أقلام فكرية

أقلام فكرية

مقدمة: التفلسف، في ماهيته، ليس مجرد مجموعة من الأفكار المجردة أو النقاشات الفارغة، بل هو رحلة فكرية ديناميكية تتنقل بين مصادر الإلهام القديمة والمطالب الراهنة، محملة بطابع إبداعي يعيد تشكيل الواقع نفسه. هذه الرحلة تبدأ من أعماق التاريخ الفكري، حيث تكون المصادر كالينابيع التي تغذي النهر، فهي تشمل التراث الفلسفي الذي يمتد من حضارات الشرق والغرب، مرورًا بالأسئلة الأساسية التي طرحها الفلاسفة الأوائل عن الوجود والمعرفة والأخلاق. لكن هذه المصادر ليست جامدة؛ إنها تتفاعل مع المطالب الحديثة، تلك الطلبات التي تنبع من السياقات الاجتماعية والعلمية والثقافية المعاصرة، مما يجعل التفلسف عملية حية ومتجددة. في هذه المقاربة الإبداعية، يصبح الفيلسوف ليس مجرد ناقل للأفكار القديمة، بل مبدعًا يربط بين الماضي والحاضر، مستخدمًا الخيال والتحليل ليخلق روابط جديدة تفتح أبوابًا لفهم أعمق للعالم. فماهي مميزات التفلسف كرحلة فكرية؟ وكيف ينطلق من المصادر ويرنو الى تحقيق المطالب؟

كونية رحلة التفلسف

إذا نظرنا إلى طبيعة هذه الرحلة، نجد أنها تبدأ بالغوص في المصادر، التي تمثل الأساس الذي يبنى عليه الفكر. هذه المصادر ليست محصورة في الكتب أو النصوص الفلسفية التقليدية، بل تشمل كل ما يحيط بالإنسان من تجارب وملاحظات، فالطبيعة نفسها مصدر، والتاريخ مصدر، والعلوم مصدر، وحتى اليوميات الشخصية تكون مصدرًا للتأمل. في هذا السياق، يصبح التفلسف استكشافًا للأصول، حيث يسعى الفكر إلى فهم كيف شكلت هذه المصادر الوعي البشري، وكيف يمكن إعادة تفسيرها لتتناسب مع التحديات الجديدة. على سبيل المثال، عندما يواجه الفيلسوف قضية مثل الحرية في عصر الرقمنة، فإنه يعود إلى مصادر مثل أفكار جان جاك روسو حول العقد الاجتماعي، لكنه لا يتوقف عندها؛ بل يربطها بالمطالب الراهنة، مثل حماية الخصوصية في عالم الذكاء الاصطناعي، مما يولد مقاربة إبداعية تجمع بين القديم والحديث في نسيج واحد متماسك. هذه الرحلة الفكرية تتسم بطابعها الديناميكي، إذ إنها ليست خطية بل حلزونية، تعود إلى المصادر لتستلهم منها، ثم تتقدم نحو المطالب لتلبيها، وفي كل دورة تكتسب عمقًا إبداعيًا جديدًا. المطالب هنا ليست مجرد احتياجات عملية، بل هي أسئلة وجودية تنبع من الواقع المتغير، مثل كيفية التعامل مع الأزمات البيئية أو التبعات الأخلاقية للتقدم التكنولوجي. في هذا الإطار، يصبح التفلسف أداة للإبداع، حيث يستخدم الفيلسوف المنطق والخيال معًا ليخلق نماذج فكرية جديدة. فالإبداع هنا ليس اختراعًا من العدم، بل هو إعادة تركيب للمصادر في سياق المطالب، مما يجعل الفلسفة ليست علمًا جامدًا بل فنًا حيًا يتطور مع الزمن. وهكذا، في كل خطوة من هذه الرحلة، يجد الفكر نفسه أمام تحديات تتطلب الابتكار، مثل كيفية دمج المفاهيم الشرقية في الوعي الغربي، أو العكس، ليولد حوارًا ثقافيًا يثري الإنسانية ككل.مع تعمقنا في هذه المقاربة، نلاحظ أن الرحلة الفكرية تتجاوز الحدود الشخصية لتصبح جماعية، إذ إن المصادر ليست ملكًا لفرد واحد بل تراث مشترك، والمطالب تنبع من احتياجات المجتمع. هنا يبرز الطابع الإبداعي في قدرته على تحويل التناقضات إلى فرص، فالفلسفة لا تخشى الصراع بين المصادر القديمة والمطالب الحديثة، بل تستغله لتوليد أفكار جديدة. على سبيل الافتراض، عندما تتعارض المصادر الأرسطية حول الطبيعة مع المطالب البيئية المعاصرة، يمكن للفيلسوف أن يبتكر مقاربة تدمج التلوس (الهدف) الأرسطي مع مفاهيم الاستدامة، مما يخلق فلسفة بيئية إبداعية تعيد تعريف علاقة الإنسان بالكون. هذا الإبداع ليس عشوائيًا؛ إنه مبني على منهجية دقيقة تجمع بين التحليل النقدي والتخيل الإبداعي، حيث يصبح الفكر أداة للتحرر من القيود، مما يجعل الرحلة لا تنتهي بل تستمر في دوائر متوسعة. في سياق هذه الرحلة، يبرز دور اللغة كوسيط إبداعي، إذ إن المصادر غالبًا ما تكون محملة بلغات ومصطلحات قديمة، بينما المطالب تتطلب لغة حديثة ومباشرة. هنا يأتي الإبداع في إعادة صياغة المفاهيم، مما يجعل التفلسف عملية ترجمة فكرية مستمرة. فالفيلسوف يصبح مترجمًا بين العصور، يأخذ من مصادر مثل أفكار كونفوشيوس حول الانسجام الاجتماعي ويطبقها على مطالب العدالة الاجتماعية في عصرنا، مستخدمًا الإبداع ليجعلها ذات صلة. هذا التنقل بين المصادر والمطالب يولد شعورًا بالدهشة الفلسفية، تلك الدهشة التي وصفها الفلاسفة الأوائل كبداية للحكمة، إذ إنها تفتح العقل على إمكانيات جديدة، مما يجعل الرحلة ليست مجرد بحث عن إجابات بل استكشاف لأسئلة أعمق. مع استمرار هذه الرحلة، نجد أنها تتجاوز الحدود المعرفية لتصل إلى البعد الأخلاقي والوجودي، حيث تصبح المصادر أدوات لفهم الذات، والمطالب تحديات لتحقيقها. الإبداع هنا يكمن في القدرة على تحويل النظرية إلى ممارسة، فالتفلسف ليس تأملًا سلبيًا بل عملية نشطة تغير الواقع. على سبيل المثال، في مواجهة المطالب الوجودية مثل البحث عن المعنى في عالم ما بعد الحداثة، يعود الفيلسوف إلى مصادر نيتشه حول إرادة القوة، لكنه يبدع في تطبيقها على السياقات النفسية المعاصرة، مما يولد فلسفة حياة إبداعية تساعد الإنسان على التعامل مع الفراغ. هذا الطابع الإبداعي يجعل الرحلة مفتوحة على المستقبل، إذ إنها لا تنتهي بإجابة نهائية بل تستمر في توليد أسئلة جديدة، مما يعزز من دور الفلسفة كمحرك للتقدم البشري.

خصوصية الإبداع الفلسفي

في سياق الإبداع الفلسفي، يبرز هذا العنصر كقلب نابض يحول التفلسف من مجرد تأمل نظري إلى عملية توليدية تُعيد تشكيل الواقع والفكر معًا. الإبداع هنا ليس مجرد إضافة جمالية أو زخرفة عرضية، بل هو جوهر الرحلة الفكرية نفسها، حيث يجمع بين القدرة على الابتكار والحاجة إلى الربط بين المصادر التاريخية والمطالب المعاصرة. إذا كان التفلسف رحلة، فإن الإبداع هو الوقود الذي يدفعها إلى الأمام، مستلهمًا من التراث ليخلق أفقًا جديدًا، ومستجيبًا للتحديات الراهنة ليولد حلولًا غير متوقعة. هذا الإبداع ليس عفويًا أو عشوائيًا؛ إنه مبني على منهجية دقيقة تجمع بين المنطق التحليلي والخيال الخصب، مما يجعله أداة للتحرر الفكري والثقافي. في هذا التوسع، سنستعرض كيف يتجلى الإبداع الفلسفي في أبعاده المتعددة، من القدرة على إعادة التفسير إلى دورها في مواجهة التناقضات، مرورًا بتأثيرها على الذات والمجتمع، لنكتشف كيف تحول الفلسفة إلى فن حيوي يعيد رسم خرائط الوجود.أولاً، يتجلى الإبداع الفلسفي في قدرته على إعادة تفسير المصادر، حيث لا تكون هذه المصادر مجرد نصوص جامدة بل مواد خام تنتظر التشكيل الإبداعي. الفيلسوف المبدع لا يقرأ المصادر كما هي، بل يعيد صياغتها في سياق جديد، مستخدمًا الخيال ليربط بين عناصر تبدو متباعدة. على سبيل المثال، عندما يعود إلى مصادر أفلاطون حول العالم المثالي، لا يتوقف عند الوصف التقليدي، بل يبدع في تطبيقها على العالم الافتراضي الرقمي، محولاً الأفكار المجردة إلى أدوات لفهم الواقع الافتراضي وتأثيره على الهوية الإنسانية. هذا الإبداع يعتمد على عملية "الهرمينوطيقا الإبداعية"، حيث يصبح التفسير ليس مجرد كشف للمعاني الخفية بل إنشاء معانٍ جديدة تتناسب مع المطالب الراهنة، مثل الحاجة إلى فلسفة تكنولوجية تواجه مخاطر الذكاء الاصطناعي. بهذا، يصبح الإبداع جسرًا بين العصور، يمنح المصادر حياة جديدة ويجعلها ذات صلة، مما يعزز من دور الفلسفة كعلم حي يتطور مع الزمن بدلاً من أن يكون متحفًا للأفكار القديمة.ثانيًا، يبرز الإبداع الفلسفي في مواجهته للتناقضات، حيث يحول الصراعات الفكرية إلى فرص للابتكار. الرحلة الفكرية مليئة بالتناقضات، سواء بين المصادر المتنافسة أو بينها وبين المطالب المتغيرة، وهنا يأتي الإبداع كمحلل يجمع المتضادات في وحدة جديدة. فالفيلسوف لا يرفض التناقض بل يستغله، مستخدمًا الديالكتيك الإبداعي ليولد تركيبًا يتجاوز الطرفين. في هذا السياق، يمكن أن نرى كيف يدمج الإبداع بين المصادر الوجودية، مثل أفكار سارتر حول الحرية المطلقة، والمطالب الأخلاقية المعاصرة في عصر الجماعية، ليخلق فلسفة تؤكد على الحرية الجماعية كشكل من أشكال الإبداع الاجتماعي. هذا النهج يجعل الإبداع أداة للحلول الغير تقليدية، حيث يتجاوز الفكر الحدود المنطقية الصارمة ليستكشف إمكانيات جديدة، مثل دمج المفاهيم الشرقية في الوعي الغربي ليولد فلسفة عابرة للثقافات تتعامل مع قضايا العولمة. إن هذا التحول من التناقض إلى الإبداع ليس مجرد عملية فكرية بل هو تجربة وجودية تعيد بناء الذات، مما يجعل الفلسفة ليست مجرد نقاش بل تحولًا جذريًا.ثالثًا، يمتد الإبداع الفلسفي إلى البعد الشخصي والاجتماعي، حيث يصبح أداة لتحقيق الذات وإعادة تشكيل المجتمع. على المستوى الشخصي، يشجع الإبداع على الرحلة الداخلية، حيث يستخدم الفيلسوف المصادر كمرآة للنفس، ويبدع في تفسيرها ليواجه مطالب الوجود اليومي. هذا الإبداع يولد "الفلسفة الذاتية"، حيث يصبح التأمل عملية إبداعية تؤدي إلى نمو شخصي، كما في تطبيق أفكار نيتشه حول الإنسان الأعلى على الحياة اليومية ليخلق نموذجًا للحياة الإبداعية التي تتجاوز الروتين. أما على المستوى الاجتماعي، فإن الإبداع يحول الفلسفة إلى قوة تغييرية، حيث يربط بين المصادر الاجتماعية، مثل أفكار ماركس حول الاغتراب، والمطالب العدالية المعاصرة، ليبدع نماذج سياسية جديدة تروج للعدالة البيئية أو الرقمية. هنا يصبح الإبداع جماعيًا، يشجع على الحوار والتعاون، مما يجعل الرحلة الفكرية ليست فردية بل مشتركة، تثري المجتمع بأفكار تؤدي إلى تقدم حقيقي.مع تعمقنا في هذا التوسع، نلاحظ أن الإبداع الفلسفي يتجاوز الحدود التقليدية ليصبح متعدد التخصصات، حيث يدمج بين الفلسفة والعلوم والفنون في نسيج إبداعي متكامل. فالفيلسوف المبدع لا يقتصر على النصوص الفلسفية، بل يستلهم من العلوم الطبيعية ليبدع في فلسفة الكون، أو من الفنون ليطور فلسفة الجمال. هذا الدمج يولد مقاربات جديدة، مثل فلسفة العلوم الإبداعية التي تربط بين مصادر نيوتن حول القوانين الطبيعية والمطالب الكوانتية المعاصرة، لتخلق فهمًا إبداعيًا للواقع غير الخطي. كذلك، في مواجهة الأزمات العالمية، يصبح الإبداع أداة للابتكار الأخلاقي، حيث يعيد صياغة المصادر الأخلاقية لتلبية مطالب مثل الذكاء الاصطناعي الأخلاقي، مما يجعل الفلسفة شريكًا في بناء المستقبل.

خاتمة

 في المجمل ، يمثل الإبداع الفلسفي قمة الرحلة الفكرية، حيث يحول التفلسف من مجرد بحث عن الحقيقة إلى عملية خلق لها. هذا الإبداع ليس نهاية الرحلة بل بدايتها الدائمة، إذ إنه يولد أسئلة جديدة ويفتح أبوابًا غير متوقعة، مما يعزز من دور الفلسفة كقوة حيوية في عالم متغير. من خلال هذا التوسع، ندرك أن الإبداع ليس رفاهية بل ضرورة، يجعل الإنسان مبدعًا في وجوده، مستلهمًا من الماضي ليصنع مستقبلًا أفضل، في رحلة لا تنتهي من الاكتشاف والتحول. في النهاية، يمكن القول إن التفلسف كرحلة فكرية بين المصادر والمطالب هو جوهر الإبداع البشري، إذ إنه يجمع بين الوراثة الفكرية والابتكار الشخصي في نسيج متكامل يثري الروح والعقل. هذه الرحلة ليست سهلة؛ إنها تتطلب شجاعة لمواجهة التناقضات وصبرًا للتنقل بين العصور، لكنها في النهاية تؤدي إلى نمو فكري يعيد تشكيل الإنسان والعالم. من خلال هذه المقاربة الإبداعية، يصبح التفلسف ليس مجرد هواية بل ضرورة وجودية، تذكرنا بأن الفكر الحقيقي هو الذي يربط الماضي بالمستقبل في رحلة لا تنتهي.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

في مساءلة المسؤولية الأخلاقية داخل الأنظمة الذكية

يشهد العالم المعاصر انقلابا هادئا في أنماط التفكير والفعل، حيث لم تعد التقنية مجرد أداة في يد الإنسان، بل غدت أفقا كليا يعاد داخله تشكيل الوعي وإعادة توزيع السلطة وصياغة معايير القيمة والمعنى. ففي ظل التسارع الرقمي، تتراجع الحدود التقليدية بين الطبيعي والاصطناعي، وبين القرار الإنساني والحساب الآلي، لتنشأ منطقة رمادية تستعصي على التصنيف الأخلاقي المألوف. ويغدو السؤال الفلسفي اليوم ملحا لا بوصفه ترفا نظريا، بل باعتباره ضرورة حضارية تمس جوهر المسؤولية وحدود الحرية ومصير الذات في زمن الأتمتة الشاملة.

لم يعد القرار في زمن الخوارزميات، فعلاً إنسانيا صرفا، بل أضحى مركبا هجينا تتداخل فيه الإرادة البشرية مع الحساب الآلي، وتتقاطع فيه المقاصد الأخلاقية مع منطق النمذجة الرياضية، بما يجعل سؤال المسؤولية سؤالا مفتوحا على تعددية الفاعلين وتشتت المرجعيات. لقد انتقلنا بتعبير هابرماس من عقل تواصلي يتأسس على الفهم المتبادل، إلى عقل أداتي يتغذّى من الكفاءة والسرعة والتنبؤ، حيث تُختزل الخبرة البشرية في بيانات، وتُختصر الحكمة العملية في خوارزميات تعلّم آلي، ويُعاد تشكيل العالم الاجتماعي وفق منطق الاحتمال لا وفق معيار المعنى.

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تطور تقني، بل تحوّل أنطولوجي في بنية الفعل ذاته. فالقرار المؤتمت لا يشتغل بوصفه أداة في يد الإنسان فحسب، بل بوصفه وسيطا يعيد تعريف العلاقة بين الفاعل والفعل، بين القصد والنتيجة، وبين المسؤولية والسببية. وقد أصاب هانس يوناس حين نبّه منذ سبعينيات القرن الماضي، إلى أن التقنية الحديثة تفرض أخلاقا جديدة، لأن قدرتها على التأثير تتجاوز أفق التجربة المباشرة، وتستدعي مسؤولية استباقية تجاه المستقبل، وهو ما عبّر عنه بمبدأ المسؤولية القائم على الخوف المشروع من العواقب غير القابلة للعكس.

فالأنظمة الذكية القائمة على التعلم العميق والشبكات العصبية الاصطناعية، لا تشتغل وفق تعليمات صريحة فحسب، بل تطوّر أنماطا من الاستدلال الإحصائي تجعل قراراتها عصيّة على التفسير. وهنا يظهر ما يسميه الفلاسفة المعاصرون “صندوق السواد الخوارزمي”، حيث تغيب الشفافية، ويضمحل إمكان الإسناد الأخلاقي. فإذا كان كانط قد أسّس الأخلاق على الاستقلال الذاتي للعقل العملي، وعلى قدرة الذات على مساءلة أفعالها وفق مبدأ الكونية، فإن القرار المؤتمت يقوّض هذا الأساس من جذوره، لأن الفاعل لم يعد واحدا، بل شبكة موزعة من المصممين والمبرمجين ومزوّدي البيانات والمستخدمين والأنظمة ذاتها.

لقد بيّن لوك في تحليله للهوية الشخصية أن المسؤولية الأخلاقية تفترض الوعي بالفعل واستمرارية الذات عبر الزمن. غير أن الخوارزمية لا تملك وعيا، ولا ذاكرة أخلاقية، ولا إحساسا بالذنب أو الندم. إنها تشتغل داخل فضاء احتمالي محض، حيث تُختزل القيم إلى أوزان رقمية، وتتحول العدالة إلى دالة تحسين. ومن هنا فإن إسناد المسؤولية إلى النظام الذكي ذاته يبدو ضربا من التخييل الميتافيزيقي، بينما تحميلها للإنسان وحده يغفل البنية التقنية المعقدة التي تشارك في إنتاج القرار.

إننا إزاء ما يمكن تسميته بتفكك مركز الفعل. فالفعل لم يعد صادرا عن ذات متماسكة، بل عن منظومة موزعة. وهذا ما يجعل مقولة أرسطو عن الفعل الإرادي، القائم على العلم والاختيار عاجزة عن استيعاب هذا النمط الجديد من السببية. فالخوارزمية لا تختار بل تُرجّح. ولا تقصد، بل تحسب. ولا تفهم السياق، بل تستخلص أنماطا من كتل بيانات ضخمة غالبا ما تعكس تحيزات المجتمع ذاته.

وقد أظهرت دراسات عديدة أن أنظمة التوظيف المؤتمتة وخوارزميات التنبؤ بالجريمة وأدوات تقييم الجدارة الائتمانية، تعيد إنتاج أشكال خفية من الإقصاء الطبقي والعنصري، لأن البيانات التي تُدرَّب عليها مشبعة بتاريخ طويل من اللامساواة. وهنا يتجلى ما سماه فوكو “الميكروفيزياء الجديدة للسلطة”، حيث لا تعود السيطرة ممارسة فوقية واضحة، بل تتسلل عبر آليات تقنية دقيقة، تتخفى في هيئة موضوعية رياضية.

إن القرار المؤتمت لا يحكم فقط على الأفراد، بل يعيد تشكيل المجال الاجتماعي برمته. فحين تُفوّض الدولة أو السوق عمليات التقييم والتصنيف للخوارزميات، فإنها تنقل السيادة من المجال السياسي إلى المجال التقني، ومن النقاش العمومي إلى المعادلة البرمجية. وقد حذّرت حنة أرندت من هذا الانزلاق حين ربطت الشر الحديث بتفاهته، أي بتحوله إلى إجراءات بيروقراطية تُنفذ دون تفكير أخلاقي. واليوم يتخذ هذا الشر هيئة رقمية، حيث تُرتكب مظالم جسيمة باسم الكفاءة والحياد الحسابي.

وليس من قبيل المصادفة أن يصف برونو لاتور الفاعلية الحديثة بأنها موزعة بين البشر والأشياء، بين الذوات والوسائط. فالخوارزمية ليست مجرد أداة محايدة، بل فاعل مشارك في إنتاج الواقع. إنها بتعبير دونا هاراواي، كيان هجين يقع في المنطقة الرمادية بين الطبيعي والاصطناعي وبين الثقافة والتقنية. ومن هنا فإن أخلاقيات القرار المؤتمت لا يمكن أن تُبنى على نموذج أخلاقي كلاسيكي يفترض ذاتا عاقلة مستقلة، بل تحتاج إلى تصور علائقي للمسؤولية، يعترف بتشابك العوامل البشرية والتقنية.

لقد حاول بعض المنظّرين مثل لوسيان فلوريدي صياغة ما يسميه “أخلاق المعلومات”، حيث تصبح القيمة الأخلاقية مرتبطة بسلامة البيئة المعلوماتية ككل، لا فقط بنيات النية الفردية. وفي السياق ذاته، يدعو مارك كوكيلبرغ إلى أخلاق سياقية، ترى المسؤولية بوصفها شبكة علاقات لا نقطة إسناد واحدة. غير أن هذه المقاربات رغم أهميتها، تصطدم بإكراهات السوق النيوليبرالية التي تدفع نحو تعظيم الربح على حساب العدالة، ونحو تسريع الأتمتة دون بناء أطر مساءلة موازية.

إن ما يحدث اليوم هو انتقال من حكم القانون إلى حكم الخوارزمية، ومن الشرعية الديمقراطية إلى الفعالية التقنية. فبدل أن يُسأل: هل هذا القرار عادل؟ يُسأل: هل هذا النموذج دقيق؟ وبدل أن يُحتكم إلى النقاش العمومي، يُحتكم إلى مؤشرات الأداء. وهذا ما يجعل الإنسان بتعبير هيدغر مهددا بالتحول إلى “مورد قابل للاستهلاك”، داخل نسق تقني كلي يختزل الكينونة في قابلية الحساب.

ولئن كان ديكارت قد أسّس الحداثة على يقين الذات المفكرة، فإن عصر الذكاء الاصطناعي يؤسس ذاته على يقين البيانات. غير أن البيانات لا تقول الحقيقة، بل تعكس أنماطا تاريخية، وتُضخّم انحيازات كامنة. ومن هنا فإن الوثوق الأعمى بالقرار المؤتمت هو شكل جديد من السذاجة المعرفية، يُلبس الهيمنة لباس الموضوعية.

إن السؤال الجوهري ليس هل تستطيع الآلة أن تفكر كما تساءل تورنغ، بل هل نستطيع نحن أن نحافظ على إنسانيتنا داخل منظومات تفكّر نيابة عنا. فالمسؤولية الأخلاقية ليست مجرد إسناد قانوني، بل ممارسة وجودية تتطلب وعيا بالعواقب، وقدرة على النقد واستعدادا لتحمل الخطأ. وهذه كلها خصائص لا يمكن برمجتها.

إننا نعيش لحظة مفصلية تستدعي إعادة تأسيس الأخلاق على قاعدة جديدة، تأخذ بعين الاعتبار الطابع الشبكي للفعل، والطابع البنيوي للظلم، والطابع التنبؤي للتقنية. ولعل ما نحتاجه اليوم هو ما يسميه بول ريكور “أخلاق الاعتراف”، حيث يُعاد الاعتبار لهشاشة الإنسان، ولضرورة إبقاء القرار في أفق المعنى لا في منطق الحساب وحده.

إن تحميل المسؤولية لمصمم الخوارزمية وحده يغفل السياق المؤسسي الذي يفرض عليه معايير الأداء والربحية، كما أن إسنادها لمزود البيانات يتجاهل منطق السوق الذي يحكم تداول المعطيات، بينما تحميلها للمستخدم النهائي يختزل منظومة معقدة في حلقة ضعيفة. أما مساءلة النظام الذكي ذاته، فهي تظل مجازا لغويا، لأن الآلة لا تتمتع بالشخصية القانونية ولا بالأهلية الأخلاقية. وهكذا نجد أنفسنا أمام ما يسميه بعض المنظرين “فراغ المسؤولية”، حيث تتبدد المحاسبة داخل شبكة من الفاعلين غير المتكافئين.

لقد نبّه غونتر أندرس إلى هذا الوضع حين تحدث عن “فجوة البروميثيوس”، أي الهوة بين قدرتنا التقنية على الفعل، وقدرتنا الأخلاقية على استيعاب نتائجه. فالإنسان ينتج آثارا تفوق مخيلته، ويتسبب في أضرار لا يستطيع تمثلها، وهو ما يجعل المسؤولية تتآكل أمام ضخامة النظام. وفي السياق ذاته، يرى أولريش بيك أن الحداثة المتأخرة دخلت طور “مجتمع المخاطر”، حيث تصبح الأخطار مصنّعة، عابرة للحدود، وغير قابلة للإسناد البسيط.

إن الأنظمة الذكية بما تمتلكه من قدرة على التنبؤ والتصنيف والتأثير السلوكي، تضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى هذا المشهد. فهي لا تكتفي بوصف الواقع، بل تشارك في صنعه. خوارزميات التوصية تعيد تشكيل الذوق العام، وأنظمة التقييم تؤثر في فرص الحياة، وأدوات التنبؤ ترسم خرائط الجريمة قبل وقوعها. وهنا يتحقق ما حذر منه بيير بورديو حين تحدث عن العنف الرمزي، أي ذلك الشكل الخفي من الهيمنة الذي يُمارس باسم الموضوعية.

لقد حاولت بعض التشريعات الحديثة إدخال مفاهيم مثل “الحق في التفسير” و”الشفافية الخوارزمية”، غير أن هذه المبادرات تصطدم بواقع تقني يجعل التفسير ذاته إشكاليا. فالنماذج العميقة لا تعمل وفق قواعد قابلة للترجمة السهلة إلى لغة بشرية، بل وفق طبقات من الترجيحات الاحتمالية. وحتى حين يُقدَّم تفسير، فإنه غالبا ما يكون تبسيطا لاحقا لا يعكس فعليا آلية القرار. وهنا يظهر التوتر بين مطلب الشفافية ومتطلبات الأداء، بين قابلية الفهم وفعالية التنبؤ.

إن هذا الوضع يعيد إلى الواجهة سؤال الحقيقة في العصر الرقمي. فالحقيقة لم تعد تُستخرج من الوقائع، بل تُستنتج من الأنماط. وهذا ما يجعل المعرفة رهينة للبيانات، والبيانات رهينة للسلطة الاقتصادية. وقد أصاب ليوتار حين وصف وضع ما بعد الحداثة بانهيار السرديات الكبرى وصعود معيار النجاعة. غير أن ما نعيشه اليوم يتجاوز ذلك إلى هيمنة خوارزمية تُعيد تنظيم المعرفة وفق منطق السوق.

إن ادعاء حياد الذكاء الاصطناعي هو أحد أكبر الأوهام المعاصرة. فالخوارزميات تُصمَّم داخل سياقات ثقافية محددة، وتُدرَّب على بيانات مشبعة بتحيزات تاريخية، وتُنشر داخل أنظمة سياسية غير متكافئة. وقد بيّنت كاثي أونيل في نقدها لما تسميه “أسلحة الدمار الرياضي”، كيف تتحول النماذج التنبؤية إلى أدوات لإدامة الفقر والإقصاء، لأنها تعمل في اتجاه واحد: تُراقب الضعفاء، وتُحصّن الأقوياء.

