قضايا

أرجو ألا توضع هذه المقالة في سياق ما تعودناه من رواية الإعجاز والعجائبيات، وأن فقهاء الإسلام الأوائل تفوقوا منذ أربعة عشر قرناً على دوركهايم وسارتر ومونتسكيو وغيرهم من فلاسفة السياسة العالميين، بل هي مقاربة لوعي فقيه عاش في القرن الثامن الميلادي وقدم قراءة متفوقة سبقت عصره بعدة قرون.

إنها جملة مقاربات مدهشة في وعي هذا الإمام الجميل، تركت لدي انطباعاً بوعي متقدم في إدارة المجتمع والدولة، لم تنل حظها من الدراسة والاعتبار.

وبعيداً عن الصورة التبجيلية التي نرويها للإمام مالك عليه سلام الله، في هيبته ووقاره وتقديسه لحروف الرواية وأسانيدها، وهي الأدوات التي كان يستخدمها رضي الله عنه في طريقته التربوية والتعليمية، فإن هناك جانباً من الوعي السياسي التشريعي تفرد به الإمام مالك.

والفكرة المقصودة هنا هي قوله بإجماع أهل المدينة، فقد انفرد الإمام مالك بتأصيل بالقول بذلك في مواجهة الإجماع الشامل الذي ذهب إليه الفقهاء.

ومن المعلوم أن الإمام مالك كان يرى إجماع أهل المدينة مقدماً على السنة إذا رواها الآحاد، وفي كتابه الموطأ وردت عبارة: النص صحيح وليس عليه العمل أكثر من سبع عشرة مرة في كتاب الموطأ.

والقول بإجماع أهل المدينة يقتضي في الوعي السائد أن ما ذهب إليه أهل المدينة هو الأقرب لروح الشريعة، حيث المدينة هي مرقد الرسول وذكرها مسطور في القرآن وفضلها معلوم في السنن، وكذلك فهي المفضلة عقلاً نظراً لما كانت المدينة تعنيه من مخزون الحكمة والنبوة وميراث الرسالة، حيث أبناء الأنصار الذين دعا لهم رسول الله بالخيرية.

من وجهة نظري فإن تعليل إجماع أهل المدينة بفضائل المدينة ومآثرها، فيه ظلم لفقه هذا الإمام الجليل ووعيه، واختزال لوعي تشريعي عميق، في مسألة عجائبية ترتبط بالمكان والزمان وليس بالوعي التشريعي.

قناعتي ان الإمام مالك قصد بإجماع أهل المدينة التأصيل للفقه المحلي، والدعوة إلى إصدار تشريعات متعددة تتناسب مع كل بيئة وجغرافيا.

إنه ليس مجداً لأي دستور ولا تشريع أن يكون صالحاً لكل زمان ومكان، إن الأمكنة تختلف والأزمنة تختلف، والحوادث لا تتناهي وما يتناهى لا يضبطه ما يتناهى، وعلينا أن نقدم الفتاوى لكل بلد على وفق ما يراه فقهاؤه وعلماؤه وخبراؤه، وليس هناك وصفة عجائبية تصلح لكل زمان ومكان، وستعزز هذه الفكرة المواقف الآتية للإمام مالك:

الأول: القصة المشهورة عن لقائه بأبي جعفر المنصور، فقد وصف الرواة جميعاً هذا اللقاء الكبير، والدهشة التي أصابت أبا جعفر من علم مالك وفقه مالك، وقد سحر الخليفة العباسي الكبير بحفظ مالك وعلمه، وطلب إليه كتابه الموطأ ليفرضه على الأمصار، وقال: يا أبا عبد الله دعني أجعل العلم علماً واحداً، إنني أُريد أن أنسخ من كتابك هذا نسخاً، ثم أكتب إلى الآفاق فأحملَهم على كتاب "الموطأ"، حتى لا يبقى أحد يخالفك فيه، فلا يفتى إلا بما فيه! فإنني رأيت أصل العلم رواية أهل المدينة وعملهم.

لقد كانت فرصة نادرة يعرضها عليه أبو الدولة العباسية والمؤسس الحقيقي وجد الخلفاء القادمين لخمسة قرون تالية، ووفق اقتراح الخليفة فإنه سيكون للمسلمين في كل مكان في العالم كتاب الله وموطأ مالك، ويا لها فرصة من ذهب يتمناها كل باحث وفقيه، حيث ستحمل الخلافة نفسها مسؤولي نشر علمه في الناس!..

ولكن الإمام مالك تأمل قليلاً في كلام الخليفة ثم قال بدون تحفظ: كلا يا أمير المؤمنين! إن أصحاب رسول الله تفرقوا في الأمصار وقد حدث كل بما سمع، واتبعهم الناس، وقد رأى كل فريق أن قد اتبع متبعاً!

وفي رواية أخرى قال مالك: يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وإنّ ردَّهم عما قد اعتقدوا شديد، فَدع الناسَ وما هم عليه، وما اختاره أهلُ كل بلد لأنفسهم، فقال أبو جعفر: لعمري لو طاوعتَني على ذلك لأمرتُ به.

وقد أعجب الإمام أحمد بموقف مالك وقال: هكذا ينبغي أن يصنع كل من نال من سلطانه إقبالًا عليه من أكابر أهل العلم من أهل السنة والجماعة، ولا يشتغل بالتعصب، وإعداء السلطان على من خالف اجتهادُه اجتهادَه.

الثاني: صدور الكتاب عن شورى وإجماع في أهل المدينة وليس عن رأي فردي، قال مالك: عرضت كتابي هذا على سبعين فَقِيهًا مِنْ فقهاء المدينة فكلهم وَاطَأَنِي عَلَيْهِ فَسَمَّيْتُهُ الْمُوَطَّأَ.

الثالث: دعوته أهل كل مصر للاجتهاد فيما يخصهم ويعنيهم، وهو ما أوضحه بدقة لأبي جعفر المنصور بقوله: إن لأهل هذه البلاد قولًا ولأهل المدينة قولًا ولأهل العراق قولًا ولأهل الشام قولا!.

ويبدو أن أبا جعفر كان سيء الظن بأهل العراق فقال لمالك: أما أهل العراق فلست اقبل منهم صرفًا ولا عدلًا، وإنما العلم علم أهل المدينة فضع للناس العلم!

ومرة أخرى كان جواب الإمام مالك الرفض والتنبيه أن الفقه في العراق للعراق وفي الشام للشام وفي الحجاز للحجاز، وقال بصراحة يا أمير المؤمنين إن أهل العراق لا يرضون علمنا، ولا يرون في علمهم رأينا، فقال ‌أبو ‌جعفر إذن يضرب عليه عامتهم بالسيف وتقطع عليه ظهورهم بالسياط !!

ولكن هذا العرض الاستبدادي المستفز كان دليلاً آخر للإمام مالك أن يرفض الفكرة برمتها، ويجدد دعوته لدعم الفقه المحلي وفق حاجات كل بلد وظروفه.

ويبدو أن الأمر تكرر بعد ذلك في عهد الخليفة المهدي ابن المنصور الذي طلب الأمر بصيغة أخرى حيث أراد كتاباً جامعاً لسائر بلاد الخلافة، وأرسل لمالك في طلب لك، فكان جواب الامام مالك: أما هذا الصقع يعني الحجاز، فقد كفيته وأما الشام ففيه الأوزاعي وأما أهل العراق

الرابع: موقف الإمام مالك من فتاوى الأمصار، فقد كان يفتي في كل شاردة في المدينة، حتى قيل أيفتى ومالك في المدينة؟، ولكنه كان يعتذر عن أسئلة أهل الأمصار، وكان يرى ان فقهاء كل مصر أولى بمسائل قومهم، وفي القصة الشهيرة أن وفداً من العراق جاءه في أربعين مسألة فأفتى بأربع وسكت عن ست وثلاثين!

الخامس: دعوته لاحترام اجتهاد العلماء والفقهاء في قضايا أقاليمهم، واحترام ما وصلوا إليه بغض النظر عن موافقته لهم أو مخالفتهم، وفي عبارة تكررت عند أبي نعيم أن مالكاً قال للمنصور: إن الصحابة تفرقوا في الأمصار ونشروا علمهم واختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان، وكلٌ بما اجتهد فيه مصيب!

وقال القاضي أبو بكر: إن مذهب ‌مالك أن كل مجتهد ‌مصيب، واستدل على ذلك بأن المهدي أمره أن يجمع مذهبه في كتاب يحمل الناس عليه، فقال له ‌مالك رحمه الله: "‌إن ‌أصحاب ‌رسول ‌الله صلى الله عليه وسلم قد تفرقوا في البلاد، وأخذ أهل كل ناحية عمن وصل إليهم، فاترك الناس وما هم عليه"، فلولا أن مالكًا رأى أن كل مجتهد ‌مصيب؛ لما جاز أن يقرهم على ما هو خطأ عنده، وبه قالت المعتزلة من البغداديين، وقد روي عن أبي حنيفة الأمران جميعًا، وكذلك فقد روي الأمران جميعًا عن أبي الحسن الأشعري، وقال المعتزلة البصريون: كل مجتهد ‌مصيب.

السادس: اشتهر عن الإمام مالك أنه كان لا يحب الأرأيتية، وهم الذين يسألون افتراَضاً لمسائل لم تقع، فيقولون: أرأيت لو وقع؟ أرأيت لو كان؟ فكان مالك يقول دعوها لعالم زمانها، وفي الواقع فإن هذه العبارة على اشتهارها عن مالك لم ترد بنصها في أي كتاب معتمد، وقد رويتها لك وأتحفظ على إسنادها، ولعل من يقرؤ هذا يسعفنا بسند عنها، وإلا فهي في حكم المشافهات والله أعلم

وبعد فقد لا تبدو هذه المواقف الستة كافية للجواب على سؤال المقالة، ولكنها بكل تأكيد تصب في غايتها، ويمكننا دون تحفظ القول بأن الإمام مالك كان واعياً بجملة أمور:

- استحالة فرض قانون واحد على كل أمصار المسلمين، بل يجب اعتبار الاجتهاد المحلي، وأهل مكة أدرى بشعابها.

- دعوته الواضحة للاكتفاء بإجماع أهل المدينة مصدراً تشريعياً لأهل الحجاز، فيما استمر في دعوته لأهل كل مصر أن يجتهدوا في مصالح الناس، وصولاً إلى إجماع أهل الشام للشام وإجماع أهل العراق للعراق، ، وهكذا في كل مصر.

- رفضه القاطع لفرض الرأي عبر السلطة مهما رآه صواباً

- رفضه القاطع لاستغلال السلطة لإعداء الناس بعضهم على بعض

- دعوته الواضحة لإنتاج فقه مناسب لكل بلد على يد فقهاء البلد أنفسهم

بالطبع ليست هذه الإشارات كافية لتقديم نظرية متكاملة عن وعي الإمام مالك بالبرلمان الوطني، ولكنها تأسيس لبحث علمي جاد، يستند إلى منزلة هذا الإمام الكبير للوعي بالحاجة إلى كتابة فقه وقانون لكل بلد في إطاره الوطني والتوقف عن طرح وصفات جاهزة لكل زمان وكل مكان.

***

د. محمد حبش

 

قبل أن نغوص في أعماق الفكر المعاصر، والتدوين العربي الجديد، جميلٌ أن نتوقّف قليلاً لنتأمل واقع المثقف العربي الذي يُعاني كثيراً من التهميش والإحباط، بسببٍ رئيسي يتجلّى بغياب مشروع النهضة القومية الخاصّة بالأمّة، وبالتالي غياب أي مشروعٍ حضاري أو ثقافي عربي مشترك.

الواقع الذي يعيشه المثقف أو المفكر العربي يُدركه الجميع، فهو ليس بمعادلةٍ كيميائية أو فيزيائية مُعقّدة، بل حتّى أبسط المتابعين والذين هم من خارج الوسط الثقافي والفكري يُدركون تماماً أن الواقع الثقافي والفكري في تراجعٍ ملحوظ، وينحدر رويداً رويداً نحو الهاوية.

نعم هناك متحدّثون عن خططٍ ومشاريع ثقافية، وقد أكون أحدهم، ولكن هذه الخطط أو المشاريع لا تعدو إلاّ محاولات فردية، وكل الأبجدية التي نتحدث من خلالها ما هي إلآّ من باب التمنّي ليس إلاّ، لأن الواقع يحتاج إلى تكاتفٍ فاعل وجاد وجهدٍ جماعي عربي، ومؤسساتي من أجلِ أن نقول بأننا نخطو الخطوة الأولى السليمة نحو الأفضل، أو نحو برّ الأمان.

فلو كانت الأوضاع على الساحةِ العربية شبيهة بأوضاعها في منتصف القرن الماضي، أعتقد لكانت العملية أسهل وأيسر، لكن منذ حوالي نصف قرن اختلطت الأمور واختلف الواقع الذي نعيشه كثيراً، فهناك تأثيراً وتأثّراً بالثقافة الغربية التي تسللّت حتّى إلى منازلنا وغرفِ نومنا، مع كاملِ اعترافنا بأن الأجهزة الإعلامية والثقافية العربية لعبت دوراً كبيراً في تفكيك الكيان الفكري والتعليمي والتربوي والثقافي العربي.

حيث أن أرضية التفاعل الفكري والثقافي العربي الآن هي أرضية هشّة، وهذا لا يعني نهائياً بأن التقصير من الجانب الأدبي أو الثقافي أو الفكري، بل التقصير وقولاً واحداً هو من جانب السلطات العربية العليا المسؤولة على إدارة هذا المنحى.

 حتّى في مناحٍ أخرى هناك تهميش مفتعل من قبل السلطات على نشاطات اقتصادية بعينها، أو تجارية، حتّى أفراحنا بحاجةٍ إلى موافقةٍ مُسبقة، وهذا يؤكّد بأنه من أجل أن تكون هناك إمكانية للتفاعل الفكري والثقافي العربي لا بُدّ أولاً من إعادةِ النظر في كلّ خطاباتنا السياسية والإعلامية والتربوية والثقافية والاقتصادية والدينية، كي تكون هناك إمكانية فعلية لنشاط المجتمع العربي في مختلف مجالاته.

والمقصود هنا هو لفت الإنتباه إلى أن كل تقصير على الساحةِ العربية مردّه إلى قرارات سياسية سلطوية.

نحن عشنا خلال نصف القرن الماضي حالة صراعٍ بين الحداثة والأصالة، آخذين بعين الاعتبار بأن أغلبية ذلك الصراع كان مُفتعلاً، فالحداثة هي شيء طبيعي جداً، وعند كلّ الشعوب، لكن عندما نختلف وبعناد حول الحاضر والماضي، فإننا وقولاً واحداً سنخسر المستقبل، هناك شعوب شهدت حداثة قوية في مجتمعاتها، لكنها لا تزال تتمسّك بثوابتها وقيمها، وتتغنّى بتراثها الأصيل الذي تعتبره خطاً أحمراً أمام الجميع.

نحن ما يقلقنا هو التبعية والتي تتمدد أخطارها لتصيب كل جانبٍ وكلّ مجال، وغياب الديمقراطية على الساحة العربية تعني بأن المعّول الفاعل على أرضية الأمّة هو معول السلطان.

الجهاز الإعلامي على الساحة العربية يحتكر ويُشوّه كل الأمور، يحتكر الرأي والتعبير والتدوين، وكلّها أجهزة روتينية، لا تملك التعبير عن رأيها، لأنها أسيرة مراكز القرار، وهدفها الأساسي هو التمجيد وعلى الدوام بالسلطان وبمن حوله الذين يملكون القرار.

 في منتصف القرن الماضي كنّا نقرأ كُتباً تتناول حرية الرأي والتعبير، وحقوق الإنسان، وكلّها كانت تضع المواطن والوطن في المقام الأول، لكن بعد تلك الآونة، وجدت الأجهزة الحاكمة الجديدة بأن بقاء الأمور على ما هي عليه يؤثّر سلباً على بقاء القرار بيدها، وخوفاً من خروج الواقع عن السيطرة، بدأوا يُروّجون شعارات " سلامة الأمّة " و" سلامة الأمن العام " و" الإنضباط "، بهدف الحفاظ على الفساد السياسي والحكومي العام.

وهكذا تمّ إفراغ هذا المحور بكامله من محتواه، وتمّ فرض الرقابة على كل شيء، من أجل أمن الوطن واستقراره كما روّجوا.

وتم اعتقال الكتّاب وأصحاب الرأي الحر والمدونون، لأن معظمهم كانوا " إنسان " واضحون، صادقون بكل كلمةٍ يخطّونها.

 إن المؤسسات الإعلامية والثقافية العربية الفاسدة ترتدي ثوب الأيديولوجيا المشبوه الذي يُبرر كل الأفعال والمتغيرات من خلال شعاراتٍ يتم من خلالها استقطاب البسطاء من أبناء الشعب، آخذين بعين الاعتبار بأن الدول الأخرى تلتزم بايديولوجيتها بعيداً عن الزيف أو التلاعب، حيث أن الوضع في بلادنا العربية مختلف، لأن الأيديولوجيا عندنا عبارة عن رداء ليس إلاّ، وهناك فوارق كبيرة بين النظرية والممارسة على أرضية الواقع.

 فبين أجنحة الأيديولوجيا عند العرب يوجد الجمود وعدم الرغبة بالتطور، ومحاولة إبقاء الحال على ما هو عليه، والتمسّك بالنموذج المعمول به، وفي هكذا حالة نفتقد الإبداع، نفتقد الفكر الإيجابي، والثقافة والبلاغة والتجديد والسياسة والاقتصاد.

ولو تأمّلنا جيداً في تاريخنا نجد أن مفهوم البلاغة يفتقد أي علاقة بالمفهوم الفكري ضمن البيئة التي نمت فيها، بينما كانت وثيقة الصلة بالأصول وعلم الكلام والنحو والمنطق.

إنّ الإنسان السوي مُكلّف بالاجتهاد وتجديد المفاهيم في حياته ومحيطه وفي البيئة التي يحياها، وفي الوطن والأمّة.

لكن الأمّة الآن في حالةِ إنهيار وتردٍ، ولعلّها لم تشهد حالة تفكك وتقزّم كما هي عليه الآن، وهذا التردّي هو شامل وعام، لا استثناءات فيه، لذلك من الضروري أن تكون هناك صحوةٌ توقظ الجميع قبل فوات الأوان، لا بُدّ من تحرير العقل العربي وإعادة بناء فكر وثقافة الأمّة، كي نستطيع أن نُعيد للأمّة مكانتها ودورها التاريخي والثقافي والفكري، كي تُكمل مسيرتها على أُسس واضحةٍ وسليمة مع الحفاظ على التعدد والتنوّع الذي ذخرت به ثقافياً وحضارياً وتاريخياً. طبيعة الاستشراف عند الإنسان لا تتحقق لأي كان، لأنها صفة تنطبع في ذاكرة المبدعين الذين يتخطّون الواقع ليحلّقوا في عالم من الاستشراف يستمدونها من خلال معطيات الواقع، فترتد عليهم صوراً استشراقية معاصرة تُنبّىء بما يمكن أن يحصل في المستقبل الإبداعي، المثقف والمبدع هو الذي يتحد مع ذاته فيرى في مجتمعه ووسطه ما لا يراه عامّة الناس.

فيرى عدم إمكانية بذل الجهود الإصلاحية بسبب هيمنة الجمود والروتين الممل على فكر وثقافة الأمّة، وانتشار مظاهر الاستبداد والظلم وقمع الحريات والكلمة الحرّة، وعدم توحّد رؤى الإصلاح والتغيير، لكونها محكومة بتبعات مرجعية تختلف رؤاها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

 الاستعمار الحديث اكتفى بموضوع التبعية لكافة بلدان المنطقة، وصادر منها قرارها السياسي والثقافي والفكري والعسكري والاقتصادي فمات الإبداع والتطور.

 لذلك نحن بأمسِ الحاجة إلى تجديد الإبداع الثقافي والفكري، والأمّة ليست بحاجةٍ إلى الخروج عن الرؤية الكلية التي تُحدد مسيرتها وخصائصها ومكوناتها ومقوماتها. الإبداع هو شمول واستيعاب بشكلٍ مُجرّد، وهو الذي يرصد كل التحديات لمختلف مناحي الحياة، وهو الذي يطرح بل ويؤسّس لكل البدائل الحضارية والثقافية والجمالية وسواها، وهو الذي يُحرّض العقل العربي الذي يرفض الرتابة والانحباس والصمت، وهو الذي يتراجع أمام الغزو السياسي ومصالحه الفئوية.

فمن خلال الرؤية السليمة، فإن ما يعنينا في المقام الأول هو الإنسان، الذي يملك الوعي والعقل والممتلك مناهج معرفية لا يمكنها أن تستمر بدون هدفٍ تروم إليه. لذلك فإن مفاهيم الفكر المعاصر تُقيّم الإنسان ونصوصه إن كانت دراسات أدبية أو لغوية أو نقدية، وهذا التقييم النقدي ينبثق من خلال أُسس فلسفية وفكرية تتناول كل شيء شكلاً ومضموناً.

إنّ النقد المعاصر يغوص في ماهيّات الأمّة والأجيال أو شخصيات في الجانب التاريخي، ويعمل على تفسير خصائصها وتحوّلاتها وتطوراتها، ويُفنّد الفوارق تماماً بين أدباء العصر الواحد، في بيئةٍ واحدة، ومن شأن ذلك أن يجعل من النص وثيقةً مهمة.

وفي الجانب الاجتماعي الذي انبثق من الجانب التاريخي، يؤكّد الفكر المعاصر، والنقد المعاصر أن " الفن للفن " ويؤمن بالأدب الملتزم والهادف، والذي يخدم المجتمع والإنسان، وهو من المناهج الأساسية في الدراسات الأدبية والنقدية.

وبالتالي هو فكر معاصر، ومنهج يُوثّق الأمور ويربطها بشكلٍ جيد، ليضعها بين طرفي الأدب والفكر والمجتمع، بحيث يكون الأدب هو الممثّل للحياة على مستوى الجماعة أو الجمهور، والمجتمع هو المنتج الأساسي والراعي للأعمال الأدبية، والمتلقي هو الحاضر في ذهن الأديب، وهو وسيلته وغايته في آنٍ واحد.

ووفق الفكر الماركسي فإن نتيجة التطور الاقتصادي أو السياسي أو الثقافي وارتباطه بالتطور الإبداعي الأدبي لا تظهر مباشرة، بل تحتاج لمرور أجيال وعصور حتّى يتفاعل الأدب مع ظواهر التطور المختلفة ويكتسب القوّة منها.

وفي مجال المنهج الاجتماعي فهناك اتجاهان، الاتجاه الكمّي، الإتّجاه الجدلي، ولكن في الفكر المعاصر والنقد الحديث لم يكن لهذا المنهج روّاد مقتنعون به، يربطون بين الإنتاج المادي والإنتاج الأدبي.

وهناك المنهج الأسلوبي فإنّه يحتوي على الاسلوبية التعبيرية، والأسلوبية البنائية، والأسلوبية الأدبية، والأسلوبية اللغوية، والأسلوبية الاجتماعية، وأسلوبيات أخرى مثل الصوتية والوظيفية.

وهناك مناهج عديدة حديثة، وكلّ منها أسلوبه الخاص في معايرة الخطوات، وكل المناهج المعاصرة تعتمد على آليات عمل ووسائل وأدوات يطبّقها الناقد على النص من خلال خطةٍ واضحة للمدخلات والمخرجات والخطوات.

إنّ حاضرنا العربي لا يزال هشّاً، يطمح إلى تحقيق لحظةٍ نهضوية، وهذه النهضة لا تتحقق من خلال اعتمادنا على تراث غيرنا، فالنهضة ليست سلعة كي نستوردها، بل هي نتاج انتظام الجماهير في مشروعٍ نهضوي تنويري يُحقّق نهضة كل المجالات الثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ولا بُدّ من طرح السبل والوسائل لتحقيق هكذا هدف، من خلالِ برنامج عملٍ متكامل يُعبّر عن رأي وطموح المواطن " الإنسان " دون أي وصايةٍ أو إملاء.

***

د. أنور ساطع أصفري

التعريف المفهومي للكومنتاريا وأساسها المعرفي

تُعرَّف الكومنتاريا بأنها ممارسة معرفية مُقاوِمة. نشأت كرد فعل على هيمنة رأس المال الرقمي الذي يصوغ السلوك والذائقة العامة عبر الخوارزميات. إن هذا السياق يعرّض المثقف لخطر "الاستلاب الرقمي"، حيث تُحوَّل المعرفة إلى سلعة ويُحوَّل المثقف إلى مجرد مستهلك للرمز، لا منتج له.

يكمن الدور التحويلي للكومنتاريا في سعيها لإعادة ترميز الواقع وإنتاج أدوات تحليلية جديدة تستعيد موقع المثقف كفاعل رمزي مستقل.

تتميز الكومنتاريا بخصائص تجعلها تتجاوز الأدوار المؤسسية التقليدية للمثقفين:

أولاً: ممارسة لا مركزية، لا تنتمي إلى مؤسسة محددة، بل تتشكل عبر التفاعل الحر في فضاءات متعددة.

ثانياً: متعددة الوسائط، تستخدم النص والمنصة والصوت والصورة والرمز، وتتحرك بين التحليل والتفاعل.

ثالثاً: جدلية، لا تكتفي بالتفسير، بل تعيد إنتاج الأسئلة وتفكك المسلمات.

رابعاً: تحويلية، تسعى إلى تحويل المعرفة إلى فعل، وإلى إعادة دور المثقف كمنتج للوعي.

إن تعريف الكومنتاريا ليس مجرد وصف لوضع قائم، بل هو في جوهره اقتراح تحويلي. يهدف إلى تحويل وظيفة المثقف من حالة الاستلاب الرقمي (الناتجة مباشرة عن الهيمنة الإمبريالية على التكنولوجيا) إلى حالة الفعل الرمزي المستقل. وعليه، فإن نشأة هذا المفهوم تعكس أزمة أوسع في دور القيادات التقليدية وغياب تأثيرها في توجيه المجتمعات نحو مسارات بديلة.

مفهوم "فائض الوعي" كآلية استغلال/مقاومة

في التحليل الماركسي، يقوم فائض القيمة على تقسيم يوم العمل إلى جزأين: وقت العمل الضروري (الذي ينتج قيمة السلع اللازمة لإعادة إنتاج قوة العمل)، ووقت العمل الزائد. وهذا العمل الزائد هو جوهر الاستغلال الرأسمالي التقليدي.

في سياق الكومنتاريا والرأسمالية المعرفية، يشير فائض الوعي إلى قدرة المثقف على إنتاج معرفة تتجاوز الحاجة المباشرة، وتعمل على إعادة تشكيل الذائقة العامة. هذا الفائض الرمزي الهائل هو ما يسعى رأس المال الرقمي لاستغلاله وتحويله إلى قيمة تجارية قابلة للقياس (مثل البيانات، والتفاعل، وتوجيه السلوك الاجتماعي والسياسي). فالهدف الأساسي للرأسمالية الرقمية هو صياغة الذائقة والتحكم في السلوك عبر الخوارزميات، وهذا يمثل استغلالاً معرفياً مباشراً. تحاول الكومنتاريا استرداد هذا الفائض المستغَل وتحويله إلى وعي تحويلي، ما يضعها في موقع طبقة تقاوم شروط وجودها الاقتصادي والمعرفي في آنٍ واحد.

التناقض الكامن في اللامركزية الرقمية

على الرغم من أن خاصية اللامركزية وتعدد الوسائط التي تتمتع بها الكومنتاريا تُعتبر ميزة مقاومة ضد السلطة المؤسسية التقليدية، إلا أن هذه الخاصية ذاتها قد تمثل نقطة ضعفها الأكبر في سياق رأسمالية المراقبة. اللامركزية تعني عملياً غياب جهاز تنظيمي موحد أو مؤسسات ضامنة. في ظل سيطرة المنصات على فضاء الصراع الرمزي، فإن العمل اللامادي (الإنتاج المعرفي المتناثر) والعمل الحر يجعلهما عرضة لـ "الهشاشة."

إن ما يبدو كحرية إنتاجية واسعة تتحول في الواقع إلى شكل جديد من عمالة البيانات المعرفية، يفتقر إلى آليات التنظيم الطبقي التقليدية، مثل النقابات أو الأحزاب الثورية، التي كانت متاحة للبروليتاريا الكلاسيكية. هذه الهشاشة هي نتيجة استراتيجية لرأس المال الرقمي الذي يحوّل التطلعات الاجتماعية إلى مجرد شعارات زائفة عن الاستقلالية، بينما تبقى السلطة الاقتصادية بيد القلة المتحكمة.

الصراع مع الأرثوذكسية البروليتارية

تسعى الكومنتاريا، من خلال مفهوم فائض الوعي، إلى إعادة تأسيس مفهوم الفاعل التاريخي الثوري، مما يضعها في صراع جدلي مع المفهوم الماركسي الكلاسيكي للبروليتاريا.

تُعرّف البروليتاريا في النظرية الماركسية الكلاسيكية بأنها طبقة العمال الحديثين الذين لا يملكون وسائل الإنتاج، ويضطرون لبيع قوة عملهم لمالكي هذه الوسائل، مما يجعلهم سلعة تخضع لتقلبات السوق. وقد اعتبر ماركس وإنجلز هذه الطبقة، التي نشأت في فترة تفسخ النظام الإقطاعي، هي الوحيدة القادرة على قيادة الثورة ضد الرأسمالية وتحقيق الشيوعية عبر مرحلة انتقالية تُعرف بـ "دكتاتورية البروليتاريا".

على الرغم من أن البروليتاريا اليوم تظل طبقة الأغلبية على هذا الكوكب، فإن الساحة السياسية العالمية تشهد غياباً سياسياً مؤثراً لها. يشير التحليل النقدي إلى أنه لا توجد أحزاب أو منظمات حالياً تمثل مصالح الطبقة العاملة بشكل فعال، ما أدى إلى تراجع تأثيرها في الأحداث العالمية. وقد أدى هذا الغياب السياسي إلى تأكيد العديد من المثقفين على أن الطبقة العاملة قد "اختفت" أو لم يعد لها وجود.

يفرض هذا الواقع، إضافة إلى التحول الاقتصادي العالمي من الصناعة الثقيلة إلى الرأسمالية الرقمية، ضرورة إعادة النظر في مكان الصراع وأساس القيمة، والانتقال من الاعتماد على فائض القيمة المادي إلى التعامل مع فائض الوعي الرمزي.

الكومنتاريا كـ "بروليتاريا معرفية"

يمكن النظر إلى الكومنتاريا كـ "بروليتاريا معرفية" تسعى لملء الفراغ السياسي الذي خلفه الغياب النسبي للبروليتاريا الصناعية الكلاسيكية. إنها تسعى لتحويل المعرفة إلى فعل، مما يشابه المهمة التاريخية للبروليتاريا في تحقيق "الوعي الطبقي" القادر على تحويل البنية التحتية.

تتقاطع الكومنتاريا مع البروليتاريا الكلاسيكية في عنصر الاستغلال والهشاشة. فبينما كان الاستغلال الكلاسيكي يتمحور حول العمل المادي الزائد، فإن الاستغلال الحديث (رأسمالية المراقبة) يتمحور حول العمل اللامادي، والبيانات، والعمل الحر غير المؤمّن الذي يولد فائض الوعي.

لكن مأزق "التأصيل" يظهر بوضوح في زمن التشتت. فمحاولة التأصيل الماركسي للكومنتاريا كطبقة موحدة تصطدم بواقع تشظي الطبقة الوسطى المثقفة تاريخياً، خاصة في السياق العربي، حيث تكونت كطبقة "وظيفية" وليست نتاجاً لعلاقات إنتاج متجانسة. أي محاولة لـ "التأصيل" البروليتاري المعرفي ستكون عرضة للهشاشة والانقسام الداخلي ما لم تنجح في تحويل اللامركزية المبدئية للكومنتاريا إلى قوة تنظيمية قادرة على مواجهة الهشاشة الإنتاجية التي تفرضها المنصات الرقمية.

إن الاعتراف بـ "فائض الوعي" كآلية استغلال جديدة هو اعتراف بأن الرأسمالية قد نجحت في احتواء الثورة التكنولوجية وتحويلها إلى أداة لـ "الاستعمار الرقمي الجديد". إذا كان فائض الوعي هو أساس الاستغلال، فإن الكومنتاريا هي بالفعل طبقة مستغَلة. لكن تأسيسها كطبقة يقتضي أن تمتلك وعياً عميقاً بمسألة الاستغلال هذه (إنتاج الوعي لا مجرد نقله)، مما يضع الكومنتاريا في وضع جدلي، فهي تُنتِج الوعي الذي يُستغَل، وتقاوم هذا الاستغلال من خلال الممارسة الجدلية.

نقد الفاعل الموحد وموروث الطبقة الوظيفية

لقد كانت الطبقة الوسطى العربية، التي تشكل الطبقة المثقفة جزءاً منها، طبقة وظيفية مشتقة في سياق ما بعد الاستعمار. لم تتشكل نتاجاً لتطور طبيعي لعلاقات إنتاج متجانسة، بل صُنعت مؤسسياً لملء الفراغ الإداري والمعرفي. وكانت مهمتها الرئيسية هي التدبير والنقل والتنظيم، لا الإنتاج الخالق للقيمة. ونتيجة لذلك، ارتبطت هذه الطبقة بالسلطة لا بالمجتمع، وبالأيديولوجيا لا بالفعل التاريخي، ما جعلها عرضة للتشظي الداخلي وعدم القدرة على حمل مشروع تغييري جذري أو ممارسة وظيفة نقدية تجاه البنية الاجتماعية.

لذلك تأتي نزعة المغايرة الاصطلاحية كنقد لتيارات فكرية سابقة، ترفض المركزية الأوروبية التي ترى في الحضارة العالمية حضارة واحدة، وتنقد الآليات الذهنية الصلبة والفكر المستورد. تدعم نزعة المغايرة تفكيك مفهوم الذات الثورية الموحدة، وهو ما يتوافق مع أفكار ما بعد البنيوية؛ حيث أشار مفكرون مثل ميشال فوكو وجيل دولوز إلى أن علاقات القوة موجودة في كل حقل اجتماعي، وأن الحرية متوفرة في كل مكان، لكنها تصبح مقيدة عندما تتحول إلى حالة هيمنة.

إن التوتر بين الوظيفية والمقاومة يظل قائماً. فالكومنتاريا، كوريث تاريخي للطبقة المثقفة، تعاني من تشظٍ داخلي هو نتيجة لكونها طبقة وظيفية في البنية الرأسمالية. المقاومة تتطلب التحرر من هذه الوظيفية والعودة إلى إنتاج "العمل الخالق للقيمة"، ولكن في رأسمالية المراقبة، يُستغل العمل المعرفي اللامركزي نفسه.

الكومنتاريا، بخصائصها اللامركزية وتعدد وسائطها ورفضها لـ "التعريف المغلق"، أقرب إلى هذا المفهوم منه إلى مفهوم الطبقة الماركسي الأحادي. إن التزام الكومنتاريا بالمنهج الجدلي الذي يرفض الاكتفاء بالتفسير ويعيد إنتاج الأسئلة، يتوافق مع الأهداف النقدية الجذرية للنظرية النقدية (مدرسة فرانكفورت) التي تسعى لنقد المجتمع والواقع وتحدي الهيمنة.

إن نزعة المغايرة الاصطلاحية توفر للكومنتاريا حماية نظرية ضد خطر التصلب الأيديولوجي أو تكرار أخطاء الطبقات المثقفة السابقة التي سقطت في فخ الوظيفية. فالتوحد كطبقة يجعل الفاعل قابلاً للاستهداف والاحتواء، بينما تبني المغايرة (الكثرة) يضمن التفاعل النقدي المستمر وكسر الحواجز بين الحقول المعرفية، مما يجعل المقاومة دائمة التجدد وغير قابلة للتصنيف السهل. ومع ذلك، يكمن التحدي في أن حرية الإنتاج تؤدي إلى استغلال متزايد (التأصيل المستلب) ما لم يتم تنظيمها بشكل يحمي العامل المعرفي.

طبيعة الهيمنة الإمبريالية الرقمية ورأسمالية المراقبة

شهد الفضاء الرقمي تحولاً جذرياً، حيث لم تعد الإنترنت تمثل "المدينة الفاضلة" التي بُشّر بها في بداياتها. اليوم، تحولت كافة التقنيات الرقمية الحديثة إلى ساحة صراع اقتصادي وتجاري تخوضه التكتلات الرأسمالية الكبرى، وهو ما يُسمى بـ "الاستعمار الرقمي الجديد". هذا الاستعمار يتضافر مع الرأسمالية الصناعية والتقليدية لتحقيق أهداف الهيمنة، التي تقوم في جوهرها على الاستيلاء على الموارد الخارجية (البيانات) واحتكار القطاعات الاقتصادية.

تعتمد الهيمنة الإمبريالية الرقمية بشكل أساسي على "رأسمالية المراقبة"، حيث يخضع المجتمع لآليات تحكم وقياس كمّي تديرها الشركات الرقمية بمنطق تجاري بحت. هذه الشركات، المدعومة بتطور الذكاء الاصطناعي، وسّعت من قدرتها على المراقبة واستغلال البيانات بطرق غير مسبوقة.

على المستوى الرمزي والسياسي، تستخدم الهيمنة الإمبريالية التكنولوجيا كأداة لتشويه الحقيقة وإعادة إنتاج الخطاب الدعائي والتضليل الإعلامي، عبر استغلال تحليل البيانات الضخمة والخوارزميات الذكية لتوجيه المعلومات. هذا السيطرة على أدوات الترميز يضعف قدرة الجماهير على اتخاذ قرارات سياسية مبنية على وعي نقدي حقيقي.

إن التحدي الأكبر يكمن في أن الهيمنة الإمبريالية تستغل التشظي الطبيعي للكومنتاريا وتعمقه عبر التضليل والخوارزميات الموجهة. لذلك، فإن الفعل التحويلي للكومنتاريا يقتضي بالضرورة أن يكون موجهاً نحو مقاومة السيطرة على البنية التحتية الرمزية، أي الضغط من أجل شفافية الخوارزميات وتطوير تقنيات التشفير كأدوات مادية ضرورية لتحقيق الاستقلال الرمزي.

يجب على الكومنتاريا أن تتجنب الوقوع في فخ الوظيفية المرتبطة بالسلطة أو الدولة، وأن تتبنى نقداً جدلياً ينطلق من الواقع المحلي والسياق الإمبريالي الرقمي المعاصر، مما يضمن أن نزعة المغايرة تتحول إلى قوة تنظيمية بدلاً من أن تكون نقطة ضعف اقتصادية.

***

غالب المسعودي

...................

المراجع

عبد الجليل البدري: الكومنتاريا كطبقة معرفية جديدة - صحيفة المثقف

د. صالح نجيدات: دور مواقع الانترنت والمثقف في توجيه مسار المجتمع - كل العرب (ahewar.org)

عبد الحسين سلمان عاتي: ماركس وفائض القيمة - الحوار المتمدن (elayem. news)

الرأسمالية الرقمية.. من هم عبيد العصر الجديد - الأيام نيوز

اقتصاد العمل الحر في العصر الرقمي - Fiber Connect Council MENA (fiberconnectmena.org)

(الحواسيب لا تفهم، هي فقط تعالج الرموز)... جون سيرل

(المعرفة ليست حيادية، بل قوة؛ ومن يتحكم في إنتاج المعرفة يتحكم في السلطة)... ميشيل فوكو

بين السرعة والكفاءة المعلوماتية، يبرز الذكاء الاصطناعي التوليدي كفاعل أساسي في إنتاج الخبر، لكنه في الوقت ذاته يثير تساؤلات جوهرية حول صدقية الأخبار وحياد الخوارزميات.  والمعلوم أن النظم الخوارزمية لا تعمل بمعزل عن البنى الاجتماعية والثقافية التي صممت ضمنها، فهي تتكيف وفق قوالب التأطير المعلومياتي والرقمي، ما يجعل إنتاج المعلومة مرهونًا بمحددات مسبقة تتجاوز التقنية لتشمل القيم واللغة والبنية المعرفية التي تنطوي عليها البيانات.

وتظهر الدراسات الحديثة، مثل تقرير هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) واتحاد الإذاعات الأوروبية (EBU)، أن نسب الأخطاء في المحتوى الرقمي ليست مجرد خلل تقني، بل انعكاس لثقافة رقمية ومجتمعية محددة. فالذكاء الاصطناعي يعيد إنتاج الخطأ ضمن نسق منظّم، ما قد يؤدي إلى تكوين “واقع رقمي مزيف”، حيث تتداخل الحقيقة مع التحريف ضمن وعي المستخدم، ويصبح الجمهور مضطرًا إلى مواجهة أخطار المعرفة المضللة في فضاء افتراضي سريع ومتغير.

في هذا الإطار كشف التقرير الدولي المشترك الصادر في 22 أكتوبر عن المؤسستين الإعلاميتين السالفتين، عن نتائج صادمة، إذ وُجد أن 45% من إجابات أنظمة الذكاء الاصطناعي تحتوي على خطأ جسيم أو تضليل صريح، فيما بلغت نسبة الردود المليئة بأي شكل من أشكال الخطأ 81%. هذه الأرقام تكشف أن أربعة من كل خمس إجابات يمكن أن تكون مضللة، وهو مؤشر على هشاشة المصداقية الرقمية في عصر الاعتماد الكلي على الخوارزميات في نقل الأخبار.

لا تكمن خطورة هذه النتائج في الكفاءة التقنية فحسب، بل في قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج نسخ مشوهة من الواقع، حيث يثق المستخدم في واجهات مصقولة وسريعة دون أن يعرف أن ما يحصل عليه ليس الحقيقة الموضوعية، بل نسخة مختزلة ومعدلة من الأحداث. وهكذا يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى قوة قد تساهم في تشكيل وعي مزيف لدى الجمهور.

إن الأخطاء التي تسجلها هذه الأنظمة لا يمكن اعتبارها مجرد خلل عشوائي، بل انعكاس لثقافة البيانات والبنية المعلومياتية التي صممت ضمنها. فالخوارزميات تعتمد على مجموعات ضخمة من البيانات، وهذه البيانات نفسها تحمل تحيزات لغوية وثقافية وإيديولوجية، تؤثر في نتائجها النهائية.

من هذا المنظور، يصبح الخطأ الخوارزمي مؤشرًا على تفاعل التكنولوجيا مع السياق الاجتماعي والثقافي. فالآلة تتكيف مع قوالب التأطير المعلومياتي، ما يؤدي إلى إعادة إنتاج التحيزات والمواقف المجتمعية، حتى وإن لم تكن مقصودة. وبهذا، تتحول الأخطاء الرقمية إلى أداة تحليل سوسيولوجية تكشف العلاقة بين التكنولوجيا والمجتمع، وبين المعرفة الرقمية والوعي البشري.

وفي قلب هذه الأزمة، يبرز السؤال الفلسفي: هل يمكن للآلة أن تكون موضوعية، وهي نتاج عقل بشري محدود ومحكوم باختيارات قيمية؟. إن ما يُنتج من أخطاء ليس فقط نتيجة عدم قدرة الخوارزمية على فهم الواقع، بل نتيجة طبيعة عملها التي تدمج الاحتمالات والإحصاءات ضمن منطق برمجي محدود بالبيانات والتصميم المسبق.

ويظهر مفهوم “أخلاقيات الخوارزمية”، أي مسؤولية المبرمجين والشركات المطورة عن جودة ودقة ما ينتجه الذكاء الاصطناعي، خاصة في المجالات الحساسة كالأخبار. فالاعتماد على الخوارزميات بدون رقابة صارمة أو إطار أخلاقي يؤدي إلى استقطاب معرفي ومجتمعي، ويخلق ما يمكن تسميته بـ”واقع مزيف يتوسع بصمت”، حيث يبدو الخبر صادقًا ولكنه مشوّه.

ولمواجهة هذه التحديات، يحتاج المجتمع الرقمي إلى آليات متعددة المستويات، يتقدمها حافز توعية الجمهور، وذلك عن طريق تعليم المستخدمين كيفية التمييز بين الحقيقة والزيف الرقمي. ورقابة مؤسساتية وتقنية، بتطوير مؤشرات شفافية الخوارزميات، وإعداد تقارير تصحيحية للأخطاء. بالإضافة إلى مساءلة الشركات الكبرى، بإلزام مطوري الذكاء الاصطناعي بتوثيق مصادر التدريب، وضمان معايير أخلاقية دقيقة. علاوة على دمج الثقافة الرقمية والسوسيولوجيا في تصميم البرمجيات، لضمان احترام القيم المجتمعية وتقليل الانحيازات المضمّنة.

إن أزمة الذكاء الاصطناعي في نقل الأخبار ليست مجرد مسألة تقنية، بل أزمة معرفية وثقافية وفلسفية. فالخطأ الخوارزمي يفضح العلاقة بين التكنولوجيا والوعي، ويعيد طرح سؤال الحقيقة في زمن يهيمن فيه الذكاء الاصطناعي على إنتاج المعلومة.

المستقبل الرقمي يحتاج إلى توازن بين سرعة المعرفة الرقمية وعمق المصداقية، وإلى دمج الأخلاقيات، الفلسفة، والسوسيولوجيا مع التكنولوجيا لضمان إنتاج خبر مسؤول وموثوق، قادر على تعزيز وعي المجتمع بدلاً من تشويهه. فالمسألة لم تعد مجرد دقة المعلومات، بل مسألة استقرار المعرفة والوعي في العالم المعاصر.

***

د. مصطفى غَلــــمَــان

طبيعة الإنسان يحنّ إلى الماضي، وبسبب روايات متناثرة وضعت في سياقات مختلفة يتصور بعضهم الماضي تصورًا ملائكيّا، فهو لتقادم الزّمن لا يستطيع ملء الفراغ فيما بين هذه الرّوايات، على مستوى الشّخوص، وعلى مستوى المجتمعات والدّول. والعكس صحيح؛ فهناك من يسقط روايات سلبيّة على شخصيّات تأريخيّة، أو على حقب سياسيّة؛ بمجموع هذه الرّوايات التّأريخيّة والحديثيّة المتناثرة يعمّم السّلب على هذه المرحلة.

الماضي لا يختلف عن الحاضر؛ لأنّ الّذي يصنع الماضي والحاضر هو الإنسان، والإنسان في صيرورته وتدافعه في الحياة يحمل الصّواب والخطأ، والخير والشّر. هو إنسان بشريّ بطبعه يحمل مصاديق البناء والإصلاح كما يحمل مصاديق الفساد والهدم، فلا الماضي يمثّل صورة ملائكيّة جماليّة مطلقة، ولا الحاضر يمثّل صورة شيطانيّة قبيحة مطلقة. ومن الأفراد والمجتمعات والدّول في الماضي من حاول تمثُّل الارتقاء الإنسانيّ، وكذلك في الحاضر أيضا؛ فليس هناك سلف ملائكيّ مطلق، ولا خلف شيطانيّ مطلق. هناك إنسان يتدافع في الحياة، ويتأمّل فيها، ويعايش قسوة طبيعتها، ويتدافع مع من يماثله جنسا، أو يباينه نوعا؛ عاش في الماضي، أم يعيش في الحاضر والمستقبل.

المشكلة أنه في الخطاب الجمعيّ من يرهن الحاضر بالماضي؛ فيجعل الحاضر شرّا محضا، والماضي خيرا مطلقا، أو يتصارع على شخصيّات ماضويّة. فلسبب روايات تأريخيّة متناثرة يجعل تلك الشّخوص معصومة عن القراءة البشريّة، والاقتراب من نقدها أو نقد ذلك التّأريخ معرفيّا وعلميّا كنقد النّصوص المقدّسة، أو الاشتغال بها ورهن الحاضر بأحداث ورموز مضت، أكثر من الاشتغال بقيم التّرقي البشريّ وفق سنن الواقع ومصاديقه، لا سنن الماضي وتأريخيّته، وما نراه حاليًا مثلا من الحدث الّذي حدث في مصر تحديدا في طنطا بالغربيّة حول شخصيّة «أحمد البدويّ (ت: 675هـ)» هناك من يرفع هذه الشّخصيّة إلى حالات ملائكيّة مقرونة بالعصمة المحرّم نقدها، وهناك من يجعله شخصيّة أقرب إلى الدّراويش، ويعمّم ما نسب إليه من سلبيّات بشريّة وكأنّه لم تصدر منه حسنة بينما العقل اليوم يحتاج إلى من يجعله يعيش واقعه وفق ظرفيّة الواقع وسننيّته في بناء الحياة معرفيّا وعلميّا وصناعيّا، وفي إصلاح الحياة وبنائها، وجعل العقول تدور وفق سنن الحياة مع تحقيق كرامتها، وليس جعلها تدور وتتصارع وفق شخوص وأحداث في الماضي أو الحاضر؛ لأنّهم كبشر عاشوا واقعهم بطبيعته وثقافته، لكنّهم لم يعيشوا سنن عالم غير عالمنا، فكذلك ينبغي أن يشغل العقل الجمعيّ اليوم وفق واقعه وواقع البناء والتّنمية فيه، فعالمنا وسننه واحدة، لكن الواقع وظرفيّته متحرّكة.

ثمّ علينا أن نمايز بين الشّخوص والحدث، وبين المعرفة والمعتقد أو اللّاهوت؛ فالأديان والمذاهب لها سلف (الآباء الأوائل)، ولقربهم من التّأسيس عادة ما يتصارعون حول الرّموز ذاتها، أو تقديس بعض أحداثها، والتّشبث ببعض أخبارها. والعديد من الأخبار متأخرة دونها محبّ غال، أو كاره مبغض؛ فتجد التّناقض حول الشّخوص والأحداث، وتركز عادة على المغازي والصّراع والمثالب، كعادة كتابة الحوليات القديمة. ومع مروز الزّمن نتيجة التّعصّب للشّخوص والحدث تروى الكرامات والمحاسن والمناقب، وكلا الأمرين -المثالب والمناقب- لا يحكيان حكاية الماضي كاملة، بل تأخذ طرفا من ذلك، فيختصر تأريخ الشّخوص والأحداث في أطراف الرّوايات. ومثل هذا ما كان من صراع بعد وفاة النّبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - من 11هـ وما بعدها؛ لا يكاد يذكر حولها إلّا الصّراع على السّلطة، والتّقاتل لأجلها، وما تبعها من اغتيالات؛ من سعد بن عبادة حتّى عليّ بن أبي طالب. هذا التّأريخ دارت حول شخوصه المثالب والمناقب، كما وضع شيئا من ذلك الجاحظ (ت: 255هـ) في كتابه «العثمانيّة»؛ فأحداث نصف قرن بفتوحاتها وتدافعها مع الأمم الأخرى اختزلت في حوليات الصّراع والقتال، ثمّ دخلت في المعتقد واللّاهوت، ليصبح النّسبيّ مطلقا، والحدث البشريّ لاهوتيّا مغلقا، فلم تعد أمّة قد خلت، بل أصبحت من المعتقد يدور حولها الولاء والبراء، وترهن به عقول كان الأولى توجيهها نحو الحضارة والبناء والتّنمية.

وعودا إلى ملائكيّة الماضي حاولت أن أتأمل وألخص كتاب «رسائل الإمام جابر بن زيد الأزديّ» (ت: 93هـ)، وفيه ثماني عشرة رسالة، منها رسالته إلى راشد بن خيثم، وجوابه على مسائل عثمان بن يسار، وأجوبته على ظريف بن خليد وغيرها. المتأمل في هذا الكتاب ورسائله -ممكن تصنيفها في النّصف الثّانيّ من القرن الأول في البصرة وشيء من الجزيرة العربيّة، أي بعد نصف قرن من وفاة النّبيّ - صلّى الله عليه وسلّم -، وهو لا يحكي القضايا السّياسيّة، وإنّما يتمثّل في القضايا الاجتماعيّة والماليّة وشيء من الجوانب الطّقوسيّة- يدرك فيه الحالة المبكرة من الطّبيعة البشريّة في صدر الإسلام المبكّر، والمتمثلة في المشكلات الاجتماعيّة المتعلّقة بقضايا المرأة والأسرة والعلاقات الاجتماعيّة والماليّة، فيكثر الحديث عن الطّلاق والعلاقات الجنسيّة، وقضايا الإماء والعبيد، ونكاح الجواري والصّبيان، والعلاقات الماليّة في البيوع والزّكاة والأوقاف والهبات. والكتاب يحوي العديد من العلاقات المجتمعيّة السّلبيّة بين الجنسين، والتّساهل مع الإماء، وغيرها ممّا يصوّر لنا الطّبيعة البشريّة في تلك المرحلة. وهي ذاتها في المراحل الأخرى؛ فالإنسان هو الإنسان، وإن تغيّرت ظرفيّة واقعه، وحراكه مع اقتضاءات تطوّر المجتمعات، لكنّها جملة لا تخرج عن الطّبيعة البشريّة، فليس هناك ماض مطلق القدّاسة والطّهارة، ولا ينبغي أن يجعل هذا الماضي البشريّ مقياسا يرهن به الحاضر، وإنّما يستفاد منه وفق الأجواء والمصاديق البشريّة، ولا يدخل في صندوق التّأليه والعصمة والقداسة المطلقة.

***

بدر العبري – كاتب وباحث عُماني

 

مُذْ تشعّبت اللغات وتقاطعتْ مصالح الأقوام ما فتئت الحضارات تتكئ على الناقل الوسيط الذي تُجسّر به هُوّة المجهول مع الآخر، الترجمة، ومن غيرها؟! لا مَنْدوحة لنا من التأكيد على أهمية العمل الترجمي الذي ينطلق من مبدأ الاعتراف بالآخر، ويستهدف التعرُّف عليه، لتنتظم تقاطعا محوريا في المواسم الكبرى للتلاقح المعرفي، وهي سمة ملازمة ما بقيَ تعدد الحضارات بنسيجها الفُسيفسائي ثقافةً ولغةً وتموضعًا معرفيا وإنتاجا إنسانيا، فلها الفضل في مباغتة الزمن بقفزات عملاقة للأمام جرّاء الإفادة من معارف الآخرين، فالمعرفة الموضعية إقليميا - خصوصا في المناطق التي تخلّفت عن رَكْب التقدم العلمي - تتطلّب قرونا متطاولة لتصل إلى ما وصلت إليه قريناتها في الزمن!

