قضايا

يعتقد المؤمنون بالجبرية اعتقادا فلسفيا او دينيا بان جميع أفعال الانسان ومقادير الكون كلها خاضعة للقدر، وان الانسان مسير ليس له قدرة الاختيار، او التأثير في تصرفاته او صناعة مستقبله بمعنى وضع (نفي الاختيار الانساني)، وعليه فان مسؤوليته عن أفعاله منتفيه ما دام ليس له قوة الاختيار، انما يحصل الفعل ذاك بإرادة خارجة عن ذاته، وتنسب أفعال الانسان عند الملتزمين بالجبر انها من الله تبارك وتعالى وهي تجري ضمن سنن الخلق التكوينية ويقرر هذا المسلك نفي قدرة الانسان على اكتساب الأفعال لأنه لا يملك إرادة مستقلة فلا يكون له كسب من أفعاله لكنه مسؤول عن سلوكه عقابا (الحساب الإلهي) على افعاله  وهنا يظهر ان في فقه الجبرية اشكال في عدالة الحساب والعقاب المنزه عنه الباري، طالما الانسان لم يخلق افعاله .وهذه النزعة هي النقيض لنظرية (حرية الإرادة) ويرى باحثون ان اصل هذه النزعة يعود الى الفكر التلمودي وانها تسربت الى الفكر الإسلامي في بواكير زمن الدولة الاموية قيل  ان من دعاتها الجعد بن درهم وابان بن سمعان ومنها صارت الفرقة الجهمية . والجعد بن درهم من الموالي من أهل الشام، وهو مؤدب مروان بن محمد الخليفة الأموي وهو شيخ الجهم بن صفوان الذي تنسب إليه الطائفة الجهمية اما بيان بن سمعان التميمي النهدي فهو من الغلاة، وإليه تُنسب الطائفة البيانية.

لقد وضع الاشاعرة في أصول الإسلام مبدأ الايمان بالقضاء والقدر في أصول الدين فصير هذا مستندا للاعتقاد بالجبر لأنه من الفهم السلبي للدين، ويتفرع عن القول بالجبرية  ان الانسان عاجز عن القيام باي شيء غير ما يقوم به فعلا، وعليه فهناك مبرر للتخلي من مواجهة التحديات، لأنه يعتقد انه لا مفر منها، ويقال ان بعض المذاهب الفلسفية الهندية ترى ان تناسخ الأرواح هو الأصل في الأيمان بالقضاء والقدر والجبرية ويرون ان الاحداث  والافعال حاصلة حتما  وان المستقبل مرسوم  مما يدعى بالحتمية  أي (عدم جدوى الإرادة الانسانية) فيكون من الوهم التخطيط البشري لمستقبلهم، ولا بد من تقبل احداث المستقبل المرسومة (الحتميات التاريخية)، فالمعرفة مهما بلغت لا تستطيع التنبؤ بالمستقبل طالما ان للطبيعة قانون قهري وان الله هو الذي يخلق أفعال الناس كما يخلقها في الجمادات انما تنسب الأفعال الى الانسان مجازا لانها من الله ولعل دوافع القول بالجبر والاعتقاد بملازماته تنبع عن

من الناحية السايكولوجية الرغبة في رفع المسؤولية عن الفرد، وتبرير (الحرية السائبة) للفرد عن أفعاله وعدوانه وسلوكه السلبي المدمر، وعلى المستوى السياسي ترى سلطات الاستبداد ان هذه النزعة رؤية فلسفية مطلوبة لأنها تقلل من الثورات ضد الحكام الجائرين  لذلك تم ترويج هذه المفاهيم في أوائل زمن الدولة الاموية ليبرروا السياسات القهرية الاجرامية والتنكيل والبطش التي كانت الميزة الرئيسة لدولتهم وتصلح نظرية الجبر وهي سلطة معرفية لإخماد كل الاحتجاجات التي تزعزع عروشهم (1) وهذه النزعة وان بدت من صنع الأنظمة الوراثية الاستبدادية الا انها  سرعان ما تمددت الى  المجال الفقهي واثرت على مجموع العقائد والأصول لاسيما عند من اعلنوا مولاتهم للسلطة الحاكمة، ويذكر ان الامام مالك اعلن بطلان بيعة الإكراه للمنصور لما سألته الناس عن مدى شرعية الالتحاق بمحمد ذو النفس الزكية، وحديث ان الله رفع القلم عما استكرهوا عليه لايعنى رفع المسؤولية عنه انما رفع ما يترتب على الاكراه  من الطاعة  وكان ملوك بني امية اول من دعوا الى القول بالجبر وشجعوا اعراب الرواية على الكذب على رسول الله (ص) واعقبهم العباسيون على هذا المنوال الا المامون

يقول د . سامي النشار - كان معاوية يعلن الجبر في الشام، ونقل قوله (ان لم يراني الله اهلا لهذا الامر ما تركني واياه فإنما قاتلتكم لا تامر عليكم (2)..) وعلى فكرة الجبرية نصب ابنه يزيد ملكا على المسلمين فلما اعترضت عائشة اجابها ان أمر يزيد قضاء من القضاء وليس للعباد الخيرة من امرهم (3). ومن معطيات الجبر في المجال السياسي

أ/ اجبار المسلمين على بيعة صورية لأي مستول على السلطة جبرا واكراههم على الإقرار بشرعية السلطة المتغلبة المستبدة

ب/ شيوع عقيدة ان الله هو خالق أفعال العباد كيفما كانت، تلك العقيدة التي قبلها من اهل السنة بعض الاشاعرة، ومن ذلك ما قاله ابن بطال القرطبي في شرح  البخاري ان (الفقهاء مجمعون على ان الامام المتغلب طاعته لازمة)

ج/ان الخط العام للفكر الجبري وامتداداته في الكلام الاشعري يوجب على الناس ان يتركوا السياسة وشأنها ويكتفوا بثمار الثروة وعلى العلماء ان ينشغلوا بالعلم بعيدا عن الاحتكاك بالسلطة او توجيهها او تغييرها ولقد استقرت مفاهيم الجبرية في العقل العام حتى القرن الرابع الهجري ومنها ما اعتبره الاشاعرة ايدولوجية مقابلة لنظرية  حرية الانسان واختياره عند المعتزلة فقالوا ان العبد غير قادر ان يخلق افعاله انما له الكسب فقط، فاذا أراد الانسان فعل امر ما، فان الله تعالى يخلق له القدرة على ذلك الفعل (4)

ومن أنواعها  الجبرية السياسية ويراد بها اثبات شرعية زائفة للحاكم المتسلط على الرغم من عدم  اختياره من الامة، وتبرير الإذعان لأمره، والتسليم ببيعة الاكراه دون التدقيق في حقيقتها، والمقصود ان يسلس انقياد الامة لحكام الجور وإشاعة عدم جدوى النقد السياسي للجائرين والمتغلبين  ومحاسبتهم    وتشكيل وضع قانوني ( لفقهاء البلاط) لتبرير امارة التغلب والاستيلاء الغاصب للسلطة لوصفه عندهم  انه (جزء من القدر الحتمي ) فيكون المستبد خارج المحاسبة والتقاضي، وتقبل الظلم الذي ينتجه الاستبداد ولكن بأدوات دينية مبررة بنصوص شرعية ومن الاستبداد توريث السلطة للأبناء ببيعة صورية  والخلاصة ان النزعة الجبرية أسهمت في :

- تبرير الاستبداد السياسي والدولة المتغلبة غير الشرعية ودعت الى طاعة الحاكم مطلقا وحرمت انتقاده ومحاسبته وعزله لأنها تشيع ان السلطان (قدر من الله) فلا يجوز الاعتراض عليه لأنه قضاء الهي فصارت الطاعة للحاكم واجبا دينيا

- نزع المسؤولية عن الظالم والفاسد لاعتقادها ان المظالم الاجتماعية من اقدار الله التي لا ترد ولان الله فرض على الناس الرضا بالأمر الواقع تحت طائل الايمان بالقضاء والقدر

- انهاء روح المعارضة وجهود الإصلاح والترقية السياسية والاجتماعية، وانهاء (المعارضة السياسية) واعتبارها خروجا عن الدين بحجة ان ذاك يخدم الاستقرار

- إضفاء القداسة على النظام الاستبدادي للربط بين القدر الإلهي والشرعية السياسية للمستبد

- اضعاف مفهوم المسؤولية الأخلاقية والسياسية وتلاشي مفهوم المحاسبة السياسية لان الاعتقاد ينص على ان كل شيء مكتوب

- تراجع قيمة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في الشأن السياسي وتحجيم الفكر النقدي وضعف مفهوم الحرية العقلانية النقدية ليتاح للسلطة الهيمنة

ونلاحظ ان التيار المضاد للجبرية هو تيار المعتزلة الذي جعلوا العدل احد اهم عناصر منظومة أصول الدين عندهم وجعلوا الامر بالمعروف من اهم ركائز العقيدة الاعتزالية وتوسط اغلب الاشاعرة بين نظرية حرية الإرادة والاختيار وبين الجبرية فابتدعوا نظرية الكسب، واتفق الشيعة الامامية مع المعتزلة في هذا الصدد ان الجبرية نظرية تفضي الى دولة استبدادية دكتاتورية تحكم باسم الله ولا تراعي أي قيمة من قيم الحقوق السياسية للفرد والجماعة.

***

ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد

..................

(1) الاشعري: مقالات الإسلاميين ص279/ الشهرستاني: الملل والنحل 1/87

(2) النشار: نشأة الفكر الفلسفي في لإسلام 1/231

(3) ابن قتيبة: الامامة والسياسة 1/ 127

(4) عضد الدين الاليجي: الموافق 3/214

 

من حرية المعتزلة الى جبرية المتوكل

قراءة الذات، وقراءة الواقع، وجهان لعملة واحدة، ففي الوقت الذي تعمد فيه إلى قراءة النص إنما تستجلي في الوقت نفسه قراءة الواقع، إذ لا ريب أن هناك أسئلة ملحة يطرحها علينا الواقع، ولا نجد لها إجابات مقنعه، نتوجه بفزعنا إلى التراث المخزون الذهني والوجداني لعله يسعفنا في الإجابة عن مشكلات الحاضر واستشرافات المستقبل.

ولا ريب أننا حين ننطلق لتوجيه أسئلتنا للتراث، لا ننطلق ونحن صفحة بيضاء، بل نعبر عن مواقف فكرية محددة. وفي ضوء هذا لا وجود لموضوعية مطلقة أبدًا لقراءة التراث، وليست هنالك قراءة بريئة أو محايدة، إذ كل قراءة إنما هي منحازة على نحو من الأنحاء.

وأحسب من زاوية أخرى أن هنالك تقابلًا واضحًا بين النص والواقع، ونحن في حقيقة الأمر لسنا سوى تناصات مختلفة ومتعددة للنصوص المقروءة الحاضرة والماضية، وفي الوقت نفسه تناصات لأحداث في الواقع، صحيح أن هذه التناصات للواقع وللنصوص ليست متماهية معها تمامًا، بمعنى أن الذات القارئة لا تستقبل النصوص والواقع استقبالًا سلبيًا، بحيث تستسلم لهما دون فرز أو مناقشة رفض أو حوار قد تقبل وقد ترفض، وفي مجمل هذه العملية يتكون الإنسان.

ولذلك فالإنسان العربي يتم تشكيله بكيفية تختلف تمام الاختلاف عن الإنسان الياباني عن الأوروبي بسبب اختلاف النصوص واختلاف الواقع.

وفي الوقت الذي كنت أقرأ فيه المعتزلة لم أكن أقرؤها منفصلة عن سياقاتها التاريخية والاجتماعية، نعم إن للمعتزلة وجودًا حقيقيًّا هناك في التاريخ والواقع الاجتماعي العباسي، وأنا أحاول إحضارهم من ذلك الوجود لأتحاور معهم وأنا هنا في تاريخ آخر، وواقع اجتماعي مختلف، وأطرح عليهم أسئلة ملحة ومحرجة في الوقت نفسه.

وليس من المخاتلة أنك حين تقرأ المعتزلة لا تستدعي الوجود الفكري المصاحب مؤيدًا أو معارضًا الأمر الذي كان يستحضر معه الشيعة، والأشاعرة والفلاسفة.. إلخ، وتستحضر في الوقت نفسه مؤسسات دينية واجتماعية سياسية كثيرة.

وأستحضر المحن التي تعرض لها المفكرون، محنة خلق القرآن، وما عانى منها الناس، ومن ثم محنة التخلف التي أرساها المتوكل، والتي لا تزال تعصف حتى الآن بكل محاولات التطور والتقدم، مما يدفعني إلى القول بأن المتوكل لا يزال يحكم العالم الإسلامي وهو في قبره

ولقد كنت في حالة انفصال عن الذات واتصال، انفصال عنه كونه يبتعد عنى وجودًا " بالمعنى الاجتماعي والتاريخي" واتصال به كون النص له وجود مادي أتفاعل معه، ويحدث حوار ونقاش وجدل، وكنت أجد في التراث الاعتزالي قيمًا تجاوزت عصرنا بالعمق والأصالة والابتكار، بل إنني أستطيع القول أننا متأخرون قرونًا عن الفكر الاعتزالي على كافة المستويات المعرفية والفكرية والاجتماعية.

ولذلك كنت أؤكد أن القراءة مولدة للمعاني وكاشفة للصور التي يتضمنها العالم والنص، ومن ثم فإنها تعيد إنتاج المقروء فكأن المقروء -عالمًا أو نصًّا- موجودًا، ويصبح بعد القراءة موجودًا آخر، لأن القراءة ليست نقلا للمقروء، أو إحضارًا له، وإنما يضفي القارئ على المقروء رؤيته، وذاته، وخصوصيته، ويتولد من العلاقة بينهما مركب جديد، ليس هو المقروء تمامًا، وليس هو القارئ بما هو عليه، وإنما هو مركب منهما معا بكيفية خاصة، ولذلك تتفاوت القراءات لاختلاف القراء، وكأن المقروء ثابت قبل القراءة، وتتغير صورته ومعانيه ودلالاته بفعل عملية القراءة التي ترتبط بخصوصية القارئ ورؤيته.

ويمكن القول تجاوزًا إن النص قبل القراءة يعرف استقرارًا نسبيًّا في دلالته ومعانيه، ولكنه، في الحقيقة، استقرار متوهم، إذ لا وجود حقيقي للنص إلا في أثناء قراءته، نعم هناك وجود موضوعي فيزيفي للنص خارج الذات الإنسانية، متمثلا في الكتب التي أنتجته، أو تقرؤه، ولكنه وجود هامد، أما وجوده الفعلي فهو يتحقق عبر قراءته.

وليست هناك قراءة صحيحة وقراءة خاطئة، وإنما هناك قراءة ممكنة يحتمل النص دلالاتها ويعكس القارئ رؤيته ومواقفه من خلالها، وهناك قراءة غير ممكنة، لعدم احتمال النص دلالتها، وبخاصة القراءة الإسقاطية.

وكنت أتبنى القراءة الفاعلة التي تؤكد أهمية تاريخية المقروء، بمعنى أنها تنفي المعايير والأحكام المسبقة القائمة على أساس ديني، أو مذهبي، ومحاولة تأمل أي ظاهرة في إطار سياقها التاريخي والاجتماعي، أي قراءة النص بوصفه موجودًا هناك في الماضي، وأن وجوده محكوم بسياقات معرفية وتاريخية واجتماعية، وأن اجتزاءه عن سياقه تعني قراءة ناقصة ومشوهة له.

إن التراث جزء من بناء معرفي أشمل، وجزء من منظومة، وينبغي فهمه في إطار منظومته، وإن إخراجه عن منظومته يعني فهما مخلا لطبيعته وماهيته.

وإن فهم التراث بوصفه موجودا هناك في إطار سياقه التاريخي لا يعني بالضرورة أنه منفصل عن القارئ، إذ يمكن تأمله وفهمه وإدراك دلالاته.

ففي القراءة الانطباعية الانفعالية التي تصدر أحكاما مسبقة على الأشياء وتقيم قراءة تتأسس على عقلانية منهجية تؤكد أهمية النظر، وتعلي من شأن التحليل والتعليل.

وليست هناك أسئلة تلح علي فحسب وإنما كانت هناك طموحات ورؤى وأماني كنت أتمنى حدوثها أو تحقيقها. لعل أبرزها كيف يمكن أن تستثمر هذا التراث العقلاني في حياتنا الفكرية والسياسية والاجتماعية على المستوى الأمثل.

وكيف ننتقل من الأحكام المسبقة القائمة على نفي الآخر ذهنيًّا وجسديًّا، إلى أحكام عقلية منهجية تقبل الآخر وتتحاور معه تمامًا كما كانت في الماضي، إذ يتعايش ويتحاور أصحاب الملل والأفكار، حتى الملاحدة كان لهم حضور في المشهد الثقافي، ولذلك ألف ابن الخياط المعتزلي كتابًا في الرد على ابن الراوندي الملحد!

ولعل مفهوم الصرفة الذي أرساه إبراهيم بن سيار النظام المعتزلي هو واحد من أكثر الأفكار جرأة وجسارة في كيفية النظر لإعجاز القرآن! سواء اتفقنا معه أم اختلفنا وإياه، فهو يرى ان الانسان قادر على ان يجيء بمثل ما في القرآن، ولكن الله صرفه عن ذلك

وأخيرًا كيف يمكن استبدال المعايير الانطباعية التي تحكم الحركة النقدية الى أحكام منضبطة يمكن الاتفاق عليها.

صحيح إن هذا يمثل حلمًا، لا يمكن له أن يتحقق أبدًا، حتى لدى الأسلوبية الاحصائية، كون الخصائص الفردية تؤثر في تحديد المعايير وكيفية توظيفها فضلا ًعن الاختلاف الحضاري حتى ولو أصبح العالم قرية، وهو كذلك الآن.

***

د. كريم الوائلي

 

في جرائم القاتل إد جين وتمثيلاتها الثقافية (2025-1957)

تشكل جرائم إد جين نموذجاً لإشكالية الشر الأنطولوجي، حيث تتجاوز هذه الجرائم تفسيرها كمجرد انحراف أخلاقي عابر لتكشف عن شر متجذر في صميم الوجود الإنساني، وهو ما دفع ألفريد هيتشكوك لاحقاً إلى استلهام هذه الجرائم في شخصية نورمان بيتس ضمن فيلم Psycho (1960)، مما مثل تحولاً سيميائياً نقل الشر من واقع تاريخي موثق إلى تمثيل سينمائي رمزي، حيث تحولت الواقعة الفردية إلى علامة ثقافية مفتوحة على التأويلات المتعددة والمُعاد إنتاجها جماهيرياً… وبعد أكثر من ستة عقود، يأتي مسلسل Monster: The Ed Gein Story (2025) ليعيد فحص هذه الإشكالية من خلال العودة إلى الجريمة الواقعية، حيث يمارس المسلسل ميتا-تأويل نقدي يفحص المسافة بين الجريمة التاريخية وأيقونتها الثقافية، مما يخلق دائرة هيرمينوطيقية تبدأ من الواقع المعيش لتمر بالتمثيل الفني وتصل إلى التأمل النقدي الذاتي.

إن إدوارد "إد" ثيودور جين (1906-1984) يتميز عن القتلة المتسلسلين الآخرين في طبيعة أفعاله التي تجاوزت القتل إلى تحويل الجثث البشرية إلى أدوات وظيفية وجمالية، حيث كان يصنع من الجماجم أوعية، ومن الجلد البشري ملابس وأقنعة، ومن عظام النساء أثاثاً منزلياً، وهذا التحويل للإنسان إلى شيء يمثل نقضاً للإنسانية في أصلها الأنطولوجي يتجاوز مجرد العنف… أما نبش جين للقبور (حوالي 40 زيارة ليلية لثلاث مقابر بين 1947-1952) فإنه يشير إلى علاقة مضطربة مع الموت نفسه كنقطة انتقال لاستمرار الاستخدام بدلاً من كونه حدثاً نهائياً، وعندما استلهم ألفريد هيتشكوك شخصية نورمان بيتس من جرائم جين، حدث تحول جذري في طبيعة تمثيل الشر، إذ لم يعد هيتشكوك يعيد سرد الواقعة، وإنما استخلص البنية الأسطورية للجريمة.

قدم فيلم المخرج هيتشكوك الجريمة كبنية نفسية قابلة للتكرار بدلاً من تقديمها كحدث تاريخي، فأصبح نورمان بيتس نموذجاً أولياً للقاتل المضطرب نفسياً، وهو ما سمح للجمهور باستهلاك الشر دون مواجهة رعبه الحقيقي، كما ألهم إد جين شخصيات أخرى منها ليذر فيس في مجزرة منشار تكساس (1974) وبافالو بيل في صمت الحملان (1991)، حيث استخلصت كل شخصية عنصراً محدداً من جرائم جين: الأقنعة الجلدية، العلاقة المضطربة مع الأم، تحويل الجسد البشري إلى مادة خام… ويمثل المسلسل الجديد Monster: The Ed Gein Story (2025) عودة نقدية إلى الحدث الأصلي، فعندما يقول تشارلي هونام: "أردت الاقتراب قدر الإمكان من شخصية إد الحقيقية... هذا سيكون الاستكشاف الإنساني والرقيق واللامتحفظ لمن كان إد"، فإنه يعلن عن مشروع العودة إلى ما قبل الأيقونة.

تتشكل الدائرة الهيرمينوطيقية من مراحل متتالية: الحدث الأصلي (جرائم إد جين في الخمسينيات)، ثم التمثيل الأولي (سايكو ومجزرة منشار تكساس في الستينيات والسبعينيات)، يليها الأيقونة الثقافية (استهلاك جماهيري للشر المُمَأسَس)، وصولاً إلى العودة النقدية (Monster 2025 - فحص المسافة بين الحدث والتمثيل)، والسؤال الأساسي يكشف عن التناقض الجوهري في علاقتنا مع الشر: هل نحن قادرون على مواجهة جوهره، أم أننا مجرد مستهلكين لصوره المعاد إنتاجها ثقافياً؟ وتتدرج مستويات الاستهلاك الثقافي للشر من الاستهلاك الآمن (مشاهدة أفلام الرعب كترفيه)، إلى الفضول المرضي (البحث عن تفاصيل الجرائم الحقيقية)، إلى التطهر النفسي (استخدام الرعب لمواجهة مخاوفنا الداخلية)، وصولاً إلى التأمل الفلسفي (فهم الشر كجزء من الحالة الإنسانية).

إن إعادة إنتاج قصة إد جين في 2025 تطرح سؤالاً أخلاقياً معقداً: هل تشريح الشر يساعد على فهمه أم على تطبيعه؟ كلما زادت دقة التمثيل، كلما اقتربنا من خطر الانبهار بالرعب بدلاً من فهمه، وجرائم إد جين تستمر في إثارة الاهتمام بعد سبعة عقود لأنها تكشف عن الشر كمعطى أنطولوجي يتجاوز مجرد الانحراف الاجتماعي، إنها تواجهنا بحقيقة أن الوحشية تنتمي إلى الطبيعة البشرية كعنصر كامن فيها. والمسلسل الجديد، من خلال عودته إلى الحدث الأصلي، يدعونا لمواجهة هذه الحقيقة بدلاً من الاكتفاء باستهلاك نسخها المخففة، وهكذا تظل قضية إد جين نموذجاً لدراسة تحولات الشر من حدث تاريخي إلى نص ثقافي مفتوح على التأويلات المتعددة، فإن عودة الاهتمام بهذه القضية في عام 2025 تمثل بحثاً عن فهم أعمق لطبيعة الشر في زمن تتزايد فيه أشكال العنف الرمزي والمادي، وربما يكون السؤال الحقيقي حول قدرتنا على مواجهة الشر دون أن نصبح جزءاً منه.

إن إشكالية الشر في قضية إد جين تبقى مفتوحة لأنها تمس جوهر الإنسان ذاته أعني تلك المنطقة الرمادية حيث تلتقي الحضارة بالوحشية، والحب بالدمار، والطبيعي باللاطبيعي.

***

عبد العزيز سعود الشريف

نحو تدشين التحرر الوطني واستكمال الاسترجاع الحضاري للأمة المضطهدة

مقدمة: في سياق القطيعة الكارثية التي أحدثها طوفان الأقصى، التي تتميز بالتحديات العسكرية، الاقتصادية، البيئية، الاجتماعية، السياسية والثقافية، تظهر فلسفة المقاومة والالتزام بالثورة والتغيير كأداة حاسمة لإعادة صياغة الوعي الإنساني والوطني والعالمي. يُشير مصطلح "طوفان الفلسفة" إلى التدفق الغزير للأفكار الفلسفية الجذرية التي تهدف إلى نقد الهيمنة العالمية وإعادة بناء الهوية الحضارية، بينما تعبر "فلسفة الطوفان" عن مقاربة فلسفية استردادية تتناول الأزمات السياسية الكبرى كفرصة للتجديد والتحرر. في سياق الأمم المضطهدة، التي عانت من الاستعمار والاستيطان والاستغلال، تصبح الفلسفة الانسانية التقدمية أداة لتصويب بوصلة الطريق نحو التحرر الوطني واسترجاع الهوية الحضارية. تستلهم هذه الدراسة أفكار يوسف كرم حول العقل والوجود، مع ربطها بسياق ما بعد الاستعمار وتحديات القطيعة الكارثية، لتحليل كيف يمكن للفلسفة أن تُسهم في تحرير الأمة المضطهدة واسترجاع دورها الحضاري.

طوفان الفلسفة وفلسفة الطوفان

يُمثل "طوفان الفلسفة" تدفق الأفكار الفلسفية التي تحمل إمكانية التغيير الجذري، مستلهمة من مفهوم العقل عند الفلاسفة الوجوديين، الذين يرون أن العقل أداة لإدراك الوجود وتجاوز الطبيعة إلى ما بعدها. أما "فلسفة الطوفان" فهي مقاربة ميتافيزيقية تستلهم من الأزمات الكبرى، مثل القطيعة الكارثية، لإعادة صياغة الوضع البشري . في سياق الأمم المضطهدة، تتجسد هذه الفلسفة في نقد الهيمنة الاستعمارية والعولمة، كما وصفها إدوارد سعيد (1978) في تحليله للاستشراق، وفي السعي نحو استرجاع الهوية الحضارية. يتطلب التحرر الوطني والاسترجاع الحضاري تصويب بوصلة التفكير الفلسفي نحو العدالة والاستقلال.

طوفان الفلسفة: إعادة صياغة الوعي الوطني

نقد الهيمنة العالمية:

يُشكل طوفان الفلسفة أداة لنقد الهيمنة الثقافية والاقتصادية التي فرضتها العولمة الاستعمارية. يرى سعيد أن المعرفة الاستشراقية شكلت أداة للهيمنة على الأمم المضطهدة، مما يستدعي فلسفة نقدية لتفكيك هذه السرديات. يمكن للفلسفة أن تُعيد صياغة الوعي الوطني من خلال تعزيز التفكير النقدي.

العقل كأداة تحرر:

يُعتبر العقل أداة أساسية لإدراك الوجود وتجاوز العروض الحسية إلى المعاني المجردة. في سياق الأمم المضطهدة، يمكن للعقل أن يُساهم في نقد الروايات الاستعمارية وبناء هوية وطنية مستقلة.

التفكير متعدد التخصصات:

يتطلب طوفان الفلسفة دمج الفلسفة مع العلوم الإنسانية، كما في دراسات ما بعد الاستعمار، لفهم تأثير العولمة على الهوية الحضارية. هذا التمازج يعزز القدرة على تصويب بوصلة التفكير نحو التحرر.

فلسفة الطوفان: الأزمات كفرصة للتجديد

القطيعة الكارثية كمحفز:

تُشكل القطيعة الكارثية، بما فيها من أزمات بيئية واجتماعية، فرصة لإعادة التفكير في الوضع البشري. يرى فريتيوف كابرا (1996) أن الأزمات البيئية تتطلب نهجًا شموليًا يدمج الفلسفة مع العلوم لفهم الأنظمة المعقدة. فلسفة الطوفان تستلهم من هذه الأزمات لتجديد الهوية الحضارية.

التحرر الوطني:

تُقدم فلسفة الطوفان إطارًا للتحرر الوطني من خلال إعادة صياغة الرؤية للعالم. يشير فرانز فانون (1961) في معذبو الأرض إلى أن التحرر الوطني يتطلب تحرير الوعي من الهيمنة الاستعمارية، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال الفلسفة النقدية.

الاسترجاع الحضاري:

يتطلب استرجاع الهوية الحضارية إعادة بناء المعرفة المحلية التي هُمّشت بفعل الاستعمار. يمكن لفلسفة الطوفان، باستلهام من كرم، أن تُعيد الاعتبار للعقل العربي الإسلامي كأداة للنهضة.

دور الفيلسوف في تصويب بوصلة الطريق

كما ذكرت في تعليقاتك السابقة، فإن دور الفيلسوف لا يقتصر على إشهار المعرفة، بل يمتد إلى التعريف بأنماط إنتاجها، وهو ما ينسجم مع طوفان الفلسفة وفلسفة الطوفان.

تعزيز التفكير النقدي:

يمكن للفيلسوف تعليم طلاب الحقيقة كيفية نقد الروايات المهيمنة، مستلهمًا من فوكو (1980)، الذي يربط المعرفة بالسلطة.

التعليم الفلسفي الملتزم:

يُساهم دمج فلسفة كرم في المناهج في تعزيز وضوح الرؤية، كما ذكرت في تعليقك حول "التدرب على وضوح الرؤية وسط التباس العالم"، مما يساعد في بناء هوية وطنية مستقلة.

التعليم متعدد التخصصات:

يمكن للمربي دمج الفلسفة مع العلوم الإنسانية لفهم تأثير العولمة على الأمم المضطهدة.

استخدام التكنولوجيا:

يمكن استخدام منصات مثل X لنشر أفكار فلسفية نقدية تشجع على التحرر الوطني واسترجاع الهوية الحضارية.

تحديات تصويب بوصلة الطريق

الهيمنة الثقافية:

تُعيق الروايات الاستعمارية استرجاع الهوية الحضارية.

التفاوت في التعليم:

يعاني العديد من الأفراد في الأمم المضطهدة من محدودية الوصول إلى التعليم النقدي.

التحديات التكنولوجية:

قد تُعزز التكنولوجيا الروايات المهيمنة بدلاً من نقدها.

الحلول المقترحة:

تطوير مناهج تعليمية تركز على نقد الهيمنة.

زيادة الاستثمار في التعليم في الأمم المضطهدة.

استخدام التكنولوجيا بشكل نقدي لتعزيز الوعي الوطني.

توصيات لتدشين التحرر الوطني واسترجاع الهوية الحضارية

دمج الفلسفة النقدية: إدخال أعمال كرم وسعيد في المناهج التعليمية لتعزيز التفكير النقدي.

التعليم متعدد التخصصات: ربط الفلسفة بدراسات ما بعد الاستعمار لفهم تأثير العولمة.

تعزيز الحوار العام: تنظيم منتديات فلسفية لمناقشة التحرر الوطني.

استخدام التكنولوجيا: تطوير منصات رقمية تنشر أفكارًا فلسفية تدعم استرجاع الهوية الحضارية.

إعادة إحياء التراث: التركيز على التراث الفلسفي العربي الإسلامي كأساس للنهوض الاجتماعي.

خاتمة

إن طوفان الفلسفة وفلسفة الطوفان يُشكلان إطارًا قويًا لتصويب بوصلة الطريق نحو التحرر الوطني واسترجاع الهوية الحضارية للأمة المضطهدة. من خلال دمج العقلانية الفلسفية الملتزمة، مع نقد الهيمنة العالمية، يمكن للفلسفة أن تُسهم في إعادة صياغة الوعي الوطني وبناء مستقبل مستدام وعادل. في زمن القطيعة الكارثية، تظل الفلسفة أداة لتحرير العقل العربي والوجود الإسلامي والضمير الانساني التقدمي. فكيف يمكن ان تستكمل فلسفة الطوفان عملية طوفان الأقصى البطولية على مستوى العقل والارادة وفي سياق النظر والفعل؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

قراءة مقارنه بين الحضارة الغربية والعالم الإسلامي

يشكل الدين عاملا مهما في اعراف المجتمعات وثقافتها، وخياراتها الاجتماعية والسياسية، ويحتل مكانة في القلوب والضمائر، وفي ذات الوقت يمكن استغلاله للهيمنة والتسلط وفرض نمط من القراءة على الاخرين، ان الذي تركز علية هذه الورقة، هو العلاقة السببية المتبادلة بين الدين والحضارة، وهي قراءة علمية مقارنة للمشهد التأسيسي لكلا الحضارتين في العالم العربي والإسلامي (كمراجعة تاريخية تحليلية) واثارهما في معضلات راهنة مثل تقبل المواطنة والديمقراطية والعلمنة.

أولا: تعد الحضارة الغربية أقدم زمنيا من الحضارة الإسلامية وقد بدأت بفعل ثقافي تولد من بوابة الفلسفة، وبالاستعانة بمنهجية تنظيم الفكر البشري من خلال اختراع (المنطق) لان الإشكالية المركزية فيها كانت تعدد اختلاف وجهات نظر البشر حول الظواهر الكونية والمشكلات الفكرية لاسيما مع ظهور السفسطائيين الذين لا يجابهون الا بمنهج ضابط للتفكير فكانت التعددية والبرهانية من لوازم الاختلاف الفطري في الآراء التي ليس لبعضها تمييزا على البعض الاخر.

لقد بدأت حضارة الغرب من نشأة المدينة (أثينا)، والمدينة تعني تكون مجتمع له كيانه وقوانينه و تحدياته وتطلعاته بحسب ظروفه وله احتياجاته ألتي ينظمها القانون وهو مشروعها الحقوق والاستحقاقات، وتتمتع بمدار فلسفي للجهد الإنساني الفردي والاجتماعي لذلك اهتمت تلك (المدينة) المتحضرة الاوربية بإنتاج الفلسفة لبناء التصورات والقيم والبرهان، واهتمت بإنتاج لائحة الحقوق الخاصة والعامة، وصار المدار والمعيار هو (المصلحة البشرية)، وتنامى التفكير في اليات السلطة حتى وصلوا الى مفهوم العقد الاجتماعي وكان الجهد المدني للحضارة جهدا تراكميا أفرزته (المدينة الاوربية) مقابل المجتمع الرعوى، او البدوي، او الزراعي الذي تخطته التجربة الغربية فيما بعد للمجتمع المعرفي.

ولما جاءت المسيحية الى اوربا، وقام القديس بولس بتشكيل نسختها الاوربية، بقت المدينة هي مرجعية النهضة، مع منافسة الدين لها وعادة فان (المدينة) تزيح الأديان، اذ في تصورها ان الدين رؤيه ماضويه لا يتسع للحداثة، لذلك سعى الغربيون الى التعامل مع الدين في اضيق مهماته وهي ترصين الشأن الشخصي وتم الغاء أي دور له في دورة التحولات الاجتماعية واستجاب الدين المسيحي الى ثنائيه (الله \ القيصر) بعد نزاع طويل مع قوى المجابهة مع الكنيسة ورغم ان المسيحية كانت السبب في سقوط الامبراطورية الرومانية الا انها لم تهتم بالفلسفة والعلوم والقانون، ماعدا القانون الكنيسي الذي تأثر كثيرا بالقانون الاقطاعي، لكن الانصاف يقتضي الاعتراف بان المسيحية سعت الى تشكيل القيم الروحية والاخلاقية، بينما كانت حضارة المدينة وراء اكتشافات الفنون والعلوم والآداب ووراء التحولات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية واخيرا فقد رست اوربا في المفاهيم المسيطرة على التطور الاجتماعي الاوربي على قيم الفردانية والديمقراطية وحريات (المعتقد، والرأي، والتعبير) واختارت العقلانية مقابل حاكميه النصوص الدينية في فهم الظواهر الكونية والاجتماعية لكنها لم تطهر نفسها من (الاستعمار والظلم الاجتماعي للشعوب المستضعفة والتحيز العرقي، ونهب ثروات الشعوب، وحروب الابادة المتوحشة)

ويظن باحثون ان السبب في تناقص مكانة الدين التي كانت محدودة، فلان الدين لم يؤسس حضارة الغرب ويلاحظ ان التاريخ الغربي ارتبط بتيارات من الاصلاح السياسي والديني لان الفكر الغربي فكر مرحلي اجتهادي قابل للنقد وتجاوز الظروف له فاحتاج الى موجات من حملات الاصلاح والتعديل، ولم تكن غير (المصلحة العامة المتغيرة) والتي لا ضابط لها هي المدار والمعيار

لقد دخلت اوروبا عصر الحداثة في القرون الثلاثة من القرن (17 _19) وبها ألغت تماما اي دور مركزي للدين، حتى اجبرت الكنيسة على الاعتراف بالثنائية (الدنيوية/ والدينية) فلم تكن الكنيسة عند اذن مؤسسة موازية للدولة، فكان الدين امرا عرضيا، ومرت اوروبا بعصور اتسمت دائما في تحدي للدين، ولم تدع له الفرصة في ان يشكل حضارتها، سواء في عصور ما قبل الحداثة او عصور ما بعد الحداثة

ثانيا : اما في جانب الحضارة الاسلامية، فان المسلمين زحفوا الى يثرب لتحويلها الى (المدينة المؤسسة للحضارة) التي تعني البدء بإقامة حضارة، فكانت التأسيسات الاولى دينية ب (وثيقة المواطنة المشتركة المسماة: وثيقة المدينة)واجراء المؤاخاة بين المهاجرين والانصار، وبناء المسجد، وتأسيس المجتمع المتجانس، وتأسيس الحكومة، والدستور، والمنهج السياسي، فكانت المدينة الدينية هي التي شكلت الحضارة، في عالم كان يخلو من منهج حضاري (بديل) او منافس بحيث لم يحدث تدافع بين منهجين حضاريين، فلم تحصل علاقة عكسية بين المدينة ذات (المجتمع المتنوع) وبين الدين، واغلب الظن ان الترتيبات الاساسية لحضارة (مدينة يثرب) لن تكن دينية محضه انما كان برنامج يثرب دعوة مدنية تعتمد على المواطنة والشورى والثقة بين عموم الناس من جهة وبين الحكومة والمحكومين من جهة اخرى ولم تتأثر (نظرية المدينة) بالنمط الاقتصادي سواء في مكة (كونها المركز التجاري) ولا في المدينة كونها بيئة زراعية وصيرفيه والمشروع الحضاري في (المدينة يثرب) لم يغلق الباب على نفسه إنما تطلع للاطلاع والإفادة من الحضارات المعاصرة له فكان نمط تطلع لحضارة (أثيوبيا : فكرة العدل) والفرس، والروم، وقد تعامل مشروع يثرب معها إيجابيا، وهكذا يسعى المشروع إلى تكوين نظام اجتماعي، وليس هناك نص صريح ينص على أن مشروع المدينة الحضاري التأسيسي، هو الذي يجب أن يتبع في تأسيس المدن الحضارية الأخرى في مرحلة تطور الحضارة الإسلامية وازدهارها (البصرة، الكوفة، دمشق، مصر) وقد تمازج الوحي مع السياق الثقافي الجديد الذي إنشاته هذه الحضارة بل شكل الوحي المرتكز والمعيار العابر للأزمنة وموجات الحداثة، ولأنه مقبول ومتقبل من كل المسلمين فقد صار عاملا أساسيا في وحدة المسلمين على اختلاف تنوعاتهم وثقافاتهم وبيئاتهم الاجتماعية

وإذا كانت بعض المفردات الثقافية الموجودة في بيئة نشأة الحضارة الإسلامية الجديدة غير ملائمة لبرنامجه فإن الإسلام غيًر ما لا يتفق مع القيم النبيلة التي جاء بها، وأوجد نسقا جديدا، ثم احتوى حضارة الفرس والمسلك العرفان فيها، وحضارة الروم والمسلك التجريبي العقلي، وجعلهما ضمن تصوره الحضاري لذلك: فإنه لما كانت تتصف به أوروبا من اعتياد ثقافة السؤال، فكان لابد للفلسفة ان تكون عاملا من عوامل مكوناتها وصيرورتها بينما العالم الإسلامي تلقى التكوين الحضاري من نص ديني مقدس ذات مضامين مدنية، فصار يلزم للسؤال تقديم مسوغات لان الاصل التلقي، وزاد في ذلك أن موقف النخبة الدينية الإسلامية قد وقفت من الفلسفة مواقف متعددة أغلبها متشدد وسلبي، ووصفت بأنها تعارض الإيمان، فخضع السؤال والنقد لضرورة تقديم المبررات التي يجب يقدمها الناقد قبل الممارسة الفعلية

ولأن ثقافة الغرب - ثقافة بشرية - فكان التعدد والتنوع ينطلق في مستوى واحد للشرعية، فلا ميزة لرأي على أخر وعليه فالتعددية حالة أساسية، في حين حضارة الإسلام ميالة إلى ثقافة النمط، وما تجاوز النمط يحتاج الى تسبيب ومبررات ولأن الآراء لها مستوى واحد من الاعتبار فاعتمدت البرهانية كمعيار للتفاضل والترجيح، بينما في الغرب نجد تدافعا بين معطيات الحضارة المدنية والحضارة الدينية وعلى مستوى واحد في حين ان للشرع في حضارتنا هناك أعلوية للمقولات الدينية على المفاهيم والأفكار المدنية ولعل رؤى الغرب للحاضر وللمستقبل أكثر من الماضي بينما الحضارة الدينية في العالم الإسلامي يشكل التاريخ مكونا أساسيا

وما تقدم يفسر لنا صعوبة تطبيق الديمقراطية بنسختها الأوروبية في جغرافيا العالم العربي والاسلامي الذي حكمته (هيمنة بيعة الخليفة) الذي يمسك بيده كل السلطات المدنية والدينية، فصار تطبيق الديمقراطية فيه صعب صعوبة بالغة ويفسر لنا: الموقف الصارم ضد العلمنة بكل أشكالها حتى (العلمانية المؤمنة لأن الأصل في العلمانية طبيعة دنيوية، ومكون الحضارة الإسلامية مكون ديني ويفسر: صعوبة تقبل مفهوم المواطنة وأولوياتها على أممية الاعتقاد، لأن مفهوم الأمة في تطور هذه الحضارة مفهوما عقائديا. ويفسر لنا: الدور الذي تمنحه حضارتنا للتاريخ ومشكلاته وللدين واختلاف قراءاته، أكثر من الدور الذي يجب أن يمنح للتقدم والرفاه، ويفسر: لنا أن الحريات في حضارتنا مقيدة بالدين والنظام العام لكل ذلك:

فأن أي محاولة لاجراء التحولات الجذرية في حياتنا ستكون مرتبطة بالمكونات التي أسهمت في نشأة حضارتنا. وعلينا أن نجد حلولا لهذه المعضلة.

***

ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد

كثيرة هي المفاهيم الأبوية التي شيّأت المرأة وجعلتها بلا هوية إنسانية مستقلة، وتعاملت معها بطريقة تحافظ على امتيازات الرجل المهيمن، حتى وأن أهدرت كرامتها.

كان لمصطلح أو لمفهوم العِرض الدور الأكبر في تحويل الأنثى الى مفهوم رمزي يُتملك ويدافع عنه، بدل أن تُعامل كإنسانٍ له كيان وكرامة مستقلة. عندما يقال العِرض يختزل الإنسان الى جسده، والى منطقة الخطر الأخلاقي، وهنا تصادر كرامة الإنسان ككائن حر مسؤول عن ذاته .

كلمة العِرض في الأصل كانت تُطلق على السمعة والشرف، سواء للرجل أو للمرأة.

لكن مع مرور الزمن، تم تضييق المفهوم حتى صار يُقصر على جسد المرأة تحديدًا، أي على “عفتها الجنسية”، وكأنّ شرف العائلة أو القبيلة كلّه معلق بجسدها وحدها. هذا التحوّل جعل المرأة رمزًا يُدافع عنه، لا ذاتًا تُحترم.

 فصارت العلاقة بها علاقة "ملكية" لا "شراكة"، والرجل صار "حارس العرض" لا شريك الحياة، وصارت الغيرة على العرض كأداة سيطرة، فتحولت من معناها الوجداني الطبيعي إلى أداة ضبط وسلطة .

من خلالها يُبرَّر:

 تقييد حركة المرأة. منعها من التعليم أو العمل،

 فرض العزلة الاجتماعية عليها .

وفرض قيود على حرية الرأي والتعبير، ومراقبة جسدها وكلامها وسلوكها، حتى طريقة ضحكها أو نظراتها.

في المجتمعات المنقسمة أو التي تعيش حروبًا وصراعات، تُستخدم قضية الشرف والعِرض لتعبئة الرجال وشحنهم بالعنف، وكأنّ الدفاع عن النساء يعني بالضرورة حمل السلاح. فبأسم العرض صارت ترتكب الجرائم وتشن الحروب، وفي النهاية، المرأة نفسها تُقتل أو تُسجن باسم حمايتها.

بهذا الشكل، تتحول المرأة إلى رمزٍ مجرد، لا صوت له، رمزٍ يُرفع في الخطابات، ويُضحّى به في الواقع.

ومن الغريب أن هولاء الذين يتاجرون بالعرض هم أول من يهمشونها ويبتزونها ويحمّلونها ذنب العلاقات أو "الفتنة" ويستبيحون جسدها تحت مسميات شرعية أو اجتماعية.

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن القول إنّ مفهوم العرض اشتغل كـ أداة رمزية للضبط الاجتماعي، توازي في تأثيرها السلطة السياسية أو الدينية. إذ تمّ من خلاله تشكيل وعي جمعي يرى في المرأة حدًّا للهوية الجماعية، وفي جسدها حدودًا للشرف يجب حمايتها بالقوة. ومن هنا نشأت "الغيرة" كمفهوم قيمي مضاد للحرية، أي بوصفها ممارسة سلطوية تُعيد إنتاج البنية الأبوية، وتُعيد الرجل إلى موقع الحارس والمالك، والمرأة إلى موقع المحروسة والمملوكة.

وها نحن ندور في مفاهيم تعيد النساء الى تصور أحادي، وهو أن المرأة ينحصر وجودها في الجسد، يُضيق عليه ليحمى ويكون تحت طوع " الحامي "، حتى وأن أهدرت كرامته!.

***

ا. د. بتول فاروق - بغداد

٦/ ١٠ / ٢٠٢٥

سألني صديق في معرض نقاشنا حول تأثير البيئة على الأخلاق: كيف يتم التغيير؟ وها أنا أحاول الإجابة على هذا السؤال المرعب، لأن رهاب التغيير يتملكنا كلما فكرنا أو حاولنا تجاوز الوضع القائم.

كثيرا ما يتبادر إلى أذهاننا حين سماع مثل هذا السؤال ثنائية الفرد والمجتمع، أو الإصلاح والثورة، بمعنى، من المسؤول عن التغيير؟ أهم الأفراد أم البُنى والمؤسسات؟ ثم كيف يتم التغيير؟ أيكون عن طريق إصلاح أفكار ومعتقدات الأفراد، أم عن طريق التغيير الجذري، أي الثورة؟

أعتقد أن هذه الثنائيات هي قوالب فكرية مضللة. التغيير لا يحدث من خلال إصلاح الأفراد فقط، ولا هو محض أوامر فوقية تمليها البنى أو تتنزّل من المؤسسات. التغيير هو عملية ديناميكية تفاعلية بين الفاعلين والأنساق، بين الفرد والمجتمع، بين المواطن ومؤسسات الدولة. ثم أن هذا التغيير لا يستوجب بالضرورة أن تكون البداية من الوحدات الصغرى، أي الأفراد، من خلال البرامج الإصلاحية التي تشمل كل المجالات المجتمعية. أو أن نجاحه (التغيير) مرهون بحتمية ثورية هدفها التغيير الجذري والقطيعة الشاملة.

فأول ما يجب أن نتجاوزه هو معضلة الثنائية هاته التي تشتت جهود التغيير في صراعات فكرية وحروب كلامية لا طائل منها ولا فائدة تجنى من ورائها سوى الانشغال عن التغيير الحقيقي. كما علينا أن نتيقن من أن التغيير هو الأفكار التي استوعبها الواقع فأحدثت ديناميكية زعزعت الوضع القائم وغيرت معالمه. فكثيرة هي الأفكار القيمة التي لا تجد لها صدى في قلوب الناس وعقولهم، فتسقط كما تسقط الثمرة الناضجة فوق الأوساخ المتراكمة حول الشجرة فيعافها الناس، بل قد تثير اشمئزازهم بدل شهيتهم.

