قضايا

مفتتح: يمثل النقد الفلسفي ممارسة معرفية جوهرية قوامها الاستجواب المنهجي والفحص الدقيق للافتراضات الكامنة والبنى المعرفية. غير أن هذه الممارسة تواجه انحرافاً نظامياً معاصراً حيث تتحول من فعل بنائي موجه نحو الكشف عن الحقيقة إلى أداة تفكيكية موجهة نحو الهيمنة والإقصاء.

هنا تتحدد الإشكالية المحورية في السؤال الإبستيمولوجي الآتي: كيف يمكن للنقد، الذي يستمد شرعيته من الرغبة في الاستكشاف المشترك للحقيقة، أن ينقلب إلى آلية للتدمير الرمزي والنفي الكلي للآخر المعرفي؟

هذا التساؤل يعكس توتراً أساسياً يخترق التراثين الفلسفيين الغربي والإسلامي على السواء، كاشفاً عن التناقض بين الحافز المعرفي النزيه والنزعات الذاتية التي قد تفسد المسار النقدي.

 حول الانحراف النقدي

لاحظ الفيلسوف والمنطقي ماريو بونج (Mario Bunge) تمييزاً أبستيمولوجياً جوهرياً بين طبيعة الممارسة النقدية في حقل العلوم الطبيعية حيث يسود النقد البنائي التشاركي، وفي الحقول الإنسانية حيث يميل النقد نحو التفكيكية المحضة. هذه الملاحظة، وإن كانت قابلة للمناقشة، تحيل إلى حقيقة بنيوية تتعلق بطبيعة الكائن المعرفي ذاته: في المجالات العلمية يقبل الباحثون مقدمات معيارية مشتركة حول الحقيقة والبرهان، بينما في المجالات الإنسانية يتنازع المفكرون حول المقدمات الأساسية ذاتها، مما يحول النقد إلى صراع إيديولوجي حول الشرعية المعرفية والسلطة التفسيرية.

لقد عرف الفكر الإسلامي الكلاسيكي، وخاصة عبر منهجية الإمام الغزالي (Al-Ghazali)، نموذجاً متطوراً للرد الفكري يتجاوز هذا الانحراف. في كتابه "تهافت الفلاسفة"، لم يكتفِ الغزالي بتفكيك الموقف الفلسفي، بل سعى إلى استعادة التناسق المنطقي والاتساق المفاهيمي من خلال الاعتراف بقيمة الافتراضات الأساسية للخصم. وهذا يشير إلى أن الانحراف النقدي لا ينجم عن حتمية بنيوية بل عن الانحراف الأخلاقي عن الغاية الأساسية أي تحول الباعث من السعي المشترك للحقيقة إلى الرغبة في الانتصار الإيديولوجي.

وبالتالي ينكشف الانحراف على ثلاثة مستويات متشابكة: أولاً، على مستوى الخطاب الإبستيمي، حيث يفترض الناقد موقع اليقين المطلق دون الانفتاح على إمكانية مراجعة فرضياته الخاصة؛

ثانياً، على المستوى الأنطولوجي، حيث يُقصى الآخر من دائرة الذات المعتبرة، محولاً إياه إلى موضوع مجرد من الكينونة الفاعلة؛

ثالثاً، على المستوى الجدلي، حيث تتلاشى إمكانية الحوار المتبادل وتحل محله ديناميات الخصومة و التسقيط.

تأسيس الممارسة النقدية

لإعادة توجيه النقد نحو مساره النزيه، يتطلب الأمر استعادة المعايير الأخلاقية والإبستيمولوجية التي تحكم الممارسة النقدية الرشيدة. تتمثل هذه المبادئ في:

مبدأ سلامة الباعث الإبستيمي: يقتضي هذا المبدأ افتراضاً أولياً بصدق الخصم وصحة اهتماماته المعرفية، مع السعي الجاد لفهم السياق الإدراكي الذي يوجه فكره. لا يعني هذا التساهل مع الأخطاء الظاهرة، بل تعميق النقد من خلال البحث عن شروط إمكانيتها وأساسها المنطقي. هذا النهج يميز بين رفض الفكرة ورفض الفاعل المعرفي.

مبدأ الاعتراف المتبادل: وفقاً لجدلية الاعتراف عند هيغل (Hegel)، لا يمكن للنقد أن يحقق غايته الحقيقية إلا إذا اعترف بالآخر كذات فاعلة متساوية في الحقوق المعرفية، وليس كموضوع سلبي للمحاكمة. هذا يستدعي قبول قيمة الاختلاف الفكري كفرصة للنقاش المتبادل.

مبدأ التعدد الإبستيمي: يقتضي هذا المبدأ الاعتراف بشرعية التقاليد المعرفية المختلفة والمستقلة. الفكر الإسلامي الكلاسيكي والحضارات الأخرى لم تكن نسخاً ناقصة من الحداثة الغربية بل تمثل رؤى معرفية متكاملة ومستقلة. إدوارد سعيد (Edward Said) في كتابيه " الاستشراق" و "الثقافة و الامبريالية" أظهر كيف أن النقد المنحرف يمارس شكلاً من الاستعمار المعرفي حيث يُختزل الآخر إلى موضوع دراسة يحكمه منطق الهيمنة.

مبدأ المنهج الموضوعي: يتطلب النقد الرشيد الفصل بين الحجة الموضوعية والهجوم الشخصي. إن استخدام حجج وتقنيات الإذلال الرمزي لا يضعف الموقف المعارض فقط، بل يفقد النقد ذاته شرعيته المعرفية. قال كارل بوبر (Karl Popper) إن صرامة النقد الذاتي للعالم يجب أن تسبق أي نقد موجه للآخر.

 الممارسة النقدية بين الحقيقة والسلطة

اشار ميشيل فوكو (Michel Foucault) إلى أن النقد المنحرف غالباً ما يكون تعبيراً عن صراع على السلطة المعرفية أكثر من كونه بحثاً عن الحقيقة. عندما يتحول النقد إلى أداة للهيمنة، يفقد صلته بالوظيفة الأساسية للفكر النقدي: تحرير الوعي من الأوهام والتحيزات. والفيلسوف الفرنسي بول ريكور (Paul Ricoeur) أكد على ضرورة ما سماه "الفهم المتبادل" بين التقاليد المعرفية المختلفة، حيث يتعاون الطرفان على توسيع آفاق الفهم بدلاً من محاولة فرض أحدهما رؤيته على الآخر.

ومن الأهمية بمكان ان جوهر الممارسة النقدية الرشيدة في إدراك أن النقد والنقد الذاتي عمليتان جدليتان متلازمتان، ما دام الناقد يتهم غيره بالخطأ دون أن يخضع موقفه هو نفسه للفحص المستمر، فإنه يتجاهل الطبيعة الانعكاسية للمعرفة الإنسانية. هذا هو ما يميز النقد البنائي عن النقد الاستدماري: الأول يعترف بحدود معرفته ويسعى للتعاون، الثاني يدعي المعرفة المطلقة ويسعى للهيمنة.

 نحو ممارسة نقدية تعاونية

لابد من تأسيس الممارسة النقدية على أسس معيارية سليمة تتطلب تحولاً جذرياً في الفهم: من النقد كممارسة سلطوية إلى النقد كممارسة تحاورية تعترف بتعددية المسارات المعرفية. هذا لا يعني التخلي عن الدقة أو الصرامة الفكرية، بل إعادة توجيهها نحو البناء المشترك و التعاوني للمعنى.

فالحكمة الفلسفية العملية (phronesis)، سواء أكانت يونانية الأصل أم إسلامية في صيغتها (hikma)، تقتضي القدرة على التمييز بين الحجة الموضوعية والهجوم الإيديولوجي، وبين الاختلاف الفكري والعداء الشخصي.

في ظل واقع يعج بالانقسامات والصراعات الفكرية، تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة استكشاف معايير النقد الأخلاقية والإبستيمولوجية.

فكانط (Immanuel Kant) دعا إلى استخدام عقلنا بشجاعة دون موجه؛ لكن هذه الشجاعة يجب أن تقترن بالتواضع المعرفي والاعتراف بأن الحقيقة لا تملكها جهة او مدرسة او جماعة او فرد دون ٱخر، بل هي ثمرة حوار مستمر بين الذوات المعترف بها فيما بينها.

***

بقلم: أ. مراد غريبي

في الطابع العملي للتفكير الناقد

كثيرا ما أرى أن هناك انطباعا يترسخ في أذهان الكثيرين من الناس، مفاده أن الفلسفة مجال نظري منفصل تماما عن الواقع الذي يعيشونه، أو بالأحرى لا علاقة لها بمشكلات الحياة اليومية مطلقا. غير أني أكاد أجزم - بناء على تأملي - بأن القراءة المتأنية في موضوع التفكير الناقد، بوصفه أحد الموضوعات المهمة في الفلسفة، قد كشفت لي عن أمر مغاير تماما لما يعتقده هؤلاء الناس؛ إذ تتمحور قناعتي في أن الفلسفة لا تقتصر على التنظير المجرد كما يتوهمون، بل تهتم – في جوهرها – بتمكين الإنسان من التفكير السليم، واتخاذ الحكم الرشيد، والتعامل الواعي مع الأدلة والحجج.

ومن هذا المنطلق، أرى أن التفكير الناقد يمكن أن يصبح ممارسة إنسانية لا يقتصر وجودها على المتخصصين في الفلسفة فحسب، بل تتجلى - بدرجات متفاوتة - في كل إنسان يستخدم عقله في فهم ما حوله.

ولعل ما يؤكد ما أزعمه أننا لو نظرنا إلى الرجل العادي لوجدناه يربط بين ظاهرة وأخرى، أو يفسر موقفا بناء على قرائن، فيمارس نوعا من الاستدلال العقلي، حتى وإن لم يدرك أنه يستخدم بنية التفكير الفلسفي نفسها. والجدير بالذكر أن أبرز تجليات التفكير الناقد يمكن أن تظهر بوضوح في بعض المهن التي تتطلب تحليل الأدلة، واستنتاج النتائج، وتفنيد الاحتمالات، ولعل من أبرزها مهنة رجال الشرطة؛ أي مهنة التحري من أجل التوصل إلى كشف ملابسات الجريمة.

وهذا يعني أنني أريد أن أقول إننا لو نظرنا إلى رجل الشرطة، فسوف نجد أنه يشبه الفيلسوف الذي يتفلسف تفلسفا عمليا. وبكل تأكيد، عندما يسمع البعض حديثي، سيسارعون إلى التساؤل: كيف يحدث ذلك؟ وسؤالهم هذا - في حقيقة الأمر - نابع من إغفالهم لأهمية الفلسفة، لا من خطأ في الفكرة ذاتها.

ومهما يكن من أمر، فإنني أرد على المتسائل قائلا: إننا كثيرا ما نسمع أحد رجال الشرطة يقول بثقة: "وضعت خطة متخرّش الميّة حتى وصلت للمجرم." ومن يتأمل هذه العبارة يجدها في حقيقتها تصف عملية استدلال فلسفية متكاملة؛ إذ يبدأ رجل الشرطة بجمع المعطيات (الملاحظات)، ثم يصوغ منها فرضيات، ويختبرها في ضوء الوقائع، ويستبعد الفروض التي لا تصمد أمام الأدلة.

وهذا هو ما نسميه في الفلسفة استخدام العقل بطريقة ناقدة في صورته الأنقى: عقل لا يقبل بالظاهر، بل يفتش في الأعماق، ويزن الأقوال بالأفعال، والنية بالنتيجة.

وبالتالي، إذا تأملنا سير عمل المحقق أو رجل الشرطة، لوجدناه يتبع الخطوات نفسها التي يسير عليها الفيلسوف أو المنطقي:

1-  الملاحظة الدقيقة للوقائع.

2-  صياغة فرضيات تفسيرية متعددة.

3-  اختبار الفرضيات بالأدلة الواقعية والمقارنة بينها.

4-  الوصول إلى استنتاج مبرر، مبني على الترجيح العقلي.

هذه هي المراحل نفسها التي يقوم عليها التفكير الفلسفي الاستدلالي. فالشرطي - من حيث لا يدري - يمارس ما يعرف في الفلسفة بـ"المنهج الاستنباطي" عندما يفسر السلوك بناء على قواعد عامة، و"المنهج الاستقرائي" حين يشرع في بناء قاعدة عامة من خلال تتبع الجزئيات.

ومن ثم يمكننا أن نتعلم من هذا التقاطع أن التفكير الناقد، كما تكشفه هذه المقارنة، ليس نشاطا تجريديا، بل أداة لفهم الواقع واتخاذ القرار السليم. وإن رجل الشرطة الذي يمارس الاستدلال للوصول إلى الحقيقة، والفيلسوف الذي يمارس النقد لاختبار صدق الفكرة، كلاهما يجتهد في خدمة قيمة واحدة: الحقيقة. وإذا كانت الفلسفة قد منحتنا الإطار النظري للتفكير الناقد، فإن التطبيق الميداني في حياة الناس - كعمل رجال الأمن أو القضاء أو الطب وغيرهم - يبرهن على أن الفلسفة حاضرة في تفاصيل الحياة، حتى وإن غابت تسميتها.

لذلك، وفي خاتمة رؤيتي وتأملي الشخصي، أوصي ببعض التوصيات، وأنا على علم تام بأن كثيرا من المؤسسات قد بدأت بالفعل بالاهتمام بالتفكير الناقد منذ فترة؛ غير أني أعيد التأكيد على ضرورة تضمين مهارات التفكير الناقد في التعليم المهني، وخاصة في كليات الشرطة والقانون والإعلام، بحيث يدرك المتدربون أن التفكير العقلي المنظم هو أداة نجاحهم الأساسية. كما أوصي بالربط بين الفلسفة والممارسة العملية في المناهج الجامعية، لتجاوز الصورة النمطية عن الفلسفة بوصفها ترفا ذهنيا، وإبراز بعدها التطبيقي.

وأدعو كذلك إلى تشجيع البحوث البينية التي تربط بين علم الفلسفة ومجالات مثل علم الجريمة والتحليل السلوكي، لإثراء فهمنا لآليات التفكير في الممارسة الواقعية. وأخيرا، ينبغي نشر ثقافة التفكير الناقد في المجتمع عبر الإعلام والتعليم، لترسيخ قيم التريث، والتحقق، واحترام الدليل.

خلاصة القول: إن التفكير الناقد، في جوهره، ليس ملكا للفلاسفة وحدهم، بل هو ملكة إنسانية يعيش بها الإنسان بوصفه كائنا عاقلا حرا. ومن ثم يمكنني القول بكل اطمئنان: إذا كان الفيلسوف يبحث عن الحقيقة في الكتب، فإن رجل الشرطة يبحث عنها في مسرح الجريمة، وكلاهما - في نهاية المطاف - يسيران في طريق واحد، هو المنهج الذي يتبعه العقل في بحثه عن إدراك الحقيقة كما هي (الصدق) ومحاولة فهم مغزى الوجود والأفكار والقيم (المعنى) بوصفهما غاية المعرفة والتفكير الفلسفي.

***

د. علي الخطيب - مصر

 

إن الإستشارة الفلسفية بصيغتها المعاصرة هي تطويع النظريات والمناهج الفلسفية، لمعالجة مشكلات الإنسان والمجتمع المعاصرة، وهي مد يد العون للإنسان المعاصر لتجاوز مشكلاته الفكرية وأزماته الوجودية التي لايستطيع حلها بمفرده،  فيلجا الى مستشار فلسفي ذو خبرة في الفلسفة، ليساعده في إيجاد الحلول المناسبة لها، وهو ممارسة فلسفية تقدم للأفراد والجماعات والمؤسسات والشركات، وإن الإستعانة بالإستشارة الفلسفية هو تحول نحو الحكمة وإرتباطها بالمعنى، والتوجه المستقبلي، ورؤى الحياة، ونطاق الأفكار أو القناعات، وهدف هذا التحول هو مساعدة الإنسان على تطبيق الرؤى  التي يكتسبها عن نفسه  بشكل عملي على الصورة الشاملة لحياته، لدمج كل الرؤى في نظرة متماسكة وعملية للحياة،  تساعده في في تجاوز مشكلاته وعدم الوقوع فيها من جديد، وهي ليست علاحأ للمرضى بل هي علاج للإصحاء الذين يعانون من مشكلات حياتية، فإذا كان جذر مشكلتك فلسفيًا، فلن يمنحك أي دواء في صيدلية راحة دائمة، فالشفاء يتطلب تغيير العالم الخارجي وإطار المعنى، بالإضافة إلى تفسير الأحداث، ويتطلب الشفاء أكثر من مجرد الإنصات والتحدث بتعاطف (التعبير اللفظي)، بل يتضمن أيضًا تغييرات نموذجية وتنمية موقف فلسفي عملي تجاه وضع الإنسان، فبدلًا من الخوض في سؤال: كيف تشعر؟ تطرح الاستشارة الفلسفية الأسئلة التالية: ما هو إطارك لحياة ذات معنى؟ ما المعنى أو الهدف أو القيمة المُتضمنة؟ ما الذي يدفعك لاتخاذ قرار بشأن اتجاه محدد للغاية أو هدف محدد؟ كيف تتخيل النتيجة المحتملة وما هي الخيارات الواقعية؟ ما هي العوامل التي تمنعك من التصرف وفقًا للهدف النهائي؟ ما الذي ترجوه؟، ولا يمكن فصل كل هذه الأسئلة عن سياقها الفلسفي، الذي تحدده مخططات التفسير وأنماط التفكير المختلفة، إن نماذج الإستشارة الفلسفية وطرق الإرشاد الفلسفي المختلفة والمتنوعة، هدفها تطويع الفلسفة لتصبح إسلوب حياة، يساهم في حياة أفضل ويسعى الى وصول الإنسان المعاصر الى الهدوء والسكينة، ويقدم له العون لإكمال حياته والمضي قدماً وتجاوز الأزمات.

يمكن وصف الاستشارة الفلسفية بأنها إهتمام بتعزيز رفاهية الإنسان، وهي تفسير و استقصاء فلسفي ومتسامٍ في نظرية الشخص أو نموذجه أو رؤيته للعالم، وتحديدًا إيجاد حلول للمشكلات الفكرية، والمعاناة الإنسانية وفي هذا يأتي توجهّ الاستشارة الفلسفية بوصفها أسلوبًا لمساعدة الناس على العيش والنظر إلى العالم بواقعية أكثر، ويهدف إلى الجمع بين تطوير إسلوب حياة الشخص بالفعل، وبين طرق الحياة الفلسفية التي يمكن ان يسترشد بها لعلاج ازماته في المجتمع المعاصر من جهة أخرى، جيث إن أهمية الاستشارة الفلسفية  تكمن في الرعاية والعون الذي تستطيع أن تقدمه للإنسان في تجاوز أزماته الفكرية والوجودية، أي  أنها  تساعد الشخص على التدريب على طرق العيش السعيد وهي (النهج المتفائل)، الذي يمنح خيارات لغرس أملٍ حيّ في حياة واقعية من وجهةٍ نظر فلسفية.

إن الإرشاد الفلسفي،  يدعو الى تغيير الإفكار السلبية للإنسان، وتغيير نظرته للحياة، من خلال التركيز على الجوانب الإيجابية، وتطويرها، فهو يدعو الى تغيير الأفكار النمطية، وتحفيز التفكير النقدي الإبداعي، وهو الأسلوب الذي يُفسر به المرء تحديات الحياة  التي يعاني منها ويحاول مواجهتها والتغلب عليها، وفي هذا الصدد يستكشف الإرشاد الفلسفي فن عيش الحياة اليومية بسلام وطمأنينة، واتخاذ القرارات الحكيمة، إن الإرشاد الفلسفي تطبيق عملي لما كان في معظمه مسعى أكاديمي، ورعاية وعلاج لمشكلات الإنسان والمجتمع بطريقة فلسفية معاصرة تهدف إلى التعامل مع ما يُهم الناس فعليًا في حياتهم اليومية، وإعادة ترسيخ النظريات الفلسفية  كأداة مفيدة لممارسة فلسفية أسمى، وهي  فن عيش الحياة بحكمة وإتقان.

***

شيماء هماوندي - أستاذة الفلسفة والعلاج الفلسفي

أربيل/ جامعة صلاح الدين/ كلية الآداب/ قسم الفلسفة

إن تعزيز الثقافة العلمية يعني ترسيخ قيم العلم وأساليبه في نسيج المجتمع، وجعل فهم العلوم متاحاً للجميع. وتساهم الثقافة العلمية في مكافحة المعلومات المضللة، وتساعد الناس على التمييز بين الحقائق القائمة على الأدلة والعلوم الزائفة أو نظريات المؤامرة. كما أنها تساعد المواطنين على اتخاذ قرارات مستنيرة في مجالات مختلفة مثل الصحة والبيئة والتكنولوجيا. إضافةً الي ذلك، فهي تعزز الفضول الفكري وتشجع التفكير النقدي وتُهيئ المواطنين للتعامل بشكل أفضل مع تحديات الحياة.

يمكن نشر الثقافة العلمية بفعالية بطرق متنوعة، مثل استخدام القصص لجعل الأفكار المعقدة مفهومة. كما أن دمج العلوم في الأفلام والألعاب والفنون البصرية يساعد في الوصول إلى جمهور أوسع. وتُعد المحاضرات والمهرجانات والمشاريع العلمية التفاعلية أدوات قيّمة في هذا الصدد أيضًا. علاوة على ذلك، فإن ترجمة الكتب المهمة حول الثقافة العلمية وحياة العلماء الذين حققوا إنجازات علمية كبيرة، مثل نيوتن وأينشتاين وداروين وغيرهم، إلى اللغات المحلية يساعد على تعزيز الاهتمام بالمعرفة العلمية.

إن نشر الثقافة العلمية لا يقتصر على الحقائق فحسب، بل يشمل أيضاً بناء رؤية موضوعيه تُقدّر الأدلة، وتتقبل الشك، وتسعى إلى الحقيقة من خلال البحث عن مصادر المعرفة العلمية والثقافية والفلسفية مع استخدام التحليل النقدي.

إن أفضل الأشخاص لنشر الثقافة العلمية ليسوا العلماء أنفسهم، بل هم الكتاب والمترجمون المتخصصون في نشر المعرفة العلمية وجعل العلوم في متناول الجميع. يلعب المعلمون أيضًا دورًا مهمًا في تشكيل عقول الشباب، وغرس حب الاستكشاف لديهم، وتشجيعهم على استخدام التفكير العلمي في سلوكهم اليومي. أما الصحفيون، فعليهم دمج الثقافة العلمية في الخطاب العام، ومواجهة المعلومات المضللة، وتوضيح الطابع الإنساني في الاكتشافات العلمية.

يلعب الفنانون أيضًا دورًا مهمًا في نشر المعرفة العلمية من خلال الرسوم التوضيحية البسيطة للمفاهيم العلمية المعقدة، والأعمال الدرامية التي تصور حياة العلماء والمفكرين العظماء.

يجب على المثقفين ربط العلم بالفلسفة والأخلاق والتغيير الاجتماعي لما فيه مصلحة الجمهور. وينبغي على السياسيين والمنظمات غير الحكومية ضمان استخدام العلم في عملية صنع القرارت المتعلقة بالصحة والمناخ والتكنولوجيا.

ينبغي استخدام أسلوب لغوي واضح وسهل الفهم عند نشر المعلومات العلمية لبناء الثقة مع الجمهور وإثارة فضولهم. قال عالم الفيزياء الأمريكي ريتشارد فاينمان، المشهور بتدريس الفيزياء بطريقة تأسر الطلاب "تزدهر الثقافة العلمية عندما لا يُنظر إلى المعرفة على أنها مجرد أداة نفعية، بل كبوابة لفهم أعمق للكون".

إن العلاقة بين نشر الثقافة العلمية وتنوير المجتمع عميقة ومؤثرة. لا تقتصر الثقافة العلمية على الحقائق والمعادلات فحسب، بل تشمل أيضًا تنمية عقلية متجذرة في العقل والبرهان والفضول والتفكير الأخلاقي. عندما تتغلغل هذه الثقافة في المجتمع، فإنها ترسي الأساس لشكل حديث من أشكال التنوير. تعمل الثقافة العلمية على تعزيز التنوير المجتمعي من خلال تنمية التفكير النقدي والتشكيك، وتعزيز الاستقلال الفكري، واستبدال الخرافات بالفهم القائم على الأدلة.

تشجع الثقافه العلميه التواضع، والقدرة على التكيف، والتقدم من خلال التصحيح الذاتي. كما توسع الآفاق إلى ما هو أبعد من الرؤى المحلية أو القبلية، نحو وعي عالمي وكوني، وربط المعرفة بالمسؤولية الاخلاقيه.علاوه علي ذلك تؤدي الثقافه العلميه الي دمقرطة المعرفه، وتمكين المواطنين من المشاركة في تشكيل مستقبلهم.

يُوضح التاريخ أهمية الثقافة العلمية وكيف ازدهرت أوروبا تحت تأثير الثورة العلمية بعد أن عانت من التدهور خلال العصور الوسطى، عندما تم قمع البحث الحر بسبب القيود الدينية والاجتماعية. وقد اعتمد رواد عصر التنوير في أوروبا على المبادئ العلمية لتحدي النظام الملكي والسلطة الدينية والظلم الاجتماعي، وشجعوا على استخدام العقل ومقاومة المعلومات المضللة واحتضان التعددية والحرية الفكرية.

من بين أهم الثورات العلمية في التاريخ الأوروبي، نذكر الثورة الكوبرنيكية التي نقلت مركز الكون من الأرض إلى الشمس؛ والثورة الداروينية التي نقلت البشر من قمة ميتافيزيقية إلى موقع عضوي داخل الطبيعة، وان الإنسان ليس مخلوقاً متفرداً في جوهره، بل نتيجة لسلسله من التطورات تشاركه فيها الكائنات الحية الأخرى؛ والثورة الفرويدية التي كشفت عن محدودية قدرة الذات على التحكم في أفعالها وأفكارها. وقد غيّر هذا المنظور مفاهيم الإرادة الحرة والمسؤولية الأخلاقية ومعنى الهوية الإنسانية.

اوضح فيلسوف العلم كارل بوبر ان العلم ليس استقراء بل استنتاج نقدي، أي أننا نصوغ فرضية عامة ثم نختبرها بالتجارب، فإذا صمدت زاد قبولها، وإذا انهارت نستبدلها. وما يميز

العلم عن اللاعلم انه قابل للاختبار والتكذيب بينما التفسيرات الغير علميه مثل التنجيم أو التحليل النفسي غير قابلة للتكذيب، وان معيار العلم ليس "التحقق" بل "القابلية للتكذيب”. العلم عند بوبر ليس عملية تراكم يقيني، بل هو سلسلة من المحاولات الجريئة التي تخضع للنقد والاختبار. وهكذا فإن التقدم العلمي مشروط بالإقرار بإمكانية الخطأ والانفتاح على التصحيح المستمر. وللعلم دور مزدوج: فهو يهدف إلى تفسير الظواهر الطبيعية وايضا التحكم فيها. ويستخدم العلم الرموز والمعادلات كوسيلة لتوصيل المعرفة بدقة.

في الختام، الثقافة العلمية هي محرك التنوير الحديث، فهي لا تقتصر على إنارة العالم فحسب، بل تعلمنا أيضًا كيفية الاستمرار في طرح أسئلة أفضل في عصر تغير المناخ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والتحديات الصحية العالمية.هذه الثقافة ليست ترفاً، بل ضرورة. كما أنها تُظهر أن العلم لا يقتصر على تفسير الظواهر فحسب، بل يغير أيضاً الصورة الذاتية للانسان وتصوره لمكانته في العالم.

والتفكير العلمي كما قال الدكتور خالد منتصر مزعج للأشخاص الكسالى الذين يريدون حلولاً جاهزة تسقط عليهم من السماء، ولكنه مبهج لأولئك الذين يستمتعون بطرح الأسئلة ويسعون جاهدين لصياغتها وحماية من يطرحونها.

***

بقلم استاذ دكتور سامح مرقس

استاذ الاشعه التشخيصية السابق، جامعه شفيلد، انجلترا

 

ان الانسان كثيرا ما ينخدع ببريق المعرفة الشكلية مئات الكتب التي يقرأها او الشهادات الممهورة باختام جامعات عريقة او المكانة الاجتماعية التي يحوزها او المنصب الوظيفي الذي يتكئ عليه غير ان كل هذه المكاسب تظل بلا قيمة حقيقية اذا لم تتحول الى جوهر يغني الروح ويهذب الضمير ويعمق القدرة على التمييز الاخلاقي والمعرفي والشعوري

المعرفة في ذاتها ليست ضمانا للفضيلة بل قد تكون احيانا حجابا يحجب الانسان عن ذاته اذا لم تصقل بالوعي النقدي ولم تصف بالممارسة الاخلاقية فما جدوى عقل واسع الاطلاع ان كان اسيرا لرغباته الضيقة وانفعالاته اللحظية وما نفع ثقافة مترامية الاطراف اذا كانت عاجزة عن تحرير صاحبها من اسر التعصب والانحياز لقناعات مسبقة لا تفعل سوى اعادة انتاج الجهل في صورة اخرى

ان الامتحان الحقيقي لكل ما يراكمه الانسان من معرفة يكمن في مدى قدرته على بناء انسان اكثر عدلا ورحمة اكثر تبصرا وحيادا اقل انقيادا لسطوة الاهواء ومن هنا فان القيمة الاخلاقية والمعرفية لا تستمد من حجم ما نقرأ او ما نمتلك من القاب بل من الكيفية التي تعيد بها هذه المعارف تشكيل وعينا وتهذب بها قدرتنا على الحكم على العالم وتحررنا من ضيق الذات نحو افق الانسانية الرحب

الارتباط بين المعرفة والقيمة الاخلاقية شرطا ضروريا لبناء انسان متوازن يدرك ان المعرفة ليست امتيازا شخصيا يتباهى به بل امانة في عنقه وان الاخلاق ليست شعارات براقة بل ميزان يزن به اختياراته وافعاله. فالمعرفة الحقيقية هي التي تزرع في صاحبها حس المسؤولية والعدل والرحمة والاخلاق الاصيلة هي التي تجعل من العلم جسرا الى خدمة الانسانية لا سلما الي النفوذ والألقاب

واخيرا إن قيمة الإنسان لا تقاس بكم الكتب التي التهمها، ولا بعدد الشهادات الممهورة بختم الجامعات، ولا بارتفاع موقعه الاجتماعي أو لمعان منصبه الوظيفي؛ فكل ذلك يظل أدوات خاوية إذا لم يفضِ إلى جوهر أرقى، يتمثل في القدرة على التمييز الأخلاقي والمعرفي والشعوري

ولهذا تغدو الفلسفة بما هي مشروع نقدي متواصل ليست مجرد ترف عقلي او زخرفة فكرية بل دعوة ملحة لاعادة تعريف انسانيتنا وتذكير دائم بان قيمة الانسان لا تختبر فيما يحفظه بل فيما يصبح عليه.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

ليس من المبالغة القول إنّ سيرة الشيخ محمد عيّاد الطنطاوي تمثّل واحدة من تلك السير التي لا يُدرك معناها إلا بمفعولٍ رجعي؛ إذ لم تعش في وعي زمنها كما تستحق، ولم تُقرأ بعد زمنها كما ينبغي، حتى غدا الرجل ـ على فرط حضوره في البدايات ـ غائباً في نتائج النهايات. ولو أردنا توصيف حاله بمصطلحٍ فلسفي دقيق لقلنا: إنّ التاريخ استخدمه شرطَ إمكانٍ دون أن يمنحه اعتراف النتيجة. والظاهرة حين تُستخدم دون أن تُفهم، تتحوّل إلى مرآة لخلل الوعي الجمعي لا لنقص في صاحبها.

وُلد الطنطاوي سنة 1810م بمدينة طنطا في مصر، ونشأ في بيئةٍ أزهريةٍ مبكّرة، حفظ القرآن صغيراً، وتتلمذ على شيوخ الأزهر حتى تشرّب علوم العربية والفقه والمنطق، في زمنٍ كان يقف على العتبة الفاصلة بين الدولة المملوكية الراحلة ومشروع محمد علي التحديثي. فتكوّن وعيه في لحظةٍ انتقالية لم ينكسر فيها التقليد بعد ولم تكتمل شرعية التجديد، فحمل سمات العالم الكلاسيكي بعقلٍ مفتوحٍ على أسئلة الحداثة.

لكنّ الحدث الذي حوّل مساره من فقيهٍ محلّي إلى مفصلٍ حضاري لم يكن كتابًا ألّفه، بل استدعاءً معرفيًا نادرًا، حين طلبت روسيا من مصر إرسال عالمٍ يعلّم العربية في جامعاتها، في زمن كانت فيه الإمبراطورية تبحث عن الشرق لا لتغزوه بل لتفهمه. فدخل الطنطاوي بطرسبرغ لا بوصفه مبعوث الشرق التائق إلى الاعتراف، بل بوصفه المعلّم الذي تستدعيه قوّةٌ كبرى لتبني من علمه صورة الشرق في وعيها. وبهذا تحوّل من فردٍ في مؤسسة إلى حدثٍ إبستمولوجي يؤشّر إلى لحظة نقلت العرب من موقع المجهول إلى موقع المعلوم في المخيال الأوروبي.

ولم يكن حضوره في روسيا حضوراً فولكلوريًا بلباسٍ ولهجة، بل حضور العالم الذي يحمل منهج الأزهر ذاته إلى فضاءٍ أكاديمي أجنبي. وبذلك كسر الطنطاوي الحلقة التي كانت تجعل الغرب يقرأ الشرق بأدواته هو، فصار الروس يتلقّون العربية من لسان عالمٍ عربيٍ أصيل. ومن زاوية النقد ما بعد الكولونيالي، ومثّل هذا انتقالاً نوعياً، فالمستشرق لم يعد المصدر الوحيد للمعرفة عن الشرق، بل صار يتلقّاها من صاحبها الأول.

غير أنّ هذا الحدث المعرفي لم يترجم ـ في الذاكرة العربية ـ إلى وعيٍ مؤسسي، بل اختُزل في جملةٍ هامشية «أول من درّس العربية في روسيا». وكأنّنا أمام طرافةٍ تاريخية لا بنية تأسيس. وهذه المفارقة تكشف خللاً في وعينا قبل أن تكشف نقصاً في إرثه، فالعرب لم يؤسسوا علماً بذاته لظاهرة الاستعراب الروسي، ولم يقرؤوا تجربته بوصفها تأسيساً لتاريخٍ جديدٍ للمعرفة.

لقد رأى الطنطاوي في اللغة العربية أكثر من نحوٍ وصرف، رأى فيها أداة تكوين أمة، ولهذا لم يكن يعلّم قواعدها بقدر ما كان يعلّم حدودها الحضارية. وعندما ألّف كتابه تحفة الأذكيا في أخبار بلاد روسيا، لم يكتبه بعين الجغرافي أو الرحالة، بل بعين المصلح المقارن، الذي ينقل الخبر لا ليتسلى به القارئ، بل ليضع أمامه مرايا الفارق الحضاري، كيف تُدار الدولة بالعقل والنظام، فيما تكتفي الأمة الإسلامية بخطاب الوعظ والتكرار.

بهذا المعنى كان الطنطاوي واحداً من أوائل الذين أدخلوا إلى العقل العربي فكرة المقارنة الحضارية قبل أن تُنشأ أقسام الأنثروبولوجيا المقارنة بقرنٍ كامل. فالتجديد عنده لم يكن وعظًا داخليًا بل إيقاظًا بالألم الخارجي؛ أن ترى ما عند الآخر فتدرك نقصك أنت. ولذلك يمكن القول إنّ إصلاحه لم يكن إصلاح الخطاب، بل إصلاح المرآة.

ومع كل ذلك بقي الرجل مغمورًا، لأنّه عاش في العتبة، قبل أن تنشأ المدرسة الروسية في الاستعراب، وقبل أن يتبلور وعيٌ عربيٌ قادرٌ على تقويم عمله. فالتاريخ لا يعترف إلا بما يجد له حقلًا نظريًا جاهزًا، فإذا غاب الحقل، دُفنت الظاهرة وبقيت نتائجها. وقد كانت مأساة الطنطاوي أنّ الروس استفادوا من أثره المنهجي، بينما لم يدرك العرب أنّ أحد أبنائهم هو من وضع حجر الأساس.

وكان يمكن له أن يكون اسمًا مؤسِّسًا في الفكر العربي لو أنّ العقل العربي قرأ البدايات قراءةً تأويليةً لا خبرية. لكنّ وعينا التاريخي لا يعترف بالقيمة إلا بعد أن تتجسّد في الآخرين. وهنا مأساة الوعي العربي، أنّه يرى ذاته متأخرةً في مرايا الآخرين.

كتب الطنطاوي روسيا من داخلها، لا من وراء زجاج الاستشراق. لم يكن مبهورًا ولا مبهتًا؛ بل تساءل؛ كيف تُنتج أمةٌ غير مؤمنة نظامًا عقلانيًا متماسكًا، وتعجز أمة مؤمنة عن إنتاج النظام نفسه؟، وكان هذا السؤال عنده جرحًا إبستمولوجيًا، لا يهزّ العقيدة بل يفضح الفجوة بين الإيمان وبنيته العيانية. ولذلك تجاوز وصف روسيا بوصفها الآخر إلى جعلها مِخبرًا للمقارنة لا موضوعًا للتنديد أو الإعجاب.

ومع أنّه لم يقدّم مشروعًا نظريًا مكتملًا، فإنّه قدّم الشرط الضروري لكل مشروع لاحق؛ ففتح الباب ولم يسر فيه. وهذه هي طبيعة الروّاد في منطق التاريخ؛ يضعون المقدّمة ويغيبون قبل اكتمال النتيجة. فالقيمة في مثل هذه التجارب لا تُقاس بما بُني، بل بما جُعل ممكنًا أن يُبنى.

وتكمن القيمة الفلسفية لتجربته في كشفها العلاقة بين المعرفة والقوّة: فالإمبراطورية التي تمتلك القوّة كانت تملك الحساسية لطلب المعرفة، بينما الشرق الذي فقد القوّة فقد معها الحساسية للمعنى. ومن هنا نفهم كيف استدعته روسيا لا لتستعمره بل لتتعلّم منه، وكيف عجز العرب عن استدعاء أمثاله ليتعلّموا من أنفسهم.

وموت الطنطاوي في روسيا لم يكن خاتمة مأساةٍ شخصية، بل إشارة رمزية كثيفة، فالرجل الذي نقل الإسلام والعربية إلى داخل الإمبراطورية لم يعد إلى بلده، كأنّ التاريخ ختَم عليه أن يكون رسول معرفةٍ لا عابر تجربة. فدفنه هناك جعل جسده نفسه جسرًا نهائيًا بين عالمين، ظلّ معلقًا بين الاعتراف والنسيان، بين حضور الفعل وغياب الاسم.

وتُقدّم سيرته اليوم اختبارًا لثلاث قضايا مركزية في فكرنا العربي:

- القضية الأولى: كيف تُصنع صورة الآخر عنا، ومن يملك حق الإمداد الأول بمادتها؟.

- القضية الثانية: كيف يحافظ العالِم، وهو داخل سياق هيمنة، على نقاء تمثيله دون أن يتحوّل إلى أداة دعاية؟.

- القضية الثالثة: لماذا يفقد العرب أسماء روّادهم بينما يحتفظ الآخر بثمراتهم؟.

ففي الأولى نرى أنه كان المادة الأولى التي بُني عليها الاستعراب الروسي، وفي الثانية نلمس نزاهته في تمثيل الإسلام دون تملّقٍ أو تحريف، وفي الثالثة نواجه عجزنا المزمن عن قراءة القيمة في وقتها. فالعرب لم يحتفوا بالرجل لأن أثره لم يكن صاخبًا، بل كان وقائيًا، حيث منع التشوّه قبل وقوعه، وصان صورة الإسلام في لحظة التأسيس. وأثر المنع لا يُرى، ولهذا يُنسى.

ولذلك فإن إعادة كتابة سيرته اليوم ليست عملاً أرشيفياً، بل فعلاً استرداديًا للوعي. فاستعادة اسمه تعني إعادة ترتيب سلسلة الأسباب في تاريخ المعرفة بين الإسلام والغرب؛ إذ لم تدخل روسيا إلى الإسلام عبر مترجمين أو مبشّرين، بل عبر درسٍ أزهريٍ أصيل. وهذه الحقيقة وحدها تكفي لتصحيح موضع العرب في خريطة الوعي الكوني.

وقد مثّل الطنطاوي في عمق تجربته نزاهة الواسطة؛ فلم يجمّل الإسلام ليُرضي المضيف، ولم يُشوّه الغرب ليُرضي الجمهور، بل سلّم المعرفة كما هي، دون وساطة خطابٍ دعوي أو اعتذاري. وهذا الموقف، الذي قد يبدو بسيطًا، هو ما حمى صورة الإسلام من التحريف في لحظةٍ حاسمة. فلو كان أول من درّس العربية في روسيا أقلّ علمًا أو أضعف خُلُقًا، لانحرف مسار الاستعراب الروسي لعقودٍ طويلة.

ومن ثمّ فإنّ قيمته لا تُقاس بعدد طلابه ولا بانتشار كتبه، بل بقدر ما منع من تحريفٍ معرفيٍ مبكّر. فقد كان تأثيره سلبياً بالمعنى الفلسفي لا بالمعنى القيمي، أي أنّه منع الانحراف ولم يُنشئ البناء. لكنّ هذا الدور الوقائي لا يقلّ عظمة عن البناء نفسه، بل قد يسبقه رتبة؛ لأنّه يحفظ إمكان المعرفة من الفساد قبل ظهورها.

وفي ضوء ذلك يصبح الطنطاوي نموذجاً لظاهرةٍ حضارية تتجاوز التاريخ الشخصي، ظاهرة الرائد الذي يعمل قبل أن يُدرك زمانه حاجته إليه، فيُنسى اسمه ويُخلّد أثره في غيره. فالرجل لم ينقل اللغة إلى روسيا فحسب، بل نقل الإسلام من موقع «الموضوع الموصوف» إلى موقع "المصدر المعلِّم"، وهو تحوّل في ترتيب المعرفة لم يُقدّر له أن يُقرأ في حينه.

فكتابة سيرته اليوم ليست احتفاءً بماضٍ منسي، بل محاولة لترميم فجوةٍ في وعينا، وللبرهنة على أن تخلفنا لم يكن يومًا نقصَ رجالٍ بل نقصَ وعيٍ بالرجال. وأنّ الأمم لا تُقاس بما تملك من العلماء، بل بما تملك من قدرةٍ على التعرف إليهم حين يحضرون.

فمحمد عيّاد الطنطاوي شاهدٌ دالّ على أن التاريخ لا يحاسب الأمم على من غاب عنها، بل على عجزها عن رؤيته وهو حاضرٌ فيها. حيث أسّس المعنى وغاب عن السرد، لأنّ السرد العربي لا يرى من الروّاد إلا من يصيحون، بينما يظلّ الصامتون الذين بنوا المعنى في الظلّ، مادةً لاكتشاف متأخّر واعتذارٍ متأخر عن تأخرنا نحن.

***

بقلم: د. بدر الفيومي

 

في اللحظة التي بدأ فيها العالم الغربي يراجع يقينيات الحداثة، ويشكك في مركزية العقل، ويفكك السرديات الكبرى التي حكمت القرون الأخيرة، كان العقل العربي لا يزال يحاول أن يضع قدمه الأولى في طريق لم تُمهد له بعد. تلك الفجوة الزمنية ليست مجرد تأخر تقني أو تفاوت في مستويات التنمية، بل هي في جوهرها فجوة معرفية، فكرية، نفسية، بلغة أدق، فجوة في الوعي التاريخي. ففي حين قطعت المجتمعات الغربية شوطًا في مساءلة الذات والواقع، لا يزال العقل العربي موزعًا بين دهشة الحداثة وخوف الموروث، بين الإعجاب بالنموذج الأوروبي والارتياب منه، بين التعلق بالهوية والخشية من الذوبان، بين الرغبة في التغيير والخوف من الفقد.

ولعل البداية المثلى لهذا التأمل أن نتساءل: ماذا نعني بالحداثة أولًا؟ لقد كانت الحداثة، كما عرفها الغرب، مشروعًا عقلانيًا ضخمًا تأسس على الإيمان بقدرة الإنسان على السيطرة على العالم، وتفسير الظواهر، وإنتاج المعرفة، وفرض النظام. قامت الحداثة على مركزية العقل، وعلى فكرة التقدم، وعلى تجاوز المرجعيات الغيبية لصالح تفسير علمي ومنطقي للوجود. غير أن هذا المشروع، ورغم ما أنجزه من تقدم علمي هائل، حمل في داخله بذور أزماته، إذ أنتج مجتمعات مادية، فردانية، نفعية، وشهد خلال القرن العشرين أكثر الحروب تدميرًا في التاريخ. جاءت ما بعد الحداثة كرد فعل على هذا المسار، لتعلن تفكك السرديات الكبرى، وانهيار المطلقات، وصعود النسبية، والشك، وتفكيك السلطة، سواء كانت دينية أو سياسية أو علمية أو لغوية.

هذا الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة لم يكن مجرد تغير في المصطلحات، بل زلزال فكري ومعرفي أعاد تشكيل الوعي الغربي من جذوره. والسؤال الآن: في أي موقع يقف العقل العربي وسط هذا التحول العنيف؟ الواقع أن الإجابة ليست سهلة، لأنها تقتضي مراجعة صريحة وعميقة لتجربة العقل العربي مع الحداثة نفسها قبل أن نتحدث عن تجاوزها.

إن من يتأمل السياق العربي يجد أن العلاقة مع الحداثة كانت ملتبسة منذ البداية. لم تكن الحداثة لدينا نتاج تطور داخلي طبيعي، بل جاءت غالبًا في صورة استعمارية، أو في صورة تقليد لنماذج جاهزة من الخارج. تلقيناها عبر النخبة المتعلمة، التي كانت معزولة عن البنية التقليدية للمجتمع، فظل التحديث شكليًا، محدودًا، موجهًا من الأعلى، يغير المظاهر ولا يمس الجوهر. لم تُطرح الأسئلة الحداثية في سياقها التاريخي، بل قُدمت كحلول سريعة لأزمات معقدة، وكان من الطبيعي أن يُقابل هذا المسار بالمقاومة، لا لأن المجتمعات العربية ترفض التغيير، بل لأنها لم تشارك في صياغته.

ولذلك بقي العقل العربي في مفترق الطرق، لا هو اندمج في مشروع حداثي أصيل ينبع من داخله، ولا هو احتفظ بمرجعيته التقليدية في صورتها الحية. أصبح العقل مأزومًا، مُشوّشًا، عاجزًا عن اتخاذ موقف واضح، تائهًا بين خطابين: خطاب يرفع لواء العودة إلى الأصول ويُدين الحداثة باعتبارها خيانة للذات، وآخر يتبنى الحداثة دون شروط، ويُدين الماضي باعتباره عائقًا أمام التقدم. كلا الخطابين قاصر، لأنهما لا يعكسان فهمًا حقيقيًا لتعقيدات الواقع، ولا يقدم أحدهما مشروعًا متماسكًا للمستقبل. وهنا يتجلى الإشكال العميق: هل يمكن للعقل العربي أن يتجاوز هذه الثنائية المفرغة؟ وهل يمكنه أن يتموضع بشكل مستقل في زمن ما بعد الحداثة؟

إن ما بعد الحداثة، بتفكيكها للمفاهيم الكبرى، تضع العقل العربي أمام تحدٍ مضاعف. فهو لم ينه بعد جدله مع مفاهيم الحداثة ذاتها مثل التنوير، والعقلانية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، فإذا به يواجه تيارًا جديدًا يُشكك في كل هذه المفاهيم نفسها. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: نحن نواجه نقدًا لحداثة لم نختبرها بالكامل، ونُطالب بتجاوز منظومة فكرية لم نستوعبها بعد، وكأننا نُجبر على مغادرة بيت لم نسكنه أصلًا.

ولذلك فإن تعاملنا مع ما بعد الحداثة كثيرًا ما يكون سطحيًا، انتقائيًا، يقوم على استعارة المصطلحات دون فهم خلفياتها، وعلى تمجيد التفكيك دون بناء، وعلى تسويق الحيرة بدل مساءلتها. في بعض الأوساط الثقافية، أصبح الشك هو الموقف الوحيد، والنقد غاية في ذاته، والفوضى دليلاً على التحرر. لكن هذا النزوع ما هو إلا شكل آخر من الاغتراب، اغتراب عن الذات، وعن المجتمع، وعن الواقع، في لحظة نحن في أمسّ الحاجة فيها إلى تأسيس خطاب نقدي جاد، لا يقع في التبعية ولا ينزلق إلى الفوضى.

لعل أهم ما يجب أن يُقال هنا هو أن الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة لا يعني القطيعة مع كل ما هو عقلاني أو تنويري، بل هو دعوة لإعادة التفكير في الحدود التي رسمتها الحداثة لنفسها. وهذا ما يمكن أن يستفيد منه العقل العربي، بشرط أن يتم التفاعل مع هذه التيارات من موقع الفاعل، لا من موقع المتلقي. لكن هذا الشرط لن يتحقق ما لم يُعِد العقل العربي النظر في أدواته، ومناهجه، ومرجعياته، وما لم يخرج من أسر التقديس، سواء للتراث أو للغرب.

لكي نجيب بصدق عن سؤال أين يقف العقل العربي؟، علينا أن نعترف أولًا بأنه لا يقف في مكان واحد. فالعقل العربي ليس كتلة واحدة، بل هو فسيفساء من المواقف والتوجهات. هناك عقل محافظ، تقليدي، يخشى كل جديد ويقدّس القديم، وهناك عقل تغريبي، منبهر بالغرب إلى حد الذوبان، وهناك عقل نقدي، يحاول أن يشق لنفسه طريقًا ثالثًا، يدمج بين التحديث والأصالة، بين النقد والعمق، بين الشك والإيمان، بين التراث والتجاوز. هذا الأخير، وإن كان أقل حضورًا في المشهد العام، هو الذي نحتاج إلى تقويته، لأنه وحده القادر على التفاعل الخلّاق مع الأسئلة التي تطرحها الحداثة وما بعدها.

العقل العربي، في هذا الزمن المربك، يحتاج إلى شجاعة لا تقل عن تلك التي امتلكها مفكرو النهضة في بدايات القرن الماضي، يوم تجرأوا على مساءلة التراث من داخل المنظومة الثقافية، ويوم طرحوا أسئلة لم يكن المجتمع مستعدًا لها بعد. اليوم، نحن في لحظة أكثر تعقيدًا، تتطلب شجاعة مضاعفة، لأن المساءلة لم تعد تخص الماضي فقط، بل تشمل المستقبل أيضًا. نحن بحاجة إلى عقل لا يكتفي بإعادة إنتاج الخطاب السائد، بل يعمل على خلخلته، وتفكيكه، وإعادة تركيبه، عقل لا يخاف من الحيرة، ولا يهرب من السؤال، ولا يكتفي بإجابات جاهزة تُعيده إلى دائرة الراحة الفكرية.

وإذا كان العقل الغربي قد انتقل إلى ما بعد الحداثة عبر نقد ذاته وتجربته، فإن على العقل العربي أن يخوض تجربته الخاصة، من دون استعجال، ومن دون تقليد، بل بروح نقدية عميقة تتعامل مع التراث والحداثة كمواد أولية لبناء مشروع جديد. مشروع لا يكرر ما مضى، ولا يُقلد ما هو قائم، بل يُبدع من قلب التوتر، ويُصوغ هوية فكرية نابعة من همومه وأسئلته.

ربما يكون السؤال الحقيقي ليس أين يقف العقل العربي، بل إلى أين يريد أن يذهب؟ هذا هو التحدي الذي نواجهه اليوم. ولسنا مضطرين لا إلى العيش في الماضي، ولا إلى الانصهار في الآخر، بل يمكننا أن نختار طريقًا ثالثًا، صعبًا، لكنه ضروري: طريق الوعي، والتأمل، وإعادة البناء.

***

د. عصام البرّام

لقرابة أربعة قرون، كان الاقتصاد العالمي في مسار من التكامل المستمر لم تتمكن حربان عالميتان من إخراجه من مساره. هذه المسيرة الطويلة من العولمة غذّتها الزيادة السريعة في مستويات التجارة الدولية والاستثمار مقترنة بحركة الناس الواسعة عبر الحدود القومية والتغيرات الدراماتيكية في النقل وتكنلوجيا الاتصالات.

طبقا للمؤرخ الاقتصادي برادفورد ديلونج Bradford DeLong، ارتفعت قيمة الاقتصاد العالمي (مقاسة بالسعر الثابت لعام 1990) من 81.7 بليون دولار امريكي عام الى 1650الى 70.3 ترليون دولار امريكي عام 2020 بزيادة 860 ضعفا. الفترات الأكثر كثافة للنمو توافقت مع فترتين عندما كانت التجارة العالمية ترتفع بسرعة: الأولى اثناء "القرن التاسع عشر" بين نهاية الثورة الفرنسية وبداية الحرب العالمية الأولى، ومن ثم عندما اتسع تحرير التجارة بعد الحرب العالمية الثانية، من أعوام الخمسينات الى الازمة المالية العالمية عام 2008.

حاليا هذا المشروع الكبير هو في تراجع. العولمة ليست ميتة لكنها تموت. هل هذا سبب للاحتفال ام للقلق؟ وهل تتغير الصورة مرة أخرى عندما يغادر ترامب البيت الأبيض وتغادر معه تعريفاته الكمركية المقلقة؟ كمراسل اقتصادي للبي بي سي من واشنطن ولفترة طويلة يعتقد ستيف شيفير Steve Schifferes الباحث في مركز بحوث الاقتصاد السياسي في جامعة لندن ان هناك أسباب تاريخية حقيقية للقلق حول مستقبل خال من العولمة – حتى حالما يغادر ترامب منصبه.

التعريفات الكمركية لترامب فاقمت مشاكل العالم الاقتصادية لكنها ليس السبب الأصلي لها. في الحقيقة، اتجاهه يعكس حقيقة كانت تبرز لعدة عقود لكن الإدارات الامريكية السابقة وحكومات أخرى كانت تتحفظ في الإعتراف بها: وهي، انحدار الولايات المتحدة باعتبارها المحرك الاقتصادي الأول للنمو في العالم.

في كل عصر من عصور العولمة منذ أواسط القرن السابع عشر، سعت دولة واحدة لتكون القائد العالمي – تحدد قواعد الاقتصاد العالمي للجميع. في كل حالة، هذه القوة المهيمنة امتلكت القوة العسكرية والسياسية والمالية لفرض تلك القواعد – وأقنعت الدول الأخرى بعدم وجود مسار مفضل للثروة والقوة. لكن الان، وفي ظل انزلاق الولايات المتحدة في عهد ترامب الى الانعزالية، لا توجد قوة أخرى جاهزة لتأخذ مكانها وتحمل الشعلة في المستقبل المنظور. البعض يختار الصين التي تواجه العديد من التحديات الاقتصادية، بما فيها افتقارها لعملة دولية – وكدولة حزب واحد ولا تمتلك تفويضا ديمقراطيا للحصول على القبول كقوة جديدة مهيمنة في العالم.

وبينما أنتجت العولمة دائما العديد من الخاسرين بالإضافة للرابحين – من تجارة العبيد في القرن الثامن عشر الى إزاحة عامل المصنع في غرب وسط أمريكا في القرن العشرين يبيّن التاريخ ان عالما منزوع العولمة ربما اكثر خطورة وسيكون مكانا غير مستقر. المثال الأقرب جاء اثناء سنوات الحروب الداخلية، عندما رفضت الولايات المتحدة ارتداء عباءة العولمة التي تُركت بعد انحدار بريطانيا كقوة مهيمنة في القرن التاسع عشر. في عقدين بدءً من 1919 انحدر العالم الى فوضى اقتصادية وسياسية. انهيار سوق الأسهم وفشل النظام المصرفي العالمي قاد الى بطالة واسعة وزيادة في عدم الاستقرار السياسي، مما خلق ظروفا لصعود الفاشية. التجارة العالمية انكمشت بشدة عندما وضعت الدول حواجز تجارية وبدأت حروب عملة منهزمة ذاتيا في أمل عبثي لإعطاء دفعة لصادرات دولهم، لكن ما حصل هو على عكس ذلك حيث توقف النمو العالمي.

وبعد قرن، اصبح عالمنا المجرد من العولمة هشا مرة أخرى. ولكن لمعرفة ما اذا كان هذا يعني اننا محكوم علينا مستقبل فوضوي وغير مستقر، علينا أولا استكشاف ولادة ونمو والأسباب الكامنة وراء الزوال الوشيك لهذا المشروع العالمي الاستثنائي.

النموذج الفرنسي: المذهب التجاري، النقود والحرب

في أواسط القرن 1600 برزت فرنسا كأقوى قوة في اوربا، وكانت فرنسا هي اول منْ طوّر نظرية شاملة لكيفية عمل الاقتصاد العالمي لمصلحتها. وبعد أربعة قرون، انتعشت عدة مظاهر لـ "التجارية" mercantilism تحت إدارة ترامب، والتي يمكن تسميتها (كيف تسيطر على الاقتصاد العالمي عبر إضعاف منافسيك). نسخة فرنسا للتجارية كانت مرتكزة على فكرة ان الدولة يجب ان تضع عوائق تجارية لتقييد مقدار ما تبيعه الدول الأخرى لها، بينما تدفع بقوة صناعاتها الخاصة لتضمن انها تستلم نقودا (على شكل ذهب) اكثر مما تدفع.

إنجلترا وهولندا تبنّيتا سلفا بعض هذه السياسات التجارية، أسستا مستوطنات حول العالم تدار بواسطة شركات احتكارية قوية سعت الى تحدي واضعاف الإمبراطورية الاسبانية التي ازدهرت بعد الاستحواذ على الذهب والفضة في أمريكا. مقابل هذه الامبراطوريات البحرية، امتلكت الامبراطوريات الأكبر في الشرق مثل الصين والهند الموارد الداخلية لتوليد عوائدها الخاصة، بما يعني ان التجارة الدولية – رغم انتشارها الواسع – لم تكن حاسمة لازدهارها.

لكن فرنسا كانت اول من طبق التجارية منهجيا عبر مجمل سياسات الحكومة – بقيادة وزير المالية القوي جان بابتيست كولبيرت(1661-1683) الذي مُنح سلطات غير مسبوقة لتقوية مالية الدولة الفرنسية في ظل الملك لويس الرابع عشر. اعتقد كولبيرت ان التجارة ستطور خزائن الدولة وتقوي اقتصاد فرنسا بينما تُضعف الدول المنافسة لها:

انه ببساطة، غياب او وفرة النقود لدى الدولة هو الذي يصنع فرقا في قوتها وعظمتها.

وفق رؤية كولبيرت، التجارة لعبة صفرية. كلما زادت فرنسا من فائض التجارة مع الدول الأخرى، كلما زادت سبائك الذهب التي تحصل عليها ويصبح منافسوها أضعف لو حُرموا من الذهب. في ظل إدارة كولبيرت، ابتكرت فرنسا الحمائية وضاعفت الرسوم الكمركية على الواردات ثلاث مرات لكي تجعل السلع الأجنبية باهضة الثمن. وفي نفس الوقت، هو قوّى صناعات فرنسا المحلية عبر تقديم اعانات ومنحها احتكارات. المستعمرات والشركات التجارية للحكومة كانت تأسست لضمان استفادة فرنسا من التجارة المربحة للسلع مثل التوابل والسكر والعبيد.

أشرف كولبيرت على التوسع الفرنسي في الصناعات لتمتد الى مجالات مثل صناعة الأقمشة المطرزة والزجاج، واستيراد الحرفيين المهرة من إيطاليا ومنح هذه الشركات الجديدة احتكارات. هو استثمر كثيرا في البنية التحتية مثل قناة دو ميد وزاد من حجم الاسطول الفرنسي والبحرية التجارية ليتحدى منافسيه بريطانيا وهولندا.

كانت التجارة العالمية في هذا الوقت استغلالية للغاية، تستلزم الاستيلاء القسري على الذهب ومواد الخام الأخرى من أراضي مكتشفة حديثا مثلما كانت تفعل اسبانيا مع مستعمراتها الجديدة في العالم الجديد في أواخر القرن الخامس عشر. ذلك كان يعني أيضا الاستفادة من التجارة في البشر، مع مكاسب ضخمة جرى الاستيلاء عليها وارسالها الى الكاريبي والمستعمرات الأخرى لإنتاج السكر والغلات الأخرى. في هذا العصر من التجارية، قادت الحروب التجارية في الغالب الى حروب واقعية شُنت عبر العالم للسيطرة على طرق التجارة والاستيلاء على المستعمرات. بعد إصلاحات كولبيرت، بدأت فرنسا صراعا طويلا لتحدي الامبراطوريات البحرية المنافسة لها، بينما انخرطت أيضا في حروب الفتح في اوربا القارية. فرنسا في الأساس تمتعت بالنجاح في القرن السابع عشر في كل من الأرض والبحر ضد الهولنديين. لكن في النهاية، لم تكن شركتها المملوكة للدولة في جزر الهند الفرنسية منافسا قويا لمنافسيها الهولنديين والبريطانيين - شركات الهند الشرقية - التي حصدت أرباحا هائلة لمساهميها وحققت عوائد لحكوماتها.

في الحقيقة، ان الأرباح الهائلة التي حققها الهولنديون من تجارة التوابل في الشرق الأقصى يوضح لماذا لم يترددوا بتسليم مستعمرتهم الامريكية الصغيرة مقابل طرد البريطانيين من موقعهم الصغير في جزر التوابل الخاصة بهم والتي تسمى الان اندونيسيا. في عام 1664 اعيدت تسمية ذلك الموقع بـ نيويورك.

وبعد قرن من الصراع، نالت بريطانيا تدريجيا الهيمنة من فرنسا، في الاستيلاء على الهند واجبار منافسيها الكبار التنازل عن كندا عام 1763 بعد حرب السبع سنوات. فرنسا لم تنجح ابدا في مواجهة القوة البحرية البريطانية. الهزيمة المدوية للأساطيل بقيادة هوراشيو نيلسون في بداية القرن التاسع عشر، مترافقة مع هزيمة نابليون في واترلو من جانب تحالف القوى الاوربية رسمت نهاية زمن فرنسا كقوة اوربية مهيمنة.

لكن بينما فشل النموذج الفرنسي للعولمة في النهاية في محاولته السيطرة على الاقتصاد العالمي، ذلك لم يمنع الدول الأخرى – والان الرئيس ترامب – من اعتناق مبادئه.

فرنسا وجدت ان الرسوم الكمركية وحدها لا تكفي لتمويل حروبها ولا النهوض باقتصادها. نسختها الواسعة للتجارية قادت الى حروب لا متناهية انتشرت حول العالم، عندما انتقمت الدول اقتصاديا وعسكريا وحاولت السيطرة على الأقاليم.

