عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

"الخَلاصُ لا يَأْتي مِنَ المُسْتَقْبَلِ فَقَطْ، بَلْ مِنَ الِاسْتِجابَةِ لِنِداءِ الماضي"

" إِنَّ مَهَمَّةَ النَّقْدِ هِيَ تَفْجيرُ الِاسْتِمْرارِ الوَهْمِيِّ لِلتّاريخِ"

فالتر بنيامين

***

يخصص فالتر بنْيامين (Walter Benjamin 1892-1940) (1) في نظريته النقدية فسحة واسعة للبحث عن الخلاص الإنْسانيّ والمصالحة الربانية، ويتّسم فكْره بالطّابع الخلاصيّ الّذي يتمثّل في البحْث عنْ طريقةٍ للخلاص الوجوديّ الّذي يحرّر الإنْسانيّة منْ أزماتها الوجوديّة الّتي تتمثّل في مظاهر الحرْب والظّلْم والبؤْس والقمْع والقهْر والاغْتراب. وفي هذه الرّؤْية الخلاصيّة يرى في الفنّ طريقًا مهمًّا لخلاص الإنْسان.

وليس سرّاً أن بنْيامين استوحي فكرة الخلاص من التصورات المسّيانيّة الدينيّة اليهوديّة (Jewish Messianism)(2)، ومع ذلك لم يبق أسير هذه الرؤية الدينية إذ قدّر له أنْ يتجاوز هذه المسّيانيّة ليبْني نظريّةً عميقةً حوْل فكْرة الخلاص الإنْسانيّ. وتخْتلف رّؤْيته هذه للخلاص عنْ فكْرة الخلاص اليهوديّ الّتي تضع أملها في عودة المسيح المنْتظر (Messiah) لينشر الحقّ والخيْر والسّلام؛ وغنيٌّ عن البيان أنّ الخلاص اليهوديّ يدْعو إلى الصّبْر وتحمّل المعاناة بصمْتٍ وأناةٍ بانْتظار المخلّص الكوْنيّ الموعود؛ وهي بذلك تخْتلف عن اليوتوبْيا الثّوْريّة الخلاصية عند كارل ماركس وإرنست بلوخ (E. Bloch) وهربرت ماركوز، الّذين قاموا بعلْمنة فكْرة الخلاص المسيحي فاعتمدا الفكْرة الّتي تقول بأنّ البشريّة يمْكن أنْ تتحرّر عبْر قوّة الثّوْرة، وليْس بقوّة المسيح المنْتظر (3).

وممّا لا شكّ فيه أنّ فكْرة الخلاص متجذّرةٌ في الدّين، وخصوصًا في اليهوديّة والمسيحيّة. فالخلاص يقوم على تحرير العالم والمجْتمع والإنْسان من الخطيئة والضعف والنّقْص أو اللّااكْتمال. وهٰذا يعْني، منْ منْظورٍ دينيٍّ، أنّ البشر والأشْياء في الواقع «آثمون» أمام الله، وأنّ الخطيئة هي خرْقٌ للأمانة الإلٰهيّة ورفْضٌ آثمٌ لتعاليم الله المقدّسة (4).

ويمْكن تقْسيم الخلاص الدّينيّ إلى خلاصٍ دنْيويٍّ في هٰذا العالم، وخلاصٍ أخْرويٍّ في العالم الآخر. فكلٌّ من المسيحيّة والبوذيّة تعْتقدان أنه لا يمْكن للإنْسانيّة أنْ تنْتزع نفْسها من الخطيئة إلّا في ملكوت السّماء. أمّا اليهوديّة، فترى أنّ البشريّة يجب أنْ تجد خلاصها في هٰذا العالم، منْ خلال «مخلّصٍ» أوْ «مسيحٍ منْتظرٍ». ولذا فهي تعْتبر المعاناة عقابًا إلٰهيًّا للْمذْنبين وتكْفيرًا عنْ خطاياهمْ (5).

ومع عصْر التّنْوير (Enlightenment)، بدأ الإيمان الدّينيّ يتفكّك تدْريجيًّا، وقدْ تغيّر مفْهوم البشر عن الخطيئة ومآلاتها تدْريجيًّا. فقدْ نظر المفكّرون إلى الخطيئة بوصْفها نوْعًا من النّقْص والتّناقض، ورسموها على صورة بنْيةٍ فكْريّةٍ واجْتماعيّةٍ لا عقْلانيّةٍ، بدلًا منْ كوْنها شرًّا أخْلاقيًّا. وهذه الفكْرة عن الخلاص تنْبع أكْثر من الحيْرة والتّأمّل في العالم الخارجيّ، وهو الأمْر الّذي دعا النّاس إلى فهْم العالم بصورةٍ مخْتلفةٍ تمامًا عن المنْظور الدّينيّ (6).

فالعالم، بعْد إزالة السّحْر عنْه (Disenchantment)، فقد معانيه الإنْسانيّة، ولمْ يبْق فيه سوى الوجود المجرّد، ومنْ ثمّ أصْبح بحاجةٍ إلى نظامٍ آخر يمْنحه المعْنى. وهٰذا الصّراع بيْن الطّلب على المعْنى وبيْن التّجْربة الحياتيّة الفعْليّة جعل المفكّرين يبْحثون عنْ مهْربٍ أوْ خلاصٍ. فالجذْر الاجْتماعيّ لفكْرة الخطيئة هذه يأْتي من الاضْطهاد الطّبقيّ الّذي يتمثّل في عمليّة السّيْطرة الّتي تمارسها الطّبقة السّائدة على الطّبقات المحْرومة. وهٰذا يعْني أنّ المحْرومين يحْتاجون إلى التّحرّر من المعاناة. وهمْ غالبًا يبْحثون عن الخلاص هذه المرّة، ليْس في صورةٍ دينيّةٍ مسيحيّةٍ، بلْ في طبيعة النّضال ضدّ القهْر الطّبقيّ، وفي خضمّ الصّراع بيْن الطّبقات المضْطهدة والطّبقات المضْطهدة، وقدْ أصْبح المبْدأ الثّوْريّ ضدّ الظّلْم والقهْر، إلى حدٍّ كبيرٍ، المصْدر الأساسيّ لفكْرة الخلاص (7).

في النّظريّة اليهوديّة للخلاص، يميل تاريخ العالم نحْو الدّمار، ويبْعث منْ جديدٍ عبْر الدّمار، ولٰكنْ لا أحد يدْري ما هي طبيعة هٰذا الانْبعاث منْ جديدٍ، إذْ هلْ سيكون مضيئًا أمْ مظْلمًا، فذٰلك أمْرٌ غيْر معْروفٍ. وهٰذا يعْني أنّ الخلاص يأْتي في لحْظةٍ معيّنةٍ منْ لحظات الانْقطاع التّاريخيّ، والشّيْء الوحيد الّذي ينْبغي فعْله هو اغْتنام فرْصة الخلاص هذه، ويتّضح هنا أنّ الرّؤْية اليهوديّة للخلاص تنْطوي على منْظورٍ مخْتلفٍ للتّاريخ التّقدّميّ.

يعْتقد بنْيامين أنّ البنى الفكْريّة والاجْتماعيّة والثّقافيّة للإنْسان جميعها تعاني منْ أزماتٍ خانقةٍ، وأنّ الجذْر الأساسيّ لهذه الأزْمة يكْمن في التّطوّر اللّاعقْلانيّ للْعقْلانيّة الإنْسانيّة نفْسها. ولذٰلك، نحْن بحاجةٍ إلى وضْع حدٍّ خلاصيٍّ للأزمات الّتي أوْجدتْها العقْلانيّة الأداتيّة. ويرى، في هٰذا السّياق، أنّ ما يجْعل الفعْل «مسّيانيًّا» مسيحيًّا خلاصيًّا لا يكون في تحْقيق العدالة بيْن الطّبقات وإلْغاء التّقْسيم الطّبقيّ للْمجْتمع، بلْ يكون في الانْفتاح على الذّاكرة الفنّيّة الحيّة للإنْسانيّة. غيْر أنّ هٰذا التّصوّر للخلاص الفنّيّ لا يعارض الماضي بالمسْتقْبل وفْق تصوّرٍ خطّيٍّ للزّمن، وذٰلك هو التّصوّر الّذي يرْفضه بنْيامين صراحةً، بوصْفه الأساس الكامن وراء نظريّة التّقدّم (8). وهنا يقيم بنْيامين تصوره عن الفعْل «المسّيانيّ» أو الخلاصيّ بطريقةٍ تخْتلف عن التّصوّرات المارْكْسيّة التّقْليديّة الّتي ترْبط الخلاص بالمسْتقْبل فقطْ، أيْ منْ خلال العمل على تحْقيق المجْتمع الشّيوعيّ في نهاية التّاريخ. وهٰذا يعْني أنّ الفعْل الخلاصيّ الحقيقيّ عند بنيامين لا يسْتمدّ معْناه منْ كوْنه خطْوةً نحْو «يوتوبْيا مسْتقْبليّةٍ»، بلْ منْ كوْنه فعْلًا يسْتجيب لنداءات الماضي وذكْراه. فالخلاص البنْيامينيّ ليْس انْتظارًا لمسْتقْبلٍ مثاليٍّ، بلْ هو إنْصافٌ للْمقْهورين والمنْسيّين وضحايا التّاريخ الّذين جرى قمْعهمْ وإسْكاتهمْ تحْت مطارق ضرْب السّيوف وطعْن الخناجر وومض البنادق. فالتّاريخ لا يكْتبه إلّا المنْتصرون الّذين يدْفنون معهم معاناة المهْزومين تحْت سرْديّة «التّقدّم». ولذٰلك يصْبح الوعْد المسّيانيّ بالخلاص فعْل تذكّرٍ واسْتعادةٍ لحقوق الضّحايا، ومحاولةً جادّةً لإنْقاذ ما تمّ طمْسه أوْ تشْويهه في الماضي. وعلى هذه الصّورة ينْفتح الفعْل «المسّيانيّ» (الوعْد بالخلاص) على «الذّاكرة التّاريخيّة». فالذّاكرة هنا ليْستْ مجرّد تذكّرٍ عاديٍّ للْمعْلومات والأحْداث، بلْ هي موْقفٌ نقْديٌّ وأخْلاقيٌّ من التّاريخ؛ إنّها اسْتحْضارٌ للْمعاناة المكْبوتة الّتي تجاهلتْها الحضارة الحديثة. ومن الواضح أنّ بنْيامين يرْفض العلاقة الخطّيّة بيْن الماضي والحاضر والمسْتقْبل، أيْ وفْق الفكْرة القائلة إنّ الإنْسانيّة تتقدّم باسْتمْرارٍ منْ مرْحلةٍ أدْنى إلى مرْحلةٍ أعْلى. فهو يرْفض هٰذا التّصوّر «الخطّيّ» للزّمن؛ لأنّ نظريّة التّقدّم، في رأْيه، تخْفي الكوارث والعنْف الّذي قامتْ عليْه الحضارة الحديثة. فكلّ انْتصارٍ حضاريٍّ يخْفي وراءه ركامًا من الضّحايا.

لذٰلك لا يكون الماضي عنْد بنيامين شيْئًا انْتهى، ولا المسْتقْبل مرْحلةً منْفصلةً عنْه، بلْ يتداخل الماضي بالحاضر في «لحْظةٍ خاطفةٍ» يمْكن فيها اسْتعادة إمْكانات التّحرّر المنْسيّة. ومنْ هنا تأْتي فكْرته الشّهيرة عنْ «التّاريخ ضدّ فكْرة التّقدّم»: فالْمهمّة ليْست السّيْر بثقةٍ نحْو المسْتقْبل، بلْ إيقاظ الوعْي بالمظالم الماضية وإنْقاذ ذكْراها. وبهٰذا المعْنى، تصْبح المسّيانيّة عنْد بنْيامين خلاصًا للذّاكرة لا وعْدًا بالتّقدّم، وإنْصافًا للضّحايا لا احْتفاءً بانْتصار التّاريخ، وهي إذ ذاك تأتي قطْعًا مع الزّمن الخطّيّ الّذي يأخذ مسارًا تصاعديًّا دائمًا نحْو الأفْضل. وقدْ لا تتحقّق اليوتوبْيا أبدًا، لٰكنْ ما يمْكن تحْقيقه هو التّذكّر المسْتمرّ للْقمْع الماضي، والتّأمّل الدّائم في وحْشيّة الإنْسان.

وتعْكس عبارة «التّاريخ ليْس متّصلًا» رؤْية بنْيامين النّقْديّة لفكْرة التّاريخ التّقْليديّة، ولا سيّما الفكْرة الّتي ترى أنّ التّاريخ يسير بصورةٍ متّصلةٍ ومتدرّجةٍ نحْو التّقدّم. ولٰكنّ بنْيامين يرْفض النّظر إلى التّاريخ بوصْفه خطًّا مسْتقيمًا ومتجانسًا، تنْتقل فيه البشريّة باسْتمْرارٍ منْ مرْحلةٍ أدْنى إلى مرْحلةٍ أعْلى. وحين يقول إنّ «التّاريخ ليْس متّصلًا»، فهو يقْصد أنّ التّاريخ مليءٌ بالانْقطاعات والكوارث والهزائم والعنْف، وليْس مسارًا هادئًا ومتراكمًا للتّقدّم. فالتّاريخ الرّسْميّ غالبًا ما يخْفي معاناة المهْزومين والمقْموعين، وهو التّاريخ الّذي يشكّل سرْديّة المنْتصرين. وعلى هٰذا الأساس يرى بنْيامين أنّ التّعامل مع التّاريخ بوصْفه سلْسلةً متّصلةً تقدمية يؤدّي إلى تبْرير القمْع والقهْر والظّلْم والإبادات والمذابح التّاريخيّة والهزائم الثّوْريّة. وتتضمن هذه الرؤيا تصورا يجْعل كلّ ما حدث في التاريخ من مآسي كان ضروريًّا وطبيعيًّا في سبيل «التّقدّم». وهنا تصْبح الحروب والاسْتعْمار والاسْتغْلال والقهْر، وحتّى المذابح، مجرّد مراحل في مسيرة الحضارة، بدلًا منْ أنْ تكون كوارث إنْسانيّةً. وممّا لا شكّ فيه أنّ نقْد بنيامين موجّهٌ إلى الفكْر التّاريخيّ الحديث الّذي يؤْمن بفكْرة «التّقدّم الخطّيّ»؛ أيْ الاعْتقاد بأنّ الزّمن يتحرّك دائمًا نحْو الأفْضل. وعلى خلاف ذٰلك، يرى بنيامين أنّ هٰذا التّصوّر يخْدم الطّبقات المهيْمنة؛ لأنّه يجْعل النّظام القائم يبْدو نتيجةً طبيعيّةً للتّاريخ، لا نتيجة صراعاتٍ وهيْمنةٍ. ويبْني على ذٰلك أنّ الطّبقات المهيْمنة في الماضي لا تزال تهيْمن في الحاضر. فالقوّة المسيْطرة لا تكْتفي بالسّيْطرة الاقْتصاديّة والسّياسيّة، بلْ تفْرض أيْضًا طريقةً معيّنةً لفهْم التّاريخ. ومنْ ثمّ، فإنّ كتابة التّاريخ التّقْليديّة تصْبح أداةً أيْديولوجيّةً تخْفي أصْوات الضّحايا والمهمّشين. ويؤسّس بنْيامين دعْوته الصّريحة إلى قراءةٍ مخْتلفةٍ للتّاريخ تقوم على قراءةٍ جديدةٍ تنْظر إلى الماضي منْ زاوية المنْكوبين والخاسرين والمهْزومين والمعذّبين والقابعين ظلْمًا في مدافن القهْر والظّلْم والاسْتبْداد؛ وهي قراءةٌ تكْشف ما تمّ قمْعه أوْ نسْيانه.

ويظْهر كتاب «جدل التّنْوير" (Dialektik der Aufklärung) أنّ أدورنو قدْ تبنّى رؤْية بنْيامين للتّاريخ الخلاصيّ. فالحضارة الإنْسانيّة لمْ تكنْ دائمًا تقدّميّةً، والرّؤْية الّتي تفْهم التّاريخ فهما ميكانيكيًّا بوصْفه تقدّمًا تتجاهل، في الواقع، الجانب الجدليّ للثّقافة. فالتّاريخ يتطوّر عبْر التّناوب والتّناقض بيْن الحضارة والهمجيّة. والتّاريخ ليْس متّصلًا، والتّعامل معه بوصْفه كذٰلك لا يؤدّي إلّا إلى تبْرير نوْعٍ معيّنٍ منْ تاريخ القمْع. وينْتقد بنْيامين الوضْع القائم آنذاك بقوْله إنّ الطّبقات الحاكمة لا تزال تهيْمن في الحاضر كما هيْمنتْ في الماضي، وهٰذا الأمْر ينْعكس في البناء الخطّيّ، وغالبًا التّقدّميّ، للْفكْر التّاريخيّ والزّمن (9).

في اليهوديّة، تتمّ المصالحة بيْن الإنْسان والإنْسان، وبيْن الإنْسان والشّيْء في الله، ويكون هدف الخلاص تحْقيق هذه المصالحة الأبديّة المنْتظرة. وفي نظريّة اللّغة عنْد بنْيامين، تشكّل لغة الله الأساس لكلٍّ من اللّغة الإنْسانيّة ولغة الأشْياء. ويظْهر التّعارض بيْن الإنْسان والشّيْء عنْدما يحاول الإنْسان تجاوز الله وتسْمية الأشْياء مباشرةً، ومنْ أجْل إزالة هٰذا التّعارض وردْم الهوّة اللّغويّة، ينْبغي أنْ يعود الإنْسان والشّيْء معًا إلى الله. وعلى الرّغْم منْ تأثّر أدورنو بفكْرة الخلاص عنْد بنْيامين، فإنّه لا يقْبل بصورةٍ كاملةٍ بأن الله يشكل منطلقا للمصالحة، بلْ على خلاف ذلك يرى أن اللّغة والفنّ هما العنصران الأساسيان في تحقيق المصالحة الوجودية بين الإنسان والطبيعية كما بين الإنسان والإنسان والله. وتعني المصالحة بيْن الإنْسان والإنْسان، وبيْن الإنْسان والشّيْء، في الله أنّ الله هو المبْدأ الأعْلى للْوحْدة والانْسجام الكامل الّذي تزول فيه الانْقسامات والصّراعات الموْجودة في العالم التّاريخيّ. وهٰذا لا يعْني أنّ الله يقوم بالمصالحة بصورةٍ خارجيّةٍ، بلْ يعْني أنّ الحقيقة الإلٰهيّة نفْسها تمثّل الحالة الّتي تتجاوز فيها التّناقضات والاغْترابات البشريّة. أيْ إنّ البشر، الّذين يعيشون في الواقع داخل علاقات صراعٍ وهيْمنةٍ واسْتغْلالٍ وعداءٍ، يبْلغون في الخلاص حالةً من العدالة والوحْدة والتّآلف. فوجود الله هنا يشير إلى أفقٍ أخْلاقيٍّ وروحيٍّ تنْتهي فيه الانْقسامات البشريّة والصراعات الوجودية. أمّا المصالحة بيْن الإنْسان والشّيْء، فتتمثّل في تجاوز العلاقة القائمة على السّيْطرة والاسْتعْمال. ففي العالم الحديث يتعامل الإنْسان مع الطّبيعة والأشْياء بوصْفها أدواتٍ للْهيْمنة والمنْفعة فقطْ. أمّا في فكْرة الخلاص، فتصْبح العلاقة مع العالم علاقة انْسجامٍ واحْترامٍ وتوافقٍ، لا علاقة إخْضاعٍ واسْتغْلالٍ.

وفي الخلْفيّة اليهوديّة والفلْسفيّة الّتي تأثّر بها بنْيامين وأدورنو، لا يفْهم الله هنا دائمًا بصورةٍ لاهوتيّةٍ تقْليديّةٍ فقطْ، بلْ أيْضًا بوصْفه رمْزًا لإمْكان المصالحة الكاملة الّتي يفْتقدها التّاريخ الواقعيّ. فعنْدما يكون العالم منْقسمًا، في صورةٍ يكون فيها الإنْسان ضدّ الإنْسان، والإنْسان ضدّ الطّبيعة، والذّات ضدّ العالم، فإنّ «الخلاص» سيكون في اسْتعادة وحْدةٍ مفْقودةٍ، ويعبّر عنْها دينيًّا بأنّها تتحقّق في الله. والمقْصود بأنّ المصالحة «تتحقّق في الله» هو أنّ الله هو القوّة العلْيا الّتي ترْفض الانْقسامات الحادثة في العالم البشريّ. فالعالم التّاريخيّ، بحسب هٰذا التّصوّر، عالمٌ ناقصٌ وممزّقٌ: فيه صراعٌ، وهيْمنةٌ، واغْترابٌ، وانْفصالٌ بيْن الإنْسان والآخرين، وبيْن الإنْسان والطّبيعة. أمّا الله، فيمثّل الكمال والوحْدة الّتي ترْفع فيها هذه التّناقضات.

وفي الفكْر الدّينيّ اليهوديّ، لا تتحقّق المصالحة لأنّ البشر ينْجحون وحْدهمْ في صنْع مجْتمعٍ مثاليٍّ، بلْ لأنّ الخلاص الإلٰهيّ يعيد النّظام الأخْلاقيّ والعدالة إلى العالم. أيْ إنّ الله هو مصْدر الحقيقة والعدالة والوحْدة، ولذٰلك تكون المصالحة النّهائيّة مرْتبطةً به. ويمْكن توْضيح ذٰلك على النّحْو الآتي: في الواقع العاديّ يعادي الإنْسان، والإنْسان يسيْطر على الطّبيعة والأشْياء، والعالم قائمٌ على الانْقسام والقوّة. أمّا في الله، فترْفع حالة العداء، ويعود الانْسجام بيْن البشر، وتصْبح العلاقة مع العالم علاقة سلامٍ لا سيْطرةٍ، وهٰذا هو ما يمْكن التّعْبير عنْه بأنّه الحقيقة الإلٰهيّة الّتي تتجلّى في حالة الخلاص الإلٰهيّ أوْ في النّظام الكوْنيّ الّذي تزول فيه التّناقضات التّاريخيّة. وفكْرة الله تأْخذ بعْدًا فلْسفيًّا في فلْسفة بنْيامين وأدورنو، وذٰلك أنّ الله في هذه الفلْسفة لا يفْهم دائمًا بصورةٍ دينيّةٍ تقْليديّةٍ، بلْ يصْبح رمْزًا لإمْكان «المصالحة» الّتي يفْتقدها الواقع. ولهٰذا تبْقى المصالحة الحقيقيّة شيْئًا لمْ يتحقّقْ بعْد داخل التّاريخ، بلْ تظْهر فقطْ كتلْميحٍ أوْ أملٍ أوْ وعْدٍ بالخلاص.

***

د. علي أسعد وطفة

........................

الهوامش والمراجع

(1) - فالتر بنْيامين (Walter Benjamin 1892-1940): فيْلسوفٌ وناقدٌ ثقافيٌّ ألْمانيٌّ، يعدّ منْ أبْرز مفكّري القرْن العشْرين، وارْتبط اسْمه بالنّظريّة النّقْديّة (Critical Theory) ومدْرسة فرانكفورت (Frankfurt School)، رغْم أنّه لمْ يكنْ عضْوًا رسْميًّا فيها. ولد في برْلين (Berlin) سنة 1892، واهْتمّ بالفلْسفة، والنّقْد الأدبيّ، وعلْم الجمال، وفلْسفة التّاريخ، والثّقافة الحديثة. امْتاز فكْره بمحاولة الجمْع بيْن المارْكْسيّة (Marxism)، والتّصوّف اليهوديّ (Jewish Mysticism)، والنّقْد الثّقافيّ، ممّا جعل كتاباته ذات طابعٍ فلْسفيٍّ وتأْويليٍّ عميقٍ. ومنْ أهمّ مؤلّفاته: "العمل الفنّيّ في عصْر إعادة الإنْتاج الآليّ"  (The Work of Art in the Age of Mechanical Reproduction)، و"أطْروحاتٌ حوْل فلْسفة التّاريخ» (Theses on the Philosophy of History)" ، و«مشْروع الأرْوقة"  (The Arcades Project). انْتحر سنة 1940 أثْناء محاولته الهروب من النّازيّة (Nazism) على الحدود الإسْبانيّة الفرنْسيّة، وأصْبح بعْد وفاته واحدًا منْ أكْثر المفكّرين تأْثيرًا في الفلْسفة المعاصرة والنّقْد الثّقافيّ.

(2)-  المسّيانيّة اليهوديّة (Jewish Messianism): التّصوّر الدّينيّ والفلْسفيّ في التّراث اليهوديّ القائم على انْتظار «المسيح المخلّص» (Messiah) الّذي سيأْتي في نهاية الأزْمنة ليحقّق الخلاص والعدالة، وينْهي المعاناة التّاريخيّة. وكلمة «مسّيانيٍّ» مشْتقّةٌ منْ «المسيح» أو "الماشيح" » (Mashiach) في التّقْليد اليهوديّ، وتسْتخْدم فلْسفيًّا للإشارة إلى: الأمل بالخلاص التّاريخيّ، وانْتظار التّحوّل الجذْريّ للْعالم، ثمّ الإيمان بإمْكانيّة العدالة النّهائيّة.

(3)- TAO Feng. “The Redemptive Dimension in Adorno’s Thought.” Cultural and Religious Studies, Vol. 10, No. 8, August 2022, pp. 401-408. David Publishing. DOI: 10.17265/2328-2177/2022.08.001. Accessed May 25, 2026. https://www.davidpublisher.com/Public/uploads/Contribute/631050bd1f2a8.pdf

(4)- Max Weber. The Sociology of Religion. (Boston: Beacon Press, 1965).

(5) - ibid.

(6)- TAO Feng. “The Redemptive Dimension , Op. cit.

(7)- ibid.

(8)- Matthias Fritsch. The Promise of Memory: History and Politics in Marx, Benjamin, and Derrida. (Albany: SUNY Press, 2005), p. 37.

(9)- ibid , p. 52.

مقدمة: مثّل تبني "نموذج الليبرالية الجديدة" محاولة للخروج من الأزمات الاقتصادية والمالية الدورية التي تمر بها الأنظمة الرأسمالية، خصوصا في الدول المتقدمة، والتي سبق لكارل ماركس أن حللها بعمق وتوقع حدوثها وفسر أسبابها. وقد رسم المنظرون والقادة السياسيون الذين تبنوا هذا النموذج صورة زاهية للتنمية الاقتصادية وازدهار المجتمعات اللذين ينتجان من تطبيقه بداية في الولايات المتحدة وبريطانيا. ولم يقتصر الأمر على هذه الدول، بل فُرض هذا النموذج على العديد من البلدان النامية تحت ضغط شروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتزويدها بالقروض، شريطة إعادة هيكلة اقتصاداتها والتنازل عن سيادة الدولة على ترابها الوطني. وقد رافق تطبيق الليبرالية الجديدة تبني العولمة - على الرغم من أنها لم تكن جديدة وتُعد جوانب منها مفيدة -، التي تضمنت فتح الحدود لحركة السلع ورؤوس الأموال. وقد جاءت الأزمة المالية والاقتصادية لعام 2008 وما مثّلته من تداعيات واسعة النطاق على الاقتصادات العالمية، منها فقدان ملايين فرص العمل؛ لتمثّل الفشل المدوي لليبرالية الجديدة. وهذا ما دفع الحكومات التي طبقتها ودافعت عنها خصوصا في الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية للتدخل لإنقاذ البنوك والشركات المتضررة، وليتحمل المواطن عبء هذه التكاليف. ولكن هذا التدخل لا يعني التخلي على نحو كامل عن الليبرالية الجديدة؛ لأن هذا يتعارض مع مصالح الشركات الاحتكارية الكبرى، بل محاولة للتخفيف من آثارها.

كانت النتائج الاقتصادية والاجتماعية في البلدان النامية التي طبقت الليبرالية الجديدة كارثية؛ فقد تزايد الفقر والتفاوت الطبقي والاجتماعي وتراجع النمو الاقتصادي وكثرت المشكلات الاجتماعية، وانعكس ذلك على الواقع السياسي، حيث انخرطت فئات واسعة من الجماهير تناضل ضد الأنظمة التي طبقت هذا النموذج. وفي البلدان العربية كانت هذه السياسات أحد الأسباب الرئيسة في اندلاع انتفاضات عام 2011 التي اسقطت عدة أنظمة، ومثّلت تمرينا ثوريا لما هو قادم من انتفاضات وثورات والتي ستكون أنضج إعدادا، تنظيميا وسياسيا بحكم الخبرات النضالية المتراكمة.

وإذا عدنا إلى الوراء، وارتباطا بهذه النتائج، نجد أن صندوق النقد الدولي ما كان بحاجة إلى مساندة الحكومات فحسب، بل ومؤازرة الأجهزة القمعية لهذه الدول، وذلك لأن كل تصعيد في شروط الصندوق يدفع الجماهير إلى تصعيد مقاومتها ضد الإجراءات الحكومية الرامية إلى تطبيق تقشف مالي صارم. فعلى سبيل المثال، بعدما نفذ الجنرال بينوشيه عام 1973 انقلابا عسكريا جعل شيلي تسبح في "حمام دم" باعتراف بينوشيه نفسه، اندلعت في الأرجنتين عام 1976 احتجاجات جماهيرية ضد مطالبة صندوق النقد الدولي الأرجنتين تجميد الأجور لفترة 180 يوما، لمواجهة التضخم وتخفيض الدين الخارجي. وكما حدث في شيلي، استولى الجيش هنا أيضا، على السلطة وشرع في فرض نظام إرهابي، كان قد عرض البلاد، لمذابح رهيبة، راح ضحيتها ثلاثون ألف مواطن، كان غالبيتهم من النقابيين وطلبة الجامعات(1). وهذان الانقلابان وغيرهما من الانقلابات العسكرية، جرت كما هو معروف بدعم وتحريض مكشوفين من الولايات المتحدة.

وفي إفريقيا وباقي أنحاء العالم كان بركان الثورة يتصاعد من يوم لآخر، ففي كانون الثاني| يناير 1977 اندلعت في كبرى المدن المصرية احتجاجات انصب جام غضبها على مطالبة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي الحكومة بضرورة شطب الأموال التي تخصصها كل عام لدعم أسعار المواد الغذائية الأساسية. وفي سياق هذه الاحتجاجات قتل 79 متظاهرا وجرح أكثر من 550 مواطنا. وفي المغرب، كانت النقابات العمالية قد أعلنت في عام 1981 إضرابا عاما، لأن الصندوق كان هنا أيضا، قد ربط منح قرض قيمته 1,2 مليار دولار بالتزام الحكومة بإلغاء الإنفاق الحكومي المخصص لدعم أسعار المواد الغذائية الأساسية. وفي سياق هذا الإضراب احتج آلاف الشباب من سكان الأحياء الفقيرة، المحيطة بمدينة الدار البيضاء، وقتلت الشرطة أكثر من 600 منهم(2).

يأتي المقال هذا لإلقاء الضوء بشكل مكثف على تناقضات الليبرالية الجديدة في التطبيق العملي لأفكارها ونتائج ذلك؛ لذا سيتضمن خلفية نظرية لليبرالية الجديدة تساعدنا في تفسير مآلات تطبيقاتها، وتوجهات الليبرالية الجديدة، كذلك يتطرق لتزايد التفاوت الذي نتج عن سياساتها، ويفحص انعكاساتها على الجانب الاجتماعي وأخيرا يعالج تناقضاتها.

خلفية نظرية

في معظم النواحي، يُعد القليل جدا من أفكار ما يسمى بـ "نموذج الليبرالية الجديدة" جديدا. لقد روّج مؤيدوها لأفكارها الأساسية على نطاق واسع لأكثر من قرنين. وهذه الأفكار تدعي بأن التقدم الاقتصادي سيكون أعظم؛ فكلما زادت الأسواق الحرة (بدل آليات أخرى) زادت قدرة المجتمع على توزيع موارده وانتاجه. شريطة أن تكون الموارد الأكثر إنتاجية والإنتاج ذات ملكية خاصة للأفراد أو الشركات بدلا من الدولة(3). وهذا يعني عمليا التخلي عن السياسات الكنزية التي تسمح بتدخل الدولة في الاقتصاد والتي طبقت لفترة غير قليلة في العديد من البلدان الرأسمالية المتطورة.

كانت أفكار الليبرالية الجديدة منتشرة، وانتعشت خلال فترة التاريخ الإنكليزي، حيث كانت الأيديولوجيا مهمة على نحو غير عادي. يبدو أن الليبراليين الجدد هم الناشطون والمجددون الأيديولوجيون لليبرالية أمر لا جدال فيه. وفي الواقع، نجحوا في جعل العديد من أفكارهم المركزية وأنماط تفكيرهم معتمدة في النقاش السياسي، أن لم تكن قد أصبحت بالفعل أفكارا عامة(4)، خصوصا على صعيد بريطانيا.

في نظر الليبرالية الجديدة، فإن الحرية الفردية في السوق مضمونة، إلا أن كل فرد يُعد مسؤولا، وعرضه للمساءلة، عن أفعاله وعن سعادته. وهذا المبدأ يمتد ليشمل مجالات الرفاه والتعليم والرعاية الصحية وحتى الراتب التقاعدي (تمت خصخصة الضمان الاجتماعي في شيلي وسلوفاكيا). أما نجاح الفرد أو فشله فيفسر عادة بعبارات مثل فضائل المبادرات الخاصة أو العجز الشخصي، مثل عدم الاستثمار الكافي في رأس المال البشري للشخص عينه من خلال التعليم، ولا يُفسر قط بإرجاع الفشل لأي خاصية أخرى مثل الإقصاء الطبقي الذي يُنسب عادة إلى الرأسمالية(5) ، ويقر بوجوده العديد من مفكريها.

سبق لعدد من المفكرين السياسيين نقد فكرة السوق الذاتي التسيير ومن أهمهم جون جراي، الذي يذهب إلى أن إنشاء السوق الحرة في إنكلترا في القرن التاسع عشر تطلب سن عدد من القوانين أهمها قانون الفقراء عام 1834، الذي حدد مستوى الراتب التقاعدي بأقل من أدنى أجر يحدده السوق، وأضعف الأسرة وأقر نظام "دعه يعمل" الذي كان الأفراد فيه يتحملون وحدهم المسؤولية عن أمانهم المعيشي. وترجع أهمية نقد جراي للسوق الحرة في إنكلترا إلى أن هذا السوق كان النموذج لجميع السياسات الليبرالية الجديدة التي ظهرت منذ سبعينيات القرن العشرين. والملاحظ أن ماركس هو الآخر قد نقد عملية تكوين السوق الحرة هذه، إذ كان معاصرا لها ومتابعا لوقائعها يوميا(6). وانعكس ذلك بتفصيل دقيق في مؤلفه الضخم رأس المال.

يذكر الباحث الاقتصادي صالح ياسر، "إن النقد الماركسي الجديد لدولة الرفاه قد تبلور أساسا وبقوة خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، بعد الأزمة التي واجهتها دولة الرفاه ذاتها. يرى بعض الباحثين أن المسار الفكري الذي كان شائعا في وقت سابق في أوساط الماركسيين هو رؤية دولة الرفاه باعتبارها (رشوة) من الدولة لتهدئة تطلعات العمال الاشتراكية والثورية. في السابق كان يُنظر إلى دولة الرفاه على أنها (أفيون) مهدئ للناس"، ما قلل من نشاطهم الثوري في التغيير. تعتمد هذه الفكرة على نحو كبير على تطور الحركة العمالية خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية(7)، حيث شهدت بلدان أوروبا الغربية ازدهارا اقتصاديا ساهم في تبني نموذج دولة الرفاه الاجتماعي، إضافة إلى محاولة محاكاة نموذج الضمان الاقتصادي والاجتماعي في البلدان الاشتراكية السابقة.

بعض توجهات الليبرالية الجديدة

استنادا للفكر الليبرالي الجديدة، يُعد الحراك الحر لرأس المال بين القطاعات والأقاليم والبلدان بالغ الأهمية وحاسما، لذلك ينبغي إزالة جميع الحواجز المعوقة لهذا الحراك، مثل التعرفة الجمركية أو الترتيبات الضريبية العقابية أو التخطيط والرقابة البيئية، باستثناء تلك الموجدة في مناطق تُعد شديدة الأهمية "للمصلحة الوطنية" مهما كان تعرفيها. ويجري التنازل عن سيادة الدولة على حركة السلع ورأس المال طوعا وعن طيب خاطر للسوق العالمية. فالتنافس الدولي أمر صحي ذلك أنه يحسّن الفاعلية الإنتاجية ويخفّض الأسعار، وبالتالي يسيطر على النزعات التضخمية. لكن السؤال عما إذا كان ذلك ينطبق على العمالة أم لا فهذا لا يزال موضع جدل(8). والإجابة على هذا السؤال شكلت أحد تناقضات الليبرالية الجديدة والتي سنتطرق إليها فيما بعد.

في الثمانينيات، في عهد الرئيس رونالد ريغان، أصبحت أفكار الليبرالية الجديدة بالفعل مهيمنة في واشنطن. لقد قلَّص ريغان سلطة الحكومة وخفَّض الضرائب بوتيرة قياسية، ما أفاد الشركات والأثرياء على وجه الخصوص. وكان ريغان قد استوحى توجهاته هذه على نحو مباشر من المنظرين الأيديولوجيين فريدريش هايك وميلتون فريدمان ومراكز الفكر التي تبنت أفكارهم منذ أواخر الستينيات. كما نجح في دمج هذه الأفكار مع أفكار الحركة المسيحية المحافظة(9) والتي استند إليها أيضا رونالد ترامب لكسب قطاعات من السكان البيض المسيحيين - الذين لديهم شعور بتراجع نسبتهم، نتيجة التعدد الثقافي-، لدعم فوزه في الانتخابات الرئاسية.

ويتساءل نعوم تشومسكي، كيف تصدر الولايات المتحدة قيم السوق الحرة من خلال منظمة التجارة العالمية، حيث احتفلت بتوقيع اتفاقية الاتصالات لهذه المنظمة. ومن آثارها توفير أداة جديدة للسياسة الخارجية لواشنطن. فالاتفاقية تُمكن منظمة التجارة العالمية من الدخول إلى داخل حدود الدول الموقعة على الاتفاقية، وليس سراً أن المؤسسات الدولية لا تستطيع العمل إلا بقدر ما تلتزم بمطالب الأقوياء، خصوصا الولايات المتحدة. وفي الواقع، تسمح "الأداة الجديدة" هذه للولايات المتحدة بالتدخل بعمق في الشؤون الداخلية للأخرين، وإجبارهم على تغيير قوانينهم وممارساتهم. وستحرص منظمة التجارة العالمية على أن تلتزم الدول الأخرى بتعهداتها بالسماح للأجانب بالاستثمار دون قيود في القطاعات المركزية من اقتصاداتها. ومن الواضح، سيكون المستفيدون من هذا العهد الجديد الشركات الأمريكية، التي تتمتع بأفضل وضعية للسيطرة في هذا الميدان(10)، لهذا نرى أن لهذه الشركات مواقع قوية حتى في البلدان الأوروبية المتطورة، وتخشى هذه البلدان من أن يؤدي توتر علاقاتها السياسية والتجارية مع الولايات المتحدة خصوصا في عهد ترامب الى مغادرة هذه الشركات التي تهيمن على قطاعات مهمة خصوصا قطاع التكنولوجيا.

تحولت أسواق المال إلى خطر يتهدد الاقتصاد الحقيقي، الاقتصاد الإنتاجي. فهي تحولت إلى كازينو للقمار جذاب فعلا بأضوائه المتوهجة. إن اللاعبين في هذا الكازينو يمكن أن يقوضوا أركان شركات عملاقة ومتوسطة، إذا ما خسروا الرهان، لا بل قد يتسببون في زعزعة الاستقرار في دول بأكملها. وكان آرثر برونز محافظ البنك المركزي في إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون قد تنبأ في السبعينيات باندلاع هذه المخاطر. فوفق تنبؤاته "يؤدي تحرير أسواق المال إلى شقاء الإنسانية بكل تأكيد". وبعد ثلاثين عاما من التاريخ المذكور، ما كان بوسع خليفته باول فولكر غير التأكيد على صدقية هذا التنبؤ، علماً أن فولكر أمسى واحدا من أهم المستشارين الاقتصاديين في إدارة الرئيس باراك أوباما. وكان قد هاجم النظام المالي في نيسان| أبريل عام 2008، أمام النادي الاقتصادي في نيويورك، قائلا "إنه لمن الصعب جدا الزعم بأن النظام الجديد قد حقق منافع ذات بال"(11). وقد أكدت الأزمة المالية الأخيرة أن هذا النظام تسبب بحدوث كوارث مالية، منها الانهيارات الضخمة التي حدثت في البنوك الكبيرة وأزمة العقارات.

تزايد التفاوت

يقرّ مفكرو الليبرالية باستمرار التفاوت في ظل الرأسمالية، ولكنهم يعتقدون أنه في حال تطبيق الليبرالية الجديدة سيتراجع التفاوت، نتيجة استمرار النمو الاقتصادي والازدهار الذي سيعم المجتمع، لكن الحصيلة كانت عكس ذلك. فقد قالت فوكودا بار التي صاغت تقرير التنمية البشرية لعام 1999 الذي يصدر عن الأمم المتحدة في حديث لها حول النتائج التي توصلت إليها: "للعولمة منافع كثيرة بالنسبة إلى البعض ولكن بالنسبة إلى أغلبية سكان العالم تعني فقط مزيداً من الفقر"(12)، خصوصا في البلدان النامية، ونحن نعرف أن العولمة تعززت أكثر في ظل الليبرالية الجديدة.

قدر التقرير العالمي لمنظمة التنمية الصناعية التابعة للأمم المتحدة لعام 1996، بأن التباين بين أغنى وأفقر 20 في المئة من سكان العالم ارتفع أكثر من 50 في المئة خلال الفترة 1960 - 1989، وتوقع تزايد التفاوت العالمي الناتج من عملية العولمة. وحصل أيضا تزايد في التفاوت في المجتمعات الغنية، والولايات المتحدة لها الريادة في ذلك، وبريطانيا ليست بعيدة عنها في هذا الجانب، وتُشيد الصحافة الاقتصادية بالنمو "المذهل" و"الرائع" للأرباح، وتُثني على التركيز غير العادي للثروة بين أعلى نسبة قليلة من السكان، بينما تستمر ظروف غالبية السكان في الركود أو التراجع(13).

ولاحظ الاقتصادي برنك ليندسي "بأنه بين 1973 - 2001، كان متوسط النمو السنوي للدخول الفعلية فقط 0,3 بالمائة بالنسبة إلى الأشخاص في خمس الجزء السفلي من توزيع الدخل في الولايات المتحدة، مقارنة مع 0,8 بالمائة بالنسبة إلى الأشخاص في الخمس المتوسط، و1,8 بالمائة بالنسبة إلى أولئك الأشخاص في الخمس الأعلى من توزيع الدخل. وتسود أيضا، أنماط مشابهة إلى حد ما في الكثير من الاقتصادات المتقدمة الأخرى"(14)، خصوصا في البلدان الأوروبية وأستراليا.

يشير باتريك دينين الى أن المجتمع الأمريكي يُحَّدد بنحو متزايد من خلال الرابحين والخاسرين اقتصاديا، حيث يحتشد الرابحون في المدن الغنية والمقاطعات المحيطة بها، بينما يظل الخاسرون إلى حد كبير في أماكنهم ويغمرهم اقتصاد عالمي يكافئ النخبة المعرفية راقية التعليم، بينما يقدم فتات الخبز لأولئك المنسيين في "الولايات المنسية" التي تقع بين الشرق والساحل الغربي للولايات المتحدة. هذه الاتجاهات التي لاحظها روبرت رايش وكريستوفر لاش منذ عقود مضت، واللذان انتقدا بقسوة "انشقاق الناجحين" و"ثورة النخبة"، أصبحت في الوقت الحالي ذات طابع مؤسسي من خلال الأسرة، والحي السكني، والمدارس، وتُستنسخ من خلال التعاقب الجيلي؛ إذ يتلقى أطفال أولئك الناجحين إعدادا للدخول إلى الطبقة الحاكمة، بينما يكون أولئك الذين يفتقرون إلى تلك المؤهلات أقل قدرة على توفير الشروط الأساسية اللازمة لدفع أطفالهم إلى المستويات العُليا وأقل معرفة بها(15). وهذه الحالة تنطبق بدرجات متفاوتة على البلدان المتطورة خصوصا الأوروبية منها.

بالإضافة إلى مواجهة تناقص احتمالات أن تخلق رأسمالية السوق رخاء متزايدا لكل المجتمع. أثبتت السنوات الأخيرة، منطقا مدعاة للمفارقة داخل رأسمالية السوق – بالتحديد الجهود الدائمة لكبح الأجور إما من خلال إيجاد أسواق جديدة منخفضة الأجور وإما استبدال البشر بالآلات - سوف يختزل بنحو متزايد كل أنماط العمل ما عدا القليل منها إلى الأعمال الشاقة والمهينة. وقد أدى هذا الاعتراف إلى العودة إلى الرهان الأساسي لجون لوك القائل بأن النظام الذي يوفر الراحة المادية، بغض النظر عن اتساع حجم عدم المساواة، وغياب احتمالات النمو والحراك والتنقل بين الطبقات، من شأنه مع كل ذلك أن يرضي معظم أفراد المجتمع. وأحدث التأملات عن المذهب الليبرالي عند لوك هو للاقتصادي تايلر كوين، الذي يعكس كتابه "الوسط قد انتهى" الخطوط الأساسية لحجة لوك. إذ يشير إلى أن الليبرالية والرأسمالية تديمان أشكالا ضخمة ودائمة من عدم المساواة، والتي يمكن أن تجعل أدوقة العصور الماضية يشعرون بالخجل أمامها، فإن كوين يحاج بأننا في نهاية حقبة فريدة من نوعها في التاريخ الأمريكي، زمن يسود فيه إيمان على نطاق واسع بالمساواة النسبية ومصير مدني مشترك، ودخول عصر نرى فيه بشكل فاعل كيف تُخلق أمتان منفصلتان(16). وهذا القول هو من أدق التعبيرات لحالة تنامي التفاوت الطبقي والاجتماعي في المجتمع الأمريكي، الذي عمقته الليبرالية الجديدة.

الجانب الاجتماعي

ركزت الليبرالية الجديدة على الجدارة والكفاءة لضمان توزيع فاعل لعناصر الإنتاج ومكافأتها على دورها في العملية الإنتاجية، إلا إنها أغفلت إلى حدّ بعيد التفاوت في فرص الحصول على التعليم النوعي والخدمات الصحية والظروف المعيشية، وحتى المشاركة السياسية التي لها دور كبير في تحديد ماهية الجدارة. وهناك تباين كبير في هذه المسألة في مجتمعات الدول النامية والمتقدمة، وإن كانت في الثانية أقل حدة. وهذا ما تؤكده دراسة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية؛ إذ بيّنت أن الوضع الاجتماعي - الاقتصادي هو عامل محوري في تشكيل الفروق في مهارات القرن الحادي والعشرين؛ ذلك لأن الأطفال والبالغين المنحدرين من أسر أكثر امتيازا يميلون باستمرار إلى امتلاك مستويات أعلى في مهارات القراءة والكتابة والحساب وحل المشكلات، وهي مهارات لها دور حاسم في تحديد آفاق الدخل مستقبلا. وعليه، فالوصول إلى تعليم عالي الجودة والتعلّم المستمر يظل متباينا اجتماعيا؛ ما يعني أن نظم التعليم وأسواق العمل تميل، في ظل غياب سياسات موجّهة، إلى إعادة إنتاج عدم المساواة في المهارات القائمة على الوضع الاجتماعي - الاقتصادي عبر الأجيال بدلا من تقليصها(17). وهنا يكون دور الدولة أساسيا لتصحيح هذا الاختلال من خلال توفير التعليم لكل شرائح المجتمع، وعدم جعله وسيلة للتربح.

ووفقا لدراسة أعدّها صندوق النقد الدولي، لمجموعة من الدول النامية والناشئة، فإن تحسن المخرجات الصحية وتوسع فرص الوصول إلى التعليم، إضافة إلى السياسات الاجتماعية، تسهم بصفة ملحوظة في تعزيز عدالة توزيع الدخل وضمان فرص دخل أفضل للفئات الفقيرة والطبقة المتوسطة في هذه المجتمعات. وفي المقابل، أظهرت الدراسة أن مرونة سوق العمل والعولمة المالية والتطورات التكنولوجية كان لها أثر سلبي في عدالة توزيع الدخل، وهي اعتبارات تُعدّ من السمات الملازمة للنموذج الليبرالي الاقتصادي(18) الذي قاد تطبيقه إلى كوارث اقتصادية واجتماعية في البلدان النامية خصوصا.

قد تشكّل سياسات الحماية الاجتماعية أدوات مهمة للتخفيف من اختلالات العدالة في التوزيع، فإنها تبقى بفردها، عاجزة عن تحقيق الكفاية والاستدامة المنشودتين. ومن ثم، فإن الخروج من مفارقة العدالة والجدارة يقتضي بالضرورة أن تعمل الدول على الارتقاء بالتعليم، وضمان الوصول العادل إلى الخدمات الصحية وغيرها من الممكنات الأساسية، بما يرسّخ تكافؤ الفرص ويرفع مستواها على نحو مستدام(19)، ومن ثم يقلل من التفاوت الاجتماعي.

قادت إعادة الهيكلة استنادا إلى الليبرالية الجديدة إلى وضيعة دعمت فيها النخب السياسية والاقتصادية التكامل الاقتصادي والنقدي في الاتحاد الأوروبي، في حين شككت أقسام كبيرة من السكان في التأثيرات الإيجابية للاتحاد الاقتصادي والنقدي. ومنذ نهاية الثمانينيات، ليس من المبالغة الحديث عن انتهاء "الإجماع المتسامح" السابق. وقد استبدلت على نحو كبير المواقف المؤيدة لتكامل الاتحاد الأوروبي إلى شعور بالتشاؤم، حيث ارتفاع البطالة ومشكلات الميزانية العامة وتراجع المنافع الاجتماعية، باختصار انعدام الأمن الاجتماعي. يشير هذا التحول في الوعي العام إلى أن هيمنة الليبرالية الجديدة فقدت قدرتها في تنظيم الإجماع. وعلى عكس السنوات السابقة، بات الليبراليون الجدد من النادر أن يركزوا على المميزات المتوقعة لمبادراتهم. وبدلا من ذلك، ركزوا على عبارة مارغريت تاتشر الأصلية "لا يوجد بديل" عن تعليمات السياسة النقدية المتشددة وسياسات إلغاء القيود(20).

لا يرغب الناس والنقابات العمالية والأجنحة اليسارية في الأحزاب، على الأقل في عدد من البلدان، بتقبل وجهة النظر الدوغمائية هذه والتسامح معها. ويؤكد توسع المقاومة الاجتماعية - على سبيل المثال، الإضرابات في فرنسا، وبشكل رئيس المقاومة النسائية ضد تراجع دولة الرفاه الاجتماعي في البدان الإسكندنافية، وإضرابات الفلاحين في اليونان، والتظاهرات الكبيرة للاتحادات العمالية الألمانية - بأن التأثيرات الاجتماعية السلبية للاستراتيجيات الاقتصادية المسيطرة باتت ممكنة التحقق على نحو متزايد. من دون ريب، تتسم هذه الحملات والتظاهرات بالتشظي بدرجة كبيرة وذات طبيعة دفاعية. ومع ذلك، تبدو الأشكال الحديثة للمقامة الاجتماعية كتعبير منطقي عميق بشأن التطور الرأسمالي(21)، وما يفرزه من تبعات اقتصادية واجتماعية ونفسية لشرائح واسعة من السكان.

تؤكد كثير من الأمثلة تفاقم إرهاق المجتمعات. نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: أولا، هناك خصخصة وإعادة هيكلة القطاع العام. وفي البحث عن كفاءة اقتصادية أكثر، يجري تفويض الكثير من المهام الاجتماعية والخدمات إلى الأسر أو قطاعات أعمال الخدمات. هذا التوجه يؤثر في البنية التحتية، خصوصا في الحقول التي ليست لها صلة مباشرة بالمنافسة الاقتصادية (بعض المدارس، نوادي الترفيه العامة، أقسام من النظام التعليمي، مراكز الاستشارات، الوقاية الطبية... إلخ). المثال الثاني يعود إلى العلاقات الصناعية التي تتسم بمرونة أكثر؛ إذ يحد هذا الجانب عموما من قوة النقابات العمالية، الأمر الذي بدوره يعزز انتشار الأجور المنخفضة، والعمل غير النظامي مع معايير اجتماعية وأمنية متدنية. المثال الثالث، يتعلق بتفكيك أنظمة الضمان الاجتماعي، أي خفض أو إلغاء الحقوق الاجتماعية، مع معايير اجتماعية منخفضة (الحد من الوصول إلى المنافع الاجتماعية وتقليل عددها). بالإضافة إلى ذلك، توفر هذه التوجهات وسيلة لاستراتيجيات العمل الاجتماعي الجديدة، حيث يُجبر العاطلون عن العمل بالقبول بأي عمل(22)، وهذا ما يؤثر على مستوى الأجور التي يقاضونها ومن ثم على مستواهم المعيشي والاجتماعي.

على الرغم من أن مبدأ "الحق في العمل" لم يكن منشؤه الفكر الليبرالي، لكن الليبراليين الجدد لديهم الكثير ليقولوه بشأن هذا المبدأ، ويوضح النقاش الذي دار بشأنه اتجاها جديدا في الفكر الليبرالي. وقد تحدد الموقف الليبرالي التقليدي من حق العمل باعتباره حق العاطلين عن العمل في الحصول على عمل في مهنهم الخاصة بأجور جيدة أو بالمعدلات السائدة للأجور(23). وهذا يعني إن لم يستطيعوا الحصول على عمل في هذه المهن فتنتظرهم البطالة.

وفي العراق وبحسب صالح ياسر، يسمح التأمل العميق في الأصول الفكرية التي ترتكز عليها أيديولوجية ليبرالية التكييف وقراءة ما طرحه بول بريمر الحاكم المدني للعراق بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003، أن من بين الأهداف الفعلية للمشروع الاقتصادي الذي طرحه التأثير في العلاقات الاجتماعية المحلية من خلال العمل على خلق فئات اجتماعية تستفيد من السياسات التي تتضمنها برامج التكييف الهيكلي؛ إذ يستحث على تفكيك التحالفات الاجتماعية التقليدية والعمل على خلق الشروط لنشوء وتطور تحالفات اجتماعية جديدة، تتضمن تلك القوى التي تدافع عن السياسات الجديدة وتكون أساسا أو قاعدة متينة لسلطة الدولة ولها مصلحة فعلية في استمرار تنفيذ برامج التكييف الهيكلي(24). وهذا ما ساهم في توسع صفوف البرجوازية الطفيلية التي تشابكت مصالحها مع القوى الحاكمة المتنفذة، نتيجة ضعف الاقتصادي الوطني من الناحية الإنتاجية واعتماده على النفط، وتوجهها نحو القطاعات التي تحقق الربح السريع.

تناقضات الليبرالية الجديدة

استنادا إلى الفكر الليبرالي، يُفترض بأن الأفراد أحرار في خياراتهم إلا أنهم لا يفترض بهم أن يكون لديهم الخيار في تفسير أن المؤسسات الجمعية، مثل النقابات تتعارض مع الجمعيات الطوعية الضعيفة. وبالتأكيد لا ينبغي أن يختاروا التجمع بغية تأسيس أحزاب سياسية تهدف إلى إجبار الدولة على التدخل في السوق. وبغية حماية أنفسهم من أعظم مخاوفهم - ألا وهي الشيوعية والاشتراكية والشعبوية الشمولية، وحتى حكم الأكثرية - يتعين على الليبراليين الجدد أن يضعوا حدودا قوية للحكم الديمقراطي، معتمدين عوضا منه على مؤسسات لا ديمقراطية ولا تخضع للمساءلة مثل بنك الاحتياط الفدرالي أو صندوق النقد الدولي، لصنع القرارات الهامة. وهذا الوضع يؤسس لمفارقة تتمثّل بتدخلات للحكومة بالغة الشدة من قبل النخب و"الخبراء" في عالم يفترض أن الدولة لا تتدخل فيه. لذلك تجد الدولة النيوليبرالية نفسها عندما تواجه حركات اجتماعية تطالب بالتدخل تكون في هذه الحالة مجبرة على التدخل، واحيانا بأسلوب قمعي، وعلى هذا النحو ترفض الحريات التي يفترض أنها تؤمن بها. وهذا هو الخوف الذي تحدث عنه بولانيي القائل بأن المشروع الطوباوي الليبرالي (واستطرادا النيوليبرالي) قد لا يطول بقاؤه في نهاية المطاف إلا باللجوء إلى السلطة الشمولية. وهذا يعني تقييد حرية الجماهير الشعبية لصالح حريات القلة القليلة(25). وهذه النزعة تكون أكثر وضوحا في البلدان النامية التي تبنت الليبرالية الجديدة وذات أنظمة مستبدة.

كان الهدف المعلن من الخصخصة وسياسات التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي، التحول إلى اقتصاد يقوم على حرية السوق والاحتكام إلى آلياته، إلا أن النتائج المحققة في الدول التي اضطرت إلى انتهاج هذه السياسة (البلدان النامية والدول الاشتراكية السابقة)، أدت باعتراف صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى "انكماش الناتج الوطني بصورة حادة" وإلى مجموعة من الاختلالات الاقتصادية والاضطرابات الاجتماعية والتوترات السياسية، كما أدت الإصلاحات الاقتصادية في البلدان الصناعية المتطورة إلى تراجع ما كان يُدعى بنموذج دولة الرفاه الاجتماعي(26) والذي كانت تتفاخر به هذه الدول على اعتبار أنه يحقق العدالة الاجتماعية.

تفشل المجتمعات المتقدمة في حماية نفسها من الأثر المدمر للأسواق غير المنظمة. يؤكد ذلك مثال أستراليا في الثمانينيات؛ إذ نجحت تجارة السوق الحرة التي طبقتها حكومة حزب العمال بخفض الدخل القومي بأكثر من 5 في المائة سنويا بحلول نهاية العقد، وانخفضت الأجور الحقيقية، وسقطت المشاريع الأسترالية تحت التحكم الأجنبي. وتقدمت البلاد نحو قاعدة للموارد في خدمة منطقة رأسمالية الدولة المتمركزة حول اليابان. وهي المنطقة التي حافظت على نمو ديناميكي بفضل ابتعادها الجذري عن العقيدة الليبرالية الجديدة، هذا الابتعاد الذي حفز التطور في المقام الأول(27). وهو خلاف ما يدعيه منظرو الليبرالية الجديدة بأن تدخل الدولة يمثّل عائقا أمام النمو الاقتصادي المستدام.

يلاحظ آثر ماك إيوان، في مراجعته للسجل الموحّد للتنمية الصناعية والزراعية في الولايات المتحدة المحققة من خلال السياسات الحمائية وغيرها من إجراءات تدخل الدولة، إن "بإمكان الأمم عالية التطور استخدام التجارة الحرة لبسط سلطانها وسيطرتها على ثروات العالم. وبإمكان التجارة الحرة أن تحد من الجهود الهادفة لإعادة توزيع الدخل بشكل أكثر مساواة، وأن تقوض البرامج الاجتماعية التقدمية، وأن تمنع الناس من التحكم ديمقراطيا بحياتهم الخاصة"(28). وهذا ما جرى طيلة عقود؛ إذ دعمت الولايات المتحدة الأنظمة المستبدة، ونفذت انقلابات عسكرية دموية أو قامت بغزو عسكري مباشر لعدد من البلدان، كما حدث للعراق من أجل تأمين مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية.

تتخذ المجتمعات الصناعية الغنية شيئا من هيئة العالم الثالث، بوجود جزر من الغنى الفاحش يحيطها بحر متلاطم من الفقر. يصح هذا خصوصا في الولايات المتحدة وبريطانيا اللتين خضعتا لتعاليم ريغان وتاتشر. ولا تختلف أوروبا عنهما كثيرا، على الرغم مما بقي فيها من قوة الطبقة العاملة والعقد الاجتماعي الذي دافعت عنه. رغم قدرتها على صنع أحياء الفقر عبر "العمال الضيوف"(29). وهذا ما نجده على سبيل المثال أكثر وضوحا في حالة سكن عدد غير قليل من العمالة المهاجرة في فرنسا.

وفي جانب الهجرة أيضا، تتميز الرأسمالية النيوليبرالية بنزعتين متناقضتين تجاه الهجرة الوافدة – هما زيادة الهجرة وفي الوقت نفسه تقييدها. ومن الأمثلة التي تُبرز هذا التناقض هي أعمال إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي في تقييد الهجرة الوافدة، مستهدفة على نحو محدد، بلدانا فقيرة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي وأماكن أخرى. والدعوة في الوقت نفسه إلى زيادة الهجرة المنظمة، وهناك مجموعة معقدة من المؤسسات الدولية والأكاديميين والبرامج البحثية والتقارير والوصفات السياسية وصانعي السياسات. هذه المجموعة مكرسة أيضا لتسهيل تدفقات رأس المال دون عوائق على الصعيد العالمي في خدمة الرأسمالية النيوليبرالية. وهناك بُعد آخر للتناقض وهو أن الرأسمالية النيوليبرالية تعزز الهجرة المنظمة، بحيث يجري تفضيل فقط المهاجرين الذين يتوفرون على المال والمهارات العالية للقبول في البلدان الغنية (30).

ومن ناحية أخرى، يعكس هذا التناقض انفصالا بين السياسة والاقتصاد في ظل العولمة النيوليبرالية. إذ يبدو أن هناك فارقا زمنيا بين القاعدة الاقتصادية والنظام السياسي بشأن مسألة الهجرة الوافدة. بينما تتطلب المنفعة الاقتصادية النيوليبرالية توظيف العمالة المهاجرة الرخيصة لتخفيض تكاليف الإنتاج وتحفيز الربح، نجد النظام السياسي الذي أقيم لتسهيل سير عمل القاعدة الاقتصادية بسلاسة، يقوم بإقامة الحواجز أمام دخول المهاجرين(31). وهذا التوجه يكون مدفوعا من الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تحمّل المهاجرين سبب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تمر فيها البلدان الرأسمالية المتطورة، لكن واقع هذه البلدان يشير إلى حاجتها الماسة للمهاجرين في ضوء تزايد شيخوخة السكان.

وبحسب نعوم تشومسكي لا تقبل أي من مجتمعات رأسمالية الدولة الحركة الحرة لقوة العمل التي هي شرط ضروري لنظرية السوق الحرة؛ وبالتالي على أوروبا الشرقية، أو معظم أجزائها على الأقل، أن تعود إلى الدور الخدمي الخاص بالعالم الثالث(32). وهذا الموقف ينطبق أكثر على العمالة المهاجرة الوافدة من البلدان النامية.

وهناك واقع آخر لم تستطع الليبرالية الجديدة تجاوزه، فعلى الرغم من الأزمة المالية العالمية الأخيرة لعام 2008، لا تزال شركات النفط الوطنية تسيطر على ثلاثة أرباع الموارد الأولية الإستراتيجية في العالم، ولا تزال الشركات العائدة للدولة والشركات الوطنية المملوكة للقطاع الخاص والنصيرة للدولة تتمتع بميزات تنافسية أساسية على منافسيها من القطاع الخاص، ولا تزال صناديق الثروة السيادية تفيض بالسيولة النقدية. هذه الشركات والمؤسسات، حقاً، أكبر من أن تتعرض للفشل. هذا يعني أن "هذه الاتجاهات تعيد تشكيل السياسة الدولية والاقتصاد العالمي بواسطة تحويل وعلى نحو متزايد مفاصل القوة الاقتصادية الكبيرة والتأثير أو النفوذ إلى السلطة المركزية للدولة. وبهذا فهي تغذي ظاهرة كبيرة ومعقدة لرأسمالية الدولة"(33). وهذا المنحى ازداد أكثر بعد تداعيات الأزمة الأخيرة وما رافقها من تدخل الدولة في الجانب المالي والاقتصادي، وفي المعاقل التي انطلقت منها الليبرالية الجديدة مثل الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية.

***

د. هاشم نعمة

....................

الهوامش

1 - أرنست فولف، صندوق النقد الدولي قوة عظمى في الساحة العالمية، ترجمة عدنان عباس علي، الكويت: عالم المعرفة، 435، أبريل 2016، ص 61 - 62.

2- المصدر نفسه، ص 62.

3- Andrian Vlachou, (ed.), Contemporary Economic Theory: Radical Critiques of Neoliberalism, London: Macmillan Press, 1999, p.72.

4- Michael Freeden, The New Liberalism: An ideology of social reform, Oxford: Clarendon Press, 1978, pp.195-196.

5- ديفيد هارفي، الوجيز في تاريخ النيوليبرالية، ترجمة وليد شحادة، دمشق: وزارة الثقافة، 2013، ص 95.

6- اشرف منصور، الليبرالية الجديدة: جذورها الفكرية وأبعادها الاقتصادية، القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2008، ص 323.

7- صالح ياسر، "الرفاهية الاجتماعية .. "تعاون طبقي" أم "صراع طبقي"! جدل الثنائيات"، الثقافة الجديدة، العدد 435، كانون الثاني 2023، ص 12.

8 - هارفي، ص 95.

9- NRC Handelsblad, 25 November 2022.

10- Noam Chomsky, Profit over People: New liberalism and Global Order, New York: Seven Storis Press, 1999, p. 69.

11- أولريش شيفر، انهيار الرأسمالية، ترجمة: عدنان عباس علي، الكويت: سلسلة عالم المعرفة، 371، يناير 2010، ص 63-64.

12- NRC Handlesblad, 12 Juli 1999.

13- Chomsky, p. 112.

14- جيري مولر، "الرأسمالية وعدم المساواة"، ترجمة: هاشم نعمة، "الثقافة الجديدة"، العدد 373، أيار 2015، ص 85.

15- باتريك دينين، لماذا فشلت الليبرالية، ترجمة يعقوب عبد الرحمن، الكويت: عالم المعرفة، 483، أبريل 2020، ص 158.

16- المصدر نفسه، ص 149-151.

17- عمر الرزاز وحازم رحاحلة، "تقهقر النيوليبرالية: الدروس والسياسات المستخلصة"، الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، شباط 2026، ص 7-8.

18- المصدر نفسه، ص 8.

19- المصدر نفسه، ص 12.

20- Hans-Jurgen Bieling, New – Liberalism and Communitarianism: towards a new type of employment policy in Western Europe, Amsterdam: University of Amsterdam, 1998, p. 12.

21- Ibid., pp. 12-13.

22- Ibid., pp. 13-14.

23- Michael Freeden, p. 212.

24- صالح ياسر حسن، الخصخصة و"الإصلاحات الاقتصادية" بين خيبات العقيدة ورهانات الواقع - محاولة في نقد الخطاب والممارسة -، بغداد: دار الرواد المزدهرة، 2016، ص 437.

25- هارفي، ص 99-100.

26- صالح ياسر حسن، الخصخصة، ص 132-133.

27- نعوم تشومسكي، سنة 501 الغزو مستمر، ترجمة مي النبهان، دمشق: دار المدى للثقافة والنشر، 1996، ص 99.

28-المصدر نفسه، ص 187.

29- المصدر نفسه، ص 99-100.

30- Dennis C. Canterbury, Capital Accumulation and Migration (Leiden/ Boston: Brill, 2012), p. 173.

31- Ibid., p. 173.

32- تشومسكي، ص 145.

33- إيان بريمر، "رأسمالية الدولة عصر يتشكل، هل هو نهاية السوق الحرة؟"، ترجمة: هاشم نعمة، الثقافة الجديدة، العدد 339، السنة 2010، ص 74.

تنامى منذ عدة سنوات عدد المؤتمرات والندوات والمحاضرات التي تهتم بالتسامح والتعايش وقبول الآخر والحوار بين الأديان، وهي ظاهرة صحية في فضاء تتفاقم فيه أزمات التدين، وتستحوذ فيه الجماعات المتشددة على صدارة المشهد الإعلامي. غير أننا قلما نستمع في مثل هذه الملتقيات إلى حديثٍ واقعي يلامس الجذور العميقة للعنف والكراهية، لأن معظم المتحدثين يكررون عباراتٍ أضحت أقرب إلى لافتاتٍ للمجاملات في العلاقات العامة، لغةً تحتشد بالثناء والتمجيد، وتفتقر إلى مساءلةٍ صريحةٍ للبنى المغلقة التي تنتج الإقصاء، وتعيد إنتاج الخوف من المختلف، وتعطل إمكان التفاهم الإنساني العميق بين أتباع الأديان والثقافات.

كل الكلمات والعبارات تتفق على أن تراثات الأديان ومواقفها وأفعالها وممارساتها منزّهةٌ من هذا العنف المتوحش المتفشي، وكل متحدث ينزع إلى تبرئة دينه ومذهبه وتراثه من كل ما يمكن أن يسيء إلى الإنسان وحقه في أن يكون مختلفًا، على الرغم من أن الممارسات المتشددة تصدر عن أفرادٍ متدينين ينتمون إلى جماعاتٍ دينيةٍ معروفة، وتستند إلى مدوناتٍ كلاميةٍ وفقهيةٍ وتراثيةٍ راسخةٍ في الذاكرة الدينية، تغذّي أحيانًا رؤيةً مغلقةً للعالم والإنسان، وتمنح العنف مشروعيةً رمزيةً حين يوظف الدين خارج أفقه الأخلاقي والروحي والجمالي.

