قضايا

طبقا لبحث جديد صدر عن جامعة تشارلس دارون الاسترالية أشار الى ان ظهور الذكاء الاصطناعي غيّر الطريقة التي يتفاعل بها الناس لكنه ايضا خلق مخاطر عالمية تهدد كرامة الانسان. المؤلف الدكتورة ماريا راندازو Maria Randazzo من مدرسة القانون في جامعة تشارلس دارون أوضحت بان الذكاء الصناعي يعيد بسرعة صياغة النظم الاخلاقية والقانونية الغربية، غير ان هذا التحول يؤدي الى تآكل المبادئ الديمقراطية وترسيخ اللامساواة الاجتماعية القائمة.

هي لاحظت ان الاطر التنظيمية الحالية عادة تتغاضى عن الحريات وحقوق الانسان الاساسية، بما في ذلك الخصوصية والحماية من التمييز، الاستقلالية الفردية والملكية الفكرية. هذا العجز ناتج بشكل كبير عن الطبيعة المبهمة للعديد من النماذج الخوارزمية التي تجعل من الصعب تعقّب عملياتها.

مشكلة الصندوق الأسود

الباحثة ماريا وصفت هذا النقص في الشفافية بـ "مشكلة الصندوق الاسود"، حيث لاحظت ان القرارات المُنتجة بواسطة التعلّم العميق وانظمة التعلّم الآلي لا يمكن تتبّعها بواسطة البشر. هذه القدرة تجعل من الصعب للافراد فهم ما اذا كان نموذج الذكاء الاصطناعي قد انتهك حقوقهم او كرامتهم وكيف حدث ذلك، وانه يمنعهم من السعي الفعال للعدالة عندما يحدث مثل هذا الانتهاك. الكاتبة وجدت ان الذكاء الصناعي أعاد تشكيل المسرح الاخلاقي والقانوني الغربي بسرعة غير مسبوقة.

"هذه قضية هامة جدا وانها ستصبح أسوأ بدون تنظيم كاف".

"الذكاء الاصطناعي ليس ذكيا ابدا في أي معنى انساني. انه انتصار في الهندسة وليس في السلوك الإدراكي".

"انه ليس لديه فكرة حول ما يقوم به، او لماذا  لا وجود هناك لعملية تفكير كما يفهمها الانسان. هناك فقط تعريف بانماط متجردة من التجسيد والتعاطف والحكمة".

الاتجاهات العالمية لحوكمة الذكاء الاصطناعي

حاليا، تتخذ القوى الرقمية العالمية الثلاث المهيمنة – الولايات المتحدة والصين والاتحاد الاوربي – اتجاهات مختلفة في الذكاء الصناعي، معتمدة حسب التعاقب على نماذج مركزية السوق، ومركزية الدولة، ومركزية الانسان. تقول الباحثة ان نموذج الاتحاد الاوربي في مركزية الانسان هو المسار المفضل لحماية كرامة الانسان، لكن بدون التزام عالمي بهذا الهدف فان هذا الاتجاه سيكون عاجزا.

"عالميا،اذا لم نربط تطور الذكاء الصناعي بما يجعلنا اناسا - قدرتنا على الاختيار، الشعور، التفكير بعناية، بتعاطف ورحمة – سنخاطر بخلق أنظمة تحط من قيمة الانسانية و تقوم بتسطيحها الى مجرد نقاط بيانات بدلا من تحسين ظروف الانسان"، هي تقول "البشرية يجب ان لا تُعامل كوسائل لغاية".

جامعة تشارلس دارون، 1 سبتمبر 2025، وفي الأصل صدرت عن الجمعية الاسترالية لحقوق الانسان تحت عنوان: الكرامة الانسانية في عصر الذكاء الاصطناعي .. بتاريخ 23 ابريل 2025.

***

حاتم حميد محسن

إذا كان للفكر الغنوصي الأثر الأكبر على السياقات الأسطورية الأخلاقية المرغبة في الخير والصدق والمنفرة من الشر والكذب؛ فإننا سوف نحاول تفسير ذلك الترابط بين موطن النفس الأصلي قبل هبوطها من عالم المجرّدات من جهة، والعالم المحسوس والعقل البشري من جهة أخرى وذلك المتمثل في أن هناك قوة غيبية واحدة هي التي فطرت النفس الإنسانية وطبعتها بطابعها؛ فأصبحت النفس العاقلة الحالة في الجسد البشري تشتاق إلى ما كانت عليه في عالم الأخيار واللذائذ الروحيّة.

ولمَّا كان للثقافات السائدة في البيئات المختلفة أثر لا يمكن إغفاله على العقول والمشاعر والسلوك، فقد ساهمت تلك البيئات في تنمية ذلك العشق الفطري لعالم المُثل أو ساهمت في طمسه ومحوه بالتدريج من ذاكرة النفس العاقلة حتى أصبحت نفوس شيطانية في هيئات بشرية.

أمّا النفوس الراقية؛ فقد زاد تعلقها بعالم الربوبية والمُثل فأنتجت العقول الإنسانية حكايات وقصص وملاحم أسطوريّة تحمل ذكرياتها وتعكس أحلامها لتنمي في الأذهان عشقها لهذا العالم فترغبها في الصدق وترهبها من الكذب.

ولعلَّ هذا التفسير يتناسب مع الفكر الهندوسي الذي كان يعتقد وجود عالم للآلهة يرأسه (براهمان) الذي تدين إليه كل الموجودات بالانتماء وذلك بمقتضى القبس المقدّس الحي فيها، وهو المطبوع بطابع ذلك الاله المتفرد في وجوده غير أن الأنفس البشريّة انحرفت عن أصولها وتعلقت بالشهوات واللذات المادية فقام الحكماء (البراهمة) بتذكيرهم عن طريق الأساطير بأن هناك ثواب وعقاب للأنفس البشرية وهناك أيضًا دروب ونهوج للتوبة والخلاص من ذلك الدنس يبدأ بالتراتيل الصادقة لأعلان التوبة ثم الرياضات الروحيّة العازفة تمامًا عن الكذب أو عشق المادة أو الاعتداء على إحدى الموجودات التي تحوي قبسًا ربوبيًا حتى يتم الخلاص من عجلة الميلاد (وقانون الكارما وتناسخ الأرواح)؛ حيث ترتفع النفوس الراقية إلى عالم الربوبية (والنرفانا والاستنارة عند بوذا وتلاميذه أي السعادة الأبديّة)؛ وذلك نظير صدقها وإخلاصها في العبادة في حين تستنسخ النفوس الشريرة وتحل في أبدان موجودات أدنى (حيوانات شرسة أو حشرات مؤذية أو حيات سامّة أو شياطين تحترق وتتعذب إلى ما لا نهاية) وذلك جزاءً عادلًا لما ارتكبته من شرور وعلى رأسها الكذب والخيانة والسير في ركاب الباطل والخداع.

وقد طور البوذيون والجينيون (أصحاب الديانة الجينية)  ذلك النسيج الأسطوري فجعلوا الصدق مع الذات أولى خطوات النجاة والخلاص من عذابات الكارما والتناسخ، وربطوا بين الأفعال الخيّرة والسلوك القويم والوصول إلى النرفانا والسعادة الأبديّة وذلك بمقتضى ابتعادهم عن النفاق والخيانة والفحش والمراوغة والكيد والتلاعب بالعقول والإيقاع بين الناس وتزيف الحقائق، وغير ذلك من منتجات الكذب التي تنتمي للشرور الشيطانيّة.

وعلى مقربة من الفكر الهندوسي نجد الفكر الصيني والعقلانية الواقعية فعلى الرغم من عدم وجود أساطير في نسقهم التربوي تتحدث عن الفكر الغنوصي والعالم الغيبي إلا أنهم قد ابتدعوا (قانون الطاو) الذي يقضى بالجزاء من جنس العمل؛ فالصادق سوف يسعد بصدقه ويكافئ في حياته بانتصاره للحق ودفاعه عن العدالة في حين يعاني الأشرار من فرط القلق والخوف والارتياب في كل شيء فأذهانهم تكفر باليقين وتمضي شاكة في كل شيء لا تستطيع التمييز بين النافع أو الضار.

وقد صيغ النسيج الأسطوري في الفلسفة الطاوية على نحو يحبب الناس في الصدق ويحذرهم من دنس الكذب مثل كتاب (طاو تي تشينغ) وأسطورة (وووي) وثنائية (يين ويانغ) وأسطورة (زيران) وغيرها من الأساطير الحاوية للقيم التي يحبها ويكرهها الطاو فهو المبدأ الأول العادل الذي يسير الأقدار والمقادير.

فاذا كان الصدق يمثل التناغم للفطرة الإنسانية والانسجام الذاتي للسلوك البشري في النسيج الأسطوري الطاوي (وووي) الذي يؤدي إلى صلاح الكون؛ فإن الكذب يعد آلية الهدم وعلة كل الشرور والمُحرض الأول لجنوح الموجودات عن نظامها وجموحهم ونشاذهم عن التناغم الطاوي.

وقد طور كونفوشيوس ذلك النسيج الأسطوري وجعله أكثر عقلانيّة وواقعية يقوده الضمير الإنساني والعقول الراجحة التي تستطيع تهذيب السلوك البشري عن طريق الحوار والتربية والتعلم والتثقيف والتنوير الذي لا يخلو من وعد ووعيد المؤدب الغيور على العدالة والأخلاق الحاكمة للمجتمع كما يرد إلى كونفوشيوس القاعدة الذهبية للخُلق المستقيم ألا وهي أن الفضيلة وسط محمود بين رذيلتين كلاهما ممقوت ومكروه. فجعل الصدق على رأس كل الفضائل؛ لأنه صوت العقل وبصيرة الضمير. فالصدق يقبع في يمينه الإسراف في المدح والفناء في الحب وإخفاء النقائص رغم وجودها. ويقف على يسار الصدق الكذب والمداهنة والنفاق والخيانة وطمس الحقائق والوقائع لإضلال من يستجيبوا لغاوياته.

وعلى الرغم من عزوف كونفوشيوس عن الرؤى الأسطورية وتفضيله الحديث عن الضمير والعدالة والوسط الذهبي للأخلاق الفاضلة على الحكايات الأسطوريّة، فإن أحاديثه للشباب في محاوراته التثقيفية لم تخل من قصص الأبطال والحكماء والقادة مثل (هوانغ دي) وأساطير الخلق مثل (بانغو ونووا) بالإضافة إلى قصص أبطال مثل (دايو) الذين حكموا ضمائرهم وانقادوا إلى عقولهم وانضوا تحت مظلة الوسط الذهبي في سلوكهم واختياراتهم في تسيس أنفسهم من جهة، والعمل الجاد من أجل رفعة مجتمعهم من جهة أخرى.

أمّا سقراط فعلى الرغم من تعلقه بالفكر الغنوصي وحديث الكاهنة بيثيا (الجالسة في معبد أبولو في دلفي) التي أخبرته بأنه نبيُّ مرسل من عالم الربوبية والتوحيد الناطق بلسان الصدق والثائر على أباطيل الكاذبين والمتلاعبين بالعقول إلا أنه كان لا يبرح ترديده لمقولته الشهيرة (أعرف نفسك بنفسك) وكن صادقًا ولا تصغي لمن يصفوك بما ليس فيك؛ لأنهم يخدعونك وينافقونك بأكاذيبهم وجعل هذا القول هو بداية حملته على الكذابين وفاتحة رسالته لترغيب الناس في الحكمة الصادقة والعقل المنزَّه عن المنافع والنفس النقية الكارهة لكل ألوان الرذائل وأشكالها وأفعالها.

ورغم مغالاته في تقبيح الكذب، وإن كان مقصده مغاير لطبيعته؛ فإنه قد خالف هذا المبدأ الذي اشترطه على نفسه في واقعتين أولهما : خضوعه وانصياعه لحكم قضاته مع تيقنه من كذبهم، وأن جل ادعاءاتهم يفوح منها روائح الإفك والتآمر والكراهية والحسد وثانيهما: أنه أوصى تلاميذه قبيل تجرعه للسم أن يوفوا نذرًا عليه قد وهبه لمعبود مدينته وذلك رغم تأكده من ضلال وفساد هذا المعتقد.

وتبدو عبقرية سقراط في أثر شذراته وحكمه التي انصهرت في أفكار تلاميذه وجعلت منه أنموذجًا حيًا تضرب به الأمثال على ضرورة صدق الأنا مع ذاتها باعتبار هذا المبدأ أقوى الآليات لمدافعة الكذب ونقض أباطيله.

أمّا أفلاطون فقد ربط بين خداع الحواس والكذب من جهة والضلالات التي تطمس الحقائق تحت ستار الأوهام من جهة أخري وذلك في أسطورته الشهيرة (الكهف) تلك التي جعل فيها الصدق تاجً للعقول التي تطمح لإدراك الحقائق. وتأكيده على أن مثال المُثل والخير الأعلى الذي يوصف بالكمال والجلال والجمال يضع على رأس الفضائل التي تطوف من حوله فضيلة الصدق الذي يمكن النفس البشرية من إدراك مثال العدالة والعشق الأسمى، ويطهر النفس من كل الشهوات الحسية التي تحول بينها وبين الجنس الذهبي الذي لا يدانيه شيء ولا يستطيع الكذب الاقتراب من ذهنه أو لسانه أو مشاعره.

ولا يؤخذ على أفلاطون البحث عن موطن الجمال والخير بين مواقع القبح ومواطن الشر ولاسيما إذا كان ذلك الشر (عرضاً لا يصيب جوهر الأشياء بعطب) بل يمنع المخاطر ويزيل الأزمات في أمور محدودة.

ولعل أرسطو عندما جعل الصداقة أرفع وأنبل المشاعر التي تعمل على ترقية الأنفس البشرية؛ فإنه قد أراد بذلك التأكيد على أن حركة الأشياء لا تستطيع أن تنحرف بعشقها إلى شيء آخر - دون رغبة منها إذا أرادت الحياة المستقيمة - سوى الإله الصادق دومًا لأنه مجرد عن المادة فهو صورة خالصة لا يعنى إلا بالمجردات وهو الفاعل الحقيقي غير المنفعل والمحرك الأول لهذا العالم دون أن يتحرك ولا تغريه اللذائذ المادية فيسقط من سموه ومكانته العالية.

ولعلّ هذا التصور للعقل الربوبي هو الذي جعله يبيح الإفراط في عشق وإجلال وإكبار من يستحق هذه المبالغات التي تعادل الإفراط في قدح الكذب بكل أشكاله الضارة الفاسدة ولعل هذا التصور نقيض (الهيولى التي تحول بنيتها العاجزة عن بلوغ الوجود الحقيقي شأن الكذب) و(صورة خالصة يمثلها الإله، ومادة قح تمثلها الهيولى)

وللحديث بقيّة عن تلك الغرابيل التي صنعها حكماء الشرق وفلاسفة اليونان لتخليص الموروث الثقافي من الأوهام الكاذبة؛ معولين في ذلك على التصورات العقلية التي نسبوها إلى المعرفة الربوبية في النسيج الأسطوري تارة أو سبيل الرشاد والاستقامة والاستنارة في طلب القيم الضامنة للأمن والسعادة الأرضية والعدالة والمساواة تارة أخرى .. تلك التي تنمي عواطف الألفة والمحبّة بين الناس بمعزل عن الصراعات والأحقاد التي تولدها الأوهام التي يخترعها الكذب. وسوف نكشف كذلك عن مدى دقة ومتانة وقوة تلك الغرابيل (حريرية ناعمة أو معدنية ذات ثقوب حادة تحول بين النافع والفاسد غير المرغوب فيه) خلال عملية تنقية وتطهير الأذهان والمشاعر؛ بل والحواس أيضًا من أقنعة الكذب ومكائده وحيله التي كان يخطط لها الشيطان لإضلال الأنفس البشرية.

***

بقلم: د. عصمت نصّار

(تعدد الوقائع ووحدة الحكم الفقهي)

الأصل في الفقه الإسلامي أنّ لكل واقعة حكمها، أي أنّ الحكم الشرعي يُستنبط بناءً على خصوصيات الواقعة وظروفها وملابساتها (كما يفترض). لكن عند التطبيق العملي نرى أن الفقهاء كثيرًا ما يلجأون إلى تعميم حكم واحد على وقائع متعددة لا يجمعها سوى الاشتراك في الإسم أو الوصف اللفظي، من دون التمييز الكافي بين حيثياتها الاجتماعية والتاريخية (كما أرى ذلك، وطبعا رأيي قابل للخطأ) .

ويمكن ملاحظة ذلك كما يأتي:

- وحدة الحكم بسبب الإشتراك اللفظي

يظهر هذا -مثلا - في باب النكاح: فالزوجة في النصوص القديمة كانت تعيش في سياق اجتماعي مختلف، حيث العبودية قائمة، والخدمة في البيوت تُؤدى من الإماء والعبيد، بينما الزوجة لها وظيفة اجتماعية محددة (الإنجاب، العلاقة العاطفية، السكن)، اليوم تغيّر السياق جذريًا، فلم تعد هناك إماء يخدمن في البيوت، وصارت الاعمال المنزلية ورعاية الأطفال مهام غير مدفوعة الأجر، تتحملها الزوجة المعاصرة. إضافة إلى ذلك، كثير من الزوجات يشاركن في سوق العمل، فيتحملن عبئًا مضاعفًا.

ومع ذلك ظلّ الحكم الفقهي ثابتًا: للزوج “القِوامة”، وللزوجة “الطاعة”، ولا نصّ صريح يعترف بعملها المنزلي كحق مالي أو امتياز إضافي، حين صار عملها لابديل عنه.

- إشكالية الجمود الفقهي:

هذا التعميم يعني أنّ بعض الفقه التقليدي لم يُفرّق بين الزوجة في عصر العبودية حيث كانت خفيفة الأعباء المنزلية لوجود الإماء.و الزوجة المعاصرة التي تتحمل عبئًا أساسيًا في البيت وفي العمل العام.

لكن لأن اللفظ بقي نفسه "زوجة" انسحب عليه الحكم ذاته دون مراعاة لتغيّر الواقع. وهنا يظهر أن الفقه كما لو كان لم يلتزم بمبدئه الأولي (لكل واقعة حكم) بل اعتمد مبدأ آخر غير معلن: "لكل لفظ حكم"، مهما اختلفت الوقائع التي يقع عليها هذا اللفظ.

وعلى هذا فأن النتائج التي يمكن ان تترتب على ذلك:

- تُعامل المرأة في الفقه كما لو كانت كيانًا ثابتًا عبر العصور، بلا تغير في أدوارها الاجتماعية والاقتصادية.

- أن بقاء الحكم كما هو يعكس منطق الشكليّة الفقهية التي تقدّم اللفظ على الواقع.

- يترتب على ذلك نوع من الظلم: فالزوجة التي تعمل بلا مقابل داخل البيت لا تحصل على أي امتياز فقهي أو حقوق إضافية، لأن الحكم صيغ لواقع مغاير تمامًا.

ومثال آخر يمكن به معرفة الطريقة التي يعمل عليها الفقهاء هو مفهوم الربا المحرم وهو أخذ الزيادة في القرض،

و حين ظهر النظام المصرفي الحديث (البنوك والفوائد) قاس الفقهاء "الفائدة البنكية" على “ربا القرض القديم”، باعتبار أنّ اللفظ واحد (زيادة مشروطة على القرض).

ولم يتم التمييز بين السياقين، بل طبّقوا الحكم ذاته اعتمادًا على وحدة اللفظ "ربا" وتم تجاهل اختلاف الوظائف الاقتصادية والاجتماعية. فالربا القديم كان استغلالًا للفقراء الذين يأخذون القرض لغرض المعيشة، بينما الفائدة المصرفية الحديثة تدخل في إطار آليات التمويل والاستثمار.

ولذا ينبغي إعادة التفكير في:

- إعادة تعريف الواقعة الفقهية (تشخيص الموضوعات) لا على أساس اللفظ (زوجة، عبد، أمة) بل على أساس طبيعة الأدوار والوظائف الاجتماعية.

-  فتح المجال لاجتهاد جديد يرى أنّ تغيّر الظروف يقتضي تغيّر الحكم أو على الأقل تعديل تطبيقه.

- إدخال مفاهيم مثل العدالة، وتقويم العمل غير مدفوع الأجر في البناء الفقهي والذي لابديل عنه في الوقت الراهن لاعطاء أمتيازات معينة.

بهذا المعنى يمكن القول إنّ اغلبية الفقهاء لم يلتزموا بمبدأ " لكل واقعة حكم " بل تعاملوا وكأن لكل ألف واقعة حكم واحد، إذا تشابهت بالاسم، حتى لو اختلفت بالجوهر.

***

د. بتول فاروق - النجف

١٢/ ٩ / ٢٠٢٥

 

الزمن ليس مجرد مقياس لحركة العقارب أو مرور الساعات؛ بل هو عنصر فاعل في تشكيل الحياة، يعكس أبعادًا اجتماعية وثقافية تختلف في إدراكها من مجتمع لآخر. فهو يملك القوة التي تدفع المجتمعات نحو التقدم أو التراجع، حسب كيفية توظيفه وفهمه وأدواته الخاصة التي يفرضها علينا.

إن البعد الاجتماعي والثقافي للزمن هو بعد نسبي، فثمة مجتمعات تُعنى بتفاصيله وتمنحه قيمة في كل نشاط، وأخرى تفتقر إلى أدوات التعامل معه. ومن هنا، يمكننا أن نطلق على هذا التعقيد في مفهوم الزمن اسم "ترسانة الزمن"، إذ إنها تحمل في داخلها مفاهيم غير واضحة تتطلب مجهودًا لفهمها وتفكيكها. بمعنى آخر، الزمن هو قوة وذخيرة من الأدوات التي تشكل وعينا بذواتنا وثقافتنا، فهو ليس مجرد مرور لحظات، بل هو معرفة متجددة تحتاج إلى فهم مستمر، ومحاكاة دقيقة لطبيعة وجودنا، يؤثر في حياتنا ويعيد تشكيل وعينا بها. وتختلف مفاهيم الزمن باختلاف الفترات التاريخية؛ فالمفاهيم الزمنية التي صلحت في الماضي لم تعد تصلح بالضرورة في الحاضر، إذ إن الثقافات تتغير، يواكبها تغير في إدراك الزمن، وفي أنماط التفكير والسلوك الفردي.

في نهاية المطاف، المجتمع هو الذي ينتج تصوره الخاص للزمن، ويمنحه قدسية لا تسمح بانتهاكه، ويُنظر إلى احترام الزمن كمؤشر على وعي حضاري. فالمؤسسات التي تُقدّر قيمة الزمن تحقق إنتاجية واضحة ضمن أطر زمنية محددة، وتدرك أن الزمن وسيلة لضبط النفس أولًا وتنظيم الحياة ثانيًا. لكن في المقابل، تواجه مجتمعاتنا تحديًا حقيقيًا في تعاملها مع الزمن، حيث تغلب النزعة إلى العودة للماضي والغوص فيه، مما يُضعف الحاضر ويؤخر التقدم. ونلاحظ بوضوح في ثقافتنا افتتانًا بالماضي تحت مسمى "الزمن الجميل"، في الوقت الذي لا ننجز فيه حاضرًا يستحق أن يُصنَّف كزمن جميل لاحقًا.

ثقافة "النوستالجيا" (الحنين إلى الماضي) هي سمة بارزة في مجتمعاتنا. وغالبًا ما تعكس هذه الثقافة غياب القدرة على التعامل مع الحاضر، وافتقارًا لتصور مستقبلي واضح. فنحن لا نستطيع غالبًا أن نقسّم وقتنا بوضوح بين العمل، والنوم، والغذاء، والراحة، بل نعيش حياة يومية رتيبة، تتكرر فيها الطقوس لنمنح لحياتنا معنى مؤقتًا. وتتجلى في سردياتنا الاجتماعية والثقافية قيمة "الانتظار والتأجيل"، فالحياة اليومية مليئة بمشاهد الانتظار: انتظار الوظيفة، والاستقرار، والمستقبل الأفضل، وما إلى ذلك. كما أن للموروث الديني دورًا في تشكيل إدراكنا الزمني، حيث يرتبط الزمن بالقدر والمشيئة، مما يعزز ثقافة الترقب بدلاً من ثقافة الإنجاز.

وفي جانب آخر، يظهر الخوف من المستقبل بوصفه قلقًا جماعيًا. ويتسلل هذا الخوف حتى إلى لغتنا اليومية، فنقول أثناء المزاح "ضحكة خير إن شاء الله"، في دلالة على اللايقين بما سيأتي. وهذه المفارقة تعبّر عن تعاملنا مع الزمن، مما يولّد نوعًا من العبثية في إدراكنا له.

جاءت التكنولوجيا فأحدثت قطيعة مع إدراك الزمن التقليدي، لتقودنا في زمن السرعة المتسارع، حيث تصبح معلومة اليوم من الماضي في الغد، إذا لم نتمكن من استثمارها وتوظيفها. فالعالم يسير اليوم في خط مستقيم متقدم، لا يلتفت إلى الوراء، بل يسعى إلى الإنجاز في زمن السرعة. ولهذا، يتغير الناس وتُختصر الأيام، ويغدو اليوم ماضٍ لا قيمة له إن لم يُثمر شيئًا. تسحب وسائل التواصل الاجتماعي منّا الزمن بطريقة خفية وبصمتٍ ودهاء، فتستهلك ساعات من يومنا دون أن نشعر، وتحوّل الزمن إلى متعة وقتية سطحية سرعان ما تتلاشى، مما يرسّخ شعور الهدر الزمني. وفي النهاية، نُدرك أن الزمن قد انقضى دون جدوى، وكأننا نستهلك رصيد عمرنا دون أن نحقق أي إنجاز يُذكر. لقد أصبح العبث بالزمن سمة متغلغلة في تفكيرنا وفي تفاصيل حياتنا اليومية. غير أن الزمن، في حقيقته، ليس مجرد وسيلة لتنظيم المهام، بل هو حامل لدلالات وجودية عميقة، تتوقف عليها معاني الحياة كافة.

في السياق العراقي، تركت الحروب والنزاعات آثارًا عميقة على إدراك الزمن، وخلقت فجوة بين الماضي والحاضر، مما أدى إلى نوع من القطيعة الزمنية. وهذه الأزمة تحتاج إلى مؤسسات تمتلك القدرة على إعادة تنظيم الإيقاع التنموي للزمن، فضعف المؤسسات يُفقد الفرد ثقته بالزمن وجدوى انتظاره. ويكفي أن يُطلب من المواطن "إنجاز معاملة" ليكتشف كم من الوقت سيُهدر. المنظومة الثقافية إذًا، هي التي تحدد كيف يُدرك الزمن، وتوجّه سلوك الأفراد في الحياة اليومية، بحسب اللغة المتداولة والقيم الاجتماعية المرتبطة بالوقت. نحن لا نمتلك بعدُ "ثقافة الزمن"، بل نعيش وفق "قدرية الزمن" المتوارثة في مجتمعات الأزمات والحروب والمعاناة.

ينبغي علينا أن نعيد النظر إلى الزمن بوصفه عنصرًا ميكانيكيًا في بناء الحياة، فهو يستقر في جوف المعنى، ويُشكل وعينا بأنفسنا. إذ لا يمكن للإنسان أن يصوغ معنى لوجوده من دون إطار زمني. فالأفراد يروون قصصهم داخل الزمن، ويمنحون أحداثهم معناها من خلال ترتيبها الزمني. الزمن هو الذي يصنع الوجود، وحين يفقد معناه يصبح مجرد عبور بلا غاية، فتتحول الحياة إلى نمط بلا وعي، وهو مؤشر على أزمة وجودية عميقة. في المجتمعات المضطربة، يتحول الزمن إلى دائرة من الانتظار والتكرار والجمود، ويغيب الأمل، فتُقدّس لحظات الماضي على حساب الحاضر والمستقبل.

وتعزيز إدراكنا للزمن يمر عبر إعطائه قيمة حقيقية في تفاصيل حياتنا. بمعنى آخر، يشعر الإنسان أحيانًا بأن الزمن يمر دون أن يستخدمه بشكل فعّال، فيغدو عبئًا وجوديًا أو فراغًا لا معنى له، مما يسبب إحساسًا بالضياع أو الفراغ الوجودي. وحين نبدأ بالتفكير بالمستقبل كأفق للأمل لا الخوف، ونتعامل مع الزمن بوصفه وسيلة لتحقيق الأهداف لا لتأجيلها، ونتجاوز تقديس الماضي إلى مراجعته نقديًا، عندها فقط نستعيد إنسانيتنا ونؤسس لوجود إنساني فاعل.

لذلك، في واقعنا الحالي، نعيش حالة من الاضطراب في إدراك الزمن، حيث يؤدي هذا الإدراك المشوش إلى شعور بعبثية الوقت؛ فالزمن يمر دون أن نحقّق إنجازات أو نمنح حياتنا معنى حقيقيًا. وتتفاقم هذه المشكلة بسبب عوامل عدة، منها ضعف المؤسسات، وتأثير الحروب والنزاعات، بالإضافة إلى ضعف الثقافة الزمنية التي تجعلنا نعيش في قدرية موروثة بلا سيطرة فعلية. يمكن مواجهة عبثية الزمن وإعادة تنظيمه من خلال التركيز على الفعالية، والإنتاجية، والتخطيط، وإعادة المعنى للحياة وتنظيمها وفق أهداف واضحة، عبر المشاركة الاجتماعية، وتنشيط الفنون والأعمال، وبعث الحيوية في الأفعال اليومية.

ولذلك، يتطلب الأمر من المؤسسات التربوية والتعليمية أن تضع مفهوم الوقت ضمن منظومتها القيمية، فتُعلّم الأجيال أن الزمن ليس شيئًا يُهدر، بل قيمة أساسية تُبنى عليها الحياة. فالزمن يصنع وجودنا ووعينا، والمعنى هو ما يمنح هذا الوجود بُعده الإنساني ويجعلنا ندرك أنفسنا داخل الزمن لا خارجه.

***

د. نور خالد علي/ باحثة وأكاديمية

الحوارات القيّمة هي تلك المؤسَّسة على قواعد صحيّة تكفل كفاءة مخرجاتها المنشودة منها، وحُقّ لها - بالحدّ الذي هذه أبعاده - أن تنتصب واحدةً من أرقى مظاهر الإنسانية؛ فالمجتمعات التي توفر البيئة الملائمة لتزدهر فيها الحوارات القيّمة بحرية واطمئنان، وتنضح فرائد وفوائد، تَشِي بقدر كبير من المستوى العالي للأسلوب الحضاري بين أفرادها، وتعكس حالة نضوج لا يمكن نكرانُها أو إشاحة النظر عنها، وهي كذلك - أي الحوارات القيّمة - منبع رَقْراق لا ينضَب لتلاقح الأفكار بعضها ببعض؛ فكم مِن فكرة استثنائية غيّرت وجه العالَم استُلهِمت في خضمّ حوار قيّم، فالحوارات القيّمة تعكس طبيعة الوعي، كما أنّها ولّادةٌ لأفكار جامحة بديعة، تتناسل من سِنْخ العمق.

ولأنّ الحوارَ مثلُه مثل أي تفاعل إنساني آخر، فمن الطبيعي أن تشوبه مكدّرات تجفف مواطن سيرورته، وتُحوّله إلى مِبْضَع يوْدي للهلاك بعد أن كان يُنتظر منه أن يكون جزءا من عملية جراحية تُجرى للإنقاذ، ومن هذه الأسباب التي تَعُوْق الحوار وتكدّره ما هو بَيّنٌ جَلِيّ، تدركه الأغلبية، ومنها ما هو غامض خفيّ، عصيٌ إلا على العقول الفاحصة، ومن أمثلة هذه الأخيرة إهمال تحديد المفهوم في بداية الحوار.

وما أعنيه بتحديد المفهوم هو إدلاء كل طرف بمقصوده من المفهوم أو المفاهيم التي يدور عليها رحى الحوار قبل بدئه، فيكون أُسًّا تُشيَّد أركان الحوار عليه، وقبل ما يقرب من خمسة وعشرين قرنا انتبه لهذه اللفتة الخفية سُقراط - فيما خفيت على كثير من أناسيّ اليوم - إذْ تُنسب له مقولة: "بداية الحكمة هي تحديد المصطلحات" ومن شأن هذه البداية الحازمة أن تضبط اتجاهات الحوار، وتَئِدَ جُملةً واسعة من احتمالات المِراء والسجال الذي يوغر الصدور، فلا يُجَرّ الحوار إلى جانبٍ يبدي رأيه، وآخر يرد على رأي آخر تماما! مع الانتباه إلى أنّها شَكلا مغالطة منطقية يلوذ إليها البعض تعمّدا؛ قصد التشويه، ويُطلق عليها: مغالطة رجل القش (Straw Man Fallacy) وفحواها تشويه متعمّد لحجة الطرف المقابل، وذلك بتحويلها لمعنى آخر هزيل، ثم الرد على هذا المعنى الجديد وليس على المعنى الحقيقي الذي طرحه الطرف المقابل، فيأتي أحدهم مثلا يناشد بالدعم لقطاع المسرح في منطقة ما، فيرد عليه ثانٍ؛ بُغية التدليس على المستمعين أو القرّاء: أتطالب بأن ندعم أفكارا دخيلة؟، فالمحور الذي تدور حوله مناشدة الأول هو المسرح - كما هو واضح - في حين أقحم الثاني مفهوم الأفكار الدخيلة لتحلّ محلّ مفهوم المسرح؛ لتأليب الرأي العام ضده، وفي مثل هذه الحالات بدل الانجرار وراء الرد على تهمة الثاني، ينبغي العَود إلى مفهوم المسرح، والتأكيد على حدود المفهوم، وبذلك يدفع الأول عن نفسه ما يحاول الثاني إلْصاقَه به.

ومن المفارقات العجيبة الناجمة من تجاوز تحديد المفهوم وعدم إيلائه الاهتمام الجاد المستحقّ، والولوج رأسا إلى لُبّ الموضوع هو ما يبدو للناظر من اختلاف ظاهر بين المتحاورين مع أنهما متفقان أساسا في الجوهر! ومثال ذلك، فتاة تقول لصديقتها: (الحرية أهم حق إنساني بالحياة) فتردّ الأخرى عليها: (غير صحيح بالمرّة؛ فالحرية تقود للفوضى) ولتجنب الوقوع في فخّ الجدل الذي لا طائل من ورائه رغم الاتفاق، كان يتوجّب على الصديقتين قبل كل شيء أنْ يضبطا حدود المصطلح، ويحددا مقصودَ كلٍ منهما بالحرية، فلو فعلتا لَما انحرف الحوار لمسار عقيم يظهر الاتفاق افتراقا والتوافق اختلافا، فالأُولى كانت تعني بمفهوم الحريةِ الحريةَ الشخصية، بينما الثانية كانت تقصد بها الحرية المنفلتة من كل الحدود، وشتّان بين المفهومين ولو كان اللفظ واحدا، وهذه دقيقة لغوية قَلّ من يتنبّه لما تخلّفه وراءها من جحيم إن لم يُتدارك ككرة الثلج المتضخمة تماما، وإن شئت فقُل كالنظرية الفيزيائية تأثير الفراشة (Butterfly Effect) فخطوة صغيرة مغلوطة قد تُحْدِثُ إعصارا لا يذَر شيئا إلا أهلكه، على أن موضوع الارتدادات الواقعية لاتحاد اللفظ مع اختلاف المعنى يستحق إفراده في مقال لوحده.

وعند التفتيش عن جذور التناوش في مواقع التواصل الاجتماعي، والذي تتوغّل فيه - في أحايين كثيرة - مستويات متقدمة من العنف اللفظي، ويطفح فيها كَيْلُ سيول عارمة من صنوف الاندفاع اللاإنساني وإطلاق الأحكام جزافا، نجد أن إهمال تحديد المفهوم لدى بدء الحوار - محلّ النزاع - يتربّع قائمة الدوافع التي آلت بالحوار إلى هذا الوضع المزري؛ ومن هُنا ينبغي أن يتصدّر حواراتنا السؤال الآتي: قبل أن نشرع في النقاش ماذا تعني بـكذا؟! بحيث يطرحه كل طرف على نظيره فيما يتعلق بالمفهوم مدار الحوار، وتاليا بعد أن تصبح الأرضية صُلْبةَ المفهوم واضحةَ المعالم، فليتطارَحا أوجه النقد والتأييد فيما بينهما، وقد ضمن كلٌّ منهما ما يلوكُ لسانَه فيه.

في الشارع - معترك الحياة اليومي - أمثلة ضافية توضّح كيف أنّ غياب تحديد المفهوم ابتداءً يصيّر حواراتنا صراعات بَلْهاء تقطّع الأواصر، وتفتق رتق التفاهم، وتنكأ جراح الجاهلية، غير أنّ الذي يفاقم خطورة تجاهل تحديد المفهوم ويؤجّج سعيره هو أن تتمركز مواضيع الحوارات في مناطق التماسّ، تجيش لها الوجدان وتختلط بالهُوية، كالسياسة والدين والأعراف المجتمعية، فمن السهولة بمكان أن يُحشر المرء في زمرة الخونة والكفار والفاسدين بسبب حوار أقيم على إحدى هضاب النار تلك، بدون أن يشرح كل طرف تصوّره الخاص للمفهوم محلّ النقاش بمنتهى الوضوح، فيكون الامتناع من الانخراط في حوار كهذا أدعى لِلَمّ الشمل، وأسلمَ لاستقرار المجتمع؛ لأنه ببساطة يقود - بهذه الحال كما وسَمْت - لإشعال الفتيل بين اثنين بدآ بطريقة سيئة، فحوّل الحوار الذي كان يُفترض به أن يعكس مظهرا راقيا للإنسانية، إلى منجل تُجَزّ به الإنسانية من الوريد إلى الوريد.

إنّ إنسان اليوم - بتشعّباته اللامتناهية - بحاجة للحوارات الناضجة أكثر من أي وقت مضى، ولكن للحوار المنضبط وفق معايير تكفل المَتْح من مَعينه على الوجه المَرْضيّ، وإلا كان خنجرا مسموما في خاصرة التفاعل الإنساني، ولعل أُولى خطوات التغيير العريضة هي رفع مستوى وعي شعوبنا فيما يتصل بمتعلقات العقل، والتي يأتي الحوار فيها واحدا من أبرز امتداداته، وأن تسير الحداثة في التكنولوجيا والمظاهر العصرية في منطقتنا مع التحديث في آليات التعاطي مع الأفكار جنبا إلى جنب بما يتناسب وإنتاجات عالَم اليوم ومعطياته، تعاطيا ينتج كما يستهلك، ويقدّم كما يأخذ، ويسهم في البِنَاء، ويطرح حلولا بنّاءة لضَعْضَعَة التحديات التي يواجهها إنسان اليوم، وتحضرني مقولة شفهية دقيقة للمفكر العراقي الكبير ماجد الغرباوي في سياق أزمة الوعي العربي، إذْ يقول: "تيار الوعي لم يسجّل الحضور المناسب لعصره" ففي الوقت الذي ننتبه لضرورة الارتقاء بحواراتنا بحيث نمتلك القدرة على التحاور بين أعنف متضادين منّا بصورة ناضجة متّزنة مع الحفاظ على القيم الإنسانية النبيلة، نكون حينها قد أبدينا استعدادا محترَما لعالَم اليوم بعمقه وعقله لا بقشوره وحُمقه!

***

محمـــد سيـــف – باحث عُماني

تتعدد انتماءات الإنسان وميولاته والتزاماته الأيدلوجية والفكرية والسياسية. حيث إننا من الصعوبة بمكان على المستوى الإنساني أن نجد كتلة بشرية متجانسة في كل شيء.. فإذا كانت هذه الكتلة البشرية متجانسة دينيا، فهي متعددة مذهبيا، وإذا كانت متجانسة مذهبيا، فهي متعددة عرقيا أو قوميا، وإذا كانت متجانسة عرقيا أو قوميا، فهي متعددة دينيا أو مذهبيا أو مناطقيا..

فعلى كل حال فإن التعدد والتنوع من لوازم الحياة الإنسانية. ولا يمكن أن نحصل على حياة اجتماعية واحدة متجانسة في كل شيء..

وعدم التجانس في بعض دوائر الانتماء والحياة، لا يعني أن تسود حالات الجفاء والتباعد بين الناس، وإنما على العكس من ذلك تماما. فإن تعدد دوائر انتمائهم ينبغي أن يقودهم إلى الحوار والتواصل وتنمية المشتركات. فالناس جميعا بصرف النظر عن منابتهم الأيدلوجية، يعتزون بخصوصياتهم الذاتية، ولكن هذا الاعتزاز ليس استغناء عن الآخرين أو الخصومة معهم أو الانغلاق والانكفاء في الدوائر الخاصة. فالحكمة الربانية اقتضت لاعتبارات عديدة، أن نكون متعددين ومتنوعين في دوائر وأنحاء مختلفة، ولكن هذا التنوع ليس من أجل الانغلاق والانطواء، أو الخصومة والعداء، وإنما من أجل التعارف الذي يقود إلى البناء والعمران. إذ يقول تبارك وتعالى [يا أيها الناس إنا جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا]..

فالباري عز وجل جعلنا في دوائر متعددة (شعوبا وقبائل ليس من أجل أن نتخاصم ونتعادى ونقتل بعضنا البعض، وإنما من أجل (لتعارفوا) وأول التعارف الاعتراف بحق الوجود والتعبير عن الرأي، وتنمية المشتركات، وتنظيم عناصر وموضوعات الاختلاف والتباين..

فجمالنا الإنساني في تعددنا وتنوعنا، وأية محاولة قسرية لتوحيدنا أو لإلغاء تنوعنا، هي محاولة مناقضة لناموس الخالق عز وجل في هذه الحياة..

والاعتراف بتنوعنا، يحمل الجميع مسؤولية العمل على صيانة وحماية هذا التنوع. ولا حماية لهذا التنوع إلا بالاحترام المتبادل والتواصل المباشر وكسر كل الحواجز التي تحول دون التضامن والتعاون.. فنحن ينبغي لنا جميعا ومن هذا المنطلق يجب علينا أن نرفض الإساءة إلى بعضنا البعض سواء كانت هذه الإساءة مباشرة أو غير مباشرة. قد تتباين آراؤنا ومواقفنا، ولكن هذا التباين لا يشرع لأحد ممارسة الإساءة. بل على العكس من ذلك تماما حيث أن التباين في الرأي والموقف ينبغي أن يقود إلى الاحترام المتبادل..

كما أن وجود إساءة هنا أو هناك، ينبغي أن لا يدفعنا إلى إطلاق الأحكام والمواقف التعميمية. فالإساءة مرفوضة مهما كان شكلها، وقيام البعض بها، لا يشرع لأحد التعميم أو التشنيع على الكل.. فآفة العدالة التعميم ومن أراد الالتزام بمقتضيات العدالة، فعليه توخي الحذر وعدم الانجرار وراء المواقف والآراء التعميمية، التي تأخذ الجميع بجريرة البعض..

يقول تبارك وتعالى [ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى]..

فحينما تتباين الآراء وتتعدد المواقف والقناعات والانتماءات، هذا ليس مدعاة لتجاوز حدود

العدالة في التقويم وصناعة الرأي والموقف..

فالانتماءات الفرعية المتعددة، لا تدار بحروب التشنيع المتبادل، ولا تدار بعقلية الاستئصال والتشويه المتبادل. وإنما تدار بالحوار والتواصل والاعذار المتبادل وتنمية المشتركات..

والفكر القانوني والدستوري والحضاري الحديث، أبدع رؤية قانونية متكاملة في ترتيب العلاقات الداخلية بين مكونات وتعبيرات المجتمع الواحد.. وهذه الرؤية تتكثف في مقولة [المواطنة]..

فالانتماءات المتعددة ينبغي ألاّ تقود إلى الانطواء والانكفاء، كما أنها ينبغي ألاّ تقود إلى الخيارات السياسية والثقافية التي تهدد الاستقرار والأوطان.. وإنما من الضروري أن تقود إلى بناء العلاقة على أسس مشتركة، تتجاوز حدود الهويات الفرعية. وعلى رأس الأسس المشتركة (المواطنة). فهي القاعدة القانونية والسياسية التي تضبط العلاقة بين جميع المواطنين، وهي التي تحدد المسؤوليات وتعين الحقوق والواجبات..

وفي زمن انفجار الهويات الفرعية، لاعتبارات عديدة، من الضروري العمل لإبراز مفهوم المواطنة. فهي (أي المواطنة) هي الحل، التي تنقل الجميع من دائرة الهويات الفرعية، إلى رحاب المواطنة المتساوية والمجتمع والوطن الواحد. وفي سياق تعزيز خيار المواطنة، نود التأكيد على النقاط التالية:

1- إن الوقائع الطائفية التي تجري اليوم في أكثر من بلد عربي، ليست مدعاة للاصطفافات الطائفية والتمترسات المذهبية، وإنما هي مدعاة للوحدة الوطنية وبناء حقائق الائتلاف والتلاقي بين مختلف التكوينات المذهبية، وخلق الإرادة العامة والجماعية لمعالجة تلك الوقائع الطائفية المقيتة..

فليس مطلوبا من النخب الثقافية والعلمية والسياسية، في ظل هذه الظروف الحساسة، التمترس المذهبي والتخندق الطائفي، وإنما المطلوب هو العمل على معالجة كل الوقائع الطائفية، التي تضر الجميع ولا يربح فيها أحدا..

فالمشاكل الطائفية والمذهبية في أي بيئة اجتماعية، ينبغي ألاّ تقود العلماء والكتاب والمثقفين فليس مطلوبا من النخب الثقافية والعلمية والسياسية، في ظل هذه الظروف الحساسة، التمترس المذهبي والتخندق الطائفي، وإنما المطلوب هو العمل على معالجة كل الوقائع الطائفية، التي تضر الجميع ولا يربح فيها أحدا..

وإنما ينبغي أن ينطلق جميع هؤلاء ومن موقع المسؤولية الدينية والثقافية والوطنية، إلى البحث عن حلول ومعالجات لهذه المشكلة، والعمل على تطويق هذه المشاكل التي تضر الجميع ولا يربح فيها أحدا..

فالتوترات المذهبية اليوم، لا تعالج بالتعبئة الطائفية، ولا بشحن النفوس ضد الآخر المختلف والمغاير المذهبي. وإنما بتعزيز خيار المواطنة، وتشجيع الجميع عبر رؤية متكاملة ومشروع وطني شامل، لجعل المواطنة هي حجر الزاوية في مشروع العلاقات البينية بين جميع المواطنين والمكونات والتعبيرات..

والمواطنة كمشروع حل ومعالجة للتوترات الطائفية والمذهبية في المجال العربي والإسلامي، ليست حلا سحريا وناجزا، وإنما هي البوابة السياسية والحقوقية والثقافية، لا نجاز الوحدة الداخلية في المجتمعات المتعددة دينيا أم مذهبيا أم قوميا وعرقيا.

وحدها المواطنة هي التي تخلق الوحدة بين المكونات المتعددة في الدائرة الوطنية الواحدة.

2- إن ثقافة الاستئصال والفصل بين مكونات الوطن الواحد، على أسس طائفية ومذهبية، لا يبني استقرارا، ولا يحرر المجتمعات من عقدها وتوتراتها التاريخية والمعاصرة، وإنما يزيد من أوار التوتر ويفاقم من مشكلات المجتمع والوطن.

وأحداث التاريخ تعلمنا أن المجتمع الذي يحتضن تعدديات وتنوعات، لم يبن استقراره بمنهج الاستئصال وبناء الكانتونات المنعزلة، وإنما تم بناء الاستقرار، بثقافة الاستيعاب والمرونة السياسية وتنمية الجوامع المشتركة، وبناء العلاقة على أساس المواطنة الواحدة.

