كثير ممّن عملوا في مجال المعرفة والوعي والثقافة، وخاصّة مناهجهم في مجال المسائل الفكرية.

الثقافة العربية غنيّة في مناهجها منذ القدم وعلى مستويات مختلفة، إن كان على مستوى الأدب والعلوم والصرف والنحو والبيان والبلاغة والنقد، إضافة إلى الفلسفة والمنطق وعلوم الفيزياء والرياضيات والكيمياء والطب، وعلوم الفلك والموسيقى والإيقاع، وعلوم الفقه.

وبسبب الأزمات الداخلية وغزوات الإحتلال الخارجية تعرّض الوعي الثقافي العربي لنكبات متعددة.

تماماً كما حدث في بغداد عام 1258 إثر سقوطها على يد المغول، حيث تم إتلاف وضياع الناتج الثقافي، ومن ثُمّ الحروب الصليبية المتكررة، والتي أدّت إلى تدمير الأمّة وتفكيكها، ومن ثُمّ جاء دور الأتراك العثمانيين الذين عزلوا الأمّة العربية لفترةٍ زمنية طويلة قاربت أربعة قرون، وأجهضوا اللغة العربية، وجعلوا اللغة التركية هي الرسمية في البلاد، كما صادروا كل المهرة، وكلّ ما يُلامس الإبداع، وتمّ نقلهم إلى " الآستانة " العاصمة في ذلك الوقت، فتخلّفت اللغة العربية من كلّ جوانبها فكرياً واجتماعياً وفنّياً، فعمّ الاهتمام بكلِ شيءٍ سطحي، الذي أبقى الأمور على حالها بعيداً عن أي تقدمٍ أو تطور.

إلى أن جاء دور الإستعمار الغربي، وقسّم العالم العربي، وجاءت سايكس بيكو، وزرع الجسد الصهيوني على الأرض الفلسطينية المغتصبة، وزرع جذور تبعية المنطقة ووعيها وثقافتها وفكرها للغرب، والتي لا زلنا نعاني منها منذ ذلك الوقت.

ولعل من أقسى النكبات الداخلية التي عانى منها الوعي الثقافي العربي ولا يزال، هي الفتنة الكبرى بحق " علي وعائلته وسلالته " ونشوء الفرق الإسلامية مع بداية العهد الأموي، وأزمات أخرى في العهد العباسي أبرزها الزندقة التي انتشرت أكثر في عهد ثاني الخلفاء العباسيين " المهدي "، وتمت إعاقة أي مسيرة نحو الأمام بالوعي الثقافي العربي، واتهام المجددين بتهمٍ ساقطة، وانتشرت حركات التكفير وإلى يومنا هذا، وهي تحمل في أبعادها إثارة الحروب والفتن، والقتل المجاني إنتصاراً لعقيدةٍ أحادية دخيلةٍ ومشوّهة، مثل حركة داعش وتنظيمات إرهابية تكفيرية أخرى.

ومن أخطر المؤثّرات السلبية تراجع الوعي الثقافي وغياب العلمية والتقنية والمنهجية، وتراجع المستوى العام للعلم والتربية، وضحالة الإنتاج الفكري، والسقوط في مستنقع ثقافة القشور، وهيمنة الظاهر على الجوهر، وبالتالي غياب الإبداع وإهمال المبادرات الملتزمة والهادفة لمحاولة إستعادة الثقافة العربية أو إعادة بنائها، وهيمنة رأس المال على كل شيء، حتّى على الإبداع الفكري والثقافي والعلمي.

طبعاً لا ننكر بأن القرن الماضي شهد حركات التحرر من الاستعمار ومن ثُمّ كانت هناك جهود مؤكّدة لإعادة بناء الوعي الثقافي العربي من جديد، كما شهدت بعض العواصم العربية إزدهاراً في مجال النشاط الفكري والثقافي ممّا كان له أثراً كبيراً في إيقاظ وتطوير الفكر الثقافي في البلدان العربية الأخرى.

ولكن سرعان ما جاءت نكسة 1967 ليشهد الميدان العربي إحباطاً لا نظير له، في مجال الفكر القومي، والوعي الثقافي.

في بدايات القرن الحالي شهدت المنطقة تراجعاً واضحاً لكل ما يمسّ التحالف العربي والمشاريع القومية، حتّى المشاريع الوطنية فيما يخص كل دولةٍ، وانتشرت أكثر التنظيمات المسلحة الإرهابية التكفيرية المتطرفة في أكثر من مكان، وأصبحت هي سيدة الموقف.

وحصل خلل فاضح في المجال الفكري والمالي والاقتصادي والتربوي، نتج عنه اضطرابات تعذّر على الجميع التكهن بمدّتها كما نتائجها. وانتشرت سياسة وثقافة المجتمع المستهلك بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى.

كثرت المحاولات للتخلّص من هذا الواقع والتخفيف من آثاره، ومحاولات العودة إلى الماضي من عاداتٍ اجتماعية وتقاليد التي يرى فيها الوعي الثقافي نفسه من خلال الملمح الأساسي الدال عليه وعلى هويته، بعيداً عن إبتكار منظومة جديدة من القيم تتأقلم مع واقع الحياة الحالية.

آخذين بعين الإعتبار أن الوعي الثقافي العربي انتبه الآن لأهمية الدراسات التي تنظر للمستقبل بشكلٍ علمي، ولكن بشكلٍ خجول، ويُحذّر من مخاطر الواقع بالنسبة للمستقبل، ويؤكّد بأن هناك سيناريوهات متوقعة لقضايا الأمّة وواقعها.

لا بُدّ لنا إلاّ أن نؤكّد بأن غنى الثقافة عند العرب لا يكفي بمفرده لضمان الاستمرارية والسمو بالوعي الثقافي، ما لم يرافقه وعلى الدوام وعي متجد وعلى مختلف المستويات، قادراً على حماية الهوية الثقافية والهوية الحضارية للمجتمع العربي وحمايتها من الانهيار والتلاشي والتآكل في ثقافات أخرى لها مصالحها في الإقليم.

الجميع يشهد في بعض الدول العربية مبادرات ثقافية من خلال مهرجانات أدبية أو فنية أو ثقافية، إلاّ أن الوعي الثقافي العربي يُعاني كثيراً من القصور وعدم الإهتمام، لنأخذ القراءة على سبيل المثال وليس الحصر، فإنّنا نلاحظ تراجعاً كبيراً في هذا المجال وخاصّة عند فئة الشباب، كما نلاحظ إقبالاً كبيراً من نفس الشريحة " الشباب " على مواقع التواصل وعلى محتوياتها السطحية والضبابية.

ومن ناحية أخرى نلاحظ أيضاً تراجع المستوى التعليمي والمناهج المدرسية، والتي تفتقد بناء عقلٍ مُبدع، وبناء مستوى ثقافي وتعليمي وتربوي لدى الطلبة.

مع ملاحظة أن الدعم المادي والمعنوي للفاعلين والمؤسسات الثقافية والقائمين عليها، وعلى مختلف مدارسهم إن كانوا فنانين أو مؤسسات أدبية، أو مؤسسات تعليمية، أو جهات إعلامية، وبنفس الوقت غياب دور ومسؤولية الدولة في مراقبة ودعم هذه المؤسسات وهذه الجهات التي هي بالأساس تعمل تحت غطاء الدولة.

لا بُدّ من التنويه بأن العديد من المجتمعات العربية يسيطر عليها بشكلٍ أو بآخر خطاب ديني متطرف ومتشدد، وخطاب سياسي قمعي، وهذا من شأنه أن يُحاصر أي وعي ثقافي ويفرغه من محتواه أو مضمونه، ويضعه في قوالب ضيّقة ومشوّهة، وهذا بحد ذاته أن يكسب المجتمع المزيد من الإنغلاق والتطرف ورفض كل ما يُخالف السلطة الدينية أو السلطة السياسية.

من خلال المتابعة نُدرك بأن هناك محاولات للنهوض بالوعي الثقافي في مجتمعاتنا العربية، من قِبل جهات شبه رسمية وحكماء ومفكرين، ولكن كل هذه المحاولات تصطدم بشكلٍ مباشر ومفصلي بعدةِ تحديات تحجب هذه المحاولات التي تهدف إلى تنمية الوعي الثقافي كواقعٍ يُعاني من الانغلاق والتشتت.

وإذا تناولنا أبرز هذه التحديات التي تواجه الوعي الثقافي العربي، نرى أن المؤسسات التعليمية في الإقليم تعتمد بشكلٍ مباشر على خاصيّة التلقين، بعيداً عن التفكير والنقد والحوار، كل الدول المتقدمة تستخدم الأساليب التعليمية المتطورة، التي تسمح للطالب بالوصول إلى المعلومة بشكلٍ مُبسّط ورائع، وتجعل منه مُبدعاً في مجاله.

كما أن غياب الإعلام الهادف عن الساحة العربية، حال كونه رهينة آراء مراكز القرار في الأنظمة العربية، وفق مصالحهم ومكاسبهم وأجنداتهم المعمول بها، وهذا ممّا يُغيّب الوعي الثقافي الجاد عن المجتمع وكل مواطن.

إضافة إلى ثقافة تجّار المواقف وترويج الثقافة الإستهلاكية التي من شأنها نشر وترويج سلوكياتٍ مستوردة بعيداً عن قيم وثوابت المجتمع، كي تسود الثقافة المهترئة والضبابية.

آخذين بعين الإعتبار الفجوة الثقافية المتباينة بين فئة الشباب وكبار السن، حيث ينظر الشباب إلى ثقافة كبار السن بأنها لا تُمثّلهم، وبنفس الوقت ينظر كبار السن إلى ثقافة الشباب بأنها مُريبة، وهذا من شأنه أن يخلق خللاً ثقافياً في أطياف المجتمع الواحد.

إنّ مسألة الوعي الثقافي العربي هي ليست عملية مُستوردة أو مُسبقة الصنع، كما أنها ليست ترفاً، بل هي ضرورة ملحّة بالنسبة للوطن وللإنسان وللأمّة.

لذا لا بُدّ من وضع برامج جادةٍ لإصلاحِ المؤسسات التعليمية وبتر الفساد فيها، لتصبح هذه المؤسسات منارة للثقافة والفنون والتربية والعلوم، ومركزاً جاداً لتنمية كل المواهب والمهارات والإبداع في مجال التفكير الحر والنقد البنّاء.

كما لا بُدّ من بذلِ كلّ الجهود المثمرة بهدفِ تمويلِ كلّ أشكال الفنون والمكتبات والفنون لتأخذ دورها كاملاً، وتشجيع كلّ مجالات الإنتاج الإبداعي لدى الشباب بشكلٍ خاص.

والارتقاء بالمؤسسات الإعلامية والثقافية وبتر تبعيتها العمياء للسلطة، لتكون فعلاً متخصّصة في كل مجالات الوعي الثقافي وتنميته، وتنتج المحتوى الجذّاب الملتزم والهادف الذي يُخاطب كلّ مُكوّنات وأطياف المجتمع.

وبالتالي سينتج عن هكذا مسار ولادة ثقافة الحوار بين كلّ أفراد المجتمع، وكذلك الحوار الخارجي مع الثقافات الأخرى، بهدفِ بناء ركيزةٍ أساسية لبناء ثقافة الحوار والتسامح والتعايش والانفتاح الإيجابي مع الآخر وعلى الآخر.

ومن الضرورة بمكان التوظيف الإيجابي والفعلي للأدوات الرقمية لنشر الثقافة بشكلٍ شاملٍ وواسع ليكون سهل الوصول لكافة أفراد المجتمع، وبشكلٍ خاص فئة الشباب.

إنّ الوعي الثقافي هو بمثابة خط المواجهة الفعلية، وخط الدفاع الأول والأساسي بهدفِ الحفاظ على الهوية الوطنية، وهو البوصلة والضمانة الأساسية والحقيقية لكل خطوةٍ تنموية أو حضارية، فيما إذا كانت الدول العربية أو المجتمعات العربية تتطلّع وبكل طموح للعب دورٍ حقيقي وفاعل في هذا العالم المتغير على الدوام وفق مصالحه ورؤيته.

لذا لا بُدّ من أن نخطو الخطوة الأولى التي تبدأ بعملية بناء الإنسان الواعي ثقافياً، وتحرير العقل العربي، والفكر العربي، الذي يُدرك تاريخه ويتواصل مع حاضره ويطمح لمستقبله الأفضل.

لا بُدّ من مساءلة النفس البشرية، ومراجعة موروثاتها، وتحليل أبعادها، وامتلاك مهارات التفكير السامية، لتتوفّر لدينا المرونة بالتفكير، وتجاوز حالة التطرف والتشدد الفكري التي تحيل دون تطور الإنسان وفكره الإنساني.

التحدّي أمامنا الآن، فيما إذا كُنّا نستطيع تحويل تراثنا إلى قوة فكرية ثقافية تملك القدرة على المنافسة بكلِ مهارةٍ وإبداع، حينها فقط نكون قد ملكنا مفاتيح مستقبلنا المنشود.

***

د. أنور ساطع أصفري

في أفريقيا جنوب الصحراء.. قراءة تحليلية في البيان الختامي للمؤتمر الدولي للغة العربية بالكاميرون

مدخل: يتشكل المشهد اللغوي في القارة الإفريقية كفضاء سيميائي معقد، تتداخل فيه الأبعاد الهوياتية بالرهانات الجيوسياسية. وفي هذا السياق، لم تعد اللغة العربية في إفريقيا مجرد وعاء للطقوس، بل تحولت إلى ركيزة أساسية في مشروع النهوض الحضاري للقارة.

يأتي هذا البحث ليتناول بالتحليل المنهجي مخرجات المؤتمر الدولي الأول للغة العربية بجامعة في الكاميرون (ديسمبر 2025)، بوصفه لحظة فارقة دشنت انتقال اللغة العربية من "الحيز الوجداني" إلى "المجال الاستراتيجي".

إن الوثيقة الختامية لهذا المؤتمر لا تقف عند حدود التوصيات الأكاديمية التقليدية، بل تمثل "مانيفستو حضاري" يسعى لفك الارتباط بين العربية والارتهان التاريخي للغات الاستعمارية، مكرسةً مفهوم "العربية التنموية". ومن هنا، تسعى هذه الورقة إلى تفكيك المسارات التي رسمها المؤتمر، بدءاً من رقمنة المخطوطات (الأدب العجمي) وصولاً إلى مأسسة اللغة في النظم التعليمية، وذلك لاستشراف دور العربية كأداة للدبلوماسية الثقافية والتكامل الإفريقي في أفق العقد القادم."

أساسيات البحث

لإضفاء الصبغة العلمية على ورقتك، يجب إدراج العناصر التالية عقب المقدمة مباشرة:

1. مشكلة البحث

تكمن المشكلة في وجود فجوة بين القيمة التاريخية للغة العربية في إفريقيا جنوب الصحراء وبين واقعها المؤسسي والقانوني المعاصر. ويسعى البحث للإجابة على التساؤل الرئيس: كيف يمكن لمخرجات مؤتمر نغاوندري 2025 أن تشكل خارطة طريق لتمكين اللغة العربية مؤسساتياً وتنموياً في القارة؟

2. أهداف البحث

تأصيل القيمة: تبيان التحول النوعي في وظيفة اللغة العربية من "لغة تعبد" إلى "لغة تنمية واقتصاد معرفي".

تحليل المسارات: استعراض الآليات العملية (أكاديمياً وسياسياً) لتنفيذ توصيات المؤتمر.

استشراف المستقبل: وضع تصور لدور الشراكات الدولية في تعزيز حضور العربية في الفضاء الإفريقي.

3. منهجية البحث

المنهج التحليل الوصفي: لتحليل بنية البيان الختامي للمؤتمر وتفكيك مضامينه.

المنهج الاستشرافي: لمحاولة قراءة مآلات تطبيق هذه التوصيات على المدى المتوسط والبعيد.

4. أهمية البحث

تستمد الدراسة أهميتها من كونها تواكب حدثاً علمياً آنياً (مؤتمر 2025)، وتقدم إطاراً نظرياً لصناع القرار في المؤسسات التعليمية والدبلوماسية لإعادة دمج العربية في النسيج الرسمي للدول الإفريقية.

المحور الأول: التعليق العلمي (أنسنة البحث العلمي وإحياء التراث العجمي).

يمثل "إعلان المؤتمر الدولي للغة العربية بالكاميرون" خارطة طريق عملية لتمكين اللغة العربية كرافعة للتنمية والأمن السلمي في القارة السمراء، مما يجعل جامعة نغاوندري قطباً أكاديمياً ريادياً في قيادة هذا التحول الحضاري.

وثيقة استراتيجية تؤسس لمرحلة جديدة من "الدبلوماسية الثقافية واللغوية" في القارة الإفريقية:

تُعد مخرجات مؤتمر جامعة نغاوندري بالكاميرون (ديسمبر 2025) وثيقة استراتيجية تؤسس لمرحلة جديدة من "الدبلوماسية الثقافية واللغوية" في القارة الإفريقية. فيما يلي تعليق علمي وقراءة تحليلية استشرافية لهذا البيان:

أولًا: التعليق العلمي (القيمة الأكاديمية والحضارية)

- يأتي هذا البيان ليعيد الاعتبار للغة العربية ليس بوصفها "لغة وافدة"، بل كجزء أصيل من النسيج الهوياتي لإفريقيا جنوب الصحراء.

- التحول من "اللغة التعبدية" إلى "اللغة التنموية": ركز البيان على ربط العربية بالتنمية المستدامة والاقتصاد المعرفي، وهو انتقال ذكي يخرج اللغة من حيز الدراسات اللاهوتية أو التاريخية الضيقة إلى رحاب العلوم الاجتماعية والاقتصادية.

- أنسنة البحث العلمي: دعوة المؤتمر إلى "التجرد المعرفي" وتجنب القراءات الطائفية تعكس وعيًا عميقًا بالتحديات السوسيولوجية في إفريقيا، حيث يسعى المؤتمر لتقديم العربية كأداة "سلم اجتماعي" وتواصل حضاري عابر للاختلافات العرقية والدينية.

- السيادة المعرفية: الحث على جمع وتحقيق المخطوطات الإفريقية المكتوبة بالعربية (العجمي وغيره) يمثل خطوة نحو استعادة "السيادة المعرفية" لإفريقيا، وتصحيح السردية التاريخية حول إسهام القارة في الحضارة الإنسانية.

ثانياً: القراءة التحليلية الاستشرافية:

بناءً على توصيات وقرارات مؤتمر "نغاوندري 2025"، يمكن استشراف المسارات التالية:

1. مؤسسة التعاون "الأكاديمي-الإفريقي" (الشبكة العلمية):

يُتوقع أن يؤدي قرار إنشاء "شبكة علمية إفريقية" إلى كسر العزلة بين الباحثين في دول الساحل وغرب إفريقيا مع نظرائهم في شمال إفريقيا والعالم العربي. استشرافياً، قد تتحول هذه الشبكة إلى "مرصد إفريقي للغة العربية" يشرف على معايير الجودة في المناهج التعليمية وتوحيد المصطلحات.

2. التحول الرقمي والتراث المخطوط:

- التوصية بجمع التراث العلمي ستدفع نحو مشاريع "الرقمنة الشاملة". نتوقع في السنوات الخمس القادمة ظهور منصات رقمية كبرى.

- تتيح المخطوطات العربية الإفريقية للباحثين حول العالم، مما سيفجر ثورة في "الدراسات البينية".

3. تعريب "التنمية" والوساطة الثقافية:

من خلال التأكيد على دور العربية في الإعلام والاقتصاد، يتجه الاستشراف نحو ظهور جيل من المهنيين الأفارقة (دبلوماسيين، تقنيين، ورجال أعمال) يستخدمون العربية كـ "لغة عمل".

4. التعددية اللغوية كصمام أمان:

القراءة التحليلية تشير إلى أن المؤتمر يتبنى نموذج "التعدد اللغوي المتناغم". العربية هنا لا تصادم اللغات المحلية، بل تتكامل معها (مثل السواحيلية، الهوسا، والولوف). هذا التوجه سيقلل من حدة الصراعات الهوياتية ويخلق فضاءً ثقافياً مشتركاً يدعم "ثقافة التعايش" التي دعا إليها البيان.

ثالثًا: متطلبات التنفيذ (خارطة طريق)

لتحويل هذه التوصيات إلى واقع ملموس، يتطلب الأمر:

- تفعيل "اللجنة العلمية للمتابعة": لضمان عدم بقاء التوصيات حبيسة الأدراج، وربطها بجداول زمنية وميزانيات محددة.

- الشراكات الدولية: الانفتاح على الجامعات العربية المرموقة لتمويل كراسي علمية متخصصة في "الأدب العربي الإفريقي" بجامعة نغاوندري.

- الاستثمار في الترجمة: إطلاق حركة ترجمة واسعة من العربية إلى اللغات المحلية الإفريقية وبالعكس، لتعزيز التفاعل الثقافي الحي.

المحور الثاني: القراءة الاستشرافية

القرارات الختامية:

أولاً: التعليق العلمي (القيمة الأكاديمية والمؤسسية)

- تجاوزت قرارات مؤتمر نغاوندري 2025 الإطار التقليدي للمؤتمرات العلمية التي تنتهي بانتهاء جلساتها، لتنتقل إلى "مأسسة الفعل الثقافي العربي" في الكاميرون والمنطقة، ويتجلى ذلك في:

- الاستدامة الدورية: تحويل المؤتمر إلى "تقليد علمي دوري" ينفي صفة الموسمية عن الجهود الأكاديمية، ويضمن تراكم الخبرات البحثية بين الجامعات الإفريقية.

- المرجعية الوثائقية: اعتماد "بيان نغاوندري" كمرجعية علمية يحول مخرجات المؤتمر من مجرد توصيات إلى "وثيقة سياسات لغوية" يمكن الاحتجاج بها في المحافل الأكاديمية والدولية.

- آلية التنفيذ: تشكيل لجنة علمية للمتابعة يعكس إدراكاً عميقاً بضرورة الربط بين البحث العلمي والواقع التطبيقي، لضمان عدم بقاء التوصيات حبيسة الأدراج.

ثانياً: القراءة التحليلية الاستشرافية (آفاق المستقبل)

تستشرف هذه القرارات مستقبلاً واعداً للغة العربية في القارة الإفريقية، يمكن قراءته عبر المسارات التالية:

1. مسار القيادة الأكاديمية (التناوب الجامعي):

إن إقرار مبدأ "التناوب مع جامعات إفريقية أخرى" يستشرف تشكيل "شبكة أكاديمية إفريقية للغة العربية". هذا التوجه سيؤدي إلى تذويب العزلة بين الأقسام العلمية في دول الجوار (مثل تشاد، نيجيريا، والنيجر)، مما يعزز من مكانة جامعة نغاوندري كقطب إشعاع حضاري في عمق القارة.

2. مسار التمكين والشرعنة (الرفع للجهات الرسمية):

استشرافياً، تهدف هذه الخطوة إلى إدماج اللغة العربية بشكل أعمق في المنظومات التعليمية والسياسية بصفة العربية "لغة تنمية وتعايش" لا لغة طقوس دينية فحسب. هذا سيفتح الباب مستقبلاً أمام اعترافات رسمية أوسع بالشهادات الجامعية العربية وتوظيف خريجيها في سلك الدبلوماسية والإدارة.

3. مسار الهوية والوعي المجتمعي (الدور الإعلامي):

التركيز على وسائل الإعلام يشير إلى استراتيجية "تطبيع" وجود اللغة العربية في الفضاء العام الإفريقي. التوقع المستقبلي هنا هو كسر الصورة النمطية للعربية، وتقديمها كأداة للتواصل الحضاري والبحث العلمي الحديث، مما يزيد من إقبال الأجيال الشابة (غير الناطقة بها أصلاً) على تعلمها.

4. مسار السلم الاجتماعي (ثقافة التعايش):

ربط اللغة العربية بقيم "التعايش السلمي والتنمية" في البيان الختامي هو قراءة استباقية للتحديات الأمنية في منطقة الساحل وجنوب الصحراء.

إن العربية هنا تُطرح كـ "لغة وسيطة" قادرة على تعزيز الحوار وتفنيد خطابات الغلو، مما يجعل استقرار المنطقة مرتبطة جزئياً بتمكين لغة الحوار والحضارة.

***

د. خليل حمد الأزهري - مدينة ماروا-الكاميرون

 

(إنْ كُنَّا صادقين!)

في لقاءٍ حواريٍّ أجراه معي المذيع (الأستاذ ماجد العمري)- في برنامج «الثقافة اليوم»، بُثَّ مساء الخميس 26/ 2/ 1436هـ، عبر (القناة الثقافيَّة)، بمناسبة (اليوم العالمي للُّغة العربيَّة)- كنتُ أرى أنَّ المناسبة قد باتت أشبه ببكائيَّةٍ تأبينيَّةٍ للعَرَبيَّة؛ حتى إذا انفضَّ السامر، لم ينتج له من تأثيرٍ عمليٍّ للنهوض بسيِّدة اللُّغات. وتمنَّيتُ يومها تحويل (مركز الملك عبدالله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللُّغة العَرَبيَّة) إلى مجمعٍ للُّغة العَرَبيَّة، طال انتظاره. وهو ما تحقَّق بعد ستِّ سنوات، بتأسيس (مجمع الملك سلمان العالمي للُّغة العَرَبيَّة)، في 13 محرم 1442هـ. كأنَّما لأُعيد النظر في الزعم بأنَّ (اليوم العالمي للُّغة العَرَبيَّة)، لا يعدو تأبينًا للعَرَبيَّة، لا يُلمَس له من تأثيرٍ عملي.

غير أنَّ إنشاء المؤسَّسات اللُّغويَّة لا يُغني عن تفعيل قراراتها في الحياة الواقعيَّة العامَّة، ولا عن بثِّ الوعي، وفرض مقتضياته. وإلَّا فكم من المجامع والمراكز أقيمت في دولٍ عَرَبيَّةٍ، سبقتنا في هذا المضمار، وما برحت العَرَبيَّة فيها في انحدارٍ متواترٍ مُريع، إذا قارنت بين الحال فيها قبل عقودٍ فقط وحالها اليوم، أدركتَ هولَ الهاوية.

وإذا كانت للُّغة العَرَبيَّة قداستها، بوصفها لُغة «القرآن الكريم»، فإنَّ مفهوم قداسة اللُّغة ليس بالضرورة دِينيًّا فحسب، بل هو قوميٌّ وحضاريٌّ أيضًا. والأُمَّة التي لم تَعُد تشعر بهذا الشعور إزاء لُغتها أُمَّةٌ ميتة، أو قد فقدت عُذريَّتها، وشَرَفَها، واحترام وجودها.  نعم، هناك من يُروِّج لمقولةٍ فحواها: أنَّ مكانة اللُّغة رهينة مكانة أهلها، وأنَّ انحطاط العَرَب وراء انحطاط العَرَبيَّة؛ وإذن، فإنَّ حال العَرَبيَّة اليوم حالٌ طبيعيَّة، لا ينبغي أن نشكو منها، ولا أن ندعو إلى تغييرها؛ ما دامت لن تتغيَّر أصلًا حتى يُغَيِّر العَرَب ما بأنفسهم من تخلُّفٍ وتَبَعيَّة. ومن ثَمَّ فإنَّ علينا- بحسب رأي هؤلاء المرجئة- انتظار أن يُصبح العَرَب دولةً عُظمَى، ويومئذٍ ستُصبح لغتهم لغةً عظمى كذلك، هكذا تلقائيًّا. وهو ظاهر حقٍّ، ربما أريد به باطلٌ باطن، أو انطوى على ذلك الباطل، عن قصدٍ أو عن غفلة. ذلك أن جدليَّة اللُّغة والحضارة هي كجدليَّة البيضة والدجاجة، من العُقم البيزنطي في الجدال القولُ بأنَّ إحداهما أهمُّ من الأخرى، أو أسبق منها. من حيث إن ثَمَّة تفاعلًا بنيويًّا عضويًّا بين اللُّغة والحضارة؛ فلا لُغة ناهضة بلا حضارةٍ ناهضة، ولا حضارة ناهضة بلا لُغةٍ ناهضة. على أنَّه إنْ كان للمفاضلة بين هذين الركنين في البناء الاجتماعي من وجه، فسنجد في اللسانيَّات ما يؤيِّد أوَّليَّة اللُّغة على الفِكرة. بل القول: إنَّه لا فكرة بغير كلمة، وأنَّ الفكرة تتأثَّر تشكُّلًا بطبيعة الكلمة. ومن هنا لم يكن عبثًا أن يهتمَّ الوعيُ الحضاريُّ باللُّغة أوَّلًا، وإنْ كانت المعطيات الصناعيَّة، والأسباب التقنيَّة، والروافع الحضاريَّة، والمكانة العالميَّة ما تزال في الحضيض. لأجل ذلك أحيت دولةٌ كالدولة الصهيونيَّة، على سبيل المثال، اللغةَ العبريَّةَ، الميِّتة منذ آلاف السنين.. بل من المشكوك فيه أنها كانت لغةً حيَّةً أو سائدةً في المجتمع العبراني أو اليهودي حتى قبل آلاف السنين تلك. أحيتها الصهيونيَّةُ وفرضتها فرضًا داخلَ كيانها المحتل، ولم يُسعفها فلاسفتها اللغويُّون الكُثر- ككثرة صوت (الخاء) في الكلمات العبريَّة- بمثل ما يُسعفنا به بعض متحذلقي العُربان لإرجاء ذلك ريثما تصبح الدولة دولة عظمى! من حيث رأى العِبران- بخلاف العُربان- اللُّغةَ أساسًا أوَّليًّا في مشروعهم البنائي، أيديولوجيًّا وحضاريًّا.

وإذا كنَّا نتذرَّع في مواجهة ضعف اللُّغة العَرَبيَّة- المنكوبة بمَن يُفترض أنَّهم أولادها المعاصرون- مقارنة بغيرها في العالم المعاصر، قائلين إنَّ الحضارة الغربيَّة قد فرضت لُغاتها، ولا سيما الإنجليزيَّة والفرنسيَّة، بفعل التقنية والإعلام، فإنَّنا- نحن العَرَب في المقابل- لا نكاد نفعل شيئًا في خدمة العَرَبيَّة، سِوَى التغنِّي بالماضي، ورفع الشعارات الفارغة، التي يناقضها الواقع التطبيقي في تعليمنا وإعلامنا، فضلًا عن شوارعنا وأسواقنا وحياتنا العامَّة والخاصَّة، أفرادًا وجماعات ودُوَلًا. حتى إنَّ السياحة، التي يُفترض أنها فرصة للمثاقفة الإنسانيَّة، وتعريف الآخَر بما لدينا، إنَّما نستقطب من خلالها الآخَر إلى ديارنا لنُقَدِّم إليه ثقافته هو! وبلغته هو! وكأنَّنا لا نعدو خدمًا لثقافات الآخَرين ولُغاتهم! إلى درجة أنَّنا نُسمِّي للسائح الأماكن في بلداننا، والفعاليَّات المقامة، والمنتجات المختلفة بتسمياته هو! فأيَّة خيبة حضاريَّة مرَّت بالعَرَب كخيبتهم المعاصرة. لقد كان العَرَبيُّ الجاهليُّ- بفطرته- أكثر وعيًّا حضاريًّا، وبمراحل ضوئيَّة، من العَرَبيِّ المعاصر؛ فلم يأخذ من لغات غيره إلَّا لضرورةٍ وبتعريب. والسبب أنَّ العَرَبيَّ القديم كان إنسانًا طبيعيًّا، حُرًّا، مستقِلًّا ثقافيًّا، يستشعر انتماءه القومي، وتحدِّي القوميَّات المحيطة به، على حين أنَّ العَرَبيَّ المعاصر إنَّما يقتات على فتات الآخَر، ولا يستشعر خلال ذلك إلَّا بدونيَّته إزاء القُوَى الغالبة، وتبعيَّته الوجوديَّة والأبديَّة لذلك الأزرق العينَين؛ غاية طموحه في الحياة أن يرضى عنه، ويعترف بحضوره معه على الكوكب الأرضي، وبأيَّة كيفيَّة! لماذا؟ لأنَّ العربيَّ المعاصر بات مستلَبًا، وكائنًا مدجَّنًا، مستعمَرًا، عسكريًّا، وحضاريًّا، وثقافيًّا، ولُغويًّا، وقيميًّا. رضخ للتوجيه العتيق لجَدِّه (الحُطيئة):

دَعِ المكارِمَ، لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِها

واقْعُدْ، فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الكاسِي!

-2-

حتى إذا التفتَّ إلى التعليم اللُّغوي وجدته من البؤس بحيث لا يعدو في أحسن أحواله وأرقاها ترديد السَّلَف عن الأسلف منهم. ولنضرب هنا مثالًا واحدًا نموذجيًّا من ذلك الباب العام في التوارث والترديد، وليكن من خلال تقليد (ابن هشام النحوي)، بترديده، واجتراره ما سلف، وشغفه بالإغراب، الذي لا ينكره لديه ولدى أضرابه إلَّا مكابر، أُشْرِب عِشق الموروث. ولقد تخطَّى هذا النموذج النحوي في الترديد الشواهد، والآراء، إلى اللُّغة والاصطلاح.  خذ مثالًا من جملة «سعيد كُرْز»، التي يكرِّرها في كتبه، في مواطن مختلفة، موروثًا عتيقًا عن (سيبويه، -180هـ)، صاحب «الكتاب»، أو راويه عن (الخليل).  وإنَّما يحمله على هذا، إضافة إلى ثقافة الترجيع عن السَّلف، إعجابه بمفردة (كُرْز) هذه.  وما زال النحويُّون يردِّدون هذا المثال إلى الآن، ويتنازعون في الإعراب من حوله، لأكثر من ألف سنة وقرنين.  وأذكر هنا كم شغلنا هذا (الكُرْز) الذي يمثِّل به النحويُّون، ونحن طلبة، ولاسيما في باب عطف البيان والبدل! كأنَّ العَرَبيَّة ضاقت بهم بما وسعت، فلم يجدوا عبر العصور كلمةً أخرى.  كنا نتساءل: أهذه كلمة عربية أصلًا؟ أم أعجميَّة؟  ومَن الأستاذ (سعيد كُرْز)، بسلامته، الذي شغلَ حيِّزًا من كلام النُّحاة، منذ «إمامهم الأكبر» حتى اليوم؟ وكان الأساتيذ لا يحيرون جوابًا، ومع ذلك يظلُّون يُردِّدون ويُردِّدون، كما يُرَدِّد العابد طقسًا دينيًّا، فَهِم أم لم يَفهم. والكُرْز: خُرْج الراعي. فما الذي منعهم أن يقولوا: «سعيد خُرْج»، إنْ كان لا بُدَّ من هذا المعنى؟!  لا شيء سِوَى التقليد الأعمى. ونحن نكاد لا نجد لمفردة (كُرْز) ذِكرًا في الشِّعر العَرَبي قبل الإسلام، إلَّا في قول (تأبط شرًّا):

وَجَدتُ ابنَ كُرْزٍ تَستَهِلُّ يَمينُهُ

ويُطلِقُ أَغلالَ الأَسيرِ المُكَبَّلِ

أو قول (هند بنت حذيفة الفزاريَّة):

لَقَد نالَ كُرْزٌ يَومَ حاجرَ وَقعَةً

كَفَتْ قَومَهُ أُخرَى اللَّيالي الغَوابِرِ

هذا نموذج. وقِسْ عليه ما شئت في تعليمنا اللُّغوي الجامعي أو ما قبل الجامعي. ذاك لأنَّ ديدن النُّحاة: الإغراب، والاجترار، مع هوسٍ بالتماس ما يُضفي هالة من الغموض على مادَّتهم، بأيَّة صُورة من الصُّوَر، بكُرْز وبغير كُرْز، وهو ممَّا يدهش له المرء في سلوكهم المتوارث. والنتيجة معروفة: ماثلة في نظرة الناس إلى العَرَبيَّة وعلومها، كافيك عن الإقبال عليها، أو حبِّها، ولا تَسَلْ عن تعلُّمها واستعمالها.