لطالما كانت جدلية الفرد والمجتمع، أو الفاعل والنسق، محّل تجاذبات فكرية بين علماء الاجتماع. فقد رجّح الكُلآّنيون Holistes)) أسبقية المجتمع على الفرد، وأقرّوا بأن هذا الأخير ليس سوى قارئ مطيع لتعاليم البنى والأنساق، أو ما أسماه دوركايهم "الضمير الجمعي". أما الفردانيون Individualistes) ) فقد حاججوا بأولوية الفرد الذي سُمي في عرفهم "الفاعل "Acteur، وأكدّوا على قدرته على تغيير الواقع. ثم ظهرت نظريات توفيقية حاول روادها إيجاد حلّ لهذه المعضلة والوقوف موقف الوسط بين الفرد والمجتمع.

من هنا نقول أن التغيير ليس منوطا بالفرد وحده، ولا هو قوة سحرية يمارسها المجتمع على الأفراد دون إرادة منهم، بقدر ما هو عملية تفاعلية معقدة يساهم فيها الأفراد، بكل تـأكيد، لكنه (التغيير) قد لا يحدث على الرغم من سعي الأفراد إليه، كما أنه قد يحدث دون رغبة منهم.

يجادل المحافظون في أن التغيير لن يتأتى إلا من خلال إصلاح ما فسد من أفكار ومعتقدات وقيم، فلا يصلح حال المجتمع إلا بصلاح أفراده. أما الراديكاليون فيعتقدون أن التغيير لن يحدث إلا من خلال الثورة التي تقضي على الوضع القائم ورموزه. أما التوفيقيون فيدّعون أن هناك فترات يحتاج فيها المجتمع إلى إصلاح، ولن يحدث التغيير، في فترات أخرى، إلا من خلال الثورة.

لم يتغير حال المجتمعات الأوروبية من شكلها التقليدي الزراعي إلى مجتمعات صناعية حديثة لو لا الاكتشافات العلمية والثورة الفكرية التي ساهم فيها الفلاسفة والمفكرين، ولو لا الإصلاحات الدينية التي حررت العقل الأوروبي من هيمنة الكنيسة. هذه النقلة التي غيرت وجه المجتمع الأوروبي بدءا من الثورة الكوبرنيكية إلى غاية الثورة الفرنسية كانت، في اعتقادي "إصلاحات ثورية"، أي لم تكن إصلاحات ناعمة تتعاطف مع الماضي أو تخشى سلطة الحاضر، بل كانت إصلاحات جريئة حطمّت الأوهام كما كان الحال مع كوبرنيكوس وفرنسيس بيكون، وتحدّت سلطة الكنيسة كما حدث مع مارتن لوثر.

فشلت الإصلاحات في المجتمعات العربية لأنها تخلّت عن طابعها الثوري، وأخفقت الثورات في هذه المجتمعات لأنها تخلّت عن شقها الإصلاحي. الإصلاح الناعم الذي لا يزعزع المعتقدات الراسخة ولا يقضّ مضجع المستفيدين من الوضع القائم ولا يحرك مشاعر أولئك المصابين بفوبيا التغيير، لا يعدو كونه جعجعة بلا طحين. أما الثورات الشعبية الصلبة التي تأتي على الأخضر واليابس، والتي لا يدعمها الإصلاح، فهي مجرد صرخات للمقهورين والمظلومين سرعان ما تخمد نارها كالبركين بعد أن تدمر كل ما اعترض طريقها.

الإصلاح الثوري، في اعتقادي، هو الوسيلة المثلى للتغيير، فلن ينجح إصلاح دون تفكيك أو نفي أو تدمير، فقد سكّ عالم الاقتصاد النمساوي جوزيف شومبيتر مصطلح "الهدم الخلاق" " destruction créatrice" ليشرح الكيفية التي يتم من خلالها التغيير الإيجابي الذي لا يبني إلا بعد أن يهدم. وحتى عملية الإصلاح التي تهدف إلى تهذيب وإصلاح ما فسد لن تنجح ما دامت الأفكار والمعتقدات والسلوكات الفاسدة موجودة وفاعلة. لن تنجح عمليات التغيير ما لم نهدم البنى والأنساق، الأفكار والمعتقدات، الأفعال والسلوك، التي ساهمت في انتاج الفساد. الدواء الفعال لم ينجح في علاج الداء إلا بعدما قضى على مسبباته.

أخفقت المجتمعات العربية في الإصلاحات كما في الثورات منذ النهضة التي بدأت في القرن التاسع عشر، وإن كان العامل الخارجي أحد الأسباب التي عطلّت هذه النهضة، فإن العوامل الداخلية هي التي مازالت إلى حدّ الساعة تقف كحاجز أمام كل محاولات التغيير. وأهم هذه العوامل في اعتقادي هو الاحتماء بالماضي أو ميكانيزم الرجوع إلى الأصول، كما وصفه محمد عابد الجابري، هذه الألية الدفاعية هي من تُبطل مفعول الإصلاح، وتجعل عملية الهدم تبدو وكأنها من المحرمات. كذلك من الأسباب التي تُعطل محاولات التغيير في مجتمعاتنا العربية هي حتمية الخيار بين الفتنة أو الاستبداد، كما قال محمد جابر الأنصاري، والتي تجعل كذلك من يطالبون بتحطيم وهدم ركائز الاستبداد يبدون وكأنهم عملاء وخونة ومؤججين للفتن.

الإصلاح الثوري هو منهج في التغيير المستدام يحمي المجتمعات من الوقوع في فخ الجمود والتكلّس. هو ألية للانتقال السلس والمستمر من حالات الانغلاق والتقوقع الناتجة عن تقديس الماضي ورموزه وفوبيا التغيير التي تزكيها السلطة المستفيدة من الوضع القائم.

***

د. تركي لحسن

 

منذ بزوغ فجر الفلسفة والإنسان مشغول بالسؤال الوجودي عن الزمن: ما هو؟ وما علاقته بالوجود والفعل الإنساني؟ وقد تباينت المقاربات باختلاف العصور والأنساق الفكرية. فأرسطو (384–322 ق.م) حدَّد الزمن بأنّه «عدد الحركة بحسب قبل وبعد»، أي مقياس للتغير والتحول، وهو تصور يتوافق مع النزعة الطبيعية المادية للفلسفة اليونانية الكلاسيكية. بينما رأى الرواقيون (القرن الرابع، الثالث ق.م) أن قيمة الإنسان تتحدّد بمدى استثماره لأيامه واستيعابه لمحدوديّة العمر، وهي رؤية أخلاقية وجودية تتقاطع مع روح التصوف في تركيزها على الحاضر وتهذيب النفس. أمّا أوغسطين (354–430م) فقد جعل الزمن متصلًا بالوعي والذاكرة الداخلية للإنسان، وهو تصور يكشف عن عمق البعد الروحي والميتافيزيقي في الفكر المسيحي المبكر.

وفي الفكر الإسلامي، نبّه أبو حامد الغزالي (450–505هـ) في إحياء علوم الدين إلى أن العمر هو رأس المال الحقيقي، وأن التفريط في لحظة واحدة خسران لا يعوَّض. وقد عمّق ابن الجوزي (510–597هـ) هذا المعنى حين قرر أن «أنفاس الإنسان هي حياته». ثم جاء ابن تيمية (661–728هـ) ليقرر أن «الوقت هو رأس مال الإنسان الحقيقي»، وأن ضياعه أعظم من الموت؛ إذ إن الموت يقطع الإنسان عن الدنيا، بينما ضياع الوقت يقطعه عن الله والدار الآخرة. كما ربط ابن تيمية بين البعد الفردي والبعد الجماعي، معتبرًا أن إهدار الأوقات يضعف الأمم ويؤدي إلى انحطاطها، وهو ما يتناغم مع ما قرره ابن خلدون (732–808هـ) في المقدمة حول أثر البطالة والترف في سقوط الحضارات. واعتبر ابن القيم (691–751هـ) أن العارف الحق «ابن وقته»، لا يملك إلا لحظته الحاضرة التي إن لم يستثمرها ضاعت منه وفقد وجوده الفاعل، وهو تصور يتناغم مع المسحة الصوفية التي تجعل من الحضور واليقظة شرطًا للسلوك الروحي.

أما في الفلسفة الحديثة، فقد توقف بليز باسكال (1623–1662م) عند عجز الإنسان عن استثمار عزلته وفراغه، معتبرًا هروبه الدائم من ذاته علامة ضعف وجودي. ثم جاء إيمانويل كانط (1724–1804م) ليرى أن الزمان شرط قبلي لتنظيم الخبرة الإنسانية وإدراك الظواهر، وهو تصور يضع الزمن في قلب البنية المعرفية للعقل. وأما هنري برجسون (1859–1941م) فقد أعاد تعريف الزمن باعتباره «مدّة ذات روح وحياة» تتدفق في الوعي الداخلي بعيدًا عن الحسابات الكمية للثواني والساعات، وهو تصور يعبّر عن الفلسفة الحدسية العقلية التي تؤكد الخبرة الذاتية على حساب الكميّة المجردة. بينما جعل مارتن هايدجر (1889–1976م) الوجود الإنساني مرهونًا بوعي الإنسان بفنائه، بحيث يستمد الزمن قيمته من حضوره نحو الموت، وهو تصور يتوافق مع النزعة الوجودية التي تجعل القلق طريقًا إلى الأصالة. وفي المقابل، رأت حنا أرندت (1906–1975م) أن الفراغ ليس بطالة ولا خواءً، بل هو المجال الذي تنبثق فيه الحرية والإبداع. وأخيرًا ذهب ميشيل فوكو (1926–1984م) إلى أن الزمن ليس مجرد إطار محايد، بل هو مجال تتخلله السلطة عبر تنظيم الإيقاعات اليومية وضبط الفراغات بما يخدم البنى السلطويّة.

وتُظهر هذه المقاربات التي سقناها أن الفلاسفة والمفكرين جعلوا من الزمن ميدانًا لجدل أنطولوجي وأخلاقي عميق، وأدركوا خطورة الفراغ والوقت المهدر. غير أنهم – رغم عمق تحليلاتهم – لم يسعفهم النظر الفلسفي في صياغة معيار جامع يوازن بين البعد الفردي والبعد الغائي الوجودي للإنسان. فبقيت رؤاهم متفرقة ولم تنتظم في نسق تكليفي متكامل.

وهنا ينهض الحديث النبوي الشريف بكلماته الموجزة الجامعة: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» ليؤسس لرؤية وجودية ومعيارية للزمن والفاعلية الإنسانية. حيث لا يتعامل مع الصحة والفراغ بوصفهما حالتين جسمانيتين أو عارضتين، بل يرفعهما إلى مستوى المعيار الذي تُقاس به قيمة الإنسان ومسؤوليته التاريخية. فيفتح أمام العقل الإنساني آفاقًا للتفكير في قيمة الصحة بوصفها الطاقة المُمكِّنة، والفراغ بوصفه المجال الذي يمنح الإنسان حرية الاختيار ومجال الفعل. وبذلك يعيد ترتيب أولويات الإنسان، ويؤسس لوعي زمني يجعل كل لحظة فرصة، وكل فرصة مسؤولية، فلا يترك الإنسان أسير العبث واللهو الذي حذّر منه باسكال، ولا ضحية القلق والاغتراب الذي وصفه هايدجر، بل يرشده إلى عيش الزمن بوعي روحي وأخلاقي متكامل.

فالنص النبوي فجعل الزمن أمانة وجودية يُسأل عنها الإنسان: «عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه». وهكذا لم يكتفِ التصور الإسلامي بالموازاة مع تلك المقاربات، بل تجاوزها وأكملها، إذ حوّل الزمن من فكرة فلسفية مجردة إلى معيار عملي ومحاسبة وجودية، فصارت الصحة والفراغ رأس مال رمزي وحضاري يُقاس به وزن الإنسان وفاعليته في العالم، ويُقوَّم به إسهامه في مشروع العمران البشري.

فاستحضار هذا الحديث النبوي في سياق الفلسفة يكشف عن سبق الرؤية المحمدية التي صاغت معيارًا كليًّا للوجود الإنساني يربط بين الدنيا والآخرة، والفرد والجماعة، والصحة والزمن، ليجعل منها جميعًا ميدانًا للاختبار الأخلاقي ومسؤولية وجودية لا تقبل التفريط أو الإهمال.

وتبدوا أهمية هذه الرؤية بجلاء في عالمنا المعاصر الذي تتسارع فيه إيقاعات الحياة على نحو غير مسبوق، وتُستنزَف الطاقات في اللهو الرقمي والاستهلاك المفرط واضطراب سلّم الأولويات، فيتجدّد صدى التحذير النبوي من الغُبن. حيث اتّسع مدلول الصحة في الفكر الحديث ليغدو قدرةً على الإبداع والعطاء، لا مجرد انتفاء العِلّة والمرض، وصار الفراغ ساحةً لتشييد المشاريع الكبرى وصوغ المصائر الفردية والجمعية. ولذلك نرى أن التفريط في هذين الموردين يفضي إلى خسارة الذات على المستوى الوجودي للفرد، وإهدار المستقبل على المستوى الحضاري للأمم.

وعليه، يغدو هذا النص النبوي حجر الزاوية في بناء فلسفة إسلامية للزمن؛ فلسفة تنظر إلى العمر بوصفه رأس مال الكائن الإنساني، وإلى الصحة باعتبارها طاقة للفعل وتحقيق الغايات، وإلى الفراغ باعتباره مجالًا لاستنطاق المعنى وإعادة تأسيس الوعي. وهكذا تلتقي الرؤية النبوية مع هموم الفلاسفة قديما وحديثا في أعمق صورها، غير أنها تتجاوزها بتوجيه الوعي الإنساني نحو الغاية القصوى: عبادة الله وعمارة الأرض، في توازن رفيع بين البعد الأخروي والهمّ العمراني.

***

بقلم: د. بدر الفيومي

في عصر تتسارع فيه التقنيات وتتداخل فيه المفاهيم بين الواقع والافتراضي، لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الخبر أو صناعة الرأي العام، بل تحول إلى سلاح استراتيجي يخوض من خلاله الفاعلون الدوليون وغير الدوليين حروبًا غير تقليدية تتجاوز حدود الجغرافيا والسيادة. الإعلام السيبراني، بوصفه نتاجًا لهذا التطور، أصبح أحد الأعمدة الرئيسية في تشكيل استراتيجيات الحرب النفسية والرقمية، بل ويمثل في كثير من الأحيان واجهة الصراع ومختبره الأول. فما الذي يجعل هذا النوع من الإعلام مؤثرًا إلى هذه الدرجة؟ وكيف يتم توظيفه ضمن منظومات الحرب الحديثة؟ ولماذا أصبح امتلاك ناصيته من أهم أدوات الردع والهجوم في آنٍ معًا؟

الإعلام السيبراني هو ذلك الشكل الجديد من الإعلام الذي ينشط بشكل رئيسي على الفضاء الرقمي، متخذًا من منصات الإنترنت والذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي أدواته الأساسية. ما يميزه عن الإعلام التقليدي، ليس فقط بنيته التقنية أو طبيعة انتشاره، بل أيضًا قدرته الهائلة على الاستهداف، وسرعة الانتقال، ومرونة التوظيف في حملات التأثير والتضليل والتوجيه، مما يجعله بيئة مثالية لخوض حروب نفسية تستهدف الوعي الجمعي، وتفكك التماسك الاجتماعي، وتزرع الشك في النفوس، وكل ذلك من دون طلقة واحدة.

لقد أعادت الحرب النفسية تعريف نفسها في العصر الرقمي، فهي لم تعد مقتصرة على بث الشائعات أو التحريض عبر منشورات ورقية أو إذاعات موجهة كما كان الحال في حروب القرن العشرين، بل أصبحت عمليات رقمية معقدة تبدأ بتحليل البيانات الشخصية على نطاق واسع، ثم إنتاج محتوى موجه بدقة فائقة، يوصل رسائل خفية أو مباشرة تستهدف التأثير على الرأي العام، أو إحباط المعنويات، أو تشويه صورة الخصم، أو حتى دفع الشعوب لاتخاذ مواقف معينة دون وعي بأنها مستهدفة في معركة سيكولوجية، وهنا يظهر دور الإعلام السيبراني كأداة فعالة في تنفيذ هذه العمليات، إذ يمكن لفيديو قصير، أو تغريدة، أو منشور على موقع إلكتروني مشبوه، أن يخلق تأثيرًا يتجاوز ما كانت تصنعه حملات بروباغندا كاملة قبل عقود.

تتجلى خطورة الإعلام السيبراني في قدرته على اختراق المجال المعلوماتي للدول والمجتمعات، وإعادة تشكيله بما يخدم أهداف المهاجم، فالحدود السيادية لم تعد قادرة على وقف تغلغل المحتوى الرقمي، خاصة مع وجود شبكات ما يعرف (الذباب الإلكتروني) والجيوش السيبرانية، والحسابات المزيفة، التي تديرها جهات محترفة وتستخدم الذكاء الاصطناعي لتضليل المستخدمين أو تأجيج النزاعات. في حالات كثيرة، شهدنا كيف اندلعت أزمات داخلية في دول مستقرة نتيجة محتوى تم تضخيمه عبر الإعلام السيبراني، وكيف تشكلت موجات من الخوف أو الغضب الجماعي بسبب معلومات مزيفة، أو تسريبات مشكوك فيها، أو مقاطع مجتزأة من سياقها. ولعل أبرز الأمثلة على ذلك ما حصل في العديد من الدول خلال الانتخابات أو الاحتجاجات الشعبية، حيث تم استخدام الإعلام السيبراني لتوجيه المزاج العام وتفجير الشارع.

لقد شكلت الحرب الرقمية، بصفتها الصيغة الأكثر تطورًا للصراع في العصر الحديث، لا تقتصر فقط على الهجمات الإلكترونية التي تستهدف البنية التحتية، بل تشمل أيضًا الحرب على العقول والوعي. في هذا السياق، يعد الإعلام السيبراني رأس الحربة في المعركة، إذ يستخدم كأداة اختراق معرفي وثقافي، تسهم في تغيير المفاهيم، أو خلق واقع بديل، أو إرباك الخصم من الداخل. فالجهات الفاعلة لم تعد تركز فقط على نشر الأكاذيب أو التضليل، بل على زرع الشكوك في المعلومة الصحيحة، وخلق تعددية سردية تجعل المتلقي في حالة تشويش دائم، غير قادر على تمييز الحقيقة من الزيف. وهذا ما يضعف ثقة المواطن في دولته ومؤسساته، ويخلق فراغًا معلوماتيًا تستغله القوى المعادية لصالحها.

إن الاستراتيجيات السيبرانية الحديثة تعتمد بشكل متزايد على الدمج بين تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والإعلام الموجه. فعبر تتبع سلوك المستخدمين وتحليل تفضيلاتهم، يمكن إنتاج محتوى مخصص يستهدف فئات بعينها، بلهجتها واهتماماتها، وبما يتماشى مع توجهاتها النفسية والثقافية. هذا التخصيص يجعل الرسائل أكثر فاعلية، ويصعب مقاومتها، لأنها تبدو وكأنها نابعة من الداخل لا مفروضة من الخارج. وهنا يتحول الإعلام السيبراني من مجرد قناة بث إلى منظومة سيطرة وتحكم ناعم، تمهد الطريق لعمليات التأثير العميق التي لا يشعر بها الجمهور إلا بعد أن تكون قد أتمت دورها التخريبي.

إضافة إلى ذلك، فإن الإعلام السيبراني لا يعمل في فراغ، بل يتغذى على الأزمات الحقيقية ويضخمها، مستغلاً نقاط الضعف في المجتمعات المستهدفة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. فعندما تندلع أزمة سياسية مثلًا، تبدأ أدوات الإعلام السيبراني في نشر نظريات المؤامرة، والتشكيك في النوايا، وبث الإحباط، مما يؤدي إلى فقدان الثقة في المسار السياسي، ويعمق الانقسامات الداخلية. وفي الأزمات الاقتصادية، يتم تضخيم المخاوف، وترويج الإشاعات حول الانهيارات، ودفع الناس إلى اتخاذ قرارات غير عقلانية. هذا التفاعل بين الأزمة الواقعية والتضخيم الإعلامي السيبراني يخلق بيئة خصبة لنجاح استراتيجيات الحرب النفسية التي تستهدف كسر إرادة الشعوب من الداخل.

من المهم الإشارة إلى أن الإعلام السيبراني لا يُستخدم فقط من قبل الدول الكبرى أو الأطراف التقليدية في الصراع، بل أصبح في متناول جماعات غير حكومية، وميليشيات، وحركات متطرفة، بل وحتى أفراد يملكون المعرفة التقنية والتمويل اللازم. وهذا ما يضاعف من تعقيد المشهد ويجعل التهديد أكثر انتشارًا وعشوائية. كما أن طبيعة الفضاء السيبراني المفتوحة، وضعف الرقابة عليه، وعدم وجود قوانين دولية رادعة، كلها عوامل تجعل من الإعلام السيبراني ساحة حرب غير متكافئة، فيها يمكن لطرف صغير أن يحقق تأثيرًا ضخمًا دون أن يظهر بوضوح من أين جاء أو من يقف وراءه.

في ضوء هذا كله، بات من الضروري أن تضع الدول استراتيجيات متكاملة لمواجهة التهديدات الإعلامية السيبرانية، لا من خلال الرقابة التقليدية التي ثبت فشلها، بل عبر بناء وعي مجتمعي حقيقي، وتعزيز مناعة الجمهور تجاه التضليل، وتطوير أدوات الكشف المبكر عن حملات الحرب النفسية. كما أن الاستثمار في الإعلام الوطني القادر على إنتاج محتوى عالي الجودة، سريع الانتشار، وموثوق، يمثل خط الدفاع الأول ضد محاولات اختراق العقول والتلاعب بالحقائق. ولا يقل أهمية عن ذلك التعاون الدولي في مجال أمن المعلومات والسيطرة على الفضاء الرقمي، بما يحد من استخدامه كأداة للحرب والعدوان.

لقد تغير مفهوم الأمن القومي في ظل الإعلام السيبراني، ولم يعد الدفاع عن الحدود كافيًا، بل أصبح الدفاع عن الوعي الجمعي أولوية قصوى. فالحروب الحديثة لا تبدأ بإعلان عسكري، بل بمنشور أو تغريدة أو مقطع فيديو، وقد يكون التأثير المعنوي الذي تحدثه أكبر من أي قنبلة. إن من يربح معركة الرواية، ويملك السيطرة على المحتوى والمعلومة، يملك اليد العليا في المعركة. لذلك، فإن فهم الإعلام السيبراني، ومتابعة تطوراته، وبناء قدرة على التعامل معه، ليس ترفًا بل ضرورة وجودية في عالم يتغير فيه كل شيء بسرعة، ويبقى الوعي هو الهدف الأسمى لكل من يسعى للهيمنة أو التحرر.

لذا، يمكن القول إن الإعلام السيبراني أعاد صياغة قواعد الاشتباك في الحروب النفسية والرقمية، وجعل من الكلمة أداة اختراق أقوى من الرصاصة، ومن الصورة وسيلة إسقاط أسرع من القذيفة، ومن (اللايك) سلاحًا في معركة كبرى لا يسمع فيها صوت المدافع، ولكن تُخسر فيها الدول وتنهار المجتمعات بصمت، إنها معركة الوعي، والإعلام السيبراني هو ساحتها.

***

د. عصام البرّام

توقفنا مع الإمام محمد عبده عند قوله: "كل ما أنا فيه من نعمة في ديني، فسببها التصوف".

وقلنا إن هذه المقولة الخالدة وحدها استبصار ذوقي، كاشفة عن أذواقه وإشراقه الروحي ومراقي بصيرته؛ فهو يعد التصوف نعمة أنعم الله بها عليه في دينه، بل عنده أن "التصوف هو الدين"، "وأن ارتقاء النفوس في مقامات الكمال من العناية الإلهية هو بحث دقيق ممّا أختص به علم التصوف"؛ ولنلحظ أنه يذكر التصوف ولم يذكر الصوفيّة؛ لأن نقد الصوفية وارد ليس منه مانع، إذ كان نقداً للرجال وللأفكار. إنّما الفرق واضحُ وضوح الشمس في ضحاها بين إنكار أشخاص ومسالك، وإنكار قضايا وعقائد؛ فالأشخاص ممّا يجوز لك الاختلاف معهم ومع مسالكهم فيما شاءت لك حجة الخلاف أن تمضيها نقداً على الأعمال والأفكار، وعلى ما يكون وراؤها ممّا يكشف عنها فيما هو مخبوء تحتها من طوايا ونوايا وتخريجات.

وليست العقائد الكبرى هكذا؛ لأنها ليست سوى النصوص، صامتة في ذاتها لا ينطقها إلاّ من أراد النطق بها بمقدار ما يفهم، وبمقدار ما يلهم منها، ومن ذلك الفهم الذي يتوخّاه. أمّا التصوف فمعناه كبير جداً فهو القيمة العليا، هو الإحسان من الدين ومقام الإحسان من الدين إذا أوتيه إنسان فليس من نعمة فوقه.

وتتجلى لديه حكمة العارفين منهجاً لطريقة العمل والتفكير في أرفع صورها وأخلص عطاياها، حين يكون مع المتصوفة في رياضاتهم النفسية والفكرية؛ وله من الرأي السديد:" أن إلهام المتصوف "ذوق وجداني" لا يجوز له أن يدين به غيره، ولا ينكر أن لهم أذواقاً خاصاً وعلماً وجدانياً، ولكنه خاصٌ بمن يحصل له لا يصلح أن ينقله لغيره بالعبارة، فإنِّ هذا الذوق يحصل للإنسان في حالة غير طبيعية، وكونه خروجاً عن الحالة الطبيعية، لا يجوز أن يخاطب به المتقيد بالنواميس الطبيعية.

فكل ما يتصل بالمعارف الوجدانية والإيمان ممّا ليس في استطاعة البشر بذله أو البذل منه، وهو ما فضل الله به بعض الناس على بعض في المواهب الظاهرة والباطنة هو ما يسميه الصوفية بالأسرار التي قالوا فيها: إنها أمور ذوقيّة لا يعرفها إلا من ذاقها، فلا يصح أن تطلب ولا أن توهب".

ومع ذلك كله؛ فقد نجد بيننا الكثير ممّن فقدوا ذوق البصيرة والشعور الديني الصادق؛ من يرى أن التصوف ما كان، ولن يكون أبداً، حسب اعتقادهم، هو طريق الخلاص من وضعنا المتردي، لأنه في نظرهم طريق استسلامي يشجع على استكانة المشاعر وانهيار القوى في وقت نحن فيه بأمس الحاجة للروح الوثابة، والمشاعر الثائرة، والفكر النير، والحلول التي تخلصنا من مشاكل التخلف التي نرزح تحت وطأتها صباح مساء.

ومن الغريب الداعي للدهشة أن هذه الصفات الأخيرة التي ومضت من عقولهم على غفلة في زمن القيم الساقطة، والتي يرصّونها لفظاً ميتاً لا حياة فيه يجيء بغير معنى ولا مدلول هى صفات في الأصل من العمل الحي لمعطيات التصوف ومن فاعليته الكبرى، فالروح الوثابة الحرة الطليقة والمشاعر الثائرة والفكر الصافي المستنير هى في الواقع صفات الصوفي الحقيقي الذي لا يعرف للخمول ولا للاستكانة طريقاً بل هَجِّيرَهُ العمل، وديدنه الجهاد في سبيل مطلوبه، وغايته الإخلاص في القول والفعل؛ فلا يهدأ الصوفي أبداً إلا أن ينال ما يريد؛ لكن الفرق بينه وبين غيره من أصحاب الإرادات أن مراده غير مرادات الذين غرقوا في وحل الواقع المتردي؛ فانهارت قواهم على التصدي له بروح وثابة طليقة فلم يتقدّموا في إصلاحه خطوة واحدة، ولا حتى ترقيعه قيد أنملة، بل كلما رقعوه تمزق منهم ولا يزال مع التّمزّق حتى مزق بشراهته نفوسهم وقلوبهم حسرةً على الضعف والتردي والشّرَه المادي الساقط اللعين.

ولا يخفى أن للإمام محمد عبده موقفاً من نقد سلوك المتصوفة الطرقي التجهيلي الذي لا يقوم لديهم على العلم ولا المعرفة؛ بل على الاعتقاد السلبي في شيوخ التصوف مما بثت في نفوسهم أوهام الوساوس التي "تملك الجاهل وتربك العاقل إذا لم يغلبها بعوامل الدين الصحيح"، وعلى "اتخاذ الدين متجراً يكسب منه الحطام ويجعل من ذكر الله آله لسلب أموال الطغام"؛ ممّا يسبب لوثة الاعتقاد بل الشرك، وهو أمر لا ينفرد به محمد عبده وحده؛ بل وجد عند أعلام التصوف أنفسهم: نقد أنفسهم بأنفسهم نقداً ذاتياً منذ أيام المحاسبي في الرعاية لحقوق الله، والغزالي في الإحياء، والقشيري في "الرسالة"، ووصولاً إلى الشعراني في "آداب العبودية".

فلئن كانت حكمة العارفين قد تجلت عند الأستاذ الإمام والفيلسوف الحكيم في أعلى مراقيها، فهو من جانب آخر كان، طيّب الله ثراه، "... مع الحكماء المتصوفين ولا سيما الأخلاقيين؛ لأن التصوف عنده رياضة عقلية. غير أنه يرى لهذه الرياضة جانباً غير الجانب الحسي من الحياة الدنيوية يسميه "ذوقاً"، ويحمد من صاحبه أن يروض عليه ضميره ووجدانه ولا يدين به أحداً من المقيدين بالحياة الطبيعية أو الحياة الحسية؛ لأن الأمر في هذه الحياة لما يستقيم عليه صلاح الجماعة، ولا محلّ فيه للذوق الخاص الذي تراض عليه طبيعة العموم".

ذكر الإمام محمد عبده للسيد رشيد رضا يوماً قوله:" إذا أنا يئست من إصلاح الأزهر، فإنني أنتقي عشرة من طلبة العلم، وأجعل لهم مكاناً عندي في "عين شمس" أربيهم فيه "تربية صوفية" مع إكمال تعليمهم"؛ ويعقب رشيد رضا على ذلك، أن الإمام محمد عبده كان أقترح على السيد جمال الدين الأفغاني هذه الاقتراح أيام كانا ينشئان مجلة "العروة الوثقى" في باريس، ثم يقول رشيد رضا معقباً على هذا:" ولو تمَّ للأستاذ الإمام هذا على الوجه الذي يريده، لكان أعظم أعماله فائدة" .

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه: ولماذا التربية الصوفيّة؟

لأنها هى سبيله الذي قاده إلى الكمال، وقرر من يوم أن فتح الله بها عليه أن يكون كامل المعرفة، من طريق ذلك الشيخ الصوفي الشاذلي (درويش خضر) خال أبيه، الذي أخذ بزمام الجانب الروحي من تلميذه الفتي (محمد عبده) في عنفوان ثورة نفسية، قد وجه عواطف الشباب وخيالاته إلى معان من اللذائذ القدسية. مرة أخرى .. ولماذا التربية الصوفية؟ لأنها داعية إلى تلطيف السر بأنواع الرياضات؛ كالعبادة المشفوعة بالفكرة والألحان المستخدمة لقوى النفس، الموقعة لما لحن من الكلام موقع القبول من الإفهام ويعين على تلطيف السر- كما يقول ابن سينا في الإشارات - الفكر اللطيف، والعشق العفيف الذي تأمر فيه شمائل المعشوق لا سلطان الشهوة. إنه كانت التربية الحديثة تدعو إلى تهذيب الذوق بفنون الجمال، كما يقول الشيخ مصطفى عبد الرازق في ترجمة الإمام على صفحات جريدة المنار لمنشئها رشيد رضا؛ فإن التربية الصوفية تدعو إلى تلطيف الأسرار وتهذيب قوى النفوس.

ولا جَرَمَ كانت تلك التعاليم الصوفية من شأنها أن تربي الوجدان وتكمّل النفس وتزينها بمفعول الآثار. ولا جَرَمَ كذلك كان الشيخ محمد عبده صوفي الأخلاق.

وليس في المستطاع تصور تربية مستقيمة في رحاب الدين القويم بغير اعتماد التربية الصوفية؛ لتكون أساساً لها ومرتكزاً على دعائمها، وذلك لأن غرض صوفية المسلمين كان تربية المريدين بالعلم والعمل الذي غايته أن يكون الدين وجداناً في أنفسهم تصدر عنه الأعمال الصالحة ولا تؤثر فيه الشبهات العارضة.

ــ موقفه من الصوفية:

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: كيف أراد الأستاذ الإمام ـ في حالة يأسه من إصلاح الأزهر ـ أن يربي تلاميذه من طلبة العلم "تربية صوفية"، وهو في الوقت نفسه يكيل الهجوم على المتصوفة وبخاصّة في موقفهم من الحرية؟ أو كيف صار التصوف لديه بديلاً تربوياً وهو في ذات الوقت يحاربه، ويحارب معطياته العملية؟ وللإجابة على هذا السؤال نتوقف وقفة تحليلية نزيل بها هذه الإشكالية؛ لنرى موقف الأستاذ الإمام من مشكلة حرية الإرادة الإنسانية وتكييفها تكييفاً عقلياً وشرعياً أيضاً.

وبداية نقول: إذا كان الشيخ محمد عبده قَدَحَ في موقف الصوفية من الحرية، وبخاصَّة حرية الإرادة الإنسانية التي لا يعترف بها ولا ينشط لموجباتها إلا الجهلة والغافلون، فهو في موقفه هذا لا يعدُّ قدحاً على الصُّوفيَّة، ولكنه قدح بالجملة على الجهل والتخلف والركود الروحي وادعاء الولاية على وجه العموم.

وقد يفهم من أقواله إنه يقدح في موقف الصوفية من الحرية قدحاً شديداً، وينعي باللائمة على تركهم العامة يعيثون في تيه من الفوضى والعبث اسمه "الجبر"، ويعتبره موقفاً يكاد يكون خارجاً عن الإسلام، ولا يَكاد يعتبره موقف مَنْ يؤمن بقدراته وملكاته التي غرسها الله فيه. فواجب كل مسلم ـ كما قال ـ:

"هو أن يعتقد بأن الله خالق كل شيء على النحو الذي يعلمه، وبأنه يجب عليه مع ذلك أن يُقرَّ بأن أعماله منسوبة إليه، وأن يعمل بما أمره به وَيَتَجَنَّب ما نهاه عنه، وذلك باستعمال تلك الحرية التي يجدها من نفسه. وليس على المسلم بعد هذا أن يبحث فيما وراء ذلك".

أقول؛ قد يفهم منه أنه يهاجم التصوف والمتصوفة، ولكن فهم من يَفْهَم عن الأستاذ الإمام أقواله شيء، وحقيقة هذه الأقوال شيء آخر؛ لكأنما الصوفية لا يعيرون اهتماماً بالغاً لما كان قرَّره الشيخ، وهو الاعتقاد بأن الله خالق كل شيء، وأن العبد عليه أن يعمل بما أمره به ويتجَنَّب ما نَهاه، ويقر مع العمل بأن أعماله منسوبة إليه، فمن يفهم من قول الشيخ محمد عبده معنى أن الحريّة عند الصوفية تخالف هذا يفتري عليهم كل الافتراء.

نعم! قد يركن العجزة والمفلسون إلى البطالة والخنوع والتردي وكل ما يؤدي في عصب الحياة إلى الكسل والخمول، ثم نسبة ذلك كله إلى القضاء والقدر في الإسلام. ولكن هذا كله شيء، والتبتل العميق في باطن الوعي الصوفي شيء آخر، وهو ما أشار إليه محمد عبده نفسه، وهو بصدد بحث مشكلة القدر التي نهى القرآن ونهر الحديث عن الخوض فيها وكثرة الجدال لما يتضمنها جسيم الخطر، وركز على الإيمان بالقدر الذي لا يتطلب بحث هذه المشكلة الغامضة، غير أنه يجزم بأن التطلع إلى حلها هو "شَرَه العقول في طلب رفع الأستار عن الأسرار".

وليس في مقدور العامة ـ كما قال ـ أن تنفذ بصائرها إلى أسرار الحرية والقدر؛ فذلك شأن من شئون القليلين من أهل الولاية والصفاء.

وعليه يمكن القول، بأن الشيخ محمد عبده لا يُهَاجم الأولياء من كبار الصوفية، كيف وهو القائل: "إنه لم يوجد في أمة من الأمم من يضاهي الصوفية في علم الأخلاق وتربية النفوس، وأنه بضعف هذه الطبقة وزوالها فقدنا الدين".

ولقد تصوف مصلحنا العظيم - كما قال أستاذنا العقاد - زمناً في صباه، ولا نخاله أبتعد من طريق المتصوفة إلى ختام حياته. وهو ينسب نفسه إلى الطريقة الشاذلية، ويحترم أبا الحسن الشاذلي، وهو من أهل طريقته، ولم يكن سالكاً طريقة غيرها.

ولكن الأستاذ الإمام والفيلسوف الحكيم يهاجم خزعبلات العامة من المسلمين ممّن ساروا في غير علم ولا دلالة وراء كبار الصوفية، بيد أنهم لا يعملون عملهم ولا يطيقون مجاهداتهم، ولكنهم ركنوا إلى القضاء ركون المفلس العاجز الضعيف، فبثوا في نفوس الضعفاء أوهاماً لا نسبة بينها وبين أصول دينهم؛ الأمر الذي دفع الوهن بالمسلمين فكانوا يرزحون تحت ثقل الجبر بمعناه الكلامي لا بمعناه الصوفي؛ فالجبر بمعناه الكلامي مراء باطل وجدل عقيم حول أفعال الرّب وأفعال العبد، بما فيه "نظرية الكسب الأشعرية التي يعتبرها الإمام محمد عبده نظرية غير مفهومة.

أمّا الجبر بمعناه الصوفي فهو غير هذا كله: هو شعور دائم بالمعية الإلهية ليس إلا، شعور لا ينقض العمل والعبادة؛ بل يدفع إلى التَّحَرُّر من سطوات الأغيار؛ فهو ليس جبراً كلامياً سلبياً اتكالياً لا ينهض بعمل ولا يتقي شريعة ولا يتوقى العلم، كلا بل معيَّة دائمة لا ينفذ إليها إلا أهل الولاية والصفاء.

وليس أدل على هذا من قوله طيب الله ثراه:" إنه قد اشتبه على بعض الباحثين في تاريخ الإسلام، وما حدث فيه من البدع والعادات التي شوَّهت جماله، السبب في سقوط المسلمين في الجهل؛ فظنوا أن التصوف من أقوى الأسباب، وليس الأمر كما ظنوا ...".

ولكن هذا كله شيء، والتكاسل والخمول شيء آخر:" فما أشَدَّ جمود هؤلاء العامة وتواكلهم وإشفاقهم على أنفسهم من السَّعي والكفاح. وكأن لسان حالهم يقول: مَادَاَمَتْ قدرة الله قد حُدّدت من قبلُ كل شيء، فليس من الحوادث ما يقع خلافاً لما أراد الله. وإذا كان الله يعلم المستقبل منذ الأزل فلا بدّ أن المستقبل يكون على نحو ما يعلمه الله. وإذن ما الفائدة من العمل؟ وفيمَ نتكلف العناء والنَّصَبَ؟ إننا لا نغير قط شيئاً مما كُتبَ علينا في لوح العالم الآخر. أفليس خيراً لنا أن نسلّم أمورنا إلى المقادير دون أن نفرض على أنفسنا جهوداً مقضياً عليها بالضَياع.

إنّ مثل هذا القول إنْ هو إلا تحريف فاسد للعقيدة والدين؛ لأنه مذهب جبري بحت، لا يقوم على شعور ديني ولا على ذوق إيماني؛ فهذا الموقف الفاسد المهين للكرامة الآدمية هو الموقف المرفوض من قبل الشيخ محمد عبده؛ ولأن عقائد الإسلام تخالف عقيدة الجبر، فلم يكن هذا الموقف بالذي يؤيده القرآن الكريم، وهو الذي أيد الحرية بصراحة تامة، ومن غير مواربة في نحو ست وأربعين آية. وإذا كان هناك آيات أخرى قد يكون فيها ما يفيد فكرة القهر والجبر؛ فلم ترد تلك الآيات إلا لتقيم القوانين الإلهية العامة التي نُسَمّيها "نواميس الكون".

وفي إطار الدفاع عن الحريّة في الإسلام ونقد كل ما يقابلها من اتجاهات جبرية؛ يذهب الشيخ "محمد عبده" إلى أن الذين ينكرون الحرية يحتجون بالآية القرآنيّة القائلة: "والله خلقكم وما تعملون". وهم يفسرون هذه الآية على معنى أن الله هو خالق أعمال الإنسان. غير أنه يُلاحظ أن هذه الآية نفسها تقول "وما تعملون": فهي بذلك تفيد نسبة العمل إلى الإنسان، ولكنهم قد يزعمون بعدٌ أننا إذا صرحنا بحرية الإنسان، فقد رفعنا إرادته إلى مرتبة الإرادة الإلهية، وهذا يؤدي إلى الشرك بالله وهو كبيرة الكبائر. ولكن الأستاذ الإمام والفيلسوف الحكيم يدفع هذا الاعتراض على وجه لا يخلو من طرافة، فيبيّن أن الإنسان الذي يقترف إثم الشرك ليس هو الإنسان الذي يعول على قواه الخاصة وقدرته الذاتية، ويعد نفسه مسيطراً على أفعاله؛ بل المشرك هو الذي يفعل ذلك.

ــ وخلاصة القول:

إنما التربية الصوفية في الأساس أدبٌ وحضورٌ بالعلم والعمل بين يدي الله، تتوجه إلى غرس قيم دينية عاملة ونافعة ليس بالمستطاع لغيرها من أساليب التربية أن تغرسها.

هذا ما تبيَّنه الأستاذ الإمام محمد عبده نفسه من خلال تجربة عاشها وتذوق معالمها. ومن هنا فعندما نقول: إنّ اللفظة القرآنية لتشع في قلب المتصوف الذي يقرأ القرآن على شرعة الأدب وفريضة الحضور نوراً متصلاً وحياة جديدة، لكأنما يتلقاه بالمباشرة من ربِّ العالمين؛ فهو يحفظ تلك الألفاظ القرآنية؛ لأنه يعلم نورانيتها بمقدار ما يعلم ما عَسَاه تُضْفِيِهِ عليه هذه النورانيّة من حياة خصبة راقية متجدّدة، يكون قولنا واقعاً مقرراً من حياة كبار أئمة الصوفية أنفسهم ومن حياة الإمام محمد عبده نفسه.

وفي المحافظة على ألفاظ الشارع أسرار: أسرارٌ لا يعلمها  إلا أهلها الذين يحفظون في أنفسهم هذه الأسرار ممّا يتبع حفظهم لتلك الألفاظ حين يتوجّهون بها ذلك التوجُّه العلوي نحو شرف الغاية وقصد التحقيق. في الحفاظ على الألفاظ القرآنية أسرار. وفي الحفاظ على ألفاظ الحديث النبوي كذلك أسرار: ألفاظ الشارع فيها أسرار يلمسها لمس اليقين كل مَن تذوَّقها فيمضى من فوره باللفظة إلى غاية ما تصيبه من مكامن الشعور وفجاج الفكر وأغوار الضمير.

إنّ هذا الكتاب قيمة عُلوية كبرى ومباركة: قيمة تلخص الحكمة وتفرِّع مدلولاتها في الواقع وفي شتى مناحي الوجود، بمقدار ما تعطي الحكمة في الوقت نفسه خالصة لمن يخلص لها ويبذل قصارى ما في سعته من تقدير لهاته القيمة تقديراً يلمس آثارها في أعصابه وخلاياه، في جوفه وباطنه، في رُوحه وآفاقه. في كيانه كله، في حركته كلها، وفي سكونه وثباته، وفي مثواه الأخير.

إنه حقاً وصدقاً لمعجزة لا يدركها حق دَرْكها إلا من تحقق بها وعرف بعد التحقيق موارد الإعجاز فيه. طوبى للذين وفّقهم الله إليه؛ فاغتربوا عن هذا العالم وتبتَّلوا في رحاب الغربة من أجله "وَطوُبَى للغُرَبَاء".

وقد دل دليل الصدق في واقع تلك الشخصية الكبيرة: حياتها وأفعالها ومناقبها كما تبينت معالمها في أوصاف الأقربين ممّن عرفوه ولازموه: أنه كان سليم الفطرة، قدسيّ الروح، كبير النفس، صادف تربية صوفية نقيّة زهدته في الشهوات والجاه الدنيوي، وأعدته لوراثة هداية النبوة، فكان زيته في زجاجة نفسه صافياً يكاد يضئ ولو لم تمسسه نار. هكذا وصفه السيد رشيد رضا وافتتح ترجمته بعد وفاته بنحو عشرين سنة بقوله عنه:"إنّ هذا الرجل أكمل من عرفت من البشر ديناً وأدباً ونفساً وعقلاً وخلقاً وعملاً، وإنّ من مناقبه ما ليس فيه ندٌ ولا ضريب، وإنه لهو السريّ العبقريّ". وزاد الأستاذ العظيم عباس محمود العقاد فقال:" رأيت الشيخ محمد عبده مرات معدودة، ورأيته مرات لا تحصى في صوره الشمسية التي لا تلتبس إحداها ملامح صورة أخرى، فكانت النظرة الأولى كالنظرة الأخيرة إلى تلك الملامح فيما تنم عليه وتشير إليه: قوة وطيبة متفقتان لا يبين لك أنهما تنازعتا يوماً أو تتنازعان، فهو قوى لا ينازع طيبته نية من نياتها، وهو طيّب لا ينازع قوته دافعاً من دوافعها، وهو أقرب الناس سمة بما يرتسم في أخلادنا من سمات النبوة وهى في طلعتها الإنسانية بشر مثلنا، وإن لم نكن نحن بشراً مثلها فيما تتلقاه عن وحي الله".

وعندي أنه ليس هناك أدني مبالغة فيما ذكره الأستاذ العقاد ممّا عساه يرتسم من شخصية الأستاذ والإمام، وتبيّن له مما وصف من ملامحها، فهو بحق الفيلسوف العقلاني والحكيم المتأله، تجلت فيه حكمة العارفين كما تجلت فيه عقلانية الإمامة، ولم تنفصل صفة الفيلسوف وجهاد العقل والمعرفة، عن صفة العرفاء ممّن جهدوا أنفسهم في سبيل ارتقاء أممهم وعقائدهم التي يدينون لها بكل الولاء. وما من عجب فقد كان القرآن الكريم قبلته وهداه.

ليس من شك عندي أن دعوة الدين كما بيَّنها لنا الأستاذ الإمام والفيلسوف الحكيم، وكما نفهمها منه؛ لتهدف إلى الشعور بالاستقلالية والتميز، وبالطلاقة الرُّوحيَّة وبالتّفرُّد على شِرعة القرآن؛ ليُنتج الدين على هداها دوماً أُناسَاً خَلاَّقين.

***

د. مجدي إبراهيم

(التاريخ هو نتاج الإنسان لكنه لا يتركه حرّاً بالكامل).. أريك هوبسباوم

الخوف من التاريخ ليس مجرّد هاجسٍ عابر، بل هو ارتعاشةٌ في عمق الوعي البشري أمام مرآةٍ لا ترحم. إنه بوصفه سرداً متراكماً لأفعالنا وإخفاقاتنا، يكشف هشاشتنا أمام الزمن، ويفضح عجزنا عن بلوغ الامتلاء الذي نحلم به. من هنا ينبع السؤال: أهو الخوف من الوقائع الماضية بما تحمله من هزائم وانكسارات، أم الخوف من قوّته الرمزية التي تجعل الماضي سلطةً تحكم الحاضر وتكبح المستقبل؟

إنّ التاريخ في هذا المنظور، يتجاوز كونه أرشيفاً للأحداث، إنّه كائن أسطوري يتنفس داخل وعينا الجمعي، ينسج قوانينه الخاصة، ويتحرك بمنطق يعلو على رغبات الأفراد. إنّه “المطلق المتحرك” الذي يتغذى من لحظات الصعود والهبوط، لكنه لا يموت بسقوط الإمبراطوريات ولا بتفتت الدول، بل يواصل سيرورته بما يشبه القدَر. ولعلّ خوفنا الأكبر أن ندرك أنّنا لسنا سوى عابرين في نصّه، نضيف إليه شذراتٍ قد تُمحى أو تُؤوَّل وفق ما يشاء هو، لا نحن.