والمنطقة اليوم حيث تكثر فيها العناوين المذهبية، وتتزايد التوترات السنية الشيعية في أكثر من موقع عربي وإسلامي، أحوج ما تكون إلى ثقافة الوصل والاستيعاب، وتفكيك نزعات الغلو والتطرف ومحاولات المفاصلة الشعورية والعملية بين أبناء الوطن الواحد على أسس طائفية ومذهبية.

فالمسألة الطائفية في المنطقة العربية والإسلامية، لا تعالج بالانكفاء والعزلة، ولا تعالج بتويتر الأجواء وخلق الخطابات المتشنجة التي تزيد المشكلة اشتعالا. وإنما تعالج بالوعي والحكمة والإرادة العامة التي تفكك المشكلة، من موقع التعالي عن الاصطفافات الضيقة. فالنخب العلمية والثقافية في المجال العربي، ينبغي أن تكون جزءا من الحل، وليس جزءا من المشكلة.

وإننا مهما كان الوضع على هذا الصعيد صعبا ومتوترا، ينبغي أن نستمر في حمل مشعل الوحدة والتفاهم والتلاقي والتسامح والاحترام المتبادل.

ووجود قناعات أو ممارسات سيئة وسلبية من أي طرف، ينبغي أن لا يكون مبررا للتمترس الطائفي، وإنما هو المبرر الحقيقي لضرورة الخروج من هذا السياق الضيق، والعمل على معالجة كل الظواهر السلبية من خلال الحوار والتواصل والنقد البناء..

3- إن التعصب المذهبي بكل مستوياته، هو أحد العوامل المضادة لمفهوم المواطنة.. بمعنى أن التعصب يحول دون أن تكون المواطنة، هي قاعدة العلاقة، وتكون بدل ذلك العلاقة المذهبية..

لذلك فإن تعزيز خيار المواطنة، يتطلب بناء كتلة اجتماعية - معتدلة ووسطية، عابرة للمذاهب ومتجاوزة لكل عناوين الهويات الفرعية بدون هذه الكتلة الاجتماعية، ستبقى العصبية تنخر في جسم المجتمع. وسيهدد التعصب المذهبي الاستقرار الاجتماعي والسياسي للوطن..

فلا يكفي اليوم أن نلعن الطائفية، أو نحذر من التمترس المذهبي، وإنما المطلوب هو العمل على خلق حقائق وطنية واجتماعية مضادة للنزعات الطائفية. ويبقى العمل على خلق الكتلة الاجتماعية المتجاوزة لكل العناوين الخاصة، لصالح العنوان الوطني العام والجامع، هو الجواب عن كل محاولات التخندق الطائفي والمذهبي..

ومهمة هذه الكتلة، هي حمل مشعل الوحدة والمواطنة، وصياغة العلاقة بين مختلف المكونات على أسس المواطنة المتساوية.

بهذه الكيفية تتحول المواطنة كقيمة ومتطلبات ومسؤوليات، إلى حل لكل نزعات التوتر الطائفي بكل مستوياته.

***

محمد محفوظ - باحث سعودي

 

مالك بن نبي اختلف مع محمد أركون في مفهوم الإنسانية

سؤال حول اختفاء النزعة الإنسانية من الفكر الإسلامي؟

عندما نطالع كتابات مفكرين كمالك بن نبي ومحمد أركون والجابري وعلي حرب وغيرهم حول إشكالية التراث والنهضة نجد أن مالك بن نبي له رؤية دفاعية، بينما تختلف عن رؤية محمد أركون للتراث فهي رؤية نقدية لدرجة أنه يدعو إلى إحداث ثورة فكرية تذهب إلى حد البحث في الأشياء والنظرة للتراث، والتراث يعني  التمسك بكل ما هو قديم  أو أصيل ومنه  ظهرت النزعة الأصولية التي تقف ضد الحداثة التي يرى دعاتها أن التراث ما هو إلا تقليد للماضي، ويستحيل إعادته بحكم تغير الظروف والأزمنة لأن العصر هو عصر الرقمنة، في نفس الوقت ينظر كل منهما إلى النهضة على أنها البوابة للإقلاع  الحضاري، والإقلاع يعني مسح شامل للتراث، وهو الذي تحدث عنه المفكر محمد أركون  في مشروعه نقد العقل الإسلامي رغبة منه في فهم الدين وخاصة الإسلام كما ذهب إلى ذلك مفكرين أخرين

 فالتراث عند محمد أركون كما يقول  الدكتور إسماعيل عرّاب يحدد المكوّن الأساسي لمشروعه العقل العربي الإسلامي الذي ظل سجين مناخ العقل "القروسطي " بالرغم من أهميته،  وقد بيّن محمد أركون هذه المعضلة في كتابه  قضايا في نقد العقل الديني،  إذ يرى أن تقليد التراث لا يوصلنا إلى الهدف الرئيسي لبلوغ الحداثة ونحن بذلك نبقى في اجترار المفاهيم والمصطلحات ولا نصل إلى حلّ لمفهوم التغيير والإقلاع والانطلاق وهذه المفاهيم يمكن اختصارها في كلمة واحدة هي النهضة، فهذه المفاهيم تحتاج إلى ضبط  خاصة ما تعلق بمفهوم التجديد في الدين وهذا يعني إزالة الثوابت التي علقت به، ما دفع بالبعض إلى اتهامه بالزندقة والإلحاد، وهنا وجب التفريق بين نقد العقل الإسلامي ونقد العقل الإلهي، كقوة روحية، في حين يرى الأصوليون أن التجديد محمودٌ، أمّا إن كان يقصد به الاستبدال،  أي استبدال نظام إسلامي بنظام حداثي كمن يستبدل قطع غيار محلي بقطع غيار مستورد من أنظمة غربية  فهذا مرفوض عندهم، فقد يكون التجديد في الوسائل، لأنها تختلف وتتغير باختلاف العصور، ولعل التجديد والنهضة يراد بهما  الخروج من دائرة الجهل والتقليد،  فالجزائر مثلا كما جاء في كتاب شروط النهضة لمالك بن نبي كانت حتى عام 1925 على الرغم من إسلامها تدين بالوثنية التي كانت نصيبها في الزوايا وكأنها عادت إلى الجاهلية الأولى ما قبل ظهور الإسلام، فالجهل يقول مالك بن نبي في حقيقته وثنية، لأنه لا يغرس أفكارا بل ينصب اصناما، ولا يؤسس نهضة أو حضارة، وهذا ما دفع محمد أركون إلى نقد العقل العربي الإسلامي لاكتشاف بنيته وبأسلوب حيادي، فلا يقف مع عقيدة ضد عقيدة أخرى، فالمشروع عنده كما يقول الدكتور اسماعيل عراب تاريخي أنثروبولوجي ضمن فضاء ثقافي فلسفي، ففي كل بحثوه يطرح محمد أركون سؤال: اين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟

يُفُهَمُ من هذا السؤال أن الفكر الإسلامي القديم يريد أن يُثَبِّتَ مكانه ويفرض نفسه بواسطة الخطاب الديني، ولو أن هذا الخطاب في بعض جوانبه لم يعد يتماشى والعصر الذي نحن فيه (عصر الإنسان الآلي والذكاء الاصطناعي والرقمنة، حتى الحروب لم تعد بالسيف، ونحن نعيش الحرب النووية) أي ان العالم يشهد تقدما وتطورا، والإنسان يتجاوب مع هذا التطور والإزهار بشكل غريب جدا، حتى ابن البادية لم يعد يسافر على ظهر الجمل، بل يستعمل النقل الجوّي، وأصبح يستعمل التكنولوجية في إرسال الرسائل وليس عن طريق حمام  الزاجل، فما يزال بعض السلفيين المتعصبين يفرضون على جيل اليوم  (جيل الأيفون) منطقا، فهذا الجيل في المنظور السلفي يعيش استعمارا فكريا وله القابلية لأن ينسلخ من جلده ويرتدي جلدا جديدا حتى لو كان لا يتناسب مع مقاسه، في الواقع أن فئة من جيل اليوم تريد الانفتاح على الأخر وما قدمته التكنولوجية، بحيث يرى أن العيش في الدائرة الإسلامية  رجعية وتضييق على تفكيره وتقييد لحريته، وهذا له سبب واحد هو  أننا انتقلنا من العائلة الكبيرة إلى الصغيرة، ودور الأسرة في تحرّر هذه الفئة ومعظمها شباب، الذي اصبح يطالب بحرية العيش على الطريقة التي يريدها هو، وليس العائلة، لأنه متأثرا بالحياة الغربية التي تعطي الحق للشاب أو الفتاة أن يستقل  عن عائلته ويسكن بمفرده قبل الزواج بمجرد أن يبلغ سن الـ: 18 سنة، فالعولمة فتحت أبوابها ونوافذها للشعوب لكي تنفتح على الحداثة وتتخلى عن حياة رجل الصحراء والرجل الدرويش واستعمال العصا في تربية الأبناء .

لماذا اختفت النزعة الإنسانية من الفكر الإسلامي؟

و المتأمل في أفكار مالك بن نبي ومحمد أركون يقف على أنه الاثنان يختلفان في مفهوم الإنسانية، فمالك بن نبي  ارتكزت بحوثه ودراساته على فكرة الإنسان كشرط أساسي في بناء الحضارة، في حين  لمحمد أركون له رؤية مختلفة، فهو يرى أن الحضارة تقتضي أنسنة الإنسان، فهو يرى (أي أركون) أن إحياء الأنسنة ضرورة للتحرر الفكري، وقد أشار إسماعيل عراب إلى هذه المسألة في كتابه " محمد أركون من ضرورة حتمية  إلى مشروع حضاري صدر عن دار الأيام عمان الأردن، وهذا يؤكد أن محمد أركون تغلب عليه النزعة الإنسانية، أما مالك بن نبي فهو عقلانيُّ النزعة، تشير الدراسات أن النزعة الإنسانية اختفت من ساحة الفكر الإسلامي، وقد تحدث محمد أركون عن هذه النزعة في كتابه: " تحرير الوعي الإسلامي من السياقات الدوغماتية المغلقة"، إذ يرى محمد أركون أن الثقافة العربية الإسلامية كانت  سبّاقة في معرفة النزعة الإنسانية عن ثقافة الغرب، لكنها وصلت إلى الغرب متأخرة، فهي عاشت الموقف الأنسي في القرن العاشر ميلادي ووصلت إليه متأخرة بستة قرون، ما دفع بأركون إعادة قراءة هذه النزعة والتفكير فيها  لمعرفة سبب تأخرها وانقراضها في المجتمعات الإسلامية، يلاحظ أن أركون يسير على خطى التوحيدي الذي كان يكافح من أجل حرية الفكر والمعتقد، لكن هذه الحرية لا تنزع القداسة من المقدس  أو تدنيسه.

في كتابه "الصّفحات السُّود لمدرسة التغريب والحداثة والتنوير" يهاجم الدكتور محمد عبد الشافي القوصي الحداثيين الذين يسعون لإقناع الأمة الشرقية بأنها أمّة متخلفة في تاريخها وصميم تكوينها، متخلفة في جوهرها ومن ثمّ لابد من انسلاخها تماما عن كل ما يربطها بماضيها من ناحية المظاهر السلوكية، ربما هو محق، فنحن نرى بعض من عناصر التيار الإسلامي متشددين في لباسهم، (أقول بعضهم وليس كلهم حتى لا يساء فهمي)  بعضهم يتركون لحاهم تطول دون تنميق، وقطرات عصير أو لبن أو بقايا الأكل بين الشعيرات وشعرهم غير مصفف،  مثل الدراويش أو أنهم في غابة، وهم بذلك يشوّهون صورة الإسلام ونبيه محمد  صلّ الله عليه وسلم،  ونسوا قول الله تعالى : " وأما بنعمة ربك فحدث" فيما معناه، ( إن الله جميل يحب الجمال)، ولو سألته يقول لك هذا من التراث، فما نراه من بعض المظاهر التي لا صلة لها بديننا وبسيرة نبينا  (صلعم) تعبّر عن الجمود والتحجر والتعصب، ومن هذا المنطلق وليس دفاعا عن محمد أركون، نستنتج  أن نقد العقل الإسلامي  عند محمد أركون لا يعني زحزحة النموذج  أي الإسلام  ونزع منه القداسة، فهو دين سماوي كبقية الأديان  الأخرى (المسيحية واليهودية) وأن قراءتنا للإسلام لن تكون كافية  إذا تعلق الإنسان المسلم بالتراث ويذوب فيه دون أن يتطلع إلى العالم الخارجي،  ويهمل العلوم الأخرى، خاصة وأنه ولد في زمن غير الزمن الذي عاش فيه من سبقوه من الأوائل، ولا يعني هذا أن نترك التراث، لكن من الواجب مراجعته  ونقد جزءًا منه نقدا بنّاءً، في الواقع أنني كلما فتحت كتابا يناقش هذه المسائل إلا وأجد نفسي وسط معركة المفاهيم والمصطلحات، فهناك مثلا من يرى  أن مصطلح النقد الجديد يختلط  مع مصطلح الحداثة،  ومصطلح العبثية يختلط مع مصطلح العدمية واللاشيئية،  كما أشار إليها  محمد عبد الشافي، فهذه المفاهيم مفهومة ولا غبار عليها، فالعبثية (من وجهة نظري) تعني التلاعب بالأفكار والكلمات وتمييعها، أما العدمية واللاشيئية فهما ربما يخدمان معنى واحد هو اللا موجود أو اللاوجود، وإن كانت الحداثة الغربية عند الدكتور  الشافي قصي تعني اللاوجود، وهذا يعني أنها تدعو إلى الإلحاد أو اللادينية، والسؤال هو كالتالي: ماذا عن الحداثة  من المنظور الإسلامي؟ وما موقف الإسلاميين منها؟ وما موقف الحداثيين العرب؟، الجواب نقول أن الحداثة هي عمل تنويري، وقد نقف هنا مع أركون حين قال أن العمل التنويري لا يتحقق في العالم الإسلامي من دون التوسع في مجال الأنسنة ونقلها.

مالك بن نبي والتجديد

لنعد إلى مالك بن نبي ومشكلته الحضارية، فمالك بن نبي نجده في معظم كتاباته يعود إلي راي المفكرين الغربيين وذلك من باب المقارنة بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية،  والنتيجة التي خرجة بها مالك بن نبي هي أن الغرب صنع حضارته على أنقاد الحضارة الإسلامية فيما نسميه بالاستيلاب الحضاري، أي أن الغرب سرق الفكر العربي وإنجازاته، واغتصب ارضه ليبني دولة غير شرعية ويؤسس حضارة مزيفة  قامت على القمع والعنف والتجويع، مثلما نراه الأن في غزة، إن التجديد الذي دعا إليه مالك بن نبي لا يخرج عن إطار الحداثة، لكن ليست الحداثة الغربية التي فهمها البعض وهي تنكر الإنسان لأصله وكما يقال لا أصل لمن تنكر لأصله، لقد كشفت الحروب الأهلية عورة المسلمين، فلا الأنظمة  أنظمة في المستوى ولا المعارضة في مستوى المعارضة، لقد بالغ خصوم الحداثة في نقدهم للحداثة بل في مواجهتها،  ووصل بهم الأمر أن يقولوا أن الشِّعر الحر كفرٌ، يريدون بذلك قتل الذوق والجمال والإبداع وكل ما له علاقة بالإحساس، ما يهمنا هنا  هو " الفكر"، بغض النظر عن كون صاحبه إسلامي، علماني، ملحد  أو بوذي، صهيوني، لأن الفكر لا دين له ولا جنسية،  والسؤال: هل يجوز لنا ان نحكم على النقاد بأنهم كفار؟ ومن له الحق في تكفير الأخر؟، فظاهرة التكفير جرّت الأمّة إلى المآسي بعدما قامت جهة بتحويل الأفراد إلى نباتات نُزعت من الأرض وهي ما تزال في طور الإنتاش قبل أن تكون لها القدرة على النمو والازدهار، هذه النباتات هم الشباب من هذا الجيل الذي وجد نفسه يتخبط بين  أوساط تدعو إلى الحداثة وأخرى تطالب بالتمسك بالتراث والأصالة، حيث لا يمكنه أن يتحرك إلا بأوامر تُفْرَضُ عليه، أي أنه يكون مبرمجا من قبل جماعة أساءت الفهم للإسلام فظلت الطريق، والسؤال : هل الحداثيون زنادقة فعلا؟، كما يلقبونهم خصومهم، وهل هم دعاة للتمرد؟ أم لأنهم كذلك (في نظرهم) لأنهم كشفوا زيف بعض التراثيين (داعش) الذين أساءوا للإسلام وشوهوا صورته، حتى اصبح الغرب ينعت الإسلام بأنه دين عنف وتطرف.

 نختلف هنا مع الدكتور إسماعيل عراب عندما انتقد محمد أركون بأن الأنسنة في جوهرها انتقال من عالم يسيطر فيه المقدس إلى عالم يسيطر فيه الإنسان، فمحمد أركون يرى أن المقدس الديني أقوى المقدسات، وهو ما ذهب إليه مالك نبي في دراسته المشكلة الحضارية حيث ربطها بالفكرة الدينية باعتبارها مقدسة،  وفي هذا  نقول أن الأنسنة هي إيجاد توافق بين المقدس واللا مقدس  (وليس المدنس) ولا نقصد التوافق هنا بـ: "الندّيّة"، وإنما الجمع بين الحداثي والتراثي، كما يقول  المودودي،  أي كل رطب ويابس من عناصر الأمّة على رصيف واحد ويتخذ من كل العناصر الصالحة والفاسدة كتلة متضامنة تنفتح فيها روح قومية وتكون لهم سلطة مركزية وحرس قومي وجندٌ قومي وتتكون لهم دولة قومية من الأقطار التي تكون لهم فيها الأغلبية عملا بالمبدأ الجمهوري المعروف (الحكم للأغلبية)، فمالك بن نبي لا يمانع تشكيل وحدة العالم العربي لكنه ينظر إليها من حيث تخلف المجتمع، ولذا هو يرى أنه إن تتظافر الجهود وتضامن العالم العربي لحل مشكلاته يمكنه أن يحقق السيطرة ما دفعه إلى تشكيل كومنولث إسلامي.

الخلاصة

خلاصة القول ان محمد أركون دعا إلى  نقد العقل الإسلامي، أي نقد الخطاب الإسلامي المبني على التناقضات (المبطن والمعلن عنه) ولم يدع إلى نقد الدين، لأن الدين ثابت،  اللهم إن تعرض للتحريف (ويكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون هذا من عند الله)، أما بالنسبة للإسلام فهناك من أعطى للإسلام أسماء عديدة كالإسلام الأصولي والإسلام الحضاري أو الحداثي، والإسلام السياسي وما إلى ذلك، تعرض فيها الإسلام إلى التأويل، وما وقع من حروب أهلية إلا نتاج التراكمات التأويلية وظهر ما يسمى بخطاب السيف في كل الأقطار العربية  أصبح الإسلام كدين سماوي بحاجة إلى أسلمة وأنسنة.

***

علجية عيش - بتصرف

السوبر تخلف هو تقديم العِلم على أنه جهل وتقديم الجهل على أنه عِلم. السوبر تخلف هو تطوير التخلف من خلال الاستخدام الخاطىء للعلوم والتكنولوجيا من أجل نشر الجهل والتجهيل والتعصب. قانون السوبر تخلف هو التالي: السوبر تخلف = التكنولوجيا ÷ العِلم. وبذلك مع ازدياد استخدام التكنولوجيا وتناقص العِلم (أي تناقص قبول العِلم وعدم المشاركة في إنتاج العلوم)، يزداد تطوّر التخلف. السوبر تخلف سائد في الشرق والغرب معاً. مثل ذلك استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية لتقديم الجهل على أنه عِلم وتقديم العِلم على أنه جهل و رفع رايات التجهيل والتعصب. ومِن منطلق السوبر تخلف السائد، نشأ الذكاء الاصطناعي الحالي كآلية تطوير للتخلف. فالتخلف قابل للتطوير بشكل مستمر مما يستدعي بناء آليات ناجحة في تطوير التخلف باستمرار منها الذكاء الاصطناعي الراهن الذي يساهم بقوة في تطوير التخلف.

كلما ازداد الذكاء الاصطناعي تطوّراً، إزداد تخلف الإنسان مما يتضمن أنَّ الذكاء الاصطناعي الحالي يؤدي إلى سيادة السوبر تخلف من خلال تطوير التخلف اعتماداً على التكنولوجيا. مثل أساسي على ذلك أنَّ الذكاء الاصطناعي يقدِّم إجابات مُحدَّدة بشأن أيّ سؤال و أيّة قضية. وهذا يناقض التفكير العلمي لأنه يوجد خلاف علمي حيال أيّة قضية و أيّة إجابة على أيّ سؤال فلا يقينيات سوى في الرياضيات والمنطق بينما العلوم (كالعلوم الفيزيائية والبيولوجية) خالية من اليقينيات والعلماء مختلفون حيال أيّة قضية أو مسألة علمية كخلافهم حول كيفية تحليل الجينات البيولوجية وخلافهم حول كيفية نشوء الكون من عدم أم نشوئه من أكوان أخرى. وبما أنَّ الذكاء الاصطناعي يقدِّم إجابات مُحدَّدة مما يناقض التفكير العلمي الذي لا يقدِّم أيّة إجابات مُحدَّدة ونهائية حيال أيّة قضية أو مسألة (خارج الرياضيات ومبادىء المنطق)، إذن يقدِّم الذكاء الاصطناعي إجابات كاذبة فيقدِّم الجهل على أنه عِلم من جراء ادعائه بأنَّ إجاباته علمية. هكذا يساهم الذكاء الاصطناعي الراهن في نشر الجهل والتجهيل وتطوير التخلف مما يدلّ على أنه كلما ازداد الذكاء الاصطناعي الراهن تطوّراً، إزداد تخلف الإنسان.

بالإضافة إلى ذلك، كلما ازدادت سيادة الذكاء الاصطناعي، ازدادت عبودية الإنسان. هذا لأنه حين يعتمد الفرد على الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات، يمسي الفرد متلقياً سلبياً للمعلومات بدلاً من أن يكون باحثاً فعّالاً في إنتاج المعلومات مما يلغي فعّالية الإنسان و حريته في إنتاج المعلومات فيتضمن استعباد فكر الإنسان وسلوكه من جراء سجنه بما يملي عليه الذكاء الاصطناعي. من هنا، الذكاء الاصطناعي الحالي يقضي على إنسانية الإنسان من خلال استعباد الإنسان و إلغاء فعّالية الإنسان و حريته. على ضوء هذه الاعتبارات، لا يكتفي الذكاء الاصطناعي بأن يكون نقيض التفكير العلمي بل هو أيضاً نقيض إنسانية الإنسان الكامنة في حريته وفعّاليته في إنتاج المعلومات والمعارف. فالعِلم مُتصِف بلا مُحدَّدية مضامينه من جراء خلاف العلماء حيال كلّ مسألة علمية بينما الذكاء الاصطناعي مُحدَّد المضامين. وبذلك الذكاء الاصطناعي نقيض الفكر العلمي. والإنسان مُتصِف بلا مُحدَّدية فكره وسلوكه مما يمكّنه من أن يكون حرّاً في إنتاج أفكاره وسلوكياته بينما الذكاء الاصطناعي نقيض إنسانية الإنسان الكامنة على حريته وفعّاليته في الإنتاج وذلك لأنَّ الذكاء الاصطناعي يلغي حرية وفعّالية الإنسان في إنتاج المعلومات والمعارف الممكنة.

أما الذكاء الاصطناعي المرجو فهو الذكاء الاصطناعي السوبر خلاّق لأنه مُتصِف بِلا مُحدَّدية مضامينه وآلياته مما يضمن حرية الإنسان وفعّاليته وتطوّره. يتكوّن الذكاء الاصطناعي السوبر خلاّق من برامج عديدة ومختلفة تمكِّن كلّ فرد من صياغة مضامين وآليات الذكاء الاصطناعي المرجو على ضوء أبحاث الفرد العلمية و غاياته المنفعية مما يحرِّر الفرد من التلقي السلبي لمضامين ذكاء اصطناعي مُحدَّد سلفاً فيُطوِّر الفرد من جراء أبحاث الفرد العلمية الفعّالة والمستقلة التي تبني آليات تصرّف الذكاء الاصطناعي ومضامينه. هكذا يتصف الذكاء الاصطناعي السوبر خلاّق بِلا مُحدَّدية آلياته ومضامينه مما يطالب كلّ فرد بتحديد آليات الذكاء الاصطناعي ومضامينه فيُحرِّر كلّ فرد ويُطوِّره من خلال تحويله إلى كينونة فعّالة في إنتاج الذكاء الاصطناعي المرجو. من هنا، يتمكّن كلّ فرد من بناء ذكائه الاصطناعي الخاص بدلاً من أن يبقى الفرد عبداً لذكاء اصطناعي مُحدَّد سلفاً. فإن كان الذكاء مُحدَّداً مُسبَقاً، فهو حينئذٍ استعباد وعبودية. وبفضل الذكاء الاصطناعي السوبر خلاّق، ينجح الإنسان في التحرّر من السوبر تخلف. وذلك لأنه ذكاء لا يعارض التفكير العلمي و حرية الإنسان من جراء أنَّ الفرد يُحدِّد آليات الذكاء الاصطناعي السوبر خلاّق ومضامينه على ضوء أبحاث الفرد العلمية والمنطقية. هكذا يغدو كلّ فرد فعّالاً في إنتاج العِلم والمعرفة بدلاً من أن يكون منفعلاً بما هو مُحدَّد مُسبَقاً.

على ضوء الاعتبارات السابقة، من الممكن تعريف الذكاء الاصطناعي السوبر خلاّق على النحو التالي: الذكاء الاصطناعي السوبر خلاّق = إنتاج برامج قادرة على تحرير العقل البشري وسلوكيات البشر × إنتاج برامج قادرة على تطوير العلوم وإنسانية الإنسان. هكذا ثمة ركنان أساسيان للذكاء الاصطناعي السوبر خلاّق ألا و هما التحرير والتطوير. وينجح هذا الذكاء السوبر خلاّق في تحرير الإنسان وتطويره لأنه ذكاء معتمد على إنتاج كلّ إنسان لبرامج ناجحة في صياغة آليات ومضامين الذكاء الاصطناعي المرجو والمُتصِف بالانتظام العلمي والمنطقي. يكمن الذكاء في لا مُحدَّدية المضامين لأنَّ لا مُحدَّديتها تستدعي التفكير المستدام واستمرارية البحث العلمي.

***

حسن عجمي

رغم كل متغيرات العصر من ثورة تكنولوجية معلوماتية وذكاء اصطناعي وطموح نحو الديمقراطية ومحاولات بناء نظم سياسية  اجتماعية عادلة هنالك ثقافات سلبية سائدة في المجتمعات الإنسانية سواء العربية منها او عموما المجتمعات النامية وحتى المجتمعات المتقدمة ومن اخطر تلك الثقافات هي ثقافة التهميش و الإقصاء  والتي  تعني إبعاد الأخر وتجاهله وعدم النظر إليه مهما كانت صحة مواقفه وصدق أقواله  وقد يصل الأمر إلى تخوينه أو اتهامه بغية إسقاطه ، وهذه الثقافة يمارسها الكثير من الناس فرادا او حكومات ونظم سياسية وبشتى الوسائل ضد مختلف الشرائح الاجتماعية في مختلف مجالات الحياة السياسية والأقتصادية والأجتماعية. والأختلاف في المجتمعات عموما هو حول حيز ذلك الأقصاء في الممارسات اليومية الثقافية والسياسية.

وتتعارض ثقافة الاقصاء والتهميش مع طبيعة الحياة التعددية وتصطدم مع الطبيعة النسبية للحقيقة، فالحقيقة المطلقة نوع من الكمال الذي لا يمكن بلوغه، بل يستحيل، ان يوجد في هذا الكون الناقص بطبعه. وكل انسان يرى انه على حق من وجهة نظره، وهذا ليس عيبا او نقيصة طالما هو يؤمن بحق الآخرين في الاختلاف معه واحترام وجهات نظرهم، فهذا الكون يتسع لهذا الاختلاف الذي هو من طبيعة البشر فكلنا نمتلك الصواب والخطأ بمقادير متفاوتة، أو كما قال الإمام الشافعي: (قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب). أو كمال قال الأصمعي: لا يزال الناس بخير ما تباينوا، فإذا تساووا هلكوا. لم يتناول الإمام عليّ عليه السلام

التنوع والاختلاف بشكل مباشر في مقولات مشهورة بهذا المعنى، لكنه دعا إلى الحكمة والتوازن في التعامل مع الناس، بغض النظر عن اختلاف صفاتهم أو آراءهم. فهو يرى أن الاختلاف هو سنة في الحياة ويجب التعامل معه بالصبر والحكمة، وأن القرب يكون بالمودّة والبعد بالعداوة لا بالنسب، وأن الحكمة تكمن في تقدير العاقل للحكمة، وعدم التورط في الخصومة. ولعل في قوله (آلة السياسية سعة الصدر) تجسيد حي لذلك. أو كما قال الكاتب والشاعر والفيلسوف الفرنسي فولتير "قد أختلف معك في الرأي، ولكني مستعد للموت دفاعًا عن حقك في إبداء رأيك" ويجسّد هذا الاقتباس جوهر فلسفة فولتير، التي تؤكد على أهمية الدفاع عن حرية التعبير، حتى عند الاختلاف مع الآخرين. وتظل هذه الفكرة حجر الزاوية في القيم الديمقراطية والحوار المفتوح.

في وثائق الأمم المتحدة، يشير الإقصاء (الاجتماعي بشكل أساسي) إلى حرمان الأفراد أو المجموعات من المشاركة الكاملة في جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. هو عملية وحالة تنتج عن وجود حواجز تمنع الاندماج، غالبًا ما تكون مرتبطة بالهوية (كالعرق أو الجنس) أو الوضع (كالعجز أو الفقر)، وتؤدي إلى الشعور بالعزلة وتدهور الصحة النفسية والجسدية.

الإقصاء يعني الابتعاد، التهميش، أو المنع من المشاركة الكاملة في جوانب الحياة المختلفة، سواء كان اجتماعيًا، سياسيًا، أو اقتصاديًا. يُعرّف بأنه حواجز تحول دون اندماج الأفراد أو المجموعات في المجتمع بناءً على هوياتهم، مثل العمر والجنس والعرق، أو بناءً على ظروفهم المادية والاقتصادية والاجتماعية. ويمكن أن يُمارس الإقصاء الأخلاقي، وهو اعتقاد بتفوق مجموعة على أخرى وتجريد المستهدفين من إنسانيتهم وحقوقهم.

أنواع ومظاهر الإقصاء:

الأقصاء الأجتماعي:

يشمل الحرمان من الحصول على الوظائف، والتعليم، والخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء، وعدم الاعتراف بالحقوق الكاملة كمواطن.

الإقصاء السياسي:

عندما تُعزل المجموعات المعارضة عن المجتمع أو تُحرم من حقوقها السياسية.

الإقصاء الأخلاقي:

اعتقاد مجموعة ما بتفوقها وتجريد المجموعات المستهدفة من إنسانيتها وتقليل شأنها.

أما ثقافة الإقصاء السياسي هي بيئة أو ظاهرة مجتمعية مشبعة بسلوكيات عدوانية يتم فيها استبعاد أفراد أو مجموعات معينة من المشاركة في الحياة السياسية أو صنع القرار بسبب انتمائهم أو آرائهم المختلفة، مما يؤدي إلى إضعاف الديمقراطية وتركيز السلطة لدى فئة قليلة كما هو حاضر في تجربة العراق منذ أكثر من عقدين من الزمن.

مفهوم ثقافة الإقصاء السياسي:

هي ممارسات مجتمعية وسياسية تؤدي إلى استبعاد أشخاص أو جماعات من الدائرة السياسية.

يشمل ذلك استبعادهم من التصويت، أو الترشح للمناصب، أو المشاركة في الأحزاب السياسية، أو التأثير في صنع القرار.

غالباً ما يكون الإقصاء مبنياً على أساس عرقي، ديني، طبقي، جنسي، أو سياسي، مما يحد من تنوع الآراء في المجتمع.

أسباب انتشار ثقافة الإقصاء:

تركيز السلطة:

في الأنظمة الشمولية أو الاستبدادية، يتم إقصاء المعارضين لضمان بقاء السلطة بيد الحاكم أو الحزب.

الاستقطاب السياسي:

عندما يصبح المجتمع منقسماً بشدة، قد تلجأ الأطراف السياسية إلى إقصاء المخالفين لتعزيز قاعدتهم.

التحيزات الاجتماعية:

يمكن أن تؤثر الأحكام المسبقة ضد مجموعات معينة في المجتمع على مشاركتها السياسية.

ضعف المؤسسات:

عدم وجود مؤسسات ديمقراطية قوية يحمي حقوق المواطنين قد يسمح بالإقصاء.

آثار ثقافة الإقصاء السياسي:

ضعف الديمقراطية:

الديمقراطية تقوم على مشاركة أوسع، والإقصاء يقلل من هذه المشاركة.

تزايد عدم الاستقرار:

قد يشعر الأفراد والمجموعات المبعدة بالإحباط والغضب، مما يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية.

هدر المواهب:

يتم حرمان المجتمع من مساهمات وخبرات أفراد تم استبعادهم، مما يضعف قدرته على التطور.

ترسخ الأنظمة غير الديمقراطية:

تساعد ثقافة الإقصاء في تقوية الأنظمة التي تعتمد على السيطرة والشمولية.

الإقصاء السياسي هو حرمان الأفراد أو المجموعات من المشاركة في الحياة السياسية، ويدعي البعض أن ذلك يندرج تحت تطبيق القوانين، إلا أن له مخاطر نفسية واجتماعية عميقة تتضمن الشعور بالغضب والإحباط وعدم الانتماء لدى الأفراد المستهدفين، بينما يعاني المجتمع من تفاقم الاستقطاب الاجتماعي وفقدان الشرعية للسلطة وفقدان الثقة في المؤسسات السياسية .

مخاطر الأقصاء السياسي

على المستوى النفسي:

الشعور بالإحباط والعجز: يشعر الأفراد المُقصون بأن أصواتهم غير مسموعة وأن لا قيمة لهم، مما يؤدي إلى الشعور بالعجز وفقدان الأمل.

الغضب والعدوانية: يمكن أن يؤدي الحرمان المستمر من الحقوق السياسية إلى شعور بالظلم والغضب، والذي قد يتحول إلى عدوانية أو سلوكيات متطرفة بفعل عوامل الحرمان الطويل الأمد الذي يسبب في الكبت والأحباط ثم العدوان.

القلق والاكتئاب: العزل السياسي قد يسبب القلق الاجتماعي والاكتئاب، خاصة عند الأفراد الذين يرون أنفسهم مُهمشين وغير قادرين على التأثير في محيطهم .

على المستوى الاجتماعي:

تزايد الاستقطاب والانقسام: يؤدي الأقصاء السياسي إلى زيادة الانقسام بين المجموعات في المجتمع، مما يخلق جوًا من عدم الثقة والعداوة.

فقدان الشرعية للسلطة: عندما تُمارس السلطة بشكل يحد من مشاركة فئات معينة، فإن شرعيتها في نظر المجتمع تتضاءل، مما يضعف استقرار النظام السياسي.

ضعف الاندماج الاجتماعي: يساهم الأقصاء في تفكيك النسيج الاجتماعي، حيث يُفقد الأفراد المستهدفين الشعور بالانتماء إلى مجتمعهم، مما يقلل من قدرتهم على المشاركة الفعالة في الحياة العامة.

زعزعة الاستقرار الاجتماعي: في بعض الحالات، يمكن أن يؤدي الأقصاء السياسي الممنهج إلى اضطرابات اجتماعية واسعة النطاق، أو حتى إلى نزاعات مسلحة.

ادعاء تطبيق القوانين كواجهة للأقصاء السياسي:

غالباً ما تستخدم السلطات ادعاء تطبيق القوانين أو قوانين مكافحة الإرهاب لتبرير الإقصاء السياسي. ولكن هذا الادعاء غالباً ما يكون واجهة تخفي وراءها دوافع سياسية لتهميش أصوات المعارضة أو مجموعات معينة. هذا يعني أن القوانين قد تطبق بشكل انتقائي وموجه ضد فئات محددة، بينما يُسمح لجهات أخرى بتجاوزها، مما يشير إلى أن الهدف ليس العدالة وإنما الحفاظ على السلطة أو قمع المعارضة .

يتمثل الاقصاء السياسي في انكار حقوق المواطنه بكل اشكالها مثل المشاركة السياسية وكذلك الامن الشخصي وحرية التعبير وتكافؤ الفرص.  وان الاقصاء السياسي يتضمن سلوك النظام الحاكم والذي لا يتحلى بالحيادية او تقبل الصوت المعارض بل يعمل لصالح الفئات المهيمنة في المجتمع لحد الغاء الاخر وهذا يؤثر على المجتمع بطرق مختلفة وبدرجات متفاوتة مع مرور الوقت، وقد يكون علائقيا اي نتاج علاقات قوة غير متكافئة في التفاعلات الاجتماعية مما ينتج عنه تمزق في العلاقات بين فئات المجتمع الواحد وقد يسبب صعوبة في الاندماج بين السلطه الحاكمه والشعب وهذه الفصامية تقود السلطة الى حد القتل والتعسف والتشهير والتخوين. وهناك علاقة وثيقة بين الاقصاء السياسي والصراع وانعدام الامن في احيان كثيرة. لذلك يكون الوعي بالاقصاء وعدم المساواة الخطوة الاولى لاي حراك سياسي اجتماعي فردي او حزبي.

الأقصاء السياسي يهدد دولة المواطنة القائمة على فكرة أن جميع مواطنيها متساوون قانونياً وسياسياً واجتماعياً، بغض النظر عن دينهم أو عرقهم أو جنسهم أو انتمائهم. تقوم هذه الدولة على "عقد مواطنة" بين الفرد والدولة، يضمن للفرد حقوقًا مثل المساواة والعدالة والحرية، وفي المقابل، يلتزم الفرد بواجبات تجاه الدولة والمجتمع. تتميز دولة المواطنة بالمساواة في الحقوق والواجبات، والمشاركة المدنية والسياسية، وسيادة القانون، وتفصل بين الدين والسياسة، وتعزز ثقافة السلام والتسامح والتعددية وبالتالي فأن أي نقض لتلك العلاقة هو تهديد السلم الأهلي.

تصاعدت في المشهد السياسي العراقي، ظاهرة الأقصاء بين الأطراف المتنافسة، حيث لم يعد الصراعُ يقتصر على قبة البرلمان، بل امتد إلى استخدام أدواتٍ أخرى، مثل القضاء والإعلام وتوقيت توجيه التهم. وأن هذه الأساليب، تستخدم بشكلٍ متزايدٍ لإضعاف الخصوم، والتأثير على الرأي العام، قبيل أي استحقاقٍ سياسيٍ أو انتخابي وما نشهده اخيرا من قوائم أبعاد المئات من المرشحين للأنتخابات البرلمانية العراقية للعام 2025.

إلى جانب التهديدات المستمرة بفضائح جنسية عبر نشر فديوهات أو مكالمات خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لسياسيين وسياسيات في خضم المنافسة الأنتخابية وهي بدون شك منافسة غير شريفة وغير نزيهة وتهدد البعد الأخلاقي للمنافسة الأنتخابية بل وتساهم في إسقاط رموز سياسية بغض النظر عن مكانتها وشخصيات انتخابية بعيدا عن حجمها مما يضفي على المشهد السياسي المزيد من التعقيد والفوضى القادمة حيث تختلط السياسية بالسقوط الأخلاقي والتشهير في الخصوصيات في مجتمع ينتشر فيه السلاح المنفلت وتسيطر فيه تقاليد الأنتقام والثأر والعشائرية التي تهدد ما تبقى من السلم المجتمعي.

***

د. عامر صالح

يعدّ موضوع الإنسانية أعمق فكرة اشتغل عليها العقل البشري منذ بواكير وعيه بوجود الإنسان، وبعلاقته بالمجتمع والطبيعة. نتج عن هذه الفكرة العميقة، إستفهامات كثيرة ودقيقة، ارتبطت بكل ما له علاقة بطبيعة الإنسان. وأمام هذه الإستفهامات كان لا بد من إجابات يطمئن اليها الإنسان كي يستمر في حياته، وفي رغبته وعطائه. هكذا بدأت علاقة الإنسان بالمعرفة والبحث والتأمل، ثم مر الزمن على ثلاثية المعرفة والبحث والتأمل لتظهر الخبرة كلون أساسي يسهم في رسم صورة مطابقة للواقع، أو هي أقرب ما تكون لطبيعة الواقع. وفي رحلة التأمل والإستفهام والمعرفة والخبرة هذه، ظهرت الفلسفة، التي بدأ المرحوم الدكتور حسام الدين الآلوسي حديثه عنها في الفصل الأول من كتابه (الفلسفة والإنسان)، الصادر سنة 1990م بعبارة (لا يعلم أحدٌ متى بدأ التفلسف)، لكنه يرى ان التفلسف طبيعة إنسانية يتميز بها الإنسان عن غيره من الكائنات الحية، ليصل بعد ذلك الى ان التفلسف ضرورة إنسانية.

عن تعريفها، قيل ان الفلسفة هي حب الحكمة. وانها من طرق البحث عن الحقيقية. وانها شكل من أشكال طهارة الروح وسعي النفس نحو الفضيلة في رأي (سقراط). وفي رأي (افلاطون) هي السبيل لفهم الجمال والخير. استخدمها (ديكارت) سبيلاً للوصول الى الحقيقة. وعدّها (ايمانويل كانط او كانت) حدّاً فاصلاً بين ما يمكن معرفته وما لا يمكن.

من التعريفات المعاصرة التي أراها قريبة جداً من لغة العصر وروحه، ما تناوله الدكتور حسام الدين الآلوسي في كتابه (دراسات في الفكر الفلسفي  الإسلامي) الصادر سنة 1992م إذ يقول (تعني الفلسفة، حسب اشمل تعريف لها واكثره قبولاً عندنا : انها نظرة الى العالم، وشكل من أشكال معرفة الواقع، الذي هو الإنسان والمجتمع والطبيعة، وهي موقف يعكس الوعي الإجتماعي الى جانب الأشكال الأخرى التي يتمظهر فيها هذا الوعي الإجتماعي، وباعتبارها موقفاً إجتماعياً فهي ذات بعد ايدلوجي يعبر عن المصالح المادية للطبقات المختلفة.

وللتبسيط نقول إن الفلسفة موقف، سواء كان هذا الموقف، عن إدراك ووعي أو لم يكن، فموقف الإنسان الأول الذي يقدم القرابين للإلهة ويعتقد بوجود أرواح معينة، وحياة أخرى، هو موقف فلسفي بهذا المعنى أو ذاك، وكذلك موقف المؤمن العادي الذي لم يتجاوز مرحلة " التقليد" في إعتقاداته خالية من البراهين والأدلة العقلية، هو موقف فلسفي بهذا المعنى أو ذاك.... على ان للفلسفة معنى أدق، وهي انها التفكير الحر المنظم والمتناسق والواعي..).

بناء على ذلك، فهدف الفلسفة هو الإنسان، والثقافة في الفهم الانثروبولوجي هي دراسة طريقة حياة الناس وانماط سلوكهم. إذن العلاقة بين الفلسفة والثقافة علاقة مترابطة، محورها الإنسان والطبيعة. فإذا كانت الثقافة بحكم اسبقيتها التاريخية مقارنة بالفلسفة، قد بدأت مع حياة الانسان الفطرية، فيمكن القول إن الفلسفة بدأت مع حياة الإنسان المعرفية.

واذا كان للثقافة نصيبها الكبير في التعبير عن الواقع، فإن للفلسفة نصيب كبير في تغيير ذلك الواقع. فالثقافة تهيئ للفلسفة أدوات عملها، وبدورها تطور الفلسفة ادوات الثقافة. ولعلي استطيع القول ان الفيلسوف مثقف بالضرورة، والمثقف فيلسوف بالصيرورة.

يشهد العالم منذ بدايات القرن الواحد والعشرين تسارعاً مذهلاً لتطور العلم والتكنلوجيا، فهناك صواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت البالغة 343 متراً في الثانية، ويتوقع في المدى القريب رؤية قطار يسير بسرعة تقترب او تصل الى سرعة الصوت. هناك سيارات ذاتية القيادة، واجهزة كهربائية منزلية ذكية. وهناك روبوت عالي الدقة، يتوقع له الخبراء في مجال الذكاء الإصطناعي أن يفوق قدرة العقل البشري في العقود القادمة الى الحد الذي يصعب أو يتعذر فيه التمييز بين العقل البشري والعقل الآلي. لذا على المثقف العربي اليوم إعادة النظر في حركة ثقافته، واعادة توجيهها بما يمضي بالحياة  في إتجاه لا يرغم المجتمع على الإبتعاد عن هويته العربية الإسلامية، ولا يعرّض أفراده للتهجين الثقافي.

فهل هذا الأمر ممكن؟.

لا تخلو خطوات التجديد الثقافي من صعوبات جمّة، ومعوّقات كثيرة ، وتحديات كبيرة. لكن الإعتقاد بصحة فلسفة الفكرة يمنح أصحابها الإصرار على المضي في طريق التجديد وسيوظفون خدمات التقنية المتطورة لهذا الغرض، وسيوفرون سبلاً آمنة تبتعد بالناس عن الإصابة بالأعراض الجانبية لسوء إستخدام التقنية الذكية.

قد يبدو الكلام إنشائياً. لكن اذا علمنا ان له تطبيقات عملية فردية هنا وهناك، نجح اصحابها بوعيهم، في بلوغ هذا الهدف الذي بات مطلباً ملحّاً في عالمنا العربي الإسلامي، فهناك جهود كبيرة لكتاب ومثقفين على شكل كتب، ومقالات، وبحوث، ودراسات، ومحاضرات، وانماط سلوكية، ومناهج مهنية، وطرق حياتية، وعلاقات اجتماعية، من الضروري تعميم هذه المبادرات الفردية، لأن خطورة ترك الشارع العربي يتحرك بإتجاه التهجين، سيضع المجتمع العربي في محنة جديدة، ستفرض عليه اللجوء الى قوة اقتصادية، أو عسكرية، قادرة على ضبط إيقاع الإزدواج والإضطراب الذي سيحصل في الشخصية بين قبولها الإضطراري بالواقع المادي، وبين ميلها الإختياري الى الوجود الروحي أو الديني، وهذا ما يجعل المجتمع يتقبل وجود قوى مالكة للمال والسلاح في السلطة، وان كانت تلك القوى فاشلة. وهذا مؤشر خطير في مجتمع لم يشهد رخاءً إقتصادياً، ولا تمكناً ثقافياً، ولا إستقراراً أمنياً منذ بدايات القرن الواحد والعشرين حيث الإحتلال الأمريكي للعراق والربيع العربي في مصر وتونس وليبيا واحداث الإرهاب والإضطراب السياسي الذي تلوح به تصريحات دول كبرى ومسؤولين كبار هنا وهناك.

