عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

قد يكون مِن اليسير علينا الآن أن نتناول الفيلسوفَ الهولندي «إسبينوزا» وآراءَه بالتحليلِ والانبهار به أو الاختلاف معه، غير أن هناك أمرًا لا يجب أن يغيب عن حسباننا، وهو: السياق الذي ظهرَ فيه إسبينوزا، فمِن هنا يمكننا أنْ نُنْزِلَه منزلته التي يستحقها، لأننا لو نظرنا إلى كتاباته بعيون اليوم، وما استقر مِن فكر في الغرب؛ لَمَا استطعنا إذًا أن نعرِفَ حجمَ الثورةِ التي أحدثها في الفلسفة الغربية، فقد تكون أفكاره محلَّ قبولٍ وأُلْفة اليوم في الغرب وغيره من المناطق، إلا أن السياق الأصولي المتزمِّت الذي عاشَ فيه، ومدى الانغلاق الفكري والتربص بكل مَن على نهْجه، ومحاكم التفتيش والمطاردات التي تعرَّضَ لها، وترْكه لجماعته اليهودية والخروج عليها(١)؛ يجعل نظرتنا إليه تختلفُ، فأنْ يكون المجتمعُ الذي تحيا فيه يتسمُ بالتزمت والظلامية، ثم يخرج عليه شخصٌ مثل إسبينوزا، بأفكار ونقْد ثوري جذري صادم لكثير مما كان يُعَد من قبيل البَدَاهات والمُسلَّمات؛ فهنا نقول إننا أمام حالة غير معتادة يمثلها هذا الفيلسوف.

معالِمُ منهجه النقْدي.

يمكننا تناول ذلك في النقاط الآتية:

- قلْبُ دلالة المصطلحات.

مِن أهم المعالِمِ التي قد تكون كامنةً في فلسفة إسبينوزا: قلْبُ دلالة الألفاظ، بمعنى أن هناك لفظًا مثل: «الله»، له تصورات محددة في أذهان الناس قبل إسبينوزا؛ إلا أن استخدام إسبينوزا لمصطلح «الله» لا يُفهم منه أنه أراد الدلالة القديمة الشائعة قبله لهذا المصطلح؛ بل أراد دلالةً مغايرةً تمام المغايرَة، وذلك بإشارته إلى أن فكرة «الله» مساوية لـ «الطبيعة»(٢)، لاعتقاده بأنه لا بُمكِن لجوهر أن يُنتِجَ جوهرًا آخر، بمعنى أن الوجود كله جوهرٌ واحدٌ لا ينقسم؛ وعلى هذا لن يصبح هناك فرق بين الله والطبيعة، طالما أنهما شيءٌ واحد(٣)، ومن هنا نجد أنه لا عَلاقة دلالية بين مصطلح «الله» بمعناه الشائع القديم، ومعناه الذي أضْفاه عليه إسبينوزا، فالتطابق واقع في المصطلح فقط من حيث كونه مصطلحًا، أما دلالته، فقد اكتسبتْ وجهًا مختلفًا تمامًا.

وهنا تظهر مشكلة لدى كثيرين مِن قُرَّاء إسبينوزا، وهي أن تحويل دلالة ألفاظ مستقرة على مدى قرون مديدة، من شأنها أن تُحدِثَ ارتباكًا كبيرًا للقارئ؛ فحتى إذا كان إسبينوزا قد أشار إلى معنى دلالي جديد للفظٍ قديم سيستعمله، تكون هذه الإشارة عابرة، ولا يكررها في كل موضع يتكلم فيه عن هذه المصطلحات ذي الدلالة الجديدة، وهنا لابد لقارئ إسبينوزا من الانتباه العميق إلى هذه النقطة؛ حتى لا يقعَ في خطأ يتمثل في فهْم مصطلحات إسبينوزا على غير ما أرادها تمامًا، ومن النقاط التي تساعد في تفادي هذا الأمر: القراءة المتأنية العميقة لمقدمات كتب إسبينوزا.

إن القلْبَ في دلالةِ المصطلحاتِ الذي أحدَثَه إسبينوزا، هو اختبارٌ عسيرٌ لقدرة الإنسان على التخلص من الدلالاتِ المألوفةِ للمصطلحات الشائعة، وهو اختبارٌ عسيرٌ لأن الألفاظَ التي قام إسبينوزا بتحويل جذري في دلالتها كانت راسخة بشدة في الأذهان، وموغِلة في القِدَمِ، إلى درجة أنه قد أصبح لها تأثيرٌ نفسيٌّ وانفعالي قوي على الإنسانِ، وما سعى إليه إسبينوزا هو القضاء على حالة الحتمية والضرورة لدلالاتِ كثيرٍ من المصطلحات، وعلى الرغم من كثرة الكتابات التي أُنْجِزَت عن إسبينوزا، إلا أن قليلين هم الذين انتبهوا إلى هذا الأمر في فلسفته(٤)، إلى درجة أن فيلسوفًا مثل برتراند رَسِل عند حديثه عن إسبينوزا يقول: «وُلِدَ يهوديًّا، ولكن اليهودَ حَرَموه مِن الانتماءِ إليهم، وقد مَقَتَهُ المسيحيون أيضًا مَقْتًا شديدًا، ورغم أن فلسفتَه بأسْرها تهيمِن عليها فكرةُ الله؛ فقد اتهمه أصحابُ العقيدةِ التقليديين بالكفر»(٥).

في النص السابق نجد أن برتراند رَسِل يتعجبُ مِن معاداة إسبينوزا واتهامه بالكفر على الرغم من حضور فكرة «الله» وهيمنتها على فلسفته، وهنا يكون رَسِل قد وقع في فخ سطوة الدلالة القديمة لمصطلح «الله»، فتعامل معه، في موضع كلامه في هذا النص، على أنه يَحمِلُ نفْسَ الدلالاتِ القديمة، ومِن هنا جاء تعجبه مِن مطاردة إسبينوزا واتهامه بالكفر، غير أن دلالة مصطلح «الله» قد تحولَ تحوُّلًا جذريًّا على يد إسبينوزا، كما أشرنا سابقًا من كونه يساوي بين «الله» و «الطبيعة»، فإذا أطلقَ مصطلح «الله» في كتاباته، فهو -غالبًا- يريدُ الدلالةَ الجديدةَ له من كونه مساويًّا للطبيعة، وأنه فَقَدَ أيَّ ارتباطٍ بمدلولاتِه القديمة، خاصة عند أصحاب الديانات المقدسة، ومِن ثَمَّ، فإن العبرةَ ليست بورودِ مصطلح: «الله» في كتابات إسبينوزا؛ بل بالمضمون الجديد الذي أضْفاه إسبينوزا على هذا المصطلح وغيره مِن المصطلحات.

القطيعة بين الفلسفة والدين

الناظرُ في فلسفة ديكارت؛ يجد أنه لم يَدخل في صدامٍ جذري مع رجال الدين، ولا أدل على ذلك أكثر من أنه أهدى كتابه: «تأملات ميتافيزيقية في الفلسفة الأولى» لعلماء أصول الدين في كلية اللاهوت المقدسة في باريس، حيث أكدَ في هذا الإهداء على إيمانه العميق بالله، وأن ما يسعى إليه من محاولة إثبات وجود الله بالأدلة العقلية، فهذا ليس لأنه يشكُّ في وجودِ اللهِ ولا يقتنع إلا بالأدلة العقلية؛ وإنما يسوق ذلك لغير المؤمنين بالله، والذين لا يمكن الحوار معهم وإقناعهم بغير الدليل العقلي(٦)، وهذا يشير إلى أنه على الرغم من حركةِ التجديد التي قام بها ديكارت وغيره في هذه الحقبة، إلا أن سطوة رجال الدين لم تختف؛ بل كان تأثيرهم ما زال قويًّا، والخشية منهم حاضرة عند كثير من الكُتَّاب، كما يتضح أن ديكارت قد يكون اختار هذه الطريقة تجنُّبًا منه لحال التزمت الحاصلة في وقته، كما يتضح لنا أن ديكارت لم يكن صاحب مزاج صدامي بالطريقة الجذرية؛ وإنما تقوم طريقته على التدرُّجِ في تحديث المجتمع ومواجهة الجمود.

ولكن ما علاقة هذا بـ إسبينوزا؟ إن إسبينوزا يكاد يكون الوحيد من الديكارتيين الذي استطاع أن يطبِّقَ منهجَ ديكارت في الشك على الحقول التي استبعدها ديكارت بنفسه من أن تندرج تحت منهج الشك؛ فلقد قام إسبينوزا بثورة في تطبيق منهج الشك الديكارتي على الحقل الديني والعقائد والكتب المقدسة؛ ولذلك حدثَتْ عدة محاولات لاغتياله مِن قِبَلِ رجال الدين(٧).

وهنا يجدر بنا أن نقول إن التطويرَ الحقيقيَّ لفلسفة ديكارت كان أوضح ما يكون على يد إسبينوزا؛ ففي حين أن ديكارت لم يستطع أن يصطدم بشدة مع رجال الدين، وراح يبرِّر لهم بعضَ كتاباته الفلسفية، وأن جزءًا منها كان من أجل إثبات العقائد الدينية وكذلك إثبات وجود الله من الناحية العقلية، كان إسبينوزا على الجانب الآخر يتحرر من كل هذه الحمولة والتبرير، ولذلك فقد أحدثَ صدمةً معرفيَّةً في الوسط الاجتماعي آنذاك، وفي الحقيقة، فإن هذه الصدمات المعرفية تكون مطلوبةً في بعض الأحيان، خاصة في البيئات التي انطبع الظلامُ والجمودُ عليها، نعم هناك ضريبة كبيرة يتعرض لها مَن يقوم بهذه الصدمات المعرفية لمجتمعه؛ ولكن مَن قال إن الوصولَ إلى الأشياء المتميزة في حياتنا ليس له ضريبة؟ كل شيء -غالبًا- جميل في هذه الحياة له ضريبة تُدْفَعُ، والتنوير الأوروبي لم يشذ عن هذه القاعدة، فلقد تعرضَ كثيرون للتنكيل بهم في سبيل التخلص من العصور المظلمة التي عاشتها أوروبا، وكان إسبينوزا من أشد الفلاسفة الذين تعرضوا للتنكيل والمطاردة والنفْي، وكان جزء من شدة ما تعرض له تعود إلى منهجيته الصادمة التي فاقت احتمالَ مجتمعِه آنذاك، ولكن ما قام به من ثورة فلسفية اختصرَ كثيرًا من السنين التي كان يمكن أن يمر بها الفكرُ الأوروبي لو كان يسيرُ بالتدرج البطيء في التصدي لظلام العصور الوسطى، ومداهنة رجال الدين.

وهناك عامل مهم في هذا السياق نشيرُ إليه، وهو: أن بعض الترجمات العربية لكتابات إسبينوزا، لم تُقدِّمْه بنفس القدر من الجرأة في الطرح التي كان عليها في كتاباته الأصلية قبل الترجمة، ويعود ذلك إلى أن بعض المجتمعات، التي تُتَرجَمُ فيها كتاباتُ إسبينوزا، لم تبلغ درجةً من التطور والتنوير تجعلها تتقبل الطرْح الجديد، والجريء، عليها بسهولة، وهناك سبب آخر كامنٌ، وهو: أن المُترجِم، أحيانًا، يريد التعبيرَ عن نفسِهِ من خلالِ الآخرين، فتكون ترجمته بذلك تحمل بصمةً من تفكيره الخاص، عبَّرَ عنها من خلالِ شخصية مَن يترجِم له كتاباته(٨)، وقد يكون هذا التوجه مِن بعض الكُتَّاب المترجِمين بسبب التزمت الأصولي في مجتمعاتهم.

ومن خلال ما سبق، يتضح أن إسبينوزا لم يسعَ، كغيره، للتوفيق بين الفلسفة والدين؛ ولكنه كان واضحًا في توجهه ونزوعه الفلسفي، الذي لا يقبل وصاية النصوص عليه، وهذا المنهج حرَّرَه من حمولة التكلُّف في إيجاد تأويل للنصوص المقدسة يتناسب مع الطرح الفلسفي والعلمي؛ وهذا جعلَ كتاباته مباشرة وواضحة في كثيرٍ من أجزائها.

البُعد الاجتماعي في فلسفة إسبينوزا

إن ديكارت لم يستبعد العقيدة والله فقط من منهج الشك؛ فقد استبعدَ أيضًا النُّظُم السياسية، والتشريعات الوطنية، وعادات البلد؛ وبذلك يكون ديكارت قد أخرجَ الجانب الاجتماعي كلَّه من الوقوع تحت طائلة منهج الشك، أي كان منهج الشك لديه يقتصرُ على بعضِ التوجهات فقط في الفكر، أما إسبينوزا، فقد أحدثَ نقلةً جديدةً في الربْط في الفكر والمجتمع؛ فكما طبَّقَ منهجَ الشك على العقائد الدينية والنصوص المقدسة، فقط طبَّقه أيضًا على المجال السياسي والاجتماعي، وبهذا يكون إسبينوزا قد سبَقَ كانط وهيجل في هذا اللون من الفكر السياسي والاجتماعي(٩)، ومن خلال هذا الطرْح، يتضح مدى الشمولية التي أضْفاها إسبينوزا على منهج الشك الديكارتي، وأنه يعود إليه فضل كبير في الربْط بين الفكر والواقع، وبذلك لم يُهمَّش الجانبُ الاجتماعي في فلسفته، ويُعَد هو الممهِّد الأكبر لعصر التنوير وما تلاه مِن ثورات فلسفية وعلمية، كان مِن نتاجها: إفرازُ نمط الحضارة الأوروبية، التي ما زالت تنتعشُ وتجدد وتطوِّر نفسها.

إسبينوزا من منظور التحليل النفسي

لحياة الفرْد -غالبًا لا بالضرورة الحتمية- أثرٌ في توجهه الفكري وكتاباته، وما يمر به الإنسانُ من صراعات نفسية أو عاطفية أو اجتماعية، من الممكن أن تولِّد بصمةً ما في سلوكه وأفكاره، وإسبينوزا يمثل مادةً ثرية في هذا الصدد؛ إذ إن حياته مليئةٌ بالأحداث والتحولات والصراعات المتنوعة.

وإذا نظرنا إلى لمحةٍ من هذه القضية؛ نجد أن إسبينوزا قد طُرِدَ من طائفته اليهودية وهو لا يزال شابًّا، وأصبح منبوذًا حتى من بين أفراد عائلته وأسرته، ولا يمكن تجاهل كل هذا وتأثيره المحتمَل على إسبينوزا وفكره وحياته، خاصة إذا عَلِمنا أنه قد خصصَ ما يقرب من ربع كتابه عن الأخلاق لمسألة «التغلب على عبودية العواطف»، وما كان لهذا الجزء من الكتاب أن يوجد إلا بوجود صراع في مشاعره عانى منه(١٠)، ومما يدعم هذا الرأي، أن إسبينوزا قد مرَّ بتجرِبةٍ عاطفيَّةٍ قاسية، وهي أنه كان يحبُّ كلارا ماريا ابنة أستاذِهِ فرانسيسكو فان دين إندن، وقد كانت تساعد والدها في تدريسِ اللاتينية لـ إسبينوزا، ولكنها لم تُبادلْه نفس الحب؛ حيث وقعتْ في حب طالبٍ آخَر زميل إسبينوزا(١١).

وهذا يدلُّنا على أثر التجارِب الشخصية والحياتية في كتاباتِ المرء، فالقارئ لكتاب الأخلاق لـ إسبينوزا، وخاصة الفصل الذي تكلمَ فيه عن «التغلب على عبودية العواطف»، إذا لم يكن لديه عِلْمٌ بتجرِبة إسبينوزا العاطفية؛ فقد يظن للوهلة الأولى أن هذه الآراء له مجرَّدة عن أية تأثيرات خاصة، إلا أنه بعد الاطلاع على تجرِبته الخاصة في الحب، يتبين لنا كيف يمكن لمواقف خاصة في حياة الشخص أن تجعله يتبنى رؤية فكرية بعينها، لا أقول ذلك على سبيل الحتمية، ولا أن هذه الأسباب هي الوحيدة في توجيه الكاتب والتأثير عليه، ولكني أشيرُ إلى قابلية هذه التجارِبِ الشخصية للتأثير في حياة الفرد الفكرية، وإلا فكيف لـ إسبينوزا بعد أن كان يهوى ويحب كلارا ماريا يتحول كل هذا التحول ليكتب: «التغلب على عبودية العواطف»؟ لابد أن هذا التحول نبَعَ، أو جزء منه، بسبب تجرِبته القاسية التي مر بها، ورفْض ابنة أستاذه له، وعدم مبادلتها له بنفس حبه لها.

***

بِقَلَم: محمد خليفة أحمد ـ باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم

.....................

هوامشُ المقالةِ:

(١) بيار فرنسوا مورو، «إسبينوزا والإسبينوزية»، ترجمة: د. جورج كتوره، (ط١، بيروت، دار الكتاب الجديد المتحدة، ٢٠٠٨م)، ص ١٠، ١٥.

(٢) إسبينوزا، «رسالة في إصلاح العقل»، ترجمة: جلال الدين سعيد، (ط٢، المغرب، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، ٢٠١٧م)، ص ٨٣: ٨٥.

(٣) د. فؤاد زكريا، «إسبينوزا»، (ط١، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠١٨م)، ص ١٣.

(٤) د. فؤاد زكريا، «إسبينوزا»، ص ١٣: ١٤.

(٥) برتراند رَسِل، «تاريخ الفلسفة الغربية»، ترجمة: د. محمد فتحي الشنقيطي، (ط١، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٧٧م)، ص ١٢٠.

(٦) رينيه ديكارت، «تأملات ميتافيزيقية في الفلسفة الأولى»، ترجمة: كمال الحاج، (ط١، بيروت، منشورات عويدات، ١٩٨٨م)، ص ٣ من المقدمة، صفحة الإهداء.

(٧) إسبينوزا، «رسالة في اللاهوت والسياسة»، ترجمة: د. حسن حنفي، (ط١، بيروت، دار التنوير، ٢٠٠٥م)، مُقدمة الترجمة للدكتور حسن حنفي، ص ٩.

(٨) إسبينوزا، «رسالة في اللاهوت والسياسة»، مُقدمة الترجمة للدكتور حسن حنفي، ص ٥.

(٩) إسبينوزا، «رسالة في اللاهوت والسياسة»، مُقدمة الترجمة للدكتور حسن حنفي، ص ١١.

(١٠) إيرفين د. يالوم، «مشكلة إسبينوزا»، ترجمة: خالد الجبيلي، (ط١، بيروت، منشورات الجمل، ٢٠١٩م)، ص ٨: ٩.

(١١) دان تايلور، «إسبينوزا ومَشاق القلب»:

https://mana.net/spinoza-and-love/

حين يتحرر العقل يبدأ الإنسان في خلق عالمه

ليست الحرية ترفًا فكريًا، ولا الإبداع نزوةً جماليةً معزولة عن شروط الحياة؛ إنهما في العمق وجهان لحقيقة إنسانية واحدة: قدرة الإنسان على أن يكون أكثر مما هو عليه. فالحرية تفتح المجال أمام العقل لكي يسأل، والإبداع يمنح السؤال القدرة على التحول إلى معرفة وصورة واكتشاف وفعل. وحين تُغلق أبواب الحرية، لا يُمنع الإنسان من الكلام وحده، وإنما يُدفع عقله إلى الانكماش، وتُدفع مخيلته إلى الصمت، وتتحول طاقته الخلاقة إلى طاقة دفاعية منشغلة بالخوف والحذر بدل الاكتشاف والتجاوز.

لهذا يمكن القول، دون الوقوع في التعميم، إن الإبداع الحقيقي يحتاج إلى فضاء حر؛ لأن الجديد لا يولد عادةً من عقلٍ يخشى السؤال، ولا من وجدانٍ يخاف الاختلاف، ولا من ثقافة تجعل المألوف معيارًا نهائيًا للحقيقة.

الإبداع بوصفه خروجًا من المألوف

الإبداع ليس مجرد إنتاج شيء لم يكن موجودًا، وإنما هو طريقة جديدة في رؤية ما هو موجود. فقد تكون المادة قديمة، لكن زاوية النظر إليها جديدة؛ وقد يكون السؤال قديمًا، لكن طريقة صياغته تقود إلى إجابة لم تخطر من قبل. ومن هنا فإن المبدع لا يعيش خارج التاريخ، بل يدخل إلى التاريخ من بوابة إعادة قراءته.

إنه يعيد ترتيب الأشياء، ويكشف العلاقات الخفية بينها، ويمنح المألوف غرابته الأولى. ولذلك فإن الإبداع لا يعني قطع الصلة بالماضي، كما لا يعني تقديس الماضي؛ إنه عملية نقدية خلاقة، يأخذ فيها الإنسان من التراث ما يستطيع أن يعيش في الحاضر، ويعيد تشكيله بما يستجيب لحاجات المستقبل.

الإبداع، بهذا المعنى، ليس هدمًا للموروث لمجرد الهدم، ولا تقديسًا له لمجرد أنه موروث، وإنما هو قدرة على التمييز بين ما ينبغي أن يبقى بوصفه قيمة، وما ينبغي أن يتغير لأنه أصبح عائقًا أمام الحياة.

وهنا تبدأ الحرية.

الحرية: الشرط الأول للعقل الخلاق

لا يستطيع العقل أن يبدع وهو محاصر من الداخل. وقد تكون السجون الحقيقية أقل خطرًا أحيانًا من السجون التي يبنيها الإنسان داخل نفسه: الخوف من رأي الآخرين، الخضوع للمألوف، الرهبة من السلطة، تقديس ما لا يقبل السؤال، أو الاعتقاد بأن مخالفة الجماعة جريمة فكرية.

فالحرية تبدأ من الداخل قبل أن تتحول إلى حق في الخارج.

إن الإنسان الحر هو الذي يمتلك شجاعة السؤال، وشجاعة الشك، وشجاعة مراجعة أفكاره نفسها. وليس المقصود بالحرية أن يفعل الإنسان ما يشاء بلا مسؤولية، وإنما أن يمتلك القدرة على التفكير والاختيار والتعبير دون إكراه، وأن يتحمل في الوقت نفسه نتائج خياراته.

ومن هنا فإن الحرية المسؤولة ليست نقيض الحرية، بل أحد أرقى أشكالها؛ لأن الإنسان الذي لا يضبط حريته بوعيه قد يتحول من التحرر إلى الفوضى، ومن النقد إلى الهدم، ومن الاختلاف إلى العدوان.

فالحرية التي يحتاجها الإبداع ليست حرية العبث، وإنما حرية العقل في أن يبحث عن الحقيقة، وحرية الخيال في أن يتجاوز الممكن المألوف، وحرية الضمير في أن يرفض القبح والظلم، وحرية الإنسان في أن يقول: ربما يكون ما اعتقدناه حقيقةً مجرد عادةٍ فكرية طال عمرها.

سجون الداخل أخطر من جدران الخارج

قد تتحرر المجتمعات من بعض أشكال الاستبداد، لكن الفرد يظل أحيانًا أسيرًا لسلطات أخرى أكثر خفاءً: سلطة الخوف، وسلطة العادة، وسلطة الجماعة، وسلطة التفسير الواحد، وسلطة الماضي حين يتحول من ذاكرة إلى وصاية.

ولهذا فإن أول مهمة للمثقف والمبدع هي تحرير وعيه.

فالتمرد الإبداعي ليس تمردًا غوغائيًا على كل شيء، وإنما هو تمرد المعرفة على الجمود. المبدع لا يرفض القديم لأنه قديم، ولا يقبل الجديد لأنه جديد؛ إنه يسأل عن القيمة، وعن القدرة على الحياة، وعن مدى اتصال الفكرة بالإنسان.

وهذا ما يجعل الإبداع فعلًا أخلاقيًا بقدر ما هو فعل جمالي أو معرفي؛ لأنه يرفض أن يتحول الإنسان إلى نسخة مكررة من الآخرين.

حين تتحول السلطة إلى خصم للخيال

الإبداع يحتاج إلى بيئة تحمي الاختلاف، لأن كل سلطة تحاول احتكار الحقيقة تتحول، بصورة أو بأخرى، إلى عائق أمام التفكير الحر.

وقد تأتي القيود من السلطة السياسية حين يصبح السؤال تهديدًا، ومن السلطة الاجتماعية حين يصبح الاختلاف خروجًا على الجماعة، ومن التعصب الديني حين يُغلق باب الاجتهاد ويُستبدل التفكير بالتلقين. كما يمكن أن تأتي من الأعراف والتقاليد حين تتحول من قيم حية إلى قوالب جامدة تمنع الإنسان من إعادة النظر في واقعه.

لكن النقد هنا ينبغي أن يكون دقيقًا: المشكلة ليست في الدين بوصفه إيمانًا وقيمة روحية، ولا في التراث بوصفه ذاكرة حضارية، ولا في المجتمع بوصفه فضاءً للعيش المشترك؛ وإنما في تحويل أي منها إلى سلطة مغلقة تمنع السؤال وتحتكر المعنى.

حين يتحول المقدس في وعي الإنسان إلى ذريعة لمنع التفكير، يصبح الخلاف الفكري خطيئة؛ وحين تتحول التقاليد إلى قوانين فوق التاريخ، يصبح التجديد خروجًا؛ وحين تتحول السلطة السياسية إلى مالكة للحقيقة، يصبح المثقف مطالبًا بالصمت بدل أن يكون شريكًا في صناعة المستقبل.

وهنا يموت الإبداع قبل أن يولد.

الحرية لا تعني غياب الحدود

ومع ذلك، فإن القول بأن الإبداع يحتاج إلى الحرية لا يعني أن كل قيد عدو للإبداع.

فاللغة نفسها لها قوانين، والفن له تقاليد وتقنيات، والمجتمع له منظومة قيم، والإنسان يعيش داخل شبكة من المسؤوليات. وقد يكون القيد الفني أحيانًا حافزًا للإبداع؛ لأن الفنان حين يعرف الحدود يستطيع أن يبتكر طرقًا أذكى لتجاوزها أو إعادة تشكيلها.

المشكلة إذن ليست في وجود الحدود، وإنما في تحول الحدود إلى جدران تمنع التفكير.

هناك فرق بين الضابط الذي يحمي حرية الآخرين، والقيد الذي يخنق حرية الفرد؛ وبين المسؤولية الأخلاقية التي تنبع من وعي الإنسان، والمنع الذي يُفرض عليه بالقوة؛ وبين القانون الذي ينظم الحياة، والسلطة التي تستخدم القانون لإلغاء الإنسان.

ولهذا فإن المجتمع المتوازن لا يطلب من المبدع أن يكون بلا مسؤولية، وإنما يمنحه المجال لكي يختلف دون أن يُسحق بسبب اختلافه.

لحظة الإبداع: حين يضيء المجهول

ثمة لحظات غريبة في حياة المبدعين والعلماء والفنانين؛ لحظات يبدو فيها أن فكرة كاملة قد أضاءت فجأة في العقل. لكنها، في الغالب، ليست وليدة المصادفة وحدها، وإنما ثمرة تراكم طويل من القراءة والتجربة والملاحظة والتأمل والعمل.

لحظة الاكتشاف تبدو خاطفة، لكن الطريق إليها قد يكون طويلًا.

ولهذا فإن الموهبة وحدها لا تكفي. الإبداع يحتاج إلى معرفة، والمعرفة تحتاج إلى تدريب، والتدريب يحتاج إلى صبر، والصبر يحتاج إلى حرية تسمح للعقل بأن يخطئ ويجرب ويعيد المحاولة.

وقد يفسر الإنسان هذه اللحظة بوصفها إلهامًا أو ومضةً روحية، وقد يفسرها العلم بوصفها نتيجةً لعمليات معرفية وعصبية معقدة. وفي الحالتين تظل المسألة واحدة: العقل الإنساني يمتلك قدرة مدهشة على إنتاج ما لم يكن ظاهرًا من قبل.

وهنا لا يعود السؤال: من هو المبدع؟ بل يصبح السؤال الأعمق: كيف نهيئ الإنسان لكي يكتشف المبدع الكامن فيه؟

كل إنسان مشروع إبداع

الإبداع ليس امتيازًا حصريًا لفئة من الشعراء والفنانين والعلماء. قد يظهر في المختبر، وفي المدرسة، وفي المصنع، وفي الإدارة، وفي الزراعة، وفي التكنولوجيا، وفي طريقة حل مشكلة يومية.

إنه قدرة الإنسان على إيجاد حل أو فكرة أو طريقة تتجاوز المعتاد وتضيف قيمة حقيقية.

ولهذا فإن المجتمعات التي تريد صناعة المستقبل لا ينبغي أن تكتفي بتكريم المبدعين بعد ظهورهم، بل عليها أن تصنع شروط ظهورهم: تعليمًا يحفز السؤال بدل الحفظ وحده، ومؤسسات تقبل الخطأ المنتج، وثقافة تحترم الاختلاف، واقتصادًا يستثمر في المعرفة، وفضاءً عامًا يسمح للأفكار الجديدة بأن تتنافس دون خوف.

فالإبداع لا يعيش طويلًا في مجتمع يعاقب التجربة ويكافئ التكرار.

الحرية والإبداع وبناء المجتمع

حين تجتمع الحرية مع المعرفة، يتحول الإبداع إلى قوة اجتماعية. فالابتكار لا يغير حياة الفرد وحده، وإنما يعيد تشكيل المجتمع.

التكنولوجيا، والطب، والفنون، والفلسفة، والعلوم الإنسانية، والصناعات الحديثة، كلها نتاج قدرة الإنسان على تخطي ما كان قائمًا. ومن هنا فإن تخلف المجتمعات لا يرتبط فقط بنقص الموارد، وإنما قد يرتبط أيضًا بنقص المساحة التي تسمح للعقل باستخدام موارده.

الثروة الحقيقية ليست في ما تملكه الأمم من مواد خام فقط، بل في قدرتها على تحويل المعرفة إلى قيمة، والفكرة إلى مشروع، والمشكلة إلى فرصة، والخيال إلى مستقبل.

ولهذا فإن الاستثمار في الحرية الفكرية ليس ترفًا ثقافيًا؛ إنه استثمار في التنمية نفسها.

من الحرية إلى المسؤولية

لكن الإبداع إذا انفصل عن الإنسان يمكن أن يتحول إلى قوة مدمرة. فالتكنولوجيا مثلًا تستطيع أن تنقذ حياة، كما تستطيع أن تُستخدم في تدميرها. والعلم يمكن أن يوسع آفاق المعرفة، لكنه لا يحدد وحده كيف ينبغي استخدام المعرفة.

من هنا تظهر الحاجة إلى الأخلاق.

فالحرية تمنح الإنسان القدرة، والإبداع يمنحه الوسيلة، لكن الأخلاق تسأل: إلى أين؟ ولأجل من؟

وهنا يصبح الإبداع أكثر نضجًا حين يكون في خدمة الإنسان، لا في خدمة تدميره. فالمعيار الحقيقي للتقدم ليس مقدار ما نستطيع فعله فقط، بل مقدار ما نستطيع فعله دون أن نفقد إنسانيتنا.

الإبداع بوصفه تجاوزًا للواقع

الإنسان لا يبدع لأنه راضٍ تمامًا عن الواقع، بل لأنه يرى فيه إمكانيةً أخرى.

كل إبداع يحمل ضمنًا اعتراضًا على شكل سابق من أشكال الوجود. القصيدة تقول إن اللغة تستطيع أن تكون أجمل، والفكرة تقول إن المعرفة تستطيع أن تكون أعمق، والاختراع يقول إن الحياة تستطيع أن تكون أسهل، والفن يقول إن العالم يمكن أن يُرى بطريقة مختلفة.

لهذا فإن الإبداع هو أحد أشكال الصراع الإنساني المشروع من أجل تجاوز الواقع.

إنه لا ينكر الواقع، وإنما يعيد صياغته. ولا يهرب من الممكن، وإنما يوسع حدوده. وربما ما نسميه اليوم مستحيلًا هو مجرد ممكن لم يجد بعدُ الأدوات التي تحققه.

وهنا تبلغ الحرية ذروتها: أن يستطيع العقل أن يرى ما لم يره الآخرون، ثم يحاول أن يمنحه وجودًا.

بين الموروث والمستقبل

لا يمكن لمجتمع أن يبني مستقبله بإلغاء ماضيه، كما لا يمكنه أن يصنع مستقبلًا إذا ظل يعيش داخل الماضي.

المطلوب ليس القطيعة ولا التقديس، بل النقد الخلاق.

أن نقرأ التراث بعين الحاضر، وأن نقرأ الحاضر بوعي المستقبل. أن نحتفظ بما يمنح الإنسان معنى، ونتجاوز ما أصبح عائقًا أمامه. فالحضارة لا تتقدم عندما تنسى ذاكرتها، ولا عندما تتحول الذاكرة إلى قيد؛ وإنما تتقدم عندما يصبح الماضي مادةً للوعي، لا سجنًا للوعي.

وهنا يتجلى دور المثقف الحقيقي: ليس حارسًا للماضي فقط، ولا مبشرًا بالمستقبل فقط، بل وسيطًا نقديًا بينهما.

الخالق الأول والإبداع الإنساني

ومن منظور إيماني، يمكن النظر إلى الإبداع الإنساني بوصفه إحدى النعم التي أودعها الخالق في الإنسان. فالإنسان، مهما بلغ من العلم والقدرة، يظل محدودًا ونسبيًا، بينما يظل الإبداع الإلهي مطلقًا.

ومن هنا لا يكون إبداع الإنسان منافسةً للخالق، وإنما ممارسةً لقدرة منحها الله له؛ قدرة العقل على الفهم، والخيال على التصور، واليد على الصنع، واللغة على التعبير.

إن الإنسان لا يخلق من العدم المطلق، لكنه يعيد تركيب ما أودع في الكون من إمكانات، ويكتشف قوانين لم يكن يعرفها، ويمنح الأشياء صورًا جديدة.

وهذا المعنى يجعل الإبداع مسؤولية قبل أن يكون امتيازًا: أن يستخدم الإنسان ما مُنح من قدرة في بناء الحياة، لا في إفسادها.

نحو ثقافة تجعل الحرية حاضنة للإبداع

إذا أردنا مجتمعًا عربيًا قادرًا على اللحاق بالمستقبل والمشاركة في صناعته، فإن المعركة الحقيقية ليست مع التكنولوجيا وحدها، ولا مع نقص الموارد وحده، وإنما مع بنية التفكير التي تخاف من الجديد.

نحتاج إلى مدرسة تعلم الطفل كيف يسأل، لا كيف يكرر الإجابة فقط.

ونحتاج إلى جامعة تجعل البحث العلمي ممارسةً حية، لا مجرد شهادة.

ونحتاج إلى إعلام يحترم العقل، لا يستهلكه.

ونحتاج إلى مؤسسات ثقافية تفتح الأبواب أمام التجارب الجديدة، لا أن تجعل الاعتراف بالمبدع امتيازًا تمنحه دوائر مغلقة.

ونحتاج قبل ذلك كله إلى إنسان لا يخاف من عقله.

فالمجتمع الذي يربي أبناءه على الخوف من السؤال يربيهم، من حيث لا يدري، على الخوف من الإبداع.

خاتمة: الحرية ليست بابًا للإبداع، بل روحه

في النهاية، لا يمكن اختزال العلاقة بين الحرية والإبداع في عبارةٍ وظيفية تقول إن الحرية تساعد المبدع على العمل. العلاقة أعمق من ذلك؛ لأن الحرية هي المناخ الوجودي الذي يتيح للإنسان أن يكتشف إمكاناته، والإبداع هو إحدى أكثر الطرق وضوحًا التي يعبّر بها الإنسان عن حريته.

حين يكون العقل حرًا، يستطيع أن يشك ويسأل ويجرب. وحين يكون الخيال حرًا، يستطيع أن يتصور ما لم يوجد. وحين يكون الضمير حرًا، يستطيع أن يقول «لا» في وجه القبح والاستبداد. وحين تجتمع هذه الطاقات، يصبح الإنسان قادرًا على إنتاج معرفة وفن وفكرة وحياة جديدة.

لذلك فإن قتل الحرية لا يعني فقط إسكات الأصوات؛ إنه إطفاءٌ للمختبر الداخلي الذي تُولد فيه الأفكار.

والمجتمعات التي تريد مستقبلًا مختلفًا لا يكفيها أن تطلب من أبنائها أن يكونوا مبدعين؛ عليها أولًا أن تمنحهم الحق في السؤال، وحق الاختلاف، وحق التجربة، وحق الخطأ، وحق العودة إلى الفكرة ونقدها.

فالحرية تفتح نافذة العقل، والإبداع يطل منها على المستقبل.

وحين تُغلق النافذة، لا يتوقف الهواء عن الدخول فحسب؛ بل يتوقف الأفق عن الاتساع.

ولهذا يمكن أن تكون المعادلة الأكثر اختصارًا:

لا إبداع بلا حرية، ولا حرية مكتملة بلا مسؤولية، ولا مسؤولية حقيقية بلا إنسان حر قادر على التفكير.

ومن هنا تبدأ الحضارة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

كيف يمكن توضيح التجربة الإنسانية؟ هذا السؤال جرت معالجته من خلال حقلين منفصلين، اتخذ كل واحد منهما مسارا مختلفا للوصول الى هناك. كل من الفلسفة وعلم النفس يهتمان بالانسانية – بالناس وما يدفعهم للمعاناة، للتغيير، للتصرف، للتفكير. الفلسفة تصل الى هناك من خلال التأمل الذاتي، اما علم النفس يصل من خلال التجربة الميدانية. في هذا الاطار، الفلسفة وهي الشقيق الأكبر بينما علم النفس الشقيق الأصغر، يحاولان الإجابة على أسئلة طرحها الأخ الأقدم لأول مرة. كلا الحقلين يسعيان لفهم الأفكار والذات والعالم الذي يعيشان فيه بدءاً من ديكارت الى فرويد، كلاهما يطرحان أسئلة حول طبيعة الذات. فمثلا، الاخلاق جرى استكشافها بواسطة فلاسفة منذ سقراط وارسطو، لكن التطور الأخلاقي للأطفال جرى التحقق منه تجريبيا بواسطة عالِم النفس السويسري بياجيه piaget. وبكلمة أخرى، نستطيع القول ان الفلسفة توفر ركائزا لماهية الانسان، بينما علم النفس يوفر الأحجار او الصخور التي تُبنى عليها. لذا سننظر في ماذا نعني ان يكون الشخص انسانا وكيف اكتشفنا هذا من خلال هاذين الاتجاهين.

علم النفس الفلسفي المبكرر

"إعرف نفسك" التي قالها سقراط وقيلت له أيضا، هي تقريبا قيادة نفسية قبل قرون من ان يصبح علم النفس علما. في القرن الخامس قبل الميلاد، كان سقراط يتجول في أثينا بين المواطنين (الذين أغلبهم من الارستقراطيين)، محاولا جمع الحقيقة من خلال المحادثة والنقاش، وطرح الأسئلة عليهم. هذه "الطريقة السقراطية" في السؤال حاولت كشف التناقضات في عقائد الناس. تلميذ سقراط – افلاطون – في حوارات مثل مينو و يوثيفرو جعل سقراط يقول: "انا لا استطيع تعليم أي شخص أي شيء. انا استطيع فقط جعله يفكر".

افلاطون، في حواره الجمهورية، طور نظرية ثلاثية للروح. هو قسّم النفس الى عقل، وروح، وشهية. هذا كان انجازا تاريخيا سبق نظرية الشخصية الحديثة. لو قارناها مع نظرية فرويد في الايغو والانا الأعلى والهو، سنرى ان التقسيم مشابها.

في حوار مينو، افلاطون جعل سقراط يؤكد "نحن لم نُصنع خيّرين بواسطة الطبيعة، وانما بواسطة التدريب". الفكرة الأساسية هنا هي في الطبيعة مقابل التربية، وتأثيرات البيئة على السلوك. يمكن مقارنتها  بنظرية التعلم في علم النفس.

في تلك الاثناء، كان ارسطو وهو تلميذ افلاطون اول من نظر في النفس من وجهة نظر بايولوجية وادراكية، الامر الذي جعله أحد الأصوات المؤسسة لعلم النفس البايولوجي. وقبل وقت طويل من بدء نظرية الادراك في إعطاء أفكار مشتقة تجريبيا حول الكيفية التي يفكر بها الناس، كتب ارسطو،"لا وجود لشيء بدون صورة" (De Anima، الكتاب الثالث، فصل 7). هو يقول ان التمثيلات الذهنية تعتمد على الحواس – البصر بالذات، بمعنى انك لا تستطيع التفكير حول أي شيء مالم تكون تعاملت سلفا مع ذلك الشيء من خلال حواسك.

الرواقيون في اليونان وروما القديمة قالوا ان السبب في وجود الانسان هو العقل الإلهي (لوغوس). هم قالوا أيضا اننا لدينا خيار إعادة تفسير معاناتنا عبر تطبيق قوة عقلية تعيد السلام النفسي والوضوح . ما يجعل الناس متضررين ليس بيئتهم وانما القصص التي يخلقونها لأنفسهم حولها. يذكر الرواقي سينيكا كيف ان الناس أحيانا يعمّقون تعاستهم بشكل غير ضروري: "نحن نعاني من التصور اكثر مما نعاني من الواقع"(سينيكا، رسائل أخلاقية الى ليسيوس، رسالة 13،"حول مخاوف لا أساس لها").

بلغة بسيطة، الرواقيون يقولون نحن نستطيع ان نتحكم في استجاباتنا العاطفية للحصول على هدوء الذهن. وكما يقول ماركوس اروليوس، "انت لديك السلطة على ذهنك وليس على الأحداث الخارجية"(التأملات). نحن لا نستطيع السيطرة على بيئتنا وهو ما يسبب لنا عدم السعادة، لكن عقلانيتنا تكمن في الكيفية التي نستجيب بها للتغيرات التي تحدث حولنا. الرواقيون اعتقدوا ان أحسن طريقة لتكون انسانا هي ان تشعر، تفكر، تخضع للاختبارات، تؤدي واجبك، وتكون قادرا على التفكير بهدوء حتى عندما تتعرض للتحديات من حولك ومن أي نوع.

هذا يقود مباشرة الى العلاج السلوكي المعرفي، او CBT، والذي يرى ان الناس يضخّمون مشاكلهم من خلال التفكير غير السليم المختل وظيفيا، لكن يمكن إعادة تدريب هذا التفكير ليعمل بشكل جيد. انه أيضا يتضمن ربط الأفكار النفسية حول الذاكرة الترميمية والتصور، لأن الناس يفسرون ما يحدث لهم استنادا على تجاربهم السابقة.

الدراسة التجريبية للذهن

لنعد الان الى القرن التاسع عشر حين اصبح علم النفس علما. في عام 1879 أوجد الفيلسوف وليم وندت williem wundt(1832-1920) اول مختبر للتجارب في حقل علم النفس. وفجأة تمت الإجابة على الأسئلة المطروحة من جانب الفلاسفة بطرق تجريبية، والسلوك جرى تسجيله كبيانات.

ان كلمة "psychology" هي ذاتها تعود الى اليونان حيث تحدّث عنها سقراط وافلاطون: النفس تعني الذهن او الروح، واللوغس تعني العقل او التوضيح، وبهذا فان  "ology" تعني دراسة: لذا "علم النفس" حرفيا تعني "دراسة الذهن". لنقارن هذا بالفلسفة التي تعني حب الحكمة. من خلال علم النفس، تتم دراسة التجربة الإنسانية الان بطرق قابلة للاختبار حيث يمكن مقارنة البيانات. هذا نوع من الكشف لأنه فجأة تظهر هناك أجوبة، فمثلا، التحليلات الإحصائية للبيانات تساعدنا في قياس الاختلاف بين الناس وبهذا نستطيع تقرير الطبيعي او غير الطبيعي في سمة معينة. بهذه الطريقة، يعطينا علم النفس موضوعية اكبر في التحليل. انه أيضا يعطي للاستنتاجات السايكولوجية مصداقية فكرية بواسطة الدليل.

عند تعريف التجربة الإنسانية في علم النفس نحن نستعمل مختلف الاتجاهات مثل اتجاه التعليم الاجتماعي، الاتجاه البايولوجي، الاتجاه الادراكي، الاتجاه الاجتماعي، او الاتجاه السلوكي، فتتوفر مجموعة متنوعة من النماذج الفكرية للنظر الى السلوك البشري وكيف تُمارس الحياة، ولماذا مورست بتلك الطريقة. علماء الاعصاب رسموا خارطة الدماغ ونظروا في علم تشريح الاعصاب والكيمياء العصبية لفهم التجربة الإنسانية بيولوجيا. باستعمال هذا الاتجاه البيولوجي نستطيع ان نرى ان الكلام مرتبط بالفعالية في الفص الصدغي من الدماغ، وبالذات منطقتي بروكا و فيزنيكي اللتان تتحكمان بإنتاج اللغة والفهم.

ولو نظرنا في السلوكية behaviourism: نجد عالِم النفس الامريكي B.F. Skinner ، وتجربته في التعلم الشرطي على الجرذان والتي سمحت لنا بدراسة كيف يمكن ان يتقرر السلوك بالمكافآت والعقوبات (المعلومات جرى تبنّيها واستخدامها من جانب مؤسسات للحصول على السلوك الإنساني المرغوب). او في العالِم السلوكي بافلوف في تجربته الشرطية الكلاسيكية التي درست ردود فعل الكلب وكيف تتأثر بالاشارات، معطيا لنا فكرة حول ردود أفعال الناس. في تلك الاثناء، علماء النفس الادراكي نظروا في العمليات الفكرية، مثلا، كيف يؤثر التحيز والاستعداد السايكولوجي المبكر والذاكرة على الطريقة التي يعيش بها الناس. كذلك، التكنلوجيا مثل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي FMRI يمكن ان يساعدنا لرؤية الفعالية في الدماغ والذي يساعدنا في تشخيص الاضطراب العصبي مثل الزهايمر.

استنتاجات فلسفية

من كل هذا، نحن ربما نقول ان الفلسفة هي قياس نوعي للتجربة الإنسانية، بينما علم النفس هو قياس كمي. ان أصل الفلسفة هو في الفكر وحده، في الرغبة بإيجاد أجوبة من خلال التفكير، كما لوحظ في افلاطون ونظرياته حول الروح او سقراط من خلال اسئلته لتحفيز الناس للتفكير بطريقة نقدية تستنطق عقائدهم وربما تحدد اطارهم حول الحياة والأخلاق. بالمقابل، أساس علم النفس هو التجارب والبيانات، بأمل ايجاد أجوبة من خلال وسائل اكثر موضوعية. انه ليس مثاليا كما هي الفلسفة لأنه لا ينظر للامور كما ينبغي ان تكون بل كما هي في الواقع.

عند النظر الى دراسة التجربة الإنسانية، نجد أمامنا علم النفس والفلسفة كمادتين للاختيار. هما كلاهما يحققان في الهوية، التحفيز، والرغبة في فهم ما الذي يجعل الانسان انسانا. الفرق هو، احدهما يقوم بذلك عبر التوضيح العقلاني، والأخر من خلال العلم.

***

حاتم حميد محسن

أركيولوجيا القلق والالتصاق بديمومة المستنقع

يقبع الكائن البشري في صميم مأزِق أنطولوجي مركَب يتحدد بالرعب الوجودي من المجهول وهشاشة الحاضر أمام غدٍ محتجب بالظلمة والتهديد، حيث تدفعه غريزة البقاء الصرفة إلى الالتصاق بأي بنية نظامية تمنحه الحد الأدنى من حفظ الديمومة، حتى وإن تجسدت تلك البنية في صورة مستنقع موبوء بالقهر والاستلاب. تتأسس هذه الوضعية على مفارقة غائرة في الذات الإنسانية؛ فالزمن لا يتبدى هنا بوصفه أفقًا تاريخيًا لتحقيق الإمكانات واكتمال الحرية، بل كقوة باطشة تجر الكيان نحو الفَنَاء، مما يولد ارتدادًا نفسيًا حادًا يفضل الاستقرار في الحضيض على مغامرة التحرر المحفوفة بالعدم. ينشأ عن ذلك تواطؤ صامت بين الضحية وشروط قهرها؛ إذ يجري اختزال معنى الوجود برمته في مجرد تجنب الفَنَاء الفيزيائي.

تكمن الدلالة التفكيكية لهذا الارتهان في الكيفية التي يعيد بها الوعي المستلب تأويل قعر المستنقع وتسميته؛ فالعجز عن كسر شروط القهر يدفع الإنسان المقهور، عبر عمليات دفاعية لاواعية، إلى إسقاط صفات القداسة والأبدية على واقع التردي، متحايلًا على بؤسه بتفسير البقاء العاري بوصفه "خلودًا". لا يمثل البقاء هنا انتصارًا نوعيًا للذات، بل يجسد تكيفًا قسريًا مع الإهانة المنظمة؛ إذ يتحول الامتثال إلى فضيلة وجودية، وتُستبدل الإرادة الحرة بنزوع جبري يخلع على المستنقع طابع الضرورة الميتافيزيقية. إن هذا النزوع نحو التماهي مع الهوان يفرغ مفهوم الحياة من أي محتوى أخلاقي أو سياسي، محيلًا إياها إلى مجرد آلية بيولوجية مستمرة تُغلق دونها سبل التجاوز والتعالي التاريخي.

 زيت الكاهن وسيف السلطان

حين ينهض الفكر النقدي، ممثلًا في صوت الفيلسوف، محاولًا اختراق هذه العَتَمَة وإشعال سراج العقل لكشف عوار الواقع وتفكيك أصنامه، يصطدم تاريخيًا وبنيويًا بحلف راسخ لا يتردد في خنقه. هذا التحالف الذي يجمع بين المؤسسة الدينية والسلطة الزمنية لا يمثل تقاطعًا سياسيًا عارضاً، بل هو اشتغال عضوي يُوظف فيه "زيت الكاهن" لترويض النفوس وإسباغ القداسة على سيف السلطان، ليغدو قمع التفكير الحر واجبًا دينيًا وضرورة لاستقرار المجتمع.

آليات القمع الرمزي ونكبة العقل البرهاني

يقدم المسار التاريخي للفلسفة، كما تجسد جليًا في نكبة أبي الوليد بن رشد في الأندلس، نموذجًا ساطعًا لكيفية توظيف الرأسمال الرمزي لسحق التفكير التنويري؛ إذ لم تكن محاكمة ابن رشد وإحراق كتبه ونفيه سوى تعبير عن أزمة سياسية عميقة وظفت فيها السلطة تحريض الفقهاء واستعداء الجماهير لحسم صراعاتها والحفاظ على شرعيتها المتداعية. يكشف نقد بنية العقل التراثي أن نكبة الفلسفة كانت في جوهرها "محاكمة للسياسة بغطاء ديني"، حيث يجري تقديم الفيلسوف كقربان لتهدئة هياج العامة وضمان ولائها للمركز الحاكم.

يتطابق هذا المنحى مع أطروحة محمد أركون حول "السياج الدوغمائي المغلق"، الذي تشيده المؤسسة العقائدية لتسييج الفكر داخل نصوص مقدسة وتأويلات سلطوية متعالية عن النقد والتاريخية. يصبح الفكر النقدي داخل هذا الفضاء تدنيسًا للمقدس وتهديدًا لتماسك الجماعة، ويتحول الحاكم إلى حامٍ للأرثوذكسية القائمة، مما يجعل استئصال صوت الفيلسوف عملًا مباركًا يلقى تأييد المقهورين أنفسهم، الذين يدافعون عن قيودهم باستماتة تحت راية حماية الإيمان.

السلطة الرعوية وهندسة الانقياد الإيماني

يتعمق هذا القمع حين يُقرأ عبر مفهوم "السلطة الرعوية" لدى ميشيل فوكو، وهي تلك التقنية السلطوية التي ولدت في الرحم اللاهوتي للكنيسة ورجال الدين لتنتقل لاحقًا إلى صميم أجهزة الحكم السيادي. تمارس هذه السلطة وصايتها عبر ادعاء معرفة دخائل النفوس وتوجيه الضمائر الفردية والجمعية نحو الخلاص الأخروي.

يقوم الكاهن بمراقبة وتشكيل المعنى وتطويع الرغبات الدفينة تحت مظلة "الرعاية الروحية"، بينما تتولى السلطة السياسية تنظيم الإخضاع المادي للأجساد وضبط حركتها في الفضاء العام. ينسج هذا التضافر شبكة هيمنة متكاملة تخنق مشعل الفيلسوف قبل أن ينتشر ضوؤه؛ ذلك أن النور الفلسفي يهدد بنزع القداسة عن هذه الرعاية المصطنعة ويكشف عن طابعها الانضباطي القمعي، مما يضع المؤسسة والسلطة في خندق دفاعي واحد يستثمر في استدامة جهل الرعية وتأطير وعيها ضمن حدود الطاعة المسلّم بها.

اختزال الوجود إلى "الحياة العارية"

يؤدي تضافر القهر السياسي واللاهوتي إلى تفكيك مقومات الوجود الإنساني المركَب، حيث تنحدر التجربة المَعِيشة تدريجيًا لتفقد كل زخم فكري أو أخلاقي، وتتحول الجموع إلى مجرد أجساد معلقة عند حدود البقاء البيولوجي الأدنى.

إن هذا التراجع نحو الغريزة الحيوية يجد جذوره النفسية والسياسية في تشريح إتيان دي لا بويسيه لظاهرة "العبودية الطوعية"، حيث تساءل بدهشة فلسفية عن السر الكامن وراء خضوع شعوب وأمم بكاملها لحكم طاغية فرد لا يستمد سلطانه إلا مما يمنحه إياه المقهورون من طاعة وتنازل. لا يتأسس استقرار الطغيان في مراحله المتقدمة على العنف الخارجي المباشر والسياط، بل على تحول القهر بفعل الزمن والتوارث إلى "عادة" متحدرة تفعل في الأرواح فعل السم السائغ، بحيث يولد الأفراد داخل بنية القمع فيعدّونها نظامًا طبيعيًا وأزليًا.

تنطلق هذه السلسلة من ممارسة العنف المادي والرمزي الصادم، الذي يُفضي إلى شل الفاعلية السياسية وتجريد الذات من أفق الفعل التاريخي لتكتفي بحفظ كيانها الحيوي. ومع مرور الأجيال، تتبلد مشاعر السخط وتتحول شروط الإذلال إلى تقاليد اجتماعية راسخة تتواطأ فيها الأسرة والمؤسسة التربوية والدينية لتطبيع النشء مع الانقياد. في هذه المرحلة، تنتقل التبعية من حيز الإكراه إلى فضاء الإرادة الواهمة؛ حيث يستبطن الإنسان قيوده، ويعشق خدمته لجلاده، بل ويقاتل دفاعًا عن سيده، مفضلًا أمن الأصفاد المألوف على حرية المجهول المحفوفة بالمخاطر.

 الميكانيزم الذبائحي والضحية البديلة

يكشف رينيه جيرار في كتابه العنف والمقدس عن المحرك الخفي للاجتماع البشري عبر مفهوم "الرغبة المحاكاتية"؛ فالأفراد لا يرغبون في الموضوعات لذاتها، بل يحاكون رغبات نظرائهم، مما يدخل المجتمع في متوالية صراعية مدمرة تلغي الفروق الفردية وتهدد بانفجار عنف شامل لا يبقي ولا يذر.

لتفادي هذا التدمير الذاتي، تلجأ الجماعات البشرية غريزيًا إلى "آلية كبش الفداء"؛ حيث تتفق فجأة على تركيز كل العنف الداخلي المشحون وتوجيهه ضد "ضحية بديلة" مستضعفة أو خارجة عن النسق المألوف. يُلقى باللائمة على هذه الضحية في كل ما أصاب الجماعة من بؤس وانهيار، وتصبح تصفيتها الجسدية أو الرمزية وسيلة لاستعادة السلم الأهلي والتماسك الداخلي.

يمثل الفيلسوف، أو المفكر المستقل الذي يشذ عن سياج الجماعة، النموذج المثالي لهذه الضحية البديلة؛ إذ يتطابق صوته المخالف مع ملامح المهدد المفترض، وتوفر تصفيته متنفسًا للجماهير المقهورة لإفراغ شحنات غضبها المتراكمة دون المساس بالبنية الحقيقية للسلطة. وبموت الضحية البديلة أو نفيها، يهدأ العنف مؤقتًا، وتُولد هالة جديدة من القداسة تبرر للمجتمع استقراره المستعاد وتكرس انقياده للمؤسستين الدينية والسياسية اللتين رعتا الطقس الذبائحي.

تأبيد الطوارئ كقاعدة تاريخية

تتضافر هذه الرؤية الأنثروبولوجية مع ما سجله فالتر بنيامين في تأملاته حول التاريخ، مؤكدًا أن "حالة الاستثناء" التي ترزح تحتها الشعوب المقهورة ليست واقعًا طارئًا أو انقطاعًا عن مسار سوي، بل هي القاعدة البنيوية التي يقوم عليها تاريخ الهيمنة. إن المستبد يوظف شبح الماضي وصدماته المتوارثة لإبقاء المجتمع في رعب مستمر من خطر وشيك أو فتنة ماحقة، مما يسوغ تعليق الحقوق واستمرار الإجراءات الاستثنائية كأمر دائم.

يتوارث المقهورون الخوف عبر الأجيال كنسق تربوي ونفسي لا فكاك منه، وتغدو حماية الجماعة من أشباح الماضي مبررًا للرضوخ التام لسلطة الحاضر. يُعاد هنا تدوير العنف الممنهج عبر التاريخ ليس بوصفه شرًا، بل درعا وحيد يحمي من العودة إلى الفوضى البدئية، وتتحول رغبة البقاء في المستنقع إلى خِيار عقلاني وحيد يضمن النجاة من دمار أعظم، مما يُحكم إغلاق الدائرة التاريخية على الإنسان المستلب.

تقويض الميتافيزيقا الهرمية

تقوم هندسة الاستلاب اللاهوتي والسياسي على ثنائيات هرمية صارمة تدعي النقاء والاكتمال في طرف، وتلقي بالطرف الآخر في مهاوي النقص والرذيلة.

تتجسد الثنائية الأولى في تقابل النور والظلمة؛ إذ تحتكر السلطة الرعوية والسياسية النور والحقيقة المطلقة، وتصف محاولات الفيلسوف المستقل بأنها إشاعة للظلمة والضلال والفتنة، متناسية أن هذا "النور" المؤسسي ليس سوى جمرات حارقة تُسفح بها الدماء ويُخنق بها الوعي.

وتتجلى الثنائية الثانية في تقابل السعادة والشقاء؛ حيث تُعرف السعادة بالامتثال والخضوع الصامت، ويُجرّم الشقاء والحزن النقدي بوصفهما عجزًا نفسيًا أو تمرداً خيانياً، متجاهلة أن الألم المعاش هو الصرخة الحقيقية لانتهاك الكرامة.

أما الثنائية الثالثة فتتمثل في تقابل الخلود والعدم؛ حيث توظف الديمومة الميتافيزيقية وتبريرات الخلاص لتسويغ الانسحاق التاريخي للإنسان، وتحويل موته الفعلي تحت وطأة القهر إلى وهم استمرار مقدس لا فَنَاء له.

يعلمنا التفكيك الدريدي أن هذه الأزواج الضدية محكومة بآلية "التأجيل والمفارقة"، وأن المعاني لا تستقر في كينونة مغلقة؛ فمفهوم النور المؤسسي يتغذى باطنًا على القمع والظلام، ومفهوم السعادة الاستهلاكية والامتثالية ليس إلا شقاءً محجوبًا بتخدير الحواس. إن تعرية هذه التناقضات تكسر قداسة المركز المهيمن وتفتح فضاء النص والواقع على إمكانات قراءة مغايرة تقوض شرعية المستبد وكاهنه من أساسها.

يستلزم هذا التحول الشجاعة على اتخاذ موقع "الغريب عاطفيًا" الذي يرفض ابتلاع آلامه، ويعلن صراحة فساد السلم الاجتماعي المبني على جماجم الضحايا وتدجين العقول. إن الانفصال عن المستنقع لا يتحقق بالهروب نحو خلود متخيل أو بالالتصاق بديمومة خادعة، بل بالمواجهة المباشرة مع عَتَمَة الغد وقلق المصير. عند هذه النقطة الفاصلة، يدرك الوعي الإنساني أن الفَنَاء في دروب الانعتاق والبحث عن النور لهو أكثر امتلاءً بالحياة والكرامة من بقاءٍ مديد في قاع الهوان يُتوهم فيه الخلود وهو الموت المعجل بذاته.

إن التحالف التاريخي بين زيت الكاهن وسيف السلطان لم يكن مجرد واقعة عابرة في تاريخ الأمم كحادثة ابن رشد، بل هو آلية مستمرة لإنتاج الطاعة وإخماد مشاعل التنوير في مهدها، مستثمرة في تحويل السعادة من غاية وجودية إلى ترياق مخدر يُجهض التفكير السلبي ويُكرس العبودية الطوعية. كما أثبت التحليل أن استدعاء الماضي وصدماته الجمعية يهدف إلى تأبيد حالة الاستثناء، وتوجيه العنف المحاكاتي نحو الفيلسوف ككبش فداء يُذبح لإبقاء المجتمع في سياجه الدوغمائي المغلق.

***

غالب المسعودي

أو حين تتحول الحكمة من معرفة إلى أسلوب في الوجود

فرش تمهيدي: ليست الفلسفة عند فريدريك لونوار[1] معرفةً تُحفظ، ولا تاريخًا للأفكار يُستعاد من رفوف الكتب، ولا تمرينًا ذهنيًا يظل معلقًا في فضاء التجريد، وإنما هي، قبل كل شيء، محاولة لاستعادة السؤال القديم الذي يبدو لنا اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: كيف ينبغي للإنسان أن يعيش؟ هنا تحديدًا تتحدد قيمة كتابه فن الحياة؛ فهو لا يعامل الحياة باعتبارها معطًى مكتملًا، بل باعتبارها إمكانية مفتوحة على التشكيل، وكأن الإنسان لا يولد مكتمل الصورة، وإنما يتعلم بالتدريج كيف يصير ما هو عليه. ومن ثم فإن عبارة «فن الحياة» لا تعني أن للحياة وصفة جاهزة، وإنما تعني أن الوجود الإنساني نفسه قابل للتربية والتهذيب والتأويل، وأن الإنسان لا يرث طريقة عيشه كما يرث ملامح وجهه، بل يصنعها عبر اختياراته وعلاقاته ونظرته إلى ذاته وإلى العالم. وهذا ما يضع لونوار في قلب تقليد فلسفي قديم يجعل الحكمة أقرب إلى ممارسة يومية منها إلى نسق نظري مغلق؛ فالفلسفة، بهذا المعنى، لا تبدأ حين نفتح كتابًا، وإنما حين يصبح العيش نفسه موضوعًا للسؤال.

يستعيد لونوار في هذا السياق المعنى العملي للحكمة، وهو معنى عرفته الفلسفات القديمة حين لم تكن الحكمة منفصلة عن طريقة الحياة. سقراط لم يجعل الفلسفة خطابًا عن الحياة فحسب، بل جعلها امتحانًا للحياة؛ وأبيقور لم يتحدث عن السعادة باعتبارها مفهومًا مجردًا، وإنما باعتبارها نمطًا في ترتيب الرغبات؛ وإبيكتيتوس[2] لم يفصل الحرية عن قدرة الإنسان على التمييز بين ما يدخل في دائرة إرادته وما يقع خارجها؛ ومونتين جعل التأمل في الذات تدريبًا على مصادقة الحياة؛ أما سبينوزا [3] فحوّل الفلسفة إلى طريق للانتقال من الانفعال إلى الفعل ومن العبودية الداخلية إلى الحرية. ولونوار لا يكرر هؤلاء الفلاسفة، وإنما يعيد تركيب بعض عناصر حكمتهم داخل شروط الإنسان المعاصر. لذلك يقول في تقديمه لكتابه إن السؤال المركزي هو: كيف يستطيع الإنسان أن يعيش حياة صالحة وسعيدة في انسجام مع نفسه ومع الآخرين؟[4]

إن أهمية هذا السؤال لا تكمن في بساطته الظاهرة، بل في كونه يعيد الفلسفة إلى أصلها الحي: أن نتعلم كيف نسكن وجودنا قبل أن ننشغل بتفسير العالم. وإذا كان لونوار يسمي ذلك «فنًا»، فلأن الحياة لا تُعطى لنا في صورتها النهائية. إن الوجود واقعة، أما كيفية الوجود فهي اختيار ومسار وتربية. ولذلك فإن العبارة التي يقدم بها الكتاب فكرته الأساسية، ومفادها أن وجود الإنسان واقعة حقيقية، بينما أسلوب عيشه فن من الفنون، تفتح بابًا تأويليًا بالغ الأهمية.[5] فالإنسان لا يستطيع أن يختار أن يوجد أو ألا يوجد، لكنه يستطيع، ضمن حدود وضعه التاريخي والنفسي والاجتماعي، أن يختار شيئًا من الطريقة التي يوجد بها. وهنا تظهر المسافة بين العيش بوصفه بقاءً بيولوجيًا والحياة بوصفها مشروعًا للمعنى. قد يعيش الإنسان سنوات طويلة دون أن يسأل نفسه عن معنى الطريقة التي يعيش بها، وقد يمتلك الكثير من الأشياء دون أن يمتلك سببًا مقنعًا للاستمرار. ومن هنا تصبح الأزمة الحديثة، في أحد وجوهها، أزمة في فن العيش: نحن نعرف كيف ننتج ونستهلك ونتواصل بسرعة، لكننا لا نعرف دائمًا كيف نكون.

