عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ترجمات أدبية

آنا سيغرز: المربع

بقلم: آنا سيغرز

ترجمة: د. صالح الرزوق

***

أرسلت ماري فورا، بعد اعتقال والدها، لتعيش في الريف. وبعد عدة شهور، حينما كانت طفلة، ولا تستغني عن يد والدتها، دخلت إلى الشقة، التي أعيد تصميمها، وسقطت عيناها بالحال على المربع. لقد بدلوا كل شيء: طليت ألواح الأرض التالفة والمبعثرة ثانية، أعيد طلاء المكتبات المحطمة والمتهالكة، وتجد الآن فيها صحونا من البورسلان وراء الواجهات الزجاجية اللماعة بدل الكتب، وحل محل سرير والدها طاولة الجدة. واحتلت ساعة الجد البقعة التي وقف فيها والدها آخر مرة.  وهكذا تحول المكان إلى شقة أنيقة وجديدة، باستثناء المربع.  فقد اقتلعوا صورة من الجدار، ووضعوها في الموقد، وتناسوا المربع الأسود الصغير المتبقي على ورق الجدران الباهت حيث كانت بالعادة تعلق صورة ثيلمان*. حالما نظرت ماري إلى البقعة، تذكرت الصورة التي كانت معلقة هناك. وأدركت لماذا تبدل كل شيء. وعلمت أنهم أرادوا استغفالها وخداعها.

تلفتت حولها وانتبهت لكهولة والدتها، وللثوب المصبوغ، وتذكرت موت والدها. وفكرت أيضا بطريقة موته. وأدركت أن أمها جبانة، وأرادت أن تخدع ابنتها، وهذا يجعل الأسئلة عديمة الفائدة. وكي تخبئ ماري وجهها، انحنت وشمت الكيك، وذهبت لتقف بجوار ساعة جدها، ومع أن للكيك مذاق الرمل، ابتلعت المزيد منه، وامتنعت عن المبادرة بالكلام. 

وأسعد أمها لاحقا انتظام ماري بالدوام وتأقلمها مع المدرسة. أنشدت الأناشيد المفروضة. وطرزت ورسمت بالطلاء الصلبان النازية. وفي عيد الميلاد أشعلت كلتاهما الشموع ووضعتاها على شجرة صغيرة، وفي عيد الفصح لونتا البيض. ولكن لم تجد ماري شيئا يغطي المربع الذي تراه أمامها كل يوم. لا المهرجانات، ولا الاستعراضات، لا الموسيقا، ولا وجه أمها، ولا أي وجه بشري آخر. ولا أي شيء على وجه هذه الأرض. هل علق الرجل الميت بطريقة سحرية صورة ملونة ومتلألئة. لا بد أنها لا تقارن بهذا المربع. ومن المربع بدأ احتفال أيار وانطلقت تظاهرة حديقة لاستغارتين، لتقتحم هدوء الغرفة الظاهري، والمغسولة والنظيفة. وفي ذلك اليوم سلمها أبوها إلى ألبريشت، فسمح لها أولا أن تقف على دراجته النارية، ثم على كتفيه. وانطلقت وهي ترفع الراية فوق رؤوس الناس المحتشدين، ثم رافقت مجموعة من الأطفال، وكلهم بارتفاع الأعلام وأمام وجه المتحدث باسم الاحتفال. التمع رأسه الأصلع تحت الشمس. وكانت قبضته تعلو فوق الجدار على فترات منتظمة وقصيرة، وهو يقذف الكلمات كالحجارة. كان والدها ميتا، فقد تلقى الضرب حتى الموت، ولكن ربما لا يزال ألبريشت سالما وآمنا. وعزمت ماري أن تجده أو أن تقابله. وهكذا جلست بين وجهي أمها وجدتها. وكانا بلا ملامح. وحدقت بالمربع الموجود فوق الطاولة الجميلة. وتابعت النظر بهذا المربع الذي يشبه حفرة في الجدار.

1934.

***

.....................

* كان إرنست ثيلمان زعيم الحزب الشيوعي في ألمانيا خلال معظم جمهورية فيمار. اعتقله الغستابو عام 1933 وأعدموه بالرصاص في بوشينفالد عام 1944.

* آنا سيغرز     Anna   Seghers      كاتبة ألمانية. تعتبر إحدى أهم رائدات الواقعية الاشتراكية. حازت على جائزة لينين. عاشت أثناء الحرب في المكسيك، وبعد الحرب عادت إلى برلين الغربية. ثم استقر بها المقام في شرق ألمانيا حيث توفيت عام 1983. من أهم أعمالها: ترانزيت، الصليب السابع، ثورة صياد السمك، الجدار الملتهب، ضوء على المقصلة، وغيرها.

في نصوص اليوم