لاحقا وبعد اكثر من قرنين، ظهرت نسخة موازية غير مريحة في عهد ترامب وما رافقها من حروب التعرفة الكمركية. انها أيضا تبيّن ان المزيد من الحماية كما اقترحها ترامب سوف لن تكون كافية لانعاش الصناعات الامريكية المحلية.

النموذج البريطاني: تجارة حرة وامبراطورية

ان أيديولوجية التجارة الحرة صيغت لأول مرة من جانب الاقتصادي البريطاني ادم سميث وديفيد ريكاردو مؤسسا الاقتصاد الكلاسيكي. هما جادلا بان التجارة ليست لعبة محصلتها صفر، كما اقترح كولبيرت، وانما كل الدول يمكنها الاستفادة المتبادلة منها. طبقا لكتاب سمث الكلاسيكي، ثروة الأمم 1776: "اذا استطاع البلد الأجنبي تجهيزنا بسلعة ارخص مما نستطيع صنعه بأنفسنا، فمن الأحسن شرائها منه بجزء من منتجاتنا المصنعة، والتي يتم استخدامها بطريقة تجعلنا نتمتع ببعض المزايا".

بريطانيا باعتبارها اول بلد صناعي خلقت في عام 1840 قوة اقتصادية مرتكزة على التكنلوجيا الجديدة لقوة البخار، نظام المصنع، وسكك الحديد. سمث وريكاردو جادلا ضد خلق احتكاريات الدولة للسيطرة على التجارة، واقترحا أقل مستوى من التدخل في الصناعة. منذ ذلك الوقت، أثبتت عقيدة بريطانيا في منافع التجارة الحرة قوتها وانها اكثر استدامة من أي قوة صناعية كبيرة حين تجسدت بعمق في كل من السياسة والخيال الشعبي.

هذا الالتزام الصارم وُلد من الصراع السياسي المرير في أعوام 1840 بين المصنّعين ومالكي الأرض حول قوانين الذرة الحمائية. مالكو الأراضي الذين سيطروا تقليديا على السياسة البريطانية دعموا الضرائب العالية التي حققت لهم المنافع لكن أدت الى أسعار عالية للسلع الرئيسية مثل الخبز. ان الغاء قانون الذرة عام 1846 غيّر راديكاليا السياسة البريطانية، بما يعني تحوّل السلطة الى الطبقات المصنعة – وفي النهاية الى اتحاد طبقتهم العاملة حالما حصلوا على حق التصويت.

في ذلك الوقت، دعوة بريطانيا لحرية التجارة اطلقت العنان لقوتها التصنيعية للسيطرة على السوق العالمي. التجارة الحرة تم تأطيرها كطريقة لرفع مستوى معيشة الفقراء (على النقيض تماما من ادّعاء ترامب انها تؤذي العمال) وامتلكت دعم الطبقة العاملة القوية. عندما طرح المحافظون فكرة التخلي عن التجارة الحرة في الانتخابات العامة عام 1906، عانوا من هزيمة مرة هي الأسوأ الى عام 2024.

بالإضافة الى التجارة، كان العنصر الأساسي في دور بريطانيا كقوة عالمية مهيمنة جديدة هو صعود مدينة لندن كمركز مالي عالمي. العنصر كان احتضان بريطانيا لنظام الذهب الذي وضع عملتها الباوند في قلب النظام الاقتصادي العالمي الجديد عبر ربط قيمته الى كمية ثابتة من الذهب، بما يضمن عدم تغيير قيمته . وهكذا، اصبح الباوند الوسيط العالمي للتبادل.

هذا شجع على تطوير قطاع مصرفي قوي مدعوم من بنك إنجلترا كمقرض ملاذ أخير جدير بالثقة في الازمات المالية. النتيجة كانت طفرة كبيرة في الاستثمار العالمي، فتح مدخلا الى الاسواق الأجنبية لمصلحة الشركات البريطانية والمستثمرين الافراد.

في أواخر القرن التاسع عشر، هيمنت مدينة لندن على الاستثمار المالي العالمي في كل شيء من خطوط السكك الأرجنتينية وصناعة المطاط الماليزية الى مناجم الذهب في جنوب افريقيا. مستوى الذهب اصبح رمزا لقوة بريطانيا في الهيمنة على الاقتصاد العالمي.

ان دعائم الهيمنة البريطانية على الاقتصاد العالمي كانت قطاع تصنيع عالي الفعالية، والالتزام بحرية التجارة لحماية صناعتها في الوصول الى الأسواق العالمية، وقطاع مالي متطور جدا استثمر رأس مال حول العالم وحصد فوائد تنمية اقتصادية عالمية. لكن بريطانيا أيضا لم تتردد باستعمال القوة لفتح الأسواق الأجنبية – مثلا، اثناء حرب الافيون عام 1840، كانت الصين مجبرة لفتح أسواقها للتجارة المرفهة للأفيون من الهند المملوكة لبريطانيا.

وفي نهاية القرن التاسع عشر، دمجت الإمبراطورية البريطانية ربع سكان العالم، وبذلك وفرت مصدرا رخيصا للعمل وضمنت المواد الخام بالإضافة الى سوق كبير للسلع البريطانية المصنعة . لكن ذلك لم يكن كافيا لقادتها الجشعين: بريطانيا أيضا تأكدت ان الصناعات المحلية لم تهدد مصالحها – عبر اضعاف النسيج الهندي مثلا واستغلال العملة الهندية.

في الحقيقة، العولمة في هذا العصر كانت حول الهيمنة على الاقتصاد العالمي من جانب قلة من القوى الاوربية الثرية، بما يعني ان الكثير من التنمية الاقتصادية العالمية اختُزل لحماية مصالح تلك القوى. في ظل الحكم البريطاني بين 1750 و 1900، هبطت حصة الهند من مخرجات الصناعة العالمية من 25% الى 2%.

لكن بالنسبة لأولئك الذين هم في قلب الإمبراطورية البريطانية العالمية الرسمية، مثل مقيمي لندن من الطبقة الوسطى، كان هذا وقتا هادئا – كما أشار الى ذلك الاقتصادي البريطاني جون ما ينرد كنيز:

"بالنسبة للطبقة العليا والوسطى، الحياة مُنحت بأقل كلفة وبأقل ازعاج، راحة وهدوء، ووسائل مريحة تتجاوز نطاق الأثرياء . سكان لندن يمكنهم اجراء طلب عبر التلفون يرتشفون شاي الصباح وهم في السرير، مختلف المنتجات من كل الأرض، يتوقعون تسليمها مبكرا عند عتبة الباب."

نموذج الولايات المتحدة: من الحمائية الى الليبرالية الجديدة

بينما تمتعت بريطانيا بقرن من الهيمنة العالمية، اعتنقت الولايات المتحدة الحمائية لفترة طويلة بعد تأسيسها (عام 1776) اكثر من كل الاقتصادات الغربية الكبرى. ان ادخال التعرفة الكمركية لحماية ودعم الصناعات الامريكية الناشئة جرى تجسيده لأول مرة في عام 1791 من جانب اول وزير خزانة لأمة ناشئة وهو الاسكندر هاملتن – مهاجر كاريبي . حزب اليمين تحت حكم هنري كلاي وخليفته، والحزب الجمهوري، كانوا كلاهما داعمين لهذه السياسة في الشطر الأكبر من القرن التاسع عشر. وحتى عندما نمت الصناعة الامريكية لتطغي على كل الاخرين، احتفظت حكومتها بأعلى الحواجز الكمركية في العالم.

ارتفعت نسبة الكمارك الى 50% في أعوام 1890 بدعم الرئيس وليم ماكينلي، لمساعدة الصناعيين ودفع تقاعد سخي لـ 2 مليون من المحاربين القدماء وعوائلهم - جزء أساسي من ناخبي الجمهوريين. ليس صدفة ان الرئيس ترامب زيّن البيت الأبيض بصورة لهاملتون وكلاي وماكينلي – كلهم داعمون للحمائية والرسوم العالية.

جزئيا، كانت مقاومة أمريكا الطويلة لحرية التجارة لأنها لديها القدرة للحصول على التجهيز الداخلي للمواد الخام اللامحدودة، بينما نمو سكانها السريع المتحفز بالهجرة وفر اسواقا داخلية غذت نموها ولم تواجه منافسة اجنبية.

وفي أواخر القرن التاسع عشر، كانت الولايات المتحدة اكبر منتج للستيل واكبر نظام سكك حديد في العالم وكانت تتحرك بسرعة لاستغلال التكنلوجيا الجديدة للثورة الصناعية الثانية – المرتكزة على الكهرباء ومحرك الوقود والكيمياويات. مع ذلك كان فقط بعد الحرب العالمية الثانية ان تولت الولايات المتحدة دور القوة العظمى العالمية – جزئيا بسبب انها كانت البلد الوحيد على جانبي الحرب التي لم تعان من ضرر كبير في اقتصادها وبنيتها التحتية.

وفي اعقاب التدمير العالمي في اوربا واسيا، كانت هيمنة الولايات المتحدة سياسية وعسكرية وثقافية بالإضافة الى مالية – لكن رؤية الولايات المتحدة لعالم معولم كان فيها اختلاف هام عن سابقتها بريطانيا.

الولايات المتحدة تبنّت اتجاها عالميا مرتكزا كثيرا على القواعد و على خلق منظمات عالمية تضع تعليمات ملزمة وتفتح الأسواق العالمية للتجارة الامريكية والاستثمارات الوليدة. انها أيضا سعت الى السيطرة على النظام الاقتصادي الدولي عبر استبدال الباوند الإسترليني بالدولار الأمريكي في التعاملات العالمية.

خلال أسبوع من دخولها في الحرب العالمية الثانية، وضعت الخطط لتأسيس هيمنة مالية عالمية أمريكية. بدأ وزير الخزانة الأمريكي هنري مورغنتان Henry Morgenthan العمل لتأسيس صندوق للاستقرار بين الحلفاء – قواعد للترتيبات المالية لمابعد الحرب التي تكرس الدولار الأمريكي. هذا قاد الى خلق صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في مؤتمر برتن وودز عام 1944 في نيوهامشير – مؤسسات فرضت الهيمنة بواسطة الولايات المتحدة التي شجعت الدول الأخرى على تبنّي نفس النموذج الاقتصادي سواء في حرية التجارة او المشروع الحر. الدول الحليفة التي كانت في نفس الوقت تجتمع لتأسيس الأمم المتحدة لضمان السلام العالمي، كونها عانت من التأثيرات المدمرة للكساد الكبير والحرب، رحبت بالتزام الولايات المتحدة لصياغة نظام اقتصادي مستقر جديد.

وكاقتصاد هو الأكبر والاقوى، كانت هناك القليل من المقاومة لخطة أمريكا في نظام اقتصادي عالمي جديد وفق صورتها الخاصة. الدافع كان سياسيا بقدر ما هو اقتصادي: الولايات المتحدة ارادت اعطاء منافع اقتصادية لضمان الولاء لتحالفها الأساسي ومواجهة التهديد الشيوعي المتوقع – في تعارض تام مع رؤية ترامب التجارية الحالية بان جميع الدول "تخدع" الولايات المتحدة، وان قدرتها العسكرية تعني انها ليست بحاجة للتحالف.

وبعد ان انتهت الحرب، اصبح الدولار الأمريكي، مرتبطا بالذهب بسعر ثابت 35 دولار لكل اونسة لضمان استقراره، ليلعب دوره كعملة رئيسية للعالم الحر. استُخدم في تعاملات التجارة العالمية وأيضا احتُفظ به في البنوك المركزية كاحتياط عملة معطيا للاقتصاد الأمريكي امتيازا مفرطا. ان القيمة المستقرة للدولار أيضا جعلت من السهل للحكومة الامريكية بيع سندات الخزينة للمستثمرين الأجانب بحيث يمكنها بسهولة اكبر اقتراض النقود وإدارة العجز التجاري مع البلدان الأخرى.

الظروف تهيأت لعصر الهيمنة الامريكية السياسية والمالية والثقافية، حيث شهدت زيادة في المنتجات ذات الاعجاب العالمي مثل ماكدونالد وكوكا كولا بالإضافة الى طابع التسويق الأمريكي في شكل هوليود.

ان رؤية الولايات المتحدة للعولمة كانت أوسع واكثر تدخلا من النموذج البريطاني لحرية التجارة والامبراطورية. بدلا من امتلاك امبراطورية رسمية، ارادت فتح مدخلا لكل العالم الاقتصادي والذي سوف يزود الأسواق العالمية بالمنتجات الامريكية والخدمات.

ان الولايات المتحدة اعتقدت انها بحاجة لمؤسسات اقتصادية عالمية لحراسة هذه القواعد. لكن كما في الحالة البريطانية، منافع العولمة لاتزال غير متساوية. بينما ازدهرت دول اعتنقت النمو المنقاد بالتصدير مثل اليابان وكوريا وألمانيا، نرى دولا أخرى غنية بالموارد لكنها فقيرة برأس المال مثل نيجيريا التي بقيت في الخلف.

من الحلم الى اليأس

مع ان الأسطورة الامريكية نمت باستمرار، لكن في السبعينات اصبح الاقتصاد الأمريكي تحت ضغط متزايد وبالذات من المانيا واليابان الذين تجاوزتا اهوال الحرب وقامتا بتحديث صناعتهما.

الرئيس نيكسون وفي ظل هذه التهديدات والنمو في العجز التجاري، أعلن عام 1971 وبشكل مذهل عن خروج أمريكا من نظام الذهب مما اجبر الدول الأخرى على تحمّل كلفة التكيّف مع ازمة العجز في ميزان المدفوعات الأمريكي عبر إعادة تقييم عملاتها. كان لهذا اثر عميق على النظام المالي العالمي: خلال عقد، معظم العملات الكبرى تخلّت عن سعر الصرف الثابت واستبدلته بنظام عائم، مما انهى اتفاقية برتن وودز لعام 1944.

ان انهاء سعر الصرف الثابت فتح الباب لهيمنة الأسواق المالية financialization على الاقتصاد العالمي، والتوسع الهائل للاستثمار العالمي والاقراض – معظمه بواسطة شركات مالية أمريكية. هذا اعطى دفعا لحركة الليبرالية الجديدة التي سعت لإعادة كتابة قواعد النظام المالي العالمي. في أعوام 1980 و 1990 أصبحت هذه السياسات تُعرف بإجماع واشنطن: وهي مجموعة من القواعد تتضمن فتح الأسواق للاستثمار الأجنبي وتحرير الاعمال والخصخصة التي فُرضت على الاقتصادات النامية في الازمات مقابل استلام مساعدات من منظمات الولايات المتحدة مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

في تلك الاثناء، أدت زيادة الاعتماد على التمويل وقطاعات التكنلوجيا العالية في الولايات المتحدة الى زيادة مستويات اللامساواة وتعميق الاستياء في أجزاء كبيرة من المجتمع الأمريكي. كل من الجمهوريين والديمقراطيين احتضنوا النظام العالمي الجديد، محددين سياسة أمريكية لتفضيل تحالفها المالي العالي التكنلوجيا. في الحقيقة، الديمقراطيون كانوا هم اللاعب الأساسي في إعادة تنظيم القطاع المالي في التسعينات.

في تلك الاثناء، تسارع انحدار الصناعات الامريكية، كما تصاعدت الفجوة بين دخول أولئك في المناطق النائية التي يتركز فيها التصنيع، والمقيمين في المدن الكبرى.

وفي عام 2023، كان ادنى 50% من المواطنين الأمريكيين استلموا فقط 13% من اجمالي الدخل الشخصي، بينما 10%(القمة) استلموا حوالي نصف (47%). فجوة الثروة كانت اكبر، الـ 50% في الأسفل يستلمون فقط 6% من اجمالي الثروة، بينما ثلث (36%) من الثروة يستلمها فقط 1% في القمة. ومنذ عام 1980 الدخل الحقيقي لمن هم اسفل 50% لم ينمو بالكاد لمدة أربعة عقود. النصف السفلي من سكان أمريكا كان يعاني من تصاعد "الموت بسبب اليأس" وهي العبارة التي صاغها الاقتصادي الفائز بجائزة نوبل انجوس ديتون Angus Deaton لوصف نسبة الوفيات العالية من تعاطي المخدرات والانتحار والجريمة بين الشباب من الطبقة العاملة الامريكية. ان ارتفاع تكاليف الإسكان والرعاية الصحية والتعليم الجامعي كله ساهم في المديونية العالية ونمو اللااستقرار المالي. وفي عام 2019، وجدت احدى الدراسات ان ثلثي السكان الذين قدموا طلبا على الإفلاس ذكروا قضايا طبية كسبب رئيسي.

ان انحدار التصنيع الأمريكي تفاقم بعد قبول الصين في منظمة التجارة العالمية، زيادة العجز التجاري الأمريكي وعجز الموازنة. النخب السياسية ورجال الاعمال كانوا يأملون من تلك الحركة ان تفتح أسواق الصين للبضائع الامريكية والاستثمارات، لكن التحديث السريع في الصين جعل صناعتها اكثر تنافسية من نظيرتها الامريكية في عدة حقول.

في النهاية، هذا العصر من التمويل الكثيف للاقتصاد العالمي خلق سلسلة من الازمات المالية المحلية والعالمية، مسببا الضرر لاقتصاديات العديد من دول أمريكا اللاتينية والاقتصادات الاسيوية. هذا بلغ ذروته في ازمة عام 2008 المالية، بفعل الإقراض المتهور من جانب المؤسسات المالية الامريكية. الاقتصاد العالمي اخذ اكثر من عقد للشفاء عندما صارعت دول مع النمو البطيء وانتاجية متدنية والقليل من التجارة قياسا بما قبل الازمة.

الانتقال من سيء الى أسوأ

ان ترامب اول رئيس امريكي حديث يفهم تماما العزلة المؤثرة التي شعر بها العديد من ناخبي الطبقة العاملة الامريكية الذين اعتقدوا انهم تُركوا خارج نمو الاقتصاد الأمريكي الهائل لما بعد الحرب والذي نفع كثيرا الطبقات الوسطى في المناطق الحضرية. اقوى المناصرين لترامب كانوا دائما ناخبين من الطبقة المتوسطة الدنيا من المناطق الحضرية الذين لم يحصلوا على تعليم جامعي. مع ذلك، سياسات ترامب الأساسية سوف لن تحقق لهم الكثير في النهاية. التعريفات الكمركية العالية لحماية الوظائف الامريكية وطرد ملايين المهاجرين غير الشرعيين وتفكيك الحمايات للأقليات عبر فرض برامج التنوع والمساواة والتضمين (DEI)، وخفض جذري لحجم الحكومة ستكون له نتائج اقتصادية سلبية في المستقبل، ومن غير المحتمل جدا إعادة الاقتصاد الأمريكي لموقعه المهيمن السابق.

وقبل وقت طويل من تقلده رئاسة الولايات المتحدة، كره ترامب العجز التجاري الأمريكي الكبير واعتقد ان التعريفات الكمركية ستكون سلاحا أساسيا لضمان استمرار الهيمنة الاقتصادية الامريكية.

الجزء الاخر الهام من ايديولوجيته في (أمريكا أولا) كان رفض الاتفاقات الدولية التي كانت جوهر سياسة أمريكا للعولمة بعد الحرب. في دورته الأولى للرئاسة (ترامب كونه لم يتوقع الفوز) كان غير مستعد للسلطة. لكن في الدورة الثانية أمضت مراكز أبحاث المحافظين سنوات تطرح سياسات مفصلة وحددت الموظفين الرئيسيين الذين يمكنهم تنفيذ تحولا راديكاليا في سياسة الاقتصاد الأمريكي.

وفي ظل حكم ترامب الثاني، رأينا عودة للرؤية التجارية التي تذكّرنا بفرنسا في القرنين السابع عشر والثامن عشر. إعلانه بان الدول التي حققت فائض تجاري مع الولايات المتحدة "كانت تخدع الولايات المتحدة" كان صدى للعقيدة التجارية بان التجارة لعبة صفرية (ما يكسبه طرف يخسره الاخر) بدلا من رؤية القرن العشرين التي صاغتها الولايات المتحدة في ان العولمة تفيد الجميع بصرف النظر عن التوازن الدقيق في التجارة.

ضرائب ترامب وخططه الكمركية التي امتدت لتمنح الاعفاء الضريبي للأغنياء جدا بينما تقلل المنافع للفقراء من خلال قطع المساعدات الاجتماعية والتضخم المندفع بالضرائب، سوف يزيد اللامساواة في الولايات المتحدة.

وفي نفس الوقت، كان تمرير قانون Big Beautiful Bill الذي شرعه الكونغرس يُتوقع ان يضيف 3.5 ترليون دولار لدين الحكومة الامريكية – حتى بعد الخفض في اقسام الحكومة التي ادارها ايلون ماسك والتي فُرضت على العديد من اقسام الإدارة، هذا يضيف ضغطا على سوق سندات الخزانة الامريكية في قلب النظام المالي العالمي، ويرفع تكاليف تمويل العجز الأمريكي الهائل بينما يُضعف تصنيفها الائتماني. ان استمرار هذه السياسات يهدد بإفلاس الولايات المتحدة والذي ستكون له نتائج مدمرة لكل النظام المالي العالمي. مع كل ما يشاع من تعظيم بطولي لترامب ومساعديه، فان سياسته الاقتصادية هي تجسيد للضعف الأمريكي وليس القوة. الرئيس يبدد بسرعة المصداقية الاقتصادية والقناعة التي بنتها الولايات المتحدة في سنوات ما بعد الحرب، بالإضافة الى هيمنتها الثقافية والسياسية. بالنسبة للناس الذين يعيشون في أمريكا وأماكن أخرى، هو يصنع موقفا سيئا واكثر خطورة – بما في ذلك للعديد من أنصاره المتحمسين.

قيل حتى بدون الاضطرابات المجتمعية والاقتصادية لترامب، فان نهاية عصر الهيمنة الامريكية سيحدث حتما. العولمة ليست ميتة لكنها تموت. السؤال المقلق الذي يواجهه الجميع الان، هو ماذا سيحدث بعد.

***

حاتم حميد محسن

........................

The conversation,28 oct 2025, The rise and fall of globalization: the battle to be top dog

* الجزء الثاني من المقال سيكون بعنوان: لماذا سيكون الانهيار المالي العالمي القادم أسوأ بكثير في ظل بقاء الولايات المتحدة على الهامش؟

 

من أبرز الملامح التي تكشف عن البنية الجوهرانية في الفقه الإسلامي التقليدي، هي تشابه موقع المرأة (الزوجة) بموقع العبد في فقه العبودية. هذا التشابه لم يكن دائمًا مقصودًا بوعي، لكون الذهنية حاكمة بشكل غير مدرك للمرء، لكنه تشكّل من خلال العقل الفقهي الذكوري الذي رسّخ مفهوم "الملكية" و"الطاعة" كأساس للعلاقة بين الرجل والمرأة، تمامًا كما استند في فقه الرِّق إلى علاقة "السيد بالعبد".

فالعبد الآبق في الفقه لا تُقبل عباداته ما دام عاصيًا لسيده، لأنه خرج عن طاعته وخالف النظام الذي يضبط العلاقة بين المالك والمملوك. ونجد صدى هذا التصور في فقه الأسرة؛ إذ يُروى في بعض المدوّنات الفقهية أن الزوجة إذا أغضبت زوجها أو خرجت من طاعته، لا تُقبل صلاتها أو عبادتها حتى يرضى عنها، في تشبيه صريح أو ضمني بـ”العبد الآبق”.[1]

هذا الإسقاط المفهومي لم يكن مجرد تشبيه بل تحوّل إلى منظومة قيمية وفقهية، إذ بُنيت أحكام الطاعة الزوجية على منطق “الحق المطلق للزوج”، لا على مبدأ المساواة في الكرامة والمسؤولية. فكما كانت طاعة العبد لسيده واجبًا دينيًا، جعلت طاعة الزوجة لزوجها واجبًا شرعيًا يرتبط بثوابها وعقابها الأخروي، حتى غُيّبت عنها ذاتها المستقلة، وتحولت إلى كيان وظيفي في خدمة الآخر.

وقد تسلّل هذا الفهم من خلال اللغة الفقهية ذاتها؛ فالمفردات التي استُخدمت لوصف العلاقة الزوجية مثل الطاعة، النشوز، الإباحة، التمكين، الاستمتاع، الإذن، الحق في الوطء، كلها تنتمي الحبس، إلى حقل لغوي سلطوي يشبه إلى حدّ بعيد لغة “الملك والعبودية”، وهي استعارة تحمل دلالة أن المرأة مملوكة من جهة الاستمتاع كما العبد مملوك من جهة العمل.

هكذا نُزعت عن المرأة صفة" الفاعل الأخلاقي الحر"، وصارت عبادتها مرتبطة برضا الرجل عنها، كما كانت عبادة العبد مرتبطة برضا سيده. هذا الفهم يعكس تداخلًا بنيويًا بين فقه الأسرة وفقه الرقّ، حيث كلاهما تأسس على منطق “السلطة الأبوية المطلقة” لا على منطق “الكرامة الإنسانية المشتركة”.

لقد أنتجت الجوهرانية في الفقه مفهومًا ساكنًا للإنسان لا يتغير بتغير الزمان، ولذلك ظلت الأحكام التي صيغت في مجتمع عبودي تُطبَّق في عصر انتهت فيه العبودية. فالمرأة التي شُبِّهت في فقه القرون الأولى بالعبد في الطاعة والتسليم، بقيت تحمل أثر هذا التشبيه في فتاوى العصور اللاحقة حتى اليوم، رغم تغيّر مفهوم الإنسان وحقوقه في المنظور الأخلاقي والقانوني الحديث.

من هنا يمكن القول إن الجوهرانية الفقهية أنتجت توازيا بين العبد والزوجة على المستويين:

الأنطولوجي: باعتبارهما كيانين ناقصين تابعين لجوهر أتمّ (السيد/الزوج).

الوظيفي: باعتبار أن كمالهما في الطاعة لا في الحرية، وفي الامتثال لا في الاختيار.[2]

هذا التوازي تسلّل إلى النصوص الفقهية عبر مفاهيم مثل التمكين، الطاعة، الإذن، حق الاستمتاع، النشوز، العصيان، الآبق، الحبس، التي تصف علاقة ذات بطرف مملوك. وهنا تظهر أخطر نتائج الجوهرانية: تحويل العلاقة الزوجية – وهي في أصلها ميثاق تراضٍ ومودة ورحمة – إلى علاقة سلطة وملكية تشبه الرِّقّ.

إن إعادة النظر في هذا التراث الفقهي تتطلب مساءلة عميقة للبنية التي ساوت بين الطاعة والإيمان، وبين الخضوع والعبادة، لأن تحرير المرأة في الفقه لا يتحقق بإصدار فتاوى جديدة فحسب، بل بتحرير المفاهيم التي شبّهت الزوجة بالعبد، والزوج بالسيد. فالعلاقة الزوجية في أصلها علاقة ميثاق، لا عقد تمليك كما يفترض، وعلاقة تكامل روحي، لا علاقة تبعية وجودية.[3]

إذا كان لايُسمح للإنسان شرعا بأقامة علاقة عاطفية بالجنس الآخر الا عبر الزواج، وحين يكون الزواج تراتبي: طائع ومطاع، فقد أُفرغت هذه العلاقة من سبب وجودها وهي الإشباع العاطفي القائم على الحب والشغف، والذي لايتحكم بهما قانون الطاعة والالزام . فالحب أما أن يأتي طواعية أو لايأتي أبدا .

ولذلك، فإنّ ما تُنتجه هذه الصيغة من الزواج الفقهي ليس علاقة حبّ متبادل، بل علاقة وظيفية تُدار بالواجب والحق، في حين يُقصى منها البُعد الشغفي الذي يشكّل جوهر التجربة الإنسانية بين الجنسين.

إن تشابه موقع المرأة في الفقه مع موقع العبد ليس مجرد صدفة، بل هو نتاج رؤية جوهرانية جعلت الطاعة مبدأً أعلى من الكرامة، والملكية أساسًا للعلاقة بين الرجل والمرأة لا المحبة.

ولأن الجوهرانية تفترض ثبات الطبائع، لم يُنظر إلى المرأة بوصفها إنسانًا يتطور ويمتلك إرادة، بل بوصفها طبيعة أنثوية مخلوقة لتُدار !.

***

د. بتول فاروق الحسون

النجف / جامعة الكوفة

.....................

١- اثنانِ لا تُجَاوِزُ صلاتُهما رؤوسَهُما: عَبدٌ أبَقَ من مَواليه حتَّى يرجعَ، وامرأةٌ عصَت زوجَها حتَّى ترجِعَ .

خلاصة حكم المحدث: صحيح

الراوي: عبدالله بن عمر | المحدث: الألباني | المصدر: صحيح الترغيب، الصفحة أو الرقم:1888

 التخريج: أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (3628)، والحاكم (7330)

[2] - ظ: عبد الجبار الرفاعي: أنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، مركز دراسات فلسفة الدين بغداد، ٢٠٢١، ١١٢

[3]- في منهاج الصالحين للسيد الخوئي، المسألة (١٤٠٧)

لا يجوز للزوجة أن تخرج من بيتها بغير إذن زوجها فيما إذا كان خروجها منافيا لحق الاستمتاع بها بل مطلقا على الأحوط فإن خرجت بغير إذنه كانت ناشزا ولا يحرم عليها سائر الأفعال بغير إذن الزوج إلا أن يكون منافيا لحق الاستمتاع.

منذ بدايات الفكر ظلت البشرية تسأل: لماذا تسقط الأشياء إلى الأسفل لا إلى الأعلى؟ ما هي الجاذبية أصلًا؟ لماذا يسبب الجوع الألم وليس الفرح؟ ولماذا توجد حدود لا يقدر العلم على تجاوزها؟

هذه الأسئلة تعبّر عن مفارقة دائمة: كلما كشف العقل سرًّا، وُلد بعده سرّ جديد. ومع ذلك، منذ قرنين، فرضت الحداثة الغربية، ومعها باقي العالم الذي تبنّاها من الصين إلى روسيا، (رؤيةً علموية: أي جعل العلم عقيدة مقدسة) إذ تعتبر أن العلم والعقل البشري هو الإله الجديد، وأن المجهول ليس إلا وقتًا مؤجّلًا. لكن في المقابل، ظلّ تيار فكري عميق يذكّر بأن كل معرفة محدودة، وأن وراء كل قانون لغزًا غيبيا لا يمكن للعقل وحده أن يفسّره.

موقف الثقافة الاوربية عبر التاريخ: ثنائية التيارين المادي والغيبي

انقسم الفكر الأوروبي، منذ بداياته اليونانية الرومانية حتى العصر الحديث، إلى تيارين متعارضين في التعامل مع هذه الاشكالية

أولًا، التيار الميتافيزيقي الغيبي: محدودية العلم والمعرفة البشرية

يرى هذا الاتجاه أن المعرفة البشرية، مهما بلغت، ناقصة ومحدودة، وأن وراء الظواهر قوة أو نظامًا متعاليًا لا يُدرك بالعقل وحده.

ـ سقراط (القرن 5 ق.م): «إني أعلم أني لا أعلم»، شعار الوعي بحدود الإنسان (1).

ـ أفلاطون: ميّز بين عالم الحس المتغيّر وعالم المثل الثابت، ورأى أن المعرفة الحقة لا تُنال بالتجربة بل بالتذكّر والتأمل في الحقائق العليا (2).

ـ أرسطو: اعتبر أن العلم معرفة بالأسباب، لكنه أثبت «المحرّك الأول» الذي يفسّر الوجود ولا يُفسَّر به (3).

ـ الرواقيون وسينيكا: رأوا أن العلم لا يُغني عن الحكمة الأخلاقية ولا يفسّر مصير الروح (4).

ـ في العصور الوسطى، عمّق توما الأكويني هذا الموقف بتأكيده أن العقل يخدم الإيمان ولا يُغنيه (5).

ـ في العصر الحديث، قال إيمانويل كانط إن العقل لا يعرف «الشيء في ذاته»، بل فقط الظواهر (6)

 ـ إسحاق نيوتن، اكد أنه يصف القوانين ولا يفسّر علّة الخلق قائلاً: «لا أضع فرضيات» (7).

ـ في القرن العشرين، حذّر (مارتن هايدغر) من أن التقنية حوّلت الوجود إلى «شيء محسوب» ونسيت معناه (8).

ثانيًا: التيار المادي الطبيعي (العلموي)

يقف هذا الاتجاه على النقيض، إذ يرى أن الإنسان والعلم قادران على كشف كل أسرار الكون دون حاجة إلى قوى متعالية غيبية.

في العصر اليوناني الروماني:

ـ ديموقريطس: اعتبر أن كل شيء يتكوّن من ذرات في فراغ، بلا حاجة إلى إله أو محرّك (9).

ـ أبيقور: قال إن الآلهة موجودة لكنها لا تتدخل في العالم، وإن الطبيعة تفسَّر بذاتها (10).

ـ لوكريتيوس في طبيعة الأشياء: «الطبيعة تعمل وفق الضرورة لا الغاية» (11).

في عصر النهضة والحداثة:

ـ فرنسيس بيكون جعل «المعرفة قوة» تُمكّن الإنسان من السيطرة على الطبيعة (12).

ـ ديكارت رأى أن العقل أساس كل معرفة، وأوغست كونت أعلن أن «المرحلة العلمية» هي نهاية تطور الفكر (13).

ـ مع داروين تحوّل التطور إلى تفسير شامل للإنسان والطبيعة (14)، ثم مع ماركس أصبح التاريخ نفسه خاضعًا لقوانين مادية (15).

ـ في القرن العشرين، اعتبر (ريتشارد دوكنز) و(ستيفن هوكينغ) أن الكون مكتفٍ بذاته، وأن العلم قادر في النهاية على تفسير وجوده دون الحاجة إلى خالق (16).

موقف الثقافة العربية عبر التاريخ: تيار جامع بين دور العقل البشري والاشراف الالهي

في التاريخ القديم لمعتقدات وحضارات شعوب العالم العربي السابقة للحضارة العربية الاسلامية، أي الوقعة عند الضفة الشرقية للبحر المتوسط (من سوريا والعراق مرورا بمصر، حتى قرطاجة والمغرب)، كان يسود كما في باقي العالم الاعتقاد الغيبي المعبر عنه بالاساطير والحكم والحكايات.

لكن منذ القرن الرابع ق. م، بعد (غزو الاسكندر) وسيطرة اليونان على العراق والشام ومصر، اصبحت هذه المنطقة الاولى في العالم بعد اليونان، التي تبنت الفكر التحليلي والفلسفي الممتزج بالرؤية الغيبية الروحية، باسماء مختلفة، مثل (العرفانية: الغنوصية) والهرمزية والمانوية، وغيرها، وقد بلغت ذروتها في  انبثاق (المسيحية) التي جمعت بين: (اقصى الروحانية الالهية الشرقية: معجزات المسيح)، و(اقصى المنطق الشكلاني اليوناني: الكلمة والتثليث).

اما في العصر العربي الاسلامي، فقد بلغ هذا (التيار الجامع: الغيبي ـ العقلاني) اقصى نضجه في الفلسفة والكلام والبرهان والتصوف. وهو مع تنوعه اتفق على الايمان الكامل بدور الله والوحي في المعرفة البشرية والعلم. حتى أكثر الفلاسفة عقلانية مثل (الكندي، الفارابي، ابن سينا، ابن رشد) كانوا يرون أن العقل وسيلة لفهم النظام الإلهي لا بديلاً عنه:

ـ ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا﴾ (سورة الإسراء: 85)، (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) (الحج: 54).

ـ الكندي: «يجب ألا نستحي من استحسان الحقّ واقتناءه من أين أتى» (17).

ـ الفارابي: ميّز بين العلم الطبيعي والعلم الإلهي، فجعل الأول وسيلة لفهم الثاني (18).

ـ ابن الهيثم: «نبتدئ بالبحث والاستقراء حتى نبلغ الحق» (19)، لكنه لم يدّعِ أن التجربة تكشف المطلق.

ـ الغزالي: «ليس الكشف العقلي يبلغ إلى حقيقة الأمور، بل نور يقذفه الله في القلب» (20).

ـ ابن رشد: «الشريعة حق والحكمة حق، ولا يضاد أحدهما الآخر» (21).

ـ ابن خلدون: رأى أن للعلم وظيفة ضمن «العمران»، لكنه لا يتجاوز حدود الطبيعة التي رسمها الله (22).

ومع ذلك، وُجد تيار تأويلي عقلاني مفرط عند بعض المعتزلة، وكذلك لدى (ابو بكر الرازي) الذين قالوا إن العقل قادر على إدراك الخير والشر بذاته. لكنهم لم ينكروا دور الله في العلم والمعرفة، وان العقل هو هبة إلهية للعالم (23). (25). لكن يبقى الاكثر شهرة هو (ابن الراوندي: ت 911م) الذي قال في الزمرد إن الأنبياء «أضرّوا بالعقول»، وإن العقل وحده كافٍ لمعرفة الحقيقة. لكنه بقى فردا معزولا ولم يشكل تيارا او اثرا فكريا واضحا(24).

الفكر العربي في العصر الحديث: يبدو ان الاجتياح الاستعماري والثقافي الغربي للعالم العربي، منذ اواخر الدولة العثمانية، وتشجيع نفوذ التيارات الغربية اليسارية والليبرالية، ادى الى تمزق الهوية الثقافية العربية، وفقدانها خصوصيتها التاريخية الجامعة بين دور العقل البشري والاشراف الالهي. واسوء تعبيرات هذا التمزق، الانقسام الى تيارين متناقضين متحاربين:

ـ التيار الغربي المادي الحداثي بمختلف مسمياته الليبرالية واليسارية. والذي تمكن بدعم غربي مادي علني وخفي من فرض سيطرته على الدول والمجتمعات والاحزاب وعموم المؤسسات الثقافية في العالم العربي.

ـ التيار السلفي الاسلامي، باشكاله الشيعية والسنية والتصوفية، المتعصب والرافض حتى للتراث الفكري والابداعي العربي الاسلامي.

نقد سيطرة التيار العلموي في الغرب المعاصر

كما رأينا، رغم وجود هذان التياران المتعارضان طيلة التاريخ الثقافي الغربي منذ اليونان والرومان حتى الوقت الحالي، الا انه في العصر الحديث ثمة عملية فرض لسيطر التيار العلموي المادي، في الثقافة السائدة والتعليم والاعلام، مع تعتيم مقصود على التيار السماوي، وذلك لغايات عقائدية سلطوية. هذه بعض المقولات الناقدة لهذه الهيمنة، لشخصيات فكرية معروفة، اوربية وعربية:

ـ بول فييرآبند: «العِلمُ إنما هو أيديولوجيا ضمن أيديولوجياتٍ متعددة، وينبغي فصله تمامًا عن الدولة كما فُصِل الدين عن الدولة.» (26).

ـ سي. إس. لويس: «سيظهرُ “مُكيِّفون” مسلّحون بدولةٍ قادرةٍ على كلِّ شيء وبـ“تقنيةٍ علميةٍ لا تُقاوَم”، يَصوغون الأجيالَ كما يشاؤون.» (27).

ـ يورغن هابرماس: ينتقد «الفهمَ العلمويَّ لذات العلم» بوصفه نزعةً تُحوِّل المعرفةَ العلمية إلى إيديولوجيا تُقصي أشكال الفهم الأخرى وتبرّر سلطةَ الخبراء. (28).

ـ هوركهايمر وأدورنو: «عقلُ التنوير حين يتحوّل إلى أداةٍ خالصةٍ للحساب والسيطرة يغدو أيديولوجيا للهيمنة باسم العلم والتقنية.» (29).

ـ جاك إيلول: «النظامُ التكنولوجي يَفرِض منطقَه على المجتمع والإنسان… ويُعيد تشكيلَ الحاجات والأولويات والسلوك اليومي» (30).

ـ أوستن ل. هيوز: «تحوّلت الدعوى القائلة إن العلوم الطبيعية هي الطريقُ الوحيدُ للمعرفة إلى أيديولوجيا.» (31).

ـ عبد الوهاب المسيري: «سطوةُ العلمِ الطبيعيِّ قد قُوِّضت في الغرب، بينما لا يزال بعضنا يتصوّرها المدخلَ الوحيدَ لفهم الإنسان.» (32).

ـ طه عبد الرحمن: ينتقد «الرؤيةَ الأحادية» التي تفصلُ القيمَ عن المعرفة وتؤدلجُ العلمَ ضمن منظورٍ علمانيٍّ يُقصي المتعالي. (33).

***

سليم مطر ـ جنيف

.......................

المصادر

(1) أفلاطون، الاعتذار، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، ص 42.

(2) أفلاطون، الجمهورية، ترجمة فؤاد زكريا، الهيئة المصرية العامة، ص 179.

(3) أرسطو، الميتافيزيقا، ترجمة إسحق عبود، دار الأندلس، ص 15.

(4) سينيكا، الرسائل الأخلاقية إلى لوسيليوس، ترجمة جورج حنين، دار المدى، ص 210.

(5) توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتية، ج 1، دار الفكر المسيحي، ص 31.

(6) إيمانويل كانط، نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة، المركز القومي للترجمة، ص 102.

(7) إسحاق نيوتن، الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية، ترجمة عبد الحميد صبرة، دار النهضة، ص 12.

(8) مارتن هايدغر، السؤال عن التقنية، ترجمة فتحي المسكيني، دار الجمل، ص 21.

(9) أرسطو، الميتافيزيقا، فقرة 985b4–20 (عن ديموقريطس).

(10) أبيقور، رسالة في السعادة، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، ص 15.

(11) لوكريتيوس، في طبيعة الأشياء، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، ص 42.

(12) فرنسيس بيكون، تأملات مقدسة، ترجمة فؤاد زكريا، الهيئة المصرية العامة، ص 95.

(13) أوغست كونت، دروس في الفلسفة الوضعية، ج 1، دار الطليعة، ص 7.

(14) تشارلز داروين، أصل الأنواع، ترجمة إسماعيل مظهر، القاهرة، ص 25.

(15) كارل ماركس، رأس المال، ترجمة فالح عبد الجبار، ج 1، ص 11.

(16) ريتشارد دوكنز، وهم الإله، ترجمة حسان ميخائيل إسحق، ص 19.

(17) الكندي، رسالة في الفلسفة الأولى، تحقيق عبد الرحمن بدوي، القاهرة، ص 103.

(18) الفارابي، إحصاء العلوم، تحقيق عثمان أمين، القاهرة، ص 16.

(19) ابن الهيثم، كتاب المناظر، تحقيق عبد الحميد صبرة، بيروت، ج 1، ص 8.

(20) الغزالي، المنقذ من الضلال، دار المعارف، ص 22.

(21) ابن رشد، فصل المقال، دار الفكر العربي، ص 14.

(22) ابن خلدون، المقدمة، دار الفكر، بيروت، ص 435.

(23) القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، القاهرة، ص 55.

(24) الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، دار المعرفة، ص 86.

تمثل حالة ابن الراوندي نموذجًا لما يُعرف في الدراسات الحديثة بـ «الإلحاد الفردي» أو «الاعتراض الفكري المعزول»، فبرغم طابعه الجدلي وميله إلى انتقاد الأصول الدينية، فإن أفكاره لم تُنتج تيارًا فكريًا مستقلًا، ولم تؤسس مدرسة أو تلاميذ. وقد لاحظ المستشرق الألماني جوزف فان إس، المتخصص في علم الكلام، أن ابن الراوندي «ظل على هامش الجدل اللاهوتي الإسلامي، ولم يحظ فكره بأي امتداد مؤثر».

Theologie und Gesellschaft im 2. und 3. Jahrhundert Hidschra, Bd. 2, S. 628–630.

(25) الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 87.

(26) بول فييرآبند، ضد المنهج، عرض موقع الجزيرة، 15 تموز 2017.

(27) سي. إس. لويس، إلغاء الإنسان، عرض مؤسسة C.S. Lewis Institute.

(28) يورغن هابرماس، دراسات نقد النزعة العلموية، مجلة جامعة دمشق، ملف PDF.

(29) ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، جدل التنوير، عرض الجزيرة الثقافي.

(30) جاك إيلول، المجتمع التكنولوجي، قراءات عربية.

(31) أوستن ل. هيوز، «حماقة العلموية»، The New Atlantis، خريف 2012.

(32) عبد الوهاب المسيري، الثقافة والمنهج، دار الشروق.

(33) طه عبد الرحمن، روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية، المركز الثقافي العربي.

 

منذ أن عرف الإنسان معنى التفكير والشعور، وهو يواجه مأزقاً لا ينتهي، يعيش بين صوتين متناقضين يسكنانه: العقل الذي يدعوه إلى المنطق والحكمة، والقلب الذي يقوده نحو الإحساس والمشاعر. وبين هاتين القوتين المتنازعتين في أعماقه تتشكل التجربة الإنسانية بكل ما فيها من تناقضٍ وتوازنٍ وألمٍ وجمال.

العقل هو أداة الفهم والتحليل والتمييز، به نزن الأمور بميزان المنطق، ونُدرك الصواب من الخطأ. أما القلب، فهو موطن الإحساس، ومنه تنبع المشاعر التي تمنح الحياة معناها الإنساني العميق. لكن المعضلة تبدأ حين ينفصل أحدهما عن الآخر؛ فالعقل بلا مشاعر يجعل الإنسان آلة باردة، والمشاعر بلا منطق تجعله أسير اندفاعٍ أعمى.

لقد تناول الفلاسفة هذا التناقض في رؤاهم منذ القدم، فرأى أفلاطون، أن النفس تتكوّن من ثلاث قوى: العقل والعاطفة والرغبة، وأن التوازن بينها هو مصدر الفضيلة والعدالة في النفس، فحين يسيطر العقل على العاطفة والرغبة بحكمة، يتحقق الانسجام الإنساني.

بينما جعل ديكارت العقلَ جوهر الوجود الإنساني بقوله الشهير: «أنا أفكر، إذن أنا موجود»، فحصر الإنسان في دائرة الفكر المجرد، متغافلًا عن عمق التجربة الوجدانية التي تمنح الفكر روحه.

ثم جاء ديفيد هيوم، ليقلب هذه الفكرة رأسًا على عقب، مؤكدًا أن العقل عبدٌ للعاطفة، وأن قرارات الإنسان لا تصدر عن تفكير منطقي بحت، بل عن انفعالات ورغبات هي التي تحرك إرادته وتوجّه أحكامه.

أما إيمانويل كانط، فقد حاول إيجاد توازن بين الطرفين، فرأى أن العقل يضع القوانين الأخلاقية، بينما العاطفة تمنحها دافعها الإنساني، فبدون الشعور لا قيمة للواجب، وبدون العقل لا معنى للمسؤولية الأخلاقية.

وفي العصر الحديث، رأى ويليام جيمس، مؤسس علم النفس الفلسفي، أن العاطفة ليست نتيجة الفكر، بل هي أصل الفعل، وأن الإنسان يتحرك بدافع شعوره قبل أن يتبنى فكرةً تبرر ذلك الشعور.

أما سبينوزا فكان يرى أن الفرح والحب هما أعلى أشكال الإدراك العقلي، فالعاطفة عنده ليست نقيضًا للعقل، بل نتيجة لفهمٍ أعمق للوجود.

ومن ناحيةٍ روحية، ذهب المتصوفة إلى ما هو أبعد من الفلاسفة العقليين، حين جعلوا القلب مركز الإدراك الأسمى، لأنه يرى بالحدس ما لا يراه العقل بالبرهان. يقول ابن عربي: «للقلب وجوهٌ كثيرة، منها ما يتجه إلى العقل، ومنها ما يتجه إلى الله.»

فالقلب عندهم ليس خصمًا للعقل، بل شريكٌ له في كشف الحقيقة، تمامًا كما يرى الغزالي أن نور القلب إذا اتحد بنور العقل أضاء طريق المعرفة الإلهية، لأن كليهما مظهران من مظاهر النور الإلهي في الإنسان.

إن العلاقة بين العقل والقلب ليست ميدان صراعٍ كما يتوهم البعض، بل هي ساحة تفاعلٍ خلاق، يتبادلان فيها الأدوار ليصنع الإنسان من مجموعهما كينونته الكاملة. فالعقل لا يكتمل إلا حين يمرّ عبر القلب، لأن المعرفة بلا شعور تتحول إلى جفافٍ فكري، والشعور بلا وعي يتحول إلى اندفاعٍ عاطفيٍّ أعمى.

العقل يرسم الطريق بخطوط المنطق والتمييز، بينما القلب يضيء تلك الخطوط بحرارة المعنى وصدق التجربة. فالأول يُرشدنا إلى الاتجاه، والثاني يمنحنا الدافع للعبور. من دون العقل قد نُخطئ الطريق، ومن دون القلب قد لا نجرؤ على السير فيه أصلًا.

حين يتصالح الاثنان داخل الإنسان، يصبح قراره أكثر حكمة، وموقفه أكثر توازنًا، لأن الحكمة الحقيقية ليست في إطفاء العاطفة بالعقل، ولا في تغليب الإحساس على المنطق، بل في خلق انسجامٍ داخلي يجعل كلًّا منهما يُكمل الآخر.

فالحياة لا تحتاج إلى عقلٍ يَحسب فقط، ولا إلى قلبٍ يَندفع فحسب، بل إلى روحٍ تُفكّر بإحساس وتَشعر بوعي.

ومن يصل إلى هذا التوازن النادر، يدرك أن العقل ليس عدوًا للقلب، بل هو بوصلته، وأن القلب ليس عبئًا على العقل، بل هو طاقته التي تمنح للمنطق روحًا، وللوعي حياة.

في حياتنا اليومية، هذا التوازن هو ما يجعلنا أكثر نضجًا واتزانًا.

نحتاج إلى القلب كي نحيا بصدق، وإلى العقل كي نحيا بوعي.

نحب بعقلٍ يحمي، ونفكر بقلبٍ يُلهم.

ومن فقد أحدهما عاش إمّا في برودٍ عقليٍ قاتل كأن آله تُسيره، أو في حرارةٍ عاطفيةٍ تحرقه.

في النهاية يبقى الإنسان كائنًا يتأرجح بين نور العقل ودفء القلب.

فالعقل هو ضوء الطريق، والقلب هو دفء السير فيه، ومن جمع بينهما أدرك معنى أن يكون إنسانًا كامل التوازن، لا حاكمًا بعقله فقط، ولا عبدًا لقلبه وحده.

***

م.م. ندى صباح أسد الله

كلية الآداب - جامعة بغداد

 

قبل أيام معدودات احتدم النقاش حول جنسية عربي فاز بجائز نوبل في الكيمياء، كل مجموعة تدّعي أنه من بني جِلْدتها، لم تكن الجائزة ولا أبحاثه العلمية ولا حيثيات البيئة غير العربية التي منحته عناصر التمكين حتى يسجّل اسمَه العلمُ، يَتسيّد المشهد، وهذا ما وَلَّدَ فِيّ - على غِرار مثيلاته من المواقف - تساؤلا عن الدافع الذي يحرّك مثل هذه الانزياحات في تعاطينا مع الأحداث العالمية من كُنه الحدث إلى نواة الانكفاء على الانتماء، هل لذلك رابطٌ برغبة دفينة في أنْ نضيف لحركة عالم اليوم باعتبارنا فاعلين أيضا لا منفعلين فحسب؟ وهل ما يحرّك مثل هذه الاستماتة هو المساهمة الجادة في خدمة الإنسانية أم هل المحرك الفعلي هو تسجيل حضور وَرَدّ اعتبار باسم انتماءاتنا؟ مع مفارقة أن بعض تلك الانتماءات لا دخل لنا فيها ولا فضل كالعِرق!

أيًا يكن الأمر، فهذا يجرنا إلى سؤال محوري: ماذا يمكن أن نضيف لعالَم اليوم؟!

لا يستهويني الانزلاق إلى هذا السؤال، ولكن أحب أن أوجّه النظر إلى سؤال يسبق السؤال الماضي في الرتبة الوظيفية: هل نون الجماعة للمتكلم في هذا السؤال مشروعةٌ حقا؟

لطالما تساءلتُ عن مشروعية الرغبة الجامحة لشعوب منطقتنا في أَنْ يعترف العالم حين نُقدّم إسهاما علميا أو حضاريا، بقوميّتنا وديانتنا ولغتنا وعِرْقنا وثقافتنا بل وجنسيّتنا وعشيرتنا وقبيلتنا ومنطقتنا، ليتقدّم اسمَنا وإنجازَنا، ونظلُّ نحتفي فَخارا بذلك وكأنّه الأسُّ الذي دار عليه إنجازنا، ولولاه لما جاء الإنجاز ولا راح!

هل الداعي لهذا الهوس هو عقدة نقص ننطوي عليها؛ لإثبات أنّنا بقوميتنا وما ذَكرتُ من تصنيفات لا تمتّ بصلة رئيسة للإنجازات الإنسانية، نمتلك كل المقوّمات لِأَنْ نقدم مثل ما يقدّم غيرنا، بل وبسبب تلك التصنيفات قد حُزْنَا المَزيّة الفُضلى؛ لأننا بسبب أو لآخر ندين لها بالفضل لإنجازنا هذا أو ذاك، زِدْ على ذلك أنه لا بد للعالَم أن يُقِرّ لنا بذلك، لا أعني الإنجاز، بل بما يَمُنّ عليه انتماؤنا إنْ الديني أو القومي أو غيره، ولكننا لا نجد إجابة تحترم العقل للإسهامات العالمية التي يقدمها الآخرون وما زالوا، من غير احتياج لانتسابٍ إلى ما ننتسب إليه! فضلا عن أنهم صنعوا التاريخ الحديث بينما نحن قد أخذنا إجازة تِلو الإجازة في أتون الانقلابات الحضارية!

ما أرمي إليه هل نحن بحاجة حقيقية لِأَنْ نَزُجّ بانتماءاتنا - أيًا كانت - فيما نقدمه من إنجازات للعالَم والإنسانية جمعاء، أكان محتاجا الكيميائي عمر ياغي ليحوز جائزة نوبل لشيء آخر أكثر من اختباراته العلمية؟! ألا يمكن أن نقدم للإنسانية باعتبار صفة واحدة ليس إلا: إنسان، بغضّ النظر عن الانتماء؟!

حين ننزع عنّا هذه النزعة الجنونية لإثبات الذات المشحون بها مخيالُنا الجمعي، فإنه شيء واحد حينذاك يؤرقنا: الإنسانية، باعتبارنا جزءا من كينونتها، وليس سلالة خاصة تمنح هِبات متفرّدة بسبب عرقها النقي الموروث!

عَبثًا أن نسأل: ماذا يمكن أن نضيف لعالَم اليوم؟! وكأنّنا نضفي على إنجازاتنا - ولو على المستوى الضمني - مسحةَ الفضل للجماعة المنتمين إليها، وإنما فليكن سؤالنا: ماذا ينقص إنسانيـــة اليوم؟! وحينها لا نضع وزنا لانتماءاتنا لا من حيث إنها بلا قيمة، وإنما من حيث إننا ننفض عما نقدمه أي علائق لا تمتّ له بأي صلة، فالعلم لا دين له ولا لغة ولا عِرق!

عندما أرجع خطوة للوراء، وأنظر لحركة إنسان اليوم، فأنا أكاد لا أرى غير إنسان يمشي على غير هُدى، مُسايِرا العالَم في اتجاهه الذي ينحوه، مفترضًا أن سبب ذلك هو عدم اكتراث الكثير - خاصة الجماهير المسحوقة - سوى بتأمين لقمة العيش، وأما أولئك الذين وَعُوا الطبقات العميقة مما يجري وكيف يجري، فهم مكبّلو الحَراك، مغلولو التصرف إزاء هذا التسارع الجماعي المخيف، ربّما للهاوية، من يدري؟ لا أحد يدري!

ها نحن أُوْلاء - مثلا - نعيش عصر الذكاء الاصطناعي، مدركين تماما كيف يتغلغل في جميع مفاصل حياتنا بإرادتنا وبغير إرادتنا، بجميله وقبيحه، برَونقه ومثالبه، ولكن هل قرر إنسان اليوم الدخول لهذا المضمار عن وعي حُرّ؟ أم هل كان انجرافه مع التيار؟ وما هي مساحة الفاعلية التي يتحرك فيها إنسان اليوم في تحديد تعاطيه مع أبعاد الذكاء الاصطناعي؟ وهل إنسان اليوم على دراية أو شبه دراية بما سيؤول إليه الأمر في قادم العقود في علاقته مع الذكاء الاصطناعي؟

إنْ كان جانبٌ ما دقيقًا في نظرية المؤامرة، فهو أنه ثَمّة مَنْ يقرر عنّا حقا، ونظنّ تبجّحًا أننا نختار ما نختار بحرية، لكننا - أأقررنا بذلك أم أنكرناه - واقعون تحت موجة اندفاع تشترك فيها الإنسانية جمعاء. ليس تلميحا لضرورة قطع صلتنا عن العالم، والتقوقع في عزلة عنه، والانكفاء على الذات، فهذا يزيد التعقيد ولا يحلّه، فالعالَم يمضي غير عابئٍ بمن يلوذ في الكهوف، وهو إذْ يمضي يجد ألف طريقة ليجرفنا نحوه، ولكن لَفْتَتي هي دعوة للتفكير مَليّا في الأدوار الممكنة التي يجب الاضطلاع بها لوقف هذا المدّ العاتي من الانخراط في هذا العَمَهِ.

وإجابةً عن السؤال، فلعل ما ينقص إنسانيتنا اليوم هو إرادة فردية حرة حقيقية تخلّصه بعيدا عن رِبقة التنويم الجماعي الإنساني، ولفعل ذلك لا بد من إبطاء وتيرتنا، فهذا التسارع المحموم هو ما يوجّه انتباهنا عن غير ما ينبغي أن يتوجّه إليه أصالةً، وينفرط عقد التحكم بزمام أمورنا من بين أصابع أعمارنا من حيث لا نشعر، ولئن كان الحشد أفيون الفرد، فإنّ الفرد هو صمام أمان الحشد! وبمقدور الفرد أن ينقذ الحشد من هذا التدافع اللامسؤول.

لا تروق لي فكرة أن يسكن هواجسَ الفرد السؤالُ الحماسي المستهلَك: كيف أغيّر العالَم؟ وإنما: كيف أحلّ معضلة عدم الاصطفاف مع حركة العالَم المتسارعة غير المسؤولة، بينما أعيش فردانيةً تضيف للإنسانية، فردانية تؤول بعد حين - طال الزمان أم قصُر - إلى عدوى إنسانية مهما كانت ضئيلة، فردانية تُطلّق انتماءاتها لا بمعنى التبرؤ، فَلِكُلٍ الحرية الكاملة في تقرير توجّهاته فيما يملك الاختيار فيه، وإنما بمعنى ألّا يجعلها هُويّة متحجّرة لا تتنفّس فيها الإنسانية إلا بقدر ما تغذّي غرورها بأَناها.

وحينما - حينما فقط - نضع الإنسانية نُصْبَ أعيننا، والفردانية المستقلة - لا المنفصلة - الفَلَك الذي نسبح فيه، فإنّ إنسانية الغد ستكون مختلفة عن إنسانية اليوم، ولن نُتِمّ نقصَنا - بمعنى تلبية الاحتياج لا الكمال - في الغد، إلا إذا اعترفنا بنقص اليوم، والاعتراف أولى خطوات التغيير، والتشخيص يسبق العلاج، وبغير ذلك فما ينقص إنسانية اليوم سيظل ينقص إنسانية الغد، في حلقة تِيْهٍ مُفرغة من الحرية والحياة، وإنْ كنّا نشعر أننا على قيد الحياة!.

***

محمـــد سيـــف

مصر تبتسم من جديد..

في صباح يوم السبت، الأول من نوفمبر 2025، اليوم الذي بدا كأنه فجر جديد لروح مصر، احتشد المصريون عند أطراف محافظة "الجيزة"، لا ليزوروا مبنى جديدا فحسب، بل ليحتفلوا بأنفسهم وبقدرتهم على استحضار التاريخ من عمق الزمن. كان افتتاح المتحف المصري الكبير حدثا يتجاوز الحجر والزخرفة إلى الإنسان نفسه، إذ بدا وكأنه لحظة وعي جماعي تعيد تعريف معنى الانتماء. فالمصريون لم يأتوا ليشاهدوا الآثار، بل ليشهدوا أنفسهم، وليقولوا للعالم إن الحضارة التي صنعت التاريخ لا تزال قادرة على أن تبتسم من جديد.

ومن هذه اللحظة المضيئة انبثقت البهجة بوصفها فعلا وجوديا أكثر من كونها إحساسا عابرا. فحين يقف المصري أمام تمثال صنعته يد أجداده لا يرى الماضي شيئا مضى، بل حقيقة ما زالت تسكن الحاضر. كأنه يقول في صمت مهيب: "ها أنا أشارك في كتابة التاريخ من جديد." وهنا تتجلى الفلسفة كما وصفها "هيدجر" بوصفها وعي الإنسان بوجوده في العالم. تلك الوقفة أمام أثر خالد هي لحظة انكشاف للمعنى، إذ يصبح الفرح نوعا من الإدراك بأن الإنسان كائن صانع للزمن لا محكوم به.

ومن هذا الإدراك يتولد جسر بين الماضي والحاضر؛ فالمتحف لم يكن مجرد افتتاح معماري، بل لقاء بين المصري وتاريخه الممتد آلاف السنين. وكما قال "سارتر" إن الإنسان ليس ما هو بل ما يمكن أن يكونه، بدا هذا اليوم درسا فلسفيا في الإمكان. فالمصريون أدركوا أن التاريخ ليس نصا جامدا، بل مشروعا للحياة يمكن استعادته وتجديده. وحين تتفتح القاعات وتلمع الكنوز الملوكية في ضوء النهار، يشعر الزائر أن الحجر نفسه يتنفس، وأن الزمن القديم يمد يده إلى الحاضر في مصالحة صامتة بين الإنسان وأصله. وإن الفرح هنا ليس بالمشهد وحده، بل بالمعنى الذي يوقظه في الوجدان.

ومن هذا الوعي بالزمن ينبثق بعد آخر للفرح، هو بعده الإنساني العميق. فالابتسامات التي غمرت الوجوه في ذلك اليوم لم تكن مجرد طقس احتفالي، بل كانت فعلا فطريا صادقا خرج من طيبة متجذرة في وجدان المصريين. لقد بدا المشهد وكأنه تأكيد على أن الفرح لا يحتاج إلى تكلّف، لأن أصالته تنبع من الشعور بالمشاركة. وكأن المتحف لم يُبن ليُزار فحسب، بل ليُعاش كرمز للعدالة الثقافية التي تحدث عنها "رولز"؛ فكل فرد شعر أنه جزء من الإنجاز، لا مجرد شاهد عليه، وهكذا تحوّل الفرح إلى فعل انتماء حقيقي، وتجسيد لقدرة المصري على تجاوز الصعاب بالحياة نفسها. ومن هذا الشعور الجماعي تولدت رؤية أعمق للفرح، إذ لم يعد مجرد احتفاء بالماضي، بل وعدًا بالمستقبل.