يقول الدكتور الآلوسي في صفحة 185 من كتابه (الفلسفة والإنسان) (ان الفلسفة موجودة في أي مجتمع في الأقل منذ بضعة آلاف من السنين، موجودة في الفرد بأي درجة من الوعي أو عدم الوعي، وموجودة في المجتمع بشكلين بشكل وعي منظم، وبشكل شعبي اعتيادي يفصح عنه مجموع ما تواضع عليه المجتمع او فئات منه، وفي التقاليد ومختلف أشكال الشعور والتفكير والعمل لدى الجماعة...).

بهذا التعريف السهل والمبسط الذي قدّمه الدكتور جمال الدين الآلوسي للفلسفة وفي ضوء توقعات خبراء الذكاء الاصطناعي وشركات انتاج التقنية من ان المستقبل التقني الرقمي سيوفر تطبيقات ذكية تخاطب حاجات النفس وميولها في المستخدم وتعفيه من التفكير بوجود ذكاء اصطناعي مستعد وفي كل الاوقات لتقديم اجابات ونصائح ومقترحات وحلول لكل ما يخطر على بال المستخدم او يعترضه في حياته اليومية. ومع ما يمكن ان تحمله هذه التقنية المتطورة من خدمة كبيرة جداً، فإنها ستشكل خطراً على الجانب الإبداعي في الذات الانسانية المرتكز على قدرة العقل على التفكير والابداع، فإذا تعطل او اهمل هذا الجانب الأنساني، اصبح الانسان كتلة بشرية اقرب الى الآلة الذكية منه الى الإنسان الحيوي المبدع المفكر، واذا اصبح الانسان كتلة بشرية، تحول المجتمع الى تجمعات بشرية. واذا تحول المجتمع الى تجمعات بشرية، فقدت البشرية حضورها الحياتي واستحالت الحياة الى روتين لا بد منه، والاستمرار فيها مرهون بدرجة تفاعل تلك الكتلة البشرية بمنتجات شركات التقنية الرقمية، فالتسوق سيضحى ميزة حياتية، وستصبح كثرة الاستهلاك مؤشراً حياتياً. عندها سيمكن تعليب المشاعر وتسطيح العقول، وفرض الفردية كحل للتخلص من الحاح الضمير على تفعيل الشعور بالمسؤولية، وفي الحرية الرقمية مجال لهذا. لذا سنكون بحاجة الى وجود الفلسفة كنمط حياتي يعيشه كل شخص، يعطيه الشعور بأنه كائن متفوق، لا يزال قادراً على العطاء والابداع بوصفه فيلسوفاً بالقدر الذي تمليه عليه معرفته ودرجة تعليمه ومدى فهمه لحياته وتصوراته للواقع. فالفلسفة تحث صاحبها على الاستفهام والاستعلام، وادوات التقنية تساعده في الحصول على نتائج الاستعلام. ومن مزج الاستفهام بالاستعلام سيتمكن المستخدم من تكوين تصور ولو بسيط عن مكانه على خارطة العالم اليوم، واتجاه حركته فيها، لكي يتمكن من توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة وعيه، وان لا يخضع لهذه التقنية المتطورة كونها حل سهل متوفر مقبول. وبوجود الاستفهامات التي يطرحها علم الانثروبولوجيا وهو يدرس ثقافة عصر الانسان، سيتمكن المستخدم العربي من رؤية حاضره رؤية مستقبلية متواصلة مع الماضي. لا من حيث التقليد، ولا من حيث التقييد. ولكن من حيث إعادة بناء الزمن لتغيير النفوس من اجل تحريرها من قبضة القوة المهيمنة على المشهد الحياتي في حاضره التي ربما تكون قوة غير صديقة للانسان والبيئة.

***

د. عدي عدنان البلداوي

يبرر باحثون قدرة الذكاء الاصطناعي على إعادة تشكيل سلوكنا ومسؤولياتنا واختياراتنا، علاوة على قيامه باختلاق الإجابات في كثير من الأحيان فقط لأجل إرضاء السائل، من كون جزء من نظمه لا تجد خلاصا من التبرم من الشك وعدم اليقين، وهو أمر لا يكاد يخلو من هفوات وتخيلات لها علاقة بامتلاك الوعي أو نية لخداع البشر، بنفس الطريقة التي يفعلها الإنسان.

 بيد أن ما يقع حقيقة، هو أن البشر يُخدعهم أو يُضللون بسبب قدرات الذكاء الاصطناعي على محاكاة التفكير البشري أو إنتاج محتوى يبدو منطقيًا ومقنعًا. أما المنطقي في هذه المقاربة الغريبة، أن التقليد وليس الفهم الحقيقي، هو المتحكم في براديجم الذكاء الاصطناعي، الذي غالبا ما ينزاح إلى اعتماد أنماط البيانات السابقة مصدرا رئيسا لتوليد ردود أو حلول أو تطلعات، ويربكنا في استنتاج ذكائه على نحو مباغت، لكنه لا يفهم الأمور بوعي، بل يحاكي النتائج التي تتوقعها البيانات.

وفي حين تبدو قدرته على الإقناع أشبه بسيلان المياه، على اعتبار مدارة لغته المستفردة أو الصور التي ينتجها بشكل دقيق وواقعي، يمكن أن تخدع البشر وتجعلهم يعتقدون أن النظام "يفكر" أو "يفهم" كما يفعل الإنسان، فإن الذكاء الصنعي ينحو أيضا، إلى استغلال نقاط ضعف البشر، الواثقون بمقاربة العلم والمنطق، لأنه يُنتج محتوى متماسكًا وغالبًا مقنعًا، الشيء الذي يفضي إلى استغلاله حتى من دون قصد.

يتجلى ذلك بوضوح وجود فروق جوهرية بين الخداع العمدي وغير العمدي. فالخداع العمدي يتطلب تحقق نية ووعي، وهما صفتان لا يمتلكهما الذكاء الاصطناعي. أما الخداع غير العمدي فيحدث عندما يفسر البشر مخرجات النظام على أنها حقائق مؤكدة أو أحكام نهائية، في حين أن النظام يظل مجرد أداة تقدم معلومات قابلة للنقاش والتحقق.

ولا يحتاج تأويلنا في هذا الإطار، إلى استنتاج فرضية عدم خداع الذكاء الاصطناعي للبشر عمدًا، لكنه يمكن أن يجعلنا نخطئ في تقييم المعلومات إذا لم نستخدمه بحذر وفكر نقدي. وهو ما يؤكده باحثون في الذكاء الاصطناعي الأخلاقي، من بينهم الباحثان الغربيان تيمنيت جينسون، التي تناولت مخاطر الخداع والتحيز في النماذج اللغوية الكبيرة، ونِك بوستروم الذي يعري عن خطر التضليل الذكي للبشر إذا لم تُصمم الأنظمة بشكل آمن.

وعموما فإن ثمة تمايزات بين مختلف الدراسات المتخصصة في الحقل المذكور، تنظر للذكاء الاصطناعي كآلة خداعة كيدية مفتوحة محتملة للبشر، لكن هناك تركيز كبير على تصميم أنظمة شفافة موثوقة وقابلة للتفسير، حتى لا تُضلّل المستخدمين. فأي حديث عن “عدم خداع الذكاء الاصطناعي للبشر” عادة ما يكون ضمن إطار الشفافية والأخلاقيات والتفاعل البشري–الآلة.

على أن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي بأقصى درجة ممكنة من دون الوقوع في فخ خداع نتائجه، تظل هاجسا يتردد في برامج اختياراتنا وانتظامنا الدقيق تجاهه، في الحالة التي نتدبر فيه نوعية علاقتنا به وطريقة تعاملنا مع إمكانياته، باعتباره أداة مساعدة لا حَكَمًا نهائيًا. وهو ما يثير حقيقة الوعي بحدود الذكاء الصنعي، الذي لا "يفهم" العالم كما نفهمه نحن، بل يولّد مخرجات واحتمالات وبدائل اعتمادًا على أنماط البيانات. كما يمكنه التأسيس على نتائج ناجحة، لكن أيضًا قد ينتج أخطاء و"هلوسات"، ما يؤكد أيضا ضرورة أن "لا تأخذ أي نتيجة على أنها نهائية، بل قارِنها بمصادر متعددة وموثوقة". وذلك باستخدام قاعدة "الثقة ثم التحقق"، واستخدامه كأداة تفكير لا كبديل عن التفكير، وجعله نقطة انطلاق للأفكار والتحليلات، لا بديلًا عن الحكم النقدي. علاوة على الاستعانة به لصياغة الأفكار، جمع المعلومات، أو التلخيص، ثم إعادة صياغة وتكييف النتائج وفق الخبرة والممارسة المتكررة. أهم شيء في هذه الخطوات، التأطير الأخلاقي للموضوع، حيث الانتباه الدقيق لعدم استعمال الذكاء الاصطناعي في الغش الأكاديمي أو تضليل الآخرين. وهي ظاهرة تكاد تنتشر في العديد من القطاعات المعرفية ذات الصلة، حيث أضحى البحث العلمي والأكاديمي منطقة شبهة واحتيال ولصوصية، تنهي قطيعة متصلة بالقدرة المعرفية الحقة، الخالية من السرقة العلمية وتشويه الأبحاث والدراسات الأصيلة، بما فيها انتحال النصوص وإعداد الأبحاث والتقارير الجاهزة، والتضخيم الآلي للمعلومات وغير ذلك. لا يمكن بحال من الأحوال أن نسترد الذكاء الاصطناعي كمرآة للبيانات والمعرفة، دون الإيمان ب"لا بديل عن العقل النقدي"، ودون النظر في مستوى تعبئتنا للأخلاقيات العلمية والبحثية القائمة على تعزيز أدوات الكشف النظيف، وتنظيم قانوني وأخلاقي محكم، والتربية على النزاهة الرقمية، وتشجيع الاستخدام المسؤول والمحكم.

***

د. مصـطـفى غَلمان

النقاش الدائر بشأن «أصنام العقل» الأربعة، الذي عرضنا طرفاً منه في الأسبوعين الماضيين، محركه سؤال محوري، شغل بال المفكرين قروناً متطاولة. فحوى السؤال: هل يمكن الاعتماد التام على العقل في إنتاج القيم الأخلاقية؟

أفترض أن غالبية الناس سيضحكون ساخرين. ولعل بعضهم يقول: إن لم نثق بالعقل، فما الذي نثق به؟ وهل توجد وسيلة أخرى لإنتاج المعرفة والمعنى غير العقل؟

الحقيقة أن أناساً آخرين قد أجابوا فعلاً، قائلين إنه يوجد مصدر آخر أعلى من العقل، أو إن العقل بحاجة إلى ميزان يرجع إليه كي يتحقق من صحة أحكامه.

من الواضح أن الشكَ في كفاية العقل راجعٌ إلى وجود عوامل تؤثر عليه، فتجعله منحازاً في أحكامه أو متعثراً في فهمه الموضوعات. إن «أصنام العقل» المذكورة مثال على تلك العوامل التي تأخذ العقل بعيداً عن الصواب. وقد أسلفنا القول إن بعضَها كامنٌ في الإنسان نفسه، وبعضها في محيطه الثقافي - الاجتماعي، وهي تتعاضد في توجيه العقل نحو مسارٍ محدد؛ منحازٍ غالباً، وبالتالي فلن نتيقن من سلامة ما يتوصل إليه.

نعرف من الفلسفة القديمة رؤية سقراط وتلاميذه، التي أقامت منظومات الأحكام والقيم على أرضية القانون الطبيعي. وخلاصة هذه الفكرة أن العالم نظام متقن، تتحرك أجزاؤه في مسارات دقيقة، كي تحقق غاياتٍ وأغراضاً ذات أهمية لحياة البشر. هذه الغايات هي التي تضفي على النظام قيمته وهي التي تخبرنا حقيقته.

انطلاقاً من هذه الرؤية، قالوا إن أفضل نظام اجتماعي هو الذي يستلهم مسارات النظام الكوني وأغراضه. بعبارة أخرى؛ إننا نحكم بصحة المعارف التي ينتجها العقل إذا تلاءمت مع نظام الطبيعة الذي نعرف سلفاً أنه صحيح وكامل.

بالمقياس نفسه، فقد افترض هذا التيار الفلسفي أن القيم الأخلاقية الكبرى موجودة في نظام الطبيعة، من قبل أن يتوصل إليها الإنسان؛ لأن «الأخلاق» في أبسط صورها هي «الملاءمة بين ما يريد الإنسان فعله، وما ينبغي له فعله»، أي بين الصورة الواقعية والصورة النموذجية للفعل. هذه الصورة النموذجية هي التماثل التام مع متطلبات النظام الطبيعي. من هنا قالوا إن العقل لا ينتج القيم الكبرى والأخلاقيات، بل يستمدها من النظام الطبيعي.

انتقلت هذه الرؤية إلى المجتمع المسلم حين انفتح على علوم الأمم الأخرى. وقد أثرت بقدرٍ ما. لكن المفكرين المسلمين طوروا نموذجاً بديلاً، حين أضافوا الوحي مصدراً للمعرفة والأخلاقيات، وقللوا بقدرٍ ما من دور النظام الطبيعي. ثم انقسم الفكر الإسلامي إلى اتجاهين: اتجاه «أخباري» شدد على محورية الوحي ونصوصه الصريحة. واتجاه أعلى من شأن العقل، وربما قدّمه على نصوص الوحي. وأبرز رموز هذا الاتجاه هم «المعتزلة» الذين قالوا إن العقل دليل كامل، ولولاه ما عرفنا الله ولا وجوب طاعته، ولا عرفنا ضرورة الرسل وصدق الرسالات. إن الله خلق العقل وجعله رأس كل الموجودات في العالم، وأرجع إليه قيمة الإنسان. فالإنسان العاقل هو المخاطَب بأوامر الله وتعاليمه، وهو خليفته في أرضه. كما قالوا إن الخلق والرزق والعقائد وأحكام الشرع... ترجع، في منطلقاتها وبنيتها ومبرراتها، إلى قواعد علمية أو منطقية يقبلها العقلاء. ولذا؛ فـ«العقل مصدر منفرد للتشريع». ولتبرير هذا الرأي الخطير، توسعوا في التأسيس المنطقي لقاعدة «التحسين والتقبيح العقلِيَّين». وخلاصتها أن كل فعل بشري ينطوي في ذاته على قُبح أو حُسن، قابلَين للإدراك بواسطة العقل. فإذا تعرف العقل على حُسن الفعل أو قُبحه، بات قادراً على الحكم بالمكافأة أو العقاب. وهذا هو جوهر فكرة الأمر والنهي الإلهيين.

هذا ما اتسع له المقام اليوم، وآمل أن نعرض رؤية الأخباريين، والمرحلة الأوروبية، في مقبل الأيام.

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

سلسة مفكرون يهود ضد الصهيونية (1)

ترتكز السياسات العنصرية التي تمارسها اسرائيل في فلسطين وغيرها من دول المنطقة على مجموعة من المقولات التي تتبناها الحركة الصهيونية، وتسعى بشتى السبل أن توهم الآخرين بصحتها على ما فيها من تهافت وهِنات، كما أنها تهدف الى تصوير أن ما تؤمن به يعبر عن المقاربة اليهودية الوحيدة التي يؤمن بها اليهود في العالم، وهذا غير صحيح إطلاقاً، من هنا سنسعى في هذه السلسلة الى تسليط الضوء على المقاربات النقدية للحركة الصهيونية، والمنظومة الفكرية التي تستند إليها، فضلاً عن السياسات والجرائم التي تنتج عنها، وهي مقاربات قدّمها مجموعة من المفكرين والفلاسفة اليهود نقداً للحركة الصهيونية.

ومن وجهة نظري لا يمكن الإبتداء بهذه السلسلة دون الإنطلاق من الفيلسوف الهولندي باروخ اسبينوزا (1632-1677م)، وطبيعي أن يُثار تساؤل تحقيبي يتعلق بأن المدة التي عاشها اسبينوزا سبقت الحركة الصهيونية بكثير، فكيف يكون ناقداً لها؟ وهذا صحيح تأريخياً، إذ أن الحركة إنطلقت بشكلها الفعلي عندما تمكن ثيودور هرتزل من عقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية عام 1897م، أي بعد ما يربو على القرنين على وفاة اسبينوزا، إلا ان ذلك لا يمنع من تأكيد محورية الأخير في هذا السياق، فمن جهة هو من أبرز ناقدي السردية اليهودية الرسمية التي قامت عليها الحركة الصهيونية بعد ذلك، كما انه أثرّ في العديد من المفكرين اليهود الذين نقدوا الصهيونية لاحقاً كحنة أرنت وإسحاق دويتشر وغيرها، فضلاً عن أهمية اسبينوزا في السياق الفلسفي الغربي، ودوره في تشكيل فلسفة الحداثة والعقل النقدي والفلسفة التأريخ، وليس من قبيل الصدفة أن يشير الفيلسسوف الألماني فردريك هيغل في محاضراته حول فلسفة التأريخ إلى أن (لا يمكن أن تكون متفلسفاً لما لم تكن أسبينوزياً)، وهي إشارة مكثفة الى مركزية الفكر الفلسفي لاسبينوزا وأثره في الفلسفة الغربية الحديثة من خلال مؤلفاته الكثيرة، والتي من أهمها (رسالة في اللاهوت والسياسة).

وقد ولد اسبينوزا في مدينة امستردام لعائلة يهودية هربت من البرتغال جرّاء الاضطهاد المسيحي الكاثوليكي لليهود، وبدأ التعلم في مدرسة يهودية، ودرس التوراة وشروحات التلمود، ثم بدأ يدرس خارج السياق التعليمي اليهودي، وعبر تفكيره النقدي ينطلق في رحلة التشكيك في المقولات التي ترتكز عليها السردية اليهودية، طارحاً مجموعة من الإشكالات والتساؤلات التي سبّبت له الكثير من المشاكل، ولم تنفع معه محاولات الإقناع، ومساومات الترغيب والترهيب التي مارسها الحاخامات اليهود معه، وبين محاولة قتل فاشلة أقدم عليها أحد اليهود المتعصبين، إلى رشوة مالية كبيرة لشراء سكوت عقله النقدي، وغيرها من السبل التي أعجزت كبار اليهود ورجال الكنيس، وكلها لم تجد نفعاً مع الشاب الشكاك النقّاد، الأمر الذي قادمهم لاحقاً الى تطبيق قانون (الحرم) ضده عام 1656م من قبل مجلس الحاخامات البرتغالي في مدينة أمستردام، أي جعله عرضةً للحرمان الديني وإخراجه من الجماعة اليهودية، وإنزال اللعنات عليها، ومقاطعته ومنع تقديم المساعدة له، ونبذه ملعوناً في الحياتين الدنيا والآخرة، وهو لعن وحرمان مستمر حتى اللحظة الراهنة، وقد كانت ثمة محاولات لإخراجه من اللعن، كانت ابرزها محاولة ديفيد بن غوريون، رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق ومؤسس الكيان الصهيوني الذي حاول أرسل طلباً إلى مجلس الحاخامين البرتغالي من اجل إلغاء قرار الحرمان عام 1953م ، إلا أنه قوبل بالرفض القاطع.

وإذا كانت الحركة الصهيونية تقوم على مقولات إلهية المتن التوراتي، وأبدية الشريعة الموسوية، وخصوصية اليهود كشعب الله المختار، وأن لديهم خصوصية التفوق على غيرهم من الشعوب، فإن أسبينوزا لديه رأي آخر، وهذه أبرز إشكالاته:

أولاً: يعتقد اسبينوزا أن التوراة الموجودة عند اليهود ليست نصاً إلهياً، ولم يقم النبي موسى (ع) بكتابتها بنفسه، وإنما كتبها آخرون بعده بكثير، ولاسيما الكتب الخمسة الأولى منها، إذ كيف يعقل أن يكون النبي موسى قد كتبها وهي تتحدث عن وفاته فتشير إلى أن عندما توفي موسى عبد الله حزن العبرانيون عليه لمدة ثلاثين يوماً!، ويرى أسبينوزا أن التوراة لم تظهر ككتاب واحد إلا بعد قرون عدة، كما أنها تعبر عن نص متناقض يكشف عن أن من جمعه ليس شخص واحد، بل مجموعة من الأشخاص.

ثانياً: يرفض أسبينوزا الدعوة التي يطلقها الحاخامات اليهود من أن شروحات التلمود ترجع الى النبي موسى، وأنهم حصروا عملية تفسير الشروحات بهم فقط، وهي محاولة لاختزال تفسير النصوص الدينية بهم من أجل تحقيق المركزية السلطوية، كما ينتقد موسى بن ميمون الذي كان يعتقد أن نضص التوراة حمال أوجه، إذ يرى اسبينوزا أنه نص متناقض، وليس حمال أوجه، ما دامت الاحتمالات متناقضة مع العقل لا يمكن القبول بها، وكل تعارض توراتي أو تلمودي مع العقل فإنه يجب أن يخضع للتفسير المجازي.

ثالثاً: إنطلق أسبينوزا في تحليله للطقوس والشعائر اليهودية من منطلق الرؤية التاريخية، فهي كانت مفيدة للجماعة اليهودية في وقتها، أي في مدة تأريخية محددة؛ لأنها ساعدت في تنظيم حياتهم، والحفاظ على هويتهم، وبعد زوال تلك المدة، وتبدل الأوضاع، وتطور الحياة، لم تعد هناك حاجة لتلك الطقوس والشعائر، ومن الخطأ بمكان النظر إليها بطريقة تأبيدية دائمة، ويرى أنه بعد تهديم الهيكل إنتهى دور شريعة موسى، لأنه بمجرد أن أضبح اليهود مواطنين في بابل، فإن مملكة الرب إنتهت، وأن العهد الذي على اليهود الالتزام به قد نُسخ وإنتهى، وهذا خلاف ما تؤمن به اليهودية الآن، وترتكز عليه السياسة الصهيونية في التثقيف لطقوس وشعائر في أرض فلسطين المحتلة.

رابعاً: تتحجج الصهيونية بأرض الميعاد، وأنهم شعب الله المختار بالمعنى الميتافيزيقي، وهو ما يرفضه اسبينوزا، فلا ميزة لليهود على غيرهم من الشعوب، إذ يرى أن اليهود لا يتميزون عن الآخرين برجاحة العقل، وليس لديهم مؤهلات خاصة، وأنهم الموعودون بأرض الميعاد التي خصهم الله تعالى بها، وأسبينوزا بهذا يرفض ما تقوم عليه السردية اليهودية، ويستند إليها الجهاز الإيديولوجي الصهيوني، ويشتغل عليها ويثقف ليلاً ونهاراً.

خامساً: يعتقد اسبينوزا أن الدين يهدف الى بناء الفضيلة، وإقامة الحياة الفاضلة في المجتمع الانساني، وليس إلى أقامة دولة ثيوقراطية قائمة على المقولات الدينية التي تؤمن بها الجماعات اليهودية، فهذه خلاف غائية الدين من وجهة نظره، لأنه أكثر رحابة من السياسة الصهيونية الهادفة الى إقامة دولة عنصرية على أساس إقصائي متقوم على قراءة دينية متعصبة.

***

د. محمد هاشم البطاط

إذا كانت المحاكاة والتشابه في الأفكار والتناغم في الرؤى والاتفاق في المقاصد يثبت وجود تواصل بين أذهان حكماء الشرق ومتفلسفي الغرب الأوائل وتأثر اللاحق على السابق منهم؛ فإنه يبرهن أيضًا على أن العقل الجمعي الذي استقوا منه جميعًا حكمتهم وآرائهم ونقودهم لكل ما يتعارض مع نسقية بنية أخلاقهم، هو نبع واحد وهو جوهر الحكمة ويقين الكمال والجمال الذي لا يدانيه شيء في السمو أو الرفعة في المقام لذا سوف نجد أثر ذلك في تماثل غرابيل حكماء مصر ونظائرها في الصين وفارس ومدارس الفلسفة في اليونان؛ فنجد فيلسوف الصين العظيم لا وتزو (604:531 ق م) يقول (إذا كان الطاو هو طريق الاستقامة والحق فإن الصدق بابه ومن اجتهد للوصول إليه ليسفر بالسعادة فعليه أن يتجنب الكذابين والمخادعين والمرتابين في طبيعة الطاو المستقيمة الخيرة فالفعل الصادق هو الدليل والبرهان على إخلاص النوايا وليس في الأقوال ولا تبني الشعارات ولا في التظاهر بالاستقامة فالطاو لا يخدع ولا يقنع إلا بالعمل). وعلى هذا الدرب يقول الحكيم الصيني الأشهر كونفوشيوس (479:551 ق م) (إن النفس الإنسانية تولد صفحة بيضاء أميل إلى الخير في طبيعتها وإلى الصدق في أخبارها وإلى العفة في سلوكها غير أن العادات والتقاليد السائدة تؤثر على هذه الفطرة وعليه فالكذب والرياء والنفاق والخيانة وما يلحق بها من رذائل تكتسبها النفس من بيئاتها) ويقول أيضًا (لما كان الصدق لا يمكن فصله عن استقامة الطبيعة البشرية وسعادتها في المستقبل فإن الكذب يفسد أصلها وتطورها ومن العسير أن تجد أثرًا للفضائل ولاسيما بين الكذابين والأدعياء والمنافقين).

وإذا ما انتقلنا إلى حديث نبي التوحيد في الحضارة الفارسية: زرادشت (551:628 ق م) نجده يستفيض في عرض عين المعنى مبينًا (إنّ الباحث عن الحق والنور والخير الأسمى سوف يجدهم في معيّة الصادقين بينما نجد الكذب لا يبرح مجالس شرار الناس فدستورهم هو الباطل والخديعة والخيانة. واعلم أن الصادق هو القوي الحريص على طهارته والغني بفضائله بينما الكذوب هو الذليل، وإن تجبر، وهو التعيس وإن تظاهر بالسعادة؛ فالشجاع يستمد قوته من صدقه مع ذاته أمّا المخادع فلن يجد في سريرته سوى الضعف والخوف والقلق).

وإذا ما انتقلنا إلى سقراط وأفلاطون سوف نجد كلاهما قد ربط بين استحسان العقل للصدق في رحلة البحث عن الحقيقة من جهة والشجاعة والحرية والكمال والجمال من جهة أخرى فجعلاه منهاجًا عمليًا تطبيقيًا لمعالجة الأزمات السياسية وتهذيبًا وتثقيفًا للمعارف التي يجب على المعلمين اتباعها في برامجهم التربوية لتخليص الأذهان من خرافات الأساطير بعد نقدها وأكاذيب الشعراء الخياليّة وادعاءات المروجين للأقوال السفسطائية وعلى الرغم من اتفاقهما على أن الكذب لا يحوي سوى الشر والإفك والزيف والتجديف وإضلال وعي الفرد وتقيد حريته وكمال ذهنه وإفساد المجتمع وتماسكه واستقامة حكامه وعدالة قوانينه بل والتجديف على عالم الألوهية أيضًا.

فاذا ما طالعنا آراء سقراط التي رددها تلاميذه من بعده فسوف نجدها تنطق بلسان محاوراته (فالكذب عنده يعبر عن مفسدة النفس والعلاقات بين أفراد المجتمع، وذلك بادعاءاته ودسه وخلطه وتزويره وتزيفه للحقائق وتشكيكه في قيمة الحكمة التي ينتجها العقل المستنير ورسوخ الفضائل في المدن الراغبة عن الرذائل، وأنه مفسد للعقول بإفراطه في القدح والمدح والنفاق والتهوين والتهويل. أمّا الكذبة النبيلة التي رددها تلاميذه من بعده فهي عنده لا تخلو من الشر المتواري وراء الحقائق المزيفة فمن ثم لا تبرأ من الشر والخديعة أيضًا حتى إذا كانت من أجل صالح الجمهور والحفاظ على الهويّة والإخلاص في حب الوطن).

كما بين أفلاطون أن هناك مواضع ومواقف يجب على قادة الرأي في المدن الفاضلة اتباعها منها مسايرة الجمهور فيما يعتقدون من أمور مقدّسة حتى إن كانت مخالفة للعقل أو لم يثبت صحتها أو صدقها كما يبيح صاحب الجمهورية اصطناع بعض الأكاذيب محدودة الشر لتهدئة النفوس الثائرة أو العقول الجامدة لأن تلك الأذهان غير مهيئة لقبول الحقيقة المقطوع بصحتها دفعة واحدة أو الاستماع إلى ما يخالف ما ورثوه من معارف، ورسخ في مخيلاتهم من معتقدات فها هو أفلاطون يقول (إن الكذب يكون جائزاً في الحرب لخداع الأعداء أو خلال الثورات أو هياج السوقة والحمقى غير المنضبط فالكذب يهدأ من روعة الغاضبين وكذا في تصور الوقائع التي يصعب على العوام إدراكها إما لقدمها أو لصورها التي لا تدركها العقول البسيطة أو الجاهلة ويضيف أن الصور التي نقلها هوميروس عن عالم الآلهة هي محض كذب؛ لأنها تسيء للدين وتحرض الشباب على الألحاد وعليه يجب إقصاء كل المزورين ومزيفي الأحداث التي تجري في عالم المثل وخارج أسوار المدينة الفاضلة).

ولم يخالف أرسطو (348:322 ق.م) أستاذه صاحب الأكاديمية فيما ذهب إليه تجاه حكمه على قيمة الصدق والكذب فقد ذهب المعلم الأول إلى أن الصدق وسط عادل وفاضل بين رذيلتين كلاهما كاذب (فالمبالغة والتعمية طرفين لحقيقة تبرأ منهما. وإن كان أرسطو ينحاز إلى المبالغة في مدح الأخيار غير أنه يقبل كل صور قدح الأكاذيب لعظم شرورها غير أنه يعود ليؤكد أن الرجل الصادق هو الذي ينتصر دومًا للحقيقة بمنأى عن أي شكل من أشكال المصلحة أو المنفعة حتى إذا كان المنتفع هو نفسه أو ذويه؛ فالرجل الصادق عنده هو الذي يُصرح بالحق ولا يكتمه بقطع النظر عن أن يكون هذا التصريح مخالف لوجهته أو  ضارًا لمنفعته.

ويقول أيضًا أن الشخص الشريف يقول الصدق دومًا وعليه يستحق المزيد من الإعزاز والاحترام).

***

تلك كانت أشهر أقوال حكماء الشرق وأكبر فلاسفة الغرب الأخلاقية الكلاسيكية التي أثرت بطبيعة الحال في جل خطابات التربويين اللاحقين عليهم في سائر الثقافات على تباينها واختلاف أزمانها والوعاظ والأدباء والمعلمين وأحكامهم على تلك الثنائية التي لعبت ومازالت تتحكم وتقود وتوجه أقوالنا وسلوكياتنا بل وجداننا ومشاعرنا أيضًا فعلى الرغم من تباين منابت الأفكار الرئيسة التي شكلت بنية خطاباتهم جمعيًا تجاه فضيلة الصدق ورذيلة الكذب؛ فإنها تحتاج إلى رياضة (قراءة القراءة) التي ينتهجها المتفلسفة المعاصرين في تحليلاتهم النقديّة وابداعاتهم التأويلية ومراجعاتهم النسقية.

فلا غرو فإن تلك الأقوال قد نجحت في جعل هاتين القيمتين التطبيقيتين (الصدق والكذب) بمثابة حصر الزاوية أو السياج الحاوي للمباحث الفلسفية الرئيسة (الوجود، المعرفة، القيم) فجعلوا الصدق هو جوهر الوجود والهويّة، وقرين الحقيقة والمرادف للمرايا العاكسة للواقع وهو أيضاً معيار صحة وسلامة التأملات والاستنتاجات والتجارب والتحليلات والتوقعات المخططة للمستقبل، ذلك فضلًا عن كون الصدق شقيق الخير، ورفيقاً للحب والوفاء، وتاجاً رفيعاً يتميز به الحكماء العاشقين للكمال والجمال والجلال؛ وهو أعلى درجات سلم الرقي إلى عالم المثل والنقاء حيث مقام الأرواح الخالدة والسعادة الدائمة بمنأى عن عذابات المادة وشهوات الجسد.

أمّا الكذب فقد جعلوه في آخر دركات الرذائل وأعمق أخاديد الخبث والدهاء، ليكون منبع الشرور التي يصطنع منها الشيطان وندمائه من البشر آلياتهم لتضليل العقول وإغواء الأنفس وإفساد الأذواق وثمل الأعين وإعماء البصائر عن سبيل الرشاد، ونشر الفتن والكراهية والتجديف والتحريف والتزييف، وغير ذلك من المهلكات التي حرص أولئك الحكماء على التحذير منها والسير في ركابها.

وعلى الرغم من ذلك التوافق النسقي في السرد، وذلك المضمون العقلي في الترغيب والترهيب، ووحدة المقصد في غاية كل الخطابات رغم تعدد منابت مصادرها؛ فإن الرؤية النقديّة تقودنا إلى الإشادة بعبقرية الحكماء التي قامت بتطويع خطاباتهم الوعظية لخدمة النهوج التربوية من جهة -التي يقوم بها الأبوين في البيت والمعلمين والمثقفين في المجتمع أيضاً - والطابع العام للفلسفات -الخاص لكل منهم على حدى - التي أنتجت ذلك الخطاب النقدي الرائع من جهة أخرى.

فاذا ما قمنا بتحليل الفكر المصري القديم حيث أقوال تحوت وقصص أيزوريس ونصائح أمحوتب سوف نجدها قد انطلقت من البنية الغنوصية الأسطورية ونجحت في بلورة خطابها الوعظي على نحو مفاده أن ما جاءت به تجاه الحكم على قيمتي الصدق والكذب ما هو إلا ترديد لصوت عالم الكمالات حيث الحق في ذاته والخير المحض الذي لا يرشد إلا للمصلحة والمنفعة في الدنيا ويمهد الطريق لمن يتبعهم إلى السعادة والهناء في العالم الآخر؛ الأمر الذي يتفق تمامًا مع الطابع الرئيسي لعقيدتهم التوحيدية وإيمانهم بالقدر وخيرية العمل والثواب والعقاب.

وقد سار على نفس النهج زرادشت ويرجع ذلك إلى قوة فكره العقدي المؤمن (بالتوحيد الإلهي) وعبقريته في تطويع النسيج الأسطوري الموروث الذي تحدث عن صراع الشيطان والخير (أهرمان وأهرمزه)؛ فجعل الكذب هو صوت أهرمان الشرير. أما الخير والصلاح والفلاح فيمثله أهرمزه. وعلى الرغم من براعة زرادشت وعقلانية خطابه إلا أن أثره لم يقدر على تبديل الفكر السائد المفعم بالصراع الدموي والمستغرق في الرذائل واللذائذ المادية.

وللحديث بقية لاستكمال قراءتنا لبنية خطابات حكماء الشرق وفلاسفة الإغريق الأخلاقيّة.

***

بقلم: د. عصمت نصّار

 

مقاربة إدماجية

"إن الوعي بالكلمات يؤدي إلى الوعي الذاتي، إلى معرفة الذات، إلى الاعتراف بالذات."

مقدمة: يُعد الضمير الإنساني مفهومًا مركزيًا في الفلسفة الأخلاقية والدراسات الإنسانية، حيث يمثل البوصلة الأخلاقية التي توجه سلوك الفرد والمجتمع تجاه العدالة والرحمة. في سياق الجرح الفلسطيني والألم العربي، يبرز الضمير الإنساني كمحور لفهم التفاعل بين القضايا الإنسانية والسياسية، حيث يعكس الصراع الفلسطيني جرحًا عميقًا يمتد تأثيره إلى الوجدان العربي ككل. تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف الضمير الإنساني من خلال مقاربة إدماجية تجمع بين التحليل الفلسفي والاجتماعي والسياسي، مع التركيز على القضية الفلسطينية كمحفز رئيسي للألم العربي الجماعي.

الإشكاليات التي يمكن اثارتها هي: كيف يتشكل الضمير الإنساني في سياق الجرح الفلسطيني؟ وما هي العلاقة بين هذا الجرح والألم العربي الجماعي؟ وكيف يمكن لمقاربة إدماجية أن تسهم في فهم هذه الظاهرة ومعالجتها؟ ومتى يتم انهاء المعاناة اليومية للفلسطينيين ويتم رفع الظلم عنهم بشكل نهائي؟

 مفهوم الضمير الإنساني

الضمير الإنساني هو القدرة الفطرية أو المكتسبة التي تمكن الفرد من تمييز الصواب من الخطأ، وفقًا للفيلسوف عمانويل كانط، الذي يرى أن الضمير هو "القانون الأخلاقي داخلنا" (1785). في سياق دراستنا، يُنظر إلى الضمير كجسر بين الفرد والجماعة، حيث يتفاعل مع القضايا الإنسانية الكبرى مثل الظلم والاحتلال.

 الجرح الفلسطيني

القضية الفلسطينية تمثل جرحًا تاريخيًا ومستمرًا يتمثل في الاحتلال، التهجير، والمعاناة الإنسانية. بحسب إدوارد سعيد، فإن الفلسطينيين يعيشون حالة من "المنفى الدائم"، مما يجعل قضيتهم رمزًا للظلم العالمي. هذا الجرح يتجاوز الحدود الجغرافية ليصبح قضية إنسانية تشغل الضمير العالمي.

الألم العربي

الألم العربي هو تعبير عن الشعور الجماعي بالعجز والتضامن مع القضية الفلسطينية، وهو يتغذى من التاريخ المشترك والتحديات السياسية والاجتماعية في العالم العربي. إن الألم العربي هو نتاج تراكم الهزائم السياسية والاجتماعية التي عززت الشعور بالاغتراب.

تعتمد هذه الدراسة على مقاربة إدماجية تجمع بين:

التحليل الفلسفي: لفهم الضمير الإنساني وعلاقته بالأخلاق.

التحليل التاريخي: لتتبع تطور الجرح الفلسطيني وتأثيره.

التحليل الاجتماعي: لدراسة الألم العربي كظاهرة جماعية.

الضمير الإنساني والجرح الفلسطيني

القضية الفلسطينية تُحفّز الضمير الإنساني من خلال مواجهة الفرد لصور الظلم اليومية، مثل التهجير القسري وانتهاكات حقوق الإنسان. بحسب تقارير الأمم المتحدة ( 2023)، فإن أكثر من 5 ملايين فلسطيني يعيشون كلاجئين، مما يجعل القضية رمزًا للمعاناة الإنسانية. هذا الواقع يضع الضمير الإنساني أمام تحدي الأخلاق: كيف يمكن للفرد أن يبقى محايدًا أمام هذا الظلم؟

الجرح الفلسطيني والألم العربي

الجرح الفلسطيني يُعدّ مرآة تعكس الألم العربي الجماعي، حيث يرى العرب في القضية الفلسطينية انعكاسًا لتحدياتهم السياسية والاجتماعية. إن 78% من العرب يعتبرون القضية الفلسطينية قضيتهم المركزية، مما يعزز التضامن ولكنه يعمق الألم الجماعي نتيجة الشعور بالعجز.

المقاربة الإدماجية تقترح أن فهم الضمير الإنساني يتطلب ربط الأبعاد الأخلاقية (الضمير)، السياسية (الصراع)، والاجتماعية (الألم الجماعي). على سبيل المثال، يمكن للضمير الإنساني أن يُحفّز العمل الجماعي، مثل المقاطعة الاقتصادية التي تهدف إلى الضغط على الاحتلال، مما يعكس تفاعلًا إيجابيًا بين الضمير والعمل السياسي.

تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز الوعي بالقضية الفلسطينية:

 تُعد وسائل التواصل الاجتماعي منصة حيوية في العصر الحديث لنشر الوعي وتعبئة الرأي العام حول القضايا الإنسانية، ومن بينها القضية الفلسطينية. في سياق الضمير الإنساني، تلعب هذه الوسائل دورًا محوريًا في ربط الجرح الفلسطيني بالألم العربي الجماعي، حيث تسهم في تشكيل الوعي الأخلاقي والسياسي. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز الوعي بالقضية الفلسطينية ضمن إطار مقاربة إدماجية تربط بين الأبعاد الأخلاقية، الاجتماعية، والسياسية. فكيف تسهم وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز الضمير الإنساني تجاه القضية الفلسطينية؟ وما هي التحديات التي تواجه هذا الدور في سياق الألم العربي؟

وسائل التواصل الاجتماعي والضمير الإنساني

توفر وسائل التواصل الاجتماعي فضاءً عامًا رقميًا يتيح للأفراد مناقشة القضايا الإنسانية وتشكيل الرأي العام. في سياق القضية الفلسطينية، تُعد هذه المنصات أداة لتحفيز الضمير الإنساني من خلال نشر صور وروايات المعاناة

 الجرح الفلسطيني في الفضاء الرقمي

القضية الفلسطينية وجدت في وسائل التواصل الاجتماعي أداة قوية لتوثيق الانتهاكات، مثل هدم المنازل واعتقال الأطفال. بحسب تقرير صادر عن منظمة "إعلاميون بلا حدود" (2023)، فإن 65% من الأخبار المتعلقة بالقضية الفلسطينية في العالم العربي يتم تداولها عبر منصات مثل تويتر (إكس) وإنستغرام.

الألم العربي والتضامن الرقمي

وسائل التواصل الاجتماعي عززت من التضامن العربي مع القضية الفلسطينية من خلال حملات مثل الشيخ_جراح وأنقذوا غزة التي حظيت بانتشار واسع. هذه الحملات ساهمت في تحويل الألم العربي من شعور بالعجز إلى فعل مقاومة رقمية.

تعتمد الدراسة على مقاربة إدماجية تجمع بين: تحليل المحتوى: دراسة منشورات مختارة من منصات التواصل الاجتماعي (تويتر/إكس، فيسبوك، إنستغرام) خلال أحداث بارزة (مثل تصعيد 2021 في غزة).

التحليل الاجتماعي: استكشاف تأثير هذه المنصات على الرأي العام العربي.

التحليل الأخلاقي: تقييم كيفية تحفيز الضمير الإنساني عبر الروايات المرئية والمكتوبة.

 دور وسائل التواصل في تعزيز الوعي بالقضية الفلسطينية

وسائل التواصل الاجتماعي سمحت للفلسطينيين بتوثيق معاناتهم مباشرة، مما قلل من هيمنة الروايات الإعلامية التقليدية. على سبيل المثال، خلال أحداث حي الشيخ جراح (2021)، انتشرت مقاطع فيديو على إنستغرام وتويتر تُظهر عمليات الإخلاء القسري، مما أثار تعاطفًا عالميًا وعربيًا واسعًا. إن 82% من الشباب العرب يعتمدون على وسائل التواصل كمصدر رئيسي للمعلومات عن القضية الفلسطينية.

 تحفيز الضمير الإنساني

الصور والفيديوهات التي تُظهر معاناة الأطفال والمدنيين تحفز الضمير الإنساني بشكل مباشر. إن الروايات المرئية تؤثر على المشاعر أكثر من الإحصاءات، مما يجعل وسائل التواصل أداة فعالة في تعبئة التضامن. على سبيل المثال، حملة غزة تحت الهجوم جذبت ملايين التفاعلات، مما عزز الضغط على الحكومات والمنظمات الدولية.

التحديات

الرقابة الرقمية: منصات مثل فيسبوك وإنستغرام تُتهم بحذف المحتوى الفلسطيني بناءً على خوارزميات أو ضغوط سياسية. تقرير " مراقبو حقوق الإنسان " (2021) وثّق مئات الحالات التي تم فيها حظر منشورات تتعلق بالقضية الفلسطينية.

التضليل الإعلامي: انتشار الأخبار المغلوطة يُضعف مصداقية بعض الحملات.

التعب الرقمي: كثرة المحتوى المؤلم قد تؤدي إلى انخفاض التفاعل بسبب الشعور بالعجز.

خاتمة

"يولد الضمير أحيانًا من الندم."

وسائل التواصل الاجتماعي أعادت صياغة الضمير الإنساني تجاه القضية الفلسطينية من خلال توفير منصة للتوثيق المباشر والتضامن الجماعي. ومع ذلك، تواجه هذه الوسائل تحديات مثل الرقابة والتضليل. توصي الدراسة بتعزيز التثقيف الرقمي للشباب العرب لاستخدام هذه المنصات بفعالية، إلى جانب الضغط على الشركات التقنية لضمان حرية التعبير. الضمير الإنساني يمثل جسراً بين الجرح الفلسطيني والألم العربي، حيث يعكس تفاعل الفرد والمجتمع مع الظلم. المقاربة الإدماجية تُظهر أن هذا الضمير ليس مجرد شعور داخلي، بل قوة دافعة للعمل الجماعي والتضامن. فكيف يمكن العمل على تعزيز الوعي الأخلاقي والسياسي بالقضية الفلسطينية من خلال التعليم والإعلام لتحويل الألم العربي إلى فعل مقاومة إيجابي؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

في زمن الفتن والاصطفافات الطائفية والهوياتية، تتضاءل فرص الاعتدال السياسي، وتزداد أشكال التشدد الديني والسياسي. ولعل نظرة واحدة للعالم العربي اليوم، نكتشف أن من ضحايا الظروف الراهنة في المنطقة، هو تراجع الاعتدال السياسي، وبروز كل أشكال التطرّف والتشدد. بحيث أصبح المعتدل في موقع الضعف والاهتراء. وأصبح التشدد هو عنوان اللحظة الراهنة على كل المستويات.

وهذا بطبيعة الحال، يزيد من الاحتقانات والتوترات، ويعلي من شأن كل العصبيات.

وكل هذا ينعكس مزيداً من غياب الاعتدال وبروز كل أشكال التشدد والتطرف. بحيث يصبح الخطاب المعتدل غير مقنع لأحد، وكل طرف بصرف النظر عن طبيعته وجوهره، يبرز جوانب التشدد لديه. ونظرة واحدة وعميقة في المشهد السياسي العراقي، نشعر أن الجميع يزداد اشتعالاً وتشدداً. ولعل من مآزق المشهد السياسي العراقي اليوم، هو بروز كل نزعات التشدد واضمحلال كل أشكال وعقليات الاعتدال السياسي لدى الجميع. ومن يبحث عن الشعبية والتأييد الاجتماعي لأفكاره ومشروعاته، يجد أن لا طريق أمامه للحصول على كل هذا، إلا التشدد والبعد عن الاعتدال السياسي.

فالجميع بدأ يشعر أن الاعتدال يضيع مشروعه، ويفقده الحضور الاجتماعي المؤيد له. وهذا الكلام ينطبق على كل المساحات العربية بدون فرق جوهري كبير بين كل الساحات العربية.

ولا ريب أن ضعف الاعتدال وبروز التشدد الديني والسياسي، ليس هو الطريق الذي يحافظ على المكاسب العربية. بل إننا نعتقد وبعمق أن التخلي عن نهج الاعتدال السياسي والتمسك بمعالمه وضروراته، يساهم في انسداد الأفق السياسي على المستوى البعيد.

صحيح أن التشدد يزيد من فرص الالتفاف الاجتماعي، ولكنه لا يغير معادلات الواقع، ولا يوفر فرص ومناخ التحول التاريخي الذي تنشده ظروف الواقع السياسي في أكثر من موقع ومساحة سياسية واجتماعية.

وتعلمنا تجارب العديد من الشعوب والحياة السياسية لهذه الشعوب، أن الاعتدال السياسي الذي لا يحظى بشعبية وازنة اليوم، إلا أنه أفضل الخيارات على كل الصعد والمستويات.

فالتشدد الديني والسياسي، يضيع الكثير من الفرص والمكاسب، ويزيد من الاختناقات والتي تبقى بلا محاولة واقعية لمعالجة الأمور.

ومن يعتقد أن التشدد هو الخيار المناسب للعرب لعودة هيبتهم وعنفوانهم، هو يرتكب خطيئة سياسية وتاريخية بحق العرب ومصالحهم الحيوية.