إننا إزاء ما يمكن تسميته بأخلاق اللا تماثل. فالآثار السلبية للقرار المؤتمت تقع غالبا على الفئات الهشة، بينما تجني النخب التقنية والمالية أرباح الأتمتة. وهذا ما يجعل الحديث عن مسؤولية مجردة حديثا مضللا، ما لم يُربط بتحليل علاقات القوة. فكما علّمنا فوكو، لا توجد معرفة بريئة ولا تقنية خارج السلطة.

من هنا تبرز الحاجة إلى تصور جديد للمسؤولية، لا يقوم على الفردانية القانونية، بل على تعددية المستويات. مسؤولية المصمم الذي يختار المعمارية الخوارزمية، ومسؤولية المؤسسة التي تحدد أهداف النموذج، ومسؤولية الدولة التي تسمح بنشره دون ضوابط كافية، ومسؤولية المجتمع الذي يقبل بمنطق الأتمتة دون مساءلة. إنها مسؤولية موزعة، لكنها غير متساوية، وتتطلب آليات محاسبة تتجاوز النموذج القضائي التقليدي نحو أشكال من الرقابة الديمقراطية.

لقد دعا يورغن هابرماس إلى إعادة الاعتبار للفضاء العمومي بوصفه مجالا للنقاش العقلاني. وفي سياق الذكاء الاصطناعي يصبح هذا النداء أكثر إلحاحا. فالقرارات الخوارزمية التي تمس التعليم والصحة والعمل والأمن لا يمكن أن تُترك للخبراء وحدهم. إنها قضايا وجودية تتطلب مشاركة مجتمعية واسعة. غير أن هذا يفترض مستوى من الثقافة الرقمية لا يزال غائبا، كما يفترض شفافية مؤسساتية تصطدم بمصالح الشركات العملاقة.

إن ما نحتاجه ليس فقط أخلاقيات للذكاء الاصطناعي، بل سياسة للذكاء الاصطناعي. سياسة تعيد توزيع السلطة المعرفية، وتفرض معايير للمساءلة، وتربط الابتكار بالعدالة. ولعل تجربة “الأخلاقيات المدمجة في التصميم” تمثل خطوة في هذا الاتجاه، لكنها تظل محدودة ما لم تُدعَم بإرادة سياسية.

على المستوى الفلسفي، يفرض القرار المؤتمت إعادة التفكير في مفهوم الفاعلية ذاته. فالفاعلية لم تعد خاصية ذاتية، بل خاصية شبكية. وهذا يستدعي الانتقال من أخلاق النية إلى أخلاق الأثر، ومن فلسفة الذات إلى فلسفة العلاقة. وقد يكون إيمانويل ليفيناس معينا هنا، حين جعل المسؤولية سابقة على الحرية، وربط الأخلاق بنداء الآخر. فالوجه الإنساني الذي قد يُمحى خلف واجهة رقمية يجب أن يعود إلى مركز التفكير.

كما أن بول ريكور في حديثه عن الذات بوصفها “قادرة ومسؤولة”، يفتح أفقا لفهم المسؤولية لا كتحميل للذنب فقط، بل كقدرة على الوعد، وعلى إصلاح الخطأ. وهذا البعد الغائب تماما في الأنظمة الذكية. فالخوارزمية لا تعتذر، ولا تتعلم أخلاقيا من فشلها، بل تعيد الضبط وفق معايير أداء.

إن الخطر الأكبر لا يكمن في أن تحل الآلة محل الإنسان، بل في أن يتكيف الإنسان مع منطق الآلة. أن يقبل بتقليص ذاته إلى مجموعة مؤشرات، وأن يسلّم قراراته لمنظومات لا تفهم المعنى. وهنا يتحقق ما سماه أدورنو “العقل الأداتي”، حيث تتحول الغاية إلى وسيلة، والإنسان إلى مورد.

إن الدفاع عن أخلاقيات القرار المؤتمت هو في العمق دفاع عن إنسانية الإنسان. عن حقه في الخطأ وفي التردد وفي التفكير البطيء. عن حقه في ألا يُختزل إلى ملف بيانات. وهذا يقتضي مقاومة النزعة الاختزالية التي ترى في الذكاء الاصطناعي قدرا لا يُرد، بدل أن تراه اختيارا سياسيا قابلا للنقد.

إن القرار المؤتمت ليس مجرد تطور تقني، بل مرآة تكشف هشاشة مشروع الحداثة ذاته. فهو يعرّي أوهام السيطرة  ويكشف حدود العقل الحسابي، ويفرض علينا إعادة تأسيس الأخلاق على قاعدة جديدة، تعترف بتشابك البشر والآلات، لكنها ترفض التخلي عن مركزية القيمة الإنسانية. إن المسؤولية في عصر الأنظمة الذكية لا يمكن أن تكون فردية فقط ولا تقنية فقط، بل يجب أن تكون كونية الطابع وعلائقية البنية واستباقية الأفق.

ولعل السؤال الأخير الذي ينبغي أن يظل مفتوحا ليس: كيف نجعل الآلة أخلاقية؟ بل: كيف نحول دون أن نصبح نحن لا أخلاقيين باسم الآلة.

***

د. حمزة مولخنيف

 

تعد إشكالية التطور الحضاري للإنسان في الفضاءات السياسية المحكومة بالاستبداد من أعقد القضايا التي واجهت الفكر العربي والمعاصر على حد سواء. إن العائق الأساسي أمام هذا التطور لا يكمن فقط في غياب الديمقراطية الإجرائية، بل في حالة من "التقارب التأكيدي" البنيوي بين نزعتين تبدوان متناقضتين في الظاهر، لكنهما تتكاملان في جوهر الممارسة السلطوية: البدائية الشعبوية التي تستدعي أشكال الولاء ما قبل الوطنية، والشكلانية المعاصرة التي تتبنى قشور الحداثة وأدواتها لتعليب تلك البدائية وشرعنتها. هذا التزاوج يخلق نظاماً هجيناً يعطل قدرة الإنسان على الترقي القيمي والمعرفي، ويحوله من مواطن فاعل إلى رعية مستهلكة أو ترس في آلة بيروقراطية صماء.

 تشريح الشكلانية المعاصرة في الفكر السياسي

تمثل الشكلانية المعاصرة، في سياقها النقدي والسياسي، نزوعاً نحو تغليب "القالب" على "المحتوى"، والتركيز على التحليل الداخلي للآليات دون النظر إلى غاياتها الإنسانية أو سياقاتها التاريخية. لقد انتقلت هذه الروح من حقول النقد الأدبي -التي تأثرت بالشكلانية الروسية والأوروبية منذ ثمانينيات القرن العشرين- إلى الممارسة السياسية، حيث جرى عزل المؤسسات عن مضامينها القيمية. في الدراسات النصية، عُنيت الشكلانية بالتحليل الداخلي للنص وآليات السرد والحكائية، منطلقة من أن اللغة هي المعيار العلمي الوحيد. وعند إسقاط هذا المنهج على الواقع السياسي العربي، نجد أن الأنظمة الاستبدادية تعاملت مع "الدولة" كبنية شكلانية محضة. لقد جرى استعارة قوالب جاهزة من الديمقراطية والحداثة الغربية وصب النص السياسي المحلي فيها دون مراعاة لخصوصية التحول التاريخي الداخلي. هذا أدى إلى إنتاج "حداثة شكلية" تفتقر إلى مشروع بنيوي يعبر عن تحول حقيقي في الوعي، مما جعل الخصوصية محدودة للغاية وغارقة في التبعية للقوالب الأجنبية.

البدائية الشعبوية: لاهوت الاستبداد الجديد

إذا كانت الشكلانية هي القالب الخارجي، فإن "البدائية الشعبوية" هي المادة الخام التي تملأ هذا القالب. البدائية هنا لا تعني فقط التخلف الزمني، بل هي نمط من التفكير والممارسة يستدعي الانتماءات الأولية (القبيلة، الطائفة، العرق) ويوظفها في صراع سياسي صفري ضد "الآخر". وتتوسع هذه البدائية لتصبح "شعبوية" فجة تلغي المسافة بين الحاكم والمحكوم عبر خطاب عاطفي يدعي الطهرانية.

تنبثق الشعبوية من هذه البدائية لتقدم خطاباً يدعي تمثيل "الشعب" في مواجهة "نخب فاسدة" وهمية، متجاوزة المؤسسات والوساطات السياسية. تتسم هذه الشعبوية بمميزات تجعلها معوقاً حضارياً بامتياز؛ فهي تتبنى الموقف الانفعالي تجاه المؤسسات، حيث يُعتبر كل ما هو مؤسسي معرقلاً لإرادة "الزعيم الملهم". كما تعتمد التنميط الأخلاقي عبر تقسيم المجتمع إلى "شعب صالح" و"أعداء خونة"، مما يقوض السلم الأهلي ويمنع التعددية. إنها تستغل الخيبات الاقتصادية لتقدم وعوداً خلاصية تداعب الغرائز البدائية وتؤجل استحقاقات الوعي بضرورة الدولة الحديثة.

ثلاثية العقل السياسي العربي ومؤسسة العصبية

يعد تحليل محمد عابد الجابري لمحددات العقل السياسي العربي ركيزة أساسية لفهم جذور البدائية. يرى الجابري أن السلوك السياسي العربي لا يزال محكوماً بلاشعور جمعي يتكون من ثلاثة عناصر: القبيلة (العصبية) كمحرك للفعل، العقيدة (الأيديولوجيا) كأداة تبريرية، والغنيمة (الاقتصاد الريعي) كهدف للممارسة. يكمن "التقارب التأكيدي" هنا في قدرة الأنظمة الاستبدادية على استخدام الأدوات الشكلانية المعاصرة لتعزيز هذه الروابط البدائية. فبدلاً من أن تؤدي الحداثة إلى تذويب القبيلة في الدولة، تقوم "الشكلانية" بمنح القبيلة غطاءً مؤسسياً عبر أحزاب كرتونية أو انتخابات تُدار بمنطق الولاءات العشائرية.

الاستبداد والانسداد الحضاري

يعمل الاستبداد كمحرك رئيسي لهذا التقارب، فهو يحتاج إلى "الشكلانية" لكي يحصل على اعتراف دولي وتدفقات مالية، ويحتاج إلى "البدائية" لكي يضمن قاعدة موالية لا تسأل عن الحقوق. في ظل هذه الأنظمة، تتحول الدولة من "دولة قانون" إلى "دولة بوليسية" تتسم بالسيادة المطلقة غير المقيدة، وصياغة قرارات أحادية، وتزييف الشرعية، واستخدام الإرغام، ومأسسة الفساد كبنية لضمان الولاء. يمتد هذا الأثر لتخريب المناهج التعليمية وتحويل الفكر إلى "سلعة" دعائية، مما يجهض أي محاولة لفهم الواقع خلف ستار من الخطابات الجوفاء.

ضرورة القطيعة الإبستمولوجية

إن الخروج من هذا المأزق يتطلب ما يسميه غاستون باشلار ولويس ألتوسير بـ "القطيعة الإبستمولوجية" (القطيعة المعرفية). لا تعني القطيعة هنا نسيان الماضي، بل تعني الانتقال من "المعرفة العامية" أو "الوعي البدائي" إلى "المعرفة العلمية والنقدية". إنها هدم للمنظومات الفكرية التي يقتات عليها الاستبداد، وتفكيك للروابط التي تجمع بين الشكلانية المستوردة والبدائية المحلية.

تتطلب هذه القطيعة ممارسة نقدية تتبنى إنجازات الحداثة لنقد العقل العربي من الداخل. إن هدف الحداثة ليس شراء المنتجات، بل "تمكين العقل" وتفعيل "الذات الحضارية" القادرة على الإبداع والتدبر. لا بد من قطيعة مع القراءات التقليدية التي تقدس الماضي أو ترفضه جملة وتفصيلًا، والبدء بتأسيس إنتلجنسيا عربية جديدة تكون "عربية" بانتظامها في تراثها لتجديده، و"جديدة" باستيعابها لأدوات العصر والانتظام في الفكر العالمي المعاصر.

الاستنتاجات العامة

إن التقارب التأكيدي بين البدائية الشعبوية والشكلانية المعاصرة هو استراتيجية وجودية للأنظمة الاستبدادية لتعطيل الزمن التاريخي. إن معركة التطور الحضاري تبدأ من تفكيك هذا "التقارب السام". فالدولة الحقيقية لا تُبنى بالكتل الإسمنتية ولا بالشعارات، بل تُبنى عندما يصبح القانون سيداً. إن استعادة الإنسان لفاعليته الحضارية هي الرهان الحقيقي لمواجهة تحالف "البدائية والشكلانية" في ظل أنظمة لا تعيش إلا على حساب تغييب العقل وتعطيل التاريخ.

***

غالب المسعودي

.........................

الهوامش والمراجع

الجابري، محمد عابد، العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1990.

الكواكبي، عبد الرحمن، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، دار النفائس، بيروت، 2006.

باشلار، غاستون، تكوين العقل العلمي: مساهمة في تحليل المعرفة الموضوعية، ترجمة: خليل أحمد خليل، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 1984.

غليون، برهان، اغتيال العقل: محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية، المركز الثقافي العربي، 2005.

مولر، يان-فيرنر، ما هي الشعبوية؟، ترجمة: ملكة أبيض، دار الساقي، بيروت، 2017.

بروب، فلاديمير، مورفولوجيا الحكاية، ترجمة: إبراهيم الخطيب، الشركة العربية للناشرين، 1986.

من الثقة الإنسانية إلى المصداقية التقنية

منذ أن وعى الإنسان ذاته بوصفه كائنا ناطقا، لم تكن المعرفة فعلا فرديا خالصا، ولا نتاجا معزولا لتجربة ذاتية مكتفية بذاتها، بل تشكّلت دائما داخل نسيج علائقي كثيف، قوامه القول والسماع والتصديق والتكذيب والاعتماد على الغير. ولعل الشهادة بهذا المعنى، تمثّل أحد الأعمدة الخفية التي قامت عليها البنية المعرفية للإنسان، حتى جاز القول كما يلمّح ديفيد هيوم، إن معظم ما نعتقد أننا نعرفه ليس ثمرة تجربة مباشرة، بل أثرٌ لما قاله لنا الآخرون. فالمعارف التاريخية والوقائع السياسية والأحداث العلمية، بل حتى تفاصيل الحياة اليومية، تصلنا في الغالب عبر وسيط إنساني ينقل ويؤكد ويزعم ويشهد. ومن هنا، لم تكن إبستمولوجيا الشهادة هامشا في نظرية المعرفة، بل قلبا نابضا فيها، وإن ظلّ طويلا في الظل، لصالح نماذج معرفية مجّدت الرؤية والتجربة والاستدلال الفردي.

لقد تعاملت الفلسفة الكلاسيكية منذ أفلاطون وأرسطو مع الشهادة بشيء من الريبة الصامتة. فأفلاطون وهو يؤسس هرميته المعرفية الشهيرة، جعل المعرفة الحقّة متعلقة بالتذكر العقلي وبالارتقاء من الظن إلى العلم، فيما ظلت الأقوال المنقولة عرضة للشك، لكونها تحاكي المحسوس المتغير. أما أرسطو وإن اعترف بأهمية المألوف والمشهور في بناء البرهان الخطابي، فإنه لم يمنح الشهادة مقام اليقين البرهاني، بل أبقاها في حقل الظن المعقول. غير أن هذا التوجس لم يمنع الشهادة من الاستمرار كشرط عملي لا غنى عنه للمعرفة الإنسانية، لأن الإنسان كما يقول أرسطو نفسه، «حيوان مدني بالطبع»، والمدنية هنا ليست فقط تنظيما سياسيا، بل شبكة تبادل معرفي وأخلاقي.

ومع الفلسفة الحديثة تعمّق هذا التوتر. فقد جعل ديكارت من الشك المنهجي بوابة للمعرفة اليقينية، وأوصى العقل بأن لا يقبل شيئا إلا إذا كان واضحا متميزا حاضرا بذاته للذهن. وهنا، تبدو الشهادة معرفة من الدرجة الثانية، لأنها تعتمد على ثقة غير مضمونة في الغير. ومع ذلك فإن ديكارت نفسه لم يستطع في حياته اليومية ولا في مشروعه العلمي، الاستغناء عن المعارف المشهود بها من تاريخ الأمم إلى نتائج التجارب إلى أخبار الجغرافيا. هذا التناقض العملي سيجد صداه لاحقا عند جون لوك، الذي ميز بين المعرفة والاعتقاد، واعتبر الشهادة أساسا معقولا للاعتقاد، وإن لم تبلغ مرتبة العلم الصارم. غير أن لوك في الوقت ذاته، ربط قوة الشهادة بموثوقية الشاهد وبعدد الشهود وبانسجام الخبر مع التجربة، فاتحا بذلك الباب أمام تصور معياري للشهادة لا يلغيها، لكنه يقيّدها.

أما ديفيد هيوم فقد ذهب أبعد في تحليل الأساس النفسي والاجتماعي للشهادة. فهو يقرّ بواقعية فلسفية لافتة بأن البشر مضطرون إلى تصديق الشهادة، لأنهم عاجزون عن التحقق الفردي من معظم الوقائع. غير أن هذا التصديق في نظره ليس فعلا عقلانيا خالصا، بل عادة ذهنية تشكّلت عبر التجربة، حيث نلاحظ غالبا توافق أقوال الناس مع مجرى الأحداث. ومن هنا، تصبح الثقة في الشهادة نتاجا لاحتمال راجح، لا يقينا منطقيا. ولعل هذا التحليل الهيومي بما يحمله من نزعة تشكيكية معتدلة، سيؤسس لاحقا لنقاشات معاصرة حول عقلانية الاعتماد على الغير، وحول ما إذا كانت الشهادة مصدرا أصليا للمعرفة، أم مجرد اختزال عملي لمصادر أخرى.

غير أن التحول الحاسم في إبستمولوجيا الشهادة لم يقع إلا مع الفلسفة المعاصرة، حين بدأ الفلاسفة يدركون أن نموذج «الذات العارفة المنعزلة» ليس سوى بناء تجريدي لا يصمد أمام الواقع الاجتماعي للمعرفة. فقد أشار فيتغنشتاين في تأملاته المتأخرة إلى أن المعنى ذاته يقوم على الاستعمال الجماعي، وأن الشك الجذري لا يمكن أن يكون شاملا لأن الشك يفترض أرضية من المسلّمات المشتركة. ومن هنا فإن الثقة ليست نقيض العقل بل شرط إمكانه. ويذهب مايكل بولاني في الاتجاه نفسه حين يؤكد أن المعرفة تتضمن دائما عنصرا ضمنيا ينتقل عبر التقليد والتلمذة والثقة في الخبراء. أما توماس كون، فقد أبرز أن العلم نفسه لا يتقدم إلا داخل جماعات معرفية تتقاسم نماذج إرشادية، وأن قبول النتائج العلمية يعتمد إلى حد كبير على الثقة في المؤسسات والمجلات وآليات التحكيم.

في سياقنا هذا، ستظهر إبستمولوجيا اجتماعية جديدة، تجعل من الشهادة موضوعا مركزيا لا هامشيا. فالفيلسوفة ميراندا فريكر مثلا، ستكشف عن البعد الأخلاقي للشهادة، متحدثة عن «الظلم المعرفي» الذي يتعرض له بعض الأفراد حين تُنتقص مصداقيتهم بسبب انتمائهم الاجتماعي أو الثقافي. وهنا، لا تعود الشهادة مجرد نقل معلومات، بل فعلا مشبعا بالقيم، تحكمه علاقات القوة والسلطة والهيمنة الرمزية. ويذهب ألفين غولدمن إلى أن الثقة في الشهادة يمكن أن تكون عقلانية، إذا توفرت شروط موثوقية إجرائية ترفع احتمال الصدق. ومع ذلك فإن هذا النقاش على غناه ظل يدور في أفق إنساني تقليدي، حيث الشاهد إنسان والمخاطَب إنسان والوسيط لغوي مباشر.

غير أن هذا الأفق سيتعرض لزلزال عميق مع بروز العصر الرقمي. فمع الانتقال من المجتمعات الشفوية إلى الكتابية ثم إلى الرقمية، لم يتغير فقط وسيط نقل الشهادة، بل تغيرت طبيعتها ووظيفتها ومعايير تصديقها. ففي الفضاء الرقمي لم تعد الشهادة حكرا على الإنسان الفرد، بل أصبحت تنتج وتُضخّم وتُعاد صياغتها عبر خوارزميات ومنصات وأنظمة ذكاء اصطناعي. وأمام هذا التحول، تبرز أسئلة إبستمولوجية حادة: من هو الشاهد؟ هل هو المستخدم؟ أم المنصة؟ أم الخوارزمية التي تقترح وتصفّي وتروّج؟ وعلى أي أساس نمنح الثقة؟ هل على أساس النية والصدق، كما في الشهادة الإنسانية، أم على أساس الكفاءة التقنية ودقة المعالجة وقابلية التتبع؟.

إن الشهادة الرقمية في أحد وجوهها تبدو منزوعـة عن البعد الأخلاقي الشخصي الذي ميّز الشهادة التقليدية. فحين يشهد الإنسان، فإنه يعرّض سمعته ويضع ذاته موضع مساءلة. أما حين «تشهد» الخوارزمية، فإنها لا تتحمل مسؤولية أخلاقية بالمعنى الكلاسيكي بل تعمل وفق منطق احتمالي تحكمه معايير صُممت سلفا. وهنا، ينتقل مركز الثقة من الشخص إلى النظام، ومن الضمير إلى البروتوكول. هذا ما يدفع بعض المفكرين مثل برونو لاتور إلى القول إننا نعيش داخل شبكات فاعلين غير بشريين، يشاركون في إنتاج الحقيقة دون أن يكونوا ذواتا أخلاقية.

غير أن هذا التحول لا يلغي الإشكال بل يعمّقه. فالثقة في النظام التقني ليست ثقة بريئة بل ثقة مؤسسية محاطة بالسلطة الاقتصادية والسياسية والمعرفية. وكما يشير يورغن هابرماس، فإن الفضاء العمومي حين يُخترق بمنطق الأنظمة، يفقد طابعه التداولي ويخضع لعقلانية أداتية تُفرغ التواصل من بعده النقدي. وفي هذا الإطار تصبح الشهادة الرقمية عرضة للتلاعب لا عبر الكذب المباشر فقط، بل عبر الإغراق والتكرار وصناعة الإجماع الوهمي، وهو ما يسميه بعض المنظرين «اقتصاد الانتباه»، حيث لا يُكافأ الصدق بقدر ما تُكافأ القابلية للانتشار.

وهكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة عميقة، فالعصر الرقمي الذي وعد بتوسيع الوصول إلى المعرفة وبدمقرطة الشهادة، قد أنتج في الوقت ذاته أزمة ثقة غير مسبوقة. فانتشار الأخبار الزائفة وتزييف الصور واستنساخ الأصوات، جعل السؤال لا يتعلق فقط بصدق الشهادة، بل بإمكان الشهادة نفسها. وكما يقول جان بودريار، فإننا نعيش زمن المحاكاة حيث لا يعود التمييز ممكنا بين الأصل والنسخة وبين الحدث وصورته. وفي هذا العالم، تفقد الشهادة مرجعيتها الواقعية، وتتحول إلى علامة عائمة داخل سيل من العلامات.

إن هذه الأزمة لا يمكن اختزالها في بعد تقني، لأنها في جوهرها إبستمولوجية وأنثروبولوجية. فهي تمسّ تصورنا للإنسان ككائن قادر على القول الصادق، وعلى بناء الثقة وعلى التمييز بين المعقول والمضلل. ومن هنا، فإن السؤال عن إبستمولوجيا الشهادة في العصر الرقمي هو في العمق، سؤال عن مصير العقل العمومي، وعن إمكان العيش المشترك في عالم تتنازع فيه الحقيقة قوى السوق والسياسة والخوارزمية.

إن أول ما يلفت النظر في الشهادة الرقمية هو انزياح مركز الثقل من «القائل» إلى «الآلية». ففي الشهادة الإنسانية الكلاسيكية، كان السؤال المحوري يدور حول صدق الشاهد وعدالته وكفاءته الإدراكية وقدرته على الضبط والتذكر. هذه المعايير، التي نجد لها صدى واضحا في التراث الفلسفي كما في التراث الفقهي والأصولي الإسلامي، تفترض ذاتا عارفة مسؤولة، يمكن مساءلتها أخلاقيا ومعرفيا. أما في السياق الرقمي فإن الشهادة تمرّ عبر طبقات متعددة من الوساطة التقنية: خوارزميات ترتيب، ونظم توصية، وواجهات عرض، تجعل من المتلقي شاهدا غير مباشر على شهادة لم يُدرك شروط إنتاجها ولا معايير تصفيتها. وهنا، كما يقول بول فيريليو، لا يعود الخطر في الخطأ، بل في السرعة التي تُلغِي إمكان التحقق.

تتخذ الشهادة طابعا احتماليا خالصا. فهي لا تُقدَّم بوصفها قولا يُطالب بالتصديق، بل بوصفها «معلومة» مدعومة بإحصاءات أو نسب مشاهدة، أو عدد مشاركات. وهكذا يتحول معيار الصدق من المطابقة مع الواقع، أو الثقة في الشاهد إلى القابلية للانتشار والتداول. وهذا ما يجعل كثيرا من المفكرين مثل نيل بوستمان، يرون أن التكنولوجيا لا تنقل المعرفة فحسب، بل تعيد تشكيل معاييرها، بحيث يصبح ما هو مرئي أكثر مما هو معقول، وما هو متداول أكثر مما هو صحيح.

غير أن هذا التحول لا يعني أن الإنسان قد اختفى من معادلة الشهادة، بل يعني أنه أعيد تموضعه داخل شبكة معقدة من العلاقات. فحتى الخوارزميات هي نتاج قرارات بشرية محمّلة بتصورات ضمنية عن الأهمية والموثوقية والاهتمام. وكما يشير ميشيل فوكو، فإن المعرفة لا تنفصل عن السلطة، وأن كل نظام للخطاب يتضمن آليات إقصاء وترتيب. ومن هنا فإن الشهادة الرقمية ليست محايدة، بل مشروطة بأنظمة اقتصادية وسياسية تتحكم في ما يظهر وما يُخفى، وما يُضخَّم وما يُهمَّش.

إن هذا الوضع يفرض إعادة التفكير في مفهوم الثقة نفسه. فالثقة كما بيّن نيكلاس لومان، ليست مجرد شعور نفسي، بل آلية اجتماعية لتقليص التعقيد. غير أن التعقيد الرقمي بلغ حدا يجعل الثقة التقليدية عاجزة عن أداء وظيفتها. فلا يمكن للمستخدم العادي أن يفهم كيفية اشتغال الخوارزميات، ولا أن يتحقق من نزاهتها ولا أن يقيّم تحيزاتها. وهكذا، تتحول الثقة إلى نوع من الإيمان التقني، شبيه بما وصفه جاك إلّول بـ«الأسطورة التقنية»، حيث تُمنح التكنولوجيا سلطة معرفية شبه مطلقة، فقط لأنها تعمل بكفاءة.

غير أن هذا الإيمان لا يصمد طويلا أمام توالي الفضائح المعرفية، من التلاعب بالبيانات، إلى تضليل الرأي العام، إلى صناعة الأخبار الزائفة. وهنا، تنكشف هشاشة المصداقية التقنية حين تنفصل عن المساءلة الأخلاقية. فكما يذكّرنا هانس يوناس، فإن كل قدرة تقنية تستدعي مسؤولية أخلاقية متناسبة معها. وإذا كانت الخوارزميات قد أصبحت فاعلا معرفيا مؤثرا، فإن السؤال لم يعد: هل يمكن الوثوق بها؟ بل: من يتحمل مسؤولية ما تنتجه من شهادات؟.

تبرز الحاجة إلى تصور إبستمولوجي مركّب للشهادة، لا يختزلها في الذات الإنسانية، ولا يفوّضها كليا للتقنية. تصور يعترف بأن المعرفة في العصر الرقمي أصبحت موزعة تشاركية متعددة المصادر، لكنها في الوقت ذاته تحتاج إلى معايير نقدية صارمة. وقد حاول بعض الفلاسفة المعاصرين، مثل لوسي سوشمان وبرنارد ستيغلر، التفكير في هذا المنحى من خلال الدعوة إلى «أنسنة التقنية» أو «تسييس الخوارزمية»، أي إخضاعها للنقاش العمومي وللشفافية وللمساءلة الجماعية.