ومن هذا الإحساس الجمعي الذي كشف عن طيبة المصريين وقدرتهم على تجاوز الصعاب، تولدت رؤية أعمق للفرح، إذ لم تعد البهجة مجرد احتفاء بالماضي، بل وعدا بالمستقبل. ولأن الفرح لا يقف عند لحظة منتهية، امتدت البهجة إلى الغد، وكأن المصريين بضحكاتهم ودهشتهم قالوا إن الحضارة ليست ماضيا يُستعاد، بل مشروعا يُستكمل. لقد تحولت لحظة الافتتاح إلى تمرين على الأمل، فالمتحف لم يكن نهاية لإنجاز معماري، بل بداية لرحلة جديدة في التعليم والبحث والإبداع. وهنا يطل المعنى الذي تحدث عنه "كارل يونغ" في مفهوم "التضامن الرمزي": الذي ينص على أن الإنسان يشعر بأن فرحته الفردية جزء من فرح جمعي أوسع، وأن الفرح حين يُعاش جماعيا يتحول إلى طاقة قادرة على تشكيل المستقبل. وهكذا يصبح الفرح ذاته فعلا حضاريا؛ فهو لا يكتفي بالتعبير عن السرور، بل يفتح أفقا للتجدد، ويدعو إلى مشاركة الوعي لا مجرد المشاركة في الحدث.

ولم يكن التعبير عن الفرح مقتصرا على الشوارع والساحات؛ فقد امتد إلى "الفضاء الرقمي"، حيث غيّر آلاف المصريين صورهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، ووضعوا صور المتحف أو رموز الحضارة الفرعونية تعبيرا عن فخر واعتزاز وامتنان. كان ذلك الفعل البسيط أشبه بإعلان جماعي أن الفرح لا يُقال بالكلمات وحدها، بل يُمارس بالرمز والمشاركة. لقد كانت لحظة رقمية لكنها إنسانية بعمق، إذ امتزجت فيها التقنية بالوجدان، والعاطفة بالوعي، والفعل بالشعور.

وهكذا يتبين لي أن فرحة المصريين بالمتحف لم تكن حدثا ثقافيا فقط، بل "ظاهرة فلسفية" بالمعنى الأعمق للكلمة. فهي لم تعبّر عن لحظة انفعال جماهيري، بل عن "يقظة وجودية جماعية" تذكر الإنسان أن الفرح لا ينبع من امتلاك الأشياء، بل من إدراك ذاته وقدرته على أن يمنح للحياة معنى؛ فالحجارة تُبنى ثم تُنسى، أما الوعي فيظل شاهدا على الإنسان، وعلى قدرته الدائمة على أن ينهض من جديد.

والفلسفة، في هذه اللحظة المصرية النادرة، لم تكن "فكرة أكاديمية"، بل "روحا تسري في الحياة اليومية". فحين يبتسم المصري أمام المتحف، يعلن دون أن يدري أن الفرح أيضا فعل تفكير، وأن الحضارة ليست مجرد ذاكرة، بل وعد بالمستقبل.

ولعل ما يجعل هذه الفرحة مختلفة هو أنها جمعت بين الفكر والعاطفة، بين الجمال والمعنى، بين الزمان والإنسان. لقد عادت مصر لتبتسم من جديد، لا لأن حجرا أزيح أو بابا فُتح، بل لأن روحها القديمة نهضت في شكل حديث لتقول للعالم: "ما زلنا هنا، نصنع الفرح ونفكر فيه."

***

بقلم أ. د. علي محمد عليان عبد الرازق الخطيب

أستاذ ورئيس مجلس قسم الفلسفة- كلية الآداب –جامعة المنيا- مصر

إذا كانت منظومة العادات والقيم في مجتمع ما لا تفضي إلى تحقيق إنسانية الفرد، ولا تعين الجماعة على الرقي والسمو، فإنها لا تعدو أن تكون سلاسل تكبل الروح باسم القداسة، وأغلالا تزين بالأوهام حتى نظنها تيجانا من نور، وهي في جوهرها ظلام كثيف

فليست القداسة في القيم بما ورثت، بل بما تثمره من وعي وعدل وكرامة. وليست العادات شرفا في ذاتها، بل تصبح شرفا حين تنير الطريق إلى الإنسان الحر، لا حين تعيده عبدا لماض متحجر أو تقاليد عمياء. إن ما لا ينبت في الإنسان حرية التفكير، ولا يزرع فيه احترام المختلف، ولا يدفعه إلى الإبداع والبناء، فليس من القيم في شيء، وإن تلي في خطب، وتغنى به في المحافل

إن المجتمعات التي تقدس عاداتها دون مساءلة، تشبه من يحرس سجنه بإخلاص، ويعلق مفاتيح حريته على الجدار تذكارا. فالتقاليد حين تصبح أثقل من الإنسان، تفقد معناها، وتتحول من إطار للحياة إلى جدار يفصلها عنها. وما لم يجرؤ المجتمع على نقد ذاته، وتمزيق أقنعته الموروثة، فلن يولد فيه الإنسان الجديد، بل سيظل أسير الأطلال يتغنى بالماضي ويخشى الفجر

واعتقد ان القيم التي لا تخلق فينا القدرة على الحرية، ولا تزرع فينا شجاعة الرفض، ليست إلا مرايا مكسورة تعكس ماضيا ميتا. فليست الغاية أن نحمل القيم كأثقال مقدسة على ظهورنا، بل أن نجعلها جناحين نحلق بهما نحو إنسان أرقى، ووعي أصفى. لأن القيمة التي لا تنتمي إلى المستقبل، ليست إلا قيدا آخر صاغه الماضي بيد من ذهب ليخدعنا ببريقه.

إن القيم الحقة هي التي تربي فينا ضميرا حيا، لا طاعة صماء، وتغرس فينا الشجاعة على التساؤل، لا الخضوع للتكرار. وحين نفهم أن الكرامة الإنسانية هي المعيار الأعلى لكل منظومة أخلاقية، سندرك أن كثيرا مما اعتبرناه مقدسا لم يكن سوى خوف متوار في ثياب الحكمة. الإنسان الحر لا يسكن في العادة، بل في السؤال. إنه الكائن الذي يعيد ترتيب العالم في ذهنه كل يوم، لأنه يعرف أن الحقيقة لا تورث، بل تكتشف.

فلتكن قيمنا نابعة من إنسانيتنا، لا من رهبتنا. ولتكن عاداتنا جسورا نعبر بها إلى الغد، لا قيودا تربطنا بالأمس. إذ لا قداسة لما يطفئ نور العقل، ولا مجد لما يحطم روح الإنسان ووعيه  فالقداسة التي لا تلد الحرية ليست قداسة، والفضيلة التي لا توقظ الفكر ليست فضيلة.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

على المستوى الأيدلوجي والمعرفي في العالم العربي، ثمة نقاش حقيقي وجدي حول موقع الدين في الحياة العامة.. والذي يثير هذا النقاش ويعطيه طابع الجدية والحيوية هو وجود مجموعات بشرية في الحياة العامة العربية والإسلامية، تحمل شعار ومشروع الإسلام، وترتب مواقفها من الآخرين على ضوء بعدها أو قربها من الالتزام بالإسلام.. والمقصود بالالتزام هنا تبني المشروع السياسي والحركي لهذه الجماعات.. ومن الأهمية في هذا السياق أن نفرق بين الإسلام كدين وتشريعات سماوية، وكدين يدين به كل العرب إما اعتقادات أو ثقافة.. بمعنى أن الإنسان العربي المسلم، لا يمكن إخراجه من ربقة الإسلام، حتى لو لم يكن مؤمنا بالمشروع السياسي للإسلاميين.. كما أن المسيحيين العرب هم على المستوى الثقافي والحضاري مسلمون.. لذلك نتمكن من القول: أن كل العرب من المسلمين على النحوين المذكورين أعلاه.. وفي المقابل أو من ضمن هؤلاء ثمة وجودات متمايزة على مستوى القول والفعل تتبنى رؤية خاصة بالإسلام وتبني مشروعا سياسيا على ضوء مرجعية الإسلام..

 فليس كل المسلمون من جماعات الإسلام السياسي... ولا يمكن أن تقوم جماعات الإسلام السياسي من سلب الإسلام من كل العرب والمسلمين..

إننا نعتقد أن ه ذا التفريق المعرفي والاجتماعي ضروري على المستوى المنهجي والإجرائي، حتى لا يتحول الإسلام كدين إلى موضوع للمزايدة أو التراشق السياسي والاجتماعي والذي يساهم في إيجاد حالة الارتباك وبعض الاحتكاك في هذا السياق هو أن بنية المجتمعات العربية والإسلامية، لا يمكن أن تستغني عن الدين وقيمه في حياتها المختلفة. ولكن في ذات الوقت الذي نقر بأنه لا يمكن الاستغناء عن الدين ومبادئه في حياة العرب والمسلمين، وفي ذات الوقت نرى أن حضور الجماعات الإسلامية في الدولة انطلاقا من مشروعها الأيدلوجي و السياسي، أبان عن انقسامات عميقة في واقع الاجتماع العربي والإسلامي. لأن الجماعات الأيدلوجية بصرف النظر عن طبيعة وجوهر هذه الأيدلوجيا، هي نزاعة إلى استخدام مقدرات الدولة والسلطة لتعميم أيدلوجيتها وإدخال الآخرين المختلفين والمغايرين فيها.

و لكون هذه الجماعات وصلت إلى السلطة، فإنها استخدمت كل مقدرات الدولة والسلطة لتعميم أيدلوجيتها. وهذا بطبيعة الحال يقتضي الاندفاع باتجاه الهيمنة على كل المواقع والمناصب السيادية والسياسية، حتى يتسنى لها تنفيذ أجنداتها الأيديولوجية، ومن جهة أخرى حتى لا يتمكن الخصوم من العودة إلى الدولة والسيطرة عليها مجددا.

و هذه الاستراتيجية ستفرض على الجماعات الإسلامية تقديم أهل الثقة على أهل الكفاءة في تحمل المسؤوليات الوطنية الكبرى، مما يفضي إلى ارتكاب أخطاء وخطايا تزيد من اللا ثقة بين مجموع القوى والمكونات السياسية وهذا بدوره يفضي إلى المزيد من تشبث أهل السلطة الجديدة بسلطتهم في ظل واقع سياسي واجتماعي واقتصادي، يتطلب معالجات وحلول سريعة، لا تمتلك هذه الجماعات القدرة على إنجاز هذه الحلول. فتكون النتيجة الطبيعية نخبة أيدلوجية سياسية جديدة، تتمحور حول السلطة وتسعى إلى إدارتها، دون امتلاك كل مراكز القوى في هذه المؤسسة. ومجتمع بكل فئاته ينتظر حلول سحرية وسريعة لإخراجه من أزماته الأمنية والمعيشية والتنموية والسياسية والاقتصادية، وقوى سياسية شريكة للنخبة السياسية السائدة حديثا في مرحلة النضال السلبي، إلا أنها مستبعدة من شؤون الحكم والسلطة الجديدة.

و مع كل هذه القوى، ثمة قوى أخرى تنتمي إلى مؤسسات الدولة العميقة، تعمل بخبرتها ودهاءها وارتباطاتها وتحالفها الداخلية والخارجية، لإيقاف عجلة التغيير والإصلاح. في ظل هذه الأوضاع المتداخلة والمتشابكة في كل شيء، تأتي خطايا الجماعات الأيدلوجية الحاكمة حديثا دون امتلاك كل أدوات الحكم الفعلي، لكي توفر الغطاء أو المناسبة للعمل على إعادة وإنتاج الأنظمة الشمولية الاستبدادية بأسماء جديدة ومسوغات لها ما يؤيدها في الواقع الشعبي، من جراء اندفاع الأمور صوب إما خيار الفوضى والآمال المحطمة والخلافات السياسية والأيديولوجية التي لاتنتهي بين أطراف القوى السياسية الجديدة، أو خيار الأمن وإخراج الدولة ومؤسساتها من الفوضى التي بدأت تبرز في كل هياكلها ومؤسساتها. ولا ريب أن تقديم الأمن على الحرية، يفضي على المستوى العملي إلى عودة النخب السياسية والأمنية السابقة لسدة الحكم بزخم شعبي لاقى الويلات من الفوضى وآثارها المختلفة.

من هنا فإننا نرى وعلى ضوء متغيرات الساحة المصرية وإخراج النخبة السياسية الجديدة بفعل نزعة الاستحواذ والخطايا الكبرى التي ارتكبتها النخبة السياسية الجديدة، أن هذه المتغيرات أنهت إلى حد بعيد إمكانية وصول جماعات إسلامية أيدلوجية إلى السلطة في العالم العربي مجددا. وعلى كل حال من الضروري القول : إن المسالة الدينية بكل عناوينها وهواجسها، أضحت اليوم من المسائل الهامة والحيوية، والتي تحتاج إلى نقاشات عميقة ومستفيضة للوصول إلى توافقات أهلية حولها. وف هذا الإطار نود التأكيد على النقاط التالية:

1-  تعلم من التجارب السياسية والمعرفية في الفضاء العربي، إن الخيارات التي تؤسس إلى علاقة عدائية وصدامية ومتوحشة مع المسالة الدينية بكل عناوينها، لن تتمكن هذه الخيارات من انجاز مشروع النهضة والتقدم، فلا نهضة فعلية في كل البدان الإسلامية في ظل خيار عدائي للدين وقيمه، لأن هذا الخيار يؤسس لخلق المناخ والشروط الذاتية للاحتراب الداخلي بين فئات وشرائح المجتمع

2-  إن ترك الجماعات العنفية والتكفيرية تختطف الإسلام وتمارس أعمالها الإرهابية باسم الإسلام وتشريعاته، سيلقي بظله الثقيل على راهن العرب والمسلمين ومستقبلهم.لان ترك هذه الجماعات تمارس أفعالها الإرهابية والعنفية باسم الإسلام، سيخلق متواليات ثقافية واجتماعية خطيرة تهدد استقرار مجتمعاتنا وأمنها الذاتي والثقاف والحضاري.

3-إن ثروات الإسلام وكنوزه المعرفية والثقافية والإنسانية وبحاجة باستمرار إلى جهود علمية لتظهيرها وإبرازها، حتى تتمكن الرؤى والمعالجات الإسلامية من مواكبة العصر والحضارة الحديثة، وتقدي إجابات نوعية على ضوء هدى الإسلام تفيد الانسان ف راهنه ومستقبله.

***

محمد محفوظ

الوعي والحقيقة: رحلة في صرح الخفاء والظاهر

أيها القارئ، توقف قليلًا، وانظر داخل نفسك قبل أن تشرع في قراءة هذه الكلمات. فكل ما تعتقد أنك تعرفه عن وعيك، عن إدراكك، عن نفسك، ليس إلا وهماً متلألئاً يخفي خلفه صرحًا من الظلال والنور، صرحًا يمتدّ بين الخفاء والظاهر، بين ما تدركه وما يهرب منك، بين ما تعلن عنه روحك وما يخفيه الفكر. لقد اعتقد الإنسان منذ فجر وعيه أنه مفكر، وأن عقله نور يضيء له الطريق، لكنه في الحقيقة يظل سجّان نفسه، يقيّد ذاته بأوهام متراكمة، ويزين قيوده بخيوط براقة من المعرفة والفلسفة والدين. الوعي، الذي ظنّه البشر وسيلة للحرية، ليس سوى آلة دقيقة لصناعة عبيد لأنفسهم، وكل فكرة تراها صادقة هي جدار إضافي في صرح الخفاء والظاهر. إن العقل والروح هنا في رقصة مستمرة، رقصة الظل والنور، حيث كل فكرة وكل شعور وكل إدراك يحمل في طياته مرآة للذات، وساحة للاختبار الروحي. الفكر لا يكون نافذة على الحقيقة إلا حين يتحرر من قيوده الذاتية والاجتماعية، والروح لا تكون مرشداً إلا حين تتماهي مع السر الأعظم، مع الوحدة بين الظل والنور، حيث لا حدود للمعرفة ولا قيود للوجود. الحرية التي يحلم بها الإنسان منذ طفولته هي وهم معلق بين القضبان، والوعي الذي يفتخر به هو السجان الأكثر دقة لنفسه. كل محاولة لفهم الذات، وكل بحث عن الحقيقة، ليس إلا صدى لعصور من الضلال المنظم، وكل معرفة أو فلسفة أو علم أو مبدأ أخلاقي ما هي إلا طبقة جديدة على صرح السجن الداخلي، تُزيّنه بألوان براقة، لتوهم الإنسان أنه حر، بينما هو أسير وهمه. أيها القارئ، هناك فراغ خلف كل فكرة، وراء كل شعور، وخلف كل قرار تتخذه. ذلك الفراغ هو الحقيقة المخبأة، السر الذي أخفاه الإنسان عن نفسه، والوعي الذي ظن أنه نور، هو في الواقع الظلام الأعمق. الفكر والروح، الظل والنور، هما بوابة هذا الصرح، رقصة مستمرة تكشف لك أن الحقيقة ليست وجهة، بل رحلة بلا نهاية، وأن كل إدراك جديد يولد معه سؤال أعظم، وكل شعور نقي يحفر فيك البعد الأكبر للوجود. وهكذا يصبح الإنسان شاهداً على نفسه، على كل أوهام وعيه، وعلى كل خياناته الداخلية، حيث يكتشف أن الحرية ليست امتلاك قرار، ولا إدراك كل الظواهر، بل القدرة على تجاوز كل وعي وكل فكرة، على التحليق فوق الصرح الذي يضم الخفاء والظاهر، على التحرر من قيود الفكر والروح معاً. واقول حين يظن الإنسان أنه يكتشف ذاته، يكون في الحقيقة قد غرق في وهمه، وقد أصبح الصرح نفسه هو الحياة، والمفتاح وهم الحرية. بعد أن تأملت في صرح الخفاء والظاهر، يبرز أمامك سؤال محوري: هل الوعي ملكك أم أنه مجرد انعكاس لما يُغذّيه العالم من حولك؟. فالفكر الذي تعتقد أنه إبداعك، والقرار الذي تصوّره اختيارك الحر، ليسا إلا نوايا مستعارة، انعكاسات لأصوات المجتمع، للتقاليد، للغة، وللذاكرة الجمعية التي تشكّل وعينا قبل أن نفهم أنفسنا. الوعي إذن ليس كياناً منفصلاً، بل صرح مركب من تراكب الظلال والنور، من تداخل الذات بالآخر، ومن خيوط الخفاء التي تتحكم بصمت في مسار الفكر. في هذه الرقصة الغامضة بين الظل والنور، نجد أن الخيانة ليست خطأ أو صراعاً أخلاقياً فحسب، بل هي وظيفة أساسية للوعي ذاته. فالوعي يخون ذاته حين يظن أنه يعي الحقيقة، حين يصدق الأوهام التي ينسجها العقل أو التي يفرضها المجتمع. هذه الخيانة، رغم ألمها، هي المعلم الأعظم: إذ تكشف لك أن كل إدراك جديد ليس اكتشافاً، بل إعادة ترتيب لما اعتدت أن تصدقه، وأن الحقيقة لا تُفهم إلا حين تتجاوز كل محاولات التملك. أما الفكر والروح، فهما رقصة مستمرة، رقصة الظل والنور، حيث الفكر يرنو نحو المعرفة ويغرق في الأوهام، بينما الروح تصطف مع السر الأعظم، مع الوحدة الداخلية التي تجمع بين الخفاء والظاهر. الفكر يبحث عن الحدود، الروح تذوب في اللاحدود؛ الفكر يراقب، الروح تحيا؛ الفكر يقيم القوانين، الروح تحطمها. هنا تكمن صعوبة هذه الرحلة: أن تراقب نفسك وأنت في قلب وهمك، أن تشهد على خيانات وعيك بينما تتقدم نحو ما وراءه. وإذا تساءلت عن الحرية في هذا الصرح، فأعلم أنها ليست امتلاك قرار أو معرفة مطلقة، بل القدرة على الانفصال عن كل وعي محدود، عن كل فكرة متعالية، عن كل شعور متملّك. الحرية هي تجاوز الوعي ذاته، هي المرور من مرآة النفس إلى الفراغ الذي خلفها، حيث لا يقودك العقل، ولا يملأك الفكر، ولا يسجن الروح. هناك، عند حافة الظل والنور، يظهر السر الأعظم: وحدة كل شيء، وأن الظل لا معنى له بلا نور، وأن الظلام لا يكشف إلا ما يختبئ خلفه النور.

إن هذه الرحلة لا تنتهي، فهي صرح ممتد بلا حدود، وكل خطوة فيه تكشف أن الحقيقة ليست وجهة، بل حركة مستمرة، رقص دائم بين الإدراك والجهل، بين الظاهر والخفاء، بين ما نراه وما لا نستطيع رؤيته. وكلما ازددت وعيًا، اكتشفت أنك مجرد شاهد على لعبٍ أبدي، وأن كل إدراك جديد يولد سؤالًا أعمق، وكل شعور نقي يفتح أبواب المجهول أمامك. في نهاية هذه المرحلة من الرحلة، يصبح الإنسان مدركًا أن الوعي والحقيقة ليسا شيئًا يمكن امتلاكه أو تثبيته، بل رحلة في صرح الخفاء والظاهر، صرخة صامتة ما بين الظل والنور، حيث كل اكتشاف هو بداية لسؤال جديد، وكل معرفة هي بوابة لما وراء المعرفة. وفي هذه البوابة، حيث يلتقي الفكر بالروح، ويختلط الظل بالنور، يكون الإنسان قد بدأ يفهم أن الحقيقة ليست ما تراه العين أو يختبره العقل، بل ما يختبئ في صمت الروح، خلف كل خدعة وعين مفتوحة على سر الحياة الأعظم. لكن عندما افكر واكتب احد مقال اقول ليس الوعي الذي يظنه الإنسان نورًا، بل الظل ذاته، والحرية ليست امتلاك قرار، بل القدرة على تجاوز كل قرار، على التحليق فوق صرح الخفاء والظاهر، لتصبح شاهداً بلا قيود، حيًّا بلا امتلاك، حرًّا بلا وهم. حين تتجاوز الظل والنور، وعندما يزداد وعينا بحجم خداع العقل لنفسه، يظهر السر الأعظم، ذلك الذي لا يُقال ولا يُفهم بالعقل وحده، بل يُحس بالروح قبل الفكر. السر الأعظم ليس حقيقة يمكن أن تُثبت، بل شعور، لحظة من الانصهار التام بين كل ما هو ظاهر وما هو خفي. إنه النقطة التي يلتقي فيها كل تضاد، حيث يذوب الفكر في الروح، والوعي في اللاوعي، والزمان في الأزل، والمكان في اللانهائي. في هذا العبور ما وراء العقل، لا تكون المعرفة ملكًا لك، ولا يصبح القرار اختيارًا، بل كل شيء يصبح مرآة: مرآة تصرخ لك أن ما تظنه حقيقياً ليس إلا انعكاسًا، وأن كل اكتشاف هو بداية لإخفاء أعظم. هنا يدرك الإنسان أن الصمت ليس غيابًا، وأن الفراغ ليس نقصًا، بل مساحة تنكشف فيها الحقيقة على شكلها الأسمى: وحدة كل الأشياء في نسيج واحد، حيث الظل والنور ليسا متناقضين بل متكاملين، والحياة والموت ليسا مفصولين بل حلقة مستمرة من التجلي الروحي. وفي عبور ما وراء العقل، يتعلم الإنسان أن الحرية المطلقة ليست الانفصال عن كل شيء فحسب، بل القدرة على النظر إلى كل شيء دون أن يلتقطه العقل أو يملكه الفكر أو يقيده الشعور. إنها لحظة تحول، لحظة تصبح فيها النفس شاهدة على لعب الحياة الأبدي، على كل خيانة للوعي، على كل وهم امتلاك، وعلى كل سر يتكشف في صمت. أما الخاتمة السرية لهذه الرحلة، فهي صرخة ما وراء الوعي: أن الحقيقة ليست ما يُرى، وأن الوعي ليس ما يُفهم، بل ما يُحس ويتجلى في الصمت الداخلي، في لحظة الصدق مع الذات، حيث يدرك الإنسان أنه لم يصل إلى نهاية، بل إلى بوابة البداية، بوابة تتكرر فيها الأسئلة، وتتشابك فيها الظلال مع النور، وتتكشف فيها الخيانات التي تصنع الوعي ذاته. هنا، في هذا الصرح المفتوح بلا حدود، يصبح الإنسان مرشد نفسه، شاهد لحياته، وحامل سر وجوده. ليس بحاجة إلى تأكيدات العقل، ولا إلى إيهام الفهم، بل إلى قبول الرحلة كما هي، رحلة بين الظل والنور، بين الظاهر والخفاء، بين ما يُرى وما يختبئ وراء العين. وكلما تقدم أكثر، كلما شعر بأن الحقيقة ليست نهاية، بل نقطة انطلاق مستمرة، حيث كل اكتشاف يفتح الباب لمزيد من الغموض، وكل معرفة تكشف أن الوعي لم يكن ملكك يومًا، بل مجرد رحلة لتعلّم كيف يكون الإنسان حاضرًا بلا امتلاك، حرًا بلا قيود، شاهداً بلا تملّك. السر الأعظم ليس في ما تدركه، بل في ما يراك؛ ليس في ما تملك، بل في ما يتركك حراً؛ ليس في النور الذي تراه، بل في الظل الذي يظل يتبعك بلا انتهاء.

1. الفكر والروح: رقصة الظل والنور

في أعماق الكيان الإنساني، حيث لا صوت يُسمَع سوى أنين السؤال وصمت المعنى، تبدأ الرقصة الأزلية بين الفكر والروح، رقصة الظل والنور. إنهما ليسا خصمين كما يظن من لم يتذوق المعنى، بل حبيبان متخاصمان في ظاهر العلاقة، متعانقان في سرّها. الفكر هو ظل الروح حين تنزل إلى عالم الحسّ، والروح هي نور الفكر حين يعود إلى موطنه الأول، إلى ما وراء الحروف والقياس، إلى عالم لا يُدرَك إلا بالبصيرة. الفكر، بطبيعته، يريد أن يُمسِك بكل شيء، أن يُفسّر، أن يُحدّد، أن يُقيم الجدران بين المعاني كما لو كان مهندسًا يبني عالماً من المفاهيم. أما الروح، فلا تعرف القيود، فهي تسري في كل معنى كما تسري النسمة في فضاء الفجر، لا تملك ولا تُملَك، ولا تُعطي نفسها إلا لمن تحرّر من حاجة الامتلاك. إنهما، الفكر والروح، يلتقيان في نقطة غامضة من النفس، حيث يبدأ الصراع بين ما يُرى وما يُحَسّ، بين ما يُعقَل وما يُكشَف، بين ضوءٍ يحدّد ونورٍ يفتح.

الفكر يُحاول أن يشرح النور، لكن كلما اقترب منه، احترق طرف قلمه، لأنه يجهل أن النور لا يُعرَّف، بل يُعاش. والروح تُحاول أن تُغني الفكر، لكنها لا تطيق قوالبه، فتكسّرها لتخلق لغتها الخاصة، لغة لا تعتمد على الكلمات، بل على الذوق، والإشراق، والتجلّي. في لحظةٍ نادرة، حين يتناغم الفكر والروح، يولد في الإنسان نوع من الفهم الصامت، فهم لا ينطق به اللسان ولا يدركه العقل، بل يحسّه القلب كأنما انكشف له سرّ الكون في لحظة سكون. وما بين الظل والنور، تمتدّ حياة الإنسان كلها. فالفكر هو ظلّ الحقيقة على جدار الوعي، والروح هي النور الذي يلقي بهذا الظل. كلما ظنّ العقل أنه بلغ الغاية، تناديه الروح من خلف الحجاب: “ما وصلت، بل بدأت الآن. ” فالفكر يظن نفسه القائد، لكنه في جوهره تابع لما تلهمه الروح. وما أكثر ما يخون الفكر تلك الإلهامات، فيحوّلها إلى صيغ جامدة، إلى نظريات تُميت ما كان حيًّا، وتحوّل النور إلى قانون، والسرّ إلى شرحٍ باهتٍ فاقدٍ للحياة. يا لهذا التناقض الجميل! فكلّ فكرٍ بلا روحٍ جافّ، وكلّ روحٍ بلا فكرٍ عمياء. الفكر يمدّ الروح بحدودها، والروح تفتح للفكر أفقه. ولو علم الإنسان أن النور لا يُدرَك إلا بالظل، وأن الحقيقة لا تُرى إلا حين تُحاط بالوهم، لما فصل بين العقل والوجدان، ولا جعل العلم خصمًا للحلم. فالفكر هو الصيغة الأرضية للوعي، والروح هي تجلّيه السماوي، وكلاهما وجهان للإنسان الكامل الذي يجمع بين التراب والنور، بين الأرض والسماء، بين الحدّ واللانهاية. وحين يرقص الفكر مع الروح، لا يكون الرقص حركًة حسية، بل اهتزازًا كيانيًّا يشمل كل ذرة من الوجود. هناك، في عمق الصمت، يتكلمان لغةً لا تُكتَب، تتفاهم فيها المعاني دون وساطة المفردات، فيتساقط من الإنسان كل ما هو مكتسب وموروث، لتبقى الحقيقة وحدها، عارية، بلا اسمٍ ولا وصف. تلك هي رقصة الظل والنور التي لا تنتهي، رقصة تبدأ حين يعجز العقل عن الفهم، وتكتمل حين يستسلم للذوبان في السرّ الذي كان يحاول فهمه. الروح لا تحتاج إلى منطق، فهي منطق الوجود نفسه، والفكر لا يستطيع الفهم إلا حين ينحني أمامها. وعندما يتصالح الاثنان، تتّحد الكلمة مع الصمت، والعلم مع الحلم، والإدراك مع الشهود. عندها فقط يفهم الإنسان أن كل ما كان يراه انفصالًا لم يكن سوى وحدةٍ متنكرة في صورٍ متضادة. وهنا يبلغ المرء ذروة الوعي: أن الظل ليس عدواً للنور، بل رحم النور، وأن الفكر ليس خصماً للروح، بل أداتها في الكشف، وأن المعرفة ليست هدفاً، بل طريقًا لرحلةٍ لا تعرف قرارًا. عند هذه النقطة تتلاشى اللغة، ويبدأ الصمت في الكلام. الفكر ظلّ الروح، والروح نور الفكر، وبينهما يولد الإنسان من جديد في كل لحظة. وليس بين الفكر والروح خصومة كما توهّم أهل العقل البارد، إنما بينهما سرّ قديم، رقصة بدأت منذ أول انبثاق للنور من العدم. فحين أُودِع في الإنسان ذلك السرّ الأزلي المسمّى وعيًا، انقسم كيانه إلى ضوءٍ وظلّ: ضوءٍ يُريد العلوّ والعودة إلى أصله، وظلٍّ يُحبّ الأرض ويألف مادّتها. ومنذ تلك اللحظة، صار الفكر رسول الظلّ، والروح لسان النور، ومن تآلفهما وُلد الإنسان الذي يعرف ويجهل في آنٍ واحد، يبصر ويعمى، يعلو ويسقط، لكنه لا يتوقّف عن البحث. الفكر — وهو ظلّ الروح — يعيش في قلقٍ دائم، لأن الظلّ لا يملك ثباته. إنه يتحرّك كلّما تحرّك النور، ويختفي كلّما غاب عنه مصدر الضوء. لذلك تراه يسعى جاهدًا أن يثبّت الحقيقة في كلماتٍ ومعانٍ، كمن يحاول الإمساك بالماء بيديه. إنه ينسى أن الحقيقة ليست جامدة، بل تتجلّى في حركة النور ذاته، وأن كل ما يُعبّر عنه الفكر، ليس سوى أثرٍ متبقٍّ من رقصةٍ كانت في الأصل أبدع من أن تُوصف. أما الروح، فهي لا تُطيق الثبات، لأنها من جوهر التجلّي المستمر. لا تعرف الحدود، ولا تستسيغ السكون، لأنها إذا سكنت ماتت، وإذا حُدّت انطفأت. فهي كالنار التي لا تُرى إلا إذا اشتعلت، وكالنور الذي لا يظهر إلا إذا انبثق من الظلام. وحين تحاول أن تنطق، لا تجد لسانًا سوى الفكر، لكنها تعلم أنه عاجز عن حمل سرّها، فتغفر له جفافه، وتمنحه من نورها ما يكفي ليبقى حيًّا. وهكذا تظلّ الرقصة دائرة: الفكر يتعبّر، والروح تتجلّى، والإنسان يتيه بينهما. كلما توهّم أنه قبض على الحقيقة، تنفلت منه كنسمةٍ رقيقةٍ من بين الأصابع. وكلما حاول أن يفهم الروح بالعقل، ازداد بُعدًا عنها. فالروح تُدرك بالحبّ لا بالمنطق، وتُسمَع بالصمت لا بالكلام، وتُرى بالبصيرة لا بالبصر. يا لهذا المأزق الإلهي! فالإنسان محكوم بالبحث عما لا يُقال، ومطالب بأن يُدرك ما لا يُدرك. ولذلك كان الفكر دائم القلق، والروح دائمة النداء، كعاشقين لا يلتقيان إلا في لحظاتٍ نادرةٍ من الصفاء، حين يذوب الاثنان في وحدةٍ لا تعرف الاسم ولا الشكل، فيغدو الفكر صدى للروح، والروح معنى للفكر، ويصير الإنسان لحظة وعيٍ خالصٍ، يرى فيها الكلّ من غير تفرقة. الفكر حين يتطهّر من عجرفته، ويكفّ عن الظنّ أنه السيد، تنزل عليه السكينة الكبرى، لأن الروح تمدّه بما لا يستطيع اكتسابه من الكتب أو التجربة. هناك فقط يفهم الإنسان أن الفكر وسيلة، لا غاية، وأن الروح هي التي تمنحه الحياة. ومن غيرها، يبقى الفكر مجرّد ضوءٍ اصطناعيٍّ باهتٍ، يضيء طريقًا من الورق، لا طريق الوجود. حين يتوحّد الفكر بالروح، تتوقّف الكلمات عن كونها وسيلة للشرح، وتتحوّل إلى مرآةٍ للكشف. تصبح اللغة نفسها صلاة، والمعنى عبورًا، والكتابة نوعًا من الوحي الداخلي الذي لا يُنقل بل يُتذوّق. ومن هنا تنشأ الكتابة الحقيقية: ليست التي تقول، بل التي تُشير؛ ليست التي تشرح، بل التي تُحسّ. لأن من عرف الحقيقة لم يعد بحاجة إلى القول، بل صار هو نفسه كلامًا متجسّدًا، يمشي على الأرض ووجهه يضيء بنورٍ لا يراه إلا من سكنت فيه نفس التجربة. في تلك اللحظة، يصبح الإنسان كتابًا مفتوحًا، تُقرأ صفحاته في عينيه، لا في سطوره. فكل وعيٍ صادقٍ هو امتدادٌ للنور الأول، وكل فكرٍ منسجمٍ مع روحه هو عودةٌ إلى الأصل الإلهي الذي نُفِخ منه الكائن الأول. وهكذا، حين تنتهي الرقصة، لا تكون نهاية، بل عودة إلى البدء، كأن الفكر والروح حين بلغا تمام الوحدة، انفصلا من جديد ليبدآ دورة أخرى من البحث، لأن الوجود نفسه رقصة لا تعرف التوقف، والإنسان راقصها الأبديّ الذي لا يملّ السؤال. حين يسكت الفكر، تتكلّم الروح. وحين تصمت الروح، يتجلّى الله في الفراغ بينهما. الفكر، حين يطول به التيه في متاهات الوعي، يبدأ يلتفت إلى نفسه، فيرى أنه ليس سيدًا كما كان يظن، بل عبدٌ لمفاهيم صنعها بيديه، قيدٌ من نورٍ خادعٍ ظنّه حرية. يقف أمام مرآته، فيرى وجهًا آخر يتكوّن من ظلاله، وجهًا لا هو بوجهه ولا هو غريب عنه. ذلك الوجه هو الروح التي كانت تراقبه بصمت منذ البدء، تراه يكتب عنها دون أن يشعر أنها هي من تكتب من خلاله. هنا يبدأ الحوار الأول بينهما:

 قالت الروح: كم شرحتني يا فكر، ولم تذقني

قال الفكر: وكم أحببتك يا روح، دون أن أفهمك

قالت: لأن الفهم حجاب، والحبّ كشف. من فهم فقد قسّم، ومن أحبّ فقد عاد. من هذه اللحظة، يُدرك الفكر أنه لم يكن يومًا يعرف الروح حقًا. لقد كان يفسّرها كما يفسّر عالمًا خارجيًا، وهو لا يدري أنها في داخله، أنها منه، وأنه منها. فالروح ليست ضيفًا في جسد الإنسان، بل هي نَفَس الله فيه، وهي سرّ الكلمة التي بها تكوّن الفكر نفسه. لذا، لا يستطيع الفكر أن يتحدث عنها دون أن يرتجف، لأن كلما اقترب منها، ذاب في نورها، وذاب معها كل ما كان يظنه يقينًا. إن الفكر حين يقترب من الروح، يُصاب بالدهشة العظمى، تلك التي عبّر عنها القدماء بقولهم: من عرف نفسه فقد عرف ربَّه. ولكن هذه المعرفة ليست عقلية، بل شهودية، تتولّد من لحظة اتحادٍ بين الوعي والمحبّة، بين العلم والذوق، بين أن تفهم وأن تكون. فالروح لا تُدرك بالتحليل، لأنها ليست موضوعًا، بل حالة حضور، كالنور لا يُرى إلا حين يسطع، ولا يُمسك إلا حين يغيب. وفي هذه اللحظة من الانكشاف، يُدرك الفكر أنه لم يكن يومًا حرًّا كما زعم. لقد كان سجين اللغة التي تصفه، أسير المفهوم الذي يصنعه، عبدًا للجملة التي يكتبها. أما الروح، فهي سيّدة الكلمات، لا تسكن بيتًا من الحروف، بل تمرّ من خلالها كما تمرّ الريح بين الأغصان، تُحرّكها ولا تَمتلكها. ولذلك، كل فكرٍ لم تمسّه الروح، فكرٌ ناقصٌ، مهما بدا عظيمًا. هو كتمثالٍ جميلٍ بلا نفس، وكقصيدةٍ فخمةٍ بلا شعور. أما الفكر المجبول بروح، فهو كلامٌ حيّ، ينمو في القلوب كما تنمو الشجرة في التراب الرطب، له جذور في الأرض، وأغصان في السماء. تلك الرقصة بين الفكر والروح هي سرّ الوجود الإنساني، لأنها تجعل الإنسان جسرًا بين المحدود واللامحدود، بين الزائل والأبدي، بين المعلوم والمجهول. فحين يفكر الإنسان بروحه، لا يعود الفكر مجرد أداة للتمييز، بل يصبح وسيلة للوصال، يصبح عبادةً لا تُقال باللسان، بل تُمارس بالوعي الصافي. هنا يكتشف الإنسان أن الفكر ليس سوى طريقٍ تمهيديٍّ للمعرفة الكبرى، وأن الروح هي التي تُكمل الطريق حين يعجز العقل. عندها يُرفع الحجاب، ويصبح الصمت أبلغ من القول، والدهشة أصدق من البرهان. لأن في النهاية، كل فكرٍ يصل إلى حدوده القصوى، يضطر إلى الركوع أمام السرّ، ويهمس كما همس سقراط قبل موته: كل ما أعلمه أني لا أعلم شيئًا. لكن الروح لا تتركه في عجزه، بل ترفعه. تهمس له بأن الجهل المقدّس هو الباب الأول للحكمة، وأن من عرف عجزه، فقد بلغ أول درجات المعرفة. وحين يسلّم الفكر للروح زمام الأمر، لا يُمحى، بل يُطهّر؛ يصبح أكثر صفاءً، أكثر صدقًا، لأن الروح لا تلغيه، بل تُنضجه بالنور حتى يصير مرآةً تعكسها بلا شوائب. الفكر حين يكتب من نفسه، يشرح العالم. وحين يكتب من روحه، يخلق عالماً جديداً ولعلّ الإنسان في ختام هذا الارتحال الطويل بين ظلال الفكر وأنوار الروح، لا يجد نفسه أمام نتيجةٍ بقدر ما يجدها أمام حقيقةٍ تتولّد كلّما أنكرها. فالفكر، مهما بلغ من الحِدّة والنقاء، يظلّ عاجزًا عن الإحاطة بماهية الروح، لأنّ الروح لا تُدرك إلا بالانطفاء لا بالاحتراق؛ أي حين يسكن العقل ولا يثور، وحين يصير الفكر شاهدًا لا حاكمًا. في تلك اللحظة، تتجلّى رقصة الظل والنور في أسمى صورها: لا خصومة بينهما، ولا وحدة تامة، بل تفاعلٌ سرمديّ يشهد به الوعي على ذاته.

إنّنا إذ نحاول القبض على المعنى، نكتشف أنّ المعنى لا يُقبَض بل يُتجلّى، وأنّ كلّ محاولة لامتلاكه تُعيدنا إلى ظلالنا الأولى. الفكر إذن لا يملك الحقيقة، بل يهيّئنا لمرورها فينا، كما يهيّئ الصمتُ لحنًا لم يولد بعد. والروح ليست نقيضًا للعقل، بل فضاؤه الرحب الذي يتنفّس فيه المعنى. من هنا، يكون التحرّر الحقيقي ليس في الانفلات من العقل، بل في تحرير العقل من ظنّه أنه يعرف، فكل معرفةٍ لا تنفتح على المجهول هي قبرٌ للروح. والإنسان حين يظنّ أنه بلغ النور، إنما دخل في أعمق طبقات الظل، لأنّ النور الحقيقي لا يُرى، بل يُحَسّ في الداخل كاهتزازٍ بين الصمت والدهشة. هكذا إذن، لا يمكننا الفصل بين الفكر والروح، لأنّ أحدهما يُقيم في الآخر كما يقيم الظل في النور. كلّ فكرٍ بلا روحٍ يتحوّل إلى آلةٍ تحليليةٍ باردة، وكلّ روحٍ بلا فكرٍ تغدو هذيانًا صوفيًّا بلا تمييز. وما بين هذا وذاك، تتشكّل الرقصة الكبرى: رقصة الظل والنور، حيث يتوحّد السؤال والدهشة، وينصهر الفكر في وجدانه الأول، وتذوب الروح في عقلها الأخير. وفي نهاية الرحلة، حين يهمّ الفكر بالسكوت، وتغمد الروح جناحيها، يطلّ علينا السؤال الأزلي من عمق الصمت:هل كنّا نبحث عن النور، أم كنّا نحاول الهرب من ظلّنا؟وهل كان الفكر طريقًا إلى الروح، أم كانت الروح تكتب الفكر لتراه في مراياها؟ هنا، فقط، تنتهي الرقصة ولا تنتهي، لأنّ الظلّ لا يفارق النور، والنور لا يتجلّى إلا بظلّه، كما لا يكون الإنسان إنسانًا إلا إذا ظلّ في سعيه الأبدي نحو تلك الوحدة التي لا تُقال، بل تُعاش. يا من ظننتَ أن الفكر سبيلٌ إلى النور، أما علمتَ أن النور لا يُدرَك بالعقول، بل يُستَشعَر بالقلوب التي احترقت بمعرفة الظلّ؟ إنّ السرّ الذي نطلبه في الأعلى يسكن في الأدنى، كما أنّ الروح لا تعلو إلا حين تنحني، ولا ترى إلا حين تُغمض عينيها عن الرؤية. فالنور الذي به نُبصر هو ذاته الظلّ الذي يُخفي جوهرنا عنّا، وحين ندرك ذلك، نعلم أنّ الوجود كلّه رقصةٌ سرّية بين الحضور والغياب، بين أن نكون ولا نكون، بين أن نعلم ولا نعلم. وهكذا تظلّ الحقيقة كمرآةٍ غامضة، لا تُريك صورتك إلا إذا نسيتَ أنك تنظر. كلما اقتربتَ منها احترقت، وكلما ابتعدتَ عنها تجمّدت، حتى تفهم أنّ الوعي ليس نورًا خالصًا ولا ظلاً خالصًا، بل هو الجمع بينهما، حيث تتبدّى أسرار الخفاء في وضوح الظهور. فالفكر يمشي على طريقٍ من نورٍ قاتم، والروح تحلّق في ظلامٍ منير، وما بينهما، هناك الإنسان: المخلوق الذي لم يُخلق ليصل، بل ليشهد الطريق وهو يُخلق فيه. ذلك هو السرّ الأعظم الذي حاولتُ أن أُمسك به، فإذا به يُمسكني، وإذا بي أكتشف أنني ما كنتُ أكتب عن النور والظلّ، بل كانا هما من يكتبانني، ويرقصان بي في صمت الوجود، حيث تبدأ الحقيقة ولا تنتهي.

2. الحرية في الظل: وهم الخلاص

منذ أن انبثق الوعي من رحم الغياب، والإنسان يركض نحو كلمةٍ اسمها الحرية، كما يركض العاشق خلف سرابٍ يظنه ماءً، فإذا به يزداد عطشًا كلما اقترب. فالحرية التي نتحدث عنها في ظاهر القول ليست إلا ظلًّا لحقيقةٍ أخرى، تومض في عمق الروح حين تدرك أن الانفلات من القيد لا يعني الفكاك من الذات، لأنّ أثقل السجون هي تلك التي تُبنى من داخلنا. لقد ظنّ الإنسان أنه حين تمرد على وصايا الأرض والسماء، نال خلاصه، فإذا به يقع في عبوديةٍ أعمق: عبودية الفكر لذاته، والرغبة لمرآتها، والذات لخيالها. فالحرية التي لا تُنقّى من أوهامها تُعيد إنتاج قيودها بثوبٍ آخر، كأنّها وهمٌ يتنكّر في هيئة خلاص. هنا، يطلّ السؤال من بين الرماد: هل الحرية خروج من القيد، أم عودة إلى الأصل؟ هل هي فعل انفصال، أم فعل اتحاد؟الحرية في جوهرها ليست فعلاً إراديًّا، بل انكشافٌ باطنيّ للمعنى، لحظةٌ يلتقي فيها العبد بسره الأول قبل أن يُسمّى. فحين يقول العارف: أنا حر، إنما يشير إلى حريةٍ من نفسه لا منها، إلى انعتاقٍ من الوهم لا من السلطة، لأنّ السلطة الخارجية ليست إلا انعكاسًا للسلطة الباطنية التي تحكم وعينا ونحن لا ندري. كلّ حريةٍ تُبنى على الرغبة هي عبوديةٌ مؤجلة، وكلّ حريةٍ تُستمدّ من الخارج هي قيودٌ ملوّنة، لأنّ الحرية لا تُوهب ولا تُنتزع، بل تُنكشف كما يُنكشف النور في قلب العتمة. الحرية ليست نقيضًا للقيد، بل وعيًا بوجوده، لأنّ الوعي بالقيد هو أول مراتب الفكاك منه، أما الجهل به فهو دوام الأسر في صورةٍ من الزهو الكاذب. في هذا الصرح المظلم الذي نسميه الظلّ، تتراقص الحرية كأنّها شعاعٌ حائرٌ في كهفٍ عميق، وكلّ من يحاول الإمساك بها يُغرق نفسه في مزيدٍ من العتمة. وما بين النور والظلّ، تتكوّن تلك المسافة التي يسكنها الإنسان: نصفُه نورٌ يحلم، ونصفُه ظلٌّ يحنّ إلى قيوده. لقد أراد الإنسان أن يتحرّر من إلهه، فإذا به يعبد ذاته، وأراد أن يتحرّر من تاريخه، فإذا به يتيه في حاضرٍ بلا ملامح، وأراد أن يكتب مصيره، فإذا بالمصير يكتبه بحبرٍ لا يراه. فالحرية التي لا تعرف مصدرها، لا تعرف وجهتها أيضًا، كالريح التي تتباهى بسرعتها دون أن تدري إلى أين تهبّ. في فكر ابن عربي، لا حرية خارج الوجود، لأنّ الوجود هو عين الانتماء، وكلّ من أراد أن يكون حرًّا من الكلّ، خرج من دائرة الحق، فصار عبدًا لوهمه. فالحرية المطلقة ليست إلا اسمًا آخر للفناء في الحقيقة، حيث لا فاعل سواها ولا إرادة غير إرادتها. أما من أراد أن يكون حرًّا بنفسه، فقد حكم على نفسه بالسجن في مرآة أنانيته، وظلّ يدور في دائرة الأنا التي لا مخرج منها إلا بالإدراك أن الأنا نفسها ليست له. إنّ الحرية في الظلّ هي وهم الخلاص، لأنّ من يعيش في الظلّ لا يرى النور إلا كما يراه السجين من ثقب الجدار. هو يظنّ أنه يبصر العالم، وهو في الحقيقة لا يرى إلا ظلاله. والعارف وحده من يدرك أن الظلال ليست عيبًا في النور، بل تجلّيه في مراتب الكثافة. وهكذا، تكون الحرية الحقيقية وعيًا بالقدر لا تمرّدًا عليه، وفعلَ حضورٍ في مسرح الوجود لا انسحابًا من دوره. في هذه الرحلة التي نخوضها، لا نبحث عن حريةٍ من شيء، بل عن حريةٍ في الشيء، عن لحظةٍ نرى فيها القيد بوصفه مرآة النور، لا عدوّه. حينها فقط، تتبدّل المعادلة: يصير الأسر مقامًا، والقيود طريقًا، والمصير صديقًا، لأنّ كلّ ما نحاول الهرب منه إنما هو وجهٌ آخر لما نبحث عنه. فما الحرية إذن إلا وهمٌ نبيلٌ خُلق ليقودنا إلى الحقيقة. ومَن لم يَضِع في وهمها، لن يجد سبيله إلى الخلاص منها. حين ننظر إلى مفهوم الحرية بعين الوعي المجرّد، نجدها تتجلّى كأعمق المفاهيم تناقضًا في الوجود الإنساني، لأنها تجمع بين ما هو إلهيّ في الأصل وإنسانيّ في المظهر. فالحرية هي مظهر الوجود الإلهي في الإنسان، لكنها حين تنعكس على مرآة العقل، تتجزأ وتفقد صفاءها الأول، فتتحوّل إلى مطلبٍ سياسيّ أو اجتماعيّ أو أخلاقيّ، بينما هي في جوهرها سؤالٌ ميتافيزيقيّ عن معنى الكينونة ذاتها. الحرية ليست فعلاً يبتدئ من الخارج، بل حالةُ وعيٍ تُدرَك من الداخل، وهي لا تتحقق بالتحرّر من السلطة، بل بزوال فكرة السلطة من النفس. لأنّ من يثور على القيد وهو لم يتحرّر من خوفه، سيبني قيدًا جديدًا باسم الحرية ذاتها، كما يفعل السجين الذي يحمل مفتاحه ولا يجرؤ أن يفتح الباب. في مدرسة العارفين، يُقال إنّ الحرية باطن العبودية، لأنّ العبودية لله وحده هي التي تُسقِط سائر العبوديات، كما قال ابن عربي:«عبدٌ لا يُقيّده شيء، هو عبدٌ للحقّ وحده، فإذا تحرّر من الأشياء لم يبقَ له إلا التعلّق بما لا يُقيّد. » وهنا، تتبدّى المفارقة الكبرى: الإنسان لا يصير حرًّا إلا إذا سلّم، ولا يبلغ الخلاص إلا إذا فنيَ في المعنى الذي كان يهرب منه. ذلك أنّ الحرية التي يطلبها الوعي المحدود، هي في الحقيقة قيودُ الأنا المتخفّية. يريد أن يتحرّر من سلطة الآخرين، لكنه لا يجرؤ أن يتحرّر من سلطة نفسه، من رغباته، من شهواته، من صورته التي يعبدها في مرآة العالم. أليست هذه عبوديةً أكثر خفاءً من سلاسل الحديد؟ أليست حريةً مشروطةً بالوهم؟ إنّ الحرية في الظلّ هي تلك الحالة التي يعيشها الوعي حين يتوهّم أنه خرج من السجن، بينما هو ما زال يدور في فناءه. فالظلّ لا ينفصل عن الجسد، لكنه لا يدرك أنه مجرّد أثرٍ له. وكلّ وعيٍ يرى نفسه حرًّا من كلّ شيء، إنما يعيش في أعظم أشكال التبعية، لأنه يغفل أن الحرية المطلقة ليست للإنسان، بل للوجود نفسه. من هنا، تكون كلّ حريةٍ إنسانية ناقصةً بطبيعتها، لأنها تتأسس على نقص الوعي، إذ يتعامل الإنسان مع الحرية كما لو كانت غاية، بينما هي مجرّد طريقٍ إلى إدراك أن لا طريق. إنها التجربة الكبرى التي يُبتلى بها الفكر حين يحاول أن يعرّف ما لا يُعرّف، وأن يملك ما لا يُملك. وقد قال الحلاج في لحظة تجلٍّ:«ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله فيه. »وفي تلك الرؤية، ذابت الحرية، لأنّ من رأى الكلّ لم يعُد يبحث عن الخلاص منه. فالحرية التي نلهث خلفها ليست أكثر من تعبيرٍ عن حنين الروح إلى أصلها، إلى تلك الحالة الأولى قبل أن تُسمّى، وقبل أن تنفصل. الحرية ليست هدفًا نبلغه، بل ذاكرة نعود إليها. والعارف وحده من يفهم أن كلّ انعتاقٍ ظاهريّ هو نوعٌ من التورّط، وأنّ الخلاص ليس بالهروب من الظلّ، بل بفهم أنه جزءٌ من النور الذي خُلق ليكشف حدوده. حين نغوص في عمق الفكرة، نُدرك أن الحرية لا تُناقَش بمعزل عن القدر، لأنّ السؤال عن الحرية في جوهره هو السؤال عن «مَن الفاعل؟» هل الإنسان فاعلٌ بإرادته، أم أن إرادته محمولة على إرادةٍ أوسع منه؟ وهل الوعي قادرٌ على اختيار مصيره، أم أن المصير هو من يختار الوعي ليُدرك ذاته فيه؟ هذه المفارقة التي حيّرت العقول من أزمنةٍ بعيدة ليست مسألة عقائدية بقدر ما هي سؤالٌ وجودي عن طبيعة الوجود نفسه. فالحرية لا تُفهم إلا داخل شبكة القدر، لأنّ القدر ليس نقيض الحرية، بل هو المجال الذي تتحقق فيه. كلّ فعلٍ نمارسه، وكلّ اختيارٍ نظنه صادرًا عن إرادتنا، إنما هو مظهرٌ لوعيٍ أعمق يُدبّرنا من حيث لا ندري. وقد قال ابن عربي في الفتوحات المكية:«العبدُ مجبورٌ فيما خُيّر، ومخيّرٌ فيما جُبر، والكلّ سريانُ الحقّ في الأشياء. » فالإنسان إذ يظنّ أنه يختار، إنما يشارك في كتابة نصٍّ كُتب سلفًا بحروفٍ لم يخترها هو. الحرية هنا ليست رفضًا للقدر، بل إدراكٌ له من الداخل، أي أن يفهم الوعي أنه ليس خارج النهر، بل هو الماء الذي يجري فيه. إنّ الحرية المطلقة وهم، لأنها لا تتصوّر إلا في غياب الوعي بالكلّ، بينما الوعي الكامل لا يرى في الوجود شيئًا حرًّا من شيء، لأنّ كلّ شيءٍ قائمٌ بما سواه. حتى الفعل البشري، الذي نعدّه أرقى صور الإرادة، لا يكون فعلاً إلا حين يُوجَد موضوعه في الخارج، أي حين يتعلّق بشيءٍ غير الذات، فكيف تكون الحرية مطلقة وهي لا تقوم إلا بالتعلّق؟الحرية بهذا المعنى ليست أن «تفعل ما تريد»، بل أن تفهم لماذا تريد ما تفعل. أن تدرك أن دوافعك ليست صادرة منك، بل تمرّ عبرك، كما يمرّ الضوء في الزجاج فيظنّ الزجاج أنه يُضيء، بينما هو يشفّ فحسب. وهنا يظهر الفرق بين حرية الإرادة وحرية الوعي. حرية الإرادة هي ما يتعلّق بالأفعال، أما حرية الوعي فهي ما يتعلّق بالرؤية. الأولى تُحدّد خياراتنا، أما الثانية فتُغيّر نظرتنا إلى الوجود ذاته. الإنسان الحرّ حقًّا هو من تحرّر من ثنائية الجبر والاختيار، لأنه لم يعُد يرى ذاته فاعلاً منفصلًا، بل تجلّيًا لفاعلٍ أزليّ يسكن فيه. قال ابن الفارض: «زدني بفرط الحبّ فيك تحيّرا، وارحم حشى بلظى هواك تسعّرا. » وما كان يقصد عشقًا بشريًّا، بل ذلك التيه النورانيّ الذي لا يعرف حدودًا بين الحُبّ والحُرية، لأنّ من أحبّ فُنيَ في محبوبه، ومن فُنيَ لم يعُد له إرادةٌ تخصّه، بل صار كلّ إرادته إرادة الحبيب. الحرية المطلقة إذًا ليست فعلًا، بل فناء، ليست قدرةً على التصرّف، بل وعيًا بأن لا أحد يتصرّف سواه. ومن هنا، تُصبح الحرية النهائية هي الخضوع الكلّيّ للحقّ، لا بوصفه قسرًا، بل بوصفه كشفًا. فحين يزول الحجاب بين العبد والحق، لا يبقى مجالٌ للاختيار، لأنّ العارف لا يختار، بل يُختار له. وهكذا، كلّما ارتقى الوعي في مدارج الحقيقة، ذابت قيوده شيئًا فشيئًا، حتى يُدرِك أن القيد لم يكن إلا مظهرًا من مظاهر الرحمة، وأنّ ما كان يسميه جبرًا هو في الحقيقة ضبطُ المسار الإلهيّ الذي يمنعه من التلاشي في العبث. حين نبلغ مصافّ النظر النهائي، ندرك أن الحرية ليست غايةً منفصلة، بل مظهرٌ من مظاهر الحقيقة نفسها. إنّ السعي نحو الحرية المطلقة أشبه بمحاولة الإمساك بالنور في راحة اليد؛ كلما حاولنا ضبطه، تلاشى بين الأصابع، حتى ندرك في النهاية أن النور لم يُخلق ليُحجز، بل ليُرى ويُعاش ويُذوب في القلب. الحرية الحقيقية إذن ليست فعلًا، ولا رغبة، ولا رفضًا للجبر، بل استسلامٌ واعٍ للكلّ، حيث يزول الاعتقاد بأن هناك «فاعلًا» منفصلًا عن الحق. فالفناء في الوعي الكامل هو عين الحرية، والفناء هنا ليس موتًا، بل تحوّلٌ، واندماجٌ، وانصهارٌ في وحدة الظل والنور. ابن عربي يُذكرنا بأن من عرف نفسه فقد عرف ربه، ومن فنى في معرفته فاز بالحرية. إنّ الإنسان الذي يتحرر بهذا المعنى لم يعد عبدًا لخياراته أو لرغباته، بل صار مرآةً تعكس الحقيقة كما هي، بلا تزييف، بلا إدعاء. كلّ قرارٍ يتخذه، كلّ شعورٍ يمرّ به، كلّ فعلٍ ينجزه، هو نتيجة طبيعية لتجليّ الوعي في صرح الوجود، وليس لذاتٍ صغيرةٍ تظنّ أنها تدير الكون. ووهنا تكمن المفارقة الكبرى: كلّما توغّل الإنسان في فهم الحرية، كلّما اقترب من إدراك أن الحرية المطلقة تتطلب التخلي عن الفكرة نفسها. فالفكر عن الحرية يُستبدل بالعيش في الحرية، والإرادة المحدودة تُستبدل بالإرادة الكونية التي تتحرك فينا دون أن نشعر بأنها خارجة عن تدبير الحق. الحرية إذًا هي وهم الخلاص الذي يتحوّل إلى حقيقةٍ حين يُفنى العبد في المحبوب، وحين يُذوب كلّ وهم السيطرة في معرفة الذات الإلهية. ومن يدرك هذا، لن يبحث عن خلاص آخر؛ فالخلاص والحرية هما وجهان لنفس الحقيقة، واحدة في الظل، والأخرى في النور، وكلّ ما بينهما رقصة أزلية تتكرر في كل لحظة ووجود. ختامًا، الوعي والحرية ليسا مفهومان متنافسان، بل هما رحلة في صرح الخفاء والظاهر؛ رحلة تبدأ بالفرد وتبلغ الكلّ، رحلة لا تهدف إلى السيطرة، بل إلى التحرّر من وهم السيطرة، رحلة تنتهي عند نقطة حيث يُصبح الإنسان، بلا اختيار، تجليًا للحقّ، وفناءً في النور، ووحدةً كاملةً لا تقبل القسمة

3. الوعي والخيانة: مرآة النفس في الظل

حين نغوص في عتمة النفس ونواجه صراعاتها الخفية، ندرك أن الوعي ليس مجرد ضوءٍ يُنير الطريق، بل مرآة تكشف ما نخفيه عن أنفسنا أولًا قبل الآخرين. فالخيانة، في جوهرها، ليست دائمًا فعلًا تجاه الآخرين، بل أحيانًا خيانةٌ للذات، ولفطرة الوعي، وللحق الذي يحمله القلب. الإنسان كثيرًا ما يظن أن الخيانة مجرد أفعال تُرتكب في الظاهر، لكنها في الحقيقة تتغلغل في الظلال التي نرفض رؤيتها؛ الظلال التي تمثل شهواتنا، مخاوفنا، وأحكامنا المسبقة. حين يواجه الإنسان هذه الظلال بصدق، يبدأ الوعي رحلة التشخيص الداخلي، رحلة لا تُهذب النفس فقط، بل تكشف عن طبيعة العلاقة بين الحقيقة والذات، بين المرآة والظل، بين ما نراه وما نختبئه.