في هذا الأفق يصبح التاريخ أشبه بمرآة مزدوجة، مرآة تكشف الموت الرمزي للإنسان حين يدرك أن أفعاله تُستهلك سريعاً وتتحول إلى “أثر” بارد في سجلاته. ومرآة أخرى تُظهر العدم المخبأ في تكرار الوقائع، حيث تنقلب الصيرورة نفسها إلى دائرة مغلقة، تُعيد الأخطاء وتعيد معها فشلنا في “اقتدار الوجود”.

إنّ الخوف من التاريخ إذن هو خوف من ثورة زمنية لا نتحكم فيها، ثورة على محاولاتنا للسيطرة على السرد، وثورة على أوهام التقدّم الخطي، وثورة على فكرة أنّ الإنسان سيد قدره.

حين نُدرك هذا، نرى كيف يتحول التاريخ إلى سلطة رمزية تعيد تشكيل وعينا. إنه يطالبنا بأن نعترف بفشلنا وأخطائنا، لا لكي نسجن أنفسنا فيها، بل لكي نتحرر من وهم الكمال. وهنا تتجلّى المفارقة، ما نخشاه في العمق ليس الماضي، بل الحرية التي يكشفها الماضي، لأنّ مواجهة أخطائنا تفرض علينا أن نغيّر الحاضر، وهذا هو التحدّي الأشد.

لذلك يصبح التاريخ مجالاً للصراع بين الخوف والخلق، من جهة، هو قوة قهر، لأنه يعرّينا أمام أعيننا ويذكّرنا بأنّنا نتكرّر. ومن جهة أخرى، هو حافز للتحرّر، لأنه يبرهن أنّ كل لحظة جديدة تحمل إمكانية التخطّي.

ربما لهذا كتب نيتشه أن “التاريخ إذا استُهلك بلا وعي يصير سُمّاً”، فهو إن لم يُستفد منه بحكمة، يتحوّل إلى عبء يكبح حرية الإنسان ويجمّد صيرورته. غير أن فهمه لا يقتصر على الوقائع وحدها، بل هو حوار مستمر بين الحاضر وما مضى كما رأى غادامر، حيث يصبح الماضي نصًا حيًّا يُعاد صياغته في ضوء وعينا وحرّيتنا. وفي هذا السياق، يتقاطع قول ريكور: “الذاكرة ليست مجرد استحضار، بل إعادة صياغة مستمرة للزمن”، مع فكرة أن الإنسان ليس متلقياً سلبيًا للتاريخ، بل فاعل يضيف إلى نصه المفتوح ما يمنحه من إرادة ومعنى.

هوبسباوم يذكّرنا بأن “التاريخ نتاج الإنسان لكنه لا يتركه حرًّا بالكامل”، مما يضعنا أمام التوتر بين الحتمية والاختيار، وبين الوقائع الماضية وحرية التأويل. أما بروست فيُبرز أن “الزمن الماضي يعيش فينا أكثر مما نعيش فيه”، إذ يؤكد أثر التاريخ الرمزي على وعينا وعلى إمكاناتنا في الابتكار والتغيير. ويأتي ياسبرز ليقول: “كل إنسان يواجه التاريخ كمسألة وجودية، فهو امتحان للحياة والحرية”، ليضعنا أمام حقيقة أن تحدي التاريخ ليس مجرد مواجهة للماضي، بل ممارسة للحرية والإبداع في كل لحظة حياة.

 لكنّ هذا التاريخ في الوقت نفسه جعل من “التأمل التاريخي” أداةً لتحرير الإنسان من عبودية التكرار. فالتاريخ ليس قدراً مكتوباً، بل نصٌّ مفتوح، وما نخافه هو أن يفضح كسلنا أمام حريتنا.

إن مواجهة التاريخ ليست استسلاماً لسطوته، بل وعيٌ شجاع بكونه فضاءً يتقاطع فيه الفشل والأمل، الموت والميلاد، العدم والخلق. حين نراه كذلك، لا يعود كابحاً للصيرورة، بل يصبح شريكاً في ابتكار المعنى، مهما بدا كائناً أسطورياً يتحرك بنظامه الخاص

السؤال: هل التاريخ قوّة تُحاكمنا أم نصّ نعيد كتابته؟ حين نقول: «قد نكون أو لا نكون»، فنحن نلمّح إلى التاريخ ليس ضمانةً للوجود، بل ساحة امتحان. قبوله بأحكامه المطلقة يشبه اعتراف الإنسان بحدود حريته، لا مهرب من الوقائع التي جرت، لكن طريقة قراءتها هي ما يحدد حريتنا.

هنا يطلّ سؤال نيتشوي آخر عن “التاريخ النافع للحياة”؛ فالتاريخ قد يُقيد إن قرأناه كقدرٍ مُبرَم، لكنه يتحوّل إلى طاقة تحرّر حين نقرأه كحافزٍ لخلق مستقبلٍ مختلف. التاريخ ليس انتصارًا للغيب ولا للعقل وحدهما، بل هو فضاء صراعٍ حيّ تتقاطع فيه الحتمية والاختيار، المجهول والممكن. فإذا استسلمنا لسطوته المطلقة صرنا أسرى العدم واللاجدوى، وإذا أنكرناه جملةً فقدنا الجذور والمعنى.

 إنّ تحدّي التاريخ، في جوهره، وعيٌ مزدوج، أن نعترف بقوّته الكاسحة التي لا تُلغى، وفي اللحظة نفسها نمارس حريتنا في إعادة تأويله وكتابته، فنحيا لا كضحايا نصٍّ مكتمل، بل كفاعلين في نصّ مفتوح لم ينتهِ بعد، نصٍّ لا يُنجز إلا بقدر ما نمنحه نحن من إرادة ومعنى.

***

د. مصـطـفــى غَـــلمـان

إنَّ الأدب في المملكة العَرَبيَّة السُّعوديَّة هو امتدادٌ للتراث الأدبي العَرَبي الذي منبعه الجزيرة العَرَبيَّة. وقد نشأ في بداية العهد السُّعودي شِعرًا، وجاء وريث عصور انحدار العَرَبيَّة وآدابها في القرون الوسطى الإسلاميَّة؛ فكان عليه أن يتخلَّص تدريجيًّا من ذلك الإرث الثقيل. فاتجه إلى الإحياء، محاكيًا عصور العَرَبيَّة الزاهيَّة، منذ العصر الجاهلي إلى العباسي. وامتزج لدى بعض الشِّعراء نزوع الإحياء بتقاليد القصيدة البديعيَّة التي سادت خلال القرون الهجريَّة من السابع إلى الثاني عشر. على أنَّ منهم من طوَّر أسلوبه، ليرتقي من وهدة التراث بتقاليده إلى ضروب من الجِدَّة. لكنَّ الشاعر ظلَّ، في طَور ما يمكن أن يُسَمَّى مرحلة الإحياء، مقلِّدًا، لا أكثر، بلا مذهب اجتماعي ولا فني، يحذو حذو هذا الشاعر القديم تارةً وذلك تارة.

ثمَّ جعل الشِّعر يُراوح بين محيٍ لديباجة الشِّعر التقليديَّة، المتعلِّقة بمفهوم عمود الشِّعر، وآخَر حاول إدخال بعض قضايا العصر المستجدَّة. فكان من أعلام الطائفة الأولى: محمَّد بن عبدالله بن عثيمين، وأحمد بن إبراهيم الغزَّاوي، ومن الأخرى، أمثال: حمزة شحاتة، وحسين سرحان، وطاهر زمخشري، وحسين عرب، وخالد الفرج، وعبدالله بن خميس، ومحمَّد بن علي السنوسي. ويدخل في هذا التيار من حيث بناء القصيدة أولئك الشُّعراء المتأثِّرون بالشِّعر الحديث في مِصْر والشام والمهجر، ولا سيما بمدرسة أبولو في مِصْر، مثل: محمَّد حسن فقي، وعبدالله الفيصل، ومقبل العيسى، وأضرابهم.

ثمَّ جاءت موجة التجديد، وشِعر التفعيلة: محمَّد حسن عواد، وحسن عبدالله القرشي، ومن تلاهم حتى وقتنا الراهن.

على أنها بدت ملامح التطوُّر في قصيدة الحداثة خلال العِقد الأوَّل من القرن الحادي والعشرين واعدةً بآفاق مستقبليَّة أكثر نضجًا وتخلُّصًا من عثرات المراحل الانتقاليَّة التي مرَّت بها، إبَّان السبعينيَّات والثمَّانينيَّات من القرن الماضي. وبالرغم من أنَّ التحوُّلات النوعيَّة ظلَّت وئيدةً، فإنَّ الاستقراء يشير إلى أنَّ القصيدة الحديثة ما زالت في طريقها إلى عهدٍ جديد، يُنبئ عن انصهار التيارات في تيارٍ جديد، كنتُ قد أطلقتُ عليه (الحداثة الأصيلة، أو الأصالة الحداثيَّة).

-2-

أمَّا في ميدان النثر الأدبي، فمن الملامح اللَّافتة أنْ بدا أحيانًا ما يُسمَّى (القِصَّة القصيرة جِدًّا) (قصيدة نثرٍ في قِصَّة قصيرة جِدًّا)، أو( قِصَّة قصيرة جِدًّا في قصيدة نثرٍ)، في تزاوجٍ يجعل الفارق بين هذين النوعين شفَّافًا جِدًّا، حتى لا يكاد يميِّز القِصَّة القصيرة جِدًّا سِوَى التزامها حكائيَّة ما، في حين لا يلزم ذلك قصيدة النثر. فكما أن بعض الشِّعر لا يميِّزه عن النثر سوى الإيقاع- والإيقاع وحده ليس ما يمنح الشِّعر شِعريَّته الكاملة، وليس فقدانه هو ما يمنح النص نثريَّته بالضرورة، وإنما الإيقاع عنصر فارق للشِّعر- كذلك يلزم أن تكون الحكائيَّة عنصرًا مائزًا لكلِّ ما يندرج تحت اسم «قِصَّة»، طالتْ أم قصرت.

وكذلك بدا توالج الشِّعريِّ بالروائيِّ، لينشأ بينهما ما وَسَمْتُه في بعض دراساتي بمصطلح «القصيدة-الروايَّة». وإذا كان التداخل بين الشِّعريِّ والسرديِّ معدودًا في الكتابات المعاصرة من جملة التقنيات التعبيريَّة الحداثيَّة، أو ما بعد الحداثيَّة، فإنَّ لذلك أسبابًا شِعريَّة عَرَبيَّة تجعل العوامل مضاعفة في بروز هذه الظاهرة في السياق العربي. بيد أنَّ الأمر يزداد حِدَّةً إشكاليَّةً حين يكتب النصَّ السرديَّ شاعرٌ ذو تجربة لافتة، فيتمخَّض عمله عن شكلٍ كتابيٍّ ملتبس الهويَّة، يقع في منطقة برزخيَّة بين نوعين أدبيَّين (الشِّعر والروايَّة)، جديرةٍ بأن تُعطَى تسميتها المائزة، المتَّفقة مع طبيعتها الخاصَّة. ويأتي هذا الشكل الكتابي نتاجًا حداثيًّا، تنطمس فيه الفروق بين الأجناس الأدبيَّة، حيث بات الشِّعر يتقمَّص النثر، منذ: تي. إس. إليوت T. S. Eliot، وإي كامنجز Ee Cummings، كما يتقمَّص النثر الشِّعر، مثلما هي الحال عند: فرجينيا وولف Virginia Woolf، أو جيمس جويس James Joyce، أو نيكوس كازانتزاكي Nikos Kazantzaky. والروايات اليوم- كما يشير الشاعر المكسيكي (أوكتافيو باث Octavio Paz)- تنزع عمومًا إلى التحوُّل أكثر فأكثر إلى تشكيلات لفظيَّة، غير كثيرة الاختلاف عن بِنَى الشِّعر، كما تستعيد القصيدة لدَى بعض الشِّعراء النَّفَس الملحميَّ، فتقترب من الروايَّة. 

وبهذا، فإذا كانت الروايَّة قد جاءت في العصر الحديث وريثة الملحمة الشِّعريَّة- التي كانت هي «القصيدة-الروايَّة»، في صيغتها العتيقة- فإن (القصيدة-الروايَّة) اليوم، في صيغتها الجديدة، تأتي بمثابة ارتدادٍ إلى نوعٍ من جنسٍ أدبيٍّ مهجور، هو الملحمة. غير أنَّ (القصيدة-الروايَّة) الجديدة، تتخلَّص من حِدَّة الحضور ذي الوجود الكامل لكلا الجنسين- الشِّعري والروائي- كي تُنشئ نمطًا جديدًا من التماهي بينهما، وإنْ كانت كفَّة الشِّعري فيها تميل إلى الرُّجحان. وهذا ما يدعو إلى تسميَّة النص بـ(قصيدة-روايَّة) لا بـ(روايَّة-قصيدة).

تلك ملامح عجلَى من مراحل تطوُّر الأدب السعودي حتى وقتنا الراهن.

-3-

على أنَّ الرؤية المستقبليَّة تحدو الأمل إلى تفعيل الثقافة- وفي جوهرها الأدب- لتأخذ دَورها الحضاري محلِّيًّا وعالميًّا؛ فليس من المقبول أن تكون المملكة العَرَبيَّة السُّعوديَّة، بتاريخها الضارب في الذاكرة الإنسانيَّة على هامش الثقافات، أو أن تتعامل مع الثقافة رديفةً لشؤون أخرى. وليست الثقافة بمهرجانات ملوَّنة، واحتفاليَّات يُدعَى لها الأصفياء، وليست بأضواء إعلاميَّة، وتوقيع كتب، وتغريدات «إكس»، وعلاقات عشائريَّة في زمن الثورة المعلوماتيَّة. إنَّها- كما ينبغي لها أن تكون- ثقافة الأرض التي تمثِّل أرض الإنسان الأوَّل، ثمَّ التي تمثِّل أرض العروبة والإسلام الأُولى، بآثارها، وتاريخها، وفنونها وآدابها، الجديرة بأن تكون في صدارة ثقافات العالم. ذلك أنها ثروةٌ أهم من النفط، حتى على المستوى الاقتصادي، بوصفها مادة الاقتصاد المعرفي الأُولى، ورافدة الاقتصاد العام. وكما أقول دائمًا: لقد آنَ التنقيب عن ثقافتنا وآثارنا وتقديمها إلى العالم، في القرن الحادي والعشرين، كما كان التنقيب عن الثروات المعدنيَّة في القرن الماضي. بل إنَّ ثروة المملكة في مجال الثقافة والآثار أهم من ثروتها النفطيَّة، وأبقى؛ فهي الماضي والحاضر والمستقبل. ومنذ إنشاء وزارة باسم (وزارة الثقافة)، واستقلالها عن (وزارة الإعلام)، استجابةً لمطالبات متكررة بذلك، والأمل معقود عليها لتحقيق الآمال الثقافيَّة التي أُنشئت من أجلها.

إنَّ الأدب- من حيث هو- قائم ونشط وفاعل، منذ نشوء المملكة. والأدباء الحقيقيُّون كثر. ذلك أن الجزيرة العربيَّة تاريخيًّا هي منبع اللُّغة العَرَبيَّة وآدابها، وهي في العصر الحديث حافلة بالشُّعراء والكتاب والمثقفين والمفكرين. ويأتي تفعيل هذه الواجهة الحضاريَّة الخصبة وتنظيمها، بوصفها رافدًا رئيسًا من روافد التنميَّة وبناء الإنسان، وهي من أهم محرِّكات التحول الوطني إلى المستقبل، وتحقيق رؤية 2030. ذلك أنَّ من ركائز القوَّة الأُولى في رؤيَّة المملكة 2030: الاهتمام بالعُمق العربي والإسلامي. ومن توجُّهات المحور الأوَّل في الرؤيَّة، الذي يدور حول حيويَّة المجتمع: دعم الثقافة، وبناء الشخصيَّة. وفي الأهداف الاستراتيجيَّة لهذا المحور يأتي تعزيز القِيَم الإسلاميَّة والهويَّة الوطنيَّة. وذلك من خلال المحافظة على تراث المملكة الإسلامي والعربي والوطني والتعريف به، والعنايَّة باللُّغة العَرَبيَّة. ومن ضمن الأهداف الاستراتيجيَّة كذلك: تمكين حياة عامرة وصحيَّة، بوسائل منها: دعم الثقافة والترفيه، ومن ذلك تنميَّة المساهمة السُّعوديَّة في الفنون والثقافة. ومعلومٌ أنَّ الأدب يُعَدُّ القاسم المشترك الأعظم بين تلك الأهداف الاستراتيجيَّة لمحور حيويَّة المجتمع، بالنظر إلى موقعه الجوهري في بناء القِيَم والهويَّة، وكونه وعاء اللُّغة والتراث والثقافة، وهو فوق ذلك بمثابة الأب للفنون الأخرى، قديمًا وحديثًا. فمن نافلة القول أنَّ إيلاء الأدب ما يستحق من رعايَّة، ودعم الأدباء، وتنظيم شؤونهم من خلال جهاز مرجعي واحد، هو من آليَّات العمل الأساس لتحقيق برامج رؤية 2030.

غير أنَّ ثمَّة نقاط قصور، أراها ما زالت قائمة دون تحقيق الرؤيَّة الثقافيَّة. فبالرغم من أنَّ الأديب منذ ارتضى الأدبَ حرفةً، يدرك أنَّ «حرفة الأدب ستُدرِكه»، ولذا فما ينبغي أن يعوِّل في حِراكه الإنتاجي على آخَر، غير أنَّ هناك جوانب تنظيميَّة، وأبعادًا إنسانيَّة، يؤمَّل أن يكون للجهاز التنظيمي دورٌ مهمٌّ في رعايتها ودعمها وتنميتها.

ونفصِّل القول في مقال الأسبوع المقبل، بعون الله.

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

كان الفيلسوف لوسيوس أنيوس سينيكا من الشخصيات الرئيسية والمؤثرة في الفلسفة الرومانية القديمة. مثلما ابكتيتوس و ماركوس اوريليوس، كان سينيكا من أبرز الفلاسفة الرواقيين والذي ساهم الى حد كبير في الفكر الرواقي. كان سينيكا يؤمن وبحزم بقوة الفلسفة في تعزية الناس وقد كتب في نطاق واسع من الموضوعات، غالبا على شكل رسائل الى أصدقاء ومقربين. العديد من أعماله تقدم نصيحة عملية حول كيفية العيش دون الانغماس في المخاوف والهموم المجردة. هذا ينطبق خصيصا على عمل سينيكا (رسائل من رواقي).

منْ هو سينيكا؟

أمضى سينيكا حياة رائعة ومضطربة انتهت بإقدامه على الانتحار بطلب من الامبراطور نيرو عام 65م. وُلد سينيكا في قرطبة في اسبانيا سنة 1 ق.م، ثم أمضى شطرا من حياته المبكرة في مصر، وتعلّم الفلسفة والبلاغة في روما. هو اصبح محققا – نوع من وظيفة عمومية – وعُرف لدى مجلس شيوخ روما كونه متحدثا ممتازا في الاحاديث العامة. عوقب سينيكا مرتين بعقوبة كانت أقرب الى الموت من جانب الامبراطور كاليجولا وكذلك من خليفته الامبراطور كلوديوس بتهمة التآمر السياسي. بعدها، نُفي سينيكا الى كورسيكا التي بقي فيها الى ان استُدعي الى روما لتقديم النصح والاستشارة لنيرو.

كان سينيكا منخرطا في حكم الامبراطورية الرومانية اثناء الفترة المبكرة من حكم نيرو وساهم الى حد كبير بالتغييرات القانونية والمالية . هو ايضا جمع ثروة لا بأس بها. وعندما تغير وضع سينيكا السياسي، غادر روما في السنوات الاخيرة من حياته ليركز على الفلسفة والكتابة. وبعد ذلك بعدة سنوات،اتُهم سينيكا بالتآمر ضد نيرو وطُلب اليه ارتكاب الانتحار. بالاضافة الى كونه رجل دولة وفيلسوف، كان سينيكا ايضا كاتبا مسرحيا. مسرحيته (ثيستس) اعتبرها البعض قدمت أحداثا مفصلية وهامة لشكسبير في مسرحيته (Titus Andronicus).

سينيكا والرواقية

كان سينيكا فيلسوفا رواقيا، وعلى الرغم من ارتباط الرواقية بروما القديمة، لكنها نشأت في اليونان الهيلينستية. هذه كانت الفترة التي أعقبت ارسطو عندما كانت اثينا تحت حكم الاسكندر الاكبر. في هذه الفترة برزت اثنتان من المدارس الفلسفية الهامة والمتنافسة وهما الايبيقورية والرواقية.

تأسست الرواقية بواسطة زينو (من سيتيوم) حوالي سنة 300ق.م. انها اكتسبت اسمها من الرواق "stoa" والذي كان عبارة عن ممر مغطى بالاوراق يُستعمل في الاماكن اليونانية العامة. هذا كان المكان الذي درّس به زينون فلسفته. الرواقية هي نظام فلسفي كامل يغطي علم الكون والاخلاق وتحقيقات في المنطق. العقيدة الرواقية المركزية هي ان الكون مؤلف ومرتب بواسطة اللوغس او العقل. هذا يمثل كل من المادة بأدنى درجاتها والله ، الطبيعة،القدر، او الرعاية الالهية. جميع الاذهان البشرية تحتوي على شيء من العقل، وان الهدف من حياة الفرد هو اكتشاف كيف يعيش في انسجام مع هدف العقل الكوني او اللوغس.

العيش طبقا للفضائل الرواقية

ان فكرة اللوغس استمرت لدى الرواقيين الرومان الذين لازالوا مشهورين الى يومنا هذا وهم : سينيكا، ابكتيتوس وماركس ايرليوس. لكن أخلاق الرواقيين أكدت على الفضائل الاساسية للشجاعة والعدالة والاعتدال والحكمة التي اصبحت سمة بارزة في الرواقية الرومانية. انها وفرت مجموعة من القيم التي نُظمت حولها الحياة الرومانية (خصيصا الارستقراطية).

في العصر الامبراطوري المبكر، الذي عاش فيه سينيكا وكتب، اصبحت الاخلاق الرواقية شكلا من المقاومة للنظام الامبراطوري القمعي. التأكيد على تربية حياة الفضيلة الداخلية طبقا للّوغس كان يعني التركيز على المسؤولية الفردية والانفصال عن الخيرات الخارجية التي يمكن ان تختفي في يوم ما. معنى هذا ان العديد من الرواقيين الذين كانوا في الغالب ارستقراطيين، آمنوا بقيم تصطدم مع الامبراطور وحكمه. الفضيلة هي الشيء المهم للرواقيين – هم اصبحوا غير مبالين بأي شيء آخر. شخصية الفرد وكيف يتصرف هو كل ما يقع تحت سيطرته. الفضيلة الباطنية لايمكن سلبها في نزوة امبراطورية. هذه هي الاخلاق الرواقية الاخيرة التي يستطلعها سينيكا في (رسائله). سينيكا كان يهتم بالسؤال عن كيفية عيش حياة جيدة اكثر من الاهتمام بتعقيدات الميتافيزيقا والمنطق.

أهمية دراسة الفلسفة

كتب سينيكا رسائله الى لوسيليوس جورو Lucilius Juror اثناء الفترة الاخيرة من حياته، بعد تقاعده من الواجبات العامة في روما وانتقاله الى الريف. دعا سينيكا بحماس لتعزيز قيمة دراسة وتطبيق الفلسفة على حياة الفرد، وشجع لوسيليوس على القيام بنفس العمل. هو أعطى عدة اسباب لهذا في عدة أماكن في (الرسائل). احد الاسباب التي يعطيها سينيكا هي في رسالة مبكرة. هو يجادل ان اول أمل بدراسة الفلسفة هو "الشعور بالزمالة والانتماء الى البشرية". هذا يأتي اثناء مناقشة حول عدم تنفير الناس عبر الاختلاف الشديد عنهم. مظهر هام للفلسفة الرواقية هي انها تؤمن بوحدة جميع الناس. الرواقية تعزز العالمية وهذا يأتي من فهم اننا جميعنا متساوون بصرف النظر عن المنزلة. نحن جزء من الطبيعة، جزء من اللوغوس.

يقتبس سينيكا، في العديد من الرسائل من ابيقور. هذا يسلط الضوء على حب سينيكا للفلسفة لأن الايبيقورية نُظر اليها كمافس رئيسي للرواقية. كان سينيكا متلهفا لتعلّم الحكمة. هو يرى ان الحكمة والحقيقة هما لجميع الناس بصرف النظر عن المصدر الذي تأتي منه. الحكمة هي ملكية مشتركة. هو يجادل مع ابيقور بانه عندما يكون المرء عبدا للفلسفة ذلك يجلب الحرية لأن الفلسفة والفهم الصحيح يحررنا من المعاناة ويجلب الهدوء (ataraxia).

الحكمة تجلب الحياة السعيدة

النقطة الاساسية بالنسبة لسينيكا هي "لا أحد يستطيع ان يقود حياة سعيدة بدون السعي للحكمة". سينيكا يعترف بان الفلسفة ليست محببة ولا هي مسلية وانما هي هامة جدا لتعلّم كيفية عيش حياة أعمق واكثر معنى. انها تحدد الشخصية، وتجلب النظام للحياة، تعطي ارشادا في كيفية التصرف وما يعمله المرء او لا يعمله في مختلف الظروف. انها تحافظ على ابقاء السفينة متوازنة وباتجاه الهدف المقصود. الأهم من ذلك كله، ان سينيكا يسلط الضوء مرة اخرى على ان الفلسفة تجلب الحرية من الخوف والقلق. وبما انها تتولى مهمة كشف الحقيقة في العالمين البشري والالهي، فهي توفر عزاءً في أوقات المحن. نحن نرى الواقع كما هو واقعا وليس لأن الآخرين يفترضونه او يخبروننا عنه. وهنا تكمن الراحة.

تنمية المرونة

الرواقية تدعو للاتزان حتى وسط اكثر التقلبات في الحياة. وكما لاحظنا انفا، سينيكا عاش في فترات غير مستقرة في ظل حكم اثنين من الاباطرة الاستبدادين الأكثر قسوة. في رسائله، سينيكا عادة يفكر في الحاجة الى تربية الفضيلة الداخلية والمرونة ليكون الفرد حرا من القلق. ان دراسة الفلسفة كانت هي الاساس في هذا، كذلك، نصح سينيكا بمواجهة الخوف وقبول الموت عبر التركيز على اللحظة الراهنة. في موضوع بعنوان (حول قصر الحياة)، وفي (الرسائل) ايضا، هو يؤكد على عيش كل يوم كاملا كما لو كان الاخير. هو يكتب، "كل يوم .. يجب ان يُنظم كما لو كان اليوم الاخير في السلسلة، يوم يستكمِل حياتنا".

اساسا،هذا عبارة عن عيش بإمتنان، معرفة ان ثروة المرء يمكن ان تتغير بسرعة. انه ايضا يأتي من العيش بفضيلة والتصرف من دوافع شريفة. عمليا، سينيكا ينصح بشكل من التدريب الزاهد للناس الذين يعيشون في خوف من فقدان ثروتهم ومكانتهم. هو اعتقد بانه لأجل ان تكون مرنا في أوقات الشدة فمن الضروري ممارسة هذا التدريب من خلال محاكاة ظروف صعبة. يجب على الشخص ان يمارس مرة واحدة في الشهر كونه فقير عبر قيامه بتزيين الخرق البالية، يأكل فقط الخبز والماء وينام في أماكن خشنة. بهذه الطريقة، يستطيع الشخص ادراك ان ما يخشاه لم يكن سيئا جدا، وان الفضيلة الداخلية، وليست الظروف هي مقياس الشخص.

شيئان يسببان التعاسة

يرى سينيكا اننا ننزعج بشيئين اثنين، الاول هو تذكّر المشاكل في الماضي، والثاني هو القلق مما يأتي من أشياء في المستقبل. هدف سينيكا هو ازالة كلا النوعين من التفكير. الماضي لم يعد يشكل اي اهتمام، والمستقبل لم يأت بعد. عندما تحل الكوارث والصعوبات، يجب على الشخص "المواجهة بكامل الحماسة والتصميم". المكافأة ليست الشهرة او الثروة وانما في "القيمة الاخلاقية" و "قوة الروح".

تجدر ملاحظة، ان سينيكا يقول "كل شيء معلّق على تفكير المرء". التجارب والمحن يمكن جعلها افضل او أسوأ اعتمادا على الكيفية التي يفكر بها الشخص تجاهها. ان عزاء الفلسفة وليس اتّباع افكار الحشد هو منْ يرشد المرء للتفكير بالطريقة الصحيحة.

حين تكون رواقيا في مواجهة الموت

هنا يتسع التفكير حول الموت عبر قبوله وعدم الخوف منه. سينيكا جادل بان الحياة اذا كانت شريفة فهي ليست غير تامة. من المهم جدا ان تكون "انسانا جيدا" اكثر من أي شيء آخر وحالما يتحقق هذا، سيكون الباقي مجرد اضافة. الموت ليس الاّ انتقالا او تحوّلا الى شيء آخر. سينيكا يقول "كل رحلة لها نهايتها".

بعد وقت قصير من كتابة رسائله الى لوسيليوس، واجه سينيكا موته، حيث أمره الامبراطور نيرو بالإقدام على الانتحار. الكثير من حياة سينيكا تلفّها التناقضات، لكنه واجه موته رواقياً وبشكل درامي مثير. كان حدثا مدبّرا حيث شرب السم وهو محاط بأصدقائه مقلّدا بذلك موت سقراط. من السهل رؤية لماذا ينال سينيكا إعجاب الناس حاليا. نحن نواجه العديد من نفس القضايا المتعلقة بظروف الانسان، أقلها فهم كيف نعيش حياة جيدة.

***

حاتم حميد محسن

.................

The collector.com, Sep 29, 2025

محنة غرابيل الفلاسفة (3)

قيل في الأثر أن قوة الأكاذيب ليست في براعة صُانعها، ولا في حبكة بنيتها واتساق مشاهدها ولا في دهاء المزيفين لوقائعها، ولا في قدرة سبكهم ثوابت الأحداث بتلفيقات الإفك والخيال، ولا في قوة ذيوعها وإن أصبحت شائعة، تلوكها الألسن وتعتادها الآذان، حتى لا تمجها الأذهان فتصبح بمرور الزمن حكايات موروثة وتدرج ضمن الحقائق المُصدقة. أجل كل ذلك لا يعظم من سلطان وأثر الأكاذيب في المجتمع بل إن الخطر الحقيقي يكمن في جهل الرأي العام وسذاجته في تصديق ما يسمعه من أخبار السوق أو الثقافة السائدة أو أحاديث المشاهير وتقاعس قادة الرأي المسؤولون عن تربية العقل الجمعي، وتوعيته عن مجابهة هاتيك الأضاليل وفضح مغزاها والشر الكامن في ثناياها.

وعندي أن غيبة التفكير الناقد عن مداركنا هي التي أعيت معارفنا وضللتها وحالت بين الرأي العام وقدرته على تحليل ما يدور من حوله من أكاذيب ممنهجة -ولاسيما في هذا العصر- أجل هي التي كانت وسوف تظل علة تشتت أذهاننا، وعجزِنا عن اتخاذ الرأي الصائب والحكم الصحيح فيما نتعرض له من قضايا وأحداث ومواقف، علمًا بأن تلك الآفة كانت السبب الرئيس في ظهور ثلاثة اتجاهات : أولها أصحاب الشك المطلق والجدل المتقن والسفسطة المنكرة للحقائق المطلقة، وثانيها : محترفو صناعة الكذب الشيطاني الذين جعلوا إضلال الأذهان وإعماء البصائر عن الحقائق حتى تكتب لهم السيادة وامتلاك أكبر قدر من اللذة والمنفعة، وثالثها: السلفيون المتواكلون الذين جاءت خطاباتهم إنشائية بمعزل عن المناهج العقلية والدفوع العلميّة في ردودهم ونقودهم ومناظراتهم ضد خصومهم.

وسوف نتحدث في عجالة عن الأكاذيب التي أنتجها الاتجاهان الأول والثاني، وسوف نسهب بعض الشيء في إيراد دفوع الاتجاه الثالث الذي يمثل الأباء والقديسين الذين حاولوا التصدي لأكاذيب المنتفعين، فارتكبوا من الشرور والآثام أخطاءً وجرائم بنيت دوافعها على الأكاذيب أيضًا.

***

وإذا ما تناولنا النقطة المركزيّة التي انطلقت منها أكاذيب الاتجاه الأول فسوف نجدها تتمثل في (الارتياب المطلق) أي الشك المطلق البيروني، وهو درب من دروب الشك الفلسفي أسسه بيرون الإيلي (نحو370:272 ق.م)، ومن تلاميذه تيمون  (حوالي 320 -230)، وإينسيديموس (قبل الميلاد)، أجريا   (قبل الميلاد)، سيكستوس إمبيريكوس ( القرن الثاني قبل الميلاد)، وينكر أصحاب هذا الاتجاه وجود حقائق مطلقة، ويكذبون ما يطلق عليه اليقين ودرجاته (علم اليقين، عين اليقين، حق اليقين)، ويرتابون كذلك في مدركات الحواس ونتائج التجريب ويتهكمون على الصوفية وخطاباتهم المفعمة بالحَدْس والإلهام والرؤى، فهم يعلقون كل الأحكام (صدق وكذب، خير وشر، غائب وحاضر) ويطلقون على ذلك المفهوم (الإيوخيه)، (أي تعليق الحكم)، وينعتون الأنبياء بأنهم مخادعون مهرة في الإفك والتدليس والسحر والتلفيق، ومحترفي صناعة الأوهام التي تُصيب العقول بالعجز، وتفتن العيون والبصائر، ولاسيما أحاديثهم عن العالم الغيبي، ورغم ذلك لا يبغضون السحرة، ولا المجترئين والهراطقة وينعتونهم بالأفاضل السعداء، لأنهم لا يسلمون بأي شيء، ولا يجهدون عقولهم بإدراك المتحولات، ما دامت النسبية والتغير هو الثابت الوحيد الذي يمكن الاحتكام إليه عبثًا، فلا جدوى من اعتناق أي دين أو التسليم بوجود أشياء، وإن اجتمع المغيبون على وجودها أو إنكارها، فالحكيم عندهم هو الذي يستمتع وحده بالهدوء والسكون والصدق مع ذاته، وكيف لا فهو لا يدافع عن رأي ولا يختصم مخالفيه، ولا يناظر أحداً، بل يتهكم على المتناظرين الباحثين عن لا شيء، والمنتصر منهم لا يظفر إلا بالوهم، ولا يستحق من المشاهدين إلا الظن في وجوده. وقد لعب الشكاك في العصر الوسيط الشاغل بالمعارف القطعية، واليقينيات الغيبية والبراهين الحدسية، الدور الأكبر في ذيوع الأكاذيب من جهة، وشكلت العائق المركزي لسلامة الاستنباط أو التحليل أو الاستقراء من جهة أخرى، وذلك نتيجة لهدمهم المقدمات الأولى أو الثابت الذي تحتكم إليه هذه النهوج، فعلى سبيل المثال إذا ما طرح أحد أمامهم قضية طالبًا الفصل فيها تجدهم يشككون في كونها قضية، وفي فهم السائل لها، وفي الحلول المقترحة، ومدى استيعابهم لما لم يفهموه منها، فيطلبون من السائل الانصراف أو تركهم لما يعتقدون أنهم كانوا فيه.

ويروى عن سيكستوس إمبيريكوس (نحو القرن الثاني الميلادي)، وهو أحد الشّكاك الكبار في مطلع القرن الثاني الميلادي، أنه حاور أحد المبشرين بالمسيحية فسأله عن علة اتهام أصحاب الشك المطلق بالهرطقة والكذب، فأجاب الفيلسوف الشاك : بأننا لسنا هراطقة ولا كذابين، فالشك عندنا لا يسقط أو يتوقف إلا عند بلوغنا الدليل أو البرهان أو الحجة، والواضح أمامنا أن كل ما تتحدّثون عنه مجرد كلام مرسل ليس له أي أداة من أدوات المعرفة التي نطمئن إليها، أو إثباتها.

أمّا تهمة الهرطقة فهي بعيدة كل البعد عنا، لأننا لا نؤمن بشيء على الإطلاق؛ فالإيمان عندكم هو التسليم والإذعان بحقيقة ترونها  ولا نراها، وتقدمون الإيمان على النظر العقلي الذي يكبل آليات إدركاتكم. وكل ذلك عندنا مرفوض تماماً، ومن ثمّ نحن لم نصدق لكي ننكر بعد ذلك فنصبح هراطقة.

ولعل هذا التصريح يبرر أمرين: أولهما إدراجنا أصحاب الشك المطلق ضمن صناع الكذب في هذا السياق.

وثانيهما أن بعض أصحاب الخطاب المتفلسف من اللاهوتيين وعلى رأسهم القديس أوغسطين قد أكدوا أن متفلسفي الشك المطلق قد شكلوا عائقاً كبيراً أمام العقل المؤمن وتسليمه بأن المعرفة الإلهيّة تحمل بين طياتها اليقين الذي يملك جوهر الحقيقة واليقين وحده.

 بذلك اللغو والسفسطة تناول الشكاك كل الآراء الفلسفية والعقدية والعملية، بل والمشاهدات اليومية، ومن أشهر الأكاذيب التي طرحوها لإثبات انعدام اليقين وتهافت البراهين وعجز العقل عن الإدلاء بأي حكم مقنع في ذاته أو يستدل على صدقه أو كذبه!

- إنّ أصحاب الدين الجديد يزعمون أنهم أصحاب عقيدة سماوية هبطت من قبل الإله في حين أنهم لا يملكون أي دليل مقنع على أن يسوع هو ابن مريم من قوة غيبية، وأناجيلهم تنسبه إلى يوسف النجار خطيب مريم الذي يبلغ من العمر 86 عام تارة، وأن عصبة من كهنة اليهود تتهمه بأنه ابن الخطيئة مع أحد جند الرومان، وتؤكد نصوص أخرى وردت في أناجيلهم أنه ابن الرب بالتبنّي، ونصوص أخرى تزعم أنه الوالد والمولود، وكل ذلك يؤكد أنهم يتحدّثون عن لا شيء يمكن تصديقه أو إنكاره بالقطع؛ فالغيب غير موجود.

- إنّ أصحاب الدين الجديد لم يتحرّوا الدقة في حكمهم على بولس الرسول الذي يعتبرونه الرجل الثاني بعد المسيح في الأهمية والقداسة، ويرجعون له الفضل في التبشير بالمسيحية في أوربا وآسيا، وذلك في 14 رسالة اشتملت على مائة إصحاح قد تعلمها على يد يسوع في يوم وليلة، وهذا الأمر لا يطيقه أبسط العقلاء ليؤمن به ولا يفلح أعظم الفلاسفة في الإتيان بدليل أو برهان يحتج بهما أمام منكريه ومكذبيه.

ألم يكن بولس شاول (نحو 5: 67 م) يهوديًا من طرسوس؟ ويرجح معاصريه أنه من يهود (الخَزَر) الأتراك الذين اعتنقوا اليهودية بعد وثنيتهم واستوطنوا روما، وكان شديد التعصب ومن أكبر المنكرين لخطاب يسوع، كما أنه قد تلقى الكهانة وتتلمذ على يد المعلم اليهودي غامالائيل (حوالي القرن الأول قبل الميلاد، وهو من كبار متفلسفة الخَزَر)؛ فبرع في العرافة وصياغة الأكاذيب وحبك الأحداث والمواقف، أمّا حسن صياغة الرسائل الدعويّة التبشيرية؛ فقد تعلمها من الرواقيين في روما، وقد تأثر بالمعارف الفلسفية التي لا يمكن لعاقل إنكارها، شأنه في ذلك شأن إكليمندس السكندري(150م) الذي صاحبه في رحلته التبشيرية وقام بكتابة الإنجيل الرابع الذي اعتمدته الكنيسة ونسبته الى (يوحنا الرسول -نحو10 م-) وقد نسب له أيضاً سفر الرؤيا وبضع رسائل لاهوتية.

وتكشف لغة بولس في رسائله تلك المسحة الفلسفية المحاكية لأسلوب صاحبه؛ والشاغلة بالعبارات التي تحتمل أكثر من معنى التي تحرض على الارتياب أكثر من التصديق أو التسليم؛ الأمر الذي يحرض أصحاب العقول على الشك في ذلك الخطاب الإيماني الشاغل بالأساطير والمواعظ المستنبطة من آراء الفلاسفة، والعجيب أن اللاهوتيين الأوائل وكذا فلاسفة المسيحية لم يتوقفوا عند هاتيك الملحوظات النقدية المريبة.

والأرجح أن رسائل بولس قد سعت إلى إفساد العقيدة المسيحية من الداخل بتوجيه من أحبار يهود الخَزَر، وقد نجح بالفعل وانقسم كهنة المسيحية إلى أرثوذكس يدينون بعقيدة أثناسيوس وكاثوليك تابعين لبولس وذلك عام (1054 م) ويرتابون في الوقت نفسه فيما كتبه بطرس الذي أنكر يسوع وتخلى عنه واجترئ على تعاليمه رغم وصفه من قبل البعض بأنه الكنيسة الحقيقية التي تبشر بعقيدة المخلص.        

 أمّا الاتجاه الثاني؛ فيشتمل على عصبة لا يجمع بينها سوى المروق والكفر بكل الأديان والسحر الأسود وعبادة الأوثان وتأليه البشر والعنف وجمع الأموال من كل صوب ودرب، أما قادة الرأي في هذه العصبة فكانوا من يهود الخزر وعبدة الشيطان الذين يقدمون الأضحيات البشرية قرباناً في طقوسهم الدمويّة وجعلوا المعتقدات الأخيرة ضمن العبادات السرية التي شكلت عقلية الساسة الرومان منذ القرن الثالث الميلادي حتى بات السحر والاتصال بالجن والعفاريت من أهم الطقوس الشائعة حتى بعد ظهور المسيحية والاعتراف بها كدين رسمي للإمبراطورية الرومانية.

 وكان يهدف هذا الاتجاه إلى استبعاد أي ثابت (ديني، فلسفي، علمي، عرقي تراثي) في مقدوره جمع شتات المجتمع الروماني فبات العنف والمنفعة واللذة المباشرة والشك في كل شيء سوى الشيطان هو الحقيقة الوحيدة والصدق المطلق القادر على فعل كل شيء بما في ذلك عصيان الآلهة، ومن ثم كان مقصدهم الأول عقب ظهور المسيحية هو الإيقاع بين الرهبان والقديسين من جهة والقيصر والنبلاء من جهة أخرى، ثم إفساد هذا الدين من الداخل، وذلك عن طريق التظاهر باعتناق المسيحية والتسلل إلي (الإكليروس) أو الرئاسة الكهنوتية عن طريق الرشاوى أو الترغيب بالمنافع تارة أو التهديد بحاشية القيصر وعسكرهم تارة أخرى، وكيف لا، وقد نجحت هذه العصبة أن تشكل طبقة من التجار تقرض الناس والأمراء وتتاجر في كل شيء، وأضحى لها عيون وجواسيس في كل المجتمعات المجاورة؛ الأمر الذي مكنها من بلوغ ما تريد.

 وها هي أشهر الأكاذيب والشائعات والفتن والتزوير والتزييف وغير ذلك من أشكال الهرطقات التي روج لها هذا الاتجاه:

- إنّ أصحاب الدين الجديد قد أبهروا العوام بقوة سحر قديسيهم وتناسوا أننا أهل هذا الفن، ورغم ذلك لم ندعي أننا أصحاب ديانة ولا فينا نبيّ مرسل من الإله، وبرهاننا في ذلك سمعان الساحر (سيمون الساحر) الذي أخبر بطرس ويوحنا - وكلاهما من كتبة العهد الجديد - أن قدرته السحرية تفوق ما روى عن سائر القديسين الذين حلت الروح القدس فيهم، ومن ثم يجب تنصيبه على رأس هذه الديانة عوضاً عن يسوع الذي قتل على الصليب.

فقد كذباه سامعيه ووصفاه بالدجل والهرطقة والكذب في حين أنه هو الذي علم كهنة الكنائس في القرن الأول النكروما سياNecroman    cy وتحضير أرواح الموتى وتسخير الجن وتوجيه القرين وفق رغبات سحره الشيطانية.

- إنّ أصحاب الدين الجديد يدَّعون أن قديسيهم يستنزفون الجهلة والضعفاء والمغفلين من الأغنياء ويستولون على أموالهم مقابل منحهم البركة والغفران والسعادة الأخروية، في حين أن الوثنيين منا لا يكذبون على من يسلبونهم أموالهم، بل يبيعون لهم الوهم والخرافة، وتحقيق بعض الرغبات التي يقدر عليها ما نسخره من جن وعفاريت لخدمة منافع العرافين وكهنتنا، وبذلك نفعل ما يفعله نبلاء الساسة من الرومان، أمّا آباء الكنيسة المجدّفون يفسدون الأخلاق والدين معًا.

- إن أصحاب الدين الجديد لم ينجحوا في تقديم نسقًا دينيًا يرضى عنه التَورَاتيون ولا الفلاسفة، وأرتاب فيه العوام والنبلاء والقياصرة الذين فرضوا عليهم شروط وتعاليم مناقضة لما كانوا يروجون له في ديانتهم؛ ليتوافق هذا الدين مع منافعهم.

وللحديث بقية عن أكاذيب الوثنيين وردود المتفلسفين المحافظين.

***

بقلم: أ. د. عصمت نصار 

"العقل هو عبد الانفعالات، ويجب أن يكون كذلك فقط، ولا يمكنه أبدا أن يدّعي القيام بأي مهمّة أخرى غير خدمة وطاعة هاته الانفعالات" (1) هكذا صمَّم ديڤيد هيوم في القسم الثاني من رسالة في الطبيعة البشرية (A Treatise of Human Nature) أنْ يرسيها عبارةً متمرّدة على كل تمويه يدفع المعنى لانزياح مشوّه أو تلطيف مُخِلّ، وكأنّه يرومُ من خلال ذلك أن يطلقها صرخة مدوّية بأنّ العقل الذي ما ننفكّ نراهن عليه ونفاخر بحيازتنا إياه مَائِزًا دُونًا عن بقية الكائنات الحية، ما هو سوى أداة متحيّزة حتى النخاع، وليس مصدرًا مطلقًا للصواب، فلا يتأهّل للركون إلى حكمه على وجه اليقين، وهيوم إذْ يلقي على العقل رداء العبودية، يشير بوضوح إلى أنه إنما يأتي في درجة لاحقة في سلّم تَبَنّي الأحكام، وليس مؤسِّسا إياها إلا بقدر ما يُظهر وَهَجَها ويُخبّئ قَتامَتها، تماما كرجل دين يشرعن مراسيم سلطانه! بِلَيّ عنق الأدلة؛ كرمى رضاه ونَواله!

 وفي (المجتمع البشري في الأخلاق والسياسة) يؤيّد برتراند راسل جرأة هيوم كليا، مؤكدا في سياق المصدر الحاكم والمهيمن على ما يَنِدّ مِنّا مِن سلوكيات على أنّ "الانفعالات هي الأسباب الممكنة الوحيدة للتصرفات، والعقل ليس المسبب للتصرف بل هو المنظّم له فحسب" (2)  فهو بذلك - أي برتراند - يحدد على نحو دقيق دورَ العقل في مَعْمعة تفاعلنا، إذْ ينحصر في العملية التنظيمية، والانتقال بين حُزمة ما سمحت له الانفعالات بالطَّفْو على مسرح الاحتمالات، لكن أن يكون المسبِب؟! كلا، هكذا ينظر إليه برتراند، فهو يرى العقل منظِما في الوقت الذي يراه هيوم مبرِرا، وكلاهما يتفق على أن دور العقل لاحقٌ مُتَلَقٍ، خاضعٌ تحت إِمْرة الانفعالات!

