قراءة نقدية في رواية "أتينيوس ڤالس.. النهاية والبداية" للمبدع سمير لوبه
تسعى هذه القراءة إلى استكشاف تجليات شعرية الذاكرة وأركيولوجيا المكان في رواية «أتينيوس ڤالس: النهاية والبداية» للروائي سمير لوبه. وتنطلق من فرضية مؤداها أن المكان في الرواية يتجاوز كونه حيزًا جغرافيًا محايدًا، ليصبح فاعلًا سرديًا ووعاءً للذاكرة الثقافية، إذ يعيد النص تشكيل مدينة الإسكندرية خلال الفترة الممتدة من عام 1956 إلى عام 1967.
وتعتمد القراءة مقاربة نقدية تجمع بين مفاهيم النقد الجغرافي ودراسات الذاكرة الثقافية، للكشف عن كيفية تقاطع المصائر الفردية مع التحولات الاجتماعية والسياسية الكبرى. وتخلص إلى أن الرواية تتخذ من اليوميات والرسائل والفضاءات المكانية أرشيفًا مضادًا للنسيان، وتحول الفقد والغياب إلى أثر جمالي يقاوم المحو.
لم تعد الرواية العربية الحديثة تستعيد التاريخ بوصفه سلسلة خطية من الوقائع المنقضية فحسب، بل أضحت تعيد بناءه من داخل التجربة الإنسانية المعيشة، حيث تختلط الأحداث العامة بالذاكرة الفردية، وتتجاور أصوات المدن مع هواجس ساكنيها. وفي هذا السياق تتحول الأمكنة والأشياء إلى مستودعات تحفظ ما تعجز الوثائق الرسمية عن تدوينه.
ومن بين المدن التي اكتسبت حضورًا استثنائيًا في المتخيل الروائي العربي تبرز الإسكندرية، لا بوصفها حيزًا جغرافيًا مجردًا، بل باعتبارها نصًا ثقافيًا متعدد الطبقات، تعاقبت عليه اللغات والجماعات والأنماط المعمارية والتحولات الاجتماعية والسياسية. ولذلك تصبح الكتابة عنها ضربًا من التنقيب الأركيولوجي في آثار مدينة ما زالت ماثلة في الجغرافيا، في حين انحسرت بعض صورها الكوزموبوليتانية داخل الذاكرة.
في هذا الإطار تأتي رواية «أتينيوس ڤالس: النهاية والبداية» للروائي سمير لوبه، الصادرة عن دار إضاءات للنشر والتوزيع سنة 2025، لتعيد تمثيل الإسكندرية خلال حقبة مفصلية تمتد من عام 1956 إلى هزيمة يونيو 1967. ولا تقدم الرواية هذه المرحلة من خلال التأريخ المباشر، بل تستعيدها سرديًا عبر قصة حب تتداخل فيها العاطفة بالسياسة، والموسيقى بصخب التاريخ، والذاكرة الفردية بمصير المدينة.
عتبات النص: مفاتيح الدخول إلى عالم الرواية
يجمع العنوان الرئيس «أتينيوس ڤالس» بين المكان والموسيقى. فأتينيوس هو المقهى الذي يشهد لقاء بطلي الرواية، سهير وأحمد، ويحتفظ بآثار علاقتهما، بينما يحيل الڤالس إلى رقصة دائرية تقوم على الاقتراب والابتعاد والعودة.
ويختزل العنوان البنية السردية للعمل؛ إذ يتمحور الزمن حول مكان ثابت تدور في فلكه الشخصيات، بينما تتحرك العلاقة العاطفية بإيقاع دائري يشبه حركة الڤالس. وينعكس هذا الإيقاع على البناء الزمني، إذ ينطلق السرد من ديسمبر 1967، ثم يرتد إلى ديسمبر 1956، قبل أن يتقدم حتى يلتحق بلحظة البداية.
أما العنوان الفرعي «النهاية والبداية» فيقلب الترتيب المألوف لعبارة «البداية والنهاية». ولا يمثل هذا القلب مجرد انزياح لغوي، بل يشكل إعلانًا مبكرًا عن طبيعة السرد؛ فالرواية تنطلق من لحظة الانكسار والخسارة، ثم تعود إلى نشأة الحكاية، مؤسسةً لقانون فكري مؤداه أن النهاية في الواقع المادي يمكن أن تكون بداية لحياة جديدة داخل الذاكرة.