إن لونوار يواجه بذلك إحدى مفارقات الحداثة المتأخرة: لقد اتسعت إمكانات الإنسان الخارجية بينما ضاقت، في أحيان كثيرة، قدرته على السكن الداخلي. فالمجتمع الاستهلاكي يعد الفرد بالسعادة عبر الأشياء، والإعلان يحول الرغبة إلى حاجة، والسوق يحول الحاجة إلى سلعة، ثم يجد الإنسان نفسه في حركة لا تنتهي من الامتلاك والاستبدال والمقارنة. لكن وفرة الأشياء لا تعني بالضرورة وفرة في المعنى. وهنا يصبح سؤال السعادة سؤالًا فلسفيًا لا استهلاكيًا؛ لأن السعادة لا يمكن اختزالها في مقدار ما نملك، بل تتصل بالطريقة التي نعيش بها ما نملك، وبنوع العلاقة التي نقيمها مع ذواتنا ومع الآخرين ومع الزمن. وهذا المعنى يتضح بصورة أكبر في كتابه في السعادة: رحلة فلسفية، حيث يرفض اختزال السعادة في اللذة العابرة أو الظروف الخارجية، ويبحثها من خلال أبيقور وأرسطو وأبيكتيتوس وسبينوزا ومونتين وغيرهم[6].

ومن المنظور الهرمينوطيقي، يمكن القول إن لونوار لا يسأل فقط: «ما السعادة؟»، بل يسأل ضمنيًا: كيف نفهم السعادة التي نبحث عنها؟ وهذا فرق جوهري. فالمشكلة ليست دائمًا في غياب السعادة، بل في سوء تأويلها. قد يعتقد الإنسان أن سعادته كامنة في امتلاك ما ينقصه، بينما يكون ما ينقصه في الحقيقة هو القدرة على فهم ما يملك. وقد يتصور أن السعادة تبدأ عندما تتغير الظروف، بينما قد يكون التغيير المطلوب في علاقته بالظروف. إننا لا نعيش الوقائع عارية، وإنما نعيشها داخل تأويلاتنا لها؛ ولذلك فإن تغيير الحياة يبدأ أحيانًا من تغيير القراءة التي نقرأ بها الحياة. وهنا يقترب مشروع لونوار من الحس التأويلي: فالإنسان لا يعيش داخل العالم فحسب، بل يعيش داخل معنى العالم كما يتشكل في وعيه.

يرى لينوار أن السعادة ليست حالة نهائية يصل إليها المرء ويستقر فيها للأبد، بل هي القدرة على بناء علاقة أكثر توازناً مع الوجود. وفي هذا الصدد، يقول جورج برنارد شو: «هناك مأساتان في الحياة: الأولى في عدم الحصول على ما نتوق إليه، والأخرى، في الحصول عليه[7]».

في كتابه في السعادة يجعل من «حب الحياة التي نعيشها» نقطة انطلاق، ثم ينتقل إلى معنى الحياة والرغبة والانتباه والزمن والعلاقة بالآخرين، وصولًا إلى السعادة الفردية والجماعية.[8] وهذا الترتيب ليس اعتباطيًا؛ لأنه يكشف أن السعادة ليست جزيرة منعزلة في الذات، وإنما شبكة من العلاقات والمعاني. الإنسان السعيد ليس الإنسان الذي ألغى الألم، بل الذي استطاع أن يمنح تجربته معنى لا ينهار بمجرد اصطدامه بالهشاشة. لذلك لا تصبح الحكمة عند لونوار هروبًا من الحياة، وإنما شكلًا أعمق من أشكال المصالحة معها.

ومن هنا يمكن فهم عبارته الأخرى التي تجعل الانتقال من الجهل إلى المعرفة ومن الخوف إلى المحبة طريقًا أساسيًا في الحياة.⁵ إن الأمر لا يتعلق هنا بالمعرفة بمعناها المدرسي، وإنما بمعرفة الذات والعالم والرغبات. فالجهل الذي يقصده لونوار ليس مجرد غياب للمعلومات، وإنما عجز عن رؤية الذات في حقيقتها. قد يعرف الإنسان الكثير عن العالم ويظل غريبًا عن نفسه. وقد يمتلك شهادات كثيرة لكنه لا يعرف لماذا يعيش، وماذا يريد، وما الذي يجعله يتألم، وما الذي يمنحه الطمأنينة. لذلك فإن الحكمة تبدأ عندما يتحول الإنسان من سؤال «ماذا أملك؟» إلى سؤال «من أكون؟»، ومن سؤال «ماذا ينقصني؟» إلى سؤال «كيف أعيش ما لديّ؟».

وهنا تكتسب المحبة مكانتها المركزية. فالانتقال من الخوف إلى المحبة ليس مجرد نصيحة أخلاقية، بل هو انتقال أنطولوجي من الانغلاق إلى الانفتاح. الخوف يجعل الآخر تهديدًا، بينما تسمح المحبة برؤيته بوصفه شريكًا في هشاشة الوجود. ولهذا لا يمكن لفن الحياة أن يكون فردانيًا صرفًا؛ فالإنسان لا يتعلم الحياة في عزلة مطلقة. نحن نصير ذواتنا عبر الآخرين، ونكتشف حدودنا من خلال العلاقات، ونتعلم التسامح حين نواجه اختلافًا لا نستطيع إلغاءه، ونتعلم المحبة حين ندرك أن وجودنا نفسه متشابك مع وجود غيرنا.

ومن هنا أيضًا نفهم لماذا لا يكتفي لونوار بالحديث عن السعادة الفردية، بل يفتح السؤال على السعادة المشتركة. فالسعادة التي تقوم على إقصاء الآخرين تحمل في داخلها بذرة نقيضها. لا يستطيع الإنسان أن يبني سلامًا داخليًا كاملًا في عالم يصر فيه على النظر إلى الآخرين باعتبارهم مجرد وسائل لتحقيق رغباته. ولذلك تصبح الأخلاق امتدادًا طبيعيًا لفن الحياة. إن العيش الجيد لا يعني فقط أن أشعر أنا بالرضا، وإنما أن تكون علاقتي بالآخرين أقل عنفًا وأكثر اعترافًا. وفي هذا المعنى، فإن «فن الحياة» ليس فنًا للذات المنعزلة، وإنما فن إقامة العالم المشترك.

وتظهر أهمية هذا التصور بصورة خاصة حين نضعه في مواجهة ثقافة السرعة. فالإنسان المعاصر يعيش تحت ضغط الزمن: سرعة العمل، سرعة التواصل، سرعة الاستهلاك، سرعة الحكم، وحتى سرعة النسيان. لكن الحياة العميقة لا تُعاش بالسرعة نفسها التي تنتقل بها المعلومات. الحكمة تحتاج إلى زمن، والتأمل يحتاج إلى بطء، وفهم الذات يحتاج إلى إنصات. ولذلك فإن فن الحياة هو، في أحد أبعاده، استعادة للزمن الإنساني في مواجهة الزمن التقني. أن نعيش لا يعني أن ننجز أكبر عدد ممكن من الأشياء، بل أن نكون حاضرين في ما نفعله. ومن هنا يكتسب الانتباه قيمة أخلاقية وفلسفية؛ لأن الإنسان الذي لا ينتبه إلى حياته قد يكتشف، بعد سنوات، أنه عاشها من دون أن يكون حاضرًا فيها.

إن هذه الفكرة تجعل لونوار قريبًا من الفلسفة القديمة في تصورها للحكمة باعتبارها تدريبًا. فالحكمة لا تصبح جزءًا من الإنسان بمجرد الإعجاب بها؛ إنها تحتاج إلى ممارسة[9]. لا يكفي أن نعرف أن الغضب مؤذٍ، بل ينبغي أن نتعلم كيف نضبطه. ولا يكفي أن نعرف أن المقارنة بالآخرين تستنزفنا، بل ينبغي أن نتعلم كيف نحرر أنفسنا منها. ولا يكفي أن نؤمن بأن الحياة محدودة، بل ينبغي أن نحيا على نحو يجعل محدوديتها سببًا في تقديرها لا في إهدارها. ولهذا فإن «فن الحياة» ليس فلسفة شعارات، بل فلسفة تمارين داخلية: الانتباه، قبول الذات، فهم الرغبة، بناء العلاقة، تجاوز الخوف، وتعلم المحبة.

وإذا كان لونوار يستدعي عددًا كبيرًا من الحكماء والفلاسفة، فإنه لا يفعل ذلك ليصنع موسوعة تاريخية، وإنما ليبني معهم حوارًا حول السؤال الواحد: كيف نحيا؟ وهذه النقطة بالذات تجعل مشروعه أقرب إلى الهيرمينوطيقا منه إلى تاريخ الفلسفة بالمعنى المدرسي. فهو لا يضع أبيقور في الماضي ثم يغلق عليه باب التاريخ، بل يسأل ماذا يمكن أن يقول أبيقور للإنسان الذي يعيش اليوم في مجتمع الاستهلاك. ولا يترك سبينوزا داخل القرن السابع عشر، وإنما يستخرج من فلسفته إمكانًا لفهم الفرح والتحرر. ولا يستعيد أبيكتيتوس بوصفه وثيقة تاريخية، وإنما باعتباره صوتًا يمكن أن يساعد الإنسان المعاصر على التمييز بين ما يستطيع تغييره وما لا يستطيع.

ومن هنا فإن لونوار يمارس نوعًا من التأويل العملي للتراث الفلسفي. الماضي لا يكون ميتًا ما دام قادرًا على أن يتكلم في الحاضر. والحاضر لا يكون مكتفيًا بذاته ما دام يحتاج إلى ذاكرة الحكمة لكي يفهم أزماته. هذه الحركة بين الماضي والحاضر هي جوهر الفهم التأويلي: لا نعود إلى الفلاسفة لكي نهرب من عصرنا، بل نعود إليهم لكي نرى عصرنا بصورة مختلفة. ولذلك فإن قيمة أبيقور، وسقراط، وأرسطو، وسبينوزا، ومونتين، وبوذا، وأبيكتيتوس عند لونوار لا تكمن في كونهم أصحاب أجوبة نهائية، وإنما في كونهم رفاقًا في السؤال.

وفي هذا السياق يمكن فهم حضور «المعنى» في فلسفة لونوار. فالحياة التي تخلو من المعنى قد تتحول إلى تراكم من الوقائع، مهما بلغت من الرفاه. إن الإنسان يستطيع أن يتحمل الألم إذا وجد له معنى، لكنه قد يعجز عن تحمل الفراغ ولو كانت شروطه المادية ممتازة. ولهذا فإن سؤال السعادة لا ينفصل عن سؤال المعنى. وقد جعل لونوار «إعطاء معنى للحياة» أحد المحاور الأساسية في كتابه: Du bonheur, un voyage philosophique إلى جانب أسئلة الهوية والزمن والآخر والرغبة.[10]

والفلسفة[11] هنا لا تمنح الإنسان معنى جاهزًا، وإنما تساعده على اكتشاف إمكان المعنى في تجربته الخاصة. وهذا ما يجعل لونوار بعيدًا عن الوصفات الجاهزة للسعادة. فهو لا يقول للإنسان: افعل هذه الأشياء وستصبح سعيدًا حتمًا، بل يدعوه إلى الاشتغال على ذاته وعلى نظرته إلى العالم. فالسعادة ليست ضمانة، وإنما إمكانية؛ والحكمة ليست حصانة ضد الألم، وإنما قدرة على ألا يتحول الألم إلى عبث. و«الفرح لا يُؤمر، لكن تتم دعوته[12]». وفي هذا المعنى يمكن أن نقرأ لونوار تأويليًا بوصفه فيلسوفًا يحاول إعادة بناء العلاقة بين الحياة والمعنى بعد أن أصبحت الحياة الحديثة تميل إلى اختزال الإنسان في الإنتاج والاستهلاك والنجاح والإنجاز.

إن أجمل ما في «فن الحياة» أنه يعيد الاعتبار إلى البعد التربوي للفلسفة. فالفلسفة ليست فقط أن نسأل عن الحقيقة، وإنما أن نسأل ماذا تفعل الحقيقة في حياتنا. ما قيمة أن أعرف معنى الحرية إذا كنت عاجزًا عن تحرير نفسي من الخوف؟ وما قيمة أن أعرف معنى الحب إذا كانت علاقاتي قائمة على الامتلاك؟ وما قيمة أن أعرف معنى السعادة إذا كنت أعيش دائمًا في انتظار مستقبل لن يأتي؟ هنا تتحول الفلسفة إلى امتحان ذاتي، ويصبح السؤال الفلسفي موجّهًا إلى صاحبه قبل أن يكون موجهًا إلى العالم.

ومن ثم فإن «فن الحياة» يمكن أن يُقرأ بوصفه محاولة للانتقال من فلسفة الحياة إلى ممارسة الحياة[13]. وهذا الانتقال هو الذي يمنح مشروع لونوار راهنيته. إنه لا يريد للفلسفة أن تبقى في الجامعة فقط، ولا أن تتحول إلى خطاب نخبوي، بل أن تعود إلى الشارع، إلى البيت، إلى العلاقات، إلى الخوف اليومي، إلى الشيخوخة، إلى الحب، إلى الفقد، إلى سؤال الزمن. وهذا هو المعنى العميق لفكرة «فن الحياة»: أن يصبح اليومي نفسه مجالًا للتفلسف، وأن يتحول العيش العادي إلى مادة للتأمل.

وفي المحصلـة، ربما لا تكمن أصالة لونوار في أنه اكتشف سرًا جديدًا للسعادة، بل في أنه أعاد طرح السؤال القديم في لحظة حديثة فقدت شيئًا من القدرة على الإصغاء إليه. فالحياة لا تحتاج فقط إلى مزيد من المعرفة، وإنما إلى حكمة في استعمال المعرفة؛ ولا تحتاج فقط إلى مزيد من الإمكانات، وإنما إلى قدرة على اختيار ما يستحق أن نريده؛ ولا تحتاج فقط إلى إطالة العمر، وإنما إلى تعميق معنى العيش. وهنا يصبح «فن الحياة» فنًا في اختيار ما يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش.

إن الإنسان، في المنظور الذي يتيحه لنا لونوار، ليس كائنًا مكتملًا يسير داخل حياة مكتملة، بل كائن يتشكل وهو يعيش. نحن لا نصل إلى ذواتنا مرة واحدة؛ إننا نعيد تأويلها باستمرار. كل تجربة تضيف معنى، وكل خسارة تعيد ترتيب الأشياء، وكل لقاء يفتح إمكانًا جديدًا لفهم الذات[14]. ولذلك فإن الحياة نفسها تصبح نصًا مفتوحًا، لا يمكن اختزاله في قراءة واحدة. إننا نكتب هذا النص بأفعالنا، ونراجعه بذاكرتنا، ونؤوله من جديد كلما تغير موقعنا في العالم.

ولهذا فإن «فن الحياة» ليس وعدًا بالسعادة الدائمة، بل دعوة إلى حياة أكثر وعيًا بذاتها. أن نعرف متى نرغب، ومتى نتخلى؛ متى نتكلم، ومتى نصمت؛ متى نتمسك، ومتى نترك؛ متى نبحث عن التغيير، ومتى نتعلم قبول ما لا يمكن تغييره. وبين هذه المسافات الصغيرة يتشكل ما نسميه الحكمة. وربما تكون الحكمة، في معناها الأكثر تواضعًا والأكثر عمقًا، أن نتعلم كيف نحب الحياة لا لأنها خالية من الألم، بل لأنها، رغم الألم، تظل قابلة للمعنى.

ومن هنا يمكن أن نختم بأن سؤال لونوار ليس: كيف نربح الحياة؟ وإنما: كيف نسكنها؟ والفرق بين السؤالين هو الفرق بين امتلاك الحياة والعيش فيها. الأول ينتمي إلى منطق الإنجاز والمنافسة، أما الثاني فينتمي إلى الحكمة. وفي زمن يكثر فيه الحديث عن النجاح ويقل فيه الحديث عن المعنى، وعن السرعة ويقل فيه الحديث عن الحضور، وعن الاستهلاك ويقل فيه الحديث عن الاكتفاء، تأتي فلسفة لونوار لتذكرنا بأن أعظم إنجاز يمكن أن يحققه الإنسان ليس أن يمتلك حياة مثالية، وإنما أن يتعلم كيف يصنع من حياته، بكل هشاشتها ونقصها وتناقضاتها، عملًا إنسانيًا قابلًا للفهم والمحبة.

وهنا تحديدًا يلتقي لونوار مع الأفق الهرمينوطيقي: فالحياة لا تمنحنا معناها جاهزًا، وإنما تطلب منا أن نفهمها ونحن نعيشها. الإنسان ليس قارئًا للحياة من الخارج، بل هو جزء من النص الذي يقرأه. وكلما تغير فهمه لذاته تغير معنى العالم بالنسبة إليه. ولذلك فإن فن الحياة ليس تقنية للسعادة، بل تربية على الفهم؛ والفهم ليس نهاية الطريق، بل طريقة في الوجود. إننا لا نتعلم كيف نعيش لكي ننتهي من سؤال الحياة، بل نتعلم كيف نعيش لكي يصبح السؤال نفسه أكثر عمقًا.

***

بقلم الدكتور: معروفي العيد

..........................

الهوامش:

أ- المصادر العربية:

لونوار، فريدريك، فن الحياة، ترجمة جوزف كالوستيان، دار الخيال للطباعة والنشر، 2013.

لونوار، فريدريك، في السعادة: رحلة فلسفية، ترجمة خلدون النبواتي، دار التنوير للطباعة والنشر، تونس، 2016.

لونوار، فريدريك، قوة الفرح، ترجمة، أيمن عبد الهادي، دار التنوير، تونس، ط1 2017.

لونوار، فريدريك، الحكمة لمن يبحث عنها، ترجمة عبير محمود، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، 2019.

لونوار، فريدريك، المعجزة السبينوزية فلسفة لإنارة حياتنا، ترجمة، محمد عادل مطميط، دار التنوير للنشر والتوزيع، تونس، ط1 2020.

لونوار، فريدريك، فلسفة الرغبة، ترجمة؛ إسكندر حبش، دار الساقي، ط1 2024.

٢- المصادر الفرنسية:

Lenoir, Frédéric, Petit traité de vie intérieure, Paris, Plon, 2010.

Lenoir, Frédéric, Du bonheur, un voyage philosophique, Paris, Fayard, 2013.

Lenoir, Frédéric, La Puissance de la joie, Paris, Fayard, 2015

Lenoir, Frédéric, La Sagesse expliquée à ceux qui la cherchent, Paris, Seuil, 2018.

هوامش

[1] فيلسوف فرنسي معاصر (ولد سنة 1962 في مدغشقر)، تخرج من المعهد العالي للدراسات الاجتماعية في باريس. ألّف ما يقرب عن الخمسين كتابا في علم الاجتماع وتاريخ الاديان والفلسفة والحكمة الشرقية وروايات مترجمة الى أكثر من لغة.

[2]  )إبكتيتوس (باليونانية: Ἐπίκτητος، بالإنجليزية: Epictetus؛ 55م-125م أو 130م) فيلسوف رواقي روماني، قال أن معين السعادة هو النفس لا الأشياء الخارجية. دعا إلى الأخاء، ولم يكتب شيئاً، فروى عنه تلميذه آريانوس. ينتمي إلى المدرسة الفلسفية التي أسسها زينون الرواقي صاحب نظرية المدينة الكونية.

[3]  يقول لونوار في كتابه: المعجزة السبينوزية:" فإذا أردنا أن نعرف معنى المعجزة السبينوزية، يكفي أن ندرك أننا أمام شخص له سمات خاصة: شخص «ظلّ وفيًّا لحبّ الحقيقة، مفضّلًا حرية التفكير على طمأنينة العائلة والطائفة وعلى الانسياق للفكر السائد». لقد كان ضحية أبشع الانتهاكات، ثم التّنكّر له من قبل أهله وعاش تحت التهديد المتواصل، ولكنه بقي وفيًّا دائمًا للخط الموجّه لمسيرته. كان عُرضة للكراهية وللسخرية ولكنه لم يكره أحدًا قط. تعرّض للغدر ولكنه لم يغدر أبدًا. تعرّض للخيرية ولكنه لم يستَخِفّ بأحد قط. ثم شتمه في كثير من الأحيان، لكن ردّه كان دائمًا هو الاحترام. عاش دائمًا باعتدال وكرامة وفي انسجام مع أفكاره» (الخاتمة). في هذه السمات التي طبعت شخص «سبينوزا» على مدى حياته، تتراءى لنا فلسفته كلها التي أرادها أن تكون طريقًا إلى الغبطة، أو بالأحرى درسًا يتكرّم به على بني جلدته، حتى يصبح كل واحد منهم قادرًا على أن يصير نبيًّا، نبيًّا على طريقة المسيح، ولكن خصوصًا على طريقة «سبينوزا".  ينظر في كتاب: فريدريك لونوار: المعجزة السبينوزية فلسفة لإنارة حياتنا، ترجمة، محمد عادل مطميط، دار التنوير للنشر والتوزيع، تونس، ط1 2020، ص، 11.

[4] فريدريك لونوار، فن الحياة، ترجمة جوزف كالوستيان، دار الخيال للطباعة والنشر، 2013، ص. 7-8. وقد ورد في تقديم الكتاب أن المؤلف يريد تقديم «معرفة عملية» تتمحور حول كيفية عيش حياة صالحة وسعيدة في انسجام مع الذات والآخرين.

المصدر نفسه، ص. 9. [5]

[6] Frédéric Lenoir, Du bonheur, un voyage philosophique, Paris, Fayard, 2013, pp. 15-30. والكتاب، بحسب فهرسه، ينتقل من سؤال حب الحياة إلى معنى الحياة والرغبة والانتباه والزمن والعلاقة بالآخرين والسعادة الفردية والجماعية.

فريدريك لونوار، فلسفة الرغبة، ترجمة؛ إسكندر حبش، دار الساقي، ط١ ٢٠٢٤، ص ،٢١. [7]

[8] Frédéric Lenoir, Du bonheur, un voyage philosophique, op. cit., notamment les chapitres « Aimer la vie qu’on mène », « Donner du sens à sa vie », « Le temps d’une vie » et « Peut-on être heureux sans les autres ? »

[9] على سبيل المثال، بالنسبة إلى أبيقور، فإن هذا المثل يمكن بلوغه بفضل الفكر العملي phronesis الذي يساعدنا على الاعتدال والاحساس باللّذات من أجل البقاء في حالة صفاء، وغياب الاضطراب ntaraxie. بالنسبة إلى بوذا، يتعلق الأمر بالتخلي عن رغبة الارتباط بالأشياء، التي تولّد الإحباط والألم، وبذلك فإن الطريقة الوحيدة للوصول إلى حالة السعادة، تكون عبر اليقظة، يعني الوعي بأنني لست الأنا التي أتحد معها بشكل عفوي. لونوار، فريدريك، الحكمة لمن يبحث عنها، ترجمة عبير محمود، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، 2019.ص،36.

[10] Frédéric Lenoir, Du bonheur, un voyage philosophique, op. cit., chap. 3, « Donner du sens à sa vie ».

[11] يتساءل لونوار في كتابه: " في السعادة؛ رحلة فلسفية" قائلا: " هل يعني ذلك أن أي تفكـّـر في السعادة سيكون أمراً لا طائل منــهُ؟ يجيب:" لا أعتقـد ذلك أبداً. فبقدر ما هو مهم التأكيـد على خصائصها غير القابلة للحصر وصعوبة فهمها، فإن خصائص السعادة العَصيّة على الضبط، والنسبية، والذاتية، لا تستنفد المسألة. ففي السعادة أيضاً شيءٌ من قوانين الحياة ومن الفعالية الإنسانية التي تؤثّر فيها بقوة، والتي يمكن القبض عليها بالتأمل الفلسفيّ مثلما بالمقاربات العلمية: كعلم النفس، وعلم الاجتماع، والبيولوجيا وعلوم المعرفة...".  فريدريك لونوار، في لسعادة: رحلة فلسفية، ترجمة خلدون النبواتي، دار التنوير للطباعة والنشر، تونس، ط1 2016، ص ص،7-8.

فريدريك لونوار، قوة الفرح، ترجمة، أيمن عبد الهادي، دار التنوير، تونس، ط1 2017، ص47.[12]

[13] Lenoir, Frédéric, La Sagesse expliquée à ceux qui la cherchent, Paris, Seuil, 2018, p. 26.

[14] Lenoir, Frédéric, La Puissance de la joie, Paris, Fayard, 2015, p. 40.

 

حين تلتقي التجربة الإنسانية بجوهر الظاهرة

ليس الأدب، في أعمق تجلياته، وصفاً للعالم كما يبدو من خارجه، وإنما هو محاولةٌ للنفاذ إلى العالم كما يُعاش من الداخل؛ وليس الشعر مجرد تسميةٍ للأشياء، بل إنصاتٌ إلى الكيفية التي تظهر بها الأشياء للوعي، وإلى ما تتركه في النفس من رجفةٍ أو دهشةٍ أو قلقٍ أو حنين. ومن هنا ينهض جسرٌ خفيٌّ بين الأدب والفينومينولوجيا؛ جسرٌ لا يقوم على تشابه المصطلحات، وإنما على وحدة السؤال: كيف يظهر العالم للإنسان؟ وكيف تتحول التجربة المعيشة إلى معنى؟

لقد جاءت الفينومينولوجيا، منذ إدموند هوسرل، لتعيد الاعتبار إلى الظاهرة في لحظة ظهورها للوعي، متجاوزةً ما يفرضه العقل عليها من أحكام مسبقة وتصنيفات جاهزة. وكان شعار هوسرل الشهير: «العودة إلى الأشياء ذاتها» دعوةً إلى استعادة الخبرة في كثافتها الأولى، قبل أن تُختزل في المفاهيم والتفسيرات الخارجية.

وفي هذه النقطة تحديداً يلتقي الفيلسوف بالشاعر.

فالشاعر الحقيقي لا يرى الشجرة بوصفها «نباتاً» فحسب، ولا يرى المطر بوصفه ظاهرةً مناخية، ولا يرى الليل مجرد غيابٍ للضوء؛ وإنما يرى الشجرة كما تتفتح في ذاكرته، والمطر كما يوقظ فيه طفولةً بعيدة، والليل كما يضع الإنسان وجهاً لوجه أمام وحدته. إن الأدب يعيد الأشياء إلى حضورها الحي، والفينومينولوجيا تحاول أن تصف هذا الحضور قبل أن تبتلعه القوالب الجاهزة.

أولاً: الفينومينولوجيا بوصفها يقظةً للوعي

الفينومينولوجيا ليست فلسفةً للأشياء بقدر ما هي فلسفةٌ لظهور الأشياء. والفارق بين الأمرين عميق؛ لأن الشيء، في ذاته، قد يكون واحداً، لكنه لا يظهر بالطريقة نفسها لكل وعي.

النافذة، مثلاً، ليست مجرد قطعةٍ من الزجاج والخشب؛ فقد تكون عند طفلٍ منفذاً إلى العالم، وعند عاشقٍ طريقاً لانتظار حبيب، وعند سجينٍ صورةً للحرية، وعند مهاجرٍ آخر إطاراً لوطنٍ لم يعد قادراً على بلوغه.

هنا تبدأ الفينومينولوجيا: ليس بالسؤال «ما الشيء؟» فقط، وإنما بالسؤال الأكثر عمقاً: كيف يظهر الشيء في التجربة؟ وما الذي يجعله ذا معنى بالنسبة إلى الوعي؟

وهذا هو بالضبط ما يفعله الأدب.

فالرواية لا تنقل لنا «الحدث» فحسب، وإنما تكشف كيف عاش الإنسان الحدث. والشعر لا يقدم لنا «الحزن» بوصفه مفهوماً، بل يجعلنا ندخل في نسيجه، ونشم رائحته، ونسمع صمته، ونحس بثقله على الروح.

ومن هنا يمكن القول إن الأدب العظيم يمارس، بطريقة جمالية، ما تسعى الفينومينولوجيا إلى ممارسته بطريقة فلسفية: تحرير التجربة من ابتذال الاعتياد، وإعادة الأشياء إلى دهشتها الأولى.

ثانياً: الشعر بوصفه ظاهرةً معيشة

حين ننظر إلى تاريخ الشعر العالمي نجد أن كبار الشعراء لم يكونوا يصفون العالم بقدر ما كانوا يكشفون كيفية حضوره في الوعي.

عند شارل بودلير، في أزهار الشر، لا تتحول المدينة إلى مكانٍ جغرافي فحسب؛ إنها تجربةٌ نفسية مركبة: زحام، وحدة، غواية، قلق، اغتراب، جمال وقبح في اللحظة نفسها. باريس البودليرية ليست مدينةً خارج الشاعر، بل مدينةٌ تسكن داخله أيضاً.

أما رامبو، حين كتب عبارته الشهيرة: «أنا آخر»، فقد فتح جرحاً عميقاً في مفهوم الذات الشعرية؛ فالذات ليست جوهراً مغلقاً يملك نفسه امتلاكاً نهائياً، وإنما هي فضاءٌ يتقاطع فيه الآخر واللغة والذاكرة والرغبة والعالم. وهذه الفكرة تقترب، من جهة مختلفة، من مركزية الوعي القصدي في الفينومينولوجيا؛ فالوعي ليس صندوقاً مغلقاً، وإنما هو دائماً وعيٌ بشيء، متجهٌ إلى العالم، ومفتوحٌ على ما يتجاوزه.

وهنا لا يعود الشاعر مجرد «أنا» تتحدث، وإنما يصبح موقعاً تتكلم من خلاله التجربة الإنسانية.

وفي الشعر العربي الحديث، يمكن العثور على حساسيات قريبة من هذا الأفق لدى عدد من الشعراء، وفي مقدمتهم أدونيس، حيث لا تعود القصيدة وعاءً لمعنى جاهز، بل تتحول إلى فضاءٍ لتكوين المعنى نفسه. القصيدة لا تقول العالم كما هو؛ إنها تعيد خلق الطريقة التي يمكن أن يظهر بها العالم.

وهنا تكمن إحدى أهم خصائص الشعر: إنه لا يشرح التجربة؛ إنه يجعلها تحدث من جديد داخل اللغة.

ثالثاً: من الظاهرة إلى الذاكرة:

بروست والفينومينولوجيا الأدبية

ربما لا يوجد مثالٌ روائي أكثر دلالةً على علاقة الأدب بالتجربة المعيشة من تجربة مارسيل بروست في البحث عن الزمن المفقود.

إن تذوق قطعة المادلين الشهيرة لا يؤدي إلى مجرد استرجاع معلومة من الماضي، وإنما يفجّر عالماً كاملاً كان يبدو منطفئاً في الذاكرة. الطعم والرائحة والإحساس الجسدي يصبحون مفاتيح للزمن.

وهنا يتحول الماضي من «حدثٍ انتهى» إلى حضورٍ جديد داخل الوعي.

هذه إحدى أعقد حقائق التجربة الإنسانية: الزمن ليس فقط ما مضى، وإنما ما يظل قادراً على العودة فينا. وقد يكون الماضي أكثر حضوراً في لحظةٍ معينة من الحاضر نفسه.

إن الذاكرة، في الأدب، ليست أرشيفاً؛ إنها إعادة تشكل للوجود.

ولذلك فإن بروست لا يكتب عن الماضي بقدر ما يكتب عن كيفية ظهور الماضي في الحاضر. وهذه نقطة ذات حساسية فينومينولوجية بالغة.

رابعاً: جيمس جويس وتيار الوعي: حين تصبح النفس فضاءً سردياً

مع جيمس جويس، ولا سيما في عوليس، تتغير وظيفة السرد جذرياً. فبدلاً من أن يكون الروائي مراقباً خارجياً للشخصية، يصبح السرد أقرب إلى التجول داخل مجرى الوعي نفسه.

الأفكار لا تأتي مرتبةً دائماً، والذاكرة لا تتحرك في خط مستقيم، والانفعالات لا تنتظر اكتمال الجمل، والصور تتداخل مع الأصوات والروائح والذكريات والهواجس.

إن ما يسمى تيار الوعي يكشف أن الإنسان لا يعيش ذاته في صورة منطقية منتظمة، بل في حركةٍ داخلية متشعبة، يتداخل فيها الماضي بالحاضر، والمرئي بالمخفي، والإرادي باللاإرادي.

وهنا يقترب الأدب من سؤال الفينومينولوجيا: كيف يتشكل العالم في الوعي قبل أن يتحول إلى خطابٍ مرتب؟

إن الرواية الحديثة، بهذا المعنى، لم تعد تكتفي بأن تحكي ما حدث؛ بل صارت تسأل: كيف عاش الإنسان ما حدث؟

وهذا انتقال من «موضوعية الحدث» إلى «ذاتية التجربة».

خامساً: الأدب العربي واستعادة العالم من الداخل

لا يخلو الأدب العربي الحديث من تجارب سردية وشعرية يمكن قراءتها في ضوء هذا المنظور.

ففي مدن الملح لعبد الرحمن منيف، مثلاً، لا تبدو التحولات الاجتماعية والاقتصادية مجرد وقائع تاريخية، وإنما تدخل إلى الوعي اليومي للناس: إلى عاداتهم، ومخاوفهم، وعلاقاتهم، وأجسادهم، ولغتهم، ونظرتهم إلى المكان.

التحديث هنا ليس مجرد بنيةٍ اقتصادية؛ إنه صدمةٌ في طريقة رؤية العالم.

وهذه النقطة جوهرية في القراءة الفينومينولوجية: الحداثة لا تُقاس فقط بالمؤسسات والمصانع والمدن، وإنما بما تفعله في إحساس الإنسان بالزمن والمكان والآخر وذاته.

وفي الأيام لطه حسين، نجد تجربةً أكثر خصوصية؛ إذ تتحول الطفولة والعمى والتعليم والقرية والكتاب والجامع والأصوات والروائح إلى مكوناتٍ في بناء عالمٍ داخلي. فالمكان ليس مجرد خلفية للسيرة، وإنما هو جزء من تشكيل الوعي.

إن الطفل لا يرى العالم كما يراه الراشد، والأعمى لا يتلقى المكان بالطريقة التي يتلقاه بها المبصر؛ ولذلك يصبح الحواس والذاكرة والصوت واللمس عناصر أساسية في تشكيل التجربة.

وهنا يتحول السرد إلى تشريحٍ للوعي وهو يتكون.

سادساً: الفينومينولوجيا والطب النفسي: الإنسان ليس ملفاً سريرياً

تزداد أهمية الفينومينولوجيا حين ننتقل من الأدب إلى علم النفس والطب النفسي، لأن الإنسان قد يُختزل بسهولة إلى مجموعة من الأعراض والقياسات والتشخيصات.

غير أن الإنسان ليس أعراضه فقط.

فالقلق، مثلاً، ليس مجرد تسارعٍ في النبض أو اضطرابٍ في النوم؛ إنه أيضاً طريقةٌ يتغير بها العالم في عين الإنسان. المكان الذي كان مألوفاً قد يصبح مهدداً، والمستقبل الذي كان مفتوحاً قد يتحول إلى جدار، والزمن نفسه قد يفقد انسيابه الطبيعي.

وهنا أسهم لودفيغ بنسوانغر في تطوير اتجاهٍ وجودي في الطب النفسي مستفيداً من الفينومينولوجيا، محاولاً فهم المريض من داخل عالمه المعاش، لا بوصفه مجموعةً من الأعراض المعزولة.

كما أن فيكتور فرانكل، في إطار العلاج بالمعنى، أعاد التأكيد على حاجة الإنسان إلى معنى يتجاوز مجرد التخلص من التوتر أو الألم. فالإنسان لا يعيش بالراحة وحدها؛ إنه يحتاج إلى سببٍ يجعل احتماله للألم قابلاً للفهم.

وهنا يقترب الطب النفسي من الأدب بصورة مدهشة.

فالأدب يفعل ما تعجز عنه بعض الجداول الإحصائية: يمنح الألم صوتاً وصورةً وسيرةً وذاكرةً.

إن روايةً عن الفقد قد تجعلنا نفهم الحزن أكثر مما تفعل قائمةٌ طويلة من التعريفات؛ وقصيدةٌ صادقة عن الوحدة قد تكشف بنية الوحدة من الداخل.

ولهذا يمكن القول إن الأدب ليس بديلاً عن العلم، لكنه يمتلك معرفةً من نوع آخر: معرفة التجربة.

سابعاً: اللغة ليست لباساً للمعنى؛ إنها أحد أمكنته

هنا نصل إلى واحدة من أكثر مناطق الالتقاء خصوبةً بين الفينومينولوجيا والأدب: اللغة.

لا تأتي التجربة إلى اللغة وهي مكتملة تماماً؛ كثيراً ما تتشكل التجربة نفسها أثناء محاولة تسميتها.

حين نقول: «أنا حزين»، فنحن لا ننقل حالةً نفسية مكتملة إلى الخارج فحسب؛ إننا نمنح التجربة شكلاً لغوياً يجعلها قابلةً للرؤية والتأمل والمشاركة.

ومن هنا كانت اللغة أكثر من نظامٍ من العلامات.

عند هوسرل، ترتبط اللغة بمسألة المعنى وقصديته، وفي الفكر اللاحق، ولا سيما عند هيدغر، أصبحت اللغة مرتبطةً ارتباطاً وثيقاً بانكشاف الوجود. وتأتي العبارة الشهيرة لهيدغر: «اللغة بيت الوجود» لتكثف هذا التصور، مع أن فهمها لا ينبغي أن يُختزل في استعارةٍ شاعرية منفصلة عن مشروعه الفلسفي.

فالإنسان لا يسكن العالم فقط؛ إنه يسكنه من خلال اللغة.

والكلمة ليست مجرد اسمٍ لشيء حاضر خارجها؛ إنها طريقةٌ في فتح الشيء على دلالته.

حين يقول الشاعر «ليل»، لا يكون قد استدعى الظلام وحده؛ فقد يستدعي الموت، والحنين، والانتظار، والمنفى، والحب، والخوف، والطفولة. الكلمة الواحدة تستطيع أن تحمل تاريخاً نفسياً كاملاً.

ومن هنا تصبح البلاغة، في أحد وجوهها العميقة، دراسةً لكيفية تحول التجربة إلى صورة.

ثامناً: من هوسرل إلى هيدغر وميرلو-بونتي: الجسد يدخل الفلسفة

إذا كان هوسرل قد أعاد الوعي إلى مركز البحث الفلسفي، فإن الفينومينولوجيا اللاحقة وسّعت السؤال لتكشف أن الوعي ليس عقلاً معلقاً خارج العالم.

عند هيدغر، يصبح الإنسان كائناً منخرطاً في العالم، لا متفرجاً عليه من الخارج.

وعند موريس ميرلو-بونتي، يحتل الجسد المعيش مكانةً أساسية؛ فنحن لا نمتلك جسداً كما نمتلك شيئاً خارجياً فحسب، بل نحن نحيا العالم عبر الجسد.

وهذا بالغ الأهمية في الأدب.

فالخوف ارتعاش، والحب اقتراب، والفقد ثقل، والحنين رائحة، والمرض تغير في علاقة الإنسان بجسده ومكانه وزمنه.

الشاعر لا يكتب بالجسد عن الجسد فقط؛ إنه يكتب من داخل الجسد.

ولذلك فإن القصيدة الحقيقية لا تخاطب العقل وحده، وإنما تستثير الذاكرة الحسية: السمع والبصر واللمس والشم والذوق، فتجعل اللغة جسراً بين الجسد والعالم.

تاسعاً: هيدغر والشعر: حين تكشف اللغة ما كان مستتراً

عند هيدغر يحتل الشعر مكانةً استثنائية؛ لأن الشعر، في نظره، لا يكتفي بوصف الموجودات، بل يمكن أن يتيح انكشاف الوجود نفسه.

ومن هنا اهتمامه بهولدرلين.

فالشاعر الكبير لا يضيف زخرفةً إلى العالم، بل قد يكشف ما كان العالم يخفيه تحت اعتياده.

إننا نمر يومياً بجانب شجرة ولا نراها؛ نسمع صوت المطر ولا نصغي إليه؛ نعيش مع اللغة حتى نكاد نفقد الإحساس بعجائبها. ثم تأتي قصيدة واحدة فتجعل الشجرة جديدة، والمطر جديداً، والكلمة جديدة.

وهنا يتجلى أحد أعظم أدوار الأدب:

أن يعيد للعالم قدرته على إدهاشنا.

فالشعر لا يضيف الجمال إلى الأشياء دائماً؛ أحياناً هو الذي يزيل طبقة الاعتياد التي حجبت جمالها.

عاشراً: من الفينومينولوجيا إلى الهرمينوطيقا: التجربة لا تنتهي عند الوصف

مع بول ريكور، ينتقل التفكير من وصف التجربة إلى تأويلها. فالنص لا يكتفي بأن يعكس تجربة صاحبه؛ إنه يفتح أمام القارئ عالماً جديداً يمكن أن يسكنه القارئ مؤقتاً.

وهنا تصبح القراءة فعلاً تأويلياً.

نحن لا نقرأ الرواية لكي نعرف فقط ماذا حدث لشخصياتها؛ وإنما لكي نكتشف شيئاً عن أنفسنا من خلال ما حدث لها.

وهذا ما يجعل الأدب أكثر من وثيقة اجتماعية أو نفسية.

إنه مرآة لا تعكس وجه القارئ، بل تعيد تشكيله.

ومن هنا يمكن فهم الصلة بين الفينومينولوجيا والهرمينوطيقا: الأولى تسأل عن كيفية ظهور التجربة، والثانية تسأل عن كيفية فهم معناها وتأويلها.

والأدب يقف بينهما؛ لأنه يمنح التجربة صورةً قابلةً للعيش، ثم يتركها مفتوحةً أمام تعدد القراءات.

الحادي عشر: الأدب لا يقول الحقيقة فقط؛ إنه يجعل الحقيقة قابلةً للتجربة

قال هيدغر، في سياق حديثه عن الفن، إن العمل الفني يضع الحقيقة في العمل. وهذه العبارة تفتح لنا باباً واسعاً لفهم وظيفة الأدب.

فالحقيقة الأدبية ليست بالضرورة حقيقةً تقريرية.

حين يكتب الروائي عن المنفى، لا يقدم لنا تعريفاً للمنفى؛ إنه يجعلنا نشعر بما يعنيه أن يصبح المكان الذي كان بيتاً مجرد ذكرى. وحين يكتب الشاعر عن الموت، لا يقدم برهاناً على الفناء، وإنما يجعلنا نلمس هشاشة الوجود.

وهنا يكمن الفرق بين الحقيقة التي نعرفها والحقيقة التي نعيشها.

قد نعرف أن الإنسان فانٍ، لكن قصيدةً واحدة عن موت صديق قد تجعل الفناء يتحول من معلومةٍ عقلية إلى تجربةٍ وجودية.

وهذا هو سر الأدب.

إنه يحول المفهوم إلى إحساس، والفكرة إلى صورة، والتاريخ إلى ذاكرة، والحدث إلى تجربة.

الثاني عشر: نيتشه وأونامونو وطه حسين: الأدب بوصفه تأويلاً للمأساة الإنسانية

رغم أن فريدريك نيتشه سبق ظهور الفينومينولوجيا بوصفها مذهباً فلسفياً منظماً، فإن مشروعه يلتقي معها في جانب أساسي: رفض التصورات الجامدة عن الحقيقة والإنسان، والنظر إلى المعرفة من خلال علاقتها بالحياة والتجربة والتأويل.

فالإنسان عند نيتشه ليس كائناً شفافاً لنفسه؛ إنه حقلٌ من القوى والرغبات والتوترات والتأويلات.

أما ميغيل دي أونامونو فقد جعل من المأساة الإنسانية مركزاً للتفكير، ورأى أن الإنسان الحقيقي لا يمكن اختزاله في تعريفٍ تجريدي؛ إنه كائنٌ يتألم، ويحب، ويخاف الموت، ويبحث عن معنى يبرر وجوده.

وهذا الإنسان هو نفسه مادة الأدب الكبرى.

أما طه حسين، في الأيام، فقد جعل من السيرة الذاتية مختبراً للوعي؛ فالطفولة عنده ليست مجرد مرحلةٍ زمنية، وإنما عالمٌ له قوانينه الإدراكية والوجدانية واللغوية الخاصة.

ومن هنا يمكن أن نقرأ الأدب العربي أيضاً بوصفه سجلاً عميقاً لكيفية تشكل الإنسان العربي في المكان واللغة والتاريخ والذاكرة، لا مجرد سجلاً للأحداث.

الثالث عشر: الشاعر فينومينولوجي بالفطرة؟

قد يكون من المبالغة القول إن كل شاعر فينومينولوجي، لأن الفينومينولوجيا لها جهازها الاصطلاحي والمنهجي الخاص. لكن يمكن القول، مجازاً، إن الشاعر العظيم يمارس أحياناً حساسيةً فينومينولوجية من غير أن يستخدم المصطلح.

إنه يتوقف أمام الشيء الذي اعتاده الآخرون.

يرى ما لا يُرى.

يصغي إلى ما لا يُسمع.

ويمنح اللغة مهمة استعادة العالم من تحت ركام العادة.

الشاعر لا يسأل دائماً: «ما هذا؟»

بل قد يسأل، بصورة أكثر عمقاً: «كيف أشعر بهذا الذي يحدث لي؟»

وهذا التحول من «ما هو الشيء؟» إلى «كيف يظهر الشيء في تجربتي؟» هو أحد المفاتيح التي تجعل الفينومينولوجيا والأدب يلتقيان.

الرابع عشر: الأدب ضد اختزال الإنسان

في عصرٍ تميل فيه المعرفة إلى القياس والتصنيف والإحصاء، يصبح الأدب ضرورةً أنثروبولوجية وأخلاقية.

فالإنسان ليس رقماً، ولا ملفاً، ولا تشخيصاً، ولا وظيفةً، ولا هويةً قانونية، ولا مجموعةً من المؤشرات.

إنه كائنٌ له ذاكرةٌ لا تُقاس، وخوفٌ لا يُرى، وحلمٌ لا يُختبر في المختبر، وحنينٌ لا يدخل في الجداول.

العلم يستطيع أن يخبرنا عن آليات الألم؛ لكن الأدب يستطيع أن يجعلنا نشعر بكيفية وقوع الألم في إنسان بعينه.

والفلسفة تستطيع أن تسأل عن الحرية؛ لكن الرواية يمكن أن تجعلنا نعيش مأزق إنسانٍ يقف بين الحرية والخوف.

وعلم النفس يستطيع أن يصف الاغتراب؛ لكن القصيدة قد تجعل الاغتراب صوتاً وشارعاً ونافذةً ووجهاً ومدينة.

وهكذا لا تتعارض المعارف، بل تتكامل.

العلم يفسر، والفلسفة تسأل، والأدب يُجسّد، والفينومينولوجيا تصغي إلى كيفية حضور التجربة في الوعي.

الخاتمة: حين يصبح الأدب عودةً إلى الإنسان

الأدب والفينومينولوجيا يلتقيان، في النهاية، عند عتبةٍ واحدة: التجربة الإنسانية كما تُعاش قبل أن تُختزل.

هوسرل أراد أن يعيد الفلسفة إلى الأشياء ذاتها؛ والأدب العظيم يعيد الإنسان إلى نفسه.

الفيلسوف الفينومينولوجي يضع بين قوسين الأحكام المسبقة لكي يرى الظاهرة في طريقة ظهورها، والشاعر يزيح عن العالم غبار العادة لكي يرى الأشياء في لحظة انبثاقها الأولى.

الفينومينولوجيا تسأل: كيف يظهر العالم للوعي؟

والأدب يجيب بطريقة لا تكون إجابةً جاهزة، بل تجربةً جديدة للقارئ.

إن الرواية لا تمنحنا شخصياتٍ فقط؛ تمنحنا طرائق أخرى للوجود. والقصيدة لا تمنحنا كلماتٍ فقط؛ تمنحنا حواساً جديدة. والسيرة لا تحفظ الماضي فقط؛ إنها تعيد تشكيله داخل الذاكرة. واللغة لا تصف العالم دائماً؛ إنها تفتح لنا إمكاناتٍ جديدة لرؤيته.

لذلك فإن الأدب، في جوهره، ليس هروباً من الواقع، وإنما عودةٌ أكثر عمقاً إليه.

إنه محاولة لاسترداد الإنسان من التجريد، والشيء من الابتذال، واللغة من الاستهلاك، والذاكرة من النسيان، والحياة من تحولها إلى عادة.

ولعل أعظم ما يفعله الشعر هو أنه يوقف الزمن لحظةً واحدة كي يقول لنا:

انظروا… إن العالم الذي ظننتم أنكم تعرفونه لم يظهر لكم بعد.

وهنا، تحديداً، تلتقي الفينومينولوجيا بالأدب:

كلاهما يريد أن ينقذ الظاهرة من موتها في العادة، وأن ينقذ الإنسان من اختزال وجوده إلى ما يمكن قياسه، وأن يعيد إلى التجربة الإنسانية حقها في أن تكون معرفةً، ودهشةً، وذاكرةً، ولغةً، ووجوداً.

فالإنسان لا يعيش في العالم فحسب؛ إنه يعيش في الطريقة التي يظهر بها العالم له.

والأدب هو أحد أعمق الأمكنة التي يستطيع فيها هذا الظهور أن يقول نفسه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

حفريات فلسفية في ديمومة العنف والسلطة بالشرق الأوسط

بنية الوجود وأشكال الوعي الجمعي البدئية

تتطلب مقاربة ظاهرة العنف والسلطة في مجتمعات الشرق الأوسط تجاوز التفسيرات الوقائعية العابرة، والنفاذ إلى الطبقات التكوينية العميقة للوعي الجمعي؛ حيث تتشكل الرؤى الغيبية الكلية وتستقر الأنماط البدئية الموجهة للسلوك البشري والمؤسسة للأنظمة السياسية. ينهض مفهوم "النمط الأولي" في حقل التحليل النفسي بوصفه قالباً فطرياً وصورة ذهنية راسخة في اللاوعي الجمعي، تتوارثها الجماعات البشرية كاستجابات رمزية متكررة لمسائل الأمن، والبقاء، وشرعنة التماسك المشترك.

الوعي الجمعي ونمط الأب البدئي عند كارل يونغ

يؤصل كارل غوستاف يونغ لأطروحة مفادها أن النفس الإنسانية لا تنحصر في نطاق الوعي الفردي أو الرواسب المكتسبة من السيرة الذاتية، بل ترتكز على أرضية أعمق هي "اللاوعي الجمعي" الذي يختزن الآثار النفسية للتجارب التاريخية والأسطورية المتراكمة للنوع البشري. وتبرز في هذا الإطار بنيتان نفسيتان تشكلان عماد الإنتاج السلطوي: نمط "الأب البدئي المستبد"، ومفهوم "الظِّل" الجمعي.

يمثل "الأب البدئي" التجسيد النفسي للقدرة المطلقة، والحماية المشروطة بالقهر؛ فهو البنية التي يلجأ إليها الوعي الجمعي كلما تعرضت الجماعة لخلخلة تهدد استقرارها وبقاءها. ينكص المجتمع حينها نحو استدعاء الحاكم القاهر المانح للأمان مقابل التنازل الكامل عن الفاعلية الفردية، متقبلاً الاستبداد بوصفه ثمناً لا مفر منه للنجاة من التشرذم والاضطراب.

يقترن هذا النمط بحركة "الظِّل"؛ وهو ذلك المستودع النفسي الذي يُلقى فيه بكل ما ترفضه الذات الجمعية من نزعات عدوانية ودوافع تدميرية تعجز عن الاعتراف بها وضبطها عقلانياً. وعبر آلية الإسقاط، تقوم الجماعة بإسقاط ظلها القاتم على "آخر" يُصوَّر شراً مطلقاً يتربص بالهوية الجامعة؛ سواء تجسد هذا الآخر في عدو خارجي، أو في أقلية عرقية ومذهبية، أو في معارضة سياسية منادية بالإصلاح. وبذلك، يتحول العنف الممارس ضد هذا الآخر إلى طقس تفريغي يُشعر الجماعة بالبراءة والتوحد، مما يعيد تحصين السلطة القائمة ويجعل القمع عملاً تطهيرياً يمتنع نقده في مدارات الوعي السائد.

الرغبة المحاكاتية والعنف التأسيسي عند رينيه جيرار

ينقل رينيه جيرار المسألة من التحليل النفسي إلى الفلسفة الإنسانية عبر نظريته في "الرغبة المحاكاتية"، مبيناً أن الرغبة الإنسانية ليست علاقة ثنائية مباشرة بين الذات وموضوع الرغبة، بل هي علاقة ثلاثية الأبعاد تتوسطها رغبة "الآخر" الذي يُتخذ مثالاً ومحتذى. وتنشأ الخصومة المحتومة حين يتنافس طرفان على الشيء ذاته الذي يتعذر اقتسامه؛ فتتحول المحاكاة سريعاً من الإعجاب بالنموذج إلى التنافس الشرس لإفنائه، مما يطلق شرارة عدوى محاكاتية تجرف النسيج الاجتماعي نحو "أزمة التماثل"، حيث تتهاوى التراتبيات وتتساوى الأطراف كافة في ممارسة العنف ذاته وبالمسوغات نفسها.

ولإنقاذ الجماعة من الفناء الداخلي الناجم عن تصاعد هذه الشحنات التدميرية، تتفعل تاريخياً آلية "كبش الفداء"؛ إذ يتوافق الخصوم توافقاً غير واعٍ على تحميل ضحية مفردة، أو فئة مستضعفة، وِزر الاضطراب برمته. وبممارسة العنف الجمعي ضد هذه الضحية استئصالاً أو نفياً، تنطفئ نيران الاحتراب الأهلي ويسود هدوء عابر، مما يُكسب الضحية هالة من القداسة اللاحقة؛ فتغدو في المتخيل الجمعي مجلبة للبلاء وحاملة للخلاص في آن معاً.

تكشف أطروحة جيرار أن السلطة في جوهرها التاريخي لم تكن تعاقداً عقلانياً رشيداً، بل هي تنظيم محكم لاحتكار العنف القرباني؛ حيث يستمر الحكام في تصدير أزمات الشرعية وتآكل المؤسسات عبر استدعاء دوري لأكباش فداء من الخصوم السياسيين أو المخالفين مذهبياً، الأمر الذي يضفي الشرعية على بطش الدولة باعتباره جدار الحماية الأوحد من السقوط في الفوضى الشاملة.

قداسة القهر وصيانة النظام الكوني

لم ينبثق الإخضاع القسري لمجتمعات الشرق الأوسط من فراغ فكري، بل استند إلى لاهوت سياسي ضارب في القدم صاغته حضارات بلاد الرافدين ووادي النيل، حيث تحالف الكهنوت والعرش لتحويل ممارسة القهر إلى فعل تأسيسي لحفظ تماسك الكون.

تجسد ملحمة الخلق البابلية "إنوما إيليش" تصويراً فكرياً وأسطورياً يجعل من العنف شرطاً لازماً للوجود والترتيب؛ إذ تبتدئ الملحمة بحالة الاضطراب المائي والعماء البدئي الذي تمثله "تيامات". وحين يعجز مجمع الآلهة عن احتوائها، يُنتدب الإله الشاب "مردوخ" لخوض المواجهة، مشترطاً منحه السيادة المطلقة وسلطة تصريف الأقدار دون معقب.

يخوض مردوخ حرباً ضارية، فيصرع تيامات ويشطر جسدها ليخلق من نصفيها السماء والأرض، ثم يُخلق البشر من دماء الإله المتمرد "كينغو" لغرض صريح: خدمة الآلهة وحمل أثقالها وأداء السخرة عنها. يحمل هذا النص المؤسس مضامين كينونية عميقة؛ فالنظام الكوني لم يتأسس بالتوافق والتراضي، بل تأسس بالقهر والفتك، ليغدو العنف عنصراً بنيوياً في صلب الوجود.

ينسحب هذا التصور انسحاباً مباشراً على الاجتماع السياسي؛ إذ عُدّ ملك بلاد الرافدين وكيلاً أرضياً للإله في ضبط الأرض وإخضاعها. وبناءً عليه، فإن لجوء الحاكم إلى البطش، وشن الحروب، وسحق التمردات، كان يُفهم واجباً وجودياً مستمراً لترويض فوضى "تيامات" الكامنة. فالرعية في هذا التصور مخلوقة للامتثال وخدمة النظام، وأي نزوع نحو التحرر أو المساءلة يُفسَّر ردةً نحو العماء البدئي يستوجب قمعها صوناً لثبات العالم وسلامته.

تشريح العقل السياسي والاجتماعي

انبرى مفكرو الحداثة النقدية في الفكر العربي المعاصر لتفكيك هذا الاستبداد الممتد في جسد الدولة الوطنية، متجاوزين الوصف الظاهري إلى سبر الأغوار العميقة للمنظومات الرمزية والمادية التي تُعيد من خلالها السلطات الحديثة إنتاج التسلط التراثي القديم وإلباسه مسوح الحداثة.

الأساس الاقتصادي والارتهان الخارجي

لم تكن الأنماط الذهنية والرموز الأسطورية لتكفي وحدها لديمومة القهر دون ركائز مادية أسهم في ترسيخها التشوه الهيكلي لاقتصاد المنطقة والتقاطعات المصلحية للمنظومة الدولية.

يفضي النمط الريعي إلى تعطيل المشاركة الشعبية الفاعلة؛ إذ يُوظّف النظام السياسي عوائد الموارد لشراء المهادنة الاجتماعية عبر توزيع المناصب والمنح والخدمات المجانية، وهو ما يُفرغ المواطنة من معناها ويحوّل الأفراد من شركاء في الحكم إلى متلقين معتمدين كلياً على رعاية السلطة الحاكمة وأعطياتها.

يمنح هذا التدفق المالي المستقل النخب المستبدة قدرة غير مقيدة لبناء أجهزة أمنية وعسكرية ضخمة لا تخضع لأي رقابة شعبية أو محاسبة دستورية، الأمر الذي يجعل كلفة المطالبة بالحقوق والحريات باهظة للغاية، ويُغني الحكام عن التوافق والتفاوض مع القوى الحية في المجتمع.

التركة الاستعمارية وتكريس التبعية

تتضافر البنى الداخلية المشوهة مع الموروث الاستعماري الذي شكّل خريطة المنطقة السياسية بصورة قسرية. لقد فرضت القوى الاستعمارية حدوداً جغرافية متعسفة إبان انهيار الدولة العثمانية، فمزقت مجتمعات متجانسة وحشرت تباينات متنافرة داخل أطر مصطنعة دون أدنى اعتبار للحقائق التاريخية والاجتماعية الراسخة.

أفرز هذا التقسيم القسري أزمة شرعية عميقة رافقت ولادة الدول الحديثة، مما دفع الأنظمة المتتابعة إلى استخدام أقصى درجات البطش لإكراه التكوينات المتنافرة على الانصهار داخل كيانات تعوزها رابطة الانتماء الطوعي.

فضلاً عن ذلك، أسست السياسات الاستعمارية لمنهج إذكاء الفرقة، عبر تمكين جماعات بعينها وتأهيلها للسيطرة على المراكز الحساسة في المؤسستين العسكرية والأمنية، مما مهد لانقلابات متعاقبة استأثرت من خلالها نخب ضيقة بالسلطة وثروات الأوطان.

ولم ينتهِ هذا الأثر برحيل الجيوش، بل تحول إلى تبعية استعمارية غير مباشرة ترعاها القوى الدولية الكبرى لضمان تدفق الطاقة وحماية الممرات المائية وتأمين مصالح الحلفاء. وقد التقت إرادات هذه القوى على تفضيل "استقرار الاستبداد" على مخاضات الديمقراطية ومآلاتها، فواصلت رفد آلات القمع بالعتاد والغطاء السياسي، لتبقى شعوب المنطقة رهينة بين سندان القهر الداخلي ومطرقة التواطؤ الخارجي.

تفكيك المركزيات وبناء دولة المواطنة

إن كسر هذه الحلقة المغلقة من القهر المستدام في الشرق الأوسط يقتضي تجاوز المعالجات الشكلية والتبدلات الفوقية للوجوه، وخوض مسار تحرري جذري يفكك الأساطير الحاكمة، ويستأصل التشوهات الهيكلية، لبناء عقد مدني متحرر من وهم القداسة وغطرسة الإكراه:

المسار الوجودي والأسطوري: نزع هالة التقديس عن تدبير الشأن العام؛ إذ يستحيل بناء فضاء سياسي سليم دون فصم الارتباط الزائف بين إرادة المستبد والنظام الإلهي الكوني. وتستوجب هذه النقلة نقل الممارسة السياسية من سماء المطلقات إلى أرض الأفعال الإنسانية النسبية القابلة للصواب والخطأ، والجدال، والمساءلة.

المسار الاجتماعي والنفسي: تفكيك آلية "كبش الفداء" عبر وقف استعداء المخالفين والأقليات، وتجاوز إسقاط العيوب الجمعية على أطراف أخرى، وحمل المجتمعات على مواجهة أزماتها بمسؤولية ذاتية دون الركون إلى نظرية المؤامرة الخارجية المطلقة. كما ينبغي تطهير النزاع السياسي من مفاهيم "التخوين والتكفير"، والارتقاء به ليكون تنافساً سلمياً يثري حيوية المجتمع ويخدم بناء المؤسسات.

المسار المعرفي والتربوي: تفكيك بنى التسلط الأبوي في المجتمع، بدءاً من المنظومات التربوية والتعليمية وصولاً إلى المؤسسات الدينية، بغية تقويض ثقافة الإذعان، وإرساء تربية عقلانية نقدية تُشجع السؤال الحر، وتصون حرمة الضمير، وتكرس المساواة الإنسانية التامة دون تمييز.

المسار الدستوري والمؤسسي: ترجمة هذه المبادئ إلى واقع سياسي من خلال بناء "دولة الحق والقانون" التي تقوم على الفصل التام بين السلطات، وتلغي القوانين الاستثنائية التي تُبيح انتهاك كرامة الإنسان وتُطلق يد الأجهزة الأمنية دون رقابة قضائية مستقلة.

إن ثنائية العنف والسلطة في مجتمعات الشرق الأوسط ليست قدراً محتوماً ملازماً لجيناتها الحضارية، بل هي حصيلة تاريخية مركبة تضافرت فيها أساطير بدئية قايضت السلامة بالإذعان، وتنظيرات قايضت العدل بالأمن، وتشوهات معاصرة كرست التبعية والاستبداد. والسبيل الوحيد لكسر هذا القيد يكمن في امتلاك الشجاعة الفكرية لإحداث قطيعة معرفية شاملة تستعيد كرامة الإنسان وتصون حريته، وترسخ السيادة للشعوب الحرة لا لأصحاب السيوف والأعطيات.

***

غالب المسعودي

فيما يشبه القراءة لكتاب الفيلسوفة جولي ترمبلاي

ليس كل ألم يحتاج إلى دواء، وليس كل تعاسة تحتاج إلى طبيب نفسي، فثمة مناطق واسعة من الشقاء الإنساني تنشأ في تلك المسافة الغامضة بين الإنسان ونفسه، وبين ما يعيشه وما يعتقد أنه ينبغي أن يعيشه، وبين العالم كما هو والعالم كما يتصوره. هناك أناس لا يعانون مرضًا جسديًا، ولا اضطرابًا نفسيًا بالمعنى السريري، لكنهم يشعرون بأن شيئًا ما قد انكسر في داخلهم، وأن الحياة فقدت معناها، وأنهم غرباء عن أنفسهم والعالم. وهنا بالضبط يبدأ السؤال الفلسفي: هل يمكن للفلسفة أن تساعد الإنسان على الخروج من تعاسته؟

هذا هو السؤال الذي تعالجه الفيلسوفة الكندية الفرنكوفونية جولي ترمبلاي في كتابها «الفلسفة علاجًا للتعاسة»، وهو كتاب يستحق القراءة والتأمل؛ لأنه يعيدنا إلى المعنى الأول للفلسفة قبل أن تتحول في كثير من الجامعات إلى تاريخ للمذاهب، وحشد للمصطلحات، وتمارين في تفسير النصوص القديمة. فالكاتبة لا تتحدث عن الفلسفة بوصفها معرفة مدرسية، ولا باعتبارها تخصصًا أكاديميًا مغلقًا، بل بوصفها تجربة وجودية يمكن أن تساعد الإنسان على استعادة نفسه وإعادة بناء علاقته بالحياة وذاته والعالم.