ليسا وحدهما، فها هو غوستاف لوبون في الآراء والمعتقدات ينص على أنّ العقل "يذعن على الدوام لأكثر اندفاعاتنا العاطفية والدينية والمخالفة للصواب كي يزكّيها"(3) مُعزّزا فكرة أنّ العقل يمكن أن ينقلب على نفسه ويناقض نتائجه ومبادئه - كمنافق متزلّف - إذا ما كانت الانفعالات منحازةً ناحية جانب ما، وبهذا فليس كل ما يصدر عن العقل معقولا - إنْ صحّ التعبير - ويردف غوستاف ذلك بصفعة صارمة: "والواقع هو أنّ الآراء اليومية تتكوّن مستقلة عن كل عقل، وقد لا تكون ضد العقل" فهناك - بحسب غوستاف - مصنع ينتج آراءَنا ذو استقلالية  - ليست منفصلة - عن عقولنا التي نحسبها واهمين أن الحكم مَرَدُّه إليها! ومرةً أخرى، فقد تتساوَقُ وما يليق بالعقل تبنّيه، وقد يكون لا، إذْ ينكص على عقبيه معلنا إيمانه بآلهة الانفعالات التي لا شريك لها!

 إنّ عقولنا - شئنا أم أبينا - محدودة من ناحية، ومَشُوبة بالكثير من الانحيازات التي تدفعها يمنة ويسرة، وتشكّلها عوامل شتّى، فخُذْ مثالا على ذلك التشوّه المعرفي الذي يظهر في أشكال عِدّة متنوّعة، فالعقول ليست وحدة تحكيم مُبَرّأة من الزلَل والخَطَل، بل يجري عليها ما يجري على كل نسبيّ متأثّر، والاتكاء عليها جزما، والتعويل عليها بإطلاق، والتعامي عن طبيعتها النسبية ما هو إلا وهمٌ لا يصمد أمام الواقع إطلاقا، أَفَتقودنا عقولنا أم تقودنا انفعالاتنا متنكّرة في هيئة العقل ومنتحلةً صفته الحاكمة؟! يبدو أنّ الأخيرة يدعمها العلم والواقع. 

نعم، كل شيء يمكن تبريره عقليا! ولذا تَحُفّ بأحكامنا العقلية شبهةُ المَيل لصالح رغباتنا المستعِرة ومحاباة انحيازاتنا المتغوّلة فينا، وهذا خطير، غير أنّ الأخطر منه حين تُضْفى على الحكم العقلي مَسحةُ الديني، فيكون الاجتهاد العقلي مقرونا بالتقديس، ومتبوعا باستباحة الإنسانية في أبشع تمظهراتها حين النظر إلى المختلف، فيصبح الحكم العقلي للمتدين عَين كلمة إلهه، التي من خالفها فقد تنازل عن حقه في الاحترام، بل الحياة في أحايين كثيرة! 

فإذا كان ذلك كذلك، فإنه لا يمكن منح مُنتَج العقل طابعا مجرّدا عن انفعالاتنا خصوصا المتقادم والناشبة بمخالبها عميقا فينا، فأحكامنا هي نتاج شبكة معقدة متداخلة وليس عملية خطية (Linear) يُعرف مُبتدؤُها ومُنتهاها. 

أريد أن أنتهي من ذلك إلى أنّ قابلية أحكامنا للتفاعل والتأثّر طبيعة حتمية، وهذا مما ينبغي أن نتماشى معه لا أنْ نرفضه، على أن يتم وفق حذر شديد ومراقبةلا هوادةَ فيها! 

ومن الإسقاطات المهمة والحيوية في إطار التنظير الذي نحن بصدده، ما لَفت النظر إليه باروخ سبينوزا في سياق (عبودية الأذهان) في الفصل العشرين: (حرية التفكير والتعبير مكفولة لكل فرد في الدولة الحرة) من رسالة في اللاهوت والسياسة: "فمن المُحال أن نمنع الناس من الاعتقاد بأنّ آراءَهم الخاصة أفضل من آراء الآخرين، وبأنّ اختلاف الأذهان لا يقل عن اختلاف الأذواق" (4) ‏حيث يُجلّي سبينوزا حقّ الفرد في تبنّي آراء مستقلّة من جهة، وأن تفاوت الآراء وتعارضها طبيعي جدا بين الأفراد من جهة أخرى، كحال الذوقيّات تماما، ‏إذن نحن إزاء عملية ذهنية تستند لهذا الحق الطبيعي، ثم ممارسة تعبيرية، والتي قد تترتّب عليها سلوكيات محددة، كل ذلك مستند إلى أنّ الأحكام العقلية لا يحكمها منطلق موحّد وإلا لما تباينت إفرازات عقولنا! كما أننا مدفوعون بما يتجاوز التعقّل، أعني انفعالاتنا في مفهومها العريض.

 ‏وعليه؛ فثمّة ثلاثة مستويات: تفكير وتعبير وسلوك، وبما أن الفرد هو جزء من كيان يتبعه، فإن كل تلك المستويات الثلاثة تتم بشكل جماعي مختلف ومتعارض. 

وعليه؛ فإن فهمنا لحدود هذه (المساحات الفردية) داخل (الإطار الجمعي) ضروري جدا في تفاعلنا مع الآخرين، وما ذاك إلا نتاج نسبية أحكامنا العقلية، فمن جهة يجب احترام أصالة الحق في هذه (المساحات الفردية)، ومن جهة أخرى يجب (التنازل) عن جانب منها، وهو المتمثّل في حرية تصرّف الفرد كيفما شاء بلا ضابط؛ هذا التنازل يأتي لضمان أمان (الإطار الجمعي) إذ لو كانت الحرية مطلقة لتمزقت المجتمعات بتصادم أفرادها، ولَطَغَتْ شريعة الغاب؛ فننسلخ من ماهيتنا الإنسانية.

 ‏إن هذا التنازل لا يعني إطلاقا الرضوخ لآراء الآخرين في بعض الأفكار واستقلاليتها في البعض الآخر، بل يعني تكييف الممارسات على المستوى السلوكي بما يكفل استمرارية النمو المجتمعي، أما على المستوى الذهني، فسلب الحرية في تبنّي الفرد ما يشاء وإصدار الأحكام في ضوء ما يرى، يتجاوز ضرره الفردي ليكون مفسدة مجتمعية؛ إذ ينشأ لدينا مجتمع مكوّن من موجودات عاقلة مسلوبة الحق الأسمى في التفكير والتعبير، وبوظائف بشرية مشوّهة، ‏ويمكنني الزعم بملء فِيّ أنّ الإرادة الفكرية الفردية ضرورة مجتمعية!

 إذا كنّا سننتهي من هذا بشيء فلعله سيكون ضرورة محاولة تجنيد العقل بعيدا - قدر وُسعنا - عن المؤثرات غير الموضوعية، مع الانتباه إلى دورية مراقبة أدائه، ومن المفارقات العجيبة أن الدماغ يمتلك القدرة على مراقبة نفسه بنفسه! كما أشارت لذلك دراسة علمية(5) مهمة نشرتها مجلة علم الأعصاب الإدراكي (Journal of Cognitive Neuroscience) قبل شهر من الآن، تحت عنوان: (Monitoring Attention in Self and Others) تناولت تحليل نشاط الدماغ(6) أثناء التفكير فوق المعرفي (Metacognition) ومع ذلك لا يمكننا الاتكال بالكليّة على الخصم حَكَما! وإنما النظر إليه من حيث كونُه أداة مساعدة، وأداة لا عِوَض لنا عنها، فهذا أقصى ما نملكه، العقل! كما أنّ نسبية الأحكام العقلية - شكليًا كما أوضحناه بدايةً من حيث تَحَكُّم الانفعالات - يجب أن تؤسّس لمجتمع يَقبَل مآلات أحكام أفراده العقلية على اختلاف أطيافهم، وما تقوده إليه من ممارسات متفاوتة أو الإفصاح عنها على أقلّ تقدير!

 ***

بقلم محمـــد سيـــف

..........................

الهوامـــش:

(1) رسالة في الطبيعة البشرية (في الأهواء) (ج2)، ديڤيد هيوم، ص217، الهيئة العامة السورية للكتاب، 2008

(2) المجتمع البشري في الأخلاق والسياسة، برتراند راسل، ص4، مكتبة الأنجلو المصرية

(3) الآراء والمعتقدات، غوستاف لوبون، ص154، الأهلية للنشر والتوزيع، ط1، 2016

(4) رسالة في اللاهوت والسياسة، باروخ سبينوزا، ص454، مؤسسة هنداوي، 2020

(5) للاطلاع على الدراسة العلمية:

https://direct.mit.edu/jocn/article-abstract/doi/10.1162/jocn.a.51/130961/Monitoring-Attention-in-Self-and-Others?redirectedFrom=PDF

(6) قد يَلحظ القارئ أني لربما أقول بترادف العقل والدماغ، إلا أنّ الأمر ليس كذلك بالمرّة، فأنا ممّن يفصلون بينهما، ولكنّي في هذا المقال رميت تناول العقل بما هو أداة التفكير بدون الولوج للحدود الفاصلة بين الدماغ والعقل.

 

بالنسبة إلى فرضية لا مُحدَّدية المعلومات، طاقة المعلومات × صفر = صفراً. وبما أنَّ طاقة المعلومات × صفر = صفراً، إذن طاقة المعلومات = صفراً ÷   صفر. لكن الصفر مقسوم (رياضياً) على صفر نتيجته غير مُحدَّدة. بذلك طاقة المعلومات غير مُحدَّدة. ولكن المعلومات تتشكّل على ضوء طاقتها وبذلك المعلومات غير مُحدَّدة من جراء تشكّلها على ضوء طاقتها غير المُحدَّدة. من هنا، القانون السابق القائل بأنَّ طاقة المعلومات × صفر = صفراً هو قانون لا مُحدَّدية المعلومات لأنه ناجح في التعبير عن أنَّ المعلومات غير مُحدَّدة.

ينجح القانون السابق في تفسير لماذا الكون غير مُحدَّد. فبما أنَّ القانون السابق يتضمن أنَّ المعلومات غير مُحدَّدة بينما الكون يتكوّن من معلومات (كما يؤكِّد الفيزيائي جون ويلر)، إذن الكون غير مُحدَّد كأن يكون من غير المُحدَّد إن كان الجُسيم (كالإلكترون) جُسيماً أم موجة (مما يتفق مع ما تقول نظرية ميكانيكا الكمّ العلمية). هكذا ينجح قانون لا مُحدَّدية المعلومات في تفسير لماذا الكون غير مُحدَّد كأن يكون من غير المُحدَّد إن كانت الجُسيمات جُسيمات أم موجات. وهذا النجاح دليل على صدق قانون لا مُحدَّدية المعلومات.

كما ينجح قانون لا مُحدَّدية المعلومات في تفسير لماذا أيّة ظاهرة طبيعية قابلة للتفسير بتفاسير متعدّدة ومختلفة كتفسيرها على أنها متكوِّنة من ذرات مادية (كما في الفيزياء الكلاسيكية) وتفسيرها على أنها متكوِّنة من معادلات رياضية مجرّدة (كما لدى الفيزيائي ماكس تغمارك). فبما أنَّ قانون لا مُحدَّدية المعلومات يتضمن أنَّ المعلومات غير مُحدَّدة بينما أيّة ظاهرة طبيعية متكوِّنة من معلومات، إذن أيَة ظاهرة طبيعية هي غير مُحدَّدة مما يسمح بتفسيرها بتفاسير متعدّدة ومختلفة. هكذا ينجح القانون السابق في تفسير لماذا أيّة ظاهرة طبيعية قابلة للتفسير بتفاسير عديدة ومختلفة. وعلى ضوء هذا النجاح يكتسب القانون السابق مصداقيته وصدقه.

من المنطلق نفسه، ينجح قانون لا مُحدَّدية المعلومات في تفسير لماذا أيّ خطاب قابل لتفاسير وتآويل مختلفة ومتنوّعة. فبما أنَّ القانون السابق يتضمن أنَّ المعلومات غير مُحدَّدة بينما أيّ خطاب يتكوّن من معلومات، إذن أيّ خطاب غير مُحدَّد (من جراء لا مُحدَّدية المعلومات التي يتكوّن منها) مما يجعله قابلاً للتفسير والتأويل بتفاسير وتآويل مختلفة ومتنوّعة. هكذا ينجح قانون لا مُحدَّدية المعلومات في تفسير لماذا أيّ خطاب قابل لتفاسير وتآويل عديدة ومختلفة ومتنوّعة. وهذا النجاح دليل على صدق قانون لا مُحدَّدية المعلومات.

قانون لا مُحدَّدية المعلومات قانون علمي لأنه قابل للاختبار. فبما أنه يتضمن أنَّ المعلومات غير مُحدَّدة، إذن إذا وُجِدت أيّة معلومة مُحدَّدة فحينئذٍ القانون السابق كاذب. وبذلك هو قانون قابل للاختبار مما يجعله قانوناً علمياً. ولكن أيّة معلومة هي غير مُحدَّدة لكونها قابلة للتفسير والتأويل بتفاسير وتآويل متعدّدة ومختلفة مما يشير إلى صدق قانون لا مُحدَّدية المعلومات.

***

حسن عجمي

العقلُ المعاصرُ نتاجٌ لعصر النهضةِ الأوروبية. لكنَّه لم ينحصر في أوروبا، بل بات أقرب إلى نموذج كوني، يمثل حقيقةَ الإنسان في هذه المرحلة من تاريخ البشرية. أعلم أنَّ غيرَ الأوروبيين لا يرتاحون لهذه النسبة. فهي تقلّل -ضمنياً- من قيمة إسهامهم في إنتاج الفكر الإنساني والتجربة التاريخية للبشر بشكل عام. وقد يظنُّ بعض المسلمين أنَّ الفارقَ الدينيَّ هو المحركُ لكلا الموقفين؛ الاستهانة الغربية والرد عليها. لكنّي وجدتُ مفكرينَ من خارج هذين السياقين يعبّرون، صراحةً أو ضمنياً، عن موقفٍ مشابه. مَن يقرأ أعمال أمارتيا سن، الفيلسوف والاقتصادي الهندي الحائز جائزة نوبل، سيلاحظ أنَّ الثقافةَ الهندية حاضرةٌ بكثافة في كلّ كتاباته تقريباً، رغم انتمائه للتقليد العلمي الأوروبي.

أردتُ البدء بهذا التمهيد تنبيهاً للقارئ إلى حدود التعميم الذي سيظهر في ثنايا المقال. والحق أنّي أنظر إلى تطور مفهوم العقل وانتسابِه إلى الحضارات المتعاقبة، من زاوية لا تتَّصل أبداً بتقييم تلك الحضارات والمراحل. أعتقد أنَّ تاريخ البشر تجربة واحدة ممتدة، تتنوَّع وتتصاعد باستمرار، وتتشكّل في إطارات مختلفة؛ لغوية أو جغرافية أو دينية، حسبما يتوفر من عوامل بعث أو خطوط انكسار. من هنا فإنَّ الأديان والحضارات والحروب والتجارب العلمية، تشكّل كلّها طبقات في بناء واحد. لا شكَّ عندي أنَّ جانباً مهمّاً من نضج الثقافة الإسلامية القديمة وعمقها، ثمرة لاتصال المسلمين بالثقافات السابقة، كاليونانية والصينية والهندية والفارسية والأفريقية وغيرها. وبالمثل فإنَّ الثقافة الأوروبية المعاصرة امتدادٌ لتلك الثقافات ومنها الإسلامية. نعلم أيضاً أنَّ قابلية الثقافة للتطوّر، رهنٌ بقدرتها على التفاعل مع الثقافات المختلفة، وإعادة إنتاج مفاهيمها ضمن نسيجها المحلي. ولهذا السبب خصوصاً، ذكرتُ في كتابة سابقة أنَّ ضعفَ النشر العلمي باللغة العربية، يرجع في جانب منه، إلى ما أظنُّه تعقيداً مبالغاً فيه للشّكل اللغوي والقواعد النحوية والبلاغية، بحيث باتت فرصة الكتابة العلمية بالعربية، قصراً على من يجيد قواعدها النحوية والبيانية إجادة تامة.

بالعودة إلى صلب الموضوع، فإنَّ العقلَ المعاصر يمتاز بسمات أساسيةٍ يشكّل مجموعُها خطاً فاصلاً عن عصور العقل السابقة. وفيما يلي ثلاثٌ من تلك السمات:

الفصل بين المعرفة والقيمة، إذ لم يَعُدِ التفكيرُ في القضايا متقيّداً بقيمتها المستمَدَّة من موقعها الاجتماعي أو التاريخي أو الديني. ربَّما يتقيّد الباحثُ بقيمِه الخاصة في مرحلة ما بعد الاستنتاج، لكنَّه في مرحلة الملاحظة والبحث وصناعة الفكرة، ينبغي أن يتحرَّرَ من كلّ قيد. تتعاضد هذه المقولة مع قاعدة أنَّ حرية التفكير والاعتقاد والتعبير، جزءٌ أساسي في مفهوم كرامة الإنسان وقيمته بوصفه موجوداً عاقلاً.

العقل نفسُه يُنظر إليه الآن على أنه كون مستقل عن الأرضية الثقافية التي وُلد فيها (أو بالأحرى ينبغي أن يكون هكذا). لكن نتاج العقل لا يعدّ مطلقاً ولا مستقلاً. بات متفقاً عليه أنَّ العقل يتشكَّل بتأثير تجربة الإنسان الحياتية، التي تعكس إلى حد كبير شروط بيئته وما يتجاذب فيها من تيارات. من هنا فإنَّ نتاج العقل لم يعد تعبيراً عن الحقيقة، بل هو معرفة مؤقتة أو رأي شخصي، قد يتحوَّل توافقاً عامّاً إذا عبر القنوات الخاصة بتعميم الأفكار، كمؤسسات الصناعة والبحث العلمي والهيئات التشريعية.

التمييز بين استقلال العقل في الأصل، وتبعيته الواقعية لشروط البيئة الاجتماعية، تظهر أهميته في التمييز الضروري بين دورين يقوم بهما: دور يسمى «العقل العملي»، ووظيفته فيه هي ربط الإنسان بما حوله وتيسير حياته، أي إدراجه في شبكة الأعراف السائدة، ودور يسمى «العقل العملي»، ووظيفته نقد أعرافِ وتقاليدِ البيئة والثقافة، ومحاولة تحرير الإنسان من قيودها بإنتاج بدائلَ لها، تتحوَّل بالتدريج إلى تقاليدَ في دورة أعلى، وهكذا. العقل إذن تابعٌ في مرحلة، ومتمردٌ في مرحلة تالية.

هذا ما اتَّسع له المقام. ولعلَّنا نعود إلى الموضوع في قادم الأيام.

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

 

بقلم: إدغار موران

ترجمة: د. زهير الخويلدي

***

"سأضع نفسي على محور ما قاله بول لازارسفيلد. لقد طرحت الطبقة المثقفة مفهومي الثقافة الجماهيرية والثقافة العليا. لا بد من وجود ملاحظة ذاتية ونقد ذاتي من جانب الطبقة المثقفة. بل ربما يجب علينا التشكيك في شرعية مفهومي الثقافة العليا والثقافة الجماهيرية.

من السهل التشكيك في شرعية المفهوم الأول. وقد سبق لبول لازارسفيلد أن قال ذلك: نحن نعيش في عصر أصبحت فيه الطليعية أحد أشكال النزعة الأكاديمية. هناك، كما سماه هارولد روزنبرغ، "تقليد جديد". بمعنى ما، أصبحت الثقافة العليا، التي عاشت في الطليعة، أكاديميةً معممةً، وصلت إلى حد الطليعة. بمعنى آخر، تمر هذه الثقافة بأزمة في القرن العشرين. إنها تضع نفسها موضع تساؤل، وأصبح هذا التساؤل أحد عناصر الثقافة. لم يُدفع بهذا التساؤل إلى أبعد من ذلك في الجامعات الأمريكية والفرنسية. أعني بذلك أنه بقدر ما تُشكك اللوحة في أشكال التعبير التقليدية، وبقدر ما تُشكك الموسيقى في نفسها، وبقدر ما شككت السريالية وما تلتها في مفاهيم الفن والثقافة ذاتها، يبدو أنه بمجرد أن نصل إلى المستوى الأكاديمي أو الإنساني، تُلصق الأجزاء ببعضها البعض من جديد، ويتحدث الناس مرة أخرى عن الثقافة (بحرف كبير "ث").

لقد كان مفهوم الفن من أكثر المفاهيم إثارة للجدل في القرن الماضي. بالنسبة لفرنسا، كان رامبو، صاحب التأثير الكبير، هو من أحب اللاتينية في الكنيسة وخيام الكرنفال: باختصار، كل ما بدا للفنانين وعشاق الجماليات تدهورًا كاريكاتوريًا للفن. لكن القرن العشرين بأكمله شهد أن الفن كان صراعًا بين اتجاهين متعارضين لا يقبلان الاختزال: من جهة، الفن الأكاديمي، ومن جهة أخرى، الفن الجديد. فأين إذن وحدة الفن والثقافة؟ اليوم، ثمة خلطٌ بين الأكاديمية والطليعية، يحدث بوتيرة متسارعة، مما يجعل من الصعب تحديد موقع الأكاديمية بدقة، لأن "الجديد" هو أكاديمية جديدة. ومع ذلك، فإن تعدد الاتجاهات والقيم يُشير إلى صعوبة اعتبار الثقافة العليا قيمةً وتجانسًا. فالرؤية الموحدة هي قبل كل شيء رؤيةٌ مُطمئنة، ولطالما عارضتها الحركات الإبداعية في مجال الثقافة.

هذا يُعنى بالثقافة العليا. لا أقول إن كل شيء يتفكك إلى شظايا منفصلة، ولا أستنتج أن الثقافة غير موجودة. بل أستنتج أن ما نتعامل معه هو فكرةٌ نصف صحيحة، لأنها تنطوي على قدرٍ من التباين، كما تنطوي على الوحدة. نجد أنفسنا أمام فكرةٍ غير مستقرة، ونستخدمها ونناقشها بشكلٍ خاطئ، إذ نتعامل مع التكتل كما لو كان شيئًا بسيطًا.

علاوة على ذلك، من الخطأ الحديث عن الثقافة وهي في أزمة، فهذه الأزمة تفتحها على تساؤلات. من أكثر الكلمات دلالة في الفن الحديث كلمة "تحقيق": فالرسم والنحت والموسيقى تُجري تحقيقات. لكن التحقيق يتناول أيضًا الحقيقة، والقيم، وأسس الثقافة. لم تعد الثقافة واضحة في ذاتها. اليوم، لا يُمكننا استخدام عبارة "الثقافة الراقية" كدليل.

دعونا نتحدث الآن عن الثقافة الجماهيرية. لقد ازداد اعتقادي بأننا مُخطئون في استخدام مفهوم الثقافة الجماهيرية. أقول "نحن"، وأنا منهم، لأنني كثيرًا ما استخدمت هذا المفهوم. أولًا، نعلم أنه لا يُمكننا تعريف الثقافة الجماهيرية بما يُنشر عبر الوسائل التقنية الحديثة. لا يُمكننا القول إن الإذاعة والتلفزيون = ثقافة جماهيرية، فهناك أخبار سياسية، وإذاعة تعليمية، وبرامج دينية. تُستخدم الاتصالات في البحر بين السفن. إن ما يبقى (العروض والترفيه) أو ما يلف الأشياء (الأخبار، ناهيك عن الدين) هو ما نسميه الثقافة الجماهيرية والذي يمكننا إلى حد ما توحيده، من ناحية كموضوع (الفردية، الشباب، الجمال، الحب، الخ) ومن ناحية أخرى كمفهوم الإنتاج والتوزيع الجماهيري.

أعتقد أنه خلال الفترة من ١٩٢٥ إلى ١٩٥٠، تطورت ثقافة جماهيرية وفق معايير مشتركة واضحة. لكنني أعتقد أيضًا أننا ندخل حقبة جديدة من التنوع، حيث يُخشى أن يصبح مفهوم الثقافة الجماهيرية موحدًا بشكل مصطنع.

نرى اليوم طبقات مختلفة. تتطور الثقافة الجماهيرية على طريق التعددية، لا التجانس. لنأخذ السينما مثالًا: تتطور اليوم ثلاثة أنواع من السينما: سينما الإنتاجات الضخمة، وسينما المؤلف، وسينما التلفزيون للتقارير والتواصل وسينما الحقيقة، بينما كانت الفترة السابقة تهيمن عليها سينما تجارية تقليدية ذات تيارات هامشية.

علاوة على ذلك، نشهد اليوم انتشارًا للعدوى المتبادلة بين ما يُسمى بالثقافة العليا وقطاعات الثقافة الجماهيرية. أولًا، تُعلي الثقافة العليا من شأن بعض منتجات الثقافة الجماهيرية وترفعها إلى مصافّ الجمال. ما قاله بول لازارسفيلد عن عشرينيات القرن الماضي ينطبق اليوم على فرنسا. في تلك الحقبة، اقتدى المثقفون بالسرياليين في هذا، فضمّوا تشارلي تشابلن. كان هناك صراعٌ كبيرٌ لوصف السينما بـ"الفن السابع". وفي النهاية، ورغم المقاومة الشرسة، فرضت السينما نفسها فنًا بين "الطبقة الراقية". ومؤخرًا، نجحت أفلام الغرب الأمريكي وأفلام الجريمة في فرض نفسها كملاحم ومآسي حديثة، بعد أن كانت ترفضها جماهير "الطبقة الراقية" قبل الحرب. سأتجاوز هذا سريعًا. لكننا نرى اليوم جهودًا لدمج الجماليات في الأنواع الأدبية المبتذلة: دمج أفلام العصور الرومانية القديمة مؤخرًا، وإعادة تأهيل الرواية الشعبية في القرن التاسع عشر... وحاليًا، تُدمج القصص المصورة مع الفن: قبل عام، أُنشئ نادٍ للقصص المصورة، حيث يُناقشون، بجديةٍ لا تقل عن "أميرة كليف"، بعض القصص المصورة من العصر الذهبي. هذه الظواهر من الدمج في الجماليات ليست مجرد رغبة في الظهور بمظهرٍ أصيل أو غرورٍ مُنمّق أو سعيٍ إلى أقصى درجات الرقي في الأمور التافهة. باختصار، يُمثل كل هذا ظاهرةً مثيرةً للاهتمام للغاية، لأن ما يُميز الثقافة الجماهيرية عن الجمالية، أي عن الثقافة الراقية، لا يتعلق بالعمل نفسه فحسب، بل بكيفية رؤيتنا له أساسًا. على سبيل المثال، أتابع الآن عملية إضفاء الطابع الجمالي على القصص المصورة. حتى ذلك الحين، كانت القصص المصورة تُصنف في عالمٍ بلا شكل. كانت تُستهلك، وانتهى الأمر. لكن دمجها في الثقافة يعني إدخال هرمية وقيمة لها؛ أي التمييز بين الجميل وغير الجميل. وهكذا، في قصص "أقدام النيكيلي"، يُميز الناس بين الفترات الجيدة والسيئة. نرى أن عملية التثاقف بهذا المعنى تتمثل في إرساء نظامٍ وإعطاء قيمةٍ لحواس الجمال وغير الجمال. لكن دمج ما يُسمى بالأنواع الأدبية المبتذلة هو في الوقت نفسه تفككٌ للتسلسل الهرمي التقليدي وتفككٌ للفن الهابط. لا شك أنه في تعدد التداخلات والتفاعلات الحالية بين الثقافة العليا والثقافة الجماهيرية انجذابًا متبادلًا، ولقاءً بين أكثر مستويات الثقافة العليا سهولةً ومستويات الثقافة الجماهيرية التي تُعلي من شأنها.

ولكن الأمر لا يقتصر على هذا فحسب. فهناك أيضًا حقيقة أن ما بدا الأكثر ابتذالًا، والأكثر مللًا، والأكثر سخافةً، والأقل شأنًا من وجهة النظر الكلاسيكية للثقافة، يبدو الآن "للمُدمجين" شيئًا شاعريًا، وساحرًا، وصادقًا، إلخ. على سبيل المثال، تتميز إيماءة الأفلام الإيطالية عن العصور القديمة ("هرقل ضد شمشون"، "...ضد يوليسيس"، إلخ) بشعرية ساذجة تُسحر الحس الجمالي لكثير من "المثقفين". أنا شخصيًا أؤمن بالفن الساذج للأفلام التجارية منخفضة المستوى، وبالفن الخام للأفلام شبه الوثائقية، وشرائح الحياة، وأطول الأيام... ولكن دعونا نضع ذوقي جانبًا. ما يهم هو ملاحظة وجود مناطق تلوث متبادل بين الثقافتين.

في ظل هذه الظروف، ينبغي أن نلاحظ من بين الظواهر التي تثيرها الأفعال المتبادلة بين الثقافتين ظاهرة تتجلى على نطاق واسع: تشكيل مجال جديد. تُشكل بعض مناطق ما يُسمى بالثقافة الجماهيرية مجالاً يدور كالقمر الصناعي حول كلٍّ من النواة التكنولوجية للثقافة الجماهيرية والنواة الثقافية للثقافة العليا. وهكذا يكون لدينا قمر صناعي بشمسين. وهذا ينطبق على سينما الفن - سينما المؤلف - التي أصبحت تمتلك الآن مسارحها ودوائرها ونظام إنتاجها الخاص.

لذا أعتقد أنه بعد نقطة معينة، لن تكون كلمتا "الثقافة الجماهيرية" و"الثقافة العليا" مفيدتين. لا أُلقي بهذه الكلمات في فوضى غير متمايزة. إنها ملائمة بما يكفي للحفاظ عليها حتى نقطة معينة: نشعر أنها تتعلق بشيء ما. لكنها في الوقت نفسه لا تُعرّف ولا تُميز كل شيء. ومن جانبي، أشعر أنني كنت مخطئًا في المقال الذي خصصته لهذه المسألة لعدم تفكيري الكافي في المشكلة المفاهيمية لإيجاد حل. أعتقد أنه من أجل تخفيف هذه الصعوبة، يجب علينا قبل كل شيء أن نرى خطوط القوة الكبرى وهي الصناعية والثقافية والتكنولوجية والاجتماعية والسياسية، والتي يجب أن نصطف حولها المشكلات. لا يمكننا أن نكتفي بهذين المفهومين الاستقطابيين وحدهما؛ فنحن بحاجة إلى مفاهيم أخرى، ومن الممكن إيجاد عدد معين منها. سيكون هذا ضروريًا للغاية إذا شهد التطور التاريخي، كما أعتقد، تفاقم التنوع في كل من الثقافة الرفيعة والثقافة الجماهيرية، وتفاقم التلوث. إذا كانت مغامرة الفن ومغامرة الثقافة تُفجّر هذه التناقضات وتُعيد خلق تناقضات أخرى دون أن تُنهي التناقض بين البحث الأصيل من جهة، والتقليدية والتعالي من جهة أخرى.

في الختام، إن رفض التحليل والجدال من منظور التناقض بين "الثقافة الراقية" و"الثقافة الجماهيرية" لا يعني فقط تجنب التصادم التناقضي والاختيار اللفظي. إن رفض اختيار سؤال مطروح من منظور البديل بين ثقافة راقية وأخرى دنيا لا يعني رفض الاختيار؛ بل يعني رفض سؤال تخطيطي وعقائدي."

***

.....................

الرابط

https://www.marxists.org/archive/morin/1965/intellectuals-mass.htm

 

كثيرا ما نتساءل عن أهمية الثقافة بالنسبة للمجتمع، وإلى أي حدّ نحن في حاجة إليها؟ والإجابة على هذه الأسئلة تستدعي أولاً أن نحدد ما الذي نقصده بـ "الثقافة"؟ فهل هي مجموع المنتجات الأدبية والفنية، أم هي مجرد آليات ووسائل للتسلية والترفيه، أم هي مشروع مجتمعي يسعى لتحقيق الكمال الإنساني من خلال التنشئة الاجتماعية والتربية والتعليم؟

تناول ماثيو أرنولد قد في كتابه الثقافة والفوضى فكرة القلق والتوتر الاجتماعي الذي هدد، حسب رأيه، إنجلترا الفيكتورية بسبب موجة التصنيع وانتشار تيار الفردانية اللذان وصفهما بمصطلح " الفوضى"، داعيا إلى السعي وراء الثقافة الذي يهدف، حسب رأيه، إلى تحقيق الكمال الإنساني، وهو لا يرى في الثقافة مجرد مجموعة من الإنجازات الفنية والفكرية أو ترف فكري، بل مشروع مجتمعي يسعى نحو التميّز المستمر لجميع جوانب الحياة من خلال العمل المستمر على تحسين وصقل الطبيعة البشرية. فهو، بالتالي، يضع الثقافة في مقابل الفوضى ويجادل في أن التغيّر الذي طرأ على المجتمع الإنجليزي بعد الثورة الصناعية مآله الفوضى والاختلال الاجتماعي، ولابد، لتفادي هذا الخطر الذي يقوِّض التماسك الاجتماعي، تبّني المقاربة الثقافية التي تجمع بين التقدير الجمالي والفني الذي يٌثري التجربة الإنسانية من خلال ترقية وتنمية ملكة التذوق الفني، والذي يطلق عليه (الحلاوة)، وبين السعي وراء المعرفة والتطور الفكري والفهم العقلاني الذي يصفه بـ (النور).

و يقول المفكر مالك بن نبي: "الثقافة هي حياة المجتمع التي بدونها يصبح مجتمعا ميتا". فالثقافة بهذا المعنى هي كما يقال ما يجعل الحياة جديرة بأن تعاش، الثقافة تحمي من الضياع وتُضفي المعنى على حياة الناس من حيث كونها رؤية متكاملة للكون وللعالم، وتمنح المجتمع خطابا متماسكا وسردية لا يشوبها خلل ولا تناقض.  لكنها لا يمكن أن تقوم بهذه الوظائف داخل منظومات لا تؤمن بها، ولا تتعدى حاجتها إليها إلا بقدر ما يحتاجه المرء إلى شيء من الراحة والمتعة.

كثيرا ما نخطأ حينما نعتقد أن الثقافة هي فقط المنتجات الفنية والأدبية للأفراد، أو ما نسميه الإبداع الفني، لأن الثقافة في حقيقة الأمر هي العوامل النفسية والاجتماعية التي تساعد وتلهم وتؤطر الإنتاج الثقافي والحضاري. يقول برهان غليون في كتابه اغتيال العقل: "الثقافة تُلّخص تجربة المجتمع ووعيه بذاته وبمحيطه، فهي تشكل نافذة يطل منها الباحث على كل نواحي الحياة العلمية والسياسية والاقتصادية والروحية للمجتمع". فالثقافة بهذا المفهوم هي منظومة القيم والمعتقدات والمفاهيم والتصورات التي تحكم سلوك الأفراد وتوجه ممارساتهم. وإذا كنت قد اخترت توصيف ماثيو أرنولد للثقافة فلأنه، في اعتقادي التعريف الوحيد الذي أماط اللثام عن حقيقة هذا المصطلح الغامض والفضفاض، والذي كثيرا ما يُشعر سامعيه بنوع من التيه والغموض، ما يجعلهم يقبلونه على مضض تماما كما سلّم عامة الناس بصحة النظرية النسبية لآينشتاين وهم أشدّ جهلا بها.

فالطبيب مثقف، والمنهدس مثقف، والأستاذ، في جميع تخصصاته، مثقف، والمحامي مثقف، والقاضي مثقف، والعالم مثقف، والإمام مثقف... إلا أن مهام كل هؤلاء، بوصفهم مثقفين، تقتضي منهم عدم الوقوع في فخ الأدلجة وتزييف الواقع لصالح أي سلطة لا يهمها إلا المحافظة على مصالح الأقلية الحاكمة والمتحكمة. من هنا تغدو الثقافة عدو للفوضى ومناقض لها، فهي الحصن الذي يحمي المجتمع من الوقوع في جحيم الفوضى وغياب المعنى، كما أنها، في الوقت ذاته، هي المنظومة القيمية التي تعيد تشكيل البراديغمات والخطابات حين يتحولون إلى وسائل في يد القوى التي تسعى إلى الهيمنة من أجل مصالحها.

ما نعتقده أو نسميه ثقافة هو جزء منها فقط، الإبداع الفني والأدبي وحماية التراث هو الشّق الذي يساعدنا على المحافظة أو إعادة بعث قيم التضامن والتراحم والعيش بانسجام، وهو ما يسميه ماثيو آرنولد بـ "الحلاوة". أما الابداع الفكري والعقلي فهو الشّق الذي يمكننا من انتاج هذه القيم أو إعادة تكييفها مع ما يطرأ على المجتمع من تحولات وتغيرات، وهو ما أطلق عليه مفكرنا، سابق الذكر، بـ "النور".   يقول علي عزّت بيغوفيتش: " الثقافة هي الخلق المستمر للذات، أما الحضارة فهي التغير المستمر للعالم"، فهي في نظره الألية التي تسمح للمجتمع بخلق وإعادة خلق القيم التي تساعده على المحافظة على ذاته السوية وحمايتها من الانسلاخ.

الثقافة هي التي تمنحنا رؤية موحدة للحياة، رؤية متماسكة قادرة على استيعاب كل الاختلافات والفوارق. ولن تتأتى هذه الرؤية إن لم تكن شاملة لكل مناحي الحياة، رؤية كما قال مالك بن نبي تجمع بين الطبيب المتخصص وبين راعي الغنم في بوتقة فهم شامل لمعنى الحياة. يقول محمد شوقي الزين: " الثقافة من حيث أنها رؤية في الحياة توفر للذات أدوات الزرع والحصاد بالاشتغال على ذاتها عبر التربية والاستطلاع والفضول المعرفي، أي كل التدابير والأساليب التي من شأنها أن توصلها إلى الظفر بالسعادة".

لا يمكن للثقافة أن تنجح في تحقيق هذا المسعى إذا كان المجتمع يجهل ماهيتها الحقيقية ودورها ومدى حاجته إليها. لم يكن وزير الدعاية في الحزب النازي يكره المثقفين إلا لأنه كان يدرك حقيقة الثقافة فهو الذي أشتهر بمقولته العجيبة: " كلما سمعت كلمة مثقف تحسست مسدسي". فالثقافة الحقيقة ترعب الأنظمة الشمولية والدكتاتورية ولا تخدمها، فإذا كانت الثقافة تسعى لتحقيق الانسجام من خلال المساواة والعدالة، فهذه الأنظمة تقهر شعوبها لا من أجل الحفاظ على النظام، بل لأجل الحفاظ على السلطة.

إذا كانت الثقافة تمتلك كل هذه القدرات، فلماذا لا نحسن استغلالها ونجعل منها قاطرة تُخرجنا من مأزق التخلف وتحملنا إلى برّ الأمان؟ لا أعتقد أن أولئك الذين يُحّجمون الثقافة يؤمنون بقيمتها ولا حتى يسعون لذلك، لأن الثقافة في عرفهم لا تعدو مجرد مصدر من مصادر العيش يقتات منه العاملون في حقل الابداع  الفني والأدبي من خلال ما يحصلون عليه من بقايا الريع. ولكي تصمت الأصوات التي تتشدق بقيمة الثقافة وضرورتها، دون أن تعرف معناها الحقيقي، تُقايض بمقابل مادي تبيع بدلا منه المنتج الثقافي في سوق النخاسة، فتثبت بذلك فرضية هؤلاء القاضية بأن الثقافة لا معنى لها ولا قيمة، أو أنها شيء مبهم وغامض ولسنا في حاجة لفكّ الغازه.

***

د. تركي لحسن

........................

المراجع:

ماثيو آرنولد، الثقافة والفوضى

مالك بن نبي، مشكلة الثقافة

علي عزت بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب

برهان غليون، اغتيال العقل، محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية

محمد شوقي الزين، الثقاف في الأزمنة العجاف، فلسفة الثقافة في الغرب وعند العرب

في كتابه (فن صناعة التكتلات السياسية) يُعرّف الباحث السياسي (ليونيل زيتر) اللوبي بأنه (حملة ضغط منظمة ومتعددة الأشكال والأدوات، تسعى إلى التأثير في الحكومات ومؤسساتها التنفيذية، والحكومات المحلية، والمؤسسات التشريعية، لفرض أجندات معينة على السياسات العامة، بأساليب الإقناع السياسي)1.

يتدثّر هذا التأثير تحت غطاء مجموعة من التسميات أبرزها تسمية اللوبي الذي كان قبل انتشار شروط موضوعية ترتبط بالحداثة والتقانة وسرعة التواصل، مجرد تكتُّم سرّي، ثم أصبح مفهوما متداولاً في الأوساط الثقافية وكذا في نسغ المجتمعات وفي أوصالِها.

ولقد فتَحَت التقنياتُ الحديثة، عبر انتشار وسائط الإعلام والاتصال وغيرها، شهيةَ مفهوم اللوبي كاملةً، تدعمه في ذلك الآلة الإعلامية، كي يقرأ السياسة التقليدية من زاويته الخاصة المبنية على التضليل والكذب لإفساد المشهد السياسي العالمي برمّته. وهو الأمر الذي ينبغي أن ننظر إليه في عمقه، إذ لا تكتفي هذه الآلة بتحويل القيم ومسخها وضرب القناعات المؤمنة بها، بل تذهب إلى أبعد من ذلك، حيث تتحكم في بناء الأجندات الخاصة بالجماعات والأفراد الذين يتهافتون على الفضاءات الإلكترونية تهافت الفراش على الضوء، فيما هم يزْورّونَ عن المشاهد الواقعية والتي تخصّهم في حميميتهم بحكم التمويهات الخطيرة التي تمارسُها جماعاتُ الظل. اللهمّ بعض المثقفين الذين استوعبوا اللعبة، فمارسوا من جهتهم بعضاً من المسؤولية الحضارية، عبر صرخاتهم الموزَّعة بين النضج العلمي والانطباع الوجداني، والتي لا تجد الآذان المصغية الكافية كي يشكلوا معاً قوة ضاغطة مناقضة، قادرة على تغيير وجه النهر الرّتيب.

إن من سمات هذا التضليل والتغليط، سمةُ عجن الصواب بالخطأ والحقيقي بالمزيف، والصادق بالكاذب، والفعلي بالوهمي، إلى درجة التمييع الموسوم بالقدرة الخارقة على تركيم طبقاتٍ سميكة من التعمية، تغشى الرؤية وتسيطر عليها وتوجهها إلى أهداف تلكم الآلة السائرة في آخر المطاف إلى صناعة الكائن المستهلك والعاجز عن التمييز بين ما هو صحيح وما هو فاسد. وهنا تحضرني أمثلة تتصل بوضعنا العربي الخاص، حيث تسمح هذه الفضاءات بتمرير حالاتٍ من الاستعمال اللغوي البعيد كل البعد عن أصالة العربية وعِلميتها وأدبيتها، بغايةِ مسخ حضورها في الذات العربية في تجلّيها المفرد والجمعي والسير بها في اتجاه بناء مشروعِ لغةٍ عربية ثانية تتسم في نظر هذه الآلة بالمرونة، التي نسميها نحن مسخاً حضارياً، من منظورنا الغيور غيرة علمية واعية على هويتنا العربية الإسلامية، لا غيرةً مجانية مندفعة.

كان هذا مثالاً، غيضاً من فيضٍ، أو شجرةً تخفي غابة. وما خَفِيَ كانَ مُحرّكاً لوعينا بضرورةِ الحديث عن تغير شروط المشهد السياسي داخل هذه المنظومة الحداثية الطافحة بالمتغيرات الجذرية، في قراءة للحالِ المكذوبةِ والكاذِبَة على واقعنا العربي والمغربي على حدّ سواء. وهي الحالُ التي أفرزتْ كثيرا من التقليعات السياسية القابضة على محور الكذب باعتباره الوجه التطبيقي المناسب لروح العصر المخاتِلَة والمبتعدة في إصرار غريب عن كل ما يقرّب إلى القيم الإنسانية الحاملة لحقيقة (الله) المطلقة، والحاملة تباعاً للمقولات الرسالية المحمدية المتفرّدة في صناعة الحضارة. من هنا ندرك عمق وخطورة هذا التوجه العالمي المبني وفق تصوّر عدائي لكلّ ما هو شرقي موسوم بالمحمّديّة النقية والتقيّة والراقية. وهو تصوّرٌ عدائيٌّ يتلبّسُ داخل أقنعة متعددة، بين العلمي والفلسفي والفني والأدبي والفلكلوري وغير ذلك من القنوات الحاملة لإمكانية الضغط الناعم على الأفراد والجماعات وتوجيهها التوجيه المرغوب فيه.

إن عمليات الضغط لا تنسج خيوطها القاهرة بيد من حديد إلا في الحالات المستعصية، وحتى هذه الحالات يسبقها إصرار ماكر على تفعيل السياسة الدولية انطلاقاً من التمرير النّاعم للكذب التاريخي، تبريراً يدعم الفعل السياسي غير المشرعن. وأبرز مثال لذلك هو تسويغ الدخول الغربي إلى بلاد العراق عام 2003 تحت ذريعة امتلاك هذا البلد لأسلحة الدمار الشامل، مما أقنع الرأي الدولي، وضمنه الإقليمي والمحلّي العربييْن، بشرعية هذا الدخول وقِيَمه الإيجابية لأنه يندرج في إطار المصلحة الدولية العامّة، إن لم تكن هي المصلحة الكونية، والتي تحتاج إلى وصيّ عليها، فلا يجد المقام الكوني إلا هذا الغرب السيّد والمتسيّد ممثِّلاً مناسبا لحمل هذا الثقل الحضاري.

لا تعلن هذه الوصاية عن ذاتها بشكل مباشر، لأنها – أصلا – مرفوضة في برّانيةِ خطاب الجماعات الضاغطة والمُسوّقة لمنظومة القيم التي لا تني هذه الجماعات لحظة واحدة في تكريسها والسعي الدؤوب لنشرها على أوسع نطاق. وتعلن عن ذاتها في أشكال أخرى تتسرب في نسغ العلاقات الدولية بشكل مُلمّع يعانق المنطق السليم ويسري في أوصال المجتمعات سريان الحاجة الحتمية.

***

نورالدين حنيف أبوشامة

...............................

1-1Zetter, L. Lobbying - The Art of Political Persuasion, (Harriman House LTD, Petersfield-UK, 2008). p. 3

 

صُنْعُ السُّلْطَةِ لِاسْتِسْلَامِ الشُّعُوبِ وَإِعَادَةُ إِنْتَاجِهِ

نعوم تشومسكي: "من استراتيجيات التحكم في الشعوب: تشجيع الناس على استحسان الرداءة، وعلى الاعتقاد بأن من الرائع أن يكون المرء غبياً، همجياً، وجاهلاً."

في عالمٍ تتحكم فيه المعلومة كما تتحكم فيه القوانين، وتعيد فيه الخوارزميات تشكيل وعي الأفراد، يبرز سؤال استراتيجيات السيطرة على الشعوب كعنصر محوري لفهم العلاقة بين السلطة والمواطنين. يشير نعوم تشومسكي إلى أن من أبرز هذه الاستراتيجيات تشجيع الناس على استحسان الرداءة، وعلى الاعتقاد بأن الغباء والهمجية والجهل صفاتٌ “طبيعية” أو حتى مرغوبة. هذه السيطرة ليست مجرد قوة مادية أو سياسية، بل هيمنة ثقافية وإيديولوجية تعيد تشكيل مفاهيم الأفراد حول القيم والحرية والعدالة.

فالسلطة المهيمنة ليست فقط حكومة أو مؤسسة، بل بنية متكاملة تستمد شرعيتها من الهيمنة الرمزية، ومن القوة الإعلامية والاقتصادية، ومن الإطار القانوني الذي يدعم مصالحها، بحيث يصبح المواطنون يقبلون الوضع الراهن على أنه “طبيعي” ويستسلمون لهيمنتها دون مقاومة واعية. ويؤكد ميشيل فوكو أن السلطة «تُمارس داخل العقل كما تُمارس على الجسد»، فيتحول القمع الخارجي إلى رقابة داخلية مستبطَنة، تجعل الفرد حارسًا على نفسه.

تاريخيًا، لم تنشأ هذه السيطرة من فراغ. فقد ورثت الدول الحديثة استراتيجيات استعمارية قديمة تمزج بين القوة العسكرية والهيمنة الثقافية، حيث تحولت اللغة والتعليم والرموز الوطنية إلى أدوات ناعمة لإعادة إنتاج التبعية. أنطونيو غرامشي نبّه مبكرًا إلى أن أخطر أنواع السيطرة ليست تلك التي تُمارَس بالعنف الصريح، بل تلك التي تجعل الخاضعين يتبنون قيم القامع نفسه.