إن الشهادة بهذا المعنى الجديد، لا يمكن أن تكون مجرد نقل آلي للمعلومة، بل ينبغي أن تُفهم بوصفها ممارسة معرفية تتطلب شروطا تداولية. وهنا، يستعيد تصور هابرماس للفعل التواصلي أهميته، إذ لا معنى للشهادة خارج أفق الاعتراف المتبادل وإمكان الاعتراض وقابلية التبرير. فالشهادة التي لا يمكن مساءلتها ولا الطعن فيها ولا فهم شروط إنتاجها، تتحول إلى شكل جديد من أشكال الهيمنة الرمزية مهما ادّعت الموضوعية.

ومن جهة أخرى، يفرض هذا التحول إعادة النظر في التربية المعرفية ذاتها. فالمشكلة ليست فقط في التكنولوجيا، بل في قابلية الذوات لتصديق كل ما يُعرض عليها. وكما أشار كانط في نصه الشهير عن التنوير، فإن القصور ليس في نقص العقل بل في العجز عن استعماله دون وصاية. وفي العصر الرقمي تتخذ هذه الوصاية شكلا جديدا، وصاية الخوارزمية التي تقرر عنا ما نقرأ وما نصدق وما نهتم به. ومن هنا، تصبح تنمية الحس النقدي والقدرة على التمييز شرطا إبستمولوجيا أساسيا لاستعادة معنى الشهادة.

إن الشهادة الرقمية رغم كل ما تثيره من مخاوف، تفتح أيضا إمكانات جديدة. فهي تتيح تعددية الأصوات وكسر الاحتكار المعرفي وإبراز شهادات كانت مهمشة في الفضاءات التقليدية. غير أن هذه الإمكانات لا تتحقق تلقائيا، بل تحتاج إلى بنية أخلاقية وقانونية تحميها من الانزلاق إلى الفوضى أو التلاعب. وكما يقول أمارتيا سن، فإن الحرية ليست مجرد غياب القيد، بل توافر الشروط التي تجعل الاختيار ذا معنى.

نجد أنفسنا أمام مفترق طرق إبستمولوجي. إما أن نستسلم لمنطق المصداقية التقنية، فنفوض عقولنا لأنظمة لا نفهمها، أو أن نرتد إلى حنين رومانسي للثقة الإنسانية الخالصة، متناسين هشاشتها وتحاملاتها. غير أن الخيار الثالث وهو الأصعب والأكثر خصوبة، يتمثل في بناء نموذج هجين للشهادة، يعترف بدور التقنية دون أن يتخلى عن المطلب الأخلاقي، ويستثمر إمكانات الرقمنة دون أن يفرّط في العقل النقدي.

إن إبستمولوجيا الشهادة في العصر الرقمي تكشف في عمقها، عن أزمة أوسع تمسّ علاقتنا بالحقيقة وبالغير وبذواتنا. فالشهادة ليست مجرد آلية معرفية، بل مرآة لثقتنا في العالم وفي بعضنا البعض. وحين تتصدع هذه الثقة لا يكون الخطر في الجهل فقط، بل في تفكك النسيج الرمزي الذي يجعل العيش المشترك ممكنا. لقد بيّن هذا المسار أن الانتقال من الثقة الإنسانية إلى المصداقية التقنية ليس تطورا خطيا، بل انزلاقا محفوفا بالمفارقات.

فمن جهة لا يمكن إنكار أن التقنية قد وسّعت أفق الشهادة وكسرت احتكار الحقيقة، وفتحت المجال أمام تداول غير مسبوق للمعلومات. ومن جهة أخرى، كشفت عن هشاشة المعايير التي نعتمدها في التصديق وعن قابلية الوعي المعاصر للتلاعب والإغراق. وهنا، يتضح أن السؤال الإبستمولوجي لا ينفصل عن السؤال الأخلاقي والسياسي. فالحقيقة ليست مجرد مسألة تطابق، بل مسألة مسؤولية.

إن استعادة معنى الشهادة لا تمرّ عبر رفض التقنية، بل عبر إعادة إدماجها في أفق إنساني نقدي. أفق يعترف بأن المعرفة فعل جماعي، لكنه يرفض تحويل الجماعة إلى قطيع رقمي. أفق يجعل من الشفافية شرطا للمصداقية، ومن المساءلة أساسا للثقة، ومن التربية النقدية حصنا ضد التزييف. وكما قال سبينوزا فإن الحرية هي معرفة الضرورة. وفي زمن الخوارزميات، تصبح هذه المعرفة أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.

إن الشهادة في صيغتها الجديدة ليست نهاية العقل بل امتحانه الأصعب. امتحان يكشف ما إذا كان الإنسان قادرا على العيش مع التقنية دون أن يفقد صوته، وعلى الثقة دون أن يتخلى عن النقد، وعلى المعرفة دون أن يستقيل من مسؤوليته. وفي هذا الامتحان لا تكون الشهادة مجرد نقل للقول، بل فعلا أخلاقيا ومعرفيا يعيد للإنسان مكانته، لا بوصفه مصدرا مطلقا للحقيقة، بل بوصفه حارس معناها.

***

د. حمزة مولخنيف

مقاربة فلسفية تطورية في مآلات التحضر المعاصر

يواجه المفهوم المعاصر للتحضر أزمة بنيوية عند فحصه من منظور تطوري وفلسفي؛ حيث تبرز ثقافة الاستحواذ كظاهرة مهيمنة تتصادم مع الادعاءات الأخلاقية للحضارة الحديثة. إن التساؤل حول ما إذا كان الإنسان كائناً متحضرًا حقاً في ظل هوس التملك يتطلب تفكيك الجذور البيولوجية لسلوك التخزين، وفهم الكيفية التي تحولت بها آليات البقاء القديمة إلى محركات للاستهلاك المفرط في بيئة تقنية فائقة التطور. تعكس هذه الإشكالية فجوة عميقة بين التقدم التقني التراكمي وبين النضج الأخلاقي الذي يبدو متعثراً أو خاضعاً لارتدادات غريزية. فالتحضر، في جوهره، يفترض قدرة الكائن على تجاوز الحتميات البيولوجية الخام نحو آفاق من الكينونة والمسؤولية، إلا أن المعطيات الحالية تشير إلى أننا ربما نعيش حالة من "الفشل الحضاري"، حيث تُسخر أحدث المنجزات العلمية لخدمة أكثر الدوافع البدائية فجاجة.

الجذور البيولوجية والتطورية لسلوك الاستحواذ

يعتبر سلوك الاستحواذ والجمع جزءاً أصيلاً من الطبيعة البشرية، وله جذور ضاربة في التاريخ التطوري الذي تشاركناه مع أنواع أخرى من الكائنات. تظهر الدراسات المقارنة أن سلوك التخزين لدى الحيوانات، لا سيما القوارض، نشأ في بيئة مرجعية اتسمت بالندرة، حيث كان التملك يعني الحماية من الفناء.

معضلة عدم التطابق التطوري في عصر الاستهلاك

أدت القدرة البشرية على تعديل البيئة من خلال التقنية إلى خلق مثيرات اصطناعية تختطف الغرائز التطورية؛ فالشركات الكبرى تستغل رغبتنا الفطرية في الجمع لترويج سلع لا نحتاجها، وتوظف ميلنا للبحث عن المكانة الاجتماعية لترسيخ "الاستهلاك التفاخري". إن الفرد الذي يكدس الممتلكات اليوم ليس "متحضراً" بمعنى الارتقاء فوق الغريزة، بل هو ضحية لنظام تقني يعرف كيف يحفز مراكز المكافأة في دماغه القديم بشكل مفرط. إن ثقافة الاستحواذ تمثل تراجعاً عن المنجز الحضاري؛ حيث يتم إعادة تنشيط الغرائز وتضخيمها عبر الوسائط الرقمية، مما يطرح تساؤلاً حول مدى "نضج" هذه الحضارة التي تبني مجدها على استعباد الرغبات بدلاً من تحريرها.

المقاربة الفلسفية: الملكية كأصل للتفاوت والاغتراب

منذ عصر التنوير، ناقش الفلاسفة دور الملكية في تشكيل المجتمع المدني. يبرز جان جاك روسو في "خطاب حول أصل التفاوت" كواحد من أشرس النقاد للحضارة المادية، إذ يرى أن الإنسان في "حالة الطبيعة" كان مكتفياً بذاته وحراً، ولكن "اللحظة المأساوية" كانت عندما قام أول شخص بتسييج قطعة أرض وقال "هذه لي"، ووجد أناساً بسطاء بما يكفي لتصديقه. بالنسبة لروسو، فإن الملكية الخاصة هي أصل كل الشرور الاجتماعية من حروب وجرائم وعدم مساواة.

في المقابل، قدم توماس هوبز رؤية أكثر قتامة، معتبراً أن غريزة الاستحواذ والتنافس هي التي تخلق "حرب الجميع ضد الجميع" في غياب سلطة مركزية. لكن روسو يرد بأن هوبز أسقط صفات "الإنسان المتمدن" الجشع على "الإنسان البدائي"؛ فالحضارة هي التي خلقت الحاجات المادية المفرطة وليس الطبيعة البيولوجية وحدها. هذا السجال يضعنا أمام استنتاج مفاده أن "التحضر" المادي قد يكون في الحقيقة تراجعاً عن الحرية والمساواة الطبيعية لصالح نظام يعيد إنتاج العبودية في قوالب استهلاكية.

إريك فروم: الكينونة في مواجهة التملك

في مؤلفه الشهير "أن تملك أو أن تكون"، قدم إريك فروم تشريحاً نفسياً لنمطي الوجود البشري. يرى فروم أن المجتمع المعاصر يعاني من "ضمور" في القدرة على الكينونة لصالح هوس التملك. في "نمط التملك"، يتم تعريف الهوية من خلال الممتلكات (أنا أملك، إذاً أنا موجود)، مما يخلق حالة من القلق الدائم. أما "نمط الكينونة"، فهو يقوم على التجربة والإبداع والمشاركة الحية. يشير فروم إلى أن ثقافة الاستحواذ تعزل الفرد عن الطبيعة وعن الجماعة، وهذا الاغتراب هو ما يغذي اضطرابات الاستحواذ القهرية، حيث يحاول الفرد سد فراغه الوجودي بتكديس الأشياء. التحضر، حسب فروم، لا يتحقق إلا بوضع الكينونة فوق الملكية، واستبدال الجشع بالإنتاجية الخلاقة.

الاستحواذ الرقمي والمكانة في الفضاء الافتراضي

انتقلت غريزة الاستحواذ في العصر الرقمي إلى مجالات تتجاوز المادة إلى البيانات والرموز؛ فيظهر "الاكتناز الرقمي" كاستجابة تطورية لفيض المعلومات، حيث يجمع الأفراد آلاف الملفات دون استخدامها، مدفوعين بالخوف من ضياع المعرفة. تعكس هذه السلوكيات رغبة في "السيطرة المعرفية" في عالم يتسم بالسيولة. كما تظهر الأبحاث أن السعي وراء المكانة الرقمية يرتبط بـ "حساسية المكافأة"، حيث يضحي الفرد بخصوصيته من أجل "إعجاب" رمزي. هذا النمط يكرس "الإنسان الاستعراضي" الذي يعيش من أجل صورة متخيلة، مما يعمق حالة الاغتراب التكنولوجي.

وهم التقدم والفرق بين النضج التقني والأخلاقي

يطرح جون غراي في أطروحاته حول "أوهام التقدم" فكرة مفادها أن التقدم البشري أسطورة معاصرة؛ فبينما ينمو العلم بشكل تراكمي، تظل الأخلاق قابلة للانتكاس. إن القدرة على بناء مفاعلات نووية لا تعني أننا أصبحنا أكثر حكمة من أسلافنا، بل تعني أننا نملك "أدوات أكثر فتكاً" لخدمة الغرائز القديمة نفسها. يعتبر غراي أن "التحضر" قشرة رقيقة تنكسر عند الأزمات، وثقافة الاستحواذ هي الدليل الأكبر على هذا الفشل الأخلاقي. إن العلم يمنحنا القوة، لكنه لا يمنحنا الحرية؛ فنحن نظل عبيداً لطبيعة بشرية لم تتغير جذرياً.

هذا التمييز هو المفتاح لفهم الأزمة المعاصرة؛ فبينما تتقدم البشرية في "سُلّم كارداشيف" (وهو مقياس لمستوى التقدم التقني بناءً على استهلاك الطاقة والتحكم بها، اقترحه عالم الفلك نيكولاي كارداشيف عام 1964)، تظل في حالة "طفولة أخلاقية". إن الحضارة الحقيقية تقتضي كبح "إرادة القوة" لصالح "إرادة الكينونة" والتعايش.

التحول نحو "ما بعد المادية"

تتميز "الهوية ما بعد المادية" بتقدير جودة الحياة وحماية البيئة والاستقلال الذاتي، بدلاً من مجرد مراكمة الثروة. هذا التحول يمثل نوعاً من "النضج الحضاري" حيث يبدأ الإنسان في التساؤل عن معنى الحياة خارج إطار الاستهلاك. ومع ذلك، يظل هذا التقدم هشاً؛ فأي تهديد للأمن المادي قد يدفع الأفراد للعودة بسرعة إلى قيم التنافس البدائي.

هل الإنسان كائن متحضر؟

بالعودة إلى السؤال الجوهري: إذا كان التحضر هو مجرد امتلاك أدوات متطورة، فإن الإنسان هو الكائن الأكثر تحضراً. أما إذا كان التحضر هو "القدرة على التحكم في الغرائز وتوجيهها نحو قيم أخلاقية كونية"، فإننا لا نزال في مرحلة "التوحش التقني". إن ثقافة الاستحواذ هي "فشل حضاري" لأنها تعيد الإنسان لوضعية "الكائن المدفوع بالحاجة" بدلاً من "المعنى".

التحضر الحقيقي، كما اقترح فروم وطه عبد الرحمن وروسو، يتطلب ثورة في القيم تبدأ بفك الارتباط بين "الامتلاك" و"الوجود". وبدون هذا الارتقاء، سيظل التقدم التقني وسيلة لتسريع الدمار والاغتراب. تتطلب المرحلة القادمة ما يمكن تسميته بـ "الاستخلاف الأخلاقي"، حيث تُسخر التقنية لخدمة الكينونة، وتُحول الأسواق من ساحات للتنافس إلى منصات للتعاون الائتماني. إن الانتقال من "الإنسان المستحوذ" إلى "الإنسان المؤتمن" هو التحدي الأكبر الذي سيحدد ما إذا كنا سنستحق لقب "المتحضر" حقاً، أم سنظل مجرد "حيوان تقني" ضحية لنجاحه البيولوجي.

***

غالب المسعودي

............................

المصادر والمراجع

طه عبد الرحمن: المساءلة النقدية للحداثة والعولمة في المشروع الفلسفي، جامعة سطيف.

إريك فروم: أن تملك أو أن تكون، دراسة في الأنماط النفسية للوجود.

جان جاك روسو: خطاب في أصل التفاوت بين البشر.

جون غراي: أوهام التقدم: هل التقدم البشري حقيقة أم خيال؟

المؤسسة الوطنية للصحة (NIH): اضطراب التكديس: التطور في المفاهيم والتدخلات. (2024)

مجلة MDPI: التباعد التطوري وتأثيراته على الممارسات المدرسية والحضارية المعاصرة.

نشرة الزمرد (Emerald Publishing): دراسة في سلوك الاكتناز والارتباط بالممتلكات المادية.

مراجعة علماء العالم (World Scholars Review): علم النفس التطوري في التسويق واستهلاك المكانة.

تحوّلات مفهوم العقل في الفلسفة المعاصرة

ظلّ مفهوم العقل منذ تشكّله الأول في الفلسفة اليونانية، مرآةً لتحوّلات الوعي الإنساني بذاته وبالعالم، ومؤشرا دقيقا على أنماط إنتاج المعنى وطرائق تنظيم الحقيقة وأشكال ممارسة السلطة الرمزية والمعرفية. ولم يكن العقل في أيّ طور من أطواره مفهوما محايدا أو بريئا، بل كان دوما محمّلاً بخيارات أنطولوجية وأخلاقية ومعرفية، تتخفّى أحيانا خلف ادّعاء الكونية والبداهة. من هنا، فإن الانتقال الذي تشهده الفلسفة المعاصرة من نموذج العقل المعياري إلى نموذج العقل الخوارزمي لا يمكن فهمه باعتباره مجرد تطوّر تقني أو انتقال أداتي، بل هو تحوّل عميق يمسّ البنية الداخلية للعقل نفسه وحدود فاعليته ووظيفته في إنتاج الحقيقة وتوجيه الفعل.

لقد تأسّس العقل المعياري في صيغته الكلاسيكية على افتراض مركزي مفاده أنّ العقل قدرة إنسانية كونية، تمتلك معايير داخلية للصدق والخطأ، وللصواب والخطأ الأخلاقي، وللشرعية واللاشرعية في الفعل والمعرفة. هذا التصوّر يجد جذوره الأولى في اللوغوس الإغريقي، حيث كان العقل هو مبدأ النظام ومصدر القابلية للفهم، وأداة التمييز بين الدوكسَا والإبستيمي. يقول أرسطو في “الميتافيزيقا” إن العقل هو الذي “يُدرك المبادئ الأولى التي لا يمكن البرهنة عليها، ولكن لا يمكن بدونها البرهان”، وهو قول يكشف عن مركزية العقل بوصفه أساسا معياريا لكل معرفة ممكنة. هذه المعيارية لم تكن معرفية فحسب، بل كانت أخلاقية وسياسية أيضا، إذ ارتبط العقل بفكرة الغاية وبالتصوّر الغائي للعالم، حيث لكل شيء مكانه ووظيفته، ولكل فعل قيمته بحسب مطابقته للطبيعة والعقل.

ومع الحداثة الفلسفية، سيأخذ العقل المعياري شكلا أكثر تجريدا وصراحة، خصوصا مع ديكارت وكانط. فديكارت وهو يؤسّس العقل على مبدأ الوضوح والتميّز، يجعل من العقل معيارا للحقيقة، بل المعيار الأوحد الذي لا يقبل الشك. “العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس”، كما يقول في “مقال عن المنهج”، غير أن هذه العدالة المزعومة ليست سوى افتراض معياري يضع العقل في موقع السيادة، ويحوّله إلى محكمة عليا للفصل في كل ما يُعطى. أما كانط فقد بلغ بالعقل المعياري ذروته حين جعله مشرّعا للطبيعة في المعرفة، ومشرّعا للأخلاق في الفعل. فالعقل العملي بحسب كانط لا يستمدّ قوانينه من التجربة بل يفرضها عليها، ويؤسّس الواجب على مبدأ الكونية والضرورة. يقول كانط في “نقد العقل العملي”: “العقل لا يتلقّى قوانينه بل يضعها”، وهي عبارة تختزل جوهر المعيارية العقلانية الحديثة.

غير أنّ هذه السيادة المعيارية للعقل لم تظلّ بمنأى عن النقد، خصوصا مع تحوّلات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث بدأت الفلسفة تشكّك في ادّعاء العقل الكونية والتجرّد. نيتشه على سبيل المثال، سيقلب الطاولة على العقل المعياري حين يكشف عن جذوره الغريزية والسلطوية، معتبرا أن العقل ليس سوى “أداة في خدمة الحياة”، وأن ما يُسمّى حقيقة ليس إلا “جيشا من الاستعارات”. بهذا المعنى، لم يعد العقل معيارا محايدا، بل أصبح تعبيرا عن إرادة قوة، وعن منظومات قيم تاريخية متغيّرة. هذا التفكيك النيتشوي سيجد صداه لاحقا في الفلسفات التأويلية والتحليل النفسي والنقد الإيديولوجي، حيث سيتحوّل العقل من سلطة معيارية إلى بنية مشروطة بالسياق واللغة واللاوعي والتاريخ.

ومع ذلك فإن ما نشهده اليوم لا يندرج فقط ضمن هذا المسار النقدي للعقل المعياري، بل يتجاوزه نحو إعادة تشكيل جذرية لمفهوم العقل نفسه. فالعقل الخوارزمي لا ينتقد العقل المعياري من داخله، ولا يسعى إلى فضح أوهامه الميتافيزيقية فحسب، بل يعيد تعريف العقل بوصفه قدرة حسابية إجرائية قابلة للنمذجة والبرمجة. هنا لا يعود العقل ملكة إنسانية متعالية، بل يصبح منظومة من العمليات الحسابية التي يمكن نقلها إلى الآلة بل وتفوّقها فيها. يقول نوربرت فينر، أحد مؤسسي السيبرنيطيقا، إن “التفكير ليس امتيازا إنسانيا، بل نمط من أنماط التنظيم”، وهو قول يؤشّر إلى هذا الانزياح الحاسم من العقل بوصفه وعيا ومعيارا، إلى العقل بوصفه معالجة معلومات.

إن العقل الخوارزمي لا يشتغل بمنطق الحقيقة والخطأ كما اشتغل العقل الفلسفي الكلاسيكي بل بمنطق النجاعة والاحتمال والتنبؤ. فالمعيار لم يعد هو الصدق بالمعنى الإبستمولوجي، بل القدرة على إنتاج نتائج قابلة للتوظيف. هذا ما يجعل الخوارزمية كما يلاحظ برنار ستيغلر ليست مجرد أداة تقنية، بل “نمطا جديدا من العقلنة”، يعيد تشكيل علاقتنا بالزمن وبالذاكرة وبالقرار. فالخوارزمية لا تفكّر، لكنها تحسب ولا تفهم، وتتنبّأ ولا تبرّر، لكنها تُنتج مخرجات تُعامل كما لو كانت معرفة.

هذا التحوّل يطرح سؤالا فلسفيا عميقا حول مصير المعيارية نفسها، هل ما يزال للعقل دور معياري في عصر تُفوَّض فيه القرارات إلى أنظمة ذكية؟ وهل يمكن الحديث عن أخلاق خوارزمية أو عن عقل عملي آلي؟ هنا يستحضر كثير من المفكرين تحذيرات هيدغر، الذي رأى في التقنية الحديثة نمطا من “الانكشاف” يحوّل العالم إلى “مورد”، والإنسان إلى “مخزون”. فالعقل الخوارزمي من هذا المنحى لا يحرّر العقل بل يُفرغه من بُعده التأمّلي ويُخضعه لمنطق الحساب الشامل. يقول هايدغر في “السؤال عن التقنية”: “أخطر ما في التقنية ليس التقنية ذاتها، بل أنها تمنعنا من طرح السؤال”، وهو قول يكتسب راهنيته القصوى في زمن الذكاء الاصطناعي.

كما أنّ العقل الخوارزمي يعيد صياغة العلاقة بين المعرفة والسلطة على نحو غير مسبوق. فبينما كان العقل المعياري يُشرعن السلطة باسم العقل والحق، فإن العقل الخوارزمي يمارس سلطة صامتة، غير مرئية، قائمة على البيانات والتوقّعات. ميشيل فوكو لو كان بيننا اليوم، لربما رأى في الخوارزميات الشكل الأقصى لما سمّاه “الميكروفيزياء الجديدة للسلطة”، حيث لا تُمارَس السلطة عبر القوانين والخطابات، بل عبر النماذج الإحصائية وأنظمة التصنيف وخوارزميات التوجيه. إن السلطة هنا لا تقول “يجب”، بل تقول “يُرجَّح”.

ولا يمثّل الانتقال من العقل المعياري إلى العقل الخوارزمي مجرد تحوّل في أدوات التفكير، بل هو تحوّل في صورة الإنسان عن نفسه. فالإنسان الذي كان يُعرَّف بوصفه “حيوانا عاقلا”، أو “كائنا أخلاقيا”، أو “ذاتا عارفة”، أصبح يُعاد تعريفه بوصفه “ملف بيانات”، أو “نمط سلوك قابل للتوقّع”. وهذا ما يجعل السؤال عن العقل اليوم سؤالا أنثروبولوجيا بامتياز، يتعلّق بماهية الإنسان وحدود إنسانيته في عصر الآلة الذكية.

ويتعقّد السؤال أكثر حين ننتقل من توصيف العقل الخوارزمي بوصفه بنية تقنية إلى مساءلته بوصفه أفقا إبستمولوجيا جديدا يعيد ترتيب العلاقة بين المعرفة والحقيقة والمعنى. فالعقل الخوارزمي لا يشتغل داخل منطق التبرير كما هو الحال في العقل الفلسفي الكلاسيكي، ولا داخل منطق الفهم التأويلي الذي راهنت عليه الفلسفات الهرمينوطيقية، بل داخل منطق الارتباطات الإحصائية والتعلّم الآلي. المعرفة هنا لا تُبنى انطلاقا من مبادئ، ولا تُستخلص عبر استدلالات، بل تُستنتج من أنماط متكرّرة داخل كتل هائلة من المعطيات. ولهذا قال كريس أندرسون، في مقالته الشهيرة عن “نهاية النظرية”، إن “البيانات تتكلم من تلقاء نفسها”، وهي عبارة تختزل التحوّل العميق الذي يطرأ على مفهوم العقل. "لم نعد بحاجة إلى فرضيات ولا إلى تأويلات بل إلى خوارزميات قادرة على استخراج الارتباطات ". غير أنّ هذا الادّعاء في عمقه ليس سوى إعادة إنتاج لوهم جديد من أوهام العقل، وهم الشفافية الكاملة، حيث تُختزل الحقيقة في ما هو قابل للقياس، ويُقصى المعنى لأنه غير قابل للترقيم.

إن هذا التحوّل يمسّ في الصميم التصوّر الفلسفي للحقيقة. فالحقيقة في التقليد الفلسفي، كانت دوما مرتبطة بالصدق، أي بالمطابقة بين الفكر والواقع أو بالكشف أو بالاتساق الداخلي. أما في الأفق الخوارزمي فإن الحقيقة تتحوّل إلى درجة من الاحتمال، وإلى ناتج إحصائي يُقاس بمعدّل النجاح. الخوارزمية لا تقول إن هذا صادق أو كاذب، بل تقول إن هذا أكثر احتمالا من ذاك. وهنا يتراجع مفهوم الحقيقة لصالح مفهوم النجاعة. وقد نبّه يورغن هابرماس إلى هذا الخطر حين حذّر من اختزال العقل في بعده الأداتي، معتبرا أن العقل الأداتي، حين ينفصل عن العقل التواصلي، يفقد قدرته على تأسيس المعنى المشترك، ويحوّل العالم إلى مجال للسيطرة التقنية. العقل الخوارزمي في سياقنا هذا، يبدو وكأنه الامتداد الأقصى للعقل الأداتي حيث لا مكان للنقاش ولا للاعتراف المتبادل، بل فقط لقرارات تُتخذ بناءً على نماذج غير قابلة للفهم العمومي.

ومن هنا، تبرز إشكالية الأخلاق بوصفها المجال الأكثر تأثرا بهذا التحوّل. فالأخلاق في صيغتها الكلاسيكية، كانت تفترض فاعلا عاقلا قادرا على التمييز ومسؤولا عن أفعاله. أما في زمن الخوارزميات، فإن الفعل يُوزَّع بين الإنسان والآلة وتُموَّه المسؤولية داخل شبكات معقّدة من البرمجة والتعلّم الذاتي. من المسؤول عن قرار اتخذته خوارزمية؟ المبرمج؟ الشركة؟ النظام نفسه؟ هذا السؤال، الذي يبدو قانونيا في ظاهره، هو في جوهره سؤال فلسفي عن معنى الفعل الأخلاقي في عصر تُفوَّض فيه الإرادة إلى أنظمة غير واعية. هنا، يستعيد طه عبد الرحمن راهنيته، حين أكّد أن جوهر العقل ليس في قدرته على الحساب، بل في كونه عقلا مؤيَّدا بالأخلاق، وأن أيّ عقل ينفصل عن القيم يتحوّل إلى أداة قد تكون مدمّرة. فالعقل الخوارزمي من هذا المنظور ليس عقلا بالمعنى الكامل، لأنه يفتقد إلى البعد الائتماني الذي يجعل الإنسان مسؤولا أمام غيره وأمام ذاته.

ولا يقلّ البعد السياسي خطورة عن البعد الأخلاقي. فالعقل الخوارزمي يعيد تشكيل السلطة بطريقة غير مسبوقة. لم تعد السلطة تُمارَس فقط عبر القانون أو الخطاب الإيديولوجي، بل عبر التحكم في تدفّقات البيانات وتوجيه الانتباه والتأثير في السلوك دون وعي الفاعلين. الخوارزميات التي تقترح وتصفّي وتُرتّب، تُنتج فضاءً عموميا جديدا، تُعاد فيه صياغة الرأي العام على أساس التنبؤ، لا على أساس النقاش. هنا، يتحقّق ما كان فوكو يلمّح إليه حين تحدّث عن السلطة التي “تُنتج الذوات” بدل أن تقمعها فقط. فالذات الخوارزمية هي ذات مُشكَّلة سلفا عبر أنماط الاستهلاك والاهتمامات والميول حتى قبل أن تعي ذاتها. إننا أمام شكل جديد من الهيمنة الناعمة، حيث تُمارَس السلطة باسم التخصيص، وباسم تحسين التجربة، بينما هي في العمق تعيد إنتاج علاقات غير متكافئة من السيطرة.