ويحمل العنوان الفرعي عددًا من المستويات الدلالية؛ فهو يشير إلى نهاية اللقاء وبداية التذكر، ونهاية العالم السكندري القديم وبداية أرشفته، ونهاية الحضور الجسدي للأب وبداية تحوله إلى وصية، ونهاية الحب في الواقع وبداية وجوده داخل الحكاية.
ويتعزز هذا الميثاق الجمالي في إهداء الرواية:
"إلى الإسكندرية.. المدينة التي خبأتني بين ضلوعها وعلمتني كيف أكتب الألم دون أن أصرخ"
يؤسس الإهداء لخطاب يقوم على تحويل الألم إلى كتابة وصمت دال، ويجعل من الصمت شكلًا من أشكال التعبير والمقاومة. فشخصيات الرواية لا تعلن أوجاعها دائمًا بالكلام المباشر، بل تكتبها في الرسائل والدفاتر، أو تعزفها على البيانو والكمان، أو تنقلها بالنظرات والصمت
أركيولوجيا المكان: الإسكندرية وأتينيوس
لا تتخذ الرواية من الإسكندرية خلفية محايدة للأحداث، بل تقدمها كشخصية سردية تتنفس وتشيخ وتحزن وتتفاعل مع مصائر أبنائها. وتكشف كثرة أسماء الشوارع والأحياء، مثل محطة الرمل وشارع فؤاد والنبي دانيال والأزاريطة والمنشية والعطارين ومحرم بك وكوم الدكة وبحري والشاطبي وأبي قير، عن رغبة واضحة في أرشفة المدينة واستعادة خرائطها الثقافية والاجتماعية.
وتعكس هذه الجغرافيا عوالم متجاورة ومتناقضة: عالم المقاهي والموسيقى والقراءة من ناحية، وعالم السجون والمحاكم وغرف التحقيق من ناحية أخرى. ومع ذلك تظل صورة الإسكندرية محكومة بمنظور شخصيات تنتمي وجدانيًا إلى عالم كوزموبوليتاني آخذ في الأفول، وهو ما يضفي على السرد حنينًا انتقائيًا يعيد تشكيل المكان من منظور الفقد.
وهذه الصورة ليست وثيقة اجتماعية شاملة عن الإسكندرية القديمة، بقدر ما هي ذاكرة منتقاة تستعيد ما فقدته الشخصيات من مظاهر التعدد والتعايش والموسيقى والجمال المعماري. ومن ثم تكون المدينة المفقودة هي الصيغة الثقافية والإنسانية السابقة للمكان، لا المكان الجغرافي ذاته.
وفي قلب هذا الفضاء يبرز مقهى أتينيوس مركزًا للجاذبية السردية. يبدأ المقهى فضاءً للقاء الثقافي والعاطفي، حيث تقرأ سهير رواية لبيرل باك ويحمل أحمد نوتة موسيقية غير مكتملة، ثم يتحول تدريجيًا إلى موضع للانتظار والغياب والحداد.
ويقترب المقهى بذلك من مفهوم أماكن الذاكرة؛ إذ يحتفظ بآثار الغائبين من خلال الطاولات والجدران والنوافذ والأشياء. وتختزل الطاولة رقم ثلاثة هذه الوظيفة، فهي تظل ثابتة في مكانها بينما تعصف التحولات بالشخصيات.
تجلس إليها سهير في بداية الحكاية فتاة حالمة، ثم تعود إليها امرأة مثقلة بالفقد. ويجلس إليها أحمد موسيقيًا شابًا قبل أن يتحول إلى ناشط سياسي ومطارد. ومن ثم يتحول الكرسي الخالي المقابل لسهير إلى حضور طيفي لأحمد، وإلى علامة على أن الغياب لا يعني المحو.
ولا يمنح النص الرقم ثلاثة دلالة صريحة، لذلك لا ينبغي فرض معنى عددي قاطع عليه. ومع ذلك يمكن ربطه تأويليًا بثلاثيات الرواية الكبرى: سهير وأحمد والإسكندرية، أو الحب والمكان والذاكرة، أو الماضي والحاضر والمستقبل.
جدلية الفضاء المفتوح والمغلق
يرتكز المعمار المكاني في الرواية على تقابل بين فضاءات الانفتاح وفضاءات القمع. تنتمي إلى الأولى أماكن مثل أتينيوس والبحر والكورنيش والشرفات والنوافذ والترام والشوارع والمكتبات. أما الثانية فتشمل سجن الحضرة وسجن القلعة وطرة والزنزانة الانفرادية وغرف التحقيق والبدروم السري وطاحونة المندرة.