ويأتي ذلك في سياق مشروعها بتدريس الفلسفة للأطفال والتدخل الاجتماعي إذ تربط بين الممارسة الفلسفية وقضايا التربية والصحة النفسية والحياة اليومية. وهذه الخلفية تفسر الطابع العملي والإنساني لمشروعها؛ فهي لا تسأل: ما الفلسفة؟ وإنما تسأل: ماذا يمكن أن تفعل الفلسفة للإنسان الذي يعيش أزمة؟ وكيف يمكن للتفكير أن يتحول من نشاط ذهني إلى ممارسة للتحرر واستعادة المعنى؟

والكتاب حصيلة تجربة مؤلمة عاشتها المؤلفة

عبّرت عن إحدى لحظات حياتها بأنها كانت «ميتة، لكنها لم تكن مدفونة»، قبل أن تجد في الفلسفة طريقًا أعاد إليها القدرة على رؤية العالم والحياة بطريقة أخرى. لم يكن الأمر معجزة، ولم تتغير قوانين العالم، لكن الذي تغير هو نظرتها إلى ذاتها وعلاقتها بما تعيشه. وهذا ما يجعل التجربة الفلسفية، في نظرها، نوعًا من التحول في الرؤية، واستعادة الإنسان لمسؤوليته عن حريته.

ولما كنت مهتما بوحدة الواقع واختلاف ادراكه ورؤيته وتصويره وتأويله وجدت نفسي أتوقف طويلًا أمام الكتاب، لأنه يلتقي مع فكرة ظللت أكتب عنها وأفكر فيها منذ سنوات، وهي أن الإنسان لا يعيش في العالم كما هو فقط، بل يعيش في العالم كما يتصوره فالحدث الواحد يمكن أن يقع لشخصين، لكنهما لا يعيشان التجربة ذاتها. قد يفقد شخصان وظيفتيهما في اليوم نفسه؛ فيرى أحدهما نهاية العالم، بينما يرى الآخر فرصة لبداية جديدة. وقد يتقدم إنسانان في العمر؛ فيتعامل الأول مع الشيخوخة باعتبارها هزيمة وانطفاءً، فيما يراها الثاني مرحلة للنضج والتحرر من أوهام كثيرة. الواقع واحد، لكن التأويل مختلف إذ أن الناس يسلكون وفقًا لما يعتقدون. فالمعتقدات ليست مجرد أفكار ساكنة في رؤوسنا، بل تتحول إلى مواقف وسلوكيات وعلاقات وقرارات ومصائر.

لطالما حيرتني تلك الفكرة التي موادها؛ إذا كان الواقع المرئي المحسوس الملموس واحدا لجميع سكان العالم فلماذا يختلفون في رؤيته وتفسيره وتأويله وفهمه؟ فكيف سيكون حالهم مع النصوص التي تتحدث عن عوالم غير مرئية ويستحيل التحقق من وجودها بالحواس المجرد؟ إذ إن الحقائق لا توجد في جوف النصوص والكلمات كما توجد البذور في الثمار، بل إن الحقائق توجد باتفاق وتواضع الناس عليها، فإذا ما اتفق جماعة من الناس واعتقدوا إن ما يفعلونه أو يفكرون به هو الحقيقة ذاتها بحسب باراديم رؤية وتأويل محدد للعالم والأشياء والكلمات والدلالات والرموز والنصوص. فلا شيء يحول دون اعتقادهم بإن ما يرونه هو الحقيقة عينها! ولكل جماعة من الناس الحقيقة التي ترتضيها لنفسها وتعتقدها كذلك فمن يعتقد أن البقرة آلهه لا يشك في صحة اعتقاده لحظة واحدة وإلا لما اعتقد بِه اصلا! ومن يعتقد بشي يراه حقيقة ولا يراه باطلًا أبدًا ولا بطل اعتقاده وهذا هي طبيعة المعتقدات وتحولاتها في كل زمان ومكان . أن كثيرًا مما يراه الناس حقائق مطلقة ليس في الواقع سوى تصورات واتفاقات وتأويلات نشأت داخل أطر ثقافية ودينية وأيديولوجية محددة. فالإنسان يتصرف وفقًا لما يؤمن به؛ إذ تؤثر الأفكار والمعتقدات في مخاوفه ومواقفه وسلوكه تجاه الآخرين، وقد تدفعه أحيانًا إلى التعصب والعنف، بل وإلى خوض الحروب الأيديولوجية بكس عالم المعرفة العلمية القائم على الاختبار والملاحظة والبرهان، وعلى قابلية النتائج للخطأ والتصحيح. فالعلم يستند إلى منهج موحد ويتسم بقدر نسبي من الحياد، في حين تتصارع الأيديولوجيات والمعتقدات بسبب ادعاء كل منها امتلاك الحقيقة المطلقة. وتكمن إنسانية العلم وحياديته في ذلك الاتفاق المدهش بين الجميع من مختلف الشعوب والحضارات واللغات والثقافات والأديان بشأن وحدته المنهجية والنظرية شكلا ومضمونا إذ أن 1+1=2، ومجموع زوايا المثلث ١٨٠ درجة. والخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين. والماء يتكون من ذرتي هيدجين وذرة أكسجين. ولَكل فعل رد فعل مساوي له بالقوة ومضاد له بالاتجاه، ولا شيء يحدث بدون سبب من الأسباب، ولا تشتغل السيارة الا بالوقود والكهرباء وقس على ذلك حقائق العلوم الوضعية التي تتميز بالموضوعية والشمولية والوحدة في الصين أو في امريكا أو في اسرائيل أو في العراق ،الجميع يدرسون ذات العلوم والنظريات والقوانين العلمية بذات الطرق والاساليب، بينما يكمن الخلاف والاختلاف والتنافر والتباعد بشأن الاراء والمعتقدات والايديولوجيات بما فيها من ديانات واعتقادات ومقدسات وتشريعات سماوية ووضعية وعادات وتحيزات ثقافية ،وسياسية هنا بالذات سوف نجد أن الخطابات تعلو وتنخفض والاصوات تحتدم وتهدى حينما يتم التعبير عنها ،وكلما كان المرء غير واثق من الاشياء التي يتحدث عنها كلما زادت نبرة صوته ارتفاعا ،وكلما افتقد المرء للبراهين والحجج المقنعة ،كلما زاد صراخه في تأكيد آراءه ومعتقداته الأيديولوجية بينما لايحتاج عالم الرياضيات أو الكيمياء أو الفيزياء الى الصراخ والاصوات العالىة للتعبير عن حقائقه وقوانينه العلمية. فالصمت هو سيد العلم الحقيقي والضجيج هو سيد الاعتقادات الايديولوجية الزائفة. ولكن ليس هناك إلا طريقتان لتوصيل افكارنا الى الأخرين: أما أن تجبرهم على قبولها بالتهديد والتخويف والوعد والوعيد وأما أن نجعلهم يقتنعون بها بقوة البرهان والاقناع المتولد تفكيرهم الذاتي ومن أرادتهم الحرة بدون جبر أو اكراه. وهناك فرق بين السياسي والواعظ والعالم؛ الأول يدعو الناس إلى الثورة وتغيير وضعهم والثاني يدعوهم إلى الصبر والقناعة والاحتساب إلى الله سبحانه وتعالى إذا كان رجل دين حقا وليس سياسيا والثالث يبتكر الادوات العلمية والتقنية الكفيلة بتخلص الناس من الفقر والجهل والمرض وتغيير الوضع برمته. وفي تمييزه بين الاختلاف الحقيقي والزائف كتب الفيلسوف أحمد برقاوي ما يلي" لو سأل سائل: أين تسكن الأشباح ومتى تظهر؟ فهذا سؤال زائف، وكل الأجوبة عنه زائفة، والاختلاف زائف، والمشكلة الناتجة عن الأجوبة زائفة

وهكذا تتعين اهمية كتاب علاج التعاسة بالفلسفة وهذا لا يعني بان الفلسفة دواءً بالمعنى الطبي، ولا ينبغي أن تتحول الاستعارة العلاجية إلى ادعاء بأن الفيلسوف يستطيع أن يحل محل الطبيب أو المعالج النفسي. فالأمراض الجسدية لها أطباؤها، والاضطرابات النفسية السريرية تحتاج إلى اختصاصيين. غير أن بين المرض الجسدي والمرض النفسي توجد مساحة إنسانية واسعة يمكن أن نسميها أزمة المعنى.

لقد اعتدنا النظر إلى الكائن البشري بوصفه أجزاء منفصلة: جسد يعالجه الطبيب، ونفس يعالجها الطبيب النفسي، وروح يتولاها رجل الدين، وعقل يترك للفيلسوف والأكاديمي. لكن الإنسان الحقيقي لا يعيش بهذه الطريقة التشريحية. الإنسان كائن واحد، يتألم بجسده ونفسه وعقله وروحه في الوقت نفسه. وقد يكون مصدر ألمه في كثير من الأحيان ليس مرضًا في جسده ولا اضطرابًا سريريًا في نفسه، وإنما فكرة خاطئة عن ذاته أو الآخرين أو الحياة او عن الموت وغير ذلك.

ومن هنا يمكن فهم ما تعنيه جولي ترمبلاي حين تجعل الفلسفة طريقًا للخروج من «تعاسة العيش». فهي لا تعد الإنسان بحياة خالية من الألم، بل تساعده على فهم علاقته بالألم. ولا تمنحه معنى جاهزًا للحياة، بل تعلمه كيف يبحث عن المعنى وتوقظ فيه القدرة على السؤال.

وهي فكرة ليست جديدة تمامًا، لكنها أصبحت ضرورة ملحة في زمننا الذي تحولت فيه الفلسفة في كثير من الجامعات إلى مادة أكاديمية مغلقة داخل القاعات الدراسية، بينما تركت الحياة اليومية بكل قلقها وأسئلتها ومعاناتها لمؤسسات أخرى. ومع ذلك، فإن القراءة النقدية تقتضي الحذر من تحويل العلاج بالفلسفة إلى وصفة سحرية جديدة. ليست كل معاناة إنسانية قابلة للحل بالحوار الفلسفي، كما أن الطبيب النفسي لا يستطيع علاج جميع الأمراض الجسدية، والفيلسوف لا يستطيع علاج جميع أزمات الفهم والمعنى

ومن خلال خبرتي المتواضعة في دراسة الفلسفة وتدريسها وإدارة قسمها، خلصت إلى أن أهم ما في الدرس الفلسفي ليس تعليم تاريخ الأفكار، بل إيقاظ القدرة على ممارسة التفكير الذاتي في كل عقل إنساني، وتحريك الذهن وتدريبه على مساءلة ذاته وامتلاك أدوات الوعي النقدي القادر على التمييز بين الأسئلة الجديرة والأسئلة الزائفة. ولهذا لا أرى أن المهمة الأساسية لتعليم الفلسفة هي أن نحفظ الطالب قول بارمنيدس: «الوجود موجود والعدم غير موجود»، أو أن نطالبه بتكرار برهان الفارابي في واجب الوجود، أو أن يردد مع هيغل أن «العقل يحكم العالم»، أو مع سارتر أن «الوجود يسبق الماهية».

الفلسفة الحية تبدأ عندما نسأل الإنسان ذاته:

من أنا؟

من هو الإنسان؟

ما معنى الحياة والتاريخ؟

ما الذي يجعل الخير خيرًا؟

كيف يولد الجمال في أعيننا؟

ما العدل في زمن تتغير فيه المعايير؟

ما سبب الشر؟

لماذا يعتقد الناس بما يعتقدونه ويقولون ما يقولونه؟

لماذا تختلف أفكار الناس مع أن الواقع واحد للجميع؟

ما الذي يحرك سلوك الناس؟

وما الفرق بين بني آدم وحواء؟

هذه الأسئلة ليست للحفظ، بل للاستفزاز.

إنها استفزاز للذات كي ترى نفسها والعالم بعيون عقلانية.

في النهاية، لا تكمن أهمية الفلسفة في أنها تمنحنا أجوبة جاهزة، بل في أنها تعلمنا كيف نطرح الأسئلة التي تجعل حياتنا أكثر وعيًا ومعنى. فالأفكار العظيمة التي أنجبتها الفلسفة عبر تاريخها كانت إجابات عن أسئلة أزمنتها، أما نحن فنعيش زمنًا جديدًا تغيّر فيه معنى الإنسان والوجود والحقيقة. نحن نعيش بين الواقعي والافتراضي، بين الطبيعي والتقني، وفي عالم تتداخل فيه الإنسان والآلة والمعلومة والصورة إلى حد يصعب معه الفصل بينها. لذلك تحتاج الفلسفة اليوم إلى أن تستأنف بدايتها، وأن ترى العالم وهو يتشكل، لا أن تكتفي بتأمله بعد أن يصبح تاريخًا.

لقد استطاع العلم أن يكشف لنا الكثير عن الكون والطبيعة والدماغ والجينات، لكنه لم يستطع أن يجيب وحده عن الأسئلة التي تظل ملازمة للإنسان: ما معنى الحياة؟ ما الخير؟ ما العدل؟ كيف ينبغي أن نعيش؟ وما الذي يجعل حياتنا جديرة بأن تُعاش؟ هنا تستعيد الفلسفة ضرورتها؛ لا بوصفها بديلًا عن العلم، وإنما بوصفها بحثًا في معنى المعرفة وحدودها وغاياتها.

إن الفلسفة، في أعمق معانيها، ممارسة للتحرر. إنها تساعدنا على اكتشاف «أصنام العقل» التي تحدث عنها بيكون، وعلى مساءلة العادات والتصورات التي ترسخت فينا حتى غدت تبدو طبيعية وبديهية. إنها تعلمنا أن نشك دون أن نيأس، وأن نعترف بجهلنا دون أن نخجل، وأن نختلف مع الفكرة دون أن نكره صاحبها. ولذلك فإن الفلسفة ليست ترفًا معرفيًا، بل ضرورة حضارية وأخلاقية، وربما كانت إحدى أهم وسائل الوقاية من التعصب والاستلاب.

ومن هنا، فإن «الفلسفة علاجًا للتعاسة» لا تعني أن الفلسفة تلغي الألم أو الموت أو الخسارة، وإنما تمنح الإنسان قدرة جديدة على فهمها ومواجهتها. إنها لا تعدنا بحياة بلا ألم، بل تعلمنا كيف لا يتحول الألم إلى هزيمة.

فالفلسفة ليست دواءً نبتلعه، بل يقظة نستعيد بها أنفسنا. وربما تكون التعاسة، أحيانًا، ليست نهاية الطريق، بل بداية السؤال. وبداية السؤال هي بداية الفلسفة، وبداية الفلسفة هي خروج العقل من سباته. وحين يستيقظ العقل، يبدأ الإنسان في استعادة حياته، لا حياة أخرى؛ إذ إن أعظم ما تمنحه الفلسفة للإنسان ليس أن تهبه حياة جديدة، بل أن تعلمه كيف يعيش حياته التي بين يديه بعيون مفتوحة، وعقل حر، وإنسانية لا تستسلم.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

من خلال الهيجيمونيا الثقافية عند أنطونيو غرامشي

مقدمة: يطرح مفهوم التوازن بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، كما يتبلور في فكر أنطونيو غرامشي عبر فكرة الهيجيمونيا الثقافية، إشكالاً فلسفياً عميقاً يتجاوز مجرد التصنيف النظري ليصل إلى صميم العلاقة بين المعرفة والسلطة، وبين النظرية والممارسة، وبين الحرية والإكراه. فغرامشي لا يقدم نموذجاً جاهزاً للتوازن، بل يكشف عن توتر بنيوي يجعل من أي توازن مستقراً أمراً مشكوكاً فيه، ومن أي هيمنة ثقافية مشروعاً مفتوحاً على التناقض. هذه الدراسة تتبنى مقاربة استشكالية ترفض الإغلاق النظري، وتضع المفاهيم في حالة مساءلة مستمرة، متسائلة: هل يمكن أصلاً تحقيق توازن بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي دون أن ينقلب هذا التوازن إلى شكل جديد من الهيمنة؟ وهل تستطيع فلسفة عملية ملتزمة أن تحافظ على نقديتها وهي تلتزم بمشروع تحويلي؟ وهل الهيجيمونيا الثقافية جسر يربط المجالين أم آلية تذيب الحدود بينهما؟التمييز بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني

يبدأ الإشكال من التمييز ذاته. يقيم غرامشي فرقاً تحليلياً بين المجتمع السياسي، بما هو جهاز الإكراه المباشر المتمثل في الدولة بالمعنى الضيق (الجيش والشرطة والإدارة والقضاء)، وبين المجتمع المدني بما هو فضاء المؤسسات «الخاصة» من مدارس وكنائس ونقابات وصحافة وأحزاب وجمعيات ثقافية، حيث يُنتج الرضا ويُعاد إنتاجه. غير أن هذا التمييز سرعان ما ينكشف عن هشاشته. فالمجتمع المدني ليس فضاءً محايداً أو حراً بالمعنى الليبرالي، بل هو الميدان الذي تُمارَس فيه الهيمنة الثقافية بأدوات الإقناع والتربية والتنشئة. والمجتمع السياسي ليس مجرد قوة قسرية عارية، بل يستمد شرعيته من الرضا الذي يُصنع في المجتمع المدني. هنا يظهر التوتر الأول: إذا كان كل من المجالين يعتمد على الآخر، فأين يبدأ أحدهما وأين ينتهي الآخر؟ وهل يمكن الحديث عن توازن بينهما أم عن تداخل عضوي يجعل الفصل مجرد أداة تحليلية مؤقتة؟

مفهوم الهيجيمونيا الثقافية

تتعمق المفارقة مع مفهوم الهيجيمونيا الثقافية. فالهيمنة عند غرامشي ليست سيطرة قسرية فحسب، ولا موافقة طوعية خالصة، بل تركيب معقد من الإكراه والرضا، من القيادة الفكرية والأخلاقية ومن القدرة على فرض رؤية للعالم بوصفها الرؤية «الطبيعية» أو «المشتركة». الهيمنة الثقافية تعمل أساساً في المجتمع المدني، لكنها لا تكتمل إلا حين تتمكن من اختراق المجتمع السياسي وإعادة تشكيله. السؤال الاستشكالي هنا حاد: هل الهيمنة الثقافية تحقق التوازن بين المجالين أم تلغيه؟ إذا نجحت الهيمنة في صنع رضا واسع، فإنها تجعل الإكراه السياسي أقل ظهوراً، فيبدو المجتمع وكأنه متوازن، بينما هو في الواقع تحت قيادة طبقة أو تحالف طبقي معين. أما إذا ضعفت الهيمنة الثقافية، فيضطر المجتمع السياسي إلى الاعتماد أكثر على الإكراه المباشر، فينكشف الخلل. بهذا المعنى، يبدو أن «التوازن» ليس حالة مستقرة يمكن السعي إليها، بل أثر جانبي لهيمنة ناجحة أو مؤشر على أزمة هيمنة.

طبيعة السلطة

يطرح هذا التشخيص إشكالاً فلسفياً جوهرياً حول طبيعة السلطة. هل السلطة في التحليل الغرامشي قابلة للتجزئة والتوزيع المتوازن، أم أنها بطبيعتها ميالة إلى التمركز وإعادة الإنتاج الذاتي؟ إذا كانت الهيمنة الثقافية هي الآلية المركزية، فإن أي مشروع يسعى إلى «توازن» بين المدني والسياسي يجد نفسه أمام خيارين متوترين: إما أن يقبل بوجود هيمنة ما (حتى لو كانت هيمنة مضادة)، فيظل داخل منطق الهيمنة نفسه، وإما أن يرفض الهيمنة مطلقاً، فيقع في مثالية تنكر واقع السلطة. الفلسفة العملية الملتزمة تواجه هنا مأزقها الخاص: كيف تلتزم بمشروع تغيير دون أن تعيد إنتاج أشكال الهيمنة التي تنتقدها؟ وكيف تحافظ على نقدية المفهوم وهي تستخدمه كأداة نضالية؟

المثقف العضوي والكتلة التاريخية

يمتد الإشكال إلى مسألة المثقفين العضويين والكتلة التاريخية. يرى غرامشي أن الهيمنة تُبنى عبر عمل المثقفين الذين يربطون بين الطبقات والمجتمع المدني والدولة. لكن هذا الربط نفسه يثير أسئلة حول الاستقلالية والالتزام. هل يمكن للمثقف أن يكون عضوياً ملتزماً بمشروع طبقي أو شعبي دون أن يفقد قدرته على النقد الجذري؟ وهل الكتلة التاريخية التي تحقق هيمنة جديدة تحقق توازناً حقيقياً بين المدني والسياسي أم مجرد إعادة ترتيب لعلاقات القوة؟ الإشكال هنا مزدوج: فمن جهة، بدون التزام عضوي تبقى الفلسفة مجرد تأمل نظري عاجز؛ ومن جهة أخرى، قد يحول الالتزام العضوي الفلسفة إلى أيديولوجيا تبريرية. التوتر بين النظرية الخالصة والممارسة الملتزمة لا يُحل داخل فكر غرامشي، بل يُعاش كمشكلة دائمة.

الحرب كاستراتيجية في الحكم

تزداد حدة الاستشكال حين ننظر إلى البعد الزمني والاستراتيجي. يميز غرامشي بين حرب المناورة (الصدام المباشر مع أجهزة الدولة) وحرب المواقع (البناء الطويل الأمد للرضا والهيمنة داخل المجتمع المدني). التوازن بين المدني والسياسي يبدو أكثر قابلية للتحقق عبر حرب المواقع، لأنها تعمل على تغيير موازين القوى الثقافية قبل الاستيلاء على السلطة السياسية. لكن هذا الخيار يفتح باباً على مفارقة جديدة: كلما طال أمد حرب المواقع، زادت احتمالات استيعاب القوى المضادة داخل النظام القائم، أو تحولها إلى جزء من هيمنة معدلة. هل الاستراتيجية الغرامشية قادرة على تحقيق تحول جذري دون أن تذوب في التسويات؟ وهل يمكن الحفاظ على الطابع الثوري للمشروع وهو يعمل داخل مؤسسات المجتمع المدني القائمة؟

الفلسفة العملية الملتزمة

يظهر إشكال آخر على مستوى الكونية والخصوصية. فكر غرامشي نشأ في سياق إيطالي محدد، حيث الدولة ضعيفة نسبياً والمجتمع المدني متطور جزئياً، مع وجود انقسام حاد بين الشمال الصناعي والجنوب الزراعي. نقل هذه المفاهيم إلى سياقات أخرى يثير سؤالاً حول قابليتها للتعميم. هل التوازن بين المدني والسياسي يأخذ الشكل نفسه في مجتمعات تختلف فيها طبيعة الدولة ودرجة تطور المؤسسات المدنية؟ وهل الهيمنة الثقافية تعمل بالطريقة ذاتها حين تكون وسائل الاتصال جماهيرية أو رقمية أو معولمة؟ الإشكال ليس في صلاحية المفاهيم، بل في خطر تحويلها إلى وصفات جاهزة تفقد قدرتها النقدية.

تواجه الفلسفة العملية الملتزمة، في ضوء هذه الاستشكالات، مهمة مزدوجة ومتعارضة: أن تستخدم التحليل الغرامشي لكشف آليات الهيمنة القائمة، وفي الوقت نفسه أن تبني مشروعاً بديلاً لا يعيد إنتاج المنطق نفسه. هذا يتطلب وعياً دائماً بالحدود: حدود الفصل بين المدني والسياسي، وحدود إمكانية الرضا الحر، وحدود استقلالية المثقف، وحدود الاستراتيجية طويلة الأمد. التوازن الذي يمكن الحديث عنه ليس توازناً سكونياً بين مجالين متكافئين، بل توتراً ديناميكياً يُدار باستمرار، ويُعاد التفاوض عليه في كل مرحلة تاريخية.

خاتمة

يظل السؤال المركزي مفتوحاً: هل يمكن لفلسفة ملتزمة أن تسعى إلى توازن بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي عبر هيمنة ثقافية مضادة دون أن تتحول هذه الهيمنة إلى شكل جديد من السيطرة؟ وهل الإقرار بالطابع الإشكالي للمفاهيم الغرامشية يضعف قدرتها العملية أم يعززها بجعلها أكثر مرونة ونقداً ذاتياً؟ الإجابة لا تكمن في اختيار أحد الطرفين، بل في الإبقاء على التوتر حياً. فالقيمة الفلسفية لفكر غرامشي لا تظهر في تقديم حلول نهائية، بل في قدرته على جعل العلاقة بين المدني والسياسي، وبين الرضا والإكراه، وبين النظرية والالتزام، مشكلة دائمة تتطلب يقظة فكرية ومسؤولية عملية مستمرة. بهذا المعنى، يصبح الاستشكال نفسه شكلاً من أشكال الممارسة الفلسفية الملتزمة. فكيف يمكن تطبيق مفهوم الهيجيمونيا على السياسة الدولية ووسائل الاعلام الحديثة؟ وألا يحتاج المجتمع المدني العالمي الى نقد؟

***

د. زهير الخويليد - كاتب فلسفي

 

تخضع أقسام الفلسفة خصيصا في العالم الانكلوامريكي لسيطرة ساحقة من جانب الفلسفة التحليلية. هذه السيطرة واضحة جدا لدرجة ان الاتجاهات الفلسفية البديلة قد تراجعت الى حد كبير. في الحقيقة، نحن لم نر نموذجا واحدا يسيطر على الفلسفة الغربية بهذه الطريقة منذ نهاية هيمنة المذهب المدرسي في القرن السادس عشر. الفلاسفة التحليليون عادة يؤكدون على الدقة والوضوح في أعمالهم. لكن، من المفارقة، صعوبة تحديد بالضبط ماهية الفلسفة التحليلية. هذا سيتضح عندما ندرس تاريخ الحركة.

الفلسفة التحليلية المبكرة والتحول اللغوي

برزت الفلسفة التحليلية في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بفعل الرواد من مفكرين أمثال غوتلوب فريجة وبرتراند رسل و لودفيغ فيتجنشتاين. ما كان يوحّدهم هو طريقتهم في معالجة المشاكل الفلسفية من خلال تحليل اللغة، وبالذات تحليل العبارات التحليلية analytic statements. العبارات او الادعاءات التحليلية هي ادعاءات يعتمد مدى صحتها او زيفها على شكلها اللغوي، او كما نقول، على معنى الكلمات المستعملة، بشكل مستقل عن أي معلومات تجريبية مثل (1+1=2)، هذه الطريقة هي التي منحت الحركة اسمها.

كانت الفلسفة الغربية قبل هذه الفترة تهتم أساسا بطبيعة الواقع بدلا من اللغة. الفلاسفة التحليليون، جادلوا بان العديد من المشاكل الفلسفية كانت في جوهرها، مشاكل اللغة. هذا الادّعاء يمثل ما يسمى "التحول اللغوي" في الفلسفة.

طبقا لهذه الرؤية:

1- المشاكل الفلسفية يجب تحليلها من خلال تحليل اللغة.

2- الفلسفة يجب ان تركز على الادعاءات التحليلية (غير تجريبية).

3- التحقيق الفلسفي يجب ان يقتصر على المجالات التي يمكن تطبيق هذه التحليلات عليها، تاركا الأسئلة الأخرى الى العلوم التجريبية.

هذا الاتجاه حل تدريجيا محل مجموعة متنوعة من نماذج فلسفية أخرى، مثل البرجماتية، الظواهرية، الكانتية الجديدة. لكن الشيء الغريب: معظم الفلاسفة التحليليين المعاصرين رفضوا النظر لمجالهم من هذه الزاوية. في الحقيقة، العديد يرفضون فكرة ان المشاكل الفلسفية هي في الأساس مشاكل لغة، ناهيك عن ان الفلسفة يجب ان تهتم حصرا بتحليل الادعاءات التحليلية. كما في الفلاسفة المبكرين، معظم الفلاسفة التحليليين اليوم يعتقدون انهم يفحصون الواقع (مهما كان)، ليس مجرد اللغة.

كوين، فيتجنشتاين والتحول بعيدا عن اللغة

ان أسباب التحول بعيدا عن اللغة متنوعة، لكن شخصية مؤثرة خصيصا في هذا التطور هو ويلارد فان اورمان كوين willard van orman quine (1908-2000). كوين تحدى التمييز بين الادعاءات "التحليلية" و "الادعاءات التركيبية" . الادعاءات التحليلية هي تلك التي يمكن معرفة انها صحيحة بحكم معناها وحده (مثل، كل العزّاب غير متزوجين)، بينما الادعاءات التركيبية (ادعاءات ليست صحيحة او زائفة بحكم معناها وحده) تتطلب عموما تحقّق تجريبي (مثل "القطة على السجادة"). كوين جادل بان التمييز بين الادعاءات التحليلية والتركيبية لا يمكن الحفاظ عليه بالطريقة المبسطة التي افترضها الفلاسفة التحليليون الأوائل. فمن جهة، هو ادّعى ان لا شيء من شبكة معتقداتنا محصن تماما من أي تعديل او مراجعة: هو اقترح، حتى المنطق، ربما من حيث المبدأ يُراجع اذا كان ذلك يساعد في فهم الفيزياء بشكل أفضل استجابة لميكانيكا الكم. ومن جهة أخرى، كوين كان يشك في المعاني التي تُفهم على انها أشياء ذهنية خاصة او كينونات مفاهيمية ثابتة تنتظر التحليل. المعنى، لكي يكون محترما علميا كان لابد ان يرتبط بالاستخدام العام للغة، والسلوك ونظريتنا الواسعة عن العالم.

العديد من الفلاسفة وجدوا نقد كوين الطبيعي للمشروع التحليلي القديم مقنعا. اذا كانت الفلسفة، كما ادّعى الطبيعيون مستمرة مع العلوم التجريبية ولم تكن المعاني أشياءً ثابتة تنتظر التحليل، عندئذ لم تعد الفلسفة تُفهم ببساطة كتحليل للّغة.

تحوّل آخر كبير بعيدا عن اللغة يمكن ان يُعزى للعمل اللاحق للودفيغ فيتجنشتاين (1889-1951). جادل فيتجنشتاين ضد الاستعمال المصطنع للّغة الذي يستخدمه العديد من الفلاسفة. بالنسبة له، المشاكل الفلسفية عادة تبرز عندما نمدد اللغة الى ما وراء استعمالها اليومي، بما يقود الى اضطراب حول المعنى وخلق مشاكل زائفة. فكرة فيتجنشتاين هي ان اللغة العادية تعمل بشكل مثالي في السياقات التطبيقية، لكنها تنهار عندما يُساء تطبيقها على الأسئلة الفلسفية المجردة. فمثلا، السؤال "هل انا حقا أعرف هناك شجرة أمامي؟" يبدو ذو معنى، لكن فيتجنشتاين سيجادل انه بلا معنى. في الحياة اليومية، كلمة "يعرف" تعمل بدون قضية – لكن عندما نطبقها في هذه الطريقة الفلسفية المصطنعة، لم يعد لها معنى، تخلق سؤالا يمكن ان تكون الأجوبة عليه سهلة في كلا الاتجاهين.

الغالبية العظمى من الفلاسفة الانكلوامريكيين توصلوا الى اتفاق مع كوين او فيتجنشتاين، او توصلوا الى استنتاجات مشابهة. هذا قاد الى تحول في التركيز بعيدا عن تحليل اللغة، باتجاه انخراط مباشر مع الواقع ذاته.

الفلسفة التحليلية ماتت ولم تمت؟

نظرا لتأثير نقد كوين ولودفيج، ربما يتوقع احد ان الفلسفة التحليلية انتهت في أواسط القرن العشرين. اذا كانت فكرة تحليل اللغة لحل المشاكل الفلسفية فقدت مصداقيتها، سيبدو منطقيا للفلاسفة اما ان يتخلوا عن الاتجاه او يقوموا بمراجعة راديكالية له. ومع ذلك، هذا لم يحدث. بدلا من ذلك، حدث شيء ما غريب جدا. بدلا من إهمال طرقهم، وسّع الفلاسفة التحليليون تحقيقاتهم الى حقول كانوا قد تجنبوها في السابق، مثل الميتافيزيقا وفلسفة الذهن، بدون إجراء أي تغيير جذري في طرقهم، ومع انهم لم تعد تسميتهم كلغويين. ما أخذه الفلاسفة التحليليون من نقد كوين هو انه يجب ان لا تكون هناك حدودا لنطاق التحقيق. طالما كل المفاهيم الملائمة هي كما تبدو تركيبية وتحليلية على حد سواء، فهي لم تعد مقتصرة على تحليل المشاكل التحليلية المحضة. لكن هل هذا منطقي؟ من الصعب المبالغة في وصف غرابة هذا الامر. كوين جادل بان التقييد للمشاكل التحليلية لم يكن له معنى بسبب عدم وجود (او هناك القليل) من مشاكل تحليلية خالصة. لكن بدلا من إعادة النظر بطرقهم، الفلاسفة التحليليون استنتجوا انه، طالما كل المشاكل التحليلية الهامة هي أيضا تركيبية، هم يمكنهم الان العمل في أي شيء. لكن، الطريقة التي يعملون بها أي شيء بقيت ذاتها نفس الطريقة التي بها عالجوا المشاكل التحليلية مستعملين طرقا تستلزم تحليل المفاهيم. بكل انصاف، العديد من الفلاسفة بدأوا فعلا العمل من منظور طبيعي. لكن، كما سنرى، هذا بقي مشابها للفلسفة التحليلية المبكرة. والشيء الأكثر أهمية هنا، اذا كانت النزعة الطبيعية انفصلت حقا عن النزعة اللغوية او التحليلات المنطقية، لماذا يجب ان تسمى "فلسفة تحليلية" في المقام الأول؟

برتراند رسل

في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي بدأ البعض يسأل ماذا كان بالضبط يعمل الفلاسفة التحليليون في العقود القليلة الماضية نظرا لأن هناك فقط عدد محدود من الفلاسفة التحليليين لايزالون يقبلون فكرة التحليلات المنطقية او اللغوية. احد الأجوبة البارزة هو ان الفلاسفة التحليليين انتقلوا بعيدا عن التحليلات اللغوية، وبدأوا بدلا من ذلك التركيز على التجارب الفكرية والحدس.

التجربة الفكرية هي سيناريو افتراضي صُمم لإختبار مفهوم فلسفي. نوع شهير من التجربة الفكرية هو مشكلة أسلوب جيتير، التي تتحدى التعريف السابق المقبول على نطاق واسع للمعرفة كونها "اعتقاد صحيح مبرر". في احد الأنواع الذي يعود أصله الى برتراند رسل، ينظر احد الى ساعة متوقفة تشير بالصدفة الى ان الوقت صحيح. رغم ان اعتقادهم بالوقت كان مبررا (لأن الساعة عادة تبيّن الوقت الصحيح)، معظم حدس الناس يقترح ان هذا لا يعد معرفة. تجربة فكرية أخرى شهيرة تتضمن الزومبي الفلسفي لديفد شالمر (التي تختبر ما اذا كان من الممكن تصور كائن مطابق جسديا للإنسان لكنه يفتقر الى الوعي). او مشكلة عربة فيليبا فوت (التي تستكشف الاثار الأخلاقية للتضحية بحياة المرء لأجل انقاذ عدة افراد). في كل من هذه الحالات يعتمد الفلاسفة على حدسهم ومشاعرهم الداخلية لتقييم ما اذا كانت التجربة الفكرية تثبت او تنفي ادّعاء معين.

ما هي المشكلة في الحدس؟ لا نستطيع الخوض في جميع مشاكل الحدس هنا، ولا نعالج كل المحاولات من خلال فلاسفة تحليليين لإعادة صياغة اساليبهم اللغوية التي عفا عليها الزمن، لكي نبدو جديدين، كأن نسمي فلسفتهم "فلسفة تجريبية"، "طريقة الحالات"، او "هندسة نظرية". مع ذلك، هناك عدد من القضايا الرئيسية يمكن تسليط الضوء عليها:

1- اتجاه غير نقدي

أولا، استعمال الحدس اساسا للفلسفة التحليلية هو أبعد ما يكون عن اتباع نهج نقدي تجاه الطريقة الفلسفية. تقليديا، سواء في الظواهرية، الكانتية الجديدة، او الفلسفة التحليلية المبكرة، بدأ الفلاسفة تحقيقاتهم في المنهج لتبرير وتوجيه بحثهم. لكن كما لاحظنا ان الفلاسفة التحليليين المعاصرين يميلون لإفتراض ان المنهجية الأساسية هي صحيحة. في احسن الأحوال هم يوضحون طريقتهم بعد ان يكونوا قد استخدموها بالفعل بدلا من إرساء أسسها بشكل سليم منذ البداية.

رغم محاولات بعض الفلاسفة التحليليين لتحليلها فكريا،تعتمد التجارب الفكرية على حدسنا الذي هو بالضرورة مشاعر داخلية، حتى لو كانت الدقة والصرامة هما صفتان يُفترض ان تفخر بهما الفلسفة التحليلية.

2- التنقيحية التاريخية Historical Revisionism

لإعطاء الحدس مزيدا من المصداقية، بنى الفلاسفة التحليليون رؤية تصحيحية لتاريخ الفلسفة، مجادلين ان الفلاسفة من افلاطون فصاعدا اعتمدوا دائما على الحدس. مع ذلك، حتى لو كانوا صائبين، من الصعب ان يُعتبر ذلك مبررا حقيقيا للحدسية. كذلك، الادّعاء التاريخي هو ببساطة ادّعاء زائف. مفكرون أمثال ديكارت ولوك وكانط وهسرل وهايدجر لم يستخدموا الحدس بالطريقة التي زُعم انها استُخدمت فيها. لا نعني هنا انهم تجنبوا المصطلح. بل انهم استخدموا اساليبا يحللون بها تجربتهم الخاصة، مثل المناهج الظواهرية او الاتجاهات شبه الظواهرية. مفكرون آخرون مثل ماركس ونيتشه و ديلتاي او هايدجر(مرة أخرى)، استخدموا الأساليب التاريخية الجينولوجية، اما المثاليون الألمان مثل هيجل استخدم الطرق الديالكتيكية. فكرة ان الحدس لعب دورا مركزيا في عملهم تنبثق فقط من الاطار الفلسفي المحدود للعديد من الفلاسفة التحليليين، الذين اعتمدوا على الانقسام المبسط بين المعرفة المفاهيمية (التي تتضمن الحدس والمعرفة التحليلية) والمعرفة التجريبية (تركيبية او معرفة علمية). من هذا الانقسام الزائف، هم استدلوا على ان الفلاسفة السابقين لم يستخدموا الطرق التجريبية، هم يجب ان يكونوا استخدموا طرقا تحليلية او حدسية.

غير ان هذ الاستدلال يقول الكثير عن الفلسفة التحليلية وليس عن الاتجاهات الفلسفية .

3- ما هو التحليل المتعلق بالحدس؟

الفلسفة التحليلية، في جوهرها، كانت مرتكزة على تحليلات لغوية، عبارات تحليلية، لذا من غير الواضح لماذا الفلسفة المعاصرة التي تثق بقوة بالحدس لا تزال يجب اعتبارها "تحليلية". ربما استمرارية هذه التسمية بسبب حقيقة ان مختلف فروع الفلسفة التحليلية بما فيها الطبيعية naturalism، تشترك في افتراضات مشتركة. لكن الفلاسفة التحليليين هم في الحقيقة غير واعين بهذه الافتراضات المشتركة، طالما، وكما ذكر احد أساتذة الفلسفة، ان مناقشة الافتراضات المسبقة لعملك هي "ما يقوم به طالب الجامعة في المستوى الاولي، وليس الفلاسفة". من المؤكد ان هذه العقليات المشتركة لم تسهم في تعزيز الوضوح.

الافتراضات التي تشترك بها مختلف فروع الفلسفة التحليلية غالبا ما تجسد نوعا مما يسميه لودفج "تشابه عائلي". الفلاسفة التحليليون الكلاسيك يشتركون مع الطبيعيين بعقيدة حول التقليل بين النظريات – الفكرة بان مجموعة من المفاهيم او النظريات يمكن اختزالها بالكامل الى أخرى. كلا التيارين أيضا يهتمان بعمق بالتجريد – سواء كانا يركزان على وجودات طبيعية أساسية يمكن نظريا تخفيض أي شيء اليها مثل (الذهن يُختزل الى عمليات الدماغ)، او أصناف الوجود التي تعكس استعمالنا للغة . كلا الاتجاهين أيضا يؤمنان لوقت طويل، ان الانسان اعتقد ان الفكر البشري يعمل مثل اللغة، في تمثيل العالم. العديد من الفلاسفة التحليليين أيضا لديهم إعجاب عميق بالطرق الرسمية للتفكير والعلوم الرياضية.

أخيرا، وهو المهم، في الحقيقة يبدو ان معظم الحالات التي "يحللها" الفلاسفة التحليليون بـ "حدسهم" هي في الحقيقة حدوس لغوية ، كما ذكرنا، لايمكن تمييزها عن التحليلات اللغوية. فمثلا، الحدس حول المعرفة بان الشخص الذي ينظر في الساعة المتوقفة لايعرف حقا الوقت يبدو كثيرا يشبه الحكم حول كم نحن نميل لاستخدام الكلمة "يعرف" بنفس الحالة بالضبط. اذا كنا نستطيع استبدال "المعرفة ذاتها" بـ "مفهومنا للمعرفة"، هذا يبدو فقط تغيير التسمية بدلا من الطريقة. وبالمثل، العلوم الطبيعية تضاف الى ذلك. فمثلا، المعرفة عقيدة صحيحة مبررة لأن قدراتنا المولّدة للمعرفة تطورت لتعقّب الحقيقة بشكل موثوق. المعرفة توجد لأنها تعزز البقاء، وهكذا.

لكل هذه الأسباب، ربما لم يتم الشعور بضرورة تغيير اسم النموذج او البردايم، رغم ادّعائه انه انتقل الى ما وراء تحليلات اللغة.

ملاحظات ختامية

مهما اعتقد المرء بفلسفة التحليل المعاصر، من الواضح انه يُواجه بمشاكل ميثدولوجية وغموض مفاهيمي. القضية الكبرى هي انه من غير الواضح لماذا لاتزال تسمى تلك الفلسفة "فلسفة تحليلية" – وهي المشكلة التي أصبحت أسوأ مع صعود الطبيعية. انها تعاني من افتراضات زائفة حول مكانها في تاريخ الفلسفة، وتفتقر الى الدقة في طرقها. ما بدأ كحركة تهدف الى تقييد الفلسفة نقديا بتحليل المشكلات من خلال منظور لغوي، تحول الان الى فن من فنون العصر الباروكي حيث يتأمل الفلاسفة في الإمكانية المنطقية للزومبي غير الواعي – شيء لم يحلم به حتى ليبنز عند مناقشة العوالم الممكنة.

هل ان الفلسفة التحليلية ستعالج قضاياها المنهجية هو امر يبدو مشكوكا فيه. وبالنظر لموقعها المهيمن في مجال الفلسفة باللغة الإنجليزية هناك القليل من الضغط الخارجي او الداخلي للتغيير. لحسن الحظ، اتجاهات فلسفية واعدة موجودة سلفا حيث ينخرط الفلاسفة بشكل جاد بالنقاش المنهجي، مثل الظواهرية phenomenology. ما اذا كان هذا يقود الى مزيد من التعددية في اقسام الفلسفة الناطقة بالانجليزية سيبقى سؤالا مفتوحا.

***

حاتم حميد محسن

........................

Philosophy Now, Aug/Sep 2026

بين كارل ياسبرز ومارتن هايدغر وآلان باديو.. مقاربة أنطولوجية

مقدمة: إن السؤال عن «مدخل إلى الفلسفة» ليس سؤالاً منهجياً ثانوياً أو تربوياً صرفاً، بل هو في جوهره سؤال أنطولوجي. فكل مدخل حقيقي إلى الفلسفة يعيد طرح السؤال عن الوجود نفسه، وعن كيفية انكشافه للإنسان، وعن العلاقة بين الفكر والكينونة. ولهذا السبب لا يمكن فصل المداخل الفلسفية الكبرى عن التصورات الأنطولوجية التي تؤسسها. في هذا السياق، يقدم كارل ياسبرز ومارتن هايدغر وآلان باديو ثلاثة إنجازات متميزة لمدخل إلى الفلسفة، يجمع بينها الوعي العميق بأن الفلسفة ليست علماً موضوعياً يمكن البدء فيه من خارج الوجود، بل هي حركة وجودية أو حدثية أو فكرية تنبثق من صميم الكينونة ذاتها. وستسعى هذه الدراسة إلى تتبع هذه الإنجازات الثلاثة في ضوء مقاربة أنطولوجية صارمة، تكشف عن كيفية تأسيس كل واحد منهم لبداية فلسفية ترتبط ارتباطاً جوهرياً بمسألة الوجود. كيف انجز كل فيلسوف مدخلا الى الفلسفة؟ وماهي خصوصية كل عمل؟ وهل تمكن الفلاسفة من الدخول الى الفلسفة؟

كارل ياسبرز

يبدأ كارل ياسبرز مدخله إلى الفلسفة من تجربة الإنسان في العالم بوصفه كائناً محدداً ومتناهياً يواجه حدود وجوده. فالفلسفة عنده ليست بناءً نظرياً مجرداً يبدأ من مفاهيم أولية، بل هي استجابة لـ«المواقف الحدية» التي تكشف عن هشاشة الوجود الإنساني: الموت، الألم، الصراع، والذنب. هذه المواقف ليست مجرد أحداث نفسية أو اجتماعية، بل هي لحظات أنطولوجية ينكشف فيها الوجود بوصفه تجاوزاً مستمراً لما هو معطى. ومن هنا فإن المدخل إلى الفلسفة عند ياسبرز يتمثل في «التواصل الوجودي» وفي حركة «التجاوز» نحو ما يسميه «الوجود الشامل» أو «الترانسندنس». الفلسفة لا تبدأ من اليقين الديكارتي أو من التحليل المنطقي، بل من الاعتراف بأن الإنسان موجود في العالم بطريقة تجعله دائماً أمام ما يتجاوزه. هذا الاعتراف الأنطولوجي يجعل المدخل فلسفياً في جوهره: فالفيلسوف لا يختار موضوعه من الخارج، بل يجد نفسه مدعواً إلى التفلسف لأن وجوده ذاته يطالبه بذلك. ومن ثم فإن الفلسفة عند ياسبرز هي فعل وجودي يتحقق في التواصل الحر بين الذوات، وفي الانفتاح على الترانسندنس الذي لا يمكن اختزاله في أي معرفة موضوعية. بهذا المعنى، يكون المدخل إلى الفلسفة إنجازاً أنطولوجياً يتمثل في تحويل التجربة الحدية إلى بداية فكرية حرة ومسؤولة.

مارتن هايدغر

أما مارتن هايدغر فيعمق هذا التوجه الأنطولوجي إلى أقصى حد، بل يجعل مسألة المدخل إلى الفلسفة مرادفة لمسألة استعادة السؤال عن معنى الوجود. ففي «الكينونة والزمان» وفي محاضراته اللاحقة، يؤكد هايدغر أن الفلسفة الغربية نسيت الوجود، واقتصرت على دراسة الموجودات. ولهذا فإن أي مدخل حقيقي إلى الفلسفة يجب أن يبدأ بإيقاظ هذا السؤال المنسي: ما الوجود؟ هذا الإيقاظ ليس عملية فكرية نظرية فحسب، بل هو تحول في كيفية وجود الإنسان نفسه بوصفه «الدازاين». فالدازاين هو الكائن الذي يفهم وجوده بطريقة ما، والذي يكون وجوده نفسه محل رهان. ومن ثم فإن المدخل إلى الفلسفة عند هايدغر يتمثل في «التحليل الوجودي» للدازاين، وفي كشف البنى الأساسية لوجوده: الهم، الزمانية، السقوط في العالم اليومي، والنداء إلى الأصيل. الفلسفة لا تبدأ من مفاهيم مجردة أو من منطق صوري، بل من تجربة الوجود في العالم، ومن «الانفتاح» الذي يسمح للكينونة بأن تنكشف. وفي مرحلة لاحقة، خاصة بعد «المنعطف»، يصبح المدخل إلى الفلسفة أكثر ارتباطاً بتاريخ الوجود وبـ«الحدث» ، حيث لم يعد الإنسان هو مركز السؤال، بل أصبح الوجود ذاته هو الذي يمنح نفسه أو يحجبها. بهذا المعنى، يكون إنجاز هايدغر لمدخل إلى الفلسفة إنجازاً أنطولوجياً جذرياً: فهو يحول الفلسفة من علم بالموجودات إلى تفكير في الوجود نفسه، ويجعل البداية الفلسفية مشروطة باستعادة السؤال الذي نسيته الميتافيزيقا.

آلان باديو

ويأتي آلان باديو ليقدم إنجازاً مختلفاً تماماً، لكنه يظل أنطولوجياً في الصميم. فالفلسفة عند باديو ليست تأملاً في الوجود بمعناه الهايدغري أو تجربة حدية ياسبرزية، بل هي تفكير في «الحقيقة» بوصفها ناتجة عن «حدث» يقطع مع الوضع القائم. والأنطولوجيا عنده هي «الرياضيات» في صورتها الأحدث، أي نظرية المجموعات، حيث يصبح الوجود هو «المتعدد المحض» الذي لا يمكن اختزاله في الواحد. ومن هنا فإن المدخل إلى الفلسفة لا يبدأ من تجربة ذاتية أو من تحليل وجودي للدازاين، بل من الاعتراف بأن هناك أحداثاً (في العلم، أو السياسة، أو الحب، أو الفن) تفتح فضاءات جديدة للحقيقة. الفيلسوف هو الذي يفكر في هذه الأحداث ويبقى وفياً لها. وبهذا المعنى، تكون الفلسفة «ميتافيزيقا الحدث» أو تفكيراً في الشروط التي تجعل الحقيقة ممكنة. المدخل إلى الفلسفة عند باديو يتمثل إذن في القدرة على تمييز الحدث عن مجرد الواقعة، وفي الالتزام بآثار هذا الحدث على الذات. هذا الالتزام ليس أخلاقياً صرفاً، بل هو أنطولوجي: فالذات تتكون من خلال وفائها للحقيقة التي أطلقها الحدث. ومن ثم فإن إنجاز باديو يكمن في إعادة تأسيس المدخل إلى الفلسفة على أساس أنطولوجيا المتعدد والحدث، بعيداً عن أي مركزية للذات أو للوجود بمعناه التقليدي.

مقارنة أنطولوجية مع إدموند هوسرل

إن إدخال إدموند هوسرل في المقارنة الأنطولوجية مع كارل ياسبرز ومارتن هايدغر وآلان باديو يكشف عن تحول جذري في مسار الفكر الفلسفي الحديث، ويضيء الاختلافات العميقة في تصور الوجود وطبيعة المدخل إلى الفلسفة. فهوسرل يؤسس أنطولوجيا فينومينولوجية ترتكز على الوعي المتعالي والقصدية، في حين أن الفلاسفة الثلاثة ينتقلون، كل بطريقته، من مركزية الوعي إلى أنماط أخرى من الانكشاف الوجودي أو الحدثي. هذه المقارنة ليست مجرد استعراض لتأثيرات تاريخية، بل هي كشف عن توترات أنطولوجية أساسية تتعلق بموقع الذات، وطبيعة الوجود، وإمكانية البدء الفلسفي نفسه.يبدأ هوسرل أنطولوجيته من داخل الوعي. فالوجود عنده ليس شيئاً قائماً في ذاته بمعزل عن الوعي، بل هو ما يُعطى في التجربة القصدية بعد ممارسة الإيبوخي (التعليق) والرد الفينومينولوجي. الوعي المتعالي هو الوجود المطلق الذي لا يمكن الشك فيه، وهو الذي يُكوّن المعنى والموضوعات. ومن هنا تنقسم الأنطولوجيا الهوسرلية إلى أنطولوجيا صورية تبحث في البنى الكلية للموضوع بما هو موضوع، وأنطولوجيات إقليمية تخص مناطق الوجود المختلفة (الطبيعة، الروح، العالم الثقافي). المدخل إلى الفلسفة عند هوسرل هو إذن مدخل فينومينولوجي: يبدأ بالعودة إلى الأشياء ذاتها عبر وصف دقيق لما يظهر في الوعي، بعد تعليق الحكم على الوجود الخارجي. الوجود الحقيقي هو وجود الوعي المتعالي وما يتكون فيه. هذا التصور يجعل الأنطولوجيا مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالإبستمولوجيا والفينومينولوجيا الترنسندنتالية؛ فالوجود لا يُفهم إلا من خلال كيفية ظهوره للوعي.في مقابل هذا التأسيس الهوسرلي، يقف كارل ياسبرز على مسافة واضحة. فرغم تأثره بالفينومينولوجيا في مراحل مبكرة، إلا أنه يرفض اختزال الوجود في الوعي المتعالي أو في التجربة القصدية الخالصة. الوجود عند ياسبرز هو وجود متناهٍ يواجه مواقف حدية تكشف عن هشاشته وعن انفتاحه على الترانسندنس. الوعي ليس مطلقاً مكتفياً بذاته، بل هو جزء من تجربة وجودية أوسع تشمل التواصل والحرية والتجاوز. بينما يجعل هوسرل الوعي المتعالي نقطة الانطلاق المطلقة والأنطولوجيا التابعة له، يجعل ياسبرز التجربة الحدية والتواصل الوجودي هما ما يفتح أفق الفلسفة. الأنطولوجيا الياسبرزية أنطولوجيا وجودية متناهية، لا أنطولوجيا وعي مطلق. ولهذا فإن المدخل إلى الفلسفة عنده ليس رداً فينومينولوجياً، بل استجابة وجودية لما يتجاوز الوعي نفسه.أما مارتن هايدغر فيقدم النقد الأنطولوجي الأعمق لهوسرل. كان هايدغر تلميذاً لهوسرل، لكنه سرعان ما تجاوز الإطار الترنسندنتالي. ففي «الكينونة والزمان» وما بعدها، يرى هايدغر أن هوسرل ظل أسير ميتافيزيقا الذاتية والحضور. الوعي المتعالي عند هوسرل هو امتداد للذات الديكارتية، حتى لو تنكر في صورة قصدية. أما الوجود الحقيقي فهو وجود الدازاين بوصفه انفتاحاً على العالم، لا بوصفه وعياً مكوناً. هايدغر ينقل السؤال من «كيف يظهر الموضوع للوعي؟» إلى «ما معنى الوجود؟» وكيف ينكشف الوجود في الزمانية والتاريخية. الأنطولوجيا الهوسرلية أنطولوجيا للموجودات المكونة في الوعي، بينما الأنطولوجيا الهايدغرية أنطولوجيا للوجود نفسه في اختلافه عن الموجود. المدخل إلى الفلسفة عند هايدغر ليس تعليقاً فينومينولوجياً، بل إيقاظاً للسؤال المنسي عن الكينونة. وبهذا يقطع هايدغر مع مركزية الوعي القصدي ليؤسس تفكيراً في الانكشاف والاحتجاب. ويأتي آلان باديو ليقدم القطيعة الأكثر جذرية مع الأنطولوجيا الهوسرلية. فباديو يرفض تماماً أولوية الوعي أو التجربة الفينومينولوجية. الأنطولوجيا عنده هي الرياضيات، وتحديداً نظرية المجموعات، حيث الوجود هو المتعدد المحض الذي لا يمكن رده إلى الواحد أو إلى الذات. لا مكان للوعي المتعالي أو للقصدية في تأسيس الوجود. بل إن الحقيقة تنبثق من حدث يقطع مع الوضع القائم، والذات تتكون لاحقاً من خلال وفائها لهذا الحدث. بينما يبدأ هوسرل من الوعي ليُكوّن العالم، يبدأ باديو من المتعدد الرياضي ومن الحدث ليفكر في إمكانية الحقيقة. الأنطولوجيا الباديوية أنطولوجيا لا-فينومينولوجية بالمعنى الجذري؛ فهي لا تعتمد على الظهور أو المعطى الحدسي، بل على البنية الرياضية والقطيعة الحدثية. ولهذا فإن المدخل إلى الفلسفة عنده ليس عودة إلى الأشياء ذاتها عبر الوعي، بل تفكيراً في الشروط التي تجعل الحدث والحقيقة ممكنين. تكشف هذه المقارنة عن محور أنطولوجي مركزي: موقع الذات أو الوعي في تأسيس الوجود. عند هوسرل، الوعي المتعالي هو الأساس المطلق الذي يُكوّن المعنى والوجود. عند ياسبرز، الذات المتناهية موجودة في العالم ومفتوحة على ما يتجاوزها. عند هايدغر، الدازاين ليس وعياً مكوناً بل انفتاحاً وجودياً على الكينونة. عند باديو، الذات ليست نقطة انطلاق بل نتيجة للوفاء للحدث. هذا التدرج من مركزية الوعي إلى تفكيكها أو تجاوزها يمثل مساراً أساسياً في الفلسفة المعاصرة. كما تظهر المقارنة اختلافاً في طبيعة المدخل إلى الفلسفة نفسه. فهوسرل يقدم مدخلاً منهجياً دقيقاً يعتمد على الإيبوخي والوصف القصدي، مدخلاً يهدف إلى تأسيس فلسفة علمية صارمة. أما ياسبرز فيجعل المدخل وجودياً وتواصلياً. وهايدغر يجعله سؤالاً أنطولوجياً تاريخياً عن معنى الوجود. وباديو يجعله ارتباطاً بالحدث والحقيقة. كل واحد من هؤلاء يعيد تعريف ما يعنيه «البدء» في الفلسفة انطلاقاً من تصوره للوجود.في النهاية، تظل أنطولوجيا هوسرل نقطة ارتكاز ضرورية لفهم التحولات اللاحقة. فهي تمثل أرقى صياغة حديثة لأولوية الوعي في تأسيس الوجود، بينما تمثل إنجازات ياسبرز وهايدغر وباديو محاولات متتالية للخروج من هذه الأولوية نحو أنطولوجيات أكثر جذرية: وجودية متناهية، أو كينونية تاريخية، أو متعددة حدثية. والمقارنة بينهما لا تُظهر مجرد اختلافات، بل تكشف عن إمكانيات متعددة لفهم العلاقة بين الفكر والوجود، وعن تنوع الطرق التي يمكن بها إنجاز مدخل حقيقي إلى الفلسفة من داخل الأنطولوجيا ذاتها.

خاتمة

إذا قارنا بين هذه الإنجازات الثلاثة من منظور أنطولوجي، نجد أنها تشترك في رفض أي مدخل خارجي أو محايد إلى الفلسفة. فلا ياسبرز ولا هايدغر ولا باديو يقبلان بأن تكون الفلسفة علماً يبدأ من مسلمات موضوعية مستقلة عن وجود المفكر. عند ياسبرز، الوجود الإنساني المتناهي هو نقطة الانطلاق؛ وعند هايدغر، الوجود المنسي هو ما يجب استعادته؛ وعند باديو، المتعدد الحدثي هو ما يفتح أفق الحقيقة. ومع ذلك، تختلف مساراتهم اختلافاً جوهرياً. فياسبرز يظل مرتبطاً بتجربة الذات المتناهية وبتواصلها مع الترانسندنس، فيحافظ على بعد وجودي شخصي. أما هايدغر فيتجاوز الذاتية نحو تفكير في الكينونة ذاتها، ويحول المدخل إلى الفلسفة إلى مهمة تاريخية وأنطولوجية لاستعادة السؤال المنسي. وأما باديو فيقطع مع كلا التوجهين، ويرفض أي أولوية للوجود بمعناه الهايدغري أو للتجربة الحدية، ويستبدل بهما أنطولوجيا رياضية للحدث والحقيقة. هذه الاختلافات تكشف عن توتر أنطولوجي عميق في مفهوم المدخل نفسه. فهل يبدأ التفلسف من داخل التجربة الإنسانية المحدودة (ياسبرز)، أم من استعادة سؤال الوجود المنسي (هايدغر)، أم من الوفاء لحدث يقطع مع كل وضع قائم (باديو)؟ كل إجابة تحمل تصوراً مختلفاً عن طبيعة الكينونة: كينونة متناهية ومفتوحة على التجاوز عند ياسبرز، كينونة منكشفة ومحتجبة في التاريخ عند هايدغر، وكينونة متعددة وحدثية عند باديو. ومن هنا فإن إنجاز كل واحد منهم لمدخل إلى الفلسفة ليس مجرد اقتراح منهجي، بل هو تأسيس لأنطولوجيا معينة تحدد ما يمكن أن يكون بداية للفكر. في الختام، يتبين أن المدخل إلى الفلسفة، في صوره الثلاث التي قدمها ياسبرز وهايدغر وباديو، هو دائماً إنجاز أنطولوجي. فهو ليس بوابة خارجية يدخل منها المرء إلى عالم الأفكار، بل هو حركة داخلية ينكشف فيها الوجود أو الحدث أو التجاوز. ولهذا السبب تظل هذه الإنجازات حية ومؤثرة: فهي تذكرنا بأن الفلسفة لا تبدأ إلا عندما يصبح الوجود نفسه موضع تساؤل، سواء في صورة المواقف الحدية، أو في صورة السؤال المنسي عن الكينونة، أو في صورة الحدث الذي يفتح أفق الحقيقة. وبهذا المعنى، فإن أي مدخل حقيقي إلى الفلسفة هو في جوهره مدخل إلى الأنطولوجيا. لكن هل يمكن الاستفادة من مفهوم المتعالي عند ياسبرس؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

من الممارسة الاجتماعية إلى ثقافة الطاعة

 بحسب ميشيل فوكو

تقوم الجماعات والمجتمعات البشرية، وتنمو وتستمر وتستقر وتزدهر، في سياق اجتماعي تاريخي ثقافي علائقي تفاعلي شديد التعقيد. وليس المجتمع شيئاً قائماً خارج الناس أو فوقهم، كما أنه ليس مجرد مجموع حسابي لأفراده، بل هو حصيلة تاريخية مستمرة لأفعال البشر وعلاقاتهم وتفاعلاتهم وما ينتج عنها من بنى ومؤسسات ورموز وقيم وتمثلات في أربعة أنساق مترابطة هي: فاعل، وفعل، وعلاقة، وبنية، فضلاً عن المكان والزمان بوصفهما الإطارين القبليين اللذين تتعين فيهما كل خبرة إنسانية، بحسب التعبير الكانطي.

فالفاعل الاجتماعي هو الإنسان الفرد أو الجماعة، والفعل هو ما يصدر عنه من ممارسة أو نشاط، والعلاقة هي المجال الذي يلتقي فيه الفاعلون ويتفاعلون، أما البنية فهي الشكل الأكثر دواماً واستقراراً الذي ينتج عن تكرار الأفعال والعلاقات عبر الزمن إذ عبر تفاعل هذه العناصر الأربعة تتولد سائر الظواهر والأشكال الاجتماعية والثقافية؛ من الأسرة والقرابة إلى المدرسة والجامعة، ومن الدين والدولة إلى الاقتصاد والفن والقانون. وكل ما ينتجه الإنسان من مؤسسات وكيانات وأطر رموز وقيم ومعتقدات وتمثلات يعاد بناؤه وصياغته باستمرار في خضم ممارسته لحياته المتعينة مادياً ومعنوياً، واقعياً وافتراضياً.

الحياة التي نمنحها تسعة أعشار وقتنا، بلا ماض ولا مستقبل، عالم اللحظة الحاضرة الراهنة المباشرة، عالم الحياة، وتدفقها بـ ملموسيتها وكليتها، أي الحياة اليومية البسيطة المملوءة بالانشغالات الروتينية، والمتطلبات المعيشية الملحَّة الصغيرة، والروتينية، التي تستغرق الكائن الاجتماعي الساعي إلى إشباع حاجاته بمختلف الوسائل والسبل والحيل، والتقنيات، والعادات والتقاليد، والأساليب والصراعات، والرهانات والتفاعلات، والنجاحات والإخفاقات، والمكاسب، وكل أنماط العلاقات والممارسات اليومية، التي ننهمك فيها وتشكِّل فعلاً عصب الجسد الاجتماعي برمَّته، أي الحياة بلا مزايا، التي يسمِّيها عالم الاجتماع جلبر دوران بـ «الجو الخانق»

إن الإنسان لا يعيش وحيداً، ولا يصبح إنساناً إلا في علاقته بغيره. فهو يوجد دائماً في شبكة من العلاقات المتغيرة: أنا وأنت، ذات وآخر، نحن وهم، فرد وجماعة، مواطن ودولة، معلم وطالب، طبيب ومريض، رجل وامرأة. وهذه العلاقات ليست ثابتة ولا أبدية، بل تتغير باستمرار بتغير الفاعلين والأفعال والسياقات التاريخية والثقافية.