في هذا السياق، يغدو السؤال عن إمكان استعادة المعيارية سؤالا ملحا. هل يمكن للعقل الفلسفي أن يستعيد دوره النقدي داخل عالم تحكمه الخوارزميات؟ أم أننا أمام قطيعة نهائية مع كل تصور معياري للعقل؟ بعض المفكرين مثل برنار ستيغلر، يرفضون الاستسلام لهذا الأفق التشاؤمي، ويدعون إلى ما يسميه “إعادة تسييس التقنية”، أي إخضاع الخوارزميات للنقاش العمومي، وإدماجها داخل أفق قيمي يضمن عدم تحوّلها إلى أدوات اغتراب شامل. ويرى ستيغلر أن المشكلة ليست في التقنية ذاتها، بل في الطريقة التي تُدار بها خارج أيّ أفق أخلاقي أو تربوي. التقنية في حد ذاتها إمكان، لكنها قد تتحوّل إلى كارثة إذا انفصلت عن التفكير النقدي.

ومن داخل الفكر العربي المعاصر، يقدّم محمد عابد الجابري قراءة يمكن استثمارها في هذا السياق، رغم أنّه لم يعاصر الطفرة الخوارزمية بالمعنى الحالي. فتمييزه بين العقل المكوِّن والعقل المكوَّن يتيح لنا فهم العقل الخوارزمي بوصفه عقلا مكوَّنا بامتياز، أي عقلا تشكّل داخل شروط تاريخية وتقنية محدّدة، ولا يمكن اعتباره قدرا أنطولوجيا. هذا الفهم يفتح إمكان النقد ويمنع تقديس الخوارزميات بوصفها مصيرا لا مردّ له. كما أن نقد الجابري للعقل الأداتي في التراث يمكن أن يمتدّ ليشمل نقد العقل الخوارزمي حين يتحوّل إلى آلية لإعادة إنتاج الهيمنة بدل تحرير الإنسان.

إن الرهان الفلسفي اليوم لا يتمثّل في رفض الخوارزميات أو تمجيدها بل في مساءلتها، وفي إعادة إدراجها داخل أفق إنساني أوسع. العقل إذا كان قد فقد مركزيته المعيارية القديمة، فإنه لم يفقد بعدُ إمكان التجدد. غير أن هذا التجدد لا يمكن أن يتمّ إلا عبر وعي نقدي حادّ، يدرك أن الخوارزمية ليست عقلا بل محاكاة للعقل، وأن الفرق بين الحساب والفهم فرق جوهري لا يجوز طمسه. تقول حنة آرنت إن أخطر ما يهدّد الإنسان ليس الشرّ الجذري، بل “تفاهة الشر”، أي ذاك الشرّ الذي يُمارَس دون تفكير. والعقل الخوارزمي حين يُعفى من المساءلة، قد يصبح الحاضن الأكبر لهذه التفاهة.

وتتّسع الإشكالية أكثر حين نربط العقل الخوارزمي بالتحوّلات الأنطولوجية التي يعرفها الإنسان المعاصر. فحين تُختزل الذات في بيانات، ويُعاد تعريف الهوية في ضوء ما هو قابل للقياس والتنبؤ، فإننا نكون أمام مسار جديد من الاغتراب، لا يقلّ عمقا عن الاغتراب الذي وصفه ماركس، لكنه أكثر تعقيدا وخفاءً. الاغتراب هنا لا يتمّ عبر فقدان السيطرة على وسائل الإنتاج، بل عبر فقدان السيطرة على الصورة الرقمية للذات، تلك الصورة التي تُدار وتُسوَّق وتُستثمر دون وعي صاحبها. العقل الخوارزمي في هذا المنحى لا ينتج فقط معرفة بل ينتج ذوات وأنماط عيش وأشكال رغبة.

إن الانتقال من العقل المعياري إلى العقل الخوارزمي ليس حدثا عابرا في تاريخ الأفكار، بل هو تحوّل بنيوي يعيد تشكيل علاقتنا بالعقل وبالإنسان وبالعالم. لقد فقد العقل الفلسفي الكثير من سلطته المعيارية، لكنه لم يفقد بعدُ ضرورته. فما دام الإنسان كائنا يسأل عن المعنى ويبحث عن العدالة ويتوق إلى الحقيقة، فإن الحاجة إلى عقل نقدي تأمّلي معياري بمعنى جديد ستظلّ قائمة. التحدّي الحقيقي لا يكمن في مقاومة الخوارزميات، بل في منعها من أن تصبح أفقنا الوحيد للفهم. إن استعادة العقل لا تعني العودة إلى نماذجه القديمة، بل تعني إعادة التفكير فيه داخل شروط العصر، دون التفريط في البعد الإنساني الذي يمنحه قيمته. فالعقل عموما، ليس ما نحسب به فقط، بل ما نفكّر به في ما ينبغي أن يكون.

***

د. حمزة مولخنيف

عند هوسرل وهيدجر وسارتر وميرلوبونتي، مقاربة فينومينولوجية

مقدمة: في قلب الفينومينولوجيا، التي تُعنى بدراسة الظواهر كما تظهر للوعي دون افتراضات مسبقة، يبرز مفهوم الذات كمحور أساسي يربط بين العالم والآخر. إدموند هوسرل، مؤسس هذه المدرسة، يركز على الوعي المتعالي كأساس لكل معرفة، بينما يطور جان بول سارتر هذا النهج في اتجاه وجودي يؤكد على الحرية والصراع، ويأتي موريس ميرلوبونتي ليدمج الجسد كوسيط أساسي بين الذات والعالم. علاقتهم تسلسلية ونقدية: سارتر وميرلوبونتي ينطلقان من هوسرل لكنهما ينتقدانه، حيث يرى سارتر فيه مثالية زائدة، ويؤكد ميرلوبونتي على الجسدية التي يغفلها هوسرل. في هذه الدراسة المقارنة، سنستكشف الذات والعالم والآخر من منظور فينومينولوجي، مع التركيز على كيفية تطور هذه المفاهيم من الوعي الخالص إلى الوجود المتجسد، مما يكشف عن تناقضات الفينومينولوجيا في فهم الإنسان ككائن يتجاوز ذاته نحو العالم والآخر. هذه المقاربة لا تكشف فقط عن الاختلافات الفلسفية، بل تقدم إلهامًا لفهم الذات في عصرنا الذي يمزج بين الوعي الرقمي والتجسد اليومي. كيف تم تعريف الذات وفق المنهج الفينومينولوجي؟ لماذا يتم التنصيص على وجودها في العالم؟ ما علاقتها بالآخر؟ ومتى تصبح المقاربة الفينومينولوجية تحولا جذريا في تاريخ الفلسفة تكمن قيمته في النوافذ والأبواب التي فتحتها اكثر من الآراء التي حطمتها؟

مفهوم الذات

يبدأ فهم الذات عند هوسرل من مفهوم الوعي المتعالي، حيث يرى الذات كجوهر نقي يتجاوز العالم المادي من خلال الإبوخي، أي تعليق الحكم على الوجود الخارجي للتركيز على الظواهر كما تظهر. الذات هنا هي "الأنا المتعالي"، مصدر كل معنى ومعرفة، غير متأثر بالعالم الخارجي، بل يشكله من خلال الجوهرانية، أي التوجه نحو الموضوعات. هذه الذات مثالية ومطلقة، تكشف عن العالم من خلال الاختزال الفينومينولوجي، مما يجعلها أساس كل فلسفة علمية صارمة. هوسرل يرى الذات ككيان منعزل نسبيًا، يبني المعرفة من خلال الوعي الخالص، بعيدًا عن التأثيرات الجسدية أو الاجتماعية، مما يعكس رؤية فينومينولوجية ترى الذات كمصدر لليقين في عالم مليء بالشك. سارتر، بدوره، ينتقد هوسرل ويطور الذات في اتجاه وجودي، حيث يفرق بين "الوجود لذاته" (pour-soi) كذات حرة وواعية، وبين "الوجود في ذاته" (en-soi) كعالم مادي جامد. الذات عنده هي "لا شيء"، أي حرية مطلقة تختار نفسها في كل لحظة، لكنها محكومة بالقلق والمسؤولية، كما في مفهوم "الإيمان السيء" حيث يهرب الإنسان من حريته. الذات هنا ليست منعزلة بل مفتوحة على العالم، لكنها تتعرض للاغتراب من خلال الآخر، مما يجعلها ديناميكية وصراعية، تعكس الوجود الإنساني كمشروع مستمر. ميرلوبونتي، من جهته، ينقد كلا هوسرل وسارتر لإغفالهما الجسد، ويرى الذات كـ"جسد-ذات" (corps-sujet)، أي جسد مدرك يتداخل مع العالم. الذات عنده ليست وعيًا خالصًا بل تجسدًا، حيث يصبح الجسد وسيطًا للإدراك، كما في مفهوم "الجسد الخاص" الذي يرى العالم من خلال الحواس والحركة. هذا النهج يجعل الذات مترابطة مع العالم، غير منفصلة، مما يعكس فينومينولوجيا جسدية ترى الذات كجزء من نسيج الوجود. في المقارنة، تتطور الذات من المتعالي الخالص عند هوسرل، إلى الحر الصراعي عند سارتر، ثم إلى المتجسد الإدراكي عند ميرلوبونتي، مما يكشف عن انتقال من المثالية إلى الوجودية ثم إلى الجسدية في الفينومينولوجيا.

مفهوم العالم

أما العالم، فيُعتبر عند هوسرل "عالم الحياة" ، أي الواقع اليومي الذي يُبنى من خلال الوعي المتعالي. من خلال الإبوخي، يعلق هوسرل الحكم على وجود العالم الخارجي ليدرس الظواهر كما تظهر، مما يجعل العالم موضوعًا للوعي، غير مستقل بل مشكلًا من خلال الجوهرانية. العالم هنا مثالي نسبيًا، يفقد استقلاليته لصالح الذات، مما يعكس رؤية فينومينولوجية ترى العالم كبناء وعيي يمكن اختزاله إلى جواهره. سارتر ينتقد هذا ويقدم العالم كـ"في ذاته"، أي كيان مادي جامد وغير ذي معنى، يواجهه "اللذاته" كحرية تمنحه معنى من خلال الاختيار. العالم عنده مليء باللزوجة والاغتراب، كما في وصفه للأشياء كثقيلة ومضادة للحرية، لكنه أيضًا مجال للمشروع الإنساني، حيث يصبح العالم ساحة للصراع والإبداع. هذا النهج يجعل العالم وجوديًا، غير محايد بل معادٍ أحيانًا، مما يعكس فينومينولوجيا ترى العالم كخلفية للحرية الإنسانية. ميرلوبونتي، بدوره، يرى العالم كـ"لحم العالم" ، أي نسيج مترابط يتداخل مع الجسد المدرك. العالم ليس موضوعًا للوعي بل ممتدًا للجسد، حيث يصبح الإدراك جسديًا يربط بين الذات والعالم في "التشابك". العالم عنده حيوي ومفتوح، غير جامد بل مليء بالإمكانيات الإدراكية، مما يجعله أقرب إلى الواقعية الجسدية. في المقارنة، يتطور العالم من بناء وعيي عند هوسرل، إلى ساحة صراع عند سارتر، ثم إلى نسيج جسدي عند ميرلوبونتي، مما يكشف عن تحول من الذاتية إلى التفاعلية في الفينومينولوجيا.

مفهوم الآخر

أخيرًا، يُمثل الآخر تحديًا أساسيًا في فهم الذات والعالم. عند هوسرل، الآخر يُبنى من خلال الجوهرانية، حيث يرى الذات الآخر كظاهرة في وعيها، لكنه يواجه مشكلة الذاتية المطلقة، مما يجعل الآخر موضوعًا للاختزال دون استقلال حقيقي. الآخر هنا جزء من عالم الحياة، لكنه يظل ثانويًا للذات المتعالية، مما يعكس رؤية فينومينولوجية ترى الآخر كبناء وعيي. سارتر يطور هذا إلى صراع جذري، حيث الآخر هو "النظرة" (le regard) التي تحول الذات إلى موضوع، كما في مفهوم "الجحيم هو الآخرون"، حيث يصبح الآخر مصدر الاغتراب والصراع على الحرية. الآخر عنده مستقل ومعادٍ، يحدد الذات من خلال النظرة، مما يجعل العلاقة وجودية مليئة بالتوتر والمسؤولية. ميرلوبونتي، بدوره، ينقد سارتر ويجعل الآخر جزءًا من التشابك الجسدي، حيث يصبح الآخر جسدًا مدركًا يتفاعل مع الذات في العالم المشترك. الآخر ليس معاديًا بل ممتدًا للذات، كما في الإدراك المتبادل الذي يبني التواصل، مما يجعله أقرب إلى التضامن الجسدي. في المقارنة، يتطور الآخر من موضوع وعيي عند هوسرل، إلى مصدر صراع عند سارتر، ثم إلى شريك تفاعلي عند ميرلوبونتي، مما يكشف عن انتقال من الذاتية إلى الاجتماعية في الفينومينولوجيا.

مقارنة مع هيدجر

في أعماق الفينومينولوجيا، التي تسعى إلى وصف الظواهر كما تظهر للوعي دون افتراضات سابقة، يبرز مفهوم الذات كمحور يتداخل مع العالم والآخر في نسيج معقد من الوعي والوجود. إدموند هوسرل، مؤسس هذه المدرسة، يركز على الوعي المتعالي كأساس لكل معرفة، بينما يطور مارتن هيدغر هذا النهج نحو أنطولوجيا الدازاين (الوجود هناك) الذي يفتح على العالم، ويأتي جان بول سارتر ليضيف بعدًا وجوديًا صراعيًا يؤكد على الحرية، أما موريس ميرلوبونتي فيدمج الجسد كوسيط أساسي. علاقتهم معقدة ونقدية: هيدجر تلميذ هوسرل لكنه يبتعد عن المثالية نحو الوجود، وسارتر وميرلوبونتي ينطلقان من هيدجر لكن ينتقدانه، حيث يرى سارتر فيه عدم التركيز على الحرية، ويؤكد ميرلوبونتي على الجسدية التي يغفلها هيدغر جزئيًا. في هذه الدراسة المقارنة، سنستكشف الذات والعالم والآخر من منظور فينومينولوجي، مع التركيز على كيفية تطور هذه المفاهيم من الوعي الخالص إلى الوجود في العالم ثم إلى الحرية الصراعية وأخيرًا إلى التجسد، مما يكشف عن تناقضات الفينومينولوجيا في فهم الإنسان ككائن يتجاوز نفسه نحو الآخرين والعالم. هذه المقاربة لا تسلط الضوء على الاختلافات الفلسفية فحسب، بل تقدم رؤى لفهم الذات في عصرنا الذي يمزج بين الوجود الرقمي والتجسد اليومي.

يبدأ فهم الذات عند هوسرل من الوعي المتعالي، حيث الذات هي "الأنا النقي" الذي يتجاوز العالم من خلال الإبوخي، تعليق الحكم على الوجود الخارجي للتركيز على الظواهر كما تظهر. الذات هنا مصدر كل معنى، غير متأثرة بالعالم بل تشكله عبر الجوهرانية، التوجه نحو الموضوعات، مما يجعلها مثالية ومطلقة، أساس لمعرفة علمية صارمة. هيدغر ينقد هوسرل لتركيزه على الوعي المعرفي، ويقدم الذات كـ"دازاين"، أي الوجود هناك، كائن يسأل عن وجوده نفسه، مفتوح على العالم من خلال "الكشف" (aletheia). الذات عنده ليست منعزلة بل "رمي" في العالم، تتعامل مع القلق والزمن كأبعاد أساسية، مما يجعلها أنطولوجية وليست معرفية فقط، تعكس الوجود الإنساني كسعي نحو الأصالة. سارتر يطور هيدغر نحو الوجودية الراديكالية، حيث الذات هي "لذاته" ، حرية مطلقة و"لا شيء" تختار نفسها في كل لحظة، محكومة بالقلق والمسؤولية، كما في "الإيمان السيء" حيث تهرب من حريتها. الذات هنا صراعية، مفتوحة على العالم لكنها تتعرض للاغتراب. ميرلوبونتي ينقد الجميع لإغفالهم الجسد، ويرى الذات كـ"جسد-ذات"، جسد مدرك يتداخل مع العالم من خلال الإدراك الحسي. الذات عنده ليست وعيًا خالصًا بل تجسدًا، حيث يصبح الجسد وسيطًا للوجود، مما يجعلها مترابطة وغير منفصلة. في المقارنة، تتطور الذات من المتعالي عند هوسرل، إلى الدازاين الوجودي عند هيدجر، ثم إلى الحر الصراعي عند سارتر، وأخيرًا إلى المتجسد عند ميرلوبونتي، مما يكشف عن تحول من المثالية إلى الجسدية في الفينومينولوجيا. أما العالم، فيُمثل عند هوسرل "عالم الحياة"، الواقع اليومي الذي يُبنى من خلال الوعي، حيث يعلق الإبوخي وجوده ليدرس الظواهر، مما يجعله موضوعًا للذات غير مستقل بل مشكلًا من خلال الجوهرانية. العالم هنا مثالي، يفقد استقلاليته لصالح الوعي، مما يعكس رؤية ترى العالم كبناء معرفي. هيدغر ينقد هذا ويقدم العالم كـ"العالمية"، أي البنية الأساسية للدازاين الذي يكون "في العالم"، حيث يُكشف العالم من خلال الأدوات والاستعمال اليومي، كما في "الأداة الجاهزة" مقابل "الموجود الحاضر". العالم عنده ليس موضوعًا بل خلفية وجودية، مليئة بالقلق عند الكشف عن الفراغ. سارتر يطور هيدغر لكن يجعل العالم "في ذاته"، ماديًا جامدًا وغير ذي معنى، يواجهه "اللذاته" كحرية تمنحه معنى عبر الاختيار، لكنه مليء باللزوجة والمقاومة، مما يجعله ساحة للمشروع الإنساني والاغتراب. العالم هنا وجودي، غير محايد بل معادٍ أحيانًا. ميرلوبونتي يرى العالم كـ"لحم العالم"، نسيج مترابط يتداخل مع الجسد المدرك في "التشابك"، حيث يصبح العالم ممتدًا للجسد، حيويًا ومفتوحًا على الإمكانيات الإدراكية. في المقارنة، يتطور العالم من بناء وعيي عند هوسرل، إلى خلفية وجودية عند هيدغر، ثم إلى ساحة صراع عند سارتر، وأخيرًا إلى نسيج جسدي عند ميرلوبونتي، مما يكشف عن انتقال من الذاتية إلى التفاعلية.أخيرًا، يُشكل الآخر تحديًا مركزيًا. عند هوسرل، الآخر يُبنى كظاهرة في الوعي، لكنه يواجه مشكلة الاناوحدية، حيث يصبح الآخر موضوعًا للذات دون استقلال حقيقي. هيدغر يرى الآخر كـ"مع الآخرين"، جزءًا من عالم الدازاين اليومي، حيث يصبح الآخر "الآخرون" الذين يفرضون الإملاء الاجتماعي، مما يهدد الأصالة لكنه ضروري للوجود المشترك. الآخر عنده ليس صراعيًا بل جزءًا من البنية الوجودية. سارتر يجعل الآخر مصدر صراع، حيث "النظرة" تحول الذات إلى موضوع، كما في "الجحيم هو الآخرون"، مما يجعل العلاقة توترية مليئة بالاغتراب والمسؤولية. ميرلوبونتي ينقد سارتر ويجعل الآخر شريكًا في التشابك الجسدي، حيث يصبح الآخر جسدًا مدركًا يتفاعل مع الذات في العالم المشترك، مما يبني التواصل والتضامن عبر الإدراك المتبادل. في المقارنة، يتطور الآخر من موضوع وعيي عند هوسرل، إلى جزء اجتماعي عند هيدجر، ثم إلى مصدر صراع عند سارتر، وأخيرًا إلى شريك تفاعلي عند ميرلوبونتي، مما يكشف عن تحول من الذاتية إلى الاجتماعية.

خاتمة

تكشف هذه الدراسة المقارنة عن ثراء الفينومينولوجيا في فهم الذات والعالم والآخر، حيث يمثل هوسرل البداية المثالية، سارتر التوتر الوجودي، وميرلوبونتي الدمج الجسدي. رغم الاختلافات، يشتركون في التركيز على الوعي كمفتاح للوجود، مما يدعونا إلى تأمل مستمر في كيفية تشكل ذواتنا في عالم مترابط مع الآخرين. هذا المنهج الفينومينولوجي لا يزال حيًا، يساعد في مواجهة تحديات عصرنا مثل الاغتراب الرقمي والتفاعل الاجتماعي. تثري هذه الدراسة المقارنة الفينومينولوجيا بفهم عميق للذات والعالم والآخر، حيث يمثل هوسرل الأساس المثالي، هيدجر الفتح الأنطولوجي، سارتر الصراع الوجودي، وميرلوبونتي الدمج الجسدي. رغم التناقضات، يشتركون في التركيز على الوعي كمفتاح للوجود، مما يدعونا إلى تأمل في كيفية تشكل ذواتنا في عالم مترابط مع الآخرين. هذا النهج لا يزال حيويًا، يساعد في مواجهة تحديات مثل الاغتراب في العصر الرقمي. كيف يمكن الاستفادة من هذا التحول في فلسفتنا؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

مساءلة المعنى والمسؤولية في زمن الكائنات غير البشرية

لم يعد السؤال الأخلاقي في الفكر الفلسفي المعاصر محصورا في أفق الإنسان بما هو ذات عاقلة حرة مكتفية بذاتها، كما تشكّل هذا الأفق في التراث الإنساني الكلاسيكي منذ أرسطو مرورا باللاهوت المدرسي وانتهاءً بالحداثة الكانطية. لقد دخلت الأخلاق منذ أواخر القرن العشرين وبحدة أكبر في العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين، طورا إشكاليا جديدا، يمكن نعته بطور «ما بعد الإنسان»، حيث لم يعد الإنسان مركز الكون القيمي ولا المعيار الأوحد للتقويم، بل صار طرفا ضمن شبكة كثيفة من الكائنات غير البشرية، الحيوان، الآلة، الخوارزمية، البيئة، والأنظمة التقنية التي باتت تشارك في صنع القرار وتوجيه السلوك، بل وإعادة تشكيل معنى الفعل والمسؤولية ذاتها. في هذا الطرح، تغدو الأخلاق تفكيرا في العلائق أكثر مما هي تقعيدٌ لواجبات، وتغدو مساءلةُ المعنى سابقةً على سنّ القوانين.

لقد قامت الأخلاق الإنسانية الكلاسيكية على افتراض أن الإنسان كائن متميّز وجوديا عن باقي الموجودات، بفضل العقل واللغة والقدرة على الحكم الأخلاقي. يشير أرسطو إلى أن الإنسان «حيوان ناطق»، ويؤسس كانط كرامة الإنسان على كونه غاية في ذاته لا مجرد وسيلة. غير أن هذا التصور الذي رسّخ مركزية الإنسان بات اليوم موضع نقد جذري. فالفلسفة المعاصرة من نيتشه إلى فوكو، ومن هايدغر إلى دريدا، لم تكفّ عن زعزعة صورة الذات السيّدة الكاملة المتحكمة في العالم. حين أعلن نيتشه «موت الإله»، لم يكن يقصد حدثا لاهوتيا فحسب، بل كان يعلن انهيار المرجعيات المطلقة التي كانت تمنح الإنسان موقع السيادة الأخلاقية. ومن ثمّ فإن ما بعد الإنسان ليس قطيعة تقنية فحسب، بل هو قبل ذلك تحوّل أنطولوجي وأكسيولوجي في فهم الذات والعالم.

إن التفكير الأخلاقي في العلاقة مع الكائنات غير البشرية يقتضي أولا إعادة النظر في مفهوم الفاعلية الأخلاقية. فمن هو الفاعل؟ وهل يمكن إسناد الفعل بما يتضمنه من قصدية ومسؤولية إلى كائن غير بشري؟ لقد كان هذا السؤال في صيغته الأولى حاضرا في النقاشات حول الحيوان. حيث ينبه جيريمي بنثام في عبارته الشهيرة، إلى أن السؤال الحقيقي ليس هل تستطيع الحيوانات أن تعقل أو تتكلم، بل هل تستطيع أن تتألم؟ هذا التحول من معيار العقل إلى معيار الإحساس كان لحظة حاسمة في توسيع الدائرة الأخلاقية. ثم جاء بيتر سينغر ليبني على ذلك مفهوم «تساوي الاعتبار الأخلاقي للمصالح»، رافضا ما سماه «التمييز النوعي». غير أن هذا المسار على أهميته ظل مرتبطا بمنطق الامتداد التدريجي للأخلاق الإنسانية، لا بتفكيك أسسها العميقة.

أما اليوم فإن دخول التكنولوجيا الذكية إلى مجال الفعل واتساع دور الخوارزميات في اتخاذ القرار، يفرض إعادة صياغة السؤال من جذوره. فالآلة لم تعد مجرد أداة محايدة في يد الإنسان، بل صارت وسيطا فاعلا يعيد تشكيل الرغبات والاختيارات وأنماط العيش. يقول مارتن هايدغر إن جوهر التقنية ليس تقنيا، بل هو نمط من الانكشاف وطريقة مخصوصة في حضور الموجود. بهذا المعنى فإن العلاقة الأخلاقية مع التكنولوجيا لا تختزل في سؤال الاستخدام الجيد أو السيئ، بل تمتد إلى مساءلة الإطار الوجودي الذي تفرضه التقنية على الإنسان والعالم. إن الخطر كما يرى هايدغر لا يكمن في الآلات ذاتها، بل في اختزال الوجود إلى «مخزون» قابل للاستثمار والحساب.

ومن هذا المنظور فإن الأخلاق ما بعد الإنسان ليست أخلاقا مضادة للإنسان، بل هي أخلاق تحاول إنقاذ الإنسان من أوهام سيادته المطلقة. فكما يبين برونو لاتور، لم نكن يوما «حديثين» بالمعنى الذي ادّعيناه؛ إذ لم نفصل قطّ بين الطبيعة والثقافة ولا بين الإنسان والآلة، بل عشنا دائما داخل شبكات هجينة من الفاعلين البشريين وغير البشريين. إن ما يسميه لاتور «الفاعل-الشبكي» يقوض فكرة المسؤولية الفردية الصافية، ويدفع نحو تصور علائقي للفعل الأخلاقي، حيث تتوزع الفاعلية بين عناصر متعددة بشرية وغير بشرية.

هذا التحول يضعنا أمام مفارقة أخلاقية دقيقة، إذا كانت الفاعلية موزعة، فمن يتحمل المسؤولية؟ وهل يؤدي توسيع دائرة الفاعلين إلى تمييع المسؤولية أم إلى تعميقها؟ هنا يبرز إسهام هانس يوناس، الذي دعا إلى «مبدأ المسؤولية» في زمن التقنية. لقد أدرك يوناس مبكرا أن أخلاقيات القرب التي كانت صالحة لعالم محدود الأثر، لم تعد كافية في عالم صار فيه للفعل التقني آثار بعيدة المدى، قد تمتد إلى مستقبل البشرية ذاتها. لذلك يؤكد أن على الأخلاق أن تتسع زمنيا، وأن تشمل الأجيال القادمة والكائنات التي لا صوت لها. إن المسؤولية هنا ليست استجابة لنداء حاضر فحسب، بل التزام إزاء مستقبل هشّ.

غير أن الأخلاق ما بعد الإنسان لا تقف عند حدود التحذير أو الدعوة إلى الحذر، بل تسعى إلى إعادة تخيل العلاقة مع غير البشري على أسس جديدة، قوامها الاعتراف والإنصات. فالفلسفة النسوية المعاصرة خاصة في أعمال دونا هاراواي، تقترح مفهوم «الرفقة بين الأنواع»، حيث لا يعود الإنسان سيدا ولا وصيا، بل شريكا في عالم مشترك. تقول هاراواي إن علينا أن نتعلم «البقاء مع العطب»، أي قبول الهشاشة والتشابك بدل البحث عن خلاص تقني شامل. إن هذا المنظور يحرر الأخلاق من نزعتها التحكمية، ويفتحها على بعد سردي وتخيلي، حيث يصبح بناء القصص المشتركة جزءا من العمل الأخلاقي.