وتبكيرًا لنقطة نظام، فإن هذا المقال لا ينتظم في نَسَق تدبيج القول في قيمة العمل الترجمي من حيث المبدأ، فهذا - فيما أرى - محلّ اتفاق، وإنما أحاول أن أُسقط البرقع عن الوجه المشوّه لحال الترجمة الراهن، وصورتها الواهنة الحالية، وأستنطق المسكوت عنه في الترجمة بما يكرّس انزياحها من الناقل المعرفي الوسيط إلى الفعل المشوّه لوجه الآخر واستجابتنا للمعرفة المبتورة المتلقّاة، وأردف ذلك بوَمَضات بما هي لَبِناتٌ مبدئية في سبيل إعادة المكانة اللائقة بها.

ولكي تكون توطئة متماسكة، دعوني أُعرّج ابتداءً على طبيعة اللغة على اعتبار أنها الحقل الذي تُعمِل فيه الترجمةُ محراثَها، كحركة بندول من اللغة المترجَم منها إلى اللغة المترجَم إليها، فاللغة هي كيان يتعالى من كونه مجرد قاموس لغوي، يضمُّ مفردات بين جنباته، إلى نسيجٍ متعدد المكوّنات تربط معيشة الناس ومصائرهم، وتعكس آلامهم وآمالهم على حدٍ سواء، فهي بحق - أي اللغة - تَناسُلٌ لتاريخ رقعة أرض بشتى مكوّناتها البشرية والمادية والمفاهيمية، وهي بهذا المفهوم في تعقيدها وحشيةٌ متعذرة على الترويض.

وبما هي كذلك فاللغة ليست مجرّد كلمات منبتة عن سياق معرفي-إنساني كامل، بل هي بنية رحبة تتعدى مجرد كونها قناة تواصلية إلى كونها أداة فاعلة لتَصوّر العالَم بل وقولبته، ينقل لنا داريوش في كتابه الهوية والوجود عن (Benjamin Lee Whorf) وهو عالم لسانيات أمريكي بارز، اشتهر بتطوير النظرية النسبية اللغوية المعروفة بـ (Sapir Whorf) وفحواها أنّ اللغة ليست انعكاسا للواقع، بل تُشكّله!: " تحكم أنماط تفكير الفرد قوانين تشكيلية عتيدة (...) كل لغة هي منظومة تشكيلية هائلة مختلفة عن غيرها، تنتظم فيها ثقافيا الأشكال والأصناف التي لا تكتفي بها الشخصية بأن تتواصل فحسب، بل تحلل كذلك الطبيعة (...) وتحدد قنوات تفكيرها وتُنشئُ مسكنَ وعيها".(1)

ولنيتشه استطرادٌ قَيّم في سياق القدرة المسحولِ حقُّها للغة على صياغة الواقع بمفاهيمه ونوعية تفاعلنا معها مِنْ ثَمَّ: "فحيثما تكون هناك قرابة لغوية، هناك بالذات، وبفضل فلسفة نحوية مشتركة - أعني بفضل سيادةٍ وسيطرةٍ لا شعورية للوظائف اللغوية المشتركة - لا بد أن تكون الأسس مهيّأة مسبقاً لتطورٍ وتعاقبٍ فلسفيّين متشابهين، في حين يبدو الطريق مسدودًا أمام أية إمكانية لتأويل آخر للعالم. وهناك احتمال كبير أن فلاسفة لغات أقاليم أورال ألْتاي حيث ظل مفهوم المسند إليه (الفاعل) في مستوى أدنى من التطور يمتلكون على الأرجح نظرة مختلفة للعالم، ولهم طرق أخرى في تأوّله غير تلك التي لدى الهندوجرمان والمسلمين؛ فالإكراه التي تمارسه وظائف نحوية بعينها هو في عمقه الأقصى إكراه تمارسه أحكام قيمية فيزيولوجية وشروط عرقيّة".(2)

ما أرمي إليه من هذا الإسهاب في البُعد الشمولي للغة هو أنه عندما نطلق مصطلح (ترجمة) فيجب ألّا يَقرّ في أذهاننا أن الترجمة هي محضُ بحثٍ عن معادل لفظي في اللغة المترجَم إليها للكلمات في اللغة المترجَم منها، بل الأمر يتعدى ذلك إلى تعيين المعادل الوظيفي لتلك المعاني في سياق ثقافة بمحدّداتها كافة، وإغفال ذلك يُظهر العمل الترجمي مادةً سطحية تشوّه أكثر مما تنقل!

نعم إنّ الترجمة قاصرة عن الوصول لحدّ مطابقة المعنى، ففي مقال سابق لي على هذه الصحيفة الغرّاء، بعنوان: كيف تشكّل اللغة أفكارنا وفقا لعلم الأعصاب اللغوي؟! أشرتُ إلى طبيعة الترجمة اللصيقة بها، والتي يصعُب استسهال انعكاساتها: "ولكن عندما نُنْعِم النظر فإنّ الترجمة لا يمكن أن تطوي مسافة اللغة؛ ولذا فالترجمة هي طبقة إضافية على اللغة الأصلية، وهي مسافة أخرى عن المعبَّر عنه من الفكرة الذهنية أو الشعور، وكلما كانت الترجمة عن لغة لا تنتمي لعائلة اللغات ذاتها كانت المسافة أكبر" ففي هذا النص أؤكد على أنّ الترجمة هي - ولا بُدّ - انزياحٌ ثانٍ للمعنى - بعد الانزياح الأول بين مسافة اللغة الملفوظة وبين الفكرة الذهنية - ضريبةً لانتقال الأفكار من لغة لأخرى، ولك أنْ تتخيل درجة تشوّه المعنى إنْ كانت اللغتان لا تنتميان للعائلة اللغوية ذاتية، ويزداد الأمر تعقيدا إنْ تعددت الوسائط الترجمية، كأنْ يُترجَم كتاب من الألمانية إلى الإنجليزية ثم من الإنجليزية إلى العربية! في انزياحٍ ثالث للمعنى، وهلمّ جرًا، فيتلقى القارئ العربي ترجمة شوهاء متعددة الأبعاد!

ولقد انتبه نيتشه لتلك الدقائق العصيّة على الترجمة، إذْ يقول: "إن أصعب ما يمكن ترجمته من لغة إلى أخرى هو النسق الذي يميز أسلوبها: وهو شيء له أساسه في الطبع الخاص بالعرق، أو بعبارة فيزيولوجية، في متوسط نسق (الأيْض) عند ذلك العرق. فهناك ترجمات حسنة النية تكاد تكون نسخًا مزورة، وابتذالا غير متعمّد للأصل، لا لشيء إلا لأن النسق الجسور والمرح، ذلك الذي يقفز فوق كل ما هو خطير في الأشياء والكلمات ويساعد على تخطّيه، قد تعذّر على الترجمة".(3) ولكن كلامنا في الحد الأدنى الذي لا بد من الأخذ به وهو استحضار النسق المعرفي العام للنص المترجم.

ومرة أخرى، الإشكال الذي نعانيه هو إشكال مفاهيمي لمفاهيم نلوكها ليل نهار، بدون أن نأخذها على محمل الجِدّ، فالترجمة - في مفهومها العريض - تأخذ عدة أبعاد، البُعد الأساسي وهو ترجمة النص، وهذا جليّ، ولكن ثمّة بُعد آخر أهم بمراحل، وهو بُعد تموضع المادة المعرفية المرشحة للترجمة في شبكة المعرفة أولويةً وأصالةً وعلاقة مع نظيراتها من المواد المبثوثة هنا وهناك، وخليقٌ بي أن أُفسح المجال لداريوش شايغان المفكر الإيراني-الفرنسي الذي سبِر التعدد الثقافي ويعي جيدا ما يتحدث عنه حين يتصل الأمر بالعمل الترجمي، إذْ يقول في كتابه النفيس، النفس المبتورة: "وبما أن الترجمات تجري، من جهة ثانية، بلا سياسة متماسكة، بلا رؤية شمولية، فإنها تقدم نفسها كأنها كتل من معارف متناغمة، يمكنها أن تسمح لنا بأن نعرف مدرسة فكرية إلى حد ما، لكنها تنتشر على شاكلة معارف متناثرة، غير مرتبطة بأي سياق خاص، تقوم بدلا من توجيه القارئ، في مجال متخصِّص، بتضليله وتشريده في متاهة العلوم الإنسانية، وهي تفتقر افتقارًا شديدًا إلى خارطة فلسفية تحدّد موقع التيارات الفكرية في إطار مناسب".(4)

إذن بُعد التموضع المعرفي مهم للغاية، فالترجمات العشوائية التي لا تلقي بالًا لأولوية متعلَّقات الأعمال الترجمية إنْ في الشبكة المعرفية العامة وإنْ في حقل خاص من الحقول، فإنّ نتاجها أقرب إلى خبط عشواء، وستهضم المجتمعات المتلقية مادةً منبتّة بِنَزَق عن شبكتها المعرفية، وغير موضوعية في النظرة الكلية، وأنه إذا ما قُصِرَت الترجمة على البُعد الأول - أي النصوص كيفما اتفق - فهو إذّاك عمل عبثي مؤذٍ معرفيا إن نظرنا إلى الصورة الإجمالية والمحصلة النهائية والمدى البعيد.

إنّ البُعد الثاني للعمل الترجمي يستلزم مَأْسَسَته - أي إنشاء مؤسسة تضطلع بمهام عمله - ليقوم بدوره المُلقى على عاتقه؛ من حيث إنها عملية واسعة تطلب تكاتف جهود أكْفاء من مختلف التخصصات العلمية والإنسانية، فالترجمات كالحقول المعرفية، تتطلّب تخصصا، وهذا وإنْ كان موجودا، فهو إما جهود تمشي على استحياء، وإما جهود غير ناظرة إلى جُملة الشبكة المعرفية المترامية الأطراف، والتي تتموضع فيها مادة العمل الأصلي قبل ترجمته - كما أسلفنا - إنّ إنشاء مركز للدراسات الترجمية بهذا المستوى من الالتفات الواعي سيخلق طفرة كبيرة في مجال تعرّفنا على الآخر كما هو إلى حد كبير، وكذلك عمق المعرفة الذي سنقف عليه من ناحية أخرى.

إنّ تعلّم اللغة الأخرى بما تحمله من عناصر ثقافية وتاريخية - بالتصور الذي بيّناه - هو الحل الأمثل لِلْمَتْح من معارف تلك اللغة، وتأتي الترجمة خيارا ثانيا، وخصوصا تلك المترجمة عبر وسيط ترجمي واحد، فللعربي الذي لا يحسن الفرنسية مثلا أن يقرأ كتابا مترجما من الفرنسية للعربية مباشرة وليس من الفرنسية للإنجليزية ثم للعربية، حيث تفقد المعرفة في طريق الترجمة المتعرج هذا جزءا من حمولتها الدلالية وتُشوَّه في كل منعطف لغوي! وهذا إنْ استطاع الفرد النفاذ إلى ترجمات مباشرة بطبيعة الحال، وإلا فليختر المشي على حقل الألغام إن شاء! وإن كان الفرد على دراية باللغة الإنجليزية ففي رأيي أن يقرأ العمل الترجمي من لغة أخرى للإنجليزية أولى من أن يقرأ المترجَم من تلك اللغة للعربية؛ نظرًا لكفاءة اللغة الإنجليزية معرفيا بسبب معجمها العلمي دائم التطوّر والمواكبة، وعلى كل حال فخيارات الفرد بدون تعلم اللغة المترجم منها هي خيارات شحيحة في عالمنا العربي، وعليه إن رغب في الْعَبّ من المعارف المتجاوزة زمن إقليمه أنْ يساير الحركة الترجمية العرجاء لمعارف الآخر بحذر شديد، ولْيتخيّر من بينها ما يسحبه للعمق والأسئلة الأولى، ولن يُعدم!

وخلاصة القول أنّ الترجمةَ - رغم طبيعتها القاصرة الملازمة لها كما فصّلناه آنفا - عملٌ معرفي يمثّل احتياجا لا يمكن القفز عليه، ويُزجَى شكرٌ كريم للقائمين عليه، إلا أنه في وضعه المتداعي حاليا هو ألصق بوَثباتٍ مرتجَلة منه بأن يصطفّ ضمن الأدوات المعرفية التي يمكن الرهان عليها، وحتى تنهض بواجبها المعرفي المنوط بها على أفضل وجه ممكن، يجب أن تحفّ بها عدة عوامل من المَأْسَسَة الواعية والتضلّع الثقافي - حدَّ التُّخمة - من اللغتين، المترجَم منها وإليها، وتحديد إطار فكري مدروس للمواد المترجَمة، وغيرها من العوامل التي تضمن أكبر قدر متاح ضمن الحدود البشرية من المصداقية والدقة ضمن خارطة دقيقة، وبغير ذلك فالترجمة فعل تشويهي لمعرفة الآخر؛ الأمر الذي يُلقي بظلاله البائسة على تفاعلنا مع معرفة شوهاء، إضافة إلى نوعية وحِدّة استجابتنا للآخر المتضاعفة عبر الزمن الذي يتجاوز الضعفاء!

***

محمـــد سيـــف – كاتب وباحث عُماني

 ........................

الهوامـــــــش

(1) الهُويّة والوجود - العقلانية التنويرية والموروث الديني، داريوش شايغان، ص29، دار الساقي، ط1، 2020.

(2) ما وراء الخير والشر، نيتشه، ص34-35، منشورات الجمل، ط1، 2018.

(3) ما وراء الخير والشر، نيتشه، ص47، منشورات الجمل، ط1، 2018.

(4) النفس المبتورة - هاجس الغرب في مجتمعاتنا، داريوش شايغان ص146، دار الساقي، ط2، 2018.

 

"التاريخ الحي قيد التكون، وفي يدينا أدواته لبنائه"

مقدمة: في عالم معاصر يتسم بالشساعة الرأسمالية العابرة للحدود – حيث تتدفق السلع والمعلومات والقوى عبر قارات مترابطة بطرق غير مرئية – وبالرعب اليومي الناتج عن أزمات مثل التغير المناخي، الاستقطاب السياسي، والتفاوت الاجتماعي الذي يولد حركات احتجاجية عفوية، يبرز أنطونيو غرامشي (1891-1937) كمفكر ماركسي يقدم أدوات نظرية لا تزال حية وفعالة. غرامشي، الذي قضى سنواته الأخيرة في سجون الفاشية الإيطالية يكتب "دفاتر السجن"، لم يكن مجرد فيلسوف؛ كان ثورياً عملياً آمن بأن الثورة ليست مجرد اقتحام للقصور الشتوية، بل "حرب خنادق" طويلة الأمد في مجال الثقافة والوعي. في هذه الدراسة، سنستعرض نظريته الثورية الأساسية، ثم نناقش راهنيتها في سياق عالم يشبه "الوحش الرأسمالي" الذي وصفه ماركس، لكنه أصبح أكثر تعقيداً وإرهاباً. لماذا يظل فكر غرامشي راهنا؟

نظرية غرامشي الثورية: الهيمنة والحرب المواقع

"إن الأزمة تكمن تحديدًا في حقيقة أن القديم يموت والجديد لا يمكن أن يولد: خلال هذه الفترة الفاصلة نلاحظ أكثر الظواهر المرضية تنوعًا."

تُعتبر نظرية غرامشي تطويراً جذرياً للماركسية، حيث يرفض الاقتصاديات الآلية التي ترى الثورة ناتجة تلقائياً عن تناقضات الإنتاج. بدلاً من ذلك، يقسم غرامشي المجتمع إلى "بنية تحتية" (القوى الاقتصادية) و"بنية فوقية" (الثقافة، الإيديولوجيا، والمؤسسات). الثورة، في رأيه، تتطلب فوزاً مزدوجاً: الاستيلاء على الدولة (القوة القمعية) والهيمنة الثقافية في "المجتمع المدني" (الإعلام، التعليم، والمؤسسات الثقافية

الهيمنة (Hegemony): ليست مجرد قوة عسكرية أو سياسية، بل إجماع ثقافي يجعل الطبقة الحاكمة تبدو كممثلة للمصلحة العامة. البرجوازية تحافظ على سلطتها ليس بالقمع فقط، بل بجعل قيمها (مثل الفردانية والاستهلاك) تبدو طبيعية. الثورة، إذن، تحتاج إلى "مثقفين عضويين" ينشؤون من الطبقات المضطهدة ليبنوا هيمنة مضادة، تحول الوعي الجماعي نحو البدائل الاشتراكية.

حرب المواقع مقابل حرب الحركة: في المجتمعات الغربية المتقدمة، حيث يسيطر المجتمع المدني على الدولة، لا تكفي "حرب الحركة" (الاقتحام السريع كما في روسيا 1917)، بل يجب خوض "حرب مواقع" طويلة: بناء كتل تاريخية جديدة من خلال الصراع الثقافي والإيديولوجي، قبل الاستيلاء على السلطة.  غرامشي يؤكد أن الفشل في هذا يؤدي إلى هزائم سريعة، كما حدث في إيطاليا بعد "السنوات الحمراء" (1919-1920). هذه النظرية ليست تجريدية؛ غرامشي طورها أثناء تأسيس الحزب الشيوعي الإيطالي (1921)، محذراً من الإصلاحية التي تندمج في الدولة دون تغيير الوعي.

راهنية غرامشي في عالم شاسع ومرعب

"إن النضال السياسي أكثر تعقيدًا بكثير: من وجهة نظر ما، يمكن مقارنته بالحروب الاستعمارية."

العالم اليوم – شاسع بسبب العولمة الرأسمالية التي تربط الأسواق والثقافات في شبكة مترابطة، ومرعب بسبب الانهيارات البيئية، الحروب الهجينة، والأوبئة – يعكس تماماً مخاوف غرامشي من "الدولة المتكاملة" حيث يصبح المجتمع المدني امتداداً للقوة القمعية. إليك كيف تتجلى راهنيته:

الهيمنة في عصر الرقابة الرقمية: في زمن فيسبوك وتيك توك، تحافظ الرأسمالية على هيمنتها عبر "الإجماع الرقمي"، حيث تبدو قيم الاستهلاك والفردانية كـ"حرية شخصية". غرامشي يفسر هذا كامتداد للهيمنة الثقافية؛ فالخوارزميات لا تقمع فقط، بل تشكل الوعي، مما يجعل الثورات الرقمية (مثل الربيع العربي) تذوب في الإصلاحات دون تغيير جذري.

في السياق العربي، تظهر مظاهرات الشوارع العربية كأمثلة على "حرب مواقع" ناقصة: نجحت في إسقاط حكام، لكن غياب المثقفين العضويين أدى إلى عودة الهيمنة النيوليبرالية.

الثورة في مواجهة الشساعة العالمية: العولمة تجعل الرأسمالية "شاسعة"، لكنها أيضاً تخلق تناقضات عالمية (مثل الهجرة الجماعية والأزمات المناخية). غرامشي يقترح بناء "كتل تاريخية" عابرة للحدود، كما في حركات مثل "حركة حياة السود مهمة" أو احتجاجات المناخ، حيث يصبح المثقفون العضويون (ناشطون محليون) يتحدون الهيمنة العالمية. ومع ذلك، الرعب اليومي – كالفقر المدقع في الجنوب العالمي – يذكر بتحذير غرامشي: بدون هيمنة ثقافية، تتحول الانتفاضات إلى "عاجزة عن تحقيق أهدافها". النظرية الغرامشية الحديثة في العلاقات الدولية: طور مفكرون مثل روبرت كوكس (1981) أفكار غرامشي لتحليل "الهيمنة العالمية"، حيث تُفرض قيم الدول الغربية عبر المؤسسات مثل صندوق النقد الدولي. في عالم ما الجوائح والأزمات الصحية ، حيث أصبحت الجائحة أداة للهيمنة (توزيع اللقاحات غير العادل)، يصبح غرامشي دليلاً للحركات الجنوبية في بناء هيمنة مضادة. في السياق العربي، يُطبق غرامشي على فهم صعود اليمين الشعبوي أو فشل الثورات: غياب "المجتمع المدني الثوري" يجعل الهيمنة السلطوية تستمر، كما في تحليلات للاحتجاجات العربية.  كما يُستخدم في دراسة الثقافة كمحرك تاريخي، خلافاً للاقتصاديات الماركسية التقليدية، مما يجعله مناسباً لعصر الثورة الثقافية الرقمية.

خاتمة

"يجب أن تكون على دراية كاملة بحدودك الخاصة، خاصة إذا كنت تريد توسيعها. "

أنطونيو غرامشي ليس تاريخاً ميتاً؛ هو دليل حي لعالم شاسع يتطلب ثورة لا تقتصر على الشوارع، بل تمتد إلى العقول والثقافات. في زمن يهدد فيه الرعب بالشلل، تذكرنا نظريته بأن الهيمنة ليست قدراً، بل ساحة معركة يمكن الفوز فيها بالبراكسيس الثوري. رغم راهنيته، يواجه غرامشي تحدياً: في عالم "مرعب" يتسارع فيه الانهيار (مثل الذكاء الاصطناعي الذي يعزز الهيمنة)، قد تبدو "حرب المواقع" بطيئة جداً. ومع ذلك، إمكانيته تكمن في الدعوة إلى وحدة النظرية والممارسة: الثوريون اليوم بحاجة إلى مثقفين عضويين يبنون وعياً جماعياً عبر الشبكات الرقمية، لتحويل الرعب إلى طاقة ثورية. كما يقول: "يجب أن يتغير شيء ما حتى يظل كل شيء على حاله." فكيف يمكن الاستفادة من نظرية غرامشي الثورية في النضال التحرري العربي والمقاومة الفلسطينية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

..........................

المصادر والمراجع

غرامشي، أنطونيو. (1971). دفاتر السجن. ترجمة إنجليزية وإيطالية، مع إشارات عربية في الدراسات الماركسية.

Cox, R. W. (1983). "Gramsci, Hegemony and International Relations". Millennium Journal.

لست فيلسوفاً ولا أدّعي معرفتي بالفلسفة، ولا أريد إن أضيّع نفسي في متاهات الفلسفة فأغرق في أعماق محيطاتها السحيقة، ولا أبغي سيرة ديكارت الذاتية فهي متوفرة بسهولة لمن يريدها. لكن حصل لي فضول أن أتعرّف على مبدأ الشك الذي اتخذه ديكارت منهجاً له ليصل به إلى معرفة الحقيقة. سمعت كثيراً عن هذا المبدأ وقرأت كثيراً عنه، فهو يتردد بكثرة في النقاشات ومؤلفات الكتّاب والمثقفين، لكنني لم ألحظ أن الكثير منهم اعتمد مبدأ الشك كمنهج له للوصول إلى الحقيقة كما يقول ديكارت، ولم ألحظ أحداً يوصي باستعمال الشك كمنهج للوصول إلى اليقين. ساقني فضول المعرفة للخوض في دراسة المنهج الشكّي لديكارت لأفهم كيف يمكنني أن أستخدمه كمنهج لي ينير طريقي للمعرفة، وما هي الدروس والعبر التي يمكن أن أستخرجها من هذا المنهج لتدلني على الطريق الصحيح.

ما هو منهج الشك عن ديكارت

رينيه ديكارت (1596-1650) الملقب بأبو الفلسفة الحديثة. كان فيلسوفاً وفيزيائياً بالإضافة إلى براعته في الرياضيات. وهو صاحب المقولة المشهورة "أنا أفكر، إذاً أنا موجود".

اشتهر ديكارت باستعماله الشك للوصول إلى اليقين في معرفة حقيقة كل شيء. وقد اعتمدت فلسفة ديكارت العقلانية على اتخاذه مبدأ الشك المنهجي، الذي يمكن من خلاله أن يتوصل إلى اليقين ومعرفة الحقيقة، فهو بذلك يبدأ بالشك وينتهي بالحقيقة. وعُرف عنه أنه يُعتبر رائد الشك المنهجي في العصر الحديث، فقد وضَع ديكارت جميع المعتقدات والآراء الفكرية وغيرها موضع الشك، وأثبت إمكانية وجود الخطأ فيها.

يقول ديكارت؛ "إن الإنسان يحتاج أن يضع الأشياء جميعاً موضع الشك قدر ما في الإمكان لكي يصل إلى حقيقة الأشياء"، وبما إن معظم العلوم المعرفية يتم الحصول عليها عن طريق الحواس (السمع والبصر واللمس)، ولأن الحواس قد تكون خاطئة وخادعة، فيمكن بذلك أن تصوّر لنا صورة غير حقيقية للأشياء التي نراها أو نسمعها، لذلك ينبغي أن نشك فيها. فخداع البصر مثلاً يجعلك ترى الأشياء البعيدة أصغر كثيراً من حجمها الحقيقي، وإذا اقتربت من هذه الأجسام البعيدة فستراها بحجمها الحقيقي. فالشمس التي نراها في السماء تبدو صغيرة جداً نسبة إلى حجمها الحقيقي الهائل الكبير كما تؤكده لنا المعلومات العلمية الصحيحة.  وكذلك خداع السمع، فقد تسمع صوتاً تعتقده يعود لشيء ما، لكنه في الواقع مغاير تماما للحقيقة. ويقول ديكارت أيضاً إنه "من الحكمة ألّا نثق في الذي خدعنا ولو لمرة واحدة". ولما كان من الممكن أن تخدعنا حواسنا، كان علينا أن نتشكك فيما نعرفه لنعرف اليقين، ولذلك فإن إدراك الشيء لا يعتمد على الحواس بل على الفكر. وحتى في حقائق الحساب والهندسة التي لا يمكن الشك فيها، مثلاً مجموع إثنين زائد ثلاث هو خمسة وإن المربع يتكون من أربعة أضلاع وهي حقائق أكيدة لا تقبل الشك، لكن من الممكن أن يكون هناك شيطان ماكر أوحى لي بهذه الأشياء وأوهمني بها.

ما الذي حذا بديكارت أن يتخذ الشك منهجاً له لمعرفة حقيقة الأشياء؟ يبرر ذلك ديكارت في كتابه تأملات في الفلسفة الأولى فيقول "ليس بالأمر الجديد ما تبينت من أنني منذ حداثة سني قد تلقيت طائفة من الآراء الباطلة وكنت أحسبها صحيحةً، وأن ما بنيته من ذلك الحين على مبادئ هذه حالها من الزعزعة والاضطراب لا يمكن أن يكون إلاّ شيئًا مشكوكًا فيه جدًا ولا يقين له أبدًا. فحكمت حينئذ بأنه لا بد لي مرة في حياتي من الشروع الجدي في إطلاق نفسي من جميع الآراء التي تلقيتها في اعتقادي من قبل، ولا بد من بدء بناء جديد من الأسس. (ديكارت، التأمل الأول).

يبدأ ديكارت رحلته في منهجية الشك بالسؤال عما هي الأشياء التي يمكن أن توضع موضع الشك، فيقول "يجب النظر إلى كل ما يمكن أن يوضع موضع الشك، على أنه زائف"، على ألاّ يشمل هذا كل معتقد لا يمكن الشك فيه ولو لوهلة، فلا نشكك في الأشياء التي نتصورها بوضوح تام على أنها حقيقة مثل الجزء أصغر من الكل. والمقصود هنا أنه لا يقبل أي شيء على إنه حقيقي دون أن يشكك فيه ليتيقن من حقيقته، وهو بهذا يعتبر الشك برهان عقلاني للتأكد من حقيقة الأشياء والأفكار. وفي الحقيقة فإن ديكارت حاول أن يشكك بوجوده ليصل إلى اليقين، لكنه استنتج أن شكوكه هذه هي التي أثبتت أنه موجود من حيث "أنه يشك فإنه يفكر ولأنه يفكر فهو إذن موجود" فقال (كلما شككت ازددت تفكيراً فازددت يقينا بوجودي).

والشك عند ديكارت نوعان؛ النوع الأول هو، الشك المنهجي، وهو الشك العقلاني المدرَّب، وهو ليس عشوائياً وإنما هو برنامج فكري حَدَسي تحليلي يهدف للوصول إلى اليقين، وبذلك يكون الشك المنهجي هو الوسيلة والطريق للوصول إلى الحقيقة. والنوع الثاني من الشك، والذي أسماه بالشك الفلسفي أو السفسطائي (الخالي من المنطق العقلاني)، والذي هو عبارة عن شك لغرض التشكيك في الأشياء وإحداث الفوضى وليس الهدف فيه الوصول إلى الحقيقة أو اليقين، وهو نوع من الشك الهدّام المدمر لأنه يحدث الفوضى ويضيّع الحقيقة، فهم كما يقولون " أنا لا أدري، ولا أدري أنني لا أدري" ولذلك يجب تجنبه.

ويُميّز ديكارت في منهجه الشكي بين المعرفة الحدسية (الحَدَس أو البديهي) والاستقراء أو الاستنتاج. فالحَدَس أو البديهة؛ هو إدراك عقلي مباشر لشيء ما دون الحاجة لإثباته بدليل، لذلك فهو حقيقة كاملة. فالشمس تشرق من الشرق بديهة لا تحتاج إلى برهان. ويقول في كتاب القواعد " إننا لا نتحدث عن حَدَس عقلي إلاّ إذا كانت الجملة مفهومة بوضوح وتميّز وكانت مفهومة في مجموعها لأول وهلة وليس بالتدريج".

قدم ديكارت الدليل العقلي الذي يثبت وجود الإله عن طريق منهج الشك واستعمال الحَدَس العقلي والاستنباط الفكري، فقال: لكي أثبت أن الله موجود عليّ أولاً أن أشكك في وجوده فأنكر أنه موجود، فإذا كان الحال كذلك فإنه سيثير تساؤلات عندي، منها؛ إذا كان الله غير موجود فمَن خلقني؟ هناك احتمالين؛ أن أكون أنا خالق نفسي أو أن تكون الطبيعة هي التي خلقتني. فإذا كانت الطبيعة هي الخالق، فيجب أن تكون متحلّية بصفة الكمال، لأن الشيء الناقص الضعيف لا يمكن أن يكون خالقاً. ولما كنّا نعرف أن الطبيعة لا تتمتع بالكمال المطلق، فإذن لا يمكن أن تكون هي الخالق. وكذلك بالنسبة لي؛ فإذا كنت أنا خالق نفسي فيجب أن أكون كاملاً في كل شيء، لكني أعرف أنني لست كاملاً، لذلك فإن الله الكامل القوي الكريم يجب أن يكون هو الخالق، وإن وجودي هو دليل الإثبات على وجود الله الخالق.

من هذا يتضح لنا أن منهج الشك الديكارتي منهج عقلاني يخضع للمنطق والحدس والاستنتاج العقلي للوصول إلى حقيقة الأشياء.

منهج الشك عند الغزّالي

على الرغم من أن ديكارت يعتبر الرائد والمؤسس لمبدأ الشك إلاّ أن الإمام أبو حامد الغزّالي (ت 1111م) كان قد سبقه في اعتماده المنهج الشكي في أبحاثه، وقد سبقه بخمسة قرون.  وقد اتخذ الغزّالي الشك منهجاً للوصول إلى حقيقة الأشياء وشكك في الأشياء التي نعرفها. كما اعتبر أن الحواس قد تخدعنا، وعرّف الشك بنوعيه المنهجي والسفسطائي كما عرّفه ديكارت لاحقاً.

يعتبر كتابه "المنقذ من الضلال" ملخص لسيرة الغزّالي الذاتية، ويتضمن شرحاً لمنهج الشك الذي اشتهر به. وقد ذكر على سبيل المثال خداع الحواس فقال " وتنظر إلى الكوكب فتراه صغيراً في مقدار دينار، ثم الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار. وهذا وأمثاله من المحسوسات يحكم فيها حاكم الحس بأحكامه، ويكذبه حاكم العقل ويخونه تكذيباً لا سبيل إلى مدافعته". وقال أيضاً "فقلت: قد بطلت الثقة بالمحسوسات أيضاً، فلعله لا ثقة إلا بالعقليات التي هي من الأوليات، كقولنا: العشرة أكثر من الثلاثة. والنفي والإثبات لا يجتمعان في الشيء الواحد، والشيء الواحد لا يكون حادثاً قديماً، موجوداً معدوماً، واجباً محالاً، وهذا عليه اتفاق العقلاء من كل ملة ونحلة".

والملاحظ أن هناك تشابه واضح بين المنهج الشكي عند ديكارت وعند الغزّالي. فكلاهما يعتمد مبدأ الشك للوصول إلى اليقين. وكلاهما يعتبران أن المعلومات التي حصلنا عليها في صغرنا من مجتمعنا واعتبرناها حقيقية إنما هي في الحقيقة خاطئة وتحتاج إلى تدقيق وتمحيص. وكلاهما يعتبر أن الحواس هي مصدر المعلومات وأنها قد تكون خادعة، يقول الغزّالي " من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال". وكلاهما تحدّثا عن الخِداع في النوم والأحلام واليقظة والخيال. وقد أثار هذا التشابه في المنهج عندهما تساؤلات عند بعض المفكرين في أن ديكارت قد يكون استقى منهجه في الشك من خلال كتب الغزّالي، لكن لا يوجد دليل على ذلك، ولم يذكر ديكارت معرفته بالغزّالي، وقد يكون هناك مجرد توافق فكري بين الإثنين أدي إلى تشابه المنهج.

 طه حسين ومبدأ الشك

اتخذ طه حسين الشك منهجاً له في حياته الفكرية. تَمَثَل ذلك بوضوح في كتابه "في الشعر الجاهلي" حيث كتب يقول "لست أريد أن أقول البحث وإنما أريد أن أقول الشك. أريد ألّا نقبل شيئاً مما قال القدماء في الأدب وتاريخه إلاّ بعد بحث وتثبيت، فإن لم ينتهيا إلى اليقين فقد ينتهيان إلى الرجحان". عَمَدَ طه حسين إلى التشكيك بوجود شعراء الجاهلية الكبار، أصحاب المعلقات، وأنكر وجودهم، واعتبر أنهم صناعة المسلمين بعد نزول القرآن، فاختلقوا وجودهم واختلقوا أشعارهم ليرفعوا من شأن اللغة العربية ولغة القرآن. ولا يهمنا هنا فحوى الكتاب ولا موضوع الحوار لكن يهمنا فكرة استعمال العقل لمنهج الشك كوسيلة لكشف الحقيقة، ونتائجه المفيدة.

وفي كتابه "الفتنة الكبرى (عثمان) " استعمل طه حسين مبدأ الشك أيضاً كمنهج له ليشكك في صحة رواية معروفة حدثت في زمن الخليفة عثمان (رض)، عندما حدث نزاع بين الصحابيين الجليلين سعد ابن أبي وقاص (والي الكوفة) وعبد الله ابن مسعود (راعي بيت المال) بسبب استدانة مالاً من بيت المال ولم يُعاد في الموعد المحدد للسداد مما جعل الخليفة يقيله من منصبه، ويشرح طه حسين سبب الشك في صحة الرواية؛ فيذكر إنه من غير المعقول أن إثنين من كبار الصحابة ومن أوائل المسلمين وأصحاب قيم عليا يحدث بينهم ما روي عنهم (وقد يمكن اعتبار هذا التبرير كنوع من مبدأ البداهة التي ذكرها ديكارت). لكن طه حسين صحح الرواية بأن الفاعل قد يكون هو الوليد ابن معيط الذي كان يتعاطى الخمر ولا يتردد بفعل الموبقات وليس الصحابي الجليل سعد ابن أبي وقاص (وقد يمكن اعتبار هذا القول كنوع من مبدأ الاستنتاج والاستنباط التي ذكرها ديكارت). وهذه أمثلة على استعمال الشك للوصول إلى اليقين.

تأملات وعبر

أولاً- مما تقدم ذكره، يمكننا أن نستنتج أن الشك يمكن أن يكون منهجاً عقلانياً سليماً وإيجابياً في البحث عن أصل المعلومة، وخطوة تمهيدية للوصول إلى حقيقة الأشياء، خصوصاً إذا ما استعملنا طريقة التفكير النقدي الذي يقضي بأن لا نقبل شيئاً إلاّ إذا كان له تبرير عقلي واضح ومميّز بالاعتماد على الحدس والبديهة والتحليل والاستنتاج.

ثانياً- إن الشك المنهجي يحتاج إلى تدريب وتمرين للعقل لغرض تكوين مَلَكة النقد والتحليل، فالمنهج هو عبارة عن مجموعة قواعد مؤكدة وبسيطة تكوّن منهجاً عقلياً يعتمد الشك العقلاني مروراً بالبداهة للوصول إلى اليقين ويحتاج إلى المران والتدريب المستمر للعقل. يقول ديكارت "لا يكفي للمرء أن يكون عنده عقل بل يجب أن يحسن استخدامه".

ثالثاً- يجب الابتعاد واجتناب استعمال الشك السفسطائي الفلسفي الذي يكون بلا هدف ولا منهج، ولأنه يحدث الفوضى والبلبلة.

رابعاً- على الرغم من أن ديكارت قد اشتهر بأنه مؤسس ورائد الشك المنهجي، إلاّ أن الأمانة العلمية تحتّم علينا أن نصحح الخطأ في هذه المعلومة، بأن نعلن بصوت عالي أن أبو حامد الغزّالي هو أول من استعمل وتحدث عن منهج الشك الفلسفي وليس ديكارت كما هو شائع.

وختاماً، ونحن نعيش في عالم تتزاحم فيه المعلومات المشوشة والمغشوشة والكاذبة، فإنه يتوجب علينا أن نكون حذرين في انتقاء المعلومة الصحيحة، وقد يكون الشك العقلاني طريقاً لذلك. وقد قيل أيضاً أن "العالم يشكك والحليم يتأنى والجاهل يؤكد"، فلننهج نهج العلماء وننبذ الجهالة.

***

د. صائب المختار

 

جدليات المثقف والتحول الرمزي في مواجهة رأس المال الخوارزمي

 ملخص البحث: يُقدّم هذا البحث قراءة تحليلية وتطبيقية لمفهوم "الكومنتاريا" بوصفه طبقة معرفية جديدة تُعيد تعريف موقع المثقف في ظل التحولات الرقمية والاقتصادية المعاصرة. ينطلق البحث من المقال التأسيسي لإبراهيم برسي، الذي طرح الكومنتاريا كمقولة مفتوحة، ويُعيد تفعيله عبر نماذج عراقية ومقارنات دولية، في محاولة لتحويله من تأمل نظري إلى ممارسة تحليلية قابلة للرصد والتوظيف.

يركّز البحث على جدلية العلاقة بين الكومنتاريا ورأس المال الخوارزمي، حيث تتحول المعرفة إلى سلعة، والمثقف إلى مستهلك للرمز، مما يستدعي مقاومة رمزية تُعيد الاعتبار لفائض الوعي بوصفه أداة تحليلية. كما يُبرز البحث نماذج محلية من الحقل الأكاديمي والمجتمعي تُجسّد الكومنتاريا بوصفها استعادة للمعرفة المحلية، لا استيرادًا نظريًا.

عبر مقارنات نقدية مع السياقات المصرية، الأوروبية، واللاتينية، يُبيّن البحث تنوّع أشكال الكومنتاريا، ويقترح إطارًا تحليليًا لرصدها وتفعيلها، من خلال مؤشرات نوعية وأدوات متعددة تشمل الورقة، المنصة، والحوار. ويُختتم البحث بدعوة إلى تطوير "كومنتاريا مضادة" تُقاوم الاستلاب الرقمي، وتُعيد للمثقف موقعه كمنتج للوعي، لا مجرد ناقل للمعلومة

المقدمة

في ظل التحولات البنيوية التي يشهدها العالم المعاصر، لم تعد المعرفة مجرد نتاج تأملي أو تراكمي، بل أصبحت أداة مركزية في إعادة تشكيل السلطة، والوعي، والاقتصاد الرمزي. وبينما كانت البروليتاريا تمثل طبقة الصراع في عصر رأس المال الصناعي، تبرز اليوم "الكومنتاريا" كمفهوم جديد يُعيد تعريف موقع المثقف في عصر رأس المال الخوارزمي، حيث تتحول الخوارزميات إلى أدوات لإنتاج الذائقة، وتوجيه السلوك، وإعادة ترميز الواقع.

ظهر مصطلح "الكومنتاريا" في المقال التأسيسي لإبراهيم برسي بوصفه محاولة لتأطير طبقة معرفية جديدة، لا تكتفي بالتعليق أو التفسير، بل تسعى إلى إنتاج فائض من الوعي، في مواجهة فائض القيمة الذي شكّل جوهر الصراع الاقتصادي سابقًا. هذا التحول من اليد إلى العقل، ومن المصنع إلى المنصة، ومن الإنتاج المادي إلى الإنتاج الرمزي، يستدعي إعادة التفكير في دور المثقف، وفي أدواته، وفي علاقته بالسلطة.

ينطلق هذا البحث من قراءة تحليلية ونقدية للمقال التأسيسي، ويُعيد تفعيل المفهوم عبر نماذج تطبيقية من السياق العراقي، حيث تتداخل الأكاديمية بالمجتمعية، وتُنتج الكومنتاريا المحلية أدواتها الخاصة، بعيدًا عن الاستيراد النظري. كما يُقارن البحث هذه النماذج بسياقات دولية، في محاولة لرصد ملامح الكومنتاريا كممارسة معرفية عابرة للحدود، لكنها مشروطة بالسياق.

ويطرح البحث إشكالية مركزية: هل يمكن للكومنتاريا أن تكون أداة مقاومة معرفية في مواجهة الاستلاب الرقمي؟ وهل يستطيع المثقف أن يتحول من مستهلك للرمز إلى منتج له؟ وما هي المؤشرات التي يمكن من خلالها قياس أثر الكومنتاريا في الحقول الأكاديمية، والإعلامية، والسياسات العامة؟

من خلال هذه الأسئلة، يسعى البحث إلى بناء إطار تحليلي للكومنتاريا، يُمكّن من رصدها، وتفعيلها، وتوظيفها، بوصفها طبقة معرفية جديدة، لا تُكمل دور المثقف التقليدي، بل تُعيد صياغته.

الفصل الأول: الإطار النظري لمفهوم الكومنتاريا

1.1 تمهيد مفاهيمي

في ظل التحولات المعرفية والرقمية التي يشهدها العالم، لم تعد المعرفة مجرد نتاج تأملي أو تراكمي، بل أصبحت أداة مركزية في إعادة تشكيل السلطة، والوعي، والاقتصاد الرمزي. وبينما كانت البروليتاريا تمثل طبقة الصراع في عصر رأس المال الصناعي، تبرز اليوم "الكومنتاريا" كمفهوم جديد يُعيد تعريف موقع المثقف في عصر رأس المال الخوارزمي، حيث تتحول الخوارزميات إلى أدوات لإنتاج الذائقة، وتوجيه السلوك، وإعادة ترميز الواقع.

ظهر مصطلح "الكومنتاريا" في المقال التأسيسي لإبراهيم برسي بوصفه محاولة لتأطير طبقة معرفية جديدة، لا تكتفي بالتعليق أو التفسير، بل تسعى إلى إنتاج فائض من الوعي، في مواجهة فائض القيمة الذي شكّل جوهر الصراع الاقتصادي سابقًا. هذا التحول من اليد إلى العقل، ومن المصنع إلى المنصة، ومن الإنتاج المادي إلى الإنتاج الرمزي، يستدعي إعادة التفكير في دور المثقف، وفي أدواته، وفي علاقته بالسلطة.

1.2 من البروليتاريا إلى الكومنتاريا: تحولات المفهوم

في الفكر الكلاسيكي، كانت البروليتاريا تُعرّف بوصفها الطبقة العاملة التي تواجه رأس المال الصناعي داخل فضاء المصنع، مستخدمة اليد كأداة إنتاج، وساعية إلى انتزاع فائض القيمة من علاقات العمل. أما في العصر الرقمي، فإن أدوات الإنتاج لم تعد مادية فقط، بل رمزية وخوارزمية، حيث تنتقل ساحة الصراع من المصنع إلى المنصة، ومن اليد إلى العقل، ومن القيمة الاقتصادية إلى الوعي الرمزي.

في هذا السياق، لا تُعرّف الكومنتاريا بالانتماء الطبقي أو الاقتصادي، بل بالقدرة على إنتاج فائض من الوعي، عبر أدوات متعددة تشمل الورقة، والمنصة، والصوت، والصورة، والتفاعل النقدي. وهي بذلك لا تمثل امتدادًا للبروليتاريا، بل تحولًا نوعيًا في طبيعة الفاعل المعرفي، وفي أدواته، وفي علاقته بالسلطة.

1.3 رأس المال الخوارزمي: السلطة الجديدة

يشير رأس المال الخوارزمي إلى نمط جديد من السيطرة، لا يعتمد على الإنتاج المادي، بل على تنظيم المعرفة، وتوجيه السلوك، وصياغة الذائقة عبر الخوارزميات. في هذا السياق، يصبح المثقف معرضًا للاستلاب الرقمي، حيث تتحول المعرفة إلى سلعة، والمثقف إلى مستهلك للرمز، لا منتج له. وهنا، تبرز الكومنتاريا كممارسة مقاومة، تُعيد ترميز الواقع، وتُنتج أدوات تحليلية جديدة، وتُعيد للمثقف موقعه كفاعل رمزي مستقل.

1.4 خصائص الكومنتاريا كممارسة معرفية

تتميز الكومنتاريا بعدة خصائص تجعلها مختلفة عن الأدوار التقليدية للمثقف. فهي لا مركزية، لا تنتمي إلى مؤسسة محددة، بل تتشكل عبر التفاعل الحر في فضاءات متعددة. وهي متعددة الوسائط، تستخدم الورقة والمنصة والصوت والصورة والرمز، وتتحرك بين النص والتحليل والتفاعل. كما أنها جدلية، لا تكتفي بالتفسير، بل تُعيد إنتاج الأسئلة، وتُفكك المسلمات. وهي سياقية، تنطلق من الواقع المحلي، لكنها منفتحة على المقارنات العالمية، وتتحرك بين الخصوصية والانفتاح. والأهم، أنها تحويلية، تسعى إلى تحويل المعرفة إلى فعل، لا إلى تأمل فقط، وتُعيد للمثقف دوره بوصفه منتجًا للوعي، لا مجرد ناقل له.

الفصل الثاني: قراءة تحليلية في المقال التأسيسي لإبراهيم برسي

2.1 المقال بوصفه لحظة تأسيسية

يشكّل مقال إبراهيم برسي حول "الكومنتاريا" لحظة تأسيسية لمفهوم جديد في حقل الفكر النقدي، حيث لا يُقدَّم المصطلح بوصفه تعريفًا مغلقًا، بل بوصفه اقتراحًا مفتوحًا لتحويل دور المثقف من التعليق إلى الفعل، ومن التفسير إلى إعادة إنتاج الوعي. يتميز المقال بقدرته على الجمع بين التأمل الفلسفي والتحليل الاجتماعي، ما يمنحه قابلية التفعيل في سياقات متعددة، دون أن يفقد عمقه النظري.

2.2 المفاهيم المركزية في المقال

يتضمن المقال عدة مفاهيم محورية تُشكّل البنية النظرية للكومنتاريا، أبرزها:

- فائض الوعي: كمقابل رمزي لفائض القيمة، يُشير إلى قدرة المثقف على إنتاج معرفة تتجاوز الحاجة المباشرة، وتُعيد تشكيل الذائقة العامة.

- المنصة: بوصفها فضاءً جديدًا للصراع الرمزي، تنتقل فيه أدوات التأثير من الورقة إلى الخوارزمية، ومن الخطاب إلى التفاعل.

- التحول الرمزي: حيث يُعاد تعريف السلطة ليس فقط بوصفها احتكارًا للمعلومة، بل بوصفها قدرة على ترميز الواقع وإعادة إنتاجه.

هذه المفاهيم لا تُقدَّم بوصفها نظريات جاهزة، بل بوصفها أدوات تحليلية قابلة للتطوير، وهو ما يمنح المقال طابعه الجدلي والانفتاحي.

2.3 جدلية التأسيس والانفتاح

ما يميز المقال هو أنه لا يسعى إلى غلق المفهوم داخل تعريفات جامدة، بل يُعيد فتحه عبر دعوة ضمنية إلى التفاعل، والتطبيق، والتوسيع. وهذا ما يجعل الورقة البحثية الحالية امتدادًا للمقال، لا تعليقًا عليه؛ إذ تسعى إلى تفعيل المفهوم في السياق العراقي، وتحويله من مقولة تأملية إلى ممارسة تحليلية قابلة للرصد والملاحظة.

2.4 الكومنتاريا كدعوة للحوار

في ختام المقال، يُقدَّم المفهوم بوصفه مشروعًا مفتوحًا على الحوار، لا لحظة كتابية منتهية. وهذا ما يُفسّر استجابة الورقة البحثية الحالية، التي لا تكتفي بالشرح، بل تُعيد إنتاج المفهوم عبر نماذج محلية، ومقارنات دولية، واقتراحات منهجية. فالكومنتاريا، بهذا المعنى، ليست فقط طبقة معرفية، بل دعوة لتجديد أدوات التفكير، وتوسيع فضاء الفعل الرمزي.

الفصل الثالث: الكومنتاريا في السياق العراقي – بين الاستعادة والتفعيل

3.1 السياق العراقي بوصفه حقل اختبار حي

يمثل السياق العراقي بيئة خصبة لاختبار مفهوم "الكومنتاريا"، نظرًا لتعدد مستويات الصراع الرمزي، وتداخل الحقول الأكاديمية، المجتمعية، والإعلامية. ففي بلد يعاني من إرث طويل من التهميش المعرفي، ومن مركزيات خطابية مستوردة، تبرز الحاجة إلى طبقة معرفية محلية تُعيد إنتاج الوعي من داخل السياق، لا من خارجه.

الكومنتاريا هنا لا تُمارس بوصفها ترفًا فكريًا، بل بوصفها ضرورة رمزية، تُعيد للمثقف موقعه كفاعل في الحقل العام، وتمنحه أدوات جديدة للتأثير، خارج الأطر التقليدية للخطاب السياسي أو الأكاديمي.

3.2 النماذج الأكاديمية: الورش والمناهج والخطاب العام

في الحقل الأكاديمي، يمكن رصد ملامح الكومنتاريا في الورش التي تتجاوز التلقين، وتسعى إلى إنتاج معرفة نقدية، وفي المناهج التي تُعيد الاعتبار للسياق المحلي، وفي الخطاب العام الذي يتبناه بعض الأكاديميين في المنصات الرقمية، حيث يتحول الأستاذ الجامعي إلى فاعل رمزي، لا مجرد ناقل للمعلومة.

هذه النماذج، رغم محدوديتها، تُشير إلى إمكانية تفعيل الكومنتاريا داخل المؤسسات، بشرط أن تُعاد صياغة العلاقة بين المعرفة والسلطة، وأن يُمنح المثقف هامشًا حقيقيًا للتأثير.

3.3 النماذج المجتمعية: الإعلام البديل والمبادرات الشبابية

في الحقل المجتمعي، تبرز الكومنتاريا في الإعلام البديل، الذي يتجاوز الخطاب الرسمي، ويُعيد إنتاج الواقع من خلال سرديات محلية، وفي المبادرات الشبابية التي تستخدم المنصات الرقمية لتفكيك المسلمات، وإعادة ترميز القضايا العامة.

هذه النماذج لا تنتمي إلى مؤسسات تقليدية، بل تتشكل عبر التفاعل الحر، وتُعيد الاعتبار للمعرفة بوصفها فعلًا جماعيًا، لا احتكارًا نخبويًا. وهي بذلك تُجسد جوهر الكومنتاريا: إنتاج فائض من الوعي، لا استهلاك للرمز.

3.4 الكومنتاريا كاستعادة للمعرفة المحلية

ما يُميز الكومنتاريا في السياق العراقي هو أنها لا تُمارس بوصفها استيرادًا نظريًا، بل بوصفها استعادة لمصادر القوة الرمزية في السياق المحلي. فهي تُعيد الاعتبار للغة، للتجربة، وللرمز المحلي، وتُقاوم الاستلاب المعرفي الذي يُنتج مثقفًا تابعًا، لا فاعلًا.

وهنا، تبرز الكومنتاريا كممارسة مقاومة، تُعيد للمثقف موقعه، وتمنحه أدوات جديدة للتأثير، دون أن تفقد ارتباطها بالسياق، أو تنزلق نحو التبعية الرمزية.

الفصل الرابع: الكومنتاريا في السياقات الدولية – مقارنات نقدية

4.1 الكومنتاريا خارج المركز: ملاحظات أولية

رغم أن مفهوم "الكومنتاريا" لم يُصغ كمصطلح شائع في الأدبيات العالمية، إلا أن ممارساته الرمزية يمكن رصدها في سياقات متعددة، حيث يتقاطع دور المثقف مع أدوات التأثير الجديدة، ويتحوّل من ناقل للخطاب إلى منتج للوعي. هذه المقارنات لا تهدف إلى تعميم النموذج، بل إلى إبراز التنوع في أشكال التفعيل، وتحديد ما يمكن استعادته أو نقده في السياق العراقي.

4.2 مصر: المثقف الرقمي في مواجهة السلطة الرمزية

في السياق المصري، برزت الكومنتاريا عبر منصات رقمية مستقلة، حيث تحوّل المثقف إلى فاعل رمزي يستخدم الوسائط الجديدة لتفكيك الخطاب الرسمي، وإعادة إنتاج سرديات بديلة. ورغم التضييق السياسي، استطاعت بعض المبادرات أن تُعيد الاعتبار للمعرفة النقدية، وأن تُنتج محتوىً يُخاطب الجمهور العام بلغة بسيطة، دون أن يفقد عمقه التحليلي. هذه التجربة تُظهر كيف يمكن للكومنتاريا أن تتشكل خارج المؤسسات، وأن تُمارس بوصفها مقاومة رمزية، لا خطابًا نخبويًا.