فالتشدد لا يبني واقعاً للقوة النوعية، وإنما يضيع القوة القائمة، دون أن يتمكن من خلق قوة بديلة. ومن يعتقد بأن التشدد سيحافظ على مصالحه ومكاسبه، هو يرتكب بحق نفسه وأمته خطيئة تاريخية كبرى.

فالتشدد يضيع المصالح ولا يحافظ عليها، ويفاقم من المشكلات ولا يعالجها، ويزيد من فرص التوترات على كل صعيد ومستوى.

وسيبقى الخيار التاريخي لكل الدول العربية والإسلامية، هو الاعتدال السياسي، الذي يراكم القوة على المستويين الاجتماعي والسياسي، ويعالج كل المشكلات بوسائل سلمية وقادرة على اجتثاثها من الجذور.

ويبدو على هذا الصعيد أن الممارسة السياسية والاجتماعية حينما تستند على الرغبة دون المعطيات والحقائق، هو الذي يؤسس لخيارات التشدد على كل المستويات.

بينما الاعتدال يستند إلى الممارسة التي تستند على المعطيات والحقائق. فالإنسان يتحرك وفق معطياته وحقائق واقعه، لذلك هو يتحرك وفق إمكاناته وقراءته الدقيقة لواقعه وواقع مجتمعه.

أما الذي يتحرك برغباته، فهو يتحرك دون النظر إلى إمكاناته ومدى الاستعداد لدى هذه الامكانات لهذا الخيار أو ذاك.

ومن يتحرك برغباته سيصدم بحقائق واقعه. هذا الاصطدام الذي يزيد من ضعفه النوعي. وعليه فإن ركيزة الاعتدال السياسي الواقعي، هو أن الانسان يتحرك بإمكاناته وليس برغباته. وتعلمنا الحياة أن الحركة بالرغبة تزيد من فرص الأزمات بدل علاجها، وتؤدي إلى الارباكات على كل الصعد والمستويات.

لذلك يبقى المطلوب لدى الدول أو الجماعات أو الأفراد هو الاعتدال السياسي، الذي ينطلق من امكاناته، ويعمل حينما ينطلق أن يراكم عناصر القوة لديه دون تبديدها.

وفِي تقديرنا أن العودة إلى الاعتدال السياسي، هو الخطوة الضرورية لمعالجة الكثير من المشاكل في العالم العربي المعاصر.

وكل هذا يدفعنا إلى القول: أن الالتزام بالاعتدال السياسي، هو الخيار الأنسب، لمعالجة مشاكل الراهن، وبناء القوة النوعية للذات. ومن يبحث عن خيار دون ذلك، فإنه سيفاقم من أزمات الذات دون وجود القدرة الفعلية لمعالجة المشاكل والأزمات.

وجماع القول: إننا في العالم العربي دولاً وشعوباً، بحاجة إلى التمسك بالاعتدال السياسي دون التهور وتبني خيار التشدد الذي يفاقم من أزمات العالم العربي. وإنه مهما كانت الصعوبات، سيبقى الخيار الذي لا بديل عنه، هو خيار الاعتدال السياسي والديني.

***

محمد محفوظ

 

يُعتبر ابن طفيل أحد أبرز الفلاسفة العرب في العصور الوسطى. وُلد في الأندلس عام 1105 ميلادي وتوفي عام 1185، ويعد شخصية مهمة في الفلسفة الإسلامية بما له من إسهامات بارزة في الأدب والفكر. وُلد ابن طفيل في مدينة قرطبة، التي كانت مركزًا ثقافيًا وعلميًا مزدهرًا في ذلك العصر. تلقى تعليمه على يد كبار علماء عصره، حيث اهتم بالعلوم الطبيعية والفلسفة والأدب. شغل عدة مناصب حكومية في بلاط ملوك الأندلس، واشتهر بحكمته وعلمه.

(حي بن يقظان) يُعتبر أبرز أعماله، وهو رواية فلسفية تتناول رحلة إنسانية في البحث عن المعرفة. يحكي فيها قصة طفل نشأ في جزيرة منعزلة، ويستكشف من خلالها قضايا الوجود والمعرفة ابن طفيل كان مهتمًا بالطبيعة والعالم المادي، حيث حاول الجمع بين الفلسفة والعلم، مع التركيز اعتبار أن العقل يمكن أن يقود الإنسان إلى معرفة الله، وأن الدين يجب أن يتوافق مع العقل.

ابن طفيل والعلاقة بين العقل والدين

يرى ابن طفيل أن العقل هو الأداة الأساسية لفهم العالم ويعتبر أن الإنسان يمكنه الوصول إلى معرفة الله من خلال استخدام عقله، كما ركز على أهمية التفكير النقدي. امن ابن طفيل بأن الدين والعقل ليسا متعارضين، بل يجب أن يتكاملا، فهو يعتبر أن الحقائق الدينية يجب أن تُفهم من خلال العقل، وأن التعاليم الدينية يجب أن تكون منطقية وقابلة للتفسير، في عمله "حي بن يقظان"، يُبرز أهمية التجربة الفردية في الوصول إلى المعرفة. الشخصية الرئيسية في الرواية تصل إلى معرفة الله من خلال التأمل والتفكير، مما يعكس فكرة أن الإيمان يمكن أن يكون نتيجة للتفكير الشخصي، كما شجع والبحث عن الحقيقة من خلال التساؤل والنقد على اعتبار الفلسفة أداة للفهم بشكل أعمق. كان يرى أن الفلاسفة يمكنهم تقديم تفسيرات عقلانية للنصوص الدينية، مما يسهم في تحقيق التوافق بين الإيمان العقلاني والدين، ومعرفة الحقيقية تأتي من الفهم العميق للوجود، وأن الإنسان يجب أن يسعى عقله لفهم نفسه ومكانه في الكون كجزء من رحلة نحو معرفة الله، إلى واستخدام العقل كوسيلة لفهم الدين، وتحقيق التوازن بين الإيمان والعقلانية. سعى ابن طفيل إلى تعزيز الفهم الشخصي والعقلاني للدين، مما جعله ذو رؤية فلسفية رائدة في هذا المجال. "حي بن يقظان" هي رواية تعبر عن رؤيته الفلسفية مما يميزها عن العديد من الأفكار التقليدية التي تعتمد على النصوص والتقاليد.

تأثير الفلسفة اليونانية على ابن طفيل

استلهم ابن طفيل ألكثير من افكار أفلاطون حول العالم المثالي وأفكار أرسطو حول المنطق والعقل. هذا التأثير يظهر في تأكيده على استخدام بالعقل كوسيلة لفهم الحقيقة والوجود. التجربة والتأمل وهو مفهوم يرتبط في الفكر الفلسفي اليوناني الفلاسفة الطبيعيين مثل هيراقليطس وبارمنيدس، أكدوا على أهمية الطبيعة في فهم الوجود. في روايته، يعتبر الطبيعة في الوصول إلى معرفة الله. كوسيلة للوصول إلى الفهم العميق التي تتجلى في تأثر ابن طفيل بمفاهيم الروح والجسد، حيث اظهر في أعماله فكرة أن الروح تُعتبر أكثر أهمية من الجسد، وهو مفهوم يتردد في الفلسفة اليونانية مثل الفلاسفة المشائين، الذين حاولوا التوفيق بين الفلسفة والدين، كذلك سعى ابن طفيل إلى تحقيق نفس الهدف من خلال تقديم رؤية فلسفية أسهمت في تشكيل رؤيته للعالم وعلاقته بالله. من خلال دمج هذه الأفكار مع مفاهيم دينية، استطاع ابن طفيل أن يخلق رؤية فلسفية فريدة تعكس تفاعل الثقافة الإسلامية مع الفكر اليوناني. هذا يؤكد على أن الحقيقة واحدة، ويمكن الوصول إليها إما عن طريق البرهان العقلي (الفلسفة) أو عن طريق الوحي الإلهي (الدين). فكرة أن الإنسان يمكنه الوصول إلى الحقيقة المطلقة من خلال العزلة والتأمل (وهي فكرة صوفية) تتقاطع مع المنهج الفلسفي اليوناني. كل من الفلسفة اليونانية والفكر الصوفي يقدمان رؤى مختلفة حول كيفية الوصول إلى المعرفة، بينما تركز الفلسفة اليونانية على العقل والمنطق، تأخذ الصوفية مسارًا روحيًا أكثر عمقًا، مما يعكس تنوع الفهم البشري للمعرفة. يرى ابن طفيل أن الفلسفة طريق خاص لمن يمتلكون العقول الفائقة، بينما الدين والوحي ضروريان لعامة الناس، لأنهما يقدمان الحقائق بلغة مبسطة ومجازية يسهل فهمها وتطبيقها في الحياة الاجتماعية العامة، يمكن القول إن ابن طفيل استلهم من الفلسفة اليونانية منهجًا فلسفيًا (منهج العقل)، لكنه وظفه في إطار إسلامي خالص ليثبت إمكانية وصول الإنسان إلى معرفة الله والحقيقة الكبرى بمجرد استخدام العقل، مما يعكس تلاقحًا فريدًا بين الفكر اليوناني والفكر الإسلامي.

أبرز الانتقادات التي وجهت لـ "حي بن يقظان"

"حي بن يقظان" لابن طفيل كرواية وُجهت لها عدة انتقادات على مر العصور.  يعتبر بعض النقاد أن الرواية تُبرز فكرة أن الفرد يمكنه الوصول إلى المعرفة الدينية بشكل مستقل عن المجتمع أو التقاليد الدينية. هذا قد يُفهم على أنه تجاهل لدور المؤسسات الدينية والتقاليد في تشكيل الإيمان، كما يرى بعض النقاد أن الرواية تُعطي انطباعًا بأن المعرفة يمكن أن تكون موضوعية تمامًا، وأن الفرد يمكنه الوصول إلى الحقائق المطلقة دون التأثر بالعوامل الثقافية والاجتماعية. هذا بالتأكيد يتجاهل تعقيدات تكوين المعرفة وسياقاتها المختلفة، كما أشار بعض النقاد إلى أن التركيز على تجربة فرد واحد في الجزيرة يُقلل من التنوع في التجارب الدينية والروحية. بعض الفلاسفة والعلماء يعتبرون أن أفكار ابن طفيل تتعارض مع القيم التقليدية للدين، ويُنتقد العمل بأنه يقدم تفسيرًا مُبسطًا لأسئلة وجودية ، حيث يُظهر أن الفهم يمكن أن يتحقق بسهولة من خلال التأمل، مما يُقلل من عمق التجربة الروحية ،يُشير بعض النقاد إلى أن تأثر ابن طفيل بالفلسفة اليونانية، وخاصة أفكار أفلاطون وأرسطو، يُضعف أصالة أفكاره الدينية، ويعتبرونه متأثرًا بأفكار غير إسلامية رغم أن "حي بن يقظان" يُعتبر عملاً فلسفيًا رائدًا، إلا أن هذه الانتقادات تسلط الضوء على الجوانب التي يمكن اعتبارها محدودة أو مُعقدة في فهم الدين والمعرفة. بعض النقاد يرون أن أسلوب السرد في الرواية كان بسيطًا جدًا، مما يقلل من عمق التجربة الأدبية مقارنةً بأعمال أخرى من نفس الفترة، انتُقدت الرواية لأنها قدمت أفكارًا فلسفية قد تكون غير مقبولة في بعض الأوساط. بعض النقاد يرون أن التصورات الوجودية في الرواية معقدة أو بعيدة عن الفهم الجماهيري. كما انتُقدت الرواية لتقديمها أفكارًا تُعتبر تحديًا للمعتقدات التقليدية، مثل فكرة المعرفة الفطرية والاعتماد على العقل. بعض النقاد يجدون صعوبة في تفسير الرموز والأفكار المجردة التي تحتويها الرواية، مما يؤدي إلى لبس في الرسالة التي تحاول توصيلها. على الرغم من الانتقادات الموجهة لها، تظل "حي بن يقظان" عملًا مهمًا في الأدب والفلسفة العربية، وتستمر في إثارة النقاشات حول موضوعاتها وأفكارها.

***

غالب المسعودي

هل الأصل أن تواكب الأحكام الواقع، المتغير بالعادة، أم على الواقع أن يساير الأحكام، فيغير من مسيرته، ليسير وفق قوالب حكمية متعالية؟

الفقهاء التقليديون ينظرون إلى الأحكام باعتبارها ثوابت منزلة من الشريعة، والوظيفة ليست إعادة النظر في الحكم، بل إعادة صياغة الواقع ليتوافق معه.

هذا المنهج يقوم على فكرة أن الحكم الشرعي فوق الواقع لأنه كاشف عن "إرادة الله"، والواقع بطبيعته متغير ومليء بالاختلالات، فلا بد من تقويمه، ورفعه ليتلائم مع الحكم .

لذلك نجد في التراث الإسلامي نصوصًا تؤكد على “اتباع " الشريعة" ولو خالفت أهواء الناس”. هذا التوجه جعل الأحكام تبدو أحيانًا “متعالية” عن الواقع، غير قابلة للتغيير إلا في حالة الضرورات والتزاحم).

بعض المفكرين المعاصرين من داخل الحوزة (مثل السيد محمد باقر الصدر في بعض إشاراته (منطقة الفراغ التشريعي)، وعبد الكريم سروش خارج الإطار الحوزوي) أكدوا أن الفقه ليس وحيًا، بل هو فهم بشري ظني للنصوص.

وبما أن الفهم بشري، والظن “معتبر” فقط ضمن شروط معرفية معينة، فإن بقاء الحكم دون مساءلة قد يؤدي إلى قطيعة مع الواقع.

فإذا كان الحكم ظنيًا، فما الذي يبرّر أن يُطلب من الواقع أن يتغير لأجله، لا أن يُعاد النظر في الاستنباط نفسه؟

لذا تنشأ المطالبة بـ”مساءلة البنية الفقهية” نفسها، وليس الواقع وحده.

وهذا ماذهب الية (يحيى محمد) في كتابه فهم الواقع، لابد من النظر الى الحكم وقابليته للتطبيق على أرض الواقع وأفق توقع الناس، وكذلك معرفة ملابسات الواقع، لضمان عدم سوء التطبيق .

في التراث الإمامي، اعتُبرت الأحكام انعكاسًا لإرادة الشارع المقدسة، فهي فوق التاريخ والواقع. وعلى هذا الأساس فإن مهمة المكلف والمجتمع هي إخضاع الواقع للحكم الشرعي، حتى لو بدا الحكم بعيدًا عن مقتضيات الظرف الاجتماعي أوالاقتصادي.

وهذا مافعله كتاب "المدونة الجعفرية " (التي أقرت يوم ٢٧/ ٨/ ٢٠٢٥ في البرلمان العراقي دون قراءة أولى  أوثانية)، فهم لم يكتبوا نصوصا لتواكب الواقع وتعطي حلولا لمشاكل متفاقمة تحتاج لحلول واقعية تناسب القرن الواحد والعشرين، لشعب مزقته الحروب والصراعات. مافعلوه هو أنهم نقلوا نصوصا من الكتب الفقهية دون النظر الى مديات تطبيقها اليوم، فالفلسفة التي تنبثق منها رؤيتهم للفقه أنه مجموعة أحكام تنفع للسعادة الأخروية، لتبرأ ذمتنا يوم القيامة، فالسعادة الدنيوية غير مقصودة بالأصالة، بل آثار تابعة. (صرح بذلك الشيخ الأنصاري في فرائد الأصول، والمقرر النائيني في فوائد الأصول، والسيد محمد باقر الصدر في الحلقات)

كانت غايتهم الأولى (كتاب المدونة) تطبيق الأحكام الفقهية على كل حال لكونها أحكاما واجبة التنفيذ لإبراء ذمة مشغولة يوم القيامة. يقولون علينا التسليم بالأحكام حتى وأن لانعرف ماهي المصلحة التي فيها، ومهما بدت غريبة لنا وحتى لو لوينا عنق الواقع ليسير وفق فقه متعال غير معروف الهدف!.

أي نفذوا فقط، بلا سؤال عما تحمله هذه المدونة من كوارث أو نجاحات !. الرسائل، والمحقق النائيني في فوائد الأصول، وأكّد عليه السيد محمد باقر الصدر في الحلقات، دون أن تكون النتائج الدنيوية (كالنجاح الأسري أو العمران).

***

بتول فاروق / النجف

٨/ ٩/ ٢٠٢٥

حين يجري الحديث عن المجتمعات (المأزومة) غالبا"ما تتداعى الى أذهاننا مجموعة من الخصائص والصفات التي يمكن إيجازها بالمؤشرات والمعطيات التالية ؛ توترات سياسية مستديمة، وانقسامات اجتماعية متقادمة، واحتقانات نفسية متراكمة، وتصدعات قيمية متفاقمة. بحيث قد يتساءل البعض: كيف يكون بمقدور هكذا مجتمعات مقطعة الأوصال ومعطلة الآمال وطافحة بالأهوال، استمرار بقائها على لائحة الوجود الإنساني والحضاري لحد الآن ؟!. لا بل والأنكى من ذلك أنها تطالب بقية الشعوب والمجتمعات الأخرى التي قطعت شوطا"بعيدا"في مضامير التطور والرقي، أن تنظر إليها وتتعامل معها بمنظار التكافؤ والنديّة !.

ولكن ما علاقة ما أسميه بالوطنية (الظرفية) بالمجتمع الذي ننعته ب(المأزوم) ؟، وهل يمكن وسم المشاعر (الوطنية) بالطابع (الظرفي) العابر وتجريدها من صفات (الديمومة) و(الاستمرار)، بصرف النظر عن طبيعة المجتمع الذي نتحدث عنه أو نقصده، ودون اعتبار لما تنطوي عليه تلك المشاعر من خصائص وما قد تزامن أو تحايث من سياقات ؟!. الحقيقة أن هناك تلازم عضوي يتعذر فصم عراه بين طبيعة (الأزمة) القائمة ومعدلات تفاقمها داخل المجتمع المعني من جهة، وبين مستوى جنوح المشاعر الوطنية صوب الخاصية (الظرفية) العابرة من جهة أخرى. أي بمعنى انه كلما أوغلت الأزمة في تطاولها الزماني وتجذّرها المكاني وتعمقها الإنساني، كلما أسهمت في الخمود التدريجي لجذوة المشاعر والحدّ من وهج العواطف التي تشدّ الإنسان بموطنه، للحدّ الذي يمكن مقارنته واستخلاص نتيجته عبر ملاحظة مستويات الصعود والهبوط لمؤشر (الولاء) لمراحل ما قبل الأزمة وما بعدها.

فعلى صعيد مرحلة (ما قبل) الأزمة حين يكون المجتمع في حالة من الاستقرار السياسي والتطور الاجتماعي، نجد ان مؤشر (الولاء) الوطني لدى الإنسان (المواطن) يبلغ مستويات (مرتفعة) من تأجج المشاعر وطغيان العواطف، على خلفية انغماره بأحاسيس الانتماء الاجتماعي، والاطمئنان الاقتصادي، والتشارك السياسي، والتفاعل الثقافي. أما على صعيد مرحلة (ما بعد) الأزمة، فإن الأمور تأخذ منحى دراماتيكي مختلف تماما"، بحيث تنقلب المسلمات والقناعات والتواضعات السابقة رأسا"على عقب، وذلك جراء عمليات التآكل والاندثار المستمر التي تفعّلها ديناميات الأزمة، ليس فقط داخل بنى الوعي الاجتماعي والسيكولوجي التي كانت في حالة من الثبات والاستقرار النسبي فحسب، بل وكذلك داخل شبكات الروابط والصلات والعلاقات التي كانت حتى ذلك الوقت، تسهّل وتديم عمليات التفاعل والتواصل بين الجماعات والمكونات.

ولأجل إيجاد معادل (واقعي) لهذا الاستنتاج (النظري) الذي خلصنا إليه، فإن ترشيح تجربة المجتمع العراقي كحالة معاشة لإظهار الكيفية التي يتعاطى من خلالها الأفراد والجماعات مع قضايا (الهوية الوطنية)، وما يفترض أنها تستتبعه من مشاعر وعواطف تتعلق ب(الولاء) لها من عدمه يبدو خيارا" معقولا"ومقبولا"، من حيث كونه يتيح للباحث فرص الملاحظة المباشرة للتحولات – صعودا"أوهبوطا"- التي تتعرض لها تلك الانفعالات السيكولوجية المضطربة. لاسيما وان تجارب المجتمع العراقي مع (الأزمات) هي الأكثر تواترا"والأشدّ تعقيدا"، إذا ما قورنت بتجارب بقية المجتمعات الأخرى التي وان كانت – ربما - تعاني من ذات الظاهرة، إلاّ أنها لا تسبب لها هذا الكم الهائل من المشاكل المتفاقمة والإشكاليات المستعصية مثلما تسببه للمجتمع العراقي من عواقب وتداعيات، لا تقتصر فقط على إعاقة تكوين (الشخصية الاجتماعية) التي تشكل ركن أساسي من أركان الاستقرار والتطور الاجتماعي فحسب، وإنما تساهم في إثارة النعرات والعصبيات بكل أشكالها وألوانها أبضا".

ولعل من أسباب شيوع هذه الحالة / الظاهرة (الوطنية الظرفية) بين مكونات المجتمع المأزوم، كون هذه الأخيرة لم تحظى بنظام سياسي يحرص على تكريس مفهوم (الوطن) وترسيخ أهمية الوعي ب(الوطنية)، بعيدا"عن نوازع الانتماءات الانثروبولوجية ودوافع الولاءات الإيديولوجية التي تتشظى إليها تلك المكونات، وإنما على العكس من ذلك راهنت تلك الأنظمة بمختلف عناوينها على توظيف تلك الانقسامات واستثمارات تلك الانشطارات، بما يعزز بقائها في السلطة ويضمن استمرار هيمنتها على المجتمع. لا بل أنها عمدت في الكثير من الحالات الى (شخصنة) كل ما يتعلق بمفاهيم (الوطن) و(الوطنية) الى حدّ التماهي، بحيث أصبح شعاراها الدائم هو (الوطن / الوطنية – القائد / الزعيم) دون اعتبار لما تنطوي عليه المماهاة من عواقب سياسية واجتماعية وثقافية. وهو الأمر الذي جرد تلك المفاهيم السيادية من دلالاتها الرمزية والاعتبارية والقيمية، بعد أن استحالت في الوعي الفردي والسيكولوجيا الاجتماعية الى مجرد ألفاظ (شكلية) وعبارات (جوفاء) تلوكها الألسن وتصدح بها الحناجر بمناسبة وغير مناسبة. 

وعلى هذا الأساس، لم يعد (المواطن) يستحضر في وعيه مفهوم (الوطنية) إلاّ في المناسبات الرسمية، أو اللقاءات الدبلوماسية، أو الحوارات الأكاديمية، أو المنافكات الإيديولوجية، التي عادة ما تكون عابرة (ظرفية) سرعان ما ينطفئ بريقها ويتلاشى وهجها بانتهاء فترة المناسبة أو اللقاء أو الحوار أو المجادلة. أما ما يترتب على ذلك المفهوم من اعتبارات والتزامات وأخلاقيات وعلاقات، فهي نادرا"ما تخطر على بال الأطراف المعنية إلاّ بالقدر الذي ترى فيه وسيلة من وسائل المزايدة بين هذا المكون أو ذاك، وأسلوب من أساليب المفاضلة بين هذه الجماعة أو تلك ليس ألاّ.

والجدير بالملاحظة ان (فيض) المشاعر الوطنية أو (جدبها) في مثل هذا النمط من الجماعات / المجتمعات المأزومة، غالبا"ما يظهر لدى أولئك الذين يكابدون ظروف (الهجرة) القاسية في المجتمعات الأخرى التي اختاروا اللجوء إليها والاستيطان فيها لأسباب ودوافع مختلفة، أكثر مما يظهر لدى أقرانهم ممن تكيفوا مع ظروف أوطانهم وأوضاع مجتمعاتهم. ذلك لأن مستويات الإحساس بالغربة ومعدلات الشعور بالضياع لدى عناصر الصنف (الأول) تبدو أعلى مما هي عليه الحال بالنسبة لعناصر الصنف (الثاني)، خصوصا"بالنسبة للأجيال الأولى من المهجرين الذين تعرضوا لصدمات الاختلاف في القيم والرؤى والتباين في العلاقات والسلوكيات. خلافا"لأبنائهم وأحفادهم من الأجيال التالية الذين لم يعانوا أو يكابدوا – بذات القدر - وطأة تلك الصدمات والصعوبات، وبالتالي خفت أو اضمحلت لديهم مشاعر الانتماء للوطن أو الولاء للوطنية، التي كان آبائهم وأجدادهم يحرصون على التمسك بها والتعويل عليها

ولكن المفارقة، في هذا الإطار، هي ان (الحمية) الوطنية التي كانت تبديها عناصر الجيل الأول في مجتمعات الغربة، لا يلبث (الوهن) و(التراخي) أن يتسلل إليها ويطغى عليها حالما تطأ أقدام تلك العناصر أرض (الوطن) والانخراط في أمور المجتمع، سواء لأغراض تتعلق بالعمل التجاري والاستثماري، أو للقيام بالزيارات الدورية للأهل والأقارب، أو لاتخاذ قرار العودة النهائية والاستيطان مجددا". لا بل ربما تتجه بوصلة الحمية (الوطنية) بالاتجاه المعاكس، بحيث يتحول زخم المشاعر من حالة (الفتور) الى حالة (النفور)، لاسيما بعد أن يجد (العائد) ان واقعه الوطني والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي، ليس فقط لم يبرح طبيعته المتخلفة والمزرية فحسب، وإنما تردى أكثر الى مهاوي الانحطاط الحضاري والبربرية الإنسانية.        

*** 

ثامر عباس

تعقيبا على مقال الأستاذ محمد محفوظ عنونه بالطائفة المعكوسة. اود أولا الإشادة أولا بأدبيات تقويض النزعة الطائفية المدمرة لمجتمعنا، بيد اني اسجل إضافة على البحث ان تجربة المسلمين – مباشرة بعد النبي – كانت تجربة تحمل نفسا سياسيا فيه قدر من من التعامل البشري مع المعارضين وقد تحولت الى سياسات عدائية اقصائية متعمدة ابان العصر الاموي ليس فقط ضد المخالفين لاشتراطات مذهب السلطة، انما يذكر التاريخ اقصاء بالغ الشدة ضد غير العرب – وان كانوا ممن اسلموا لله وامنو بالنبي محمد (ص) واطلق السلطات عليهم اسم (الموالي) وهو مشتق من الولاء المفروض عليهم سياسيا وقد فرض عليهم ان يلتحقوا بإحدى القبائل العربية – كأعضاء من الدرجة الثانية، ورغم انهم عوضوا هذا الشعور بالنقص انهم تمكنوا من احتلال ناصية المعرفة فكان اغلب رجال المعرفة الدينية منهم، و كان اغلب المتمردين على سلطة بني امية بثورات متعددة منهم فقد انضموا للثورات لشعورهم بالإقصاء للدعوى العباسية التي رفعت شعار مظلومية ال البيت (ع)

وتشير كلمة الموالي الى معنى الحلفاء والعبيد المحررين من الرق وهم من الخدم وقد تكونت هذه الطبقة نتيجة الفتوحات، وقد عانوا من تفضيل السلطة للعرب عليهم لان السلطة آنذاك نظرت لهم انهم اقل مرتبة فعانوا من الحجر الوظيفي في المهام العسكرية والإدارية، واقتصرت أعمالهم على المهن العادية التي كان العرب يعتبرونها أفعالا مهينة فمورست ضدهم ابشع نزعات عنصرية لان المصطلح كان مرتبطا بلفظ العبودية، ونودي عليهم احيانا ب (العلوج)

وكان الحجاج بن يوسف الثقفي قد منعهم من السكنى بالمدن وابقاهم في القرى (1) وقد التفت الى سياسة التميز الاموي ضد الموالي عدد من المستشرفين (2) والباحثين (3)

ومن الغريب ان الفكر السلفي يدافع عن سياسة الامويين ضد الموالي ويتوسل بحالات نادرة من صعود بعض الأشخاص لمراتب عالية من الموالي ويستخدمه كدليل على نقض المتفق عليه عند المؤرخين من نزعة الامويين العنصرية ضد الموالي فقد كانوا يستخدموهم في الحرب ولا يعطونهم من المغانم (4) لقد كانت استمرارا للنزعة العصبية ضمن التكوين السيكولوجي للعرب قبل الإسلام، ولم تستطيع التربية الإسلامية، تفكيك تلك النزعة تفكيكا كاملا، فقد منع الموالي من الزواج بالمرأة العربية لاسيما القرشية (5) ولان لكل فعل ردة فعل فكانت الدعوى الى الشعوبية كطائفية تاريخية معكوسة فهي تنادي بتفضيل العجم على العرب او التسوية بينهما، على صعيد اخر كان بنو هاشم من الفرع القرشي يواجهون الاضطهاد مما اضطرهم الى القيام بعدة ثورات وقد فشل اغلبها وادت الى زيادة في الاقصاء والتشريد والملاحقات ولعل من تداعيات الاضطهاد الطائفي لبني هاشم ان (حدث عاشوراء) صار (طقسا دينيا) معبرا عن رفض تلك الإقصائية فكانت اقنوما للهوية والمعنى، وقد استثمر العباسيون الاحتقان الهاشمي واحتقان الموالي فاستأصلوا مع انتصار العباسيين شافه الامويين فكانت الطائفية السياسية للأمويين فكان مشهدا اشتبكت فيها القبلية والسلطة وتحولت هذه الارادات الى عقائد اضافت عنصرا ميتافيزيقيا على التاريخ وتوسعت بسببها الصدوع واختزنت الذاكرة قصصا مؤلمة من المظلوميات والمعاني التي تثير الحزن والكراهية .

اذن المشكلة ليست معاصرة وهي وان كانت بسبب التعمد في رسم سياسات أدارة التنوع منذ العصر الاموي واضطهاد الأقلية العربية للموالي و تحكم اقلية بني امية بالناس وتسليط الضغوط الشديدة على المعارضين لهم بيد اننا حين نوافق الباحث في تسبيب القصور والعجز في إدارة التعددية، الا ان الطائفية (نزعة) تولد أيدولوجيات واعتقادات تصل أحيانا الى مغالطات وتشويهات وتزيف للحقيقة التاريخية فتجد كثيرا من المعاصرين يجهد نفسة في تبرئة بني امية من الفظائع العنصرية والأيدولوجيات الطائفية وكمثال تبرئة الحجاج الثقفي من جرائم القتل التعسفي، فخيارات إدارة التعدد ناشئة من الفكر الطائفي الأقصائي وعليه يلزمنا تشريعات قانونية حازمة في لجم الخطابات الطائفية من اين كان مصدرها

ان الخطورة في استمرار النزاعات الطائفية المدمرة تكمن في البحث غير العلمي وغير الموضوعي في التاريخ، وقلب الحقائق التي وثقتها المصادر التاريخية التي كتبت تحت عين السلطان آنذاك، لذا فان تطوير منهجنا في دراسة التاريخ الإسلامي والغاء الاسبقيات المذهبية والرواسب التاريخية المنحازة يعد علاجا مهما في تكوين العقل المعرفي

ان تشخيص الخطأ بل الخطيئة في إدارة التنوع في تجربتنا التاريخية يلزم ان يكون معه عملية انهاء قضية الأغلبية والأقلية وما يترتب عليها من اقصاءات واستبدالها بمفهوم اخوة الدين (انما المؤمنون اخوة) او اخوة الوطن (المواطنة) من دون ان تكون الخصوصيات الاثنية (صفة) للتفضيل او الاقصاء

ومن الناحية الأخلاقية ومن مبادئ الشرف ان لا نبرر تاريخ التسلط الديني والمذهبي والسياسي وندافع عنه بالإنكار القبيح للمعطيات التاريخية او تشوية تلك الحقائق سواء كانت لنا او علينا، والتعامل بحذر شديد لأجل بناء مجتمعات رفيعة بالكشف عن التخريب الاجتماعي الذي ينتج عن بعض المدونات التاريخية لاسيما كتب الفرق والمقالات

 ثمة مسالة أخرى: وهي الاقصاء المعاصر لمجرد المخالفة بالراي، و ان كان هذا الاقصاء كان واقعا متأصلا في الأزمنة المتقدمة فحسبك ما جرى لائمة المذاهب الفقهية ولعشرات من العلماء والمفكرين من جانب المغلوبين طائفيا يجب ان نرشد قيمة التسامح مع من يخالفنا الراي ونعول على البرهنة العقلية

ان طبيعة الخطاب الذي يجب ان نعتمده ذلك الذي يركز على محاسن رؤيتنا دون الإساءة للغير، وبيان ظلامتهم دون تجريح عاصف لان الغالب يحتقن بالإدانة فلا بد من حكمة وجدل بالتي هيه أحسن

ومن جه ثالثة: فان المغلوبين طائفيا ستنمو لديهم مشاعر العزلة والانكفاء وعدم المشاركة في الحياة الاجتماعية لمن يختلف عنهم قوميا

نلاحظ توسيع دائرة المقدس عند المغلوبين، والمغالاة في الطقوس المذهبية تأكيدا للذات المقصاة والمضطهدة وتوظيف هذا (المقدس المغالى به) لتحشيد الناس ضد خصومهم

يلاحظ: أيضا ان الجهة المغلوبة طائفيا تقف من التجديد أيا كان موقفا متشككا فيه، لان الجهد والأولوية يجب ان تنصب حول المغلوبية

ان ذلك كله ينتج عنه مجتمعا متدينيا في وعيه وتراه ساخطا يعاني من صعوبة في خلق قيم التسامح والانسجام بين التنوعات الاجتماعية

اذن: المشكلة ليست معاصرة حتى نقول انها ناتجة عن القصور في إدارة التنوع، انما المشكلة في العقل الأيديو لوجي الذي أنتجتها المدونات التاريخية التي وثقت الممارسات الطائفية الاقصائية وبررتها سواء من الجماعات اوالسلطة والحكام او من فقهاء التفتيت المجتمعي وكتاب الفرق والمقالات والمدونات الكلامية. فالمشكلة في (مضامين التراث) التي يجب ان تعالج بدقة ومقاصدية معاصرة والاكثار من الكتابات النقدية لها وتخليص او تحرير العقل من (نزعة الطائفية والعنصرية) ونزاعات قمع الاخر المختلف

***

ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد

.................................

(1) ظ الطبري: 8/35، المبرد: الكامل ص 286

(2) فون كريم، فان فلوتن

(3) جرجي زيدان، حسن إبراهيم حسن، الخربوطلي

(4) ظ المسعودي / مرج الذهب 2/ 254

(5) العقد الفريد 2/ 249

 

مقدمة: ميلاد المعجزة بين إرادة الإنسان والقدرة الإلهية

أيها القارئ، هل وقفت يومًا أمام حقيقةٍ تتحدى حدود فهمك، فتسقط كل قواعد اليقين أمامها؟ هكذا كانت ولادة عيسى بن مريم (عليهما السلام)، معجزة لا يُحاصرها زمانٌ ولا مكان، ولا تخضع لقوانين الطبيعة، لكنها تُجبر العقل على التوقف والتأمل.

مريم، وقد اعتزلت العالم، واحتجب قلبها عن زوابع الحياة، صارت رمزًا للوعي المنعزل، للتساؤل الصامت، وللقرب من القدرة المطلقة. وفجأة يظهر لها الروح، في صورة بشر سوي، فتسأل: «أنّى لي غلام ولم يمسسني بشر؟». هنا يظهر الطباق بين المعتاد وغير المعتاد، بين الممكن والمستحيل، بين العقل والقدرة الإلهية. يقول الفيلسوف العراقي محمد مهدي الزبيدي: «المعجزة ليست فعلًا محسوسًا فحسب، بل تجربة فكرية تختبر حدود العقل قبل الإيمان». ويؤكد توماس أكويناس من الغرب: «المعجزة انكسار للطبع الطبيعي بإرادة فوق الطبيعة، لإيقاظ الفهم لا لإرهابه». هنا يتقاطع الشرق والغرب، ليكون العقل في مواجهة مباشرة مع اللاممكن الذي يصبح ممكنًا بأمر الله. إن ميلاد عيسى ليس مجرد حدث خارق، بل مرآة تعكس التناقضات الوجودية للإنسان: بين الرغبة في الفهم وبين الانقياد للقدرة العليا، بين اليقين المادي والوعي الذي يتجاوز المادة. وكما يقول الفيلسوف العراقي عبد الأمير الجمّال: «حين يواجه العقل الظاهرة الخارقة، لا يتراجع، بل يُستحث على إعادة بناء فهمه للوجود والقدرة». فلتتأمل إذًا، أيها القارئ، كيف يصبح المعجز اختبارًا للوعي، ورمزًا للتمرد على الجمود العقلي، ومفتاحًا لإدراك حدود الممكن والمستحيل. إن ولادة عيسى ليست مجرد حدث، بل درسٌ خالد في فلسفة العقل والقدرة، في نقد الثوابت، وفي مواجهة الإنسان لحدوده الذاتية.

إنها لحظة تتقاطع فيها الأبدية مع الزمن، والقدرة مع التساؤل، والمستحيل مع العقل البشري. ففي قلب مريم، الملتجئ إلى عزلة الروح وصفاء النفس، يولد السؤال قبل الجواب، والتساؤل قبل المعجزة، فتتحول لحظة الحمل إلى حقل للتأمل الفلسفي، ومساحة لتجربة حدود الإدراك. أيها القارئ، تأمل معي هذا الصراع الدائم بين ما يفرضه الواقع المادي وما يتيحه الفعل الإلهي: هل العقل يقف عاجزًا أمام القدرة المطلقة، أم أنه يُستدعى ليعيد تعريف الممكن والمستحيل؟ وهنا يكمن النفي والإثبات في آن واحد: نفي محدودية الإنسان أمام إرادة الله، وإثبات قدرة العقل على التفاعل مع الظواهر الخارقة عبر الفهم العميق والتأمل النقدي. كما يقول الفيلسوف العراقي عبد الأمير الجمّال: «لا تهدم المعجزة العقل، بل تهبه أفقًا لفهم ما وراء الطبيعة، وإدراك أن حدود الممكن مرنة بإرادة الخارج عن الزمان». ويصادف هذا ما يؤكد عليه كانط من الغرب: «العقل لا يستطيع أن يقيس القدرة الإلهية، لكنه مدعو لأن يهيئ نفسه لاستقبال المعنى وراء الظواهر». إن ولادة عيسى إذًا ليست حدثًا معزولًا في الزمان، بل رمزًا خالدًا للتساؤل والوعي والفهم، ومثالًا حيًا على التفاعل بين العقل والقدرة المطلقة. إنها لحظة يختبر فيها الإنسان حدود إدراكه، ويقف أمام حقيقة جوهرية: أن المعجزة ليست مجرد خرق للواقع، بل رسالة فلسفية تحرر الفكر من القيود، وتعيد بناء العلاقة بين الممكن والمستحيل، بين الطبيعة والإرادة المطلقة.

الولادة كرمز فلسفيأيها القارئ، تأمل معي لحظة الولادة؛ فهي ليست مجرد عملية بيولوجية، بل رمزًا لصراع الإنسان مع حدود الواقع والزمان، وحوارًا دائمًا بين المادي والمقدس. ولادة عيسى بن مريم (عليهما السلام) تمثل نموذجًا تجريبيًا لفهم المعجزة: حدثٌ يخرق المعتاد، لكنه في جوهره معركة العقل مع المستحيل، والوعي مع القدرة المطلقة.

إن العقل البشري، المعتاد على قوانين السببية والتكرار، يجد نفسه أمام طباق صارخ: بين السببية الطبيعية وغياب الأب، بين المألوف والمعجز، بين المحدود واللامحدود. وهنا يبرز دور المعجزة ليس كأمر خارق يُسلب العقل، بل كـ محرّك للتساؤل، ومفتاح لفهم ما وراء الطبيعة.

يقول الفيلسوف العراقي محمد مهدي الزبيدي: «الولادة المعجزة ليست خرقًا للواقع فقط، بل اختبار للفهم البشري، وتحفيز لإعادة النظر في حدود الممكن». ومن الغرب، يؤكد توماس أكويناس: «المعجزة لا تهدم العقل، بل توقظه ليقف على حافة المجهول، حيث يلتقي الفهم بالإيمان».

وبذلك، تصبح الولادة رمزًا فلسفيًا قائمًا بذاته: تساؤل مستمر عن طبيعة القدرة، تحدٍ للقيود المادية، ومثال حي على أن الوعي يمكن أن يتجاوز حدود المألوف، ويستشرف المعنى في قلب الحدث الخارق. إنها دعوة للعقل أن يُعيد بناء تصوراته، وأن يواجه المستحيل بعين الفهم لا الخوف

المعجزة كاختبار للوعي إن المعجزة، حين تُفهم فلسفيًا، لا تقف عند حدود الخارق للعادة، بل تتحول إلى مرآة تقف أمامها العقول لتختبر حدود إدراكها وفهمها للوجود. ولادة عيسى (عليه السلام) من مريم بلا أب ليست مجرد حدث مادي، بل تحدٍ مباشر للعقل الجمعي، وإثبات حي لوجود الممكن المطلق خارج قيود الطبيعة. يقول الفيلسوف العراقي عبد الأمير الجمّال: «حين يواجه العقل الظاهرة الخارقة، لا يتراجع، بل يُستحث على إعادة بناء فهمه للوجود والقدرة». وهو ما يذكرنا بما أكده الفيلسوف الغربي إيمانويل كانط: «العقل لا يقيس القدرة الإلهية، لكنه مدعو لأن يُهيئ نفسه لفهم المعنى وراء الظواهر».

هنا يظهر التوازي بين النفي والإثبات: نفي محدودية الإنسان أمام القدرة الإلهية، وإثبات إمكانية العقل على الفهم حين يواجه المستحيل. فالوعي الذي يختبر المعجزة ليس وعيًا سلبيًا ينتظر الحدث ليصدق، بل وعيًا نشطًا يحلل، يتساءل، ويعيد بناء تصوراته عن الممكن والمستحيل. وهكذا تصبح المعجزة اختبارًا فلسفيًا للوعي: محكًا لقدرته على التمييز بين الواقع والرمز، بين المادي والمجازي، وبين التسليم الأعمى والفهم الناقد. إنها دعوة للعقل أن يقف بثبات أمام الحدث، لا ليقف مذهولًا، بل ليقف متأملًا، محاكيًا للإبداع الإلهي في فهم القوانين التي تتجاوز حدود الطبيعة.

المقارنة الرمزية: عيسى وآدم

إن القرآن يأخذنا في رحلة فكرية تتجاوز السرد التاريخي المباشر، حين يقارن خلق عيسى بخلق آدم:

{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} (آل عمران 59)

هذه المقارنة ليست مصادفة، بل رمز فلسفي يعكس المعنى العميق للقدرة المطلقة والإرادة الإلهية. فكما خُلق آدم بلا أب ولا أم، ليكون نقطة انطلاق للبشرية كلها، كذلك وُلد عيسى بلا أب، ليكون اختبارًا للوعي البشري في مواجهة المعجزات، وللتفكير في حدود الممكن والمستحيل. هنا يظهر الطباق بوضوح: القدرة المحدودة للعقل البشري مقابل القدرة المطلقة للإرادة الإلهية، المألوف مقابل المعجز، الظاهر مقابل الباطن. كما تتجلى الاستعارة في العلاقة بين الاثنين: كلاهما رمز لبداية جديدة، كلاهما اختبار لفهم الإنسان لحدود الطبيعة، وكلاهما يضع الإنسان أمام حقيقة أن الخلق ليس محكومًا بما نراه طبيعيًا. يقول الفيلسوف العراقي عبد الأمير الجمّال: «كما يختبر خلق آدم إدراك الإنسان لمصدر وجوده، يختبر خلق عيسى حدود فهم الإنسان للمعجزات والإمكان المطلق». ومن الغرب، يتفق توماس أكويناس على أن: «المعجزة ليست خرقًا للمنطق، بل دعوة للعقل ليقف على حافة الممكن المطلق». وبذلك، تصبح المقارنة الرمزية بين عيسى وآدم أكثر من مجرد سرد قرآني، بل تجربة فلسفية متكاملة، تُعيد تشكيل العلاقة بين العقل والقدرة الإلهية، بين الواقع والرمز، وبين الإنسان واللامحدود. إنها دعوة مستمرة للتأمل، وإعادة بناء الفهم، ومواجهة حدود الممكن والمستحيل بعين الفكر المدرك لا بالذهول الأعمى.

إن الربط بين ولادة عيسى وخلق آدم لا يقتصر على التشابه الخارجي في كون كلاهما وُلِد بلا أب، بل يمتد إلى معنى فلسفي أعمق عن أصل الوجود ودور الإرادة الإلهية في تحديد الممكن والمستحيل. آدم يمثل البداية الكلية للوجود البشري، وهو اختبار لإدراك الإنسان لمصدر وجوده؛ وعيسى يمثل بُعدًا متقدمًا للوعي الإنساني، اختبارًا لمقدرة العقل على فهم المعجزات، وتحديًا للثوابت المادية.

هنا يظهر الطباق بين الطبيعي والخارق، بين المألوف والمعجز، بين المحدود واللامحدود. فالإنسان معتاد على أن الولادة مرتبطة بالسببية المادية، لكن كلا المثالين يخرقان هذه القاعدة، ليعلّما أن الوجود ليس محكومًا بما نراه ضروريًا، وأن العقل مدعو لأن يتجاوز حدود التجربة المادية. كما أن هذا الربط يُظهر استمرارية الفعل الإلهي كقوة تتجاوز الزمن والسببية: خلق آدم هو البداية الأولى، خلق عيسى هو إعادة إنتاج المعنى في سياق إنساني آخر، بحيث تصبح المعجزة رمزًا متجدّدًا للتأمل العقلي، وتجربة فلسفية لفهم العلاقة بين القدرة المطلقة والوعي المحدود.

يقول الفيلسوف العراقي محمد مهدي الزبيدي: «المعجزة، حين تُفهم فلسفيًا، تصبح اختبارًا للعقل قبل أن تكون حدثًا محسوسًا، وفرصة لإدراك أن حدود الممكن ليست ثابتة». ويؤكد كانط أن العقل لا يقيس القدرة الإلهية، لكنه يُهيأ لاستقبال معنى الظواهر الخارقة، ليقف بين المعقول واللامعقول، متأملًا في الغموض الذي يكشفه الفعل الإلهي.

وبهذا، تصبح المقارنة الرمزية بين عيسى وآدم نموذجًا فلسفيًا خالدًا، يضع الإنسان أمام حقيقة أن الخلق ليس محكومًا بالقوانين الطبيعية وحدها، وأن المعجزات ليست مجرد أحداث خارقة، بل دعوة للعقل والوعي لإعادة تعريف حدود الممكن، واستكشاف عمق العلاقة بين الإنسان والقدرة المطلقة.