ومن ناحية أخرى، تثير مسألة الذكاء الاصطناعي أسئلة غير مسبوقة حول الوعي والقصدية والمعنى. فإذا كانت بعض الأنظمة قادرة على التعلم الذاتي، واتخاذ قرارات معقدة، فهل يمكن الحديث عن شكل من أشكال الوكالة الأخلاقية؟ يميل كثير من الفلاسفة إلى التحفظ، مؤكدين أن الذكاء الاصطناعي مهما بلغ تعقيده، يظل بلا تجربة ذاتية أو إحساس بالمعنى. غير أن هذا التحفظ لا يعفينا من مساءلة الآثار الأخلاقية لأفعاله. فكما يقول بول ريكور، إن الفعل لا يُقاس فقط بنيّة الفاعل، بل أيضا بتأويل نتائجه داخل أفق المعنى الاجتماعي. ومن ثمّ، فإن السؤال الأخلاقي ينزاح من «من الفاعل؟» إلى «كيف نؤوّل الفعل؟» و«من يتضرر ومن يستفيد؟».

إن الأخلاق ما بعد الإنسان في جوهرها تفكير في الحدود، حدود الإنسان وحدود العقل وحدود السيطرة. وهي بذلك تستأنف على نحو جديد سؤال سقراط القديم عن الحياة الجديرة بأن تُعاش، ولكن في عالم لم يعد الإنسان فيه وحده. إن هذا التحول لا يلغي التراث الأخلاقي السابق، بل يعيد قراءته في ضوء تحديات غير مسبوقة. فكانط الذي شدد على الاستقلال الذاتي، يمكن أن يُقرأ اليوم بوصفه فيلسوفا للمسؤولية، إذا ما فُهمت الحرية لا كسيادة مطلقة، بل كقدرة على الاستجابة للغير، أيا كان هذا الغير.

في إطار ما بعد الإنسان يصبح السؤال الأخلاقي أكثر تعقيدا، إذ لم تعد المسؤولية مقتصرة على أفعال البشر وحدهم، بل تشمل شبكة واسعة من الكائنات غير البشرية والأنظمة التقنية التي تساهم في تكوين الواقع المعاصر. إن الخوارزميات مثلا، باتت تشارك في عمليات التوجيه واتخاذ القرار، وبالتالي فإن نتائج الفعل لا تعود دائما إلى فاعل بشري محدد. هنا تتضح أهمية النظر إلى الفعل الأخلاقي بوصفه حدثا متشابكا، حيث تتوزع الفاعلية بين عناصر متعددة، ويصبح كل تقييم أخلاقي عملية تفسيرية متواصلة تتجاوز مجرد تحديد المخطئ.

إن التفكير في الذكاء الاصطناعي بوصفه جزءا من شبكة الفاعلين الأخلاقيين يطرح أسئلة جوهرية حول الوكالة، القصدية والإحساس بالمسؤولية. ففي حين لا يملك الذكاء الاصطناعي تجربة ذاتية، فإن أفعاله تؤثر بعمق على حياة البشر والبيئة، وهو ما يفرض على الفلسفة الأخلاقية إعادة تأمل معيار المسؤولية التقليدي. من هذا المنطلق يرى بول ريكور أن تقييم الفعل لا يقتصر على نية الفاعل، بل يمتد لتأويل النتائج ضمن السياق الاجتماعي والقيمي. وبذلك يتحول السؤال الأخلاقي من «من الفاعل؟» إلى «كيف نفهم الفعل وتبعاته؟».

وفي ضوء هذا التشابك، تصبح الكرامة الأخلاقية مفهوما متعدد الأبعاد، لا يقتصر على الإنسان فقط، بل يشمل أي كائن قادر على الإحساس أو التأثير. فقد أشار إيمانويل ليفيناس إلى أسبقية الغير على الذات، وهو ما يتسع اليوم ليشمل الحيوان والبيئة والأنظمة التقنية المؤثرة، إذ يصبح الاعتراف بالهشاشة والاعتماد المتبادل جوهر الأخلاق. وهنا تتلاقى الفلسفة النسوية المعاصرة، كما عند دونا هاراواي مع فلسفة المسؤولية الموسعة، من خلال الدعوة إلى «الرفقة بين الأنواع» و«التعلم مع العطب»، أي قبول الواقع المترابط والهش.

تتضح أهمية هذا الأفق الأخلاقي أيضا في مواجهة التحديات البيئية الكبرى، إذ لم تعد الطبيعة موضوعا محايدا للانتفاع البشري، بل شريكا في عالم مشترك. يبرز هنا مفهوم الإيكولوجيا العميقة الذي طرحه آرنه نايس، حيث الأزمة البيئية ليست مجرد مسألة موارد، بل انعكاس لأزمة القيم. إن الأخلاق ما بعد الإنسان في هذا السياق، تعني توسيع دائرة الاعتبار لتشمل البيئة والكائنات غير البشرية مع الاعتراف بالقيمة الذاتية لكل كائن من دون محو خصوصية الإنسان.

علاوة على ذلك، يفرض هذا الإطار إعادة التفكير في الحرية، حيث لم تعد الحرية بمعناها التقليدي غياب الإكراه، بل أصبحت تتعلق بالوعي بالبنى التي تشكّل اختياراتنا. إذ تتحكم الخوارزميات والتحفيزات التقنية في سلوكنا اليوم، ويصبح الوعي النقدي شرطا أساسيا للحرية الأخلاقية. وهنا يتجلى البعد الأخلاقي للتقنية، ليس فقط كأداة، بل كجزء من شبكة العلاقات التي تتطلب ممارسة مستمرة للمسؤولية واليقظة.

وتتجاوز الأخلاق ما بعد الإنسان الحدود التقليدية للعدالة، لتشمل الاعتراف بالآثار الممتدة للأفعال، والمساءلة تجاه الأجيال القادمة والكائنات التي لا صوت لها. وفق هانس يوناس، فإن مبدأ المسؤولية في زمن التقنية يتطلب التزاما بالاستدامة، وبمراعاة آثار الفعل على المستقبل. ومن هنا يتحول التوجه الأخلاقي من مجرد تقليد القواعد إلى ممارسة تأويلية مستمرة، حيث تصبح القدرة على التعاطي مع التعقيد وفهم النتائج جوهر الفعل الأخلاقي.

كما تثير أخلاقيات ما بعد الإنسان تحديات معرفية، إذ يصبح السؤال عن المعرفة نفسها أخلاقيا. فكيف نحكم على نتائج الفعل إذا كانت المعلومات والبيانات مشوهة أو جزئية؟ كيف يمكن دمج المعرفة التقنية مع الفهم الأخلاقي؟ هذا الاستفسار يربط بين الفلسفة والعلوم والتكنولوجيا، ويؤكد أن الأخلاق لم تعد مجالا نظريا بحتا، بل ممارسة معرفية حية.

ويترتب على ذلك أيضا إعادة تصور الذات البشرية التي لم تعد كيانا منفصلا ومستقلا، بل كائنا مترابطا مع البيئة، والحيوان والآلة وبنيات المعرفة التي تنتجها. هذا التشابك يعيد إنتاج معنى الكرامة والمسؤولية والحرية، بحيث تصبح الممارسة الأخلاقية دائما سياقية نسبية متعددة الأبعاد، ومتطلبات مستمرة للتكيف والوعي.

تقدم الأخلاق ما بعد الإنسان رؤية فلسفية متجددة وشاملة، حيث تتجاوز المسؤولية الفردية لتشمل شبكة واسعة من العلاقات بين البشر وغير البشر، بين الطبيعة والآلة، بين الحاضر والمستقبل. إنها رؤية تعترف بالهشاشة، وتعلي من قيمة الوعي والتأمل، وتدعو إلى ممارسة مستمرة للتأويل الأخلاقي، بعيدا عن الإجابات الجاهزة والنهائية.

الأخلاق ما بعد الإنسان هي دعوة لإعادة تعريف الكرامة والحرية والمسؤولية في عالم يتشابك فيه الإنسان مع الكائنات الأخرى والتقنيات الذكية والبيئة. إنها أفق للتواضع الفلسفي واليقظة الأخلاقية، حيث يصبح التفكير نفسه ممارسة أخلاقية قادرة على الاستجابة لكل نداءات الوجود بصمتها وصراخها، حضورها وغيابها. وفي هذا الامتداد تتجلى الفلسفة في أرقى صورها، بوصفها فضاءً للتأمل المستمر في المعنى، ومسعى دائما لتأسيس علاقة جديدة وأكثر عدلا وشمولا مع كل الكائنات مهما كان شكلها أو طبيعتها.

***

د. حمزة مولخنيف

الاستقراء مقابل الاستنتاج

ما هي أفضل طريقة للحصول على المعرفة؟ وما هي نقاط القوة والضعف في كل من الاستدلال الاستقرائي والاستدلال الاستنتاجي؟ حاول الناس دائما توسيع وتنقيح معرفتهم، يدرسون ويستطلعون ويجمعون تجارب جديدة، ويوسعون نطاق المعرفة طوال التاريخ. هذا قاد الى تحقيقات أخرى حول طبيعة المعرفة وحول إمكانية ضمان صحتها. حدد الفلاسفة والعلماء والباحثون عن المعرفة طريقتين للحصول على المعرفة: وهما الاستقراء والاستنتاج. الاثنين لهما مظاهر قوة وضعف مما يجعلهما لا غنى عنهما للقضية ولكنهما أيضا قد يكونان غير موثوقين او غير حاسمين.

كل شخص لديه معرفة. فمثلا، نحن نعرف اذا كانت السماء رمادية وغائمة، فانها يُحتمل ان تمطر فورا. الجاكيت الصوف يمنح الدفء بينما القميص القطني يعطي البرودة. اذا كان هذا اليوم سبت، فان غدا هو احد. الساعة تساوي 60 دقيقة، وهكذا. بما لدينا من معرفة، نحن ملزمون بالتحقق من المعلومات من أين تأتي وكيف توصلنا الى انها صحيحة.

الفلاسفة والعلماء الذين درسوا مشكلة المعرفة حددوا نظامين نحن نستعملهما باستمرار للحصول على المعرفة وتأكيدها. هاذان النظامان في الفلسفة يُعرفان بالاستدلال الاستقرائي والاستدلال الاستنتاجي. كلاهما أثار نقاشا ساخنا في الفلسفة الغربية عبر القرون . الاستدال الاستقرائي inductive reasoning يُعتبر لا غنى عنه نظرا لإنتاجيته، كونه يسمح للمرء بعمل تنبؤات لامحدودة. ومن جهة أخرى، الاستدلال الاستنتاجي deductive reasoning له قيمة أعلى بسبب موثوقيته. العملية التي يتم من خلالها خلق تنبؤات جديدة تصبح خاضعة للمساءلة بشكل كبير. لذلك، تساءل العديد من الناس ما اذا كان احد الاستدلالين متفوقا على الآخر. سوف نوضح لماذا نقاط القوة والضعف فيهما تجعل من المفيد اعتبارهما مكملان لبعضهما.

نظرة على الاستدلال الاستقرائي

الاستدلال الاستقرائي هو اكثر إبداعية وانتاجا لإشتقاق المعرفة. هذه الطريقة تُستعمل في الحقول العلمية. الاستدلال الاستقرائي هو نظام يتم العمل به عندما نطور بيانا او ادّعاءً نقوم بتعميمه من عدد هائل من الملاحظات الفردية والمستقلة حول الظاهرة. لو تخيلنا، مثلا، رؤية دخان. عند مرورك قرب الدخان، انت تشاهد نارا تبدو انها مصدر الدخان. في اليوم التالي، انت ترى دخانا مرة أخرى وتكرر العملية بمشاهدة المصدر هو النار. ثم تستمر تكرر العملية كل يوم لمدة شهر، تستنتج ان في كل مرة يرى فيها المرء دخانا، يجب ان يكون نتج بسبب نار. عبر الاستدلال بهذه الطريقة، المرء لم يلاحظ كل حالات الدخان في العالم التي نتجت عن نار، لذلك، فان الدعوة بان النار مصدر الدخان لا تدعمها ملاحظات حقيقية ودليل ميداني وانما بسبب وجود ارتباط بين الدخان والنار لأننا ، طبقا لمشاهداتنا كل مرة يُرى فيها الدخان، يكون مصدره النار.

لذلك، الاستدلال الاستقرائي يمكن وصفه يشتق ادّعاءً عالميا عاما حول العالم من سلسلة مشاهدات خاصة ومستقلة حول الظاهرة. من المهم جدا ملاحظة ان لا شيء في المشاهدات الفردية يقترح ارتباطا بين الاحداث المشاهدة (في مثالنا الدخان والنار) عدى هاذين الحدثين اللذين لوحظا دائما في تزامن. لذلك، فان الإحصاءات تقترح احتمالية وجود ارتباط بين الاحداث.

نظرة في الاستنتاج

بعد ان اوضحنا وظيفة الاستدلال الاستقرائي، نستطيع الان النظر في الاستدلال الاستنتاجي كعملية معاكسة. هو يتعلق أيضا باشتقاق المعرفة، لكن العملية التي تتم في هذا الاشتقاق تتبع خطا معاكسا من التفكير. يتألف الاستدلال الاستنتاجي الذي يعود اصله للمنطق الارسطي، من استعمال مقدمات صحيحة – او مقدمات يمكن اختبار صحتها – لإشتقاق منطقي لإستنتاج صحيح. توضيح عملي للعملية كالتالي: حيث 1 و 2 يتألفان من المقدمتين و 3 تتألف من الاستنتاج:

1- كل البشر فانون

2- سقراط كائن بشري

اذن

3- سقراط فان.

حالما يتأسس ان المقدمتين 1 و 2 صحيحتان، فان القيمة الحقيقية لـ 3 تتبع منطقيا. لا يمكن انكارها بدون تحمل العواقب الطبيعية لإنكار صحة المقدمتين 1 و 2. البراهين الاستنتاجية تعطينا استنتاجات تضمن اليقين نظرا لصحة المقدمات. لذلك، يعمل الاستنتاج في الاتجاه المضاد للاستقراء. انه يستلزم اعتماد مقدمات عامة وصحيحة تحدد شيئا حول العالم ويتبع منطقيا منها بيانا حول ظاهرة معينة ومتفردة. لذلك، نستطيع تلخيص المسألة بالقول ان الاستدلال الاستقرائي يعمل من الخاص (مشاهدات مستقلة) الى العام (ادّعاء عالمي). بالمقابل، الاستدلال الاستنتاجي يبدأ من ادّعاءات عامة /عالمية الى اشتقاق منطقي لمعلومات معينة، تعمل في الاتجاه المضاد.

مشكلة الاستقراء

ان اشتقاق المعرفة من خلال الاستدلال الاستقرائي والاستنتاجي جرى نقاشه في الفلسفة بشكل مكثف. كلا النظامين له محدداته لكنهما أيضا أداتان لا غنى عنها للبحث عن المعرفة. مشاكل الاستدلال الاستقرائي معروفة جيدا وتُناقش على نطاق واسع بين الفلاسفة. اول صياغة لمشكلة الاستقراء تُنسب للفيلسوف الاسكتلندي ديفد هيوم مع ان العديد من الفلاسفة بعده حاولوا ايجاد حل لها واكدوا صلاحيته. هيوم كان اول من جادل بان المعرفة المكتسبة من خلال الاستدلال الاستقرائي هي غير موثوقة. ادّعاء عالمي وعام يُشتق من خلال الاستقراء – مثلما يتولد الدخان من نار – يتأسس على وجود ارتباط بين حدثين. لكن لا وجود لحدثين في الطبيعة، مثل الدخان والنار، يشير الى وجود هذا الارتباط، وان الادّعاء بان الدخان تولّد من نار هو ببساطة تأسس على حقيقة ان مشاهدات المرء دائما أفادت بصحة ذلك.

لذلك، لمعرفة مدى جاذبية الاستدلال الاستقرائي يجب على المرء مواجهة استحالة اثبات وجود الارتباطات التي يقوم عليها الاستقراء. حقيقة ان هذه الارتباطات لا يمكن تأكيدها يجعل كل المعرفة المتحصلة من خلال الاستقراء هي بالنهاية غير موثوقة.

مشكلة الاستنتاج

كذلك، الاستنتاج أيضا يثير إشكالية ابستمية. كانط في نقد العقل المحض، جادل ان الاقتناع بالاستدلال الاستنتاجي لإشتقاق معرفة ابستمية لن يكون مثمرا. هو يناقش عملية الاستنتاج وفي نفس الوقت يميز بين الاحكام التحليلية والاحكام التركيبية، حيث ان الحكم التحليلي يمكن فهمه كحكم يُكتسب من خلال الاستنتاج. حول هذه المسألة، هو يقول ان الاحكام المتحصلة من خلال الاستنتاج (تحليلية) يمكن تعريفها كـ "أحكام توضيحية" طالما هي لا تضيف أي شيء لمفهوم الموضوع، وانما فقط تقوم بتفكيكها الى عناصر المفهوم باستعمال التحليل، والتي كانت موجودة فيه سلفا .

لذلك، فان الاستنتاج يسمح للمرء باشتقاق معرفة من مقدمات صادقة عبر عملية لا تنتج معرفة جديدة وانما تشتق استنتاجات جديدة من المعرفة المتحصلة سلفا.

لهذا، فان الاعتماد حصريا على الاستدلال الاستنتاجي، يساعد في توضيح اكثر للمعرفة التي يحوزها الفرد سلفا، لكن، لا معرفة جديدة يمكن توليدها. فمثلا، عند النظر في الاستنتاج التالي:

1- كل البشر فانون

2- سقراط كائن بشري

لذلك

3- سقراط فان

حقيقة ان سقراط فان ليست اضافة جديدة متحصلة من المعلومات وانما هي حالة معينة لمقدمات يتم توضيحها وتفصيلها.

يتبع ذلك ان الاستدلال الاستنتاجي مع انه قادر على ضمان يقين ابستمي حول المعرفة التي يشتقها، يبقى غير كاف كنظرية لإشتقاق المعرفة. انه ليس منتجا وانما فقط يوضح المعرفة الموجودة سلفا. ولذلك، بينما الاستنتاج يمكنه لعب دور في ضمان الصلاحية الابستمية لمعرفة معينة ويوضحها أكثر، لكن لا يمكنه العمل كوسيلة وحيدة للحصول على المعرفة بسبب افتقاره للانتاجية.

طريقة مكملة للمعرفة

بعد عرض التحديات التي يواجها كل من الاستقراء والاستنتاج، اصبح واضحا ان قوة احدهما مكملة لعيوب الآخر. فمن جهة، الاستقراء يواجه معارضة في كونه غير موثوق به ابستيمولوجيا. لكن انتاجيته لا غبار عليها. الاستدلال الاستقرائي يسمح باشتقاق معرفة جديدة عبر إيجاد ارتباطات بين حالات فردية لمشاهدات تجريبية بطريقة يُحتمل ان تكون لا متناهية. بفضل استعمال الاستدلال الاستقرائي، معظم الاكتشافات العلمية التي تمت طوال التاريخ كانت ممكنة. لذلك، ليس غريبا ان الطريقة العلمية ذاتها تتأسس على استدلال استقرائي.

من جهة أخرى، الاستدلال الاستنتاجي يواجه فقراً شديدا في الإنتاجية كونه يعمل لصالح غرض توضيحي مهم لكنه غير كاف تماما للمعرفة الموجودة سلفا. مع ذلك، يجب اعتبار ان كل المعرفة المشتقة من خلال الاستنتاج يمكن ان تتمتع بمستوى ابستمي موثوق لا يمكن نسبته ابدا الى أي قطعة من المعلومات المتحصلة من خلال الاستدلال الاستقرائي. الاستنتاجات هي مواقف لإدّعاء عام حول العالم تم التأكد منه سلفا، لذلك، ورغم ان كل ما يُشتق عبر هذا النظام ربما لا يكون جديدا، لكن خلافا للمعلومات المتحصلة من خلال الاستقراء – هذه المعلومات مؤكدة وموثوق بها. يتبع ذلك، بينما الإنتاجية مستحيلة دون الاستفادة من الاستدلال الاستقرائي، فان موثوقية ابستمية مضمونة ستكون مفقودة في حالة رفض الاستدلال الاستنتاجي. وبهذا، فان محاولة اشتقاق كل المعرفة من خلال احد النظامين او محاولة ادّعاء أفضلية احدهما على الاخر يُعتبر ضارا بالبحث. لا احد منهما يمكن الاستفادة منه كمصدر فريد لإشتقاق المعرفة، بل، فقط عبر جهد تعاوني من الاثنين يمكن تلبية متطلبات الدقة والإنتاجية التي يسعى لها الباحثون عن المعرفة.

***

حاتم حميد محسن

...........................

المصدر:

1- The collector, January 21,2026

 

قراءة تحليلية

 واحدة من أهم الاشكاليات الحالية في المجتمع العربي، لماذا لا يقبل الناس على القراءة؟ بلا شك أن للقراءة اهمية عظيمة لا يمكن لاحد انكارها. لذا وجد نص مكتوب على جدار أول مكتبة للفراعنة العبارة التالية "هذا غذاء النفوس وطب العقول". الدلالة واضحة وقوية، القراءة غذاء وعلاج في نفس الوقت؛ بل هي اساس الحرية الفكرية والثقافية والسياسية والدينية. لان من غير الممكن بناء فرد حر من دون تمكينه من القراءة وسبل الوصول الى المعرفة والعلم، وكما يتعذر بغيرها صناعة حاضر المجتمع ومستقبله (1)،(3).

تعد القراءة الذاكرة الحضارية ضد النسيان، والسد المنيع ضد التبعية والاستغلال، والرهان الناجح لاخذ موقع مشرف بين الامم. بالحقيقية أن القراءة لا تنفصل عن عملية الكتابة، بل هي كتابة جديدة. فالعلاقة بينهما متصلة ومتلازمة، وأن مشكلة القراءة في مجتمعاتنا هي مشكلة الكتابة ايضا، هل نحن مجتمع نقرأ ونكتب؟ لمن؟ ولماذا؟ وقبل اي تشخيص محايد لمشكلة القراءة وربطها بثقافة مجتمعنا. نطرح سوالا، هل هي ظاهرة عابرة ام مستوطنة؟ طارئة ام متجذرة في الزمن؟ نحن امام قضية معقدة لا تهم بلد عربيا واحدا، بل انها قضية المجتمع العربي برمته، فهي ليست مشكلة المؤسسة التعليمية والتربوية وحدها، بل المطلوب من الجميع ان يقرأ (2).

 تعتبر القراءة احد أهم ركائز الثقافة لاي مجتمع، ونعني بالثقافة نظام معرفي واجتماعي تعتمد فيه المجتمعات على الكلام والسرد الشفهي والذاكرة الاجتماعية والاداء الاحتفالي والحكمة الموروثة من الاباء والاجداد كقنوات رئيسية لنقل المعرفة والقيم. وهذا لا يعني غياب الكتابة تماما، بل أن الاسلوب الشفهي يهيمن على اساليب التفكير الاجتماعي والخطاب العام لذلك المجتمع.

الثقافة الشفوية تعني مجموعة من الافكار والاراء والحوارات اليومية والمبادئ والقصص والامثال الشعبية والخطب والمجالس التي يستخدمها الناس في اي مجتمع من المجتمعات بشكل يومي وقد تتضمن هذه مواقف ايجابية او سلبية تجاه علاقة الانسان بنفسه والمجتمع (10). احد أهم خصائص الثقافة الشفوية، أن المعرفة تنتقل عبر الكلام من شخص الى اخر، والذاكرة أهم اداة لحفظ المعلومات، والمصدر أهم من المحتوى المعرفي (من قال، وليس ماذا قال). بالتالي انتجت مجتمع يجيد السرد الكلامي والبلاغي، وسرعة انتشار المعلومة سواء صحيحة ام خاطئة، وثقة عالية بالمحيط الاجتماعي وقليل الثقة بالنص المكتوب.

 الادلة التاريخية والثقافية تشير الى أن التراث العربي قبل الاسلام وبعده حافظ على مكانة كبيرة للسرد الشفهي مثل الاحاديث والقصص والروايات والخ. هذه تمثل ادلة قوية على قوة انماط النقل الشفوية واعتماد الذاكرة الجماعية، وهذا ما توكده بعض الدراسات السوسيولوجية والانثروبولوجية وتاثيره على الخطاب الاجتماعي (1)،(2)،(10).

الثقافة المعرفية اسلوب يستخدمه المجتمع في نقل الافكار والمعارف عبر انظمة مكتوبة ومنهجية مثل الكتب والمقالات العلمية والبحوث والوثائق الدينية والتاريخية وقواعد البيانات والموسسات التعليمية. نجد أهم ما يميز خصائص الثقافة المعرفية ان المعلومة موثقة جيدا ويمكن الرجوع اليها، والعقل التحليلي - المنطقي اهم من الذاكرة، وتعتمد المنهج العلمي - التجريبي طريقة لانتاج المعرفة، والمحتوى أهم من المصدر (ما الدليل، وليس من قال)، وتبنى المعرفة تراكميا، اي كل جيل يبني على ما كتب قبله. هذا بدوره انتج تطور علمي متراكم وموسسات تعليمية قوية واكتشافات واختراعات غير مجرى التاريخ المعرفي والفكري والعلمي، ومعرفة قابلة للقياس والاختبار والنقد (6)،(8).

كيف تؤثر الثقافة الشفوية على سلوك القراء وتلقيهم للمعرفة؟ اولا: الشفوية تعطي قيمة للعلاقة الاجتماعية اكثر من النص المكتوب، يعني ان المجتمع الشفوي يركز على "من قال، وكيف قدمه" اكثر من "ما الذي كتب". لذلك الخبر المنقول شفويا من شخص موثوق ينتصر احيانا على بحث او مقال علمي مكتوب بعيد عن المحيط الاجتماعي المحلي. ثانيا: الخطاب الشفوي اداءي وله صدى عاطفي مباشر، وهذا يعني أن الاداء سردا كان ام تكرار يحفز الذاكرة ويقنع الجماعة بسرعة. اما النص المكتوب يحتاج ادوات تحويل وتبسيط وترجمة للاداء ليصل لنفس التاثير العاطفي للخطاب الشفوي. ثالثا: الاعتماد على الذاكرة الجمعية (الخبرة المحلية) يقلل الميول لقبول التجريدات المعرفية او النظم التفسيرية البعيدة عن التجربة المباشرة مثل الابحاث الاكاديمية. رابعا: نمط التعليم القائم على الحفظ يقلل من مهارات القراءة النقدية التفسيرية، لان الانظمة التربوية التي تعتمد على الاختبار والحفظ تنتج متعلمين اقل مهارة ومعرفة في القراءة النقدية والتحليلية. بالتالي نجد أن القراءة الشفوية ترفع من شأن الشخص والاداء والذاكرة الجمعية، بينما القراءة المعرفية تحتاج مهارات تحليلية وتفسيرية (5). 

ثقافة (القراءة الشفوية) اقوى من ثقافة (القراءة المعرفية-المكتوبة) بحكم أن المجتمعات العربية تعتمد بشكل تقليدي على الرواية والحكمة الشعبية والعادات والتقاليد القبلية. هذا بدوره جعل الشخص صعب أن يصدق المكتوب خصوصا اذا خالف ما اعتادو عليه في حياته اليومية. من تبعات ازمة التلقي الشفوي تباطؤ في تبني سياسات قائمة على الادلة المعرفية والمنطقية. عندما لا يفهم العلم او لا يصدق يزيد من عزلة الكتاب والعلماء وهروب الناس الى سرديات بديلة وانتشار اسرع للمعلومة الزائفة عبر القنوات الشفوية، وفجوة بين النخب الاكاديمية والجمهور.

هل العرب حقا لا يقرؤون؟ لو تاملنا قليلا في واقع مجتمعنا العربي، نلمس سيطرة ثقافة الاذن والمشافهة على ثقافة النص من حيث هي ثقافة العين والنقد، ولعلها مفارقة حقيقية ان مجتمعنا "اقرأ" لا تقرأ. كانت اول سورة في القران الكريم هي "اقرأ" بصيغة الامر، فالواضح انه الامر الذي لا يتم الامتثال له. في وضع يسائل "قيمة القارئ" ومكانته في مجتمع يمثل فيه. فمن يقرأ يجد نفسه احيانا محاصرا بنظرات غير مشجعة وملاحظات منكرة. ما يفاقم محنة كل قارئ مفترض غياب الاماكن الخاصة بالقراءة، مما يشعره بالاحراج والعزلة. هكذا تحفل ثقافة مجتمعنا بمن يقرأ، بل تغازل بالعكس قيما وذكاءات بعيدة كل البعد عن القراءة والمعرفة. وبذلك مشجعة ذكاء الحلية والسعي والانجرار وراء الشهرة الزائفة في عصر التفاهة (14).