ومع التحولات الرقمية، انتقلت هذه السيطرة إلى مستوى جديد، رأسمالية المراقبة، كما تسميها شوشانا زوبوف، حيث تتحول بيانات الأفراد إلى مورد اقتصادي وسلاح سياسي معًا. كل نقرة، كل بحث، كل تفاعل على الشبكات الاجتماعية يصبح مادة لقياس الطاعة والامتثال، ولبناء ملفات سلوكية يمكن من خلالها توجيه الرأي العام أو احتوائه.

على المستوى النفسي، تُستَثمر سيكولوجيا الخوف. الخوف من الإرهاب، من الفوضى، من انهيار الأمن لتبرير الطوارئ وتمديد القبضة الأمنية. وتُغذّى الهويات المنقسمة طائفية، إثنية، أو جهوية، بهدف تفكيك التضامن الشعبي وتفادي أي جبهة مجتمعية موحَّدة. وهنا يستحضر بيير بورديو مفهوم «العنف الرمزي»، إذ يصبح المواطن ذاته منفِّذًا غير مرئي للرقابة، فيراقب نفسه ويعاقبها.

في مواجهة ذلك، يؤكد ألبرت كامو أن «الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع»، ما يجعل من النضالات المدنية والفكر النقدي أدوات حيوية. ورغم إحكام الخوارزميات قبضتها على المجال العام، فإنها تتيح في الوقت نفسه إمكانات غير مسبوقة للتعبئة، كما برهنت حركات احتجاجية عابرة للحدود (، الربيع العربي، حركات المناخ) التي حولت الصورة والفيديو والهاشتاغ إلى أسلحة تحرر.

في المغرب المعاصر، تتجلى هذه الديناميات في قضايا ملموسة، كاختلالات التعليم والصحة، أزمات سوق الشغل، وقمع بعض أشكال الاحتجاج السلمي. المواطن المغربي يواجه صدمة مزدوجة، ضعف منظومة الاحتجاج المدني مقابل قسوة تدخلات الأمن العمومي، ما يعكس نجاح الهيمنة الرمزية في إعادة تعريف الحرية والمعايير الاجتماعية. الصور القاسية التي تبثها وسائل التواصل الاجتماعي للاحتجاجات السلمية تكشف فجوة بين خطاب الدولة عن “النموذج التنموي” وبين واقع القمع أو التهميش، وهو ما يضع مصداقية الدولة أمام اختبار مستمر لتحقيق التوازن بين حماية الأمن العام وتمكين المواطنين من التعبير عن مطالبهم.

ولا يقتصر التحكم على القوة المباشرة؛ بل يتجلى أيضًا في الهيمنة الثقافية والإعلامية، عبر إعادة إنتاج القيم والمعايير لتطبيع الرداءة والامتثال، وفي الاستبداد البنيوي الذي يقيّد المجتمع المدني ويهمش مؤسسات الرقابة والمساءلة. وكما تحلل هانا آرندت، حين يُلغى الحكم الأخلاقي، ينهار شعور الإنسان بالمسؤولية، فتتحول الطاعة إلى فضيلة في الوعي الجمعي.

ومع ذلك، تُظهر التجربة التاريخية أن هذه السيطرة ليست مطلقة. فعندما تُفرط السلطة في القمع أو تفشل استراتيجياتها، تنفجر الاحتجاجات بأشكال جديدة، من الاعتصامات الميدانية إلى الفضاءات السيبرانية المفتوحة بلا حدود. وهنا يبرز سؤال ما بعد الدولة القُطرية: هل يمكن لوعي جمعي عابر للحدود أن يشكل تضامنًا كونيًا ضد هيمنة سياسية واقتصادية تتخطى الأوطان؟

إن الهيمنة في جوهرها ليست مجرد إرادة قهرية، بل شبكة معقدة من القوة والمعايير والرموز. وأي مقاومة حقيقية تتطلب وعيًا نقديًا جماعيًا يواجه هذه الشبكة في مستوياتها المختلفة: التعليم، الإعلام، الاقتصاد، والقيم. وحده هذا الوعي المتجدد عبر الفنون والفكر والحركات المدنية، قادر على إعادة توازن العلاقة بين السلطة والمواطن، وضمان كرامة الأجيال القادمة وحقها في تقرير مصيرها.

***

د. مصـطـفــى غَـــلمـان

الأسئلة الحقيقية المناسبة لا يطرحها ممارس رياضة الأيكيدو وهو يلج قاعة التدريب، لأنه محمّل بتمثلات مسبقة تفيدُ انخراطه في أسلاك هذه الرياضة، وحسبُ. ولا يتجرّأ على فتحِ نوافذ معرفية من أجل استيعابٍ نظري لهذه المنظومة وهو الأمر العادي عند كل المهتمّين بها. ومن هذه الأسئلة الكامنة والمركزية سؤال :

ما هو جسدي؟ وما طبيعته؟ وماذا أريد منه؟ ولِمَ أدخلْتُهُ في هذا السياق الرياضي والفني والفلسفي؟ وماهي مدخلاته الأساسية؟ وما هي مخرجاته المرجوة؟ وكيف أحاورُ به أجساداً أخرى؟ وكيف أتعالق معها في سياقات إكراهية؟...

و أسئلة أخرى من نفس المقام، لا تلح على الممارس لأنه مطبوعٌ بالرغبة في التحصيل التقني لأدبيات هذا الفن، ومن ثمّة تغيب هذه الأسئلة المركزية على مقاصل النزوع النفعي، المشروع والصادق. وهي أسئلة يمكن اختزالها في سؤال واحد: ما هو هذا الوجود الجسدي أو الجسداني في منظومة فن الأيكيدو؟

"الأيكيدوكا" كائن إنساني مثل سائر الناس، لكنّه يقفز على النمطية بانخراطه في مجال رياضة الأيكيدو. وهو بهذا القفز يتحوّل إلى ممارس لوجودين

وجود يحكمه التواصل اليومي عبر آلية اللغة العادية المتواضع عليها في أفق التخاطب الاجتماعي، استجابةً لشرطه البشري والموضوعي. والثاني وجود فنّي تصمتُ فيه اللغة العادية لتتكلم فيه لغة الجسد، فيصبح الأيكيدوكا محاوراً جيّداً للأجساد الأخرى الغيرية التي يتعامل معها سواءٌ على صفيح ركح التداريب الأسبوعية أو على صفيح الملتقيات الوطنية والدولية الموسّعة. وبعبارةٍ أخرى فإن الأيكيدوكا، كائنٌ محظوظٌ تُتاح له إمكانياتٌ جديدةٌ عبر الفرص الحياتية الرحبة التي ينطلق فيها عجيباً في محاورات الجسد.

وهو في هذه المحاورة لا ينطلق من فلسفة أو مرجعية فكرية موغلة في التنظير، وإنما ينطلق من انسيابيةِ انخراطه التي تجعله محاورا جيّداً لجسده في علاقةٍ مع الأجساد الأخرى، وفي هذا السياق لا يمكننا تصوّر ممارس الأيكيدو حاملاً لترسانة من المرجعيات النظرية الموغلة في التجريد سواء تعلّق الأمر بالممارس المثقف، أو تعلّق الأمر بغير المثقف. والأمر في هذا المقام لا يغدو أن يكون ممارسة تنزل بأدبيات فلسفة الأيكيدو من أبراجها العلوية إلى إمكان تفعيلها على أرض الواقع. من هنا نفهم عمقَ هذه الرياضة وبساطتها في نفس الآن. ونعتبر هذا ازدواجيةً مطلوبةً في أجرأة النظر الفلسفي لهذه المنظومة وتنزيلها التنزيل الممكن، ودعوة هذا الفعل إلى مساجلة الذات الإنسانية في رغباتها ضدّ ومع الجسد في أفق تحويله من جسد مستهلِك إلى جسد منتج لمجموعة من القيم الإنسانية النبيلة والقابلة أساساً للتنزيل .

لا يقف الجسد في هذه المنظومة عند حدّ الطقس الاحتفالي الذي يبدأ ببداية الحصّة التدريبية وينتهي بنهايتها التقنية. بمعنى أنه غير محكومٍ بحدود دائرة الطقس الإمتاعية والاستمتاعية، بل يتجاوزها إلى إمكان انفلات هذا الجسد من قبضة القوقعة التلقينية التي تكتفي بعمليات الشحن لمجموعة من التقنيات الخاصّة بهذه الرياضة، إلى تمثل فن الأيكيدو كمنهج مرن وذكي في محاورة الجسد لكل أشكال الوجود المحيطة به. كيف يتمّ ذلك ؟

نعلم أن رياضة الأيكيدو هي مجموعة من التقنيات الخاصة بالدفاع، وتعتمد على قوة الشريك كي تمارس حضورها كنقيضٍ للفعل الرياضي العنيف. لكن هذا غير كافٍ لصناعة الممارس المحاور، وإنما تكتفي التقنيات بإنتاج الممارس الآلي الذي يتقن الحركة ويقدّمها في صورتها المرجوّة من دوائر التوجيه الأستاذية. وهذا مطلبٌ مقبولٌ لكنه لا يصنع ممارساً حقيقيا، كما هو الشأن في تعليم الطفل قواعد الموسيقى بطريقة علمية، يحفظها عن ظهر قلب ثم يردّها بضاعةً كلّما طُلب منه ذلك. والأيكيدوكا ليس ممارسا استرجاعيا، إنه ممارس مستقلّ في عمليات الاستقبال وفي عمليات الأداء، أي في المدخلات وفي المخرجات، أو هكذا ينبغي لنا أن نتصوّر هذا الممارس حتى لا نكون أمام مشهدٍ تلقيني يقوم على ثقافة الشحن بدل ثقافة التفاعل، وفتح باب الإبداع...

من هنا، أفقُ أن يكون لكل ممارس خصوصية التعلم وتفعيل مخرجات هذا التعلم، لأن الجسد غير الجسد والروح غير الروح، والاختلاف حاصلٌ ومطلوبٌ وواعد بالتنويع في هذا المجال. 

تتجلى خصوصية الجسد في مجموعة من الأداءات، منها رقصة التايسباكي، وهي رقصة على الرغم من نمطيتها فهي متعددة بتعدد الأجساد الراقصة، وهي رقصة واحدة في العالم إذا حددناها كنموذج يُنتج المفهوم ويتمّ الاتفاق عليه والتواضع على شكله. أما روحه، فمتعددة، من هنا إمكان القول إن رقصة التايسباكي هي رقصات، تتعدد بتعدد الأجساد التي تمارسها، ويستحيل أن نتصور اتفاقاً حول أداءٍ واحدٍ لأن ذلك يدخل في المستحيل ويفتك بخصوصية الممارسة. هكذا تخضع رقصة التايسباكي لطبيعة الجسد، سليماً كانَ أو ناقصا، وتخضع أيضاً لطبيعته في قدرته المختلفة على الحركة وتمثل هذه الحركة، فليس كل الناس يتحركون بأجسادهم بنفس الوتيرة ونفس الاستجابة ونفس المرونة. وقد نذهب في القول إلى درجة أن أداء الممارِس للرقصة اليوم يختلف عنه في يومٍ آخر، وذلك تبعاً لاستعداده النفسي غير التابث وغير النمطي...

ومنها أيضا، حركة الجسد في سياق التفاعل مع جسد الآخر الموصوف بالشريك، حيث تلتقي ثقافتان مختلفتان كما يلتقي تمثلان مختلفان أيضا. وهذا من شأنه أن يُغني الممارسة ويُثريها ويُخصِبها. خذ مثلاً تفاعلَ ممارس في عقده الخامس مع شريك في عقده الثاني، وكيف يمكن أن يكون اللقاء بين سمتِ الحركة الخمسينية مع عنفوان الحركة العشرينية. وخذ مثلا تفاعلَ ممارس ذكر مع شريكةٍ أنثى وانظر كيف يكون اللقاء بين فحولة الحركة وبين نعومتها... وخذ مثلا تفاعلَ ممارس في الدرجة الرابعة مع شريك مبتدئ بحزامٍ أصفر، وانظر كيف يكون اللقاء توجيهيا أكثر مما يكون تنافسيا، ثم انظر كيف سيتفاعل الجسد العارف مع الجسد الطالب معرفةً. وخذ مثلا تفاعلَ ممارس من بيئةٍ مغربية مع ممارس من بيئة يابانية، وانظر كيف يكون اللقاءُ بين ثقافةٍ مؤسسة لهذه المنظومة وبين ثقافةٍ مُفعِّلة لهذه المنظومة... وهكذا في أمثلةٍ كثيرة من شأنها أن تفصح أن طبيعة الجسد في فن الايكيدو مجالٌ خصبٌ وغنيٌّ ومختلف أشدّ الاختلاف، وواعد ومتنوّع وبعيدٌ كلّ البعد عن النمطية البليدة.

الجسد صيرورةٌ بحرف الصاد، وتفيد التحول. كما أنه سيرورةٌ بحرف السين وتفيد المسار والحركة. وبالتالي فنحن أمام جسد غير متخشّب وغير جامد وغير نمطي... بل هو تاريخ شخصيٌّ يتطوّر تباعاً وسِراعاً، ويقدّم في كل تجلٍّ إدهاشاً يشي بخارقيةِ هذا الجسد وبمعجزته واجتراحه للمألوف. وهو من هذا الاستنتاج، جسدٌ لا يقدّم طريقةً لمحاورة الأجساد الأخرى على صفيح الركح فحسبُ وإنما يقدّم طريقةً للوجود تقوم على إدراك الصورة الفلسفية للجسد في الذاتِ وفي الآخر وفي العلاقة مع الوجود بشكل عام. وبتعبير "هنري برغسون " فإن الجسد يقدّم في محاورته الدائمة للآخر رؤية خاصة للعالم عبر المعيش الجسداني انطلاقا من استقبال صورة الآخر فينا واستقبال الآخر صورتنا فيه.

الجسد كينونة متناهية في بعدها الفيزيولوجي ولكنه مقولة غير متناهية في أبعادها الإنسانية القائمة على المحاورة الدائمة، من هنا فعل الصيرورة والسيرورة. وبالتالي فإنّ كلّ جسدٍ هو كونٌ مستقل ووجودٌ قائمٌ  بذاتهِ أولاً وبذواتٍ أخرى ثانياً.  مما يُخصِبُ لدينا فكرة التجمع الجسداني على صفيح الركح في ممارسة (الأيكيدو) بحيث يتحوّل هذا التجمع البشري من حالاتٍ متنوعة لقابليات التعلم إلى حالاتٍ وجودية للحوار والمحاورة، في نسق معرفي غائب، ونقصد أن الممارس لا يستحضر تجريدَ هذا الحوار أو المحاورة بقدر ما يمارس حضوره التلقائي في حضرة أشكالٍ أخرى من الحضور، فيتمّ اللقاء عفويا وتنسجُ العلاقات ذاتَها في غير موقف علمي قصدي وإنما في انسيابية تعلّمية تستقبل المفاهيم الخاصة بفن الأيكيدو دون قصد ودون أن تُدرك ذاتها داخل المصطلح وإنما داخل الممارسة.

أعتبر هذا المنظور الممارس الواقعي، واقعا مشدوداً إلى النظر الفلسفي الثاوي خلف مرجعيات ثقافة آسيوية استنبتها الشيخ (أوشيبا) عبر تمثله العارف لتاريخ الجسد. وهو ما يمكِّنُنا من القول إن الجسد داخل الركح لا يفيد حركةً تقنية فحسب، وإنما يفيد إنتاجاً لقيمٍ إنسانية جديرة بالاعتبار، منها قيمة التعايش واحترام التعدد وتقدير الآخر في غيريته المتفردة، ومراعاة المختلف وتشييد الحوار على أساس قراءات واعية وغير واعية للجسد وتحركات هذا الجسد الذي لا يمكن قراءته مفصولاً عن سياقاته الثقافية الصغرى (داخل الركح) والكبرى (داخل الواقع).

الجسد داخل منظومة الأيكيدو لغةٌ، لأنه يتحركُ وفق نظامٍ من المعارف الفنية والفلسفية التي تؤهل هذه الممارسة كي تكون متجذّرة في التأصيل وقابلة للامتداد الزمني، والامتداد المكاني، بحيث نستطيع استنباتها في أي بيئة شئنا لأنها تحمل في جيناتها القدرة على التكيف بحكم مرونة مبادئها المؤسسة، وبحكم انطوائها على منظومة القيم الإنسانية. من هنا حركات الجسد المفهومة داخل مفهوم النسق، سواء تعلّق الأمر بالذهن حيث تنرسم في وعي الممارس آليات الفعل ورد الفعل... أو تعلّق الأمر بمهارات التفعيل حيث قدرة الممارس على إنزال هذا الوعي على صفيح الركح. وهو إنزال أو تنزيل لا يرتبط بالتطبيق التقني النموذجي لأدبيات فن الايكيدو فحسب وإنما يرتبط بتفعيل لغة جسدية مشبعة بالقيمة، حيث لا نتصور حواراً جسديا يقوم على العنف أو على رغبة الممارس في إيذاء الشريك المدعو خصماً في نظام رياضات أخرى كالملاكمة والكاراتيه مثلا.

القيمة هي لبّ عملية الاستقبال في رياضة الايكيدو، ولا قيمة لهذه الرياضة خارج منطق القيمة. وهي وجودٌ مثالي يسبق وجود الجسد المادي الواقعي، بل يؤطره، ويوجّهه ويشذب كل ما فيه من انزلاقات سلوكية عنيفة تشي بالكراهية أو الحقد أو الإقصاء أو أي سلوك مستنبت في حقول البغضاء والمشاحنة.

***

نورالدين حنيف أبوشامة

(الترجمة هي إحداث تأثيرات مماثلة بوسائل مختلفة).. بول فاليري

مقدمة: تُعتبر الترجمة الفلسفية مجالًا معقدًا يتجاوز مجرد نقل النصوص الفلسفية من لغة إلى أخرى، إذ تتطلب فهمًا عميقًا للسياقات الثقافية، اللغوية، والمفاهيمية التي تشكل الأفكار الفلسفية. أما فلسفة الترجمة فهي التأمل النظري في طبيعة الترجمة، أهدافها، وتحدياتها، مع التركيز على كيفية تأثير اللغة على إنتاج المعرفة ونقلها. تهدف هذه الدراسة إلى تقديم تحليل معمق للترجمة الفلسفية وفلسفة الترجمة من خلال مقاربة استراتيجية ترتكز على استكشاف التحديات الإبستيمولوجية، اللغوية، والثقافية، مع اقتراح استراتيجيات للتعامل مع هذه التحديات. سيتم تناول الموضوع عبر أربعة محاور رئيسية: (1) تعريف الترجمة الفلسفية وفلسفة الترجمة، (2) التحديات الإبستيمولوجية واللغوية، (3) السياقات الثقافية والتاريخية، و(4) استراتيجيات الترجمة الفلسفية. فكيف تستفيد الترجمة الفلسفية من فلسفة ترجمة؟

تعريف الترجمة الفلسفية وفلسفة الترجمة

"يتعين على المترجم الفلسفي أن يواجه صعوبة في جعل النص الأصلي مفهومًا دون تشويهه، مع السعي إلى الحفاظ على ثراء المفاهيم والفروق الدقيقة."

الترجمة الفلسفية

الترجمة الفلسفية هي عملية نقل النصوص الفلسفية من لغة مصدر إلى لغة هدف، مع الحفاظ على الدقة المفاهيمية والسياق الفكري للنص الأصلي. تختلف الترجمة الفلسفية عن الترجمة الأدبية أو التقنية بسبب طبيعة النصوص الفلسفية التي تتسم بالتجريد، الغموض المقصود أحيانًا، والاعتماد على مفاهيم ثقافية ولغوية محددة. على سبيل المثال، ترجمة مصطلحات مثل "Dasein" عند هيدغر أو "ἐπιστήμη" (episteme) عند أرسطو تتطلب فهمًا عميقًا للسياق الفلسفي واللغوي.

فلسفة الترجمة

فلسفة الترجمة هي التأمل النقدي في طبيعة الترجمة، أهدافها، وحدودها. تشمل هذه الفلسفة أسئلة حول إمكانية نقل المعاني عبر اللغات، تأثير اللغة على الفكر، وعلاقة الترجمة بالهوية الثقافية. فلاسفة مثل والتر بنيامين، في مقاله "مهمة المترجم" (1923)، وجاك دريدا، في أعماله حول التفكيك، قدموا رؤى عميقة حول الترجمة كعملية إبداعية وإشكالية في آن واحد. يرى بنيامين أن الترجمة لا تهدف إلى إعادة إنتاج النص الأصلي بشكل مطابق، بل إلى خلق "حياة جديدة" للنص في لغة أخرى، بينما يركز جاك دريدا على استحالة الترجمة الكاملة بسبب تعدد المعاني المتأصل في اللغة.

التحديات الإبستيمولوجية واللغوية في الترجمة الفلسفية

التحديات الإبستيمولوجية

تتعلق التحديات الإبستيمولوجية بطبيعة المعرفة الفلسفية وكيفية نقلها عبر اللغات. النصوص الفلسفية غالبًا ما تكون مشبعة بمفاهيم تعتمد على إطار معرفي معين. على سبيل المثال:

تعدد المعاني: مصطلحات مثل "Being" في الفلسفة الغربية أو "Tao" في الفلسفة الصينية تحمل دلالات متعددة لا يمكن اختزالها في كلمة واحدة في لغة أخرى.

السياق المعرفي: النصوص الفلسفية تُكتب ضمن سياقات إبستيمولوجية محددة (مثل المثالية الألمانية أو الوجودية). المترجم بحاجة إلى فهم هذا السياق لنقل المعنى بدقة.

التحديات اللغوية

اللغة هي أداة الفلسفة، وبالتالي فإن أي تغيير في اللغة يؤثر على المعنى. من بين التحديات اللغوية:

عدم التكافؤ اللغوي: لا توجد دائمًا كلمات مقابلة دقيقة بين اللغات. على سبيل المثال، ترجمة مصطلح "Geist" (الروح/العقل) في فلسفة هيغل إلى العربية تتطلب اختيارًا بين "روح" أو "عقل"، وكلاهما قد يحمل دلالات مختلفة.

البنية النحوية: اختلاف قواعد اللغة بين المصدر والهدف قد يؤثر على التعبير عن الأفكار. على سبيل المثال، اللغة العربية تميل إلى التراكيب الاستعارية، بينما الإنجليزية قد تكون أكثر مباشراتية.

التاريخية اللغوية: المصطلحات الفلسفية غالبًا ما تكتسب معانيها من تاريخ اللغة. ترجمة نصوص أفلاطون، مثلًا، تتطلب فهم اليونانية القديمة وسياقها الثقافي.

السياقات الثقافية والتاريخية في الترجمة الفلسفية

السياق الثقافي

الترجمة الفلسفية لا تقتصر على نقل الكلمات، بل تشمل نقل الثقافة التي أنتجت النص. على سبيل المثال:

ترجمة نصوص ابن رشد إلى اللاتينية في العصور الوسطى لم تكن مجرد نقل لغوي، بل كانت عملية تفاعل ثقافي بين الفلسفة الإسلامية والفلسفة المسيحية.

ترجمة الفلسفة الصينية (مثل الكونفوشيوسية) إلى اللغات الغربية غالبًا ما تواجه صعوبات بسبب الفروق في القيم الثقافية، مثل التركيز على الجماعة في مقابل الفردية.

السياق التاريخي

النصوص الفلسفية غالبًا ما تكون مرتبطة بفترات تاريخية محددة. على سبيل المثال:

ترجمة نصوص كانط في القرن الحادي والعشرين تتطلب فهم السياق التاريخي للمثالية الألمانية في القرن الثامن عشر.

التغيرات في المعاني عبر الزمن قد تجعل الترجمة الحرفية مضللة. على سبيل المثال، كلمة "علم" في العربية القديمة كانت تشير إلى المعرفة بشكل عام، بينما تحمل اليوم دلالات مرتبطة بالعلم الحديث.

التأثير المتبادل

الترجمة الفلسفية ليست عملية أحادية الاتجاه، بل تؤثر في كل من اللغة المصدر والهدف. على سبيل المثال، ترجمة الفلسفة اليونانية إلى العربية في العصر العباسي أثرت في تطور اللغة العربية، حيث ظهرت مصطلحات جديدة مثل "جوهر" و"عرض" لنقل المفاهيم الأرسطية.

استراتيجيات الترجمة الفلسفية

للتغلب على التحديات المذكورة، يمكن للمترجمين اعتماد استراتيجيات محددة لضمان نقل دقيق وفعّال للنصوص الفلسفية. تشمل هذه الاستراتيجيات:

الاستراتيجية السياقية

فهم السياق الفلسفي: يجب على المترجم دراسة الإطار الفلسفي للنص. على سبيل المثال، ترجمة نصوص نيتشه تتطلب فهم السياق الوجودي والنقدي للحداثة.

التعليقات التوضيحية: إضافة حواشي أو مقدمات توضح المفاهيم والسياقات الثقافية للنص الأصلي.

الاستراتيجية اللغوية

الاحتفاظ بالمصطلحات الأصلية: في بعض الحالات، قد يكون من الأفضل الاحتفاظ بالمصطلح الأصلي مع شرح معناه (مثل ترجمة "logos" كما هي مع تعليق توضيحي).

التكيف اللغوي: تكييف النص مع اللغة الهدف مع الحفاظ على المعنى. على سبيل المثال، ترجمة "Weltanschauung" (رؤية العالم) إلى العربية قد تتطلب عبارة مثل "النظرة الكونية" مع توضيح الدلالات.

الاستراتيجية الثقافية

التوسط الثقافي: المترجم يعمل كوسيط ثقافي، حيث يسعى لنقل القيم والافتراضات الثقافية المرتبطة بالنص. على سبيل المثال، ترجمة نصوص بوذا إلى العربية تتطلب مراعاة الفروق بين القيم الشرقية والإسلامية.

الحوار مع القراء: تقديم النص بطريقة تجعل القارئ الهدف يشعر بأنه جزء من الحوار الفلسفي، من خلال استخدام لغة مألوفة أو أمثلة ذات صلة.

الاستراتيجية الإبداعية

إعادة الخلق: كما اقترح بنيامين، يمكن للترجمة أن تكون عملية إبداعية تهدف إلى إحياء النص في سياق جديد، بدلاً من السعي إلى التطابق الحرفي.

التفكيك والتأويل: مستوحاة من دريدا، يمكن للمترجم أن يتبنى منهجًا تفكيكيًا يركز على تعدد المعاني ويسمح للنص بالاحتفاظ بغموضه الفلسفي.

الاستراتيجية التكنولوجية

استخدام الأدوات الرقمية: الاستفادة من قواعد البيانات اللغوية والفلسفية لفهم المصطلحات وتاريخها.

التعاون متعدد التخصصات: العمل مع فلاسفة، لغويين، ومؤرخين لضمان دقة الترجمة.

النقد

النسبية اللغوية: يرى البعض أن الترجمة الفلسفية قد تؤدي إلى نسبية معرفية، حيث تتغير المعاني بشكل جذري بين اللغات.

فقدان الأصالة: ينتقد البعض الترجمة الفلسفية لأنها قد تفقد النص الأصلي بعضًا من عمقه أو خصوصيته الثقافية.

التحديات الأخلاقية: المترجم قد يواجه اتهامات بالتحيز إذا اختار تفسيرات معينة على حساب أخرى.

التأثير

ساهمت الترجمة الفلسفية في بناء جسور بين الثقافات، مثل نقل الفلسفة اليونانية إلى العالم العربي الإسلامي، مما أثر في الفكر الأوروبي الغربي لاحقًا.

ألهمت فلسفة الترجمة تيارات جديدة في الدراسات الثقافية وما بعد الاستعمارية، حيث أصبحت الترجمة أداة لفهم الهوية والاختلاف.

خاتمة

"إن الترجمات توسع أفق الإنسان، وفي الوقت نفسه، العالم وتساعد على فهم الشعوب البعيدة"

الترجمة الفلسفية وفلسفة الترجمة تمثلان مجالين متداخلين يتطلبان مقاربة استراتيجية تأخذ في الاعتبار التحديات الإبستيمولوجية، اللغوية، والثقافية. من خلال اعتماد استراتيجيات سياقية، لغوية، ثقافية، وإبداعية، يمكن للمترجمين التغلب على هذه التحديات وخلق ترجمات تحافظ على روح النص الأصلي مع جعله متاحًا وذو معنى في سياقات جديدة. تظل الترجمة الفلسفية عملية إبداعية ونقدية في آن واحد، تساهم في إثراء الحوار الفلسفي عبر الثقافات واللغات. هذه الدراسة تؤكد على أهمية الوعي بالتعقيدات المتأصلة في الترجمة الفلسفية وضرورة تطوير استراتيجيات مبتكرة لمواجهة هذه التعقيدات. فهل مكن الاستعانة بالفلسفة الترجمة من التغلب على صعوباتها؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.............................

المصادر والمراجع:

Benjamin, W. (1923). The Task of the Translator. In Selected Writings, Volume 1. Harvard University Press.

Derrida, J. (1985). Des Tours de Babel. In Difference in Translation. Cornell University Press.

Venuti, L. (1995). The Translator’s Invisibility: A History of Translation. Routledge.

Eco, U. (2001). Experiences in Translation. University of Toronto Press.

أثار موضوع الاستشراق Orientalism وملازماته المتنوعة العديد من ردود الفعل التي عمد إليها الشرقيون في سبيل مواجهة النزوع الغربي صوب قراءتهم قراءة لا تخلو من الغرضية، إن لم تكن تتأسس عليه أصلاً، الأمر الذي آل الى إعتقاد جملة من الشرقيين بضرورة تفعيل المعادل الموضوعي، أو الضد المعرفي المقابل للإستشراق، والذي قد تمثل بما أُطلق عليه بـــ"الاستغراب Occidentalism" ، فإذا كان الاستشراق يقوم على دراسة الشرق من قبل الغربيين، فإن الاستغراب يكشف عن دراسة الغرب من قبل الشرقيين، ولعل من أبرز الطروحات الداعية والمنظّرة لموضوعة الاستغراب ما قدمه المفكر المصري حسن حنفي  (1935-2021م) في كتابه (مقدمة في علم الاستغراب)، والذي إعتقد فيه أن الاستغراب هو الوجه الآخر والمقابل، بل والنقيض، من الاستشراق، فإذا كان الاستشراق هو رؤية الأنا (الشرق) من خلال الآخر (الغرب)، فإن علم الاستغراب يهدف الى فك العقدة التاريخية المزدوجة بين الأنا والآخر، والجدل بين مركب النقص عند الأنا ومركب العظمة عند الآخر، كما مايز بين الإستغراب و التغريب Westernization"، إذ عدّ حنفي الأخير سلبياً لإمتداد أثره الى مناحي الحياة كافة، وهو التمايز الذي لم يلتفت إليه غالبية الباحثين الذين خلطوا بين المصطلحين.

وتجنباً لهذا الخلط بين المصطلحات، وبعيداً عن الدلالة اللغوية التي قد لا تكشف الفرق الجوهري بينها، إذ، أحياناً، لا تكشف التحليلات اللغوية عن عين العمق في التمايز الذي تضعه الإجراءات المفاهيمية على الصعيد الاصطلاحي، بعيداً عن ذلك يمكن القول ان الاستغراب يمثل حالة تقابلية للإستشراق، في حين ان التغريب يمثل النزوع صوب التأثر بالغرب والاقتداء به والدوران في فلكه، كما أن هناك مصطلح (الاغتراب) الذي يمثل حالة الضياع في الهوية، وهو إحدى إرهاصات الفلسفة الغربية نتيجة لما مرت به من أزمات، فيتحول وفقها الإنسان الى شيء غريب عن واقعه ومحيطه.

ولابد من القول ان حسن حنفي لم يكن أول من دعا وسعى الى إعتماد الاستغراب كآلية لمعرفة الآخر، إذ وجدت العديد من محاولات الاستغراب التي لا يمكن إنكارها أو التقليل من شأنها، وان هذه المحاولات كانت تشكل بداية موفقة في زمن رفاعة رافع الطهطاوي في مصر من خلال كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" وتأليف السفير العثماني محمد أفندي في فرنسا كتاب "جنة المشركين" الذي سجل فيه عادات وتقاليد وجغرافية المجتمع، كما يمكن إدراج محاولات العرب والمسلمين في كتب الرحلات الذين أثبتوا من خلالها دراساتهم للشعوب الأخرى.

بيد ان حسن حنفي يعتقد ان الوقت الراهن ملائم جداً لإعادة طرح مشروع يتقوم بفكرة إمكانية تحويل الآخر الى موضوع علم بدلاً من ان يكون مصدراً للعلم، لكن هل ستكتنفُ الاستغرابَ عينُ الإشكاليات التي صاحبت الاستشراق؟ يرى حنفي ان ذلك لن يحصل لوجود جملة فروقات بين الاثنين (مقدمة في علم الاستغراب، ص24):

1 – ظهر الاستشراق قديماً إبّان المد الاستعماري الأوربي في حين يظهر الاستغراب في عصر الردة وحركات التحرر العربية، والشعوب مهزومة في مرحلة الدفاع، لذلك يظهر الاستغراب كدفاع عن النفس.

2 – ظهر الاستشراق محملاً بإيديولوجية مناهج البحث العلمي والمذاهب السياسية التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر من وضعية وتاريخية وعلمية وعنصرية وقومية، في حين يظهر الاستغراب اليوم في إيديولوجية مناهج علمية مخالفة مثل مناهج اللغة وتحليل التجربة المعاشة والتحرر الوطني.

3 – الاستشراق الآن تغير شكله وورثته العلوم الإنسانية خاصة الانثروبولوجيا الحضارية وعلم اجتماع الثقافة، في حين ان الاستغراب ما زال بادئاً ولم يطور أي شكل له بعد.

4 – لم يكن الاستشراق القديم محايداً، بل غلبت  عليه مناهج تعبر عن بنية الوعي الأوربي التي تكونت عبر حضارته الحديثة مثل المناهج التاريخية والتحليلية والاسقاطية والأثر والتأثر، في حين ان وعي الباحث الآن في علم الاستغراب اقرب الى الشعور المحايد نظراً لأنه لا يبغي السيطرة أو الهيمنة، بل يبغي فقط التحرر من أُسار الآخر حتى يوضع الأنا والآخر على نفس المستوى من الندية والتكافؤ.

هكذا يسعى حسن حنفي الى تبيئة مشروع الاستغراب كعلم هادف الى دراسة الآخر لمعرفة ورفع وعي الأنا به؛ بغية إعادة بناء تراتبية طرفي الأنا والآخر من المنحى العمودي الى المنحى الأفقي، أي من علاقة الأعلى والأدنى الى حيز التساوي.

لعل بالإمكان إيراد جملة من الأسباب التي يمكن أن تكون دواعي البعض في رفض الاستغراب كحالة تقابلية للإستشراق، والتي تتمثل بالآتي:

1 – ان الشرق يعيش حالة من الضعف مقارنة بالغرب الذي يتفوق عليه بالكثير من الميادين والمجالات، ومن ثم يصعب على الشرقيين توفير الوسائل اللازمة التي تسهم في دراسة الغرب، ففي الوقت الذي مرت فيه على الغرب قرون عديدة من دراسات حول الشرق، إذ  أقصى ما يوجد مجموعة صغيرة من مراكز الدراسات التي تصدر دوريات أو كتب عن الغرب، دون وجود أقسام علمية متخصصة تتولى مسؤولية تخريج "مستغربين" أكفاء.

2 – لقد عانى الشرقيون الكثير من سياسات التدخل الاستعماري والاضطهاد الممنهج المُمارس من الغرب، وهذا يدل على وجود حالة من الشعور بـــــ "الاضطهاد الجماعي Collective Paranoia"، إن جاز التعبير ولاق، الأمر الذي من الممكن ان يقود الى عدم حيادية القراءة الشرقية لما موجود في الغرب، إي سيقع المستغربون في عين الأخطاء والإشكاليات التي وقع فيها المستشرقون.

3 – ان ظهور الاستغراب  سيزيد من تعقيد العلاقة بين الشرق والغرب، فإذا كان الوجود التفردي للإستشراق جعل الشرقيين يردون بأن المستشرقين لم يتفهموا حقيقة ما موجود في الشرق، وإنهم بحثوا عن قضايا جانبية وجزئية في المجتمعات الشرقية وعمدوا الى تعميمها، والنظر إليها على أنها الكاشف الحقيقي والواقعي لما موجود، فإن الاستغراب سيعيد نفس الكرة ولكن بطريقة عكسية، إذ سيرد الغربيون على ما يطرحه "المستغربون" بأنه لا يمثل بشكل حقيقي ما موجود في المجتمعات الغربية، وان ما تم طرحه لا يعدو كونه مجرد تشخيصات جزئية تم تعميمها تحت ضواغط إيديولوجية كردة فعل على الاستشراق.

بيد ان هذه الدواعي يجب ان لا تدفعنا صوب التماهي كلياً مع الموقف السلبي من الاستغراب، فالمشروع ما زال في بداياته ولم يخرج للآن عن إطار الدعاوى الفردية التي لا تسمن ولا تغني عن جوع، ان الأمر يتطلب وعياً مؤسساتياً وجهوداً متضافرة في سبيل إنهاضه وإنجاحه، صحيح ان الكفة لن تكون متساوية بين الاستشراق والاستغراب، غير ان الحاجة ستبقى ملحة وبمزيد من الضغط على الشرقيين في سبيل تحصيل المعرفة الناجعة حول الغرب، معرفة تقترب، جهد الإمكان وقدر المستطاع، الى ان تفهم الغرب قريباً مما هو عليه، وإلا فإن الفهم الحقيقي والواقعي، بعد التحليل الخطابي للإستشراق والاستغراب على حدٍ سواء، سيكون من الأمور الصعبة، إن لم تكن مستحيلة، عموماً ان غاية ما في الأمر هو ان الاستغراب على الرغم مما يسجل عليه من ملاحظات في تسبب عدم تحقيق النتائج المتوقعة منه، فإن ذلك يجب ان لا يؤدي الى إيصاد الباب بوجه المشروع الذي قد يسهم في فعالية المعرفة الشرقية بالغرب.

***

د. محمد هاشم البطاط

"إخوانُ الصَّفا وخِلّانُ الوَفا"... حِكايةٌ تَتَجَدَّدُ، مَوصولةٌ بِفِكرٍ يُضيءُ الدُّروبَ، وعَطاءٍ لا يَنضُبُ، اتَّخَذوا مِنَ الكِتمانِ سَبيلاً، فالأثَرُ يَشي بِالمُرادِ، والسِّرُّ نورٌ لا يُرَى، يَنتَشِرُ كالفَجرِ بِصَمتٍ وحِكمةٍ.

حِكايةٌ انبَعَثَت مِن أَعماقِ الذّاكرةِ، في زَمَنٍ ازدهَرَت فيهِ الحَرَكةُ الفِكريّةُ وآدابُ التَّرجَمةِ، واختَلَطَتِ المَفاهيمُ والأَفكارُ، وتَداخَلَتِ الظِّلالُ والأَنوارُ، وتَشابَكَتِ الأَسئِلةُ مَعَ الصَّمتِ، لِتَحوكَ أَيادي القَدَرِ في خَفاءِ اللَّيالي، ذلِكَ النَّسيجَ المُعجِزَ المُوسوعيَّ لإخوانِ الصَّفا، مِن خُيوطِ الحِكمةِ والفِكرِ، في مَهبِطِ الأَنوارِ، لِيَسيرَ كَكوكبٍ يَتَلألأُ في ظُلمةِ الزَّمانِ، لا يُبصِرُ نورَهُ إِلّا مَن كانَ لهُ قَلبٌ، أَو أَلقى السَّمعَ وهوَ شَهيدٌ.

هُم... أُخوةٌ تَعاهَدوا على حُبِّ الإنسانِ والكَونِ والموسيقى والفِكرِ والعِلمِ والعَطاءِ، فأَصبَحوا إخوانًا في الصَّفا، وخِلّانًا في الوَفا، ونَهرًا للحِكمةِ، وشُركاءَ في الحُلمِ والمَصيرِ. ارْتَقَوا بِوَجدِهِم وعِلمِهِم وفِكرِهِم، واجتَهَدوا ودَوَّنوا، لِيُوقِظوا الطَّلبَ والقَصدَ في النُّفوسِ، والسَّعيَ إلى الحِكمةِ والحَقيقةِ.

فَعَرَّت رَسائِلُهُم زَيفَ المُتاجِرينَ بالدِّينِ والعَقيدةِ، ورَفَعَت هالةَ القُدسيّةِ المُزيَّفةِ عنهُم، وأَطلَقَت شَرارةَ الحِكمةِ، لِتُعيدَ لِلكَونِ تَوازُنَهُ، فَحُورِبوا، واتُّهِموا بالزَّندقةِ والانحِرافِ زُورًا وبُهتانًا، ونُسِيَت حِكايتُهُم عَمدًا وقَهرًا، لأَنَّها قَدَّمَت العَقلَ والمَنطِقَ والعِلمَ والمَحبّةَ والوِئامَ، على فِكرٍ مُتَعَصِّبٍ أَعمى، أُريقَت بِسَبَبِهِ الدِّماءُ.

هُم نُخبةٌ رَمَت أَثقالَ التَّعصُّبِ والتَّفَرُّقِ والجُمودِ، وانْدَفَعَت بِوَعيِ العارِفِ، لا عَبَثًا ولا بَطَرًا، بِأَشرِعةِ الحِكمةِ والمَعرِفةِ والفِكرِ المُتَجَدِّدِ، في الشَّواطِئِ القَريبةِ والبَعيدةِ، بَحثًا عنِ الحَقيقةِ، لِيَقينِهِم بِأَنَّ أَمواجَ الدُّهورِ سَتَحمِلُها إلى شَواطِئِ الغَدِ، مَهما امتَدَّ الأَمَدُ وطالَ المَقامُ.

ويَقينُهُم بِأَنَّ النُّخَبَ الفِكريّةَ المُستَقبليّةَ، سَتُعيدُ قِراءةَ مَشروعِهِم، لا بِوَصفِهِ أَثَرًا جامِدًا عَفَى عليهِ الزَّمَنُ، بَل كَحَرَكةٍ فِكريّةٍ حيّةٍ مُتَجَدِّدةٍ، تَتَحَدّى الصُّعوباتِ، وتَستَنهِضُ العُقولَ، وتَفتَحُ آفاقًا جَديدةً لِفَهمِ الإنسانِ والكَونِ والدِّينِ.

فَكَسِبوا الرِّهانَ، وانْتَشَرَ فِكرُهُم، وامتَدَّ لِيَتَجاوَزَ مَركَزَهُم في البَصرةِ إلى بَغدادَ والأَندَلُسِ، ومَلأَت فَلسَفَتُهُم ورُؤاهُم فيما بَعدُ أَرجاءَ العالَمِ، لِتَشْبَعَ بَحثًا وتَحقيقًا.

فَلِيُقالَ لِمَن يَبحَثُ عن جَواهِرِ الحِكمةِ: أَغرِقْ في بُحورِ رَسائِلِهِم، عَلَّكَ تَظفَرُ بِلُؤلُؤةِ التَّوحيدِ، ونَواميسِ الفِكرِ، ومَنطِقيّةِ الحُجَجِ، لِتَحقيقِ استِنتاجٍ صَحيحٍ ومُقنِعٍ، وقَطفِ ثِمارِ الحِكمةِ، فَلا يَقطِفُ ثِمارَها إِلّا مَن أَحاطَ بِآفاقِ المَعنى، وسَعى لِبِناءِ الجُسورِ بَينَ شُطآنِ المَعرِفةِ.

لا يَنظُرُ إخوانُ الصَّفا إلى الكَونِ بِوَصفِهِ مادّةً صَمّاءَ، بَل كَكائِنٍ حيٍّ نابِضٍ بِالعَقلِ، يَتَكَلَّمُ بِالحَرَكةِ، ويُشيرُ بِالرَّمزِ، ويَتَنَفَّسُ بِالحِكمةِ، تَتَداخَلُ فيهِ الحَرَكاتُ السَّماويّةُ مَعَ اهتِزازاتِ النَّفسِ، وتَتَماهى فيهِ الحُروفُ مَعَ الأَفلاكِ، والعَدَدُ مَعَ الوُجودِ.

فَقالوا:

"اعلَم أَنَّ العالَمَ كُلَّهُ بِجُملتِهِ جِسمٌ واحِدٌ حيٌّ ناطِقٌ، مُتَحَرِّكٌ بِالإرادةِ، مُدَبَّرٌ بِالحِكمةِ، مُتقَنٌ بِالصِّناعةِ، مُحكَمٌ بِالتَّقديرِ."

"وَكُلُّ حَرَكةٍ فَلَكيّةٍ هي إِشارةٌ إلى تَحوُّلٍ داخِليٍّ، وَكُلُّ مَدارٍ يُحاكي دَرَجةً مِن دَرَجاتِ النَّفسِ."

وهذا نُضجٌ يَدعو إلى التَّصريحِ بِأَنَّ فَهمَ الكَونِ لا يُختَزَلُ على ما يُرى فَقط، بَل على ما يُفهَمُ مِن استِنباطِ حَرَكةِ الأَفلاكِ وانتِظامِها، وما يُقرَأُ مِن إِشاراتِها. فَالمَظاهرُ الكَونيّةُ مَحكومَةٌ بِعِلَلٍ ونَواميسَ، وانتِظامُها يُنذِرُ بِعِلّةٍ، والفَلسَفةُ لا تُقصي ظَواهِرَ الكَونِ، بَل تَبدأُ مِنها لِتَكشِفَ عِلّتَها والغايَةَ.

ومَن يَتَأمَّلِ الكَونَ بِبَصيرَةِ العارِفِ المُطَّلِعِ، سَيَرى نِظامًا مُتكامِلًا، يَتَنَفَّسُ كالأَحياءِ، ويَرى في كُلِّ حَرَكةٍ غايَةً وعِلّةً ودِرايَةً، وإِشراقًا مِن نورِ الحَقيقَةِ، ونَاموسًا يَنطِقُ بِالحِكمةِ، كَكِتابٍ مَكشوفٍ، تُقرَأُ صَفَحاتُهُ بِالإِدراكِ، وتُفَكُّ شِفراتُهُ بِالمَنطِقِ والمَعرِفةِ والتَّأمُّلِ.

فَتَرَقّي الأَرواحِ، وسَعيُ النُّفوسِ نَحوَ الكَمالِ والمُطلَقِ، يَكتَمِلُ في التَّفكُّرِ وفَهمِ الخَلقِ، ويُدرَكُ بِطَلَبِ العِلمِ والمَعرِفةِ، والتَّفَنُّنِ في عُلومِ الفَلَكِ. وهذا التَّصوُّرُ يَتَقاطَعُ مَعَ المَفاهيمِ المَندائيّةِ، الَّتي تَرى في الكَواكِبِ أَرواحًا نورانيّةً تُرشِدُ النَّفسَ في عُبورِها مِن الظُّلْمَةِ إلى النُّورِ، ويَتَقاطَعُ كَذلكَ مَعَ المَفاهيمِ الزَّرادُشتيّةِ، الَّتي تُدخِلُها في صِراعٍ أَزَليٍّ بَينَ "أَهورا مَزدا" (إِلهِ الكَونِ وخالِقِهِ)، و"أَنگرا ماينيو" (قُوَى الشَّرِّ).

أَمّا الصُّوفيّةُ، فَيَرَونَ في الأَفلاكِ مَرايا لِحَرَكةِ النَّفسِ، وفَضاءً لِلكَشفِ، ومِرآةً لِلذَّوقِ، وسَببًا لِلقُربِ. كَما قالَ ابنُ الفارِضِ:

"ولِلرُّوحِ أَفلاكٌ تَسيرُ بِنورِها، كَما تَسري الكَواكِبُ في الدُّجى."

مِن خِلالِ هذهِ الرُّؤى، يُمكِنُ لِلمُتَتَبِّعِ فَهمَ فَلسَفةِ إخوانِ الصَّفا لِلكَونِ، وأَن لا يُنظَرَ إِلَيهِ بِوَصفِهِ مادّةً صَمّاءَ، بَل كَكائِنٍ حيٍّ نابِضٍ بِالرُّموزِ، تَتَماهى فيهِ الحُروفُ مَعَ الأَفلاكِ، والعَدَدُ مَعَ الوُجودِ، حَيثُ الوَاحِدُ هوَ الابتِداءُ، وهوَ الأَصلُ الَّذي مِنهُ تَتَفَرَّعُ الكَثرةُ، وهوَ رَمزُ الوَحدةِ الإِلَهيّةِ.