فالإنسان يشترك مع غيره من البشر في كثير من الأشياء، ويختلف عنهم في أشياء أخرى. إنه يشترك معهم في خصائصه الإنسانية والبيولوجية العامة، ويمتلك في الوقت نفسه خصوصيته النفسية والفردية، كما ينتمي إلى جماعات وثقافات تشكل عالمه الاجتماعي. ومن هنا تتوزع دراسة الإنسان بين العلوم الطبيعية والبيولوجية، والعلوم النفسية، والعلوم الاجتماعية والثقافية، دون أن يعني ذلك إمكان الفصل الحقيقي بين هذه المستويات في وجود الإنسان الواقعي.

من هذا المنظور الكلي يمكننا فهم التاريخ الاجتماعي للإنسان باعتباره تاريخ انتقال الأفعال إلى علاقات، والعلاقات إلى بنى، والبنى إلى مؤسسات.

لنأخذ الأسرة مثالاً بسيطاً.

التزاوج فعل إنساني واجتماعي بين فاعلين، وحين يتكرر هذا الفعل وينتظم ضمن قواعد وعادات وقيم معينة، تنشأ علاقة اجتماعية مستقرة. ومن استمرار هذه العلاقة عبر الزمن تتشكل بنية الأسرة، ومنها تتسع دوائر القرابة والعشيرة والقبيلة والقومية والأمة، وصولاً إلى الإنسانية بوصفها الأفق الأوسع لانتماء الإنسان المعاصر.

وهكذا يمكن النظر إلى المؤسسات التكوينية

فإذا كف التلاميذ عن الذهاب إلى المدرسة، والمعلمون عن التعليم، انتهت المدرسة بوصفها مؤسسة حية، مهما بقي مبناها قائماً. وإذا انقطع الطلاب عن الذهاب إلى الجامعة وتوقف الأساتذة عن التدريس، تحولت الجامعة إلى مبانٍ صامتة بلا روح.

وإذا كف الناس عن التقاضي، فقدت مؤسسة العدالة وظيفتها. وإذا توقف الناس عن الالتزام بالقواعد المنظمة للحياة العامة، اهتز النظام السياسي والمدني.

إن المؤسسة، في جوهرها، ليست جدراناً أو قوانين مكتوبة أو هياكل إدارية فحسب، بل هي استمرار حي لعلاقات اجتماعية يمارسها البشر بصورة متكررة.

البشر يصنعون المؤسسات، ثم تعود المؤسسات لتعيد تشكيل البشر وهنا تكون مع جوهر فلسفة ميشيل فوكو في معنى السلطة فالسلطة، في التصور الفوكوي، ليست شيئاً مادياً يحتفظ به شخص أو حزب أو طبقة اجتماعية، وليست ملكية تنتقل من يد إلى أخرى كما تنتقل الثروة أو الأرض. إنها شبكة معقدة من العلاقات المتحركة التي تسري في جسد المجتمع كله. السلطة موجودة في العلاقة بين المعلم والطالب، والطبيب والمريض، والأب والابن، والمدير والموظف، والرجل والمرأة، والقاضي والمتهم. وهي موجودة في المدرسة والمستشفى والسجن والثكنة والمصنع والأسرة ووسائل الإعلام. ولهذا لا ينبغي لنا أن نبحث عن السلطة في القصر الرئاسي وحده، لأن السلطة الحديثة لم تعد تسكن مكاناً واحداً، ولا تصدر من مركز واحد، وإنما تتوزع في تفاصيل الحياة اليومية مثل شبكة دقيقة لا نكاد نراها، لكنها تحيط بنا وتشارك في تنظيم حياتنا وتشكيل سلوكنا؛ إنها ليست مجرد قوة تمنع وتقمع وتحرم وتعاقب. فالسلطة لا تقول للإنسان دائماً: لا تفعل. إنها تقول له أيضاً: افعل هكذا، كن هكذا، تحدث بهذه الطريقة، تعلم بهذه الطريقة، أحب بهذه الطريقة، وكن مواطناً صالحاً بهذه الصفات. السلطة لا تمنع الإنسان فقط، بل تنتجه أيضاً. إنها تنتج الخطابات والمعارف والتصنيفات والهويات، بل وتشارك في صناعة الإنسان نفسه بوصفه ذاتاً.

وتلك هي أعمق أفكار فوكو: إذ أكد إن الإنسان ليس ذاتاً طبيعية مكتملة ثم تأتي السلطة من الخارج لكي تقيدها، بل إن ما نسميه «الذات» يتشكل تاريخياً داخل شبكة واسعة من علاقات السلطة والمعرفة. فالطفل يدخل المدرسة فيتعلم القراءة والكتابة، لكنه يتعلم في الوقت نفسه الجلوس في مكان محدد، واحترام الوقت، والالتزام بالجرس، والخضوع للامتحان، وانتظار التقييم. والمريض يدخل المستشفى للعلاج، لكنه يتحول في الوقت نفسه إلى موضوع للمعرفة الطبية. والسجين يدخل السجن بوصفه مخالفاً للقانون، لكنه يصبح موضوعاً للدراسة والمراقبة والتصنيف والإصلاح.

إن المدرسة، مثلاً، لا تعلم المعرفة فقط، كما أن السجن لا يعاقب فقط، والمستشفى لا يعالج فقط. كل مؤسسة من هذه المؤسسات تنتج نمطاً معيناً من البشر. إنها تصنع الفرد المنضبط والمراقَب والقابل للقياس والتصنيف.

ومن هنا جاءت استعارة فوكو الشهيرة لنموذج «البانوبتيكون» أو السجن الدائري الذي صممه جيريمي بنثام في القرن الثامن عشر. يقوم التصميم على برج مركزي يستطيع الحارس منه مراقبة جميع السجناء، بينما لا يعرف السجين متى يكون تحت المراقبة ومتى لا يكون. وهذه الفكرة البسيطة تحمل معنى فلسفياً عميقاً: حين يشعر الإنسان بأنه قد يكون مراقباً في أي لحظة، فإنه يبدأ بمراقبة نفسه بنفسه

بهذا المعنى، لا تعمل السلطة على الإنسان من الخارج فقط، بل تدخل إلى أعماقه، وتشارك في تشكيل صورته عن نفسه وعن الآخرين وحينما تقرأ ما كتبه فوكو عن ممارسة المجالدة الرومانية تفهم معنى الفكرة.

معنى السلطة والحاكم بوصفه راعي الرعية أو والي أمرها في كل زمان ومكان ومعنى الراعي والرعية تدل دلالة لا لبس فيها عن حقيقة العلاقة بين الحاكم والمحكومين في كل زمان ومكان ولا شيء تحت الستار! تلك هي السياسية وهناك مواقف» شديدة الاختلاف تجاه المحكومين» باعتبارهم موضوعًا طبيعيًا، وهناك طرائق متباينة لتناولهم على نحو موضوعى» أو إذا كان ذلك أفضل هناك «إيديولوجيات مختلفة حول العلاقة بالمحكومين. ولنقل هناك ممارسات مختلفة تتخذ إحداها موضوعا منهم باعتبارهم أهل بلد» وتتخذهم الأخرى باعتبارهم دوابا بشرية والثالثة باعتبارهم عشيرة.. الخ. وفي الظاهر لا يكون الاختلاف إلا طريقة في الكلام، وتعديلا في مواضعات المعجم ولكن في الواقع تكون أمام ثورة علمية تنشب وراء هذا التغير اللفظى، فالمظاهر تنقلب ظهرا لبطن كما نقلب كم الثوب وأخيرًا تموت المشاكل الزائفة مختنقة. وأما المشكلة الصحيحة فتتحقق». ولنطبق هذا المنهج على المبارزات ولنتساءل فى (أى ممارسة سياسية يكون الناس قد تحولوا إلى موضوعات) موضعوا أنفسهم على نحو يتيح لهم إذا رغبوا في تلك المبارزات أن تقدم لهم بكل إخلاص وفى أى ممارسة يكون لا سبيل إلى ذلك؟ والإجابة سهلة.

كتب بول فيين فيي أزمة المعرفة التاريخ؛ فوكو وثورة في المنهج في وصف المبارزة الرومانية المتوحشة ما يلي “لنفترض أن علينا مسئولية قطيع من الغنم في حالة ارتحال، وأننا أخذنا على عاتقنا مسئولية الرعاة تلك، ونحن لسنا أصحاب هذا القطيع، فصاحبه يكتفى بجز الصوف جريا وراء الربح، وفيما عدا ذلك فهو يترك الماشية في عدم اكتراثها الطبيعي، وأما نحن فيجب أن نكفل سير القطيع فهو ليس في المرعى بل في عرض الطريق، وعلينا أن نمنعه من التبعثر لصالحه بطبيعة الحال. «لا بوصفنا المرشدين الذين يعرفون هدفهم ويقررون إلى أين يقودون الماشية ويدفعونها إليه: فالقطيع يرتحل من تلقاء نفسه، أو بالأحرى إن طريقه ينتقل من أجله، لأنه يسير في الطريق الرحب «للتاريخ فعلينا أن نكفل مواصلته البقاء باعتباره قطيعا على الرغم من مخاطر الطريق والغرائز السيئة للماشية وضعفها وقصورها الذاتي، وبضربات العصا إذا لزم الأمر نمارس إدارة الأمور بأيدينا نحن : وتتعرض الماشية الضروب من الكدر ولا تحصل على العدالة بكل جلالها. إن هذا القطيع بمثابة الشعب الروماني ونحن أعضاء مجلس شيوخه ولسنا ملاكا لهذا الشعب لأن روما لم تكن قط ملكية عقارية تحتها دواب بشرية، فقد ولدت بوصفها شعبا موحدا، بوصفها مدينة.

أما نحن باعتبارنا آخرين فقد أخذنا على عاتقنا توجيه هذا القطيع البشرى لأننا نعرف أفضل منه ماذا ينبغى له، ولكي نؤدى رسالتنا عينا مواطنين عموميين يفسحون الطريق أمامنا في الاحتفالات العامة وهم يحملون حزمة من السياط لكي يقرعوا الدواب التي تبث الاختلال في نظام القطيع أو التي تنحرف شاردة عنه فسلطة البوليس وأعماله الهابطة لا تتميز بدرجة أكبر من الوقار». وتنحصر سياستنا في المحافظة على القطيع في مسيرته التاريخية، وفيما عدا ذلك نحن نعرف جيدا أن الدواب دواب. ونحن نحاول ألا نتخلى في طريقنا عن كثير من الماشية التي أنهكها الجوع لأن ذلك يقلل من عدد القطيع: فسنعطيها ما تأكله إذا كان ذلك واجبا. وسنعطيها أيضًا السيرك والمبارزات الدموية التي يحبونها كثيرا . (ولأن الحيوانات ليست أخلاقية ولا غير أخلاقية فهى كما هي فحسب فنحن لا نهتم بأن نحرم الشعب من دم المبارزين بأكثر مما ينتبه راعي قطيع من البقر أو الضأن إلى الإشراف على الجماع بين دوابه ليمنع العلاقات الجنسية بين المحارم)

***

د. قاسم المحبشي

 

ليست الفلسفة، في جوهرها، ذلك التفكير الذي ينسحب من العالم لكي يتأمل العالم من بعيد؛ بل لعلها تبدأ حين يكفّ اليومي عن كونه بديهيًا، وحين يتحول ما نمارسه دون سؤال إلى ما يستحق أن يُسأل عنه. فاليومي لا يقف خارج الفلسفة، كما قد يوحي التصور التقليدي الذي جعل التفلسف بحثًا عن الكليات والمبادئ الأولى، وإنما هو أحد أكثر ميادينها خصوبة؛ لأن ما نسميه «عاديًا» يخفي، في الغالب، أكثر الأسئلة عمقًا. إن الفلسفة لا تولد دائمًا من الدهشة أمام النجوم والكائنات والمطلق، بل قد تولد من فنجان قهوة، أو من طابور انتظار، أو من صمت عابر، أو من كلمة نكررها حتى تفقد معناها، ثم نكتشف فجأة أنها كانت تسكن حياتنا أكثر مما كنا نسكنها.

من هنا يصبح اليومي نصًا مفتوحًا للتأويل. إنه ليس مجرد تعاقب للأحداث الصغيرة، بل نسيج من العادات والرموز والإشارات والانتظارات التي تمنح وجودنا معناه من حيث لا نشعر. نحن لا نعيش اليومي فحسب، بل نفهم أنفسنا من خلاله، ونبني علاقتنا بالآخرين والأشياء والزمن والمدينة واللغة. ولذلك فإن السؤال الفلسفي لا يأتي إلى اليومي من خارجه، وإنما ينبثق من داخله، كما ينبثق المعنى من طبقات نص لا يكشف نفسه دفعة واحدة.

إن التأويل هنا لا يعني البحث عن معنى مختبئ خلف الظاهرة اليومية وكأن هناك حقيقة سرية ينبغي استخراجها، بل يعني الدخول في حوار مع ما نعيشه. وهذا ما يجعل الهرمينوطيقا أكثر من مجرد منهج لقراءة النصوص؛ إنها طريقة في فهم الوجود نفسه. فالإنسان، قبل أن يكون قارئًا للكتب، هو كائن يقرأ العالم، ويقرأ الآخرين، ويقرأ ذاته من خلال ما يحيط به. ومن ثم فإن اليومي هو أول كتاب نقرأه، وإن كنا غالبًا لا نعرف أننا نقرأ.

ولعل هذا ما يجعل سؤال الفلسفة واليومي سؤالًا عن المعنى قبل أن يكون سؤالًا عن الأشياء. فالكرسي الذي نجلس عليه ليس مجرد جسم مادي، والشارع الذي نعبره ليس مجرد مساحة جغرافية، والهاتف الذي نمسكه ليس مجرد أداة تقنية. الأشياء تدخل عالمنا من خلال شبكة من الدلالات. إننا لا نرى الأشياء كما هي في عزلتها، بل كما تظهر لنا داخل عالم من الاستعمالات والذكريات والانتظارات والعلاقات. ومن هنا فإن اليومي لا يكون يوميًا لأنه بسيط، وإنما لأنه مألوف؛ والمألوف هو أكثر ما يحتاج إلى إعادة نظر، لأنه الشيء الذي نتوقف عن رؤيته بمجرد أن نعتاد عليه.

والفلسفة، بهذا القدر، هي استعادة القدرة على رؤية ما ألفناه.وهنا يمكن استحضار قولـة الفيلسوف الألماني هانز جورج غادامر في قوله:" ليست التأويلية المطورة هنا منهاجية للعلوم الإنسانية، بل هي محاولة لفهم ما هي العلوم الإنسانية حقيقة، بتجاوز وعيها الذاتي المنهاجي، وما يربطها بكليانية تجربتنا للعالم.  "ولئن جعلنا الفهم موضوعاً لتفكيرنا، فليس المرء من وراء ذلك هو فن الفهم أو تقنية الفهم، مثلما أرادت أن تكون التأويلية التقليدية والتأويلية اللاهوتية. فمثل هذا الفن أو التقنية ستخفق في إدراك أن التقنية الشكلية، في نظر الحقيقة التي تتحدث إلينا من التراث، تتصل نفسها تقوياً زائفاً. ومع ذلك، والكلمة لـ "غادامير": "سأوضح فيما يلي كم يؤثر حدث ما في الفهم كله، وكم هو ضئيل التأثير الذي يمارسه الوعي التاريخي الحديث لإضعاف التراثات التي نخضع لها، إذ ليس من اهتمامي أن أضع قواعد للعلوم أو لصرف الحياة، بل أن أسعى إلى تصحيح التفكير الزائف في ماهيتها. " ومن ثم فإن اليومي ليس مادة خامًا تأتي الفلسفة لكي تمنحها المعنى، لأن اليومي نفسه مشبع سلفًا بالتأويلات. إن مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل كشف الشروط التي تجعل شيئًا ما ذا معنى بالنسبة إلينا.

ولذلك فإن الفلسفة حين تقترب من اليومي لا ينبغي أن تتعامل معه باعتباره موضوعًا هامشيًا أو شأنًا منخفضًا قياسًا إلى الموضوعات «الكبرى». إن الحياة اليومية هي المكان الذي تتجسد فيه المفاهيم الكبرى بصورة صامتة. الحرية تظهر في الطريقة التي نختار بها ونمتنع بها ونطيع بها. السلطة تظهر في تفاصيل الخطاب والعادة والمؤسسة. الاغتراب يظهر حين يتحول الإنسان إلى موظف في روتينه الخاص. الاعتراف يظهر في نظرة الآخر إلينا وفي الطريقة التي نمنح بها الآخر حق أن يكون مرئيًا. وحتى الزمن لا يظهر لنا أولًا في المعادلات الفلسفية، وإنما في الانتظار، والملل، والاستعجال، والحنين، والخوف من الغد.

هكذا يتحول اليومي إلى مرآة فلسفية للإنسان. لكن المفارقة أن الإنسان المعاصر يعيش في اليومي أكثر مما عاشه الإنسان في أي زمن سابق، ومع ذلك يبدو أقل قدرة على الإقامة فيه. لقد أصبحت الحياة اليومية مثقلة بالشاشات والإشعارات والصور المتدفقة والأخبار العاجلة والسرعة الاستهلاكية. لم يعد اليومي فضاءً نعيش فيه فحسب؛ لقد أصبح فضاءً تُدار داخله انتباهاتنا ورغباتنا وميولنا. وما يبدو اختيارًا شخصيًا قد يكون في بعض الأحيان نتيجة هندسة دقيقة للرغبة والانتباه. ولذلك فإن فلسفة اليومي اليوم لا تستطيع أن تكتفي بوصف العادات؛ عليها أن تسأل: من يصنع عاداتنا؟ ومن يحدد ما نراه؟ ومن يقرر ما يستحق انتباهنا؟

هنا يتقاطع التأويل مع النقد.

فالإنسان لا يعيش اليومي بصورة بريئة تمامًا؛ إنه يعيش داخل أنظمة من المعنى تسبقه وتؤثر في رؤيته للعالم. اللغة التي نتكلم بها، والصور التي نستهلكها، والأخبار التي تصلنا، والأشياء التي نعتبرها ضرورية، كلها تشارك في تشكيل أفقنا اليومي. ولذلك فإن تفكيك اليومي ليس ترفًا فلسفيًا، وإنما هو محاولة لاستعادة شيء من الحرية أمام ما صار يبدو طبيعيًا وبديهيًا.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم أهمية ما قدمه ميشيل دو سارتو في التفكير في الممارسات اليومية؛ فالإنسان العادي ليس مجرد مستهلك سلبي لما تنتجه المؤسسات والأنظمة، بل يمارس أشكالًا صغيرة من المراوغة وإعادة الاستخدام وإنتاج المعنى.  إن اليومي، في هذا المنظور، ليس فقط مجالًا للهيمنة، بل هو أيضًا مجال للمقاومة الهادئة. قد لا يغيّر الإنسان العالم دفعة واحدة، لكنه يستطيع أن يعيد استعمال الأشياء، وأن يمنح الكلمات معاني أخرى، وأن يخلق لنفسه مساحات صغيرة من الحرية داخل نظام يبدو مغلقًا.

وهنا يصبح اليومي فعلًا تأويليًا ومقاومة تأويلية في الوقت نفسه.

إننا نخطئ حين نبحث عن الفلسفة في الكتب وحدها وننسى أنها تختبر حقيقتها في الحياة. فما قيمة الحديث عن الأخلاق إذا لم نستطع أن نرى الآخر في تفاصيل علاقتنا به؟ وما قيمة الحديث عن الحرية إذا كان الإنسان عاجزًا عن مساءلة عاداته؟ وما قيمة الحديث عن الحقيقة إذا كنا نستهلك كل ما يصل إلينا دون فحص أو تمييز؟ وما قيمة الحديث عن الإنسان إذا لم نستطع أن نفهم هشاشته في لحظات العجز والوحدة والانتظار؟

الفلسفة التي لا تعود إلى اليومي تتحول بسهولة إلى خطاب عن العالم لا يمس العالم.

ولهذا فإن الفلسفة واليومي ليسا حدين متقابلين؛ فالفلسفة هي محاولة لجعل اليومي قابلًا للسؤال، واليومي هو المجال الذي يختبر فيه السؤال الفلسفي صدقه. إن الفيلسوف لا يحتاج دائمًا إلى مغادرة الشارع كي يفكر في الوجود؛ يكفي أن يصغي إلى ما يقوله الشارع من خلال صمته، وضجيجه، وتكراره، وعلاقاته الصغيرة. فالمدينة نص، والبيت نص، والعمل نص، واللغة نص، وحتى الصمت نص يحتاج إلى تأويل.

إن أعظم ما يفعله التأويل هو أنه ينزع عن الأشياء قناع البداهة.

حين نسأل: لماذا نفعل هذا كل صباح؟ لماذا نتكلم بهذه الطريقة؟ لماذا نعتبر هذا طبيعيًا؟ لماذا ننتظر من الآخر أن يكون كما نريده؟ لماذا نخاف من الاختلاف؟ لماذا نقيس النجاح بهذه المقاييس دون غيرها؟ فإننا لا نطرح أسئلة صغيرة، بل نفتح داخل اليومي شقوقًا يطل منها الفلسفي.

وربما لهذا السبب لا تكون الفلسفة في النهاية امتلاكًا للأجوبة، بل استعادةً للسؤال.

إن الإنسان الذي فقد القدرة على السؤال يستطيع أن يعيش طويلًا، لكنه يعيش داخل معانٍ لم يخترها بالضرورة. أما الإنسان الذي يستعيد السؤال، فإنه لا يخرج من اليومي، وإنما يدخل إليه للمرة الأولى. يصبح قادرًا على رؤية ما كان يمر أمامه دون أن يراه، وعلى الإصغاء إلى ما كان يسمعه دون أن ينصت إليه. وهنا يتحول اليومي من فضاء للتكرار إلى أفق للإمكان.

إن الفلسفة لا تقول لنا: اتركوا الحياة اليومية وابحثوا عن الحقيقة في مكان آخر؛ بل تقول، على العكس: عودوا إلى ما تعيشون، ولكن عودوا إليه بعين أخرى.

ذلك أن العالم لا يتغير دائمًا حين تتغير الأشياء؛ أحيانًا يتغير حين تتغير طريقة رؤيتنا لها. وما التأويل إلا هذا التحول الهادئ في النظر: أن نعيد قراءة ما حسبناه مقروءًا، وأن نستعيد السؤال من بين ركام الأجوبة الجاهزة، وأن نمنح المألوف فرصة أن يفاجئنا من جديد.

ومن هنا يمكن القول إن الفلسفة واليومي يلتقيان في نقطة واحدة: المعنى. فاليومي هو المعنى حين يتجسد في العادة، والفلسفة هي المعنى حين يستيقظ من عادته. وبينهما يتحرك الإنسان، لا بوصفه ساكنًا في عالم مكتمل، بل بوصفه كائنًا يؤول باستمرار، ويعيد فهم نفسه كلما أعاد فهم العالم.

ولعل الفيلسوف الحقيقي ليس من يستطيع أن يقول أشياء غريبة عن الحياة، وإنما من يستطيع أن يجعلنا نرى غرابة ما اعتدنا عليه.

وهذه، في النهاية، هي مهمة الفلسفة أمام اليومي: أن توقظ الأشياء من نومها، وأن تردّ إلى الكلمات دهشتها، وإلى الأفعال سؤالها، وإلى الإنسان حقه في أن يفهم ما يفعله قبل أن يواصل فعله.

فاليومي ليس ما يتكرر فحسب؛ إنه ما ينتظر أن نقرأه. والفلسفة ليست ما يُقال عن الحياة؛ إنها ما يجعل الحياة قابلة لأن تُفهم.

***

بقلم: د. معروفي العيد

..................

الهوامش:

1- غادامير (هانز جورج)، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر، ليبيا، طبعة أولى .2007

2- Michel de Certeau, L’invention du quotidien. 1. Arts de faire, Paris, Gallimard, 1990.

أفق النزاع، الأصالة المعرفية، وميتافيزيقا الوجود

المنحول الهلنستي وتشكل النظام الكوني التوفيقي

لم تكن نشأة الفلسفة في الفضاء التداولي الإسلامي مجرد عملية نقل لغوي محايدة للمتون الإغريقية، بل كانت لحظة تلاقح معرفي معقدة؛ دخلت فيها النصوص الفلسفية القديمة محمّلة بتراكمات وتأويلات مدارس الإسكندرية وأثينا وحران المتأخرة. ولم يتلقَّ الفكر الإسلامي المتن الأرسطي في صفائه التحليلي المشائي الأول، بل استقبله مصهورًا داخل بوتقة الأفلاطونية المحدثة التوفيقية التي سعت مبكرًا للدمج بين مثالية أفلاطون المفارقة وفيزياء أرسطو الصورية. وكان للمتون المنحولة التي نُسبت خطأً إلى أرسطو اليد الطولى في تكريس هذا النسق الهجين وتوجيه المسار التأويلي للفلاسفة المسلمين الأوائل.

تمثل المنعطف في علم الكونيات في كتابين رئيسيين شكلا ركيزة الإلهيات المشرقية: كتاب "أثولوجيا أرسطو" (أو كتاب الربوبية)، وهو في حقيقته فصول مستخلصة من "التاسوعات" لأفلوطين، نقلها إلى العربية عبد المسيح بن عبد الله بن ناعمة الحمصي ورتبها أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي؛ وكتاب "الإيضاح في الخير المحض" الذي نُسب كذلك لأرسطو وتبيّن لاحقًا أنه ترجمة واقتباس من كتاب "مبادئ اللاهوت" للفيلسوف الأفلاطوني المحدث برقلس. أفضت هذه النسبة المنحولة إلى وقوع رواد المشائية الإسلامية، لا سيما أبو نصر الفارابي في أطروحته "الجمع بين رأيي الحكيمين" وأبو علي بن سينا في أمهات أعماله، في التباس تاريخي ونظري؛ إذ ظنوا أن نظرية الصدور والفيض المنبثقة عن "الواحد المحض" تنتمي إلى صلب مذهب أرسطو، مما رسخ لديهم مشروعية التوفيق التام بين الرأيين.

ولّد هذا الخلط نظامًا كونيًا توفيقيًا حاول معالجة تقابل عميق بين تصورين للذات الإلهية:

الأول هو التصور الأرسطي الصرف الذي يحدد الإله بوصفه "المحرك الأول الذي لا يتحرك"، فكرًا خالصًا يعقل ذاته دون التفات للعالم المادي، نافيًا عنه أي فعل خلق زمني أو مشيئة مباشرة؛ والثاني هو التصور التوحيدي القرآني القائم على الإله الخالق البارئ الفاعل المختار، الذي يبدع الوجود من العدم ويحيط بكل جزئيات الكون وكلياته إحاطة تامة.

ولتجسير هذه الهوة، طور الفارابي وابن سينا نموذجًا صدوريًا نسقيًا، دمج نظرية الفيض برؤية بطليموس الفلكية القائمة على مركزية الأرض وحركات الأفلاك. وبموجب هذا البناء، فإن المبدأ الأول يعقل ذاته فيفيض عنه العقل الأول بحكم القاعدة:

"الواحد لا يصدر عنه إلا واحد". ويتضمن العقل الأول كثرة اعتبارية ناتجة عن ازدواج تعقله: تعقله لمبدئه وتعقله لذاته بوصفها واجبة بغيرها ممكنة بذاتها، لتتوالى العقول والأفلاك حتى "العقل العاشر" (العقل الفعال)، وهو مدبر عالم الكون والفساد الأرضي والمصدر المعرفي للنفوس والاتصال النبوي. وقد أتاح هذا النسق للغزالي لاحقًا تقويضه من الداخل لكونه بناءً تخمينيًا يفتقر إلى شرط البرهان الأرسطي، كما مهّد لابن رشد لمهاجمته سعيًا لاستعادة النقاء المشائي الأول.

علة الوجود والنص القرآني ومشروعية التفلسف

تطرح إمكانية قيام "فلسفة إسلامية" تتخذ من "علة الوجود" مبحثًا لها سؤالًا عن مدى استقلالية النظر العقلي إزاء نص قرآني حسم قضية الإيجاد بإسنادها إلى الإرادة الإلهية الحرة. ويقتضي حل هذا الإشكال التمييز بين طبيعة "التقرير العقدي الوحياني" وطبيعة "البرهان الفلسفي"؛ فالنص القرآني لم يأتِ منظومة لاهوتية مغلقة تحجر على العقل، بل تضمن دعوة صريحة للنظر والاستدلال والاعتبار في الآفاق والأنفس.

انطلاقًا من هذا المعطى، وضع أبو الوليد ابن رشد في رسالته "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال" تعريفًا عمليًا للفلسفة يرفع أي تعارض متوهم، مبينًا أن فعل التفلسف ليس سوى النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع بوصفها مصنوعات؛ فكلما كانت المعرفة بالصنعة أتم، كانت المعرفة بالصانع أكمل. وبذلك تلتقي الفلسفة مع الدين في الغاية وتتمايز في الطرائق.

وقد رسخ ابن رشد قاعدته المشهورة: "الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له"، مقسمًا مراتب التصديق الإنساني إلى ثلاث: المرتبة البرهانية (لأهل النظر والبرهان اليقيني)، والمرتبة الجدلية (لأهل الكلام)، والمرتبة الخطابية (لجمهور الناس القائمين على التخييل والإقناع). وتكفل قانون "التأويل البرهاني" بدرء التعارض بين ظاهر النص ومقتضى العقل بحمل اللفظ على مجازه الشرعي واللغوي، شريطة عدم بث التأويلات الدقيقة بين العامة منعًا لتشويش اليقين الفطري.

التمايز بين الماهية والوجود ونظرية الجهات

شهد تاريخ الفكر تحولًا نوعيًا مع ابن سينا، الذي وسع أفق البحث متجاوزًا الحدود الأرسطية. وتمثلت خطوته الأولى في تأسيس علم ما بعد الطبيعة علمًا برهانيًا كليًا، حاسمًا التردد بين كونه بحثًا في "الموجود بما هو موجود" أو بحثًا في "الجوهر المفارق". فقرر أن موضوع العلم هو الموجود المطلق، أما الذات الإلهية ومفارقاتها فهي مطلوبات العلم وغاياته المبرهن عليها.

واقترن هذا بالتمييز الحاسم بين "الماهية" و"الوجود"؛ إذ بين أن العقل يتصور حقيقة الشيء الذاتية وماهيته دون استلزام لتحققه العيني الخارجي؛ فالماهية في ذاتها محايدة، والوجود ليس جزءًا مقومًا لها في الممكنات، بل هو عارض يلحق بها بفعل علة خارجية تفيض عليها التحقق. ومن هذا التمايز انطلقت نظرية الجهات (الواجب، الممكن، الممتنع)، مؤسسة لأصالة المبحث الوجودي الإسلامي.

أفق النزاع الجدلي وموجبات الحكم بالمروق

بلغ الصدام المعرفي بين المشائية وعلم الكلام ذروته في "تهافت الفلاسفة" للغزالي، ثم في رد ابن رشد في "تهافت التهافت". ولم يكن النزاع خلافًا لفظيًا بل صدامًا بين نسقين كليين: عقلانية برهانية ترى العالم محكومًا بالضرورة السببية وطبائع الأشياء، ورؤية كلامية أشعرية ذرية ترد الوجود إلى جواهر وأعراض تفتقر في كل آن إلى التدخل الإلهي المباشر بلا وسائط ولا حتميات.

تداخل في موقف الغزالي جانبان: جانب منهجي كشف فيه عن تهافت براهين الفلاسفة الميتافيزيقية وتجاوزهم لحدود البرهان المنطقي، وجانب اجتماعي سياسي ارتبط بتموقعه في المدرسة النظامية ومواجهة المد الباطني الإسماعيلي المستند إلى الفيض الكوني لتعطيل الشرائع. وقد حصر الغزالي تكفير الفلاسفة في ثلاث مسائل قطعية: القول بقدم العالم، والقول بعدم إحاطة العلم الإلهي بالجزئيات، وإنكار حشر الأجساد في المعاد؛ بينما أدرج باقي المسائل في دائرة البدع الكلامية القابلة للنظر.

تفكيك أطروحة الشروح والمركزية الغربية

سادت الاستشراق الكلاسيكي في القرنين التاسع عشر والعشرين رؤية ضيقة قادها إرنست رينان وتابعها غوتييه وفون غرونباوم، ادعت أن الفلسفة في ديار الإسلام لم تكن إلا صدى عارضًا وشروحًا ميكانيكية للمتن اليوناني تفتقر للأصالة الإبداعية، وأن الفكر الفلسفي أصيب بـ "موت مفاجئ" بعد ضربة الغزالي بالمشرق ومحنة ابن رشد بالمغرب.

وقد دحضت الدراسات الحديثة المتخصصة هذه النزعة المركزية؛ مبرهنة على أن فعل "الشرح" في التراث الوسيط كان أسلوبًا أصيلًا لإنتاج المفاهيم، ومحاكمة الأنساق، وإعادة بناء الفلسفة وفق متطلبات البيئة الفكرية التوحيدية، مما ضمن استمراريتها وتأثيرها الممتد.

الفلسفة الحاضرية الوجودية الشاملة كأفق مقارن

عند مساءلة هذا التراث في ضوء الفلسفة الحاضرية الوجودية الشاملة، يتكشف لنا أفق جديد للمقارنة المعرفية. فإذا كان النزاع التاريخي القديم قد تمحور حول أسبقية "الماهية على الوجود" أو محاولة توفيق العقل مع النقل ضمن أطر تجريدية صورية أو كوزمية قديمة، فإن الفلسفة الحاضرية تنقل مركز التفكير من التجريد الأفلاطوني-المشائي إلى الوجود المعاش وواقع الفعل الحضاري للإنسان في لحظته الراهنة.

إن الإشكال المعرفي في الفلسفة الحاضرية لا يقف عند إثبات "علة الوجود" نظريًا في السماء، بل يمتد إلى استعادة "حضور" الذات الفاعلة في صياغة التاريخ والشهود الحضاري على الأرض. ومن هذا المنطلق، تبدو ثنائية ابن سينا حول عروض الوجود على الماهية قابلة للتأويل الحديث؛ إذ لا يعود الوجود مجرد عارض منطقي خارجي، بل هو التحقق الحي والمسؤول للإنسان الشاهد. كما أن نقد ابن رشد لخلط الفلسفة بالكلام يلتقي مع دعوة الفلسفة الحاضرية الوجودية إلى إرساء نظر واقعي منضبط يحرر الوعي من الأوهام والمنحولات الزائفة. وهكذا، تصبح الفلسفة الإسلامية في أفقها الحاضري ليست مجرد تراث ميت يستعاد دفاعًا أو نقدًا، بل منطلقًا تأسيسيًا لفهم شروط الوجود الإنساني الشامل وربط البرهان الفكري بالفعل الأخلاقي والحضاري المعاش.

التحليل المعرفي

لا تناقض بنيويًا بين إعمال البرهان العقلي والنص المؤسس، بل يمثل التأويل البرهاني أداة التوفيق والاتساق المنهجي.

مثّل النزاع بين التهافتين صدامًا بين نموذج الضرورة الطبيعية ونموذج الجواز الإمكاني، تداخلت فيه الصرامة المنطقية مع الرهانات الاجتماعية للمرحلة.

يفتح الوصل مع الفلسفة الحاضرية الوجودية الشاملة بابًا لتحويل الفلسفة من ميتافيزيقا سكونية إلى فاعلية وجودية تستأنف السؤال المعرفي في قلب الحاضر.

***

غالب المسعودي

يولد الإنسان في لغة تسبقه، فيتعلم أسماء الأشياء قبل أن يسأل عن دلالاتها، ويتلقى تصنيفات الجماعة قبل أن يختبرها. تختزن الكلمات آثار تجارب وصراعات وأحكام فقدت أسبابها، غير أن ظلالها تلبث فاعلة في الاستعمال اليومي. يتوهم المتكلم أنه يتصرف في لغته بحرية، مع أن الموروث اللغوي قد يتكلم من خلاله، ويستدعي على لسانه مفاهيم لم يخترها وأحكامًا لم يفحصها. تبدأ حريته حين يعي المسافة بين صوته وصوت الجماعة في داخله، ويميز ما يعبر عن خبرته مما تفرضه العادة، ثم يعيد ابتكار لغته بما يتسع لتجربته ويحفظ حق الآخر في أن يكون مختلفًا. يقول مارتن هايدغر: "يتصرف الإنسان كما لو كان هو صانع اللغة وسيدها، في حين أن اللغة تظل سيدة الإنسان"1.

مَن يمتلك سلطة التسمية يوجّه الوعي؛ فالاسم، فضلًا عن دلالته على الشيء، يحدد موقعه في منظومة المعنى، ويستدعي حياله الخوف أو الطمأنينة، والقبول أو الرفض، والحب أو الكراهية. ومَن يحتكر تسمية الأشياء يسيطر على نظام إنتاج المعنى ويستطيع توظيفه، ويمنح المواقف والأفعال شرعيتها أو يسلبها منها؛ هكذا تسمي السلطة المستبدة القمع أمنًا، والاستبداد استقرارًا، والإقصاء حماية للهوية، والاحتلال تحريرًا، والامتياز حقًا، والاعتراض فتنة. تكشف التجارب المريرة للاحتلال، منذ الاستعمار الإمبراطوري القديم إلى الاستيطان الحديث، عن تعمد تبديل أسماء المدن والقرى والمواقع والأنهار والبحار والبحيرات؛ لمحو ذاكرة السكان الأصليين، وطمس هويتهم، وإعادة رسم هوية المكان بلغة المحتل. الاسم ليس علامة محايدة، إنه مستودع للذاكرة، وسجل لتاريخ الجماعة، وشاهد على صلتها بأرضها. حين ينتزع المحتل الاسم من المكان، يحاول اقتلاعه من ذاكرة أهله، وقطع الصلة بين الأجيال وتاريخها، وإحلال روايته محل روايتهم. حماية الذاكرة الوطنية تبدأ باسترداد الأسماء الأصلية، وحماية هوية المكان من المحو، وصيانة حق السكان في رواية تاريخهم بلغتهم وأسمائهم. ترسخت هذه السياسة الموجعة في المناطق التي أخضعتها القوى الأوروبية في الأمريكتين وأستراليا، وتواصلت بأقسى صورها في فلسطين، حيث لا يكون تبديل الاسم عملًا لغويًا محايدًا، وإنما أداة للاستحواذ الرمزي على المكان، وقطع صلته بتاريخه وسكانه الأصليين. لا يستهدف هذا التغيير الأسماء وحدها، بل يسعى إلى محو ذاكرة المكان، وقطع صلته بتاريخه وسكانه، وإحلال رواية المتغلب محل رواية أهله.

لا تغير السلطة الأسماء اعتباطًا؛ لأنها تدرك أن تبديل الاسم يبدل الحكم على المسمى، ويمنح الفعل القبيح مظهرًا مقبولًا. لا تكتفي التسمية بوصف الواقع، وإنما تعيد تشكيله في الوعي، وتحدد موقع الأشخاص والأفعال والأماكن في منظومة القيم. تصير تسمية الأماكن أداة للاستحواذ الرمزي؛ فمن يفرض عليها أسماءه يحاول امتلاك تاريخها، وإعادة صياغة هويتها، والتحكم في صورتها المستقرة في ذاكرة الأجيال. هكذا يتحول الصراع على دلالات الكلمات إلى صراع على القيم والمعايير والمعتقدات، ويغدو تحرير المعجم العام شرطًا لتحرير الإنسان من الخداع والتضليل. تبدأ نهضة المجتمعات حين تسترد كلماتها من قبضة الأيديولوجيا، وتكشف ما تراكم في دلالاتها من تزييف، وتعيد إليها قدرتها على قول الحقيقة، واستيعاب السؤال والاختلاف، وابتكار إمكانات جديدة للحياة.

نقد اللغة ضرب من تفكيك سلطة الأحكام المسبقة؛ الكلمات تكشف طرائق التفكير، وأنماط الشعور، وما يختبئ في اللاوعي من أحكام مضمرة. تهذيب اللغة إعادة تربية للشعور والذوق، وتصحيح لعلاقة الإنسان بذاته وبمن يختلف عنه، وتحرير للوعي من ألفاظ التعصب والاحتقار والإقصاء. كلما تهذبت اللغة اتسعت للاختلاف، وصانت كرامة الإنسان، وفتحت أفقًا للحوار والتفاهم والعيش المشترك. تجديد اللغة ليس استبدال ألفاظ بأخرى فقط، إنه مراجعة لنظام القيم الكامن فيها، وبناء لمعجم يعترف بالإنسان، ويحمي حقه في التعبير عن ذاته، من دون أن تحاصره أحكام الآخرين وتسمياتهم الجاهزة.

لا يتحرر الإنسان من أسر اللغة إلا حين ينتبه إلى ما تخفيه كلماتها من أحكام مضمرة، وينقد دلالاتها الموروثة، ويعيد فهمها في ضوء وعيه وخبراته. الكلمات لا تصف الإنسان والعالم فقط، وإنما تسهم في تشكيل نظرته إليهما، وتحدد مواقفه منهما. حين يراجع الإنسان معجمه، ويطهره من ألفاظ التحقير والكراهية والإقصاء والعنف، يتحرر وعيه من كثير من أوهامه، وتتسع لغته للاختلاف، وتصير أقدر على حماية الكرامة وفتح أفق للتفاهم والعيش المشترك.

قد تتحول الكلمة من وصف للإنسان إلى قدر يلاحقه؛ فالتسمية التي يلصقها الآخرون به تختزله في صفة جارحة، وتضعه في سجن كئيب يحجب مواهبه، ويطمس تنوع شخصيته وثراء تجربته. يحدث ذلك حين يلصقون بفرد أو جماعة تسمية ازدرائية، فلا يقف أثرها عند حدود الحكم العابر، وإنما يمهد للتمييز والعزل والحرمان، وربما يسوغ العنف. تبدأ القسوة في المعجم قبل أن تنتقل إلى السلوك، ويبدأ الاعتراف بالآخر حين ينادى بالاسم الذي يصون كرامته ويقر بحقه في الاختلاف. العناية بالكلمات مسؤولية أخلاقية؛ لأن تهذيب اللغة يسهم في بناء علاقات راسخة، ويحول دون اختزال البشر في قوالب جامدة، ويفتح المجال أمام كل إنسان كي يعبر عن ذاته بصوته، بعيدًا عن الأسماء التي يفرضها عليه الآخرون.

ترسم اللغة للإنسان أفقًا يرى فيه ملامح العالم الذي يود أن يسكنه؛ فقد تسهم في تشكيل صورة جميلة للحياة، وقد ترسم عالمًا كئيبًا يرهقه ويستنزف روحه. اللغة مرآة تنعكس فيها أعماق الإنسان بما تختزنه من نور أو ظلمة، وقوة تسهم في تشكيل هذه الأعماق، وجسر يعبر به من العتمة إلى الإشراق، ومن ضيق الأفق إلى سعته، ومن التيه إلى المعنى الذي يبحث عنه. حين تستيقظ في اللغة طاقة الانكشاف، توقظ البصيرة، وتمنح الإنسان قدرة على رؤية ذاته والوجود بعين أكثر اتساعًا وجمالًا، وتفتح أمامه إمكانات جديدة للفهم والتأويل. اللغة الدافئة تنبه الضمير من غفلته، وتطهر القلب من سموم الكراهية، وترمم ما بددته القسوة والجفاء في العلاقات الإنسانية. في هذه اللغة طاقة خفية تضمد جراح النفس، وتخفف مشاعر القلق والحزن، وتصالح الإنسان مع ذاته والآخرين والحياة. الكلمة الرحيمة لا تغير العالم كله، غير أنها قد تغير عالم إنسان منكسر، وتمنحه سببًا جديدًا للأمل ومواصلة الحياة.

حين تنغلق اللغة في قوالب جامدة، تضيق دلالاتها، وتخبو قدرتها على توليد المعنى، فتتحول إلى عبء يثقل الفكر ويحبس الروح. أما اللغة الحية فتتجدد بتجدد التجربة، وتبتكر كلمات تكشف ما لم يكن مرئيًا، وتمنح الإنسان قدرة على الإفصاح عما يختبئ غامضًا في أعماقه. لا تقاس حيوية اللغة بكثرة مفرداتها، وإنما بقدرتها على الاستجابة لأسئلة العصر، واستيعاب الخبرات الجديدة، وابتكار آفاق للمعنى لم ترها الأجيال السابقة. تموت اللغة حين تكرر أجوبتها القديمة، وتفرضها على أسئلة جديدة، وتحيا حين تصغي إلى الإنسان، وتواكب تحول تجاربه، وتمنحه إمكانات أوسع لفهم ذاته والعالم. تجديد اللغة لا يعني القطيعة مع ميراثها، وإنما تحرير طاقاته الكامنة، وإعادة تأويل كلماته في ضوء حاجات الحاضر وآفاق المستقبل. كل لغة تعجز عن الإصغاء إلى إيقاع الحياة تنغلق وتتحجر تدريجيًا، وكل لغة تستوعب تحولات الإنسان تكون قادرة على إيقاظ العقل وإنتاج المعنى.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

................

1- هيدغر، مارتن، البناء، السكن، التفكير: كتابات أساسية، ترجمة وتحرير: إسماعيل المصدق، ج 2: ص 222، 2003، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة.

إذا كان الإنسان قد بدأ رحلته مع العمر، واكتشف في الألم هشاشة وجوده، وتعلم بالصبر كيف يثبت، وبالتوكل كيف يحسن السعي دون أن يستسلم لقلق النتائج، وبلغ بالرضا سكينة النفس أمام حكمة الوجود، ثم عرف بالمحبة أن القلب لا يستقيم إلا إذا توحد محبوبه الأعلى، واستنار بالمعرفة فأدرك أن الحقيقة أوسع من حدود ما يراه ويملك، فإن الرحلة لا تبلغ غايتها إلا حين تتجمع هذه المعاني في أصل واحد، وتتجه إلى مقصد واحد. ومن هنا يظهر التوحيد في أفق الوجود الإنساني لا باعتباره فكرة تضاف إلى ما سبقها، وإنما باعتباره الحقيقة التي تنتظم فيها خيوط الرحلة كلها، والغاية التي تتجه إليها مدارج الكمال والجمال.

فالتوحيد، في هذا الأفق، ليس مجرد أن يعرف الإنسان أن الله واحد، وإنما أن تنعكس هذه الحقيقة على بناء وجوده كله، فينتقل من التعدد المشتت في المقاصد إلى وحدة الغاية، ومن اضطراب الإرادة إلى استقامتها، ومن التعلق المتفرق بالموجودات إلى إدراك موقع كل موجود في نظام أوسع من ذاته. إنه انتقال من معرفة الوحدة إلى أن تصبح الوحدة مبدأ ناظما للحياة.

فالإنسان قد يعيش حياته موزعا بين غايات كثيرة؛ يريد المال، والمكانة، والنجاح، والأمان، والحب، والمعرفة، والاعتراف الاجتماعي، وقد تتحول هذه المطالب المشروعة في أصلها إلى قوى متنافسة داخل النفس، فيصبح الإنسان ممزقا بين ما يريد وما يخشى، وبين ما يحب وما يطلب، وبين ما يعرف أنه ينبغي أن يكون عليه وما تغلبه عليه رغباته. وليس الخلل في تعدد حاجاته، فالتعدد جزء من طبيعة الحياة الإنسانية، وإنما الخلل حين تتحول هذه الحاجات إلى غايات نهائية مستقلة، فيفقد الإنسان البوصلة التي تنتظم بها رغباته وأفعاله.

ومن هنا تتجلى قيمة التوحيد بوصفه وحدة للمقصد لا إلغاء للتعدد. فالإنسان الموحد لا يتوقف عن العمل، ولا يتخلى عن حاجاته الإنسانية، ولا يرفض علاقاته بالعالم، وإنما يعيد وضع كل ذلك في موضعه الصحيح. يعمل، لكنه لا يجعل العمل معبودا؛ يطلب المال، لكنه لا يجعل المال غاية وجوده؛ يحب، لكنه لا يحول المحبوب الجزئي إلى مطلق يستعبد قلبه؛ يطلب المعرفة، لكنه لا يجعل المعرفة وسيلة للغرور والاستعلاء. وهكذا لا يمحو التوحيد تعدد الأشياء، وإنما يمنعها من أن تتعدد في قلب الإنسان بوصفها غايات مطلقة.

ومن هنا يمكن القول: إن التوحيد يبدأ من تحرير الإنسان من تعدد المعبودات المعنوية قبل أن يظهر في أي صورة أخرى. فالإنسان قد لا يسجد لصنم، لكنه قد يخضع في أعماقه لسلطان المال، أو الشهرة، أو القوة، أو رضا الآخرين، أو الخوف منهم، أو التعلق المرضي بالامتلاك والسيطرة. وقد يتحول ما كان وسيلة إلى غاية، وما كان خادما للإنسان إلى سيد عليه. ولذلك فإن التوحيد، في معناه الوجودي، يعيد ترتيب علاقة الإنسان بكل ما حوله، فيسترد الإنسان حريته الداخلية، لأنه لا يمنح شيئا من الموجودات قدرة مطلقة على تحديد قيمته أو مصيره أو معنى حياته.

وهنا تتضح الصلة العميقة بين التوحيد والمحبة، فالمحبة وحدت وجهة القلب، والتوحيد يمنح هذه الوحدة أصلها وغايتها. وإذا كانت المحبة قد علمت الإنسان أن يحب الله فوق كل محبوب، فإن التوحيد يكشف له أن ما عداه لا يستقل عنه في الوجود ولا في القيمة ولا في الغاية. وبذلك تتحول المحبة من مجرد انجذاب وجداني إلى رؤية تنتظم بها علاقة الإنسان بالعالم كله.

كما تتصل المعرفة بالتوحيد اتصالا لا يقل عمقا. فقد قادت المعرفة الإنسان من ظواهر الأشياء إلى معانيها، ومن الكثرة إلى البحث عن الوحدة، ومن الجمال المتفرق إلى السؤال عن مصدر الجمال، ومن الكمالات الجزئية إلى التطلع إلى الكمال المطلق. فإذا بلغت المعرفة هذا الأفق، لم تعد غايتها أن تزيد عدد الأشياء التي يعرفها الإنسان، وإنما أن تكشف له وحدة الأصل والغاية، وأن تجعل وعيه بالوجود أكثر قدرة على رؤية المعنى الذي ينتظم تعدده.

وهنا يصبح التوحيد اكتمالا لمسار المعرفة، لا بمعنى أن الإنسان يحيط بالحقيقة إحاطة تامة، فهذا يتجاوز حدود الوجود الإنساني، وإنما بمعنى أن المعرفة تقوده إلى إدراك موقعه أمام الحقيقة، وإلى الاعتراف بحدوده، وإلى تجاوز وهم امتلاك الحقيقة إلى السعي الدائم في طلبها. ومن هنا كان التواضع ثمرة مشتركة للمعرفة والتوحيد؛ فكلما اتسعت بصيرة الإنسان، ازداد إدراكه لمحدوديته، وكلما ازداد إدراكه لعظمة الحقيقة، قل تعلقه بوهم الاكتفاء بذاته.

وإذا كان الصبر قد هذب الإرادة، والتوكل قد حررها من وهم السيطرة المطلقة، والرضا قد منحها السكينة، والمحبة قد وحدت وجهتها، والمعرفة قد أنارت بصيرتها، فإن التوحيد يجمع هذه الآثار كلها في بناء واحد. فهو لا يلغي الإرادة، وإنما يجعلها أكثر استقامة؛ ولا يلغي العقل، وإنما يحرره من الغرور؛ ولا يلغي القلب، وإنما يخلصه من التعلق بما يستعبد؛ ولا يلغي العالم، وإنما يعيد الإنسان إلى العالم وهو أكثر قدرة على التعامل معه دون أن يصبح أسيرا له.

فبهذا المعنى تتكشف وحدة الرحلة كلها، فما بدا في البداية فضائل متفرقة، يتبين في النهاية أنها كانت تعمل في اتجاه واحد؛ وهو تحرير الإنسان من التشتت الداخلي، وبناء وحدة متماسكة بين قلبه وعقله وإرادته ومقصده.

ومن هنا لا ينبغي أن يفهم التوحيد على أنه إلغاء للكثرة، لأن الكثرة جزء من نسيج الوجود الإنساني والعالم الذي يعيش فيه. فالإنسان واحد في مقصده، لكنه متعدد في أدواره؛ يحب ويعمل ويتعلم ويعطي ويأخذ، وله حاجات جسدية وعقلية وروحية، ويعيش في شبكة واسعة من العلاقات والمسؤوليات. ولا يتناقض ذلك مع التوحيد ما دامت هذه الكثرة لا تتحول إلى مراكز مستقلة تتنازع قلبه، وما دامت كلها تنتظم في غاية أعلى تمنحها معناها.

ومن هنا يمكن صياغة إحدى أهم نتائج الرحلة كلها، وهي أن التوحيد لا يمحو الكثرة، وإنما يكشف وحدتها في المقصد والمعنى.

وهذه الوحدة لا تعني أن الأشياء تصبح شيئا واحدا، ولا أن الفروق بين الموجودات تزول، وإنما تعني أن الإنسان يتعلم أن يرى التعدد في ضوء الأصل الذي يمنحه دلالته، وأن يرى الكثرة دون أن يفقد الوحدة، وأن يتعامل مع الجزئيات دون أن ينسى الكلي، وأن يعيش التفاصيل دون أن يغيب عنه المعنى الأكبر.

ولذلك فإن الإنسان الموحد لا يكون أقل اتصالا بالعالم، وإنما يكون أكثر وعيا بموقعه فيه. فهو يرى في الإنسان قيمة لا لأنه يملك ما يحتاج إليه، وإنما لأنه إنسان؛ ويرى في العلم وسيلة إلى كشف الحقيقة لا وسيلة إلى الاستعلاء؛ ويرى في المال أداة للعمران لا معيارا للقيمة؛ ويرى في القوة مسؤولية لا امتيازا مطلقا؛ ويرى في الجمال دعوة إلى التأمل لا ذريعة للامتلاك؛ ويرى في الحياة نفسها أمانة لا ملكية مطلقة.

ومن هذا المنطلق يصبح التوحيد قوة تحرير أخلاقية ووجودية في آن واحد؛ إذ يعيد الإنسان إلى مركز مسؤوليته، ويمنحه معيارا يتجاوز تقلبات الأهواء والمصالح. فالإنسان الذي تتوحد غايته يستطيع أن يقول: "لا" لما يخالف هذه الغاية، حتى لو كان مغريا، وأن يقول: "نعم" لما ينسجم معها، حتى لو كان شاقا. وهنا تتحول الحرية من مجرد قدرة على الاختيار إلى قدرة على اختيار ما يستحق أن يختار.

وفي التجربة الروحية، تتخذ هذه المعاني أفقا أعمق، لأن التوحيد لا يبقى مجرد فكرة يتأملها العقل، وإنما يصبح حضورا للمعنى في القلب والسلوك، بحيث لا يعود الإنسان موزعا بين إرادات متصارعة.

وقد عبر المتصوفة، كل بحسب لغته ومصطلحاته، عن هذا الانتقال من تعدد الالتفاتات إلى وحدة المقصد، ومن التعلق بالأسباب إلى رؤية مسبب الأسباب، ومن تشتت القلب إلى جمعه على الله.

غير أن الغاية من استحضار هذا الأفق الروحي ليست تحويل الحديث إلى تاريخ للمصطلح الصوفي، ولا الدخول في الجدل الطويل حول العبارات التي ارتبطت بمفهوم الوحدة في بعض الكتابات الصوفية؛ فالمقصود هنا هو الكشف عن الأثر الذي يتركه التوحيد في الإنسان حين يتحول من قضية يعرفها العقل إلى حقيقة تستقيم بها الحياة.

وهنا تحديدا يظهر الفارق بين أن يعرف الإنسان التوحيد وأن يعيش مقتضى التوحيد. فقد يعرف الإنسان الحقيقة ثم يبقى أسيرا لهواه، وقد يحفظ كثيرا من الكلام عن التوحيد ثم يظل قلبه معلقا بالمخلوقين، وقد يتحدث عن الحرية وهو خاضع لسلطان المال أو الشهرة أو الخوف. أما حين يستقر التوحيد في الوجود الإنساني، فإنه يبدأ بإعادة ترتيب الداخل قبل الخارج، فيتوحد المقصد، وتستقيم الإرادة، ويهدأ القلق، وتتحرر النفس من الاستعباد لما سوى الله.

وعند هذه النقطة نكتشف أن التوحيد ليس نهاية الرحلة بمعنى توقف الإنسان عن السير، وإنما هو اكتمال الاتجاه. فالمسافر قد يظل سائرا، لكنه لم يعد تائها؛ وقد يظل يبحث، لكنه لم يعد يبحث في كل اتجاه؛ وقد يظل يعيش في عالم متغير، لكنه لم يعد يجعل تغير العالم معيارا ثابتا لمعنى وجوده.

وهكذا يصل الإنسان إلى عتبة جديدة من الوجود؛ عتبة لا يتخلى فيها عن الدنيا، وإنما يتحرر من أن تكون الدنيا غايته؛ ولا يتوقف عن المحبة، وإنما تتطهر محبته من الاستعباد؛ ولا يتوقف عن المعرفة، وإنما تتحول المعرفة إلى بصيرة؛ ولا يتخلى عن الإرادة، وإنما تصبح إرادته أكثر انسجاما مع الغاية التي اختارها لوجوده.

ومن هنا يظهر السؤال الذي يقود إلى تمام الصورة؛ ماذا يفعل التوحيد بالإنسان حين يصبح حقيقة حية في وعيه ووجدانه وسلوكه؟ وكيف تتحول وحدة المقصد إلى سكينة القلب، وتحرير الإرادة إلى حرية الروح، ووضوح الغاية إلى اكتمال الإنسان في مدارج الكمال والجمال؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تفتح الأفق الذي تتجلى فيه ثمار التوحيد في الحياة الإنسانية، وتكشف كيف يعود الإنسان إلى العالم بعد أن استرد وحدته الداخلية؛ عودة لا تعني الانفصال عن الحياة، وإنما الدخول إليها بوعي أعمق، وإرادة أكثر حرية، ومحبة أكثر صفاء، ومعرفة أكثر بصيرة....... وهذا ماسيكون موضع حديثنا القادم في الجزء الثاني للمقال إن شاء الله.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

- النزوع إلى القديم:

لم يكن الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي، طيّب الله ثراه، في مجموعته القلميَّة الممتازة "وحي القلم" هو أول من قال بفكرة "التوليد"، (لم يكن لها مبتكراً، ولا كان بها منتهجاً طرائق التجديد والتفرُّد والابتكار)، كما سلفت الإشارة إليه في المقال السابق. والرجل - بغير خلاف - أديبٌ بالملكة وبالطبع، وأديبٌ بمقاييس الوصف والتخريج، وأديبٌ مرة ثالثة بمقاييس الأدب الإنشائي التعبيري: أدّبَه القرآن، وأورثه حنكة التنبُّه واليقظة، فصار يثقف من هنا ويلقف من هناك، وبات يضرب بقلمه في ميدان البيان في غير غرابة ولا عجب أن تأتي ضرباته وكلها من نور المعنى الثاقب مقرونة بجهد النظر وخميرة التحصيل.

ليت ألفاظه وتراكيب عباراته كانت مُوجّهة لفكر حيّ جديد ..! وإنمّا، مع شديد الأسف، كانت حركة المنهج الهابط مسيطرة عليه ومُغلِّفة له بغلاف داكن كثيف، فلم يعد ينظر بها إلى شيء إلا كما ينظر اليوم أبناء الربع الأخير من القرن العشرين إلى غوابر الماضي وأشباح الغابرين.

وقد كان الرافعي، فيما أخذ عليه، ينقل البيئة العربية بكل تفاصيلها إلى العصر الذي يعيش فيه ويحيا تفاصيله، فلا يرى بينه وبين الجاحظ والمتنبي وابن رشيق وفحول الأدباء والشعراء العرب فرقاً يتخطى حواجز الزمن. لم يستطع أن يأخذ عنهم أدب الفكرة وأدب التفسير، ولكن غلب على طبعه الإنشاء التعبيري، فكان أدب التعبير هو غاية الغايات لديه، كما كان أصدقاؤه من قُدامى الأدباء معه في مجالس الأدب ومحاضرات الشعراء ونوادي الفكر والثقافة؛ كانوا أجساداً وهياكل كأن الزمن الذي يعيشه زمن الجاحظ، والأيام أيام المتنبي، وروح الحياة التي يتنفّسَها شهيقاً وزفيراً هي هي روح الحياة التي كان الشريف الرضيّ وابن رشيق يتنفساها شهيقاً يتلوه الزفير.

لكن "قيمةً" عزيزة بقيت عالية في أعمال "الرافعي" الأدبية، تسري سريان الدم في العروق يتجدّد بنبض الحياة، وإنْ لم يكن هو نفسه، يريد لها مثل ذلك السّريان أو مثل هذا التجديد.

لم يكن "التوليد" المقصود إلا نوعاً من حكمة الأخذ بآراء السابقين، والنظر الدائم في تراثهم الفكري وآثارهم الأدبيّة والثقافيّة، فينشط الفكر وتتقد القريحة وتتناغم خلايا المزاج العصبي، فيتولّد عن المقروء والمحفوظ سرّ النبوغ من خميرة تحصيل تراث الأوائل الأقدمين.

هنالك يحصل للمبدع على التحقيق عملية الخلق والإيجاد بين تلافيف الذهن؛ بمزاج عصبي عقلي خاص، هو ما كان أطلق عليه "التوليد".

من اللازب اللازم علينا قبل الشروع في شرح هذه العمليّة العقليّة أن نبيّن: أكان "الرافعي" - وهو القائل بهذه الفكرة التنويريّة المُبدعة - من دعاة "التنوير" أم من دعاة "التضليل"؟!

ليس في إحياء التراث وتلمس قِيَمُه، والصبر على تنقيحه وتحليله، وضبط مفاهيمه، عيبٌ يُعاب، وإنما العيب حقاً هو نقل التراث برمته نقلاً غير مدروس، إلى العصر الذي نعيش فيه. فالذي يفعل ذلك يفكر بمنهج هابط يُمليه عليه المبدأ العام الذي توخّاه منذ البداية وحرص على تطبيقه، فلا يراعي واقعاً مفروضاً ولا يرعى حياة متجدّدة؛ فهو لا يريد أن يأخذ القيمة مجرّدة عن قشرتها الخارجية، بل يريد أن يبتلع القشور وفي جوفها اللباب، لكأنما ذلك المنهج الهابط لا يهيئه عقليّاً ولا ذهنيّاً بقدرة الفض والعزل والتنقيح بين لب ينفع وقشر كالزبد يذهب جُفاء.

فلئن كانت آدابنا القديمة في عصورها المختلفة معيناً لا ينضب، وأصلاً ذوقيّاً خالصاً لا ينبغي الانصراف عنه كل الانصراف؛ فلنأخذ منه "قيمة" ندرك بها أشعة الشمس الجديدة التي تشرق علينا؛ فنضيف الأولى إلى الثانية، والثانية إلى الأولى، وكلاهما إلى الثالثة؛ ليتولّد عن المزيج حياة جديدة لا تحرمنا من ظلها الوارف وهويتنا العصماء، ولا تحرمنا كذلك من التطورات المستجدة والسعي وراء أسباب التقدّم فيها.

ولقد كان الرافعي يرى، وهو في رأيه هذا جانبه التوفيق، أن المجدّدين يُقتّلون "الهُويَّة" تقتيلاً يجعلهم يحلّون عُرى الروابط الإسلاميّة الوثيقة؛ لتتفكك الأمة ويتناثر شملها تناثر الهشيم تزْرُه الرياح. هنالك تصبح لقمة سائغة تأكلها الأطماع، وفريسة سهلة تنهشها الأنفس الجائعة، وتتربّص بها يقيناً دوائر السوء.

ولأجل ذلك؛ لفظ كل غريب في رأيه ودخيل، وكل وارد مبتور، وكل جديد في نظره لا يعرف له سنداً من صحة، ولا أصلاً من صدق الدليل؛ فهاجم هجوم من ينظر إلى الآخريين بعين واحدة، ورأى في حركة التجديد تحديثاً يجلب العار والشّنار؛ فدافع عن الماضي وقبع فيه قبوع من يدفن أنفه راغماً في جوف التراب. عاش الرافعي على هامش التاريخ العقلي والفكري، وماتت أفكاره تحت سنان أقلام كانت عُرفَتْ معنى "التوليد" الحقيقي لا المزيف، كما عرفت معنى التجديد المطبوع لا المصنوع.