إن تبرئة تراث الدين وممارسات أتباعه لم تعد ذات جدوى اليوم، المشكلة لا تكمن في الإنكار، وإنما في العجز عن الاعتراف الصريح بما يجري في الواقع. الضروري هو امتلاك شجاعة النظر إلى الحضور الطاغي لنمطٍ من التدين المتشدد الذي يستقي منابعه من تدينٍ مولعٍ بالموت، وتغذّيه مؤسسات التربية والتعليم والتثقيف والإعلام والمنابر الدينية، عبر إعادة إنتاج مفاهيم مغلقة في فهم الإنسان والعالم والحقيقة، وترسيخها في الوعي الجمعي بوصفها التعبير الوحيد عن الحق والحقيقة، الأمر الذي يفضي إلى إقصاء المختلف، وإضعاف قيم التعاطف والرحمة والمحبة والعيش المشترك.

لا يمكن فرض دينٍ واحدٍ على البشرية، البشر لم يتوحدوا عبر التاريخ في معتقدٍ واحد، ولم تتطابق تجاربهم الروحية ورؤاهم للعالم وإجاباتهم عن الأسئلة الميتافيزيقية. كل محاولةٍ لاحتكار تمثيل الله في الأرض، وفرض حضور دينٍ بعينه عبر العنف والإقصاء وإبادة المختلف، تنتهي إلى إنتاج المزيد من الكراهية والعنف. الإيمان لا يولد بالإكراه، ولا تنبثق التجربة الروحية من الخوف، لأن الصلة بالله لا تتحقق بالقوة، وإنما تنمو في فضاء الحرية والاقتناع والتعاطف والرحمة.

كل وقائع الحروب تكذّب الوهم القائل بإمكان إفناء الأديان أو اقتلاعها من حياة البشر. لم تستطع الإبادات الجماعية، ولا حملات الاضطهاد، ولا العنف المنظم، أن تمحو مكونًا دينيًا من الوجود. ذلك ما تشهد عليه بوضوح حياة دياناتٍ غير تبشيرية، ودياناتٍ قديمةٍ تعود نشأتها إلى ما قبل الميلاد، ظل حضورها الديموغرافي محدودًا، غير أنها واصلت البقاء، وعاندت عذاباتها، وفرضت حضورها في التاريخ الإنساني، على الرغم مما تعرضت له من تعسفٍ واضطهادٍ وقتلٍ مريعٍ في محطاتٍ متعددةٍ من مسيرتها. الدين حاجةٌ متجذرةٌ في البنية الوجودية للإنسان، تتجدد كلما بحث الإنسان عن معنى لحياته، وملاذٍ يبدد قلقه، وأفقٍ يروي ظمأه إلى الطمأنينة والسكينة والمعنى.

لم نجد ديانةً يتنازل عنها جميع المعتنقين لها، إثر اقتناعهم بحجج ديانةٍ أخرى على بطلانها. قد يقتنع بعض الأفراد أحيانًا، غير أنه يتعذر أن يقتنع كل أتباع دينٍ بحجج أتباع دينٍ آخر، مهما بدت تلك الحجج مقنعةً لأصحابها. ذلك أن الجدل بين تصورين مختلفين للحقيقة، ورؤيتين مختلفتين لله والإنسان والعالم، لا ينتهي إلى نتيجةٍ منطقيةٍ حاسمة، لأن كل رؤيةٍ تنبثق من شعورٍ نفسي، وأفقٍ إيماني، وتجربةٍ روحية، وتاريخٍ طويلٍ خاص من التفسير والتأويل.

مضافًا إلى أنه لا يمكن إعادة بناء كل تفاصيل نشأة الأديان في ضوء أفقٍ تاريخيٍّ متأخرٍ كثيرًا عن عصر مؤسسيها، ولا التعرف على جميع ظروف نشأتها وتحولاتها عبر الزمان. تاريخ كل ديانةٍ تعيد الجماعة المؤمنة تكوينه باستمرارٍ في ضوء مخيلتها، وتغذيه بما تختزنه من أحلامٍ ومطامحَ وصورٍ مثاليةٍ عن ذاتها وماضيها. تظل الجماعة أسيرةَ الصور الخلّابة التي رسمتها لمعتقداتها ورسختها في وعيها الجمعي، وما لم تقرأ تاريخها خارج الأطر المغلقة لمعتقداتها، فإنها تلبث تبالغ في الإعلاء بتميّز دينها، وتصر على تفوقه على سواه، حتى تتحول هذه الرؤية إلى عنصرٍ عميقٍ في اللاوعي الجمعي، ويشتد حضورها إلى الحد الذي يؤثر في اختيارات الجماعة ومساراتها التاريخية ومصائرها. الأديان التي استفاقت راجعت الصور الخلّابة التي تملأ مخيلتها التاريخية، فدرستها بعناية، وغربلتها ومحصتها في ضوء المناهج الحديثة في دراسة الأديان، وتأملت بدقةٍ سردياتها، وفتشت عن منابع إلهامها وكيفية تشكلها عبر الزمان، وامتلكت شجاعة الاعتراف بما اكتنف مسيرتها من انتهاكاتٍ لكرامة الغير، وحاولت أن تستبعد ما تراكم في تراثها من أحكامٍ تنبذ كل مَن لا يعتنقها.

أدركت بعض الأديان متأخرةً ضرورة احترام كل إنسان بوصفه إنسانًا، وأنه لا يمكن إدارة الاختلاف والتنوع في المجتمعات إلا عندما يُحترم المختلف بما أنه إنسانٌ يشترك مع الجميع في إنسانيته، بالمعنى الذي تتأسس عليه حقوقه الطبيعية والمدنية كافةً. والاحترام سلوكٌ أخلاقي يتجاوز التسامح، لأن التسامح قد ينطوي أحيانًا على شعورٍ مستترٍ بالتفوق، في حين أن الاحترام اعترافٌ متبادل بكرامة الإنسان وحقه في الاختلاف. التسامح يتضمن أحيانًا إشارةً خفيةً بالعلو على المختلف، فأنت تتسامح معه كرمًا منك، وتفضلًا، وعطفًا، ورأفةً، وكأنك الأكثر إنسانيةً والأعلى مقامًا والمتفوق عليه. أما الضمير الأخلاقي اليقظ فيفرض احترام المختلف بوصفه إنسانًا لا غير، لا بوصفه منتميًا إلى قوميةٍ أو هويةٍ أو دينٍ أو معتقد. نحترم المختلف لأن الله كرّمه مثلما كرّمنا، كل إنسان يولد مكرمًا، وتسبق كرامته كل انتماءاته وهوياته واختلافاته.

ما أعنيه بالتسامح هو الشعور بمنح الغفران لإنسانٍ يُنظر إليه بوصفه مخطئًا في معتقده، إنسان لا يعرف الحقيقة كما يعرفها مَن يمنحه العفو ويغض الطرف عن خطئه. التسامح بهذا المعنى يبتني على الاعتقاد بوجود طريقٍ واحدٍ لإدراك الحقيقة، في حين أن الاحترام يبتني على تعدد الطرق إلى الحقيقة، ويحيل إلى تنوع وجوهها، والاختلاف في وسائل فهمها والتعبير عنها. يختلف المعنى الذي أقصده للتسامح عن المفهوم الشائع له، لأن نشأة مفهوم التسامح وتطوره في السياق الغربي الحديث لا تتطابق مع مفهومه في السياقات التراثية، ولا مع ما يحيل إليه مدلوله في المعجم العربي، حيث يقترن غالبًا بالعفو والصفح والتفضل، أكثر من اقترانه بالاعتراف المتبادل بكرامة الإنسان وحقه في أن يكون مختلفًا.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

تفكيك التجربة السياسية والإنسانية

التراجع الإمبراطوري والتسويغ الأخلاقي

تتقاطع في الفضاء الجيوسياسي لمنطقة الشرق الأوسط تحولات بنيوية عميقة تعيد صياغة مفاهيم السيادة، والتبعية، والأخلاق السياسية. ويكشف التتبع التاريخي والتحليلي للمنطقة عن رابط وثيق بين فكرتين جوهريتين تقعان على طرفي نقيض ظاهرياً، ولكنهما تلتقيان في عمق الممارسة الإمبريالية:

 الأولى هي طوباوية التأسيس الفكري التي تصطدم بالواقع العسكري المأزوم؛ والثانية هي تداعيات الإزاحة الأخلاقية الممنهجة التي جرت هندستها لتبرير الإخفاقات السياسية وتحييد الضمير الأخلاقي الجمعي. يسعى هذا المقال إلى تفكيك هذه العلاقة الجدلية، مستنداً إلى ركائز مادية ترتبط بالصراع على الأرض، وركائز نظرية تدرس نفسية الإمبراطورية وآليات الإزاحة الأخلاقية التي تعيد إنتاج الهيمنة عبر أدوات التقنية المعاصرة.

كيف يُبرر العنف المنظم؟

لكي تمارس القوى الإمبريالية ووكلائها الإقليميون العنف والتدمير دون إثارة غضب أخلاقي داخلي أو إدانة الذات، يتم اللجوء إلى ترسانة من الآليات النفسية والاجتماعية التي تُعرف في أدبيات علم النفس السياسي بـ "الإزاحة الأخلاقية الانتقائية". تهدف هذه الآليات إلى تعطيل عمل الرقابة الأخلاقية الفردية والجمعية، وإظهار السلوك الضار والمدمر بمظهر الفعل النبيل والضروري. ويمكن تفكيك هذا النظام النفسي والسياسي عبر مسارات عدة:

التبرير الأخلاقي والمقارنة المواتية: يتم تغليف السلوك العسكري التدميري بشعارات إنسانية وحضارية نبيلة؛ حيث تجري شرعنة النزاعات المسلحة والتدخلات الخارجية بوصفها حماية للقيم الإنسانية، ومهمة سامية للدفاع عن الحرية والتقدم. وفي السياقات الإقليمية المعاصرة، تبرر القوى المهيمنة ضرباتها العسكرية وقتل المدنيين بحماية أمنها القومي واستئصال بؤر التهديد، مستخدمة مقارنات مواتية تقلل من فظاعة فعلها مقارنة بما يرتكبه الآخرون.

استخدام اللغة المطهّرة والمقنّعة: تلعب اللغة دوراً حاسماً في إخفاء بشاعة الجريمة؛ حيث تتحول المذابح والضربات العشوائية في الإعلام الموجه إلى "عمليات دقيقة مبنية على معلومات استخباراتية"، كما يُختزل الضحايا الأبرياء في عبارات إدارية جامدة مثل "تحييد عناصر معادية" أو "خسائر جانبية". وتظهر هذه الممارسة بوضوح في التغطية الإعلامية لشرعنة الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان.

إزاحة المسؤولية ونشرها: يتم نفي المسؤولية الشخصية والمؤسسية عن الكوارث؛ فحين تتسبب السياسات الكبرى في تدمير البنى التحتية وترك المجتمعات تواجه المجاعة والفقر المدقع، تسعى النخب الحاكمة للتنصل من المسؤولية عبر إلقاء اللوم على فساد الإدارات المحلية السابقة، أو لوم الأطراف السياسية المنافسة داخلياً، لحماية مصالح المؤسسة المهيمنة من المحاسبة القانونية والأخلاقية.

تجريد الضحايا من الإنسانية وتوجيه اللوم لهم: تُصوّر المجتمعات المستهدفة بالعدوان على أنها بيئات همجية متخلفة وحاضنة للتطرف بشكل حتمي. هذا التجريد من الصفة الإنسانية يبرر فرض العقوبات القاسية، والحصار الاقتصادي، والقصف الجوي العشوائي دون إثارة تعاطف المجتمعات التي تتبنى وعياً متفوقاً واستثنائياً يضع "المواطن الإمبراطوري" فوق المساءلة القانونية والإنسانية.

تفكيك "ملكة الإخلاص" وتأسيس الواقع المفرط

لا يقتصر تفعيل الإزاحة الأخلاقية على الخطاب السياسي والعسكري المباشر؛ بل يمتد ليعيد صياغة الإدراك والوعي الإنساني عبر وسائط التقنية الحديثة وشبكات المحاكاة الافتراضية المعاصرة. ففي عالم اليوم، لم تعد الأنظمة الإمبريالية والشمولية بحاجة حتمية لاستخدام القمع العنيف المباشر فقط لفرض هيمنتها؛ بل أصبحت تعتمد على أدوات ناعمة تعيد بناء العقول واللغة والجهاز العصبي للمتلقين لضمان طاعتها الطوعية وتحييد ملكة الصدق والضمير لديهم.

ارتبطت السيرورة التاريخية للأخلاق بتحولات بنيوية عميقة في كيفية فهم الذات الإنسانية وعلاقتها بالفضاء العام والخاص. وفي هذا السياق، تبرز دراسة الناقد والمفكر "ليونيل تريلينغ" في كتابه "الإخلاص والأصالة" كأحد أهم المراجع المفسرة لمفهوم الحياة الأخلاقية في طور إعادة صياغة نفسها. تتبع تريلينغ تاريخياً كيف تشكل "الإخلاص" كركيزة للحياة الأخلاقية، حيث كان يعني "التطابق الصادق بين المشاعر الداخلية الفكرية والإقرار العلني بالموقف الأخلاقي". وتتضح هذه الفكرة في نصيحة الشخصية الشكسبيرية "بولونيوس" لابنه "لايرتيس" في مسرحية هاملت:

 "كن مخلصاً لنفسك، وسيجري ذلك كما يجري الليل بعد النهار، فلن تكون كاذباً مع أي رجل". وبحسب تريلينغ، لم يكن الصدق مع الذات هنا غاية نهائية بذاتها، بل كان وسيلة تضمن الاستقامة والصدق الأخلاقي في المعاملات البينية والاضطلاع بالدور الاجتماعي العام دون زيف.

مع نشوء مجتمعات الحداثة وتصاعد الاغتراب، تراجع هذا النموذج المتسق لصالح مثال أكثر صرامة وهو "الأصالة". ويكشف الجذر الاشتقاقي لكلمة "الأصيل" في اللغات القديمة عن معانٍ حادة تشمل فعل "المجابهة أو القطيعة المطبقة"؛ مما يوضح أن الأصالة تنطوي دائماً على طاقة كامنة تفرض على الفرد التزاماً بالتعبير عن حقيقته الداخلية المطلقة، حتى لو هدد ذلك السلم الاجتماعي وتحداه بالكامل. لقـد أضحت الأصالة تعني الانفصال والرفض والقطيعة التامة بين "الذات الحقيقية" وزيف البناء الاجتماعي والمؤسسي، وهو ما مهد لظهور المذاهب الوجودية والتحليل النفسي الحديث. وحذر تريلينغ من أن الهوس المتطرف بالأصالة قد يقود إلى إنتاج مسارات مدمرة ذاتياً ومؤدية للتفكك النفسي المطلق والوقوع في شرك العنف والانعزال.

عند مقاربة هذه التحولات التاريخية من منظور ظاهراتي عميق، يتلاقى فكر تريلينغ مع أطروحات الفيلسوف الألماني "مارتن هيدجر" والمنظر النقدي "والتر بنيامين" حول طبيعة "التجربة الإنسانية العميقة والمتراكمة تاريخياً" وتفككها في كنف التقدم التقني. يفرق هذا المنظور بين فئتين جوهريتين للتجربة الإنسانية:

التجربة التاريخية المتراكمة: وهي التجربة الروحية والمادية العميقة المتجذرة في السياق الاجتماعي والتقاليد، والتي توفر التربة الخصبة لنمو ملكة الإخلاص الإنساني، وتسمح للفرد بصياغة مواقف أخلاقية متصلة بالزمن والتاريخ وعلاقاته البينية الحية.

التجربة المعاشة العابرة: وهي عبارة عن منبهات عاطفية وحسية طارئة ومبتسرة، يتلقاها الجهاز العصبي كحدث معزول ومستهلك، دون أن يتراكم في الوعي أو يبني معرفة وجودية حقيقية.

وهنا يمثل الواقع الافتراضي ذروة تطور أنظمة المحاكاة والاصطناع؛ ففي العصر الحالي، لم تعد المنظومة تنتج سلعاً مادية فحسب، بل تفيض بأكوام من الرموز والصور ولغات الاصطناع التي فقدت أي صلة مرجعية بالواقع الخارجي الملموس. وتتحول هذه الرموز الافتراضية إلى "واقع مفرط" يصبح فيه الاصطناع أشد حضوراً وجاذبية وموثوقية من الواقع المادي المعاش.

الأنظمة الشمولية وهندسة المعرفة القسرية

بينما تسعى الشركات الاستثمارية الكبرى إلى توظيف الافتراضية والواقع المفرط لتحقيق عوائد اقتصادية وضمان الاندماج الاستهلاكي المستمر للمستخدمين، تجد الأنظمة الشمولية المعاصرة في هذه البيئة الإدراكية المشوهة فرصة ذهبية لفرض سلطتها وممارسة التحكم المعرفي الممنهج على السكان. فلم تعد الشمولية الحديثة بحاجة دائمة إلى الاكتفاء بأدوات القمع العنيف والاعتقال الجسدي والتعذيب المادي؛ بل أضحت تعتمد على أدوات ناعمة وذكية تعيد هيكلة البنية الفكرية واللغوية والعصبية للمواطن لضمان طاعته الطوعية، وتدمير ملكة الصدق لديه.

ولعل هذا الصراع الوجودي لاستعادة الحقيقة والصدق ضد طغيان الشمولية والتقنية يتجسد رمزياً في رواية "1984" لـ "جورج أورويل" من خلال تلك الأداة الصغيرة الهامشية:

"ثقالة الورق الزجاجية" التي اشتراها البطل وينستون سميث. لقد مثلت هذه الثقالة الزجاجية الشفافة والهشة، التي تحوي في جوفها قطعة مرجان صغيرة، تجسيداً مادياً ملموساً للذاكرة التاريخية المفقودة التي لم تطلها مقصات التزييف والتحريف في "وزارة الحقيقة". كانت تذكيراً دائماً بوقت مضى تميز بالعفوية الجمالية والمشاعر الإنسانية الصادقة والإخلاص الوجداني الخالص البعيد عن عيون شاشات المراقبة القمعية. وإن تحطيم شرطة الفكر لهذه الثقالة أثناء مداهمة مخبأ وينستون لم يكن مجرد تدمير لقطعة أثرية، بل كان إعلاناً درامياً عن السحق الكامل لإمكانات التمرد المعرفي والجمالي والذاكرة الفردية، وانتصاراً ساحقاً لأدوات المراقبة الشمولية والتكنولوجية على المشاعر الإنسانية النبيلة، وتدشيناً لعصر السيادة المعرفية المطلقة للدولة على عقل الفرد وروحه.

في هذا السياق المعرفي المنكوب، تجد السلطة الشمولية ضالتها؛ حيث لم تعد بحاجة دائمة لاستعراض العنف القمعي المفرط طالما أنها تمتلك القدرة على هندسة الوعي وإعادة صياغة العقول وتوجيه الإدراك عبر شبكات التحكم الرقمي المعاصر. إن تلاقي مصالح رأسمالية المراقبة مع نزعات الأنظمة الشمولية نحو السيطرة المعرفية الكاملة ينتج نظاماً عالمياً يحول الفضاء الافتراضي إلى "مقبرة إدراكية" شاملة، تصبح فيها الأصالة والصدق والإخلاص مجرد تهم فكرية مستحيلة الوجود، وتُستبعد لغوياً ونفسياً من عقول الأفراد الخاضعين لسطوة الواقع المفرط والاصطناع الكامل.

***

غالب المسعودي

 

هل ما زال العقل معيارا للضرورة الفلسفية؟

إن مسألة العقل ومعيارية الضرورة الفلسفية تمثل منذ فجر التفلسف الإغريقي ذلك الخط الفاصل الذي لم يتوقف الفلاسفة عن إعادة رسم حدوده وتفكيك أسواره، ذلك لأن العقل لم يكن قط مجرد أداة من أدوات المعرفة بل هو الحكم ذاته الذي يمنح الفلسفة شرعيتها ويميزها عن الخطاب الأسطوري أو الشعري أو الديني. غير أن تاريخ الفلسفة بحركاته النقدية الكبرى وانعطافاته الجوهرية لم يكد يمر بقرن واحد دون أن يجد نفسه مضطرا إلى مساءلة هذا الأساس الذي يقوم عليه، وكأن العقل الذي أسس الفلسفة هو نفسه ما يدفع الفلسفة إلى التشكيك فيه. فمن شكوكية بيرون إلى نقد هيوم، ومن ثورة كانط إلى تفكيك دريدا، يتجلى سؤال محوري لا يلبث أن يعيد طرح نفسه باستمرار: هل ما زال العقل بعد كل هذه النقوضات والتقويضات قادرا على أن يشكل ذلك المعيار الجامع الذي لا غنى عنه للضرورة الفلسفية أم أننا أمام ضرورة تاريخية لإعادة تعريف “المعقول” ذاته على نحو يخرج من دائرة العقلانية الضيقة إلى فضاءات أرحب لا تختزل الحقيقة في المقولات والبراهين؟

يكتسب هذا السؤال راهنية مضاعفة في اللحظة الفلسفية الراهنة حيث لم يعد ممكنا تجاهل الإرث المزدوج لنقض العقل من جهة النقض القادم من داخل التقليد العقلاني نفسه ممثلا في النقد الكانطي للعقل المحض، ومن جهة أخرى النقض القادم من خارج هذا التقليد أو من هوامشه ممثلا في فلاسفة الريب والجسد والإرادة واللاوعي. وإذا كانت الفلسفة المعاصرة في تياراتها التفكيكية وما بعد البنيوية قد بلغت ذروة هذا التشكيك حين أعلنت “موت الإنسان” و”نهاية الميتافيزيقا” و”تفكيك المركزية اللوغوسية”، فإن السؤال الأكثر إلحاحا اليوم ليس هو ما إذا كان العقل قد فقد عرشه بل ما إذا كانت هناك إمكانية للحديث عن “معقول” بعد هذا التفكيك وما إذا كانت الفلسفة قادرة على أن تظل فلسفة دون أن تجعل من العقل معيارها الأخير. هذه الأسطر إذن تحاول فتح أفق هذا السؤال دون أن تبتلعها سهولة الرفض أو سذاجة القبول، بل من خلال استحضار التوتر الخصب بين ثقة العقل بنفسه وشك العقل في نفسه.

ومنذ ذلك المنعرج الأيوني حين أعلن هرقليطس أن “الفكر المشترك لدى الجميع” هو ما يفصل بين اليقظة والحلم ظل العقل يُحتلف به كالسمة الجامعة التي لا تفارق الإنسان حتى في أقصى حالات غربته عن ذاته. لكن سؤال الضرورة الفلسفية للعقل ليس مجرد استفسار عن أداة بل هو نقب في أساس الميتافيزيقا الغربية نفسها، فإذا كان العقل هو ما يمنح الفلسفة شرعيتها فكيف نفسر تلك اللحظات الكبرى التي انقلبت فيها الفلسفة على عقلانيتها الصارمة لتنحت من حدس الجمال أو من هاوية الوجود ما لا يخضع للبرهان؟ وإذا كان العقل قد توقف عن كونه المعيار الوحيد فهل يظل ممكنا الحديث عن “معقولية” ما زالت تصلح كأرضية للتداول الإنساني أم أننا أمام ضرورة استبدال العقل بما هو أوسع منه مثل الجسد أو الرغبة أو الإرادة؟

ولا يمكن الاقتراب من هذه المعضلة دون العودة إلى اللحظة الديكارتية التي أسست لسلطان العقل بوصفه “الأكثر توزيعا بالعدل بين الناس”، حيث جعل ديكارت من الشك المنهجي تطهيرا لكل ما ليس بدهي ومن “الكوجيتو” حجر زاوية لا يهتز. ذلك العقل الذي يتطابق مع الضوء الطبيعي لم يكن مجرد ملكة نفسية لأن مبدأ الصدق الميتافيزيقي الذي يحكم العلاقة بين التصور الواضح والوجود الخارجي والمفترض ضمنا في كل فعل من أفعال الإدراك الصادق لا يمكن أن يكون قد غرس فينا نظاماً للمعرفة يقودنا بالضرورة إلى الخطأ متى أحسنّا استخدامه.

 وقد صار المعقول مرادفا لما هو قابل للقياس والبرهان وأصبحت الفلسفة ملزمة بأن تكون هندسة أفكار أكثر منها حكمة كينونة. لكن هذا البناء الشامخ لم يلبث أن تكشفت فيه التصدعات فكانت نقدات فيكو للعقل الديكارتي من زاوية التاريخ، حيث أصر على أن “الرئيس”  و”المصنوع”  يتطابقان وأن العقل لا يدرك إلا ما يصنعه بينما التاريخ واللغة والمؤسسات البشرية تحتاج إلى عقل آخر، هو العقل الشعري أو العقل الفطري الذي يعمل بالرموز قبل المقولات. ثم جاء هيوم ليهز الثقة في السببية، ذلك العمود الفقري للعقلانية حين أظهر أن العلاقات بين الظواهر ليست ضرورية بل مجرد تعاقد نفسي مع العادة وأن العقل وحده لا يستطيع أن ينتج حكما أخلاقيا أو جماليا دون وساطة الانفعال. عندئذ بدأ مفهوم “المعقول” يتشقق من داخله، فإذا كان العقل عاجزا عن إثبات وجود العالم الخارجي أو عن تبرير مبادئه الخاصة دون مغالطة المصادرة فأي معنى يبقى لكونه معيارا للضرورة الفلسفية؟

لم تكن استجابة كانط مجرد تصحيح وإنما قلبا للعلاقة بين العقل والوجود، فبدلا من أن يظن العقل أنه يكتشف قوانين الواقع من خارجه أعلن كانط أن العقل هو من يشرع القوانين للطبيعة بما يحمله من صور قبلية (المكان والزمان) ومقولات (السببية والجوهر وغيرها). وتحول العقل من متلق ساذج إلى مشرّع نشط، لكن الثمن كان باهظا، ما يسمى بالمعقول لم يعد مطابقا لما هو موجود في ذاته (النومينون)، بل صار صالحا فقط لظواهر العالم (الفينومينون). وهذا يعني أن العقل لم يعد معيارا للحقيقة المطلقة وإنما أصبح مجرد أداة تنظيمية لعالم الخبرة الممكنة. ولسان حال الفيلسوف الكونيغسبرغي يقول: “لقد وجدت أنه من الضروري تعليق المعرفة لأفسح مكانا للإيمان”، فأقر بحدود العقل النظري وأعاد الاعتبار للعقل العملي حيث الأخلاق والإرادة الصالحة والأحكام التأملية. لكن هل هذا الاعتراف بالحدود يكفي للحفاظ على سلطان العقل؟ كلا؛ لأنه فتح الباب أمام سؤال أكثر إزعاجا، إذا كان العقل لا يستطيع بلوغ المطلق ولا الوصول إلى الأشياء في ذاتها فلماذا نعتبره المعيار الأسمى للضرورة الفلسفية؟ أليس في الفلسفة نفسها شيء يتجاوز “معقولية” العلاقات بين الظواهر؟

مع هوسرل وظواهرية القرن العشرين، بدا الأمر وكأن العقل يسترد عافيته لكن من باب مختلف تماما. فبدلا من العقلانية الكلاسيكية التي تبحث عن قوانين موضوعية مستقلة عن الذات، اقترح هوسرل “عودة إلى الأشياء نفسها” عبر منهج وصف دقيق للوعي المقصود . هنا لم يعد العقل مجرد ملكة استدلال وإنما صار مجالا للكشف المباشر عن المعاني التي تظهر للوعي في تجربته الحية. بهذا المعنى عاد “المعقول” ليعني “ما يمكن أن يظهر للوعي بوضوح”، لكن هذه الوضوحية هذه المرة لم تكن رياضية هندسية بل كانت وصفيّة تأويلية تحتاج إلى شهود حدسي قبل البرهان المنطقي. لكن قدر هوسرل المأساوي أنه رغم تأسيسه لفينومينولوجيا قادرة على ردم الهوة بين الذات والعالم، ظل أسيرا لنموذج الوعي التام متجاهلا أبعادا كاللاشعور والجسد والتاريخ التي تعمل في صمت قبل كل وعي. وهذا ما اكتشفه تلاميذه المنشقون خاصة هايدغر الذي قلب السؤال رأسا على عقب، "ليس العقل هو الذي يحدد معنى الوجود، بل الوجود هو الذي يسبق العقل ويفتح إمكانية العقل نفسه". فـ”الكينونة” التي يتحدث عنها هايدغر ليست موضوعا للمقولات العقلية بل هي ذلك الأفق الخفي الذي منه فقط يمكن أن يظهر شيء بوصفه “معقولا”. وبهذا الضربة يكون هايدغر قد انتحل العقل من عرشه، فنحن لا نفكر بالعقل ثم نكتشف الوجود، بل نحن مرميون في الوجود أولا والعقل إنما ينمو من هذه الرمية كإحدى إمكانياتها وليس كأساسها. فإذا كان الأمر كذلك فلماذا نقدس العقل بوصفه الضرورة الفلسفية القصوى؟ ألا يكون الوجود نفسه بغموضه وألمه ودهشته أولى بأن يكون معيار الفلسفة؟

أما في التقليد الأنغلوسكسوني فقد سلكت الأمور مسارا مغايرا لكنه لا يقل تمردا على العقلانية الذاتية. فمن جهة نرى فتجنشتاين المتأخر يهدم فكرة “اللغة الخاصة” ويزعم أن المعنى نتاج قواعد لعبة لغوية مشتركة داخل شكل من أشكال الحياة. ولم يعد العقل الفردي المعيار وإنما الحوار العملي الذي يحدث بين الكائنات في سياقاتها الاجتماعية والجسدية. هذا يعني أن “المعقول” هو ما يعمل داخل اللعبة اللغوية وليس ما يطابق نموذجا عقليا مسبقا. من جهة أخرى نجد جيلبرت رايل وهو يسخر من “شبح الآلة” أي الفكرة الديكارتية التي تفصل العقل كجوهر عن الجسد مؤكدا أن السلوك الذكي ليس تعبيرا عن عمليات عقلية خفية بل هو أداء عام متقن يظهر في الفعل. ويتفكك مفهوم “العقل” إلى مجموعة استعدادات وانحرافات وأفعال ولا يبقى منه ما يستحق أن يكون “معيار الضرورة الفلسفية” إلا إذا نحن قبلنا بتفكيك العقل نفسه. وهنا يكمن السؤال الجوهري إذا انحل العقل إلى أبنية لغوية وعادات جسدية وقواعد اجتماعية فأي معنى لقولنا إن الفلسفة “معقولة”؟ ألا يتحول “المعقول” عندئذ إلى مجرد ما هو متوافق مع السياق أي إلى ما هو “طبيعي” أو “مألوف” وليس إلى ما هو “ضروري” بمعنى عالمي وقبلي؟

غير أن الهجوم الأكثر شراسة على سلطان العقل جاء من زوايا لا تعترف بالعقل كمركز بل تعلن وفاته الصريحة. هناك في أعمال نيتشه الصارخة حيث العقل ليس إلا غريزة من الغرائز توارت خلف حجاب الأخلاق لكي تسيطر على الغرائز الأخرى. أليس هذا هو ما يعنيه نيتشه بـ”إعادة تقييم كل القيم”؟ إنه كشف لمؤامرة العقل التي استمرت ألفي عام، جعل الضعف فضيلة والطاعة عقلانية والقناعة حقيقة. فبدلا من أن يكون العقل “معيار الضرورة” هو نفسه يحتاج إلى مساءلة حول رغبته في السلطة. وكما يصرح نيتشه في “إرادة القوة” “العقل أداة لكنه أداة تميل إلى جعل نفسها غاية”. هذه النزعة للتموضع كهدف نهائي والتي شهدناها في المثالية الألمانية وفي الوضعية المنطقية هي برأي نيتشه شكل مقنع من أشكال الانحطاط، لأنها تسلب الحياة حيويتها وتقدس الجمود البرهاني. وهذا يقودنا مباشرة إلى فرويد الذي أعلن أن الأنا (أي العقل الواعي) ليس سيدا في بيته وأن اللاوعي هو الذي يدبر أغلب أحكامنا وقراراتنا ومعتقداتنا. فإذا كانت جذور “العقلانية” تنبع من دوافع غير عقلانية تماما فما قيمة العقل كمعيار؟ أليس مجرد قناع يخفي حقيقة أعمق وهي التوتر بين الغرائز والمجتمع؟

لكن ربما يكون أعنف نقض للعقل بوصفه معيار الضرورة الفلسفية قد أتى من حركات ما بعد البنيوية الفرنسية لا سيما عند فوكو ودريدا. ففي الحالة الأولى يعلن فوكو أن العقل لم يكن قط معيارا عالميا بل شبكة من الممارسات الخطابية والمؤسساتية التي تعمل على إقصاء “المجنون” و”المنحرف” و”الخارج عن النص”. العقل هنا ليس حقيقة أبدية، بل نتاج صراعات تاريخية على السلطة والمعرفة. تتغير “معقوليات” العصور (من عصر النهضة إلى الكلاسيكية إلى الحديثة) وكلما تغيرت تغير معنى “المعقول” نفسه. ويتبخر أي ادعاء بوجود معيار ثابت للضرورة الفلسفية اسمه العقل، إذ لا يبقى سوى أرشيف من أنظمة المعرفة المؤقتة والمحلية. أما عند دريدا فالأمر يتعلق بتفكيك “مركزية اللوغوس”، أي ذلك الحضور الذاتي الكامل الذي يظن العقل نفسه قادرا على بلوغه. كل نص وكل حقيقة وكل قول عن العقل يحمل في داخله أثره الخاص به، أثر غيره وأثر ما لا يمكن احتواؤه. وهذا يعني أن “المعقول” ليس خالصا نقيا بل هو دائما ملوث ببذور لا معقوليته الخاصة. والعقل كمعيار للضرورة الفلسفية يعاني من انشقاق أصلي، فهو يريد أن يكون وحدة متماسكة لكنه لا يستطيع التخلص من هامشه المظلم، هامش اللامعقول الذي يرافقه كظله.

هذا الانشقاق الأصلي الذي أشار إليه دريدا ليس مجرد حيلة بلاغية بل هو جوهر ما يمكن تسميته بأزمة العقل المعاصر. فإذا انتقلنا من المشهد الفلسفي المحض إلى الساحة الأنثروبولوجية والسياسية نجد أن العقل الغربي لم يعد يجرؤ على تقديم نفسه كمعيار كوني دون أن يصطدم بفضيحة التنوع الثقافي. ذلك أن ما يعتبر معقولا في تقليد كونفوشيوسي حيث التضحية بالذات من أجل الأسرة قد تكون فضيلة قصوى، وقد يبدو في المنظور الكانطي انتحارا أخلاقيا غير معقول. وإذا كانت شعوب الأمازون تعتبر أن أحلامها تكشف حقائق موضوعية عن الغابة فهل يصح لنا أن نصف معتقداتهم بأنها “غير معقولة” لمجرد أنها لا تخضع لمعايير العقل الأداتي الغربي؟ هنا يبرز درس كلود ليفي ستروس السوسيولوجي العميق، العقل ليس ملكة موحدة تضبط بها كل البشر أفكارهم وإنما هو نتاج بنى رمزية مختلفة و”العقل المتوحش” (أو العقل البري) الذي درسه ليس أقل تنظيما أو قدرة على التصنيف من العقل العلمي الحديث، إنه فقط يعمل بوسائل أخرى. ما نسميه “معقولا” هو في حقيقة الأمر مجرد اتفاق على قواعد لعبة معينة والعقل الغربي ليس سوى واحدة من آلاف القواعد الممكنة، لكنه استطاع بفضل القوة الاستعمارية أن يفرض نفسه كالأصل وكل ما عداه انحراف أو خرافة. ويتبين هنا الخطر الأخلاقي المترتب على التمسك بالعقل كمعيار للضرورة الفلسفية، إنه يتحول بسهولة إلى أداة إقصاء وعنف رمزي حيث يوصم الآخر بـ”اللاعقلانية” قبل أن يُسمع.

أما في الميدان السياسي فالقصة لا تقل إحراجا، لقد كان مشروع الأنوار الأوروبي بقيادة العقل العملي الذي أراده كانط أساسا للتشريع الكوني حلما جميلا تحول إلى كابوس في القرن العشرين. فإذا كان العقل هو الذي يفترض أن ينتج القوانين العادلة فكيف نفسر أن أرقى الأمم الأوروبية تلك التي أنجبت كانط وهيغل قد انزلقت إلى النازية والفاشية والستالينية؟ هل كان العقل غائبا عن ألمانيا هتلر؟ أم أن العقل نفسه حين يتجرد من كل مرجعية خارج ذاته يصبح قادرا على تبرير أبشع الجرائم باسم “الضرورة التاريخية” أو “القوانين العلمية للعرق”؟ هذه المعضلة هي ما عبر عنها ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو في كتابهما “جدل التنوير” حيث أظهرا أن العقل الأداتي الذي يهتم فقط بحساب الوسائل وأكثر الوسائل فعالية لتحقيق الأهداف دون مساءلة الأهداف نفسها هو نفسه الذي أنتج أوشفيتز. فبمجرد أن يتحول العقل إلى مجرد تقنية حسابية يصبح أي هدف ممكنا حتى لو كان إبادة جماعية. إن العقل لم يعد معيار الضرورة الفلسفية بل أصبح مشكلة تحتاج إلى علاج، كيف يمكننا إنقاذ العقل من نفسه؟ هل نعود إلى العقل الجوهري التقليدي؟ لكن هذا العقل لم يعد ممكنا بعد نقد نيتشه وفوكو أم نبحث عن “عقل تواصلي” كما اقترح يورغن هابرماس أي عقل لا يعمل في رأس فرد مغلق بل في فضاء التداول العام بين الأفراد حيث تكون القوة الوحيدة هي قوة الحجة الأفضل والحقيقة هي ما يتفق عليه المجتمع التواصلي الشامل؟ لكن هذا الحل وإن كان جذابا يظل أسيرا للمثالية، فهل يمكن حقا تطهير التداول العام من تشوهات السلطة والمال والإعلام؟ وهل “الاتفاق” مرادف للحقيقة أم مجرد تسوية سياسية؟

لعل المحاولة الأكثر جرأة لتجاوز العقل دون التخلي عن إمكانية الفلسفة تأتي من اتجاهات الفكر النسوي وما بعد الكولونيالي. هنا لا يُطلب إلغاء العقل بل تفكيك ذلك القناع الذكوري والأوروبي الذي ارتداه عبر التاريخ. تقول لوس إيريغاراي مثلا، إن عقلانية الغرب بنيت على الإقصاء الأنوثي وعلى جعل المرأة “اللامعقول” الذي لا يدخل في المقولات. وبنفس التصور يرى إدوارد سعيد في كتابه “الاستشراق” أن العقل الأوروبي لم يبن نفسه إلا عبر اختراع “الشرق” كمرآة مظلمة للاعقلانية والغرابة والانحطاط. فإذا تخلصنا من هذا الإرث هل يبقى للعقل معنى؟ أم أن معنى العقل ذاته هو ذلك النضال المستمر ضد نزعته الخاصة للهيمنة؟ ربما هنا تكمن إجابة ممكنة، العقل ليس معيارا جاهزا بل هو مهمة لا تنتهي، نقد دائم لذاته وشك في يقينياته وانفتاح على ما لا يقبل البرهان دون خيانة للبرهان. الفلسفة التي تريد أن تظل حية لا يمكنها أن تتخلى عن العقل ولكنها أيضا لا يمكنها أن تجعله صنما. الضرورة الفلسفية اليوم قد لا تكون في معيارية العقل بقدر ما هي في فضح معيارية العقل نفسها في إظهار كيف أن ما يبدو معقولا ليس إلا عرفا مؤقتا، اتفاقية محلية، شبكة قوة متوارية.

إذا عدنا إلى السؤال الذي افتتحنا به هذا التأمل، هل ما زال العقل معيارا للضرورة الفلسفية؟ فإن الجواب الذي يلوح في الأفق ليس بنعم ولا بلا، بل هو ما يمكن تسميته بضرورة ما بعد نقدية. فالعقل بهذا المعنى يشبه ذلك الملك الذي خلعه شعبه ثم أعاد انتخابه بعد أن تعلم ألا يثق به تماما. ولم يعد ممكنا اليوم أن ننادي بعقلانية ساذجة ترى في العقل أداة مسطحة لقياس الحقيقة كما يمسح الحاكم طول القماش. التاريخ الفلسفي بأكمله - من هيوم إلى نيتشه ومن هايدغر إلى فوكو - علمنا أن العقل له ظل وأنه في كل لحظة يبني فيها معقولا ينتج أيضا لا معقولا وكلما أضاء منطقة أسدل ستارا على أخرى. لكن السقوط في نقيض العقلانية أي في التمجيد الرومانسي للاعقلانية والحدس والغريزة ليس أقل خطورة. فبدون العقل تصبح الفلسفة مجرد خطاب بلا معايير حيث كل رأي صحيح بقدر ما هو قوي وحيث تصبح الحقيقة مرادفة للعنف. أليس ما فعله بعض فلاسفة ما بعد الحداثة من تطرف في نقد العقل قد قادهم دون قصد إلى تبني مواقف لا تستطيع التمييز بين البرهان والدعاية وبين الحجة والإغراء؟ هذا هو المأزق الحقيقي من جهة العقل الذي يدعي البراءة المطلقة هو عقل قاتل ومنافق؛ ومن جهة أخرى رفض العقل بشكل كامل هو انتحار الفلسفة نفسها.

لذلك ربما تكمن ضرورة الفلسفة المعاصرة في مفهوم ثالث، ليس العقل كمعيار بل العقل كأفق وكممارسة. كأفق لأنه لا يمكننا أبدا أن نقول إننا وصلنا إلى العقل الكامل بل نحن دائما في الطريق إليه، نرسمه كفكرة تنظيمية كما قال كانط لكن دون أن نتملكه. وكممارسة لأنه ليس شيئا نمتلكه بل شيئا نفعله ننقد، نناقش، نفحص الأسباب، نعطي الحجج، نستمع للآخر ونغير رأينا عندما تقتضي الحجة. هذه الممارسة لا تحتاج إلى أن يكون العقل معيارا جامدا بل تحتاج فقط إلى الالتزام بقواعد أولية متواضعة، الصدق الفكري واحترام التناقض وعدم المصادرة على المطلوب والقدرة على الاستماع. هذه القواعد لا تشكل عقلانية كبرى لكنها كافية للحفاظ على الفلسفة حية.

إن إعادة مساءلة مفهوم “المعقول” ليست إذن دعوة للتخلي عن العقل بل هي دعوة لتوسيع مفهومه ولتنقيته من ادعاءات الألوهية ولفتحه على ما ليس هو وعلى ذلك الغير الذي لا يختزل إلى هويته، على الجسد الذي يشعر قبل أن يفكر وعلى اللاوعي الذي يحلم قبل أن يحسب وعلى التاريخ الذي يثقل كل تفكير بثقل الأموات وعلى اللغة التي تتكلمنا أكثر مما نتكلمها وعلى الآخر الذي يختلف عنا قبل أن يتفق. هذه العناصر جميعها ليست “لاعقلانية”، بل هي ما يسبق العقل ويجعله ممكنا وهي ما ينبغي للفلسفة أن تأخذه على محمل الجد إذا أرادت ألا تصبح مجرد تمرين عقيم في المنطق الصوري أو تعبيرا عن سلطة ثقافية معينة.

العقل الذي يمكن للفلسفة أن تظل مخلصة له هو العقل المتواضع، العقل الذي يعترف بأنه محدود وأنه ليس كل شيء وأن هناك مناطق من الوجود لا تختزل إلى مقولاته دون أن تفقد غناها. هذا العقل لا يفرض نفسه كمعيار بل يعرض نفسه كاقتراح متواضع، لنحاول أن نفكر معا، لنعط أسبابنا، ولنستمع لأسباب الآخرين ولنغير رأينا إذا لزم الأمر. هذه هي “الضرورة الفلسفية” اليوم، ليس أن نقدس العقل بل أن نمارسه بتواضع، عالمين أن كل معقولية هي مؤقتة ومهددة، لكنها مع ذلك أفضل ما لدينا لنتفادى التعصب والعنف والجهل. ويكون العقل ضروريا لكنه لم يعد كافيا ولم يعد معيارا وإنما أصبح رفيقا في الرحلة نحو حقيقة لا ندركها تماما لكننا نستطيع أن نقترب منها عبر حوار لا ينقطع بين المعقول وغير المعقول، بين البرهان والحدس وبين الحلم والحساب. عندئذ فقط تكون الفلسفة قد أنقذت عقلها من عقلانيته الزائفة وأعادته إلى موضعه الأصلي، أداة للتحرر لا سجنا للروح.

***

د. حمزة مولخنيف

أدخل الفيلسوف اليوناني اناكساغوراس مفهوم العقل الكوني Nous كقوة عقلانية لا محدودة تنظّم الكون وتخلق النظام من الفوضى . عند مراجعة أي كتاب في تاريخ الفلسفة، من الشائع جدا ان نرى استبعاد أناكساغوراس. مع ذلك، يبقى اناكساغوراس من أهم المفكرين القدامى ذوي الإنتاج الغزير. كان اناكساغوراس من فلاسفة ما قبل سقراط. هو كما بالنسبة لأسلافه ومعاصريه، كان لديه الكثير من القول حول الكون والعالم الذي نعيش فيه، وساهم كثيرا في ذلك. أفكاره الكبرى برزت كرد فعل على عمل الفيلسوف برمنديس لأنه لم يتفق معه حول ما قاله.

الحياة المبكرة

وُلد اناكساغوراس في كلازوميني Clazomenae التي كانت جزءا من الإمبراطورية الفارسية. تقول الأسطورة انه كان من بين الفلاسفة النادرين ان لم يكن الوحيد الذي تلقى رسالة صوتية توحي له ان يصبح فيلسوفا. طبقا للاسطورة، هو كان بعمر 17 عاما عندما سمع بذلك، وكان أخبر امه التي اعتقدت بصدق في قوى خارقة للطبيعة. هي نصحته في البدء بان لا يهتم في الرسالة، لأنها ربما كانت روحا سيئة تحاول استدراجه الى عالم الظلام. لكنها أيضا نصحته بانه لو سمعها مرة ثانية، يجب عليه الوثوق بها. مع ذلك، وقبل مرور يومين سمع اناكساغوراس نفس الصوت مرة أخرى. لذا، هو قرر اتّباعها.

عندما بلغ العشرين عاما، قرر الذهاب الى أثينا لتحقيق حلمه ونبوئته. بعض الكتاب يقولون انه بالرغم من ان الفلسفة موجودة سلفا في أثينا في ذلك الوقت، لكن اناكساغوراس ألهم رغبة الناس في تعلّمها، وبهذا، هو ساهم لتصبح أثينا مركزا للحكمة الفلسفية. وقبل الوصول الى أثينا، هو قرر التخلي عن أملاكه من الأرض ورأس المال التي ورثها من ابيه الى أقاربه لكي يتمكن من تسخير نفسه بالكامل للفلسفة. افلاطون ذاته شهد بذلك في كتابه هيبياس الاصغر Hippias Minor.

هو أيضا لم يتزوج طوال حياته ولم يرغب التعامل مع أي نوع من السياسة. في البدء، كان هذا غريبا للعديد من الناس لأن الكثير من الاثنيين اهتموا فقط بامتلاك وقت جيد محاطين بالنساء والكحول. وفي كتاب آخر، يعلن افلاطون أيضا ان اناكساغوراس كان معلما للسياسي والعسكري اليوناني الشهير بريكلس اثناء العصر الذهبي لاثينا. كانت هناك مصادر أخرى تؤكد ذلك أيضا. لكن علاقته مع بريكلس خلقت له الكثير من المشاكل. وبعد ان أمضى 30 عاما في أثينا، اتُهم بنشر تعاليم الهرطقة، أي ان الشمس ليست إله وانما صخرة محترقة عائمة. بريكلس كان له الكثير من الأعداء في ذلك الوقت، وبسبب هذا، وُجد اناكساغوراس مذنبا الى جانب تلامذته. في النهاية، ساعدته صداقته مع بريكلس في الهروب من السجن حيث غادر بعدها أثينا. وبعد ان عاش في أثينا، انتقل اناكساغوراس الى لامبساكوس Lampsacus حيث أسس مدرسته الخاصة. كانت امنيته الأخيرة ان يعلن شهر وفاته عطلة رسمية لجميع التلاميذ والطلاب، وقد تم احترام هذه الأمنية لاحقا كما يذكر المؤرخ ديوجين.

مبدأ النوس

كان اناكساغوراس اول فيلسوف سعى لتوضيح الكون ليس من خلال الأسطورة او المنظور الديني وانما من خلال المبادئ الطبيعية والتفكير العقلاني. وبسبب هذا، هو اعتُبر شخصية محورية في التحول من الميثولوجيا الى علم الكون العلمي.

خلافا لأسلافه الذين أكدوا على مادة أساسية واحدة، مثل الماء (طاليس) او الهواء (اناكسمينس)، افترض اناكساغوراس رؤية اكثر تعقيدا ودينامية للواقع، احتضنت التنوع والتعقيدية اللامحدودة. ان مفهوم النوس هو في قلب فلسفة اناكساغوراس، وهو يفسر لماذا هو مفهوم أساسي ويحاول من خلاله توضيح فلسفته هنا. نحن نستطيع القول ان مفهوم النوس كان من بين المحاولات الفلسفية المبكرة لتحديد قوة مجردة ذكية كأصل للنظام الكوني. اناكساغوراس رأى النوس كمبدأ منظِّم وتأسيسي للكون. انه وجود محض لا محدود ومستقل ومتميز عن المادة. النوس هو خالص وغير ممتزج مع أي مادة أخرى ، وهو ما يسمح له ليبقى متميزا ويمارس التحكم. هو غير متغلغل في كل مكان، بل هو الأفضل والأكثر استقلالية من بين كل الأشياء. يبدأ الحركة بدون ان تمتزج ذاته مع أي شيء آخر. انه عقلاني، لكن اناكساغوراس لا ينسب له بشكل واضح أي هدف او نية بالمعنى التيتولوجي التام.

وبما ان النوس هو المبدأ العقلاني الذي يحكم نظام وحركة الكون، فان انكساغوروس يصفه بـ "ذهن"، والعديد من المفسرين يتبعونه في هذا. لكن هذا لا يجب ان يُفهم كمساوي لمفهوم ذهن او وعي كامل التطور في التقاليد الفلسفية اللاحقة.

 قيل أيضا ان النوس حاضر في الكائنات الحية وخاصة تلك القادرة على التصور، لكن اناكساغوراس لا يدّعي بوضوح انه مسؤول مباشرة عن الحياة او الوعي. دوره الرئيسي هو كوني: يبتدأ ويتحكم بالدوران الأصلي الذي يشكل الكون. بهذا المعنى، من الصواب وصف النوس كمبدأ كوني منظِّم بدلا من ان يكون مبدأ بايولوجي. الآن دعونا نرى كيف يتلائم هذا مع البناء الواسع لفلسفة اناكساغوراس.

كيف خُلق الكون؟

من المهم ملاحظة ان اناكساغوراس كان مهتما أساسا بتوضيح كيفية خلق الكون. بسبب هذا، نحن نستطيع عادة ان نجده يُصنف كفيلسوف كوني. هو اعتقد ان الكون بدأ كمزيج فوضوي من الجسيمات، وهو يعني بـ "فوضوي" يفتقر لأي نظام او تحكّم. في البداية، كتب اناكساغوراس، ان الكون كان لا يمكن تمييزه، مزيج بلا حركة حيث كل الأشياء (عناصر، مواد، سمات) وُجدت مجتمعة في حالة غير متمايزة. لم يكن هناك فصل او نظام. كل العناصر التي تحتوي على المادة كانت مجتمعة في كتلة واحدة.

سمى اناكساغوراس العناصر "بذور". لذا السؤال يبرز: كيف بدأت هذه الحالة غير المتميزة بالانفصال وكيف جاءت الأشياء الى الوجود؟ حسنا، هنا يأتي مبدأ النوس ليدخل اللعبة.

بفضل مبدأ النوس، كل هذه الجسيمات المنفصلة او "البذور" وُضعت بانتظام، ولاحقا وُضعت في حركة. هذا، حسب اناكسوغوراس، أدى الى خلق الكون من خلال عملية الدوران والفصل. الدوران سبّب الاختلاف، لأن الجسيمات بدأت تنفصل طبقا لخصائصها. ولهذا، فان الجسيمات ذات الخصائص المتشابهة بدأت تتجمع الى بعضها مكونة مواد وأشياء متميزة. كذلك، من المهم التنويه الى ان هذه العملية مستمرة ودائمة لأن مجموعات وأشكال جديدة تظهر باستمرار.

اناكساغوراس مقابل برمنديس: الوجود، التغيير، الحركة

كما ذكرنا في البداية، تقف فلسفة اناكساغوراس في تضاد مباشر مع فلسفة بارمنديس او زينون. نظرياتهما اعتبرتا في تناقض حاد . ولكن لماذا هذا؟ للإجابة على هذا السؤال، سنحتاج الى نظرة موجزة لفلاسفة آخرين لما قبل سقراط. كان بارمنديس مؤسس المدرسة الايلية. تماما مثل اناكساغوراس، هو كان أيضا مهتما باستطلاع الكون ومحاولة الوصول الى المبدأ الأساسي للعالم. هو اعتقد ان الواقع هو وجود واحد فقط، وهو في الحقيقة الواحد. الواحد هو الكائن النهائي الموجود، وكل شيء في العالم هو ضمن الواحد. الواحد هو أيضا يتم تصوره كمتجانس، بدون أي أجزاء او تمايزات. بارمنديس رفض بشدة وجود التعددية مدعيا ان أي فكرة للتعدد في العالم هي وهم. اما اناكساغوراس فقد ادّعى ان الواقع متعدد في الأساس. وكما بيّنا، الكون طبقا لاكساغوراس يتألف من جسيمات لا متناهية، وكدليل على ذلك، نحن لدينا تعددية في الأشياء في العالم المحيط بنا.

فلسفة زينون الايلي

تختلف تعليمات الفيلسوفين ايضا حول رؤيتهما للتغيير والحركة. برمنديس أنكر حقيقة التغيير. هو اعتقد ان التغيير لا يوجد في العالم وان الأشياء هي على حالها من الولادة حتى الموت. هو أعلن ان "ما هو كائن، كائن ، ولا يمكن ان يكون غير كائن ". يعني بذلك ان الواقع منفرد، غير متغير، و"وجود" أبدي.

من جهة أخرى، اناكساغوراس اعتنق أفكار التغيير والحركة في فلسفته عبر رؤيته لهما كدوافع واقعية واساسية في الكون. بهذا المعنى، نحن نستطيع القول ان اناكساغوراس لديه تصور مشابه لهيرقليطس، الذي اشير اليه عادة كفيلسوف التغيير.

نقطة أخرى هامة هي ان برمنديس رفض فكرة الحركة مدّعيا ان الحركة مستحيلة لأنها تستلزم وجود "العدم"(1) وهو امر لا يمكن ان يوجد. هذه جرى تفصيله لاحقا في فلسفة زينون، تلميذ برمنديس. لكن اناكساغوراس يعارض هذه الرؤية أيضا، معلنا ان الحركة هي واقعية وضرورية للكون. هو أدخل النوس كقوة تبدأ الحركة وتحافظ عليها، بما يؤدي الى فصل وتنظيم المزيج الاولي.

***

حاتم حميد محسن

....................

(1) تتطلب الحركة من الشيء ان يسافر الى عدم، ينتقل من حالته الراهنة الى ما لم يصبح عليه بعد. فاذا كان الوجود مطلقا وثابتا، ستكون كل حالة ثابتة في مكانها، ولأصبح مفهوم الحركة او مرور الزمن غير منطقي.

 

منذ أن وعى الإنسان هشاشته الأولى أمام الكون، ورفع رأسه متسائلًا عن معنى الحياة والموت والزمن، وُلدت الفلسفة بوصفها قلقًا إنسانيًا عميقًا، لا بوصفها علمًا للنخبة أو ترفًا ذهنيًا معزولًا عن الحياة. لقد كانت الفلسفة، في جوهرها الأول، محاولة الإنسان لفهم ذاته والعالم، وكانت في الوقت نفسه فعل حبٍّ للحكمة، لذلك لم يكن غريبًا أن تحمل كلمة “فلسفة” في أصلها اليوناني معنى “محبة الحكمة”. فالفلسفة ليست معرفة باردة، بل علاقة حميمة بين الإنسان والحقيقة، بين العقل والوجود، بين السؤال والدهشة، هي اقتران العقل بالوجدان؛ إنها ثمرة ذلك الزواج المقدّس بين الحكمة والحب. فالحكمة دون حسٍّ إنساني تتحول إلى جفاف ذهني، والحب دون بصيرة يتحول إلى اندفاع أعمى، أما الفلسفة فهي تلك المنطقة التي يتعانق فيها القلب والعقل معًا. ولهذا ظل الإنسان، منذ بداياته الأولى، كائنًا فلسفيًا حتى قبل أن يعرف الكتب أو المدارس أو النظريات. فكل سؤال عن المصير، وكل خوف من الموت، وكل تأمل في العدالة أو الحرية أو الخير، هو في جوهره فعل فلسفي.

إذ إن الإنسان لا يعيش داخل العالم بوصفه كائنًا بيولوجيًا فحسب، بل بوصفه كائنًا يتجاوز ذاته باستمرار. إنه الكائن الوحيد الذي يقلقه معنى وجوده، والذي يشعر دائمًا بأن ثمة شيئًا ناقصًا في داخله، شيئًا يدفعه إلى السؤال والتجاوز والبحث عن المعنى. ولهذا كانت الفلسفة قلقًا دائمًا، لا يهدأ عند إجابة نهائية، لأنها لا تبحث عن يقين مغلق بقدر ما تبحث عن أفق مفتوح للتفكير. إنها تعلم الإنسان أن يسكن السؤال بدل أن يتحصن بالإجابات الجاهزة، وأن يرى العالم باعتباره حوارًا لا ينتهي. وكلمة "الحب" حينما ينطق بها تعني وجود رابطة حميمة بين كائنين وتعني الألفة والاتحاد والعيش معاً. وأنا أحبك كما يقول هيدجر ليس مجرد تعبير عن ذاتي.. بل هو الوجود يعلن ذاته ويتجاوزها إلى الآخر إنها تعني أن الفرد الموجود يتجاوز انغلاقه طلباً للآخر ويؤسس الحب في الخارج خارج الذات المنعزلة وأنا أحبك هي شمولية الوجود الذي لا يعي نفسه إلا شاملاً إنها الجزئي ظاهرياً والكلي جوهرياً.

عند هذا النبع الأعمق (الكينونة واللغة) تلتقي الفلسفة بالشعر فإذا كانت الفلسفة تفكر في الوجود، فإن الشعر يشعر به. وإذا كانت الفلسفة تسعى إلى القبض على المعنى بالمفهوم، فإن الشعر يحاول ملامسته بالحدس والصورة والإيقاع. كلاهما محاولة لفهم العالم، لكن أحدهما يسلك طريق العقل، والآخر يسلك طريق الوجدان. ومع ذلك، فهما لا يتناقضان، بل يتكاملان؛ إذ كثيرًا ما تعجز الفلسفة عن قول ما يستطيع الشعر أن يلمحه في ومضة، وكثيرًا ما يمنح الشعر للفلسفة روحها الإنسانية العميقة.

فالإنسان لا يسكن العالم فقط، بل يسكن اللغة أيضًا، ومن خلالها يعلن وجوده ويعيد تشكيل العالم من حوله. ولهذا فإن الكلمات ليست أشياء محايدة؛ إنها تحمل في داخلها تاريخ الإنسان وخوفه وأحلامه وحنينه. الكلمة ليست الشيء ذاته، بل ظله وإشارته وغيابه في آنٍ معًا. إنها محاولة دائمة لاستحضار ما يفلت من القبض، ولذلك تظل اللغة فضاءً سحريًا يختلط فيه الحضور بالغياب. هذا معناه أن الكلمة ليست تعبيراً عن ذاتها، بل هي حاملاً لمحمول، هي صوت الجسد، هي رمز لشيء موجود، ولكنها ليست الشيء ذاته أبداً بل كما يقول موريس بلانشو، أن الكلمة في اللغات الأصيلة ليست تعبيراً عن شيء بل هي غياب هذا الشيء.. إن الكلمة تخفي الأشياء وتفرض علينا إحساساً بغياب شامل بل بغيابها هي ذاتها، وإذا أمعنا النظر في مملكة الرموز هذه أي اللغة سنكتشف أشياء مثيرة للدهشة بل أن فيها من السحر والإثارة ما يأسر اللب ويلهب الوجدان، فما معنى الكلمات التي نقولها ونعيدها كل لحظة، ما أصل الأسماء وما معناها، من أين جاءت هذه الرموز والإشارات التي نستدل بها عن الأشياء وهل مازالت تعبر عنها بالفعل أم لا؟ وبهذا المعنى تتصل حياة الكائن

بالفلسفة كما تتصل بالشعر والعلم والدين، منذ صيرورته كائناً عاقلاً، إذ هي موقف الإنسان الكلي إزاء الكون والحياة والتاريخ والذات والآخرين، (ميتافيزيقا) بمعنى تجاوز الحالة البيولوجية للكينونة وتجاوز الإنسان الدائم لذاته أو بحسب الكباص هذا الكائن الذي لا يناسب طبيعته ويستطيع أكثر مما ينتظره من نفسه، تَشكلَ شرط إمكانه من تدمير طبيعته وتحويلها إلى مجهول دائم يتساءل حوله. فما لا يناسبه هو أن ينتسب إلى نفسه وما يناسبه هو أن ينتسب إلى العالم، إلى القوى البرانية، قوى التحول والحدث»

ولما كانت اللغة هي بيت الكينونة بحسب هيدجر فان الشعر هو محاولة الكائن للتعبير عن كينونته بالخيال الجميل كما إن الفلسفة محاولة لفهم غموض الكون بالتفكير المنطقي كلاهما ينتميان إلى الكائن الذي يكلم الكينونة ويعيد خلقها باستمرار. في الحقيقة لا يوجد شعب من شعوب الدنيا بلا رؤية ميتافيزيقية مهما كان بسيطاً، أقصد موقف كلي من العالم والحياة والموت والزمان والمكان والخير والشر والجمال والقبح والذات والأخر واللذة والآلم وكل ما يتصل بحياة الكائن الإنساني من فعل وانفعال ومشاعر وإحساس ووعي وادراك وحلم وتخييل. وتلك هي ما نسميها فلسفة بوصفها اقتران الفكر والشعور. وبسبب الموقف المعادي الفلسفة في التاريخ العربي الإسلامي اضطر الكثير من الفلاسفة والمبدعين إلى لغة الطير تجنبا للتكفير

والتهم الذي لم ينزل الله بها من سلطان!

والشعر هو أكثر أشكال اللغة قدرةً على كشف هذا السر.إنه اللغة حين تتجاوز وظيفتها النفعية لتصبح انفعالًا ورؤيا وكشفًا. فالشاعر لا يصف العالم كما هو، بل يعيد خلقه من جديد. إنه يرى في الأشياء العادية ما لا يراه الآخرون، ويمنح التفاصيل اليومية حياةً أخرى تتجاوز ظاهرها. ولذلك كان الشعر دائمًا مرتبطًا بالدهشة، لأن الشاعر هو الكائن الذي لا يتوقف عن الاندهاش بالعالم مهما بدا مألوفًا ففي المجتمعات الشفاهية القديمة، اختلط الشعر بالغناء والرقص والأسطورة والدين والسحر، وكان الإنسان يعبر عن رؤيته للعالم عبر الإيقاع والصورة والإنشاد. ولهذا جاءت النصوص الكبرى في الحضارات القديمة مشبعةً بالنَّفَس الشعري؛ من ملحمة جلجامش إلى الإلياذة والأوديسة، ومن الفيدا الهندية إلى النصوص الصوفية والأسطورية المختلفة. كان الشعر آنذاك هو الذاكرة الجماعية والوعي الكوني واللغة الأولى للروح.

لما كانت تلك النظرة الاستشراقية الغربية الكتابية تنظرإلى الشعر والشاعرية نظرة تحقير وازدراء، إذ تعد اكتشافات النظرية الشفاهية هذا النمط من فنون القول" بمثابة نتائج مزعجة للثقافة الغربية التي كانت تنظر إلى هوموريس على أنه جزء من ثقافة يونانية قديمة ظل الغربيون ينظرون إليها بتقدير وافتخار . ذلك أن هذه النتائج تدل على أن اليونان الهومرية كانت تحبذ سلوكاً شعرياً وفكرياً اعتقادنا دائماً أنه عيب "(أونج،1994: 79) ولعل الإحساس بهذا العيب هو الذي دفع أفلاطون – كما يرى هافلوك – "إلى طرد الشعراء من جمهوريته الفاضلة حينما وجد نفسه في عالم جديد ذي ملكةٍ عقليةٍ كتابية أصبحت فيه الصيغ أو الرواسم " الكليشيهات " المفضلة لدى جمهور الشعراء التقليديين، قديمة و ضارة ". (أونج،1994: 80).وربما لهذا السبب لا تزال ثقافتنا العربية الإسلامية الشفاهية تثير دهشة الدارسين الغربيين واهتمامهم حينما تجعل من موضوع ازدرائهم _ أي الشعر والشاعرية_ موضوعاً للافتخار والتميز، فما نزال - بعد قرابة ألفين وست مائة سنة من طرد أفلاطون للشعراء ورفضه لذلك النمط من التعبير الشعري البدائي التراكمي التجميعي اللفظي الشفاهي – نردد مقولة " الشعر ديوان العرب "

والشعر هو لغة الوجود الأولى، وهو راسخ الجذور، في البنية الشفاهية لمختلف الثقافات الإنسانية، وعندما وصف فيلسوف التاريخ الايطالي باتيستافيكو "أقدم مرحلة من التطور الإنساني بأنها عصر الشعر كان قد سبق وصفه هذا ما قاله (جسبرسن) من أنها عصر الغناء، غير أن الصحيح هو عصر اختلط فيه الرقص والغناء والشعر والنثر والأسطورة والاحتفالية والسحر والعبادة"(ممفورد، 1980: 45).

وحينما نقول إن الشعر هو شكل التعبير الجمالي والنفعي الأول في الثقافات الإنسانية الشفاهية، فنحن نعني أنه كان النموذج الإرشادي (البارادايم) الثقافي المهيمن في الفضاء التواصلي العام لكل فنون القول والتفكير والأداء والتعبير في المجتمعات البدائية، كما أن العلم هو البارادايم المهيمن في الثقافة المعاصرة، وقد أضفت اللغة الشعرية روحها الشاعرية على كل أنماط التعبيرالبدائية المختلفة، الأسطورية واللاهوتية والفنية والفلسفية، فكل النصوص المكتشفة في الحضارات القديمة مثل (ملحمة جلجامش وأسطورة الخلق والتكوّن والآداب الفرعونية والفيداء الهندية والكونفوشستية الصينية وملحمتا الإلياذة والأوديسة اليونانيتان والتوراة والإنجيل.. الخ) جميعها صيغت بحسب نموذج الثقافة الشفاهية وهي التي تعطي للتشكيل الموسيقي للغة الاهتمام الكبير الذي يستغرق سمع المتلقي بما يحعل القول متساميا عن القول المعتاد (عبد الكريم،2014: 33). وفي هذا السياق كتب بول زومتور قائلاً" لا سبيل إلى الشك في أن التاريخ قد عرف يوماً ثقافة بلا شعر شعبي" (زومتور،1999: 57)

لقد ظل الشعر حيًا حتى في أكثر العصور تقنية وعقلانية، لأن الإنسان ليس عقلًا فقط، بل هو أيضًا ذاكرة وخيال وعاطفة وحنين وخوف ورغبة في الت transcendence. إن في داخل كل إنسان منطقة عصية على الحسابات والمنطق، منطقة لا يهدئها سوى الفن والحب والتأمل والشعر.

والشعر، حين يُستعاد في أفقه الميتافيزيقي، لا يعود فنًا من فنون القول، بل نمطًا من أنماط الوجود؛ طريقةً في السكن داخل العالم، لا بوصفه موضوعًا للمعرفة، بل بوصفه لغزًا للمعايشة. إنّه دعوةٌ إلى أن نرى ما وراء ما نرى، وأن نسمع ما يتوارى في صمت الأشياء، وأن نُدرك—في لحظة خاطفة—أنّ الجمال الحقيقي ليس فيما يُقال، بل في ذلك الذي يظلّ، دومًا، على حافة القول. من هذا السر العميق أنبثقت الصوفية بوصفها تجربة وجودية تتصل بما هو خفي وغيبي وعميق بحسب اودنيس والاتجاه الى الصوفية أملاه عجز العقل والشريعة الدينية"عن الجواب عن كثيرمن الاسئلة العميقة عند الإنسان، وأملاه كذلك عجز العلم، فالانسان يشعر أن ثمة مشكلات تؤرقه، حتى عندما تحل جميع المشكلات العقلية والشرعية- الدينية والعلمية يظل هناك شيء في أعماق الإنسان غير مشبع، متقد ملتهب متعطش للإشباع هذا معناه:

أن في الوجود جانباً باطناً، لا مرئياً، مجهولاً، وأن معرفته لا تتم بالطرق المنطقية- العقلانية، وأن الانسان دونه دون محاولة الوصول إليه، كائن ناقص الوجود والمعرفة، وأن الطرق إليه خاصة وشخصية وفريدة وحميمة ولهذا سنجد أن هناك قرابات وتآلفات بين جميع الاتجاهات التي تحاول أن تستشرف هذا الغيب. فالتجارب الكبرى في معرفة الجانب الخفي من الوجود تتلاقى بشكل أو بآخر فيما وراء اللغات وفيما وراء العصور، وفيما وراء الثقافات.ويرى أندريه بريتون:

"إن التجربة الصوفي هي سفر لا يقتضي أن تخرج من الوجود ومن نفوسنا. وإنما يقتضي على العكس أن ندخل أكثر فأكثر في الوجود وفي أنفسنا. واللانهاية ليست خارج المادة، بل هي داخل المادة اللانهاية هي الإنسان نفسه".