-3-

ثمَّ يأتي شأن الكتابة والإملاء، ويأتي إهمال ضبط الكلمات، ضِغثًا على إبَّالة. من آيات هذا، مثلًا، تلك الياءات المِصْريَّة، التي تُكتَب في كوكب الكنانة، حفظه الله، ألفًا مقصورة! ولا عزاء للقارئ العَرَبي ولا للُغته! حتى إذا جاء منهم من يُعجِمها، خلط بين الياء والألف، كما يخلط أرباب نطق الذال زايًا بين الحرفَين، فإذا هم ينطقون الزاي ذالًا.(1) مثال ذلك إعجام (أحمد محمَّد شاكر) و(عبدالسَّلام محمَّد هارون) الياء في «مفضَّليات» (الضَّبي)، وذاك حَسَن منهما، مع أنه نادرٌ أن يصدر عن مطبعةٍ مِصْريَّة نصٌّ فيه ياء معجمة. فلعلَّ طبعة (دار المعارف بالقاهرة، 1964) للمفضَّليات من نوادر المطبوعات المِصْريَّة التي تُنقَط فيها الياء! ويبدو أنَّ المحقِّقَين الكبيرين قد عانيا للتمرُّد على ذلك الواقع المرسَّخ في الإملاء المِصْريِّ؛ بدليل أنهما أحيانًا كانا يُعجِمان أيضًا الألف المقصورة، بعد أن تشابهت عليهم الحروف!  فتجد بيت (عَوف بن الأَحْوَص) هكذا:

مُلُوكٌ [علي] أَنَّ التَّحِيَّةَ سُوقَةٌ

أَلاياهُمُ يُوْفَـى بِها ونُذُورُهـا(2)

وقد صارت «على»: «علي»، (بالياء)!  أو في قصيدة أخرىٰ، حيث تقرأ:

كُفَّ خَدَّاهُ [علي] دِيبَاجَةٍ

و[على] المتْنَيْنِ لَوْنٌ قَدْ سَطَعْ(3)

وهذا مثال أيضًا، كمثال (كُرْز) السابق في عالم النحاة. هو بدَوره من شواهد المكابرة، والتنطُّع، والتمسُّك بما وُجِد عليه الآباء، من صائبٍ وخاطئ. وإلَّا لو كُتِب الحرفان هنا برسمَين مختلفَين، يميزان بين الألف والياء، كما هو الأصل، وكما يكتب العَرَب في سائر الأقطار العَرَبيَّة، لما وقعت الواقعة، ولا أشكلت كتابة مثل هذه الكلمات في كتاب «المفضَّليات»، ومن محقِّقَين عَبْلَين!

وليست من غايتنا الاستقصاء، ولكن لا تنس، ختامًا، الخلط الفاشي بين الألف الممدودة والألف المطويَّة، أو المقصورة. ولستُ أدري ما سِرُّ غرام المعاصرين بالألف المدودة؟ حتى إنَّ بعض النساء تكتب اسمها: (نورا)، وهي (نورة)! أو (غادا)، وهي (غادة)! أتلك محاكاة لمنطوق لغات أخرى؟! ثمَّ خذ، مثالًا، من غير أسماء النساء، من أسماء أحياء (الرِّياض)، وهو ما يُسمَّى (حي المَلْقَا).. فما معناه؟! وإنَّما هو (المَلْقَى)، بالألف المقصورة، لكنَّه الغرام الذي أشرنا إليه بالألف الممدودة، وكأنَّ الذي يكتب لنا الأسماء (الخواجة كرياكو)!  إذ يبدو أنَّ هذا المكان كان مَلْقَى أودية، أي ملتقاها. فالمَلْقَى، في اللُّغة، ملتقَى شيئين، عمومًا. جاء في اللُّغة، مثلًا: (المَلْقَى): ملتقَى الوعول من الجبال ومكان إقامتها، تستعصم به من الصيَّاد. وقيل: المَلْقَى: أعلى الجبل، والجمع الملاقي.  قال الشاعر، في هذا المعنَى:

ونِعْمَ مَلْقَى الرِّجالِ مَنْزِلُهُمْ

ونِعْمَ مَأْوَى الضَّرِيكِ في الغَبَسِ(4)

**

وهكذا حيثما وليتَ وجهك وجدت العَرَبيَّة التي يُشوِّهها مَن يُفترض أنهم أولادها ويُعوِّقوها، بدءًا من النقطة فالحرف، وصولًا إلى الكلمات فالجُمَل.

فما جدوَى الاحتفاء باليوم العالمي للُّغة العَرَبيَّة، الذي نجترُّه كلَّ عامٍ منذ سنين عددًا، ما لم يتمخَّض عن مراجعاتٍ جادَّة، في التعليم والإعلام والحياة الثقافيَّة والعامَّة، لمحاولة إصلاح ما أفسدته الدهور وأهلُها من سَويَّة لُغتنا العَرَبيَّة المجيدة، إنْ كنَّا صادقين؟!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

.....................

(1)  لهذا تجد كلمة «جازع» قد صارت «جاذع»، في ديوان (أبي تمَّام، بشرح الخطيب التبريزي، تحقيق: محمَّد عبده عزَّام، (القاهرة: دار المعارف، 1983)، 4: 39/ 8)، في بيته:

أَلَّا يُعَزَّى جَازِعٌ بِحَمِيمهِ

حتَّى يُعزَّى أوَّلًا بِعَزائِهِ

أمَّا لماذا لم تُقلَب الزاي ذالًا في «يُعزَّى بِعَزائِهِ»؛ فذلك لأنَّ الخلط لا يقع لدَى هؤلاء في جميع الكلمات الزائيَّة، ولكن في بعضها؛ فترى أحدهم يُخرِج لسانه للنُّطق بالذال، توقِّيًا لمغبَّة الوقوع في الخطأ اللَّهجي. ومثل هذا يقع لدينا في دول (الجزيرة العَرَبيَّة) و(الخليج العَرَبي) و(العراق) في الخلط بين نُطق الضاد والظاء.

(2)  الضبِّي، المفضَّل، (1979)، المفضَّليات، تحقيق وشرح: أحمد محمَّد شاكر وعبد السلام محمَّد هارون، (القاهرة: دار المعارف)، 178/ 14.

(3)  م.ن، 196/ 52.

(4)  يُنظَر، مثلًا: الزَّبيدي، تاج العروس، (لقي)، (غبس).

لم يعد البُعد اللغوي الذي نلاحظه بين جيل اليوم ولغته الأم مجرد ظاهرة لغوية بسيطة أو مسألة تعليمية يمكن حلها بتغيير مناهج أو إضافة دروس. فقد أصبح هذا الابتعاد ظاهرة اجتماعية وثقافية عميقة، تشكّل جزءًا من التحولات الكبرى التي يعيشها العالم المعاصر. وفي قلب هذه الظاهرة تقف اللغة العربية، التي كانت يوماً العمود الفقري للهوية والتعبير والمعرفة في المجتمعات العربية، فإذا بها تواجه الآن تحديًا وجوديًا حقيقيًا يتمثل في مشاركة لغات ولهجات وأساليب تواصل جديدة لها في الفضاء العام. والسؤال الذي صار يفرض نفسه على كل باحث ومربي ومثقف هو: لماذا يبتعد جيل اليوم عن لغته الأم؟ وهل هذا الابتعاد هو نتيجة تقصير، أم أنه تحوّل طبيعي في سياق سوسيولوجي جديد لا يمكن تجاهله؟

لقد شهدت العقود الأخيرة سلسلة من التحولات الاجتماعية التي أعادت تشكيل علاقة الأجيال باللغة. فالعائلة العربية التي كانت تُعَد أول مدرسة لغوية للطفل تغيّر دورها تدريجيًا. لم تعد جلسات الأمسيات العائلية التي يتداول فيها أفراد الأسرة الحكايات والأمثال والتعابير الشعبية موجودة بالشكل الذي كانت عليه. حلّت الشاشات محلّ الوعي اللغوي المباشر، وحلّت المشاهد المصوّرة محل اللغة المنطوقة، وتقلّصت مساحة الحوار داخل البيت. هذا الفراغ اللغوي العائلي انعكس بشكل مباشر على لغة الأجيال الجديدة، التي لم تعد تتلقى المدخلات اللغوية الغنية التي كانت سمة البيئات العربية التقليدية.

ثم جاءت التحولات المدرسية لتضيف عنصرًا جديدًا إلى المشهد. فالتعليم العربي المعاصر يعاني من ازدواجية لغوية واضحة بين لغات التدريس ولغة الهوية. ففي العديد من البلدان العربية، يتم تدريس العلوم والرياضيات والبرمجة بلغات أجنبية، غالبًا الإنجليزية أو الفرنسية. وهذا يعني أن الطفل يتعلم التفكير العلمي بلغة، والتعبير العاطفي بلغة أخرى، والتواصل الاجتماعي بلغة ثالثة. هذه الازدواجية لا تُنتج تراجعًا لغويًا فحسب، بل تُنتج انقسامًا ذهنيًا بين هويات لغوية متوازية لا تتكامل. ومع مرور الوقت، يصبح الطالب أكثر ميلاً إلى اللغة التي تمنحه فرصًا تعليمية ومهنية أكبر، وأقل ميلًا إلى لغته الأم التي يراها محصورة في الأدب أو المحادثة اليومية.

كما لا يمكن فصل ابتعاد جيل اليوم عن اللغة العربية عن التحول العالمي في وسائط التواصل. فقد أصبح جزء كبير من حياة الشباب يدور في فضاءات رقمية، من مواقع التواصل الاجتماعي إلى الفيديوهات القصيرة إلى الألعاب الإلكترونية. وهذه الفضاءات لا تعترف بالفصحى ولا تمنحها مكانًا مريحًا. إذ إن اللغة السريعة المختصرة، الممزوجة بالإنجليزية غالبًا، أصبحت هي اللغة السائدة في هذه العوالم. وهكذا نشأت لغة هجينة جديدة تبتعد كثيرًا عن العربية الفصيحة، وتميل إلى العاميات والتعابير الأجنبية والرموز. والمشكلة ليست في وجود هذه اللغة الهجينة في حد ذاتها، فكل مجتمع يصنع لغته الرقمية. المشكلة أن هذه اللغة أصبحت تشكّل النسيج اللغوي اليومي للجيل الجديد، بينما تراجعت الفصحى إلى المناسبات الرسمية أو الامتحانات أو البرامج الثقافية.

والواقع أن وسائل التواصل الاجتماعي قد غيرت وظيفة اللغة في المجتمع برمّته. لم تعد اللغة أداة للتفكير العميق والنقاش الطويل، بل أصبحت أداة سريعة للرد والتفاعل والمشاركة اللحظية. وكلما قلّ زمن التفاعل، قلّ منسوب العناية باللغة. فالمستخدم لا يفكر في قواعد الإملاء أو النحو أو البلاغة حين يكتب رسالة قصيرة أو تعليقًا سريعًا. وهكذا يتشكّل تدريجيًا جيل لا يرى في اللغة العربية أداة للعمق، بل عبئًا لا يتناسب مع إيقاع حياته.

ولا يمكن تجاهل العامل الاقتصادي في تفسير ابتعاد الجيل الجديد عن لغته. فالعالم اليوم لا يكافئ اللغة العربية في سوق العمل مثلما يكافئ الإنجليزية أو غيرها من اللغات العالمية. والشركات الكبرى، والمؤسسات التقنية، والجامعات الدولية، كلها تعتمد على لغات أجنبية في معاملاتها اليومية. لذلك ينمو لدى الشباب شعور بأن العربية لا تمنحهم مستقبلًا مهنيًا مشرقًا. وهذا الشعور، سواء كان صحيحًا أم مبالغًا فيه، ينعكس على موقفهم من اللغة نفسها. فاللغة التي لا تحقق مكاسب مهنية تبدو لهم أقل أهمية، مهما كان عمقها وجمالها وقيمتها الحضارية.

إضافة إلى ذلك، فإن التحولات السياسية والثقافية التي شهدها العالم العربي في العقود الأخيرة ضعّفت دور اللغة بوصفها مرجعًا جامعًا للهوية. ففي الماضي، كانت العربية رمزًا للوحدة الثقافية، وللتراث، وللقيم المشتركة. أما اليوم، فقد ازدادت الانقسامات الاجتماعية، وظهرت هويات فرعية جديدة، وازدادت التأثيرات الإعلامية الخارجية، وتراجعت الرموز المشتركة. ومع كل هذا التشتت، فقدت العربية جزءًا من مكانتها الرمزية التقليدية. وصار بعض الشباب يرى هويته الفردية والجماعية من منظور عالمي أكثر منه محليًا أو عربيًا، مما أدى إلى نوع من اللامبالاة تجاه الفصحى.

ومع ذلك، فإن الابتعاد عن العربية ليس ابتعادًا جذريًا أو نهائيًا، بل هو ابتعاد عن نمط معين من اللغة العربية، وليس عن اللغة بكاملها. فالشباب ما زالوا يستخدمون العاميات العربية بكثافة، ويبدعون فيها، ويطوّرون تراكيب جديدة وأساليب تعبيرية تتناسب مع ثقافتهم الرقمية. وهذا يعني أن اللغة ما زالت حيّة، لكنها تسير نحو اتجاهات جديدة ربما لا تُرضي علماء اللغة التقليديين. والظاهرة في هذا السياق ليست انقطاعًا، بل انتقالًا من لغة رسمية إلى لغة شعبية ثم إلى لغة رقمية. وكل انتقال لغوي ترافقه توترات بين القديم والجديد.

ومن منظور سوسيولوجيا اللغة، يمكن تفسير هذا الابتعاد بأنه نتيجة طبيعية لتحول المجتمع من مجتمع شفهي إلى مجتمع رقمي، ومن مجتمع يقدّس الكتاب إلى مجتمع يقدّس الصورة، ومن مجتمع يعتمد على التواصل المباشر إلى مجتمع تهيمن عليه الشاشات. وهذه التحولات لا يمكن إيقافها أو عكسها، بل يمكن فقط إدارتها وتوجيهها. فالمجتمع الذي يربط لغته بالماضي فقط يخسر المستقبل، بينما المجتمع الذي ينجح في تكييف لغته مع العصر يحتفظ بهويته ويضمن استمرار لغته الأم.

وقد يكون أخطر ما في هذه الظاهرة أن جيل اليوم لم يُمنح الفرصة الكاملة ليكتشف جمال لغته. فالكثير من المناهج التعليمية تزرع الخوف من الأخطاء، لا حب اللغة. والكثير من المعلمين يركزون على العقاب وليس على الإبداع. والكثير من المؤسسات الإعلامية تقدم محتوى فقيرًا لا يعكس جمال العربية وقدرتها التعبيرية. فإذا لم تتوفر بيئة لغوية جاذبة ومحفزة، فمن الطبيعي أن يبتعد الشباب ويبحثوا عن البديل الأسهل والأسرع.

ومع ذلك، فإن الأمل ما يزال قائمًا، بل وبارزًا في كثير من المبادرات الثقافية والتعليمية الحديثة. بدأنا نرى محتوى عربيًا يسارِع ليتخذ مكانه في المنصات الرقمية، وبدأت قنوات عربية تقدّم الفصحى بطريقة جديدة أكثر قربًا من الجيل الشاب. كما ظهرت مبادرات في الذكاء الاصطناعي تهدف إلى تعليم العربية عبر التطبيقات الذكية، ومشاريع لتجديد الخطاب اللغوي في المدارس، وحركات شبابية تدافع عن الفصحى باعتبارها لغة المستقبل وليست لغة الماضي فقط.

في النهاية، فإن ابتعاد جيل اليوم عن لغته الأم ليس نتيجة ضعف في اللغة، بل نتيجة ضعف في السياسات التي تدعم اللغة وتفتح لها أبواب المستقبل. وإذا كانت اللغة العربية قد صمدت أمام الغزوات العسكرية والفكرية والثقافية عبر التاريخ، فإنها قادرة أيضًا على الصمود أمام موجة العولمة والتقنية، بشرط أن نعيد تقديمها للجيل الجديد بطريقة تجعلها لغتهم الحقيقية لا لغة الامتحانات فقط. فالشباب لا يبتعدون عن العربية لأنها غير جميلة أو غير مناسبة للعصر، بل لأننا لم ننجح بعد في جعلها جزءًا طبيعيًا من حياتهم اليومية.

***

د. عصام البرّام

اُجبر ارسطو على الفرار من أثينا عندما اندلعت موجة من المشاعر المعادية لمقدونيا. بعد موت الاسكندر الأكبر عام 323ق.م، اكتسحت أثينا مشاعر ضد المقدونيين مما دفع ارسطو لمغادرة المدينة حفاظا على سلامته. كان فيليب الثاني ملك مقدونيا طلب من ارسطو تدريس ابنه الشاب الاسكندر في مدينة ميزا Mieza قرب بيلا Pella في مملكة مقدونيا اليونانية القديمة. وُلد ارسطو عام 384ق.م في ستاجيرا stagira شمال اليونان والتي كانت تحت سيطرة فيليب الثاني في مقدونيا عام 348ق.م. حالا ذاعت شهرة ارسطو اللامع في العالم اليوناني وبرز في النهاية كواحد من أشهر مفكري الفلسفة الغربية. في عمر 17 سنة التحق ارسطو بأكاديمية افلاطون حيث تلقّى التعليم على يد افلاطون في الاخلاق والعلوم والطب وحقول أخرى. مكث في أثينا لمدة عشرين سنة الى ان دُعي من جانب فيليب الثاني لتدريس ابنه الشاب الاسكندر عام 343ق.م

وبعد ان اصبح الاسكندر ملكا، عاد ارسطو الى أثينا واسس مدرسته (ليسيوم)Lyceumعام 335ق.م تحت حماية السلطة المقدونية التي سيطرت على اليونان بعد انتصار فيليب الثاني.

مدرسة الليسيوم وموت الاسكندر الأكبر

 لأكثر من عقد، درّس ارسطو وكتب وأشرف على البحوث في الليسيوم. طريقته المشائية في التدريس نالت شهرة في التحقيق التجريبي، حيث جمع ارسطو من حوله طلابا شاركوه شغفه في الدراسة المنهجية. كتب ارسطو مرة "جذور التعليم مرّة لكن الثمار حلوة" وهو الخط الذي يصف الانضباط المطلوب في الليسيوم.

لكن على الرغم من ان ارسطو يفضل الحياة المخصصة للتأمل، كانت الاحداث تضغط خارج المدرسة. حضوره في أثينا كما بالنسبة لغيرة من الشخصيات المرتبطة بمقدونيا، جرى التسامح معه فقط لطالما بقيت مقدونيا في الحكم. في عام 323ق.م منح الموت المفاجئ للإسكندر الأكبر في بابل أثينا الفرصة للثورة ضد سيطرة مقدونيا. وبين عشية وضحاها تحول المناخ السياسي نحو الشك والغضب والقصاص تجاه أولئك الذين اعتُبروا متعاونين او متعاطفين مع المقدونيين. ارسطو لم يكن استثناءً من هذه الكراهية.

وُجّه الى ارسطو اتّهام بالكفر في صدى للاتهامات التي وُجهت لسقراط قبل ثمانين عاما. التهمة برزت جزئيا من ارتباط ارسطو بمملكة مقدونيا ومن آرائه الفلسفية التي لا تتماشى دائما مع المشاعر الدينية التقليدية في أثينا. هو كتب ترنيمة في تمجيد صديقه هيرميناس الاتارنيوسي، وان بعض الأثنيين فسروا هذه الإشارة كرفع لشأن انسان الى مرتبة الالوهية مما يدعم مزاعم الكفر.

الدوافع السياسية

ان تلك الاتهامات الرسمية كانت تخفي تحتها استياءً سياسيا عميقا. المؤرخ تارن w.w Tarn لاحظ بانه"في أوقات الحماس الأهلي، كانت التقوى الاثنية سلاحا للانتقام السياسي"، وهي الحقيقة التي ادركها ارسطو جيدا. المؤرخ ديوجين لايرتيوس Diogenes Laertius كتب: "ارسطو اتُهم بالكفر من جانب الكاهن الأكبر يوريميدون" او، طبقا للفيلسوف الروماني فافورينوس " لم يغب عن بال ارسطو ان أثينا في أوقات الاضطراب السياسي توجّه قلقها نحو الفلاسفة". المؤرخ ديوجين لايرتيوس ذكر ان ارسطو أشار بعد توجيه الاتهام له "انه لا يسمح للمدينة ان تسيء للفلسفة مرة ثانية". هذا الخط سواء تحدّث به ارسطو شخصيا ام جرى تفسيره من المفسرين اللاحقين يحمل مزيجا من الاستسلام والتحدي. ارسطو اعترف بالخطر ورفض تكرار مصير سقراط. وكما يلاحظ الكلاسيكي الحديث اديث هول Edith Hall لم تكن لدى ارسطو الرغبة في تقديم أثينا شهيدا آخر، هو فضل الحياة واستمرار الدراسة على الموت المبدئي". صيغة أخرى تفسر الهروب من أثينا ترى ان ارسطو غادر لكي يمنع الاثنيين من الوقوع في الذنب تجاه الفلسفة مرتين، وهي ملاحظة تحمل كل من المرارة والوعي التاريخي.

الهروب الى خالكيزا Chalcis

 غادر ارسطو الى مكان ليس بعيدا، حيث قصد مدينة خالكيزا في جزيرة ايبوس Euboes الموطن الأصلي لامه. هناك وجد ملاذا ربما مؤقتا الى ان يستقر الوضع السياسي في أثينا. انسحابه لم يكن كرجل مهزوم وانما قرار مدروس من شخص يقيّم الأفق البعيد للحياة الفكرية مقابل الدراما المباشرة للمواجهات السياسية. "ان حياة الذهن أفضل وألطف" كما كتب مرة، وهي مشاعر توضح خياره بوضوح اكثر من أي حسابات سياسية. سنته الأخيرة في خالكيزا كانت قصيرة. ارسطو توفي هناك عام 322ق.م . بعد سنة من وفاة الاسكندر التي قلبت العالم اليوناني. طلابه استمروا بنفس عمله، واستمرت مدرسته لأجيال كمركز للتعليم . مع ذلك، رحيله من أثينا يبقى رمزا للعلاقات الملتبسة بين الفلسفة والمدينة – وهو التوتر الذي واجهه سقراط مباشرة بينما ارسطو تصرّف بحذر استراتيجي.

آراء العلماء المعاصرين حول هروب ارسطو من أثينا

الفيلسوف جوناثان بارنز Jonathan Barnes يقترح ان ارسطو "يفهم أفضل من أسلافه بان الفلسفة لا تُخدم بالاستشهاد وانما بالبقاء". في هذا التفسير، ارسطو يبرز كبرجماتي، شخص اعترف بان الافكار تعتمد على الناس للحفاظ عليها وان واجب الفيلسوف يتضمن العيش ليعلّم ويراجع ويحفظ المعرفة. علماء اخرون يرون ان رحيله عن أثينا يمثل تحذيرا لهشاشة المؤسسات الفكرية. اليسيوم خلافا لأكاديمية افلاطون كانت مرتبطة بقوة بقيادة ارسطو الشخصية. غيابه أجبر أعضاء المدرسة على التكيف بسرعة، وعلى الرغم من استمرار المدرسة بالبقاء، لكنها شهدت اضطرابا. وكما يذكر المؤرخ بيتر غرين، ان كفاح ارسطو "يكشف مدى هشاشة التحقيق الفلسفي امام رياح السياسة".

الكاتب الحديث مارثا نوسباوم Martha Nussbaum يجادل" الفلسفة تتحدد دائما ببيئتها السياسية، لكنها يجب أيضا ان تقف بعيدا عنها. ارسطو فهم ذلك التوتر وعند الضرورة تنحى جانبا للحفاظ على ما يستطيع". لذلك، فان هروب ارسطو من أثينا هو اكثر من هامش لسيرة ذاتية. انه يوفر نافذة للكيفية التي يبحر بها الفيلسوف في السياسة، كيف تتحمل الأفكار الاضطراب، وكيف يكون البقاء ذاته كفعل فلسفي. في مغادرته أثينا، ارسطو حمى ليس فقط نفسه وانما الميراث الفكري الذي صاغ قرونا من الفكر. مدرسته استمرت، كتاباته نُشرت ووُزعت، وتأثيره امتد بعيدا الى ما وراء المدينة التي وقفت يوما ضده. من خلال الحكمة وليس الموت، هو اطمئن ان "فاكهة" الفلسفة ستبقى متوفرة للأجيال القادمة.

***

حاتم حميد محسن

............................

 *GreekReporter.com. Dec8,2025

أسئلة عديدة يطرحها اللغويون إن كان الذكاء الاصطناعي بإمكانه أن يستوعب تعقيدات اللغة العربية؟ وما هي التحديات التي تواجه اللغة العربية في عصر الثورة الرقمية، حيث تولدت عنها مفاهيم ومصلحات جديدة مثل الأنجلة والعولمة اللغوية وماهي النتائج المترقب اكتشافها أو معرفتها أمام ما تعيشه الأمّة من تعدد لغوي وصراع لغويٍّ، أضحى يهدد مستقبل اللغة العربية، لما قد يحدثه هذا الصراع من تمزيق للبنية الاجتماعية، فالعولمة والرقمنة تخفي هيمنة لغوية ثقافية

هي أفكار وتساؤلات طرحها خبراء في ندوة مركز الشهاب للبحوث والدراسات بشرق الجزائر، الذي اعتاد على تقديم جهود جبارة ومتميزة للإسهام في علاج القضايا المطروحة في الساحة، وما تعلق  باللغة العربية وتعزيز قيمتها، في ظل ما يتردد في الساحة اللغوية  بأن العربية الآن لا مكانة لها وأنها مجرد لغة تراثية وقال البعض أنها لا تصلح إلا في المساجد، فهي الآن ليست لغة العلم ولا لغة الحضارة، رغم أنها صنعت مكانتها عالميا بعد اعتراف الأمم المتحدة بها باعتبارها من أكثر اللغات انتشارا في العالم، في ظل التطور التكنولوجي الرقمي، حيث فرضت اللغة العربية نفسها في مجال الرقمي، ناهيك عن كونها لغة مقدسة عند المسلمين وبها نزل القرآن الكريم، لكن خصومها وأعداؤها يريدون إقصاءها وهذا لأسباب سياسية وإيديولوجية، كذلك بسبب انهيار المنظومات التربوية والثقافية وحتى الجامعية، فجاءت هذه الندوة لتسلط الضوء على أهمية اللغة العربية ومدى تطورها  في عالم الرقمنة،  بعد أن أصبحت لغة جامعة وعالمية، وماهي الصورة التي يمكن رسمها عن اللغة العربية بعد ظهور الذكاء الاصطناعي، حيث بات حتميا  ربط هذا الأخير باللغة العربية.

فاللغة العربية اليوم تواجه  تحديات جوهرية في مجال الذكاء الاصطناعي،  هو سؤال أجاب عليه  المفكر الدكتور علي حليتيم رئيس مركز الشهاب للبحوث والدراسات  (سطيف الجزائر)  حين قال أن الخيانة  وراء  تعرّض اللغة العربية للهجوم من قبل خصومها وأعدائها، مشيرا أن الاستعمار الفرنسي في الجزائر (كعينة)   هو استعمار هوياتي، فقد كانت فرنسا تطلق على الرجل الجزائري اسم الإنسان البدائي primitif  وتنعته بالجهل والتخلف، وقال أن الجزائر هي ثاني بلد فرانكفوني في العالم،  ولذا ظلت الجزائر محتلة، والآن فرنسا تحتلنا سياديا  بعد 63 سنة استقلال، وقد عاد علي حليتيم إلى الوراء متحدثا عن الجرائم التي ارتكبتها فرنسا  ليس بإلغائها اللغة العربية وحل مكانها  اللغة الفرنسية وغلقها للمدارس والمساجد فحسب،  بل في معاملتها للجزائريين بوحشية وبخاصة النساء، من خلال مذكرات المجاهدة لويزة  إيغيل أحريز والمعاملة الوحشية التي تلقتها من قبل الفرقة العاشرة للمظليين بقيادة الجنرال ماسو، عام 1957، حيث كشفت في مذكراتها  تفاصيل التعذيب والاغتصاب،  ولا يزال مقر الفرقة العاشرة يقول الدكتور حليتيم إلى اليوم حيث استغلته السفارة الفرنسية مقرا لها، وهو بلا شك يُذَكِّرُ الجزائريين بجرائم فرنسا ووحشيتها .

حقيقة أخرى ذكرها الدكتور علي حليتيم  وهي قيام  المجمع اللغوي  العربي الذي تأسس في 1919 بحل اللغة العربية وإدخال الكلمات الدخيلة في المعاجم، مذكرا بالتجربة التركية التي  حاربت اللغة العربية إلى أن تقلصت وانكمشت، فأثرت سلبا على الهوية والثقافة العربية، هي طبعا جرأة  رجل "رسالي"، لا دينه ولا ضميره يسمح له  بإخفاء الحقائق، أو تغليط الناس من أجل إرضاء جهة معينة، خاصة إذا تعلق الأمر بالهوية واللسان، ففهم اللغة  مهم جدا  لإحداث التقارب  بين البشر وبناء جسور بينهم دون تحيّز، هو ما أكده الدكتور محمد قماري من جامعة بسكرة، حيث أبان على خصوصية اللغة العربية وما  يميزها عن اللغات الأخرى، فامتداد اللغة العربية جعلها قابلة للحياة عكس الفرنسية وهو ما سبب -على سبيل المثال- اختلاف في طريقة تدريس الطب باللغة العربية، حيث تحولت مجامع اللغة العربية كما يضيف إلى بيروقراطيات بحكم أن اللغة العربية فيها تنوع اللهجات وهي من الأمور التي ينبغي على المتخصصين تقريبها، لمعرفة ماذا يقدمه الذكاء الاصطناعي من نتائج .

 فموضوع اللغة العربية  في سياق التحولات التي يتعرض لها العالم في ظل العولمة، طرحت فيها قضية الهوية والثقافة وطغيان نمط معين لا ندري إن كان يناضل من أجل وجوده أم أنها تمحي الخصوصيات خاصة مع ظهور الهواتف النقالة،  فاللغة في العولمة تقول الدكتورة عائشة لصلج أستاذة الإعلام والاتصال من جامعة سطيف لم تعد محددا هامشيا، بل  استطاعت أن تحدد الهوية لاسيما وعالم اليوم يشهد تطورا في عالم الاتصال وفي الوسائط الرقمية،  وهنا وجب التفريق بين العالمية والعولمة سواء من حيث الحفاظ  على الخصوصية اللغوية في ظل التعدد اللغوي أو استخدام لغة ما  خارج بنيتها الرقمية، يبقى السؤال الأهم حول الترجمة الرقمية للنصوص والتدقيق اللغوي باعتبارها أداة لخدمة اللغة العربية وإثرائها، فالذكاء الاصطناعي بإمكانه تحريك الكلمات كيفما يشاء وبالطريقة التي يريدها  مثلما نقرأه في كلمة "حجري"، فالذكاء الاصطناعي يقرأها بطريقة معاكسة فهو يفهمها العهد الحجري أي العهد القديم وليس كلمة "حجر"  المراد قولها أو  ترجمتها.

لقد حان الوقت لتقريب وجهات النظر لتكون هناك خطوات عملية، في تطويع اللغة التقنية والأدوات الرقمية واستخدام اللغة الأمّ، وهو ما أشار إليه الدكتور أحمد خرصي باحث جزائري في مجال علوم الحاسوب، وعن طريق تقنية التحاضر عن بعد، فهو يرى أن اللغة العربية لم تجد من يخدمها بشكل جيد، ويشاطره الدكتور منير مهادي  أستاذ النقد الأدبي وهذا بسبب عدم امتلاك  الإرادة المعرفية والمؤسساتية وافتقادنا للعمل المؤسساتي، ويظل السؤال مطروحا إن كانت لنا الإرادة المعرفية والمؤسساتي لترقية اللغة العربية ونقلها من موقع التلقي إلى موقع الإنتاج، وإن كان الذكاء الاصطناعي ضرورة تقنية أم حضارية لابد من تفعيلها، وليس مجرد ترفا فكريا،  فإذا لم نُفَعِّلُ  اللغة العربية في مجال الذكاء الاصطناعي لن يكون لها مكانة في المستقبل.

***

تغطية علجية عيش

مقدمة: في كل عام، يُحتفل في الثامن عشر من ديسمبر باليوم العالمي للغة العربية، وهو تاريخ يعكس ليس مجرد احتفاء بلغة، بل بتراث حضاري يمتد جذوره إلى آلاف السنين. العنوان "لسان الضاد المسهاب: حال فكر الأمة المهترئة" يلخص جوهر هذا اليوم، حيث يُشار إلى اللغة العربية بلقب "لسان الضاد" لتميزها بحرف الضاد الفريد، الذي لا يوجد مثيله في لغات أخرى، ويُرى فيها "حال فكر الأمة" أي حالة أو وضع الفكر العربي الإسلامي، الذي شكلته اللغة كأداة للتعبير عن العقيدة، العلم، والثقافة والفلسفة. هذا اليوم، الذي أقرته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) رسمياً، يأتي ليذكر العالم بأهمية اللغة العربية كجسر بين الماضي والحاضر، وكعامل في تشكيل هوية الأمة العربية والإسلامية. في هذه الدراسة الأكاديمية، سنستعرض تاريخ هذا اليوم وأهميته، مع التركيز على كيفية انعكاس اللغة العربية لحال فكر الأمة، من خلال جوانب تاريخية، ثقافية، ومعاصرة، مستندين إلى التحديات والمبادرات التي تشكل مستقبلها حتى عام 2025. هذه المقاربة ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي محاولة لفهم كيف تكون اللغة ليست أداة تواصل فحسب، بل حالة فكرية تعبر عن تطور الأمة وتحدياتها في عصر العولمة. فعماذا يتحدث لسان الضاد المسهاب عن حال فكر الأمة المهترئة؟ وكيف تمثل اللغة العربية مرآة لفكر الأمة في اليوم العالمي؟

تاريخ اليوم العالمي للغة العربية: من قرار الأمم المتحدة إلى الاحتفاء العالمي

يعود اختيار تاريخ 18 ديسمبر للاحتفال باللغة العربية إلى حدث تاريخي هام في عام 1973، عندما أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 3190، الذي أدخل اللغة العربية كلغة رسمية سادسة في المنظمة الدولية، إلى جانب الإنجليزية، الفرنسية، الإسبانية، الروسية، والصينية.  كان هذا القرار نتيجة جهود دبلوماسية عربية مكثفة، تهدف إلى تعزيز حضور اللغة العربية في الساحة الدولية، خاصة في ظل الدور الثقافي والسياسي الذي لعبته الدول العربية في تلك الفترة. لم يكن هذا الإنجاز مجرد إجراء إداري، بل كان تأكيداً على قيمة اللغة العربية كوسيلة لنقل المعرفة والحوار بين الشعوب، وانعكاساً لحال فكر الأمة التي ساهمت في بناء الحضارة الإنسانية من خلال ترجماتها للعلوم اليونانية والفارسية إلى العربية في العصور الوسطى. مع مرور الزمن، تطور الاحتفال بهذا اليوم ليصبح مناسبة عالمية، حيث أقرت اليونسكو في عام 2010 الاحتفاء الرسمي به، مع التركيز على دور اللغة في تعزيز التنوع الثقافي والتعليم.   في السنوات اللاحقة، أصبح اليوم منصة لمناقشة قضايا مثل الحفاظ على التراث اللغوي، ودمج اللغة العربية في التكنولوجيا، ومواجهة التحديات الناتجة عن سيطرة اللغات الأجنبية في التعليم والإعلام. على سبيل المثال، في عام 2012، ركز الاحتفال على "اللغة العربية والتنمية"، مما يعكس كيف أصبحت اللغة جزءاً من خطط التنمية المستدامة للأمم المتحدة. هذا التطور التاريخي يبرز "لسان الضاد" كحال فكر الأمة، إذ أن اللغة لم تكن ثابتة، بل تطورت مع تطور الفكر العربي من عصر الجاهلية، مروراً بالعصر الإسلامي الذي جعلها لغة القرآن الكريم، إلى العصر الحديث حيث أصبحت أداة للتواصل العالمي. اليوم العالمي يذكرنا بأن اللغة العربية، التي يتحدث بها أكثر من 400 مليون شخص كلغة أم، ومليار مسلم كلغة دينية، هي ليست مجرد رموز صوتية، بل هي مخزن للفكر الفلسفي، العلمي، والأدبي الذي شكل هوية الأمة وحضارة اقرا.