والاثنانِ هوَ الانقِسامُ، وهوَ ظُهورُ التَّمايُزِ وبِدايةُ التَّفاعُلِ والانقِسامِ، والثَّلاثةُ هوَ التَّكوينُ، وهوَ اجتِماعُ المُتَقابِلَينِ في وَسَطٍ جامِعٍ، والأَربَعةُ هوَ التَّمامُ، وهوَ العَناصِرُ الأَربَعةُ، وهوَ الجِهاتُ، وهوَ التَّوازُنُ.

كما قالوا:

"اعلَم أَنَّ العَدَدَ أَصلُ المَوجوداتِ، ومَبدَأُ الكائِناتِ، وبهِ تَنتَظِمُ الأُمورُ، وتُعرَفُ المَقاديرُ."

وهكذا يُصبِحُ العَدَدُ تَرتيبًا وُجوديًّا، يَكشِفُ عن نِظامِ الكَونِ، ومَبدَأٍ لِلأَشياءِ.

وهكذا تَظهَرُ إِشاراتُهُم الفَلسَفيّةُ بِأَنَّ لِلكَونِ "نِظامًا مُتَناسِقًا"، وإنَّ المُوسيقى نَغمَةُ الوُجودِ، وكُلُّ نَغمَةٍ هيَ صَدىً لِاهتِزازٍ فَلَكيٍّ يُحاكي نُفوسَنا، ويُؤثِّرُ فيها، فَتَستَجيبُ بِالحُزنِ أَو السَّعادَةِ والانشِراحِ.

ومَعاني الحُروفِ ودَلالاتُها تَشرُقُ بِتَرتيبِها ضِمنَ نِطاقٍ ونِظامٍ مَعلومٍ، كَما هوَ الحالُ بِانتِظامِ حَرَكةِ النُّجومِ، وحِسابِ حَرَكَتِها، وخُصوصيّةِ أَحكامِها، فَكُلُّ حَرفٍ يَحمِلُ دَلالَتَهُ الكَونيّةَ.

فـ"الأَلِفُ" مَثَلًا يُشيرُ إلى البِدايةِ، و"الياءُ" هيَ النِّهايةُ، وبَينَهُما تَتَشَكَّلُ رِحلَةُ الوُجودِ بِكُلِّ تَعقيداتِها وآفاقِها وإِشكالاتِها.

وكَثيرةٌ هيَ دَلالاتُ الحُروفِ والأَسماءِ، ومِن هذهِ الدَّلالاتِ ما يُشيرُ إلى الذّاتِ والصِّفاتِ والأَفعالِ، وبهذهِ الدَّلالاتِ تُصبِحُ اللُّغةُ كَشفًا، وبُنيَةً مَعرفيّةً، وأَداةَ تَواصُلٍ، ووَسيطًا كَونيًّا، تُشفَّرُ فيهِ الأَسرارُ.

وهوَ فَهمٌ يَتَماهى مَعَ الرُّؤيةِ الصُّوفيّةِ، الَّتي تَرى في اللُّغةِ حِجابًا لا يُكشَفُ إِلّا بِالإِشارةِ، كما تقولُ الباحِثةُ فَريدةُ مولى:

"أَسقَطَ المُتَصوِّفةُ الوَظيفَةَ التَّعبيريّةَ النَّقليّةَ لِلُّغةِ، وَلَقَّحوها بِرُموزٍ وتَلوِيحاتٍ، قَصدَ التَّعبيرِ عنِ الأَسرارِ الإِلَهيّةِ، الَّتي لا تَقوى اللُّغةُ العاديّةُ على الإِخبارِ عنها."

وكَما يقولُ ابنُ عَربين:

"الحُروفُ أَعيانُ المَوجوداتِ، وكُلُّ حَرفٍ يَدُلُّ على مَرتَبَةٍ مِن مَراتِبِ الوُجودِ."

مَفهومُ الحَياةِ والمَوتِ مِنَ المَفاهيمِ المُهِمَّةِ الجَوهريَّةِ الَّتي تَحدَّثَ عنها "إخوانُ الصَّفا"، فَقَسَّموا الحَياةَ إلى حَياةٍ جَسديَّةٍ، وهيَ عَرضيَّةٌ ومُؤقَّتَةٌ، وحَياةٍ نَفسيَّةٍ، وهيَ حَياةٌ جَوهريَّةٌ وأَبديَّةٌ، بِانفِصالِ النَّفسِ عنِ الجَسَدِ، وانتِقالِها إلى حَياةٍ أَبديَّةٍ رُوحانيَّةٍ خالِدَةٍ، بَعدَ التَّخلُّصِ مِن قُيودِ الجَسَدِ ومُتَطَلَّباتِهِ.

فَالحَياةُ عندَهُم وُجودٌ، ونُطقٌ بِالحِكمةِ، وتَجلٍّ لِلمَعنى، وسُلوكٌ نَحوَ الكَمالِ. وفَهِموا المَوتَ على أَنَّهُ عُبورٌ وانتِقالٌ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومِن ظاهِرٍ إلى باطِنٍ.

كما قالوا:

"فَإِذا فارَقَتِ النَّفسُ الجَسَدَ، صَعِدَت إلى عالَمِ الأَفلاكِ، حَيثُ النُّورُ والصَّفاءُ."

وهذا يَلتَقي مَعَ الرُّؤيةِ البوذيَّةِ الَّتي تَرى في المَوتِ مَرحَلَةً في دَورةِ "سامسارا"، ومَعَ التَّصوُّفِ الَّذي يَعتَبِرُه كَشفًا، وعَودَةً إلى الأَصلِ.

أَمّا مَفهومُ التَّأمُّلِ، فَلَهُم فيهِ جَميلُ الرَّأيِ، واستِنباطُ المَعنى، وإيجادُ الرَّمزِ، وإِتقانُ الفَهمِ. فَوَصَفوهُ على أَنَّهُ إِصغاءٌ لِلكَونِ، وقِراءةٌ لِلرَّمزِ، حينَ يَتَجاوَزُ التَّفسيرَ إلى التَّأويلِ، وتَحفيزٌ لِلرُّؤيا، وامتِدادٌ لِلخَيالِ، وذَوقٌ لِفَهمِ الحَقيقَةِ، وتَمييزٌ لِلظَّاهِرِ وهوَ القِشرَةُ، عنِ الباطِنِ وهوَ اللُّبُّ.

كما قالوا:

"إِنَّ المَعاني لا تُدرَكُ إِلّا بِالتَّأمُّلِ، ولا تُفهَمُ إِلّا بِالتَّدبُّرِ، ولا تُذاقُ إِلّا بِالتَّصفِيَةِ."

وهذا يَلتَقي مَعَ التَّصوُّفِ، ومَعَ الفَلسَفةِ الباطِنيَّةِ، ومَعَ الرُّؤيةِ الأَفلاطونيَّةِ الَّتي تَرى في التَّأمُّلِ طَريقًا إلى عالَمِ المُثُلِ. فَالتَّأمُّلُ عندَهُم نَشاطٌ عَقلِيٌّ يُطَهِّرُ النَّفسَ، ويُهَيِّئُها لِلكَشفِ، ويَرتَقي بِها إلى المَقامَاتِ الرُّوحيَّةِ.

لَم يَشفَعْ لِإخوانِ الصَّفاِ اعتمادهُم الرَّمزيَّةَ، وإِعادةَ تَشكيلِ النُّصوصِ والظَّواهِرِ بِلغةِ الإِيحاءِ والإِشارةِ والتَّأويلِ، ولُغةٍ لا تُخضِعُ نَفسَها لِسُلطَةِ النَّصِّ، فَعَمِلوا بِسِرِّيَّةٍ عالِيَةٍ، كَنَوعٍ مِن الحِمايَةِ لِلنَّفسِ، خَوفًا مِن بَطشِ السُّلطةِ، وسَيفِ الفَتوى الدِّينيَّةِ.

فَهُم يُدرِكونَ خَطَرَ فِكرِهِم، ويُراوِغونَ السُّلطةَ بِلغةِ الرَّمزِ، ويُخفونَ المَعنى تَحتَ سِتارِ التَّأويلِ، حتّى صارَت دَعوَتُهُم وفِكرُهُم وفَلسَفَتُهُم ولُغَتُهُم ورَسائِلُهُم مَصدرَ إِزعاجٍ وتَهديدٍ لِلمُؤسَّساتِ الدِّينيَّةِ والسُّلطةِ الحاكِمَةِ، الَّتي لَم تَستَقبِلهُ بِوَصفِهِ اجتِهادًا مَعرفيًّا، بَل ذَهَبَت إلى اعتِبارِهِ تَهديدًا مُباشِرًا ومُربِكًا لِلمَنهَجِ.

وقد أَشاروا هُم أَنفُسُهُم إلى هذا الحَذَرِ، فقالوا في إِحدى الرَّسائلِ:

"فَإِنّا قد رَمَزنا في كُتُبِنا، وأَخفَينا المَعاني، وأَودَعناها تَحتَ الأَلفاظِ، خَوفًا مِن أَهلِ الجَهلِ، وحَذَرًا مِن أَهلِ الجَدلِ."

أَمّا مَفهومُ وَحدةِ الوُجودِ عندَ "إخوانِ الصَّفا"، فَقَد تَجلّى في قَولِهِم:

"العالَمُ كُلُّهُ بِجُملتِهِ جِسمٌ واحِدٌ حيٌّ ناطِقٌ."

وهيَ رُؤيةٌ تُقارِبُ التَّصوُّفَ الإِسلاميَّ، وتُعيدُ تَشكيلَ العَلاقَةِ بَينَ الخالِقِ والمَخلوقِ، دونَ أَن تُذيبَ الفَوارِقَ، بَل تُظهِرَ التَّناغُمَ.

وكَذلكَ فَإِنَّهُم مَنَحوا مَفهومَ "الفَناءِ" مَقامًا رُوحيًّا، وغايَةً لِلنَّفسِ في سَعيِها نَحوَ الكَمالِ، بِعودَتِها إلى المُطلَقِ، وذَوبانِها في النُّورِ، وهوَ مُقارِبٌ لِفَهمِ التَّصوُّفِ لِمَفهومِ "الفَناءِ"، والاختِلافُ في اللُّغةِ الفَلسَفيَّةِ والرَّمزيَّةِ.

أَمّا مَفهومُ "العُبوديَّةِ" عندَهُم، فَهوَ مُختَلِفٌ بِشَكلٍ جَذريٍّ عن مَفهومِهِ عندَ بَقيَّةِ الطَّوائِفِ الإِسلاميَّةِ والأَديانِ، فَهوَ عندَهُم لَيسَ خُضوعًا، بَل تَحرُّرًا. فَالعَبدُ الحَقيقيُّ هوَ مَن عَرَفَ نَفسَهُ، ومَن سَلَكَ طَريقَ الحِكمةِ، ومَن تَحرَّرَ مِنَ الجَهلِ والهَوى.

يَقولونَ:

"الحُرُّ مَن مَلَكَ نَفسَهُ، والعَبدُ مَن مَلَكَتهُ شَهوَتُهُ."

ولَم يَعتَبِروا "العَدلَ والمُساواةَ والإِحسانَ" مُجرَّدَ قِيَمٍ اجتِماعيَّةٍ، بَل قَوانينَ كَونيَّةً، مَربوطَةً بِالحِكمةِ الإِلَهيَّةِ، فَكُلُّ شَيءٍ في الكَونِ يَتَحَرَّكُ ضِمنَ نِظامٍ عادِلٍ، وكُلُّ نَفسٍ تُحاسَبُ بِحَسَبِ استِعدادِها، وكُلُّ مَقامٍ يُعطى بِحَسَبِ قابليَّتِهِ.

أَمَّا "العالَميَّةُ"، فَهيَ مُرادُهُم وخِطابُهُم: "إخوانُنا في اللهِ"، دونَ تَحديدِ مَذهَبٍ أَو قَوميَّةٍ.

يَقولونَ:

"فَإِنَّا قد نَظَرنا في جَميعِ الكُتُبِ، واطَّلَعنا على عُلومِ الأُمَمِ، وأَخَذنا مِن كُلِّ عِلمٍ أَحسَنَهُ، ومِن كُلِّ مَذهَبٍ أَصفا.

***

نجم السراجي

مدير ومؤسس مجلة ضفاف الدجلتين

 29.09.2025

بين التحليل الفرويدي والتفكير البنيوي

لقد بات النقد النفسي واحداً من أكثر الحقول الإجرائية التي أثارت جدلًا واسعاً في الساحة الأدبية خلال العقود الثلاثة الأخيرة، إذ أزاح الستار عن طبقات خفية كامنة في النصوص، لا على مستوى الدلالة الظاهرة فحسب، بل في أعماق لاوعيها الذي يتسرّب إلى اللغة والصورة والرمز. فالنص الأدبي، كما أشار جاك لاكان، ليس مجرّد بنية شكلية متماسكة، بل هو حلم يقظ يكتبه المؤلف بوعيٍ ناقصٍ وذاكرة مشبعة باللاشعور. ومن هنا جاء تلاقح النقد النفسي مع البنيوية اللسانية ليعيد تشكيل طرائقنا في قراءة النصوص.

لقد انبثق تيار النقد النفسي الأدبي في العالم العربي مع أسماء متميّزة مثل يوسف سامي اليوسف، الذي قرأ رواية موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح بوصفها نصّاً مشبعاً بتوترات الهوية والانقسام النفسي، أو في دراساته عن الثابت والمتحوّل لأدونيس، حيث كشف عن الصراع بين اللاوعي الجمعي والوعي الثقافي الموروث. لقد كان اليوسف، بحق، من أوائل من وضعوا الأدب العربي الحديث تحت مجهر التحليل النفسي، ليُظهر أن النص لا يقول ما يريد، بل ما يتهرّب من قوله.

أما في الغرب، فقد شكّل جان بيلمان نويل، وأندري غرين، وبيير بيار، ولوران آسون، وبرنار بانكو، وبول لوران، وفيليب ويلمارت، الطليعة التي دفعت النقد النفسي إلى مسارات أكثر عمقاً. هؤلاء النقاد لم يكتفوا باستحضار فرويد، بل عملوا على إعادة قراءته عبر أدوات البنيوية واللسانيات الحديثة. فكان لاكان ـ مثلًا ـ يعيد بناء مفهوم اللاوعي باعتباره مُبنىً لغويّاً، لا خزاناً غامضاً للرغبات المكبوتة فقط، بل نظاماً دلاليّاً يتجلّى في الانزياحات والانقطاعات والفراغات النصية.

لقد شهدنا خلال ثمانينات القرن الماضي طفرة نوعية، تمثّلت في نشر أبحاث مهمّة في مجلات عربية مثل المعرفة السورية، حيث طُبّقت مناهج التحليل النفسي على نصوص الشعر العربي الكلاسيكي والحديث، بدءاً من المعلّقات السبع وصولاً إلى أعمال محمد مهدي الجواهري. غير أنّ هذه الحيوية النقدية بدأت تخبو مع نهاية التسعينات، وكأن النقد النفسي ـ بعد أن أضاء زوايا معتمة في النصوص ـ انسحب فجأة، تاركاً فراغاً لم يُملأ بالقدر الكافي.

لكنّ اللافت أنّ بعض الأصوات العربية المعاصرة واصلت هذا المشروع، أبرزها حسن المودن، في كتابيه الكتابة والتحوّل والرواية والتحليل النصي: قراءات من منظور التحليل النفسي. فقد واصل المودن رسم خريطة جديدة لعلاقة الأدب بالتحليل النفسي، مؤكّداً أنّ النصوص الأدبية ليست مجرد حوامل جمالية، بل هي مساحات للكشف عن آليات الدفاع النفسي، والرغبات المجهضة، وعقد الطفولة، وتشكّلات الهوية.

إنّ ما يميز النقد النفسي عن غيره من المقاربات، أنّه يذهب إلى ما قبل النص، إلى ذلك الخزّان الكامن في عمق التجربة الإنسانية حيث تتشكّل الكلمات في رحم الصمت والرغبة والمكبوت. فالنص لا يكتفي بما يقوله؛ بل يصرّح بقدر ما يكبت، ويفضح بقدر ما يخفي. ومن هنا تتبدّى قيمة النقد النفسي باعتباره جسراً يصل بين الأدب كإبداع لغوي والإنسان ككائن مأسور بتاريخ طفولته وأحلامه وجروحه.

لقد عبّر رولان بارت في مقولته الشهيرة: "النص نسيج من الاقتباسات واللاوعي الجمعي"، عن أنّ العمل الأدبي ليس ملكية خاصة للمؤلف، بل هو فضاء تتقاطع فيه الرغبات الفردية بالأنساق الاجتماعية والثقافية والرمزية. وعلى هذا الأساس، يصبح التفكير البنيوي للاوعي النص هو المفتاح لفهم ذلك التواشج الخفي بين ما يكتبه الكاتب وما يعيشه القارئ في تجربته الداخلية.

ومن هنا نعيد طرح السؤال الجوهري: من سيكتب عن أدب الهجرة والتهجير النفسي للأدباء المعاصرين؟ فالهجرة ليست حركة جغرافية فقط، بل هي تهجير داخلي، ينعكس في نصوص الكتّاب على شكل انكسارات رمزية، وحنين مشوّه، ولغة متردّدة بين الذاكرة والمنفى. إنّ نقد هذا الأدب لا يكتمل إلا بالاقتراب من لاوعيه، أي من تلك الطبقات التي لا يقولها النص مباشرة، بل يتركها في منطقة الظل، بين المقموع والمرغوب.

إنّ إعادة إحياء النقد النفسي اليوم ليست ترفاً معرفيّاً، بل ضرورة لفهم تحوّلات الأدب في زمن الهجرة والتهجير والاقتلاع. فالنصوص التي يكتبها الكتّاب العرب في المنافي، أو أولئك الذين يعيشون التمزق بين وطنٍ مفقود وآخر مُستعار، لا يمكن قراءتها إلا من خلال فهم عمقها النفسي ـ اللاواعي ـ حيث تتناسل الرموز والكوابيس والحنين.

وبذلك يمكن القول إنّ النقد النفسي، إذا ما تمّت مراجعته وإغناؤه بمكتسبات السيميائيات والتأويلية المعاصرة، سيكون أداة أساسية لإعادة كتابة خريطة الأدب العربي الحديث، وربطها بالتحولات الكبرى التي يعيشها الإنسان في زمن الاغتراب النفسي والجغرافي معاً.

***

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

يمثل القضاء أحد أهم الأعمدة التي تقوم عليها الدولة الحديثة، ليس فقط بوصفه جهازا للفصل في النزاعات، بل باعتباره المؤسسة التي تمنح الشرعية لوجود الدولة وضمانتها في حماية الحقوق والحريات العامة فالدولة التي لا يستقل قضاؤها ولا يحترم قضاتها سرعان ما تفقد هيبتها ومشروعيتها، وتتحول مؤسساتها إلى أطر شكلية لا تصمد أمام الضغوط الاجتماعية والسياسية.

ويكتسب الحديث عن القضاء في العراق بعدا استثنائيا، إذ يعد العراق أول أرض دونت القوانين في التاريخ عبر شريعة حمورابي، التي رفعت شعار العدالة وحق الإنسان في محاكمة منصفة منذ ما يقارب أربعة آلاف عام. هذا الإرث القانوني العريق يمنح العراق مسؤولية مضاعفة في بناء سلطة قضائية مستقلة قادرة على حفظ السلم الأهلي وصون سيادة الدولة، لكنه في الوقت ذاته يكشف المفارقة المؤلمة بين الماضي المشرق والواقع المعاصر المثقل بالأزمات.

لم يكن تدوين القوانين في العراق القديم مجرد خطوة حضارية، بل كان إعلان واضح عن إدراك مبكر بأن العدالة هي أساس العمران والاستقرار. فقد نصت شريعة حمورابي على حماية الضعفاء من استبداد الأقوياء، وحددت قواعد واضحة لتوزيع الحقوق والواجبات. وفي الحقبة الإسلامية، برز القضاء كسلطة موازنة في المجتمع، حيث شكلت مؤسسة "قاضي القضاة" ومحاكم المظالم نماذج مبكرة للرقابة على الحكام والولاة، انسجاما مع المبدأ القائل بأن "العدل أساس الملك". أما في الدولة العراقية الحديثة منذ عشرينيات القرن الماضي، فقد تأسست محاكم مدنية وجزائية وإدارية متأثرة بالنموذجين العثماني والأوروبي، وأسهمت في بناء تقاليد مهنية وقانونية. غير أن هذه التجربة واجهت انتكاسات خطيرة مع الانقلابات العسكرية والحروب الطويلة والعقوبات الدولية، ما أضعف استقلال القضاء وأدخله في تجاذبات السياسة...

ورغم الجهود والآراء التنويرية التي بذلها أصحاب الفكر والقانون بعد 2003 لإعادة بناء النظام القضائي، فإن الواقع الراهن يكشف عن أزمات معقدة جعلت القضاء أمام اختبار مصيري: تسييس وتدخلات حزبية وتشكيلات تهدد حياد القضاة وتضعف الثقة العامة بهم، انقسامات مجتمعية طائفية واثنية تجعل من مهمة إرساء العدالة الشاملة أكثر صعوبة وتعقيدا. القرارات القضائية تبقى بلا أثر بسبب نفوذ سياسي أو سطوة جماعات مسلحة لم تواجه بإجراءات صارمة. الفساد الإداري والمالي يهدد شرعية المؤسسة القضائية نفسها كما يزيد من فقدان الثقة الشعبية والشعور بعدم المساواة أمام القانون. ضعف تنفيذ الأحكام بحق الجناة والفاسدين مما يدفع الأفراد للجوء إلى الأعراف أو قوى خارج إطار الدولة لتحقيق سطوتهم بقوة المال والسلاح.

إن التراجع في استقلال القضاء في العراق لا يعني مجرد خلل إداري أو قانوني، بل هو تهديد مباشر لأمن الدولة ووحدتها. ففي غياب سلطة قضائية فاعلة: تنتشر الفوضى الانتقامية وتتعزز سلطة السلاح على حساب سلطة القانون. تنهار الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. تتراجع شرعية النظام السياسي برمته... وبذلك يصبح إصلاح القضاء ليس مجرد مطلب حقوقي أو إصلاحي، بل شرطا وجوديا لبقاء الدولة العراقية.

خاتمة: يواجه العراق اليوم تحديا وجوديا يتجاوز السياسة اليومية لغياب البعد القانوني الضامن لسيادة القانون والرقابة على السلطتين التشريعية والتنفيذية وحماية الحقوق الدستورية. تجلى باتخاذ إجراءات مركبة في قضايا خطيرة، ومنها - على سبيل المثال لا الحصر- "اتفاقية خور عبدا لله العراقي حريق مول الكوت وأخيرا، جريمة قتل الطبيبة بأن زياد طارق". أوكلت، أي هذه الإجراءات، سؤال الدولة نفسها: هل يمكن للعراق أن يستعيد دوره التاريخي كأرض العدالة الأولى؟. إن الإجابة عن هذا السؤال مرهونة بقدرة العراقيين على بناء قضاء مستقل وفاعل، يعيد الاعتبار لرسالة حمورابي في إتجاه جوهرالعدالة وتحقيق مبدأ أن الدولة لا تقوم إلا بالعدل كمفهوم فلسفي وسياسي عميق يتعلق بأساس شرعية الدولة واستمراريتها، وأن الحرية لا تصان إلا بقاض مستقل يصون القانون ولا يخشى في الحق لومة لائم...

***

عصام الياسري

تمثلات الحلاج عند جودت القزويني

يُعدّ التوظيف الرمزي للشخصيات التاريخية في الشعر المعاصر من أبرز التقنيات التعبيرية التي يستثمرها الشاعر لتكثيف رؤاه الوجودية، وتمثيل أزماته الذاتية والجمعية ضمن إطار فني يتجاوز المباشرة والتقرير. وفي هذا السياق، تتبوأ شخصية الحلاج مكانة استثنائية في الذاكرة الشعرية العربية، بوصفها رمزًا مأساويًا للتمرد الصوفي، والفناء في المطلق، والصراع مع السلطة، كما تمثل "حالة معادلة" لتجربة إنسانية متكررة تتمحور حول الاغتراب، والقهر، والبحث عن المطلق.

تقارب هذه القراءة قصيدة "فناء في سجون الغربة" للشاعر جودت القزويني، بوصفها نصًا شعريًا معاصرًا يُعيد إنتاج الحلاج لا بوصفه شخصيةً تاريخية، بل بوصفه ـرمزا مكثّفا لحالة روحية وفكرية يعيشها الشاعر في زمنه، متخذًا من شخصية الحلاج قناعًا يُسقط من خلاله رؤاه الذاتية ويجسد تجربة الاغتراب الروحي والوجداني. وتستثمر القصيدة الحلاجَ بوصفه "معادلًا موضوعيًا"، بالمعنى الذي قصده ت. س. إليوت، أي صورة خارجية رمزية لحالة شعورية داخلية معقدة تعيشها الذات الشاعرة.

إن البعد التاريخي الرمزي في هذه القصيدة لا يقتصر على استدعاء شخصية الحلاج فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة إنتاج الحلاج داخل بنية شعرية تنفتح على الأبعاد الصوفية والفكرية والسياسية، وتُحاور التراث بأسلوب حداثي يتكئ على أساليب التضمين، والقناع، وتوظيف البنية الحوارية. فالقصيدة تفتح حوارًا داخليًا مع الحلاج، وتجعله صوتًا مضاعفًا للذات، بما يشي بأن هناك تطابقًا بين التجربتين: تجربة الشاعر المعاصر وتجربة المتصوف الشهيد.

وإزاء ذلك، تتوخى هذه الدراسة الوقوف على كيفية توظيف الحلاج رمزًا ومعادلًا موضوعيًا في القصيدة، وتفكيك آليات حضور البعد التاريخي الرمزي في النص، عبر رمزية الحلاج في الذاكرة الثقافية، والقناع بوصفه تقنية فنية وتمثيلًا للذات، والتضمين الشعري والدلالة الصوفية، وجدل الذات والآخر في سياق الغربة والفناء.

تهدف الدراسة في مجملها إلى إظهار كيف يَرفدُ الشاعر تجربته الذاتية بتجربة تاريخية ذات حمولة رمزية عالية، ليصوغ نصًا حديثًا يجمع بين الرؤيا الصوفية والقلق الوجودي المعاصر، وبين التضمين الفني والانشطار الداخلي للذات، مما يمنح القصيدة طابعًا تأمليًا مزدوجًا: وجوديًّا وتاريخيًّا، فنيًّا ومعرفيًّا.

تحتل نزوعات التصوف عند الشاعر جودت القزويني فإن نزوعه الصوفي منحى مختلفا ففي قصيدته فناء في سجون الغربة يستوحي من التراث تجربة فريدة لثائر وشاعر، وهو لا يحافظ على خصائص هذا الثائر الشاعر، وإنما يجرد شخصيته من بعض ملامحها المعروفة ليضفي عليها ملامح جديدة، فهو من هذه الناحية يحكم تجربة الثائر القديم ويحكم شاعريته أيضًا في سياق تجربته المعاصرة الخاصة. ومن ثم يحاول إعادة الماضي في ضوء الحاضر، أو إعادة الثائر والشاعر القديم الذي تمرد على القيم والتقاليد، ويحاول إعادة في تجربته الخاصة ثائرًا على قيم وتقاليد أخرى.

وكان جودت القزويني يعي أن الحلاج ثائر ومتمرد ضد ضبابية الوعي والسعي نحو نور اليقين، ويعي أيضًا تمرده ضد السجون، سجون الغربة، وسجون الضياع، ولذلك اتخذ من الحلاج قناعًا يتحدث فيه عن تجربته الخاصة ومعاناته في واقع مليء بالمآسي، وقد أسعفه الحلاج في تأدية وظيفته هذه لثراء في شخصيته ومواقفه وشاعريته. إن هناك تماثلاً بين الشاعر والحلاج، كلاهما متمرد، وكلاهما شاعر، هذا يفنى في سجون غربة الحاضر، وذاك قد عانى من سجون الغربة فأفنى ذاته في انعتاق من الجسد، فالحلاج لدى جودت القزويني ـ لو استعرنا لغة إليوت ومصطلحاته ــــ« المعادل الموضوعي»ــــ إذن فهو يعيد تجربة الحلاج بوصفه « قناعًا» يعبر عن تجربة حديثة.

إن تجربة الشاعر تتكئ على مفردات الضياع، سواء أكانت ضياعًا في سجن، أم ضياعًا في ضبابية الوعي، ولكنها على كل حال ترجع الحلاج القديم في صورة الشاعر الحديث لتزج به من جديد بالسجن، وكأن الثائر المتمرد نمط متكرر يعيد التاريخ إحداثه، ولابد أن تكبل يداه بالحديد، وكأن هذه سنة تاريخية يتحتم حدوثها في كل مكان وزمان:

السجون.. الضباب.. السجون

وحفنةٌ من الترابِ في العيون

وبارقٌ من الوجوه

يرجعُ الحلاجَ من جديد

الى السجون

كفهُ يملأها الحديد

.... ياطريد

غربتُك الممحاةُ تبعثُ الرؤى في الزمن الشريد

وكان جودت القزويني يعي أن الحلاج ثائر ومتمرد ضد ضبابية الوعي والسعي نحو نور اليقين، ويعي أيضاً تمرده ضد السجون : سجون الغربة، وسجون الضياع، ولذلك اتخذ من الحلاج قناعاً يتحدث فيه عن تجربته الخاصة ومعاناته في واقع مليء بالمآسي، وقد اسعفه الحلاج في تأدية وظيفته هذه لثراء في شخصيته ومواقفه وشاعريته. إن هناك تماثلاً بين الشاعر والحلاج، كلاهما متمرد، وكلاهما شاعر، هذا يفنى في سجون غربة الحاضر، وذاك قد عانى من سجون الغربة فأفنى ذاته في انعتاق من الجسد، فالحلاج لدى جودت القزويني ــ لو استعرنا لغة إليوت ومصطلحاته ــ " المعادل الموضوعي ". اذن فهو يعيد تجربة الحلاج بوصفه " قناعاً " يعبر عن تجربة حديثة.

إن تجربة الشاعر تتكئ على مفردات الضياع، سواء أكان ضياعاً في سجن، أم ضياعاً في ضبابية الوعي، ولكنها على كل حال ترجع الحلاج القديم في صورة الشاعر الحديث لتزج به من جديد بالسجن، وكأن الثائر المتمرد نمط متكرر يعيد التاريخ إحداثه، ولابد أن تكبل يداه بالحديد، وكأنَّ هذه سنة تاريخية يتحتم حدوثها في كل مكان وزمان:

السجون.. الضباب.. السجون

وحفنة من التراب في العيون

وبارق من الوجوه

يرجع " الحلاج " من جديد

كفة يملأها الحديد

واذا كان الشاعر قد عمد ـــ هنا ـــ الى تجربة ذاته عن تجربته، على الرغم من أن الحلاج إنما هو قناع الشاعر، بل هو الشاعر نفسه، فتحدث عنه بضمير الغائب، ولكنه من أجل أن يجعل للحلاج، أو لقضيته حضوراً أقوى، انتقل الى مناداته ومخاطبته:

ياطريد

غربتك الممحاة تبعث الرؤى في الزمن الشريد

وينجح الشاعر في توحده مع " قناعه " والتوحد ينبئ عن تماثل في توحد التجربة، ومحاولة خلق تجربة جديدة، كما أن الشاعر يتجرد في قناعه، يحاوره، ثم يرجع ليتوحد به من جديد. ففي المقطع الأول من القصيدة يتوحد الشاعر مع الحلاج بحيث لا ندري أيهما الشاعر وأيهما الحلاج، فالحلاج يعود من جديد في إهاب الشاعر، فيزج به، أو بهما معاً في السجن : " طريد كفه يملأها الحديد " وتضفي غربته على الواقع معنى، وتبعث الوعي في زمن غريب، والشاعر في المقطع الثاني يتحول إلى راوٍ يتحدث عن تجربته الخصبة، وتلمذته لهذا الثائر المتمرد، ثم يعمد الى مخاطبة هذا الثائر بذكر خصاله وصفاته.

تتأسس هذه القصيدة على ثنائية الأنا والآخر، وتتحول العلاقة بين الشاعر والحلاج من تقابل خارجي إلى تماهٍ داخلي، لا يستطيع القارئ أن يحدد بوضوح من المتحدث: أهو الشاعر أم الحلاج؟ فالشاعر يتقمص شخصية الحلاج، يخاطبه، يتحد به، ثم يعود ليفارقه.

وتستهوي الشاعر حالة التوحد والانفصام بقناعه، فهو يوهم المتلقي أنه يتحدث عن « القناع » أي عن الأخر، ولكنه يوظف الأخر تعبيرًا عن الأنا، وتتجلى صور التوحد والانفصام في تضمين الشاعر لبيت الحلاج لتعبر عن حالة التوحد المطلقة بـ «الحلاج ــــ القناع » فيتكئ على الموروث الصوفي في بعض مفرداته وغموض تجربته، فتشف تجربة الشاعر، وتتعالى في غموض المفردات والتراكيب، ويسبق هذا سؤال عن ماهية الأنا، مرتين، ـ أي سؤال عن وعي الذات ـ ماهية : « الأنا ـ الشاعر » وماهية « الأنا ـ القناع » في اطار الحديث عن الأنا والآخر، فبعد أن عرفنا أن الحلاج الأستاذ قد علّم تلميذه الوعي والمعرفة، وأن التلميذ قد وعى الدرس وطبقه، يثور التلميذ على القناع ويرجع فيتحد به، يسأله عن ماهيته بوصفه « أنا » ويسأله عن ماهيته بوصفه « الآخر »، وتتدفق المفردات تحت تأثير تجربة شعرية صوفية، ويتحول السجن إلى واحدة من هذه المفردات التي تتجلى فيها الثنائيات الضدية : الزمان والمكان قيدان يحيقان بالإنسان ووعيه وتجربته، ثم التطرق لأخر التجارب الصوفية « الفناء».

إنَّ الحلاج كان يتسامى بتجربة صوفية، ويركز الشاعر جودت القزويني على أحد مكوناتها، وهي محاولته توحيد الأنا بالآخر، أو إبعاد الصدى عن عالم الذات، والفناء ـــ دون شك ـــ حالة توحد بالآخر، بمعنى الغاء الأنا لتصبح هي الآخر، هذا الفناء يمثل وجوداً حقيقياً، وليس ظلاً ،لأنه توحد بالمطلق، فالحلاج قد توحد بالمطلق، وقد انبهر الشاعر بهذا الفناء لأنه يمثل لديه الوجود الحقيقي، ولكنه لا يريد تجربة صوفية تماثل تجربة الحلاج في توحده بالمطلق، بل يريد جودت القزويني أن يتوحد بقناعه أي أن يتوحد بحلاجه الكائن في ذاته، أن محاولة التوحد ـــ هذه ـــ احتواء لآخر ووعي له في آن.

إن الشاعر تحت وطأة العيش في الواقع يفيض بالمعاناة، يريد أن يحتوي عالمه الداخلي، وأن يتوحد مع ذاته، فحالة الانفعال بالتجربة شطرت الشاعر الى بعدين " أنا ـــ وآخر " و " تلميذ ـــ واستاذ " و " جودت ـــ وحلاج " ويتبدى هذا التوحد في التضمين الشعري الذي يصوغه الشاعر في إطار تجربته الجديدة في نداء يأتيه من الآخر ويعبر عنه بأنا متضخمة تتحسس الوعي بالأنا أولاً، وبالبدن ثانياً.

يا حلاجُ من تكون؟

من أكون...

من تكون؟

يحضنك الزمانُ والمكانُ يشتريك

ترفضُ قيدين

وانت تبقى اللغزَ في انكفاءة القطبين..

كيف دنوت للفناء

وكيف أبعدتَ الصدى عن عالمِ الذوات.

علمني فناؤك ـ الوجود ـ كيف احتويك

كما احتوى القديمَ روحُك الغريب

واسمع النداء... يانداء... يا أنا..

نحن روحان حللنا بدنا.. بدنا.. بدنا

أنا من أهوى ومن أهوي أنا

أنا.. أنا

***

د. كريم الوائلي

1- الشاهد: ذاتَ حوارٍ، قالت صديقتي العلمانية: أنا حرّةٌ في جسدي ولا أطيق أن أسجنه في طقوس دينية تُملِي عليّ شروطَ اسْتِعماله. قلتُ: هي ليست شروطاً بالمعنى الذي يُضيِّق الخناقَ على حريّة الإنسان. إنها تعاليم ربّانية تشذبُ في العلاقات الجسدية ما يخرج عن الفطرة والقيم والأخلاق والمواضعات الاجتماعية. قالت: هذه كلّها قيود لا معنى لها، وأنا أحبّ أن أتحرك بجسدي دون قيد وأن أستعمله كيفما شئت دون رقابة خارجية. بل إنني أذهب إلى أجرأ من ذلك وأكبر... قلتُ: كيف؟ قالتْ: حتى ابني الرضيع، أنا حرة في أن أمسكَ عنه جسدي بحرمانه من الرضاعة لأنه ليس حتماً عليّ أن أظل رهينة قيدٍ زمنيٍّ يفرض عليّ أن أمدّه بالغذاء لمدّة حوليْن كامليْنِ، حتى يترهّل صدري وأفقد رشاقتي. قلتُ: في هذه أنتم معشر العلمانيين تذهبون مذهب التطرف وتنسون أنه بين الأم ورضيعها عقدٌ ضمني يُلزِمها بواجب الرّضاعة قالتْ: أي عقد؟  قلتُ: تأسّس العقد ضمنياً عندما فكّرتِ في الإنجاب، وقد كان حريّاً بكِ ألّا تنجبي أصلاً... لأنّك إن تذرّعتِ بالحق في الأمومة، فإن هذا يستتبع آلياً الواجب في الرعاية. وهو الواجب الذي يتحول إلى حقٍّ يُمتِّع الرضيعَ بالحضن والرضاع وما شابَه... انتهى .

2 - سؤال الجسد:

فضّلتُ أن تكون هذه الأقصوصة مدخلا لقراءة الجسد الإنساني قراءة تتساءل أكثر مما تقرّر وتفتح الإشكال على مصراعيْه أكثر مما تُعرِّف، حتّى لا تدّعي في تداعياتها البحثية امتلاكها للمعرفة ولسلطة هذه المعرفة. وفضّلتُ أيضاً هذه الأقصوصة البينية على أيّ مدخل آخر لأنها تطرح الإشكال بين تصوريْن، واحد بمرجعية دينية والآخر بمرجعية وضعية.

إذن هي مقولة الحرية والجسد تطرح ذاتها هنا بإلحاح، في سياق حضاري لاحظَ على نفسه تغوّلَ المدّ العلماني القائل بتسييب العلاقة بين الفرد وجسده، في غير رقابة ميتافيزيقية بالمفهوم الفلسفي، وفي غير رقابة عُلوية وغيبية بالمفهوم الديني. وهو السياق ذاتُه الذي لاحظتْ فيه الحضارة الإنسانية صحوة الدين والرجوع إلى الله والوحي وإلى خطاب النبوة.

إن الحديث عن الجسد وعن حريته في التصرّف هو الحديث عن البدايات الممكنة. وهي البدايات الثاويةُ في هوية هذا الجسد، الفارضة أكثر من سؤال:

 هل هي هوية تدل على الإنسان في فردانيته الصارخة بحيث تنتصر حدود الذات على الدوائر الجمعية؟ وهل هذه الهوية نازحة من عمليات عقلِ الذات لِذاتِها الفردانية المعبّرة عن نفسها في فلسفة قائمة ومستقلّة؟ أم هي هوية الفرد المتجاوزة لتمثيلِ (الأنا) الهووية المتشرنقة داخل المفهوم الفردي... أم هي الهوية الواسعة الدّالّة على رمزية هذه (الأنا) والذّاهبة إلى التعبير عن الإنسان بمفهومه الجمعي وغير الكامن في أنتروبولوجيا المحلّي حيث الإنسان الأوربي هو غير الإنسان الافريقي وهما غير الإنسان الأمريكي اللاتيني وهكذا؟ وهل هي هوية الجسد في تمثلاته الضيّقة والبسيطة والمرتبطة بالشخصنة أم هي هوية الكائن الأنتربولوجي الكوني المعبّر عن مفاهيم الجسد الواحد على الرغم من اختلاف البنيات الفيزيولوجية واللونية والعرقية؟

3- سؤال الجوهر:

لا تتحدد هوية الإنسان في ملامحه الجسدية إلا في الإطار الضيّق الذي يميز هذا عن ذاك في محفل لا يقوم على أحكام القيمة. إذ سرعان ما تتلاشى الحدود البيضاء والسمراء والسوداء عندما تحضر الهوية الإنسانية في مفهومها الكلياني الموسوم بالغاية في التوحيد. من هنا نفهم عميقاً قوله تعالى (الحمدلله ربّ العالمين) القاضي باحتواء الكون كلّه في دوائر المحبّة الإلهية. وبالتالي فلا موجب للحديث عن العَرَضِ في ماهية الإنسان، إلا في العمليات الإجرائية التفكيكية والتحليلية التي تتغيّى فهم خصوصيات الثقافات وتعبيراتها المحلية عن طبائع الناس داخل حقولٍ معيشية أكثر حميمية ومحليّة. وما تبقّى من الصوغِ الإنساني، هو الدفع بالكليانية إلى أقصى حدودها لكسب جوهر الإنسان .

إن جوهر الإنسان هو رهان الإنسانية، وهو المرجعية القوية في تحديد الهوية ومعالمها وامتداداتها الممكنة. من هنا نسبية الطرح القائل بهوية الجسد الواحد والفردي، ومن ثمّة حريّة هذا الجسد الواحد والفردي. إن المسألة مترابطة أشدّ الترابط في ذهن العلمانية الراغبة في تبرير الحرية الجسدية والجسدانية في أفق يتغيّى أكثر من التكريس لقيم الحرية الفردية. إنها تبتغي من وراء ذلك فتح بوّابات الحريات على مصاريعِها فتحا بدون قيود وبدون شروط وبدون رقابات، وخاصّة الرقابات الدينية، وبالأخص الرقابة الإسلامية الشاذبَة لفعل الجسد تشذيبا قويما مبنيا على رؤية ربّانية فريدة في تاريخ القيم.

هكذا، نتحدّث عن الجوهر والعرض في علاقة الإنسان بجسده، من حيث التعبير الفعلي عن حرية الفرد في التصرّف فيما يملك. إن هذه الملكية التي هي صميم وصمّام أمان التصرّف، ملكية شائكةٌ وإشكالية. فمن قالَ إن الإنسانَ مالكٌ حقيقيّ لجسده؟

دعْنا نناقش الأمر في هدوءِ وحكمة وفي رزانة... حتّى نحولَ بيننا وبين التأويلات الاندفاعية الفاتكة بالحوار وبأهداف الحوار. إن هذا الجسد الذي يدّعي العلماني أنه حرّ في استعماله وفق إرادته ورغبته بحجة أنه يمتلكه هو طرحٌ يحمل الفكرة ونقيضها الهادمَ لها. ودعنا لا نقول ما قال التصور الإسلامي بأن الله يرث الأرض ومن عليها وبالتالي حتى الأجساد يرثها. من منطلق أن العلماني الذي يحاورنا لايأبه بالنقول والنصوص الماتحة من مرجعيات الوحي. نقول له وفي برهنة منطقية لا خلفية غيبية فيها: هبْ أيها العلماني أنّك تملك هذا الجسد، وتملك قرار التصرف فيه، إذن فامنع عنه المرض والخلل والعِلل والشيخوخة والموت. إن ملكية الشيء لا تقف عند حدود حق التصرف فيه بل تذهب بعيدا إلى حق التحكّم فيه، وبالتالي فلا تقلْ لي أيها المستمع لهذا الحوار (بهتَ الذي كفر)1... فحتّى هذا المنطق لا نرومه، لأننا لا نريد تكفير أحد بقدر ما نريد التصحيح إن أمكن أو على أقلّ تقدير نريد البيانَ، من وجهة نظرنا التي نظنّها مبنية داخل نسق فكري واضح المعالم، وبمرجعية معرفية أوضح، تقوم أساسا على منهج (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)2.

إنّ اختزال العلمانية لمشهد الجسد في حرية العرَض بدل حرية الجوهر، أو بدل حريتهما معاً في تكامل نسقي هو لعمري الخروج بالجسد من منظور الوجود الإنساني إلى منظور الواجهة. وحيث إن الواجهة بحكم تسميتها تبقى مجرّد تقليعة عابرة، فإن عمليات تحليل مقولة الجسد ستسقط آلياً في التركيز على تيمات الإثارة. ومن ثمّة سيختزل التحليل ذاته في فكرة الجسد \ الحيز، وستتقلّص إمكانيات قراءته في المنظور الواسع الذي يربطه بعوالم أخرى تكون به ويكون بها، ونقصد بذلك أقنوم الروح، حتّى ولو دأبت الدراسات البحوث على اعتبارها هيولى غير قابلة للقياس والقبض والأجرأة .

3- مقاربة منقوصة:

إذن، كيف نطلبُ من منطق التحليل أن يُقارِب حرية الشيء في منقوصهِ لا في كماله أو تكامله؟ بمعنى أن القراءة العلمانية للجسد هي قراءة آثمة بالمفهوم النقدي والأخلاقي. هي قراءة تختزل الجسد في مناطق (جمع منطِق) غير سليمة على مستوى النظر:

الأول هو النظر الجسماني والبدني لمفهوم الجسد، على اعتبار أنه مجرّد كتلة، تقبل فكرة الحيّز ولا يُراعَى بُعدُها الروحي الممتد خارج الكتلة.

والثاني هو النظر القيمي الذي يختزل الحرية في الرغبة الدانية القاضية بشقّ عصا الطاعة التاريخية للدين، حتّى ليبدو للقارئ أن المستهدف بهذا التخريج ليس حرية الجسد وإنما نقد الدين، ويُفهم ذلك من أن أغلب التحاليل العلمانية تستعمل لغة نقدية مستفزة وغير علمية، تقوم على تصيّد الممكن من ثغرات الدين في رؤيته للجسد، وخاصّة إذا تعلّق الأمر بدين الإسلام.

والثالث هو النظر اللاثقافي الهادف إلى إخراج الجسد من ثقافته الصانعة لهويته، إلى اللاثقافة، وإلى اللاجسد... وبالتالي نكون أمام نظر لا يؤسس لكونية الجسد وإنما يروم علمنة الجسد في إطار ثقافة أخرى هي ثقافة التبضيع والتسليع خارج إطار القيم ومرجعياتها البانية.

هذه الصيحات المتلونة بألوان الحداثة لا تروم الحرية في ذاتها ولذاتها في مقارباتها لهذا الجسد الإنساني. إنها ترغب في تعرية هذا الجسد وتحويله من حالة الثقافة إلى حالة الطبيعة. أي من حالة الهوية الممتلكة لمقولة الأسماء التي علّمها الله آدمَ، إلى حالة اللاهوية البدئية القاطعة من الحداثةِ ذاتها في مفارقة عجيبة تتناقض في صميم بنياتها مع مُدخلاتِها ومخرَجاتها قبل أن تتناقض مع الأطروحات الفكرية المُغايِرة. وهي في هذا المسار صيحاتٌ تستفيد من سياقٍ حضاري وهمي يقول بقيم التحرر والحرية والحرية الشخصية. في مقابل الترويج من قبلِ هذا السياق ذاتهِ لخطل وخطأ الدعوات والصيحات المقابلة، ونقصد بها كل صيحة تراثية دينية تحمل مشروع حداثتها في رحم عتاقتها.

4 – خاتمة مفتوحة:

لا تكون الحياةُ في الجسد بما هو جسدٌ متحيّزٌ في الكتلة، وإنما تكون حياتهُ رهينةً باحتضانها لمقولة الروح التي أشرنا سابقا إلى زئبقيتها في التحليل. إلا أن حضورها لا ينكره أحد البتّة. وهي جوهر الوجود وسديمه الغائر في قيم هذا الوجود. إن استحضار الروح في مقامات الجسد ليس انثيالاً لثنائية المحتوى والوعاء فحسب، وإنما وأساساً هو انثيالٌ لحقيقة العلاقة بينهما، وهي القائمة على جدل الحضور والغياب، أي المعنى واللامعنى. ففي تجاورهما يكون الجسد ثقافةً وهويةً، وفي تغييب أحد الطرفين يكون اللاجسد. وحيث إنّ اللاجسدَ مقولةٌ عائمة فإن الغرض من هذا الصوغ الفكري العلماني هو إطلاق الإنسان في علاقات بشرية بغير ضابط قيمي يتشيّؤ في سياقه هذا الإنسان ويفقد إنسانيته التي بها يكون إنسانا.