فلئن كان الرجل متديناً بالطبع والفطرة والتربية، وأخلاقيّاً صافي الروح، عالي الهمّة، حافظاً للأمانة، حاملاً لها في غير ضيق ولا ضجر ولا نصب، ولم تكن غايته في هذه الدنيا - وهي غاية الأحياء المُكرّمين جميعاً - سوى أن يرضى الله عنه في دأبه وعمله ومسعاه؛ فهو ولا ريب كان من أهل الاعتصام بحركة الفكر المنهجي الهابط الذي لا يتدارك واقعاً عاشه أو دنيا أصابها. وقد تقدّم أن هذه الحركة الهابطة بعيدة عن النزوع الفلسفي الصاعد.

دُلّني أنت على الحجة في هذا الكلام، أدلّك أنا على منهجها: أنازل هو أم صاعد؟ وبأيةِ طريقةٍ إدراكيةٍ كان يفكر صاحبها، كما يفكر الآن أنصاره من النسخ الآدميّة التي تكررّها لنا الدنيا ولا تنقطع عن التكرار؟!

يقول الرافعي، رحمه الله،:" ... إنّهم جبابرة هؤلاء الذين يأبون إلا أن يكونوا علماءنا وسادتنا؛ ليصرّفوا عقولنا ويغيروا عقائدنا ويصلحوا آدابنا ويدخلونا في مساخط الله ويهجموا بنا على محارمه ويركبونا معاصيه. إنْ هم في أنفسهم إلا عامة وجهلة وحمقى إذا وزنوا بعلماء الأمة وقيسوا إلى حكماء الدنيا، وما يكتبون للأمة في نصيحتها وتعليمها إلا ما يتحوّل من كلمات وجمل في الصحف والكتب إلى أن يصيروا في الواقع فُسَّاقاً وفجرة وملحدين وساخطين ومفسدين؛ فالمصيبة فيهم من ناحية العلم الناقص في وزن المصيبة فيهم من ناحية الخلق الفاسد، وهاتان معاً في وزن المصيبة الكبرى التي يجنون بها على الأمة لتهديمها فيما يعملون، وتجديدها فيما يزعمون (وحي القلم ج٣: من مقال: فيلسوف وفلاسفة).

هل تذكرت سالف قولنا إنّ رد الفعل عند أنصار القديم يتمثَل في "هجوم العاجز الضعيف"، وما كان العجز ها هنا عجزاً عن الفصاحة، ولا الضعف كذلك ضعفاً عن هجوم يلبس أثواب البيان، وإنّما العجز الذي قصدناه هو خلوّ الوفاض من أثر الفكرة فيك أنت كقارئ، وضعف صاحبها عن أن يُقدّم دليلاً ناهضاً على صحة قولٍ يصح قوله في هذا المقام.

وماذا عساه كان يملك ذلك الذي أعوزته الحجة وغادره البرهان إلا أن يهتف في الناس مُشعلاً فيهم حماسه الخطابي وفرقعته اللفظيّة بأن أعداءَه كانوا يرون أن لا قيمة في الماضي كلما استطالت به الأيام، وأنهم يخدعون الناس بكل جديد يرونه تقدّماً، وبكل غريب بدا لهم من أمره تطوراً، وأنهم ضد الدين والأخلاق والإسلام، وأنهم وصموا هذا كله بالتأخر والتخلف والرجعيّة والانغلاق؟!

كذلك كان "الرافعي" في ضجيجه البَرَّاق!

من سؤال النهضة إلى سؤال الهُويّة والتقدُم:

ما كان لنا اليوم أن نكتب ذلك أو مثله، ونحن على أعتاب قرن جديد لو لم يكن في حياتنا الثقافيّة والفكريّة ألف ألف "رافعي" جديد.

قد يُقال: ما علاقة هذا كله بالتنوير؟ وهل فلسفة التنوير تسمح بسرد هذه القضية (أعني الأصالة والمعاصرة) القديمة المتجدّدة، وهي التي حُفيت أقلام رواد الفكر العربي الكبار (الحديث والمعاصر) في علاج مسائلها منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والقرن العشرين كله، وحتى الآن، هل من ضرورةٍ للرجوع إليها اليوم؟!

وعندي أنه لم يكن الوعي كافياً في القديم لاستجلاء فكرة التقدّم في الوعي العربي بمعزل عن لغة الضيق والتحجير، ولا كان كافياً لاستخلاص ثمارها على مستوى الفكر والواقع، صحيح أن هنالك مفكرين كبار كتبوا كثيراً فيها، وأظهرهم عناية وبحثاً وخصوبة إنتاج هو أستاذنا الدكتور زكي نجيب محمود، (ت ١٩٩٣م) طيّب الله ثراه، ولا أعتقد أن أحداً من طلائع النهضة العربية أسهم بإنتاج وفير في هذه القضية مثل ما أسهم هو بغزارة إنتاجه.

ولكنه، رحمه الله، وغيره - ممّن كتبوا في قضية الأصالة والمعاصرة أو فكرة التقدّم - لم يجدوا وعي الناس كافياً ولا حاضراً، وإلا لما أصبح الحال بعد مرور هذه الفترة الزمنية الطويلة كما ترى اليوم: ذوبان الهويّة وضياعها، وفساد الأخلاق فساداً قل أن يعالج.

على أنّ الأدق فلسفيَّاً ألا تُقدَّم قضية الأصالة والمعاصرة بوصفها مسألة تراثية قديمة، بل بوصفها إشكالاً حديثاً نشأ مع صدمة الحداثة الغربية وتحوّل الوعي العربي من سؤال النهضة إلى سؤال الهويّة والتقدّم.

ومن هنا يمكن وصلها بفلسفة التنوير لا بوصفها قضيّة مكرّرة، بل بوصفها اختباراً لمقدار ما استقر في الوعي العربي من معنى التنوير ذاته.

لقد كثر الكلام عن الأصالة والمعاصرة، دون أن ينضج الوعي الذي يجعل منهما مركبين متكاملين في مشروع حضاري واحد. فالأصالة ليست عبادة الماضي، والمعاصرة ليست عبادة الحاضر. الأولى ليست مجرد حفظ الموروث، والثانية ليست مجرد اللحاق بالوافد. الأصالة، في معناها العميق، هي قدرة الثقافة على إنتاج ذاتها، من داخل ذاكرتها التاريخيّة؛ والمعاصرة هي قدرتها على الحضور في زمنها حضوراً نقديّاً فاعلاً.

وعند هذه النقطة تحديداً تلتقي قضية الأصالة والمعاصرة بفلسفة التنوير؛ فالتنوير، في جوهره، ليس مجرد انتقال من القديم إلى الجديد، ولم يكن انتصاراً زمنياً للحاضر على الماضي، بل هو تحرير العقل من عجزه عن استعمال نفسه؛ فإن السؤال الحقيقي - من ثمّ - ليس: أيهما نختار، الأصالة أم المعاصرة؟

وإنما أي عقل يستطيع أن يكون أصيلاً ومعاصراً في آن؟ كما كان عابد الجابري يقول، ذلك أن العقل الذي يستوجب فقد أصالته يستورد معاصرةً لا يصنعها.

والعقل الذي يرفض المعاصرة، يحفظ أصالةً لا يستطيع إنزالها من الذاكرة إلى التاريخ. ولذلك، فإنّ العودة اليوم إلى قضية الأصالة والمعاصرة ليست عودةً إلى قضية قديمة، بل عودة إلى سؤال لم يُحسم أصلاً. بل لعل الأخطر من هذا هو أن الزمن قد كشف أن كثيراً ممّا ظُنَّ أنه معاصرة لم يكن إلا ذوباناً في الوارد، وأن كثيراً ممّا ظُنَّ أنه أصالة لم يكن إلا انكماشاً في التراث القديم.

من ذلك ترى؛ أنّ القضية قد انتقلت من سؤال كيف نلحق بالعصر؟ إلى سؤال آخر أكثر عمقاً: كيف نصنع إنساناً يستطيع أن يدخل العصر دون أن يخرج من نفسه ويفقد هويته؟ وهذا، في تقديري، هو الموضع

الذي تستعيد فيه قضية الأصالة والمعاصرة

ضرورتها التنويريّة؛ لا باعتبارها معركةً بين ماضٍ وحاضر، بل باعتبارها امتحاناً لقدرة العقل العربي

على أن يسترد فاعليته التاريخيّة؛ فيحوّل التراث من أعباء الماضي إلى طاقات مولدة متجددة، كما يُحوّل المُعاصرة من تقليد وافد إلى فعل نقدي خلاق.

مرة ثانية، لم يبلغ الفكر العربي المعاصر بصدد هذه القضية الكبرى مبلغه من الوعي الكافي الذي يجعل من الأصالة مصدراً للتجدّد، ومن المعاصرة مجالاً لإنتاج الذات لا مجالاً لإلغائها، فلا يكون - من ثمّ - استئناف السؤال تكراراً للماضي، بل تصحيحاً لمساره؛ إذ لم تعد القضية اليوم أن نختار بين الأصالة والمعاصرة، وإنما أن نعيد على هدى من اليقظة العقليّة بناء الشروط الفكريّة التي تجعل الجمع بينهما ممكناً، والتقدّم بهما معاً مشروعاً تاريخيّا يخدم فلسفة التنوير بمقدار ما يخدم إصلاح الواقع بشتى أقسامه وأطيافه.

- توظيف المنهج الهابط في التفكير:

ونعود إلى الرافعي لنراه يقول مُتابعاً حديثه السالف أو قُل هجومه على المُجددّين الفاعلين: " ... لم أنخدع قط في هؤلاء من فلاسفة أو دكاترة أو جبابرة، (وللقارئ أن يتأمل كلمة "جبابرة"، ليجد أنها الكلمة التي كان أطلقها "سعد زغلول" لقباً على "العقاد")، ولستُ أضع أمرهم إلا على حقه، فإني لا أعرف أن الهرَّ من قبيلة الأسد، ولكن أسديته على الفأرية وحدها ... ولعَلّما عاقبة الجهل خيرٌ للأمة من عواقب علمهم وتخبّطهم وحماقاتهم ...".

ولقد كان يرى في أعدائه ما كانوا هم يرونه فيه، هو إلى الماضي ينتسب، وهم في رأيه مارقون، مضللون، مفتونون، منصاعون للأوامر كأنهم إمّعات لا رأي لهم ولا هُوِيَّة عندهم إلا من قبيل التقليد والاتباع: " ... فإنّهم قوم مُقلّدون، ولهم طباع معتلة زائغة، وعقول لا مساك لها من دين أو ضمير، فما يجنحون إلا إلى بدعة سيئة أو آفة محذورة أو فكرة مُتّهمة، ولا يعملون إلا ما يُشبه الظن بهم".

وشأن المنهج الهابط في التفكير والإدراك (وليس معنى الهبوط هنا هو النقص والشين والمعرّة، وإنما هو طريق إدراك وكفى) أن يتغلغل في أعماق الذات ويستوطنها، فلا تقبل نقداً ولا تسيغ اعتراضاً، فإنّ هوجمت صار هذا الهجوم هجوماً شخصيّاً لا هجوم فكرة قيلت من شخص يفكر فيعرض فكرته وكفى. وسرعان ما ينقلب في التصور إلى هجوم على المبدأ العام.

فالرافعي يظن بالمجدّدين الحذلقة الفارغة والادعاء الكاذب لفضائل العلم والأدب والفلسفة، ويرميهم بالبهتان وبالمروق عن الدين، المبدأ العام والفكرة الكليّة الهابطة من أعلى، فماذا عساه يفعل؟

كان طبيعياً أن يُوجّه إليهم سهامه النقديّة، فيهجم عليهم لا بنفس الأداة العقليّة والحجة المنطقيّة، ولكن بالمبدأ العام وبالفكرة الكليّة يكون النقد والهجوم لا لشيء إلا ليثير سخط الساخطين وهلوسة المهلوسين؛ لكأنما الدين يمنع العقل عن بحثه المطلوب، ويلغي دور العلم في حركة الحياة، ويركل التطور في كل كيان، وهو ولا ريب فهم خاطئ يتبنّاه إلى يوم الناس هذا رهط غفير من القابعين الهابطين. يديرون على هواهم مجرى الحياة ليحوّلوه من الصّحة إلى الاعوجاج، ويعيشون في رتابة مُنفرّة تفسد الذوق وتفسد الطبع والأخلاق. كل تجديد عندهم مروق، وكل استنارة في عرفهم جهالة، وكل تطور وتحديث يقابلونه باللوم والتنكيس.

ولطالما قرأنا وسمعنا ورأينا أنّ المعرفة النشطة الحيّة الفاعلة لديهم بمثابة الزندقة والعماية، وأن الأخلاق الكريمة سفاهة وضلالة، وأن العقيدة الصحيحة خزعبلات نكراء وترّهات حمقاء، وأن جهود العقل المستنير هي عندهم قبح زائف وشر مستطير، وأنّ كل حرب بين القديم والجديد إنما هي حرب بين الدين والدنيا أو بين الأخلاق الفاضلة والأخلاق المنحلة، أو بين العقل الناضج الأصيل والعقل الفاسد الدخيل، - أو كما يقول الرافعي -:" حربٌ منّا كحرب الاستقلال، ثم حرب منهم كحرب الاستعمار ... فالذي بيننا وبينهم ليس القديم والجديد، ولا التّأخر والتقدّم، ولا الجمود والتحوّل، ولكن أخلاقنا وتجرُّدهم منها، وديننا وإلحادهم فيه، وكمالنا ونقصهم، وتوثقنا وانحلالهم، واعتصامنا بما يمكننا، وتراخيهم تراخي الحبل لا يجد ما يشدُّه" (راجع: وحي القلم).

ذلك هو جانب "التضليل" في دفاع الرافعي عن الماضي القديم دفاعاً ينسبه تارة إلى الأخلاق، وتارة إلى الدين والإسلام، فيشرع في الهجوم على أولئك الذين قلدوا الغرب وجدّدوا الدنيا من غير روح كما يزعم عربية، ولا خصائص مستمدة من "القرآن والبلاغة النبويّة".

وفي الحق إنّ الإسلام لا يحتاج من أحدٍ إلى دفاع:"إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون". فالذي حفظ ذكره النازل يحفظ من امتثل لأمره واهتدى بهديه وآمن باليقين بحفظ الله الذي لا يضر مع ذكره شيء. ثم إنّ الأطراف المتصارعة التي تتعارك باسمه وتجعل من الدين موضع عراكها، ومن الإسلام محل نزاعها قد عبّر عنها التنزيل الحكيم في قوله تعالى:"قل كلّ يعمل على شاكلته، فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً".

ثم إنه أيهما أقبح وأخس وأحقر في نظرك: رجل يأكل الدنيا بدينه أم رجل يأكلها بدنياه؟

لا شك عندنا أن الذي يأكل الدنيا بدينه هو أقبح في الواقع وأخس وأحقر بمقياس الدين، ومقياس الشرع ومقياس الضمير؛ فالرجل الذي يأكل الدنيا بدينه، يأكل الدنيا ويأكل الدين: دنياه أقبح من دينه، ودينه قبيح في نظر نفسه وفي نظر غيره، ولو فطن إلى صلاح دينه لأصلح من دنياه ما كان أعوج منها، وفسد من فضائلها، لكنه لم يرتض الدين الصالح، ولا الدنيا الفاضلة. الذي يأكل الدنيا بالدين يعيش بخلاق الحيوان - إنْ كان للحيوان خِلاق - ولا تؤهله دنياه أن يكون ذا فضل يُذكر بين الفاضلين.

ولك أن ننظر إلى حال بلادنا، وقد ساد فيها "الهابطون" من أكلة الدنيا بالدين: يقولون ما لا يفعلون، ويشترون بٱيات الله ثمناً قليلاً هو أبخس ممّا يتصوّر الرجل الحقير، وأخس ممّا تندفع به أهواء الطمَعة من بلدة الحسّ وبلدة الضمير. ليس الفضل أن تتحَرى القول، فتصيب منه ما تشاء، ولكن الفضل أن تتحرى العمل، ويكون عملك دليلاً على فضلك وقولك حين تنطق الأعمال بعلامات الفضل الفاضل عند الرجال.

(وللحديث بقيّة)

***

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

قد لا يدرك البشر: أن أخطر لصوص الوعي هو لصٌ كامن في عقل الإنسان. إذْ ترتبط سرقةُ الفلسفة من الفضاء العمومي بنمط الأفكار السائدة، لتُختطّف العقلانية ومُساءلة الواقع وبناء الحياة الحرة. فهناك سرقة بالاكراه مثلما تُمارس الأيديولوجيات والعقائد والاتجاهات المتطرفة، لأنَّ مساحة العمومية لا تقبل" رأسين مقدّسين" في عنقٍ واحدٍ. وهناك سرقةٌ مُغلّفة بعبارات أنيقة كمقولات الحداثة حين تحجب تنوع البشر. وهناك سرقةٌ تجربها "ألعاب الثقافة" على غرار ما بعد الحداثة. وهناك سرقة بـ"عنف القُوى السياسية" عندما تثقُب عقلنا العمومي ضماناً للولاء والتبعية. وهناك سرقة باسم "هندسة المجتمع" حفاظاً على العادات والتقاليد. وهناك سرقة نتيجة "قابلية الجماهير للانخداع الذاتي" في ظل أجواء من التجهيل والتعمية. وهناك سرقة بـ"ثقافة التاك أواي" دون إدراك لأولويات الحياة والحضارة...كل ذلك يؤدي إلى اقصاء الفلسفة من الفضاءات المفتوحة.

ولكن يُوجد نوعٌ آخر من السرقة أكثر أريحيةً وإلتصاقاً بوجودنا الحي، لأنّه مرتبط بقدراتنا الذاتية على الفعل. السرقة الممتعة enjoyable theft، وهي سرقة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لفضاء الفهم والتحرر. يحل مكان الأصل ويحقق اشباعاً للانسان. السرقة الافتراضية تجري بأشكال جذابة. ويدرك المتابعون انصراف عقولهم إلى اتجاهات هامشية، ولكنهم لا ينتفضون، لا يحركون ساكناً. بل يسلمون ملكاتهم لاجراء مهام تقنية، حتى وإن اُستخدم الذكاء الاصطناعي كوسيلةٍ للعمل والانجاز!!

لسان الحال يقول: ما أجمل الانهماك في أنشطة الذكاء الرقمي دون الشعور بمرور الاحداث، وكذلك لا نريد توقفاً مع كامل الاستغراق الذي لا حدود له. وقد لا يشعر غالبُ البشر بكون ذلك سرقةً من الأساس، ولا يعدونها نوعاً من الاختطاف لكيان الإنسان. ليس كل ما يسرق الزمن والقدرات موضّع وعيٍّ، ولاسيما حينما نصنع كثافته من أخيلتنا. فنحن نأخذ ما يشبعنا نفسياً مقابل أنْ نمنحه كل ما ينتمي إلينا. هذا أسر التكنولوجيا المُريح الذي يمرر وجوده من غير استفهام.

تُعطيك الرقميات بهجةً وسعادةً ممزوجتين ضمن الممارسة الافتراضية، بل قد تثير شغفاً ممتداَ لا ينتهي. القدرات الرقمية عالم من الإدهاش. كذلك تشحذ خيال الأعمال وقت التنفيذ إلى أبعد مدى. لا من جهة الاجراءات التقنية وحسب، بل من جهة تصميم الأفكار وتحويلها إلى كائنات افتراضية عبر مستويات من الوجود، سواء أكانت نصوصاً أم عمليات أم برامج أم بيئات افتراضية. الرقميات كسرت الحاجز الموضوعي بين أنا أفكر (أنا أدرك / أنا أعرف) وأنا أمارس وأنا أجرب (الانا التقني).

في التقنيات، الأنا مُتوحد إلى درجة التماهي مع الاجراءات، الانا هو الاجراءات ذاتها، دائرة لا تفصل بين "مانحن عليه" و"ما نمارسه". تشترط التقنية ذاكرة قصيرة الأمد، الحضور طاغٍ إلى حد نسيان التفاصيل. ليس الفيس بوك وسيطاً برانياً ندخله ونخرج منه ثم تنتهي اللعبة، ولكنه وجهنا الذي نمارس من خلاله "حياةً مضاعفةً"، بل يمثل حيواتنا الفائضة بالامكانيات التي يجهلها الآخرون. لعبة الوجوه والمرايا التي هي كل ما نملك من حقائق ووقائع. إنه الواقع الافتراضي المفرط. الشخصية الرقمية شخصية تتمتع بحقيقةٍ ما، لا مجرد ملامح من اجراءات محتملة.

فتحت التكنولوجيا الرقمية آفاقاً واسعة للفكر الانساني. لا على صعيد التقنية فحسب، بل من جهة الامكانيات والقدرات والاهداف أيضاً. لأول وهلةٍ لم يخضع الذكاء الاصطناعي لمعنى الوسائل. فليس منطقياً تعليق لافتة الأدوات فوق الوسائط الرقمية. صحيح تاريخ التكنولوجيا تاريخ الأدوات ليس أكثر . وقد تعامل الانسان معها كتقنيات حيادية طوع استعمالاته المختلفة. ولكن بصدد تكنولوجيا الرقميات ليس الأمر كذلك. بل تجاوزت فكرة المحاكاة إلى الانتاج وتجنب التقليد وصولاً إلى وظائف الانسان العليا. المحاكاة قدرة مصممة سلفاً على هدف بعينه، والتقليد احتذاء لن يقدم ولن يؤخر كثيراً.

أجورا التقنية

أسست التقنيات الرقمية مجالاً عمومياً خطيراً. ليس سوقاً ولا ساحة نلامس أطرافها في الواقع. كذلك لا يخضع لمعايير المجال الحياتي الذي ننخرط فيه من وقت لآخر. مجال يفترض أن ينشأ من حينه بين كل المتفاعلين دون إقصاء.

أجورا التقنية مجال عمومي حقيقي، نشأ على نحو بيني بين كل البشر. وليست ثمة سلطة قد أكدته ورسمت خطوطه. السلطة غائبة دون حضور مباشر، لأنه مرهون بالاجراءات والعمليات الافتراضية. وفي غياب السلطة، تظهر الأحجام الحقيقية للأشياء، وتتوارى الأشباح التي تخيف المتفاعلين. الوسائط الرقمية وسائط دون مركزيةٍ تتسلط عليها كما تشاء. حتى لو اتاحت الاجراءات والخوارزميات بعض التشكيلات من قبل مصمميها. فلن تكون عمليات التلقي ولا أنشطة التفاعل بالأسلوب ذاته.

شرّعت التقنيات الرقمية أجورا افتراضية virtual agora بشكل مختلف. وربما كانت أكثر التحولات خطورة لكلمة agora في تاريخ الفضاءات العمومية. لم يكن وارداً أن تحدث طفرة دلالية كهذه في أي عصر غير عصرها اليوناني. ولم تتوقع الكلمة هذا المصير اللغوي ولا الفني ولا الاستعمالي. وحملت أجورا محمولات أخرى من التفاعل واللاحدود بمعناها الدقيق. كان طموح الكلمة أن تقف فوق معنى السوق أو الساحة العمومية أو الميادين المشتركة بين الناس. وفي أفضل الحالات التجريبية أنْ تعبر الكلمة عن مساحة مفتوحة يرتادها البشر. فإذا بها تجد مضموناً تقنياً أكثر قوة من سواها، وغدت مركزاً للأفعال السياسية بدلاً من كونها هامشاً.

أصل الأجورا: من اليونانية القديمة ἀγορά ، بمعنى "مكان التجمع" أو "السوق". وتجاوزاً لبعض الحالات، استعملت بصدد أماكن عمومة مفتوحة تحت شروط أو مكان لتلاقي المواطنين في المدن اليونانية القديمة لا في أثينا فقط. وبشكل أوسع: اطلقت على المنتدىات العامة للمناقشة أو التجارة وتبادل المصالح والمنفعة على طريقة يورجين هابرماس. رأَى الأخير أن المصلحة وسيط اجتماعي واقتصادي يعكس علاقات الناس العمومية. وأجورا تنحت دلالتها من جسم الواقع الاجتماعي وبإمكانها أن تراكم أرصدة من الثقة إزاء حركة الناس. وقد تراكم أرصدة من الصراع والتناحر حول الأهداف والمآرب.

سياسياً أُعيد اكتشاف الأجورا كمكان للحراك السياسي. حيث يجري تبادل الآراء والجدال الحي حول قضايا المجتمع وأمور الحكم. فهي الفضاء الذي يكتشف فيه المجتمع قدرات الأفراد خارج ذواتهم. وتمثل موضعاً لولادة المدن والحضر اتساقاً مع مفاهيم المؤسسات والنقابات والشركات والبرلمانات والانشطة السياسية الاقتصادية. والمدن هي موضع ميلاد الفلاسفة، نظراً لوجود قواعد عمومية لا تحتمل الهيمنة بسهولة. والمدينة تُسمى مدينةً، لكونها تُفسح مجالا لأغورات agoras تجسد التطور العمراني والتقني الذي يليق بنُضج التصورات الكلية. لم يكُّن ممكناً ولادة فكرة المؤسسة دون تمهيد الاجورا لهذا النمط من التواجد العمومي. ومفاهيم الادارة والممارسات الديمقراطية والأعمال الاقتصادية والوظائف والمهن مفاهيم تعود إلى أجورا بالدرجة الأولى.

تدريجياً ترسّخت صور عمومية مثل: صور الجماهير وأصحاب الاعمال والمهن وموظفي الدول ومنسقي المؤسسات. وترسخت معاني الجرائم والأخلاقيات والقيم التي تمس الأجورا. وتحددت آليات وحقوق الإنسان من واقع المواطنة التي تكونت في المساحة ذاتها. وغدت قوةً نظراً لأنها محكومة بنمط جديد في حياة البشر، نمط غير قابل للسيطرة عليه. من أجورا نشأت الدول والمجتمعات الحديثة والمعاصرة. وتاريخ أجورا هو تاريخ ألّا يكون الإنسان فرداً، وأن يتدرب على عدم تجاهل الآخرين.

في الرقميات ظهر الفضاء العمومي كأوسع ما يكون. فضاء يتجلي بمجرد عناية المتابعين واهتمامهم بقضايا الانسان والسياسية والتاريخ والمجتمع. المتابعون هم ركائز الفضاء السبيراني على الأصالة. والملاحظ أنه استوعب (ابتلع) كافة الفضاءات الأخرى. ولم يتخيل أصحاب أغورا أن تذوب في هكذا فضاء وتجد صداها الرقمي بهذا الزخم.

1-  العمومية دون حدود

لأول وهلةٍ نحن إزاء فضاء مختلفٍ عبر التقنيات الرقمية. لم يكن متصوراً وجود فضاء بهذا الحجم الاجرائي. ينشأ حين يتداخل المتفاعلون مشاركةً في القضايا المطروحة. من قلب الفضاء الرقمي، تظهر القضايا مباشرةً، فأنت إذن عضو فاعل لا مهمش. لا على أساس جندري ولا استناداً إلى تواجد مادي، ولا بناء على ولاء أو انتماء سياسي. كل ذلك غير وارد إلاّ من قدرتك على بناء علاقة افتراضية في صميم الحوار والتفاعل الحيوي.

العمومية هي عمومية الفعل وردود الفعل بحجم الواقع الافتراضي. المتابع يبدي فعلاً من التعليق أو الطرح ويتداخل آخرون بالوقت نفسه. ولا توجد شروط محددة سوى الالتزام والمسئولية المفترضة. ولو كانت ثمة آفاق مطروحة للنقاش. فلا تحدها حدود إلاَّ ضمن الاختلافات الحاصلة. وبإمكان أي انسان أن يتداخل مع الاجراءات والموضوعات عندما يريد. الواقع الافتراضي هو الأساس بصرف النظر عن قيود الزمان والمكان.

تاريخياً لم يكن موجوداً في خلفية مفهوم المجال العمومي هذا البعد، لأن السياسات من شأنها تحديده ضبطاً للممارسة وشروط التفاعل. وربما كجزء من وجود الدول صياغة قوانين الفضاءات العمومية. وهذا الجانب يدخل في إطار سياسة القوانين التي ترسخ جوهر الدولة. فلا دولة دون فضاء عمومي يحقق جانياً موضوعاً من وجودها الجيوسياسي. فالمجال العمومي يحدد لا طبيعة الدولة، بل مستقبلها كذلك. لانه وسيط كاشف لاستمرارية الفعل السياسي. وهذا الفعل لا يتم بين يوم وليله، لكنه يُنبني على مدى تطور إلتقاء المواطنين خارج ذواتهم. وهذا عمل يتطلب مواصلة التدرب على المفاهيم السياسية وعلى عمليات الاختلاف والتنوع والتعددية.

في حين تجاوزت أجورا التقنية ذلك. وصلت ناضجةً إلى حد بعيدٍ. فلو كانت مساحة الفضاء العمومي تحمل اكراهات الانظمة السياسية، فالفضاء الافتراضي يحرر المتفاعلين حيث لا قيود.

2-  التفاعل الفوري

أجورا التقنية ترتبط بالتفاعل الفوري. ولا مفر من الاجراء بهذا المعنى. أبرز سمات الفضاء الافتراضي كونه قابلاً لهذه العلاقة الملموسة. أنه مكَّون من التداخل بين المتفاعلين ليس أقل. وإذا كانت لا توجد حدود ولا قيود إلاّ ّمن مسئوليةٍ، فالاجراءات تضع المتابع في قلب الأحداث. وليس يشك أي متابع: أنه يقوم بعمل جدير بالأهمية. لكونه يعبر عن تواجده لا مجرد رقم داخل الحدث.

هذا الوضع يخالف الفضاء العمومي بمعناه السياسي. لأن الأخير موضوع تحت التوقيف والمراقبة. حتى وإن كانت هناك آليات واضحة تتبناها الدولة، فلن يكون فضاؤها المشترك كما ينبغي. ولن يحقق مستويات التعددية وتنوع المواطنين. بينما الأدق أن هذا الباب الديجيتال مفتوح طوال الوقت. وبإمكان الفرد التداخل لترك أثر خلال أي زمن شاء. إمكانية ليست متوافرة في الصور المتاحة للفضاء العمومي. ولا يعد ذلك معبراً عن الفوضى، ولكنه الأثر الايجابي لقدرة الافراد على التفاعل.

لا يبدو في تراث السياسة أن مجالاً يمتلكه الفاعلون بأنفسهم مثلما هو الفضاء الافتراضي. امتلاك تفاعل لا امتلاك مادي. امتلاك حركة لا امتلاك صورة، امتلاك تحقُق لا امتلاك شكل. والامر بمثابة العودة إلى أسس الأشياء. تسمية الأشياء من جديدٍ. فالسياسة قد تمارس تزييفاً عندما تسند الحكم شكلياً إلى الشعوب. وقد تتلاعب بآمال الأمم حينما تربط الحكم السائد بالمستقبل. ولكن الفضاء الافتراضي ينبع من قدرة المتابعين على انشاء المجال نفسه. وهو أجورا التفاعل من أقصى اليمين إلى اقصى اليسار.

3- الحرية الافتراصية

في أجورا التقنية، يتمتع المتابع بحرية الاجراء والتداخل والطرح. هل ستجدي معه قيود مفروضة لسلطةٍ ما؟ بالقطع لا قيود تجدي إزاء أية حالة تفاعل افتراضي. الحرية ليست مقولة سياسية، بل أصالة وجودية، الاجراء التقني لا يعبر عن موقف سياسي في هكذا لحظة، بل يجسد موقفاً انطولوجياً أصيلاً.

هي خطوة خطيرة أحدثتها التقنيات: اشعار المتابعين بحريتهم الأنطولوجية. فعندما يحمل الانسان تقنية رقمية، فهو يحمّل وجوده كافة الأنشطة المرتبطة بها. فقد يندهش البعض من هوس التعلق بالأجهزة الالكترونية. ولكن ذلك من سمات التكنولوجيا، فهي" فن الوجود"، تجلٍّ لكيان الانسان على نحو اجرائي. لأنَّ كلمة تقنية technology آتية من الجذر اليوناني القديم (τέχνη - tékhnē) techne (الفن، الحرفة، الصنعة، المهارة ). وهذه المعاني معاني حرية، هي تجليات للتحرر من القيود والجهل. كل تقنية لا تخلو من حريةٍ ما وإن لم تظهر بوضوح. لكونها تعبر عن شيء جوهري داخل الانسان المبتكر.

الحرية في الواقع الافتراضي لا تُلقى من أعلى، بل تُصنع في صورة من صور الابداع. لأن المعايير تغدو أكثر دقة كلما زاد المتابعون، وكذلك الفضاء الرقمي لا حدود له. وبالامكان التفاعل والتعديل والاختلاف إلى أبعد مدى. لن يستطيع فرد أن يتحكم في تلك الخطوات. رأينا في حراك الثورات قدرة متمردة على التعبير الافتراضي. لجأ الافراد إلى المنصات والمواقع للمشاركة والتنفيس إزاء الأحداث.

4- الاختلاف الجذري

يتحقق الاختلاف الجذري ضمن ممارسات الواقع الافتراضي. يبدو ذلك مفهوماً في إطار أجورا التقنيات مع تنوع الأفكار والرؤى. فيمكن للمتابعين أنْ يدلوا بدلوهم من زوايات مختلفةٍ، بل متناقضة. وليس هناك ما يحول دون تقبل أي رأي. والأهم أن الاختلاف سيعلن عن نفسه بصورة مباشرة ولا يحتاح إلى من يبرره أو يرفع من شأنه. فالقضايا المطروحة تستدعي مسؤولية الممارسة. وهذه تفهم ضمنياً عبر مستويات الحوار والنقاش. وتكون مساحة الفلسفة بارزة، بل ستكون ملحة بين المتفاعلين.

صحيح أن هناك من يخرج عن القواعد بحكم الفضاء المفتوح، ولكن هناك" عقلانية تفاعلية" تحكم الخروقات الطارئة. أي أن المسؤولية العملية هي الأساس. وقد لا توجد خروقات كبيرة إلا وتعود سريعاً إلى المستوى العام.

اللص الافتراضي

السؤال الآن: من أين يتسلل لصوص الفلسفة إلى الوسائط التقنية؟

رغم الإمكانيات الكبيرة لأجورا الرقميات، إلاَّ أن هناك لصوصاً لمساحة الفلسفة نتيجة تأثيرات التكنولوجيا من حيث المبدأ. لصوص افتراضيون من لُحمة الواقع المعزز نفسه. لأنَّ كل تقنية لها آثار جانبية بمنطق الاجراءات التي تنتظمها. فبعض الاستعمال التكنولوجي أكبر ما يناقض الامكانيات التى توفرها. وهو ما يضيِّق فضاء التفلسف ويعتبره لوناً من الرفاهية الفارغة. غدت الفلسفة غريبة وعارية كطائر نُتف ريشه على قارعة الطريق. وحتى دراستها في مجتمعاتنا الراهنة باتت تسولاً واختلاساً ليس أكثر. وبدلاً من كونها حاضنة للعقول في تاريخ المجتمعات غدت ملفوظة. ووضعت في محميات ثقافية تحت الاقامة الجبرية. ومثل الحيوانات الأليفة تُركت صور الفلاسفة للفرجة على جدران القاعات وحسب.

1-  الاستغراق دون خروج

نسيان الأصول جزء من طبيعة الرقميات. أي لا تعيد الإنسان إلى الأصول المادية أو الطبيعية وإلاَّ لما كانت تقنيات. فهي أشكال من الفنون والأساليب والأدوات الماهرة المتجسدة بواسطة الاجراءات. وبالتالي تغزل الإنسان ضمن ثياب الصانع بالإنابة، لكونه لا يفعل إلا عبر وسائط. وهذا هو مضمون الرقميات عندما تستغرق كيان المتابع حتى الرمق الأخير.

الرقميات تنطوي على اغواء لا ينقطع، ولا تشعرك بأهمية الزمان والمكان. لأنها واقع افتراضي يحياه الإنسان بكامل وجوده. وربما التصديق المجاني هو الطاقة المراقة طوال الوقت. لأن الاجراءات والتفاعل الفوري يكسر الحاجز الوهمي بين الواقع والخيال. فلا مرحلة بين الاطلاع والتفاعل، بمجرد أن تهتم فإنك تعيش داخل الوسيط. وتدريجياً يكون لدى الإنسان أخيله وانطباعات استجابات سريعة الايقاع. فالرقميات تشكل موضوعات التفكير والأساليب المتاحة لممارستها.

الوعي يصبح وعياً سريعاً بحسب قدرات الوسيط التقني. ويكون وعياً مشوُباً بالتصديق المباشر، أي يستنيم التفكير للرقميات ولا يخترق الإطار الذي يفرضه. وهذا يجافي قدرات المساءلة الفلسفية التي توقظ وعياً حاداً للانسان. الفلسفة لا تشتغل على المهارة التقنية كما تفعل الرقميات، ولا على فنون اللمس الديجيتال، بل تعمل الفلسفة على ضرورة العقل والمعاني المبدئية لكيان الإنسان... مثل الحرية، الحياة، الموت، الخطر، الفكر، الحقيقية، المصير. فالفلسفة دهشة في صلب الحياة وليست دهشة طارئة على شاشات ملساء. هي حالة انطولوجية، موقف أصيل للانسانية، لا يقبل أن يكون هامشياً ولا ملحقاً عبر مهام التقنيات الرقمية.

2-  أنت هو الغير

الوسائط التفاعلية على أهميتها إلاَّ أنها قد تعتبر المتابع غيراً. أي قد تهمش الآخر باعتباره متطفلاً ومطارداً. وبخاصة أن أجورا التقنية لا تدقق فيما يطرح على نطاق واسع. بعض المواقع تعد بحسب الاستعمال مؤدلجة ويتم فرض شعارات وايقونات لجماعة أو لمذهب أو لتنظيم ما. وقد تصبح أجوراً التقنية دائرة لخنق الآخر ويتم استبعاده قبل أن يتفاعل.

الفضاءات المُؤدلجة ليست حرة، هي شبكة افتراضية لصيد المختلفين في الرأي. وقد تمثل وسيطاً قاتلاً أكثر خطورةً من ارهاب الواقع. تحرص الاتجاهات العنيفة على التواجد الرقمي، بل وتمارس الكراهية التي ترجم بها المختلفين في المواقف. وعن طريق الوسائط تستطيع أن تبث عنفاً رمزياً مدمراً.

ومسبقاً سيجد المتفاعل نفسه عدواً قبل أنْ يكون إنساناً، ولن يكون غير وسيلة لأهدار القيمة والبعد عن التعددية. وهذا ما يقلص مساحة الفكر الحر إلى درجة الموت. إن الفلسفة لا توجد في أجواء هذه الكراهيات. لعل اقرب نافذة لهروب الفلسفة هو العنف الذي لا يسمح بالاختلاف ويجعل الفكر ورشة للتمثيل بجثث الآخرين. ورغم كون الفلسفة تشتغل على الضروريات، إلا أنها قد تفقد بوصلة الأسس عندما تجد عقولاً مؤدلجة حدَّ الاختناق.

3- كل من هب ودب

مع ثقافة التعري، طفحت المجتمعات الراهنة باستعراض عارٍ لجوانب الحياة، من الجسد مروراً بالحياة اليومية وصولاً إلى أشكال الصراعات والاحداث. الرقميات أمست مسرحاً للتعري الثقافي بالأصالة. لحم البشر الحي ولحم المعتقدات ولحم الغرائز والشهوات بات معروضاً في الهواء الطلق. واللحم- بجميع مستوياته- هو المرجعية التي لم تغطَّ حتى اللحظة في عالم افتراضي مفتوح.

فاق دلالة الفضيحة، تجاوز مرحلة الغرابة، اخترق آفاق اللامعقول، لقد أضحى لحماً مطبوخاً ونيئاً أمام العيون المحملقة على مدار الساعة. إذا كان ثمة ظاهرة افتراضية، فهي ظاهرة " كل من هب ودب" داخل عرض مكشوف. في أي وقت يعرض البشر أنفسهم جاذبين سيل المشاهدات والتعليقات. والطرفان يتماديان إلى أقصى درجة من الانكشاف. لا خطوط ملونة ولا محاذير هنالك. من يستطيع أن يتعرى ثقافياً وانسانياً، فليُسرع الخطى إلى أخر المدى.

لا مساحةَ حرة للتفكير ولا قدرة واضحة على التروي والتأمل النقدي. تذهب الفلسفة من فورها هائمةً على وجهها. فقد يقفز في وجه التأمل كائن لحمي عارٍ ثقافياً لعرض نفسه تحت لافتة الروتين اليومي أو صور من الوقائع الساذجة . أمر يعجز العقل عن تفسره ولا يجد له مكاناً في عالم الفكر. ولأنَّ الفلسفة لا تبحث إلاَّ عن الأصيل، فقد تتوارى بين غثاء البشر إذا تركت وجودها مشاعاً لكل من هب ودب.

إنَّ الفضلات الالكترونية أخطر ما يزكم أنفوف الفلاسفة في حياتنا المعاصرة. خلال أغلب وسائط التواصل، لا يتطلع الناس إلى الأصالة، ولكنهم يتركون إزعاجاً لزجاً يصعب تنظيفه الآذان بسهولة. وحدها الفلسفة لا تعيش وسط هذا التراكم الفوضوي. لأن الفيلسوف يفهم أصول المشهد جيداً. صحيح قد يأخذ خطوات إلى الوراء ولكنه يفعل ذلك كي يرى أبعد. كلما كانت المساحة أكبر، جاءت الرؤية واضحة والعبارة صائبة.

بومة التفاهة

تكونت عبر أجورا التقنية رأسمالية التفاهة. وبدلاً من البحث عن الابداع تغيبت الفلسفة، فظهرت بومة التفاهة التي تنعق في وضح النهار لا وقت الغسق كما يقول هيجل. على الشاشات الديجيتال، تظل شعوب بأكملها تحملق في تفاهات البشر المرمين في أدغال المجتمعات الفقيرة حضارياً. وكأنهم يمارسون طقوساً مقدّسة.

مع الرقميات، تحولت التفاهة إلى شيء لا يمس يغلفه اليقين والتصديق المجاني. دون نهاية تغطي سحب التفاهة أجواء الفضاء الافتراضي، وليس عليك إلا الدخول حتى تبادرك التفاهات في كل زوايا اليوتيوب والفيس بوك والمنصات وتِك توك وسناب شات. في حين أن التفاهة بالنسبة للفلسفة ليست سذاجة عابرة، لكنها تصفي قوة الرفض وتدجن العقول. أقرب ما تتركه هو تعويد العين والحواس على مستواها الهش. وتسلب قدرات الإنسان وتعطيه رؤية مستنيمة للواقع. وتجعله مجرد متلقٍ سلبي لا يملك إلاّ المشاهدة. قد يبتسم وربما يتعجب، ولكنه لاواعياً يقبل ما يُطرح ويردده. وتدريجياً تهبط معاييره إلى الالتصاق بالأرض. ولا يكاد يرى أبعد من لمسات أنامله على الأسطع اللامعة وسط بؤس الواقع.

وليتها حالة من التفاهة ثم تتوقف، ولكنها تتوالد بآلية المتابعة، ملايين اللمسات تلهث وراء التفاهة باستمرار. حتى سكنت الأخيرة العقول والأنظار واللاوعي. إن أسوأ ما يعترض الفلسفة عقولٌّ لا تعبأ بالفكر. ترى في التفاهات شيئاً معتاداً ولا سبيل إلى التخلص منها. وبخاصة كونها جزءاً من ممارسات الحياة اليومية. تكتسب التفاهة مساحات افتراضية جديدة على حساب النقد والنظر اليقظ والبحث عن الحقائق ومراجعة المعرفة.

كل ذلك ونحن لا ندري أنَّ أمراً تافهاً يختزل تاريخاً من التحولات وأن مجاراة الافعال الساذجة لا تختطف ابتسامة بقدر ما تعلن عن أفول المستقبل. لم تشيد الحضارة على ركام الإنسانية، إنما بالابداع الذي يتجاوز التقاليد البالية. الحضارة أكبر عنوان لغربلة التفاهة، حيث تمكث العقول الحرة.

إنَّ الفلسفة هي المصل المضاد لأمراض النفايات الثقافية التي تكتظ بها بعض الرقميات.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

 

يمثل تهافت الفلاسفة واحدة من أكثر اللحظات التباسًا في تاريخ العلاقة بين الفلسفة والدين في الإسلام؛ فقد جرى اختزال الكتاب، في كثير من السرديات اللاحقة، إلى عنوان واحد: الغزالي هدم الفلسفة. ثم تحولت هذه العبارة إلى حكم تاريخي واسع، فأصبح الغزالي في بعض الكتابات رمزًا لانتصار الكلام على الفلسفة، أو بداية لما سمي «انحطاط الفلسفة الإسلامية»، بينما أصبح تهافت الفلاسفة وكأنه إعلان وفاة للمشروع الفلسفي في الإسلام. غير أن هذه الصورة، على الرغم من شيوعها، تحتاج إلى مراجعة جذرية؛ لأن قراءة الكتاب في سياقه تكشف أن الغزالي لم يكن يواجه «الفلسفة» باعتبارها فعلًا عقليًا مطلقًا، ولم يكن يرفض كل ما جاء به الفلاسفة، بل كان يميز بين قضايا يمكن قبولها، وقضايا تحتاج إلى تأويل، وقضايا يرى أنها تصطدم بأصول الاعتقاد.

 لقد نقد الفلسفة من داخل المعرفة بها.  درس منطقها، واستوعب بنية ميتافيزيقاها، وكتب في مقاصدها قبل أن يكتب في تهافتها، ثم واجهها من داخل جهازها البرهاني نفسه. ولذلك فإن تهافت الفلاسفة لا يمثل خروجًا من الفلسفة بقدر ما يمثل عبورًا داخلها ثم عليها؛ عبورًا يكشف أن نقد الفلسفة قد يكون فعلًا فلسفيًا، وأن رفض بعض نتائج التفلسف لا يعني بالضرورة رفض السؤال الفلسفي.

ومن هنا لا ينبغي أن يكون السؤال: «هل كان الغزالي ضد الفلسفة؟»؛ فهذا السؤال يضعنا منذ البداية داخل ثنائية مغلقة. السؤال الأعمق هو: ما الذي رفضه الغزالي فعلًا؟ وما الذي قبله؟ وما الذي أعاد صياغته؟ وهل كان اعتراضه على الفلسفة بوصفها معرفة، أم على بعض دعاواها الميتافيزيقية، أم على تحول البرهان الفلسفي إلى ادعاء بالضرورة واليقين؟

أولًا: ما الذي رفضه الغزالي فعلًا؟

لفهم تهافت الفلاسفة ينبغي أولًا تحرير صورة الخصم الذي يواجهه الغزالي. فهو لا يوجه نقده إلى «الفلاسفة» بصورة عامة، ولا يناقش كل ما يمكن أن يسمى فلسفة، وإنما يتجه بصورة أساسية إلى الفلاسفة المشائين، وبخاصة البناء الميتافيزيقي الذي ورثه الفلاسفة المسلمون عن اليونان، كما تمثل عند الفارابي وابن سينا.

وهذا التحديد مهم؛ لأن الغزالي نفسه لم يرفض جميع العلوم التي اشتغل بها الفلاسفة. ففي مقاصد الفلاسفة عرض آراءهم في المنطق والطبيعيات والإلهيات عرضًا قريبًا من الإنصاف، حتى إن الكتاب فُهم في بعض البيئات اللاحقة على أنه من مؤلفات الغزالي التي تؤيد الفلسفة، بسبب دقة عرضه لمذاهبها. ثم عاد في تهافت الفلاسفة ليناقش مجموعة من دعاواهم ويكشف، في نظره، تناقضها أو عدم قيام البرهان عليها.

وهنا تظهر نتيجة أولى: الغزالي لم يرفض التفكير العقلي، وإنما رفض تحويل نتائج معينة إلى حقائق ضرورية لا تقبل النقاش.

وهذا يفسر موقفه من المنطق. فقد اعتبر المنطق أداة ضرورية لتنظيم الاستدلال، واستعمل مصطلحاته وطرقه في عدد من مؤلفاته. كما لم يرفض العلوم الطبيعية من حيث هي دراسة للظواهر، ولم يجعل الاشتغال بالرياضيات أو المنطق أو بعض مباحث الطبيعة محرمًا في ذاته.

لكن الأزمة تبدأ عندما ينتقل الفيلسوف، في نظره، من مجال التجربة والاستدلال إلى ميتافيزيقا تتجاوز حدود البرهان، ثم يقدم نتائجها باعتبارها يقينًا لا يحتمل النقيض.

ولهذا فإن التهافت ليس كتابًا ضد العقل، وإنما هو، في أحد وجوهه، محاكمة لادعاء العقل امتلاك الضرورة في مسائل لا يرى الغزالي أن البرهان قد حسمها.

ثانيًا: نقد السببية

تظهر هذه المسألة بوضوح في المناقشة الأشهر للكتاب: مسألة السببية. كان الفلاسفة يرون أن بين الأشياء علاقات سببية حقيقية، وأن الموجودات الطبيعية تؤثر بعضها في بعض وفق طبائع وقوانين. فإذا لامست النار جسمًا قابلًا للاحتراق، فإن الاحتراق يحصل بسبب طبيعة النار. أما الغزالي فيرفض الانتقال من مجرد الاقتران المشاهد إلى إثبات الضرورة.

وهنا تكمن قوة اعتراضه. فنحن نلاحظ أن النار والاحتراق يجتمعان بصورة متكررة، لكن ماذا نرى تحديدًا؟ نرى النار. ونرى الاحتراق. ونرى تعاقبهما. لكننا لا نرى «الضرورة» بوصفها كيانًا ثالثًا.

إن الانتقال من: النار تقترن بالاحتراق إلى النار تستلزم الاحتراق بالضرورة ليس انتقالًا تجريبيًا بسيطًا، وإنما هو انتقال ميتافيزيقي يحتاج إلى برهان مستقل. ولهذا يقول الغزالي، في جوهر اعتراضه، إن ما نعتقده علاقة ضرورية قد يكون مجرد اقتران جرت به العادة. وهنا يلتقي الغزالي مع التصور الأشعري عن العادة بدل الضرورة، لكنه يمنح المسألة قوة فلسفية جديدة؛ إذ لا يكتفي بالقول إن الله قادر على خرق العادة، بل يهاجم أصل الدعوى القائلة إن العقل يستطيع أن يثبت ضرورة العلاقة السببية من خلال المشاهدة.

وهذا يجعل نقد الغزالي أكثر عمقًا من مجرد الدفاع عن المعجزة. إنه في جوهره سؤال إبستمولوجي: هل تكفي الملاحظة المتكررة لإثبات الضرورة؟ وهذا السؤال سيعود في تاريخ الفلسفة الغربية عند ديفيد هيوم، وإن اختلف السياق والمشروع والمنهج.

لكن يجب هنا تجنب المقارنة السطحية بين الغزالي وهيوم؛ فالغزالي لا ينطلق من التجريبية الحديثة ولا ينتهي إلى الشك في كل علاقة سببية بالطريقة نفسها، وإنما يستخدم نقد السببية في إطار توحيدي يرفض أن تكون الطبيعة مستقلة عن الفعل الإلهي.

وهنا تبرز نقطة شديدة الأهمية: الغزالي لا يلغي انتظام العالم؛ وإنما يرفض أن يتحول الانتظام إلى ضرورة مستقلة. العالم منتظم، لكن انتظامه لا يعني أنه مغلق.

ثالثًا: نقد الضرورة

من هنا ينتقل الغزالي إلى مفهوم أوسع: الضرورة. فالمشكلة عنده ليست أن الفلاسفة يقولون إن النار تحرق، وإنما أنهم، في نظره، يحولون هذا الاقتران إلى علاقة لا يمكن أن تتخلف. وهذا يفتح سؤالًا ميتافيزيقيًا بالغ الأهمية: هل الممكن يمكن أن يتحول إلى الضروري بمجرد اعتيادنا عليه؟ إذا كان العالم ممكنًا، فلا ينبغي أن نتعامل مع قوانينه وكأنها وجود واجب بذاته. ومن هنا يتقاطع نقد السببية مع نقد مفهوم الضرورة.

فالفلاسفة، في بناءاتهم الميتافيزيقية، حاولوا تفسير العالم من خلال سلسلة من العلل، وربطوا الموجودات بعلاقات عقلية تجعل بعضها صادرًا عن بعض وفق نظام ضروري. أما الغزالي فيرى أن هذا النظام لا يثبت ضرورة بالمعنى الذي يمنع الإرادة الإلهية من إمكان إحداث خلاف المألوف. وهنا يصبح مفهوم الإمكان عنصرًا حاسمًا. إن كون الشيء يحدث دائمًا بالطريقة نفسها لا يجعله واجبًا. وكوننا لم نشاهد العكس لا يعني أن العكس مستحيل. وبهذا المعنى يعيد الغزالي فتح المجال أمام الممكن.

فالضرورة التي تغلق العالم تصبح موضع نقد، والإمكان الذي تسمح به الإرادة الإلهية يعيد إلى العالم سيولته. وهذه إحدى النقاط التي يمكن أن تتحول، داخل فلسفة العبور، إلى مفهوم الوجود غير المغلق. فالعالم الذي لا تحكمه ضرورة سببية مستقلة ليس عالمًا فوضويًا، وإنما عالم يمكن أن ينتظم دون أن ينغلق.

رابعًا: العالم والخلق

من أكثر القضايا حساسية في تهافت الفلاسفة مسألة قدم العالم. كان الفلاسفة المشاؤون، وخصوصًا في الصياغة التي وصل إليها ابن سينا، يقولون بقدم العالم من جهة الزمان، مع اختلاف دقيق في كيفية فهم علاقته بالله.

أما الغزالي فيرى أن القول بقدم العالم يتعارض مع مفهوم الخلق والإرادة الإلهية؛ لأن العالم، إذا كان أزليًا بالمعنى الذي ينفي حدوثه الزماني، يصبح من الصعب تفسير صدوره بوصفه فعلًا اختياريًا وقع بعد أن لم يكن. وهنا لا يتعلق الخلاف فقط بسؤال: هل للعالم بداية زمنية؟ بل بسؤال أعمق: هل العالم فعل أم ضرورة؟

إذا كان العالم صادرًا عن الله وفق ضرورة عقلية، فإن الإرادة الإلهية تصبح محدودة في بنيتها التفسيرية. أما إذا كان العالم فعلًا اختياريًا، فإن وجوده مرتبط بالإرادة. وهنا يعود مفهوم العبور. العالم يعبر من الإمكان إلى الوجود. لكن هذا العبور ليس انتقالًا ذاتيًا، وإنما هو انتقال بفعل الإرادة.

ولهذا كان رفض الغزالي لقدم العالم جزءًا من رفضه لتصور يجعل العالم نتيجة ضرورية لنظام ميتافيزيقي مغلق. إن الخلق، عنده، ليس مجرد حدث وقع في الماضي، وإنما هو التعبير عن افتقار العالم في وجوده إلى الله.

خامسًا: العلم الإلهي

أما المسألة المتعلقة بالعلم الإلهي، فهي أكثر تعقيدًا؛ لأن الغزالي يعترض على صياغة الفلاسفة لمسألة علم الله بالجزئيات. فإذا كان علم الله لا يتغير، فكيف يتعلق بالأشياء المتغيرة؟ وإذا كانت الموجودات الجزئية متغيرة ومتعددة، فكيف يكون العلم الإلهي بها على نحو يليق بالكمال الإلهي؟

كان الفلاسفة قد قدموا تصورات دقيقة في هذا المجال، خصوصًا ابن سينا، الذي رفض أن يكون علم الله بالأشياء مماثلًا لعلم الإنسان بها، وحاول أن يفسر علم الله بالجزئيات من خلال علمه بالأسباب والأنظمة الكلية. لكن الغزالي رأى في هذا التصور تقليصًا لما يقتضيه الاعتقاد بالعلم الإلهي الشامل.

والأهمية الفلسفية لهذه المسألة تتجاوز الخلاف العقدي المباشر؛ لأنها تكشف عن سؤال حول طبيعة المعرفة الإلهية: هل يمكن أن نستخدم مفاهيمنا البشرية عن المعرفة لنصف علمًا مطلقًا؟ إذا كان الإنسان يعرف الشيء من خلال الانفعال به أو التغير معه، فلا يعني ذلك أن علم الله يعمل بالطريقة نفسها. وهنا تعود مشكلة حدود اللغة والمفهوم التي ظهرت في الأشعرية.

إننا نتحدث عن المطلق بلغة نشأت في عالم المحدود. ومن هنا ينبغي أن ننتبه إلى أن الغزالي، حتى حين يعترض على الفلاسفة، لا يتجاوز المشكلة التي حاولوا حلها؛ وإنما يقدم لها تفسيرًا آخر. فالمسألة في عمقها ليست فقط: «من الصحيح؟» بل هل يستطيع العقل أصلًا أن يصوغ علم المطلق بمفاهيم مستمدة من تجربة المحدود؟

سادسًا: النفس والآخرة

تمس مناقشات الغزالي أيضًا مسائل النفس والآخرة، ولا سيما التصورات التي ارتبطت بالفلسفة المشائية حول طبيعة النفس، وعلاقتها بالجسد، ومصيرها بعد الموت. وقد رأى الغزالي أن بعض التصورات الفلسفية المتعلقة بالمعاد لا تنسجم مع العقيدة الإسلامية، خصوصًا عندما يتم تفسير الآخرة تفسيرًا رمزيًا أو عقليًا لا ينسجم مع الإيمان بالمعاد الجسدي.

وهنا يعود الخلاف إلى مسألة أعمق: هل يستطيع العقل وحده أن يحدد شكل الحياة بعد الموت؟ إذا كان العقل يعمل داخل عالم التجربة، فكيف يمكنه أن يحسم بصورة مستقلة طبيعة عالم يتجاوز التجربة؟

وهذا يعيدنا إلى فلسفة الحدود. إن الغزالي لا يقول إن العقل لا قيمة له، بل يقول إن هناك موضوعات تتجاوز المجال الذي يمكن للعقل أن يستقل فيه. وهنا يصبح الوحي، بالنسبة إليه، مصدرًا ضروريًا لمعرفة ما يتجاوز حدود النظر العقلي.

وبذلك فإن رفض الغزالي لبعض أطروحات الفلاسفة في النفس والآخرة لا ينطلق من رفض السؤال، بل من رفض احتكار العقل لإجابة لا يرى أن أدواته تكفي لإنتاجها.

سابعًا: ثلاث مسائل ومسألة الكفر

من المهم التوقف عند حقيقة أن الغزالي لم يعتبر كل أخطاء الفلاسفة متساوية. ففي تهافت الفلاسفة ناقش عشرين مسألة، لكنه شدد على ثلاث مسائل عدّها أخطر من غيرها، وهي): قدم العالم، وإنكار علم الله بالجزئيات، وإنكار بعث الأجساد)، واعتبر أن هذه الآراء تمس أصول العقيدة على نحو مختلف عن سائر المسائل. وهذا التفصيل مهم للغاية؛ لأنه يكشف أن الغزالي لم يقل ببساطة إن «الفلسفة كفر».

بل قام بعملية تمييز داخل الفلسفة نفسها. هناك مسائل يراها باطلة دون أن تستلزم الحكم نفسه. وهناك مسائل يرى أنها أخطر لأنها تمس أصولًا عقدية محددة. ومن هنا ينبغي عدم قراءة عنوان تهافت الفلاسفة بوصفه حكمًا شاملًا على كل ممارسة فلسفية. إنه نقد لمواقف فلسفية محددة، وخصوصًا في الميتافيزيقا، كما تلقاها الغزالي في المشائية الإسلامية.

ثامنًا: نقد نتائج الفلسفة أم نقد فعل التفلسف؟

وهنا نصل إلى السؤال الأهم في هذا المبحث. هل كان الغزالي ينتقد نتائج الفلسفة أم فعل التفلسف نفسه؟ إذا كان ينتقد فعل التفلسف، فإن كل الأسئلة الفلسفية تصبح موضع رفض.

لكن قراءة أعماله تكشف شيئًا مختلفًا. فالغزالي نفسه مارس النظر، والشك، والبرهان، والتحليل المنطقي، ونقد المعرفة، ودرس مذاهب الفلاسفة بدقة، واستعمل منطقهم في بناء عدد من كتبه.

بل إن مقاصد الفلاسفة نفسه يدل على أنه رأى ضرورة فهم الفلسفة قبل نقدها. إذن المشكلة ليست في السؤال الفلسفي في ذاته. المشكلة في أن يتحول السؤال إلى منظومة تدعي أن نتائجها نهائية وضرورية، خصوصًا عندما تتعلق بأمور يرى الغزالي أن العقل لا يستطيع حسمها.

وهنا يمكن القول إن الغزالي لا يحارب فعل التفلسف بقدر ما يحارب دوغمائية التفلسف. إنه يرفض الفيلسوف عندما يتحول من باحث إلى مالك للحقيقة. وهذا يعيدنا إلى مفهوم «العقل العابر». فالعقل الذي يعبر بين الأدلة والأسئلة يظل فلسفيًا.

أما العقل الذي يتوقف عند نسقه ويعتبره حقيقة مكتملة، فإنه يتحول إلى عقيدة. ومن هنا يصبح تهافت الفلاسفة نفسه نصًا شديد الفلسفية؛ لأنه لا يكتفي بتقديم موقف بديل، وإنما يسأل عن شروط مشروعية الادعاء باليقين.

تاسعًا: الغزالي يهدم الضرورة أكثر مما يهدم الفلسفة

إذا أردنا تكثيف مشروع تهافت الفلاسفة في عبارة واحدة، فيمكن القول: الغزالي لا يهدم الفلسفة بقدر ما يهدم ادعاءها بالضرورة. فهو لا يرفض المنطق. ولا يرفض البرهان. ولا يرفض العقل. ولا يرفض دراسة الطبيعة. ولا يرفض السؤال في الوجود. إنما يرفض، في مناطق محددة، أن تتحول هذه الأدوات إلى سلطة ميتافيزيقية تدعي أن ما تقوله هو وحده الممكن.

وهنا تصبح معركته مع الفلاسفة معركة حول حدود البرهان. ما الذي يمكن أن يثبته البرهان؟ وما الذي لا يستطيع إثباته؟ وهل عدم قدرة الخصم على تقديم برهان لصالح رأيه يعني أن الرأي المضاد ثبت بالضرورة؟ وهذه النقطة مهمة؛ لأن الغزالي، في عدد من المواضع، لا يدعي إثبات النقيض الفلسفي بصورة مباشرة، وإنما يحاول إظهار أن دعوى الفلاسفة بالضرورة لم تقم عليها الحجة الكافية.

وهنا يتحول التهافت من كتاب في الرد إلى كتاب في نقد شروط البرهنة. وهذا هو الجانب الذي يجعل الغزالي مهمًا لفلسفة العبور.

عاشرًا: من «التهافت» إلى العبور

إذا قرأنا تهافت الفلاسفة من داخل مشروع فلسفة العبور، فإننا لا نحتاج إلى الدفاع عن الغزالي ضد الفلاسفة، ولا إلى الدفاع عن الفلاسفة ضد الغزالي؛ بل نحتاج إلى فهم الحركة التي أحدثها الصراع نفسه.

الفلاسفة قالوا: (النظام / الضرورة / العقل.( والغزالي قال: الانتظام لا يساوي الضرورة. الفلاسفة بحثوا عن نظام ميتافيزيقي يفسر العالم. والغزالي أعاد إدخال الإرادة والإمكان إلى هذا العالم. الفلاسفة سعوا إلى بناء صورة متماسكة للوجود. والغزالي سأل عن حدود قدرة العقل على بناء هذه الصورة.

وهنا لا يعود الصراع مجرد صراع بين «دين» و«فلسفة»، بل يصبح صراعًا حول طبيعة العقل نفسه. هل العقل قادر على بناء تفسير نهائي للوجود؟ أم أنه يعمل داخل حدود لا يمكنه تجاوزها؟ وهنا تكمن القيمة العابرة للغزالي: إنه ينقلنا من سؤال «ما الحقيقة؟» إلى سؤال سابق: ما حدود الطريق الذي نسلكه للوصول إليها؟

خاتمة

لم يكن تهافت الفلاسفة، في نهاية المطاف، كتابًا لإغلاق باب الفلسفة بقدر ما كان محاولة لإعادة تحديد المجال الذي يستطيع العقل أن يدعي فيه اليقين. لقد دخل الغزالي إلى عالم الفلاسفة، درس منطقهم ومفاهيمهم، وعرض آراءهم، ثم عاد ليختبر دعاواهم الميتافيزيقية من الداخل، فرفض ما رأى أنه لا يقوم على برهان ضروري أو يتعارض مع أصول الاعتقاد، وقبل من أدواتهم ومباحثهم ما لم ير فيه تعارضًا مع مشروعه.

ولهذا فإن عبارة «الغزالي هدم الفلسفة» تبدو، من منظور تاريخي وفلسفي، أكثر بساطة مما ينبغي. فقد كان الغزالي نفسه مستخدمًا للمنطق، ومشتغلًا بنظرية المعرفة، ومحللًا لمفهوم السببية، ومناقشًا للوجود والإمكان والضرورة، أي إنه مارس عددًا من العمليات التي لا يمكن فصلها بسهولة عن الممارسة الفلسفية.