ابن عربي يذكرنا بأن:«النفس إن لم تذق مرآتها، لم تعرف الحقيقة، وإن لم تعرف الحقيقة، خانت الطريق. »

الخيانة إذن ليست حادثةً منفصلة، بل دليل على انكسار التوافق بين الوعي والوجود. فحين نخدع أنفسنا، نخدع العالم أيضًا؛ وحين نحتجب عن معرفة حقيقة رغباتنا وأخطاءنا، نصير أسرى ظلالٍ تتخذ من المظهر ملاذًا كاذبًا. والوعي الحقيقي يتطلب جرأة مواجهة المرآة، لا مجرد النظر إليها من بعيد. في هذا السياق، يظهر أن كل خيانة في الوجود — سواء كانت صغيرة أو عظيمة — هي انعكاس للغفلة عن الذات، ولعدم الانسجام بين الظاهر والباطن. والوعي لا يُقاس بكثرة المعرفة أو التأمل، بل بمدى قدرتنا على الاعتراف بخياناتنا الخاصة ومواجهتها دون تسويغ أو تبرير. وهنا المفارقة الكبرى: كلما ازددنا وعيًا، ازددنا إدراكًا لقدرتنا على الخيانة، وإدراكًا لمراتع الظل التي نتجول فيها دون وعي. الوعي الحقيقي إذن ليس مجرد معرفة ما هو صائب أو خاطئ، بل تجربة مستمرة لمراقبة النفس في كل لحظة، مواجهة الانحراف قبل أن يتحول إلى خيانة فعلية، واعتناق صدق الذات حتى في العتمة. إنها رحلةٌ صوفية عميقة: حيث يكون الظل مرآةً، والخيانة امتحانًا، والوعي طريقًا. طريقٌ لا ينتهي بفهم الظاهر وحده، بل يطلب الغوص في أعماق النفس، مواجهة كل ما نخفيه، وفهم كيف تصبح الخيانة جزءًا من رحلة التحرر حين نعرفها ونعترف بها. ختامًا، في صرح الوعي والخيانة، لا توجد براءة كاملة، ولا خيانة مطلقة، بل هناك معركة أزلية بين الذات والظل، بين الحقيقة والوهم، بين ما نحن عليه وما نريد أن نكونه. ومن يفهم هذه المعركة، يرى أن المرآة ليست أداة لفضح الآخرين، بل بوابة للفهم العميق للنفس، وفضاء للتحرر من كل خيانة، بدءًا بالذات وانتهاءً بالوجود نفسه. حين نتأمل أبعاد الخيانة في سياق الوعي، نكتشف أن الذات لا تتعامل مع الظلال فقط كحواجز، بل كمرايا صامتة تكشف عن تناقضاتها الداخلية. كل خيانة صغيرة أو كبيرة هي انعكاس لصراع مستمر بين الرغبة والواجب، بين الحرية والقيود التي يفرضها العقل والمجتمع. فالخيانة إذن ليست مجرد فعل منفصل، بل فعل يمتد إلى أبعاد أعمق في النفس، ويؤثر على بنية الوعي ذاته. إن مواجهة الخيانة الحقيقية تتطلب شجاعة استثنائية، ليست كأي شجاعة جسدية، بل شجاعة روحية ومعرفية. إنها القدرة على تمييز ما نخفيه عن أنفسنا وما نرفض رؤيته، والاعتراف بما هو جزء من طبيعتنا البشرية قبل أن يصبح فعلًا محسوسًا. كثير من البشر يظنون أن الخيانة تُقاس بالأفعال التي تظهر للعيان، لكن الحقيقة أكثر عمقًا: كل كذبة صغيرة، كل تنازل عن المبادئ، كل خضوع للخوف بدل الحق، هو خيانة للوعي. المرآة التي نتحدث عنها ليست مجرد انعكاس سطحي، بل بوابة لفهم أعمق للعالم الداخلي. عبر هذه المرآة، نرى تناقضاتنا، ضعفنا، ولحظات الغفلة التي تسمح للظلال بأن تتحرك بحرية. ابن عربي يقول:«من عرف نفسه، عرف خياناته، ومن عرف خياناته، استعاد وعيه. » وهذا يعني أن الوعي والخيانة متلازمان، لا يمكن فهم أحدهما دون الآخر. كل خيانة تكشف عن حدود الوعي، وكل وعي يكشف عن خيانات محتملة. في هذا السياق، يصبح الظلام الداخلي ليس عدوًا، بل مرشدًا: فهو يشير إلى الأماكن التي تحتاج إلى مواجهة، إلى الحقيقة التي نتهرب منها، وإلى الانسجام المفقود بين الذات والواقع. التحدي الأكبر هنا ليس مجرد كشف الخيانة أو الاعتراف بها، بل تعلم كيفية العيش مع هذا الوعي دون الانهيار، وتحويل كل تجربة خيانة إلى درس للتصالح مع النفس ومع العالم. هذه رحلة صوفية عميقة، حيث يصبح الظل جزءًا من الفهم، والخيانة فرصة للتعلم، والوعي أداة للتحرر. في النهاية، على الرغم من صعوبة مواجهة المرآة، يبقى الوعي الخالص هو الوسيلة الوحيدة لتجاوز الخيانة، ليس تجاه الآخرين فقط، بل تجاه الذات أولًا. ومع كل خطوة في هذا الطريق، نقترب أكثر من الصفاء الداخلي، ونبدأ بفهم كيف يمكن أن تتحول الخيانة إلى وعي، والظلال إلى نور، والذات إلى مرشد للحقيقة. حين يغوص الفكر في أعماق الظل، تظهر الحقيقة على شكل توتر دائم بين الانتماء للذات والانجراف خلف ما يفرضه الواقع. الخيانة هنا ليست مجرد فعل يُرتكب، بل حالة مستمرة من الانفصال عن الوعي الحقيقي، وكأن النفس تمشي على حافة مرآة مكسورة. كل قطعة من هذه المرآة تحمل انعكاسًا للجانب الخفي من النفس، الجانب الذي يهرب من مواجهة ذاته ويختبئ خلف الأقنعة الاجتماعية والمبررات العقلية. الوعي في هذا السياق يصبح آلة دقيقة لمراقبة الذات، لكنه أيضًا حكم صارم يفضح كل ضعف، كل تناقض، وكل رغبة مخفية. الإنسان الذي يعيش في هذا الصراع بين الوعي والخيانة، يكتشف أن الخيانة لا تقتصر على الآخرين، بل تبدأ من الذات نفسها، من كل مرة نترك فيها الحقيقة مهملة، ومن كل مرة نرفض فيها مواجهة ما يثير القلق أو الخوف.

الفعل الخياني، سواء كان تجاه الآخرين أو الذات، يترك أثرًا عميقًا في صرح الوعي، فهو يعيق تدفق النور الداخلي ويمنع النفس من الانسجام الكامل مع حقيقتها. لكن paradoxically، هذا الأثر نفسه، إن تمت مواجهته بصدق، يصبح مدخلاً لفهم أعمق، ووسيلة لاكتساب وعي أوسع وأكثر قوة. ابن عربي يصرح بأن:«المرء لا يعرف حقيقة وعيه حتى يواجه خيانته ويحتضن ظله. » هذا يعني أن الخيانة ليست نهاية الطريق، بل نقطة البداية لفهم الذات بشكل أعمق. كل خيانة تُظهر ثغرات في الوعي، وكل مواجهة لها تعيد ترتيب هذه الثغرات وتحولها إلى نقاط قوة معرفية وروحية. وهكذا يصبح الظل مدرسة، والخيانة مرشدًا، والوعي بوابة للتحرر. في هذا الإطار، يصبح من الضروري عدم الاكتفاء بالإدراك النظري للخيانات، بل تحويلها إلى تجربة صوفية متعمقة. كل لحظة إدراك للخيانة، كل مواجهة للظلال، هي خطوة نحو استعادة وحدة الذات وشفافية الوعي. فالنفس التي تتعلم أن ترى خيانتها وتواجهها بصدق، تصبح مرشدة لوعيها، صديقة لظلها، وحارسة لنورها الداخلي. في صرح النفس، حيث يلتقي الوعي بالظل، تتضح لنا حقيقة الخيانة كحالة داخلية قبل أن تكون فعلًا خارجيًا. فكل لحظة نرتكب فيها خيانة تجاه ذاتنا، نضع حجرًا في صرح وعيٍ مهترئ، نغلق نافذة من النور على أنفسنا، ونتخلى عن جزء من الحقيقة التي تجعلنا كائنًا متكاملًا. هنا، يصبح الظل ليس مجرد غياب للضوء، بل خزان للحقائق غير المقبولة، ومكان للاختبار الذي يقرر مصير وعي الإنسان. الوعي الذي يتعامل مع خيانته، ليس وعيًا سطحيًا يقيس الأحداث ويصنفها، بل وعي يشمل النفس بأكملها، يشمل الضمير، العاطفة، العقل، والرغبات المكبوتة. إنه وعي يقف أمام المرآة المحطمة للنفس ويقول: ها أنت أمام حقيقتك، لا تتهرب، لا تخفي شيئًا. كل خدش في هذه المرآة هو درس، وكل كسر هو فرصة لإعادة بناء الذات على أساس أكثر صلابة ونقاء. حين يُفهم الظل والخيانة بهذه الطريقة، تتحول المعاناة الداخلية إلى طريق تحرري نحو الوعي الأعلى. الإنسان الذي يرفض مواجهة خيانته، يظل أسير تناقضاته، يظل يعيش في صراع دائم بين ما هو عليه وما يعتقد أنه ينبغي أن يكون. أما من يجرؤ على مواجهة الظل، فإن كل مواجهة تصبح عملية تطهير للروح، ومساحة لاكتشاف الذات الحقيقية خارج كل أقنعة التظاهر الاجتماعي والزيف الداخلي. الدرس الأعمق هنا أن الخيانة ليست نهاية المطاف، بل انعطافة مهمة في رحلة الوعي. إنها تضع الإنسان أمام خياراته: إما الاستمرار في الهروب، أو التوقف، والنظر في المرآة، وفهم كل ضعف، كل خوف، وكل رغبة مخفية. في هذه اللحظة، يبدأ الإنسان بإعادة صياغة علاقته بنفسه والعالم، ليكون قادرًا على العيش بانسجام أكبر، بصدق أكبر، وبوعي أعمق. كما يقول ابن عربي:«ليس العارف من يبتعد عن خيانته، بل من يراها، ويعرفها، ويحتضن ظله في صمت يفيض بالنور. »هنا، تصبح الخيانة معلمًا روحيًا، والظلال ميدانًا للتجربة، والنور النهائي ليس غياب الظل، بل الانسجام معه ومع كل خفاياه. وبهذا الفهم، يصبح صرح الوعي قويًا بما يكفي لاستيعاب كل تناقضات النفس، وكل حروبها الداخلية، وكل صراعاتها مع الواقع والخيال. وفي النهاية، نجد أن مرآة النفس في الظل ليست مجرد انعكاس للخيانة، بل مرشد صامت يوجه الإنسان نحو إدراك أعظم، نحو الحقيقة التي تتجاوز الوعي العادي، نحو الذات التي تتحرر من كل أقنعة الزيف والاضطراب الداخلي. فالمواجهة هنا ليست خيارًا، بل ضرورة، والحرية الحقيقة تكمن في قبول الظل، مواجهة الخيانة، والارتقاء بالوعي إلى مستوى الوحدة الداخلية الكاملة.

4. الوجود واللاوجود: عبور ما وراء العقل

في صرح الفكر الإنساني، حيث تتقاطع حدود العقل مع امتداد الغيب، يظهر سؤال الوجود واللاوجود كأحد أعقد الألغاز التي لم تستطع أي فلسفة أو نظرية علمية أن تفك شيفرته بشكل كامل. فكلما حاول العقل أن يمسك بالوجود، يتهرب منه كالماء من بين الأصابع، ويظل اللاوجود يلاحقه كظل لا ينفك عن العارض، يحاكيه ويعاكسه في كل حركة، ليكشف لنا أن الحدود التي نرسمها بين ما هو موجود وما هو غير موجود، ليست سوى وهم نابع من محاولة العقل ضبط ما يتجاوز إدراكه. الوجود، في جوهره، ليس مجرد تواجد في المكان أو مرور في الزمان، بل هو حالة مستمرة من التفاعل بين الكينونة والمعنى، بين النفس والعالم، بين ما يُرى وما يُخفيه الغيب. أما اللاوجود، فهو ليس فراغًا مطلقًا أو غيابًا تامًا، بل فضاء محتمل لكل الاحتمالات التي لم تتحقق، لكل التجارب التي لم تولد، لكل الأصوات التي لم تُسمع، ولكل الأرواح التي لم تشارك في هذا المشهد الكوني. حين نتحدث عن عبور ما وراء العقل، فإننا لا نشير إلى هروب من التفكير أو تجاهل المنطق، بل إلى توسيع نطاق الوعي ليشمل ما يتعذر على العقل الإحاطة به وحده. العقل يحصر نفسه في أطر صارمة: السبب والنتيجة، الصواب والخطأ، الوجود واللاوجود، لكنه يظل عاجزًا عن فهم البنية الداخلية للعالم، وبنية الذات في علاقتها بما هو غير محسوس، وما هو غير محدود. هنا يأتي دور التجربة الوجودية، التي تتطلب الجرأة على مواجهة اللاوعي، مواجهة الغموض، واستقبال التساؤلات بدون رغبة عاجلة في إجابات محددة. إن عبور ما وراء العقل يعني تجاوز الحدود التقليدية للمعرفة، والارتقاء إلى مستوى يدرك فيه الإنسان أن كل فكرة عن الوجود ليست سوى انعكاس جزئي لجزء من الحقيقة. كل محاولة للعقل لفهم الكينونة بشكل مطلق، تصطدم بجدار اللاوجود، الذي يذكره بأن الوجود لا يمكن عزله عن عدمه، وأن المعنى لا يمكن فهمه بمعزل عن الغموض الذي يحيطه. وهنا، في قلب هذا التلاقي، نجد أن الوعي الإنساني يصبح مرنًا بما يكفي ليحتمل التناقضات، والروح تصبح أكثر قدرة على الانفتاح على ما وراء الصور والأسماء والتصنيفات. فالوجود بلا لاوجود يصبح جامدًا، واللاوجود بلا وجود يصبح فراغًا لا معنى له؛ لكن عندما يلتقيان، ينكشف سر التوازن الكوني، ويظهر النسيج الخفي الذي يربط بين كل ما هو محسوس وما هو محتمل، بين كل ما هو معلوم وما هو مجهول. كما يقول ابن عربي: «من فهم الوجود ولم يعرف اللاوجود، فقد فهم نصف الحقيقة فقط؛ ومن عرف اللاوجود ولم يعرف الوجود، فقد نظر إلى فراغٍ لا معنى له. أما من اجتمعا في قلبه، فقد وصل إلى وحدة كل شيء. » عبور ما وراء العقل ليس مهمة عقلية فحسب، بل رحلة روحية وفكرية تكشف للإنسان عن حدود ذاته، عن إمكانياته، وعن دوره في هذا الكون المعقد. إنها رحلة إلى ما وراء الكلمات والأفكار، إلى ما وراء الظاهر والباطن، إلى حالة من الإدراك المتسامي التي تتجاوز كل تصنيفات العقل التقليدية. وكل خطوة في هذا الطريق هي فتح لباب جديد من الحقيقة، واستدعاء لصوت الروح الذي يهمس بما لا يقوله العقل، ويكشف ما وراء كل وجود وكل لاوجود. إن عبور ما وراء العقل يتطلب إدراك طبقات الوجود المختلفة؛ فهناك الوجود الظاهر، الملموس، الذي نحسه بعقلنا وأحاسيسنا، وهو الذي نسميه الحياة اليومية، ونتعامل معه كما نتعامل مع الأشياء والأشخاص، ونحاول ضبطه وفق قوانين الطبيعة والمجتمع. لكن خلف هذا الوجود الظاهر، يمتد وجود آخر لا تقل أهميته، لكنه غامض ومتشظٍ، وجودٌ يخترق حدود الزمن والمكان، ويحتضن احتمالات لم تولد بعد، أو تجارب لم نشهدها بعد، أو أرواحًا لم تتجسد بعد. هذا الوجود الخفي هو ما يُسمى باللاوجود، لكنه ليس فراغًا بلا معنى، بل حقلٌ متماوج من الاحتمالات التي تنتظر وعي الإنسان لتكتمل وتتحقق. حينما يحاول العقل فهم هذا التباين، يكتشف أن كل محاولة لتحديد الواقع بوصفه مطلقًا، تصطدم بحائط اللاوجود الذي يذكّره بأن الحقيقة أوسع من إدراكه المحدود. اللاوجود هنا ليس غيابًا بمعناه السطحي، بل قوة كامنة، نسيج محتمل لكل ما لم يُخلق بعد، لكل قرارات لم تُتخذ، لكل لحظات لم تمر بعد، ولكل كيانات لم تكتشف بعد. ولذلك، كل تجربة بشرية، وكل فكرة نحتفظ بها، هي تقاطعات بين الوجود الظاهر واللاوجود المحتمل، بين ما هو واقعي وما هو ممكن إن عبور ما وراء العقل، إذن، ليس هروبًا من التفكير، بل توسيع للنطاق الإدراكي للإنسان، بحيث يتعلم كيف يوازن بين حدود الإدراك وما يتجاوزها. العقل التقليدي، بما يمتلكه من أدوات تحليلية ومنطقية، يظل عاجزًا أمام اللاوجود، لأنه يبحث دائمًا عن إجابات محددة، بينما اللاوجود يقدم أسئلة بلا حدود، ويترك المجال للروح لتستشعر، وللخيال أن يكتشف، وللإدراك أن يتجاوز نفسه. في هذا السياق، يصبح الإنسان رحّالة بين الظاهر والخفي، بين ما يلمسه وما يستشعره، بين ما يعرفه وما يجهله. هذه الرحلة، على الرغم من صعوبتها وتعقيدها، تمنح الإنسان قدرة فريدة على فهم الطبيعة العميقة للكون، وعلى اكتشاف أسرار ذاته التي تتجاوز حدود الوعي اليومي. فكل خطوة في عبور ما وراء العقل تكشف عن طبقة جديدة من الحقيقة، عن صوت الروح المخبوء بين خيوط الواقع والاحتمال، عن تفاعل الوجود واللاوجود في صياغة المعنى الذي لا يراه العقل وحده. ولذلك، لا يمكن للإنسان أن يفهم الوجود بمعزل عن اللاوجود، ولا أن يدرك اللاوجود بمعزل عن الوجود. الوجود واللاوجود هما وجهان لعملة واحدة، والوعي الحقيقي هو القدرة على إدراك هذين الوجهين في آن واحد، وفي تناغم مستمر. حين يحدث هذا التناغم، يدرك الإنسان أن الحقيقة ليست مطلقة ولا محدودة، بل هي فضاء متسع من التفاعل بين كل ما هو معلوم وما هو محتمل، بين كل ما هو ظاهر وما هو خفي، بين كل ما هو حي وما هو ممكن أن يكون. في هذه المرحلة من الرحلة، يصبح العقل أكثر مرونة، والروح أكثر انفتاحًا، والوجود أكثر ثراءً، واللاوجود أكثر حضورًا. فكل لحظة إدراك، وكل تأمل، وكل صمت داخلي، هو خطوة نحو فهم أكبر، نحو إدراك أعمق لما وراء الظاهر، نحو تجربة متكاملة للوجود واللاوجود معًا، كما لو أن الروح كانت تشارك الكون في نسج معناه الخاص، بعيدًا عن قيود العقل وحدوده.

حين يواصل الإنسان الرحلة بين الوجود واللاوجود، يكتشف أن كل فكرة وكل شعور وكل لحظة وعي، ليست مجرد حدث عابر، بل تفاعلٌ بين قوتين أساسيتين: ما هو موجود بالفعل وما يمكن أن يوجد. فالعقل يحاول ترتيب الأفكار، ويصنفها بحسب ما هو مألوف ومعروف، بينما الروح تدعوه للتجاوز، لتلقي الضوء على الماوراء، على ما يتعذر على المنطق استيعابه، وعلى ما يشكل خيوط الحقيقة المخفية خلف الستار اليومي للحياة. في هذا الامتداد، يصبح الصمت أداة للمعرفة. ليس الصمت مجرد غياب للكلام، بل مساحة تتسع فيها الوعي لتختبر حدود الإدراك، ومساحة تتلاقى فيها الحقيقة والخيال. كل لحظة صمت تمنح الإنسان فرصة لتدقيق النظر في ظلال وجوده، وفي إمكانية تحولات لا يمكن للعقل وحده توقعها. إنه صمت يحمل صدى اللاوجود، ويكشف عن حقيقة أن كل شيء مرن ومتغير، وأن الثبات مجرد وهم مؤقت. العبور ما وراء العقل، بهذا المعنى، يتطلب شجاعة فلسفية وروحية. الشجاعة ليست مجرد مواجهة الأفكار الصعبة، بل القدرة على التعايش مع الغموض، والقدرة على حمل تناقضات الحياة والوعي واللاوعي في آن واحد. فحين نفهم أن كل تجربة نعيشها هي تلاقي بين الممكن والحاضر، بين الحلم والواقع، بين الظاهر والباطن، ندرك أن فهم الكون لن يتحقق إلا حين نتخلى عن الرغبة في السيطرة المطلقة على المعرفة، ونسمح للروح أن تتجول بحرية في فضاء اللاوجود، محتضنةً ما لا نستطيع رؤيته، متصلةً بما هو أبعد من حدود الحس والإدراك. هنا، يصبح الوجود واللاوجود ليسا مجرد مفاهيم فلسفية، بل أدوات لاكتشاف الذات وفهم العالم. كل خطوة في هذا المسار تكشف عن طبقة جديدة من الحقيقة، عن معنى أعمق لما نعيش، عن قوة الروح في تحويل ما هو ممكن إلى تجربة شعورية حية، وعن قدرة العقل في تفسير الظاهر بما يتجاوز قدراته التقليدية. مع وصول الإنسان إلى حدود ما وراء العقل، يكتشف أن الحقيقة ليست هدفًا يُحَصَل عليه، بل تجربة مستمرة تتكشف في كل لحظة، في كل فكرة، في كل شعور، وفي كل صمت داخلي. فعبور ما وراء العقل يعني الاعتراف بأن كل شيء مؤقت، وأن كل يقين قابل للتغير، وأن كل إدراك هو جزء من شبكة أوسع لا تنتهي من الاحتمالات والكيانات والتجارب. يصبح الوجود واللاوجود شهادة على عمق الروح، وتجربة للوعي تتجاوز حدود الزمن والمكان، وتجعل الإنسان شريكًا في نسج المعنى الكوني. هنا، يكتشف أن كل شيء مترابط، وأن الحياة ليست فقط ما نراه، بل ما يمكن أن نراه، وما نشعر به، وما نعيشه في عوالم محتملة، وما نحمله في أعماقنا من إمكانات غير محدودة. وبهذا الإدراك، يصبح الإنسان رحّالة بين ما هو معلوم وما هو محتمل، بين الظاهر والخفي، بين الوجود واللاوجود، قادرًا على التعايش مع الغموض، مستنيرًا بنور داخلي يجعله يرى ما وراء الأشياء، ويختبر حقيقةً أعمق، وأوسع، وأشمل، وأصدق من أي معرفة سطحية. فالوعي الحقيقي هنا لا يقف عند حدود المنطق وحده، بل يتسع ليشمل كل إمكانيات الواقع، وكل إمكانيات اللاواقع، وكل ما يمكن أن يكون، وكل ما يمكن أن نعيشه. وهكذا، يصبح عبور ما وراء العقل رحلة متواصلة نحو الفهم الأعمق للوجود، نحو تواصل الروح مع خفايا الوعي، وإدراك أن الحقيقة ليست مطلقة، بل هي فضاء مفتوح يتسع لكل من يسعى خلفه بجرأة وحب، بوعي وانفتاح، بصمت وتأمل.

5. الوعي والخيانة: مرآة النفس في الظل

في صمت الوعي تتسرّب الخيانة كنسمةٍ لا تُرى، لكنها تقلب أركان النفس كما يقلب الزلزال وجه الأرض. ما من إنسانٍ إلّا ووقفَ يومًا أمام مرآته، لا ليرى وجهه، بل ليرى ما انكسر فيه، وما ظلّ يختبئ في أعماقه من خياناتٍ صغيرةٍ وكبيرةٍ، تجاه ذاته، تجاه أفكاره، وتجاه الحقيقة نفسها. إنّ الخيانة هنا ليست فعلاً أخلاقيًّا فحسب، بل هي انحرافٌ في بنية الإدراك، وانكسارٌ في مسار الوعي حين يخذل نفسه وينحاز إلى الظلّ بدل النور. إنّ أخطر أنواع الخيانة هي تلك التي لا ننتبه إليها، حين يتحوّل وعينا إلى عبدٍ لمعتقدٍ أو سلطةٍ أو موروثٍ يفرض عليه كيف يرى، وكيف يفسّر، وكيف يحكم. في تلك اللحظة، ينفصل الفكر عن ذاته، ويغدو مجرّد مرآةٍ عمياء تعكس ما يُلقى عليها من صورٍ زائفة. وهنا يصبح الوعي خائنًا، لا لأنّه كذب، بل لأنّه سكت. فالصمت أمام الزيف خيانة، والتصفيق للباطل خيانة، والسكوت عن سؤال الحقيقة هو الجريمة التي لا يعاقب عليها القانون، ولكنها تُميت الروح ببطءٍ أشدّ من الموت نفسه.

وحين نتأمل في خيانة الوعي، نرى أن جذورها تمتد إلى خوف الإنسان من مواجهة ذاته. فالنفس لا تخون إلّا حين تخاف. تخاف أن تفقد يقينها، أن تهتزّ صورتها أمام نفسها، أن تُجَرَّ إلى مناطق العراء العقلي حيث لا سند إلّا العقل الحرّ، ولا ملاذ إلّا الصدق. ولهذا فإنّ كلّ محاولةٍ للتحرّر من الخيانة هي في جوهرها محاولةٌ لمصالحة الذات، لإعادة بناء العلاقة بين الفكر والروح على أساسٍ من الصدق العاري، لا على رماد الأوهام. الخيانة لا تُقاس بحجم ما نفعل، بل بقدر ما نسكت عنه. فكم من مفكرٍ خان فكره حين ساوم على قناعاته! وكم من مؤمنٍ خان إيمانه حين جعل الدين أداةً لتبرير ضعفه! وكم من مثقفٍ خان وعيه حين جعل من الحقيقة سلعةً تُشترى بثمنٍ بخسٍ في سوق المصالح! إنّنا نخون حين نرتدي قناع الطهر ونحن نعلم أن في أعماقنا ظلاً لم نُواجهه بعد. ولعلّ أعمق الخيانات هي خيانة الوعي لنفسه حين يقنع ذاته بأنه حرّ. فالوهم بالحرية أشدّ من القيود نفسها. حين يقول الوعي: أنا أرى، وهو لا يرى إلّا ما سُمِح له أن يراه؛ وحين يقول: أنا أفكر، وهو لا يفكر إلّا ضمن الأسوار التي بُنيت حوله منذ الطفولة، عندها يبلغ الخداع ذروته، وتكتمل الخيانة الكبرى التي تتزيّن باسم الاستنارة. إنّ الوعي الصادق هو ذاك الذي يملك الشجاعة لاتهام نفسه قبل أن يتّهم غيره، والذي يجرؤ على النظر في المرآة دون أن يُصلح وجهه أولًا. هو الذي يسأل: من أنا حين أخلع كلّ ما ألبسني إياه الآخرون؟ من أكون إن لم أُعرِّف نفسي بما ورثته؟ هنا تبدأ رحلة التعرية الكبرى، حيث يصبح الفكر خالعًا لجلده القديم، باحثًا عن جوهرٍ لا يخون ولا يُخدع. ولذلك، فإنّ مرآة النفس في الظل ليست مكانًا مظلمًا كما يُظن، بل هي المختبر الذي يُختبر فيه صدق الإنسان مع ذاته. هناك فقط تُعرف الخيانة الحقيقية، وهناك فقط يمكن للوعي أن يولد من جديد بعد أن يحترق رماده. هل نحن قادرون على النظر في تلك المرآة؟ أم أننا نخاف أن نرى وجوهنا الحقيقية وقد تلطّخت بخياناتٍ صامتةٍ مارسناها كل يوم ونحن نحسبها حكمةً وصبرًا؟ الوعي لا يُطهِّره الإنكار، بل الاعتراف. ولا يُطهِّره الكلام، بل الصمت الصادق. فليست الخيانة أن نكذب، بل أن نعرف الحقيقة ونتجاهلها، أن نرى الطريق ونختار الظلّ لأن النور يُؤلم العين التي اعتادت الظلام إنّ خيانة الوعي لا تبدأ في لحظة، بل تتسلّل إلينا عبر الزمن، مثل سمٍّ يتقطّر في شرايين الإدراك ببطءٍ لا يُرى. يبدأ الإنسان بتنازلٍ صغيرٍ عن حقيقته، ثم يبرّر هذا التنازل باسم "الواقعية"، ثم يُسلم نفسه لمنطق "التكيّف"، ثم يتحوّل إلى ظلٍّ يتحرك بإرادة غيره وهو يظنّ أنّه ما زال حُرًّا. هذه هي الخيانة التي لا تُحدث صوتًا، لأنها لا تقع في الخارج، بل في الداخل، في أعمق طبقات الوعي، حيث يُصاغ معنى الوجود ومعنى الذات. إنّ أخطر ما في الوعي ليس الجهل، بل التواطؤ مع الزيف. فالمُضلَّل قد يُعذر، أما المُتواطئ فلا عذر له. إنّنا حين نصبح شهودًا صامتين على سقوط الحقيقة، نكون قد شاركنا في دفنها بأيدينا. كم من عالِمٍ خان علمه حين حنى رأسه للسلطة! وكم من فيلسوفٍ خان فلسفته حين جعلها تابعًا للهوى الجمعي! وكم من روحٍ خانت إشراقها حين آثرت راحة القطيع على وجع الحقيقة في كلّ خيانةٍ فكريةٍ أو روحيةٍ، هناك لحظةٌ واحدةٌ يُمكن فيها إنقاذ الذات، هي لحظة الاعتراف الداخليّ: أن تقول لنفسك لقد خنت. هذه الكلمة هي مفتاح التحوّل، لأنها تمزّق قناع النقاء المزيّف، وتكشف عمق الشرخ الذي تَخفّى تحت الألفاظ والأيديولوجيا والمُثل. فمن لم يعترف بخيانته لن يعرف أبدًا طريق الصدق. لكن ماذا يحدث حين يخون الوعي نفسه؟ حين يُصبح الفكرُ سجينًا في سجنٍ بناه بنفسه؟ عندها يتولّد نوعٌ جديدٌ من الخداع: الوعي الزائف، الذي يعيش فيه الإنسان مطمئنًا إلى كذبةٍ كبرى اسمها الحقيقة التي لا تُناقش. هناك، في تلك المنطقة الرمادية بين الإيمان والتسليم، بين الشكّ واليقين، تذوب الحدود، ويصبح الوهم أكثر راحةً من الحقيقة، والخيانة أكثر دفئًا من المواجهة. الوعي الخائن لا يعيش في الظلام، بل في الضوء المزيّف. إنه ذلك النور الذي يخدر البصيرة، ويمنح النفس شعورًا زائفًا بالسلام. وفي هذا الضوء الكاذب، يتحول الفكر إلى خادمٍ للعقيدة، والعقيدة إلى وسيلةٍ للهيمنة، والروح إلى أداةٍ في يد الخوف. وهكذا تُغتال الحقيقة باسمها، ويُدفن الصدق تحت أنقاض الكلمات التي ادّعت الطهارة. إنّ الخيانة لا تحتاج إلى خنجرٍ أو مؤامرةٍ، بل إلى لحظة ضعفٍ أمام الذات، إلى همسةٍ تقول في الداخل: دع الأمور تمضي، لا تُغضب أحدًا، لا تبحث كثيرًا، لا تشكّ". تلك الهمسة الصغيرة هي بداية كلّ سقوطٍ كبير، لأنّها تُسكت الضمير وتُصالح الكذب، فتتحوّل النفس إلى ساحةٍ تسكنها الأصوات المتناقضة دون أن تجرؤ على الصراخ. ولذلك، فإنّ مواجهة الخيانة لا تكون بالخارج، بل في الداخل، في لحظةٍ نقف فيها عُراةً أمام أنفسنا، دون أقنعة، دون مسميات، دون تبريرات. حينها فقط يُمكن للوعي أن يرى جرحه الحقيقي، لا كوصمةٍ بل كدعوةٍ للشفاء. فالوعي الذي لم يخن قط لم يُختبر بعد، لأنه لم يدخل بعد في الصراع مع ظله، ولم يعرف بعد كم هو هشّ أمام إغراء الزيف.

يا أيها الوعي، يا من تتفاخر بنورك، هل تعلم أنّ فيك ظلاً أكبر من الضوء الذي تدّعيه؟ وهل تدري أنّ كلّ معرفةٍ لم تُختبر في الألم ليست سوى ترفٍ عقليٍّ لا ينقذك حين تتفكك الحقيقة أمامك؟ إنّ خيانة الفكر ليست في الخطأ، بل في التجمّد، في التوقف عن البحث، في أن تُعلن لنفسك أنّك بلغت النهاية وأغلقت الأفق. فكلّ توقفٍ عن التساؤل هو خيانةٌ خفيّةٌ للمعنى، وكلّ يقينٍ مطمئنٍّ هو موتٌ بطيءٌ للروح. وهكذا، تظلّ مرآة النفس في الظل ساحة المعركة الكبرى بين الصدق والخيانة، بين ما نُعلن وما نُخفي، بين ما نؤمن به وما نفعله في الخفاء. هناك فقط يُعرف الإنسان حقًا، لا بما يقول، بل بما يهرب من قوله، لا بما يُفكّر، بل بما يُخفي عن فكره. في عمق كل إنسانٍ يسكن شاهدٌ خفيّ، لا ينام، ولا يُخدع، يرقب بصمتٍ ما تفعله الأنا حين تُساوم على حقيقتها. هذا الشاهد ليس ضميرًا بالمعنى الأخلاقي البسيط، بل هو جوهر النور الإلهي فينا، ذاك الجزء الذي لم يُدنّسه التبرير، ولم يُطفئه الكذب. غير أن هذا الشاهد يُحاصر في أغلبنا، يُطمر تحت رماد العادات، وتُسدل عليه ستائر المفاهيم، حتى يغدو الصوت الداخلي أشبه بهمسٍ بعيدٍ نكاد لا نسمعه إلا في لحظات الخوف أو الوحدة أو الفقد. وحين ينادي هذا الصوت، قلّة من الناس تجرؤ على الإصغاء. لأن الإصغاء له يعني مواجهة أنفسهم، مواجهة ما دفنوه طويلًا: نفاقهم، ضعفهم، رغبتهم في التصفيق أكثر من رغبتهم في الصدق. في لحظة الصدق هذه، يتهاوى كل ما ظنّه الإنسان وعيًا، وتتكشّف الحقيقة: أن الخيانة لم تكن يومًا فعلاً واحدًا، بل كانت طريقة حياة. الوعي الخائن لا يُعلن نفسه، بل يتخفّى خلف شعارات المعرفة والحرية والإيمان. هو كالسارق الذي يصرخ أمسكوا اللص كي يصرف الأنظار عن ذاته. ولهذا، فإنّ أخطر الخيانات هي تلك التي تُرتكب باسم النور. كم من فكرةٍ وُلدت من النقاء تحوّلت إلى صنمٍ لأن من حملها خاف أن يرى نقصها؟ وكم من عقلٍ رفض المراجعة، فعبد يقينه، ونصب على العتبة معبدًا لنفسه؟ من هنا، كانت الخيانة الكبرى ليست في كتمان الحقيقة، بل في ادّعاء امتلاكها. لأن من يظن أنه يملك الحقيقة يقتلها، ومن يتوهّم أنه بلغ الوعي يُطفئ نوره. فالحقّ ليس شيئًا يُمتلك

***

الكاتب سجاد مصطفى حمود

 

في بلدٍ مثل العراق، حيث تتجاور الهويات وتتقاطع الذاكرات وتتعاقب الأوجاع والأحلام، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن للفن والثقافة أن يكونا جسراً يربط بين مكوّنات هذا المجتمع المتعدّد؟

الجواب، في رأيي، هو نعم. بل إنّ الفن والثقافة قد يكونان السبيل الأصدق والأعمق لإعادة بناء النسيج العراقي بعد عقودٍ من التمزق والاحتراب.

يمكن للفن أن يكون الجامع الأعمق للهُوية الوطنية حين يُنظر إليه بوصفه لغة الروح، لا وسيلة الانتماء الضيّق. فالفن، بما يحمله من حسٍّ إنساني وجمالي، يتجاوز الجغرافيا واللهجات والسياسة، ليعبّر عن جوهر الإنسان في كل مكان. في العراق، تتجاور أنغام العود العربي مع الدف الكردي، وتلتقي الزخرفة الآشورية مع الخط العربي، وتتعانق الأغنية السريانية مع المقام البغدادي. هذا التنوع، حين يُفهم في سياقه الطبيعي، لا يمثّل تفرّقاً بل ثراءً، ولا اختلافاً بل تنوّعاً يؤكد وحدة الجذور وتعدّد الأغصان.

الفن هو اللغة التي لا تحتاج إلى ترجمة، ولا تعرف الحدود الطائفية أو القومية. حين تعلو نغمة المقام العراقي، أو يصدح شاعر بكلمةٍ صادقة عن الوجع والفرح، أو يرسم فنان مشهداً من بغداد القديمة أو من أهوار الجنوب، فإننا لا نرى مذهب الرسام ولا قومية الشاعر، بل نرى العراق في صورته الإنسانية الجامعة. فالفن يتحدث إلى القلب، والقلب لا يعرف سوى الجمال والصدق.

إنّ الفنون العربية والكردية والتركمانية والآشورية والسريانية ليست مجرّد تعبيرات عن هويات فرعية، بل هي مجموع أصوات تعبّر عن الوجدان العراقي في تنوّعه. حين يغنّي الكردي للجبل، والعربي للنخلة، والمندائي للنهر، والآشوري للطبيعة، فإنّ كلاً منهم يصف وجهاً من وجوه الوطن ذاته.

إنّ الوحدة لا تتحقق بالصهر أو الإلغاء، بل بالاعتراف بأن كل لونٍ من ألوان الفن خيطٌ في نسيج الوطن. فالتنوّع الفني لا يُضعف الهوية الوطنية، بل يمنحها عمقاً وبعداً إنسانياً يجعلها قادرة على مخاطبة العالم بثقةٍ وتفرّدٍ لا يشبه إلا العراق نفسه.

ولكي يكون الفن جامعاً حقّاً للهُوية الوطنية، لا بد أن يحظى بحريةٍ صادقةٍ ومساحةٍ عادلةٍ لكل المبدعين، بعيداً عن التسييس والتهميش. فالمؤسسات الثقافية والإعلامية ينبغي أن ترى في هذا التنوّع طاقةً خلاقة، لا تهديداً للوحدة. عندها فقط يمكن للفن أن يتحوّل إلى جسرٍ بين المكوّنات، وإلى لحنٍ وطني واحدٍ تُعزفه الحرية، ويقوده الوعي بأن الجمال لا يُعرف بلغةٍ واحدة، بل بكل اللغات التي تنبض على هذه الأرض.

الثقافة بدورها ليست ترفاً ولا هواية، بل ذاكرة وطنية مشتركة تذكّرنا بأننا ننتمي إلى أرضٍ أنجبت أول كتابةٍ وأول قانونٍ وأول أغنية. من سومر إلى العباسيين، ومن المقام إلى المقاهي الأدبية، من السيّاب إلى يوسف العاني، ومن الجواهري إلى سعدي يوسف... جميعهم صاغوا وجداناً عراقياً واحداً، مهما حاولت السياسة تمزيقه.

وللفن أيضاً قدرةٌ ناعمة على فتح الحوار دون صدام؛ فحين يُقدَّم على المسرح عملٌ يناقش الانقسام أو الفساد أو الاغتراب، فإنه لا يهاجم أحداً، بل يعكس مرآة الواقع ويدعو إلى التفكير. إنها الطريقة الأذكى لطرح الأسئلة الكبرى من دون ضجيجٍ ولا خصومة.

لكن لا يمكن للفن أن يؤدي دوره ما لم يجد الحرية والدعم والاحترام. فالمبدع لا يزدهر في بيئةٍ خائفةٍ أو محاصَرة. الدولة التي تؤمن بالثقافة، والمجتمع الذي يحتفي بالمبدع بدل أن يهاجمه، هما الشرطان الأساسيان لتحويل الفن من نشاطٍ فردي إلى مشروعٍ وطني.

نحن اليوم بحاجةٍ إلى مشروعٍ ثقافيٍّ عراقيٍّ جديد، لا يقوم على التباهي بالماضي فحسب، بل على استلهامه لبناء المستقبل. مشروع يجعل من المسرح والموسيقى والسينما والكتاب جسور تواصلٍ بين المدن والقلوب، لا أدوات دعايةٍ أو ترفاً للنخبة.

فعندما يغنّي العراقي مع أخيه من مدينةٍ أخرى، ويضحك على مشهدٍ مسرحيٍّ يتحدث عن وجعه المشترك، ويقرأ روايةً تصف غربته وآماله، عندها فقط يمكن القول إنّ الفن والثقافة قد أدّيا رسالتهما: إعادة اكتشاف الإنسان فينا، قبل أي انتماءٍ آخر.

يُعدّ الفن أحد أهم الحقول الرمزية القادرة على التعبير عن الهوية الوطنية وصياغتها في آنٍ واحد، إذ يتجاوز بطبيعته الحدود اللغوية والإثنية والدينية، ليصبح أداةً للتواصل الإنساني العام. وفي السياق العراقي، تتجلّى هذه الخاصية بوضوح من خلال التنوّع الثقافي الواسع الذي يجمع الفنون العربية والكردية والتركمانية والآشورية والسريانية والمندائية وغيرها في نسيجٍ واحدٍ متعدّد الألوان. هذا التنوّع، حين يُفهم في إطاره الطبيعي، لا يمثل انقساماً، بل يشكّل رصيداً ثقافياً يمكن أن يُسهم في ترسيخ هويةٍ وطنيةٍ جامعةٍ، قوامها الاعتراف المتبادل والاحترام المتكافئ بين مكوّناتها.

إنّ الفنون العراقية بمختلف تجلياتها لا تعبّر عن هوياتٍ فرعيةٍ منعزلة، بقدر ما تعبّر عن وجوهٍ متكاملةٍ لوجدانٍ وطنيٍّ واحد. فحين يُتاح للفن أن يعمل بحريةٍ وضمن رؤيةٍ ثقافيةٍ شاملة، يصبح وسيلةً لإعادة إنتاج الانتماء المشترك، لا لإعادة إنتاج الانقسام. إنّ المشروع الثقافي الوطني لا يكتمل بفرض هويةٍ واحدة، بل بخلق تفاعلٍ خلاّقٍ بين الهويات، يُعيد صياغة مفهوم الوطن على قاعدة الجمال والتنوّع العراقي المشترك. ومن ثمّ، يغدو الفن ليس مرآةً للوطن فحسب، بل أداةً في بنائه واستمراره.

من هذا المنظور، يصبح الفن فضاءً للتكامل الرمزي لا للصراع الهويّاتي، ويغدو وسيلةً لإعادة تعريف "العراقية" بوصفها مشروعاً ثقافياً جامعاً يتأسس على التعدّد لا على التطابق.

ولتحقيق هذا الدور الجامع في الواقع، لا بدّ من توافر بيئةٍ ثقافيةٍ ومؤسساتيةٍ داعمة، تقوم على العدالة في تمثيل الفنون المحلية، وتكفل حرية التعبير والإبداع لجميع المكوّنات دون استثناء.

إنّ بناء هويةٍ وطنيةٍ جامعةٍ عبر الفن يتطلّب رؤيةً رسميةً تعترف بأنّ الجمال لا يُعرف بلغةٍ واحدة، بل بكلّ اللغات التي تنبض على هذه الأرض. وبهذا الفهم، يتحوّل الفن العراقي من مجرّد انعكاسٍ للتنوّع إلى أداةٍ فعّالةٍ في إنتاج الوحدة، ومن مظهرٍ ثقافي إلى قيمةٍ وطنيةٍ جامعة.

فالموسيقى والمسرح والسينما والتشكيل والشعر، كلّها لغاتٌ يفهمها الجميع رغم اختلاف الانتماءات. والعراق ليس فقط مكوّناتٍ متجاورة، بل حضارةٌ تمتدّ إلى آلاف السنين.

الثقافة تُعيد الناس إلى الجذور المشتركة: سومر وبابل وآشور، بيت الحكمة والمقام العراقي والمقاهي القديمة.

إنّ الفن والثقافة هما الذاكرة المشتركة واللغة التي تُعيد تعريف "العراقي" بمعناه الإنساني الشامل، لا الطائفي الضيّق.

ومنذ أن تشكّلت أرض الرافدين مهدًا للحضارات، كانت تنوّعاتها القومية والدينية والمذهبية والثقافية جوهراً لخصوبة التجربة العراقية، لا مجرّد فسيفساء بشرية. فالعراق لم يكن يوماً لوناً واحداً، بل لوحةً رسمتها قرونٌ من التفاعل والتجارة والهجرات والاحتكاك.

لكنّ هذا الفن لم يكن دائمًا بمنأى عن الجرح. فحين تتراجع القيم المدنية ويتقدّم خطاب التعصّب والمصالح الضيقة، تضعف الروابط التي تحفظ النسيج الوطني. لذلك، يصبح واجب النخبة الثقافية، والمؤسسات التعليمية، والإعلام الحرّ، أن تُعيد ترميم هذا الفنّ، وتُعيد إلى الوعي الجمعي العراقي قدرته على الإصغاء المتبادل لا الاتهام المتبادل.

إنّ بناء السِّلم الأهلي لا يبدأ في القصور ولا في القاعات السياسية، بل في المدرسة، في الحارة، في الأغنية الشعبية التي تُغنّي للجار قبل الدار. ويبدأ في احترام المختلف لا بوصفه خصماً، بل شريكاً في المصير والذاكرة. فالمكوّنات العراقية ليست جُزراً منفصلة، بل أنهاراً تصبّ في دجلة والفرات، كلٌّ منها يحمل طميه الخاص ليغذّي خصوبة الوطن الواحد.

في النهاية، فإنّ فنّ المكوّنات العراقية مشروعٌ أخلاقيٌّ وجماليٌّ بقدر ما هو وطنيّ: أن نرى في التنوّع جمالًا، وفي التعدّد ثراءً، وفي الآخر مرآةً للذات. ومن هنا يمكن للعراق أن يستعيد صوته الحقيقي: صوت الصداقة، والسَّلام، والكرامة الإنسانية.

إنّ فنّ العيش المشترك في العراق ليس شعاراً حديثاً، بل إرثٌ اجتماعيٌّ عميق، يُمارَس في الأسواق، وفي الأعراس، وفي المضايف والمقاهي التي جمعت الكردي والتركماني والعربي والآشوري والكلداني والسرياني، والمسيحي والمسلم والإيزيدي والصابئي، على مائدةٍ واحدةٍ ونغمةِ عودٍ واحد. هذا التعايش هو ما يمكن أن نسمّيه: فنّ المكوّنات العراقية.

***

جورج منصور

مصر منبع الحضارة وذاكرة الوعي الإنساني

ان افتتاح المتحف المصري الكبير يمثل حدثًا يتجاوز حدوده الأثرية ليصبح بيانًا حضاريًا معاصرًا يذكّر العالم بأن مصر ليست مجرد شاهدٍ على التاريخ، بل هي بدايته. بهذا الحدث تُعيد مصر صياغة سرديتها بوصفها منبع الحضارة الإفريقية وأول تعبير عن الوعي الإنساني المنظم. فالمتحف، القائم على مقربة من أهرامات الجيزة، لا يُعد مجرد فضاء لعرض القطع الأثرية، بل جسرًا معرفيًا وروحيًا يصل بين الماضي والحاضر، بين عبقرية الأجداد وإبداع الأجيال المعاصرة. إنه لا يكتفي بعرض آثارٍ من عصور الفراعنة، بل يعرض ذاكرة الإنسانية في أقدم صورها؛ فهو يربط بين الجذور الإفريقية لمصر وبين امتدادها الكوني، ليؤكد أن الوعي بالحضارة بدأ من مصر، وانبثق منها إلى القارة والعالم.

وتُعدّ الحضارة المصرية القديمة من أبرز النماذج التي جسّدت الإنسان بوصفه صانعًا للمعنى والوجود في آنٍ واحد. فمنذ فجر التاريخ، استطاع المصري أن يؤسس لنفسه منظومة فكرية وأخلاقية متكاملة تجمع بين البعد المادي والروحي، وتضع في صميمها تصورًا شاملاً للعالم يقوم على التناغم بين الإنسان والطبيعة والإله. فالمنظومة الفكرية المصرية، التي تمحورت حول مفهوم "ماعت" أي العدالة الكونية والنظام الأخلاقي أسست لوعي إنساني مبكر بالعلاقة بين السلطة والأخلاق، وبين الحقيقة والعدل، وبين الفرد والمجتمع. إن النظر للحضارة المصرية اليوم ليس لاستعادة ماضٍ منتهي، بل لإحياء رؤية إنسانية أصيلة كانت نواة التاريخ الفكري للبشرية، ومرآة مبكرة لتجليات الوعي الإنساني في صورته الكونية الأولى.

أولاً: الحضارة المصرية القديمة: منارة الإنسانية وإرثها العظيم

أن الحضارة المصرية القديمة تُعد واحدة من أقدم وأعظم الحضارات الإنسانية.  فقد نشأت على ضفاف نهر النيل منذ أكثر من سبعة آلاف سنة، واستطاعت أن تبني لنفسها نظامًا حضاريًا متكاملًا جمع بين العمق في الفكر الديني والفلسفي، والإبداع في الفنون والعمارة، والدقة في العلوم والمعارف. والعبقرية في التنظيم السياسي والإداري. فمنذ توحيد القطرين حوالي عام 3200 قبل الميلاد، أرسى المصريون القدماء دعائم دولة مركزية قوية، تميزت بالاستقرار السياسي والتنظيم الإداري والازدهار الفكري. لقد شيدوا صرحًا حضاريًا شامخًا، لم يقتصر تأثيره على جيرانهم فقط، بل امتد ليصبح مصدر إلهام للحضارات اللاحقة. هذا الإرث العظيم يدعونا إلى التعمق في تحليل وفهم بصمات هذه الحضارة على مجمل تاريخ البشرية، وكيف كانت مصر، بعبقريتها، منارةً قادت الإنسانية نحو آفاق جديدة من العلم والمعرفة. لقد تركت مصر القديمة بصمات لا تُمحى في مختلف مجالات المعرفة والعلوم، وتشمل أبرز إسهاماتها ما يلي:

البنية الأخلاقية والفكرية للحضارة المصرية

تميّزت الرؤية المصرية القديمة بكونها رؤية شمولية تجمع بين البعد الأخلاقي والميتافيزيقي. وقد تمحورت هذه الرؤية حول مفهوم "ماعت" (Maat)، الذي يجسد فكرة العدالة الكونية والنظام الأخلاقي الذي يحكم الكون والإنسان معًا. "ماعت" ليست مجرد مبدأ ديني، بل نظرية فلسفية مبكرة في الأخلاق والنظام الاجتماعي، إذ تشير النصوص المصرية إلى أن استقرار الدولة والمجتمع مرهون بتحقيق هذا التوازن بين الإنسان والكون. فكلمة ماعت تستخدم للدلالة على أكثر من معنى، فقد استخدمها المصريون للدلالة على الخير أو العدل أو الإصلاح أو الحقيقية، ولعلها كانت تتضمن كل الأفكار الأربعة[1].

أن أول ظهور ناضج إلى حد ما لمفهوم الماعت في المجال الأخلاقي كان مرتبطاً بعصر الأهرامات إلا أن الكلمة نفسها قد انحدرت من الأزمان الغابرة السابقة على ذلك العصر. فمنذ عهد الدولة القديمة عرف المصريون مسألة الحق والباطل وبحثوا في وجوهها، ففي دراما منف التي نعرفها عن نسخة متأخرة من العصر الحديث لكن محتواها يرجع إلى عصر قديم جداً[2]. فقد عدها برستيد أول بحث فلسفي وصل إلينا من العالم القديم، فهي محاولة لتفسير أصل جميع الأشياء بما في ذلك نظام العالم الأخلاقي[3].

الفكر السياسي والاجتماعي

قدّمت مصر القديمة أول نموذج تاريخي للدولة المركزية المنظمة، التي تقوم على شرعية مزدوجة: شرعية دنيوية وأخرى كونية. فالفرعون لم يكن مجرد حاكم سياسي، بل رمزًا للوحدة الكونية بين السماء والأرض. وقد أسهم هذا التصور في إرساء مفاهيم مبكرة عن السلطة المسؤولة والعدالة الاجتماعية، بما جعل التجربة المصرية نموذجًا لتكامل السياسة والأخلاق في التاريخ القديم. ماعت أُطلقت كصفة للحكم الصالح أو الإدارة الصالحة ولكن لا يمكن ترجمتها بكلمة حكم أو إدارة أو قانون، فإن ماعت كانت الصفة الملاءمة لتلك الأشياء عند تطبيقها، فكان لتلك الكلمة نفس المرونة التي كانت لكلمة حق أو عدل أو صدق أو شيء منتظم. فكانت ماعت بمثابة القوة الكونية للانسجام والاستقرار، نزلت منذ خلق العالم كصفة كونية منظمة للظواهر التي تم خلقها. وكان من الضروري أن يعاد تثبيتها عندما يتولى عرش مصر أي ملك – إله، ففي المناظر المنقوشة على جدران المعابد نري الملك يقدم ماعت كل يوم للآلهة الآخرين كدليل ملموس على أنه قائم بوظيفتها الإلهية نيابةً عنهم، كأنما كان هناك شيء لا يتغير أبدي عالمي يحيط بماعت. فإنها العدل بمعناه القانوني في أعمال الإدارة وهي الصلة العادلة الملاءمة لما في هذا العالم من ظواهر بما في ذلك الصلة بين الحاكم والمحكوم[4].

الإنجاز العلمي والمعرفي

برعت مصر في كثير من العلوم والفنون على سبيل المثال؛ الهندسة والعمارة، تُعتبر الأهرامات، خاصة أهرامات الجيزة، شاهدًا على العبقرية الهندسية للمصريين القدماء، ولا تزال لغزًا يحير العلماء. كما أبدعوا في بناء المعابد الضخمة بتقنيات متقدمة أثرت على فن العمارة العالمي. الري والزراعة، تطويرهم لنظام متقن للتحكم في مياه النيل والزراعة المعتمدة على فيضانه كان أساس استقرارهم وازدهارهم، ما يمثل نموذجًا مبكرًا لإدارة الموارد. العلوم والرياضيات والطب؛ الطب والجراحة: كشفت البرديات عن معرفة واسعة بـعلم التشريح ووظائف الأعضاء، بما في ذلك القلب، وتميزهم في الجراحة والتحنيط، وهي قفزة نوعية لا يزال سرها يحير العلماء. الرياضيات والفلك، ساهموا في تطوير مفاهيم رياضية متقدمة كـمفهوم الصفر واستخدام الكسور. وفي علم الفلك، كان إنجازهم الأروع هو ابتكار التقويم الشمسي، الذي هو أساس التقويم المستخدم حاليًا. اللغة والكتابة، ابتكروا أحد أقدم أنظمة الكتابة المعروفة، وهي الهيروغليفية؛ التي سمحت بتوثيق تاريخهم وثقافتهم وعلومهم، ووفرت رؤى قيمة لفهم الحضارات القديمة[5]. قدمت مصر القديمة رؤية كونية شاملة، فكانت بذلك أقدم دولة مركزية في التاريخ، دولة متكاملة الأركان من دين وأخلاق وعلوم وفنون وسياسة.

ثانياً: الوحدة الثقافية المشتركة بين مصر وإفريقيا جنوب الصحراء

إن الحديث عن الحضارة المصرية القديمة لا يكتمل دون الربط بينها وبين محيطها الإفريقي، فنهر النيل ليس مجرد شريان حياة لمصر، بل هو جسر للتواصل الثقافي والحضاري مع عمق القارة الإفريقية. لقد تشاركت مصر وإفريقيا في منظومة قيمية وثقافية واحدة، تقوم على احترام الحياة، وقداسة الأرض، وأهمية الجماعة، والارتباط بالبعد الروحي في الوجود. ويمكن أن نلمس هذه الوحدة في الرموز الدينية، والعادات الاجتماعية، والفنون، واللغة، والأخلاق بل وحتى في النظرة إلى الكون والطبيعة. إنّ ما يجمع مصر بإفريقيا ليس مجرد البعد الجغرافي، بل الروح الثقافية المشتركة التي جعلت من القارة مهدًا للحضارة ومصدرًا للقيم الإنسانية الأصيلة. ومن هنا، فإنّ فهم مصر القديمة في بعدها الإفريقي يفتح أفقًا جديدًا لإعادة قراءة التاريخ الإنساني من منظور مصري إفريقي.

الانتماء الإفريقي للحضارة المصرية

تُبرز الأدلة الأثرية والأنثروبولوجية أن مصر القديمة كانت أساساً حضاريًا وثقافيًا طبيعيًا للفضاء الإفريقي. فقد شكّلت حضارات النوبة، وكوش، وبلاد بونت، تفاعلات مستمرة مع وادي النيل، سواء من حيث الرموز الدينية أو الفنون أو النظم الاجتماعية. يقدم الشيخ أنتا ديوب عدة أدلة على وجود وحدة ثقافية مشتركة بين مصر وإفريقيا جنوب الصحراء، متمثله في اللغة والآداب الذي خلفها المصريون لم يكن لديهم سوى كلمة واحدة يدللون بها على أنفسهم سوى كلمة كمت(*)Kmt   وهو أقوى لفظاً باقياً من اللغة الفرعونية يعبر عن السواد، هذا اللفظ هو الأصل الذي اشتق منه الجذر المعروف حامي والذي كثر استعماله في المؤلفات الأنثروبولوجية الحديثة، وربما كان الأصل المستمد من التوراة (حام) مشتقاً منه[6].

ومن بين الأدلة التي يوردها ديوب أيضاً دليلاً خاصتً بالألقاب الإلهية؛ حيث إن أسود أو زنجي هو اللقب الإلهي الذي يستعمل بصورة ثابتة في وصف أكبر الآلهة المصرية الخيرة، في حين أن الأرواح الشريرة كانت توصف بأنها دشرت = حمراء؛ وهذا التعبير في عرف الأفارقة يشير إلى الشعوب البيضاء. ومن المؤكد أن ذلك كان يصدق على مصر أيضاً. فكلمة دشرت هي المضاد اللغوي لكلمة كيمت والتي استخدمت كلقب لأوزيريس في حين استخدام دشرت للإشارة إلى ست (إله الشر)[7].

سعى ديوب إلى إظهار الوحدة الثقافية لأفريقيا وقد ذكر ذلك في مقدمة كتابة الوحدة الثقافية لأفريقيا السوداء حيث يقول "لقد حاولت إظهار الوحدة الثقافية العميقة، وشرح جميع السمات الثقافية المشتركة للأفارقة. وقد تطرق بإيجاز إلى مفاهيم الدولة والملكية والأخلاق والفلسفة والدين والفن وبالتالي إلى الأدب وعلم الجمال، وفي كل من هذه المجالات المختلفة حاول عرض القاسم المشترك بين الثقافة المصرية والثقافة الأفريقية [8].

النظام الأمومي Matriarchy: أحد مميزات المهد الجنوبي، يعتبر النظام الأمومي واحداً من أهم مظاهر الوحدة الثقافية المشتركة داخل القارة الأفريقية، وهو إحدى السمات التي اعتمدها ديوب في مناقشته حول الأصول الزنجية للحضارة المصرية القديمة. فقد كان أساس التنظيم الاجتماعي في مصر وفي جميع أنحاء أفريقيا السوداء يقوم على النظام الأمومي، وفي المقابل لم يتمكن أحد أبداً من إثبات وجود مثل هذا النظام في العصر الحجري القديم في حوض البحر الأبيض[9].

إن القارة الأفريقية ذات الطابع التاريخي تم فيها دمج الأم في المجال الروحي والأخلاقي كمركز لتكاثر الأسرة والمجتمع بشكل عام والحفاظ عليها. ففي وقت مبكر من بداية الكون، فقد تم تحديد الثالوث الزراعي السماء والأرض والغطاء النباتي مع ثالوث نصف الإله لأوزوريس وإيزيس وحورس. وكان هذا التمثيل مرتبطاً بملاحظة العملية الطبيعية التي ارتبطت فيها دورة الحياة النباتية بظهور الأم وظهرت الزراعة في الوعي البشري كإلهة خصبة بشكل دوري بفعل السماء. وقد أعتقد ديوب أن الطابع الزراعي والأمومي تم شرحه بإسهاب في أسطورة أوزوريس وإيزيس. لقد تمكن ديوب من رسم سمتين ثقافيتين وحضارتين أساسيتين وهما أنه كان محصوراً في القارة الأفريقية وتميزه بالعائلة الأمومية[10].

الملكية Kingship: يعتبر مفهوم الملكية من السمات البارزة بصفة عامة بين مصر وبقية أفريقيا السوداء. الملك هو الإله على الأرض، الذي يعكس الخليقة ويديمها، أنه الوسيط بين الله (والده) والإنسانية[11]. وبغض النظر عن المبادئ العامة مثل الطبيعة المقدسة للملك، إلا أن هناك سمة أخرى مشتركة ذات طابع فريد، وهي القتل الطقوسي للملك. حيث كان يجب على الملك الذي يحكم مصر أن يكون في أوج قوته. ويبدو أنه كان يقتل فعلاً في بداية الأمر عندما كانت تضمحل قوته. إلا أنهم قد توصلوا إلى وسيلة أخرى تحول قتل الملك الفعلي وبذلك بقتلة رمزاً: فلم يعد يقتلونه إلا طقوسياً، وذلك عندما يتقدم في السن، وذلك في حفل يستعيد فيه الملك شبابه في نظر الشعب ويصبح صالحاً للقيام بمهامه. وهكذا أصبح (حفل السد) احتفالاً بتجديد شباب الملك، وأصبح موت الملك الطقوسي وتجديد شبابه مترادفين، وكان يتمان في مناسبة واحدة. وكان ذلك يظهر بشكل مختلف في السنغال عما كان عليه في مصر. حيث كان الملك يستطيع أن يتولى الحكم إذا أصيب بجروح أثناء معركة، وكان يقوم بتعيين من يحل محله حتى شفاؤه. إلا أن في مناطق أخرى من أفريقيا كانت تجري الأمور تماماً على غرار مصر، وذلك فيما يتعلق بقتل الملك فعلاً. ومن الشعوب التي تمارس موت الملك الطقوسي في أفريقيا السوداء: اليوربا، والداجومباس، التشامباس، الاينجارا، اليوادى، وكان ذلك التقليد متبعاً أيضاً في مروي القديمة، أي في النوبة واوغاندا – رواندا[12].

الطوطمية Totemism: لقد احتفظت الطوطمية المصرية بحيويتها حتى العصر الروماني، وهو ما يشير إليه بلوتارك. وقد أكدت أبحاث العلماء أمثال مورية، لوريه، أملينو؛ بوضوح وجود نظام طوطمي مصري، وهو ما يدحض ما ذهب إليه أنصار نظرية عبادة الحيوان[13]. وقد يستحيل إنكار أن تحريم بعض الحيوانات والنباتات في مصر يتفق تماماً كما هو الحال في كافة المناطق – وبالأخص في أفريقيا السوداء – حيث توجد الطوطمية بشكل لا يتطرق إليه الشك. وكان الزواج من داخل القبيلة والطوطمية لا يتعارضان، بل يتعايشان معاً. وهكذا نجد في أفريقيا جنوب الصحراء الآن زوجين يحملان نفس الاسم الطوطمي، وكان الزوجين يدركون جيداً أن كلا منهما مشترك بحياته في جوهر طوطمه. وعليه كان يدركان تماماً أنهما مشتركان في نفس الجوهر الحيواني، ونفس الجوهر الحياتي[14].