والشاعر الحقيقي لا يكتب بإرادة كاملة، بل يعيش ما يشبه “الحالة الشعرية” التي تهبط عليه فجأة كالوحي أو البرق. إنها لحظة انفصال عن العادي واليومي، لحظة يشعر فيها الشاعر بأنه مسكون بقوة أكبر منه، قوة تدفع اللغة إلى الانفجار وتحرر الكلمات من معناها المألوف. وفي تلك اللحظة، لا يعود الشعر مجرد صناعة لغوية أو مهارة تقنية، بل يتحول إلى تجربة وجودية كاملة فجوهر الشعر يكمن في تلك القدرة الغامضة على تحويل الألم إلى جمال، والقلق إلى رؤيا، واللغة إلى موسيقى داخلية توقظ الإنسان من سباته الروحي. إنه ليس مجرد كلام جميل، بل طريقة أخرى لرؤية العالم.

وقد شبّه هايدغر الشعر والفلسفة بقمتين متقابلتين تلتقيان في العمق الوجودي للكائن الإنساني رغم اختلاف الطريق. فالفلسفة تبحث عن المعنى، بينما الشعر يعيش التجربة. الفلسفة تبني المفاهيم، أما الشعر فيفتح شقوقًا في جدار الواقع لكي يتسرّب منها ضوء الكينونة. ولذلك لا يكون الشعر نقيضًا للفلسفة، بل امتدادًا لها في أفق أكثر حرية وإنسانية وهذا ما يفسر ارتباط الشعر بالحرية أيضًا. فالشاعر، في لحظة الكتابة، يتحرر من اللغة العادية ومن الزمن اليومي ومن القيود الاجتماعية الصارمة. إنه يعيد اختراع العالم بالكلمات، ويمنح الإنسان إمكانية أن يرى نفسه بطريقة أخرى. ولذلك كان الشعر دائمًا فعل مقاومة ضد التكرار والابتذال والقبح.

وفي الثقافة العربية، ظل الشعر يحتل مكانة استثنائية لأنه كان الوعاء الأعمق للهوية والذاكرة والرؤية إلى العالم وتسريب الأفكار الفلسفية عبر المجاز والاستعارة التي تحيا بها . فالعرب لم يعتبروا الشعر مجرد فن، بل جعلوه “ديوانهم” الذي يحفظ تاريخهم وقيمهم وأحلامهم. وربما لهذا السبب بقيت الثقافة العربية منحازة إلى البيان والبلاغة والإيقاع حتى بعد قرون طويلة من الكتابة. فثمة جذور شفاهية عميقة ما تزال تسكن الوعي العربي وتمنحه حساسيته الخاصة تجاه اللغة والشعر فحين يلتقي الشعر بالفلسفة، لا يعود الإنسان مجرد كائن يفكر أو يشعر، بل يصبح كائنًا يسعى إلى اكتشاف ذاته عبر اللغة والدهشة والحب. فالفلسفة تمنحه شجاعة السؤال، والشعر يمنحه حساسية الرؤية، وبينهما يولد ذلك الكائن القادر على تحويل القلق الوجودي إلى طاقة خلاقة.

إن أعظم ما يمنحه الشعر والفلسفة للإنسان ليس الحقيقة النهائية، بل القدرة على مواصلة البحث عنها. فالحياة ليست جوابًا جاهزًا، بل تجربة مفتوحة على التأويل والاحتمال. وربما لهذا السبب سيظل الإنسان، مهما بلغ من العلم والتقدم، محتاجًا إلى الشعر كما يحتاج إلى الفلسفة؛ لأنهما معًا يذكرانه بأنه أكثر من مجرد كائن عابر في هذا العالم، وأن داخله دائمًا شرارة تبحث عن المعنى والجمال والخلود.

وعند مفترقُ الطُّرُق ننشد مع البردوني

يَا شِعْرُ يَا تَارِيخُ يَا فَلْسَفَةُ

مِنْ أَيْنَ يَأْتِي، قَلَقُ المَعْرِفَةِ؟

مِنْ أَيْنَ يَأْتِي؟ كُلَّ يَوْمٍ لَهُ

غَرَابَةُ رَائِحَةٍ مُرْجِفَةٍ

*

نَأْلَفُهُ شَيْئًا فَيَبْدُو لَنَا

غَيْرَ الَّذِي نَعْتَادُ كَيْ نَأْلَفَهُ

لَكِنْ لَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ فَمٌ

ثَانٍ، يَدٌ ثَالِثَةٌ مُرْهَفَةٌ

*

حِينًا لَهُ كِبْرٌ وَحِينًا لَهُ

تَوَاضُعٌ أَغْبَى مِنَ العَجْرَفَةِ

وَتَارَةً تَعْلُو وَتَهْوِي بِهِ

أَجْنِحَةٌ غَيْمِيَّةُ الرَّفْرَفَةِ

*

أَصَمُّ كَالأَحْجَارِ لَكِنَّهُ يَدْوِي،

وَلَا صَوْتَ لَهُ، لَا شَفَةٌ

يَنْوِي كَفَنَّانٍ، بِلَا فِكْرَةٍ يَغْلِي

كَطَيْشِ الفِكْرَةِ المُلحَفَةِ

*

نَحِسُّ أَنَّا مَأْسَوِيُّونَ لَا نَمْلِكُ

لِلْمَأْسَاةِ غَيْرَ الصِّفَةِ

يَجْتَرُّنَا الخُبْزُ، فَتَقْتَاتُنَا

مِنْ قَبْلِ أَنْ نَشْتَمَّها الأَرْغِفَةُ

*

نَمُوتُ أَلْفَيْ مَرَّةٍ كَيْ نَرَى

كُلَّ يَدٍ مَشْبُوهَةٍ، مُسْعِفَةٍ

*

يَا دُورُ يَا أَسْوَاقُ، مَاذَا هُنَا

مَوْتٌ تُغَاوِي، وَجْهُهُ الزُّخْرُفَةُ

رُعْبٌ صَلِيبِيٌّ، لَهُ أَعْيُنٌ

خُضْرٌ وَأَيْدٍ بَضَّةٌ مُتْلِفَةٌ

*

يَا فُنْدُقَ الزَّهْرَا، مَحَالٌ تَعِي

قَضِيَّةَ المَنْصُورَةِ المُؤْسِفَةِ

وَيَا مُخَا، مَاذَا سَيَبْدُو إِذَا

تَقَيَّأَتْ أَسْرَارُهَا الأَغْلِفَةُ؟

*

تَفَنَّنَ المَوْتُ فَأَضْحَى لَهُ

جِلْدٌ أَنِيقٌ، مِدْيَةٌ مُتْرَفَةٌ

يَمْتَصُّ بِالقَتْلِ الحَرِيرِيِّ كَمَا

يَحْتَاجُ، بِالوَحْشَةِ المُسْرِفَةِ

*

يَلْمَعُ الأَوْبَاءُ، كَيْ تَرْتَدِي

بَرَاءَةَ أَظْفَارِهَا المُجْحِفَةِ

مِنْ أَيْنَ نَمْشِي يَا طَوَابِيرُ

يَا سُوقًا مِنَ الأَنْيَابِ وَالهَفْهَفَةِ؟

*

مِنْ أَيْنَ يَا جُدْرَانُ يَا خِبْرَةً

تُزَوِّقُ التَّمْوِيتَ، وَالسَّفْسَفَةَ؟

مِنْ هَا هُنَا أَوْ مِنْ… وَتَجْتَازُنَا

مِنْ قَبْلِ أَنْ نَجْتَازَهَا الأَرْصِفَةُ

*

هَلْ نَنْثَنِي يَا شَوْطُ؟ هَلْ يَنْثَنِي

نَهْرٌ يُرِيدُ العُشْبَ أَنْ يُوقِفَهُ؟

هُنَا طَرِيقٌ لَا يُؤَدِّي هُنَا

دَرْبٌ إِلَى الرَّابِيَةِ المُشْرِفَةِ

*

هَذَا عَنِيفٌ، وَلَهُ غَايَةٌ

وَذَا بِلَا قَصْدٍ، وَمَا أَعْنَفَهُ!

 

سيكولوجيا الإزاحة في استبداد الدول الرخوة

إنَّ مفهوم "الدولة الرخوة"، كما سكَّه الاقتصادي غونار ميردال، لا يمثل مجرد عجزٍ إداري أو قصورٍ في آليات التنفيذ، بل هو توصيفٌ بنيويٌّ لحالةٍ من السيولة الوجودية التي تفتقر إلى صلبِ القانون. في هذه الدول، يغدو الفساد هو "القاعدة" لا الاستثناء، ويتحول غياب المؤسسات إلى إستراتيجية بقاءٍ تتبناها السلطة لتجنب المساءلة. إن الدولة هنا ليست كياناً ينظم المجتمع وفق عقدٍ اجتماعي، بل هي "ثقب أسود" يبتلع الحقوق ويُفرغ الرموز من دلالاتها، لتصبح المؤسسات مجرد هياكل ورقية لا وظيفة لها سوى إخفاء خواء الدولة الداخلي. إننا أمام كيانٍ لا يحكم، بل يتواجد فقط ليتعطل، محولاً إدارة الشأن العام إلى عملية إفراغٍ مستمرة للمعنى.

سياسة الإزاحة.. فيزياء الهروب من الذات

عندما تبلغ الدولة الرخوة حافة تناقضاتها الوجودية، لا تلجأ إلى الحل -لأن الحل يعني نهاية تبرير وجودها- بل تلجأ إلى "الإزاحة". هذه الإزاحة ليست تكتيكاً إدارياً، بل هي خديعةٌ فلسفية؛ إذ يتم ترحيل التوتر المتولد عن الفشل الداخلي نحو "آخرٍ مُتخيل". في الفلسفة السياسية لهذا النمط، يُعد إنتاج "العدو" ضرورةً وجودية. وبغيابِ عدوٍ حقيقي، تُخترع الدولةُ أعداءً وهميين من صميم المكونات الاجتماعية، لتتحول السياسة من تدبيرٍ للشأن العام إلى "إدارةٍ للأزمات" المتوالدة.

هنا نستحضر "ميشيل فوكو" في تحليله للسلطة؛ فالدولة الرخوة تمارس "سلطةً هشة" تفتقر إلى القوة الحقيقية، فتستعيض عنها بخلق "فضاء مراقبة" وهمي. إنها تحكم بـ "الاستثناء"؛ فهي تعيش في حالة طوارئ دائمة، لأن الطوارئ هي الفضاء الوحيد الذي يمكنها فيه ممارسة سلطتها دون رقابة، ودون الحاجة لتبرير فشلها. إن الإزاحة هي محاولة يائسة لاستعادة "الهيبة المفقودة" عبر وصم الآخر بالخيانة، وهي تطبيقٌ صارخ لـ "إرادة القوة" المشوهة عند نيتشه؛ حيث يعجز الضعيف عن الإبداع، فيلجأ إلى "الخديعة" و"الارتياب" كأدواتٍ للبقاء على قيد الحياة.

التضامن الشمولي.. تواطؤ الرخاوة والصلابة

ينشأ هنا تحالفٌ بين رخاوة الدولة وصرامة رأس المال الشمولي. إن هذا التضامن يتجاوز كونه مؤامرة مركزية؛ إنه منظومة مغلقة تتشكل من شبكات مصالح عابرة، تفرض منطقاً لا بديل له:

 احتواء كل شيء تحت مِطرقة الربح. في هذا الفضاء، تضمن النخب المحلية للمستثمرين استقراراً قسرياً يمنع أي فورة شعبية، وفي المقابل، يُغدق رأس المال على هذه النخب امتيازاتٍ تضمن بقاءها.

إن هذا التضامن الشمولي يعمل كآلة طحنٍ للهوية؛ فهو يربط مصير السلطة بمدى قدرتها على تقديم "تسهيلات استغلالية" للقوى العالمية، على حساب كرامة الفرد. الدولة هنا هي "شركة أمنية" تحمي استثمارات رأس المال مقابل عمولاتٍ سياسية للنخبة، مما يكرس بقاء الدولة "رخوة" بما يكفي لنهبها، و"شمولية" بما يكفي لقمع أي محاولةٍ للتحرر. إنه "تواطؤ وجودي" حيث تُباع الدولة قطعةً قطعة، ويتم استبدال السياسة الوطنية بمصالح عابرة للحدود، مما يحول المجتمع إلى ساحةٍ للمنافع بدلاً من كونه مساحةً للحقوق.

 سيكولوجيا الارتياب.. صناعة الإنسان المضطهد

إن ما نسميه "هوس الاضطهاد الجمعي" ليس مرضاً نفسياً، بل هو سياسة حكمٍ مُمنهجة. عندما تعجز الدولة عن منح مواطنيها الكرامة، تمنحهم "المظلومية الوجودية". يتم تحويل الإحباط الفردي الناتج عن الفشل التنموي إلى شعورٍ بالاضطهاد الجماعي. إن الارتياب ليس طارئاً، بل هو "بنية معرفية" تفرضها السلطة.

وظيفة الارتياب الفلسفية:

 حجب الحقيقة وقلب الحقائق؛ حيث يُصبح الفشل نجاحاً، ويُصبح الفقر زهداً وطنياً. الارتياب يحول الأنظار عن المسؤول الفعلي نحو "عدوٍ وهمي".

حين يسود الشك الجميع، يتفكك المجتمع إلى ذراتٍ منعزلة. الدولة الرخوة هي العدو الأول للعمل الجماعي لأنها تدرك أن الوعي الجمعي هو مقصلتها.

إن تغذية الشعوب بأن "الأسوأ لم يأت بعد" تضع المجتمع في حالة جمود عاطفي، تجعل من "البقاء في الحاضر البائس" غايةً قصوى، مما يمنع انبثاق أي أفقٍ للمستقبل.

في فلسفة اللغة.. تعرية آليات السلطة اللغوية

في الدول الرخوة، لا يتم فقط استغلال الموارد، بل يتم "احتلال اللغة". الكلمات تُفرغ من دلالاتها الأخلاقية لتصبح أدواتٍ لترسيخ الارتياب. إن اللغة هنا ليست وسيلة للتواصل، بل هي "قيدٌ إدراكي". عندما يتم توظيف مصطلحات مثل "الخيانة"، "الوطنية"، "الأجندات"، بشكلٍ مفرط، فإنها تفقد معناها وتتحول إلى أسلحةٍ سيميائية لقتل أي تفكير نقدي.

الدولة الرخوة تغتصب اللغة؛ فـ"القانون" يُستخدم لقمع الحقوق، و"السيادة" تُستخدم لتبرير العزلة. حين  لا تعود الكلمات قادرة على وصف الواقع، يموت العقل الجمعي. الصمت في هذه البيئة ليس عجزاً، بل هو فعلُ "احتجاجٍ أخلاقي" ضد تلوث المعنى. إن استعادة الكلمات من قبضة السلطة هي أول خطوة في طريق التحرر الفكري، إذ يجب أن نكف عن استعمال لغة الجلاد لنصف حالتنا.

الهروب الفلسفي.. التحلل من سطوة القطيع

تطرح الفلسفة التفكيكية هنا "الهروب" ليس كضعف، بل كفعلٍ وجوديٍ جذري. إنه "تأميم للذات"؛ حين تسترد الفردانية سيادتها من فضاءات عامة لوثتها سياسة الإزاحة. إن رفض المشاركة في "لعبة الارتياب" هو صمتٌ مقصود؛ أنت ترفض أن تُحشر في "كتلة" تطالبك بالهتاف للعدم.

هنا نجد "جان بول سارتر" في نقده لـ "سوء النية"؛ فالفرد الذي يختار الانخراط في بارانويا الدولة يمارس "سوء نية" تجاه حريته، لأنه يقبل أن يُصاغ وجوده من قِبل الآخرين. إن الهروب هنا ليس جبناً، بل هو "موقف وجودي" يرفض أن يكون الفرد موضوعاً في يد السلطة. إنه استراتيجية للنجاة بالعقل من صخب التضليل الشمولي. إن هذا الانسحاب هو فعلٌ استباقي لمنع الذات من الانخراط في "تضامنٍ كاذب" يُطيل عمر الاستبداد، وهو اعترافٌ بأن الفرد لا يجد ذاته إلا بعيداً عن ضجيج الأوهام.

العدمية الوجودية.. أفق التحرر الفردي

إذا كان العالم يتجه نحو العدم، فإن الانسحاب الجمالي والفكري يمثل الطريق الوحيد للحفاظ على ما تبقى من إنسانية الفرد. إن "التحلل الفردي" لا يعني الاستسلام، بل يعني نزع الشرعية عن المسرحية السياسية برمتها. الفرد الذي يرفض أن يكون "بيدقاً" هو التهديد الحقيقي؛ لأن الشمولية تبحث عن الكتلة الصماء، بينما الحرية لا تُولد إلا في الفرد الواعي.

في هذا السياق، تصبح العدمية أداةً نقدية؛ فهي تنظر إلى هياكل الدولة الرخوة وتراها على حقيقتها:

إنَّ التحرر يبدأ عندما يدرك الفرد أن "النظام" ليس قدراً، بل هو بناء هش يقتات على إيمان الناس بقدسيته. إنَّ "الهروب نحو الداخل" هو محاولة لبناء "لغة جديدة" و"منطق جديد" لا يخضع لمعايير الرخاوة. إنَّ التحرر الفردي هو اللبنة الأولى في تفكيك الصرح الشمولي، وهو الطريق الوحيد الذي يجعل السلطة تواجه فراغها الخاص بعد أن يرحل عنها الممثلون، ولا يتبقى إلا الواقع العاري من أقنعة الإزاحة والبارانويا.

إن الإنسان في الدول الرخوة هو مسجونٌ في "عدميّةٍ مفروضة"، والخروج منها لا يتم عبر ثورةٍ جماعية قد تُختطف، بل عبر "ثورة الفرد على عدَمِيَّته". أن الوعي بالعدم هو بداية الوجود، وأن السلطة الرخوة التي تقتات على خوفنا، ستموت فور أن نكف عن الخوف منها، وفور أن ندرك أننا لسنا "جزءاً" من رخاوتها، بل نحن "الكل" الذي لا يكتمل إلا بحريتنا الفردية المطلقة. إن الوجود الذي لا يُمارس كفعلِ تحررٍ، هو مجرد استمرارٍ للعدم، ونحن هنا لنختار الوجود.

هذا النقد يشير إلى أن التحرر من هذه الحلقة لا يتطلب "تقوية" الدولة بالمعنى القمعي، بل يتطلب استعادة "الفعل العام" وإعادة توطين القرار السياسي والاقتصادي داخل النسيج الاجتماعي الأصيل، بعيداً عن منطق "التضامن الرأسمالي" الذي يرى الشعوب مجرد كتل بشرية للإزاحة أو الاستهلاك الاستلاب هنا هو استلاب عن "الذات الحقيقية". فعندما تذوب الحدود بين الفرد والمجموع، وبين الوطن والسلعة، يفقد الفرد القدرة على التمييز بين ما يريده هو وبين ما يمليه عليه النظام القائم إن التحرر من هذا يبدأ لحظة إدراك الفرد أنه ليس مجرد "أداة" في دورة الإنتاج، بل هو "ذات" تملك حقاً أصيلاً في صياغة معنى وجودها خارج إطار السوق، وخارج منطق الإزاحة.

***

غالب المسعودي

 

حدود التفكير البنيوي في الفلسفة المعاصرة

تُعَد إشكالية التوتر بين طموح النسق إلى الامتلاء وضرورة الانفتاح على الخارج من أكثر الإشكاليات إلحاحاً في الفلسفة المعاصرة، ذلك أن التفكير البنيوي منذ انبثاقه في اللسانيات السوسيرية ثم امتداده إلى الأنثروبولوجيا والنقد الأدبي والتحليل النفسي لم يكف عن المناورة بين رغبتين متعارضتين: الرغبة في بناء شبكة مفاهيمية قادرة على تفسير الظواهر انطلاقاً من علاقات داخلية متوازنة والرغبة في البقاء ملامساً لكثافة الواقع وتدفق الزمن وفرادى الأحداث. وإذ كان فرديناند دو سوسير قد أسس مفهوم اللغة كنظام من الاختلافات الخالصة حيث لا إيجابيات إلا بالعلاقة، فإن هذا التأسيس نفسه أفضى إلى معضلة كبرى، وإذا كانت كل هوية لغوية مشروطة بغيرها فأين يمكن للنسق أن يجد نقطة ارتكاز خارج نفسه؟ وإذا كان كل معنى يتحدد سلبياً بالاختلاف فكيف يمكن للكلام الحي أن يشير إلى عالم خارجي دون أن يختزل إلى مجرد لعبة دالات؟

هذه المعضلة التي ظلت كامنة في جذور البنيوية تفجرت مع موجات ما بعد البنيوية حين أظهر مفكرون مثل جاك دريدا وميشال فوكو وجيل دولوز أن الحدود التي ترسمها البنية ليست حواجز طبيعية بقدر ما هي عوارض تاريخية وتمثلات سلطوية تخفي مركزاً غائباً أو إقصاءً مؤسساً. فإذا كان كل نسق يحتاج إلى مؤسس لكي يقوم فإن هذا المؤسس لا يمكن أن يكون داخل النسق دون أن يحيل إلى تسلسل لا نهائي ولا يمكن أن يكون خارجه دون أن يتحول إلى ميتافيزيقا غيبيّة تعيد إنتاج ما كانت البنيوية قد حاولت تجاوزه أي "حضور" متعال يضمن النظام. ومن هنا ينشأ سؤال جوهري يهز أركان المشروع البنيوي برمته، هل يمكن لفلسفة أن تقوم على نسق مغلق دون أن تغتال الحياة والزمن والتاريخ؟ وهل يمكن لها بالمقابل أن تنفتح كلية على السيولة دون أن تذوب في لا شكلية لا تحتمل؟

هذه التوطئة ترمي إلى وضع حدود السؤال الذي سيتناوله المقال بالتفصيل مركزاً على الكيفية التي واجهت بها الفلسفة المعاصرة هذا التوتر بين النسق والانفتاح وعلى البدائل التي اقترحتها للخروج من المأزق الثنائي. وسنحلل في ثنايا المقال كيف حاولت البنيوية بتياراتها المختلفة الإمساك بالعالم من خلال أنساق أفقية شاملة ثم كيف انقلب هذا الطموح على نفسه مكشفاً عن آلياته القمعية وحدوده البنيوية. وسنناقش أيضاً محاولات تجاوز هذا التوتر عبر مفاهيم مثل الاختلاف والتفكيك والريزوم معرجين على طروحات الفلاسفة والمفكرين الذين عايشوا هذه الإشكالية بأبعادها الابستمولوجية والوجودية والسياسية. والغاية ليست الحسم لمذهب على حساب مذهب بل استكناه طبيعة التوتر نفسه بصفته شرطاً للتفكير الحي وإظهار أن الفلسفة حين تدرك حدود أنساقها تكون عندئذ فقط قادرة على أن تظل مخلصة لرسالتها الأولى وهي التساؤل بلا هوادة.

حين تُفتح أبواب الفلسفة على سطوح النسق المتراص وتُغلق في الوقت نفسه على أزقة الانفتاح المتشعبة، نجد أنفسنا أمام توتر أصيل لا محيد عنه: توتر بين رغبة النسق في الامتلاء والانغلاق وبين نداء الانفتاح الذي لا يكف عن تذكير التفكير بحدوده الجوهرية. هذا التوتر في صميم المشروع البنيوي المعاصر ليس مجرد إشكالية عابرة أو أزمة منهجية قابلة للحل بل هو شرط وجود الفلسفة نفسها، ذلك أن التفكير البنيوي في طموحه إلى صوغ شبكة مفاهيمية قادرة على استيعاب الكل يصطدم دائماً بذلك الباقي الفائض الخارج عن النظام بما هو ثغرة في النسيج المنطقي للبنية. وإذا كان فرناندو دي سوسير قد أرسى قواعد اللسانيات البنيوية على مبدأ "اللغة نظام من الاختلافات الخالصة" فإن هذا النظام على بديع تماسكه الداخلي يظل مفتقراً إلى أي إيجابية جوهرية أي إلى تلك اللحظة الحيَّة التي تمنح الكلمات دفئها الوجودي خارج شبكة العلاقات الشكلية. وينشأ هنا السؤال المحرج هل يمكن للبنية أي بنية أن تمسك بنفسها دون أن تترك بقيةً ما دون أن تخون شيئاً من كثافة الواقع؟

إن الفلسفة البنيوية في ذروة عنفوانها كانت حلماً قديماً متجدِّداً، حلم الرياضيات الكونية أو حلم القواعد التوليدية التي تفسر كل الظواهر انطلاقاً من عدد محدود من العناصر وقوانين التركيب. نقف هنا على أعتاب كلود ليفي شتراوس ذلك الإنسان الذي جعل من الأنثروبولوجيا البنيوية مختبراً للعقل الإنساني معتقداً أن الأنساق الأسطورية والقرابية تعمل وفق منطق محكم لا يختلف كثيراً عن منطق الشطرنج. لكن حتى في لعبة الشطرنج يظل الحقل مفتوحاً على ما لا يحصى من التحركات الممكنة وعلى فائض من الإمكان الذي لا يمكن اختزاله إلى القوانين الجامدة. وإذا كان ليفي شتراوس يرد في "الفكر المتوحش" أساطير الشعوب البدائية إلى بنى ذهنية تتوسط بين الحسي والعقلي فإن هذا الرد يظل أسير معضلة مركزية، من أين يستمد النظام البنيوي سلطته التفسيرية إن لم يكن من مؤسس خارجي ومن خارج البنية؟ أليس هذا التأسيس نفسه يعيد إنتاج ما حاول تفاديه أي فكرة "المعنى القبلي" أو "الأصل الثابت"؟ هنا يتدخل جاك دريدا بمشروعه التفكيكي الحاد ليكشف عن أن البنيوية في لحظة تأسيسها تحتاج إلى "مركز" يثبتها وإلى "حضور" يؤسس اللعبة الاختلافية لكن هذا المركز سرعان ما يتبدّى على أنه ليس مركزاً بالمعنى الكلاسيكي بل هو فراغ، أثر، اختلاف يعود إلى ما لا نهاية. يقول دريدا في "الكتابة والاختلاف": "لقد عشنا دائماً في علاقة مركز – غائب، لأن البنية تتطلب مركزاً يوقف اللعب لكن هذا المركز هو نفسه لاعب في اللعبة أو هو خارجها". تلك هي المفارقة البنيوية القاتلة لا يمكن للنسق أن يغلق نفسه دون أن يترك فرجة ولا يمكن أن ينفتح دون أن يهدد تماسكه.

ما يبدو هنا هو أن التوتر بين النسق والانفتاح ليس مجرد خلاف مدرسي بين تيارات فكرية بل هو تجسيد لمعضلة أعمق، معضلة الزمان. فالبنية بفعلها نزوعاً طبيعياً إلى التزامن وإلى القبض على العلاقات كما هي متعايشة في لحظة واحدة حيث تصادف أن الزمن بوصفه بعداً كوناً لا يردّ وهو الذي يضخ في الشرايين البنيوية النبض الحيوي للتحول. وكيف يمكن لبنية أن تفسر التغير دون أن تتحول إلى ما ليس بنية؟ لقد حاول جان بياجيه في نظريته البنيوية التكوينية، التوفيق بين البنية والتاريخ معتبراً أن البنيات تتوالد وتبنى عبر آليات التوازن والتكيف، لكن هذا الحل يظل برأي العديد من النقاد هروباً إلى الأمام لأنه لا يفسر اللحظة المفاجئة والحدث الذي لا يسبقه أي قانون والثورة المفاجئة التي تُفجِّر كل الترقبات. أما ميشال فوكو في "الكلمات والأشياء" فقد ذهب أبعد من ذلك حين أعلن أن العصور المعرفية (الإبستيميات) منغلقة على نفسها وأن القطيعة المعرفية هي التي تفصل بين بنية وأخرى. لكن هذا الموقف نفسه يوقع فوكو في تناقض لافت، فبينما يصر على نسبية كل إبستيمية ويحلل أنظمتها الخطابية الداخلية فإنه لا يستطيع أن يفسر كيف يمكن للمرء أن يعرف إبستيمية ماضية دون أن يقحم فيها شيئاً من إبستيمية الحاضر. أليست مقولته عن "القطيعة" نفسها نتاجاً لنسق معرفي معاصر؟ ألم يظل فوكو بفضل حساسيته المفرطة تجاه الانغلاق أسيراً لبنية ضمنية هي بنية "اللافواصل" بين الفواصل؟

ليس الهدف هنا تصفية الحساب مع البنيوية بل النبش في مكمن عذابها، أي أنها تريد أن تكون شاملة ومكتفية ذاتياً لكنها لا تستطيع الاستغناء عن "الآخر" الذي ترفضه. ذلك الآخر يمكن أن يكون التاريخ أو الفاعل الإنساني بوعيه وإرادته أو الجسد بغرائزيته ودلالاته المفرطة أو اللغة بثنياتها وإيحاءاتها التي تتفلت من شبكة العلاقات الفارقة. لهذا السبب يظل الموروث الهوسرلي من خلال مفهوم "العالم الحي" (الليبنزويلت)، ناقوس خطر في أذن كل بناء بنيوي. فإذا كانت البنيوية تتوهم أنها تستطيع تعليق الواقع ووضعه بين قوسين فإن هوسرل يذكرنا بأن كل نظام دلالي يفترض أفقاً معاشاً، سياقاً غير موضوعي، يجعل الدلالة ممكناً أصلاً. هذا الأفق يسبق البنية ويتجاوزها؛ إنه التربة التي تنبت منها كل الأنساق، لكنه لا ينضوي تحت أي نسق. وهذا ما عبّر عنه موريس ميرلوبونتي حين تحدث عن "الجسد الحي" كوسيط بين الذات والعالم، جسد لا يمكن اختزاله إلى علاقات مكانية وزمانية موضوعية بل هو بنية مفتوحة أساساً ومشرعة على الآخر وهي تتشكل في الحوار والتعبير أكثر مما تتشكل في الحسابات الجبرية.

ومع ذلك ينبغي أن ننصف البنيوية، إن إصرارها على النسق ليس مجرد جنون العظمة النظري بل هو إجابة مشروعة على فوضى المعنى وتشتت الدلالات. العالم المعاصر يفيض بالعلامات المنفلتة وبالأصوات المتصارعة وبالصور العائمة ولا مناص من إعادة بناء تماسك ما ومن فرض نظام على هذا الانهمار السيالي. لكن الثمن هو التضحية بفائض الحضور، بذلك البريق الوحيد الذي يجعل الكلمات تشير إلى أشياء لا إلى كلمات أخرى فحسب. إن فلسفة جيل دولوز وفيليكس غوتاري في "ألف هضبة" تجسد محاولة يائسة جميلة للخروج من هذا المأزق، لا بالعودة إلى البنية المغلقة ولا بالاستسلام للفوضى الكاملة بل بابتكار مفهوم "الريزوم" (الجذمور) الذي لا مركز له ولا بداية ولا نهاية ولا نظام هرمي، وإنما هو اتصالات وتشعبات وتحولات متساوقة. الريزوم هو ضد البنية لكنه أيضاً ليس ضد النظام، إنه نظام الفوضى المنظَّمة أو الفوضى التي تخلق نسقها الخاص أثناء سيرها. ورغم أن هذا المفهوم بديع في إيحاءاته إلا أنه يظل عرضة لنفس السؤال النقدي، أليس الريزوم نفسه بنية؟ ألا ينطوي على قواعد ضمنية تحكم تشكيله؟ عند هذه النقطة يتضح أن الهروب من البنية مستحيل وأن الدخول فيها هو شرط الفكر نفسه.

يبقى أن نعرج على الصلة بين هذا التوتر ومشكلة السلطة، فالأنساق البنيوية ليست محايدة أبداً؛ بل تحمل في طياتها نزعة إلى التثبيت وإلى الحفاظ على الوضع القائم وإلى جعل ما هو عابر أبدياً. ليس من قبيل المصادفة أن نقاد البنيوية من مدرسة فرانكفورت إلى ميشيل دو سيرتو، ربطوا بين "النسق" و"الكلية" المطلقة وبين "الكلية" و"العنف". فكل نسق بفعل تعطشه إلى الشمول يميل إلى قمع المختلف وإلى جعل الشاذ خارجاً عن القاعدة وإلى محو الفردي واللحظي لمصلحة القوانين الكلية. لكن التفكير الحي كما فهمه تيودور أدورنو في "نظرية جمالية"، هو الذي يحافظ على التوتر ولا يذيب التناقض في تركيب سلمي بل يجعله يعمل ويعيش داخل المفهوم. المفهوم عند أدورنو لا يطابق الشيء بل يشير إليه مشيراً إلى عجزه عن احتوائه كلياً؛ وهذا العجز هو بالضبط ما يسميه "غير المتطابق". وبالتالي فإن الفلسفة الأصيلة ليست تلك التي تصوغ بنية مبرهنة خالية من الثغرات بل التي تجرؤ على الوقوف في الثغرة نفسها وعلى العيش في التوتر بين ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله وبين المنسجم والمتنافر وبين النظام والفائض.

وفي خضم هذا كله تبرز العودة إلى اللغة ليس كموضوع للتحليل البنيوي فحسب بل كحقل معركة حيث يتجلى التوتر بأقسى صوره. فاللغة كما علّمنا إميل بنفنيست هي ذلك النظام العجيب الذي يمكنه أن يحكي عن نفسه وأن يذكر شروطه الخاصة وأن ينطق بحدوده. في هذه الآلية الانعكاسية تظهر اللغة وهي تنقض ذاتها، إنها بوصفها بنية تُعلن عن عجزها عن البقاء بنية خالصة لأنها مضطرة إلى استعمال ألفاظ وعبارات تشير إلى خارجها. كل جملة نحوية صحيحة تحمل في طياتها إمكانية التجاوز وإمكانية العبث بالقواعد وإمكانية الإبداع. وهذا ما جعل رومان ياكوبسون في نظريته عن وظائف اللغة يميز بين الوظيفة الشعرية التي تركز على رسالة اللغة ذاتها وبين الوظائف المرجعية والعاطفية والدالاتية التي تفتح اللغة على العالم وعلى المتكلم وعلى المخاطب. إن التوازن بين هذه الوظائف هو الذي يحول اللغة من آلة صماء إلى فضاء حي ومن جدول الضرب إلى قصيدة ومن البنية الجامدة إلى الأسلوب الفريد.

إن ما نستشفه من كل هذا السجال هو أن التوتر بين النسق والانفتاح ليس أزمة عابرة وإنما هو بنيوي بالمعنى الأعمق، إنه جزء لا يتجزأ من فعل التفكير نفسه. فالتفكير إما أن يكون نسقياً فيستقر في هوامشه فائض لا يفسر وإما أن يكون منفتحاً فيذوب في سيولة لا ضابط لها. الفيلسوف البارع هو الذي لا يختار أحد الطرفين بل الذي يصبح وصياً على علاقتهما المتوترة وحارساً للفجوة التي تجعل الفلسفة ممكناً. هكذا نرى أن حدود التفكير البنيوي ليست نقصاً فيه بل هي طبيعته تماماً كما أن حدود النظر لا تعني عمى العين بل هي شرط رؤيتها. هذه الحدود هي الجدران التي يضرب بها الفكر ليعلن عن نفسه وهي النوافذ التي منها ينفتح على ما لا يحد ولا يحصر. وفي هذه المنطقة الهامشية بين الجدار والنافذة وبين الإغلاق والإبحار تعيش الفلسفة المعاصرة عذابها ولذتها معاً، عذاب العجز عن الامتلاء الكلي ولذة الحركة الدائمة نحو أفق لا يقبض عليه.

غير أن هذا التوتر الذي يشبه في كوامنه توتر القوس بين طرفيه ليطلق السهم لا يمكن اختزاله إلى مجرد مشكلة معرفية قابلة للحل البرهاني إذ إنه يتصل بأعمق طبقات الوجود الإنساني في العالم وبعلاقة الإنسان بالزمن، بجسده، بموته بل وبالآخر الذي لا يشبهه. فإذا كانت البنية في انغلاقها الجميل تحلم بزمن دائري أو متزامن فإن الانفتاح يفضي بنا إلى زمن خطي متشظٍ وإلى زمن الحدث الذي لا يتكرر وإلى زمن المفاجأة والصدفة الخلاقة. وتعيد فلسفة هنري برغسون رغم سبقها للبنائية طرح نفسها كمنبه حي، فالزمن الحقيقي عند برغسون ليس توالياً كمياً للنقاط المتجانسة بل هو "المدة" النوعية، التدفق الحي الذي لا يخضع للتقطيع المفاهيمي. والبنية بتركيزها على العلاقات الثابتة لا تستطيع الإمساك بالمدة إلا بعد تحويلها إلى فضاء بعد قتلها تجريدياً. إن ما تخسره البنيوية في لحظة انتصارها التصنيفي هو بالضبط ذلك البعد النوعي للحياة وتلك النغمة الفريدة التي تجعل من كل لحظة حدثاً لا يعوض. وإذا كان كلود ليفي شتراوس قد أعلن أن الأنثروبولوجي يحب أسطورته كما يحب الموسيقي سمفونيته في إشارة إلى الإمكانية اللانهائية لإعادة تركيب العناصر المحدودة، فإن هذا الحب يظل حباً كمنظومة من العلاقات لا حباً كتجربة عابرة للحياة والموت.

على الجانب المقابل نجد أن الانفتاح المطلق إذا أصر عليه الفكر بغير تحفظ لا يؤدي إلى الخصب بل إلى الذوبان وإلى فقدان كل معيار تمييزي وإلى تلك الحالة التي وصفها فيلسوف الوجود كارل ياسبرز بـ"الانحلال" أمام لا محدودية الاحتمالات. فالتفكير لا يمكنه أن يستغني كلياً عن لجام النسق تماماً كما لا يمكن للرائي أن يرى بلا شبكية تلتقط الضوء وتنظمه. البنية بمثابة الشبكية التي تسمح للعالم الظاهر بالظهور بالذات ولكنها تظل شرطاً سالباً أكثر منه شرطاً موجباً، إنها تحدد ما يمكن رؤيته بتحديد ما لا يمكن رؤيته. هذه المفارقة هي جوهر الفكر البشري وهي التي تجعل من الفلسفة المعاصرة بكل تياراتها المتنازعة ساحة يعاد فيها اختراع التوازن بين الجاذبية نحو النظام والطرد نحو اللانظام.

ولعل من أكثر التجليات عمقاً لهذا التوتر هو ما يحدث داخل التحليل النفسي وتحديداً في مدرسة جاك لاكان التي جمعت بين البنيوية اللسانية والنظرية الفرويدية. لاكان في عزمه على إرجاع العقل اللاواعي إلى "بنية اللغة" قدّم أداة قوية لفهم الأعراض والهواجس والأحلام باعتبارها نصوصاً تخضع لقوانين التحول والإزاحة والتكثيف. اللاواعي عند لاكان "منظم كاللغة"؛ إنه يخضع لنظام الفارق ولإيقاع الدال ولانزلاق المعنى الذي لا يتوقف. لكن هذه البنيوية اللكانية في عنفوانها النظري تصطدم بذلك "الحقيقي" الذي يرفض الرمزة بذلك الأثر الجسدي الصامت الذي لا يقبل الترجمة إلى خطاب. "الحقيقي" عند لاكان هو المستحيل وهو ما يعجز الرمز عن احتوائه وما يظل خارجاً مثل بقعة عمياء في شبكة الدوال. وهنا تجسيد بالغ للتوتر، البنية الرمزية تحاول أن تغلف كل شيء لكن الحقيقي يعود ليثقبها ولينتج الصدمة والصدمة بعد الصدمة. هذا "الحقيقي" ليس شيئاً مادياً بسيطاً بل هو حدود البنية نفسها وهو ما يكشف أن البنية ليست كل شيء وأن هناك فائضاً لا يرد على الإطلاق.

من جهة أخرى يمثل السجال مع الظاهريات نقطة ارتكاز حاسمة في هذا السياق. فالظاهريات منذ هوسرل وحتى ميرلوبونتي لم يرفض البنية جملة وتفصيلاً وإنما أعاد وضعها ضمن أفق أوسع هو أفق "العالم المعاش". كل بنية عند الظاهريات مشروطة بقصدية سابقة عليها وبحضور يعيشه الجسد والوعي قبل أي تنظيم مفهومي. لكن الظاهريات نفسها لا تخلو من توترها الخاص، فهي حين تتحدث عن "القصدية" و"التوجّه نحو" فإنها تميل إلى تفكيك الجمود البنيوي لكنها تظل بحاجة إلى نوع من "البنية المتعالية" التي تنظم الإدراك. وهكذا نجد أن الظاهريات والبنيوية ليستا طرفين متقابلين تماماً وإنما هما وجهان لعملة واحدة، عملة الرغبة الفلسفية في السيطرة على المعنى مع الاعتراف الدائم باستعصائه.

ولابد هنا من استحضار صوت آخر، صوت النقد النسوي الذي فضح البنى الأبوية الكامنة في أنساق الفكر الغربي. نسويات مثل جوليا كريستيفا ولوس إيريغاراي أظهرتا كيف أن البنى الفلسفية التقليدية منذ أفلاطون إلى هيجل إلى فرويد، بنيت على الإقصاء الأنثوي وعلى جعله "الآخر" غير القابل للتمثيل داخل النظام الذكوري المغلق. البنية الأبوية والتي تزعم الكلية والعقلانية تعيش على استبعاد الصوت الأنثوي وعلى طمس الاختلاف الجنسي الحقيقي تحت ستار الحياد المزعوم. ومن هنا فالانفتاح على "النسوي" ليس مجرد تنويع في قائمة المواضيع وإنما هو اختبار لصدقية كل بنية، هل تستطيع أن تقبل المختلف دون أن تدمجه وأن تترك له مساحة لا تقل عن مساحة المطابق؟ إن الإجابة في معظم الفلسفات البنيوية الكلاسيكية كانت سلبية مما عرّضها لاتهامات مشروعة بالعمى عن النوع الاجتماعي وعن كل ما هو "آخر" بصفة عامة.

لا يخرج من هذا المأزق إلا فلسفة لا تدّعي أنّها فوق التوتر بل تحيا فيه وتتنفس منه. فلسفة تعترف بأن النسق ضروري لكنه ضرورة مؤقتة وقابلة للنقض ومهددة باستمرار من الداخل والخارج. هذه الفلسفة تكون أشبه ما تكون بنسيج عنكبوتي ممتد بين أغصان شجرة، النسيج منظم وله مركز وأطراف وقواعد، لكن الأغصان تتحرك بالريح والحشرات تمزقه هنا وهناك، والمطر يبلله وهو نفسه يُعاد نسجه كل يوم. هذا التشبيه المتواضع، قد يكون أقرب إلى حقيقة التفكير الحي من تلك القصور البلورية التي شيدتها البنيويات العظمى.

إن ما يتوصل إليه هذا التأمل لا يمكنه أن يعلن نصراً نهائياً لأي طرف بل يجب أن يرسم أفقاً ثالثاً: أفق 'التفكير في الحدود'. فالحدود هي ما يجعل الشيء موجوداً وليس غيره؛ إنها مبدأ التعيين والتميز.

لكن الحدود هي أيضاً ما يُفتَرض تجاوزه وما يُعاش كحاجز ودعوة في آن. التفكير البنيوي يذكّرنا بأننا لا نفكر خارج أشكال وقوالب وقواعد – وإلا وقعنا في الفوضى الطائشة. والتفكير بالانفتاح يذكّرنا بأن هذه الأشكال والقوالب لا تمسك بكل شيء وأن هناك دائماً بقية صدى وأثر، نزفاً لا يلتئم. الفيلسوف الحقيقي إذا جاز التعبير هو من يبقى على حافة هذا التوتر، متوازناً على شفا السكين لا يطمئن إلى بناء مهما بلغت متانته ولا ينساق وراء هدمه مهما كان مُغرياً. لأن الفلسفة في العمق ليست بناءً ولا هدماً بل هي السؤال المتواصل عن إمكانية البناء وإمكانية الهدم في آن. هي شهود على أن كل نسق ينطوي على تفكيكه المحتمل وأن كل انفتاح يحمل في جعبته بذور نظام جديد. وإذا كان لا بد من كلمة أخيرة فهي أن حدود التفكير البنيوي ليست عيباً بل هي مصدر قوته الحقيقية، فبواسطة هذه الحدود فقط يمكن للفكر أن يلمس ما وراءها وأن يعرف أنه حين يعرف فإنه لا يعرف إلا في ظل الجهل الذي لا يفارقه. بتلك المفارقة وحدها تبقى الفلسفة حية تتنفس في التوتر الخصب بين أضلاع البنية وفضاء الانفتاح.

***

د. حمزة مولخنيف

مقاربة فلسفية شرقية

مقدمة: "لكي تعيش الحياة على أكمل وجه، ليس من الضروري أن تتصرف. لكي تعيش الحياة على أكمل وجه، من الضروري أن تكون." - لاو تسي

الطاوية حكمة صينية قديمة تقوم على الانسجام مع الطبيعة، والتخلي، ومفهوم وو وي (اللا فعل). نصوصها المقدسة، المنسوبة في المقام الأول إلى الفيلسوفين لاو تزو وتشوانغ تزو، مليئة بالحكم الخالدة للعيش وفقًا لتدفق الكون. في التقاليد الفلسفية الشرقية، خاصة الصينية، لا تُفهم الحكمة كمجرد تراكم معرفي أو قدرة تحليلية منطقية، بل كحالة وجودية عميقة تتعلق بالانسجام مع النظام الكوني الأساسي. من هذا المنطلق، تختلف هذه المقاربة جذرياً عن الرؤى الغربية التي غالباً ما تربط الحكمة بالعقلانية، الاستدلال المنطقي، أو البحث عن الحقائق المطلقة من خلال الجدل والتحليل. في الشرق الصيني، الحكمة هي فن العيش في تدفق الوجود الطبيعي، بعيداً عن التدخل الإرادي المفرط، وهي تتجسد في القدرة على التوافق مع التغيرات الدائمة للواقع دون مقاومة. كما تشكل الفلسفة الصينية ثالوثاً أساسياً يجمع بين الكونفوشيوسية (التركيز على النظام الاجتماعي والأخلاق) والبوذية (التركيز على التحرر من المعاناة) والطاوية (التركيز على الانسجام الكوني). ومع ذلك، يبرز مفهوم الطاو كأحد أعمق تجليات الحكمة الصينية، إذ يمثل الطريق الأبدي، المبدأ الكوني الذي ينظم الكون بأكمله بطريقة عفوية وغير قسرية. هذه الدراسة تتناول مفهوم الحكمة الصينية من خلال نموذج الطاو، مستكشفة أبعاده الوجودية والمعرفية والأخلاقية والعملية، ضمن مقاربة فلسفية شرقية تؤكد على الخبرة الحية أكثر من النظرية المجردة. فكيف تبلورت الحكمة في السياق الشرقي الصيني؟ وماهي خصوصية فلسفة الطاو؟

أصول الحكمة الصينية ومكانة الطاو

"رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة." - لاو تسي

تعود جذور الحكمة الصينية إلى آلاف السنين، متأثرة بملاحظة الطبيعة والتغيرات الموسمية والكونية. كان الصينيون القدماء يرون الكون ككيان حيّ ديناميكي، يتسم بالتوازن بين قوتين متكاملتين: الين واليانغ. الين يمثل الظلام، اللين، الاستقبال، والأنثوي؛ بينما اليانغ يمثل النور، القوة، النشاط، والذكوري. الحكمة تكمن في إدراك أن هذين القطبين ليسا متعارضين بل متكاملين، يتدفقان في دورة أبدية تشكل نسيج الوجود. على هذا النحو يأتي مفهوم الطاو كتتويج لهذا التصور. الطاو ليس "شيئاً" يمكن تحديده أو وصفه بالكلمات، بل هو الطريق الأصلي، المصدر غير المنظور لكل ما هو موجود.

كما يُعبّر عنه في النصوص الكلاسيكية، "الطاو الذي يمكن النطق به ليس الطاو الأبدي"، مما يشير إلى أن الحكمة الحقيقية تتجاوز اللغة والمفاهيم، وتتطلب خبرة مباشرة وتجربة وجودية. الطاو هو العملية الذاتية للواقع ( الطبيعي التلقائي)، حيث ينشأ كل شيء عفوياً دون تدخل خارجي.  في هذا السياق، الحكيم الصيني (الذي غالباً ما يُرمز له بالـ"شنغ رن" أو الإنسان الكامل) ليس من يمتلك معرفة نظرية واسعة، بل من يعيش في وئام تام مع الطاو. يتجلى ذلك في شخصية لاو تسي، الذي يُنسب إليه كتاب "التاو تي تشينغ" ، الذي يُعد مرجعاً أساسياً للحكمة الطاوية. هذا الكتاب لا يقدم تعاليم دوغمائية، بل تأملات شعرية ومفارقات تدعو إلى العودة إلى البساطة الأصلية.

الأبعاد الفلسفية للحكمة الطاوية

"الرضا بما لديك هو الغنى." - لاو تسي

تُعلّم الطاوية أنه بالتوقف عن مقاومة مجرى الأمور بشكل مصطنع، يسمح المرء للأمور بأن تُحلّ من تلقاء نفسها. بهذا المعنى"الحكيم يقود باللا فعل." – كما يرى لاو تسي في كتابه تاو تي تشينغ

1. البعد الوجودي

يُرى الطاو كمبدأ أولي سابق على السماء والأرض، مصدر كل الأشياء العشرة آلاف. ليس خالقاً شخصياً، بل قوة كونية محايدة وشاملة تنظم التغيير الدائم. الحكمة هنا هي إدراك أن الوجود ليس ثابتاً، بل تدفق مستمر. مقاومة هذا التدفق تؤدي إلى الاضطراب، بينما التوافق معه يحقق الانسجام. يُشبه الطاو الماء: لين، يتدفق إلى أدنى المستويات، لكنه يقدر على نحت الصخور بمرور الزمن. الحكيم يقلد الماء في لينه وقدرته على التكيف، مدركاً أن الضعف يحتوي على قوة هائلة. هذا البعد يؤكد على الوحدة الأساسية للكون، حيث لا فصل بين الإنسان والطبيعة؛ الإنسان جزء من نسيج واحد.

2. البعد المعرفي

تختلف الحكمة الصينية عن المعرفة الغربية التي تعتمد على التمييز والتحليل. في الطاوية، المعرفة الحقيقية هي "غير معرفة"، أي التخلي عن المفاهيم المسبقة والتحيزات. اللغة محدودة، والمسميات تخلق تمييزات مصطنعة تبتعد عن الطاو. لذا، يدعو الطاو إلى "المعرفة الصامتة" التي تأتي من التأمل والملاحظة الهادئة للطبيعة.

غني عن البيان أن الحكيم يعرف من خلال "الكون" مع الطاو، لا من خلال الاستدلال. هذا يشبه حالة الفعل غير القسري أو الفعل الخالي من الجهد)، حيث يتصرف الإنسان بتلقائية تتناسب مع الظروف دون تدخل إرادي مفرط. الفعل غير القسري ليس كسلاً، بل ذروة الفعالية: كالنهر الذي يتبع مساره الطبيعي دون مقاومة.

3. البعد الأخلاقي والقيمي

في الطاوية، الأخلاق ليست قواعد خارجية مفروضة، بل تعبير طبيعي عن الطاو. الفضيلة تنبع تلقائياً من التوافق مع الطريق. الحكيم يمارس التواضع، اللين، والرحمة دون إعلان أو تباهٍ. يرفض الطموح الاجتماعي المفرط والسلطة القسرية، معتبراً أن الحكم الجيد هو الذي يترك الشعب يعيش عفوياً.

كما يُنتقد التصنع والطقوس الاجتماعية الجامدة (مقابلة مع بعض جوانب الكونفوشيوسية)، ويُدعى إلى العودة إلى البساطة. الحكمة الأخلاقية تكمن في "اللامبالاة" بالتمييزات البشرية مثل الخير والشر المطلقين، إذ يرى الحكيم كل شيء في سياقه الكوني المتوازن.

4. البعد العملي: الحياة اليومية والممارسة

تمتد الحكمة الطاوية إلى كل جوانب الحياة: الطب (كالإبر الصينية التي تعتمد على توازن الطاقة)، الفنون القتالية (الذي يعتمد على اللين)، والحكم. في السياسة، يُفضل الحاكم الحكيم التدخل الأقل، تاركاً الأمور تسير وفق طبيعتها. يشجع الطاو على ممارسات مثل التأمل، التنفس، والعيش في الريف بعيداً عن تعقيدات المدن. الهدف هو تحقيق "الخلود" الروحي، لا بالمعنى الحرفي دائماً، بل بالاندماج في الطاو الأبدي.

الطاو كنموذج للحكمة الشرقية: مقارنة وأهمية

"لا شيء تحت السماء أطرى وأضعف من الماء. ومع ذلك، لا شيء يضاهيه في اختراق ما هو صلب وقوي." - لاو تسي

يمثل الطاو نموذجاً مثالياً للحكمة الشرقية لأنه يؤكد على الشمولية، الديناميكية، والانسجام بدلاً من الثنائيات الجامدة. بينما قد تركز بعض التقاليد الغربية على السيطرة على الطبيعة أو البحث عن الحقيقة المطلقة، يدعو الطاو إلى الاستسلام الواعي لتدفق الكون. هذا لا يعني سلبية، بل ذكاء عميق يرى القوة في الليونة. في عصرنا الحالي، الذي يتسم بالتسارع التكنولوجي والأزمات البيئية، تقدم الحكمة الطاوية رؤية بديلة: العودة إلى التوازن مع الطبيعة، التخفيف من السيطرة، واحتضان التغيير. إنها تدعو إلى حياة أكثر بساطة وأصالة، حيث تكون الحكمة ليست في الامتلاك أو السيطرة، بل في الوجود الكامل في اللحظة.

خاتمة

"العقول العظيمة ترى الصورة الكبيرة، والعقول الصغيرة ترى الصورة الصغيرة؛ الخطابات العظيمة تحتضن، والخطابات الصغيرة تستبعد." - تشوانغ تزو

مفهوم الحكمة الصينية، متجسداً في الطاو، هو دعوة عميقة لإعادة اكتشاف الوحدة الأصلية بين الإنسان والكون. إنه ليس نظاماً فلسفياً مغلقاً، بل طريق حياة مفتوح يتطلب ممارسة مستمرة وتخلياً عن الأنا المفرط. من خلال الخوف والتوافق مع الطبيعة، يصل الحكيم إلى حالة من السلام الداخلي والفعالية الخارجية التي تتجاوز الصراعات البشرية. في عالم يبحث عن حلول مستدامة، تبقى الطاوية مصدر إلهام حياً، تذكرنا بأن الحكمة الحقيقية هي فن الرقص مع تدفق الوجود، لا محاربته. هذه المقاربة الشرقية تفتح آفاقاً لفهم أعمق للوجود البشري، داعية كل فرد إلى أن يصبح، ببساطة، جزءاً متناغماً من الطاو الأبدي. فكيف تجلت الحكمة الصينية عند كونفيشيوس؟ وما الفرق بين الطاوية والكونفوشيوسية والماوية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

دور الغريزةِ والعدالةِ البدائيةِ في تأصيلُ التوتاليتارياتِ الحديثة

تُشكّلُ الأخلاقُ الإنسانيةُ نقطةَ التقاءٍ فريدةً بين قوانينِ الطبيعةِ الحتميةِ والإنشاءاتِ الثقافيةِ المتعالية. فالإنسانُ، في جوهرِهِ، كائنٌ ذو "وجودٍ مزدوج"؛ فهو عضويّةٌ ماديةٌ خاضعةٌ للتطور، وذاتٌ رمزيةٌ تُعيدُ صياغةَ محيطِها عبر الفكر. إنَّ هذا التداخلَ يفرضُ ضرورةَ إجراءِ مقاربةٍ تفكيكيةٍ تكشفُ التوترَ الكامنَ بين الأخلاقِ التطوريةِ والأخلاقِ الثقافية، وتستقصي الصراعَ الأزليَّ بين الغرائزِ البدائيةِ ومتطلباتِ الارتقاءِ الحضاري. إنَّ هذا المسارَ الجدليَّ ليس مجردَ تأريخٍ للسلوك، بل هو كشفٌ عن كيفيةِ توظيفِ هذه البُنى الأخلاقيةِ لتأسيسِ الأنظمةِ الشموليةِ المعاصرة، حيثُ يتمُّ استحضارُ "العدالةِ البدائية" لخدمةِ غاياتٍ سلطويةٍ مطلقة.

التوتر الأنطولوجي بين الأخلاق التطورية والأخلاق الثقافية

تتأسسُ "الأخلاقُ التطوريةُ" على حتميةٍ ماديةٍ تجعلُ من السلوكِ القيميِّ انعكاساً آلياً لعملياتِ الانتقاءِ الطبيعي؛ إذ يُنظرُ للفضائلِ -كالإيثارِ والتعاونِ- كاستراتيجياتٍ نفعيةٍ تهدفُ إلى تأمينِ ديمومةِ المادةِ الوراثية. وفي هذا النسقِ، يغدو الفردُ مجردَ "أداةٍ وظيفيةٍ" تنتهي قيمتُها بانقضاءِ مهمتِها التكاثرية. هذه الرؤيةُ ليست مجردَ تفسيرٍ علمي، بل هي انزياحٌ أيديولوجيٌّ يختزلُ الوجودَ الإنسانيَّ في حلبةِ صراعٍ حيويّ، حيثُ يُشرعنُ التطفلُ والاستحواذُ وإقصاءُ الضعيفِ كضروراتٍ وجوديةٍ لضمانِ "بقاءِ الأصلح". إنَّ الأخلاقَ هنا تفقدُ قدسيتَها لتصبحَ مجردَ "ميكانيكا للبقاء".

في مقابلِ هذا الحتمِ البيولوجيِّ المتوحش، تبرزُ "الأخلاقُ الثقافيةُ" بوصفِها الترياقَ الوجوديَّ الوحيد؛ فهي منظومةٌ تنبثقُ من التوريثِ الرمزيِّ والمعرفةِ العابرةِ للأجيال، مما يسمحُ للإنسانِ بتشييدِ "مكانةٍ بيئيةٍ ثقافيةٍ" تتسامى على غريزةِ البقاءِ المباشر. إنَّ الرعايةَ الإنسانيةَ للمُسِنِّ أو العاجزِ، والتي تفتقرُ لأيِّ منطقٍ بيولوجيٍ نفعيّ، تُعدُّ البرهانَ الساطعَ على أنَّ الإنسانَ كائنٌ "يخلقُ قيمتَهُ" ضدَّ تدفقِ الطبيعةِ الخام. ومع ذلك، فإنَّ هذا الصراعَ بين "البيولوجيِّ" كحتميةٍ صلبة، و"الثقافيِّ" كإرادةٍ متسامية، يظلُّ هو المولدَ الأولَ للاغترابِ الإنساني؛ إذ تظلُّ النفسُ البشريةُ ممزقةً بين نزوعِها الغريزيِّ نحو الاستحواذِ، وتوقِها الروحيِّ نحو العدالةِ المطلقة، وهو ما يخلقُ فجوةً تتسللُ منها السلطويةُ لتقديمِ حلولٍ زائفة.

قراءة في الأيديولوجيا السيكولوجية والبيولوجية

لا يمكنُ فهمُ نزوعِ المنظوماتِ السلطويةِ نحو الشموليةِ دون الغوصِ في أيديولوجيا "القمعِ السيكولوجي". ففي أطروحتِهِ "قلقٌ في الحضارة"، يضعُ سيجموند فرويد يدَهُ على الجرحِ الوجوديِّ الأول: إنَّ الحضارةَ لا تقومُ إلا على حسابِ غريزةِ الإنسان. هذا "الاغترابُ القسريُّ" الذي يُجبرُ الفردَ على التنازلِ عن إشباعِهِ الحرِّ مقابلَ الأمنِ الموعود، يُولّدُ توتراً نفسياً مزمناً. إنَّ الدولةَ الشموليةَ تستثمرُ في هذا التوتر؛ فهي لا تكتفي بكبحِ الغريزة، بل تُعيدُ توجيهَ طاقاتِ الفردِ لخدمةِ "صنمِ السلطة"، محولةً "الأنا الأعلى" من رقيبٍ أخلاقيٍّ داخليٍّ إلى سلطةٍ خارجيةٍ مطلقةٍ تتغلغلُ في أدقِّ تفاصيلِ الوجودِ الإنساني.

في هذا السياق، يطرح المفكر مالك بن نبي رؤية مكملة تبين أن التجديد الحضاري يصطدم دائماً بموانع ذات طابع حيوي ونفساني واجتماعي والذي يُشخِّصُ تعثرَ التجديدِ الحضاريِّ بكونِهِ ناشئاً عن عجزِ الفردِ عن التوفيقِ بين "الغرائزِ الحيويةِ" و"مستلزماتِ البناءِ الفكريّ"، وتلتقي هذه الرؤية مع نقد فريدريش نيتشه للأخلاق التقليدية، حيث هاجم القيم السائدة واعتبرها عوائق تقمع إرادة القوة وتمنع الإنسان من عيش تجربته الوجودية الكاملة والثرية. مع نقدِ نيتشه للأخلاقِ السائدةِ بوصفِها "أخلاقَ عبيدٍ" تئدُ إرادةَ القوة. إنَّ الشموليةَ هنا لم تأتِ من فراغ؛ بل استغلت هذا الفراغَ الروحيَّ والارتباك السيكولوجيَّ لتنصيبِ نفسِها بديلاً وجودياً، يمنحُ الفردَ شعوراً كاذباً بالانتماء، بينما تسلبهُ في الواقعِ جوهرَ إنسانيتِهِ وتُحيلُ وجودَهُ إلى مجردِ ترسٍ في آلةِ الدولةِ العظيمة التي لا تعترفُ بالفردِ إلا كقيمةٍ نفعيةٍ خاضعةٍ لرقابةِ المركز.

العدالة البدائية وتطور الأحكام

تُمثل "العدالةُ البدائيةُ" الطورَ الجنينيَّ لِما نسميه اليومَ بالقانون؛ حيثُ تماهت مع الانتقامِ الفرديِّ والثأرِ الدمويِّ وسيلةً وحيدةً لاستعادةِ "توازنِ الشرفِ" المفقود. كان العنفُ حينها هو المعيارَ الوحيدَ لفضِّ النزاعاتِ وحمايةِ الامتيازاتِ القبلية، تحركُها سيكولوجيةٌ بدائيةٌ تتغذى على وهمِ "العالمِ العادل"، حيثُ يُفترضُ أنَّ تدميرَ الخصمِ هو السبيلُ الوحيدُ لإعادةِ ضبطِ الميزانِ الكوني.

مع تعقّدِ البنى الاجتماعيةِ وتطورِ الحياةِ الحضرية، باتَ نظامُ الثأرِ المفتوحِ خطراً يهددُ المجتمعاتِ بالانحلال. هنا، حدثَ التحولُ النوعيُّ؛ إذ فوّضت القبائلُ سلطةَ العقابِ إلى زعماءَ وقضاة، لتتحولَ العقوبةُ من "فعلِ انتقامٍ ماضويّ" يرضي نزواتِ الضحيةِ إلى "إجراءٍ عقلانيّ" يستهدفُ الاستقرارَ العام. هذا الانتقالُ المفصليُّ يتجلى بوضوحٍ في "أوريستيا" إيسخيلوس؛ حيثُ استُبدلت "إيرينيات" الثأرِ بمحكمةٍ مدنيةٍ تُعلي صوتَ العقلِ على صوتِ الدم. إلا أنَّ هذا التطورَ -رغمَ طابعِهِ الحضاريِّ- حملَ في طياتِهِ بذورَ نكوصٍ جديد: فقد أعادت الأنظمةُ الشموليةُ لاحقاً استدعاءَ جوهرِ العدالةِ البدائية، لكنّها ألبستها رداءَ المؤسساتِ القانونيةِ لتكونَ أداةً طيعةً في يدِ السلطة، محولةً الدولةَ إلى "منتقمٍ مطلقٍ" لا يهدفُ للحقِّ بقدرِ ما يهدفُ إلى إخضاعِ الفردِ تحت طائلةِ قانونٍ وُضع أصلاً لتصفيةِ المخالفين وقمعِ كلِّ خروجٍ عن الرؤيةِ الرسمية.

استلابُ الحق: من "الداروينية الاجتماعية" إلى هندسةِ الشمولية

لقد انحدرتِ الرأسماليةُ الصناعيةُ في لحظةِ تأزمِها نحو "الداروينيةِ الاجتماعيةِ" لِهربرت سبنسر، باحثةً عن غطاءٍ علميٍّ زائفٍ لتبريرِ التفاوتِ الطبقيِّ الصارخ. لم تكن هذه الأطروحةُ مجردَ تفسيرٍ اقتصادي، بل كانت عقيدةً أخلاقيةً تُؤلّهُ "قانونَ الغابة"؛ حيثُ صارَ تركُ الفقراءِ والمستضعفين لمصيرِهم "ضرورةً طبيعيةً" لارتقاءِ النوع. هذا الإطارُ المعرفيُّ لم يكتفِ بتبريرِ الاستغلالِ الداخلي، بل وفّر المرجعيةَ الأخلاقيةَ الأبرزَ لحركاتِ التوسعِ الاستعماريِّ وإبادةِ الشعوب، بوصفِها "أعراقاً أدنى" لا تستحقُّ البقاءَ أمامَ سطوةِ "الأعراقِ المتفوقة".

هنا نصلُ إلى ذروةِ التفكيكِ السياسيّ؛ إذ لم تقفِ الشموليةُ عند حدودِ التبريرِ الرأسمالي، بل انتقلت مع الفاشيةِ والنازيةِ إلى مستوى "هندسةِ المجتمع". لقد استلهمت هذه الأنظمةُ الداروينيةَ الاجتماعيةَ لا لتبريرِ المنافسةِ الفردية، بل لصياغةِ "دولةٍ بيولوجيةٍ" تُمارسُ العنفَ باسمِ الطهارةِ العرقية. إنَّ تحويلَ المجتمعِ إلى مختبرٍ لـ "تحسينِ النسل" والقتلِ الممنهجِ للمرضى وأصحابِ الإعاقات، لم يكن مجردَ انحرافٍ أخلاقيّ، بل كان التجسيدَ الأقصى لـ "الأخلاقِ البدائية" التي استعادتها السلطةُ لتُشرعنَ تصفيةَ "العناصرِ غيرِ الصالحة". لقد دمجت الأنظمةُ الشموليةُ بين "عقلانيةِ المؤسسة" و"وحشيةِ الغريزة"، مستندةً إلى تنظيراتِ كارل شميت وجيوفاني جينتيلي، التي جعلت من الدولةِ "تجسيداً مطلقاً للحق". بهذا، أصبحتِ الدولةُ هي "المحتكرُ الحصريُّ للسيادة"، تمارسُ القمعَ ليس كفعلٍ إجراميّ، بل كـ "واجبٍ وجوديٍّ" لحمايةِ نقاءِ الجماعة.

 الخاتمة - النقد السياقي المنهجي

إنَّ هذا المسارَ الجدليَّ الذي تتبعناه؛ من فوضى العدالةِ البدائيةِ إلى مأسسةِ العنفِ في التوتاليتارياتِ الحديثة، يكشفُ عن حقيقةٍ مفزعة: إنَّ الشموليةَ ليست "عرضاً طارئاً" في مسارِ الحضارة، بل هي التعبيرُ الأكثرُ توحشاً عن نزوعِ السلطةِ لإعادةِ تفعيلِ الغريزةِ القمعيةِ تحتَ غطاءِ القانون. إنَّ الرأسماليةَ المعرفيةَ المعاصرةَ، التي تختزلُ الإنسانَ في "بياناتٍ رقميةٍ" وتخضعُ وجودَهُ لمنطقِ "الخوارزميةِ والربح"، لا تختلفُ في جوهرِها عن النازيةِ في نظرتِها للفردِ كمجردِ "مادةٍ خامٍ" قابلةٍ للاستبدالِ أو الإلغاء. إنَّنا نعيشُ اليومَ عصرَ "الشموليةِ الناعمة"؛ حيثُ لم تعدِ الدولةُ بحاجةٍ إلى معسكراتِ الاعتقالِ الماديةِ لفرضِ هيمنتِها، بل أصبحت تمارسُ الإخضاعَ عبرَ "برمجةِ الرغبة" وتدجينِ الوعي، حيثُ صارَ الإنسانُ مراقباً ومستلباً داخلَ فضاءٍ رقميٍ لا يرحم.

إنَّ نقدَنا هذا ليس مجردَ تمرينٍ فكريٍّ في الفلسفةِ السياسية، بل هو دعوةٌ ملحةٌ لفكِّ الاشتباكِ بين الإنسانِ كذاتٍ حرةٍ وبين النسقِ الذي يسعى لابتلاعه. إنَّ استعادةَ إنسانيةِ الإنسانِ تبدأُ من رفضِ اختزالِ الوجودِ في حتمياتٍ بيولوجيةٍ أو رقمية، ومن الإيمانِ بأنَّ العدالةَ الحقيقيةَ لا تولدُ من "توازنِ القوى" أو "قوانينِ الغابة"، بل تولدُ من لحظةِ اعترافِنا بأنَّ الآخرَ ليس عدواً بيولوجياً يجبُ استئصالُه، بل هو شريكٌ وجوديٌّ في حقلِ الحريةِ الذي نحاولُ، بكلِّ ما أوتينا من فكرٍ ومقاومة، أن نحميه من التآكلِ المستمر، ومن صقيعِ الشمولياتِ التي لا تكفُّ عن التجددِ تحتَ مسمياتٍ جديدة.