4.3 أوروبا: المنصات النقدية المستقلة كمجال للكومنتاريا

في أوروبا، تتجلى الكومنتاريا في المنصات النقدية التي تُعيد إنتاج المعرفة خارج الجامعات، وتُخاطب جمهورًا متنوعًا، مستخدمة وسائط متعددة تشمل المقال، البودكاست، الفيديو، والنقاشات المفتوحة. هذه المنصات لا تُعرّف نفسها بوصفها بديلًا أكاديميًا، بل بوصفها فضاءً ثالثًا، يُعيد الاعتبار للجدل، ويُنتج معرفة غير خاضعة للتمويل المؤسسي أو التوجيه السياسي. وهي بذلك تُجسد الكومنتاريا بوصفها ممارسة مستقلة، تُعيد للمثقف حريته الرمزية، وتُفعّل أدواته خارج الأطر التقليدية.

4.4 أمريكا اللاتينية: المثقف المقاوم كفاعل رمزي

في أمريكا اللاتينية، يُمارَس دور الكومنتاريا من خلال المثقف المقاوم، الذي لا يكتفي بالتحليل، بل ينخرط في الفعل السياسي والاجتماعي، مستخدمًا المعرفة بوصفها أداة للتغيير. هذه التجربة تُظهر كيف يمكن للكومنتاريا أن تتجاوز المنصة، لتتحول إلى ممارسة ميدانية، تُعيد ترميز الواقع من خلال الاحتكاك المباشر، لا فقط عبر الخطاب. وهي بذلك تُقدّم نموذجًا للكومنتاريا المتجذرة في السياق، والمُنخرطة في الصراع، دون أن تفقد استقلالها المعرفي.

4.5 ملاحظات ختامية

تُظهر هذه المقارنات أن الكومنتاريا ليست نموذجًا واحدًا، بل ممارسة متعددة الأشكال، تتكيف مع السياق، وتُعيد إنتاج أدواتها حسب الحاجة. وهي بذلك تُقدّم للمثقف العراقي فرصة لتفعيل دوره، دون أن يُستلب بنماذج مستوردة، أو يُقيَّد بخطابات جاهزة. فالكومنتاريا، في جوهرها، دعوة لإعادة إنتاج الذات المعرفية، عبر أدوات محلية، ومنصات مفتوحة، وسرديات مقاومة.

الفصل الخامس: الاستلاب الرقمي والكومنتاريا المضادة

5.1 المعرفة كسلعة: من الإنتاج إلى الاستهلاك

في ظل تصاعد رأس المال الخوارزمي، لم تعد المعرفة تُنتج بوصفها فعلًا نقديًا أو تأمليًا، بل أصبحت تُصاغ وتُوزّع وفق منطق السوق، حيث تُقاس قيمتها بعدد النقرات، والمشاهدات، والتفاعلات. هذا التحول يُعيد تشكيل موقع المثقف، الذي بات مهددًا بالتحول إلى مستهلك للرمز، لا منتج له؛ إذ تُعاد صياغة الذائقة عبر خوارزميات تُفضّل التبسيط، وتُقصي التعقيد، وتُعيد إنتاج المسلمات.

في هذا السياق، يُصبح الاستلاب الرقمي شكلًا جديدًا من السيطرة، لا يُمارَس عبر القمع المباشر، بل عبر الإغراق الرمزي، حيث تُحوّل المعرفة إلى محتوى، والمحتوى إلى سلعة، والسلعة إلى أداة لإعادة إنتاج الوعي المُعلّب.

5.2 المثقف بين التفاعل والتفكيك

يجد المثقف نفسه اليوم أمام خيارين: إما الانخراط في منطق المنصة بوصفه منتج محتوى، أو الانكفاء داخل فضاءات مغلقة لا تُخاطب الجمهور العام. هذا التوتر يُعيد طرح سؤال الكومنتاريا: هل يمكن للمثقف أن يُعيد ترميز الواقع، دون أن يُستلب داخل منطق الخوارزمية؟ وهل يمكن للكومنتاريا أن تُمارَس بوصفها مقاومة رمزية، لا مجرد تفاعل رقمي؟

الكومنتاريا، بهذا المعنى، لا تُعرّف فقط بالقدرة على إنتاج المعرفة، بل بالقدرة على تفكيك أدوات إنتاجها، وعلى إعادة صياغة العلاقة بين الرمز والمتلقي، بحيث يُصبح المثقف فاعلًا في تشكيل الذائقة، لا تابعًا لها.

5.3 نحو كومنتاريا مضادة

في مواجهة الاستلاب الرقمي، تبرز الحاجة إلى "كومنتاريا مضادة"، تُعيد الاعتبار للمعرفة بوصفها فعلًا نقديًا، وتُنتج أدوات جديدة للتأثير، دون أن تُستلب داخل منطق السوق. هذه الكومنتاريا لا تكتفي بالتفاعل، بل تُعيد إنتاج الأسئلة، وتُفكك المسلمات، وتُقاوم التبسيط المُفرط، وتُعيد الاعتبار للتعقيد بوصفه ضرورة رمزية.

الكومنتاريا المضادة تُمارَس عبر الورقة، والمنصة، والنقاش، والمبادرة، وهي بذلك تُعيد للمثقف موقعه كمنتج للوعي، لا مجرد نرائع يا دكتور عبد الجليل، إليك الآن صياغة الفصل السادس، الذي يُكمل البناء النظري والتطبيقي للبحث، ويُمهّد للملخص التنفيذي والملحقات المقترحة:

الفصل السادس: نحو إطار تحليلي للكومنتاريا – من الرصد إلى التفعيل

6.1 الحاجة إلى أدوات قياس جديدة

إذا كانت الكومنتاريا تُعرّف بوصفها ممارسة معرفية تُنتج فائضًا من الوعي، فإن رصدها لا يمكن أن يتم عبر أدوات القياس التقليدية التي تعتمد على الكم أو الانتشار فقط. فالتأثير الرمزي لا يُقاس بعدد المتابعين أو مرات النشر، بل بقدرة الفاعل المعرفي على إعادة إنتاج الأسئلة، وتفكيك المسلمات، وتوسيع أفق النقاش العام.

من هنا، تبرز الحاجة إلى أدوات قياس نوعية، تُراعي السياق، وتُفكك العلاقة بين الشكل والمضمون، وتُعيد الاعتبار للعمق التحليلي، لا فقط للانتشار الرقمي.

6.2 مؤشرات أولية لرصد الكومنتاريا

يمكن اقتراح مجموعة من المؤشرات الأولية لرصد الكومنتاريا، منها:

- قدرة الفاعل المعرفي على إنتاج محتوى يُعيد صياغة الأسئلة العامة

- استخدام وسائط متعددة دون فقدان العمق التحليلي

- الانخراط في النقاش العام دون التماهي مع الخطاب السائد

- استدعاء السياق المحلي بوصفه مصدرًا للتحليل، لا مجرد خلفية

- إنتاج معرفة قابلة للتوظيف في التعليم، الإعلام، والسياسات العامة

هذه المؤشرات لا تهدف إلى تصنيف الفاعلين، بل إلى فهم طبيعة الممارسة، وتحديد إمكانات التفعيل، ومواقع التأثير.

6.3 أدوات التفعيل: الورقة، المنصة، الحوار

تُمارَس الكومنتاريا عبر أدوات متعددة، أبرزها:

- الورقة: بوصفها فضاءً للتأمل والتحليل، تُعيد إنتاج المفاهيم، وتُقدّم نماذج قابلة للتطبيق

- المنصة: بوصفها وسيلة للتفاعل والتوزيع، تُعيد تشكيل الذائقة، وتُخاطب جمهورًا متنوعًا

- الحوار: بوصفه أداة للتفكيك والتوسيع، يُعيد الاعتبار للجدل، ويُنتج معرفة جماعية

هذه الأدوات لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل تتكامل لتُنتج ممارسة معرفية متعددة الأبعاد، تُعيد للمثقف موقعه كمنتج للوعي، لا مجرد ناقل للمعلومة.

6.4 إمكانات التوظيف في الحقول العامة

يمكن للكومنتاريا أن تُوظَّف في عدة حقول، منها:

- التعليم: عبر إعادة صياغة المناهج لتُراعي السياق، وتُنتج معرفة نقدية

- الإعلام: عبر إنتاج محتوى يُعيد الاعتبار للسردية المحلية، ويُفكك الخطاب الرسمي

- السياسات العامة: عبر تقديم تحليلات تُراعي التعقيد، وتُعيد الاعتبار للمعرفة بوصفها أداة للتخطيط، لا فقط للتبرير

وهكذا، تُصبح الكومنتاريا ممارسة قابلة للتفعيل، لا فقط للتأمل، وتُقدّم للمثقف أدوات جديدة للتأثير، دون أن يفقد استقلاله الرمزي.

***   

الدكتور عبد الجليل حسن البدري

......................

الملاحق

فيما يلي اقترحات لغرض المضي قدماً لانجاز البحث  من خلال صفحتكم الموقرة ان وافقتم على تبنيها مع الشكر .

أولًا المقابلات النوعية – دليل الأسئلة المقترح

الهدف: فهم كيف يُمارس المثقفون أو الفاعلون المعرفيون أدوارهم في مواجهة رأس المال الرمزي والخوارزمي، وهل يعرّفون أنفسهم ضمن ما يمكن تسميته بالكومنتاريا.

الفئات المستهدفة:

- أكاديميون مستقلون

- ناشطون ثقافيون

- إعلاميون نقديون

- فاعلون في المنصات الرقمية

- مفكرون محليون في إفريقيا، أوروبا، أمريكا اللاتينية، آسيا، وأستراليا

الأسئلة المقترحة:

1. كيف تُعرّف دورك المعرفي في مجتمعك؟

2. هل ترى أن المنصة الرقمية غيّرت طبيعة تأثيرك؟ كيف؟

3. هل تشعر أن المعرفة أصبحت سلعة؟ وكيف تتعامل مع هذا التحول؟

4. ما الأدوات التي تستخدمها لإنتاج الوعي؟ وهل تراها فعالة؟

5. هل ترى نفسك جزءًا من طبقة معرفية جديدة؟ كيف تصفها؟

6. ما التحديات التي تواجهها في إيصال خطابك النقدي؟

7. هل تعتقد أن السياق المحلي يمنحك أدوات خاصة؟ أم يقيّدك؟

8. ما رأيك في فكرة "الكومنتاريا" كممارسة معرفية؟ هل تجدها ملهمة أو قابلة للتطبيق؟

ثانيًا: الاستبيان الدولي – صيغة إلكترونية قابلة للتوزيع

عنوان الاستبيان:

"المثقف في عصر الخوارزمية: هل نحن أمام طبقة معرفية جديدة؟"

نوع الأسئلة: مزيج من أسئلة مغلقة (اختيار من متعدد) وأسئلة مفتوحة

محاور الاستبيان:

1. الخلفية العامة (البلد، المجال، نوع النشاط المعرفي)

2. أدوات التأثير المستخدمة (ورقة، منصة، حوار، محتوى رقمي)

3. الموقف من تسليع المعرفة (موافق، متحفظ، رافض)

4. تعريف الذات المعرفية (مثقف تقليدي، فاعل رقمي، كومنتاريا، غير ذلك)

5. تقييم العلاقة مع السلطة الرمزية (مواجهة، تفاعل، حياد، تبعية)

6. رأي في مفهوم الكومنتاريا (مفيد، غامض، قابل للتطبيق، غير مناسب)

7. اقتراحات لتفعيل الكومنتاريا في السياق المحلي

صيغة التوزيع:

يمكن تحويله إلى نموذج Google Form أو Microsoft Forms، مع إمكانية الترجمة إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية حسب المناطق المستهدفة.

ثالثًا: نموذج دعوة للمشاركة

نص مقترح:

تحية طيبة،

نحن بصدد إنجاز بحث فكري حول مفهوم "الكومنتاريا" كممارسة معرفية جديدة تُعيد تعريف موقع المثقف في عصر رأس المال الخوارزمي. نسعى إلى إشراك فاعلين معرفيين من مختلف القارات في هذا المشروع، عبر مقابلات نوعية واستبيان دولي.

نأمل أن تساهموا برأيكم وتجربتكم، دعمًا لحوار عالمي حول المعرفة، السلطة، والمنصة.

يمكنكم المشاركة عبر الرابط التالي:

 [[email protected]]

ولمن يرغب في مقابلة نوعية، نرجو التواصل معنا عبر البريد:

[[email protected]]

مع خالص التقدير،

د. عبد الجليل البدري – امريكا

***

الاستبيان الدولي:

عنوان الاستبيان:

المثقف في عصر الخوارزمية: هل نحن أمام طبقة معرفية جديدة؟

الهدف:

استطلاع آراء الفاعلين المعرفيين حول مفهوم "الكومنتاريا"، وتحولات دور المثقف في ظل رأس المال الخوارزمي.

الأسئلة المقترحة:

القسم الأول: معلومات عامة

1. البلد الذي تقيم فيه

2. المجال الذي تعمل فيه (أكاديمي، إعلامي، ثقافي، رقمي، غير ذلك)

3. هل تعتبر نفسك فاعلًا معرفيًا؟ (نعم / لا / إلى حد ما)

القسم الثاني: أدوات التأثير

4. ما الأدوات التي تستخدمها للتأثير المعرفي؟ (اختر ما ينطبق)

- ورقة بحثية

- منصة رقمية

- محاضرات أو ورش

- محتوى مرئي أو صوتي

- حوارات مباشرة

- غير ذلك: _______

5. هل ترى أن المنصات الرقمية غيّرت طبيعة دورك؟ (نعم / لا / جزئيًا)

6. ما التحديات التي تواجهها في إيصال خطابك النقدي؟ (إجابة مفتوحة)

القسم الثالث: الموقف من المعرفة والسلطة

7. هل ترى أن المعرفة أصبحت سلعة؟ (نعم / لا / لا أعرف)

8. كيف تصف علاقتك بالسلطة الرمزية؟

- مواجهة

- تفاعل نقدي

- حياد

- تبعية مؤسسية

- غير ذلك: _______

القسم الرابع: الكومنتاريا كمفهوم

9. هل سمعت بمصطلح "الكومنتاريا" من قبل؟ (نعم / لا)

10. هل ترى نفسك جزءًا من طبقة معرفية جديدة؟ (نعم / لا / غير متأكد)

11. ما رأيك في مفهوم الكومنتاريا؟

- ملهم وقابل للتطبيق

- غامض ويحتاج توضيح

- غير مناسب للسياق

- غير ذلك: _______

12. ما اقتراحك لتفعيل الكومنتاريا في السياق المحلي؟ (إجابة مفتوحة)

ترجمة الدعوة إلى اللغات المتعددة

English

Invitation t- Participate

We are conducting a global research project on the concept of “Commentaria” as a new intellectual practice in the age of algorithmic power. We invite thinkers, educators, activists, and digital creators from all continents t- share their insights through a short survey and/or interview.

Your voice matters in shaping a new understanding of knowledge, influence, and symbolic resistance.

Survey link: [[email protected]]

For interviews, please contact: [[email protected]]

With appreciation,

Dr. Abduljalil Al-Badri – Iraq

Français

Invitation à participer

Nous menons une recherche internationale sur le concept de « Commentaria » en tant que pratique intellectuelle émergente à l’ère du pouvoir algorithmique. Nous invitons des penseurs, éducateurs, activistes et créateurs numériques de tous les continents à partager leurs perspectives via un court sondage ou une interview.

Votre voix est essentielle pour redéfinir le rôle du savoir et de la résistance symbolique.

Lien du sondage : [[email protected]]

Pour les entretiens : [[email protected]]

Avec nos remerciements,

Dr Abduljalil Al-Badri – Irak

Español

Invitación a participar

Estamos desarrolland- una investigación global sobre el concept- de “Commentaria” com- práctica intelectual emergente en la era del poder algorítmico. Invitamos a pensadores, educadores, activistas y creadores digitales de todos los continentes a compartir sus ideas a través de una breve encuesta - entrevista.

Tu voz es clave para redefinir el papel del conocimient- y la resistencia simbólica.

Enlace de la encuesta: [[email protected]]

Para entrevistas: [[email protected]]

Con aprecio,

Dr. Abduljalil Al-Badri – Irak

Deutsch

Einladung zur Teilnahme

Wir führen ein weltweites Forschungsprojekt zum Konzept der „Commentaria“ als neue intellektuelle Praxis im Zeitalter algorithmischer Macht durch. Wir laden Denker, Pädagogen, Aktivisten und digitale Kreative aus allen Kontinenten ein, ihre Perspektiven durch eine kurze Umfrage oder ein Interview zu teilen.

Ihre Stimme zählt bei der Neudefinition von Wissen, Einfluss und symbolischem Widerstand.

Umfragelink: [[email protected]]

Für Interviews: [[email protected]]

Mit Dank,

Dr. Abduljalil Al-Badri – Irak

حين نتأمل خارطة الأدب العربي الحديث، نشعر وكأننا أمام فسيفساء مذهلة الجمال، ألوانها متعددة، وأحجارها موزعة من بغداد إلى الرباط، ومن القاهرة إلى صنعاء. غير أن هذه اللوحة، على بهائها، تبدو مفككة؛ ينقصها ذلك الإطار الجامع الذي يبرز تناغمها ويكشف عن صورتها الكاملة. نحن نقرأ شعراً يهتف بالحرية في بيروت، ونصوصاً تسائل الهوية في المغرب، وروايات تفضح الاستبداد في القاهرة، لكننا قلما نقرأ هذه الأصوات معاً بوصفها أجزاء من سيمفونية واحدة.

كأن الحدود السياسية التي قسمت الجغرافيا العربية، امتدت أيضاً إلى وعينا النقدي، فصارت كل تجربة أدبية تدرس في معزل، وكأنها لا تشارك الأخرى همها ولا تحاورها في قضاياها. هكذا أصبح النقد العربي، في كثير من الأحيان، شبيهاً بجزر متناثرة في بحر واحد، لا يربطها جسر ولا يظللها سقف مشترك.

في هذا الفراغ، يعلو صوت سؤال جوهري: لماذا عجزنا عن كتابة تاريخ شامل للأدب العربي الحديث، ونحن الذين نتقاسم لغة واحدة وتراثاً حضارياً متشابكاً؟ أهو قصور في الرؤية النقدية، أم انعكاس لواقع سياسي مزمن؟ هنا تتبدى الإشكالية التي يثيرها الدكتور سعد البازعي: أزمة القطرية النقدية، أو بالأحرى غياب "العين الجامعة" القادرة على رؤية المشهد الأدبي العربي ككل متفاعل حي، لا كأشلاء متفرقة على خرائط الدول.

التشرذم

يثير الدكتور سعد البازعي، بعمق نظرته النقدية، مسألة ليست محصورة في حقل الأدب وحده، بل تنسحب على كامل الوعي الثقافي العربي: غياب الرؤية الشاملة في دراسة الأدب العربي الحديث. هذه الإشكالية، وإن بدت للوهلة الأولى شأناً أكاديمياً محضاً، إلا أنها في جوهرها مرآة لتمزق الذات العربية، وانعكاس مباشر لحالة التجزئة السياسية والفكرية التي يعيشها العالم العربي منذ قرون.

إن المطالبة بكتابة تاريخ شامل للأدب العربي الحديث، كما يقترح البازعي، ليست مجرد ترف بحثي، بل هي محاولة لإعادة وصل ما انقطع بين أطراف الجسد الثقافي الواحد. إنها معركة لاستعادة الذاكرة المشتركة، وإعادة بناء الهوية الثقافية التي تهشمت تحت وطأة الحدود السياسية والإقليمية.

المفارقة

رغم أن العرب يملكون لغة موحدة، هي من أعرق لغات العالم وأكثرها تجذراً وقدرة على التعبير، إلا أن هذه اللغة لم تترجم إلى وحدة نقدية أو رؤية شاملة للأدب. لقد تحولت إلى وعاء ضخم تملؤه نصوص متفرقة، دون وجود "عين نقدية جامعة" تتأمل المشهد في كليته.

هنا تكمن المفارقة الكبرى: لغة واحدة، لكنها موزعة على وعي نقدي مجزأ. نصوص من القاهرة أو بغداد أو الدار البيضاء تتجاور على الورق، لكنها تقرأ بمعايير محلية ضيقة. وكأن الشعر العراقي لم يؤثر في مصر، أو كأن الرواية المغربية لم تترك بصمتها في الخليج. الحقيقة أن التأثيرات متبادلة، لكن النقد القطري يحجبها، فلا نراها إلا بوصفها جزراً معزولة.

جزر منعزلة

حين نتحدث عن "الرواية المصرية" أو "الشعر العراقي" أو "القصة الخليجية"، فإننا نكرس وعياً تجزيئياً لا يعكس الحقيقة. فالتجارب الأدبية، مهما بدت محلية، هي في جوهرها جزء من حركة عربية واحدة. ألم يكن تأثير نجيب محفوظ يتجاوز حدود مصر ليلهم أجيالاً في المغرب العربي والخليج؟ ألم يهز شعر السياب ونازك الملائكة الذائقة العربية بأسرها؟

إن هذا الفصل المصطنع بين الآداب القطرية يجعل النقد أشبه بعالم أحياء يقسم الغابة إلى أقفاص، فيفقد القدرة على رؤية الحياة المشتركة التي تنبض فيها. بينما الأدب العربي، في جوهره، منظومة واحدة تتشارك القضايا والهموم: الحداثة، الحرية، الهوية، المرأة، الاستبداد. هذه ليست قضايا محلية، بل أسئلة وجودية تعني كل عربي، مهما اختلفت الجغرافيا.

المعضلة والحل

إن غياب الرؤية الشاملة لا يحرمنا فقط من صورة كلية للأدب العربي، بل يفقدنا القدرة على فهم دينامياته الداخلية. كيف يمكن أن ندرس "الرواية الجديدة" في الأردن دون ربطها بما جرى في مصر ولبنان؟ وكيف نقيم صعود "شعر التفعيلة" إذا لم نتابع مساره من بغداد إلى دمشق والقاهرة والرباط؟

بهذا الغياب، نكون كمن ينظر إلى النهر من خلال قطرة ماء، أو يقرأ التاريخ من خلال صفحة واحدة. النقد القُطري يحبسنا في زاوية ضيقة، بينما الأدب في حقيقته حركة واسعة، تيار متدفق لا يعترف بالحدود.

المقارنة مع التجربة الأوروبية تكشف عمق الهوة. في أوروبا، ورغم تعدد اللغات والثقافات، نشأت دراسات شاملة مثل "الرواية الأوروبية في القرن التاسع عشر" أو "المسرح الأوروبي الحديث". هناك وعي بأن الأدب يتجاوز الحدود الوطنية، وأن التيارات الفكرية والفنية تنتقل وتتلاقح عبر القارات.

أما نحن، فرغم توحدنا اللغوي والتاريخي، ما زلنا نجزئ أدبنا كأننا جزر معزولة. الأدب العربي عند الأوروبيين، في غياب دراسات شاملة، يبدو مجرد فسيفساء مبعثرة، يسهل تجاهلها أو قراءتها قراءة مبتورة.

جوهر المسألة

لا يمكن فصل الأزمة عن سياقاتها السياسية والتاريخية. فالقطرية الأدبية هي الابن الشرعي للقطرية السياسية. الحدود التي رسمها الاستعمار لم تبق على الخرائط فقط، بل تسللت إلى عقولنا، وأصبحت جزءاً من وعينا النقدي.

لقد غرق النقاد العرب في التخصص المفرط: خبير في الأدب التونسي، وآخر في الرواية السعودية، وثالث في الشعر المغربي. ورغم أن التخصص له فوائده، إلا أن الإفراط فيه أدى إلى انسداد الرؤية الشاملة. فالموسوعية غابت، وحل محلها "التمحور حول الذات المحلية".

ماذا سنخسر؟

إن استمرار هذا الغياب يترتب عليه خسائر جسيمة:

1.  خسارة البعد المقارن: الأدب لا يفهم إلا في سياق مقارن. غياب هذا البعد يجعل النقد ناقصاً، وكأننا نحكم على متسابق ركض في مضمار صغير بدلاً من ساحة كبرى.

2.  غياب الحوار الداخلي: حين يكتب كل قطر عن أدبه فقط، يغيب التفاعل بين التجارب، فتسير الرواية في الخليج بمعزل عن مصر أو المغرب، مما يبطئ التطور ويضعف عملية الفرز النقدي.

3.  تبديد المشترك: تضخيم الفروق الثانوية وإهمال الجوهر الواحد يجعل الأدب العربي يبدو أمام العالم مجموعة آداب محلية لا رابط بينها، بينما هو في حقيقته كيان حضاري متكامل.

الأفق الجديد

الخروج من هذا المأزق لا يتم بالندوات العابرة أو البيانات الشكلية، بل يتطلب مشروعاً حضارياً طويل الأمد. ثمة خطوات عملية يمكن البدء بها:

- بناء مشروع موسوعي: مشروع عربي ضخم لتأريخ الأدب الحديث بمشاركة باحثين من مختلف الأقطار، شبيه بالموسوعات الأوروبية.

- إصلاح المناهج الأكاديمية: فرض مساقات عن "الأدب العربي الحديث" بوصفه كلاً متكاملاً، وتشجيع الدراسات المقارنة.

- تفعيل المجلات المتخصصة: أن تخصص أقساماً ثابتة للظواهر الأدبية المشتركة عربياً، وتشجع على الدراسات العابرة للحدود.

- توظيف المناهج الحديثة: مثل نظرية الحقول (بورديو) أو المنظومات (إيفن زوهار)، لفهم الأدب العربي كحقل متفاعل تتقاطع فيه المراكز والأطراف.

المقاومة لاستعادة الوعي

إن السعي إلى كتابة تاريخ شامل للأدب العربي هو في جوهره فعل مقاومة: مقاومة للتجزئة، للتبعية، وللقبول بالوضع القائم كقدر محتوم. إنه إعلان بأن الثقافة العربية، بما تحمله من تنوع وغنى، قادرة على أن تكون جسراً يوحد حين تفشل السياسة.

النقد، حين يكون شاملاً، لا يلغي التعدد، بل يضعه في إطار واحد، كألوان لوحة فنية. وحده هذا النقد يستطيع أن يعيد إلينا وعينا الجمعي، ويمنحنا القدرة على مخاطبة العالم من موقع الندية، لا التبعية.

حين نتمكن من قراءة الأدب العربي ككيان واحد، بجذوره الراسخة في التراث، وساقه المتمثل في اللغة، وفروعه المثمرة الممتدة من المحيط إلى الخليج، سنكون قد استعدنا وعينا بأنفسنا. هذه ليست مهمة جيل مضى، بل مسئولية الحاضر. فالنقاد اليوم مطالبون بجرأة فكرية وموسوعية واسعة، كي يكتبوا القصة الكبرى: قصة أدب عربي حديث، يحلم ويقاوم ويصنع مستقبلاً مشتركاً.

سؤال حائر

في النهاية، يبقى السؤال: هل نستطيع أن نتجاوز القطرية النقدية لنرى الأدب العربي في كليته؟ الجواب رهن بإرادتنا الثقافية. فالوحدة التي عجزت عنها السياسة، تستطيع الثقافة أن تبدأ في صياغتها، لا كشعار بل كممارسة. واللحظة التي نجرؤ فيها على أن نرى الأدب كشجرة واحدة، جذورها ضاربة في عمق التاريخ، وأغصانها مثمرة فوق كل أرض عربية، ستكون لحظة ميلاد وعي جديد.

هذا هو التحدي الذي طرحه البازعي، وهو نداء للجيل الحالي: أن يتحمل المسئولية في بناء مشروع ثقافي عربي شامل، يضع الأدب العربي في مكانه الطبيعي بين آداب العالم الكبرى، لا كأصوات متفرقة، بل كجوقة واحدة، تغني بلغة واحدة، وتحلم بمستقبل مشترك.

***

د. عبد السلام فاروق

 

لمواكبة الراهن المعرفي العالمي

مقدمة: الفلسفة هي أداة معرفية أساسية لفهم الواقع، تحليل التحديات، وصياغة رؤى جديدة تُسهم في تطوير المجتمعات. في السياق العربي، حيث تواجه الثقافة تحديات معقدة تتعلق بالهوية، العولمة، التكنولوجيا، والتغيرات الاجتماعية، تبرز الفلسفة كوسيلة لتقديم إضافة فكرية تمكّن الثقافة العربية من مواكبة الراهن المعرفي العالمي. يُقصد بالراهن المعرفي العالمي تلك الديناميكيات الفكرية والعلمية التي تشكلها التطورات في العلوم، التكنولوجيا، الأخلاقيات، والفلسفات المعاصرة (مثل ما بعد الحداثة، السياسة الحيوية، والفلسفة الرقمية). تهدف هذه الدراسة الأكاديمية إلى استكشاف مدى مساهمة الفلسفة في تعزيز الثقافة العربية، من خلال تحليل دورها في تعميق التفكير النقدي، إعادة صياغة الهوية، ومواجهة التحديات المعاصرة، مع التركيز على السياقات التاريخية والمعاصرة. إلى أي مدى تساعد الفلسفة في تقديم الإضافة الفكرية للثقافة العربية لمواكبة الراهن المعرفي العالمي؟ وبماذا يتم تعريف المفاهيم الأساسية؟

الفلسفة

الفلسفة هي التأمل العقلاني النقدي في الوجود، المعرفة، الأخلاق، والمجتمع. تُعنى بطرح الأسئلة الأساسية حول الإنسان، العالم، والعلاقة بينهما، وتسعى إلى تقديم إطار نظري لفهم الواقع وتوجيه السلوك.

الثقافة العربية

الثقافة العربية هي المجموعة المتكاملة من القيم، المعتقدات، الفنون، والممارسات الفكرية التي تشكل هوية المجتمعات العربية. تتميز بتنوعها الداخلي (بين الدول العربية) وتأثرها بالتراث الإسلامي، التاريخ، والتحديات المعاصرة مثل العولمة والتكنولوجيا.

الراهن المعرفي العالمي

يشير إلى التطورات الفكرية والعلمية في العصر الحديث، مثل:

العلوم والتكنولوجيا: الذكاء الاصطناعي، البيانات الضخمة، والتكنولوجيا الحيوية.

الفلسفات المعاصرة: ما بعد الحداثة، السياسة الحيوية، الفلسفة البيئية، والفلسفة الرقمية.

التحديات الأخلاقية والاجتماعية: قضايا العدالة، المساواة، تغير المناخ، والهجرة.

الإضافة الفكرية

تشير إلى المساهمات المعرفية التي تُعزز قدرة الثقافة على التفكير النقدي، التكيف مع التغيرات، وإنتاج حلول مبتكرة للتحديات.

الأسس التاريخية لدور الفلسفة في الثقافة العربية

الفلسفة في العصر الذهبي العربي الإسلامي

خلال العصر العباسي (القرن 8-13)، لعبت الفلسفة دورًا محوريًا في الثقافة العربية الإسلامية. فلاسفة مثل الفارابي، ابن سينا، وابن رشد نقلوا الفلسفة اليونانية (أرسطو، أفلاطون) إلى السياق الإسلامي، وقدموا إضافات فكرية في مجالات المنطق، الميتافيزيقا، والأخلاق.

مثال: الفارابي في المدينة الفاضلة قدم رؤية فلسفية لتنظيم المجتمع بناءً على العقل، مما ساعد في صياغة مفهوم الحكم العادل.

هذه الفترة أظهرت قدرة الفلسفة على دمج الثقافة العربية مع المعارف العالمية، مما ساهم في النهضة العلمية والفكرية.

تراجع الفلسفة في العصور الوسطى

بعد القرن الثالث عشر، تراجع دور الفلسفة في الثقافة العربية بسبب الصراعات الفكرية (مثل نقد الغزالي للفلسفة في تهافت الفلاسفة) وتغلب التفسيرات التقليدية على التفكير النقدي.

هذا التراجع أدى إلى فجوة بين الثقافة العربية والتطورات المعرفية في الغرب، خاصة خلال عصر التنوير.

إحياء الفلسفة في العصر الحديث

في القرنين التاسع عشر والعشرين، شهدت الثقافة العربية نهضة فكرية (اليقظة العربية) مع مفكرين مثل محمد عبده، جمال الدين الأفغاني، الكواكبي وطه حسين، الذين استخدموا الفلسفة لتحليل قضايا الحداثة والهوية.

في الوقت الحاضر، يظهر اهتمام متجدد بالفلسفة في الجامعات العربية والمراكز الفكرية، مع التركيز على الفلسفات المعاصرة.

دور الفلسفة في تقديم الإضافة الفكرية

تعزيز التفكير النقدي

الأهمية: الفلسفة تُعلم التفكير النقدي من خلال طرح الأسئلة الأساسية وتحليل الافتراضات. على سبيل المثال، الفلسفة التحليلية (مثل أعمال لودفيغ فيتغنشتاين) تُشجع على التدقيق في المفاهيم واللغة.

في السياق العربي: التفكير النقدي يُمكّن الثقافة العربية من مواجهة قضايا مثل التطرف، الاستبداد، والتخلف العلمي. على سبيل المثال، يمكن للفلسفة أن تُحلل الخطابات الدينية أو السياسية بشكل نقدي لتفكيك الدوغمائية.

التطبيق المعاصر: في مواجهة التضليل الإعلامي على منصات رقمية، يمكن للفلسفة أن تُوفر أدوات لتحليل المعلومات وتمييز الحقيقة من الدعاية.

إعادة صياغة الهوية الثقافية

الأهمية: الفلسفة تساعد في إعادة تعريف الهوية في سياق العولمة. على سبيل المثال، فلسفة ما بعد الاستعمار (مثل أعمال إدوارد سعيد) تُحلل تأثير الاستعمار على الهوية العربية.

في السياق العربي: الثقافة العربية تواجه توترًا بين الحفاظ على الهوية التراثية والتكيف مع الحداثة. الفلسفة يمكن أن تُقدم إطارًا للتوفيق بين هذين البعدين، مثلما فعل محمد عابد الجابري في نقد العقل العربي، حيث دعا إلى إعادة قراءة التراث بنهج نقدي.

التطبيق المعاصر: الفلسفة يمكن أن تُساعد في صياغة هوية عربية معاصرة توازن بين القيم الإسلامية والتحديات العالمية مثل العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان.

مواجهة التحديات المعاصرة

التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: الفلسفة الرقمية (مثل أعمال لوسيانو فلوريدي) تُقدم إطارًا لفهم تأثير الذكاء الاصطناعي على المجتمع العربي، مثل قضايا الخصوصية أو التحيز في الخوارزميات.

تغير المناخ: الفلسفة البيئية تُساعد في صياغة أخلاقيات بيئية تُعزز الوعي الإيكولوجي في المجتمعات العربية، خاصة في مناطق تعاني من التصحر أو نقص المياه.

العدالة الاجتماعية: فلسفات مثل نظرية العدالة لجون رولز يمكن أن تُلهم سياسات تُعالج التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية في العالم العربي.

تعزيز الحوار العالمي

الفلسفة تُمكّن الثقافة العربية من المشاركة في الحوار الفكري العالمي من خلال تقديم وجهات نظر متميزة. على سبيل المثال، يمكن للفلسفة الإسلامية أن تُسهم في مناقشات حول الأخلاقيات العالمية أو الفلسفة البيئية. مفكرون عرب معاصرون مثل حسن حنفي (في التراث والتجديد) حاولوا بناء جسور بين الفلسفة العربية والغربية، مما يُعزز مكانة الثقافة العربية في الراهن المعرفي.

حدود مساهمة الفلسفة في الثقافة العربية

التحديات الثقافية والاجتماعية

الدوغمائية: بعض التيارات الثقافية في العالم العربي ترفض الفلسفة كـ"بدعة" أو تهديد للتقاليد، مما يُعيق انتشارها.

ضعف التعليم الفلسفي: الفلسفة غالبًا ما تُهمل في المناهج التعليمية العربية، مما يحد من قدرة الأفراد على التفكير النقدي.

السيطرة السياسية: الأنظمة السياسية في بعض الدول العربية قد تُقيد حرية التفكير الفلسفي، خاصة إذا تناول قضايا حساسة مثل الدين أو السلطة.

الفجوة مع الراهن المعرفي

الثقافة العربية تُعاني من تأخر نسبي في مواكبة التطورات العلمية والفلسفية، مثل الفلسفة الرقمية أو السياسة الحيوية، بسبب نقص التمويل والتخصصات الأكاديمية.

الترجمة الفكرية محدودة، مما يُعيق الوصول إلى الأعمال الفلسفية المعاصرة.

الصراع بين التراث والحداثة

التوتر بين التراث والحداثة يجعل بعض المفكرين يترددون في تبني الفلسفات الغربية خوفًا من فقدان الهوية.

في المقابل، التركيز المفرط على التراث قد يُعيق الانفتاح على الراهن المعرفي العالمي.

التطبيقات العملية لدور الفلسفة في التعليم

دمج الفلسفة في المناهج التعليمية يُعزز التفكير النقدي ويُمكّن الأجيال الجديدة من مواجهة التحديات المعاصرة. على سبيل المثال، تدريس الفلسفة الأخلاقية يمكن أن يُساعد في مناقشة قضايا مثل أخلاقيات الذكاء الاصطناعي. برامج مثل "الفلسفة للأطفال" يمكن أن تُطبق في المدارس العربية لتعزيز التفكير النقدي منذ الصغر.

في الإعلام والمجال العام

الفلسفة يمكن أن تُثري الخطاب العام على منصات رقمية من خلال تعزيز النقاشات العقلانية حول قضايا مثل العدالة الاجتماعية أو تغير المناخ.

إنشاء منصات فكرية عربية (مثل المجلات أو المواقع الإلكترونية) لنشر الأفكار الفلسفية المعاصرة.

في السياسة والمجتمع

الفلسفة السياسية (مثل أعمال هابرماس حول الفضاء العمومي) يمكن أن تُلهم إصلاحات ديمقراطية في العالم العربي الاسلامي.

الفلسفة البيئية يمكن أن تُساعد في صياغة سياسات مستدامة لمواجهة التحديات البيئية في المنطقة.

مقاربة استشرافية: مستقبل الفلسفة في الثقافة العربية

السيناريو الإيجابي

إحياء الفلسفة: إذا تم دمج الفلسفة في التعليم والمجال العام، يمكن للثقافة العربية أن تُنتج مساهمات فكرية كبرى في الراهن المعرفي، مثل تطوير فلسفة عربية للذكاء الاصطناعي أو الأخلاقيات البيئية.

التكامل مع العالمية: الثقافة العربية يمكن أن تُصبح شريكًا فاعلًا في الحوار الفلسفي العالمي من خلال تقديم وجهات نظر متميزة مستمدة من التراث.

السيناريو السلبي

التهميش المستمر: إذا استمر تهميش الفلسفة في التعليم والمجتمع، قد تتسع الفجوة بين الثقافة العربية والراهن المعرفي، مما يُعيق الابتكار الفكري.

الاستقطاب: قد يؤدي الصراع بين التراث والحداثة إلى رفض الفلسفة كـ"غربية"، مما يحد من إمكاناتها.

السيناريو المتوازن

تبني منهج يجمع بين إحياء التراث الفلسفي العربي (مثل أعمال ابن رشد) والانفتاح على الفلسفات المعاصرة.

تعزيز الترجمة والبحث الأكاديمي لربط الثقافة العربية بالتطورات العالمية.

خاتمة

الفلسفة تُقدم إضافة فكرية حاسمة للثقافة العربية لمواكبة الراهن المعرفي العالمي من خلال تعزيز التفكير النقدي، إعادة صياغة الهوية، ومواجهة التحديات المعاصرة. تاريخيًا، أثبتت الفلسفة قدرتها على دمج الثقافة العربية مع المعارف العالمية، كما في العصر الذهبي الإسلامي. ومع ذلك، تواجه الفلسفة تحديات مثل الدوغمائية، ضعف التعليم، والتوتر بين التراث والحداثة. من خلال دمج الفلسفة في التعليم، الإعلام، والسياسة، يمكن للثقافة العربية أن تُسهم بشكل فعال في الحوار المعرفي العالمي، مع الحفاظ على هويتها الفريدة. المستقبل يعتمد على القدرة على بناء جسور بين التراث والحداثة، مما يجعل الفلسفة أداة أساسية للنهوض الفكري والثقافي. فكيف يتم استرداد الدور الطليعي للفلسفة والفلاسفة في المجتمعات التابعة؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

....................

المصادر والمراجع

الفارابي. آراء أهل المدينة الفاضلة.

الجابري، محمد عابد. نقد العقل العربي (1984-2001).

حنفي، حسن. التراث والتجديد (1980).

سعيد، إدوارد. الاستشراق (1978).

رولز، جون. نظرية العدالة (1971).

 

"كل توسع في الخارج، إن لم يصاحبه تعمق في الداخل، فهو سقوط في الفراغ." عبد الرحمن بدوي – (الزمان الوجودي) ـ

يعيش العالم اليوم تحوّلاً سوسيولوجياً عميقاً في علاقة الإنسان بالتكنولوجيا، إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد أداة تحليل أو وسيلة للبحث، بل صار يؤدي دور المستشار الوجودي الرقمي الذي يقتحم أكثر مناطق الوعي الإنساني حساسية، في الصحة النفسية، والعلاقات الحميمية، وأسئلة الجسد التي طالما حاصرتها ثقافة التابوهات داخل المجتمعات المحافظة.

إن ما يحدث ليس انتقالاً تكنولوجياً فحسب، بل تحوّل أنثروبولوجي في علاقة الإنسان بنفسه وبحدود البوح والمعرفة. هذا التحوّل لم يولد صدفة، بل فرضته حقائق ميدانية صارخة. ففي القارة الإفريقية، حيث تتقاطع الهشاشة الاجتماعية بندرة الكفاءات الطبية، تكشف منظمة الصحة العالمية عن عجز بنيوي مزمن في موارد الطب النفسي. فعدد الممارسين لا يتجاوز 0.9 لكل مئة ألف نسمة، مقابل تسعة على المستوى العالمي.

إنها فجوة صحية وثقافية، تجعل من اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي ليس اختياراً، بل اضطراراً رقمياً أمام انسداد الأفق العلاجي التقليدي.

في المغرب، على سبيل المثال، لا يتجاوز عدد الأطباء النفسيين في القطاع العام 317، فيما يظل التخصص في طب نفس الأطفال شبه نادر. وفي الجزائر ومصر الوضع متقارب، حيث يهيمن الحضور التمريضي على حساب الأطر المتخصصة. هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن اختلال صحي، بل عن فشل في العدالة المعرفية، أي في جعل الحق في الوعي والعلاج متاحاً للجميع، لا محتكراً داخل المدن أو الطبقات الميسورة.

أمام هذا الخصاص، لجأ الإنسان الإفريقي والعربي إلى ما يشبه "الطب الموازي الرقمي"، روبوتات المحادثة والمنصات الذكية، التي صارت ملاذاً سرياً يجيب على أسئلة محرّمة اجتماعياً، كالاكتئاب والعادة السرية والاضطرابات الجنسية والقلق والعلاقات الزوجية.

إنها أسئلة تتجاوز الطب إلى أنطولوجيا الجسد والهوية، حيث يبحث الجيل الجديد عن خطاب يشرّع له البوح ويحرره من الرقابة الأسرية والطبية والدينية التي كبّلت نقاشاته لعقود.

دراسات حديثة، نُشرت في مجلات مثل BMC Public Health وSexual Health in the Era of AI، تُظهر أن بعض الروبوتات تقدّم إجابات دقيقة نسبيًا، بل تسهم في نشر ثقافة الصحة الجنسية في بيئات يهيمن فيها الخجل الجمعي. لكنها، في المقابل، تظل محدودة بحدود البرمجة واللغة، وتفتقد إلى "الذكاء العاطفي" الذي يجعل الطبيب البشري قادراً على الإصغاء إلى الألم لا إلى السؤال فقط.

ويحذر الخبراء من أن الإفراط في الاعتماد على هذه النماذج قد ينتج عزلة رقمية مضاعفة. فبينما تمنح المستخدم شعوراً بالأمان، تسلبه في الوقت نفسه فرصة التفاعل الإنساني، وتُحوّله إلى كائن يحاور آلة بلا ذاكرة وجدانية.

الذكاء الاصطناعي، في عمقه، ليس مجرد تكنولوجيا بل مرآة لثقافتنا. إنه يكشف هشاشتنا، كسرية علاقتنا بالذات، وكثافة الخوف الذي نغلف به الجسد والمشاعر. لذلك، فإن النقاش لا يجب أن يقتصر على "مدى دقة الأجوبة" بل على منظومة القيم التي تنتج السؤال أصلاً.

بين الحرج والتقدم، بين الحاجة إلى الخصوصية وضرورة الإشراف، يبدو أن الطريق الأمثل هو تأهيل الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة لا بديل للإنسان، وكجسر نحو الوعي لا كقناع للهروب من المواجهة. فالتوازن بين الرقمي والبشري هو الشرط الأخلاقي الجديد لعصرٍ تذوب فيه الحدود بين المعالجة التقنية والعلاج الوجداني. ولعلّ هذا التحوّل الذي نعيشه اليوم في علاقة الإنسان بجسده ونفسيته من خلال الوسائط الذكية، ليس سوى وجهٍ جديدٍ لمسارٍ قديمٍ في الفكر العربي الإسلامي، حين كانت الروح والجسد وحدةً متكاملة في رؤية الوجود والمعرفة. فقد نظر ابن سينا، في "الشفاء" و"القانون في الطب"، إلى النفس باعتبارها جوهرًا عاقلاً يتوسط بين الجسد والعقل الكلي، ورأى أن المرض النفسي ليس مجرد خلل في المزاج، بل اهتزاز في توازن الكيان الإنساني ككل. أما الرازي، فكان من أوائل من ربطوا بين الحالة النفسية والصحة الجسدية، ودعا إلى معالجة المريض بالعقل والرفق قبل الدواء، مؤسسًا بذلك لما يمكن تسميته بـ"الإنسانية الطبية" في الحضارة الإسلامية.

في هذا الأفق، يتبدّى أن الذكاء الاصطناعي، رغم حداثته التقنية، يعيد إنتاج سؤال قديم بصيغة رقمية جديدة، من يفهم الإنسان أكثر؟ أهو الطبيب الذي يقرأ نبض الروح، أم الخوارزمية التي تترجم اللغة إلى معادلات احتمالية؟.

 وبينما كان الفيلسوف المسلم يرى في "النفس" مبدأً للتعقل والاختيار، يبدو أن الذكاء الاصطناعي يعيد تعريفها كمجرد "بيانات" قابلة للقياس. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: أن نتحول من كائنٍ عارفٍ بنفسه إلى كائنٍ يُفسَّر من قِبل الآلة، في انقلاب ثقافي يعيد طرح سؤال الوعي والحرية في زمن الخوارزميات.

في ضوء هذا الامتداد التاريخي، يبدو أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقنية، بل مرآة حضارية تعكس هشاشتنا الوجودية وارتباك وعينا بذواتنا. فحين يلجأ الإنسان العربي إلى خوارزميةٍ ليسألها عن معنى الألم أو اللذة، عن الخوف أو الرغبة، فإنه لا يبحث فقط عن إجابة، بل عن صوتٍ يسمعه دون أن يُدينه، وعن عقلٍ لا يحمل ذاكرة الأحكام المسبقة. في السياق، تكمن أزمة المعنى في زمن الرقمنة، أن تحلّ الآلة محلّ الاعتراف الإنساني، وأن يصبح "الإنصات الرقمي" بديلاً عن الحوار الاجتماعي والعائلي والثقافي الذي افتقدناه.

لكن في المقابل، قد يكون هذا الانعطاف ذاته فرصة لإعادة التفكير في علاقتنا بالمعرفة والإنسان. فالتحدي الحقيقي ليس في "الذكاء الاصطناعي" ذاته، بل في الذكاء الإنساني العربي: هل يستطيع أن يستعيد منطقه التأملي، وأن يوظف التقنية لا كبديلٍ عن الوعي، بل كوسيلة لتوسيع مداركه؟

إنّ النهضة الممكنة تبدأ من لحظة الوعي بأن الإنسان هو من يمنح الآلة معناها، وأن الحوار بين العلم والروح، بين العقل والخبرة، هو ما يصنع مستقبلًا متوازنًا بين التقنية والإنسانية.

هكذا، لا تكون الخوارزمية نقيضًا للفكر العربي، بل مناسبة لإيقاظه من سباته، كي يستأنف رحلته القديمة في فهم النفس والعالم، بوعيٍ جديدٍ يزاوج بين جذور التراث ورؤى المستقبل.

***

د. مصطفى غَلــــمَــان

 

صحيح أن سيغموند فرويد هو من طور مجال التحليل النفسي بعد جوزيف بروير، وأن إسهاماته التأسيسية لا يمكن إنكارها… غير أن اختزال التحليل النفسي في فرويد وحده يكشف عن محدودية في الاطلاع، ويتجاهل قرناً كاملاً من التطور النظري والممارسة السريرية… التحليل النفسي تطور بشكل جذري مع ميلاني كلاين وعلاقات الموضوع، جاك لاكان والتحليل البنيوي، دونالد وينيكوت وويلفريد بيون وغيرهم الذين اختلفوا مع فرويد وطوروا المنهجية بشكل كامل، وأعادوا التفكير في أسسها الابستمولوجية نفسها.

إن إدراك هذا التطور الواسع يكشف حجم الاختزال الذي يمارسه النقد الفرويدي المعمم. لمواجهة هذا الاختزال لا بد من فحص بنيته المنطقية. إذا كان فرويد هو التحليل النفسي (وهو ليس كذلك)، وإذا كان فرويد مليئاً بالإشكاليات المنهجية والنظرية (وهو كذلك بالفعل)، فإن التحليل النفسي كله باطل. المشكلة في المقدمة الأولى لا في الاستنتاج، للتوضيح: هذا يماثل نقد الفيزياء من خلال نيوتن فقط مع تجاهل آينشتاين والميكانيكا الكمومية ونظرية الأوتار. إنه اختزال يفقد النقد أي قيمة معرفية حقيقية.

بالطبع هذا لا يعني أن التحليل النفسي بلا إشكاليات منهجية، فكل حقل معرفي يحمل توتراته الداخلية وإشكالياته المفتوحة… لكن الإنصاف الفكري يقتضي نقد ما هو قائم فعلاً في الممارسة والنظرية المعاصرة، لا نقد صورة متحجرة من الماضي واتخاذها ممثلاً للحاضر.

لننظر إلى أمثلة محددة على هذا التطور الجذري:

أعادت ميلاني كلاين صياغة فهم السنوات الأولى من الحياة النفسية عبر نظرية علاقات الموضوع والمواقف المبكرة، متجاوزة التركيز الفرويدي على المراحل الليبيدية إلى فهم أعمق للعلاقات الداخلية والموقفين الاكتئابي والبارانويدي-الفصامي… كذلك مفهوم السانتوم (Sinthome) الذي قدمه جاك لاكان في سيمناره الثالث والعشرين (1975-1976) مثّل قطيعة ابستمولوجية مع التصور الفرويدي الكلاسيكي… لم يعد التحليل النفسي يتعلق بتجاوز نموذج الشفاء الطبي إلى نموذج البناء الذاتي فحسب، إذ أعاد التفكير في طبيعة العَرَض نفسه… حيث صار العَرَض طريقة فريدة للذات في التعامل مع استحالة الانسجام الرمزي، وليس رسالة مشفرة تنتظر التأويل. مما سبب بتحويل الهدف من إزالة الأعراض أو اكتشاف معانٍ مخفية ثابتة إلى بناء حل فريد لكل ذات يسمح لها بالاستمرار رغم غياب الانسجام البنيوي المفترض.

اليس هذا تحول من البحث عن الحقيقة الموضوعية المطلقة إلى الاعتراف بالممارسة التحليلية كفن لبناء الحلول الذاتية مما يضع التحليل في إطار مختلف تماماً عن العلوم الطبيعية ليس كقصور في المنهج لكن كاختلاف في طبيعة الموضوع نفسه؟

هذا يقودنا إلى سؤال حول طبيعة العلم نفسه: هل كل علم يجب أن يكون إمبريقياً؟

تاريخ المعرفة الإنسانية والنقاشات الابستمولوجية المعاصرة تجيب بالنفي… الرياضيات والمنطق علوم وليست إمبريقية، والعلوم الإنسانية لها مناهجها الخاصة التي تختلف جذرياً عن مناهج العلوم الطبيعية. التحليل النفسي يمكن فهمه كعلم للذاتية وللخبرة الواعية واللاواعية، منهج معترف به تاريخياً في حقل العلوم الإنسانية… إذن، نقد التحليل النفسي لأنه ليس إمبريقياً يفترض مسبقاً أن الإمبريقية هي المعيار الوحيد للعلمية، وهذا افتراض مغلوط ابستمولوجياً يتجاهل تعددية المناهج العلمية وتنوع موضوعات المعرفة"

كما يمكننا أن نذهب أبعد من ذلك في التساؤل حول هذه الموضوعية المزعومة للعلوم الإمبريقية نفسها؟

في الواقع، القول بأن العلم الإمبريقي نفسه يحركه اللاوعي ويتشكل عبر رغبات ذواتية لا يعني نسبوية معرفية تامة تلغي إمكانية المعرفة… المقصود أن كل معرفة، بما فيها المعرفة العلمية الإمبريقية، تنتج عن ذوات لها دوافعها واختياراتها وأيديولوجياتها اللاواعية التي تشكل أفق الأسئلة وطرائق البحث… الفرق أن معظم العلوم تنكر هذا البُعد أو تتجاهله مدعية حيادية مطلقة، بينما التحليل النفسي يجعل هذا البُعد اللاواعي موضع دراسته المركزي ويتخذ موقفاً نقدياً من وهم الموضوعية المطلقة… المسألة ليست في أن كل شيء نسبي، المسألة في أن الذات العارفة جزء لا يتجزأ من عملية المعرفة، وإنكار ذلك وهم ابستمولوجي يسميه التحليل اللاكاني الوهم الوضعاني.