ويولد هذا التقابل ثنائية الحرية والاختناق؛ فالبحر فضاء مفتوح ومتجدد، بينما الزنزانة فضاء مغلق وراكد. ويجمع المقهى الأصوات والوجوه، في حين يعزل السجن الأجساد ويقيد الكلام.
ومع تصاعد الأحداث تتسع الرقابة، حتى تتحول المدينة نفسها إلى سجن كبير. لا يعود القمع محصورًا داخل المؤسسة العقابية، بل يتسرب إلى البيوت والمقاهي والصحف واللغة والعلاقات الإنسانية. ويصبح الخوف حاضرًا في الرسائل والنظرات والأحاديث اليومية، كما لو أن الزنزانة خرجت من السجن وانتشرت في المدينة.
ويمثل البحر النقيض الرمزي للسجن كأفق مفتوح يحاكي إيقاع الڤالس في تقدمه وتراجعه. فالموجة تتقدم ثم تنسحب، مثل علاقة سهير وأحمد التي تتأرجح بين الاقتراب والابتعاد، واللقاء والفراق.
غير أن البحر لا ينقذ الشخصيات، بل يظل شاهدًا عاجزًا على مأساتها، يحفظ صداها من غير أن يستطيع تغيير مصيرها.
البنية الزمنية وشعرية الاسترجاع
ينتظم السرد في دائرة زمنية تبدأ من ديسمبر 1967، ثم ترتد إلى ديسمبر 1956، قبل أن تتقدم حتى تتصل بلحظة البداية. وتؤدي تقنية الاسترجاع السردي وظيفتين متكاملتين: تفسير خسارات الحاضر، وتحويل الحكاية إلى فعل تذكر نشط.
فالرواية لا تقدم الماضي كما وقع تمامًا، بل كما تستعيده ذاكرة مجروحة تحاول إعادة ترتيب شظاياه. وتبرز الرواية التفاوت بين الزمن التاريخي والزمن النفسي؛ فقد تمر السنوات في بضعة أسطر، بينما تتمدد لحظة انتظار أمام طاولة مقهى، أو قراءة رسالة، أو لمس قلم الأب، لتشغل مساحة سردية واسعة.
وتؤكد هذه التقنية أن الذاكرة ليست خزانة محايدة تسجل الوقائع كما حدثت، بل عملية انتقاء وتأويل وإعادة بناء. فسهير لا تستعيد أحمد وحده، بل تستعيد صورتها القديمة وهي تحبه، وتستعيد معها مدينة كانت قادرة على احتضان ذلك الحب.
ومن هنا لا تصبح العودة إلى الماضي هروبًا من الحاضر، بل محاولة لفهمه والكشف عن جذور خساراته.
التحولات النفسية والدلالية للشخصيات
تمثل شخصيات سهير وأحمد وفهمي ويني ديميتريادس ونجلاء علوبة ركائز البناء الدرامي والرمزي في الرواية. وتتجاوز كل شخصية إطارها الفردي لتعبر عن جانب من تحولات الإسكندرية ومآسيها خلال حقبة تاريخية قلقة.
سهير سليم: من هشاشة الحلم إلى حراسة الذاكرة
لا تقدم الرواية سهير بوصفها حبيبة تنتظر بطلها فحسب، بل باعتبارها شخصية ديناميكية تخوض رحلة قاسية من النضج والتحول.
تبدأ سهير فتاة مثقفة تنتمي إلى أسرة ميسورة، تعيش في عالم من الأدب والموسيقى؛ تقرأ لبيرل باك، وتعزف البيانو، وتكتب مشاعرها في دفترها الأزرق الداكن. وترى في أحمد فنانًا رقيقًا يشبه أحلامها، وتكتفي في بداية العلاقة بتبادل النظرات والصمت معه في أتينيوس.
وتنقلب حياتها مع اعتقال والدها فهمي سليم، فتخرج من عزلتها العاطفية لتواجه قسوة السلطة. ويتجلى ذلك في استجوابها على يد صفوت العسيلي، الذي ينتهك خصوصيتها ويتخذ من حياتها العاطفية وسيلة للضغط عليها.
ويبدأ تحول سهير النفسي والسياسي قبل أزمة نجلاء علوبة. فعندما تقف أمام المرآة وتقص شعرها، لا يأتي هذا الفعل استجابة لغيرة عاطفية أو اكتشاف خيانة، بل يعبر عن رغبتها في التخلص من صورة الفتاة الحالمة الضعيفة، وإعلان ميلاد امرأة أكثر صلابة وقدرة على المواجهة.