***

غالب المسعودي

 

قراءة في مقالة المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي الموسومة بـ: “لا محرَّم في التفكير الفلسفي”

ليس كل ما يُنشَر يستحقُّ القراءةَ والاهتمام، ناهيك عن التعقيب بالكتابة عنه، ومقالات الأستاذ عبد الجبار الرفاعي، ممّا أحرُصُ على قراءتها؛ لأهميّة المحتوى الفكري الذي ينشغل الرفاعي فيه منذ سنوات بتدشين مشروعه الفكري القائم على قراءة التجربة الدينية بما ينسجم والرؤية الإنسانية المعاصرة، وهو مشروعٌ لا أُخفي إعجابي به؛ لكونه – بحسب ما أراه – أقربَ لواقع ما نعيشه من تحدّياتٍ وظروف ألمّت بالعالم الإسلامي بخاصة والعالم بصورة عامة، بعد أنْ صارتِ المجتمعات العربية والإسلامية مختبرًا لتنفيذ برامج وتجارب أعدّها مفكّرون أرادوا للإسلام أنْ يُطبّقَ بأفضل صورة، ولكن لم يُكتَب النجاح لواحدةٍ من تلك التجارب؛ لما في مخرَجات تلك التجارب من مآلات مؤسِفة على مختلف الصُعُد، الأمر الذي أدّت إليه تلك التجارب أنْ تكون عاملاً يُضاف إلى عوامل سابقة تزيد في قتامة الصورة النمطية عن الإسلام في المتخيل العام للعالم.

وما أثارني من تلك المقالات "الرفاعية" ما كتبَه مؤخَّرا منشورًا على إحدى صفحات جريدة الزوراء العراقية، بعنوان «لا محرَّم في التفكير الفلسفي» إذ تشكل نموذجًا واضحًا لاتجاهٍ فكري معاصر يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين العقل والدين، وبين الفلسفة والمقدّس، ضمن أفقٍ حداثي يمنح العقل سلطةً عليا في النظر والحكم والمساءلة. ولا يمكن اختزال أهمية هذه المقالة من جرأتها في طرح فكرة “حرية التفكير” فحسب، بل من محاولتها بناء تصوّرٍ شاملٍ للفلسفة بوصفها فعلًا تحرريًا يتجاوز الحدود العقدية والأيديولوجية والهويات المغلقة.

تقوم الأطروحة المركزية في المقالة على أن التفكير الفلسفي لا يتحقق إلا في فضاء الحرية المطلقة، وذلك في قوله: "لا ممنوع ولا محرّم ولا مقدّسَ في التفكير الفلسفي" باعتبار أنَّ هذه اللاءات بيان شديد اللهجة بوجه المتشدّدين في مواقفهم من الفلسفة باعتبارها تفكيرًا حُرًّا ينأى بصاحبه عن النمطيّة والتحفّظ على الأفكار التي تمثّل الإطار العام المُجمَع عليه، وأنَّ أي تفكير لا يتجاوز النمطيّ المُعتاد عند السَلف، لا يصحُّ أن نطلق عليه تفكيرًا فلسفيًّا، وأن أيّ سقفٍ مسبق يفرضه الدين أو اللاهوت أو السلطة أو الموروث يُفقد التفكيرَ طبيعته الفلسفية. ومن هنا يميز الرفاعي بين الفلسفة وعلم الكلام، فالأول — بحسب تصوره — لا يعترف بالمحرّمات الفكرية، بينما يتحرك الثاني داخل حدودٍ عقدية نهائية. وإنْ كنتُ لا أخفي تساؤلي عن الحدود التي نضعها لمفهوم "الحرية" لذلك الفضاء الذي ينتعش فيه التفكير الفلسفي السليم، فهي – أي الحرية – تمثّل بُعدًا إشكاليًا هي الآخر، فقد تكون عند قوم حرية، وقد تكون عند آخرين استبدادًا أو خروجًا عن نطاق التفكير الحر السليم الذي يُفضي إلى نتائج سليمة، وقد تكون ضربًا من الوهم الذي يصطنعه المفكّر لأجل أنْ يُضفي على أفكاره سمة التحرر، ومنطلقاته هي هي لم يُصبها شيءٌ من التحرر، وهذا ما نجدهُ كثيرًا فيما كتبه المفكرون السابقون الذين ناقشوا من قبلهم فوجدوا أنّهم لم يتحرّروا من رِبْقة الاستعباد الفكري الذي تغلغل إليهم من حيث لا يشعرون فيما توصلوا إليه من نتائج وطروحات أو توصيات، وهذا ما أشار إليه العلامة المظفر في كتابه "المنطق" منتقدًا بعض من استثمر اتساع دلالة بعض المفردات مثل الحرية بالقول: "ومن هذه الألفاظ كلمة "الحرية" التي أخذت مفعولها من الثورة الفرنسية، وأحدثت الانقلابات الجبارة في الدولة العثمانية والفارسية، والتأثير كله لإجمالها وجمالها السطحي الفاتن، وإلا فلا يستطيع العلم أنْ يحدّها بحدٍّ معقول يُتَّفقُ عليه".

ويُحسب للكاتب أنه قدّم لفكرته هذه بلغةٍ تمتلك كثافة تأملية وإيقاعًا فلسفيًا واضحًا، إذ تتحول المقالة أحيانًا إلى ما يشبه البيان الفكري المدافع عن حرية العقل. وإيمانه بذلك العقل في قدرته على الخروج من أنساقه التي نشأ فيها، كما أن استدعاءه لفلسفة "إيمانويل كانط" لم يكن استدعاءً زخرفيًا، بل جاء منسجمًا مع رؤيته لحدود العقل النظري، وإشكالية البرهنة على وجود الله، بما يعزز دعوته إلى تحرير التفكير من يقينياته المغلقة. باعتبار أن كانط لم يكن مثل أي فيلسوف من فلاسفة الغرب، بل كان منجزه يُشكِّل انعطافة مهمة حتى أنَّ كثيرًا من مؤرخي الفلسفة يقسمون تاريخ الفلسفة الحديث إلى ما قبل كانط وما بعد كانط؛ لما أحدثه من تحوّلٍ عميق في طريقة التفكير الفلسفي نفسها. وكلُّ ما توصّل إليه كانط، لم يُمكنه من نفي أو إثبات وجود الله في حدود العقل النظري، بل كل ما قدر عليه أنّ إثبات الإيمان بالله ضرورة أخلاقية باعتبار أنّ "اكتمال معنى الواجب يفترض وجود إله يحقق الانسجام بين القانون الأخلاقي والمصير الإنساني"  

ومن أبرز مواطن القوة في المقالة أيضًا محاولتها التمييز بين “الإيمان” بوصفه تجربة روحية، وبين “الوصاية على التفكير” بوصفها ممارسة سلطوية. فالكاتب لا يدعو بصورة مباشرة إلى إلغاء الدين، بل إلى تحرير العقل من هيمنة القراءة الأحادية للدين. وهذه نقطة مهمة؛ لأن بعض القراءات المتسرعة قد تتوهم أن المقالة دعوة إلى القطيعة مع الإيمان، بينما هي — في عمقها — أقرب إلى الدعوة لإعادة تأويل العلاقة بين العقل والمقدّس.

غير أن المقالة، على ما فيها من عمقٍ وتحريضٍ على التفكير، لا تخلو من إشكالات تستحق التوقف عندها نقديًا. فمن أكثر القضايا إثارةً للنقاش فيها قول الكاتب إن التفكير الفلسفي لا يتحقق إلا إذا فكّر الإنسان “خارج دينه”. وهذه العبارة، وإن كانت مفهومة في سياق الدعوة إلى التحرر من التحيزات المسبقة، تبدو حادّةً ومطلقة إلى حدّ بعيد؛ لأن تاريخ الفلسفة نفسه يكشف عن فلاسفة كبار مارسوا التفكير الفلسفي من داخل أفقهم الديني لا من خارجه، كما نجد عند ابن رشد أو توما الأكويني أو ملا صدرا.

ولذلك ربما كان الأدق القول إن التفكير الفلسفي يقتضي القدرة على “تعليق” الانحيازات المسبقة مؤقتًا، لا الخروج الكامل من الهوية الدينية أو الثقافية. كما أن المقالة تبدو أحيانًا واقعةً في نوع من “المثالية العقلانية”، حين تتحدث عن العقل بوصفه مرجعية قادرة على التحرر من التحيزات الواعية. ذلك أن الفلسفات الحديثة والمعاصرة — منذ نيتشه وحتى فوكو وغادامير — كشفت أن الإنسان لا يفكر خارج شروطه التاريخية والثقافية واللغوية، وأن العقل نفسه ليس كيانًا محايدًا بصورة مطلقة.

ومن جهة أخرى، فإن النبرة الإنشائية العالية في بعض المقاطع تطغى أحيانًا على البرهنة الفلسفية الدقيقة. فالمقالة تعتمد كثيرًا على اللغة التأملية المكثفة، وهو ما يمنحها جمالًا تعبيريًا، من شأنه أنْ يؤثّر في المتلقّي ويترك لديه مساحة للانسياح في لغة صاحب المقالة، من قبيل قوله: " الإنسانُ واحدٌ بالرغم من أنه متعدّد، متعدّدٌ بالرغم من أنه واحد" وغير ذلك من عبارات، لكنه قد يقلل من صرامتها التحليلية في بعض المواضع. وقد لا يقلل باعتبار أن الرفاعي الآن ليس في معرض البحث فيستدلّ علميا ويحتدم سجاليا مع مقولات يستدعيها وينشغل في نقدها وتفنيد محتواها. فهو في معرض تقديم خلاصات يراها تمثّل متبنّياته التي يحرص على تقديمها للقارئ بكلِّ يسرٍ وسهولة. وخير ما يتوسّل به من طريق لإيصال تلك الخلاصات هي اللغة التي صارت مطواعةً لديه بأسلوبه المميز.

ومع ذلك، تبقى هذه المقالة نصًا فكريًا مهمًا؛ لأنها لا تقدم أجوبة جاهزة بقدر ما تستفز وعي القارئ لإعادة التفكير في المسلمات، وهذه واحدة من أهم وظائف الكتابة الفلسفية الحقيقية. فهي مقالة تثير الأسئلة الكبرى حول: حدود العقل، وحدود المقدّس، وإمكان الحرية الفكرية، وطبيعة العلاقة بين الإيمان والنقد.

ولعل القيمة الأبرز للنص تكمن في أنه يحاول الدفاع عن حق العقل في السؤال، حتى وإن اختلفنا مع بعض نتائجه أو مقدماته. فالفكر الحيّ ليس ذلك الذي يفرض اليقين، بل الذي يوقظ الوعي، ويمنح الإنسان شجاعة النظر والمساءلة.

***

د. وسام حسين العبيدي

.......................

للاطلاع:

عبد الجبار الرفاعي: لا محرم في التفكير الفلسفي

مقاربة في ضوء مقولات نظرية باريتو

في المقولات النظرية، عند الانتقال إلى تصور باريتو للصراع الاجتماعي، نغادر الإطار التفسيري الأحادي الذي تمثله الحتمية الاقتصادية عند ماركس، لنلج إلى أفق أكثر تركيباً تتداخل فيه الأبعاد النفسية مع البنية الاجتماعية في تفسير ديناميات السلطة والتغير. فالصراع عند باريتو لا يختزل في تناقض المصالح المادية بين الطبقات، بل يتجذر في الطبيعة الإنسانية ذاتها، حيث تتقاطع الدوافع الغريزية مع أنماط التنظيم الاجتماعي لتُنتج بنية قائمة على التنافس المستمر.

ينطلق باريتو من مسلمة أساسية مفادها أن المجتمع لا يعرف حالة توازن نهائي، بل يعيش في حالة توتر دائم، تحركه صراعات غير مرئية بالضرورة، تتمحور أساساً حول السيطرة والنفوذ. غير أن هذه الصراعات لا تدار فقط بين طبقات اقتصادية، بل بين نخب تتداول مواقع القوة داخل البناء الاجتماعي.

فالمجتمع، في تصوره، ينقسم إلى ثلاث فئات كبرى: نخبة حاكمة تحتكر أدوات السلطة، ونخبة غير حاكمة تسعى إلى اختراق هذا الاحتكار، وكتلة واسعة من العامة تظل في موقع التلقي والتأثر أكثر من الفعل.

ضمن هذا الإطار، تتبلور فكرة " تداول النخب " بوصفها القانون الحاكم للتاريخ الاجتماعي. فالتاريخ، عند باريتو، ليس مساراً خطياً للتقدم، ولا تعبيراً عن حتمية ثورية، بل هو سلسلة من عمليات الإحلال والاستبدال بين نخب تصعد وأخرى تتآكل. وتتم هذه العملية عبر آليات معقدة، قد تتخذ شكل العنف المباشر، أو المناورة الرمزية، أو إعادة تشكيل الشرعية. وهنا تتبدى ديناميكية السلطة بوصفها عملية مرنة، تتجاوز الانقلابات الحادة لتشمل أيضاً أشكالاً ناعمة من التحول.

غير أن الإسهام الأعمق لباريتو يتجلى في تمييزه بين " الرواسب " و" المشتقات "، وهو تمييز يكشف عن نقد جذري للعقلانية الإنسانية. فالرواسب تمثل البنية العميقة للدوافع الإنسانية، أي تلك الميول شبه الثابتة التي تحرك السلوك، مثل النزوع إلى الهيمنة أو الحاجة إلى الاستقرار. أما " المشتقات "، فهي الخطابات التبريرية التي يصوغها الأفراد والجماعات لإضفاء طابع منطقي أو أخلاقي على أفعالهم. وبهذا المعنى، فإن الفكر لا يسبق الفعل، بل يتبعه، إذ يأتي كأداة لتبرير ما تمليه الدوافع اللاواعية، لا لتوجيهه.

وفي سياق تحليله لبنية النخبة، يقدم باريتو ثنائية دالة بين " نخبة الثعالب " و" نخبة الأسود ". فالأولى تعتمد على الدهاء، والمرونة، والقدرة على التلاعب بالرموز والخطابات، بينما تستند الثانية إلى القوة، والانضباط، والتمسك بالتقاليد. ولا يكمن استقرار النظام الاجتماعي في هيمنة أحد النمطين، بل في التوازن الدقيق بينهما، إذ إن طغيان " الثعالب " يقود إلى التفكك، في حين أن سيطرة " الأسود " المفرطة تفضي إلى الجمود والانغلاق.

منهجياً، يعكس مشروع باريتو نزوعاً تركيبياً، حيث يزاوج بين تحليل البنى الاجتماعية وتحليل الدوافع النفسية، في محاولة لتجاوز الاختزالات السوسيولوجية الصارمة. وهو، في هذا السياق، يرفض الافتراض الكلاسيكي الذي يرى في الإنسان كائناً عقلانياً بالكامل، ليؤكد بدلاً من ذلك أن السلوك الإنساني محكوم بمنطق غير عقلاني في جوهره، وأن العقل لا يؤدي سوى وظيفة تبريرية لاحقة.

بناءً على ذلك، تتشكل رؤية باريتو للواقع الاجتماعي بوصفه فضاء غير مستقر، تديره صراعات خفية بين نخب تتنافس على إعادة إنتاج السيطرة. والتغير، في هذا الإطار، لا يحدث بالضرورة عبر القطيعة الثورية الشاملة، بل غالباً ما يتحقق من خلال إعادة توزيع مواقع القوة داخل البنية نفسها. وهكذا، يغدو التاريخ عند باريتو تاريخاً لتداول النخب أكثر مما هو تاريخ لتحرر الجماهير، وتتحول السلطة إلى ظاهرة ديناميكية تتجدد عبر التبدل المستمر في الفاعلين، لا عبر تحول جذري في القواعد.

- توظيف المقولات النظرية في الصراع على السلطة الأسرية: تتمثل إحدى الإشكاليات الاجتماعية الدقيقة داخل الأسرة في الصراع على مركز القيادة واتخاذ القرار بين الزوجين، حيث لا يظهر هذا الصراع دائماً في صورة مباشرة أو معلنة، بل يتخذ أشكالاً ضمنية تتخفى خلف خطاب عقلاني وأخلاقي. فالعلاقة الزوجية، التي يفترض أن تقوم على التوافق والتكامل، تتحول في كثير من الحالات إلى مجال تنافس خفي حول من يمتلك سلطة التوجيه والحسم داخل الوحدة الأسرية.

التطبيق... من منظور باريتو، لا يمكن اختزال هذا الصراع في كونه خلافاً عرضياً حول قضايا يومية، بل هو تعبير عن صراع على النفوذ داخل بنية اجتماعية مصغرة. إذ يميل أحد الطرفين إلى ترسيخ موقعه بوصفه مركز القرار، في حين يسعى الطرف الآخر إلى إعادة توزيع هذا النفوذ أو مقاومته. وهنا لا يكون التوتر ناتجاً عن موضوع الخلاف ذاته، بل عن الرهان الكامن خلفه: من يقود؟ ومن يحدد مسار الأسرة؟

يتعمق هذا الفهم عند استحضار مفهوم " الرواسب " لدى باريتو، حيث تكشف هذه الصراعات عن دوافع نفسية عميقة لا تعبر عنها بشكل صريح، فقد يحمل أحد الزوجين نزوعاً داخلياً نحو السيطرة والتنظيم، بينما يميل الآخر إلى الاستقلال أو رفض الهيمنة. غير أن هذه الدوافع لا تظهر في صورتها الخام، بل تعاد صياغتها عبر ما يسميه باريتو " المشتقات "، أي الخطابات التبريرية التي تضفي على السلوك طابعاً عقلانياً أو أخلاقياً. فتتحول عبارات مثل: " أنا أبحث عن مصلحة الأسرة " أو " أنت لا تتحمل المسؤولية " إلى أدوات رمزية تستخدم لإضفاء الشرعية على مواقف نابعة في جوهرها من صراع على السلطة.

كما يمكن قراءة هذا الصراع من خلال ثنائية " الثعالب " و " الأسود "، حيث قد يلجأ أحد الزوجين إلى المرونة والإقناع والمناورة في إدارة العلاقة، بينما يعتمد الآخر على الحزم وفرض الرأي بوصفه وسيلة لضبط التوازن. ولا يؤدي اختلاف هذه الأساليب إلى إنهاء الصراع، بل يعيد إنتاجه في أشكال متجددة، تتغير فيها موازين القوة بمرور الوقت.

وفي هذا السياق، يظهر ما يشبه " تداولاً للسلطة " داخل الأسرة، إذ لا تبقى الهيمنة ثابتة لطرف واحد، بل قد تنتقل بصورة ظرفية تبعاً لتغير الموارد أو الأدوار أو الظروف. إلا أن هذا التداول لا يعني بالضرورة تحقيق توازن عادل، بل يعكس استمرار دينامية الصراع في صورة أكثر مرونة وأقل صدامية.

وعليه، فإن الصراع الأسري بين الزوجين، في ضوء تصور باريتو، لا يفهم بوصفه خللاً طارئاً يمكن تجاوزه بسهولة، بل كجزء من بنية اجتماعية ونفسية أعمق، تتداخل فيها الرغبة في الهيمنة مع الحاجة إلى الاستقرار، وتعاد صياغتها عبر خطاب يبدو عقلانياً بينما يخفي في جوهره تنافساً مستمراً على مراكز القوة داخل الحياة اليومية.

خلاصة القول: إن الصراع بين الزوجين على القيادة ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل هو صراع رمزي على السلطة، تحركه دوافع نفسية عميقة، وتغلفه تبريرات عقلانية، ويخضع لمنطق تداول النفوذ داخل أصغر وحدة اجتماعية: الأسرة.

بناءً على ذلك، تتشكل رؤية باريتو للواقع الاجتماعي بوصفه فضاء غير مستقر، تديره صراعات خفية بين نخب تتنافس على إعادة إنتاج السيطرة. والتغير، في هذا الإطار، لا يحدث بالضرورة عبر القطيعة الثورية الشاملة، بل غالباً ما يتحقق من خلال إعادة توزيع مواقع القوة داخل البنية نفسها. وهكذا، يغدو التاريخ عند باريتو تاريخاً لتداول النخب أكثر مما هو تاريخ لتحرر الجماهير، وتتحول السلطة إلى ظاهرة ديناميكية تتجدد عبر التبدل المستمر في الفاعلين، لا عبر تحول جذري في القواعد.

***

د. حسام الدين فياض / باحث وأكاديمي سوري

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

إعادة تعريف المعرفة في الفلسفات المعاصرة

لا يخفى على كثير أن مسألة الحقيقة مثلت منذ فجر التفلسف اليوناني القلب النابض للميتافيزيقا الغربية، ذلك القلب الذي ظل ينبض على إيقاع ثنائيات صارمة: الظاهر والباطن، الحسي والمعقول، الرأي والعلم، الزائل والثابت. فمنذ أن أعلن بارمينيدس أن الوجود هو والتفكير شيء واحد وأشاد أفلاطون بعالم المثل الذي لا يتغير فوق أطلال الكهف الموحل، اتخذت الحقيقة صفة القداسة والسكون وصارت مطابقة بين اللفظ والعين، بين الذهن والعالم وبين الفكرة والموضوع الخارجي. هذا المفهوم الذي بلغ ذروته في مشروع ديكارت الذي جعل "أنا أفكر" ملاذاً مطلقاً لليقين وفي كانط الذي تتبع الشروط القبلية لإمكان المعرفة الصادقة، ظل مهيمناً حتى اللحظة التي بدأت فيها أصوات متمرّدة تتساءل أليس في هذا التصور الأسير لمرآة الحقيقة انسداد للأفق وتجميد للحياة وإنكار للبعد الفاعل والمبدع في صميم الإنساني؟

على هذه الخلفية يبرز التحوّل الذي تسعى هذه المقالة إلى مقاربته، ذلك التحوّل الجذري الذي حوّل مركز الثقل الفلسفي من سؤال الحقيقة بوصفها انطباعاً سلبياً إلى سؤال الفاعلية بوصفها إبداعاً إيجابياً. ففي سياق فلسفات نيتشه الذي أعلن أن الحقائق أوهام بالية والبراغماتية الأميركية التي جعلت المعيار نجاعة الفعل والظاهريات الوجودية التي أعادت تعريف الحقيقة انكشافاً وحدثاً وما بعد البنيوية التي فضحت علاقات القوة الكامنة وراء كل نظام معرفي، يتشكل مفهوم جديد للمعرفة، ليس مطابقة للعالم بل تعديل له وليست اكتشافاً لما هو كائن بل بناء لما يمكن أن يكون؛ ليست قطيعة مع الماضي وإنما انفتاح على المستقبل.

إن ما تسعى هذه المقالة إلى تحليله يتجاوز مجرد سرد تاريخي للأفكار ليغوص في البنى العميقة التي تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة والوجود. في عصر تتداخل فيه التكنولوجيا بالحياة اليومية وتتبخر فيه الثوابت تحت وطأة التسارع التاريخي وتصبح المعرفة مرادفة للقدرة على التكيف والإبداع لا للحفظ والاستظهار، ويصير من الضروري بمكان أن نعيد النظر في أسئلة الفلسفة الأولى ما معنى أن نعرف؟ وأين تتجلى قيمة الحقيقة إن لم تكن في الجمود بل في الحركة وإن لم تكن في الثبات بل في التحول وإن لم تكن في امتلاك اليقين بل في إنتاج الاحتمالات؟ هذه الأسئلة بالذات هي التي تواجهنا بوجه جديد للفلسفة، فلسفة لا تكتفي بتأمل العالم وإنما تسعى إلى تغييره؛ فلسفة لا ترى في الحقيقة هدفاً نهائياً، بل أداةً مؤقتة في ديمومة البحث؛ فلسفة تضع أخيراً الفعل الإنساني بمشاريعه وأخطائه وآماله في مركز الكون المعرفي مستبدلة بذلك النظرة السكونية القديمة برؤية دينامية حية تليق بإنسان العصر الذي لم يعد ضيفاً على عالم جاهز بل مهندساً حقيقياً لواقعه الذي لا يكتمل إلا من خلاله وبه.

ومنذ البدء والميتافيزيقا الغربية تؤسّس نفسها على أرضية صلبة من التمثّل والثبات، حيث صارت الحقيقة كائنا مستقرا حد التطابق بين الفهم والعالم الخارجي، بين الذهن والعين وبين اللفظ والمعنى. أفلاطون يبني صرحه الشامخ على مثال الخير الذي لا يتغيّر وأرسطو يصوغ نظرية المطابقة التي طالما هيمنت على العقل الأوروبي ثم توالت القرون والعلم الحديث يمنح الحقيقة لباساً رياضياً دقيقاً وكأن المعرفة لم تكن إلا مرآة عاكسة لنظام الطبيعة العميق. غير أن هذا البناء المتين أخذ يتصدّع منذ أواخر القرن التاسع عشر حين بدأ بعض العقول القلقة تتساءل ماذا لو كانت الحقيقة ليست شيئاً نكتشفه بل شيئاً نصنعه؟ ماذا لو كانت المعرفة ليست انطباعاً عن واقع مستقلّ وإنما أداةً في صراع البقاء أو فعلاً في تيار الحياة المتدفق؟

فريدريك نيتشه ذلك المتمرّد الذي كسر الأصنام بلا رحمة كان أول من أطلق السهم المسموم على فكرة الحقيقة الثابتة. في مقالته الشهيرة "عن الحقيقة والكذب في المعنى الخارج عن الأخلاقي"، يكشف النقاب عن أن ما نسميه "حقيقة" ليس سوى جيش متنقل من الاستعارات والمجازات والتشبيهات، تصلب بفعل الاستعمال والنسيان فتصبح حقائق بعد أن كانت ابتكارات لغوية محضة. يقول نيتشه: "الحقائق هي أوهام نسي المرء أنها كذلك واستعارات بالية فقدت قوتها الحسية". وتبدأ هنا رحلة التحوّل، الحقيقة لم تعد مرآة بل مطرقة. لم تعد انطباعاً سلبياً بل إبداعاً نشطاً. هكذا يسقط نيتشه حجر الأساس لإعادة تعريف المعرفة، ليس كتمثّل صادق لواقع منفصل بل كتفسير قائم على الحاجة وكإرادة قوة تفرض أشكالها على الفوضى.

لكن نيتشه لم يكن وحيداً في هذا الطريق الوعر. قبل أن ينشر نيتشه أفكاره الصادمة كان تشارلز داروين قد أطلق ثورته الهادئة، تلك التي حوّلت الإنسان من كائن مفكّر منفصل عن الطبيعة إلى حلقة في سلسلة التطوّر البيولوجي. وانبثق من هنا التيار البراغماتي الأمريكي الذي أخذ الداروينية بجدية فلسفية مطلقة. وليام جيمس ذلك الطبيب النفسي الذي تحول إلى فيلسوف يعلن بوضوح لم يعهد من قبل: "الحقيقة هي اسم لكل ما يثبت أنه نافع في مجال الاعتقاد". هكذا أصبحت المعرفة تُعرّف بفاعليتها وبقدرتها على ربط التجارب وتوجيه الأفعال وحل المشكلات العملية. لقد قلَب جيمس المعادلة رأساً على عقب، ليس المعيار هو مطابقة الفكرة للواقع بل قدرة الفكرة على أن تقودنا في تيار الخبرة بنجاح. الحقيقة تصير "مالاً دائماً" في الحياة كالنقود التي لا قيمة لها في حد ذاتها وإنما بقدر ما تشتري بها.

ثم يأتي جون ديوي أكثر فلاسفة البراغماتية عمقاً واتساقاً ليُكمِل بناء هذا الصرح الجديد. ديوي يعلن الحرب على ما يسميه "نظرية المشاهدة" في المعرفة، تلك النظرية التي تتصور العقل كمتفرج سلبي على مسرح الوجود. بدلاً من ذلك يطرح "نظرية الممارسة" حيث المعرفة ليست انعكاساً بل تدخلاً، ليست رؤية بل تعديلاً، ليست اكتشافاً بل بناءً لسياقات جديدة. في كتابه "البحث عن اليقين" ينطلق ديوي من أطروحة عميقة حيث يقول: لقد أوهمتنا الفلسفة التقليدية بأن مهمة المعرفة هي الهروب من حالة عدم اليقين عبر الوصول إلى حقائق ثابتة خالدة بينما الحقيقة أن البحث الإنساني لا ينشد إلا سيطرة مؤقتة على الظروف وتنظيمات عملية للبيئة وتوازنات تتحطم ويعاد تركيبها في حركة لا تنتهي. يقول ديوي: "المعرفة ليست شيئاً متوسطاً بين العقل والعالم وإنما هي الفعل نفسه في لحظة تحوّله إلى توجيه واعٍ لما سيأتي". يصير الوجود هنا عينه فاعلية وتصبح الحقيقة هي ما ينجح في إعادة بناء الموقف وليس ما يتطابق مع صورة ما.

لكن التحوّل من الحقيقة إلى الفاعلية لم يقتصر على المدرسة البراغماتية بل امتد بقوة إلى تيارات أخرى أكثر جذرية ربما. فلننظر إلى مارتن هايدغر ذلك الفيلسوف الذي قضى عمره في الحفر أسفل الميتافيزيقا لعلّه يصل إلى التربة الأكثر أصالة. هايدغر يعلن في "الكينونة والزمان" أن السؤال الأساسي ليس "ما هي الحقيقة؟" بل "ما معنى الكينونة؟". وفي سياق إجابته يحوّل الحقيقة من مجرد خاصية للحكم إلى حدث وجودي أصيل. الحقيقة عنده ليست مطابقة بل انكشاف وانفتاح الكائن الحي على العالم، كشف لا يتوقف عند حدود التصور الذهني بل يتعداه إلى الفعل وإلى الاهتمام وإلى الاعتناء. يكشف هايدغر أن الجذر الإغريقي للفظ "الحقيقة" هو "أليثيا" (aletheia)، الذي يعني حرفياً "لا-نسيان"، "لا-خفاء"، فالحق يعني المكشوف/ الظاهر. وهذا الكشف ليس سكونياً بل هو حدث يتحقق في مقاربة الكائن الحي للأدوات في استخدامه المطرقة وفي كتابته القلم وفي إقامته مسكناً. أن تعرف الشيء عند هايدغر يعني أن تتقن التعامل معه وأن تكون قادراً على استعماله في سياقه الملائم. إنه القِدَم اليوناني الذي أعاد الفلسفة إلى جذورها ما قبل سقراط حيث الحكمة لم تكن معرفة نظرية بل فن الحياة ومهارة الوجود، ثم تتداخل الأصوات وتتشابك.

ميشال فوكو أرغن النقد الفرنسي وصار يأخذ هذه الفكرة إلى أقصى حدودها السياسية. يعلن فوكو أن الحقيقة ليست كائناً عابثاً وإنما نتاجاً لشبكات القوة والمعرفة التي تخترق المجتمع بأكمله. في "الكلمة والأشياء" و"حفريات المعرفة"، يفكك فوكو الآليات التي تنتج بها المؤسسات التعليمية والمستشفيات والسجون "حقائق" لا تخضع إلا لمنطق السلطة ذاته. كل نظام معرفي عند فوكو يحدد ما يمكن قوله وما يستحق أن يقال ومن يحق له أن يقول. الحقيقة هنا فعلٌ خطابي وفاعلية تتخذ شكل إقصاء وإدماج وتصنيف واستبعاد وتأديب وتشكيل. إنها ليست بوابة تطل على واقع ما وراء اللغة بل هي اللغة ذاتها وقد تحولت إلى قانون وسلطان. لذلك يذهب فوكو إلى أن كل عصر يمتلك "إبيستيمي" خاصاً به أي تشكلاً تاريخياً للشرط الذي يجعل المعرفة ممكنة وهذا التشكل لا ينكشف إلا عبر آثاره لا عبر أصوله الميتافيزيقية. المعرفة إذن ليست ما نملكه بل ما نصبحه حين تخضع آلياتنا لخطابات معينة. وكما قال ذات مرة في محاضرة بمعهد كوليج دو فرانس: "الحقيقة هي نظام من الإجراءات المنظمة لإنتاج وتوزيع وتنظيم وتشغيل وإعادة توزيع الأقوال".

وهنا لا بد من العبور إلى صورة جديدة تماماً للمعرفة؛ صورة اقترحها جان فرانسوا ليوتار في كتابه الهام "الوضع ما بعد الحديث". ليوتار يُعلن نهاية "الروايات الكبرى" أي الحكايات الجامعة التي تمنح الشرعية للمعرفة من خلال غاياتها النهائية. المسيحية تبرر المعرفة لخلاص الروح والماركسية تبررها لتحرير البروليتاريا والتنوير تبررها لإسعاد البشرية. كل هذه الروايات سقطت بحسب ليوتار فلم يعد للمعرفة أساس متعالٍ يضمن صدقها. بدلاً من ذلك تعود المعرفة إلى مجرد "ألعاب لغوية" كما عند فيتغنشتاين، كل لعبة تخضع لقواعدها الخاصة وكلها غير قابلة للترجمة النهائية. ليوتار يكتب بعبارة صارمة: "المعرفة بعد الآن ليست سوى كفاءة أدائية قدرة على إنتاج براهين وأدلة قابلة للنقض والإعادة". المعرفة هنا تتحول بالكامل إلى فاعلية، لم يعد السؤال "هل هذا صحيح؟" بل "هل هذا يعمل في اللغة التي أمارسها؟". وهذه النتيجة ليست يائسة كما قد تبدو بل مفرحة عند ليوتار لأنها تحرر الأقليات وتسمح بظهور أنماط معرفية متعددة وتزيح الطغيان المعرفي للمركز على الهامش، للسمي على الشفوي وللنظري على العملي.

غير أن تحول المعرفة من الحقيقة إلى الفاعلية بلغ ذروة تشكلية جديدة لدى عديد من الفلاسفة المعاصرين الذين مزجوا بين الظاهريات والبراغماتية والتفسيرية. نذكر هنا دون أن نغفل ريتشارد رورتي، ذلك الفيلسوف الأمريكي الذي مزق تاريخ الفلسفة إلى نصفين: نصف يبحث عن "المرآة" التي تعكس الطبيعة ونصف آخر يتخلى عن هذا الحلم القديم. رورتي يعلن صراحة: "الحقيقة لا تحدث لأن عبارة ما مطابقة للواقع بل لأنها تسمح لنا بأن نفعل ما نريد فعله". في كتابه الشهير "الفلسفة ومرآة الطبيعة"، يفحص رورتي بعمق كيف ساد استعارة الذهن كمرآة للعالم منذ ديكارت حتى العصر الحديث ثم يظهر أن هذه الاستعارة أسقطت الفلسفة في أزمة لا حل لها. الحل حسب رورتي ليس في تحسين دقة المرآة بل في كسرها. أن نتوقف عن طرح سؤال "هل هذه المعرفة صحيحة؟" وأن نستعيض عنه بسؤال "هل هذه المعرفة مفيدة لتحقيق غاياتنا المجتمعية المعلنة؟". الفلسفة عند رورتي ليست محكمة تقضي على صحة المعرفة بل محادثة مستمرة بين أفراد مجتمع مفتوح لا سقف لاحتمالاته. يكتب رورتي: "لكي ننصف الفاعلية المعرفية علينا ألا نسأل عما إذا كانت الأوصاف تتطابق مع عالم مستقل عن الأوصاف بل كيف تساعدنا هذه الأوصاف على خلق مستقبل مختلف وأفضل".

ويبدو لنا جليا أن التحول من الحقيقة إلى الفاعلية ليس مجرد هوس أكاديمي عابر وإنما هو استجابة لتحولات عميقة في العلاقة بين الإنسان والعالم. في عصر الطفرات التكنولوجية والثورات الرقمية لم تعد المعرفة تُختزن في الموسوعات والمكتبات فحسب وإنما تُنتج آنياً عبر التطبيقات والخوارزميات. ولم يعد السؤال "ما هو الشيء في ذاته" بل "كيف يمكن تسخيره هنا والآن". هذا الوضع يحتم علينا التفكير مرة أخرى كيف يمكن للفلسفة أن تواكب هذه النقلة النوعية من عالم الموجودات الثابتة إلى عالم الإمكانات المفتوحة ومن مكان العرض إلى مسرح الفعل؟

هذا التحوّل الجذري من الحقيقة كائنا إلى الفاعلية حدثا لم يبق حبيس الأروقة الفلسفية بل تسرب بقوة إلى صميم المناهج العلمية نفسها. فحين ننظر إلى علماء الفيزياء المعاصرين نجدهم قد تخلوا منذ زمن عن حلم الوصف المحايد للعالم كما هو في ذاته وانخرطوا بدلاً من ذلك في مشاريع بناء نماذج رياضية لا تسأل عن حقيقة ما وراء الظواهر بل عن قدرتها على التنبؤ والتأثير. نيلز بور أحد آباء ميكانيكا الكم صاغ مبدأ التكامل الذي يعلن أن المعرفة لا تبلغ الموضوعية عبر تجاهل الذات وإنما عبر الاعتراف بأن الفعل الملاحظ يُحدث تغييراً لا يمكن إزاحته في ما يُلاحظ. هكذا يصبح القياس العلمي فاعلية محضة والجسيم دون الذري ليس كائناً مسبقاً يُكتشف وإنما نتيجة مجموعة من الإجراءات والتفاعلات بين الآلة والعالم والإنسان. فيرنر هايزنبرغ أعلن صراحة أن ما نسميه "قوانين الطبيعة" ليست أكثر من استعارات ناجحة، أطراً رياضية سمحت لنا بالتعامل مع الظواهر بنجاح دون أن تدّعي أنها تطابق عالماً قائماً بذاته. العلم هنا لم يعد يبحث عن حقائق خالدة بل عن فاعليات محدودة وقدرات على ضبط المستقبل وتوجيهه.

وفي مجال الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي تتجلى هذه النقلة بأبلغ صورة، النظم الذكية اليوم لا تُبرمج على حقائق ثابتة بل تُدرّب على أنماط من العلاقات وتُعلَّم كيفية تحسين أدائها عبر الاختبار والتغذية الراجعة، مثلها مثل الكائن الحي في نظرية التطور. الشبكات العصبونية الاصطناعية تتعلم تماماً كما يتعلم الطفل لا عبر استيعاب صور مسبقة عن العالم بل عبر تجربة الأفعال ومراقبة النتائج وتعديل السلوك. الحقيقة هنا إجرائية بالأساس، ليست الخوارزمية صادقة لأنها تعكس منطقاً متعالياً بل لأنها تؤدي المطلوب بأقل تكلفة وأكبر نجاعة. هذا ما يعبّر عنه لوسيان فلوريدي، فيلسوف المعلومات المعاصر حين يكتب أن عصرنا هو عصر "الثورة المعلوماتية الرابعة" حيث تصبح المعرفة مرادفة للقدرة على معالجة المعلومات وليس على تخزينها. أن تعرف يعني أن تكون قادراً على الربط والترجمة والتحويل والإعادة والتشكيل، وليست المعرفة شيئاً نملكه بل شيئاً نفعله، والأخلاق بدورها لم تسلم من هذا التحول الوجودي.

وإذا كانت الحقيقة القديمة تفصل بين الواقع والقيمة وبين الحقيقة الواقعية والحكم الأخلاقي، فإن الفلسفات المعاصرة تمحو هذا الحد. الفاعلية المعرفية تتقاطع هنا مع المسؤولية الأخلاقية. هانز جورج غادامر في "الحقيقة والمنهج"، يعلن أن الفهم ليس أبداً عملية بريئة لنقل معنى من مؤلف إلى قارئ، بل هو اندماج آفاق، حدث ندمج فيه نحن بما نفهمه فنتحول ونحوله. المعرفة عند غادامر ليست ملكية خاصة بل تقاليد حيّة تتوارثها الجماعات وتعيد تشكيلها في كل جيل. المسؤولية الأخلاقية إذن تكمن في تواضعنا أمام النص والتقليد وإخلاصنا للفعل الذي لا يكتمل إلا بالاستماع والتجاوب. إنه موقف عملي وجودي، أن تعرف يعني أن تكون أهلاً للاستماع وجديراً بالرد ومستعداً للتغيير. أما في ميدان التربية فتتجلى نتائج هذا التحول بشكل لا يحتمل التأويل. المدارس والجامعات لم تعد قادرة على أن تكون مستودعات للحقائق الجاهزة لأن الحقيقة ذاتها صارت فاعلية متجددة. التربية الفاعلة التي نادى بها جون ديوي منذ قرن مضى تحقق الآن ما كان يحلم به، التعليم ليس إعداداً للحياة بل هو الحياة ذاتها. الطالب لا يستهلك معارف بل يشارك في بنائها. الصف الدراسي لم يعد مكاناً للتلقين بل ورشة لاكتشاف المشكلات وحلهاحيث يصير مختبراً لتجريب الفرضيات ومسرحاً للتنافس والتعاون. المعرفة الحقة هنا هي القدرة على العمل الجماعي وإعادة تعريف المشكلة في منتصف الطريق وتصميم حلول غير متوقعة والاحتفاء بالفشل كتجربة تعلم لا كعار. وكما يقول باولو فريري فيلسوف التربية الناقد في كتابه "تربية المقهورين": "التعليم البنكي الذي يودع المعرفة في عقول فارغة هو تعليم القمع والموت. التعليم الحقيقي هو التعليم المشكل القائم على الحوار، حيث يتعلم الجميع من الجميع وحيث تصبح المعرفة قوة للتغيير لا أداة للتكيف".

ونعود إلى السؤال الأول الذي أطل منذ بداية هذا التأمل الممتد، ماذا يبقى من الحقيقة بعد هذا التحول العنيف إلى الفاعلية؟ هل نحن أمام نهاية الحقيقة كما عرفتها الفلسفة طوال ألفين وخمسمائة عام؟ ربما لا. ربما نحن أمام نهاية نهمة واحدة للحقيقة وأمام تفكيك ادعاء امتلاك المعرفة المطلقة وأمام تواضع صحي يدرك أن كل معرفة مؤقتة وقابلة للخطأ ومشروطة بالسياق. الحقيقة الجديدة إن جاز تسميتها كذلك هي حقيقة مفتوحة، ناقصة، متحركة تقاس بقدرتها على إطلاق الإمكانات لا على سجنها في قوالب نهائية. إنها حقيقة أشبه بالجسر منه بالتمثال وأشبه بالنهر منه بالحجر. إنها ما يسمح لنا بالعبور إلى ضفة أخرى وبالتحول وبالانفتاح على المغايرة والمفاجأة.

لقد جرّدت الفلسفات المعاصرة الإنسان من وهم الموقع الثابت ومن مركز المراقبة الساكن وألقت به في تيار الفعل المحض. لكنها في المقابل منحته عوضاً لا يقدر بثمن، حرية أن يكون خالقاً للحقيقة لا مجرد متلق سلبي لها. لأن الحقيقة في أعمق أعماقها لم تكن يوماً انطباعاً بل افتراقاً ولم تكن تكراراً بل ابتكاراً  ولم تكن ماضياً يُستعاد بل مستقبلاً يُقام. من قال إن الحقيقة بيت دافئ للإقامة والحال أنها ريح عاتية لا تسكن، صحراء لا حدود لها ومعركة لا هدنة فيها. لكن في هذه المعركة تحديداً في هذا الفعل الخالص المتجدد، يجد الإنسان معناه الأعمق. ليس كمن يعرف بل كمن يُصبح بالمعرفة ما لم يكن ليكون بدونه. وتظل الحقيقة مهما تحولت إلى فاعلية أقرب إلى الصلاة منها إلى البرهان، فعل وجود كامل يتجاوز كل ادعاء بالامتلاك وينفتح على رحابة الكون التي لا تحدها حدود.

***

د. حمزة مولخنيف

كيف تُعيد المنصات إنتاج الثقافة

في هذا العالمٍ الذي تتقاطع فيه الأزمنة وتذوب فيه الحدود، لم يعد الإنسان محصورًا في القبيلة أو القرية أو المدينة، بل وجد نفسه في فضاء جديد تُعيد فيه الشبكات والمنصات صياغة معنى الجماعة والثقافة. هنا، لا تُقاس العلاقات بالدم أو الأرض، بل بالرموز الرقمية والاهتمامات المشتركة؛ ولا تُمارس الطقوس في ساحات ملموسة، بل عبر أزرار صغيرة تحمل دلالات عميقة. إن الأنثروبولوجيا الرقمية تفتح أمامنا نافذة لفهم هذا التحول الجذري، حيث يصبح "الهاشتاغ" معادلًا للشعار القبلي، وتتحول المشاركة الافتراضية إلى طقس جماعي يعكس الانتماء ويعيد إنتاج الثقافة في أشكال جديدة.

لم يعد هذا العالم ينقسم إلى جغرافيا ملموسة وحدود سياسية مرسومة، برز فضاء جديد يفرض نفسه كحقلٍ اجتماعي وثقافي لا يقل أهمية عن القرى والمدن والأسواق التقليدية التي طالما كانت موضوعًا للأنثروبولوجيا الكلاسيكية. هذا الفضاء هو العالم الرقمي، حيث تتحول الشاشات إلى ساحات، والمنصات إلى مجتمعات، والتفاعلات الافتراضية إلى طقوس يومية تحمل في طياتها دلالات عميقة عن الهوية والسلطة والذاكرة الجمعية. إن الأنثروبولوجيا الرقمية لا تدرس مجرد تقنيات أو أدوات، بل تنفذ إلى قلب التحولات التي يعيشها الإنسان حين يعيد تشكيل ذاته وصورته وعلاقاته داخل فضاء غير مادي، لكنه شديد التأثير في الواقع الملموس.

لقد أصبح "الإعجاب" و"المشاركة" و"التعليق" أفعالًا تحمل وزنًا اجتماعيًا يشبه الطقوس الجماعية القديمة، وأضحى بناء الهوية الرقمية عملية معقدة تتداخل فيها الرغبة في الظهور مع الحاجة إلى الانتماء. وفي هذا السياق، لم يعد السؤال مقتصرًا على كيف يعيش الإنسان في بيئته الطبيعية أو الثقافية، بل كيف يعيش في بيئة رقمية تُعيد صياغة مفاهيم الزمن والمكان والعلاقات الإنسانية. إن دراسة هذه الظاهرة ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة لفهم كيف يتشكل الوعي الجمعي في عصر تتحكم فيه الخوارزميات بقدر ما تتحكم فيه الأعراف والتقاليد.

الأنثروبولوجيا تتحول

لم يعد العالم الرقمي مجرد امتداد تقني لحياتنا اليومية، بل تحوّل إلى فضاء اجتماعي قائم بذاته، يفرض على الباحثين في العلوم الإنسانية إعادة النظر في أدواتهم ومفاهيمهم. فالأنثروبولوجيا التي نشأت لدراسة المجتمعات التقليدية، والعلاقات داخل القبائل والقرى، تجد نفسها اليوم أمام مجتمعات جديدة تتشكل على منصات التواصل، حيث تُبنى الهوية وتُمارس الطقوس وتُعاد صياغة السلطة والمعرفة في سياق غير مادي لكنه شديد التأثير. إننا أمام انتقال نوعي من دراسة الإنسان في بيئته الطبيعية إلى دراسة الإنسان في بيئة رقمية، حيث تختلط الواقعية بالافتراضية، ويصبح "الوجود" نفسه موضوعًا للتحليل.

في هذا الفضاء، لا تُقاس العلاقات بالمسافة الجغرافية، بل بالقدرة على الوصول والتفاعل، ولا تُبنى الجماعات على الدم أو الأرض، بل على الاهتمامات المشتركة والرموز الرقمية. هنا، يصبح "الهاشتاغ" معادلًا للشعار القبلي، وتتحول "المشاركة" إلى طقس جماعي يعكس الانتماء، بينما تُعيد الصور والملفات الشخصية إنتاج مفهوم الهوية في أشكال جديدة. هذه التحولات تضع الأنثروبولوجيا أمام تحدٍ مزدوج: كيف يمكنها أن تحافظ على أدواتها التحليلية التقليدية، وفي الوقت نفسه أن تطوّر مقاربات جديدة لفهم الإنسان في عصر الخوارزميات والبيانات الضخمة؟

إن الأنثروبولوجيا الرقمية ليست مجرد فرع حديث، بل هي استجابة علمية لواقع يفرض نفسه بقوة، واقع تتشكل فيه المجتمعات عبر الشاشات، وتُمارس فيه السلطة عبر المنصات، وتُبنى فيه الذاكرة الجمعية عبر أرشيف رقمي لا يزول. ومن هنا، يصبح البحث في هذا المجال ضرورة لفهم كيف يُعاد إنتاج الثقافة، وكيف يُعاد تشكيل الوعي الجمعي، وكيف يُعاد تعريف الإنسان ذاته في زمن لم يعد فيه الافتراضي مجرد انعكاس للواقع، بل واقعًا موازيًا يتقاطع معه ويؤثر فيه بعمق.

الفضاء الرقمي كحقل أنثروبولوجي جديد

حين ننظر إلى الأنثروبولوجيا في جذورها الأولى، نجد أنها ارتبطت بدراسة المجتمعات التقليدية، القبائل، الطقوس، والعلاقات الإنسانية في سياقاتها الطبيعية. لكن مع التحولات التكنولوجية الهائلة، ظهر فضاء جديد لا يقل أهمية عن أي قرية أو مدينة أو سوق قديم: الفضاء الرقمي. هذا الفضاء لم يعد مجرد وسيلة للتواصل أو أداة تقنية، بل أصبح بيئة اجتماعية وثقافية قائمة بذاتها، تُمارس فيها الطقوس، وتُبنى فيها الهويات، وتُعاد صياغة العلاقات الإنسانية في أشكال غير مسبوقة.

في هذا العالم، تتحول المنصات الرقمية إلى ساحات عامة، أشبه بالأسواق القديمة حيث يلتقي الناس ويتبادلون الأفكار والسلع، لكن هنا السلعة الأساسية هي المعلومات والرموز والصور. يصبح "الهاشتاغ" بمثابة شعار جماعي يوحّد آلاف الأفراد حول قضية أو فكرة، ويتحول "الإعجاب" إلى فعل رمزي يعكس الانتماء أو الموافقة، بينما يُعاد إنتاج مفهوم الجماعة عبر مجموعات افتراضية تتجاوز الحدود الجغرافية والعرقية والدينية. هذه الظواهر تجعل من الفضاء الرقمي حقلًا أنثروبولوجيًا غنيًا، يستحق الدراسة بنفس الجدية التي كانت تُمنح للمجتمعات التقليدية.

الأنثروبولوجيا الرقمية تكشف لنا أن الإنسان لم يتخلَّ عن حاجته إلى الطقوس والرموز، بل نقلها إلى بيئة جديدة. فكما كان الإنسان القديم يجتمع حول النار أو في الساحات ليشارك في طقوس جماعية، يجتمع الإنسان المعاصر حول شاشة الهاتف أو الحاسوب ليشارك في طقوس رقمية: بث مباشر، حملة تضامن، أو حتى موجة من التعليقات الساخرة التي تتحول إلى ظاهرة اجتماعية. هذه الطقوس الرقمية ليست سطحية كما قد يُظن، بل تحمل دلالات عميقة عن كيفية بناء الهوية والانتماء في عصر العولمة الرقمية.

إن الفضاء الرقمي يفرض على الباحثين إعادة النظر في مفاهيم أساسية مثل "المجتمع"، "الهوية"، و"السلطة". فالمجتمع لم يعد مرتبطًا بالمكان، بل بالاهتمام المشترك؛ والهوية لم تعد ثابتة، بل تُبنى وتُعاد صياغتها عبر الصور والكلمات والرموز الرقمية؛ أما السلطة، فلم تعد حكرًا على المؤسسات التقليدية، بل أصبحت موزعة بين المنصات والخوارزميات التي تتحكم في تدفق المعلومات وتشكيل الرأي العام. بهذا المعنى، يصبح الفضاء الرقمي مختبرًا حيًا لفهم الإنسان في لحظة تاريخية تتجاوز الحدود التقليدية للأنثروبولوجيا.

إعادة تشكيل الهوية عبر الإنترنت

في الفضاء الرقمي، لم تعد الهوية مجرد انعكاس مباشر للواقع الاجتماعي أو الثقافي، بل أصبحت عملية معقدة من البناء وإعادة التشكيل المستمر. فالمستخدم حين يدخل إلى منصات التواصل لا يقدّم ذاته كما هي في الحياة اليومية، بل يختار بعناية صورًا وكلمات ورموزًا ليصوغ هوية رقمية قد تتقاطع مع هويته الواقعية أو تنفصل عنها تمامًا. هذه الهوية ليست ثابتة، بل ديناميكية، تتغير وفق السياق، الجمهور، واللحظة، مما يجعلها موضوعًا أنثروبولوجيًا بالغ الأهمية لفهم الإنسان المعاصر.

إن الهوية الرقمية تُبنى عبر طبقات متعددة: الصورة الشخصية، طريقة الكتابة، نوعية المحتوى، وحتى التفاعل مع الآخرين. كل هذه العناصر تتحول إلى رموز ثقافية تعكس اختيارات الفرد وتصوراته عن ذاته. فالشاب الذي يضع صورة رمزية بدلاً من صورته الحقيقية يرسل رسالة عن رغبته في التخفي أو في التعبير عن هوية بديلة، والناشط الذي يشارك باستمرار في قضايا سياسية أو اجتماعية يبني لنفسه هوية نضالية رقمية قد تمنحه مكانة وتأثيرًا يتجاوز ما يملكه في الواقع المادي. بهذا المعنى، يصبح الفضاء الرقمي مختبرًا لإعادة إنتاج الذات، حيث يمكن للفرد أن يجرب هويات متعددة، وأن يعيش أكثر من "حياة" في آن واحد.

لكن هذه العملية ليست مجرد حرية فردية، بل تخضع أيضًا لقوانين غير مرئية تفرضها المنصات والخوارزميات. فالهوية التي يختارها الفرد تُقاس بمدى انتشارها، بعدد المتابعين، وبقوة التفاعل الذي تحققه. هنا تتدخل السلطة الرقمية لتحدد أي هوية تُبرز وأي هوية تُهمّش، مما يجعل إعادة تشكيل الهوية عبر الإنترنت عملية مشروطة بآليات القوة والسيطرة. إن الأنثروبولوجيا الرقمية تكشف لنا أن الهوية لم تعد شأنًا شخصيًا فقط، بل أصبحت نتاجًا لتفاعل معقد بين الفرد والمنصة والجمهور، حيث تتداخل الرغبة في التعبير مع الحاجة إلى القبول والاعتراف.

وإذا كان الإنسان في المجتمعات التقليدية يُعرّف من خلال العائلة، القبيلة، أو المكان، فإن الإنسان الرقمي يُعرّف من خلال ملفه الشخصي، محتواه، وشبكة علاقاته الافتراضية. هذه الهوية الجديدة قد تمنح الفرد فرصًا غير مسبوقة للتأثير والانتشار، لكنها في الوقت نفسه قد تضعه تحت ضغط دائم للحفاظ على صورة معينة أو لتلبية توقعات الجمهور. وهنا يظهر البعد النفسي والاجتماعي لإعادة تشكيل الهوية، حيث يعيش الفرد بين واقع ملموس وهوية رقمية قد تكون أكثر بريقًا أو أكثر هشاشة.

الطقوس الرقمية والتفاعل الاجتماعي

إذا كانت الطقوس في المجتمعات التقليدية تُمارس حول النار، في ساحات القرية، أو في المعابد، فإن الطقوس في العصر الرقمي تُمارس حول الشاشة، عبر أزرار صغيرة تحمل دلالات رمزية عميقة. إن الضغط على زر "إعجاب"، أو المشاركة في حملة رقمية، أو الانضمام إلى هاشتاغ جماعي، ليست مجرد أفعال تقنية، بل هي طقوس اجتماعية تعكس الانتماء، وتعيد إنتاج الجماعة في شكل جديد. هنا، يصبح الفعل الرقمي امتدادًا للطقس التقليدي، لكنه يتجاوز حدود المكان والزمان، ليجمع آلاف الأفراد في لحظة واحدة حول قضية أو فكرة أو حتى مزحة عابرة.

الطقوس الرقمية تكشف لنا أن الإنسان لم يتخلَّ عن حاجته إلى المشاركة الجماعية، بل وجد لها فضاءً جديدًا أكثر سرعة وانتشارًا. فكما كان الناس يتجمعون للاحتفال أو للتظاهر أو للصلاة، يتجمعون اليوم عبر المنصات الرقمية ليؤدوا طقوسًا جماعية: بث مباشر يتابعه الملايين، حملة تضامن تُترجم إلى آلاف المشاركات، أو موجة من التعليقات الساخرة التي تتحول إلى ظاهرة ثقافية. هذه الطقوس الرقمية تحمل في طياتها رموزًا جديدة: الرموز التعبيرية، الصور، الفيديوهات القصيرة، كلها أدوات للتعبير الجماعي، تُعيد صياغة لغة التواصل وتمنحها أبعادًا أنثروبولوجية تستحق الدراسة.

لكن الطقوس الرقمية ليست مجرد تعبير عن الانتماء، بل هي أيضًا وسيلة لإعادة إنتاج السلطة والمعنى. فالمشاركة في حملة رقمية قد تمنح الفرد شعورًا بالقوة والتأثير، بينما قد تتحول بعض الطقوس إلى أدوات للهيمنة أو للتلاعب بالرأي العام. هنا يظهر البعد السياسي والاجتماعي للطقوس الرقمية، حيث تتداخل الرغبة في التعبير مع آليات السيطرة التي تفرضها المنصات والخوارزميات. إن الأنثروبولوجيا الرقمية تكشف لنا أن الطقوس لم تعد مرتبطة فقط بالمقدس أو بالاحتفال، بل أصبحت جزءًا من الحياة اليومية، تُمارس بشكل مستمر، وتعيد تشكيل العلاقات بين الفرد والجماعة، وبين الإنسان والسلطة.

إن دراسة الطقوس الرقمية تفتح أمامنا أفقًا لفهم كيف يعيش الإنسان المعاصر في بيئة جديدة، وكيف يعيد إنتاج حاجته إلى الرموز والانتماء في سياق غير مادي لكنه شديد التأثير. فالطقوس الرقمية ليست سطحية كما قد يُظن، بل هي مرآة عميقة لثقافة العصر، تكشف عن كيفية تشكل الوعي الجمعي، وعن الطرق التي يعيد بها الإنسان صياغة ذاته وعلاقاته في زمن الإنترنت.

السلطة والمعرفة في العصر الرقمي

في المجتمعات التقليدية، كانت السلطة تُمارس عبر المؤسسات السياسية والدينية، وكانت المعرفة تُنتج وتُوزع من خلال المدارس والجامعات والمراكز الثقافية. لكن في العصر الرقمي، تغيّرت المعادلة جذريًا: أصبحت المنصات الرقمية والخوارزميات هي التي تتحكم في تدفق المعلومات، وتحدد أي خطاب يُبرز وأي خطاب يُهمّش، مما جعل السلطة والمعرفة تتداخلان في شكل جديد غير مسبوق. هنا، لم تعد السلطة مجرد قرار سياسي أو ديني، بل أصبحت قدرة تقنية على التحكم في البيانات، في ترتيب النتائج، وفي توجيه الانتباه الجمعي.

إن الأنثروبولوجيا الرقمية تكشف لنا أن السلطة لم تعد تُمارس فقط من أعلى إلى أسفل، بل أصبحت موزعة بين الأفراد والمنصات والشبكات. فالمستخدم الذي يملك ملايين المتابعين قد يمتلك سلطة رمزية تفوق سلطة مؤسسة تقليدية، بينما الخوارزمية التي تحدد ما يظهر في صفحة الأخبار تمارس سلطة خفية على تشكيل الرأي العام. هذه السلطة الجديدة لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تُمارس يوميًا عبر القرارات الصغيرة التي تحدد ما نقرأ، ما نشارك، وما نعتبره "حقيقة".

أما المعرفة، فقد فقدت احتكارها التقليدي، وأصبحت تُنتج بشكل جماعي وفوري عبر التفاعل الرقمي. لم يعد الباحث أو الصحفي وحده هو من يحدد ما يُعرف، بل أصبح الجمهور نفسه يشارك في صناعة المعرفة عبر التعليقات، المشاركات، وإعادة إنتاج المحتوى. لكن هذه المعرفة الجماعية ليست دائمًا دقيقة أو محايدة، فهي تخضع أيضًا لآليات السلطة الرقمية التي قد تبرز خطابًا معينًا وتُخفي آخر. وهنا يظهر التحدي الأكبر: كيف يمكن للأنثروبولوجيا أن تفكك هذه العلاقة المعقدة بين السلطة والمعرفة في العصر الرقمي، وأن تكشف عن الطرق التي يُعاد بها تشكيل الوعي الجمعي تحت تأثير الخوارزميات؟

إن السلطة والمعرفة في الفضاء الرقمي ليست مجرد مفاهيم نظرية، بل هي واقع يومي يعيشه كل فرد. فالمستخدم حين يفتح هاتفه ويقرأ الأخبار أو يتابع حملة رقمية، يكون في الحقيقة جزءًا من شبكة معقدة تُمارس فيها السلطة وتُنتج فيها المعرفة بشكل متزامن. هذه الشبكة تُعيد صياغة العلاقة بين الفرد والجماعة، بين الإنسان والمؤسسة، وبين الحقيقة والوهم. ومن هنا، يصبح فهم هذه العلاقة ضرورة لفهم كيف يُعاد تشكيل العالم في زمن الإنترنت، وكيف يُعاد تعريف الإنسان ذاته في مواجهة سلطة جديدة لا تُمارس بالعنف المباشر، بل بالتحكم في الانتباه والمعنى.

الأنثروبولوجيا الرقمية وإعادة تعريف الإنسان في زمن الشبكات

إن المحاور التي تناولناها تكشف بوضوح أن الأنثروبولوجيا الرقمية ليست مجرد فرع حديث يضاف إلى قائمة العلوم الإنسانية، بل هي إعادة صياغة جذرية لطريقة فهمنا للإنسان وعلاقاته في عصرٍ لم يعد فيه الواقع منفصلًا عن الافتراضي. لقد رأينا كيف أصبح الفضاء الرقمي حقلًا أنثروبولوجيًا جديدًا، وكيف تُعاد صياغة الهوية عبر الإنترنت في صور متعددة ومتغيرة، وكيف تحولت الأفعال البسيطة إلى طقوس جماعية تحمل دلالات رمزية عميقة، وأخيرًا كيف اندمجت السلطة والمعرفة في شبكة معقدة تُمارس فيها الهيمنة عبر الخوارزميات بقدر ما تُمارس عبر المؤسسات التقليدية.

هذه التحولات تضعنا أمام حقيقة أن الإنسان المعاصر يعيش في عالم مزدوج، حيث لا يمكن الفصل بين وجوده المادي ووجوده الرقمي. فالهوية لم تعد مجرد بطاقة تعريف أو انتماء قبلي، بل أصبحت ملفًا شخصيًا يتغير باستمرار؛ والطقوس لم تعد مرتبطة بالمقدس أو بالمكان، بل أصبحت مرتبطة بالمنصة وبالرموز الرقمية؛ أما السلطة والمعرفة، فقد خرجتا من قاعات السياسة والجامعات لتستقرّا في خوارزميات تحدد ما نراه وما نعرفه. إن هذا الواقع يفرض على الأنثروبولوجيا أن تتجاوز أدواتها التقليدية، وأن تطوّر مقاربات جديدة لفهم الإنسان في زمن الشبكات، حيث تتداخل الحرية مع السيطرة، والهوية مع التمثيل، والمعرفة مع التضليل.

إن الأنثروبولوجيا الرقمية ليست مجرد دراسة للإنترنت أو للتكنولوجيا، بل هي دراسة للإنسان في لحظة تاريخية فارقة، لحظة يُعاد فيها تعريف ذاته وعلاقاته ومجتمعاته عبر فضاء غير مادي لكنه شديد الحضور. ومن هنا، فإن هذا الحقل الجديد لا يفتح فقط بابًا لفهم التحولات الراهنة، بل يضع أمامنا سؤالًا أعمق: كيف سيُعاد تشكيل الإنسان نفسه في المستقبل، حين تصبح الحدود بين الواقع والافتراضي أكثر ضبابية، وحين تتحول الخوارزميات إلى جزء من بنيته الثقافية والاجتماعية؟

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

القاسم المشترك بين الرأسمالية والميتافيزيقيا في استغلال الشعوب

تمثل صناعة الجهل وتعبئة بلاهة الجماهير إحدى الركائز الهيكلية الأساسية التي تستند إليها سلطات الهيمنة المعاصرة لإعادة إنتاج أدوات استلاب الوعي البشري وتوجيهه. في هذا السياق المعرفي، يبرز "علم إنتاج التجهيل وصناعة الجهل المعرفي" بوصفه أداة نقدية جذرية لإعادة تعريف مفهوم المعرفة وتفكيك البنى والمؤسسات المنتجة لعدم الفهم والوعي الزائف. إن هذا الحقل المعرفي الهام يطرح سؤالاً مقلقاً ومحورياً حول الكيفية التي يتم بها تصنيع غياب المعرفة وصيانته بصفة مستمرة داخل المجتمعات الحديثة، لا سيما عندما يُستخدم الجهل كأداة استراتيجية مدروسة لخدمة مصالح سياسية واقتصادية لطبقات ونخب متنفذة.

تتعدد أنماط الجهل في المجتمعات المعاصرة وتتمايز؛ حيث نجد الجهل الطبيعي الناجم أساساً عن محدودية الإمكانات المعرفية والأدوات البشرية في مرحلة تاريخية معينة، والجهل الانتقائي القائم على الاستبعاد المتعمد للحقائق والوقائع المعرفية التي لا تتوافق مع التوجهات الأيديولوجية السائدة، وأخيراً وهو الأخطر، الجهل الاستراتيجي الممنهج الذي يُنتج ويُعاد إنتاجه عمداً وبطرق علمية لحماية امتيازات النخب الحاكمة والشركات الرأسمالية الكبرى العابرة للقارات.

يتجلى هذا الجهل الاستراتيجي المنظم في مجالات اجتماعية وحياتية عينية ملموسة؛ مثل الجهل العرقي الهيكلي الذي يعمل عبر أدوات السلطة على طمس وتشويه التاريخ الثقافي والسياسي للأقليات والمستضعفين لترسيخ التفاوت الطبقي والاجتماعي، أو الجهل الطبي الذي تفرض فيه التحيزات الثقافية والمؤسسية والدينية المتزمتة رقابة صارمة على معلومات صحية وعلمية بالغة الأهمية، مثل صحة النساء العامة، والإنجابية، والوعي الغذائي ،والدوائي.

تاريخياً، وظّفت الدول الكبرى والمنظومات الاستعمارية هذا التجهيل لأغراض عسكرية وأمنية عليا، كفرض الرقابة المشددة لعشر سنوات كاملة على البيانات والمكتشفات الخاصة بالصفائح التكتونية وحركة القشور الأرضية بهدف حماية أسرار حرب الغواصات وخرائطها الصامتة خلال فترة الحرب الباردة. أما في السياق السياسي والاجتماعي اليومي، فإن صناعة الجهل ترتكز على أدوات منهجية ومؤسسية بالغة التعقيد، تشمل خلق واجهات ونخب سياسية مصطنعة تفتقر إلى العمق، وتوظيف منصات إعلامية وشبكات تواصل موجهة تبث خطاباً وحيداً ومكرراً ومسطحاً يهدف إلى ترسيخ سرديات السلطة ورأس المال في الأذهان كحقائق مطلقة لا تقبل النقاش.

تعتمد هذه الجهات المتنفذة في تمرير أجنداتها على إثارة مشاعر الخوف الغريزي المستمر من أعداء مفترضين في الداخل أو الخارج، وإلهاء الجمهور العريض بمعارك وهمية وهامشية لا تمس مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية المباشرة، مع وضع معايير استهلاكية مضللة للنجاح الفردي تربطه بالقدرة المادية على الشراء والاقتناء لا بالوعي والمساهمة الإنسانية. ويترافق هذا التجهيل المؤسسي مع تكتيكات لغوية وبيانية تعتمد بالدرجة الأولى على الإثارة العاطفية الفجة والتعميمات الفضفاضة الجوفاء؛ بهدف إخفاء التفاصيل العينية والحقائق الرقمية وتسييد الوهم والجهل المقدس. تعد الحملات الإعلامية المضللة ضد النشطاء السياسيين والمغالطات العلمية والتعتيم المحيط بالأزمات الصحية والبيئية الكبرى، كما حدث في البيئة السياسية خلال جائحة كوفيد-19، نماذج حية وشاخصة على توظيف علم التجهيل لتوجيه الرأي العام، وتفتيت قوى المعارضة النقدية، وضمان تبعية الجماهير العمياء للسلطة الحاكمة.

 التفكيك الوجودي للغباء: في مواجهة العقلنة الرقمية والبيروقراطية

يأخذ النقد الفلسفي لظاهرة الغباء وصناعة الوعي الزائف بعداً وجودياً عميقاً في الأطروحات الفلسفية المعاصرة، لا سيما مع الفلاسفة الذين رفضوا معالجة الغباء كخطأ معرفي بسيط أو كأمر عارض يمكن تجاوزه بالتعليم التقليدي، بل نظروا إليه بوصفه بعداً داخلياً أصيلاً وجزءاً من بنية الفكر الإنساني حين يستسلم لوضاعته وعجزه عن تفكيك الاختلاف وخلق المفاهيم الحرة. فالخطأ، في العرف الفلسفي، هو خلل خارجي طارئ يسهل تصحيحه وتجاوزه عبر ضخ المعلومات الصحيحة وتوفير البيانات، بينما الغباء البنيوي هو عائق متجذر يجعل الفكر عاجزاً عن التمييز بين ما هو جوهري ومصيري وبين ما هو هامشي وزائل. ومع ذلك، يمثل الغباء في الوقت نفسه الشرط الوجودي القاسي الذي يصدم الفكر ويهز جموده، ويدفعه رغماً عنه إلى ممارسة التفكير الحقيقي لتجاوز مأزقه.

التواطؤ البنيوي بين المنهج الميتافيزيقي وصنمية السلعة

يتقاطع هذا التحليل الفلسفي للتجهيل وصناعة الغباء مع مواجهة منهجية وفكرية عتيقة وجوهرية في تاريخ الفلسفة بين المنهج الميتافيزيقي السكوني والمنهج الجدلي الحي. ينظر المنهج الميتافيزيقي الكلاسيكي إلى الأشياء، والظواهر، والمفاهيم بوصفها كيانات ثابتة، جامدة، معزولة، ومستقلة تماماً عن سياقاتها التفاعلية والتاريخية؛ وهو المنطق التجزيئي الذي يتجلى بوضوح في الفلسفة العقلانية الكلاسيكية التي عزل فيها الفلاسفة الذات المفكرة والوعي الروحي عزلاً تاماً عن الامتداد المادي والجسد الفيزيائي. إن هذا المنظور السكوني والتجزيئي يخدم بنيوياً ووظيفياً المنظومة الرأسمالية التي تسعى بكل أدواتها لتقسيم الواقع الاجتماعي والعمل البشري، وعزلهما عن شروطهما المادية والطبقية الحية، مغذيةً بذلك حالة الاغتراب الإنساني الكلي من خلال الفصل الحاد والتعسفي بين القيمة التبادلية للسلع في السوق وقيمتها الاستعمالية الحقيقية في حياة البشر.