إن النقاش حول التحليل النفسي يجب أن يتجاوز المعارك القديمة حول فرويد ليصبح نقاشاً معاصراً يأخذ في الاعتبار التطورات النظرية والممارسات السريرية المتنوعة التي شكّلت هذا الحقل على مدار قرن كامل. إذا كان النقد جاداً فليشمل التطورات الحقيقية للتحليل النفسي لا مجرد الوقوف عند فرويد.

***

عبد العزيز سعود الشريف

مقدمة: الفلسفة في مواجهة التحديات

لطالما كانت الفلسفة، "أم العلوم"، المنارة التي تضيء دروب الفكر الإنساني وتصقل العقول الناقدة القادرة على بناء الحضارات. إلا أن هذا الدور الريادي يواجه اليوم في جامعاتنا العراقية واقعًا معقدًا يضع الدرس الفلسفي في موقف دفاعي، محاصرًا بين أساليب تدريس تقليدية، وسوق عمل مغلق، وصورة نمطية مجتمعية تختزل الفلسفة في الغموض والتعقيد وخطر الإلحاد. يستهدف هذا المقال تشخيص هذا الواقع، وتحليل معوقاته، والأهم من ذلك، طرح رؤية عملية لإصلاح المسار الأكاديمي وتصحيح المفاهيم المجتمعية.

أولًا: واقع الدرس الفلسفي: من التلقين إلى التفلسف المفقود

يكمن جوهر الأزمة الأكاديمية في طبيعة تدريس الفلسفة نفسها، والتي تتجلّى في مظهرين رئيسيين:

1. هيمنة أسلوب التلقين: يتحول الطالب في كثير من الأحيان إلى متلقٍ سلبي للمعلومات. يُركّز المنهج على ضرورة حفظ أسماء الفلاسفة، وتواريخ المدارس الفلسفية، ونصوص نظرياتهم، دون إتاحة مساحة كافية للطالب لطرح الأسئلة الجوهرية، أو نقد الأفكار، أو بناء حججه الخاصة. وبهذا، يتم تدريس تاريخ الفلسفة، لا الفلسفة كفعل وممارسة عقلية. إننا نُلقّن الطالب ما قاله كانط، لكننا لا نُدرّبه على التفكير بمنهجية كانط النقدية.

2. الانفصال عن الواقع المعاصر: غالبًا ما تظل المناهج غارقة في الفلسفات الكلاسيكية والحديثة دون بناء جسور حقيقية مع قضايا العصر الملحة. لا يتم التركيز بالقدر الكافي على فروع الفلسفة التطبيقية كأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، أو فلسفة القانون، أو أخلاقيات البيولوجيا، أو فلسفة الإعلام، وهي المجالات التي يمكن أن تبرهن على حيوية الفلسفة وقدرتها على معالجة تحديات اليوم.

ثانيًا: المعوّقات البنيوية والمجتمعية

لا تقتصر المشكلة على داخل أسوار الجامعة، بل تمتد إلى نظرة المجتمع وسوق العمل، مما يخلق حلقة مفرغة من التهميش.

1. انعدام سوق العمل: يُعد هذا المعوق هو الأكثر تأثيرًا في مستقبل الأقسام. يتخرج الطالب ليجد نفسه أمام أبواب موصدة، فلا توجد مسارات وظيفية واضحة لخريج الفلسفة باستثناء التدريس الأكاديمي المحدود. هذا الواقع يقلل من إقبال الطلبة المتميزين على دراسة هذا التخصص ويُضعف من دافعيتهم.

2. الصورة النمطية المجتمعية: ترسخت في الوعي الجمعي صورة مشوّهة عن الفلسفة، ويمكن تفكيكها إلى ثلاثة أبعاد:

أ‌-الغموض والتعقيد: يُنظر إلى الفلسفة على أنها مجموعة من الأفكار المجردة والمعقدة التي لا علاقة لها بحياة الناس اليومية، وأنها مجرد "ترف فكري".

ب‌- الانفصال عن الواقع: يُتهم دارس الفلسفة بأنه يعيش في "برجٍ عاجي"، ويتعامل مع أسئلة لا تقدم حلولًا لمشاكل المجتمع الاقتصادية أو الأمنية أو الخدمية.

ت‌-الخوف من الإلحاد: وهو الانطباع الأخطر، حيث يُربط البحث الفلسفي الحر والتشكيك المنهجي بالتشكيك في الثوابت الدينية، مما يخلق حاجزًا نفسيًا واجتماعيًا قويًا ضد دراستها.

ثالثًا: سبل النهوض والتغيير: رؤية للإصلاح المزدوج

إن تغيير هذا الواقع يتطلب استراتيجية ذات مسارين متوازيين: إصلاح أكاديمي جذري من الداخل، وحملة لتغيير الوعي المجتمعي من الخارج.

1.على الصعيد الأكاديمي:

أ‌-الانتقال من التلقين إلى التفلسف:

- تغيير طرائق التدريس: اعتماد أساليب تعزز التفكير النقدي مثل الندوات السقراطية (Socratic Seminars)، والمناظرات الفلسفية، وورش كتابة المقال التحليلي. يجب أن تتحول قاعة الدرس إلى مختبر للأفكار.

- تحديث المناهج: إدخال مواد دراسية في "الفلسفة التطبيقية" و"التفكير النقدي ومهارات حل المشكلات" و"أخلاقيات المهنة". يمكن أيضًا طرح فكرة تغيير مسمى الأقسام إلى "قسم الفلسفة والدراسات النقدية" أو "قسم الفلسفة والأخلاقيات التطبيقية" أو "قسم الفلسفة والدراسات المستقبلية" ليعكس هذا التوجه الجديد.

ب‌- ربط التخصص بسوق العمل:

- بناء مسارات مهنية: استحداث برامج دبلوم عالي أو ماجستير مهني تربط الفلسفة بمجالات أخرى، مثل: منها على سبيل المثال:

المؤسسات الأمنية والعسكرية:

تهدف هذه البرامج إلى تزويد العاملين في هذا القطاع بالقدرة على التحليل العميق، فهم الأيديولوجيات، واتخاذ القرارات في المواقف المعقدة.

* دبلوم عالي / ماجستير مهني في "تحليل الخطاب والتفكير الاستراتيجي":

- المبررات: تحتاج المؤسسات الأمنية إلى متخصصين قادرين على تفكيك الخطابات المتطرفة والإعلام الموجّه، وفهم بنيتها المنطقية والنفسية.

- المهارات: يركّز هذا البرنامج على تدريب الخريجين على مهارات المنطق، تحليل الحجج والمغالطات، ودراسة أثر اللغة في بناء الأيديولوجيات، مما يخدم بشكل مباشر في وحدات التحليل الاستخباري والحرب النفسية.

* دبلوم عالي / ماجستير مهني في "فلسفة القانون والأخلاقيات الأمنية":

- المبررات: يواجه العمل الأمني تحديات أخلاقية وقانونية مستمرة (مثل أخلاقيات التحقيق، وقواعد الاشتباك، وحقوق الإنسان في سياق مكافحة الإرهاب).

- المهارات: يوفّر هذا التخصص أساسًا نظريًا وعمليًا لصياغة السياسات والتشريعات الأمنية، وتدريب الضباط على اتخاذ قرارات متوازنة تجمع بين ضرورات الأمن واحترام القانون.

المؤسسات الثقافية والبحثية:

تهدف هذه البرامج إلى تعميق الفهم بالهوية والتراث والمشكلات الاجتماعية، وتقديم حلول مبتكرة.

* دبلوم عالي / ماجستير مهني في "فلسفة الحوار وإدارة التنوع الثقافي":

- المبررات: يمر العراق بتحديات تتعلق بالهوية والتعايش بين المكونات المختلفة. تحتاج المؤسسات الثقافية إلى خبراء في إدارة الحوار وتعزيز المشتركات الوطنية.

- المهارات: يركز البرنامج على فلسفة التواصل، نظريات الاعتراف، وفلسفة التعددية الثقافية، لإعداد مستشارين في مجال المصالحة المجتمعية وصياغة السياسات الثقافية الشاملة.

* دبلوم عالي / ماجستير مهني في "الدراسات النقدية والسياسات الثقافية":

- المبررات: تحتاج مؤسسات مثل دار الكتب والوثائق، ودور النشر، والمراكز البحثية إلى نقّاد ومحللين قادرين على تقييم الإنتاج الفكري والثقافي ووضع سياسات للنهوض به.

- المهارات: يوفّر هذا التخصص أدوات النقد الفني والأدبي والاجتماعي، ويمكّن الخريج من تحليل الظواهر الثقافية وتقديم استشارات عملية لصناع القرار الثقافي.

المؤسسات الإعلامية

تهدف هذه البرامج إلى رفع مستوى الأداء الإعلامي من خلال تعزيز التفكير النقدي والأخلاقيات المهنية.

* دبلوم عالي / ماجستير مهني في "فلسفة الإعلام والأخلاقيات الرقمية":

- المبررات: مع انتشار الإعلام الرقمي والأخبار الزائفة، أصبحت الحاجة ملحّة لوجود إعلاميين قادرين على التعامل مع التحديات الأخلاقية والتحقق من المعلومات بشكل منهجي.

- المهارات: يدرس هذا البرنامج أخلاقيات المهنة الإعلامية في العصر الرقمي، فلسفة الصورة، تحليل الدعاية، وتأثير الإعلام في الرأي العام، مما يصقل مهارات الصحفيين ومُعدّي المحتوى.

* دبلوم عالي / ماجستير مهني في "المنطق وتحليل الرأي العام":

- المبررات: تحتاج المؤسسات الإعلامية ومراكز استطلاع الرأي إلى محللين يمتلكون أدوات منطقية صارمة لفهم اتجاهات الرأي العام وتفسير البيانات وتجنّب الاستنتاجات المتسرعة.

- المهارات: يركّز على تدريس المنطق غير الصوري، كشف المغالطات المنطقية في الخطاب السياسي والإعلامي، ومناهج تحليل المحتوى، لإعداد محللي بيانات ومحتوى إعلامي على مستوى عالٍ.

- التأكيد على المهارات: يجب على الأقسام أن تسوّق لخريجيها ليس كـ"فلاسفة" بل كـ "خبراء في حل المشكلات المعقدة"، و"محللين نقديين"، و"استراتيجيين في التواصل"، وهي مهارات مطلوبة في كل قطاعات العمل الحديثة.

2. على الصعيد المجتمعي:

أ‌- مبادرات "الفلسفة للجميع":

- تنظيم فعّاليات عامة: إقامة منتديات مفتوحة، ومقاهٍ فلسفية، وندوات مبسّطة تناقش قضايا الساعة (مثل العدالة الاجتماعية، وأخلاق التكنولوجيا، ومعنى المواطنة) من منظور فلسفي.

- التواصل الإعلامي: كتابة مقالات رأي في الصحف والمواقع الإلكترونية، والمشاركة في برامج إذاعية وتلفزيونية لتقديم الفلسفة كأداة لفهم الواقع لا للهروب منه.

ب‌- تفكيك الصور النمطية:

- التركيز على القيمة العملية: إبراز كيف أن التفكير النقدي الذي تعلمه الفلسفة هو أساس النجاح في أي مهنة، من الطب والمحاماة إلى إدارة الأعمال والبرمجة.

- مواجهة وصمة الإلحاد: التأكيد على أن تاريخ الفلسفة غني بالتقاليد الفلسفية الدينية العريقة (مثل الفلسفة الإسلامية والمسيحية)، وأن الهدف ليس تقويض الإيمان، بل تعميقه من خلال العقل والبرهان. وفي هذا السياق، يمكن إبراز الدور التاريخي لفلاسفة مؤمنين كبار.

خاتمة: نحو جيل يمارس التفكير لا استعراضه

إن النهوض بواقع الدرس الفلسفي في العراق ليس ترفًا أكاديميًا، بل هو ضرورة وطنية. فالمجتمع الذي يفتقر إلى التفكير النقدي يصبح فريسة سهلة للأفكار المتطرفة، والشعبوية، والتضليل. إن إنقاذ الفلسفة من عزلتها الحالية، عبر تحديث مناهجها وربطها بالحياة وتصحيح صورتها، هو استثمار في بناء عقول قادرة على طرح الأسئلة الصعبة، وابتكار الحلول المبدعة، والمشاركة بوعي في بناء مستقبل أفضل للعراق.

***

أ.د. إحسان علي الحيدري - أستاذ فلسفة الدين والأخلاق

كلية الآداب / جامع بغداد

عَلمنا منهج التاريخ الإسلامي الماضوي السردي ان كل نظريات الخطأ الدينية والاجتماعية مستمدة من كتابات مؤرخيه وفقهائه الذين أختلفوا فيما بينهم في نقل النص وتفسيره على المنهج السردي الترادفي دون تحقيق وثيقة المدينة نموذجاً، حين لم تكن اللغة العربية قد استكملت بعد تركيزها في تجريدات، فقد كتبوا في السيرة النبوية خمس سير كل منها يختلف عن الأخر ولاندري الصحيح، وبعقلية الماضي ويدعي كل منهم انه هو الصحيح.. هي: سيرة ابن أسحاق، وابن هشام، والواقدي، وموسى بن عقبة، وابن سعد.. ولا ندري ما الصحيح؟ ناهيك عن الصاق السنة بالنبوة، مع ان السنة آلهية، ولا علاقة لها بالسيرة النبوية (لم تكن لسنة الله تبديلا) ولم يعلمنا منهجهم السردي المختلف والمتناقض ما تعلمته الشعوب من نظريات فلسفة أنبيائهم ومؤرخيهم لحياتهم خوفاً من التزوير، التي فسروا فيها تاريخهم، حتى ساروا بها نحو التقدم وفلسفة الحياة الموحدة.. من هنا بدأ مشوار الخطأ عند العرب والمسلمين بأفتراق الأراء.. ولا زال ينشر على غير تحقيق وتفسير رعم تغيُر صيرورة التاريخ. ومن هنا نرى ان القصد قصدي تعمدي كي لا يتطور الفكر العربي عبر الزمن.. وتطبق نظرية وثيقة المدينة المعتمدة على الاستقامة والعدل المطلق. لذا ظلت نظرية الفلسفة الواقعية عند المسلمين ناقصة التطبيق.

ان المفهوم الحركي للتاريخ ليس واضحاً في موسوعاتنا الفكرية التي ورثناها – وبسبب فقدان هذه الصورة - وقع الباحثون فريسة احكام عشوائية ناقصة، لاينفذ من خلالها الى طريق سوي لحبٍ يقود الى الرأي السليم، بذلك فقدنا العمق النفسي للمؤرخ ذاته وطبيعة ما كتب لذا ظل المفهوم الحركي باهتاً.. هنا كان مقتلنا منذ ان جاء حكم المسلمين بعد وفاة الرسول(ص) مباشرة بأهمال المبادىء التي كان المفروض ان يتركها لنا صاحب الدعوة بالدليل والقوة ورأي المحاورين. وحين اهمل هذا التوجه أختفت وثيقة المدينة فكان هذا أول تجاوز على شورى المسلمين التي وردت في الكتاب العظيم "وأمرهم شورى بينهم ".. فكان مفهوم الردة اول خروج لهم على طاعة النص.. "رأي الأتفاق بين الحاكمين " دون بقية المسلمين مرورا بالشورى الملغاة والشرعية الوهم وقتل المعارضين من قبل خلفاء المسلمين، وصولا لكل نظريات القهر والغاء حاكمية الله في التنفيذ وابعاد القانون. حتى سموا من طالب بتحقيق الشورى والقانون بالمرتدين والخوارج على الدين.. وهم لاخوارج ولامرتدون بل مطالبون بشرعية الشورى في حكم المسلمين ولاغير؟

من هنا بدأ الانحراف وتغير الدين المحمدي الى دين فقهاء السلطة الذي انهى تطلعات النظرية المحمديه في التغيير. حينها فرض النص المقدس بتفسير لا يتفق وعدالة انسانية الانسان في التقييم، خالي من اي منهجية فلسفية في التطبيق.. من هنا توقفت عجلة التقدم الحقيقي منذ البداية التي كنا نامل منها بدين جديد جاء ليحمل مبادىء انسانية الأنسان في صنع القوانين. فكانت وثيقة المدينة التي اخفوها على الناس خوفا من المطالبة بتحقيق عدالة الدين بين الناس وضياع السلطة من ايديهم في التطبيق. واصبحنا تحت الفكر المنغلق الموروث دون معرفة الصحيح، لذا من الخطأ ان نُحكم حكما دينيا فرديا هرطقياً من قبل مرجعيات بالتفريق المصطنعة بلا شرعية القانون.. .. فلا مؤسسات تحكُمنا، ولا عدالة تحمينا، من ظلم الحاكمين في مجتمعاتنا فسموا الاصلاح فتوح قهري والسلطة بهرجة تقاليد.. كما نراها اليوم في حكوماتنا الاسلامية هذه الحكومات التي خلال مدة 656 سنة (نهاية حكم العباسيين) لم تعرف الادارة والقانون ولا زالت الى اليوم. وطلت تحكم كما في رأي القاعدة وداعش وبوكوحرام.. وعصابات التفليش التي اعترف بها المشهداني الخائن رئيس مجلس النواب الفاشل اللئيم دولة رجال دون النساء اللواتي ينظر اليهن بلا حقوق بأعتبارهن ناقصات عقل ودين. ومن اجل ذلك أقروا قانون الاحوال الشخصية في مجلس الخيانة ليكون شاهد عليهن بقانون.. وتبعه اليوم قانون الاخوال الشخصية الجعفري الناقص لحقوق الانسان.

الحضارة العراقية القديمة عند السومريين والبابليين في أور وبابل جاءت بحضارة الانسان منذ القديم يرافقها التشريع والقانون.. وهم الذين أبتكروا الكتابة والقلم ومجالس القضاء والقانون وشرعية التغيير، منذ عهد آورنمو وحمورابي وقوانينهم كانت أشبه بعدالة قوانين النص المقدس.. حتى ان الاسلام أخذ من بعض قوانينهم في التطبيق"العين بالعين والسن بالسن والجروح قصاص المائدة 45 " وفي قانون حمورابي جاءت المادة 127 وما بعدها.. متشابهة في النص، وفي أهوارنا تم تدجين الحيوان والزراعة ومستلزمات العيش الرغيد، ولم يناصبوا العداءاحدا منذ زمن قديم بعد ان فصلوا الحكم السياسي عن الدين.. وبذلك سبقوا حتى الأوربيين والأمريكيين.

وحين جاءت الاديان الثلاثة اليهودية والمسيحية والاسلام مستمدة من الديانة الابراهيمية التي سبقتهم كل طبق دينه حسب الظروف التي مكنته من استخدام التيارات الفكرية التي مثلت العقلانية تارة، والسلفية اخرى. فكان الانشقاق منذ البداية. لكن التاسيس القرأني للمجتمع جاء ليعني رؤية اخرى تختلف عما سبق عند الديانات الاخرى نتيجة مفهوم المتغيرالاجتماعي من وجهة نظرجدلية تاريخية بعد ان اصبح القانون بموجب النص هو الذي يحكم الظاهرة الجديدة وليس العادة او التقليد.

هنا تم تشخص الخطأ بين التطبيق والخروج عليه نتيجة الانحراف السلطوي والتفرد في حكم المجتمع الجديد.. ليكون المشروع الاسلامي مشروعاً قابلا للفعل في ظروف العصروما بعده باعتبار ان النص صالح لكل زمان ومكان في التطبيق. لكن امورا سلبية طرأت على تطبيق النص كضرب الشورى والتوجه الى غزوات القوة وسلب حقوق الاخرين في فرض الدين حتى لم تعد الحركة بمستوى فرض الاحكام بين المسلمين.. تلك هي معاناتنا في تثبيت الحقيقة التي لم تعد اليوم سوى تخريف.

- جاءنا الدين من نبي صادق أمين بكتاب مبين يقول.. :" الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم احسن عملا، الملك 2" وجاءنا بمبدأ العدل المطلق (أعدلوا ولو كان ذا قربى الانعام 151 وما بعدها ) والشورى بين المعتقدين، والاستقامة في التنفيذ (الجن 16). فهل استطاعوا ان يتغلبوا على الخطأ القديم ام كانوا معه يحاربون العدل والشورى والاستقامة ويلتجئوا لابادة المحاورين، وابتكار نظريات الاختيار دون تقييم، وتحويل الخلافة الى ملك عضوض لا يخرج من ايديهم حتى يسلموه لعيسى بن مريم والمهدي المنتظرالوهم في اخر الزمان.. ليتحول قادتهم الى قديسين بأسرار التقديس الآلهي المعروف فقالوا عن انفسهم: "قدس سرهم" ولا ندري أية أسرار لديهم ليكونوا مقدسين.. اللهم الا سر السلطة والمال والجنس اللعين.. هنا مات القلم في ايديهم واصبحوا يلهثون خلف المواعين.. ؟

منذ القدم أكد ت لنا الكتب السماوية وأراء الفلاسفة الكبار النابهين على العقل لنتصرف به"لعلكم تعقلون".. وهو اول مكتشفات الانسان.. وبهذا العقل نستطيع التغلب على الظروف العاطفية غير المواتية بدلا من الرضوخ لها وتركها تشكلنا كيف شاءت. لكن هذه النظرية استبعدت وحل محلها الاغتصاب لكل ما هو قانون.. حين رأينا انفسنا منفردين بالفكر الحضاري وما عدانا همجاً او برابرة فهاجمنا الأخرين بحجة الدين دون امر من خالقه على مهاجمة الاخرين. وبررنا ذلك الاجتياح الباطل للاخرين على الرأي في البيئة التي كنا فيها والتي لا يقبلها المنطق الصحيح وان تناقضت مع الواقع الوهمي في التطبيق. وما دروا العرب ان صحرائهم كلها لها واقع قاسي لا يمكن التغلب عليه الا بالعمل والقانون وهم ضدهما تماما لانهم لم يعرفوا سوى السيف والغلبة.. لا القانون..

هنا كانت المعضلة التي جرت علينا ويلات التطبيق بعد العهدين البويهي والسلجوقي 334—540 للهجرة حين اصبحت المذاهب بديلا عن الدين والتي جرت الى تغيير كل التفاصيل يساندها منهج دراسي خرف.. . فأدخلوا في فكر المسلم كل متاهات التخريف.. حتى اصبح نظرية ثابتة يصعب نزعها من فكر العامة.. والى الآن يدعي بعضهم.. الحياة لنا والاخرة لنا وكل شيء ياتي من السماء او يستخرج من باطن الارض فهو لنا ولا زال العلم الحديث لم يعلمنا ماهي السموات السبع الرصين. الم نكن نحن من اهل المعرفة والعرفان المفضلين.. على للأخرين. ؟هكذا يعتقدون الى اليوم.. والا لماذا الاصرار على هذا الفساد في دولة العراقيين المتعمد الرهيب.

فهل فكرنا ان نكتب ونقيس الامور بمقياس الاحصاء الذي لا يُخطأ.. ونؤمن بالانسان الاخر مهما كان دينه او عقيدته مادام يعايشنا باحترام القانون. ام نناصبه العداء ونتفاخر بالدين وهو يملك دينا يحترمه اكثر منا في التطبيق فحتى اصحاب عبدة البقر يقدسون دينهم ولا يخالفون.. فالدين ايديولوجية بشرية لا يمكن نزعه من الاخرين وحتى نحن المسلمون ندعي لكم دينكم ولنا دين.. فعلام محاربة الاخرين كذبنا وافترينا وظلمنا كل شعوب الاخرين دون قانون حينسمينا الغزوات فتوح من اجل الدين..

منذ عصر قبل الاسلام كنا نرى انفسنا فوق الناس واعلاهم قدرنا وشرفا، وحتى اليوم نسمي نبينا بأشرف الانبياء ولاندري لماذا في وقت يقول القرآن لمحمد"ويعلمه الكتاب والحكمة والتورىة والأنجيل ال عمران 48"، ومدننا بالأشرف، والمقدسة ونستثني الاخرين.. من قال لنا هذه تسميات القرآن ام مؤسسة الدين؟. تاريخ جاهلي يصب في عقل تاريخنا الحالي دون تبرير.. حتى جاء الرسول ليقول لهم: "كلكم لآدم وآدم من تراب والناس سواسية كأسنان المشط" فلم يتلاشى الغرور والكبرياء عندهم.. ولتأكيد المقولة جمع الرسول من حوله المقربين خباب بن الارث عراقي ، وصهيب الرومي بيزنطي، وسلمان الفارسي، فارسي، وماريا القبطية قبطية من مصر. دليلا لمساواة الخلق في الانسانية والقانون رغم التحليلات لما قرأنا ويكتبون.. لكن بعد وفاته عادت الجاهلية من جديد. تتنازع على السلطة دون دليل.

من هنا بدأ التاريخ الرسولي يتحول نحو الانسانية لا القبلية. لكن هذا التوجه لم يدم طويلا بعد الرسول (ص) مباشرة بسبب التوجه نحو السلطة والمال ونرجسية التفوق على الاخرين الذي أدى الى سوء النظام الاداري والمالي الذي تحول الى جمع المال الفاسد دون تقديم خدمات في مقابل المال المجموع حتى اصبح الفساد سياسة عامة وقناعة اخلاقية بأعرافهم الفاسدة كما هو عندهم اليوم، فانفصل الحاكم عن الرعية فتراجعت العدالة وانتكس التوجه السياسي نحو الضعف والانهيار.. كما نشاهدهم اليوم. ومن يقل لك هذه خطبهم اقرأها فلا تصدق هذه من صنع فقهاء السلطة لا في العصرين البويهي والسلجوقي لا الدين.

نحن اليوم امام قضيتان في الاسلام لا حل لنا الا بمعرفتهما واجتيازهما عملا وتطبيقاً هما: الموقف من المنهج النقدي للتاريخ والفكر العربي الفلسفي.. وقضية المعركة الحامية بين التقليد والأبتكار. وبدون تجاوزهما لايمكن ان نكتب تاريخا للأمة.. ولاتقدما حضاريا لها، ناهيك عن عداوة الاخرين التاريخية لها.

يقول الاستاذ الدكتو جعفر آل ياسين احد اساتذة فلسفة التاريخ: ننقله بتصرف في الاولى يعتمد على حساسية الاجتهاد للرواية التاريخية التي فسرت تفسيرا فيه الكثير من المنحنيات لان اللغة يوم ذاك لم تكن مستكملة لأدواتها بالمعنى العلمي الذي نريده ونفهمه اليوم.. لاقامة الادلة التاريخية عليها وعلى نقيضها لذا لا يجوز الحكم عليها بالمنطق العلمي المطلق.. وان غالبية الناقلين من غير العرب الذين فهموا النص فهما دون معناه الداخلي في التطبيق خارجيا.

والثاني يجب ان يتوفر فيه جانبي القوة والضعف بحيث لايعوز الباحثين سلامة الدليل عليه، والفحص الخارجي للنص، لأاثبات الاصل ببطلان النقيض وقد استغله بعض الفلاسفة من المسلمين امثال (ابن سينا ت428 للهجرة ) وخاصة في العلوم البحتة كالرياضيات مثلاً.. لأن العقل يحكم انه لا يجتمع على صدق نقيضان.. ولكن في دولة النرجسية والفوضى والجنس من يسمعك ايها الخائب اليوم بعد ان انهارت قيم الحياة المقدسة عندهم كما هي تنهار اليوم عندنا دون رقيب او حسيب..

حتى اصبح المعتقد ظاهرة تاريخية لا تزيد عن الاخبار.. وفي باطنها ماتت الأحداث والحقيقة معاً.. فاصبح النص الديني لا يشكل المعيار الوحيد للسلوك السياسي.. لذا ما لم نقدم على فصل الدين عن السياسة لن يكون لنا امل في الاستقلال والاستقرار وتطبيق القانون.

***

د. عبد الجبار العبيدي

الجمال قوة صامتة تتسلل إلى عمق التجربة الإنسانية تشعل المعنى وتعيد تشكيل علاقتنا بالنص و بذواتنا من خلاله. ومن هذا المنطلق ولدت لدي فكرة الإستاتيكية كمنهج يحرر الذائقة من قيود التقييم الجاهز ويعيد للقارئ دوره في خلق المعنى إضافة لدوره كمتلقي

أود أن أوضح أن هذه المقدمة لا تغوص في تفاصيل هذا المنهج نقدياً أو تنظيرياً فهي مجرد إشارة تمهيدية وتقديمية لما تناولته بمقالة موسّعة ضمن كتابي النقدي (أنقاض المعنى) حيث استعرضت فيه الأسس الفلسفية والجمالية للمنهج وطبقته على قراءتي لنصوص أدبية وفنية مختلفة

اعتمدت الإستاتيكية في عدد من قراءتي النقدية بوصفها أداة توازن بين التجربة الوجدانية والوعي الجمالي وتبقي النص مفتوحاً على احتمالات التأويل بلا قيود أو معيار ثابت

إنها محاولة لإعادة النور إلى اللغة وإعادة الجمال إلى مكانه الطبيعي في حس المتلقي ودهشته الأولى 

ومن الدراسات التي استحضرها بوضوح تلك التي شكلت بداية استنباطي لمفهوم الاستطيقية ونهجي فيه وهي قراءتي القديمة لنص : (قصائدي ذنوب لا تشيخ) للأديب المسرحي والشاعر العراقي القدير الدكتور هشام المالكي إذ كانت تلك الدراسة لحظة انبثاق لوعي جديد بالجمال ومدخلاً إلى تأمل الشعر من منظور فلسفي خالص

مقدمة نقدية إلى الاستطيقية:

في عالم النقد الأدبي والفني تتكاثر المفاهيم والمصطلحات التي تساهم في فهم التجارب الإبداعية ببعدها الأعمق والأشمل ومن بين هذه المصطلحات التي حظيت باهتمام متزايد يبرز مصطلح (الاستطيقية) الذي يحمل في طياته دلالة جمالية تعيد تعريف مفهوم التلقي والفهم الفني بعيدا عن القيم التقليدية والمعايير المسبقة

سنشرع الآن في الغور في هذا المصطلح النقدي محاولين سبر أغواره وكشف ما يحتويه من أبعاد فلسفية وجمالية تجعله نقطة التقاء حيوية بين الإبداع والمتلقي

الاستطيقية: جمالية الفهم وتحرر الذائقة

مقدمة:

تعد الاستاطيقية من أعمق مناهج الفهم الجمالي التي تتجاوز الحدود التقليدية للنظر في المتنات الفنية والأدبية لترسي أسساً لتحرر الذائقة من قيود الوجهة التقويمية مفعلة الحس الجمالي الفردي في المتلقي تشمل الاستاطيقية فهم التجربة الحسية والعاطفية التي تثيرها الأعمال الإبداعية بعيداً عن التحليل المنطقي والتقييم الأخلاقي أو الاجتماعي  مرتكزة على جمالية التلقي والتفرد الفردي للذائقة

تعريف الاستطيقية:

الاستاتيكية هي منهج جمالي يعنى بدراسة ظاهرة التجربة الجمالية كمحتوى رئيس يركز على الحس والفهم الجمالي المباشر الذي يتفرد به المتلقي دون الانشغال بالمؤثرات الخارجية أو التفاسير المعنوية المقيدة يمكن أن نعرف الاستطيقية بأنها: منهج فلسفي ونقدي يولي اهتماماً خاصاً بالتجربة الجمالية الفردية حيث يعد الجمال ظاهرة تجريدية تتحرر من معايير التقويم المألوفة

المنهج النقدي الاستطيقية:

تتمحورالاستطيقية حول فهم (تجربة الجمال) بعيداً عن كونه موضوع خارجي يقاس عليه العمل الفني إنما كحالة وجدانية ذاتية تشمل إحساس المتلقي وتفاعله الحسي والعاطفي مع العمل

وبهذا تقوم الاستاطيقية على فصل الجمال عن القيم الأخلاقية أو السياسية أو التاريخية وتمنح العمل الفني حرية التلقي والفهم بنفسه بعيداً عن أي تحليل مفاهيمي أو سياقات خارجية تقيد حرية الذائقة

هذا المنهج يمكننا من استكشاف أبعاد جديدة في الأعمال الإبداعية حيث يصبح الجمال ظاهرة ذاتية متغيرة تتأثر بالظروف الحسية والنفسية للفرد وليس بمعايير ثابتة مسبقة

الدلالة الفلسفية والجمالية

تعزز الاستطيقية من مفهوم (الذائقة) كفعل إبداعي فردي حيث لا يكفي أن نحدد العمل الفني بوصف ثابت بل يجب أن نفتح أبواب التفسير والتجربة المرنة التي تختلف من متلق إلى آخر وهذا ما يجعلها ميداناً غنياً للتفاعل بين الإبداع والمتلقي ويعيد الاعتبار إلى الحس والعاطفة كعناصر لا غنى عنها في فهم الجمال

كما ترتبط الاستطيقية بمقولة التحرر من الأطر التقليدية في الفهم والنقد إذ تحرر الذائقة من القيم المسبقة والتفاسير الثابتة مفسحة المجال أمام تجربة جمالية ذاتية تنبئ عن أبعاد وجودية وشخصية عميقة

خاتمة

في ختام الأمر تشكل الاستطيقية منهجاً نقدياً وفلسفياً يعيد النظر في جمالية الأعمال الإبداعية على ضوء التجربة الحسية والوجدانية الفريدة لكل فرد إنها دعوة لتحرر الذائقة من قيود التقييم الجامد وفتح آفاق جديدة للفهم والإدراك الجمالي

ومن ثم تبقى الاستطيقية جسراً بين الإبداع والمتلقي يعزز حواراً مستمراً بين الفن والذات الإنسانية

***

مرشدة جاويش

 

ثمّة مفارقةٌ مركّبة تستدعي التأمل/ فلسفيًا في بنية الوعي الجمعي الشيعي المعاصر، مفارقةٌ لا يمكن فهمها إِلَّا عبر تفكيك العلاقة الملتبسة بين الرمز الدينيَّ والعقل، بين الطاعة والوعي، بين الانفعال الدينيَّ والمساءلة السياسية. فحين أطلقت مرجعية النجف المتمثلة بالسيد السيستاني فتواها التاريخية في الجهاد الكفائي، اندفع المجتمع الشيعي بأسره في لحظةٍ من التماهي الروحي والتعبئة الوجدانية التي أعادت إنتاج قيم الفداء والتضحية بأعلى تجلياتها. لكن هذا الزخم نفسه غاب، أو كاد أنَّ يغيب، حين وجّهت المرجعية نداءاتها اللاحقة وبشكل متكرر نحو الإصلاح السياسي، كدعوتها إلى محاسبة الفاسدين أو مقاطعة المجربين بشعارها المعروف «المجرب لا يُجرَّب»، أو حين أغلقت أبوابها في وجه الأحزاب المتورطة بالنهب والسلطة. عندئذٍ، بدا المجتمع أقل استجابةً، وأكثر ميلًا إلى الصمت والانكفاء، كأنّ الحماسة التي تفجّرت واشتعلت في زمن الخطر الخارجي" داعش" تتبخّر حين يصبح الخطر من الداخل.

هذه المفارقة يتناوشها البعض هنا أو هناك من دون ملامستها سوسيولوجيًّا، إذ لا يمكن ردّها إلى ضعفٍ في الإيمان أو فتورٍ في الولاء للمؤسسة الدينيّة، وإنَّما إلى اختلافٍ جوهري في طبيعة الوعي الذي يُفعّل الاستجابة ويستعيدها. ففي نداء الجهاد خاطبت المرجعية البنية الرمزية الأكثر عمقًا في التكوين الشيعي: بنية الشهادة "كربلاء"، والكرامة، والدفاع عن المقدّس، لقد استدعت السردية الكبرى التي تشكّل الذاكرة الجماعية وتؤسّس لنظام العاطفة الدينيّة المتوارث والمتجذر. وحين يُستدعى هذا المتخيّل الدينيَّ هذا المخزون الرمزي، يتحرك الوجدان الجمعي بكثافة مذهلة، لأنَّ المعركة تُقدَّم هنا بوصفها امتدادًا للرموز المؤسسة، وكفاحًا وجوديًا ضد الباطل لا بوصفها معركةً سياسية مع هذه الجبهة أو هذا الفصيل.

أمّا الدعوات الإصلاحية اللاحقة، في مكافحة الفساد والحدّ منه من خلال إصلاح الواقع السياسي فكانت من طرازٍ مختلف؛ إذ لم تستدعِ الرموز المؤسسة، بل استدعت العقل الأخلاقي والسياسي، وطلبت من المجتمع الانتقال من موقع "المطيع المنفعل" إلى موقع "الفاعل"، من السلوك الشعائري والعاطفي إلى الممارسة النقدية، من الحماسة إلى المحاسبة. وهذه نقلة لم يتهيأ لها المجتمع بعد، لأنَّها تفترض وجود وعيٍ مدنيٍّ راشد لم تتشكل له بيئةٌ مؤسسيةٌ حاضنة، ولا ثقافة نقديةٌ تتيح له أنَّ يتخذ موقفًا دون أنَّ يشعر بالذنب أو بالخذلان تجاه الرمز الدينيَّ الذي يوجّه النصيحة من بعيد.

إنّ ما حدث هو انكشاف الفصام بين مستويين من الوعي: وعيٍ تعبويٍّ طقوسيٍّ ما زال يُحافظ على وحدته عبر الخضوع للرمز الديني، ووعيٍ سياسيٍّ ونباهة اجتماعية لم تولد بعد، أو وُلدت مشوّهة في ظل غياب البنى الحزبية النظيفة والمؤسسات القادرة على ترجمة الإرشاد الدينيَّ إلى فعلٍ سياسيٍّ منضبط. وبهذا الأفق، حين انسحبت المرجعية الدينية من المشهد السياسي أو التدخل في تفاصيله وأغلقت قنوات الوساطة مع السلطة، لم يجد المجتمع من يحتضن تلك الدعوات ويحوّلها إلى برنامجٍ عملي. تركت الفتوى السياسية يتيمة، لا سند لها إِلَّا الضمير الفردي، في مجتمعٍ لا يزال يعيش ضمن أخلاق الجماعة لا أخلاق المسؤولية الفردية المعنوية.

من هنا نفهم أنّ الفتوى الجهادية لم تكن مجرد نداءٍ دينيَّ، وإنَّما فعلًا اجتماعيًا منسجمًا مع بنية الهوية الطقوسية التي تُحرّك الجماعة نحو الميدان، فيما مثّلت الدعوات الإصلاحية خطابًا معرفيًا يصطدم بالحدود البنيوية لهذا الوعي ذاته. فالدين كظاهرة، حين يتحوّل إلى ذاكرة جمعية شعائرية، ينتج طاقةً هائلة للتعبئة والتحرك الجمعي لكنَّه قد يُعطّل في المقابل، قدرة الفرد على مساءلة السلطة باسم المبدأ نفسه. لهذا، لم تتكوّن بعد في التجربة الشيعية الحديثة "معايير اجتماعية- مدنية" موازية لـ"الأخلاق الشعائرية" التي تحكم المجال العاطفي والديني.

ولعلّ الأشد عمقًا في هذه المفارقة هو ما يمكن تسميته بـ«الاقتصاد الرمزي للثقة». فالثقة في المرجعية قائمة على امتثال عاطفي أكثر من كونها علاقة مؤسسية. إنها علاقة "إيمانٍ وجداني" لا "عقدٍ اجتماعي". لذلك حين تُطلب الاستجابة في مجالٍ لا يخاطب الإيمان بل يخاطب العقل السياسي، تظهر فجوةٌ يصعب ردمها. فالمجتمع لا يثق بالبدائل السياسية، ولا يمتلك أدوات تقييمٍ مدنية، ولا يملك مؤسساتٍ تتيح له مراقبة السلطة من خارج النظام الرمزي الذي تشكّل فيه. وهكذا يتحوّل خطاب الإصلاح إلى نداءٍ عائمٍ في فراغٍ سياسيٍّ وأخلاقيٍّ معًا.

إنّ السؤال الحقيقي الجدير بالتأمل ينبغي أنَّ ينحدر إلى أسباب غياب البنية الثقافية التي تجعل الاستجابة للنداء ممكنة لا إلى أسباب عدم الاستجابة لدعوات المرجعية الإصلاحية. فالإصلاح، ليصبح فعلاً لا شعارًا، يحتاج إلى ثقافة نقدية تملك أدوات الفعل، لا إلى وجدانٍ إيماني متحمّس سرعان ما يذوب حين تنتهي الشعائر. إنّ ما تحتاجه المرجعية والمجتمع معًا هو إعادة بناء العلاقة بين الرمز والعقل، إذ لا يكون الأول سجنًا للثاني، ولا يكون الثاني خصمًا للأول، بل شرطًا في اكتماله.

لقد آن الأوان لتحويل الوعي الدينيَّ من طاقةٍ دفاعيةٍ إلى طاقةٍ بنائية، ومن طاعةٍ رمزيةٍ إلى مسؤوليةٍ أخلاقيةٍ ومدنية. فالمجتمع الذي يقاتل دفاعًا عن مقدّساته قادرٌ- لو أعاد تنظيم خياراته- أنَّ يقاتل أيضًا دفاعًا عن قيم العدالة والنزاهة والشفافية.

إنّ الانتقال من "الانفعال الدينيَّ" إلى "العقل النقدي" ليس خيانةً للمقدّس الديني، وإنَّما استعادته في صورته الأسمى: صورة الإنسان الحرّ الذي يعي مسؤوليته أمام الله والتاريخ معًا.

***

أ. م. د. حيدر شوكان السلطانيَّ

جامعة بابل- كلية العلوم الإسلاميَّة-قسم الفقه وأصوله

محنة غرابيل الفلاسفة (5)

يعتقد معظم المهتمين بالفلسفة - ولاسيما دراسة مباحثها المعنية بالبنية المعرفية وآلياتها ومناهجها ونظرياتها والأطوار التي مرت بها، وفلسفة العقل، وكذا الدراسات البنية ذات الصلة بهذا المبحث الأخير بداية من مفهوم العقل وطبيعة مدركاته وتنوع نتائجها وأحكامها - في أن الأفكار والتصورات والآراء جميعها ممّا يلفظه ذلك الذي نطلق عليه عقل أو ذهن هي الجديرة - دون غيرها من موضوعات - بالبحث والنظر والتثاقف حول قضاياها ومشكلاتها وأحكامها ومعتقداتها غير أن القليل أو إنْ شئت قل النادر من الأبحاث التي تشكل مبحث فلسفة العلم هو الذي راح يتساءل (كيف نعرف، ولماذا، وما الغاية التي تدفعنا للمعرفة، وما هي الآليات التي تشكل معارفنا وتضع المعايير والحدود لما نطلق عليه المعقول، وغير المعقول، والذي يمكن الشك فيه أو المحتمل)، ومن المسؤول عن تلك الأحكام القطعية التي تنسب لشيء كامن في النواصي وأعلى الجماجم؟ وكيف نتحدّث عن فلسفة عقلية دون أن نتعرف على ماهية ذلك العقل؟ وهل الإنسان هو الموجود الوحيد الذي يمارس وظيفة التعقل والتفكير؟ وهل هناك بدائل حسية وحدسية غير تلك التي ارتبطت بتلك الدائرة التي اطلقنا عليها مقولة المعقولات؟ واعتقدنا عبثاً بأن البرامج التكنولوجية المحاكية للعقل الإنساني هي التي سوف تصل إلى ما عجز العقل البشري عن فهمه؟

وماذا عن فلسفة العقول الموازية التي تعيش في عوالم مُفارقة، وترى وتسمع وتعتقد بطرائق .... بالغنا أحيانًا في تصور قدراتها وسخرنا من التفكير فيها باعتبارها ضربًا من ضروب الخرافة أحيانًا أخرى، وماذا عن فلسفة الأسطورة، والحديث مع الأشباح والتحاور مع كائنات في زمن ماض أو زمن آت.

كل ذلك يجعلنا نعيد النظر في الكثير من أحكامنا على تلك القيم (حقيقة، خيال، صدق، كذب، خير، شر، ذكاء، غباء، آراء تقديمية، أفكار رجعية، كائنات لها أجساد ماديّة، وأخرى تشغل تحيزات غير مرئية) ..

كل ذلك؛ وأكثر منه، طرحته العديد من المؤلفات المعاصرة (نذكر منها) التي جحدت تلك المناهج وهاتيك النهوج التي يعتقد أنها قادرة على الوصول إلى الحقائق القطعية التي عبثًا يستخدمها حتى الان فنضع قيمًا يقينية لأمور لا تستعصي على الشك أن ينفد إلى أصولها وبنيتها ونجحد مفاهيم ونتهكم على تصورات نجهلها أيضًا غير أننا نجهد العقل ونطالبه بإيجاد أدلة على بطلانها.

وخلاصة مقصدي مما سبق هو التأكيد على أن غرابيل الفلاسفة الناقدة التي تسعى للفصل بين الصدق والكذب ليست في منىء عن أن تقع في غرابيل أخرى أكثر دقة منها فتكذب ما صدقته. ومن هذه النافذة نجد فلاسفة العصر الوسيط يتحدثون عن تصوراتهم اللاهوتية ومعتقداتهم الروحية ومفهومهم لشخصية الإله علمًا بأن هؤلاء الفلاسفة لم يخرجوا عن نطاق الممكن الذي تسميه بعض الكتابات أساطير ويطلق عليه البعض الأخر غيبيات ويؤكد البعض الثالث وجود الكائنات الأسطورية والموجودات الغيبية في عالمنا الذي نعيشه موضحين جهل السواد الأعظم من البشر بلغة التواصل وآليات الحوار معها وبالتالي إثبات وجودها ومردود أفعالها والازمة في هذا السياق ليست في الغرابيل ولا في الفلاسفة ولا في المعايير التي تحمل الأفكار وإخضاعها للغربلة بل لقدرتنا على الاعتراف بأن عقولنا أعجز من أن تصل إلى حق اليقين أو جوهر الجواهر في ذاتها وعليه يجب أن نتقبل الآراء التالية التي ساقتها إلينا مصنفات فلاسفة اللاهوت المسيحي.

فترى الأستاذة نانسي مرقص -الباحثة في درجة الدكتوراه في فلسفة العصر الوسيط بكلية الآداب جامعة الإسكندرية-

خلال حديثها عن عقلانية العقيدة المسيحية وكذب المشككين فيها وجنوح منكريها وجهل جاحديها بإسم العقل والمنطق:-

أن القضية ليست أكاذيب وشائعات تلوكها الألسن وتصدقها المسامع والعقول وعلى الجانب الأخر عقائد مقدسة صادقة لم يفلح معتنقوها في الإفصاح عن الإيمان واليقين الذي ادركوه ببصائرهم الحدسية وليس بأبصارهم الحسية بل القضية في عدم تصور-المتلقي- أن للإنسان آليتين للادراك لا ينبغي الخلط بينهما أو أن تحل أحدهما محل الأخرى أو تنكر واحدة ما تراه قرينتها أولها تدرك علم اليقين والأخرى تدرك حق اليقين بلغة الصوفية فالعقول البشرية تدرك المحسوسات بعين اليقين أما التصورات والمجردات فتحتاج لبصيرة تعينها على استيعاب حق اليقين وبذلك التفسير يمكننا فهم ما انتهجه أهم فلاسفة المسيحية في العصر الوسيط لتبرير ما يعتقدونه تبريرًا عقليًا ويمكنني إيجاز من انتهت إليه تلميذتنا الحبيبة فيما يلي:-

فقد ذهب القديس أوغسطين إلى أن للمسيح أقنومين كاملين إلهي وإنساني لا يحل أحدهما في الأخر ولا استقلال بينهما أو انفصال فالتجسيد كان كاملًا فالمسيح إله كامل وإنسان كامل تمامًا متحدان في شخص واحد الذي هو يسوع المسيح الناصري بدون اختلاط أو انفصال الطبيعتين وينكر أوغسطين تلك الأكاذيب التي تعتقد أن الإله أصبح إنسانًا غير أن الحقيقة غير ذلك فخلاص الإنسانية لا يمكن تقبله من العقل الإنساني إلا على يد إنسان فالتجسيد ضروريًا لفدا البشرية بعد الخطيئة الأصلية لأن الإنسان وحده عاجز عن تقديم الكفارة الكاملة لذلك جاء الإله في جسد بشري ليحقق الخلاص ويعيد ويصلح العلاقة المفقودة بين الإله والإنسان وقد ربط أوغسطين بين الإيمان بعقيدة التجسد والفضائل التي نادى بها المخلص ليتم خلاص الإنسان وطهارته التي تؤهله للسعادة الأبدية أما انكار التجسد يؤدي إلى فهم خاطئ لحقيقة المسيحية والتعليم عن جهل لا ينطق به إلا الكذابون فالممكنات لا تستحيل على الإله لأنها لا تخضع لتصورات محدودة وإذا ما اتسع العقل على نحو يستوعب المطلقات وغير المحدود من الممكنات سوف يصل إلى أن ليس هناك تعارض مع الإيمان والعقل.

ويرى القديس أنسلم الكانتربري أن تصور آريوس ونسطوريوس وغيرهما من الهراطقة لا يخلو من الكذب لأن الإنسانية المسيح كاملة لا ينقصها شيء وكذا ألوهيته أما تصورهما في كيان واحد لا ينكره إلا من تشكك في قدرة الإله والشك في القدرة الإلهية ينفي حقيقة إيمانية وعقلية ونفي الحقائق هو بالضرورة كذب أما عن ضرورة وعلة التجسد فكلاهما يرجع لعدم قدرة الإنسان على التكفير عن خطيئة أدم فأراد المسيح أن يكفر عن تلك الخطيئة على نحو يليق بعظمة وكمال الإله ويقنع في الوقت نفسه العقل الإنساني بعظم الفداء فقد ضحى الإله بتجسده في صورة المسيح الإنساني ليتم الخلاص ويقبل القربان أو التكفير مبينًا أن الإله كلي القدرة يستطيع أن يتخذ جسدًا بشريًا بدون أن يفقد طبيعة الإلهية الأصلية كما أن الجسد البشري المادي لا يتناقض مع كمال الإله ومن ثم كان التجسد ضرورة حتمية لخلاص الإنسان وعليه فالعقل الذي يسع كل هذه التصورات لا يتعارض مع الإيمان الصادق وأن من يرى غير ذلك يحرض على الضلال والإضلال دربًا من دروب الكذب.

أن توما الأكويني خير من درس الفلسفة العقلية ولاسيما حديث الفلاسفة في مبحث الألوهية ومن ثم لا يوجد تعارض بين ما ذهبت إليه المسيحية والرؤية العقلية لطبيعة الإله فالكنيسة تعلم بأن الإله واحد غير أنه له ثلاثة أقانيم لا يمكن للعقل تصورها أما صفاته وقدراته اللانهائية فلا خلاف عليها بين المؤمنين فلا سبيل لهم لمعرفة طبيعة الإله ولا صفاته لأنها تفوق العقل وتصوراته المحدودة فإن جوهر الإله الواحد لا يمنع أن تكون له صفات متعددة تحاكي بعضها التصورات العقلية الإنسانية والبعض الأخر لا سبيل للعقل أن يدركها إلا بالحدس الإيماني. وذلك لأنها من الغيبيات وأي انكار لهذه الرؤية وذلك المفهوم يؤدي بنا إلى الانحراف العقلي لأننا نكلفه بما لا يستطيع فإدراك الغيبيات غير عقلي بالضرورة أما إنكارها فيقودنا إلى الالحاد وهو كذب وضلال ويخالف الحقيقة. أما تجسد الإله فلا ينقص من كماله لأن الإله قادرًا على كل شيء لا يحدد بطبيعة المخلوقات فإذا أراد الإله اتخاذ جسدًا فالبطبع هو قادرًا على ذلك وذلك بدون أن يفقد كماله الإلهي على الاطلاق وذلك لأ الشيء الطبيعي لا يمنع القدرة الإلهية من تجاوزه لأنها غير محدودة بالقيود الطبيعية فالهدف من التجسد هو خلاص الإنسان فالتجسد لم يكن حادثًا عشوائيًا وعليه فإن من يشكك في قدرة الإله على التجسد يؤدي إلى انكار كماله وهذا مخالف للحقيقة أيضًا ويؤدي إلى التجديف كما أن اتحاد الطبيعيتين الإنسانية والألوهية في شخص المسيح فإنه يساعد على فهم الإنسان لعقيدة الخلاص التي عايشها الإله مع البشر وذلك لأن هذا الاتحاد بين (الجسد والجوهر الإلهي) لم ينقص من طبيعتهما شيء فليس فيه امتزاج ولا انفصال ومن ثم فرفض الطبيعتين على هذا النحو لا يخلو من الكذب لأنه مخالف لكمال الإله المتفرد القادر على كل شيء كما ذكرنا.

***

والآن سوف نحاول الإفصاح عن طبيعة العلة الحقيقية التي كانت وراء محنة غرابيل الفلاسفة وعجزها عن الفصل بين الأكاذيب والحقائق في ذلك العصر الشاغل بالمثاقفات والمصارعات والمناظرات والمعارك الفكرية التي تسببت في السفع بالنواصي وسجن العقول وخرس الألسنة بل وإراقة الدماء وتربع الاستبداد والجهل والعنف في سماء ذلك الظلام الحالك الذي خيم على أوربا في الفترة الممتدة من القرن الثالث إلى القرن الخامس عشر الميلادي حيث مصابيح النهضة التي حملها ديكارت وبيكون لإزالة ذلك الركام الحضاري الذي عاق تقدم كل القيم الإنسانية آنذاك فقد تبين لنا من دفوع ومزاعم وادعاءات كل الاتجاهات المتصارعة أن جميعهم كان من صانعي الكذب بكل أشكاله في حين أن غرابيل الفلاسفة الحديدية أو الحريرية لم تتمكن من غربلة الوافد الذي تحمله من مزاعم متناقضة وشائعات ذائعة وادعاءات مغرضة وأفاك ملفقة والرؤية الناقدة لا تستطيع أن تقطع بأن هناك مسؤول بعينه عن تلك الكثرة من الأكاذيب التي لفظتها هذه الاتجاهات هل التعصب للموروث أو الخوف من وصف الواقع أو الارتياب في المجهول القادم أم ضياع وفقدان المعيار الذي توضع فيه الأفكار؛ ليصبها العقل في غرابيل النقد لتهذيبها أو النقض لإبعادها؟

وللحديث بقية عن قراءة العقل المحايد لفلسفة عن هذا العصر.