الختان Circumcision: وفقاً لما ذكره هيرودوت، فإن الختان يرجع إلى أصل أفريقي. فقد ذكر أن الكولخيين والمصريين هم الوحيدون الذين لجأ إلى الختان منذ الأزمنة البعيدة. ويعترف بأن الفينيقيون وسوريو فلسطين تعلموا الختان من المصريين، ولكن السوريين الذين يعيشون على شواطئ الترمودون وجيرانهم الماكرونيين، يقرون بأنهم أخذوا ذلك منذ زمن بعيد من الكولخيين، وهذه الشعوب الوحيدة التي تمارس الختان، ويقال إنهم يحاكون في ذلك المصريين. ووفقاً لما قاله هيرودوت، الذي رأي بعينه المصريين، بأن الختان من أصل مصري وأثيوبي[15].

نشأة الكون Cosmogony: تتقارب مفاهيم نشأة الكون الأفريقية والمصرية حتى أنها تكمل بعضها في كثير من الحالات. ومن اللافت للنظر أنه يتعين الرجوع إلى العالم الأسود لفهم بعض المفاهيم المصرية[16]. لقد كان هناك ثلاثة أنظمة فكرية عظيمة في مصر حاولت شرح أصل الكون، ووفقاً لهذه الأنظمة، لم يتم إنشاء الكون في يوم معين ولكن كان هناك دائماً كل غير مخلوق، دون بداية أو نهاية، دون حدود، وكانت مادته الفوضوية في الأصل مساوية للعدم[17].

التشابه اللغوي: يقول أنتا ديوب "بقدر ما توجد صعوبة في إثبات علاقة القرابة بين اللغة المصرية القديمة واللغات الهندو – اوربية والسامية – بقدر ما يسهل إثبات رابطة الوحدة الوثيقة بين اللغة المصرية القديمة واللغات الزنجية"، "لا تؤدي المقارنة بين اللغات الأفريقية واللغة المصرية القديمة إلى علاقات غامضة يمكن اعتبارها مجرد احتمالات، بل إلى تطابق في قواعد الصرف والنحو على نطاق واسع، حيث لا يمكن اعتبار ذلك مجرد صدفة"[18].

إن لغة الولوف وهي لغة سنغالية يجري الكلام بها في أقصى غربي أفريقيا على المحيط الأطلنطي، تشبه كثيراً اللغة المصرية، مثلها في ذلك مثل اللغة القبطية. وإن الصلة بين اللغة المصرية القديمة ولغات أفريقيا ليست صلة افتراضية، بل هي حقيقة ملموسة يستحيل على العلم الحديث أن يتجاهلها، حيث إن الصلة بينهما هي صلة نسب وقرابة[19]. إن اللغة المصرية القديمة تعبر عن الماضي ببدء الفعل بحرف النون مثل الولوف، وهناك تصريف للأفعال توجد حرفياً في الولوف؛ كما أن أغلب هذا التصريف مماثل لما يوجد في الولوف؛ والضميران المضافان بالمصرية القديمة (إف) و (إس) حرفياً في الولوف، كما ان حروف الإشارة واحدة في اللغتين، والمبني للمجهول تعبر عنه نفس البداية (او) في اللغتين؛ كما يكفي إحلال (اللام) في الولوف محل (النون) في اللغة المصرية القديمة للانتقال من الكلمة المصرية إلى كلمة الولوف بنفس المعنى(*)[20]. وعن الأصول المصرية لبعض الثقافات الأفريقية يمكن أن نورد نموذجين وهما:

اليوربا Yoruba/ حيث توجد شكوك حول صحة أن أصل اليوربا آسيوي، لا يوجد مجال للشك في أنهم كانوا في أفريقيا منذ حقبة قديمة للغاية. وهناك وقائع تدفع إلى الاستنتاج بأنهم لا بد من أن يكونوا قد استقروا لمدة طويلة في هذه البقعة من القارة والمعروفة بمصر القديمة، هذه الوقائع تتمثل في التشابه بين اللغة وتماثلها، تشابه المعتقدات الدينية وتماثلها، تشابه الأفكار والممارسات الدينية أو تماثلها، بقاء عادات واسماء ومواقع وأدوات... فنجد في مجال التماثل في المعتقدات الدينية (فكرة الحياة الأخرى والحساب بعد الموت – تالية الملك – رسوخ الإيمان بالحياة الآخرة – الإيمان بوجود روح حارسة ليست إلا مظهر للكا) فكافة المفاهيم المتعلقة بالكائن في مصر القديمة، مثل الكا، والبا نجدها عند اليوربا كما أن هذه المصطلحات توجد حرفياً في لغتي البول والولوف. كما أن محفل الأرباب المصري مع قرينه اليوربي، يكفي لإثبات وجود اتصال قديم، ومن الشعب اليوربي وأساطيره يمكن معرفة أنهم قد استقروا في موطنهم الحالي منذ زمن قريب نسبياً، بعد هجرة من الشرق إلى الغرب، ولذا يمكننا القول إن المهد المشترك الأول لليوربا والمصريين، حقيقة تاريخية[21].

البول Peul/ كما أورد ديوب أن البول قد نشأُ في منطقة أفريقيا الغربية، هم على الأرجح قد قدما من مصر، شأنهم شأن شعوب أفريقيا الغربية، ويمكن دعم ذلك الافتراض بحقيقة رئيسية، وقد تكون أهم حقيقة حتى الآن، وهي تتعلق بتماثل أسمى علم طوطميين يتميز بهما البول، مع تصورين متميزين أيضاً للمعتقدات الميتافيزيقية المصرية، ألا وهما الكا والبا. (الكا) الذي يتحد مع الزيت هو كائن إلهي يعيش في السماء ولا يظهر إلا بعد الموت، وباتحاد الكا والزيت يكونان الكائن المتكامل الذي يبلغ حد الكمال، ويكتسب هذا الكائن صفات جديدة تجعله أحد سكان السماء، وهو يسمى (البا) الروح. والروح با الممثلة بالطائر با ذو الرأس البشري، تعيش في السماء، وبمجرد أن ينضم الملك إلى الكا الخاص به فإنه يصبح با. وبصرف النظر عن مدى صحة هذا التفسير للكا والبا المصريين، إلا أن أهم ما في الأمر هو أن هذين المفهومين يقومان بدور لا يمكن إنكاره في التصور المصري للكائن، غير أن الكا والبا، هما الاسمان الطوطميان النموذجيان الوحيدان عند البول. إن المفاهيم المتعلقة بالميتافيزيقا المصرية قد تنوعت معانيها وفقاً للشعوب التي نقلتها عنها. بينما ظل المعنى المصري لهذه التصورات قائماً في لغة الولوف، إلا أن بعض هذه المفاهيم تحول عند البول إلى أسماء طوطمية ومنها الكا والبا، اللتين تحولا إلى اسمي طوطميين، أي عرقيين تقريباً. إن علاقة لغة البول بلغة الولوف لا تترك مجالاً للشك حول وحدة تلك اللغات الوثيقة[22].

ومن السمات الثقافية المشتركة أيضاً بين مصر وأفريقيا، الآلات الموسيقية التي تستعمل في أفريقيا الغربية الآن هي نفسها الآلات المصرية القديمة، كما أن العادات والشعائر المصرية التي شاعت بين الزنوج في أفريقيا هي باقية بين الزنوج حتى الآن على أصلها المصري، كما أننا نلمس الأصل في العقائد الزنجية وأنظمتهم الاجتماعية في عقائد مصر القديمة[23]. كما جادل ديوب بالدليل الأنثروبولوجيا الفيزيائية، اختبارات جرعة الميلانين، قياسات العظام واختبارات فصائل الدم، تكشف عن أفريقية محددة لمصر، كما قدم أدلة فنية من خلال النحت والرسم المصريين فضح السمات النموذجية للشكل الأفريقي للمصريين القدماء وأوجه تشابههم مع بعض النوبيين. منذ أن تم الاعتراف بأفريقيا على أنها الموطن الأول للبشرية، فإن وجود اختلافات طفيفة وحادة في لون البشرة وهياكل العظام كلها أمور لا تحتاج إلى شرح. وأخيراً، تقع مصر جغرافياً داخل أفريقيا[24].

الأخلاق الإفريقية والأخلاق المصرية القديمة

لم تقتصر الوحدة الثقافي بين مصر وإفريقيا جنوب الصحراء على السمات السابقة فقط بل تطرقت إلى المجال الأخلاقي والاعتقاد الديني. ففي مجال الأخلاق؛ يمكن الحديث عن الأخلاق الإفريقية من خلال منظور "أوبونتو Ubuntu". يشير أوبونتو في الأخلاق الإفريقية إلى "الإنسانية" في العديد من لغات البانتو.  إنه يلخص القيم الأساسية للتقارب العلائقي ورعاية حياة القرية التقليدية من خلال مناشدة حقيقة أن الناس "بشر معاً"، وهذا يظُهر فضيلة العلاقات والاحترام والاعتراف بالآخرين حولنا[25]. إذن، فإن أوبونتو هي رؤية كلية للعالم ترى أن إنسانية الإنسان، لا تتحقق إلا ضمن مجموعة بشرية، ومن خلال التزامات الفرد مجموعة من المبادئ المجتمعية والقيم التشاركية الكفيلة بتحقيق الوئام بين البشر، والتناغم بين عناصر الكون الأوسع[26].

هذه الرؤية الإفريقية حاول بعض الباحثون الخوض في البحث عن جذورها الفلسفية، فخلصوا إلى أنها نابعة عن رؤية قديمة بأفريقيا، تعرف ب "ماعت" (Ma’at)، في الحضارة الفرعونية القديمة، وتهدف لتحقيق العدالة الاجتماعية، والوئام والكمال الأخلاقي في عالم تسوده الفضيلة، وقد أصبحت هذه الرؤية فيما بعد اسما في اعتقادهم للإله ماعت ابنة رع، التي يعتقد أنها ربة العدالة والحقيقة في الأساطير الفرعونية، وأنها التي وضعت أسس النظام الأخلاقي. وهنا يرى مولانا كارينجا Maulana Karenga، أن فلسفة أوبونتو امتداد لتلك الرؤية الفرعونية القديمة المتعددة المعاني. "إنها تشمل: الصدق، والعدالة، والوئام، والتوازن والنظام"، وأن هذه المتواليات الأخلاقية تهدف لبناء الفرد والمجتمع بتناغم، وتحقيق الرفاهية في الحياة. يزعم كارينجا أن ماعت مشتقة من مفهوم فيزيائي للاتساق والتوازن وهذا يعني أن فكرة الصواب أو الصحة كانت في قلب فكرة ماعت منذ البداية. وبالتالي، أصبحت ماعت مرتبطة بالحقيقة والصلاح والعدالة والنظام والتوازن والانسجام والمعاملة بالمثل. وفي بعض النواحي، كانت لها السيادة. إن ماعت هو مفهوم شامل لكل أشكال الصلاح، بما في ذلك الخير والفرح، أي كما أطلق عليه الأفارقة، توسع القلب. سواء كان المرء ينظر إلى المفهوم الفلسفي لماعت كمثال معرفي، أو مثال للعدالة، أو مثال ميتافيزيقي، أو ينظر إلى مفهوم ماعت كأساس للحياة البشرية فإن الأمر يتعلق بتعزيز العقلانية والنظام والتوازن والوئام والسلام والعدالة بين البشر[27].

إن التواصل في أفريقيا القديمة كانا من أجل الصالح العام. إذا كان العالم ليظل على حاله، فسوف يحتاج إلى أن يعمل المجتمع لصالح ماعت. ولأن ماعت كانت أساسية للعلاقات الإنسانية الطيبة، فإن الدور الرئيسي للملك كان وضع ماعت في مكانها حتى تتمكن من صد أي هجوم الفوضى. وكطريقة لاحتضان كل أشكال الحياة البشرية، كانت ماعت هي المعاملة بالمثل، والعدالة، والاعتدال، والسعي إلى الكمال. كان على الملك أن يعيش وفقاً لمبدأ ماعت. في الواقع، كانت الوصفة هي "أن يتكلم ماعت، وأن يفعل ماعت، وأن يكون ماعت". وبدون هذا السعي المستمر لكبح الفوضى، اعتقد القدماء أن العالم سوف يتغلب عليه قوى الشر.[28]

وفي نفس الاتجاه يذهب برودريك Broodryk إلى أن الأصول الاجتماعية لأوبونتو كفكرة بدأت في مصر منذ عام 1500 قبل الميلاد. ويشير إلى أن سبع قيم أساسية في ثقافة ماعت هي الحقيقة والعدالة والملاءمة والانسجام والتوازن والمعاملة بالمثل والنظام. وكانت هذه أسس وإرشادات للسلوك الصحيح والأخلاقي. وقد تم نقل معظم هذه القيم والمعتقدات إلى أجزاء أخرى من أفريقيا خلال الحركة الثقافية إلى الأجزاء الجنوبية من القارة[29].

وعن العلاقة بين الدين والأخلاق يؤكد إي. بولاجي إيدوو E. Bolaji Idowu على أن "الأخلاق في التقاليد في المجتمع الأفريقي هو في الأساس ثمرة الدين وهو مرهون به. يشير إيدوو إلى أن اليوروبا أيضاً يستمدون أخلاقهم من الله، أولودوماري Oludumare الذي هو "الطاهر" و"الملك الكامل" من صفاته. أولودوماري هو القاضي ومعيار الأخلاق. فهو يحكم على طبيعة الإنسانية. إنه منتشر في كل مكان ويضع عين النسر على أخلاق رعاياه. ولا يمكن لأحد أن يهرب من دينونة الله.  إن افتراضات الفلاسفة الأفارقة الذين ينسبون إلى الرأي السائد بأن الأخلاق الأفريقية تعتمد على الدين، ترى أن الأخلاق الأفريقية تأتي من الله والآلهة والأجداد. إنهم ينيرون الناس ليفعلوا ما هو صواب، ويكافئون الخير ويعاقبون الأشرار. هذا يجعل الدين لا غنى عنه في تحديد الأخلاق في أفريقيا[30].

تلك العلاقة الوثيقة بين الدين والأخلاق تم العثورعليها في اثنين من أقدم الأعمال الأدبية في مصر القديمة. أولاً دراما منف " Memphite Drama" أو لاهوت الممفي "Memphite Theology" والثاني كتاب الفيلسوف المصري القديم بتاح حتب. تعاليم بتاح حتب: أقدم كتاب في العالم. الدراما أو اللاهوت الممفي هي وثيقة كتبت بين عامي 3500 و3400 قبل الميلاد، وتعتبر "أقدم مناقشة معروفة حول الصواب والخطأ في تاريخ الإنسان إنها "مناقشة شبه لاهوتية وشبه فلسفية للأصول، أنتجتها هيئة كهنوتية من مفكري المعبد". إنها ممارسة حوارية، "مناقشة فلسفية" بين مختلف الآلهة، حول، من بين قضايا أخرى مترابطة، كائن أسمى يقود "حياة الإنسان وفقاً للتمييز بين الصواب والخطأ". الدراما ممفيس، وبالتالي، يمكن تلخيصها في محاولة لتفسير أصل كل الأشياء، بما في ذلك النظام الأخلاقي للعالم، وإظهار أن أصولها تعود إلى بتاح من ممفيس[31].

إن موقع القلب كموقع للفضائل ليس حكرا على المصريين القدماء، ولكنه موجود أيضا في الأسرة الأفريقية الكبرى. تشير قبيلة بيمبا في زامبيا إلى الإنسان الذي يؤدي عملا على أنه "شخص ذو قلب طيب وكريم"، وبين اللوو في كينيا، يقال إن الشخص الذي لا يتعرض للإهانة بسهولة لديه "قلب طيب" أو "قلب عميق". وعلى العكس من ذلك، يقال إن الشخص الذي يتعرض للإهانة بسهولة ومن المستحيل إرضاؤه هو "قلب سيء". ويقال إن الشخص الذي لا يستطيع الحفاظ على سر لديه "قلب ضيق أو ضعيف أو غير مستقر". لقد أدرك الأفارقة بشكل عام، والمصريون القدماء، بشكل خاص، أن القدرة أو عدم القدرة على كبح أفكارهم (قلوبهم) وكلامهم (لسانهم) لم تكن لها آثار اجتماعية خطيرة فحسب، كما في حالة مفهوم الأفارقة للأسرة، ولكن أيضاً وكذلك الآثار السياسية، من حيث الحكم[32].

هناك نظام أخلاقي بين الناس، يعتقد الأفارقة أن الله أعطى الناس نظاما أخلاقيا حتى يتمكنوا من العيش في سعادة وانسجام مع بعضهم البعض في سعادة وانسجام. من خلال النظام الأخلاقي نشأت العادات والمؤسسات في جميع المجتمعات لحماية حياة الفرد والمجتمع الذي ينتمي إليه. النظام الأخلاقي يساعد الناس على تحديد ومعرفة ما هو خير والشر والصواب والخطأ والصدق والكذب والجمال والقبح وما هي حقوق الناس وواجباتهم. وكل مجتمع قادر على صياغة قيمة لأن هناك نظام اخلاقي في الكون[33].

أوبونتو هي رؤية أفريقية قديمة شاملة للعالم مبنية على قيم الإنسانية المكثفة والرعاية والمشاركة والاحترام والرحمة والقيم المرتبطة بها، مما يضمن حياة مجتمعية في الواقع.[34] على الرغم من أن أصول أوبونتو كمفهوم يعود إلى شعوب البانتو في الجنوب الأفريقي إلا أنها فلسفة مشتركة الآن في معظم أنحاء القارة[35]. وبناءً عليه أخلاق أوبونتو الإفريقية هي رؤية شاملة للكون تعود بجذورها للرؤية المصرية القديمة ماعت.

الاعتقاد بالبعث والخلود

لا تقتصر الوحدة الثقافية على النظام الأخلاق بل امتدت للنظام العقائدي وعلى وجه الخصوص الاعتقاد بالخلود والعالم الأخر؛ ففي الفكر الإفريقي لا يعتقد أن الإنسان يتكوَّن من جسد وروح فقط، بل يتكوَّن من ثلاث مكونات وقد تصل إلى خمسة في بعض الثقافات، وإلى جانب الجسد والنفس هناك إشارة إلى الروح وكذلك الظل وهو ما لا يوجد في الفكر الغربي، وهي رؤية تتفق مع الفكر المصري القديم[36]. في النظرة الأوروبية ينظر إلى الحياة على أنها تتكوَّن من مراحل منفصلة، تبدأ بالحمل وتنتهي بالموت؛ ولذلك فإنَّ الموت يمثل المرحلة النهائية من الحياة، في حين أن النظرة الإفريقيَّة للعالم تفهم الموت باعتباره عملية حياة تنموية متكاملة ومستمرة لا يُمكن فصلها عن الروابط المتشابكة بين الأنطولوجيا المرئية وغير المرئية. لا يتوقف الناس عن الوجود بمجرد موتهم جسديًّا، بل يتجاوزون إلى العالم الروحي ليعيشوا في مجتمع الأموات الأحياء. بالنسبة للأفارقة الموت هو انتقال إلى مرحلة مختلفة من الوجود ويتجاوز الموتى إلى حالة الخلود الجماعي ويتواجد برفقة الأرواح[37].

وهي رؤية تختلف جذريًّا عن الرؤية الغربية والتي تتسم بثنائية العقل والجسد، وكلما ابتعدت الرؤية الإفريقيَّة عن الرؤية الغربية اقتربت من الرؤية المصرية القديمة والتي تعتقد بخمسة أجزاء للبشر كما تعتقد بالخلود وتناسخ الأرواح وأيضًا الاعتقاد بالثواب والعقاب. وبمقارنة معتقدات اليوربا بالمعتقدات المصرية القديمة عن محاكمة الموتى يتضح أوجه التشابة الشديد بينهما وإن كانت اليوربا لم تتوصل لفكرة التحنيط كما كان في مصر القديمة[38].

أيضًا هناك تشابه في اعتقاد الأفارقة باعتقاد المصرين القدماء حول مكان العالم الآخر فمثلما اعتقد بعض الأفارقة أن العالم الآخر مكانه الأرض واعتقدت اليوربا أن العالم الآخر مكانه السماء كذلك اعتقد المصريين قبلهم. وفقًا للمصريين القدماء كان الملك يتمتع بالجنة السماوية كما هو وارد في متون الأهرام، كما تدل متون الأهرام على أن جنة الشعب على الأرض فتقول النصوص إنَّ الملك الراحل خوطب بالقول التالي "عن مائك مأواه السماء أما الآلاف فمأواهم الأرض"، ويقصد بكلمة ماء هنا النطفة التي يخرج منها نسله وذريته وهؤلاء مصيرهم جنة السماء، أما أفراد الرعية الذين يحكمهم الفرعون فكان مصيرهم الأرض[39]. وهناك بعض الإشارات في المتون الجنائزية توحي بأن جنة عامة الشعب كانت على الأرض فقد كان يظن حتى نهاية الأسرة الخامسة تقريبًا أن مركز هذه الجنة هو حقل القربان الذي يظن أن موقعه كان بلده هليوبوليس عين شمس وهذه البقعة المباركة تعتبر المركز الرئيسي لعبادة الإله رع الذي كان القوم يزعمون إنه أوَّل من حكم الدنيا ناشرًا العدل والمساواة بين الجميع بقانون ماعت الذي سنه، ولكنه تخلى عن الحكم الدنيوي لابنه ورفع نفسه إلى السماوات العلى وكان من جراء ذلك أن رفعا معه حقل قربانه إلى العالم العلوي وأصبح مأواه الأبدي السماء وهناك كان ينعم ابن رع (الملك) بعيشة راضية في حقول قربان والده، أما عامة الشعب فقد ترك لهم حقول القربان التي على الأرض في هليوبوليس. إلا أن هذا الامتياز الخاص بالملك أخذ يشارك فيه في نهاية الدولة القديمة الأسرة المالكة ورجال البلاص بوصفهم أهل حاشيته ثمَّ لم يمض زمنًا طويلًا حتى نهض عامة الشعب عن بكرة أبيهم وقاموا بثورة اجتماعية دينية وطالبوا بالتمتع بالآخرة السماوية، فأصبحت حقًّا مشاعًا لكل أفراد الشعب على السواء؛ أي أخذت المبادئ الديمقراطية الدينية تنتشر غير أن هذا الانقلاب الديني على ما يبدو لم يأتِ فجأة، بل أتى تدريجيًّا[40].

ممَّا سبق يبدو الأثر المصري على المعتقدات الإفريقيَّة وعلى وجه التحديد على شعب اليوربا، وقد ذكر الشيخ أنتا ديوب في كتاب الأصول الزنجية للحضارة المصرية أوجه التشابه بين اللغة المصرية مع لغة اليوربا وكذلك تشابه المعتقدات الدينية والأفكار والممارسات الدينية. يذكر ديوب تماثل المعتقدات الدينية بين عقيدة اليوربا والعقيدة المصرية في فكرة الحياة الأخرى والحساب بعد الموت، وكذلك رسوخ الإيمان بالحياة الآخرة، أيضًا الإيمان بوجود روح حارسه، كما يوضح ديوب أن كافة المفاهيم المتعلقة بالكائن في مصر القديمة مثل الكا، البا، والآخو، والخو، والساهو موجودة عند اليوربا، كما أن تماثل محفل الأرباب المصرية مع اليوربا أصدق دليل لوجود اتصال قديم بين اليوربا والمصريين القدماء[41]. إن الثقافة المصرية تجد طريقها إلى قلب أفريقيا، وما زالت آثار تلك الحضارة باقية بين بعض القبائل، وما زال أهلها يمارسون كثيراً من العادات والشعائر المصرية القديمة حتى اليوم [42].

يتجلّى من خلال تحليل الروابط الثقافية بين مصر وإفريقيا أنّ هناك وحدة عميقة تتجاوز الحدود الزمنية والسياسية، وترتبط بجذورٍ روحية وإنسانية أصيلة. فقد شكّلت إفريقيا، بما فيها مصر، فضاءً حضاريًا واحدًا تفاعلت فيه القيم والمعتقدات والمعارف، مما أسهم في إثراء التراث الإنساني العام. وتؤكد الشواهد الأثرية والفكرية أن العلاقة بين الحضارة المصرية القديمة ومحيطها الإفريقي كانت علاقة جذور وتكامل وليست مجرد جوار. فالتأثير المتبادل في العمارة، مثل تقليد بناء الأهرامات في مروي، وتوغل الحملات المصرية في الجنوب، ثم حكم ملوك كوش لمصر وتأسيس الأسرة الخامسة والعشرين، كل ذلك يبرهن على وحدة مصير وتجربة حضارية نشأت في حوض النيل. إن الاعتراف بهذا البعد المصري لإفريقيا هو إبراز لأصالة الحضارة المصرية كقوة إفريقية رائدة شكلت، مع جيرانها، جزءًا لا يتجزأ من تراث القارة الثقافي والحضاري.

ثالثاً: إسهامات مصر في الحضارة الإنسانية

لقد ترك المصريون وراءهم تراثًا ضخمًا من المعارف في الطب والرياضيات والفلك والهندسة، ما يؤكد أنهم لم يكونوا مجرد بناة للحجر، بل بناة للعقل والمنهج. هذه الإنجازات لم تكن وليدة الصدفة، بل نتاج نظام تعليمي متطور، وإدارة مركزية ركزت على البحث والتطبيق، مما جعل وادي النيل أول جامعة علمية في العالم القديم. لنستعرض الآن أبرز تلك الإسهامات التي شكلت مسار الحياة البشرية.

ففي الرواية اليونانية الكاملة لمصر القديمة، والتي تمجد حضارة كيميت السوداء. ففي كيميت حصل اليونانيون على تعليمهم في كل مجال من مجالات المعرفة التي يمكن تصورها تقريباً. فقد جاء العديد من الفلاسفة اليونانيين إلى كيميت للدراسة [43]. لقد كانت المعارف والقيم في مصر القديمة وقفاً على الكهنة فقط الذين حرصوا على كتمانها وعدم نشرها بين عامة الناس، ووفقاً لشهادة العلماء والفلاسفة الإغريق الذين تتلمذوا على أيدي المصريين، كان المصريون لا يحبون أن يمس علمهم، لذلك وجد سولون وطاليس وأفلاطون وفيثاغورس مصاعب شتى قبل أن يلقنهم المصريون معارفهم[44]. فقد سمح المصريون وبعد قرابة خمسة الاف سنة من الحظر الذي فرضة المصريون للإغريق؛ بدخول مصر بغرض تلقي العلم وذلك عن طريق الغزو الفارسي لمصر ثم عن طريق غزو الإسكندر الأكبر. ومن ثم فقد استثمر اليونانيون القدماء منذ القرن السادس ق. م. وحتى موت أرسطو، أقصى حدا من الفرص التي أتيحت لهم لتعلم كل ما يستطيعون تعلمه من الثقافة المصرية، وتلقى غالبية التلاميذ تعاليمهم من الكهنة المصريين مباشرة[45].

ذكر ويل ديورانت في كتابة قصة الحضارة أن المصريين هم أول من وضع دستوراً واضحاً للضمير الفردي والضمير العام، وهم أول من ناد بالعدالة الاجتماعية، وأول من دعا إلى التوحيد في الدين، وأول من كتب في الفلسفة، وهذا الفضل لم يذهب هباءً، فقد انتقلت الحضارة المصرية على أيدي الفينيقيين والسوريين واليهود وأهل كريت واليونان والرومان حتى أضحت من التراث الثقافي للجنس البشري. وإن ما قامت به مصر من الأعمال في فجر التاريخ لا تزال آثاره مخلدة عند كل أمة وفي كل جيل، وبفضل ما بذلته مصر من جهود دامت أطول العهود، لعل مصر بهذا كله تعرض على العالم أعظم ما ظهر على الأرض من حضارات إلى يومنا هذا[46].

أيضاً ذهب جيمس هنري برستيد إلى أن الحضارة المصرية القديمة في كتابه فجر الضمير قدمت أول بحث فلسفي وصل إلينا من العالم القديم، تمثل في وثيقة منف، والتي يمكن تلخيصها بأنها محاولة لتفسير أصل جميع الأشياء بما في ذلك نظام العالم الخلقي، وإن هذه الأصول ترجع إلى بتاح إله منف. كما اعتقد المصريون القدماء بخلود الروح وإنهم عبروا عنها بأنها لا تفني، فلا يوجد شعب بين الشعوب احتلت في نفسه فكرة الحياة بعد الموت هذه المكانة العظيمة التي احتلتها في نفس الشعب المصري القديم فكان المصريين أول أناس بل أول شعب يناقش تلك المشاكل الأخلاقية، مشاكل الخير والشر مطبقة على الحياة ذاتها، ومشاكل الصواب والخطأ مطبقة على السلوك البشري[47].

أيضاً مارتن برنال يقول (وبكل موضوعية وبعيداً عن أي نزعة قومية نؤمن بأن العصر الهيللنستى هو عصر امتزاج الحضارة الإغريقية بحضارات الشرق القديم ولا سيما حضارة مصر. ونؤمن كذلك بأن مصر لعبت الدور الأساسي في بناء هذه الحضارة الجديدة التي جمعت بين الشرق والغرب وصهرت كل المنجزات الحضارية القديمة في بوتقة واحده)[48].

جورج سارتون؛ يقول سارتون (إن تاريخ العلم هو تاريخ للحضارة الإنسانية، يتتبع تطوراتها ويعرض مراحل نموها وازدهارها، كما أن تاريخه أيضاً هو تاريخ العقل البشري، فالصلة وثيقة بين تاريخ العلم من جانب وتاريخ الفن والصناعة والدين والفلسفة من جانب آخر)[49]. وعلى الرغم من أن سارتون في كتابه تاريخ العلم يناقش باستفاضة العلوم المصرية وتأثيرها على العلم اليوناني، وعلى الرغم من أن كتابه هو تأريخ لتاريخ العلم، إلا أن ذلك لم يمنعه من الإشارة لمصر القديمة وأنها قد عرفت مسألة الحق والباطل وكان ذلك آذنا بميلاد فجر الضمير والذي يبلغ من الأهمية مبلغ طلوع فجر العلم. ويعترف سارتون بمكانة المصريين القدماء، وهي بالضرورة مكانة عالية، ونحن مدينون بجزء من ذلك لأنهم أول المرشدين وأول المعلمين[50].

لم يكن الأثر المصري مقتصرا فقط على الجوانب الفلسفية ولم يقتصر على الفكر اليوناني، بل أيضاً، من الناحية التاريخية يمكننا القول إن أصل الديانات السماوية وعلى وجه الخصوص اليهودية والمسيحية، كان للديانة المصرية القديمة لها بالغ الأثر، ف رع ، في تاريخ الفكر الديني، هو الإله الأول، ذاتي التوليد، والذي كان غير مخلوق ليس له أب ولا أم، ومن ناحية أخرى كان ست، أخا أوزوريس، يقوم من بين الأموات لإنقاذ البشرية من المجاعة، كما أن كان أوزوريس هو إله الفداء، وهو الإله قبل المسيح بثلاثة آلاف سنة، يموت ويقوم ليخلص الناس. ومن ثم فإن المسيحية ليست وليدة أوروبية، بل جاءت من تعبير مصري فرعوني[51].

مما تقدم يتّضح من تتبّع الإسهامات المصرية القديمة أن هذه الحضارة لم تكن مجرد مرحلة زمنية في التاريخ الإنساني، بل كانت منعطفًا تأسيسيًا في مسار تطور البشرية. فقد أهدت إلى العالم مفاهيم في الأخلاق والعدالة والتنظيم الاجتماعي، وأسّست للعلوم والفنون والدين، وخلّفت تراثًا فكريًا ما يزال حاضرًا في الوعي الإنساني المعاصر. إنّ مصر القديمة لم تكن فقط مهدًا للتاريخ، بل كانت ضميرًا إنسانيًا مبكرًا عبّر عن وحدة المعرفة والأخلاق والجمال في آنٍ واحد.

خاتمة

إنّ الحضارة المصرية القديمة ليست فصلًا من الماضي، بل هي أحد أعمدة الذاكرة الإنسانية التي ما تزال تنير الحاضر وتوجّه المستقبل. فمن خلال إسهاماتها العلمية والأخلاقية والفكرية، ومن خلال انتمائها العميق إلى الفضاء الإفريقي، جسّدت مصر نموذجًا فريدًا للحضارة التي تجمع بين العقل والروح، بين الإنسان والطبيعة، وبين المحلي والعالمي. وإذا كانت دراسة هذه الحضارة تتيح فهم بدايات التاريخ الإنساني، فإنّ استحضارها اليوم هو دعوة لإعادة التفكير في مفهوم الحضارة نفسه، بوصفه تفاعلًا إنسانيًا شموليًا يتجاوز الانقسامات العرقية والجغرافية، ويؤكد أن إفريقيا بمصرها القديمة وجذورها العميقة كانت ولا تزال منارة للبشرية في سعيها نحو المعرفة والعدالة والجمال.

وفي هذا الإطار، يُمثّل المتحف المصري الكبير اليوم رمزًا لاستمرار الرسالة الحضارية المصرية، ودليلًا على أنّ مصر بتاريخها الإفريقي العميق ما زالت قادرة على مخاطبة الإنسانية بلغة الخلود والإبداع. إن افتتاح المتحف المصري الكبير ليس حدثًا احتفاليًا فحسب، بل هو فعل استعادة للذات المصرية والإفريقية في مواجهة سرديات المركزية الغربية التي طالما حاولت عزل مصر عن محيطها الإفريقي وإضعاف حضورها التاريخي. بهذا المعنى، يغدو المتحف الكبير جسرًا بين الأزمنة، ومركزًا لإعادة قراءة التاريخ من منظور جديد يعيد الاعتبار إلى مصر باعتبارها المنبع الأول للوعي الإنساني والنواة الحضارية لإفريقيا والعالم.

***

دعاء عبد النبي حامد

باحثة دكتوراه تخصص فلسفة إفريقية حديثة ومعاصرة كلية الآداب جامعة القاهرة - مصر

...........................

[1] - توملين. (ب. ت). فلاسفة الشرق (ط 2). ترجمة: سليم، عبد الحميد. دار المعارف. ص 52.

[2] - سارتون، جورج. (1961). تاريخ العلم (ج 1). ترجمة: عدد من العلماء. دار المعارف. ص 129.

[3] - برستيد، ج. ه. (2001). فجر الضمير. ترجمة: سليم حسن. الهيئة المصرية العامة للكتاب. ص 52.

[4] - ولسون، جون. (ب. ت). الحضارة المصرية. ترجمة: أحمد فخري. مكتبة النهضة المصرية. ص 100.

[5] - أنظر جورج سارتون تاريخ العلم.

*- كيمت تعني الأرض السوداء إشارة على تربة مصر الخصبة.

[6] - أفريك، جين. (1985). تاريخ إفريقيا العام (شيخ أنتا ديوب، أصل المصريين القدماء). ترجمة: مجموعة من الأساتذة. اليونيسكو. م2، ص57.

[7] - المرجع السابق. ص 58: 60.

[8] - Diop, Cheikh Anta. (1989). the Cultural Unity of Black Africa. Karnak House, London. P.1-3.

[9] - Diop, Cheikh Anta. (1974). the African Origin of Civilization Myth or Reality. Translated from French by Mercer Cook, Lawrence Hill Books, Chicago, first edition.  P.174.

[10] - Nabudere, Dani Wadada. (2007). Cheikh Anta Diop: The social sciences humanities, physical and natural sciences and transdisciplinarity. International Journal of African Renaissance studies, 2(1). PP. 6-34. P.18.

[11] - Diop, C., 1974, P.334.

[12] - ديوب، الشيخ أنتا. (1995). الأصول الزنجية للحضارة المصرية. (ط1). ترجمة: طوسون، حليم. كتاب العالم الثالث. ص159، 160.

[13] - أفريك، جين. (1985). ص62.

[14] - ديوب، الشيخ أنتا. (1995). ص155: 157.

[15] - Diop, C., 1974, P.167.

[16] - ديوب، الشيخ أنتا. (1995). ص160.

[17] -Diop, Cheikh Anta. (1991). Civilization or Barbarism. Translated by Yaa – Lengi Meema Ngemi, Lawrenc Hail books. P. 310.

[18] - Diop, C., 1974, P. 185,187.

[19] - أفريك، جين. (1985). ص62.

(*) ففي اللغة المصرية (ناد) = يطلب وفي الولوف (لاد) = يطلب مثال اخر في المصرية (بن – بن) = منبع، وفي الولوف (بل – بل) = منبع، في المصرية (تاه) = يخفي او يحمي، وفي الولوف (لاه) = يخفي أو يحمي. وقد اورد الشيخ أنتا ديوب شرح وافي للمقارنة بين اللغة المصرية القديمة ولغة الولوف في كتابة الأصل الافريقية للحضارة اسطورة ام حقيقة ويمكن الاطلاع عليها في النسخة المترجمة بعنوان الاصول الزنجية للحضارة المصرية ترجمة حليم طوسون من ص 179 إلى ص 226.

[20] - ديوب، الشيخ أنتا. (1995). ص178.

[21] - المرجع السابق. ص254-257.

[22] - ديوب، الشيخ أنتا. (1995). ص261-263.

[23] - موسي، سلامة. (2011). مصر أصل الحضارة. القاهرة: سلسلة عالم المعرفة. ص64.

[24] - Muyumba, Francois N. (December 2004). Cheikh Anta Diop: Acritical view of African in the Twenty – First century. The great lakes research journal, vol. 1., P.20.

[25] - Kuhumba, Kevin Shijja. (2019). The Role of Ubuntu Ethics in Promoting Citizenship Values: An Investigation into the Foundations of Social Harmony. AMJRT 1:2. pp. 38-50. P. 39. https://www.researchgate.net/publication/337907092

[26] - بنداري، فاطمة محمود توفيق. (2021). رؤية العدالة في الثقافات الأفريقية نموذج فلسفة الأوبونتو. مجلة الدراسات الإفريقية. العدد 50. ج 2. ص 65، 66.

[27] - Asante, Molefi Kete. (2011). Maat and Human Communication: Supporting Identity, Culture, and History Without Global Domination. Intercultural Communication Studies XX: 1. P. 48, 49.

[28] - Ibid. P. 53, 54.

- [29]  Dolamo, Ramathate. (2013). Botho /Ubuntu: The Heart of African Ethics. Scriptura. 112. pp.1-10. P. 2.

[30] - Richmond Osei Amoah & Augustine Kojo Peprah. (2022). The Foundation and Nature of Traditional African Morality: A Review of Selected Literature. E-Journal of Humanities, Arts and Social Sciences (EHASS). Vol. 3 Issue 7. pp 279-285. P. 280.

[31] - Sesanti, Simphiwe. (2023). Ancient Egyptian Ethics’ Origin of the African Renaissance Concept in (African Ethics A Guide to Key Ideas). London, New York: Bloomsbury Academic. First published. P.  212.

[32] - Ibid. P.  219.

[33] - Mbiti. J. S. (1975). Introduction to African Religion. First published, London: Heinemann. Richard Clay (The Chaucer press). P. 36.

[34] - Dolamo, Ramathate. (2013). Botho /Ubuntu: The Heart of African Ethics. Scriptura. 112. pp. 1-10. P. 2.

[35] -  Bolden, Richard. (2014). Ubuntu. P. 2. https://www.researchgate.net/publication/259849297

[36] - Takov, Peter. (2022). the conception of "God" in African philosophy and African traditional religion. International Journal of Social and human research. Vol. 5. No.7. pp.2914- 2923. P 2915.

[37] - Baloyi, Lesiba. (2014). The African conception death: A cultural implication n. Papers from the international Association for cross- cultural Psychology Conferences. P. 236. https://scholarworks.gvsu.edu/iaccp

[38] -   برستيد، جيمس هنري. (2014). فجر الضمير. ترجمة: حسن، سليم. مؤسسة هنداوي. ص 64.

[39] - حسن، سليم. (2001). مصر القديمة (ج2). مكتبة الأسرة. ص 217.

[40] - حسن، سليم. ص 218: 220/ فرانكفورت، هنري. (1982). ما قبل الفلسفة (ط 3). ترجمة: جبرا إبراهيم جبرا. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ص 128.

[41] - ديوب، شيخ أنتا. (1995). الأصول الزنجية للحضارة المصرية (ط1). ترجمة: طوسون، حليم. القاهرة: دار العالم الثالث. ص 245: 257.

[42] - فخري، أحمد. (2006). مصر الفرعونية. مكتبة الانجلو المصرية. ص353 & موسى، سلامة، ص64.

[43] - Ankomah, Baffour. (2020). The African fact book. Published by the book of African records, first published.  P.8.

[44] - Ibid. P.272.

[45] - جيمس، جورج جي. ام. التراث المسروق (الفلسفة اليونانية فلسفة مصرية مسروقة). ترجمة: جلال، شوقي. المجلس الأعلى للثقافة. ص17.

[46] - ديورانت، ول وايريل، قصة الحضارة – نشأة الحضارة، الجزء الأول من المجلد الأول، ترجمة: محمود، زكي نجيب. بيروت: دار الجيل للطباعة والنشر والتوزيع. ص 186.

[47] - حسن، سليم، 2001، ص49-63.

[48] - برنال، مارتن. (2002). اثينا السوداء: الجذور الأفرواسيوية للحضارة الكلاسيكية. ترجمة: العديد من الأساتذة، مراجعة أحمد عتمان. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة. ص40.

[49] - سارتون، جورج. (1961). ص9

[50] -المرجع السابق، ص130-131.

[51] - Diop, C., 1991, P.312.

عند التفكير في الغد بقدر فائدة العلم

"الفلسفة هي علم حل المشاكل"... أرسطو

المقدمة: تُعتبر الفلسفة والعلم ركيزتين أساسيتين في تقدم البشرية، حيث يتكاملان في فهم الواقع وتحسين الحياة الإنسانية. الفكرة القائلة إن "الفلسفة مفيدة للبشرية بقدر فائدة العلم" تثير نقاشًا عميقًا حول طبيعة الفائدة ودور كل منهما. أما القول بأن "التفكير في الغد هو ممارسة للفلسفة أصلاً" فيشير إلى أن الفلسفة ليست مجرد تأمل نظري، بل نشاط عملي يرتبط بالتخطيط والرؤية المستقبلية. في هذا التحليل، سنستعرض هذه الفكرة من منظور فلسفي وعلمي، مع التركيز على كيفية مساهمة الفلسفة والعلم في البشرية، وكيف يمثل التفكير في المستقبل ممارسة فلسفية. فماهي الفلسفة وما هو العلم؟ وكيف يمثلان من ركائز التقدم المفيد للبشرية؟ ولماذا يتم التنصيص على اهتمام الانسان بالمستقبل عند الممارسة الأصلية للتفلسف؟

الجزء الأول: فائدة الفلسفة والعلم للبشرية

فائدة العلم

العلم، بمناهجه التجريبية والقائمة على الملاحظة والتجربة، أسهم في تقدم البشرية عبر: الاكتشافات التكنولوجية: من الطب (مثل اللقاحات والعلاجات) إلى الاتصالات (مثل الإنترنت)، قدم العلم حلولًا عملية لتحسين الحياة.

فهم الطبيعة: من خلال قوانين الفيزياء، الكيمياء، والبيولوجيا، أتاح العلم فهمًا دقيقًا للكون والظواهر الطبيعية.

التنبؤ والتحكم: يمكّن العلم من التنبؤ بالظواهر (مثل الطقس أو الزلازل) والتحكم في البيئة (مثل الهندسة الزراعية).

ومع ذلك، يُنتقد العلم أحيانًا بسبب تركيزه على الجوانب المادية، وقد يفتقر إلى التوجيه الأخلاقي أو الرؤية الشاملة للغايات الإنسانية.

فائدة الفلسفة

الفلسفة، كنشاط تأملي وعقلي، تقدم فوائد موازية للعلم: فهم المعاني والغايات: تتناول الفلسفة أسئلة أساسية مثل "ما معنى الحياة؟" و"ما هي العدالة؟"، مما يساعد في بناء رؤية شاملة للوجود.

التوجيه الأخلاقي: من خلال الفلسفة الأخلاقية (مثل أخلاقيات كانط أو الفضيلة عند أرسطو)، تقدم الفلسفة إطارًا للحكم على القرارات العلمية والتكنولوجية.

النقد والتفكير النقدي: تعزز الفلسفة القدرة على تحليل الأفكار، نقد الافتراضات، وطرح البدائل، مما يساعد في تطوير العلم نفسه.

التكامل المعرفي: تجمع الفلسفة بين التخصصات، موفرة إطارًا لفهم العلاقات بين العلوم، الفنون، والدين.

مقارنة الفائدة

التكامل بين الفلسفة والعلم: العلم يوفر المعرفة التجريبية، بينما الفلسفة توفر الإطار المفاهيمي والأخلاقي. على سبيل المثال، العلم يطور القنبلة النووية، لكن الفلسفة تناقش ما إذا كان استخدامها أخلاقيًا.

الفائدة المادية مقابل المعنوية: العلم يقدم فوائد مادية ملموسة (مثل الطب والتكنولوجيا)، بينما الفلسفة تقدم فوائد معنوية (مثل فهم الذات والعدالة). ومع ذلك، الفوائد المعنوية قد تكون أساسية لتوجيه الفوائد المادية.

المدى الزمني: العلم يركز على الحلول الآنية أو قصيرة المدى، بينما الفلسفة تتيح التفكير طويل المدى في المستقبل والغايات الإنسانية.

الحجة: الفلسفة مفيدة بقدر العلم

يمكن القول إن الفلسفة مفيدة بقدر العلم لأنها: تقدم إطارًا لفهم العلم وتوجيهه (مثل فلسفة العلم عند بوبر أو كون).

تساعد في معالجة الأسئلة التي لا يستطيع العلم الإجابة عنها، مثل الغايات الأخلاقية أو معنى الوجود.

تعزز التفكير النقدي، وهو أساس التقدم العلمي نفسه.

ومع ذلك، قد يُجادل البعض بأن العلم أكثر فائدة لأنه يقدم نتائج ملموسة، بينما الفلسفة قد تبدو مجردة. لكن هذا النقد يتجاهل دور الفلسفة في تشكيل القيم والرؤى التي توجه استخدام العلم.

الجزء الثاني: التفكير في الغد كممارسة فلسفية

التفكير في الغد والفلسفة

القول بأن "التفكير في الغد هو ممارسة للفلسفة أصلاً" يشير إلى أن التخطيط للمستقبل يتطلب تأملًا فلسفيًا يتجاوز الحسابات التجريبية. التفكير في الغد ينطوي على: الزمانية: الفلسفة، كما عند هيدجر أو ريكور، ترى الزمانية كعنصر أساسي في الوجود البشري. التفكير في الغد هو تأمل في إمكانيات المستقبل، وهو نشاط فلسفي يرتبط بالهوية والغايات.

الأخلاق والمسؤولية: التفكير في الغد يتطلب التفكير في العواقب الأخلاقية للأفعال الحالية (مثل التغير المناخي أو الأخلاقيات التكنولوجية)، وهو مجال فلسفي بامتياز.

الرؤية الشاملة: التفكير في المستقبل يتطلب تخيّل سيناريوهات مختلفة، وهو ما يتطلب الخيال الفلسفي والتأمل في الإمكانيات، على عكس العلم الذي يركز على التنبؤ بناءً على البيانات.

أمثلة فلسفية للتفكير في الغد

كانط: في نقد العقل العملي، يؤكد كانط على الواجب الأخلاقي كمبدأ يوجه السلوك نحو مستقبل أفضل. التفكير في الغد يتطلب تصور "مملكة الغايات"، حيث تُعامل البشرية كغاية في حد ذاتها.

هيدجر: في الوجود والزمان، يرى أن الدازاين يعيش في توتر بين الماضي، الحاضر، والمستقبل. التفكير في الغد هو جزء من الأصالة، حيث يواجه الإنسان قلق المستقبل والموت.

ريكور: في الزمان والسرد، يرى أن السرد هو وسيلة لتنظيم الزمانية. التفكير في الغد يتطلب بناء روايات مستقبلية تشكل الهوية والأمل.

ابن خلدون: في المقدمة، يقدم رؤية دورية للتاريخ، مما يساعد في التفكير في الغد من خلال فهم أنماط صعود وسقوط الحضارات.

التفكير في الغد كممارسة فلسفية

التفكير في الغد هو ممارسة فلسفية لأنه: يتطلب التأمل في القيم والغايات، وهي مسائل فلسفية أساسية.

ينطوي على التخيّل والإبداع، وهما من صميم الفكر الفلسفي.

يرتبط بالمسؤولية الأخلاقية تجاه الأجيال القادمة، وهو موضوع فلسفي معاصر (مثل أخلاقيات التغير المناخي).

التحديات

الغموض في التفكير المستقبلي: التفكير في الغد قد يكون مضاربًا وغير مؤكد، مما يجعل الفلسفة تبدو أقل دقة مقارنة بالعلم.

التوازن بين الفلسفة والعلم: التفكير في الغد يتطلب الجمع بين التنبؤات العلمية (مثل النماذج المناخية) والرؤى الفلسفية (مثل العدالة البيئية).

الجزء الثالث: مقارنة بين الفلسفة والعلم في التفكير في الغد

أوجه التشابه

الهدف المشترك: كلاهما يسعى إلى تحسين الحياة الإنسانية، سواء من خلال حلول مادية (العلم) أو رؤى معنوية (الفلسفة).

التفكير النقدي: يعتمدان على التحليل النقدي لفهم الواقع وتصور المستقبل.

التأثير على المستقبل: العلم يوفر أدوات للتخطيط (مثل التكنولوجيا)، والفلسفة توفر الرؤية والأخلاق لتوجيه هذه الأدوات.

أوجه الاختلاف بين الفلسفة والعلم

المنهج:

العلم: يعتمد على التجربة والملاحظة لتقديم تنبؤات دقيقة.

الفلسفة: تعتمد على التأمل والتفكير المفاهيمي لتصور الإمكانيات.

النطاق:

العلم: يركز على الجوانب المادية والقابلة للقياس.

الفلسفة: تتناول الجوانب المعنوية والغايات الكبرى.

التطبيق:

العلم: يقدم حلولاً عملية فورية (مثل تطوير الطاقة المتجددة).

الفلسفة: تقدم إطارًا طويل المدى لفهم عواقب هذه الحلول (مثل العدالة بين الأجيال).

التفكير في الغد كممارسة فلسفية

التفكير في الغد يجمع بين العلم والفلسفة:

العلم يوفر البيانات والأدوات (مثل نماذج التغير المناخي).

الفلسفة توفر الرؤية الأخلاقية والمعنوية (مثل مبدأ العدالة البيئية).

بالتالي، التفكير في الغد هو ممارسة فلسفية أصلاً لأنه يتطلب التأمل في الغايات، القيم، والإمكانيات، وهي مجالات فلسفية بامتياز.

تقييم تأويلي:

فائدة الفلسفة والعلم: الفلسفة مفيدة بقدر العلم لأنها توفر الإطار المفاهيمي والأخلاقي الذي يوجه التقدم العلمي. بدون الفلسفة، قد يؤدي العلم إلى نتائج مدمرة (مثل الأسلحة النووية). وبدون العلم، تظل الفلسفة مجردة وغير قابلة للتطبيق.

التفكير في الغد: التفكير في الغد هو ممارسة فلسفية لأنه يتطلب التأمل في القيم، الإمكانيات، والمسؤولية الأخلاقية، لكنه يعتمد أيضًا على العلم لتقديم البيانات والحلول العملية. هذا التكامل يؤكد أهمية الجمع بين الفلسفة والعلم.

خاتمة

" دور العلم أن يكتشف، ومهمة الفلسفة التأويل"

الفلسفة والعلم متكاملان في خدمة البشرية، حيث يقدم العلم الأدوات المادية والفلسفة الرؤية المعنوية. التفكير في الغد هو ممارسة فلسفية أصلاً لأنه يتطلب التأمل في القيم والغايات، مع الاعتماد على العلم لتوفير الأسس التجريبية. إرث الفلسفة، كما تجلى في أعمال فلاسفة مثل كانط، هيدجر، وريكور، يكمن في قدرتها على توجيه العلم نحو مستقبل يحقق الخير الإنساني، مما يؤكد أن الفلسفة ليست مجرد تأمل، بل نشاط عملي يشكل الغد. فهل نجاح العلم في تفجير ثورة رقمية ما يبرر التخلي عن خدمات الفلسفة؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

................

المصادر والمراجع

عبد الرحمان ابن خلدون، المقدمة،1377

Kant, Emmanuel. (1788). Critique de la raison pratique.

Heidegger, Martin. (1927). Être et Temps.

Ricœur, Paul. (1984-1988). Temps et récit (Vol. 1-3).

Popper, Karl. (1934). La Logique de la découverte scientifique.

استباح الإنسان الأرض وانتهكها حين استنزف مواردها بحماقة بلهاء، فأباد كثيرًا من غطائها الأخضر، وأرهق مواردها الوفيرة في عبث لا يعرف مسؤوليةً إنسانية ولا ضميرًا أخلاقيًا. أغراه وهمُ الاستحواذ والاستغلال والسيطرة، حتى فقد الشعور بحدود طاقته والواجب الإنساني المفروض عليه تجاه الأرض.

 لم يكتف الإنسان بما تمنحه الأرض بسخائها، فتجاوز حدودها إلى النهب، إذ اقتلع غاباتها، ولوّث أنهارها بفضلات الصرف الحي، وملأ سماءها بدخان المصانع وغازاتها السامة، وأغرق محيطاتها بالنفايات. صار الإنسان يتعامل مع الأرض لا بوصفها بيتًا يحتضنه، بل مستودعًا مفتوحًا لجشعه الذي لا يعرف الحدود، وفضلاته، فاستنزف خيراتها لتلبية حاجات مصطنعة تبتكرها الرأسمالية المتوحشة، وتختلق نزعات استهلاك بلا حاجة فعلية سوى تكديس المزيد من المال. امتلأت الأسواق بسلع زائدة، وأشياء تفتعل متطلبات لا تمت بصلة إلى حاجات الحياة، فيما نضبت منابع الأرض التي كانت تنبض بالعطاء. تحول العالم إلى ورشة إنتاج لا تتوقف، تعمل بلا روح، وتستهلك كل ما في طريقها بلا تمييز بين ما يحيي وما يميت، حتى بدت الأرض كأنها تساق إلى حتفها بيد الإنسان الذي وجد ليعمرها لا ليدمرها.

لم يعد التوازن الذي كان يجمع الكائنات قائمًا، إذ اختلت دورة الحياة، وتبدلت مواقيت الفصول، وانهارت مواسم المطر، وذابت الثلوج القديمة التي كانت تحرس التوازن المناخي، وتحمي ذاكرة الكوكب. اتسعت رقعة الصحراء في الأرض، فغدت موحشة تثير فزع القلوب. تتألم الأرض في صمت موجع، وتئن كما يئن الإنسان الجريح الذي خذله أحباؤه. أنينها وإن لم يسمع وسط ضجيج البشر، يتجلى في الرياح الساخنة التي تحرق النباتات، وفي الفيضانات التي تغمر الحقول، وفي الأعاصير التي تعصف بالمدن وتبتلع العمارات والبيوت، وفي الحرائق التي تمحو الغابات. كل زلزال صرخة في وجه الجحود، وكل إعصار نداء استغاثة، وكل جفاف دمعة عيون أرهقها عقوق أبنائها، فيما تمضي الأرض شاكية وجعها إلى من لا يسمع صداها.

كل ذلك يحكي بكاء الأرض التي تشبه الأم في عطائها، تمنح الإنسان الحياة والدفء والماء والثمار، غير أنه جحود يرهقها باستنزافها الدائم وانتهاكها المتواصل. تبكي الأرض اليوم لأنها تختنق من فرط ما عانته من عبث أبنائها، ولم تعد قادرة على التنفس أو إنتاج ما يكفي من الأوكسجين لمواطنيها من الإنسان والحيوان والنبات وسائر الكائنات الحية التي تشاركها الوجود. تبكي الأرض لأن أنهارها الملوثة فقدت عذوبتها، وغاباتها تحولت إلى رماد، وبحارها صارت مقابر للكائنات التي كانت تنبض بالحياة. تبكي لأن الإنسان الذي خرج من رحمها لم يعد يسمع استغاثاتها، تبكي حين ترى أبناءها يحطمونها وهم يظنون أنهم يشيدون مجدهم على أنقاضها. أنينها العميق لا يحتاج إلى كلمات، يكفي أن يصغي إليه القلب ليشعر بحزنها الدفين.

الأرض التي كانت أمًا حنونًا تمنح الإنسان دفء العيش وطمأنينة المسكن، تحولت إلى جثة تنزف في صمت موجع، كأنها تشكو بصبر طويل قسوة أبنائها. أطعمت الإنسان من خيراتها، وسقته من عيونها، وأظلّته بسماء تحنّ عليه كقلب أمّ، غير أنه قابل عطاءها بالجحود، وأغرقها بالعنف والدمار. كانت الأرض كأمّ تغذي طفلها بالحليب، تمنحه من جسدها ما يُبقيه حيًا، غير أن هذا الطفل الذي كبُر على ثدييها راح ينهش صدرها بوحشية، يجرحها ويتركها تنزف بلا رحمة، ينسى أنّها وجوده لم يتحقق إلا بوجودها، وأنّ أنفاسه تخرج من رحمها الذي يختنق الآن بجناياته عليها. الأرض لا تطلب شيئًا، لكنها تكتب وصاياها في صمتها، وتبكي من دون صوت. الأرض رحيمة، لكنها لن تصبر إلى الأبد على من يؤذيها ويعتدي عليها وينتهكها، إنها فجأة تعاقب الإنسان عقابًا أليمًا. ينسى الإنسان أن كل ما يفعله بالأرض يفعله بنفسه، وأن كل جرح فيها جرح في روحه، فيصير نزفها نزفًا لضميره. الأرض أمّ تمنح أبناءها الحياة، لكنها ليست أمًّا ضعيفة. تصبر حين ترهقها الجنايات، لكنها لا تنسى. تختنق بصمت، فلا تصرخ، بل تغيّر وجهها لتعلن حزنها بفيض من الجفاف أو الطوفان أو الحرائق والكوارث المريعة. تُهمل، فلا تعاتب، بل تنسحب من دفئها شيئًا فشيئًا حتى يغدو الإنسان غريبًا في بيتها. تُهان، فلا تنتقم، بل تتركه يتيه في برد صنعه بيديه، يبحث عن دفء سرقه من صدرها، وينادي أمّه التي لم تعد تجيب.

 بكاء الأرض نداء تستغيث فيه بما تبقى من إنسانية في الإنسان، لتوقظه من سكرته الاستهلاكية، وتذكره أنه جزء منها لا سيد عليها. في أنينها تختبر ضمائر البشر، وفي صمتها الموجع يقاس مقدار اغترابهم عن الرحم الذي منه ولدوا. وإن لم يصغ الإنسان إلى صرختها اليوم، فسيبكي معها غدًا حين يكتشف أنه أضاع الأم التي كانت تحمله وتحنو عليه وتمنحه الحياة، وهدم البيت الذي كان يأويه، وأغلق بيديه أبواب العطاء التي كانت تفيض عليه بلا انقطاع.

كي نفهم أسباب بكاء الأرض، يلزم أن نتأمل ما تكشفه التقارير الحديثة عن الغابات بوصفها الرئة التي تتنفس بها الكائنات الحية. تشير هذه التقارير إلى أن الغابات تغطي نحو أربعة مليارات ومئة وأربعة عشر مليون هكتار من مساحة اليابسة، أي ما يقارب ثلث سطح الكوكب. ورغم أن وتيرة إزالة الغابات تراجعت في العقد الأخير، فإن تدمير الغطاء الأخضر ما زالت تنذر بالخطر، إذ تفقد الأرض كل عام ما يقارب عشرة ملايين هكتار من غاباتها. وقد تجاوز الفقد في عام 2024 وحده ثمانية ملايين هكتار، وهو ما يزيد على المسار المطلوب لوقف الإزالة بحلول عام 2030، بنسبة تصل إلى ثلاثة وستين في المئة إذا التزمت الحكومات بتعهداتها. تسهم الغابات سنويًا في امتصاص ما يقارب ثلاثة مليارات ونصف المليار طن من ثاني أكسيد الكربون، غير أن استمرار تجريفها واحتراقها يهدد التوازن المناخي الدقيق، ويحيل الغابات من رئة للكوكب إلى مصدر لانبعاث الكربون، فتختنق الأرض بأنفاسها الثقيلة وهي تكابد نزيفها، بعد احتراقها أو تجريفها.

 تكشف الدراسات أن نحو ثلث الغطاء الأخضر الذي فقده الكوكب منذ عام 2001 ناتج عن تغيّر دائم في استخدام الأرض، ما يعني أن تلك المساحات لن تستعيد غاباتها تلقائيًا. وتعد الغابات المدارية، وفي مقدمتها الأمازون، أكثر المناطق تعرضًا للتدهور، إذ ترتبط إزالة الغابات فيها بانخفاض هطول الأمطار في مواسم الجفاف بنسبة تصل إلى أربعة وسبعين في المئة، وبارتفاع درجات الحرارة بنحو ستة عشر في المئة، الأمر الذي يهدد بفقدان قدرتها على مقاومة التحولات المناخية، والوصول إلى ما يسميه العلماء نقطة اللاعودة. وسط هذه الوقائع المقلقة، حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش العالم قائلًا: "عصر الاحترار العالمي انتهى، لقد حلّ عصر الغليان العالمي"، مشيرًا إلى أن الكوكب لم يعد يعيش مجرد ارتفاع تدريجي في الحرارة، وإنما دخل طورًا جديدًا تتتابع فيه موجات الجفاف والفيضانات والحرائق والاضطرابات المناخية على نحو غير مسبوق. هذا الغليان لا يقتصر على المناخ وحده، إنما يتسرب إلى وعي الإنسان ذاته، فيفقد توازنه، ويعجز عن الإنصات لصوت الطبيعة، ويغدو غريبًا عن الأرض التي أنجبته وأودعت فيه سر الحياة.

مع كل حريق يلتهم غابة، وكل نهر يجف، وكل موجة حر ترهق المدن، يتسع الشرخ بين الإنسان وعالمه، وتغترب الروح عن الطبيعة، وتخمد قدرتها على الإصغاء إلى نداء الوجود. إن إزالة الغابات ليست كارثة بيئية فحسب، إنها مأساة أخلاقية تكشف هشاشة الضمير الإنساني، وتراجع الإحساس بالانتماء إلى الكائنات التي تشاركه العيش على هذا الكوكب. حين تأكل النار الغابات، يخسر مناخ الأرض الأوكسجين، وتضعف ضمانات الحياة والأمان والسلام في هذا العالم، وتغدو الطبيعة التي كانت أمًا حانية كائنًا جريحًا يختنق بصمته العميق، ويستغيث من وجعه الذي لا يسمعه إلا الخبير صاحب الضمير اليقظ.