يعد مفهوم الصنمية والتقديس الأعمى حيزاً معرفياً ممتازاً لتفكيك هذا التواطؤ البنيوي بين التجريد الفكري الميتافيزيقي والاستلاب المادي المعاش. فبينما يرى بعض فلاسفة التنوير الكلاسيكيين الصنمية بوصفها مجرد موقف سحري وبائس لعقول بدائية تقوم على صناعة الأوثان المادية وإشباع رغبة اللذة المباشرة بدلاً من السمو الأخلاقي العقلاني، يرى الفلاسفة المثاليون اللاحقون الصنمية كإسقاط ذاتي منحرف يمنح الموضوع الخارجي استقلالية زائفة وصورة قدسية ليست في حقيقتها سوى انعكاس لأهواء الذات ومخاوفها الداخلية غير المحلولة.

يأتي النقد الفلسفي والاقتصادي المادي ليزاوج بين هذه الرؤى المعرفية وبين الواقع الاقتصادي الملموس عبر مفهوم "صنمية السلعة"؛ حيث يبرهن التحليل النقدي لرأس المال على أن السلعة في مجتمع التبادل الرأسمالي تفقد طابعها الإنساني البسيط كمنتج للعمل البشري المتعين، وتتحول بفعل آليات السوق والتجهيل إلى صنم لاهوتي ميتافيزيقي غامض ومقدس، تغيب فيه العلاقات الاجتماعية المباشرة والروابط الإنسانية بين المنتجين الحقيقيين، وتتحول بدلاً من ذلك إلى علاقات مادية مبهمة ومغتربة بين الأشياء، والأسعار، والسيولة النقدية الشبحية.

الاستثمار العملي في بلاهة الجماهير

يتجلى هذا البناء الميتافيزيقي واللاهوتي المعقد لصناعة الجهل والغباء البنيوي في صورة استثمار عملي وديناميكية سلوكية يومية تحكم أسواق المال، والشركات، واللعبة السياسية الانتخابية المعاصرة. ففي الأسواق المالية والمجالات الاستهلاكية، تشكل السيكولوجيا السلوكية وقوانين الغباء البشري محركات أساسية ودينامو يعتمد عليه المضاربون والنخب الاقتصادية لضمان تدفق الأرباح. وتشير هذه القوانين الاجتماعية والتحليلات السلوكية إلى حقائق صادمة:

 أولاً، أن الجميع بلا استثناء يسيء تقدير أعداد الأفراد المستعدين للانسياق الأعمى خلف الوهم والجهل في الواقع اليومي.

 ثانياً، أن الغباء والتسطيح صفة بنيوية وسلوكية مستقلة تماماً عن السمات الفكرية الأخرى أو الطبقة الاجتماعية والشهادات الأكاديمية.

 ثالثاً، أن الشخص المستلب الذي يعمل بجهل وتوجيه خارجي هو الأكثر خطورة لتسببه في تدمير ممتلكات وحقوق ومستقبل الآخرين والمجتمع دون تحقيق أي مكسب ذاتي حقيقي لنفسه، بينما يميل الأفراد العقلانيون دوماً وبشكل خاطئ إلى الاستخفاف بالقوة التدميرية الهائلة للجهل البشري المنظم ولا يحسبون لها حساباً كافياً.

يعمل "التحيز التأكيدي السلوكي" كوقود نفسي جبار للدورات الاستثمارية والاستهلاكية المتلاحقة؛ حيث يبحث المستهلكون والأفراد فقط وبصفة مستمرة عن السرديات والإعلانات التي تدعم أوهامهم الاستهلاكية وتؤكد مكانتهم الاجتماعية الزائفة، معتقدين بيقين أعمى بحتمية نجاة الأسواق الدائمة واستمرار الرخاء وهم يتجهون نحو الأزمات الاقتصادية الدورية بوعي مغيب.

من جهة أخرى، يبرز استعراض الجهل والتظاهر بالبلاهة والسطحية من قبل القوى المتنفذة كاستراتيجية مناورة سياسية وعسكرية بالغة الذكاء والدهاء في صراعات القوة والهيمنة. إذ يتيح إخفاء النيات الحقيقية والتظاهر بالطاعة العمياء للمنظومة الدولية، أو ادعاء الجهل بالحقائق والوقائع الصلبة، تحييد يقظة الخصوم والشعوب ودفعهم لإلقاء دروعهم الدفاعية الفكرية والمادية، مما يضمن للنخب المتنفذة عنصر المفاجأة الاستراتيجية وإحكام الهيمنة الكاملة عند لحظة الصفر.

تتجلى هذه الديناميكية السلوكية والنفسية بوضوح تام وكارثي في المشهد السياسي الانتخابي للشعوب والمجتمعات الحديثة؛ حيث تتخلى الأحزاب الكبرى والائتلافات والنخب السياسية الحاكمة تماماً عن دورها التاريخي والاجتماعي المفترض والمتمثل في رفع وعي المواطنين، وتثقيفهم سياسياً، وتمليكهم الحقائق الاقتصادية والاجتماعية. وبدلاً من ذلك، تعتمد هذه النخب كلياً على الاستثمار الممنهج في المنسوب المتاح والوفير من بلاهة الجماهير وعواطفها البدائية. وتصبح الساحة السياسية والانتخابية حافلة بسوق تجاري كبير لبيع الأوهام المغشوشة، والشعارات القومية أو الطائفية الجوفاء، والمشاريع الاقتصادية المستحيلة التي تناسب مستويات الجهل السائد وتدغدغ مشاعر الخوف والجهل المقدس.

كما وتستغل الأنظمة السياسية العتيقة والنيوليبرالية هذه الآليات السلوكية النفسية بدقة متناهية للحصول على شرعية انتخابية ديمقراطية زائفة وشكلية، تعيدها مرة بعد أخرى إلى سدة الحكم والسلطة بأصوات الجماهير المستلبة نفسها. إنها الجماهير التي يعاد سوقها وتوجيهها بآلات الإعلام وصناعة الجهل نحو صناديق الاقتراع؛ لتنتخب مجدداً وبمحض إرادتها المزيفة الوجوه البيروقراطية نفسها ورعاة رأس المال الذين تسببوا تاريخياً وفي الواقع في جوعها، وتفقيرها، وتشريدها، وإلغاء مستقبل أجيالها، في حلقة مفرغة تجسد الانتصار الأكبر للاستثمار في الجهل.

***

غالب المسعودي

مقدمة: يشكل السؤال عن إمكانية تطوير «فكر عربي إسلامي معاصر» تحدياً معرفياً ووجودياً عميقاً. فهو يجمع بين هويتين متداخلتين: العروبة كإطار لغوي وثقافي وتاريخي، والإسلام كمرجعية دينية وروحية وأخلاقية. يطرح هذا الفكر نفسه كمشروع تجديدي يسعى إلى إعادة صياغة التراث الإسلامي في مواجهة تحديات العصر الحديث، دون انفصال عن جذوره أو ذوبان في تيارات عالمية. لكن إلى أي حد يمكننا التفكير في هذا التطوير؟ هل هو مجرد أمل نظري، أم مشروع قابل للتحقق رغم الصعوبات البنيوية؟ يتطلب الجواب تحليلاً للإمكانيات التاريخية والمعاصرة، والعوائق الداخلية والخارجية، وآليات التجديد الممكنة. المقاربة هنا ليست تفاؤلية ساذجة ولا تشاؤمية قاطعة، بل تقييم واقعي لدرجة الإمكان والشروط المطلوبة. فما المقصود بالفكر العربي الاسلامي المعاصر؟ ماهي ملامحه؟ وكيف يمكن تطويره؟

الحاجة إلى التجديد والتطوير

يمتد الفكر العربي الإسلامي عبر تاريخ طويل من الازدهار والركود. شهدت العصور الذهبية (من القرن الثاني إلى السابع الهجري) تفاعلاً خصباً بين الوحي والفلسفة اليونانية والعلوم، مما أنتج مدارس فكرية متنوعة (معتزلة، أشعرية، فلاسفة، صوفية). أما في العصر الحديث، فقد برزت محاولات اليقظة مع الافغاني ومحمد عبده وعبد الرحمان الكواكبي والعديد من المفكرين، الذين سعوا إلى التوفيق بين الإسلام والحداثة. اليوم، تفرض التحولات العالمية – العولمة، الثورة الرقمية، أزمة البيئة، والتغيرات الاجتماعية الجذرية – حاجة ملحة إلى فكر عربي إسلامي معاصر. هذا الفكر مطلوب ليجيب على أسئلة مركزية: كيف نفهم الديمقراطية والحرية والعدالة من داخل المرجعية الإسلامية؟ كيف نتعامل مع العلوم الحديثة والتكنولوجيا دون صدام أو استلاب؟ وكيف نحافظ على الهوية الثقافية في عالم يميل إلى التوحيد الثقافي؟

ملامح الفكر العربي الإسلامي المأمول

يمكن تصور هذا الفكر كتيار يجمع بين عدة عناصر أساسية.

 أولاً: تجديد الاجتهاد (الإحياء المنهجي للاجتهاد) في المجالات الفقهية والكلامية والأخلاقية، ليصبح قادراً على التعامل مع قضايا مستجدة مثل الذكاء الاصطناعي، الاستنساخ، والاقتصاد الأخضر، والحقوق الفردية.

 ثانياً: النقد الداخلي للتراث، الذي يميز بين الثوابت والمتغيرات، ويرفض التقديس الجامد للاجتهادات التاريخية.

ثالثاً: التفاعل النقدي مع الحداثة، لا بالرفض الكلي ولا بالتبني الأعمى، بل بصياغة «حداثة إسلامية» خاصة تجمع بين القيم الإسلامية (التوحيد، العدل، الشورى، الكرامة) والمكتسبات الحديثة (الحقوق، العقلانية النقدية، الديمقراطية). رابعاً: البعد العربي الذي يمنحه خصوصية لغوية وثقافية، إذ تظل العربية وعاءً أساسياً للتعبير عن هذا الفكر، مع الانفتاح على التجارب الإسلامية غير العربية.

هذا الفكر ينبغي أن يكون شمولياً، يشمل الأبعاد الروحية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وتعددياً يحتضن الاختلاف المذهبي والفكري داخل الإطار الإسلامي.

التحديات البنيوية والواقعية

رغم الإمكانيات، يواجه التطوير عقبات جسيمة.

أولها الانقسام الداخلي: بين تيار سلفي يميل إلى الحرفية والإغلاق، وتيار علماني يرى الإسلام مرجعية تاريخية فقط، وتيار إصلاحي يسعى إلى التوفيق. هذا الانقسام يؤدي إلى تشتت الجهود واستنزاف الطاقات في صراعات جانبية.

ثانياً، العوائق السياسية: في كثير من البلدان العربية، تُستخدم المرجعية الإسلامية لتبرير السلطوية، أو تُقمع محاولات التجديد خوفاً من الاضطراب. الاستبداد يولد تطرفاً مضاداً، مما يجعل المناخ غير مواتٍ للتفكير الحر.

ثالثاً، التبعية المعرفية والثقافية: يعتمد كثير من الإنتاج على ترجمات غربية أو إعادة صياغة أفكار خارجية، دون تراكم معرفي أصيل. كما أن ضعف المؤسسات التعليمية والأكاديمية، وهجرة المفكرين، يحولان دون بناء تقليد مستمر.

رابعاً، تحديات العولمة والرقمنة: تنتشر خطابات سطحية وشعبوية عبر وسائل التواصل، مما يصعب مهمة الفكر العميق. إضافة إلى ذلك، تواجه المرجعية الإسلامية تحديات أخلاقية جديدة (قضايا الجندر، الأسرة، الهوية) تتطلب جرأة فكرية كبيرة.

آفاق التطوير وسبل التحقق

مع ذلك، تظل إمكانية التطوير قائمة وقوية إذا توفرت شروط معينة. أبرزها إحياء منهجي للاجتهاد الجماعي عبر مؤسسات متخصصة تجمع علماء وباحثين ومفكرين من مختلف التخصصات. كما ينبغي إعادة بناء المناهج التعليمية لتعزيز التفكير النقدي والانفتاح على العلوم الحديثة داخل إطار إسلامي.

من السبل الواعدة: الحوار بين التيارات داخل الفكر الإسلامي وبينه وبين الفكر العربي العلماني، للوصول إلى صيغ مشتركة حول الدولة المدنية والعدالة. كذلك، الانفتاح على التجارب الإسلامية العالمية (ماليزيا، إندونيسيا، تركيا، إيران، باكستان) لاستفادة متبادلة. على المستوى الثقافي، يمكن للفنون والأدب والإعلام أن يلعبوا دوراً في نشر الفكر المتجدد بطريقة جذابة. أما على المستوى الفلسفي، فإن إعادة قراءة تراث كبار المفكرين (الغزالي، ابن رشد، ابن خلدون، الشاطبي) بأدوات معاصرة يمكن أن ينتج مفاهيم جديدة حول الحرية، المسؤولية، والتنمية.

إلى أي حد يمكننا التفكير في هذا التطوير؟ الإجابة هي: يمكننا التفكير فيه بثقة معتدلة، فهو ليس مستحيلاً بل هو ضرورة تاريخية. الفكر العربي الإسلامي موجود بالفعل كبذور ومحاولات متفرقة، لكنه بحاجة إلى شروط موضوعية (حرية، مؤسسات، تراكم) وذاتية (جرأة، تواضع، إبداع) ليصبح تياراً مؤثراً وقادراً على تشكيل الواقع. ليس المطلوب إنتاج فكر موحد، بل فكر حي متعدد يحتفظ بوحدة مرجعية أخلاقية وروحية. هذا الفكر قادر على تقديم مساهمة أصيلة في الفكر الإنساني العالمي، خاصة في قضايا الروحانيات، العدالة الاجتماعية، والتوازن بين المادي والمعنوي.

خاتمة

تطوير فكر عربي إسلامي معاصر ليس رفاهية فكرية، بل شرط للنهوض الحضاري. إنه رهان على قدرة الأمة على تجديد ذاتها من داخلها، مستلهمة من مصادرها الأصيلة ومستجيبة لعصرها بكل تعقيداته. الحدود موجودة، لكن الإمكانيات أكبر. يتوقف النجاح على إرادة جماعية واعية تجمع بين الوفاء للتراث والشجاعة في مواجهة المستقبل. إذا تحقق ذلك، يمكن لهذا الفكر أن يساهم في صياغة حضارة إسلامية جديدة تكون بديلاً عن الركود والتقليد، وعن التبعية والانسلاخ. المستقبل مفتوح، والمسؤولية مشتركة على المفكرين والمؤسسات والمجتمعات العربية الإسلامية. فكيف يمكن تطبيق الاجتهاد التأويلي على ثقافتنا؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

لا ممنوعَ ولا محرَّمَ ولا مقدَّسَ في التفكير الفلسفي، الممنوعُ الوحيدُ في التفكير الفلسفي هو تحريمُ التفكير الفلسفي الحر، بذريعة التحرش بالمقدَّس. لا معنى للفلسفة من دون التفكير الفلسفي الحر. ظلَّ التفكيرُ في وجود الله سؤالًا أبديًا يواكب العقل الفلسفي منذ فجر التأمل الإنساني. وما من فيلسوفٍ كبيرٍ إلا وتوقف عند هذا السؤال، إثباتًا أو نفيًا أو نقدًا. في كتاب إيمانويل كانط "نقد العقل المحض" نقرأ أعمق المعالجات الفلسفية لمسألة وجود الله، إذ رأى كانط أن العقلَ النظري يعجز عن الحسم في إثبات وجوده أو نفيه، لأن الله ليس موضوعًا للتجربة الحسية ولا يُدرَك بالبرهان العقلي الخالص. نقدَ إيمانويل كانط الأدلة التقليدية على وجود الله، كالبرهان الأنطولوجي والكوني والغائي، ورأى أن العقل النظري يعجز عن الحسم في هذه المسألة، ثم انتهى إلى أن الإيمان بالله ضرورة أخلاقية، لأن اكتمال معنى الواجب يفترض وجود إله يحقق الانسجام بين القانون الأخلاقي والمصير الإنساني.

هناك فرق بين الفلسفة واللاهوت في الأديان، وعلم الكلام في الإسلام. في اللاهوت وعلم الكلام يوجد سقف نهائي وحدود للتفكير، أما في الفلسفة فلا حدود للتفكير. التفكير الفلسفي لا يتحقق إلا إذا فكّر الإنسان خارج إطار دينه، مهما كان دينه، ولا يعني ذلك ضرورة التخلي عن انتمائه الديني، وإنما أن يفكر بعيدًا عما تفرضه عليه رؤيته الدينية في حيز الوعي، وأن يُخضع كل شيء للنقد والمساءلة والتمحيص. وهكذا ينبغي أن يكون موقف صاحب أية عقيدة عندما يفكر تفكيرًا فلسفيًا. فإذا أراد البوذي أن يفكر تفكيرًا فلسفيًا، فلا يتحقق ذلك إلا إذا فكّر خارج عقيدته البوذية، وإذا أراد المسيحي أن يفكر تفكيرًا فلسفيًا، فعليه أن يفكر خارج عقيدته المسيحية، وإذا أراد المسلم أن يفكر تفكيرًا فلسفيًا، فلا يتحقق ذلك إلا إذا فكّر خارج عقيدته، وهكذا كل صاحب دين مهما كان دينه. ولا يعني ذلك التخلص من الانتماء الديني، وإنما التفكير بعيدًا عما تفرضه الرؤية الدينية من تحيزات في فضاء الوعي، كما يحدث باستمرار. أما تنوع أفكار الفلاسفة ومواقفهم، فهذه قضية ماثلة لكل قارئ متمرس بالفلسفة. غير أن ميزة العقل الفلسفي تكمن في أنه لا يصدر عن مرجعيات وتحيزات واعية تتحكم في رؤيته وأفكاره ومفاهيمه، مع أن ذلك لا ينفي تأثير التحيزات اللاواعية لدى كل إنسان، الناتجة عن البنية السيكولوجية لشخصية الفيلسوف، وتأثير كيفية تربية عائلته ومجتمعه وأحكامه المسبقة، وغير ذلك من العوامل المتنوعة في تكوين لاوعيه.

الفلسفةُ إيقاظٌ متواصلٌ للعقل، وتحريرٌ له من تسلط المعتقدات، والأيديولوجيات، والهويات، والسلطات بمختلف أنماطها، ومن الإكراهات، والخرافات، والأوهام. التفكير الفلسفي يبدأ لحظة يتحرّر العقلُ من أنماط الوصايات المتنوعة، والمسلّمات المتوارثة غير البديهية. تتجلى قوةُ العقل في معرفته لحدوده، وقدرته على التفكير داخلَ فضائه، والخلاص من أوهامه، ومما هو زائف من أحكامه. التفكيرُ الفلسفي تفكيرُ نقدي، والتفكير النقدي على الضدّ من الاعتقاد النهائي المغلق، التفكيرُ الفلسفي متحرّر من الحدود والقيود والشروط والأسوار المغلقة.

كلُّ شيء يخضع لمُساءَلة العقل ونقده وتمحيصه في الفلسفة، العقل نفسه يخضع لمساءلةِ العقل، وتمحيصِ مفاهيمه، وغربلةِ أحكامه، وطريقة تعريفه لنفسه، وتفسيره لحقيقة معرفته، ومصادرها، وقيمتها. لا يضع الحدودَ للعقل إلا العقلُ، العقل يرسم حدودَه وما هو داخلٌ في فضائه، ويتدخل ببيان حقيقةِ ما هو خارج حدوده. لا يصدق التفكيرُ فلسفيًّا إلا لحظةَ يكتفي العقلُ في تصديقاتِه وحججِه وأحكامِه بذاته، فيكون هو مرجعية تمحيصِ تفكيره، ومرجعية ما سواه، والحكم عليه إثباتًا أو نفيًا. عندما يصمت العقلُ ويكفُّ عن وظيفته، تدخلُ الروحُ والعاطفةُ في متاهات. العقل يريد ألا نستمع منه إلا إلى صوته الخاص، من دون أن تشوّش عليه وتربكه وتنهكه أصواتٌ خارجَ حدوده. العقل يحكم بعدم إمكان أن يتخلصَ الإنسانُ من تأثيرٍ خفيّ لذاته وعواطفه ومشاعره والمحيط الذي يعيش فيه بشكلٍ تام. العقل يحكم بوجود الدين في الحياة ويحدّد مجالاته، ووجود المتخيّل ويحدّد مجالاته، والمثيولوجيات والأساطير ويحدّد مجالاتها، ويعلن بأنها من الثوابت الأبديَّة في الثقافات البشرية. العقل هو الذي يتولى توصيفَ وتصنيفَ هذه الموضوعات ويحكم عليها إثباتًا أو نفيًا، ويرسم خرائطَها ويضع حدودَها.

 الإنسانُ واحدٌ بالرغم من أنه متعدّد، متعدّدٌ بالرغم من أنه واحد. طبيعة الإنسان تتَّسع للوحدة والتفاعل الحيوي للعاطفة والروح والعقل. ‏هذه الوحدة أحيانًا يتغلب فيها أحدُ العناصر ويتراجع دورُ العناصر الأخرى. في الفلسفة يتغلب العقلُ ليصير هو المرجعية في الحكم والقرار، وبتغلُّبه يتحقق التفاعلُ الخلّاق بين العقل والروح والعاطفة. يضع العقلُ الروحَ والعاطفةَ في حدودهما، وهو الذي يصحّح المسارَ لهما على الدوام. تنحسر مرجعيةُ العقل في مجتمعاتٍ غير متعلمة تتفشى فيها العبوديةُ الطوعية، واستعبادُ الوعي، والانقيادُ الأعمى، وتخديرُ الضمير الأخلاقي. العاطفة والروح تعملان بخفاءٍ للتأثير في العقل، والتحكّم بتفسيراته وصناعة أحكامه وقراراته. يعودُ سوءُ الفهم بين الفلاسفة، واختلافُ طرائقِ فهمهم إلى تأثيرِ العاطفةِ والروحِ والذاتِ في تفسيراتِ العقلِ وأحكامِه على نحوٍ خفي، على الرغم من أن الفلاسفة هم الأكثر صرامةً في اعتمادِ العقل والعملِ على توظيفه في كلِّ شيء. لا خلاف في الفلسفة حول كون العقل هو الذي يرسم حدودَه، ويحدّد وظيفتَه، ويكتشف مصادرَ معرفته. الخلاف بين الفلاسفة أنفسهم حول حدود العقل، وماهية هذا العقل وتعريفه، ومجالاته، وكيفية إدراكه، ونوع مدركاته.

 الفيلسوف يجيب عن سؤالِ المبدأ والمصير، والحياة والموت، وغيرها من الأسئلة الوجودية الكبرى، ويجيب عن كلِّ سؤال خارج العلم بالمعنى التجريبي. لا نهاية للفلسفة، يظلّ الإنسانُ يتفلسف مادامت الحياةُ والموت، وما دامت الأسئلةُ الوجودية التي لا تجيب عنها العلوم. ‏‏العلم غير الميتافيزيقا، كلُّ سؤال وجواب ميتافيزيقي بالإثبات أو النفي هو تفلسف خارج حقل العلم. عندما يقدّم أحدُ علماء الطبيعية أجوبةً عقلية للأسئلة الوجودية الكبرى، ينتقل تفكيرُه من حقل العلم إلى حقل الفلسفة بهذه الأجوبة. علاقةُ الفلسفة باللاهوت ديناميكية، فمثلما يتغذّى ويتجدّدُ اللاهوتُ بالفلسفة تتغذّى الفلسفةُ وتتسعُ آفاقُها وتتنوّعُ حججُها بالسؤال اللاهوتي. السؤال اللاهوتي يبحثُ عن يقينيات لا يظفر بها مهما توالدت الأجوبةُ وتواصلت الاستدلالات، إنه سؤالٌ مفتوح، وكلُّ سؤال مفتوح مَنجمٌ ثمين للتفلسف.كلّما ابتعد اللاهوتُ عن الفلسفة وقع فريسةَ تفشِّي اللامعقول وتغوّل الأوهام. لا يضع اللاهوتَ في حدوده ويمنع تغوّلَ الأوهام إلا الفلسفة، ولا يتجدّد اللاهوتُ إلا عندما يعيد النظرَ في الحقيقة الدينية ويتأملها بعيون فلسفية. لا تداوي الفلسفةُ جروحَ الروح والقلب، العقل الفلسفي مشاغب لمن يمتلك قدرةً ذهنية على إيقاظه بالتساؤل العميق حتى في البداهات. التاريخ والواقع يشهدان بأن الأذكياء جدًّا والعباقرة تعذِّب وعيَهم الأسئلةُ الوجودية الكبرى التي لا جواب نهائي لها، حياة كثير من الفلاسفة كانت تقلقها الأسئلة وتوالد الأسئلة مجددًا من الإجابات التي يقدمونها. 

***

د. عبد الجبار الرفاعي

من وحي ندوة صالون تفكير مع وائل فاروق

في ندوة البارحة بصالون تفكير عن (أزمة الشعر الجاهلي وحداثة التعايش بين المتناقضات) حدثنا الدكتور وائل فاروق أستاذاً للدراسات العربية والإسلامية في كلية العلوم اللغوية والآداب الأجنبية وكلية العلوم السياسية والاجتماعية بالجامعة الكاثوليكية للقلب المقدس في ميلانو بإيطاليا عن الحداثة بوصفها ظاهرة تاريخية حديثة لكنه لم يوضح الفروق الدقيقة بين مفهومي الحداثة والتحديث بالنسبة فهمت قصده واعجبني في توصيف مشروع طه حسين الثقافي بوصفه تعبيرا عن لحظة ميلاد الحداثة في مصر الحديثة منذ زمن التحديث الأطلسي. كانت ندوة رائعة ادارها الاستاذ الدكتور وليد الخشاب بكفاءة واقتدار.

ولما كنت منتظرا من الاستاذ جمال عمر لفت نظر الدكتور وائل إلى اهمية التفريق بين الحداثة والتحديث لاسيما في واقعنا العربي المعاصر ولم يفعل فاضطررت إلى طلب التداخل مع المحاضر النبيه الذي تقبل الملاحظة بروح مدنية عقلانية راقية. أحييه.

القضية الحقيقية التي كانت تتحرك تحت سطح الندوة ليست الشعر وحده، بل سؤال الحداثة ذاته؛ ذلك السؤال الذي ما زال يطرق أبواب وعينا العربي منذ أكثر من قرنين دون أن نحسمه. كان الدكتور وائل فاروق يتحدث عن الحداثة بوصفها ظاهرة تاريخية كبرى، وتوقف عند مشروع طه حسين بوصفه أحد تجليات لحظة الميلاد الحداثي في مصر الحديثة، بينما أدار الندوة الدكتور وليد الخشاب بكفاءة لافتة. غير أن ما ظلّ يلحّ عليّ طوال الأمسية هو غياب التمييز الدقيق بين مفهومين كثيرًا ما يُستعملان في خطابنا الثقافي وكأنهما شيء واحد: الحداثة والتحديث.

ذلك الخلط ليس خطأً لغويًا عابرًا، بل مأزق فكري كامل. لأننا حين لا نفرّق بين الحداثة والتحديث، فإننا نتصور أن بناء الجسور وناطحات السحاب، واستيراد التكنولوجيا، وإنشاء الجامعات الحديثة، يكفي لكي نصبح حداثيين. بينما الحقيقة أن التحديث شيء، والحداثة شيء آخر تمامًا. التحديث هو تغيير الأدوات، أما الحداثة فهي تغيير العقل الذي يستخدم الأدوات. التحديث يمكن استيراده، أما الحداثة فلا تُستورد؛ لأنها ليست بضائع أو تقنيات، بل تحوّل عميق في بنية الوعي الإنساني وفي علاقة الإنسان بالعالم والتاريخ والسلطة والمعرفة.

لهذا كان من الضروري التوقف عند السؤال الجوهري: أيهما يسبق الآخر؟ هل الحداثة نتيجة للتحديث أم أن التحديث ثمرة من ثمار الحداثة؟ التجربة الغربية نفسها تكشف أن الحداثة جاءت أولًا بوصفها انقلابًا في الرؤية إلى الإنسان والعالم، ثم جاء التحديث لاحقًا كتجلٍّ مادي ومؤسساتي لذلك الانقلاب. لم تبدأ أوروبا الحديثة بالمصانع، بل بدأت بتحرير العقل من الوصاية، وبإعادة تعريف الإنسان بوصفه مركز الفعل التاريخي. منذ اللحظة التي أعلن فيها رينيه ديكارت الكوجيتو الشهير: «أنا أفكر إذن أنا موجود»، بدأ الإنسان الأوروبي يخرج من العالم الوسيط المغلق إلى عالم جديد يصبح فيه العقل مرجعًا والمعرفة مشروعًا مفتوحًا.

من هنا نفهم تعريف آلان تورين للحداثة حين اعتبرها قدرة المجتمعات على ابتكار ذاتها وتحويلها. فالحداثة ليست مجرد زمن تاريخي، بل إرادة واعية لإعادة تشكيل الواقع. إنها انتقال الإنسان من كائن يتلقى المعنى من الخارج إلى ذاتٍ تصنع معناها بنفسها. ولهذا قسم تورين الحداثة إلى مراحل متعاقبة: حداثة مبكرة تشكّلت مع عصر النهضة، وحداثة منتصرة ترسخت مع الثورة الصناعية والعقل العلمي، ثم حداثة مظفرة أو فائقة أصبح فيها الإنسان واعيًا بذاته بوصفه كائنًا حرًا وخلاقًا يمتلك الحق في إعادة تعريف العالم باستمرار.

لكن هذه الرحلة لم تبدأ فجأة. لقد كانت النهضة الأوروبية مخاضًا طويلًا امتدّ قرونًا، منذ القرن الرابع عشر حتى السابع عشر، شهدت خلاله أوروبا اضطرابًا هائلًا في القيم والصور وأنماط الحياة. لم تكن النهضة مجرد بعث للتراث اليوناني والروماني، بل إعادة توظيف ذلك التراث في أفق جديد. لقد تغيّرت صورة الإنسان عن نفسه، وتغيّرت علاقته بالطبيعة والزمن والله والتاريخ. الإنسان الجديد لم يعد ينتظر الخلاص فقط، بل صار يعمل ويغامر ويكتشف ويعيد تشكيل العالم بيديه.

في تلك اللحظة التاريخية أخذت سلطة الكنيسة تتراجع بالتوازي مع صعود سلطة العلم. اكتشف نيكولاس كوبرنيكوس أن الأرض ليست مركز الكون، ثم جاء غاليليو غاليلي ليحوّل الملاحظة والتجريب إلى منهج، وأكمل إسحاق نيوتن الثورة حين كشف قوانين الحركة والجاذبية، فكأن الكون كله أصبح قابلاً للفهم الرياضي والعقلاني. في الوقت نفسه كانت السفن الأوروبية تعيد اكتشاف الجغرافيا، وكان الإصلاح الديني البروتستانتي يزعزع احتكار الكنيسة للحقيقة، بينما كانت الطباعة تنشر المعرفة على نطاق غير مسبوق كان تعبيرًا عن ولادة باراديغم جديد: العالم لم يعد سرًّا غامضًا تحكمه القوى الماورائية، بل أصبح موضوعًا للفهم والسيطرة الإنسانية. هنا تحديدًا وُلدت الحداثة بوصفها مشروعًا فلسفيًا عقلانيًا. ولذلك فإن جوهر الحداثة الغربية لم يكن القطار أو المصنع أو البارود، بل فكرة الإنسان نفسه: الإنسان الحر، العاقل، القادر على مساءلة كل شيء.

لقد كان عصر النهضة يتطلب عمالقة فأنجبهم، عمالقة في قوة الفكر "والاندفاع والطبع"امثال: كوبرنيكوس 1473-1543، وكلبر 1571-1630، وجاليلو 1564-1642، وجبلر 1540-1603م، في المغناطيس وربرت بويل 1627-1691م في الكيمياء, وليفنهوك 2632-1723م، مكتشف الحيوانات المنوية واسحاق نيوتن 1642-1727م، مكتشف قانون الجاذبية وقوانين الحركة الديناميكية, لقد عززت الاكتشافات العلمية من ثقة الانسان بقدراته يقول الشاعر:

"لقد كانت الطبيعية وقوانينها محجوبة في الليل" فقال الله لنيوتن كن وتحول كل شي الى نور" إذ شهد عصر النهضة اهم الاكتشافات الجغرافية للمناطق المجهولة فقد القى الاسباني كولمبس مراسيه في العالم الجديد عام 1492م، والقى البرتغالي فاسكودى جاما مراسيه على ساحل الهند الغربي 1498م واستطاع ماجلان في السفينة فكتوريا ان يدور لاول مـرة حول الارض (1519-1522), وغير ذلك من الاكتشافات الجغرافية, وعلى صعيد الفلسفة والادب والتاريخ والسياسة، هناك كوكبة لامعة من الاسماء التي ازدهرت في عصر النهضة امثال جوردانو برونو (1548-1600م) وبيك دولامير اندول 1494 وتوماس مور (1487-1535م)، ونقولاي ماكيافيلي (1467-1527م)، وكأمبلانيلا ومارسين فيسين 1499 كل هذا الزخم الثقافي العلمي الفني الادبي، ترافق مع حركة الاصلاح الديني على يدي لوثـر (1483-1546م) وكلفن 1506-1564م)، وزونغلي (1484-1531م)، الذين نادوا باصلاح الكنيسة وبالخلاص الفردي، ولم تكن هذه النهضة الثقافية الشاملة في حقيقة امرها الا حصيلة تفاعل جملة من العوامل والقوى الاجتماعية والاقتصادية والمدنية، تطور المدن وازدهار التجارة والصناعة ولدول والثورات الاجتماعية والعلوم والمناهج. ويمكننا اجماع الموقف كله بالقول، انه عصر الاكتشافات الفلكية والاكتشافات الجغرافية والاصلاح البروتستانني وضروب الابداعات الثقافية واختراع وانتشار الطباعة والسفينة البخارية والبارود، والبوصلة، وبروز الامم الدول، على اسس قومية وبدايات الاقتصاد الرأسمالي وظهور المدن وبداية التمايز الاجتماعي والصراع الطبقي.لقد اطلقت النهضة طاقات الانسان، وافضى ذلك الاهتمام المتزايد بالحياة الانسانية، وبالجسد الانساني والطبيعة الحية، الى رؤية جديدة لكل شي، وبدلا عن المحنة حل الفرح، وباستعمال الانسان للقوى التي وهبها اياه الله حلت الحرية في توجيه العقل بدلا من الخضوع لارادة الكنيسة، واخذ البحث الفكري يحل مكان التبلد والعقم والكسل- وبكلمة تفجرت من ذات الانسان طاقاته الانسانية الكامنة المتعطشة للحرية والابداع والتنافس والصراع والمغامرة والطموح والبطولة والشجاعة والايمان باللحظ واقتصاب الفرص. لقد نظرت النهضة الى الانسان وقواه بعيون انسانية إذ جعلت "انسانوية" النهضة من الانسان غاية المعرفة واداتها في ان واحد، يقول فيلسوف النهضة (بيك ميراندولا 1463-1494م) في رسالة "كرامة الانسان", "أيه يا آدام... العالم لم يخلق من أجل الانسان، ولكنه مصنوع من لحمه ودمه، ذلك الكائن الذي وهبته الالهه ارادة حرة والذي يحمل في ذاته بذور الحياة التي لا تحصى، اذا ما استعاد كرامته، لا يبقى ثمة ضياع، ولا يبق ثمة قلق، الشياطين التي كان يخافها انسان العصور الوسطى القت بنفسها في الجحيم ومعها الصليب الذي كان يبدو مكرساً لحمايتها، العالم اضحى من جديد فرح الانسان وحلمه وطموحه".على هذه النحو اخذت تعود ثقة الانسان بذاته وبعالمه وأخذ الانسان يثق بقدرته على التقدم والتطور، استعاد الانسان ذاته وعظمته حسب ياكوب بوهم (1575-1624م) "الانسان ذلك الكائن العظيم الذي ترقد السماء والارض وكل الكائنات والله نفسه في اعماقه".

من النهضة لا من غيرها انبثقت الحداثة ومشروعها الإنساني العقلاني الذي تطور فيما بعد إلى مسألة الاعتراف بقيمة الإنسان وعقله وكرامته بوصفه كذلك، كما عرفها عـالم الاجتماع الالمـاني (ماكس فيير 1864-1920م) بقوله: "ان الحداثة تعنى العقلنه، وبهذا المعنى تكون الحداثة مشروعاً انسانياً لبناء المجتمع في كل جوانبه على اسس عقلانية، مجتمع يعيش وينظم نفسه ويتصرف بعيداً عن كل غائية غيبية "وسحر اووهم"

هكذا عرّف ماكس فيبر الحداثة بوصفها «عقلنة» شاملة للعالم؛ أي إخضاع الطبيعة والمجتمع والسياسة لقواعد العقل والحساب بدل السحر والأسطورة. بينما رأى إيمانويل كانط أن التنوير هو خروج الإنسان من حالة القصور التي فرضها على نفسه حين عجز عن استعمال عقله دون وصاية. بهذا المعنى كانت الحداثة فعل تحرر قبل أن تكون مجرد تراكم تقني بل انتقالًا إبستمولوجيًا عميقًا، وهو ما يمكن فهمه في ضوء التحليل الذي يقدمه أنتوني أ. هب في كتابه «فجر العلم الحديث»، حيث يبيّن أن بزوغ العلم لم يكن نتيجة اختراعات متفرقة، بل ثمرة تحوّل في تصور الطبيعة نفسها: من كيان عضوي مفعم بالغايات إلى نسق رياضي قابل للقياس والتجريب. هذا التحول في صورة العالم هو ما أطلق سلسلة التغيرات اللاحقة. من هنا يمكن القول إن مسارًا حضاريًا أنتج الحداثة لأنه أعاد بناء بنيته المعرفية من الداخل، بينما مسارًا آخر تبنّى أدواتها دون أن يستبطن باراديغمها.

لا شك إن ة العالم العربي شهد أنماطًا واسعة من التحديث منذ القرن التاسع عشر: جيوش حديثة، إدارات بيروقراطية، جامعات، مطابع، مدن إسمنتية، شبكات اتصال، وأخيرًا ثورة رقمية هائلة. لكن هذه التحولات بقيت في أغلبها سطحية لأنها لم تُنتج حداثة حقيقية في بنية العقل. استوردنا منتجات الحداثة دون أن نمرّ بالمخاض الفلسفي الذي أنجبها وهذا ما أفاض به عالم الاجتماع الفرنسي برتران بادي في كتابه المهم (الدولة المستوردة؛ تغريب النظام السياسي).

لهذا تبدو مدننا حديثة من الخارج وتقليدية من الداخل. نستعمل أحدث الهواتف الذكية بينما ما تزال علاقتنا بالسلطة والمعرفة والتاريخ محكومة بعقل ما قبل حداثي. ندخل عصر الذكاء الاصطناعي بينما لم نحسم بعد سؤال حرية التفكير. نعيش في قلب الموجة الرقمية الثالثة، لكننا ما زلنا عالقين في معارك الموجة الأولى المتعلقة بشرعية العقل ذاته.

إن الأزمة الحقيقية ليست نقص التحديث، بل غياب الحداثة بوصفها إطارًا فلسفيًا وأخلاقيًا. وهذا ما يفسر لماذا أخفقت محاولات النهضة العربية الحديثة في إنتاج قطيعة معرفية حقيقية. فمنذ رفاعة الطهطاوي وحتى محمد عابد الجابري ظل السؤال المركزي هو: كيف نأخذ من الغرب قوته دون أن نفقد هويتنا؟ غير أن السؤال الأعمق كان ينبغي أن يكون: كيف نعيد بناء علاقتنا بالعقل والتاريخ والإنسان؟

كتب توني هب في كتابه المهم (فجر العلم الحديث؛ الصين ألعرب والاسلام) ترجمة محمد عصفور عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية؛ قائلا: " كان العرب في كل حقول العلم .. في طليعة التقدم العلمي … إذ أن ما حققه العرب يثير الإعجاب إلى حد يدعو للتساؤل عن السبب الذي منعهم من اتخاذ الخطوة الأخيرة باتجاه الثورة العلمية الحديثة؟ ويضيف ” كان العرب قد وصلوا إلى حافة أعظم ثورة فكرية حدثت في التاريخ، ولكنهم رفضوا الانتقال من العالم المغلق إلى الكون اللانهائي) حسب تعبير(Koyre كويري). وبما أنهم عجزوا عن اتخاذ هذه الخطوة الخطيرة في بداية العصر الحديث، فإن البلاد الإسلامية لا تزال تتمسك بالتقاويم القمرية”

ويخلص (توني هب) إلى القول: “لقد ضيق مهندسو الشريعة واللاهوت في الحضارة العربية الإسلامية القدرات العقلية عند ألإنسان ورفضوا فكرة الفاعلية العقلية التي يتميز بها جميع بني البشر لصالح الرأي القائل إن على الإنسان أن يسير على نهج السلف وأن يتبع التقليد، وإن الأسلاف لم يتركوا شيئاً للآخلاف. أما الأوربيون القروسطيون فقد وضعوا تصوراً للإنسان والطبيعة كان فيه من العقل والعقلانية ما جعل النظرات الفلسفية واللاهوتية مجالات مدهشة من مجالات البحث التي كانت نتائجها لا هي بالمتوقعة.

كان العلم الحديث يحتاج إلى افتراضات ميتافيزيقية جديدة: الإيمان بانتظام الطبيعة، وقابلية العالم للفهم، وقدرة العقل الإنساني على اكتشاف القوانين والتحكم بها. وهذه الافتراضات لم تتحول في حضارتنا إلى وعي جمعي مؤسس، بل بقيت محاصرة داخل حدود ضيقة. ولذلك دخلنا العصر الحديث من بوابة التحديث القسري لا من بوابة الحداثة الفكرية اقصد المنطلقات الفلسفية للحداثة الاوروبية

ومن هنا نفهم المأزق العربي المعاصر: نحن نستهلك منتجات الحداثة دون أن نعيش روحها. نستخدم التقنية لكننا نخشى النقد. نطالب بالتقدم بينما نخاف حرية التفكير. نبني الجامعات لكننا لا نؤسس لعقل علمي مستقل. وهكذا يتحول التحديث إلى قشرة خارجية تخفي تحتها بنى ذهنية تقليدية لم تتغير جذريًا.

إن الحداثة ليست موقفًا ضد الدين كما يتصور البعض، بل هي إعادة تعريف للعلاقة بين الإنسان والحقيقة والسلطة. إنها الاعتراف بكرامة الفرد وحقه في التفكير الحر، وهي ما أفضى لاحقًا إلى قيم التسامح والاعتراف بالآخر وحقوق الإنسان. ولهذا ربط هيغل الحرية بالنضال من أجل الاعتراف، بينما جعل أكسل هونيث الاعتراف محور الصراعات الاجتماعية الحديثة.

السؤال الحقيقي أمام الثقافة العربية المعاصرة ليس كيف نرفض الحداثة أو نقلّدها، بل كيف نعيد إنتاجها من داخل سياقنا التاريخي. أي كيف نحولها من نموذج مستورد إلى مشروع نقدي ينبع من أسئلتنا الخاصة. فالحداثة ليست وصفة جاهزة، ولا قدرًا أوروبيًا مغلقًا، بل تجربة إنسانية مفتوحة تقوم على شجاعة السؤال، وحرية العقل، والاعتراف بكرامة الإنسان.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يخلط بين الحداثة والتحديث، لأن ذلك يخلق وهم التقدم دون تحقق شروطه الحقيقية. فالمباني الحديثة لا تصنع عقلًا حديثًا، والتكنولوجيا لا تنتج تلقائيًا ثقافة نقدية. يمكن لدولة أن تمتلك أحدث المطارات والجامعات والاتصالات، لكنها تبقى خارج الحداثة إذا ظل العقل فيها خائفًا من السؤال، وإذا بقي الإنسان مجرد تابع لا مواطنًا حرًا فكيف يصبح الإنسان فاعلًا في التاريخ لا مجرد مستهلك لنتائجه؟ وكيف يتحول العقل من أداة تبرير إلى قوة نقد وإبداع؟ هنا تحديدًا تكمن أهمية التمييز بين الحداثة والتحديث، لأنه التمييز بين تغيير الأشياء وتغيير الإنسان نفسه. وبين مجتمع يستورد الأدوات، ومجتمع يعيد اختراع ذاته.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

ما من فعل معرفي يخلو من حدود كما لا يعرف نهر جريانه دون ضفاف. لكن المفارقة التي شغلت الفكر الإنساني منذ تأمله الأول لذاته تكمن في أن الحدود نفسها تلك التي ترسم إمكانات الفهم وتقييداته، هي ذاتها التي تفتح الباب أمام أوسع أجنحة التأويل. فالعقل حين يصطدم بما لا يمكن إدراجه في شبكته المفاهيمية أو إخضاعه لآلياته السببية لا ينزوي عاجزا بل ينقلب شاعرا لا يتوقف عن السؤال بل يغير شكل السؤال. وهنا يبرز السؤال الإبستمولوجي الأكثر إلحاحا، أين يكمن الخط الفاصل بين لحظة الفهم التي يظن فيها العقل أنه يمسك بجوهر الأشياء ولحظة التأويل التي يدرك فيها أنه لم يعد يفهم بل يبتكر معاني تحل محل المعرفة الغائبة؟ هذا السؤال ليس مجرد استفسار منهجي حول نظرية المعرفة بل هو نبض الفلسفة ذاتها في صراعها الأبدي بين طموحها إلى اليقين واعترافها المزدوج بهشاشة كل يقين.

لقد حاولت الإبستمولوجيا الكلاسيكية وخاصة في صورتها الكانطية أن ترسم حدودا صارمة للعقل ميزت بين ما يمكن معرفته ضمن شروط الخبرة الممكنة وما يظل خارج تلك الشروط في مملكة الأفكار المتعالية التي لا سبيل إلى البرهان عليها. لكن هذه الحدود التي كانت تهدف إلى حماية العقل من أوهامه الميتافيزيقية، كشفت عن حقيقة أعمق، وهي أن العقل لا يعيش في عزلة صافية عن لغته وتاريخه وجسده. فالهرمنيوطيقا الحديثة من شلايرماخر إلى غادامير وريكور بينت لنا أن كل فهم يحمل في طياته أفقا تأويليا سابقا وأن الموضوعية الساذجة ليست سوى وهم جميل نختبئ وراءه حين نعجز عن مواجهة نسبيتنا التاريخية. وإذا كان الأمر كذلك فإن الحدود الإبستمولوجية لم تعد أسوارا نصل إليها ونتوقف بل أصبحت مرايا نرى فيها انعكاس أسئلتنا لا إجابات العالم.

هذا المقال يسعى إلى مقاربة هذه الإشكالية من زاوية لاهثة لا ليرسم فاصلاً جامدا بين الفهم والتأويل، وإنما ليحفر في تلك المنطقة الرمادية حيث يتوقف العقل عن الادعاء بفهم موضوعي ويبدأ بوعي أو بغير وعي في نسج نسيجه التأويلي الخاص. سنتتبع هذه اللحظة التحولية عبر عدد من المحطات الفلسفية الكبرى، من كانط إلى نيتشه مرورا بهوسرل إلى هايدغر ومن فوكو إلى دريدا محاولين أن نلتقط تلك النبضة الخفية التي تحول القارئ إلى مؤلف والمشاهد إلى رسام والعالم إلى شاعر. سنرى أن الفهم ليس نقيض التأويل بل هو تأويل متحجر وأن التأويل ليس فوضى اعتباطية بل هو فهم يتذكر حدوده. وسنحاول أن نطرح احتمالاً قد يكون مقلقا للعقل الغربي ربما يكون التأويل هو الحالة الطبيعية للعقل والفهم مجرد استراحة قصيرة بين تأويلين.

كل فعل معرفي هو عبور، وهذا العبور لا يكتمل إلا إذا اصطدم بحد. فالحدود ليست نقاط توقف بقدر ما هي شروط للإمكان مثلما أن ضفاف النهر هي التي تصنع جريان الماء لا ما يعيق عنه. والعقل الإنساني منذ أقدم محاولاته لفهم العالم لم يجد نفسه قط في حالة نقاء تام أو انكشاف كامل بل كان دائما معلقا بين إضاءات المعرفة وظلالها وبين ما يمكن قوله وما يجب التكتم عليه بصمت تأملي. لكن السؤال الحقيقي ليس عن حدود المعرفة فحسب وإنما عن تلك اللحظة العصية على التحديد الدقيق التي يتحول فيها السعي نحو الفهم إلى إنتاج غزير للتأويل. متى يكف العقل عن كونه قارئا للنص العالمي ويصبح مؤلفا له؟ متى ينقلب الأفق إلى مرآة؟

التمييز الكانطي بين الظاهرة والشيء في ذاته قد يكون أكثر من مجرد تقسيم إبستمولوجي، إنه رسم لأول خريطة جادة للحدود التي يعجز العقل عن تجاوزها دون أن يقع في أوهام الميتافيزيقا. كانط في نقده للعقل الخالص لم يقل لنا إننا لا نستطيع معرفة العالم، وإنما قال إننا لا نستطيع معرفته إلا كما يظهر لنا عبر قوالبنا القبلية للزمان والمكان وفئات الفهم. هذا التحول الكوبرنيكي جعل من العقل لا مجرد متلق سلبي للمعطيات الحسية بل مشاركا نشطا في بناء الموضوع. لكن اللافت أن كانط نفسه توقف عند لحظة حرجة، العقل حين يحاول التفكير في الكليات المطلقة مثل النفس والعالم والله يخرج عن حدود خبرته الممكنة ويبدأ في إنتاج جدالات لامتناهية وتناقضات بنيوية لا يمكن حلها معرفيا لأنها ليست أخطاء في التفكير وإنما نتائج حتمية لتجاوز العقل لحدوده. هناك في تلك البقعة الجرداء من التفكير الخالص يتوقف الفهم الذي يشتغل بمقادير محددة وعلاقات مادية ويبدأ التأويل الذي يولد عوالم بأكملها من أسئلة لا يمكن الإجابة عنها يقينا.

لكن التأويل هنا ليس خطيئة أو وهنا في الجهاز المعرفي، وإنما هو بالضبط ما يجعل الإنسان إنسانا. لأن الحيوان يعرف حدود عالمه دون أن يعرف أنها حدود، بينما الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمكنه أن يتأمل حدوده كحدود أي أن يقف على حافة نفسه ويتساءل عن ما وراءها. لذلك لم يكن التأويل ترفا بل قسرا بنيويا، عندما يصطدم العقل بما لا يمكن فهمه وفق آليات الفهم المعهودة (التعريف، القياس، السببية، التصنيف)، فإنه لا يتوقف كما تتوقف الآلة بل ينخرط في فعل إنتاجي من نوع خاص. هذا الفعل الإنتاجي هو التأويل بوصفه فن تعويض العجز المعرفي بالقدرة السردية.

ونصل هنا إلى المفارقة المركزية، كل فهم هو بالأصل تأويل، لكن ليس كل تأويل فهما. هذه الجملة التي قد تبدو تلاعبا لفظيا تكشف عن بنية أعمق في العلاقة بين العقل وعالمه. هانز جورج غادامير في كتابه "الحقيقة والمنهج"، أوضح كيف أن كل فعل فهم يتضمن أفقا مسبقا، أي مقدمات غير منقحة نابعة من تاريخية المفسر ولغته وانتماءاته. الفهم عند غادامير ليس تكرارا لنية المؤلف ولا انطباعا سلبيا للنص على المتلقي وإنما هو اندماج آفاق بين ذات فاهمة وموضوع مفهوم. هذا الاندماج يحتوي دائما على عنصر تأويلي لأن الحقيقة لا تُعطى كشيء جاهز بل تُنتج عبر التفسير في حلقة هرمنيوطيقية لا نهائية. لكن غادامير حافظ على فكرة أن التأويل يمكن أن يكون فهماً صحيحاً بمعنى أنه ليس اعتباطيا بل مقيدا بتقاليد المعنى التي تسبق أي تأويل فردي.

لكن الحد الفاصل بين الفهم والتأويل يبدأ في الاهتزاز حين نصل إلى حدود النظرية الفهمية ذاتها. ميشيل فوكو في "الكلمات والأشياء"، أظهر كيف أن العصور المعرفية المختلفة (الإبستمات) تنتج حقائقها وأنساقها الداخلية وفق قواعد تشبه النحو العميق لا يدركه عادةً من يعيش داخلها. حين كان عصر النهضة يعتقد أنه يفهم العالم من خلال التشابهات والمحاكاة، كان في الواقع ينتج تأويلاً عميقًا لما يعتبره حقيقة مكشوفة. وحين جاءت الحداثة الكلاسيكية بنظام التمثيل والطبائع البسيطة كان التأويل قد تغير جذريا لكنه ظل متخفيا تحت عباءة الفهم الموضوعي. فوكو يدفعنا إلى سؤال جذري هل عرف العقل البشري يوما من الأيام حالة فهم خالصة خارج كل تأويل؟ الجواب ربما يكون بالنفي لكن هذا النفي نفسه يفرض علينا إعادة تعريف الفهم لا كحالة نصل إليها بل كحد ننحوه.

وربما يمكننا استعارة مفهوم "الدوزا" من علم الصيدلة، حيث الحدود بين العلاج والسم ليست خطا جامدا بل منطقة عتبة. كذلك الأمر بين الفهم والتأويل، هناك منطقة رمادية حيث يتوقف العقل عن استقبال المعنى بوصفه معطى ويبدأ في بنائه بوصفه مغامرة. هذه المنطقة هي بالضبط ما يسميه جاك دريدا بـ"اللعب اللامحدود للدال" في مقابل "المعنى المتعالي" الذي تهرب منه الكتابة الغربية دائما. دريدا عبر نقده لمركزية المنطق الصوتي وهيمنة الحضور، أرانا كيف أن كل نص يحمل في طياته شروط إمكان نقضه وكيف أن كل تأويل يتضمن بقايا من المعنى لا يمكن اختزالها إلى فهم واحد نهائي. لكن هذا لا يعني الفوضى التأويلية بل الانضباط العالي في التعامل مع غياب معنى نهائي ونهائي.

لكن السؤال يظل ملحا، متى نقول إن العقل قد توقف عن الفهم وبدأ في إنتاج التأويل؟ اللحظة الفارقة ليست لحظة اليأس المعرفي أو الانهيار الإبستمولوجي بل اللحظة التي يصبح فيها السؤال أكثر كثافة من الإجابة وتصبح فيها طاقة السؤال وقودا للتفكير بدلا من أن تكون مجرد عتبة مؤقتة نحو جواب. هايدغر في "الكينونة والزمان"، ميز بين الفهم بوصفه نمطا وجوديا أصليا للدازاين (الكائن البشري) وبين التأويل بوصفه تطويرا لهذا الفهم. لكنه أيضا أشار إلى أن الفهم الحقيقي يتضمن بالضرورة شعورا بالقلق إزاء الكينونة نفسها وذلك القلق هو الذي يدفع إلى وضع الأسئلة الجوهرية وليس إلى القناعات المطمئنة. بمعنى آخر يتوقف العقل عن الفهم بمعناه السطحي (استيعاب المعلومات وتصنيفها وربطها سببيا) ويبدأ في إنتاج التأويل حين يدرك أن الحقيقة ليست شيئا يمتلكه بل شيء يُسأل عنه إلى ما لا نهاية.

إن العقل البشري ليس جهاز حاسوب يعالج معلومات واردة بقوانين ثابتة بل هو كائن حي يتغذى على الأسئلة ويضعف حين تخبو. وأسوأ ما يمكن أن يحدث للمعرفة هو وهم امتلاك الإجابات النهائية، ذلك الوهم الذي يوقف التساؤل ويحول التأويل إلى عقيدة جامدة. ولهذا نجد أن أعظم عصور الفهم البشري كانت أيضا أعظمها إنتاجا للتأويل، عصر النهضة عندما أصر على تأويل النصوص الكلاسيكية بدلا من مجرد حفظها؛ عصر الأنوار عندما تأول البشر كيانهم السياسي والاجتماعي عبر عقود اجتماعية وهمية لكنها أنتجت ثورات عظيمة؛ العصر الحديث عندما اكتشف فرويد أن تأويل الأحلام قد يكون أكثر دلالة على الحقيقة النفسية من كثير من الوقائع الملموسة.

إن التأويل إذا جاز التعبير هو العقل حين يصير شاعر نفسه. ليس لأن الشعر أقل دقة بل لأن الشعر هو الكيفية الوحيدة التي يمكن بها للغة أن تقول ما لا يمكن قوله في لغة العلم المباشرة. كان الفيلسوف بول ريكور قد أدرك هذه النقطة بعمق حين ربط الهرمنيوطيقا بعلم الظواهر مقترحا أن التأويل ليس هروبا من الحقيقة بل مسارا نحوها حين تكون الحقيقة في طور الانكشاف لا في طور الحضور المكتمل. ريكور تحدث عن "الصراع من أجل التأويلات" وعن كيفية الحسم بين تأويلات متنافسة بناءً على قوتها التفسيرية وقدرتها على إدماج أكبر قدر من المعطيات، لكنه لم يدّع قط أننا نصل إلى تأويل نهائي وشامل. الفهم عند ريكور هو تأويل ناجح، والتأويل الفاشل هو الذي يدعي أنه ليس تأويلا.

ربما يكون الفلاسفة الصينيون القدماء، وخصوصا تقليد الطاوية مع تشوانغ تزو، قد عبروا عن هذه المعضلة بأبسط وأعمق صورة. حكاية الفراشة الشهيرة، حلم تشوانغ تزو أنه فراشة وعندما استيقظ لم يعد يعرف إن كان تشوانغ تزو حلم أنه فراشة أم أن فراشة تحلم الآن هي تشوانغ تزو. هذه الحكاية لا تتحدث عن الشك الديكارتي الذي يبني اليقين على الشك وإنَّما عن حالة من التماهي بين الذات والعالم يتوقف عندها الفهم المزدوج (أنا هذا أو ذاك) ويبدأ تأويل لا نهائي حيث الحدود بين الكائنات لم تعد جوهرية بل علائقية. الحدود عند تشوانغ تزو ليست نقاط توقف بل مفاصل انتقال ومهارة الحكيم ليست في تحديدها بدقة بل في الحركة داخلها دون أن يلتصق بها.

إذا عدنا إلى سؤالنا الجوهري متى يتوقف العقل عن الفهم ويبدأ في إنتاج التأويل؟ الجواب ليس في ساعة معلومة على ساعة المعرفة بل في بنية السؤال نفسه. العقل الذي يطرح هذا السؤال قد تجاوز بالفعل حدود الفهم التقليدي ودخل منطقة التأويل. لأنه لا يمكن فهم متى يتوقف الفهم من داخل الفهم نفسه تماما كما لا يمكنك رؤية ظهر عينيك دون مرآة. المرآة هنا هي التأويل ذاته لا نعرف أننا توقفنا عن الفهم إلا حين نبدأ في إنتاج تأويل عن هذه التوقف وهو تأويل قد يكون هو الفهم الحقيقي الوحيد المتاح لنا ككائنات تاريخية لغوية محدودة بوقتها وجسدها ولغتها ولكنها غير محدودة في قدرتها على السؤال والحيرة والتأمل.

ويمكن النظر إلى مسألة الحدود بين الفهم والتأويل من خلال عدسة فلسفة العقل المعاصرة. دانييل دينيت وغيره من فلاسفة العقل الطبيعاني حاولوا تفسير الظواهر العقلية بما فيها التفسير والتأويل من خلال نموذج تطوري تكيفي. وفق هذا المنظور، العقل البشري نتاج آليات تكيفية معقدة تطورت لحل مشكلات البقاء والتكاثر في بيئة طبيعية واجتماعية. ولكن المثير أن نفس هذه الآليات التي كانت تكفي لإنتاج فهم عملي للعالم (كمعرفة مكان الماء وأين تختبئ الحيوانات المفترسة) هي التي أصبحت تطمح بعد تطور حجم القشرة الدماغية إلى تفسير ظواهر لا حاجة عملية ملحة لفهمها، كالموت، الكينونة، اللانهائي، الوعي نفسه. هناك حيث تتوقف فائدة الفهم الأداتي للبقاء ويبدأ التأويل شاعرا وجدانيا وتأمليا.

ليس هذا نقصا في العقل وإنما دليل على قوته الزائدة عن حاجتها التكيفية المباشرة. العقل البشري هو العضو الوحيد في الكائن الحي الذي يتجاوز وظيفته البيولوجية. العين لا تحاول رؤية ما وراء الطيف الكهرومغناطيسي لكن العقل يحاول فهم ما لا يمكن فهمه وهذا المحاولة نفسها ليست فشلا بل بطولة معرفية. والفارق بين العبقري والمجنون قد يكون في الضبط الدقيق لهذه العلاقة، العبقري يعرف متى يقف عند حد الفهم ويبدأ بإنتاج تأويل معترف بجماليته وعمقه، والمجنون لا يعترف بحدود أصلاً فيخلط بين الفهم والتأويل دون أن يميز.

إن العقل الإنساني كسفينة بلا مرساة في محيط لانهائي لا بد لها أن تخلق جزرها الوهمية كي تستريح قليلاً قبل أن تخرج في رحلة جديدة. الفهم هو تلك الجزر التي نعيش عليها والتأويل هو البحر نفسه. يمكننا أن نعيش على الجزيرة ونظن أنها كل العالم لكننا سنفتقد رهبة العمق ونداء المسافة. كما يمكننا أن نسبح بلا كلل دون أن ننزل أبدا إلى أي يابسة لكننا سنغرق حتما. الحكمة الإنسانية ليست في اختيار أحدهما على الآخر بل في معرفة متى تلامس القدم أرض الفهم ومتى تغامر الأشرعة في بحر التأويل. وهذه المعرفة لا تأتي من كتب ولا من صيغ جاهزة بل من حدس مكتسب عبر القرون من تجربة البشر مع حدودهم.

وما نسميه "التأويل" ليس عجزا معرفيا ولا تراخيا منهجيا بل هو اسم آخر لفعل العقل حين يواجه ما يتعذر عليه فهمه فيقرر عدم التخلي عن السؤال وإنما تغيير طبيعة السؤال نفسه من سؤال عن الماهية إلى سؤال عن المعنى، من سؤال ينتظر جوابا إلى سؤال ينتظر تأويلاً آخر. وتمتد سلسلة التأويلات إلى ما لا نهاية لا لأن العقل فاشل وإنما لأن اللامتناهي لا يمكن إحاطته بفهم محدود لكن يمكن السير فيه بقدرة إنسانية خالصة على الحلم والتساؤل وابتكار العوالم. عند الحدود القصوى لكل إبستمولوجيا لا نجد جدارا من الطوب والخرسانة بل نجد سؤالاً حيا ينظر إلى نفسه في مرآة اللغة.

ذلك السؤال الحي الذي ينظر إلى نفسه في مرآة اللغة ليس مجرد دهشة عابرة وإنما هو البنية العميقة لكل علاقة معرفية ممكنة. فاللغة تلك الوسيط الذي نظن أنه أداة للفهم هي في الحقيقة أول حدود العقل وأكثرها خداعا. لأننا حين نعتقد أننا نفهم شيئا ما فإن ما نفهمه حقا هو طريقة كلامنا عنه لا جوهره الغائر. لودفيغ فيتغنشتاين في مراحل فلسفته المتأخرة وتحديدا في "تحقيقات فلسفية"، قلب الطاولة على كل تصور ساذج للفهم اللغة ليست صورة للعالم كما كان يعتقد في "الرسالة المنطقية الفلسفية"، بل هي مجموعة من الألعاب اللغوية المختلفة التي لا تشترك في جوهر واحد بل في تشابهات عائلية متداخلة. الفهم عند فيتغنشتاين المتأخر ليس حالة ذهنية داخلية بقدر ما هو القدرة على الاستمرار في لعب اللعبة بشكل صحيح. وإذا كان الأمر كذلك فإن حدود الفهم ليست حدود ما يمكن تصوره بل حدود ما يمكن قوله ضمن لعبة لغوية معينة. حين ينتهي معنى الكلمة من استخدامها في سياق محدد، يبدأ التأويل الذي يحاول أن يستعير الكلمة من لعبة إلى أخرى، كمن يحاول أن يلعب الشطرنج بقواعد كرة القدم. هذا الاقتراض ليس مستحيلاً بل هو مصدر الشعر والمجاز والاستعارة، ولكنه أيضا مصدر كل سوء الفهم العميق والخلافات العقيمة.

ويمكننا أن ندرك لماذا تبدأ التأويلات الكبرى في الظهور بالضبط عند النقاط التي يفشل فيها التواصل العادي. حيث تتوقف القدرة على الاتفاق حول معنى مشترك لا يختفي السؤال بل يتضخم. وتصبح النصوص المقدسة والظواهر الغامضة والتجارب الحدية مثل الموت والحب والوعي حقولاً خصبة للتأويل لأنها تقع بالضبط على الحافة حيث تنكسر ألعابنا اللغوية المعتادة. نقرأ نصا دينيا قديما فنجد أن معانيه المباشرة (الفهم الحرفي) إما مستحيلة التطبيق في زماننا أو متناقضة مع قيمنا الحالية. هنا يتوقف العقل عن القبول البسيط ويبدأ عملية تأويلية معقدة، يبحث عن معانٍ باطنة ورموز وإشارات ومقاصد خفية. هذه العملية ليست انحرافا عن النص بل هي بالضبط ما يبقي النص حيا. لأن النص الذي يفهم تماما دون حاجة لتأويل هو نص ميت لم يعد يتكلم بل يُستشهد به كوثيقة في متحف.

سار هذا المنحى نحو أقصى تجلياته عند إيمانويل ليفيناس الذي جعل من "وجه الآخر" تلك الحدود الأخلاقية التي يتوقف عندها أي فهم موضوعي ويبدأ تأويل مسؤول. ليفيناس رأى أن محاولة فهم الآخر هي في جوهرها عنف معرفي لأن الفهم يصنف الآخر ويضعه في قوالب جاهزة ومن ثم يلغى غرابته واختلافه الجوهري. الآخر بصفته آخرا لا يمكن فهمه بل يمكن فقط الاستجابة له والتأويل في اتجاهه من دون امتلاكه. هذه نقطة فائقة الحساسية، العقل الغربي منذ أرسطو اعتاد على أن الفهم هو احتواء المختلف تحت مفاهيم كلية. لكن ليفيناس يقلب المعادلة، العقل الأخلاقي الحقيقي يبدأ حيث يتوقف الفهم الموجي، حيث نتوقف عن محاولة جعل الآخر مثلنا أو فهمه من داخل أطرنا ونبدأ في الاستماع إليه دون فهم مسبق. وهذه الاستماعية نفسها هي تأويل أخلاقي خالص، تأويل لا يهدف إلى اكتشاف معنى مخفي بل إلى بناء علاقة مسؤولة مع ما لا يمكن اختزاله إلى ذاتنا.

إذا أمعنا النظر في تاريخ الأفكار سنجد أن أعظم التحولات الإبستمولوجية حدثت عندما توقف العقل عن اعتبار حدود الفهم عيبا واعتبر أنها رصيدا. لنتأمل هنا ثورة كوبرنيكوس، لم يفهم حركة الكواكب أفضل من بطليموس بل توقف عن محاولة فهمها بوصفها حركات حقيقية كما تبدو للعين وبدأ في تأويلها من موقع مختلف. التأويل الكوبرنيكي لم يقل لنا أين الشمس والكواكب "حقا"، بل بنى نموذجا جديدا تمكن بواسطته من تقديم تفسيرات أبسط وأكثر اتساقا داخليا. هل كان كوبرنيكوس يفهم الكون أكثر من سابقيه؟ أم أنه كان يؤوله بشكل أكثر فعالية؟ السؤال نفسه يظهر مدى اصطناعية الحدود التي نحاول رسمها.

وبالتوازي مع ذلك يقف التحول الدارويني كأحد أكثر الأمثلة إدهاشا على هذه الحدود المتداخلة. قبل داروين كان العقل يحاول فهم تنوع الكائنات الحية من خلال أنماط ثابتة وأشكال مثالية أفلاطونية أو غائية مسيحية. وكان الفهم هنا يعني التعرف على دور كل كائن في سلم الوجود أي أن الفهم كان في الحقيقة تأويلاً لاهوتيا متخفيا. داروين توقف عن هذا النوع من الفهم وبدأ تأويلاً جديدا، كل الكائنات نتاج عمليات تطورية عمياء ليس لها هدف أو غاية سوى التكيف مع بيئة متغيرة.

إن داروين لم يفهم الحياة بشكل أفضل لأنه أزال المعنى المقصود منها. ومن جهة أخرى أمكننا أن نقول إنه فهمها بشكل أعمق لأنه حررها من أساطير الغائية. وهذا تماما لب إشكاليتنا، كل تأويل يقدم نفسه كفهم أعمق وكل فهم يتبين عند التحليل أنه تأويل لإرث سابق.