الخاتمة: المعجزة كدرس فلسفي خالد

إن ولادة عيسى بن مريم ليست مجرد حدث تاريخي أو ظاهرة خارقة، بل نص فلسفي متكامل يضع الإنسان أمام حدود فهمه، ويستحثه على إعادة النظر في العلاقة بين الممكن والمستحيل، بين الطبيعة والإرادة المطلقة، وبين العقل والقدرة الإلهية. إنها لحظة تتجاوز الزمان والمكان، فتجمع بين التفكير والتأمل، بين التساؤل والإدراك، بين الواقع والرمز، لتصبح درسًا خالدًا في فلسفة القدرة، والوعي، والتساؤل المستمر. إن المعجزة هنا ليست خرقًا للواقع فحسب، بل دعوة مستمرة للبحث النقدي، وتمحيص المعتقدات، وإعادة بناء الوعي الجمعي على قاعدة العقل والفهم. وكما يؤكد الفيلسوف العراقي محمد مهدي الزبيدي: «حين يُقرأ الحدث بعقل متأمل، تتحول المعجزة إلى نافذة لفهم حدود الإمكان، وفرصة لإدراك المعنى العميق للوجود». أيها القارئ، تأمل في هذا: المعجزة ليست لإنكار العقل، بل لإيقاظه، ليست لتقييد الفهم، بل لتوسيع أفقه، ليست لإخضاع الإنسان، بل لتحفيزه على إعادة النظر في مفاهيم الممكن والمستحيل، في قدرة الإرادة، وفي عمق العلاقة بين الإنسان والخالق. وهكذا، تبقى ولادة عيسى بن مريم رمزًا خالدًا للتأمل الفلسفي، ومفتاحًا لفهم الوعي الإنساني في مواجهة القدرة المطلقة، لتكون المعجزة درسًا لا ينتهي، يرافق الفكر ويستنهض العقل في كل عصر وزمان.

إن ولادة عيسى بن مريم ليست مجرد حادثة تاريخية عابرة، ولا ظاهرة خارقة تُروى لتثير الدهشة، بل هي نص فلسفي متكامل يحاكي العقل البشري في أعمق أسئلته عن الوجود، والقدرة، والوعي، والحدود. إنها لحظة يتقاطع فيها الممكن مع المستحيل، والزمان مع الأبدية، والعقل البشري مع القدرة الإلهية المطلقة. فالولادة المعجزة تُجبر العقل على التوقف أمام نفسه، فتعيد صياغة مفاهيمه عن الطبيعي وغير الطبيعي، عن المألوف والمعجز، عن المحدود واللامحدود. إنها تجربة عقلية قبل أن تكون حدثًا محسوسًا، ودعوة للتأمل النقدي قبل القبول الأعمى. وكما يؤكد الفيلسوف العراقي عبد الأمير الجمّال: «المعجزة تختبر العقل قبل الإيمان، وتحرره من قيود المألوف، لتستدعي إعادة بناء تصوراته عن الممكن والمستحيل».

ومن المنظور الغربي، يصرح كانط بأن العقل لا يقيس القدرة الإلهية، لكنه مُهيأ لاستقبال معنى الظواهر الخارقة، ليقف بين المعقول واللامعقول، متأملًا في الغموض الذي يكشفه الفعل الإلهي، وفي الحكمة التي تحمله المعجزة للعقل المتفتح. وهنا يظهر الطباق بين التسليم والبحث، بين الحدث الملموس والتأمل الرمزي، بين الواقع والرمز، بين الإيمان والفهم.

إن المعجزة، بهذا المعنى، ليست فقط خروجًا عن قوانين الطبيعة، بل إعادة تعريف للعلاقة بين الإنسان والخالق، بين الواقع والوعي، بين المعرفة والإدراك. إنها درس خالد في فلسفة القدرة والوعي، يُذكّر الإنسان بأن حدود الممكن ليست ثابتة، وأن العقل مدعو لأن يختبر اللاممكن بعين الفهم المدرك لا بالذهول الأعمى. أيها القارئ، فلنقف معًا أمام هذا الحدث: أمام المعجزة التي لا تقتصر على كسر القوانين الطبيعية، بل تفتح أمامنا آفاقًا لا نهائية للتأمل، وتمنحنا فرصة لمراجعة تصوراتنا عن الحقيقة والوجود والقدرة المطلقة. إن ولادة عيسى بن مريم هي رمز خالد لإعادة بناء الوعي، ونموذج دائم للجدل بين الممكن والمستحيل، بين العقل والإرادة، بين الإنسان والقدرة الإلهية. وفي النهاية، تظل المعجزة مرآة للعقل المتأمل، ومفتاحًا لفهم أعماق الوعي الإنساني، وحقيقة أن الفهم لا يتوقف عند حدود الطبيعة، وأن التساؤل الفلسفي هو الطريق إلى إدراك معنى المعجزات والحكمة الإلهية التي تحمله لكل زمان ومكان

***

الكاتب سجاد مصطفى حمود

 

لطالما كانت الحرية في جوهرها قيمةً كبرى، لا تُمنح بقرارٍ سياسي ولا تُكتسب بمجرد كسر القيود الخارجية، بل هي وعي داخلي وتجربة وجودية تسكن أعماق الإنسان قبل أن تتجلى في سلوكه، والمفارقة أن كثيرًا من شعوبنا في الشرق الأوسط، حين فُتحت أمامها أبواب الحرية بعد عقود طويلة من القمع، لم تُحسن إدارتها، فبدت وكأنها قطيعٌ انطلق فجأة من حظيرة ضيقة، يركض بلا اتجاه واضح.

هذه الظاهرة ليست صدفة؛ بل هي نتاج تراكمات اجتماعية وتربوية وسياسية ثقيلة، لعقود طويلة جرى تربية الأفراد على الطاعة العمياء والخضوع للسلطة، حتى صار الاستسلام عادةً والحرية غريبة على النفس، ومن أدمن العبودية لا يرى في الحرية إلا فوضى، لأنه لم يتعلم أن يكون مسؤولًا عن نفسه ولا أن يدير خياراته بعقل ناضج.

الحرية الحقيقية تحتاج إلى أحرار في الداخل، إلى وعي في العقول وإرادة في النفوس، فلا تكفي الشعارات ولا الميادين المزدحمة بالمطالبين بالتغيير، إذا كانت البنية العميقة للفرد والجماعة ما تزال أسيرة أنماط القطيع، ولهذا نرى أن بعض التجارب الديمقراطية في منطقتنا لم تُثمر إلا صراعات وانقسامات، لأن البنية الاجتماعية لم تكن مؤهلة بعد لممارسة الحرية بوعي ومسؤولية.

إن الحرية ليست فوضى، وليست مجرّد هتاف أو انفعال آني؛ بل هي امتحان حقيقي يكشف معدن النفو، من امتلأت أعماقه بروح الحرية مارسها بانضباط وارتقى بها إلى أفق أوسع من ذاته، أما من ظلّت العبودية تسكنه فسيتحول عند الانعتاق إلى فوضويٍ متهور، وهنا يكمن الفرق بين مجتمعات استطاعت أن تجعل الحرية طريقًا للنهوض، وأخرى لم تر فيها سوى انفلات يجرها إلى الفوضى والدمار.

ويبقى السؤال مفتوحًا أمامنا جميعًا: هل الحرية في مجتمعاتنا مجرد أقنعة نرتديها لنخفي عبوديتنا العميقة، أم أنها وعي متجذّر في أعماقنا نمارسه بصدق ومسؤولية؟.

***

كفاح محمود

يُعطى الرجل المسلم حقوقا بمجرد الولادة، حقوقا أصيلة بلا أشتراط أو أثبات، لكن ليس كل حق تكسبه البنت تلقائيا بالولادة، بل يجب أن تشترطه، فاذا وافق الآخر فيكون لها حقا فرعيا ثانويا. فللزوج حق الطلاق والقوامة والخروج والدخول والعمل والسفر بدون أذن أحد، بل حتى منتجات جسد المرأة يسجل بأسمه ويصير هو الولي الحصري له، ولا تكون هي ولية الا بعد غيابه، وقد لا تكون مطلقا عند البعض.

المرأة عوملت كتابع (مفعول به) يقع عليه الفعل ولا تكون هي فاعلة في أي شيء مطلقا ماعدا أمر واحد هو أن توافق على الزواج، وبعد ذلك تنتهي كل إرادتها، ستكون تابعا بالمطلق بعبودية واضحة، فأذا أرادت الخروج من هذا الوضع يجب أن تفتدي نفسها (تشتري نفسها) بأي مبلغ يطلبه الزوج، ولابد أن يوافق وهو يقوم بطلاقها حصرا، مهما كرهته أو استحالت الحياة الزوجية بينهما.

هي أداة وتابع ولايحق لها في هذه الحياة الزوجية الا الأكل والكسوة بالحد الادنى، أما الأمور الاخرى فلضآلتها لاتكاد أن تذكر، فالحق الزوجي في الحميمية (مرة كل اربعة أشهر بمعنى علاقة زوجية ثلاث مرات في السنة، ومبيت ليلة واحدة من أربع ليال).

وهو حق هزيل لا ينسجم مع الطبيعة الإنسانية أو العلاقات العاطفية، بل يجعل العلاقة الزوجية آلية ميكانيكية، وكأن المرأة مجرد أداة لتصريف الغريزة، اذا أحب، ويمكن أن يهمها خارج هذا الوقت. أو كأن المرأة مجرد “حصة زمنية” في جدول الرجل، لا شخصًا كاملاً بمشاعر ورغبات وكيان مستقل.

أفكار لاتكاد تعقل في ظل تطور تواصلي عارم اليوم. لقد اعتبروا النساء كلهن نسخة واحدة، قطيع أنثوي كأي حيوان بلا شخصية أو هوية، الذي يحتاج إلى الطعام والكسوة التي يمكن تسميتها بـ(إعالة البقاء) بلا تمييز بين أمرأة وأخرى فوضعت لهن حقوقا مادية تافهة، حقوق حيوانية بقائية (حتى الحيوان يجب أن يعامل بالمعروف).

وهذا ناتج من رؤية بدوية - عشائرية ترى الذكر أفضل من الأنثى، وأن الحياة ولدت من "ضلع ذكر" وان "الحليب" الذي تنتجه المرأة من جسدها أثناء الأرضاع أنما هو حليبه والطفل طفله، بينما هو علميا شبه متطفل على المرأة في عملية الإنجاب.

هذه الرؤية كانت حاكمة على العقل الفقهي، ولذلك وجدنا كل هذه الفتاوى التي تعاملت مع المرأة كتابع بلا هوية، لايحق له تسيير حياته كما يريد بل عليه أن يشترط على الجنس الآخر فاذا وافق خلال "العقد" فمن الممكن أن تحصل على بعض الحقوق الآدمية بموافقته، واذا لايلتزم الزوج فستبقى معلقة لا رأي لها ورهينة رضا الزوج..أي حقوقها منحة وتجاز من قبل الآخر لاحقوق أصيلة.

هذه النظرة تخالف النظرة السماواتية القرآنية، لا أفضلية جنس على آخر. ومن يقول غير ذلك مغيب العقل، أو"قافل" فكره على كل مايرده من أخبار كما لو كانت إلهية فعلا.

فهناك في المدونة الفقهية من يبيح تزويج الصغيرة دون علمها أو إرادتها، ولايحق لها عند البلوغ حق الفسخ، واعتبرت أنها مجرد جسد، فأذا وصل الى سن يطيق النكاح فيتم تزويجها، كأي أنثى حيوان لايتعلق الأمر برغبتها او تفضيلها لزوج على آخر، فالمزاجيات مرفوضة ، فهي "مجرد جسد " بلا روح يتم تبادله بين الأولياء، يحق لابيها تزويجها وأن كانت هي لاتدرك شيئا من الزواج وحتى، لو تصاب بنوبة هلع شديدة نتيجة هذا الاقحام الاجرامي في حياة البالغين الكبار التي لاتفهمها والتي تفقد من جرائها عقلها وتتدمر نفسيتها.

مافعله الأسبقون في فهم مغاير لحقوق الإنسان لايجوز أن يبقى الى الأبد، في تفكير قديم، أرسطي غالب على منطق الفقه، وهو تفكير يرى أن الثابت هو الأساس في بقاء الأحكام، في فروع الدين، حتى غير العبادية منها، ضمن فكر ثنائي جوهراني يفضل الذكر على الأنثى والثابت على المتغير.

***

د. بتول فاروق - النجف

٥/ ٩/ ٢٠٢٥

فيما يلي مجموعة من الأفكار التي سعيت أن تقدم إجابة عن تساؤلات مثارة بخصوص الايمان كحالة وجدانية (عقلية وعاطفية) وما يتصل بها أو يترتب عليها من مواقف عملية تبرئ ذمة المؤمن وتحقق اطمئنانه القلبي.

لم اَت بالجديد الكثير في هذه الأفكار التي سميتها (ملاحظات عابرة) فقد سبقني الى الكتابة في معظمها كثيرون، كما أني لا أنوي الإساءة من خلالها لثوابت الدين أو التعرض بأي شكل من الاشكال لضروراته الثابتة. حاولت من خلال هذه الملاحظات أن أبين أن الإيمان بالموضوعات الإيمانية  (الله. الدين. المذهب) بوصفه يقيناً عقلياً او اطمئناناً قلبياً ليس أمراً مقطوعاً بصحته لجميع الأفراد وفي كل الأحوال والأزمنة مثل اليقين بالموضوعات المحسوسة، كالقلم في يدي أو الجدار أمامي، بل هو – في غالب الأحيان – حالة مركبة من الجهد العقلي والميل النفسي الظاهر والخفي. ومن الطبيعي أن تترتب على هذه المقدمة نتائج تتصل بالموقف من المختلفين معنا فكرياً أو عقائدياً وكذا الاحكام المرتبطة بهذا الاختلاف، كما أوضحت أن الحكم الشرعي ليس غاية بحد ذاته حتى يُتَعبد به في كل حال أو ظرف (زماناً أو مكاناً) بل هو وسيلة لتحقيق مقصد الشريعة في الحفاظ على النفس والمال والنسل وإحقاق الحق، وهذا مبدأ نظّر له علماء الإسلام قديماً وتابعهم عليه فقهاء ومفكرون وباحثون معاصرون.

أشير إلى أن ما حملني على الكتابة في هذا الموضوع - ضمن دوافع أخرى - هو حيرة شبابنا أمام هذا التدافع الهائل من الأفكار والمعتقدات وأمام وفرة لا حصر لها من المعلومات التي تهيئها التكنولوجيا الحديثة، والكثير الغزير منها يشكك في عقيدتهم ويطعن في موروثهم الذي تشربوا احترامه وتقديسه من الأبوين والبيئة الأوسع منذ نعومة أظفارهم.

لم تعد المعلومة محصورة بين دفتي الكتب أو على لسان رجل الدين بل أصبحت متاحة للجميع ولا يحتاج الوصول اليها سوى الى نقرة خفيفة على جهاز الحاسوب أو الهاتف ليكون المرء في مواجهة ما يريد وما لا يريد مقروءاً ومسموعاً ومرئياً وحين تتضخم الإشكالات وتكثر الملاحظات ويتم تغافلها يكبر التساؤل في الأذهان ويتحول الى شك ثم يصبح الشك إنكاراً للعقيدة وكفراً بها. الفضاء الالكتروني بما يوفره من ملايين المصادر والأفكار المتنوعة ليس مجرد أداة اتصال بل هو ساحة اختبار حقيقية لصدقية أي فكرة أو معتقد أو مشروع.

لكن ما نحتاجه اليوم أكثر بكثير من مجرد الرد على إشكالات مثارة أو الإجابة عن ملاحظات بخصوص هذه القضية أو تلك، ما نحتاجه فعل معرفي ضمن رؤية شاملة ترمم صورة الدين التي شوهتها قرون من التمازج بين ماهو تاريخي وبشري وبين ما هو ديني صرف، نحتاج الى مبادرات شجاعة تخرج الدين من المواجهة المفترضة مع العقل والكرامة الإنسانية وتفتح المجال لتوأمة حقيقية بين الدين والعقل. وقد أشرت في ختام (الملاحظات) إلى بعدين أحسبهما مهمين في هذا السياق:

 الاول: احترام حق الاَخر – أي اَخر – في الاختلاف الفكري والعقائدي معنا دون قيود.

الثاني: إعادة النظر بأحكام الشريعة انطلاقاً من أن معظم نصوصها تاريخية ولا تصلح - على ماهي عليه – لكل زمان ومكان فلا معنى للتمسك بأحكام كلف البشر بالعمل بها زمناً ثم صارت عبئاً عليهم مع توالي الازمان وتبدل الأحوال:

(1)

 إثبات المعتقدات والقناعات الدينية والمذهبية والوصول الى الحقائق المتعلقة بها يختلف عن اثبات صحة الأفكار في المجالين الطبيعي والإنساني. في المجال الطبيعي يمكن الوصول الى نتائج قاطعة إذا توفرت الشروط الموضوعية لذلك، وبنسبة أقل يمكن الوصول الى نتائج مماثلة أو قريبة من ذلك في المجال الإنساني. أما في مجال العقائد والقناعات الدينية فليس من السهولة اثبات ذلك عن طريق العقل وحده لأن العقيدة مصدرها الأكثر تاثيراً هو ألعاطفة وليس العقل رغم البناء المنطقي والعقلي الذي يقدمه المؤمنون بها.

(2)

الانسان يرث دينه ومذهبه كما يرث لون شعره وبشرته ولون عينيه، والدين اقرب الى ان يكون قدراً لافكاك منه، وهو بهذا المعنى جزء لاينفك عن تكوين الانسان النفسي والعقلي والعاطفي، ومن الصعب جداً على الانسان أن يخرج من دائرة التأثير المباشر او غير المباشر لدينه أو مذهبه. صحيح أن بعض الناس غيروا دينهم أو مذهبهم وانتقلوا الى دين اَخر أو مذهب أخر لكن هؤلاء لا يمثلون سوى شريحة ضئيلة للغاية اذا ما قورنوا بعدد الذين يظلون أوفياء لأرث الاَباء والأجداد، فضلاً عن أن هذا النفر القليل لا تكون غايته دائماً البحث عن الحقيقة بل إن قسماً من هؤلاء المتحولين قد تكون لهم دوافع أخرى من قبيل تحقيق المصلحة الشخصية أو يكون تحولهم نوعاً من ردات الفعل على مواقف أو سلوكيات لم تعجبهم في بيئتهم.

(3)

لا علاقة للمستوى العقلي أو الذهني للأشخاص بدرجة الخضوع لتأثير الدين فالفرد سواء كان عادياً أو مفكراً أو حتى عبقرياً ينحاز لثقافته الدينية حتى لو لم يكن متديناً. تجد أحيانا أشخاصاً في قمة الذكاء وربما العبقرية لكنهم يتصرفون كالرجل العادي إذا امتحنوا في قناعاتهم الدينية وتم تحديها أو الضغط عليها من قبل الاخرين.ويمكن القول إن الانسان منذ شبوبه عن الطوق يغلق باب البحث في معتقداته أو مناقشتها بطريقة مجردة وموضوعية بعيدة عن مشاعر الانتماء وماتفرضه هذه المشاعر من انحياز مسبق، ولهذا نرى أن القدرات العقلية المميزة لدى بعض الأشخاص يتم توظيفها بطريقة عقلية (مميزة) لإثبات صحة الموروث الديني أو تنقيحه جزئياً دون المساس بألاسس والثوابت.

(4)

ماذا لوتبادل اشخاص مميزون عقلياً بيئاتهم الدينية والمذهبية والاجتماعية ؟ كيف ستكون آراؤهم ومواقفهم العلمية والفكرية والعقائدية ؟ هل ستبقى هي هي أم تتغير تبعاً للبيئة الجديدة ؟ وماهي درجة التغير في هذه الآراء والمواقف ؟

ماذا لو وُلد الشيخ المفيد والعلامة الحلي في حرّان أو دمشق وَوُلد ابن تيمية وابن القيم الجوزية في الكوفة ؟

ماذا لو ولد الخوئي ومحمد باقر الصدر في نجد وولد محمد بن عبد الوهاب وابن باز في النجف وكربلاء ؟

لا أظن أنّ هناك مجالاً للاختلاف في أن ابن تيمية لن يكون قادراً على كتابة منهاج السنة في بيئته الجديدة المفترضة ولا العلامة الحلي سيكتب كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد حين يولد حيث وُلد ابن تيميه.

 ولو توجهنا بهذه الأسئلة الى المعنيين أنفسهم من كبار علماء الشيعة والسنة لأجاب الشيعي منهم أنه سيبقى شيعياً وإن ولد أصلا في بيئة سنية،

ولقال السني منهم أيضاً أنه سيبقى على سنيته أو سلفيته وإن ولد ونشأ في بيئة شيعية. ولو تحلى بعضهم بقدر أكبر من التواضع لأجاب: الحمدالله على نعمة الإسلام والتشيع أو التسنن والحمدلله الذي خلقني حيث أنا ورزقني نعمة الفهم والبصيرة !!!

(5)

 ونطرح سؤالاً افتراضياً اَخر: لو أن المسلمين أو غيرهم فُرّغت ذاكراتهم من كل ماله علاقة بالدين أو ثقافة البيئة التي ينتمون اليها مع احتفاظهم بقدراتهم العقلية وقابلياتهم على الفحص والتحليل والتمييز تماماً كما هم الان لكنها ستكون حسب هذا الفرض، قدرات مجردة من أي معلومة أو انطباع عاطفي. ولنفترض ايضاً أن اعمار الناس تتسع للاطلاع على كل عقائد البشرية واديانها ومذاهبها قديماً وحديثاً فهل سيختار المسلم المولود في بيئة شيعية اثني عشرية دينه ومذهبه هذا نفسه بعد الفحص والتقييم والفرز لعشرات الالاف وربما اكثر من العقائد والمذاهب والأديان؟ وهل سيختار المسلم السني السلفي على مذهب ابن تيمية وابن عبد الوهاب مذهبه هذا بعد البحث والتنقيب والاستبعاد للكم الهائل من الأديان والملل والمذاهب؟

قد تبدو الإجابة بديهية أن اختيار أحدنا للدين والمذهب الذي نشأنا عليه حسب هذا الفرض سيكون احتمالاً محدوداً، لكن هناك من لديه الاستعداد فعلا للجدال حتى في هذه البديهية. طرحت السؤال ذاته قبل عقود على صديق متحمس لشيعيته حد التعصب فأجابني بكل ثقة أنه سيختار دون شك الإسلام على المذهب الجعفري وإذا لم يفعل ذلك فسيكون مخطئاً! لقد اعتبر هذا الأخ وضوح الصواب في عقيدته الشيعية بالنسبة له مثل وضوح الشمس في رائعة النهار، وأن الخطأ في العدول عن اختيار هذه العقيدة يشبه الخطأ في تسمية الشمس حين يشار اليها !! ولاحاجة للقول ان هذا المستوى من اليقين واطمئنان القلب لصحة الاعتقاد ليس حكراً على طائفة أو دين أو مجموعة. إن هذا الأخ وامثاله من المؤمنين بالأديان والطوائف الأخرى – الا قليلاً منهم – يتوهمون أنهم انما صاروا مسيحيين أو مسلمين سنة أو شيعة بعد بحث وفحص ومراجعة واعتماد على العقل والمنطق وأنهم لم يؤمنوا بعقائدهم عن عاطفة أو تقليد لأسلافهم. يظنون ان الصيغة المنطقية التي تعرض فيها عقائدهم – أو يقدمونها هم أن كانوا من ذوي القدرة على ذلك - دليل على صحة هذه العقيدة متناسين أن النقوض اللاذعة التي يوجهها أرباب العقائد لبعضهم البعض والكثير منها صحيح تعري الأساس العاطفي الذي بنيت عَليه هذه العقائد وكذا الطابع التاريخي (الظرفي) لها زماناً أو مكاناً.

ولا ينتبه هؤلاء – عدا القليل منهم - الى ان هذا الاغفال لجوانب الضعف في العقيدة هو جزء من اَلية تلجأ اليها النفس البشرية لاستبعاد ما يؤلمها أو يخدش مشاعر الرضا والفخر بانتمائها..

(6)

 تشيع عبارة (يجب البحث عن المعتقد الحق) على ألسن وفي أقلام من يتصدون للحجاج المنطقي والكلامي لإثبات أحقية الإسلام قبال الأديان الأخرى، ويعنون بها أن كل أنسان مكلف (بالغ عاقل) في العالم أياً كانت ثقافته وعلمه ومستواه الاجتماعي والبيئة التي ينتمي اليها والجغرافية التي يعيش فيها يتحتم عليه البحث عن الدين الحق، وان هذا البحث يجب ان ينتهي بالتوصل الى نتيجة واحدة وهي ان الإسلام هو الدين الحق الذي يجب اعتناقه ولايجوز تغييره أو تركه حتى الممات، وفي غير هذه الصورة فإن مصير هذا الانسان سيكون الخسران يوم القيامة ودخول النار استناداً الى الآية الكريمة (ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين).

المشكلة اننا نتعامل مع اللغة باعتبارها علامات أبدية على معان ثابتة مطلقة لا تتغير ولا تتبدل أياً كان الظرف أو الثقافة أو المجتمع، وان ما فهمه العربي المسلم في القرنين الثالث والرابع وما تلاهما من عهود الجدل الكلامي المستعر بين الفرق والمذاهب والنحل من هذه العبارة هو حجة على البشرية جمعاء في كل زمان ومكان وان اختلفت ثقافات مجتمعاتها اليوم وموقع الدين من هذه الثقافات.

الاحتجاج بـــ (وجوب البحث عن المعتقد الحق والوصول اليه للنجاة في الأخرة) يتجاهل حقيقة بديهية، هي ان هذه العبارة ذاتها

نتاج ثقافة معينة، وان ما يفهمه ابن هذه الثقافة ومن تشربت شخصيته بمفاعيلها من هذه العبارة يختلف كلياً عما يفهمه منها الشخص المنتمي لثقافة أخرى لا يمثل الدين سوى عنصر ثانوي في تكوينها.

الإسلام بالنسبة للمسلم يستغرق حياته بكل تفاصيلها. هو ليس عنصراً فحسب في ثقافته بل هو أساس هذه الثقافة، هو جذرها الذي يطبع حياة المسلم بطابعه الخاص في كل شؤونه فرداً أومجتمعاً، ومن الطبيعي ان يكون دين له كل هذه الأهمية في حياة الناس هدفاً يسعى للوصول اليه والايمان به

كل (المكلفين) لنيل السعادة في الدارين.

لكن المجتمعات التي لا يكتسي الدين فيها هذه الأهمية لا تفهم من العبارة

ما يفهمه المسلم، فالدين عندها ليس أكثر من عنصر ثقافي يندمج مع عناصر الثقافة الأخرى للأمة، وبعض هذه المجتمعات يتحول الدين لديها الى مكمل ثقافي كمالي وقد يمكن الاستغناء عنه.

وإزاء هذا الفارق في أهمية الدين تتفاوت دلالة العبارة (يجب البحث عن الدين الحق) بين الفريقين حيث يتوفر الحافز الثقافي للبحث عن (الدين الحق) نظراً لأهميته الحياتية لدى الفريق الأول بينما يضعف اِو ينعدم لدى الفريق الثاني الذي تقل أهمية الدين عنده قياساً بالفريق الأول. والحقيقة ان أعداد الذين توصلوا للدين الحق نتيجة (البحث الواجب) لا تكاد تمثل شيئاً بالمقارنة مع السواد الأعظم من الاتباع الذين دخلوا الإسلام إما وراثة او بشكل جماعي عن طريق الفتوحات التي دخل الناس فيها أفواجا في دين الله، أو عن طريق الدعاة والمبلغين الذي انتشروا في اصقاع العالم سواء كانوا تجاراً او علماء او بأية صفة كانت، ثم تحول الإسلام لدى هذه الشعوب بتعاقب القرون الى جزء حيوي من ثقافة المجتمع وبيئته الحضارية. ومن الواضح أن الذين دخلوا الإسلام عن طريق الفتوحات لم يفعلوا ذلك بسبب اخلاق الفاتحين او ميزات الدين الجديد فحسب بل إن نسبة مهمة من هؤلاء، وقد تكون النسبة الغالبة، أمنوا بالدين الجديد لإنه دين الغالب، والبلدان المفتوحة تنزع شعوبها المغلوبة في العادة الى تقليد الفاتحين في ثقافتهم ومنها الدين. وإنما لم يعتنق المسلمون دين المغول القاهرين بعد سقوط بغداد فلأن هؤلاء لم تكن لديهم ثقافة يبشرون بها او دين يدعون الناس اليه. كانوا بدواً غلاظاً يسعون وراء الغلبة والقوة وقهر الشعوب والاستحواذ على خيراتها. والدخول الجماعي للإسلام حصل حتى من خلال الدعاة الذين انتشروا في مناطق واسعة من العالم يومذاك فإنه كان يكفي أن يقتنع كبير القرية أو شيخ العشيرة أو الوجيه وصاحب المكانة بالحجج المعروضة عليه حتى يتبعه باقي أهل القرية أو أفراد العشيرة بالأيمان بالدين الجديد، ولم يكن الأمر ليحتاج ان تكون الدعوة دائماً خاصة بكل واحد من أفراد الجماعة. تجدر الإشارة الى ان كلا الدينين السماويين المسيحية والإسلام مارسا كلتا الطريقتين ؛ القوة مع الضغط السياسي والاجتماعي من جهة والتبشير مع الدعوة الى الدين الجديد من جهة أخرى، بصرف النظر عن مستوى العنف أو طبيعته لدى هذا الفريق أو ذاك، وبصرف النظر كذلك عن محتوى الدينين وملاءمتهما لاحتياجات الجماعة الروحية والعملية.

(7)

 شغلت حقيقة وجود خالق للكون والحياة أو وجودهما دون حاجة لافتراض قوى غير منظورة، الفكر الإنساني منذ ظهور الانسان على وجه الأرض، ففي كل زمان ومكان يوجد – تقريبا – فريقان يؤمن احدهما بوجود خالق لهذا الوجود بينما ينكر الفريق الاخر وجوده أو الحاجة إليه أصلاً. ورغم تطور فكرة الاله على امتداد الأزمنة وتنوع الأمكنة ورغم اختلاف مستويات التفكير وتطوره لدى الجنس البشري كذلك الا ان كلتا الرؤيتين بقيتا شاهداً قائماً في كل عصر على استمرار هذه القضية المختلف عليها فلسفياً وعلمياً وعدم التوصل فيها

إلى رأي قاطع وحاسم، والأرجح أنها ستظل كذلك حتى أنقضاء الحياة على كوكب الأرض وفناء الجنس البشري.

ومنذ ظهور أولى أشكال التفكير الفلسفي لم تستطع الفلسفة حسم هذه القضية بشكل بات وجازم، كما لم تستطع اَخر الأفكار والمنجزات العلمية الوصول الى نتيجة حاسمة لهذا الخلاف، فرغم تراجع أهمية الفلسفة بمعناها الأكاديمي خلال هذا القرن والجزء الأكبر من القرن الماضي في حسم قضايا الفكر البشري الكبرى ورغم تعاظم دور العلم في كافة المجالات الا أن قضية وجود خالق من عدمه بقيت هي هي دون تغيير تقريباً. فقد تجد اشخاصاً يتمتعون بأعلى درجات الكفاءة العلمية ولا تعوزهم النزاهة الأخلاقية لا يؤمنون بوجود خالق لهذا الكون، بينما تجد أشخاصاً لايقلون عن هؤلاء كفاءة ونزاهة يؤمنون بوجود قوة عليا عاقلة مفارقة للمادة هي التي أوجدت الكون ومافيه، وبعض المحسوبين على هذا الفريق يؤمنون بوجود الخالق دون الايمان بالأديان والنبوات التي ظهرت في تاريخ البشرية، والبعض الاخر منهم يؤمن بالخالق ومايراه لوازم لهذا الايمان ؛أي الأديان والنبوات وماجاءت به من سبل الهداية للبشرية.

(8)

 لدى علماء أصول الفقه قاعدة تسمى حجية القطع وتعني أن الجزم بالشيء يكون حجة بذاته على القاطع أو الجازم ولا يحتاج إلى دليل من الشارع عليه، فإذا جزمت بأن السائل الذي أمامك مباح وتناولته ثم تبين أنه محرم فلا شيء عليك ولاتكون مأثوماً. هذه القاعدة الأصولية تم الحديث عنها باستفاضة في كتب الأصول وعلاقتها بأفعال المكلفين وانطباقها على الاحكام الشرعية (الاباحة، الاستحباب، الوجوب، الكراهة، الحرمة).

ولايوجد أي مانع عقلي أو شرعي لتسرية هذه القاعدة العقلية وتوسيع مساحة انطباقها لتشمل العقيدة أيضاً، لأن العقل يعمل بطريقة واحدة في الحالتين، بمعنى أن القاطع حال قطعه لايمكنه الاقتناع بغير ماقطع به سواء كان المقطوع به محسوساً أو فكرة، ونتيجة لذلك لايمكن لأي جهة علوية أن تحاسبه على العمل وفق قطعه هذا، وهو ما يسميه علماء الأصول بــ (المعذرية) (1) أي أن المكلف يكون معذوراً اذا ما تصرف وفقاً لهذا القطع فالحجية هنا تكون أمراً ذاتياً للقطع ويستحيل سلبها عنه (2).

نعم هناك خلاف بين الأصوليين حول ما إذا كانت الحجية أمراً ذاتياً لا يمكن تغييره في كل حالات القطع او هي امر اعتباري يمكن تقييده أو رفعه في بعض الحالات، فيمكن للبعض ان يناقش بأن اختبار صحة العقائد أو فسادها يمكن ان يدخل ضمن هذا الحيز ؛ أي ان للشارع ان يتدخل في تحديد طرق الاثبات المعتبرة للعقائد بحيث يجعل القطع بالمعتقد الفاسد غير ملزم وكمثال على ذلك القطع الناشئ من القياس عند الامامية، فهذا النوع من القطع لا يلزم منه تنجيز ولا تعذير لأنه من طرق الاثبات غير المعتبرة عندهم.

لكن هذا التقييد لايقدم في الحقيقة أي عون لتمييز الفاسد من الصحيح لأنه هو بذاته يصدر عن مرجعية (ثقافية) (3) غير مجمع على صحتها او وجوب الاحتكام اليها، فالقول مثلاً ان للشارع ان يسلب الحجية من القطع الناشئ عن تقليد الاَباء والاجداد في مجال العقيدة لايعني شيئاً في الواقع سوى ان يكون الشارع ذاته منظومة ثقافية خاصة تلفظ مايتعارض مع متبنياتها وأسس انتمائها. ولاريب ان الشارع لدى هذه الجماعة يختلف عن الشارع لدى الجماعات الأخرى، فهؤلاء جميعاً يعتقدون ان الاَخر لم يحكّم عقله في خياره الديني والمذهبي وأنه جرى على ماكان عليه اَباؤه وأجداده في أمور الدين والمذهب، وفي هذه الحالة لايمكن لأي شارع أن يقيد حجية القطع أو يسلبها بأي شكل من الاشكال. ألقطع في حالة الايمان بالدين أو المذهب – وفي الكثير من الحالات الإله - ليس جهداً عقلياً خالصاً مثله مثل استخلاص النتائج من التجارب الحسية في المختبر، بل هو جهد مركب ومزيج من عوامل متشابكة بعضها عقلي والأخر عاطفي (شعوري ولاشعوري) دون ان نغفل بطبيعة الحال أن هناك قلة قليلة لايكاد يعتد بعديدها في كل جماعة لديهم الإرادة المخلصة والقدرة على الانعتاق من الموروث ومن ثم الوصول الى الحقيقة في هذا الحقل الوعر.

(9)

 مادام الانسلاخ عن البيئة الاجتماعية والثقافية والتحول الى المعتقد الحق أمراً بالغ الصعوبة فإن هذا يقتضي أن يكون حساب الإنسان في الاَخرة على هذه الأمور مختلفاً عما نفهمه من النصوص الدينية

(القراَن والسنة) أو استقر في نفوسنا من صور العذاب والثواب. الحساب في الاَخرة لا يكون إلا على ما كان في وسع الانسان وطاقته أن يفعله ولم يفعله.

ومقتضى عدل الله ورحمته التجاوز عما كان خارج هذا الوسع والقوانين التي أودعها الله تعالى في النفس البشرية وخارج النزعات الخفية لهذه النفس. كما أن حكمة الله تعالى تقضي بأن تؤدي رسالات الله المبلغة للناس مقاصدها على مرّ الازمان ومختلف الأماكن وتنوع البشر، ومالا يصل الى الناس باللسان والقلم يصلهم بالفطرة التي فطر الناس عليها.

إذا كان الناس مختلفين في عقائدهم ومذاهبهم ونوع إيمانهم فهم جميعاَ – إلا من شذ وندر – متفقون على الإيمان بجواهر هذه الرسالات. متفقون على أفضلية العدل والرحمة وأرجحية الصدق والأمانة وضرورة أن تحب لأخيك الإنسان ما تحب لنفسك ووجوب الإتيان بكل الفضائل التي دعا إليها أنبياء الله وأولياؤه واجتناب كل الرذائل التي نهوا عنها وطالبوا أتباعهم بتركها.

 الله تعالى أعدل من أن يعرّض أحداً لعذابه حين لا يستطيع الإيمان

 بــ (الدين الحق) أو (المذهب الحق) لأنه لم يستطع أن يرى هذا الحق بسبب

(قصور) اقتضت حكمة الله أن يمازج تقويمه الأحسن كإنسان ويكون بعضاَ من فطرته تعالى التي فطر الناس عليها.

كيف يمكن ان يكون الأَوْلى بالجنة من لافضل له في إيمان سوى أنه ولد لأبوين مسلمين ولم يكن له الكثير مما يشرّفه في التعامل مع أبناء جنسه. وقد لا يكون له سجل اصلاً في هذا المجال، بينما يدخل النار من قضى حياته في خدمة الإنسانية لأنه لايؤمن بدين أو إله؟ وقد يكون بعض هؤلاء كرسّوا أنفسهم وأموالهم ودفعوا حياتهم ثمناً لهذا الغرض، ونحن نسمع ونقرأ عن كثير من هؤلاء الذين اختاروا حياة التقشف ووهبوا أموالهم وجهدهم لمحاربة الفقر والجهل والمرض في بلدانهم وخارج بلدانهم، وأوصوا ببقية أموالهم لمؤسسات خيرية أو لمن يستحقون ذلك بعد وفاتهم دون أن ينتظروا جزاءً من أحد أو إطراءً على ما يقدمونه.

التضحية بالمال والوقت والجهد وأحياناً الحياة من أجل الاَخرين عناوين للصدق مع الذات، ولايكون صادق مع نفسه إلاطالباً للحقيقة وراغباً في الوصول الى الحق، لأن التضحية من أجل الإنسانية والجحود للحق لايجتمعان في إنسان.

والعقيدة ديناً أو مذهباً أو إيماناً بما اشتملت عليه هذه العناوين من شريعة أو أخلاق إنما جاءت لخدمة الانسان وليس العكس، فغاية إرسال الرسل وإنزال الكتب السماوية هي هداية الناس إلى طريق السعادة وإرشادهم إلى ماينفعهم، واعتبار المفاهيم الدينية عقيدة وشريعة غاية بحد ذاتها دون اعتبار لمصلحة الإنسان ودون مراعاة لإنسانيته كمخلوق حرّ مسؤول عن عمله يجعل الانسان خادماً للدين ويمنح الله تعالى صورة تنافي حكمته وماكتبه هو على نفسه من الرحمة والعدل.

يتحول الله حسب مفهوم (الإنسان في خدمة الدين) الى إله نرجسي وسادي كإله التوراة وبعض اَلهة السومريين لايأبه لمصلحة عباده ولا إنسانيتهم إلا من زاوية مايرضيه هو، فلا تتحقق العبادة الحقة له إلا بإلغاء إنسانيتهم والتنازل عما ينفعهم، فلا يحق لمجتمع المؤمنين ان يفكروا بمخالفة تشريع اكتشفوا عدم ملاءمته لزمانهم، لأنه وحسب المفهوم نفسه لا الزمن ولاتغير الأحوال والظروف يبرر العدول عن تشريع نزل أو فُرض لمعالجة شؤون مجتمع عاش قبل 1400 سنة. ولايقتصر هذا على النص(الكتاب والسنة) بل يسري ذلك أيضاً على التشريعات التي أنتجها الفقهاء بعد انتهاء فترة الوحي وأنتقال الرسول الى الرفيق الأعلى، وتمثل الجزء الأكبر من التشريعات التي تشتمل عليها كتب الفقه، فيسمح هؤلاء لأنفسهم بمخاطبة الناس نيابة عن الله تعالى وينسبون أقوالهم واَراءهم الفقهية – عملياً – إليه سبحانه فيبدّعون ويكفّرون، ويعطون ويمنعون، ويفتون بما اقتضت ظروف زمانهم وأحيانا بما شاء حاكمهم ويفتئتون على الله أنّ مايقولونه هو حكم الله يثاب من عمل به ويعاقب من خالفه.

يعاقب من لايعمل بفقه السبي للإماء والعبيد – مثلاً – الذي انتجته قرون الاحتراب والصراع مع الاَخرين ومازال يُدَرّس في العديد من المعاهد والمؤسسات الإسلامية، ويتلقاه طلبة هذه المؤسسات على أنه حكم الله الذي لايُنازع، وقد جرّ هذا الفقه الويلات والماَسي على المسلمين وسواهم وقد رأى الجميع ما فعلته الجماعات الإرهابية في العراق وغيره خلال العقود الماضية.

مادام الدين غاية بحد ذاته ومادام الإنسان في خدمته وليس العكس فإن عليه إن اَمن بالدين الحق أن يغلق باب التفكير في احتمال العودة عن إيمانه وأن لايقيم وزناً لتفكيره أو (وساوسه العقلية). لامعنى لحرية التفكير هنا لأنها تتعارض مع الهدف الأسمى وهو أن يكون الدين، بشكله الرسمي والموروث، مخدوماً بالإنسان وليس العكس. فإذا قطع الإنسان لاحقاً بعدم صحة إيمانه فعليه أن يحتفظ بقطعه هذا لنفسه وإلا قطع رأسه. قد يستتاب من ارتد بعد إيمان سبقه كفر

وهو المرتد الملي قبل قتله، لكن المرتد الفطري وهو المولود لأبوين مسلمين يُقتل دون استتابة (4) وفي هذا التمييز بين المرتد الملي والفطري إقرار صريح بأن الدين إرث ينقله الاَباء للأبناء وليس خياراً حرّاً صادراً عن قناعة عقلية واطمئنان قلبي.

وقد يتضمن حكم الردة عند مدارس فقهية أخرى شكل الحجر الكامل على منافذ التفكير والتعبير لدى الانسان فيكون المرتد عندها من أنكر ضرورياً من الدين في قوله وفعله واعتقاده (5)

وغني عن البيان أننا لانعيب على قتل المرتد إلا حين تكون (الردة) تعبيراً عن قناعة عقلية استجدت لدى الشخص وتُعد خروجاً عن العقيدة السائدة شرط أن لاتقترن هذه القناعة بارتكاب جرائم يستحق بموجبها القتل.

فلو رجعنا إلى الذين قتلوا أو أهدر النبي دماءهم ممن ارتدّوا عن الإسلام لوجدنا أن هؤلاء جميعاً ارتكبوا مايوجب العقوبة عدا عن كونهم ارتدوا عن الإسلام، فعلى سبيل المثال أمر رسول الله بقتل عبدالله بن سعد

 بن أبي سرح لأنه كان من كتاّب الوحي فخان الأمانة وارتد ثم رجع الى مكة، وكذلك أهدر دم عبدالله بن خطل لأنه قتل غلاماً له كان مسلماً ثم ارتد وهرب الى مكة، وأمر بقتل مقيس بن صبابة الكناني لأنه قتل رجلاً من الأنصار ثأراً لأخيه ثم هرب راجعاً إلى مكة، لكنه لم يأمر بقتل المنافقين الذين كان رؤوسهم – على الأقل – معلومي الحال لدى جميع المسلمين وأنهم كانوا يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر.

 وقد يكون من المفيد أن أورد مثالاً من الفقه له صلة بهذا البعد أي حرية التفكير والمعتقد، فقد اتفقت المذاهب الإسلامية على عدم جواز الاطلاع على (كتب الضلال) خشية على العوام من الافتتان بها أو التأثر بمضمونها، واستثنت من ذلك العلماء ومن لديهم قدرة الرد على

 (أباطيل) هذه الكتب، فعدم جواز الاطلاع هنا يعني حكمين في الحقيقة أحدهما صريح وهو حرمة الاطلاع على كتب الاّخر الديني والمذهبي أو الالحادي، والثاني ضمني يترتب على الحرمة وهو تجريد الاّخر من حق الاختلاف معنا وكذا تجريد الأتباع أو (المكلفين) من حق الاطلاع.

والتجريد في كلتا الحالتين سلب لحق إنساني أصيل يُعَدّ شرطاً لأي نهضة أو تنمية إنسانية حقيقية، ولا تكون عاقبة التفريط به سوى التعصب الذي نرى اّثاره المدمرة على مجتمعاتنا، والجمود في الخطاب المؤدي للتخلف، والمزيد من الابتعاد عن الدين

1-  المعذرية هي أحد أثرين لحجبة القطع والأثر الاخر هو المنجزية وتعني استحقاق المكلف للعقوبة أذا خالف العمل بقطعه.

2-  استثنى الاصوليون (أو بعضهم) بعض أنواع القطع من الحجية وقالوا بإمكان سلبها عنه كالقطع الناشئ عن الوسواس أو قطع القطاع وهو الشخص كثير القطع.

3-  ليس المقصود بالثقافة هنا المعنى الضيق المتداول والشائع منها، بل المقصود بها: كل نشاط انساني نظري أو عملي يميز الجماعة عمن سواها فتشمل الأفكار والفنون والمعتقدات والعادات والتقاليد والموروث الادبي والفني.... الخ. أي بأختصار هي تمثل هوية الجماعة التي تميزها عن الاخرين.

4-  كما تنص على ذلك أحكام الردة في الفقه الجعفري.

5-  كما تنص على ذلك أحكام الردة في المذاهب السنية الأربعة، وهو تعريف يلغي حقين أساسيين من حقوق الإنسان وهما حرية التعبير وحرية العقيدة.

***

طاهر ناصر الحمود – وكيل وزارة الثقافة سابقا

 

في عالَم تقتضي طبيعتُه أن يتشظّى فيه تركيزنا، تتضاءل معه نتائجُنا، فتتبلور تضاريس حياتنا وفقا لذلك، ومتى ما انكفأتَ على جانب منها دون آخر، أصاب حياتَك ضمورٌ يشلّ تلك الأطراف المهمَلة، فتغدو مَسْخا لا ينهض نموذجا يُعاش.

ورغم ذاك، خليقٌ بنا أن ننتقي بعنايةِ الضَّنين بوقته وجهده، ما نوليه طاقة انتباهنا، فليس كل شيء يستحق، مهما بدا برّاقا، ولا شيء في الحياة تتعذّر بدائله، مهما بدا نادرا، كل ما يتطلبه الأمر هو ألّا نفتأ نفتّش ونقيّم ونراجع ونختبر ما نُؤْثره بانتباهنا دونًا عن البقية.

في عالم الاقتصاد يُتداوَل مفهوم (Apportunity Cost) تكلفة الفرصة البديلة، وهي تمثل الخيارات البديلة التي تضحّي بها لدى اختيارك خيارا ما، والخطورة تكمن حين تتعلق التكلفة ببؤرة انتباهنا (Apportunity Cost of Attention) فعلى سبيل التمثيل حين نهتم بتفصيل هامشي لحدث ما، ونستغرق الوقت في التفكير فيه، فنحن بهذا الفعل - شئنا أم أبينا - ننحّي احتمالات لا متناهية من مواطن الاهتمام الكبرى لذلك الحدث بَلْه الأحداث الأخرى المهمة، والتي من الوارد جدا أن تخلق مسارات متعددة حُبْلى بالكثير من الفرص والنتائج، وهذا ينسحب على مختلف أوجه حياتنا، فالساعة التي نقضيها في التفكير بموقف عصيب مضى، كان من الممكن أن تكون ساعة للقاء الأحبة والانخراط في أنشطة عدة تعود علينا بالنفع.