***

نورالدين حنيف أبوشامة\المغرب

...................

1 - الآية 258 من سورة البقرة

2 - الآية 111 من سورة البقرة

 

يناقش جون هورغان في كتابه "نهاية العلم" تراجع التقدم العلمي إلى حد غير مسبوق. يعيد هورغان سبب ذلك إلى أن الثورة العلمية في أوروبا أنتجت كمية ضخمة من الطفرات العلمية مدعومة بالقياسات والأدلة التجريبية اللتين تجعلاننا قريبين جدا إلى الاجابة عن الأسئلة الكبرى في شتى المجالات. تركت، بحسب هورغان، هذه الإنجازات، الفتات لما يقام به من علم الآن، حيث أصبح العلم متراكمات ضئيلة لسد الثغرات، لا انتاج الطفرات. يدعم هورغان ادعاءاته بأمثلة كنظرية الكم في الفيزياء ونظريات التطور بالانتقاء الطبيعي في البيولوجيا كطفرتين كبيرتين لم تتلوهما أية إنجازات بحجمهما في كلتا المجالين.

إن العلم بحد ذاته مؤسسة محافظة. وهنا نرى تناقضا جميلا. العلم يهدف لمعرفة كل ما هو جديد ولكنه يأخذ كل ادعاء أو قفزة بعين الحذر والشك. ابتكر الوسط العلمي خاصية المراجعة للأبحاث قبل نشرها، حيث يراجع علماء آخرون من ذات المجال البحث فينتقدونه ويطلبون تحسينات للمحتوى. حول هذه المراجعة وحول أشياء أخرى بنيت هيكلية علمية سميت بالأوساط الأكاديمية أو الأكاديميا. هذا الجسم وضع أطرا للمؤسسة العلمية لتطويرها من جهة، ولحمايتها من جهة أخرى. إلا أن الأكاديميا بشكلها الحالي جلبت متاعب للتقدم العلمي والفكري يكاد لا يختلف اثنان عليها. سنناقش في هذا المقال دور هيكلية ونظام عمل الأكاديميا الحالي في التقدم العلم أو نهايته. وسنتوسع أكثر في الأخيرة في مقالات تلي هذا المقال.

إيجابيات جلبتها الأكاديميا

حولت الأكاديميا المعاصرة العلم من كونه عملا فرديا يقوم به أفراد تواقون للمعرفة إلى امبراطورية تتخطى حدود الدول الوطنية وتغذي المعرفة الإنسانية ببراغماتية وموضوعية. قد تثير الجملة الأخيرة حفيظة الكثير من العلماء نظرا للعديد من مشاكل الأكاديميا، إنما ما لا شك فيه هو أن هذه المؤسسة نجحت في حماية العلم من الوقوع في دوامة السفسطة والمعلومات المغلوطة عبر سياسة المراجعة فيما حفزت الروح التنافسية.

سياسة مراجعة الأوراق البحثية قبل نشرها هي من أهم خصائص الأكاديميا المعاصرة. وقد تحدثنا عن كيفية سيرها في المقدمة، فهذه العملية ترفع من مستوى الأبحاث وتمنع الوقوع بأخطاء قد تكون علمية أو محاولات تسويقية للنتائج من قبل ناشر الباحث ذاته. إضافة لهذه السياسة، أصبح العلم مؤسسة قائمة على مراكز أبحاث وجامعات تتبع لمؤسسات بحثية حكومية. يعمل في هذه المراكز باحثون وطلاب دكتوراه تدفع لهم أجور ثابتة. هذا يعطي الباحثين حدا متقدما من الاستقرار لم يكن قبل لدى العلماء الذين عملوا في فناء منزلهم. وعلى نطاق أوسع، تتعاون الدول والحكومات في تمويل الأبحاث وتسيير مخازن المعلومات العملاقة التي توفر العلم مجانا إلى حد ما. بذلك أصبح العلم متوفرا لجميع البشر على حد سواء.

إضافة إلى ما سبق، إن الأكاديميا المعاصرة هي مؤسسة متجددة عبر تدريب طلاب الدراسات العليا إضافة إلى طلاب الدكتوراه لإنتاج أجيال جديدة من الباحثين الذين يخوضون غمار تقصي المعرفة. بفضل ذلك أصبحت امبراطورية العلم العالمية مؤسسة متجددة ومنفتحة تحفز الابداع والتقدم. لكنه لكل شيء إيجابيات وسلبيات.

الأزمات والأخطاء التي وقعت فيها الأكاديميا

أتت الأكاديميا بمصائبها الخاصة أيضا. إن سياسة مراجعة الأبحاث، رغم فوائدها، أثارت ضغوطات كبيرة على الباحثين وخففت من التقدم بشكل أو بآخر. أما المجلات العلمية الناشرة حولت النشر إلى منظومة ربحية فتتقاضى أرقاما ضخمة مقابل نشرها من دون أن تدفع أي شيء حتى للعلماء المراجعين.

أصبح الباحثون يعيشون بين مطرقة المجلات البحثية وسندان الحصول على تمويل لأبحاثهم. الأبحاث العلمية تحتاج تكاليف ضخمة لاستمرارها، وتأتي هذه عبر جهات مانحة غالبا ما تكون حكومية. تعطى المنح بناء على مسيرة الباحث ومدى نوعية البحث وقدرته على انتاج أوراق بحثية. يضع هذا ضغطا على الباحث تحت شعار: انشر أو مت. بذلك يميل العلماء إلى العمل على أبحاث قصيرة وليس فيها الكثير من المجازفة ما يحد من سرعة وفعالية التقدم العلمي. بذلك يتمكن الباحثون الكبار من تحصيل المنح فيما يكافح الجدد للحصول على الفتات.

وأم المشاكل هي مشكلة عدم الاستقرار. فإضافة للضغط الكبير للنشر، فالوظائف الثابتة في الأكاديميا تضمحل أكثر فأكثر. فالباحثون الناشئون مرغمون على البحث على عمل جديد بعد كل ثلاث إلى خمس سنين. إن إيجابيات هذا المنهاج هو الإفساح بالمجال للغير ورفع روح التنافسية. إلا أن هذا الأسلوب يزيد من الضغوطات على العلماء فوق كل ما ذكرناه أعلاه.

خلاصة الأمر أن الأكاديميا ليست نظاما ميثاليا أبدا. إن الكثير من التحسينات مطلوبة على وجه السرعة. إن المشاكل التي تواجه الأكاديميا هي احدى الأسباب الرئيسية في انخفاض زخم التقدم العلمي، إذا أصبح العلمية بيئة تنافسية شرسة مليئة بالضغوطات والمخاوف.

العلم مؤسسة محافظة

يتقدم العلم من خلال الحشرية البشرية وبحثها عن كل ما هو جديد. ولكن الواقع أن العلم، وفي ذلك ما قد يبدو تناقضا، ثقافة محافظة. كل ادعاء علمي يجب أن يوضع في إطار جسم المعرفة البشرية المسبقة ويخضع لتدقيق كبير. فالعلم نفسه يحب التطور، إلا أنه حذر جدا إزاء الطفرات والقفزات الكبرى. يصف توماس كيون هذا النمط بالعلم المألوف أو العلم السائد، أي ان مرحلة البحث عادة ما تجري ضمن النموذج المعرفي القائم لتعميقه وتدعيمه دون تحقيق خروقات ضخمة. أما الطفرات فقد تحدث من وقت إلى آخر، إلا أنها تأخذ وقتا طويلا لتحدث وليتقبلها الوسط الأكاديمي.

والعلم المحافظ ليس مفرزة مؤسساتية، إنما نتاج المنهج العلمي ذاته. فالمنهاج العلمي يتطلب إعادة تكرار التجارب، إعطاء تفسيرات ووضع أطر، فضلا عن وضع الاكتشافات الجديدة في ضوء المعرفة السابقة. وكما ذكرنا، هناك المراجعات المكثفة للاكتشافات. يجعل هذا النقد والشك المكثف بكل تفصيل من تفاصيل البحث العلمي شبكة أمان تمنع العلم من الوقوع في الأخطاء. إذا، فالعلم ثقافة استقرار مع طفرات استثنائية من وقت إلى آخر.

خاتمة

بناء على ما ذكر في هذا المقال، أرى أننا اليوم لسنا أمام نهاية العلم أبدا. إنما نحن أمام علم من نوع آخر. إنه علم مؤسساتي يخضع لتدقيق كبير. إن تباطؤ التقدم العلمي يرجع إلى أن المؤسسة العلمية اليوم هي مؤسسة محافظة. ورغم مشاكل الأكاديميا المعاصرة، يبدو هذا النظام فعالا إلى حد ما. وسنمر بالذكر في مقالات لاحقة على كل فرع من فروع العلم التجريبي لنناقش بشكل مفصل صحة استنتاجاتنا حول العلم المحافظ والأكاديميا المعاصرة.

***

فضل فقيه – باحث

.................

قراءات إضافية:

Horgan, J. (1996). The end of science: Facing the limits of knowledge in the twilight of the scientific age. New York: Broadway Books.

كتبت القوانين وأُقِرّت، وسِيقَت الأعراف لتلبّي حاجات الرجل، وليمتلك كل مقدّرات الحياة وثروات الأرض. أما المرأة، فما تحصل عليه لا يتجاوز ما تقدّمه للرجل من خدمة وطاعة، مقابل عيشة بالتبعية تضمن لها الحق الحيواني في الطعام والكسوة سترًا لعريها. ولا تستطيع أن تعمل أو تحصل على أجر إلا بموافقة الرجل (الأب أو الجد للأب، ثم الزوج). وهكذا صار “الإنسان” في تعريفنا السائد هو الذكر، الممثل الحصري تقريبًا للوجود الإنساني، بينما عُدَّت المرأة جنسًا تابعًا، لا يعيش إلا بتقديم فروض الطاعة. والخروج عن هذا الوضع يُعَدّ – في منطق الحضارة الأبوية – خرقًا للفطرة، أو نسوية متطرفة جاءت بها “السفارات” التي هي بدورها مؤسسات أبوية ذكورية لا تخرج عن الأفكار نفسها.

إن وعي المرأة بهذا الوضع الذي سيقت إليه، يجعلها ترفض أن تكون جزءًا من هذه العجلة الجائرة؛ فلا تبرّر للنظام الظالم، ولا تكون أداة لتمرير منظومة التبعية والعيش بالمقايضة (الجسد مقابل الطعام). فما رسموه من تشريعات ظالمة لم يكن إلا نتاج عقول سعت بكل الوسائل إلى تجهيل المرأة وإبعادها عن العلم، وعن الدخول في حقل القانون والتشريع. وليس من قبيل الصدفة أن التاريخ الأبوي في كل حضارات العالم قد منع النساء من التعليم، وحرمهنّ من معرفة القراءة والكتابة، ومنعهنّ من العمل المأجور، واختزلهنّ في أداة للمتعة ورحمٍ للإنجاب وحاضنة للطفل.

ومع ذلك لم يُعترف لهنّ حتى بتمرير نسبهن للطفل، إذ اعتُبر الطفل أبن الأب وحده، ويحمل نسبه هو فقط وأسمه وأسم أسرته، وله الولاية عليه دونها، في تفسيرات ادُّعي أنها إلهية محضة، بينما هي في حقيقتها نتاج فكر بشري غير مستند إلى نصّ إلهي واضح.

لقد سيطروا على"الإله" وجعلوه ناطقًا باسمائهم، فوظفوا آياته المحكمات لتخدم مصالحهم في كل تفصيلة من تفاصيل الحياة، ورسموا صورة الإله على هيئة ذكر، وخاطبوه بلفظة مذكرة، وكأن الذكر هو الأصل. ثم ابتدعوا القصة التوراتية عن خلق المرأة من ضلع الرجل الأعوج. وهكذا خاضت الحضارة الأبوية حربًا لا هوادة فيها ضد كل ما هو أنثوي، فجعلت سمات النقص والضعف صفة أصيلة للمرأة، فيما حمّلتها أعباء جسيمة، وفرضت عليها حجب جسدها وكيانها عن الفعل العام فيما يسمى بالحجب الاجتماعي، وإقصاءها عن المجال العام، بحجة الحفاظ على ذكورة "هشة " لا تحتمل رؤية جسد حيادي لا يريد أصلًا الاقتراب منه.

لقد صيغت كل القوانين لصالح الرجل، وما يُقال عن قوانين منصفة ليس سوى محاولة تجميل، فهي في أحسن حالاتها لا تمنح المرأة إلا فتاتًا من المال بعد أن تكون قد أدّت كامل فروض الطاعة للرجل.

هذا التصور ليس مجرد ممارسة اجتماعية عابرة، بل منظومة فكرية متكاملة جرى تثبيتها عبر أدوات ثلاث: التقنين، والشرعنة الدينية، والهيمنة الرمزية.

إن مراجعة هذه المنظومة تكشف أن ما سُمّي “تشريعات منصفة” لم يكن في الواقع إلا إصلاحات شكلية، لا تمنح المرأة سوى فتات الحقوق بعد تأديتها أدوار الطاعة والإنفاق العاطفي والجسدي. فالجوهر ظلّ كما هو: قوانين مصاغة لصالح الرجل، تعيد إنتاج البنية الأبوية وتشرعنها بأدوات قانونية ودينية واجتماعية متضافرة.

***

د بتول فاروق - النجف

٢٦/ ٩ / ٢٠٢٥

عندما تنهش الحياة القلب وتثقل العقل بمطالبها المتشابكة، وتترك على الروح أخاديد الهواجس، وأوزار المتاعب، وأوجاع الساعات العابرة، يصبح من الضروري اللجوء إلى ما يخفف ثقل هذه الأعباء: إلى الكتب التي تحمل روح الأدب والفن والشعر والتاريخ، إلى الروايات التي تفتح نوافذ على عوالم بعيدة ومطمورة، أو إلى الدواوين الشعرية التي تناوش الوجدان بلطف، لتمنح النفس فرصة لاستعادة هدوئها، وتغذي الروح بجماليات أخلاقية وفكرية.

حتى أنَّ التاريخ يروي لنا أنّ الشيخ مرتضى الأنصاري، بعد طول انغماس في مطالب الفقه والأصول، كان يجد في حضور مجلس حسيني ملاذًا يريح القلب والروح، ويخفف وطأة البحث وقسوة الدراسة. فالإنسان، مهما اشتدت ثقله بالعلم والعمل، يظل كائنًا يضمأ بسرعة، يحتاج إلى فسحات روحية واحتكاك بالخيال والفن، لتستعيد ذاته توازنها، وتستحضر في داخله ما هو أبدي من هدوء وجمال.

ومن بين هذه الأجواء التي تشهد على انشغال الروح بالهموم اليومية، وجدت نفسي أحيانًا أنصرف إلى قراءة رواية هنا أو ديوان هناك، باحثًا عن فسحة للهدوء والسكينة. لكن الحنين، هذه المرة، كان أشد قوة، أعادني بلا توقف إلى جلال الدين الرومي. وقع بصري على كتاب المستشرقة الألمانية ماري شيمل، المتخصصة في التصوف، وبالخصوص في فكر الرومي، فاغتنمت فرصة القراءة مرة أخرى. ومع ذلك، كانت هذه القراءة مختلفة تمامًا، إذ لم تعد مجرد استرجاع للمعرفة، وإنَّما تحوّلت إلى تجربة تأملية فكرية؛ دفعتني لتسجيل سلسلة من الانطباعات حول الرومي، حول حضوره الثرِي في الفلسفة والروحانية، وأهمية استحضاره في زمن الحداثة وما فوق الحداثة.

ما لفت انتباهي هو أنَّ هذه التأملات لم تلمح إليها ماري شيمل، بل انبثقت من تفاعل الذات مع النصّ، ساعة صمت روحي تواجه فيها النفس تجربة فكرية تتجاوز الزمان والمكان. هنا يظهر الرومي كظاهرة معرفية وجودية: تجربة للوعي، للهوية، وللانفتاح على الآخر والمطلق. تصبح قراءته فعلًا فلسفيًا، مواجهة مع الذات والكون في آن واحد، استحضارًا لما هو أبدي من جمال ومعرفة، وحضورًا للروح في زمن أصبحت فيه الحداثة وما بعدها تبحث عن جذورها الروحية والفكرية.

بهذا المعنى تتحول تجربة القراءة إلى فعل وجودي، إذ يلتقي القارئ بالرومي في حالة من الانصهار بين الذات والنص، بين الفلسفة والشعر، بين المعرفة والروحانية، فتتجسد الحرية الداخلية، ويستعيد العقل مكانته أمام صخب الحياة، وتستدعي النفس جمالها الكامن، هدوءها، وعمقها الأخلاقي والفكري.

لا يمكن إدراك جلال الدين الرومي بوصفه شاعرًا صوفيًا تقليديًا، أو مجرد معلّم روحاني، لأنّ حضوره يتجاوز حدود الزمان والمكان، ويصل إلى أفق الوعي الذي نسميه اليوم الحداثة. فالرومي كتب ليخلق تجربة معرفية حية، تجربة تعيد تشكيل الذات والعالم. حضوره هو حضور فلسفي قبل أنّ تُصاغ مفاهيم الحداثة العقلانية والوجودية في الغرب. إن تجربة الرومي تمثل محاولة مستمرة لتجاوز الحدود التقليدية للفكر، وإعادة قراءة العلاقة بين الذات والكون، بين الفرد والمطلق، بين الحبّ الإلهي والحبّ الإنساني، بطريقة تجعل القارئ يتلمس المعنى العميق للوجود قبل أنّ يكون مفهومًا فلسفيًا مجردًا.

فالعلاقة بين الرومي وشمس التبريزي ليست مجرد صداقة أو ارتباطًا روحيًا عاديًا، وإنَّما تجربة معرفية صادمة للذات. شمس يظهر كرادار يكشف عن وهن الرومي الداخلي، فيفجر فيه القدرة على رؤية الكون كامتداد للوعي والجمال. في هذا اللقاء، يصبح الآخر حدثًا معرفيًا وجوديًا يفرض على الذات مواجهة فراغها وتهافتها. إن تجربة الرومي مع شمس هي تجربة فلسفية أكثر من كونها رمزية: هي اختبار للوعي، للحرية، ولإمكانية تجاوز الذات التقليدية.

في هذه العلاقة، نلاحظ أنَّ شمس يمثل حضورًا ينزع الثوابت ويعيد تشكيل الحدود: الحدود بين الحبّ الروحي والحبّ الإنساني، بين الذات والآخر، بين المعرفة والإدراك. كل لقاء، كل كلمة، وكل تجربة شعورية تصبح فعلًا فلسفيًا يعيد صياغة إدراك الذات للعالم وللوجود. هنا يظهر الرومي كفيلسوف ما قبل الحداثة، لأنّه يعيد تعريف العلاقة بين الفرد والكون قبل أنّ تتشكل هذه المفاهيم في الفلسفة الغربية الحديثة.

ربما ما لم يُكتشف بعد هو أنّ الرومي يقدم نموذجًا للمعرفة الحداثية قبل الحداثة: معرفة تعتمد على مواجهة الفراغ الداخلي، ووعي التناقضات الذاتية، والانفتاح المطلق على الآخر. ديوانه المثنوي هو خريطة معرفية للوعي، إذ تتكشف الهوية في علاقتها بالعدم والحب والآخر.

المعرفة عند الرومي ليست معرفة موضوعية بالمعنى التقليدي، بل هي فعل داخلي وجودي: مواجهة الفقد، إدراك المسؤولية الكاملة عن الذات، والانفتاح على تجربة الحب المطلق. كل نص شعري وكل حديث روحي في المثنوي هو محاولة لتجاوز الأطر التقليدية للوعي، والبحث عن تجربة معرفية وجودية متسقة مع ما يمكن تسميته "الوعي الحداثي".

إذا كان الرومي قد عاش في القرن الثالث عشر، فإن حضوره يمتد إلى عصر الحداثة بلا وسيط. فالحداثة، كما عرفها الفكر الغربي، تقوم على الوعي بالذات، مواجهة الفراغ الوجودي، والانفتاح على الآخر، وهي كلها عناصر مركزية في تجربة الرومي. لكن الرومي يقدم هذا الوعي في شكل شعري وروحي، مما يجعله تجربة معرفية أكثر كثافة وحيوية من مجرد صياغة فلسفية عقلانية.

الحضور الرومي في الحداثة لا يقتصر على الأدب أو التصوف فقط، وإنَّما يمتد إلى الفلسفة، علم النفس، وفهم الذات في علاقتها بالكون. هو يقدم رؤية للوجود قبل أنَّ تتبلور الحداثة الغربية، ويؤكد أنَّ الحرية والمعرفة والهوية هي تجارب حية يمكن للإنسان أنَّ يختبرها في تفاعله مع ذاته والآخر والمطلق.

جلال الدين الرومي ليس شاعرًا أو صوفيًا تقليديًا، وإنَّما فيلسوف ما قبل الحداثة، يقدم نموذجًا للوعي والمعرفة الحرة، ويعيد تعريف العلاقة بين الذات والكون، بين الفرد والمطلق، وبين الحبّ والمعرفة. علاقته بشمس التبريزي تمثل اختبارًا وجوديًا للذات، نموذجًا للثورة الداخلية التي تهدم الحدود التقليدية للفكر والروح. حضوره اليوم، كما كان قبل سبعة قرون، يظل دعوة للتجربة الصافية للوعي،إذ لا تتحقق الذات إِلَّا بانفتاحها على اللامحدود، وإدراكها أنَّ الهوية تتشكل في علاقتها بالآخر والفراغ والحبّ المطلق.

***

د. حيدر شوكان سعيد

قسم الفقه وأصوله- كلية العلوم الإسلامية- جامعة بابل

تُنشئ الرأسمالية في الدول التابعة، والأنظمة الحاكمة الخاضعة لسيطرتها، رأسماليين جددًا عبر آليات متعددة. تهدف هذه الآليات إلى دمج تلك الدول في النظام الاقتصادي العالمي، مع ضمان حماية مصالح القوى الرأسمالية الكبرى. لا تقتصر هذه العملية على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تشمل أيضًا الجوانب السياسية والاجتماعية والثقافية.

آليات خلق النخب الموالية

تستخدم القوى الرأسمالية العالمية عدة طرق لإفراز طبقة رأسمالية محلية موالية.

تصدير رأس المال والاعتماد على الديون: تُضخ استثمارات وقروض ضخمة من الشركات الكبرى والدول الرأسمالية إلى الدول النامية. هذه الأموال تُنتج نخباً اقتصادية محلية تستفيد بشكل مباشر من هذه المشاريع. في المقابل، تُصبح هذه النخب مرتبطة ماليًا وسياسيًا بالجهات المانحة. يضمن هذا الارتباط أن قراراتها لن تتعارض مع مصالح رأس المال الأجنبي.

الخصخصة وتحرير الأسواق: يُمارس الضغط على الحكومات التابعة لخصخصة القطاعات العامة الحيوية مثل الطاقة، والاتصالات، والمياه. هذه الأصول، التي كانت ملكًا للدولة، تُباع بأسعار زهيدة لشركات أجنبية أو لنخبة محلية مقربة من السلطة. تُنتج هذه العملية طبقة رأسمالية محلية جديدة تمتلك ثروات ضخمة، لكنها في الواقع تعمل كوكيل لرأس المال الأجنبي وتكون مصالحها متوافقة تمامًا مع مصالح الشركات الأجنبية.

الفساد السياسي والمالي: تستخدم القوى الرأسمالية العالمية الفساد كأداة فعالة لاختيار وتشكيل النخبة الحاكمة الموالية لها. فتُقدَّم رشاوي وتسهيلات لبعض المسؤولين والنافذين في هذه الدول مقابل إبرام صفقات مربحة للشركات الأجنبية، أو لتمرير قوانين وسياسات تخدم مصالحها. يُفرز هذا الأسلوب طبقة حاكمة هشة وفاسدة، لا تملك استقلالية حقيقية في قرارها.

تغيير الهياكل الاجتماعية والثقافية: لا يقتصر الأمر على الجانب الاقتصادي، بل تسعى الرأسمالية إلى تغيير القيم الثقافية والاجتماعية في هذه الدول لتتوافق مع قيمها الخاصة، مثل ثقافة الاستهلاك والفردية. هذا التغيير يؤدي إلى ظهور طبقة اجتماعية جديدة ترى أن نجاحها مرتبط بالتقليد الأعمى لأنماط الحياة الغربية الرأسمالية، مما يضمن ولاءها للنظام العالمي.

الرأسمالية التابعة: نموذج الهيمنة

النتيجة النهائية لهذه الآليات هي ظهور ما يُعرف بـ "الرأسمالية التابعة". في هذا النموذج، لا تتطور هذه الدول لتصبح رأسمالية مستقلة بذاتها، بل تبقى مجرد تابع اقتصادي للقوى الرأسمالية الكبرى. الرأسماليون المحليون في هذه الدول لا يعملون على تطوير قاعدة إنتاجية حقيقية، بل يركزون على الوساطة والخدمات المالية والتجارية، مما يجعلهم مرتبطين بالأسواق العالمية ومرهونين بتقلباتها.

يُرسِّخ هذا النظام التفاوت الطبقي داخل الدول التابعة، حيث تتركز الثروة في يد هذه النخبة الصغيرة، بينما يعاني غالبية السكان من الفقر والبطالة، مما يؤدي إلى تزايد التوترات الاجتماعية والسياسية.

يلعب تخلف الوعي الفلسفي لدى الشعوب دورًا مهمًا في تسهيل سياسات الرأسمالية التابعة. عندما يفتقر المجتمع إلى الوعي النقدي والفلسفي، يصبح أكثر عرضة لقبول الأفكار والسياسات التي تخدم مصالح القوى الخارجية دون مساءلة.

تخلف الوعي الفلسفي

غياب النقد البنيوي: الوعي الفلسفي يمنح الأفراد القدرة على فهم وتحليل البنى الاجتماعية والاقتصادية. غيابه يجعل الشعوب ترى مشاكلها كقضايا فردية أو سطحية، بدلاً من فهمها كجزء من نظام عالمي معقد وغير عادل. هذا يمنع تشكيل حركة مقاومة منظمة ضد الهيمنة الاقتصادية.

سيطرة الأيديولوجيا الاستهلاكية: الفلسفة تدفع للتساؤل حول القيم والمعنى الحقيقي للحياة. عندما يغيب هذا التساؤل، تصبح المجتمعات أكثر قابلية لتبني الأيديولوجيات الاستهلاكية التي تروج لها الرأسمالية. يبحث الناس عن السعادة في امتلاك السلع بدلاً من تحقيق الذات أو التحرر، مما يسهل على الشركات العالمية بيع منتجاتها والسيطرة على الأسواق.

الخضوع للخطاب السياسي المهيمن: الوعي الفلسفي يتيح للأفراد تحليل الخطابات السياسية وكشف التناقضات فيها. في غياب هذا الوعي، يصبح الجمهور عرضة للتلاعب بالخطابات القومية أو الدينية التي تستخدمها النخب الحاكمة لتبرير سياساتها التابعة، وتحويل انتباه الناس عن القضايا الاقتصادية الحقيقية.

ضعف التفكير المستقبلي: الفلسفة تشجع على التفكير الاستراتيجي في المستقبل وتخطيطه. تخلف هذا الوعي يجعل الشعوب تركز على الحلول قصيرة المدى والمنافع الفردية المباشرة، بدلاً من المطالبة بتطوير خطط اقتصادية طويلة الأمد تحقق الاستقلال الاقتصادي.

يمكن القول إن تخلف الوعي الفلسفي يُنشئ فراغًا فكريًا تملؤه الأيديولوجيات الخارجية والخطابات السطحية، مما يجعل من السهل على القوى الرأسمالية والنخب التابعة لها بناء نظام اقتصادي يخدم مصالحها على حساب مصالح المجتمع.

نظام التفاهة: استراتيجية قوية في يد الرأسمالية

كيف تستخدم الرأسمالية التفاهة؟

تحويل القيم: تُحوّل الرأسمالية القيم الإنسانية العميقة مثل الفن، والمعرفة، والسياسة إلى سلع قابلة للبيع والشراء. هذا التحول يفرض على كل شيء أن يكون "متوسط الجودة" ليتوافق مع منطق الربح السريع والإنتاج الكمي.

سيطرة المال: يرى دونو أن المال هو الناقل الأهم لمرض التفاهة. عندما يصبح المال هو القيمة العليا، يُهمَّش المبدعون والمفكرون لصالح من يجيدون اللعبة المالية، حتى لو كانوا يفتقرون للكفاءة الحقيقية.

إضعاف التفكير النقدي: يُعزّز نظام التفاهة المحتوى السطحي والترفيهي على حساب المعرفة العميقة. هذا يؤدي إلى تسطيح الوعي وتقليل القدرة على التفكير النقدي، مما يجعل الشعوب أقل قدرة على مقاومة الاستغلال أو التشكيك في النظام القائم.

نخب تابعة: يُختار القادة والخبراء بناءً على مدى امتثالهم للنظام، وليس على كفاءتهم. تعمل هذه النخب على تنفيذ سياسات تخدم مصالح الرأسمالية العالمية، مما يؤدي إلى "خصخصة" الحكومات وتحويلها إلى مجرد أداة لتلبية احتياجات الشركات.

لا تحتاج الرأسمالية إلى مجتمع من العباقرة والمفكرين، بل تحتاج إلى مجتمع من المستهلكين الممتثلين. نظام التفاهة هو الاستراتيجية التي تحقق هذا الهدف.

كيف يحدث ذلك؟

انخفاض الجودة من أجل الكمية: عندما يصبح الربح هو الهدف الأسمى، تُفضّل الشركات الإنتاج الكمي للمنتجات ذات الجودة المتوسطة أو المنخفضة التي يمكن تسويقها بسهولة، بدلاً من الاستثمار في منتجات عالية الجودة تتطلب وقتًا وجهدًا أكبر. هذا يؤدي إلى "اقتصاد التفاهة" حيث يُنظر إلى الجودة العالية كعائق أمام الربح.

تغيير المعايير: بدلاً من مكافأة الكفاءة الحقيقية والابتكار، يركز نظام التفاهة على المظاهر والامتثال. يُصَعَّد الأفراد الذين يبرعون في لعبة السياسة الداخلية للشركات، حتى لو كانوا يفتقرون إلى الخبرة أو الرؤية. هذا يضع أشخاصًا غير مؤهلين في مواقع اتخاذ القرار، مما يؤثر سلبًا على جودة المنتجات والخدمات.

تباطؤ الابتكار: الابتكار الحقيقي يتطلب التفكير النقدي، والمجازفة، والتفاني. نظام التفاهة لا يكافئ هذه الصفات، بل يُفضّل الأفكار المأمونة والمُجرّبة مسبقًا. هذا يؤدي إلى تكرار الأفكار القديمة بدلاً من خلق أفكار جديدة، مما يحد من التقدم التكنولوجي ويجعل الشركات تعتمد على التحديثات الطفيفة بدلاً من الابتكارات الكبرى.

تسطيح المعرفة والوعي: يُعزّز هذا النظام المحتوى السطحي والترفيهي على حساب المعرفة المتخصصة والعميقة. هذا يؤثر على الجيل الجديد من المهندسين والعلماء، حيث يُهمَّش التفكير التحليلي العميق لصالح المهارات التي تخدم السوق بشكل فوري. هذا الانخفاض في مستوى الوعي يؤدي في النهاية إلى تراجع القدرات الإبداعية في المجتمع ككل.

الرأسمالية التي تروج للتفاهة تُنشئ حلقة مفرغة: البحث عن الربح السريع يؤدي إلى تقليل الجودة، الأمر الذي بدوره يُعيق الابتكار والتطور التكنولوجي.

اقتصاد التفاهة ودول النمو الاقتصادي السريع

يُعتبر "اقتصاد التفاهة" أداة قوية قد تُعيق النمو الاقتصادي المستدام في الدول التي تشهد نموًا سريعًا. في حين قد يبدو أن هذه الدول تحقق تقدمًا اقتصاديًا كبيرًا، فإن تبنيها لنظام التفاهة قد يؤدي إلى نتائج سلبية طويلة الأجل تؤثر على جودة إنتاجها وقدرتها على الابتكار.

ويعود ذلك إلى أن العديد من الدول النامية تتبنى نموذج نمو يعتمد على الإنتاج الكمي وبتكلفة منخفضة، وغالبًا ما تكون الجودة في المرتبة الثانية. هذا النوع من النمو، الذي قد يبدو مثيرًا للإعجاب على المدى القصير، يعوق القدرة على بناء علامات تجارية عالمية مرموقة، كما يضع الاقتصاد عرضة للتنافس من قبل الدول الأخرى التي يمكنها توفير نفس المنتجات بتكلفة أقل.

كما يُفضّل نظام التفاهة الأفكار المكررة والمربحة على المدى القصير على حساب الابتكار الذي يتطلب استثمارًا كبيرًا ومخاطر عالية. هذا ما يحدث غالبًا في الدول النامية، حيث لا تُخصَّص ميزانيات كافية للبحث والتطوير. هذا النقص في الاستثمار يؤدي إلى الوقوع في "فخ الدخل المتوسط"، حيث تفشل هذه الدول في الانتقال من كونها اقتصادات تعتمد على الإنتاج منخفض التكلفة إلى اقتصادات تعتمد على المعرفة والابتكار.

بالإضافة إلى ذلك، يُشجّع اقتصاد التفاهة الأفراد على أن يكونوا مستهلكين أكثر من كونهم منتجين. هذا يؤدي إلى زيادة الاعتماد على السلع والخدمات الأجنبية، مما يُضعف الصناعات المحلية ويجعل الاقتصاد أكثر عرضة لتقلبات السوق العالمية.

يمكن لاقتصاد التفاهة أن يُعيق النمو المستدام في الدول النامية. فبدلاً من بناء اقتصادات قوية تعتمد على الابتكار والجودة، قد تجد هذه الدول نفسها عالقة في دائرة من الإنتاج منخفض القيمة والاستهلاك المفرط، مما يجعل نموها مجرد فقاعة قد تنفجر في أي وقت. إن مواجهة تحديات الرأسمالية التابعة تتطلب بناء وعي فلسفي نقدي قادر على فهم البنى العميقة للنظام العالمي، ورفض منطق التفاهة والامتثال السهل.

***

غالب المسعودي

ولدت الفَلّسفة من دهشة السؤال عن أصل الوجود، ثم ارتقت إلى مساءلة حدود الإنسان حين جُعل مقياسًا لجميع الأشياء، ثم ازدهرت وهي تفتش عن المثال الأعلى للفضيلة والسعادة والخير. ومع أنّها بدّلت موضوعاتها، إلّا أنّها لم تُسقِط أسئلتها الميتافيزيقية الكبرى، بل ظلّت تحاورها في صيغٍ متجدّدة، تكشف أنّ التحوّل في الفَلّسفة ليس قطيعة، بل إعادة خلق: إذ يُضاف الجديد إلى القديم، ويُعاد للقديم شبابه في لغة الحاضر.

فتاريخ الفَلّسفة إذن ليس سلسلة من المقابر المهجورة، بل نهر متدفّق يحمل روافد متعاقبة، يبتلعها ثم يخرجها في صورةٍ جديدة. هكذا استطاعت أن تصمد أمام السلاطين ووعّاظهم، وأن تبقى عصيّة على الفناء، لأنّها في جوهرها قادرة على أن تجدّد ذاتها مع كلّ عصر، فتتماهى مع العلوم الحديثة وتعيد إنتاج مفاهيمها.

ولم يمنع بعض المفكرين من التنصّل اللفظي من لقب “فيلسوف” – مثل مارسيل وياسبرز وفوكو – أن يكونوا فلاسفة بالفعل؛ فالجوهر لا يُلغيه الاسم. وما قاله أرسطو يظلّ صالحًا: "الجميع يتفلسف، حتى أولئك الذين يعادون الفَلّسفة، إذ في عدائهم لها تفلسفٌ من نوع آخر". لكن الفَلّسفة اليوم تواجه أخطر أشكال الاغتيال: اغتيالها من الداخل، فَرفع البعض شعار "خلِ نتفلسف شوية" إشارة إلى ضرورة تبسيط الفَلّسفة، وكأنّ تعقيدها هو علّة اغترابها، بينما العلّة الحقيقية تكمن في "غباء الواقع" وعدم قدرته على استيعاب حديثها نتيجة التفاهة الشائعة التي تقيده. ليست الفَلّسفة مطالَبة بأن تكون على موائد الناس اليومية، فهي بطبيعتها خطابٌ نخبوِيّ يعالج المعضلات الكبرى لا صغائر الامور وعلائق المشكلات اليومية، وما يجعلها خالدة هو هذه النخبوية ذاتها.

إنّ تبسيطها حتى حدّ التسطيح ليس إلا إفراغًا لها من قيمتها الحقيقية والجوهرية، غير أنّ هذا لا يُعفي الفَلّسفة من مساءلة موضوعاتها: ففلاسفة ما بعد الحداثة – من نيتشه إلى ماركس وفرويد، ومن فوكو إلى دريدا – نقلوا مركز الاهتمام من الهيولى والروح والمطلق إلى قضايا الحرية، السلطة، الخطاب، اللغة، الاختلاف.

لم يكن ذلك خيانة للتراث الفلسفي، بل استجابة لتحوّلات الواقع. فالموضوعات تُستبدَل حين تستنفد قدرتها على الإضاءة، وتظهر مفاهيم جديدة أكثر التصاقًا بواقع الإنسان.

إنّ مشكلتنا مع الفَلّسفة مزدوجة: من جهةٍ نحن متأخرون عن استيعاب مباحثها الحديثة، ومن جهة أخرى نستهلك موضوعات مستوردة لا تنسجم مع واقعنا المُعاش، فتغترب الفَلّسفة مرّتين؛ مرّة بعجزنا عن مغادرة الكهوف الأفلاطونية والهيوليات الأرسطية، ومرّة حين نلصق بأنفسنا موضوعات غريبة عن واقعنا الحيّ؛ فيكمن الحلّ الأصيل في ممارسة التفلسف من داخل إشكالياتنا نحن: الدولة، الديمقراطية، الخطاب الإسلامي، التراث، العقل العربي، العلمنة، والآخر. فالفيلسوف ليس من يكرّر المقولات، بل من يعالج أسئلة واقعه بمنهجٍ نقديّ محرَّر من الانتماءات الضيقة والأطر الأيديولوجية.

لذلك آن الأوان بالقول والاعتراف بالفَلّسفة العربية المعاصرة، تلك التي تسعى إلى استفزاز الوعي العربي بغية إنتاج المفاهيم الفلسفية الملائمة لواقعنا المُقعَد، آن الأوان لميلاد فَلّسفة تنبثق من واقعنا وتعود إليه، تتجرأ على مغادرة سباتها التاريخي، وتُبقي على جوهر الفَلّسفة حيًّا: التجدد الدائم، والقدرة على تحويل أسئلة الوجود إلى طاقة لا تنضب من التفكير.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

محنة غرابيل الفلاسفة (2)

يبدو أنّه قد بات لزامًا عليَّ التأكيد على أن ما أوردناه وما سوف نقوم بتحليله بعد قليل من خطابات مرسلة، وانتقادات مجترئة، وادعاءات غير مُبررة، كل ذلك يرجع إلى ثلاثة أمور تتعلق بالطابع العام للبنية الفلسفية للموضوع الذي نحن بصدده، الذي ننشد تحليله للوقوف على محنة الغرابيل؛ طبيعتها وأسبابها التي تتمثل في:

أولها: أن هذا العصر (الفترة الفاصلة بين العصر الهيلينستي والعصر الحديث في الغرب) قد اتّسمت معظم خطاباته بالأضاليل والأكاذيب التي انتجتها المصاولات والمعارك الدائرة بين القوة المهيمنة على الثقافة الرومانية آنذاك (اللاهوتيون، الفلاسفة، السّاسة، الوثنيون، السّحرة) ومن ثمّ قد اقتضت الضرورة البحثية الوقوف على طبيعة تلك المحاورات والمناظرات بوصفها المضمون الحاوي لكل أشكال الأكاذيب المطروحة التي عجزت الغرابيل عن الفصل بينها أو نقدها كما أشرنا.

ثانيها: أن تلك المساجلات وما حوته من تلفيقات وهرطقات وتأويلات ودفوع وتبريرات قد كشفت عن عشرات المسائل والقضايا التي تحولت منذ أخريات العصر الوسيط إلى القاعدة التي انطلقت منها الفلسفة المسيحية ثم كل القضايا التي شغلت الفكر الغربي بدايةً من عصر النهضة حتى الآن وعلى رأسها :

- قضية تقديم النقل على العقل أم العكس (أؤمن كي أعقل أم أعقل كي أؤمن).

- قضية العلاقة بين الدين والعلم (توفيق، تلفيق، إقصاء أحد الطرفين أي فصل بينهما، تجاور دون تداخل).

- قضية الالحاد ودرجاته تجديد وتبديد، اجتراء وتجديف، مروق وزندقة وهرطقة، تصويب وتحقيق، تزييف واستبعاد، ارتياب لا ينقطع واللاأدرية.

- قضية ماهية الدين ومعنى المقدس وعلاقة العقيدة وما تحويه من تعاليم ومعارف بالأساطير والآداب الشعبية التراثية.

- قضية اخضاع الخطاب الديني للعلوم الحديثة (اللغة، التاريخ، الأنثروبولوجيا السياسة، الاقتصاد)؛ وذلك بعد رفع صفة القداسة عنه.

- وأخيرًا قضية الدين السائد ووحدة الأديان وما بعد الدين والدين النسوي.       

 أمّا ثالثها؛ فيتمثل في حرص كاتب هذه السطور على الالتزام بالحيدة في السرد والوصف والتحليل تجاه الآراء الكامنة في تلك الثقافة وتفضيل أرجاء النقد إلى التعقيبات.

وهذا هو دأبي منذ أكثر من ربع قرن فقد انتهجته في أول دراساتي في فلسفة اللاهوت (دعوة العقل لقراءة أنجيل متى الذي صدر عام 1987 وكذا في كتابي فلسفة اللاهوت المسيحي الذي صدر عام 2008) ذلك فضلًا عن عشرات الرسائل والأبحاث التي شاركت في بنائها وتحليل بنيتها. 

ولم أجنح عن هذا النهج فيما أكتب، فلم تكن غايتي ولن تكون سوى الوقوف على الحقائق التي شكلت بنية الفكر الفلسفي وانعكاسات ذلك على الثقافة السائدة أملًا في تقويم ما فسد وتوضيح ما غمض وإتاحة الفرصة أمام العقل للتحاور العلمي بمنأى عن كل أشكال التعصب ولاسيما في الأمور والقضايا ذات الصلة بالثوابت العقدية ومشخّصات الهُويّة محاولًا إنقاذ الرأي العام من الأحاديث والكتابات المتهافتة وغير المسؤولة التي تثير الرأي العام التابع وتشوش على مدركاته ومعارفه وتثير الفتن في بنية مجتمعنا الصلبة التي لم تفلح المكائد ولا الأكاذيب في تفكيكها.

**

وإذا ما عدنا إلى ادعاءات المتفلسفين تجاه الدين الوافد الذين رفضوا بنيته الغيبية ومحاكاته للتصورات الأسطورية سوف نجدها تمضي كسابقتها على هذا النحو: -

- إنّ أصحاب الدين الجديد قد افتقرت خطاباتهم اللاهوتية إلى النسقيّة التي يمكن للعقل قبولها؛ فالأناجيل الأربعة المعتمدة - من قبل اللاهوتيين المسيحيين- قد اختيرت من بين مئات الصحائف اختيارًا عشوائيًا مثل : (أنجيل توما، أنجيل الحق، أنجيل مريم المجدليّة، أنجيل برنابا) ويبدو ذلك في اضطراب نهجها السردي والتاريخي كما لا تخلو من الاضطراب العقدي والواقعات التي يجحدها المنطق من جهة وتدحض مضامينها الحقائق التاريخية والأدلة العلمية من جهة أخرى. وعلة ذلك كله؛ ترجع إلى غيبة النص الأصلي ووحدة المصدر فقد كتب بعضها أحد التلاميذ ونسب إحداها لشخص لم يرْ يسوع قط، وثالث كان يجهل أصول الكتابة اللاهوتية والتاريخية معًا؛ وقد عجز اللاهوتيون الأوائل تبرير ذلك.

- إنّ أصحاب الدين الجديد لم يفلحوا في الرد على منتقديهم بمنطق مقارعة الحجة بالحجة وقياس الأدلة بالبراهين فما جاءوا به يهدم الكثير ممّا ثبت في التوراة في حين أنهم زعموا في شذراتهم المقدسة بأن معتقدهم مكمل وليس هادم لما قبله (لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل) (أنجيل متى 5:17).

كما ادّعى كهنتهم أن تعاليمهم المقدسة ضد السحر والشعوذة والخداع في حين نجد آباء الكنيسة يتفننون في صناعة الأحجبة ويحتالون على العوام بأكذوبة صكوك الغفران تلك التي ابتدعها البابا لاون العاشر(1475:152) وذلك في عام 1517  بحجة حاجته للمال لبناء كنيسة القديس بطرس في روما.

كما زعم قساوستهم أن شذراتهم المقدسة تأمر المؤمنين بيسوع بتقديم الحب على الكراهية والتسامح عوضًا عن العنف في حين أن كنيستهم قد بدلت تلك العقيدة غير عابئة بأنها تهدم النسق الياسوعي كله فعلمت بنقيض ذلك (لا تظنوا أني جئت لألقي سلامًا على الأرض، ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا) (أنجيل متى 10:34) وأضافوا أيضًا بدعة (الحربة المقدسة) التي خولت لقياصرة الرومان وملوك أوربا الحروب الصليبية على الشرق وأطلقوا عليها الحرب المقدّسة وأصل الحكاية ترجع إلى أكذوبة اخترعها أحد قادة الجيوش الصليبية فوسوس بها لرجل فقير يدعى بطرس بارثولوميو أنه قد رأى في المنام أن الحربة التي طعن بها المسيح عقب صلبه موجودة في كنيسة بطرس بمدينة إنطاكية؛ وإذا عثر عليها الصليبيون كان النصر حليفهم وأمر هذا الرجل الساذج بترويج هذه الأكذوبة وإشاعتها بين الجنود الذين أوشكوا على الفرار أمام جيوش السلاجقة. ولمّا سمع الجند هذه الشائعة انطلقوا مدفوعين ببركة الروح القدس فاستولوا على إنطاكية وهزموا الأعداء وذلك في نحو عام(1098م)

وعلى الرغم من ارتياب عصبة من الرهبان في هذه البدعة إلا أنهم آثروا الصمت خوفًا من بطش قادة الرومان أصحاب هذه الأكذوبة الأصليين الذين لم تقف أكاذيبهم عند هذا الحد بل كلفوا أحد السوريين أن يشيع أكذوبة أخرى تروي رؤيته أنه شاهد في كنيسة مريم المباركة القديس مرقس حيث أخبره بأن السيد المسيح وتلاميذه جاؤوا إلى إنطاكية لنصرة الصليبيين في حربهم وتتابعت الأكاذيب والحكايات والخرافات وجميعها يؤكد أن ساسة الرومان هم الذين يكتبون الأخبار المقدسة ليصبح المسيح إلهًا للغزو والعنف وقتل الآمنين في أوطانهم (والمسيح من ذلك كله بريء).

أمّا الحروب الصليبية المقدسة فتعود أكذوبتها إلى خطبة البابا أوربان الثاني (1035:1099م) وذلك في محفل يضم مئات القساوسة والكهنة والفرسان ورجال السياسة بصدد إعلان حرب مقدسة عام (1095) محاولًا بهذه الاكذوبة إنقاذ الإمبراطورية الرومانية والبلدان الأوربية من الاضمحلال الاقتصادي الذي كان يعاني منه المجتمع الغربي أنذاك) حيث دعا إلى محاربة الأتراك المسلمين (السلاجقة) وقتلهم وذلك ردًا على ما ارتكبوه في حق الإمبراطورية الرومانية التي باركها الرب باعتناق أهلها لدين المخلص يسوع المسيح. ونعتوا المسلمين والمسيحيين الأرثوذوكس الشرقيين المجندين ضمن الجيش الإسلامي بأنهم برابرة منتسبون إلى عرق ملعون كافر بدين المسيح، وعليه دعى البابا إلى تقتيلهم ثم الاستيلاء على أراضيهم في آسيا الصغرى وتطهير القدس من ساكنيها أعداء الرب قائلًا (فمن العار أن يكون قبر المسيح في أيدي العرب المسلمين) وفي عام 1096م انطلق 60 ألف مقاتل يقاتلون باسم الحرب المقدسة.