ويمثل قص الشعر فعلًا رمزيًا يفصل بين مرحلتين من حياتها: مرحلة انتظار الخلاص من الخارج، ومرحلة الاستعداد للمشاركة في صناعة مصيرها. فهي لا تغير مظهرها بقدر ما تعمل على إعادة تشكيل هويتها.
ثم تتعرض سهير لخيبة عاطفية عندما تتلقى رسالة مجهولة تشير إلى اقتراب أحمد من نجلاء علوبة. غير أن وعيها لا يتوقف عند حدود الغيرة، بل يبدأ في مراجعة الصورة المثالية التي صنعتها لأحمد. وتراه إنسانًا ضعيفًا ومتناقضًا، لا بطلًا مكتملًا.
وبعد وفاة الأب وتوالي الخسارات تتحول سهير إلى حارسة للذاكرة. تتلقى رسائل أبيها، وتحفظ قلمه ووصاياه، وتكتب كي تقاوم النسيان. وعندما تعود إلى أتينيوس لا تعود لتنتظر جسد أحمد فقط، بل لتحفظ أثره وأثر أبيها ويني ديميتريادس وثريا والمدينة القديمة.
قوة سهير لا تتمثل في غياب الخوف، بل في قدرتها على تحويله إلى كتابة وشهادة وذاكرة.
أحمد الشيمي: تراجيديا المثقف
يجسد أحمد الصدام بين الفن والواقع السياسي. يظهر في البداية شابًا حالمًا يحمل نوتة موسيقية غير مكتملة، يعيش في عالم الفن، ويعبر عن مشاعره بالموسيقى أكثر مما يعبر عنها بالكلمات.
ولا يسمي أحمد النوتة «قبل أن تُكتب»، بل تقترح سهير هذه التسمية خلال لقائهما الأول في أتينيوس. وتكتسب هذه التفاصيل أهميتها من أن الاسم يولد من اللقاء بينهما، ويصبح تعبيرًا مبكرًا عن علاقة لم تكتب فصولها كاملة بعد.
فالنوتة، مثل الحب، تبدأ احتمالًا مفتوحًا. ويستبق عدم اكتمالها عدم اكتمال العلاقة بين سهير وأحمد، كما تستبق النهاية المفتوحة التي تظل فيها الحكاية قابلة للاستمرار داخل الذاكرة.
ومع إغلاق متجر والده وملاحقة أصدقائه واعتقالهم، يدرك أحمد أن الموسيقى وحدها لا تحمي الأبرياء. فينخرط في العمل السياسي السري، ويتخذ الاسم الحركي «رمزي فؤاد»، ويبدأ كتابة المنشورات المعارضة.
ويحمل الانتقال من الاسم الحقيقي إلى الاسم الحركي دلالة على انقسام الهوية. فأحمد الموسيقي والحبيب لا يختفي تمامًا، لكنه يتراجع خلف رمزي فؤاد، السياسي المطارد الذي يتعامل مع عالم لا يعترف بالموسيقى ولا يمنح الحب مساحة آمنة.
وكلما تعمق أحمد في العمل السري ابتعد عن سهير. ويجد نفسه في لحظة خوف ووحدة قريبًا من نجلاء علوبة داخل البدروم. غير أن ما يجري بينهما لا يمثل علاقة عاطفية مكتملة، بل لحظة ضعف واحتياج إلى الاحتواء الإنساني وسط الخوف والمطاردة.
تطلب نجلاء حضنًا، فيحتويها أحمد في لحظة ينهار فيها الحاجز بين المناضل والإنسان. وتكشف هذه اللحظة ضعفه البشري، كما تكسر صورته المثالية في وعي سهير، لكنها لا تجعل من نجلاء بديلًا عاطفيًا مكتملًا.
وتبلغ مأساة أحمد ذروتها في مطاردته والقبض عليه عند طاحونة المندرة، ثم اقتياده إلى سجن القلعة وتعذيبه. وهكذا يتحول من حامل نوتة موسيقية إلى حامل منشور سياسي، ومن فنان يحاول تأليف ڤالس إلى مطارد يحاول حماية صوته من المصادرة.
إنه ضحية وعيه؛ فقد غادر عزلته الجمالية دفاعًا عن المدينة، لكن المدينة المضطربة ابتلعته وصادرت موسيقاه وحبه معًا.