إنّ الانتباه هو رأس مالنا الحقيقي، ورصيدنا الذي نوزّعه على الزمن لحظة بلحظة، حتى مواقع التواصل الاجتماعي يكمن سرّها في تنافسها المحموم فيمَن إشعاراته تجذب انتباهنا أكثر، ومَن محتواه يستحوذ على جلّ انتباهنا، ومَن تقنياته النفسية تخطب ودّ انتباهنا وتخطفه أكثر مما سواه، كتقنية التعزيز الإيجابي المتقطّع (Intermittent Positive  Reinforcement) والتي تعرّضنا خوارزميا لمحتوى مهم لنا بشكل متقطع؛ مما يحفز الدماغ على طلب المزيد، فتجد الإبهام تلقائيا مرر (الرِّيل) الواحد تلو الآخر في تطبيق الأنستغرام مثلا، فما تجده في نفسك من اندفاع عند رؤية إشعارات تطبيق ما، ما هو إلا مؤشر دقيق على نوعية مصارف انتباهك وكيفية استنزافه.

لا جدالَ أنّ الانتباه صوب أمر أما يفتح بابا واسعا من الاحتمالات، وكل احتمال منها ينفتح كذلك على احتمالاته الخاصة به، في سلسلة احتمالات لا تنقضي، ولكن مع كل احتمال نستبعد - حُكمًا - ما عداه من الاحتمالات، وهنا تأتي خطورة الانتباه، فهو في وجهه الآخر يَئِدُ الاحتمالات الأخرى الممكنة ويقصيها، وهذه الاحتمالات المُقصاة هي الثمن الباهظ الذي ندفعه كل مرة نُعير انتباهَنا شيئا ما؛ وعليه فينبغي ألّا تغرّنا النتائج الطيبة الناتجة مما نهبُه انتباهَنا، على حساب النتائج المحتمَلة للخيارات الأخرى، إذْ لا تخلو زاوية من زوايا الحياة من جانب مضيء، وهذا لا يعني أن غيرها من الجوانب يسكنه ظلام دامس، بل واردٌ جدا أن يكون أكثر وضاءةً وإشراقا، فإثبات الخيرية في قرار لا ينفيه عن غيره.

لأنّ الانتباه موردٌ محدود؛ فلا بد أن نضعه في موضعه اللائق به، فلسنا في بحبوحة من الانتباه نُبَعزِقه يَمنة ويَسرة كالغارف من بحر، ولأن التجارب الجديدة حاجة ملحّة وليس ترفا كماليا، فالانتباه الذي يسوغ صرفه في مرحلة العشرينيات لن يكون هُوَ هُوَ في مرحلة الأربعينيات، فكلما تقدّمنا في العمر، كان تصحيح المسارات أشقّ إن لم يكن أقرب للمُحال في بعضها، فما نرخي الحبل إزاءَه في باكورة العمر من إشغال الانتباه به، لن يحمل التبعات نفسها كمًا ونوعًا حين يزدحم الجبين بالتقاطيع، ويصبح الوقت أكثر نفاسة وقداسة من أنْ نحرم أنفسنا من احتمالات لحساب انتباه عابر لا طائل جوهري منه.

في الوقت الذي يضع امرؤ ما جُلّ انتباهه في شراء إكسسوارات لسيارته، يصبّ آخر انتباهه في كيفية بدء الاستثمار في أسهم شركة تيسلا، وحين ينشئ أحدنا علاقات مجتمعية سطحية، مبنية على المجاملات المتصنّعة والتنازلات غير المسؤولة، يركز آخرُ انتباهه على بناء شبكة نفوذ متينة، أساسها المصلحة المشتركة في قطاع واعد إنْ ماديا وإنْ معنويا، وفيما يقامر أحدهم بانتباهه في لعب دور الضحية، يستثمر غيره انتباهه في صنع مسارات خروج، وعندما يستنفد الساذج انتباهه في التعاطي مع تفصيل صغير على هامش الحياة، يراهن آخر بانتباهه في نقلة محورية تُهدي حياته ولادة جديدة، وحين يتعمد الفاشل صرف انتباهه في هندسة ألوان من المكائد ضد الآخرين، ينهض انتباه غيره مخلصا في كيفية خدمة مجتمعه، وهكذا بإمكاننا أن نتنبّأ بعمق الشخص وإنتاجه من خلال ما يشغل انتباهه، وهو معيار دقيق حدّ الذهول.

وإنه لَـمِنَ الجيد في كل مرة نقبض على انتباهنا متلبّسا بأمر ما أن نحاكمه بأسئلةٍ من قبيل: هل هذا الأمر يستحق اهتمامي فعلا؟ هل أنا مدركٌ الكّم الهائل من الاحتمالات التي سأضحي بها مقابل هذا الأمر؟ آلدوافع التي تقود اهتمامي هذا حقيقية أم مجرد ردة فعل أم أنها لدوافع دون الأَولى؟ منذ متى وأنا أصرف انتباهي لهذا؟ هل العوائد التي التي جنيتها من انتباهي حتى الآن تعادل ما صرفته من انتباه؟ ماذا لو كان هذا الأمر ليس جديرا باهتمامي، فما هي البدائل المتاحة الأخرى؟ على حساب ماذا ومَن بالضبط هذا الانتباه الحالي؟ في هذه المرحلة العمرية، ما هي أهم الجوانب الواجب توجيه الانتباه إليها؟ ماذا خسرت حتى الآن من انتباهي على هذا الأمر؟ ماهو الأمر الذي صرفت انتباهي عنه ثم عدت له مجددا، وما مسببات ذلك؟ إن نَسَق هذه الأسئلة من شأنها أن تقدم لك بوصلة دقيقة لخطواتك القادمة وميزانا دقيقا لخطواتك الراهنة، فبالسؤال تتعرّى الحقائق عن طبقاتها من الوهم والارتجال، كل ما تحتاجه جلسةُ الأسئلة من هذا النوع جرعة زائدة من الشجاعة في إلغاء الانتباه لأمر مهما قدُم عهده، وجرعة أخرى من الحكمة في اختيار البديل وتوقيته.

لا أريد أن يُفهم من كلامي أني أدعو إلى حياة جافة جامدة جادة، تلك التي لا يزاحم تفاصيلها إلا العميق وذو العائد المُجدي، حياةٌ تأنف من الترفيه وتَربأ بنفسها عن المتعة، ولا تتسع مساحتها لاختيارات نروّح بها عن نفوسنا، ونقطف فيها جماليات الحياة المبعثرة على تُخوم أزقّة عمرنا، وتفتح أفواهنا لتندّ منها ضحكات على توافهَ هنا وهناك.

وإنما الغاية - كل الغاية - هو أن أسترعي انتباهك إلى حقيقة أنه في كل مرة تصرف انتباهك في شيء، علاقة، شخص، هدف، مُعطى، فإنك حتمًا في المقابل تلغي احتمالية بقية الأشياء والعلاقات والأشخاص والأهداف والمعطيات، وعلى هذا المِنوال قِسْ، ولا يوجد شيء - مهما كان عظيما وجميلا وبديعا ونفيسا - إلا واستبعدتَ بالتركيز عليه ما عداه، فإذا كان ذلك كذلك، اجعله جديرا بانتباهك، مستحقا لحُظوتك، خليقا بأولوياتك، والعمر قصير، فقدّس مواضع انتباهك؛ لأنه كل ماتملك! فهذه الضفيرة المفهومية حين تتدلى من رؤوس العمر ندرك ضرورتها وخطورتها في آن، فمَنْحُ الانتباه للشيء يقتل احتمالات غيره!

***

محمـــد سيـــف

السمو والترقي المعرفي لدى المفكر الباكستاني مالك منصور

تتحدى خوارزميات الدماغ الرقمي، أكبر مشكلات العصر الإنساني والكوني على الإطلاق. ولم يعد مستعصيا على مديات وآفاق هذا البديل الصُنعي الخارق، أن يمد صانعيه بحوافز واختيارات إيتيقية ونفسية للتكيف مع تحولات بنى القطائع والتشكلات الجديدة لأسئلة الوجود وانتظاراتها الكبرى.

ينظر المفكر والسوسيولوجي الباكستاني/ الانجليزي مالك منصور، لهذه الزاوية الدقيقة، من منطلق الاشتغال على أبعاد مثالية، مرتبطة بعالم الروحانيات من الأخلاق والمشاعر البشرية، مثيرا أسئلة قلقة حول تحديات سلطة الدماغ الرقمي واقتراباته في منظومة التطور المتسارع لحقل المعلوميات وتكنولوجيا التحول الرقمي، متوسلا الإجابة عن استفهامات استراتيجية من بينها:

ـ هل سيتمكن الدماغ الرقمي من استيعاب الأخلاق والمشاعر الإنسانية؟

ـ هل سيجعل الاعتماد الكامل على الآلات الإنسان ضعيفاً وعاجزاً؟

ـ هل ستتأثر قيمنا الاجتماعية وجوانبنا الروحية سلباً؟

إن احتضان الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية بطريقة إيجابية، يمكن أن يسهم فعليا في بناء وحدة فكرية وثقافية من أجل تسخير التكنولوجيا لخدمة الإنسانية، وهو أمر يتوقف عند مواءمة التجربة العلمية وتوقعاتها المستقبلية ومواكبتها لأحدث الصرعات التكنولوجية، في مختلف مجالات وحقول المعرفة. فليس كافيا أن تتحدد هذه الثورة فقط، في ملامسة قطاع دون إكمال فورة التمدد في القطاعات الموازية. إذ يمثل التعليم والصحة والعدالة، أس بناء البراديجم الرقمي الذي يمكن أن تقوم على قواعده الصلبة مشاريع النهضة والتنمية. على أن هذه القطائع تستمر في توسيع أدوارها ووظائفها، في باقي الحيوات الخدمية والإدارية والاستشرافية على نطاق شامل، مما يكسبها الفعالية والصيرورة والتفوق.

يركّز المفكر مالك منصور على البعد الروحي إلى جانب المادي في منظومة رقمنة الثقافة وقطائعها المختلفة، راصدا آثارها وخوالفها التاريخية والسوسيولوجية، ومستحضرا أبعادها الفكرية والتربوية في روح الأمة وائتمانياتها اللامحدودة، والتي راهنت طيلة أربعة عشر قرنا، على تفوقها الأخلاقي وبناءاتها الزاخرة بالدروس والنجاحات.

 ويرى أن مسؤوليتنا الحقيقة بالرؤية وبدل الجهد، رهينة بضمان استخدامهما لا في المصلحة المادية فقط، بل أيضاً في خدمة البشرية، وإحياء الروح، وتحقيق الخير الجماعي. ولن يتأتى ذلك، يؤكد منصور، دون امتلاء روحاني يجعل من العيش بالسعادة الرمزية المصطفاة نذرا بصائريا نابعا من عمق محاورتنا للتراث وقابلياته المؤثثة بالتنوع والزخم والامتلاء القيمي، وانفتاحه على علوم العصر والحداثة منهجا وسلوكا. وهو ما وصفه في إحدى دراساته ب" العلم الحديث الذي ينسجم مع القيم الروحية، من أجل صناعة المستقبل، الذي تكون فيه المعرفة ضابطا انتقاليا لمحبة التفوق والمراهنة على التكنولوجيا الخادمة للإنسانية، المبدعة لآفاق تمييزه عن كل الكائنات الأخرى..".

إنه و بموازاة هذا التشابك يستبق مفكرنا، السيناريوهات المستقبلية المتباعدة حاسما راهنية اختيار التموقع ضمن هذه الفرضية الفارقة: عصر ذهبي أم إقطاع رقمي ؟.

وعلى اعتبار وجود تحولات اقتصادية واجتماعية متعالية، فإن منصور يعتبر الذكاء الاصطناعي العام في آنٍ واحدٍ عاملًا ورأسمالًا لا محيد عنه. وإن بقيت هذه التكنولوجيا محتكرة لدى سلط سياسية واقتصادية عولمية، تدفع اللاعبين الرئيسيين إلى انتهاج ما أسماه بـ”الإقطاع التكنولوجي” أو Techno-Feudalism، وذلك من أجل تحقيق بدائل أخلاقية مؤطرة بخلفيات “توزيع عائدات ذكاء اصطناعي” مرهون تحت نظم تتحدر من خلفيات أيديولوجية وسياسية ذات مخاطر وجودية دقيقة.

ورغم تملك أنظمة الذكاء الاصطناعي لمرحلة التحسن الذاتي السريع (Singularity)، يضيف المفكر منصور، قد تتجاوز فهم البشر وسيطرتهم، وتأثيرات ذلك على خطر بقاء الإنسان بنسب متفاوتة، حددها بعض العلماء في 10 بالمائة، فإن استخدام التقنيات بتوجيه أخلاقي عالمي، سيمكن من حل بعض مشكلات الجوع والفقر والبيئة مثلا، على أن يتم التوصل إلى حلول استشرافية ناجعة تخص مجالات التسلح والبيئة والاستغلال البشع والاحتكاري للموارد الطبيعية، ومشكلاتها الاستراتيجية الحاسمة، بالإضافة إلى ترميم انهيارات العلاقات الأممية الخاضعة للتمزق وسلطة الفيتو والقوة العسكرية والاستعمار الجديد تحت يافطة الاستغلال والنفوذ الشططي والاستبدادي القاهر.

ولا يبدو أن أحدًا يُفاجأ بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية والعلائقية التي تُزعزع أنماط حياتنا وسط كل هذه الفوضى والخلافات العالمية المتدافعة، حيث تغزو التقنيات الرقمية، التي تزداد كفاءتها وسرعتها وفقًا لقانون مور، جميع قطاعات النشاط البشري، بمختلف أجيالها التكنولوجية، لكن الأهم هو فهم هذه التحولات الاجتماعية الجديدة التي تطرأ على السلوكيات الفردية والجماعية، ونهج العلاقات الإنسانية، مع تأويلها بشكل يحافظ على التوجهات العامة لعصر الحداثة وسياقاتها التنظيمية.

إن من أهم التغييرات، التي طرأت في نهضة العصر الرقمي، انطلاقا من تأسيسات مالك منصور، سهولة الوصول إلى المعلومات، بشكل أسرع وأكثر كفاءة مما كانت تتيحه أي وضعية تكنولوجية أخرى، ما يُشكل وجود ذاكرة خارجية حقيقية تُسهم، بفضل بساطتها وسرعة الوصول إليها، في تدوير الاقتصاد واستخدام مواردنا بشكل أفضل. ونتيجةً لذلك، لم تعد استراتيجيات التعلم، وكذلك أولويات ما يُحفظ، هي نفسها. وهو ما يُبقي السؤال عالقا، حول مدى الجهد الذي نبدله من أجل ترميز المعلومات بحيث تصبح متاحة في ثوانٍ معدودة من الأجهزة الإلكترونية المستخدمة، دون أن تؤثر في مرامي انزياحاتنا تجاه ما نعتبره هدفا استراتيجيا أو وضعية تحتاج لتصريف نظامها بالشكل الذي نريد، لا الذي يريده العقل الرقمي؟

***

د مصـطـفــى غَـــلمـان

كثير من الجدل الدائر في الأوساط الثقافية العربية، هو بالحقيقة، جدلٌ ناتج عن غياب المرجعية التحكيمية الفاصلة. وحين نقول غياب المرجعية التحكيمية نعني سواد الأهواء، والانحياز، والمحاباة، في فهم الحقل المعرفي وتأويله. وذلك دون مبرّر علمي، أو معرفي، سوى الإصرار والتعنّت على أحقّية الخيار المتَّبع وصوابيته. ولا لشيء إلا لأنّ هذا الموقف أو ذاك المسلك، يصبّ في مصلحة هذا الطرف أو ذاك، أو يجاري قِيما وأذواقا بعينها وينافي أخرى. ضمن ما أشرنا إليه، حريّ تطارح المسألة ضمن إطار أعمق وأشمل، فمع إطلالة العصر الحديث بدت الحاجة ملحّة إلى معيارية مستقلّة، تمثّل مرجعية، أو لنقل الفيصل المتواضَع عليه بين المعنيين بحقل من حقول المعرفة، الكثيرة طبعا. وَجدَت تلك المرجعية خلاصتها في ما اصطُلح على تسميته بـ "العلوم الإنسانية" في مقابل "العلوم الصحيحة". وذلك بعد مسيرة مطوّلة مرّ بها الفكر من الانحياز إلى الإنسانوية وإلى غاية بلوغ مستوى بناء العلوم الإنسانية. ليخرج تقييم المعارف من دائرة الدوران مع الذات أينما دارت، ويتحرر التقييم من الانحياز والتبنّي العاطفي لمسارات الذات وخياراتها. لزم تدخل ما بات يُصطلح على تعريفها بالعلوم الإنسانية، بوصفها معايير تعلو فوق العواطف، ومتحررة من الميولات والأهواء، أي لتخرج عملية التقييم من انطباعات الذات إلى مستويات التقييم والموازنة على أساس واع ومستقل.

صحيح اُستُهلّت بدايات العلوم الإنسانية مع انبلاج عهد الإنسانوية في أوروبا، في القرن السادس عشر الميلادي، مع التيار الباحث باحتشام عن الخروج من ثوب الفكر الكنسي الضيق والمحرج. ولكن العلوم الإنسانية لم تغد علوما مستقلة قائمة الذات، سوى في أعقاب تحرر المنهج من سائر الأبعاد المثالية، أي بالدخول في عصر الحداثة. ويمكن القول مع جورج غوسدورف، صاحب مؤلف "مقدمة في العلوم الإنسانية"، إنّ وعي العلوم الإنسانية بذاتها قد لاح في مرحلة لاحقة (القرن الثامن عشر)، وإن كانت الإطلالات المبكرة قد سبقت ذلك العهد. وأن التطور الأبرز لهذا المنهج قد حصل مع دراسة الإنسان لكيانه بشيء من التجرد والموضوعية، في مجمل أبعاده النفسية والإدراكية. وما بات يميز علوم الإنسان، بالجمع وليس بالمفرد، أنها علوم منهجية متداخلة ومتشاركة في دراسة الواقعة ذاتها، دون هيمنة إحداها. أضحت فيها الفلسفة أيضا جزءا من هذا المجموع، وطرفا من جملة أطراف عدة. يغلب على جميعها طابع النسبية، وتنبني علميتها في تكاملها وليس في هيمنة إحداها، تلك التشاركية أضحت الميزة البارزة للعلوم الإنسانية.

وضمن هذه المعطيات، تمحورت انشغالات العلوم في حقل الإنسانيات حول قضايا مائعة، تأبى الثبات والانحصار في أطر مضبوطة. وهي انشغالات على صلة وطيدة بالنفسية البشرية، وبأحوال الكائن البشري، وبتبدلات الأوضاع، ولذلك جرى نعتها بالإنسانية لكونها لصيقة بالإنسان وأحواله، مقابل حقول جامدة غير متأثرة بأهواء البشر وبأحوالهم وتقلّباتهم. وعبر ترسانة العلوم الإنسانية المتنوعة حاول العقل الحداثي تفهم الخواص البشرية، النفسية والسلوكية واللغوية والروحية والقانونية اللصيقة بالفرد، سواء في يقظته أو في منامه، وفي وعيه أو لاوعيه، والإحاطة بكفيات اشتغالها، في مسعى لفهم الأسس العميقة التي تحكمها. وبرغم أن العلوم الإنسانية، في أساسها، تدور حول الإنسان، وعلى صلة وطيدة به، فهي الأكثر تفلّتا عن التعريف الحصري. ولو شئنا تعريفا عمليا لقلنا: هي مجمل العلوم التي تدرس الإنسان أو تتأمل مختلف أوجهه ووقائعه، وتتناول ما يدور حول ما هو وجودي وما هو عيني، وبخلاصة موجزة هي دراسة الإنسان لذاته المفكرة.

ولكون الإنسان هو كائن ذو أبعاد متنوعة، تعدّدت المناهج المتناولة لهذا الكائن. وأمام كثرة المساعي لمفْهَمة العلوم الإنسانية وتصنيف مجالاتها، ثمة ما يشبه الإجماع على أنها "علوم تدرس الإنسان"، ولا سيما ضمن مستويات الأخلاق والأفكار والمفاهيم. وهي دراسات تعتمد النقد والتحليل والتفكيك والمقارنة، وتتطلّع إلى الفهم المحايد بغرض الوصول إلى إدراك أوفى للقضايا المطروحة عقليا ومنطقيا.

فعملية التكرار الملاحَظ، والتشابه المعايَن، والتماثل المدرَك، في ما يتّصل بحياة الفرد ومفهمته لقضايا الوجود، كلّها عناصر في غاية الشفافية، وغير خاضعة للضوابط المألوفة. حاول الإنسان تفهّم مساراتها وكيفيات اشتغالها، ومن ثَمّ فهم قوانينها التي تسير وفقها. وعلى هذا الأساس اعتمد العقل البشري حصر قضايا الإنسانيات داخل أطر عامة، أطلق عليها طورا وقائع وأخرى أحوالا، وهي بشكل عام حالات تُناقض ما هو مادي. فهي مدرَكة بالنظر العقلي، ومتفلتة عن الضبط المادي المألوف في حقول معرفية صلبة أو صحيحة. لهذا السبب أُثير جدل، لم يتسنّ حسمه سوى في مراحل لاحقة، بشأن مفهوم "العلوم الإنسانية" وفحواها، مثل هل يجوز إطلاق نعت "علوم" على مناهجها، غير الخاضعة للضوابط المألوفة في العلم، مثل الكمّ والوزن والقياس وما شابه ذلك؟

نعود مجددا إلى طرح سؤال العلوم الإنسانية ضمن السياق العربي؟ نعرف أن المناهج والمعارف والتفرعات العلمية تولد من رحم الحاجة والضرورة، وفي الوسط الأكاديمي العربي هناك حاجة ملحة إلى العلوم الإنسانية. فالمتمعن في التجارب الأكاديمية العربية في المجال، يلحظ عدم ترسخ معايير العلوم الإنسانية وضوابطها بما يكفي، لغلبة منزعي الاتباع والهوى والتقليد في تناول الوقائع والنوازل والأحوال والأفكار، وبقاء المنهج متعثرا أو هشّا لأسباب عدة، منها التوطين المشوّه لمناهج العلوم. صحيح ثمة حديثٌ متكرّر عن المنهج العلمي لدينا، وعن الموضوعية، وعن التجرّد، والحياد، ولكن هذه الاشتراطات سرعان ما تتبخّر عند أول اختبار، بفعل عقل قيمي دأب على نقائضها من لامنهج ولامعقول وانحياز وأدلجة، وهي كلها معوقات إبستيمية تحول دون تطوير العلوم الإنسانية وتجذيرها. جرت محاولات عديدة لجعل تلك العلوم علوما موضوعية، وأبعد عن الذاتية، في مسعى لتخليصها من الهشاشة التي تلفّها مقارنة بالعلوم الصحيحة، ولكن قليلا ما وفقت أو نجحت في مسعاها.

فالعلوم الإنسانية تتموضع داخل الواقع الإنساني المتحرك، وهو ما يجعل مناهج هذه العلوم عرضة للتبدل والتداخل، جراء تركّب الواقع الإنساني ذاته الذي تشتغل عليه. وعلى سبيل الذكر إن تكن الظواهر الدينية، وفق المناهج الحديثة، من مشمولات العلوم الإنسانية، فإن دراستها وفق المنهج الإنساني ملزمة بالتحرر من مستلزمات علم اللاهوت، ومن الادعاءات الميثولوجية، ليجري تناول ظواهر المقدس في حدود ما هو إنساني وعقلي، بهجران التعليلات الميتافيزيقية والبحث عن تفسيرات في حدود ما هو عقلاني. وعلى هذا الأساس تأنْسنت ظواهر المقدس في العلوم الإنسانية وأضحت قابلة للفهم بعيدا عن الطابع الباطني الذي قد يغشاها. فمع العلوم الإنسانية ثمة خروج بالعالم إلى حيز الفهم البشري، في حدود قدراته ومعارفه، وقطعٌ مع التفسيرات المثالية الطاغية عادة.

الإشكال الأبرز الذي واجه الرعيل الأول من مؤسسي العلوم الإنسانية، أن الإنسان الصائغ لهذه العلوم هو موضوع البحث أيضا، لذا برز سؤال الفصل بين الذات والموضوع أو لنقل بين الذات الواعية والمادة المشتغلة عليها، بدا ذلك حاسما ومحوريا في المناهج الإنسانية. فوفق مناهج العلوم الإنسانية يقف الإنسان أمام الإنسان مجرّدا، وهو تقريبا المطلب الملح الذي واجه دارس العلوم الإنسانية في سائر التخصصات اللصيقة بالإنسان (في علم النفس والبيداغوجيا وعلم الأديان وغيرها). وهو الدور الذي حاولت التشديد عليه إبستيمية المعارف في العلوم الإنسانية من أجل الوصول إلى قواعد ناظمة.

***

د. عزالدين عناية

(٤) منهج محمد عبده: ويجيء منهج الإمام محمد عبده في التفسير قائماً على معايشة القرآن معايشة روحيّة غير تقليدية، ولم تكن رؤيته باتجاه النظر إلى القرآن مُلزَمَة بما جاء في أقوال المفسرين السابقين؛ لأن رؤية هؤلاء المفسرين قد ارتبطت بالمستوى العقلي ودرجة العلم التي بلغوها على أزمنتهم وتحصلت لمجتمعاتهم وبيئاتهم الثقافية.

وليس شرطاً أن تتوقف العقول جامدة عند ما كانوا حصّلوه أو بلغوه، ولا أن تكون حصيلتنا الفكريّة هى فقط كامنة فيما ظهر لهم من معانيه. وواضح أن الأمام محمد عبده يعول هنا كل التعويل على استقبال القلوب في ذاتها لمعاني القرآن، فلكل إنسان قلبه الذي يختلف عن قلب الآخر، وله إشراقاته الروحية التي تتباين عن إشراقات الآخر. ومهمة القرآن هو تحويل النفوس واستقبال القلوب على الحضور للمعاني القرآنية الفاعلة فيها: فعملُ القرآن في الباطن لأجل التغيير.

ومَنْ لا يفهم القرآن، ومن لا يقرأه على حضور وطلاقة لا يستطيع أن يقوم على الحقيقة بمهمّة تجديد العقل الديني، لأن هذا التجديد يُطال نفس المُجدد أولاً ثم من أضواء العقل وأنوار الضمير وإشراقة النفس يكون التجديد؛ فلن يكون تجديد للعقل الديني ولوثة الروح باقية كامنة، والعقل نفسه معطل عن الوعي والفهم والتصحيح.

ومن لم يتخذ من القرآن هداية روح ورقيّ سريرة فلن يقتدر على القيام بمهمة الدعوة الدينية في الإسلام، ولا يمكن لهذه الأمة أن تقوم في رأى الأستاذ الإمام إلا بالروح التي كانت في القرن الأوَّل قبل ظهور الخلاف وحلول الفتن وهى "رُوح القرآن"؛ وكل ما عداه فهو حجاب بينه وبين العمل والعلم.

وعقيدته هى عقائد كبار المُحَققين؛ أنْ: "ليس وراء القرآن غاية". وفي طلاقة النّص القرآني يقول: "إن خطاب القرآن لا يختصُّ بواقعة، بل يصح أن يكون خطاباً لكل الناس". حقيقةً إنّ اللفظ القرآني ليشع حياة. حياة من نور فيها متاع للعقل، ومتاع للذوق، ومتاع للشعور. حياة تتفتّح فيها الحياة وتنمُ عن مقاماتِ وأحوالِ يصعدُ فيها الضمير مدارج ومراقِي من التّفتُّح الروحي والإدراك الذوقي. حياة تعطى صور الحياة في أصلاب الوجود.

اللفظ القرآني وحده هو الذي يصور الحقيقة، حقيقة تلك الحياة، وحقيقة ما بعد الحياة. وربما تلتمس الحقائق فلا تجد لها دلالة ظاهرة إلا  فيما صورته لك تلك الألفاظ القرآنية. إنه ليعبِّر عن العمق الداخلي في أطواء هذا الوجود كله؛ عن الكون كله بما فيه ومَنْ فيه، تعبيراً لا يقف عليه إلا خالق هذا الوجود، سبحانه.

أمّا العبد المخلوق؛ فهو في التصوِّر والتعبير لا يستطيع أن يَتَقَدَّم قيد أنمُلة كيما يمسُّ مثل هذا الغور الدفين المبطون ولو مسَّاً خفيفاً إلا بمقدار ما يقترب من التعبير القرآني، وإلا بمقدار ما يستشعر في اللفظ القرآني من حقائق التصوير وحقائق التعبير.

إن هذا الكتاب لمعجزة في لفظه وفى معناه؛ وإنه لوثيقةٌ ربَّانيةٌ عظمى تدلِّل على رفعة المقاصد، وسمو الأهداف، ونُبْل القيم، وبقاء الحقائق، وشرف الغايات؛ لكل من يحفظ منه اللفظ فيعرف تباعاً معناه؛ فيتحرك ـ من ثمَّ ـ في الحياة على هداه.

هذه "الحركة" لاشك هى المطلوبة من فهم كتاب الله، وليس المطلوب كثرة التشدُّق به في غير حركة، وفى غير تغْيير من واقعات الحياة.

يُلخِّص الأستاذ الإمام هذه المعاني ليعطينا من قوله زُبْدتها حين ينص على:"إن لكلام الله أسلوباً خاصَّاً يعرفه أهله، ومن أمتزج بلحمه ودمه. وأمّا الذين لا يعرفون منه إلا مفردات الألفاظ وصور الجمل فأولئك عنه مبعدون". وفي معناه أيضاً أنه ما لم ينقلك اللفظ من حالٍ إلى حال، ومن حياة إلى حياة؛ فقلَّ أن يكون لك نصيب من فهم القرآن أو من تقريب معناه إليك إلا في اللحظة التي يمتزج فيها بروحك، ويختلط بدمك على ديدن الطهارة والصفاء والنقاء والذكر والمواصلة والتسبيح. وتلك هى حكمة العارفين التي تمثلها الأستاذ الإمام والفيلسوف الحكيم.

ولم يكن منهجه في التفسير سوى تلك النظرات الثاقبة مع المداومة على قراءة القرآن، وتفهم أوامره ونواهيه، ومواعظه وعبراته، على ديدن الحضور كما كان يتلى على المؤمنين والكافرين أيام الوحى، وإنه لينصح أحد تلاميذه قائلاً:" وحاذر النظر في وجوه التفاسير إلا لفهم مُفرد غاب عنك مُراد العرب منه، أو ارتباط مفرد بآخر خفى عليك متصله، ثم أذهب إلى ما يشخصك القرآن إليه، وأحمل نفسك على ما يحمل عليه، وضمَّ إلى ذلك مطالعة السيرة النبوية، واقفاً عند الصحيح المعقول، حاجزاً عينيك عن الضعيف والمبذول".

وفى شذرة من شذراته البديعة يلحظ ملحظاً فارقاً مهماً بين من يقرؤون القرآن على الغفلة والجهالة وحظوظ الدنيا، وبين من يقرؤونه للحركة الفاعلة ترقيةً للنفوس وتهذيباً للضمائر وتوعيةً للقلوب فيقول:" معنى عبادة الله بالقرآن عند الجاهلين به: أن يقرأ الشخص ولا يخطر المعنى بباله، ولا يحرِّك نفسه لأوامره ونواهيه".

ولمّا كان القرآن وثيقة تبرهن على أسرار هذا الوجود محفوظة بالبيان الإلهي، البيان الذي لا يأتيه باطل ولا يناله عبر تطاول العصور ضعف ولا هزال طلاقة لا متناهية في نصِّه؛ وفى رُوحه، وفى لفظه ومعناه، صارت أسراره مرهونة بالمحافظة على ألفاظه على شِرعة الأدب والحضور بين يَدِ الله.

وليس المراد باللفظ هنا مُفرد اللفظ ولا بالجملة صورة الجملة، بل المرادُ فهم الكلمة الواردة على ديدن الحضور والعرفان: فهم لمعنى كبير ضخم لا يمكن تغافله ولا حذفه بجرة قلم خبيثة، هو هو المعنى الذي توارثته القلوب العاقلة عن ربها من ميراث النبوة، وتناقلته الطوايا المبدعة عملاً بما فيه من ضخامة المعنى وكبير المضمون؛ فكان أن قال الشيخ محمد عبده في شذرة أخرى مُلفتة ذكية ذات توجه علوي مقصود:"إني عندما أقرأ القرآن أو أتلوه أحسب أنى في زمن الوحي، وأن الرسول، صلى الله عليه وسلم، ينطق به كما أنزل عليه جبريل عليه السلام".

هذا الذي يقوله الإمام محمد عبده من حيثية التركيز المباشر على القرآن الكريم واتصاله بالقارئ التالي الذاكر على الحقيقة؛ باكتشاف الحالة الخاصّة بين القارئ والنص هو في الحقيقة الذي يعالج لنا فكرة التطبيق العملي للدين ممثلة في شرعة القرآن واستخلاص آثارها العمليّة والمعرفيّة في القلوب التي تقرأ، والعقول التي تفكر لا لمجرد القراءة وحدها أو لمجرد التفكير وكفى، ولكن أيضاً لإقامة الدليل الفعلي على اتصال القرآن بقارئه على سعة الحضور والتجرد.

وعندي أن التركيز على تلك الناحية هو جوهر الحركة المطلوبة من القرآن تأتي في إطاره وتبرهن واقعياً على خصوصيته في القلب والضمير، وأن الفكرة من خلاله قائمة على تلك السّعة المباشرة لا على الفكرة المعزولة عن وعي صاحبها بالدين كما يقرّره القرآن على شرعة القرآن.

مرة ثانية؛ هذا الذي يقوله الإمام محمد عبده يكفى وحده للرد على طعنات الغرب التي وصمت الإسلام ونبي الإسلام بالوصمة الجائرة، ولا يزالون يوجهون سهامهم الناقدة نحو الإسلام كونه لديهم يشكل مادة إرهاب وتوحش. ولا شك أن العقل الغربي ينظر نظرة ظالمة ليس فيها عدالة، إلى الدين الإسلامي من حيث هو دين؛ لأن الغربيين في الغالب في معزل عن فهم روح القرآن؛ ولأنهم خلطوا بين واقع المسلمين الحالي وهو الواقع الذي لا يمثل اقتراباً من حقيقة القرآن من جهة، وبين القرآن ونبيِّ الإسلام من جهة ثانية، فلم يفهموا على الحقيقة توجهات الوعي الديني في الإسلام كما قررها القرآن الكريم، وفاتهم معالجة الفروق الفارقة بين العقيدة الدينية الإسلامية وبين تطبيق هذه العقيدة على نحو عملي كان من المفروض تمثيله في واقع المسلمين اليوم.

(٥) الإسلام والغرب:

وإذا تسألنا من واقع هذه النقطة عن ذلك الذي يريده الغرب من الإسلام، كانت الإجابة أن الذي يكفي الغرب من الإسلام هو السلوك العملي، وشريعتا تقول: الدين المعاملة. وبهذه المثابة صارت الدعوة في الإسلام دعوة عملية تطبيقية لا تركن إلى نظر مجَرَّد عن اللواحق العمليّة.

ومن المستشرقين رجالٌ شهدوا للإسلام بتلك الأخلاق العملية، حتى أشدَّهم تعصباً وأكثرهم إيغالاً في الإجحاف على المسلمين: أعني ذلك المستشرق اليهودي الأصل "إجناس جولد تسهير"، الذي لم يستطع إنكار مبادئ الإسلام القويمة رغم مغالاته في التقييم والتقدير وإخفاقاته الناتجة عن تلك المغالاة، لكنه ظل على فكرته التي أرجع فيها أن المسلمين يكتسبون من القرآن الفضائل، وأن للقرآن أثره العظيم على سلوك المسلم في حياته الخاصّة والعامة، وفي حياته مع الآخرين، ممّن لا يعتقدون نفس اعتقاده، وفي ذلك قال في كتابه "العقيدة والشريعة في الإسلام":" ... وعلينا إنْ أردنا أن نكون عادلين بالنسبة إلى الإسلام، أن نوافق على أنه يوجد في تعاليمه "قوة فعالة" متجهة إلى الخير، وأن الحياة طبقاً لتعاليم هذه القوة يمكن أن تكون حياة طيبة لا غبار عليها من الوجهة الأخلاقية.

هذه التعاليم تتطلب رحمة جميع خلق الله، والأمانة في علاقات الناس بعضهم ببعض، والمحبّة والإخلاص، وقمع الغرائز والإثرة، كما تتطلب سائر الفضائل التي أخذها الإسلام عن الأديان السابقة. ونتيجة هذا كله؛ فإنّ المسلم الصالح يحيى حياة متفقة مع أدق ما تتطلبه الأخلاق" (أ. هـ).

لكأنما الأخلاق بهذه المثابة وُجدت في الإسلام على الصورة المثلى حيث لا ترتقي إليها صورة ـ خلافاً للرأي السالف ـ لا في الأديان السماوية الأخرى ولا في الحضارات السابقة عليه. وليس هذا قط من جنس التعصُّب ولكنه الإنصاف الذي لا مبالغة فيه ولا تهويل، وإنْ يكن ها هنا تعصب، فهو التعصب الذي حَفَلَتْ به سوء النية من أقوال بعض المستشرقين، وإنْ كانوا قد أرادوا أن ينصفوا الإسلام غير أنهم بهذا الإنصاف أثاروا حفيظة بعض رجال الدين المسيحي؛ أولئك الذين لهم نصيبٌ ممّا كسبوا من تعصب لدينهم غير منصفين.

من ذلك ما قاله "جوستاف لوبون": " لو صَحَّ أن يكون للأديان ما يعزى إليها من تأثير لوجب أن نقول إنَّ القرآن أفضل من الإنجيل؛ لأن أمم الإسلام كانت أسمى أخلاقاً من أمم النصرانيَّة "(!)

(وللحديث بقيّة)

***

د. مجدي إبراهيم

أتخيل أن نظرية «الأصنام الأربعة» التي اقترحها فرنسيس بيكون أثارت جدلاً واسعاً يوم نُشرت أول مرة. لم أكن حاضراً يومذاك كي أرى بعيني (القراء الأعزاء يعرفون هذا بالتأكيد)، كما لم أقرأ شيئاً يؤكد واقعة كهذه. لكنني أعلم أن الأمس مثل اليوم: كل رأي يعارض الأفهام السائدة سيثير شيئاً من الجدل؛ كثيراً أو قليلاً.

لعل القراء الأعزاء يذكرون قول بيكون إن عقل الإنسان يتأثر دائماً بعوامل من داخل النفس ومحيطها، أبرزها ميل البشر إلى تعميم الأحكام التي يتوصلون إليها من دون تمحيص، وهو ما أطلق عليه اسم «صنم القبيلة»، ثم «صنم الكهف»، وهو الميول الشخصية الناتجة عن: انتماء الفرد الاجتماعي، ومصادر ثقافته، ومصالحه... وبقية المؤثرات، التي تسهم في تشكيل شخصيته. الثالث والرابع هما «صنم السوق» و«صنم المسرح»، وسنعرض لهما في مقبل الأيام.

أفترض أن المجادلة الرئيسية التي واجهت نظرية بيكون هي: إذا كانت الأصنام الأربعة تؤثر على العقل بقدر يؤدي إلى تغييبه وتعطيل فاعليته، حتى يعجز عن تمييز الحقائق، فكيف نستعين به لاحقاً في تفكيك الأفكار والتصورات وإعادة تركيبها؟ وكيف يستطيع فرز المعلومات الصافية من تلك المشوبة بالمؤثرات السلبية؟

يزعم معارضو رؤية بيكون أنها تنطوي على تعارض داخلي، كأنها تقول للمريض الذي تسمم بسبب الإناء الملوث: ضع مزيداً من الدواء في هذا الإناء نفسه وستُشفى. فهل يمكن للوعاء الذي تسبب في مَرَضِي أولاً أن يكون أداة شفائي تالياً؟ فكذلك حال العقل المتأثر بالأوهام و«الأصنام»: كيف له، بعدما تأثر وانحرف بتفكيره عن الجادة، أن يعود للصواب فيصلح عالمه؟

لدى فرنسيس بيكون جواب عن هذا، فقد استعار - كما أظن - أسطورة الكهف التي اقترحها أفلاطون؛ لتصوير المشكلة والحل. خلاصة الأسطورة أن أشخاصاً سُجنوا مقيدين في كهف بابه وراء ظهورهم... يدخل الضوء من الباب، فإذا تحرك الناس خارج الكهف انعكست ظلالهم على الجدار المقابل للباب. ومَرّ الزمان، وسجناء الكهف لا يرون غير حركة الظلال على الجدار، فاستقر في أنفسهم أن هذه الظلال هي التصوير الكامل للحركة الجارية في العالم. في يوم من الأيام، أُفرج عن أحدهم، فلما خرج رأى حركة الناس مختلفة تماماً، في حجمها واتجاهاتها وتأثيرها، وأن الظلال التي كانوا يرونها في الكهف لم تكن سوى طرف ضئيل جداً من انعكاس تلك الحركة، ولا تكشف عن حقيقتها. فعاد وأخبر زملاءه في الكهف، فلم يصدقوه، وافترضوا أن زميلهم أصيب بلوثة بعدما خرج من «عالم الكهف»... فكيف يصدقون ناقلاً ويكذبون أعينهم؟ ولعلهم تمثلوا قولَ العربي القديم:

يا ابنَ الكرام ألا تدنو فتنظر ما

قد حدثوك فما راءٍ كمن سَمِعا

تشير أسطورة الكهف إلى امتلاء ذاكرة الإنسان وعقله بالمعلومات المتحيزة التي تبني له عالماً متوهماً، لكنه لا يشكك مطلقاً في أنه عالم حقيقي؛ لأنه يراه بعينه (الصحيح أنه يرى ما يصوره عقله، لكنه عاجز عن التمييز بين الوهم والواقع).

ما يتسلل إلى ذهنك من تفاعلات المحيط واللغة والثقافة السائدة والأعراف، وما تصنعه من أفكار من خلال الدراسة والقراءة والتجارب الشخصية... كلها تتعاضد في تكوين ذاكرتك وعقلك. هذا ما يسميه بيكون «صنم الكهف»، أي المنظومة أو الكهف الذي يحبس عقلك.

- كيف ينفتح العقل إذن... كيف يكتشف أنه يسير في الاتجاه الخطأ... كيف يميز بين الوهم والواقع؟

جواب أفلاطون: إذا خرج من الكهف، فسيرى عوالم مختلفة... سيضطر إلى المقارنة بين ما عرفه سابقاً وما يراه الآن... سوف يثور الشك في ذهنه، وسيبدأ العقل في إعادة ترتيب البيانات ومقارنتها.

الخلاصة أن العقل يبدأ استعادة دوره حين يتحرر من الاتجاه الواحد والمحيط الواحد والخطاب الواحد... حين يرى البدائل ويحصل على إمكانية المقارنة والاختيار. لعل كلاً منا يسائل نفسه الآن: هل انكشف له كهفه، وهل يحاول الانعتاق منه؟

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

 

أغلب ملكية الأراضي والعقارات في العالم مسجلة بأسماء الرجال، خاصة الزراعية. السبب ليس عشوائيًا بل نتاج تراكم أنظمة قانونية واجتماعية واقتصادية تهميشية للنساء.

حتى في الدول التي تضمن فيها القوانين المساواة، فإن الأعراف والتقاليد الاجتماعية وغياب التطبيق الفعلي يُبقي الفجوة قائمة. ( ظ: تقرير ( الفاو Fao.org.(

وإذا عرفنا أن الملكية تأتي في الغالب من العمل، فسنعرف مقدار الغبن والسرقة المنظمة التي تمارسها الحضارة الحالية تجاه النساء، ففي إفريقيا وأجزاء من آسيا، غالبًا ما تستغرق النساء ساعات طويلة بين الأعمال المنزلية والزراعية. مثل:

" في موريتانيا، مصر، الأردن، لبنان، المغرب، سوريا واليمن، النساء الريفيات يعملن 10 إلى 19 ساعة يوميًا في الأعمال المنزلية والزراعية مجتمعين. وفي المغرب، يمكن أن تصل ساعات العمل إلى 19 ساعة يوميًا في المناطق المروية، وإلى 15.5 ساعة في المناطق الجبلية (نسبة الأعمال المنزلية والزراعية)" بحسب منظمة الفاو.  أذن من أين أتت ملكيتهم؟

وثروات الأرض، كما يفترض هي للإنسان بجنسيه الذكر والأنثى، فخليفة الله في الأرض ليس هو الذكر وحده، فكيف استحوذ جنس واحد على أغلب ثروات الأرض؟

هل كانت النساء عبر التاريخ بلا عمل؟

هل كانت النساء ثانويات في الحضارة؟

من المعروف عالميا وبكل البلدان أن ساعات عمل المرأة أكبر من ساعات عمل الرجل، فالأعمال التفصيلية اليومية تستغرق وقتا طويلا، وهو عمل أكثر ازعاجا وروتينا مملا من عمل الرجل بالعادة، وهو يعطل كل طموحات المرأة الأخرى في الابداع الذاتي خارج العمل الذي أنيط بها قسرا سواء تحت سلطة الأمر الواقع أو سلطة الرجل القاهرة.

هذه الأراضي -التي يقول بعض فقهاء المذهب الجعفري أنها لاترث منها، خشية أن تدخل غريب على أرض عشيرة الزوج، هي أراضٍ تكونت عبر يديها.

من قال هي أرضه أصلا؟، أنها تملك الأرض وماعليها نتيجة جهودها المضنية، فهو لايعمل بقدرها، ولايعطي شيئا مجانا، فكيف صارت ملكه؟

أن الأرض أرضها ديانة لا قضاء، لأن الحضارة الحالية تشرك النساء في العمل اليومي بلا أجر، ولذلك كل مايقولونه من حكم فقهي بحرمان الزوجة من العقار، فأنهم حولوا الزوجة الى "عبدة" طيلة حياتها تعمل بلا أن تكسب مالا من عملها، هل العرف يجبرها على الزراعة والعمل المنزلي والرعائي؟ لا، فالعدالة هي أساس التشريعات.

لايملك الرجال في كل العالم أكثر من النساء اللواتي يفترض بهم لايعلْن الرجال والأطفال؟ فهذا يعني أن مالهن لايُنفق منه شيء.

اذن المرأة تملك الأرض إبتداء، أو في أدنى الأحوال هي تشاركه بالنصف، وسرقته منها بأحكام غير شرعية لايعني أنها ليست ملكها.

إنّ تنقيح الموضوعات ومعرفة ما اذا كانت الأراضي تعود للزوج فعلا،أم أنها نتاج عملهما معا؟ وكم نسبة كل واحد منهما؟ هذه ضرورة أخلاقية ودينية، فالأرض وثرواتها لم تعط لجنس دون آخر!.

***

د. بتول فاروق

النجف ٤/ ٩/ ٢٠٢٥

منذ أن خطا المهاجرون العرب أوائل خطواتهم على أرض أستراليا في القرن التاسع عشر، بدأت رحلة طويلة لتشكيل ذاكرة جديدة تضاف إلى الذاكرة الأسترالية المتعددة. جاء أوائلهم تجّاراً جوّالين من بلاد الشام في ثمانينات القرن التاسع عشر، يحملون على ظهور الجياد والبغال صناديق قماش ومجوهرات بسيطة، يتنقّلون بين القرى الأسترالية النائية، ويبيعون ويشترون بالكلمة والإشارة حين تعجز اللغة. في الوقت نفسه، دخل “الجمالة” المسلمون من آسيا الوسطى وجنوب آسيا مع قوافل الإبل إلى الداخل الأسترالي، فحفروا دروباً في الصحراء وأسسوا مسجداً في أديلايد سنة ١٨٨٨، فاتحين باباً مبكراً لحضور الإسلام وثقافة الشرق. لكن الغالبية من هؤلاء العرب الأوائل ذابوا سريعاً في المجتمع الأسترالي بفعل العزلة العددية وقسوة سياسة “أستراليا البيضاء”، ففقدت الأجيال اللاحقة شيئاً من لغتهم الأولى وتحوّلوا إلى مجرد “سوريين” في الأوراق الرسمية، أو “أتراك” بحكم انتمائهم القديم للإمبراطورية العثمانية.