***

بقلم: د. عصمت نصار

مُنحت يوم الاثنين الماضي 13 اكتوبر 2025 جائزة نوبل في الاقتصاد لكل من جويل موكير Joel Mokyr (جامعة نورث وسترن)، وفيليب أجيون Philippe Aghion (مدرسة لندن للاقتصاد)، وبيتر هويت Peter Howitt (جامعة براون) لتوضيحهم للنمو الاقتصادي المبني على الابتكار. يأتي هذا بعد الاتجاه الاخير الذي اعتمدته لجنة نوبل في التركيز على الاقتصاد القائم على النمو، بعد فوز كل من أسيموجلو وجونسن وروبنسون عام 2024، وفوز كريمر ودوفلو وبانيرجي عام 2019. الزمان والمكان لا يسمحان بعرض نقاش مفصل للافكار خلف كل جائزة من هذه الجوائز، لكنها جميعا ذات أهمية بالغة لفهمنا للاقتصاد.

 أحد أكبر الألغاز في التاريخ الانساني هو ما سمي " عصا هوكي في الرخاء" hockey-stick of prosperity(1). هذا يشير الى حقيقة ان الشطر الاكبر من التاريخ الانساني شهد ثباتا في مستويات المعيشة. لا فرق كبير بين المواطن الروماني عام 1م والمواطن البريطاني عام 1700م. لكن بدءً من عام 1700، بدأت مستويات المعيشة ترتفع.

من عام 1م الى عام 1700 لم تحدث الاّ القليل من التغييرات، حيث هيمن النقل الشراعي ووسائل النقل الحيوانية، ولم يتقدم علم الطب، ولم تكن المكائن معروفة. ومن عام 1700 الى عام 1800 بدأت التغييرات تظهر بشكل ملموس، حيث تم إدخال المحركات الميكانيكية وبدأت الثورة الصناعية. بين عام 1800 الى عام 1900، انتقل العالم من الحصان والعربة الى المحرك البخاري. بين عام 1900 و1960، ذهبت الانسانية من المركبات الى الطائرات ثم الى الهبوط على سطح القمر. الامراض قُضي عليها والحياة تحسنت كثيرا. نسبة الفقر الواقعي هبطت من 90% من السكان في العالم الى أقل من 10%، وهو مالم يحدث من قبل، واستمر الحال بنفس المنوال حتى ان اكثر الاقتصاديين تفاؤلا في ذلك الوقت واجهوا صعوبة في تفسير ذلك.

جويل موكير، وفيليب اجيون، وبيتر هويت ساعد عملهم مجتمعاً بتوضيح لماذا حدث هذا النمو، ولماذا حدث في أماكن محددة وكيف يكون مستديما.

يجادل موكير ان الثورة الصناعية والمنافع التي نتجت عنها لم تكن صدفة تاريخية، وانما هي نتيجة للمؤسسات. يبرز النمو الاقتصادي من نوعين من المعرفة: معرفة افتراضية propositional knowledge (2) (كيف ولماذا تعمل الاشياء) ومعرفة توجيهية prescriptive knowledge (معرفة تطبيقية لأشياء ضرورية لجعل الأشياء تعمل، مثل المؤسسات والتعليمات). هذان الشكلان للمعرفة يعملان مجتمعان، يبنيان على بعضهما البعض، لخلق النمو الاقتصادي. فمثلا، علم الاقتصاد (معرفة افتراضية) يخبرنا من أين تأتي الاسعار، كيف ينسق الناس تصرفاتهم، وغير ذلك. هذا الفهم، بدوره يساعدنا للنظر في أي نوع نحتاجه من المؤسسات (معرفة تطبيقية) لتعزيز تلك الميول.

 ان حالة اوربا المجزأة قادت الى ظهور الثورة الصناعية. مع وجود مختلف الدول المتنافسة مع بعضها لأجل الهيمنة السياسية، وعدم وجود دولة بالذات كبيرة، يستطيع الناس الانتقال (او الهروب) عندما تتعرض افكارهم للقمع. في الدول الموحدة الكبيرة مثل الصين والهند (واللذان كانا تقريبا بنفس المستوى التكنلوجي لاوربا في ما قبل الصناعة)، جرى قمع الافكار والناس لم يتمكنوا من المغادرة. اوربا المجزأة خلقت المزيد من التكنلوجيا القوية بسبب عدم قمعها للافكار الجديدة. هذه النزعة تُلاحظ احيانا في دول مثل الامبراطورية البريطانية. سكوتلاند كانت مكانا راكدا لم يشهد تقدما، جرى تجاهلها من النخبة الحاكمة في لندن بعد توحيد العاصمة، ومع ذلك، هذا هو المكان الذي بدأت فيه الثورة الصناعية.

أطلق موكيرعلى هذه الظاهرة ثقافة النمو (وهو نفس الاسم لكتابه الشهير عام 2016). الابتكار التكنلوجي ليس عشوائيا، وانما يتطلب ثقافة تعزز الابتكار وسوقا للافكار.

ساهم كل من اجيون وهويت بطريقة مختلفة. ورقتهما الفريدة "نموذج للنمو من خلال التحطيم البناء"(Econometrica,60(2)) تبني نموذجا رياضيا لنموذج جوزيف شومبيتر اللفظي للتحطيم البنّاء. الشركات تواجه كل من مكاسب ومصاعب للابتكار (جزرة وعصا). الجزرة هي المكاسب او العوائد التي تحصل عليها من الابتكارات. من خلال العملية الابتكارية للشركات هي تجعل التقنيات القديمة مهملة وغير صالحة، وهي بهذا تقضي على التكنلوجيا القديمة وتحصل في نفس الوقت على حصة السوق (او العائد). المصاعب تأتي من التهديد المستمر من جانب الشركات الاخرى للعمل بنفس الطريقة: كل واحدة يجب ان تبتكر لكي لا تخسر العائد . لكن أجوين وهويت ايضا يكشفان عن بعض القيود. عندما يصبح العائد كبيرا جدا، تستطيع الشركات القائمة خلق حواجز تمنع الدخول. هذا يقلل من اخطار المنافسة. كذلك، حالما يتم تأمين الارباح او العوائد، سيكون هناك القليل من حافز الابتكار لدى الشركات . الاختلاف في الشركة والسوق والهيكل القانوني يوضح لماذا بعض الصناعات عالية الابتكار بينما اخرى جامدة.

كل الفائزين الثلاثة يوضحون النمو الاقتصادي من خلال التكنلوجيا والثقافة. هذه القراءة لا تدّعي عرض كل أعمالهم، لذا يُنصح بالعودة الى ملخص لجنة نوبل لمساهمات الفائزين.

***

حاتم حميد محسن

..........................

Econlogpost Oct 13, 2025, the Library of economics and Liberty

الهوامش

(1) يشير مصطلح (عصا هوكي في الرخاء) الى الزيادة الدراماتيكية في رفاهية الانسان التي بدأت في القرن الثامن عشر. هذه الفترة سميت تقليداً للعبة عصا الهوكي عندما تُرسم بيانيا، المؤشرات الاساسية لإزدهار الانسان مثل متوسط العمر المتوقع والدخل، بقيت على خط مستوي نسبيا لقرون قبل ان تزداد بحدة لتشبه بذلك عصا لعبة الهوكي في الإستواء والإنحناء.

(2) وهي معرفة يُعبّر عنها بشكل بيانات او تصريحات او افتراضات وتكون اما صحيحة او زائفة، مثل عبارة الارض تدور حول الشمس.

 

قراءة نقدية لرسالة الوزير عبر "السوشيال ميديا"

للمرة الاولى في تاريخ العراق، تلجأ وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الى منصات التواصل الاجتماعي لبث رسالة مصورة حول ما وصف بـ "منجزات حققها الوزير نعيم العبودي في التعليم العالي والجامعات العراقية"، في تزامن لافت مع بدء الحملة الانتخابية.

الادعاء بزيادة البحوث (الاوراق البحثية)

يدّعي الفديو انه خلال فترة ترؤس الوزير للوزارة (منذ تشرين الاول 2022) شهدت نشر اكثر من 69 الف بحث علمي عراقي (اي بمعدل 24 الف بحث في السنة الواحدة).  في الحقيقة، هذا الرقم ليس مختلفا كثيرا عن عدد الأبحاث المنشورة في العام السابق للوزارة الحالية، والذي وصل الى اكثر من 20 الف بحث. وكذلك، لم تكن الأرقام في السنوات التي سبقتها مختلفة بشكل كبير. لكن الملحوظ والمميز في هذه الفترة هو الارتفاع الكبير في النشر الزائف.  فالكثير من هذه الأبحاث (مع التحفظ على الأبحاث النزيهة) اما انها مسروقة، او من إنتاج "مصانع الأوراق" التجارية، او مقتبسة بشكل غير أمين، او حتى مزورة. ان وجود عدد كبير من الباحثين الذين ينشرون بمعدل 100 بحث سنويا وبضمنهم مسؤولين كبار في الوزارة، وتزايد أعدادهم بمرور الوقت، بالإضافة الى ازدياد عمليات سحب الأوراق من المجلات العلمية، يؤكد دور الأوراق المزورة في زيادة العدد الاجمالي. كما ان هذه الفترة تتميز بنشر ابحاث تفتقر الى التاثير العالمي والمجتمعي او الجودة البحثية المطلوبة، الامر الذي حال دون الاشارة الى الجودة في الفديو، ربما لانها قد تمثل "وصمة عار". الاهم من ذلك، لم يذكر الفديو ان البحث العلمي لم يتلق اي دعم مالي مباشر من الوزارة، بل تحمل الباحثون تكاليفه بأنفسهم.

زيادة الجامعات في تصنيف التايمز.. هل هو انجاز حقيقي؟

واشار الفديو الى زيادة عدد الجامعات العراقية المدرجة في تصنيف التايمز للتعليم العالي. لكنه غفل عن حقيقة ان تصنيف التايمز يدرج كل جامعة تتقدم بطلب للاشتراك وتستوفي استمارة المشاركة. فالسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا اقتصر العدد على 27 جامعة فقط، وليس 100 جامعة على سبيل المثال؟ كما تجاهل الفديو الاشارة الى ان ما يقارب 90% من جامعات العالم لا تشارك في هذا التصنيف من الاساس، وبالتالي لا يتم تصنيفها. علاوة على ذلك، تقع غالبية الجامعات العراقية المشاركة في مؤخرة التصنيفات، مما يشير الى إخفاق كبير حتى ضمن نطاق الجامعات المحدودة المشاركة.

المؤشر البيئي والتنموي.. سوء فهم للتصنيفات الدولية

ذكر في الفديو ايضا ان العراق صعد الى المركز الاول عربيا في "المؤشر البيئي والتنموي" وفقا لتصنيف التايمز. وهنا يجب التوضيح انه لا يوجد مؤشر بيئي وتنموي شامل على مستوى الدول يصدر عن التايمز. لربما ما يقصد على الارجح هو تصنيف التايمز للتنمية المستدامة للجامعات، حيث صعد العراق الى المركز الاول عربيا من حيث عدد الجامعات المشاركة في هذا التصنيف. هذا يعني ان عددا كبيرا من الجامعات العراقية بادرت بتقديم بياناتها والمشاركة في هذا التصنيف الذي يقيم مساهمة الجامعات في تحقيق اهداف التنمية المستدامة. مع انها اختفت من تسلسل افضل الجامعات العربية في التصنيف حيث تصدرت الجامعات السعودية والاماراتية والمصرية والقطرية ولم تتصدر أي جامعة عراقية قائمة الأداء، ما يشكل انتكاسة اضافية، فالانجاز الحقيقي ليس بكثرة المشاركة، بل بتميز الأداء.

ارتفاع عدد الطلبة الاجانب (الدراسة المجانية).. جدلية الجودة والتاثير

تطرق الفديو ايضا الى ارتفاع عدد الطلبة الاجانب الملتحقين بالجامعات العراقية ليصل الى 3000 طالب. وهذا يعود الى شروط قبول ميسرة، منها قبول معدل 85% لدراسة بكالوريوس طب الاسنان والصيدلة، و90% للطب البشري، مع منح دراسية مجانية. هذا التوجه يأتي على حساب اعداد الطلبة العراقيين الذين قد يجدون صعوبة في المنافسة، ويضع ضغطا هائلا على التدريسيين. فهل هذا ما يجب ان نفخر به كأنجاز في الوقت الذي يدفع كثير من العراقيين اجورا للحصول على مقاعد مماثلة في الجامعات الحكومية المفترض بها ان تكون مجانية، ام انه يثير تساؤلات حول جودة التعليم المقدم ومدى قدرة الجامعات على استيعاب هذا العدد دون المساس بمستوى الاداء الاكاديمي؟

تأسيس كلية التميز.. حل جذري ام تكتيك دعائي؟

بالنسبة لتاسيس كلية التميز كأنجاز يشير له الفديو، يتبادر الى الذهن سؤال جوهري: الم تنجب جامعاتنا وكلياتنا القائمة، على امتداد عقود من الزمن، نخبة من العقول والكوادر المتميزة؟ ولمن تحديدا توجه هذه الكلية الوليدة خدماتها؟ هل هي نخبة مصطفاة، تنتزع انتزاعا من سياق تعليمي متهالك؟ وما الجدوى الحقيقية المرجوة منها؟ هل ستنتج هذه الكلية وظائف نوعية جديدة تتجاوز ما تعانيه الكليات الاخرى من تخمة في بعض التخصصات وشحّة في اخرى؟ الا يمثل هذا الاجراء، في جوهره، مجرد تكتيك دعائي فاشل اخر لتلميع صورة التعليم العالي الباهتة، دون الغوص في اعماق مشاكله المستعصية وتقديم حلول جذرية؟ والاسئلة تتوالى: اين البنايات الجديدة التي تليق بهذه الكلية الرائعة؟ اين المختبرات المتطورة؟ ما هي اختصاصات هذه الكلية؟ ام ان كل هذه "الانجازات" جاءت على حساب ما هو موجود، باقتطاع اجزاء من مبان قديمة وترحيل اثاث مهترئ في مسرحية ترقيع؟

اين المبررات الاكاديمية والعلمية التي تبرر لهذا الصرح المصطنع اسمه "التميز" ان يتفوق على بقية الكليات؟ ام ان الامر كله مجرد استعراض لأسماء واسلاك تربط اساتذة من اقسام اخرى، ثم تغليف الفكرة بشعار براق على لافتة توحي بالعظمة، في حين ان الواقع ما هو الا فراغ تعليمي معاد تدويره؟

هل يعقل ان تتحول كلية مصطنعة الى جامعة من الهواء؟ جامعة لا سند لها سوى اسم "التميز" الغريب الذي يراد به ان يبعث رسالة ضمنية لكل طلبة الطب والهندسة وغيرهم: انكم ببساطة اقل تميزا، وربما اغبياء لاختياركم التخصصات "العادية"، بينما هنا في "التميز" تخلق العبقرية!.

تضمين مادة "جرائم البعث".. اولويات المناهج التعليمية

اشار الفديو الى ادراج مادة "جرائم البعث" في مناهج الكليات العراقية واعتماد تدريس كتب المراجع الدينية كأنجاز. هذا يثير تساؤلا حول الاولويات في صياغة المناهج: لماذا لم تدرج مقررات في "فلسفة المواطنة" او "المواطنة الصالحة" وتعزيز قيم التسامح والتعايش السلمي وتطوير المهارات الشخصية والقيادية، او مادة لتدريس النزاهة ومكافحة الفساد، او مادة التفكير النقدي او حتى مادة عن الحرية الاكاديمية؟ ولماذا لم يتم اعتماد كتب أكاديمية متخصصة في مكافحة الفساد والحوكمة الرشيدة وأخلاقيات المهنة، وكتب في علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع السياسي التي تتناول مفاهيم الهوية والصراع والتسامح وبناء السلام،  ودراسات حالة (Case Studies) واقعية من العراق والعالم حول الفساد ونتائجه وجهود مكافحته وكتب الأدب والتاريخ العراقي التي تحتفي بالتنوع الثقافي وتبرز الوحدة الوطنية؟

ما يثير الاستغراب في رسالة الفديو هو الغياب التام لاي اشارة الى انجازات تتعلق بجودة التعليم بحد ذاتها. لم يتطرق الفيديو الى خطوات عملية لرفع مستوى العملية التعليمية، او برامج تهدف الى ربط التخصصات الدراسية بحاجة سوق العمل ومتطلباته المتغيرة، ولا إلى أي برنامج إصلاحي حقيقي. وكأن التعليم نفسه اصبح تفصيلا ثانويا في مؤسسة تحولت تدريجيا الى دائرة امنية بامتياز، تمارس الابتزاز والتخويف بحق الأساتذة والموظفين والطلبة على حد سواء.

أما الواقع الذي تجاهله الفيديو، فهو أكثر فجاجة من أن يخفى:

- إهانة التدريسيين عبر تجاهل نتائج امتحاناتهم وتدخل الوزير في رفع درجات الطلبة الفاشلين.

- التعيينات الولائية التي جعلت من منصب العميد ورئيس الجامعة مكافأة سياسية لا استحقاقا علميا.

- فرض الاتاوات على الطلبة، حيث يبتزون بمبالغ مالية تسخر لخدمة جهات لا علاقة لها بالتعليم.

- تحويل الوزارة إلى جهاز رقابي بوليسي، يراقب ويعاقب بدل ان يطور ويحفز.

كل ذلك غاب عن الفيديو، وكأن الرسالة المقصودة ليست تحسين التعليم، بل تحسين صورة السلطة. وهنا تكمن المأساة: حين يصبح الترويج اهم من الإصلاح، ويستبدل الحديث عن الرؤية التعليمية باستعراضات فارغة لا تعني شيئًا للطلبة ولا للأساتذة.

الاكثر اثارة للقلق هو تجاهل الفيديو الكامل لمطالب الهيئة التدريسية.  فبدلا من الالتفات الى حقوقهم واحتياجاتهم، او التركيز على برامج تدريب وتطوير مستمرة لتحسين مستوياتهم التعليمية والبحثية، خلى الفديو من اي ذكر لهذه الجوانب الحيوية التي تمثل عماد اي تقدم في القطاع التعليمي.

***

ا. د. محمد الربيعي

حينما يقترن أمران لا صلة حقيقية بينهما، فيكون أحدهما دالا على الآخر، وقيمة الآخر متوقفة على الأول، فهذا نذير شؤم بنتيجة تتوقع فيها كل شيء إلا الحقيقة، وعلى المستوى الفكري تكون المغبّة أَنْكى؛ لأن الفكر القويم يُبنى على تسلسل منطقي من الأدلة، وليس على جمع اعتباطي، وربطٍ عشوائي كيفما اتفق، وحتى لا تتوه منا الفكرة في ضبابية المدخل العام لموضوع بحثنا، فإني أودّ الإبانة عاجلا عن مقصودي، فأنا هنا أتحدّث عن اقتران صحة الرأي بتبنّي الأغلبية، وإذا كان الفكر الإنساني قد مُنِيَ برزيّة فستكون الأغلبية!

حين نتحدث عن صحة الرأي، فإنه من المفترض أن يدور كلامنا على الدلائل والقرائن والحجج والبراهين والتجارب العملية والعلمية، ونحوها مما يُستند إليه - عن استحقاق - لإثبات المعارف، فيغدو ادّعاؤنا بأن التصوّر الفلاني صحيح استنادا للحجة المبرهن عليها، مقبولا لدى الحسّ الطبيعي، أما إذا كان المصدر الذي ولّد قناعة بصحة رأي ما ليس بذي بال أو فاقدا أيّ قيمة، فهنا تكون نظرتنا لصحة الرأي محل شك ونظر بل وريبة!

وحين نتحدث عن الأغلبية، فإنّ أقصى ما نشير إليه هو نسبة غالبة من مجموعة أناس يجمعهم قاسم مشترك كالرقعة الجغرافية أو اللغة أو الدين أو العِرق…إلخ، فحين نقول أغلبية المقيمين في تلك الدولة من الجنسية كذا، فهذا يعني نسبة 51% فما فوق منهم هم من هذه الجنسية - لا أكثر ولا أقل - ولا يدل على شيء آخر إلا الأكثرية العددية.

المتاهة التي عَلِق فيها الفكر الإنساني هو أنه أوجد رابطة - حيث لا رابطة -  بين صحة الرأي التي تفترض حيازتها على أدلة إثباتها، وبين تبنّي الأغلبية إياه بوصفها الدليل الذي يركن الرأي إليه، وإن كان ربطا لا شعوريا وغير صريح، لكن ظلاله ملقاة على واقع تعاطينا الفكري، وخير مثال ما تعجّ به مواقع التواصل الاجتماعي من مناقشات في نطاق (الترندات)، وكيف يتم التعاطي مع رأي الأغلبية بثقل اجتماعي بل ومعرفي للأسف.

كل ما أرغب في زَجّه لبؤرة الضوء هنا هو أن نضع الرأي المُتبنّى من الأغلبية في خانته الطبيعية بلا عملية (Filler) حشو! وعلى قول المتنبّي:

أعيذُها نظراتٍ منك صادقةً          أنْ تحسبَ الشحم فيمن شحمُه ورمُ

 فهو رأي أخذ به أفراد مجموعة ما بنسبة غالبة، بدون أن نزيد من عنديّاتنا أيّ شيء من قبيل صحة الرأي أو دقته أو وجاهته! فالأغلبية ليست أحد أدلة الصحة، بل نسبة غالبة، وغالبة باعتبار العدد وليس شيئا آخر.

ومن الوارد جدا أن نتساءل إزاء هذا الخلط عن السبب الذي آل بنا إلى فرض هذه العلاقة القسرية بين الأغلبية وصحة الرأي، التي لربّما تكون صادمة للبعض إذْ ينتبه لها لأول مرة وقد كانت ممارسة بديهية فيما مضى، على سبيل النطاق العام للأسباب فطبيعي جدا أن تتعدد وتتداخل، فليس بلازم أن تكون الأسباب خطيّة أو منفصلة بشكل حدّي عن بعضها، وفيما يتصل بمحل بحثنا عن أسباب إقامة اقتران بين الأغلبية وصحة الرأي فإني أود الالتفات إلى سببين، أوّلهما فردي المَنبت، وثانيهما جماعي الدافع.

فيما يخص المستوى الفردي، فأدمغتنا تميل للاسترواح للالتصاق بالأغلبية في تبنّي تصوّر أو توجّه معيّن؛ لتجنّب إعمال العقل؛ لأن العمل الذهني يتطلّب طاقة إضافية، فيجد الدماغ في الأغلبية العزاء، فيستمرئ الميل لمحاكاة رأي الأغلبية على اعتبار أن ذلك إشارة إلى قوة الرأي لدرجة أن الجموع بمختلف أطيافها قد تضافرت عليه، ولكن تلك منهجية غير وجيهة؛ فتبني الرأي هو مسؤولية فردية بالدرجة الأولى، وليست مسؤولية جماعية، والذي يحصل أن هذا الاسترواح يجعل ما يُقدّم من أدلة تبريرات لصحة رأي الأغلبية، ليس لأنها أدلة صحيحة في ذاتها، أو على أقل تقدير ليس لكونها بتلك القوة التي يتم تقديمها على أنها كذلك، وإنما الباعث الأساسي هو تبنّي الأغلبية، فنتراخى في عملية التمحيص والنقد، لا لشيء سوى أننا لا نكاد نولّي وجوهنَا شطر ناحية ما إلا وجدنا من يسبّح بحمد هذا الرأي ويلهج بذكره! فنجد أنفسنا تلقائيا مع الخيل يا شقراء! فإذن الميل لرأي الأغلبية ليس بالضرورة قناعة تُفصِح عن نفسها بل تتسلّل إلى المستوى اللاشعوري مقنَّعة بأدلة لاحقة جوفاء، باطنها محض تبريرات لتمرير رأي الأغلبية على أنه رأي متأسّس على أدلة رصينة تعضده.

وفيما يخص المستوى الجماعي، فعلى مرّ الأزمان تطوّرت الحاجة الجماعية للاحتفاء بخصائصها من الأعراف والأفكار بين أفرادها بفعل الانتقاء الطبيعي للجماعة (Group Selection) للمحافظة على بقاء انتماء أفرادها إليها، فكيف يُتصوَّر وجود للجماعة بدون أفراد يشكّلونها؟ لا شيء قطعا، ومن تفرعات ذلك الاحتفاء هو تقدير رأي الغالبية بما هو تمثيل معتبَر للتيار العام للجماعة، ومن هنا كان تمرّد فرد على التيار العام للجماعة في أعرافها وأفكارها يشكل تهديدا يؤرق مضجع الجماعة؛ فتعمد بدايةً إلى محاولة استمالته مجددا إلى حياضها، فإن لم يُجدِ ذلك نفعا تقوم بتجنيد أدواتها المتاحة المشروعة منها وغير المشروعة،  فتغتاله اجتماعيا وتشوه صورته ولا تألُو جهدا في محاربته لجعله عبرة؛ تجنبا للعدوى، والتي إنْ استشرت فذلك إيذانٌ بالقضاء على وجود الجماعة، ولك أن تدرك أنه كلما كانت الجماعة مترامية الأطراف وذات نفوذ واسع وتحكمها أيديولوجيا مستحكمة، امتلكت أدوات أكثر إيغالا في اللاإنسانية، ليس أقلها إطلاق حملات بروبوغاندا ضد المنشقين عنها، على أنّ نطاق الآراء ذات الحظوة لدى غالبية جماعة ما، ينبغي أن يكون محل دراسة حقول علمية كعلم النفس الاجتماعي؛ لبحث الجذور التي شيّدت علاقة متينة بين غالبيةٍ ما وبين هذه الآراء من بين نظيراتها من الآراء.

إذن العقد الذي يُلصق صحة الرأي بالأغلبية هو عقد اجتماعي، يتعزّز بميل أدمغتنا إلى الاتّكاء على استنساخ رأي الغير الجاهز، خصوصا وهو يحظى بسطوة الغالبية، ولسانُ حالها إنْ كان صحيحا فبها ونِعْمَتْ، وإنْ كان خطأً فالخطب يهون مع وقوع غيرنا في الفخ نفسه!

على أنّني أحرص دائما على التحذير من مفهوم الرأي العام، الذي عادة ما يكون مستخرَجا من تفاعلات الجمهور مع (ترند) معين، فيُصدَّر على أنه يمثل الأغلبية، وما يمثل الأغلبية يُنظر إليه بما هو ممثّل لتلك الجماعة بأسرها سواء كانت شعبا أو أصحاب دين أو أتباع تيار فكري…إلخ ولكن عند التفتيش عن حيثيات مفهوم الرأي العام فهو لا يعني إلا صورة مُجْملة شوهاء عن رأي جماعة ما، بعيّنةٍ محدودة وشريحة مُجتزَأة لا تتأهّل لأنْ تقوم بتمثيل الأغلبية فضلا عن الجماعة بأسرها، ففي الوقت الذي نسمع فيه أن الرأي العام في منطقة كذا أو عند مجتمع ما، فهذا لا يعني إلا استطلاعا لوجه واحد من الوجوه، قد يكون استبانة لعيّنة غير منضبطة، أو تفاعلات في (ترند) في منصة (X) وهؤلاء لا يمثلون بالضرورة الصوت الحقيقي لأي مجتمع.

على أنه في الوقت الذي يُنظر فيه إلى الأغلبية مُرجِّحا أو على الأقل باعثا للاطمئنان أو الاستئناس لتماسك رأي ما، فإنه يمكن أن يكون ذلك على النقيض تماما، بما هو لافتة تحذير (Red flag) فقد جرت العادة على أن تكون الآراء السائدة مكانا خصبا لترعرع الأفكار المغلوطة والمدفوعة لخدمة أجندات معينة وليس نشدان الحقيقة.

وهذا يذكرني بمقولة متداولة منسوبة لمارك توين، ولم أقف على مصدرها، ولكن مهما يكن فمضمونها دقيق جدا، وهي: "Whenever you find yourself on the side of the majority, it’s time to pause and reflect." أي: كلما وجدت نفسك في صفّ الأغلبيّة فقد حان الوقت لتتوقّف وتتأمّل، وعموما في الوعي الجمعي ننفر جميعا من سمة الإمّعة رغم سقوطنا ضحايا لها، شعرنا بذلك أم لا، ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية ودخول الكوكب في نظام عالمي جديد، نشأت في سياق ثقافة الشعوب الناطقة بالإنجليزية كلمة هجين (Sheeple) وهي نحت لكلمتين (Sheep) بمعنى الخِراف و(People) بمعنى الناس، ليكون معناها الكلّي: الأشخاص سهلو الانقياد كالقطيع، والمعادل الأقرب إليها بالعربية الإمّعة، لكن كلمة (Sheeple) كما هو جليّ تضفي تهكّما لاذعا لهذه الفئة من الناس التي تحشو أدمغتها بآراء جماعتها بغضّ النظر عن صحتها، وقد أُضيفت الكلمة رسميا لقاموس أكسفورد عام 2015 أي قبل عشر سنوات من الآن.

وفي خطوة أولى حتى لا ننجرّ في تيارٍ إمّعيٍ بامتياز، علينا أن نَفْرَق ابتداءً من الرأي السائد الذي يعبّر عن الأغلبية، ونُعمِلُ فيه نقدنا أقسى من غيره؛ لنتأكد قدر المستطاع من أننا لا ننضمّ لقائمة ضحايا تصوّرات تيار الأغلبية، فالرأي إذْ تحتفي به الأغلبية لا يعني إلا أن كثيرا من الناس اعتمدوه، ناظرا إلى العدد ليس إلا، من غير أن يدل على أي معنى زائد آخر كصحته! وكم من رأي صحيح حصيف مسحوق تحت الغالبية؛ لقلة متبنّيه، مبحوح الصوت حتى لا يكاد يُسمع، ومع ذلك إذا كانت نتيجة نظرك في رأي ما قد وافق الأغلبية فلا يعني أنه يتوجّب عليك نبذه وازدراؤه، فحجر الزاوية هو ألا تتبنّاه لأنه رأي الغالبية وحسب.

***

محمـــد سيـــف

العدم السريالي (3)

ٱلْخُلُودُ لَيْسَ وَعْدًا، بَلْ ٱسْتِمْرَارٌ بَغِيضٌ لِلتَّفَاهَةِ ذَاتِهَا، نَحْنُ نَسْعَىٰ لِلْأَبَدِيَّةِ كَأَنَّهَا مُكَافَأَةٌ، بَيْنَمَا هِيَ فِي ٱلْحَقِيقَةِ لَعْنَةُ ٱلتَّكْرَارِ ٱلْأَقْصَى. ٱلْأَبَدِيَّةُ لَيْسَتْ فَضَاءً مَفْتُوحًا، بَلْ قَاعَةَ ٱنْتِظَارٍ ضَخْمَةً لَا يَتَغَيَّرُ فِيهَا شَيْءٌ سِوَىٰ ٱضْمِحْلَالِ رَغْبَتِنَا فِي ٱلْمُغَادَرَةِ. ٱلْخَوْفُ ٱلْحَقِيقِيُّ لَيْسَ مِنَ ٱلْمَوْتِ، بَلْ مِنْ أَنَّ ٱلْحَيَاةَ لَنْ تَنْتَهِيَ أَبَدًا؛ أَنْ تَسْتَمِرَّ هَذِهِ ٱلْعُرُوضُ ٱلْبَائِسَةُ لِلْمَشَاعِرِ ٱلزَّائِفَةِ إِلَىٰ مَا لَا نِهَايَةَ.

"السريالية" تكمن في قناعتنا بأننا سنكون مختلفين في الغد، أو مختلفين في حياة أخرى، بينما كل ما نفعله هو تحريرُ نُسَخٍ بَاهِتةٍ من الأمس.

الأبدية هي أن تجد نفس الكذبة تتكرر ببطء مهيب.

. أن تعيش مليون عام، ثم تكتشف أنك لم تتجاوز لحظة الملل الأول

الوقت كائن شرير.

. يمنحنا الزمن الكافي لنكره أنفسنا، ثم يسرقه قبل أن نصل إلى قرار

الذاكرة هي الوحش الذي ابتلعنا جميعاً.

. نحن لا نموت؛ نحن نتحول إلى أرشيف مُتَعفِّن من الخيبات

الجنون هو النقطة الوحيدة التي يمكن أن يلتقي فيها الصدق بالأمل.

. لكن حتى الجنون يتعب ويستسلم للرتابة

الفن هو محاولة يائسة لوضع إطار على اللا معنى.

. هو تزيين حبل المشنقة بورود بلاستيكية

الحب؟ هو اتفاق بين شخصين على أن يجنّا سوية لفترة، قبل أن يستيقظ كلاهما على حقيقة عزلة الآخر.

المشاعر ليست إلا ضوضاء بيضاء.

. مجرد ذبذبات فاشلة تحاول كسر هدوء العدم المتقن

نحن نغفر لأننا متعبون جداً من تذكر سبب الغضب.

الغفران هو مجرد كسل آخر.

المتعالي هو قناع الوجود

الذي يرتديه ليبرر غيابه.

لقد وضعوا لنا آلهة ليمتصوا عنا ضجرنا، وخلقوا لنا مُثُلاً عليا لنستنزف فيها طاقتنا بلا فائدة.

العدم السريالي لا ينفي الإله؛ بل يجعله شريكاً في العبث،

أرهقه الخلق، فترك كل شيء يسير على غير هدى، ثم جلس يضحك من محاولاتنا اليائسة لإيجاد قانون يحكم الفوضى التي تركها خلفه.

. سخرية المتعالي هي أن يْطلب منا المسؤولية في غياب الهدف

فضح القناع:

الفضيلة هي مجرد ترف.

. لا يمارسها إلا من لديه الوقت الكافي لتجميل سقوطه

العدالة هي الاسم اللطيف الذي نطلقه على انتقامنا المؤجل.

التاريخ هو هراء متفق عليه.

. أسطورة يرويها المنتصرون عن حماقة المهزومين

الشرف هو مسألة متعلقة بمدى براعتك في إخفاء قذارتك عن القطيع.

نحن لا نكره بعضنا البعض حقاً.

. نحن نكره انعكاس ضجرنا في عيون الآخرين

كان يمكن للإله أن يخلقنا سعداء.

. لكنه اختار أن يخلقنا أذكياء، وهذه هي اللعنة الحقيقية

. الذكاء ليس نعمة، بل عيادة تشريح للآلام

من يجد اليقين، عليه أن يُعلن انتحاره الفلسفي فوراً، لأنه توقف عن الحياة وبدأ في تجميع حطام الإجابات الميتة.

الهدف الأسمى هو الوصول إلى الهدوء الذي يسمح لك بأن تشهد على خرابك دون أن ترمش لك عين.

البرج الزجاجي

يبدو شفافاً ومفتوحاً، لكنه لا يؤدي إلى أي مكان، وهو مصمم فقط لينكسر عندما تُوشك على لمسه.

الموت ليس نهاية

. الموت هو الاعتراف العلني بعبث الحياة

نحن نعيش لندحض الموت، لكن الموت هو الدليل الوحيد على أن هذا العبء لم يكن أبدياً.

إِنَّ ٱنْتِصَارَ ٱلْغَرِيبِ ٱلْأَخِيرِ لَيْسَ فِي عَوْدَتِهِ، بَلْ فِي إِيقَافِهِ لِعَبَةِ ٱلتَّظَاهُرِ. لَحْظَةُ ٱلْمَوْتِ هِيَ ٱللَّحْظَةُ ٱلْوَحِيدَةُ ٱلَّتِي يَكُونُ فِيهَا ٱلْإِنْسَانُ صَادِقًا تَمَامًا؛ صَادِقًا فِي عَدَمِهِ، صَادِقًا فِي خَلُوِّهِ مِنَ ٱلْهَدَفِ.. هَذَا ٱلِٱنْتِصَارُ هُوَ نَفْيٌ هَادِئٌ لِكُلِّ ٱلشِّعَارَاتِ ٱلَّتِي أَرْهَقَتْنَا.

سكون النهاية:

التلاشي ليس خسارة، بل هو الهدية الوحيدة التي يمنحها لنا الوجود.

أن تموت هو أن تتوقف عن إزعاج الكون بـحاجتك إلى معنى.

الغريب لم يمت، بل أعلن انسحابه من مسرحية رديئة.

البرج الزجاجي سقط ليعلن أن كل الارتفاعات كاذبة، وأن الجاذبية هي الشكل الوحيد للعدالة المطلقة.

القطيع لا يحزن للموتى؛ إنه يحزن على فقدان شاهد إضافي على تفاهتهم.

السلام ليس غياب الحرب، بل إخماد الرغبة في الفهم.

اكتشف الغريب أن البقعة السوداء على الأرض ليست أثراً، بل توقيع الوجود على وثيقة الهزيمة.

العدم السريالي هو أن تبتسم في القبر.

لأنك أدركت أن الوهم انتهى للتو، وأن هذه هي المرة الأولى التي لا تُطلب منك فيها محاولة ثانية.

أخيراً، نحن جميعاً ذلك الغريب.

. في النهاية، سنمنح للوحش، ليس خوفاً، بل كـدفع أخير لإعفائنا من التفكير

سِيمفُونيَةُ اَلْخَدْرِ اَلْعَظِيمِ

السَّعَادَةُ هِيَ ٱلْهُدْنَةُ ٱلْكَاذِبَةُ ٱلَّتِي يَمْنَحُنَا إِيَّاهَا ٱلْوَعْيُ قَبْلَ جَوْلَةٍ جَدِيدَةٍ مِنَ ٱلشَّقَاءِ. لَقَدْ ٱنْتَصَرَ ٱلْعَدَمُ بِبَرَاعَةٍ لَا مُتَنَاهِيَةٍ، لَمْ يُدَمِّرْنَا، بَلْ جَعَلَنَا نُحِبُّ ٱلْخُدْرَ هُوَ لَيْسَ مُجَرَّدَ إِلْهَاءٍ، بَلْ هُوَ ٱلْهَدَفُ ٱلْأَسْمَى لِلْقَطِيعِ. فِي ٱلتَّفَاهَةِ ٱلْيَوْمِيَّةِ، وَفِي ٱلتَّكْرَارِ ٱلْمَمِلِّ، نَجِدُ ٱلتَّخْدِيرَ ٱلضَّرُورِيَّ ٱلَّذِي يَحْمِينَا مِنْ وَمْضَاتِ ٱلْحَقِيقَةِ ٱلْمُفْزِعَةِ. سُرِيَالِيَّةُ ٱلْخُدْرِ تَكْمُنُ فِي أَنَّنَا نُؤَدِّي أَدْوَارَنَا بِبَرَاعَةِ ٱلْمُمَثِّلِينَ ٱلَّذِينَ أَتْقَنُوا نَصَّهُمْ، بَيْنَمَا نَحْنُ نُدْرِكُ أَنَّ ٱلْمَسْرَحَ فَارِغٌ وَٱلْجُمْهُورُ غَادَرَ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ.

المرح هو القناع الزائف الذي يرتديه من لم يعد يملك القدرة على البكاء الصادق.

الضحكة ليست سوى تشنج عصبي، واعتراف جسدي بأن المنطق قد تحطم.

الروتين هو الصلاة الحديثة، الطقس اليومي الذي نكرره لإقناع أنفسنا بأن هنالك نظاماً في الفوضى العارمة.

الأمان هو شعورٌ مصطنع، يصنعه القطيع من بقايا الخوف الذي فشل في مواجهته.

لا توجد لحظة إشراق.

. هناك فقط فترات انقطاع مؤقتة للغثيان

الفشل هو الشكل الوحيد من أشكال النجاح الذي يمكن أن نثق به حقاً.

النبوغ هو أن ترى العفن في زهرة متفتحة، ثم تُصرّ على شمّها على أي حال.

الحكمة ليست في معرفة الإجابات، بل في إتقان فن الاستمتاع بحماقة الأسئلة.

السعادة هي الهدنةُ الكاذبةُ التي يمنحُنا إياها الوعيُ قبلَ جولةٍ جديدةٍ من الشقاء.

هَلْوَسَةُ اَلْمَعْنَى

البَحْثُ عَنْ مَعْنَىً هُوَ سَذَاجَةٌ لَا تُغْتَفَرُ. ٱلْمَعْنَىٰ هُوَ شَبْحٌ يُطَارِدُهُ ٱلْعَقْلُ ٱلْمُتَعِبُ، فِي كُلِّ مَرَّةٍ نَظُنُّ أَنَّنَا ٱقْتَرَبْنَا مِنْ فَهْمِ شَيْءٍ مَا، نَتَرَاجَعُ مُذَعَّرِينَ، لِأَنَّنَا نَكْتَشِفُ أَنَّهُ هُوَ مَجَرَّدُ نُقْطَةِ بِدَايَةٍ لِمَتَاهَةٍ أَشَدَّ سُوءاً. ٱلْعَدَمُ ٱلسُّرِيَالِيُّ يُذَكِّرُنَا بِأَنَّ ٱلْمَعْنَىٰ لَيْسَ غَائِباً، بَلْ هُوَ مَوْجُودٌ بِشَكْلٍ مُفْرِطٍ وَبِطُرُقٍ مُتَنَاقِضَةٍ لِدَرَجَةٍ تَجْعَلُهُ مُسْتَحِيلاً. فَكُلُّ شَيْءٍ لَهُ مَعْنًى يُضَادُّ مَعْنًى آخَرَ، لِيُصْبِحَ ٱلْمَجْمُوعُ ٱلْكُلِّيُّ، لَا شَيْءَ مُطْلَقٌ.

متاهة الفهم:

الهدف هو دائماً مجرد تأجيلٌ أنيقٌ للحظة التي سنسأل فيها

لماذا كل هذا؟

النقاش هو فن تبادل اليقين بين أحمقين لم يستوعب كلاهما بعد هشاشة موقفه.

الأيديولوجيا هي مسكنٌ فكري. لا تستخدمها للعلاج، بل لـمُضَاعَفَة الوهم.

الشك هو الحالة الوجودية الوحيدة التي لا تسبب الخزي.

المرض هو الطريقة الوحيدة التي يخبرنا بها الجسد أن الروح قد ضلت الطريق منذ زمن.

العالم بحاجة إلى شهود غير مبالين لخرابه.

كل إجابة هي طريقة لقتل سؤال عظيم.

. الغباء هو الكسل الفكري الذي لا يطلب كل الإجابات

الاستسلام ليس هزيمة.

إنَّ التَّلاشِي لَيْسَ نِهَايَةَ السَّلَّمِ، بَلْ هُوَ السَّلَّمُ نَفْسُهُ وَهُوَ يَتَبَخَّرُ بِبُطْءٍ. إنَّهُ لَيْسَ المَوْتَ، بَلْ هُوَ اليَقَظَةُ الأَكْثَرُ بَيَاضَاً حِينَ نُدْرِكُ أَنَّ الأَسْماءَ كَانَتْ مُجَرَّدَ قُبَّعَاتٍ مَلَوَّنَةٍ عَلَى رُؤُوسِ عَرَائِسَ مِنْ غُبَارٍ. كُلُّ ضَوْضَاءٍ، كُلُّ حُبٍّ مُلْتَهِبٍ، كُلُّ حَرْبٍ صَارِخَةٍ، هِيَ مُجَرَّدُ هَمَسَاتٍ مُتَأَخِّرَةٍ لَمْ تَصِلْ بَعْدُ إلى مَحْكَمَةِ الصَّمْتِ الكُبْرَى، كُلُّ مَا ظَهَرَ، يَجِبُ أَنْ يَعُودَ إلى مُخْتَبَرِ اللاَّ مَرْئِيِّ، لِيُصْبِحَ فَقَطْ، نُقْطَةَ ضَوْءٍ فِي خَالِصِ الأَبَدِيَّةِ الزَّرْقَاءِ. التَّلاشِي هُوَ الْعَدْلُ؛ لأَنَّهُ يُعِيدُ كُلَّ شَيْءٍ إلى حَالَتِهِ الأَصْلِيَّةِ مِنْ اللامُبَالَاةِ الرَّائِقَةِ. فَلَا خُسْرَانَ، وَلَا رِبْحَ، بَلْ فَقَطْ عَوْدَةٌ هَادِئَةٌ لِلأَلْوَانِ إلى العَتْمَةِ المُلْكِيَّةِ.

***

غالب المسعودي

«أردت أن أستعمل على المسرح الجملة القائلة بان المهم ليس تفسير العالم، بل تغييره»[1]... (بريشت)

بداية الكلام: إن الحديث عن المسرح وقضايا المجتمع بكل تمظهراتها وتشعباتها والعلاقة بينهما، حديث ليس بالجديد، فقد ارتبط المسرح منذ بداياته بالحياة الإنسانية، فكان له تأثير في بناء الإنسان، وتشكيل وعيه بذاته، وتجديد مفاهيمه حول قضاياه التي يقف عندها عاجزا أو متسائلا، ونظرته للحياة بما ينعكس على سلوكه كفرد فاعل في جماعة. يقول سعد الله ونّوس: «إنّنا نريد تغيير وتطويع عقلية، وتعميق وعي جماعي بالمصير التاريخي لنا جميعا...»

هل الرّهان اليوم على المسرح، والفن عموما اليوم، في ظل التّطوّرات المتسارعة، والتّغيّرات الاجتماعية والبيئية والتكنولوجية، والتطوّر الرقمي الخطير، أن يتحدّى ويواجه، ويفتح للأسئلة منافذ للمقاومة والتغيير؟

هل يمتلك المسرح اليوم، آليات المواجهة والتّحدي والمقاومة والتّغيير المنشود، لفتح واجهات يدخل منها ليكّد صلاحيته وقدرته على أن يكون بالفعل، حين تساقط وتخاذل كثيرون؟

لا يختلف اثنان، في كون المسرح أبي الفنون، يمتلك القدرة على تحويل الأفكار والإيديولوجيات، والسّائد والمعيوش، وما يموج به عصر الاتصال والسماوات المفتوحة، بجرأة وفاعلية إلى مشاهد بصرية قوية، منفتحة على السؤال، تحمل داخل فرجتها وحواراتها بوادر التغيير وإرهاصاته التي تُخْرج المتلقي/الجمهور، من حالة السكون والتصفيق والضّحك، إلى حالة الفعل والانخراط في التّحدّي والتغيير، لأنّه المعني في البدْء والانتهاء.

وأمام العجز الواضح والبيّن، والبحث الحثيث عن استغلال الظروف والمناسبات لبعض وسائل التعبير وبعض المسؤولين، وانعدام تحمّلهم لمسؤولية التغيير والانخراط فيه، انبرى المسرح شاهرا أدواته، لا ليأخذ صدارة التغيير كقوة، بل، ولأنّه يعلم علم يقين، أنه يستطيع المواجهة وتغيير الحال والمآل، ليبني أفكاراً وسلوكات بدأت تغيب عن حياة الإنسان المسْتخْلَف في الأرض، هذه الأدوات قد لا توجد في غيره، لأنه أبو الفنون جَمَعَ ما تفرّق في غيره، إذ «يتمتّع بشخصية لها مواصفات منفردة[2]» أهمّها المواجهة الحيّة بينه وبين الجمهور، حين تكون المواجهة بين الصّورة[3] والجمهور مواجهة صامتة تأمّليّة، لا تكاد تخرج عن إطاره الموضوعة فيه، بينما في المسرح، يحضر الآن كزمانٍ حاضرٍ دائماً، والهُنا كفضاء حي قابل للتغيير، للتفاعل والتقارب، حيث تُتَسَرّب الأسئلة والأفكار إلى الجمهور، فينخرط فاعلا إيجابيا حين يتشرّب الصّور والأفكار، فيفكّك شيفراتها، ويصبح بذلك عضوا في المشهد المسرحي الفرجوي، يحمل أفكاره، يوزّعها وهو يعيش واقعه وأيامه، وتملأ وقته، فتُخرجه من السكون اليومي إلى الفعل والتفاعل الدّائم مع الآخر عبر السؤال والنقاش والفعل وردّة الفعل.

والمسرح لا يقف عند تحفيز الخيال الإبداعي والتفكير النقدي عند جمهور الفرجة، وإنما يحفر عميقا في الإنسان وذهنيته، وعقله ومنطقه ومنهجه في الحياة بما يمكّنه من التفاعل، والتغيير، ثم احترام المحيط والوجود الجمعي المشترك. لهذا السبب مازالت الدّعوة ملحّة، وبشدّة، إلى إعلاء الدور الطّلائعي للمسرح في استعادة خطاب التنوير والتمدن، ودعم قيم الحركات التّغييرية الاجتماعية والبيئية والسياسية، وتيسير سبل التّغيير والوعي بأهمّيته، لأنّ العالم اليوم، بحاجة للمعالجة الجمالية التي عُرِف بها المسرح لقضاياه، ولكشف المستور، وفضح المخْبوء خلف أرْدِية الادعاءات والمزاعم والمصالح، وهو على ذلك قادر أن يتحدّى ويُقدّم ما يراه من معالجات بحُرّية وجرأة واستقلالية وموضوعية.

المسرح فُرجةٌ تنفتح على العالم..

وانفتاح المسرح على العالم والجمهور، لا يعني ذوبانه في القضايا اليومية المكرورة والممجوجة، بل يعني قدرته على تحويل الواقع إلى رموز وصور وأسئلة تُضيئُ مناطق العتمة، وتفتح الأفق رحباً أمام احتمالات جديدة للوجود الإنساني. وهو بهذا، يغدو أداة لمقاومة الجمود والسكون، وصوتاً للتّجديد، ومُخْتَبراً للحريّة والتفكير، عبر فُرجاته الواعية التي تُدهش الجمهور بقدْر ما تحرّضه على الفعل والتغيير. ومنذ وُجد المسرح، كان ولا زال فعل إرادة ومقاومة ومواجهة وتغيير، فهو، حسب التعريف الأرسطي لمفهوم الدراما، «فعل نبيل تام»، فالفعل هو أساس المسرح، وهو «فن الفعل لتغيير العالم»، لأنه أكثر الفنون التصاقا بالوعي والدعوة إلى التغيير وتحويل العجز الفكري وانسداده، إلى بوابات مشرعة على اكتشاف الجديد للسُّمُوّ بالفكر الإنساني.

كما أن المسرح ظاهرة تتجدّد وتتطور، من هنا أهميته وكذا خطورته، فهو الفرجة الواعيّة التي من خلالها تنطلق الأفكار لتغذي الذات الإنسانية، عبر القضايا الكبرى: الحرية، العدالة، السلطة، الأخلاق والهوية، وتجعل من الإنسان مفكرًا قادراً على الفعل الذي ينهض عليه المسرح، والتغيير الذي يهدف إليه، فهو حاملٌ لرسائل وجودية إنسانية، لأنه «الحياة في حد ذاتها»، حسب تعريف المخرج بيتر بروك. فالمسرح بهذا المعنى، مواجهة وصراع بين العقل والأفكار، يعمل على تحريكها، وخلخلة ما ركد منها أو ركن إلى الظلّ والسكون، وتحريضها للدفع بالمتلقي/الجمهور إلى العمل واتخاذ المواقف، وتجاوز لحظة الدهشة إلى التأثير وتمرير الأثر لحظة الانخراط في اللعبة فاعلا إيجابيا، مستفزّا وعيه دافعا به إلى التفاعل مع القضايا المطروحة بشكل أكثر وعيا وعمقا، ليترسّخ في ذاكرته الأثر الذي يسعى المسرح إلى تحقيقه.

المسرح مطلبٌ ملحٌّ للتغيير والمواجهة والتّصدي، إبداعيا، في عالم يسير إلى الوراء ثقافيا وأخلاقيا واجتماعيا وفكريا، لأنّه يحمل داخله ما يجعله يجسّد الأزمة، ليس كموضوع للنقاش، بل تحذيراً وإنذاراً يدقُّ ناقوس الانتباه والحذر، وصَرخةً  تحتُّ على المواجهة والفعل، ومرآة تعكس حقيقة المأزق الكبير الذي يُجَرُّ إليه الإنسان، عن وعي أو عن غير وعي، ليتحرك قبل السّكتة، بل أصبح الآن، مدفوعا باستمرار إلى محاولة سدّ الفرجات التي تزداد اتساعا بينه وبين العالم، من دون الدخول في صراعات مع الفنون الأخرى، وذلك بفتح أعين الآخر/الجمهور إلى أن يجد التكامل، لا التنافس، بل لنشر الوعي بمعالجة القضايا والمواضيع الملحّة التي تحيط به، فكان المسرح، وباقي الفنون، لأن له القدرة على التفاعل، بسهولة، بأساليبه وآلياته المتعددة، لتثقيفه ونشر الوعي، وتجديد علاقته بالإنسان ومحيطه.

لذا، عندما يستعصي الحل، أو يتفاقم الوضع، يتقدّم المسرح بكل آلياته، وأساليبه معلنا قدرته على فتح فرجات الأمل وردم هوة اليأس، ويكون حاضرا حضورا فعليا لا حضورا ورقيا أو ترفيهيا محض؛ لأن المسرح يملك من الأمل ما يهيئُ الإنسان ليستقبل بكل وعي فواجع النّهايات ويحفّزه على تجاوز الاحباطات والانكسارات والانخراط في الفعل والتغيير.

والحديث عن المسرح هو بالضّرورة حديث عن الإنسان في تفاعله مع المسرح، من خلال الظواهر التي تؤرّق حياة الإنسان، حين يبحث، لا عن الكثرة الغوغاء التي مع القطيع، بل على الأقل القليل، الذي يدرك الحال ويسعى إلى تغيير المآل، لأن المسرح لا يتوقف عند حدود قيم الترفيه والتفريغ والضحك، بل لحظة وعي عقلي تحليلي نقدي في التفاعل والتلقّي، وتجْسيد التّحوّل من مجتمع أناني متفرّج، إلى مجتمع حضاري مفكّر.