دور اللغة العربية في تشكيل فكر الأمة: من التراث إلى المعاصرة

تُعتبر اللغة العربية "حال فكر الأمة" لأنها لم تكن مجرد وسيلة تواصل، بل كانت أداة لصياغة الفكر الجماعي والفردي. تاريخياً، ساهمت اللغة العربية في نقل المعارف من حضارات أخرى إلى العالم الإسلامي، كما في عصر الدولة العباسية حيث ترجمت أعمال أرسطو وأفلاطون، مما أدى إلى ازدهار الفلسفة العربية عند ابن سينا وابن رشد. هذا الدور يجعل "لسان الضاد" مرآة لفكر الأمة، إذ أن اللغة حملت مفاهيم مثل "العدل"، "الإيمان"، والـ"علم"، التي شكلت الأخلاقيات والقوانين في المجتمعات العربية والإسلامية. في العصر الحديث، أصبحت اللغة أداة لليقظة الفكرية، كما في حركة الإصلاح عند محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، الذين استخدموا العربية لنقد الاستعمار ودعوة للحداثة دون فقدان الهوية. معاصرًا، تظهر أهمية اللغة في فكر الأمة من خلال دورها في الثورات العربية، حيث استخدمت في الشعارات والأدب الثوري لتعبير عن الرغبة في التغيير. كما أنها لغة رسمية في 25 دولة، وتُستخدم في المنظمات الدولية، مما يعزز حضورها في الفكر السياسي العالمي. ومع ذلك، يعكس حال فكر الأمة تحديات مثل تراجع استخدام العربية في التعليم العلمي، حيث يفضل الكثيرون الإنجليزية، مما يؤدي إلى انفصال بين اللغة والفكر الحديث. هنا، يأتي اليوم العالمي ليذكر بأن الحفاظ على اللغة هو حفظ لفكر الأمة، كما في مبادرات مثل "اليوم العالمي للغة العربية" الذي يشجع على دمجها في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا لضمان استمراريتها.

بين التكلم عن معاناة الشعوب المضطهدة والنطق باسم الوجود الإنساني المغترب

تُعرف اللغة العربية بلقب "لغة الضاد"، وهو تسمية تعود إلى تفردها بحرف الضاد (ض)، الذي يُعد من أكثر الحروف صعوبة في النطق لغير الناطقين بها، مما يجعلها لغة فريدة في بنيتها الصوتية والدلالية. يرجع هذا اللقب إلى حديث نبوي يُشير إلى فصاحة العرب في نطق هذا الحرف، كما أنها اللغة الوحيدة التي تحتوي عليه بشكل أصيل.  هذه اللغة ليست مجرد أداة تواصل يومي، بل هي وعاء حضاري يحمل تاريخاً ثرياً من الأدب، الفلسفة، والتعبير عن الوجود الإنساني.

الضاد كصوت لمعاناة الشعوب المضطهدة

تاريخياً، لعبت اللغة العربية دوراً حاسماً في بناء الهوية الثقافية والحفاظ على التراث، خاصة في سياقات الاضطهاد والتهميش. تعتبر اللغة عنصراً أساسياً في تحديد هوية الشعوب، وتعكس تاريخها وثقافاتها، مما يجعلها حافظاً حياً للتراث الفكري.

 في العصور الوسطى، كانت العربية لغة العلم والفلسفة، حيث نقلت معارف ابن سينا وابن رشد، وساهمت في التواصل بين الحضارات. ومع ذلك، في العصر الحديث، واجهت اللغة تحديات مثل الإقصاء باسم عدم ملاءمتها للعلم والتقنية، مما أدى إلى تهميشها في بعض المجتمعات العربية.

في سياق معاناة الشعوب المضطهدة، أصبحت الضاد أداة للتعبير عن الظلم الاجتماعي والسياسي. على سبيل المثال، في الشعر الفلسطيني المعاصر، يستخدم شعراء مثل محمود درويش اللغة العربية لوصف الاحتلال والنكبة، حيث تتحول الكلمات إلى أسلحة مقاومة. درويش، في قصائده مثل "بطاقة هوية"، يعبر عن الاغتراب عن الأرض والوطن، لكنه يربط ذلك بمعاناة شعب مضطهد، مما يجعل اللغة جسراً بين الفردي والجماعي. كذلك، خلال الربيع العربي، استخدمت العربية في الشعارات والأغاني الثورية للتعبير عن رفض الاستبداد، كما في أشعار الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي، الذي ألهم الثورات بقصيدته "إرادة الحياة". بالإضافة إلى ذلك، تساهم اللغة في الحفاظ على التراث الديني والشعبي، خاصة في مواجهة العولمة المتوحشة. القرآن الكريم، كمرجع لغوي، يحافظ على الفصاحة ويعزز الهوية الإسلامية، التي غالباً ما تكون مرتبطة بمعاناة الشعوب تحت الاستعمار أو الديكتاتوريات.

 في هذا السياق، تُعد القصص الشعبية مثل "ألف ليلة وليلة" تعبيراً عن معاناة الطبقات الفقيرة، حيث تكشف اللغة عن الظلم الاجتماعي من خلال الحكايات الساخرة والنقدية.

ومع ذلك، تواجه الضاد تحديات معاصرة، مثل التفكك السياسي والعولمة، التي تهدد بتهميشها. دراسة حديثة تشير إلى أن العربية تعاني من ظواهر سلبية في المجتمعات، مما ينتقص من وجودها اليومي.

 هنا، تبرز اللغة كأداة للمقاومة، حيث يستخدمها الكتاب لتوثيق معاناة الشعوب، كما في أدب السجون العربية وادب المقاومة، الذي يصف التعذيب والقمع بلغة حية تعكس الواقع المر.

الضاد كنطق للوجود الإنساني المغترب

من جهة أخرى، يتجلى دور الضاد في النطق باسم الوجود الإنساني المغترب، خاصة في الأدب العربي المعاصر الذي تأثر بالفلسفة الوجودية. يعود أدب الاغتراب إلى أفكار جان بول سارتر، الذي طرح أسئلة حول الوجود الإنساني والعدم، مما أدى إلى شعور بالقلق والحيرة.

 في الأدب العربي، يظهر الاغتراب كأزمة هوية، مرتبطة بالفقدان والانتماء، خاصة في أدب المهجر. شكل أدباء المهجر في بداية القرن العشرين، مثل جبران خليل جبران، حركة أدبية مهمة، حيث تحول الاغتراب إلى توطين ثقافي. جبران، في كتاباته مثل "النبي"، يتأمل الإنسان الباحث عن وطنه في الروح لا في الأرض، معبراً عن نزعة إنسانية عميقة.   هذا الأدب لم يسلم من تجربة المنفى، حيث شعر الشعراء بالبعد عن الوطن، مما أدى إلى تعميق الاغتراب الوجودي.

في العصر الحديث، يستمر الاغتراب مع الهجرات الناتجة عن الزلازل السياسية، كما في أعمال كتاب عرب مقيمين في أوروبا والغرب. على سبيل المثال، يصف الشاعر محمد زادة الاغتراب كظاهرة متعددة الأبعاد، حيث يؤدي إلى اندماج في الأدب المحلي مع فقدان الصفة الاغترابية.   كذلك، يشير نجم الدين سمان إلى حاجة اتحاد المبدعين لتجاوز السلبيات الموروثة من الوطن. هذا الاغتراب يتجلى في ثلاثة أبعاد: ميتافيزيقي (عن الكون)، اجتماعي (عن الجماعة)، وذاتي (عن النفس)، مما يعمق العزلة.

في الفلسفة العربية، تأثرت الضاد بأفكار الوجودية، كما في كتابات عبد الرحمن بدوي، الذي دمج الفلسفة الغربية مع التراث العربي، معبراً عن الاغتراب في ظل التقدم المادي والفقدان الروحي.

التقاطعات بين المعاناة والاغتراب

يتقاطع البعدان في الضاد كلغة تعبر عن الجماعي والفردي معاً. في أدب المهجر، مثلما عند المتنبي أو جبران، يتحول الاغتراب إلى تعبير عن معاناة شعوب مضطهدة، حيث يصبح المنفى رمزاً للقمع السياسي.  كذلك، في الشعر المعاصر، يربط الاغتراب بالهزائم العربية، مما يجعل اللغة أداة للثورة والعزلة معاً.   هذا التوازن يعزز دور الضاد في التواصل الحضاري، حيث تساهم في الاندماج بين الثقافات دون فقدان الهوية.

التحديات المعاصرة والمبادرات لتعزيز اللغة العربية

تواجه اللغة العربية في الحقبة المعاصرة تحديات تعكس حال فكر الأمة، مثل تأثير العولمة الذي يدفع نحو سيطرة اللغات الأجنبية في الإعلام والتجارة، مما يؤدي إلى تراجع استخدام العربية بين الشباب. كما أن التنوع اللهجي يشكل تحدياً في توحيد اللغة الفصحى، بالإضافة إلى نقص المحتوى الرقمي بالعربية مقارنة بالإنجليزية. هذه التحديات تجعل "لسان الضاد" حالاً لفكر الأمة الذي يعاني من التوتر بين التراث والحداثة. ومع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة مبادرات هامة، مثل تلك التي تنظمها اليونسكو، التي تركز على دمج اللغة في التعليم والتكنولوجيا. على سبيل المثال، في عام 2023، ركز الاحتفال على "اللغة العربية والتعليم"، مع أنشطة تعليمية في المدارس لتعزيز الوعي بالتراث اللغوي. في عام 2025، يأتي الاحتفال تحت شعار "آفاق مبتكرة للغة العربية: سياسات وممارسات ترسم مستقبلاً لغوياً مستداماً"، مع فعاليات في مقر اليونسكو بباريس تركز على دور التكنولوجيا، الإعلام، والذكاء الاصطناعي في تعزيز اللغة.  هذه المبادرات تشمل ورش عمل حول تطوير تطبيقات رقمية بالعربية، ومناقشات حول سياسات التعليم اللغوي، مما يعكس جهوداً لجعل اللغة أداة للابتكار. كذلك، في الدول العربية، تنظم فعاليات مثل معارض الكتب والمسابقات الشعرية، لتعزيز الوعي باللغة كعنصر أساسي في فكر الأمة. هذه الجهود تؤكد أن اليوم العالمي ليس احتفالاً شكلياً، بل فرصة لإعادة صياغة حال فكر الأمة نحو مستقبل أكثر تماسكاً ثقافياً.

خاتمة

في النهاية، تظل الضاد لغة حية تجسد التوتر بين معاناة الشعوب المضطهدة والاغتراب الإنساني. من خلال أدبها وفلسفتها، تحافظ على التراث وتواجه التحديات، مما يجعلها أداة لليقظة. يتطلب الحفاظ عليها تعزيز تعليمها واستخدامها في التعبير عن الوجود المعاصر، لتبقى صوتاً للإنسانية في عالم متغير. في الختام، يمثل اليوم العالمي للغة العربية في 18 ديسمبر مناسبة للتأمل في "لسان الضاد" كحال فكر الأمة، حيث تعكس اللغة تطورها التاريخي، تحدياتها المعاصرة، وإمكانياتها المستقبلية. من قرار الأمم المتحدة عام 1973 إلى الاحتفالات في 2025، أصبح هذا اليوم رمزاً للحفاظ على الهوية في وجه العولمة. اللغة العربية، بغناها الدلالي والصوتي، ليست مجرد أداة، بل هي جوهر فكر الأمة الذي يحتاج إلى جهود مستمرة ليظل نابضاً. في عصرنا، مع تطور التكنولوجيا، يجب أن تكون اللغة جسراً للابتكار، مذكرة بأن مستقبل الأمة يعتمد على قدرتها على الحفاظ على لسانها كحال فكري حي. فكيف ترد اللغة العربية على التحديات الراهنة وترسم ملامح الاستراتيجيات المشتركة وتستشرف المستقبل لفكر الأمة؟

***

د. زهير الخويلدي

لَيْسَ الاستبدادُ حادثةً عابرةً في تاريخِ البَشَرِ، بَلْ بُنْيَة مُعَقَّدَة تَتكرَّر بأقنعةٍ مُختلفة، وَتُغَيِّر لُغَتَهَا دُونَ أنْ تُغيِّر جَوْهَرَها. إنَّه مَرَضُ السُّلطةِ حِينَ تنفصلُ عَن الإنسانِ، وَحِينَ يَتحوَّل الحُكْمُ مِنْ وَظيفةٍ لِخِدمةِ المُجتمعِ إلى آلَةٍ لإخضاعه.

بَيْنَ عبد الرَّحمن الكواكبي (1855 - 1902) المُفكِّر العربي الذي واجهَ الاستبدادَ مِنْ قَلْبِ الشَّرْقِ في أواخرِ القَرْنِ التاسعِ عَشَر، وَبَيْنَ جورج أورويل (1903 - 1950)، اسْمُه الحقيقي: إريك آرثر بلير، الروائي الغربي الذي حَذَّرَ مِنْ طُغيانِ الحَداثةِ السِّياسيةِ في القَرْنِ العِشْرين، تَتشكَّل خَريطةٌ فِكرية واحدة لِمَسارِ القَمْعِ، وإن اختلفت الجُغرافيا واللغةُ والأُسلوب.

الكواكبي لَمْ يَكْتُبْ عَن الاستبدادِ بِوَصْفِهِ فِكرة مُجرَّدة، بَلْ بِوَصْفِه تَجْرِبة مُعاشة. كانَ يَرى الطُّغيانَ مُتَغَلْغِلًا في تفاصيلِ الحَياةِ اليَوميةِ، في التَّعليمِ الذي يُفَرَّغُ مِنَ النَّقْدِ، في الثقافةِ حِينَ تُسْتَعْمَل أداةَ تَبريرٍ، في الاقتصادِ حِينَ يَتحوَّل إلى وسيلةِ إفقارٍ، في الأخلاقِ حِينَ تَمْدَحُ الطاعةَ العَمْيَاءَ، وَتَذُمُّ جُرْأةَ النَّقْدِ البَنَّاءِ.

في كِتاباتِه، لا يَبدو المُسْتَبِدُّ وَحْشًا أُسْطُورِيًّا، بَلْ إنسانًا عاديًّا تَضَخَّمَ ظِلُّهُ لأنَّ المُجتمعَ تَراجعَ. الاستبدادُ عِندَه عَلاقةٌ مُخْتَلَّةٌ بَيْنَ حَاكَمٍ يَخافُ شَعْبَه، وَشَعْبٍ يَخَافُ حَاكِمَه، والخَوْفُ هُوَ اللغةُ المُشترَكةُ التي تَضْبِطُ الإيقاعَ.

أورويل اختارَ طَريقَ السَّرْدِ لِيَكْشِفَ المَأساةَ نَفْسَها. في عَالَمِهِ الرِّوائيِّ، لا يَحتاجُ الطاغيةُ إلى سَوْطٍ دائم، يَكْفي أنْ يُعيدَ تَشكيلَ اللغةِ والذاكرةِ. السُّلطةُ هُنا لا تَكْتفي بالتَّحَكُّمِ في الحاضرِ، بَلْ تُعيدُ كِتابةَ الماضي لِتَصْنَعَ مُسْتَقْبَلًا بِلا مُقَاوَمَةٍ. والقَمْعُ يُصْبحُ نِظامًا فِكريًّا مُتَكَامِلًا، حَيْثُ يُرَاقَبُ الجَسَدُ،وَيُعَاد تَشكيلُ العَقْلِ، وَتُفَرَّغُ الكَلِمَاتُ مِنْ مَعْناها حتى تَفْقِدَ قُدْرَتَهَا على الاعتراضِ. وأورويل لا يَصِفُ الاستبدادَ كَما هُوَ فَقَط، بَلْ أيضًا كَما يُمكِن أنْ يَصِيرَ إذا تُرِكَ بِلا مُسَاءَلَةٍ.

الكواكبي وأورويل يَلْتقيان عِندَ نُقْطَةٍ جَوهرية: الاستبدادُ لا يَعيشُ بالقُوَّةِ وَحْدَها، بَلْ بالتَّوَاطُؤ. الكواكبي يَرى أنَّ الجَهْلَ هُوَ التُّربةُ الخِصْبَةُ للطُّغْيان، وأنَّ المُسْتَبِدَّ يَخَافُ مِنَ الشَّعْبِ الواعي. وأورويل يَذهَبُ أبْعَد، فَيُظْهِر كَيْفَ يُمكِن للوَعْيِ نَفْسِه أنْ يُخْتَرَقَ، وكَيْفَ يُصْبحُ الإنسانُ شريكًا في قَمْعِ ذَاتِه، حِينَ يَقْبَلُ الأكاذيبَ المُرِيحةَ، ويَتخلَّى عَن الأسئلةِ الصَّعْبة. في الحَالَتَيْن، الاستبدادُ لَيْسَ غَريبًا عَن المُجتمعِ، بَلْ يَخْرُجُ مِنْ هَشَاشته.

الكواكبي يَستخدمُ لُغَةً تحليلية مُبَاشِرَة أقرب إلى التَّشريحِ الاجتماعيِّ، كأنَّه يَضَعُ الاستبدادَ على طاولةِ الفَحْصِ، وَيُشرِّح أعضاءه واحدًا واحدًا: الخَوْف، الفَسَاد، تَقْديس الطاغية، تَحطيم الفَرْد.

أورويل، في المُقَابِلِ، يَتْرُكُ القارئَ يعيشُ التَّجْرِبَةَ، وَيَخْتنق معَ أبطالِه، ويَشْعُر بِثِقَلِ الرَّقَابة، وَيَرى كَيْفَ تَتحوَّل الشِّعاراتُ إلى قُيودٍ. الأوَّلُ يُخَاطِبُ العَقلَ، والثاني يُخَاطِبُ الوِجْدَانَ، لكنَّ النتيجة واحدة: كَشْف القُبْحِ المُسْتَتِرِ خَلْفَ خِطَابِ نِظَامِ الطاغيةِ.

في فِكْرِ الكواكبي، التَّحَرُّرُ يَبْدأ مِنَ الوَعْي، ويَنمو بالتَّعليم، ويَكتمِل بِكَسْرِ هَيْبَةِ المُسْتَبِدِّ الوَهْمِيِّةِ، هُوَ لا يَدعو إلى فَوضى، بَلْ إلى إعادةِ التوازنِ بَيْنَ السُّلطةِ والمُجتمعِ. أمَّا أورويل، فَيُقَدِّم تَحذيرًا قاتمًا: إنْ لَمْ يُحْمَ هذا التوازن، فإنَّ التكنولوجيا والبيروقراطية قادرتان على إنتاج طُغْيان أشد قَسْوَةً مِنْ أيِّ استبدادٍ تَقليديٍّ، هُنا يُصْبحُ الإنسانُ رَقْمًا، وَتَتحوَّل الحقيقةُ إلى قَرارٍ إداريٍّ.

رَغْمَ الفارقِ الزَّمنيِّ والثقافيِّ، فإنَّ قِراءةَ الكواكبي وأورويل معًا تَكْشِفُ أنَّ الاستبدادَ ظاهرةٌ كَوْنِيَّة، تتجاوزُ الشَّرْقَ والغَرْبَ. إنَّه يَتكيَّف معَ السِّياقِ، وَيَسْتعيرُ مِنَ الثقافةِ أدواتِها، وَمِنَ اللغةِ أقْنِعَتَهَا. مَرَّةً يَتحدَّث بِاسْمِ العاداتِ والتقاليدِ، وَمَرَّةً بِاسْمِ الأمْنِ والأمَانِ، وَمَرَّةً بِاسْمِ التَّقَدُّمِ والازدهارِ. لكنَّ جَوْهَرَه ثابتٌ: إلغاء الإنسانِ بِوَصْفِه ذَاتًا حُرَّةً.

تَفكيكُ الاستبدادِ لَيْسَ مُهِمَّةً سِيَاسِيَّةً فَقَط، بَلْ هُوَ أيضًا مَشروعٌ ثقافيٌّ طويل، يَبدأ مِنْ إعادةِ الاعتبارِ للعقلِ النَّقْدِيِّ، وَحِمايةِ اللغةِ مِنَ التَّزْييفِ، وَتَرميمِ العَلاقةِ بَيْنَ الفَرْدِ والمُجتمعِ على أساسِ الكَرامةِ لا الخَوْفِ. الكَواكبي يُوضِّح أنَّ الطُّغْيانَ يَنهارُ حِينَ يُسَمَّى بِاسْمِه، وأورويل يُذكِّر بأنَّ الصَّمْتَ عَن الكَذِبِ هُوَ أوَّلُ أشكالِ الهَزيمةِ.

بَيْنَ تَحليلِ الكواكبي وَسَرْدِ أورويل، تَتكوَّن مِرْآةٌ مُزْدَوَجَةٌ يَرى فيها القارئُ وَجْهَ الاستبدادِ بِوُضوحٍ مُخِيفٍ. مِرْآةٌ تَقُولُ إنَّ الحُرِّية لا تُمنَح، بَلْ تُبنَى، وإنَّ أخطرَ مَا في الطُّغْيانِ أنَّه يُقْنِعُ ضَحَاياه بأنَّه قَدَرٌ لا يُرَدُّ. وفي هذا الوَعْيِ تَحديدًا يَبْدأ التَّفكيكُ، وتَبْدأ أُولَى خُطُواتِ الخَلاصِ.

تَفكيكُ الاستبدادِ لَيْسَ حِكْرًا على ثقافةٍ ولا زَمَنٍ، بَلْ هُوَ هَاجِسٌ إنسانيٌّ يَتجدَّد كُلَّما تَغَيَّرَتْ أقنعةُ الطُّغْيانِ. الكواكبي، وَهُوَ يَكْتُبُ مِنْ قَلْبِ الشَّرْقِ الجَريحِ، واجهَ الاستبدادَ بِوَصْفِهِ عِلَّةً أخلاقية وفِكرية، تُفْسِدُ الدِّينَ والعقلَ والمُجتمعَ، فكانَ خِطَابُهُ مُبَاشِرًا إصلاحيًّا، يُرَاهِنُ عَلى وَعْيِ الأُمَّةِ واستعادةِ إرادتها. أمَّا أورويل، ابْنُ التَّجْرِبَةِ الغربيةِ الحديثةِ، فَقَد اختارَ طَريقَ الرَّمْزِ والتَّخْييلِ، كاشفًا كَيْفَ يَتحوَّل الاستبدادُ إلى مَنظومةٍ شاملة تُسَيْطِر على اللغةِ والذاكرةِ والحقيقةِ نَفْسِها، حَتَّى يَغْدُوَ القَمْعُ غَيْرَ مَرئيٍّ، لكنَّه أشدُّ فَتْكًا.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

أغرب ما قرأت سيرة شخصية يونانية تدعى سيكوندوس الصامت Secundus the Silent، ويصفه بعضهم بالفيلسوف الصامت. تختلط المعلومات القليلة المتاحة في المراجع حول حياة سيكوندس بما صنعه المتخيل. يقال إنه عاش في أثينا أوائل القرن الثاني الميلادي، ويرجح كونه معاصرًا للإمبراطور الروماني هادريان الذي حكم بين 117 و138 م، وقد اقترن اسمه بالصمت حتى غدا الصمت هويته الفلسفية ونمط وجوده في العالم. لا تقدم المصادر القديمة سيرة تفصيلية لحياته، إذ تحيط به طبقة كثيفة من الغموض والابهام، وما ورد عنه يرسم صورة اسطورية أو شبه اسطورية تبلورت في التراث الرهباني المسيحي المبكر، واستقرت في الذاكرة الروحية تجسيدًا للزهد المدهش ونذر الصمت. يرد ذكره في نصوص متأخرة من العصور القديمة والوسطى، خاصة في سرديات رهبان الصحراء وفلاسفة رأوا في الصمت طريقًا للحكمة، ويظهر فيها فيلسوفًا أو راهبًا اختار الصمت طريقًا للمعرفة، ورمزًا لمعنى يرى الحقيقة أعمق من أن تحاط بالكلام، ونموذجًا أخلاقيًا لا شخصية تاريخية محددة. لا تقدم المصادر أدلة موثوقة على وجوده بوصفه شخصًا بعينه، لذلك يرجح أغلب الباحثين كونه رمزًا روحيًا وأخلاقيًا، أو شخصية مركبة استلهمت من خبرات رهبان زاهدين عاشوا فعلًا، وتندرج حكايته مع أمه في الأفق الرمزي ذاته.

لم يكن سيكوندوس هو الوحيد الصامت، بل يتحدث التراث الغربي عن غيره، مثل يوحنا الصامت الذي كان راهبًا من القرن الخامس/السادس الميلادي، وولد في أرمينيا نحو سنة 454م وتوفي قرابة 558م، وكان في بداياته أسقفًا على مدينة كولونيا في أرمينيا الصغرى، ثم ترك الأسقفية سرًا هربًا من الصراعات الكنسية، واتجه إلى الحياة الرهبانية متخفيًا، متنقلًا بين فلسطين وصحراء سيناء، قبل أن يستقر في دير مار سابا قرب القدس. وتذكر سيرته كما نقلها كيرلس السكيثوبولي أنه التزم صمتًا صارمًا امتد سنوات طويلة، وتورد بعض السرديات الرهبانية أن هذا الصمت بلغ نحو خمس وعشرين سنة، بوصفه ممارسة روحية عميقة لا مجرد امتناع عن الكلام، هدفها تهذيب النفس، وبناء الذات، وانارة الوعي، والإقامة في حضور الله. وينبغي التمييز بينه وبين يوحنا الصوّام أو الصائم (John the Faster)، بطريرك القسطنطينية في القرن السادس، الذي اشتهر بالنسك والصيام ولا صلة له بنذر الصمت الطويل، إذ إن الخلط بين الشخصيتين يوقع في أخطاء تاريخية وجغرافية لا يسندها التراث الرهباني الموثوق.

تصور بعض الروايات سيكوندوس بأنه كان غارقًا في صمت أبدي، بعد إقدامه على موقف لاأخلاقي مؤلم ورط فيه أمه وتورط هو فيه، وانتهى بانتحارها، فعاقب نفسه بالصمت عن أية كلمة مهما بلغت أهميتها. تنقل هذه الروايات سبب صمته في سياق رمزي مرير، إذ كانت أمه أرملة في زمن تنظر فيه الثقافة الأثينية إلى الأرامل بوصفهن متشوقات جنسيًا، وكان اقتران ذلك بممارسة الجنس مقابل المال صادمًا للوعي الاجتماعي. لم يتوقف سيكوندوس عند ذلك، بل مضى في اختبار أخلاقي مثير، فتنكر في هيئة فيلسوف ساخر بشعر منسدل ولحية كثيفة، وعرض على أمه من دون أن تتعرف عليه ممارسة الجنس مقابل خمسين قطعة ذهبية، فجاءته الصدمة حين وافقت. تزينت له وأعدت العشاء وتناولاه معًا، وحين دخلا المضجع وسلمته جسدها، لم يقدم على شيء، وأحاطها بذراعه كما يفعل طفل بأمه، وحدق في الثديين اللذين تغذى منهما عندما كان رضيعًا، ثم استلقى حتى الصباح. عند بزوغ ضوء الفجر نهض سيكوندوس وتهيأ للخروج، غير أن أمه أمسكت به واستوقفته قائلة: لماذا امتنعت، وهل فعلت ذلك فقط من أجل إدانتي؟ فأجابها: لا يا أمي، امتنعت صونًا للمكان الذي خرجت منه إلى الحياة. فصاحت في فزع: من أنت؟ فقال: أنا سيكوندوس، ابنك. عندها عجزت الأم عن احتمال وقع الصدمة، ومع أنها لم تبلغ بفعلها حد الفاحشة في منظور ذلك المجتمع، فإن عذابها النفسي وشعورها العميق بالخجل والعار دفعاها إلى إنهاء حياتها، إذ شنقت نفسها. أما الابن فقد وعي أن ما اقترفه مع أمه لم يكن خطأ عابرًا، وإنما خطيئة لا تغتفر، فاستبد به الشعور بالذنب إزاء موتها، وقرر أن يلازم الصمت بقية حياته، طلبًا للتكفير أو استلهامًا للشرط الصارم الذي فرضته المدرسة الفيثاغورية على المبتدئين بالانخراط فيها، وهو الصمت التام خمس سنوات، غير أن سيكوندوس اختار الصمت مدى الحياة، وتحول هذا القرار إلى قدر وجودي صاغ هويته الفلسفية وأودع صمته معنى يتجاوز الكلام1.

ما وصلنا عن سيكوندوس يكشف عن اختيار واع للصمت بوصفه موقفًا أخلاقيًا وروحيًا، لا عجزًا جسديًا ولا انسحابًا مرضيًا. يروى أنه امتنع عن الكلام حتى حين استدعاه الإمبراطور وسأله عن سبب صمته، فكان الامتناع ذاته جوابًا، في إشارة إلى أن المعنى يتجلى بالفعل أعمق مما يتجلى بالقول. ينسب إلى سيكوندوس نص قصير تداولته الثقافة اللاتينية والبيزنطية لاحقًا، يعرف بتعريفات سيكوندوس، ويضم أقوالًا مكثفة تعرف الإنسان والحياة والكلام والموت والصمت تعريفًا موجزًا. المفارقة في أن هذا النص المنسوب إلى فيلسوف صامت يقوم على اقتصاد شديد في اللغة،كأن الكلمة ولدت من رحم صمت طويل. الصمت عند سيكوندوس لا ينفي العقل ولا يحتقر الكلام، وإنما يحرس المعنى من الابتذال، ويحتج على عالم يسرف في الكلام حتى يبدد الحكمة. هكذا يغدو الصمت طريقة للعيش، وموقفًا من الوجود، وفعلًا فلسفيًا قائمًا على التأمل، يمنح الفلسفة بعدًا أخلاقيًا وروحيًا عميقًا، يرى أن بعض الحقائق تفسد حين تقال، وأن الحكمة أحيانًا تسكن فيما لا يقال أكثر مما تسكن فيما يقال.

أكره هادريان Hadrian، إمبراطور روما الذي حكم بين 117 و138م، الفيلسوف الصامت على أن يكتب له إجابات عن مجموعة من الأسئلة، بعد أن أضرب سيكوندوس عن الكلام في حضرته. يئس الإمبراطور من نطقه، لم يكترث سيكوندوس حين أمر هادريان بذبحه، فاستلّ الجلاد السيف، وكان على وشك قتله، ومع ذلك ظل صامتًا لا ينطق. عندئذ تعجب هادريان من صلابة عزيمته وقوة إرادته، ونهض قائلًا: سيكوندوس، في التزامك بالصمت فرضت على نفسك نوعًا من القانون، ولم أتمكن من خرق قانونك هذا، الآن خذ هذا اللوح واكتب عليه وتحدث معي بيديك. أخذ سيكوندس اللوح وكتب قائلًا: من جهتي يا هادريان، لم أخف منك ولن أخاف بسبب الموت، لديك القدرة على قتلي، لأنك اليوم حاكم، لكن ليس لديك أية سلطة على كلامي، ولا على الكلمات التي اخترت أن أتحدث بها. قرأ هادريان هذا وقال: موقفك في الدفاع عن النفس جيد، لكن تعال وأجبني في عدد من الأمور الأخرى، لدي عشرون سؤالًا أطرحها عليك، وتوالت إجابات سيكوندوس2.

هذا هو النص الوحيد المنسوب إلى هذا الفيلسوف الغرائبي، ويقال إن ثمة دليلًا على وجود بردية تعود إلى القرن الثالث الميلادي. لا يوجد النص كاملًا إلا في مخطوطة واحدة من القرن الحادي عشر، فيما تقتصر المخطوطات اليونانية الأخرى على شيء من الأسئلة والأجوبة فقط. أحضر ويلياموس ميديكوس، الذي صار لاحقًا راهبًا في دير سان دوني، المخطوطة الكاملة من القسطنطينية إلى فرنسا عام 1167م، وترجمها إلى اللاتينية بعنوان Vita Secundi Philosophi، فانتشرت انتشارًا واسعًا، كما تكشف عنه كثرة النسخ المتداولة.

وقد أدرج فنسنت دي بوفيه نسخة مختصرة من هذه الترجمة في موسوعته الشهيرةSpeculum Historiale. بغض النظر عن الجدل حول هذه الشخصية، وكونها شخصية أسطورية، أو شبه أسطورية صاغها المتخيل عبر تركيبها من عدة شخصيات واقعية ومتخيلة، فقد أوردناها بوصفها مثالًا مدهشًا للصمت والتربية الروحية والأخلاقية الصارمة. أورد صياغة عربية لإجابات سيكوندوس على أسئلة الإمبراطور هادريان، وإن كنت أظن أن هذه الأسئلة والأحوبة مركبة من حكم معروفة في التراث الديني والثقافي الغربي والعالمي. أنقلها كما وردت في التراث المتأخر المنسوب إليه، بصيغة حكم وتأملات قصيرة، على نمط السؤال والجواب:

سأله هادريان: ما الإنسان؟ أجاب سيكوندوس: كائن يولد بلا اختيار، ويعيش بالوهم، ويموت بالضرورة. سأله هادريان: ما الحياة؟ أجاب سيكوندوس: حلم قصير، بين صرختين.

سأله هادريان: ما الموت؟ أجاب سيكوندوس: راحة لمن تعب، وخوف لمن أفرط في التعلّق.

سأله هادريان: ما الزمن؟ أجاب سيكوندوس: نهر يحمل كل شيء، ولا يحمل نفسه.

سأله هادريان: ما الصديق؟ أجاب سيكوندوس: نفس أخرى تسكن جسدًا غير جسدك.

سأله هادريان: ما العدو؟ أجاب سيكوندوس: صديق لم يعرف نفسه بعد.

سأله هادريان: ما الحكمة؟ أجاب سيكوندوس: أن تعرف مقدار جهلك، وتتصالح معه.

سأله هادريان: ما الجهل؟ أجاب سيكوندوس: أن تظن أنك وصلت.

سأله هادريان: ما الغنى؟ أجاب سيكوندوس: قلة الحاجات.

سأله هادريان: ما الفقر؟ أجاب سيكوندوس: شراهة لا تشبع.

سأله هادريان: ما الأمل؟ أجاب سيكوندوس: مرض جميل يطيل الحياة.

سأله هادريان: ما الخوف؟ أجاب سيكوندوس: ابن الجهل بالمصير.

سأله هادريان: ما السعادة؟ أجاب سيكوندوس: لحظة نسيان للذات.

سأله هادريان: ما الحزن؟ أجاب سيكوندوس: تذكّر زائد لما لا يمكن إصلاحه.

سأله هادريان: ما الصمت؟  أجاب سيكوندوس: لغة الحكماء حين تعجز الكلمات.

سأله هادريان: ما الكلام؟ أجاب سيكوندوس: ستار يخفي أكثر مما يُظهر.

سأله هادريان: ما الفيلسوف؟ أجاب سيكوندوس: من يسأل ليبقى حيًا، لا ليصل إلى جواب.

سأله هادريان: ولماذا اخترت الصمت؟ أجاب سيكوندوس: لأن أكثر الأسئلة لا تحتمل أجوبة، وأكثر الأجوبة تفسد الأسئلة.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

.......................

1- عثمان، صلاح، "سيكوندوس: الفيلسوف الصامت! 1-2"، موقع أكاديمية بالعقل نبدأ، 2024.

2- المرجع السابق.

 

حينما نتحدث عن النقد العراقي بين المنهج والأيديولوجيا وعلاقتهما بالجغرافية والسلطة، فإننا نواجه بالسؤال المركزي الذي يتناول والوضع الثقافي الراهن وأزمة الهوية الوطنية التي تعيش مأزقا خطيرا لم تعد فيه رابطة الانتماء إلى الوطن قادرة على الصمود في وجه الولاءات الأيديولوجية والقومية والدينية والطائفية التي تمزّق النسيج الوطني وتضع مثقفنا العراقي الحالي من جديد أمام السؤال القديم الجديد:

ما العمل؟ وتعيد إلى الأذهان التهمة القدمة الجديدة الخاصة بخيانة المثقف. وهي تشكّل واحدة من أهم القضايا التي شغلت الفكر الإنساني في العصر الحديث، لأنها تمسّ جوهر العلاقة بين المعرفة والسلطة، وبين الضمير والمسؤولية الشخصية، بين الجديد الوافد والقديم الراكد. فمنذ مطلع القرن العشرين، ومع التحولات الكبرى التي شهدها العالم من حروب وأيديولوجيات وصعود للدولة الحديثة، لم يعد المثقف يُنظر إليه بوصفه مجرد كاتب أو فيلسوف أو أكاديمي، بل كفاعل أخلاقي يمتلك سلطة الكلمة والتأثير على الرأي الرأي. وعندما يتخلّى صاحب الكلمة عن دوره في خدمة الحقيقة، أو ينحاز إلى القوة على حساب الناس، أو  يكتب أشياء لاعلاقة بالواقع الاجتماعي القائم تبدأ ما يسميه المفكرون بـ الخيانة، أي انهيار الوظيفة الأخلاقية للمثقف أمام إغراءات السلطة، أو ضغط الأيديولوجيا، أو إغواء السوق.