ثم جاءت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين حملت البواخر مهاجرين مصريين، كثير منهم من الأقباط، تزامناً مع صعود الناصرية وتوترات المنطقة. في الستينات بدأ تفكيك سياسة “أستراليا البيضاء”، فانفتح الباب أوسع أمام العرب. ومع اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عام ١٩٧٥ تدفقت موجة كبرى غيّرت وجه ضواحي سيدني وملبورن، حيث صارت مناطق مثل لاكمبا وبنكستاون وبروودميدوز فضاءات تتكلم بالعربية بلهجات مختلفة. العراقيون بدورهم وصلوا أفواجاً بعد حروب الخليج وقمع النظام البعثي، والسودانيون، شماليون وجنوبيون، جاؤوا بكثافة منذ التسعينات مع تصاعد الحرب الأهلية في بلدهم. ومع بداية القرن الجديد، حملت موجات اللاجئين من العراق وسوريا وجنوب السودان إلى المدن الأسترالية قصص الحرب واللجوء، وتحولت فيرفيلد وباراماتا ودندينونغ إلى مراكز تعجّ بالأسواق العربية والكنائس القبطية والمساجد والمراكز الثقافية.

لم يكن الفلسطينيون والسوريون بعيدين عن هذا المشهد. فمنذ الأربعينات والخمسينات، وصل فلسطينيون هاربون من النكبة، حاملين معهم حكايات الخسارة والاقتلاع، ومؤسسين جمعيات وروابط طلابية وثقافية في سيدني وملبورن. أما السوريون، فقد ظلوا يحضرون على فترات متقطعة، خاصة مع موجة الحرب الأهلية السورية بعد ٢٠١١، حيث استقر الآلاف في أحياء ضواحي غرب سيدني، جالبين معهم تراثاً من المطبخ والموسيقى الشعبية والرقص الجماعي، وملتحقين بشبكات أكبر من الجاليات العراقية واللبنانية. هذه الإضافات جعلت الفضاء العربي في أستراليا أكثر تعقيداً وغنى، حيث تتجاور فيه الذاكرة الفلسطينية مع الحنين اللبناني، والوجع السوري مع أصوات السودانيين وهم يبنون مؤسساتهم الجديدة.

وقد برز في هذا السياق أيضاً جهد أكاديمي وفكري مميز للدكتور عادل القصاص والدكتور عبد الخالق السر من الحالة السودانية، اللذين تناولا في أطروحاتهما لنيل الدكتوراه قضايا الهوية والدياسبورا، وعملا من خلال دراساتهما ومبادراتهما الثقافية كحلقة ربط بين المهتمين من المنظمات والجهات الحكومية وبين الجاليات العربية والأفريقية في أستراليا. ولديهما موقع على شبكة الإنترنت يعنى بهذه الشؤون، مركزاً على البعد الأفريقي، لكنه في الوقت نفسه يفتح أفقاً واسعاً للحوار بين الجاليات، ويُظهر كيف يمكن للمعرفة الأكاديمية أن تتحول إلى أداة عملية للتواصل والتأثير في الحياة العامة.

وإذا تجاوزنا سيدني وملبورن إلى مدن أخرى، نجد أن لبيرث في غرب أستراليا مجتمعاً عربياً متنامياً ارتبط منذ السبعينات بعمال النفط والهجرة المصرية والعراقية، ومعهم السودانيون الأقباط الذين أسسوا كنائس ومراكز ثقافية كانت جسوراً للاندماج مع بقية المجتمع. في أديلايد، حيث شُيّد أول مسجد في ١٨٨٨، استقر لبنانيون وسوريون وواصلوا دورهم في التجارة والخدمات، بينما انتشرت الجالية القبطية السودانية في ضواحي مثل بلايمبتون، محافظة على مدارس الأحد وجوقات الكنيسة وفي الوقت نفسه منخرطة في سوق العمل المحلي. أما برزبن في كوينزلاند، فقد احتضنت أعداداً متزايدة من العراقيين والسودانيين منذ التسعينات، وبينهم مسلمون ومسيحيون على السواء، وأسهموا في الجامعات والمهن الطبية والتعليم. حتى المناطق الإقليمية مثل توومبا وأرميديل صارت محطات لاستقبال لاجئين سوريين وعراقيين وإيزيديين بعد ٢٠١٤، فتحولت البلدات الصغيرة إلى فضاءات لتجارب اندماج فريدة، حيث يلتقي الريف الأسترالي بالثقافة العربية في المدارس والأسواق والمساجد والكنائس والمراكز المجتمعية. هذه الخريطة المتعددة تعكس أن الحضور العربي ليس حكراً على العاصمة أو المدن الكبرى، بل ممتد في النسيج الوطني بأكمله، وفيه يتجاور الأذان مع الأجراس، ويتقاسم المسلم والمسيحي واليزيدي والمندائي فضاءً واحداً من العيش المشترك.

هذا الحضور لم يكن مجرد أعداد، بل أثر ثقافي ملموس. العربية اليوم ثاني أكثر لغة غير إنجليزية في البيوت الأسترالية (١٫٤٪ من السكان بحسب تعداد ٢٠٢١). في المدارس والجامعات، تُدرّس العربية ضمن برامج اللغات الحيّة، وفي الإعلام تبث إذاعة SBS برامج يومية بالعربية. في الأدب، كتب ديفيد معلوف روايات بديعة حملت قلق الهوية والتداخل بين المنابت، وطرحت رندا عبد الفتاح في رواياتها لليافعين أسئلة الحجاب والعنصرية والهوية المزدوجة. في الشعر، ارتفعت أصوات مثل سارة صالح التي صاغت تجربة اللجوء بلغة شعرية، وفي المسرح والسينما برزت أعمال مثل فيلم “زواج علي” (٢٠١٧) الذي جسّد قصص الحب والهوية بين جدران الجالية العراقية في ملبورن. وفي الموسيقى، صارت أوتار العود على يد جوزيف تاوضروس تحاور الجاز الغربي وتفوز بجوائز أسترالية مرموقة، بينما لا تزال الدبكة اللبنانية والأغنية السودانية تُعرض على مسارح المهرجانات متعددة الثقافات، جاعلةً من الذاكرة الشرقية طقساً جماعياً في قلب المدن.

أما على صعيد الحياة العامة، فقد دخل العرب الأستراليون مجال السياسة والخدمة المدنية: ماري بشير، الحاكمة السابقة لنيوساوث ويلز، حملت جذوراً لبنانية، وستيف براكس، رئيس وزراء فكتوريا السابق، كان من عائلة لبنانية، فيما صارت آني علي، المولودة في مصر، أول امرأة مسلمة تدخل البرلمان الفيدرالي. هذه الأمثلة تعكس أن الهوية العربية يمكن أن تجد مكانها داخل البنية السياسية الأسترالية، ليس كمجرد أقلية منغلقة، بل كمكوّنٍ فاعل في صياغة السياسات.

ومع ذلك، لم تخلُ المسيرة من صعوبات. فقد تعرض العرب، خاصة بعد ١١ سبتمبر ٢٠٠١، لموجة من الصور النمطية السلبية والربط بالإرهاب، وشهدت بعض الضواحي مواجهات عنصرية. غير أن الثقافة قاومت تلك الوصمات عبر الإبداع الفني والمبادرات المدنية. ومن رحم هذه التجارب ولدت أجيال ثنائية اللغة والثقافة، ترى نفسها عربية وأسترالية في آن، وتختبر المعادلة الصعبة بين الخصوصية والانفتاح.

إذا قارنا العرب بجاليات أخرى كالطليان واليونانيين، نجد أن هؤلاء أسسوا نوادٍ ومؤسسات قوية منذ الخمسينات، بينما ظلّت المؤسسات العربية متفرقة وضعيفة نسبياً، متأثرة بانقسامات أوطانها الأصلية. ومع ذلك، يظلّ الحضور العربي في أستراليا اليوم أوسع وأكثر وضوحاً، من المقاهي الشعبية التي تفوح منها رائحة القهوة العربية والزعتر، إلى المكتبات التي تعرض كتباً بالعربية والإنجليزية، إلى الجامعات التي تخرّج كتّاباً وباحثين شباباً يسائلون معنى العيش بين عالمين.

ولا يمكن إغفال الصلات التاريخية التي ربطت أستراليا بالشرق العربي في زمن الحرب. الجنود الأستراليون الذين مرّوا بمصر ولبنان وسوريا خلال الحرب العالمية الثانية، حملوا معهم صوراً متناقضة: إعجاباً بالضيافة والدفء، وفي الوقت نفسه ارتباكاً أمام اختلاف العادات والثقافات. رسائلهم ومذكراتهم تشهد على أن العلاقة بين العرب والأستراليين لم تبدأ فقط بالهجرة الحديثة، بل سبقتها لحظات احتكاك كثيفة تركت أثراً في الخيال الأسترالي عن الشرق.

الثقافة، في النهاية، ليست مجرد نتاج فني أو لغوي، بل هي أيضاً تفاصيل الحياة اليومية: الزواج المختلط، طقوس رمضان، أعياد الميلاد في الكنيسة القبطية، مباريات كرة القدم التي يشجع فيها الشاب اللبناني أو العراقي أو الفلسطيني أو السوداني منتخب أستراليا بقدر ما يحنّ إلى فريق بلده الأم. هنا تتجلى الفلسفة العميقة للهجرة: أن تكون ابناً لثقافتين، وأن تصوغ من تضادهما نغمة جديدة.

الأثر الثقافي للعرب في أستراليا ليس زخرفة إثنية، ولا مجرد إضافة على جدار وطنيّ قائم، بل عملية بناء متواصلة. إنه حضور يتغذى على الذاكرة ويُعيد إنتاج نفسه عبر الفن والمطبخ والسياسة واللغة، بين الانفتاح والانغلاق، بين الحنين والاندماج. وكما قال فرانز فانون: “كل شيء يمكن شرحه للناس، بشرط واحد: أن تريد لهم أن يفهموا”. إن الجاليات العربية في أستراليا تكتب هذا الشرح بلغتها الخاصة، بالعود الذي يحاور الجاز، بالرواية التي تروي المنفى، بالطفل الذي يتعلم في المدرسة الإنجليزية لكنه يردّد في البيت “إن شاء الله”. هذه هي اللوحة التي يرسمها العرب في أستراليا: فسيفساء من ذاكرة وتحوّل، امتدادٌ لتاريخ طويل، وشهادة على أن الثقافة في المهجر ليست عبئاً ولا ترفاً، بل فعل مقاومة وخلق مستمر.

***

إبراهيم برسي

منذ سن مبكرة وأنا أقرأ عن أحلام فلاسفة المدينة الفاضلة (أو المثالية). اكتشفت ربما أن خيالات أفلاطون، كانت تستوعب جزءا من إدراكاتي العقلية والفكرية، وتسع كل طاقاتي الإبداعية، لدرجة أني كنت أعتقد في يوطوبياي الهشة، أن حكمة المدينة المعيارية، ستكون علامة فارقة في النبل والأثرة والكفاية والإنصاف. لكن، وفي حدود انقباض الآمال وتجهم الحوافز وتشرذم القيم وارتداد أخلاق الإنسان، تعثرت تلكم الأحلام، وانحبست في كسورها وأوابدها، مرتجفة ومستدبرة من هجوم الأضداد والخوالف والانهيارات الحضارية والثقافية على مقدراتها ونواظمها، إذ لم تعد تشمل طبيعتها «المثالية» كمدينة تجلو بصفات المواطنة المعنوية والروحية والهوياتية.

تلكم الأنساق القائمة على قوة الدفع والتدافع، وتحقيق مناطات الوجود والرقي، بما هي صفات محايثة للكرامة والعدل والمساواة والرفاهية، داعمة لكل هياكل التحضر والمدنية، ليس في أسلوب العيش فقط، ولكن أيضا، في المظهر العمراني والتنظيم والتخطيط والأداء الخدمي السكاني السلوكي البشري والإداري.

في عالم معكوس يراد به إدانة شرعية العالم الصحيح الواقعي، نلتقي دائما كطوباويين متأخرين، الارتقاء بأحلامنا نحو علياء مدينة توماس مور "الطوباوية" الاستثنائية، حيث "المكان لا وجود له في أي مكان، وعلى حضور غائب، وحقيقة غير حقيقية"، لكنها محكومة بجغرافيا لا نهائية، وشعب شبحي ونظام صامت غير مأهول بالتعارض أو الاصطفاف

ينساق هذا الاعتبار الفلسفي، إلى مديات قيمية ذات حمولة مجردة من كل احتمالية أو تخلف، تستتبع في عمقها درجات من الغبطة والسعادة والحظ والخير، كأنها قاطرة للإدامة والتنوع وحياة النموذج، تماما كما هو الحال في رمزية حدائق الكينوس داخل نشيد الأوديسا في الجزيرة السعيدة.

تشوهات قضمت لسان مدينتي المتخيلة، وألقت بصمتها في غياهب الضمور والتواري. لم يعد باستطاعتي حتى استحضار وجه المدينة كخلفية نوسطالجية اختلستها شيخوخة الزمن واضطراباته العنفية المروعة، كما اختلالاته وانفلاتاته المستعرة، التي غرفت من أيادي أفاقي النصب والسمسرة وفساد الأخلاق. فقد أضحت سرابا ثاويا يتجافى عن استرداد الصور والعلامات الدائبة المأسورة في قدورها وأحوازها الضيقة.

ومع الانتشار الواسع لمفهوم الاستبدال الرحلي والتجلي السفري، في أبهى حلله وأبنيته الجديدة، اختلطت القصص الحقيقية بتلك المتخيلة لبلاد سعيدة، توجَّه منسوب تعبيرنا لمجهول يستحكم بقوة الحرية المزعومة، وتسارع التأثير في مخزون المستقبل وانتظاراته البذخية المشتهاة، بغريزة مفتوحة على كل الاحتمالات، غير آبهة بقيم الجمال والحس السليم والذوق الراقي، منحدرة نحو العوالم المفتونة بالغنى المادي والكسب السريع والإغداق السافر وإفراغ كل مبدإ من قيمته الحقيقية.

وإذ يتحول هذا المشهد الدراماتيكي، إلى واجهة سحرية متلاشية، تجترحها نتوءات راجفة، في غموضها وانحدراها إلى ما يسميها اليوطوبيون الجدد ب "العالم الأخلاقي الجديد"، الذي تتنمط فيه النظريات وتتعزز بشعبوياتها المؤدلجة، وتتكرس فيها روابط السياسة الكذبية، ومزوري الضمائر، ومنعدمي الخصوصية، تصير فيه أحلام البشر المؤمنين الصالحين بالعدالة والمساواة والخير، مجرد حيوانات محشورة في زوايا العسف والبوار والمغالاة. ولم يعد لتحصيل السعادة ها هنا، كما يقول الفارابي، أي امتلاء يجُب ما قبل، حيث تكون "السعادة القصوى غاية قصوى، وخير أسمى يعين الإنسان على تحقيق مدينته الفضلى".

في ذلك الجلال المنصف لمعنى السعادة في مدينتنا المثالية، يرتقي هذا الإحساس ويسمو، كأنه ينهل من بواعث هذه المعارف التي تخلد لجزء من تاريخنا المقروء، المستنير المستعطر من مرجعيات فكرية قدوية تعتبر زوال الشرور عن المدينة وحصول الخيرات الطبيعية والإرادية كلها، نافذة لاحتواء السعادة الفاضلة، كما هي كائنة عن الكمال المطلوب.

ومن عجيب هذا التفكير، أن ترتبط السعادة في المدينة الفاضلة، بما يتوجب على الساكنة القاطنة فيها، أن تسمو بما يلزم من النفس والإرادة والمعرفة، وكلها تشوفات تضاهي في بلاغتها نزوعية نحو الإخلاص واستبطان قوة المروءة، حيث يصير الإنسان بإرادته واختياره، سعيدا بأخلاقه ومعرفته. غير منساق لملذاته وغرائزه.

فهل كان لنا اليوم، وفي ظلمة طويلة ممتدة عبر كل هذه الانهيارات، أن نصل باب الحكمة في القبض على سعادة مدينتنا المأمولة؟

لا أعتقد أن مدينة بهذه الصفات الروحية العلوية، ستستيقظ بغثة، وتعود إلى ملقاها الإنساني فينا. فقد ضيعتنا الأحقاد والفتن وحب الأموال وانتشار الجهالات. لكننا بإزاء هذا البلاء العظيم، صار من الضروري إعادة تطويع وتصنيف أفعالنا وسننا الإرادية وأخلاقنا وملكاتنا وسجايانا، دون أن نحيد عن حقيقة انشغالنا بالتفاهات والخوالف المهيضة، مع تجفيف كوابح رؤيتنا للعالم ومتغيراته، في ظل تقعر الغايات والمحسوسات، التي تجعل من حالاتنا العقلية والنفسية، مضمارا للتوازن والتحلي بروح المعرفة وتحكيم العقل وارتضاء الأفضل.

***

د مصـطـفــى غَـــلمـان

 

مُفْتَتَحْ إشْكَالِي: لا تثبُت الحياة الإنسانية على حالٍ واحِد ولا على وضعية مُستقِرة دائِمًا، إنّمَا تشهدُ تقلّبات من حوادث وكوارث وأزمات، فالأزمة مُرتبِطة بالإنسان ولَصيقة به ومُرافِقة لوجوده، بل هي أكثر من ذلك مَلْمَحًا جوهريًا من ملامح هذا الوجود. وتأتي أهميّة الأزمة في ولادة الهمم وإزالة للتعتيم والكشف عن مواطِن العطب وكيفيّات الإصلاح، ولهذا فهي لحظة أو لحظات فارِقَة في صُنع عَمَلية التغيير. وللأزمة فُروع كثيرة نَظَرًا لإمكان تفجّرها في أيّ مجال، تتطلّب الوعي النقدي بها من حيث أسبابها أوّلاً ثُم نتائجها بعد اقتراح الحُلول واستشراف المُستقبل. وترتبِط الأزمة بالتفكير؛ أيّ بطبيعة التفكير خِلالها من قِبل المأزوم، وما يتبع ذلك من إجراءات، فلكلّ شعب وحُكومة طريقة تفكير مُعيّنة في خضمّها وذلك على حَسَب عديد الاعتبارات سواءً في وجودها أو في عدمها كالوعي، الإرادة، المُمتلكات (...). ضِمن هذا المَنْحَى يُمكنُنا الحديث عن التفكير الجزائري في زمن الأزمة، الذي استدعى مِنَا واقعه مُحاولة القيام برُؤية نقدية له في ظِلّ تعامُله معها، الصِحّية منها وأزمة المُواصلات.

فمَا طبيعة هذا التفكير؟ وكيف يتصرّف الجزائري في حال حُدوث أزمة؟ ولِمنْ تُعزى مسؤولية تأزّم الأوضاع ووقوع خسائر بشرية ومادية؟

1- صِلَة الفلسفة بالأزمة

للفلسفة علاقة وَثيقة وصِلَة عَميقة بالأزمة على مَدَار تاريخها؛ إذ لَطَالَمَا أبان التّاريخ عن تواشُج الأواصر فيمَا بينهُمَا، تواشُجًا وظيفيًا ونَفْعِيًا. وتتجلّى هذه العلاقة القويّة في كون الأزمة بأحداثها ومُعطياتها وتغيّراتها تُشكِّلُ حقلاً خِصبًا للتفكّر الفلسفي بالتّحليل والنّقد، فالفلسفة تبحثُ عن العِلَلّ الفاعِلَة في حُدوث الأزمات وتنظُرُ في النتائج وتقترح الحُلول الناهِضَة التي تُمثِّلُ الانفراج، وعلى إثر كلّ ذلك تستشرِفُ حال المُستقبل. وتتميّز الرؤية الفلسفية للأزمة بالعُمق والتغلّغُل وعدم الاكتفاء بتصديق ما هو ظاهري مطروح، بل تخترقُه وتبحث وتنبُش عن الحقيقة. وتُعنى الفلسفة عِناية فاحِصَة بالأزمة بمُختلف فُروعها ومجالاتها كالأزمة السّياسية، الأزمة الأخلاقية، الأزمة الاجتماعيّة، الأزمة العِلمية والأزمة الفلسفية ذاتها كأزمة مبادئ الحداثة أو أزمة المنهج، بالتالي تكون الفلسفة سَبَبًا في تفجّرها وسَبَبًا في حَلّحَلَتِهَا.

إنّ الحديث عن تفكّر الفلسفة في الأزمة يقودنا إلى إثارة النِّقاش حول دور المُثقف، بالتحديد المُثقف الذي ينتمي إلى تخصّصها؛ أيّ المُثقف الفلسفي، في اهتمامه بِمَا يجري وحِرصه الجادّ على الوعي النقدي بأسباب ونتائج الأزمة وما يُؤرّق مُجتمعه ويبعث على تشكيل هُمومه، وهذا بالضَبطّ ما يُسمّى ب: "المُثقف العُضوي". ولهذا سنُحاول قدر الإمكان أن نكون كذلك، في أن ننظُر تحليليًا ونقديًا في طبيعة التفكير الجزائري خِلال الأزمة.

2- حديثٌ عن الواقع اليومي للجزائري

بعُموم القول، الواقع اليومي الجزائري تقريبًا مُستقِر، حياة روتينية كلّ واحد يعيشها على حسب مُستواه المادي والعِلمي. وبالمُجمل فإنّ مُعدّل المَعيشة الجزائرية مُتوسِّط، وأمّا عن حالها، فالمُدن الكبرى والدوائر مَيّسُورة العيش وذلك لتوفّر المرافق الضرورية كالمُستشفيات، المدارس والمُواصلات، في حين هُناك بعض البلديات ما تفتقِر إلى ذلك أو على الأقلّ تُعاني من نُقص على صَعيد توفّرها كمَا يجب، وهُناك كذلك ما يُسمّى بمناطق الظِلّ والنائية التي يتكبّد سُكانها العَنَاء والشَقَاء كثيرًا بسبب انعدام شُّروط الحياة، مِمَّا يضطرُّ بهم لقطع مَسَافات طويلة من أجل التنقّل إلى حيث يُراد التنقّل من دِراسة أو عَمَل أو حتى شراء المُستلزمات اليوميّة من أكل وشُرب وغاز. ومن ناحية ثانية، نلحظُ تحسُّن المَعيشة، فالجزائر من البُلدان السائِرة في طريق النمو مِمَّا جعل الظُروف تتحسّن وتتيسّر مُقارنة مع سنوات ماضية. هذا بطبيعة الوضع، فلقد خرجت البلاد من أزمتين تمثّلتَا في استعمار فرنسي غاشِم وفي عُشرية سوداء دموية.

3- الجزائر بلد الخيّرات دون استثمارات

تُعدّ الجزائر من بين البُلدان الغَنية التي تحتوي على خيراتٍ كثيرة من ثروات طبيعية وغِطاء نباتي ومَسَاحَات واسِعَة، فهي تجمع بين زُرقة البحر واخضرار الطبيعة والصحراء الشاسِعَة. فهي فَضَاء مُناسِب للاستثمار ولجذب السُّيّاح لِمَا تتمتّع به. بيد أن واقع الحال يُظهِرُ عدم استغلال كافٍ لهذه الخيّرات ولا كيفيّة رشيدَة للاستفادة منها أشدّ استفادة، فالجزائر كمَا هو معلوم تعتمِد بالدرجة الأولى على تصدير المحروقات، هذه الطاقات من بترول ونفط غير مُتجدِّدة.

4- الأزمة مُناسَبَة للفَضَحْ: جائحة كورونا وحادثة سُقوط الحافلة في الوادي أنموذجين

إنّ الأزمة أو تضييق الوضع هي مرحلة من الانسداد ترجُّ الأوضاع القائِمة وتُفقِدها صِفة الاستقرار والثبات، أو هي مرحلة من التشكيك في صلاحية المَعْمُول بِه على مُسْتوى العديد من الأمور. وهي مُناسَبَة حقيقية للفَضَحْ وكشف المستور وإزالة البراقِع الحاجِبَة وتبيين السّياسات العرجاء. وهي تُوضِّحُ على الجانبين استعداد الدول لزمن الأزمة أم لا؟ ومَدَى جاهزيتها من حيث العُدّة والعتادّ؟ والحديث عن الأزمة إنّمَا هو حديث شامِل لكافّة أنماطها، ولعلّ ما كشفته الأزمة الصِحّية الوبائية وأزمة النقل والمُواصلات "حادثة السُّقوط" في الجزائر مِحكّين للنَظَر في طبيعة عَمَل الأزمة الكاشِف والفاضِح. فلقد شَهِدَ العالَم بِمَا في ذلك دولة الجزائر أزمة فيروس كورونا في نِهاية سنة 2019م الذي تسبّب في العديد من الوفيات والمرضى وهَدّد المَصير وجعل الحياة خانِقة وأجبر الكائن البشري على التنازُل عن بعض حُرّيته والتزام الحجر الصحّي، وما يَهُمّنَا ربّطًا بسياق الموضوع، فإنّ في تِلك الفترة كشفت هذه الأزمة الصِحّية في الجزائر عن عدم جاهزية كافية من البلاد من حيث استعداد المُستشفيات رُغم تجنيد الطاقم الطبي والشبه الطبي الذي قام بالواجب على أكمل وجه، وعن بعض القرارات المُتسرّعة للدولة آنذاك من عدم غلق المطارات. كمَا كشفت عن سوء تصرّف وتدبير ونُقص وعي من الكثير من أفراد الشعب وذلك حينمَا لم يلتزموا بسّياسات الوقاية كارتداء الكمامة والتعقيم والتباعُد والبقاء في المنزل. وغير ببعيد فلقد تلقيّنا فاجِعَة أليمة في الخامسة عشر من شهر أوت الجاري تمثّلت في كارثة سُقوط حافلة لنقل المُسافرين بوادي الحراش بالجزائر العاصمة ما خلّف وفاة ثمانية عشر شخصًا والعديد من الجرحى. لقد كانت الحافلة في حال مُهترئ والطريق غير مُعبّدة بل مُنكسِرة وغير مُستوية، وعدد الركّاب يفوق عدد المقاعد الموجودة وقيل أن السُرعة كانت زائدة. إذن، تكشِف هذه الأزمة هَشاشة وسائل النقل والمُواصلات وعدم صلاحية الكثير منها بسبب أنها قديمة، وحال الطُرق المُحفّرة، وغياب الرقابة الصارمة خاصّة على أصحاب الحافلات من حيث حشّدهم للرُكّاب من أجل قبض ثمن بخسّ. وكذلك الشعب أو من يستقِل هذه الحافلات، نُقص فادِح في الوعي والإدراك والتنظيم؛ إذ كيف له أن يقبل الصُعود إليها والوقوف لِمَسَافات وتِلك الوضعية من الازدحام الداخلي!.

5- خصائِص التفكير الجزائري في زمن الأزمة

للآسف نلحظ أن خصائص التفكير الجزائري بالعُموم سواء تحدّثنا عن الحُكومة أو الشعب، يتّصِف بالارتجالية والتسرّع أكثر شيء أو لنقُل قرارات حينيّة تُرمِّمُ الوضع وتردِم الهُوّة، وكذا الهُروب من الاعتراف بالخطأ إلى تحميل الجوانب الماديّة السبب وهذا ما يحدُث من طرف الشعب، فبدلاً من رفض الصُّعود إلى الحافلة وهي مُمتلِئة عن أخرها حينمَا تحدُث الكارثة يُبرّرون ذلك بحال الحافلة والطريق، فصَحيح هي أسباب ولكن أيضًا للإنسان إرادة الاختيار وتقرير الصّواب. ومع ذلك ما يُثير الإعجاب في الشعب الجزائري هي التفافِه وتآزره مع بعضِه البعض، فقد أظهرت حادثة سُقوط الحافلة هُروع أفراد الشعب إلى مُساعدة رجال الحماية المدنية في إنقاذ الجرحى واستخراج الموتى.

إضافة إلى كونِنَا مُجتمع نُفكِّر فيمَا بعد "تفكير ردّ الفِعل"، نعم هذه هي خاصّيتنا. بعد الأزمة، بعد الكارثة، بعد الموت نحيَا! نُعلِنُ حِداد أو نُعوِّض ضحايا بثمن يزيد من حُرقة الفُقدان، إلى متى ستستمِر العقلية الجزائرية في حصد العديد من الخُسران البشري والمادي؟ لماذا لا تلتِفت الحُكومة إلى شعبها وحاله؟ ثُمّ لها أن تُعِين غيرها.

6- من يتحمّل المسؤولية؟

هل نقول أن هذه الكوارث والحوادث الأليمة التي تُزهِقُ الأرواح وتتسبّب في خسائر مادية أنها قضاء وقدر؟ أم نُحمِّل الدولة المسؤولية في الإهمال وسُوء التدبير والتسيير؟ أم نُقدِّر الوضع على أنه نتيجة جهل الشعب وانعدام رَشَادِه؟

في حقيقة الأمر، المسؤولية شامِلة ومَعْنِي بِها الجميع من الفرد إلى المُجتمع إلى الدولة، فلكلّ جهة جُزء مِمّا حدث ويحدث، شعبًا فردًا وجماعة وحُكومة وعن إيمانِنا بالقضاء والقدر خيره وشرّه نقولُوا: نعم قَدّر الله وما شاء فعل، وهو من أركان الإيمان.

7- اقتراحات تدبيرية

- ضرورة تهيئة البِنى التحتية والمُنشآت وإصلاح الطُرق والاستعداد لهذه الأزمات الوارد حُدوثها.

- القيام بحملات توعويّة تثقيفيّة للشعب بأن يكون واعيًا مُتآزِرًا في زمن الأزمة وقبلِها تفاديًا لحُصولِها.

- الاستفادة من التجارب السابِقة وأخذ العبر واستخلاص الدروس.

- التفكير الشامِل المُركّب قبل وبعد الأزمة، قبل بالجاهزية وتقويّة البِنى القاعدية وإيقاظ الشعب من مرقدِهِ وبعد عن طريق إيجاد حُلول ناجِعة تمنع من حُدوث الأزمة مُستقبلاً بالكيفية ذاتها أو على الأقلّ ضَمانة وقّعِها الطفيف.

- استدعاء النُخب والأساتذة الباحثين من الفلسفة، علم الاجتماع، علم النفس وغير ذلك من التخصّصات لبحث أسباب غياب الوعي ونُزوع الشعب إلى الاندفاع والفوضى، وخُبراء لبحث تقرير سّياسات اقتصادية مَتينة وبرامج واستراتيجيات للتعامُل مع الأزمة أثنائها وبعدها.

- الاعتماد على وسائل تكنولوجية حديثة والتخلّص من الوسائل القديمة البالية.

- الابتعاد عن الخِطاب الخشبي وسّياسة الترقيع والانخراط بجدّية وفَعّالية في حلّ الأزمة.

- الإقرار بالأسباب الحقيقية لحُدوث الأزمات والكوارث ومُحاسَبة المُتقاعسين عن أداء عَمَلهم كمَا يجب.

- تفعيل مُراقبة صارِمة ومُعاقبة من ينتهك القانون.

خاتمة

في خِتام هذه الأسطُر المُركّز موضوعها حول إقامة رُؤية نقدية للتفكير الجزائري في زمن الأزمة من خصائص وأفعال ورُدود أفعال، نَصِلُ إلى استنتاج أن ما يُميّز هذا التفكير أنه ارتجالي وبعدي؛ أيّ بعد ما تقع الأزمة وأن مسؤولية ما وقع وما يقع يتحمّله الجميع من أفراد وجماعة ودولة، ولذلك فإنّ إصلاح الأوضاع تقتضي إصلاح ما يَتّصِل بهذه الشرائح الثلاث؛ بمعنى إصلاح البنية التحتية من مُنشآت ومصانع وطُرق والبنية الفوقية من أفكار وعقائد ووعي وإدراك.

***

د. شهرزاد حمدي، جامعة محمد لمين دباغين سطيف2، الجزائر

تخصّص: الفلسفة العامة

من منطلق المنهج التحليلي السوبر خلاّق، السلام السوبر خلاّق = إنتاج الازدهار الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي والإنسانوي والأخلاقي × إنتاج ازدهار الطبيعة والكائنات كافة. وبذلك السلام السوبر خلاّق = إنتاج الحضارة والتحضّر. هذا السلام سوبر خلاّق لأنه فعّال من جراء إنتاجه لكلّ أنماط الازدهار الممكنة كإنتاج الازدهار الاقتصادي والثقافي والإنسانوي.

للتعريف السابق فضائل عديدة منها فضيلة التعبير عن أنَّ السلام قائم على العدالة. فبما أنَّ السلام السوبر خلاّق = إنتاج الازدهار الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي والإنسانوي والأخلاقي × إنتاج ازدهار الطبيعة والكائنات كافة بينما الازدهار لا يتحقق من دون سيادة العدالة الكامنة في الحرية والمساواة كالمساواة أمام القانون، إذن قانون السلام السوبر خلاّق السابق يستلزم وجود العدالة لكي يتحقق السلام. هكذا ينجح قانون السلام السوبر خلاّق في التعبير عن أنَّ السلام قائم على العدالة فبِلا عدالة كالعدالة الاقتصادية والاجتماعية يستحيل أن يتحقق السلام. وهذا النجاح دليل على مقبولية قانون السلام السابق وصدقه. فمن دون العدالة المتمثلة في حرية كلّ فرد ومعاملته بمساواة مع الآخرين، لن يتمكّن الفرد من إنتاج ما هو مفيد لنفسه والآخرين من جراء غياب حريته في التفكير والتصرّف وتعرضه للتمييز كالتمييز العنصري أو الطائفي. لذلك لا يتحقق الازدهار سوى من خلال العدالة. ولكن السلام ليس سوى الازدهار. بذلك لا يتحقق السلام سوى من خلال العدالة.

من المنطلق نفسه، ينجح قانون السلام السوبر خلاّق السابق في التعبير عن أنَّ الازدهار بأنماطه كافة مصدر السلام. فبما أنَّ السلام السوبر خلاّق = إنتاج الازدهار الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي والإنسانوي والأخلاقي × إنتاج ازدهار الطبيعة والكائنات كافة، إذن السلام السوبر خلاّق كامن في كلّ أنماط الازدهار كالازدهار الاقتصادي والثقافي والأخلاقي. وبذلك الازدهار بِكلّ أنماطه مصدر السلام. وهذا النجاح في التعبير عن أنَّ السلام قائم على الازدهار دليل على صدق قانون السلام السوبر خلاّق. فحين تزدهر المجتمعات اقتصادياً وحضارياً، تميل إلى السلام لكي تحافظ على ازدهارها الاقتصادي والحضاري. وبكلامٍ آخر، حين يتطوّر المجتمع حضارياً، يتجنب حينها الصراعات والحروب لأنَّ التحضّر فن الارتقاء بالحياة مما يستلزم أن تكون الحضارة فن إنتاج السلام فلا ارتقاء بالحياة بسيادة الحروب والصراعات. هكذا التطوّر الحضاري مصدر السلام. فالصراعات والحروب تدمِّر الذات والآخرين. لذلك الحضارة فن إنتاج السلام.

كما ينجح قانون السلام السوبر خلاّق في التعبير عن أنَّ السلام كامن أيضاً في الإنسانوية مما يشير إلى مصداقية قانون السلام السوبر خلاّق من جراء نجاحه التعبيري. فبما أنَّ السلام السوبر خلاّق = إنتاج الازدهار الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي والإنسانوي والأخلاقي × إنتاج ازدهار الطبيعة والكائنات كافة بينما الازدهار الإنسانوي ليس سوى سيادة الإنسانوية التي من مبادئها وحدة البشر أي مبدأ أنَّ كلّ البشر يشكِّلون إنساناً واحداً غير منفصل، إذن السلام السوبر خلاّق قائم على الإنسانوية الكامنة في احترام حقوق كلّ البشر كحقهم في الحرية والكامنة أيضاً في سيادة مبدأ أنَّ كلّ البشر كينونة واحدة لا تتجزأ. فحين يسود مبدأ أنَّ كلّ البشر كينونة واحدة غير متجزئة، يسود حينئذٍ السلام. لذلك الإنسانوية ركن أساسي من أركان السلام.

لقانون السلام السوبر خلاّق فضائل عديدة أخرى منها اعتبار أنَّ الصراعات والحروب أفعال غير أخلاقية. فبما أنَّ السلام السوبر خلاّق = إنتاج الازدهار الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي والإنسانوي والأخلاقي × إنتاج ازدهار الطبيعة والكائنات كافة، إذن السلام السوبر خلاّق كامن في الازدهار الأخلاقي مما يتضمن أنَّ نقائض السلام السوبر خلاّق هي نقائض الازدهار الأخلاقي. وبذلك الصراعات والحروب أي نقائض السلام هي نقائض الأخلاق. ولذا الصراعات والحروب أفعال غير أخلاقية. كما ينجح قانون السلام السوبر خلاّق في التعبير عن أنَّ السلام يكمن أيضاً في الحفاظ على الطبيعة وكائناتها كافة ومواردها مما يُعبِّر عن الإنسانوية الكبرى التي تُعنَى بالحفاظ على الطبيعة وكلّ كائناتها. فبما أنَّ السلام السوبر خلاّق = إنتاج الازدهار الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي والإنسانوي والأخلاقي × إنتاج ازدهار الطبيعة والكائنات كافة بينما إنتاج ازدهار الطبيعة والكائنات كافة يتضمن الحفاظ على الطبيعة وكائناتها ومواردها، إذن السلام السوبر خلاّق كامن أيضاً في الحفاظ على الطبيعة وكائناتها ومواردها. فمن جراء الحفاظ على الطبيعة ومواردها، تزول الصراعات والحروب بفضل وفرة الموارد. ومن خلال الحفاظ على كلّ كائنات الطبيعة التي من ضمنها الكائنات البشرية والحيوانية، نحافظ على كلّ كينونة حيّة فيسود السلام.

بالإضافة إلى ذلك، من فضائل السلام السوبر خلاّق فضيلة نجاحه في التعبير عن أنَّ الازدهار العلمي مصدر أساسي من مصادر تحقيق السلام. فبما أنَّ السلام السوبر خلاّق = إنتاج الازدهار الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي والإنسانوي والأخلاقي × إنتاج ازدهار الطبيعة والكائنات كافة، إذن السلام السوبر خلاّق يكمن أيضاً في الازدهار العلمي. فالعِلم خالٍ من اليقينيات لاعتماده على اختبار الفرضيات والنظريات ومراجعتها باستمرار واستبدالها بما هو أفضل منها. وبما أنَّ العِلم خالٍ من اليقينيات، إذن حين نقبل العِلم ونشارك في إنتاجه نتحرّر عندئذٍ من يقينياتنا المُسبَقة مما يؤدي بنا إلى التحرّر من أيّ تعصب وبذلك نقبل الآخرين وإن اختلفوا عنا مما يحتِّم بدوره سيادة السلام من جراء قبول الآخر. من هنا، العِلم يؤسِّس لسيادة السلام. فلا سلام بلا ازدهار العلوم الذي يؤدي إلى قبول الآخرين.

***

حسن عجمي

مرّت عبر تاريخ الحضارة البشرية تيارات فكرية مختلفة ومتنوعة. نستطيع تقسيم التاريخ الفكري للعالم بغير طريقة وطريقة. إحدى الطرق تأتي عبر اعتماد الفصل بين ما سبق الثورة العلمية في أوروبا وما تلاها. أما فيما سبق، فكان الشرق بشكل عام الرائد في مجالات جمع المعرفة من خلال نظره للكون ككيان متناغم والبشر يسعون للتوحد معه بروحية ووئام. ولكن بعد الثورة العلمية، غير الغرب هذه النظرة اذ حول الوجود الى مسرح كبير نشاهده كبشر وندرس أحداثه وظواهره. اعتمد الغرب على منهاج علمي يأخذ من القياس والتجربة سبلا لجمع المعرفة. وسط "الفتوحات" العلمية، بات العلم هو المقياس الحضاري لتقدم الشعوب.

Tفي المقالين السابقين أشرنا أنه في وقت نجح الغرب بالدفع بعجلة العلم التجريبي، بقي الشرق إلى حين، ليس بالبعيد عن يومنا هذا، بعيدا كل البعد عن تحقيق أي خرق في هذا المجال. نجحت بعض الشعوب الشرقية في خلق نهضة علمية كاليابان والصين مؤخرا، لكن هذه الشعوب لن تكون ضمن نطاق نقاشنا بل ستكون منطقتنا العربية.

العلم التجريبي ضرورة حضارية

أزاحت الثورة العلمية الستار عن البحث في العلوم البحتة. بدء العلماء يدرسون الظاهر الطبيعية من وجهة نظر تجريبي لتحقيق اكتشافات في الفيزياء والطب والفلك. هذه العلوم سرعان ما انتقلت إلى التطبيق عبر المخترعين لتدعم المصانع وتسهل حياة الناس. وبعد آلاف من الاكتشافات والاختراعات، أصبح التقدم التكنولوجي تصاعديا في المسار.

بما لا شك فيه الآن أن التقدم التكنولوجي قد غير وسيطر على عالمنا دون رجعة ودون أي دليل على تراجعه قريبا. واليوم، من ينتج هذا العلم بات يتحكم بشكل أو بآخر بالشعوب المستهلكة. الضخ الكبير للمحتوى التكنولوجي والمعلوماتي في مجالات الهاتف المحمول والذكاء الاصطناعي يصنع حربا ناعمة مهولة سياسية كانت أو تسويقية، وهذا لم يعد نظريات مؤامرة فارغة بل واقعا يعاش. تعتمد الشركات على البيانات الشخصية من الهواتف لتسويق منتجاتها وخدماتها. التخلف العلمي حول مجتمعاته إلى مجتمعات مستهلكة تخضع سياسيا واقتصاديا للمجتمعات المنتجة. بعيدا عن السياسة والتسويق، إن التطور العلمي يرفع أمد الحياة والمستوى المعيشي بشكل ملحوظ في الدول المتقدمة علميا وتكنولوجيا من خلال الطب والسياسات الاقتصادية المدروسة.

والطريقة الأساسية للالتحاق بركب التطور الطبي والصناعي والتكنولوجي هي في العلم التجريبي. ولكن مهلا، ألا يدرس عالمنا العربي العلم التجريبي؟ بل؟ ألا يقوم بإنتاجه في العديد من الجامعات ومراكز الأبحاث المرموقة؟ الإجابة هي نعم، ولكن ليس بما يكفي. إننا بحاجة لثورة في العقلية العلمية أولا، وفي الاهتمام أكثر بالعلم بحد ذاته ثانيا.

علم تجريبي في عالم شرقي

من وجهة نظر شخصية، أرى أن الكيان الإسلامي من الأنجح كنظام اقتصادي واجتماعي. وهذا نقاش طويل ليس ضمن نطاق طرحنا اليوم. وعلى الرغم من ميزاته، هناك عقبة أساسية تمنع تعميمه على نطاق أوسع وهي الشرط الأولي والأساسي بالإيمان. قد لا تتمكن شعوب كاملة من الإيمان بالله والميعاد وبذلك يصعب الافتراض المسبق برغبتهم براحة أبدية أو خوفهم من عذاب سرمدي عندما يأتي الأمر لاتباع النظام الاقتصادي والاجتماعي الاسلامي. ولكننا نتكلم هنا عن علم تجريبي في عالمنا العربي الشرقي المتحفظ. فهل مشكلة عدم إيجاد نيوتن تعود الى عدم قدرتنا على التوفيق بين العلم والدين؟ بين الايمان والتجربة؟

هل يتناقض العلم التجريبي مع الدين؟ العلم التجريبي يدرس الظواهر المادية فحسب. يشير هايديغير أن السؤال في لماذا هناك شيء بدلا عن اللا شيء هو سؤال ميتافيزيقي بحت. لا يمكن لأي عالم ادعاء قدرته على اجراء دراسات على شيء او كينونة خارج نطاق العالم الفيزيائي، اي الميتافيزيقي. وإذ كان العلم التجريبي غير قادر على الاثبات بوجود العالم الميتافيزيقي ايجابا، فإنه غير قادر على نفيه سلبا أيضا، كما أشار محمد باقر الصدر في كتابه فلسفتنا. أما الدين فإنه يؤمن بوجود العالم الميتافيزيقي بناء على المذهب العقلي الذي يبنى على معارف أولية. العلم التجريبي غير قادر على نفي وجود العالم الميتافيزيقي والدين غير قادر على نفي النظريات العلمية القائمة على التجربة. أما أسئلة بداية الكون وأصل الحياة، فالعلم قد لا يقدر أبدا على أن يجد نظرية قاطعة انما يستطيع وضع تصورات قائمة على المعلومات والمؤشرات المعاصرة، وليس الدين بحالة أفضل. وهذا يعني أن أحدهما، أي العلم والدين، غير قادر على نفي الآخر أو نفي ادعاءاته.

أما فيما خص النظريات التي تتناقض مع النصوص الدينية للخلق، يصبح الأمر معقدا قليلا. فقد أشار القديس أوغوستين أن مخاطبة الاله لليهود في العهد القديم اعتمد على حدود معرفتهم آنذاك. والأمر بالتأكيد كذلك، فلو تكلم الانجيل بمعادلات وأرقام حول نشأة الكون ووجود الخلق لاختلط الحابل بالنابل عند الناس. وخلاصة الكلام، وهذه رؤية شخصية، أن علينا اليوم فهم النصوص الدينية في ضوء الاكتشافات العلمية وليس نفي الاكتشافات العلمية على أساس النصوص الدينية، لا سيما في النظريات التي تحمل أدلة تجريبية تكاد تصبح يقينية.

 العيش في تناغم وانسجام

إذا فالتفكير العلمي لا يتعارض مع الشخصية المتدينة ومبادئها. يستطيع الانسان سبر أغوار الطبيعة المادية الفيزيائية دون نفيه العالم الميتافيزيقي الذي يمثل علاقته الشخصية بالخالق. والأهم من ذلك، يستطيع الانسان ممارسة العلم التجريبي في وجود المنظومة الأخلاقية الإسلامية، التي تضمن عدم وقوعه بما وقع فيه الغرب من مآسي. العلم التجريبي يصبح سلطة وضعية لفهم العالم المادي، والدين سلطة الهية لتنظيم المجتمع والحياة.

 إذا، لماذا لا نرى هذا يتحقق في مجتمعاتنا؟ المشكلة في السلطة. إن انسانا يتعامل مع فكرة الاله كعلاقة شخصية وليس موضوعية، يفقد من في السلطة الدينية موقعهم السلطوي المرموق في تصنيف المؤمن من الكافر. فيحاربون التفكير النقدي الذي يهدد عروشهم، وهو الركيزة الأساس للعلم التجريبي. بدأت هذه السلطة في أواخر مرحلة الدولة العباسية وتستمر الى يومنا هذا، حيث حولت الدين الى منظومة تتحكم في كل جوانب حياة الفرد وليست علاقة روحية بين الفرد وخالقه.