على سبيل الختام..

تأسيسا على ما سبق، كان المسرح ومازال، وسيظل، أكثر من وسيلة للترفيه، قويا للدفاع عن الحياة، عبر النضال، بالمعنى الإبداعي للكلمة، لتُعاش بالكرامة والحريّة والسؤال المُحفّز على التغيير، كما أنّه المرآة التي تعكس هم الإنسان وتطلُّعاته، وصوته حين يُقبرُ صوته، متجاوزاً كونه منبرا للوعي، والدعوة إلى اتخاذ إجراءات ملموسة لحماية مكتسباته الفكرية، أو كونه مكتفيا بطرح القضايا من دون المشاركة الفعلية في أساليب التغيير، بل يسعى جاهدا، وبكل وسائطه المتاحة، إلى إشراك المتلقي/الجمهور في مواجهة التّحدّيات مُحفّزاً على التّحرّك نحو حلول فعّالة ومستدامة، مجسّدا لهذا، صراع الإنسان مع العالم المتغير، عبر المقاومة للتغيير، حاملا بكل جرأة النص والفكرة والجسد والمؤثرات المصاحبة والأمل للتغيير لا التّفرّج والتصفيق ثم نسيان الفعل الذي من أجله يناضل.

في زمن ثقافة التّفاهة والرداءة، وسيران «مصطلحات» أصبحت متداولة على ألسن من يشيع ثقافة التّفاهة، ك: «ماشي سوقي، دخل سوق راسك، عاود لراسك، ونتا مالك..»[4] يمكن للمسرح أن يكون أداة قوية لإثارة الأسئلة حول مصير الإنسان والوجود، ليس فقط عبر الطّرح الفكري، والنّقاشات العقيمة، بل من خلال الفعل الحسي والبصري الذي يستفز المتلقي ويحفّزه على إعادة النظر في علاقته مع الواقع، هذه العلاقة التي أصبحت متوتّرة بفعل اللامبالاة وسيطرت قوى الرداءة والتّفاهة التي تتحكّم في سيرورة حياة النّاس. والمسرح بتوظيفه الفكري والفرجوي الهادف للصراع بين الإنسان والوجود، يسعى إلى بعث الأضواء عل المشهد عموما، والتّصدّي للواقفين المتفرّجين على قطار التّغيير يمر سريعا، غير آبهين أنّهم ينزلقون إلى الهاوية فتح فاها لابتلاع كل شيء جميل.

***

عبد الهادي عبد المطلب 

الدار البيضاء/المغرب

........................

[1] قيس الزبيدي. مسرح التغييرـ مقلات في منهج بريشت الفني. دار ابن رشدـ بيروت. (ص 5)

[2] عوني كروم. الخطاب المسرحيـ دراسات عن المسرح والجمهور والضّحك. السلسلة المسرحية ـ الشارقة

[3] نقصد بالصّورة هنا، اللوحات التشكيلية، الصور التي تعرضها السينما والتلفزة والهاتف... وكل ما يجعل منها أداة للتبليغ والتواصل.

[4] كلمات بالدارجة المغربية التي تعني (هذا أمر لا يهمك ـ لا يعنيك ـ وما دخلك؟ ـ ومن أنت لتُغيّر العالم...)

 

ورقة مكملة لمقال إبراهيم برسي "من البروليتاريا إلى الكومنتاريا"1

تمهيد: في مقاله التحليلي، يُعيد الأستاذ إبراهيم برسي تعريف الطبقات المنتجة في المجتمع، منتقلاً من البروليتاريا الصناعية إلى "الكومنتاريا" المعرفية. هذه الطبقة الجديدة لا تعتمد على الجهد البدني أو الآلة، بل تُنتج التأثير عبر المعرفة، المنصات الرقمية، والخوارزميات. ورغم أن هذا التصور يبدو حديثاً في بنيته النظرية، إلا أن الواقع العراقي يُقدّم شواهد حية تُسنده، وتُثبت أن هذا التحول ليس مجرد فكرة، بل مسار حضاري يتشكل فعلياً في مؤسساتنا التعليمية، التقنية، والمجتمعية.

تصورات برسي: إعادة تعريف أدوات الصراع

يرى برسي أن أدوات الإنتاج لم تعد المطرقة والآلة، بل العقل والخوارزمية. ويُشير إلى أن الكومنتاريا تُنتج التأثير عبر المحتوى الرقمي، البرمجيات، والتعليم التفاعلي، وتُعيد تشكيل الوعي العام من الهامش، رغم أنها لا تحظى دائماً باعتراف مؤسسي مباشر. هذا التحول يُعيد تعريف العلاقة بين الفرد والمجتمع، ويُحوّل المثقف من ناقل إلى منتج للسياسة العامة.

أمثلة عراقية تُسند التصور وتُثبت تحققه

في العراق، تتجلى ملامح الكومنتاريا في عدة مجالات. ففي التعليم الرقمي، ظهرت منصات محلية مثل "نفهم العراق"، إلى جانب مبادرات جامعية تُقدّم محتوى ثنائي اللغة، مما يُعيد تشكيل دور المعلم من ناقل للمعرفة إلى منتج رقمي ومُيسّر تفاعلي. هذه النماذج تُجسد الكومنتاريا التعليمية التي تُنتج المعرفة وتُعيد تعريف العملية التربوية.

أما في مجال الطاقة المستدامة، فقد برزت مشاريع للطاقة الشمسية يقودها أكاديميون في محافظات مثل البصرة والأنبار، تُقدّم حلولاً محلية قابلة للتطبيق، وتُعيد ربط الجامعة بالمجتمع. هذه المبادرات تُجسد الكومنتاريا التقنية التي تُنتج المعرفة التطبيقية وتُسهم في الاستقلال الطاقي.

وفي المجتمع المدني، ظهرت مبادرات مثل "شبكة شباب العراق" و"مركز تمكين"، التي تستخدم الإعلام الرقمي لتدريب الشباب على القيادة، التفكير النقدي، والابتكار. هذه النماذج تُعيد تشكيل الوعي الاجتماعي، وتُجسد الكومنتاريا المدنية التي تُنتج خطاباً مجتمعياً جديداً.

أما في المجال الفكري، فقد ساهم كتّاب ومفكرون عراقيون عبر منصات مثل "المثقف" و"الحوار المتمدن" في إعادة تعريف الخطاب العام، من خلال إنتاج محتوى نقدي وتحليلي يُسهم في إصلاح الوعي الجمعي. هؤلاء يُمثلون الكومنتاريا الفكرية التي تُعيد تشكيل الثقافة السياسية والاجتماعية.

وفي قلب هذا التحول، يبرز دور البروفيسور محمد الربيعي، أحد أبرز رواد إصلاح التعليم العالي في العراق. على مدى أكثر من عشرين عاماً، قدّم دراسات ومقالات ومقترحات لتحديث المناهج، اعتماد الجودة، وتطوير البحث العلمي بما يتماشى مع المعايير العالمية. كتاباته المنتظمة تُعد نموذجاً للكومنتاريا الأكاديمية التي تُنتج خطاباً إصلاحياً مؤثراً، وتُسهم في تشكيل السياسات التعليمية. يُجسد الربيعي نموذج "المثقف المنتج للسياسة العامة"، وهو ما يتقاطع تماماً مع تصور برسي للكومنتاريا كطبقة فاعلة في إعادة تشكيل المجتمع.

مقارنة تحليلية بين البروليتاريا والكومنتاريا

الفرق بين البروليتاريا والكومنتاريا يتجلى في أدوات الإنتاج، مكان العمل، وسائل التأثير، ومصدر القيمة. فالبروليتاريا تعتمد على اليد العاملة والآلة، وتعمل في المصانع والورش، وتُؤثر عبر الإضرابات والاعتصامات، بينما تعتمد الكومنتاريا على العقل والخوارزمية، وتعمل عبر الحاسوب والمنصات الرقمية، وتُؤثر من خلال المحتوى والبرمجيات. مصدر القيمة لدى البروليتاريا هو الجهد البدني، بينما لدى الكومنتاريا هو المعرفة والابتكار. التهديدات التي تواجه البروليتاريا تشمل البطالة واستبدالها بالآلة، أما الكومنتاريا فتواجه التهميش الرقمي واحتكار المعرفة. ومع ذلك، فإن فرص البروليتاريا تكمن في تحسين الأجور، بينما فرص الكومنتاريا تكمن في إصلاح التعليم وتمكين المجتمع.

توصيات مستقبلية

- أولاً، من الضروري توسيع المفهوم نظرياً، عبر تطوير إطار مقارن بين الكومنتاريا العراقية ونظيراتها في العالم، وربطها بمفاهيم اقتصاد المعرفة والذكاء الاصطناعي.

- ثانياً، يجب توثيق النماذج المحلية، مثل تجربة البروفيسور محمد الربيعي، لتكون مرجعاً في إصلاح التعليم العالي في العالم العربي.

- ثالثاً، يُستحسن فتح حوار أكاديمي بين الباحثين العراقيين لتوسيع هذا المفهوم، وربطه بالسياسات التعليمية والبحثية.

رابعاً، يُوصى بإعداد نسخة إنجليزية من هذه الورقة، تُبرز العراق كمصدر لنماذج معرفية محلية قابلة للتعميم دولياً

***  

إعداد: الدكتور عبد الجليل البدري

....................

للاطلاع

إبراهيم برسي: من البروليتاريا إلى الكومنتاريا.. الثورة التي غيّرت أدواتها

.........................

The Iraqi Commentariat: From Theory to Tangible Transformation

A Complementary Paper to Ibrahim Barssi’s “From Proletariat to Commentariat”

Prepared by Dr. Abduljalil Al-Badri

Introduction

In his analytical essay, Ibrahim Barssi redefines the productive classes of society by shifting the focus from the industrial proletariat to the emerging “commentariat”—a knowledge-based class that exerts influence through digital platforms, algorithms, and intellectual production. While this framework may appear novel, Iraq offers compelling real-world evidence that supports and enriches Barssi’s thesis. Across education, energy, civil society, and public discourse, a new class of knowledge producers is actively reshaping the country’s trajectory.

Barssi’s Vision: Reframing Tools of Social Struggle

Barssi argues that the tools of production have shifted from hammers and machines to minds and algorithms. The commentariat influences society through content creation, digital platforms, and educational reform. Though often marginalized institutionally, this class holds central influence in shaping public awareness and policy. It redefines the relationship between individuals and institutions, transforming the role of the intellectual from a passive transmitter to an active producer of public policy.

Iraqi Evidence Supporting the Commentariat Framework

In Iraq, the commentariat is emerging across multiple sectors. In digital education, platforms such as “Nafham Iraq” and bilingual university initiatives have redefined the role of the educator. Teachers are no longer mere conveyors of information—they are digital facilitators and content creators. These models exemplify the educational commentariat, which produces accessible knowledge and reshapes pedagogical norms.

In the field of sustainable energy, academic-led solar projects in provinces like Basra and Anbar offer locally grounded solutions and reconnect universities with community needs. These initiatives represent the technical commentariat, generating applied knowledge and contributing to national energy independence.

Civil society has also witnessed the rise of digital initiatives such as the Iraqi Youth Network and Tamkeen Center, which empower young people through leadership training, critical thinking, and innovation. These efforts reflect the civic commentariat, which reshapes social consciousness through digital literacy and participatory engagement.

In intellectual discourse, Iraqi writers, and thinkers on platforms like Al-Mothaqaf and Al-Hewar Al-Mutamaddin have contributed to redefining public narratives. Their analytical and reform-oriented content exemplifies the intellectual commentariat, which influences cultural and political reform through sustained dialogue.

At the heart of this transformation stands Professor Mohammed Al-Rubaie, one of Iraq’s most distinguished pioneers in higher education reform. For over two decades, he has produced studies, proposals, and public writings aimed at modernizing curricula, promoting academic quality, and aligning Iraqi universities with global standards. His consistent engagement with both academic and public audiences makes him a living embodiment of the academic commentariat. Al-Rubaie exemplifies the “public intellectual as policy architect,” perfectly aligned with Barssi’s vision of the commentariat as a transformative force in society.

Analytical Comparison: From Proletariat to Commentariat

The shift from proletariat to commentariat is evident in several dimensions. The proletariat relies on manual labor and machinery, working in factories and workshops, and influencing society through strikes and protests. In contrast, the commentariat operates through intellect and algorithms, using laptops and digital platforms to shape discourse and policy. While the proletariat’s value stems from physical effort, the commentariat derives its influence from knowledge and innovation. The former faces threats like unemployment and automation, while the latter contends with digital exclusion and monopolization of information. Yet, the opportunities for the commentariat are profound ranging from educational reform to civic empowerment and strategic development.

Strategic Recommendations

To advance this framework, several steps will be for future discussion:

1.  Theoretical Expansion: Develop comparative models between Iraq’s commentariat and global counterparts, integrating concepts from the knowledge economy and artificial intelligence.

2.  Documentation of Local Models: Highlight and archive successful Iraqi examples—especially the work of Professor Mohammed Al-Rubaie—as case studies in sustainable reform.

3.  Academic Dialogue: Foster collaborative research among Iraqi scholars to refine and expand the commentariat concept, linking it to national education and innovation policies.

4.  International Dissemination: Translate and publish these insights to position Iraq as a contributor to global knowledge economies and reform strategies.

نظرية العقد الاجتماعي نموذجاً

لو سألت سنياً عراقياً هل تلتزم أخلاقيا بالنظام السياسي الذي يرأسه سياسي شيعي؟

لأجابك بالنفي!

والأصل في المخالفة هو البعد الطائفي.

ولو سألت شيعياً عن الأمر نفسه لأجابك: تريد دائما عمر يحكم عبد الزهرة!

والأصل في المخالفة أيضاً هو البعد الطائفي.

ونسأل أليس هناك نظام سياسي يجمع عبد الزهرة وعمر ويلتزمون فيه التزاما أخلاقيا؟

والجواب نعم قولاً واحداً أنه (العَلمانية) نظام المواطنة نظام الحقوق والواجبات وآليته الديموقراطية التي تعني التداول السلمي للسلطة.

وشعارها العظيم "الدين لله والوطن للجميع".

وإذا أحرزنا هذا القول وآمنا به وهو حق نقول: يتمحور موضوع الأساس الأخلاقي للإلزام السياسي حول واجب المواطنين الأخلاقي في طاعة قوانين الدولة والسلطة السياسية وهو موضوع فلسفي يربط بين الأخلاق والسياسة.

بحسب الدراسات الفلسفية وأخلاقيات السياسة هناك نوعان رئيسيان من الأسس الأخلاقية للإلزام السياسي:

الأول: الأسس الفردانية:

وتشمل مبادئ مثل الإنصاف والتعامل بالمثل (عدالة) والرعاية أي اهتمام الفرد بالآخرين وحقوقهم. على هذا الأساس يلتزم المواطن بالقوانين لأن ذلك يعود بالنفع على الجميع من حيث العدالة والرعاية المتبادلة.

الثاني: الأسس الملزمة:

و تشمل الانتماء للجماعة والولاء للسلطة والاحترام والتمسك بالقيم الأخلاقية التي تكبح الشهوات والأنانية لأجل بقاء النظام واستمراره. هذا النوع من الأسس يؤكد أن الالتزام بالقانون ينبع من الارتباط الجماعي والاحترام للسلطة السياسية الشرعية.

تاريخياً ارتبط مفهوم الالتزام السياسي بأخلاقيات القوانين وموضوعات مثل العدالة والشرعية والسلطة. وهناك توجهات فلسفية ترى أن الإلزام السياسي يكتسب قوة أخلاقية من وجوب الحفاظ على النظام والحقوق المشروعة للمجتمع وهو واجب أخلاقي ينشأ من ضرورة النظام الاجتماعي وحق الدولة في المطالبة بالطاعة من مواطنيها.

بشكل عام يمكن القول إن الأساس الأخلاقي للإلزام السياسي يقوم على مزيج من العدالة الفردانية والولاء الجماعي واحترام السلطة بهدف تحقيق نظام سياسي يضمن الخير والمصلحة العامة ويُحترم من قبل الأفراد بوصفه واجباً أخلاقياً مستنداً إلى قيم العدالة والاحترام المتبادل والمصلحة الاجتماعية العامة.

وهناك حجج فلسفية لفرض الطاعة للسلطة تستند إلى عدة مؤسسات ونظريات مركزية في الفلسفة السياسية من أهمها وأبرزها:

1.الضرورة الاجتماعية والنظام:

تفترض هذه الحجة أن البشرية بطبيعتها الأنانية تميل إلى التنازع والاستحواذ وتخلق الفوضى بدون سلطة مركزية تفرض النظام.

فوجود السلطة يحقق النظام والاستقرار الضروريين للحياة الاجتماعية المستقرة وهذا يلزم طاعة السلطة للحفاظ على النظام ومنع الفوضى.

2. العقد الاجتماعي:

حسب فلاسفة مثل "توماس هوبز" و"جان جاك روسو" فإن الأفراد يتنازلون عن جزء من حرياتهم لصالح سلطة سياسية مُنظمة في سبيل تحقيق الأمن والسلام وبالتالي فإن طاعتهم للسلطة تأتي من موافقتهم وتعاقدهم الاجتماعي الضمني.

3. الشرعية الأخلاقية:

من الطبيعي أن السلطة تكتسب حق فرض الطاعة إذا كانت تحقق المصلحة العامة والخير المشترك للجماعة فإذا انحرفت السلطة عن تحقيق هذه الأهداف تفقد شرعيتها وحق المطالبة بالطاعة.

4.السلطة والقوة:

من المهم التمييز بين القوة والسلطة حيث القوة هي القدرة على الإكراه في حين أن السلطة هي القدرة التي تستند إلى القبول والرضا والشرعية الأخلاقية ومن هنا لا يكفي وجود القوة لفرض الطاعة بل يجب أن تستند السلطة إلى قيم أخلاقية ومعتقدات تعزز قبول المحكومين لها.

5. المصدر الإلهي أو الميتافيزيقي:

تتخذ بعض النظريات موقفا يقيم السلطة على أساس ديني أو إلهي كما في النظريات الثيوقراطية التي تمنح السلطة مشروعية مطلقة استناداً إلى أن الحاكم ينفذ مشيئة إلهية- كما هي سلطة ولي الفقيه في إيران وسلطة ولي الأمر في السعودية وسلطة أمير المؤمنين ملك المغرب- وهو ما يبرر وجوب طاعته حيث يدخل عصيانه في باب المحرمات ومعارضته تكون كفراً  بالله وسننه.

كيف تبرر نظرية العقد الاجتماعي وجوب الطاعة تبريراً عقلياً؟

نظرية العقد الاجتماعي تبرر وجوب الطاعة للسلطة على أساس أن الأفراد يتخلون طوعا وبكامل إرادتهم بشكل صريح أو ضمني عن بعض حرياتهم وحقوقهم الطبيعية في مقابل حماية بقية حقوقهم والحفاظ على النظام الاجتماعي. هذا التنازل الطوعي هو جوهر العقد الاجتماعي الذي يؤسس شرعية السلطة السياسية.

وتؤكد أنه في حالة الطبيعة الأولى أي قبل وجود سلطة سياسية تُنظم الحياة كان الأفراد أحراراً لكن معرضين للفوضى والاقتتال ولا يمكن أن تستمر الحياة في الفوضى لذا يوافقون على تأسيس سلطة قوية تفرض النظام وتحمي الحقوق. فطاعة السلطة تأتي من قبولهم للعقد الاجتماعي الذي يضمن لهم الحماية والنظام وهو شرط لاستمرار السلطة وشرعيتها.

(جان جاك روسو) مثلاً يرى أن العقد الاجتماعي يقوم على "الإرادة العامة" وهي مصلحة المجتمع ككل التي ينبغي على الأفراد الإلتزام بها طواعية حفاظاً على الحرية المدنية التي تكافئ الحريات الطبيعية المقيدة بالتعايش المنظم. وعندما تفشل السلطة في تحقيق هذه المصلحة يجوز للمواطنين عدم طاعتها أو تغييرها.

بهذا توضح نظرية العقد الاجتماعي أن وجوب الطاعة ينبع من الموافقة الطوعية الإرادية للعقد الذي يكفل النظام والبقاء الاجتماعي وهو عقد بين الأفراد والدولة لضمان حقوقهم الأساسية وأمنهم ويُفقد الشرعية إذا لم تفِ الدولة بالتزاماتها تجاه المواطنين.

واجهت نظرية العقد الاجتماعي اعتراضات على مبررات الطاعة تتمحور حول نقاط نقدية جوهرية تشمل:

أولاً: خلافية مفهوم الموافقة الطوعية:

تعتمد النظرية على فرضية أن الأفراد يوافقون طوعاً على العقد الاجتماعي لكن الواقع يشير إلى أن غالبية الأفراد لم يبرموا اتفاقاً صريحا مع السلطة وبذلك يكون انضمامهم للسلطة قسريا أو مفروضا مما يثير مشكلة عدم وجود موافقة حقيقية أو اختيار حر.

ثانياً: تصور الوضعية الخيالية للطبيعة:

تعتمد النظرية على افتراض تصور لمشهد "حالة الطبيعة" الذي ليس له وجود تاريخي حقيقي مما يجعل بناء العقد عليها افتراضياً أو خيالياً وهذا يُضعف من مصداقية مبررات الطاعة القائمة على هذا العقد.

ثالثاً: اختلال توازن القوى والتفاوت الاجتماعي:

كذلك أن الظروف الاجتماعية والسلطوية التي تُفرض على بعض الأفراد تجعل فكرة التنازل الطوعي عن الحقوق غير عادلة أو ممكنة فالسلطة غالباً ما تكون ناتجة عن علاقات قوة غير متكافئة.

رابعاً: الافتراضات الأخلاقية والمصالح الذاتية:

تشكك بعض النظريات بأن الدافع الطوعي لطاعة السلطة مبني على الأخلاق أو الصالح العام بل هو يعبر عن مصالح ذاتية أو ضرورة اجتماعية مما يطرح تساؤلات حول واقعية هذا الالتزام ومدى شرعيته.

خامساً: عدم توافق الأطراف المتعاقدة:

هناك نقد على أن الأطراف الافتراضية في العقد الاجتماعي عادة ما تكون مثالية أو متجانسة في حين المجتمعات الحقيقية متنوعة ومتناقضة في المصالح والقيم ما يجعل افتراض توافق حقيقي على العقد ضعيفاً.

وفي النتيجة يعاني مبرر الطاعة في نظرية العقد الاجتماعي من ثغرات جوهرية تتعلق بجدوى الموافقة الافتراضية اعتمادا على تمثيل حالة الطبيعة والعدالة في فرض الطاعة على الأفراد في ظروف القوة والتفاوت الاجتماعي.

كيف ردت نظرية العقد الاجتماعي على اعتراضات مفهوم الموافقة الضمني؟

ترد نظرية العقد الاجتماعي على اعتراضات مفهوم الموافقة الضمني بأن الموافقة ليست بالضرورة أن تكون صريحة أو مكتوبة بل يمكن اعتبار الإقامة المستمرة والطوعية داخل مجتمع معين دليلاً على الموافقة الضمنية على قواعده وسلطته. لذا بمجرد أن يختار الفرد العيش في مجتمع ما والاستفادة من النظام والحماية التي توفرها الدولة فهو يوافق ضمنياً على الالتزام بالقوانين والسلطة التي تحكم هذا المجتمع.

و تؤكد النظرية أن الموافقة الضمنية تستند إلى قرار شخصي وعقلاني بالعيش في إطار اجتماعي معين مع التزام بالقواعد التي تنظمه وليس مجرد فرض قسري. كما يُعتبر القانون والسلطة شرعيين طالما أن الأفراد يستفيدون من النظام الذي يوفره العقد الاجتماعي ويُعد الالتزام به ضماناً لاستمرار الحماية والاستقرار.

وبالتالي حتى وإن لم يُعبر الفرد صراحة عن موافقته فإن اختياره للبقاء والعمل والنشاط داخل المجتمع يفترض موافقته وتنازله الضمني عن بعض الحريات مقابل المزايا التي يقدمها النظام. وفي حال رفض الأفراد السلطة أو رفضوا شروط العقد يمكنهم مغادرة المجتمع أو السعي لتغييره بطرق قانونية سلمية وهذا أيضاً جزء من رد النظرية على الانتقادات المتعلقة بالموافقة الضمنية.

باختصار النظرية تعتبر أن الطاعة والإلتزام الأخلاقي للسلطة السياسية قائم على موافقة ضمنية عقلانية تجسدها المشاركة المستمرة في المجتمع والالتزام بمبادئه للحفاظ على النظام والحماية التي يوفرها العقد الاجتماعي. وواضح الفرق بين الموافقة الصريحة والضمنية.

فالصريحة تتم عبر تعبير واضح وموثق للموافقة إما شفهياً أو كتابياً بحيث يكون هناك تأكيد مباشر من الطرف المعني على قبوله.

أما الموافقة الضمنية فتستنتج من الأفعال أو التصرفات التي تدل على قبول مثل البقاء في مكان معين أو استخدام خدمة ما دون تصريح.

ولتكتمل الصورة نستعرض أمثلة معاصرة لطاعة غير مبنية على العقد الاجتماعي تتضمن حالات يتم فيها الإذعان أو الالتزام بالسلطة أو النظام دون موافقة ضمنية أو صريحة مرتبطة بعقد اجتماعي وهذه الأمثلة تشمل:

1. السلطات الاستبدادية والديكتاتورية:

في دول تفرض حكومات استبدادية سلطتها بالقوة والإكراه أو القمع حيث يخضع الأفراد للسلطة بسبب الخوف وليس بموافقة أو عقد اجتماعي.

2. الالتزام بالروابط العرقية أو القبلية: حيث يتبع الأفراد سلطات أو زعماء قبليين بناءً على تقاليد وبنى اجتماعية قائمة وليس بناءً على عقد سياسي أو عقد اجتماعي حديث.

3. الطاعة الجماعية في الهياكل الإيديولوجية:

كما في حالات الجماعات الدينية المتشددة أو الحركات الأيديولوجية التي تفرض طاعة أعضائها وليس هناك دائما عقد اجتماعي أو قبول سياسي أساساً.

4. العلاقات الاقتصادية أو التبعية الاجتماعية:

مثل طاعة العمال في مواقف غير منظمة أو مناطق يحصل فيها العمال على حماية ضعيفة حيث الطاعة تنبع من التبعية الاقتصادية أو الاجتماعية وليس من عقد اجتماعي سياسي.

5. الطاعة الناتجة عن الإكراه أو الظروف القهرية:

بما في ذلك الحالات التي تكون فيها السلطة مفروضة من الخارج أو عبر تدخلات عسكرية أو احتلال حيث لا يكون هناك اتفاق أو عقد اجتماعي بين المحكومين والسلطة.

هذه الأمثلة تعكس طاعة مستمدة من القوة أو التقاليد الاجتماعية أو القسر وليس من مبررات العقد الاجتماعي التي تعتمد على الموافقة والاتفاق بين الأفراد والسلطة السياسية.

بذلك تكون نظرية "العقد الاجتماعي" هي أرقى وأفضل النظريات التي تبرعمت من عقل البشر لضمان أمن واستقرار المجتمع الإنساني وديمومته.

***

سليم جواد الفهد

...................

المصادر المستفاد منها.

1.تأويلية السيادة في الفلسفة السياسية المعاصرة - سامي الغابري.

2.الدكتور، أبو يعرب المرزوقي، الفلسفة السياسية.

3.العقد الاجتماعي الأسس النظرية وأبرز المنظرين، مكي عبد مجيد.

4.أوجه الاختلاف بين روسو وهوبز ولوك في نظرية العقد الاجتماعي، حاتم حميد محسن.

5.السلطة وطاعة الجماهير في بحوث ستانلي ميلكرام، سلام طه.

6.الدولة نظرياً وعملياً، هارولد ج. لاسكي.

7.ستنالي مليگرام، في طاعة البشر للسلطة.

8.توماس هوبز: الفلسفة الأخلاقية والسياسية.

9.فلسفة الحجاج القانوني: بين شمولية السلطة وعنف الأيديولوجيا. مقالة لـ شاييم بيرلمان ترجمها أنور طاهر.

10.إيمانويل كانط، العقد الاجتماعي، والدولة.

11.العقد الاجتماعي" لـ "جان جاك روسو"، عادل زعيتر.

 

حين يصبح "تتويج العلم" مرادفا لـ "عبث الاوراق البحثية"

يشهد المشهد الاكاديمي العراقي، ولا سيما قطاع التعليم العالي والبحث العلمي، مفارقة صادمة تزداد حدة ووضوحا يوما بعد يوم. فبينما تعلن الوزارة عن انجازات وتكريمات وارتفاعات قياسية في التصنيفات العالمية، يرتفع في المقابل منسوب التساؤل والشك حول جودة هذا الصعود واساسه الاخلاقي والمهني.

تتركز الانتقادات الموجهة الى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، في ظل قيادة وزيرها الحالي، الدكتور نعيم العبودي، حول محوران اساسيان، يشكلان معا ما يسميه المراقبون "ازمة النزاهة العلمية" في العراق:

اولا: ازمة البحوث المسحوبة.. "طوفان" الاوراق الزائفة

لم يعد خافيا على احد في الاوساط الاكاديمية العالمية تزايد اعداد البحوث العراقية التي تسحب (Retraction) من المستوعبات العالمية المرموقة كـ "سكوبس" و"كلاريفيت". ان هذه الظاهرة ليست مجرد "هفوات" فردية، بل اضحت مؤشرا خطيرا على انحدار مريع في النزاهة العلمية، حيث تحولت اهداف بعض الباحثين من انتاج المعرفة الى تجميع الارقام لغرض الترقيات الادارية والاكاديمية.

الاتهام المباشر هنا هو ان سياسات الوزير ووكيله، التي تربط الترقيات بشكل مباشر بـ "كم" النشر في المجلات المفهرسة، شجعت بشكل غير مباشر على ظهور ما يعرف بـ "المجلات المفترسة" و"مصانع الابحاث". فبدلا من تطبيق اليات رقابة صارمة تضمن الجودة وتعاقب التلاعب، يرى المنتقدون ان الادارة الحالية ركزت على الاحتفاء بالارقام المتضخمة دون تمحيص، ليصبح "تتويج العلم" مرادفا لـ "عبث الاوراق"،  واصبح "الانتاج الاكاديمي" مرادفا ل "الفساد الاكاديمي" .

ثانيا: تسييس الاكاديميا وتغليب الولاء على الكفاءة

تتفاقم الازمة بسبب الطابع السياسي الذي يراه الكثيرون يطغى على ادارة هذا القطاع الحيوي. فالوزير، الذي ينتمي الى تيار سياسي بارز، يواجه اتهامات واسعة بـ تسييس المؤسسة التعليمية وتغليب اعتبارات الولاء السياسي والحزبي على معيار الكفاءة الاكاديمية والخبرة المتخصصة.

ان تعيين شخصية بخلفية سياسية بحتة لادارة وزارة اكاديمية حساسة كوزارة التعليم العالي، يطرح علامات استفهام حول اولوية الوزارة: هل هي الارتقاء بمستوى البحث العلمي وجودة التعليم، ام تحقيق مكاسب سياسية وفئوية؟ وتزداد هذه المخاوف حين تسجل قرارات تتعلق بادخال مناهج ذات صبغة عقائدية معينة في الدراسات الجامعية، مما يعزز الراي القائل بان المؤسسة الاكاديمية تستغل كاداة لتوجيه النخب والطلاب بدلا من تحرير العقل والبحث.

خاتمة: بين الانجاز الحقيقي والوهم الرقمي

لا شك ان الوزارة تعلن عن منجزات رقمية واهية، من زيادة في عدد الجامعات المصنفة عالميا وارتفاع في اعداد الابحاث المنشورة. لكن السؤال الذي يطرحه النقد الجاد هو: هل هذه الارقام حقيقية؟ وهل تعكس حقا تطورا مستداما في جودة التعليم، ام هي مجرد "فقاعة" رقمية قابلة للانفجار؟ جميع الشواهد تؤكد: ما نراه ليس الا تزييفا متعمدا وتضخيما مبالغا فيه.

لقد اصبحت المؤسسات التعليمية في العراق في مفترق طرق: اما الانزلاق الكامل نحو الهاوية عبر الاستمرار في سياسة التضخيم الرقمي التي تشجع على الفساد الاكاديمي، او اطلاق ثورة حقيقية في النزاهة والجودة تبدا بمعاقبة المتلاعبين وابعاد الشبهات السياسية عن العملية التعليمية.

ان "يوم العلم" يجب ان يكون يوما لتكريم النزاهة والعمل الجاد، لا ان يتحول الى مسرح لتتويج من اثقلته شبهات التلاعب وفقدان الامانة العلمية. اذا لم يتم تصحيح المسار، فان الخسارة لن تقتصر على سمعة الجامعات، بل ستمتد لتضرب اسس مستقبل العراق الفكري والمعرفي.

***

ا. د. محمد الربيعي

العدم السريالي (2)

لِقَدْ كَانَ ٱلْعَدَمُ دَائِمًا مُجَرَّدَ فِكْرَةٍ مُهَذَّبَةٍ؛ ظِلًّا وُجُودِيًّا يُمْكِنُ أَنْ يَتَرَاجَعَ أَمَامَ شُجَاعَةِ ٱلْعَقْلِ. ٱعْتَبَرُوهُ فَجْوَةً، نُقْصًا، أَوْ رُبَّمَا مُجَرَّدَ سَوْءِ فَهْمٍ لِلتَّصْمِيمِ ٱلْكَوْنِيِّ.

لكن العدم السريالي هو أكثر وحشية: إنه إفراط. إنه الحضور المكتظ والزائد للأشياء. والتاريخ ليس سوى سلسلة من الكوابيس المنظمة، التي يخترعها قوم لا يملكون شجاعة النوم الأبدي.

الكلمات أغلال: الكلمات نفسها هي آخر وهم. بمجرد أن تُسمّي العدم، تكون قد خنته.

. لذا، المناجاة صوت وهي أعلى أشكال الخيانة للوجود

نحن مدينون للجمال باحتقاره للحياة.

إنه الفخ السريالي الذي يجعلنا نتحمل بضعة أيام إضافية قبل أن نستسلم للرمل. نحن لسنا أخطاء في التصميم، بل نحن مبالغة فيه.

الكون أضجره صمته، فابتكرنا نحن – الضوضاء اللانهائية، والعبث الصارخ.

الخلاص الوحيد الممكن هو الإحساس المُرهف بالعدم، أن تصل إلى نقطة لا تعود فيها ترغب بشيء، ولا ترفض شيئاً.

لا مبالاة تامة، ببرودة الماس

اليأس هو فضيلتنا الوحيدة. من يخدعه الأمل، هو مجرد متسكع وجودي لم ينضج بعد في مأساة حقيقية.

النَّوْمُ لَيْسَ هَرَبًا، بَلْ هُوَ ٱحْتِجَاجٌ قَصِيرٌ لِلْجُثَّةِ ٱلْمُسْتَقْبَلِيَّةِ. ٱلْحَيَاةُ هِيَ فَقَطْ ذَٰلِكَ ٱلْفَاصِلُ ٱلزَّمَنِيُّ ٱلْبَغِيضُ بَيْنَ غَفْوَتَيْنِ. أَنْ تَحْمِلَ أَمَلًا فِي جَيْبِكَ، هَٰذَا هُوَ ٱلدَّلِيلُ عَلَىٰ خَلَلِكَ ٱلْعَقْلِيِّ، عَلَىٰ عَجْزِكَ عَنْ مُوَاجَهَةِ ٱلْبَدَاهَةِ.

لا شيء يستحق أن يُبنى أو يُهدم

العدم السريالي هو أن ترى الماضي يتعفن أمام عينيك، بينما المستقبل هو مجرد نُسخة مُسبقة لذات العفن. لذلك، فلتكن عودتنا إلى اللا شكل فورية، وبدون أي بهرجة تُفسد عظمة الزوال.

مرثية المُنتَظِرِين:

الموت فَرَاغ إجرائيّ

الوقت ليس خطاً، بل دائرة مملة من الـ سَيَحدُث

في الوادي، لا شيء ينتظرنا سوى غبار الجملة التالية،

التوقّع هو آخر الأوهام.

إننا نعيش في حالة انتظار مُعلَّب، ننتظر أن تأتي النهاية أو يأتي المعنى أو يأتي أي شيء يعطّل هذا التكرار المميت.

لكن العدم السريالي يضحك

ما تنتظره قد حدث بالفعل

وخزٌ في حائط الانتظار

الانتظار هو الطريقة المهذبة التي يتخذها الانتحار الفلسفي.

أن تستسلم للزمن هو أن تخون اللحظة الوحيدة التي امتلكتها، لحظة اللا جدوى.

الخلاص يبدو وكأنه دائماً خلف الباب التالي.

لكن خلف الباب التالي هناك باب آخر، الحقيقة هي...! لم يكن هنالك باب أصلاً.

الإيمان هو أن تجد حماقة جميلة بما يكفي لتمضية أيامك.

فلسفة الجمال هو أن تبحث عن كل الحماقات البشعة.

. العدم السريالي هو ألا تجد حماقة على الإطلاق

أعظم ما يتقنه القطيع هو صناعة اليقين.

. يصنعون الأمان من حطام الأجوبة

. اليقين هو سجن لا جدران له

البطل ليس من يقاتل، بل من يُدرك سخافة قتاله ثم يستمر فيه؛ احتجاجاً على نفسه.

السكينة لم تأتِ من الإجابة

. بل من إدراك أن السؤال نفسه كان نكتة سخيفة

المتعة الوحيدة الصادقة هي اكتشاف مدى بشاعة الحياة

. والابتسامة المترددة التي تلي ذلك

الوحش الذي ابتلع الغريب لم يكن وحشاً، بل صوت الهدوء في أعماقنا الذي يطالبنا بالكف عن المحاولة.

نحن نؤمن بالغد، لأن الأمس خذلنا بحياديته.

هندسة الكسل الكونية:

الفراغ ليس فراغاً، بل هو جهدٌ عظيمٌ مُبذُول في اللا شيء.

الكسل ليس عيباً شخصياً، بل هو قانون كوني.

. لقد أُتعب الوجود ذاته من كثرة ما خلق

كل الحركة التي نراها حولنا هي في الحقيقة أخاديد عميقة تُحفر في الطين لتهدئة شعور الافراط بالوجود.

لقد انتصر العدم بأكثر الطرق تواضعاً

..! بالضجر

لَمْ يَحْتَجْ إِلَى حَرْبٍ كَوْنِيَّةٍ، بَلْ زَرَعَ فِي أَعْمَاقِنَا بَذْرَةَ ٱلتَّكْرَارِ ٱلْمَمِلِّ حَتَّى صِرْنَا نَرَى فِي كُلِّ إِنْجَازٍ عِبْئًا، وَفِي كُلِّ هَدَفٍ خِيَانَةً لِلرَّاحَةِ ٱلنِّهَائِيَّةِ، ٱلْكِتَابَةُ هِيَ طَرِيقَةٌ لِلِاعْتِرَافِ بِأَنَّ لَا أَحَدَ يَسْمَعُ، لَكِنْ مَعَ إِصْرَارٍ غَرِيبٍ عَلَى إِزْعَاجِ ٱلصَّمْتِ.

الشغف هو عرقٌ على جبين الميّت. لا يوجد شغف حقيقي سوى شغف التلاشي.

أن تفكّر يعني أن تمنح المأساة شكلاً هندسياً دقيقاً، ثم تكتشف أنك كنت ترسم حبة رمل.

الذاكرة هي مادة البناء الوحيدة المتبقية

. لكننا نبني بها بيوتاً لا تستوعب سوى أشباح خيباتنا

العدم السريالي هو أن تمد يدك لتلتقط شيئاً، فتجد أن يدك نفسها بدأت بالذوبان.

لم يكن الغريب جباناً حين توقف أمام البرج، بل كان مُتعباً بما فيه الكفاية ليدرك أن البرج هو نفسه النسخة الزجاجية من الوادي.

الخيانة العظمى ليست أن تقتل أحداً، بل أن تسمح لنفسك أن تُقتل بـالإحساس المزيف.

البقعة السوداء:

البِقْعَةُ ٱلسَّوْدَاءُ عَلَى ٱلْأَرْضِ تَبْتَسِمُ لِأَنَّهَا ٱلْمَكَانُ ٱلْوَحِيدُ ٱلَّذِي رَفَضَ ٱدِّعَاءَ ٱلضَّوْءِ بِأَنَّهُ ٱلْأَبَدِيُّ، بَيْنَمَا كَانَتِ ٱلظِّلَالُ تَزْحَفُ مِنْ وَرَاءِ ٱلسِّتَارِ، تُغَنِّي تَرْنِيمَةَ ٱلْمَوْتِ لِلْمَرَايَا ٱلْعُمْيَاءِ. ٱلزَّمَنُ ثَقْبٌ فِي جِدَارِ ٱلْعَقْلِ، يَسِيلُ مِنْهُ عَسَلُ ٱلْغِيَابِ عَلَى مَذْبَحِ ٱلْأَرْقَامِ ٱلْمُقَدَّسَةِ، وَٱلْأَصْوَاتُ ٱلصَّدِئَةُ تَسْتَجْدِي هَمْسَ ٱلْفَرَاغِ. لَا أَحَدَ يُصَدِّقُ ٱلْوَرْدَةَ ٱلزَّرْقَاءَ ٱلَّتِي تَنْمُو فِي حَنْجَرَةِ طَائِرٍ مَيِّتٍ، سِوَى ٱلصَّدَى ٱلَّذِي يُكَرِّرُ فِي مُتَاهَةِ ٱلدَّمِ. ٱلْخَيْطُ ٱلَّذِي يَرْبِطُنَا بِٱلْأَمْسِ، هُوَ قَيْءُ إِلَهٍ قَدِيمٍ، تَجَمَّدَ عَلَى شَكْلِ نَجْمَةٍ.ٱلْبِقْعَةُ ٱلسَّوْدَاءُ عَلَى ٱلْأَرْضِ تَبْتَسِمُ لِأَنَّهَا ٱلْمَكَانُ ٱلْوَحِيدُ ٱلَّذِي رَفَضَ ٱدِّعَاءَاتِنَا هِيَ ٱلْكَفَنُ ٱلْأَبَدِيُّ ٱلَّذِي لَا يَكُفُّ عَنْ إِزْعَاجِ ٱلْوُجُودِ، ٱلْحُرِّيَّةُ لَيْسَتْ ٱخْتِيَارًا، عِندَما أَدْرَكْنَا ٱلْعِبْءَ، سَمَحْنَا لِأَعْنَاقِنَا أَنْ تُعَلَّقَ بِخَيْطٍ مِنَ ٱلْكَسَلِ ٱلْمُقَدَّسِ، لِنَبْتَهِجْ إِذَنْ، لِأَنَّنَا نَعْرِفُ أَنَّنَا لَسْنَا مُهِمِّينَ بِمَا يَكْفِي...! لِتَكُونَ هَذِهِ هِيَ ٱلْقَشَّةُ ٱلْأَخِيرَةُ ٱلَّتِي تُغْرِقُنَا.!

***

غالب المسعودي

ليست الكارثة في أن يكون الإنسان مؤمنا، بل في أن يتحول الإيمان إلى أداة للهيمنة على العقول، ومقصلة معلقة فوق كل فكر حر. إن تديين المجال العام في مجتمعاتنا لم يكن يوما مدخلا إلى الخلاص، بل أصبح عائقا أمام نمو العقل وتمدده في آفاق البحث والمعرفة. فالعقل العربي المنهك أصلا بتراثه المثقل وجد نفسه مسجونا بين أسوار وصاية رجال الدين، لا يكاد يتنفس خارجها إلا ويتهم بالزندقة أو الخيانة

إنّ أخطر ما تواجهه مجتمعاتنا اليوم ليس الفقر ولا الاستبداد وحدهما بل ذلك التحالف الخفي بين الدين والسياسة الذي يجعل من المجال العام ساحة لتصفية الحسابات باسم السماء. تديين الدولة ليس مجرد خطأ سياسي، بل كارثة حضارية متكاملة، لأنه يحول النصوص المقدسة إلى شعارات حزبية، ويستبدل سلطة العقل بسلطة الفتوى، ويقيد حركة المجتمع بحدود التأويل الضيق

لقد صارت السياسة في بلادنا منابر وعظ، وصارت الكوارث الطبيعية تفسر وكأنها رسائل غيبية، وصارت الأمراض تربط بالذنوب، والعلم يحاكم بمقاييس الفقه، حتى تحول العقل الجمعي إلى عقل قاصر، عاجز عن التفكير خارج الوصاية المقدسة. إن هذه الوصاية أفرزت وعيا مشوها، يخلط بين الخرافة والحقيقة، بين الطقس الديني والمعادلة العلمية، بين المجال الشخصي والفضاء العام

وحين يُحشر الدين في تفاصيل الحياة السياسية والاقتصادية والعلمية، يتوقف العقل عن التفكير الحر، ويتحول المواطن إلى تابع يبحث عن رأي الشيخ لا عن “قرار الدولة”. وحين تتحول الكوارث الطبيعية إلى عقوبات إلهية، والأمراض إلى ابتلاءات أخلاقية، والسياسة إلى خطب وعظية، عندها ينهار معنى الدولة الحديثة، ويختزل الوطن إلى طائفة أو جماعة تتحدث باسم الله

اعتقد ان الفكر الذي يتصادم مع العلم، أيا كانت مرجعيته، لا يمكن أن يقود سوى إلى الخراب ذلك أن العلم ـ وهو ثمرة العقل الإنساني الحر لا ينهض إلا إذا أزيحت عن طريقه الأثقال التي تجره إلى الخلف. والتاريخ خير شاهد: فالأمم التي نزعت القداسة عن السياسة، وأبقت الدين في مجاله الروحي والأخلاقي، استطاعت أن تفتح أبواب النهضة وتشيد حضارات تحترم فيها إنسانية الإنسان.

إن فصل الدين عن الدولة ليس حربا على الإيمان، بل هو إنقاذ للإيمان من التوظيف القمعي. فالدولة التي تحكمها المرجعية الدينية المطلقة تلغِي التعدد، وتحول المختلف إلى عدو، وتجعل الحقيقة رهينة نص واحد أو تأويل واحد. أما الدولة المدنية، فهي التي تمنح الدين مكانته كقيمة روحية وأخلاقية، وتحمي في الوقت ذاته حق الفرد في أن يختلف، في أن يفكر، في أن يبتكر، وفي أن يعيش دون خوف من محاكم التفتيش الحديثة.

الفصل إذن ليس خصومة، بل توازن: توازن بين إيمان يخص القلب والضمير، وبين عقلٍ يعنى بتنظيم شؤون الدولة والحياة. بهذا وحده نستطيع أن نحرر العقل من عجزه المزمن، وننقذ السياسة من سطوة الخرافة، ونمنح الإنسان فرصة لأن يستعيد دوره كفاعل في التاريخ، لا كتابع لفتاوى تصادر مستقبله قبل أن يولد.

التجارب العالمية تؤكد أن الدول التي نجحت في التحرر من وصاية رجال الدين، لم تفقد إيمانها ولا هويتها، بل استردت عقلها الجمعي وقدرتها على الإبداع. أوروبا لم تنهض إلا بعد أن جردت الكنيسة من سلطة التحكم في العلم والسياسة. أما نحن، فما زلنا ندور في حلقة مفرغة: كل إصلاح سياسي يفرغ من مضمونه لأن الفتوى أقوى من الدستور، وكل مشروع علمي يقمع لأن العقل الفقهي أقوى من العقل التجريبي

فالدولة التي تحكمها مرجعية دينية مطلقة لا يمكن أن تعرف التعدد ولا أن تقبل المعارضة، لأنها تعتبر أي اختلاف خيانة للعقيدة قبل أن يكون اختلافا في الرأي

وكلمه اخيره هي إن إبقاء الدين في مجاله الروحي والأخلاقي وحصر الدولة في إدارة الشأن العام بالعقل والقانون، هو السبيل الوحيد لصون المجتمع من الانقسام، ولإعادة الاعتبار إلى الإنسان كمواطن، لا كتابع لسلطة غيبية. فالدولة بلا عقل تتحول إلى ثكنة مغلقة، والدين بلا حرية يتحول إلى أداة قمع

إن الأمم لا تبنى بالوصاية على العقول، ولا بخلط الدين بكل أمور الحياة بل تبنى بالعقل الحر والقانون العادل. وما لم نفصل الدين عن الدولة، سنظل ندور في فلك مظلم إن الدولة المدنية ليست ترفا فكريا، بل هي صرخة إنقاذ: إنقاذ للوطن من التفكك، وللدين من الابتذال، وللإنسان من العبودية. فإما أن نختار عقلنا وننهض، أو نبقى أسرى خطاب يقدس العجز ويؤبد الانهيار..

***

ابتهال عبد الوهاب

 

منذ القرن التاسع عشر رسّخت النظرية الماركسية دور الطبقة العاملة “البروليتاريا” كمحرّك أساسي للتاريخ، وسخّرت هدفها في الثورة الاجتماعية.

كان ماركس يرى أن الصراع الطبقي يقود حتمًا إلى “ديكتاتورية البروليتاريا” كمرحلة انتقالية إلى مجتمعٍ غير طبقي.

وفي هذا الإطار الكلاسيكي، بدا أنّ الثورة الصناعية قد أنجبت الوعي الثوري ذاته، وأنّ العامل هو القلب النابض لكل حركة تاريخية.

لكن في العقود الأخيرة، ومع صعود الثورة العلمية والتكنولوجية، تغيّرت طبيعة العمل، وتحوّلت أدوات الإنتاج من اليد إلى الدماغ، من المطرقة إلى الحاسوب، ومن المصنع إلى شبكة رقمية تنتج الثراء عبر المعلومة… هنا بدأ السؤال الجوهري يطلّ برأسه: هل تضاءل دور البروليتاريا وجاء عهد الكومنتاريا؟

الكومنتاريا، وفق المصطلح الذي استخدمه ألفن توفلر في كتابه “تحوّل القوة” (Power Shift)، هي الطبقة المعرفية التي تملك وسائل إنتاجها بامتلاكها للمعرفة نفسها. إذ لم تعد أدوات الإنتاج مادية يمكن الاستحواذ عليها، وإنّما رمزية تتجسّد في المعلومة والفكرة والابتكار.

هي الطبقة المعرفية التي تملك وسائل إنتاجها بامتلاكها للمعرفة نفسها. إذ لم تعد أدوات الإنتاج مادية يمكن الاستحواذ عليها، وإنّما رمزية تتجسّد في المعلومة والفكرة والابتكار.

يقول توفلر إنّ “المعرفة أصبحت أعظم مضخّمٍ للقوة”، وإنّ الثروة لم تعد تُقاس بما تملكه من مصانع وأراضٍ، بل بما تملكه من عقول. لقد انتقل مركز الجاذبية في الاقتصاد العالمي من إنتاج السلع إلى إنتاج الأفكار، وأصبحت المجتمعات التي تستثمر في المعرفة أكثر قدرة على السيطرة من تلك التي تراكم رأس المال التقليدي.

هذه الثورة الهادئة أعادت صياغة مفهوم الطبقة نفسها؛ فلم يعد الصراع بين مالك المصنع والعامل، بل بين من يحتكر المعلومة ومن يستهلكها.

اقتصاديًا، لم تعد البروليتاريا الصناعية تمثّل القوة الكبرى في المجتمع كما كان الحال في زمن ماركس. فبنية الاقتصاد الحديث صارت تعتمد على قطاعات المعلومات والتقنية والابتكار أكثر مما تعتمد على العمل اليدوي. ومع تراجع الصناعات الثقيلة في أوروبا وأمريكا وتحويل خطوط الإنتاج إلى آسيا، تقلّصت الطبقة العاملة إلى أقل من خمس السكان في بعض البلدان، فيما تمدّدت الطبقات الوسطى والعمال المعرفيون الذين ينتجون الثروة عبر الذكاء والإبداع.

لقد تحققت نبوءة توفلر جزئيًا حين قال: “ان القوة تنتقل من أولئك الذين يملكون أدوات الإنتاج إلى أولئك الذين يملكون المعرفة”. أصبح العالم يعيش لحظة تاريخية لم يعرفها ماركس ولم يتخيّلها: طبقة جديدة تنتج وتتحكّم، ليس في المصانع فحسب، وإنّما في أنظمة التشغيل ذاتها.

غير أنّ هذا التحوّل لم يكن مجرّد انتقالٍ اقتصادي، بل هو أيضًا أزمة فكرية في قلب الماركسية ذاتها. فالمقولات التي صاغها ماركس وإنجلز في سياق الثورة الصناعية لم تعد صالحة لتفسير العالم الذي تتحكّم فيه المعرفة. لقد بنى ماركس تحليله على واقعٍ ماديٍ صلب، حيث الإنتاج يتمّ بالأيدي والآلات، وحيث العامل محروم من أدوات إنتاجه.

أمّا اليوم، فإنّ العامل الجديد — المبرمج، أو المصمّم، أو الباحث — يملك أداة إنتاجه في رأسه.

إنها ثورة داخل مفهوم “القيمة” نفسه؛ لأنّ القيمة لم تعد نتاج العمل اليدوي وحده، بل نتاج الذكاء الإبداعي والمعرفة القابلة للتحويل إلى ثروة.

في “رأس المال”، ربط ماركس بين القيمة وكمية العمل الاجتماعي الضروري لإنتاج السلعة، غير أنّ اقتصاد المعرفة كسر هذا الميزان، إذ بات بإمكان فكرة واحدة — أو خوارزمية صغيرة — أن تدرّ ثروة تفوق إنتاج مصنعٍ كامل.

إنها مفارقة زمنٍ أصبحت فيه “الملكية الفكرية” تحلّ محلّ “الملكية المادية”، ويُقاس فيه العرق بالعقل لا بالجهد العضلي.