المثقف بين الالتزام والخيانة

هكذا، يبدو المشهد الثقافي العراقي اليوم محكوماً بقدر كبير من التمزق الهوياتي الذي خلّفته عقود من الصراع والتحولات العنيفة، وهو تمزق أصاب صورة الفرد في ذاته وفي علاقته بالجماعة والذاكرة والانتماء إلى الناس، عمومِ الناس. وفي ظل هذا الواقع، تتعاظم مسؤولية الأديب، لا بوصفه صانعاً لجماليات لغوية عابرة، بل بوصفه فاعلاً ثقافياً قادراً على إعادة بناء الوعي وترميم الهوية عبر سرديات تكشف الجروح المشتركة وتعيد الإنسان إلى مركز التجربة. غير أن هذا الدور لم يكن دائماً واضحاً في الساحة النقدية العراقية، حتى بعد التغيير الذي تخلص فيه هذا المثقف من الضغط السياسي وإملاءات النظام الشمولي؛ إذ شهد النقد العراقي في العقود الأخيرة تداخلاً ملتبساً بين تبنّي المناهج الحديثة—وخاصة البنيوية وما تفرّع عنها—وبين الالتزامات الأيديولوجية التي حملها بعض النقاد في سياقات سياسية مضطربة. فقد بدا أن اللجوء إلى البنيوية، بما تقدّمه من حياد منهجي وتقنية لغوية محايدة، كان أحياناً محاولة للابتعاد عن الخطاب الأيديولوجي المباشر، لكنه أدى في الوقت ذاته إلى تحويل النص إلى بنية مغلقة منفصلة إلى حد كبير عن الإنسان والتاريخ، وإلى إقصاء التجربة الحية التي تشكّل جوهر الأدب. ومع المبالغة في التمسك بالمفاهيم البنيوية، تحوّل النقد إلى ممارسة تقنية جافة لا تلامس الأسئلة العميقة المتعلقة بالهوية والعدالة والذاكرة، مما أنتج قراءات باردة تخلو من الحرارة الشخصية الحسّ الإنساني. وهكذا وجد بعض النقاد أنفسهم في موقع الهجنة والرطانة المنهجية: يستخدمون أدوات البنيوية وصرامتها المصطلحية، لكنهم في العمق مثقلون بأسئلة الواقع التي لا يسمح المنهج بطرحها صراحة. وقد ساهم هذا التوتر في إضعاف فاعلية النقد العراقي بوصفه أداةً للوعي، وعمّق الفجوة بين النص وبيئته، مما جعل الحاجة ملحّة إلى استعادة وظيفة الأدب بوصفه خطاباً إنسانياً قادراً على مواجهة التمزق الهوياتي لا عبر التزيين البلاغي ولا المحسنات اللفظية التي تتحول في حال المبالغة إلى مقبّحات، ولا عبر التجريد البنيوي، بل عبر مساءلة الواقع والإنسان بلغة تتجاوز الزخرفة والحياد الزائف معاً وهذا هو الذي يدعونا للحديث عن الخيانة.

لقد برز مصطلح (خيانة المثقفين) لأول مرة بصورة فكرية واضحة في كتاب الفرنسي جوليان بندا  «La Trahison des Clercs خيانة المثقفين أو الانتلجسيا عام ١٩٢٧، حيث اتهم باندا مفكري أوروبا بالتخلي عن رسالتهم الإنسانية حين انجرّوا وراء النزعات القومية المتطرفة التي قادت لاحقاً إلى الحرب العالمية الثانية. رأى بندا أن المثقف الحقيقي هو الذي يعيش من أجل "القيم الخالدة" مثل العدالة والعقل والحرية، وأنّ أيَّ انحياز إلى القوة السياسية أو العسكرية يُعدّ سقوطاً أخلاقياً. لكن هذا المفهوم لم يبقَ كما هو؛ بل اتسع لاحقاً ليشمل أنماطاً جديدة من الخيانة ظهرت مع تغيّر بنية النظام في أوربا والعالم.

بعد الحرب العالمية الثانية، دخل المثقف في سياق أكثر تعقيداً. فقد انقلب العالم إلى فضاء للصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب، وتحوّلت الأنظمة الشمولية إلى مؤسسات ضخمة تستثمر في الفكر والدعاية. ووجد كثير من المثقفين أنفسهم جزءاً من ماكينة السلطة، إما دفاعاً عن الشيوعية أو الليبرالية أو القومية، وفي كل تيار ظهرت نماذج مثقفين يبرّرون القمع باسم الثورة، أو التقدم أو الدفاع عن الأمة..

هنا لم تعد الخيانة مجردَ انحياز سياسي، بل أصبحت تضحية بالحقيقة لصالح الأيديولوجيا، وتحوّلَ المثقف إلى موظف يزيّن خطاب السلطة بدل أن يواجهه. وقد انتقد غرامشي هذا النوع من المثقفين، مميزاً بين "المثقف التقليدي" الذي يكرر خطاب السلطة، و"المثقف العضوي" الذي يحاول إحداث وعي نقدي في المجتمع.

ومع السبعينيات وما بعدها، تغيّر شكل الخيانة مرة أخرى. فمع صعود الإعلام الجماهيري والاقتصاد الرأسمالي الجديد، تحوّلت المعرفة إلى سلعة، وصار المثقف يواجه إغراءات من نوع مختلف: الشهرة، والظهور التلفزيوني، والجوائز، والارتباط بالمؤسسات الممولة. وفي هذا السياق، لم تعد الخيانة مقتصرة على خدمة السلطة السياسية، بل ظهرت خيانة من نوع ثقافي – تجاري، حيث يستبدل المثقف العمق بالسطحية، والتحليل العلمي بالشعارات الجاهزة، والجرأة النقدية بالإرضاء والترويج، وتطييب الخواطر. وقد وصف بيير بورديو هذا التحوّل بأنه بيع للعقل في السوق الإعلامي، حيث تُختَزل المعرفة إلى رأي سريع قابل للاستهلاك، يفقد قيمته الأخلاقية والبحثية الأساسية.

ولا بدَّ أن نذكر كذلك أن سلامة النوايا والضمير الإنساني الحي لا تكفي وحدها لتبييض ساحة المثقف ما لم يرتبط عنده كلُّ ذلك بشيء من العمق في الوعي والإدراك لضرورات السياق الاجتماعي والسياسي القائم.

-  الحقبة الرقمية

ومع دخول العالم الحقبة الرقمية، اتخذت خيانة المثقف شكلاً أكثر غموضاً. فالإعلام الجديد، وشبكات التواصل، وما يسمى بـ عصر ما بعد الحقيقة، جعلت المثقف في مواجهة تحدٍّ جديد: كيف يقول الحقيقة في عالم لا يهتم بالحقيقة؟ هنا تظهر الخيانة حين يتحول المثقف إلى جزء من ضجيج المعلومات، فيتبنى الشائعة، أو يروّج خطاباً شعبوياً، أو يستخدم سلطته المعرفية لتجميل الأكاذيب أو تضليل الرأي العام. وفي هذا النوع من الخيانة لا يكون المثقف تابعاً لسلطة سياسية فقط، بل تابعاً لـ خوارزميات ترفع ما هو رائج وتقني، بدلا مما هو صادق وإنساني.

أما في العالم العربي، فقد اتخذت خيانة المثقف أبعاداً خاصة. فالأنظمة السلطوية، وتداخل الدين بالسياسة، والحروب، والصراعات الطائفية، والاقتصاد الريعي، كلها عوامل دفعت بعض المثقفين إلى أداء أدوار تتراوح بين التبرير والصمت والمشاركة المباشرة في صناعة خطاب يدعم الاستبداد. فكم من مثقف تحوّل إلى مروّج لخطاب السلطة، أو إلى شاعر يمجّد الحاكم، أو أكاديمي يستخدم المعرفة لتطويع الناس بدل تحريرهم. وتزداد الخيانة وضوحاً عندما يصمت المثقف أمام الظلم خوفاً أو طمعاً، أو حين يُسخّر علمه لتجميل واقعٍ مأزوم، أو عندما يفقد حسّه النقدي ويتحول إلى جزء من البنية التي كان يفترض أن يواجهها.

ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى مفهوم خيانة المثقف بصورة تبسيطية وواقعية تتجاوز صعوبات ما هو قائم . فالمثقف يعمل، كما نعرف في عالم مليء بالضغوط:

- رقابة

- فقر مؤسساتي،

- تهديدات،

- تشويه رقمي،

- وانهيار في البنى التربوية والأكاديمية والإعلامية.

ولذلك فإن كثيرين يرون أن المثقف المعاصر ليس خائناً بقدر ما هو ضحية منظومة أكبر. لكن هذا لا يلغي وجود نوع من الخيانة الإرادية التي تظهر حين يضحّي المثقف بواجبه الأخلاقي، ويختار الراحة أو المنفعة على حساب الحقيقة.

إن جوهر فكرة خيانة المثقف لا يتعلق بالموقف السياسي، بل بالوظيفة الأخلاقية للعقل. فالمثقف خائن عندما يتخلى عن دوره الطبيعي بوصفه ضمير المجتمع، وعندما يتحول من مقاومة الظلم إلى تبريره، ومن حماية الحقيقة إلى إخفائها، ومن الدفاع عن الإنسان إلى التحالف مع من يسحقونه. وكلما أصبحت الكلمة سلعة، والرأي أداةً، والموقف صفقة، اتسع مفهوم الخيانة، وانحسرت قيمة المثقف بوصفه حارساً للمعنى.

العالم المعاصر، بتعقيداته وقواه الهائلة، يحتاج إلى مثقف لا يكتفي بالقول بل بالمواجهة، لا يكتفي بفهم الواقع بل بفضحه، ولا يكتفي بالوعي بل بخلق وعي جديد. فما تزال وظيفة المثقف الأصيلة – رغم كل التحولات – هي الالتزام بالحقيقة في زمن يفقد فيه الناس بوصلتهم، والوقوف مع الإنسان الأعزل حين يتخلى الجميع عنه. وعندما يتخلى المثقف عن هذا الدور، فإنه لا يخون ذاته وحدها، بل يخون المجتمع بأسره

وضع المثقف العراقي الحالي

ونحن نعلم أن المجتمع العراقي يواجه في العقود الأخيرة أحدَ أشدّ أشكال الاضطراب والارتباك الثقافي وهو التصدّع الهوياتي؛ فترة انتقالية غير مستقّرة على كل الأصعدة الساسية والفكرية والأيديولوجية.  تمزق لا يصيب صورة العراقي في داخله، وانتمائه الوطني والاجتماعي، وموقعه في التاريخ الحديث. وهو لا يعود في أسابابه إلى عامل واحد، بل إلى تراكم الحروب الخارجية والأهلية، والتحولات السياسية العنيفة، وتفكّك البنى الاجتماعية التقليدية، وصراع القوميات والطوائف، وصولاً إلى التأثيرات العابرة للقوميات والمجتمعات التي أحدثتها التكنولوجيا والاقتصاد العالمي. وفي ظل هذا المشهد، لا يصبح الأدب ترفاً جمالياً، ولا مساحة للزخرفة اللفظية، بل شرطاً معرفياً وأخلاقياً لإعادة بناء الوعي.

إن مسؤولية الأديب اليوم تتجاوز إنتاج نصوص منسوبة إلى "الجميل" في حدود اللغة، إلى ممارسة دور ثقافي نقدي يُسهم في إعادة لحم العناصر المتباعدة في الهوية الوطنية ومواجهة التشظّي. فالهويات حين تتصدع لا تُرمَّم بالشعارات أو الخطابات السياسية، بل عبر سرديات قادرة على إعادة الإنسان إلى مركز التجربة، والكشف عن القواسم المشتركة التي تُنقذ المجتمع من التفكك. وهنا تتكثف وظيفة الأديب: أن يمنح المجتمع خطاباً جديداً للذات، وأن يعيد كتابة ذاكرة معاصرة ترفض الإقصاء وتمنح المختلفين مساحة ليكونوا جزءاً من الكُلّ.

هكذا، يحتاج العراق اليوم إلى أدب لا يقف عند حدود التزيين اللغوي أو المباهاة الأسلوبية، بل إلى نصوص تكشف هشاشتنا الجماعية، وتسمّي جروحنا المحلّيّة من دون خجل. فالجمال اللفظي الزائف، الذي يُزيّن الخراب بدل أن يُضيئه، يتحول إلى شكل من أشكال المشاركة في إدامة الأزمة. أما الجمال الحقيقي فهو ذاك الذي يملك الشجاعة لاقتحام المناطق المظلمة، ولتفكيك الأساطير التي تكرّس الانقسام، ولصياغة لغة تستوعب التجربة العراقية بما فيها من ألم وتمزّق، من غير أن تسقط في خطاب الكراهية أو التبرير، ولا التبسيط البعيد عن عمق الحساسية الجمالية.

إن مسؤولية الأديب، بوصفه حارساً للوعي الجمعي، تكمن في إنتاج سرديات تعيد ترتيب علاقتنا بالتاريخ وبالمدينة، وبالآخر المختلف. وهذا يتطلب من الشاعر أو الروائي أو المسرحي أن يتحرر من إغراء "التجميل البلاغي" الذي يستبدل الحقيقة بالأسلوب، الذي تلتقي فيه بعضُ المناهج النصية والأسلوبية الحديثة مع أسوء ما كان في تراثنا البلاغي من أداء لفظي وحرص على البيان والبديع الخاليين من عمق المحتوى ووجود المعنى والمضمون الإنساني. فالمطلوب في هذه المرحلة هو كيفية إيجاد أساليب أدبية مبسطة قادرة على أن تقترب من الإنسان الممزق، من اللاجئ والمهاجر، والضحية، والناجي بنفسه من المحرقة، وليس إحالته إلى رمز تجريدي، بل ليعيد إليه صوته الذي ضاع وسط ضجيج الأحداث العنيفة المتوالية . فالأدب حين يفقد حسّه الإنساني يتحول إلى صناعة لغوية لا أثر لها.

وهكذا يصبح الأديب، لا السياسي ولا الخطيب ولا الإعلامي، القادرَ على وضع المجتمع أمام مرآة صادقة، وعلى طرح أسئلة جوهرية:

كيف نرى أنفسنا بعد كل هذا الخراب؟

ما معنى أن يكون العراقي عراقياً اليوم؟

ما القيم المشتركة التي يمكن أن تجمع الأجيال الجديدة؟

هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها من دون خطاب أدبي جديد، يواجه الواقع كما هو، ويعيد للهوية دورَها بوصفها مساحة للتعايش، لا ساحة لصراع الانتماءات التي تتدخل فيها القومية والطائفة والعشيرة.

إن العراق بحاجة إلى أدب يساهم في بناء هوية مفتوحة تتجاوز الانغلاق الطائفي والقومي، وتؤسس لوعي نقدي يرى التعدد قيمة لا تهديداً. وهو دور لا  يتحقق ما لم يحمل الأديب شجاعة تجاوز النمط الاستعراضي الذي ساد زمناً طويلاً، ويستبدله بمسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع. فالأديب الحقيقي ليس من ينسج الكلمات بإتقان، بل من يملك القدرة على إعادة الإنسان إلى مركز الكتابة، وعلى تحويل النص إلى فعل مقاومة ضد التفكك، وإلى أفق جديد لإعادة بناء الذات العراقية، الأمر الذي يبعد عن هذا الأديب شبح الاتهام بالخيانة.

***

الدكتور ضياء خضير

يتأصّل الجمال في طبيعة الإنسان فاللّه قد خلق الإنسان على صورته وهو جميل يحبّ الجمال. ولذا فالإنسان ميّال بطبعه إلى عشق الجمال نزاع إلى استجوابه ومناشدته حيثما وجد في الطبيعة، وفي الكلمة وفي الأشياء، وفي الإنسان نفسه. وإذا كان الإنسان جميلاً، فإنّ الطبيعة خصّت المرأة بالجمال الّذي يندر مثيله فـي الكون، فجعلت منها آية من آياتها وسرّاً من أسرارها فإذ هي جمال يتفتّق بالجمال، ويفيض بالسحر ويعبق بالجاذبيّة، وينضب بالمعاني الجميلة. ومنذ بدء التكوين والرجل يقف مسحوراً أمام جمال المرأة وفتنتها حيث وجد فـي سحرها وجمالها ينبوع الهامة فإذ به يستوحي جمالها في بناء جمال الأشياء الّتي تجسّدت فـي الأدب والفنّ والروائع والأحداث الجسام.

 كان جمال جسد المرأة يلعب وما زال دور أساسيّاً في إيقاظ الرجل على معاني الجمال وصـوره جميع الحضارات الإنسانيّة الأولى، ومنه انتقل الفلاسفة والمفكّرون والفنّانون إلى غيره من مظاهر الجمال في الطبيعة والنفوس والمنازل والأبنية (عبد اللطيف شرارة: 72).

فالجمال والحبّ توأمان لا يقوم أحدهما مـن غير الآخر، وفي ذلك إشارة إلى ما يفعله الجمـال فـي نفوس البشر، وإلى مدى تأثيره في قلوبهم. وها هو أفلاطون نفسه لا يميّز في كتابه "المائدة " بين الحبّ والجمال؛ إذ يقول" إنّ الحبّ هو التمتّع بالجمال لأنّ فكرة الجمال هي الحقيقة السامية (أوسفلد سفارتس: علم الجنس نفسه، ص. 145).

وإذا كان الحبّ هو أساس كلّ تقدّم إنسانيّ بما يوحيه من اندفاعات وتضحيات، فإنّ الجمال هو معيّن الحبّ وملهمه. فعالم الحبّ هو عالم النفس البشريّة في جملته، ومن استطاع أن يتذوّق جماليّاته [...] كان حرّيّاً به أن يدرك أسرار النفس الإنسانيّ (شرارة: ص.11).

لقـد قـدّر لشخصيّات التاريخ العظيمة من شعراء وأدباء وفنّانين أن تدرك لمحات الجمال وأن تستشعر عظمته "فامتازوا بقدرتهم العجيبة على الحبّ وتفرّدوا بذلك اللهب الداخليّ الّذي جعلهم لا يملّون الجهد من أجل غيرهم ومن أجل العطاء والإبداع " (شراة ص.16). وكان لجمال المرأة لدى كلّ شعب طراز يصفه شعراؤه، ويتغنّى به عشّاقه، ويرسمه مصوّروه وينحت له التماثيل مثّالوه وتجهد النساء في تحقيقه (شـرارة ص. 74). ففي اليونان القديمة كان مقياس الجمال الأنثويّ عند اليونان يتمثّل فـي المرأة الممتلئة قليلاً كما يلاحظ في التماثيل والرسوم اليونانيّة (خمّاش: ص.29).

كان إحساس العاشق بجمال عشيقته في الجاهليّة يتحوّل على يد الحبّ إلى ضـرب مـن العبادة [...] وكـان العرب الجاهليّون يرون في جمال المرأة محور أحاديثهم وأداة الوحي الكبرى لشعرائهم (شرارة). وقـد وجد ديون Dion سنة 1977 أنّ جاذبيّة الوجه تعدّ نقطة الارتكاز الأولى للجاذبيّة، وأنّها تساعد صاحبها أو المتعامل معه على إقامة علاقات اجتماعيّة أكثر استدامة ووفاقاً، كما أنّ لذلك أثراً بيّنّاً في توجيه السلوك نحو مسالك لا تتّسم بالضعف والعدوانيّة.

"وتبين الدراسات الجماليّة الجارية بشكل عامّ أنّ الأفراد الأكثر جاذبيّة من ناحية الشكل يملكون في نظر من يتعاملون معهم خصائص إيجابيّة، بعكس الّذين لا يملكون هذه الجاذبيّة، فينظر إليهم على أنّهم يحملون خصائص سلبيّة" (الخشت: ص 72).

وتتعـدّد وجهات النظر في تحديد شواخص الجمال عند المرأة فهناك من ينظر إلى الجمال الأنثويّ في رشاقة الجسم وانسيابه، بينما يركّز آخرون على تناسق الوجه وبهائه، في حين يجمع البعض في نظريّتهم بين اعتبار رشاقة الجسد وبهاء الوجه. وثمّة رجال يفضّلونها ممتلئة، وآخرون يرغبون فـي الرفيعة، وهناك من تعجّبهم معتدلات الجسم، كما أنّ بعض الرجال يتوقون إلى السمراء، وآخرون إلى الشقراء، وطائفة يحبّذون البيضاء. فللجمال الجسـديّ ألوان مختلفة وأنماط متعدّدة، وتؤكّد أحدث الدراسات الّتي وقعت عليها أيدينا تنوّعاً كبيراً في نظرة الرجال إلى الجوانب الجماليّة للجسد الأنثويّ.

ويتجسّد جمال المرأة الجاهليّ في القصيدة اليتيمة الّتي تمثّل إحدى اللوحات الرائعة لجمال المرأة في منظور الثقافة الجاهليّة وهي من أقدم اللوحات الفنّيّة، إذ لم تكن أقدّمها إطلاقاً. تقول القصيدة:

بيضاء قد لبس الأديم أديم = الحسن فهو لجلدها جلـــد

ويزيّن فوديــهاً إذ حسرة = ضافــي الغدائر فاحم جعد

فالوجه مثل الصبح مبيّـض = والشعر مثل الــليل مسوّدّ

ضدّان لمّـا استجمعا حسناً = والضدّ يظهر حسنه الضــدّ

وجبينها صلّت وحاجبـــها = شخط المخط أزج ممــــتدّ

فكأنّها وسنى إذ نظـــرت = أو مـدنّف لما يفق بــعد

بفتور عين ما بـها رمـد = وبها تداوى الأعين الرمد

وتريك عرنينا به شمّـــم = أقنى وخدا لونه الـورد

وتحيل مسواك الأراك علـى = رتل كأنّ رضـــابه الشهد

والجيّد منها جيّـد جؤزرة = تعطو إذا ما طالها المردّ

وامتدّ من أعضائها قصــب = فعمّ تلته مرافــــق درد

والمعصمان فما يرى لهما = من نعمة وبضــــاضة زند

ولها بنان لو أردت لــه = عقداً بكفّك أمكن الــعقد

كأنّما سقيت ترائبــــهـا = والنحر ماء الورد إذ تبدو

وبصدرها حقّان خلّتهــمـا = كافورتين علاهما نـــــدّ

والبطن مطويّ كما طويــت = بيض الرياط يصونه الملد

وبخصرها هيف يزيّنـــــه = فإذا تنوء يكاد يتّــقـد

والتفت فخذاها وفوقهمـا = كفل بجانب خصرها نهـــد

فتيامها مثنّى إذ نهضــت = من ثقله وقعودها فـــردّ

والساق خرعبة منــــعّمة = عبلت فطوق الحجـل مـنسدّ

والكعب ادغم لا يبيّن لـه = حجم وليس لرأسه حـــــدّ

ومشت على قدمين خصرتـا = والينتا فتكامل الــعقد

ما عابها طول ولا قصر = في خلقها، فقوامها قصــد

يقـول محمّد عثمان الخشت في هذا المقام:" احتلّ جمال المرأة مكانة خاصّة في الأدب العربيّ فطالما تحدّث الشعراء والأدباء عن مفاتن المرأة وبهائها" ( الخشت: ص. 76). وقـد ربط العرب منذ وقت مبكّر بين الجوانب الجماليّة الجسديّة في الأنثى ومجالات الإبداع في الأدب، وقد بلغ ذلك التعبير حدّاً من الروعة لا يقلّ عـن التعبير الإبداعيّ لحضارات أخرى لجأت إلى أساليب متنوّعة كالنحت والسيراميك في الحضارة اليونانيّة والرومانيّة، والرسم في الحضارة الرينساس والعصر الحـديث. فضلاً عن أنّها تتعادل في دقّتها أحدث الأبحاث المعاصرة في مقاييس الجمال الأنثويّ ( الخشت: ص. 76 ).

لقـد أبدع العرب وأيّ إبداع في وصف جمال العيون إذ غالباً ما ينجذب شعراء العرب إلى حوراء العينين: (شدّة البياض والسواد، ويقال الحور اسوداد المقلة كلّها كعيون المها ( البقر الوحشيّ). وفي ذلك قال جرير:

" إنّ العيون الّتي في طرفها حور = قتلتنا ثمّ لم يحيين قتلانا"

وهناك كثرة كاسرة من النصوص الأدبيّة النثريّة الرائعة الّتي تصف جمال المرأة ومنها ما قاله الأخوان عمرو وربيعة عندما سألهما أبوهما عن صفات أحبّ النساء إليهما فقال عمرو:

الهركولة.. اللفاء (1).. الممكورة(2).. الجيداء (3)... الّتي يشفي السقيم كلامها... ويبرّئ الوهيب إلهامها، الفاترة الطرف (4) الفلّة الكفّ.. العميمة الردف.

أمّا أخوه ربيعة فقال: الفاتنة العينين.. والأسيلة الخدّين (5)... والكاعب الثديين (6)... الردّاح الوركين (7)... الشاكرة القليلة... المساعدة للحليل... الرخيمة الكلام (8).

لقـد أرسـل الحارث بـن عمرو ملك كندة امرأة يقال لها عصام إلى ابنة عـوف لكي تتعرّف على أوصافها لما أخبره البعض بكمالها وجمالها وعندما عادت استنطقها بالقول المأثور: ما وراءك يا عصام".

فقالت:" رأيت وجهاً كالمرآة المصقولة... يزيّنها شعر حالك كأذناب الخيل، إن أرسلته خلّته السلاسل، وأنّ مشطته قلت: عناقيد جلاها الوابل، وحاجبين كأنّهما خطّا بقلم أو سوداً بحمم (1)... وبينهما أنف كحدّ السيف الصنيع... حفّت به وجنتان (2) كالأرجوان (3) في بياض كالجمان (4). شقّ فيه فم كالخاتم، لذيذ المبتسم، فيه ثنايا غرّ ( بيضاء )، ذوات أشرّ ( الأشر تباعد بين الأسنان)، تقلّب فيه لسان بفصاحة وبيان، بعقل وافر وجواب حاضر، تلتقي فيه شفتان حمراوان تجلبان ريقاً كالشهد إذ ذلك.. وفي رقبة بيضاء ركبت كدمية… وعضدان ممتلئين لحماً، مكتنزين شحماً، وذراعين ليس فيهما عظم يمسّ ولا عرق يجسّ… نتأ في صدرها ثديان كرمانتين يخرقان عليها ثياباً.. تحت ذلك بطـن طويّ كطيّ القباطي المدجّنة (5).. كسي عكنا(6) كالقراطيس المدرّجة، تحيط بتلك العكن بسرة(7) كمدّهنّ (8) العاج المجلوّ.. خلف ذلك ظهر فيه كالجندول (9) ينتهي إلى خصر، لولا رحمة اللّه لا نبتر... لها كفل (10) يقعدها إذا نهضت، وينهضها إذا قعدت كأنّه دعص(11) رمل تحمله فخذان لفـا كأنّهما نضيـد الجمان (12). تحتهما ساقان خدلتان (13)، كالبردتين وشيتا (14) بشعر أسود كأنّه حلق الزرد (15).. ويحمل ذلك قدمان كحذو اللسان; فتبارك اللّه كيف تطيقان حمل ما فوقهما. وما أن سمع ملك كندة هذه الأوصاف، حتّى أرسل من يخطبها له من أبيها وتزوّج بها (الخشت: ص82-83 ).

وخلاصة القول: إنّ الحبّ عند العرب كان ينبعث ويتحرّك في النفس عن تأثير الحواسّ بجسد المرأة وإشعاعاته. وكان الجاهليّ يعجب بتحرّكات المرأة ويلمس فيها الجمال وفي هذا يقول الشنفري:

ويعجبني أن لا سقوط خمارهـا = إذا ما مشت، ولا بذات تلـفّت

كأنّ لها في الأرض نسياً تقصّه = إذا ما مشت، وإن تكلّمت تبلّت

وهذا ما يقوله الأعشى في وصف مشيتها:

غراء فرعاء، مصقول عوارضها = تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحل.

كأنّ مشيتها من بيت جارتهـا = مرّ السحــــابة لا ريث ولا عجـــــل

ومن أجمل ما قيل في المرأة قول خالد صفوان في وصفه وجهه إلى أبو العبّاس السفّاح: " وحسبك من جمالها أن تكون فخمة من بعيد مليحة مـن قريب أعلاها قضيب وأسفلها كتيّب كأنّها كانت في نعمة ثمّ أصابتها فاقة فأثّر فيها الغنى وأدّبها الفقر ( عن كتاب العقد الفريد: كتاب المرجانة الثانية في النساء وصفاتها).

" وقـد ظلّت هذه الصفات الجسمانيّة في المرأة مثال إعجاب العربيّ وموضوع غزله واهتمامه إلى يومه هذا فلم يختلف بذوقه عن الجاهليّ في شيء كثير، وما زال تراثه القديم في هذه الناحية يعمل عمله في نفسه عن وعي منه وغير وعي" ( شرارة: ص. 78).

سئل أعرابيّ عن النساء، وكان ذا تجربة وعلم فقال: أفضّل النساء أطولهنّ إذ قامت، وأعظمهنّ إذ قعدت، وأصدقهنّ إذ قالت، والّتي إذا غضبت حلمت، وإذا ضحكت ابتسمت، وإذا صنعت شيئاً جوّدت، الّتي تطيع زوجها وتلزم بيتها العزيزة فـي قومها الذليلة في نفسها، الودود الولود وكلّ أمرها محمود (شرارة:ص.79).

قال عبد الملك لرجل من غطفان " صفّ لي أحسن النساء " قال " خذها يا أمير المؤمنين: ملساء القـدمين، ردحـاء الكعبين(1) مملوءة الساقين، جماء الركبتين (2) لفاء الفخذين، مقرمدة الرفغين(3)، ناعمة الإليتين، بداء الوركين، مهضومة الخصرين، ملساء المتنين، فخمة الذراعين، منيفة المأكميّتين (4)، فعمّة العضدين (5) فخمة الذراعين، رخصـة الكفّين (6) ناهدة الثديين، حمراء الخدّي، كحلاء العينين، زجاء الحاجبين(7)، لمياء الشفتين (8)، بلجاء الجبين(9)، شـماء العــرنين (10) شنباء الثغر (11) حالكة الشعر(12)غيداء العنق (13) غيداء العينين (14) مكسّرة البطن ناتئة الركب. فقال " ويحك وأنّى توجد هذه " قال " تجدها في خالص العرب أو في خالص الفرس (السنّاد: ص. 170).

قال خالد بن صفوان لأبو العبّاس السفّاح واصفاً محاسن المرأة:" إنّ منهنّ يا أمير المؤمنين الطويلة الغيداء والبضّة البيضاء والعنيقة الإدماء والدقيقة السمراء والبربريّة العجزاء ولو رأيت يا أمير المؤمنين الطويلة البيضاء والصفراء والعجزاء والسمراء واللعساء، والمولّدات البصريّات والكوفيّات ذوات الألسن العذبة، والقدود المهفهفة والأوساط المخصّرة والأصداغ المزرنفه والعيون المكحّلة والثدي المحققة. (شرارة:ص.107).

ومن بدائع وصف الحسناوات ما تسجّله قصّة ألف ليلة وليلة حيث جاء في وصف منار السنا:

" صاحبة وجه مليح وقد رجيح أسيلة الخدّ قائمة النهد دعجاء العينين ضخمة الساقين بيضاء الأسنان حلوة اللسان طريفة الشمائل كأنّها غصن مائل بديعة الصفة حمراء الشفة بعيون كحال وشفايف رقاق على خدّها الأيمن شامّة وعلى بطنها مـن تحت سـرّتها علامة ووجهها منير كالقمر مستديرة وخصرها نحيل وردفها ثقيل وريقها يشفي العليل كأنّه الكوثر والسلسبيل، وبين فخذيها تخت الخلّاقة، وهي بنت الملك الأكبر (عبداللّه بوحديبة:" الإسلام والجنس ص.196).

وقد نظر خالد بـن صفوان إلى جماعة في المسجد في البصرة فقال ما هذه الجماعة؟ قالوا امرأة تدلّ على النساء. فأتاها فقال لها: أبغي امرأة قالت: صفها لي. قال:" أريدها بكراً كثيب، أو ثيّب كبكر، حلوة من قريب فخمة من بعيد، كانت فـي نعمة، فأصابتها فاقـة، فمعها أدب النعمة، وذلّ الحاجة. فإذا اجتمعنا كنّا أهل دنيا، وإذا افترقنا كنّا أهل آخرة. قالت المرأة: لقـد أصبتها لك. قال: وأين هي. قالت: في الرفيق الأعلى من الجنّة فاعمل لها. (محمّد عثمان الخشت: ص.87)

وإذا كان العرب قـد أجادوا في وصف محاسن المرأة وأسرار جمالها فأبدعوا فـي ذلك وفجّروا عبقريّتهم الشاعريّة فإنّ ملامح هذه الصورة الجماليّة ما زالت راسخة في العمق الوجدانيّ للإنسان العربيّ. يقول بوعلي ياسين:" نلاحظ أنّ المفهوم الجماليّ لدينا نحن العرب قد تأثّر بعلاقـة المرأة بالطبيعة والحضارة، فالرجل الأسمر الّذي لوحته الشمس جميل مثلما هي جميلة المرأة ناصعة البياض الّتي لم تر الشمس وجهها. " ولا أقول إنّ المرأة العربيّة هـي الّتي اخترعت هذا الفهم الجماليّ ولكنّها فـي الأحوال كلّها تتصرّف بمقتضاه" (بوعلي ياسين ص.112).

يقول نزار قبّاني في هذا الخصوص:" الانفعال بجمال المرأة كان صحراويّاً بمعنى أنّ أمير الشعراء شوقي لم يستطع أن يتحرّر وهو في باريس وإسبانيا وجارون سيبني من رنين خلاخل البدويّات ووسمهنّ وكحلهنّ وأوتاد خيامهنّ (قبّاني: ص.22).

بهذا يتبيّن لنا أنّ الأدباء العرب القدامى وأيضاً فقهاء اللغة وقـد نظروا إلى جمال المرأة على أسس تكامليّة بين جميع أعضاء الجسد ومكوّناته. وهذا يظهر وجه التشابه بينهم وبين نظرة اليونان إلى الجمال الأنثويّ، وإن كان كلّ منهم يلجأ إلى شكل مختلف من أشكال التعبير الفنّيّ. فإذا كان العربيّ القديم يلجأ إلى رسم لوحة شعريّة بالكلمات للأنثى الجميلة، فإنّ اليونانيّ القديم كان يلجأ إلى فنّ النحت، فينحت تمثالاً لـ (فينوس) يضع فيه أجمل وأروع ما رأته عيناه أو خطر بخياله مـن صفات الحسناوات.

تؤكّـد أحـدث الدراسـات عـلى أنّ العـامل الجسـديّ الشـكليّ هو أكثر العـوامل تـأثيراً في انجذاب الأطفال والفتيات بعضهم إلى بعض، فمن كان شكله جذّاباً منهم ذكر أو أنثى يحظى بقبول أكبر وحبّ أعظم. فقـد جاء في دراسة قام بها وجنز Wiggins سنة 1968م ودراسة أخرى قـامت بهـا سالي بك Sally Beck في جامعة بتلر بأمريكا سنة 1979: أنّ الفروق الفرديّة بين الرجال في اختيارهم للإناث تعكس خصائص شخصيّة الذكر وخلفيّته الاجتماعيّة والثقافيّة والحضاريّة، وهذا يتّضح كالآتي: إنّ الرجال الّـذين يختارون الأنثى البدينة هـم عادة غـير مستقرّين عاطفيّاً، واهتماماتهم قليلة بالتحصيل الأكاديميّ والأمور الجماليّة.

***

عليّ أسعد وطفة

......................

الهوامش:

(1) الهركولة مـن النساء: العظيمة الوركين واللفاء: الّتي ضاق ملتقى فخدّيهـا لكثرة لحمهـا.

(2) الممكورة: ذات الساق الغليظة المستديرة الحسـناء.

(3) الجيداء: الّتـي طـال عنقها وحسن.

(4) الطرف: العين. ويقال: طرف فاتر: فيه ضعفت مستحسن.

(5) الردف: العجز ومؤخّر كلّ شيء.