ولا تقدمه الرواية بطلًا مثاليًا؛ فهو شجاع وضعيف، محب وغائب، وفيّ في تصوراته لكنه مؤلم في أفعاله. ومن هنا تتجسد مأساته بوصفها مأساة المثقف الرومانسي الذي يكتشف أن الفن وحده لا يوقف القمع، ثم يكتشف أن السياسة قد تصادر الفن والحب معًا.
فهمي سليم: الضمير القانوني ورمزية الثبات
لا يقدم فهمي سليم باعتباره أبًا تقليديًا معارضًا لحب ابنته، بل باعتباره تجسيدًا للمنظومة الأخلاقية والقانونية التي أخذت تنهار.
فهو محامٍ مرموق، يخشى على سهير من هشاشة أحمد، لا بسبب تعصب طبقي مباشر، بل لأنه يرى أن المرحلة القادمة تتطلب صلابة وقدرة على مواجهة التقلبات. ولا يرفض الحب في ذاته، لكنه يخشى أن يعجز الحالمون عن حماية من يحبون.
ومع اعتقاله يتحول فهمي من شخصية ذات حضور اجتماعي إلى رمز أخلاقي. وتصبح رسائله المهربة وصايا تمنح سهير القوة، بينما يتحول قلمه إلى ميراث معنوي ينقل مسؤولية الدفاع عن الحقيقة من الأب إلى الابنة.
أما لحظة انكساره في مستشفى السجن فتأتي عندما يسمع بخبر موت علي السقا البتانوني، السجان الذي ساعده في إيصال رسالة إلى سهير. ويمنح هذا المشهد الشخصية عمقًا إنسانيًا؛ إذ لا يتألم فهمي من أجل مصيره وحده، بل من أجل رجل دفع حياته ثمنًا لفعل أخلاقي.
ويمثل موت فهمي، على المستوى الرمزي، موت العدالة في زمن تحولت فيه القوانين إلى أدوات في يد السلطة. غير أن صوته لا ينتهي بموته، بل يستمر في الرسائل والقلم وذاكرة ابنته.
يني ديميتريادس: مرثية الإسكندرية الكوزموبوليتانية
يمثل يني ديميتريادس، عازف الكمان اليوناني في أتينيوس، البعد الثقافي والأركيولوجي للمدينة. فهو المراقب الذي يسجل أحزان الإسكندرية في مذكراته، ويعبر بعزفه عما تعجز الشخصيات عن قوله.
ويصبح كمانه لغة موازية للسرد. فهو يعزف الحب حين يلتقي أحمد وسهير، ويعزف الفقد حين تتراجع المدينة، ويصمت عندما يصبح الواقع أقسى من الموسيقى.
ويعيش يني ديميتريادس مثقلًا بفقد زوجته إيلينا وابنته كيتي، وتتطابق وحدته الشخصية مع وحدة المدينة التي يأخذ أبناؤها من الجاليات المختلفة في الرحيل عنها.
ومع تغير ملامح الإسكندرية يتراجع عزفه، ويضطر إلى مغادرة شقته في العطارين والانتقال إلى دار العجائز في الشاطبي. ويمثل هذا الانتقال إحالة رمزية لذاكرة المدينة القديمة إلى الهامش، ووضعها داخل غرفة مغلقة لا تطل على البحر.
غير أن يني ديميتريادس لا يترك أدوات ذاكرته وراءه. فعندما يغادر شقته يحمل معه ألبوم الصور والكمان والدفتر الصغير الذي يحتوي على موسيقى لم تكتمل. وفي ليلته الأولى داخل دار العجائز يظل الكمان في حضنه، كأنه طفله الأخير وهويته الباقية.
وتكتسب هذه التفاصيل دلالة مهمة؛ فالكمان ليس شيئًا يتخلى عنه يني ديميتريادس، بل آخر ما يتمسك به من ماضيه وذاته. وقد يُنفى العازف إلى الهامش، لكن ذاكرته تنتقل معه، وتبقى الموسيقى كامنة في الخشب والأصابع والروح.
نجلاء علوبة: بين صرامة القضية وهشاشة الاحتياج الإنساني
تعد نجلاء علوبة من الشخصيات المركبة في الرواية؛ فهي لا تظهر كغريمة عاطفية تقليدية، بل نموذجًا إنسانيًا يكشف الأثر النفسي الذي تتركه السياسة والمطاردة على الأفراد.