 في هذا الواقع يغدو إنقاذ الغابات مهمة أخلاقية وإنسانية قبل أن يكون شأنًا بيئيًا، فحماية الأرض هي في جوهرها حماية للإنسان من شرور نفسه، وصون للمعنى الذي تستمر به الحياة. نحن اليوم نعيش لحظة اختبار وجودي لا يجدي فيها الندم، وإنما تقتضي استعادة الصلة الأخلاقية بالأرض، والعودة إلى الإنسانية الإيمانية، التي يتجلى فيها الإيمان بوصفه رحمةً ومحبةً ورفقًا وشفقةً ورعايةً، لا استغلالًا ولا هيمنةً ولا استنزافًا جشعًا للموارد. حين نتحرر من النظر إلى الغابات كغنيمة قابلة للنهب، ونراها كائنًا حيًا نتنفس من خلاله الأوكسجين، ونحيا على عطائه، نخطو الخطوة الأولى في طريق الخلاص من عصر الغليان الذي أشعلناه بأيدينا، ونستعيد بذلك شيئًا من توازن الأرض وسكينة الروح التي تآلفت معها منذ فجر الوعي الإنساني.

تشير تقارير الأمم المتحدة الصادرة عام 2024 إلى أن الكوكب يواجه أزمة وجودية غير مسبوقة في تاريخ التنوع الحيوي. فقد أعلنت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية، بدعم من برنامج الأمم المتحدة للبيئة، ومشاركة أكثر من مئة وثلاثين حكومة، أن نحو مليون نوع من الكائنات الحية مهدد بالانقراض خلال العقود المقبلة، وهي نسبة تمثل ثمن الأنواع النباتية والحيوانية المعروفة على الأرض. هذا الرقم الصادم يعكس تسارعًا خطيرًا في وتيرة الانقراض، إذ صار المعدل الحالي أعلى بعشرات إلى مئات المرات من المعدل الطبيعي الذي استمر طوال العشرة ملايين عام الماضية.

 وذلك يشير إلى أن العالم يعيش اليوم سادس موجة انقراض جماعي منذ نشوء الحياة المعقدة على الأرض. كما تشرح بيانات الهيئة أن متوسط وفرة الأنواع الأصلية في النظم البيئية البرية والبحرية انخفض بما لا يقل عن عشرين في المئة منذ مطلع القرن العشرين، وأن مساحات واسعة من المواطن الطبيعية لهذه الأنواع، التي كانت تزخر بالتنوع والخصوبة، أُبيدت أو تدهورت. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من أربعين في المئة من البرمائيات تواجه خطر الانقراض، وأن ما يقارب ثلث الشعاب المرجانية المكونة للمرجان قد انهار أو يوشك على الانهيار، وأن أكثر من ثلث الثدييات البحرية مهدد بالاختفاء، فيما تتراجع أعداد الطيور والأسماك والحشرات في معظم القارات على نحو حاد، لتغدو الأرض أفقر في ألوانها وأصواتها ومظاهر حياتها التي كانت تزدان بها منذ فجر الخليقة.

أظهر مؤشر القائمة الحمراء للأنواع المهددة، الذي تعتمده الأمم المتحدة لقياس مستوى الخطر على الحياة البرية، تدهورًا متراكمًا تجاوز اثني عشر في المئة بين عامي 1993 و2024، ما يشير إلى أن احتمالات الانقراض تتسع عامًا بعد عام. أما الأنواع المهاجرة كالطيور وغيرها، فيكشف تقرير صدر في العام نفسه أن أربعة وأربعين في المئة منها تشهد تراجعًا واضحًا في أعدادها، وأن أكثر من اثنين وعشرين في المئة تواجه خطر الانقراض الفعلي، وهو ما يعبر عن انهيار سلاسل الحياة التي تصل بين النظم البيئية في القارات المختلفة. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن معدل انقراض الأنواع اليوم يتراوح بين عشرة إلى مئة ضعف المعدل الطبيعي التاريخي، نتيجة تداخل عوامل بشرية متعددة، منها فقدان المواطن الطبيعية بسبب الزراعة والصناعة والتوسع العمراني، والصيد الجائر، والتلوث، والاحتباس الحراري، وانتشار الأنواع الغازية التي تطيح بتوازن النظم الإيكولوجية.

وهكذا انتهى انتشار الأنواع الغازية إلى تسلل كائنات حيّة إلى بيئات لم تكن موطنها الأصلي، فتستولي على موارد كائنات متوطنة لآلاف السنين، وتزيح الأنواع المحلية التي كانت تحفظ توازنها، فينهار النظام الإيكولوجي الذي استقر عبر آلاف السنين. إنها كائنات جُلبت من قارات بعيدة أو انتقلت بفعل تدخل الإنسان، فتكاثرت في غير موضعها، وبدأت تدمّر الانسجام والتناغم الطبيعي بين المخلوقات. وحين تطيح هذه الأنواع بالتوازن البيئي، تكشف عمق الخلل في علاقة الإنسان بالطبيعة، إذ يتحول التهافت على الامتلاك والاستهلاك إلى قوة عمياء تفتح أبواب الفوضى، التي تنهش جسد الكوكب الحي. إن هذا التدهور المتسارع في تنوع الحياة على الأرض ليس مجرد ظاهرة بيئية، إنه جرح كوني عميق يهدد وحدة الكائنات في الطبيعة، ويكشف مدى القسوة التي صارت تطبع صلة الإنسان بالعالم الذي وهبه الوجود.

هذا التدهور البيئي المتسارع لا يهدد الأرض وحدها، إنما يزلزل الأسس التي تقوم عليها الحياة البشرية ذاتها. فالنظم البيئية تمنح الإنسان الهواء النقي والماء والغذاء وتوازن المناخ، وأي خلل يصيبها يرتد مباشرة على استمرار بقاء الإنسان، وجودة حياته على هذا الكوكب. من أجل ذلك تنادي الأمم المتحدة منذ سنوات بتحول جذري في أنماط العيش والإنتاج والاستهلاك لوقف هذا الاستنزاف المريع، غير أن النداء يضيع في شبكات المصالح المتضادة. تؤكد التقارير الدولية أن الإصلاحات الجزئية لم تعد مجدية، وأن العالم بحاجة إلى تغيير شامل يعيد بناء العلاقة بين الإنسان والطبيعة على أسس جديدة من المسؤولية والرعاية. إن حماية التنوع الحيوي لم تعد شأنًا بيئيًا محدودًا، إنها قضية أخلاقية وإنسانية وروحية وجمالية تمس جوهر معنى الوجود الإنساني، وتمثل شرطًا لاستمرار الحياة، وضمانة لبقاء الأجيال القادمة للعيش الجيد في الأرض.

 الأخلاق والحياة الروحية والجمالية تشكل منظومة واحدة، تعيد للإنسان وعيه العميق بوحدة الكائنات الحيّة وتناغم وجودها معًا، ومسؤوليته تجاه الأرض. حين يغيب هذا الوعي، تتحول علاقة الإنسان بالطبيعة إلى علاقة استغلال وهيمنة، ويغدو الكون مجرد مورد يستنزف بلا اكتراث، فيختل التوازن وتفقد الحياة ايقاعها المتناغم. الأخلاق الحيّة توقظ الضمير وتردع الجشع، لأنها تذكّر الإنسان بأن حماية الأرض ليست ترفًا ولا خيارًا، بل واجب وجودي يضمن بقاءه. أما الحياة الروحية فتفتح القلب على حضور الله في كل كائن، وتمنح النظر إلى الطبيعة بعدًا روحيًا يجعل رعايتها ضربًا من العبادة وشكرًا على عطائها. والجمال بدوره يصقل الإحساس بالرحمة، ويوقظ في الإنسان محبة الخلق، فيراه بعين الرحمة والعطف لا بعين التملك. حين تتحد الأخلاق والروح والجمال، يتحول الوعي الإنساني من نزعة السيطرة إلى وعي الرعاية، ويغدو الإنسان حارسًا للأرض لا جلادًا لها، فيتنفس الكوكب أنفاسه من جديد، وتستعيد الحياة معناها في ظلال الرحمة والمحبة والعيش المشترك للأحياء والكائنات معًا.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

المنطلقات النظرية لتشخيص الأزمة الحضارية

إن فهم أزمة التخلف الحضاري في الشرق الأوسط يتطلب تجاوز التفسيرات السهلة التي تُلقي بالمسؤولية كاملة على القوى الخارجية، والتوجه بدلاً من ذلك نحو النقد الذاتي العميق للبنى الثقافية والفكرية الداخلية. أكد المفكر الجزائري مالك بن نبي، وهو أحد أبرز من قدموا قراءة ناقدة لإخفاقات الأمة وعلل تخلفها، أن مشكلة كل شعب في جوهرها هي "مشكلة حضارته". وهذا يعني أنه لا يمكن لشعب أن يفهم مشكلته أو يحلها ما لم يرتفع بفكرته إلى مستوى الأحداث الإنسانية ويتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارة وتهدمها.

تشير هذه المقاربة إلى أن الضعف الحضاري الراهن هو نتاج استنفاد للشروط الداخلية للفاعلية الحضارية، وليس مجرد حادث عارض ناتج عن الغزو الخارجي. إن تبني هذا الإطار المنهجي يدعم الفرضية الأساسية للبحث، وهي:

أن التخلف الحضاري في المنطقة ليس حالة سلبية محضة، بل هو نتيجة موضوعية لسلسلة من المساهمات القصدية وغير القصدية من قبل المرجعيات الثقافية التي عملت على تجميد العقل وإقصاء عوامل التجديد.

كما أن التغلغل الاستعماري ما كان ليتم بنجاح لولا وجود "قابلية الاستعمار" داخل المجتمعات المستهدفة. هذه القابلية تنبع من طبيعة النفس البشرية، كما أشار إليها ابن خلدون ومالك بن نبي، حيث تمنح الطرف الأقوى صفة الكمال، بينما يرى الطرف المغلوب نفسه ضعيفاً ومستغَلاً. المستعمِر، ممثلاً للقوة الغالبة، يستغل هذا الضعف وينشر الطاقة السلبية في نفوس المستعمَرِين.

لا تنجح الدولة الغازية في غزوها الثقافي والفكري إلا إذا كان المجتمع المستعمَر يمتلك "القابلية للاستعمار". وتتجسد هذه القابلية في تفكك البنية الاجتماعية والثقافية وفي الركود الفكري وغياب المدرسة العقلية الواعية. وبالتالي، فإن الاحتلال الخارجي ليس سوى نتيجة لهذا الفراغ الداخلي. إن الإصرار على إلقاء اللوم فقط على "المؤامرة العالمية" يتجاهل حقيقة أن المسؤولية مشتركة، وأن المُرسَل إليه يتحمل مسؤولية هذا الغزو بقدر ما يتحمله الغرب الثقافي الغازي، نتيجة لوضعه الثقافي الهش. هذا التأصيل المنهجي يُوجب التركيز على كيفية مساهمة المرجعيات الثقافية في إنتاج هذه القابلية.

سيادة "الجمود الفكري" وتكريس العقلية التقليدية

يشكل الجمود الفكري أحد الركائز الأساسية التي ساهمت المرجعيات الثقافية في تكريسها، مما أدى إلى تثبيت حالة التخلف الحضاري. الجمود يُعرَّف بأنه صفة تشير إلى كل ما هو صلب وثابت وغير منتج، ويعمّه الركود وعدم الاستجابة للتغيير والتطور. المجتمعات التي يسودها الجمود الفكري هي بالضرورة مجتمعات بدائية في استعمال العقل.

تتميز العقلية العربية بتباين بين العقلية البدائية والعقلية التقليدية. إن إدامة هذا الجمود الفكري ليس مجرد تقاعس، بل هو شكل من أشكال القمع المعرفي. فالحفاظ على ركود العقل يضمن بقاء النظم القائمة التي تسيطر على تفسير المعرفة وإنتاجها، مما يعوق أي محاولة لتحسين العقلية العربية. هذه البيئة الثقافية، التي تفتقر إلى النقد والإنتاج الذاتي، تهيئ المجتمع نفسياً وفكرياً للقبول بالتبعية.

 الموقف الإقصائي من الأدوات المعرفية الحديثة

تتجلى القصدية في تكريس التخلف من خلال موقف بعض المرجعيات الثقافية الرافض للأدوات التكنولوجية التي من شأنها أن تحدث ثورة في نشر المعرفة. لقد أدت هذه المقاومة الفكرية إلى استمرار حالة العجز. ورغم التغيرات الجوهرية والعملاقة التي شهدها العالم خلال الربع الأخير من القرن العشرين، ظلت المنظومات الفكرية العربية تترنح وتدور في مكانها، عاجزة تماماً عن فهم واستيعاب أبعاد هذه التغيرات وإدراك مقاصدها.

إن الضرورة القصوى لتجديد الفكر العربي تنبع من أولوية إصلاح العقل الذي إذا ظل جامداً، فإنه سيقود حتماً إلى الانبهار الشديد بثقافة الغازي وفكره. هذا الانبهار هو الذي ينتج التبعية الثقافية، لأن المقلِّد دائمًا أضعف من المبدع، مما يؤكد أن الإخفاق في الإصلاح الداخلي يسبق الهزيمة الخارجية ويديمها.

التوظيف الاستعماري للانقسام العرقي والديني

استغل الاستعمار بمهارة الهشاشة الناتجة عن الدور الإقصائي للمرجعيات الداخلية، مجسداً سياسة "فرِّق تسُد". ففي السودان والهند، عملت بريطانيا، على سبيل المثال، على خلق ثنائيات متنافرة للسيطرة على المجتمع من خلال توظيف طرف ضد آخر.

في سياق المغرب العربي، انتهجت فرنسا سياسة تهدف إلى التفريق بين العرب والبربر، بالاعتماد على أدبيات استعمارية تروج لـ "أسطورة" تفوق العنصر البربري على "العنصر العربي الغازي". هذا التوظيف للمرجعيات العرقية والمغالطات التاريخية خدم المشروع الاستعماري بوضوح، حيث ضمنت فرنسا بقاءها من خلال استخدام الجزائريين ضد بعضهم البعض لإضعافهم. إن نجاح هذه السياسات الاستعمارية يعود إلى وجود استعداد مجتمعي داخلي للارتداد إلى الهويات الجزئية.

استغلال المرجعيات الثقافية في الغزو الثقافي

لا يعتمد الغزو الاستعماري على القوة العسكرية فقط، بل يركز بشكل كبير على الغزو الفكري والثقافي الذي وُصف بأنه أخطر أنواع الهجمات المدبرة والمخططة. إن القوة الدافعة وراء الثقافة الغربية الغازية ليست جيشاً من العسكر بقدر ما هي "جيش من المشتغلين بالثقافة وآلياتها ووسائل إنتاجها."

إن نجاح هذا الغزو يعتمد على وجود حالة نفسية وفكرية لدى المجتمع المستعمَر، أساسها الانبهار الشديد بثقافة الغازي وفكره. إن عملية التقليد الناتجة عن هذا الانبهار هي نوع من التسليم بتفوق المقلَّد على المقلِّد، مما يؤدي إلى التبعية وإضعاف أي ملكة إبداعية محلية.

التداعيات الهيكلية المترتبة على المرجعية الإقصائية

يُظهر التحليل أن المرجعيات الثقافية في الشرق الأوسط قد ساهمت بشكل متعمد أو غير مباشر في تكريس أزمة حضارية مزدوجة:

داخلياً، عن طريق تجميد العقل وإقصاء الإصلاح.

وخارجياً، عن طريق توفير الغطاء الشرعي للاستعمار.

إن المساهمات القصدية في تكريس التخلف تتلخص في الحفاظ على احتكار المعرفة وتسيس الهوية الطبيعية وتحويلها إلى أيديولوجيا طائفية متوحشة. هذه الأفعال أدت إلى إنتاج هشاشة مدنية مزمنة، تتميز بتفشي الفساد وغياب الكفاءة والاعتماد الكلي على العصبية.

بالإضافة إلى ذلك، اتسمت أشكال مقاومة الغزو الثقافي التي تبنتها بعض المرجعيات الثقافية بالسلبية وعدم الفعالية. فقد اعتمدت هذه الأشكال على الاحتجاج اللفظي والتمسك السطحي بالتراث بدلاً من تبني آليات الإبداع والانفتاح الانتقائي، على غرار ما فعلته شعوب أخرى كاليابان. وهذا يؤكد أن الموقف السلبي من الغزو الثقافي كان بحد ذاته مساهمة في الفشل الحضاري.

الضرورات المنهجية للتجديد وإصلاح الهوية الجمعية

إن تجاوز الدور الإقصائي للمرجعيات الثقافية يتطلب استراتيجية واضحة ترتكز على محورين أساسيين:

إصلاح العقل: يجب إعطاء الأولوية القصوى لإصلاح العقل العربي واستلهام روح النهضة المتميزة بالانفتاح، والاستكشاف، والقابلية للنقد، والمراجعة. هذا يتطلب فك الارتباط بين السلطة الروحية واحتكار المعرفة، وتشجيع الإبداع مقابل التقليد، لأن التقليد لن يخلق أي ملكة إبداعية.

تأسيس الهوية المدنية: يجب تأسيس الهوية الجمعية على أسس متينة تتجاوز الولاء للعنصر العرقي أو المذهبي. وهذا يتطلب التزام الطوائف والمذاهب باحترام بعضها البعض، والالتزام بالمصالح الوطنية العليا، والأهم من ذلك تلافي الخلط بين المذهبية والسياسة، لمنع تأبيد الصراع.

الاستنتاجات

تحييد الهوية عن السياسة: تطبيق مبدأ المواطنة المدنية كإطار وحيد للتعايش السياسي، والعمل على حصر المذهبية في الإطار الاجتماعي والروحي، بعيداً عن السلطة التنفيذية والتشريعية، للحد من الهشاشة المدنية التي تسببت في هجرة الكفاءات.

تبني المقاومة الفعالة: تحويل المقاومة الثقافية من مجرد "احتجاج لفظي" سلبي إلى مشروع ثقافي فاعل ومنتج، قادر على استيعاب تكنولوجيا العصر والعلوم الحديثة بشكل نقدي ومبدع، لإنهاء حالة التبعية الثقافية الناجمة عن الانبهار بالغازي.

***

غالب المسعودي

........................

المراجع

مالك بن نبي.. تراث يقارب التخلف وعلله | أخبار ثقافة - الجزيرة نت

colonialism.iicss.iq

ابحاث العدد 2 - موقع مجلة الاستعمار

zu.edu.ly

الغزو الثقافي الغربي (أسبابه، ومخاطره، ونتائجه)

ahewar.org

شاكر النابلسي - محنة المفكرين العرب في علاج الغزو الثقافي - الحوار المتمدن (“شاكر النابلسي - محنة المفكرين العرب في علاج الغزو الثقافي”)

tanwair.com

الجمود والتجديد في العقلية العربية: مكاشفات نقدية - علي أسعد وطفة - مجلة نقد وتنوير

shabwaah-press.info

علماء المسلمين حرموا استخدام آلة الطباعة - شبوة برس

mohamedrabeea.net

alfaisalmag.com

الحركة الإصلاحية النهضوية وقضية المذهبية | مجلة الفيصل

asjp.cerist.dz

من التنوع إلى الانقسامية.. بحث في علاقة الطوائف بالطائفية: بين حتمية الهويات الفسيفسائية والتوظيف السياسي والتداعيات المجتمعية | ASJP

almothaqaf.com

قراءة في سياسة فرنسا الاستعمارية في الجزائر: فرق تسد (1) - صحيفة المثقف

asjp.cerist.dz

توظيف الدين في الخطاب الاستعماري بالمغرب خلال القرن 20 م - ASJP

 

جورج أورويل: "السلطة ليست وسيلة، إنها غاية. ليس الغرض من القمع حماية النظام، بل القمع ذاته".

أفلاطون: "أسوأ أنواع الجهل أن يظن الجاهل أنه يعرف." (ولهذا يسهل على المستبدين توجيه الجاهلين لأنهم لا يشكّون).

لا يمكن النظر للاستبداد كنظام سياسي فحسب، بل هو أيضا بنية إدراكية تُعيد تشكيل الوعي الجماعي بحيث يبدو القمعُ حمايةً والجهلُ راحةً والخضوعُ فضيلةً. فالطغاة لا يخشون السلاح بقدر ما يخافون الوعي المتعلّم، لأن المعرفة، كما قال ميشيل فوكو، "تنتج السلطة كما تقاومها في الآن ذاته". أي إنها تكشف أن السلطة ليست قدراً مفروضاً، بل نتاج علاقات اجتماعية قابلة للمساءلة والتغيير.

إن الأنظمة الاستبدادية تقوم بالأساس على معادلة دقيقة، أن تظل السلطة وحدها مالكة للمعرفة، وأن يظل الشعب متلقّيًا لها بوصفها "حقيقة مطلقة". فالاستبداد لا ينهار بالعنف، بل بالتساؤل؛ لذلك يسعى إلى هندسة الجهل باعتباره ضمانةً للاستقرار. وفي هذا السياق، يتحوّل التعليم من وسيلةٍ للتحرّر إلى جهازٍ لإنتاج الطاعة. وتغدو المدرسة، كما لاحظ فوكو في المراقبة والمعاقبة، مؤسسةً لترويض الأجساد والعقول، حيث يُقاس النجاح بمدى الامتثال لا بقدرة النقد.

الأنظمة السلطوية تعرف أن المعرفة هي "سلطة رمزية" كما وصفها بيير بورديو، وأن من يملك تعريف الأشياء يملك السيطرة عليها. ولهذا، تُخضِع الخطاب التعليمي والإعلامي والثقافي لرقابة شاملة، تجعل المواطن يرى في الاستبداد شرطًا للاستقرار، وفي الجهل حمايةً من الفوضى. وهكذا يتحوّل الخضوع من فعل قسري إلى قناعة اجتماعية داخلية.

إن التعليم في جوهره فعل مقاومة. إنه، كما يصفه باولو فريري في تربية المقهورين، "حوار بين الإنسان والعالم"، لا تلقين للمعلومات بل بناء للوعي النقدي. غير أن الطغاة يدركون أن العقل المتعلم يسأل، وأن السؤال هو أول تمردٍ ضد الصمت. ولذلك، يحرصون على إضعاف المدرسة وتحويلها إلى جهاز لإنتاج الشبه معرفة، إلى فضاءٍ "يُعلّم الناس ما ينبغي أن يعتقدوه لا كيف يفكرون".

فالأمة الموفورة بالعلم والصحة والكرامة يصعب حكمها بالخداع، لأنها تملك أدوات التمييز بين السلطة والمشروعية، وبين الدولة والهيمنة. ويدرك المواطن أن الدولة وُجدت لخدمته، لا لإخضاعه، تنهار "الميتافيزيقا السياسية" التي تجعل الحاكم فوق القانون.

وعلى هذا الإساس يمكن القول، أن الخوف هو رأسمال الطغيان. حيث النظام المستبد لا يحكم بالقوة وحدها، بل بإنتاج ثقافةٍ نفسية تجعل الناس يخافون من التغيير أكثر مما يخافون من الظلم. وهنا نستحضر تحليل حنّة أرندت في أسس التوتاليتارية حين ربطت بين "الخوف الجماعي" و"تفكك المعنى"، معتبرة أن الأنظمة الشمولية لا تُبقي الناس تحت السيطرة عبر الإكراه المادي، بل عبر تجريدهم من القدرة على التمييز بين الحقيقة والكذب.

في هذا السياق، يغدو الإعلام أداةً لإنتاج القلق، لا للمعرفة؛ والتعليم وسيلةً لتطبيع العجز، لا لتوليد الفعل. فكلما تضخّم الخوف، تقلّ الحاجة إلى القمع المباشر، لأن الناس يصبحون حراسًا لأنفسهم. وهذا ما يسميه إريك فروم في الخوف من الحرية “الهروب من الحرية”، أي استبطان الخوف بوصفه آليةً دفاعية ضد مسؤولية الوعي.

ولا تكتفي الأنظمة المستبدة بالتحكم في مؤسسات الدولة، بل تسعى إلى السيطرة على المعنى ذاته. يقول أنطونيو غرامشي في مفهومية "الهيمنة الثقافية": "إذ لا يكفي أن تملك الدولة أدوات القمع، بل يجب أن تُقنع الناس بشرعية خضوعهم".

تُحوِّل السلطة رموز الدين، والتاريخ، والوطنية إلى أدوات لتبرير القهر، فيغدو الاستبداد مغطى بخطاب مقدّس يجعل مقاومته نوعًا من "الخيانة". إنها لا تُخضع الأجساد فحسب، بل تحتلّ المخيلة واللغة والذاكرة. إذ حين تحتكر السلطة المعنى، تفقد الأمة قدرتها على الحلم، ويغدو التفكير جريمة. لكن الشعوب التي تستعيد لغتها تستعيد حريتها، لأن اللغة ليست وسيلة للتعبير فقط، بل أداة لبناء الوعي الجماعي. فالكلمة الحرة هي أول خيطٍ يُفكك نسيج الطغيان.

وكما أن الاستبداد يعيش على النسيان. حيث ينسى الناس ما حدث، فيُعاد إنتاجه باسم الخلاص. يُعيد التعليم النقدي ربط الذاكرة بالمستقبل، ويُذكّر الإنسان بأنه فاعل في التاريخ لا مجرد مفعول به. ومن ثمة نفهم لماذا يخاف الطغاة من الجامعات والمفكرين والمثقفين، لأنهم يحتكرون قدرة اللغة على تسمية الأشياء بأسمائها، أي على فضح الوهم. فحين تتعلم الشعوب أن تطرح السؤال، تُهزم السلطة في ميدانها الأعمق: ميدان الشرعية المعنوية. فكل استبدادٍ يبدأ بسجن الفكرة، وكل تحرّرٍ يبدأ بإطلاق السؤال.

إن معركة الوعي ليست سياسية فقط، بل أنطولوجية في جوهرها. إنها معركة الإنسان لاستعادة ذاته من آلة الخوف. وحين يصبح التفكير فعلًا جماعيًا، تتحول المجتمعات من موضوعٍ للسلطة إلى ذاتٍ فاعلة. ويصدق قول فوكو: "حيث توجد سلطة، توجد مقاومة" والمقاومة الكبرى هي مقاومة الجهل والخضوع الرمزي. لذلك، فالأمم التي تستثمر في التعليم والثقافة لا تصنع اقتصادًا قويًا فقط، بل تُشيّد مناعة فكرية ضد الاستبداد. فالمعرفة ليست مجرد وسيلة للنهوض، بل ضمانة أخلاقية ضد العودة إلى الظلام.

أعتقد أنه حين يفكر الإنسان بحرية، يفقد الطغاة قدرتهم على إخافته. تكون المعرفة كلحظة الوعي بالظلم ورفض الصمت، فالتعليم الحق مثلا، لا يُنتج موظفين مطيعين، بل مواطنين ناقدين، والثقافة الحية لا تُنتج الترف الفكري، بل الإرادة الحرة.

إن الطغاة يخافون من الشعوب المتعلمة لأنهم يدركون أن الوعي يزعزع الأسطورة التي قامت عليها سلطتهم، ويعيد توزيع القوة بين الدولة والمجتمع. فالثقافة هي الثورة التي لا تُعلن، والمعرفة هي السلاح الذي لا يُصادر، والفكر هو آخر حصون الحرية. وحين يستيقظ العقل الجمعي، لا يبقى للاستبداد سوى أن يختبئ من ضوء الحقيقة.

***

د. مصطفى غَلمَان

في كل زمن يتراجع فيه العقل، تنبت الخرافة كالعشب في أرض هجرتها الشمس. وحين يغيب الفكر النقدي، تتسلل الخزعبلات إلى روح المجتمع في هيئةِ إيمان زائف، حتى يغدو الجهل دينا يتلى، والخرافة مذهبا يورث، والجنون طقسا جماعيا تقام له المواسم والأضرحة والاحتفالات.

طنطا، المدينة الجميلة التي عرفت بكرم أهلها ودفء قلوبهم، تحولت إلى ساحة تباع فيها الأوهام كالبضائع، وتقدس الخرافة باسم الدين، ويمنح الجهل صك البركة تحت عباءة الأولياء.

للأسف نحن أمام ظاهرةٍ معقدة، لا تختزل في طقوس غريبة أو معتقدات بدائية، بل في عقل جمعي فقد القدرة على التمييز بين الدين والأسطورة، بين القداسة والوهم.

فحين يصبح الاستسلام للخرافة جزءا من الهوية الاجتماعية، لا يعود الجهل عيبا، بل يتحول إلى فضيلة مقدسة، يدافع عنها الناس كما يدافعون عن إيمانهم.

الجهل في ذاته خطأ يمكن إصلاحه، لكنه حين يقدس يتحول إلى سجن روحي لا تكسر قضبانه بسهولة.

إنه الجهل الذي يتغذى على الخوف من السؤال، ويعيش على كسل الفكر، ويتكاثر حيث يحاصَر العقل ويخدر الوعي.

هو جهل يتزين بملابس الدين والروحانية، ويتخفى خلف كلمات مثل “الكرامة” و“البركة” و“السر”.

فتقدم الأوهام للناس على أنها معجزات، وتبرر الخرافات باسم الإيمان، ويمنع السؤال بحجة الأدب مع الله أو الأولياء أو الرموز.

فتصبح الأضرحة معابد للاتكالية، والطقوس وسيلة للهروب من مواجهة الواقع، وتتحول الزيارة إلى نوع من التخلي عن المسؤولية الوجودية للإنسان تجاه نفسه ومصيره.

فالإنسان الذي يسلم مصيره إلى الحجر، لن يفكر يوما في بناء صرح من فكر.

وهكذا، تستبدل القوة الداخلية للإنسان ببركة خارجية، ويختزل الإيمان في حركة الجسد لا في يقظة العقل.

الخرافة ليست مجرد فكرة باطلة، بل نظام اجتماعي متكامل يقوم على صناعة الجهل وإدارته.

فهي ترضي العاجزين عن الفهم، وتسكن قلق الوجود، وتمنح الشعور باليقين في عالم مضطرب ومجهول.

ومن هنا خطورتها: لأنها تلبي حاجة الإنسان إلى الأمان والمعنى، لكنها تمنحه ذلك بثمن فادح — تجميد العقل.

وحين تروج السلطة أو الإعلام لهذه الممارسات باعتبارها تراثا أو روحانية شعبية فإنها لا تحافظ على الهوية كما يزعم، بل تعيد إنتاج العصور المظلمة في ثوب حديث.

إنها تجارة في الخوف، وإدارة منظمة للوهم، يراد منها تخدير الناس وإبعادهم عن التفكير الحر والمطالبة بالتغيير.

إن أول خطوة في مقاومة هذا "الجهل المقدس"، والعقلانيه هي روح التنوير. هي إعادة الاعتبار للعقل وشجاعة السؤال في وجه السائد، ورفض التسليم الأعمى لما يقال. التنوير ليس حربا على الدين، بل حماية له من أن يستعمل وقودا للجهل.

إنه الدفاع الأخير عن إنسانية الإنسان، عن قدرته على أن يرى بعينيه، لا بعين الجماعة. وحين يولد التنوير في العقول تموت الخرافة.

في مجتمعات أقصي فيها التفكير لصالح الطقوس، يصبح كل صوت للعقل خطيئة، وكل سؤال تهديدا للنظام القائم.

لكن الفلسفة علمتنا أن الحقيقة لا تخاف السؤال، وأن النور لا يخشى عليه من العيون المفتوحة.

لقد آن للعقل العربي أن يخرج من دائرة القداسة الزائفة، أن يتحرر من عبادة الرموز والأضرحة، وأن يفهم أن الكرامة الحقيقية ليست خارقة للطبيعة، بل نابعة من الوعي نفسه.

فالإنسان الذي يعبد القبور ميت في داخله، أما الذي يعبد النور فهو الذي يخلق الحياة من جديد.

فالخرافة لا تهزم بالوعظ ولا بالمنع، بل بالتعليم، والتفكير، والفلسفة، والفن، والحرية.

وحين تتعلم الأجيال أن تقدس السؤال، لا تقدس الصمت، سنعرف أننا بدأنا نغادر ظلمة الجهل المقدس، نحو شمس التنوير التي لا تغيب.

آن لنا أن نعيد إحياء العقل. بأن نسأل، ونفكر، ونشك، ونؤمن بأن السؤال ليس كفرا بل ضرورة، وبأن الطريق إلى الحقيقة لا يمهد بالخرافة، بل بالعقل المستنير والفكر الواعي.

واخيرا الأوطان لا تنهض بالأضرحة، بل بالمختبرات والعلم، ولا تبنى بالكرامات، بل بالأفكار البنائه.

***

ابتهال عبد الوهاب – مصر

 

في محفل ثقافي أشتد النقاش حول فكر شخصية مثيرة للجدل مابين مدافع ومعارض، كان النقاش كالحجر الصغيرة التي تحرك بحيرة عملاقة راكدة.

وفي نهايته المثيرة جاء سؤال خجول، رغم أننا كنا نقرأه في العيون (ماهو سبب طرح واثارة واختيار مثل هالشخصيات!؟ ولماذا اتعرف عليها، مادامي لا أتبنى هذه الأفكار ولا أؤيدها).

توقفت عنده كثيرا.. لماذا نخاف الخروج من الدائرة التي رسمناها أو رسمت لنا؟!، لم نتهيب صعود جبل؟!، وممارسة هواية جديدة ؟!، يرعبنا الاقتراب من الخطوط الحمراء وهي معتقداتنا وأفكارنا وما نؤمن به رغم أننا توارثناها دون بحث ودراسة، عاداتنا وتقاليدنا دوما نردد حين يحاول أحد أن يحرك الجامد منها (لماذا تريدون منا التخلي عنها، ما لضرر فيها، وهل كل جديد مفيد، ولم لا يكون وراءها من يحاول استلاب هويتنا).

لم دوما علينا طاعة ما نؤمر بدون أن يحق لنا التساؤل ما الهدف، ماوراء هذه الفكرة أو تلك العادة.

هل لأننا نخاف الرفض والنبذ خارج القطيع، أم كما يقول نيتشه أن هناك حاجة فطرية للخضوع لدى كل واحد منا، أفعل هذا دون نقاش وكما أشار لها فؤاد زكريا بإحدى مقالاته مرض عربي اسمه الطاعة، قد يكون وراء الحروب والنزاعات على مستوى كبير، وقد يكون هو وراء حالة العبودية وسي السيد وهي تتحمل ألوان من العذاب وتقاسي الأمرين وتأبى الإ الطاعة تحت العديد من المبررات، وما يحدث في أصغر شركة حين يستعبد المدير موظفيه، بل يمكن أن نراها بين طبيب ومريض ومعلم وطالب ..

هل هو حقا مرض عربي، أم حالة ثقافية يمكن أن تستشري في أي مجتمع ووراءها بعد نفسي عميق.

الخوف كما يذكر أنه أقوى المشاعر المحركة والمحبطة للإنسان .فهل يعقل أن يقتل فينا القدرة على التفكير والفعل ويشلنا ويختال كل قدراتنا بالنمو والتغير والتطور؟!

(يشرح كيركغارد أن الخوف والقلق يظهران عندما نواجه الإمكانية المطلقة للاختيار، فنرتعب من اتساع الحرية نفسها، فنهرب من الفعل ونتجمد).

فنحن نخاف الحرية التي هي مناط وجودنا ولم نخاف الحرية؟!

الحرية التي تعيدنا إلى ساحة طفولتنا حيث الأسئلة المحرمة، والسؤال يتبعه ألف سؤال، الدهشة التي تعطي للحياة ألف معنى، هل كنا أحرار لأن الخوف لم يتمكن منا بعد ؟!، وكبرنا وكبر السؤال وبدأنا نرى الخوف في أعين والدينا، نسأل ونتراجع حيث نقابل بألف أعتراض ولا، يأخذنا الحماس حيث يتوهج الفكر ثم ننزوي، نتقوقع على أنفسنا، نخفي الفكرة أو السؤال في أعمق كهف حفاظا على نظرة الأهل ومن ثم الأصدقاء، ثم الدائرة الأكبر، فيزحف الخوف كثعبان يخطف منا اللحظة الحرة، والفكرة الحرة، ودهشة البدايات ..

ويشير جان بول سارتر إلى جانب هام «الخوف ليس من الموقف، بل من أنفسنا ونحن نكتشف قدرتنا على الفعل فيه.»

 يرى سارتر أن الخوف هو إدراكنا لمسؤوليتنا الوجودية، لذلك نشلّ أنفسنا لأن الحركة تعني أن نتحمل تبعات وجودنا بالكامل

إما مارتن هايدغر فيقول:

«الخوف يكشف لنا أن العالم لم يعد مألوفًا، وأننا نحن أنفسنا صرنا غريبين فيه.»

 عنده الخوف ليس عدوًا فقط، بل لحظة وعي مرعب تكشف هشاشتنا في الوجود، مما يجعل بعض الناس يتوقفون عن التفكير أو المبادرة هربًا من تلك المواجهة.

إذن كم فينا من هشاشة وضعف بحيث لا نقوى على قراءة أو التعرف على شخصية تخالفنا بالرأي، تتسم بالحرية التي قد تعري جوانبنا المظلمة فنهرب من أنفسنا حين نهرب منها.

وهذا ما أكده عالم النفس فرويد:

«الخوف هو الطاقة التي نحاول كبتها حتى لا نرى حقيقتنا الداخلية.»

 يرى فرويد أن الخوف يربطنا باللاوعي المكبوت، فإذا اشتدّ، يعيدنا إلى مرحلة الطفولة النفسية حيث نتجمد بدل أن نواجه.

حتى الركون لمربع الراحة مع أننا نرفضه، ونستاء منه، الروتين القاتل، الذي يسلب طعم الحياة،

كثير من القرارات التي نتخذها، كثير من الأسئلة التي نخنقها قبل أن تولد، الحصار الذي نحيط به من نحب، فنختال مواهبهم، إبداعهم، نشل حياتنا وحياتهم، بل نحن نختال لحظات الفرح، والسعادة.

الخوف في جوهره ليس مجرد انفعال، بل اختبار لحدود وعينا (لأننا نحتاجه بمقداره الطبيعي، فالحياة بلا خوف لا طعم لها). وحين يتضخم، يغتال القدرة على الاختيار، فيتحول من وسيلة بقاء إلى قيد داخلي يشبه الموت المؤجل.

***

منى الصالح

مفتتح: ليس عجيبا لأي أحد أن المشهد الثقافي العربي المعاصر يعاني من تضخم مرضي في حضور فئة لا تنتمي إلى عالم المعرفة الحقيقية، بقدر ما تنتمي إلى عالم الاستعراض والمظاهر الفارغة. إنها فئة "أشباه المثقفين أو أدعياء الثقافة"، تلك الكائنات الهجينة التي تسكن الفضاءات الثقافية دون أن تمتلك أدنى مقومات الفعل الثقافي الجاد والحقيقي.

 كان بيير بورديو قد أسس لمفهوم "الحقل الثقافي" باعتباره فضاءً للصراع الرمزي حول الشرعية والاعتراف¹، لكننا ما نشهده اليوم في مجالنا العربي هو احتلال هذا الحقل من قبل دخلاء لا يملكون سوى براعة التسويق الذاتي والقدرة على استثمار الفراغ المعرفي السائد وشراء مسميات لا علاقة لها بواقعهم الحقيقي.

إن ظاهرة أشباه المثقفين ليست مجرد عارض طارئ على جسد الثقافة العربية، بل هي نتاج بنيوي لأزمة عميقة تتعلق بتحلل معايير الشرعية المعرفية وانهيار أخلاقيات الممارسة الثقافية². فالمثقف الحقيقي، كما عرّفه أنطونيو غرامشي، هو ذلك الكائن العضوي المرتبط بطبقته والمنخرط في صراع الأفكار من موقع المسؤولية التاريخية³، بينما شبه المثقف او المثقف المزيفة كالعملات المزيفة- هو كائن طفيلي يعيش على هامش المعرفة، يتغذى من فتات المصطلحات ويردد الشعارات دون أن يمتلك أي ادنى عمق فلسفي أو التزام أخلاقي تجاه قضايا مجتمع. وقد أصاب علي حرب كبد الحقيقة حين شخّص أوهام هذه النخبة الزائفة، مبيناً كيف تحولت الثقافة في أيديهم إلى سلعة استهلاكية ومصدر لتراكم الرأسمال الرمزي المزيف⁴.

 سوسيولوجيا الانحطاط الثقافي

إن فهم ظاهرة أشباه المثقفين يتطلب تشريحاً سوسيولوجياً لآليات إنتاجها وإعادة إنتاجها ضمن البنية الثقافية العربية المعاصرة. فهذه الظاهرة ليست محض صدفة، بل هي محصلة لتحولات بنيوية عميقة شملت السلطة الرابعة المؤسسة الإعلامية التي تحولت إلى آلة لصناعة المشاهير الثقافيين على حساب المفكرين الحقيقيين، والمؤسسة الأكاديمية التي فقدت استقلاليتها وتحولت إلى مصنع لإنتاج الشهادات دون المعرفة والضباع والذئاب والثعالب البشرية التي لا تملك حتى الطباع الغريزية الحميدة لهذه الحيوانات، والفضاء الرقمي الذي أتاح لكل من يملك حساباً على وسائل التواصل أن يدّعي صفة المثقف والمفكرو الناقد والمترجم، إن منطق الرأسمالية الثقافية الذي يحكم هذه المؤسسات يقوم على تسليع الفكر وتحويل الثقافة إلى صناعة ترفيهية، مما أفسح المجال واسعاً أمام من يُتقنون التسويق الشعبوي والاستعراض الإعلامي على حساب من يشتغلون في صمت على إنتاج معرفة حقيقية⁵.

دون أن نغفل عن غياب آليات التقويم النقدي الحازمة وضعف دور النقد الأكاديمي المستقل الذي ساهم في خلق بيئة خصبة لنمو هذه الظاهرة. ففي غياب معايير موضوعية لتقييم الإنتاج الفكري، يصبح الحضور الإعلامي والشهرة العابرة بديلاً عن العمق المعرفي والإسهام الفكري الحقيقي، وهنا تتجلى خطورة ما أسماه ليوتار "نهاية السرديات الكبرى"⁶، او ما تحدث عنه اعلامي الثقافة الفرنسية برنار بيفو في كتابه (مهنة القراءة) حيث يؤدي الانهيار القيمي إلى نسبية مطلقة تُلغي التمييز بين الجاد والهزلي، بين المعرفة والادعاء، بين الأصيل والهجين.

 مسارح الزيف وسوق السفهاء

تشكل المؤتمرات الثقافية والمعارض والملتقيات الأدبية والفكرية، في كثير من الأحيان، مسارح حقيقية لاستعراض أدعياء الثقافة والاستاذية والاكاديمية والفكر والفقاهة والاعلام. فهذه الفضاءات التي يُفترض أن تكون منابر للحوار المعرفي الجاد والنقاش الفلسفي العميق والفقاهة الرصبنة، تحولت إلى أسواق للمتاجرة بالألقاب والشهادات المزيفة، يحضر هؤلاء بأناقة مفرطة، يتصدرون المنصات، يلقون خطابات منمقة محشوة بالمصطلحات الفلسفية التي لا يفقهون معناها لان اغلبهم قد تم تجهيزها لهم من لدن مريديهم السفهاء، ويتبادلون الإطراءات المبالغ فيها في عملية تشابك نفعي لا علاقة لها بالمعرفة بشتى صنوفها. إن هذه "الدبلوماسية الثقافية المزيفة" التي يمارسها أشباه المثقفين تحول هذه الفعاليات إلى طقوس رمزية تستخف بعقول الناس، هدفها تعزيز الحضور الإعلامي وتبادل المصالح، لا إنتاج المعرفة أو إثراء الحوار الفكري او التجديد والاصلاح.

إنهم "سفهاء الإعلام والثقافة"، كما يمكن تسميتهم بلا مجاملة، يتكاثرون في هذه الفضاءات كالفطريات في أرض رطبة. يتقنون فن التملق والمداهنة، يجيدون صناعة العلاقات مع أصحاب النفوذ الإداري والسياسي، ويحولون كل فعالية ثقافية إلى مناسبة لالتقاط الصور والظهور في وسائل التواصل الاجتماعي⁷. إنهم لا يقراون، لا يبحثون، لا يساهمون بأي إضافة معرفية حقيقية، لكنهم يتقنون الظهور والحضور والاستعراض.

وقد بيّن محمد أركون في تشخيصه لأزمة المثقف العربي كيف أن هذه الفئة تعيش في حالة انفصام عن مجتمعها، منعزلة في برجها العاجي، غير قادرة على تقديم أي مشروع تنويري حقيقي⁸ سوى الدجل الاعلامي والخداع الفكري والتبييت لاقصاء المثقف الحقيقي من المشهد الثقافي كله.

والأخطر من ذلك، أن هؤلاء الأشباه يحتلون أيضاً "فضاء الخطاب الديني"، حيث يتمظهرون كمتحدثين ومهتمين باسم الدين والأخلاق والتصوف والفقه واصوله ومقاصد الشريعة، دون أن يمتلكوا أي عمق معرفي في العلوم الشرعية أو قدرة على الاجتهاد النقدي، يكتفون بترديد الخطابات الجاهزة -التوصيات المسمومة- كما يمارسون الوعظ الأخلاقي السطحي، ويستثمرون العاطفة الدينية لتعزيز مواقعهم الاجتماعية⁹. إنهم يحولون الدين من منظومة قيمية وفلسفية عميقة إلى شعارات فارغة وخطابات شعبوية، مساهمين بذلك في إفقار الوعي الديني وتسطيح الفهم الإسلامي. هذا الاستثمار الأيديولوجي في الخطاب الديني يُمثل أخطر تجليات الظاهرة، إذ يجمع بين الادعاء المعرفي والاستغلال السياسي والتسويق الإعلامي في آن واحد، كشانمبو لغسيل الادمغة.

 الظاهرة في بعدها العالمي

لا تقتصر ظاهرة أشباه المثقفين على السياق العربي، فقد انتقدها بورديو بشدة في السياق الفرنسي، خاصة في كتابه "Sur la télévision" حيث فضح آليات إنتاج المثقفين الإعلاميين الذين يُضحون بالعمق المعرفي مقابل الشهرة التلفزيونية¹⁰. لكن الفارق الجوهري أن الديمقراطيات الغربية تمتلك عدة مؤسسات نقدية مستقلة وآليات تقويم أكاديمية صارمة تحد من انتشار هذه الظاهرة، بينما في السياق العربي يُساهم ضعف المؤسسات الأكاديمية وخضوع الإعلام وغياب حرية النقد في تفشي الظاهرة بشكل كارثي.

 إن المثقف الحقيقي في الغرب يجد فضاءات للإنتاج والنشر والتأثير بعيداً عن سيطرة الإعلام التجاري، بينما المثقف العربي الاصيل يجد نفسه مهمشاً ومحاصراً من قبل منظومة تُكافئ التملق والخضوع وتُعاقب الاستقلالية والنقد¹¹.

 نحو استعادة الحقل الثقافي

إن ما يجمع كل هذه التمثلات - الثقافية والإعلامية والدينية - هو انعدام الصدق المعرفي والالتزام الأخلاقي، فشبه المثقف لا يعنيه البحث عن الحقيقة أو خدمة مجتمعه أو الإسهام في تطوير الوعي الجمعي، بل يعنيه فقط تحقيق مكاسب شخصية رمزية واقتصادية سريعة جشعة. وهذا ما يجعله خطراً حقيقياً على المشروع التنويري العربي، لأنه يشوه صورة المثقف الحقيقي ويسهم في تعميق أزمة الثقة بين النخب الثقافية والجماهير.

كوننا امام مأزق حقيقي يتطلب مواجهة صريحة وشجاعة. فالمطلوب ليس مجرد "نقد المثقف" كما دعا إلى ذلك علي حرب¹²، بل نقد جذري للمنظومة الثقافية برمتها، منظومة تسمح بصعود المزيفين والادعياء وتهميش الأصلاء، منظومة تكافئ الاستعراض والتسويق والتزييف والخداع والمتاجرة على حساب العمق المعرفي والنزاهة الفكرية والنقدية.

إن إعادة بناء الحقل الثقافي العربي تستوجب وضع معايير صارمة للشرعية المعرفية، معايير لا تعترف بالألقاب والشهادات الفارغة، بل بالإنتاج الفكري الحي والواقعيو الاستراتيجي والإسهام المعرفي الحقيقي والالتزام الأخلاقي تجاه قضايا الأمة.

لقد آن الأوان لكشف زيف هؤلاء "الضباع" الذين يفترسون الفضاء الثقافي في ظل تغييب اهله ومبدعيه، ولفضح ممارسات الادعياء الطفيلية، ولإعادة الاعتبار للمثقف الحقيقي، ذلك المفكر الحر والنزيه والجاد المنخرط في قضايا مجتمعه، الناقد النبيل الذي لا يخشى السلطة ولا يتملق أصحاب النفوذ، المفكر العضوي الذي يرى في الثقافة مسؤولية وجودية لا مجرد وظيفة أو مصدر للرزق، إن المعركة من أجل ثقافة حقيقية هي معركة ضد كل أشكال الزيف والادعاء والتسقيط للشرفاء، وهي معركة تبدأ من قرار فردي وجماعي بمقاطعة إنتاجات هؤلاء الأشباه ودعم الإنتاج المعرفي الأصيل بحريته ونقده الاصلاحي، بإعادة الاعتبار للقراءة العميقة والبحث الأصيل والنقد الحر.

 استعادة الحقل الثقافي من براثن تجار الوهم ليست مهمة مستحيلة، لكنها تتطلب يقظة معرفية دائمة وشجاعة أخلاقية في مواجهة الزيف، وإيماناً راسخاً بأن الثقافة الحقيقية هي تلك التي تُحرر العقول لا تلك التي تُخدرها وتستخف بها، وأن المثقف الحقيقي هو من يثير دفائن عقول المجتمع بأسئلته الحارقة، لا من يُطمئنهم بإجابات مُعلّبة ويُسليهم بخطابات استعراضية فارغة من اي معنى حضاري سوى الاستغباء والدجال والبهتان.

***

ا. مراد غريبي

....................

 الهوامش

1. Pierre Bourdieu, Les règles de l'art: Genèse et structure du champ littéraire (Paris: Seuil, 1992), p345.

2. العايب ربيع، "قراءات في أزمة المثقف العربي: الجابري- إدوارد سعيد- محمد أركون"، *مجلة قبس للدراسات الإنسانية والاجتماعية*، المجلد 4، العدد 2 (2020)، ص 507.

3. Antonio Gramsci, Selections from the Prison Notebooks, trans. Quintin Hoare and Geoffrey Nowell Smith (London: Lawrence and Wishart, 1971), p12.

4. علي حرب،أوهام النخبة أو نقد المثقف (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1996)، ص 65.

5. "أنصاف المثقفين.. ظاهرة أم ماذا؟"، *الجزيرة نت*، 2 مايو 2017.

6. Jean-François Lyotard,La condition postmoderne: rapport sur le savoir. (Paris: Minuit, 1979), p. 60

7. "واقع النقد العربي الحديث وأزماته"، *المجلة الجزائرية للبحوث والدراسات*، العدد 9 (2017)، ص 41.

8. محمد أركون، الفكر الإسلامي: قراءة علمية (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1998)، ص-178.

9. محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1995)، ص 201-234.

10. Pierre Bourdieu, Sur la télévision (Paris: Raisons d'agir, 1996), p43.

11. "المثقف العربي والهوية المؤجلة"، *مجلة الدراسات العربية*، يونيو 2019.

12. علي حرب، "مفهوم نقد النقد عند علي حرب تعقيب وتقويم"، *المجلة الجزائرية للأبحاث والدراسات*، 2011، ص 103.

العقلية الذهنية ليست مجرد طريقة في التفكير أو أسلوب في اتخاذ القرار، بل هي انعكاس لما تراكم في الإنسان من خبرات تربوية وتفاعلات أسرية ومدرسية ومهنية ومجتمعية. إنها خلاصة التجربة الإنسانية التي تظهر في المواقف اليومية، وفي فهم الحياة بكل تشعباتها وفروعها، وهي أيضاً أسلوب التعامل مع الآخرين، وطريقة إدارة الذات قبل العمل. فما نراه من مرونة أو انغلاق، وتقبّل أو تعصب، ليس وليد اللحظة، ولم يكن خبط عشواء، بل هو نتيجة سنوات من التربية والتجارب المتراكمة.

تمثل الأسرة الجذر الأول في تكوين العقلية، فهي التي تزرع بذور المرونة أو الانغلاق، والثقة أو الخوف، والانفتاح أو الكبت. حين يتعامل الوالدان مع أبنائهما باحترام ويمنحانهما فرصة التعبير عن آرائهما دون خوف أو سخرية، فإنهما يرسّخان عقلية مرنة ناقدة واثقة من ذاتها.

فالطفل الذي يُسأل عن رأيه في قرارات بسيطة، كاختيار مكان الرحلة التي يريد الذهاب إليها، أو ترتيب غرفته، أو تحديد موعد دراسته ومذاكرته، ينشأ وهو يشعر أن لرأيه قيمة وشأناً، وأنه محل اهتمام وأنظار من حوله، فيتعلم المسؤولية والثقة بالنفس. أما الطفل الذي يعيش في بيئة يُقمع فيها صوته ويُستهزأ بآرائه ويتعرض للتوبيخ المستمر، فإنه يتعلم الخضوع والخوف من الخطأ، أو الغضب والعناد كرد فعل على القمع الذي يواجهه، وتنغلق مداركه داخل دائرة الطاعة العمياء.

فالبيت الذي يزرع الحرية الفكرية والاحترام يخرج إنسانًا واثقاص بنفسه ومنفتحاً على الآخرين، قادراً على تقبل أفكارهم ومشاعرهم براحة وثقة، بينما البيت القائم على الخوف والسلطوية يخرج عقلية هشة تخشى المبادرة وتهاب التغيير. وشتان ما بين عقلية مرنة وأخرى متصلبة لا ترى في الحياة سوى القمع والقسوة سبيلاً.

وتسهم المدرسة في توسيع الدائرة الاجتماعية للطالب، إذ يبدأ بالتفاعل مع أنماط مختلفة من الزملاء والمعلمين، وهنا يتضح أثر البيئة التربوية في صقل العقلية أو تقييدها. فالمعلم الذي يحترم الأفكار والآراء، ويشجع الطلبة على التفكير الناقد، ويتيح لهم مساحة للإجابة حتى وإن كانت خاطئة، يعلمهم أن المحاولة أهم من النتيجة. أما المعلم الذي يكبت المشاعر ويضيّق على طلابه ويسخر من أخطائهم أو يهمّشهم أمام زملائهم، فإنه يغرس فيهم الخوف من المشاركة ويقتل روح المبادرة والانطلاق.

في المدارس التي تعتمد التعلم القائم على المشروعات والعمل الجماعي وبناء الفريق، تتلاقح الأفكار ويظهر الإبداع، وتنمو مهارات القيادة والتفكير النقدي البناء الذي يصقل القدرات والطاقات داخل بوتقة العقلية المتفتحة، تلك التي توقظ ومضة العمل القائم على الاحترام والحرية في التعبير عن الرأي.

أما المدارس التي تقتصر على الحفظ والتلقين، وتمارس القمع في التعامل، وتهمل بناء الشخصية وتنميتها وفق مراحلها العمرية ومتطلباتها الجسدية والعقلية والنفسية والاجتماعية، فإنها تنتج طلبة ناقمين ومكبوتين، يجهلون فهم ذواتهم، ويفتقدون القدرة على توظيف إمكاناتهم. تراهم يعتمدون على الآخرين، ويخشون البوح بما في دواخلهم، ويعجزون عن حل مشكلاتهم أو اتخاذ القرارات المناسبة لحاضرهم ومستقبلهم. وهكذا، فالمؤسسات التعليمية التي تؤمن بالحوار والتفاعل هي التي تبني العقول المتفتحة القادرة على التكيّف والانسجام مع محيطها، المنتجة والمبدعة والمبتكرة.

وتثمل بيئة العمل الامتداد الطبيعي للتنشئة، فهي الميدان الذي تختبر فيه نتائج التربية الأسرية والمدرسية.

فالموظف الذي نشأ في بيئة يتواجد فيها قادة مؤثرون وإيجابيون، تحترم رأيه وتشجعه على الحوار، يميل إلى التعاون والعمل بروح الفريق، ويستطيع التعبير عن أفكاره بوضوح واتزان. أما من تربى في بيئة قمعية تسلطية ومركزية، فيميل إلى السلبية، ويتجنب المشاركة، ويخاف من اتخاذ القرار أو تحمّل المسؤولية.

وفي المؤسسات التي تتبنى أسلوب الاجتماعات المفتوحة، حيث يمكن لأي موظف اقتراح فكرة بحرية، ترتفع روح الفريق ويزدهر الإبداع والنجاح المهني. إن بيئة العمل التي تحتضن الحوار والاحترام المتبادل تنتج عقلية منفتحة مبدعة، بينما البيئات المغلقة تكرّر الماضي دون وعي، وتقتل روح المبادرة والتميز.

إن العقلية الذهنية تمتد كذلك إلى سلوك الفرد في المجتمع؛ فصاحب العقلية المرنة يتعامل بود ولطف وتسامح، ويقبل الاختلاف بوصفه فرصة للحوار والنقاش وتوليد الأفكار الإبداعية الخلاقة، ويستمع قبل أن يحكم، ويتعلم من تجاربه مهما كانت مؤلمة أو قاسية. أما صاحب العقلية المنغلقة فيعيش في صراع دائم، يرى العالم بمنظار أسود ضيق، ويرفض الاعتراف بالخطأ، بل يبرره حفاظاً على صورته ومركزيته.

في نقاش اجتماعي على سبيل المثال لا الحصر، قد يقول أحدهم: "ربما وجهة نظرك صحيحة في جانب منها، دعنا نتأملها." بينما يرد آخر بعنف: "هذا الكلام مرفوض تمامًا!" دون أن يمنح نفسه فرصة للتفكير.

فالأول يبني الجسور، والثاني يبني الجدران والأسوار.

إن إعادة تشكيل العقلية المرنة تحتاج إلى تربية مستمرة على الحوار والاحترام والمسؤولية المشتركة، وإعطاء مساحة كافية للتعبير ضمن ضوابط قيمية وأخلاقية، مع تغذية راجعة إيجابية وتشجيع على الاعتراف بالخطأ والتعلم منه.

فالعقلية المنفتحة ليست هبة فطرية، بل ثمرة تربية وتنشئة وممارسات طويلة تبدأ في البيت، وتنضج في المدرسة، وتثمر في العمل والحياة. نحن لا نولد بعقلية منفتحة أو مغلقة، بل نصبح كذلك بفعل تجاربنا ومواقفنا.

وكل بيت ومدرسة ومؤسسة تشكل بطريقتها هذا الوعي الجمعي الذي يرسم ملامح المجتمع. ولكي ننهض بأجيالنا ومؤسساتنا، علينا أن نزرع فيهم المرونة والتفكير النقدي والإصغاء الواعي، فهي مفاتيح النجاح في زمن تتسارع فيه المتغيرات. فالعقلية التي تقبل التعلم والتغيير هي التي تصنع الحياة، أما التي تتشبث بالماضي فستظل عالقة في ظله مهما تغير الزمان.

***

  د. أكرم عثمان

  30/10/2025

مساجُ العقلِ

إِلَٰهُنا واحد، لكنّ قلوبنا وعقولنا متعددة في الشعور والتفكير والرؤية والتجلي. بعضنا يعبد الله حباً وحمداً وشكراً، وبعضنا خوفاً من عقاب ونار وطمعاً في ثواب وجنة، وبعضنا وفقاً لتصور محدود أو خاطئ، نتشابه أو نختلف في العبادة ومدى رؤية نور الله أو البقاء في الظلمة، وفقاً لإمكاناتنا البشرية ومستويات تفكيرنا المختلفة والمتباينة.

إنّ الله يتجلّى لكل قلبٍ وعقل بمقدار طاقة الإنسان ووعيه ومعرفته وتقواه ورغبته في مزيد من الإدراك، فمن صفت سريرته عرف الله في جماله ورحمته: الرحمن الرحيم، الجميل الودود، الغفور اللطيف، الحليم الكريم. ومن غلب عليه الخوف عرف الله من حسابه وعقابه: الجبار المنتقم، الصمد الحسيب، القهار شديد العقاب.

فإذا كان الله وفقاً للمنظور القرآني الخالق الواحد الذي لا يتغير، ومعرفة الإنسان وإدراكه له بمقدار إيمانه وتقواه وصفاء قلبه وعقله، كما قلنا آنفاً، فإنه وفقاً للمنظور الصوفي يتجلى لكل إنسان بمقدار استعداده الروحي المقترن بالسكينة والنقاء.

فمعرفة الله رحلة قلبية وعقلية ونفسية وروحية ينكشف خلالها النور الإلهي للمرء إذا تهذّب القلب والعقل وترفعا عن صغائر الدنيا وبحثا معاً عن الشعور النقي والمعرفة العميقة، وكما يقول ابن عربي: "ربِّي الذي في قلبي، وربُّك الذي في قلبك، كلاهما واحد، لكنّ الطرق إليه متعددة".

إنّ الطرق إلى الله، كما أرى وأشعر، تستوجب التحلي بالصدق والإخلاص في نية معرفته سبحانه، والحرص على التأمل في آياته المتمثلة بجمال الكون ونظامه العجيب وتوازنه المدهش، وتهذيب القلب والنفس وتطهيرهما من كل شعور سلبي يخدش مرآة النفس الداخلية كالغرور والكره والغيرة والحقد والحسد والنميمة، وتغذية العقل بالأفكار النورانية والإيجابية وتنقيته من الأفكار السلبية، وتحقيق التوازن بين القلب والعقل حتى تلتقي المشاعر والأفكار على طريق النور نفسه، وكذلك مرافقة أهل الحكمة والصلاح والبصيرة.

إنّ الله واحد ثابت، إلّا أنّ قلوبنا وعقولنا ونفوسنا مرايا تعكس جوانب مختلفة من نوره إذا ما أدركت سبل الوصول، ولكلٍّ منا نصيبه من النور الإلهي بمقدار ما في باطن كلٍّ منا من طمأنينة ومحبة وعمق بصيرة ووعي ورغبة بالمعرفة واستعداد للتجلي وتلقي النور.

وإذا كنا ندرك الله بحسب ما في دواخلنا من نور، فإنّ الظلمة يمكن أن تدفعنا له أيضاً، مثلما يفعل اليأس حين نستخرج منه الأمل، إذ إنّ قاع الحياة مليء بالأحزان والآلام التي تغرقنا في الظلمة، فينبثق في لحظة ما من أعماقها ضوء يدلنا على الطريق إلى الله.

وحين يصل قلب الإنسان وعقله ونفسه إلى مستويات عليا من النقاء والوعي، فإنّه يعكس النور الإلهي في مشاعره وأفكاره وتصرفاته وكلماته، ويراه في كلِّ مكان، في كلِّ جميلٍ وحي وخلّاق، في كلّ كلام وتعامل طيبين، في كلِّ شعور صافٍ وفكرة نافعة وحيوية، وفي كلِّ لحظةِ صدقٍ ومحبةٍ وسلام.