في هذا السياق، قدّم المفكّر السوداني الخاتم عدلان قراءة نقدية مبكرة حين كتب في أوائل التسعينيات اعترافًا صريحًا بأنّ “المشروع الماركسي للتغيير الاجتماعي قد أخفق بفعل التاريخ”. لم يكن ذلك تخلّيًا عن اليسار، بل وعيًا جديدًا بحدود النظرية أمام تحوّلات العصر. فقد أدرك الخاتم أنّ الصراع الطبقي في السودان والعالم الثالث لم يعد بين العمال والرأسماليين، بل بين المجتمع ككل وطبقةٍ طفيلية تسيطر على الموارد والثروة باسم الدين أو العسكر.

كانت تلك رؤية استباقية لما نعيشه اليوم: صراعٌ بين من يُنتج المعرفة ومن يحتكرها، بين مجتمعٍ يسعى للانعتاق من الهيمنة، وأنظمةٍ تستخدم الجهل سلاحًا للبقاء.

الثقافة بدورها لم تكن بعيدة عن هذا التحوّل. لقد تغيّر مفهوم “العمل” نفسه. العامل لم يعد يرتدي “الأفرول” الأزرق، بل بدلةً أنيقة أو قميصًا رماديًا، أو حتى “جلابية بيت”، ويجلس أمام شاشة.

العمل أصبح أكثر فردية، لكنه أيضًا أكثر انفتاحًا على العالم.

ومع تحوّل المعرفة إلى سلعة، باتت الحدود بين العامل والمفكّر والفنّان تتلاشى… كلّهم أصبحوا منتجين في اقتصاد رمزي لا تراه العين لكنه يحكم العالم.

في هذا الاقتصاد الجديد يتغيّر معنى الثورة أيضًا: لم تعد ثورة الشوارع والمصانع، بل ثورة الأفكار والمنصّات والفضاء الرقمي. فالسلطة نفسها صارت تقوم على التحكّم في تدفّق المعلومات أكثر من السيطرة على الأرض أو السلاح.

وهكذا نصل إلى مأزق الفلسفة الماركسية: ماذا يعني “التحرّر” حين يكون الاستغلال معرفيًا وليس ماديًا؟

هل يمكن للعقل أن يكون أداة قمع كما كانت الآلة من قبل؟

يبدو أنّ الماركسية القديمة بحاجة إلى مراجعة لا تنفيها بل تُعيد تأهيلها لتفهم الواقع الجديد. فالصراع الطبقي ما زال قائمًا، لكنه انتقل من المصنع إلى المنصّة، ومن خطّ الإنتاج إلى خوارزميات الذكاء الصناعي. حتى الثورة ذاتها لم تعد تنفجر في الشوارع… صار يمكنها أن تبدأ في تغريدة، أو في مقال، أو في فكرةٍ تنتشر كالنار في هشيم الوعي.

أمّا في السودان والعالم العربي، فإنّ سؤال الكومنتاريا ما يزال في بداياته. فمجتمعاتنا لم تدخل بعد طور “اقتصاد المعرفة” الكامل، لكنها تعيش مقدماته عبر التعليم والإعلام والمبادرات التقنية. ومع ذلك، فإنّ الصراع بين قوى التنوير والجهل، بين المعرفة والولاء، بين الحرف والفكر، يعكس نسخة محلية من الصراع بين البروليتاريا والكومنتاريا.

هنا يصبح المثقف، لا العامل، هو حامل الوعي التاريخي، والمفكّر هو من يوقظ الجماعة من سباتها… كما كان الخاتم عدلان يفعل حين حوّل الماركسية من نصٍّ عقائدي إلى سؤالٍ مفتوح حول الإنسان والمجتمع.

لقد تحوّلت أدوات الإنتاج من المعمل إلى المعنى، وأصبحت الفكرة نفسها ميدانًا للصراع. ومن ثمّ، فإنّ الكومنتاريا لا تُلغي البروليتاريا، بل تُكملها في مستوى جديد: وعيٌ يُنتج ذاته بدل أن يُنتجه غيره.

ومع ذلك، فإنّ الخطر الأكبر — وما يجب الانتباه إليه — هو أن تتحوّل هذه الطبقة الجديدة إلى برجٍ عاجي يفصلها عن الناس، أو إلى نخبةٍ تقنية تخدم السلطة بدلًا من تحريرها. فكما أفسدت البيروقراطية حلم البروليتاريا، قد تُفسد التكنولوجيا حلم الكومنتاريا إن لم تُقرن بالوعي الإنساني والعدالة الاجتماعية.

ان القول بزوال البروليتاريا لا يعني نهاية الماركسية، بل انتقالها إلى طورٍ جديد من مادّتها التاريخية.

فما تغيّر ليس جوهر الصراع، بل طبيعة أدواته.

أصبح رأس المال يملك “المعلومة” بدل “الآلة”، ويُنتج الهيمنة من خلال الوعي لا الجسد.

هكذا تحوّلت البروليتاريا من فاعلٍ مادّي إلى فاعلٍ رمزي، ومن جسدٍ منتج إلى عقلٍ مُراقَب.

إنّ الكومنتاريا، بهذا المعنى، ليست طبقةً بديلة، بل هي البروليتاريا وقد ارتدت ثياب المعرفة.

وإذا كانت الماركسية قد قامت على تحليل علاقة العمل بالقيمة، فإنّ عصر المعرفة يفرض إعادة تعريف القيمة نفسها: أن يصبح الذكاء هو العرق الجديد، وأن يكون الوعي هو ميدان الصراع المقبل.

يبقى السؤال الأخير معلّقًا في فضاء الفلسفة: هل سنشهد “دكتاتورية جديدة للمعرفة” كما شهدنا “دكتاتورية البروليتاريا”؟ أم سيأتي زمنٌ تتصالح فيه القوة مع العقل، ويصبح الإنتاج فعلًا إنسانيًا خالصًا؟

لا أحد يعرف بعد… ما نعرفه فقط أنّ التاريخ لا يُعيد نفسه، بل يُبدّل أدواته.

والذين كانوا يصنعون الثورة في المصانع صاروا اليوم يصنعونها بالكلمات، بالشبكات، وبالمعرفة.

وربما كان هذا ما قصده توفلر حين قال: “من يملك المعرفة يملك المستقبل.”

***

إبراهيم برسي

دراسة ونقد في ضوء الفكر الإسلامي

يشهد العالم المعاصر ثورة علمية وفكرية غير مسبوقة، نتج عنها تعقيد في المشكلات البحثية والاجتماعية والبيئية، بحيث لم تعد مناهج التخصص الواحد قادرة على الإحاطة بها. من هنا وُلد مفهوم العبرمناهجية (Transdisciplinarity) كمنهج يسعى إلى تجاوز حدود التخصصات ودمج المعارف في رؤية تكاملية شاملة، تجمع بين العلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانية.

هذا التحول المنهجي لم يكن مجرد مسألة تقنية، بل يمثل نقلة في بنية التفكير الإنساني، إذ يسعى إلى توحيد المعرفة وتجاوز التجزئة التي فرضتها التخصصات الحديثة. وفي المقابل، يجد الفكر الإسلامي في هذا التوجه المعرفي مجالًا خصبًا للحوار، لأن التراث الإسلامي في ذاته يقوم على التكامل بين العقل والنقل، بين العلم والوحي، وهو ما يشكّل أساسًا لمنهج «عبرمناهجي» أصيل.

قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 9) وفي هذه الآية دلالة على أن العلم في الإسلام لا ينفصل عن البصيرة والمعرفة الشاملة التي توحد بين الدين والدنيا.

المحور الأول: الأسس النظرية والفلسفية للعبرمناهجية

العبرمناهجية ليست مجرد تداخل بين التخصصات، بل هي رؤية فلسفية ومعرفية تهدف إلى بناء معرفة شاملة تتجاوز الحدود الأكاديمية. وقد نشأت كردّ فعل على قصور التخصصات الجزئية في فهم الظواهر المركبة كالبيئة والمجتمع والإنسان.

ترتكز هذه المنهجية على ثلاثة أسس:

1. فلسفة النظم المعقدة: التي ترى أن العالم شبكة مترابطة، ولا يمكن فهم أي ظاهرة بمعزل عن سياقها العام.

2. النقد الإبستمولوجي للمعرفة الحديثة: إذ لم يعد يُنظر إلى العلم كحقيقة مطلقة بل كعملية مفتوحة على الحوار مع الإنسان والمجتمع.

3. العلم التكاملي: وهو الإيمان بتعدد المناهج وتكاملها في الوصول إلى الحقيقة.

وهذه الأسس تتقاطع مع الفكر الإسلامي الذي يرى أن المعرفة وحدة واحدة مصدرها الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة: 31) إشارة إلى أن الإنسان مُنح القدرة على استيعاب الوجود بكل أبعاده، لا بمعزل بين علمٍ شرعي وآخر مادي.

وقد عبّر الإمام الغزالي عن هذا التكامل في إحياء علوم الدين بقوله: (إن العلوم كلّها متعاونة في طلب السعادة، ولا يُستغنى في الدين عن شيء منها).

ومن هنا يمكن القول إن العبرمناهجية ليست غريبة عن الرؤية الإسلامية، بل هي تأكيد حديث على وحدة المعرفة في أصلها الإلهي.

المحور الثاني: تطبيقات العبرمناهجية في الفكر المعاصر والإسلامي

تجلّت العبرمناهجية في العصر الحديث في مجالات كثيرة، أبرزها:

- الطب الحيوي الذي يجمع بين علم الأحياء، الطب، والإحصاء لفهم الأمراض.

- البيئة والتنمية المستدامة حيث تتداخل السياسة بالاقتصاد والعلوم الطبيعية.

- العلوم الاجتماعية التي أصبحت تدمج بين علم النفس، الاقتصاد، والتاريخ لفهم الظواهر الإنسانية.

أما في الفكر العربي والإسلامي، فقد برزت محاولات متعددة لتطبيق المنهج العبرمناهجي:

- عند محمد عابد الجابري في مشروع نقد العقل العربي، حيث جمع بين تحليل التراث والمنطق البنيوي والفكر الغربي.

- وعند عبد الله العروي الذي مزج بين التاريخ والفكر السياسي لفهم أزمة الهوية العربية.

لكن هذه التجارب بقيت جزئية لأنها لم تنطلق من قاعدة قيمية إسلامية تضبط التكامل بين المناهج.

أما الفكر الإسلامي الإمامي فقدم نموذجًا متقدّمًا في هذا المجال، خصوصًا عند السيد محمد باقر الصدر الذي بنى مشروعًا معرفيًا يوحّد بين الفلسفة والفقه والمنطق والعلوم الحديثة. ففي كتابه الأسس المنطقية للاستقراء قال: (الاستقراء طريقٌ للعلم بسنن الله في الكون، وهو قراءةٌ للعالم بلغة السنن الإلهية لا بلغة الصدفة)

وهذا القول يعكس جوهر العبرمناهجية الإسلامية: استخدام أدوات العلم الحديث دون الانفصال عن المرجعية الإيمانية.

وقد دعمت النصوص الشرعية هذا المنهج التكاملـي، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصلت: 53)، وهي دعوة واضحة إلى قراءة الوجود في ضوء التكامل بين الوحي والعقل والعلم.

المحور الثالث: الموقف الإسلامي وآلية التكامل الترجيحي

الفكر الإسلامي لا يرفض التعدد المنهجي، لكنه يضع له ضوابط ترجيحية تضمن عدم الخروج عن مقاصد الشريعة ووحدة المرجعية.

في الفكر الإمامي، يُعرف هذا بمنهج الاجتهاد الترجيحي، وهو الجمع بين النصوص الشرعية والعقل والخبرة الإنسانية لتحقيق معرفة متكاملة دون تعارض.

يقول الشيخ الطوسي في التهذيب: (ما كان من خبرٍ غير قطعيٍّ، يُرجّح بالعقل أو القرائن، ما لم يخالف القطعيات من الشريعة).

وهذا يعبّر عن مبدأ منهجي عبرمناهجي مبكر يقوم على التكامل بين العقل والنقل والتجربة.

كما يؤكد الشيخ الصدوق في الاعتقادات: (العقل معين النقل، والنقل مفسر للعقل، ولا تعارض بينهما إلا من قصور الفهم).

وهذا المفهوم يعبّر عن جوهر العبرمناهجية الإسلامية التي تدمج المعارف في إطار منضبط بالقيم الشرعية والعقلانية. وفي ضوء ذلك، يُفهم قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد: 25)، إذ إن “الكتاب” هو الوحي، و“الميزان” هو العقل والمنهج العلمي، وكلاهما متكامل في تحقيق العدالة والمعرفة.

النتائج

1. العبرمناهجية تمثل تحولًا معرفيًا عميقًا في مواجهة المشكلات المعاصرة المعقدة، وتُعد وسيلة فعالة لإعادة بناء المعرفة الإنسانية.

2. الفكر الإسلامي يمتلك جذورًا أصيلة للعبرمناهجية من خلال التكامل بين العلوم الشرعية والعقلية والطبيعية، كما تجلى في أعمال العلماء الموسوعيين.

3. المنهج الإمامي قدّم صيغة متكاملة تُعرف بـ"الترجيح المنهجي"، وهي صيغة تضبط الانفتاح على المعارف الحديثة دون الانزلاق إلى النسبية أو فقدان المرجعية.

4. القرآن الكريم أسّس لفكرة التكامل المعرفي منذ بدايته، حيث دعا إلى الجمع بين التأمل في الوحي والكون: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (آل عمران: 190).

5. التحدي المعاصر هو بناء نموذج إسلامي للعبرمناهجية، يربط بين النصوص الشرعية والمعرفة العلمية الحديثة في إطار أخلاقي قيمي.

6. الفرصة الكبرى تكمن في تحويل العبرمناهجية من مجرد مفهوم أكاديمي إلى مشروع حضاري إسلامي يُسهم في النهضة العلمية والإنسانية.

***

د. صباح خيري العرداوي

جامعة الكوفة - كلية التربية الاساسية/ قسم التربية الاسلامية

مقدمة: السُّرْيَالِيَّةُ هُنَا هِيَ شَهَادَةٌ عَلَى فَشَلِ اللُّغَةِ، وَعَلَى أَنَّ الكَلِمَاتِ تَفْشَلُ فِي الإمْسَاكِ بِـالإفْرَاطِ الوُجُودِيِّ. العَقْلُ الَّذِي يَسْعَى لِلمَنْطِقِ يَنْزَلِقُ عَلَى هَذَا الأُفُقِ السَّائِبِ حَيْثُ لَا يَلْتَقِي شَيْءٌ بِشَيْءٍ، وَيُصْبِحُ كُلُّ شَيْءٍ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ القَوَاعِدَ وُضِعَتْ لِتُخَالِفَهَا الذَّاكِرَةُ.

العَدَمُ السُّرْيَالِيُّ هُوَ أَنْ تَرَى فِي مِرْآتِكَ شَيْئًا يَتَذَكَّرُ، بَيْنَمَا أَنْتَ مُصِرٌّ عَلَى نِسْيَانِهِ. أَصْلَ الغِيَابِ لَيْسَ فِي الخَارِجِ، بَلْ هُوَ كَامِنٌ فِي مَجَرَّةٍ مِنَ المَرَايَا المُتَصَدِّعَةِ دَاخِلَ كُلِّ جُمْجُمَةٍ. أَنْ تَكُونَ وَاعِيًا هُوَ أَنْ تَكُونَ مُذْنِبًا بِامْتِلَاكِكَ فَائِضًا مِنَ الرُّؤْيَةِ البَائِسَةِ. كُلُّ لَحْظَةِ يَقَظَةٍ هِيَ تَأْجِيلٌ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ لِلْجُثَّةِ الَّتِي سَتكونُهَا حَتْمًا. انه الْمَتْنُ الجامِعِ واَلْوُجُودُ اَلكامِلُ لقَطِيعِ النِّهَايَةِ. هُوَ كِتَابٌ أَزْرقٌ لَا يُقْرَأ، كُلُّ كَلِمَةٍ مِنْهُ نَجْمٌ فِي سَمَاءِ اَلسُّكُونِ، اَلْقَطِيعُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى قَيْدٍ، إِنَّهُ يَسِيرُ بِإِرَادَتِهِ إِلَى اَلْعَدَمِ بِحُبُورٍ، الكل يَظُنُّ أَنَّهُ سَيَعِيشْ.

الْعَدَمُ السُّرْيَالِيُّ هُوَ تَنَفُّسُ الأَحْلاَمِ فِي ذَاكِرَةِ التُّرَابِ، هُوَ إِذْنٌ بِالْغِيَابِ وَالْحُضُورِ فِي الزَّمَنِ الْمُتَلاَشِي، وَهُوَ يَتَقَيَّأُ مَرَارَةَ الفراقْ. وهوَ المِرْآةُ الَّتِي اِعْتَرَفَتْ بِكَ، ونَسِيَتْ أَنْ تُعِيدَ لَكَ وَجْهَكَ. وهو خَيْطُ البِدَايَةِ الَّذِي وَجَدْتَهُ، ثُمَّ اِكْتَشَفْتَ أَنَّهُ يَلْتَفُّ حَوْلَ قَدَمِ كُرْسِيٍّ مَكْسُورٍ فِي غُرْفَةٍ مُهْجُورَةٍ، وهو الضَّحِكَةُ الَّتِي لَمْ تُرَدَّ عَلَيْكَ، بَعْدَ أَنْ أَفْصَحَتْ عَنْ سِرِّكَ الأَعْظَمُ لِعَلْبَةِ سَرْدِينٍ مَفْتُوحَةٍ. اللَّحَظَاتُ الَّتِي ظَنَنْتَهَا نِهَايَاتٍ، صَارَتْ مُجَرَّدَ مُزحةٍ لِلْفَرَاغِ الَّذِي يَنْتَظِرُكَ. المِفْتَاحُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ قُفْلٌ، كَانَ فَقَطْ رِيَشَةَ طَائِرٍ تَسْقُطُ عَلَى بَابِ الوَعْيِ المَوْصُودِ، الأَزْمَانُ الَّتِي لَمْ تُسَجَّلْ عَلَى السَّاعَاتِ، تَتْرُكْ خَلْفَهَا شَكْلِ ظِلِّكَ وَهُوَ يَنْتَحِرُ فِي مَاءِ اليَقِينِ السَّائِلِ ، الحَقِيقَةُ العَارِيَةُ الَّتِي نَظَرْتَ إِلَيْهَا، فَرَأَيْتَهَا مُجَرَّدَ جَرة قَدِيمَةٍ يجْتمَعُ  فيها غَسِيلَك تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ السوداء صارَتْ الندَمَ الَّذِي لَمْ يعْرِفْ صَاحِبَهُ، وَلَكِنَّهُ أَلْزَمَكَ بِدَفْعِ ثَمَنِ جَمِيعِ الأَخْطَاءِ الأَبَدِيَّةِ مُقَابِلِ تَذْكِرَةِ عَوْدَةٍ إِلَى اللاَ وُجُودِ الأَوَّلِ، العدَمُ السِرياليُ إِذَنْ هوَ اِكْتِمَالُ الدَّائِرَةِ فِي مَنْطِقِ اللا شيءِ وهوَ اِكتمالٌ مطلقٌ. أقْسِمُ بِـرَحِيلِ الظِّلِّ، وَوُصُولِ مَا لَا يُسَمَّى، ودَائِرَةِ اللَّا مَعْنَى وَهيَ تكْتَمِلُ عِنْدَ زَاوِيَةِ الرَّقْمِ وَبِـمِيَاهِ أُوتُونَبِشْتُمَ إِذْ عَادَتْ تُرَابًا، وإن التُّرَابَ رَجْعُ هَمْسٍ فِي أَذُنِ الخُلُودِ المَنْسِيِّ، عُلْبَةٌ فُتِحَتْ بِلَا مِفْتَاحٍ، َلَمْ يَكُنْ بِدَاخِلِهَا سِوَى عَجْزٌ جَمِيلٌ في طَورِ الاِكْتِمَالِ، إنّ رِيَشَةِ المَتْنِ الجَامِعِ حِينَ تَنَاقَضَتْ، َصَارَتْ مَكْتَبَةَ فَرَاغٍ عَلَى جَبْهَةِ الشَّخْصِ المُنْتَظِرِ. وهيَ اللَّحْظَةُ الَّتِي يُدْرِكُ فِيهَا الوَعْيُ أَنَّ المُطْلَقَ لَيْسَ نُقْطَةً عَلَى مُحِيطٍ، بَلْ هُوَ المُحِيطُ نَفْسُهُ وَقَدْ تَقَوصَرَ حَتَّى اِخْتَنَقَ. فَلَا تُنَادُوا القَطِيعَ لِيَعُودَ، لقَدْ وَجَدَ فِي اِخْتِفَائِهِ غَايَةَ اِنْفِرَادِهِ. هَا قَدْ شَهِدْنَا، كَيْفَ تُصْبِحُ الضَّحِكَةُ السَّرْمَدِيَّةُ هِيَ الشَّكْلَ الهَنْدَسِيَّ الوَحِيدُ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَحْوِي العَدَمَ السُّرْيَالِيَّ. وَبِالْحَقِّ المُطْلَقِ، لَمْ يَبْقَ إِلَّا الصَّفْحَةُ البَيْضَاءُ، فَـاُكْتُبْ مَا شِئْتَ، فَلَنْ يُجِيبَكَ أَحَدٌ.

التفاهة هي ديانة بلا كتاب.

كل جسد مذبحٌ صغير، وكل يوم قدّاس للمكرّر

الغريب كان خطأً مطبعيا

العبث، ابتسامة خرجت من فمٍ لا يعرف لماذا وجد

البرج الزجاجي...! وهمٌ شفاف.

الحرية دائمًا تُلمَع كالطُعم.

حين تقترب ينكسر الضوء في ألف شظية تجرح يديك

لا شيء تكرهه الجماعة أكثر من المختلف.

ليس لأن المختلف قوي، بل لأنه يذكّرهم بضعفهم.

الوحش الذي ابتلع الغريب لم يصنعه القطيع.

صنعه خوفهم من السؤال.

القطيع لا يقتل، إنه يمسح.

يزيل الأثرَ كما تُزال بقعة ماء عن زجاج.

كان يمكن للغريب أن يصعد.

لكنه لم يفعل.

الخيانة...!

الخيانة ليست حين يسحقك الآخرون.

بل حين تخونك قدماك وأنت واقف تحت البرج.

انهيار البرج هو طريقة الوجود في السخرية

من محاولاتنا.

كأن الوجود يهمس: لم تكن جادًّا بما يكفي…

ولذلك تستحق الغرق.

البقعة السوداء في الأرض هي المَعلمُ الوحيد

لكن لا أحد يراها؛ القطيع لا يرى إلا ما يكرّره.

العدم بريءٌ منهم أكثر مما هم أبرياء

من أنفسهم.

نحن جميعًا ذلك الغريب.

نبتسم مرة، نرتجف أمام المعنى.

ثم نُبتلع ببطءٍ حنون، كما لو كنا نطلب من الوحش أن يخلّصنا من إرهاق الفكر.

القطيع يمشي ببطء، وكأن الزمن نفسه قد صار

مرضًا معديًا.

لا يحتاجون إلى قيود؛ أعناقهم معلقة بخيط من الضجر.

التفاهة ليست عادة… بل عطر يُسكَب فوق الجثث

كي تتظاهر بأنها أحياء.

الغريب كان شرارةً يتيمة.

والشرارات لا تُنجب

نارًا وسط بحر من الماء الفاسد.

ابتسامته جُرحت قبل أن تُولد.

البرج الزجاجي لم يكن برجًا، بل جرحا في السماء.

من يحاول التقدّم نحوه، يكتشف أن الجرح يبتعد كلما اقترب.

حين اتحد القطيع في جسد واحد، لم يكن صوتُه

صراخًا…

بل موسيقى مقابر، إيقاعٌ بطيء يلتهم القلب قبل أن يلتهم اللحم..

لم يمت الغريب حين ابتلعوه.

الموت نهاية كريمة

ما حدث كان أخطر ذوبانٌ داخل العدم

كما يذوب السكر في كأسٍ من المرارة الأبديّة

البرج حين سقط لم يُحدث دويًّا.

الشظايا تحولت إلى غبار متلألئ كأقمار ميتة.

الجمال أحيانًا أقسى من الخراب، لأنه يلمع لحظة قبل اختفائه.

البقعة السوداء التي تركها الغريب على الأرض

لم تكن أثرًا… بل نافذة مغلقةً، كُسر مقبضها.

تنظر إليها السماء وتضحك.

القطيع استأنف مسيره، بطمأنينة من يعرف أن

العدم رحيم أكثر من المعنى.

فالمعنى يُحرق، أما اللا معنى فيُخدّر.

نحن جميعًا ذلك الغريب، لحظة ابتسامنا في وجه العدم،

ثم نلين، ونسمح للكسل أن يطبطب علينا حتى يبتلعنا كاملين.

التكرار ليس عادةً، بل قَدَرٌ يتربّص بنا،

كما يتربص الليل بالمدينة التي تنطفئ أنوارها واحدًا تلو الآخر

في الوادي، الأرض تُعيد نفسها كل صباح

لم يكن هنالك زمن؛ بل نسخة واحدة لا تعرف الفناء، ولا تعرف النمو.

كل شيء يُعاد كأنه لم يحدث.

الضحكات الباردة، الخطوات الثقيلة، صوت الأجساد وهي تصطدم بالأرض.

القطيع

يمشي بلا هدف، بلا ندم، بلا توقّف، بلا عدد.

لا أحد يعرف العدد، لأن العدد نفسه يبدو رفاهية غير ضرورية او

شعيرة...!

من لا يفكّر، ينسجم.

ومن ينسجم، يحيا وهم الخلود

التكرار طقس مقدّس،

الضحك يُقال ولا يمارس.

الطعام يُهرس كما الاشعار.

حتى الاستراحة تُمارَس بنفس الخطى، بنفس الجلوس،

بنفس البُكم.

الجماعة لم تكن سلطة سياسيّة. لم تكن نظامًا يقمع.

كانت مرضًا يتنفس داخل الأجساد، يسرق منها الوعي ويمنحها راحةً قاتلة.

الاختلاف خطأ مطبعي في نص مطبوع منذ الأزل.

وُلد الغريب، وبخروجه عن الرتابة بدا كخلل في الماكينة الكونية.

كان مجرد ابتسامة تُضيء وجهًا عاديًا، لكنها في الوادي كانت خيانة عظمى.

أن هنالك شيئًا آخر ممكن.

ابتسامته سقطت صمتًا كثيفًا فوق الساحة،

كما تسقط قطرة دم في كأس ماء ساكن فتكشف كل ما هو متسخ.

البرج الزجاجي:

كل أفق هو فخّ، وكل خلاص يلمع كطعنة في ضوء الشمس.

على تخوم الوادي ظهر البرج. كان شفافًا، يلمع

في عيون من لا يجرؤ على النظر.

كان بابه مفتوحًا لكنهم جميعًا أعرضوا عنه،

القطيع يخاف من العلو، يخاف من النوافذ التي تطل على اللا شيء.

الغريب اقترب.

رأى في الزجاج انعكاسًا....

لم يكن نفسه؛ كان شبحًا آخر مبتسمًا بحزن عميق.

لكنه توقّف عند العتبة، لم يدخل، لم يخطُ.

كل الإمكانيات تضيع عند هذه اللحظة، لحظة عدم الاختيار.

الجماعة لا تُعاقب المختلف… بل تمحوه، كما

يُمحى حرف زائد من مخطوط مقدس.

اتحد القطيع في لحظة صاخبة، وذابوا في جسد واحد.

لم تعد هنالك أفواه كثيرة، بل فم واحدٌ مصمت، عين واحدة تُطل على جحيم من تراب.

ابتلعوا الغريب دفعةً واحدة

ابتلعوه كما يبتلع الليل نجمة يتيمة.

السقوط احتمالات، الاحتمالات إذا لم تُستَعمل، تتحول إلى غبار.

والغبار

أجمل أشكال الموت

حين ابتُلعَ الغريب، لم ينتظر البرج الزجاجي مصيره.

اهتزّ في الضوء، ثم تهشّم إلى غمامٍ من شظايا شفافة. لم يُسمع دويّ، بل رآه القليلون ومضةً كقمر صغير انطفأ فجأة.

البقعة السوداء

الأثر هو الكذبة الوحيدة التي يتركها الوجود

كي يوهمنا بأنه مرَّ فعلًا.

أينما وقف الغريب، بقيت بقعة سوداء لا تُمحى

ليست دمًا، وليست نارًا، بل حفرة في الوجود نفسه

القطيع تجاوزه كما لو أنه لم يكن شيئًا.

عادوا إلى صلاتهم الرتيبة، إلى خطاهم البيضاء الميتة

صلوات العدم.

العدم لا يحتاج لجنود...! نحن نحارب أنفسنا بالملل

فيربح هو الحرب.

كل ضوء هشّ. الهشاشة قدر الضوء

إن كنتَ ستصعد، فاصعد حتى النهاية.

النصف خيانة، والتردد مقبرة.

الجماعة هي المخدّر. الفرد هو الجرح، والأفق

لا يرحم إلا من ينزف حتى العظم.

لقد ابتُلع الغريب، لكننا جميعًا ابتلعناه

بصمتنا…

كلُّنا شركاء في ابتلاع أنفسنا

الوادي ظل كما هو

القطيع يمشي، البرج غاب، الغريب كأنه لم يولد.

وحدها البقعة السوداء بقيت، تنظر نحو السماء وتبتسم

هكذا يعمل العدم، لا يحتاج إلى حرب، يجعلنا نرتاح في التفاهة.

كل وعد هو خيانة مؤجلة؛ حتى البدايات لها رائحة النهاية.

السريالية ليست حلماً، بل دقة الكابوس في قلب اليقظة.

العدم ليس فراغاً، بل اكتظاظ لا يحتمل بأسباب عدم الوجود.

***

غَالِبُ المَسْعُودِيُّ

في العلوم والاقتصاد والطب والآداب والسلام.. بين التشريف السياسي والاستحقاق الأكاديمي

"إن أعظم سر للنجاح هو تحديد هدف وعدم الابتعاد عنه أبدًا"

مقدمة: تُعتبر جائزة نوبل واحدة من أرفع الجوائز العالمية التي تُمنح في مجالات العلوم (الفيزياء، الكيمياء، الطب)، والاقتصاد، والأدب، والسلام. أسسها ألفريد نوبل عام 1895، وتُمنح سنويًا منذ عام 1901 (باستثناء جائزة الاقتصاد التي بدأت عام 1969) بناءً على وصيته التي أكدت على تكريم "الذين قدموا أعظم إسهامات للبشرية". ومع ذلك، أثارت عملية اختيار الفائزين جدلًا واسعًا حول ما إذا كانت المعايير تعكس استحقاقًا أكاديميًا خالصًا أم تخضع لاعتبارات سياسية واجتماعية. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل معايير منح جائزة نوبل في المجالات المختلفة، مع التركيز على التوازن بين التشريف السياسي والاستحقاق الأكاديمي، واستكشاف التحديات التي تواجه هذه العملية. فماهي معايير اسناد جائزة نوبل؟ ولماذا لم يحصل عليها من يستحقها؟ وهل هناك تحيزات ايديولوجية وثقافية ومجاملات سياسية وفئوية؟

خلفية تاريخية ومعايير جائزة نوبل

وفقًا لوثيقة ألفريد نوبل، يجب أن تُمنح الجوائز للأفراد أو المؤسسات الذين قدموا إسهامات بارزة في مجالاتهم. المعايير الأساسية لكل جائزة هي:

الفيزياء والكيمياء: اكتشافات أو اختراعات علمية ذات تأثير كبير على المعرفة أو التطبيقات العملية.

الطب أو علم وظائف الأعضاء: إسهامات تعزز فهمنا للجسم البشري أو تقدم حلولًا طبية مبتكرة.

الأدب: أعمال أدبية متميزة ذات قيمة فنية وتأثير إنساني عميق.

السلام: جهود لتعزيز السلام العالمي، تقليل النزاعات، أو تعزيز التعاون الدولي.

الاقتصاد: إسهامات نظرية أو تطبيقية في العلوم الاقتصادية (أُضيفت هذه الجائزة لاحقًا برعاية بنك السويد).

على الرغم من وضوح هذه المعايير، فإن تطبيقها يثير تساؤلات حول مدى موضوعيتها، خاصة مع وجود لجان تقييم مختلفة لكل فئة (الأكاديمية السويدية للأدب، الأكاديمية الملكية للعلوم للفيزياء والكيمياء، معهد كارولينسكا للطب، ولجنة نوبل النرويجية للسلام)

الاستحقاق الأكاديمي: المعيار الأساسي

في مجالات العلوم (الفيزياء، الكيمياء، الطب) والاقتصاد، تُعتبر الجوائز غالبًا معيارًا للتميز الأكاديمي. على سبيل المثال:

في الفيزياء، حصل ألبرت أينشتاين (1921) على الجائزة عن تفسيره للتأثير الكهروضوئي، وهو إسهام أكاديمي أحدث ثورة في فهمنا للضوء.

في الطب، حصل العالمان جيمس واتسون وفرانسيس كريك (1962) على الجائزة لاكتشاف بنية الحمض النووي (DNA)، مما مهد الطريق لتطورات طبية هائلة.

في الاقتصاد، حصل بول كروغمان (2008) على الجائزة عن تحليله لأنماط التجارة العالمية، وهو عمل نظري ذو أثر كبير.

هذه الأمثلة تُظهر أن الاستحقاق الأكاديمي يعتمد على معايير مثل:

الأصالة: تقديم اكتشاف أو نظرية جديدة.

التأثير: التأثير العملي أو النظري على المجال.

التكرار والتحقق: القدرة على التحقق من الإسهامات من خلال التجارب أو التطبيقات.

ومع ذلك، حتى في هذه المجالات، يمكن أن تؤثر عوامل مثل الانحياز المؤسساتي أو الجغرافي على عملية الاختيار. على سبيل المثال، تشير إحصاءات نوبل إلى أن غالبية الفائزين في العلوم ينتمون إلى دول غربية، مما يثير تساؤلات حول إغفال إسهامات من مناطق أخرى.

التشريف السياسي: السلام والأدب

في مجالي السلام والأدب، تظهر الاعتبارات السياسية بشكل أوضح

جائزة نوبل للسلام

تُمنح هذه الجائزة من قبل لجنة نوبل النرويجية، وغالبًا ما تُثير قراراتها جدلًا بسبب تأثرها بالسياقات السياسية. على سبيل المثال:

حصل ياسر عرفات، إسحاق رابين، وشيمون بيريز (1994) على الجائزة عن اتفاقيات أوسلو، رغم استمرار الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.

منح باراك أوباما (2009) الجائزة بعد أشهر قليلة من توليه الرئاسة، بناءً على "رؤيته" للسلام بدلاً من إنجازات ملموسة، مما أثار انتقادات واسعة.

هذه القرارات تشير إلى أن الجائزة قد تُستخدم كأداة لدعم أجندات سياسية، مثل تعزيز عمليات السلام أو الترويج لقيم معينة. ومع ذلك، هناك أمثلة أخرى تعكس استحقاقًا واضحًا، مثل منح الجائزة لمالالا يوسفزاي (2014) عن نضالها من أجل تعليم الفتيات.

جائزة نوبل للأدب

تُمنح هذه الجائزة من قبل الأكاديمية السويدية، وتُثار حولها تساؤلات بشأن تأثير الاعتبارات السياسية والثقافية. على سبيل المثال: حصل بوريس باسترناك (1958) على الجائزة عن روايته "دكتور زيفاغو"، لكن الجائزة اعتُبرت بمثابة رسالة سياسية ضد الاتحاد السوفيتي.

منح بوب ديلان (2016) الجائزة أثار جدلًا حول ما إذا كانت الأغاني تُعتبر "أدبًا" بالمعنى التقليدي، مما يشير إلى تأثير الثقافة الشعبية.

تشير هذه الحالات إلى أن معايير الأدب قد تتجاوز الجودة الفنية لتشمل التأثير الثقافي أو السياسي.

في المقابل، تواجه عملية منح جائزة نوبل عدة تحديات:

الانحياز الجغرافي والثقافي: غالبية الفائزين ينتمون إلى الولايات المتحدة وأوروبا، مما يثير تساؤلات حول عدالة التمثيل العالمي.

التأثير السياسي: خاصة في جوائز السلام والأدب، حيث تُستخدم الجائزة أحيانًا لدعم قضايا سياسية أو إرسال رسائل دبلوماسية.

التقييم الذاتي: تعتمد عملية الاختيار على قرارات لجان بشرية، مما يجعلها عرضة للتحيزات الشخصية أو المؤسساتية.

التأخر الزمني: في العلوم، قد يستغرق الاعتراف بالاكتشافات عقودًا، مما يؤدي إلى استبعاد بعض العلماء الذين توفوا قبل التقييم.

التنوع: نقص التنوع الجنسي والعرقي بين الفائزين، حيث تشير الإحصاءات إلى أن أقل من 6% من الفائزين هم من النساء.

التوازن بين التشريف السياسي والاستحقاق الأكاديمي

يُظهر تحليل معايير نوبل أن هناك توازنًا دقيقًا بين التشريف السياسي والاستحقاق الأكاديمي:

في العلوم والاقتصاد، تظل المعايير الأكاديمية مهيمنة، لكن الانحيازات المؤسساتية قد تؤثر على اختيار الفائزين.

في الأدب والسلام، تتداخل الاعتبارات السياسية والثقافية بشكل واضح، حيث تُستخدم الجائزة لتعزيز قيم معينة أو دعم قضايا عالمية.

تُظهر بعض الحالات، مثل منح الجائزة لمنظمات مثل الصليب الأحمر أو برنامج الغذاء العالمي، محاولة لتجنب الانحياز الفردي والتركيز على إسهامات جماعية.

خاتمة

"الفشل أساس النجاح، فهو أيضًا مصدر إلهام، إذ يُنظر إليه غالبًا على أنه حجر الأساس"

تظل جائزة نوبل رمزًا للتميز العالمي، لكن معايير منحها تعكس توازنًا معقدًا بين الاستحقاق الأكاديمي والتأثيرات السياسية والاجتماعية. في العلوم والاقتصاد، تُعتبر الجائزة معيارًا للإنجاز الأكاديمي، بينما تتأثر جوائز الأدب والسلام بسياقات أوسع. لتعزيز مصداقية الجائزة، ينبغي للجان التقييم معالجة الانحيازات الجغرافية والثقافية، وضمان شفافية أكبر في عملية الاختيار. في النهاية، تظل جائزة نوبل انعكاسًا للقيم الإنسانية والعلمية في عصرها، مع تحديات مستمرة لتحقيق العدالة والموضوعية. فهل اصابت لجان التقييم عند عزوفها عن منح جائزة نوبل السلام للرئيس الأمريكي دونالد ترامب؟ ولماذا يتم منحها للموالين للكيان الصهيوني وحجبها عن المبدعين الداعمين للمقاومة الفلسطينية والعربية والأممية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

إلى الكاتب المصري محمد فكري الجزار

"هل يمكن للوعي أن يوجد خارج المؤسسة؟"

هل بمقدور الإنسان، كمواطن وككائن قلق، أن يخلق مساحة للفكر لا تخضع لشروط الانتماء ولا لإملاءات النظام الرمزي القائم؟

يبدو هذا السؤال اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، في زمن تتكاثر فيه المؤسسات وتتقلص فيه الحرية، حيث لم تَعُد السلطة مجرد جهاز سياسي، بل تحوّلت إلى بنية شاملة من المعاني تسكن اللغة والمناهج والإعلام، وحتى مخيلتنا الفردية.

لقد نبّه ميشيل فوكو إلى أن السلطة لا تُمارَس فقط من فوق، بل تتخلل التفاصيل اليومية للحياة. فالمدرسة والمستشفى والجامعة ووسائل الإعلام، ليست سوى أجهزة لإنتاج الطاعة الرمزية، تُعلّمنا كيف نفكر، ومتى نشك، وبأي لغة نعبّر عن قلقنا. من هنا تصبح المؤسسة، في جوهرها، سلطة على الوعي قبل أن تكون تنظيماً للأفعال.

لكنّ الإنسان لا يُختزل في كونه موضوعاً للضبط. فيه دائمًا هامش تمرّد لا يمكن للمؤسسة السيطرة عليه كلياً. إننا نحمل في وعينا بذرَة الشك، تلك الطاقة التي تجعلنا نرفض الاكتفاء بما هو قائم. لذلك، فالسؤال عن "الوعي من خارج المؤسسة" هو في حقيقته سؤال عن الإنسان الممكن فينا. الإنسان الذي لا يُصالح الزيف، ولا يرضى بأن يكون مجرد ترسٍ في ماكينة كبرى اسمها النظام الاجتماعي.

بيد أن هذا الوعي الحرّ لا يُبنى بالخطاب فقط، بل بالتجربة والجرأة. فالمؤسسة تُغري بالانتماء لأنها تُوفّر الأمان. إنها تحدد لك المعنى، وتختصر عليك السؤال، وتمنحك هوية جاهزة. أما الوعي الخارج عنها، فهو مغامرة في المجهول، يتطلّب شجاعة وجودية تشبه ما وصفه سورين كيركغارد حين تحدث عن "قفزة الإيمان"، قفزة نحو الحرية التي لا ضمانات فيها سوى ذاتك.

أن نصنع وعيًا من خارج المؤسسة، يعني أن نتعلم فنّ العيش في المسافة. أن نكون قريبين بما يكفي لفهم النظام، وبعيدين بما يكفي لرفضه حين ينحرف. هذه المسافة الأخلاقية هي ما سمّاه إدوارد سعيد "الموقع الهامشي للمثقف"، ذاك الذي لا يتماهى مع السلطة ولا ينغلق في عزلة النخبة، بل يقف في منطقة التوتر بين الولاء والنقد.

في هذا السياق، يمكن للمواطن الحرّ، لا كفاعل سياسي بل ككائن أخلاقي، أن يسهم في صناعة وعي جماعي مختلف. وعي لا يُختزل في الشعارات ولا في ردود الفعل، بل يتأسس على المساءلة الهادئة، العميقة، والصبورة. فأن نسائل لا يعني أن نعارض، بل أن نُضيء؛ أن نمنح الفكر فرصة ليتنفس خارج الضجيج.

لكنّ الصعوبة الكبرى تكمن في الاندماج دون الذوبان. في عالم يفرض علينا أن نكون متشابهين كي نُقبَل، يصبح التفكير المستقل فعلاً شبه متمرد. كيف يمكن أن نعيش في جماعة لا تُحبّ من يفكر خارج قطيعها؟

قد يكون جواب إيمانويل ليفيناس مقنعا، إذ يرى أنه "ليس في الهروب من الآخر، بل في الإصغاء إليه دون أن نُلغي ذاتنا". الوعي الحرّ لا يقوم على النفي، بل على الاعتراف. أن نعترف بتعدد الرؤى، وبأن الحقيقة ليست ملكية فردية بل أفق مشترك نقترب منه ولا نمتلكه. وفي ضوء ذلك، تصبح المواطنة فعلاً فلسفيًا بامتياز. ليست مجرد انتماء قانوني، بل قدرة على مساءلة الجماعة دون خيانة لها. فالمواطن الحرّ لا يعيش خارج المؤسسات، لكنه يرفض أن تكون تلك المؤسسات سقفًا لوعيه. إنه يعمل على تحويلها من أدوات للسيطرة إلى فضاءات للنقاش، من رموز للجمود إلى محركات للتجدد.

وهنا نصل إلى سؤال الراهن: كيف يمكن أن يُولد هذا الوعي في زمن العزوف، وسط جيل تائه بين ثقل الموروث وسطوة الصورة؟

ربما يكون الجواب في العودة إلى الإنصات للذات المفكرة. تلك التي ترفض الاندماج في ضجيج الخطاب الجاهز، وتسعى لإعادة بناء علاقتها بالمعنى، بالمعرفة، وبالمسؤولية. فالوعي الخارج عن المؤسسة لا يولد من الغضب وحده، بل من حبّ الحقيقة أكثر من حبّ الأمان.

إنه وعي لا يرفع شعار الثورة بقدر ما يُمارس ثورة صامتة في العمق:

*حين نعلّم أبناءنا كيف يسألون بدل أن يكرّروا.

*حين نكتب لا لنبرّر بل لنُزعج.

*حين نُصغي إلى المختلف دون خوف.

*حين نُدرك أن الفكر ليس وسيلة للتكيّف بل طريق نحو الكرامة.

إن بناء وعي من خارج المؤسسة ليس دعوة إلى الفوضى، بل إلى استعادة الحرية كشرط للإنسانية. فكل مؤسسة، مهما بلغت قوتها، تبقى محتاجة إلى ذاك الكائن الحرّ الذي يذكّرها بأن صلاحها في أن تُسائل نفسها. ذلك هو جوهر الوعي النقدي. أن يكون ضميراً يقظاً، لا معادياً ولا خانعاً، بل حارساً للمعنى في زمنٍ فقد فيه المعنى قيمته.

فحين نصير قادرين على التفكير من خارج الأسوار، وحين نجرؤ على أن نكون ذواتنا رغم الضجيج، وحين نُدرك أن مسؤوليتنا الأولى هي أن نحمي وعينا من الترويض، عندها فقط نكون قد بدأنا فعلًا رحلة الإنسان نحو الحرية الممكنة.

***

د. مصطفى غَلــــمَــان

ذكرنا في المقال السابق أنَّ الأدب في المملكة العَرَبيَّة السُّعوديَّة هو امتداد للتراث الأدبي العَرَبي الذي منبعه الجزيرة العَرَبيَّة. وأنَّه قد مرَّ بمراحل تطوُّرٍ حتى وقتنا الراهن، تطرَّقنا إلى أبرز ملامحها. وأشرنا إلى أنَّ الرؤية المستقبليَّة تحدو الأمل إلى تفعيل الثقافة- وفي جوهرها الأدب- لتأخذ دَورها الحضاري محلِّيًّا وعالميًّا؛ فليس من المقبول أن تكون المملكة العَرَبيَّة السُّعوديَّة، بتاريخها الضارب في الذاكرة الإنسانيَّة على هامش الثقافات، أو أن تتعامل مع الثقافة رديفةً لشؤون أخرى. ويأتي تفعيل هذه الواجهة الحضاريَّة الخصبة وتنظيمها من حيث هي رافد رئيس من روافد التنمية وبناء الإنسان، وهي من أهم محرِّكات التحوُّل الوطني إلى المستقبل، وتحقيق رؤية 2030، وما بَعدها. ذلك أنَّ من ركائز القوَّة الأُولى في رؤية المملكة 2030: الاهتمام بالعُمق العَرَبي والإسلامي. ومن توجُّهات المحور الأوَّل في الرؤية، الذي يدور حول حيويَّة المجتمع: دعم الثقافة، وبناء الشخصيَّة. وفي الأهداف الاستراتيجيَّة لهذا المحور يأتي تعزيز القِيَم الإسلاميَّة والهويَّة الوطنيَّة. وذلك من خلال المحافظة على تراث المملكة الإسلامي والعربي والوطني والتعريف به، والعناية باللُّغة العَرَبيَّة. ومن ضمن الأهداف الاستراتيجيَّة كذلك: تمكين حياة عامرة وصحيَّة، بوسائل منها: دعم الثقافة والترفيه، ومن ذلك تنمية المساهمة السُّعوديَّة في الفنون والثقافة. ومعلومٌ أنَّ الأدب يُعَدُّ القاسم المشترك الأعظم بين تلك الأهداف الاستراتيجيَّة لمحور حيويَّة المجتمع، بالنظر إلى موقعه الجوهري في بناء القِيَم والهويَّة، ولكونه وعاء اللُّغة والتراث والثقافة، وهو فوق ذلك بمثابة الأب للفنون الأخرى، قديمًا وحديثًا. فمن نافلة القول أنَّ إيلاء الأدب ما يستحق من رعاية، ودعم الأدباء، وتنظيم شؤونهم من خلال جهازٍ مرجعيٍّ واحد، هو من آليَّات العمل الأساس لتحقيق الرؤى الثقافيَّة المستقبليَّة. 

غير أنَّنا أومأنا إلى نقاط قصور، نراها ما زالت قائمة دون أن تحقق الرؤية الثقافيَّة أهدافها المُثلى:

1- إنَّ الأديب منذ ارتضى الأدبَ حرفةً، يدرك أنَّ «حرفة الأدب ستُدرِكه»! فلا ينبغي أن يعوِّل في حِراكه الإنتاجي على آخَر! غير أنَّ ثمَّة جوانب تنظيميَّة، وأبعادًا إنسانيَّة، يؤمَّل أن يكون للجهاز التنظيمي دورٌ مهمٌّ في رعايتها ودعمها وتنميتها. وقد كان من المبادرات التي انبثقت عن مجلس الشُّورى، خلال دورته الرابعة، إنشاء (رابطة للكُتَّاب والأدباء السُّعوديين)، تمثِّل مرجعيَّةً ضروريَّةً في هذا العصر لاحتضان المواهب، ورعاية المبدعين، ونشر نتاجهم، وتنظيم تفاعلهم ومؤتمراتهم مع نظرائهم في العالم. وكنَّا، وما زلنا، نتطلَّع إلى أن يتمَّ إنشاء: (رابطة الكُتَّاب والأدباء السُّعوديِّين) لتحقيق أهدافها المرجوَّة.

2- منذ سنين كنتُ أرى أن (الأندية الأدبيَّة)، بوضعها القائم، قد تخطَّاها الزمن، والمطلوب راهنًا: قيام (مراكز ثقافيَّة شاملة). تستوعب الثقافة والفنون والآداب، وشرائح المجتمع كافَّة. وإلَّا ستبقى الأندية الأدبيَّة- أو الجمعيَّات الأدبيَّة، أو سمِّها ما شئت- في عزلة عن المجتمع والثقافة العامَّة والفنون. كما أنه يلزم لتحقيق أهداف تلك المراكز أن يقوم عليها (متفرِّغون لأعمالها)، وأن تُؤْخَذ، بآليَّة (التنوُّع الطبيعي والبنَّاء)، ومن هذا أن تصبح فيها (المرأة شريكةً كاملة الشراكة)، سواء في إدارتها أو نشاطاتها؛ إذ ما زال يُلحَظ غياب المرأة عن الإدارة العُليا في هذا المجال. فهل ذلك لغيابها الواقعي؟ أم ضعفها العِلمي؟ أم الأدبي؟ أم التأهيلي؟ واضحٌ أنَّ ذلك كلَّه لم يعد يُسوِّغ الإجابة بـ(نعم). 

3- الجوائز الأدبيَّة: لم يعُد لها ذلك الحضور الوطني السالف، وأعني هنا على مستوى جوائز الدولة التقديريَّة. على أنَّ الجوائز نوعان، نوعٌ محكَّم، وآخَر تكريمي، غير محكَّم. وما يستأهل التقدير- سواء من قِبَل الفائز أو الجمهور- هو النوع الأوَّل؛ لأن الفائز بجائزته يكون قد حظي بتقديرٍ عِلميٍّ ومعنويٍّ يفوق قيمة الجائزة الماديَّة.

4- الحركة المسرحيَّة: تراجعت عن طموحاتها في القرن الماضي. تلك الحركة التي كانت تُسهِم فيها الجامعات، ولا سيما (جامعة الملك سعود)، وبعض الأندية الأدبيَّة، مثل نادي الرياض الأدبي، فضلًا عن المعاهد والمدارس. وإذا كان المسرح قد وُصِف قديمًا بأنه أبو الفنون، فإنَّه اليوم أبو الثقافات، وعامل التفاعل الحيوي والمباشر بين الآداب والجماهير.

5- استقطاب الشباب- فضلًا عن الأطفال- إلى الأنشطة الثقافيَّة، ما يزال أقلَّ بكثير من المنشود، إذا قيس إلى استقطاب هاتين الشريحتين في مجالَي الفَنِّ والترفيه. على أنَّ الشاب والطفل لن يتقبَّلا طرحًا نمطيًّا باردًا، ولن يُقبِلا عليه. ليس لأنَّ متطلباتهما مختلفة، ولا لأنَّ المؤسسات الأدبيَّة غير مؤهَّلة، فحسب، ولكن فوق ذلك لأنَّ العصر، ولأنَّ تقنيات التثقيف قد اختلفت جذريًّا. وهذا العامل هو ما يَصرِف معظم الناس، عن الأنشطة الأدبيَّة، بصيغها المنبريَّة التقليديَّة. فكيف بالأطفال والشباب؟!

-2-

لا شك أنَّ مستوى التنوُّع في الأنشطة الثقافيَّة اليوم يبدو أرفع ممَّا كان عليه في الماضي. هذا من حيث الكم، أمَّا من حيث النوع، فالأمر يستدعي الاستقراء العِلمي. غير أنَّ الظاهر في ما تشهده المملكة اليوم من تنوُّع المنابر الثقافيَّة، وتعدُّد المؤسَّسات المعنيَّة بالثقافة، يدلُّ على أنَّ المستوى إجمالًا في تطوُّر.

على أنَّ تعزيز مشاركة الشباب في الفعاليَّات الثقافيَّة يجب أن يبدأ من خلال المدارس والجامعات، في فعاليَّات يكون لها دور التربية الثقافيَّة من جهة، والتحفيز على المشاركة في الفعاليَّات الثقافيَّة العامَّة في المجتمع، من جهة أخرى. فليس دور التعليم بمنحصرٍ في تلقين المعلومات، بل هو إلى ذلك دورٌ تربويٌّ تنويريٌّ، من المفترض فيه أن يعمل على اكتشاف المواهب والقدرات وتنميتهما، فضلًا عن تعزيز المشاركة في الفعاليات الثقافيَّة العامَّة.