نشأت نجلاء في بيئة سياسية قاسية، فهي ابنة حلمي علوبة، أحد المعتقلين السياسيين. وكبرت في بيت حلت فيه المنشورات السرية محل قصص الطفولة، وتعلمت إخفاء الأوراق وآلة الطباعة ومراقبة الشوارع.
ويفرض عليها هذا التكوين نضجًا قسريًا، لكنه لا يلغي احتياجها الإنساني إلى الأمان. ولذلك تعيش تمزقًا بين التزامها السياسي واحتياجها إلى الدفء. إنها تخفي هشاشتها كما تخفي المنشورات، لأن المشاعر في عالم المطاردة تبدو نوعًا من الرفاهية.
وتتأرجح عاطفيًا بين إيهاب نجدي، رفيقها وجارها الذي يمثل المألوف والقريب من تجربتها، وأحمد الذي يمثل دفئًا إنسانيًا مختلفًا. غير أن اقترابها من أحمد لا ينبغي اختزاله في علاقة غرامية مكتملة.
فالمشهد الأساسي بينهما يقوم على طلب نجلاء الاحتواء في لحظة خوف ووحدة، حين تقول إنها تحتاج إلى حضن، فيضمها أحمد. إنه مشهد يكشف هشاشة شخصين أنهكتهما المطاردة، أكثر مما يؤسس لعلاقة عاطفية مستقرة.
وتؤدي نجلاء وظيفة درامية مهمة؛ إذ تكشف المسافة المتزايدة بين أحمد وسهير، وتدفع سهير إلى مراجعة صورة الحبيب. لكنها تظل، في الوقت نفسه، ضحية لزمن يصادر حق الإنسان في حياة عاطفية طبيعية.
ومن ثم لا تقدمها الرواية كخائنة أو شريرة، بل إنسانًا ممزقًا بين القضية والاحتياج العاطفي، يدفع ثمن النضال من استقراره النفسي وحقه في الأمان.
التهجين الفني والأرشيف المضاد
توظف الرواية التهجين الفني من خلال مزج السرد الروائي باليوميات والرسائل والمذكرات والمشهد الحواري والوثيقة الصحفية والمنشور السياسي.
ويعمل هذا التنوع كأرشيف مضاد للرواية الرسمية وللنسيان. فدفتر سهير الأزرق، ومذكرات يني ديميتريادس، ورسائل فهمي وأحمد، تحفظ حقائق فردية متشظية في مواجهة الخطاب السياسي والإعلامي الذي يحاول فرض رواية واحدة للأحداث.
ويحفظ دفتر سهير رسائلها غير المرسلة، ونوتة أحمد، وما تعجز عن البوح به. أما دفتر أحمد فيسجل انتقاله من الموسيقى إلى السياسة، بينما تؤرخ مذكرات يني ديميتريادس لأفول المدينة من موقع الشاهد.
وتحول هذه النصوص الداخلية الرواية إلى مجموعة من الذاكرات المتجاورة. فالحقيقة لا تصدر عن صوت واحد، بل تتشكل من أصوات الحبيبة والمناضل والأب والعازف والخادمة والرفيقة.
وتتحول الأشياء الصغيرة، مثل النوتة الناقصة، والكرسي الخالي، والقلم، والدفتر، والنافذة، وفنجان القهوة البارد، إلى حوامل دلالية تستبقي حضور الغائبين. ولا تبقى هذه الأشياء تفاصيل جامدة، بل تحتفظ بأثر اللمسة والصوت والعادة.
وهكذا ينتقل حضور الشخصيات من الأجساد إلى الأشياء؛ فيستمر فهمي في قلمه ورسائله، ويستمر يني ديميتريادس في الكمان، ويستمر أحمد في النوتة والطاولة والكرسي الخالي، وتستمر ثريا في ذاكرة البيت.
اللغة بين الاستعارة والإيقاع الموسيقي
تتجاوز لغة الرواية وظيفتها التقليدية في نقل الأحداث، لتصبح نسيجًا فنيًا يعكس الحالات النفسية للشخصيات وتحولات المكان.
وتقوم اللغة على كثافة الاستعارة وأنسنة الفضاء؛ فالمدينة تتنفس، والجدران تحزن، والبحر يغضب، والشوارع تشيخ. وتدمج هذه الأنسنة الفضاء السكندري بالحالة النفسية للشخصيات، وتجعل المكان شريكًا في المأساة، لا مسرحًا محايدًا لها.