خاتمة

أثمر المسار التصادمي بين العلم التجريبي من جهة والدين من جهة أخرى عن فجوة كبيرة في تاريخ تقدم الشعوب العربية حضاريا. المطلوب اليوم هو إيجاد تناغم بين العلم والدين حيث يحرس الدين العالم من الذهاب إلى الهاوية فيما تفهم النصوص الدينية في ضوء الاكتشافات العلمية التي تسبر أغوار الطبيعة المادية. بهذه الطريقة يستطيع العربي دفع عجلة التقدم الحضاري مدعوما من منظومة اقتصادية وأخلاقية واجتماعية. وان كان العلم والدين ايبيستومولوجيا مخلفين، فعليهم أن يجتمعا اجتماعيا في عالمنا العربي.

***

فضل فقيه – باحث

.......................

قراءات إضافية:

سعيد، إدوارد. الاستشراق. ترجمة كمال أبو ديب. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1981

Acemoglu, D. & Robinson, J. A. Why Nations Fail: The Origins of Power, Prosperity, and Poverty (Profile Books, London, 2012).

"ما من ثورة فكرية إلا وكانت بدايتها تمرداً على اليقينيات الجاهزة"، هذه العبارة الصادرة عن أحد فلاسفة التنوير الأوروبي، هي في الحكم جوهر التجربة المعتزلية التي نحن بصددها. في هذا التحليل، سنقترب من كتاب "مذهب المعتزلة؛ من الكلام إلى الفلسفة" للباحث العراقي رشيد الخيون، بوصفه تشريحاً لظاهرة "العقل المتمرد" في الإسلام، ذلك العقل الذي تجرأ على تحدي الثوابت، فدفع الثمن غالياً، ثم عاد ليطل برأسه بين الحين والآخر كشاهد على إمكانية أخرى للإسلام غير ذلك الذي تريده السلطات الدينية والسياسية.

اللحظة التأسيسية للمعتزلة، كما يرويها الخيّون، تحمل في طياتها كل دراما الصراع بين التقليد والتجديد. ذلك المشهد الذي اعتزل فيه واصل بن عطاء مجلس الحسن البصري لم يكن مجرد خلاف حول "حكم مرتكب الكبيرة"، بل كان تمرداً على منهج التفكير ذاته. لقد حول واصل السؤال من "ما هو الحكم؟" إلى "كيف نصل إلى الحكم؟"، وهي نقلة منهجية من الإجابات الجاهزة إلى آلية التفكير نفسها.

الأصول الخمسة التي وضعها المعتزلة لم تكن مجرد عقائد، بل كانت بياناً ثورياً:

1-التوحيد لم يكن مجرد إقرار بوحدانية الله، بل كان هجوماً على التصورات التجسيمية التي كانت سائدة، ونزعاً لشرعية الخطاب الديني القائم على الحكايات والأساطير.

2-العدلالإلهي كان في حقيقته إعلاء لمسئولية الإنسان، وبالتالي لنزع القداسة عن الحكام الذين كانوا يبررون استبدادهم بالقدر الإلهي.

3-المنزلة بين المنزلتين كانت ضربة للخطاب التكفيري الذي كان سائداً، وإقراراً بأن العالم ليس أبيض وأسود، وأن بين الإيمان والكفر مساحات رمادية.

4-الوعد والوعيد كان رفضاً لفكرة "الشفاعة" التي حوّلها البعض إلى غطاء للإفلات من المسئولية.

5-الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان دعوة للثورة على الظلم، ولو كان الظالم خليفة المسلمين.

ولادة العقل النقدي

ما يميز تحليل الخيون هو كشفه عن التحول الجذري الذي أحدثه المعتزلة، من النقاش الكلامي التقليدي إلى بناء نسق فلسفي متكامل. لقد حول المعتزلة الأسئلة الدينية إلى إشكالات فلسفية: الله لم يعد مجرد موضوع للعبادة، لقد أصبح إشكالية معرفية (كيف نعرفه؟)، وأخلاقية (كيف نتعامل مع عدله؟)، وأنطولوجية (ما طبيعة وجوده؟).

الخيون يبرز كيف أن المعتزلة، رغم تأثرهم بالفلاسفة اليونان، لم يكونوا مجرد ناقلين، بل كانوا مبدعين. لقد أعادوا تشكيل المفاهيم الفلسفية في بوتقة التوحيد الإسلامي، فخلقوا تركيباً فريداً جمع بين العقلانية الفلسفية والروح الدينية. هذا الجمع بين "العقل" و"النقل" - وإن كان مع تقديم العقل – هو ما جعل تجربتهم أكثر ثراءً من التجارب العقلانية الغربية التي قطعت مع الدين بشكل جذري.

الجزء الأكثر إثارة في تحليل الخيّون هو كشفه للمفارقة المأساوية التي وقع فيها المعتزلة. فبعد أن بدأوا كتيار معارض، تحالفوا مع السلطة في عهد المأمون، ليصبحوا هم أنفسهم سلطة فكرية قمعية خلال "محنة خلق القرآن". لقد تحولوا من ضحايا إلى جلادين، ومن دعاة حرية التفكير إلى مطالبين بالتوحيد الفكري تحت شعار "العقل".

هنا يطرح الخيّون سؤالاً مزلزلاً: هل يمكن للعقل أن يصبح سلطة دون أن يفقد عقليته؟ هل يمكن للتنوير أن يُفرض بقوة الدولة دون أن يتحول إلى ظلامية جديدة؟ هذه الإشكالية ليست خاصة بالمعتزلة، بل تتكرر في كل التجارب التنويرية، حتى في عصرنا الحالي حيث تتحول بعض الخطابات "الليبرالية" إلى خطابات متعصبة لا تقل تعصباً عن التيار الذي تحاربه.

المعتزلة والحداثة

يبرز الخيّون كيف أن أفول المعتزلة السياسي لم يكن نهاية لتأثيرهم. لقد ظلوا كالطيف يحوم حول الفكر الإسلامي، يطلون برؤوسهم في لحظات التحول الكبرى. محمد عبده الذي حاول التوفيق بين الإسلام والعصر، طه حسين الذي دعا إلى قراءة عقلانية للتراث، نصر حامد أبو زيد الذي طبق المناهج النقدية على النص القرآني، كلهم كانوا في حقيقة الأمر يعيدون إنتاج الأسئلة المعتزلية في سياقات جديدة.

لكن الخيون يسائل هذا التأثير قائلا : لماذا ظل تأثير المعتزلة محدوداً؟ لماذا لم يتحولوا إلى تيار رئيسي في الفكر الإسلامي؟ الإجابة عنده تكمن في أن المعتزلة، رغم عقلانيتهم، ظلوا أسرى الإطار الديني. لقد أرادوا أن يكونوا "عقلانيين داخل الصندوق"، فلم يتمكنوا من كسر الصندوق ذاته. هذا التناقض بين الجرأة الفكرية والالتزام الديني هو ما حد من ثورتهم وجعلها قابلة للاحتواء من قبل النظام الفكري التقليدي.

بين النص والسلطة

لقد عاد بي كتاب رشيد الخيون "مذهب المعتزلة: من الكلام إلى الفلسفة" إلى تلك اللحظة الفارقة في تاريخنا، حين كان العقل الإسلامي يحبو خطواته الأولى نحو الاستقلال عن النص، نحو تأسيس رؤية للعالم تقوم على البرهان لا على التقليد.

ما إن يشرع المرء في قراءة تاريخ المعتزلة، حتى يجد نفسه أمام معركة كبرى، معركة لم تكن حول ألفاظ جوفاء أو مصطلحات معقدة، بل كانت معركة حول العقل ذاته. لقد وقف المعتزلة في وجه تيار جارف كان يريد أن يحول الدين إلى طقوس جامدة، وإلى نصوص لا تقبل النقاش ولا التأويل.

كان واصل بن عطاء، ذلك الشاب النابه، أول من أدرك الخطر. لقد رأى بعينيه كيف يتحول الدين إلى أداة في يد السلطة، كيف يصبح النص المقدس غطاءً للظلم والاستبداد. فما كان منه إلا أن اعتزل حلقة أستاذه الحسن البصري، ليبشر برؤية جديدة، رؤية تقوم على خمسة أعمدة:

أولها التوحيد، لكنه توحيد يرفض أن يحول الإله إلى صورة بشرية، إلى ملك جبار يجلس على عرش كما يتخيله العامة. وثانيها العدل، لكنه عدل يجعل الإنسان مسئولاً عن أفعاله، لا دمية في يد القدر. وثالثها ذلك المبدأ العميق "المنزلة بين المنزلتين" الذي أراد أن ينقذ المجتمع الإسلامي من فخ التكفير والتفجير.

لكن التاريخ، كما نعلم، مليء بالمفارقات. لقد تحول المعتزلة من ضحايا إلى جلادين، من دعاة حرية الفكر إلى مطاردي المخالفين. لقد وقفوا مع المأمون في محنته الشهيرة، محنة "خلق القرآن"، فكانوا من أشد المتحمسين لاضطهاد خصومهم، ومن أقسى المعذبين لأحمد بن حنبل وأتباعه.

أليس عجيباً أن يصبح الداعون إلى العقل أدوات للقمع باسم العقل ذاته؟ أليس غريباً أن يتحول المفكرون الأحرار إلى حراس لعقيدة رسمية؟ لقد كشفت محنة خلق القرآن عن تناقض عميق في التجربة المعتزلية، عن ذلك الشرخ الذي لا يزال يعاني منه كل مثقف يجد نفسه بين مطرقة أفكاره وسندان السلطة.

سؤال يطرح نفسه بإلحاح: لماذا فشل المشروع المعتزلي رغم كل ما كان يحمله من وعود؟ لماذا انطفأت تلك الشمعة التي أضاءت عصراً من الزمان؟

لعل الإجابة تكمن في ثلاث كبوات:

أولها أن المعتزلة ظلوا أسرى أبراجهم العاجية، يناقشون قضايا فلسفية معقدة بلغة لا يفهمها إلا الخاصة، فانقطعوا عن عامة الناس. وثانيها أنهم ارتبطوا بالسلطة ارتباط المصير بالمصير، فلما سقطت سقطوا معها. وثالثها أنهم، رغم كل ادعاءاتهم العقلانية، لم يقدموا منهجاً نقدياً متكاملاً يمكنه أن يصمد أمام تيار النقل الذي اجتاح العالم الإسلامي فيما بعد.

 صحوة متأخرة

لكن هل مات المعتزلة حقاً؟ لقد ظن كثيرون أنهم انتهوا إلى غير رجعة، حتى إذا بأسئلتهم تعود من جديد على ألسنة مفكرين معاصرين. لقد حمل لواءهم محمد عبده وطه حسين ونصر حامد أبو زيد والجابري، كل بطريقته الخاصة.

لكن الفارق بين المعتزلة القدامى والمعتزلة الجدد هو أن الأولين كانوا يحاربون في إطار النظام المعرفي الإسلامي، بينما وجد الجدد أنفسهم خارج السرب، يحاربون من الهامش، بل ويحاربون أحياناً من المنفى.

ها نحن نعود بعد كل هذه القرون لنطرح الأسئلة ذاتها: هل يمكن للعقل أن يجد مكاناً له تحت مظلة الدين؟ وهل يمكن للتنوير أن ينتصر دون أن يتحول إلى دجمائية جديدة؟ وهل يمكن بناء حداثة إسلامية لا تكون مجرد تقليد أعمى للغرب، ولا تكون أيضاً مجرد ردة إلى الماضي؟

لعل الدرس الأهم الذي تقدمه لنا تجربة المعتزلة هو أن العقل لا يمكن أن يفرض نفسه بقوة السلطة، وأن التنوير الحقيقي يجب أن ينبع من القاعدة لا أن يفرض من القمة. وأن المثقف يجب أن يظل ناقداً حتى لنفسه، مراقباً لذاته، حريصاً على ألا يتحول من ثائر إلى طاغية، ومن متمرد إلى رجل دين جديد.

***

عبد السلام فاروق

"محيي الدين بن عربي" أكبر مفكر عربي موسوعي في تاريخ الفكر الإسلامي، فقد ساهم استعداده الفطري ونشأته الدينية في إبراز الناحية الروحية عنده في سن مبكرة. فأصبح " الشيخ الأكبر" وصاحب الطريقة الأكبرية للمتصوفين في عصره.

كما تجاوز كونه متصوفاً؛ ليصبح من أرباب الفكر والنظر العقلي؛ فلقب بـ " بن أفلاطون" بعد تردده علي الفيلسوف " بن رشد"، وبعض المدارس الرمزية، حتى نسب له فكرة " الانسان الكامل"، وكانت هذه الفكرة شائعة في الصوفية، لكن بن عربي من تعمق في تحليلها مستعملاً " انعكاس المرآة " كاستعارة فلسفية في قضية الوحدانية.

ولم يكتف بن عربي بكونه الفيلسوف المتصوف؛ ليصبح شاعر الصوفية فقد نظم ديوانه الشعري "ترجمان الأشواق" الذي خصصه لمدح زوجته " نظام بنت الشيخ أبي شجاع الأصفهاني التي عرفها عند نزوله مكة لأول مرة؛ والذي تغني بها بلغة رمزية روحانية تمثلت له في صورة ملائكية كشفت له عن تجليات إلهية؛ ليستكمل أشعاره الصوفية في مؤلفه " فتوحات مكية". فكانت بمثابة التجربة الروحية والوسيط السحري له بين الفكر والوجود وتجلي صور المحبوب المحسوسة في الذهن بالخيال؛ لتصل به إلى مرتبة "الشوق الالهي".

هذا؛ وتتسم كتابات " بن عربي" باللغة الرمزية العميقة التي تضفي على نصوصها التعقيد وتعذر الفهم، مما جعل بعض معاصريه ومريديه يختلفون معه في بعض الأحيان وحتى القراء في كل عصر، فقيل عنه أنه " ظاهريُّ المذهب باطنيُّ الاعتقاد". وكان مبرره في ذلك أن من فسر ألفاظه بالطريقة الصحيحة فهم ما يقصد من رمزيته، وقد حذر من تداول الكتب بين الجهلاء ومن سلم بظاهر تلك الألفاظ دون علم بمعانيها في المذهب الصوفي رأي فيها كفراً.

بيد أنه في تصوري أن هذا التعقيد هو حال التجربة الشخصية العرفانية حينما يكون في حالة الفناء الشامل والاتحاد مع الذات الإلهية، أي في حال "العشق الإلهي" وتمثلاته فلا يفهمها سوى العرفاني ذاته.

من ثم يبرز لدينا تساؤل ملح في هذا الصدد ربما يحيلنا إلى الخشوع في النجوى مع الله سواء في خلوة أو في الصلاة، ألا وهو ماهي حالة العشق والتوق الإلهي، وما نوع الحب الذي يحدث هذا التماهي في مذهب العرفاني؟ وما علاقتها بأنطولوجيا الخيال؟

يُخيل إليّ أن ما نسميه "حباً إلهياً" أو عشقاً عند بن عربي هو مقام حواري يتبادل فيه المحبوب والمحب - الخالق والمخلوق - مواقع التمثل والوجود. ويرى "هنري كوربان" أن للحب مظهران: شوق الخالق للخلق وحنين الحق في جوهره " الكنز الذي لا يعرف" التائق للظهور في الموجودات حتى ينكشف بها ولها. وعلي جانب آخر هو شوق المخلوق للخالق، وهو في الواقع تجليات الله في الكون، والصورة الباطنة لجمال الخالق والتماهي معها؛ فالمشتاق هو نفسه المشتاق إليه رغم أنه ليس هو في تعينه وصورته. فهما ليسا موجودين مختلفين ولكنهما موجود يلاقي نفسه، فينعكس في مرآة على صفحتها الجمال الإلهي، وصورة يتجلى فيها العشق الإلهي. والله تعالى الذي صوره وأوجده.

وهنا يحدث الشوق اللامتناهي الأزلي الذي يشعر به العرفانيُّ من تعرفه بالله، كما يؤكده الشيخ البسطامي في قوله:" إنه شَرِبَ شراب المحبة والهوي فما كلَّ وما ارتوى".

من ثم نجد أنّ المحبة عنده حقيقةً إلهية وسببًا في الظهور والتعرّف، حيث يقول: "إنّ الحب لا يتعلق إلا بمعدومٍ يصحّ وجوده، وهو غير موجود في الحال، والعالم مُحدَث، والله كان ولا شيء معه، فكان الحبّ أصل سبب وجود العالم، فالمحبة مقامها شريف، وهى أصل الوجود عنده. وعليه؛ فقد ظهر ما ظهر في الكون على صورة الله، حيث لم يكن علمه بالعالم إلا علمه بنفسه، فلم يكن في الوجود إلا هو: "وصورة العالم على قدر الحضرة الإلهية أو "الحضرة الخيالية" كدلالة علي المَلكة الوسيطة أو ذلك الخيال الفاعل أو الخلاق الذي له سلطة إضفاء وظيفة الملائكية للموجودات.

وهنا نسأل: ما وظيفة الخيال عند بن عربي وعلاقته بوحدة الوجود أو الذات الفاعلة؟

يؤكد بن عربي على أهمية الخيال في نظرية وحدة الوجود؛ كمصدر خلاق للتجلي، والسبب الفعلي لوجودنا، والوسيط القوي الذي يمكننا من البقاء بحالة تواصل مستمر مع المطلق؛ إذ إن الخيال وسيلة معرفية أساسية في الكون، ويقوم بتحويل المحسوسات إلى صيغتها اللطيفة اللامتناهية، فيتنزل بها الإله ويصعد بالمحسوس في عملية "منازلة" ويصبح الخيال محل اللقاء بين (اللامحسوس الالهي والمحسوس)، وأداة التفاعل بين المرئي واللامرئي، وبين الروحاني والمادي. ويقول ابن عربي في ذلك: " الذي لا يعرف منزلة الخيال، خال من المعرفة".

والمعرفة الحقة عنده هي أي عالم يظهر الحق فيه (إيجادا ووجودا) موضوعياً تحت عناية الطبيعة العامة، فهي تترادف إلى حد كبير مع كلمة عالم أو مرتبة؛ والكونَ يتكون من عالمين أو حضورين: "الغيب والشَّهادة، يقول: "والحضرة حضرتان، وإن كان قد تولد بينهما حضرة ثالثَةٌ منْ مجموعهما؛ فالحضرة الواحدة حضرة الغيب، ولها عالم يقَال له "عالم الغيب"، أنه ثمة عالم ثلاثي يوجد "وواقعياً": إذ بين الكون المدرك بواسطة الإدراك العقلي (عالم العقول الملائكية) والثانية: عالم الشهادة أي العالم المدرك بالحواس. والثالثة: يوجد عالم وسط هو عالم (الأفكار، الصور، والتمثيلات، والأجسام اللطيفة "المادة اللامادية").

وهذا العالم واقعي وموضوعي وأبدي مثل العالم المعقول والمحسوس؛ فهو عالم وسط: "تتجسد فيه الروح ويتروحن فيه الجسد"، يتكون من مادة وامتداد واقعيين؛ ذلك هو العالم الوسط الذي تشكل المخيلة الفعالة موضوعيته ووجوده، إنه موطن التجليات بالنسبة لابن عربي؛ هو المشهد الذي تقع فيه الأحداث الشهودية والحكايات الرمزية في واقعها الحقيقي. هذا هو عالم ابن عربي الذي تكشفت له فيه الحقائق والمعرفة الحقة.

وبناءً علي ذلك أتصور أن قوة الخيال الإنساني لا يمكنها أن تكون تخييلاً عبثياً أو وهماً؛ لأن التجلي نفسه يستمر من خلال الكائن الإنساني وعَبْره في الكشف عما أظهره لنفسه، وتخيله في الأصل والأزل، على حد قول ابن عربي في قوة الخيال المتجلي؛ لأن الخلق مراحل متجددة في سيرورة مستمرة، وتخيل في تخيل، أي تخيل متجدد أيضاً؛ لأن فعل الخلق بنفسه أمر متجدد.

فهذا الخيال الذي به يتجلي الخالق، والذي به كشف عن العوالم، يجدد الخلق من لحظة لأخرى في الكائن الإنساني، الذي كشفه باعتباره صورته المكتملة، التي تظهر له في المرآة بانعكاساته وظله، والتي هي صورة له.

وهنا يتجلى الحديث عن " النور الحق" هو الوجود المطلق الذي يعلن نفسه في الوجود المقيد. هذا النور الَّذي يكون فاعلا في عالم الغيب. فلا موجود بحق إلا الله، ولا موجد بحق إلا هو، والذي يكشف بحق للذات الالهية أعيان الممكنات الموجودة في جوهره. فالنور عنده هو أصل نشأة الكون؛ لأنه أصل الكشف والمعرفة.

يوضح ابن عربي هذه الفكرة قائلا في الفتوحات المكية:" واعلم، أيَّدكَ الله، أنَّ الأمر يُعطِي أنه لولا النور ما أُدرك شئ لا معلوم ولا محسوس ولا متخيل أصلاً. وتختلف على النور الأسماء الموضوعةُ للقوى؛ فهي عند العامة أسماء للقوى، وعند العارفين أسماء للنور المدرك به، فإذا أدركت المسموعاتِ سميت ذلك النور سمعاً، وإذا أدركت المبصرات سميت ذلك النور بصراً، وإذا أدركت الملموسات سميت ذلك المدرك لمساً، وهكذا المتخيلات؛ فهو القوة اللامسة ليس غيره، والشّامة والذَّائقَة والمتخيلَة والحافظَة والعاقلَة والمفَكرة والمصورة، وكل ما يقع به إدراك فليس إلا النّور.

والحقيقة أن "ميتافيزيقا الخيال الفاعل" لعالم التمثلات والصور هو العالم الوسيط بين عالم الغيبيات وعالم الشهادات، أي الوسيط السحري بين الفكر والوجود، وتجسيد الفكر في الصورة، وموقعة الصورة في الفكر فكل حقائق الوجود تتجلي في صورة واقعية فيه، ولما كان كل شيء يظهر للحواس أو للعقل يملك دلالة، فهي دلالة تتجاوز المعطى المباشر للوجود وتجعل من ذاك الشيء رمزاً وإشارة ..

وبالرغم من ذلك؛ فإنّه لا يجب الخلط بين الخيال والفانتازيا، فهي على خلاف الخيال، ولا أساس لها في الطبيعة؛ فالأمر يتعلق هنا بالمجاز، وإعدام الدلالة الموضوعية للموضوع. بينما في التصور العرفاني للخيال؛ فإنه هو ما يطرح شيئاً في الوجود؛ وهو فعل المعرفة ويساهم في خلق الوجود.

وفي الخاتمة أود أن أبوح بصعوبة فكر "ابن عربي" ورمزية تجلياته التي شكلت في وجداني شعور معرفي مختلف بالرغم من قراءتي لبعض مؤلفاته من قبل، لكنها لم تترك أي انطباع عن التصوف سوى خرافات عرفانية. والخلاصة أن الخيال لا ينفصل عن المعرفة، بل تجد المعرفة الصوفية في الخيال مرتكزاً أساسياً. بل إن التصوف الخاص بابن عربي هو الذي حدد مبدئياً القيمة المتفردة للخيال وللمعرفة وينبني على هذا الأساس فكرة أخرى عن الوجود وباب ينفتح على العالم، حيث يمثل الخيال "عالم البرزخ" الذي يقع بين عالم الغيب وعالم الشهادة. وهو ليس مجرد وهم أو خيال زائف، بل هو قوة خلاقة تمكن الإنسان من إدراك الحقائق الإلهيّة وتجلياتها في العالم.

***

بقلم: د. حنان سالم

تفكيك فلسفي للاستبداد في الشرق الأوسط

ارتبطت مفاهيم الحكم في الشرق الأوسط بشكل وثيق بالدين، حيث اعتبر الحاكم "ظل الله على الأرض" أو "الخليفة" الذي يمثل إرادة إلهية. هذا المفهوم الديني منح السلطة المطلقة شرعية مقدسة، وجعل أي معارضة للحاكم بمثابة معارضة للإرادة الإلهية، وهو ما يحد من تطور فكرة المواطنة أو الحقوق الفردية .بشكل متناقض تأثرت الحضارة الإسلامية المبكرة بفلاسفة مثل أفلاطون وأرسطو، لكن غالبًا ما تم تبني أفكارهم بما يخدم السلطة القائمة، على سبيل المثال، تم استخدام مفهوم أفلاطون عن "المدينة الفاضلة" لتبرير الحكم في ظل الحاكم الفيلسوف لكن هذا المفهوم وخاصة كما طرحه الفيلسوف الفارابي، يشير إلى المجتمع المثالي الذي يسعى إلى تحقيق السعادة والعدالة من خلال توجيه الأفراد نحو الفضيلة والمعرفة، و تم تجاهل فكرة العدالة والفضيلة. كما كان للعقلية الرعوية تأثير كبير على فهم معنى السلطة حيث كان ينظر إلى الحاكم على أنه "راعي" الشعب، والشعب هو "قطيعه". هذه العلاقة الأبوية تلغي فكرة الشراكة أو التعاقد الاجتماعي، وتؤسس لعلاقة قائمة على الولاء المطلق والتبعية. الحاكم هنا يمنح العطايا ويحمي الرعية، وفي المقابل، يمتنع الرعية عن المساءلة أو المطالبة بالحقوق. هذه العقلية تشكلت وتغذت من اقتصاديات الريع التي لا تحتاج إلى مساهمة فعلية من الشعب في الانتاج. مع دخول مفاهيم الحداثة إلى منطقة الشرق الاوسط، مثل الدولة القومية والديمقراطية، لم تتغلغل هذه المفاهيم الجديدة بشكل عميق في النسيج الفكري والثقافي لأسس بناء الدولة. غالبًا ما تم استيراد شكل الدولة الحديثة دون مضمونها الفلسفي، وتحولت الدولة الحديثة إلى أداة قوية بيد الأنظمة المستبدة لفرض سيطرتها، مستفيدة من التكنولوجيا ووسائل الإعلام لتكريس الهيمنة الفكرية والسياسية.

الاستبداد في الشرق الاوسط

المقاربة الفلسفية تكشف أن الاستبداد في الشرق الأوسط ليس مجرد ظاهرة سياسية عابرة، بل هو نتيجة لتراكم مفاهيم فلسفية وفكرية عميقة الجذور. هذه الظاهرة تتطلب تغيير عقلية الهيمنة والاستبداد من منظور فلسفي... الذي يتطلب منهجًا فكريًا جذريًا ومنظمًا. حيث لا يمكن أن يتم هذا التغيير عبر حلول سطحية، بل يجب أن يرتكز على إعادة بناء المفاهيم الأساسية التي تشكل الوعي الفلسفي، ويُنظر إلى العلاقة بين الحاكم والمحكوم على أنها شراكة وليست علاقة أبوية أو رعوية. يتطلب هذا نشر الوعي بأن السلطة السياسية ليست هبة إلهية أو حقًا وراثيًا، بل هي تفويض من الشعب قائم على المسؤولية والمساءلة، كذلك التغيير الفلسفي يتطلب بناء مفهوم المواطن الذي يتمتع بحقوق وواجبات متساوية، يشمل هذا التأسيس لفلسفة العدالة التي تُطبق على الجميع دون تمييز، وفلسفة الحرية الفردية التي تحمي حق الفرد في التفكير والتعبير والمشاركة. تتطلب العودة إلى مبادئ ان الأخلاقيات الأساسية في الأديان، مثل العدل والرحمة والكرامة الإنسانية يجب تفريقها عن التفسيرات السياسية التي تستخدمها السلطة، يمكن أن يكون هذا عبر تطوير فلسفة أخلاقية ترتكز على مبادئ إنسانية عالمية.

دور الفلاسفة والمثقفين

الفلاسفة هم من يمتلكون الأدوات المنهجية لـ تحليل ونقد المفاهيم الراسخة. هم من يطرحون الأسئلة الصعبة حول شرعية السلطة، ومفهوم العدالة، ومعنى الحرية، والمواطنة. اما دور المثقفون الرسميون هؤلاء غالبًا ما يكونون جزءًا من آلة السلطة، وظيفتهم هي تبرير الوضع القائم، وتزيين خطاب الاستبداد، وتكريس عقلية الهيمنة بدلاً من نقدها. يخدمون النظام القائم للحصول على مكاسب مادية أو مناصب، ويشكلون عائقًا أمام أي تغيير فكري حقيقي. السلطات بطبيعتها، تقاوم التغيير الفلسفي لأنه يهدد وجودها. تسعى دائمًا إلى الحفاظ على الوضع الراهن وتكريس أدوات الهيمنة. رغم ذلك وفي بعض الحالات، قد تضطر السلطة إلى إجراء إصلاحات سطحية استجابة لضغوط داخلية أو خارجية، وغالبًا ما تحاول تفريغ هذه الإصلاحات من مضمونها الفلسفي العميق. التغيير الفلسفي هو عملية من أسفل إلى أعلى، تبدأ من الأفراد والمثقفين النقديين الذين يزرعون البذور الفكرية في المجتمع.  إذا وجدت هذه البذور أرضًا خصبة، وتجاوزت حاجز "القطيع"، يمكن أن تشكل قوة ضغط على السلطة، وتجبرها على التغيير أو على الأقل التعامل مع المطالب الجديدة، المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على الفلاسفة والمثقفين المستقلين، فهم من يمتلكون القدرة على إحداث هذا التحول الجذري في الوعي، وهو الذي سيؤدي في النهاية إلى تغييرات في بنية المجتمع والسلطة.

تحديات التغيير

في ظل الاستقطاب الحاد، يفقد الفرد هويته المستقلة ليصبح جزءًا من مجموعة أو فريق منحاز أيديولوجيا. الفلسفة يجب عليها ان تُقدم أدوات لفهم الذات والهوية، وتُشجع على التفكير النقدي بدلًا من التبعية. يساهم هذا في بناء أفراد قادرين على التمييز بين آرائهم الخاصة وبين الأيديولوجيات السائدة، الفلسفة ليست مجرد تفكير فردي.  ويجب أن تُصبح أداة لبناء وعي جمعي قادر على مواجهة الأكاذيب والاستقطاب، يتطلب إعادة تعريف دور المثقف من مجرد ناقل للمعرفة إلى محفز للحوار ومنظم للفعاليات الفكرية، واستبدال ثقافة الجدال والصراع بثقافة الحوار الفلسفي القائم على الاستماع والفهم من خلال البحث عن أرضية مشتركة تساهم في تجاوز الانقسامات الأيديولوجية وتمكن الأفراد من التعاون لحل المشاكل المشتركة.

التراث الفلسفي بعيون النقد

إعادة قراءة التراث بعيون نقدية ومعاصرة يمكن أن تُقدم أدوات فلسفية قوية لمواجهة تحديات الحاضر، كما تُساعد في بناء وعي جديد يتجاوز ثقافة الاستهلاك والاستقطاب، هذا التراث الفلسفي، بالرغم من أنه قدم أُطُرًا قوية لم يجد أرضًا خصبة للتطبيق العملي، اذ كان الواقع السياسي السائد هو حكم السلاطين المُطلق، وهو ما كان يتعارض مع المُثل الفلسفية للعدالة، والعقلانية، والمدينة الفاضلة. كان هدف الحكام في ذلك الوقت هو الحفاظ على السلطة، وليس تطبيق مبادئ مثالية أو ديمقراطية، لم يكن عامة الناس جزءًا من هذا الخطاب. هكذا خلقت فجوة بين الطبقة المثقفة والجماهير، مما منع أي حراك اجتماعي واسع من أجل التغيير، كما قوبلت العديد من هذه الأفكار الفلسفية، خاصة تلك التي أكدت على العقل فوق التفسيرات اللاهوتية الصارمة، بمقاومة قوية من علماء الدين التقليديين. هذا الرفض غالبًا ما أدى إلى تهميش أو حتى اضطهاد الفلاسفة، مما قلل من تأثيرهم. مصير أعمال ابن رشد، التي تم حظرها وحرقها في بعض الأماكن، هو مثال صارخ على ذلك. إنها تمثل رواية مضادة ونقدية للخطاب السياسي السائد في عصره. إنها سجل لوقت كان فيه المفكرون في المنطقة يتصارعون مع أسئلة جوهرية حول السلطة، والعدالة، والمجتمع المثالي. في بداية القرن العشرين برز مصطلح الهيمنة الثقافية الذي صاغه الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي* مصطلح "الهيمنة الثقافية "الذي يشير إلى الطريقة التي تحافظ بها الطبقة الحاكمة على سيطرتها، ليس فقط من خلال الوسائل السياسية أو الاقتصادية والقمعية، ولكن أيضًا من خلال السيطرة على الثقافة والمفاهيم الفكرية السائدة في المجتمع. وبعبارة أخرى، هيمنة ثقافة معينة على ثقافة أخرى في جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. (“فهم الهيمنة الثقافية: قوة مهيمنة في تشكيل المجتمعات”) يرى غرامشي أن السيطرة لا تتحقق بالقوة والإكراه فقط، بل أيضًا من خلال قدرة الطبقة الحاكمة على فرض أفكارها وقيمها على المجتمع ككل، بحيث تبدو هذه الأفكار "طبيعية" و"بديهية" بالنسبة للجماهير. كما ان غياب ثقافة سياسية مدنية قوية، وافتقار الشعب إلى الوعي الفلسفي والسياسي الضروري للمطالبة بالحقوق والحريات جعل الناس يتجنبون التعبير عن آرائهم.

***

غالب المسعودي

........................

* أنطونيو غرامشي (1891-1937) مفكرًا سياسيًا، ومؤلفًا إيطاليًا. ويُعد من أبرز الفلاسفة السياسيين في القرن العشرين. وُلد في 22 يناير 1891 في مدينة أليس في سردينيا بإيطاليا لعائلة متواضعة. عاش طفولة صعبة بسبب الفقر والمرض، حيث أُصيب بمرض في عموده الفقري أدى إلى تشوه جسده وجعله يعاني من قصر القامة وآلام مزمنة طوال حياته. وعلى الرغم من هذه التحديات الصحية، كان غرامشي طالبًا متميزًا، واستطاع الالتحاق بي كلية الآداب بجامعة تورينو، حيث درس الفلسفة والتاريخ. وعمل ناقدًا مسرحيًا في عام 1916م.

من أخطر ما يواجه الإنسان في هذا العصر المتسارع هو الوهم الذهني الذي يعشش في العقول والقلوب، فيحول نظرتنا إلى الآخرين إلى صور نمطية وأطر مغلقة نعيش داخلها وكأنها حقيقة مطلقة. ولعل هذا الوهم يتجلى أكثر في علاقتنا بالمشاهير والمؤثرين الذين لم يعودوا مجرد أشخاص يقدمون موهبة أو حرفة، بل أصبحوا رموزاً ذهنية تحاصر وعينا وتستحوذ على مخيلتنا وتستهلك من تفكيرنا وطاقتنا. نحن نصنع لهم في داخلنا مكانة ضخمة، نتابعهم بشغف وننساق وراء ما يعرضونه وكأنهم المقياس الأوحد للحياة الناجحة والسلوك القويم.

يميل الإنسان بطبيعته إلى من يشبهه أو يلتقي مع قناعاته، وهذا الميل مشروع في جوهره، لكنه حين يتحول إلى انجراف لاشعوري، فإنه يفقدنا القدرة على التمييز والنقد ما بين الغث والسمين، ما بين الغالي النفيس والرخيص. فنحن لا نكتفي بمتابعتهم بل نبني لهم في وعينا قصوراً مثالية، ونضعهم في منزلة القدوة المطلقة التي لا تخطئ ولا يطالها النقد والتقييم. هنا تتشكل الصورة الذهنية التي تكون في الغالب أقوى من الواقع نفسه، فنرى ما نريد أن نراه لا ما هو موجود بالفعل والحقيقة، ونصنع أبطالاً ورموزاً من ورق ثم نسلم لهم عقولنا وقلوبنا بلا مقاومة أو تمحيص.

هذا الانسياق له أثر عميق على الفرد والمجتمع معاً. على مستوى الفرد، يذوب الإنسان في دائرة الإعجاب فيفقد استقلاله الداخلي وحسه المرهف ووجدانه ومشاعره، ويتأثر بقرارات وسلوكيات لا علاقة لها بمسار حياته أو أهدافه الحقيقية. وعلى مستوى المجتمع، تتحول الساحة العامة إلى صدى متكرر لما يقوله هؤلاء المؤثرون، فتغيب القضايا الجوهرية لحساب التوافه، ويحل اللمعان السطحي مكان الفكر العميق والرؤية الأصي، ويظهر العديد المتعصب المقيت وردود الأفعال التي تصل إلى الكراهية والعداوة الشرسة التي تفرق ما بين الأفراد أنفسهم وما بين الجماعات كذلك.

التحرر من هذا الوهم يبدأ حين نعيد الاعتبار للقيم التي نؤمن بها والأفكار التي تبني وتعمر وتشيد. فالإعجاب مشروع، لكنه لا يكفي وحده ليجعل من شخص ما قدوة يحتذى بها. ما ينبغي هو أن نخضع كل ما نراه ونسمعه إلى ميزان نقدي داخلي يستند إلى المبادئ والأخلاق والأفعال التي تسير وفق رؤية المنفعة والمصلحة التي تترك أثراً جلياً وبصمة منيرة ومضيئة، وأن نميز بين ما هو أصيل يضيف معنى وقيمة إلى حياتنا وما هو زائف لا يترك سوى لمعان عابر وصورة هلامية كأنها السراب الذي يلمع في شمس حارقة لا يلبث أن يختفي أثره عند الاقتراب منه. فالمعيار الحقيقي ليس حجم الحضور الرقمي ولا عدد المتابعين ولا المعجبين، بل الأثر الذي يتركه الشخص في وعينا وسلوكنا وتوجهاتنا التي نؤمن بها ونعتبرها نبراساً لحياتنا وطريقاً سالكاً لها.

إن العالم الرقمي اليوم يغري بالكثير من ضابية رؤيتها ضعيفة ونورها باهت. ما يلمع ليس بالضرورة ذهباً، وكثير مما يبدو ضخماً ولامعاً قد يكون هشاً وزائلاً. بينما ما هو صادق وعميق قد لا يجد بريق الإعلام، لكنه يرسخ أثره في النفوس عبر الزمن. من هنا تبرز الحاجة إلى وعي يقظ يعيد للعقل استقلاله وللقلب حريته، فلا ينقاد خلف الصور الذهنية المضللة، بل يزنها بميزان البصيرة.

ولعل الموقف الاجتماعي لكريستيانو رونالدو شاخصاً حين تخفى في هيئة رجل عجوز يرافقه كلبه، ولعب بالكرة بمهارات استثنائية لم يلتفت إليها أحد. حتى الأشخاص الذين حاول أن يلاعبهم ويتبادل معهم الكرة لم يتجاوبوا معه كثيراً، بخلاف طفل صغير انجذب إلى اللعبة، فوقع له النجم العالمي على الكرة. بعدها كشف رونالدو عن شخصيته، فلم يتمالك الجمهور الموقف حتى اندفعوا للتجمع حوله في مشهد يستحق التأمل والتفكر. هذا الموقف يدل على أن الصورة الذهنية المرتبطة بالشهرة والمكانة والمال أكثر حضوراً في أذهان الناس من الموهبة أو المشاركة والتفاعل الإنساني. إنها نمطية الصورة والخيال الوهمي في نفوسنا، مما يعني أن الناس مولعون بالبريق الظاهري للشهرة والثراء أكثر من التقدير للمواقف الإنسانية والاجتماعية. تخيلوا كم شخصاً تجمع عندما عرف أن هذا الرجل المجهول الموهوب هو نفسه النجم الذي نكن له كل الاحترام والمحبة في نفوسنا.

وهناك مشاهد ومحطات عديدة تعج بالنمطية وأسر الوهم الذهني الذي نعيشه ونرتضيه منهجاً وطريقاً لحياتنا، وكأن وسائل التواصل الاجتماعي ترسخ في الأذهان قوة النجومية وبريق الشخصيات التي يظهر حضورها، حتى باتت ترى وكأنها الملاذ والحصن الذي يمتطي به المرء جواده ليسير في دروب الحياة.

لسنا ضد الإعجاب ولا ضد الاحتفاء بالمواهب، بل نحتاج إلى الإعجاب الصادق الذي يحرك فينا الطموح ويغذي الإبداع. ويزرع فينا القيم والأفكار الإيجابية التي تسهم في بناء قوتنا وتشيد حاضرنا ومستقبل أبنائنا، لكن الخطر يكمن حين يتحول هذا الإعجاب إلى عبودية فكرية تقيد وعينا وتغلق علينا أبواب النقد ورؤية الطريق السليم الموصل إلى أهدافنا وأحلامنا التي نعيس من أجلها. الطريق إلى التحرر يبدأ من لحظة وعي ندرك فيها أن العقل ليس مسرحاً أو مجالاً للوهم ولا القلب مزرعة للأهواء والضلالات الزائفة، إنهما أمانة ينبغي أن نصونها ونحفظ مكانتها وسر وجودها، وأن نختار ما نغرس فيهما بوعي وحكمة، بعيداً عن التيار الجارف للأوهام الذهنية والفكرية.

بهذا فقط نستعيد استقلالنا الداخلي، ونبني رؤيتنا الخاصة للعالم، ونتحرر من سطوة الصورة النمطية التي صنعناها بأيدينا. فالإنسان الحر هو الذي يرى الحقيقة كما هي، لا كما يرسمها الوهم في مخيلته وعقليته، ويختار قدوته بميزان القيم لا بلمعان الشهرة والمال والمكانة، وبذلك يصبح قادراً على أن يعيش حياة أصيلة تتجاوز حدود الزيف إلى آفاق النور والوعي.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

1-9-2025

دعونا نبدأ من مشهد يتكرر في قاعات الفلسفة ومنابر القانون، مشهد يطلّ علينا هذه الأيام بوقع أشدّ مرارة وإلحاحًا. أستاذ يضع أمام طلابه معضلة تكاد أن تُحاكي رعب الواقع: طائرة مكتظة بالركاب، اختطفها إرهابيون، وهي تتجه نحو هدف محتمل. هل يضغط القائد على زر إسقاطها ليُنهي حياة الأبرياء على متنها، أم يتركها تمضي إلى مصير قد يخلّف كارثة أعظم على الأرض؟ ليست المسألة تمرينًا أكاديميًا أو لغزًا فلسفيًا للتسلية، بل هي صورة مُكثفة لعالم يترنّح على حافة الهاوية، حيث تُصنع القرارات في لحظات خاطفة، وتزن العواقب بأثقال تَعدِل جبالًا.

في صمت قمرة القيادة المعبّأ بالذعر، يقف السؤال معلقًا مثل مقصلة على أعناق الضمائر: هل يُضغط الزر؟ هل تتحوّل الطائرة إلى تابوت من نار وحديد، أم تُترك لتجري نحو مصير ربما أشد فظاعة؟ هذه ليست لعبة أذهان، بل ارتجاج أخلاقي لعالم فقد بوصلته. الفلاسفة ينقبون في نصوصهم، والفقهاء يلوكون مصطلحاتهم، غير أن الجواب يظل هاربًا في عتمة طبيعتنا البشرية.

إننا لا نتحدث عن طائرات وإرهابيين وحسب، بل عن هشاشة التعايش الإنساني، وعن خوف يتزيّى بثوب "مصلحة الدولة"، وعن الشك الذي يتسلل ليلوث أبسط العلاقات. السياسة الدولية ليست إلا رقعة شطرنج حيث تُدار حيوات البشر كقطع صغيرة، تُضحى بها في رهان على ورقة مجهولة. العدو لم يعد يرتدي الزي الرسمي؛ بل صار يتخفّى بين الحشود، يتكاثر من رحم اليأس، ويذوب في تشققات المجتمعات. كيف تُبنى أسوار للأمن في وجه خصم لا مرئي، يتبدّل باستمرار ويتغذّى على الاحتقان؟

أما الاقتصاد، ذلك الإله الذي يقدسه العصر، فيرتجف من أقل اهتزاز. الأسواق تهوي، الأسعار تلتهب، والعمل يتبخر كما يتبخر السراب في الصحراء. الأمن الذي كان مرادفًا للطمأنينة صار وحشًا بألف رأس، يطلب المزيد من التضحيات، ويقايض الحرية بأوهام الأمان. والتكنولوجيا، التي وعدت بطمأنة البشرية، صارت سيفًا ذا حدين: طائرات مسيّرة، مراقبة جماعية، وذكاء اصطناعي قادر على أن ينقذ، لكنه في الوقت ذاته يمهد لرقابة وقمع غير مسبوقين. أين يتوقف الخط الفاصل بين الحماية والاستعباد؟

النفعية، بحساباتها الباردة للمنافع والخسائر، تدعونا لاختيار الأقل ضررًا. لكن التاريخ يحذرنا: كم من مرة برّر هذا المنطق فظائع لا توصف باسم "الصالح العام"؟ كم من إبادة وتطهير ودكتاتورية اتكأت على هذه الذريعة؟ حين تُختزل الضمائر في أرقام، يتحول الإنسان إلى مجرد وسيلة، وتذبح الكرامة فوق مقصلة المصلحة.

في المقابل، ترفع الديونتولوجيا صوتها: هناك حقوق غير قابلة للمساومة. الحق في الحياة، الكرامة الإنسانية، الحظر المطلق للتعذيب… مبادئ لا تنكسر حتى في أحلك الظروف. لكن، هل تكفي صلابة الأخلاق حين يطرق الشر الأبواب؟ الصرامة قد تشلّ الفعل كما تشلّه الجريمة، والتاريخ يخبرنا أن اللامبالاة لا تقل فتكًا عن الفعل الآثم.

أما العقد الاجتماعي، كما صاغه هوبز ولوك، فيعيدنا إلى أصل الاجتماع البشري: تنازل عن بعض الحريات مقابل حماية الدولة. لكن، ماذا لو أصبحت الدولة ذاتها تهديدًا؟ أية حقوق تبقى حين يُكسر العقد؟

ثم يطلّ رولز بنظريته في العدالة التوزيعية: كيف يُبنى مجتمع عادل فيما تتفاقم اللامساواة؟ كيف تُحفظ كرامة الضعفاء وسط طوفان الامتيازات والهيمنة؟

العولمة زادت الأمر تعقيدًا؛ قرار في أقصى الأرض يترك كوارث في طرف آخر. أزمات المناخ، جائحة كوفيد-19، حرب أوكرانيا… كلها شواهد على أن ترابط العالم يفرض أخلاقيات جديدة قائمة على المسؤولية العابرة للحدود.

في غرف الزعماء، وفي أروقة الأزمات حيث تُصاغ قرارات تمسّ ملايين الأرواح، يرنّ صدى هذه المعضلة. وعلى منصات التواصل، تُخاض حرب أخرى: كلمات كالرصاص، تعليقات مشبعة بالكراهية، وانحسار التعاطف في بحر من الغضب. القناع الرقمي حرر الألسنة لكنه حرّر معها وحشية كامنة، حتى بتنا جلادين افتراضيين لأنفسنا وللآخرين.

نحن لسنا شهودًا صامتين على انهيار العالم، بل مهندسون لمستقبل لم يُشيّد بعد. الشك قد يقودنا للتساؤل، لكن التعاطف قد يقودنا للفهم، والعدالة يمكن أن تلهمنا أن نتمسّك بالكرامة الإنسانية كآخر حصن لنا. هناك، في قلب هذه المقصلة الأخلاقية، يظل سؤالنا معلقًا: كيف نصنع غدًا لا يُسحق فيه الإنسان تحت عجلات الضرورة، ولا يُضحى به على مذبح الخوف؟

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

في المثقف اليوم