(6) (أسل) أسالة: ملس واستوى فهو أسيل. ويقال خدّ اسيل، وكفّ أسيلة الأصابع.

(7) (كـعبت) الفتـاة-كعوبـاً: مهد ثديها، أي برز وارتفع، فهو كعـاب وكـاعب.

(8) الـرداح الـوركين: أيّ ضخمة تردف سمينة الاوراك.

(9) الرخيمة الكلام: الّتي لان كلامها ورق ولطف.

(1) الحممـة: بـوزن رصيّة: ما أحرق من خشب ونحوه. والجمع بحذف الهاء ويقصـد كأنّمـا سـوداً بفحـم.

(2) الوجنـة مـا أرتفـع من الخدّين

(3) الأرجوان: شـجر مـن الفصيلـة القرنيّة له زهر شديد الحمرة حسن المنظر وليسـت له رائحة.

(4) الجمان: الفضّة.

(5) القباطىء: جمع قبطيّة ثياب من كتّان بيض رقاق كانت تنسج بمصر المدرّجة والملفوف في الملامسة.

(6) عكنت: الجارية: صارت ذات عكن، وتعكّن البطن: صار ذا عكن والعكنة: ما انطوى وتثنّى من لحم البطن سمناً.

(7) البسرة: واحدة البسـر، وهو الغضّ من كلّ شيء.

(8) المدهن: آلة الدهن وقارورته.

(9) الجـدول: النهـر الصغـير.

(10) الكفـل: الـردف أيّ مؤخّرة المرأة وعجيزتها.

(11) الدعص: الكثيب والمجتمع من الرمل المستدير.

(12) نضيـد: الجمان اللؤلؤ المنظوم الفضّة المنضدية الّتي يكون بعضها فـوق بعـض.

(13) حدلتــا: مملؤتــان.

(14) وشــيئاً: حليتــا وزينتا.

(15) الزرد: الدرع.

المراجع:

1- عبداللطيـف شرارة:" فلسفة الحبّ عنـد العرب "، مكتبة الحياة، بيروت،.1960

2-جـلال السـناد: "دراسة سوسيولوجيّة للأمثال الشعبيّة في دير الزور " أطروحة ماجستير، كلّيّة الآداب جامعة دمشق، دمشق،.1988

3-بـوعـلي ياسين:" أزمة المرأة في المجتمع الذكوريّ العربيّ "، دار الحوار، اللاذقيّة،.1992

 4- نزار قبّاني:" عـن الشعر والحبّ "، بيروت، دار العلم للملايين بيروت، 1976.

5- محمّد عثمان الخشـت:" المرأة المثاليّة في أعين الرجال "، مكتبة ابن سينا، القاهرة، 1988.

6- عبداللّه بو حديبة: " الإسلام والجنس "، تعريب هالة العوري، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1987.

7- سلوى خمّاش: " المرأة العربيّة والمجتمع التقليديّ "، دار الحقيقة بيروت،.1981

8- أوسـفلد شـفارتس:" علـم النفس الجنسـيّ "، تعـريب شعبان بركات، المكتبة العصريّة، صيداً، بيروت، 1972.

9- نور الدين العتر: " ماذا عن المرأة "، دار الفكر، دمشق 1979.

10- خـليل أحمد خليل:" المرأة العربيّة وقضايا التغيير: بحث اجتماعيّ في تاريخ القهر النسائيّ "، دار الطليعة، بيروت،.1985

11- صـلاح الدين المنجّد:" أمثال المرأة عند العرب: ما قالته المرأة العربيّة ومـا قيـل فيهـا "، دار الكتـاب الجديد، بيروت، لبنان.1981.

الاغتراب ليس عرضا طارئا في حياة الانسان الواعي، بل هو جرح وجودي عميق، يتفتح كلما اشتد الوعي واتسعت المسافة بين ما نحن عليه وما يراد لنا ان نكونه. انه ذلك الشعور الخفي بانك حاضر بجسدك، غائب بروحك؛ تمشي بين الناس لكنك لا تسكن معهم، تسمع لغتهم ولا تعثر فيها على صوتك، تشاركهم المكان وتفقد المعنى.

الاغتراب ان تجبر على التعايش في عالم لا يشبهك، ان تنفجر داخليا بافكار تعد فائضة عن الحاجة في نظر الاخرين، ان تتكلم فلا يسمع صوتك، او يسمع دون ان يفهم. هو ان تتحول ذاتك الى هامش، وحقيقتك الى عبء، فتعلم الصمت لا بوصفه حكمة، بل بوصفه ملجأ. هناك، في الزوايا المنسية من الحضور الاجتماعي، يولد الاغتراب بوصفه انسحابا انيقا من عالم لا يعترف بالاختلاف.

وفي لحظة صفاء موجعة، تهمس الذات لنفسها: انا لا انتمي الى هنا. ليس لان المكان طارد بالضرورة، بل لان الروح اوسع من الجدران، والفكرة اسبق من الزمن، والوعي غالبا يولد يتيما في مجتمعات تميل الى التماثل وتخشى الفرادة. وهنا يتداعى السؤال الفلسفي الجوهري:

هل الانتماء هو الذوبان في الجماعة؟ ام ان قوته الحقيقية تكمن في الحفاظ على الخصوصية دون ان تتحول الى عزلة قاتلة؟

اعمق اشكال الاغتراب ليس اغترابنا عن العالم، بل اغترابنا عن انفسنا. حين نتصرف بطرق لا نفهمها، حين نخاف مما نحن عليه، حين نرتدي وجوها ليست لنا، ونتكلم بلغات لا تعبر عن نبضنا. هناك يصبح الانسان غريبا حتى بين اقرب الناس اليه، ويحل الفراغ محل الامتلاء، والخواء محل المعنى، ويبدو العالم كانه مسرح بلا حقيقة.

وقد يولد الانسان في المكان الخطا، لكن مأساته الكبرى ان يولد في الزمن الخطا؛ ان يكون عقله سابقا لعصره، يرى ما لا يرى، ويحلم بما لم يخلق بعد. يقضي حياته يصف للاخرين عالما لا يستطيعون تخيله، بينما يعجز هو عن اغماض عينيه عن دهشته به. هنا يصبح الاغتراب قدر الوعي، وضريبة البصيرة.

في هذا المعنى، يتحول الاغتراب الى ازدواج قاس: ذات اجتماعية مفروضة، وذات داخلية تتاكل صمتا. يعيش الفرد ممزقا بين ما يحلم به وما يستطيع تحقيقه، بين ما يريد ان يكونه وما يسمح له ان يكونه. وحتى على مستوى الجماعات، تعيش مجتمعاتنا العربية اغترابا مركبا: بين ماض يرفض الرحيل، وحاضر يابى الحضور، فتتآكل الهوية في فجوة الزمن.

لقد تنبه الفلاسفة مبكرا الى هذه الماساة. رآها هيغل اغترابا للروح عن ذاتها، ورآها ماركس اغترابا للانسان عن عمله وعالمه، وقرأها اريك فروم بوصفها اغترابا نفسيا في حضارة تستهلك الانسان بدل ان تنقذه. اما الوجوديون، فقد جعلوا منها قدر الانسان الحديث في عالم فقد يقيناته. كافكا كتبها من جسده المريض، ونيتشه صرخ بها من صداعه الوجودي، وماركس حفرها في جلده وروحه. وحتى فان غوخ، لم ير جمال العالم الا حين انكسرت روحه الى اقصى حد.

يقول كامو ان الانسان لا يجد معنى لحياته الا في تمرده على العبث، ويصف لوكاش الاغتراب بانه احساس الانسان بان عالمه الذي صنعه بيديه لم يعد وطنه، بل سجنه. ويعلن نيتشه، مع موت الاله، انهيار القيم القديمة، تاركا الانسان وحيدا في مواجهة فراغ المعنى، عقلا متفوقا في عالم لا يطيق تفوقه.

لهذا، قد يكون الاغتراب مرحلة ضرورية للصحة العقلية في مجتمع مختل؛ عزلة مؤقتة تنقذ الذات من الذوبان، ومسافة تامل تحمي الانسان من المسخ. فالاغتراب، رغم قسوته، قد يكون بابا للبحث، ودافعا لاختراع زمن اخر، وفضاء ارحب من سجن الحاضر الخانق.

نحن، في جوهرنا، كائنات منفية. نحيا ونحن نعرف اننا سنموت، والموت اقسى اشكال الغربة. ناتي الى العالم غرباء، ونغادره غرباء، وبين الدخول والخروج نحلم بالعودة الى معنى لم نعرفه يوما. ولهذا، فان اشد ما يؤلم في الاغتراب ان تكون متصلا بواقع لا تستطيع تغييره، ولا تستطيع مغادرته.

ان اشد اشكال الاغتراب قسوة هو ذلك الذي يجعلنا نعيش حياة لا تشبهنا، ونؤدي ادوارا لا تعبر عنا، فنفقد انفسنا ونحن نحاول التكيف. وحين يصبح التكيف خيانة صامتة للذات، يتحول الاغتراب من وجع الى موقف، ومن عزلة الى شكل من اشكال المقاومة الداخلية.

لسنا مطالبين بالذوبان كي ننتمي، ولا بالانسحاب كي نحيا. انما نحن مطالبون بان نحفظ جذوة المعنى داخلنا، وان نصون اختلافنا بوصفه قيمة لا لعنة. فالعالم لا يتغير بالصخب وحده، بل بالوعي الذي يرفض ان يتحول الى نسخة مكررة.

قد لا نختار زمننا، ولا مجتمعنا، لكننا نختار الا نفقد ذواتنا داخلهما. نختار ان نكون غرباء بكرامة، لا مندمجين بلا روح. فالاغتراب، حين يعاش بوعي، لا يصبح نهاية الطريق، بل بدايته؛ طريق العودة الى الذات، الى الحرية، والى انسان لم يتصالح بعد مع الزيف، ولن يفعل.

فكيف نواجه تيهنا وهشاشتنا؟

ربما لا يكون الحل في الرحيل المكاني، بل في الرحيل الوجودي. ان نغادر كل ما يرهق الروح، ان نهجر ضيق العقول، وضجيج الكلمات المستهلكة، والسير خلف القطيع بلا تفكير. ان نرحل دائما الى حيث نجد ذواتنا، ولو كان ذلك في اعماقنا

هناك فقط، يتحول الاغتراب من لعنة الى وعي، ومن عزلة الى حرية صامتة، ومن جرح الى افق.

ذلك وحده خلاصنا الممكن في عالم يصر على ان يجعل من الانسان مسخا بلا ملامح.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

John Nosta

ترجمة: حاتم حميد محسن

***

في الشطر الأكبر من التاريخ الإنساني كان الذكاء نادرا، التفكير أخذ وقتا، والفهم العميق والبصيرة وصلا ببطء وتشكّلا بالتجربة المعاشة. الادراك وجد عقبات وهذه العقبات منحته جوهرا ووزنا. هذا الافتراض ينهار اليوم.

الذكاء الصناعي جعل الادراك غزيرا لكنه محفوفا بالمخاطر. الأجوبة تصل فورا والأنماط تظهر بسهولة تامة او بجهد قليل جدا. الحكم مغلّف تكنلوجيا ويُمنح بثقة تنافس ان لم تتجاوز ثقتنا. المسألة الرئيسية هنا هي ان هذا ليس مجرد تقدم تكنلوجي آخر وانما يجسد المرة الأولى التي يبدو فيها الادراك البشري نفسه على منحنى التقادم. نحن استبدلنا الأدوات السابقة، لكننا لم نستبدل ابدا التفكير. ذلك يفسر لماذا تبدو هذه اللحظة مختلفة جدا. الذكاء الصناعي لا يوسع جهد الانسان بنفس الطريقة التي توسع بها المكائن العضلات او السرعة. انه يشغل منطقة كنا نفترض انها متفردة للإنسان بما في ذلك الاستدلال والتركيب والتفسير. في عدة مجالات، يؤدي الذكاء الصناعي عادة وظائف اكثر كفاءة من الانسان. وهذا ادّعاء يرفضه العديد من الناس لأنه يتناقض مع الكيفية التي فهمنا بها التقدم – بطيء عموما ومتدرج وتتخلله تغيرات مفاجئة.

الذكاء الصناعي متفوق على الانسان في كل شيء بدءاً من تشخيص المشكلة الى الابتكار. هذه لم تعد حالات غير مألوفة او عروض توضيحية معملية وانما حقائق عملية مندغمة في حياتنا. وحتى الاخلاق التي لطالما عوملت على انها إنسانية آمنة، اثبتت انها اكثر قابلية للتنظيم الممنهج مما هو متوقع. القيود الأخلاقية يمكن كتابتها والمقايضات يمكن صياغتها بشكل رسمي، وحتى الممنوعات يمكن ادارتها . ما شُعر به يوما ما كإنسان غير قابل للاختزال يدخل وبشكل متزايد ضمن أنظمة الذكاء الصناعي. ربما الاكتشاف الغريب هنا ليس ان المكائن تفتقر للأخلاق وانما ان معظم ما نسميه تفكير أخلاقي كان اكثر إجرائية ورسمية مما نرغب الاعتراف به. السؤال لم يعد ما اذا كان الذكاء الصناعي سيصبح متفوقا معرفيا. في عدة وجوه، هو سلفا كان كذلك. السؤال الأعمق هو ماذا يحدث عندما يغير الذكاء ذاته الصنف. عندما يصبح الذكاء وفيرا، تتغير قيمته. ما يصبح نادرا ليس الادراك وانما الملكية. التحول الجوهري هنا هو من البصيرة والفهم العميق الى المسؤولية. وبعبارة أخرى، انه ليس الأجوبة وانما المسؤولية التي تحفز عليها تلك الأجوبة.

هذا هو عبء الذكاء

عندما يصبح الذكاء الصناعي اكثر قدرة، سترتفع كلفة الانفكاك عنه. التوصية المعيبة من نظام قوي تحمل عواقب اكثر من تلك التي تأتي من وسيلة اختيارية محدودة. وفي هذا السياق يصبح التفويض اكثر اغراءً في المكان الذي يكون فيه أكثر خطورة. كلما كان الذكاء الصناعي أذكى كلما كان التوقف والانفكاك أسهل، وبعمل كهذا يكون السعر أعلى .

هنا الحقيقية الرئيسية: الذكاء الإنساني لم يعد يُعرّف بواسطة انتاج أجوبة افضل. انه يُعرّف عبر تحمّل نتائج الأجوبة التي لا نفهمها بالكامل. العديد منا يشعر سلفا بهذا التحول حتى لو لم نسميه. عدم الارتياح الصامت الناتج من تأييد توصية غير مقتنعين بها. الدفاع المزعج عن استنتاج يبدو صحيحا لكنه جاء من مكان آخر. هذه اللحظة عندما تكون مخرجات الذكاء الصناعي ذكية ويصعب تحدّيها، وهي أيضا اللحظة التي تقع فيها المسؤولية علينا بشكل كامل. عدم الراحة تلك ليست فشلا. انها شعور بالذكاء دون تأليف.

هذا العبء ربما اكثر تحديا. انه يتطلب "حضورا معرفيا" في أنظمة صُممت لكي يبدو فيها حضور الانسان غير ضروري. انه يدعونا لنبقى مسؤولين في اللحظة التي تدعو بها الأتمتة الى الاستسلام. هذا قد يدفعنا نحو هامش صنع القرار، وهذا الهامش ليس تافها.

تلك هي النقطة التي تتصادم عندها القيم، ويتراكم الأذى، وحيث يكون انخراط الانسان في الأفكار غير التقليدية أقل اختيارا وأكثر ضرورة. الخطورة الواقعية للذكاء الصناعي ليست في ان المكائن سوف تفكر أفضل منا. هي في ان التفكير سيشعر انه تام بدوننا. اذا كان الادراك البشري يتضاءل فلا يمكن ان يكون رد الفعل فقط في فكرة لاحقة او حنينا الى الماضي. انه يجب ان يكون يقظة متحققة من خلال الرفض المستمر والجاد للانسحاب فقط بسبب ان الذكاء لم يعد يتطلب مشاركتنا. اليقظة ليست مشاهدة من مدرجات وانما ان تبقى حاضرا معرفيا داخل تكنلوجيات تعمل بشكل مثالي بدوننا.

ان مستقبل الذكاء ليس منافسة بين أذهان. انه اختبار لما اذا كان الناس يرغبون بالبقاء مسؤولين في عالم لم يعد فيه الذكاء يحتاجهم للعمل.

ان عبء الذكاء ليس حول الحفاظ على سيادة الانسان وانما حول رفض التخلي عن المسؤولية فقط لأن التفكير اصبح سهلا، ذلك العبء سوف لن يختفي مهما كانت درجة ذكاء أجهزتنا.

***

............................

The Burden of intelligence, psychology today Dec17,2025

John Nosta منظّر في الابتكار ومؤسس مركز Nosta Lab وهو مركز أبحاث تكنلوجي معترف به عالميا لرؤيته المحفزة للتحول الرقمي.

 

تأملات في اليوم العالمي للغة العربية (18 ديسمبر)

في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، يُحتفى باليوم العالمي للغة العربية، وغالبًا ما يأتي هذا الاحتفاء في صورة خطاب احتفالي يستحضر جمال اللغة أو يؤكد بعدها الثقافي. غير أنني أعتقد أن هذا التناول، على أهميته الرمزية، لا يقترب بما يكفي من السؤال الجوهري الذي يستحق التوقف عنده في مثل هذه المناسبة. فالسؤال، في تقديري، ليس: كيف نحتفي باللغة العربية؟ بل: كيف نفهم موقع اللغة داخل عملية التفكير نفسها؟ ومن هنا، لا يعود الحديث عن اللغة شأنًا لغويًا خالصًا، بل طريقًا لفهم كيفية تفكير الإنسان.

 ومن هذا المنطلق، أرى أن التحول الذي شهدته الفلسفة المعاصرة في فهم اللغة ينسجم تمامًا مع خبرتنا اليومية. فاللغة لم تعد تُفهم بوصفها أداة محايدة تنقل أفكارًا جاهزة، بل بوصفها المجال الذي تتكوّن فيه الفكرة أثناء تشكّلها. ويتضح ذلك ببساطة حين أجد نفسي أشرح فكرة ما، ثم أكتشف أنني لم أكن أفهمها جيدًا قبل أن أبدأ في شرحها. في هذه اللحظة، لا تكون اللغة مجرد وسيلة نقل، بل طريقة للفهم ذاته. وبهذا المعنى، تصبح اللغة العربية جديرة بالاهتمام الفلسفي لا لأنها تراث عريق فقط، بل لأنها تكشف بوضوح عن العلاقة الوثيقة بين القول والتفكير.

وانطلاقًا من هذه العلاقة، ألاحظ أن تجربتنا اليومية تؤكد أننا لا ننتج أفكارًا مكتملة ثم نبحث لها عن ألفاظ مناسبة، بل إن الفكرة نفسها تتبلور أثناء التعبير عنها. فعندما يقول شخص: "خليني أرتّب كلامي"، فهو في الواقع يعبّر عن حاجة أعمق، هي ترتيب الفهم لا ترتيب الكلمات. ولذلك، لا يمكن النظر إلى اللغة باعتبارها مرحلة لاحقة للتفكير، بل باعتبارها جزءًا من بنيته الداخلية. وهذا ما يظهر بوضوح في العربية، حيث إن اختيار الفعل أو الاسم، أو تقديم كلمة وتأخير أخرى، لا يغيّر شكل الجملة فقط، بل يغيّر طبيعة المعنى المتكوّن. وهكذا، يصبح النطق نفسه لحظة من لحظات التفكير.

ومن هنا، نصل بشكل طبيعي إلى علاقتنا بالتجربة المعاشة. فأنا أعتقد أن الإنسان لا يعيش التجربة أولًا ثم يفهمها لاحقًا، بل يفهمها وهو يحاول التعبير عنها. فعندما أقول: "أنا متلخبط"، لا أكون بصدد وصف حالة ذهنية جاهزة، بل أقوم بتحويل شعور غير واضح إلى صيغة يمكن إدراكها والتعامل معها. ومن خلال هذا التحويل، تساعدني اللغة على بلورة تجربتي بدل أن تبقى غامضة ومبعثرة. وفي هذا الصدد، يتجلّى ثراء العربية في قدرتها على تشخيص الحالات الوجدانية الدقيقة، مثل: حيرة، ارتباك، تردّد، قلق خفيف، وعدم ارتياح. فالتسمية هنا ليست ترفًا لغويًا، بل أداة لإعادة صوغ التجربة وتحويلها إلى خبرة مفهومة قابلة للتداول. وانطلاقًا من هذا التنظيم الدقيق للتجربة، يمكن استنتاج أن اللغة العربية لا تتعامل مع الخبرة الإنسانية بمنطق الحسم أو القطع، بل بمنطق التدرّج. فنحن في حياتنا اليومية نادرًا ما نكون في حالة يقين كامل أو رفض مطلق، والعربية تعكس هذا الواقع بصدق. نقول: أفهم جزئيًا، مقتنع إلى حدّ ما، الصورة غير واضحة تمامًا، القرار لم ينضج بعد. هذا التدرّج لا يمثّل ضعفًا في التعبير، بل دقّة في التفكير؛ إذ يجنّب العقل الوقوع في أحكام نهائية متسرّعة، ويُبقي مساحة للمراجعة وإعادة الفهم. وبهذا المعنى، لا تخدم العربية البلاغة فحسب، بل تدعم التفكير الناقد في أبسط صوره اليومية.

ومن هذا التدرّج، نصل إلى مسألة المعنى. فالمعنى، في رأيي، لا يتكوّن داخل الفرد وحده، ولا يُختزل في الكلمات ذاتها، بل يتشكل داخل موقف تواصلي مشترك. فكثير من العبارات التي نستخدمها يوميًا لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق، مثل: "واضح بس مش قوي" أو "مش مقتنع بس فاهم". فهذه العبارات لا تُفهم من خلال الكلمات فقط، بل من خلال النبرة، واللحظة، والعلاقة بين المتكلمين. ومن هنا، يتضح أن اللغة ليست نظامًا مغلقًا من القواعد، بل ممارسة يومية للفهم المشترك، وهو ما يفتح الباب للتفكير في سوء الفهم وحدود التعبير وإمكانات التواصل الإنساني.

وعلى هذا الأساس، أرى أن النظر إلى اللغة العربية من زاوية الاحتفال وحدها يُفقدها بعدها الأعمق. فالاحتفال، مهما تكرر في ديسمبر وتحديدًا في الثامن عشر منه، يظل ناقصًا إذا لم يُصاحبه وعي بدور اللغة في تشكيل التفكير. أما حين ننظر إلى العربية بوصفها شرطًا من شروط الفهم، فإننا ندرك أنها ليست مخزونًا لغويًا ساكنًا، بل أداة حية لصياغة التجربة الإنسانية. فاللغة لا تصف الواقع فقط، بل تساهم في تكوينه ذهنيًا، وبهذا تكون العربية شريكًا رئيسًا في التفكير، لا مجرد وعاء له.

وانطلاقًا من هذا الفهم لدور اللغة داخل عملية التفكير، يمكن صياغة عدد من التوصيات التي لا تهدف إلى إصدار أحكام، بقدر ما تسعى إلى لفت الانتباه إلى إمكانات اللغة العربية كما نعيشها في ممارساتنا اليومية.أولًا: أوصي بتجاوز النظر إلى اللغة العربية بوصفها موضوعًا للاحتفال فقط، والنظر إليها بوصفها أداة حيّة للتفكير. ففي مواقف التردّد ومحاولات الفهم وإعادة شرح ما نشعر به، تظهر اللغة بوصفها جزءًا من عملية التفكير نفسها. فعندما يتوقف شخص ليعيد صياغة كلامه، فإنه لا يبحث عن ألفاظ أجمل، بل يحاول الوصول إلى فهم أدق لما يفكر فيه. ثانيًا: أوصي بالتعامل مع التعبير اللغوي باعتباره ممارسة للفهم، لا مجرد نقل لأفكار مكتملة. فكثيرًا ما تتضح الفكرة أثناء شرحها لا قبل ذلك. ومن هنا، فإن تحسين القدرة على التعبير في الحياة اليومية ينعكس مباشرة على وضوح التفكير، سواء في الحوار أو في الكتابة. ثالثًا:

أوصي بالإنصات الجاد للغة الحياة اليومية بوصفها مصدرًا مشروعًا للفهم الفلسفي. فالتعبيرات البسيطة التي نستخدمها دون وعي، مثل: "مش مرتاح" أو "حاسس بحاجة بس مش واضحة"، تكشف عن وعي دقيق بالتجربة الإنسانية، ولا تقل قيمة عن المفاهيم النظرية المجردة.رابعًا: أوصي باعتماد منطق التدرّج في التفكير والتعبير، بدل السعي الدائم إلى الحسم السريع. فاللغة العربية تتيح صيغًا تعبّر عن الفهم الجزئي وعدم الاكتمال، مثل: "إلى حدّ ما" و"لسه محتاج أفكر". واستخدام هذه الصيغ لا يعكس ضعفًا، بل وعيًا بحدود الفهم الإنساني. خامسًا: أوصي بفهم المعنى بوصفه نتاجًا تواصليًا يتكوّن داخل لحظة التفاعل، لا خاصية ثابتة للكلمات وحدها. فكثير من العبارات اليومية لا يُفهم معناها إلا من خلال الموقف والنبرة والعلاقة بين المتكلمين، وهو ما يؤكد أن التواصل فعل مشترك لا مجرد تبادل ألفاظ. سادسًا: أوصي بتجاوز اختزال اللغة في القواعد والتصحيحات الشكلية، خاصة في الممارسات اليومية. فعندما يعجز شخص عن التعبير، يكون السبب غالبًا تعثرًا في الفهم لا نقصًا لغويًا. ومساعدته تبدأ بالإنصات لتجربته، لا بتصويب لغته. سابعًا: أوصي باستخدام اللغة لوصف التجربة كما تُعاش، لا كما يُراد لها أن تبدو. فالتمييز بين الحالات الشعورية الدقيقة ليس ترفًا لغويًا، بل وسيلة لفهم الذات بعمق أكبر. وكلما ازدادت قدرتنا على التمييز الدلالي، ازداد وضوح علاقتنا بتجاربنا اليومية.

ومن خلال هذه التوصيات، يتضح لي أن اللغة العربية لا تُستعاد عبر الخطاب الاحتفالي وحده، بل من خلال استخدامها اليومي بوصفها أداة للفهم، وشريكًا في التفكير، ووسيلة لتنظيم التجربة الإنسانية. ومن هذا المنظور، يصبح التعامل مع اللغة بوصفها قواعد فقط اختزالًا لطبيعتها الحقيقية. فعندما يقول شخص: "مش لاقي الكلمات"، فهو في الغالب لا يعاني نقصًا لغويًا، بل تعثرًا في الفهم. ولهذا، أرى أن تدريب الإنسان على التعبير عن تجاربه اليومية هو في جوهره تدريب على التفكير نفسه. كما أن اختيار الكلمات في الحوار ليس مسألة شكلية، لأن الفرق بين قول: "أنت غلطان" وقول: "أنا محتاج أفهم وجهة نظرك" هو فرق في طريقة بناء العلاقة وأفق الفهم، لا في الصياغة وحدها.

وأعتقد أن التعبير التأملي، سواء في الكتابة أو في الحديث، هو تمرين فلسفي عملي، حتى وإن لم نسمّه كذلك. فعندما يصف الإنسان شعوره بدقة، لا يكون بصدد تسجيله فقط، بل يعيد تنظيمه ذهنيًا. والتمييز بين التعب والإجهاد والإرهاق ليس ترفًا لغويًا، بل وسيلة لفهم الذات بدقة أكبر. فكلما ازدادت قدرتنا على التمييز الدلالي، ازداد وضوح تفكيرنا وقدرتنا على التعامل مع تفاصيل الحياة اليومية.

وفي الختام، أرى أن اللغة العربية تظل حيّة بقدر ما نستخدمها لوصف ما نعيشه فعلًا: لحظات الحيرة، صعوبة القرار، عدم اليقين، ومحاولات الفهم بعد تجربة مربكة. ففي هذه اللحظات، لا تكون اللغة مجرد وسيلة للكلام، بل أداة للتأمل. ولذلك، فإن الاحتفال باللغة العربية في يومها العالمي لا يكون لأنها جميلة فقط، بل لأنها تفكّر معنا، وتساعدنا على فهم أنفسنا والعالم من حولنا.

***

أ.د/ علي الخطيب

أستاذ ورئيس مجلس قسم الفلسفة- كلية الآداب- جامعة المنيا

 

في الجذور النفسية والاجتماعية والدينية لأقدم الانفعالات الإنسانية

يُعدّ الحسد واحداً من أكثر الانفعالات الإنسانية حضوراً في التاريخ الفكري والاجتماعي والثقافي. ورغم قدمه، فإنّ الدراسات الحديثة ـ في علم النفس والاجتماع والدين والأنثروبولوجيا ـ تكشف أنّ الحسد ليس ظاهرة بسيطة أو سطحية، بل حالة مركّبة تتشابك فيها البنية النفسية للفرد بالمحيط الاجتماعي والثقافي والقيمي الذي يعيش فيه ويشكّل الحسد نقطة تماس بين السلوك الانفعالي والوعي الأخلاقي وبين الدافع الغريزي والبناء الحضاري ومن هنا تأتي أهمية دراسته كظاهرة إنسانية تتجاوز حدود الأخلاق الشعبية لتصبح موضوعاً للبحث العلمي وسيتم نثر ذلك عبر الاتي:

أولاً: الجذور النفسية للحسد

1.الحسد في علم النفس المعاصر.

يعرّف علماء النفس الحسد بأنه حالة انفعالية مؤلمة تنشأ عندما يشعر الفرد بنقص أو تهديد ذاتي نتيجة امتلاك الآخرين لميزة أو إنجاز أو مكانة لا يمتلكها هو ويختلف هذا التعريف عن الحقد والغيرة، فالحسد يقوم على المقارنة السلبية، بينما تقوم الغيرة على الخوف من فقدان ما يملكه الفرد أصلاً.

2. الحسد بوصفه صراعاً داخلياً.

يرى علم النفس التحليلي أن الحسد ينشأ من صراع بين رغبة الفرد في التميز وبين شعوره بعدم الكفاية. ومع تراكم التجارب، يتحول هذا الانفعال إلى "عدسة" ينظر من خلالها الفرد إلى نفسه والعالم، فيرى الآخرين على أنهم تهديد دائم، ويُفسّر نجاحاتهم على أنها اعتداء ضمني على قيمته الذاتية.

3. الحسد وعلاقته بالهوية.

تشير الأبحاث الحديثة إلى أنّ الحسد يرتبط بضعف البنية الهوية؛ فالأشخاص ذوو الهوية المستقرة والأهداف الواضحة أقل عرضة للحسد من غيرهم ويبرّر علم النفس هذا الارتباط بأنّ الهوية القوية تمنح الفرد مساحة كافية لفهم معاني الإنجاز وتقبل الفروق الطبيعية بين البشر.

ثانياً: المحركات الاجتماعية للحسد

1. الحسد كنتاج للبيئة الاجتماعية.

تتسع ظاهرة الحسد في البيئات التي تكثر فيها المقارنات: داخل العائلة المؤسسات، المجتمعات الصغيرة، أو المحيط المهني فالتنافس الحاد وضعف الفرص وشعور الأفراد بغياب العدالة الاجتماعية كلها عوامل تغذّي نشوء الحسد.

2. ثقافة الاستعراض وتأثير الإعلام الاجتماعي.

مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الأفراد يعرضون لحظاتهم المنتقاة بعناية: السفر، الطعام الفاخر، الإنجازات، الكتابة والصور المثالية وهذا الاستعراض المستمر يخلق بيئة خصبة للحسد لأنّه يضع الأفراد تحت ضغط المقارنة الدائمة ويعزّز فكرة أن الآخرين يعيشون حياة أكثر جمالاً وكمالاً.

3. الحسد بوصفه أداة للضبط الاجتماعي.

بعض الأنثروبولوجيين يرون أنّ الحسد، تاريخياً، كان آلية لضبط التفاوت الاجتماعي داخل المجتمعات التقليدية فالمجتمع الذي يُدين التفاخر ويحتقر المستعلين على الناس إنما يستخدم "الخوف من الحسد" ليمنع الفرد من تجاوز حدود المقبول اجتماعياً.

ثالثاً: البعد الديني للحسد

1. الحسد في التراث الإسلامي.

قدّم الإسلام رؤية عميقة للحسد، فجعله من ثغور النفس الكبرى التي يجب حفظها وأشار القرآن الكريم إلى خطورته في قصة قابيل وهابيل، كما جعل "الحاسد إذا حسد" أحد الأصناف التي يُستعاذ منها ويبرز هنا التمييز بين الحسد (تمني زوال النعمة) وبين الغبطة (تمني مثل النعمة دون زوالها)، مما يجعل الحسد فعلاً أخلاقياً منحرفاً.

2. الحسد في الديانات الأخرى.

يتكرر التحذير من الحسد في المسيحية واليهودية والبوذية، حيث يُنظر إليه بوصفه انفعالاً مُفسداً للعلاقات، مدمّراً للنفس ومخرباً للسلام الداخلي وفي أغلب الفلسفات الروحية يعدّ الحسد دليل ضعف روحي وافتقار للسلام الداخلي.

3. الحسد كخلل في وعي الإنسان بالنعمة.

من الزاوية الدينية، الحسد ليس مجرد انفعال، بل خلل في رؤية الإنسان للرزق حيث يُنكر نسب النعمة إلى الله ويتعامل معها كما لو كانت ملكاً شخصياً يجب أن يُقارن بالآخرين ومن هنا يصبح الحسد نوعاً من الاعتراض الضمني على الحكمة الإلهية.

رابعاً: الحسد في الفكر الفلسفي والأدبي

1. في الفلسفة اليونانية.

رأى أرسطو أن الحسد انفعال يعتري الأشخاص الذين يعتقدون أنهم يستحقون أكثر مما لديهم وأنه ينشأ من مقارنة الذات بآخرين يُنظر إليهم باعتبارهم متشابهين أما أفلاطون فقد اعتبر الحسد ضعفاً روحياً سببه اضطراب النفس ورغبتها في الامتلاك.

2. في الأدب العالمي.

تُجسّد الأعمال الأدبية الكبرى الحسد بوصفه قوة مدمّرة: عند شكسبير يظهر في “عطيل” و”الملك لير”، وفي الأدب الروسي لدى دوستويفسكي على شكل صراع داخلي ينتهي غالباً بالتحطيم الذاتي ويظهر في الروايات العربية الحديثة بوصفه انفعالاً يعكس التشوه الاجتماعي.

خامساً: الآثار السلوكية للحسد

1. على الفرد يؤدي الحسد الى انخفاض احترام الذات واضطرابات القلق والاكتئاب وفقدان القدرة على تطوير الذات وتشوه العلاقات وإضعاف الثقة بالآخرين.

2. على المجتمع يؤدي الحسد إنتاج ثقافة الخوف من النجاح وتعطيل العمل الجماعي داخل مؤسسات الدولة والقطاع الخاص وانتشار الخطابات السلبية والتنمر الإلكتروني وانكماش المبادرات الاجتماعية بسبب الخوف من "عيون الناس".

سادساً: ميكانيزمات العلاج والوقاية

1. على المستوى النفسي

تعزيز الثقة بالذات وإعادة تشكيل صورة الذات بعيداً عن المقارنات وتدريب النفس على الامتنان وتقدير ما هو متاح وممارسة التأمل وتمارين ضبط الانفعال.

2. على المستوى الاجتماعي بناء ثقافة وتشجع الإنجاز لا المقارنة والحد من مظاهر الاستعراض الاجتماعي وتعليم الأطفال مهارات الوعي بالذات وتقدير الفروق الفردية.

3. على المستوى الديني والأخلاقي واستحضار مفهوم الرزق والقدر والإكثار من الدعاء بأن يبارك الله للناس فيما أعطاهم والتحول من الحسد إلى الغبطة ومن المقارنة إلى العمل.