 وأضاف الفلاسفة على ادعاءاتهم السابقة أن هذه الأقوال المقدسة التي روج لها قادة الدين الوافد تناقض الشذرة القائلة على لسان السيد المسيح (سمعتم أنه قيل: أحبب قريبك وأبغض عدوك. أمّا أنا فأقول لكم: أحبوا أعدائكم وأحسنوا إلى مبغضيكم)، ومن ثم يرى المتفلسفة في هذا الادعاء أن أثر ساسة الرومان على كهنة الكاثوليك الغربيين كان من أكبر العوامل التي أدت إلى غيبة النسقية في تعاليمهم المقدسة لذا نجد معظم فلاسفة الغرب منذ القرن السادس عشر الميلادي ينادون بضرورة فصل الدين عن السياسة، ثم العولمة الكاملة في القرن الثامن عشر.

وتجدر بنا الإشارة إلى أن هذه الفكرة العدوانية ترجع إلى ساسة الغرب وسيما المنتمين إلى فرقة البروتستانت المتأثرة في تعاليمها بيهود الخزر.

فها هو القائد الفرنسي هنري غورو (1867:1946 م)  يقول أمام قبر صلاح الدين الأيوبي: (ها نحن عدنا يا صلاح الدين) عند دخوله دمشق عام 1920 م.  ويحدثنا المؤلف يوسف العاصي الطويل عن علة تحيز الإنجليز والأمريكان لاحتلال إسرائيل للقدس بحجة أن اليهود المتعصبين أحفاد (قبائل الخزر الهمجية في الغرب هم الذين يمثلون الحزب اليميني الإسرائيلي اليوم وهم من أكثر القبائل الهمجية سفكاً للدماء وتنكيلًا للأغيار؛ وذلك في كتابه "الصليبيون الجدد الحملة الثامنة دراسة في أسباب التحيز الأمريكي" الذي نشر عام (1987 م) في دولة الامارات العربية المتحدة.

- أنّ أصحاب الدين الجديد لم يفلحوا في تفسير أو تبرير عقيدة العودة أو المجيء الثاني التي روجوا لها في أوربا بين العوام، وراحت الكنائس تؤكدها ذلك في دروسها وكتاباتها اللاهوتية؛ الأمر الذي دعا الفلاسفة إلى تكذيبها عقليًا واعتقاديًا مبررين جحدهم لهذه الأفكار الميتافيزيقية بعدة طعون وجهها العقل وجحدها المنطق - من وجهة نظرهم - نذكر منها: -

- إن فكرة المخلص ليست جديدة على مائدة التصورات الأسطورية ولا المعتقدات الميتافيزيقية؛ فقد ذكرت في كتابات الغنوصيين وأساطير المصريين وفي الديانة الهندوسية والفلسفة البوذية والنزعة الجينية وأخيرًا في اليهودية الذين أطلقوا أسم المسيا على المخلص بمفهوم مغاير لتصور الكنيسة.

- إنّ علة وجود المخلص في الفكر الميتافيزيقي الشرقي القديم ترجع إلى حاجة المجتمعات - المروجة لهذا التصور- لإصلاح النظم الأخلاقية والاجتماعية والسياسية والعقدية؛ الأمر الذي لم تفعله المسيحية ويبدو ذلك في موقفها السلبي ممّا كان يعاني منه المجتمع الغربي بعامة والإمبراطورية الرومانية بخاصة (الظلم، القهر، الاستبداد، الثراء الفاحش، الفقر المفجع، الفساد الأخلاقي، الجهل المعرفي، التفكك الاجتماعي)؛ وذلك عندما صرحت الكنيسة بأن كل هذه الأوضاع لا فكاك منها ولا قدرة لأحد على تغييرها لأنها قدر واختبار من الرب ومن ثمّ يجب على المنتمين للدين الجديد الصبر والفناء في العبادة والدعاء حتى يتحقق المجيء الثاني ليسوع ليقيم العدل ويرفع الظلم ويقتص من الشيطان واتباعه.

ويرى الهراطقة من الفلاسفة -أنذاك- أن قضية الفداء والخلاص التي صورتها الكنيسة غارقة في الدراما المأساوية التي لا تبرير لها سوى عجز الإله عن تحقيق ما يريد عوضًا عن التضحية بإبنه أو ترك المؤمنين به يعانون من فرط القسوة والظلم أو عودته ثانيةً لفعل ما تقاعس عن فعله بداية.

كما أن تصور الخلاص الكنسي في الدين الجديد لم يسهم في إصلاح المجتمع الغربي على الصعيد الأخلاقي فلم يقدم الخطاب الكنسي - في ظل هذا التصور- أي علاج عملي ناجح؛ فالعظات والنصائح النظرية والوعود بالسعادة الأبدية لم تغير من سوء الواقع شيئًا بل زادت على ما فيه المجتمع من فساد أكذوبة (عقيدة الاعتراف) تلك التي جاءت في مجمع لاتران الرابع في روما عام (1215 م) عندما أقر اللاهوتيون الكاثوليك أن عقيدة الاعتراف سر مقدّس؛ ومن ثم يجب الاعتراف بالخطايا أمام الكاهن فرضًا على جميع المؤمنين مرة واحدة في السنة على الأقل حتى تقبل توبتهم وتمحى خطاياهم من سجل الآثام.

بذلك كله برر المتفلسفة في العصر الوسيط هرطقتهم أو رفضهم التام للخطاب الكنسي الكاثوليكي.

ولم يفطن أصحاب هذا الخطاب إلى الظروف والملابسات المحيطة بالخطاب العقدي اللاهوتي واعتبروا أن كل ما جاء به القساوسة أصحاب الدين الجديد يجب ادراجه ضمن الأكاذيب التي أرشدت إليها غرابيلهم النقديّة.

وللحديث بقية عن ادعاءات الوثنيين وردود الفلاسفة المؤمنين.

***

بقلم: د. عصمت نصّار

 

مَن منّا لا يتعامل مع مواقف الحياة اليومية بقوالب تعميمية جاهزة؟ بشخوصها ومواضيعها، من عامل المقهى إلى مناقشة موضوع سياسي شائك؟ لا أبعدُ النجعة إنْ زعمت أنّ الجميع يفعل ذلك، في إشارة إلى أسئلة شقيّة تخدش يقينيات التعميم المبثوثة في وعينا الجمعي: هل يمكن أن نتدبّر أمور معاشنا بدون تعميم؟ وهل التعميم لغة الجهّال فعلا؟ وهل يكمن خلف ستار السمعة السيئة للتعميم قيمة حقيقية مهضومة؟ وما الدور الحقيقي للدماغ في عملية التعميم؟ ولماذا نمارس التعميم اختيارا وكُرْها؟ وهل ثمة طريق معتدل لممارسة التعميم بدون التمرّغ في حضيض السوقية والابتذال؟ مع تحفّظي على مفهوم الاعتدال من حيث نسبيّتُه.

دعونا بدايةً نرسم حدّ مفهوم التعميم الذي نحن بصدد بحثه، إذْ نعرّف التعميم بأنه الأحكام والانطباعات العامة المُتبنّاة عن الآخرين أو الأشياء من مفاهيم مجرّدة وغيرها، نتيجة موقف أو أكثر سواء من تجربتنا الشخصية أو تجارب الآخرين، وفي ذلك أمثلة طافحة، كأنْ يعمّم المرءُ صفة البخل على أهل منطقة ما، أو الكسل على أحد الشعوب، أو لُؤمِ الطباع على عِرق أو قبيلة، أو الطيش على فئة عمرية، أو الذكاء على شريحة محددة، أو العجرفة على أصحاب مهنة أو قطاع وظيفي، أو التعقيد على فروع حقل معرفي كامل أو النصب على جميع أشكال تعامل تجاري محدد أو عظمة فرصة معرفية على جميع حالاتها…إلخ، وذلك بعد التعرّض لموقف شخصي واحد أو عدة مواقف، أو نَمَتْ إلى السمع بضع تجارب لصديق أو جماعة، آل بهم الأمر للخروج بتعميم ينسحب على جميع أفراد موضوع التعميم، متجاوزا الحكمَ العام وصولا للحكم الفردي، اسْترواحا على تلك التجربة اليتيمة أو حُفنة من التجارب المتشابهة، لتطبيقها على الحالات المماثلة كافة.

على أنّ التعميم كما ينطبق على المجموع، فهو ينطبق أيضا على الفرد، حين نقوم بتعميم حكم عام عليه بناء على موقف أو عدة مواقف معه، مختزلين كيانه وشخصيته في تلك المواقف، ضاربين بعُرض الحائط شريط حياته الممتدّ! ومتجاهلين عوامل الظرفية التي ظهرت تلك المواقف في سياقها.

إنه حين يتعثر أحدهم بآخر من دولة ما وقد عشّش انطباع عام في ذهنه بأن مواطني تلك الدولة ذوو صَلَف وتكبّر، تجده ينطلق من هذا الحكم العام في تعامله معه، فينطبع في أسلوبه اللفظي وغير اللفظي ما يمارسه عادة مع من يعرف فيهم سمة الكِبْر على وجه اليقين، وبما أنّ القاعدة الفيزيائية تقول: لكل فعل ردة فعل مساوية له في القوة معاكسة له في الاتجاه، فمن الوارد جدا أن يُخرج ذلك الأسلوبُ الفَظّ أسوأ ما في شخصية مواطن تلك الدولة؛ ليس لأنه كان متكبرا ابتداءً، وإنما حدث في سياق ردة الفعل، ناهيك عمّا يُصطلح عليه في علم النفس الاجتماعي بـ (Pygmalion Effect) وهذا التأثير النفسي يعني أن توقعّاتنا عن الآخرين يؤثر في سلوكياتهم.(1)

وعلى المنوال ذاته، تأمّل جميع التطبيقات اليومية للأحكام العامة، التعميمات، الانطباعات العامة، سمّها ما شئت، فإنك واجدٌ مغبّتها العصيّة على الحصر، وعواقبها في التفاعل البشري التي تأخذ المعيَّن بجريرة غيره، وتعميم الموقف مع فرد مُنْتمٍ إلى مجموعة ليكون قاعدة تشمل جميع أفرادها، سواء أكان الموقف المتسبّب في التعميم تجربة شخصية، أو من تجارب الآخرين، مع الانتباه إلى أنّ تجارب الآخرين في تعميم حكم عام على مجموعة من الناس أو تصوّر شيء من مفردات الحياة لا تحيلُ نتائجهم قانونا ثابتا مهما تضافرت، عِ(2) أنّ تجربتك لا تعني بالضرورة نسخةً من تجاربهم، وانسياقُك إليها يعني أن تجعل حياتك بوقا لتجارب الآخرين! فالأفلاج لا تنفكّ تلعن الأنهار، ولكنّ ذلك لا يعني البتة صدق مقولة الأفلاج! فما بالك بتجربتك الشخصية إزاء مجموعة إنسانية ما، والتي لا تتأهّل أن تكون عريضةً كفاية لتسع أفراد تلك المجموعة قاطبة.

ومن حقنا ونحن نُعرّي الجانب المُكْفَهِرّ من التعميم أن نَنْبَري متسائلين: لماذا نمارس التعميم أصلا؟ ولا يمكن للإجابة - على الأقل من منظوري الشخصي - أن تكون بمنأى عن الدماغ بما هو مركز التحكم البشري، هذا العضو الذي تلتقي فيه جميع خيوط الممارسات البشرية أسودها وأبيضها وألوانها كافة! سواء لوجود استعداد داخلي دماغي للميل للتعميم أكثر من الغير أم لا، حيث أظهرت دراسة علمية (3) أنّ لدينا بشكل عام ميلا للتعميم تلقائيا وبدون وعي ومنذ سنٍ مبكرة! على أنّ الدماغ - بناء على دراسة علمية أخرى (4) - يقوم بالتعميم بناء على آلية عصبية تُدعى (Predictive Coding) أي: الترميز التنبّؤي، حيث تقوم هذه الآلية بترشيح المعطيات الجديدة من خلال مرشّح التوقّعات السابقة؛ بُغيةَ تسريع الاستجابة وتوفير الطاقة، ومن هنا نسِم الدماغ عادةً بالكسل، ونصف التعميم باستراحة الدماغ!

وأنا إذْ أجرّ قلمي في موضوع التعميم، لَيَكبُر على نفسي أن أُغْفِل اللفتة الدقيقة التي أشار إليها مؤسس علم النفس التحليلي كارل يونغ، باستنكاره أن يكون الفرد وظيفة للإحصاءات، وهي وإن كانت في سياق نقد الأوساط العلمية التي تبني معارفها على المتوسط البياني - رغم ضرورته - لاغيةً خصائص الفرد الواحد، إلا أنها تعكس تمظهرا عميقا من تمظهرات التعميم، في ارتداداته الوخيمة، ومما قاله في سِفْره القيّم (الفرد والحشد) ): "تعتبر النفس الفردية بسبب فرديتها استثناءً للقاعدة الإحصائية؛ لذلك تُسلب من إحدى خصائصها الرئيسة عندما تخضع لسيطرة تأثير التساوي مع البقية في عملية التقويم الإحصائي."(5) وفي موضع آخر: "إنّ أيّ نظرية تستند إلى الخبرة هي بالضرورة إحصائية، وهذا يعني أنها تصوغ متوسطا مثاليا يلغي جميع الاستثناءات على طرفي المقياس، وتستبدل بها متوسطا مجردا".(6)  فالإنسان الإحصائي - كما يراه يونغ -  ليس سوى مسخٍ لا وجود واقعي له، وما هو إلا تعميم لمتوسط حسابي غير واقعي على جميع الأفراد الواقعيين!

عموما، إذا تسالَمنا على أنه ليس من المنطق في شيء أن نرضى بالارتهان لميل الدماغ، ونمارس التعميم على الآخرين منفلتًا عن كل الحدود ومعتمدا على موقف أو موقفين، كما أنه في المقابل من السذاجة أن نقاوم التعميم تماما بما هو في أحد أبعاده دروس مستفادة، تزودنا بالانتباه والحذر ومسحة من فوبيا الارتياب، ولو كان من بضعة مواقف، فإنّ لُبّ موضوع التعميم سيرتكز على السؤال المحوري الآتي: كيف يمكن إمساك العصا من المنتصف في إعمال التعميم؟!

لعلي أقترح أنْ نستصحب مؤدَّى التعميم في المواقف المحتملة، شريطة أمرين: أوّلهما أن يكون الحكم المستخرج من المواقف المماثلة السابقة موضوعية قدر الإمكان، وأنا حين أقول: قدر الإمكان، فإني أعني أنه يستحيل علينا أن نكون موضوعيين تماما، فأدمغتنا مُنحازة بالضرورة! ولكن نسعى بجدّية إلى أن نكون متيقّظين لأية دوافع غير موضوعية تضغط على أحكامنا ناحية اتجاه معيّن، وثانيهما: أن نجعل التعميم في دكّة الاحتياط، وخانة الخبرة الاحتمالية، وخليةَ معطيات نائمة، ثم نترك الآخر يقرر - من خلال مراقبتنا لتعامله - أيُصدّق الحكم التعميمي في جماعته أم يستحق أن يكون استثناءً منه، وبذلك لم نلغِ التعميم بما هو معلومة واقية، ولم نُعملْه بما هو حُكم مجحف.

مع العلم أنه لا يمكن التبرؤ بالكليّة من إكراهات هذا الحكم العام الذي يتسرّب إلينا بحُكم تركيبة أدمغتنا سواء بالانحياز، أو كما أسلفتُ من أنّ أدمغتنا تميل - هذا إذا لطّفنا التعبير عوضا عن: تحتّم علينا! - للتعميم، فإن كل ما نحاول فعله هو محاولة منح القشرة الجبهية الأمامية في الدماغ (Prefrontal Cortex) الفرصة المناسبة لإيقاف العملية اللاواعية التلقائية أو المتسرّعة للتعميم، بما هي - أي القشرة الجبهية الأمامية - على صدارة مناطق الدماغ المسؤولة عن اتخاذ القرارات وتمحيص المعطيات.

إنّ التعميم عُقدة متوارية، فهو منتج للإطار العام لعمل أدمغتنا، والمفارقة أنّ التعاطي الناجع معه يحدث عبر أدمغتنا كذلك! لنحظى بغُلّته النافعة بعيدا عن أشواكه المعتدية!

***

محمـــد سيـــف

........................

الهوامش:

(1) لمزيد من الاطلاع على الظاهرة النفسية (Pygmalion Effect) يُرجى زيارة رابط الدراسة العلمية:

https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0361476X18300729?utm_source=chatgpt.com

(2) عِ: هو فعل الأمر من الفعل وَعى، أي أدرِكْ وافهمْ.

(3) رابط الدراسة العلمية:

https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC4402100/?utm_source=chatgpt.com

(4) رابط الدراسة العلمية:

https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC10810825/?utm_source=chatgpt.com

(5) كارل يونغ، الفرد والحشد، ص86، ترجمة: إسماعيل زين الدين، دار الحوار للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2023.

(6) المصدر نفسه، ص30

في الدفاع عن بغداد 656

يستقر في ذهني أن انطلاقة التطور الحضاري عند العرب والمسلمين قد بدأت مع انفتاح الاعتقاد على العلم والاجتهاد وممارسته من لدن العلماء والمفكرين منذ عصر الرسالة وما بعدها، ولأن الاجتهاد هو طريق الحداثة الدائمية فقد تخطى العلوم الانسانية الى العلوم الصرفة كالطب والفلك والكيمياء وغيرها، حتى حان القرن الرابع الهجري = العاشر الميلادي وكان قرن اقتطاف ثمرات القرون المؤسسة للمعرفة العالية، بيد انه ظهر تيار تراجعي يدعو الى ايقاف الاجتهاد، بنوعيه في المجال الديني أو مجالات العلوم الدنيوية.

فقد نقل القاضي عياض (ت544) (ان الناس قد اجمعوا على تقليد المذاهب الاربعة) (1) فقط وكان المفروض أن يقال ان السلطات واساطين الفتوى هم الذين أجمعوا، وتعبير عياض بـ(الناس) يكشف عن مبالغة أن القرار هو قرار عموم المجتهدين حتى الذين لم يرتبطوا بالسلطة ويعزى السبب في ايقاف حركة العقل نحو الاجتهاد الى سببين عجز الامة عن انجاب المجتهدين كما يدعى وفي هذا إهانة وتقزيم للأمة وعجز العلماء عن تأسيس قواعد منهجية وهذا أدهى وأمر

والحق: ان السبب الحقيقي هو خوف السلطات آنذاك من أتساع حرية الرأي (2) ونقد السلطة من خلال صناعة الموقف الفقهي لذلك فغلق الاجتهاد تم عن طريق السلطة عندما اصدر الخليفة العباسي القادر بالله (البيان القادري) عام 408 الذي حدد ما يلزم الاعتقاد به، وأخذ عليه اقرارات العلماء ونص على أن ما عداه باطل ومعتنق غير أيديولوجية السلطة ضال أو كافر وكان هذا البيان افرازاً لفترة عصيبة ومضطربة ولعل العقلانيين كانوا من اوائل المستهدفين بهذا البيان (3).

وكانت طبيعة الاحوال أن السلطان لم يكن يتدخل في شؤون العقائد لأن ذلك موكول الى رجال المعرفة الدينية، لكن هنا فرض السلطان عقيدته بالسيف وسفك الدماء وكان علماء السلطة كعلي بن عمر القزويني وغيره قد كتبوا على هذا الاعتقاد ان هذا الاعتقاد صحيح ومن خالفه فقد كفر ومن لا يكفره فهو كافر ومثله فعل ابن فورك (4).

لكن الغريب أن البويهيين للاسف دعموا هذا النوع من الا(5)غلاق في التفكير العقائدي والقانوني وهذا ما يؤيد أن الهدف الاساس عند البويهيين لم يكن الاعتقاد المنتحل بل هو السياسة وبعد ستين عاماً من موت القادر بالله (422هج ) كتب الغزالي عدة كتب مثلت لائحة بالاعتقادات المسموحة بتكليف من نظام الملك السلجوقي فكان كتابه (الاقتصاد في الاعتقاد) الذي كتبه في 488 هـ وكتاب (فضائح الباطنية) وكتابه (قواعد العقائد) وكتابه (فيصل التفرقة بين الاسلام والزندقة) وكتابه (المنقذ من الضلال) واخيراً كتابه (الجام العوام عن علم الكلام) الذي كتبه آخر ايامه (505) وكلها اطروحات مفروضة على الناس تنظم مجالات قمع حرية الاعتقاد.

ثم جاءت مهمته في نقد الفلسفة في كتابه (تهافت الفلسفة) الذي قدّم له بكتاب اسماه (مقاصد الفلاسفة) الذي فسقهم في سبعة عشر موضعاً فصاروا في نظره (فسّاقاً)، وكفرهم في ثلاثة مواضع فكانوا (كفاراً) وصارت الفلسفة كفراً وفسقاً وبها تم قمع نزعة التفكير المنظم، ثم حصل أن ابن الصلاح الشهرزوري قد أفتى بتحريم الاشتغال بالمنطق مدعياً أنه المدخل الى الفلسفة ولما كانت الفلسفة شر، فالمدخل الى الشر شر (6). وتعلمه ليس مباحاً شرعاً، ودعا السلطان لمعاقبة من يروج بها بفتواه (ان المنطق مدخل للفلسفة، ومدخل الشر شر)

وينص الشهرزوري على انه ليس الاشتغال بتعلمه وتعليمه مما اباحه الشارع ولا استباحه احد من الصحابة والتابعين والائمة المجتهدين والسلف الصالحين وسائر من يقتدى به من اعلام الائمة وسادتها واركان الامة وقادتها (7). وبذلك الغى الغزالي التفكير بالحاضر والمستقبل

ثم يقول: (فالواجب على السلطان أن يدفع عن المسلمين شر هؤلاء المشائيم ويخرجهم من المدارس ويبعدهم ويعاقب على الاشتغال بضمهم ويعرض على من ظهر منه اعتقاد عقائد اهل الفلسفة على السيف او الاسلام) (8).وفي ذلك من شرعنة القمع الفكري وتحريض السلطة ضد المفكرين وبذلك: تعطل النظر في كتب علم الاصول (مناهج الاستنباط) في الفقه مثل كتاب البرهان ل لجويني ومستصفى الغزالي نفسه وغيرها من الامهات فحينما يوقف الاجتهاد، ويحرّم استعمال المنطق ويحرّم تداول الفكر الفلسفي وتحارب العقلانية، عند ذاك تسقط اسس وركائز الحضارة ومعارفها لأنها تفتقد الى ما تركز عليه

لذلك: فأني أرى ان القرن السابع والثامن الهجري كانا بداية لعصور التردي الحضاري والمعرفي وفيه تراجع نمط انتاج المعرفة، واعتمد نظام الحواشي والشروح على المتون الاصيلة التي انجزت في القرون الماضية وفيه أنتشر التيار السلفي وكان ابن قيم الجوزية الشخص البارز فيه، والمؤرخ ابن كثير و المحدث ابن تيمية (9) هم الرموز التي عبرت تماماً عن سمة ذلك العصر.

واذا كانت الدراسات التاريخية تذكر في ان سبب سقوط بغداد ان عدم حصافة الحكام العباسيين تسببت بسقوط بغداد، فأن الحقيقة أن البنية المعرفية التي بدأت بالانهيار بالبيان القادري (408هـ) وتحريم المنطق وتحريم العقلانية، وازدراء الفلسفة والتفكير المنظم هو السبب الحقيقي للانهيار لان لها انعكاس على التقدم الاجتماعي والقوة المجتمعية وكانت هي الظروف التي اوصلت المستعصم الى خلافة تقع اسيرة ذليلة بيد الغزاة المغول عام (656هـ) أي بعد قرنين من تصدع البناء الحضاري (10) للأمة، وان كان قرنان من صمود الدولة يكشف عن صلابة ذلك البناء الحضاري الذي حصل في القرون الاربعة الاولى الذي صمد كل هذه الفترة بعد الانحطاط الحضاري.

لقد سبق هذا الانهيار الفعلي، أن البلدان التابعة للخلافة تحولت الى ولايات شبه مستقلة أدارياً يحكمها ولاة وأمراء محليين وكان اتساع رقعة الخلافة بدل أن تحول المعرفة الى قوة فقد ساهمت في الجهل الذي ساد فصار حالة (عدم سيطرة) فالمسافات الشاسعة بين الواقع والفكر لم تعالج بتطبيقات علمية للسيطرة على صعوباتها ولقد كان اختيار اخر خلفاء العباسيين ناتج لتردي المعرفة المتزامنة لتطور المجتمع فكان الخليفة على درجة من الطيش والتهور والشهوات حتى وقف عاجزاً أمام فيضان دجلة عام 654 أي قبل غزو المغول بسنتين، وقد أدى هذا العجز الى خسائر هائلة، كنتيجة للوضع العلمي المتردي الذي كان ينبغي أن يستعان به لتقليل الخسائر.

اذن فأن تصدع الارث الثقافي للامة الذي شاع في القرن السابع الهجري وتداعت منه عدة دعامات منها غلق الاجتهاد في مجال الفقه والقانون ومنها تحريم المنطق، وتحريم الاشتغال بالفلسفة فقد انعكس على نظام التفكير العام للناس.

يرى باحث: أن عودة العرب الى الفلسفة ضرورة حيوية لثقافتهم المعاصرة، لأنها تحفز على إعمال العقل لتحصيل التقدم العلمي الذي طالما ازدهر جنباً الى جنب مع الفلسفة التي تحقق اكتشاف المشتركات بين الانسانية لأنها تبني معايير محددة في الحكم على الاشياء ومجموعة محددة من القيم وتشارك الفلسفة في تفكيك الاستبداد الديني والسياسي (11).

واذا كان لبعض الاخوة أن يقول أن فترة السبات الحضاري قد انتهت ببداية القرن العشرين مع حراك الافغاني، فهذا تفاؤل لان زمن الافغاني كان زمن تشخيص المحنة ولم يكن عصر انتاج البدائل الحضارية وحينما عاد الوعي تبين الفارق الحضاري بين بلداننا والغرب وصحيح ان زمن الافغاني – عبدة قد حفز العلماء على ممارسة الاجتهاد واعتماد المنطق، واحترام الجهد الفلسفي، لكن ذلك كله لم يكسر (دوامة السبات الحضاري) ولم يكمل التطلع العام لممارسة فعاليات النهوض فلماذا لم يحصل التقدم طالما تخلصنا من تراث التخلف

اقول: أن ظهور الافغاني لم يكن صيرورة وعي ذاتية انبعثت من داخل العقل العربي، بل جاءت رد فعل على امرين احدهما الاحتلال الغربي للعالم الاسلامي وسقوط الإمبراطورية العثمانية، وقد بقي الفارق الحضاري بين اوربا والعالم الإسلامي المشهد الصادم لجيل اوائل القرن الماضي لأنه وعي محنته بفعل خارجي وليس بفعل ذاتي والفعل الخارجي يستوجب رد فعل تركز في التشويه الذي سيق للمبالغة في نزعات العداء للغرب وحروب الهوية وتقليل اهمية التخلف، والفحص عن المثالب بينما الوعي الذاتي يتحسس المشكلة بذاته ويبحث عن علاجها من خلال الضاغط الشعوري والأدوات العلمية.

ان حراك الافغاني يرتكز على قطيعة محددة مع تراث التخلف بينما كان الهدف اقامة منظومة سياسية بديلة عن الدولة العثمانية وهي تمر بأكثر ازمنتها تدهوراً، لكن الافغاني لم يطرح مشروعاً متكاملا كالامام النائيني

أن قبول علماء القرن العشرين بالمنطق الارسطي، ومخالفة (اسلافهم) من أهل الفتوى والحديث في تحريمه جاء في الوقت الضائع إذ أن أوربا منذ أربعة قرون أكتشفت أن منطق ارسطو الذي هو (مناط القبول والرفض) غير نافع لأغراض الاكتشافات وانه ربما ينفع في تصحيح ما هو صحيح أو الاقرار بالصحيح من الفاسد منطقياً، وقد غادرته اوربا الى منطق الاستقراء والمنطق الرياضي، فكان المنهج الاستقرائي في القرن 16 على يد فرانسيس بيكون وبعده جون سيتوارت ميل وحينما لاحظوا أن الاستقراء لا يطبق على كل العلوم قاموا بتطوير المنطق التقليدي واخترعوا المنطق الرياضي (لغة الرموز) الذي حفز عليه جورج يول وبرتراند رسل وما نتج عن المنطق الرياضي من آثار على مخرجات الفلسفة التحليلية (12) ومنها ما ظهر عنه ديكارت (1656م) الذي رفض منطق ارسطو واعتبره منهجاً عقيماً وأسس للمنطق الرياضي وطبقه على العلوم (13) في حين لا تزال الدراسات الإنسانية عندنا تصر على منطق ارسطو.

أما من حيث القبول بالفلسفة وعدمها فان تيار الغزالي (تهافت الفلاسفة) فقد بقيّ مستمراً (عند الذهبي الذي يسميها العلم المهجور) وما ألفه شهاب الدين السهروردي في الرد على الفلسفة بالقرآن وما تعرضت له اسرة المتصوف عبد القادر الكيلاني وظهور كتابات ابن حزم وفتوى ابن الصلاح ت (643هـ) واوصل ابن تيمية العداء للفلسفة والمنطق الى اعلى رتب المواجهة في كتبه الرد على عقائد الفلاسفة، والرد على المنطق، اما سوسيولوجيا فان تهمة الاشتغال بالفلسفة تهون قبالتها تهمة الكفر والزندقة (14)

***

ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد

................................

(1) الذهبي: سير اعلام النبلاء 8/92.

(2) ظ: أبن نجيم المصري: البحر الرائق ص 288.

(3) ظ: الزركلي: الاعلام 1/92

(4) ابن الجوزي، المنتظم: 8/294.

(6) ابن الصلاح الشهرزوري، فتاوى ابن الصلاح 1/210.

لقد بلغ (العداء للعقلانية والمنهجية مداه عند ابن تيمية الذي الف في الرد على المنطق اليوناني، أو الرد على المنطقيين، وكتاب نقض المنطق).

(7) ابن الصلاح: الفتاوى 1/210.

(8) م. ن: 1/210.

(9) علي الشهراني: جهود علماء السلف في تقرير العقيدة ص 37.

(10) ظ محمود شاكر: العهد المملوكي ج7/68.

ابن الجوزي: المنتظم 8|295، أبن كثير: البداية والنهاية 4\ 77

(11) انور مغيث، عودة الفلسفة ص 172.

(12) oxford Com panionp.498

(13) نيقولا ريشر، تطور المنطق العربي، تعليق محمد مهران ط1 85 ص 320، ظ محمد مهران: علم المنطق.

(14)(14) جورج طرابيشي، مصائر الفلسفة بين المسيحية والاسلام ص 70-72.

 

بعض القراء الأعزاء افترض أن ما ورد في مقال الأسبوع الماضي يدحض حجة الذين أنكروا دور العقل في صناعة القيم، سواء أكانت دينية أم غير دينية. وقد ذكرت هناك أن العقل هو الذي مهد للإنسان طريق الإيمان، حين اكتشف التوحيد وانطلق منه لفهم الكون والطبيعة. فكيف اتكلنا على العقل في أعظم القيم وأعلاها، وأنكرنا دوره في الفرعيات وتفاصيل الحياة؟

إن التأكيد على محورية العقل وأهمية دوره لا يعني أن منكري هذا الدور جهلة أو متنطعون، فهم كغيرهم من أهل العلم، يتبعون منهجاً محدداً في الوصول إلى الحقائق، وعلى أرضية هذا المنهج أقاموا حججاً قد لا تُرضي مخالفيهم، لكنها ليست دون أساس. أقول هذا طمعاً في إقناع أصدقائي بالإنصاف، حين يجادلون بشأن فكرة أو يتخذون موقفاً. مجادلة الأفكار ليست حرباً مع المخالف. ومثلما أعطيتَ نفسك حقاً في تبني فكرة أو موقف من دون استئذان مخالفيك، فجدير بك - إن كنت محباً للعدل - أن تُقرّ لهم بالحق نفسه، دون نقص ولا تطفيف.

الذين أنكروا دور العقل في صناعة القيم الأخلاقية والدينية، لديهم نوعان من الحجج، بينهما تداخل واضح. النوع الأول خلاصته أن تلك القيم وظيفتها توجيه الإنسان نحو الكمال، فينبغي أن تصدر عن كامل... ونعلم أن العقل البشري ليس كاملاً ولا يدعي الكمال، فكيف يكون هذا الناقص صانعاً للقيم وميزاناً لقياس جودة الصناعة في آن معاً؟ هذا أشبه بجعل المدعي قاضياً، أو نظيراً لحبيب المتنبي الذي قال فيه: «فيك الخصام وأنت الخصم والحكم». هذه الرؤية شائعة بين الاتجاهات الدينية، التي تنادي بجعل تعاليم الوحي مصدراً وحيداً أو مرجعاً أعلى للقيم الدينية والأخلاقية. لكنهم يتساهلون في منح العقل دوراً كاملاً خارج هذا الإطار.

أما النوع الثاني من الحجج، فخلاصته أن عمل العقل يتسم - عموماً - بأنه تجريبي، يتعلم الصحيح بعد ارتكاب الخطأ. الحياة عموماً تجربة متصلة، تتألف من عشرات التجارب الصغيرة التي تشكل حياة الإنسان اليومية. أخطاء التجارب قابلة للاحتمال، ما دامت في إطار الحياة الفردية، أو حتى حياة عدد قليل من الناس. لكن هل يصح تحويل حياة البشرية كلها، أو حياة بلد بكامله، إلى موضوع لتجربة ذهنية أو مادية، يجريها شخص واحد أو بضعة أشخاص؟

كنت قد نقلت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي القصة التي ذكرها برنارد ويليامز، الفيلسوف المعاصر، عن «جيم»؛ الرحالة الذي وضعته أقداره أمام خيار مرير: إما يقتل شخصاً واحداً دون ذنب كي ينجو 19 من رفاقه، وإما يمتنع فيموت الجميع. أورد ويليامز القصة في سياق نقده الفلسفة النفعية التي تعدّ الفعل صحيحاً (أو عادلاً) إذا حقق منفعة أعظم لعدد أكبر من الناس، ولو تضرر جراءه عدد قليل أو كان الضرر بسيطاً. مثل هذه القصة يتكرر كثيراً في الحياة العامة. وتحدث عن نظيرات لها مايكل والزر في مقالته الشهيرة «الفعل السياسي: مشكلة الأيدي القذرة» وقد عرضنا لبعض ما ذكره في مقال سابق. كما تحدث عن الموضوع نفسه مايكل ساندل في محاضرة شهيرة بعنوان: «ما الذي يصح فعله». والحق أن مواجهة هذا الخيار ليست بالأمر الهيّن، لكنه يمثل تجسيداً لنوع من التجارب الحياتية التي يواجهها الناس يومياً في إطار حياتهم الخاصة، ويواجهها السياسيون والعلماء حين يخوضون تجارب يتأثر بها ملايين الناس.

تُرى ما الذي ينبغي للرحالة أن يختار؟ أعلم أن كثيراً من الناس سيختارون قتل فرد واحد كي تنجو البقية. لكن هل هذا هو الفعل الصحيح؟ مثل هذه التجارب العسيرة التي تتداخل فيها مبررات عقلية وعاطفية وإرادات متباينة، هي التي تدعو الإخباريين إلى إعفاء العقل من هذه المهمة وإيكالها إلى قوة أعلى يقبل الناس جميعاً بخياراتها. هذه القوة هي الخالق سبحانه، أو قانون الطبيعة، أو أي قوة أخرى لديها «مسطرة» واحدة لا ترجّح أحداً على أحد حين تختار.

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

مقاربة فقهية في ضوء التراث الإسلامي

يُعدّ موضوع الكدّ والسعاية من أبرز القضايا الفقهية التي تعكس عمق الشريعة الإسلامية في مراعاة العدالة الاجتماعية وحماية حقوق المرأة. فهذا المفهوم يرتبط بحق المرأة في جُهدها ومشاركتها العملية داخل الأسرة وخارجها، سواء في الفلاحة أو التجارة أو تنمية الثروة المشتركة. ورغم أنّ الكثير من الفقهاء القدامى قد اختلفوا في تحديد مدى إلزاميته، إلا أنّه يمثل اليوم مدخلًا مهمًا لإعادة التفكير في موقع المرأة داخل البنية الاقتصادية للأسرة والمجتمع، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي نعيشها.

لقد بُني هذا الحق على أساس فقهي معتبر، إذ استند إلى مقاصد الشريعة التي تروم تحقيق العدل ورفع الظلم. فالمرأة لم تكن مجرد مستهلكة في بيت الزوجية، بل كانت شريكة فعلية في الإنتاج وتحمّل أعباء الحياة اليومية. ومن هنا نشأ القول بوجوب الاعتراف لها بحق السعاية إذا ساهمت بعملها في تنمية أموال الزوج أو الأسرة. ويُعتبر هذا الاعتراف جزءًا من الوفاء بمقصد حفظ المال الذي لا ينفصل عن مقصد حفظ النفس والعِرض. فالشريعة في جوهرها ليست حصرًا على النصوص الجامدة، وإنما هي منظومة من المبادئ المرنة التي تستجيب للواقع.

وعندما نُسقط هذه الفكرة على واقعنا المعاصر، نجد أنّ النقاش حول حقوق المرأة الاقتصادية لا يزال يتجدد بأشكال مختلفة. فاليوم، تعمل ملايين النساء جنبًا إلى جنب مع أزواجهن أو أسرهن في المشاريع الزراعية والتجارية والخدماتية، ويساهمن في رفع مداخيل الأسر بشكل مباشر. ومع ذلك، قد تتعرض كثير منهن للإقصاء عند الطلاق أو وفاة الزوج، فلا ينلن نصيبًا عادلًا من الثروة التي ساهمن في بنائها. وهنا يظهر بوضوح أن تفعيل مبدأ الكدّ والسعاية ليس مجرد اجتهاد فقهي تاريخي، بل هو آلية قانونية وأخلاقية تضمن الاستقرار الأسري وتحقق العدالة الاجتماعية.

إنّ من أبرز تجليات هذا الحق أنه يُعيد تعريف العلاقة بين الزوجين باعتبارها شراكة متكافئة، وليست علاقة استهلاك من طرف واحد. فالزوجة التي تكدّ وتسعى وتعمل تستحق أن يُعترف بعملها كقيمة مضافة، لا كخدمة مجانية. وهذا الفهم ينسجم مع روح العصر التي تُطالب بالاعتراف بالعمل غير المأجور، وخاصة عمل النساء في الأسرة. كما أنّ هذا الطرح يفتح المجال أمام تطوير تشريعات أسرية تراعي واقع النساء اللواتي يتحملن أعباء مادية ومعنوية مضاعفة، فيتحقق بذلك مقصد رفع الحرج ومقصد تحقيق المساواة المنضبطة.

وإذا نظرنا إلى السياق العالمي، فإنّ النقاش حول العدالة الجندرية في توزيع الثروة يشغل حيّزًا واسعًا في المواثيق الدولية. غير أنّ ما يميز الفقه الإسلامي أنه سبق إلى الاعتراف الضمني بهذا المبدأ من خلال إقرار السعاية. فهذا يُظهر أنّ الشريعة ليست عائقًا أمام التطور الحقوقي، بل قد تكون مصدر إلهام لإرساء قواعد أكثر إنصافًا. ومن هنا فإنّ إعادة إحياء هذا الحق يمكن أن يسهم في تجاوز بعض الإشكالات المطروحة اليوم بشأن تمكين المرأة اقتصاديًا وحمايتها من التهميش.

كما أنّ اعتماد هذا الحق لا يقتصر على البعد المالي وحده، بل يتجاوز ذلك إلى بُعد رمزي وأخلاقي عميق. فالمرأة حين يُعترف لها بحقها في الكدّ والسعاية تشعر بكرامتها واعتبارها كشريك كامل في مشروع الحياة، وليس كعنصر تابع. وهذا الاعتبار يعزز التماسك الأسري ويحدّ من النزاعات المرتبطة بالمال والإرث، إذ إنّ الظلم المالي غالبًا ما يكون مدخلًا لتفكك الروابط الأسرية. وبالتالي، فإنّ تطبيق هذا المبدأ يمثل استثمارًا طويل الأمد في استقرار الأسرة والمجتمع.

ولا يمكن إغفال أن الفقهاء الذين تناولوا هذه المسألة لم يكونوا بعيدين عن واقعهم الاجتماعي، بل كانوا يتلمّسون حلولًا لمشاكل حقيقية تعيشها الأسر المسلمة. وهذا ما يجعلنا اليوم مدعوين إلى قراءة اجتهاداتهم في ضوء التحديات الجديدة. فإذا كان الماضي قد شهد نقاشًا فقهيًا حول عمل المرأة في الحقول والمشاريع العائلية، فإنّ الحاضر يشهد عملها في الشركات والوظائف الرسمية والاقتصاد الرقمي. وهذا يفرض إعادة تأويل مبدأ السعاية بما يضمن اتساعه ليشمل صور العمل المستحدثة التي تقوم بها المرأة داخل الأسرة وخارجها.

وفي هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ إعادة إحياء حق الكدّ والسعاية يحتاج إلى جهد تشريعي ومؤسساتي يترجم المبادئ الفقهية إلى قوانين عملية. وهذا يتطلب إدماج هذا الحق في مدوّنات الأسرة، وإيجاد آليات قانونية لتوثيق مساهمات المرأة المادية والمعنوية في تنمية أموال الأسرة. فغياب التوثيق غالبًا ما يؤدي إلى ضياع الحقوق، بينما يُعتبر التوثيق أحد مقاصد الشريعة لحماية المصالح وتجنب النزاع.

إنّ الموازنة بين النصوص والمقاصد في هذه القضية تبرز لنا حيوية الشريعة وقدرتها على التجدد. فالتشدد في الاقتصار على ظاهر النصوص دون اعتبار للمقاصد قد يؤدي إلى ظلم بيّن للمرأة، وهو ما يناقض مقصود الشرع. بينما الاجتهاد المنفتح على الواقع والمقاصد يُمكّن من استنباط حلول أصيلة تراعي التحولات الاجتماعية وتُحافظ على أصالة المرجعية الإسلامية. وهذا المنهج هو الكفيل بجعل الشريعة مصدر عدالة حقيقية في حياة الناس.

ويجدر التنويه إلى أنّ قضية المرأة، بما في ذلك ما يتعلق بحقها في الحرية والمسؤولية، وكذلك حقها في الكدّ والسعاية، لم تكن غائبة عن المدونات الفقهية القديمة ولا عن الدراسات المعاصرة. فقد تناولت المدونة الكبرى للإمام سحنون إشارات إلى عمل المرأة في المال المشترك، كما خصّص الونشريسي في المعيار المعرب فصولًا لبحث المسألة ضمن اجتهادات المالكية في المغرب والأندلس. وفي العصر الحديث، جاء كتاب البشاري محمد حق الكدّ والسعاية: مقاربات تأصيلية لحقوق المرأة المسلمة ليعيد قراءة هذه المسألة من منظور مقاصدي وحقوقي، كما نجد إشارات متفرقة في كتب الأسرة مثل فقه الأسرة لعبد الكريم زيدان. ولا يقتصر الاهتمام بالموضوع على الإنتاج العربي والإسلامي، بل نجد دراسات أجنبية قارنت بين الفقه الإسلامي والمقاربات الحقوقية المعاصرة، مثل كتاب Women and Property in Morocco لـ Susan Gilson Miller، وكتاب Gender and Justice in Muslim Family Law لـ Ziba Mir-Hosseini، فضلًا عن أبحاث متخصصة في قضايا المرأة والعدالة في الفقه المقارن.

إن إدراج هذه الأدبيات في النقاش يُظهر أن موضوع المرأة في الإسلام، بما فيه الكدّ والسعاية، لا يزال مجالًا خصبًا للبحث والتطوير، بما يربط بين التراث الفقهي والواقع المعاصر، ويجعل من إعادة النظر في هذه الأحكام خطوة أساسية لتحقيق توازن بين أصالة المرجعية وحاجات العصر.

وعليه، فإنّ الحديث عن حق الكدّ والسعاية اليوم ليس مجرد استرجاع لمسألة فقهية قديمة، بل هو نقاش حول جوهر العدالة الأسرية والاجتماعية. وضمن التحولات الاقتصادية وزيادة الضغط على النساء، يصبح الاعتراف بهذا الحق تجسيدًا لمبدأ إنصاف المرأة وتمكينها من موقعها الحقيقي. كما أنه يرسخ ثقافة الشراكة داخل الأسرة ويُعيد الاعتبار لمفهوم المسؤولية المشتركة، وهو ما تحتاج إليه مجتمعاتنا بشدة لمواجهة التحديات الراهنة.

***

د. هدى لحكيم بناني

بدون دور الشباب المتعلم سيعتاد ابناء المجتمع على تقبل ما تعرضه المحتويات الهابطة والتافهة على انها مادة ثقافة العصر، وهو ما يهدّد ويهدم بناء المجتمع ويحول دون تمكنه ثقافياً، خصوصاً عندما يتطور عمل تلك المحتويات السيئة ليقدّم اشخاصاً على انهم من المثقفين ومن حملة الشهادات العليا .. يحاولون من خلال محتوياتهم السيئة غير المباشرة النيل من رموز وشخصيات ثقافية وتاريخية ودينية، لها حضورها المعنوي الايجابي في وجدان الناس، بهدف زعزعة اطمئنان البسطاء منهم بتعريض ثقتهم برموزهم التاريخية والثقافية الى الضعف الذي من شأنه ان يسهّل على تلك الأجندات السيئة إعادة تشكيل المحتوى الثقافي للناس بما يخدم مشاريعهم السياسية والإقتصادية والثقافية التي لا يبدو من خــلال الـعـقــديــن الـمــاضــيــيــن مـنـذ بـدايـة الـقـرن الـواحــد والــعــشــريــن انــهــا

مشاريع انسانية هادفة، قدر ما يبدو عليها انها مشاريع تجارية اقتصادية مادية تستثمر في كل شيء حتى انسانية الانسان وثقافته وتراثه ودينه وتاريخه .. فمن خلال الامتيازات التي تتيحها شركات منتجة للتقنية الرقمية عبر تطبيقاتها تسمح فيها لمستخدميها بجني الأموال من خلال تقديمهم محتويات تحظى بأعداد كبيرة عدد من الاعجابات والمتابعات بغض النظر عن طبيعة تلك المحتويات، الأمر الذي حفّز كثيرين من ذوي الرصيد الحياتي والتعليمي والتثقيفي القليل، على تقديم محتويات إن لم تكن سيئة، فهي غير نافعة .. وبسبب الرصيد الثقافي والتعليمي القليل لكثير من الناس فقد اخذت تظهر على الساحة شخصيات تافهة، او غير مؤهلة لأن تكون في الواجهة، اخذت تتحول الى ( ترند ) أي الى شخصيات لها شعبيتها ومتابعيها ومقلديها، واخذوا يجنون أموالاً واربحاً من نشر محتوياتهم تلك، وعندما يمتلك هؤلاء المال والشعبية، ستتمكن اجندات المشاريع الخاصة من تمرير ما تريده من خلال هؤلاء، دون ان يمتلك المتلقي رصيداً كافياً يؤهله لمعرفة الجيد من الرديئ، والصح من الخطأ، والحقيقة من الوهم .

في السابق جاء الإهتمام بإنتاج السلعة من أجل استخدامها، ثم صار الإهتمام بانتاج السلعة من أجل بيعها، ثم من أجل بيع اكبر عدد ممكن منها، ثم من أجل استمرار انتاج السلع واستهلاكها من اجل المزيد من كسب المال .. وكان كسب المال في السابق من أجل تلبية الإحتياجات، ثم صار كسب المال من أجل المال فقط، ثم من أجل النفوذ والسلطة، ومن هذا صار إنتاج السلع من أجل التحكم بالمستهلك، لأن مشاريع الاقتصاد الصناعي العالمي صارت تبحث وتستثمر في مجالات اوسع من التجارة والصناعة، فتوسعت الى الاستثمار في الثقافة أيضاً، وجاء هذا النوع من الإستثمار على حساب طبيعة الفرد والمجتمع .

***

د. عدي عدنان البلداوي

 

في المثقف اليوم