***

أسماء محمد مصطفى

 

خصّت مجلّة "إسلاموكريستِيانا" (دراسات إسلامية مسيحية)، الصادرة عن المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية (بيزاي) بروما، في عددها الأخير، عَلَمين من أعلام الحوار الإسلامي المسيحي، بتناول أثرهما في المجال، وهما راهب تنظيم الآباء البيض الفرنسي موريس بورمانس والمؤرّخ التونسي الأستاذ محمد الطالبي، اللذيْن رحلا عن دنيانا خلال العام 2017، بعد مسيرة حوارية حافلة. فقد شغلت قضايا الحوار الرجلين، على مدى نصف قرن، من الستينيات إلى مطلع الألفية الثالثة، سواء عبر صفحات المجلّة المذكورة، أو عبر المنشورات المشتركة أو الأعمال المنفردة. صاغا خلالها تقليدا حواريا عميقا داخل الثقافتين الكاثوليكية والإسلامية، حتى صار ذكر الواحد مدعاة لاستحضار الآخر.

قضى الراهب بورمانس ردحا طويلا من حياته بين تونس والجزائر، لمّا كان مقرّ معهد الآباء البيض (إبْلا) في تونس وإلى غاية نقله إلى مدينة روما في إيطاليا سنة 1964، ليتّخذ مسمى "بيزاي" ويتولى بورمانس فيه السهر على تكوين الرهبان والراهبات المتخصّصين في الشأن العربي والدين الإسلامي. وأمّا قرينه الطالبي فقد كان اتّصاله بعالم المسيحية يافعا، إبان الحقبة الاستعمارية في تونس، تلت ذلك إقامة في فرنسا أثناء الدراسة الجامعية، ثم انغماس في الشأن المسيحي بوساطة نسج علاقات متشابكة مع طائفة واسعة من اللاهوتيين والمفكرين الغربيين. فقد أُطلق على بورمانس "عالِم الإسلاميات الملتزم" لاشتغاله الدؤوب بقضايا الإسلام الفقهية والعقدية أو كذلك انغماسه في قضايا الحوار؛ ويمكن بالمقابل أن نطلق على الطالبي المؤرّخ المكافح، لِما تميّز به من حسّ نقدي ومنزع تجديدي تجاه الموروث الإسلامي، ردَفَه حرص على تطوير وعي معمَّق بالآخر المسيحي.

والسؤال المطروح لدينا ونحن نستعيد سيرة الرجلين: ماذا تُعلّمنا خمسة عقود من التواصل بين الطالبي وبورمانس رغم ما شابها من جفاء في طورها الأخير؟ وفيمَ تتمثّل تركة الرجلين لجيل الحوار اللاحق؟

لقد مثّل الثنائي طليعة التقارب الإسلامي المسيحي في تمثّلاته الشاملة، حتى خيّم ظلّ الرجلين على تقليد الحوار طيلة عقود. كان بورمانس والطالبي يعبّران عن مشاغل نخبة مستنفَرَة تستحضر قضايا اجتماعية وسياسية ودينية تشغل قطاعات واسعة من الرأي العام، العربي والغربي، فكانا خير مثال للمحاور الحريص على الاهتمام بقضايا العصر. فعلى مدى سنوات أبرز الطالبي حاجة المسلمين إلى وعي علمي بالمسيحية، أي إلى دراية بقضايا اللواهيت المسيحية وبالمثل إلى إحاطة بمؤسسات الغرب الدينية وما لهما من حضور فاعل في ساحة الاجتماع. أيقن فيها الطالبي أنّ الحوار معنيّ بتخطّي المستوى العاطفي إلى التأسيس العلمي، والخروج من محدودية الأفراد إلى رحابة المؤسسات حتى يتحوّل إلى فعل مؤثر. وبالمقابل وجد الأب بورمانس نفسه، منذ صدور قرارات مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965)، معنيّا مباشرة بقضايا الحوار مع المسلمين. وقد بدا مقاله الصادر في "إسلاموكريستيانا" (4، 1978) "ما الذي بوسع المسيحيين والمسلمين قوله أو فعله في عالم اليوم؟" بمثابة المانفستو التأسيسي لمشروع الحوار المنشود.

فقد كان الرجلان -بورمانس والطالبي- على دراية معمَّقة باستراتيجيات بعضهما البعض. يتابع كلاهما عن كثب ما يعتمل في الواقع العربي الإسلامي وفي الأوساط الغربية من طروحات وتيارات ورؤى على صلة بالحوار، وما يحول دون دون تحقيق وعوده.

لا يخفي الطالبي ما كان يحزّ في نفسه من وجود علماء إسلاميات مسيحيين وغياب علماء مسيحيات مسلمين، وساحة الحوار في أمسّ الحاجة إلى تلك الفئة. وتبدو تلك الحسرة متأتّية جراء إدراك أن خطاب الإسلام الواعي مع العالم المسيحي لن ترسى دعائمه إلا عبر إلمام علمي بتلك الديانة. فإن تكن كلّيات اللاهوت والكليات المدنية في الدول الغربية، تولي عناية لتدريس الإسلام وتاريخه وتشريعاته، فضلا عن الاهتمام بتدريس لغة الضاد ولهجاتها، فحريّ بأبناء الثقافة الإسلامية أيضا أن يُولوا الدين والاجتماع المسيحيين العناية اللازمة لرصد التحوّلات والتطوّرات.

إذ في ظلّ موجة الانجذاب المبكرة نحو "حوار الأديان"، من الجانب العربي، جرى خوض العملية بمعزل عن متطلّباتها المعرفية وشروطها العلمية، أي دون التعويل على الشروط اللازمة لبلوغ النتائج المرجوة، وبقاء العملية في حيز الخطابات الدعائية. وسواء تعلّق الأمر بمجال الوعي بالمسيحية أو بمجال الحوار مع المسيحيين، أمام الدارس المسلم حقلٌ رحبٌ ينطلق من البلاد العربية ويمتدّ إلى أصقاع عدّة في العالم، ما عادت الثقافة التقليدية قادرة على استيعابه.

لماذا نقول ذلك؟ نستحضر مدخلا مستعادا يتمثّل في باب الردّ على النصارى وهو بابٌ لا يزال شقٌّ واسع يعوّل عليه في الإحاطة بالمسيحية، والحال أن المسيحية قد أضحت مسيحيات واللاهوت قد أضحى لواهيت شتّى. فنحن أمام مستجدّات تحثّ على تطوير أدوات الوعي، بما يستجيب لتنوّع الطروحات اللاهوتية ويقدّر التحولات التي تسري في المجتمعات في شمال العالم وجنوبه.

وفي واقع الأمر تظلّ الأدوات الموظَّفة في المؤسسات الجامعية العربية هزيلة، ولا تفي بوعي المسيحية في بعديها الداخلي والخارجي. إذ عادة ما تطغى في الدراسة قضايا عقدية (مثل التثليث، والتجسّد، والنظر في كتابة الأناجيل، فضلا عن قضايا أخرى مثل مفاهيم الفداء والخلاص وفي أحسن الأحوال تتسلّط مقارنات ليتورجية باهتة تقنع بترصيف الطقوس من الجانبين) وهي محاور أقرب إلى التناول الردودي منه إلى المواكَبة الحيّة لما يعيشه العالم المسيحي. وتكاد تغيب من تلك المعالَجة جلّ المدارس الفكرية واللاهوتية التي طبعت مسارات المسيحية خلال الفترة الحديثة. وهذا المدخل الحيّ والمستجدّ في المسيحية هو ما نحن في أمسّ الحاجة إليه.

صحيح نحن نقف على ميراث هائل بخصوص المسيحية، سواء في بلاد المشرق أو في بلاد المغرب، ولكن السؤال المطروح هو كيف نستعيد تلك المعارف بشكل يواكب بنية الفكر الحديث ويستفيد من المناهج الحديثة؟ وبوجه عام، في دراساتنا المعاصرة نحن معنيون بالخروج من الطابع الجدلي مع المسيحية، إلى إرساء تقليد فهمي يُقدّر الأمور حقّ قدرها ويبوّئ المتابَعة العلمية المنزلة التي تستحقّها. وبما يعني لدينا، التحول بدراسة المسيحية من الاهتمام العمودي إلى الاهتمام الأفقي، والنظر إلى الدين كمعطى حياتي وليس كمعطى ما فوق تاريخي، أي الانزياح باتجاه الانشغال بالإنساني في مختلف أبعاده السوسيولوجية والفلسفية والتاريخية.

بشكل يُفترض فيه أن تكون الأوساط الأكاديمية، المعنية بالشأن الديني في البلاد العربية، مبادِرة إلى ترسيخ تقاليد علمية جديدة في مقارَبة المسيحية، بما يقلّص من أجواء الانكماش السائدة في الأوساط اللاهوتية المسيحية، ويهفت من حالات الاغتراب في الأوساط الإسلامية في تناولها للمغاير الديني، وإرساء مقاربات علمية وتقاليد حداثية تتناول قضايا فكرية بخصوص المسيحية، تعيد ترتيب العلاقات في الداخل العربي وتتواصل مع العالم برؤى حداثية معنية بالدراسات الدينية عامة.

الملاحظ أن القراءة العربية للمسيحية لا تزال رهينة نظرة قديمة في مجملها، في وقت شهدت فيه المسيحية تبدلات هائلة بدت جلية في الحضور النافذ في السياسة والاجتماع (قوى "التحالف المسيحي" و"الصهيونية المسيحية"، في الأوساط الأمريكية، و"سانت إيجيديو" و"فوكولاري" في أوروبا الغربية، وحركات الإنجيليات الجديدة في شتى أنحاء العالم)، وهو ما يتطلب تنبّها لما يجري في الساحة الدينية العالمية.

صحيح تعكّرَ صفو الحوار بين الطالبي وبورمانس في آخر مطافاته، وبلغ درجة القطيعة بين الرجلين، ولعلّ الأسباب متنوّعة في ذلك، ولكن الحوار الإسلامي المسيحي يظلّ مطلبًا لا غنى عنه.

***

د. عزالدّين عناية - أستاذ تونسي بجامعة روما، إيطاليا

 

ربما حذّر افلاطون قبل 2400 سنة من وسائل التواصل الاجتماعي الحالية؟ رمزية الكهف هي جدال سقراطي كتبه الفيلسوف اليوناني افلاطون - تلميذ سقراط، ومؤلف كتاب الجمهورية سنة 375ق.م، احتوى على حوار بين سقراط وجلوكون (شقيق افلاطون). ان رمزية الكهف هي قصة مجازية تصف عددا من السجناء في كهف كانوا مقيدين بالسلاسل، يواجهون حائطا. خلف السجناء نار مشتعلة، يرون فقط ظلال الأشياء والناس الذين يمرون خلفهم تسقط على الحائط. هذه الظلال هي الواقع الوحيد الذي يعرفونه، الى ان يتمكن احد السجناء من الهروب الى الخارج (العالم الواقعي). يجادل سقراط ان السجين المتحرر سيعود الى الكهف ويحاول تحرير رفاقه السجناء، لأنه يعرف الان ما موجود خارج الكهف وان واقعهم مشوّه.

في نهاية النقاش، يتفق سقراط مع كلاجون على ان السجناء الآخرين من المحتمل ان يقتلوا كل من يحاول تحريرهم، لأنهم لا يريدون مغادرة الراحة والآمان الذي يشعرون به في عالمهم المألوف.

التواصل الاجتماعي social media

بشكل او بآخر، يمكن رؤية التواصل الاجتماعي كنسخة حديثة للكهف. في كل يوم يغمرنا سيل من المعلومات والآراء والصور التي جرى تنظيمها بعناية من خلال الخوارزميات وتُعرض لنا على الشاشة. مثلما في سجناء الكهف، يمكن ان نصبح محاصرين في منظور محدد وخطير نسيء فهم الظلال المعروضة لنا ونحسبها كأشياء واقعية. هذه الظلال تمثل اخبارا كاذبة، نظريات مؤامرة، وبربوغندا تنتشر بوسائل التواصل الاجتماعي. في الحقيقة، الطريقة التي نتصور ونفهم بها الواقع أحدثت تحولا راديكاليا. وهكذا، بينما سهّل لنا الانترنيت الوصول الى كمية غير مسبوقة من المعلومات، فان منصات التواصل الاجتماعي أصبحت هي الوسيط في مشاركة ونشر تلك المعلومات. التواصل الاجتماعي أصبح المصدر الرئيسي للمعرفة للعديد من الناس. مع ذلك، يبقى السؤال : هل سنعرف في يوم ما ماهو الشيء الحقيقي في عصر التواصل الاجتماعي؟

على النطاق الأوسع، بعض المفكرين في مجال الانطولوجي (دراسة ما موجود) يقترحون ان ما نتصوره كواقع هو غير ثابت او موضوعي، وانما متأسس اجتماعيا. هذا يعني ان ما نعتبره واقعيا هو عرضة لتغيير مرتكز على المعتقدات الثقافية والسياق التاريخي. فمثلا، الحصان الخرافي احادي القرن لا يُعتبر واقعيا في مجتمعنا الحالي لكنه جرى الايمان به كشيء واقعي في الثقافات القديمة. لذلك، فان فكرة ما هو واقعي تعتمد على اطارنا الانطولوجي الحالي، ولا يمكن تطبيقها عالميا. وبرؤية مشابهة، الفيلسوف الهندي أدي شانكارا Adi Shankara (700-750م) جادل بان العالم الذي نتعامل معه هو "مايا" – او وهم خُلق بواسطة أذهاننا. طبقا لشانكارا، حواسنا وتفكيرنا يخلق مظهرا لعالم منفصل عن أنفسنا، لكن في الحقيقة، كل شيء هو براهما، او الواقع النهائي، ونحن جزء من ذلك الواقع النهائي. في جوهر هذا التحقيق تكمن مفارقة التصور والمعرفة: كيف نستطيع ان نعرف ما هو واقعي عندما تكون تصوراتنا ذاتية في الأصل وعرضة للخطأ؟ معظم الفلاسفة يعتقدون ان الواقع يوجد بشكل مستقل عن تصوراتنا، واننا نستطيع معرفته من خلال العقل والتحقيق التجريبي. آخرون يزعمون ان الواقع هو ليس اكثر من تجاربنا الذاتية، بينما يؤكد اخرون اننا لن نتمكن ابدا من معرفة ما هو الحقيقي. نعتقد اننا نحتاج للاعتراف بالاعتمادية المتبادلة بين التصور والمعرفة. التصور ليس مجرد تفكير سلبي حول الواقع وانما هو مشاركة نشطة في العالم الذي يتشكل بتجاربنا ومعتقداتنا. ونفس الشيء، المعرفة ليست تجسيد موضوعي او بلا منظور للواقع وانما نتاج لعملياتنا الاجتماعية والادراكية . لذلك، لكي نفهم ما هو حقيقي، يجب علينا الاعتراف بالعلاقات المعقدة والديناميكية بين التصور والمعرفة. نحن يجب علينا أيضا تربية مهارات التفكير النقدي والانخراط في تحقيق صارم لصقل فهمنا للعالم. في النهاية، ان متابعة الحقيقة تتطلب رغبة لإحتضان اللايقين والغموض. نحن قد لا نعرف ابدا ما هو حقيقي بتأكيد مطلق وانما عبر الانخراط في العالم نقديا وبشكل مدروس، نستطيع الوصول لفهم متعمق ودقيق لأنفسنا ومكاننا في العالم.

رغم كل ذلك، يبقى مأزق المعرفة في اننا لا نعرف على وجه التأكيد ان كان هناك واقع خارج تصوراتنا الشخصية له. مع ذلك، كل من رمزية الكهف وما نفترضه الان حول التواصل الاجتماعي، يجعلنا وكأننا ننظر الى عالم داخل عالمنا بدلا من النظر الى الخارج.

التواصل الاجتماعي يصبح عالما ثان، وخطير. الناس يمكنهم صنع ملف شخصي على الانترنت والذي يمكن اعتباره على الأغلب هوية ثانية. في كلتا الحالتين، نحن نتحدث عن عالمين، الأول زائف ومصنّع لكن يقع ضمنه واقع الناس، والثاني حقيقي ويحتوي على الناس الذين يستطيعون أيضا تمييز العالم الأول كعالم غير أصيل. عبر قراءة رمزية افلاطون، نستطيع ان نرى العذاب المطلق للسجناء في الكهف، لكننا نعتقد اننا سلفا دخلنا نسخة التواصل الاجتماعي لتلك الرمزية. في المقارنة، الناس في الكهف يسيئون فهم الظلال على الحائط كواقع. ونفس الشيء، في التواصل الاجتماعي، الناس في الغالب يعرضون أنفسهم بطريقة منظمة ومفلترة للغاية، انهم يعرضون وهماً غير أصيل للواقع. بهذه الطريقة، يمكن للتواصل الاجتماعي ان يخلق معنى مشوّها للواقع، يدفع الافراد ليصبحوا منفصلين عن الواقع الحقيقي. لكن التواصل الاجتماعي لا يقيّد فقط ما نرى وما ينظّم نظرتنا لأنفسنا، هو أيضا يشكل تهديدا للديمقراطية والتنمية المستدامة والحرية والأمن.

ان رمزية الكهف تستكشف فكرة تأكيد الانحياز. السجناء في الكهف يتعرضون فقط لمنظور واحد، ولا يعرفون أي شيء وراء الظلال التي على الحائط. ونفس الشيء، التواصل الاجتماعي يخلق غرف صدى فيها يرى الناس فقط معلومات تؤكد عقائدهم وافكارهم، ويقود الى عدم التعرض لوجهات نظر متنوعة وترسيخ تحيزاتهم القائمة. رمزية الكهف أيضا تسلط الضوء على مفهوم التفكير الجماعي، حيث الناس يتّبعون نفس المعتقدات والأفكار كالأخرين في جماعتهم بدون التحقق من دقتها. هذه الظاهرة باستمرار تُرى في المجتمع الحديث، حيث الناس في الغالب يتبعون آراء زملائهم او جماعة معينة دون فحصها نقديا.

كذلك، بالنسبة الى مقتل السجين الهارب من جانب السجناء الآخرين، الذي تنبأ به سقراط، يشير الى الصعود الحديث لثقافة الإلغاء، حيث نستخدم معتقداتنا الأخلاقية بحماسة ضيقة الأفق ضد أعدائنا الايديولوجيين او كل منْ لا يتفق مع نظرتنا للواقع. ان الإدمان على التواصل الاجتماعي اصبح مشكلة خطيرة، تتمثل في وجود افراد يصبحون معتمدين جدا على الإعجابات والمشاركات والانخراط لدرجة انهم غير قادرين على التخلي عن أجهزتهم. افلاطون أيضا يقترح ان السجناء غير قادرين على تحرير أنفسهم من اسرهم، كونهم مكبلين في أصفاد، ومدمنين على الأوهام.

في رمزية الكهف، السجناء تحت سيطرة قوى خارجية تستغل ما يرون ويسمعون، من خلال التحكم بما يسقط من ظلال وما يرافقها من أصوات. بنفس الطريقة، التواصل الاجتماعي يُستغل عادة من جانب قوى خارجية مثل الخوارزميات وشركات الإعلان والجماعات السياسية التي تؤثر على ما يتعرض له الافراد وكيفية تصورهم للعالم من حولهم. وكما يوضح ايلي باريسر Eli Pariser مؤلف كتاب فقاعة التصفية The filter Bubble(2011)،" في عالم تتحكم فيه خوارزميات معتمة وتقرر ما نرى، نحتاج لنكون حذرين جدا حول ما يتم تقديمه لنا".

رمزية الكهف تستكشف الفرق بين الواقع المتخيل والواقع الحقيقي، وكيف يمكن ان يتشوه فهمنا للواقع بواسطة تجاربنا وتصوراتنا. تماما مثل الظلال على جدار الكهف، المعلومات والاخبار التي نتلقاها عبر مختلف قنوات الاعلام يمكن ان تكون غير تامة ومشوهة، تقودنا الى الاعتقاد بنسخة معينة مشوهة للواقع. صانعو تطبيقات التواصل الاجتماعي هم بالأساس بنوا كهفا لنا، ونحن خضعنا لسلاسلهم. نحن عادة نثق بما نرى في التواصل الاجتماعي او منصات الاخبار بدون التحقق مما يكمن خلفها. لهذا تشير رمزية الكهف الى أهمية استخدام اتجاه نقدي للمعلومات التي نستلمها لكي نمتلك فهما اكثر دقة للواقع.

في الختام، رمزية كهف افلاطون توفر تشبيها مقنعا، وتحذيرا من مخاطر التواصل الاجتماعي. انها تسلط الضوء على الكيفية التي تخلق بها وسائل التواصل الاجتماعي إحساسا مشوها بالواقع، تعزز التحيزات القائمة وتؤثر فينا من خلال القوى الخارجية، مما يقود الى ادمان الافراد وانفصالهم عن الواقع. لذا، بينما يمكن ان تكون وسائل التواصل الاجتماعي أداة مؤثرة وفعالة في الاتصالات والتواصل، من المهم الاطلاع على محدودياتها واحتمالية تشويهها لتصوراتنا.

عبر النظر لكامل الصورة، ومن خلال الاستفادة من دروس رمزية الكهف في وجود شكل مغاير للوجود، يمكننا التعامل مع التعقيدات وحتى مخاطر التواصل الاجتماعي، والعمل نحو فهم اكثر اطلاعا واستنارة للعالم.

***

حاتم حميد محسن

الاستفزاز لا يأتي من الخارج بل يُستثار من الداخل

يخيّل إلينا في لحظات الانفعال أن الناس هم من يستفزّوننا، وأن كلماتهم أو تصرفاتهم هي أصل الغضب الذي يشتعل فينا. غير أن التحليل النفسي الدقيق يكشف أن الاستفزاز ليس فعلًا خارجيًا، بل تفاعل داخلي بين ما نسمعه وما نحمله من جراح غير معالجة. الموقف الخارجي لا يصنع انفعالنا، بل يوقظ ما كان نائمًا في أعماقنا.

الاستفزاز إذن ليس فعلاً خارجيًا، بل مرآة داخلية تعكس ما نخفيه عن أنفسنا. عندما نغضب من كلمة أو موقف، فإننا في الغالب نُعيد تفعيل ذاكرة قديمة: نقدٌ سمعناه في الطفولة، أو إحساسٌ بالرفض لم نتجاوزه. وهكذا يصبح الحاضر ممرًّا للماضي، وتتحرك فينا طبقات دفينة من الانفعال كانت تنتظر فقط من يلامسها لتُعلن حضورها من جديد

حين يلمس أحدهم نقطة ضعف فينا، فهو في الواقع لا يجرحنا من الخارج، بل يُعيدنا إلى جرحٍ قديم لم يُشفَ بعد. تعليق عابر قد يذكّرنا بصوت قاسٍ من الطفولة، أو بنظرة رفض لم ننسها. وهكذا يتحوّل الحاضر إلى مرآةٍ تعكس الماضي، فنغضب من الحدث بينما الجرح الحقيقي في زمنٍ آخر. فالاستفزاز ليس نتيجة الموقف، بل استدعاءٌ للذاكرة الشعورية التي لم تكتمل دورتها.

لكل إنسان خريطة نفسية فريدة تشكلت من تجاربه الأولى، ومن الطريقة التي تعامل بها مع الألم. هذه الخريطة هي التي تحدد كيف نقرأ الواقع ونفهم الآخرين. فالتعليق البسيط الذي يمرّ مرور الكرام على أحدهم، قد يجرح آخر بشدة، لأن رمزيته تمسّ عقدة شخصية لم تُحلّ بعد. حين نُدرك هذا، نبدأ نفهم أن ردود أفعالنا ليست موضوعية دائمًا، بل مشروطة بتاريخنا الداخلي

فهم الخريطة النفسية ومسافة الوعي

لكل إنسان بوصلة نفسية خفية، هي مجموع التجارب والصدمات الصغيرة التي شكّلت طريقة تفاعله مع العالم. هذه الخريطة تعمل بصمت، وتحدد كيف نقرأ الأحداث ونفسّرها. حين نتجاهلها، نصبح أسرى لتكرار الانفعالات القديمة. وعندما نعيها، نبدأ نستعيد حريتنا الداخلية.

إنّ الوعي بهذه الخريطة يخلق ما يسميه علماء النفس المسافة النفسية: قدرة على مراقبة الانفعال بدل التماهي معه. فبدل أن تقول: “أنا غاضب”، تدرك أن هناك “غضبًا يمرّ في داخلي”. هذه اللغة البسيطة تغيّر المعادلة بأكملها؛ لأنك لم تعد تُعرّف نفسك بانفعالك، بل ترى الانفعال كحدثٍ عابرٍ في مجال الوعي.

هنا يتحول الاستفزاز من فعلٍ جارح إلى معلومة وعي؛ يخبرك أن في داخلك منطقة تحتاج إلى النظر والاحتواء، لا إلى القمع أو التبرير. فكل انفعال هو رسالة من عمقك، لا عدوان من الخارج.

العيش في الآن… طريق التحرر من الاستفزاز

التحرر من الاستفزاز لا يتحقق بالتحكّم القسري في المشاعر، بل بالعودة إلى اللحظة الحاضرة؛ إلى الآن الذي لا يحمل ذاكرة ولا خوفًا. فالوعي بالحاضر يقطع سلسلة التفاعل التلقائي بين الموقف والانفعال، ويمنحك فسحة تأمل ترى فيها ما يحدث دون اندماج.

في الحضور الواعي، لا يعود الغضب عدوًّا، بل إشارة إلى موضع الألم. والمشاعر المؤلمة لا تُقاوَم، بل تُفهم. هذا الفهم هو جوهر النضج الشعوري: أن تدرك من فيك هو الذي استُفزّ، وأن تمنح القيادة لذاتك الراصدة لا لذاتك الجريحة.

الاستفزاز لا يحدث لأن الآخرين قساة، بل لأن في داخلنا صوتًا لم يُسمع بعد، وجزءًا ينتظر الاعتراف به. حين ندرك ذلك، يتحول الموقف المزعج من تجربة سلبية إلى فرصة علاجية. كل إحساس بالضيق يحمل في جوهره بابًا نحو معرفة الذات، وكل لحظة استفزاز هي نداء خفي من الجرح القديم ليُرى ويُحتضن أخيرًا

حين تبلغ هذا المستوى من البصيرة، تدرك أن لا أحد يملك القدرة على استفزازك حقًّا؛ لأنك لم تعد تتفاعل من الجرح، بل من الوعي. يصبح الموقف الخارجي مجرّد فرصة للفهم لا للانفعال، وتتحوّل المشاعر المؤلمة من خصمٍ إلى معلم.

إن النضج النفسي لا يعني انعدام الانفعال، بل القدرة على تحويله إلى معرفة. وحين يحدث ذلك، يتبدل معنى الحياة ذاتها: فكل موقف مستفز يصبح درسًا في الشفاء، وكل انفعال مؤلم يصبح مرآة للذات العميقة التي تتوق لأن تُرى بصفاء. في هذا الأفق، لا يعود الآخر عدوًّا، بل شريكًا في عملية الوعي الكبرى التي لا تنتهي.

***

يونس الديدي - كاتب مغربي مختص في الشؤون الاجتماعية والسياسية

من ابرز حالات تطور الفكر في التاريخ العربي، ظهور (المعتزلة) في البصرة بداية القرن التاني الهجري. ومن أجرأ ما فعلته انها غلّبت (العقل على النقل)، وقالوا بالفكر قبل السمع، ورفضوا الأحاديث التى لا يقرّها العقل حسب وصفهم، وقالوا بوجوب معرفة الله بالعقل ولو لم يرد شرع بذلك.. فأثارت اشكالية جدلية في تساؤل:

هل هم مفكرون مجددون أم كفرة وزنادقة؟

ومن اهم واخطر ما امتازت به انها مارست نقد الفكر والعقائد التي تعتمد التقديس والتسليم بما يعدّ تراثا مستخدمة المنطق في نقد قضايا دينية وحياتية يومية. وانفردت في نقد العامة من الناس بل واحتقارها لهم.. وكان من بين ابرز فلاسفة هذه الفرقة الكلامية (ثمامة بن الاشرس) الذي حظي بمكانة كبيرة عند الخليفة المأمون. ويروى عنه قوله للمأمون:وما العامة ؟ والله لو وجهت انسانا على عاتقه سواد ومعه عصا لساق اليك عشرة آلاف منها وقد سواها الله بالانعام فقال: (أم تحسب ان اكثرهم يسمعون او يعقلون، ان هم الا كالانعام بل اظلّ سبيلا).

اشكالية الاسم

يميل المفكر المصري أحمد أمين إلى أن اسم (المعتزلة) جاء من إطلاق بعض اليهود الذين اعتنقوا الإسلام، بسبب الفرقة اليهودية التى ظهرت بعد السبى البابلى والمعروفة بـ"الفروشيم"، وهى كلمة عبرية يردافها بالعربية اسم "المعتزلة". غير ان المستشرق السويدى هنريك صمويل نيبرج اعترض على هذا التفسير التاريخي لاسم المعتزلة، فيما أورد المؤرخ الشهير المسعودى أن أصل كلمة "اعتزال" هو القول بالمنزلة بين المنزلتين، أى باعتزال صاحب الكبيرة عن المؤمنين والكافرين، إذ جاء المصطلح من طبيعة المعتقد نفسه كالمرجّئة الذين بالغوا فى الرجاء أو أرجؤوا العمل، والرافضة الذين قالوا برفض خلافة أبى بكر وعمر.

نشأة الحركة

بحسب دراسة بعنوان "المعتزلة" للدكتور مصطفى حلمى، تكاد تجمع المصادر التاريخية وكتب الفرق على أن نشأة مذهب الاعتزال ترجع إلى اختلاف واصل بن عطاء مع شيخه الحسن البصرى (110هـ) في الحكم على مرتكب الكبيرة، واعتزاله مجلسه لهذا السبب، فيما عدا هذه الرواية الشهيرة فإن الملطى - توفي سنة (377) - يعود بنشأة المعتزلة إلى أيام تنازل الحسن بن على عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان، لأنهم كانوا من أصحاب على فاعتزلوا الناس ولزموا البيت والمساجد قائلين "نشتغل بالعلم والعبادة فسموا بذلك المعتزلة".. والأرجح الرواية الأولى.

ومن أشهر الأقوال فى هذا الإطار ما يرويه الشهرستانى أن واصل بن عطاء تلميذ الحسن البصرى اعتزل مجلس الأخير حين اختلف معه فى مسألة مرتكب الكبيرة من المسلمين، وأنه ليس بمؤمن ولا كافر بل هو فى منزلة بين المنزلتين، حيث قال الحسن البصرى تعليقًا على انفصال ابن عطاء عن حلقته "اعتزل عنا واصل"، ومن هنا، بحسب هذا القول، جاء اسم المعتزلة.

خمسة اصول.. شرط الأعتزال

ما يميز المعتزلة انها اعتمدت خمسة اصول او عقائد هي: التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر.. واشترطوا على من يريد ان يكون (معتزلا) ان يؤمن بها، وانه لا يستحق اسم الاعتزال حتى يجمع القول بهذه الأصول الخمسة، على حد تعبير ابو الحسين الخياط احد كبار أئمتهم.

ويعني التوحيد عندهم، نفي كلّ الصفات عن الله مثل السمع والبصر بهدف تنزيهه.. ومنها توصلوا الى فكرة خلق القرآن. ويقوم (العدل) عندهم عل فكرة العقل وقياس احكام الله على ما يرضي العقل والمنطق، ولهذا فهم نفوا ان يكون الله هو الذي خلق افعال عباده السيئة ومحاسبا عليها بآن واحد، فلا يمكن ان يخلق الله لعباده الا الصلاح والخير.. وبهذا يكون المعتزلة اول من خالف عقيدة القدر ونفوها.

وتقوم فكرة (المنزلة بين المنزلتين) على وجود منزلة ما بين الكفر والايمان يقع فيها الفاسق، فان تاب ورجع فقد أمن على نفسه وان مات على كفره فهو خالد في عذاب جهنم، فيما يقصد بالوعد والوعيد هو ان يحكم الله بالعدل المطلق في الاخرة، فمن اطاع الله في حياته جزاؤه الثواب ومن ارتكب المعاصي لا يعفو عنه.

وخامس اصولهم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويقصد بها فكرة الموقف من الحاكم الجائر.. الفاسق هل يجب القيام عليه او السكوت عنه والخضوع له.

ونعيد الرأي بأن اسم المعتزلة جاء بعد الخلاف الذي جرى بين واصل بن عطاء (ت 131هج) وشيخه الحسن البصري (ت 110 هج) فاعتزل شيخه وأنشأ لنفسه مدرسة ومذهبا خاصا به، فقال الحسن البصري (اعتزلنا واصل). ما يعني أن نشأة المعتزلة حدثت من هذه الواقعة، وليست من واقعة تنازل الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية كما تذكر رواية أخرى، مع ان كلا الروايتين تتفقان على ان المعتزلة اختلفوا مع اهل السنّة والجماعة في مسائل تخص العقل في العقيدة الاسلامية كرؤية الله وقصة خلق القرآن. ولهذا وصفهم كثيرون بانهم ظلوا وانحرفوا عن العقيدة الصحيحة التي جاء بها النبي محمد، وانها خالفت في تأويلها افعال الله وابتدعت كلاما باطلا في كلام الله.. و(الأخطر) انها تعتمد المنطق وتقدمه على الوحي.

ويذكر الدكتور علي الوردي في كتابه (وعّاظ السلاطين) أن المعتزلة يعتقدون أن عليّا كان أولى من ابي بكر بالخلافة وافضل منه، ولكنهم يرون مع ذلك جواز تقديم المفضول على الفاضل اذا اقتضت ذلك مصلحة المسلمين. ويستندون في هذا على تصريح ابي بكر في خطبته التي افتتح بها عهد خلافته اذ قال :" اما بعد أيها الناس فاني قد وليت عليكم ولست بخيركم.. " (ص 190).

طه حسين ومعروف الرصافي

في العام 1928، دُعِي عميد الأدب العربي، الدكتور طه حسين، إلى مؤتمر المستشرقين في أكسفورد، فقدّم باللغة الفرنسية ورقتيْن بحثيتيْن؛ إحداهما بعنوان: «استخدام ضمير الغائب فى القرآن كإسم إشارة»، والأخرى كانت بعنوان: «المعتزلة وليبنتز»، تستهدف عقد مقارنة بين المعتزلة، كإحدى أكبر فرق المتكلمين في الفكر الإسلامي، وبين الفيلسوف الألمانى الشهير، ليبنتز(1646- 1716 فيلسوف، وفيزيائي، ومحامي، ومستشار سياسي)، ختمها بهذا التساؤل:

«هل من قبيل المصادفة البحتة وجود هذا التشابه، وأكاد أقول هذا التماثل الكامل بين المذهبين؟. أو أن المعتزلة أثروا على ليبنتز من خلال الفلسفة المدرسية؟. ذلك سؤال لا أسمح لنفسى بأن أجيب عنه، ويكفينى أننى طرحته".

غير ان معروف الرصافي في كتابه (الشخصية المحمدية) يوضح ما هو اكثر بقوله ان الحسن البصري (الذي لا يرتاح له معروف!) وصف بالفصاحة وبالعلم والتقوى، وان له حلقة في مسجد البصرة يرتادها رواد العلم في زمانه.

ونشير الى ان البصرة كانت يومها الحاضرة الثقافية للدولة العربية يتخرج فيها طلاب الفقه والنظر في العقائد وعلوم اللغة والادب والشعر. وكان واصل بن عطاء، الألثغ الذي لا يحسن نطق حرف الراء.. ويستبدل الكلمات التي فيها (راء) بأخرى خالية منه تؤدي نفس المعنى! من بين من يحضرون مجلسه يتذاكرون في المسائل العلمية من اصول الدين وفروعه، فكان واصل من الآخذين عن الحسن البصري. ولما اثبت ابن عطاء (المنزلة بين المنزلتين) أمره الحسن باعتزال مجلسه، فاعتزل هو وبعض اصحابه وألفوا حلقة أخرى في ناحية من نواحي المسجد، فاطلق الناس عليهم اسم المعتزلة (صفحة 749).

ومع أن الرصافي يصف حادثة الأعتزال بأنها تعدّ أول انشقاق مذهبي حدثت في الوحدة الأسلامية، فاننا نرى ان هذا هو اول تفعيل للعقل الاسلامي في حرية التفكير وأول تحد في تناول(الممنوع) لما يعدّ مقدسا وجعله مسموحا في اخضاعه للمنطق. ويحسب لهم انهم تمكنوا من التأثير في السلطة ونظام الحكم يوم استطاعوا جعل الخليفة المأمون يؤمن بافكارهم، لاسيما القول بخلق القرآن الذي ينافي الفكر السائد بان القرآن قديم غير مخلوق فيما هم ارادوا ان يقيموا العقيدة الدينية على اساس العقل والتفكير المنطقي كما يرون.. بل انهم دفعوا المأمون عام 218 هجرية الى ان يجمع القضاة ويمتحنهم في قضية خلق القرآن في واقعة فكرية سميت (المحنة) وصفها الدكتور علي الوردي في كتابه (منطق ابن خلدون) بأنها كانت حدثا مهما في تاريخ الاسلام الفكري استمرت اربعة عشر عاما لقي فيها المعارضون لفكرة خلق القرآن شتى انواع الاضطهاد والبلوى (صفحة219). من جانب آخر، ان المعتزلة الذين استخدموا الخليفة المأمون في نشر مذهبهم بين الناس، مالوا الى اضطهاد كل من يخالفهم الرأي.

وكان الامام احمد بن حنبل من اشد المعارضين لفكرة المعتزلة، مبررا ذلك بأنه لا يصح ان تصل فكرة خلق القرآن الى العامة لأنها ستؤدي الى عدم التقديس وضعف الأيمان، فيما ردّ المعتزلة بالقول ان عقيدة العامة قد فسدت بتأثير الأساطير والخرافات التي راجت بينهم، ولا يمكن اصلاحها الا عن طريق تعويدهم على النظر العقلي في أمورهم الدينية.

رأيان متضادان.. كلاهما صحيح!

ما يعجبك في هذين الرأين المتضادين، ان كليهما صحيح! برغم أن أحدهما ثابت وآخر متحول. وكان يفترض تعميق هذه الممارسة الفكرية في نقد العقل الديني، لكنها انتهت للأسف بخلافة المتوكل(اغتيل في 247هج)، اذ يقول المسعودي:

(لما افضت الخلافة للمتوكل أمر بترك النظر والمباحثة في الجدال، وأمر الناس بالتسليم والتقليد)(ص 199)، وصاروا يضطهدون ويطاردون المعتزلة ويضطهدونهم اضطهادا مزريا  متهمينهم بالزندقة.. ومنها ظهر القول المشهور (من تمنطق فقد تزندق). وقد اقصاهم المتوكل عن مناصبهم التي كانوا فيها على عهد اسلافه الثلاثة. ومن قبيح ما فعل انه امر عامله بمصر ان يحلق لحية قاضي القضاة هنالك اذ كان معتزلا شديدا، وان يضربه ويطوف به على حمار في الاسواق.

ويذكر احمد امين في كتابه ضحى الاسلام ان المتوكل كان من اظلم الخلفاء ومن اكثرهم عربدة ودناءة وسفكا، وقد سماه بعض المستشرقين (نيرون الشرق). ج 3 ص 198

والحقيقة التي يغفلها كثيرون، انه حيثما شاعت فكرة (نقد الدين تحديدا) قابلة للحوار والجدل، وتعرض فلاسفتها الى الأضطهاد فانه، يظهر مفكرون وفلاسفة، يحيونها او يطورونها او يدينونها، وقد ظهر في حينه فلاسفة كبار من بينهم الكندي والفارابي وابن سينا وابن مسكوية، فيما ظهر حديثا مفكرون تأثروا بفكر المعتزلة الى هذا الحد او ذاك مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي.

ولأننا نعيش الآن مرحلة فكرية مشابهة فان اثارة مثل هكذا قضايا فكرية جدلية تؤدي الى ظهور فلاسفة ومفكرين ومثقفين جدد يشيعون نقد العقل الديني بما يجعل العقل الجمعي العربي يتحرر من التسليم بمعتقدات دون ان يعمل عقله فيها، وتمكّنه أن ينتقي منها ما يتلاءم وافكار ومعتقدات العصر الأيجابية التي تحترم كرامة الانسان وتجعل لوجوده معنى.

***

أ. د. قاسم حسين صالح

دور الوثنية السياسية والطاعة المطلقة في إدامة النيوكولونيالية

البيئة الحاضنة للوثنية السياسية

إنّ الوثنية السياسية لا تنشأ أو تزدهر في المجتمعات التي تتبنى آليات ديمقراطية تسمح بتداول السلطة. ففي تلك المجتمعات، يُنظر إلى الحاكم على أنه مجرد مُنفِّذ للسياسات، يُختار وفق نظام موضوع سلفاً، ويمكن استبداله دون تردد إذا انحرف عن المسار أو أخفق.

كما تغيب هذه الظاهرة في المجتمعات المتقدمة علمياً والمتمتعة بوعي نقدي، حيث يدرك الشعب حقوقه وواجباته، ويعي أن الحاكم مسؤول أمام المجتمع عن السهر على مصالحه ورعاية شؤونه. فهذه الشعوب تنصرف إلى متطلبات التقدم العلمي عوضاً عن تقديس أي شخص كان. وفي المقابل، لا يمكن أن تنتشر الوثنية السياسية في المجتمعات التي تُحكم بشريعة الله، لأن الشريعة تشدد على نبذ الوثنية باعتبارها المدخل الصحيح للتوحيد.

نقد مفهوم الاستكانة (صناعة الطاعة المطلقة)

تُعدّ صناعة الطاعة المطلقة ركيزة مكمّلة وضرورية للوثنية السياسية. فالهدف من هذه الصناعة هو إزالة أي إمكانية للمراجعة أو المساءلة، وضمان الإذعان غير المشروط.

إن فرض الطاعة المطلقة يُنشئ "ثقافة الامتثال" بدلاً من "التفكير النقدي"، الأمر الذي يفضي إلى السلطوية الفكرية وقمع النقد. والأهم من ذلك، أن الطاعة المطلقة تمثل جسراً هيكلياً بين الهيمنة الأيديولوجية والاستغلال الاقتصادي؛ فالقوى الاستعمارية الجديدة لا تحتاج فقط إلى حاكم عميل، بل تحتاج إلى مجتمع خاضع لا يثور. الطاعة المطلقة تلغي مبدأ المقاومة (سنة المدافعة)، مما يضمن الاستقرار الداخلي الذي يسمح باستدامة عملية استنزاف الفائض الاقتصادي التي تتحدث عنها نظرية التبعية.

الإطار النظري للسيطرة غير المباشرة (النيوكولونيالية)

تشير النيوكولونيالية إلى ممارسة السيطرة الاقتصادية والسياسية غير المباشرة على الدول التي نالت استقلالها الشكلي بعد الحرب العالمية الثانية. جوهر هذا المفهوم هو أن الدولة التابعة تكون "مستقلة نظرياً ولها جميع مظاهر السيادة الدولية"، لكن في الواقع، يبقى نظامها الاقتصادي، وما يتبعه من تشكيل للوثنية السياسية والاستبداد، شرطاً هيكلياً مسبقاً لاستدامة التبعية للمستعمر. لكي تتمكن قوى النيوكولونيالية من استنزاف الفائض الاقتصادي، فإنها تحتاج إلى نظام داخلي يضمن عدم المقاومة الشعبية لهذا الاستنزاف. لهذا السبب، يُنظر إلى الأنظمة الاستبدادية، التي تعتمد على الوثنية السياسية والطاعة المطلقة لـ “تحصين" نفسها ضد الثورة والمدافعة، كشريك مثالي. فالاستبداد الداخلي هو الضامن الهيكلي للاستقرار السياسي الذي تتطلبه الهيمنة الخارجية.

تكريس التبعية المالية والسلطوية

تمثل المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أدوات رئيسية في إدامة أنظمة التبعية. تأسست هذه المؤسسات لتعزيز التعاون والتنمية، حيث يركز البنك على التنمية طويلة الأجل، بينما يركز الصندوق على استقرار الاقتصاد الكلي. ومع ذلك، من منظور النقد النيوكولونيالي والتبعية، تُتهم هذه المؤسسات بفرض شروط وسياسات اقتصادية (غالباً ما تكون مؤلمة شعبياً) تخدم في المقام الأول مصالح المراكز الرأسمالية، مما يفاقم التبعية. وهنا يبرز الارتباط الوظيفي بين هذه المؤسسات والأنظمة الاستبدادية.

فالأنظمة المعتمدة على الطاعة المطلقة تكون أكثر قدرة واستعداداً لتطبيق الإصلاحات المؤلمة التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية، وذلك بسبب غياب المساءلة الديمقراطية. إن الدعم المالي والاعتراف الدولي الذي تحصل عليه هذه الأنظمة السلطوية يمثل مكافأة على تكريسها للوثنية السياسية. وعندما يقدم الغرب هذا الدعم للأنظمة التي تكرس تقديس الحاكم، فإنه يوفر لها أدوات البقاء، سواء كان ذلك عبر الدعم الاقتصادي، أو عبر التكنولوجيا اللازمة للتعبئة السياسية والرقابة، مما يعزز الاستبداد والوثنية السياسية داخلياً. هذا الدعم يلغي أي ضغط شعبي قد يدفع الحاكم إلى المراجعة، لذا يُحوَّل الدعم الاقتصادي إلى أداة لترسيخ الاستبداد الذي يضمن الوصول السهل إلى الموارد.

هندسة الوعي الجمعي وتجنيد النخب

إن الاستعمار الجديد (النيوكولونيالية) لا يعتمد على العنف المباشر فحسب، بل يرتكز بشكل أساسي على استتباع النخب المحلية. هذه النخب، التي يتم توظيفها برضا منها، تمثل "المفاتيح الطبيعية لأي مجتمع"، وتتميز بنقاط ضعف متعددة مثل الحاجات والرغبات والمطامع.

وظيفة هذه النخب مزدوجة: فهي تخدم المصالح الخارجية، وفي الوقت ذاته، تعزز استدامة الأنظمة الاستبدادية الداخلية التي تتبنى الوثنية السياسية. تُعد النخبة التابعة ضرورية لأنها تمتلك المشروعية والسلطة الثقافية اللازمة لإضفاء الشرعية على الهيمنة الخارجية. تتولى هذه النخب (الأكاديمية، والصحفية، والمشرّعنة) تقديم قراءات تعسفية أو توفير الدعم الشرعي لمشاريع الهيمنة.

كما تقوم النخبة بوظيفة حيوية تتمثل في التخفيف من عبء الهيمنة المباشرة و"امتصاص ردود فعل الجمهور الغاضب من خسارة السيادة والموارد". هذا التوظيف للنخب يمثل الطريق الأقصر للهيمنة، والأقل تكلفة مقارنةً بالتعامل العادل مع الشعوب. غالباً ما تكون العلاقة بين النخب التابعة والقوى الخارجية ليس مجرد ولاء، بل يتم فرضه عبر "إكراه ملطف ومتفق عليه"، حيث يتم ابتزاز النخب من خلال ربطها بالبنى التحتية المالية والاقتصادية والمعلوماتية الخارجية، مما يضمن طاعتهم للنظام الخارجي وإدامتهم للوثنية السياسية محلياً.

النتائج الاستراتيجية

إن صناعة الوثنية السياسية والطاعة المطلقة هي الآلية الأيديولوجية المركزية التي تسمح "بالهيمنة الأكثر فعالية" للنيوكولونيالية. هذه الآليات لا تمثل مجرد ظواهر داخلية، بل هي ترجمة للمصالح الاقتصادية الخارجية في شكل نظام سياسي داخلي مستقر وغير قابل للمساءلة. تتجسد هذه العلاقة في حلقة مفرغة.

فالنيوكولونيالية تحتاج إلى استقرار سلطوي لضمان سحب الفائض الاقتصادي (التبعية). هذا الاستقرار يُصنع عبر الوثنية السياسية (تقديس الحاكم وتأليهه). ويتم تنفيذ وتبرير هذه الوثنية بواسطة النخب التابعة التي توفر الشرعية وامتصاص الغضب، وبواسطة إعلام السلطة الذي يهندس الوعي الجمعي ويُشكِّل مجتمعاً ممتثلاً.

الاستنتاجات والتوصيات الإستراتيجية

تعزيز الاستقلال الفكري والسياسي: يجب إعادة تأطير مفهوم "طاعة الحاكم" ضمن الفكر السياسي والاجتماعي ليصبح طاعة وظيفية ومشروطة بالصالح العام والشريعة، وإلغاء فكرة الطاعة المطلقة أو الاستكانة التي روجت لها أدبيات الاستبداد.

بناء الوعي النقدي والمدافعة: يجب استثمار استراتيجي في إصلاح التعليم والإعلام البديل لتشجيع التفكير النقدي، وترسيخ ثقافة المدافعة ومقاومة الظلم كحق دستوري وشرعي، مما يرفع تكلفة الاستبداد الداخلي ويجبر الحاكم على تلبية مصالح شعبه.

تحدي الهيمنة الاقتصادية عبر التنمية الذاتية: يجب العمل على استراتيجيات تنموية قائمة على التعاون الإقليمي ومواجهة الهيمنة الرأسمالية، وربط المساعدات الدولية (مثل تلك التي يقدمها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) بشروط الشفافية والحوكمة الديمقراطية، بدلاً من دعم الاستقرار القمعي.

فضح آليات تجنيد النخب: يجب الكشف عن آليات الابتزاز التي تستخدمها القوى الخارجية والأنظمة الاستبدادية لتدجين النخب، والعمل على بناء نخب وطنية مستقلة قادرة على القيادة والتنمية الذاتية بدلاً من أن تكون جسراً للسيطرة الخارجية.

***

غالب المسعودي

.......................

المراجع

Political Idolatry - Shepherd of Hope

الوثنية السياسية وعبادة القصور - رابطة أدباء الشام (odabasham.net)

سجاد مصطفى حمود: تأثير البيئة الثقافية على تشكيل الوعي الجمعي (صحيفة المثقف، almothaqaf.com). (“صحيفة المثقف

... (كونغرا ستار، kongra-star.org)

Neocolonialism | Research Starters (EBSCO)

النيوكولونيالية والتبعية Neocolonialism (Wikipedia)

نظريـة التبعيـة وقضايا البيئة والتنميـة (mail.almerja.com)

آليات الاستبداد الداخلي آليات الاستبداد وإعادة إنتاجه في الواقع العربي

 - https://koha.birzeit.edu/cgi-bin/koha/opac-ISBDdetail.pl?biblionumber=274944

 

توطئة: هذا النص هو امتدادٌ لما طرحته في مقالي السابق “من البروليتاريا إلى الكومنتاريا”. غير أنّه لا يسعى إلى التكرار بقدر ما يحاول تعميق الفكرة، عبر استدعاء أفقٍ فلسفي أوسع يُجاور ما كتبه فوكو وبرودون وبورديو، بوصفهم ثلاثيّ الوعي الذي اشتبك مع مفهوم السلطة من زوايا مختلفة: السلطة كجسدٍ للمعرفة، والملكية كقيدٍ على الحرية، والهيمنة كعنفٍ رمزيّ يتخفّى في اللغة والتعليم. في هذا الامتداد، تتحوّل الكومنتاريا إلى مختبرٍ جديد للمعنى، وتُصبح الثورة فعلًا معرفيًا وليس صدامًا طبقيًا فقط، إذ لم يَعُد الصراع يدور حول من يُنتج الخبز، بل حول من يُسمّي الجوع… من يُعيد تعريف الشبع والمعنى في آنٍ واحد.

لم يكن مفهوم الطبقة يومًا شأنًا اقتصاديًا محضًا، بل طريقة في النظر إلى الإنسان من حيث وعيه بموقعه في العالم. حين تحدّث ماركس عن البروليتاريا، لم يكن يعني فقط أولئك الذين يبيعون جهدهم في سوق العمل، بل أولئك الذين جُرّدوا من أي سلطة على أدوات إنتاج المعنى. كانت البروليتاريا في جوهرها احتجاجًا على النظام الذي يُحوِّل الإنسان إلى وظيفة في ماكينة الرأسمال. غير أنّ ما تغيّر منذ منتصف القرن العشرين، هو أن الماكينة لم تَعُد فقط مادية، بل أصبحت رمزية، وأن أدوات الإنتاج لم تَعُد المطرقة والمصنع، بل الخوارزمية والمنصّة، والمعرفة القابلة للتداول كسلعة. من هنا ولدت طبقة جديدة — ليست اقتصادية بالمعنى الكلاسيكي، بل معرفية — هي ما أسميه “الكومنتاريا”: أولئك الذين يُنتجون التأثير، ويُعيدون صياغة المعنى عبر الكلمة، الصورة، التعليم، والتحليل، في زمنٍ تحوّل فيه الإدراك إلى حقل صراع طبقي جديد… صراعٍ لم يعُد بين العامل وربّ العمل، بل بين المُنتِج للمعنى والمُستهلِك له.

لقد كانت البروليتاريا تصنع الحديد والخبز، أما الكومنتاريا فتصنع اللغة التي يُؤكل بها الخبز، وتُكتب بها الشعارات على الحديد. والسلطة التي كانت تُراقب العامل في المصنع صارت تُراقب المستخدم عبر الشاشة. هكذا انتقلت المعركة من السيطرة على الجسد إلى السيطرة على الوعي، ومن مراقبة الحركة إلى مراقبة الفكرة. في هذا السياق يمكن استدعاء بورديو، الذي رأى أنّ الهيمنة لا تُمارَس فقط بالعنف المادي، بل بالعنف الرمزي الذي يجعل المقهور يقتنع بعدالة القهر. السلطة لا تقول لك “اخضع”، بل تُقنعك بأنّ ما تفعله هو إرادتك، كما لو أنّ الطاعة وُلدت من الحرية نفسها. وهنا تتحوّل التوتاليتارية من نظامٍ سياسي إلى نمط إدراكٍ للعالم، إلى بنية ثقافية تتسلل إلى اللغة، إلى المدرسة، إلى التلفاز، فتجعل الطاعة تبدو شكلًا من أشكال الانتماء… كأنها قدر جميل لا يُناقَش.

التوتاليتارية الحديثة، سواء تجلّت في ثوبٍ عسكري أو ديني أو تقني، لا تسعى إلى تكميم الأفواه بقدر ما تُحاول احتلال اللغة نفسها. فهي تعرف أن “من يملك السيطرة على الحقول الرمزية يملك القدرة على تحديد ما يُعدّ واقعًا”، كما قال بورديو.

لذلك لم تعد السلطة تقتل خصومها، بل تُعيد تعريفهم، وتمنحهم لغةً ناعمة للسكوت. وحين يُصادر المعجم، يصبح التفكير خيانةً لغوية. من هنا، فإن التوتاليتارية تخشىالكومنتاريا أكثر مما خافت يومًا من البروليتاريا، لأنها لا تستطيع تأميم الفكرة كما أمّمت المصنع.

العامل يمكن تسريحه، أما الوعي فلا يُفصل بقرار. ولهذا رأينا الأنظمة الشمولية تطارد الكلمة قبل الرصاصة، وتخاف من القصيدة أكثر مما تخاف من المظاهرة. إنها تدرك أن “المعنى”، لا الرصاص، هو ما يُهدد وجودها.

في المقابل، أظهر فوكو أنّ السلطة ليست هرمًا يُسيطر من الأعلى، بل شبكة من العلاقات تنتج الطاعة عبر المراقبة والانضباط. لم يَعُد القمع فعلًا خارجيًا بل ممارسة داخلية، يسكنها الخوف والرغبة في آنٍ واحد.

حين يراقب الإنسان نفسه، تتحقق التوتاليتارية بأكثر أشكالها نجاحًا. فليست السجون هي التي تصنع الطاعة، بل المدرسة، والمنبر، وشاشة الهاتف. إنّها شبكة من الانضباطات الدقيقة التي تُربّي الجسد على الامتثال، والعقل على التصديق، والخيال على التبرير.

وهكذا، حين يتعب الحديد من المطرقة، يبدأ الوعي في الطَرق… لا ليُعيد تشكيل المعدن، بل ليُعيد تشكيل الإنسان.

أما برودون، الذي قال إنّ “الملكية سرقة”، فقد فهم باكرًا أن المسألة ليست في المال أو الأرض، بل في فكرة الامتلاك نفسها: امتلاك الشيء هو أول خطوة لامتلاك الإنسان. ولذلك دعا إلى مجتمع لا تُدار فيه السلطة من مركز، بل تُبنى على التعاون الأفقي بين الأفراد. إنه ضدّ التوتاليتارية قبل أن تُولد، وضدّ كل سلطة تحتكر القرار والمعنى. فبرودون لا يرفض الملكية بوصفها اقتصادًا فقط، بل بوصفها علاقة هيمنة، كما لو أنّ الأرض حين تُقسَّم، يُقسَّم معها الوعي.

في قلب هذه الجدلية يقف الإنسان، كما تصوّره فوكو وبورديو معًا: إنسان لم يعُد حرًا من الخارج، بل من الداخل أيضًا. الرأسمالية الجديدة لم تَعُد تفرض العمل بالقوة، بل تُحوِّله إلى شغف. لم تَعُد تُرغم على الطاعة، بل تُغريك بها. الكومنتاريا هنا تواجه أصعب مهمة: أن تُعيد المعنى إلى اللغة التي أفرغتها السوق من محتواها، وأن تُعيد الوعي إلى الفرد الذي أُقنع بأنّ الاختيار مجرد شعارٍ على شاشة كومبيوتر، او جوال.

إنها مواجهة لا سلاح فيها إلا الوعي، ولا ميدان لها إلا اللغة. إنّها الثورة التي تُقام داخل الكلمة لا في الشارع، داخل الصورة لا أمامها.

التوتاليتارية في صورتها الحديثة ليست ستالينية فقط، بل قد تكون ليبرالية متخفية، تُخضعك عبر فائض الحرية لا عبر نقصها. فهي تمنحك مساحةً لتتكلم، لكنّها تتحكّم في الخوارزمية التي تُسمعك. تمنحك الكاميرا لتُعبّر، لكنها تملك المنصّة التي تُقرّر من يُشاهد. هنا يصبح “الكولاك” مجازًا جديدًا لضحايا هذا النظام الرقمي، أولئك الذين لا يملكون إلّا حضورهم الهشّ على الشاشة، في مواجهة قلةٍ من الأغنياء الرمزيين الذين يحتكرون الضوء. ما فعله ستالين يومًا بالأرض، تفعله اليوم الشركات بالخوارزمية: تأميمٌ جديد، لا للمزارع بل للمعنى نفسه.

وهنا يلتقي فكر برودون مع بورديو في نقطةٍ حاسمة: أنّ العدالة لا تتحقق بتوزيع الثروة فقط، بل بتوزيع السلطة على المعنى. العدالة الحقيقية ليست في امتلاك الخبز، بل في امتلاك القدرة على تسمية الجوع. من لا يستطيع أن يُسمّي ظلمه لن يقدر على مقاومته. لذلك فإن الكومنتاريا، في بعدها الأعمق، ليست طبقة جديدة بقدر ما هي وعي جديد بالهيمنة، مقاومة رمزية ضدّ استلابٍ مزدوج: مادي ومعرفي. إنها محاولة لإعادة الإنسان إلى موقع الفاعل بعد أن حُوّل إلى متفرّجٍ دائمٍ على حياته.

في زمن الكومنتاريا، لم تَعُد الحرب على العمال فقط، بل على المفاهيم ذاتها: ما هو الوطن؟

من هو المواطن؟

ما هو الجمال؟

 حتى اللغة أصبحت ميدانًا للسيطرة، وكل إعادة تعريفٍ لِكلمةٍ تُعدّ معركة صغيرة في حرب طويلة ضدّ التوتاليتارية الرمزية. اللغة نفسها تحوّلت إلى ميدان للهيمنة: تُصاغ الكلمات كقوانين، وتُدار القواميس كمؤسساتٍ للسلطة. وكما قال فوكو، “كل سلطة تنتج خطابًا، وكل خطابٍ يحمل إمكانية المقاومة”، لكن تلك الإمكانية لا تُدرك إلا حين يستيقظ الوعي من سباته ويبدأ في الطَرق… تمامًا كما يفعل الحديد حين يتعب من المطرقة ويقرّر أن يطرق ذاته.

لهذا فإنّ الوعي هو السلاح الأخير حين تُصادَر البنادق، والمعرفة هي الشكل الأعلى للفعل السياسي حين تُغلق الميادين. الوعي ليس ترفًا فكريًا، بل بوصلة نجاةٍ في عالمٍ تُعاد صياغته كل يوم بواسطة من يمتلكون أدوات الخطاب. إن البروليتاريا كانت تطالب بالخبز، أما الكومنتاريا فتطالب بالمعنى. الأولى أرادت الثورة على الجوع، والثانية تُريد الثورة على التجهيل. وبينهما تمتدّ كل مأساة الحداثة: من المصنع إلى الشاشة، من الدولة إلى الخوارزمية، من الرقيب إلى المتابع… من المطرقة إلى اللايك.

وإذا كان برودون قد حلم بمجتمعٍ بلا سلطة، وفوكو فكّك السلطة إلى شبكة، وبورديوفضحها في المدارس واللغة، فإنّ ما يتبقّى اليوم هو استعادة الإنسان من تحت هذا الركام الرمزي — أن نُعيد للفعل صدقه، وللكلمة خطورتها، وللمعرفة طابعها المتمرّد. ليست المعرفة خلاصًا، لكنها بداية الطريق نحو الخلاص من القهر الناعم الذي يُمارَس باسم الحرية.

في النهاية، التوتاليتارية ليست نظامًا خارجيًا فحسب، بل استعدادًا داخليًا للامتثال، والبروليتاريا ليست طبقة من الفقراء فقط، بل من المقموعين لغويًا ومعرفيًا. أما الكومنتاريافهي محاولة دؤوبة لإعادة توزيع الضوء في العالم، لا الثروة فقط. إنّها طبقة لا تتشكل في الشوارع بل في الوعي، لا تهتف في الميادين بل في النصوص، تُعيد طرح السؤال الذي لم تستطع الأنظمة الشمولية تحمّل سماعه: “من يملك الحقّ في أن يُعرّف الإنسان؟”

وهكذا، من المطرقة إلى الوعي، يكتمل ما بدأناه من “البروليتاريا إلى الكومنتاريا”… من الصراع على العمل إلى الصراع على المعنى، من الثورة على الجوع إلى الثورة على الخداع، من المطرقة التي كانت تطرق الحديد، إلى الوعي الذي بدأ أخيرًا في طرق الوعي ذاته.

***

إبراهيم برسي

وحدود الحكم بالظاهر والعذر بالجهل

لا ريب في أن الحديث عن النية والظاهر والباطن في الفكر الإسلامي يفتح أبوابًا من الجدل الفلسفي والشرعي على مصاريعها، ويثير في الذهن تساؤلات شتى عن حدود العقل في التقدير، وسلطان الشرع في الحكم، ومدى صلاحية الإنسان لأن يكون قاضيًا على ما وقر في القلوب، أو شاهدًا على خفايا الضمائر. وهل يُعقل أن يُترك للعقول المحدودة أن تقتحم ما اختص الله بعلمه؟، أم أن الرحمة الإلهية قد أحاطت الإنسان بحدودٍ تحفظ عليه دينه ودنياه، فلا يضلّ في مسالك التقدير، ولا يتعدّى في ساحات القضاء على القلوب؟.