ولعل الموقف الأكثر جرأة في هذا الصدد هو موقف نيتشه، ذلك الفيلسوف الذي جعل من الإرادة للقوة أصل كل معرفة وتأويل. نيتشه لم يتردد في القول بأن ما نسميه حقيقة هو مجرد "جيش متحرك من الاستعارات والمجازات والكنايات". أي أنه لا يوجد فعل فهم بريء بل هناك دوما منظور وتأويل يخدم قوى حيوية معينة. العلم نفسه عند نيتشه هو تأويل منهجي يسعى للسيطرة على الطبيعة عبر تبسيطها واختزالها إلى قوانين قابلة للحساب. لكن نيتشه لم يقع في فخ النسبوية المطلقة بل ميز بين التأويلات القوية والتأويلات الضعيفة، فالقوية هي التي تعترف بحدودها وتستمر في النمو والتجاوز، والضعيفة هي التي تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة وتتحول إلى عقيدة جامدة. في سياقنا هذا يتوقف العقل عن الفهم (بالمعنى الساذج) ويبدأ في إنتاج التأويل الصحي حين يعترف بمنظوريته الذاتية دون أن ييأس من إمكانية الحقيقة تماما كما يدرك البحار أنه لن يصل إلى قاع المحيط لكنه لا يتوقف عن الإبحار.

كل هذا يقودنا إلى إعادة النظر في مفهوم "الحد" نفسه. فالحد ليس خطا نرسمه على الخريطة مرة واحدة وإلى الأبد بل هو عملية مستمرة من التخطيط والمحو وإعادة التخطيط. العقل لا يصل إلى حد ثم يتوقف وإنما هو يخلق حدوده كلما تحرك مثل دائرة الضوء التي تلقيها مصباح في ليلة مظلمة، والضوء نفسه ينتج الظلمة التي تنتهي عندها رؤيته. بهذا المعنى ليس هناك "خارج" مطلق للعقل لأن العقل هو الذي يعرف ويؤول وكل ما نقوله عن "خارج" المعرفة هو بالفعل جزء من المعرفة (أو التأويل). هذا هو درس هيغل الأعظم، اللامتناهي الحقيقي ليس ما هو خارج المتناهي بل هو المتناهي في عملية تجاوز نفسه باستمرار. العقل لا يلتقي بالحد كحائط يصطدم به وإنما كحافز لإعادة تعريف ذاته.

وإذا كان علينا أن نحدد لحظة الانتقال من الفهم إلى التأويل فلن نجدها في أي ساعة كونية بل في كل مرة يدرك فيها العقل أن ما يعتبره حقيقة ثابتة ليس سوى تأويل نجح في إخفاء طابعه التأويلي لفترة من الزمن. هذه اللحظة مؤلمة بقدر ما هي محررة، إنها لحظة تفكيك الأوهام التي نصمم بها عقولنا. الفهم المريح يشبه النوم والتأويل اليقظ يشبه الحلم الواعي. وكما أن النائم لا يعرف أنه نائم إلا إذا حلم أنه يستيقظ فإن العقل لا يعرف أنه كان يؤول إلا لحظة يقظة معرفية تأتيه من خارج نظامه. تلك اليقظة نادرة ومؤقتة لكنها ضرورية كي لا يتحول الفهم إلى جمود والتأويل إلى عبث.

لقد حاولنا في هذه الأسطر المتواضعة أن نرسم طوبوغرافيا لهذه المنطقة المتعرجة التي لا تخضع لخرائط يقينية. وجدنا أن كانط كان أول من وضع لافتات تحذيرية عند مداخل الميتافيزيقا وأن غادامير أظهر لنا كيف أن كل فهم يتوسطه التاريخ واللغة، وأن فوكو كشف عن التعسفات التاريخية الكامنة وراء أنساق المعرفة الواضحة وأن دريدا واصل التفكيك حتى اهتزت أسس الحضور والمعنى الثابت وأن ليفيناس وضع التأويل الأخلاقي في مواجهة الفهم الموجي المسيطر. هذه الأصوات المختلفة لم تقل لنا كلمة أخيرة بل قالت لنا شيئا أكثر قيمة، إن السؤال نفسه أي سؤال إبستمولوجيا الحدود هو الجواب الحقيقي. لأن العقل الذي يسأل متى يتوقف عن الفهم ويبدأ في إنتاج التأويل هو عقل حي يمارس بالضبط تلك الحركة الدقيقة بين الإقامة والترحال وبين البيت الهادئ والطريق المفتوح.

وليس أمامنا إلا أن نعترف بأن كل فهم هو تأويل ناجح في نسيان نفسه وكل تأويل هو فهم فاشل في إثبات نفسه. والفارق بينهما ليس فارقا في الجوهر بل في النية والأسلوب والتواضع. العقل الحكيم هو الذي يعرف متى يكتفي بالحدوس العملية دون أن يدعي أنها حقائق مطلقة ومتى ينطلق في رحلات التأويل دون أن يفقد البوصلة تماما. فليس العار في أن نؤول، فالعار في أن نؤول دون أن نعلم أننا نؤول. وما دامت الشمس تشرق كل يوم على بشر لم يفهموا قط لماذا تشرق لكنهم ألفوا قصصا جميلة عن شروقها، فإن هؤلاء البشر لن يكونوا أقل حكمة من أولئك الذين توقفوا عن سرد القصص واكتفوا بالصمت المخيف أمام اللامعلوم. لأن الصمت وإن كان أصدق موقف معرفي فهو أيضا أشدها قسوة على قلب إنسان خلقه السؤال ولم يخلقه الجواب.

وربما يكون العقل البشري في أعمق طياته ليس آلة لفهم ولا معملا لإنتاج التأويل وإنما هو ذلك الكائن الوحيد الذي اكتشف أنه لا يمكنه أن يعيش إلا على حافة نفسه متأرجحا بين يقين مؤقت وشك دائم وبين رغبة في المعرفة وخوف من أنها لن تكتمل أبدا. على هذه الحافة التي ليست خطا بل منطقة حياة بكاملها، يقف كل واحد منا كل صباح حين يفتح عينيه على عالم لم يختر وجوده فيه محاولا أن يفهم قليلاً كي لا يموت من الدهشة ومؤولاً كثيرا كي لا يموت من اليأس. وتدور الأيام وتتوالى التأويلات ويبقى السؤال وحده شاهدا على أن الإنسان وحده بين جميع الكائنات، هو المخلوق الذي فهم أنه لا يستطيع أن يفهم كل شيء، فتلك الهشيمية المضيئة، تلك الجراحة التي لا تلتئم هي بالضبط ما يجعله إنسانا.

***

د. حمزة مولخنيف

الفلسفة ليست كتابا يقرأ ثم يغلق، ولا نظاما معرفيا يمكن امتلاكه كما تُمتلك المعرفة التقنية أو المهارة العملية. إنها بالأحرى بنية تفكير تصطدم باستمرار مع المسلمات، وتعمل على تفكيك ما يبدو بديهيا حتى يفقد بديهته. ولذلك فإن التعامل معها كـمحتوى ثقافي يستهلك أو يستعرض هو أول أشكال إساءة فهمها. المشكلة الأساسية في الخطاب المعاصر حول الفلسفة أنها أُفرغت تدريجيا من وظيفتها النقدية، وأُعيد تشكيلها داخل قوالب تعليمية أو تحفيزية. صارت تُقدَّم بوصفها وسيلة لتوسيع الوعي أو تحسين التفكير أو تطوير الذات، بينما جوهرها الحقيقي ليس تطوير الذات بل مساءلتها. ليس الهدف أن تصبح أفضل نسخة من نفسك، بل أن تفهم لماذا تعتبر أن هناك أصلا نسخا متعددة من نفسك.

هذا التحول ليس بريئا. عندمآ تختزل الفلسفة إلى أداة تنمية بشرية، يتم تحييد خطرها الأساسي: قدرتها على تفكيك أنظمة المعنى التي يقوم عليها الاستقرار النفسي والاجتماعي. الفلسفة في أصلها ليست مريحة، بل مقلقة. لأنها لا تترك مساحة كبيرة للاطمئنان السهل، بل تفتح فراغات في كل يقين يُفترض أنه ثابت. ولهذا السبب، فإن كثيراً من الناس يقتربون من الفلسفة ثم ينسحبون منها دون وعي، لأنهم كانوا يتوقعون منها إجابات، بينما هي في حقيقتها تُراكم الأسئلة. هذا التناقض هو أول اختبار حقيقي: هل تريد معرفة تُغلق السؤال، أم تفكيرا يُبقي السؤال مفتوحا حتى على حساب راحتك؟

القراءة الفلسفية ليست عملية تراكم معلومات، بل عملية إعادة تشكيل للمعايير التي تقاس بها المعلومات نفسها. فالقارئ الفلسفي لا يخرج من النص وهو يعرف ماذا قال الفيلسوف، بل وهو يسأل: لماذا بدا هذا القول ممكنا أصلا؟ وما الذي جعل هذا النوع من التفكير قابلا للظهور في لحظة تاريخية معينة؟ هنا تتحول القراءة من تلقي إلى تفكيك، ومن فهم إلى مساءلة للفهم نفسه.لكن أخطر ما يحدث هو تحويل الفلسفة إلى هوية ثقافية. أن يصبح الشخص فيلسوفا بالمعنى الاجتماعي: يقتبس، يتحدث بلغة مجردة، يستخدم مفاهيم كبيرة، ويظن أن هذا وحده دليل على العمق. بينما الفلسفة الحقيقية لا تتجلى في كثافة المفاهيم المستخدمة، بل في قدرة الفكر على مقاومة الاستسهال. أحيانا يكون أبسط سؤال فلسفي أكثر عمقا من أطول نص مليء بالمصطلحات.

 يصبح التفكير النقدي شعارا مكررا أكثر من كونه ممارسة. لأن النقد الحقيقي لا يبدأ من نقد الآخرين، بل من نقد البنية التي تجعلنا نعتقد أننا نفهم أنفسنا والآخرين بشكل كافٍ. النقد الفلسفي ليس رفضا سطحيا، بل تفكيك جذري للطرق التي يُبنى بها الرفض نفسه.تظهر إشكالية أخرى: العلاقة بين الفلسفة والحياة اليومية. كثيرون يسألون: ما فائدة الفلسفة في الواقع؟ وكأن الواقع نفسه مفهوم بسيط وثابت. لكن الفلسفة لا تقدم فائدة مباشرة، بل تعيد تعريف ما نعنيه أصلا بكلمة فائدة. فهي لا تدخل في الحياة كأداة لتحسينها فقط، بل كقوة تعيد مساءلة معنى التحسين ذاته: من يحدد ما هو التحسن؟ وعلى أي أساس؟ وبأي كلفة؟

حتى فكرة الحرية التي تُستخدم كثيرا في الخطاب الفلسفي، تتحول أحيانا إلى شعار فارغ إذا لم تفكك. هل الحرية هي القدرة على الاختيار؟ أم القدرة على إدراك الشروط التي تصنع خياراتنا أصلا؟ تنتقل الفلسفة من مستوى السطح إلى مستوى البنية، من السؤال عن الفعل إلى السؤال عن شروط إمكانية الفعل.ولهذا فإن الدخول في الفلسفة يشبه الدخول في منطقة لا يعود فيها الإنسان قادرا على استخدام مفاهيمه السابقة بنفس البراءة. الكلمات التي كانت تبدو مستقرة تبدأ في التصدع: الحقيقة، العدالة، الهوية، العقل، المعنى. كل هذه المفاهيم لا تختفي، لكنها تفقد بساطتها الأولى، وتصبح حقولا للصراع لا أوعية للطمأنينة أن هذا الاضطراب هو ما يجعل الفلسفة ضرورية. لأنها لا تترك الإنسان في وهم الاكتمال المعرفي، بل تجبره على العيش داخل التوتر بين ما يعرفه وما لا يمكنه أن يعرفه بسهولة. وهذا التوتر ليس عيبا، بل هو الشرط الأول لأي تفكير جاد. و يمكن فهم السؤال الختامي من أكون؟ ليس كسؤال وجودي شاعري، بل كسؤال تفكيكي عن الهوية باعتبارها بناءً متغيرا. لأن الهوية ليست جوهرا ثابتا، بل طبقات من اللغة والتاريخ والتجربة والسلطة. وعندما تُسأل فلسفيا، فإنها لا تُطلب لتعريف نهائي، بل لكشف مدى هشاشة كل تعريف.

 الفلسفة لا تعد بالراحة، ولا تقدم ضمانات معرفية، ولا تمنح يقينا مستقرا. لكنها تمنح شيئا أكثر قسوة وأهمية في آن واحد: القدرة على رؤية أن ما كنت تعتبره يقينا قد يكون مجرد ترتيب لغوي أو اجتماعي أو نفسي تم قبوله دون اختبار كافٍ.ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ماذا أقرأ من الفلسفة؟ ولا كيف أتعلم التفكير الفلسفي؟ بل: هل أنا مستعد لأن أفقد جزءا من يقيني كي أرى ما وراءه؟ لأن الفلسفة، حين تمارس بصدق، لا تضيف إلى الإنسان طبقة من المعرفة فقط، بل تنزع عنه طبقات من الوهم، وتتركه أكثر وعيا، لكن أقل طمأنينة، وأكثر قدرة على السؤال، لكن أقل قدرة على الادعاء باليقين.

***

زكريا نمر

 

جرى توضيح واحدة من أهم التحولات في تطور الفلسفة والحضارة، من خلال فهم أعمال فلاسفة بارزين. لم تكن فلسفة القرون الوسطى "عصر الظلمات" وانما هي جسر حيوي استطلع بنشاط العلاقات بين الايمان والعقل. ان التحول من العصور الوسطى الى الحداثة يمثل أبرز التحولات في تاريخ الفلسفة. ان فلسفة القرون الوسطى والتي عادة ما يتم تجاهلها باعتبارها راكدة فكريا، كانت في الحقيقة فكرا ثريا ومعقدا رسم معالم النقاشات اللاحقة حول العقل والايمان والمعرفة والواقع.

وعندما تغيرت الظروف الثقافية والعلمية والسياسية، تحوّل التحقيق الفلسفي تدريجيا بعيدا عن الأطر الثيولوجية باتجاه تأكيد جديد على العقل الإنساني والتجربة.

العصور الوسطى: حقبة أسيء فهمها

في الغالب وُصفت العصور الوسطى كفترة جامدة فكريا هيمن عليها ايمان أعمى وسلطة دينية. هذا التوصيف يتجاهل التأثير المستمر لفلسفة القرون الوسطى ومدى عمقها وأصالتها. وبعيدا عن كبح العقل، انخرط مفكرو القرون الوسطى بنشاط في مسائل المنطق والميتافيزيقا والأخلاق والابستيمولوجي، حيث طوروا أنظمة فلسفية معقدة حددت مسار الفكر الغربي.

برزت الفلسفة القروسطية من الإلتقاء بين الفلسفة الاغريقية الكلاسيكية والتقاليد الثيولوجية للمسيحية واليهودية والإسلام. بدلا من رفض مفكرين قدماء مثل افلاطون وارسطو، احتفظ فلاسفة القرون الوسطى بهذه الاعمال وترجموها وتوسعوا فيها نقديا . هذه العملية ضمنت بقاء الفلسفة الكلاسيكية وسمحت لها بالتطور ضمن اطر فكرية جديدة. الاديرات، المدارس الكاتدرائية، والجامعات اللاحقة أصبحت مراكز للتحقيق العلمي الصارم.

كانت الصفة المميزة للفلسفة القروسطية هي استطلاعها للعلاقات بين الايمان والعقل. مفكرون مثل اوغسطين وانسلم وتوما الاكويني جادلوا بان التحقيق العقلاني يمكن ان يتعايش بل وحتى يدعم العقيدة الدينية. التحليل المنطقي استُعمل لتوضيح العقائد الثيولوجية، بينما عالجت الحجج الميتافيزيقية أسئلة حول الوجود والسببية وطبيعة الله. وبعيدا عن كبح التفكير النقدي، طورت الفلسفة القروسطية أساليب للجدال لاتزال أساسية في فلسفة اليوم.

العصور الوسطى أنتجت أيضا تقدما هاما في المنطق والسيماتيك خاصة من خلال الطريقة المدرسية scholasticism. المنطقيون طوروا في العصور الوسطى أدواتا تحليلية دقيقة ، تمايزات، وطرق أثّرت على الفلسفة الحديثة المبكرة والمنطق الحديث. لقد استبقت المناقشات حول الكليات والإرادة الحرة وطبيعة المعرفة المخاوف التي تناولها المفكرون المعاصرون لاحقا. ان فهم الفلسفة الوسيطة كتقليد نابض وديناميكي فكريا يتحدى اسطورة "العصر المظلم". وبدلا من ان تمثل انقطاعا في التقدم الفلسفي، خدمت القرون الوسطى كجسر حيوي بين القديم والحديث. بدون اطرها المفاهيمية، ونصوصها المحفوظة، وطرقها المنضبطة للاستدلال، ما كان ممكنا ان تحدث الثورات الفلسفية للعصر الحديث.

أبرز فلاسفة العصور الوسطى

تمتد فلسفة العصور الوسطى قرابة ألف سنة وتتضمن نطاقا متنوعا من المفكرين الذين عملوا ضمن التقاليد الفكرية المسيحية واليهودية والإسلامية. من بين الأوائل والأكثر تأثيرا هو اوغسطين الذي صاغت توليفته في الثيولوجيا المسيحية والفلسفة الافلاطونية الفكر الغربي لقرون. اوغسطين أكّد على الحياة الباطنية، التنوير الإلهي، والطبيعة القلقة لروح الانسان، واضعا الأسس لأخلاق وميتافيزيقا القرون الوسطى. وهناك شخصية أخرى هامة هو انسلم، اشتهر بصياغة الحجة الانطولوجية لوجود الله. شعار انسلم في الايمان الساعي للفهم يجسد القناعة التي سادت في القرون الوسطى بان العقل والعقيدة متكاملان. عمله كان مثالا على المنهج المدرسي الذي اعتمد على تعريف دقيق وحجج منطقية.

اما توما الاكويني يبرز كأهم فيلسوف قروسطي مؤثر. معتمدا بكثافة على ارسطو، طور الاكويني نظاما شموليا وفّق بين العقل والوحي. في أعمال مثل الخلاصة اللاهوتية، هو عالج الميتافيزيقا والأخلاق والقانون الطبيعي والثيولوجي، مجادلا ان العقل البشري يمكن ان يحصل على معرفة حقيقية عن العالم الطبيعي ويبقى في نفس الوقت منسجما مع الايمان.

في ما وراء العالم المسيحي اللاتيني، ازدهرت الفلسفة القروسطية في التقاليد الإسلامية واليهودية. ابن سينا وابن رشد لعبا دورا حاسما في حفظ وتفسير ارسطو، وأثّرا بعمق على الفكر الأوربي. ميتافيزيقا ابن سينا صاغت نقاشات حول الجوهر والوجود، بينما دافع ابن رشد عن استقلالية العقل. في التقاليد اليهودية، سعى موسى بن ميمون الى التوفيق بين الفلسفة الارسطية واللاهوت الإنجيلي، مؤكدا على الفهم العقلاني لقانون الإله.

اما المفكرون اللاحقون في القرون الوسطى مثل وليم الاوكهامي فقد تحدّى التعقيدية المدرسية داعيا الى اقتصاد مفاهيمي وفصل الفلسفة عن اللاهوت. هذان الفيلسوفان كلاهما اظهرا ثراء وتنوع الفكر القروسطي الذي امتد تأثيره الى ما وراء حدوده التاريخية وأثّر بشكل مباشر في ظهور الفلسفة الحديثة.

ديكارت والتحول الى الحداثة

شغل ديكارت موقعا محوريا في تاريخ الفلسفة، يقف على حافة الانتقال بين الفكر القروسطي والفلسفة الحديثة. في كتاباته في بداية القرن السابع عشر، سعى ديكارت للتقاطع مع السلطات الموروثة ووضع أساسا جديدا للمعرفة قائم على العقل وحده. عمله يعكس التحول الفكري الواسع لعصره، المتميز بالثورة العلمية، انحدار المدرسية، وتصاعد الشك نحو التوضيحات التقليدية للعالم.

ان طريقة ديكارت في الشك المنهجي مثّلت رحيلا راديكاليا عن فلسفة القرون الوسطى. بدلا من البدء بافتراضات ثيولوجية او معتقدات قائمة، هو افترض الشك بكل العقائد التي يمكن ان تكون زائفة. هذا الاتجاه قاد الى استنتاجه الشهير (انا افكر اذن انا موجود)، الادراك بان فعل التفكير ذاته يضمن وجود الشخص المفكر. في هذه الرؤية، نقل ديكارت نقطة بدء الفلسفة من الله او الطبيعة الى ذهن الانسان الواعي ذاتيا.

هذا التأكيد على الذاتية يشير الى مولد الابستيمولوجيا الحديثة. المعرفة لم تعد تُشتق أساسا من التقاليد او السلطة وانما من خلال أفكار واضحة ومميزة يمكن الوصول اليها من خلال العقل. ديكارت أيضا أدخل تمييزا صارما بين الذهن والجسم، معيدا تعريف المشهد الميتافيزيقي ومؤثرا على النقاشات اللاحقة في العلوم والفلسفة. وبينما لم يرفض ديكارت تماما الله او الميتافيزيقا، هو أعاد تعريف دورهما الفلسفي. الله اصبح ضامنا لليقين العقلاني بدلا من نقطة البدء في التحقيق. بعمل كهذا، استطاع ديكارت تفكيك التوليفة بين الايمان والعقل التي تعود الى العصور الوسطى ومهد الطريق للحركات الفلسفية الحديثة مثل العقلانية والتجريبية. عمله يمثل تحولا حاسما نحو الحداثة، حيث اصبح العقل البشري الأساس الأول للمعرفة.

العقلانية

وهي احدى الحركات الفلسفية المركزية للعصر الحديث وتُعرّف بالايمان بان العقل هو المصدر الرئيسي للمعرفة. عند بروزها في القرن السابع عشر ظهرت العقلانية كرد فعل على الشكوك حول التجربة الحسية ومحدودية التقاليد. الفلاسفة العقلانيون جادلوا بان حقائق معينة يمكن معرفتها بشكل مستقل عن التجربة من خلال البصيرة الفكرية والتعليم المنطقي والمبادئ الفطرية للذهن. وكما ذكرنا سابقا، ديكارت عادة اعتُبر مؤسس العقلانية الحديثة، مؤكدا على الأفكار الواضحة والمميزة كأساس لليقين. مع ذلك، في أعقاب ديكارت وسّع فلاسفة مثل باروخ سبينوزا وجوتفريد لايبنز الفكر العقلاني الى أنظمة ميتافيزيقية شاملة. سبينوزا سعى الى فهم الواقع من خلال ضرورة منطقية صارمة، مجادلا ان كل شيء يتبع من جوهر عقلاني منفرد. من جهته، افترض الفيلسوف الالماني لايبنز ان الواقع يتألف من (mondas) (وهي لبنات غير مادية لا تقبل القسمة تُحكم بمبادئ عقلانية وانسجام قائم سلفا تشبه العقل وتمثل الوحدات الحقيقية للواقع الموجود خارج الزمان والمكان) .

ان الصفة المميزة للعقلانية هي ثقتها في قوة العقل لكشف الحقائق الأساسية حول الواقع والأخلاق والله. العقلانيون عادة دافعوا عن وجود الأفكار الفطرية: مفاهيم غير مشتقة من التجربة الحسية لكن متجسدة في تركيب الذهن ذاته. الرياضيات عملت كنموذج للمعرفة العقلانية، حيث أظهرت مدى اليقين الذي يمكن تحقيقه من خلال الاستنتاج بدلا من الملاحظة.

العقلانية رغم قوتها، واجهت انتقادات بسبب بُعدها الواضح عن الواقع التجريبي. هذه الانتقادات قادت الى التجريبية التي اكدت على التجربة كمصدر للمعرفة. مع ذلك، لعبت العقلانية دورا حاسما في صياغة الفلسفة الحديثة عبر تأسيس العقل كسلطة مركزية في السعي للحقيقة وعبر وضع الأرضية للنقاشات اللاحقة حول المعرفة، العلوم، والرياضيات.

التجريبية

أكدت التجريبية كحركة فلسفية كبرى في الفترة الحديثة على التجربة كمصدر رئيسي للمعرفة البشرية. برزت في بريطانيا اثناء القرنين السابع عشر والثامن عشر، وتطورت كرد فعل على الادّعاءات العقلانية حول الأفكار الفطرية والمعرفة الاستنتاجية البحتة. التجريبيون جادلوا بان الذهن يحصل على محتواه من خلال التفاعل مع العالم، وان الملاحظة والتجربة تشكلان أساس الفهم.

جون لوك اعتُبر كمؤسس للتجريبية الحديثة. في رسالته (مقال في الفهم البشري)، رفض لوك فكرة الأفكار الفطرية ووصف الذهن كصفحة بيضاء تتقرر بالاحساس والتفكير. وبناءً على هذا، دفع جورج باركلي التجريبية نحو اتجاه مثالي مجادلا ان الوجود يكمن في ادراكه منكرا وجود مادة مستقلة عن الادراك.

ديفد هيوم أوصل التجريبية الى استنتاجاتها الأكثر راديكالية. عبر الإصرار بان الأفكار يجب ان يتم تعقّبها رجوعا الى الانطباعات الحسية، هيوم تحدّى المفاهيم التقليدية كالسببية، والجوهر، والذات. هو جادل ان الارتباطات السببية ليست ضرورية منطقيا بل تكونت من خلال العادات والتوقعات، مثيراً شكوك خطيرة حول يقين المعرفة العلمية والميتافيزيقية. أثّرت التجريبية بعمق على تطور العلوم الحديثة عبر تفضيل الملاحظة، التجريب، والدليل بدلا من التأمل. وفي نفس الوقت، كشفت مضامينها الشكوكية محدوديات في العقل البشري، ما أدى الى استجابات فلسفية جديدة. والأكثر ملاحظة، ان عمانوئيل كانط سعى الى حل الصراع بين التجريبية والعقلانية من خلال الجدال بانه بينما المعرفة تبدأ بالتجربة، فهي تُبنى بواسطة الذهن، وهي المدرسة الفلسفية التي تسمى المثالية كما سنرى.

تطور الفلسفة والمثالية

برزت المثالية حركة فلسفية كبرى كاستجابة للتوترات بين العقلانية والتجريبية، سعت لتوضيح الكيفية التي تتشكل بها المعرفة والواقع بواسطة الذهن. بدلا من التعامل مع العالم الخارجي كشيء مستقل تماما عن الادراك البشري، جادل الفلاسفة المثاليون ان الواقع يعتمد بشكل أساسي على البنية العقلية والوعي او العقل. المثالية أصبحت خصيصا مؤثرة في أواخر القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حيث أعادت تشكيل الفلسفة الحديثة.

عمانوئيل كانط جسّد نقطة التحول الحاسمة نحو المثالية. بينما هو رفض الادّعاء بان الواقع يُخلق بواسطة الذهن، كانط جادل بان العالم كما نعرفه يتأسس بواسطة الأشكال والمبادئ القبلية للذهن. الزمان والمكان والسببية ليست خصائص لأشياء في ذاتها وانما هي ظروف من خلالها تكون التجربة البشرية ممكنة. هذا الموقف، يُعرف بـ المثالية المتعالية، سعى للحفاظ على المعرفة الموضوعية بينما يعترف أيضا بحدود الفهم البشري.

وبالبناء على عمل كانط، طوّر مثاليون ألمان مثل آرثر شوبنهاور وفردريك شيلنك وجورج ولهيم هيجل أنظمة اكثر طموحا. كان للمثالية آثار بعيدة المدى على الميتافيزيقا والأخلاق والفلسفة السياسية. عبر تأكيدها على الدور النشط للوعي في صياغة الواقع، تكون قد تحدّت الرؤى العالمية الميكانيكية والمادية الخالصة. ورغم ان الحركات الفلسفية اللاحقة كان لها رد فعل على المثالية، لكن تأثيرها لايزال عميقا في تشكيل النقاشات حول الذاتية، الحرية، التاريخ، وطبيعة الواقع في الفلسفة الحديثة.

***

حاتم حميد محسن

.............................

The collector, May 15,2026

تجاوز الثنائيات التقليدية في الفكر السياسي

شهدت الفلسفة السياسية المعاصرة تحولاً جذرياً وعميقاً في مقاربة مفهوم السلطة وفهم آلياتها الحركية، وهو تحول قاده بصورة أساسية النقد الفلسفي الفرنسي المعاصر عبر طرح سؤال بديل وجوهري بدلاً من الأسئلة الجوهرانية القديمة؛ وهذا السؤال هو: "كيف تعمل السلطة؟". يمثل هذا التساؤل المعرفي انعطافاً منهجياً حاسماً يتجاوز التصورات التقليدية التي هيمنت على الفكر السياسي طويلاً، وحصرته في قوالب جامدة.

من ناحية أولى، يتجاوز هذا الطرح الجديد التصور الليبرالي الكلاسيكي الذي ينظر إلى السلطة من منظار قانوني دستوري محض، ويختزلها تالياً في سيادة الدستور ومؤسسات الدولة الرسمية بوصفها أعلى سلطة شرعية متعالية. ومن ناحية أخرى، يتخطى هذا التوجه النقد المادي التاريخي التقليدي الذي يختزل السلطة في كونها مجرد امتياز اقتصادي تحظى به طبقة مسيطرة دون أخرى، أو أداة قمع حصرية تمتلكها تلك الطبقة الاقتصادية لإخضاع الطبقة العاملة المسحوقة.

بدلاً من هذه الرؤى المختزِلة والآحادية، يقدم الفكر الفلسفي التفكيكي، وبنية التشريح الدقيق للسلطة، تصوراً مغايراً يرى في السلطة استراتيجية محايثة ومستمرة تخترق الجسد الاجتماعي بأكمله وتتشابك في عروقه. إن السلطة، وفق هذا المنظور النقدي، ليست شيئاً مادياً يمتلك كالثروة أو العقار أو الأرض، بل هي شبكة معقدة من الممارسات، والنظم، والإجراءات الحيوية التي يتداخل فيها البعد الاجتماعي بالبعد الاقتصادي، والسياسي بالمعرفي.

تعمل السلطة في جوهرها من خلال إنتاج الحقيقة وتوزيعها صعوداً وهبوطاً؛ إذ لا توجد ممارسة فعلية لآليات السلطة دون وجود نوع معين من الاقتصاد المعرفي الموجه لـ "خطابات الحقيقة" التي تمنحها الشرعية الدائمة وتبرر وجودها. بناءً على ذلك، نجد أن الذوات الإنسانية غدت خاضعة للسلطة بواسطة إنتاج الحقيقة التي تفرضها المنظومة كقانون طبيعي أو اجتماعي، نصنف بموجبه ذواتنا والآخرين، ونحاكم بناءً على معاييره سلوكنا العام والخاص.

لذلك، فإن تفكيك السلطة وتعرية آلياتها يقتضي بالضرورة دراستها عند أطرافها الهامشية وملامحها الأخيرة، أي في المواقع واللحظات التي تصبح فيها هذه السلطة دقيقة، ونوعية، وهشة، وحيث تتجاوز القواعد القانونية الكبرى المنظمة لها لتندمج كلياً في تقنيات ومؤسسات محلية وجهوية تمارس الإكراه المادي والرمزي الواقعي على الأجساد البشرية مباشرة.

إن هذا التحول المعرفي من "نظرية السيادة" الفوقية والمركزية إلى "واقع الإخضاع والهيمنة" المجهري الدقيق يمثل الأرضية المعرفية الصلبة التي تتيح للباحث مقارنة الأنظمة السياسية والاجتماعية التي تبدو متناقضة عقائدياً وأيديولوجياً على السطح الخارجي، وتحديداً الأنظمة الشمولية الكلية من جهة، والمنظومة المالية القائمة على الاقتصاد الحر والإنتاج المتقدم من جهة أخرى، وذلك للكشف عن جوهرهما السلطوي المشترك وآلياتهما المتطابقة في تدجين الذات البشرية.

 العقيدة، الدولة، والجماهير في المنظومة الشمولية الكلية

تتميز الأنظمة الشمولية بقدرتها الفائقة على فرض سيطرتها الكلية والشاملة على أبعاد الحياة الإنسانية كافة، سواء أكانت هذه الأبعاد عامة ترتبط بالفضاء المشترك أم خاصة ترتبط بالوجدان الفردي. ولا تكتفي هذه الأنظمة بإدارة الشأن العام الخارجي وضبط الأمن، بل تتغلغل عميقاً إلى داخل الفضاء الخاص للأفراد لتدمير ملكة الاختيار النقدي والتفكر المستقل لديهم، محولة إياهم إلى أجزاء في آلة ضخمة.

وتاريخياً، حاولت هذه الأنظمة الشمولية تطويع أفكار فلسفية تنويرية قديمة وتوظيفها عقائدياً لتبرير وحدتها العضوية القسرية؛ ومثال ذلك الاستدعاء الشمولي للأطروحات الفلسفية المثالية الألمانية حول التربية القومية القادرة على تحقيق حرية الأمة الشاملة، وصياغة مواصفات نوعية وروحية كبرى لها لتمكينها من حمل رسالة تمدين العالم وتثقيف المجتمعات الأخرى.

في هذا الفضاء المغلق، تطرح الدولة الشمولية نفسها كعنصر توحيد مطلق يضع حداً حاسماً لكل الانقسامات والتعددية الاجتماعية، بحيث لا تعود تمثل شعباً سابقاً عليها في الوجود التاريخي، بل تغدو هي الشعب نفسه في صورته المثالية؛ وبالتالي فهي لا تحتاج إلى أي مشروعية خارجية تبرر أفعالها، وتصبح إرادتها السياسية المحضة هي القانون الأسمى والوحيد المعترف به.

على الرغم من التماسك النظري الظاهري لهذا النموذج التوصيفي للشمولية، فقد واجه نقداً فلسفياً لاذعاً لكونه يقدم صفات بنيوية ثابتة لنظام سياسي واجتماعي هو في أصله ديناميكي ومتغير باستمرار، فضلاً عن تأسيسه لثنائية مفرطة البساطة تسطح المشهد السياسي عبر اعتبار الشمولية النقيض المباشر والمعزول للديمقراطية الإجرائية.

الهيمنة الناعمة والاستلاب في منظومة الإنتاج المتقدمة

في المقابل، يتبدى النمط الاقتصادي الحر والإنتاج المتقدم كمحرر ظاهري للفرد من الروابط التقليدية الأولية والقرابات العشائرية التي كانت تمنحه الأمن النفسي والمعنى الوجودي في المجتمعات القديمة، لكن هذا التحرير غير المكتمل ألقى بالفرد المعاصر في خضم عالم موحش تسوده المنافسة الضارية والصراع المفتوح على الاستهلاك، مما أنتج لديه شعوراً حاداً بالوحدة، والعزلة، والقلق الوجودي، والشك المستمر، والعجز أمام المؤسسات العابرة للقارات.

إن هذه التناقضات الصارخة تظهر بوضوح لدى الطبقة الوسطى التي تعيش فصاماً بنيوياً؛ فهي تميل للمحافظة على النظام القائم خوفاً من فقدان مكتسباتها من جهة، وتحتج على التفاوت الطبقي والاجتماعي النامي باطراد من جهة أخرى، مما يولد لديهما خوفاً عميقاً من الحرية الحقيقية وتبعاتها، يدفعها دوماً للهروب نحو التبعية العمياء والخضوع الطوعي لمتطلبات السوق.

هنا يتقاطع مسار المنظومة القائمة على الاستهلاك مع مسار المنظومة الشمولية؛ ففي المجتمع التقني الصناعي المتقدم، ينحو الإنتاج ونمطه منحى الكلية والإحاطة ليحدد سلفاً الحاجات الفردية ونشاطات الحياة الاجتماعية بشتى تفاصيلها. وتندمج الحاجات الفردية الأصيلة بالحاجات الاجتماعية المصنوعة بالكامل، فتزول الحدود الفاصلة بين عالم الحياة الخاص والعميق وعالم الحياة العام والسطحي. هذا الاندماج القسري والنزوع نحو الكلية يمثلان السمة الشمولية المشتركة والخفية التي تربط الرأسمالية المتقدمة بالأنظمة الشمولية الشرقية القديمة.

ولفهم التطور التاريخي لآليات الهيمنة وتغول السلطة في المجتمعات الحديثة، يبرز تمييز فلسفي بالغ الأهمية بين نمطين من المجتمعات: مجتمعات الانضباط ومجتمعات التحكم. لقد أسس الفكر النقدي المعاصر لنظرية "مجتمعات الانضباط" التي ازدهرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ووصلت أوج تمددها في القرن العشرين؛ إذ تعمل هذه المجتمعات من خلال فضاءات احتجاز مادية، ومغلقة، ومحددة جغرافياً.

وتستهدف السلطة الانضباطية في هذا النموذج تنظيم وقت الأفراد بدقة، وضبط أجسادهم وحركاتهم عبر المراقبة البصرية المباشرة، لضمان تحقيق أقصى كفاءة إنتاجية ممكنة، وضمان خضوع تام وتام للمنظومة الاقتصادية الصاعدة التي تتطلب عمالة مطيعة ونمطية.

إلا أن التحليل الفلسفي اللاحق يرى أن المجتمعات المعاصرة تعيش اليوم صيرورة الانتقال السريع نحو "مجتمعات التحكم" الرقمية التي حلت كبديل متطور عن الأشكال الانضباطية القديمة. لم تعد السلطة المعاصرة بحاجة إلى فضاءات الاحتجاز المادية والمغلقة لإخضاع الجسد الإنساني وتدجينه؛ بل أصبحت تمارس هيمنتها الناعمة والكاملة في الهواء الطلق وبفضاءات مفتوحة لا متناهية الحدود، ترتكز على التدفقات الرقمية، وشبكات الاتصال فائقة السرعة، والمنطق الرياضي للمنظومة المالية المفتوحة.

لقد انتقل الإنسان المعاصر بفعل هذه التقنيات من وضع "حيوان الانضباط" (الذي يشبه الخلد الذي يتحرك في ممرات أرضية مغلقة ومعلومة) إلى وضع "حيوان التحكم" (الذي يشبه الأفعى التي تتحرك بتموج وانسياب مستمر في فضاء مفتوح لكنه مراقب بدقة).

تنعكس هذه الصيرورة الجوهرية مباشرة على بنية الاقتصاد وعلاقات العمل الحديثة؛ ففي حين كانت المنظومة الانضباطية تركز على الإنتاج المادي والتجميع البدني للعمال داخل المصانع المغلقة وتأسيس نقابات عمالية كبرى تواجه أصحاب العمل مواجهة مادية مباشرة، تحول النظام الاقتصادي في مجتمعات التحكم إلى منظومة من الدرجة العليا والأكثر تجريداً. لم يعد النظام معنياً بالإنتاج المباشر للمواد الخام أو التصنيع الثقيل الذي جرى ترحيله جغرافياً إلى دول الهامش والبلدان النامية، بل غدا نظاماً خدمياً ومعلوماتياً يبيع المنتجات الجاهزة، والرموز، والخدمات، ويتحكم في الأسواق العالمية عبر المضاربات المالية العابرة للحدود، ومعدلات الصرف الآلية، والتقنيات المعلوماتية الرقمية الخوارزمية.

وداخل المؤسسات الاقتصادية الجديدة، حل مفهوم "الشركة الاستثمارية" أو "المقاولة المرنة" محل "المصنع التقليدي" الصلب. ولم تعد المنافسة الطبقية تجري بين كتل عمالية متضامنة في مواجهة رأس المال، بل تحولت المنافسة إلى حافز ونظام سيكولوجي يقسم العمال داخلياً، ويضع الفرد في حالة مواجهة دائمة وصراع مع زميله في العمل ومع ذاته لتحقيق معدلات الإنتاج المطلوبة.

كما يحل مفهوم "التعليم المستمر" والتأهيل المهني الدائم مدى الحياة محل الاختبارات والشهادات الأكاديمية التقليدية المغلقة، مما يضع نظام التعليم والتربية بالكامل تحت وطأة الشركات الاحتكارية الكبرى ومتطلبات السوق المتغيرة، ويحرم المعرفة من قيمتها الإنسانية المستقلة.

بناءً على ذلك، يتغير مفهوم الكائن الإنساني في مجتمعات التحكم الرقمي؛ فلم يعد الفرد هو ذلك الكائن المحتجز في مكان ما، بل أصبح هو "الإنسان المدين" الخاضع بنيوياً لنظام القروض والديون والرموز الرقمية وبنوك المعطيات الضخمة التي تسلب السيادة الفردية وتستبدلها بهويات رقمية جزئية خاضعة للتحكم والمراقبة الخوارزمية المستمرة على مدار الساعة. وتغدو النقابات العمالية والمهنية التقليدية، التي ارتبط تاريخها البنيوي بالنضال الانضباطي داخل الفضاءات المغلقة والمصانع، عاجزة تماماً عن التكيف مع هذه التحولات التكنولوجية العميقة، مما يستوجب على المجتمعات الحية البحث عن أسلحة مقاومة فكرية وعملية جديدة قادرة على اختراق جدار التحكم الرقمي السميك.

معضلة الديمقراطية في السياق العربي والتمايز الإجرائي

يكتسب البحث في البديل الديمقراطي حساسية سياسية وتاريخية قصوى عند إسقاط هذه المفاهيم التفكيكية على الواقع السياسي العربي المعاصر؛ حيث تعاني المنطقة العربية من معضلات بنيوية وعقبات عميقة ترتبط بعدم التمييز الدقيق والمعرفي بين مفهومين مركزيين في النظرية السياسية: مفهوم "التداول السلمي على السلطة" ومفهوم "انتقال السلطة".

لقد تبنت بعض الأنظمة والبلدان العربية إصلاحات سياسية شكلية مقتصرة حصراً على جوانبها الإجرائية، والتقنية، والانتخابية الصورية، دون أن ترقى هذه الممارسات الموسمية إلى تحقيق تداول حقيقي، وفعلي، ومؤسسي على السلطة يتيح إنتاج بدائل سياسية واقتصادية واجتماعية حقيقية من شأنها تحرير المواطن من التبعية والفقر.

إن هذا الإخفاق البنيوي في استيعاب جوهر الديمقراطية كرس أزمة الاستبداد السياسي، وأدى تاريخياً إلى تفجر الاحتجاجات الشعبية العارمة والمطالبة الجذرية بإسقاط الأنظمة الحاكمة، نتيجة لفشل هذه الأنظمة في تبرير سياساتها التنموية وتآكل قاعدتها الشرعية والشعبية.

بناءً على ذلك، فإن الانتقال الفعلي والحقيقي نحو الديمقراطية الحقة في المنطقة العربية لا يمكن استيراده كقطع غيار أو كوصفة جاهزة من الخارج، ولا يمكن الاعتماد فيه على الخطاب السياسي الفج والسطحي للقوى السياسية المحلية أو الإقليمية؛ بل يتطلب ابتداءً إجراء دراسة تفكيكية مستفيضة ومستوعبة للبنى الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والجيواستراتيجية المعقدة القائمة في المنطقة.

يتطلب التغيير الحقيقي المنشود تجاوز النماذج التمثيلية المشوهة والديمقراطيات الواجهية نحو بناء فضاء عمومي محلي، نشط، ومستقل، يمارس الرقابة الشعبية الصارمة على مؤسسات السلطة وينتج الوعي النقدي ديمقراطياً من الأسفل إلى الأعلى. كما يتطلب هذا الانتقال الموازنة الدقيقة بين حرية السوق والمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية للدولة تجاه الفئات الضعيفة، مع ضمان حق النقد، والمعارضة، والاختلاف بوصفها مقومات أساسية وأعمدة لا غنى عنها لبناء مجتمع حر، ومتضامن، ومتوازن.

***

 غالب المسعودي

 

الدور الاستلابي للأبراج في منظور أدورنو

"وذلك القوس المقلوب الذي تسمِّيه السماء، الذي نعيش ونموت تحته محبوسين زاحفين،

لا ترفع يديك إليه طلبًا للعون – لأنَّه يدور عاجزًا مثلنا تمامًا" (عمر الخيّام) (1)

***

1- مقدمة: تُعَدُّ الأبراج اليوميّة المنشورة في أعمدة التنجيم في الصحف والمجلّات في كلِّ مكان من بين الملذّات التي يتمتّع بها الملايين من البشر على سطح المعمورة. فمعظم الناس يعرفون البرج الذي وُلدوا تحته، سواء كانوا من برج الثور أو العذراء أو الأسد أو العقرب، إلخ. وكثيرٌ منهم لديه فكرة عن الصفات الشخصيّة التي يُفترض أنَّهم يمتلكونها نتيجةً لذلك. وقد أصبح اليوم من المألوف أن يعرف شخصٌ ما نفسه بالمواصفات البرجيّة له، كأن يقول: "أنا من برج الثور، أحبُّ البيت، ويمكن الاعتماد عليَّ مع أنَّني مملٌّ قليلًا" (2).

والشخص الذي يسمع مثل هذا التعريف البرجيّ لا يميل عادةً إلى اعتبار المتكلّم خرافيًّا أو غير عقلانيّ. بل قد يبدو هذا القول وكأنَّه يعكس قدرًا من الوعي الذاتيّ الموضوعي؛ فهو لا يحمل طابعًا غرائبيًّا أو مبالغةً غير عقلانية، بل يبدو القول طبيعيًّا من خلال معقوليته اليوميّة. كما أنَّ هذه التصريحات لا تُقال عادةً بحماسة المؤمن المتعصّب. فقرّاء هذه الأعمدة لا يعلنون أنفسهم مؤمنين أو غير مؤمنين. بل إنَّ مسألة الإيمان نفسها تبقى ضبابيّة بسبب عدم رغبة عامة في التحقّق من نظام التنجيم وتبريراته، ولا سيّما فيما يتعلّق بحركات الكواكب وعلاقاتها. وقد تمنح الإشارات "العلمية" الظاهريّة – مثل العلاقة بين المريخ والمشتري – القارئ إحساسًا بوجود منطقٍ ما في البنيّة النجومية، وذلك دون أن يشعر بالحاجة إلى التحقّق. كما أنَّ النصائح تبدو واقعيّة بشكل عام، ومصاغةً بلغة توحي بعلمٍ مبسّط. ومع ذلك، يدّعي كثيرٌ من القرّاء أنَّهم يقرؤون هذه الأعمدة للتسلية فقط دون أخذها على محمل الجد (3).

2- أدورنو والتنجيم بوصفه قوّةً استلابية:

ففي مقاله المطوّل "النجوم تهبط إلى الأرض" " (Stars Down to Earth) (4)، قام أدورنو بتحليل تفكيكيّ لعمود تنجيم يوميّ في صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" (Los Angeles Times, 1952–1953)، كاشفًا عن المرض الاجتماعيّ الذي يدعم هذا الشكل من اللاعقلانيّة. فما يراه البعض تسليةً بريئة، يراه هو – شأنه شأن منتجات صناعة الثقافة – شيئًا سامًّا، وفي هذا الأمر يقول: "إنَّ المواقف التي تستدعيها صناعة الثقافة ليست بريئةً على الإطلاق... فإذا نصح المنجِّم قرّاءه بالقيادة بحذر في يومٍ معيّن، فهذا لا يضرُّ أحدًا؛ لكن الضرر الحقيقيّ يكمن في تلك البلادة الذهنيّة التي تجعل الناس يعتقدون أنَّ مثل هذه النصيحة العاديّة تكتسب أهميتها من الهالة الزائفة التي تُعطى لها لمجرّد ربطها بالأبراج والنجوم"(5). فالخطر الحقيقيّ للنصيحة يكمن في الشكل الذهنيّ والنفسيّ الذي تُعوِّد الناس عليه. فقول المنجِّم: "قُدْ بحذر اليوم" يبدو نصحًا عاديًّا يمكن أن يُقال في أيّ وقت. لكن المشكلة تكمن في أنَّ الإنسان يُدفع إلى الاعتقاد واهمًا بأنَّ أفعاله تخضع لسلطة غامضة وخارجيّة كسلطة النجوم، وذلك بدلًا من التفكير العقلانيّ المستقل. فالنصيحة لا تقوم على أساس عقلانيّ لأنَّها مجرد نصيحة عامة تصلح في كل وقت، ولكنَّها تصبح وهمًا عندما تُقدَّم وكأنَّها معرفة كونيّة دقيقة مستمدّة من النجوم والأبراج.

والبلادة هنا لا تكمن في الجهل البسيط، بل في اعتياد العقل على قبول أمور فارغة وغير منطقيّة على أنَّها حقائق عميقة. وهذا يعني أنَّ هذه الذهنيّة الخرافيّة تُنتج نمطًا من الوعي الكسول الذي يتوقّف عن التساؤل والنقد. فالإنسان لا يعود يسأل أو يتأمّل على نحو نقدي، بل يكتفي بالاستهلاك والتصديق الساذج لأقوال المنجّمين. وغنيٌّ عن البيان أنَّ هذه الفكرة ترتبط بنقد أدورنو للعقل الأداتيّ (Instrumental Reason)، إذ يرى أنَّ المجتمع الحديث، في رأيه، رغم تقدّمه التقني، يُعيد إنتاج أشكال جديدة من الخرافات والأوهام. وبدلًا من الأساطير القديمة تظهر أشكال حديثة من الوعي الأسطوريّ أو الخرافيّ الذي يتمثّل في الأبراج والدعاية والترفيه المعلّب والشعارات الإعلاميّة الفارغة. ومع أنَّ هذه الأفكار بسيطة وبريئة، لكنَّها تُدرِّب الأفراد على الامتثال والتلقّي السلبي والجمود الفكريّ والذهنيّ. وهنا يكمن جوهر الفكرة التي تتعلّق بالتنجيم، فنحن لسنا أمام نصيحة تحضّنا على القيادة بحذر، بل إزاء فكرة تدعو إلى استلاب العقل الإنسانيّ وإحالته إلى سلطات وهميّة فتفقده قدرته على الحكم النقديّ المستقل. فالنصيحة في المثال السابق «قُدِ السيارة بحذر» نصيحة صحيحة في كل يوم، سواء كانت النجوم مناسبة أم لا. لذلك فهي ليست معرفةً خاصةً أو عميقة. لكنَّ المنجِّم يقدّم هذه النصيحة وكأنَّها اكتشاف كونيّ مرتبط بحركة الأبراج والنجوم، فيقول مثلًا: «اليوم يجب أن تكون حذرًا في القيادة لأنَّ الكواكب في وضع خطير». وهنا تكمن المشكلة الاستلابية، وهذا يولِّد نوعًا من «البلادة الذهنية» لأنَّ الشخص يتوقّف عن رؤيّة التفاهة الكامنة في الكلام ويلتفت إلى التأمّل في مصدرها الخارجيّ. فبدلًا من القول: "الحذر مطلوب دائمًا أثناء القيادة"، يقول القارئ أو المستمع لنفسه: النجوم تخبرني أن أكون حذرًا اليوم، وهذا يعني أنَّه ينسب أمرًا بديهيًّا وعقلانيًّا إلى قوّة غامضة وخرافيّة لا يدرك كنهها أو فحواها. وهنا يظهر ما يسمّيه أدورنو أثر صناعة الثقافة: أيّ تعويد الناس على قبول الكلام الفارغ إذا قُدِّم بأسلوب جذّاب أو سلطويّ أو غامض. والمشكلة هنا ليست في «الحذر» نفسه، بل في الطريقة التي تجعل الإنسان يسلّم عقله لخطاب وهميّ لا معنى حقيقيًّا له.

وفي هذا الفضاء يرى أدورنو أنَّ أعمدة التنجيم تعكس مرضًا اجتماعيًّا يتمثّل في ضعف الأنا (Ego-weakness) ومرض التبعيّة (Dependency) والسلطويّة (Authoritarianism)، وينطلق أدورنو في تحليله إلى نظريتيّ ماركس وفرويد معًا، ويتجلّى هذا المزج في دراسته الشهيرة "الشخصيّة السلطوية" (The Authoritarian Personality) (6). وعلى هذه الصورة يرى أدورنو أنَّ الإيمان بالأبراج ليس مجرد تسلية، بل هو تعبير عن بنية اجتماعية-نفسيّة عميقة، يتحوّل الإنسان فيها ومعها إلى كائن خرافيّ يعتمد على قوى خارجيّة تمنحه معنىً وهميًّا لحياته.

3- سلطة النجوم والعقل المغلق:

تزعم الأبراج أنَّها تمثّل سلطة – سلطة النجوم – التي يُفترض أنَّها تتحكّم في الحياة اليوميّة. فإذا تصرّف الفرد وفقًا لها، يمكنه الشعور بالأمان. لكن هذه السلطة غير قابلة للمساءلة أو التأثير. ويرى أدورنو أنَّها مجرد إسقاط لعجز الفرد أمام القوى الاجتماعيّة الحقيقيّة التي تتحكّم في حياته. وتنشأ السلطويّة حيث يوجد تفاوت كبير في القوة وغياب للتكافؤ في العلاقات.

يتناول أدورنو قضيّة التنجيم بشكل موسّع وشامل في دراسته الموسومة بـــــ "النجوم تهبط إلى الأرض"  (The Stars Down to Earth) (7)، إذ يرى أنَّ التنجيم يعكس محاولة عقلانيّة للبقاء تحوّلت إلى لاعقلانيّة. فالعلاقة بالنجوم تشبه العلاقة بالمجتمع: علاقة اغترابيّة غير مباشرة. وعلى هذه الصورة فإنَّ المنجِّم ينظر إلى الحياة الاجتماعيّة بوصفها قدرًا موضوعيًّا يتخطّى إرادة الفرد، وتعبِّر عن طبيعة وجوده وعلاقته بالبنية الاجتماعيّة. والفرد في معطيات التنجيم يعاني من العجز والضعف وعدم القدرة على تقرير المصير؛ ومع ذلك فإنَّ التنجيم يمنح هذا العجز معنىً، عبر تقديم معرفة وهميّة أو إعطاء نصائح أو خلق وهم المشاركة في السلطة، كما يقلّل من درجة الخوف إزاء حتميّة الواقع. وعلى هذا المنوال تركّز النصائح النجميّة على الأمور اليوميّة البسيطة، وتشجّع على التحكّم العقلانيّ بالسلوك؛ لكنَّها في الحقيقة تحوِّل الانتباه عن نقد الواقع وتدفع الفرد للتكيّف معه والامتثال لحتميته. ومع أنَّ التنجيم لا يدعو إلى الحتميّة المطلقة، بل يعطي فسحة قصيرة للحرية، أي حريّة الاختيار داخل حدود مفروضة مسبقًا، وهي حريّة محدودة جدًّا غير قادرة على تغيير الواقع أو تجاوزه، وهي في كل الأحوال لا تتخطّى حدود التكيّف الاجتماعيّ على مبدأ الوهم، كما لو أنَّ مجال الفرد منفصل تمامًا عن العالم وعليه أن يقبل بشعار "الأعمال تسير كالمعتاد بوصفها حكمة ميتافيزيقية"(8). وهذا يعني أنَّ التنجيم يدفع الفرد إلى الاعتقاد بأنَّ مشكلاته كلها، سواء أكانت نفسيّة أم اجتماعيّة أم فردية، ليست مرتبطة بالبنية الاجتماعيّة أو الاقتصاديّة أو السياسية، بل بقوى خارجيّة خفيّة مخصّصة لرسم الأقدار والمصائر. فالعامل المرهق مثلًا لا يُقال له إنَّ سبب تعبه هو الاستغلال الرأسمالي، بل يُقال له: "زحل يؤثر على طاقتك اليوم". والشخص القلق من المستقبل لا يُدفع إلى فهم شروط المجتمع، بل إلى متابعة الأبراج، وضبط سلوكه الشخصي، وانتظار تحسّن الحظ. وهنا تصبح عبارة "الأعمال تسير كالمعتاد" تعبيرًا عن حكمة ميتافيزيقيّة تقول: إنَّ العالم القائم طبيعيّ وثابت، وإنَّه لا يمكن تغييره جذريًّا، وما على الفرد إلا أن يتكيّف معه بأقل الخسائر. ومن هنا يرى أدورنو أنَّ التنجيم ليس مجرد خرافة بريئة، بل يؤدّي وظيفة أيديولوجيّة تتمثّل في تخفيف القلق الفرديّ وخفض التوتر وشلِّ التفكير النقديّ. فالتنجيم هنا يحوِّل التوترات الاجتماعيّة إلى مشكلات تخضع للقدر الخارجيّ عند الإنسان. وهذا الرأي قريب جدًّا من نقد هربرت ماركوز وإريك فروم للمجتمع الحديث الذي يبدو فيه الإنسان حرًّا ظاهريًّا، ولكنه محصور فعليًّا داخل أنماط سلوك محدّدة وتفكير متصلّب مسبقًا.

4- التنجيم بوصفه أيديولوجيا:

فخطاب التنجيم يجسّد أيديولوجيا تفرض نفسها على الفرد، فتعطيه وهمًا بامتلاك حريّة مشروطة تعمل داخل حدود مرسومة سلفًا بفعل قوى كونيّة مفترضة. وعلى هذه الصورة تُختزل الحريّة إلى أداة تكيّف مع ما هو قائم، وهي لا تجسّد سعيًا إلى تغيير الواقع أو نقده. كما تسهم هذه الأيديولوجيا في فصل الفرد عن الشروط الاجتماعيّة والتاريخيّة التي تشكّل واقعه، فيُعاد تفسير المعاناة والنجاح بوصفهما نتاجًا لحركات النجوم لا لعلاقات القوة والبنية الاجتماعيّة. ومن ثمَّ، يُعاد إنتاج الواقع القائم بوصفه قدرًا طبيعيًّا، حيث يُستبطن شعار “الأعمال تسير كالمعتاد” كحقيقة ميتافيزيقيّة لا تقبل الجدل. وفي هذا السياق، يغدو التنجيم أداة لإعادة إنتاج الامتثال، إذ يمنح الأفراد إحساسًا زائفًا بالسيطرة بينما يعمّق في الواقع منطق التكيّف والخضوع، وهو ما يتقاطع مع النقد الذي يقدّمه أدورنو للأيديولوجيا بوصفها نسقًا يُخفي علاقات الهيمنة تحت غطاء من المعنى.

وعلى غرار الصناعة الثقافية، يقدّم التنجيم نفسه كخطاب عقلاني، بطريقة يطمس فيها الفرق بين العقلانيّ واللاعقلانيّ. وتشكل هذه العقلانيّة المزيّفة غطاءً للأوهام التي تتسلّل إلى عقل الفرد وبنيته الذهنيّة. وفي نطاق هذا الوهم العقلانيّ يحمّل التنجيم الفرد مسؤوليّة مشكلاته، ويجعل الحل في سلوكه الشخصي، لا في الظروف الاجتماعيّة. فــ "القوى الموضوعيّة تُحصَّن ضد النقد، بينما يُطلب من الفرد التكيّف معها" (9). وهذا التعبير يشكّل نقدًا عميقًا لوظيفة التنجيم كأيديولوجيا تُعيد توزيع المسؤوليّة بطريقة تُخفي البنية الاجتماعيّة وتُبرز الفرد وحده. فالفرد يُدفع إلى الاعتماد على الآخرين في فهم نفسه، مما يعزّز الاغتراب. ويصبح "التوافق الجماعي" معيار الحقيقة. كما يُطلب من الفرد أن يتصرّف كأنَّه قوي، رغم عجزه الحقيقي، عبر أنشطة سطحيّة لا تؤثر فعليًّا في الواقع. ويتم هذا الأمر على الطريقة التي تحدث في العصاب القهري، إذ يجب طاعة قواعد دون معرفة السبب... وهذه الطاعة العمياء ترتبط بقوة مخيفة مجهولة" (10).

5- التنجيم والعصاب القهري:

يبيّن لنا فرويد أنَّ المصاب بالعصاب القهريّ (Obsessive Neurosis) قد يكرّر أفعالًا قسريّة قهريّة معيّنة، أو يمارس طقوسًا محدّدة دون أن يعرف لماذا يفعل ذلك تمامًا، لكنَّه يشعر بأنَّ عدم الطاعة سيؤدّي إلى خطر غامض أو كارثة أو قلق هائل. ومن الأمثلة على ذلك الشخص الذي يعود ليتأكّد من أنَّه أقفل باب منزله مرات عديدة، أو ذاك الذي يرتّب الأشياء بطريقة قهرية، أو الشخص الذي يكرّر سلوكًا محدّدًا بشكل قهري، أو الإنسان الذي يفكّر في أمر ولا يستطيع التخلّص منه تحت ضغط داخليّ مبهم يجبره على ذلك. وعلى مقياس هذا العصاب القهريّ يرى أدورنو أنَّ المجتمع الحديث ينتج شيئًا مشابهًا على المستوى الاجتماعيّ والثقافيّ. فالإنسان يشعر بأنَّه ضعيف أمام سطوة الاقتصاد، وعاجز أمام هيمنة البيروقراطية، وغير قادر على فهم القوى التي تتحكّم بحياته، ولا يستطيع التأثير فعليًّا في النظام الاجتماعيّ. لكن بدل مواجهة هذا العجز الحقيقي، قد يلجأ إلى أنشطة رمزيّة وسطحيّة تمنحه وهم السيطرة مثل: متابعة الأبراج، وممارسة الطقوس اليوميّة بشكل متكرر، أو الإيمان بالإشارات والرمزيات الخفية، أو التمسّك بعادات استهلاكيّة فائضة عن الحاجة، وأخطرها الطاعة العمياء لقواعد اجتماعيّة لا يفهم أساسها.

وهنا تظهر القوة الخفيّة للمجتمع التي تتمثّل في قوة النظام الاجتماعيّ نفسه، لكن بعد أن تصبح مجهولة المصدر وغير مفهومة ومُستبطنة نفسيًّا داخل الأفراد. فالإنسان لا يرى السلطة في شكلها المباشر، بل يشعر بها كضغط دائم يقول له: تكيّف ولا تخرج عن القواعد، لا تخاطر وافعل ما يفعله الجميع، حافظ على سير الأمور. وعلى هذا العصاب القهريّ الاجتماعيّ يبني أدورنو على أنَّ الطاعة في المجتمع تتحوّل إلى طاعة عمياء صمّاء لسطوة القوى التي في المجتمع؛ لأنَّ الفرد لم يعد يعرف حقيقة من يفرض القواعد وينظّمها، ومن الذي يسيطر على مقدّرات المجتمع، كما أنَّه لا يعرف ما القوى التي تفرض عليه الخضوع والامتثال والطاعة، كما أنَّه لا يدرك الغاية الحقيقيّة للسلوك الذي يؤدّيه تحت ضغط المجتمع، وذلك لأنَّه مسكون بخوف غامض من مخالفة الأنظمة والخروج عن النظام. وهذه الرؤية الأدورنيّة تتجانس مع ما سيراه ميشيل فوكو لاحقًا حول السلطة الحديثة؛ فالسلطة لم تعد دائمًا قمعًا مباشرًا، بل تتحوّل إلى مراقبة داخليّة وتنظيم ذاتيّ بطريقة يصبح معها الفرد نفسه مسكونًا بالقواعد التي تقيّده وتسيطر على كيانه ووجوده. وهنا يمكن الحديث عن «القوة الخفية» التي تتمثّل في سلطة المجتمع المجهولة وهيمنة النظام البرجوازيّ والخوف من الانفصال عن الواقع السائد الذي يتخفّى في صورة قواعد يوميّة عاديّة أو طقوس تبدو بريئة.

6- تنجيمات الصباح والمساء:

يقسم التنجيم الحياة إلى مرحلتين، تأخذ الأولى مكانها في الصباح وتتمثّل في تنجيمات العمل والنجاح والتفوّق أو الفشل، وتتجلّى الثانية في المساء متمثّلة في أوهام الراحة والمتعة والترفيه وأحلام اليقظة، وعلى هذه الصورة يتم حل التناقضات الاجتماعيّة ظاهريًّا، فـ "العلاقات المتناقضة تتحوّل إلى تعاقب زمني... العمل تكفير عن المتعة، والمتعة مكافأة للعمل" (11). ففي الصباح والمساء تنصح الأعمدة الناس بأداء مهام صغيرة وغير ذات أهمية، في اعتراف ضمنيّ بأنَّ ما يُطلب من الفرد هو أن ينسجم ويتكيّف، مؤدّيًا دور ترس داخل آلة.

وتتضمّن الصحف اليوميّة غالبًا ووسائل الإعلام الجماهيريّة أعمدة ثابتة تحت عناوين مثل: أبراج الحظ والتنجيم، والنصائح اليومية، والكلمات المتقاطعة، وإرشادات يوميّة تحت عنوان “كيف تنجح في يومك”. وهنا ينتقد أدورنو الطريقة التي تقوم بها هذه الأعمدة بتوجيه الأفراد نحو التكيّف والانضباط اليوميّ بدلًا من التفكير النقديّ أو التأمل العقليّ الرصين. فأبراج الحظ والتنجيم تنصح الناس بأداء مهام صغيرة وغير ذات أهمية، على مثال: استيقظ باكرًا وكن عمليًّا ولا تفكّر كثيرًا، وقم بواجبك على نحو أفضل وانسجم مع محيطك، ولا تنغمس في رغباتك الشخصيّة. وهذه الإشارات والنصائح والتنبيهات الاعتباطيّة تؤكّد، وفق أدورنو، أنَّ الثقافة الجماهيريّة لا تطلب من الإنسان أن يكون ذاتًا حرّة وأن يفكّر موضوعيًّا أو نقديًّا أو أن يتأمّل على نحو عقلانيّ في الحياة والعمل، بل تحاول أن تجرّده من القدرة على التفكير والتأمل وتحوّله إلى آلة صمّاء عمياء داخل النظام الاجتماعيّ الضخم(12). ففي الفترة الصباحيّة تتفيض أعمدة الأبراج بالتنبيهات التي تحضّ على تأدية الواجب والاجتهاد في العمل، وتطالب الناس بعدم الانغماس في إشباع الدوافع الغريزية، وهذا يعني أنَّ هذه الأعمدة تمارس دورًا أيديولوجيًّا يتمثّل في المطالبة بالانضباط والإنتاجيّة والطاعة وضبط الرغبات، ومن ثمَّ الامتثال للأنظمة الاجتماعيّة. وعلى خلاف ذلك فإنَّها ترفض الرغبات الفرديّة أو اللذّة أو التأمل الشخصيّ بوصفها شيئًا يجب تأجيله أو كبحه لصالح العمل والتكيّف. وعلى هذه الصورة تتحوّل وسائل الإعلام اليوميّة إلى أدوات لإعادة إنتاج الطاعة الاجتماعيّة بصورة ناعمة وغير مباشرة.

وفي هذا السياق يرى أدورنو أنَّ العمود يعزّز النزعة الليبيديّة (libidinization) في العمل، وهو ما يتناسب عكسيًّا مع أهميّة هذه المهام. ففي عصر يتحوّل فيه الأفراد سريعًا إلى ملحقات للآلات، إلى أشياء، تمتد هذه النزعة الليبيدية إلى الأدوات التي تُمنح هالة إنسانية، مثل إضفاء الطابع الشخصيّ على السيارات والأدوات بمختلف أنواعها. وهناك نزعة نرجسيّة هنا، إذ يتم التماهي بين "أنسنة" الأداة وبين سيطرة الأنا على الطبيعة، وما توحي به من مشاعر القدرة المطلقة.

7- فعاليّة أيديولوجية:

يلفت أدورنو النظر بدقة إلى التناقض في النصائح التي تدعو إلى أن يكون الفرد حديثًا (Modern) وفي الوقت نفسه محافظًا (Conservative)، فعندما يُنصح القارئ بأن يكون حديثًا، يبدو أنَّ ذلك يعني ضمنيًّا ضرورة شراء تجهيزات حديثة، خاصة للمنزل، وهو ما يرتبط بثقافة الأدوات. أمَّا عندما يُنصح بأن يكون محافظًا، فهذا يعني أن يراقب نفقاته ويضبطها. وهكذا، يتعيّن على العمود أن يحقّق الحيلة ذاتها التي تقوم عليها الرأسماليّة نفسها: أي تعزيز الانضباط والتقشّف لدى قوة العمل، وفي الوقت نفسه تشجيع هؤلاء الأفراد على الاستهلاك وشراء السلع التي يساهمون في إنتاجها. ويعني ذلك شحن الفرد بطاقة عاطفيّة رغبويّة وتحويله إلى موضوع للاستثمار النفسيّ والانجذاب؛ وهذا يعني جعل العمل، بما ينطوي عليه من تفاصيل يومية، ممتعًا مشحونًا بالمعنى الشخصيّ وجديرًا بالتعلّق العاطفي، وذلك بدلًا من أن يشعر بأنَّ العمل مجرد نشاط روتينيّ أو مفروض أو قد يكون مغتربًا. ويدلّل أدورنو في هذا السياق على وجود علاقة عكسيّة في تناول أعمدة التنجيم والحظ للعمل، وهذا يعني أنَّه كلما كان العمل أقل أهميّة وأكثر رتابة أو تفاهة زادت عمليّة تزيينه عاطفيًّا وتضخيمه نفسيًّا، وعلى خلاف ذلك يتم تبخيس العمل الجاد الذي يحمل قيمة إنسانيّة وإهماله. وهنا تتكشّف الوظيفة الأيديولوجيّة لأبراج الحظ والتنجيم التي تقوم بتعزيز الفراغ أو التفاهة واللاعقلانية، إذ تحييها سيكولوجيًّا فتحقنها بدوافع حيّة وتغذّيها بشحنة نفسيّة شعوريّة أو لا شعوريّة من أجل السيطرة على الفرد واحتوائه كليًّا في معبد الطاعة والامتثال.

ومن بين أهم المبادئ التي يكتشفها أدورنو في هذا العمود هو إعطاء الأولويّة للأنا (ego) على الهو (id)، وللعقلانيّة على الإشباع. وهو الأمر الذي يسمح بتعزيز الترفيه والمتعة، بل وتشجيعهما، ولكن فقط إذا كانا يخدمان غاية خفية، هي تعزيز فرص النجاح أو التقدّم الذاتيّ. وحتى عندما يُنصح المرء بالابتعاد عن العمل، فإنَّ ذلك يكون بهدف العودة إليه بنشاط أكبر. وعلى هذا النحو يعزّز العمود في الوقت نفسه الاستهلاك ومقاومة الاستهلاك، وهي حيلة يتم إنجازها عبر توزيع النصائح المتناقضة على فترات زمنيّة مختلفة (13).