تغيب عادة القراءة في المنزل قبل الوصول الى المدرسة، لينتهي عمل القراءة بانتهاء مرحلة التمدرس، وربما اننا لا نعلم اولادنا حب القراءة منذ الطفولة، وهي المهمة التي اخفقت فيها المؤسسة التربوية نفسها. لتختزل في احسن الاحول الى انشطة موجهة بحافز الحصول على درجات مدرسية او الاعداد لوظائف حكومية، والبرامج المدرسية لا تشجع على تنمية عادة القراءة كفعل تربوي واعي - ذاتي، ونقدي - معرفي.

 ليست كل ازمة القراءة غيابا للقراءة، بل بعض القراء يمارسون القراءة بعقل شفوي، اي انهم يقراءون النص المكتوب لكنهم يتعاملون معه بمنطق الرواية لا بمنطق التحليل (5)،(6). لذا نجد في دول العالم العربي لا تقدم القراءة للاطفال كمتعة، بل كمادة للتلقين المدرسي والتربوي، فبدل أن يرى الاطفال الكتاب كنافذة على الخيال والمعرفة، يراه واجبا ثقيلا. نجد أن انظمة التعليم التقليدية تعتمد الحفظ والتلقين لا التفكير النقدي. وهذا نجده واضحا في نظامنا التربوي، حيث يدرب الطالب على الحفظ وليس على الفهم والتحليل (11)،(16). بالنتيجة من يعتاد على الحفظ والتلقين لا يشعر بحاجة الى قراءة معرفية للكتاب او حتى مقال قصير. هناك ايضا غياب واضح للمساحات التي تشجع على القراءة والمطالعة مثل المكتبات العامة، وعدم توفر الكتب الحديثة، وقلة الفعاليات الثقافية والدينية.

يعد عمل القراءة مفتاحا حيويا لعالم المعرفة، وازمتها ترتبط ارتباطا وثيقا بمشكلة المعرفة. فالقراءة سابقة للمعرفة وممهدة لها، لكنها ليس شرطا اساسيا لتحقيق المعرفة التي تزدهر بها المجتمعات المتحضرة. لتفكيك معظلة القراءة المتفاقمة في المجتمعات العربية، يعود الامر الى عدة عوامل متجذرة وسياقات راسخة منها: انتشار "امية القراءة المعرفية" لدى الكثير من افراد مجتمعنا، النظام التربوي والتعليمي والارث الثقافي وقلة الاهتمام بالتفكير النقدي والتحليلي، وقلة العناية بالمكتبة المدرسية، وضعف حضور مادة القراءة النقدية في المناهج الدراسية. بالمقابل نجد هناك اهتمام واسع بالتحول الرقمي للصور المتحركة او الثابتة من خلال استخدام أدوات التواصل الاجتماعي. والعامل الاكثر اهمية غياب دور الاسرة كمؤسسة تربوية، لم تغرس عادة القراءة، فبيوتنا تفتقر للمكتبات، باستثناء ما هو موجه منها للديكور (12)،(13).

تتداول تقارير اعلامية منشورة في مجلات عربية منسوبة الى منظمة اليونسكو موشرات حول قلة القراءة في الوطن العربي (17). ان معظلة العزوف عن القراءة في مجتمعنا ليست مجرد ظاهرة ثقافية عابرة، بل اصبحت ازمة بنيوية ترتبط بشكل او بأخر بخيوط ازمة من نوع اخر اكثر عمقا وتاثيرا، وهي ازمة المعرفة التي تخترق هذا المجتمع. الارقام التي يصفها البعض صادمة، تلك التي تقييس معدلات القراءة لدى الفرد العربي، وخصوصا ما يقرائه الطفل العربي، بأعتبار أن الاطفال هم "قادة المستقبل". ما ينذر بتشكيل جيل لا يقرأ حتى لو كان مسلحا باحدث ادوات التكنولوجيا الرقمية. نجد أن معدل القراءة التي تتداولها هذه التقارير، ورغم اختلاف الباحثين حول دقتها، لكن تعكس تصورا عاما عن عمق ازمة القراءة لدى المجتمع العربي.

أن ظاهرة قلة القراءة اثارت انتباه كثير من الباحثين العرب والمهتمين في المجال المعرفي والثقافي. ما دفعهم للبحث عن الاسباب الحقيقية لها، والتي تتجلى اساسا في العزوف عن قراءة المولفات والكتب والجرائد والمجلات. يتداول الاعلام العربي تقارير منظمة (اليونسكو) في سنة 2013، وحسب مؤشر القراءة العربي، التي قامت به مؤسسة محمد بن راشد، أن معدل ما يقراءه الفرد العربي خلال العام الواحد لا يتجاوز 35 ساعة سنويا. كما ينشر من كتب لا يتعدى 1650 كتابا سنويا، وهذا عددا قليل مقارنة ما يقرأ وينشر في دولة اوربية وامريكية. بالرغم من دقة هذه المعلومات او عدمها، تؤكد تفاقم ازمة القراءة الموجهة ام الحرة لدى الشخص العربي، وهذه بدوره موشر على زيادة ازمة القراءة في مجتمعنا (17). 

لماذا يشك الناس في الكتاب والباحثين؟ ببساطة أن فجوة التواصل العلمي بين وسائل الاعلام والباحثين كبيرة. حيث لا يتم ترجمة النتائج الفكرية والمعرفية بلغة بسيطة ومفهومة خصوصا من قبل وسائل الاعلام، ما يترك بابا لبدائل اسهل. تشير بعض من التقارير الى اهمية تبسيط الافكار العلمية اعلاميا لزيادة الثقة لدى الافراد. اما ضعف موسسات التثقيف العامة، حيث لم تكن هذه الموسسات كالتعليم والاعلام بدرجة عالية من الموثوقية تاريخيا لدى بعض من الجمهور العربي، مما جعل اي رسالة علمية ستشكك تلقائيا. نجد أن الطابع الشفوي ورواة الخبرة المباشرة لشهادة الناس محل ثقة عالية لدى كثير من الجمهور العربي. اما الباحثون والعلماء الذين يقدمون ادلة مجردة ومكتوبة بلا اداء اجتماعي موثوق لا يملكون نفس التاثير(15).

التجارب السياسية ايضا تركت طابعا سلبيا في نفوس كثير من افراد المجتمعات العربية. التاريخ الطويل من عدم الثقة في الموسسات الاعلامية المسيسة جعلت الشخص لا يصدق الكتاب والباحثين وربما حتى العلماء. اصبح الفرد يشكك في كل ما يكتب في الاعلام والمواقع الحكومية والرسمية، وهذا الشك احيانا قد امتد تلقائيا الى بعض المثقفين والباحثين والخبراء. انتشار المعلومات الزائفة اسرع من صوت المعرفة والحقيقة، كثيرا من مواقع التواصل الاجتماعي تنشر معلومات مزيفة لا صحة لها تنتشر بسرعة البرق بين الناس البسطاء لعدم قدرتهم على تمييز المحتوى الصحيح من الخطا. بمعنى اخر، أن الشخص البسيط (محدود المعرفة) لا يستطيع ان يميز بين المحتوى السهل والمثير والمحتوى العلمي والدقيق. الابعاد الدينية والعقائدية كذلك عززت ثقافة القراءة الشفوية، حفظ ونقل الاحاديث والروايات شكلت نمطا من احترام الصوت والتكرار والحفظ الجماعي، وهذا يعتبر عامل ثقافي مهم يبقي ويحافظ على الشفوية في الصدارة (5)،(8).

وسائل الترفيه والاعلام السريع تنافس الكتاب والجرائط وحتى الدوريات العلمية. اليوم غالبية الناس منغمسون بالمحتوى القصير المنشور على وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتيك توك وانستغرام وغيرها. بينما قراءة الكتاب تحتاج تركيزا اكثر من مكافئة سريعة للدماغ يقدمها المحتوى الرقمي القصير. اما الظروف النفسية والاقتصادية تلعب دورا مهما في حياة الناس، لذا نجد الشخص منهك من ضغط العمل والمال والقلق الاجتماعي ويميل للترفيه السريع والخفيف اكثر من القراءة الجادة والمعرفية وهذا يحتاج الى اجواء هادئة (14).

المعلومات السلوكية المعاصرة تضع مقاييس مختلفة للقراءة. بعض الدراسات التي اجريت على متحدثي العربية، وجدت معدلات القراءة اقل من بعض الدول الغربية وهذا لايعني صفرا. المشكلة مركبة وهي ليست مجرد رفض للكتاب، بل مشكلة بنيوية في الارث والتعليم والاقتصاد والسياسة. احصائيات منظمة اليونسكو ومنظمات عربية اخرى تظهر اختلافا في معدلات الاهتمام بالقراءة، والقراءة المنتظمة بين افراد الدول العربية مع تاثير واضح للاختلاف بين الرجال والنساء والمستوى المعيشي والاقتصادي والثقافي والبيئة التعليمية (17).

نفهم أن شخصية الفرد العربي من خلال القراءة النفسية والاجتماعية. وأكد اولا، أن هذا لا يعمم على كل فرد عربي، لكن يمكن أن نفهم انماطا وسطية تظهر في بعض الدراسات الاجتماعية والثقافية. أن الفرد العربي يميل في سياقات كثيرة الى تقدير الثقافة الشفوية والجمعية اكثر من النصوص المكتوبة. بمعنى أن هذا يجعل التوصيات والاراء التي تأتي من خلال المجموعة والتي تنتقبل عبر الشبكات الاجتماعية اكثر اهمية وتاثير من الافكار والتوصيات المكتوبة في المنشورات العلمية، وتقدير اعلى للكلام المسرحي والبلاغي. الفرد العربي غالبا ما ينصاع للغة ذات ايقاع بلاغي وهي ميزة تطابق الشفوية، وموقفه الحذر من الموسسات العلمية نتجية التجارب السياسية والاجتماعية والدينية واختلاف الجودة في هذه الموسسات من تضارب بالخطابات الرسمية. بالتالي طور هولاء الاشخاص سلوكا انتقاديا او متشككا تجاه تصريحات العلوم الرسمية ويفضلون الخبرة القربية منهم محليا او رواية الجوار.

في محاولة لقراءة المنهج المعرفي الكامن خلف كلام النبي محمد واهل بيته (عليهم الصلاة والسلام) وربطه بمفهوم الثقافة الشفوية والثقافة المعرفية. هناك منهج دقيق يوضح أن كلام النبي واهل بيته، ليس شفوي بالمعنى الساذج، بل يؤسس مبكرا لثقافة القراءة المعرفية النقدية المتقدمة جدا. نطرح سوالا بسيطا، كيف نتحقق من صحة المعرفة المنقولة شفهيا؟ وهنا تظهر عبقرية المنهج النبوي واهل بيته، لماذا كان خطر الثقافة الشفوية عاليا في عصر النبي؟ ببساطة لان المجتمع العربي كان شفويا بامتياز ويعتمد على نقل الرواية والحفظ، وتنقل الاخبار بسرعة، وتختلط الروايات الصحيحة بالمكذوبة (7)،(9). لو تركت المعرفة الدينية للسلطة الشفوية المطلقة لتحولت رسالة الاسلام الى اقوال منسوبة للنبي بلا معيار، وسلطة رواة بدل سلطة نص مكتوب، وفوضى معرفية. لذلك كان لابد من ايجاد ميزان معرفي ثابت، والميزان المعرفي الثابت هو القران (النص الاعلى). عندما يقول النبي محمد (ص) في حديثه "ما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالفه فدعوه"، يتضح لنا انه لا ينكر السنة النبوية ولا ينكر النقل الشفوي، بل يخضعه لمرجعية معرفية مكتوبة وثابتة (9). جوهر الثقافة المعرفية وهو النص الثابت يحاكم الرواية المتغيرة، والقران هنا ليس مجرد كتاب تعبدي، بل هو معيار ومرجع ومقياس صحة واداة نقد معرفية، وهذا بدوره يعتبر نقلة نوعية ضخمة من القراءة الشفوية الى القراءة المعرفية. كلام النبي تأسيس مبكر جدا للتحقيق المعرفي، كيف؟ نلاحظ البنية المنطقية في قوله "ما جائكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما يخالف كتاب الله فلم اقوله". أن النبي نفسه يسقط العصمة عن الروايات الشفهية المنقولة بأسمه ما يلم يتم التحقق منها في مطابقة كتاب الله، اذ أن النبي لا يمنح اي راو حصانة، بل بشترط التحقق العقلي والنصي واجبا وشرطا اساسيا. هذا قريب جدا مما نطلق عليه اصطلاحيا في البحوث والدراسات "التحقق" او "المراجعة المتبادلة" او " التحقق المعرفي"، بمعنى اخر، لا تأخذ المعلومة لمجرد نسبتها لشخص مقدس (7).

قول الامام الصادق (عليه السلام)، يذهب ابعد نحو نظام معرفي متكامل، عندما يقول، "كل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف" وكلمة الزخرف مهمة جدا، لانها تعني شيء جميل ظاهريا، لكنه بلا قيمة معرفية (9). يشبه الامام اليوم، خطاب موثر بلا دليل منطقي او معرفي، لذا نجد الامام الصادق لا يهاجم الحديث، بل يهاجم الحديث المنفصل عن المنهج المنطقي والمعرفي، ويرفض المعرفة الشفوية غير المحكومة بنص ومعيار مكتوب وثابت.

أن الربط المباشر بين هذه النصوص والثقافتين، يكمن في الثقافة الشفوية، ان الثقة في الناقل، والتلقي العاطفي، وسلطة الرواية، وغياب الية التحقق المنهجية الصارمة. اما في منهج النبي واهل بيته (ع)، يشدد على، أن لا ثقة مطلقة في الناقل، واخضاع الرواية لنص اعلى مكتوب وثابت وهو القرأن، ورفض اي خطاب ديني بلا مرجعية، وتدريب المجتمع على النقد لا التلقي الشفوي (7).

مقارنة القراءة الشفوية بالقراءة المعرفية، نجد أن الشفوية، تسمع الحديث او الرواية، وتتاثر بها، وبالتالي تقبله لان الراوي محط ثقة. بينما نجد في القراءة المعرفية المكتوبة كما أسسها النبي واهل بيته، تسمع الرواية او الحديث، ثم تحاكمه للقرأن، وبعدها تدرسه منطقيا وتقارنه، وبالتالي ترفضه أن خالف النص المكتوب، وهذا ليس ايمانا اعمى، بل ايمان نقدي ومعرفي.

يتيح لنا قراءة منهج النبي واهل بيته، منهج متقدم جدا تاريخيا، بدليل أن اوربا نفسها لم تصل الى تحكيم النص ونقد الرواية ورفض السلطة الشفوية، الا بعد قرون طويلة من الاصلاح الديني، ونقد الكنيسة، واستخدام المنهج العلمي. بينما الاسلام المتمثل بالنبي واهل بيته، وضعوا هذا المعيار منذ القرن الاول الهجري.

اذن اين المشكلة؟ هي لم تكن في التراث والنص ذاته، بل في عودة المجتمع العربي الى ثقافة القراءة الشفوية، وتقديس الرواة، واهمال المنهج العلمي الصحيح، وفصل الحديث عن النص المكتوب (القرأن). بالتالي تحول الدين الى خطابة شفوية لا قراءة معرفية مكتوبة. نفهم أن كلام النبي واهل بيته، ليس كلاما شفويا تقليديا، بل هو ثورة معرفية ضد فوضى القراءة الشفوية. والقرأن هو المرجع الاعلى، والحديث او الرواية، تقبل او ترفض بناء على الميزان، وهذا تأسيس مبكرا جدا لثقافة المعرفة النقدية. اذن المشكلة ليست في التراث والنص الديني، بل في تعطيل منهجه المعرفي العلمي.

العرب تاريخيا قبل الاسلام وبعده حضارة قوية شفويا (الشعر، الخطابة، الامثال الشعبية، الحكم). لكن مع ظهور الاسلام وقيام دولة مركزية، بدأ التحول نحو الثقافة المعرفية من خلال تدوين القرأن والحديث، ومدارس الفقه، والترجمة، والعلماء الكبار مثل ابن سينا، والرازي، والخوارزمي وغيرهم. عندما تراجعت الدولة وضعفت الموسسات العربية، عاد المجتمع تدريجيا الى اسلوبه الشفوي. وعليه، أن ثقافة القراءة الشفوية هي جزء طبيعي من التاريخ العربي، لكن غياب موسسات المعرفة الحديثة جعلتها تصبح النمط السائد من جديد. وختاما، اذ كنا نعيش في زمن وفرة النصوص والادلة، فلماذا ما زال الصوت اعلى من النص؟ وهل مشكلتنا مع القراءة، ام مع ما نريده من المعرفة اصلا؟

***

علاء جواد كاظم

....................

المصادر العربية والاجنبية

1-الجابري، محمد عابد. (1982). تكوين العقل العربي. بيروت، لبنان: مركز دراسات الوحدة العربية.

2-الجابري، محمد، عابد. (1986). بنية العقل العربي. بيروت، لبنان: مركز دراسات الوحدة العربية.

3-العروي، عبد الله. (1983). مفهوم العقل. الدار البيضاء، المغرب: المركز الثقافي العربي.

4-العروي، عبد الله. (1992). مفهوم الثقافة. الدار البيضاء، المغرب: المركز الثقافي العربي.

5-أبو زيد، نصر، حامد. (1990). مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن. القاهرة، مصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب.

6-جدعان، فهمي. (1979). أسس التقدم عند مفكري الإسلام. بيروت، لبنان: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

7-الصدر، محمد، باقر. (1971). الأسس المنطقية للاستقراء. النجف، العراق: مطبعة الآداب.

8-طه عبد الرحمن. (1985). تجديد المنهج في تقويم التراث. الدار البيضاء، المغرب: المركز الثقافي العربي.

9-الكليني، محمد بن يعقوب. (ت 329هـ). الكافي، ج1، كتاب فضل العلم، باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب. طهران: دار الكتب الإسلامية.

10-Ong, W. J. (1982). Orality and literacy: The technologizing of the word. London, UK: Routledge.

11-Goody, J. (1977). The domestication of the savage mind. Cambridge, UK: Cambridge University Press.

12-Havelock, E. A. (1963). Preface to Plato. Cambridge, MA: Harvard University Press.

13-Postman, N. (1985). Amusing ourselves to death: Public discourse in the age of show business. New York, NY: Penguin Books.

14-Carr, N. (2010). The shallows: What the Internet is doing to our brains. New York, NY: W. W. Norton & Company.

15-Bourdieu, P. (1991). Language and symbolic power (G. Raymond & M. Adamson, Trans.). Cambridge, MA: Harvard University Press.

16-Freire, P. (1970). Pedagogy of the oppressed. New York, NY: Continuum.

17-UNESCO. (2013). Arab knowledge report. Paris, France: UNESCO Publishing.

 

سبرُ غَوْرِ المَنظوماتِ الفكريَّة في مواجهةِ انغلاقِ التكفير

تُمثِّلُ جدليَّةُ "التفكير" و"التكفير" المِحورَ الرئيسَ لأزمة المعنى التي تعصفُ بواقعنا المُعاصر؛ إذ يتبوأُ التفكيرُ مقعدَ القيادة في "معمار إيماني" يقومُ على الحوار الخلَّاق والانفتاح على الآخر؛ بَيْدَ أنَّ التكفير ينزعُ نحو صناعة جُدران منيعة تعزلُ الذات عن محيطها الإنساني؛ وتُحيلُ التعدُّدَ الثريَّ إلى رمادٍ من الفرقة؛ وعليهِ فإنَّ إزاحةَ الستار عن مسرح الحقيقة تقتضي اجتراحَ مساراتٍ فكريَّةٍ تُعيدُ أنسنةَ الوجود؛ وتجعلُ الفلسفة "خبزًا يوميًا" للعقل البشري؛ وترياقًا ضد سموم الإقصاء التي تُهدد السلم المجتمعي.

الأرومة الفلسفية: التفكير بوصفه فعلًا تأسيسيًا للحرية

يتجلَّى التفكير في سياق الفلسفة الغربية بوصفه فعلًا تأسيسيًا للحرية والانعتاق من قيود التبعية؛ ولا سيما عند رينيه ديكارت؛ الفيلسوف الذي أرسى دعائم العقلانية الحديثة عبر "الكوجيتو"؛ إذ يُعدُّ الشكُّ المنهجي لديه أداةً لتطهير العقل من سلطة المُسلَّمات الموروثة التي لم تخضع للتمحيص؛ ويعضدُ هذا التوجُّهَ إيمانويل كانط؛ الذي صاغ مفهوم التنوير بوصفه "خروج الإنسان من قصوره العقلي"؛ حيث نادى بضرورة امتلاك الشجاعة لاستخدام العقل دون توجيهٍ من غيره؛ مما يُفضي إلى عقلانية نقدية تجعل من التساؤل الدائم ضمانةً لعدم السقوط في فخاخ الوثوقية العمياء؛ تلك الوثوقية التي تُعدُّ الجذر الأول لكل نزعة تكفيرية ترفضُ الآخر وتدعي احتكار الحقيقة المطلقة.

تشريح الانغلاق: منطق الإقصاء وتهافت التكفير

إنَّ سبرَ غَوْرِ المنظومات الفكرية يكشفُ عن تهافت منطق الإقصاء الذي يقوم عليه التكفير؛ بوصفه يتغذى على "تحيزات معرفية" تختزل الحقيقة المُطلقة في منظور فردي ضيق؛ ويعاني من فقرٍ مدقع في الخيال الإيماني؛ ويُعدُّ هذا النهج ركاكةً في الاستدلال؛ لأنه يقفزُ فوق سُنَّة الاختلاف المكنونة في الطبيعة البشرية والكونية؛ وعليهِ فإنَّ خطورة التكفير تكمن في تحويل الدين من منبع للطُمأنينة والمحبة إلى سلاح للتصفيَة المعنوية والجسدية؛ مما يتمخضُ عنه تفكيكُ النسيج الاجتماعي وإشاعة روح الكراهية؛ فالتكفيريُّ لا يرومُ البحث عن الحق؛ بل يبحثُ عن نصٍ يؤازرُ نزعته العنفية؛ وهذا ما نُسميه "العقل المُستقيل"؛ الذي يتخلى عن وظيفته في التدبُّر ليُصبح مجرد بوق لأيديولوجيا مغلقة؛ تُعطل لغة العقل لتفتح المجال للغة الدم.

الأنسنة والمقاصد: المنظور الإسلامي الرصين

في سياق الفكر الإسلامي الرصين؛ يتبوأُ العقلُ منزلةً ساميةً بوصفه الحرثَ الأولَ لقبول الوحي وفهمه؛ ولا سيما عند ابن رشد؛ الذي ربط بين الحكمة والشريعة ربطًا عضويًا؛ حيث جعل التفكير فريضةً شرعيةً لا تجوز مصادرتها أو تعطيلها؛ ويرفدُ هذا الطرحَ التجلي المقاصديُّ الذي أصَّل له الشاطبي؛ بتأكيده على حفظ "النفس" و"العقل" كأولويات قصوى ومقاصد عليا للشريعة؛ مما ينفي أي مشروعية لتكفيرٍ يُؤدي إلى استباحة الدماء أو ترويع الآمنين؛ فالإسلام في جوهره دعوة للاشتباك الوجودي مع هموم الإنسان؛ وعليهِ فإنَّ التفكير هو الفعل الذي يُؤمن بـ "أنسنة الدين" وتحويله إلى جسر للتواصل الإنساني الراقي بدلًا من أن يكون مقصلةً للعقول.

الحكمة المشرقية: جسور التسامح والجوهر الواحد

وفي سياق المقاربة الشرقية؛ تُقدم الصوفية الإسلامية؛ مُمثلةً في جلال الدين الرومي؛ نموذجًا فريدًا للتفكير الذي يتجاوز الثنائيات الضيقة (كفر / إيمان؛ نحن / هم)؛ حيث يُعدُّ القلبُ محرابًا للمعرفة التي لا تعرف التكفير؛ وتتسع لكل الخلائق؛ إنَّ هذه الروحانية تجعل من التفكير رحلةً للبحث عن "الجوهر الواحد" خلف "الأقنعة المتعددة"؛ مما يغرسُ بذور الوعي والحب في النفوس؛ ويُحوِّل الكلمات إلى جسورٍ للتواصل بدلًا من الجدران؛ فالحقيقة عند أهل العرفان كالمرآة المُهشمة؛ كل فردٍ يمتلكُ قطعةً منها؛ ولا أحد يمتلكها كاملةً؛ مما يستدعي التواضع المعرفي وقبول الآخر كشريك في رحلة البحث عن المعنى.

التركيب النقدي: نحو عقل متراحم والخلاصةُ التي ننتهي إليها ضمن تركيبنا النقدي الخاص؛ هي أنَّ الانتقال من التكفير إلى التفكير ليس مجرد ترفٍ فكري نُمارسه في الأبراج العاجية؛ بل هو ضرورةٌ وجوديةٌ لإنقاذ الإنسان المعاصر من عدميته ومن طوفان الكراهية الذي يُحيط به؛ إذ أرى أنَّ التكفير هو في جوهره "عجز عن فهم عظم الخالق في تنوع مخلوقاته"؛ ولذا فإنني أدعو إلى تبني منهج "العقل المُتراحم"؛ الذي يقرنُ الدقة المنطقية بالسعة الإنسانية؛ وبناء "هوية حبرية" لا تكتب لتُقصي أو لتُصدر أحكامًا بالإعدام الرمزي؛ بل لتحتوي وتؤازر الفعل التأسيسي للحقيقة؛ وبذلك نُعيد للفلسفة دورها بوصفها "خبز الحياة" وسبيل النجاة من ظلمات الجهل المُقدس.

***

أ.د. إحسان علي الحيدري - أستاذ فلسفة الدين والأخلاق

كلية الآداب / جامعة بغداد

‏ ‏لم يكن الشك يوما غريبا عن الفلسفة، بل لعلّه هو التربة الأولى التي نبت فيها التفكير الفلسفي ذاته. فمنذ أن وقف سقراط في ساحة أثينا معلنا أن الحكمة تبدأ بالاعتراف بالجهل، ومنذ أن جعل ديكارت الشك منهجا لا غاية، ظلّ الشك فعلا معرفيا إيجابيا، يحرّر العقل من الوثوقيات الساذجة، ويفتح أفق السؤال والتمحيص. غير أنّ ما نعيشه اليوم ليس مجرّد عودة للشك، بل تحوّل نوعي في طبيعته ووظيفته وسياقه؛ إنّه شك رقمي لا ينبع من قلق العقل الباحث عن الحقيقة، بل من فيضان المعلومات وتسارع الصور وتداخل الحقيقي بالمصطنع، حتى صار الشك حالة عامة وأحيانا مرضا معرفيا، وأحيانا أخرى أداة للهيمنة والتضليل.

‏لقد دخل الإنسان المعاصر زمنا يمكن وصفه دون مبالغة بزمن الالتباس المعمّم. لم تعد الحقيقة تُنال بالبحث والتدليل بقدر ما تُغرق وسط كمّ هائل من السرديات المتنافسة والتمثيلات المتناقضة والوقائع المفبركة التي تحاكي الواقع إلى حدّ يستحيل معه التمييز. هنا بالضبط يبرز مفهوم “التزييف العميق” بوصفه ذروة هذا الالتباس، إذ لم يعد الزيف مجرد خبر كاذب يمكن تفنيده بل صار صورة وصوتا وحركةً تُنتج واقعا بديلا، واقعا “مقنعا” بلغة جان بودريار، حيث لا نعيش مع الحقيقة ولا مع الوهم، بل مع محاكاة تحلّ محلّ الأصل نفسه.

‏يغدو السؤال الفلسفي ملحا، ما الذي تبقّى من مفهوم الحقيقة؟ وهل ما نعيشه هو امتداد طبيعي لأزمة المعرفة التي تحدّث عنها فلاسفة الحداثة، أم أننا أمام قطيعة إبستمولوجية جديدة؟ لقد حذّر نيتشه منذ أواخر القرن التاسع عشر من أن “الحقائق ليست سوى أوهام نسينا أنها كذلك”، لكن نيتشه نفسه لم يتخيّل عالما تُنتَج فيه الأوهام صناعيا، وتُدار خوارزميا وتُسوَّق جماهيريا. إنّ الفرق بين وهمٍ يولده التأويل الإنساني، ووهمٍ تُنتجه الآلة وتضخّمه الشبكات، فرقٌ في الدرجة والماهية معا.