ختاما فان الحسد ليس مجرد شعور عابر ولا ظاهرة أخلاقية بحتة، بل هو انفعال معقّد يبدأ في النفس ويتضخم في المجتمع ويُعاد تفسيره ضمن دين وثقافة وحضارة ومع أنّ الحسد قديم قدم الإنسان، فإنه اليوم أكثر حضوراً بسبب ثقافة المقارنة التي تفرضها الحياة الحديثة. وما لم تبنَ لدى الفرد القدرة على إدراك قيمته الذاتية بعيداً عن أعين الآخرين، سيبقى الحسد عاملاً معطلاً للتنمية الشخصية والمجتمعية وإنّ فهم الحسد لا يهدف إلى إدانته فقط بل إلى تحرير الإنسان من دائرة الانفعال السلبي، وتحويله إلى دافع للعمل، والنمو والرقي.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

يبدو أن نهج جل شيوخ المعتزلة سواء في طرح القضايا ومعالجتها، أو في التناظر والتساجل، والتأليف بين الاستنباط والاستقراء، أو في الآليات العقليّة للتأويل: ذلك النهج الذي كان يهدف للجمع بين التصورات النظريّة والحلول الواقعية في تحليل الرؤى ونقد الآراء، والتخطيط للمستقبل، الذي يمكّن القائمين على الفكر الإسلامي من تبليغ الدعوة، والصمود أمام هجمات المغرضين وإحباط مكائدهم لإطفاء النور الإلهي، وتبديد تماسك الأمة الإسلاميّة والدستور الأقوم والمقصد الذي يكفل الأمن والسعادة للناس كافة والتشكيك في آيات الذكر الحكيم.

نعم نحن في حاجة إلى مراجعة دقيقة وإعادة قراءة لتلك القاعدة العقلانية المفعمة برقة الوجدان ونقاء السرائر والضمائر. فقولهم بضرورة تقديم العقل على النقل عند الخلاف قد أثبت فاعليته في التحسين والتقبيح في ضوء كل المتغيرات الثقافية والزمانية والمكانية والاحتياجات البشرية.

وكذا تأكيدهم على ضرورة تأهيل الدعاة والمثاقفين والمتصاولين والمدافعين عن العقيدة الإسلامية بالمناهج العقليّة التي تبدأ بالجدل إلى نقد النقد، أو قراءة القراءة؛ باعتباره هو السبيل الأمثل لكشف الأكاذيب وتبيان مفاسدها وإظهار الحق وتوضيح خيريته وصدقه وصلاحه على مر الدهور.

كما أن حرصهم على غربلة تصانيف كتاب السيرة وجماع الأحاديث المنسوبة للنبي صلوات الله وسلامه عليه بغرابيل تجمع بين العقل والمنطق من جهة والمقصد الشرعي الوارد في آياته القرآنية من جهة أخرى؛ فقد كان ذلك لحماية النبيّ والذكر الحكيم من الدس، وذلك لفضح إفك المتآمرين الذين استندوا على الأخبار المُلفقة وابتداع البدع وتقسيم الأمة الإسلاميّة لفرق ومذاهب عقدية يبرأ منها الله ورسوله؛ ذلك فضلًا عن اختلاق الأغيار لنحل أو أقوال وأحداث لم يقولها النبي صلى الله عليه وسلم ولم تحدث من صحابته وغير ذلك من شائعات مضلة تعمد إلى تشكيك المسلم في ثوابته الإيمانية التي تقوده إلى الالحاد والمروق.

ناهيك عن حرص شيوخ المعتزلة على وضع شروط للتفسير والتأويل والاجتهاد وأبرزها: التميز بين الدلالة السياقية للألفاظ في كل آية على حدى، والدلالة النسقية للقضايا المعالجة في كل موضوع، والدلالة القصدية للبنية الرئيسة لمجمل الآيات، التي استنبط منها المقصد الإلهي؛ كما يحسن للمفسرين توضيح المقصود بالصيغ البلاغية والإحالات (الإشارية، الرمزية، والوقائع التاريخية)، مع التأكيد على أن هذه التفاسير مجرد آليات للفهم والاستيعاب تبعًا للثقافة السائدة في كل عصر.

وأخيرًا أن إعلاء شيوخ المعتزلة من قدر المعجز الجواني للقرآن الكريم المتمثل في الحكمة الربانيّة سواء في (التشريع أو التوجيه أو الإخبار) على المعجز اللغوي وبيانه في الإبداع والبديع اللفظي. يرجع إلى أمرين: الأول: أن الاعجاز اللغوي لا يعيه إلا الناطقين بلغة نزوله أي العارفين بأسرار اللغة العربية في حين أن أمة الدعوة لا يمكنها استيعاب ذلك الأمر الذي يقطع بأن اتساق الإعجاز الجواني سوف يظل محفوظًا ومقدرًا من قبل العلماء وأصحاب العقول على مرّ الزمان، وليس أدل على ذلك من إيمان غير الناطقين باللغة العربية؛ بقداسة القرآن رغم جهلهم بإعجازه اللغوي ولم يهدهم إلى الإيمان بالقرآن إلا إعجازه الجواني العقلي البرهاني الواضح في دلالات القرآن المترجمة علمًا بأن أولى الترجمات للألفاظ القرآنية كانت شفهية أجراها الحفاظ من كبار الدعاة إلى اللغة الفارسية في منتصف القرن الثاني الهجري أي نحو 723 م.

أمّا الأمر الثاني؛ فيبدو في القراءات المتواترة لآيات القرآن الكريم التي كادت أن تمكن الطاعنين في الإسلام والمتشككين في سلامة القرآن، وخلوه من التحريف الذي يفضي إلى الريبة بين العوام في مصداقيته وكذلك تمنع المغرضين من تحريف دلالة سياقاته اللغوية، وقد برهنت الواقعات صدق توقع شيوخ المعتزلة.

فعلى الرغم من سلامة عملية تدوين القرآن الكريم في المصحف الشريف إلا أن الأخطاء في قراءته قد تسللت إليه.

ولم يحد من ذلك الخطر إلا قيام أبو الأسود الدؤلي ( 603: 688 م) بتشكيل ألفاظ القرآن الكريم بتوجيه من علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه.

أمّا خطر تعدد القراءات فقد دفع المتأولين والمجدّفين والمجترئين إلى التلاعب بسياقات معاني الكلمات ودلالتها في النسق القرآني.

وحرض غلاة المستشرقين والمتعصبين، والخوارج من المتأسلمين، والمبتدعين من المتشيعين، والمجترئين المحدثين على الترويج لأفكارهم الضالة، وأكاذيبهم المغرضة لإيهام العوام بأن النص القرآني يجب إدراجه ضمن الموروثات التراثية، ومن ثم يجب خضوعه للتأويلات المعاصرة والنظريات المادية والنفعية المنكرة للثوابت.

ولم يحد من هذا الخطر في صدر الدعوة الإسلامية إلا جهود نصر بن عاصم الليثي (ت. ن 708 م) ويحيي بن يعمر (ت. ن 746 م) بتوجيه من الحجاج يوسف الثقفي (ت. ن 714 م)، فوضعهما النقط على الحروف وتوحيد رسم الكلمات. ثم جاء الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت. ن 786 م) وأضاف الشكل المعروف الآن مثل الضمّة والفتحة والكسرة.

وأخيرًا اجتهد أحمد لطفي السيد (1872: 1963 م) في جمع جل الروايات والأحاديث المؤكدة على توقيفية عدد آيات القرآن الكريم وبداية كل آية ونهايتها، ورفع بذلك تقريرًا إلى الملك فاروق في (أكتوبر عام 1933 م) سواء كانت كتابات تراثية متواترة أو أبحاث حديثة موثوق في محرّرها نذكر منها فهرس زيبا الذي وضعه محمود الوارادري (ت. ن 1646 م) في كتابه "ترتيب زيبا" (عام 1644 م) وفهرس سلامة محمد في كتابه "ترتيب نصوص آيات الذكر الحكيم" (عام 1928 م).

وذلك كله لحماية القرآن الكريم من كيد الكائدين وكذب الكاذبين.

ويعني ذلك أن قراءتنا لنهج شيوخ المعتزلة، ولاسيما في دراستهم العقديّة في صدر الدعوة تعد من أهم المباحث الكلامية التي لم تقف عند تنظير والتصورات الخطابية فحسب بل كان لها تطبيقات في معالجة القضايا التي أثيرت بين الفرق الكلامية. وكان لهم أيضًا رؤية مستقبلية في توجيهاتهم لاصطناع آليات حافظة لسلامة القرآن الكريم ما زلنا نجني فضلها في هذا العصر الشاغل بالفتن والأكاذيب.

***

وإذا ما انتقلنا إلى أهم القضايا العقديّة التي ناقشها شيوخ المعتزلة الأوّل ووضعوا لها حلولاً مناسبة تتسم بالعقلانيّة فسوف نوجزها فيما يلي وذلك لأن جميعها يتصل اتصالًا مباشرًا بقضية الكذب وتبعاته في الثقافة الإسلامية، وغرابيل شيوخ المعتزلة النقديّة من جهة، والكشف عن مواقفهم التطبيقية والعملية التي تؤكدها التجربة ويدعمها الاستنباط من جهة ثانية، وتعبر كذلك عن نسقية آرائهم واتساقها وخلوها من الاضطراب والتناقض شأن جل الفرق الكلاميّة الأخرى.

ولعلّ أولى القضايا هي قضية التحسين والتقبيح، إذ يرى شيوخ المعتزلة أن فطرة العقل التي خلقه الله عليها لديها القدرة على التميز بين الحسن والقبيح؛ لأن صفة الجمال أو القبح غير مكتسبة في الأشياء؛ وأن الانسان إذا بدل طبيعتها يصبح كاذبًا أي ليس صادقًا مع ذاته.

واعتقد أن ذلك التصوّر لا يخلو من مسحة إيمانية فقد قال تعالى (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها) (سورة الشمس، الآية7).

وجاء في الحديث الصحيح عن الرسول، صلى الله عليه وسلم (الحلال بين والحرام بين).

وعليه؛ نتساءل: كيف اهتدى العقل السليم لوجود الباري وأنه أحق بالعبادة قبل الرسالات؟ وكيف يتعرف العقل على الحسن والقبيح والتميز بين الفجور والتقوى قبل أن يكتسب ذلك من الوحي؟ والمراد من قول المعتزلة أن الشرع متممٌ لحكم العقل على الأشياء؛ فإن كان خيرًا فيؤكده؛ وإن كان شرًا فإن الانسان هو الذي قبحه بأفعاله التي خالف فيها ما فُطر عليه.

ويكشف هذا الرأي عن حقيقة قد ذكرناها سلفًا ألا وهي أن العقل عند المعتزلة لا ينفصل عن الحكمة عند اكتماله، ونقاء السريرة إلا إذا اكتسب القبح من بيئته.

ويتفق رأي المعتزلة مع جل ما انتهى إليه العلماء والفلاسفة ألا وهو أن العقل الإنساني مفطور بقوة تميز بين الخير والشر، وإن كان ميلها إلى الخير أكثر غير أن ما يكتسبه العقل من بيئته له عظيم الأثر على توجيه اختياراته، وأن التربية هي التي تقوم هايتك الاختيارات تبعًا للفكر السائد في بيئة ذلك العقل، وقد بينا أثر ذلك على معظم فلاسفة الإسلام الذين تحدثوا عن النفس العاقلة.

وصفوة القول عند المعتزلة أن فطرة العقل التي خلق الله الانسان عليها هي القادرة على التمييز بين الأشياء حسنها وقبحها، وأن الوحي هو الذي يعين الإنسان على تقويم الهوى أو ميله إلى نقيض الفضائل والمحاسن.

أمّا القضية الثانية فتتمثل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي وظيفة الرسل والأنبياء والمصلحين على أن يكون دستورها عندهم هو الأمر بالمعروف والترغيب فيه بغير كراهة أو منكر. والنهي عن المنكر بتقبيحه بالعلم والتربية والقناعة بالمعروف وعليه يرى كل شيوخ المعتزلة أن الإجبار والعنف وإكراه الناس على فعل الخير أو كف الأذى وارتكاب المعاصي مرفوض عقلًا وشرعًا إلا إذا تجاوز شر المجترئين، فأصاب الأمنين أو تجاوز عصيانهم درجة الفجور الذي لا يردعه نصح أو لين. فالدعوة والحرية عند المعتزلة لهما ضوابط عقليّة وشرعية لا ينبغي الخروج عليها قال تعالى (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (سورة النحل آية ١٢٥)

فالأمر بالمعروف عندهم واجب شرعي وعقلي معًا؛ لأن الخير والصدق والإحسان وغير ذلك من الفضائل هي رسالات على الانسان أن يوصلها لبني جنسه ويذيعها في مجتمعه، وكذا النهي عن المنكر والضرب على يد من ارتكب الآثام والشرور، وعلى رأسها الكذب الذي لا ينبغي على من يطلب الصلاح أن يروج له ولمشتقاته من خيانة وطمس للحقائق؛ فالمنكر هو الجنس الأكبر للكذب (فكل كذب هو منكر وكل منكر هو طمس للحق وهو باب للضلال) مع مراعاة المصلحة والموضوعية في الحكم على القدرة إذا استلزم الأمر استخدام القوة وذلك إذا ما تعرضت الأمة إلى خطر يهدد أمنها ويشتت جمعها.

ويختلف شيوخ المعتزلة في ذلك كل الاختلاف عن الخوارج، قدماء كانوا أو محدثين، أولئك الذين ابتدعوا مفاهيمَ مغايرة للمقاصد العقلية الشرعية، وجعلوا السيف والعنف واستباحة قتل الأغيار والاستيلاء على أموالهم والحط من شأنهم وغير ذلك من شرور لا يمكن أن نصف بها خير أمة أخرجت للناس.

ولا يفوتنا في هذا السياق التأكيد على أن هناك شروط للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند كل شيوخ المعتزلة أولها الفطنة، والعلم، والدراية بالحلال والحرام، والقدرة على تقدير الوقائع والواقعات وأثرها على الفرد والمجتمع، وعليه فالأمر والنهي فرض كفاية على العلماء والمصلحين وهو واجب أي فرض عين على الحاكم والقضاة، والخروج عنهم لا يخلو من المخاطر، أمّا الثورة عليهم تشترط القدرة وتأمين الآمنين؛ الأمر الذي يقطع ببطلان حُجة الوهابيين والداعشيين ومبتدعي نظريّة الحاكمية والإخوان المتأسلمين، ومن سلك مسلكهم.

وحريُّ بنا أن نشير كذلك إلى أن شيوخ المعتزلة قد ربطوا بين هذه القضية وقضية الإمامة أو الخلافة أو الفكر السياسي وأمور الحكم، وكذا قضية الحريّة ومرتكب الكبيرة والالزام الأخلاقي والالتزام بالآداب الشرعيّة، فالإنسان العاقل بالمفهوم المعتزلي يستطيع أن يفصل في كل هذه القضايا وتظل وظيفة المصلحين هي التنبيه والإرشاد والتذكرة ما دامت الحريّة لا تتعدى حدودها فتصبح قيودًا للآخرين أو اعتداءً عليهم أو فوضى وعبثية ومجوناً يزدريها العقل ويمُجُّها المجتمع وتهدد العدالة والأمن والاستقرار.

أمّا القضية الأخيرة وهي المنزلة بين المنزلتين (الإيمان، الكفر)، فيمكن إيجازها في ضوء ما أوردناه سلفًا في أن الشر الذي يصاحب الجرم الأخلاقي لا ينبغي التسرع في الحكم على أثره أو القطع في مآله الشرعي في الدنيا والاخرة؛ فالزاني أو السارق هو مُعتدي على حق غيره، وهو كاذب على ضميره، ومعارض ومنكر لصريح المعقول وصحيح المنقول أيضًا، وهو في هذه الحالات أمره إلى الله إن شاء غفر له إذا تاب وأناب أو عذبه، وفق إرادته ورحمته ولطفه. أمّا عن حكمه في المجتمع فهو فاسق إذا لم تثبت عليه شروط العقوبة الشرعية، وهو غير كافر لأنه عاصي لأوامر الله دون إنكار له.

أمّا العاصي الفاجر المستبيح للمحارم، فيعاقبه الله القادر الجبار بعدله.

وليس للحديث بقيّة عن غرابيل النقد عند المعتزلة، وسوف ننتقل إلى موقف الفلاسفة من الكذب في كتاباتهم الأخلاقية والسياسية.

***

بقلم: د. عصمت نصّار

توصل البروفسور يوناس فريسن، بمعهد كاروليسكا في استوكهولم، إلى أن أجسامنا تتغير كل يوم. ويتغير جسم الشخص البالغ كله تقريباً، خلال فترة تتراوح من 7 إلى 10 سنين. خلايا البشرة، تتجدد كل أسبوعين تقريباً. وخلايا الدم الحمراء، تعيش أربعة أشهر. وخلايا الكبد تعيش ما بين 300 و500 يوم.

نحن لا نلاحظ -على الأرجح- تغيّرات أجسامنا، لأننا في الأساس لا نعرف إلا القليل عن مئات الملايين من الخلايا، التي تتألّف منها أجسادنا، ولذا لا نلاحظ فناء أي منها، لكننا نلاحظ بالتأكيد أن العالم الذي نعيش فيه يتغير باستمرار. كما تتغير معرفتنا بهذا العالم. تموت أشياء في ذاكرتنا، وتحل محلها أشياء أخرى: الناس الذين نلتقيهم، والتجارب التي نخوضها، والمعارف التي نكسبها، وساعات الحزن والفرح التي نمر بها.

كثير ممن تأمل في مسألة الهوية، بدأ من هذه النقطة على وجه التحديد، من سؤال بسيط: أي سر وراء هذا الشعور العميق باستمرارية الهوية؟ نفسي التي عرفتها في الطفولة هي نفسي التي أعرفها اليوم، وستظل معي حتى نهاية العمر. هذه إشارة أولى إلى أن شخصيتي التي تتغير باستمرار في مسار الحياة، تنطوي في الحقيقة على ماهية مزدوجة، أي هويتَين أو مستويَين من التعريف: الهوية الأولى التي تصاحبني منذ أن تعرفت للمرة الأولى إلى اسمي ولوني وجنسي وعائلتي، وحتى نهاية حياتي. هذه العناصر تؤثر بعمق على نظرتي إلى نفسي ونظرة الآخرين إليّ. والهوية الأخرى أو المستوى الآخر هو الذي اكتسبته لاحقاً من خلال التفاعل مع البشر الذين أتعرف إليهم، والطبيعة المحيطة بي، ومن تفكيري في ذاتي وفي عالمي أو تفاعلي معه.

سؤال «من أنا؟» قد يشير إلى الوجود المادي للشخص، مثل كونه ذكراً أو أنثى، شاباً صغيراً أو شيخاً كبيراً، لكن هذه الأوصاف ليست عظيمة الأهمية في ذاتها، إنما ترتفع قيمتها أو تهبط، تبعاً لما تنطوي عليه من معانٍ في رأي الناس الذين أتعامل معهم، أي ما نسميه «العرف العام». ومن هنا فنحن بحاجة إلى معرفة المحيط الاجتماعي للشخص، والقيم التي يلقيها على كل عنصر من مكونات هويته. على سبيل المثال، نحتاج إلى معرفة الموقف الاجتماعي من المرأة: في مجتمع مثل أفغانستان والعديد من المجتمعات الريفية التقليدية، لن يسمح للمرأة بمعيشة معقولة خارج بيتها الخاص. أما في ألمانيا مثلاً، فيمكن لسيدة أن تصل إلى منصب رئيس الدولة. هذا يشير إلى معنى الفارق الجنسي في ثقافتَين مختلفتَين، وما يتبعه من اختلاف جذري في نوع المعاملة للذكر والأنثى في هذا البلد أو ذاك. كذلك الحال لو كان الشخص أبيض البشرة في مجتمع غالب أعضائه من السود، أو كان أسود البشرة في مجتمع أبيض. فارق اللون تترتب عليه فوارق في العلاقة بين الفرد والجماعة، وبالتالي مكانة الفرد فيها وتوقعاته منها. وهذه العلاقة تُسهم في تحديد فهم الإنسان لنفسه وللمحيط الاجتماعي. كما تُسهم في تحديد الطريقة التي يستعملها الإنسان في تقديم نفسه إلى هذا المحيط.

يوضح المثال السابق دور «الآخرين» في تحديد القيم المؤثرة في تشكيل الهوية الشخصية. وسوف نتعرف تالياً إلى حقيقة أن مشاركة كل منا في تشكيل هويته، مشروطة إلى حد كبير بالحدود التي تفرضها البيئة الاجتماعية التي نتعامل معها. خذ مثلاً العقيدة التي أدين بها، واللغة التي أتحدثها، والتي تؤثر بعمق في طريقة تفكيري واتجاهاتي، وكذا اللباس وطريقة العيش ونظام التعامل مع الناس، أي مجموعة الأعراف والنظم التي تحدد لي ما يمكن فعله وما لا يمكن، فهذه كلها يستلهمها الفرد من الأشخاص المحيطين به. وبناء على فعل الفرد وانفعاله، ورد فعل المحيط، يتحدد موقع الفرد في النظام الاجتماعي والمعايير الناظمة لعلاقته مع الآخرين.

***

د. توفيق السيف

 

في الاحتفاء باليوم العالمي للغة العربية (18 دجنبر)

لا يبرح الشعر موقعه الأول في قافلة الوجع الإنساني، قائدا خفيا لأسئلته الكبرى، وحارسا لقلقه الأزلي. وحين تكون اللغة العربية هي مركبه وموئله، يتجاوز الشعر حدّ القول إلى مقام الكينونة. يغدو قبضةً على الوجود، وسباحةً في أعالي المعنى، حيث تتعرّى الأشياء من عارضها وتستعيد أسماءها الأولى. من دونه، يبهت الأثر الثقافي، وتذوي الهوية في فراغ بلا صيرورة ولا عائد.

فالشعر، بوصفه اللسان العربي المبين في تجلّيه الأقصى، هو الفالق الواعي لطاقات التحوّل، والضامن لسرّ الصمود والاستمرار والتوهّج. وفيه تتدفّق اللغة لا كأداة عابرة، بل كدم نابض، يتآلف مع قضاياها السوسيولوجية واللسانية، من غير قطائع قسرية ولا ارتهانات عمياء، إذ يمضي المعنى في انفتاحه الحر، متجاوزا كل سياج.

غير أنّ هذا الحضور لا يعبر الزمن بلا امتحان. ففي خضمّ التسارع الهائل لعلوم الإعلام والصورة، وتحوّلات وسائط التواصل الاجتماعي والثقافي، يتسرّب شكّ خفيف، سرعان ما يستفحل، مهدّداً ميسم الشعر الراهن، ومكانته في لملمة اللحمة العربية، وحفظ مساقاتها التاريخية والمعرفية من التبدّد.

ومن قلب هذا العبور الخاطف، المكدّس بالانخطافات، تنهض مبادرات بنوايا عالية، يطلقها الغيورون على اللغة والشعر معا، ساعيةً إلى تبديد تلك المساحة الرمادية من الشك، وإلى ترميم ما تصدّع، وتحصين ما اعتراه الوهن، ورسم خرائط نجاة تمكّن رعاة العربية وشعرها من تحويل الضباب إلى يقين، والرؤية إلى بداهة لا فكاك منها.

وها نحن اليوم، نشارك في هذه الخطفة الرجيمة، لا بوصفنا شهودا فحسب، بل شركاء في الفعل، نبتغي أن نفرح قلوب الشعراء بلغتهم، وأن ننشدها على اتساع الأفق، قريبةً من حساسيات الجديد في الزمن والإنسان والمستقبل، كي يظل الشعر جسرا بين ما كنّا وما نصير، ونبضاً لا يخفت في جسد العربية.

وإذا كان الفرحُ هو ما يعنينا، من جهة الشعر، فإن النظر بعين القلب يظلّ أقصر المسالك إلى الحبّ الإنساني، وأصدقها وصولا. غير أن اللغة التي تعبر هذا الأفق مطالبة بأن تسلك الدرب الوعر ذاته، بلا ازدحامٍ بلاغي ولا تبريرٍ زائد، إذ إن الشعر، حين يُرى بالشعر، لا يبيح رهن أبواب المعنى كلّها، ولا يقبل أن تُقفل أصالته وعراقته وامتداده التاريخي في قفص الماضي. فهو لا يستدين راهنه من زمنٍ مضى، بقدر ما يستريح على أفق التطوير، ويأنس للتحديث، ويمضي في امتدادٍ سلس لا ينقطع.

ولعلّ في هذا الأفق الرحب، الممتدّ بين لغتنا الضادّية ولغات العالم الأخرى، ما يؤسّس لتجارب مسلكية تداولية أكثر اقترابا من نبض الكونية، لا بوصفها تعميما أجوف، بل باعتبارها استعادةً لجوهر الوجود وأخلاق العالم. فالشعر، بهذا المعنى، يوازي عطاياه بنفس الروح التي تنشغل بها علوم القلب، تلك التي تتحسّس طريقها نحو روحٍ مغيّبة في عالمٍ ماديٍّ متصنّع، أصمّ في بؤر الحروب، وأعمى في ميادين القتال المبرَّر بفظاعة.

إننا، إذ نمتثل لأحلام روحنا العربية، إنما نراهن على أن تتجسّد مواثيق اتصالها بالعوالم الأخرى، عبر تمكين لغتنا الشعرية من القبض على الهارب، لا افتراسا بل مصالحة، لا هيمنةً بل سلاما، تحقيقاً للمسالمة، وترسيخا للمصالحة، وإنضاجا لقيم التسامح.

وقد ظلّ الشعر العربي، في امتداده الصيروري المتراكم، مؤسِّسا لنظامه الذاتي والمعرفي، محرضا على الجمال، متورعا في زوايا الروح الكاملة، مشهرا سيف عشقه لا ليجرح، بل ليعلن اكتمال القمر، وارتفاع شمسه المنيفة، في ليل العالم الطويل.

فكيف يحرس الشعر العربي قلقَ العالم؟ وأيّ سرٍّ هذا الذي يجعله، إلى اليوم، قادرا على ملامسة الجرح الكوني من داخل لغته الخاصة؟ وهل ثمّة ما يُغذّي حماسة شعريّتنا العربية ويُرسّخ أثرها في التاريخ الإنساني، لا بوصفها ذاكرةً منقضية، بل باعتبارها طاقةً فاعلة في تشكيل الوعي الحضري للآخرين والتأثير في مخيالهم؟

وهل يستجيب تحوّل العالم إلى صناعةٍ ترجمية، تُعيد وصل الثقافات وتداخل المنظومات القيمية المتعدّدة، لأنماطنا الثقافية واللغوية التي تأسّست في غابر الأزمنة؟ أم أن تلك الأنماط مطالَبة اليوم بأن تعيد ابتكار نفسها، لا لتنجو فحسب، بل لتشارك في صياغة معنى العيش المشترك في عالمٍ يتغيّر على نحوٍ فائق السرعة؟

ثم، هل نملك الآن الشجاعة الجمالية والمعرفية لاختراع طرقٍ جديدة لمعاودة التأسيس، وردّ الروح إلى ما تاه منها، وإعادة وصل الشعر بمصادر دهشته الأولى، من دون الارتهان لنوستالجيا الماضي أو الذوبان في استنساخ الآخر؟

إنها أسئلة تتكثّف في وجدان الراهن الثقافي العربي، الذي لا يزال يتلمّس خطاه في طريق وعِر نحو الوجود المتعدّد للعالم الجديد. وجودٍ لا يقوم على الإلغاء، بل على الحوار، ولا على الانغلاق، بل على الانفتاح الخلّاق.

وبين هذه الرهانات الكبرى، وما يعتري الثقافة الشعرية من تحوّلات، في صراعاتها المتلاحقة مع أنماط جديدة تميل إلى التقليد، واهتزاز المعنى، وتدافع قيم الكتابة، وتراجع المقروئية، يطفو إلى السطح قلقٌ عميق: خوفُ استشكال الشعر ذاته، لا كنصّ فحسب، بل كنظام رمزي عربي مؤسِّس للهوية والوجدان، وحاملٍ لذاكرة جماعية مهدّدة بأن تفقد صوتها إن لم يُعاد الإصغاء إليها من جديد.

***

د. مصـطـفــى غَـــلمـان

أيُّ نبوءةٍ ألقىَ بها شاعرُ النّيل على مَسْمَع الدّهر عندما وصف لغتنا العربيّة الجميلة بالبحر

فى الثامن عشر من شهر ديسمبر الجاري من كلّ عام تحتفل الأوساط الأكاديمية في الوطن العربي، وفى سائر انحاء العالَم بلغتنا العربية الجميلة باعتبارها لغة حيّة، عالمية، رسميّة متداولة ومُستعملة، في جميع المحافل والهيئات والمنظمات الدّولية.

جاء هذا الاعتراف المستحقّ بكلّ المعايير على الصعيد الدولي بعد جهودٍ مضنية ومتوالية انطلقت بعد أن أقرّت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) ذلك، في الدورة الثانية والتسعين لمجلسها التنفيذي المنعقد عام 2012، قبل أن تقرّر الملحقة الاستشارية للخطة الدّولية لتنمية الثقافة العربية المعروفة بـ (أرابيا) المنبثقة عن اليونسكو هذا اليوم عنصراً أساسيّاً في برنامج عملها المتواتر في هذا المجال.

ويؤكّد الخبراءُ المتخصّصون في هذا المجال أن قرار منظمة اليونيسكو جاء في سياق سلسلة من القرارات الدولية الأخرى للأمم المتحدة، ومنظماتها حول اللغة العربية، من بينها القرار(878) الصّادر عن الدّورة التاسعة للأمم المتحدة المنعقدة عام 1954، الذي كان قد أجاز الترجمة التحريرية لوثائقها إلى اللغة العربية، لتقرّر منظمة اليونسكوالعالمية عام 1966 استخدامَ اللغة العربية في المؤتمرات الإقليمية التي يتمّ تنظيمها في البلاد العربية، بالإضافة إلى إجازة المنظمة ترجمة الوثائق والمنشورات الصّادرة والمنبثقة عنها إلى اللغة العربية، ثم قرّرت اليونسكو كذلك في السّنة نفسها تقوية وتعزيز استعمال العربيّة في أعمالها، من خلال إقرار خدمات التّرجمة الفورية من اللغة العربية إلى غيرها من اللغات الأخرى الحيّة والعكس في جلساتها العامة، وعند مشارف عام 1968 تمّ اعتماد العربية لغة عملٍ في هذه المنظمة الدولية، مع ترجمة مختلف وثائق العمل، وكذلك المحاضر إليها فضلاً عن توفير، وتأمين الترجمة الفورية بصفة نهائية في مختلف دوراتها واجتماعاتها .

على الرّغم من هذه المكاسب المهمّة التي حققتها اللغة العربية على المستوى الدولي ما زالت تتوالى الدّراسات، وتُطرح التساؤلات، وتثار التخوّفات عبثاً في المدّة الأخيرة عن مدى قدرة اللغة العربية على استيعاب العلوم الحديثة ومواكبة العصرنة والابتكار والتجديد الذي لا تتوقّف عجلاتُه ولا تني، وتخوّف فريق من عدم إمكانها مسايرة هذا العصر المتطوّر والمُذهل في مختلف المجالات .

كما تحمّس بالمقابل فريق آخرمُحقّ فأبرز إمكانات هذه اللغة وطاقاتها الكبرى، مستشهداً بتجربة الماضي، حيث بلغت لغة الضاد في نقل العلوم وترجمتها شأواً بعيداً، وهكذا كثر الكلامُ وتعدّدت النقاشات في هذا المجال حتى كاد أن يُصبح حديثَ جميع المجالس، والمنتديات، والمؤتمرات، في مختلف البلدان العربية وخارجها.

الحرف والخطّ العربيّان

تعدّدت النداءات منذ أواسط القرن الفارط إعتباطاً بضرورة إصلاح، وتحسين الحرف والخطّ العربييْن تحت ذريعة إدعاء التطوّر ومواكبة العصر، إلاّ أنّ هذه النداءات والإدّعاءات الباطلة سرعان ما باءت جميعها بالفشل الذريع، وظلّت الغلبة للأشكال المتوارثة، والأنماط المعروفة التي كتبت بها عشرات الآلاف من المخطوطات والكتب في مختلف الميادين العلميّة، والفلسفية، والتاريخية، والأدبية وسواها.

فقد زعم البعض أن شكلَ الحرف العربي الرّاهن وتركيبه لا يتّفق مع العصر، فقدّم لنا في هذا السياق بعضُ الباحثين أشكالاً متباينة لخطّ جديد تشبه إلى حدّ بعيد رسوم الخط الإفرنجي، غير أن القارئ العربي اكتشف منذ الوهلة الأولى أنها في غالبيتها أشكال غريبة عليه يمجّها الذوق السليم، بل إنها تكلّفه عناءً شديداً في هجاء حرف واحد منها، والحقيقة أن جمالية الخطّ العربي أو حرفه لا تبارىَ، فقد ثبت الآن أنه حرف مثالي في جمال تكوينه وشكله وتنوّعه، وإلتوائه، واستوائه، وتعريجاته، واختصاره، وإن الصفحة الواحدة من الكتاب العربي لو كتبت بالحرف اللاتيني لاحتاجت إلى صفحتين على الأقل، فالكتاب المؤلف من مئة صفحة بهذا الخط الجميل لا يمكن رصفه بأقل من مئتي صفحة بالحرف اللاّتيني، ثم أن تطوّر واستعمال الحواسيب الإلكترونية المتطوّرة الحديثة تتّجه سريعاً نحو أساليب جديدة مبتكرة للكتابة، ومعنى ذلك هو العدول بالتدريج عن أسلوب الرصف الحرفي واختصار القوالب، وقد توصّل بعض العلماء إلى ابتكار رسوم حديثة للحرف العربي لا تخرجه عن شكله، ولا تبعده عن أصله، ومع استعمال الكومبيوتر والحواسيب واحتضانها وانتشارها وقبولها للحرف العربي بسهولة ويُسر بنجاح باهر وبنتيجة مُذهلة، ومن ثمّ سقطت دعوى هؤلاء الدّاعين إلى استبداله بالحروف اللاّتينية، وبذلك يفقد خصوم هذه اللغة معركتهم الادّعائية الأولى الزائفة معها .

الحرف العربيّ والحرف اللاّتينيّ

إنه لمن المستغرب أن نجد بين ظهرانيْنا من ما فتئ يدعو إلى استبدال الحرف العربي بالحرف اللاتيني، متّخذين ممّا ابتدعه مصطفى أتاتورك للّغة التركية مثالاً يُحتذى، وكذلك بدعوى إدّعاء السّهولة واليُسر وضبط الكتابة، وإبراز حركات الحروف، وهذه الدعوى التي تحمّس لها بعض خصوم هذه اللغة عرباً كانوا أم أجانب سرعان ما اتّضح لهم أنها كانت باطلة من أساسها . ومن بين المفكرين الذين كانوا قد تحمّسوا لهذه الدعوى الكاتب المصري سلامة موسى، الذي دافع عن هذه الفكرة دفاعاً مستميتاً، وقدّم تبريرات ومقترحات في شأنها، إنه يقول في هذا الشأن : " هذا السّخط الذي يتولاّنا كلما فكّرنا في حالنا الثقافية وتعطيل هذه اللغة لنا عن الرقيّ الثقافي، تزيد حدّته كلما فكّرنا وأدّى بنا التفكير إلى اليقين بأن إصلاحها مستطاع، والقلق عام ولكنّ الجُبن عن الابتكار أعمّ"، وهكذا وئدت هذه الدّعوى فى مهدها .

إشكالية النّحو العربيّ

كثيراً ما يشتكي النشء الصّاعد من متعلّمي اللغة العربية في مختلف البلدان العربية وسواها ممّا يسمّونه إعتباطا بصعوبة نحوها، وكان أحد البّاحثين المغربة وهو الاستاذ أحمد عصيد قد ذكر في هذا القبيل بما سمّاه " الصّعوبات الجمّة" لهذا النّحو، حيث يقول في ذلك : " ونعتقد أن الأوراش الكبرى للغة العربية التي يعيها الأخصائيون في هذه اللغة وعيا تاماً تتعلق أساسا بضرورة النظر في النحو العربي وتحديثه، بسبب الصعوبات الجمّة التي يصادفها الأطفال والكبار على السّواء في تعلمه، وكذا النظر في الإملاء وتنميطه تنميطا حديثا" . وهذا الذي ذهب اليه الباحث المغربي لا يستند الى أساس وهو من باب إطلاق الكلام على عواهنه بدون رويّة ولا تفكير أو تدبير.