8- التنجيم واستلاب العائلة:

وفي هذا الأمر يقول أدورنو: "تُحال العائلة إلى مجال الفراغ؛ ويحدث ذلك في سياق الفترة المسائية؛ أيّ في المجال نفسه الذي يُنصح فيه المخاطَب بإصلاح منزله أو الخروج... والفكرة السائدة هي أنَّ العائلة ما تزال الفريق الوحيد المرتبط بمصالح مشتركة قويّة إلى حد يسمح بالاعتماد المتبادل والتخطيط المشترك لمواجهة عالم مهدِّد وعدائيّ محتمل. وتُبنى العائلة هنا كنوع من التنظيم الوقائيّ القائم حصريًّا على مبدأ الأخذ والعطاء، وليس كشكل عفويّ للحياة المشتركة..." (14).  وهنا يجري تحويل العائلة إلى مجرد مساحة للراحة أو الاستهلاك العاطفي، بدلًا من أن تكون مؤسسة اجتماعيّة فاعلة تمتلك سلطة تربويّة أو أخلاقيّة مستقلة. وتُطالب العائلة في هذا السياق بأن تؤدّي وظيفة تقليديّة تتمثّل في تقديم نوع من الطمأننة النرجسيّة حول استحقاق الفرد ومشروعيّة امتيازاته أو موقعه الاجتماعيّ. كما يمكن النظر إليها كوسيلة للتعامل مع اختفاء النشاط التنافسيّ الحر. أمَّا "الإزاحة الزمنية" (Time-shifting) التي يعتمدها العمود، ونعني بها حالة التسويف والتأجيل التي يعتمدها الأفراد في العمل على تلبية متطلبات وجودهم، فيعني ذلك تأجيل المواجهة الحقيقيّة لمشكلاته ومتطلبات الحياة. فبدلًا من أن يتصرّف المرء بصورة حاسمة وفاعلة، يؤجّل القرارات والأفعال إلى وقت لاحق، وكأنَّ الزمن نفسه سيحلّ الأزمة. وهذه الحالة تعكس ما يسمّيه التحليل النفسيّ «الأنا الضعيفة»؛ أيّ ذاتًا غير قادرة على المبادرة المستقلة أو على مواجهة الواقع بثقة. وبعبارة أخرى تعكس هذه الحالة وضعيّة الإحالة على الزمن، وهذه الوضعيّة تعكس حالة الأنا الضعيفة والتابعة، التي تُسقط إخفاقاتها على بُعد زمنيّ مجرد، وتتمسّك بالأمل في أنَّ المستقبل سيعوّض إخفاقات الماضي ويصلحها. وبعبارة أخرى، يقصد أدورنو بمفهوم الإزاحة الزمنيّة (Time-Shifting) أنَّ الإنسان الضعيف نفسيًّا، بدل مواجهة فشله أو عجزه في الحاضر، يقوم بتأجيل الأمل إلى المستقبل، وإسقاط التعويض على الزمن القادم. أيّ يقول لنفسه: “غدًا ستتحسّن الأمور”، “المستقبل سيعوّضني”، “لاحقًا سأحقق ذاتي”. وهكذا يصبح الزمن نفسه أداة نفسيّة للتعويض. وهذا، وفق أدورنو، يدل على ضعف الأنا والعجز عن الفعل الحقيقي، والتكيّف السلبيّ مع الواقع. فالإنسان لا يغيّر العالم، بل ينتظر أن يقوم المستقبل بإصلاح ما عجز هو عن إصلاحه.

9- أعمدة التنجيم:

إنَّ تقسيم العمود الإعلاميّ الحياة إلى مجالين زمنيين، صباحيّ ومسائي، ليس بريئًا؛ بل يعكس بنية المجتمع الرأسماليّ الحديث. فالإنسان يُعرَّف نهارًا كعامل ومنتِج، بينما تُؤجَّل إنسانيته وعلاقاته الحميمة إلى وقت الفراغ فقط. وعلى هذه الصورة تُحال العائلة إلى “مجال الفراغ” وتتحوّل إلى مجرد مساحة لاستعادة الطاقة النفسيّة بعد العمل. وهذا يعني أنَّ العمل هو المجال “الحقيقي” والملزم، أمَّا العائلة فتتحوّل إلى وظيفة تعويضيّة أو استهلاكيّة. وعلى هذه الصورة يقدّم أدورنو العائلة كبنية للتحالف الدفاعيّ تقوم وظيفتها على الحماية والتأمين النفسيّ والاجتماعيّ. وهنا لا يتحدّث أدورنو عن العائلة بوصفها علاقة حب طبيعيّة أو جماعة إنسانيّة عفوية، بل بوصفها آليّة دفاع اجتماعيّ ونفسيّ داخل عالم تنافسيّ وعدائيّ. وعلى خلاف ذلك يُقدَّم العالم الخارجيّ كفضاء للصراع والتنافس والعدوانية، وهو فضاء غير آمن ومهدِّد دائمًا. وعلى نقيض العالم الخارجيّ تصبح العائلة ملجأً نفسيًّا وشبكة أمان ووحدة تضامن ضد المجتمع الخارجي.

وهنا يوجّه أدورنو النقد إلى هذه الوضعيّة التي تجعل من العلاقات العائليّة علاقات مشروطة بالمنفعة والتبادل لا بالتلقائيّة الإنسانيّة الحرة. فالعائلة تمنح الفرد إحساسًا بالانتماء والشعور بالهوية، وهي حصن الحماية والتضامن الداخليّ. وهذه الصفات تشبه العائلة بالمجتمعات التقليديّة أو المغلقة التي يكون فيها الولاء للجماعة قويًّا والاعتماد المتبادل مرتفعًا والفرد أقل استقلالًا. وهنا يرى أدورنو أنَّ العائلة تمنح أفرادها “طمأنة نرجسية”، أيّ أنَّها تجعل الفرد يشعر بأنَّه شخص مهم، يستحق مكانته وله قيمة خاصة؛ وهي في كل الأحوال تعوّض قساوة المجتمع الفعليّ الخارجيّ الذي يقمع الفرد ويهمّشه أو يجعله مجرد رقم داخل النظام. فالعائلة تعيد إنتاج وهم التميّز والنجاح والقوة والاستحقاق، وتساعد الفرد على تقبّل موقعه الاجتماعيّ وعدم التمرّد عليه.

والفكرة الأساسيّة هي أنَّ أعمدة الإعلام اليومية، ولا سيّما أعمدة التنجيم والحظ والنصائح، تعمل لتحقيق غاية أساسيّة تتمثّل في إنتاج أفراد متكيّفين مطيعين يؤجّلون رغباتهم وغير قادرين على المواجهة الفعليّة للواقع الاجتماعي.

ففي الماضي كان العمل نفسه يخضع لتحوّل مستمر، وقد ابتعد كثيرًا عن نموذج النشاط المستقل المرتبط بالمرحلة الرياديّة من الرأسماليّة. وأصبح تكامل العمليات النفعيّة يُبقي الأفراد، على نحو متزايد، داخل جهاز تشغيليّ (Operant machinery) يُطلب من كل فرد أن يتكيّف معه.

وغالبًا ما ينصح العمود الناس بأداء مهام صغيرة وغير ذات أهمية، في اعتراف ضمنيّ بأنَّ ما يُطلب من الفرد هو أن "ينسجم" ويتكيّف، مؤدّيًا دور ترس داخل الآلة. وتمتلئ الفترة الصباحيّة بالتنبيهات إلى ضرورة القيام بالأعمال اليوميّة والعمل دون الانغماس في إشباع الدوافع الغريزية(15).

10- خاتمة:

وباختصار يرى أدورنو أنَّ ظاهرة التنجيم والأبراج اليوميّة تشكّل نسقًا من آليات الهيمنة الثقافيّة في المجتمع الرأسماليّ الحديث. وهذا يعني أنَّه يرى أنَّ التنجيم ليس مجرد تسلية بريئة كما يُخيَّل للبعض، بل هو أيديولوجيا خفيّة تُسهم في إنتاج وعي الخضوع والامتثال والاستكانة لمعايير المجتمع الرأسماليّ ومتطلباته الحيوية.

ومن الواضح البيّن في هذه المقالة أنَّ أعمدة الأبراج تمنح الأفراد شعورًا زائفًا بالأمان والثقة من خلال ربط حياتهم بقوى كونيّة غامضة تتمثّل في قوى النجوم والتنجيم، وهو الأمر الذي يؤدّي إلى إضعاف التفكير النقديّ وتعزيز التبعيّة النفسيّة والسلطويّة للنظام الرأسماليّ القائم. فالنصائح اليوميّة التي تبثها أعمدة الأبراج في الصحف وفي الراديو تبدو عقلانيّة وعاديّة ولا غبار عليها من حيث المظهر، إذ تدعو إلى الحذر والاجتهاد والعمل، ولكن هذه الأبراج، بما تنطوي عليه من نصائح وتوصيفات وعناصر، تبدو غير عقلانية، ولا سيَّما عندما تربط بين أحداث الحياة اليوميّة وتجعلها تسير على هدي النجوم وحركة الأبراج، وهو الأمر الذي يدفع الأفراد إلى التسليم الخرافيّ بوجود سلطات خارجيّة بدل الاعتماد على العقل والتحليل الواقعي.

ومن الواضح أنَّ أدورنو يحلّل هذه الظاهرة في ضوء النظريات السيكولوجيّة والسوسيولوجيّة، ولا سيَّما في نظريتيّ الماركسيّة والتحليل النفسيّ عند فرويد. وعليه يربط بين التنجيم ومفهوم ضعف الأنا (Ego-weakness)، إذ يرى أنَّ الفرد الحديث يشعر بالعجز أمام القوى الاقتصاديّة والاجتماعية، فيلجأ إلى الأبراج والرموز الغيبيّة بوصفها وسائل تمنحه وهم السيطرة والتفسير. وهنا يؤدّي التنجيم وظيفة أيديولوجيّة تتمثّل في تحويل المشكلات الاجتماعيّة الحقيقيّة إلى قضايا قدريّة أو نفسيّة فردية، مما يبعد الإنسان عن نقد البنية الاجتماعيّة والسياسيّة القائمة. ومما لا شك فيه أنَّ خطاب التنجيم يعزّز الامتثال والتكيّف مع النظام الاجتماعي، إذ يشجّع الأفراد على الانضباط والعمل والطاعة، مع تأجيل الرغبات والآمال إلى المستقبل.

ويتّضح من المقالة أنَّ أدورنو يفكّك بنية التنجيم في ضوء مفاهيم الاغتراب والاستلاب الماركسي، ويبحث في وظيفته بموجب مفهوم العصاب القهريّ الذي يجعل الأفراد يطيعون قواعد وقوانين اجتماعيّة لا يفهمون مصدرها وقوة بطشها، ولا يحاولون مقاومتها خوفًا من قوة غامضة وغير مرئيّة تحكم عالمهم من الأعلى. وقد بيّن لنا أدورنو الكيفيّة التي تعالج فيها أعمدة الصحف البرجيّة مصائر الناس على نحو وهميّ وخرافي، إذ تعتمد منهجيّة تقسيم الحياة إلى زمنين: صباحيّ للعمل والإنتاج، ومسائيّ للراحة والترفيه والاستجمام، وفي كلتا الحالتين يؤدّي هذا التقسيم إلى تعزيز الأيديولوجيا الرأسماليّة في عمليّة تحوّل الإنسان إلى مسخ خرافيّ أسطوريّ داخل بنية الهيمنة الاجتماعيّة الصلبة الصمّاء. وفي كل الأحوال فإنَّ هذه البرجيّات التنجيميّة تختزل العائلة إلى فضاء للتعويض النفسيّ وإعادة إنتاج الطاعة والتكيّف بدل أن تكون فضاءً إنسانيًّا حرًّا. وباختصار يمكن القول إنَّ التنجيم ليس مجرد خرافة شعبية، بل فعاليّة ثقافيّة وأيديولوجيّة استلابيّة تعمل على إعادة إنتاج الخضوع والاغتراب في المجتمعات الرأسمالية الرقمية المعاصرة ، وتفعل فعلها في عمليّة احتواء العقل النقديّ واستلاب الطاقة الإنسانية، ومن ثمَّ تعزيز الامتثال، وتحويل الأفراد إلى طاقة إنتاجيّة خاضعة وإلى كيانات استلابيّة متكيّفة مع الواقع القائم بدل السعي إلى تغييره.

***

د. علي أسعد وطفة - جامعة الكويت

.................

هوامش المقالة ومراجعها:

(1) - عمر الخيام، رباعيات عمر الخيام، ترجمة: أحمد رامي، الطبعة الخامسة والعشرون (القاهرة: دار الشروق ، 2000).

(2)- Robert W. Witkin, Adorno on Popular Culture, (London: Routledge,2003), p.68.

(3)- ibid.

(4)- Theodor W. Adorno, The Stars Down to Earth, in The Stars Down to Earth and Other Essays on the Irrational in Culture, ed. Stephen Crook (London: Routledge, 1994), pp. 34–127.

(5)- Ibid., p.91.

(6)- Theodor W. Adorno, Else Frenkel-Brunswik, Daniel J. Levinson, and R. Nevitt Sanford, The Authoritarian Personality (New York: W. W. Norton, 1969 (1950).

(7)- Theodor W. Adorno, The Stars Down to Earth, Op. cit., P.94.

(8)- Theodor W. Adorno, The Stars Down to Earth Op. cit., P.94.

(9)- Theodor W. Adorno, The Stars Down to Earth, Op. cit., P.58.

(10)- Theodor W. Adorno, The Stars Down to Earth, Op. cit., P.64.

(11)- Theodor W. Adorno, The Stars Down to Earth, P.69.

(12)- Theodor W. Adorno, The Stars Down to Earth, Op. cit., P.72.

(13)- Theodor W. Adorno, The Stars Down to Earth, Op. cit., P.93.

(14)- Theodor W. Adorno, The Stars Down to Earth Op. cit.,  P.99.

(15)- Theodor W. Adorno, The Stars Down to Earth, Op. cit., P.72.

قراءة في تحوّلات مفهوم الوجود خارج الميتافيزيقا الكلاسيكية

منذ أن وضع بارمنيدس سيف الحقيقة بين وجود كائن وعدمه والتفكير الأنطولوجي يئن تحت وطأة سؤال لا يهدأ، ما معنى أن يكون الشيء موجوداً؟ ذلك السؤال الذي بدا بريئاً في ظاهره سرعان ما انقلب إلى مأزق لم تنتهِ منه الفلسفة حتى يومنا هذا، فكل محاولة للإمساك بالوجود كانت تشبه قبضاً على سراب أو تثبيتاً لنهر جارٍ. فالوجود ذلك الاسم الأكبر والأخطر في قاموس البشر كلما ظن الفيلسوف أنه أوشك على تعريفه يغدر به فيتحول إلى شيء آخر أو يتبخر كالضباب عند أول شعاع شمس عارمة لليقين. وهنا يكمن الخطب ربما لم يكن الوجود قابلاً للتعريف أصلاً وربما كان من طبيعته أن يكون غير متعين وأن يظل هكذا إلى الأبد لا بسبب قصور في عقولنا بل بسبب أصله الهارب، أصله الذي يشبه الفراغ الأكثر خصوبة أو الليل الذي يسبق كل فجر.

ولعل ما نسميه "الميتافيزيقا الكلاسيكية" لم يكن سوى محاولة يائسة لتجميد هذا الليل لتحويل النهر إلى تمثال واللهب إلى فحم خامد. تلك المحاولات التي بدأت مع أفلاطون حين أسس عالم المثل الثابت مروراً بأرسطو الذي صاغ المنطق لصيد الجواهر وصولاً إلى هيغل الذي أراد للروح المطلق أن يعرف نفسه معرفة كلية في نهاية التاريخ. لكن كل هذه الأبنية الشامخة لم تصمد أمام رياح الشك التي هبت من عدة جهات، من ناحية أظهرت أن الحضور الكامل هو وهم لغوي ومن ناحية أخرى أثبتت أن الزمن لا ينتظر أحداً وأن "الآن" الذي نعيشه هو مجرد جسر بين ما لم يعد وما لم يأت بعد. مفارقة أن الوجود نفسه مرهون باللاتعيّن، هي التي ستشغل بالنا في هذه القراءة.

سنحاول هنا أن نتتبع التحولات الكبرى في مفهوم الوجود منذ اللحظة التي بدأ فيها ذلك المفهوم يتصدع داخل جدران الميتافيزيقا التقليدية إلى اللحظة التي خرج منها تماماً، ليس ليتشرد بل ليجد بيته الحقيقي في العراء، في فضاء اللاتعيّن المقدس. سنرى كيف أعاد كيركغور الاعتبار للقلق بوصفه رئة الوجود الإنساني وكيف علمنا هايدغر أن الوجود ليس سوى "ليس" لا يظهر إلا في اختفائه وكيف مضى دريدا وليفيناس ودولوز إلى أبعد من ذلك حتى جعلوا اللاتعيّن هو الأصل الأصيل والشرط الأول لكل معنى. إنها مغامرة التفكير في ما لا يمكن إدراكه، مغامرة لا تقل شأناً عن مغامرة أوديسيوس في بحر لا شواطئ له، لكن شواطئه هي البحر نفسه. فلا تظن أن هذه القراءة ستقدم لك إجابة تطمئن بها روحك بل على العكس، ربما تطمئن روحك حين تتيقن أن الأمان الحقيقي ليس في الإجابة بل في السؤال المفتوح، في الهاوية التي تنظر إليك وفي نظرك الذي يخلق الهاوية.

منذ أن رسم بارمنيدس درب الحقيقة في تمييزه بين سبيل الوجود وسبيل العدم والوجود الكلاسيكي يعاني من وهم الحضور الكثيف، من أسْر اللحظة في شباك الجوهر الثابت. لم يكن السؤال "ما الوجود؟" مجرد استفهام عن أول الأسئلة بل كان إعلان حرب على الضباب، على اللاتعيّن، على كل ما يلوذ بظلال الإمكان بدلاً من وقائع التحقق. ذلك أن الميتافيزيقا الكلاسيكية من أفلاطون إلى هيغل، بنت عرشها على فكرة أن الوجود جوهر معقَّل، قابل للتمثل التام، خاضع لمنطق الهوية وعدم التناقض. فالموجود في هذا المنظور هو ما يحضر حضوراً كاملاً أمام الوعي، ما يمكن حصره في مفهوم، ما يمتلك ماهية محددة سلفاً. لكن هذا البناء الضخم بدأ يتصدع حين اكتشف الفكر الحديث أن للوجود ضفة أخرى لا ترد إلى الحضور وأن ثمّة منزلقاً أنطولوجياً لا مفر منه، وهو أن الوجود كلما حاولنا القبض عليه يفلت كالرمل لا لأنه بعيد المنال فحسب، بل لأنه في طبيعته الأعمق أن يكون معلقاً بين الإمكان والتحقق وبين الظهور والخفاء.

لقد أدرك هيراقليطس باكراً أن الوجود ليس سوى نهر لا نعبر فيه مرتين، لكن الميتافيزيقا فضّلت بارمنيدس على هيراقليطس، فضّلت الكرة المصمتة على النار الحية. ومع ذلك فإن التحول الحاسم بدأ مع كيركغور الذي فتح الباب على مصراعيه للاتعيّن بوصفه سمة كونية لا مرضاً عارضاً في الوعي. فحين رفض كيركغور اختزال الوجود إلى ماهية وأصر على أن الوجود الإنساني (Existents) سابقة على أي تحديد ماهوي، كان يزرع في قلب الأنطولوجيا قنبلة موقوتة، فالموجود أي إنسان كان أو شيئاً لا يُعرف من خلال ما هو عليه في لحظة ما بل من خلال ما يمكن أن يصير إليه أي من خلال احتمالاته ومخاطره ولاتعيّنه الجوهري. إن القفزة الإيمانية عند كيركغور ليست هروباً من العقل بل اعترافاً بأن الحقيقة المطلقة في الوجود الشخصي لا تُدرك إلا في خضم الألم والقلق أي في مناطق الضباب التي لا يعرفها البرهان الهندسي.

لكن الهزة الأكبر أتت من هايدغر، ذلك الفيلسوف الذي أعاد صياغة سؤال الوجود وكأنه سؤال منسي بل ومسكوت عنه عمداً. في "الكون والزمان"، لم يكن الوجود (Sein) جوهراً بل حدثاً ولم يصر "موجوداً" (Seiendes) يضاف إلى سائر الموجودات بل هو الأفق الذي تظهر فيه الموجودات. وهنا يكمن اللاتعيّن الأنطولوجي الأول والأخير، الوجود ليس شيئاً وإذا حاولنا تحديده كشيء نفقده. ذلك أن الوجود "ليس" بأي معنى من معاني الكينونة المعهودة، إنه الـ "ليس" الذي يجعل الكينونة ممكنة. هايدغر يدعوه "الفرجة" ، تلك المساحة الخالية التي تضيء فجأة فتسمح للأشياء بأن تتبدّى، لكنها تبقى هي نفسها غير مضيئة، غير حاضرة وغير متعينة. العلاقة بين الوجود والموجودات عند هايدغر أشبه بالعلاقة بين الغيب والشهادة في التجربة الصوفية، الغيب هو شرط الشهادة لكنه لا ينحل فيها. وهنا كان هاجس هايدغر الأبدي كيف نفكر في الوجود دون أن نجمده في موجود؟ كيف نقول "الوجود" دون أن نحوله إلى مفهوم؟

لقد لجأ هايدغر إلى لغة متوترة مليئة بالاستعارات والاشتقاقات اللغوية لأنه كان يعرف أن اللغة الميتافيزيقية التقليدية – لغة الفاعل والمفعول، الجوهر والعرض – غير قادرة على مناورة هذا اللاتعيّن. فاللغة التي نرثها من أرسطو وما بعده تجعلنا نفكر تلقائياً في "شيء ما" له صفات، لكن الوجود لا يمتلك صفات، بل هو الذي يجعل الصفات ممكنة. ألا يعني هذا أن اللاتعيّن الأنطولوجي هو سمة بنيوية للوجود نفسه وليس مجرد قصور في أدواتنا المعرفية؟ عندما يقول هايدغر إن "الوجود ليس كائناً"، فهو لا يصدر حكماً سلبياً فقط بل يفتح فضاءً من اللاحتمالية يهتز فيه كل يقين. فالموجودات كلها من الحجر إلى الملاك معرضة للتلاشي والظهور في هذا الأفق المتقلب الذي هو الوجود.

ما فعله هايدغر بفلسفته جعل تلاميذه ومن تلاهم يعيشون في هذا الكسر الأنطولوجي. لكن الطريق لم يتوقف عنده. جاء دريدا ليضرب المسمار الأخير في نعش الميتافيزيقا الحضورية بمفهوم "الاختلاف" الذي هو أصل المعنى قبل أن يكون معنى. دريدا الذي كان قارئاً ذكياً لهوسرل وهايدغر أدرك أن كل محاولة لتأسيس الحقيقة على حضور ذاتي (الكوجيتو الديكارتي) أو على حضور موضوعي (العالم الطبيعي عند هوسرل) تناسى أنها تستعير معناها من نظام من الغيابات والآثار. فالاختلاف بمعناه المزدوج (اختلاف زمكاني وتأجيل دلالي) يعلن أن لا شيء حاضرا بذاته وأن كل هوية تتشكل من علاقتها بغيرها ومن تمايزها عن الآخر ومن أثر ما ليس هي. هل يمكن أن تكون هناك أنطولوجيا للاختلاف؟ بالتأكيد لكنها أنطولوجيا لا تبدأ بوحدة الوجود بل بثنائيته الأساسية وبتعدده الجذري. الوجود عند دريدا لم يعد بيتاً يسكنه الإنسان كما حلم هايدغر بل نسيجاً من الإحالات المتبادلة، كتابة بلا بداية ولا نهاية.

هذا اللاتعيّن الأنطولوجي الذي يكشف عن نفسه بقوة في فكر دريدا له جذور عميقة في النقد النيتشوي للغة. نيتشه كان يرى قبل الجميع تقريباً أن القواعد النحوية هي ميتافيزيقا الشعب إذ تُوهمنا بوجود "فاعل" و"فعل" حيث لا يوجد سوى سيولة محضة. فاللغة بنظامها الثنائي (اسم/فعل، فاعل/مفعول)، تجبرنا على تخيّل "أنا" ثابتة وراء الأفعال بينما الأنا في حقيقتها سلسلة من الغرائز والقوى التي لا تهدأ. إذا نحن جرؤنا على التفكير خارج قواعد اللغة فلا نجد جوهراً بل عوالم متصارعة من التفسيرات، لا حقائق ثابتة، بل تأويلات لا تنتهي. ويصير الوجود نفسه تأويلاً أي سلسلة مفتوحة من المعاني لا تستقر على معنى نهائي. هنا يلتقي لاتعيّن الوجود باللاتعيّن التأويلي فلا فرق بين مسألة "ما الوجود؟" ومسألة "كيف نفهم وجوداً معيناً؟"، فكلاهما يهويان في بئر اللانهاية.

غير أن هذا الطريق الهايدغري-الدريدي ليس الطريق الوحيد لفهم اللاتعيّن الأنطولوجي. ثمة مسار آخر ربما يكون أكثر إثارة للدهشة وهو ذلك الذي انتهجه فيتغنشتاين المتأخر في "تحقيقات فلسفية". فيتغنشتاين الذي كان في شبابه قد أعاد بناء حدود اللغة والعالم في صورة منطقية متقنة (رسالة المنطق-الفلسفية)، اكتشف أن المعنى لا ينشأ من مطابقة اللغة للواقع بل من الاستخدام أي من ألعاب اللغة التي لا تخضع لبنية أساسية واحدة. ماذا يعني هذا أنطولوجيا؟ معناه أن العالم ليس مجموع وقائع بل مجموع سياقات. الكائنات لا تمتلك "جوهراً" ينتظر من يكتشفه بل تتشكل في شبكة العلاقات والممارسات التي نُخضعها لها. الفأرة مثلاً ليست "حيواناً قارضاً" في معزل عن كل اعتبار بل هي في لعبة اللغة البيولوجية شيء وفي لعبة لغة المطبخ شيء آخر وفي لعبة لغة الأدب شيء ثالث. لا يوجد "فأر في ذاته"، بل فقط "فأر في لعبة لغة معينة". هذا لا يعني أن العالم وهمي، بل يعني أنه مُؤلّف أي مركّب من وجهات نظر متعددة وأن وحدة الوجود ليست مسبقة بل هي من صنعنا نحن مستخدمي اللغة. وهنا من جديد يطل اللاتعيّن الأنطولوجي برأسه إذا تعددت ألعاب اللغة تعددت الأنطولوجيات ولا حكم فوق هذه الألعاب ولا "الوجود" الذي يوحدها. هناك فقط الوجودات الموصوفة بطرق مختلفة في أزمنة وأمكنة متغايرة.

ويمكننا أن نلمس ولادة إشكالية جديدة للفكر المعاصر، كيف يمكن تأسيس أخلاق أو سياسة أو حتى علاقة عادية بالعالم إذا كان الوجود نفسه يتفلت من أيدينا، إذا لم يكن هناك يقين أنطولوجي نرتكز إليه؟ أليس هذا اللاتعيّن مدعاة للقلق المرضي للانهزامية وللشك المطلق؟ ربما لكنّ الفلاسفة الذين سلكوا هذا الطريق لم يكونوا أبداً دعاة تشاؤم. هايدغر مثلاً رأى في اللاتعيّن أعظم هبة للإنسان لأنه هو الذي يجعله حراً. فلو كان الوجود متعيناً بالكامل ولو كانت الأشياء محددة سلفاً في ماهياتها ما كان للإنسان أن يخترع أو يحب أو يموت اختياراً. إن القلق الذي يتحدث عنه هايدغر ليس خوفاً من شيء معين بل هو انكشاف لامتعيّن الوجود ذاته أي انكشاف كون العالم ليس محكوماً بقوانين مطلقة بل هو فضاء مفتوح للمشروع الإنساني. المشروع هنا هو محاولة لاكتمال لا يكتمل أبداً لأن الإنسان كائن في الطريق وكينونته ذاتها هي لاتعيّنها.

أما دريدا فذهب إلى أبعد من ذلك، اللاتعيّن عند دريدا ليس فوضى بل هو شرط العدالة نفسها. فالعدالة في نظره ليست تطبيقاً آلياً للقوانين لأن القانون كلما طُبّق على حالة فردية كان هناك فجوة بين عموميته وخصوصية الحالة. العدالة تنشأ في تلك الفجوة أي في لحظة القرار التي لا تستند إلى قاعدة مسبقة تماماً والتي تتحمل مسؤولية اللاتعيّن. لا يمكن للعدالة أن تكون عادلة إذا كانت محسوبة سلفاً بل لا بد أن تكون محفوفة بالمخاطرة أي غير متعينة. ويصير لاتعيّن الوجود فضيلة أخلاقية وعلامة على نضج الفكر الذي تخلى عن وهم الحقيقة المطلقة وعرف كيف يعيش وسط الظلال.

غير أن هذا المنزلق الأنطولوجي لم يكن مجرد نزوة فلسفية في أروقة التفكير الغربي بل كان انعكاساً لتحولات أعمق في العلاقة بين الإنسان والعالم وبين الكلمة والموجود. إذا كان الوجود في الميتافيزيقا التقليدية يُفهم بوصفه حضوراً كاملاً للحاضر في الآن فإن التفكير المعاصر في اللاتعيّن يعلن أن الوجود لا يُسلم نفسه طواعية للقبض عليه بل يقاوم كل إمساك ويهرب من كل تعريف تماماً كما يهرب الماء من بين الأصابع. هذه المقاومة ليست ضعفاً في العقل بل هي قوة الوجود نفسه لأنه ببساطة ليس شيئاً يمكن تمثله كاملاً. ألم يقل شوبنهاور في حكمته المرة، إن الإرادة كشيء في ذاته لا تُعرف إلا من خلال تمظهراتها لكنها تبقى غائبة عن كل معرفة؟ صحيح أن شوبنهاور كان لا يزال أسير نزعة مثالية لكنه فتح الباب أمام فكرة أساسية، ثمّة عمق أنطولوجي لا ينضب وثمّة ما هو غير قابل للحضور الكامل.

هذا العمق يتجلى بوضوح في فلسفة إيمانويل ليفيناس ذلك الفيلسوف الذي قلب الأنطولوجيا رأساً على عقب حين جعل الأخلاق هي الميتافيزيقا الأولى. ليفيناس شعر مثل هايدغر أن الوجود يفلت من المعرفة المفهومية لكنه ذهب إلى أن هذا الإفلات ليس مجرد سمة كونية محايدة بل هو علاقة مع الآخر . فالآخر في حضوره لا يمكن اختزاله إلى أي مفهوم لأنه وجه يتحدث إليّ من ارتفاع لا يمكن مساواته. وجه الآخر هو تجسيد حي للاتعيّن الأنطولوجي، أنت لا تستطيع أن تحدد الآخر كما تحدد حجراً لأنه يتفوق عليك ولأنه يأمرك "لا تقتل" قبل أي فهم. هنا اللاتعيّن ليس نقصاً في المعرفة بل هو زائد في الأخلاق وفائض لا يمكن للوعي احتواؤه. ليفيناس يخبرنا أن العلاقة مع الآخر هي علاقة بلا مفهوم أي علاقة تجبرنا على التخلي عن أطماع المعرفة الكلية وعن رغبتنا في أن أضم العالم إلى مملكتي المعرفية. ليس الوجود إذن كياناً جامداً ندرسه بل هو نداء يقتحم أنانيتنا ويكسرها. أليست هذه هي أعمق صورة من صور اللاتعيّن؟ أن يواجه العقل شيئاً لا يستطيع تمثله لأنه أكبر منه ولأنه لا يمثل نفسه أصلاً.

هذا الفائض الأخلاقي عند ليفيناس يفتح أمامنا زاوية أخرى من اللاتعيّن الأنطولوجي وهي الزمانية. فإذا كان الكائن لا ينكشف دفعة واحدة بل في الزمن، والزمن ليس مجرد وعاء محايد بل هو تأجيل وتذكّر وترقّب، فإن الوجود يتوزّع على ثلاثة مستويات: الماضي والمستقبل والحاضر الذي لا يمكن الإمساك به لحظة وقوعه. بينما تعامل الفلاسفة الكلاسيكيون مع الزمن كعارضٍ للجوهر وجاء برغسون ليقلب المنظور معتبراً أن الزمن هو ما نسميه الحياة أي المدة ، ذلك التدفق المتصل وغير المتجانس الذي لا يمكن اختزاله إلى نقاط زمانية متقطعة. ففي المدة البرغسونية لا وجود لـ"الآن" الخالص بل تموج مستمر بين ما مضى وما سيأتي أي لاتعيّن جوهري. وهذا يشبه ما ذهب إليه هايدغر من وصف الدازاين (الكائن البشري) بوصفه "كائناً ممكناً" أي أنه ليس ما هو عليه بل ما لم يصر عليه بعد. الوجود الإنساني ليس حضوراً مكتملاً بل هو قلق دائم تجاه المستقبل وحنين إلى ماضٍ لم يكن حاضراً قط. وإذا كان الإنسان هو النموذح الأكثر وضوحاً للوجود، كونه الوحيد الذي يتساءل عن الوجود فإن لاتعيّنه الذاتي يلقي بظلاله على الوجود برمته.

لكن ألا يؤدي هذا التعميم للاتعيّن إلى نتائج مرعبة؟ إذا كان الوجود كله معلقاً بين الإمكان والتحقق وبين الظهور والاختفاء فأين نثبت أقدامنا؟ أليس هذا مدعاة ليأس وجودي كما عبر عنه سارتر في عبارته الشهيرة "الإنسان محكوم عليه أن يكون حراً"؟ سارتر في "الوجود والعدم"، أخذ من هايدغر ومن كيركغور وجعلهما أكثر تطرفاً. الوجود عند سارتر في صيغته الإلحادية يسبق الماهية تماماً أي أن الإنسان أولاً يوجد في العالم (يرمي به إلى هناك)، ثم بعد ذلك يصوغ ماهيته عبر أفعاله الحرة. لكن الحرية هنا ليست اختياراً بين خيارات واضحة بل هي عبء ثقيل لأن الإنسان لا يختار فقط ما سيفعله بل هو الذي يخلق قيم العالم من خلال اختياراته. هنا يتخذ اللاتعيّن الأنطولوجي طابعاً مأساوياً، الوجود لا معنى له في ذاته (إنه سخيف كما قال كامو) والإنسان هو الذي يضطر إلى اختراع المعنى وسط لا معنى دون أي دليل مسبق ودون أي ضمان. الغثيان الذي تحدث عنه سارتر في روايته الشهيرة هو تجربة هذا اللاتعيّن الجامح، حيث تذوب الأشياء في سيولتها الأصلية وحيث يتساقط عن الوجود قناع الجوهر فجأة ويُترك الإنسان وجهاً لوجه مع مادة لزجة لا شكل لها.

غير أن هذا التفسير السارتري للاتعيّن رغم قوته الفنية والأخلاقية ظل أسير نزعة إنسانية مفرطة إذ جعل اللاتعيّن يدور حول المشروع الفردي والاختيار. لكن فلسفات ما بعد البنيوية وبخاصة عند جيل دولوز وفليكس غواتاري حاولت تحرير اللاتعيّن من مركزية الإنسان. دولوز في عمله "الاختلاف والتكرار" يبني أنطولوجية كاملة على مفهوم الاختلاف المحض الذي لا يقبل الرد إلى هوية أو تماثل. الوجود عند دولوز ليس كائناً ولا جوهراً بل هو حدث وتكرار، تكرار ليس لعين الشيء بل للاختلاف نفسه. فكرة التكرار هنا دقيقة، إذا كان الشيء يتكرر فهو لا يتكرر لأنه هو نفسه بل لأنه يختلف أي لأن كل ظهور جديد يحمل في طياته آثار الظهورات السابقة مع إضافات جديدة. هذا الفهم يلغي نهائياً ثنائية الجوهر والعرض ويفتح الباب أمام مفهوم الآلة الرغبة، أي شبكات متدفقة من العلاقات والقوى لا تستقر على هوية ثابتة. ويكون اللاتعيّن الأنطولوجي هو عين الإنتاجية الوجودية، الكون ليس فوضى لكنه ليس نظاماً جامداً أيضاً بل هو كائن حي يتنفس ويتحول ويخلق نفسه بنفسه في كل لحظة. دولوز لا يخاف من اللاتعيّن بل يراه أعظم قوة للتفكير لأنه يحررنا من أغلال التمثل والتماثل.

ربما كان الأكثر جرأة في هذا المضمار هو ميشيل فوكو، رغم أنه لم يكتب أنطولوجيا بالمعنى التقليدي. فوكو من خلال أعماله الأركيولوجية وجينالوجياته للسلطة والمعرفة أظهر أن "الوجود" ليس سوى أثر لترتيبات تاريخية متغيرة وأن "الحقيقة" نفسها ليست سوى لعبة قوى متقلبة. بمعنى آخر اللاتعيّن الأنطولوجي عند فوكو ليس سمة من سمات العالم بل هو طريقة العالم في أن  لا توجد طبيعة بشرية ثابتة ولا توجد حقائق متعالية ولا توجد أنطولوجيا نهائية بل فقط نُظم خطابية وممارسات مؤسسية تتغير من عصر إلى عصر. هذه الرؤية تضع اللاتعيّن في صلب التاريخ نفسه، فما نسميه "الجنس" مثلاً ليس واقعاً طبيعياً بل هو بناء خطابي تخضع لتحولات عميقة عبر قرون. و"العقل" ليس قدراً إنسانياً بل هو نتاج عصر معين (العصر الكلاسيكي) ثم أعلن عن موته في نهاية القرن العشرين. الإنسان كما قال فوكو في عبارته الشهيرة هو "اختراع حديث وربما هو على وشك الزوال". وهنا يصل التفكير في اللاتعيّن إلى ذروته، فحتى السائل عن الوجود (أي الإنسان) ليس ثابتاً بل هو عرضة للتلاشي مثل أي كائن آخر.

بعد كل هذا الترحال الفلسفي من بارمنيدس إلى فوكو ماذا نستنتج؟ هل نحن أمام تفكيك لكل يقين أم أن ثمّة أرضاً صلبة يمكن أن نقف عليها رغم كل الأمواج؟

إن اللاتعيّن الأنطولوجي ليس نظرية بل هو تجربة حية يعيشها أي إنسان جرؤ على التفكير خارج الأطر المألوفة. كلما سألنا "ما الوجود؟"، وجدنا أنفسنا نغرق في بحر من الإشارات والإحالات والغموض. لكن هذه ليست هزيمة بل هي طريق إلى نوع آخر من الحكمة، حكمة تقبل الظل والضوء معاً وحكمة تعرف أن اليقين المطلق هو الموت ذاته وأن الحياة تبدأ حيث ينتهي اليقين. الفلاسفة الذين سلكوا طريق اللاتعيّن لم يكونوا عبدة لا أدرية بل كانوا أكثر شجاعة من غيرهم لأنهم تحملوا مسؤولية العيش دون حماية من ميتافيزيقا تمنحهم الإجابات الجاهزة. إنهم أشبه بالبحار الذي يبحر بلا خريطة ولا يطلب من البحر أن يصبح يابسة بل يتعلم كيف يرقص على أمواجه.

فالوجود إذا كان لنا أن ننصفه لا يراد له أن يُحصر في كتاب ولا أن يُختزل في صيغة ولا أن يُختم بخاتم. الوجود هو ذاك الذي يجعلنا نبدأ من جديد كل صباح، ذاك الذي يدفعنا إلى السؤال رغم أننا نعلم أن الإجابة ستهرب منا. ربما تكون الطريقة الوحيدة لتجربة الوجود هي أن نعيشه لا أن نفكر فيه. لكننا كبشر لا نستطيع إلا أن نفكر. وهذا هو المصير الجميل والمأسوي في آن: أن نفكر في ما لا يمكن أن نفكر فيه تماماً وأن نكتب مقالات عن اللاتعيّن ونحن نعلم أنها لن تمسكه أبداً. وتبقى الأنطولوجيا – تلك العاشقة القديمة للحضور – أرملة إلى الأبد لكنها أرملة غنية بتوقها جميلة بشغفها حية بتقلباتها. وربما هذا هو جوهر الحقيقة، أنها ليست شيئاً نملكه بل شيئاً ننتمي إليه نغوص فيه ونضيع فيه، ثم نخرج منه وقد تغيرنا ولا نعرف كيف. هذا هو اللاتعيّن الأنطولوجي ليس عيباً في الخلق بل سر الخلق ذاته.

***

د. حمزة مولخنيف

"الوعي الذي لا يقبل النهايات"

مفتتح: ثمة أسئلة لا تُولد من فراغ الجهل، بل من قلق المعرفة، والنقد واحدٌ من هذه الأسئلة التي طالما أثارت في من يمارسها شعوراً غريباً: أن العقل حين يشتغل جدياً لا يستريح، وأنه كلما امتلك أدوات أدق كلما أدرك أن ثمة في الفهم طبقات لم يبلغها بعد..

تنطلق هذه الورقة، لا لتُرسي حكماً نهائياً على المفهوم، بل لتمشي معه في تضاريسه، وتستوقف عند اللحظات التي يكشف فيها عن قدرته على تحرير الفكر من بداهاته أو بالأحرى نهاياته..

فالنقد، في أعمق صوره الفلسفية، ليس ضرباً من ضروب الإسقاط السهل، ولا فرحاً بالهدم، ولا فانتازيا دفاعية تعيش على الاعتراض، إنه عملٌ مضنٍ يقوم على استئناف السؤال حين يظن أن الجواب قد اكتمل، وعلى إعادة فتح الملف حين يتسرع التاريخ في إغلاقه، لذلك كان النقد وسيظل على هذا النحو، لا يستهدف الآراء في نهاياتها، بل يعود إلى أصولها، ويسأل: بأي شرط قيل هذا القول؟ وأي صورة للعقل والإنسان والسلطة يحملها في طيّاته؟ وعن ماذا يصمت حين ينطق؟

ولعل أشقّ ما في ممارسة النقد حقاً، أنه لا يمنح صاحبه راحة اليقين، فالناقد الذي يُتقن عمله يظل في حالة تقلّب منتِج: يعرف أن الفهم لم يكتمل، وأن الأدوات نفسها عرضة للمساءلة، وأن الحرية الفكرية لا تُولد من الانتهاء من الأسئلة، بل من القدرة على إنجاب أسئلة أعمق، لذلك لم يكن النقد في تاريخ الفلسفة مجرد منهج، بل كان دائماً أثراً لشجاعة الفكر حين يرفض أن يستريح في نفسه، وعلامةً على عقلٍ أبى أن تتحول معرفته إلى سجن مريح.

هكذا سيظل النقد ليس حركة رفضٍ عادية، ولا هو مجرد كلمة سريعة تُرمى على وجه الأقوال لتطيح بها، إنه فعلٌ يوقظ العقل من سباته، يربك البداهات ويعيد توزيع المسلّمات، حين يقال "نقد" في العمق الفلسفي، فإن المقصود ليس الهدم لذاته، بل الاستيضاح: لماذا تبدو هذه المقولة قابلة للاعتبار؟ بأي شرعية تتنزّل؟ وما الثمن الذي تدفعه الحقيقة إن لم تُسائل شروط ظهورها؟ هذا السؤال — أكثر من أي يافطة نقدية — هو الذي يجعل النقد ممارسة تأملية، ومحنة روحية للعقل لا مجرد مواجهته رأيا برأي.

أ‌. النقد أو فقه الكفر بالبداهة

لا يبدأ النقد من شجاعة الهدم، بل من شيء أصعب بكثير: من قدرة نادرة على توقيف اليقين في منتصف طريقه، وعلى الالتفات إلى ما يسمح له بالتحرك دون سؤال. فالبداهة ليست معطىً بريئاً تحمله اللغة بصدق؛ إنها في الغالب رواسب تاريخية علّمَتنا أن لا نراها، وترتيبات رمزية تعلّمنا أن نعيشها كما نعيش الهواء: حاضرةٌ في كل نفَس، غائبة عن كل تأمل، لكي يعمل النقد عملَه، لا بد له من مجال — مجال لا يعني إغلاقاً بل مساحة تمييز؛ تلك المسافة الدقيقة التي تُبقي على الفرق بين مساءلة الفكر وإعلان عدميته، فليس كل تشكيك نقداً، كما أن ليس كل اعتراض معرفةً، ثمة أشكال من الارتياب تنتهي بصاحبها إلى شلل تأملي يتوهم أنه عمق، وهناك نوع آخر من الارتياب يُنتج وضوحاً جديداً لم يكن ممكناً قبل أن يُمارَس.

النقد الفلسفي ينتمي إلى هذا النوع الثاني، النقد يسائل خرائط القول قبل أن يسائل مضامينه، إنه لا يبحث في ما تقوله الفكرة فحسب، بل يتساءل كيف أمكن لها أن تُقال، وكيف اكتسبت حق الظهور بوصفها مقبولة أو طبيعية أو لازمة؟ ما الافتراضات المتخفية التي تُسند دعواها من الداخل؟ أي أجهزة سلطة تحفظ لها مكانتها وتوفر لها الشرعية في السياق الذي تتداول فيه؟ ما البداهات التاريخية التي ترسّبت فيها حتى صارت تُقدَّم كأنها حقائق خارج التاريخ؟ هذه الأسئلة ليست تشكيكاً للتشكيك، بل هي ممارسة دقيقة لِما يمكن أن نسميه الكفر المنهجي بالبداهة: ذلك النوع من الرفض الذي لا يرفض لأنه يكره، بل لأنه يعرف أن ما يبدو طبيعياً مبنيٌّ دائماً على قرارات وانتقاءات واستبعادات سابقة.

بهذا المنعطف البنيوي يتبدّى النقد كمهمة تأديبية للعقل، لكن التأديب هنا بعيد كل البعد عن معنى القمع أو الكبت؛ إنه تأديب تحريري يُعيد للعقل قدرته الأصيلة على التمييز، تلك القدرة التي يفقدها حين تستقر فيه يقينات موروثة لا تُسأل، وحين تتحول المعرفة من تجربة مفتوحة إلى منظومة مغلقة تُعيد إنتاج نفسها، النقد إذن يقف في الوسط الحرج بين قطبين متعارضين يكادان أن يلتقيا من حيث لا يتوقعان: يقين لا يُساءَل فيُولّد أصولية، وشك لا يُوجَّه فيُولّد نكوصاً معرفياً، بين هذين يشتغل النقد: لا يهوي نحو الأول ولا ينزلق نحو الثاني، بل يسكن في التوتر الخصب بينهما، مُنتِجاً ذاك القلق الضروري الذي يجعل الفكر حياً.

ب‌. من سقراط إلى كانط

ثم إن التاريخ الفلسفي للنقد ليس تاريخاً متراكماً تتكدس فيه الأفكار طبقةً فوق طبقة كما يتراكم الطين على ضفاف النهر، بل هو تاريخ انعطافات: لحظات يكشف فيها الفكر فجأةً أنه كان يطرح السؤال بشكل خاطئ، فيُعيد صياغته من أساسه، وأولى هذه الانعطافات الكبرى كانت سقراطية الجوهر حتى حين لم تُعلن نفسها نقداً.

في محاورة سقراط نلمح نواة هذه اليقظة بكل وضوح وبكل غرابة في الوقت نفسه، لم تكن المحاورة غايتها الانتصار في جدل، ولا كان سقراط يبحث عن قصيدة غلبة يحفظها التاريخ، وإنما كان يبحث عن شيء أشق: الفجوة بين اللغة والمعنى، تلك الهوة الدامغة بين ما يعتقد الناس أنهم يعرفونه وبين ما يمكنهم فعلاً تبريره حين يُطلب منهم ذلك، أي المحاورة السقراطية تعمل كمرآة مكبِّرة تُعيد عليك صورة يقينك وقد صارت سؤالاً. المعرفة التي دخلت إليها تخرج مزعزعة، لكنها لا تخرج فارغة؛ تخرج محرَّرة من وهم الكمال الذي كان يعيق نموها.

غير أن الانعطاف الأكبر والأكثر جذرية في تاريخ النقد حدث مع كانط؛ إذ نقل مركز الثقل من الرأي إلى شروط الإمكان نفسها. قبل كانط كان الجدل الفلسفي يشتغل في الغالب على مضمون الأفكار: هل هذا الرأي صحيح؟ هل تلك الدعوى مبررة؟ جاء كانط وأزاح السؤال من موضعه القديم إلى موضع آخر أشد مراساً وأكثر مخاطرة: ليس ماذا نعرف؟ بل كيف يمكن أصلاً أن نعرف؟ ما الشروط التي تجعل المعرفة ممكنة؟ وما الحدود التي إذا تجاوزها العقل ظن أنه يعرف وهو في الحقيقة يهذي في فراغ؟

سؤال كانط "كيف تصبح معرفتنا ممكنة؟" لا يُشبه سؤالاً أداتياً عن قدرة الأدوات المعرفية، بل هو عملٌ تشريعي داخلي عميق يجعل العقل محاسَباً على أدواته قبل أن يُجازى على نتائجه، إنه كمن يسأل البنّاء قبل أن يُسلّمه المادة: هل تعرف جيداً ماذا تفعل بها؟ هل تعرف حدود قدرتك؟ هل تدرك أين تنتهي الأرض الصلبة وتبدأ الهاوية؟ من خلال هذا التشريع الذاتي يتبدّل وجه الفلسفة تماماً: لم تعد في خدمة الميتافيزيقا بوصفها سيدةً تبني قصوراً في الهواء، بل صارت في خدمة العقل بوصفه موضوعاً للمساءلة قبل أن يكون أداةً للسيادة.

هكذا يصبح النقد تشريعاً طوباوياً للعقل نفسه — طوباوياً لأنه يضع أمام العقل معياراً لن يبلغه أبداً بشكل كامل، لكنه في المحاولة الدائمة لبلوغه يُنقّي نفسه ويتحرر من أوهامه. تشريع يضبط نزوعه نحو التجاوزات الكبرى، ويردّه كلما مضى بعيداً في استنتاجات تتجاوز أدلتها، ويُعيد إليه ذلك التواضع المعرفي الضروري.

ت‌. النقد فيما بعد التفكيك

غالباً ما يتفنن البعض بالهدم كغاية؛ إذ يبدو هدم الأنساق فعلاً ثورياً يحمل في نفسه قيمةً رمزية، لكن النقد الفلسفي لا يينى على الهدم وحده.

لامناص أنه يُغري الهدم كثيرين لأنه يمنح إحساساً بالقوة، حين تُسقط نسقاً فكرياً، أو تُفكك مقولةً راسخة، أو تُظهر تناقضات ما كان يبدو متماسكاً، تشعر لوهلة بأنك أمسكت بخيط الحقيقة الذي كان يتبختر دون إمساك.

 لكن هذا الإحساس الثوري، حين لا يُكبَح ويُوجَّه، ينتهي بالفكر النقدي إلى مأزق طريف: أن يصبح الناقد ضحية افتتانه بالهدم، فيُنتج نقداً لا يترك شيئاً قائماً دون أن يُقدّم شيئاً آخر بديلاً.

لهذا النقد الفلسفي الحقيقي لا يُبنى على الهدم وحده، ليس لأن الهدم سيئ في ذاته، بل لأن هدماً من دون إعادة توجيه للأسئلة يترك الفكر في فراغ لا يختلف كثيراً عن الفراغ الذي كان يملأه الوهم القديم، ثم الفراغ لا يُحرر، والفراغ لا يُنتج معرفة؛ هو مجرد غياب بديل لغياب سابق، وقد مرّت الفلسفة المعاصرة بتجربة هذا الخطر حين أصبح التفكيك في بعض قراءاته المتطرفة نزعة نفسية مؤسسية أكثر مما هو ممارسة فكرية: يُهدم كل شيء لأن الهدم علامة على الجرأة، ويُشك في كل شيء لأن الشك دليل على العمق.

أما النقد الحقيقي فمزدوج البنية: يُزيح ما يُعطّل إمكانية الفهم، وفي الوقت نفسه تُفضي هذه الإزاحة إلى انفتاح لم يكن ممكناً قبلها، إنه لا يكتفي بأن يُظهر أن الباب كان مغلقاً، بل يفتح الباب، ليس معنى هذا أنه يُقدّم إجابة جاهزة مكان السؤال الذي فككه، بل معناه أنه بعد التفكيك تتضح مساحات للفكر لم تكن مرئية من قبل: معيار يمكن أن يُصاغ بشكل أكثر دقة، سؤال يمكن أن يُطرح بشكل أكثر نضجاً، افق يمكن أن يُفكَّر فيه دون أن تُعيق رؤيته أوهام البداهة القديمة.

وفق هذا الفهم يصبح النقد بُعداً عملياً لا نزعة تدميرية، يخلع الأقنعة لا لكي يترك الوجوه عارية في برد الفراغ، بل كي يُتاح للوجوه أن تُرى، والرؤية هنا ليست مجازاً شعرياً، بل وظيفة معرفية: حين تسقط الأقنعة تصبح الأسئلة الحقيقية مرئية، وحين تصبح الأسئلة الحقيقية مرئية يصبح البناء ممكناً على أسس أصدق، الفكر النقدي الرصين إذن ليس عدواً للبناء بل شرطه: لا يُبنى بيت متين على تربة لم تُفحص.

ث‌. السلطة والحقيقة

الوهم الأكثر مراوغة في تاريخ الفكر ذلك الذي يُصوّر الحقيقة كيانًا نقياً يعيش خارج التاريخ، منزّهاً عن مواضع قولها وعن من يملك حق التلفظ بها، الحقيقة في العالم — لا الحقيقة كمفهوم مجرد بل كممارسة اجتماعية وثقافية — لا تطفو وحيدة في فضاء محايد؛ إنها دائماً مُنتَجة في سياق، ومحمولة في مؤسسات، ومحروسة بأجهزة ترسم حدود ما يُقال وتحدد من له الحق في قوله ومن لا يُسمح له بالاقتراب.

الخطاب الذي يحتل مركز الحقيقة لا يصل إلى هذا المركز بمحض الصدق ووضوح الدليل وحدهما، ثمة شبكات من السلطة والمؤسسة والاعتراف الاجتماعي تمنحه حق النطق، وتمنح أصحابه هيبة المتحدثين باسم الحقيقة، وتكفّ في الوقت نفسه أصواتاً أخرى عن الكلام، لا لأنها أقل صدقاً بالضرورة، بل لأنها تنتمي إلى مواقع أقل قدرةً على فرض نفسها.

النقد إذن لا يمس فقط صدقية الحجة بوصفها بنية منطقية، بل يمس ما هو أكثر تعقيداً وأكثر خطورة: آليات إنتاج الحجة نفسها، والشروط التي تجعل بعض الأقوال أقوى حضوراً من غيرها.

غير أن النقد الذي يكتشف هذه العلاقة بين المعرفة والسلطة يواجه بدوره خطراً مضاداً: أن ينزلق إلى اختزالٍ يجعل من كل معرفة مجرد قناع لسلطة، ومن كل حقيقة مجرد أداة لهيمنة، هذا الانزلاق يُطمئن لأنه يُبسط، لكنه في تبسيطه يُدمّر: إذ يترك الفكر بلا معيار، ويُساوي بين الادعاءات المختلفة تساوياً يجعل التمييز بينها مستحيلاً، فإذا كانت كل معرفة مجرد سلطة، فبأي معيار نُفضّل نقداً على آخر؟ وبأي أساس نقول إن كشف آليات السلطة هو نفسه أكثر صدقاً من إخفائها؟

النقد الناجح يتعلم أن يعيش في هذا التوتر دون أن يحسمه باتجاه أحد طرفيه، يُبيّن التشابك العضوي بين المعرفة والسلطة دون أن يُذيب الأولى في الثانية، يكشف أن الحقيقة لها سياقات إنتاج دون أن يُلغي الفرق بين القولين الصادق والكاذب، يُعيد توزيع الشرعية المعرفية دون أن يُسقط الإمكانية المعرفية نفسها، هذا التوازن الدقيق هو ما يمنح النقد صدقيته: ليس لأنه يعرف كل شيء، بل لأنه يعرف أين تنتهي قدرته على المعرفة، ويقف عند هذا الحد باحترام.

ج‌. النقد والتربية

لا توجد مؤسسة أكثر خطورةً وأكثر إغراءً بالوقوع في فخ التلقين من المؤسسة التربوية، لأن التربية بطبيعة مهمتها وجوهر وظيفتها الحضارية، معنية بنقل ما توصّل إليه الجنس البشري من معرفة وقيم وطرق في الفهم، وهذا الهمّ النقلي مشروع تماماً، لكنه يحمل في قلبه خطراً صامتاً: أن يُكرّس النقل على حساب التفكير، وأن يصبح الإنسان الناتج عن المؤسسة التربوية خازناً للمحتوى لا صانعاً للمعنى.

المدرسة التي لا تشتغل بنقد حقيقي تصبح آلة لإنتاج الامتثال المزوّر: امتثال يُقدّم نفسه بلغة الكفاءة والنجاح، بلغة النتائج الممتازة والسلوك الحسن، لكنه في العمق انقياد لمنطق المؤسسة وإذعان لسلطة المعرفة الجاهزة دون مساءلة، والمشكلة ليست في المعلم ولا في الطالب بشكل فردي، بل في بنية ثقافية أعمق تجعل السؤال مُزعجاً والمراجعة مُهدِّدة والتشكيك خروجاً عن الأدب.

الوظيفة التربوية الحقيقية ليست مجرد نقل معارف — وإن كان النقل ضرورياً — بل هي في جوهرها تشكيل رغبة في السؤال، وصياغة ذائقة للتمييز، وتنمية قدرة على تحمّل عدم اليقين دون أن يُصاب المتعلم بالقلق المشلّ، هذه المهمة أشق بكثير من تسليم كتاب وانتظار استيعابه، لأنها تشترط أن يكون المعلم نفسه ناقداً لا ناقلاً فحسب، وأن تكون المؤسسة مساحة للشك المنتج لا حارسة لليقين المُصرَّح به.

عندما يتحول الفصل الدراسي إلى مصفاة للحفظ بدلاً من مختبر للفكر، نخسر شيئاً لا يمكن تعويضه بأي نتيجة امتحان: نخسر المواطنين القادرين على مساءلة الشروط التي تُنتج المعلومة التي يحفظونها، فالمواطن الذي لم يتعلم كيف يسأل "لماذا؟" و"بأي حق؟" و"من تخدم هذه الرواية؟" هو مواطن عرضة لأن يكون وقوداً لأي خطاب يعرف كيف يُقدّم نفسه بلغة البداهة، اذن التربية النقدية ليست ترفاً تأديبياً يُزيّن واجهة المؤسسات التعليمية المتقدمة، بل هي استثمار حضاري عميق في المناعة الفكرية للمجتمع: هي الطريقة الوحيدة لصياغة ذوات قادرة على مقاومة الاستسلام لسلطة المعرفة الجاهزة، وعلى تمييز الإقناع من الإكراه، والحجة من التسليم.

ح‌.  النقد والفكر الديني

لا يوجد حقل آخر يصبح فيه النقد أكثر إلحاحاً وأشد مقاومةً من الفكر الديني، أقول إلحاح لأن الفكر الديني يمس في الإنسان ما هو أعمق من الرأي الفكري، يمسّ الوجود والمعنى والهوية والانتماء، ومقاومة لأن المجال نفسه يميل تاريخياً إلى تحصين نفسه بأسوار القداسة ليُبعد عنه يد المساءلة.

في هذا الحقل تتقاطع ثلاثة أبعاد لا يمكن الاستغناء عن أي منها: قداسة النص بما هو مصدر للمعنى المتجاوز، وحاجة التأويل بما هو فعل بشري تاريخي لا مناص منه، ومسؤولية النقد بما هو حارس يمنع التأويل من الادعاء بمقام المصدر، حين تُخلط هذه الأبعاد الثلاثة، وحين يُزاحم التأويل البشري المتراكم مكانة النص الأصلي، يُولد نوع خاص من الأرثوذكسيا القسرية التي تُقدّم نفسها كما لو كانت الدين ذاته، وتُدافع عن حصانتها كما لو كانت الدفاع عن المقدس لا عن قراءة تاريخية بعينها.

النقد في الفكر الديني ليس هجوماً على الإيمان بوصفه تجربة روحية حيّة، ولا هو ملاحقة للمؤمنين في خصوصية ما يعيشونه مع معنى أكبر منهم، النقد هنا مساءلة لصور التمثل التاريخي للدين: كيف تشكّلت الأرثوذكسيا؟ كيف اكتسبت بعض القراءات حصانة أعلى من غيرها؟ وكيف أُسكتت أصوات داخل التاريخ الديني نفسه لأنها أزعجت بنية السلطة التأويلية القائمة؟ هذه الأسئلة ليست تدميراً للدين، بل هي في أعمق معانيها حماية للدين من أن يُختطف باسمه.

بل النقد الرشيد في الحقل الديني لا يطمس المعنى الروحي، بل يحميه من شكل خاص من التعفن: ذلك التعفن الذي يُصيب الفكر الديني حين تتجمد صيغه، وحين تتحول القراءات المتراكمة إلى أسوار تحجب النص عوض أن توصّل إليه.، كما يُقوّي الفهم الديني الحقيقي حين يجعله واعياً بسياقاته، ويمنحه القدرة على التمييز بين ما هو جوهر متجاوز للتاريخ وما هو لباس تاريخي مخصوص، ويحرّره من الحصانات المؤسساتية التي تقوّض حيويته بتحويله من تجربة يُعاش فيها ويُسأل إلى نسق يُصان ويُحرَس.

خ‌.  حين يُصبح النقد إستبداداً

أكثر ما ينبغي للناقد أن يخشاه ليس خصومه، بل نفسه، لأن النقد يحمل في بنيته إغراءً خفياً نحو تحويل موقع المساءلة إلى موقع امتياز، فمن يملك أدوات النقد يمتلك قدرة على رؤية ما لا يراه غيره، وهذه القدرة حين لا تُحرَس تتحول بسهولة إلى شعور ضمني بالتفوق: تفوق المُشكِّك على المُصدِّق، وتفوق المُفكِّك على المبني، وتفوق من يرى الأقنعة على من لا يزال يعيش خلفها.

ثم إن هناك لحظات في تاريخ التيارات النقدية تتحوّل فيها إلى طقوس تُؤدَّى لا أسئلة تُعاش، يصبح التشكيك أداءً اجتماعياً علامةً على الانتماء إلى نخبة بعينها، ويصبح الاعتراض على كل توافق علامةً على الجرأة لا على الحكمة، عند تلك النقطة يكف النقد عن كونه ممارسة معرفية ويصبح مسرحاً لإعادة إنتاج التمييز الرمزي: الحدود نفسها التي كان يُعلن تفكيكها يُعاد رسمها بحبر مختلف وبلغة ثورية مُحدَّثة.

لهذا سلامة النقد تُقاس بشيء واحد: قدرته على أن يعود إلى ذاته، على أن يُخضع أدواته لمساءلة مماثلة لتلك التي يُخضع أدوات غيره لها، وعلى أن يتسع لتواضع معرفي لا يُلغي صدقه بل يُحصّنه، الناقد الذي لا يعرف كيف يسأل نفسه نفس الأسئلة التي يسألها للآخرين ليس ناقداً بالمعنى الكامل، بل محتجّ في موقع استثناء معرفي، والاستثناء المعرفي، مهما تغلّف بلغة التحرر والمقاومة، يظل شكلاً من أشكال السلطة التي يدّعي تفكيكها.

النقد كمهذب للعقل

النقد، حين يَفعل فعله الكامل و يبلغ تمامه الفلسفي، لا يكون مجرد منهج في التحليل أو أداة في الجدل، إنه يتحوّل إلى ما يشبه الأخلاق: أخلاق العقل في علاقته بنفسه وبالحقيقة وبالإنسان، أخلاقٌ تقوم لا على وصايا جاهزة بل على فضائل متمرَّن عليها: فضيلة التمييز بين ما نعرفه فعلاً وما نظن أننا نعرفه، وفضيلة الصبر على السؤال حين يُغري اليقين السريع، وفضيلة الاعتراف بحدود الأدوات حين تتمدد لتسد آفاق تتجاوزها.

أيْ يقظةٌ تُحرّر العقل من تعلّقاته الوهمية، وتمنعه من أن يتحوّل إلى ذلك الأسير الراضي بقيوده لأنه نسي أنها قيود، إخراجٌ دائم للنسق من قبضات البداهة، إعادةٌ للسؤال إلى ما قبل الإجابة لا لإلغاء الإجابة، بل لاختبار درجة حقها في الوجود، هكذا النقد لا يعطيك إجابات محسومة تضعها في جيبك وترحل، بل يجبرك على البقاء في حالة تأهب معرفي إيجابي: حالة لا تشبه القلق الشالّ، بل تشبه انتباه الفيلسوف الذي يعرف أن الحقيقة ليست جائزة تُنال مرة واحدة بل مسيرة لا تنتهي.

وفي عالمٍ تسارع فيه الكلمات نحو ادعاء الكلمة الفصل، وتتصارع فيه الأيديولوجيات لاحتلال مقعد اليقين الأخير، يصبح النقد الذي يعرف حقول اشتغاله ويُمارس تواضعه أكثر من موقف فكري: يصبح واجباً إنسانياً. ليس لأن الحقيقة مستحيلة، بل لأن الحقيقة تموت حين تتوقف عن أن تُسأل. والملاذ الأخير للحرية الفكرية والمسؤولية الإنسانية في مثل هذا الزمن ليس امتلاك الإجابة الصحيحة، بل الاحتفاظ بالشجاعة الكافية لتوجيه السؤال — حتى حين يكون السؤال موجهاً نحو ما نؤمن به نحن أنفسنا.

***

مراد غريبي

الجسد كحقل صراع أيديولوجي

تمثل ظاهرة "الإباحية السياسية" في سياق الشرق الأوسط المعاصر واحدة من أكثر القضايا إشكالاً وتداخلاً؛ إذ تتجاوز في تعريفها الجوهري مجرد إنتاج ونشر المواد البصرية ذات الطابع الجنسي الصريح، لتتحول إلى استراتيجية بنيوية متكاملة تهدف إلى توظيف الغرائز والجسد في صراعات القوة، وإدارة الحشود، وتفكيك البنى القيمية والمعرفية للمجتمعات. إن مقاربة هذه الظاهرة تتطلب غوصاً عميقاً في التقاطعات الحادة بين "الثالوث المحظور": السياسة، والجنس، والدين؛ وهي العناصر التي تشكل مراكز الثقل في المخيال الجمعي العربي.

في هذا الفضاء، يتم التلاعب بهذه المكونات لإنتاج حالة من "التجهيل السياسي العمدي" الذي يعيد صياغة وعي الفرد وسلوكه تجاه السلطة والمجتمع. لا يُنظر إلى الإباحية هنا كفعل فردي معزول، بل كظاهرة مجتمعية تم هندستها لتشويه المفاهيم الإنسانية، وتحويل الجسد من كيان ذي كرامة وجودية إلى أداة للنفوذ والسيطرة، وتفريغ الشحنات السياسية المعارضة في قنوات غرائزية ضيقة، مما يؤدي إلى تآكل المجال العام واستلاب الذات الفاعلة.

إرث الاحتلالات وتدجين الجسد المستعمر

لا يمكن فهم استلاب الجسد في الفضاء المعرفي العربي دون العودة إلى إرث الاحتلالات المتعددة التي توالت على المنطقة. لقد عملت القوى الاستعمارية، ومن خلفها منظومات الرأسمالية العابرة للحدود، على استخدام "الجسد" كأول مختبر للسيطرة. كان الهدف دوماً هو كسر "الهيبة السيادية" للفرد عبر تعريته، سواء كان ذلك تعرياً فيزيائياً في السجون والمنافي، أو تعرياً معنوياً عبر اختراق خصوصياته وتدنيس مقدساته الرمزية.

إن الاحتلال لا يكتفي بالسيطرة على الأرض والموارد، بل يسعى لتدجين "الحيز الخاص" للمواطن. ومن هنا، وُلدت بذور "الإباحية السياسية" كأداة لاختراق النخب وتطويعها. لقد أدركت القوى المهيمنة أن الجسد المستلب، الغارق في دوامة الدفاع عن غريزته أو الخوف من فضيحته، هو جسد عاجز عن ممارسة الفعل المقاوم. هذا "التدجين الاستعماري" وضع الحجر الأساس لما نراه اليوم من توظيف أمني للجنس كآلية لضبط الإيقاع السياسي وضمان ولاء التابعين عبر الابتزاز المستمر.

الرأسمالية ما بعد التحررية الجديدة وتدجين السياسات

في ظل التحولات الكونية الكبرى، انتقلت الرأسمالية من طورها التقليدي القائم على الإنتاج المادي إلى طور "ما بعد التحررية الجديدة" (ما بعد النيوليبرالية)، وهو الطور الذي يعتمد على "اقتصاد الانتباه" وتسليع الغرائز الشامل. في هذا السياق، لم تعد السلطة بحاجة إلى القمع الخشن دائماً؛ بل استعاضت عنه بآليات "التدجين الناعم" عبر إغراق الفضاء العام بمثيرات حسية تحجب الرؤية السياسية.

تعمل هذه الرأسمالية المتوحشة على تحويل المواطن من "ذات سياسية" تحمل مشروعاً نقدياً، إلى "كائن مستهلك" تطارده الرغبات اللحظية المبرمجة سلفاً. يتم توجيه الطاقات الحيوية للشباب نحو الجسد كغاية في ذاته، بدلاً من كونه وسيلة للفعل والتغيير. هذا الاستلاب يؤدي بالضرورة إلى "تفريغ السياسة من محتواها الأخلاقي"، لتصبح مجرد استعراض تقني للقوة والمال، حيث تذوب القضايا المصيرية في سيل من "المشهدية الإباحية" التي تخدم استقرار الأنظمة التابعة للمركز الرأسمالي العالمي.