تتجلّى هذه التساؤلات في الحديث النبوي الشريف الذي خلدته الذاكرة الإسلامية كواحدٍ من مفاتيح الفهم المقاصدي للشريعة: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟!»... «أَشَقَقْتَ عَنْ صَدْرِهِ؟!»، ذاك السؤال الذي لم يكن إنكارًا على فعلٍ بعينه بقدر ما كان تأسيسًا لقاعدة كونية تقطع بأن الحكم في الدنيا إنما هو على الظاهر، وأن السرائر موكولة إلى العليم الخبير. فبهذا التساؤل أرسى النبي صلى الله عليه وسلم معلمًا من معالم الرحمة الإلهية، وسدًّا منيعًا أمام التجرؤ على الغيب، وإعلانًا صريحًا بأنّ العقل لا سلطان له على ما وراء الحس، وأنّ الظنون لا تبني عدلًا ولا تبرّر قتلًا.

ولئن كان الموقف الذي قيل فيه الحديث حادثة عابرة في ميدان قتال، فإنه في جوهره دستورٌ أخلاقيٌّ وفكريٌّ يضبط علاقة الإنسان بغيره، ويقنّن سلطان الحكم بين الناس. ففي لحظةٍ من الغليان الميداني، حين قتل أسامة بن زيد رجلًا نطق بالشهادة، متأولًا أنّها كلمة نجاة لا كلمة إيمان، جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليقلب المعادلة، فيُعلِّم البشرية أنّ العبرة بما يظهر لا بما يُضمر، وأنّ الشريعة لا تُبنى على الشكوك، بل على البينات.

وما كان ذلك إلا امتدادًا لقول الحق سبحانه: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) حيث قطع القرآن الطريق على كل متأولٍ يزن الإيمان بموازين الهوى أو الشك، وأكد أنّ الأحكام الدنيوية مبناها على الإقرار الظاهر لا على النية الخفية، وأنّ الله وحده يتولى حساب السرائر، إذ هو العليم بذات الصدور.

ذلك هو الفارق الجوهري بين العدل الإلهي المطلق والاجتهاد البشري النسبي؛ فالإنسان مأمور بالحكم وفق ما يشهده من ظاهر القول والفعل، ومنهيٌّ عن اقتحام الغيب الذي لا يبلغه عقل ولا تدركه حواس.

ولئن تأملنا في الفلسفة الكامنة وراء هذا الحديث، لوجدناها تؤسس لثلاث قواعد كبرى:

أولها/أن الحكم في الدنيا على الظاهر هو مقتضى العدل ورحمة الخلق، إذ لو وُكِل الناس إلى الظنون والخواطر لاستُبيحت الدماء وهُتكت الأعراض.

وثانيها/أن الجهل عذر معتبر في ميزان الشريعة، فلا مؤاخذة إلا بعد البيان، ولا تكليف إلا بعد العلم، امتثالًا لقوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا).

وثالثها/ أنّ العدل لا ينفصل عن الرحمة، وأنّ مقاصد الشريعة لا تتحقق إلا إذا زان الفقيه أحكامه بميزان الظاهر، وخلّى بين الخالق وعباده في حساب الباطن.

وهنا يتجلى سرّ سماحة الإسلام: دينٌ يُربي العقول على التورع عن الحكم على النيات، ويُهذّب النفوس لتزن الأمور بظاهرها، ويؤجل الحساب إلى اليوم الذي تُبلى فيه السرائر.

وقد تجلت تطبيقات هذه القاعدة في مواقف شتى غير حديث أسامة الذي نحن بصدده، منها قصة قتل خالد بن الوليد بعض بني جذيمة، متأولًا عبارتهم «صبأنا»، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد»، وأمر بدفع دياتهم من بيت مال المسلمين، ولم يقم عليه حدا أو يعاقبه إذ علم أن خطأه ناشئ عن الجهل لا عن العمد.

وحين بال الأعرابي في المسجد، لم يزجره صلى الله عليه وسلم، بل قال: «دعوه ولا تُزرموه» ثم علّمه برفق، فأدّب الأمة على أن التعليم مقدم على التعنيف.

بل إن الله تعالى قد غفر لرجلٍ لم يعمل خيرا قط –بعد أن أمر أبنائه بحرق جسده بعد موته جهلًا بقدرة الله-، لما علم من صدق خوفه وخشيته، فكان جهله مقرونًا بالإخلاص سببًا للمغفرة.

هذه المواقف النبوية التي أوردناها ليست شواهد فقهية فحسب، بل غرابيل فكرية تهذب أحكامنا وتُنقّي عقولنا من أوهام الإطلاق، لتذكرنا أن الحكم على الظاهر رحمة، وأن اقتحام الباطن جرأة على مقام الألوهية.

ولمّا أدرك العلماء والفلاسفة هذا المبدأ، جعلوه ركيزة في بناء الفكر الإسلامي؛ حيث أثبتت المعتزلة وكذا الأشاعرة أنّ السرائر موكولة إلى الله، وأنّ الإيمان لا يُعرف إلا بظاهر القول. وأكد الفلاسفة المسلمون –كابن رشد والفارابي– أن العدالة لا تُبنى على الظنون، وأن العقل مقيد بمدركات الحس. بل تلاقت المدارس الصوفية والفقهية والفلسفية على أنّ العلم بالنيات إلهيّ لا بشري، وأنّ الجهل عذر معتبر، وأن الرحمة أصل في كل حكم.

وما أعظم الخطر حين تُهمل هذه القاعدة الراشدة، فتنبثق من رحم الغفلة عقولٌ مغلقةٌ توهّمت أن لها سلطانًا على القلوب، فجعـلت من الظنّ يقينًا، ومن الغيرة جفاءً، فراح أصحابها يُوزّعون صكوك الإيمان والكفر، ويستبيحون الحرمات باسم الدين الذي ما نزل إلا رحمة للعالمين.

هؤلاء هم خوارج الأمس الذين رفعوا شعار «لا حكم إلا لله» فحكموا على الناس بما لم يأذن به الله، وخوارج اليوم الذين يُعيدون إنتاج الفكر نفسه بلبوسٍ جديد، يوزّعون التهم كما توزّع الغنائم، ويقيمون محاكم التفتيش باسم الشريعة، ناسين أن الرحمة أصل، والعذر فريضة، والنية سرّ لا يملك مفتاحه إلا الله.

ومن هنا تتأكد مسؤولية النخبة الفكرية والعلمية في إعادة الاعتبار لهذا الحديث النبوي؛ لا باعتباره واقعة فقهية، بل كـ ميثاق فلسفي مقاصدي يُعيد التوازن بين العقل والوحي، وبين الحكم الظاهري والسر الإلهي، ويُرسي أسس العدالة في زمن التسرع والاتهام. فـ «أشققت عن صدره؟» ليس سؤالًا لأسامة وحده، بل نداء لكل عقل متعجل وقلب متسرع ولسان متهم: قف عند حدودك، واحكم بما ترى، ودع لله ما يعلم. فما أوتي الإنسان من العلم إلا قليلًا، وما كُلف إلا بما يدركه.

ولعل في استحضار هذا الحديث اليوم طوق نجاةٍ في عصرٍ امتلأ بالفتن، وتصدّر فيه الجاهلون منابر الحكم على الناس، فأصبح الكذب لباسًا للحق، والجهل سيفًا باسم الدين.

فما أحوجنا إلى أن نُعيد صناعة غرابيلنا الفكرية على هدي هذا المبدأ النبوي، الرحمة قبل الحكم، والظاهر ميزان، والباطن لله، والجهل عذر، واليقين شرط، والعدل فريضة. لأن هذا الحديث النبوي الشريف لم يكن مجرّد عتابٍ لصحابيٍّ متأوِّل، بل كان بيانًا إلهيًا على لسان نبيٍّ رحيمٍ، يرسم للعقول حدودها، ويهدي القلوب إلى سواء السبيل، ويضع بين أيدي الأمة غرابيل فكرية نقية تميّز بها بين الحق والهوى، والرحمة والقسوة، واليقين والظن. فمن شاء النجاة فليزن أحكامه بميزان الظاهر، وليدع لله ما استتر في الصدور، فإنّ الرحمة أصل الدين، والجهل عذر، والنية سرٌّ بين العبد وربّه، ومن تجاوز حدّه فقد اعتدى على مقام ربه.

فوجب على من يرفع راية الدين، ألا ينسَ أنَّ العدل لا يقوم على الظنون، وأنّ الرحمة هي مفتاح الهداية، وأنّ الله لم يكلّفه بمحاسبة القلوب، بل أمره أن يصلح الظاهر ويدعو إلى الخير بالتي هي أحسن.

ذلك هو الدرس الخالد الذي خلّده قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أشققت عن صدره؟» سؤالٌ خالدٌ، يُحاكم به الزمان نفسه، ويذكّر الإنسان بأنَّ من لم يرحم، لا يُرحم، ومن لم يعدل، ضلّ، ومن تجرأ على الغيب، فقد خسر خيري الدنيا والآخرة.

***

بقلم: د. بدر الفيومي

 

في عالم يتسارع فيه تطور التكنولوجيا بوتيرة غير مسبوقة، أصبحت الحروب لم تعد تُخاض فقط بالسلاح والجنود على الجبهات، بل باتت تُخاض أيضًا عبر الأسلاك والأقمار الاصطناعية والشبكات العنكبوتية، لتدخل البشرية عصرًا جديدًا من الحروب تُعرف بالحروب السيبرانية. في هذا المشهد المترامي الأطراف والمتشابك الخيوط، برز الإعلام كعنصر مركزي في إدارة هذه المعارك، ليس فقط كوسيلة نقل للأخبار والمعلومات، بل كفاعل مباشر في صياغة الوعي الجماعي وتوجيه الرأي العام، ما جعله سلاحًا ذا حدين، يتأرجح بين مهمته الجوهرية في التوعية وخطر انزلاقه في دوامة التضليل.

السيبرانية وآستهداف العقول

وتعد الحرب السيبرانية من أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات والدول اليوم، نظرًا لقدرتها على اختراق الحواجز الجغرافية وتجاوز الأنظمة الدفاعية التقليدية، واستهداف البنى التحتية والمعلوماتية والمؤسسات الحيوية. ومن أبرز أسلحتها ما يُعرف بحروب المعلومات، التي تُخاض فيها المعركة عبر الفضاء الرقمي، حيث تُنشر الأخبار الكاذبة وتُفبرك الحقائق وتُبث الإشاعات بشكل مكثف وموجه، بهدف زرع الشك وزعزعة الثقة وإحداث شرخ داخل المجتمعات. في هذا السياق، يلعب الإعلام دورًا محوريًا لا يمكن الاستهانة به، سواء في صدّ هذا الهجوم المعلوماتي أو في تضخيمه عن غير قصد، أو أحيانًا بقصد، في ظل غياب الضوابط الأخلاقية أو ضعف المهنية الصحفية أو حتى خضوع بعض المنصات لجهات خارجية تحركها أجندات سياسية وأمنية. وتكمن خطورة التضليل الإعلامي في زمن الحرب السيبرانية في أنه لا يستهدف فقط العقول بل المشاعر، حيث تُبنى الروايات الكاذبة على عناصر الإثارة والصدمة والعاطفة، مما يجعلها أكثر انتشارًا وقبولًا لدى الجمهور مقارنة بالمعلومات الدقيقة التي قد تبدو مملة أو معقدة.

بين المواجهة وتطوير أدوات المؤسسة الإعلامية

وهنا تبرز تحديات كبرى أمام الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، من حيث قدرتهم على التحقق من صحة المعلومات وسط هذا الفيضان الرقمي، وضرورة تطوير أدوات تحليلية وتقنية تتيح لهم التفريق بين الخبر الحقيقي والمزيف، وبين المعلومة الموضوعية والدعاية المضللة. ومن جهة أخرى، يُفترض بالإعلام أن يكون خط الدفاع الأول في معركة الوعي، من خلال نشر الثقافة الرقمية والتوعية بأساليب التضليل وكيفية التعرف عليها ومواجهتها، وتقديم محتوى رصين وموثوق يستند إلى مصادر معروفة ويُعرض بلغة واضحة تُشرك المتلقي في عملية الفهم والتحليل بدل أن تدفعه إلى التلقي السلبي. غير أن هذا الدور التوعوي يتطلب استقلالًا حقيقيًا وشفافية عالية في العمل الإعلامي، وهو ما لا يتوفر دائمًا، خاصة في الأنظمة التي تستغل الإعلام كأداة للدعاية الداخلية أو الخارجية، فتنخرط بدورها في حرب المعلومات، مستخدمة وسائلها لنشر سرديات معينة تخدم مواقفها السياسية، حتى وإن كان ذلك على حساب الحقيقة والمهنية. وفي ظل هذا الواقع المعقد، تصبح الحدود بين الإعلام والتضليل ضبابية، ويصعب أحيانًا على الجمهور العادي التمييز بين الإعلام الذي يسعى إلى الإخبار والتثقيف، وبين الإعلام الذي يسعى إلى التلاعب والتجييش. فحتى المنصات التي تحظى بسمعة مهنية قد تسقط أحيانًا في فخ السرعة على حساب الدقة، أو تتأثر بميول أيديولوجية لملاكها أو مموليها، فتفقد حيادها وتتحول إلى طرف في الصراع بدل أن تكون ناقلًا أمينًا لما يحدث.

كما أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا متزايدًا في تضخيم هذا الإشكال، حيث باتت المنصات الكبرى مثل فيسبوك وتويتر وتيك توك ساحات مفتوحة للحروب السيبرانية، تنتشر فيها الأخبار الكاذبة بسرعة البرق، وتُضخ فيها محتويات مضللة عبر حسابات وهمية أو روبوتات برمجية أو حتى عبر مؤثرين حقيقيين يتم توظيفهم لتحقيق أهداف محددة. وفي كثير من الحالات، يتعذر الوصول إلى مصدر الخبر الأصلي أو معرفة الجهة التي تقف خلفه، ما يجعل من مهمة التحقق تحديًا مستمرًا، حتى بالنسبة للمؤسسات الإعلامية الكبرى.

وهذا يفتح المجال أمام ظاهرة ما يُعرف بـ(ما بعد الحقيقة)، حيث لم تعد أهمية المعلومة تُقاس بمدى صحتها بقدر ما تُقاس بمدى تأثيرها، وهو ما يقوض جوهر العمل الصحفي ويهدد البناء المعرفي للمجتمع. وفي المقابل، لا بد من الإشارة إلى أن بعض الجهات الإعلامية والمبادرات الصحفية حول العالم بدأت تدرك خطورة الموقف، وسعت إلى تطوير منصات للتحقق من الأخبار، وتعزيز مهارات التفكير النقدي لدى الجمهور، وإنتاج محتوى توعوي يشرح بأسلوب بسيط كيفية عمل الخوارزميات التي توجه المحتوى، وكيفية استخدام مصادر متعددة لتكوين فهم أكثر توازنًا للأحداث. كما بدأت بعض الدول والمؤسسات التربوية بإدخال برامج (التربية الإعلامية) إلى مناهجها التعليمية، بهدف تمكين الأجيال الجديدة من فهم آليات صناعة الخبر، والتعامل الواعي مع المحتوى الرقمي، وتجنب الوقوع في فخاخ الدعاية والتضليل.

الوعي الإعلامي والحروب الحديثة

ومع ذلك، تظل هذه الجهود متواضعة أمام حجم التحديات واتساع نطاق الهجمات السيبرانية، التي غالبًا ما تكون مدعومة بموارد مالية وتقنية هائلة، ما يجعل من الضروري تعزيز التعاون بين الحكومات، والمنصات الرقمية، والمؤسسات الإعلامية، ومراكز الأبحاث، والمجتمع المدني، من أجل بناء جبهة موحدة في وجه هذه الحروب الجديدة. وفي هذا الصراع المفتوح، تبرز الحاجة الملحة إلى استعادة الثقة بالإعلام، ليس فقط من خلال رفع معايير الشفافية والمساءلة داخل المؤسسات الإعلامية، بل أيضًا من خلال تعزيز العلاقة مع الجمهور، عبر تشجيعه على المشاركة في صياغة الخطاب الإعلامي، واعتباره شريكًا في البحث عن الحقيقة، لا مجرد متلقٍ سلبي. إذ إن الإعلام لم يعد مجرد مرآة تعكس الواقع، بل أصبح صانعًا للواقع ذاته، ولهذا فإن مسؤوليته في زمن الحرب السيبرانية مضاعفة، فهو يقف في مفترق طرق بين أداء رسالته التنويرية، والانزلاق في مستنقع التضليل والتهويل. إن ما نواجهه اليوم ليس فقط حربًا على المعلومات، بل حربًا على الإدراك ذاته، على ما نؤمن به ونفهمه ونشعر به، وفي مثل هذا السياق يصبح الإعلام النزيه القائم على التحقق والدقة والمسؤولية الأخلاقية هو الحصن الأخير في معركة العقل، وهو السد المنيع في وجه الفوضى المعلوماتية، وهو الخط الدفاعي الذي إن أنهار، أنهارت معه قدرة المجتمعات على التماسك والصمود.

لذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس فقط كيف نحمي الإعلام من التضليل، بل كيف نُعيد إليه دوره الحيوي كمنارة للوعي في زمن طغت فيه الضوضاء على الحقيقة، وغابت فيه الحدود بين ما هو واقعي وما هو مفبرك، وبين ما يُقال من أجل المعرفة وما يُقال من أجل السيطرة، وبين الإعلام الذي يُنير الطريق، والإعلام الذي يُخفيه.

***

د. عصام البرّام - القاهرة

مقدمة: السعادة بين الحلم الإنساني والفكر الفلسفي

منذ أن استيقظ العقل الإنساني على معنى الوجود، وهو يسعى وراء حلمٍ واحدٍ لا يتغير: السعادة. فهي شعورٌ بالرضا والسكينة الداخلية، لكنها في جوهرها مسألةٌ فلسفيةٌ عميقة، تتصل بعلاقة الإنسان بذاته وبالعالم من حوله. فالإنسان لا يسعى إلى المتعة اللحظية فحسب، بل يبحث عن معنى وجوده وارتباطه بها.

السؤال الذي ظلّ يشغل الفلاسفة عبر العصور: هل تكمن السعادة في المتعة واللذة فقط، أم في الفضيلة والحياة العقلانية التي تتجاوز لحظات الانفعال العابرة؟ وهل يمكن للإنسان أن يكون سعيدًا حقًا في عالم تتصارع فيه الرغبات والواجبات، ويغلب عليه القلق والضغوط المستمرة؟

لقد اختلفت الآراء من الفلاسفة اليونانيين الذين رأوا أن اللذة أساس الحياة الطيبة، إلى الفلاسفة الذين أكدوا أن الفضيلة والعقل هما طريق السعادة الحقيقية. ورغم هذا التنوع، هناك اتفاق ضمني على أن السعادة ليست مجرد حالة عابرة أو شعور لحظي، بل تجربة مستمرة تتطلب الحكمة والوعي والتأمل العميق في طبيعة الحياة البشرية.

أولاً: السعادة: بين لذة الروح وفضيلة العقل

لقد تناول الفلاسفة السعادة من زوايا مختلفة، بين المتعة والفضيلة والعقل. يرى الفيلسوف اليوناني أبيقور أن اللذة أساس السعادة، لكنه لم يقصد اللذة اللحظية أو المفرطة، بل غياب الألم والاضطراب النفسي، إذ تصبح السعادة حكمة في اختيار ما يحقق الطمأنينة الداخلية. ومع ذلك فإن الاعتماد على المتعة وحدها لا يمنح الإنسان الاستقرار الكامل، إذ أن الرغبات متجددة، وما يبهج اليوم قد يملّ غدًا، فتظل السعادة القائمة على اللذة مؤقتة وزائلة. من جهة أخرى يرى أرسطو أن السعادة الحقيقية تتحقق من خلال الحياة الفاضلة وفق العقل، فهي ليست شعورًا عابرًا، بل تحقّق طبيعة الإنسان العاقلة، إذ يصبح الفعل الأخلاقي وممارسة الفضائل جزءًا من طريق الإنسان نحو السعادة الدائمة. وقد أكد الفلاسفة الرواقيون هذا الرأي إذ آمنوا أن الإنسان السعيد هو من يملك ذاته ويتصالح مع نفسه ومع ما لا يمكن تغييره، فيصبح شعوره بالرضا ثابتًا وداخليًا، لا تابعًا للرغبات العابرة، ما يشير إلى أن التوازن بين اللذة العقلانية والفضيلة هو جوهر تجربة السعادة الحقيقية.

ثانياً: السعادة: انسجام داخلي وخارجي في الفكر المعاصر

مع الفلسفة الحديثة والمعاصرة اتسع مفهوم السعادة ليشمل انسجام الإنسان مع ذاته والعالم من حوله، متجاوزًا الرغبات الفردية واللذات العابرة. رأى سبينوزا أن السعادة هي فرح يزيد من قدرة الإنسان على الفعل، أي أن حريته تنبع من فهمه للطبيعة والواقع، بينما أكد إيمانويل كانط أن السعادة الحقيقية لا تتعارض مع الواجب الأخلاقي، بل قد تكون نتيجة طبيعية له. وذهب برتراند راسل إلى أن السعادة تتحقق عندما يعيش الإنسان باتصال حقيقي مع الآخرين والعالم، من خلال الحب والعمل والمعرفة.

في زمننا المعاصر كثيرون يخلطون بين السعادة والماديات أو الشهرة، فتختفي السكينة الداخلية وسط صخب الحياة، غير أن السعادة الحقيقية تظل تجربة داخلية متواصلة: إدراك الذات، حب ما نفعل، والعيش بتوازن مع الآخرين. فهي ليست حالة جاهزة، بل ثمرة ممارسة مستمرة للفضيلة والمعرفة والتواصل الإنساني، ما يجعلها تجربة ثابتة ومتجددة في حياة الإنسان.

خاتمة: السعادة كفن حياة متكاملة

تظل السعادة رحلة الإنسان الأبدية نحو التوازن الداخلي والخارجي، وليست مجرد لحظات من اللذة أو التزامًا بالقيم الأخلاقية وحدها. فهي تجربة مستمرة تتطلب الوعي بالنفس ومراقبة الرغبات، وممارسة الفضائل بحكمة، مع القدرة على الاستمتاع بما تمنحه الحياة من لحظات بسيطة وصغيرة.

السعادة تتعمق عندما يجد الإنسان معنى لوجوده، ويعيش اتصالاً حقيقيًا مع الآخرين من خلال الحب والعمل والمعرفة. إنها شعور بالرضا الداخلي لا يعتمد على الماديات أو الشهرة، بل على تصالح الإنسان مع ذاته ومع ما لا يستطيع تغييره.

إن السعادة ليست حالة جاهزة تُمنح، بل نمط حياة يومي يختاره الإنسان باختياراته الواعية. فهي تمنحه القدرة على مواجهة تحديات الحياة بروح متزنة، وتجعله أكثر قدرة على التفاهم والتواصل مع الآخرين، وأكثر انسجامًا مع الطبيعة والواقع.

في النهاية يمكن عَدّ السعادة فن الحياة المتكاملة، إذ تتقاطع اللذة العقلانية مع الفضيلة، والوعي الذاتي مع الاتصال بالآخرين، لتشكّل تجربة إنسانية عميقة تعكس معنى الوجود الحقيقي، وتمنح الإنسان شعورًا دائمًا بالطمأنينة والرضا.

***

ندى صباح اسد الله

كنت أقرأ رواية "أنا قبل كل شيء" للكاتبة السعودية الجوهرة الرمال، التي طُبعت أكثر من إحدى وعشرين مرة، فوجدت في قصّة ورد انعكاسًا لواقع الإنسان في مواجهة الخسارة. فقدت ورد بصرها في سن السابعة، وعاشت في الظلام تسع سنوات كاملة، قبل أنَّ تعود إليها القدرة على الرؤية إثر سقوطها عن درج منزلها، نقطة تحول غيرت كل شيء. تبدأ الرواية برصد عالمها الداخلي والخارجي، إذ تتقاطع تحديات فقدان البصر مع الانعزال الاجتماعي، ومع صعوبة التكيف بعد استعادة الرؤية، تكتشف أنَّ الحياة مليئة بالتحديات والمواجهات، وأنَّ الألم هو لغة وجودها الحقيقية، وأنَّ السعادة العابرَة لا تترك أثرًا.

هذا الوجع والانكسار الذي عاشته ورد يتماشى مع التجارب الإنسانيَّة الأوسع والأعقد. حين استرجعت تأمليًا وغصت أكثر في المذكرات السياسية وقلّبت وجوه الروايات والحكايات على اختلاف الأزمنة والأمزجة، بدا لي أنَّ هناك قانونًا سرديًا متكررًا: لا بطل يولد إِلَّا بعد أنَّ يكرع الخسارة، ولا حكاية تستقيم إِلَّا إذا مرّت على طريق محفوف بالدمع ومغمس بالخذلان والانكسار، كأن المعنى لا يظهر إِلَّا حين تُجرَّد الذات من كلّ ضمان، ويُسحق الوجود تحت حجر التجربة. تتراكم الوجوه المتعبة، والأمكنة التي لفظتها الحروب والمنفى والهزيمة، حتى يصبح الألم هو اللغة الأمّ للوجود، والصمت هو مرآته الأخيرة.

ألم تبلغ التجربة الإنسانية أقصى تجريدها، بعبارة الشاعر محمد مهدي الجواهري المستعارة من الحكمة الصينية" وُلِدوا فتعذّبوا فماتوا" التي وضعها مدخلًا لمذكراته، ألم تكن هذه العبارة مفتاحًا لفهم مسار الوجود كما تخلّله في حياته: يولد الإنسان دون إرادة، يدخل في تجربة الألم دون حصانة أو ضمان، ثم يغادر بصمت كما جاء دون اكتمال. هذه العبارة ليست نزوعًا إلى التشاؤم بقدر ما هي محاولة لتجريد الحياة من أقنعتها. فهي تنظر إلى الوجود باعتباره مسارًا دائريًا مغلقًا: ولادة تُعلن بداية الوعي بالعدم، ألمٌ يرسّخ ثقل الكينونة، وموتٌ يعيد الأشياء إلى صمتها الأول. في ضوء هذا الفهم، تصبح التجربة الفردية للجواهري– بما فيها من منفى وخراب وانكسار– مجرد تجلٍّ من تجليات هذا القانون الكوني.

وهنا ينتصب السؤال، باعتباره تاملًا فلسفيًا عميقًا: هل هذا هو شكل العالم كما هو؟ عالم لا يهب المعنى إِلَّا من فم الجرح والوجع، ولا يعرّف الإنسان إِلَّا بما خسره؟ أم أنَّ الحكايات- سواء كانت مذكّرات سلطة أو روايات بشر عاديين- تختار عمدًا أنَّ تُبالغ في الألم، لأنَّها لا تجد معنى للحياة إِلَّا حين تنظر إليها من حافة العدم؟ هل نحن أمام واقعٍ تصنعه المأساة، أم أمام سردٍ يختار المأساة لأنَّ السعادة بلا حكاية، ولأنَّ الصفاء لا يخلّف أثرًا؟

قد يكون العالم أوسع من هذا الألم، لكن السرد لا يراه إِلَّا في اللحظات التي يتعرّى فيها الإنسان من وهم السيطرة، حين يسقط، يُنفى، يُخذل، أو يكتشف تهافت ذاته أمام التاريخ والقدر. فالرواية لا تُكتب عن لحظة استقرار وطمأنينة، وانما عن لحظة انهيار وتهشم. والمذكّرات لا تدوّن لحظات الرضا كثيرًا، وانما لحظة ارتجاف اليد وهي توقّع على وثيقة حرب، أو لحظة عجز الجسد أمام خيانة أو منفى. كأن الوعي لا يستيقظ إِلَّا في لحظة الألم، وكأن الحياة، إذا لم تُختبر بالخسارة، تظلّ مجرّد وقتٍ لم يُفهم بعد.

لكن ماذا لو كان هذا الانحياز للألم هو نفسه محاولة يائسة لمنح الوجود معنى؟ فالسرد، مهما ادّعى الصدق، يبقى فعل اختيار: اختيار أنَّ نكتب الجرح لا العافية، أنَّ نؤرّخ للانكسار لا للطمأنينة. ربما لأنَّ البشر لا يتذكّرون ما جعلهم سعداء، بل ما جعلهم يتألّمون. فالسعادة عابرة وصامتة، لكن الألم مقيم وله صوت، صوتٌ يكتب التاريخ، ويعيد تشكيل الذاكرة وحفرياتها، ويمنح الإنسان وهم الحكمة.

إذًا، لسنا أمام سؤال عن حقيقة العالم فقط، بقدر ما نحن أمام تساؤل عن طبيعة الإنسان ذاته: هل هو كائن لا يفهم وجوده إلَّا حين يتألّم؟ هل نحن نكتب الألم لأن العالم قاسٍ، أم لأننا لا نحتمل فكرة أنَّ يكون بلا مغزى، فنملؤه بالندوب كي نشعر أننا عشنا حقًّا؟

هذه ليست دعوة لنفي الألم أو السخرية من المأساة، وانما محاولة لتحرير السؤال من سطوة البكاء. ربما العالم خليطٌ من الضوء والعتمة، لكننا نُبقي أعيننا مفتوحة فقط حين يحلّ الظلام. وربما تكون الحكايات مرايا مكسورة، تعكس الحقيقة من زاوية واحدة، لكنها الزاوية التي نجرؤ على النظر إليها.

وإذا كان الألم هو اللغة التي صاغ بها البشر سرد وجودهم، فإن الفلسفات والأديان والمدارس الروحية حاولت- بطريقتها- أنَّ تضع ضمادًا على هذا النزيف، أنَّ تُسكّن مخبأ الروح، أنَّ تزرع طمأنينة وسط العاصفة. غير أنّ المفارقة المريرة تكمن في أنَّ أرباب هذه الرسالات أنفسهم لم يُعفَوا من جمر التجربة. فالأنبياء، الفلاسفة، الأولياء، والمتصوفة، أولئك الذين حملوا راية العزاء النفسي للإنسان، كانوا أول من عضّتهم الحياة بأنيابها وأوجعتهم. بعضهم سُحِق تحت مقاصل السلطة، بعضهم قُطع رأسه ووُضع في سلال الهزء أو على موائد الطغاة، بعضهم نُفي وقُذف في سمعته وشرفه وحقّه في الوجود. تقرأ سيرهم فتجدها ملتفّة كضفيرة من العلقم والمرارة، لا فسحة فيها لراحة طويلة أو يقين بلا شوك.

هنا تنشأ المفارقة التأملية- الفلسفية: كيف يدعو من يتألم الناسَ إلى السكينة؟ وكيف يُبشّر بالراحة من لم يعرفها تمامًا في جسده أو روحه؟ كأنّ الرسالة نفسها لا تُحمل إلَّا عبر الجرح، وكأنّ مَن يطلب للآخرين الخلاص لا بدّ أنَّ يمرّ أوّلًا بصحراء المعاناة. فالألم لا يستثني أحدًا، لا يُعفي المؤمن ولا الملحد، لا يُجامل العارف ولا الجاهل. إنّه السيرة الكبرى التي تكتب الإنسان دون إذنه.

والأدهى من كلّ ذلك أنَّ هؤلاء الذين نذروا أرواحهم لتخفيف ثقل الوجود عن الآخرين، لم تنجُ أفكارهم بعد موتهم من سطوة التأويل وسوء الاستخدام. فقد قامت أجيال لاحقة بقلب رسالاتهم رأسًا على عقب، جعلت من الدين الذي وُلد ليواسي المقهورين أداةً للقهر بيد المعبد، ومن الفلسفة التي سعت لتحرير العقل وسيلةً لتقييده، ومن الروحانية التي أرادت شفاء القلب سيفًا يُشهر باسم الطمأنينة. باسم الرحمة وُزّع الموت، وباسم النجاة زُرع الخوف، وباسم السكينة مُورِس أشدّ أنواع العنف الرمزي والمادي.

يا لها من مفارقة موجعة: أنّ يُصبح الطريق إلى العافية هو ذاته الطريق إلى الجحيم، وأنّ يتحوّل خطاب الخلاص إلى آلة تبشّر بالنجاة وهي تفتح أبواب الألم على مصاريعها.

وهكذا يبقى الإنسان معلّقًا بين جرحين: جرح التجربة وجرح السرد، يبحث عن سعادة عابرة، أو لحظة صفاء لا تطول، يتأمل، يتعثّر، ثم ينهض من جديد، لا لأنّه واثق من الخلاص، بل لأنّ روحه لا تحتمل الجمود. يمشي في صحراء الوجود وهو يعلم أنّ الطمأنينة إن وُجدت، ليست إقامةً دائمة، وانما ظلٌّ يمرّ ويختفي قبل أنّ يمسكه بيده.

لعلّ ما يتكشّف في أفق النهاية هو أنَّ الإنسان يُساق إلى الألم والفقد لأنّ الوعي ذاته لا يُولد إلَّا تحت وطأة السؤال، والسؤال لا ينبثق إلّا حين تتصدّع الأشياء من حولنا، لا لمجرد أنَّه قدر محتوم. لذلك يبقى الجرح علامة على أنَّ الحياة ليست حيادًا، وأنَّ الكائن البشرّي لا يُريد أنَّ يمرّ مرور الغياب. فالألم محاولة يائسة لتثبيت أثر فيه؛ محاولة للقول إننا كنّا هنا، وإننا شعرنا وتألّمنا وفقدنا، وإن هذا الدم الذي يسيل هو إعلان عن أننا ما زلنا نحاول أنَّ نفهمه. وهكذا يصبح الخلاص حركة أبدية بين السقوط والنهوض، بين الإقامة والارتحال، بين سؤال يحمل جرحه، وجرح يبحث عن معنى يليق بأنَّ يُحمل. وفي هذا العبور، ربما لا نجد الحقيقة كاملة، لكننا نجد ما يُبقينا أحياء: أنَّ نواصل السير، ولو على حافة العتمة وأغشيتها، حاملين بصيص المعنى الذي لم ينطفئ بعد.

***

د. حيدر شوكان سعيد.

جامعة بابل- كلية العلوم الإسلاميَّة- قسم الفقه وأصوله.

 

في مختبرات ارقى الجامعات العالمية، وفي مراكز الابحاث التكنولوجية والطبية المتطورة، تقف عقول عراقية عظيمة وراء بعض من اعظم الانجازات العلمية في عصرنا. انهم رجال ونساء حملوا معهم ارث بلد كان يوما منارة للعلم والمعرفة، ليصبحوا سفراء حقيقيين للعراق، ليس بالكلام، بل بالابداع والابتكار. لكن وراء هذه القصص الناجحة، تكمن ماساة مريرة: ماساة التهميش والاهمال من الداخل، واهمال مواهب كان من الممكن ان تنتشل البلاد من واقعها الصعب.

هؤلاء العلماء، الذين يشكلون ثروة وطنية حقيقية، يبدو انهم تحولوا الى "صادرات فكرية" يستفيد منها العالم المتقدم، بينما ترفض الجهات المعنية في بلدهم الام حتى الاصغاء اليهم. انه سيناريو مأساوي يتكرر يوميا: عقل عراقي يخترق المستحيل في الغرب، بينما ترمى ابحاثه ومشاريعه ومقترحاته التي يقدمها للجهات المختصة في العراق في "سلال المهملات"، ليس بسبب عدم جدواها، بل بسبب البيروقراطية القاتلة، والفساد، او ببساطة بسبب غياب الرؤية.

من هؤلاء الافذاذ؟ اسماء تضيء ساحات العلم العالمية

لنذكر بعض الاسماء التي اشرت اليها، بالطبع ليس حصرا، ولكن للتدليل على حجم الكنز المهدر من علماء لهم دور مهم بداخل العراق واسماءهم محفورة في سجل شبكة العلماء العراقيين في الخارج "نيسا"  Members – Network of Iraqi Scientists Abroad (NISA)  اذكر منهم، حكمت جميل: رائد الطب المهني والبيئة في جامعة ولاية ميشغان وحامد الرويشدي: البروفسور في هندسة الاتصالات في جامعة برونيل وجميل الخليلي: بروفسور الفيزياء في جامعة سري والمبشر لاعلام "اشراك الجمهور في العلوم" ومثنى الدهان: البروفسور في الهندسة الكيميائية والنووية في جامعة ميزوري للعلوم والتكنولوجيا ورياض المهيدي: البروفسور في الهندسة الانشائية في جامعة سوينبورن الاسترالية ورمزي محمود : البروفسور في الهندسة البيئية وادارة المياه في جامعة كاليفورنيا وعباس علي: البروفسور في الادارة في جامعة انديانا وحيدر الشكري: البروفسور في الجيوفيزياء والزلازل في جامعة اركنساس وكاظم اللامي: مكتشف الشبكية القلبية "Arteriozobe" وصباح جاسم: البروفسور في الرياضيات والحوسبة في جامعة باكينغهام وخضر وني حلو: البروفسور في التنوع البيولوجي النباتي في جامعة ولاية فرجينيا وعادل شريف: بروفسور هندسة المياه في جامعة سري ولؤي محمد: البروفسور في الهندسة البيئية والمدنية في جامعة ولاية لويزيانا ونوفل الظاهر: البروفسور في الهندسة الكهربائية في جامعة تكساس وسندس البدري: بروفسورة طب وجراحة اسنان الاطفال في جامعة ليفربول  وبشير الهاشمي: بروفسور هندسة الحاسوب في جامعة لندن وضياء الجميلي: بروفسور الذكاء الاصطناعي في جامعة ليفربول جون مورز ورافد الخضار: بروفسور المياه في جامعة ليفربول جون مورز وحسين الريزو: بروفسور هندسة الانظمة في جامعة اركنساس ومصطفى الشاوي: بروفسور الادارة في جامعة سالفورد ومحمد الشيخلي: بروفسور العلوم النووية والاشعاع في جامعة مريلاند ومحمد الازري: بروفسور الطب النفسي في جامعة ليستر وحسين بهية: بروفسور هندسة المواد في جامعة وسكانسون وعبير حسين: بروفسورة علوم الحاسوب في جامعة ليفربول جون مورز ومنيرة كاظم: بروفسورة بيولوجية الاشعة في جامعة اوكسفورد بروكس واحسان اللامي: بروفسور الحاسوب والذكاء الاصطناعي في جامعة باكينغهام واسامة كريم: بروفسور الهندسة المدنية والبناء في جامعة تونته وحنان مهدي: بروفسورة الجيولوجي في جامعة اركنساس وعباس مهدي: بروفسور الادارة والمصادر البشرية في جامعة سانت كلاود وصباح مشتت: بروفسور هندسة العمارة في جامعة وليفرهامبتن وكمال رشيد: بروفسور العلوم البيوصيدلانية في كلية البيني للصيدلة والعلوم الصحية وفراس رسول: بروفسور الهندسة البيولوجية في جامعة كوينزلاند وحيدر رضا: بروفسور الهندسة الكهربائية والحوسبة في جامعة ولاية ميشيغان وسلوى السام: بروفسورة علوم الاحياء الدقيقة في جامعة اسيكس.

هؤلاء مجرد امثلة على "كنز العقول" العراقية التي لا تقدر بثمن. كل واحد منهم يمثل جامعة متكاملة، ومركز ابحاث، وحلما لمشروع وطني يمكن ان يغير واقعا.

لماذا هذا الاهمال؟ سؤال يبحث عن اجابة.

التساؤل الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا يحدث كل هذا؟ لماذا ترفض الدولة استقبال هذه الكفاءات والاستفادة منها؟

قد يكون الفساد الاداري والبيروقراطية وغياب الرؤية الاستراتيجية والانشغال بالصراعات السياسية وقد يكون استقدام كفاءات خارجية محايدة ومستقلة بمثابة صدمة للنظام القائم، الذي يقاوم اي تغيير قد يقلب موازين القوى. قد تكون كل هذه العوامل اسباب للاهمال.

الحديث عن هؤلاء العلماء ليس للتباكي على الماضي، بل هو دعوة للعمل. هؤلاء ليسوا مجرد مهاجرين غادروا البلاد، بل هم ضحايا لظروف قاسية، وكل منهم يحمل في قلبه حبا عميقا للعراق وشوقا حقيقيا للاسهام في بنائه. كثيرون منهم حاولوا مرارا وتكرارا، ولكنهم اصطدموا بجدار من اللامبالاة.

ان الاستفادة من هذه الكفاءات لا تحتاج الى ميزانيات ضخمة، بل تحتاج الى:

- ارادة سياسية حقيقية تضع ملف العلماء في الخارج على رأس اولوياتها.

- انشاء هيئة او مجلس وطني خاص برئاسة شخصية وطنية مرموقة، للتواصل المباشر مع العلماء العراقيين في الخارج وتسهيل عودتهم او مشاركتهم عن بعد.

- شراكات استراتيجية بين الجامعات العراقية ونظرائها العالمية التي يعمل فيها هؤلاء العلماء.

- برامج زمالة واشراف لطلبة الدراسات العليا العراقيين تحت اشراف هذه الكفاءات.

- تسهيل الاجراءات وتقديم التقدير المعنوي والمادي اللائق.

العراق امام فرصة تاريخية. انه يمتلك ثروة بشرية هي الاغلى في العالم، ثروة قادرة على صنع المعجزات. كل ما هو مطلوب هو ان نمد ايدينا بصدق واخلاص لهؤلاء الافذاذ، ونقول لهم: نريدكم، بلدكم يحتاجكم. ان الاوان لوقف نزيف العقول، واستعادة بعض من نور كانا يوما نبراسا للحضارة الانسانية.

***

ا.  د. محمد الربيعي

 

ثمة مفاهيم ومصطلحات ثرية من الناحية الفلسفية والمعرفية والسياسية، إذ أن البحث ف مضمونها وآفاقها، يوصل الباحث إلى تخوم علوم ومعارف وتخصصات علمية عديدة، ولعل من هذه المفاهيم الثرية والغنية بحمولتها الفلسفية والمعرفية والسياسية مفهومي الحرية والعدالة، فهي من المفاهيم التي تشكل حجر الأساس في منظومة الكثير من القيم والمبادئ الفرعية.

ولا يمكن أن نبحث أي مبحث فلسفي أو معرفي أو سياسي، دون الاقتراب من مضامين هذين المفهومين، بل هناك العديد من النظريات والمذاهب الوضعية، التي تشكل واكتمل بناؤها المعرف على قاعدة مفهوم الحرية ومفهوم العدالة، وإن بعض التباين أو الاختلاف بي هذه النظريات والمذاهب الوضعية، يعود إلى التباين والاختلاف في طبيعة العلاقة بين مفهوم الحرية ومفهوم العدالة، فالحرية  في بعدها الفردي تعني أن يعيش الانسان الفرد حرا أي بدون قيد أو شرط يحد أو يعوق حريته، أما إذا نظرنا إلى الحرية بمعنى مجموع الحريات السياسية والاقتصادية والثقافية، فنحن هنا بحاجة إلى تدابير أخلاقية  مؤسسية لحفظ حقوق الناس الذين يشكلون مجتمعا واحدا وهذا لا يتحقق بدون العدالة، فالحرية كقيمة متداخلة ف أبعادها وآفاقها مع العدالة كقيمة وممارسة، ولا يمكن على مستوى الواقع الخارجي من تحقيق أحدهما دون الآخر، فالحرية هي حجر الأساس لمفهوم العدالة، إذ لا عدالة بدون حرية، كما أن العدالة هي التي تثري مضمون الحرية في أبعادها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، إذ لا حرية حقيقية في أي تجربة إنسانية بدون عدالة..

لا يصح ولا يجوز لأي إنسان أن يجبر الآخرين على القبول بعقيدة معينة أو فكرة محددة، فمن حق الإنسان (أي إنسان) حق التفكير والتأمل، ولا يمكن لأي أحد أن يفرض رأيه أو عقيدته عليه، فللإنسان كامل الحق ف الاختيار، وهو الوحيد الذي يتحمل مسؤولية اختياره.

وحتى تتضح صورة العلاقة بين الحرية والعدالة، نقترب من المفاهيم والمعاني المتداولة لمفهوم الحرية، إذ ذكرت تعريفات عديدة للحرية وأوصلها (آيزايا برلين) في كتابه (حدود الحرية) إلى مئتي تعريف، إلا أن الجامع المشترك بين أغلب هذه التعريفات هو إزالة المعوقات من طريق اختيار الإنسان، وهو يقول في تعريفه لها (إنني أعد الحرية فق دان الموانع من طريق تحقق آمال الإنسان وتمنياته) ويرى في موضع آخر من الكتاب بأنها تعني عدم تدخل الآخرين في أنشطة الفرد وأعماله، فالحرية وفق (آيزايا برلين) هي جزء من الذات البشرية، أي أن طبيعة الإنسان تنزع نحو الحرية، لأنها جوهر الإنسان، وهو (أي الإنسان) موجود ساع نحوها، وهذا معناه أنها من لوازم إنسانيته، وحرية الأفراد بطبيعة الحال ليست مطلقة، لأننا لو أطلقنا حرية الأفراد، فإن مجموع هذه الحريات ستتعارض وتتناقض مما يحول دون أن يعيش أحد مع أحد، أي إننا لا نستطيع أن نؤسس مجتمعا، والمجتمعات الإنسانية لا تتأسس إلا على قاعدة التفكيك بين الحريات الفردية ومصالح الآخرين، إذ أن المجموع الإنساني يحتاج إلى صيانة وضمان حرياته الفردية، ولكن على نحو لا تضر بمصالح الآخرين النوعية، والمظلة التي تستظل بها مصالح الآخرين النوعية هي قيمة العدالة، وطبقا لرؤية (جون ستيورات مل) فإن العدالة تتطلب تنعم الأفراد بالحد الأقل من الحرية، ومن هنا يجب في بعض الأحيان - ولو عن طريق الإجبار –  منع صيرورة حرية بعض الأفراد المخلة بالحريات للآخرين، ويتحدث (آيزايا برلين) في كتابه الآنف الذكر عن هذه الحقيقة بقوله (تنقلب الحرية السلبية أحيانا إلى القول بتساوي حرية الشاة والذئب، فإذا لم تتدخل القوة القاهرة فإن الذئاب سوف تقوم بافتراس الأغنام، ومع ذلك لا يجوز أن يصنف هذا مانعا للحرية، نعم إن الحرية  اللامحدودة للرأسمالي تفضي إلى إفناء حرية العمال، والحرية اللامحدودة لأصحاب المصانع أو الآباء والأمهات، تؤدي إلى استخدام  الأولاد في العمل في مناجم الفحم الحجري، لاشك في أنه تنبغي حماية الضعفاء أمام الأقوياء والحد من حرية الأقوياء على هذا الشكل، ففي كل حالة يتحقق فيها القدر الكاف من الحرية الإيجابية لا بد من الإنقاص من الحرية السلبية، أي أنه يجب أن يكون هناك نوع من التعادل بين هذين الأمرين حتى لا يجري أي تحريف للأصول المبرهنة)، فللإنسان كامل الحرية في قناعاته وأفكاره واختياراته، ولكن ليس له الحق في التعدي على قناعات الآخرين واختياراتهم، وإذا كانت اختياراته تضر بالآخرين فإنه ومن منطلق العلاقة الحميمة بين الحرية والعدالة، يمنع من اختياره الضار إلى المجتمع لصيانة قيمة العدالة، فالعلاقة جد دقيقة بين الحرية والعدالة، وعليه لا يصح باسم المجتمع من امتهان كرامة الإنسان الفرد أو التعدي على حريته، كما أنه لا يصح باسم حرية الانسان من التعدي على حريات الآخرين، فالحرية قيمة إنسانية كبرى ولا تحد إلا بقيمة إنسانية كبرى مثلها وهي العدالة.

ويشير إلى هذه المسألة الكاتب (عبد الله نصري) بقوله (وبشكل عام، فكلما حصل هناك قصور من ذاك الشخص في أداء وظيفته أمام مشاعر الآخرين ومنافعهم من دون أن يكون الباعث على ذلك تقدم وظيفة مهمة على هذه الوظيفة، فينبغي القيام بتأديب أخلاقي له، ليس مقابل السبب الذي دفعه إلى هذا التقصير وإنما مقابل هذا التقصير نفسه وعدم أداء الوظيفة، ليس لنا الحق في معاقبة ذاك الشخص على مجرد الإدمان، لكننا نعاقبه إذا ما كان شرطيا يتناول الكحول، من حيث تقصيره في أداء وظيفته، ولا بد من ذلك وبعبارة مختصرة : (فكل حالة يكون فيها الفرد أو المجتمع في معرض الضرر الواضح الظاهر،  أو في معرض خطر احتمالي لهذا الضرر، فإن المسألة حينئذ تخرج عن دائرة الحرية الفردية وتندرج في دائرة سلطة القانون أو الأصول الأخلاقية).

من هنا لا يصح ولا يجوز لأي إنسان أن يجبر الآخرين على القبول بعقيدة معينة أو فكرة محددة، فمن حق الإنسان) أي إنسان) حق التفكير والتأمل، ولا يمكن لأي أحد أن يفرض رأيه أو عقيدته عليه، فللإنسان كامل الحق في الاختيار، وهو الوحيد الذي يتحمل مسؤولية اختياره، فال سبحانه وتعالى وهبنا حق الاختيار في ظل المسؤولية، فلنا حق الإختيار وفق الإرادة الربانية، وعلينا ان نتحمل كامل المسؤولية في الدنيا والآخرة لاختيارنا، والله سبحانه وتعالى أمر الخلق بعبادته ولم يمنح أحد سلطة اتخاذ القرارات والتدابير نيابة عن أحد، فللإنسان كامل الحق والحرية في الاعتقاد والاختيار، ولكن ممارسة هذه الحرية تكون في نطاق العدالة والمسؤولية، لهذا هو وحده الذي يتحمل  مسؤولية اختياره وعمله، وبهذا نخرج الإنسان من دائرة القوانين الجبرية، وندخله في دائرة الحرية والمسؤولية، فهو حر ومسؤول في آن واحد.

وفي تقديرنا أن المجتمعات التي تتمكن من صياغة العلاقة على نحو دقيق بين الحرية والعدالة، هي المجتمعات التي تنعم بالديموقراطية والعدالة الاجتماعية والاستقرار السياسي، اما المجتمعات التي لا تتمكن لأسباب ذاتية أو موضوعية من صياغة العلاقة بين الحرية والعدالة على نحو إيجابي، فهي مجتمعات تعاني من صعوبات كبرى في تكوينها الاجتماعي والعام.

***

أ. محمد محفوظ

علينا ان نُقر ان النص الديني لمختلف الديانات السماوية هي مصدرها واحد هو الله لذا لا اختلاف بينها كما يجب ان نعتقد .. لنقرأها قراءة معاصرة وبنظرة جديدة لواقع الحركة التاريخية المتطورة وبمنطق فلسفي ومعرفي واقعي وليس تصوري مثالي، لنفهم معنى التشريع والاخلاق والتاريخ والاقتصاد، لان القانون الاساس هو متابعة تغير الصيرورة الزمنية حيث تكمن عقيدة التشريع القائمة على البينات المادية وليست وهمية تصورية كما نفهمها من فقهاء الدين المختلفون حتى مع أنفسهم في فهم التشريع.. لذا يجب ان تكون حرية التعبير عن الرأي وحرية الاعتقاد اختيارية وليست جبرية مقدسة كما يعتقدون.. لذامن أدخل الإسلام بالسيف للشعوب الأخرى ليس مسلماً ولا يحق له مقاتلة الاخرين.. لان الأيمان بالعقيدة حرا لمن يريد.. أما الغزوات القهرية التي سموها بالفتوحات الإسلامية فهي ليست شرعية قانونية.. وأنما اغتصاب القوة للضعفاء.. ومخالفة لقانون السماء.. لأن الإسلام لا يريد كمأً من الناس المغتصبين، لا بل يريد نوعاً ليكون مثالا لعدالة السماء في تطبيق القيم والقوانين.

كل أصحاب الديانات السماوية من الفقهاء ساهموا وبقصد في تخريب القيم الانسانية في العدل والاستقامة القانونية لشعوبهم منذ عهد الرسالات الأولى.. ولا زالوا يتعمدون الحروب والأغتصاب ونظريات الخطأ، وفقدان الحقوق والقانون. ويقف المسلمون في المقدمة، حين أغتصبوا حقوق شعوبهم بأسم المقدس الوهمي.ونسئل ماذا اضاف الإسلام للعرب..؟ قولوها بالأرقام ان كنتم شجعانا مؤمنين؟ أنا أقولها ولا شيء، بل خسرنا بإسلامكم الوهمي كل شيء وخاصة في عدالة القانون. بعد ان انحرف المدعون عن الامة.. حين اهملوا الشورى وأحلوا العصبية واللاقانون.. فالإسلام لا يؤمن بالردة والغزوات والأعتداءعلى الاخرين بأسم الدين. والكثير من الآيات القرآنية التي وضعودها بهذا الخصوص كانت مزورة لا اصل لها في الكتاب المقدس الذي يعتمد العدل واستقامة القانون. كما في حقوق المرأة وقتل المرتد ومشاركة ولي الامر مع الله في الطاعة والقانون. كلها أقاويل حولوها للمقدس حتى اصبحت خطئاً من القوانين. واليوم لدينا 26 مصحفا مختلفا في النص والمعنى. دون تحقيق

الاوربيون استطاعوا تلافي الاخطاء الزمنية الماضية بفصل الدين عن السياسة وأحلال الدولة القانونية وحفظ الحقوق والمساوات بين مواطنيها وأن أختلفت الأناجيل، لذا تقدمت الدولة.بعد ان اصبحت القيادة الدينية محصورة في الفاتيكان.وحكم الدولة للمواطنين بالانتخاب وشورى الرأي دو أكراه الأخرين.

مع الاسف امة الإسلام فشلت في هذا الجانب حين بقي الفقية والنص الديني المتطرف والمسجد والخطيب الجاهل المتعصب يتحكم في عقول الناس وأحكام التباعد المذهبي بينهم.. من هنا بقيت الشعوب الإسلامية في حالة التخلف الأنساني والقانوني.. وضياع الحقوق.. والكراهية بينهم مذهبياً.. دون تأصيل.

محمد الرسول ما جاء ليحكم دولة، بل جاء لنشر مبادىء العدالة والاستقامة فاقر بوثيقته الحقوق والقانون. لكن من جاؤا من بعده ابتعدوا عن الاساس.بضرب الشورى وعدم الالتزام بما جاءت به الوثيقة الممثلة للعدل والأستقامة.. ولكن خوفا من ان ينهاهم عن التقصير قتلوه بالسُم وثبتوا هذا الانحراف كقاعدة دينية بعد وفاته مباشرة في الانتخاب المزور والتوصية الفردية للقادمين دون دليل.. حتى استمرالحكم عند الامويين والعباسيين حكما عضوضا دون ثبت. وفي العصرين البويهي والسلجوقي -334-447 للهجرة – تغيرت مفاهيم الإسلام وتحولت الى قوانين الفقهاء الخارجين عن إسلام محمد الصحيح. من امثال الكليني وابن بابوية والماوردي والغزالي وأبن تيمية وغيرهم كثير.

من هنا انتهت توجهات محمدالرسول الى توجهات فقهية لا علاقة لها بدينه او مبادئه فكانت فيما بعد مبالغا فيها، ومختلفا تماماً حتى حل فينا إسلام جديد. فهم لم يدركوا فلسفة الحياة الواقعية التي أودعها الله في دين عبادة وجسدتها الكتب والوثائق .... وهي لا يمكن ان يسلم من الآذى الرباني كل من خان أمانة الوطن، وقتل النفس البريئة، وسرق أموال الناس، بعد تأديته ألقسم واليمين، لأن القسم مقدس لا يجوز أختراقه.. لذا كل شيء يهون او يمكن التهاون فيه بعد الأعتذار الا الخيانة بعد اليمين.وكل من يحكمون اليوم في دولة الإسلام ينطبق عليهم حق القصاص المدون في الوثيقة.. فهم والإسلام على طرفي نقيض.. حتى استخرجوا لنا أفتراءاتهم مثل ما يقولون ان كل من يذهب للحج يعفى من التقصير. لذل فهذه جريمة بحق الدين.

من يتعرض لدراسة وثيقة المدينة دستور المسلمين الأصل، لابد ان يوطن نفسه على مواجهة حشد كبير من المشاكل والصعوبات قبل ان ينتهي الى رأي معين يمكن الأعتماد عليه.شانه في ذلك شأن كل الموضوعات الخاصة في الدولة الإسلامية على مدى تاريخها.. لان هذه الدولة وكل ما يتصل بها، وما وقع للمسلمين خلال مدة حكمها يتعذر على الدارس ان يقول قولا ثابتا فيها. بعد ان حول الفقهاء ومؤرخي السلطة ما ورد في دستورها (وثيقة المدينة).. الى مغايرة لما جاء فيها، تمهيدا لانشاء دولة السلطة العضوض وليست دولة القانون.. لذا فإسلامنا الحالي متناقضاً مع إسلام الوثيقة.. لابل ليس منها.

بعد المؤامرة على الرسول وقتله بالسُم سنة 11 للهجرة، أحلت اللاشرعية (حروب الردة) من أرتد فأقتلوه، نظرية لا أصل لها في الوثيقة بل الشورى والأختيار، فالدين قناعة وليس أجبار. والغزو الخارجي الذي سموه باطلا (بالفتوح الإسلامية) أغتصاب للحقوق الشرعية، والحروب بين بني هاشم وبني أمية تحول على المصالح الشخصية.. وفي النهاية الى دين سلطة فحل عصر الضعف والاضمحلال ونهاية عصر المسلمين.. حتى اصبح النص الديني لا يشكل المعيار الوحيد للسلوك السياسي في التطبيق.

هنا تعثر إسلام محمد الرسول حبن أسس نهجا واقعياً للحياة يقوم على الواقعية وليس على التصورات الخيالية ليواجه صعاب الحياة وكيفة صيانة حقوق الناس -العدل والاستقامة- الأية 151 الانعام والاية 16 من سورة الجن.. كونه نظرية عقلية قائمةعلى العدل والاستقامة وليس على العاطفة والاقاربية كما كانت حياة العرب قبل الإسلام ونظرية الفقيه المخترعة من عام 1829 من الشيخ النراقي المعززة من الشيخ الكوراني حتى جاء الخميني عام 1979ليحولها الى امامة الفقيه او المرشد العام. باعتبارها نظرية قائمة على نظرية المهدي المنتظر الغائب الوَهَم..

ونظرين الملك العضوض عند الامويين والعباسيين القائمة على العصبية القبلية ومنهما تولدت المذهبية الباطلة المنسوبة لحكم الغيب دون ثبت.. فكانت فلسفة الامام المهدي الغائب واخر الزمان ما هي الا وَهَم.. ومخترع.. هنا مات الإسلام الحقيقي ليحل محله إسلام الشعائر الوهمية المقدسة لاغير. كشعائر الدعاء والحج لغسل الذنوب والخمس لنهب الاموال وشعار المهدي لاحلال العدالة المطلقة.. وشعار أهل البيت المقدسين الى أخر الزمان.. كلها وهميات.. من اختراع فقهاء البويهيين.. بلا دليل.

قامت نظريةالوثيقة (دستور المسلمين الي كتبها الرسول بيدية حكما صالحا لتغيير حكم الحالة السياسية لعرب قبل الإسلام الى حالة دستورية ثابته قائمة على القانون. فالعرب حكموا بتنظيمات عرفية شابهاالنقص في القانون لكونهم قبليين يحكمون بالعصبية لا بالقانون هنا مثلوا نهجا غير اقعي للحياة يقوم على تصورات خيالية جامدة، بل يقوم على اسس قبلي متعصب لمواجهة صعاب الحياة أمام الناس ففشلوا في كيفية حلها جذرياً بنظرية عقلية وليست عاطفية قائمة على الأعتدال دون تمييز.. بين الناس.

هنا جاءت الوثيقة كحل لأزمة أمة تعاني من الخطأ القانوني في التطبيق.. فالوثيقة نادت بوحدة الامة التي لا اختلاف بينها. متساوية في الحقوق والواجبات، وتحريم الاقتتال بين المسلمين، القيادة للأكفىء، والقانون هو الذي يفصل بن المتخاصمين وليس القبيلة او العشيرة او المذهب المخترع منهم، فلامكان لهما في فصل الخلافات المتعفنة بينهم.. والمرأة والرجل لهم نفس الحقوق الحقوق بموجب الحالة المعروضة على القانون ولا تهاون في التطبيق (أنظر جواد علي في المفصل). فالعقيدة الدينية موحدة دون تفريق. والقرآن يقول في سورة النساء آية 1 أناخلقناكم من نفسٍ واحدةٍ.. دون تفريق.

لذا اعتبرت الوثيقة تتضمن المبادىء القانونية.. في الحريةالتامة للمعتقد دون تفريق.. القائمة في حكم الناس.. عدم انفراد الحاكم في الرأي دون الناس، والقانون هو الذي يضبط سلوك الحاكم والمحكوم معاً حفاظا على الوحدة الداخلية المتمثل بوحدة للمجتمع الإسلامي الجديد فلا مذاهب، ولا ملل، ولا عشائرية، أوقبلية.. لانهاء عصر قبل الإسلام القائم على القبيلية والعنصرية والقوة.

أيها الحاكمون المسلمون الفاشلون المغتصبون للحقوق.. ما قيمة الناس الا في مبادئهم ...

لا المال يبقى ولا الالقاب والرتبٌ

فقيم الحياة في الإسلام.. محمدية مقدسة محمية بالقانون.. لا يحكمها حاكم ظالم.. من أمثالكم..

لذا فالكتلة الساكتة اوجدت تكريسا للنظرية الجبرية والحياد والمقاطعة ومساندة فكر الطاعة الذي يمثل مساندة الباطل. هذا ما جاء به الماوردي (قوة الألزام الفقهي) والغزالي الاعتراف بالسلطة كيفما كانت لان البديل يعني الفوضى وابن تيمية: فصل الدين عن الدولة يعني الفوضى.

اما مرجعية الشيعة (كاظم اليزدي) فقد قالت يجب مسايرة المحتل خوفا من القوة.

لذا ترك الفقهاء مجتمعون نظرية التخريب الديني التي تدعي: ان الغنيمة هي بديلا للسيف، والمداورة بديلا للسياسة، والتبعية بديلا عن المشاركة. هنا انتهت رسالة الإسلام المحمدية الحقيقية.. لتحل رسالة الفقهاء المجزأة لرسالة الإسلام المحمدية.

لذا فالأعتراف بنظرية إسلام الفقهاء.. هو خرقا لنظرية القرآن ووثيقة المدينة المحمدية.

***

د. عبد الجبار العبيدي

 

في المثقف اليوم