كما يوظف الروائي سمير لوبة معجمًا موسيقيًا واسعًا، تتكرر فيه مفردات الڤالس واللحن والنوتة والمقام والإيقاع والكمان والبيانو والنشاز والعزف والصمت. ولا يصف هذا المعجم الأحداث فقط، بل يمنح السرد إيقاعًا يتأرجح بين الصخب والهمس، وبين الاقتراب والابتعاد.
وتمزج الرواية بين لغة سردية فصحى ذات نزعة شعرية وحوارات مكتوبة بالعامية المصرية. وتساعد العامية على تمييز أصوات الشخصيات وبيئاتها الاجتماعية، كما تضفي على المشاهد الحوارية حيوية وواقعية تكسر الكثافة الشعرية في مقاطع السرد والوصف.
ويبرز التكرار كإحدى سمات اللغة، ولا سيما تكرار صور البحر الحزين والمدينة الصامتة والموسيقى المكسورة. ويحقق هذا التكرار وحدة نغمية تتفق مع مناخ الشجن والفقد، لكنه يضعف أحيانًا جدة الصورة، وكان يمكن ضغط بعض المقاطع لتجنب الإفراط في الشرح العاطفي.
ومن أبرز سمات الرواية تحويل الصمت إلى أداة تعبير. فالمشاعر تنتقل عبر النظرات، والتوقف عن العزف، والرسائل غير المرسلة، والكراسي الخالية، والأبواب المغلقة. وهكذا يغدو الصمت لغة موازية تنطق بما تعجز الكلمات المباشرة عن حمله.
شبكة الرموز واستمرار الأثر
تقوم الرواية على شبكة من الرموز المتكاملة، تتوزع بين الفن والمكان والقمع.
ينتمي الڤالس والنوتة والكمان والبيانو والدفتر والقلم إلى دائرة الفن والذاكرة. وتؤدي هذه الرموز وظيفة حفظ الصوت وتحويل الفقد إلى أثر.
أما أتينيوس والطاولة رقم ثلاثة والبحر والنافذة والترام والقطار، فتنتمي إلى دائرة المكان والزمن، وتربط الحضور بالغياب، والماضي بالحاضر.
وتنتمي السجون والزنزانة وطاحونة المندرة والباب المغلق والاسم الحركي والمنشور السري إلى دائرة القمع والغياب، وتجسد مصادرة الحرية وانقسام الهوية.
ويعمل الڤالس باعتباره رمزًا وبنية في الوقت نفسه. فحركته الدائرية تقابل البناء الزمني القائم على العودة، وخطواته المتأرجحة تقابل علاقة سهير وأحمد.
أما النوتة المسماة «قبل أن تُكتب» فتستبق عدم اكتمال العلاقة. فالحب يبدأ، لكنه لا يصل إلى صيغة نهائية مستقرة، ويظل قابلًا للاستكمال في الذاكرة، لا في الواقع.
وتمثل النافذة حدًا بين الداخل والخارج؛ ترى سهير المدينة والبحر من خلالها، لكنها تظل منفصلة عنهما بطبقة الزجاج. أما الباب فتتنوع دلالاته: باب أتينيوس يفتح على الذاكرة، وباب البيت يقتحمه رجال الأمن، وباب السجن يصادر الحرية، والباب الموارب في الخاتمة يحفظ الاحتمال.
ويمثل الترام حركة منتظمة مقيدة بالقضبان، مثل الشخصيات التي تبدو متحركة، لكنها تسير داخل مسارات صنعتها السلطة والتاريخ والطبقة. أما القطار فيرتبط بالهروب والملاحقة والعودة.
وتظهر طاحونة المندرة باعتبارها رمزًا للتاريخ القاسي الذي يطحن الإنسان والحلم. والمفارقة أن الطاحونة متوقفة عن أداء وظيفتها القديمة، لكنها تستمر رمزيًا في طحن الأحلام والأجساد من خلال المطاردة والقمع.
النهاية المفتوحة: الغياب الذي لا يمحو الأثر
لا تنشأ النهاية المفتوحة من مجرد حجب مصير أحمد، بل من نظام رمزي يؤجل الاكتمال منذ بداية الرواية.
فالحب يظهر في صورة نوتة ناقصة، ويتحرك وفق ڤالس دائري، ويستقر عند طاولة يظل كرسيها المقابل خاليًا، وينتهي إلى باب موارب. ولذلك تصبح الخاتمة الصيغة الأكثر اتساقًا مع عالم يفضل الأثر على الحسم، ويجعل الغياب قابلًا للاستمرار في الذاكرة.