إن ما رفضه الغزالي بصورة أساسية هو تحول الفلسفة من بحث إلى يقين مغلق؛ أي اللحظة التي يصبح فيها النسق الفلسفي قادرًا، في نظر أصحابه، على تفسير كل شيء بالضرورة، بحيث لا يبقى للإمكان ولا للإرادة ولا للحدود المعرفية مجال.

ومن هنا تبدو معركته مع السببية أكثر أهمية من مجرد مسألة النار والاحتراق؛ فهي تكشف رفضه تحويل الانتظام إلى ضرورة. كما أن اعتراضه على قدم العالم يكشف رفضه تحويل الوجود إلى نظام ضروري مغلق. واعتراضه على بعض تصورات العلم الإلهي يكشف حدود استعمال المفاهيم الإنسانية في وصف المطلق. وموقفه من النفس والآخرة يكشف رفضه منح العقل سلطة مطلقة في المجالات التي تتجاوز تجربته.

وهكذا تتجمع في تهافت الفلاسفة مجموعة من الأسئلة التي ستظل حاضرة في تاريخ الفلسفة: هل الانتظام ضرورة؟ هل البرهان قادر على إنتاج اليقين في كل المجالات؟ هل يمكن للممكن أن يتحول إلى الضروري؟ هل يستطيع العقل أن يحيط بالمطلق؟ وهل نقد نتيجة فلسفية يعني رفض الفعل الفلسفي نفسه؟

والجواب الذي تقودنا إليه القراءة المقترحة هو أن نقد نتائج الفلسفة لا يساوي بالضرورة نقد فعل التفلسف. بل يمكن أن يكون نقد الفلسفة فعلًا فلسفيًا عندما يعيد فحص شروطها ومقدماتها وحدودها.

ومن هنا يصبح الغزالي شخصية مركزية في الانتقال الذي نبحث عنه في هذا الكتاب: الانتقال من الفيلسوف بوصفه مالكًا للحقيقة إلى العقل بوصفه عابرًا نحوها.

فالعقل الغزالي لا يتوقف عند اليقين الموروث، لكنه لا يتوقف كذلك عند النسق الفلسفي. إنه يشك، ويفحص، ويحلل، وينقض، ثم يبحث عن يقين آخر. ولذلك فإن التهافت ليس نهاية الطريق، وإنما محطة في طريق طويل من العبور: من الفلسفة إلى نقد الفلسفة، ومن نقد الفلسفة إلى نقد أدوات المعرفة، ومن نقد أدوات المعرفة إلى سؤال اليقين، ثم من اليقين العقلي إلى التجربة الروحية.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

مقاربة وصفية

مقدمة: تمثل توجهات ما بعد الحداثة من أشرس التحولات الفكرية التي أعادت صياغة فهم الإنسان المعاصر للمعرفة والسلطة والهوية والتاريخ. وهي لا تقتصر على مجالات الأدب والفن والفلسفة، بل تمتد بعمق إلى مجال الفعل السياسي، حيث تعيد ترتيب مفاهيم الشرعية والتمثيل والمقاومة والتغيير. المقاربة الوصفية لهذه الانعكاسات لا تسعى إلى الحكم المعياري النهائي على ما بعد الحداثة، بل إلى رصد الكيفيات التي أثرت بها مقولاتها الأساسية في تصور الفعل السياسي وممارساته وأشكاله وحدوده في المجتمعات المعاصرة. فهل أثر ظهور مابعد الحداثة على نجاعة الفعل السياسي؟ وبأي معنى فتحته على التنوع والتعدد والامكان؟ ولماذا يرى البعض أن السياسة مابعد الحديثة قد فقدت المعنى والقيمة؟

التوجهات الأساسية لما بعد الحداثة ذات الصلة بالفعل السياسي

تقوم ما بعد الحداثة على رفض السرديات الكبرى التي ادعت الحداثة قدرتها على تفسير التاريخ وتوجيهه نحو التقدم والعقل والحرية أو الثورة الشاملة. المعرفة لم تعد بناءً تراكمياً موضوعياً يقود إلى حقيقة كلية، بل شبكة من الخطابات المتصارعة المرتبطة بعلاقات القوة. الحقيقة نفسها تُفهم بوصفها أثراً للخطاب لا مرجعاً خارجياً مستقلاً عنه. والذات لم تعد جوهراً عقلانياً موحداً، بل تشكلاً متشظياً يتكون عبر اللغة والمؤسسات والرموز. يؤدي هذا التوجه إلى إعلاء شأن الاختلاف والتعدد والخصوصية المحلية على حساب الوحدة والكلية والكونية. كما يبرز البعد اللغوي والرمزي للواقع السياسي، حيث تصبح العلامات والصور والتمثيلات جزءاً مكوناً للفعل لا مجرد انعكاس له. السلطة بدورها لا تُختزل في أجهزة الدولة أو الطبقة المهيمنة، بل تنتشر في شبكة ميكروفيزياء تمتد إلى الجسد والخطاب والمؤسسة والمعرفة اليومية. هذه التوجهات لا تلغي السياسة، لكنها تعيد تعريف شروط إمكانها. فالفعل السياسي لم يعد يُفهم بالضرورة بوصفه مشروعاً كلياً يستهدف تغيير البنية الاجتماعية من جذورها وفق تصور مسبق للتاريخ، بل يتحول إلى ممارسات متعددة ومتفرقة تشتغل على المستويات الرمزية والهوياتية واليومية.

إعادة تشكيل مفهوم الفعل السياسي

ينعكس التوجه ما بعد الحداثي أولاً على مفهوم الفعل السياسي ذاته. في الأفق الحداثي الكلاسيكي، كان الفعل السياسي يرتبط غالباً بالإرادة الواعية، والمشروع الجماعي، والقدرة على التأثير في المؤسسات الكبرى، والسعي نحو أهداف قابلة للصياغة الكلية مثل الحرية أو المساواة أو التقدم. أما في الأفق ما بعد الحداثي، فيفقد الفعل بعضاً من ثقته بهذه المقومات. يصبح الفعل السياسي أكثر وعياً بطابعه الخطابي والتمثيلي. كل ممارسة سياسية هي في جوهرها إنتاج لمعانٍ وتأويلات وصور، لا مجرد تحريك لموارد مادية أو تنظيم لجماعات. المقاومة نفسها تُفهم بوصفها تفكيكاً للخطابات المهيمنة وإعادة توزيع للمواقع الرمزية أكثر مما هي بالضرورة استيلاء على أجهزة الدولة. كما يتراجع الإيمان بإمكانية الفعل المؤسس على أساس عقلاني كوني أو على معرفة علمية يقينية بالواقع الاجتماعي. الذات الفاعلة سياسياً لم تعد تُتصور بوصفها مواطناً عقلانياً أو طبقة واعية أو شعباً موحداً، بل مجموعة هويات متقاطعة ومتحركة تتكون عبر الانتماءات الجندرية والإثنية والثقافية والجنسية وغيرها. الفعل السياسي ينبثق من هذه التعددية لا من وحدة مفترضة مسبقاً. ومن هنا يتحول التركيز من السياسة الكلية إلى سياسات جزئية ومتعددة المواقع.

التحولات في أشكال الممارسة السياسية

تتجلى الانعكاسات العملية لتوجهات ما بعد الحداثة في بروز أشكال جديدة من الفعل السياسي تختلف عن النماذج الحزبية والثورية التقليدية. تنتشر الحركات الاجتماعية الجديدة التي تركز على قضايا الهوية والجسد والثقافة والبيئة والاعتراف، أكثر مما تركز على السيطرة على وسائل الإنتاج أو الاستيلاء على السلطة المركزية. هذه الحركات تعتمد غالباً على الشبكات المرنة والفعل الرمزي والإعلام والفضاءات العامة البديلة، لا على التنظيم الهرمي الصارم. يكتسب البعد الثقافي والرمزي أهمية متزايدة. الاحتجاج يصبح في كثير من الحالات أداءً أو مشهداً أو تدخلاً في أنظمة التمثيل أكثر مما هو مواجهة مباشرة مع أجهزة القمع. الصورة واللغة والسردية تصبح ساحات صراع أساسية. كما يتراجع دور الأيديولوجيات الشاملة لصالح خطابات محلية أو هوياتية أو ائتلافات مؤقتة تقوم على قضايا محددة.

في المقابل، يتأثر الفعل السياسي المؤسسي التقليدي بهذه التحولات. الأحزاب الكبرى تجد صعوبة متزايدة في صياغة سرديات موحدة قادرة على استيعاب التعدد الهوياتي. الشرعية السياسية تصبح أكثر هشاشة لأنها لم تعد تستند بسهولة إلى ادعاءات الحقيقة الكونية أو التقدم الحتمي. التمثيل نفسه يتعرض للشك، إذ يُنظر إليه بوصفه بناءً خطابياً لا انعكاساً شفافاً لإرادة جماعية موجودة مسبقاً.

السلطة والشرعية والمقاومة في الأفق ما بعد الحداثي

تعيد ما بعد الحداثة رسم خريطة السلطة. السلطة لم تعد مركزاً يمكن الاستيلاء عليه أو تدميره دفعة واحدة، بل شبكة منتشرة من العلاقات والممارسات والخطابات. وبالتالي يتغير معنى المقاومة. المقاومة تصبح محلية ومتعددة ومتكررة، تشتغل على تفكيك البديهيات اليومية وعلى إنتاج معانٍ بديلة أكثر مما تشتغل على بناء بديل كلي جاهز. الشرعية السياسية تفقد أسسها التقليدية المستمدة من العقل أو التاريخ أو الإرادة العامة الموحدة. تصبح الشرعية عملية تفاوض مستمر حول المعاني والرموز والاعتراف. هذا يفتح المجال أمام أشكال أكثر تعددية ومشاركة، لكنه يفتح أيضاً المجال أمام هشاشة متزايدة وأمام إمكانية التلاعب الخطابي الواسع. في هذا السياق، يتحول الفعل السياسي إلى ممارسة تأويلية بامتياز. الفاعل السياسي يجد نفسه منخرطاً في صراع حول من يملك حق تسمية الواقع وتأويله. السياسة تصبح إلى حد كبير سياسة سرديات وتأويلات متنافسة.

التوترات والالتباسات الملازمة لهذه الانعكاسات

لا تخلو انعكاسات ما بعد الحداثة على الفعل السياسي من توترات عميقة. فمن جهة، تساهم في تحرير الفعل السياسي من الأوهام الكلية ومن النماذج السلطوية التي ادعت امتلاك الحقيقة النهائية، وتفتح المجال أمام أصوات مهمشة وهويات كانت مستبعدة. ومن جهة أخرى، يؤدي التشكيك الجذري في الأسس إلى صعوبات في بناء توافقات واسعة أو مشاريع طويلة الأمد قادرة على مواجهة المشكلات البنيوية الكبرى.

النسبية التي ترافق رفض السرديات الكبرى قد تضعف القدرة على التمييز المعياري الحاسم، وتجعل الفعل السياسي عرضة للابتلاع داخل منطق الاستهلاك الإعلامي أو التفتت الهوياتي. كما أن التركيز على الخطاب والرمز قد يبعد الفعل عن المستويات المادية والاقتصادية التي تظل فاعلة بقوة. وفي بعض السياقات، قد تُستخدم مقولات التعدد والاختلاف لتبرير الانسحاب من المسؤولية الجماعية أو لتغذية أشكال جديدة من الانغلاق الهوياتي.

الفعل السياسي في ظل هذه التوجهات يصبح أكثر وعياً بحدوده وبتعقيداته، وأكثر حذراً من الادعاءات المطلقة، لكنه في الوقت نفسه يواجه خطر الشلل أو التحول إلى سلسلة من الاحتجاجات الرمزية المحدودة الأثر.

خاتمة

تكشف المقاربة الوصفية لانعاكسات توجهات ما بعد الحداثة على الفعل السياسي عن تحول عميق في شروط الممارسة السياسية المعاصرة. لم يعد الفعل يُفهم بسهولة بوصفه تحقيقاً لمشروع كلي مستند إلى سردية كبرى أو إلى معرفة يقينية بالمسار التاريخي. بل أصبح فعلاً متشظياً ومتعدداً وخطابياً وهوياتياً، يشتغل على مستويات رمزية وميكروفيزيقية بقدر ما يشتغل على المستويات المؤسسية. هذا التحول يعيد توزيع إمكانيات المقاومة والاعتراف والمشاركة، ويفتح فضاءات جديدة للفعل، لكنه في الوقت ذاته يضع الفاعل السياسي أمام تحديات جدية تتعلق بالقدرة على البناء المشترك وبالتمييز بين أشكال المقاومة المنتجة وأشكال التفتت العقيمة. الفعل السياسي في أفق ما بعد الحداثة هو فعل يدرك أنه محاط بالخطابات والتمثيلات والاختلافات، وأنه لا يملك أساساً خارج هذه الشبكة، لكنه يظل مع ذلك مطالباً بأن يتصرف ويقاوم ويعيد تأويل العالم المشترك. فكيف ينقلنا الفعل السياسي في زمن مابعد الحداثة من الثورة الى الدولة ويبقي على الحركة الجدلية بين الفوضى والنظام وبين الحكم والحرية؟ وبأي تظل تتحكم السلطة الميكروفيزيقية في الفعل السياسي؟ وماهي التحولات التي خضع لها الفعل السياسي في الحداثة المتأخرة؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

تمهيد: الذاكرة بوصفها حركة في الزمن

إذا كان الإنسان لا يعيش الزمن بوصفه سلسلة من اللحظات المنفصلة، وإنما بوصفه امتدادًا تتداخل فيه آثار الماضي مع أسئلة الحاضر وإمكانات المستقبل، فإن الذاكرة لا يمكن أن تُفهم باعتبارها مجرد قدرة نفسية على استرجاع ما انقضى، لأن استرجاع الماضي نفسه ليس عودة إلى شيء محفوظ في صورته الأصلية، وإنما هو إعادة بناء مستمرة لعلاقة الذات بما كان، ولذلك فإن الذاكرة ليست خلف الإنسان كما قد يوحي التصور البسيط للزمن، بل هي حاضرة في تكوينه، تعمل في داخله كلما حاول أن يجيب عن سؤال: من أنا؟ ومن نحن؟ ومن أين جئنا؟ وإلى أين يمكن أن نذهب؟

ومن هذه الزاوية تحديدًا يصبح البحث في الذاكرة بحثًا في الهوية، لا لأن الهوية تحتاج إلى ماضٍ تستند إليه فحسب، بل لأن الطريقة التي تتذكر بها الجماعة ماضيها تحدد، في جانب عميق منها، الطريقة التي ترى بها حاضرها وإمكاناتها المستقبلية.

لقد كان أحد التحولات الكبرى في الفكر الغربي الحديث هو الانتقال من النظر إلى الذاكرة بوصفها وظيفة فردية إلى النظر إليها باعدها ظاهرة اجتماعية وثقافية وتاريخية، وهو انتقال كشف أن ما نسميه «ذاكرتنا» لا ينتمي إلينا بصورة خالصة، إذ إن اللغة التي نتذكر بها ليست من صنعنا، والرموز التي نستعيد من خلالها الماضي لم نبتكرها وحدنا، والصور التي تمنح الأحداث معناها تشكلت داخل جماعات ومؤسسات وسياقات تاريخية تسبق الفرد وتستمر بعده.

ومن هنا جاءت أعمال موريس هالبواكس لتكشف الأطر الاجتماعية للتذكر، ثم جاء بيير نورا ليبين كيف يتحول الماضي إلى أماكن ورموز ومؤسسات تحفظ الذاكرة وتعيد إنتاجها، في حين نقل بول ريكور المسألة إلى مجال أكثر تركيبًا حين جعل الذاكرة متصلة بالتاريخ والنسيان والاعتراف والعدالة والمصالحة.

غير أن فلسفة العبور لا تكتفي بتسجيل هذا التحول من الذاكرة الفردية إلى الذاكرة الاجتماعية، أو من الذاكرة الحية إلى أماكن الذاكرة، أو من الذاكرة إلى الذاكرة العادلة، بل تحاول أن تسأل سؤالًا آخر ينبثق من داخل هذه التحولات نفسها: كيف تعبر الذاكرة من فرد إلى جماعة، ومن جيل إلى جيل، ومن تجربة إلى سرد، ومن حدث إلى رمز، ومن الماضي إلى الحاضر، ثم كيف يعود الحاضر فيعيد تشكيل الماضي الذي يظن أنه يستعيده؟

إن الذاكرة، بهذا المعنى، ليست مجرد استمرارية للماضي، وإنما هي حركة بين أزمنة ومستويات وذوات، ولذلك فإن الهوية التي تتأسس عليها لا يمكن أن تكون جوهرًا مغلقًا، بل ينبغي فهمها بوصفها هوية عابرة، تستمد استمراريتها من قدرتها على إعادة التشكل.

وهنا يظهر الفرق بين فلسفة الهوية وفلسفة العبور؛ فالتصور الأول يميل إلى البحث عن الأصل الذي يجعل الشيء هو هو، في حين يبدأ التصور الثاني من السؤال عن الكيفية التي يستطيع بها الشيء أن يستمر في كونه نفسه على الرغم من انتقاله وتحوله.

وإذا كانت الذاكرة هي أحد الشروط التي تجعل هذا الاستمرار ممكنًا، فإن قيمتها لا تكمن في أنها تمنع التغير، وإنما في أنها تمنح التحول معنى واستمرارية. فالذاكرة التي تتجمد في صورة واحدة للماضي تتحول إلى قيد على الهوية، أما الذاكرة التي تسمح بإعادة القراءة والتأويل والتعدد فإنها تصبح شرطًا من شروط العبور.

أولًا: موريس هالبواكس والذاكرة بوصفها إطارًا اجتماعيًا للعبور

يمثل موريس هالبواكس لحظة حاسمة في تاريخ التفكير في الذاكرة، لأنه نقلها من عزلتها النفسية إلى المجال الاجتماعي الذي تتمثل فيه إمكانات التذكر نفسها، ففي كتابه الأطر الاجتماعية للذاكرة الصادر سنة 1925، ثم في عمله اللاحق الذاكرة الجماعية، رفض التصور الذي يجعل الفرد وحدة مكتفية في عملية التذكر، وأكد أن استعادة الماضي لا تتم في فراغ، وإنما داخل أطر اجتماعية ولغوية ورمزية تمنح ما نتذكره صورته ومعناه.

إن أهمية هالبواكس بالنسبة إلى فلسفة العبور لا تكمن فقط في إثبات الطابع الاجتماعي للذاكرة، وإنما في كشفه أن الذاكرة نفسها تقع عند الحد الفاصل بين الفرد والجماعة؛ فهي ليست فردية بصورة خالصة، ولا جماعية بصورة مطلقة، وإنما تتمثل في المسافة التي تعبر فيها التجربة الشخصية داخل الأطر المشتركة، ثم تعود هذه الأطر فتدخل في بناء التجربة الفردية.

فالطفل الذي يتذكر بيت طفولته لا يستعيد جدرانًا وأشياء فقط، وإنما يستعيد المكان كما تعلم أن يسميه، وكما وصفه الآخرون، وكما ارتبط في وعيه بالعائلة والجيران والعادات والطقوس، أي أن ما يبدو شخصيًا يحمل في داخله طبقات من المشترك الاجتماعي الذي لا يمكن فصله عنه بسهولة.

وهنا يصبح مفهوم «الإطار الاجتماعي» أكثر من مجرد تفسير سوسيولوجي للذاكرة؛ إنه يكشف أن التذكر ذاته عملية عبور، لأن الذاكرة الفردية لا تولد مكتملة داخل الذات ثم تخرج إلى المجتمع، وإنما تتمثل الذات وهي تعبر منذ البداية داخل شبكة من المعاني التي تنتجها الجماعة. وبالمقابل، لا توجد ذاكرة جماعية منفصلة عن الأفراد الذين يحملونها ويعيدون إنتاجها، ولذلك فإن العلاقة بين الذاكرة الفردية والجماعية ليست علاقة طرفين ثابتين، بل علاقة تبادل وتمثل متواصل.

ومن هنا ينبغي الحذر من تحويل مفهوم الذاكرة الجماعية إلى مفهوم يوحي بأن الجماعة تمتلك ذاكرة واحدة متجانسة؛ فالجماعات نفسها متعددة، وداخل كل جماعة ذاكرات متعارضة، وطبقات من التذكر والنسيان، وأصوات مهيمنة وأصوات مهمشة، وتجارب مركزية وأخرى ظلت خارج السرد العام. وإذا كان هالبواكس قد كشف الإطار الاجتماعي الذي يجعل التذكر ممكنًا، فإن فلسفة العبور تضيف أن هذا الإطار نفسه ليس ثابتًا، بل يتحول عندما تعبر داخله تجارب جديدة، وتظهر جماعات جديدة، وتُعاد قراءة أحداث قديمة من مواقع مختلفة.

وهنا تبرز العلاقة بين الذاكرة والتعدد؛ فالذاكرة لا ينبغي أن تُفهم بوصفها مادة تنتج هوية واحدة، وإنما بوصفها مجالًا تتقاطع داخله ذاكرات متعددة، وكل ذاكرة تحمل معها منظورًا خاصًا إلى الماضي.

ولذلك فإن التعدد السيال للذاكرة يختلف عن التعدد المتشظي؛ فالتعدد السيال لا يعني أن كل جماعة تعيش في ماضٍ منفصل لا صلة له بغيره، وإنما يعني إمكان انتقال الذاكرات بعضها إلى بعض، وإمكان الحوار بينها وإعادة تركيبها داخل سردية أوسع لا تلغي اختلافاتها.

ومن هنا تتحول الذاكرة من «مخزن للهوية» إلى مسار لتكوين الهوية، فالهوية لا توجد قبل الذاكرة بوصفها جوهرًا جاهزًا ثم تأتي الذاكرة لترويها، وإنما تتمثل الهوية في عملية مستمرة من الانتقاء والتذكر والتأويل، بحيث يصبح الماضي مادة تتدخل في صناعة الحاضر، لا قالبًا يفرض على الحاضر صورته النهائية.

ثانيًا: بيير نورا وأماكن الذاكرة" حين يعبر الماضي إلى الفضاء"

إذا كان هالبواكس قد أبرز الإطار الاجتماعي للذاكرة، فإن بيير نورا نقل النقاش إلى المجال الثقافي والرمزي حين صاغ مفهوم «أماكن الذاكرة» الذي صدر في مجلدات متعددة منذ ثمانينيات القرن العشرين. وتكتسب فكرة نورا أهميتها من كونها تكشف أن المجتمعات لا تحفظ ماضيها في الوعي فقط، وإنما تجسده في الأمكنة والنصب والمتاحف والمقابر والأرشيفات والأعياد والرموز والنصوص والمناهج، بحيث يتحول الماضي من تجربة زمنية إلى بنية رمزية حاضرة في الفضاء الاجتماعي.

غير أن المكان في هذا السياق ليس مجرد وعاء للذاكرة، لأن المكان نفسه يشارك في إنتاجها؛ فعندما تُقام ساحة تخليد، أو يُنصب تمثال، أو يُبنى متحف، أو يُسمى شارع باسم شخصية تاريخية، فإن الماضي لا يُحفظ كما كان، وإنما يُعاد اختياره وتنظيمه وتمثيله وفق حاجة الحاضر.

وبذلك يصبح مكان الذاكرة حدًا بين الماضي والحاضر، أي فضاءً تعبر من خلاله التجربة التاريخية من الزمن إلى الرمز، ومن الحدث إلى التمثيل، ومن الذاكرة الحية إلى الذاكرة الثقافية.

ومن هذه الزاوية يمكن إعادة قراءة مقولة نورا الشهيرة عن «أماكن الذاكرة» بوصفها نتيجة لأزمة الذاكرة الحية؛ فحين تضعف الأطر التي كانت تجعل الذاكرة ممارسة يومية تلقائية، تظهر الحاجة إلى مؤسسات وأماكن تحمل عبء الحفظ. ولكن هذه العملية تحمل مفارقة عميقة: إن المجتمع الذي يخشى فقدان ذاكرته يبدأ في تثبيتها داخل الأشياء، وكلما ازداد اعتماده على النصب والمتاحف والمناسبات والأرشيفات، أصبح الماضي أكثر حضورًا بوصفه تمثيلًا وأقل حضورًا بوصفه خبرة حية.

وهنا تظهر أهمية مفهوم الحد في فلسفة العبور؛ فكل مكان للذاكرة يفتح حدًا ويغلق حدًا في الوقت نفسه، لأنه يجعل بعض الماضي مرئيًا وقابلًا للتداول، في حين يدفع أجزاء أخرى إلى الهامش. إن نصبًا تذكاريًا لا يقول فقط: «تذكروا هذا»، وإنما يقول ضمنًا أيضًا: «هذا هو الذي يستحق أن يُتذكر بهذه الطريقة». ومن ثم فإن سياسات الذاكرة ليست مجرد سياسات للحفظ، بل سياسات لتنظيم العبور بين ما يدخل المجال العام وما يبقى خارجه.

وهذا يقودنا إلى البعد السياسي لمفهوم نورا؛ إذ إن الدولة الحديثة لا تكتفي بإدارة الحاضر، وإنما تشارك في إدارة الماضي، فتختار أعيادها ورموزها وشخصياتها وأحداثها، وتضع مناهجها التعليمية وتبني متاحفها ونصبها، وبذلك تساهم في إنتاج صورة الجماعة عن نفسها. ولذلك فإن الصراع على المكان هو في كثير من الأحيان صراع على الذاكرة، والصراع على الذاكرة هو صراع على تعريف الهوية نفسها.

غير أن رؤيتنا في فلسفة العبور لا تريد أن تستبدل ذاكرة رسمية بذاكرة رسمية أخرى، لأن ذلك لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج منطق الإغلاق، وإنما تسعى إلى بناء فضاء تستطيع فيه الذاكرات المتعددة أن تعبر بعضها إلى بعض. فالمدينة التي تحمل ذاكرة واحدة فقط تصبح مدينة مغلقة رمزيًا، في حين المدينة التي تسمح بتجاور طبقاتها التاريخية المختلفة تتحول إلى فضاء سيال، يستطيع الماضي فيه أن يتجاور دون أن يتحول الاختلاف إلى حرب على الوجود.

ومن هنا يمكن النظر إلى «أماكن الذاكرة» لا باعتبارها أماكن لتجميد الماضي، وإنما باعدها إمكانات لإعادة فتحه؛ أي أن المتحف، والنصب، والمقبرة، والأرشيف، والاحتفال يمكن أن تتحول من أدوات تثبيت إلى حدود مفتوحة، إذا أصبحت مواقع للحوار بين الروايات، لا أدوات لفرض رواية واحدة. هذا وفق تأويلنا للذاكرة المرنة التي تصورها فلسفة العبور بدل الذاكرة الجامدة التي تفرضها بعض الاطر الايديولوجيا .

ثالثًا: بول ريكور والذاكرة العادلة" العبور من الجرح إلى الاعتراف"

يبلغ التفكير في الذاكرة درجة أكثر تعقيدًا مع بول ريكور، ولا سيما في كتابه الذاكرة، التاريخ، النسيان، حيث لم تعد المسألة مجرد سؤال عن كيفية حفظ الماضي، وإنما أصبحت سؤالًا عن العلاقة بين الذاكرة والتاريخ والنسيان، وعن إمكان الوصول إلى ذاكرة عادلة لا تتحول إلى أداة للانتقام ولا إلى وسيلة للإنكار.

تكمن أهمية ريكور في أنه يرفض الثنائية البسيطة التي تجعل التذكر خيرًا والنسيان شرًا، لأن المجتمع الذي يتذكر كل شيء بالطريقة نفسها يمكن أن يبقى أسيرًا لجراحه، وأن المجتمع الذي ينسى كل شيء قد يتحول إلى مجتمع بلا مسؤولية. ولهذا فإن المسألة الأخلاقية ليست في الاختيار بين الذاكرة والنسيان، وإنما في إقامة علاقة عادلة بينهما.

وهنا يصبح النسيان مفهومًا بالغ الحساسية؛ فهناك نسيان يمكن أن يكون شكلًا من أشكال التواطؤ مع الجريمة، حين يُستخدم لإخفاء المسؤولية ومحو الضحايا، وهناك نسيان يمكن أن يكون شرطًا لتجاوز الأحقاد، شريطة ألا يتحول التجاوز إلى إنكار لما وقع. ولذلك لا يمكن للمصالحة أن تبدأ بالمحو، بل تبدأ بالاعتراف؛ ولا يمكن للغفران أن يعني إلغاء الذاكرة، وإنما يفترض أن يكون ما حدث معروفًا ومعترفًا به قبل أن يصبح تجاوزه ممكنًا.

ومن هنا يتخذ مفهوم الذاكرة العادلة أهمية خاصة في فلسفة العبور، لأنه يمثل محاولة للانتقال بين طرفين يتصور كل منهما أنه يمتلك الحقيقة الكاملة: طرف يريد أن يبقي الماضي حاضرًا بوصفه مبررًا دائمًا للثأر، وطرف يريد دفن الماضي دون مساءلة حتى يتخلص من تبعاته. أما الذاكرة العادلة فتبحث عن منطقة ثالثة لا تلغي الماضي ولا تستسلم له، وإنما تحول علاقته بالحاضر.

إنها ذاكرة تعبر من الجرح إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الاعتراف، ومن الاعتراف إلى إمكان المصالحة. وفي هذا العبور لا يُطلب من الضحية أن تنسى كي يتحقق السلام، ولا يُطلب من الجماعة أن تتخلى عن ذاكرتها كي تقبل الآخر، وإنما يُطلب تحويل الذاكرة من مادة لإعادة إنتاج العنف إلى مادة لفهم شروطه.

ومن هنا يتصل مشروع ريكور بمفهوم الهوية السردية؛ فالإنسان لا يعرف نفسه من خلال امتلاك جوهر ثابت، وإنما من خلال القصص التي يستطيع أن يرويها عن حياته، وهذه القصص ليست مغلقة، لأنها قابلة لإعادة السرد كلما تغير موقع الراوي وتغير فهمه لما عاشه.

والشيء نفسه ينطبق على الجماعة: فهي لا تمتلك هوية نهائية ترويها الذاكرة، وإنما تعيد صياغة هويتها كلما أعادت قراءة تاريخها. ومن ثم إن الهوية السردية، بهذا المعنى، تمثل جسرًا بالغ الأهمية بين الذاكرة وفلسفة العبور؛ فالاستمرار لا يتطلب التطابق، والسرد لا يتطلب ثبات المعنى، والإنسان يستطيع أن يبقى هو نفسه على الرغم من أن قصته تتغير. وهذه هي إحدى أهم نتائج التفكير العابر: الهوية ليست ما يبقى ثابتًا على الرغم من الزمن، بل ما يستطيع أن يحافظ على قدر من الاستمرارية عبر الزمن والتحول.

رابعًا: من الذاكرة الجماعية إلى الذاكرة السيالة

إذا جمعنا بين هالبواكس ونورا وريكور، أمكننا أن نرى مسارًا يتجاوز اختلاف مشاريعهم النظرية؛ فهالبواكس كشف أن الذاكرة تتمثل داخل أطر اجتماعية، ونورا بيّن أنها تتجسد في أماكن ورموز ومؤسسات، وريكور كشف بعدها التأويلي والأخلاقي، لكن هذه المستويات الثلاثة يمكن أن تُعاد قراءتها داخل فلسفة العبور بوصفها حلقات في حركة واحدة: الذاكرة تنتقل بين الذات والجماعة، وتتجسد في المكان والرمز، ثم تعود إلى الإنسان بوصفها مسؤولية أخلاقية عن الماضي والمستقبل.

وهذا يعني أن الذاكرة ليست شيئًا ثابتًا ينتقل من جيل إلى جيل  وينتقل الشيء من يد إلى يد، وإنما هي بنية سيالة تتغير في أثناء انتقالها. وكل جيل لا يرث الماضي كما هو، وإنما يرث إمكانات لتأويله، وكل جماعة لا تستعيد التاريخ كما وقع فقط، وإنما تستعيده من موقعها الخاص في الحاضر. ولهذا فإن الذاكرة تتحول كلما عبرت.

وهنا ينبغي التمييز بين السيولة والفوضى؛ فالذاكرة السيالة ليست ذاكرة بلا شكل، ولا ذاكرة تتخلى عن الماضي، وإنما هي ذاكرة تقبل إعادة التشكيل دون أن تفقد كل استمرارية. إنها تشبه النهر الذي يحتفظ باسمه ومساره العام على الرغم من أن الماء الذي يجري فيه ليس هو الماء نفسه؛ فاستمرار الذاكرة لا يعني بقاء عناصرها دون تغير، وإنما يعني قدرة الجماعة على إنتاج صلة بين طبقات زمنية مختلفة.

ومن هذا المنظور تصبح الهوية نفسها استمرارية سيالة؛ فهي لا تقوم على التطابق التام بين الماضي والحاضر، لأن مثل هذا التطابق مستحيل، وإنما تقوم على القدرة على بناء صلة تأويلية بينهما. ولهذا فإن الجماعة التي تريد أن تكون مطابقة لماضيها تنتهي إلى رفض الحاضر، والجماعة التي تقطع علاقتها بماضيها تفقد جزءًا من قدرتها على فهم نفسها، أما الجماعة العابرة فهي التي تستطيع أن تحمل ماضيها دون أن تسكن فيه.

خامسًا: التعدد الذاكري والهوية العابرة

إذا كانت الذاكرة تتمثل اجتماعيًا، وكانت المؤسسات تقوم بتمثيلها، وكانت إعادة تأويلها تفتح إمكان المصالحة، فإن النتيجة الضرورية هي الاعتراف بأن الجماعة الواحدة لا تمتلك ذاكرة واحدة بالمعنى الصارم. هناك ذاكرة الغالب وذاكرة المغلوب، وذاكرة المركز وذاكرة الهامش، وذاكرة الدولة وذاكرة المجتمع، وذاكرة الأجيال المختلفة، وذاكرة الضحايا وذاكرة الفاعلين، بل إن الفرد الواحد قد يحمل داخله أكثر من ذاكرة وأكثر من انتماء.

ولهذا فإن الحديث عن «الذاكرة الجمعية» يجب ألا يتحول إلى افتراض وحدة مصطنعة، لأن الوحدة التي تقوم على محو الاختلاف ليست وحدة وإنما تجانس قسري. وهنا تتدخل فلسفة التعدد لتؤكد أن الذاكرة المشتركة لا ينبغي أن تعني الذاكرة الواحدة، وإنما يمكن أن تعني قدرة الذاكرات المختلفة على التعايش داخل فضاء تأويلي مشترك.

وهذا هو الفرق بين التعدد المتشظي والتعدد السيال؛ فالتعدد المتشظي يحول الاختلافات إلى جزر مغلقة، بحيث يصبح لكل جماعة ماضيها ولغتها وضحاياها وأبطالها، في حين التعدد السيال يعترف بتعدد الروايات لكنه يفتح بينها جسور العبور، بحيث تستطيع الذاكرة أن تسمع ذاكرة أخرى دون أن تضطر إلى التخلي عن ذاتها.

وفي هذا المستوى يصبح الآخر جزءًا من تكوين الذاكرة، لا مجرد شخص يقع خارجها؛ إذ إن الذاكرة التي لا ترى إلا ذاتها تتحول إلى أيديولوجيا هوية، في حين الذاكرة التي تستطيع أن ترى أثر الآخر في تاريخها تصبح أكثر قدرة على مراجعة صورتها عن نفسها. ومن هنا يمكن القول إن الهوية العابرة ليست هوية بلا ذاكرة، وإنما هوية قادرة على حمل أكثر من ذاكرة داخل بنية واحدة مفتوحة.

سادسًا: من سياسة الذاكرة إلى أخلاق العبور

تكشف المقاربة السابقة أن إدارة الذاكرة ليست شأنًا ثقافيًا محضًا، وإنما هي جزء من إدارة الاختلاف نفسه، لأن الجماعة حين تقرر ما الذي تتذكره وما الذي تنساه، ومن الذي يُكرّم ومن الذي يُهمّش، فإنها لا تدير الماضي فقط، وإنما ترسم حدود الانتماء في الحاضر. ولذلك فإن سياسات الذاكرة يمكن أن تصبح وسيلة لتكريس الهيمنة، ويمكن أن تصبح وسيلة لفتح المجال أمام الاعتراف.

والفارق بين النموذجين يكمن في طبيعة الحد الذي تنتجه الذاكرة؛ فإذا كان الحد مغلقًا، أصبحت الذاكرة أداة لتقسيم العالم إلى «نحن» و«هم»، وإذا كان الحد مفتوحًا، أمكن للذاكرة أن تتحول إلى مساحة لقاء، بحيث لا يكون الاعتراف بماضي الجماعة إنكارًا لماضي الجماعات الأخرى.

ومن هنا نقترح في فلسفة العبور الانتقال من سياسة الذاكرة إلى أخلاق الذاكرة، أي من السؤال عن «من يملك الماضي؟» إلى السؤال عن «كيف نعيش مع تعدد ذكريات الماضي؟». وهذا التحول بالغ الأهمية، لأن الذاكرة لا تصبح عادلة بمجرد أن تُمنح للجميع، وإنما تصبح عادلة حين لا تتحول ذاكرة طرف إلى أداة لمحو ذاكرة الطرف الآخر.

إن أخلاق العبور في مجال الذاكرة تقوم، لذلك، على ثلاث قواعد مترابطة: الاعتراف بالتعدد، وفتح الحدود بين الذاكرات، وتحويل الماضي من مبرر للانتقام إلى شرط لفهم الحاضر. وليس المقصود بذلك إقامة مصالحة سريعة تمحو الاختلاف، وإنما بناء قدرة اجتماعية على حمل الاختلاف دون تحويله إلى حرب دائمة على الذاكرة.

سابعًا: الذاكرة بوصفها شرطًا للهوية العابرة

تنتهي هذه القراءة إلى أن العلاقة بين الذاكرة والهوية لا ينبغي أن تُصاغ في صورة بسيطة تقول إن الذاكرة تحفظ الهوية، لأن هذه الصياغة تفترض أن الهوية موجودة قبل الذاكرة، وأن الذاكرة ليست سوى أداة لحفظها، في حين تكشف المقاربة العابرة أن الذاكرة تشارك في إنتاج الهوية ذاتها، وأن الهوية تتغير كلما تغيرت الطريقة التي تتذكر بها الجماعة نفسها.

فالذاكرة عند هالبواكس تكشف أن الذات لا تتذكر خارج الجماعة، وعند نورا تكشف أن الجماعة تحتاج إلى رموز وأماكن ومؤسسات لتحويل الماضي إلى حضور، وعند ريكور تكشف أن علاقتنا بالماضي ليست علاقة حفظ فقط، وإنما علاقة تأويل ومسؤولية وعدالة ومصالحة.

وإذا أعيد تركيب هذه النتائج داخل فلسفة العبور، فإننا نصل إلى تصور جديد للذاكرة يمكن تسميته الذاكرة السيالة، أي الذاكرة التي لا تفقد الماضي لكنها ترفض تحويله إلى أصل مغلق، ولا تلغي الاختلاف لكنها ترفض تحويله إلى تشظٍّ، ولا تتخلى عن الجرح لكنها ترفض أن تجعل منه هوية أبدية.

ومن هنا فإن الهوية التي تنتجها الذاكرة السيالة ليست هوية جوهرية ولا هوية متشظية، وإنما هوية عابرة، أي هوية تستمد استمراريتها من قدرتها على الانتقال بين أزمنة وتجارب وروايات مختلفة، وتستطيع أن تقول «نحن» دون أن تجعل هذه الـ«نحن» سدًا نهائيًا أمام الآخر. إنها هوية تعرف أن الماضي جزء منها لكنه ليس كلّها، وأن الذاكرة شرط لاستمرارها لكنها ليست سجنًا لها، وأن الاعتراف بالجذور لا يعني رفض التحول.

ولهذا يمكن القول إن الذاكرة لا تكون قوة للهوية حين تجعلها أسيرة للماضي، وإنما حين تمنحها القدرة على العبور من الماضي دون إنكاره، ومن الحاضر دون تقديسه، ومن المستقبل دون أن تقطعه عن جذوره . فالإنسان الذي يفقد ذاكرته يفقد جزءًا من استمراريته، لكن الإنسان الذي يحوّل ذاكرته إلى قدر نهائي يفقد إمكان تحوله؛ وبين الفقدان والتصلب يظهر المجال الذي تسعى فلسفة العبور إلى تأسيسه: ذاكرة تحفظ دون أن تجمد، وتتذكر دون أن تنتقم، وتنسى دون أن تنكر، وتروي دون أن تدّعي امتلاك الرواية الأخيرة.

إن الذاكرة، في النهاية، ليست ما نحتفظ به من الماضي فحسب، وإنما هي الطريقة التي نعبر بها من الماضي إلى أنفسنا؛ ولذلك فإن السؤال عن الذاكرة يصبح، في عمقه، سؤالًا عن نوع الإنسان الذي نريد أن نصير إليه، وعن نوع الجماعة التي نريد أن نبنيها، وعن قدرتنا على أن نحمل تاريخنا بكل ما فيه من جمال وجراح دون أن نحوله إلى حدود مغلقة. وهنا تتلاقى فلسفة الذاكرة مع فلسفة العبور: فالاستمرار الحقيقي ليس أن نبقى كما كنا، وإنما أن نمتلك القدرة على التحول دون أن نفقد كل ما يجعل تحولنا ذا معنى.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

تحولات علم الجمال والتسليع الثقافي في المجتمعات الشرق أوسطية

تُشكّل الاستراتيجية التفكيكية، كما بلورها الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، تحولًا جذريًا في مساءلة الخطاب الفلسفي الغربي عبر تقويض الميتافيزيقا المؤسَّسة على مركزية العقل والماهيات الثابتة. ولم تكن فلسفة الجمال بمعزل عن هذا التشريح النقدي؛ إذ قامت النظريات الجمالية الكلاسيكية، الممتدة من أفلاطون وأرسطو وصولًا إلى إيمانويل كانط وفريدريش هيغل، على افتراض ماهية أزلية للجمال تتجلى في التناسب والانسجام والاتساق الهارموني. واعتمدت هذه البنية على ثنائيات ضدية حاسمة ترسم الحدود الصارمة: الجميل مقابل القبيح، الذاتي مقابل الموضوعي، الأصلي مقابل الزائف، والشكل مقابل المضمون. يعمل التفكيك على كشف التوترات الداخلية والشقوق في صُلْب هذا الخطاب، معريًا عجز النص الجمالي عن الحفاظ على نقائه المفهومي، ومبينًا أن ما دُعي "مركزًا ثابتًا" للجمال ليس إلا بناءً اصطناعيًا شُيّد في سياق تاريخي ومؤسسي محدد.

إذ أتاح تقويض المركزية الجمالية تحرير العمل الفني والبصري من هيمنة القصد المباشر للمؤلف، وفتح الفضاء أمام تعددية التأويل وتفكيك الحدود الفاصلة بين الفنون. غير أن هذا التفكيك الشامل لميتافيزيقيا الجمال واجه مسارًا ملتويًا حين تلاقى مع البِنَى الهيكلية للرأسمالية المتأخرة؛ فمع انهيار المعايير النخبوية الصارمة، امتص اقتصاد السوق هذه السيولة المفهومية، لتتحول فلسفة الجمال من ميدان للبحث عن التسامي والحقيقة الوجودية إلى صناعة نمطية تُسلّع الرغبة وتُسطّح الذائقة البشرية في دورات الاستهلاك السريع.

من نظام التفاهة إلى هيمنة "الأملس" الرقمي

تتقاطع أطروحات التفكيك النقدية مع التحليلات المعاصرة لما يُعرف بـ "نظام التفاهة"، كما يُفككه الفيلسوف الكندي آلان دونو، حيث يرى أن النموذج الاقتصادي لليبرالية الحديثة لم يعد يطلب التميز الفكري أو العمق التأملي، بل فرض سلطة التقنيين والخبراء المحكومين بمتطلبات الإدارة والسوق، مما أفضى إلى تسطيح المؤسسات الثقافية وتهميش العلوم الإنسانية. وفي هذا المناخ، غدت الكفاءة رهن التكيف مع السائد وخدمة الشركات الكبرى، وتطويع الوعي ليناسب الاستهلاك اللحظي دون إثارة أسئلة نقدية تمس بنية النظام القائم.

ينتقل هذا التحول إلى أفق أكثر عمقًا مع الفيلسوف الناقد بيونغ-شول هان في مؤلفه "خلاص الجمال"، إذ يرصد الانتقال من الجمال التقليدي القائم على التناقض وصدمة السلب، إلى هيمنة "الجمال الأملس" أو "الناعم". يحلل هان السطح الأملس اللامع، المتجسد في واجهات الهواتف الذكية، وأعمال جيف كونز التزويقية، والأجساد المصقولة اصطناعيًا، بوصفه التعبير البصري المباشر عن ثقافة الليبرالية الاستهلاكية المفرطة في الإيجابية. فالسطح الأملس يمحو كل مقاومة، ويستبعد الخدوش والزوايا الحادة، ليؤسس ثقافة خالية من الألم أو المباغتة الفكرية، مكرسًا مقولة الإعجاب الفوري والامتلاك العابر.

يُفضي طغيان الجمال الأملس إلى نسف "المسافة التأملية" الضرورية لنشوء الحكم الجمالي والارتقاء الروحي. فبينما كان التلقي الجمالي الأصيل يعتمد على حاسة البصر التي تحفظ المسافة وتولد الدهشة والرهبة أمام السامي والمهيب، يعتمد الجمال الأملس على اللمس الفوري عبر الشاشات وإشارات التفاعل السريع. يلغي هذا اللمس الآني المسافة الفاصلة، محولًا الفن إلى سلعة سهلة الهضم والامتصاص. ويلتقي هذه المنحى مع رؤية آرثر دانتو حول "نهاية الفن" و"إساءة استخدام الجمال"، إذ تراجع الفن عن مهمة التسامي وهز الوعي الوجودي ليغدو ممارسات شكلية استعراضية تابعة لتجارة الصور وإعلانات الشركات.

التحولات البنيوية في الفكر الجمالي

تُظهر القراءة النقدية للفكر الجمالي تحولًا جذريًا عبر ثلاث أطوار رئيسية:

الجماليات الكلاسيكية والمثالية: تأسست على الميتافيزيقا المتسامية؛ حيث الجمال جوهر أزلي وانسجام تام يجسد قيم الحق والخير، ويُدرك عبر بصر تأملي يحفظ المسافة ويثير الرهبة والارتقاء، مع احتواء القبح وتوظيفه لخدمة التناغم الكلي للعمل.

الجماليات الحداثية والتفكيكية: قامت على نقد مركزية العقل وتفكيك المسلمات، وتعرية الشقوق والتوترات النصية؛ حيث أُعيد تعريف الجمال كأثر مفتوح متجدد الدلالات، ووُظفت الانكسارات لتفكيك اليقين المطلق والشفافية المصطنعة.

جماليات السلعة الاستهلاكية: في ظل الليبرالية المتأخرة وسيادة منطق السوق، تحول الجمال إلى سطح أملس مفرط الإيجابية وخالٍ من أي تعقيد أو صدام. تحول وسيط الإدراك إلى اللمس الرقمي العابر، واختُزلت الوظيفة الوجودية في الترفيه السريع وإشباع الذات، عبر إقصاء المعاناة وأثر الزمان والتجربة الحية.

التحولات الجمالية والاجتماعية في المجتمعات الشرق أوسطية

تتخذ أزمة انحلال الجمال بعدًا أشد تعقيدًا في المجتمعات الشرق أوسطية والعربية، تحت وطأة التحديث القسري، وضغوط الاستتباع الثقافي، وغياب الحواضن النقدية المستقلة. أدّى هذا التراكم إلى تجريد الإنسان من أبعاده الروحية والتاريخية، وإعادة صياغته بوصفه كائنًا استهلاكيًا محصورًا في تحصيل الملذات المادية السريعة.

تجلت هيمنة النمط الاستهلاكي في تشويه النسيج القيمي والجمالي؛ إذ تراجعت الخصوصيات الثقافية لمصلحة المعايير البصرية المستوردة. وبرز هذا التسطيح في الهوس المتزايد بجراحات التجميل وتنميط الجسد والوجه وفق قوالب مصنعة مسبقًا، حيث تجاوزت الجراحة حدود العلاج والترميم لتغدو واجبًا اجتماعيًا مفروضًا رقميًا للوصول إلى "الجسد الأملس" الخالي من آثار العمر والملامح الفردية.

يتزامن هذا التنميط مع تراجع دور المثقف النقدي لمصلحة منظومات الدعاية وصناع المحتوى السطحي الذين يكرسون الابتذال. أسفرت هذه البيئة عن تعويم المعرفة، واستبدال التحليل الرصين بالمقولات الرخوة، واختزال الفكر إلى ومضات سريعة ومبتورة تناسب حركة التداول اليومي دون معالجة الإشكالات البنيوية. ويتعمق الاغتراب عبر تسليع التراث والفنون المحلية وإفراغها من شحنتها الرمزية والروحية لتتحول إلى مجرد زينة فلكلورية مجردة من طاقتها التحررية، مما أوقع الإنسان في اغتراب مزدوج: ابتعاد عن موروثه الحي، واستلاب داخل نموذج استهلاكي يسلبه استقلاله الفكري.

نهاية عصر الجمال أم فرط الجمال السطحي؟

تقتضي المعالجة التفكيكية فحص مقولة "نهاية الجمال"؛ فالواقع الراهن لا يشهد غيابًا للمظهر الجمالي، بل يظهر تضخمًا واستنفادًا كاسحًا له في كل مفاصل الحياة، حيث تخضع المنتجات والأجساد والواجهات العمرانية لتصميم بصري برّاق يهدف إلى الاستدراج التسويقي. إن هذا الاستغراق في السطحية هو ما أجهز على "الجمال النقدي المتسامي"؛ فحين يغدو كل شيء أملس ومعدًا للاستهلاك العاجل، يفقد الجمال قدرته على صدم الوعي أو بعث الأسئلة الوجودية، متماهياً مع منطق الربح المادي.

إن استعادة المعنى الجمالي وتجاوز هذا الانحلال يظلان رهن مسارين نقديين:

استعادة صدمة القبح وسلبية المعنى: الخروج من أسر "الجمال الأملس" عبر رد الاعتبار للفن الذي يواجه المتلقي بالكسور والتجاعيد والتوترات الوجودية. فالفن الحقيقي هو ما يخدش السطح المصقول، ويفرض المسافة التأملية، ويضع الذات أمام قضايا الألم والزمن والقرادة الإنسانية التي تطمسها ثقافة السطحية.

تفكيك آليات التسليع والهيمنة: توظيف التفكيك كمنهج نقدي لمساءلة المسلمات التي تقوم عليها خطابات السوق ووسائط الاتصال الحديثة، بما يحرر الوعي من قوالب الاستهلاك الجاهزة، ويفتح أفق التفكير في الوجود خارج إطار المنفعة المادية المحدودة.

الشرق الأوسط وتنميط الأجساد

تُظهر القراءة النقدية أن مفهوم الجمال شهد تحولًا بنيويًا انتقل فيه من التسامي الميتافيزيقي القائم على الاتساق والماهية الثابتة، مرورًا بالتشريح التفكيكي الذي زعزع المركزيات والحدود الصارمة، وصولًا إلى التسطيح والتسليع في عصر الليبرالية الحديثة ونظام التفاهة. لقد أنتجت هذه الصيرورة واقعًا بصريًا محكومًا بثقافة "السطح الأملس" والاستهلاك الفوري، حيث تلاشت المسافة التأملية وتجرد الجمال من طاقته النقدية.وفي السياق الشرق أوسطي، تضافر هذا التحول مع التحديث المشوه، مما أسهم في تراجع الوعي النقدي، وتنميط الأجساد والمفاهيم، واختزال التراث في بضائع تزيينية. إن المجتمعات المعاصرة لا تشهد غيابًا للجمال، بل تعيش موت أبعاده النقدية والمتسامية لحساب إفراط استهلاكي شكلي. ولا سبيل إلى استرداد القيمة الأصيلة للجمال إلا بتفكيك ثقافة التفاهة، وتجاوز الاختزال المادي للإنسان، وإعادة تأسيس التجربة الجمالية بوصفها فضاءً للحرية والوعي المقاوم والتأمل الفلسفي العميق.

***

غالب المسعودي

يظهر اللاشيء بوصفه كثافةً أخرى للحضور؛ فالوجود لا يبلغ تمام صورته إلا عبر ما ينسحب منها ويتركها مفتوحة. ومن هنا تنبثق المفارقة الأولى: كيف يشارك ما لا يكون في إنتاج ما يكون؟ وكيف يغدو العدم قوةً عاملة؟ ظلّ هذا السؤال زمنًا طويلًا قريبًا من اللغز اللغوي، ثم اتسعت دلالته مع علوم الدماغ وفيزياء الكم. فعندما يخفت انشغال العقل بمهمة خارجية، يستمر نشاطه ويتجه جانبٌ منه إلى عمليات داخلية تشارك فيها «شبكة الوضع الافتراضي» (Default Mode Network): استعادة الماضي، ومحاكاة المستقبل، ومراجعة صورة الذات، وربط الخبرة بسردية قابلة للاستمرار. يبدو السكون، من هذه الزاوية، كمونًا منتجًا، ويغدو الصمت فعلًا داخليًا يعيد ترتيب إمكانات الوعي. اللاشيء هنا اسمٌ للحظة تراجع التعيّن؛ منطقة خام تسبق تشكّل الصورة وتمنح الحضور فرصةً جديدة للانبثاق.

منذ بارمنيدس وهيراقليطس، تشكّل الفكر الفلسفي داخل التوتر بين الثبات والجريان، وبين الوجود وما يتعذّر تثبيته في صورة الوجود. أعلن بارمنيدس أن «الوجود هو، واللاوجود ليس»، فأقصى اللاوجود عن مجال التفكير والقول. أمّا هيراقليطس، فرأى العالم انتظامًا متحركًا ينشأ من شدّ الأضداد، حيث يحتفظ كل طرف بأثر الطرف الآخر. لا يظهر النور من دون خلفية مظلمة، ولا تتحدد الحركة من دون إمكان السكون، ولا يتبين الفكر إلا عند الحافة التي يلامس فيها ما لم يُفكّر فيه بعد. عبر هذا التوتر لا تقف الكينونة أمام نقيض خارجي؛ إنها تكتشف حدودها في الانسحاب الذي يصاحب كل ظهور.

حملت الفلسفة الحديثة هذا القلق إلى داخل الذات. افتتح ديكارت يقينه بتعليق المألوف وإخلاء الفكر من مسلماته عبر الشك، فكأن تأسيس الحضور مرّ أولًا من تجربة سلبٍ منهجي. ووضع كانط «الشيء في ذاته» عند الحد الذي تتوقف لديه المعرفة النظرية: لا يقع موضوعًا ممكنًا للتجربة، ومع ذلك يرسم الفاصل بين ما يظهر لنا وما يتجاوز شروط ظهور الأشياء في وعينا. ثم منح هايدغر العدم وظيفةً كاشفة في عبارته «العدم يَعدِم». ففي تجربة القلق تنحسر ألفة الموجودات، فتتكشف من حيث كونها موجودة، ويغدو العدم انفتاحًا يحرّر سؤال الوجود من هيمنة الأشياء المكتملة.

تحتاج ألفاظ اللاشيء والفراغ الفعّال والخلاء إلى تمييز يحفظ لكل واحد منها مجاله. اللاشيء اسمٌ فلسفي لحدّ التعيّن، ولما يتراجع حين نحاول الإمساك به كموضوع. والفراغ الفعّال صيغةٌ تشير إلى أن غياب الشيء المرئي قد يخفي عمليات وقوى وعلاقات. أمّا الخلاء فهو الفسحة التي تسمح للعناصر بأن تتجاور وتتباعد وتتبادل التأثير من غير أن تنغلق في كتلة واحدة. الألفاظ الثلاثة تتقاطع من دون أن تتطابق: الأول يزعزع بداهة الحضور، والثاني يكشف فاعلية الكامن، والثالث يهيّئ مجال العلاقة. ومن تفاعلها تتكوّن صورة وجودٍ يتغذى من الفواصل بقدر ما يتغذى من الامتلاء.

في فيزياء الكم، يعني الفراغ أدنى حالة طاقة للحقول، لا غياب الحقول ذاتها. وهو يحمل تقلبات وارتباطات كمومية تظهر آثارها في ظواهر قابلة للقياس، مع ضرورة التعامل بحذر مع الصورة الشائعة عن جسيمات «تولد وتختفي»؛ فالجسيمات الافتراضية أدوات في الوصف الرياضي، ولا تمثل دائمًا حوادث صغيرة يمكن رصدها مباشرة. ومع ذلك، يقدّم الفراغ الكمومي صورةً فلسفية خصبة: ما يبدو خاليًا على مستوى الحس قد يملك بنيةً وطاقةً وقابليةً لظهور الأحداث. كأن الكون يحتفظ، تحت سكونه الظاهر، بإيقاع من التهيؤ والتحول.

وتنشأ هنا مقارنة مغرية بين الفراغ الكمومي وصمت الدماغ، شريطة إبقاء المسافة بين المجالين واضحة. نشاط شبكة الوضع الافتراضي لا يقدّم برهانًا على أصل كمومي للوعي، والفراغ الفيزيائي لا يعمل كعقل كوني. قيمة المقارنة تأويلية: كلا النموذجين يعلّمنا أن غياب الأثر الظاهر لا يساوي غياب العملية. فالدماغ الذي لا يستجيب لمهمة مباشرة يظل منشغلًا بتنظيم الذاكرة والذات والتوقع، والحقل الذي يخلو من الجسيمات المرصودة يحتفظ ببنيته الكمومية. الصمت، وفق هذه المقارنة المنضبطة، هيئة من هيئات العمل الخفي؛ والفراغ قابلية منظمة للحدوث.

يدخل الخلاء عنصرًا ثالثًا في هذه البنية. إنه يتجاوز صورة الحيّز الهندسي المحايد إلى فسحة أنطولوجية تتبادل فيها القوى مواقعها. يمنح اللاشيءُ هذه الفسحةَ انفتاحها على غير المتعيّن، ويمنحها الفراغُ الفعّال توترها الداخلي، فيما يحفظ الخلاء المسافة الضرورية لانتقال الإمكان إلى فعل، والغياب إلى أثر، والصمت إلى قول. الخلاء هو «السكون الديناميكي» للكون: مجال لا يظهر كشيء مستقل، مع أنه يتيح للأشياء أن تظهر، وأن تتحرك، وأن تتغير من غير أن تفقد إمكانها في التحول.

عصبيًا، يمكن وصف الخلاء كتجربة يخف فيها التدفق اللفظي والصوري، فتغدو الذات أقل التصاقًا بمحتواها العابر. لا يتوقف الدماغ أثناء التأمل، ولا تسير كل حالات التأمل على نمط عصبي واحد؛ بعضها يغيّر علاقة شبكات الانتباه بشبكة الوضع الافتراضي، وبعضها يخفف التماهي مع السرد الداخلي. ما يهم فلسفيًا هو ظهور فسحة بين الوعي ومحتواه: الفكرة تحدث من غير أن تستنفد صاحبها، والصورة تمر من غير أن تتحول إلى سجن إدراكي. عند هذه العتبة تتجاور اللغة العصبية واللغة الروحية؛ تصف الأولى تبدل التنظيم الوظيفي، وتصف الثانية خبرة الانفتاح والتحرر من ضجيج الذات.

عرف الفكر الشرقي صورًا عميقة لهذا الخلاء. عند ناغارجونا، تدل śūnyatā على خلوّ الأشياء من جوهر مستقل وثابت. تنشأ الظواهر اعتمادًا على شروط وعلاقات متبادلة؛ لذلك يصبح الخلوّ وجهًا آخر للنشوء المشروط، ويحول دون أسطرة الموجودات أو أسطرة العدم نفسه. وفي الطاوية، تشير كلمة wu (無) إلى اللاموجود أو الخواء الذي تتجلى فائدته في قابلية الاستعمال؛ فالإناء يؤدي وظيفته بفضل جوفه، والباب يفتح طريقًا بفضل الفتحة التي تشق الجدار. الخواء هنا قدرة على الإتاحة، وصيغة عملية لفاعلية ما لا يُمسك باليد.

أمّا اليونان، فلم يجتمعوا على رفض الفراغ. دافع الذريون، من لوقيبوس وديموقريطس إلى أبيقور، عن ضرورة الخلاء كي تتحرك الذرات، بينما أنكر أرسطو إمكان الفراغ الطبيعي وربط الحركة بوسطٍ مادي. ومن هذا الخلاف المبكر ظهر سؤال ظل يرافق الفلسفة: هل تحتاج الحركة إلى امتلاء يحملها، أم إلى فجوة تتيحها؟ أعاد هيغل صياغة السؤال حين جعل السلب قوةً داخل الصيرورة، ومنح نيتشه الهدم دورًا في تحرير إمكانات الخلق وإعادة تقويم القيم، وجعل هايدغر العدم تجربة تكشف الوجود. ومع سارتر صار العدم بنيةً في الوعي: يباعد الإنسان بينه وبين معطاه، ومن هذه المباعدة تنشأ الحرية وإمكان تجاوز ما هو قائم.

الخلاء،  لحظة توازن متحرك بين تيارات متعارضة؛ صمتٌ ينصت فيه الوجود إلى إمكاناته. من دونه يختنق الفكر بامتلائه، ويتحول المعنى إلى تكرار لما استقر. ومن خلاله تتنفس اللغة، لأن الكلمة تحتاج إلى فاصلة، والصورة تحتاج إلى خلفية، والانتباه يحتاج إلى انقطاع يحرره من الاستمرار الآلي. لكل معرفة عتبة صامتة: ظلمة تهيئ الرؤية، وتردد يسبق الحكم، ومساحة تستقبل ما لم يتخذ اسمًا بعد.

ويمتلك الخلاء بعدًا زمنيًا إلى جانب بعده المكاني. يمكن تسميته «الزمن المتبقي»: لحظة معلقة في التجربة، يتباطأ فيها اندفاع المعنى وتظل احتمالات عدة مفتوحة قبل أن يستقر الإدراك على وجهة. يشبه ذلك الانتباه التأملي، حيث يتغير الإحساس بجريان الزمن وتُعاد معايرة العلاقة بين الحاضر والذاكرة والتوقع. أمّا التراكب الكمومي (superposition)، فهو وصف رياضي لحالة يمكن تمثيلها كمزيج من إمكانات القياس، ولا يساوي توقف الزمن الشعوري. ومع حفظ هذا الفرق، تصلح صورة التراكب استعارةً للخبرة التي لم تُحسم دلالتها بعد: كتابةٌ لم تختر عبارتها، وتأملٌ لم يتحول إلى حكم، ووعيٌ يتهيأ لاستقبال أكثر من مسار.

كل حدث في الوعي انتقالٌ من مجال مفتوح إلى صورة محددة. وإذا استعرنا كلمة «الانهيار» من لغة الكم، وجب أن تظل استعارةً فلسفية: المعنى لا ينشأ حرفيًا عبر قياس كمومي، وإنما يتبلور حين ترجح شبكة من الدلالات والذكريات والتوقعات على بدائلها. كذلك تعمل الذاكرة بوصفها إعادة بناء، لا خزانًا جامدًا للماضي. يستدعي العقل ما جرى في ضوء الحاضر وما ينتظره من المستقبل، فتغدو الذكرى أثرًا قابلًا لإعادة التشكيل. ومن هنا يمكن تسمية الخلاء «ذاكرة الإمكان»: فسحة تحتفظ بما لم يكتمل، وتتيح له أن يعود في هيئة فكرة أو صورة أو قرار.

ويأخذ الخلاء قيمة أخلاقية حين يصير شرطًا للضيافة. استقبال الآخر يحتاج إلى مساحة داخل الذات لا تحتلها الأحكام الجاهزة، وإلى صمت يسمح لصوته بأن يصل قبل أن يُعاد تشكيله وفق توقعاتنا. كما يحمل قيمة جمالية: البياض يشارك في بناء اللوحة، والفراغ ينظم العمارة، والسكتة تمنح الموسيقى إيقاعها، والحذف يوقظ في القصيدة ما تعجز العبارة المباشرة عن حمله. الفن لا يتكوّن من المادة الحاضرة وحدها؛ يتكوّن أيضًا من توزيع الغياب، ومن القدرة على جعل الفجوة جزءًا من الشكل.