تجدر الاشارة فى هذا الصدد بهذه المناسبة أنّ الخطأ الفادح الذى يقع فيه واضعو مناهج التعليم في معظم البلدان العربية كونهم يلقّنون القواعد في صورتها الجافة قبل النصوص، في حين نجد القائمين على مناهج التعليم في المدارس الأوروبية على اختلافها يعوّدون التلميذ على التعامل مع النصوص في المقام الأول، فهو يقرأ ويعيد ويحفظ من غير أن يكون ذا إلمام بعلم النحو، ثم يطبّق بعد ذلك ما قرأه على القواعد، فإذا أردنا الخروج بنحونا من هذه الصلابة التي تنسب اليه افتراءً علينا أن نكثر في المراحل الأولى من مناهج تعليمنا من النصوص، فالتعامل مع النصوص يكسب الطالب أو المتعلّم سليقة فطرية، ويعوّده بطريقة تلقائية عفوية على أشكال الحروف وبنائها وتراكيبها وتعدّد أساليبها، فقد وجدت النصوص مذ كانت العربية، أمّا النحو” كعلم قائم مدوّن” فلم يوضع إلاّ في زمنٍ متأخّر، أيّ في القرن الأوّل الهجري على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي كما هو معروف.

إشكاليّة شَكْل الحرُوف

وتنبثق عن النحو العربي مسألة اخرى يرى فيها البعض مشكلة قائمة بذاتها وهي مسألة” الشّكل” شكل الحروف العربية تفادياً للغموض والّلبس والإبهام. وهناك إتهام مشهور يوجّه لأبناء اللغة العربية، في هذا الصدد، وهو أنه حتى كبار دارسيها يحارون أو يتعثّرون في بعض الأحيان عند قراءة نصّ من النصوص العربية مخافة الخطأ او اللحن ومن أجل شكلها شكلاً صحيحاً. على حين أننا نجد القارئ الفرنسي، أو الإسباني –مثلا- حتى وإن كان دون مستوى مرحلة الثانوية العامّة يقرأ النصوصَ في لغته بطلاقة من غير أن يرتكب خطأ واحداً، و يرى البعض أنّ هذه المسألة من أخطر الإتهامات التي توجّه للغة العربية، ويرى الباحثون فى ذلك رأيين إثنين، يقول الأوّل:أن اللغة العربية ليست صعبة كما يدّعون، بل إن النقص كامن فيمن لا يجيدها حقّ الإجادة، وإذا كان المرء عالماً بأصولها، مطلعاً على أسرارها، دارساً لقواعدها، ملمّاً بأساليبها فإنّه لا يخطئ أبداً، في حين يذهب الرأى الآخر أن العربية فعلا تشكو من هذه النقيصة، ففيما يخصّ شكل الكلمات على الأقل. هناك كلمات يحار المرء في قراءتها القراءة الصحيحة وقد يقرأها على غير حقيقتها، وهناك كلمات أخرى يمكن نطقها على عدّة أوجه، وهذه مشكلة في حدّ ذاتها، ولكن كما أسلفتُ آنفا فإنّه مع المِران، والممارسة، والمثابرة الحثيثة والقراءة المتعدّدة وتتبّع السياق كل ذلك يساعد على تفادى أمثال هذه الأمور التي لم تكن ابدا حائلاً دون التأليف والخلق والإبداع المستمر والمتواصل على إمتداد التاريخ العربي الحافل بجليل الآثار في كل علم.

الفصيح أم العاميّ فى اللغة

ومن المعروف ان الدراسات قد تعدّدت بين مؤيّدٍ للعامية متعصّب لها بدعوى التبسيط والسهولة واليُسر، وبين متمسكٍ بالفصحى لا يرضى بها بديلا أمثال فقد تحمّس للفصحى كتّاب كبار لهم وزنهم في تاريخ الأدب العربي قديمه وحديثه أمثال طه حسين، والعقاد، والرافعي، والمنفلوطي، والبارودي، وحافظ، وشوقي، وهيكل، وعبد الله كنون، ومحمد الفاسي، وعبد العزيز بنعبد الله وسواهم، والحقيقة أن الغلبة كانت دائماً للفصحى على الرّغم من هذه الدعوات والمحاولات، فكم من كاتب نادى وتحمّس للعاميّة وعمل على نشرها وتعميمها، ثمّ سرعان ما عاد ليكتب بفصحى ناصعة صافية نقيّة، وكمثال لما نقول كان الكاتب المصري الرّاحل القاصّ محمود تيمور فى فترة مّا من حياة قد تحوّل عن الفصحى إلى العامية بل إنه كتب قصصاً بها غير أنه سرعان ما عاد كاتباً عربياً مبيناً، بل ومتحمّساً كبيراً للفصحى ومدافعاً عن لوائها كعضو بارز في مجمع اللغة العربية بالقاهرة. ودعوات الأديب والشاعر اللبناني المعروف سعيد عقل، إلى إستعمال العامية معروفة وسال من أجلها حبر غزير.

هذا وكان قد أثير في المغرب في السنوات الأخيرة نقاش حامٍ حول هذا الموضوع سرعان ما خبا أوارُه، وخمدت نارُه، حيث دعا بعضُهم إلى إستعمال «الدّارجة» (العاميّة) بدل الفصحى في بعض مراحل التعليم، وعزا هؤلاء عن غير رويّة، ولا بيّنة ولا علم ولا برهان المشاكل التي يتخبّط فيها التعليم في هذا البلد الى اليوم وفى سواه إلى هذا الأمر، ولكن هذه الدعوة الباطلة سرعان ما وئدت هي الأخرى في مهدها مثل سابقاتها .

المستشرقون ولغة الضّاد

ونقدّم فيما يلي بعض الشهادات التي ادلى بها بعض المستشرقين والمستعربين الأجانب من مختلف الجنسيات عن مدى قوّة وصلابة وحياة اللغة العربية، يقول المستشرق الفرنسي المعروف «لوي ماسّنيون» في كتابه (فلسفة اللغة العربية): «لقد برهنت العربية على أنّها كانت دائما لغة علم، بل وقدّمت للعلم خدماتٍ جليلةً باعتراف الجميع، كما أضافت إليه إضافات يعترف لها بها العلم الحديث، فهي إذن لغة غير عاجزة البتّة عن المتابعة والمسايرة والترجمة والعطاء بالرّوح والقوّة والفعالية نفسها التى طبعتها على إمتداد قرون خلت، إنها لغة التأمل الداخلي والجوّانية، ولها قدرة خاصّة على التجريد والنزوع إلى الكليّة والشمول والإختصار..إنها لغة الغيب والإيحاء تعبّر بجملٍ مركزة قصيرة مقتضبة عمّا لا تستطيع اللغات الأخرى التعبير عنه إلاّ في جُمَلٍ طويلة ممطوطة». ويضرب ماسّينيون لذلك مثالاً حيذاً وطريفاً فيقول: «للعطش خمسُ مراحل في اللغة العربية، وكلّ مرحلة منه تعبّر عن مستوى معيّن من حاجة المرء إلى الماء، وهذه المراحل هي: العطش، والظمأ، والصَّدَى، والأُوّام، والهُيام، وهو آخر وأشدّ مراحل العطش، وإنسان «هائمٌ» هو الذي إذا لم يُسْقَ ماء مات»، ويضيف ماسّينيون: «نحن في اللغة الفرنسية لكي نعبّر عن هذا المعنى ( هائم) ينبغي لنا أن نكتب سطراً كاملاً وهو: «إنه يكاد أن يموت من العطش» ولقد أصبح «الهيام»(آخر مراحل العطش وأشدّها) كناية عن العشق الشّديد. وآخر مراحل الهوى، والجوى، والوله، والصّبابة كما هو معروف هو الهيام .

يرى «بروكلمان» أن معجم اللغة العربية اللغوي لا يضاهيه آخر في ثرائه وغناه . وبفضل القرآن بلغت العربية من الاتّساع إنتشاراً تكاد لا تعرفه أيُّ من لغات الدنيا. ويرى «إدوارد فان ديك»: أن العربية من أكثر لغات الأرض ثراءً من حيث ثروة معجمها وإستيعاب آدابها. ويقول المستشرق الهولندي المعروف «رينهارت دوزي» (صاحب معجم الملابس الشهير) : " أن أرباب الفطنة والتذوّق من النصارى سحرهم رنين وموسيقى الشّعر العربي فلم يعيروا إهتمامًا يُذكر للغة اللاتينية، وصاروا يميلون للغة الضاد، ويهيمون بها" .

ويؤكّد المستشرق الالماني " يوهان فك" صاحب كتاب (العربية : دراسات فى اللغة واللهجات والاساليب): " أن التراث العربي أقوى من كلّ محاولة لزحزحة العربية عن مكانتها المرموقة في التاريخ». ويشير العالم الفرنسي المعروف كذلك “جان بيريك “: «انّ العربية قاومت بضراوة الاستعمار الفرنسي في المغرب، وحالت دون ذوبان الثقافة العربية في لغة المستعمر الدخيل». وـأمّا «جورج سارتون» فيشير عن اقتناع : «أصبحت العربية في النّصف الثاني من القرن الثامن لغة العلم عند الخواصّ في العالم المتمدين». و تجدر الاشارة أن هناك العشرات من أمثال هذه الشهادات الحيّة والصادقة التي لم تُخْفِ إعجابها الكبير بلغة الضاد يضيق المجال لسردها في هذا المجال لكثرتها .

***

د. السّفير محمّد محمّد خطّابي

كاتب وباحث ومترجم من المغرب،

بمعزل عن المرجعيات النصية وتعدد قراءاتها، يمكن النظر إلى الوعي البشري بوصفه صيرورة زمنية لا تستقر، فهو ليس بنية مكتملة ولا معطى جاهزًا، بل حركة دائمة تتشكل عبر التجربة، والاحتكاك بالعالم، وإعادة تأويل ما نظنه يقينًا. الوعي لا يعيش خارج الزمن، بل يُصاغ داخله، وما يبدو ثابتًا في لحظة ما سرعان ما يتحول، في لحظة لاحقة، إلى سؤال مفتوح أو افتراض قابل للمراجعة. فاليوم ليس هو الغد، والغد لا يعود إلى اليوم، لأن الزمن نفسه يعيد تشكيل المعنى باستمرار.

في هذا الأفق المتحوّل، تبرز الصدفة بوصفها عنصرًا مركزيًا في تشكيل المصائر الإنسانية. غير أن الصدفة هنا لا تُفهم باعتبارها عبثًا محضًا، بل بوصفها تقاطعًا غير متوقع لسلاسل سببية متعددة، تتلاقى في لحظة واحدة لتُنتج حدثًا لا يمكن التنبؤ به. الإنسان يعيش داخل هذه الشبكة الكونية المعقدة دون أن يمتلك السيطرة الكاملة عليها، ومع ذلك يُطالَب دائمًا بتحمل نتائجها. هذا التوتر بين محدودية السيطرة وعبء المسؤولية يشكّل أحد أعمق أزمات الوجود الإنساني.

في الحياة اليومية، تتجلى هذه الإشكالية بوضوح في الحوادث المفاجئة. إنسان يخرج من بيته في لحظة عادية، ليصطدم بمصير لم يكن في الحسبان. قد يكون السبب إهمالًا بشريًا، أو شرودًا عابرًا، أو ظرفًا خارج نطاق التخطيط. غير أن الحدث، مهما بدا عابرًا، لا يتوقف عند لحظة وقوعه؛ بل يطلق سلسلة طويلة من الآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية. عائلة تتغير بنيتها، أطفال يُعاد تشكيل وعيهم على الفقد، ومستقبل يُعاد رسمه تحت وطأة الغياب. الحدث الفردي يتحول إلى تاريخ صغير، وقد يمتد أثره عبر أجيال، لا بالفعل المباشر، بل بما يخلّفه من ذاكرة ومعنى وجرح صامت.

هنا يطفو السؤال الفلسفي الحاسم: من المسؤول؟ هل هو الإنسان بوصفه فاعلًا أخلاقيًا؟ أم بنية الحياة التي تسمح بهذه التقاطعات القاسية؟ أم أن الكون ذاته يعمل وفق نظام لا يضع الإنسان في مركزه؟ لعل المسؤولية، في هذا السياق، ليست حكرًا على طرف واحد، بل موزعة بين الفعل البشري وحدود العقل وطبيعة الوجود. فالإنسان فاعل، لكنه ليس مطلق الحرية، ومخيّر في بعض أفعاله، ومقيد بسياقات لا يختارها في كثير من الأحيان.

ومع ذلك، فإن الحياة لا تتوقف عند حدود الألم. فمن رحم الصدمات تولد الأسئلة، ومن الأسئلة تتشكل المعرفة. الحوادث تُنتج قوانين، والفقد يولّد وعيًا جديدًا بقيمة السلامة والتنظيم، والرغبة في تقليل الخسائر. كأن التجربة الإنسانية لا تتقدم إلا عبر الانكسار، ولا تعيد بناء ذاتها إلا بعد مواجهة حدودها.

ورغم تراكم هذه المعارف، يبقى الشك حاضرًا: هل ما ننتجه من معرفة هو اقتراب فعلي من الحقيقة، أم مجرد سرديات مؤقتة تمنحنا القدرة على الاستمرار؟ ربما لا تكمن الإشكالية في غياب الحقيقة، بل في اعتقادنا بإمكانية امتلاكها كاملة. فالحياة، في جوهرها، ليست إجابة نهائية، بل سؤال متجدد، وما الإنسان إلا كائن يسير داخل هذا السؤال، محاولًا أن يمنحه معنى، ولو كان مؤقتًا.

***

فؤاد الجشي

 

لم تَتَطوّر الدراساتُ العربيةُ في إيطاليا في العصر الحديث بمعزلٍ عن مشاغلِ الكنيسة، ما جعلها مصبوغةً منذ مستهلّ انطلاقتِها بخياراتٍ دينيّةٍ، أبقت تعليمُ اللّغةِ العربية وتعلّمُها، إلى تاريخ قريب، حكرًا على رجال الدين وعلى طلاب الدراسات اللاهوتية الكاثوليك. لكن في خضمّ ذلك المسار لاحت بوادر انعتاقٍ من الاحتكار الكَنَسيّ، الذي طالما تحكّم بهذا المبحث، ليشهدَ المجالُ تطوّراتٍ حثيثةً في الأوساط غير الدينيّة، لا سيما منذ توحيدِ إيطاليا وإشراف الدولة على قسطٍ وافر من المؤسّسات التعليمية. وبشكلٍ عامٍّ توزّعَ المستشرِقون والمستعرِبون الإيطاليون عبْر تاريخهم ضمن ثلاثة أصناف: صنفٌ في خدمة الكنيسة، وصنفٌ اِنشغل بخدمة الأغراض الاستعماريّة، وصنفٌ اِنساق لتلبية احتياجات الدولة، مع تداخلٍ في بعض الأحيان في الأدوار بين هذه الأصناف.

فبتَتبُّع مسار الاهتمام بلغة الضاد وبالدراسات العربية في هذا البلد، يُمكِن العودةُ بالانشغال إلى البابا كليمنت الخامس (1264-1314م)، الذي حثَّ في إحدى عظاته في فيينّا، سنة 1311م، على ضرورة إيلاء تدريس العربية والعبرية والكلدانية والسريانية عناية في مختلف العواصم الأوروبية، بغرض أداء العمل التبشيريّ على أحسن وجه. وتُعدّ تلك الدعوة -وبصرف النظر عن مغزاها- عاملًا مهمًّا في لفت الانتباهِ إلى العربية والحثّ على الإلمام بها.

حواضر تدريسِ العربيّة

ضمن هذا السياق، يُمكِن الحديث عن حواضر رئيسيةٍ أربع في إيطاليا شهدت مبكّرا تدريس اللغة العربية، حتى غدت مراكز تاريخية في هذا المجال. تُعتَبر روما الأعرق في المجال بين سائر المدن الإيطالية وذلك منذ العام 1575م، حيث لم يدّخر البابا سيكتوس الرابع (1414-1484م) جهدًا في تكليف مكتبة الفاتيكان بمهامّ تدريس العربية وتهيئة الإطار اللازم لذلك، وإن جاء تدريسُ العبرية أسبق بما يعود إلى العام 1482. ما جعل روما، بين مطلع القرن السادس عشر وموفى القرن السابع عشر، تحوز الصدارة بين حواضر أوروبا في الدراسات الشرقية وفي تعليم اللغات، الذي شمل الأرمينية والقبطية، فضلا عن اللغات السامية الرئيسة. لكن مع توحيد إيطاليا، خلال العام 1861م، بدأ تراخي الطوق الذي ضربته كنيسة روما على تعليم اللغات الشرقية عامّة، ومنها العربية، وذلك لفائدة خيارات ذات طابع لائكيّ. وتدعَّمَ ذلك منذ تولّي المستعرِب ميكيلي أمّاري صاحب مؤلّف "تاريخ مسلمي صقلية" (1854-1872) مقاليد وزارة التعليم في حكومة فارينا (1862-1864)، وهو ما انعكست آثاره على كلية الآداب والفلسفة حينها، بخروج جامعة روما من الهيمنة البابوية واتخاذها طابعًا علمانيًّا (1871-1875)، حيث تولّى لويجي فنشنسي تدريسَ العبرية، وباولو سكاباتيشي السريانية، وجوهانس بولينغ العربية.

حذَتْ نابولي حذو مدينة روما، فكان تشييد "المعهد الجامعي الشرقي"، المعروف بـ "الأورِيِنْتالي" والتابع حينها إلى رهبانية معهد عائلة يسوع المسيح المقدّسة، والذي يُعزى الفضل في تأسيسه إلى المبشّر ماتيو ريبا. فقد حاز المعهد اعترافَ البابا كليمنت الثاني عشر في السابع من أبريل 1732م ويُرجَّح أنّ تدريس العربية قد انطلقَ في السنة نفسها، حيث لم تمضِ سوى بضع سنوات حتى بات محجًّا للدارسين والطلّاب من مختلف الأصقاع. ففي سنة 1747 اِلتحَقَ بالمعهد فتيةٌ وفدوا من الدولة العثمانية، من ألبانيا والبوسنة واليونان ولبنان ومصر، بغرض تكوينهم وسيامتهم كهنة للتبشير بالكاثوليكية في بلدان المأتى. وبعد توحيد إيطاليا بات المعهدُ يضمّ قسميْن: قسمٌ قديم للتبشير وآخر مستحدث خُصِّص للشبان الوافدين من خارج المؤسسات الدينية اهتمّ باللغات الشرقية.

بينما اِنطلق تدريسُ العربية في مدينة باليرمو مع إنشاء كرسي اللغة العربية في أكاديمية الدراسات سنة 1785م. ومن الطريف اقتران تلك البداية بفضيحة أكاديمية، حيث انْتحلَ شخصٌ صفة أستاذ وتولّى مهامّ تدريس العربية، غدت ذكراه مدعاة للتندّر في الأوساط العلميّة. حيث اِدّعى زورًا الراهب جوسيبي فيللا، الذي يَعرِف مفردات متناثرةً من العربية جنب لغته الأمّ المالطية أنّه يحذق العربية، وانتحل صفة مؤلِّف لعملٍ تاريخيٍّ، بما خوَّلَ له اعتلاء كرسي العربية حديث التأسيس، فطفق يدرّس المالطية المطعَّمة بمفردات عربية على أنها الفصحى، معتمدًا في ذلك الأبجدية العربية. حادثة "الخدعة السراسينية"، كما باتت تعرف، تحوّلت في فترات لاحقة إلى موضوع طريف للتندّر، مع بعض الشعراء والكتّاب الإيطاليين، كجوفاني ميلي وليوناردو شاشا وأندريا كاميلاري.

وفي مرحلة متأخّرة اِنضمّت البندقية إلى صفِّ تلك المدن الرائدة، تحت حافز الرحلة والتجارة، وبرغم الموقع المتقدّم الذي حازته المدينة في علاقتها بالشرق، فقد تأخّرت نسبيًّا في تشييد معلم علميّ يتكفّل بالدراسات العربيّة، رغم أنّ حاجة ماسّة إلى ذلك لاحت منذ وقت مبكّر، منذ إعداد ما كان يُعرَف بـ "الـدراغوماني السبعة"، أي التراجمة السبعة، بغرضِ تكليفهم بمهامّ الوَسَاطة مع الدولة العثمانية. ولم يتسنَّ تدريسُ اللغة العربية في مؤسّسة علميّة سوى مع تأسيس المعهد العالي للتجارة سنة 1853م، وقد اعتنى بالتخصصات الاقتصادية والتجارية، إلى جانب عنايته باللغات الأجنبية بهدف الدفاع عن المصالح الإيطالية في الخارج. وبشكل عامّ اِنحصر تعلُّمُ العربية، حتى القرن التاسع عشر، في أوساط التجّار والسّاسة ممن يتردّدون على البلاد العربية. فكانت معرفةٌ لغرض التواصل، وافتقرت إلى الأسس العلمية المتينة، وهكذا نُشرت قواميس في الغرض أحدها لأوغو دي كاستلنوفو ورفائيل دي توتشي سنة 1912، بالإضافة إلى طبع مجلّدين للنحو العربي في ميلانو سنة 1912 من إعداد أوجينيو ليفي.

ولم يشتد عودُ التصنيف العلميّ في مجال الدراسات العربية سوى في مراحل لاحقة. حصل ذلك في مرحلةٍ أولى مع نشرِ مؤلّف إيطاليٍّ للاورا فيشيا فالياري "النحو العربي بين النظرية والتطبيق" سنة 1936، وقد بات مرجعًا، نهلت منه أجيالٌ عدة ولا يزال حاضرًا في التعليم رغم تسرّب انتقادات إليه باعتباره يعرض عربية مشوبة بأجواء الإماء والجواري والنّوق. ثم أُتبعَ بقاموسٍ عربيّ إيطاليّ من إعداد ريناتو ترايني نشره "معهد الشرق بروما" (1964-1965)، لا يزال يُعدّ الأفضل في الساحة الإيطالية. ليلتحقَ مؤلّف إيزابيلا كاميرا دافليتو "الأدب العربيّ المعاصر من النهضة إلى اليوم" (1988) بثلاثية المؤلفات المرجعية التي لا غنى للباحث أو الطالب في أقسام الدراسات العربية عنها.

الدراسات العربيّة والمستعمِر

رافقت العنايةُ باللغة العربية اهتمامات بطباعةِ المؤلّفات المدوَّنةِ بالحرف العربيّ، وذلك منذ وقت مبكر، فكان طبعُ أولى نسخ القرآن الكريم في البندقية سنة 1537م، وإن تمَّ إتلافها بأمرٍ من البابا بولس الثالث (1468-1549م) على ما أورده الباحث أنجيلو ميكيلي بيمونتيزي في مؤلّفه: "البندقية وانتشار الأبجدية العربية في إيطاليا"؛ بالإضافة طُبعت نسخةٌ عربيةٌ من الأناجيل في المطبعة الفاتيكانية يعود تاريخها إلى العام 1590م. لتتوالى المطبوعات بنشرِ أربعة مجلّدات من "القاموس المحيط" للفيروز آبادي، وإن سبق ذلك وجود قواميس عربية مخطوطة بخطّ اليد، منذ أواخر القرن الثاني عشر ومطلع القرن الثالث عشر، على غرار القاموس العربيّ اللاتينيّ المودَع اليوم في مكتبة ريكارديانا في مدينة فلورانسا.

ولئن كانت الدراسات العربية الوسيطة والحديثة في إيطاليا كنسيّةَ المنشأِ فإن الحاضنة المعاصرة هي استعمارية. فقد اِنضمّ ثلّةٌ من آباء الاستشراق الإيطاليّ الحديث إلى "لجنة المصالح الاستعمارية المكلَّفة بالشؤون الإسلامية" - Commissione per lo studio delle questione islamiche d’interesse coloniale - سنة 1914، منهم ليونه غايطاني وكارلو ألفونسو نللينو ودافيد سانتيللانا، وهذا الأخير هو تونسي يهودي الديانة عُيِّن سنة 1913 أستاذا للتشريع الإسلامي في جامعة روما. وقد أورَدَ الباحث فلافيو ستريكا في بحثٍ بعنوان: "كارلو ألفونسو نللينو ومشروع احتلال ليبيا"، في مجلّة "حوليات" الصادرة عن كلية العلوم السياسية في كالياري (سنة 1983) أنّ المستشرِقَ نللينو قد شارك في مجمَل الاجتماعات واللّجان التي أَسْدت المشورة للمستعمِر بشأن القضايا الإسلامية إبّان احتلال ليبيا.

خلال تلك الحقبة شهد الاهتمامُ بالعربيّة تحوُّلًا، فقد تزايدت العناية باللهجات. حيث نشر ألفريدو ترومبيتي في مدينة بولونيا كتابًا عن اللّهجة الطرابلسيّة سنة 1912. وتقريبا في الفترة نفسها اِشتغل كارلو ألفونسو نللينو على الدارجة المصرية (1913)، حيث لا يزال عمله يُعَدّ من المصادر الأساسية إلى الحاضر. لتغدو اللهجات العربية من بين المحاور التقليدية التي يوليها الباحثون الإيطاليون اهتمامًا. وفي مرحلةٍ لاحقةٍ اهتمّت إستر بانيتا بالدارجة والفولكلور في بنغازي (1964). وتواصلَ ذلك الشغف إلى تاريخنا الراهن مع أوليفييه دوران الأستاذ بجامعة روما، حيث نشر سنة 1993 "ملامح من الدارجة المغربية"، أتبعه سنة 1994 بـ "مقدمة في اللهجات العربية"، كما نشر سنة 1996 عملا عن الدارجة الفلسطينية، إلى أن غدت دراسة اللهجات -Dialettologia- مادة مقرّرة للطلاب تُدرّس جنبَ الفصحى في جامعة روما.

تطوّرات في الدراسات العربية

شهدت أواخر الألفية الثانية تحولات معتبَرة في الدراسات العربية في إيطاليا، مسّت جوانب الترجمة والآداب. إذ حتى منتهى الثمانينيات كانت النصوص الأدبية العربية المترجَمة قليلة العدد ومحصورة التداول بين المختصّين، من مستشرِقين ومستعرِبين أساسا، ولكن عقب ذلك التاريخ تحوّل المنقول العربيّ إلى مقروء مرغوب بين عموم القرّاء. وباتت دور النشر تراهن على النصّ الأدبيّ العربيّ بعد أن تخلّت عن الفكرة الرائجة أنّ الكتاب العربي لا يَدرّ ربحا باعتباره مطبوعا خاسرا، فقد ساهم الأديب نجيب محفوظ مساهمة فعالة في ذلك التحوّل.

إذ تفيد الإحصائيات إنجاز خمس ترجمات يتيمة في إيطاليا، منذ مطلع القرن الفائت إلى العام 1965. حيث ترجمَ فرانشيسكو غابرييللي: "قصّاصون من مصر" وكذلك "ظلمات وأشعّة" لمي زيادة، وترجمَ أومبارتو ريتزيتانو "زينب" لمحمد حسنين هيكل و"الأيّام" لطه حسين، وترجمَ أندريا زنزوتّو كتاب "سأهبك غزالة" للكاتب الجزائري مالك حداد. ثم بعيد ذلك التاريخ، حاولَ ريتزيتانو بعثَ سلسلةٍ قصصيةٍ، بالتعاون مع "معهد الشرق بروما" وجامعة باليرمو، نشرت ثلاث مجموعات سورية وتونسية ومصرية، ثم سرعان ما توقّفت، وكأنّ الوقت لم ينضج بعد للنشر العربي. ولكن علاوة على عدمِ تهيّؤ القارئ الإيطالي، فقد كان نصيب وافر من الترجمات حرفيًّا وركيكًا. غير أنه لاحقا ساهمت العناية الفائقة لشخصيتين إيطاليتين، رعتا نقل مجموعة من النصوص العربية، وهما إيزابيلا كاميرا دافليتو من جامعة روما وفرانشيسكا ماريا كوراو من جامعة نابولي، في التحسين من جودة الترجمة والترويج للأعمال الأدبية العربية في الأوساط الإيطالية.

يورد مؤلَّف "الحضور العربيّ الإسلاميّ في المطبوعات الإيطالية" (2000)، الصادر عن وزارة الثروة والأنشطة الثقافية، أنه لم يُترجَم من المؤلّفات العربية بين 1900 و 1988 سوى 29 عملا، وقد حصل التحول الفعليّ بين 1989 و 1999 حيث تُرجم 112 عملا أدبيّا، كما ترجم 93 عملا أدبيّا فرنكفونيا خلال الفترة نفسها. بينما بلغت الأعمال المسرحية التي تُرجمت طيلة الفترة الممتدة بين 1900 و 1999 19 عملا مسرحيًّا، وحاز الشعر خلال الفترة نفسها 20 عملا. والواقع أنّ الجوائز العالمية، نوبل لمحفوظ (1988)، وغنكور لكلّ من بن جلون (1987) ومعلوف (1993)، قد ساهمت مساهمة فعّالة في إيقاظ الذائقة الإيطالية نحو الأدب العربي، حيث بلغت أعداد النصوص العربية المترجمة إلى الإيطالية حتى مطلع العام 2020 ما يناهز 400 عمل. وبشكل أقل ساهمت القلاقل السياسية والحروب والتوتّرات في إيقاد تلك الجذوة، فعشية اندلاع الثورة الجزائرية تُرجمت ترجمة يتيمة "سأهبك غزالة" لمالك حداد، ثم عقب الثورة خبا ذلك البريق، ليستيقظ الاهتمام مجدّدا مع فترة النضال الفلسطيني المسلّح بترجمة بعض الأعمال مثل "رجال في الشمس" (1985)، و"فلسطين: ثلاث قصص" (1985)، و"عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني؛ و"المتشائل" (1990) لإميل حبيبي. وفي خضمّ وفرة الترجمة الأدبية مقارَنةً بغيرها يبقى الأديب المغربيّ الطاهر بن جلون الممثّل الرئيس للأدب العربي في المخيال الإيطاليّ، فهو الأكثر ترجمة وحضورا في النشر والإعلام.

ولكن هذا الحضور للنصّ الأدبيّ العربيّ في إيطاليا، رغم تواضعه، بدأ يشهد نوعًا من النشاط الحثيث الفرديّ بعد سبات طويل، بعضه منبعث من إيطاليا، ممثَّلا في الجزائري عمارة لخوص والعراقي يونس توفيق، وغيره وافد من خارج، لعلّ أبرز وجوهه في الوقت الحالي علاء الأسواني وإبراهيم نصرالله.

الدراسات العربية في الراهن

لا غرو أنّ مناهجَ الدراسات العربية في إيطاليا قد خطت خطوات معتبرة من جانب مقارَبة الثقافة العربية، ومن جانب الأدوات المتوسَّلة إلى هذا الغرض، لكنها تبقى مشدودة إلى إرث السلف بشكل متراوح بين القبض والبسط. ولا يمكن الحديث عن عبورِ هذا الفعل من طورٍ إلى طورٍ، فما فتئ التعاطي مع اللغة العربية كلغة عصيّة، ذلك أنّ كثيرًا من الأساتذة الجامعيين يدرّسونها ولا يتكلّمونها ويسمعونها ولا يفقهونها. فيتوسّلون تدريس النحو العربي بواسطة الإيطالية، وعلى غرار ذلك فكّ أسرار اللهجات العامية، وعرض مضامين الأدب العربي، وهو منهج استشراقيّ غالبا ما ساد في تعليم اللغات المنقرِضة. ذلك أنّ منهج تدريس العربية، وكفاءة المدرس في حد ذاتها، وأدوات التدريس، تجعل هذه العوامل متضافرة التعاطي مع العربية إشكاليًّا. وهو ما ينعكس غالبا على التحصيل المعرفي للدارس بما لا يسمح له بالتعاطي مع اللغة كمعطى حيّ.

حيث يأتي الطالب الإيطاليّ الجامعي مدفوعًا بحماس فياض لتعلّم العربية، لكنه يصطدم بقدامة منهجية في التدريس، تُكرّر إنتاجَ المناهج الاستشراقية في التعاطي مع عربية محفوفة بعديد الأحكام المغرضة، أنها أصعب اللغات عالميًّا، وأنها غير مستعمَلة في البلاد العربية، وأنّ الأجنبيّ يذهب إلى تونس بغرض تعلُّم العربية فيتعلّم الفرنسيةَ، وأنّ اللهجات هي لغات، والترويج لذلك من قبل أساتذة جامعيين، لا لشيء إلا لأنّ إطلالتهم على العربية كانت من باب اللهجة الشامية أو المصرية أو المغاربية، التي بالكاد يفصحون بها. الأمر الذي خَلق تذبذبا بين تدريس الفصحى أو الدارجة في إيطاليا، ودفع إلى التعويل على تدريس لغة وسطى لا هي بالفصحى ولا هي بالدارجة، ينطبق عليها المقول الإيطالي "ليس باللحم ولا بالسمك ولكنّه شيء آخر".

وهذا المنهج التعليمي العقيم، في بعض جوانبه، عادة ما أوْرثَ مساوئ، حيث لا يحصّل الطالب أو الباحث الكفاءة اللغوية اللازمة لولوج المراجع أو المصادر العربية، ما يجعله رهينا للمقول الغربي في الموضوع، أو لبعض الترجمات القليلة. فالاصطدام بعدم إتقان اللغة بعد انقضاء السنوات عادة ما يكون محبِطًا لجموع واسعة اختارت تعلّم هذه اللغة، وهو ما رسّخ لدى كثيرين المقول الإيطالي الشائع: "?!Ma che parli arabo"، "أوتتكلم عربي؟"، ومفاده أتقول شيئا لا يفقهه الناس والحال أنّ مقولة تَمنُّع اللغة العربية عن الإلمام بها شائعة في أوساط المعلِّمين والمتعلِّمين على حد سواء، وهي تعود أساسا لمساوئ بيداغوجيا التدريس، التي خلّفها الاستشراق، وتتلخّص في أسلوب التعامل مع العربية كلغة ميّتة. حيث يُغرَق الطّالب أو الدارِس في فيلولوجيا اللّغة وقواعدها النّحوية، بما يأخذ حيزًا واسعًا من جهده ووقته، ولا يُقدّم له الجانب الحيّ والعملي منها، حتى ليقضي المرء السنوات الطوال على هذا النسق، ليستفيق لاحقا أنه غير قادر على إتيان محادَثة أو الإلمام بخطاب منطوق.

انعكس القصور اللغويّ على الدّرسِ الأكاديميّ أيضا في تعاطيه مع الفكر العربي، والفلسفي منه بالخصوص، فهو متوقّف عند فلسفة الفارابي وابن رشد وابن باجة، لا يتعدّاها، وبالمثل عند الفرق الإسلامية الكلاسيكية لم يتخطها إلى الفكر الديني الحديث.

من جانب آخر رغم أنّ إيطاليا من بين البلدان الأوروبية الأكثر قربًا من البلاد العربية حضاريًّا وجغرافيًّا فلا تزال الأبعد ثقافيا، وكما يقول عالم الاجتماع فرانكو كازانو: "هناك حديث بإطناب عن المتوسط لا ترافقه خيارات ثقافية موازية". ربما إحصائيات الترجمة من الجانبين مفزعة، فكلتا اللغتين استجلبت من الآخر ما يزيد بقليل عن الأربعمئة عمل لا غير وهي نسبة ضئيلة. وإذا استثنينا النصوص المصرية المترجَمة، والتي تقارب 80 بالمئة من مجموع ما تُرجم، فإنّ النصوص العربية شبه غائبة، ناهيك عن النص الخليجيّ فهو الأكثر ندرة على الإطلاق. ذات مرة قلت للأستاذ الفلسطيني وسيم دهمش المرابط في إيطاليا منذ خمسة عقود: كثيرا ما يطرق مسامعنا، إن المثقّف العربي في إيطاليا عرضة للموت السريري نظرًا لمحدودية الحراك الثقافي بين الضفّتين، رغم ذلك يعدّ كلانا إيطاليا دار قرار لا منطقة عبور. فردّ مبتهجا: لكل رسالته ونحن رسالتنا في الحرف العربي الذي نبلّغه للطلاب.

***

د. عزالدين عناية - أستاذ تونسي بجامعة روما- إيطاليا

يميل كثير من الآباء إلى الاعتقاد بأن تفكير الطفل يحتاج دائمًا إلى تصحيح، وكأن الطفل يرى العالم بطريقة غير صحيحة أو مشوشة. غير أن هذا الحكم المسبق – في تقديري – يغفل طبيعة خاصة في تفكير الطفل يمكن تسميتها بـ المنطق الحيوي؛ وهو منطق لا يقوم على القواعد والتعريفات الجاهزة، بل ينطلق من التجربة المباشرة والإحساس اليومي، أي من الحياة كما تُعاش قبل أن تُشرح.