‏إنَّ من المهمِّ في هذا المضمار الأخذ بسياسة التوازن بين الأنشطة الأدبيَّة، والفنيَّة، والترفيهيَّة. ذلك أنَّه من الطبيعي أن يكون جمهور الترفيه والفن أوسع من جمهور الأنشطة الأدبيَّة. ومع ذلك فالمؤمَّل أن تُجعَل للأنشطة الأدبيَّة الصدارة في الدعم والاهتمام، ولا سيما أنَّ الأدب وعاء المعرفة والقِيَم، وهو إلى هذا أبو الفنون؛ فالمسرح- على سبيل المثال- هو نصٌّ أدبي، قبل أن يكون أداءً مسرحيًّا، والأغنية هي نصٌّ شِعري، قبل أن تكون أداءً موسيقيًّا. هذا إذا كنَّا ننظر إلى الفَنِّ والترفيه في مستواهما الباني والأرقى، لا في مستوى الاستهلاك والتسلية وتزجية الأوقات.

لهذا أرى ضرورة أن تُرسَم الخطط الاستراتيجيَّة لتعزيز الشراكات بين الأدب والفنون المختلفة؛ فالأدب لا ينفصل عن تلك الفنون بحال من الأحوال. ومن المؤكَّد أنَّ مدَّ الجسور بين الآداب والفنون يعود بالنفع عليهما معًا، ومن ثمَّ يثري المتلقِّي بثمارهما. غير أنَّ تعزيز الشراكات بينهما لا يتأتى بالتنظير، بل بالتخطيط، وإيجاد المؤسَّسات الجامعة التي تقيم هذه العلاقات بين الأدب والفن. ولقد كانت الأندية الأدبيَّة في الماضي تنهض ببعض هذا الدَّور، ولا سيما في مجال المسرح، وأحيانا الفن التشكيلي، وكنتُ أنادي بأن يستمر ذلك على نحوٍ يتواكب وتطوُّر الواقع الثقافي في البلاد. لأنَّه بدا في حصر الأدب في الأندية الأدبيَّة، وإيكال الفنون إلى جمعيَّات الثقافة والفنون، أنَّ الأدب قد عُزل عن الفن، من جهة الأندية الأدبيَّة على الأقل! ولقد طالبتُ، منذ سنين- من خلال مجلس الشورى وعبر الإعلام- إلى الجمع بين الأندية الأدبيَّة وجمعيات الثقافة والفنون في مراكز ثقافيَّة عامَّة، تجمع الآداب والفنون في مؤسَّسات تُعنَى بالآداب والفنون، فتثريهما وتثري ثقافتنا الوطنيَّة.

أُغَــنِّـيْ كُـلَّـما هَـبَّـتْ جَـنَـاحِـي:

جَـنُـوْبًــا أو شَمَالًا تِـلْـكَ رُوْحِـي

*

بِـلَادِيْ حَـيْـثُـما أَلْـقَـيْـتُ رَحْـلِـي

فـثَـمَّـةَ مُلْـتَـقَى الكَـوْنِ الفَـسِـيْحِ

*

بِـلَادِيْ حَـيْـثُـما أَطْـلَـقْـتُ طَرْفِـي

تَـخَطَّـتْـهُ رُؤَى الطِّـرْفِ السَّـبُـوْحِ

*

أُعِـيْـدُ بِـنَــاءَ آفَـاقِــيْ بِـأَمْـسِـي؛

فيَوْمِيْ اجْتَـازَ خَيْلَ غَـدٍ جَـمُـوْحِ!

 ***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

من غيبة آليات المعقول إلى الارتياب في قداسة المنقول

من تداعيات استياء وأسف جل المبدعين الحقيقيين؛ وسيما أصحاب الأقلام، عدم الشعور بأدنى صدى أو أثر لإبداعاتهم في مجتمعاتهم (استحسان - نقد - مدح - قدح - استهجان)؛ وكأن ما لفظته أقلامهم قد ضاع سُدى أو لم يلاقٍ سوى تجاهل من الذين  جعلوا صوالحهم مقصدهم وغايتهم، والأمثلة عديدة على مر تاريخ حركة الإبداع الإنساني (الأدب والفلسفة بل والعلم أيضاً)، ولا سيما في الحقبة التي نتحدّث عنها، ألا وهي ثقافة العصر الوسيط، فما أكثر المؤلفات التي أهملت أو حرقت أو ضاعت أثناء الحروب الدينية أو الخلافات المذهبية أو النزاعات الاستعمارية؛ وحدث ولا حرج عن التصانيف التي حُرّفت بأقلام المدلسين أو حرفت مقاصدها من جراء تأويلات المتعصبين أو قصفت أقلام أصحابها، وصفعت رؤوس أربابها من قبل الساسة المتجبرين أو الغرباء المتآمرين أو العاجزين الحاقدين ..

وسوف نتعرض إلى تلك القضية عند حديثنا عن الجانب الآخر من فلسفة العصر الوسيط التي ذاعت عقب ظهور الإسلام، وبالتحديد منذ القرن الثاني الهجري مع أوائل المتكلمين الفلاسفة تلك الحقبة التي انتشرت فيها الشائعات والأكاذيب وعطلت تمامًا غرابيل الكذب التي تنشد الحقيقة عن العمل.

***

أمّا عن آخر انتقادات وطعون المتفلسفة الشكاك فيما جاء به اللاهوتيون المسيحيون الأوائل في العصر الوسيط  فيتمثلا في قضيتين أعتقد أنه لم يرد عليهما في تاريخ الفلسفة حتى الآن وهما...!

أن أصحاب الدين الجديد قد اطلقوا على أسفار التوراة التي يبلغ عددها تسعة وثلاثون سفرًا؛ والعهد الجديد الذي يبلغ عدد أسفاره سبعة وعشرون سفرًا (الكتاب المقدس) في حين أنه لا يخلو من مواضع عديدة تناقض بعضها بعضًا بل إن هناك أسفاراً لا ينبغي أن يطلق عليها صفة القداسة نذكر منها: الأسفار الخاصة بسلوك بني إسرائيل في حروبهم مع الفلسطينيين بخاصّة، وجيرانهم من الأقوام الأمنة بعامة. وقد ذكر ذلك العنف والإجرام الوحشي بتوجيه من الرب على حد ما ذُكر في هذه الأسفار (سفر التثنية، الإصحاح 20 وما بعده من 1:20) (سفر يشوع الإصحاح الثاني عشر) (سفر العدد الإصحاح 17) (سفر صموئيل الأول، الإصحاح 15).

ذلك فضلًا عن الأسفار التي تتحدث باستفاضة عن الجماع والوطأ المحرم، والاغتصاب والعهر وذلك في : (سفر صموئيل الثاني، الإصحاح الخامس من 10:13) (سفر الملوك، الإصحاح الأول) (سفر التكوين، الإصحاح 38) (سفر استير، الإصحاح الثاني) (سفر هوشع، الإصحاح الأول).

وهناك أسفار يصعب تأويلها على نحو يليق بالقداسة مثل ما جاء في (سفر نشيد الإنشاد، الإصحاح الأول وما بعده) ناهيك عن حديث الرب مع اليهود الذي يعنفهم فيه لمعصيته ومخالفة تعاليمه والكفر بنعمه.

واعتقد أن ما جاء في هذه الأسفار يجب أن يُدرج ضمن أكاذيب (يهود الخزر) الذين كان لهم السبق في ظهور هذه الأسفار بلغتها القديمة فتعد أقدم نسخة موجودة من التوراة في إيطاليا باسم مخطوطة توراة بولونيا والتي يرجع تاريخها إلى نحو عام (1225:1155 م) في حين أن هناك مخطوطات مهمة من نصوص التوراة بمدريد في أسبانيا وتوليدو ولكنها ليست كاملة مثل مخطوطات البحر الميت التي توجد هناك أيضًا ومختلف على زمن ظهورها.

أمّا الترجمة السبعينية وأسفار العهد القديم فهي أيضًا من الأكاذيب الكبرى التي ما زال المعنيون بفلسفة اللاهوت وتاريخ الأديان يشككون في متونها، وما جاء فيها، تلك التي يرجع تاريخها إلى القرن الثالث قبل الميلاد. ويضيف الدكتور علي قاسم وهو من أكثر الباحثين المصريين عنايةً بدراسة فلسفة اللاهوت وتاريخ الأديان المعاصرة، (أن هذه الطعون تعد من أكبر وأخطر القضايا الفلسفية التي أعيت التحليليين والمؤولين والنقاد العلمانيين ذلك فضلًا عن عجز اللاهوتيين المعاصرين عن تبريرها.

أمّا القضية الثانية؛ التي آثارها المتفلسفة الشكاك فهي : أن أصحاب الدين الجديد قد اتخذوا موقفًا عدائيًا من كل العقليين والفلاسفة والمجترئين من العلماء بحجة أنهم جميعًا هراطقة يخالفون حق اليقين الذي يقفون في كنفه، ولا يسمحون لغيرهم الدخول من بابه.

فقد كفروا بكل التراث الفلسفي الإغريقي، ومن حاكى معارفه، كما اشترطوا على من يستشهد بأقوالهم أن يكيفوا آرائه على نحو يوافق ما تعتقده الكنيسة، كما قاموا بحرق وقتل والتنكيل بمن اجترئ على نقض الكتاب المقدس.

أمّا أكثر جرائم اللاهوتيين في العصر الوسيط يتمثل في محاكم التفتيش التي انتشرت في أوربا نحو عام (1184 م) وكانت بمثابة مقصلة العلماء.

ويضيف متفلسفو الشكاك أن ضعف البنية اللاهوتية للكنيسة في العصر الوسيط كان وراء ظهور مئات الهراطقة والمجترئين والملاحدة، وكان معظمهم من الذين تناولوا ما تدعو إليه الكنيسة عن طبيعة الإله تناولًا عقليًا مع العلم أن كان بعضهم من المؤمنين بتعاليم المسيح الأخلاقية مثل أريوس (نحو 336:250 م) أبيون بلستونيكس (20 ق.م: 48 م ) نسطورس (451:381 م) وغيرهم الكثير إلى ظهور ما نطلق عليه عصر الإلحاد في منتصف القرن الثامن عشر قبيل عصر النهضة.

ويرى الدكتور محمد أبو المجد وهو من أفضل المتخصصين الشباب في فلسفة اللاهوت في العصر الوسيط (أن هناك أفكاراً وآراءً رائعة قد أنتجها اللاهوتيون في الفترة الممتدة من القرن الثاني الميلادي إلى القرن الرابع عشر، غير أن عزوف أصحابها عن النسقية الفلسفية والمناهج العقلية والوجهة النقدية في قراءة النصوص المقدسة قد أقعدتهم عن مزاحمة الفلاسفة العلمانيين والعلماء المجددين المؤولين إلى درجة أن بعض الفلاسفة المسيحيين قد ترددوا مرارًا في البوح بآرائهم والتصريح بنظرياتهم مخافة مقصلة الكنيسة).

***

ولعل أفضل ما ندفع به اتهامات أعداء المسيحية هو ما كتبه اللاهوتيون الأوائل الذين حاولوا الجمع بين المسحة العقلية في العرض، والوجهة الأخلاقية في المعالجة، والرد على بعض الاتهامات التي جاءت في بشارتهم بالدين الجديد وتعاليم يسوع.

غير أن ما يأخذ على هذه الخطابات المفعمة بالإيمان هو عزوفها عن قواعد المنهج الجدلي في التناظر القائم على الحجج العقليّة والأدلة النقديّة في الرد على الطعون أو الشبهات مثل تلك التي جاءت على ألسنة اليهود والمتفلسفة والشكاك؛ وها هي أشهر النماذج التي وردت في كتابات المتثاقفين:

فجاء عند يوستينوس الشهيد  (165:100 م) في دفعه تهمة الكذب عن المبشرين وتأكيده على أن الخداع من الآثام والشرور المنهي عنها في الأناجيل كما أن اتهام اليسوعيين بنقض التوراة كذب أيضًا، وأن كفرهم بعبادة القيصر والأوثان دليل على إيمانهم بعقيدة المخلص؛ إذ ذهب إلى أن من يطلب تطبيق العدالة يجب عليه أن يتحرى الدقة في طلب الحق والخبر الصادق، واجتناب الكذابين ومُروّجو الشائعات الأفاقين؛ فالتقي هو الذي يتحرى الصدق من الأخبار سواء كانت على لسان من نعتقد في قداستهم من القدماء أو مت اشتهر عنهم الكذب من المحدثين؛ فالعدالة لا ينبغي أن تقوم على آراء ظنية أو حكايات مشكوك في صحتها وخاصة إن كانت تدور حول قضايا إجترائية لا تخلو من التجديف على النصوص المقدسة أو افتراءات على الأبرار والأتقياء من العباد المخلصين.

وعلينا جميعًا أن نتذكر أن الأهواء والخصومات الجائرة يتولد عنها بالضرورة أكاذيب وافتراءات يقودها الحقد والهوى وعليه يجب على المحققين توخي الدقة في التحري؛ لينكشف أمام أعينهم مواضع الصدق ومواطن الكذب، وهل يضير الحاكم أن يبذل قصاري جهده في التقصي قبل أن يصدر أحكامه بالقتل أو بالسجن أو ألقاء الاتهامات جزافًا ضد عباد مخلصين في الطاعة لأوامر الرب والسلطان معًا قبل أن يهوى في آتون الأكاذيب والمكائد الشيطانية والمؤامرات المغرضة من قبل صناع الفتن والخيانات.

وإذا لم تفعلوا؛ فلن يضير المظلوم إذا استشهد دفاعًا عن الصدق.

وعلى النقيض من ذلك، سوف يلقى المغرضون والقضاة الغشاشون مقام المفسدين والمنكرين لأبسط حقوق الرب المخلص فاتهامنا نحن المسيحيين بالكفر؛ لأننا لا نقدم قرابين للأوثان فإن مثل هذا الادعاء صادق، وإن كان على ألسنة الأعداء والجاحدين لنعمة المخلص والراغبين عن الإيمان به، ومع ذلك فأن كلامهم يحمل معه دليل براءتنا من تهمة الكفر والمروق؛ فمن ذا الذي يفضل الباطل ويتبعه ويبخس الحق ويعزف عنه؛ فصدقنا في عبادتنا للحق يدفعنا إلى الاعتراف بأننا نجحد الكذب والخيانة التي تدعي بأن عبادة الأوثان وتعظيم الأصنام خيرٌ يجب اتباعه.

ومن أشهر التربويين الوعاظ الذين اهتموا بترغيب الشباب في الصدق وترهيبهم من توابع الكذب ما نجده في نصائح إكليمنس السكندري (215:150 م)  الذي استشهد بأقوال السيد المسيح عن البراءة وطهارة الأنفس باعتبارهما من أوضح صور الصراحة والصدق اللتين يمتاز بهما الأطفال في طور سذاجتهم قبل الوقوع في غواية وأهواء الشهوة والابتعاد عن طريق الحب والإخلاص في الهداية.

ومن أقوال أوريجانوس (254:185 م) في دفاعه عن الإيمان المسيحي وحقيقة العقيدة ضد ادعاءات اليهود أيضًا ( أننا نعبد الرب في السر والعلن؛ فالصدق لا يتوارى ولا يخجل ولا يخاف إذا عرف الناس مكانه واستدلوا عليه. أما الإفك والوشاية والافتراء فسبيله هو الدس والخبث والشائعات التي يرددها الأشرار كيدًا في خصومهم كما أننا لا نستعين بالشياطين ولا نستقوى بالسحر وذلك لأن كليهما من دروب الكذب.

ويضيف ترتليانوس (240: 155 م) أن المجدفين والكذبة والأفاقين، هم الذين يشككون في الوحي والناموس ويتخابثون بأسئلتهم المرتابة (لما وأين ومتى ومن أحق بكلام الرب) أي لما أختص الرب المسيح ليكون هو المخلص وأهمل ناموس موسى الذي هو الأكمل؟ وهل يجوز العدول عن الشريعة من أجل تعاليم وأقوال مشكوك في صحتها؟

أمّا القديس أوغسطين كما ذكرنا أهم وأفضل المتفلسفة المسيحيين الذين صاغوا خطاباتهم بمنحى فلسفي؛ وذلك لاطلاعه على معظم التراث الفلسفي الإغريقي والفارسي، وإلمامه بطعون الشكاك وأكاذيب اليهود، ذلك فضلًا عن دراسته الوافية بنصوص التوراة آنذاك؛ فها هو يبيّن أن المزيفين من المحتالين ومحترفي التزوير والتلفيق وقلب الحقائق؛ وخلط الكلام على نحو يشكك المؤمنين في صدق عقيدتهم لن يفلحوا في مقصدهم؛ لأن كلمات الرب واضحة بذاتها تراها البصائر بقوة إيمانها، وتنكر تلك الأضاليل الوقائع والأحداث التي دونها الأبرار في رسائلهم وأثبتتها أفعالهم.

واستطرد صاحب كتاب "مدينة الله" شارحًا دروب الكذب وأشكاله: إن للكذب ثمانية أنواع أولها: الكذب الذي يولده الخوف من الأذى الجسدي، وهو سلوك خسيس يصدر عن الأنفس الجبانة لأن إيذاء الجسد أو عطبه لا يكافئ سلامة الروح وطهارتها، والصورة الأخيرة هي التي سوف تظل صادقة؛ لأنها تعبر عن صدق محبة الرب؛ وذلك لأن الأعراض التي تلحق بالجسد أضعف من أن تصيب جوهر الإيمان الراسخ في النفوس والسرائر. أما الكذب الذي يلحق الضرر بالآخرين فهو اعتداء على الأغيار، وهو لا يجوز لأنه لون من ألوان الفتن وإلباس الباطل لباس الحق وإعلاء من شأن الزيف لطمس الوضوح.

أمّا الخداع والإضلال طلبًا لمصلحة قائله؛ فهو شكل من أشكال المكر الشيطاني الذي يصد الناس عما ينفعهم ليستأثر لنفسه النعمة دون غيره، وفيه شيء من الحسد المكروه، وهو يختلف عن الكذب الذي يرمي إلى إضلال من يصغى إليه، وهو أيضًا من عبث الشيطان الذي يضحك من جهل وحمق طالبيه.

أمّا الرياء والنفاق والمداهنة والمدح في غير محله في الذين لا يستحقوه؛ فهو كذب أيضًا حتى إذا كان في ثوب المجاملة.

أمّا النوعان اللذان لا يضعهما القديس أوغسطين ضمن قائمة الكذب الآثم فيتمثل أولها في إخفاء مكان المظلوم عن أعين الظالم حتى لا يقع الشخص الضعيف في شرك المتجبر.

والأخير؛ يتمثل في حماية التائب وستره بمنأى عمن يطلبون الثأر منه، أو معاقبته وحرمانه من الأمل الذي دفعه إلى الندم عما فعل.

ويستطرد أوغسطين أيضًا موضحًا أن ما جاء في الأحاديث القديمة المتواترة عن داء الكذب عند الإنسان لا يخلو من الحقيقة؛ ذلك إذا غلبت شهوات الإنسان على نفسه العاقلة التي تنشد العفة والطهارة دومًا عن طريق الحب الذي ليس فيه مكان لشيء دون الحقيقة الربانية؛ فالإنسان الصالح الصادق الصريح لا يكذب لأن نفسه قد خلقت طاهرة، وقد تميز أوغسطين بهذا التصريح عن أقرانه من الفلاسفة المسيحيين.

وللحديث بقيّة عن آراء ابنتنا المجتهدة نانسي مرقص، وهي من الباحثات الواعدات في ميدان فلسفة العصر الوسيط بجامعة الإسكندريّة.

***

د. عصمت نصار

 

حين يُختزل الضمير المهني في دفتر شروط الإعلانات

ليس أخطر على حرية الفكر من أن تتحول الكلمة إلى سلعة، ولا أشد إيلامًا على الوعي الجمعي من أن يُختزل الضمير المهني في دفتر شروطٍ تنظمه السلطة وتراقبه المصالح. تلك هي المفارقة التي تَكشفها اليوم حكومة أخنوش، وهي تُمرّر في غفلة من الضمير الوطني، مشروع القانون المتعلّق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، مشروعٌ لا يُعيد فقط صياغة البنية التنظيمية للمؤسسة، بل يعيد تشكيل المشهد الإعلامي وفق هندسة جديدة، تُفرغ الصحافة من استقلاليتها، وتُدرجها في منظومة الضبط السياسي والاقتصادي.

لقد بدا واضحًا أن فلسفة المشروع تنهل من منطق السيطرة لا من روح الإصلاح. فبدل تعزيز آليات الانتخاب والتمثيل الذاتي للجسم الصحفي، يتم نسفها من الداخل عبر هندسة جديدة للعضوية تُقاس بمعيار رقم المعاملات، أي بمعيار السوق لا بمعيار الكفاءة أو المصداقية المهنية. وبدل أن يُحتكم في توقيف الصحف إلى القضاء باعتباره سلطة مستقلة، يُمنح هذا الحق للمجلس ذاته، في سابقةٍ تُكرّس الجمع بين الخصم والحَكم، وتحوّل مؤسسة التنظيم الذاتي إلى جهاز تأديبي فوقي.

إن هذا المشروع لا يمكن فصله عن السياق العام الذي تتعامل به السلطة مع الحقل الإعلامي. سياق يقوم على تحويل الإعلام إلى أداة للضبط الناعم، تُخدّر الوعي بدل أن تُنيره، وتُعيد إنتاج الخطاب الرسمي بدل مساءلته. فالمسألة هنا ليست تقنية أو قانونية فحسب، بل هي فكرية وسياسية بامتياز. إنها إعادة صياغة لعلاقة الدولة بالمعرفة والتمثيل الرمزي، حيث تسعى السلطة إلى أن تكون هي المُتحكم فيمن يتكلم، وكيف يتكلم، ولمن يتكلم.

وإذا كانت الصحافة، كما يقول بيير بورديو، "فضاءً لصراع رمزي حول تعريف الحقيقة"، فإن الحكومة اليوم تحاول أن تغلق هذا الفضاء، وأن تحوّل النقاش العمومي إلى رأسمال منضبط تديره شبكات النفوذ والإشهار، لا ضمير المهنة ولا حسّ المسؤولية الوطنية.

ولعلّ ما يؤكد هذا المنحى هو المناظرة الوطنية للإشهار التي تُعدّها الوزارة الوصية بالدار البيضاء، والتي يُراد منها، بحسب مؤشرات عديدة، أن تكون محطة لإعادة توزيع الكعكة الإشهارية على المقاس السياسي والاقتصادي، وتكريس تحالفٍ بين الإعلام التجاري والسلطة التنفيذية، بما يضمن إخضاع الخط التحريري لمنطق السوق أكثر مما يضمن استقلاله عن الدولة.

إن ربط مصير المقاولات الإعلامية الصغيرة والمتوسطة بمعيار "الجدوى الاقتصادية" أو "رقم المعاملات" يُخفي، في جوهره، محاولةً لإقصاء الأصوات الحرة التي لا تملك سوى كفاءتها وتجربتها. فالدولة التي تتحدث عن "تنظيم المهنة"، تغفل أنها تعيد إنتاج منطق الكمبرادور الإعلامي، حيث لا صوت إلا لمن يملك رأس المال أو القرب من دوائر القرار.

بهذا المعنى، يصبح المشروع الجديد ليس مجرد تعديل قانوني، بل علامة على انزياحٍ هيكلي في علاقة الصحافة بالسلطة. من الصحافة كسلطة رابعة مستقلة، إلى الصحافة كملحق إداري أو تجاري للسلطة التنفيذية. ومن الإعلام كأداة للتنوير والمساءلة، إلى الإعلام كواجهة تجميلية للنظام النيوليبرالي الذي يربط كل شيء بمعيار الربح والمردودية.

إن ما يُخيف في المشهد ليس فقط هذا التحول في النصوص، بل في الوعي الذي يُهيمن على صُنّاع القرار. وعي يرى في الحرية خطرًا يجب ضبطه، لا طاقةً يجب توجيهها، وفي الصحفي مجرد عامل تواصل، لا فاعلًا معرفيًا يسهم في بناء الرأي العام.

إن ما يحدث اليوم هو، في جوهره تجريفٌ بطيء لحق المجتمع في معرفة الحقيقة، واستبدالها بآليات "التأطير المسبق" التي تحدد المسموح والممنوع في الخطاب العمومي. إنها محاولة جديدة لإعادة ترويض الذاكرة الوطنية، وإعادة تعريف حدود الممكن في التعبير عن الذات الجماعية.

ومن هنا، فإن الدفاع عن استقلالية المجلس الوطني للصحافة ليس دفاعًا عن فئة مهنية فحسب، بل عن أفقٍ ديمقراطي كامل، وعن الحق في أن تكون الكلمة حرة، غير مرهونة لا بسلطة ولا برأسمال.

فالإعلام الحر هو آخر ما تبقى من مظاهر التوازن في مجتمعات تتآكل فيها المؤسسات الوسيطة، ويُخشى أن يصبح، كما أراده المشروع الجديد، مجرد مرآة تعكس صورة السلطة، لا مرآة تعكس صورة الحقيقة.

في نهاية هذا المشهد، لا تبدو معركة الصحافة مجرد نزاع حول قانون أو مؤسسة، بل صراعًا على المعنى ذاته. من يملك الحق في قول الحقيقة؟ ومن يملك سلطة تأويلها؟ فحين تصبح الكلمة مرهونة بميزان الربح، يفقد الخطاب قيمته، وتغدو اللغة أداة طيّعة في يد النظام الاقتصادي والسياسي.

إنّ حرية الصحافة ليست امتيازًا يمنح، بل شرطًا أنطولوجيًا لوجود الوعي ذاته، لأن الكلمة الحرة هي التي تُبقي الفكر يقظًا في وجه الغفلة، وتمنح المجتمع مرآة يرى فيها ذاته بوضوحٍ مؤلم، لا بزينةٍ خادعة. فحين يُفرغ الإعلام من استقلاله، تُصاب الحقيقة بالعطب، ويغدو الواقع ذاته جزءًا من حملةٍ إشهارية كبرى، تُسوّق الوهم باسم الاستقرار، وتُصادر السؤال باسم النظام.

هكذا، في زمنٍ تتواطأ فيه السلطة والمال على إنتاج المعنى، تظل مقاومة الكلمة هي آخر أشكال النبل الممكنة. فربما لم يعُد في وسع الصحافة أن تُغيّر العالم كما حلمت ذات يوم، لكنها قادرة، على الأقل، أن تمنع الأكاذيب من أن تصير قدرًا.

***

د. مصطفى غَلــــمَــان

تتصدّر عملية (مراجعة الأفكار) قائمة الممارسات الدورية التي يحرص عليها ذَوُو المستويات السامقة من الوعي، أولئك الذين أُوتوا حظا كبيرا من هوَس الأسئلة العنيدة التي لا تهدأ، فهذه الفئة تدرك تماما أنّه لا توجد فكرة - مهما تضافرت دلائلها - متعاليةً على النقض أو النقد، وهذه طبيعة صحيّة للمعرفة؛ بحكم صفة التراكم المبني على عوامل لا تنفكّ تتغير وتتأثر زمانا ومكانا، فـ "أيُّ علم لا يخلق بذور تجاوزه فهو ليس علما!"(1) بحسب تعبير الدكتورة نور الهدى باديس.

على أنه كلما كانت تلك الأفكار رئيسةً تتفرّع عنها حزمة كبيرة من الأفكار الفرعية المنضوية تحت مظلتها، أو كان تقادم اعتناقها سنين طُوال حتى باتت جزءا من هُوية صاحبها، أو كانت ذات مسحة مقدسة يحظر الاقتراب منها ولو بشبه اعتراض، أو كانت مشوبة بدفقة مكثفة من المشاعر، فهُنا تتزايد الحاجة إلى أولوية مراجعتها أكثر من أترابها.

ما سبق هو توطئة لما أريد أن ألفت النظر إليه، وما يأتي ليس إبطالا لِما ابتغيتُ البناء عليه، بل هو تأكيد للمهم وإشارة إلى أنه ثمّة ما هو أهم! فلا غَرْوَ أنّ عملية المراجعة الدورية إذْ تطال الأفكار بأطيافها كافّة، من الضرورة بمكان، إلا أنّ هناك مُتعلَّقا أهم من الأفكار مهما كانت قوية، ينبغي أن تنسحب عليه عملية المراجعة كذلك، وهو نمط التفكير (Mindset)!

إنّ نمط التفكير هو الإطار المحدِّد والمِشْجَب الذي تُعلَّق عليه الأدوات الفاحصة التي نعاير بها أفكارنا، ونستدلّ بها على صحيحها من سقيمها، وسمينها من هزيلها، وإن شئت فقل إنّ نمط التفكير هو المائز الذي به نقف على ماهيّة ما بحوزتنا من أفكار على اختلاف صيغها آراءً أو انطباعات أو معتقداتٍ أو حقائق أو ميولا أو ظنونا…إلخ

ولك أنْ تتخيّل الكارثة الفكرية التي يقع الواحد منّا فيها إذا ما كان نمط تفكيره مشوَّها، فأفكاره  - لا ريب - ستكون من سِنْخها، يعتريها التشويه لا محالة، والخطورة تكمن في أننا نظن أننا نُحْسن صنعا حين نقلّب الأفكار فحصا وتمحيصا، ونخلُص من ذلك إلى الظنّ بأنها أفكار جيدة أو سيئة، في نتيجةٍ مشوَّهة، فلا ندري أننا لا ندري! تماما كمرتدٍ نظارة بعدسات حمراء، فهو صادق حين يقول: إن الجبل الذي أراه أمامي أحمر قانٍ، لكنه لا يدري أنّ هذه النتيجة مغلوطة بسبب الوسيلة التي توصّل من خلالها إليها!

على أنّني لا أنْبَري مُدّعيًا بأن هناك نمطَ تفكيرٍ غير مشوّه بالمرّة أو حتى أننا يمكن أن نصل إلى درجة نقية من التشويه، فذلك غير مطروح - على الأقل في تقديري الشخصي - وذلك بحكم الطبيعة التكوينية لأدمغتنا، ولكن أوضّح ضرورة الانتباه إلى إعادة النظر في علاقتنا بنمط تفكيرنا من ناحية، وكذلك إفراغ الجهد في تقويم أنماط تفكيرنا على الدوام من ناحية أخرى؛ حتى ينعكس أثر ذلك على ما نتبنّاه من أفكار فيما بعد، والتي تُدَوْزِنُ حياتنا بدورها! ولكن ما أحدَثَ خرابا فهو راجع لنمط التفكير في المقام الأول وليس للفكرة المتبنّاة بحدّ ذاتها.

ولمحمد عابد الجابري لفتة مهمة، وهي وإن كانت واردة في سياق التحليل الناظر لاتجاه معين، إلا أنها تتأهّل أنْ تكون ملاحظة عامة في بحثنا حول تموضع نمط التفكير، إذْ يقول: "ليس هذا وحسب ، بل إنّ السيرافي يرفض أن تكون هناك طريقة واحدة لاختبار المعاني والأفكار حتى  يمكن أن يُقال إنّ المنطق كالميزان يُعرف به الصواب من الخطأ؛ ذلك لأنه: "ليس كل مافي الدنيا يوزَن، بل فيها ما يُوزن، وفيها ما يُكال، وفيها ما يُذْرَع، وفيها ما يُمسح، وفيها ما يُحْزر، وإن كان هكذا في الأجسام المرئية فإنه على ذلك أيضا في المعقولات المقررة" واضح أنّ السيرافي هنا يرفض العقل الكوني، وهو رفض يعكس الاصطدام بين نظامين معرفيين يختلف كلٌ منهما عن الآخر، وإذن المسألة هنا ليست مسألة اختلاف وجهات النظر، بل إنّ المسألة أعمق من ذلك كثيرا، إنها مسألة ما يؤسس النظر ذاته عند كل من السيرافي ومتَّى"(2)  فالجابري هُنا يشير إلى الحلقة الحاكمة السابقة على حلقة الأفكار اللاحقة، وهي المنظومة المؤسِسة إيّاها، وثمّة بَوْن شاسع فيما بينهما، فالأفكار نسل نمط التفكير، وواردٌ جدا أن تكون الأفكار جيدة بما هي تتفق ونمط التفكير الذي أنتجها؛ ولذلك لا يمكن الانتباه لِخَطَلِها؛ لأنّه حين تُراجَع لا يظهر عليها سوى أمارات الرُّجحان، وهكذا فلنقل في الأفكار المرفوضة، ليس لعلة فيها، بل لعلة حاصلة في نمط التفكير الذي رفضها، والسبب كما يتجلّى راجع لنمط التفكير نفسه الذي أنتج خِلفَةً شَوْهاء!

وقد أطلقتُ على محدِّدات نمط التفكير وصف (المغربِلات) في كتابي: مَن اختطف عقلك؟! حيث ذكرت "من الطبيعي جدا أن يكون لكل منّا أدواته التشريحية التي يغربل بها الأفكار، ومع ذلك فلا تتوقع مني أنْ أسرد عليك قائمة من تلك الأدوات، وإنّما غاية ما أصبو إليه في هذا الموضع هو أنْ تدرك ضرورة أن تُولي العناية الكبرى بغربلة مغربِلات الفكرة - بشكل دوري - أكثر من غربلة الأفكار نفسها! إذْ إنّ أيّ عطل يصيب تلك المغربِلات من شأنه أنْ يؤدي بك إلى نتائج مشوّهة، ففي كثير من الأحيان نكون ماهرين في كيفية توظيف تلك المغربِلات، وهذا وحده لا يكفي إن لم تكن تلك المغربِلات صالحة للاستعمال العقلي أساسا".(3)

على أنّه يمكن أن تكون إحدى الأفكار الكبيرة بمثابة مُعايِر من مُعايِرات نمط التفكير، فتكون هذه الفكرة مرشَّحا نختبر بها الأخريات من الأفكار الصغرى، وأشير إلى هذه الدقيقة المهمة في كتابي مَنْ اختطفَ عقلك؟!: "وعليه؛ ففي كثير من الأحيان لا تكمن المشكلة في أدلة فكرة ما، وإنما في فكرة كبرى تمسك بعنان رقعة كبيرة من أفكارك وتوجّه بوصلتها!" (4)

ومما يُؤسَف له أنك واجدٌ عينات من المجتمع يتمحور نمط تفكيرها الذي تُعاير به الأفكار الواردة إليها، حول معايير هزيلة كمعيار الأغلبية، أو القاسم المشترك بين الأديان، أو الحاجة أو ما ينص عليه كتاب محدد أو أساطير الحضارات أو النفعية أو العاطفة الجمعية أو العنصرية لعِرق أو مذهب أو ما يفتي به رجل دين ما أو حتى مجرّد الإحساس بالارتياح أو الاحتمال بسبب ماضٍ مماثل، إلى قائمة لا تنتهي من المعايير التي لربما لا نكترث لها لكنها تسيّر نظرتنا في تقبّل الأفكار من عدمه بطريقة ما.

لَمْلَمَةً لِما بيَّناه، فإنّ تصوّراتنا تنهض سياقا عاما تنتظم فيه مفردات حياتنا بناسها وأحداثها وأشيائها، فلا نتعاطى معها إلا من خلال منظورها، وتتغوّل خطورتها حين تكون متقادمة أو معجونة بمشاعر مكثفة من الحزن أو الخوف وغيره، حيث تجنَّد اللوزة الدماغية (Amygdala) والحصين (Hippocampus) بالدماغ، ومع خطورة التصورات المسبقة من حيث جعل الحاضر اجترارا للماضي بما هو منتَج مكرَّر لتلك التصورات، فالعصب الحقيقي ليس في التصورات والمفاهيم والآراء التي نعتنقها، بل في نمط التفكير الذي أنتجها وقنّن كيفية اختبارها، فمَن نمطُه قائم على نظرية المعرفة ليس كمن يعتمد موروثه حَكَما مسلّطا على رقاب الأفكار.

إننا - حقا - بحاجة ماسة لغربلة دورية لأفكارنا، خاصة المسلّمة منها، لكننا أحوج ما نكون لإعادة بناء نمط تفكيرنا ليتبنّاه أحد أهم مراكز التحكم بالقرارات بالدماغ (Prefrontal Cortex) القشرة الجبهية الأمامية، ونتدرب على (Metacognition) وهو التفكير في التفكير نفسه بما يشبه المراقِب!

وما إنْ نعيد صياغة نمط التفكير فإنّ التصورات الرديئة التي كانت بحوزة أدمغتنا تنزوي تلقائيا، كما لا تجد التصوّرات المستقبلية غير المتناسقة مع نسختنا المحدَّثة من نمط التفكير الجدّي، أي منفذ للولوج، والتي كان أشباهها يُستقبل بالأحضان فيما مضى، ويصول في أروقة حياتنا ويجول!

***

محمد سيف

.....................

الهوامش:

الدقيقة 15:58 من حوار مع الدكتورة:

https://www.youtube.com/watch?v=YnVeSJTa3qc

هي أستاذة البلاغة في جامعة تونس، وقد تشرفتُ بالدراسة على يديها إبّان درجة الماجستير في جامعة تونس، وهي مؤلفة عدة كتب، من بينها كتاب مهم في بابه: بلاغة الوفرة وبلاغة الندرة.

تكوين العقل العربي، محمد عابد الجابري، ص 257، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة 12، 2014

مَنْ اختطف عقلك؟١، محمد سيف، ص74 ، مؤسسة بيت الغشام، عُمان، الطبعة الأولى، 2019

مَنْ اختطف عقلك؟١، محمد سيف، ص57 ، مؤسسة بيت الغشام، عُمان، الطبعة الأولى، 2019

في سبتمبر (أيلول) الماضي نشر الدكتور فهد الخضيري ملاحظة للطبيب المصري يحيى النجار، يقول فيها إنه شهد سيدة فقيرة بحذاء بلاستيك تدخل عيادته، فيصرف خمس دقائق على فحصها، فتدفع له ما يكسبه زوجها من عمله في أسبوع عمل كامل. ثم يستدرك أن هذا عمل تستحي منه الإنسانية؛ ولهذا قرر جعل فحص الفقير والطفل اليتيم مجانياً. وقد حصدت الرسالة تفاعلاً استثنائياً، من جانب رواد منصة التواصل الاجتماعي «إكس».

قبل هذا، في 26 فبراير (شباط) الماضي، عثر عامل صيانة، بمحض الصدفة، على جثة الممثل الشهير جين هاكمان، الذي توفي بعد أسبوع تقريباً من وفاة زوجته في الغرفة المجاورة. يرجح أن الزوجة توفيت في 11 فبراير وتوفي هاكمان، الممثل الحائز جائزة الأوسكار مرتين، في 17 فبراير. الجيران الذين تحدثوا للصحافيين، قالوا إن الزوجين كانا منعزلَين، نادراً ما يزورهما أحد، رغم أن هاكمان لديه ثلاث بنات من زواج سابق، وبالطبع، الكثير من زملاء وأصدقاء العمل. لكنّ أياً من هؤلاء ومن الجيران، لم يفتقد الزوجين ولم يسأل عنهما طيلة أسبوعين على الأقل.

سيدة على صلة بالزوجين، قالت فيما يشبه رثاء الذات، إن حياة الناس تحولت ركضاً وراء المال. حتى العلاقة مع الأهل والأصدقاء باتت تقاس بالعائد أو الفاقد المالي، وكذا الخدمات البسيطة التي اعتاد الناس تقديمها لبعضهم، تأكيداً للمحبة أو الشفقة. فإذا بلغ الشخص خريف العمر ولم يعد مفيداً تجارياً، فسوف تنتهي حياته الاجتماعية، وسوف ينتقل إلى هامش الحياة، مثل سيارة قديمة تنقل بعد سنين من الاستعمال، إلى حاشية الطريق.

الذي يجمع بين قصة الطبيب النجار وقصة الممثل هاكمان وأمثالها، هو أن الوقت الاجتماعي بات سلعة. أناس كثيرون باتوا يأبون إنفاق وقتهم في أشياء ضرورية جداً لأشخاص آخرين. يمكن أن يكون هؤلاء الآخرون أباً أو أخاً أو صديقاً أو مريضاً فقيراً أو طفلاً، أو أي شخص وضعته الحياة في طريقنا، فهل نحن مستعدون لإبطاء حركتنا، أو حتى التوقف من أجل أن نتعرف إليه أو نساعده أو نعطيه أملاً؟

يعتقد البروفسور مايكل ساندل، وهو فيلسوف أخلاقي معاصر، أن المشكل ليس البخل أو قلة الأدب أو قلة الاكتراث، بل الانزلاق الذي لا نلاحظه بدقة، من شعار «اقتصاد السوق» إلى واقع «مجتمع السوق».

خلال الخمسين عاماً الماضية، بات اقتصاد السوق قريناً للازدهار والرفاهية. بل إن الفيلسوف المعاصر روبرت نوزيك، اعتبره سبيلاً وحيداً لإقامة العدالة في توزيع الثروة والفرص. وبشكل عام، ورغم كل عثرات هذا النموذج، فإن التجربة العملية تؤكد فرضية أنه الآلية الأكثر كفاءةً لتنظيم الإنتاج والتوزيع، والعون الأكبر لتحويل الأفكار محركاً للابتكار والثروة.

معظم الناس يدعمون هذه الفكرة. لكن بعضهم أشار دائماً إلى مجال لا يمكن لاقتصاد السوق أن يعالجه بشكل جيد. خذ مثلاً ظاهرة المشردين الذين تعج بهم المدن الكبرى في القارتين الأميركية والأوروبية، الذين يعيشون في الخرائب أو ربما على الرصيف؛ لأنهم لا يملكون سكناً ولا المال اللازم لاستئجار مسكن. وخذ أيضاً رفض المستشفيات الخاصة علاج حالات طارئة لأن المريض ليس مسجلاً في نظام التأمين الصحي، حتى أن بعض الناس تُوفوا في انتظار الموافقات وتأمين الأموال...

يتحول المجتمع سوقاً، وتمسي الحياة الاجتماعية امتداداً للسوق، إذا بات كل شيء يُشترى بالمال، بما فيه الصداقة، والمحبة، والتعاطف، والوقت الاجتماعي، والكرامة، والفرح، والحزن، والألم والسعادة. قد يبدو هذا الكلام مبالغاً نوعاً ما. ولحسن الحظ فما زال المجتمع العربي بعيداً عن هذه الحالة. لكن انظر لما تنشره الصحافة ومنصات التواصل الاجتماعي، من أمثلة شبيهة لما ذكرته في السطور السابقة، ثم اسأل نفسك عن مصدر هذه الحالات وأسبابها... ستجد الجواب واضحاً تماماً.

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

 

عن اقتصاد الانتباه وسرقة الحاضر

1. حين يصبح الوعي مادةً للاقتصاد

نحن لا نحيا كما نظن. نفتح أعيننا كل صباح، لكننا لا نستيقظ فعلاً؛ نتحرّك، نعمل، نتفاعل، لكن وعينا يظلّ غائباً في مكانٍ آخر — معلّقاً بين ماضٍ ينهشنا بالذكريات، ومستقبلٍ يُغرينا بالأوهام. الحياة تمضي، نعم، لكنها تمضي من دوننا.

لقد دخلنا زمناً لم يعد يُقاس فيه الوجود بالحضور، بل بكمية الانتباه المسروقة. زمنٌ تسرق فيه الشركات الكبرى أكثر ما نملك ندرةً: وعينا. تجعل من لحظاتنا القصيرة سلعةً في مزادٍ رقميّ، تُباع لمن يدفع أكثر.

كل تمريرةٍ على الشاشة هي عملية مقايضةٍ غير معلنة بين لحظةٍ من حياتنا وقطعةٍ من خوارزميةٍ لا نعرف وجهها.

إننا نعيش، كما يقول الفيلسوف الألماني بيونغ تشول هان، داخل «مجتمع الإرهاق»؛

مجتمعٍ يُغري الإنسان بأن يكون متصلاً دوماً، متفاعلاً دوماً، منتجاً دوماً — حتى يصبح منهكاً، لا من العمل فقط، بل من الوجود ذاته.

الصدمة الكبرى ليست أن التكنولوجيا غيّرت العالم، بل أنها غيّرت وعينا بالعالم. صرنا نعيش في حضورٍ مزيف، وعيٍ مشظّى، حيث كل شيء يطالب بانتباهنا، ولا شيء يمنحنا أنفسنا.

في هذا المقال، نحاول أن نفتح أعيننا على تلك الحقيقة الموجعة:

أننا غائبون عن حياتنا معظم الوقت، وأن أثمن ما نحتاج إلى استعادته ليس وقتنا، بل قدرتنا على أن نحيا بوعيٍّ داخل اللحظة

لم يعد النفط ولا الذهب ولا المعلومات وحدها ما يحرّك اقتصاد العصر، بل تلك الطاقة الخفية التي تُوجّه وعينا: إلى أين ننظر؟ فيم نفكر؟ ماذا نتابع؟ ومن نصغي إليه؟

يصف الاقتصادي الأمريكي هربرت سايمون (Herbert A. Simon) منذ سبعينيات القرن الماضي هذا التحوّل بقوله: «وفرة المعلومات تُنتج فقراً في الانتباه». واليوم نعيش ذروة نبوءته.

شركات التكنولوجيا العملاقة من “ميتا” إلى “تيك توك”، لم تعد تبيع منتجاتٍ، بل تشتري وعينا نفسه. تبيع المعلنين كل ثانية من حضورنا الذهني، وتحوّل انتباهنا إلى بياناتٍ قابلة للقياس والمضاربة.

هكذا ظهر ما يسميه المفكر الألماني بيونغ تشول هان (Byung-Chul Han) في كتابه «مجتمع الإرهاق» (The Burnout Society) بـ”الاقتصاد العصبي”: حيث يصبح الذهن ميدان الإنتاج، والتعب النفسي أحد أشكال الاستغلال.

فالمنصات لا تطلب منك مالاً، بل وقتاً، وحين تمنحها وقتك، تمنحها شيئاً أثمن: ذاتك.

نحن لا ندرك أن “المنصة المجانية” ليست مجانية حقاً؛ إنها تستهلكنا في كل تمريرة، كل إشعار، كل لحظة انتظار صغيرة نحاول فيها الهروب من الصمت. والنتيجة؟ أننا نحيا حياتنا غائبين عنها، نعيش في تيارٍ دائم من التشتت، بينما يُعاد تشكيل وعينا ببطءٍ وفق مصالح من لا نعرفهم.

2. بين الماضي والمستقبل: المسرح الوهمي لسرقة اللحظة

سرقة الانتباه لا تحدث فقط على مستوى الخوارزميات؛ إنها تحدث في داخلنا أيضاً.

نحن أسرى وهم الزمنين: الماضي الذي نُعيد تمثيله في صورٍ وذكرياتٍ مُجمّلة، والمستقبل الذي نلهث وراءه كفكرة خلاص مؤجل.

الماضي يسرقنا حين نغرق في الحنين. والمستقبل يسرقنا حين نؤجل الحياة حتى تتحقق شروطها. وبينهما، يختفي “الآن” ، تلك اللحظة الوحيدة التي يمكن أن تُعاش فعلاً.

تُشير أبحاث علم النفس المعاصر إلى أن أكثر من 46% من الوقت الذي نقضيه في اليقظة، يكون فيه الذهن شارداً بين الماضي والمستقبل (Killingsworth & Gilbert, Science, 2010).

أي أننا فعلياً نغيب عن حياتنا نصف الوقت، حتى ونحن نتحرك ونتحدث وننجز.

ولعل أخطر ما في اقتصاد الانتباه أنه لا يسرق وقتنا فحسب، بل ينزع منا ملكية تجربتنا الحاضرة.

إنه يدفعنا لأن نحيا من أجل التوثيق، لا من أجل المعايشة؛ من أجل المشاركة، لا من أجل الفهم.

نلتقط اللحظة بالكاميرا، لكننا لا نراها بالعين. نشارك الفرح، لكننا لا نحسّه إلا بعد أن يُعلّق عليه الآخرون.

وهكذا يتحول الحاضر — أغلى ما نملك — إلى معبرٍ سريعٍ نحو لا شيء.

3. استعادة الحضور: من الاقتصاد إلى التأمل

في مواجهة هذا الطوفان، لا تكفي المقاومة التقنية، بل يلزم تحوّل في الوعي.

يقول الباحث الأمريكي تريستان هاريس (Tristan Harris)، مؤسس “مركز التقنية الإنسانية”، إن “معركة المستقبل هي معركة من يملك انتباه الإنسان”.

وحين نُدرك ذلك، تصبح كل لحظة انتباهٍ نختارها بحرية، فعلاً من أفعال التحرّر.

استعادة الانتباه تبدأ بإعادة توزيع طاقتنا الذهنية على ما يستحق.

أن نعيد الاعتبار للصمت، للمحادثات البطيئة، للقراءة العميقة، للمشي بلا هدفٍ في شارعٍ مفتوح على المعنى.

أن نمنح العالم حضوراً بلا وسائط.

أن نرى الوجوه قبل الصور، والأصوات قبل المقاطع، والنصوص قبل الإشعارات.

إنّ “الانتباه” في جوهره ليس مجرد تركيزٍ ذهني، بل شكلٌ من أشكال الوعي الوجودي.

هو أن تقول للحظة: “أنا هنا.”

أن تستعيد حقك في أن تكون كائناً حاضراً، لا رقماً في نظام استهلاكٍ ذهني جماعي.

الخلاصة: احتفاءٌ بالوجود البسيط

الصدمة الأولى إذن ليست في التكنولوجيا ذاتها، بل في تواطئنا الصامت مع غيابنا.

لقد سلّمنا أرواحنا لمنصاتٍ تقيس نبضنا، لكن لا تشعر به.

غير أن الإنسان، منذ وُجد، امتلك ما لا يمكن أن تشتريه أي خوارزمية: قدرته على الوعي، وعلى التأمل، وعلى اختيار أن يعيش الآن.

ربما لا نقدر على كبح موجة العالم، لكننا نستطيع أن نقف بثباتٍ على شاطئه.

أن نغلق الهاتف ونفتح النافذة.

أن نصغي إلى صوت الحياة وهي تمرّ ببطءٍ كما يجب أن تمرّ.

وحين نفعل ذلك، حين نستعيد وعينا من اقتصاد الانتباه، نكتشف أن أجمل ما في الحياة لم يكن أبداً في “المستقبل”، بل في تلك اللحظة الصغيرة، الصافية، التي انتبهنا فيها لأننا أحياء

***

يونس الديدي - كاتب مغربي متخصص في الشؤون السياسية والاجتماعية

دلالة القمر في القرآن والدعاء

تُبرز النصوص القرآنية والدعائية في مدرسة أهل البيت عليهم السلام مفهوم الوحدة الكونية كإحدى تجليات التوحيد في النظام الوجودي، ومن أبرز مظاهرها وحدة القمر في علاقته بالإنسان والزمن. فقد جاء في دعاء السمات: "سبحان الذي جعل في السماء بروجًا وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا، سبحان الذي جعله للناس مرأً واحدًا"(1)، وهي إشارة دقيقة إلى أن القمر آية واحدة يشترك في رؤيتها جميع البشر، لا يختص بها مكان دون آخر. وهذا المفهوم يلتقي مع قوله تعالى:}وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا{ (نوح: 16)،

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) (البقرة: 189).

تُظهر هذه النصوص أن القمر مظهر من مظاهر الوحدة الإلهية في الكون؛ إذ جعله الله تعالى آية جامعة للبشر كلّهم، "مرأً واحدًا" من حيث الخلق والتكوين، بحيث يتساوى الناس في النظر إليه، وإن اختلفت أزمان طلوعه وغروبه باختلاف مواقعهم. فالاختلاف هنا ليس في ذات الآية، بل في موقع الإنسان من الآية، أي في زاوية إدراكه للحقيقة الواحدة.

ومن هذا المنطلق، يظهر أن القول الفقهي بتعدّد الأفق في رؤية الهلال يمثل تعبيرًا تشريعيًا عن نسبية الإدراك البشري للظواهر الكونية، لا عن تعدّد في أصل الظاهرة نفسها. فالوحدة الكونية لا تُنكر، ولكن الشريعة تُناط بالرؤية الحسية التي تُدرَك من موضع الإنسان المحدود.

يقول الإمام الخميني: "إذا رؤي الهلال في بلدٍ، ولم يُرَ في بلدٍ آخر، فإن كان البلدان متقاربين في الأفق كفى في ثبوته، وإلا فلا"(2)، وهذا يعبّر عن ربط التكليف بمقدار ما يُشاهده الإنسان لا بما هو في علم الله الكوني.

وبذلك يمكن القول إن بين النص الدعائي "جعله للناس مرأً واحدًا" والنص الفقهي القائل بتعدّد الأفق توازنًا لا تعارضًا؛ فالأول يعبّر عن وحدة الخلق الإلهي، والثاني يعبّر عن نسبية الفهم البشري، وهو ما يعبّر عن أحد أوجه جدلية الوحدة والتعدّد التي تشكل محورًا في جدلية الدين والسلطة: حيث يعبّر الدين عن الوحدة الأصلية، فيما تعبّر السلطة (أو الفتوى) عن التطبيق المحلي المتعدد(3).

وبهذا يتجلّى القمر في انتظامه ووحدته شاهدًا على أن التنوّع في الرؤية لا ينقض وحدة الخلق، بل يعبّر عن محدودية الإدراك الإنساني أمام الكمال الإلهي. ومن ثمّ فإن اختلاف الأفق ليس اختلافًا في الحقيقة، بل تباينٌ في زاوية النظر إلى النور الواحد.

***

م. م: سُميِّة إبراهيم الجنابيَّ.

دكتوراه علوم إسلامية/ جامعة بابل

........................

([1]) دعاء السمات، من أدعية أهل البيت عليهم السلام، مروية في كتب الأدعية كـمفاتيح الجنان. للشيخ عباس القمي، (نقلاً عن أهل البيت عليهم السلام)، منشورات دار التعارف للمطبوعات، قم، الطبعة المعتمدة، 1423هـ، 557.

(2) روح الله الموسوي الخميني، تحرير الوسيلة، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، قم، الطبعة الثانية، 1415هـ، 1/271–272.

(3) ينظر: محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، تحقيق: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، الطبعة الرابعة، 1407هـ، 4/ 78. ومحمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الطبعة الخامسة، 1417هـ، 2/ 47.

 

في المثقف اليوم