سيميولوجيا الجسد المستباح في الفضاء المعرفي

ينتقل التشريح الفلسفي هنا إلى مفهوم "الحياة المجرّدة"؛ حيث يتم تجريد الفرد من حقوقه القانونية والسياسية ليتحول إلى مجرد كيان بيولوجي تحت رحمة السيادة المطلقة. في الفضاء المعرفي العربي، يتم استغلال هذا الانكشاف لإنتاج ما يمكن تسميته "التعرية الرمزية" عبر وسائط الإعلام والتواصل الاجتماعي.

إن آليات تضليل الوعي تعتمد على "إغراق المحرك المعرفي" للفرد بمعلومات وصور مشوهة، مما يؤدي إلى حالة من التبلد الوجداني. عندما يصبح الجسد مستباحاً في الدراما، وفي الإعلان، وفي الصراعات السياسية، يفقد الفرد حساسيته تجاه العنف والظلم. هذا هو الاستلاب المعرفي في أقصى صورته؛ حيث لا يعود الإنسان قادراً على التمييز بين الحقيقة والتزييف، لأن "المعنى" نفسه قد تم تفكيكه لصالح "الصورة الشارحة" التي تكرس سطوة الأقوى.

السادية السياسية والمازوخية الجماعية

يمكن قراءة السلطة في بعض سياقات المنطقة كممارسة "سادية" منظمة، تجد لذتها في إخضاع الأجساد وإذلالها. هذه السادية لا تكتفي بالتحكم الفيزيائي، بل تسعى لإنتاج "مازوخية جماعية"؛ وهي حالة من القبول الشعبي بالقهر، بل واستعذاب التسلط تحت مسميات "الاستقرار" أو "الحماية".

تتجلى هذه العلاقة في كون السلطة تمارس "التلصص" على حيوات الأفراد، محولةً الفضاء الخاص إلى فضاء مكشوف أمنياً. هذا الكشف القسري يؤدي إلى تضخم اللاوعي الجماعي بصور خيالية عن جبروت الحاكم، مما يدفع الجماهير للتقلب مع تقلبات السلطة الحربائية. إن السياسي هنا يستخدم "التعدد الرغبوي" ليبقى دائماً في مركز الانتباه، مشتتاً الوعي النقدي للجماهير عبر دفعهم لملاحقة الفضائح أو الاستعراضات البصرية التي تخفي خلفها خواءً مؤسساتياً ونهباً للموارد.

آليات الاستغفال عبر "فخاخ العسل" والابتزاز الرمزي

ينتقل استلاب الجسد من المستوى الفلسفي إلى المستوى التقني عبر ما يُعرف بـ "فخاخ العسل". وهي آلية تعتمد على تسليع الغريزة للإيقاع بالنخب الفاعلة (سياسيين، إعلاميين، مثقفين). الغاية هنا ليست المتعة أو التجارة، بل "الكسر الرمزي" للشخصية العامة وتجريدها من مشروعيتها الأخلاقية.

عندما يتم تجنيد الجسد كأداة للابتزاز الاستخباراتي، فإننا نكون أمام عملية إفراغ للفعل السياسي من محتواه؛ إذ يتحول الفرد من حامل لرسالة معرفية إلى كائن مرتهن لخوفه من الانكشاف. هذا النمط من السيطرة يساهم في خلق مجتمع "فاقد للثقة"، حيث يصبح التشكيك في نزاهة الجميع هو القاعدة، مما يسهل على الأنظمة تدجين المعارضة وتحويل الصراع السياسي من صراع على المبادئ والمواطنة إلى صراع غرائزي مشوه.

"عامل كوليدج" وتخدير الوعي في اقتصاد الانتباه

تعتمد السياسة الإباحية في عصرنا الحالي على ظاهرة "التجدد المستمر للمثيرات" (عامل كوليدج)، حيث يتم استخدام استراتيجيات "الصدمة والتشويق" لإبقاء الجمهور في حالة استهلاك دائم للصور الجديدة الصادمة. هذا "السعار البصري" يستهلك الطاقة الذهنية للفرد ويمنع تشكل وعي تراكمي أو رؤية استراتيجية للتغيير.

إن الوعي السياسي يتطلب ذاكرة واستمرارية، بينما "الإباحية السياسية" تفرض حالة من "الآنية المطلقة" و"النسيان المنظم". وبذلك، يتم استنزاف القدرة النقدية للفرد، ليصبح في حالة إرهاق معرفي مستمر تمنعه من مساءلة السلطة عن احتكار الموارد أو الفشل في إدارة الدولة. هذا الاستنزاف هو قمة تضليل الوعي، حيث يُوهم الفرد بأنه "مشارك" في الحدث عبر التعليق والمشاهدة، بينما هو في الحقيقة غارق في تدجين ناعم يقوده نحو السلبية السياسية الكاملة.

الجسد كمختبر للعنف واستعادته كفعل مقاومة

يرتبط استباحة الجسد بشكل وثيق باحتكار الموارد الاقتصادية والسياسية. إن الجسد في الشرق الأوسط يُستخدم كـ "مختبر للعنف" حيث يتم اختبار تقنيات السيطرة والمراقبة والحرمان المنظم من الاحتياجات البيولوجية الأساسية لكسر الإرادة. ومع ذلك، يرى الفكر المعاصر في الجسد أيضاً موقعاً محتملاً للمقاومة.

الجسد ليس مجرد ضحية سلبية للرأسمالية أو الاحتلال؛ بل يمكن أن يكون ساحة لـ "تقنيات الذات" وممارسة الحرية كفعل أخلاقي. إن استعادة السيادة على الجسد، عبر رفض تسليعه ورفض الخضوع لابتزاز الصور، هي الخطوة الأولى نحو استعادة السيادة السياسية. المقاومة هنا تبدأ من الوعي بحدود الجسد وهشاشته وقدرته في آن واحد على قول "لا" في وجه آلات التضليل.

الاستنتاجات العامة

إن ظاهرة الإباحية السياسية في الشرق الأوسط ليست مجرد قضية أخلاقية فردية، بل هي تحدٍ وجودي يمس جوهر الكرامة الإنسانية والتحرر الوطني. من خلال استغلال الجسد كأداة للاستغفال وتدجين السياسات، تنجح التحالفات بين الرأسمالية المتوحشة والأنظمة السلطوية في خلق حالة من التبلد المعرفي.

إن مواجهة هذه الظاهرة تبدأ من "استرداد المعنى" وإعادة الاعتبار للقيم الأخلاقية كفعل سياسي مقاوم يرفض التسليع والابتزاز وتزييف الوعي. السياسة الحقيقية هي التي تنقذ الإنسان من " المتاهة الاستهلاكية " لتعيده إلى ساحة الفعل التاريخي الرصين. يتطلب المستقبل جهوداً بحثية ومعرفية مكثفة لفهم الخصوصية الثقافية للمنطقة في مواجهة هذه التحديات، فالإجابة على سؤال "كيف نستعيد وعينا المستلب؟" هي التي ستحدد مصير المجتمعات في العقود القادمة.

 ***

غالب المسعودي

حوار الأجيال في زمن الانكشاف العربي الكامل

من محاسن الإنترنت، رغم كل ما جرّه على العالم من فوضى وضجيج، أنه أعاد وصل ما قطعته الجغرافيا وبدد شيئاً من عزلة السياسة. ففي لحظة واحدة يمكن لإنسان عاش عمره بين الكتب والذكريات أن يصافح صوتاً ظلّ يرافقه منذ عقود عبر الورق والحبر فقط. هكذا حدث معي وأنا أستمع، للمرة الأولى وجهاً لوجه، إلى المفكر العراقي سيّار الجميل، الرجل الذي عرفته طالباً في جامعة عدن من خلال كتاباته التي تسللت إلى وعينا الثقافي منذ تسعينيات القرن العشرين، قبل أن أراه أخيراً عبر نافذة رقمية صنعتها العولمة ذاتها التي طالما انشغل بتفكيكها ونقدها.

على مدى ثلاثة ساعات عبر منصة زوم اجتمعنا يوم الاثنين 11 مايو 2026 عند الساعة الخامسة مساءً بتوقيت غرينتش في ندوة حوارية هامة تحدث فيها الدكتور سيار الجميل عن تجربته الفكرية مع ظاهرة العولمة ونظرية المجايلة التاريخية؛ ادارها رئيس المعهد العالمي للتجديد العربي، الدكتور خضير المرشدي بكفاءة واقتدار وحاوره الدكتور الشاب المثقف أمين اليافعي؛ندوة حملت عنواناً طويلاً ومثيراً للتأمل: «العولمة واستراتيجية تفكير: حوار حول مشروع سيّار الجميل من أجل بناء ثلاثة أجيال جديدة في القرن الحادي والعشرين». وقد بدت الندوة بالنسبة لي أكثر من مجرد فعالية أكاديمية؛ كانت أقرب إلى حوار عميق بين زمنين: جيل الكتابة الورقية الذي تربى على بطء القراءة وتأمل الأفكار، وجيل الكتابة الرقمية الذي يعيش داخل إيقاع متسارع يكاد يلتهم الذاكرة ذاتها.

حينما قرأت عنوان الندوة تذكرت مقال نظرية المجايلة التاريخية للدكتور سيّار الجميل الذي كلفنا الدكتور حازم الناصر؛ استاذ الفكر العربي المعاصر بتصويره وقراءته في السنة التحضيرية للدكتورة في قسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعة بغداد.اعتقد إن المقال كان منشورا في مجلة الفكر العربي كان ذلك عام 2001 م إذ لم تخني الذاكرة. سعدت وأنا استمع من صاحبه مفهوم ونظرية المجايلة التاريخية مباشرة؛ يومها بدا المفهوم غريباً ومثيراً: كيف يمكن قراءة التاريخ لا باعتباره سلسلة أحداث، بل باعتباره تتابع أجيال تتداخل وتتجاور وتتنازع وتورّث بعضها بعضاً؟ لم أكن أدرك آنذاك أن تلك الفكرة ستصبح لاحقاً واحدة من أكثر المفاهيم قدرة على تفسير ارتباك العالم العربي الحديث.

“المجايلة التاريخية”. مصطلح نحته سيّار الجميل من روح اللغة العربية على غرار مفاهيم مثل “المزامنة” و”المقايسة” والكوننة لكنه لم يكن مجرد اجتهاد لغوي، بل مشروع فلسفي لفهم حركة التاريخ الاجتماعي. فالتاريخ عنده لا يتحرك فقط عبر الدول والحروب والأفكار الكبرى، بل عبر تعاقب الأجيال نفسها؛ كل جيل يحمل شروط تكوينه الخاصة، ثم يسلم العالم، أو يورث أزماته، إلى الجيل الذي يليه إذ يقسم الجميل حياة الإنسان الفاعل اجتماعياً إلى مرحلتين متكاملتين: ثلاثون سنة للتكوين، وثلاثون سنة للإنتاج. في النصف الأول يعيش الفرد داخل ظل الجيل السابق، يتلقى قيمه ومعارفه ومخاوفه وأوهامه، وفي النصف الثاني يتحول إلى منتج ومؤثر في الجيل اللاحق. ومن تفاعل هذين المستويين تتشكل “المجايلة التاريخية” بوصفها الإطار الحقيقي لفهم التحولات الكبرى في المجتمع.

ورغم إن الدكتور سيار لم يذكر ابن خلدون ابن خلدون، الا إن التخاطر معه كان واضحا في نظرية الأجيال إذ يُعد ابن خلدون من أوائل من صاغوا نظرية واضحة حول الأجيال في كتابه المقدمة فحسبه الدولة تمر غالبًا بثلاثة أجيال:

1. جيل التأسيس والقوة.

2. جيل المحافظة على السلطة.

3. جيل الترف والضعف والانهيار

فهم أو من ربط صعود الدول وسقوطها بدورات عمرانية وأجيال متعاقبة. لكن تصور الاستاذ سيار عن عمر الجيل الوحد يختلف عن تصور الفيلسوف الإمركي ألفين توفلر في كتابه الشهير صدمة المستقبل. فهذا الأخير حدد عمر الجيل 62 عاما مفترضا إن تجربة الإنسان العاقل(التي قدرها بـ 50 ألف سنة) بافتراض أن متوسط عمر الجيل الواحد 62 عاماً:أول 650 جيلاً: قضاها الإنسان بالكامل داخل الكهوف.الـ 70 جيلاً التالية: بدأت فيها القدرة على التواصل الكتابي ونقل المعرفة عبر الأجيال.الـ 6 أجيال الأخيرة: هي فقط التي عرفت المطبوعات والكتب المنتشرة على نطاق واسع.الـ 4 أجيال الأخيرة: شهدت اختراع المحرك الكهربائي وكل ما تلاه من ثورة صناعية.الجيل الـ 800 (جيلنا الحالي): هو الجيل الذي حدث فيه أكبر قدر من التغيير، حيث تم فيه إنتاج معظم السلع والخدمات التي نستخدمها اليوم، وشهد الثورة الرقمية والمعلوماتية وذلك ليبرهن على أن التغيير في التاريخ الإنساني لم يعد تدريجياً، بل صار انفجارياً ومتسارعاً بصورة غير مسبوقة. معظم ما نعتبره اليوم بديهيات حضارية ـ من الكهرباء إلى الإنترنت ـ لم يظهر إلا في الأجيال القليلة الأخيرة من عمر البشرية. وربما كان الفارق العميق بين المنظورين العربي والأمريكي أن توفلر كان يصف تسارع الزمن التقني، بينما كان سيّار الجميل يحاول فهم أثر هذا التسارع على البنية الثقافية والاجتماعية للإنسان العربي تحديداً. هنا تكمن أهمية مشروعه الفكري؛ فهو لم يتعامل مع العولمة بوصفها قدراً تقنياً محايداً، بل باعتبارها زلزالاً تاريخياً يهدد المجتمعات الضعيفة بالانكشاف الكامل.

واتذكر أنني نشرت مقال عن العولمة والعالم قبل بعد عودتي من بغداد في عدن الغد أوضحت فيه إن العالم العربي كان أكثر المناطق تعرضاً لهذا الانكشاف المؤلم. لقد جاءت العولمة إلينا لا كفرصة تاريخية للمشاركة في صناعة العالم، بل كاقتحام مباغت لبيت هشّ ومثقل بالتصدعات. فجأة وجدنا أنفسنا مكشوفين أمام الجميع: ثقافياً، وسياسياً، واقتصادياً، وحتى أخلاقياً. لم تعد هناك جدران عالية تخفي عيوب الداخل، ولم تعد السلطة قادرة على احتكار الصورة أو الرواية أو الوعي.

وصف مارتن هايدغر العالم ذات مرة بأنه سيغدو “في متناول اليد”، لكن هذا القرب الكوني الذي بشرت به ثورة الاتصالات لم يحمل معه بالضرورة مزيداً من العدالة أو الإنسانية. صار العالم قرية بالفعل، لكن القرية نفسها تحولت إلى ساحة صراع مفتوح، حيث تتجاور المعرفة مع العنف، والحرية مع الهيمنة، والتكنولوجيا مع الخراب.

في هذه القرية الكونية بدا العرب، مرة أخرى، آخر من يعلم. لم نشارك في إنتاج العولمة، ولم نمتلك أدواتها، بل وجدنا أنفسنا موضوعاً لها وميداناً لتجاربها القاسية. لهذا لم تكن الصدمة تقنية فقط، بل حضارية أيضاً. لقد اكتشفنا فجأة هشاشة الدولة، وضعف المجتمع، وضمور العقل النقدي، وتآكل معنى المواطنة فاذا كان الغرب قد دخل عصر العولمة من موقع القوة والإنتاج، فإننا دخلناه من موقع الاستهلاك والتفكك. لهذا تحولت العولمة عندنا إلى حالة انكشاف جماعي؛ انكشاف سياسي أمام قوى الهيمنة الدولية، وانكشاف ثقافي أمام طوفان الصور والقيم، وانكشاف أمني أمام الحروب التي صارت تدار فوق أرضنا وبأجساد أبنائنا.

فما يحدث في العالم العربي منذ عقود من الزمن يكاد يكون التجلي الأكثر قسوة لهذا المأزق التاريخي. فالقوى الكبرى جميعها تمارس صراعاتها فوق جغرافيتنا: الولايات المتحدة، وروسيا، وبريطانيا، وفرنسا، والصين، وإسرائيل. الجميع يختبر أسلحته ومشاريعه وموازين قوته في هذه المنطقة المنهكة، بينما تبدو الأنظمة العربية عاجزة عن إدراك عمق الكارثة أو حجم التحول التاريخي الجاري.

إن أخطر ما في الأمر ليس فقط حجم العنف، بل اعتيادنا عليه. فالمجتمعات حين تفقد قدرتها على الحلم تبدأ بالتكيف مع الخراب بوصفه وضعاً طبيعياً. وهنا تحديداً تبرز أهمية مفهوم “المجايلة التاريخية” مرة أخرى؛ لأن الأزمة لم تعد أزمة نظام سياسي أو اقتصاد متعثر فحسب، بل أزمة انتقال حضاري بين أجيال فقدت الرابط المشترك فيما بينها فالجيل الورقي الذي تشكل وعيه عبر الكتب والأيديولوجيات الكبرى يعيش اليوم حالة اغتراب أمام عالم رقمي سريع ومتفلت. أما الجيل الرقمي فيعيش غالباً بلا ذاكرة تاريخية عميقة، يتحرك داخل عالم افتراضي مفتوح لكنه يفتقر إلى المعنى واليقين. وبين الجيلين تتسع هوة الفهم، ويضيع سؤال المستقبل.

ربما لهذا بدت الندوة التي جمعتنا بسيّار الجميل أكثر من مجرد احتفاء بمفكر عربي من الجيل الكلاسيكي؛ لقد كانت محاولة لفهم أنفسنا في لحظة تاريخية شديدة الاضطراب. فالعولمة ليست مجرد تقنية أو اقتصاد أو وسائل تواصل، بل إعادة تشكيل كاملة للوعي الإنساني، ولعلاقة الإنسان بالزمن والمكان والهوية.

فالعولمة، رغم قسوتها، ليست شراً مطلقاً. لقد منحتنا أيضاً إمكانات هائلة للتواصل والمعرفة وكسر العزلات القديمة. والدليل أنني استطعت، بعد عقود من القراءة الصامتة، أن أستمع مباشرة إلى مفكر أثّر في وعي جيل كامل من المثقفين العرب وربما يكون التحدي الحقيقي أمام العرب اليوم ليس مقاومة العولمة بوهم الانغلاق، بل إنتاج موقع عقلاني ونقدي داخلها. أي الانتقال من حالة الانكشاف السلبي إلى حالة المشاركة الواعية في صناعة المستقبل.

ختام نكرر القول مع الدكتور سيار الجميل إن الأمم لا تنهض بالبكاء على الخراب، بل بإنتاج وعي جديد قادر على فهم العالم وتحويل المعرفة إلى قوة تاريخية. وربما كان هذا هو الدرس الأعمق الذي يمكن استخلاصه من مشروع سيّار الجميل الفكري: أن التاريخ ليس قدراً أعمى، بل عملية مجايلة مستمرة، وأن كل جيل يمتلك فرصة، ولو متأخرة، لكي يعيد تعريف علاقته بالعالم وبذاته وبمستقبله.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

نقد فكرة "البداهة" في الفينومينولوجيا المعاصرة

إذا كانت الفلسفة في أشد لحظاتها طموحاً تبحث عن نقطة صفرية لا يشوبها الشك وعن أرض صلبة تقيم عليها صرح المعرفة، فإن فينومينولوجيا هوسرل جاءت لتعد بتحقيق هذا الحلم القديم من خلال العودة إلى “الأشياء نفسها”، إلى ما يعطى للوعي في بداهته الحية المباشرة قبل أن تشوهه النظريات والافتراضات الميتافيزيقية. على هذا الوعد التأسيسي قامت الحركة الفينومينولوجية وبهذا الشعار اجتذبت أنظار الفلسفة الأوروبية في مطلع القرن العشرين، فبدا أن البشرى قد آن أوانها، يقين لا يتزعزع ينبع من داخل التجربة ذاتها ومن جهة اتصال الوعي بالعالم قبل أي تأويل أو استدلال. ففكرة البداهة تلك القدرة على إمساك المعطى “بذاته” في حضور آني كلي كانت بمثابة الكأس المقدسة التي سعى إليها هوسرل في تحليلاته المنطقية ومؤلفاته المتوسطة معتقداً أنه وجد أخيراً الأساس الذي لا يحتاج إلى أساس والحضور الذي لا يحتاج إلى دليل. ولكن ما إن بدأت الفينومينولوجيا تختبر نفسها بصدق أي ما إن شرعت في تطبيق منهجها على أكثر الظواهر تواضعاً كالإدراك الحسي والزمن والجسد والآخر، حتى بدأت تنكشف تحت سطح البداهة اللامع تشققات غائرة وأنسجة كثيفة من العلاقات والإحالات والغيابات. لقد تبين شيئاً فشيئاً أن ما كان يبدو كمعطى فوري لا يحتاج إلى بناء هو في حقيقته إنجاز مركب لا يظهر كبناء إلا عندما ينقلب المنظور الفينومينولوجي من السذاجة الأولى إلى التساؤل الجيني. هذا التناقض الداخلي – بين حلم الحضور المطلق واكتشاف شروط هذا الحضور في غيابات بنيوية – هو الذي حوّل الفينومينولوجيا من مذهب للبداهة إلى نقد للبداهة ومن مشروع تأسيسي إلى فضاء مفتوح على أسئلة التأويل والجسد والغيرية والأخلاق. وفي هذا التحول الجذري الذي لم يعد اليوم ممكناً تجاهله أو تجاوزه تكمن أهمية إعادة النظر في فكرة البداهة نفسها ليس بهدف إلغائها أو شيطنتها بل بهدف تفكيك سذاجتها الأولى لاستعادة كثافة التجربة الحقيقية التي لا تعرف وضوحاً بلا غموض ولا حضوراً بلا أفق من الغياب ولا ذاتاً من دون عالم. إن نقد البداهة في الفينومينولوجيا المعاصرة ليس هجوماً خارجياً على تراث هوسرل بل هو امتداد ذاتي لأكثر ما كان حيا في مشروعه، الإخلاص للظهور كما هو لا كما نتمناه أن يكون. وهذا الإخلاص نفسه هو الذي قاد بطريقة جدلية من الإيمان بالبداهة إلى اكتشاف أن البداهة ليست سوى لحظة ضمن بنية أوسع وأن البنية ليست بدورها سوى طريقة مختلفة للقول بأن التجربة لا تعطينا أشياء جاهزة بل تدعونا إلى بناء معناها في فعل لا ينتهي. لكن قبل أن نغوص في تفاصيل هذا التحول لا بد أن نستعرض ببعض التأني كيف تشكلت فكرة البداهة عند هوسرل نفسه ثم كيف انقلبت عليه من الداخل بفضل تلاميذه وورثته وصولاً إلى الاستنتاجات الأخلاقية والوجودية التي طمست معالم أي يقين بديهي وحولت الفلسفة من علم إلى حكمة.

في قلب المشروع الفينومينولوجي منذ لحظاته التأسيسية الأولى على يد إدموند هوسرل ثمة رهان نظري هائل لم يتوقف أبداً عن تحديد مسارات الفلسفة القارية في القرن العشرين، رهان استعادة الأشياء نفسها من خلال العودة إلى تجربتها الحية قبل أن تحجبها الترسبات النظرية أو الاصطلاحات الميتافيزيقية. هذا الرهان الذي تجسد في شعار “إلى الأشياء ذاتها”، قام على فكرة تبدو للوهلة الأولى بريئة وضرورية ألا وهي فكرة “البداهة” أو العطاء الذاتي المباشر للظاهرة للمعاينة الفلسفية. فالوعي في هذا المنظور الافتتاحي هو دوماً وعي بشيء وهذا الشيء ليس شيئاً في العالم الطبيعي الغافل عنه بقدر ما هو “ظاهرة” تعطى للوعي بكيفية معينة في أسلوب ظهور معين. وهذه الكيفية حين تبلغ أقصى درجات الامتلاء تمنح اليقين المطلق أي “البداهة” العينية التي يستحيل معها الشك أو الاحتمال. ففي البداهة الحسية مثلاً نرى لوناً أحمر وهذا الأحمر المعطى حضوراً حضوراً ليس إلا هو نفسه، لا نستطيع أن ننكر أنه هنا والآن يعرض نفسه بذاته في حين أن أي تأويل أو استدلال أو حكم قد يخطئ أو يصيب. البداهة إذن هي معيار الصدق في الفينومينولوجيا الهوسرلية بل هي مصدر كل المعقولية ذاتها.

غير أن هذه البساطة الأولية وهذا اللمعان الحسي المباشر سرعان ما يتكشف عن تعقيدات مذهلة كلما تعمق الفينومينولوجي في بنية التجربة نفسها. فما نعيشه بوصفه معاشاً حاضراً لحظة بلحظة ليس مجرد ومضة من معطى منعزل عن سواه بل هو نسيج كثيف من الإحالات والآفاق والترسبات. عندما أرى غصن شجرة في حديقتي فأنا لا أشاهد فقط انطباعاً بصرياً أخضر ولا حتى شكلاً معيناً من الأغصان بل أشهد -ضمنياً لكن بشكل جوهري- خلفيات المكان الذي أقف فيه، ذكريات أزمنة سابقة رأيت فيها الشجرة نفسها، توقعات بتحول الغصن مستقبلاً تحت الأمطار أو الجفاف وحتى غياب الجانب الخلفي من الغصن الذي لا أراه لكني “أعطيه” حضوراً في غيابه بوصفه معطى ضمنياً يمكن أن أراه لو درت حوله. هوسرل نفسه في تحليلاته عن “الأفق” الداخلي والخارجي كان أول من أدرك أن العطاء الذاتي المباشر ليس مجرد نقطة صفرية من الوجود بل هو فتح نحو غيابات مشدودة كل الشد إلى حضورها الضمني. وفي أفق كل بداهة حسية تكمن بداهات أخرى محتملة لكن لا بد أن تنتهي السلسلة إلى بداهة مطلقة؟ هنا تبدأ المتاهة.

لأنه إذا كانت البداهة الحسية المباشرة على بساطتها الظاهرية هي المعيار فكيف يمكن أن نعطي بداهة للحقيقة الرياضية الكلية التي لا تنتمي إلى مجال الإحساس أو للقيم الأخلاقية أو لوجود الآخر؟ هوسرل في رده المبكر على هذه الإشكالية توسع بمفهوم البداهة ليشمل بداهات مقولية وفئوية و”بداهات جوهرية” لا تنتمي إلى الحس بل إلى “الرؤية الفكرية”، فالفينومينولوجيا عنده هي بعد كل شيء “علم بالمعاني لا بالوقائع”. لكن هذا الاتساع على قوته التأسيسية حمل في طياته بذور نقده الذاتي. فما معنى “رؤية فكرية” تستطيع أن تنفذ إلى الجواهر الخالصة مستقلة عن الزمن والتجربة الحسية؟ أليس هذا عودة خفية إلى “حدس” أفلاطوني أو إلى عقلانية ديكارتية تحاول الفينومينولوجيا في الأساس تجاوزها؟ لقد دفع التوتر بين الطموح إلى اليقين المطلق والإخلاص لملموس التجربة الحية هوسرل إلى إعادة النظر في مفهوم البداهة نحو نهاية مسيرته، حين كشف عن ضرورة “التحليل الجيني” الذي يبين كيف أن كل بداهة حالية هي نتيجة ترسيب معقد لطبقات من العمليات الفاعلة (التركيب السلبي، التذكير، التوقع، التلازم). بمعنى البداهة ليست انكشافاً مباشراً بل هي نتاج بناء غير منظور. فلا شيء يعطى “بذاته” دون أن يكون مشكلاً بنيوياً بفعلات الوعي الزمني والأفقي.

لكن الذي حول هذا الكشف الهوسرلي من ملاحظة منهجية إلى زلزال نظري حقيقي هو ورثته من فلاسفة الجيل التالي لا سيما مارتن هايدغر وموريس ميرلوبونتي. فقد أدرك هايدغر في كسرته الجذرية مع فلسفة الوعي نحو فلسفة الوجود (الدازاين)، أي أن فكرة البداهة نفسها مقيدة بسذاجة معرفية أبعد مما ظن هوسرل. فحين نطالب بالعودة إلى “الأشياء نفسها”، نسأل بأي معنى للوجود؟ بداهة الوعي المتعالي لأشياء العالم تفترض مسبقاً تمييزاً بين الذات والموضوع لم يتأسس بعد من الناحية الوجودية. فالدازاين ليس “ذاتاً واعية” تواجه عالماً من الموضوعات بل هو في الأساس “كائن في العالم”، وعالمه ليس محموماً من معطيات بديهية بقدر ما هو فضاء من الإمكانات والأدوات والإحالات. عندما أستخدم مطرقة فأنا لا أشهد “بداهة” لونها وثقلها ثم أستنتج فائدتها بل أعيش فائدتها بطريقة قبل-تأملية والمطرقة “هي” في دازايني بوصفها أداة في إحالة إلى مسمار وإلى خشب وإلى ورشة وإلى مشروع بناء. هذه الإحالات ليست بديهات بل هي بنى. بل إن البداهة ذاتها بمعنى الرؤية النظرية الحاضرة ليست إلا نمطاً مشتقاً ومحدداً من أنماط الوجود في العالم، حين تنكسر المطرقة أو تتعطل عندئذ ننصرف إلى تأملها موضوعياً وعندئذ تبرز “كشيء” أمام الوعي. البداهة المعرفية بالنسبة لهايدغر هي حالة عجز وجودي، هي انسحاب الكائن من ملاءمة الاستخدام إلى بروز العطل. وبهذا الانقلاب لم تعد البداهة معيار الحقيقة بل عرضاً من أعراض الانفصال الأصلي عن العالم.

ميرلوبونتي من جهة أخرى ذهب إلى نقد أكثر دقة وهندسية من خلال تحليل الإدراك الحسي نفسه، ذلك الحصن الأخير لبداهة اللمعان المباشر. في ظاهريته الأولى يبدو إدراكي لقطعة السكر البيضاء على المنضدة وكأنه معطى انطباعي بسيط، هذه البياض، هذه المكعبية، هذه الصلابة. لكن الفينومينولوجيا الجسدية تكشف عن بناء هائل لا ينتهي وراء هذه البساطة. جسدي لا يرى الأشياء من نقطة صفر بل من وضع، والوضعية تعني أن المنظور الحي يقطع بعض أوجه الشيء ويُظهر غيره وأن الرؤية الواحدة لا تكفي أبداً لتطابق الشيء. فمكعب السكر هذا، إنه هنا، لكنه ليس مرآة تعكس نفسها للوعي في آن واحد بل هو “نمط من الاستقرار” عبر تعدد المنظورات، يتجمع حول غياب مركزي هو الشيء نفسه بوصفه “شيئاً لا يمكن اختزاله إلى أي من مظاهره”. لذلك يقول ميرلوبونتي إن الشيء المدرك هو “مراسلة انعكاساته”، وهو حد مشترك لسلسلة غير منتهية من العمليات التركيبية التي يقوم بها الجسم الحي. ومن ثم فما نسميه “بداهة” الإدراك ليست سوى ترسب حال لهذا البناء في لحظة من الإمساك الساذج. بل أكثر من ذلك، إن ما يمنح القناعة بأننا نرى الشيء “بذاته” هو بالضبط نشاط الجسد ذاته، حركة العينين التي تلمس الشيء من كل جهة، تدوير الرأس، قبض اليد، هذه هي التي تصنع إحساس “الملء” و “الحضور”. إذن فليس ثمة بداهة قبل الجسد أو خارج مناوراته.

إذن ما المسار الذي سلكته الفينومينولوجيا من التجربة إلى البنية؟ إنه ليس مسراً بسيطاً من اكتشاف أن ما بدا تجربة أولية بسيطة هو في الحقيقة بناء معقد، فهذه الحكاية عرفتها الفلسفة منذ كانط. بل ما فعلته الفينومينولوجيا المعاصرة هو إعادة صياغة جذرية لمفهوم البنية نفسها على ضوء نقد البداهة ومن ثم لمفهوم التجربة الجديرة بهذا الاسم. فالبنية التي تنجلي تحت عدسة الفينومينولوجيا ليست بنية منطقية مسبقة كالمقولات الكانطية ولا بنية لسانية كما في بعض البنيويات ولا بنية فيزيولوجية عصبية. إنها بنية حية، متحركة، ناشئة في الفعل الحي للتجربة قبل أن تتصلب إلى موضوع أو تعطى كبداهة. إنها ما يمكن تسميته “بنية قبل-الموضوعية”، أي نظام العلاقات والإحالات الذي يسبق انقسام العالم إلى ذات وموضوع، ويعمل بصمت في خفاء التجربة المعاشة، منحياً إياها نحو “وضوح” أو “بداهة” في اللحظة التي تظن فيها أنها وصلت إلى ما هو أولي وآخر في آن. لكن انكشاف هذه البنية الناشئة لا يعني بالضرورة تفكيك البداهة وتهميشها كوهم، بل يعني إعادة الاعتبار لها بصفتها إنجازاً لا معطى وفتح باب التساؤل حول شروط إمكان هذا الإنجاز بالذات. فإذا كانت البداهة نتيجة أي ترسباً وتكثيفاً لعمليات بنيوية كامنة فما معنى أن نستمر في وصف الظواهر كما تظهر “بذاتها”؟ ألا يعني هذا أن الفينومينولوجيا مطالبة بالتنقل بين مستويين، مستوى الظهور البديهي الذي لا يستطيع وعي عادي ولا فلسفي أن يتجاوزه لأنه هو الذي يصنع المعنى اليومي، ومستوى التحليل البنيوي الذي يفكك هذا الظهور ليُظهر كثافته ونشاطه الخفي؟ هذا التوتر هو الذي يجعل الفينومينولوجيا المعاصرة من هايدغر إلى ميرلوبونتي إلى ميشال هنري ومارك ريشير، علماً متوتراً أصلاً، علماً لا يمكن أن يستقر على يقين بديهي ولا على بنية متعالية ثابتة بل هو مضطر لأن يبتكر لغة حدية تصف كيف أن البنية هي شرط إمكان التجربة في نفس الآن الذي تشكل فيه التجربة البنية.

من هنا نصل إلى جوهر المسألة، نقد البداهة لا ينتهي كما قد يظن البعض إلى هدم أي إمكان لليقين الفينومينولوجي بل إلى إعادة تعريف هذا اليقين بطريقة أكثر اتساقاً مع حقيقة الحياة كما نعيشها فعلاً. فأن ندرك أن إحساسنا بالحاضر المباشر ليس فورياً بل هو غشاء رقيق فوق زمن داخلي سميك وأن رؤيتنا للشيء ليست انكشافاً صافياً بل مقامرة مع غيابه الظاهر، وأن فكرة “العطاء الذاتي” تستلزم حركة عكسية لذات تعطي نفسها للشيء بقدر ما يعطى لها، كل هذا لا يلقي بنا في هوة التشكيك بل يعلمنا أن نكون واقعيين بطريقة أكثر جرأة، كواقعيي البنية الحية لا واقعية النقل المباشر. لكن يبقى سؤال الذي لا مفر منه، إذا كانت البداهة خاضعة للنقد وتفكيك البنى بهذا الشكل فكيف يمكن للفينومينولوجيا أن تبرر ذاتها كمنهج مميز عن سائر العلوم الإنسانية؟ ألا تصبح مجرد وصف عام للبنى قبل-الموضوعية التي يمكن لعلم النفس الإدراكي أو علم الأعصاب أو الأنثروبولوجيا البنيوية أن يصفها بعيداً عن لغة الظهور والمعاينة؟ هذا السؤال بالتحديد هو الذي يفضي بنا إلى المرحلة الثانية من هذا البحث حيث يتوجب علينا أن نتبين كيف أن الفينومينولوجيا بعد نقد البداهة تتحول من مشروع تأسيسي إلى مشروع تأويلي ونقدي ومن علم اليقينيات إلى فتح لإشكاليات غير مختزلة. لكن ذلك حديث آخر لا بد أن نبدأ فيه من حيث ينتهي هذا الحديث، من الاعتراف بأن البداهة ليست بداية ولا نهاية بل هي لحظة داخل سيرورة لا تفتأ تنسج بنى الحضور من خيوط الغياب.

غير أن التحول من البداهة إلى البنية لا يكتمل في الفينومينولوجيا المعاصرة دون أن يجر معه أسئلة حول غايات الفلسفة ذاتها. فإذا كانت البنية قبل-الموضوعية – تلك الشبكة الصامتة من الإحالات الجسدية والزمنية والوجودية – هي شرط إمكان الظهور فما مصير المطالبة الكلاسيكية بأن الفينومينولوجيا تصف “الأشياء نفسها” كما تعطي نفسها؟ أليس هذا المطلب نفسه وليد سذاجة بديهية تم تجاوزها؟ هنا يتدخل ميشال هنري بجرأة قل نظيرها إذ يعيد طرح السؤال من زاوية معاكسة، ما هو “العطاء الذاتي” الحقيقي؟ يرى هنري أن هوسرل رغم شعاره “إلى الأشياء ذاتها” ظل أسير نموذج الرؤية والحضور الخارجي أي أسير ما يسميه هنري “الظهور العالمي” الذي يفصل الشيء عن ذاته في فتحة المسافة والفعل المتعالي. والحقيقة عند هنري ليست في انكشاف العالم بل في انكشاف الحياة من داخلها إلى ذاتها في “شعور ذاتي” أصلي لا يُرى من الخارج ولا يُعطى إلا في مطلق غياب أي أفق في “بداهة” من نوع خاص لا تشبه بداهة الحس ولا بداهة الجوهر الفكري بل هي بداهة التأثر الجوهري بالحياة نفسها. فما أسماه هوسرل وميرلوبونتي “بنية” هو من وجهة نظر هنري تشويهاً ثانوياً للحياة البديهية غير البنيوية أصلاً. بهذا الانقلاب يتحول نقد البداهة عند هنري إلى نقد للبنيوية الفينومينولوجية نفسها وإلى استعادة “بداهة ثانية” لا تنتمي إلى العيان ولا إلى التأويل بل إلى الألم والفرح والرغبة والملل أي إلى كينونة الجسد الحي الداخلي.

لعل هذا التطرف يظهر حدة التوتر الذي تعيشه الفينومينولوجيا بعد هوسرل، فهل البنية هي الحقيقة الخفية للتجربة أم أن التجربة في عمقها الحي هي التي تكشف عن زيف أي بنية متعالية؟ الحقيقة أن كل موقف يظل ناقصاً ما لم ينتبه إلى أن نقد البداهة لا يمكن أن يكون كاملاً إذا بقي على مستوى تأسيسي بحت. فالبداهة ليست مجرد خطأ معرفي وليست وهم الوعي الساذج بل هي أيضاً لحظة ضرورية للفعل الأخلاقي وللالتقاء بالآخر. بول ريكور في قراءته العميقة لكل من هوسرل وهايدغر أدرك أن نقد البداهة لا يصبح منتجاً إلا إذا تحول إلى هرمنيوطيقا أي إلى فن تأويل المعاني في خفائها. فإذا كانت الأشياء لا تعطي نفسها بذاتها في بداهة شفافة بل تعطي دائماً في ثنايا لغة وتراث وتقاليد، فإن الفينومينولوجيا مضطرة لأن تصبح تأويلية أي مضطرة لأن تعترف بأن كل عودة إلى “الأشياء نفسها” هي عودة عبر نصوص وعلامات ورموز. وبالتالي ما كنا نسميه “بداهة” ليس أكثر من تأويل منسي أنه تأويل أي ترسيب قراءات سابقة تم نسيان أصلها وتحولت إلى ما يشبه الحدس المباشر. هنا يلتقي ريكور مع هايدغر المتأخر في اعتبار أن البداهة هي في الحقيقة صدى الوجود الذي يتكلم في اللغة من دون أن نعيه وهي بهذا المعنى “رسالة” لا “انكشافاً”. وبهذا الطريق تنتقل الفينومينولوجيا من مشروع تأسيسي معرفي إلى مشروع نقدي أخلاقي، ففهمنا للأشياء وللآخرين لا يتأسس على بداهات أولى بل على مسؤولية التأويل أي على التواضع أمام الغموض الذي لا يختزل أبداً إلى حضور كلّي.

إيمانويل ليفيناس تلميذ هوسرل وهايدغر سيكون الأكثر تطرفاً في تفجير فكرة البداهة من داخلها. إذا كانت البداهة تعني حضور الشيء بذاته أمام الوعي فالآخر لا يمكنه أبداً أن يكون بداهة لأن الآخر ليس شيئاً ولا ظاهرة ولا معطى. الآخر هو “وجه” والوجه ليس “رؤية” بل خطاب وأمر، ليس حضوراً بذاته بل ما يهز ذاتيته من جذورها التي لا يمكن اختزالها إلى أي أفق معرفي ولا إلى أي بنية قبل-موضوعية. بل إن “بداهة” الوجه هي في الحقيقة انهيار كل بداهة لأن الوجه يأمرنا قبل أن نراه، يكلّمنا قبل أن نتأمله ويقتحمنا في حميمية جسدنا من دون أن يكون لنا عليه أي منظور. يقول ليفيناس في “الكلي واللامتناهي”: “إن تجربة الوجه هي تجربة لا بداهة لها لأنها تكسر شكل الشكل وهي لا تنطوي في أي حدس”. وهذا هو النقد الأكثر جذرية، ليست البداهة سوى هروب من الآخر، سعي لإخضاع الآخر إلى أنماط الظهور التي تتحكم بها الذات، فإذا بالآخر – ذلك الذي لا يمكن أن يكون “شيئاً معطى” – هو الذي يكشف أن البداهة وهم أخلاقي قبل أن تكون وهماً معرفياً. فالفينومينولوجيا التي تريد أن تظل مخلصة للتجربة كاملة يجب أن تجرؤ على القول إن التجربة القصوى ليست تجربة البداهة بل تجربة “لا-بداهة” الآخر، ذلك الذي لا يعطى ذاتياً بل يطلب ويستجدي ويأمر من دون أي عطاء ذاتي. ونقد البداهة في الفينومينولوجيا المعاصرة هنا يقود بالضرورة إلى أخلاق ما بعد-فينومينولوجية حيث لم يعد “اليقين” هو غاية الفلسفة بل “العدالة” و”المسؤولية”.

وإذا كان الانتقال قد تم من التجربة إلى البنية ومن البداهة إلى التأويل ومن اليقين إلى المسؤولية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو هل ما زالت الفينومينولوجيا ممكنة بعد هذا التحول؟ أليس في نقض البداهة نقض لمشروعها الأصلي؟ غير أن الفينومينولوجيا المعاصرة في أعمق تعبيراتها تتيح لنا أن نتصور علماً قائماً على هذه المفارقة ذاتها، فهي توصيف للظهور من دون أن تسلم ببداهته وتبحث عن المعطى الذاتي مع إدراكها أن كل معطى مشروط بغائبات تسبقه وتحلل التجربة الحية على أساس أنها لا تنفصل عن الترسيبات والتقنيات والبنى.

لقد انتهى زمن الفينومينولوجيا المنتصرة التي تزعم أنها ترى الجواهر بعين المتأمل المطلق وحل محلها فينومينولوجيا متواضعة عارفة بحدودها تشبه فن الملاحة التي تقرأ في الأمواج والغيوم ما لا يقرؤه غيره لكنه يعلم أن البحر لا يفضي بأسراره كاملة أبداً. نقد البداهة هو الذي حرر الفينومينولوجيا من حلمها الكبير باليقين المطلق ليحولها إلى حكمة عملية، أن نعيش في العالم لا يعني أن نمتلك بداهات وافرة عن كل شيء بل أن نكون قادرين على تحمل الغموض وعلى العيش في الآفاق دون أن نستقر في مركز وعلى الإصغاء للآخر والاختلاف والغرابة من دون أن نختزله إلى مجرد ظاهرة في مرآة وعينا.

وهكذا فما بدأ بانتصار للبداهة – في تحليلات هوسرل الأولى عن اللمعان الحسي – انتهى إلى نقد جذري لهذه البداهة في أعمال ميرلوبونتي وهايدغر وريكور وليفيناس وهنري. لكن هذا النقد لم يلغِ الفينومينولوجيا بل أعاد إحياءها بطريقة أكثر عمقاً وصدقاً مع تعقيد الوجود البشري. الفلسفة إذن، ليست بحثاً عن لحظة صفرية يلمع فيها الحقيقة كالشمس في كبد السماء بل هي سيرورة لا نهائية من تفكيك ما بدا بديهياً وإعادة بنائه في وعي أكثر حذراً واتساعاً. البداهة ليست كذبة لكنها ليست حقيقة كاملة؛ هي غلاف لبنية، لحظة استراحة في سيل من العلاقات ووعد بالحضور لا يفي به الزمن كاملاً. الفينومينولوجيا بعد نقد البداهة لم تعد علماً بالظواهر بل تأملاً في شروط إمكان الظهور، ولم تعد منهجاً لاستعادة اليقين بل فن العيش في الشك المنتج، ولم تعد حديثاً عن الأشياء نفسها بل استماعاً لصمت الأشياء حين تتحدث إلينا من مسافة غيابها الذي لا يملؤه أي حضور. ...فالجواب ليس أن الفينومينولوجيا ما زالت ممكنة رغم المفارقة، بل إنها لم تصبح ممكنة حقاً إلا بهذه المفارقة. فالعجز عن العودة إلى "الأشياء نفسها" ليس فشلاً بل هو أول اكتشاف فينيومينولوجي جوهري لا شيء معطى فوراً وكل ظهور يتوسطه غياب.

إن الفينومينولوجيا المعاصرة ليست علماً للمفارقة بل هي تخلٍّ عن حلم البداهة وتحول من منهج يبحث عن أسس مطلقة إلى موقف يسائل شروط إمكان كل أساس. وهي بهذا لا تموت بل تولد من جديد كفلسفة للحدود والتفسير والمسؤولية اللامحدودة أمام ما يظهر دون أن يمتلك نفسه بالكامل.

***

د. حمزة مولخنيف

بين الحد من أشكال التفاوت بين البشر وتأسيس العدالة والتضامن بين الشعوب

مقدمة: تشكل الفلسفة الاجتماعية الاقتصادية حقلًا تأمليًا يسعى إلى فهم العلاقة بين تنظيم الموارد الاقتصادية، وتوزيع الثروة والفرص، وبناء مجتمعات بشرية عادلة ومتضامنة. يدور التوتر المركزي في هذا الحقل حول كيفية التوفيق بين ضرورة الحد من أشكال التفاوت (الاقتصادي والاجتماعي والمعرفي) بين الأفراد، وبين تأسيس عدالة عالمية وتضامن بين الشعوب. من منظور أخلاقي، ليس التفاوت مجرد ظاهرة اقتصادية محايدة، بل هو مسألة أخلاقية عميقة تتعلق بكرامة الإنسان، وحقه في الازدهار، ومسؤولية المجتمعات تجاه بعضها. فإذا كان الحد من التفاوت يهدف إلى تحقيق المساواة في الفرص أو النتائج، فإن العدالة والتضامن يتطلبان الاعتراف بالاختلافات الثقافية والتاريخية بين الشعوب، وصياغة علاقات تعاونية لا تقوم على الإخضاع أو التبعية.

هذه المقاربة الأخلاقية ترفض الاختزال المادي البحت، وتؤكد أن الاقتصاد يجب أن يخدم الإنسان، لا أن يسيطر عليه. ففيم يتمثل التوتر الجوهري في الفلسفة الاجتماعية الاقتصادية؟

أشكال التفاوت وأبعاده الأخلاقية

يتجلى التفاوت في صور متعددة: تفاوت في الدخل والثروة، تفاوت في الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية، تفاوت في السلطة والمشاركة السياسية، وتفاوت في القدرات والفرص الحياتية. أخلاقيًا، يُعتبر التفاوت غير المبرر انتهاكًا لمبدأ الكرامة الإنسانية المتساوية. فالإنسان، بوصفه كائنًا عقلانيًا وحساسًا، يستحق أن يُعامل كغاية في ذاته، لا كوسيلة لتراكم الثروة عند الآخرين.

ومع ذلك، لا يعني الحد من التفاوت إلغاء كل فروق. هناك تفاوت "طبيعي" يرتبط بالجهد الشخصي، الموهبة، والاختيارات الحرة، وتفاوت "اجتماعي" ينبع من التراكمات التاريخية، التمييز، والاحتكار. المقاربة الأخلاقية تميز بينهما: يجب الحد من الثاني بشدة، بينما يُدار الأول ضمن إطار يضمن الحد الأدنى من الكرامة للجميع. العدالة هنا ليست مجرد توزيع متساوٍ للموارد، بل ضمان "قدرات" متكافئة تقريبًا لكل فرد لتحقيق حياة يختارها بحرية.

التفاوت الشديد يولد الشعور بالظلم، ويؤدي إلى تفكك اجتماعي، عنف، وفقدان الثقة في المؤسسات. أما التضامن، فيتجاوز مجرد المساواة إلى الشعور بالانتماء المشترك إلى مصير إنساني واحد، حيث يرى كل شعب في ازدهار الشعوب الأخرى مصلحة مشتركة.

مبادئ العدالة الاجتماعية الاقتصادية: بين المساواة والكفاية

في الفلسفة الاجتماعية الاقتصادية الأخلاقية تقف مبادئ عدة:

أولاً: مبدأ المساواة في الكرامة والفرص الأساسية. يفرض هذا المبدأ على المجتمعات توفير حد أدنى من الموارد والحقوق لكل فرد: غذاء، سكن، تعليم، صحة، وحرية. لا يتطلب هذا المساواة الكاملة في النتائج، بل إزالة العوائق غير العادلة التي تحول دون ممارسة الحرية.

ثانيًا: مبدأ الفرق: يسمح ببعض التفاوت الاقتصادي إذا كان يعود بالنفع على الأكثر تضررا والقل حظا، كأن يشجع الابتكار والكفاءة الإنتاجية التي ترفع مستوى الجميع. لكن هذا المبدأ مشروط أخلاقيًا: لا يجوز أن يصبح التفاوت ذريعة لترسيخ الامتيازات الطبقية أو استغلال الضعفاء.

ثالثًا: مبدأ الكفاية: يركز على ضمان أن يحصل كل إنسان على ما يكفيه لعيش حياة كريمة، بدل التركيز الأحادي على تقليص الفجوة بين الأغنى والأفقر. هذا المبدأ يتجنب مخاطر التسطيح الذي قد يضر بالحوافز، مع الحفاظ على البعد الأخلاقي.

أما على المستوى العالمي، فتظهر الحاجة إلى عدالة عابرة للحدود. الشعوب ليست كيانات منعزلة؛ التفاوت بين الدول (بين الشمال والجنوب مثلاً) يعكس تاريخًا من الاستعمار، الاستغلال، والتبادل غير المتكافئ. هنا يبرز التضامن كواجب أخلاقي: واجب المساعدة، واجب عدم الإضرار، وواجب التعويض عن الأضرار التاريخية.

التضامن بين الشعوب: من الأخلاق الكوزموبوليتية إلى التضامن الواقعي

يُعرّف التضامن أخلاقيًا بأنه الشعور بالمسؤولية المتبادلة والالتزام بالتعاون لتحقيق الخير المشترك. في الفلسفة الاجتماعية الاقتصادية، يتجاوز التضامن المساعدات الإنسانية إلى إعادة تنظيم النظام الاقتصادي العالمي: تجارة عادلة، إلغاء الديون غير المستحقة، نقل التكنولوجيا، وحماية الموارد المشتركة (المناخ، البحار، المعرفة).

الأخلاق الكوزموبوليتية (العالمية) تؤكد أن الحدود الوطنية ليست حاجزًا أخلاقيًا مطلقًا؛ فكل إنسان مواطن في العالم. ومع ذلك، ينتقد بعض الفلاسفة هذا التوجه لأنه قد يتجاهل الخصوصيات الثقافية والحق في التنمية الذاتية للشعوب. لذا، ينشأ تضامن "متعدد المراكز" يحترم سيادة الشعوب مع الالتزام بقواعد عدالة عالمية.

أخلاقيًا، يقوم التضامن على ثلاث ركائز:

الاعتراف بالآخر: الاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها الاقتصادي والثقافي.

المسؤولية المشتركة: خاصة تجاه القضايا العابرة للحدود مثل التغير المناخي والأوبئة.

التبادلية: علاقات اقتصادية لا تقوم على الاستغلال، بل على المنفعة المتبادلة طويلة الأمد.

التحديات الأخلاقية والتوفيق العملي

يواجه هذا المشروع تحديات جوهرية.

أولها: التوفيق بين الحرية الفردية (التي قد تولد تفاوتًا) والمساواة.

ثانيها: خطر أن يؤدي الحد الشديد من التفاوت إلى استبداد الدولة أو خنق الإبداع.

ثالثها: على المستوى العالمي، صعوبة فرض تضامن حقيقي في ظل سيادة الدول والمصالح الوطنية الضيقة.

الحل الأخلاقي يكمن في الاقتصاد الأخلاقي أو "الاقتصاد الاجتماعي" الذي يدمج السوق مع التنظيم العام، والملكية الخاصة مع الملكية الاجتماعية، والمنافسة مع التعاون. يتطلب ذلك مؤسسات دولية أكثر عدلاً، وتعليمًا يغرس قيم التضامن، وثقافة سياسية ترفض الجشع والقومية الاقتصادية الضيقة. كما أن الأخلاق الافتراضية تلعب دورًا: تنمية فضائل مثل العدل، الرحمة، المسؤولية، والتواضع لدى الأفراد والشعوب. فالعدالة ليست مجرد قواعد، بل نمط حياة يمارسه البشر يوميًا.

نشأة الأخلاق البيئية كاستجابة عالمية

تمثل الأخلاق البيئية العالمية حقلًا فلسفيًا وأخلاقيًا يسعى إلى إعادة النظر في علاقة الإنسان بالطبيعة على المستوى الكوكبي. لم تعد البيئة مجرد خلفية للنشاط البشري أو موردًا اقتصاديًا، بل أصبحت موضوعًا أخلاقيًا مركزيًا يتعلق بكرامة الحياة، عدالة الأجيال، والمسؤولية المشتركة بين الشعوب. نشأت هذه الأخلاق كرد فعل على الأزمة البيئية العالمية التي تجلت في تغير المناخ، فقدان التنوع البيولوجي، تلوث المحيطات، وتدهور التربة. تتجاوز الأخلاق البيئية العالمية الحدود الوطنية والثقافية، معتبرة الأرض نظامًا بيئيًا واحدًا مترابطًا. هي، في جوهرها، أخلاق كوزموبوليتية (عالمية) تؤكد أن الأضرار البيئية في مكان ما تؤثر على الجميع، وأن الواجبات الأخلاقية لا تقف عند الحدود السياسية.

الأسس الفلسفية للأخلاق البيئية العالمية

تنقسم الأخلاق البيئية إلى تيارات رئيسية تختلف في مركزية الإنسان:

التيار المركز الإنساني:

يرى أن القيمة الأخلاقية الأساسية تكمن في الإنسان. الطبيعة لها قيمة أداتية (instrumental value) بقدر ما تخدم رفاهية البشر الحاليين والمستقبليين. هذا التيار، المستمد من التراث الغربي (كانط وغيره)، يبرر حماية البيئة باسم حقوق الأجيال المقبلة والعدالة الاجتماعية. ومع ذلك، يُنتقد لأنه قد يبرر استغلال الطبيعة طالما يخدم مصلحة إنسانية ضيقة

التيار المركزي الحيوي:

يمنح قيمة أخلاقية ذاتية لكل كائن حي على أساس قدرته على الشعور أو الازدهار. يوسع دائرة الاعتبار الأخلاقي لتشمل الحيوانات والنباتات، معتبرًا أن لها حقوقًا أو مصالح يجب احترامها بغض النظر عن نفعها للإنسان.

التيار المركزي البيئي:

يرى أن القيمة الأخلاقية تكمن في النظم البيئية بأكملها، لا في الكائنات الفردية فقط. يستلهم أفكار ألدو ليوبولد في «أخلاقيات الأرض» ، حيث يُعامل الإنسان كعضو داخل المجتمع البيئي وليس سيده. هذا التيار يدعو إلى احترام التوازن البيئي والتنوع الحيوي كقيم في ذاتها.في السياق العالمي، يميل الفكر المعاصر نحو مزيج يجمع بين هذه التيارات، مع التركيز على «العدالة البيئية» التي تربط بين التدهور البيئي والظلم الاجتماعي، خاصة تجاه الشعوب الفقيرة والمهمشة.

المبادئ الأساسية للأخلاق البيئية العالمية

أولاً: العدالة بين الأجيال

يُعد هذا المبدأ ركيزة أساسية. يفرض على الجيل الحالي واجبًا أخلاقيًا بعدم إهدار الموارد أو تدمير الشروط الأساسية للحياة (المناخ المستقر، التنوع البيولوجي، المياه النقية) للأجيال القادمة. هذا المبدأ يتجاوز الحسابات الاقتصادية قصيرة الأجل ويطالب بـ«التنمية المستدامة» التي تلبي حاجات الحاضر دون المساس بقدرات المستقبل.

ثانيًا: العدالة داخل الجيل الواحد

يبرز هنا التباين بين الدول الغنية (التي تسببت تاريخيًا في معظم الانبعاثات) والدول النامية (التي تعاني أكثر من آثار التغير المناخي). يقوم مبدأ «المسؤوليات المشتركة لكن المتباينة» على أن الدول المتقدمة تتحمل عبئًا أكبر في خفض الانبعاثات وتقديم الدعم المالي والتكنولوجي للدول النامية.

ثالثًا: مبدأ الحذر

عند وجود خطر محتمل لضرر بيئي خطير أو غير قابل للإصلاح، يجب اتخاذ إجراءات وقائية حتى لو لم تكن الأدلة العلمية قاطعة تمامًا. هذا المبدأ يحمي من مخاطر التكنولوجيا غير المنضبطة والتدخلات الكبرى في النظم البيئية.

رابعًا: مبدأ الترابط والتضامن العالمي

تؤكد الأخلاق البيئية العالمية أن الكوكب واحد، والمصير مشترك. يتطلب ذلك تضامنًا عمليًا يتجاوز المساعدات إلى إعادة هيكلة النظام الاقتصادي العالمي: تقليل الاستهلاك المفرط في الشمال، دعم التنمية المستدامة في الجنوب، وحماية «المشاعات العالمية» مثل الغلاف الجوي والمحيطات.

بيد أن هذه الأخلاق البيئية العالمية تواجه عقبات جوهرية:

النزعة القومية والمصالح الاقتصادية: كثير من الدول تفضل التنمية الاقتصادية قصيرة الأمد على الحماية البيئية، خاصة في ظل المنافسة العالمية.

الفجوة بين الشمال والجنوب: يرى بعض مفكري الجنوب أن الخطاب البيئي الغربي قد يكون شكلاً جديدًا من أشكال السيطرة، يحد من حق الدول النامية في التصنيع والنمو.

صعوبة التنفيذ: غياب سلطة عالمية مركزية قادرة على فرض الالتزامات الأخلاقية، مما يجعل الاتفاقيات الدولية (مثل اتفاقية باريس) تعتمد على الإرادة الطوعية.

الأزمة الوجودية: كيف نغير تصورنا لـ«التقدم» و«السعادة» في مجتمعات تعتمد على الاستهلاك المستمر؟

يتطلب مواجهة هذه التحديات تحولًا أخلاقيًا عميقًا: من أخلاق الاستغلال إلى أخلاق الرعاية والتواضع البيئي.

نحو أخلاق بيئية عالمية كونية

يمكن أن تثري التقاليد غير الغربية هذا الحقل: فلسفة الـ«طاو» الصينية، والتوازن في الفكر الأفريقي (أوبونتو)، واحترام الطبيعة في التقاليد الأصلية. هذا يفتح الباب لأخلاق بيئية كونية متعددة الثقافات، لا تفرض نموذجًا واحدًا. في المجمل، الأخلاق البيئية العالمية ليست مجرد قواعد سلوكية، بل دعوة لإعادة تعريف هويتنا كبشر: من «سادة الطبيعة» إلى «مواطنين أرضيين» مسؤولين. إنها تطالب بإعادة بناء الاقتصاد والسياسة والتعليم على أساس الاستدامة والعدالة والتضامن الكوكبي. هذه الأخلاق، في زمن الطوارئ المناخية، تصبح ضرورة وجودية. فالفشل في تبنيها ليس مجرد خطأ أخلاقي، بل تهديد لاستمرار الحضارة الإنسانية ذاتها. إن بناء أخلاق بيئية عالمية قوية يمثل الفرصة التاريخية لتحويل الأزمة إلى فرصة لولادة حضارة أكثر وعيًا وعدلاً وتواضعًا أمام عظمة الحياة على الأرض.

مفهوم العدالة البيئية في السياق العالمي

تمثل العدالة البيئية بين الشعوب امتدادًا عميقًا وتوسعًا للأخلاق البيئية العالمية، حيث تنتقل من النظر في علاقة الإنسان بالطبيعة إلى النظر في العلاقات غير المتكافئة بين الشعوب في مواجهة الأزمات البيئية. هي ليست مجرد توزيع عادل للموارد الطبيعية أو الأعباء البيئية، بل هي إطار أخلاقي-سياسي يربط بين التدهور البيئي والظلم الاجتماعي-التاريخي، خاصة بين الشعوب الغنية والشعوب الفقيرة، أو بين المركز الإمبريالي السابق والهامش المستعمَر. لقد نشأ المفهوم أصلاً في سياقات محلية (كحركات الأقليات العرقية في الولايات المتحدة التي تعاني من التلوث الصناعي)، لكنه تطور إلى بعد عالمي يتناول التباينات بين الشعوب. في جوهره، تؤكد العدالة البيئية أن الأزمة البيئية ليست محايدة، بل توزع آثارها بشكل غير عادل: الشعوب التي ساهمت أقل في التلوث العالمي (دول الجنوب) هي الأكثر تضررًا، بينما الشعوب الصناعية الكبرى تستفيد تاريخيًا من استغلال الموارد العالمية. هذا يجعل العدالة البيئية قضية أخلاقية مركزية في عصر الإنثروبوسين، حيث أصبح الإنسان قوة جيولوجية تؤثر في الكوكب بأكمله.

الأبعاد المتعددة للعدالة البيئية بين الشعوب

أولاً: البعد التوزيعي

يتعلق هذا البعد بتوزيع المنافع البيئية (الوصول إلى الموارد النظيفة، الهواء، الماء، التربة الخصبة) والأعباء (التلوث، آثار تغير المناخ، فقدان التنوع البيولوجي). تاريخيًا، استفادت دول الشمال من التصنيع المبكر عبر استعمار موارد الجنوب، مما أدى إلى تراكم "ديون بيئية" هائلة. اليوم، يتحمل سكان الجزر المنخفضة في المحيط الهادئ، أو الفلاحون في دلتا النيل أو البنغال، وطأة ارتفاع مستوى سطح البحر وتطرف الطقس، رغم أن انبعاثاتهم الكربونية ضئيلة مقارنة بدول مثل الولايات المتحدة أو أوروبا أو الصين. أخلاقيًا، يفرض البعد التوزيعي مبدأ "المسؤوليات المشتركة لكن المتباينة"، الذي يطالب الدول المتقدمة بتخفيض انبعاثاتها بشكل أسرع، وتقديم تعويضات مالية وتكنولوجية للدول المتضررة. ليس هذا مجرد صدقة، بل واجب عدالة تصحيحية للأضرار التاريخية.

ثانيًا: البعد الإجرائي

يتجاوز التوزيع إلى حق الشعوب في المشاركة الفعالة في صنع القرارات البيئية التي تؤثر فيها. كثيرًا ما تُتخذ قرارات في المحافل الدولية (مثل مؤتمرات المناخ) بطريقة تهمش أصوات الدول النامية والشعوب الأصلية. يتطلب العدالة الإجرائية ضمان تمثيل حقيقي، شفافية، وإمكانية الوصول إلى المعلومات والتكنولوجيا. بدون هذا البعد، تصبح الاتفاقيات الدولية أدوات لإعادة إنتاج الهيمنة.

ثالثًا: البعد الاعترافي

هذا البعد أعمق، إذ يتعلق بالاعتراف بالهويات الثقافية والمعارف التقليدية للشعوب، خاصة الشعوب الأصلية التي تمتلك علاقات متوازنة تاريخيًا مع بيئتها. غالبًا ما يُنظر إلى معارف السكان الأصليين في الأمازون أو أستراليا أو أفريقيا على أنها "متخلفة"، بينما تثبت الوقائع فعاليتها في الحفاظ على التنوع البيولوجي. العدالة الاعترافية ترفض الاستعمار المعرفي وتدمج هذه المعارف في الحلول العالمية.

من منظور ما بعد كولونيالي، ترتبط العدالة البيئية ارتباطًا وثيقًا بتاريخ الاستعمار. كان الاستعمار ليس فقط احتلال أراضٍ، بل نهبًا بيئيًا منهجيًا: تحويل الأراضي الخصبة إلى مزارع تصديرية، استنزاف المعادن، وتدمير النظم البيئية المحلية. بعد الاستقلال السياسي، استمرت أشكال "الاستعمار الجديد" عبر الشركات متعددة الجنسيات التي تنقل الصناعات الملوثة إلى الجنوب، أو عبر الديون التي تفرض سياسات تقشف تحول دون الاستثمار في الطاقة النظيفة.

هكذا، تصبح العدالة البيئية بين الشعوب قضية تصحيح تاريخي: تعويض عن "الكربون المتراكم" في الغلاف الجوي، وإعادة السيطرة على الموارد الطبيعية للشعوب التي تمتلكها. كما أنها تربط بين البعد البيئي والاجتماعي: النساء في المجتمعات الريفية الفقيرة، والعمال المهاجرون، والأقليات العرقية، هم الأكثر عرضة للمخاطر البيئية. فماهي شروط تحقيق العدالة البيئية بين الشعوب؟

يتطلب تحقيق هذه العدالة شروطًا متعددة:

إعادة هيكلة الاقتصاد العالمي: الانتقال من نموذج الاستهلاك المفرط والنمو غير المقيد إلى نموذج الاقتصاد الدائري والتنمية المستدامة الحقيقية التي تحترم حدود الكوكب.

التضامن العابر للحدود: بناء تحالفات بين حركات المجتمع المدني في الشمال والجنوب، كما حدث في بعض حملات المناخ.

حقوق الطبيعة: بعض الدول (مثل الإكوادور وبوليفيا) بدأت في الاعتراف بحقوق الأنهار والغابات ككيانات قانونية، مما يوسع دائرة العدالة لتشمل الكائنات غير البشرية.

التعليم والتحول الثقافي: غرس قيم التواضع البيئي والمسؤولية الكوكبية، ونبذ النزعة الاستهلاكية كمقياس للنجاح.

رغم أهميتها، تواجه العدالة البيئية تحديات جسيمة. أبرزها التناقض بين الحق في التنمية للشعوب الفقيرة (التي تحتاج نموًا اقتصاديًا) وبين ضرورة الحد من الانبعاثات العالمية. كما أن بعض الدول الصاعدة (كالصين والهند) أصبحت مصادر انبعاثات كبيرة، مما يعقد صورة "الشمال مقابل الجنوب". بالإضافة إلى ذلك، مقاومة القوى الاقتصادية الكبرى لأي تغيير يهدد نموذج الربح قصير الأجل، والصعوبة في فرض آليات تنفيذ دولية ملزمة. هناك خطر آخر: أن يُستخدم الخطاب البيئي لتبرير سياسات تحد من سيادة الشعوب الضعيفة (كفرض شروط بيئية على المساعدات أو التجارة).

خاتمة:

تمثل الفلسفة الاجتماعية الاقتصادية في جوهرها مشروعًا أخلاقيًا يسعى إلى بناء عالم يقل فيه التفاوت غير العادل، وتزدهر فيه العدالة كمبدأ حي، والتضامن كعلاقة حية بين الشعوب. ليس الهدف إلغاء كل تفاوت، بل جعله يخدم الازدهار الإنساني المشترك. هذا المشروع يتطلب تحولًا في الوعي: من النظر إلى الاقتصاد كلعبة صفرية إلى النظر إليه كمشروع تعاوني إنساني. إن الحد من التفاوت دون تضامن يؤدي إلى عزلة، والتضامن دون عدالة يؤدي إلى تبعية. أما التوازن بينهما فيشكل الطريق الأخلاقي نحو حضارة إنسانية أرقى، حيث يعيش كل فرد وكل شعب بحرية وكرامة، متصلًا بمصير الآخرين في نسيج واحد من العدالة والرحمة. العدالة البيئية بين الشعوب ليست رفاهية أخلاقية، بل شرط وجودي لاستمرار الحياة البشرية على الأرض. إنها تطالب بتحول جذري في الوعي: من رؤية الطبيعة كمورد لا نهائي إلى رؤيتها كنظام حي مشترك، ومن رؤية الشعوب كمنافسين إلى رؤيتها كشركاء في مصير واحد. عندما تتحقق هذه العدالة، لن تكون مجرد تقليل للانبعاثات أو تعويضات مالية، بل إعادة بناء علاقات بين الشعوب على أساس الاحترام المتبادل، والاعتراف بالتاريخ، والالتزام بمستقبل مشترك مستدام. إنها تمثل امتدادًا لمشاريع التحرر السابقة، حيث يصبح التحرر البيئي جزءًا لا يتجزأ من التحرر الاجتماعي والوطني والإنساني. في زمن يواجه فيه الكوكب تحديات غير مسبوقة، تبقى العدالة البيئية بين الشعوب الأمل في ولادة حضارة جديدة أكثر عدلاً وتواضعًا واستدامة. هذه الرؤية تبقى مفتوحة، تدعو إلى التأمل المستمر والممارسة الدؤوبة، فالفلسفة الاجتماعية الاقتصادية ليست نظرية مجردة، بل دعوة لإعادة تشكيل العالم على أساس أخلاقي يليق بكرامة الإنسان. فما السبيل الى اقامة قاطرة عالمية تسير بنا نحو فلسفة اجتماعية اقتصادية إنسانية؟ وكيف نسير نحو تضامن بيئي إنساني؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

في المثقف اليوم