وتتوزع النهاية على مستويين. يتمثل المستوى الواقعي في موت فهمي وثريا، وانسحاب يني ديميتريادس إلى دار العجائز، وتغير الإسكندرية، وانهيار جزء من عالمها الثقافي القديم، وغياب أحمد من غير حسم نهائي لمصيره.
أما المستوى الرمزي فيتمثل في استمرار فهمي داخل قلمه ورسائله، واستمرار يني ديميتريادس في الكمان والڤالس، واستمرار أحمد داخل النوتة والطاولة والكرسي الخالي، واستمرار ثريا في ذاكرة البيت، واستمرار الإسكندرية القديمة في أتينيوس والبحر وأسماء الشوارع.
ومن ثم يغدو الباب الموارب في الخاتمة مقاومة رمزية لأبواب السجون المغلقة. تستطيع السلطة أن تغلق المكان على الجسد، لكن الذاكرة تعيد فتحه داخل الحكي.
ولا يكون السؤال الجوهري في النهاية: هل عاد أحمد؟ بل يصبح السؤال: هل يستطيع الغياب أن يمحو أثره؟
وتجيب شبكة الرموز بالنفي؛ لأن البحر يعيد موجاته، والڤالس يستأنف دورانه، والدفتر يقبل صفحة جديدة، والنوتة تظل قابلة للاستكمال، والكرسي الخالي يحتفظ بمكان الغائب.
خاتمة
تتجاوز رواية «أتينيوس ڤالس: النهاية والبداية» حدود القصة الرومانسية والتاريخية التقليدية، لتبني سردية عن الذاكرة والمكان وأثر التحولات الاجتماعية والسياسية في مصائر الأفراد. فالمكان المفقود فيها لا يشير إلى موضع زال من الخريطة، بل إلى صيغة ثقافية وإنسانية انحسرت، وبقيت أطيافها حاضرة في المقاهي والبيوت والشوارع والألحان.
في هذا السياق، تتحول سهير إلى حارسة لذاكرة أبيها وحبيبها ومدينتها، ويجسد أحمد مأساة الفنان الذي دفعته التحولات السياسية من النوتة الموسيقية إلى المنشور السري، بينما يمثل فهمي سليم الضمير القانوني في مواجهة سلطة تصادر العدالة، ويجسد يني ديميتريادس ذاكرة الإسكندرية التعددية وهي تنسحب إلى الهامش. أما نجلاء علوبة فتكشف عن الكلفة الإنسانية الخفية للعمل السياسي السري، وما يفرضه الخوف والمطاردة من تمزق بين الالتزام العام والاحتياج العاطفي.
وتنبع قوة الرواية من اتساق شبكتها الرمزية مع منطق عدم الاكتمال؛ فالحب يبدأ بنوتة لم تُكتب، ويتحرك في دائرة تشبه الڤالس، ثم يستقر عند طاولة يظل كرسيها المقابل خاليًا. كما تنجح الرواية في تحويل الأشياء الصغيرة، مثل الفنجان والقلم والدفتر والنافذة والكمان، إلى أوعية للحضور بعد الغياب، فلا تبقى تفاصيل جامدة، بل تصبح علامات تحمل آثار أصحابها وتحميهم من السقوط في النسيان.
ولا يخلو البناء الفني من بعض الملاحظات، أبرزها كثافة الاستعارات، وتكرار صور البحر الحزين والمدينة الصامتة والموسيقى المنكسرة، إلى جانب حاجة بعض الانتقالات بين الأصوات والصيغ السردية إلى مزيد من الوضوح. كذلك تحكم صورة الإسكندرية الكوزموبوليتانية نوستالجيا الشخصيات التي فقدت عالمها القديم، ولذلك تبدو هذه الصورة أقرب إلى ذاكرة منتقاة منها إلى وثيقة اجتماعية شاملة.
ومع ذلك، تقدم الرواية إسهامًا لافتًا في السرد العربي المعاصر المنشغل بذاكرة الإسكندرية؛ لأنها لا تواجه الخسارة بإنكارها، بل بتحويلها إلى أثر قابل للاستعادة. ومن هذا المنظور، لا تمثل النهاية المفتوحة عجزًا عن إغلاق الحبكة، وإنما تبدو ضرورة فنية وفكرية يفرضها عالم الرواية القائم على الدوران والغياب وعدم الاكتمال.
***
د. نجلاء نصير