يتأسس الوجود، إذن، على توتر دائم بين الامتلاء والنقص، وبين الظهور والكمون، وبين الإمكان والتحقق. اللاشيء هو الاسم الذي نعطيه لانحسار التعيّن؛ والفراغ الفعّال هو النشاط الكامن تحت صورة الغياب؛ والخلاء هو المسافة الحية التي تحفظ العلاقة بينهما. لا تنتمي هذه المستويات إلى علم واحد، ولا تختزل في جوهر مشترك: اللاشيء سؤال أنطولوجي، والفراغ الكمومي مفهوم فيزيائي، والخلاء تجربة فلسفية وجمالية وروحية. غير أن وضعها في حوار يكشف مبدأ واحدًا في التفكير: الحضور لا يعمل وحده، وكل صورة تحتاج إلى هامش يسمح لها بالظهور والتحول.

من يفكر في اللاشيء يتوغل في طبقة الواقع الأشد خفاءً، حيث تتشكل الأشياء قبل أن تستقر في أسمائها. هناك يتقاطع العصب مع التجربة، والكون مع التأويل، والفكر مع صمته، من غير أن يذوب مجال في آخر. ويطل الخلاء كذاكرة لا تنفد لإمكانات الوجود: الصمت يهيئ القول، والفراغ يفتح طريق الحضور، واللاشيء يمنح الكينونة نَفَسًا تتجاوز به صورتها المكتملة. عندئذ يغدو الجمال أثرًا لشيء لم يُملأ كله، وبقيت فيه فسحة تكفي لميلاد معنى جديد.

***

عبد الله الهميلي

قراءة حول تأثير الإدراك في نشوء الصراع بين الهويات

مدخل: يتشكل هذا المقال من أفكار أساسية: الهوية تعبر عن انتماء إلى عناصر مختلفة (دين، عرق، لغة، طائفة، مذهب، قومية..)، وتكتمل الهوية من خلال إدراك المجتمع لذلك الانتماء، إذ لا يكفي توفر أي عنصر مالم يتحقق شرط الإدراك، ومن ثم ينشأ الاختيار الاجتماعي عبر قياداته النخبوية، لأحد تلك العناصر المتعددة، فتبرز إحدى الانتماءات على حساب الأخرى، وبعد ذلك إما أن تتم إدارة الاختلاف والتعدد بنحو متناسق يحفظ خصوصيات وحقوق الآخرين، أو يحدث الفشل في إدارة الاختلاف بنحو مقصود أو غير مقصود، ليتنامى الصراع والنزاع..

ويمكن تحديد الهوية بما لخصه أحد الباحثين في الموضوع بأنها: (أن الهوية تعبر عن كل من الميزات الفارقة والعلامات المميزة التي تمنح الخصوصية وترسم الحدود بين الديموغرافيا البشرية، وعن السقوف الجامعة ومناطات الاشتراك والاتفاق عند جماعة أو أمة ما. وعموما؛ هي مجمل السمات التي تخص عنصرا أو جماعة دون غيرها، والهوية فلسفيا تراكمية فلا توجد هوية الفرد حتى توجد هوية الجماعة والخلفية الجماعية التي يشغل الفرد مخيطا في نسيجها الكبير، ويعبر المنظور الفلسفي عن الهوية على أنها فرصة المطابقة والتشابه والتي تصنع بتظافرها هوية ثقافية لشعب لا يشركه فيها بكل محدداتها شعب آخر وإن اشترك معه ربما في بعضها. وللهوية مكونات أساسية تحدد ملامحها في كل جماعة أو أمة دون غيرها)[1]، والمشتركات يمكن إجمالها بنوعين من العناصر:

العناصر الثابتة: (اللغة، المكان، الجغرافية، الاقتصاد، التاريخ..)

العناصر المتغيرة: (الدين، المذهب، الثقافة، الوطن، القومية..)

وسبب التمايز ربما يكون نسبيا وضئيلا، لأن التغيير في الفئة الأولى يمكن أن يحدث ولكن بنحو نادر، في حين يطال التغيير –في الغالب- الفئة الثانية، فالصراعات الدينية والمذهبية والسياسة تفضي إلى تحولات في بنية وتكوين الهوية، وهو أحد أبرز تحديات الهوية.

ويمكن تحديد إشكالية الموضوع من نواحٍ عدة:

أولا: صراع الهويات، رغم تداخلها، فالهوية الوطنية يمكن أن تصطدم بالهوية القومية أو الدينية.

ثانيا: مخاوف التبديد، وهو ما يشكل هاجس الهوية المفقودة، وضمور المسمى الثقافي للإنسان، وتلاشي أصالته التي تشير إلى تاريخه وتراثه ومصادر قوته تجاه المجتمعات المباينة.

ثالثا: منعطفات التجديد، وهو ما يطرأ على الهوية من إضافات بنيوية إما بنحو من التراكم التاريخي، او التأثير القسري، وكلاهما محل اختلاف واسع.

يبدأ هذا صراع الهويات من إشكالية تحديد الهوية، وغالبا ما يتم تناول الهوية الوطنية والتي تمثل المحك الحقيقي لصراع الهويات، إذ تتجلى فيها أوجه الصراع بين الدين والعلمانية، وبقية الانتماءات القومية والقبلية، ومدى أولوية كل منها على الآخر، لذلك نجد أن الهوية الوطنية تتبدد وتذوب في الجوانب الدينية أو القبلية أو غيرها من الأطر التي تشكل هوية الإنسان.

الذاتي والموضوعي في تشكل الهوية:

يشير (أنتوني غدنز) إلى الذاتي والموضوعي في تشكل الهويات، فالعنصر الموضوعي –حسب تعبير- هو وجود الاختلاف والتباين في (اللغة او الدين او الثقافة..)، والعنصر الذاتي هو إدراك أفراد الجماعة لهذا الاختلاف والتباين[2]، وطبيعة الإدراك أو طريقته أو كيفيته، هو ما يحدد اتجاه المجتمع، نحو التعايش أو الصدام..

ربما يتجاوز فهمنا للهوية باعتبارها مجموعة من الصفات الثابتة التي يحملها الأفراد أو الجماعات، أواختزالها في مجرد شعور نفسي بالانتماء، لأن الهوية في واقعها تفاعل مستمر بين ما هو قائم في الواقع وما يتشكل في الوعي والإدراك، فهي تتكون من عناصر موضوعية يمكن ملاحظتها ووصفها، وعناصر ذاتية تتصل بطريقة إدراك الإنسان لهذه العناصر وتفسيرها ومنحها قيمة خاصة، فالجانب الموضوعي في الهوية يتمثل في مجموعة الخصائص المشتركة التي تجمع أفراد جماعة معينة، كاللغة والدين والتاريخ والثقافة والعادات والأرض والذاكرة الاجتماعية، وهي عناصر يمكن أن يلاحظها الباحث وأن يصفها وصفا علميا دون أن يدخل في دائرة التقييم أو الانحياز، ووجود هذه العناصر لا يكفي وحده لتكوين هوية حقيقية، إذ قد تتوافر الخصائص نفسها لدى جماعات متعددة من غير أن تشعر جميعها بأنها تمثل كيانا واحدا أو مصيرا مشتركا، وهو ما يدل على أن الوعي عنصر أساس في تشكل الهوية، فالهوية قد تتوفر عناصرها على أرض الواقع، وتبرز وتتشكل من خلال طريقة إدراك تلك الخصائص والعناصر في الواقع.

ومن هنا يظهر البعد الذاتي الذي يمثل الجانب الأكثر حيوية في تكوين الهوية، لأنه يعبر عن إدراك الجماعة لذاتها، وعن شعورها بالانتماء إلى إطار اجتماعي أو ثقافي معين، وعن الصورة التي ترسمها لنفسها في مقابل الآخرين، فاللغة، مثلا، تصبح عنصرا في بناء الهوية عندما يتم إدراكها لتتحول تباعا إلى رمز للانتماء وإلى خزين معرفي للثقافة والتاريخ، وكذلك الدين يؤدي هذا الدور من خلال إدراكه على أنه جزءا من الهوية، بنحو يحدد للمجتمع موقعه بين المجتمعات ويمنحه الوعي بالخصوصية.

ولذلك فإن العلاقة بين الذاتي والموضوعي في تشكل هوية علاقة تكامل، فالعناصر الموضوعية تمثل المادة الخام التي تستند إليها الهوية، بينما يتولى الإدراك الذاتي إعادة تنظيم هذه المادة وإكسابها معناها الاجتماعي والثقافي، ومن دون هذا الإدراك تبقى الخصائص المشتركة مجرد وقائع متفرقة مهملة غير ملحوظة، والإدراك نفسه لا يستطيع أن يصنع هوية مستقرة إذا انفصل عن أسس موضوعية حقيقية، لأن الهوية التي تستند على الانفعال وحده ربما تتحول إلى هوية هشة يسهل توظيفها في الصراعات أو الخطابات التعبوية، والسبب أن الهوية تشكلت عبر إدراك لعناصر وخصائص زائفة أو غير جديرة لأن تكون خصائص مميزة للهوية، كما حدث الصراع الطائفي على أساس غلبة الانتماء المذهبي على الانتماء الوطني.

إدراك الاختلاف وأثره في إدارة التعددية

وتتجلى أهمية هذا التمييز بصورة أوضح عند الحديث عن التعددية، إذ إن التعددية تعني وجود اختلافات بين الجماعات، و أنماط متعددة من الانتماء من المفترض أن تتعايش داخل المجتمع الواحد، فالإنسان يحمل في الوقت نفسه أكثر من دائرة للانتماء، فهو ينتمي إلى دين، ووطن، وثقافة، ومهنة، وأسرة، وجماعة علمية أو فكرية، وهذه الانتماءات لا تتعارض في أصلها، بل يمكن أن تتكامل إذا أُحسن ترتيبها ضمن منظومة متوازنة من القيم، لكنها تتعارض عندما يقع الخلل في طريقة إدراكها وإدارتها.

ومن الخطأ تفسير التعددية على أنها نتيجة حتمية للاختلافات الموضوعية، لأن التجربة الإنسانية تكشف أن مقدار الاختلاف لا يحدد وحده طبيعة العلاقة بين المجتمعات، فكثير من المجتمعات شهدت تعايشا واسعا رغم اختلاف اللغة أو الدين أو العرق، في حين عرف بعضها الآخر صراعات حادة بين جماعات لا تكاد تختلف إلا في تفاصيل محدودة، وهذا يعني أن العامل الحاسم لا يكمن في حجم الاختلاف الموضوعي، وإنما في الطريقة التي يتم قيها إدراك هذا الاختلاف.

ولهذا فإن الهوية قد تتحول من إطار طبيعي للتعريف بالذات إلى أداة للإقصاء، وذلك عندما يطغى العنصر الذاتي على العنصر الموضوعي، بمعنى وجود خلل في الإدارك، فيتم إدراك الآخر على أنه عدو، وتتم إعادة تفسير التاريخ والثقافة والرموز بطريقة تجعل الآخر مصدر تهديد دائم، وفي المقابل، يعد تجاهل البعد الذاتي والاقتصار على المعايير الموضوعية طريقا مفضيا إلى قراءة ميكانيكية للهوية، والإنسان لا يعيش الوقائع كما هي، وإنما يعيش المعاني التي يبنيها حولها، وهنا تبرز مشكلة الإدراك.

ومن هنا فإن إدارة التعددية تبدأ بالاعتراف بوجود الاختلاف، لأن الاختلاف سنة اجتماعية ملازمة للتنوع الإنساني، وتبدأ بنحو أدق ببناء وعي قادر على التمييز بين الحقيقة الموضوعية وبين التصورات الذاتية التي تتكون حولها، فالحقيقة الموضوعية تتضمن اختلاف العرق واللغة والدين..، ويحتاج المجتمع إلى إدراك متوازن لتلك الاختلافات، تجنبا لتوظيفها بشكل سلبي، وكلما ازداد المجتمع قدرة على إدراك هذا التوازن، أصبحت الهوية عاملا للتكامل والتعارف، وليس وسيلة لإنتاج الانقسام أو ترسيخ الصراع.

وعلى هذا الأساس يمكن القول أن الهوية بناء معرفي واجتماعي يتشكل باستمرار من التفاعل بين الواقع والإدراك، بين الخصائص المشتركة والوعي بها، وبين ما هو موضوعي وما هو ذاتي، ومن هنا فإن نجاح المجتمعات التعددية يعتمد على قدرتها على إدارة هذا التفاعل إدارة عقلانية تجعل الاختلاف مصدرا للإثراء الحضاري بدل كونه سببا للتنازع، وتجعل الانتماء وسيلة لبناء المشترك الإنساني.

إن التعددية لا تؤتي ثمارها إلا إذا تحولت إلى معتقد أخلاقي قائم على الإيمان بحق الآخر في الاختيار، بغض النظر عن التفسيرات المعرفية لأسباب التعدد، فبدون هذا الأساس الأخلاقي، يعجز النقد الخارجي والبحث الداخلي في الأديان عن إنتاج حلول إيجابية، بل ينزلقان إلى تشكيل “فرقة ناجية” جديدة بأسماء مختلفة[3].

ومن القيم القرآنية الواضحة على ذلك، هي التعارف، ومن هنا تبرز أهمية مفهوم التعارف الذي قرره القرآن الكريم في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) [الحجرات: 13]، فالآية الكريمة تشير إلى سنة التنوع والتعدد من جهة، وتكشف عن الغاية الحضارية لهذا التنوع من جهة أخرى، إذ جعلت التعارف غاية ووظيفة إنسانية تنتج آثاراً تتجاوز حدود المعرفة المجردة، لتشمل بناء الثقة، وترسيخ الحقوق، وتحقيق السلم الاجتماعي والإنساني[4].

***

د. أسعد عبد الرزاق الأسدي

......................

[1]- ظ: علي محمد الصلابي، الهوية الوطنية ركن من أركان الدولة الحديثة المسلمة، مقال/موقع الجزيرة

[2]- ظ: أنتوني غدنز، علم الاجتماع، ص 313 ت: د.فايز الصياغ، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2005

[3]- ظ: عمار أبو رغيف، مقالات عراقية مقالات وبحوث الفكر والدين والفلسفة، ص ٥٧، ط ٢، دار المعارف، الحكمية، ٢٠١٩

[4]- ظ: الطباطبائي، الميزان، ج18، ص325- 350.

ليس الغفران مفهومًا يستقر في اللغة كما تستقر الأشياء في أمكنتها؛ إنه، منذ اللحظة التي نحاول فيها الإمساك به، يبدأ في الإفلات. نقول: «غفرتُ»، فنظن أن الأمر قد انتهى، لكن ماذا يعني أن ينتهي ما لا يمكن محوه؟ وهل الغفران هو أن أنسى ما حدث، أم أن أتذكره بطريقة أخرى؟ وهل هو أن أعفو عن الجاني، أم أن أعفو عن نفسي من الاستمرار في حمل أثر الجريمة؟ وهل الغفران قرار تتخذه الذات، أم حدث يأتي إليها من مكان لا تستطيع التحكم فيه؟ لعل هذه الأسئلة هي التي تجعل الصفح عند جاك دريدا (1930-2004) ليس موضوعًا أخلاقيًا فحسب، وإنما حدًّا فلسفيًا تنكشف عنده هشاشة المفاهيم التي نظنها مستقرة: العدالة، الذاكرة، النسيان، المسؤولية، الاعتذار، المصالحة، الزمن، وحتى اللغة نفسها. فدريدا لا يدخل إلى الصفح من باب التعريف، بل من باب التشكيك في إمكانية التعريف؛ لا يقول لنا أولًا ما الصفح، بل يضعنا أمام الكلمة وهي تتعثر في نفسها، ويبدأ نصه Pardonner: l’impardonnable et l’imprescriptible بعبارة تكاد تكون اعتذارًا عن مجرد الكلام («Pardon, oui, pardon»)؛ «عفوًا، نعم، عفوًا».¹

إن هذه البداية الصغيرة ليست هامشًا بلاغيًا، بل تحمل، في تقديري، مفتاح القراءة كلها؛ فالصفح يظهر هنا قبل أن يتحول إلى مفهوم، أي يظهر بوصفه فعلًا لغويًا سابقًا على التنظير. إنني لا أقول «ما هو الصفح؟» ثم أصفح، وإنما أقول «عفوًا» قبل أن أعرف تمامًا ما الذي تعنيه كلمة «عفوًا». وهنا تبدأ الحركة التفكيكية: الكلمة تسبق المفهوم، والفعل يسبق تعريف الفعل، واللغة تقول أكثر مما تستطيع الذات أن تراقبه فيها. ولهذا يلتفت دريدا إلى القرابة بين الصفح والهبة، فيقول: («Entre don et pardon, il y a au moins cette affinité ou cette alliance»)؛ «بين الهبة والصفح توجد، على الأقل، هذه القرابة أو هذه المصاحبة».² وليس المقصود مجرد تشابه لفظي بين don وpardon، بل إن دريدا يضع يده على بنية مشتركة: الهبة والصفح، في صورتهما القصوى، يبدوان فعلين يخرجان من اقتصاد التبادل. فالهبة التي تنتظر مقابلًا لم تعد هبة خالصة، والصفح الذي ينتظر اعتذارًا أو توبة أو إصلاحًا بوصفها ثمنًا له يوشك أن يتحول إلى صفقة أخلاقية. ومن هنا يبدأ الصفح في مقاومة كل منطق للحساب: ماذا أعطيت؟ ماذا أخذت؟ ماذا استحق الآخر؟ ماذا بقي عليه أن يدفع؟ إن الصفح، حين يدخل هذا الاقتصاد، يصبح مهددًا من داخله؛ لأن ما كان ينبغي أن يكون خروجًا من دائرة الدين يتحول إلى دين جديد. أنا أصفح لأنك اعتذرت، وأنت تعتذر لكي أصفح؛ وهكذا يصبح الصفح شيئًا يشبه عقدًا أخلاقيًا، لا حدثًا استثنائيًا. لذلك لا تكمن راديكالية دريدا في دعوته إلى الصفح، وإنما في سؤاله عن الشروط التي تجعل الصفح صفحًا فعلًا، لا مجرد اسم أخلاقي لتبادل آخر.

ومن هنا يصل دريدا إلى المفارقة التي تختصر تقريبًا بنية تفكيره كله في هذا الموضوع: («Le pardon pardonne seulement l’impardonnable»)؛ «الصفح لا يصفح إلا عن اللامغتفر».³ تبدو العبارة في ظاهرها مستحيلة؛ فإذا كان الشيء «غير قابل للغفران»، فكيف يمكن أن يكون موضوعًا للغفران؟ لكن المستحيل هنا هو بالضبط ما يجعل الصفح ممكنًا في معناه الأقوى. فإذا كان ما أصفح عنه قابلًا للصفح بسهولة، وإذا كان الاعتذار يكفي لكي يزول كل شيء، وإذا كانت التوبة تعيد ترتيب العلاقة بطريقة آلية، فإننا لم نعد أمام الصفح في حدّه الأقصى، وإنما أمام تسامح أو مصالحة أو عفو مشروط. أما الصفح الذي يستحق اسمه فيبدأ حيث تقول الأخلاق: «لا ينبغي أن يُغفر هذا». ولهذا لا يضع دريدا اللامغتفر خارج الصفح، بل يجعله يسكن قلبه؛ فاللامغتفر ليس عدو الصفح فقط، وإنما هو ما يمنع الصفح من أن يتحول إلى إجراء عادي. إنني لا أحتاج إلى فعل الصفح لكي أتجاوز خطأً بسيطًا يمكن إصلاحه باعتذار؛ لكنني أحتاج إلى التفكير في الصفح عندما أكون أمام ما يهدد إمكان الصفح نفسه. ولهذا يكتب دريدا في «القرن والصفح»: («N’est-ce pas en vérité la seule chose à pardonner ?»)؛ «أليس هذا، في الحقيقة، هو الشيء الوحيد الذي ينبغي أن يُغفر؟».⁴

 إن السؤال هنا ينقلب على نفسه: بدل أن نسأل «ما الذي يمكن أن نغفره؟»، يصبح السؤال «ما الذي يجعل الغفران غفرانًا؟». والجواب لا يأتي في صورة تعريف، بل في صورة مفارقة: إن الصفح يتحدد بما يعجز عن تبريره، بما يقاوم التسوية، بما لا يمكن إدخاله في ميزان المقابلة بين الخطأ والاعتذار. ولذلك يقول دريدا أيضًا: («Le pardon doit s’annoncer comme l’impossible même»)؛ «ينبغي للصفح أن يعلن نفسه بوصفه المستحيل نفسه».⁵ والمستحيل هنا ليس ما يستحيل وقوعه، وإنما ما يستحيل تحويله إلى قاعدة؛ فالصفح إذا صار قاعدة فقد جزءًا من فرادته، وإذا صار مضمونًا سلفًا فقد شيئًا من حدثيته، وإذا أمكن حسابه فقد دخل في اقتصاد يناقضه. إن الصفح الحقيقي، إذا حدث، يحدث في تلك اللحظة التي لا توجد فيها قاعدة أخلاقية تضمنه مسبقًا. وهذا هو ما يجعل الصفح قريبًا من فكرة الحدث عند دريدا: الحدث لا يكون حدثًا لأنه متوقع، بل لأنه يأتي بما لا يمكن توقعه.

لكن هنا تظهر مشكلة الاعتذار. أليس الاعتذار شرطًا للصفح؟ ألا ينبغي للمذنب أن يعترف أولًا؟ ألا ينبغي أن يقول: «لقد أخطأت»؟ نعم، ولكن دريدا لا ينكر قيمة الاعتذار؛ بل يسأل عن اللحظة التي يتحول فيها الاعتذار من فعل أخلاقي إلى شرط اقتصادي. فإذا قلت: «لن أصفح إلا إذا اعتذرت»، فإن الصفح أصبح مشروطًا. وإذا قلت: «سأصفح لأنك ندمت»، أصبح الصفح مكافأة على الندم. وإذا قلت: «أصفح لأنك أصلحت الضرر»، صار الصفح جزءًا من عملية التسوية. وفي Le Siècle et le pardon يميز دريدا بين أفق الصفح غير المشروط وأفق الصفح المشروط بالتوبة والاعتراف والتحول، ويصف الأول بأنه («inconditionnel, gracieux, infini, anéconomique»)؛ أي «غير مشروط، مجاني، لا متناهٍ، ولا اقتصادي».⁶ وهنا ينبغي الانتباه إلى كلمة anéconomique: فالصفح في حدّه الأقصى لا يعمل وفق منطق الربح والخسارة، ولا وفق منطق «أعطيك شيئًا لأنك أعطيتني شيئًا». إنه خروج من الحساب لا نتيجة لحساب جديد. ولذلك فإن السؤال الدريدي ليس: هل ينبغي أن نعتذر؟ بل: هل يستطيع الاعتذار أن يكون شرطًا ضروريًا للصفح دون أن يحول الصفح إلى تبادل؟ وهل يستطيع الصفح أن يظل صفحًا إذا أصبح مشروطًا بتحول المذنب إلى شخص آخر؟ وهنا تصبح المفارقة أكثر قسوة: إذا اعتذر المذنب، وندم، وتغير، وأصبح شخصًا مختلفًا، فقد أصبح من السهل الصفح عنه؛ لكن هل أصفح عندئذ عن المذنب نفسه؟ أم أنني أصفح عن شخص لم يعد مطابقًا تمامًا لمن ارتكب الفعل؟ إن الصفح، في هذه الحالة، يوشك أن يصبح أكثر سهولة لأنه لم يعد يواجه الجاني في ثقل فعله، بل يواجه شخصًا أعاد بناء نفسه من خلال الاعتذار. أما الصفح الراديكالي فيواجه المذنب بوصفه مذنبًا، لا بعد أن يصبح بريئًا رمزيًا من خلال التوبة. وهذا هو ما يجعل الصفح، عند دريدا، تجربة لا تستقيم داخل الأخلاق التقليدية بسهولة: إنه لا يريد أن يساوي بين المذنب وذنبه، لكنه لا يريد أيضًا أن يمحو الذنب لكي يجعل الصفح ممكنًا.

ومن هنا ينبغي التمييز بين الصفح والتبرئة. فالصفح لا يقول: «لم يحدث شيء»، ولا يقول: «أنت بريء»، ولا يقول: «ما ارتكبته يمكن تبريره». بالعكس، إن الصفح يحتاج إلى أن يبقى الجرح جرحًا لكي يكون صفحًا. وإذا محا الصفح الجريمة، لم يعد صفحًا بل نسيانًا؛ وإذا برر الجريمة، لم يعد صفحًا بل تبرئة؛ وإذا ألغى مسؤولية الجاني، تحول إلى إنكار. ولذلك فالصفح لا يغير الحدث، وإنما يغير علاقة الذات بالحدث. الجريمة تبقى جريمة، لكن الجريمة لا تعود قادرة على احتكار المستقبل. وهنا بالذات تتقاطع التفكيكية مع الهرمينوطيقا: إن التأويل لا يغير النص الذي حدث، لكنه يغير أفق علاقته بالقارئ؛ وكذلك الصفح لا يغير ما حدث، لكنه يغير أفق علاقة الذات بما حدث. ولذلك يمكن أن نقول إن الصفح ليس محوًا للماضي، بل إعادة تأويل لعلاقته بالحاضر والمستقبل. وهذا ما يمنح العبارة الدريدية حول الزمن قوتها: فالصفح، كما يقول، مرتبط بـ(«un passé qui d’une certaine façon ne passe pas»)؛ أي «بماضٍ لا يمر، بطريقة ما».⁷ إن الماضي هنا ليس مجرد شيء انتهى، وإنما هو ما يستمر في الحضور من خلال أثره. الحدث مضى زمنيًا، لكنه لم يمضِ تأويليًا؛ وقع وانتهى من حيث الواقعة، لكنه لم ينتهِ من حيث أثره في الذاكرة. ولهذا فالصفح لا يأتي لكي يجعل الماضي ماضيًا مرة أخرى، وإنما لكي يمنع الماضي من التحول إلى قدر نهائي.

ومن هنا لا يكون النسيان شرطًا للصفح، بل ربما يكون نقيضه. لأنني إذا نسيت، فلن يكون ثمة شيء أصفح عنه. إن الصفح يحتاج إلى ذاكرة، لكنه يحتاج إلى ذاكرة لا تتحول إلى انتقام. وهنا يظهر ذلك التوتر الجميل بين التذكر والتحرر: أتذكر ما حدث، لكنني لا أسمح لما حدث بأن يقرر وحده ما سأكونه. أتذكر الجرح، لكنني أرفض أن يصبح الجرح هويتي. أتذكر المذنب، لكنني لا أجعل ذنبه قدرًا أبديًا له. ولذلك فإن الصفح لا يلغي الذاكرة، بل يحرر الذاكرة من أن تكون آلة لإعادة إنتاج الجريمة. فالذاكرة التي لا تعرف إلا التكرار يمكن أن تصبح شكلًا آخر من أشكال العنف؛ أما الصفح فيدخل إليها لا لكي يمحوها، وإنما لكي يفتح فيها إمكانًا جديدًا للتأويل. وهنا نستطيع أن نفهم لماذا يظل دريدا حذرًا من مساواة الصفح بالمصالحة. فالمصالحة مشروع اجتماعي وسياسي، وقد تكون ضرورية لاستعادة العلاقة بين الجماعات، لكنها لا تستنفد الصفح. قد أصفح دون أن أصالح، وقد أصفح دون أن أستعيد الثقة، وقد أصفح دون أن أعود إلى العلاقة القديمة، وقد أصفح دون أن أتخلى عن حق العدالة. فالصفح ليس عودة الأشياء إلى ما كانت عليه؛ إنه قبول بأن الأشياء لن تعود كما كانت، ومع ذلك يمكن للمستقبل ألا يكون نسخة من الماضي.

وفي هذا السياق تصبح علاقة الصفح بالعدالة أكثر تعقيدًا. فالعدالة تحكم، أما الصفح فلا يمكن أن يكون مجرد حكم. القانون يستطيع أن يقرر أن الجريمة لا تسقط بالتقادم، لكنه لا يستطيع أن يأمر الضحية بالصفح. وهنا يميز دريدا بدقة بين «اللامتقادم» و«اللامغتفر»: («l’imprescriptible n’est certes pas l’impardonnable»)؛ أي إن «ما لا يسقط بالتقادم ليس، بالتأكيد، هو نفسه ما لا يُغتفر».⁸ إن اللامتقادم مفهوم قانوني، أما اللامغتفر فيتجاوز القانون. فالزمن القانوني يمكن أن يقرر أن بعض الجرائم تظل قابلة للملاحقة مهما طال الزمن، لكن هذا لا يعني أن القانون يستطيع أن يقرر ما إذا كان للضحية أن تغفر. ولذلك فإن العدالة والصفح لا ينتميان إلى المستوى نفسه. العدالة تحمي الحق العام، وتحفظ الذاكرة القانونية، وتمنع الجريمة من الاختفاء في الزمن؛ أما الصفح فيحدث في منطقة لا يستطيع القانون أن يحتلها بالكامل. إن الدولة يمكن أن تعفو، ويمكن أن تمنح عفوًا قانونيًا، ويمكن أن تعلن عفوًا عامًا، لكن ذلك لا يعني أنها صفحت بالمعنى الذي يفكر فيه دريدا. فالدولة تستطيع أن تتخذ قرارًا قانونيًا بشأن العقوبة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الضحية في التجربة الشخصية للصفح.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين pardon وamnistie وgrâce وprescription. فالصفح ليس عفوًا سياسيًا، ولا عفوًا قانونيًا، ولا إسقاطًا للعقوبة، ولا سقوطًا للحق بسبب مرور الزمن. وتشير قراءة دريدا المتأخرة، خصوصًا في Le parjure et le pardon، إلى أن الصفح ينبغي ألا يختلط بالاعتذار أو العفو أو المصالحة أو التقادم، وأنه، في صورته غير المشروطة، «يمتحن المستحيل» ويظل خارج الحساب والتبادل.⁹ وهذا ما يجعل الصفح أقرب إلى الحدث منه إلى المؤسسة: المؤسسة تحتاج إلى قواعد، أما الصفح في معناه الأقصى فيحتاج إلى ما يتجاوز القاعدة. المؤسسة تقول: «هذا ما يجب فعله». أما الصفح فيقول: «لا توجد قاعدة تستطيع أن تحسم هذا الأمر نيابةً عني». لذلك لا يمكن للمؤسسة أن تضمن الصفح، كما لا يمكنها أن تمنعه نهائيًا.

وفي Le parjure et le pardon يتسع السؤال حين يربط دريدا الصفح بالحنث والوعد والقسم. فالحنث ليس مجرد خطأ عابر، وإنما هو إخلال بوعد؛ والوعد، بطبيعته، يفتح المستقبل. عندما أقول «أعدك»، فأنا لا أصف حاضرًا، وإنما أفتح إمكانًا في المستقبل. وعندما أحنث، فإنني لا أخون الماضي فقط، بل أخون المستقبل الذي وعدت به. وهنا يصبح الصفح بدوره علاقة بالمستقبل: إنه لا يعيد الماضي إلى ما كان، وإنما يفتح إمكانًا لمستقبل لم يعد الماضي قادرًا على احتكاره. وهذه النقطة، في تقديري، هي ما يمنح فلسفة دريدا للصفح طابعها التأويلي العميق: الصفح ليس مجرد علاقة بالذنب، بل علاقة بالزمن؛ ليس مجرد استجابة للجريمة، بل إعادة توزيع لإمكانات المستقبل. ولهذا فإن الصفح، في أقصى معانيه، لا يقول للجاني: «لم تفعل شيئًا»، وإنما يقول للزمن: «ما فعلته لن يكون الشيء الوحيد الذي سيحدث». وهذه العبارة، وإن كانت صياغة تأويلية وليست اقتباسًا حرفيًا من دريدا، تلخص ما يمكن تسميته فك احتكار الماضي للمستقبل.

إن الجرح يريد أحيانًا أن يتحول إلى ماهية: «أنا ما حدث لي». والجاني يريد أحيانًا أن يتحول ذنبه إلى ماهية: «أنا ما فعلته». لكن الصفح، إذا أمكن، يقاوم هذين الإغلاقين معًا. إنه لا ينكر أنني ضحية، لكنه يرفض أن يجعل الضحية هويتي النهائية؛ ولا ينكر أن الآخر مذنب، لكنه يرفض أن يجعل الذنب ماهيته الوحيدة. هنا يصبح الصفح حركة ضد تحويل الحدث إلى جوهر. فالإنسان أكثر من ماضيه، لكن الماضي لا يُمحى. والآخر أكثر من خطئه، لكن الخطأ لا يُنكر. وهذه المسافة الدقيقة بين الاعتراف وعدم الإغلاق هي التي تجعل الصفح فعلًا تفكيكيًا: إنه لا يحل التناقض، بل يمنع التناقض من أن يتحول إلى هوية مغلقة.

ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا لا يريد دريدا أن يجعل الصفح فضيلة سهلة. إن الصفح الذي أصبح عادة فقد شيئًا من قوته، والصفح الذي أصبح قاعدة فقد شيئًا من استثنائيته، والصفح الذي أصبح شرطًا في عقد أخلاقي فقد شيئًا من لااقتصاديته. ولذلك فالصفح، في حدّه الأقصى، يظل معرضًا للخطر؛ إنه لا يضمن نفسه، ولا يستطيع أن يقول: «لقد صفحت نهائيًا». ربما لأن الجرح يمكن أن يعود، ولأن الذاكرة لا تتحرك في خط مستقيم، ولأن الذات قد تكتشف بعد سنوات أن ما ظنته قد انتهى لم ينتهِ بعد. لكن هذا لا يجعل الصفح مستحيلًا؛ بل يجعل إمكانه أكثر هشاشة، وبالتالي أكثر معنى. فالصفح ليس نقطة نهائية توضع في نهاية الجملة، وإنما هو انفتاح في الجملة نفسها؛ إنه الفاصلة التي تمنع التاريخ من أن يضع نقطة نهائية على المستقبل.

لهذا يمكن القول إن الغفران، في القراءة التأويلية التفكيكية، ليس محوًا للجرح، بل فكًّا لاحتكار الجرح للمعنى؛ وليس تحريرًا للماضي من الذاكرة، بل تحريرًا للمستقبل من الاستبداد بالماضي؛ وليس تبرئةً للجاني، بل رفضًا لتحويل ذنبه إلى ماهية نهائية؛ وليس نسيانًا، بل ذاكرةً تحررت من الانتقام؛ وليس مصالحةً بالضرورة، بل إمكانًا لعدم استمرار العنف في صورة جديدة. وهذا ما يجعل الصفح، في أفق دريدا، تجربة تقع عند الحد الذي لا تستطيع فيه الأخلاق أن تتحول إلى تقنية.

إن الصفح، في النهاية، لا يقول: «لم يحدث شيء». ولا يقول: «كل شيء انتهى». إنه يقول شيئًا أكثر صعوبة: لقد حدث ما حدث، ولا يمكنني أن أجعله لم يحدث، لكنني أستطيع ــ إن أمكن الصفح ــ أن أرفض أن يكون ما حدث هو آخر كلمة في قصتي. وهنا تتضح المفارقة الكبرى: الصفح لا ينتصر على الماضي بمحو الماضي، وإنما ينتصر عليه بمنع الماضي من أن يصبح قدرًا. إنه لا يغلق الجرح، وإنما يمنع الجرح من أن يغلق المستقبل.

ولذلك، فإن العبارة الدريدية («Le pardon pardonne seulement l’impardonnable») لا تعني فقط أن الصفح يواجه ما لا يُغتفر؛ إنها تعني، في أعمق تأويلاتها، أن الصفح لا يكون صفحًا إلا عندما يقترب من الحد الذي تتراجع فيه كل الضمانات. فالصفح لا يعيش في منطقة اليقين، وإنما في تلك المنطقة المعلقة بين «لا يمكن» و«ربما». إنه مستحيل من جهة القاعدة، وممكن من جهة الحدث؛ غير قابل للبرمجة، لكنه قابل للوقوع؛ لا يمكن امتلاكه، لكنه يمكن أن يحدث. ومن هنا تكمن غرابته الفلسفية: إنه فعل لا نستطيع أن نطالب به، ولا أن نأمر به، ولا أن نحسبه، ومع ذلك يظل أحد آخر الإمكانات التي تترك للمستقبل بابًا مفتوحًا بعد أن حاول الماضي أن يغلقه.فالصفح ليس أن أقول للماضي: «انتهيتَ»، بل أن أقول للمستقبل: "لم تنتهِ بعد."

***

بقلم: د. معروفي العيد

................................

الهوامش والمراجع:

1. Jacques Derrida, Pardonner : l’impardonnable et l’imprescriptible, Paris, Galilée, 2012, p. 7 وما بعدها. والكتاب نص ندوة/محاضرة أُلقيت في جامعات عدة بين 1997 و1998، وصدر في 71 صفحة.

2. Jacques Derrida, Pardonner : l’impardonnable et l’imprescriptible, op. cit. ويظهر في النص الأصلي الربط الصريح بين (don) و(pardon) وعلاقتهما باللاشرط والزمن.

إن نص دريدا هو قراءة ومناقشة لأطروحات الفيلسوف الفرنسي فلاديمير جانكليفيتش، الذي طرح إشكالية «الصفح» في كتابيه: «الصفح» (1967)، و«ما لا يقبل التقادم» (1969)، يطرح جانكليفيتش في هذين الكتابين إشكالية الصفح بمقولات وإفرازات متزايدة، يهم مسألة المحرقة التي ارتكبتها النازية.

إن المحرقة لا تناسب، حسب جانكليفيتش، والسُّلَم الإنساني، إنها تتجاوز حدود ما هو إنساني وحدود الشّرّ، لتطال إنسانية الإنسان، إنها تدخل في باب ما يُسمّيه «ما لا يقبل التكفير Inexpiable»، وما لا يمكن تجاوُزه والتغاضي عنه، بمُجرّد إقامة مصالحة وصفح ساذَجين. إن ما ارُتكب لا يطاله الصَّفْح، ولا يقبل التجاوز، إنه يدخل في ما لا يقبل التقادُم، وما لا يتقادم، إنها جرائم تتطلب أن تبقى الذاكرة متّقدة وحيّة، بل ويجب أن تظلّ الذاكرة شاحبة في الماضي، في ماضي الأحداث، حتى يصبح هذا الماضي حاضرًا بصيغة الماضي، أو بعبارة أخرى، تعيش الذاكرة الماضي بصيغة الحاضر. إن صرخة جانكليفيتش قوية وُمدوّية، يكرّرها على لسان الشاعر الفرنسي إيلوار Eluard: :" لا يوجد خلاص على الأرض ما دمنا نستطيع الصَّفْح عن الجلادين». إنها صرخة الضحية، أو من يتقمص دور الضحية، في مقابل الجلاد. ينظر في مقدمة المترجم، جاك دريدا الصّفح مالا يقبل الصفح وما لا يتقادم، ترجمة: مصطفى العارف ــــ عبد الرحيم نورالدين، منشورات المتوسط، إيطاليا، ط1 2018. ص 7، ص8.

4 ـــ جاك دريدا، «القرن والصفح»، أنظر الأصل الفرنسي، حيث يطرح دريدا صراحة السؤال : («N’est-ce pas en vérité la seule chose à pardonner ?»).

5. Jacques Derrida, «Le Siècle et le pardon», op. cit. ويأتي هذا القول في سياق تحديد العلاقة المفارقة بين الصفح واللامغتفر، حيث يرى دريدا أن الصفح ينبغي أن يظهر بوصفه المستحيل نفسه.

6 : Jacques Derrida, Le parjure et le pardon, vol. I, Séminaire (1997-1998), Paris, Seuil, 2019.

ويؤكد عرض الناشر أن موضوع الصفح عند دريدا يقوم على «اللاشرطية» وأنه لا ينبغي الخلط بينه وبين العذر أو العفو أو التقادم أو النعمة.

7. Jacques Derrida, Pardonner : l’impardonnable et l’imprescriptible, op. cit.، حيث يربط دريدا الصفح بماضٍ «لا يمر بطريقة ما»، ويضعه في علاقة مخصوصة مع الزمن والتزمين.

8. Jacques Derrida, «Le Siècle et le pardon», op. cit.

 في تمييزه بين (l’imprescriptible) «اللامتقادم» و(l’impardonnable) «اللامغتفر». وقد ظهر النص في ملف Le Pardon المنشور في Le Monde des débats في ديسمبر 1999، الصفحات 10-17.

9. Jacques Derrida, Le parjure et le pardon, vol. I, Séminaire (1997-1998), éd. Ginette Michaud et Nicholas Cotton, Paris, Seuil, 2019. 

السؤال التاريخي

من الأسئلة الهامة التي أسالت الكثير من الحبر في الساحة الثقافية والسياسية العربية في العقود الأخيرة، تلك الأسئلة المتعلقة بالدين والدولة والسياسية عند المسلمين الأوائل، أي في الإسلام المبكر، إسلام مكة والمدينة، وخاصة هذا السؤال الهام: هل كانت الدعوة الدينية المحمدية الإسلامية تحمل مشروعًا سياسيا، مشروع إقامة مملكة وبناء الدولة منذ البداية أم أن المملكة والدولة تكونتا في خضم التحولات التاريخية /الاجتماعية وخاصة التحول الكبير الذي عرفه المسلمون الأوائل من الجماعة إلى الأمة، ومن ثمة إلى تشكل السلطة، بعد الهجرة إلى يثرب ؟1.

ومن المعروف أن هناك نسبة كبيرة من الباحثين، مستشرقون وعرب ينطلقون من مسلمة أساسية هي، أن الإسلام ومنذ البداية، هو رسالة دينية ومشروع سياسي في ذات الوقت،.. أما أعلام الفكر السياسي الإسلامي المعاصر الذين نبه ذكرهم في القرن العشرين، فيشرون دائما وأبداً إلى مركزية المسالة السياسية في الإسلام، وهذا ما نجده بصورة واضحة في كتابات الشيخ محمد رشيد رضا المتأخرة، وأكد عليه حسن البنا في خطبه ورسائل، كما نجده في المحاولات التنظيّرية للدولة الإسلامية عند أبي الأعلى المودودي وفي نصوص سيد قطب الداعية بقوة إلى الدولة الثيوقراطية وخاصة في كتابه " معالم في الطريق، يضاف إليهم أدبيات تقي الدين النبهاني والذي أسس حزب التحرير الإسلامي، هدفه الرئيس هو عودة الخلافة، بأي صيغة وباية طريقة، الخلافة التي تجمع بين الدين والدولة.

ولهذا الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، ومعه الإسلام السياسي من الأكثر تطرفاً إلى الأكثر اعتدالا، لا يتصور وجود دولة دون دين أو وجود إسلام بلا دولة، أما الجماعات الجهادية والإسلام المُسلَّح، فهي لا ليس فقط تعتبر الإسلام دينو دولة، بل وترى وعن قناعة راسخة أن الإسلام مصحف وسيف. ومع ذلك يبقى السؤال التاريخي مطروحًا: هل الإسلام دعوة دينية أم مشروع سياسي؟

الإسلام.. الدعوة والدولة

وكان من الطبيعي أن تختلف الإجابات عن هذا السؤال، بإختلاف الإيديولوجيات المشكلة لخارطة الفكر العربي المعاصر، المعبرة في نفس الوقت عن إختلاف الطبقات الاجتماعية وتعدد الطوائف الدينية وتنوع الجغرافيا.فهناك من يعتقد إعتقادًا جازمًا بأن الإسلام دين ودولة، شريعة وسياسية، مصحف وسيف، وهناك من يرى أن الإسلام دين مجرد دين مثله مثل المسيحية واليهودية والبوذية، له طقوس وعبادات، لا علاقة له بالدولة، وعقيدة دينية لا رابطة تجمعها والسياسية.

والجدير بالذكر أن إشكالية الدولة والدين، هي التي قسمت الفكر العربي إلى تيارين رئيسيين، تيار ديني/إسلامي وتيار حداثي/علماني، هذان التياران دخلا في سجّال محموم وصراع وجود منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى غاية ما يسمى بالربيع العربي.2

و نحن نذهب مذهب الرأي القائل، بأن الدعوة المحمدية، سواء في المرحلة المكية التي دامت أكثر من عشر سنوات أو في المرحلة المدينية، والتي دامت عشر سنوات، لم تكن تحمل مشروعا سياسيا ولا كانت تهدف إلى بناء دولة ولا سعت إلى تأسيس ملك ولا كانت تطمح لأن تكون أمبراطورية مترامية الأطرف.3

وإذا بحثنا في تاريخ "الأمم والرُسل "، نجد أن كل الدول والممالك والإمبراطوريات التي ظهرت عبر التاريخ، سواء في العصور القديمة أو حتى في الحديثة كانت تحمل منذ البداية مشروعًا سياسيًا، وسعت بكل ما تملك من قوة عسكرية وقوة عصبية، لأن تكبر وتتوسع وتبتلع ما جاورها من أراضٍ، ولهذا لم تتردد في إطلاق الغزوات وشَّن الحروب ومن ثمة الإعلان عن مشروعها السياسي التوسعي، كما كان الأمر مع كل الأمبراطوريات الكبرى عبر التاريخ والتي بنت في نفس الوقت حضارات، مثل الأمبراطوريات الثلاث.. الفارسية، اليونانية والرومانية.

ولا ننسى كذلك أن هذه الإمبراطوريات تكونت أولًا، ثم كان لها، أو بالأحرى تبنت معتقدات دينية محددة، والمثال البارز في هذا المجال الأمبراطورية الرومانية التي تبنت المسيحية في بداية القرن الرابع الميلادي، بعد أن مارست شتى أنواع الإضطهاد ضد المسيحيين الأوائل ولمدة ثلاث مائة سنة. وما نخلص إليه، أن الدولة في الإسلام، أو دولة الإسلام، أو الأمبراطورية العربية – الإسلامية، إن صح هذا التعبير، تكونت في خضم تحولات كبرى ونشأت في سياق تاريخي /إجتماعي وسياسي، مُعقد غاية التعقيد.إذ تحولت الرسالة الدينية، شيئا فشيئا، وفي مراحل زمنية متعاقبة، من مكة إلى المدينة، من رسالة دينية إلى مشروع سياسي، وإنقلبت في لُجَّة التاريخ ومعمعة الجغرافيا، من جماعة بشرية صغيرة لا تتعد 154 فردا إلى أمة تضم عشرات الآلاف من البشر، ثم كان من الضروري أن تتشكل السلطة السياسية لإدارة شؤون الدولة وضبط المجتمع. وليس هذا فقط، بل أن الزعامة النبوية/ الدينية المقدسة تحولت إلى زعامة سياسية/مدنية مقدسة. وبإختصار تغير نظام الحكم وتغيرت شخوص السلطة، عبر ثلاث مسارات أساسية، من السلطة النبوية إلى سلطة الخلافة إلى السلطة الوراثية، إلى أن مرَّ عليها حينًا من الدهر، حتى كانت دولة الملك الوراثي العضوض مع قيام الدولة الأموية. والحقيقة أن سيرورة الأحداث التاريخية المتلاحقة منذ وفاة النبي عام 632م، كانت تحتم التحول من ذلك الطور الجنيني للدولة، أي وجود جماعة بشرية وعلى رأسها قيادة التي تجسّمت في شخص النبي وكبار الصحابة إلى طور الدولة كاملة الأركان بمقاييس تلك الحقبة، بعد أن تحولت الجماعة البشرية الصغيرة قلية العدد إلى أمة تضم الملايين، بسبب دخول عدد هائل من القبائل والعشائر والشعوب في الإسلام، تحولت دولة تتوفر على جماعة بشرية ورقعة جغرافية ونظام حكم يُسمى بالخلافة وعلى سلطة سياسية حاكمة تمثلت في البداية في الخلفاء الأربعة ثم في السلالات الأموية والعباسية والعثمانية وفي غيرها من السلالات، وبطبيعة الحال تحولت إلى دولة وفق معايير الدولة في تلك الفترة الزمنية ومقاييس تلك الحقبة.4

وللمزيد من التوضيح، نقول أن الضرورة التاريخية وحتمية التطور، اقتضت الانتقال من ذلك المجتمع البسيط في المدينة، المجتمع الذي يعرف أعضاءه بالإسم ولديهم شعور مشترك بأنهم على حق، المجتمع الطبيعي وإسلام الفطرة، حيث الأخلاق المثالية إلى ذلك المجتمع الواقعي، حيث التدافع السياسي العنيف والصراع الايديولوجي الذي لا يقبل القسمة على إثنين والنزاع التاريخي الذي لا يكاد ينتهي حتى يبدأ من جديد، وبالتالي المجتمعات العربية _ الإسلامية في العصر الوسيط، كان مجتمعات مملوءة بالتناقضات، كما كان النظام السياسي المسمى بالخلافة يعج بالصراعات القاتلة.5

النبوة والسياسة.. والسلطة

اختلفت الآراء وتعددت الرؤى وكثر الجدل منذ السقوط المدوي للخلافة العثمانية السنية عام 1924 هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، هناك رأي يرى أصحابه أن السيرة النبوية تطلعنا أن محمد بن عبد الله لم يكن يفكر قط في الزعامة السياسية ولا كان يخطط لأن يكون ملكا ولا كان يفكر في قلب نظام الحكم في مكة، والدليل القاطع على ذلك، رفضه عرضًا مقدمًا من طرف سادة قريش، عندما قالوا له:.. إذا أردت ملكًا ملكناك، وإذا طلبت مالاً أعطيناك ! فقال قولته الشهيرة".. والله لو وضعوا الشمس عن يميني والقمر عن يساري، على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله أو أهلك دونه".6

لقد رفض الرسول هذا العرض المغري، رفضًا قاطعًا، مفضلاً الاستمرار في الدعوة إلى الدين الجديد إلى آخرها، مهما كلفه ذلك من عذاب وما تعرض له من اضطهاد ومن معارضة شديدة ومن مشقة في الدعوة وعسر في تبليغ الرسالة. ومما يؤكد هذا الإتجاه، أن محمدًا بن عبد الله دعا المسلمين إلى الإستعداد ليوم الحساب حيث الثواب أو العقاب، الجنة أو النار. كما دعاهم إلى العمل والتجنيد والمثابرة، من أجل نشر رسالة الإسلام إلى الناس كافة في مشارق الأرض ومغاربها. كما طلب من المؤمنين الصبر وتحمل العذاب والأذى، بل الموت في سبيل الله بهدف التمكين لهذا الدين الجديد، كما أمرهم بالتحلي بمكارم الأخلاق، وفي هذا الصدد يقول مفكر عربي معاصر"... لم يعد القرﺁن العرب أو المسلمين بدولة، ولا أثار حماسهم بالحديث عن منافعها وخيراتها، ولكنه وعدهم بالجنة والرضا الإلهي والمغفرة. ولم يطلب منهم أن يحكموا الآخرين وينتزعوا منهم أراضيهم ويقتلوهم ويبيدوا نسلهم،، كما جاء في العهد القديم إزاء شعب كنعان، ولكن طلب منهم الرحمة وتبليغ الرسالة والمعاملة الحسنة والتقوى والعدل والإحسان والصدقة ومخافة الله، حتى صاروا يخشون الحكم ويرفضونه كي يتجنبوا مخاطر الظلم.. ".7

فالإسلام دعوة دينية بالأساس، تقوم على أولا على الشهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله وعلى الإيمان باليوم الأخر والحساب، ولم تكن دعوة للصراع السياسي مع سادة قريش كما لم يشرع الإسلام الجهاد، من أجل بناء سلطة سياسية أو دفاعا عن نظام ملكي.8

والجدير بالذكر، أن الإسلام كديانة سماوية كبرى، موجهة إلى العالم كافة، يجمع بين تعاليم المسيح ومبادئ النبي موسى، في نقطة التبشير والدعوة إلى الخلاص، وبين القتال في سبيل الله. ولهذا لا نستغرب أن يتحول القتال في الإسلام إلى جهاد.ليس قتالا بغرض الملك وليس حربا بهدف الدفاع عن سلطة سياسية.9

النص والتاريخ.. والأخلاق

ومعنى هذا الكلام، أن النص الديني، لا يتوفر على حديث يحض على الممارسة السياسية وعلى نص يحث على الشروع في بناء دولة. لأن الدين في طبيعته وفي جوهره، لا يقدم خطابا في الدولة ولا يتكلم إطلاقا عن السلطة والحكم والسياسة. لأن قضية بناء الدولة والوصول إلى السلطة وممارسة السياسة ليست من دعاويه ولا من مهامه، ولا تدخل في نطاق إختصاصه. ثم أن مفهوم الإسلام، بمعنى المفهوم في المنطق الأرسطي، هو دين وليس دولة. والدين أي دين، هو عقيدة، لها مسلماتها وطقوسها ولها مبادئها وعباداتها، التي تميزها عن سائر الأديان والمعتقدات السماوية كاليهودية والمسيحية أو الوثنية مثل البوذية والهندوسية. لكن كل الأديان وكل المعتقدات تشترك في الدعوة إلى التحلي بمكارم الأخلاق وإلى الزهد في الدنيا. 10

ومرة أخرى نذكر أن الخطاب القرآني لم يتطرق إلى كيفية بناء الدولة ولا دعا أنصاره إلى الحشد من إجل الإستيلاء على ملك فارس والروم، كما أن النص الديني قرآنا أو حديثا نبويا يخلو تماما، من كلمات الدولة والملك والخلافة ومن مفاهيم السلطة والحكم.

ونحن نعرف أن ممارسة السلطة والحكم، تقوم على الغلبة والقهر، وعلى الشوكة والعصبية بلغة الفقه السياسي والسياسة الشرعية، ولا يتأسس الملك على الرحمة والغفران والتسامح والنوايا الحسنة، وما يسمى بالأخلاق الحميدة. وإذا أردنا أن نحدد المفاهيم، فإن مفهوم الدين هو عقيدة تقوم على الإيمان بوجود إله له سلطة مطلقة ومقدسة، ويتأسس هذا الإيمان على عبادات وطقوس وإحتفالات، ومن ماصدقات مفهوم الدين، نذكر على سبيل المثال وليس الحصر، اليهودية والمسيحية، بالإضافة إلى عشرات الديانات الوثنية الموجودة اليوم في كافة أرجاء المعمورة.أما مفهوم الدولة فهي كيان سياسي قانوني ذو سلطة سيادية معترف بها داخليا وخارجيا، ومن ماصدقات مفهوم الدولة، كأن نقول مثلاً الدولة اليابانية والدولة الروسية.

وبناءً عليه الإسلام هو أحد ماصدقات مفهوم الدين، وبالتالي ليس هو دولة، بل هو دين مثل بقية الأديان، ومن البديهي القول، أن النص الديني عموما، لا يتطرق إلى أمور السياسية ولا يتناول آلاعيب الحكم، وإما إذا تدخل في الشأن السياسي، فحتمًا سيقع في حزمة من التناقضات، أولها تناقضه مع دعاويه الأخلاقية ومقاصده التربوية.

لأن السياسة، كمفهوم وكممارسة، سواء على مستوى السلطة الحاكمة أو على مستوى المعارضة تقوم، كما لا يخفى على أحد، على قدر لا يستهان به من السلوكيات "اللاخلاقية"، كالكذب، الخداع، الحيلة والمكر. بالإضافة إلى الدسائس والمؤامرات. أما الدين، سواء أكان سماوي أو وثني، فمن الطبيعي أن يدعو إلى مكارم الأخلاق، كالصدق، الرحمة، الإحسان والعمل الصالح. والدين الإسلامي، كم هو معروف للجميع هو دين أخلاق بإطلاق، لدرجة أنه قد يكون الدين الوحيد الذي يربط العبادات بالمعاملات، وهناك عدد لا يحصى من النصوص في القران والحديث النبوي، التي تحث المسلمين على التحلي بمكارم الأخلاق.

وفي مقابل كثافة الدعوة إلى عمل الخير في النص الديني، قرآنا وسنة، فإن هذا النص يخلو تمامًا من مفاهيم السياسة ومقولات الحكم.11

وليس هذا فحسب، بل أن النص الديني، كما قلنا سابقا، لم يشر، لا تصريحًا ولا تلميحاً، ولم يتكلم لا من قريب ولا من بعيد، عن قواعد أسياسة وأصول الحكم. وحتى إن وُجدت بعض الإشارات في النص القرآني، إلى بعض الممارسات ذات الصلة، بشؤون السلطة والحكم، مثل قوله تعالى".. وآمرهم شورى بينهم.. " (الشورى:38) وكذلك قوله في موضع أخر ".. وشاورهم في الأمر.. " (أل عمران:159). فكلمة الشورى الواردة في الآيتين، لا تحمل دلالات سياسية، ولا تتعلق بالتشاور بين المسلمين من أجل إنتخاب حاكم أو خليفة للرسول، كما يذهب بعض الباحثين المعاصرين، بل أن لفظ الشورى يحمل شحنة أخلاقية، لأن السياق الوارد فيه".. لا يدل على تشريعية المبدأ، لأنه لم يرد في سياق التشريع في الآية، بل ورد خلال وصف أخلاقية المؤمنين وسلوكياتهم.. وهو أي هذا النص- يخلو من الدلالة على كونه خاصًا بنظام الحكم ". 12 خلاصة القول، أن كلمة شورى في الخطاب القرآني، وردت كمبدأ أخلاقي وليس كسلوك سياسي. وتجدر الإشارة، أن الفكر العربي الإسلامي الحديث والمعاصر، هو الذي شحن عديد الألفاظ العربية القديمة وخاصة تلك الواردة في القران الكريم، بمعان ودلالات سياسية حديثة، وهذا نتاج التأثر والتلاقح والإحتكاك بالفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.13

والحقيقة التي لا مراء فيها، أن الكثير من الكلمات والمصطلحات المتداولة اليوم في الحقل السياسي العربي، لم تكن تحمل إطلاقًا أية دلالات سياسية. فمثلا لفظة الحكم لم تكن تعني ما تعنيه اليوم في الحقل السياسي التداولي المعاصر، من معاني السلطة الحاكمة ونظام الحكم والحكومة، لا في النص الديني المؤسس ولا في نصوص التراث العربي/ الإسلامي.14 معنى هذا الكلام، أن وجود اللفظ في القديم لا يعني أنه كان يتضمن المعاني الحديثة، صحيح أن كلمة حكم وردت عشرات المرات في القرآن الكريم، وحتى في بعض الأحاديث وكذلك كتب ومؤلفات العرب القدامى، ولكنها خلت تمامًا من المعاني السياسية. ففي الخطاب القرآني جاءت تارة بمعنى الحكمة كما في قوله تعالى" أولئك الذين أتيناهم الكتاب والحكم والقضاءʺ(الانعام89) كما وردت أيضا بمفهوم حل المنازعات والقضاء بين الناس مثل قوله تعالىʺوإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدلʺ(النساء58).

نستنتج أن كلمة حكم المتداولة قديمًا، كانت تحمل معنى القضاء، أي العدالة، والدليل على ذلك، أن كلمة الحاكم بمعنى القاضي، ظلت مستخدمة إلى غاية سقوط الدولة العثمانية التي كانت تطلق على القاضي لقب الحاكم الشرعي الذي كان يفض الخصومات بين الناس في المحاكم الشرعية.15

ولهذا لم يكن لفظ الحكم مُستخدمًا في صدر الإسلام وفي العصور اللاحقة، بمعنى السلطة السياسية وما كان مستخدما هو لفظ الأمير والإمارة، والدليل على ذلك أن عمر بن الخطاب لقب نفسه بأمير المؤمنين، وإستثقل لقب خليفة خليفة رسول الله، كما كان يسمى قائد الجيش بالأمير، وكذلك رؤساء المدن والأقاليم بالأمراء 16ونفس الأمر ينطبق على مصطلحات ومفاهيم سياسية، موظفة بكثرة في الخطاب الإسلامي المعاصر مثل مفاهيم الأمة، الحكم والدولة.فالوجود القديم لهذه الكلمات في اللغة العربية لا يعني إطلاقًا أنها كانت تحمل الدلالات السياسية التي تحملها اليوم.

وقد أشار كثير من المهتمين بالفكر العربي إلى ذلك، ونبهوا إلى أن الكلمات والألفاظ، تؤخذ في حقبة زمنية ما، معاني محددة لأنها تعبر عن واقع اجتماعي سياسي معين. وهذا ما حصل في العالم العربي في المائة والخمسة والسبعون سنة الأخيرة.إذ وقعت جملة من التحولات الاجتماعية/السياسية الكبرى، بعد مئات السنين من الجمود والسبات العميق17 وهذه التحولات تمثلت في ظهور حراك سياسي وتغير إجتماعي، كما تأسست دول وطنية ونشأت برلمانات وظهرت أحزاب وقامت حكومات وجاء إستعمار واحتلال لدار الإسلام، هذه التحولات فرضت ضرورة، إما نحت مفاهيم سياسية جديدة أو شحن كلمات قديمة بمعاني حديثة.

وقد كان ذلك مع الفكر العربي الحديث في القرن التاسع عشر، إذ تأسست لغة سياسية حديثة، توظف مفاهيم ومقولات الفلسفة الليبرالية مثل البرلمان، الحزب، الدولة، الحكومة، الدستور، فهذه كلها مفاهيم ومصطلحات حديثة من إنتاج الفكر السياسي الأوروبي الحديث ومن بنات أفكار الفلسفة السياسية الحديثة، والتي عبرت بدورها عن تحولات إجتماعية سياسية كبرى عاشتها الأمم الأوروبية منذ القرن السادس عشر وحتى القرن العشرين، تحولات كبرى تجسدت في جملة من القطائع والإنتقالات، قطائع مع عصور الكهنوت وسلطة رجال الدين والحكم بإسم التفويض الإلهي وصكوك الغفران.و إنتقالات إلى العصور الحديثة مع نمط الدولة الأمة وسيادة القانون والدستور والشرعية القانونية - العقلانية 18

***

د. مصطفى دحماني

...................

مصادر ومراجع

1. محمد عابد الجابري: العقل السياسي العربي مركز دراسات الوحدة العربية ط2 بيروت 1992 ص 57

2. محمد جابر الأنصاري: الفكر العربي وصراع الأضداد المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط2 بيروت 1999 ص 25

1) برهان غليون: نقد السياسة.. الدولة والدين.المركز الثقافي العربي.2007 الدار البيضاء. ص 55

3. حسين مروة: النزعات المادية في الفلسفة العربية –الإسلامية.دار الفارابي بيروت 1985 ص 469

4. محمد عابد الجابري: المرجع نفسه ص 231

5. برهان غليون: المرجع نفسه ص 45

6. المرجع نفسه ص 45و55

7. المرجع نفسه ص 55

8. برهان غليون: المرجع نفسه ص 65

9. المرجع نفسه ص 62

10. حسين مروة: المرجع نفسه ص 398

11. سعيد بنسعيد: مفهوما الأمة والوطن في الإستعمال العربي المعاصر من كتاب" الأمة والدولة والاندماج في الوطن العربي " ج1 مركز دراسات الوحدة العربية ط1 بيروت 1992 ص 139

12. عبد الغني عماد: حاكمية الله وسلطان الفقيه دار الطليعة ط2 2005 بيروت ص 11

13. المرجع نفسه ص 11

14. المرجع نفسه ص 12

15. سعيد بن سعيد: المرجع نفسه ص 140

16. المرجع نفسه ص 140

17. المرجع نفسه ص145

18. المرجع نفسه ص145

ليس الدازين عند مارتن هايدغر مجرد كلمة ألمانية عصية على الترجمة، ولا هو اسمٌ آخر للإنسان كما اعتادت الفلسفة أن تتحدث عنه منذ أفلاطون وأرسطو. إن الدازين، في العمق، هو محاولة لإعادة صياغة السؤال عن الإنسان قبل أن يتحول الإنسان إلى «موضوع» بين موضوعات العالم. ولذلك فإن ترجمة Dasein بـ«الوجود-هنا» أو «الكائن-هنا» تظل ترجمة تقريبية، لأن الكلمة عند هايدغر لا تشير إلى إنسان موجود في مكان ما، بقدر ما تشير إلى ذلك الكائن الذي تكون مسألة وجوده مفتوحة أمامه.

ومن هنا تبدأ المسافة بين هايدغر والفلسفة التقليدية. فالإنسان لم يعد، في الوجود والزمان، «حيوانًا عاقلًا»، ولا «ذاتًا» تقف في مواجهة العالم، ولا «وعيًا» يتأمل الأشياء من الخارج. إنه كائنٌ ملقى في عالم لم يختره، يعيش داخله، ويتعامل مع أشيائه، ويتقاسم لغته وعاداته ومخاوفه مع الآخرين. إن الدازين لا يقف أمام العالم كمتفرج؛ إنه متورط فيه منذ البداية.

والسؤال الذي يفتح به هايدغر أفقه ليس: ما الإنسان؟ بل: كيف يوجد هذا الكائن الذي يستطيع أن يسأل عن الوجود؟ هنا يتحول الإنسان من جواب إلى سؤال، ومن تعريف جاهز إلى إمكانية مفتوحة.