‏لم يعد الشك اليوم فعلا نقديا نابعا من الذات العارفة، بل أصبح نتيجة ضغط خارجي مستمر. فالعقل لم يعد يشك لأنه يريد أن يفهم، بل لأنه لم يعد قادرا على التصديق. هنا نستحضر تشخيص حنة آرندت حين ربطت بين انهيار المعايير المشتركة للحقيقة وصعود أنماط جديدة من السيطرة، معتبرة أن أخطر ما في الكذب المنظّم ليس أنه يُقنع الناس بأكاذيب بعينها، بل أنه يدمّر قدرتهم على التمييز بين الصدق والكذب أصلا. وهذا بالضبط ما يفعله الفضاء الرقمي اليوم، حين يُنتج شكا شاملاً لا يُفضي إلى معرفة أعمق، بل إلى لا مبالاة معرفية، حيث “كل شيء ممكن، ولا شيء مؤكّد”.

‏لقد كانت الفلسفة الكلاسيكية تفترض وجود مسافة بين الذات والموضوع وبين العقل والعالم وتسمح بالتأمل والتمحيص. أمّا اليوم فإن هذه المسافة قد تآكلت بفعل التدفق اللحظي للمعلومات. فالعالم لم يعد يُعطى لنا كموضوع للتفكير، بل كتيار من الإشارات والصور والمقاطع، يُستهلك أكثر مما يُفهم. وهنا يمكن استدعاء نقد مارتن هايدغر للتقنية، حين رأى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الآلات ذاتها، بل في نمط الكشف الذي تفرضه، حيث يُختزل الوجود إلى “مورد” قابل للاستخدام، ويُختزل الفكر إلى استجابة سريعة. في هذا الإطار يصبح الخبر موردا والصورة أداة والحقيقة مجرّد خيار ضمن قائمة.

‏إنّ الشك الرقمي لا ينشأ فقط من كذب متعمّد، بل من فائض الصدق ذاته. فحين تُقدَّم لنا آلاف “الحقائق” المتضاربة في الوقت نفسه، يفقد العقل قدرته على الترجيح. هنا تتحقق مفارقة عميقة، الوفرة تؤدي إلى الفقر،  أي وفرة المعلومات تؤدي إلى فقر المعنى. وقد عبّر بول ريكور عن هذا المعنى حين ميّز بين الشك الهدّام والشك التأويلي، معتبرا أن الأول يُفرغ العالم من الدلالة، بينما الثاني يعيد بناء المعنى عبر الفهم. غير أنّ الشك الرقمي يميل في الغالب إلى النمط الأول، لأنه لا يمنحنا زمن الفهم، ولا شروط التأويل.

‏ولا يمكن للفلسفة أن تقف موقف المتفرج. فكما واجهت الفلسفة في لحظات تاريخية سابقة تحديات الأسطورة واللاهوت المغلق والعلموية المتطرفة، فإنها اليوم مطالبة بمواجهة تحدي الخوارزمية. ليست الخوارزمية مجرد أداة تقنية، بل هي منطق جديد لتنظيم المعرفة والانتباه والرغبة. إنها بتعبير ميشيل فوكو شكل جديد من أشكال “نظام الخطاب”، يحدّد ما يظهر وما يُخفى، ما يُضخّم وما يُهمّش. والشك الرقمي في سياقنا هذا ليس حالة نفسية فردية، بل أثر بنيوي لهذا النظام.

‏لقد آمنت الفلسفة الحديثة بإمكانية تأسيس معرفة يقينية أو على الأقل عقلانية، تقوم على مبادئ واضحة. لكن الفضاء الرقمي يقوّض هذه الإمكانية من الداخل لا عبر إنكار العقل بل عبر إغراقه. فالعقل الذي كان يُفترض فيه أن يكون سيّد الأدوات، أصبح خاضعا لمنطق المنصّات، حيث تُكافأ الإثارة لا الدقة والسرعة لا العمق. وهنا نستعيد نقد مدرسة فرانكفورت، خاصة عند أدورنو وهوركهايمر، حين ربطا بين صناعة الثقافة وتوحيد الوعي، معتبرين أن العقل الأداتي ينقلب ضد ذاته حين يُختزل إلى وظيفة.

‏غير أنّ التزييف العميق يضيف بعدا جديدا لهذا الانقلاب. فالصورة التي كانت تُعدّ شاهدا على الواقع فقدت براءتها. لم يعد “ما أراه” دليلا على “ما كان”، بل قد يكون نتيجة شبكة عصبية اصطناعية. هنا تتزعزع إحدى الركائز الأساسية للمعرفة الحديثة، أي الثقة في التجربة الحسية. وقد كان كانط يرى أن المعرفة تبدأ بالحس، وإن لم تنتهِ إليه. لكن ماذا يبقى من هذا القول حين يصبح الحس نفسه قابلا للتزوير؟ إننا نواجه لأول مرة وضعا تصبح فيه التجربة موضع شك جذري، لا لأن العقل يخطئ في تفسيرها، بل لأن مصدرها ذاته لم يعد موثوقا.

‏ هنا يعود السؤال الأخلاقي بقوة. فالمعلومات المغلوطة ليست مجرد خطأ معرفي، بل هي فعل ذو تبعات سياسية واجتماعية. لقد أشار يورغن هابرماس إلى أن المجال العمومي يقوم على التواصل العقلاني، وعلى افتراض صدقية المتخاطبين. لكن ماذا يحدث حين يُغرق هذا المجال بسيل من الأكاذيب المصقولة التي تستثمر العاطفة وتستهدف الانتباه وتُفكّك الثقة؟ إن الشك الرقمي هنا يتحوّل من أداة نقد إلى وسيلة لتفكيك الرابط الاجتماعي ذاته.

‏ومع ذلك لا ينبغي للفلسفة أن تستسلم لنوستالجيا الحقيقة المفقودة، ولا أن تتبنى خطابا أخلاقيا تبسيطيا. فالتحدي الحقيقي يكمن في إعادة التفكير في مفاهيم الحقيقة واليقين والدليل ضمن شروط رقمية جديدة. لقد علّمنا التاريخ الفلسفي أن الحقيقة لم تكن يوما معطى بسيطا، بل كانت دائما بناءً معقّدا يتداخل فيه المعرفي بالقيمي واللغوي بالاجتماعي. وربما يكون الشك الرقمي رغم مخاطره فرصة لإعادة إحياء هذا الوعي النقدي، شرط أن يتحوّل من شك مشلول إلى شك منتج.

‏إنّ الفلسفة في جوهرها ليست حنينا إلى يقين ماضٍ، بل شجاعة في مواجهة الالتباس. وكما قال كارل ياسبرز، “الفلسفة هي التفكير في الحدود”، وحدود عصرنا اليوم مرسومة بالشاشات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي. إنّ السؤال لم يعد كيف نعرف؟ بل: كيف نميّز؟ وكيف نعيد بناء الثقة دون السقوط في السذاجة؟ وكيف نحمي العقل من أن يتحوّل إلى مجرّد مستقبل سلبي للصور؟.

‏لم يعد التزييف العميق مجرّد ظاهرة تقنية يمكن حصرها في مجال الذكاء الاصطناعي أو الإعلام الرقمي، بل غدا علامة أنطولوجية على تحوّل أعمق يمسّ علاقة الإنسان بالعالم وبذاته. فحين تصبح الصورة قابلة للإنشاء من العدم، والصوت قابلاً للاستنساخ دون جسد، والحدث قابلاً للتلفيق دون وقوع، نكون قد دخلنا طورا جديدا من الوجود، طورا لا يُلغى فيه الواقع، بل يُزاح عن مركزه. هنا تتبدّى أطروحة جان بودريار بكامل حدّتها، لسنا أمام كذب يحجب الحقيقة، بل أمام محاكاة تلغي الحاجة إلى الحقيقة ذاتها. فالتزييف العميق لا ينافس الواقع، بل يحلّ محلّه، ويؤسّس لما سمّاه بودريار “فرط الواقع”، حيث لا يعود السؤال هل هذا صحيح؟ بل هل هذا قابل للتداول والانتشار؟.

تفقد اللغة إحدى وظائفها الأساسية بوصفها وسيطا للحقيقة. لقد كان أرسطو يرى أن القول الصادق هو مطابقة ما في الذهن لما في الخارج، غير أن هذا التصوّر يفترض خارجا مستقرا يمكن الرجوع إليه. أما اليوم فإن “الخارج” نفسه صار مُنتَجا لغويا–تقنيا، تُعيد الخوارزميات تشكيله وفق منطق الانتباه والتفاعل. هنا يصبح القول صادقا لا لأنه يطابق الواقع بل لأنه ينجح في الإقناع أو يثير الانفعال أو ينسجم مع تحيّزات المتلقّي. وقد تنبّه لودفيغ فيتغنشتاين في مرحلته المتأخرة، إلى أن معنى القول لا يُستمدّ من مطابقته لشيء ما، بل من استعماله داخل “ألعاب لغوية” محدّدة. غير أن ألعابنا اللغوية اليوم لم تعد تُدار داخل جماعات متحاورة، بل داخل منصّات تكنولوجية تُحدّد مسبقا قواعد اللعبة وحدودها.

‏إنّ الشك الرقمي من هذا المنظور ليس أزمة ثقة في الأخبار فحسب، بل أزمة معنى. فاللغة حين تُستعمل باستمرار للتضليل أو المبالغة أو الاصطناع تفقد قدرتها على الإشارة، وتتحوّل إلى مجرّد أداة تأثير. وهنا نستحضر بول ريكور حين حذّر من “تفكّك الدلالة” حين تنفصل العلامة عن مرجعها، وحين يصبح التأويل بلا أفق. إن التزييف العميق لا يزوّر الوقائع فقط، بل يربك علاقتنا باللغة ذاتها، ويجعل كل خطاب مشكوكا فيه سلفا، حتى الخطاب الصادق.

‏ إننا نعيش انتقالا من سؤال “ما الموجود؟” إلى سؤال “ما المعروض؟”. فالعالم الرقمي لا يهتم بما هو كائن، بل بما هو قابل للعرض والمشاركة. وقد رأى غي ديبور، في نقده لمجتمع الفرجة، أن الواقع يتحوّل إلى تمثيل، وأن الإنسان يغدو متفرّجا على حياته بدل أن يكون فاعلا فيها. غير أنّ ما نعيشه اليوم يتجاوز الفرجة إلى الاصطناع؛ لم نعد نكتفي بعرض الواقع، بل بتصنيعه وفق الطلب. وهنا يبلغ الشك الرقمي ذروته، إذ لا يعود الإنسان متيقّنا حتى من ذاكرته، ولا من الشهادات البصرية التي كانت تُعدّ في زمن قريب أقوى الحجج.

‏لقد كان ديفيد هيوم يشكّ في السببية لأنها تقوم على العادة لا على البرهان، لكن شكّه كان فلسفيا تأمليا، يهدف إلى تواضع العقل لا إلى شلّه. أما الشك الرقمي فيحوّل هذا التواضع إلى عجز، ويحوّل الحذر إلى ارتياب دائم. فالعقل حين يُحاصر بالاحتمالات المتساوية يفقد قدرته على الحكم. وهذا ما يجعل الشك الرقمي قريبا من العدمية المعرفية، تلك التي حذّر منها نيتشه حين رأى أن انهيار القيم العليا قد يفضي إلى فقدان المعنى لا إلى تحرير الإنسان.

‏غير أنّ الأخطر من ذلك هو البعد السياسي لهذا الشك. فالمعلومات المغلوطة والتزييف العميق لا يعملان في فراغ، بل داخل صراعات السلطة. وقد بيّن ميشيل فوكو أن الحقيقة ليست خارج السلطة، بل تُنتَج داخل أنظمة خطابية تخدم مصالح معيّنة. وفي العصر الرقمي تتقاطع السلطة مع التقنية في شكل غير مسبوق، حيث تصبح الخوارزميات أدوات تنظيم للرأي العام وتوجيه للاهتمام وصناعة للشك نفسه. فالشك هنا ليس نقيض السيطرة بل أحد أدواتها، إذ يكفي أن يُزرع الشك في كل شيء حتى يتعذّر أي موقف نقدي متماسك.

‏وهنا تتبدّى مفارقة عميقة، الشك الذي كان في الفلسفة الكلاسيكية شرطا للتحرّر، يتحوّل في العصر الرقمي إلى آلية للضبط. فحين يشكّ الجميع في كل شيء، لا يعود أحد قادرا على الاعتراض باسم الحقيقة. وقد عبّر هابرماس عن هذا الخطر حين أكّد أن الديمقراطية تفترض حدا أدنى من الثقة التواصلية، وأن انهيار هذا الحدّ يفتح الباب أمام الشعبوية والتلاعب. فالتزييف العميق حين يُستعمل سياسيا لا يهدف بالضرورة إلى إقناع الناس بكذبة بعينها، بل إلى إقناعهم بأن الحقيقة نفسها مسألة نسبية أو غير قابلة للمعرفة.

‏ومع ذلك فإن الفلسفة لا تستطيع الاكتفاء بالتشخيص النقدي. فوظيفتها كما قال كانط ليست فقط في فهم العالم، بل في إرشاد العقل إلى شروط استعماله المشروع. من هنا تبرز الحاجة إلى إعادة بناء مفهوم الشك ذاته. فليس كل شك فضيلة، وليس كل يقين رذيلة. الشك المنتج هو ذاك الذي يقود إلى السؤال ثم إلى الفحص ثم إلى حكم مؤقّت قابل للمراجعة. أما الشك الرقمي السائد فهو شك بلا أفق، شكّ يعلّق الحكم دون أن يهيّئ شروط المعرفة.

‏إنّ استعادة المعنى الفلسفي للشك تقتضي أوّلا إعادة الاعتبار للزمن. فالمعرفة لا تُنتَج في العجلة، والحقيقة لا تتكشّف في التدفق اللحظي. لقد كان برجسون يميّز بين الزمن الكمي والزمن المعيش، معتبرا أن الوعي يحتاج إلى مدّة داخلية كي يفهم. غير أنّ الفضاء الرقمي يضغط هذا الزمن، ويحوّل التفكير إلى ردّ فعل. ومن دون زمن للتأمّل يصبح الشك مجرّد انفعال.

‏كما تقتضي هذه الاستعادة إعادة بناء الثقة، لا بوصفها تصديقا أعمى، بل بوصفها افتراضا عمليا. فكما قال بول ريكور، “لا فهم دون ثقة أولية، ولا نقد دون شك لاحق”. إنّ العقل لا يبدأ من الصفر، بل من شبكة من المسلّمات القابلة للفحص. أما الشك الذي يبدأ من نفي كل شيء فلا ينتهي إلى شيء. وهنا يمكن للفلسفة أن تلعب دورا تربويا لا وعظيا، في تعليم التمييز لا في فرض اليقين.

‏ثمّة بعد آخر لا يقل أهمية وهو البعد الأخلاقي. فالتزييف العميق يطرح سؤال المسؤولية، من المسؤول عن الحقيقة في عالم تُنتَج فيه المحتويات آليا؟ هل هي مسؤولية الفرد أم المنصّة أم المبرمج أم الخوارزمية؟ لقد كان إيمانويل ليفيناس يرى أن الأخلاق تبدأ من مسؤولية الوجه، من مواجهة الآخر بوصفه آخر. غير أنّ التزييف العميق يطمس الوجوه، ويحوّل الآخر إلى صورة قابلة للتلاعب. هنا يصبح الدفاع عن الحقيقة دفاعا عن الآخر وعن حقّه في ألا يُختزل إلى تمثيل زائف.

‏وفي السياق العربي، تتضاعف هذه الإشكالات بفعل هشاشة المجال العمومي، وضعف الثقة في المؤسسات، وتاريخ طويل من الالتباس بين الخبر والدعاية. إنّ الشك الرقمي حين يدخل إلى سياق يعاني أصلا من أزمات معرفية وتعليمية، قد يتحوّل إلى قطيعة شاملة مع فكرة الحقيقة ذاتها. وهذا ما يجعل الحاجة إلى الفلسفة، بوصفها تمرينا على التفكير لا بوصفها ترفا ثقافيا، بل حاجة ملحّة لا يمكن تأجيلها.

‏إنّ ما نعيشه اليوم ليس نهاية الحقيقة، بل اختبارها الأصعب. فالحقيقة كما قال هايدغر ليست شيئا نملكه، بل حدث انكشاف. غير أن هذا الانكشاف يحتاج إلى شروط: لغة غير مبتذلة وزمن غير مسروق وعقل غير مرتهن. إنّ الشك الرقمي إذا تُرك بلا توجيه فلسفي قد يتحوّل إلى ظلام معرفي. أمّا إذا أُعيد دمجه داخل أفق نقدي واعٍ فقد يصبح مناسبة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى التي ظنّ الإنسان المعاصر أنه تجاوزها.

‏ إن الفلسفة في زمن المعلومات المغلوطة والتزييف العميق، ليست مدعوة إلى الدفاع الساذج عن يقين مفقود، ولا إلى الاستسلام لعدمية شاملة، بل إلى ممارسة دورها الأصيل، تفكيك البداهات ومساءلة الأدوات وكشف ما يُقدَّم بوصفه بديهيا أو طبيعيا. إنّ الشك الرقمي ليس قدرا محتوما، بل ظاهرة تاريخية لها شروطها وإمكانات تجاوزها. وتجاوزها لا يكون بالتقنية وحدها ولا بالقانون وحده، بل بوعي نقدي يُعيد للعقل ثقته بنفسه دون أن يُعيده إلى الغرور.

‏لقد علّمتنا الفلسفة منذ بداياتها أن الحقيقة ليست معطى جاهزا بل مسارا شاقا. وربما يكون أعظم ما يمكن أن تقدّمه اليوم هو تذكير الإنسان المعاصر بأن الشك حين يفقد بوصلته يتحوّل إلى عبء، وحين يستعيد معناه يصبح شرطا للحرية. ففي عالم يزداد فيه الزيف إتقانا لا خلاص للعقل إلا في شجاعة التفكير، ولا كرامة للحقيقة إلا في عناد السؤال.

***

د .حمزة مولخنيف

مقاربة ميتودولوجية

مقدمة: في عصرنا الحالي، تشهد الفلسفة المعاصرة تحولات جذرية في مناهجها، حيث يبرز التجديد المنهجي كمحور أساسي لإعادة صياغة الفهم الفلسفي للوجود، الحقيقة، والمعنى. يتمثل هذا التجديد في محاولة تجاوز المناهج التقليدية المتجذرة في الميتافيزيقا الغربية، التي غالباً ما تعتمد على افتراضات مركزية  عقلية تركز على الحضور الكامل والوحدة المعنوية. ومع ذلك، يأتي هذا التجديد محفوفاً بتوتر أساسي بين "التغطية" (أو الإخفاء) و"الانتشار" (أو التشتت)، حيث يُعَدُّ هذا التوتر مقاربة ميتودولوجية جوهرية لفهم كيفية كشف الحقيقة وإخفائها في الوقت ذاته. التغطية، كمفهوم فلسفي، تشير إلى عملية الإخفاء أو التستر الذي يمنع الكشف الكامل عن الوجود، بينما الانتشار يعبر عن عملية التشتت والتوزيع التي تحول دون الوصول إلى معنى مركزي أو موحد. هذان المفهومان ليسا متناقضين فحسب، بل يشكلان ديالكتيكاً داخلياً يدفع الفلسفة المعاصرة نحو تجديد منهجي يعتمد على التحليل النقدي للنصوص، اللغة، والتاريخ. في هذه الدراسة، سنستعرض هذا التوتر من خلال مقاربة ميتودولوجية، مستندين إلى أعمال فلاسفة رئيسيين مثل مارتن هيدغر وجاك دريدا وريكور، مع التركيز على كيفية مساهمتهم في إعادة تشكيل المناهج الفلسفية. سنقسم الدراسة إلى أقسام رئيسية: الخلفية الهيدجرية لمفهوم الإخفاء والكشف، مفهوم الانتشار عند دريدا، المقارنة بينهم كتجديد منهجي، ومقاربة ريكور الهرمينوطيقية السردية، وأخيراً الآثار الميتودولوجية على الفلسفة المعاصرة. فيما يتمثل التجديد المنهجي في الفلسفة المعاصرة كمقاربة ميتودولوجية؟

أولا: الإخفاء والكشف في فلسفة هيدجر – أساس التجديد المنهجي

يُعد مارتن هايدغر (1889-1976) أحد أبرز المفكرين الذين أعادوا صياغة مفهوم الحقيقة في الفلسفة المعاصرة، محولاً إياها من مجرد مطابقة بين الفكر والواقع إلى عملية كشف ديناميكية. في عمله الرئيسي "الكينونة والزمن" (1927)، يعيد هيدجر تفسير الكلمة اليونانية "أليثيا" (aletheia) كـ"غير مخفي" أو "الكشف" ، مقابل الإخفاء.  وفقاً لهايدغر، الحقيقة ليست شيئاً ثابتاً يمكن الوصول إليه عبر المنطق التقليدي، بل هي حدث (Ereignis) يحدث فيه الكشف عن الوجود من خلال إزالة الستر أو الإخفاء الذي يغطيه. هذا الإخفاء ليس سلبياً محضاً، بل هو جزء أصيل من عملية الكشف؛ فالوجود يظهر دائماً في سياقات تاريخية وثقافية تخفي جوانب أخرى منه. من الناحية المنهجية، يمثل هذا التفسير تجديداً جذرياً للفلسفة، حيث ينتقل المنهج من التحليل المنطقي إلى "التفكير الهرمينوطيقي" ، الذي يركز على تفسير الوجود كما يظهر في اللغة والتاريخ.  في مقالته "أصل العمل الفني" (1935-1936)، يطور هيدغر فكرة "الصراع" بين الإخفاء والكشف، حيث يصبح العمل الفني مكاناً لظهور الحقيقة كحدث يجمع بين الظهور والانسحاب.  هذا التوتر يعكس كيف أن الفلسفة المعاصرة، تحت تأثير هيدجر، تجدد مناهجها بالتركيز على "الكينونة" كشيء يتجاوز التمثيلات البشرية، مما يدفع إلى منهج يعتمد على الاستماع إلى اللغة بدلاً من فرض مفاهيم عليها. في سياق التغطية والانتشار، يمثل الإخفاء عند هيدجر الجانب الذي يمنع الانتشار الكامل للحقيقة، لكنه في الوقت نفسه يفتح مجالاً للتجديد المنهجي. إذ يرى هيدجر أن الميتافيزيقا الغربية قد أخفت سؤال الكينونة من خلال تركيزها على الكائنات الفردية، مما يتطلب "تدمير" التقاليد الفلسفية لكشف الإخفاء الأصلي.  فهذا المنهج الهرمينوطيقي يصبح أداة للتجديد، حيث يسمح بالانتشار المتعدد للمعاني دون الوقوع في فخ الوحدة الميتافيزيقية.

ثانيا: الانتشار عند دريدا – تجديد من خلال التشتت والتأجيل

يبني جاك دريدا (1930-2004) على تراث هايدغر، لكنه يوسع التوتر بين الإخفاء والانتشار من خلال مفهوم "الانتشار" ، الذي يعبر عن عملية تشتت المعنى وتأجيله عبر الكتابة والنصوص. في كتابه "الانتشار" (1972)، يقدم دريدا الانتشار كبديل للمعاني المتعددة، حيث لا يعود المعنى إلى أفق موحد، بل ينتشر في مجال مفتوح من الاختلافات والتأجيلات (différance).  الـفرق، كمصطلح دريدي، يجمع بين "الاختلاف" (difference) و"التأجيل" (deferral)، مما يجعل المعنى دائماً مؤجلاً ومخفياً جزئياً. من الناحية المنهجية، يمثل الانتشار تجديداً للفلسفة من خلال "التفكيك" (deconstruction)، الذي يفكك الثنائيات الهرمية مثل الكلام/الكتابة، الحضور/الغياب، والحقيقة/الزيف. في تحليله لنصوص مثل "الفيدروس" لبلاتون أو "اعترافات" روسو، يكشف دريدا كيف أن الكتابة تعمل كـ"مكمل" (supplement) يخفي ويكشف في آن، مما يربط الانتشار بالإخفاء.  على سبيل المثال، مصطلح "الفارماكون" (pharmakon) عند بلاتون يعني الدواء والسم معاً، مما يخفي عدم القرارية  في قيمة الكتابة.هذا التجديد يدفع الفلسفة نحو منهج يركز على "الأثر" (trace) والفجوات النصية، حيث يصبح الانتشار أداة لكشف الإخفاء المتأصل في اللوجوسنترية. خلافاً لهيدجر، الذي يسعى إلى كشف أصلي، يرى دريدا أن الانتشار يمنع أي عودة إلى أصل، مما يجعل المنهج فلسفياً أكثر راديكالية ومفتوحاً.

ثالثا: في مناهج الفلسفة الريكورية: مقاربة هرمينوطيقية فينومينولوجية

يُعتبر بول ريكور أحد أبرز الفلاسفة الفرنسيين في القرن العشرين، الذي أعاد صياغة المناهج الفلسفية من خلال دمج الفينومينولوجيا مع الهرمينوطيقا، مما أدى إلى إنشاء نموذج تأويلي يركز على "الإنسان القادر" ككائن يجمع بين القدرات والضعف. تطور مناهج ريكور من التأثر بالفلسفة التفكرية الفرنسية والفينومينولوجيا الوجودية (مثل هوسرل، ياسبرز، مارسيل، سارتر، وميرلو-بونتي) إلى "الدوران اللغوي" الذي يركز على الخطاب والزمن. هذا التطور يعكس رفضه للشفافية الذاتية المباشرة، مفضلاً بدلاً من ذلك الطريق غير المباشر عبر الرموز، النصوص، والسرديات لفهم الذات والعالم. يوسع في مناهج ريكور الرئيسية، بدءاً من الهرمينوطيقا كطريقة ديالكتيكية، مروراً بالقوس الهرمينوطيقي، ويدمج الفينومينولوجيا، الهوية السردية، والآثار الأخلاقية والسياسية، مستندا إلى أعماله الرئيسية مثل "الرمزية الشر" ، "صراع التأويلات"، "الزمن والسرد"، و"عين الذات كآخر". الهرمينوطيقا كمنهج ديالكتيكي – بين الشك والإيمانتُشكل الهرمينوطيقا جوهر مناهج ريكور، حيث يعرفها كطريقة تفسيرية تتوسط بين التناقضات، مثل التحليل الموضوعي والمعنى الفائض الذاتي. يميز ريكور بين "هرمينوطيقا الشك"، التي تستلهم من ماركس، نيتشه، وفرويد لكشف الإيديولوجيات المخفية خلف الظواهر، و"هرمينوطيقا الإيمان" أو تفسير الرموز التي تستعيد المعاني السطحية.  في "فرويد والفلسفة"، ينتقد ريكور التركيبية البنيوية لكونها جامدة وغير زمنية، مفضلاً الخطاب كاستخدام للعلامات من قبل متحدث يوجهها إلى آخر في سياق، مما يحافظ على المعنى الفائض الذي يفتح باب التأويل المستمر.هذا المنهج الديالكتيكي يحل الصراع بين التفسيرات دون إزالتها، كما في "صراع التأويلات"، حيث يصبح التفسير وسيلة للتوفيق بين الشرح العلمي والفهم الذاتي. خلافاً لجادامر، الذي يركز على التاريخ، يوجه ريكور الهرمينوطيقا نحو الفعل الحاضر، مما يجعلها أداة للعمل الأخلاقي والسياسي. يتحدث القوس الهرمينوطيقي – من الفهم إلى التملك يُقدم ريكور مفهوم "القوس الهرمينوطيقي" كعملية تفسيرية تبدأ من الفهم الأولي، تمر بالشرح عند فشل الفهم، وتنتهي بالتملك لعالم النص المُسقط كعالم قابل للسكنى عبر الخيال. في "من النص إلى الفعل"، يُوضح هذا القوس كوسيط بين الشرح والفهم، يسمح بالنقد والإعادة التفسير مع مرور الزمن. هذا المنهج يتجاوز الوصف الفينومينولوجي المباشر، مستبدلاً إياه بتفسير الخطاب الذي ينبعث منه المعنى، كما في "رمزية الشر"، حيث يصبح الرمز "يعطي للتفكير"، مكملاً الوصف المباشر بتفسير الامتلاء الخطابي. في سياق أوسع، يدمج ريكور الفينومينولوجيا مع الهرمينوطيقا في "فينومينولوجيا هرمينوطيقية"، حيث يُزرع التفسير على الوصف الفينومينولوجي لفهم ظهور المعنى في اللغة. هذا الدمج يظهر في أعماله المبكرة مثل "الحرية والطبيعة"، التي تستخدم الفينومينولوجيا الأولانية لاستكشاف قطبية الإرادي واللا إرادي، و"الإنسان القابل للسقوط"، الذي يستخدم التحليل الترانسندنتالي لإظهار عدم التناسب البشري كأساس للقابلية للشر. فكيف انعكست مناهج فهم الذات على الهوية السردية وعلاقتها بالزمن؟

تُعتبر مناهج ريكور في الهوية السردية  تجديداً لفهم الذات، حيث يجيب على سؤال "من؟" عبر السرديات التي يرويها الشخص أو يرويها الآخرون عنه. في "الزمن والسرد"، يرى السرد كتكوين لمفاهيم متغايرة (المقاصد، الزمن) في حبكات تجمع بين الفعل والزمن، محلاً الصراعات العملية بين الزمن المعاش (الآن مع الماضي-المستقبل) والزمن الكوني (النقاط المتسلسلة) دون إغلاق نظري.  هذا يؤدي إلى "هوية سردية" في "عين الذات كآخر" ، حيث تكون الذات "كوجيتو جريح" يشهد عليها الشهادة، تجمع بين idem (الهوية التطابقية) وipse (الذاتية عبر التغيير)، مرتبطة بالفعل والقدرة لا بالماهية والجوهر.أما الزمن، فيُعاد تشكيله عبر السرد كإعادة تشكيل للأحداث في قصص تحدد الفعل سببياً في الزمن، مما يخلق "توافقاً متنافراً" عبر الحبكات. نهايات السرديات تحول دون استنفاد الزمن أو معنى الفعل، مما يجعل المنهج أداة لفهم الذات كعملية زمنية مستمرة. الآثار الأخلاقية والسياسية – من الأخلاق الصغيرة إلى العدالة تمتد مناهج ريكور إلى الأخلاق ك"أخلاق صغيرة" تسعى إلى حياة طيبة مع الآخرين في مؤسسات عادلة، مروراً بالمعايير والحكمة العملية (phronesis)، معبرة عن الاهتمام بالقريبين والعدالة للبعيدين، مستندة إلى القاعدة الذهبية ومتجاوزة بحب. في "العادل 1 و2" ، تتعامل العدالة مع الآخرين المجهولين عبر القواعد والمؤسسات.  سياسياً، يدير الخطاب ديالكتيك الإيديولوجيا (تبرير السلطة) واليوتوبيا (تخيل ما وراءها)، مما يمكن العيش معاً. دينياً، يسمي الخطاب الله عبر نصوص متعددة الأصوات، مشروعاً التقاليد عبر دوائر هرمينوطيقية. في أعماله المتأخرة مثل "الذاكرة، التاريخ، النسيان" ، يربط استخدامات الذاكرة (مرضية، عملية، أخلاقية) بالتاريخ كفهم توضيحي، والنسيان بالغفران كهبة تمكن الاعتراف المتبادل في "مسار الاعتراف". أما الاستعارة، في "الاستعارة الحية" ، فهي خطاب ممتد يعيد وصف الواقع عبر "التواء استعاري"، مفروضاً على لغة موجودة.

