أقلام ثقافية

احمد عابر: اتساع الرؤية وضيق العبارة

وجه وردي واحد من حديقة العالم يكفينا.

حافظ الشيرازي - غزليات حافظ

ترجمة من الفارسية

***

بهذا السطر الهادئ من غزليات حافظ الشيرازي لا ندخل الى لوحة رينوار دخول من يبحث عن معنى مخبوء خلف الصورة، بل دخول من يقف على عتبة الاكتفاء. غير ان هذا الاكتفاء نفسه ليس بريئا تماما. فهو يوحي بالسكينة، لكنه يخفي توترا رقيقا بين الرغبة في الفهم، والاستعداد للتخلي عنه.

لوحة امراة في الحديقة (Woman at the Garden, 1873) للفنان الفرنسي بيير اوغست رينوار لا تقدم حكاية قابلة للامساك. لا حدث، لا ذروة، لا بداية ولا نهاية. امراة تمشي في حديقة، او ربما لا تمشي بل توشك على التوقف. الضوء يتكسر على العشب، والالوان لا تستقر في حدود واضحة، كأنها في حالة تردد دائم بين الظهور والتلاشي. كل شيء يبدو بسيطا، لكن هذه البساطة نفسها مربكة. ماذا نرى حقا؟ وماذا نضيف نحن الى ما نراه؟2459 ahmad

الانطباعية، التي ينتمي اليها رينوار، غالبا ما توصف بوصفها ثورة تقنية في الرسم: تفكيك اللون، كسر الخط، التقاط انعكاسات الضوء. لكن النظر الطويل الى هذه اللوحة يكشف ان الامر ابعد من التقنية. هنا موقف وجودي كامل: الثقة باللحظة العابرة، والقبول بان ما يظهر لا يحتاج دائما الى تفسير. ومع ذلك، هل نستطيع حقا ان نكتفي بهذا القبول؟ ام ان اللغة، بما تحمله من قلق قديم، تفرض نفسها علينا رغم صمت الصورة؟

في هذه اللوحة لا تبدو المراة موضوعا منفصلا عن الطبيعة، لكنها ايضا ليست ذائبة فيها تماما. هناك مسافة خفية، بالكاد ترى، بين جسدها وبين الحديقة. مسافة تجعل المشاهد مترددا: هل هي جزء من المشهد ام عابرة فيه؟ هذا التردد هو ما يمنح اللوحة توترها الصامت. فلو كانت المراة مندمجة تماما، لفقدناها. ولو كانت منفصلة تماما، لتحولت الى رمز سهل. لكن رينوار يتركها في منطقة بين بين، منطقة لا تطمئن التفسير.

هنا يصبح قول محمد بن عبد الجبار النفري مفتاحا بصريا لا لفظيا: (كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة).

اللوحة تجسد هذه المقولة لا عبر المعنى، بل عبر العجز عنه. فما يتسع في الالوان والظلال وحركة الضوء لا يجد طريقه الى اللغة من دون ان يفقد شيئا من كثافته. نحن نتكلم لاننا لا نرى بما يكفي، وربما نكتب لان الرؤية، حين تتسع اكثر من اللازم، تصبح ثقيلة على الاحتمال.

الحديقة في هذه اللوحة ليست مجرد مكان طبيعي. انها حالة اتساع. غير ان هذا الاتساع لا يمنح الطمانينة مباشرة. بل يربك. يضع المشاهد امام سؤال غير معلن: هل يكفي ان نرى؟ ام ان الرؤية نفسها تحتاج الى تدريب داخلي كي لا تتحول الى استهلاك بصري؟

في هذا السياق، يبدو كلام عبد الجبار الرفاعي عن المعنى اقرب الى تنبيه منه الى تفسير. يكتب الرفاعي عن المعنى بوصفه شيئا لا يصنع قسرا، بل يكتشف حين تهدأ النفس. المعنى لا يولد من الضجيج، بل من رهافة الانتباه. غير ان هذه الرهافة ليست سهلة. انها تتطلب نوعا من التعليق المؤلم للرغبة في السيطرة. في لوحة رينوار، لا شيء يقاد، ولا شيء يخضع. المراة لا تؤدي دورا دراميا، والطبيعة لا تتآمر على المشاهد. ومع ذلك، يظل القلق قائما: ماذا لو لم يكن هناك معنى اصلا؟ ماذا لو كان كل ما نراه هو مجرد حضور عابر؟

هنا تتدخل الرؤية، لا لتغلق السؤال، بل لتعيد صياغته. ابو حامد الغزالي، في حديثه عن مشاهدة الجمال في احياء علوم الدين، لا يتعامل مع الجمال بوصفه زينة للعالم، بل بوصفه طريقا الى معرفة لا تنال بالاستدلال الجاف. غير ان هذه المعرفة ليست يقينية بالمعنى المنطقي. انها معرفة ذوق، معرضة للانكسار بقدر ما هي معرضة للانكشاف. حين ننظر الى المراة في الحديقة، لا ندرك جمال شكلها فقط، بل جمال العلاقة الهشة بينها وبين الضوء والظل واللون. علاقة قد تتبدل لو تغير موضع الشمس او زاوية النظر.

ويبلغ التوتر ذروته حين نستحضر قول محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية: (ان الحق يتجلى في الصور).

هذا القول، حين يوضع امام لوحة رينوار، يفتح بابا خطرا. اذا كان الحق يتجلى في الصور، فهل كل صورة تجل؟ ام ان التجلي مشروط باستعداد الرائي؟ المراة هنا قد تكون تجليا، وقد تكون مجرد امراة تمشي. الفرق لا تصنعه اللوحة وحدها، بل العين التي تنظر، والقلب الذي يتلقى.

لهذا لا يجوز ان نحول اللوحة الى رمز مطمئن. ليست المراة رمزا للطبيعة، ولا الطبيعة خلفية محايدة للمراة. هناك وحدة، نعم، لكن هذه الوحدة ليست اندماجا كاملا. انها وحدة مشروخة، تذكرنا بان الجمال لا يلغي المسافة بيننا وبينه، بل يجعلها مرئية.

في النهاية، تعود الكلمات الى حافظ الشيرازي، لكن العودة هذه المرة ليست عودة هادئة تماما.

(وجه وردي واحد من حديقة العالم يكفينا).

نعم، يكفينا، لكن بشرط ان نقبل بما في الاكتفاء من فقد. ان نرضى بان لا نملك اللوحة، ولا نملك معناها، ولا نحسم تاويلها. الاكتفاء هنا ليس راحة، بل تمرين روحي: ان نترك الجمال يمر، وان نشكره لانه كان هنا، ولو للحظة، ثم مضى.

حين نقف امام اللوحة، ربما لا يكون السؤال الاهم هو: ماذا تعني؟ بل: هل نستطيع ان نراها من دون ان نرهقها بمعانينا؟.

***

د. احمد عابر

في المثقف اليوم