الدازين ليس «الإنسان» بالمعنى المألوف

حين نقول «الإنسان»، فإننا غالبًا نستدعي مفهومًا عامًا يمكن تعريفه بخصائص معينة. أما الدازين فلا يسمح بسهولة بهذا الاختزال؛ لأنه ليس جوهرًا ثابتًا نكتشفه وراء مظاهر الحياة، بل هو نمط من الوجود. الدازين هو الكائن الذي لا تكون ماهيته منفصلة عن طريقة وجوده.

ولهذا يمكن القول إن هايدغر يقلب العبارة الميتافيزيقية القديمة: الإنسان ليس شيئًا يمتلك الوجود، بل هو الكائن الذي يُسأل وجوده من خلال وجوده.

وهنا تكمن أهمية الدازين: إنه ليس إجابة عن سؤال الإنسان، وإنما هو الطريق الذي ينبغي أن نسلكه لكي يصبح سؤال الوجود ممكنًا من جديد.

فالفلسفة، في نظر هايدغر، أخطأت حين انشغلت طويلًا بالكائنات ونسيت السؤال عن «الوجود» الذي يجعل ظهور الكائنات ممكنًا. وقد كان الإنسان نفسه، paradoxically، أحد ضحايا هذا النسيان؛ إذ جرى اختزاله إلى نفس، أو عقل، أو وعي، أو ذات، أو كائن بيولوجي.

أما الدازين فيعيد الإنسان إلى انفتاحه الأصلي: إلى كونه إمكانية قبل أن يكون هوية مكتملة.

الدازين: وجود في العالم

من أكثر المفاهيم التصاقًا بالدازين مفهوم الوجود-في-العالم (In-der-Welt-sein). وليس المقصود أن الإنسان موجود «داخل» العالم كما يوجد كتاب داخل غرفة. فهذه الصورة تفترض إنسانًا مستقلًا عن العالم ثم تضعه داخله.

هايدغر يريد شيئًا أعمق: العالم ليس مسرحًا خارجيًا تحدث فيه حياة الدازين؛ العالم جزء من البنية الأصلية لوجوده.

أنا لا أستيقظ صباحًا فأجد أمامي أولًا «عالمًا محايدًا»، ثم أقرر كيف أتعامل معه. أستيقظ وسط شبكة من المعاني: بيت، عمل، لغة، عائلة، أدوات، مواعيد، ذكريات، توقعات. العالم لا يظهر لي ككومة أشياء، بل كنسيج من الدلالات.

وهنا تصبح المطرقة، مثلًا، أكثر من جسم ذي كتلة وشكل. إنها «شيء للاستعمال» داخل سياق من العلاقات. حين أطرق مسمارًا، لا أتوقف عادة لأتأمل المطرقة بوصفها موضوعًا فيزيائيًا؛ إنها تندمج في الفعل نفسه.

وهذا ما يجعل هايدغر يتجاوز التصور النظري للوعي. فنحن لا نبدأ دائمًا من التأمل، بل من الانخراط. نحن نسكن العالم قبل أن نفسره، ونستعمله قبل أن نحوّله إلى موضوع معرفة.

الإلقاء: أن نجد أنفسنا في عالم لم نختره.

الدازين ليس سيد بدايته. إنه ملقى في العالم

نحن لم نختر تاريخ ميلادنا، ولا لغتنا الأولى، ولا عائلتنا، ولا العصر الذي ولدنا فيه، ولا كثيرًا من الشروط التي شكلت بدايات وجودنا. ومع ذلك نجد أنفسنا داخلها، مطالبين بأن نصنع منها شيئًا.

يسمي هايدغر هذا البعد الإلقاء (Geworfenheit).

والإلقاء ليس مجرد حادثة بيولوجية؛ إنه بنية وجودية. أن تكون موجودًا يعني أن تجد نفسك دائمًا وقد سبقتك أشياء كثيرة. أنت تأتي متأخرًا إلى عالم كان موجودًا قبلك، ثم يُطلب منك أن تمنحه معنى.

ومن هنا تنشأ المفارقة الجميلة في الوجود الإنساني: نحن لا نختار نقطة انطلاقنا، لكننا مسؤولون عن الطريقة التي نواصل بها الطريق.

الدازين و«الناس»

لكن الدازين لا يعيش في عزلة رومانسية. إنه يوجد دائمًا مع الآخرين. ولذلك يتحدث هايدغر عن الوجود-مع (Mitsein).

غير أن وجودنا مع الآخرين قد يتحول إلى فقدان للذات. فالإنسان كثيرًا ما يعيش وفق ما «يُقال»، وما «يفعل الناس»، وما «يراه الجميع مناسبًا».

هنا يظهر مفهوم الـ«هم» (das Man).

الـ«هم» ليس مجموعة أشخاص محددين، بل ذلك المجهول الاجتماعي الذي يقول لنا بصورة غير مباشرة: هكذا يفكر الناس، هكذا يتصرف الناس، هكذا ينجح الإنسان، هكذا ينبغي أن يعيش.

في الـ«هم» لا أقول: «أنا اخترت». بل تقول اللغة الاجتماعية من خلالي: «هكذا يفعلون».

وهنا يصبح الدازين مهددًا بأن يعيش حياة مستعارة؛ حياة لا يختارها بقدر ما يرثها من التداول اليومي.

السقوط في اليومي

يسمي هايدغر هذا الانغماس في أنماط الحياة المألوفة السقوط (Verfallen).

والسقوط لا يعني ارتكاب خطيئة أخلاقية، كما قد توحي الكلمة لأول وهلة. إنه يعني أن الدازين قد يفقد علاقته الأصيلة بإمكاناته حين يذوب في ضجيج اليومي.

الثرثرة، والفضول، والالتباس، والانشغال بما يقوله الجميع، كلها مظاهر تجعل الإنسان يبتعد عن سؤال وجوده.

فالثرثرة، مثلًا، لا تحتاج إلى أن تكون كذبًا. قد تكون صحيحة من الناحية المعلوماتية، لكنها تظل سطحية وجوديًا لأنها تجعل الكلام يدور حول الأشياء دون أن يلامس تجربة الوجود نفسها.

وهنا يمكن أن نقول: ليست المشكلة أن الإنسان يتكلم كثيرًا، بل أن الكلام قد يتكلم فيه بدلًا منه.

القلق: حين يتراجع العالم المعتاد

إذا كان السقوط يجعل الدازين مألوفًا لنفسه داخل العالم اليومي، فإن القلق (Angst) يحدث شرخًا في هذا الاطمئنان.

في الخوف أعرف عادة ما أخاف منه: مرض، حادث، فقدان، خطر. أما في القلق، فإن الأمر أكثر جذرية؛ إذ يتزعزع معنى الأشياء نفسها.

لا يعود العالم مجرد مجموعة من الأدوات والمشاغل اليومية. ينسحب ذلك الأمان المألوف، ويجد الدازين نفسه أمام إمكان وجوده ذاته.

ولهذا فالقلق عند هايدغر ليس مرضًا نفسيًا بالمعنى السريري، وإنما تجربة وجودية تكشف للدازين شيئًا عن بنيته العميقة.

إن القلق يقول للإنسان، بطريقة لا تحتاج إلى خطاب: أنت لست ما اعتدت أن تكونه فقط.

الموت: الإمكانية القصوى

لكن الدازين يبلغ أقصى انكشافه على نفسه أمام الموت.

الموت عند هايدغر ليس مجرد حدث يقع في نهاية الحياة، بل هو إمكانية الوجود القصوى. إنه الإمكانية التي لا يستطيع أحد أن ينتزعها من الدازين أو يعيشها بدلًا منه.

يمكن للآخر أن يساعدني، أن يحبني، أن يواسيني، لكنه لا يستطيع أن يموت موتي.

ولهذا فإن الموت يكشف فردانية الدازين كشفًا جذريًا.

ومن هنا يظهر مفهوم الوجود-نحو-الموت (Sein-zum-Tode). إن الإنسان الأصيل ليس من يهوى التفكير في الموت، وإنما من يدرك أن موته ليس حادثًا خارجيًا فحسب، بل إمكانية ترافق وجوده منذ البداية.

الموت ليس مجرد «آخر صفحة» في الكتاب؛ إنه ظلّ الكتاب الذي يجعل كل صفحة منه ذات وزن.

الأصالة ليست حياة خارج المجتمع

قد يُفهم من ذلك أن هايدغر يدعو إلى الهروب من المجتمع والعيش في عزلة. وهذا فهم غير دقيق.

الأصالة (Eigentlichkeit) لا تعني أن يصبح الإنسان كائنًا بلا الآخرين، وإنما أن يتوقف عن تسليم وجوده بالكامل إلى الـ«هم».

فالدازين الأصيل لا يخرج من العالم، بل يعود إليه بطريقة مختلفة. إنه لا يتخلص من اللغة والعادات والمؤسسات، لكنه يبدأ في امتلاك علاقته بها بدل أن تكون هي التي تمتلكه.

الأصالة، إذن، ليست قناعًا جديدًا نرتديه، وإنما هي استعادة لعلاقة أكثر مسؤولية مع إمكانات وجودنا.

الضمير والقرار

في هذا السياق يظهر نداء الضمير. والضمير عند هايدغر ليس محكمة أخلاقية داخلية تصدر الأحكام، وإنما نداء يعيد الدازين إلى نفسه.

إنه نداء لا يخبرني بالتفصيل ماذا أفعل، بل يوقظني من سباتي داخل الـ«هم».

ومن هنا يأتي مفهوم القرار (Entschlossenheit): أن يصبح الدازين قادرًا على اتخاذ وجوده على عاتقه، لا بوصفه مشروعًا مغلقًا، بل بوصفه إمكانية.

فالقرار لا يعني أنني أصبحت متأكدًا من كل شيء؛ بل يعني أنني قبلت أن أعيش داخل عدم اليقين دون أن أختبئ وراء يقين الجماعة.

الدازين والزمن

لا يمكن فهم الدازين من دون الزمن. فالإنسان ليس نقطة حاضرة مكتفية بذاتها. إنه يحمل ماضيه، ويتجه نحو إمكاناته، ويعيش الحاضر بين الاثنين.

الدازين هو، بهذا المعنى، كائن زمني.

الماضي ليس شيئًا انتهى تمامًا، والمستقبل ليس شيئًا لم يأتِ بعد فحسب. كلاهما يعمل داخل الحاضر. نحن نعيش من خلال ما كنا، ومن خلال ما يمكن أن نصير إليه.

وهنا تصبح الوجودية الهايدغرية أكثر تعقيدًا من مجرد فلسفة عن «الإنسان». إنها تحليل للبنية الزمنية التي تجعل الإنسان قادرًا على أن يكون مشروعًا مفتوحًا.

التأويل: الدازين بوصفه كائنًا يفهم

ومن هنا تبرز أهمية المقاربة التأويلية.

الدازين ليس كائنًا يوجد أولًا ثم يبدأ بعد ذلك في فهم العالم. الفهم نفسه نمط من وجوده.

إنني لا أواجه العالم بعين محايدة تمامًا؛ أدخله وفي داخلي تاريخ، ولغة، وتجارب، وانتظارات. لذلك فإن فهمنا للعالم مشروط دائمًا بأفق سابق.

وهنا يقترب هايدغر من قلب الهرمينوطيقا: الإنسان ليس مجرد مفسر للنصوص، بل هو في ذاته كائن تأويلي.

إنه يعيش بالتأويل حتى قبل أن يجلس أمام كتاب ليفسره.

نحن نؤول الآخر، والحدث، والذاكرة، والمستقبل، وحتى أنفسنا. ولذلك فإن سؤال «من أنا؟» لا يقود إلى جوهر ثابت مختبئ خلف التجربة، وإنما إلى مسار تأويلي لا ينتهي بسهولة.

خاتمة: الدازين كإمكان مفتوح

إن أهمية مفهوم الدازين عند هايدغر تكمن في أنه حرر التفكير في الإنسان من كثير من التعريفات الجاهزة. لم يعد الإنسان جوهرًا مكتملًا، ولا ذاتًا منعزلة، ولا عقلًا يطل من الخارج على العالم. إنه كائن ملقى، يعيش مع الآخرين، يسقط في اليومي، يقلقه وجوده، يتجه نحو الموت، ويفهم ذاته والعالم من داخل أفق لغوي وزمني وتأويلي.

ولهذا فإن الدازين ليس «من نحن؟» بقدر ما هو «كيف نوجد؟»

وهذا التحول الصغير في صياغة السؤال يفتح هاوية فلسفية كاملة.

فالإنسان، عند هايدغر، لا يُعثر عليه في تعريف نهائي، لأنه ليس شيئًا جاهزًا كي نعثر عليه. إنه مشروع وجود، وإمكان، وانفتاح، وسؤال يمشي على قدمين.

وربما لهذا كان الدازين أكثر من مفهوم فلسفي: إنه اسمٌ للإنسان حين يتوقف عن النظر إلى وجوده بوصفه أمرًا عاديا.

***

بقلم: د. معروفي العيد

بين التقليد الألماني عند كارل يسبرس ومارتن هيدغر والتقليد الفرنسي عند ميشيل فوكو وجيل دولوز

مقدمة: يظل سؤال ماهية الفلسفة من أكثر الأسئلة إلحاحاً وإشكالية في الفكر المعاصر، لا لأنه يفتقر إلى إجابات، بل لأن كل إجابة تحمل في طياتها تصوراً مختلفاً عن مهمة الفكر وعلاقته بالوجود والتاريخ والذات والمجتمع. يتقابل في هذا السؤال تقليدان كبيران: التقليد الألماني الذي يتمثل هنا في كارل يسبرس ومارتن هيدغر، حيث تُربط الفلسفة بمسألة الوجود والوجود الإنساني الأصيل والتفكير في الكينونة، والتقليد الفرنسي الذي يتمثل في ميشيل فوكو وجيل دولوز، حيث تُعاد صياغة الفلسفة بوصفها نقداً تاريخياً للمعرفة والسلطة أو بوصفها إبداعاً للمفاهيم وممارسة للفكر المحايث. تسعى هذه الدراسة إلى الاشتغال المقارن على تحديد ماهية الفلسفة عند هؤلاء الأربعة، كاشفة عن نقاط التقارب والتباعد، وعن الكيفية التي يعيد بها كل واحد منهم تأسيس الفلسفة بعد أزمة المثالية والميتافيزيقا التقليدية.  فماهي الفوارق بين التقليد الألماني والتقليد الفرنسي في مستوى الاشتغال على تحديد ماهية الفلسفة؟

التقليد الألماني: الفلسفة بما هي تفكير في الوجود والوجود الأصيل

ينطلق كارل يسبرس من تمييز حاسم بين المعرفة العلمية الموضوعية والتفلسف بوصفه فعلاً وجودياً. الفلسفة عنده ليست علماً يراكم نتائج قابلة للتحقق العام، بل هي فعالية وعي بالوجود تتحقق في مقامات الوجود الإنساني الأصيل. يميز يسبرس بين الوجود اليومي والوجود الأصيل، ويرى أن الفلسفة تستيقظ في المواقف الحدية كالموت والمعاناة والصراع والخطيئة، حيث ينكشف الإنسان على تناهيها وعلى تعاليه الممكن في آن واحد. ماهية الفلسفة عند يسبرس تكمن في الإنارة الوجودية وفي التواصل الأصيل الذي يتجاوز مجرد تبادل المعلومات إلى لقاء حر بين ذوات. الفلسفة أيضاً هي البحث عن الشامل الذي لا يُدرك كموضوع بل يُشار إليه بوصفه الأفق الذي يجعل كل ظهور ممكناً. بهذا تكون الفلسفة عند يسبرس ممارسة تحرر وانفتاح ومسؤولية، لا بناء لنسق مغلق.

أما مارتن هيدغر فيدفع السؤال إلى مستوى أنطولوجي أعمق. الفلسفة في صورتها التقليدية هي الميتافيزيقا التي نسيت سؤال الوجود وانشغلت بالموجودات. ماهية التفكير الأصيل عند هيدغر ليست الاستدلال أو بناء الأنساق، بل الإصغاء إلى نداء الوجود والتفكير في الاختلاف الأنطولوجي بين الوجود والموجود. في مرحلته المتأخرة يعلن نهاية الفلسفة بوصفها ميتافيزيقا، ويدعو إلى بداية أخرى للتفكير تتجاوز الذاتية والحسابية والتقنية. الفلسفة الحقة أو ما يخلفها هو التفكير الذي يقيم في القرب من الوجود، تفكير شعري وتأملي يحفظ السر ولا يسعى إلى السيطرة. بهذا يحدد هيدغر ماهية الفلسفة لا بما تنتجه من معارف، بل بما تفتحه من علاقة أصيلة بالكينونة وبما تكشفه من خطر النسيان الذي يهدد العصر التقني.يتفق يسبرس وهيدغر على ربط الفلسفة بمسألة الوجود الإنساني الأصيل وعلى نقد الاختزال العلمي والموضوعي، لكنهما يختلفان في النبرة والأفق. يسبرس يبقي الفلسفة في دائرة التواصل والحرية والمواقف الحدية الإنسانية، بينما يوجه هيدغر الفلسفة نحو سؤال الوجود نفسه ويبلغ حد الإعلان عن نهايتها التاريخية كمطلب للانتقال إلى تفكير آخر.

التقليد الفرنسي: الفلسفة بما هي نقد وإبداع وممارسة ينتقل ميشيل فوكو بالسؤال عن ماهية الفلسفة إلى مستوى تاريخي ونقدي جذري. الفلسفة عنده ليست تأملاً في الوجود الكلي ولا إنارة للوجود الفردي الأصيل بمعزل عن الشروط التاريخية. هي بالأحرى موقف نقدي وممارسة تحليلية تكشف كيف تتشكل المعارف والذوات والسلطات داخل أنظمة خطاب وممارسات. عبر الأركيولوجيا والجينالوجيا يحول فوكو الفلسفة إلى أداة لفضح البداهات ولكشف العلاقات بين المعرفة والسلطة. في مرحلته المتأخرة يربط الفلسفة بـ«الاهتمام بالذات» وبفنون الوجود، مستعيداً تقاليد قديمة ليجعل من الفلسفة ممارسة تحويلية للذات لا مجرد خطاب نظري. ماهية الفلسفة عند فوكو تكمن إذن في قدرتها على النقد التاريخي للحاضر، وفي فتح إمكانات جديدة للتفكير والوجود عبر تفكيك ما يبدو ضرورياً أو طبيعياً.أما جيل دولوز فيقدم تحديداً مختلفاً جذرياً لماهية الفلسفة. الفلسفة ليست تأملاً ولا تواصلاً ولا تساؤلاً عن الوجود بالمعنى الهيدغري، بل هي إبداع للمفاهيم. الفيلسوف هو خالق مفاهيم، والمفهوم ليس تمثيلاً لواقع سابق بل أداة لرسم مسارات جديدة في الفكر والحياة. يرفض دولوز صورة الفكر التقليدية القائمة على التعرف والحس السليم والتمثيل، ويدعو إلى فكر الاختلاف والصيرورة والمحايثة. الفلسفة تقيم على مستوى المحايثة الخالصة، وتشتبك مع العلم والفن دون أن تختزل فيهما، وتنتج مفاهيم تسمح بمقاومة ما هو قائم وباختراع إمكانات حياة جديدة. بهذا تصبح ماهية الفلسفة عند دولوز إبداعية ومقاومة ومحايثة، لا تأسيسية ولا تأويلية بالمعنى التقليدي.يتقارب فوكو ودولوز في رفض التعالي الميتافيزيقي وفي ربط الفلسفة بالممارسة والتحويل، لكنهما يختلفان في الأسلوب والأولوية. فوكو يركز على التحليل التاريخي النقدي لأنظمة السلطة والمعرفة، بينما يركز دولوز على الإبداع المفهومي وعلى أنطولوجيا الصيرورة والاختلاف.

المقارنة: نقاط التقارب والتباعد

تكشف المقارنة بين التقليدين عن تقاربات عميقة رغم الاختلاف الظاهري. يشترك الأربعة في رفض اختزال الفلسفة إلى علم وضعي أو إلى نسق مغلق مكتمل، وفي التأكيد على أن الفلسفة ممارسة أكثر مما هي مذهب. كما يشتركون في نقد الذاتية الحديثة والحسابية التقنية، وإن اختلفت أدوات النقد. يسبرس وهيدغر وفوكو ودولوز جميعاً يرون أن الفلسفة الحقيقية توقظ أو تحرر أو تقاوم، لا أنها تبني معرفة محايدة.غير أن التباعدات حاسمة. التقليد الألماني عند يسبرس وهيدغر يظل مشدوداً إلى أفق أنطولوجي أو وجودي: سؤال الوجود، الشامل، الوجود الأصيل، نسيان الكينونة. حتى حين ينتقد هيدغر الميتافيزيقا فإنه يظل يفكر من داخل تاريخ الوجود. أما التقليد الفرنسي عند فوكو ودولوز فينتقل إلى أفق تاريخي–نقدي أو إبداعي–محايث: أنظمة الخطاب والسلطة، إبداع المفاهيم، الصيرورة، مقاومة الحاضر. الفلسفة عند الألمانيين أقرب إلى التفكير فيما يجعل الظهور ممكناً أو في ما يُنسى، بينما هي عند الفرنسيين أقرب إلى تحليل كيف تتشكل الذوات والمعارف أو إلى اختراع أدوات فكرية جديدة للحياة. كما يظهر تباين آخر في العلاقة بالموروث. يسبرس وهيدغر يعيدان قراءة التراث الفلسفي الكبير بحثاً عن إمكانات أصيلة أو عن تاريخ للنسيان. فوكو ودولوز يعيدان قراءة التراث أيضاً لكن بروح جينالوجية أو بروح انتقائية خلاقة تنتزع منه ما يصلح لإبداع حاضر مختلف. كما يختلفون في تصور الذات: عند يسبرس ذات وجودية تتحقق في التواصل، وعند هيدغر دازاين منفتح على الوجود، وعند فوكو ذات تتشكل تاريخياً عبر السلطة والمعرفة ويمكن إعادة تشكيلها، وعند دولوز ذات تذوب في خطوط الصيرورة والتفردات.

خاتمة

إن الاشتغال على تحديد ماهية الفلسفة بين يسبرس وهيدغر من جهة وفوكو ودولوز من جهة أخرى يكشف أن السؤال عن الفلسفة هو في جوهره سؤال عن كيفية علاقة الفكر بالوجود والتاريخ والحياة. التقليد الألماني يحفظ للفلسفة أفقها الأنطولوجي والوجودي ويمنعها من التحول إلى مجرد تقنية نقدية أو إبداعية بلا جذور. والتقليد الفرنسي يدفعها إلى الواجهة التاريخية والنقدية والإبداعية ويمنعها من الانغلاق في تأمل متعالٍ أو في حنين أنطولوجي. يسمح هذا الاشتغال المقارن برؤية أن ماهية الفلسفة ليست جوهراً ثابتاً يُكتشف مرة واحدة، بل هي موضع نزاع خلاق يتجدد مع كل حقبة. التقليد الألماني يذكر بأن الفلسفة تفقد روحها إذا نسيت سؤال الوجود والتناهي والأصالة. والتقليد الفرنسي يذكر بأنها تفقد فعاليتها إذا انفصلت عن نقد الحاضر وإبداع أدوات جديدة للتفكير والحياة. الجمع بين الإرثين لا يعني التلفيق، بل يعني الإقرار بأن الفلسفة اليوم مطالبة بأن تكون في آن واحد تفكيراً في شروط الوجود ونقداً تاريخياً للسلطات وإبداعاً لمفاهيم تسمح بمقاومة الاختزال وفتح ممكنات أخرى. بهذا تظل ماهية الفلسفة مفتوحة: هي الإنارة الوجودية والتواصل الأصيل عند يسبرس، والتفكير في الوجود ونهاية الميتافيزيقا عند هيدغر، والنقد الجينالوجي والاهتمام بالذات عند فوكو، وإبداع المفاهيم والمحايثة المقاومة عند دولوز. المقارنة لا تحسم النزاع لصالح طرف، بل تكشف أن خصوبة الفلسفة تكمن تحديداً في تعدد الطرق التي تحدد بها ماهيتها وتعيد بها ابتكار مهمتها أمام تحديات كل عصر.  الدراسة المقارنة تبين أن الفلسفة الحية هي التي تتحمل هذا التوتر ولا تختزله، فتظل قادرة على التفكير في الوجود وعلى نقد الحاضر وعلى إبداع مفاهيم تفتح دروباً جديدة للوجود الإنساني. بهذا يبقى تحديد ماهية الفلسفة مهمة لا تنتهي، لأن كل تحديد أصيل يعيد فتح السؤال بدل أن يغلقه. فماهي آفاق التحديد المعاصر لماهية الفلسفة؟ وفيما تتمثل قراءة الهيدجريين لفوكو ودولوز؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

تقاطع العماء الفكري والشطح الانفصامي

تُمثّل دراسة التضافر والتآزر بين مظهرين من أشد مظاهر الانحراف الإدراكي تعقيدًا في الظاهرة الإنسانية؛ وهما:

"الشطح الانفصامي" و"الجهل المستتر بالمقدس"، مدخلًا تحليليًا متقدمًا لتفكيك آليات استلاب العقل، ورصد مسارات تحول الوعي من الفاعلية التداولية والحرية النقدية إلى التكلس المعرفي والامتثال الجمعي المطلق. إن هذا التقاطع لا يعبّر عن مصادفة فكرية عابرة أو خلل هامشي في بنية المجتمعات، بل يؤشر إلى لحظة مفصلية يلتقي فيها الشطح الوجداني المتجاوز لمنطق البرهان والواقع، مع منظومة معرفية مفرغة من محتواها الحضاري والتاريخي.

هذا التلاقي في النسق الفكري المغلق يُعطل ملكات الفهم والمساءلة، ويستبدل المحاكمة العقلية الرشيدة، و ينتج تسليمًا أعمى يكرس الانقياد ويقوض أسس الممارسة الإنسانية الحرة. من هنا، يغدو تفكيك هذه الظاهرة واجبًا فلسفياً يسعى إلى كشف البِنَى الخفية التي تتوسل بالرمزية لتكبيل الإرادة الفردية والجمعية على حد سواء.

سوسيولوجيًا اللا-ثقافي وإنتاج الجهل المنظّم

في التحليل البنيوي للتحولات الدينية المعاصرة، يبرز المفهوم التأسيسي الذي قاده عالم الاجتماع الفرنسي أوليفييه روا حول تجريد التدين من حاضنته الثقافية، يمثل تشريحًا دقيقًا لظاهرة انقطاع المعتقد عن الوعاء المعرفي التراكمي. يُحلل هذا الطرح سيرورة اجتثاث الفكرة الدينية من سياقها الحضاري الممتد، وتفكيك روابطها مع الفنون، والآداب، والمباحث الفلسفية، مما يتمخض عنه نمط من "التدين المصمت" الخالي من أي عمق فكري تاريخي.

تتأسس الخطورة الفلسفية لهذا النمط من الجهل المستتر بالقداسة على إعادة إنتاج الفكرة في قوالب تبسيطية حتمية تناهض التفكير الحر والمساءلة الإبستمولوجية. إن هذا الإيمان المستلب يرفض التعدد والتأويل العقلاني المنفتح، ويُحِل محلهما وثوقية جازمة تنظر إلى العلوم العقلية والمناهج النقدية بوصفها تهديدًا لـ "نقاء المعتقد المطلق".

وبذلك، يتحول الجهل من مجرد حالة سلبية من عدم المعرفة، إلى سلطة معرفية مصمتة وفضيلة مفترضة تُسيّج الوعي داخل قلاع منيعة ضد أي حُوَار عقلاني، تدفع بالأفراد نحو الانغلاق الصارم في فضاءات تبريرية تُشرعن إلغاء الآخر وتكرس التبعية.

استلاب العقل وتفكيك الفاعلية النقدية

إن مفهوم "استلاب العقل" يشير في جوهره إلى مصادرة استقلالية التفكير وسلب الإرادة الفاعلة من الذات الإنسانية، وإخضاعها لمرجعية متعالية تفرض الهيمنة وتمنع المراجعة. وإذا كان الدرس الفلسفي النقدي، بدءًا من تفكيك لودفيغ فيورباخ لاغتراب الماهية الإنسانية وإسقاط قواها الذاتية على عوالم متخيلة، مرورًا بالتحليلات الهيكلية لنقد الاغتراب الاجتماعي والسياسي، قد أرسى دعائم فهم كيفية تشيؤ الإنسان؛ فإن نقد العقلانية الأداتية مع ماكس هوركهيمر في دراسته لـ خسوف العقل قد بيّن كيف تنقلب أدوات التنوير ذاتها إلى وسائل لإعادة تكريس الاستبداد وتجريد العقل من غاياته التحررية الجوهرية.

يتجلى التلاحم العليل بين الجهل المستتر بالمقدس والشطح الانفصامي عبر مسار تصاعدي تتكامل حلقاته:

يبدأ المسار أولًا بتجريف الحصانة الفكرية والبيئة التداولية الحرة، واستبعاد المنهج الاستدلالي لمصلحة القبول الساذج.

يتبع ذلك تكريس قطيعة معرفية مع الواقع الموضوعي وشروطه التاريخية، حيث تنعزل الجماعة داخل تصورات دوغمائية حتمية.

يتحول الاندفاع الروحي المفتقر لضابط الحكمة إلى شطح انفصامي يُسقط رغباته وهواجسه على الواقع المَعِيش، مانحًا إياها هالة متعالية لا تقبل النقاش.

تنتهي هذه السيرورة بوقوع الوعي الجمعي في أسر الاستلاب الكامل؛ حيث تتعطل القدرة على الموازنة الأخلاقية والسياسية، وتغدو الجماهير أداة طيّعة في يد الخطابات الشعبوية والسلطوية.

التقاطع النقدي بين هوركهيمر وغرامشي

يتعمق فهم هذا التآزر البنيوي حين نقيم جسرًا نظرياً يربط بين نقد ماكس هوركهيمر لـ العقل الأداتي وتحليل أنطونيو غرامشي لآليات الهيمنة الثقافية؛ إذ يكشف هذا التقاطع عن الكيفية التي يتحول بها الشطح الانفصامي والجهل المؤطر بالقداسة من مجرد خلل معرفي إلى أداة سياسية بالغة الدَّقَّة لتطويع الشعوب وصناعة الإجماع الطوعي.

يوضح هوركهيمر أن العقل حين يُفرَّغ من بعده النقدي والغائي، يتحول إلى "عقل أداتي" وظيفي ينحصر دوره في حساب الوسائل الفعالة لتحقيق أهداف مفروضة سلفًا دون مساءلة عدالتها أو مشروعيتها. وفي مناخ التجريد الديني والثقافي، يُوظَّف هذا العقل الأداتي في حشد الجماهير وتبرير السلوك الانفعالي تحت لافتات مقدسة؛ حيث يُستبدل البحث عن الحقيقة بالبحث عن الكفاءة في نشر الوثوقيات وتثبيتها.

هنا يلتقي طرح هوركهيمر مع نظرية غرامشي في الهيمنة؛ إذ يرى غرامشي أن الطبقات السائدة لا تفرض سلطانها بالقسر والإكراه المادي فحسب، بل تبني هيمنتها عبر السيطرة على الفضاء الثقافي وتشكيل ما يُعرف بـ "الحس المشترك" الجمعي. يُعاد تشكيل هذا الحس المشترك من خلال استثمار الجهل المستتر بالمقدس، حيث تُسبغ القداسة على الأوهام، ويُقدَّم الشطح الانفصامي بوصفه حقيقة عليا لا يرقى إليها الشك.

ويقوم "المثقف التبريري" في هذا النسق بتعطيل الفكر النقدي الجمعي وتحويل الضلال التشاركي إلى عقيدة سائدة تبدو في نظر الجماهير طبيعية وتلقائية، مما يُنتج حالة من "الرضا المصنوع بالاستلاب"؛ فتستسلم الحشود لهيمنة السلطة دون حاجة إلى أدوات القمع الظاهرة، لأن القيود قد استقرت في صميم بنائها الإدراكي والنفسي.

نسق المغالطات وصناعة الوعي الزائف

لا يتحرى الوعي الإنساني بوصفه ملكة استدلالية منعزلة عن المؤثرات الجمعية والمصالح النفسية والضغوط الدعائية المنظمة. في البيئات التي يسود فيها التآزر بين الجهل المؤطر بالقداسة والشطح الانفصامي، تتعرض المحاكمة المنطقية لانتكاسة بنيوية تجعلها قابلة للوقوع في أسوأ المغالطات الصورية والمادية.

يتم سلب الفاعلية العقلية هنا عبر إحلال الإدراك الانفعالي التبسيطي محل التجريد النظري الرصين، حيث يُهيمن "صدى الحشد" وتطغى الهستيريا الجمعية المؤدلجة لتلغي قدرة الفرد على التمييز المنطقي والتعريف الموضوعي. وتؤدي هذه الآفات إلى تحويل النقص الذهني والقصور الإدراكي إلى مظهر من مظاهر "التفوق الروحي والصفاء"، وتُنتزع الظواهر الاجتماعية والسياسية من سياقاتها السببية وقوانينها الموضوعية لتُعزى إلى قِوَى خفية وتفسيرات حتمية مغلقة.

إن هذا التعطيل المتعمد لقانون العلية يحمي البِنَى السلطوية من النقد والمساءلة، إذ يُصوَّر كل إخفاق سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي على أنه قدر محتوم أو اختبار، مما يعفي الفاعلين الحقيقيين من المسؤولية الأخلاقية والتاريخية ويشل إرادة التغيير لدى المجتمع.

الاضطراب الضلالي التشاركي وتشكيل الكتلة المنقادة

عندما تتكلس البنية المعرفية وتفقد المجتمعات رصيدها من الفلسفة والوعي التاريخي، يتحول الشطح الانفصامي من تجرِبة فردية معزولة إلى ظاهرة اجتماعية وسياسية واسعة النطاق من خلال ما يُعرف بـ "الاضطراب الضلالي التشاركي".

إن الرمزية المشحونة تاريخيًا ودينيًا تمتلك قدرة هائلة على التأثير في الوعي الهش، وتتخذ هذه الظاهرة التشاركية ثلاث أنماط بنيوية تتداخل فيها الهيمنة بالاستلاب:

النمط الأول: الضلال الرسالي التعويضي؛ وفيه تنشأ فكرة مطلقة لدى ذات فردية تعاني من اغتراب حاد، ثم تتدثر برداء القداسة لتعويض العجز التاريخي والواقعي، مدعيةً امتلاك مفاتيح الخلاص أوا لتماهي مع النماذج التأسيسية الكبرى.

النمط الثاني: الهوس التجمعي الدوغمائي؛ حيث تلتف مجموعات مستلبة حول أفكار هوسية تفتقر إلى البرهان العقلي، لكنها توفر للأفراد شعورًا بالانتماء الزائف واليقين المطلق، مما يلغي التفكير الفردي لمصلحة طاعة عمياء للزعيم أو الفكرة المركزية.

النمط الثالث: الانفصام الرمزي الجمعي؛ وهو ارتماء فجائي لكتل بشرية في فضاءات ألتماهي الرمزي تحت تأثير الصدمات الحضارية والسياسية الكبرى؛ حيث تنهار كوابح الواقع وتتراجع لغة العقل لمصلحة خطابات وعظية حماسية تُلقى وتُتلقى دون تمحيص.

تكمن خطورة الاضطراب الضلالي التشاركي في قدرته على نقل التصور المشوه من بؤرته الأولى إلى سائر البنية الاجتماعية؛ إذ تنعدم المسافة النقدية الفاصلة بين الفكرة وفحصها، وتتحول الأوهام إلى حقائق راسخة بفعل الإجماع الزائف للمجموعة. يُنتج هذا التشارك كتلة بشرية صلبة تعيش في قطيعة تامة مع المعايير العقلية، وتتعامل مع أي نقد خارجي باعتباره تآمرًا أو خروجًا عن الإجماع، مما يُكرس نظامًا شموليًا يحصن ذاته ضد التفكيك ويهدد أسس التعايش العقلاني.

تأسيس لمسار التجاوز

تأسيساً على ما تقدم من تفكيك فلسفي وسوسيولوجي لبنية الاستلاب والهيمنة:

المقدمة الأولى: إن تجريد الوعي الديني من عمقه الثقافي والفلسفي التراكمي، مع اختزال العقل في بعدها لأداتي الوظيفي، يُنتج جهلًا مستترًا بالمقدس يُعطل أدوات المحاكمة المنطقية والنقد الذاتي.

المقدمة الثانية: إن توظيف الشطح الانفصامي ضمن آليات الهيمنة الثقافية يحول الأوهام إلى "حس مشترك" زائف يغذي الاضطراب الضلالي التشاركي، ويمنح السلطة المستبدة شرعية طوعية تُحصنها ضد المساءلة.

الاستنتاج البرهاني:

يتطلب تجاوز هذه المحنة الوجودية والمعرفية صياغة استراتيجية تفكيكية متكاملة تنهض على مرتكزين أصيلين:

المرتكز الإبستمولوجي والسياسي: استعادة العقل لغاياته التحررية الجوهرية وتجاوز أداتية التفكير، وتفكيك بِنَى الهيمنة الثقافية عبر بناء وعي نقدي مضاد داخل الفضاء العمومي والمنظومة التربوية، لكشف الأصول التاريخية والطبقية لخطابات الجهل المستتر بالمقدس.

المرتكز المفاهيمي والتحرري: إقامة فواصل قطعية وصارمة بين التجارِب الروحية والقيمية السامية التي تُثري الماهية الإنسانية وتدفع نحو إعمار الوجود، وبين أنماط الشطح الانفصامي والضلال التشاركي الذي تصادر العقل وتُجهض الفاعلية الحضارية.

إن مناعة المجتمعات من السقوط في براثن الاستلاب لا تتحقق إلا بيقظة نقدية مستمرة، تُعيد للإنسان سيادته الفكرية، وتجعل من العقلانية الحرة المعيار الأسمى لفحص المقولات وتوجيه الممارسة الإنسانية نحو التحرر والعدالة.

***

غالب المسعودي

نشرت لي "مجلة دراسات الأديان" في بيت الحكمة في عددها الـ(50) دراسة مطولة بعنوان: "فقه الأضحية بين التوقيف الشرعي والجذر الطقسي: مقاربة فقهية أنثروبولوجية"، وكانت في أصلها تتخطى (65) صفحة. حاولت فيها مقاربة ضفيرة من الأسئلة المتعلقة بالإنسان وتمثلاته الدينيَّة للمعنى، وبالكيفية التي تتألف بها علاقته بالمقدس والمعنى عبر الطقوس والقرابين والأضاحي وو.

إِلَّا أنَّ ما استوقفني خارج حدود البحث الأكاديمي وشروطه، كان سؤالًا أوسع من الأضحية ذاتها، سؤال يتصل ببنية التجربة الدينيَّة في الاجتماع الإنسانيَّ، وهو كيف يمكن للإنسان أن يعيش مع الطقس أكثر مما يعيش مع المعنى الذي من أجله نشأ الطقس وتمظهر؟ وكيف يمكن للوسيلة أن تتحول إلى غاية، وللشعيرة إلى مقصد، وللقربان إلى مركز للتدين، فيما يتراجع حضور الله بوصفه منبع المعنى وغاية التقرب والتودّد؟

وأودّ أن أوضح منذ البداية طبيعة هذا التأمل، فهو تبصّر لا يقتصر على وصف كيف يتحول الطقس تاريخيًا، أنه إمعان للنظر ينتقل- وهذا خيار منهجي واعٍ لا ينبغي أن يمرّ ضمنيًا- إلى طرح موقف معياري من هذا التحول: أنّ الطقس المنفصل عن معناه خسارة، وأن استعادة العلاقة بينهما مطلب. القراءة الوصفية للنصوص تفتح الباب أمام هذا الحكم، لكنها لا تُنتجه بالضرورة وحدها؛ فالانتقال من "هكذا يحدث" إلى "هكذا ينبغي أنّ يكون ويجري" هو ما يمنح هذا المقال طابعه التأملي لا الوصفي الخالص.

المسألة في جوهرها وباطنها، ليست في وجود الطقس وحضوره، فالإنسان كائن رمزي بطبيعته، ولا يكاد يستطيع أن يعيش المعنى المجرد من دون أن يجسده في صورة أو فعل أو رمز. وإِنَّما تبدأ المشكلة حين يستقل الرمز عن مرموزه، والشعيرة عن غايتها، والوسيلة عن مقصدها؛ فيصبح الحفاظ على الشكل أكثر أهمية من السؤال عما يفعله هذا الشكل بالإنسان.

وقد يجد هذا التحول سندًا نظريًا في اشتغال الانثروبولوجيين، فميرتشا إلياده (ت1986م) يميز بين الشيء بوصفه مادة عادية وبين مشهد ولحظة تجليه حين يصير حاملًا لدلالة المقدس، بما يفتح المجال أمام سؤال مهم، وهو ماذا يحدث حين يتحول الوسيط الذي يشير إلى المقدس إلى موضوع قائم بذاته؟[1] وهنا يمكن النظر إلى تاريخ القربان[2] اليهودي بوصفه مثالًا كاشفًا عن الانتقال من التجربة الدينيّة المباشرة إلى تنظيمها المؤسسي، ثم ظهور خطاب نبوي نقدي صارم يعيد مساءلة العلاقة بين الطقس والمعنى وموضعة كل منهما.

ولا تعني هذه المقاربة أنّ التجربة اليهودية حالة استثنائية، وإنما يمكن النظر إليها بوصفها نموذجًا يساعد على فهم قابلية أوسع في تاريخ التدين، فالإنسان يميل ويتجه إلى تحويل المعنى إلى ممارسة قابلة للرؤية والتكرار[3]، ثم قابلية هذه الممارسة لأن تستقل تدريجيًا عن معناها الأول. ويمكن الإلماح على سبيل التمثيل لا الاستقصاء إلى نظائر لهذا النقد في تجارب دينيَّة أخرى، فالخطاب الصوفي ونزعته في التراث الإسلاميَّ طالما ميّز وشدد على ضرورة التميّيز بين "فقه الظاهر" و"فقه الباطن"، وانتقد أداء الشعائر الخالية من الخشوع والحضور القلبي الذي يشبع الحياة بالمعنى وينفذ إلى الوجدان ويصطاد الروح، دون أن يدعو إلى إسقاطها[4]. وفي التراث الفلسفي اليوناني، طرح أفلاطون على لسان سقراط في محاورة "إثيوفرون" سؤالًا مشابهًا عن العلاقة بين القربان وإرضاء الآلهة، مساءلًا هل يكفي تقديم القرابين لنيل رضا الإله، أم أنّ هناك ما هو أجدر بالاعتبار والتأمل من الفعل الطقسي ذاته[5]. هذه الإشارات لا تُغني عن دراسة مستقلة لكل تجربة على حدة، لكنها تؤيد أن ما نتتبعه في التجربة اليهودية ليس شذوذًا أو تفردًا، بقدر ما هي نمط تتكرر ملامحه حيثما وُجد طقس وإنسان وجدليات للتأثر والتأثير.

من المذبح المتنقل إلى المؤسسة المقدسة

تكشف النصوص الكتابية المبكرة عن حضور القربان بوصفه فعلًا تعبديًا مباشرًا يرتبط بالتقرب إلى الله، وبالمذبح الذي لم يكن في هذه المرحلة قد استقر في صورة المؤسسة المركزية التي عرفها لاحقًا ففي قصة إبراهيمu، يظهر المذبح مرتبطًا بالظهور الإلهي والدعوة باسم الرب: " وَظَهَرَ الرَّبُّ لِأَبْرَامَ وَقَالَ: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هَذِهِ الْأَرْضَ. فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ... فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ وَدَعَا بِاسْمِ الرَّبِّ" (سفر التكوين ١٢/٧-٨). وتظهر بساطة المذبح في التشريع المبكر: " مَذْبَحًا مِنْ تُرَابٍ تَصْنَعُ لِي وَتَذْبَحُ عَلَيْهِ مُحْرَقَاتِكَ وَذَبَائِحَ سَلَامَتِكَ، غَنَمَكَ وَبَقَرَكَ» (سفر الخروج ٢٠/٢٤). وكذلك: " وَلَا تَصْعَدْ بِدَرَجٍ إِلَى مَذْبَحِي" (الخروج ٢٠/٢٦). وتقدم قصة قابيل وهابيل صورة أخرى مبكرة للقربان: "وَحَدَثَ مِنْ بَعْدِ أَيَّامٍ أَنْ قَابِينَ قَدَّمَ مِنْ أَثْمَارِ الْأَرْضِ قُرْبَانًا لِلرَّبِّ، وَقَدَّمَ هَابِيلُ أَيْضًا مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَمِنْ سِمَانِهَا. فَنَظَرَ الرَّبُّ إِلَى هَابِيلَ وَقُرْبَانِهِ، وَلَكِنْ إِلَى قَابِينَ وَقُرْبَانِهِ لَمْ يَنْظُرْ".(سفر التكوين ٤/٣-٥).

وبصرف النظر عن التأويلات اللاحقة لسبب قبول قربان هابيل ورفض قربان قابيل، فإن الرواية تكشف عن حضور القربان في الوعي الدينيَّ المبكر بوصفه فعلًا من أفعال التقرب، قبل أن يتحول ويتبدل إلى منظومة طقسية مؤسساتية واسعة الحضور والتأثير الفعال. وتظهر صور المذبح والقربان كذلك في روايات نوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب(عليهم السلام)، ضمن سياقات العبادة المبكرة للآباء[6]. ولكن حضور القربان لم يبقَ على هذه الصورة المباشرة. فمع تشكل الجماعة الدينية وظهور المركز المقدس، أخذت الطقوس تدخل في بنية أكثر تنظيمًا وتعقيدا، وأصبح الكهنوت طرفًا أساسيا في إدارة المقدس وتحديد شروط ممارسة الطقس. ويظهر اختصاص اللاويين في النص: "يُعَلِّمُونَ يَعْقُوبَ أَحْكَامَكَ، وَإِسْرَائِيلَ نَامُوسَكَ. يَضَعُونَ بَخُورًا فِي أَنْفِكَ، وَمُحْرَقَاتٍ عَلَى مَذْبَحِكَ"(سفر التثنية: ٣٣/١٠).

وهكذا أصبح القربان جزءًا من بنية دينية مؤسساتية تتداخل فيها الشعيرة مع المكان المقدس والكهنوت والتشريع. ولم تعد الذبيحة مجرد فعل تعبدي مباشر، بقدر ما غدت ممارسة منظمة تحدد المؤسسة الدينية شروطها وأشكالها ومجالاتها. وهنا تبدأ المسافة في الظهور بين الطقس بوصفه وسيلة والطقس بوصفه غاية.

حين يتقدم الشكل على المعنى

كلما تراكمت القواعد والأشكال وتعاظمت المؤسسة، أصبح من الممكن أن تستقل الممارسة وتمظهرها عن الغاية التي من أجلها نشأت. وعند هذه النقطة يظهر الصوت النبوي الناقد للانفصال بين العبادة والحياة، وبين الشعيرة والأخلاق، وبين القربان والقرب الحقيقي من الله. ولا بدّ من توضيح دقيق في هذا التوتر والاحتدام، فحين ننسب إلى الأنبياء نقدًا للذبيحة أو القربان بشكل عام، لا نعني أنّهم كانوا يدعون إلى إلغائها وحذفها كمارسة، وإنما كانوا ينتقدون حالة بعينها، أو ورمًا بعينه، كأن تؤدَّى الذبيحة مصحوبةً بظلم اجتماعي أو نفاق أخلاقي أو غياب للطاعة الداخلية ومحبة الحق. فالنقد موجَّه إلى الذبيحة حين تنفصل عن الأخلاق والطاعة والشفقة والبهجة وو، لا إلى الذبيحة بما هي ذبيحة؛ والدليل أنَّ نظام القربان استمر معمولًا به في الهيكل بعد هؤلاء الأنبياء أنفسهم، ولم يفهم أحد من معاصريهم كلامهم على أنّه دعوة لإسقاط الشعيرة وزعزعة مشروعيتها. وهذا التمييز- بين نقد الطقس المنفصل عن غايته وجدواه، ونقد الطقس بما هو طقس- هو ما يحفظ اتساق هذا التأمل والتبصّر مع كونه دعوة إلى استعادة العلاقة الصحيحة بين الشكل والمعنى، لا إلى التخلي عن الشكل.

يقول صموئيل النبي في مواجهة شاول: " هَلْ مَسَرَّةُ الرَّبِّ بِالْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبَائِحِ كَمَا بِاسْتِمَاعِ صَوْتِ الرَّبِّ؟ هُوَذَا الاسْتِمَاعُ أَفْضَلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ، وَالْإِصْغَاءُ أَفْضَلُ مِنْ شَحْمِ الْكِبَاشِ" (سفر صموئيل الأول: ١٥/٢٢). لا تكمن أهمية النص في إلغاء الذبيحة، وإنما في إعادة ترتيب سلم القيم الدينية: الطاعة والاستماع يتقدمان على الفعل الطقسي حين ينفصل أحدهما عن الآخر. ويأتي هوشع ليمنح هذا التحول صياغته الأكثر كثافة: "إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لَا ذَبِيحَةً، وَمَعْرِفَةَ اللهِ أَكْثَرَ مِنْ مُحْرَقَاتٍ" (سفر هوشع: ٦/٦). فالرحمة ومعرفة الله ليستا إضافتين أخلاقيتين إلى الطقس، بقدر ما هما إعادة توجيه للطقس نحو منبعه وباطنه

أمّا إشعياء فيواجه تضخم الممارسة الطقسية مباشرة: " لِمَاذَا لِي كَثْرَةُ ذَبَائِحِكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ؟ اتَّخَمْتُ مِنْ مُحْرَقَاتِ كِبَاشٍ وَشَحْمِ مُسَمَّنَاتٍ، وَبِدَمِ عُجُولٍ وَخِرْفَانٍ وَتُيُوسٍ مَا أُسَرُّ" (إشعياء ١/١١). ثم ينقل مركز التدين من المذبح إلى المجال الأخلاقي: "تَعَلَّمُوا فِعْلَ الْخَيْرِ. اطْلُبُوا الْحَقَّ. أَنْصِفُوا الْمَظْلُومَ. اقْضُوا لِلْيَتِيمِ. حَامُوا عَنِ الْأَرْمَلَةِ" (سفر إشعياء: ١/١٧).

ويؤكد عاموس الاتجاه نفسه: " بَغَضْتُ كَرِهْتُ أَعْيَادَكُمْ، وَلَسْتُ أَلْتَذُّ بِاعْتِكَافَاتِكُمْ. إِنِّي إِذَا قَدَّمْتُمْ لِي مُحْرَقَاتِكُمْ وَتَقْدِمَاتِكُمْ لَا أَرْتَضِي" (سفر عاموس: ٥/٢١-٢٢).

أما ميخا فيختصر جوهر التدين في ثلاث قيم تتخطى كثافة الطقس: " قَدْ أَخْبَرَكَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا هُوَ صَالِحٌ، وَمَاذَا يَطْلُبُ مِنْكَ الرَّبُّ، إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ الْحَقَّ وَتُحِبَّ الرَّحْمَةَ، وَتَسْلُكَ مُتَوَاضِعًا مَعَ إِلَهِكَ" (سفر ميخا: ٦/٨). وفي هذه المعاني تتضح النقلة الكبرى والأهم: ماذا تغيّر في داخلي لا ماذا أضع على المذبح وأقدم تفاخرا ؟

من الشعيرة إلى الإنسان

إن الخطاب النبوي يعيد وضع القربان في تموضعه داخل التجربة الدينيَّة وروحيتها وقيمها ولاهوتها. فالطقس يستمد قيمته من علاقته بالمعنى الذي يحمله، ومن قدرته على إحداث تحول في الإنسان. وهنا تظهر مفارقة عميقة في الاجتماع الدينيَّ، فالإنسان يستطيع أن يقيس عدد الصلوات والابتهالات وعدد القرابين ومواعيدها وأشكالها ومظاهرها، لكنه لن يتمكن بالسهولة نفسها أن يقيس مقدار الرحمة التي نشأت في قلبه، أو مقدار التواضع الذي استقر في نفسه، أو مقدار العدالة التي أصبح يمارسها، أو المسافة التي قطعها في طريقه إلى الله[7].

فالطقس قابل للرؤية والتكرار والتداول الاجتماعي، أما التحول الروحي والأخلاقي فيحدث في منطقة أكثر خفاءً وتعقيدًا. وبالتالي، فان الجماعة قد تميل إلى تضخيم ما تستطيع رؤيته وإظهاره والاتفاق عليه حتى يصبح الشكل أكثر حضورًا من المعنى.

ولا يقف الطقس عند وظيفته الروحية؛ إذ يؤدي وظيفة اجتماعية أيضًا. فهو يحدد الانتماء، ويرسم حدود الجماعة، ويمنح الفرد شعورًا بأنّه جزء من "نحن". فيمكن بهذا أن تتحول الشعيرة وتنتقل من كونها علاقة بين الإنسان والمقدس إلى علامة على الهوية الجماعية. وعندما يحدث ذلك ويستقر يصبح الدفاع عن الطقس دفاعًا عن الجماعة وهويتها.

ولكن القول بهذا المعنى لا يعني أنّ الطقوس بلا قيمة ومنفعة، أو أنّ الإنسان يستطيع الاستغناء عن الرمز والشعيرة وو. فالإنسان كائن رمزي كما قلنا، وهو يحتاج إلى أن يمنح المعنى المجرد صورة محسوسة، وأن يحول اعتقاده إلى ممارسة. الطقس يكون حيًا ما دام يشير إلى ما وراءه وما يمنحه هذا الماوراء؛ أما حين يستقل عن مرجعه، فإنه يتحول من نافذة على المقدس إلى حجاب عنه.

ولعل ما يكشف هذه المفارقة بصورة حية، ما رواه عبد الجبار الرفاعي عن تجربته الشخصية: فقد حجّ 16 مرة، حرصًا في كل مرة أن يؤدي المناسك على وجهها الشرعي الدقيق، طلبًا لما يسميه الفقهاء "فراغ الذمة اليقيني"، انطلاقًا من القاعدة الأصولية المعروفة: "الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني". ولكنه حين زار ضريح الرومي جلال الدين (في قونيه) وشهد الاحتفالات الصوفية التي تُقام حوله، وجد نفسه يعيش نشوةً وبهجةً روحية لم يذقهما ولم يرتوي منها في حجه بمثلها. ولم يكن ذلك على حد تفسيره لأن الحج أقل قداسة وأقل حضورًا ومعنى، وإنما لأن تجربته فيه كانت مطوَّقة بتكاليف صارمة حرص على أدائها كاملة غير منقوصة، فاستغرقه همّ الإجزاء والبراءة اليقينية عن التفرغ لمعنى اللقاء ذاته؛ بينما جاءت تجربته مع احتفالات الرومي مطلقةً من هذا التكليف الفقهي الدقيق، ففتحت للروح مساحة واسعة لم يكبّلها حساب الإجزاء والنقصان[8].

وهذه الشهادة وإن كانت فردية شخصية لا تُقاس عليها أحكام عامة، لكنها تصلح مثالًا حيًا على الإشكال الذي يطرحه هذا التأمل، فحين ينشغل المتعبد بضبط الشكل الفقهي وأحكامه التكليفية للشعيرة واستيفاء شروطه على وجه اليقين، قد يتزاحم هذا الانشغال مع الانفتاح الداخلي الذي هو غاية الشعيرة أصلًا؛ فتتحول الدقة الفقهية رغم مشروعيتها الكاملة إلى ما يشبه الحجاب الذي يستهلك الطاقة الروحية في ضبط الأداء، بدل أن تتفرغ لعيش المعنى. وهذا لا يعني أنَّ الالتزام الفقهي بالمناسك أمر غير مطلوب، بل هو صلب التكليف وأصل الامتثال، لكنه يذكّرنا بأن اليقين الفقهي باشتراطات صحة الأداء شيء، والحضور الروحي في اللحظة ذاتها شيء آخر، وأنّ التقاءهما هو الغاية المثلى التي لا تتحقق تلقائيًا لمجرد استيفاء الشروط.

ولهذا فإن تضخم الطقوس وتكرارها لا يعني بالضرورة تضخم الإيمان والتجربة الروحية، كما أنّ كثافة الممارسة وتحشيدها لا تعني بالضرورة عمق العلاقة بالله ورحمته ولطفه. فقد تتكاثر الشعائر بينما لا تتسع الرحمة، وقد يتكثف الحضور الدينيَّ في المجال العام بينما لا يتعمق التحول في المجال الوجداني الداخلي.

حين يغيب المذبح ولا يغيب السؤال

ومن هنا يمكن فهم المسار التاريخي الذي عرفته التجربة اليهودية في القربان. فقد انتقل القربان من ممارسة مرتبطة بالمذبح إلى بنية مركزية ارتبطت بالهيكل والكهنوت والتشريع، ثم ظهر داخل الأدبيات النبوية نقد يعيد السؤال إلى العلاقة بين الطقس والأخلاق، وبين الذبيحة ومعرفة الله - وهو نقد، كما تقدم، موجَّه إلى حالة الانفصال لا إلى الشعيرة ذاتها.

ومع غياب الهيكل، انتهى نظام القربان الهيكلي بصورته المعروفة، وأعيد تنظيم التقرب إلى الله في أنماط تعبدية أخرى، وفي مقدمتها الصلاة والدعاء والتوبة ودراسة الشريعة. وهذا التحول يفتح سؤالًا يتجاوز التجربة اليهودية إلى التجربة الدينية عمومًا: لماذا يتعلق الإنسان بما يستطيع فعله وإظهاره أكثر مما يتعلق بما ينبغي أن يصير إليه؟ ربما لأن الفعل الخارجي يمنحه إحساسًا بالإنجاز، بينما التحول الداخلي يضعه أمام امتحان لا ينتهي. يستطيع الإنسان أن يقدم قربانًا وينصرف، وأن يؤدي شعيرة ويحسبها منجزًا؛ لكنه لا يستطيع أن ينهي مشروع تزكية نفسه بممارسة واحدة. ولهذا قد تكون الطقوس، في بعض صورها، أكثر راحة للإنسان من مواجهة ذاته؛ لأنها تمنحه صورة محسوسة عن التدين، بينما يطالبه المعنى بتغيير وجوده نفسه. وهنا تحديدًا تتحول المشكلة من مشكلة في الطقس إلى مشكلة في الإنسان ذاته.

الطقس بوصفه طريقًا لا غاية

وإذا استعدنا المفهومين النظريين اللذين استُهل بهما هذا التأمل، أمكن القول: إنّ الانتقال من التجربة الدينيّة الحية والفاعلة إلى المؤسسة والقواعد يفسر جانبًا من قابلية الطقس العبادي لأن يتحول إلى نظام مستقل عن التجربة التي أنشأته. ومن جهة أخرى، يسمح مفهوم التجلي عند إلياده بطرح سؤال الوسيط: هل يظل الرمز نافذة على المقدس، أم يتحول إلى شيء مكتفٍ بذاته؟ وعلى هذا الأساس وهذا الفهم، يمكن فهم الخطاب النبوي بوصفه محاولة لإعادة وصل الممارسة بمصدرها، وتفكيك التماهي بين المقدس ومظهره، لا إلغاء المظهر ذاته-وهذا ما تكرر التأكيد عليه في هذا التأمل: أنّ النقد يتجه وينصبّ على الانفصال، لا على الشكل بذاته. فليس السؤال أن نختار بين الطقس والمعنى ولا بين التمظهر والروح، السؤال في أن نستعيد العلاقة الصحيحة بينهما: أن يكون الطقس طريقًا إلى المعنى لا بديلًا عنه أو غاية بذاته، وأن تكون الشعيرة وسيلة لتغيير الإنسان لا شهادة اجتماعية على تدينه.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في التجربة الدينيّة هو أن يبقى الطقس بعد أن يغيب المعنى الذي يمنحه قيمته. عندها لا يختفي التدين، عندها قد يحدث العكس تمامًا، يتورم في مظهره ويتراجع في جوهره؛ تتكاثر الشعائر بينما تبتعد الروح عن منبعها؛ ويصبح الإنسان مشغولًا ومهووسًا بما يقدمه لله أكثر من انشغاله بما ينبغي أنّ يصير إليه أمام الله.

وهنا يعود السؤال الأول في مقالتي وتبصري هذا، ولكن بصورة أكثر إلحاحًا وأكثر جرحًا للذات المؤمنة، هل ما زالت طقوسنا تقودنا إلى الله ومحبته، أم أننا بلغنا مرحلة أصبحنا فيها نعبد الطريق وننسى الغاية؟ فقد ورد حديث عن الإمام الصادقu يقول فيه: " العامل على غير بصيرةٍ كالسائر على غير الطريق، لا تزيدُهُ سرعةُ السير إِلَّا بُعدًا."[9] ولعل القربان الحقيقي في أعمق دلالاته، هو ما يستطيع الإنسان أن ينتزعه من ذاته ليقترب به من الله: أنانيته، وظلمه، وغروره، وقسوته، وحسده، ومخاتلته وو. ويبقى السؤال الأهم: ماذا صنع القربان بنا؟

***

د. حيدر شوكان السلطانيَّ

جامعة بابل– قسم الفقه وأصوله.

...............................

[1] المقدس والعادي، ترجمة: عادل العوا، (دار تنوير للطباعة والنشر)، طبعة 2009م، 21.

[2] يدور معنى القربان في اللغة العربية حول أصل دلالي واحد وهو القرب والدنو، وبالمعنى الاصطلاحي فهو كل ما يتقرب به إلى الله طلبًا للزلفى، سواء كان في ذبيحة أو محصول من الزراعة أو صيد أو نحو ذلك. ينظر: الفيروز آبادي، القاموس المحيط، (بيروت: مكتبة تحقيق التراث)، طبعة 1426هـ، 123. ودانيال هيرفيه لجيه، سوسولوجيا الدين، ترجمة: رويش الحلوجي، (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة)، الطبعة الأولى- 2005م، 208.

[3] يقول علماء النفس الاجتماعي أنّ التكرار المفاهيم والعقائد والسلوك قادر على أنّ يزرع في النفس البشري شيء من الإيمان قليل أو كثير.

[4] كتب عبد الجبار الرفاعي وحاك ورسم صورة عن الاشتغال الفلسفي الصوفي الذي يهتم كثيرًا بالقلب والوجدان، ويدفع نحو تأسيس لاهوت الشفقة، ولا سيَّما عند كبار العرفاء، ولعل من أبرزهم جلال الدين الرومي، يقول:" ترك لنا مولانا الرومي منظومة غنية، تنفتح على حقول متنوعة في المعارف الدينية، نحن بأمس الحاجة إليها في عصر تغلب فيه فهم حرفي قشري مغلق للنصوص، أفضى لصوغ لاهوت يضج بمقولات الكراهية والتعصب والعدوان. ميراث جلال الدين الرومي يلهمنا مفاهيم ومقولات ورؤى تنشد احترام كرامة الكائن البشري، ترسخ النزعة الإنسانية في الدين، تشبع حياتنا بالمعنى، تخلع على دنيانا صورة أجمل تهبنا أفقاً بديلاً للتواصل مع مختلف أتباع الأديان والفرق والمذاهب، فلا تضيق مجتمعاتنا وتنفجر بمكوناتها التاريخية العقائدية والإثنية ويتأسس ما يمكن تسميته بـ لاهوت الشفقة الرحمة، المحبة، العشق، الجمال، الفرح، الحياة، الابتسامة الأمل، الاختلاف، التنوع التعددية، اللاهوت الإنساني)، الذي يكمن فيه سبيلنا للخلاص من لاهوت الكراهية، نفي الآخر، الموت، الحزن، البكاء، والتشاؤم)". عبد الجبار الرفاعي، الدين والنزعة الإنسانية، (بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين) الطبعة الرابعة- 2019م، 30- 31.

[5] أفلاطون، محاورة أوطيفرون، ترجمة: زكي نجيب محمود، (القاهرة: مؤسسة هنداوي)، طبعة 2022م، 28.

[6] ينظر: فميرتشا إلياده، تاريخ ومعتقدات شعوب العالم، ترجمة: عبد الهادي عباس، (دمشق: دار دمشق)، طبعة 1986م، 1/215.

[7] كان يقول لنا أستاذٌ في كلية الفقه: بعد الانتهاء من شهر رمضان، إذا أردت أن تعرف قيمة صيامك وحقيقة ما وصل منه، فاسأل نفسك: كم زرع هذا الصيام فيك من شفقة ورحمة ومحبة لله تعالى؟ إن مقدار الطاعة بمقدار ما تتركه.

[8] ينظر: عبد الجبار الرفاعي، الدين والنزعة الإنسانية، 40- 41.

[9] الشيخ الكليني، الكافي، تحقيق: تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، (طهران: دار الكتب الإسلامية)، الطبعة الخامسة، 1/ 43.

في المثقف اليوم