فالطفل لا يفتقر إلى الفهم، بل يمتلك طريقة خاصة في تفسير ما يحيط به، طريقة لا تفصل بين ما يُرى وما يُحسّ، ولا بين الفكرة والتجربة. إنه يفهم العالم من داخل علاقته به، لا من خارجه، ويكوّن معناه انطلاقًا مما يعيشه فعليًا، لا مما يُطلب منه أن يحفظه أو يكرره.

ومن هنا، يبدو لي أن المنطق الحيوي لا يسأل أولًا: "هل هذا صحيح"، بل يسأل: "كيف أعيش هذا؟" و"كيف يظهر لي العالم؟". فالطفل لا يتعامل مع الواقع بوصفه مجموعة قوانين، بل بوصفه مجالًا للتجربة والمعنى، حيث تتداخل الرؤية مع الشعور، والمعرفة مع الحياة اليومية.

ويتضح هذا النمط من التفكير بجلاء حين يقول طفل في طريق العودة إلى البيت إن القمر "بيمشي جنبنا". هنا لا يكون الطفل بصدد تقديم تفسير علمي خاطئ، كما قد نظن، بل يعبّر عمّا يراه ويعيشه فعليًا. فالقمر حاضر أمامه أينما تحرك، وهو يحاول أن يمنح هذه الخبرة اسمًا ومعنى. ومن هنا يمكن القول إن الطفل يبدأ فهمه من الحياة كما تظهر له، لا من القوانين كما تُدرَّس له لاحقًا.

ومن هذا المثال البسيط، يمكن الانتقال إلى مواقف أكثر قربًا من الحياة اليومية داخل البيت. فعندما يرفض طفل النوم لأن غرفته "مش أمان" في الظلام، لا يكون ذلك جهلًا بحقيقة المكان، بل تعبيرًا عن تجربة شعورية حقيقية. فالطفل في هذه اللحظة لا يسأل: هل هذا منطقي؟ بل يعيش إحساسًا كاملًا بالخوف يحتاج إلى من يعترف به أولًا. ولهذا يبدو لي أن الإصغاء والطمأنة هنا ليسا ترفًا تربويًا، بل شرطًا رئيسًا للفهم.

ومن البيت ننتقل طبيعيًا إلى الفصل الدراسي، حيث تظهر الصورة نفسها ولكن في سياق مختلف. فقد يسأل المعلم تلاميذه عن سبب نزول المطر، فيجيب أحدهم: "علشان الزرع يشرب". هذه الإجابة لا تقدّم تفسيرًا علميًا مكتملًا، لكنها تكشف عن ربط ذكي بين الظاهرة الطبيعية والحياة اليومية. فالطفل هنا لا يبحث عن قانون علمي، بل عن معنى يمكنه فهمه والارتباط به. وعندما تُقصى هذه الإجابة سريعًا، نفقد فرصة تربوية ثمينة لتحويل هذا المعنى البسيط إلى فهم أكثر تنظيمًا.

وهنا يبدأ في الظهور نمط آخر من التفكير، هو ما يمكن تسميته بـ المنطق الصوري؛ وهو التفكير الذي يعتمد على القواعد، والتعريفات، والترتيب المنهجي للأفكار. وهذا النوع من التفكير ضروري بلا شك، لكنه – كما أرى – لا يكون مناسبًا دائمًا في البدايات. فالمشكلة لا تكمن في المنطق الصوري ذاته، بل في فرضه مبكرًا، وكأنه الطريق الوحيد والمشروع للفهم.

ويظهر الفرق بين المنطق الحيوي والمنطق الصوري بوضوح في اللعب. فعندما يتفق الأطفال على أن خطًا مرسومًا على الأرض هو "نهر"، وأن القفز فوقه شرط للنجاة، فإنهم لا يعبثون، بل ينشئون عالمًا له قواعده المؤقتة. والقاعدة هنا لا تُفرض من الخارج، بل تنبثق أثناء الفعل، وتتبدّل بتغيّر الأفق. وإذا أخطأ أحدهم وسقط داخل "النهر"، لا يُعاقَب، بل يحاول مرة أخرى. وفي هذا المشهد البسيط، يتحول الخطأ إلى جزء طبيعي من التعلم، لا إلى علامة على الفشل.

غير أن الإشكالية تبدأ حين نطالب الطفل بالتخلي مبكرًا عن هذا المنطق الحيوي القائم على التجربة والمعنى، ونطالبه بأن يفكّر فقط وفق القواعد الجاهزة. ويمكن أن يحدث هذا في البيت حين نُسكت الطفل بدل أن نستمع إلى تفسيره، ويحدث في الفصل حين نهتم بالإجابة الصحيحة أكثر من اهتمامنا بالطريق الذي سار فيه الطفل ليصل إليها. ومع التكرار، يتعلّم الطفل درسًا غير معلن: أن التفكير الشخصي غير مرغوب فيه، وأن الأمان يكمن في تكرار ما يقوله الكبار.

ومن هنا يمكن القول إن التربية الأكثر وعيًا هي تلك التي تبدأ من فهم طريقة الطفل في التفكير قبل السعي إلى تعديلها. فبدل التصحيح السريع، يمكن للبيت أن يتحول إلى مساحة للإصغاء، يُسمح فيها للطفل بأن يشرح كيف يرى العالم. وبدل الاكتفاء بالحكم على الإجابة في الفصل، يمكن للمعلم أن يمنح الطفل فرصة لشرح تفكيره، لأن هذا الشرح هو الخطوة الأولى نحو التعلم الحقيقي.

كما يبدو لي من الضروري إعادة النظر في مكانة اللعب داخل التربية، لا بوصفه وقتًا زائدًا، بل باعتباره مساحة طبيعية لبناء التفكير. ففي اللعب يتعلم الطفل المحاولة، والخطأ، وإعادة الفهم، وهي مهارات لا تقل أهمية عن حفظ المعلومات. وكلما شعر الطفل أن الخطأ مقبول، ازدادت جرأته على التفكير والسؤال.

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن تعليم القواعد والتعريفات ينبغي أن يأتي في وقته المناسب، بعد أن يكون الطفل قد عاش التجربة وفهم معناها. فالتدرّج في التعليم ليس مسألة تنظيم منهج فقط، بل هو احترام لطبيعة العقل في نموه. وعندما نرافق الطفل من المنطق الحيوي القائم على الحياة إلى المنطق الصوري القائم على التنظيم، نساعده على بناء تفكير متوازن.

وفي النهاية، يمكن التأكيد على أن الطفل لا يفكّر بطريقة خاطئة، بل بطريقة تناسب مرحلته وعلاقته بالعالم. وإذا احترمنا هذه الطريقة، ومنحناها الوقت والمساحة لتتطور، فإننا لا نعلّم الطفل الإجابات فحسب، بل نعلّمه كيف يفكّر، وكيف يرى العالم بوصفه مجالًا للفهم، لا مجرد ساحة للاختبار.

***

أ. د. علي الخطيب

أستاذ ورئيس مجلس قسم الفلسفة – كلية الآداب- جامعة المنيا- مصر

يشكل دفاع ارسطو عن العبودية جانبا مثيرا للجدل ضمن ارثه الفكري، ويمثل تناقضا صارخا لسمعته كفيلسوف مؤسس للفلسفة السياسية الغربية. التمعن في حجته يساعدنا في توضيح الكيفية التي جرى بها تبرير الهياكل الهيراركية الاجتماعية القديمة ولماذا استمرت تلك المعتقدات الى فترات متأخرة.

نظر ارسطو عميقا في التركيب الاجتماعي لمدينة أثينا الكلاسيكية وعالج ليس فقط منْ يجب ان يحكم وانما أيضا ما الذي يشكّل حياة بشرية مزدهرة كليا. ضمن هذا الاطار، هو عرض العبودية كمؤسسة طبيعية اندغمت في فهمه الأوسع للنظام السياسي والأخلاقي.

ارسطو والعبيد

في الجزء الأول من كتاب السياسة، يجادل ارسطو ان بعض الناس هم "عبيد بطبيعتهم"، مدّعيا ان اولئك الذين يفتقرون الى القدرة العقلية للتشاور والتفكير الدقيق يستفيدون من توجيه وارشاد السيد الذي يدير بعقله شؤون المنزل لأجل الصالح العام. يميّز ارسطو بين القوة الجسدية والبصيرة الرشيدة، متصورا شراكة يوفر فيها السيد العقل بينما يوفر العبد العمل. هو يعرض هذه العلاقة كمنفعة متبادلة بدلا من ان تكون اكراهية واستغلالية. هذا التمييز يعكس السلّم الهرمي الواسع للمؤسسات، بدءً من رب المنزل الى المدينة، مجسّداً الأوامر والطاعة كعلاقات طبيعية وليست نتاجا للعرف الاجتماعي.

في نفس الوقت، ارسطو لم يكن غافلا عن الاستغلال. هو ينتقد استعباد اسرى الحرب اذا لم يتماشى مع ما يعتبره طبيعيا. وبينما يثير هذا التحذير الشكوك حول العديد من حالات العبودية في العالم الواقعي التي كانت سائدة في زمانه، فهو لا يشكل حجة مناهضة للعبودية بقدر ما هو اختزال نظري: انه يجيز العبودية من حيث المبدأ بينما يلقي الشكوك على العديد من الممارسات. من خلال هذا الاطار، يؤكد ارسطو ان المجتمع سوف يزدهر في ظل الاعتقاد بان بعض الافراد ملائمون حقا ليكونوا عبيدا بشرط ان تتوفر فيهم معايير معينة.

هذا التوتر بين العبودية "الطبيعية" المثالية والقسوة التجريبية للمؤسسة هو من بين اهم التناقضات التي جرى النقاش فيها في السياسة. انه يعزز السؤال المستمر حول ما اذا كانت نظرية ارسطو تصمد امام التدقيق حينما تطبق على الممارسة الاجتماعية الحقيقية.

أصول عقيدة ارسطو في العبودية والانتقادات لها

ان جذور حجة ارسطو تكمن في نهجه التيلولوجي، وهو الرؤية بان كل البشر لهم غايات طبيعية او وظائف، وعقل كمعرّف للإنسانية والحياة السياسية - ذروة الطبيعة البشرية. يزعم ارسطو ان بعض الناس لا يشاركون في التفكير الا بقدر ما يدركونه لدى الآخرين، وان أهدافهم في الحياة (تيلوس) تُنجز ليس من خلال التفكير المتأني المستقل وانما عبر المشاركة في الحكم العقلاني للآخرين ضمن المجتمع المثالي. هو يقارن هذه العلاقة باعتماد الجسد على الروح. النقاد، القدماء والجدد على حد سواء، يجادلون بان هذه المقارنة تخاطر بتحويل الاختلافات في التعليم والظروف الى اختلافات أساسية للنوع، وبذلك تخفي الهيمنة الاجتماعية وبشكل فعال كنظام طبيعي. بهذه الطريقة، انها تخدم في ادامة السلالم الهرمية للمجتمع والتي هي في الأساس تفيد النخبة. الدراسات الحديثة سلطت الضوء على ثلاث انتقادات رئيسية تتحدى دفاع ارسطو عن العبودية:

1- المشكلة الابستمية: لا وجود لطريقة موثوقة لتحديد "العبيد الطبيعيين" دون إعادة انتاج الاستدلال المنحاز او الدائري، طالما عدم القدرة المتخيلة هي في الغالب نتيجة للقمع بدلا من دليل على عجز فطري.

2- المشكلة التطبيقية: الآليات التاريخية للعبودية في العالم اليوناني – بما في ذلك اسرى الحرب والنهب وعبودية الديون  نادرا ما تتماشى مع المعيار العقلاني الذي يفترضه ارسطو، بما يجعل المؤسسة التي يسمح بها لا يمكن تمييزها عن اللاعدالة الكلية اثناء التطبيق.

3- المشكلة المعيارية: حتى لو وُجدت قدرات غير متساوية، فان الاختلافات لا تبرر منطقيا الهيمنة طالما يمكن للتعليم  والحقوق القانونية والدعم الاجتماعي ان ينمّي استقلالية الفرد بدون اللجوء الى عبودية دائمة.

النتائج في الماضي وفي الحاضر 

ان عظمة ارسطو أتاحت ان تنتقل أفكاره بعيدا الى ما وراء مدرسته (ليسيوم ) لتؤثر في تفسيرات وتعليقات القرون الوسطى عبر اوربا وتوفير لغة استُخدمت لاحقا في النقاشات الحديثة المبكرة حول الغزو والاستعمار. وبينما أثار بعض العلماء والكتاب الانسانيين فكرة "العبودية الطبيعية" لتبرير الهيمنة، سلط آخرون الضوء على محاذير ارسطو بشأن الاستيلاء الظالم لتحدّي شرعية العبودية وإظهار المرونة التفسيرية لنصوصه في الخلافات الأيديولوجية.

في العالم الغربي، اعتمد المدافعون عن العبودية عادة على سلطة كلاسيكية لعقلنة عبودية مرتكزة على العرق، مع ذلك أشار النقاد الى ان متطلبات ارسطو - في ان العبودية تتطابق مع عدم قدرة حقيقية – لا تبرر ابدا أنظمة وراثية. ان تأثير نظرية ارسطو رسم أيضا تطور العلم الاجتماعي الحديث عبر الدعوة الى تمييزات واضحة بين هرميات وصفية وتبريرات معيارية. هذه التمييزات ساعدت على وضع ارضية للجدال تفضل ايجاد نظام قانوني عالمي يفصل الحقوق عن المعايير الخلافية للقدرة العقلانية.

بالنسبة للقارئ المعاصر، تأتي أهمية ارسطو كموقف ينبغي الحذر منه حول الكيفية التي يمكن ان تدعم بها نظريات معقدة مؤسسات غير عادلة عندما يكون التدقيق الميداني والتفكير الأخلاقي غير كافيين. وفي نفس الوقت، الانخراط بعناية مع حججه يكشف عن جذور النقد: التوتر بين فكرته المثالية للعبودية "الطبيعية" والواقع المرير للممارسة التاريخية يشير الى وجود ضعف جوهري في الدفاع عن المؤسسة ذاتها.

***

حاتم حميد محسن

 

إن الإسلوب الكلاسيكي التقليدي، المعقد، الذي يتم من خلاله عرض الأفكار الفلسفية، أصبح يُشكل عائقاً أمام تفعيل العلاج الفلسفي لمشكلات الإنسان الفكرية، وقضاياه وأزماته الوجودية، لأن الباحث في الفلسفة حين يريد ان يُقدم حلولاً فلسفية واقعية لمعالجة أزمات الإنسان والمجتمع، فإن كل ذلك قد يصطدم بالموروث الفلسفي الكلاسيكي التقليدي بوصفه إرثاً فلسفياً غير قابل للتعديل، والذي يرفض مؤيدوه أي فكرة جديدة أو محاولة للإصلاح، ويقللوا من أهميتها، وفاعليتها، وقدرتها على التاثير، بل وأحياناً يهاجموها، ويعتبروها دخيلة على الفكر الفلسفي الأصيل، وتؤثر على تسامي الأفكار الفلسفية وعلوها، ولكن ذلك يضعنا امام سؤال فلسفي جوهري حول أهمية و جدوى الفلسفة إن لم تستطع معالجة مشكلات الإنسان، وتغيير واقعه للأفضل، وماهي الجدوى من الحفاظ عليها وتناقلها وإجترارها عبر الأجيال إن لم تعالج مشكلاته بشكل عملي وحقيقي، إن الفكر الفلسفي يجب أن يخدم واقع الإنسان الإجتماعي، والأخلاقي، والصحي، والمهني، ويعمل على النهوض به، وإذا كانت الفلسفة تريد حقاً أن تغير جلدها، وتتخلص من الأفكار العقيمة والغير مفيدة للمجتمع، فيجب عليها تجديد وتطوير أفكارها، وإعطاء الإهتمام والأولوية للجانب العملي منها، والعمل على تعديل الأفكار والنظريات الفلسفية القديمة وتطويرها، لتناسب واقع الإنسان والمجتمع المعاصر، وتزوده بحلول فلسفية عملية، واقعية، واخلاقية، تساعده على التخلص من مشكلاته على نحو عملي، وليس فقط نظري، ويجب أن لايقتصر دور الفلسفة على تحليل المشكلات، بل يجب ان يتم تفعيل دور الفلسفة في تشخيص المشكلات، ومعرفة أسبابها، ومن ثم علاجها، لأن الفلسفة إذا لم تفعل ذلك، فإنها تناقض نفسها قبل كل شيء، حيث إن الفكر الفلسفي في الأساس هو دعوة للشك والتحقق، ولفحص الأفكار، والعمل بشكل فعلي على مكافحة الأفكار السلبية، ودعم ونشر الأفكار الإيجابية، وإن محاولات الهجوم على تاهيل الفلسفة وتفعيلها هو في الأساس ضد حقيقة الفلسفة، بإعتبارها بحث عن الحقيقة، ودعوة الى العلم بوصفه فضيلة أخلاقية، ونهوض بقيمة الإنسان وطريق لسعادته.

***

شيماء هماوندي

مقاربة اقتصادية تنموية

" يتقدم العالم بفضل الأشياء التي تبدو مستحيلة والتي تم إنجازها."

في سياق الاقتصاد التنموي، تبرز جدلية التخلف والتقدم كمحور أساسي لفهم مسارات الدول العربية في العصر الحديث، حيث تتقاطع العوامل التاريخية والاستعمارية مع الخيارات السياسية والاقتصادية المعاصرة. التخلف، كمفهوم، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي المجرد مثل انخفاض الناتج المحلي الإجمالي أو معدلات البطالة العالية، بل يمتد إلى أبعاد اجتماعية وثقافية تشمل التبعية الهيكلية للنظام الرأسمالي العالمي، والتي تحول دون تحقيق تنمية مستقلة وشاملة. أما التقدم، فيُرى كعملية تحولية تركز على الإنسان كغاية ووسيلة، تهدف إلى توسيع الخيارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مع الحفاظ على الاستدامة البيئية والاستقلال الوطني. هذه الجدلية تكتسب طابعاً خاصاً في العالم العربي، حيث يواجه التقدم تحديات تاريخية مثل الاستعمار الأوروبي، الذي أدى إلى تجزئة المنطقة وتحويلها إلى مصادر للمواد الخام، مقابل نماذج تنموية غربية تركز على التحديث الرأسمالي، وبدائل شرقية مستمدة من تجارب شرق آسيا مثل الصين وكوريا الجنوبية، التي حققت قفزات تنموية من خلال نماذج مختلطة تجمع بين الدولة والسوق. من منظور اقتصادي تنموي، يعكس هذا الجدل توتراً بين التبعية الخارجية والاعتماد على الذات، حيث يُنظر إلى النماذج الغربية كأدوات للحفاظ على الهيمنة، بينما تقدم البدائل الشرقية نموذجاً للتنمية المستقلة، كما أبرزت دراسات مقارنة بين العالم العربي وشرق آسيا، التي أظهرت فشل الأول في الاستثمار والتصنيع مقارنة بالثاني.  في هذه الدراسة، سنستعرض هذه الجدلية من خلال تحليل المفاهيم الأساسية، النماذج الغربية وتأثيرها، البدائل الشرقية كمسارات بديلة، لنختم بتأملات حول إمكانيات التنمية العربية في ظل هذا التوتر. فماهي أسباب التخلف عند العرب؟ وهل التقدم عندنا يتحقق باحتذاء النماذج الغربية ذات الخلفية الاستعمارية أم باعتماد البدائل الشرقية ذات العمق التحرري الانساني؟

مفهوم التخلف والتقدم في السياق العربي: الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية

"من لا يتقدم كل يوم، يتراجع كل يوم."

يُعرف التخلف في الاقتصاد التنموي كظاهرة نسبية مقارنة بالدول المتقدمة، ومطلقة في ذاتها، تتميز ببنى إنتاجية ما قبل رأسمالية، وعلاقات اجتماعية إقطاعية أو قبلية، وثقافة تعزز التبعية والأمية. في العالم العربي، يرتبط التخلف تاريخياً بالاستعمار الغربي، الذي حوّل المنطقة إلى حديقة خلفية تابعة للنظام العالمي، حيث أصبحت مصدراً للمواد الخام مثل النفط والمعادن، مقابل استيراد السلع المصنعة، مما أدى إلى حلقة مفرغة من التبعية الاقتصادية. على سبيل المثال، في دول الخليج، أدى الاعتماد على الريع النفطي إلى تضخم استهلاكي دون تنمية إنتاجية محلية، حيث يسيطر الرأسمال الأجنبي على التكنولوجيا والاستثمار، مما يعمق التفاوت الاجتماعي والفجوة بين النخب والجماهير. أما التقدم، فيُرى كعملية تراكمية تاريخية تهدف إلى تحرير الإنسان من الاستغلال، من خلال تطوير القوى المنتجة، تحسين التعليم، وتعزيز الديمقراطية الاقتصادية. ومع ذلك، في السياق العربي، يظل التقدم محدوداً بسبب التجزئة القومية، التي فرضها الاستعمار بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، مما منع تشكيل أسواق كبيرة موحدة كما حدث في أوروبا، حيث ساهمت الحروب والاندماج في بناء دول قوية اقتصادياً. هذا الجدل يتجلى في نظريات مثل نظرية التبعية، التي ترى التخلف نتيجة للاستغلال الخارجي، حيث يحافظ النظام الرأسمالي العالمي على هيكل غير متوازن، يخصص للدول النامية دوراً في تصدير المواد الخام، مقابل احتكار الشمال للصناعات المتقدمة. في العرب، يتفاقم ذلك بالعوامل الداخلية مثل الاستبداد السياسي والطائفية، التي تحول دون التنمية الشاملة، كما أن التراث الثقافي يلعب دوراً مزدوجاً: يوفر ثقة بالنفس من خلال التاريخ الحضاري، لكنه يعيق الابتكار إذا تم التمسك به بشكل رجعي. بالتالي، يصبح التقدم ليس مجرد نمو اقتصادي، بل تحولاً هيكلياً يتطلب إنهاء التبعية وتعزيز الاعتماد على الذات، في جدل مستمر بين السبب (الاستعمار) والنتيجة (التخلف البنيوي). على هذا النحو: "في عمل الجسم كما في عمل العقل، يكون عدم التوازن المتحكم فيه هو الذي يسمح بالتقدم."

النماذج الغربية: التحديث الرأسمالي وحدوده في العالم العربي

"الفساد يتبع مسيرة التنوير. من الطبيعي تماماً ألا يستطيع الإنسان أن ينير نفسه دون أن يفسد."

تعتمد النماذج الغربية في التنمية الاقتصادية على نظرية التحديث، التي ترى التقدم كمسار خطي يبدأ من المجتمعات التقليدية نحو الصناعية، مستوحى من تجربة أوروبا والولايات المتحدة، مع التركيز على التصنيع، التحضر، التعليم، والقيم الرشيدة. في العالم العربي، تم تبني هذه النماذج بعد الاستقلال، كما في مصر تحت عبد الناصر، حيث سُعي إلى التصنيع الاستبدالي للواردات، لكنها سرعان ما اصطدمت بحدود التبعية، حيث فرضت الدول الغربية شروطاً عبر اتفاقيات مثل اتفاقيات الشراكة الأورومتوسطية، التي تهدف إلى دمج الاقتصادات العربية في السوق الأوروبية، لكنها تعزز الاعتماد على الاستثمار الأجنبي دون نقل تكنولوجي حقيقي. هذا النموذج، المعروف بـ"إجماع واشنطن"، يدعو إلى الخصخصة، فتح الأسواق، وتقليص دور الدولة، كما طبق في تونس ومصر خلال الثمانينيات والتسعينيات، مما أدى إلى نمو اقتصادي جزئي لكنه غير متوازن، مع ارتفاع البطالة (تصل إلى 15% في بعض الدول) وتوسع الفجوة الاجتماعية. نقدياً، يُرى هذا النموذج كأداة للحفاظ على الهيمنة الغربية، حيث يُفرض عبر مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، مما يعيق التنمية المستقلة ويحول الدول العربية إلى أسواق استهلاكية، كما أبرزت دراسات عن الثلاث عوالم العربية (إفريقيا الفرعية، الدول النفطية، المتوسطية)، التي أظهرت تقدماً اجتماعياً (مثل زيادة التعليم والصحة) لكن تخلفاً سياسياً واقتصادياً مقارنة بأمريكا اللاتينية أو أوروبا الجنوبية.

في السياق العربي، أدى تبني هذه النماذج إلى "تنمية التخلف"، حيث يُستغل الريع النفطي لتمويل الاستهلاك الغربي دون بناء صناعات محلية، مما يعمق الجدل بين التقدم الظاهري (نمو الناتج) والتخلف الهيكلي (ضعف الإنتاجية). بالإضافة إلى ذلك، يتجاهل هذا النموذج الخصوصيات الثقافية العربية، مثل دور التراث الإسلامي في تعزيز الثقة الذاتية، ويفرض قيماً فردانية تتعارض مع الروابط الاجتماعية التقليدية، مما يؤدي إلى تفكك اجتماعي وارتفاع معدلات الهجرة الشبابية. فكيف يمثل "عدم القدرة على العودة إلى الوراء هو شكل من أشكال التقدم."؟

البدائل الشرقية: نماذج شرق آسيا كمسارات تنموية مستقلة

"لا يمكن أن يكون هناك تقدم حقيقي إلا من الداخل."

في مقابل النماذج الغربية، تقدم البدائل الشرقية، مستمدة من تجارب شرق آسيا، نموذجاً للتنمية يجمع بين تدخل الدولة القوي والسوق، كما في "نموذج التنمية الآسيوي" الذي اعتمدته اليابان، كوريا الجنوبية، والصين، مع التركيز على التصدير، الاستثمار في التعليم، والحماية الوطنية للصناعات الناشئة. هذا النموذج، المعروف بـ"الإجماع الآسيوي"، يرفض الخصخصة السريعة ويؤكد على الدور التنموي للدولة في بناء البنية التحتية وتعزيز الابتكار، مما سمح بشرق آسيا بتحقيق نمو اقتصادي يفوق 7% سنوياً خلال عقود، مقابل نمو عربي لا يتجاوز 3% في كثير من الحالات. في السياق العربي، يُرى هذا النموذج كبديل واعد، حيث يتيح الاعتماد على الذات دون التبعية الكاملة، كما أبرزت مقارنات بين العالم العربي وشرق آسيا، التي أظهرت أن الأخير نجح في زيادة الاستثمار (بنسبة 30% من الناتج) والتصنيع، بينما فشل العرب بسبب ضعف الديمقراطية والاعتماد على الريع.  على سبيل المثال، اعتمدت الصين نموذجاً مختلطاً يجمع بين الاشتراكية والرأسمالية، مما رفع ملايين من الفقر، ويمكن للدول العربية مثل مصر أو الجزائر تبني عناصره من خلال سياسات تصديرية محمية واستثمار في التكنولوجيا، بدلاً من الفتح غير المتوازن. ومع ذلك، يواجه هذا البديل تحديات في العرب، مثل التجزئة التي تحول دون تشكيل كتل اقتصادية كبيرة كما في آسيا، والتأثير الثقافي الذي يتطلب توظيف التراث العربي-الإسلامي لتعزيز الثقة الذاتية، كما في نظرية التنمية البديلة التي تدعو إلى التحرر الشامل من الهيمنة الخارجية. هذا النموذج يعيد صياغة الجدلية، حيث يحول التخلف إلى فرصة للابتكار المحلي، مع التركيز على التنمية البشرية المستدامة، مقابل النماذج الغربية التي تعزز الاستهلاك غير المنتج. فكيف يكون "التقدم الحقيقي الوحيد هو القدرة على التشكيك في التقدم."؟

الجدلية والمقارنة: بين التبعية والاستقلال في التنمية العربية

"لا يزال أمام التقدم أن يحرز تقدماً."

تكمن جدلية التخلف والتقدم في العالم العربي في التوتر بين النماذج الغربية، التي توفر نمواً سريعاً لكن تبعياً، والبدائل الشرقية، التي تؤكد على الاستقلال لكن تتطلب إرادة سياسية قوية. اقتصادياً، أدى الاعتماد على النماذج الغربية إلى تقدم جزئي في دول ، حيث ارتفع الناتج لكن مع زيادة الاعتماد على العمالة الأجنبية، بينما تقدم البدائل الشرقية مساراً للتصنيع المستقل، كما في محاولات الجزائر لتبني سياسات آسيوية في الزراعة والصناعة. هذا الجدل يعكس تداخلاً بين العوامل الخارجية (الهيمنة الغربية) والداخلية (الاستبداد والتجزئة)، حيث يمنع الغرب تشكيل قوى عربية كبرى من خلال تدخلات عسكرية، كما حدث في محاولات الوحدة ، مقابل نجاح آسيا في تجنب مثل هذه التدخلات بفضل التوازن الجيوسياسي. من منظور تنموي، يتطلب حل هذه الجدلية دمجاً بين الاثنين: تبني عناصر غربية مثل التكنولوجيا مع روح شرقية في الاعتماد على الذات، مع تعزيز الديمقراطية لضمان مشاركة الجماهير، كما أن التراث العربي يمكن أن يكون جسراً للتنمية، مستلهماً من ابن خلدون في فهم الدورات الاجتماعية. فهل نحن أمام نموذج واحد للتقدم أم عدة نماذج يجدر اعتمادها وتأسيسها بشكل خصوصي؟

خاتمة

"التقدمي ليس من يؤمن، بل من يفهم مسار الأشياء."

يُنظر إلى التقدم في الفلسفة على أنه حركة ضرورية، وغالبًا ما يرتبط بعدم التوازن المنضبط، وقبول التجارب، والتساؤل الدائم؛ ويمكن أن يكون فرديًا أو جماعيًا، وأحيانًا تقنيًا، وأحيانًا روحيًا، ولكنه دائمًا في حالة توتر مع الركود أو التراجع، مما يتطلب منا إنتاج شيء جديد بدلاً من تكرار الماضي، وأن نكون حذرين من اليقين. في النهاية، تكشف جدلية التخلف والتقدم عند العرب عن حاجة ماسة إلى نموذج تنموي يتجاوز التبعية الغربية نحو بدائل شرقية مكيفة، حيث يصبح الإنسان محور التنمية، مع التركيز على الاستدامة والاستقلال. لتحقيق ذلك، يجب على الدول العربية تعزيز الوحدة الاقتصادية، الاستثمار في التعليم، وتوظيف الريع النفطي للتصنيع المحلي، مستلهمة من نجاح شرق آسيا في تحولها من التخلف إلى القوة الاقتصادية. هذا الجدل ليس قدراً، بل فرصة لإعادة بناء مسار تنموي عربي مستقل، يجمع بين التراث والحداثة في سبيل تقدم شامل ومستدام. فماهي الأفكار التنموية الثورية والآفاق المستقبلية للعرب؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

يمكن اعتبار الدكتور عبد الجبار الرفاعي من أهم المفكرين العرب المعاصرين الذين عملوا بشكل حقيقي على مشروع تجديد الفكر الديني. عمل الكثير من المفكرين على هذا المشروع، إلا أنهم خاطبوا الدين ودرسوه من خارج الدائرة الدينية. ما يميز الرفاعي أنه انطلق من داخل دائرة الدين للعمل على هذا المشروع الإصلاحي. لم يكن هدف الرفاعي أن يدافع عن التراث كصندوق سري ومقدس لا يمكن المساس به، ولم يكن في نفس الوقت من المنتقدين المتطرفين لهذا التراث كالذين رفضوا الصندوق وما فيه. كان هدفه الأساس هو إبراز التفسير الخاطئ والفهم غير المناسب لهذا التراث، فهو يتعامل مع مفهوم الإيمان كتجربة بشرية ذات بعد معنوي وأخلاقي وتجريبي، حيث اعتبر الإيمان هو العلاج للقلق المتزايد والمخاوف المتفاقمة عند الإنسان في العصر الحديث.

من أهم ما طرحه الرفاعي هو مفهوم "اللاهوت الجديد" أو "علم الكلام الجديد". هناك هاجس متزايد عند الرفاعي وزملائه المفكرين في العالم الإسلامي بأن علم الكلام بحاجة إلى تجديد حقيقي ليستطيع أن يواجه الظروف المتغيرة الحديثة، وهذا ما دفعه إلى تبني مفهوم علم الكلام الجديد، فقد دعا في كتابه "الدين والظمأ الأنطولوجي" بأن فهم الدين يجب أن يتجدد بتجدد احتياجات البشر الروحية. يتعامل الرفاعي في هذا الكتاب مع الدين على أنه مسألة ايمان قلبي، فلا يمكن للدين أن ينجو عبر القوة والفرض، كما نراه عبر التاريخ في مختلف الحكومات الإسلامية التي فرضت الإسلام بقوة السيف على الشعوب المحتلة. فالدين يجد طريقه إلى قلوب الناس عبر عطشهم إلى المعنى في هذا العالم المشتت. في كتابه "الدين والكرامة الإنسانية" يعتقد الرفاعي بأن الدين يجب أن يبدأ من الإنسان ومع الإنسان وإلى الإنسان. بمعنى أن الدين لا يسعى إلى أن يضحي بالإنسان من أجل الدين، وإنما يسعى إلى تطوير الإنسان ورفع حاجاته المعنوية في هذه الحياة. من النظريات التي تميز بها الرفاعي هو تمييزه بين مفهومي "الدين" و"التدين". بالنسبة له، فالدين هو موضوع وحي وغيب وربّاني، أي يقع خارج حدود التاريخ، بينما التدين فهو أمر تاريخي وثقافي ونفسي، أي أن التدين من نتاجات الإنسان حيث يقبل النقد والمساءلة. يستمر الرفاعي في هذا النهج ليطرح مجموعة من التساؤلات والانتقادات للتدين الذي يُبتنى على العنف والأيديولوجية السياسية والهيمنة الدينية.

على الرغم من انتقاده للتدين التاريخي البشري، إلا أنه يصر على تبيان مكانة الدين كنتاج إلهي وسماوي وخارج تلاعب البشر والتاريخ. يشارك الرفاعي مجموعة من الأفكار مع فلاسفة آخرين، فهو يتشاطر الرأي مع نصر حامد أبو زيد في تاريخية التفسير، حيث يعتقد بأن فهم النص يختلف مع اختلاف الثقافة والجغرافية والزمان، بمعنى أنه من الممكن أن يتغير فهم الدين باختلاف السياقات المختلفة، ولعل هذا يبرر وجود الإجتهاد الفقهي في المدرسة الإمامية، بل يجعله ضروريا. يغوص أبو زيد في التفسير اللغوي والهرمنيوطيقي والأدبي للنص القرآني ليقدم بذلك مجموعة من القراءات الجديدة للنصوص القرآنية، إلا أن الرفاعي اختار بأن يقرأ القرآن من منظور وجودي وأخلاقي وإيماني دون الخوض في المفاهيم اللغوية الجامدة.

على الرغم من وجود اتفاق ضمني بين رؤية محمد أركون وعبد الجبار الرفاعي في نقد التدين التاريخي، إلا أن أركون يستخدم سكينا حادا للغوص في جسد الدين التاريخي المتغير بتغير الحكومات والسلطات. إلا أن الرفاعي اختار البحث عن التجديد في داخل دائرة الإيمان والإجابة عن الأسئلة المتجددة في العصر الحديث. يؤكد الرفاعي على الحفاظ على روح الدين والإيمان، إلا أنه يرى من الضروري أن نعيد ترتيب الأولويات في الخطاب الديني. لا يخلو تراث الرفاعي من مواقف تدعو القارئ المتابع إلى النقد. لعل تراث الرفاعي يفتقد إلى عنصر أساسي في مشروعه التجديدي، فهو لا يحمل السكين الذي كان يحمله محمد اركون، فهو كان حريصا على أن يمشي في هذا البيت بهدوء دون المساس بمشاعر سكانه. حاول الإصلاح بهدوء من دون ضجيج، على عكس ما فعله اركون. كان بإمكانه أن يكون أكثر صراحة وأكثر تشخيصا لمواطن الخلل، ولكن قد أعزو هذا الأسلوب إلى ما هو عليه، فقد عرفته شخصا ذو كياسة وهدوء واطمئنان، ليس محبا لحلبات الصراع والضجيج. في النهاية، أرى أنه من الجميل أننا عاصرنا مفكرا مثل الرفاعي.

***

د. مجتبى الحلو - باحث وأستاذ جامعي عراقي

 

في المثقف اليوم