رابعا: المقارنة بين الإخفاء والانتشار – توتر ميتودولوجي في الفلسفة المعاصرة

يبرز التوتر بين الإخفاء عند هايدغر والانتشار عند دريدا كمحور للتجديد المنهجي في الفلسفة المعاصرة. لدى هايدغر، الإخفاء جزء من عملية الكشف، حيث يحدث الحدث كصراع يفتح المعنى دون إغلاقه تماماً.  أما دريدا، فيوسع هذا التوتر إلى انتشار لا يعود إلى وحدة، بل ينتج "عدم قرارية" تحول دون أي كشف كامل.  هذه المقارنة تكشف كيف أن الفلسفة القارية المعاصرة تجدد مناهجها بالانتقال من الهرمينوطيقا إلى التفكيك، مع الحفاظ على التوتر كأداة ميتودولوجية. في سياق أوسع، يؤثر هذا التوتر على مجالات مثل فلسفة العلم، حيث يصبح البحث عن الحقيقة عملية كشف جزئي مع إخفاء دائم، كما في الدراسات النوعية التي تتعامل مع الأسرار المخفية والمكشوفة.  كذلك، في فلسفة التكنولوجيا، يساهم في فهم كيف تكشف التكنولوجيا الوجود مع إخفاء جوانبه الأخرى. فماهي آثار التجديد في المقاربة الميتودولوجية على الفلسفة المعاصرة؟

من الناحية الميتودولوجية، يقدم هذا التوتر إطاراً لتجديد المناهج الفلسفية، حيث يصبح التحليل النصي واللغوي أداة رئيسية لكشف الإخفاء والانتشار. في الفلسفة المعاصرة، يؤدي ذلك إلى ظهور مناهج مثل "الفينومينولوجيا الما بعدية" ، التي تدمج الإخفاء والكشف في دراسة العلاقات الإنسانية مع التكنولوجيا.  كما يشجع على "التفكير الراديكالي الزمني"، الذي يرى الزمن كعملية انتشار وإخفاء. هذه المقاربة تحول الفلسفة من علم يسعى إلى اليقين إلى ممارسة نقدية تتعامل مع عدم اليقين، مما يفتح أبواباً لتأثيرات متعددة التخصصات، مثل في العلوم الاجتماعية حيث يُعاد تقييم الخصوصية والكشف.

خاتمة:

يمثل التجديد المنهجي في الفلسفة المعاصرة بين التغطية والانتشار مقاربة ميتودولوجية تعيد صياغة الفهم الفلسفي للحقيقة كعملية ديناميكية. من خلال هيدجر ودريدا وريكور، نرى كيف يصبح هذا التوتر محركاً للابتكار، محولاً الفلسفة إلى مجال مفتوح يتحدى الثوابت التقليدية. في عصرنا الرقمي والعولمي، يظل هذا التجديد ضرورياً لمواجهة التحديات الجديدة، مثل انتشار المعلومات وإخفاء الحقائق في وسائل التواصل. لقد أدى تطور مناهج ريكور من الفينومينولوجيا قبل الهرمينوطيقية في "الحرية والطبيعة" إلى الدمج الهرمينوطيقي في "رمزية الشر"، مروراً بالخطاب والسرد في "الزمن والسرد" و"الذات كآخر"، وصولاً إلى الاهتمامات الأخلاقية-السياسية في "الذاكرة، التاريخ، النسيان" و"مسار الاعتراف"، مع أعمال ما بعد الوفاة مثل "ان تحيا حتى الموت" التي تدمج الذاكرة، الخيال، والموت. هذه المناهج تحول الفلسفة إلى ممارسة تفسيرية مفتوحة، تتعامل مع التناقضات البشرية، وتظل ذات صلة في عصرنا لفهم الهوية، الذاكرة، والعدالة في سياقات متعددة الثقافات والرقمية. فماهي تأثيرات تطور المناهج الريكورية على الثقافة والفنون والادب والدراسات التاريخية والدينية والقانونية وأهميتها المعاصرة في الاتجاه نحو فلسفة مفتوحة ومستمرة؟ وكيف يُستمثر هذا الكم الهائل من المناهج في تجديد فلسفتنا بشكل ابداعي؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

كيف تغيّر الميتافيرس حدود التجربة الإنسانية؟

لم تعد الفلسفة اليوم تقف عند تخوم الأسئلة الكلاسيكية التي صاغت علاقتها بالعالم والإنسان والمعنى، بل وجدت نفسها منخرطة في مساءلة فضاء جديد يتشكّل خارج الإحداثيات المألوفة للوجود المادي، فضاء رقمي لم يعد مجرّد وسيط تقني أو أداة تواصل، بل أصبح أفقا أنطولوجيا ومعرفيا وأخلاقيا يعاد داخله تعريف التجربة الإنسانية ذاتها. إن الميتافيرس بوصفه ذروة تطوّر الفضاء الرقمي، لا يطرح نفسه كتقنية متقدمة فحسب، وإنما كـ«عالم ممكن» بالمعنى الفلسفي، عالم يزاحم الواقع الفيزيائي ويعيد ترتيب العلاقة بين الذات والجسد بين الوعي والمكان، وبين الحقيقة والتمثيل. من هنا تتبدّى الحاجة إلى مقاربة فلسفية كثيفة، لا تكتفي بوصف الظاهرة، بل تسائل شروط إمكانها وحدودها ومفاعيلها العميقة في بنية الوجود الإنساني.

لقد كان الفضاء في التقليد الفلسفي مقولة مركزية في فهم التجربة البشرية. فمنذ أرسطو الذي ربط المكان بالحاوي الطبيعي للأجسام، مرورا بديكارت الذي جعله امتدادا خالصا، وصولا إلى كانط الذي اعتبره حدسا قبليا ينظّم التجربة، ظلّ الفضاء شرطا لإمكان الإدراك والتعيّن. غير أن الفضاء الرقمي كما يتجلّى في الميتافيرس، لا يستجيب لأيّ من هذه التصوّرات على نحو مباشر، إذ هو فضاء لا امتدادي لا طبيعي ولا قبلي بالمعنى الكانطي، بل فضاء مُنتَج تقنيا تُنشئه الخوارزميات وتُعمّده التمثيلات البصرية، وتسكُنه ذوات هجينة نصفها جسدي ونصفها رمزي. هنا يُطرح سؤال فلسفي حاسم: هل نحن أمام توسيع للتجربة الإنسانية أم أمام انفصال تدريجي عنها؟.

إن الميتافيرس لا يُقَدَّم بوصفه بديلاً عن الواقع، بل بوصفه «استمرارية معزَّزة» له، حيث يُعاد تشكيل التفاعل الإنساني عبر صور رمزية تحاكي الجسد دون أن تطابقه، وتُنتج حضورا دون تموضع، وتتيح فعلا دون تماس. هذا التحوّل يستدعي استحضار تحليل ميرلو-بونتي للجسد باعتباره «وسيطا للوجود في العالم»، إذ لا يمكن، في ضوء فلسفته الظاهراتية، تصور وعي منفصل عن جسده. لكن ما الذي يحدث حين يُختزل الجسد إلى تمثيل بصري قابل للتعديل، وحين يصبح الحضور تجربة إدراكية بلا ثقل فيزيائي؟ هل يظل الجسد في الميتافيرس شرطا للتجربة، أم يتحوّل إلى واجهة قابلة للاستبدال؟.

إن هذا السؤال يعيدنا إلى قلب الإشكال الظاهراتي المتعلق بالتجربة المعاشة. فهوسرل حين أسّس للظاهراتية، كان يسعى إلى العودة إلى «الأشياء ذاتها» كما تُعطى في الوعي، لا كما تُفترض نظريا. غير أن الأشياء في الميتافيرس ليست معطاة، بل مُصمَّمة وليست مُدرَكة مباشرة، بل عبر وسائط رقمية تحاكي الإدراك. من هنا أمكننا القول أننا أمام تجربة «مضاعفة»، تجربة لتجربة، حيث لا يعيش الإنسان العالم، بل يعيش تمثيله. وهذا ما يجعل الميتافيرس أقرب إلى ما وصفه بودريار بـ«الواقع الفائق» ، حيث تختفي الحدود بين الأصل والصورة، ويغدو التمثيل أكثر حضورا من المُمثَّل.

غير أن اختزال الميتافيرس في كونه محض محاكاة قد يُغفل بعدا أساسيا فيه، وهو قدرته على إعادة تشكيل المعنى الاجتماعي والرمزي للتجربة. فالإنسان كما نبّهت أرندت، كائن علائقي يتحقق وجوده في الفضاء العمومي حيث الفعل والكلام. وإذا كان الفضاء العمومي في الحداثة مرتبطا بالمكان الفيزيائي، فإن الميتافيرس يفتح أفقا لفضاء عمومي رقمي، تتداخل فيه الذوات عبر وسائط جديدة، وتُعاد فيه صياغة مفاهيم مثل الحضور والهوية والمسؤولية. هنا لا يعود السؤال مقتصرا على «هل الميتافيرس حقيقي؟»، بل يتجاوز ذلك إلى «ما نوع الحقيقة التي يُنتجها؟».

إن الهوية في هذا السياق تُصبح إشكالاً فلسفيا مركزيا. فالذات في الميتافيرس ليست معطى ثابتا، بل بناء قابل للتشكيل المستمر. يمكن للمرء أن يختار ملامحه وصوته وحتى جنسه وأن يتنقّل بين هويات متعددة دون أن يُلزَم بوحدة ثابتة. هذا الوضع يستحضر أطروحات نيتشه حول الذات بوصفها «صيرورة» لا جوهرا، لكنه في الوقت ذاته يطرح إشكال المسؤولية الأخلاقية، إذا كانت الهوية قابلة للتبديل فمن يتحمّل نتائج الأفعال؟ وهل يمكن الحديث عن أخلاق في فضاء تُمحى فيه آثار الفعل أو تُعاد كتابتها؟.

من جهة أخرى يفرض الميتافيرس إعادة التفكير في مفهوم التجربة ذاته. فالتجربة في معناها الكلاسيكي، كانت ترتبط بالاحتكاك بالعالم بالمخاطرة بالخطأ وبالحدود. أما في الفضاء الرقمي فإن التجربة تُصمَّم لتكون آمنة قابلة للإعادة وخالية من العواقب الجسدية. وهذا ما قد يُنتج  على نحوٍ مفارِق، تجربة مُفرَغة من كثافتها الوجودية. لقد كان هايدغر يرى أن الوجود الإنساني يتحدّد بكونه «وجودا نحو الموت»، أي بوعيه بحدوده القصوى. فكيف يمكن لتجربة تُلغى فيها هذه الحدود أن تحتفظ بعمقها الأنطولوجي؟.

ومع ذلك لا ينبغي الوقوع في نزعة تشاؤمية تُدين الميتافيرس بوصفه نفيا للتجربة الأصيلة. فالتاريخ الفلسفي ذاته يُظهر أن كل تحوّل في وسائط التجربة كان يُستقبَل بالريبة قبل أن يُعاد دمجه في أفق الفهم الإنساني. لقد أثار ظهور الكتابة كما يروي أفلاطون في محاورة «فيدروس»، خوفا من ضياع الذاكرة، ثم أصبحت لاحقا شرطا للمعرفة. فهل يكون الميتافيرس مرحلة جديدة في هذا المسار أم قطيعة جذرية معه؟.

إن ما يميّز الميتافيرس مقارنة بالتحولات السابقة، هو شموليته وقدرته على احتواء أبعاد متعددة من الحياة الإنسانية، العمل، اللعب، التعليم، الفن والعلاقات الاجتماعية. إنه لا يقدّم نفسه كأداة ضمن العالم، بل كعالم بديل أو موازٍ. وهذا ما يجعله فلسفيا موضع مساءلة أنطولوجية قبل أن يكون موضوع تحليل تقني. فالوجود في الميتافيرس ليس وجودا عرضيا، بل وجود يُستثمر فيه الزمن والعاطفة والمعنى. وهنا تبرز مفارقة عميقة، كيف يمكن لفضاء مُنشأ حسابيا أن يُنتج خبرات وجودية ذات دلالة؟.

قد يكون الجواب كامنا في طبيعة الإنسان ذاته. فالإنسان كما يقول كاسيرر «حيوان رمزي»، يعيش في عوالم من المعنى لا تقل واقعية عن العالم المادي. وإذا كان الميتافيرس يُنتج منظومات رمزية جديدة، فإن واقعيته لا تُقاس بماديته بل بقدرته على تنظيم الفعل والمعنى. غير أن هذا لا يُعفي الفلسفة من واجب النقد بل يضاعفه، لأن الرموز حين تنفصل عن شروطها الأخلاقية، قد تتحوّل إلى أدوات هيمنة أو اغتراب.

وهنا يتّضح أن السؤال عن الميتافيرس ليس سؤالا عن المستقبل فحسب، بل عن الحاضر الذي يتشكّل أمامنا. إننا نشهد في هذا الفضاء إعادة رسم لحدود التجربة الإنسانية، حيث يتداخل الواقعي والمتخيَّل، ويتحوّل الوجود إلى مشروع تصميم، وتُختبر الذات في إمكانات لم تكن متاحة من قبل. غير أن هذا الاتساع في الإمكان لا يخلو من مخاطر، خطر فقدان الجذور الجسدية للتجربة، خطر تمييع الهوية وخطر اختزال العالم إلى واجهة تفاعلية.

الفلسفة في مواجهتها للميتافيرس ليست مطالبة بإصدار أحكام نهائية، بل بفتح أفق للتفكير النقدي الذي يُمسك بالتعقيد دون تبسيط، ويُبقي السؤال مفتوحا دون أن يُفرغه من حدّته. فالميتافيرس ليس قدرا محتوما ولا خلاصا تقنيا، بل ظاهرة إنسانية بامتياز، تكشف بقدر ما تُخفي، عن طموحات الإنسان وحدوده، عن رغبته في تجاوز الواقع، وعن خوفه العميق من فقدان المعنى.

إن الميتافيرس هو مرآة جديدة للفلسفة ذاتها، مرآة تعكس سؤالها القديم في صيغة معاصرة، ما معنى أن نكون بشرا في عالم يتغيّر فيه شكل الوجود، وتتبدّل فيه شروط التجربة؟ هذا السؤال الذي لم تفقد الفلسفة راهنيته يوما، يجد في الفضاء الرقمي ميدانا جديدا للاختبار، ميدانا سيُعيد لا محالة صياغة العلاقة بين الفكر والواقع والتقنية والمعنى، وبين الإنسان وحدود تجربته.

إذا كان الميتافيرس في مستواه الظاهراتي الأول، يضعنا أمام إعادة تشكيل للحضور والتجربة، فإن عمقه الحقيقي يتجلّى حين ننتقل إلى مساءلته أنطولوجيا وأخلاقيا وسياسيا، أي حين نكفّ عن النظر إليه بوصفه فضاءً للاستخدام، ونبدأ التفكير فيه بوصفه نمطا جديدا للوجود. هنا يتقاطع سؤال التقنية بسؤال الكينونة، ويتحوّل الميتافيرس من منتَج رقمي إلى أفق يعاد داخله ترتيب العلاقة بين الإنسان والعالم والسلطة والمعنى، وبين الحرية والتشييء.

لقد نبّه هايدغر في نصه الشهير حول سؤال التقنية، إلى أن جوهر التقنية لا يكمن في الأدوات، بل في نمط الكشف الذي تفرضه على الوجود. فالتقنية الحديثة في نظره لا تكشف الكائنات كما هي، بل تحصرها ضمن أفق «المورد» القابل للتخزين والتوظيف. وإذا كان هذا التحليل قد كُتب في سياق الصناعة والآلة، فإن راهنيته تتضاعف حين نضعه في مواجهة الميتافيرس. فالإنسان ذاته داخل هذا الفضاء، مهدّد بأن يُعاد تعريفه بوصفه موردا للبيانات، وسلوكا قابلاً للتنبؤ، وحضورا يُقاس بدرجات التفاعل لا بكثافة المعنى. هنا لا يصبح السؤال: ماذا نفعل في الميتافيرس؟ بل: ماذا يفعل الميتافيرس بنا؟.

إن الوجود داخل الميتافيرس يُختزل في كثير من تجلياته إلى واجهة تفاعلية، حيث تُترجم الانفعالات إلى رموز، والعلاقات إلى مؤشرات، والزمن إلى وحدات قابلة للاستثمار. هذا الاختزال لا يعني اختفاء التجربة، بل إعادة ترميزها وفق منطق حسابي. ومن هنا تبرز مفارقة عميقة، كلما اتّسعت إمكانات التعبير داخل الفضاء الرقمي، كلما ازداد خطر تقييدها ضمن قوالب مُسبقة التصميم. وهو ما يجعل الحرية التي يُروَّج لها بوصفها إحدى وعود الميتافيرس، حرية مشروطة ببنية تقنية لا يتحكم فيها المستخدم، بل تُحدّد مسبقا أفق الممكن وغير الممكن.

في سياقنا هذا يمكن استدعاء فوكو لا بوصفه فيلسوف السلطة فحسب، بل كمفكّر للفضاءات والانضباط. فإذا كانت الحداثة قد أنتجت مؤسسات تُراقب الأجساد وتُنظّمها، فإن الميتافيرس يُنتج فضاءً تُراقَب فيه الذوات عبر بياناتها، وتُضبط فيه السلوكات عبر خوارزميات غير مرئية. إننا هنا أمام انتقال من «المراقبة البصرية» إلى «المراقبة الحسابية»، حيث لا يحتاج الضبط إلى عين، بل إلى نموذج تنبؤي. وهكذا يتحوّل الوجود الرقمي إلى ما يشبه سجنا ناعما لا جدران له، لكنه يُحكم إغلاقه عبر شروط الاستخدام وخوارزميات التوصية.

غير أن  قولنا هذا على أهميته لا ينبغي أن يُفهم بوصفه إدانة شاملة، لأن الميتافيرس لا يختزل في بعده السلطوي، بل ينطوي أيضا على إمكانات تحرّرية حقيقية. ففي هذا الفضاء يمكن إعادة تخيّل أشكال جديدة من الاجتماع والتعليم والإبداع الفني حيث تتجاوز قيود المكان والزمان. إن الفن على سبيل المثال، يجد في الميتافيرس إمكانات غير مسبوقة، حيث يتحرّر من ثقل المادة، ويُعاد تعريف العلاقة بين العمل الفني والمتلقي. غير أن هذا التحرّر ذاته يطرح سؤال الأصالة، هل تظل التجربة الجمالية ذات قيمة حين تنفصل عن الجسد وعن الحضور المباشر؟.

إن سؤال الأصالة هذا يعيدنا إلى والتر بنيامين وتحليله لفقدان «الهالة» في عصر الاستنساخ التقني. فإذا كانت الصورة الفوتوغرافية قد نزعت عن العمل الفني تفرده المكاني والزماني، فإن الميتافيرس يذهب أبعد من ذلك، إذ لا يكتفي باستنساخ العمل، بل يُنتج عوالم فنية لا أصل لها خارج التمثيل. هنا لا تعود الهالة مرتبطة بالأصل، بل بالتجربة التفاعلية ذاتها. غير أن هذا التحوّل وإن بدا تحرريا، يظل محفوفا بخطر تحويل الفن إلى مجرّد محتوى، تُقاس قيمته بعدد التفاعلات لا بعمقه الدلالي.

وعلى المستوى الأخلاقي يضعنا الميتافيرس أمام تحديات غير مسبوقة. فالأخلاق كما تشكّلت في التقليد الفلسفي، كانت تفترض ذاتا مسؤولة قادرة على ربط الفعل بنيته وبنتائجه. غير أن الفعل داخل الميتافيرس غالبا ما يكون منزوع العواقب الجسدية، وقابلا للمحو أو التراجع. فكيف يمكن الحديث عن مسؤولية أخلاقية في فضاء يُضعف العلاقة بين الفعل والأثر؟ وهل يمكن تأسيس أخلاق رقمية لا تقوم على الردع بل على الوعي؟.

إن كانط حين ربط الأخلاق بالواجب وبالذات العاقلة، كان يفترض وحدة الذات واستمراريتها. أما في الميتافيرس حيث تتشظّى الهوية، ويُمكن للذات أن تتخفّى خلف تمثيلات متعددة، فإن هذه الوحدة تصبح موضع تساؤل. ومع ذلك قد يكون هذا التشظي ذاته فرصة لإعادة التفكير في الأخلاق، لا بوصفها نظاما للضبط، بل بوصفها ممارسة تأويلية تُعيد ربط الفعل بمعناه لا بمجرد نتائجه الخارجية.

ولا يقلّ البعد السياسي أهمية عن البعد الأخلاقي. فالميتافيرس بوصفه فضاءً كونيا يتجاوز الحدود الوطنية ويُعيد طرح سؤال السيادة. من يملك هذا الفضاء؟ من يضع قواعده؟ ومن يضمن عدالته؟ إننا هنا أمام انتقال السلطة من الدولة إلى الشركات التقنية، ومن القانون العمومي إلى شروط الاستخدام. هذا التحوّل يطرح إشكالا فلسفيا عميقا، هل يمكن الحديث عن مواطنة رقمية في فضاء لا يخضع لمساءلة ديمقراطية؟.

لقد كانت المدينة في الفلسفة السياسية، فضاءً للعيش المشترك، حيث تتجسّد القوانين في المكان. أما الميتافيرس فهو مدينة بلا أرض، وقانون بلا إقليم. وهذا ما يجعل السياسة فيه عرضة للتفريغ من مضمونها، ما لم يُعاد التفكير في أسس جديدة للشرعية والمشاركة. هنا يمكن استحضار حنّة أرندت من جديد، لا بوصفها منظّرة للفضاء العمومي فحسب، بل كمفكّرة للفعل بوصفه انكشافا للذات أمام الآخرين. فإذا كان الفعل السياسي يفترض الظهور، فكيف يمكن لهذا الظهور أن يتحقق في فضاء تُدار فيه الرؤية عبر خوارزميات؟.

إن كل هذه الأسئلة تُفضي في النهاية إلى إعادة طرح السؤال الأنطولوجي الأساسي، ما معنى أن نكون موجودين في عالم لم يعد الواقع فيه حدا نهائيا للتجربة؟ هل نحن أمام توسيع لأفق الوجود أم أمام اغتراب جديد أكثر نعومة وأشد عمقا؟ قد يكون الجواب كما في كثير من التحولات الكبرى مزدوجا. فالإنسان بوصفه كائنا تاريخيا لا يعيش التقنية من الخارج، بل يُعيد تشكيل ذاته عبرها. والميتافيرس هنا ليس انقطاعا عن الإنسان، بل تعبيرا متطرفا عن رغبته القديمة في تجاوز الحدود، في خلق عوالم ممكنة وفي إعادة كتابة شروط وجوده.

غير أن هذه الرغبة إذا لم تُرافقها مساءلة فلسفية نقدية، قد تنقلب إلى نسيان للمعنى. فالفلسفة منذ بداياتها لم تكن مجرّد تنظير بل ممارسة للانتباه، مقاومة للبداهة ورفضا للاندماج الأعمى في ما هو قائم. وفي مواجهة الميتافيرس تستعيد الفلسفة هذا الدور لا بوصفها سلطة معرفية بل بوصفها يقظة وجودية.

إن التفكير في الميتافيرس ليس ترفا فلسفيا، ولا استجابة ظرفية لموضة تقنية عابرة، بل هو ضرورة فكرية تفرضها تحوّلات عميقة تمسّ جوهر التجربة الإنسانية. فنحن لا نعيش اليوم مجرّد انتقال من وسيط إلى آخر، بل نعاين إعادة تشكيل لشروط الإدراك والحضور والهوية والمعنى. والميتافيرس في هذا السياق ليس سوى الاسم الأبرز لهذه اللحظة التاريخية التي يتداخل فيها الواقعي بالافتراضي، ويغدو الوجود ذاته قابلا للتصميم.

لقد أظهر التحليل أن الميتافيرس يضع الفلسفة أمام امتحان مزدوج، امتحان الفهم وامتحان النقد. فمن جهة يتعيّن على الفلسفة أن تفهم هذا الفضاء الجديد في تعقيده، دون اختزاله في خطاب الخطر أو الوعد. ومن جهة أخرى يتعيّن عليها أن تمارس نقدا يقظا، يكشف ما ينطوي عليه من إمكانات للهيمنة والتشييء ونسيان الجسد والمعنى. وهذا التوتر بين الفهم والنقد هو ما يمنح التفكير الفلسفي راهنيته.

إن التجربة الإنسانية كما تكشّفت عبر هذا المقال لم تعد محكومة بحدود المكان الفيزيائي، لكنها لم تتحرّر من شروطها الوجودية العميقة. فالجسد والزمن والآخر تظل عناصر لا غنى عنها لأي تجربة ذات معنى، حتى وإن تغيّرت أشكال حضورها. والميتافيرس حين ينجح في استيعاب هذه العناصر دون اختزالها، قد يُسهم في توسيع أفق الوجود الإنساني. أما حين يسعى إلى تعويضها بتمثيلات فارغة، فإنه يهدّد بتحويل الوجود إلى محاكاة بلا عمق.

إن الرهان ليس تقنيا، بل فلسفيا وأخلاقيا. رهان على قدرة الإنسان على أن يسكن الفضاء الرقمي دون أن يفقد علاقته بالعالم، وأن يستخدم الميتافيرس دون أن يُختزل فيه، وأن يُبدع داخله دون أن يُستلب من منطقه. وهذا الرهان لا يمكن كسبه دون فكر نقدي، حيث يُعيد طرح السؤال الجوهري: كيف نعيش التقنية دون أن نذوب فيها؟.

يظل الميتافيرس مهما بلغ من تطوّر مجالا مفتوحا للصراع على المعنى لا قدرا نهائيا للتجربة الإنسانية. والفلسفة وهي تواكب هذا التحوّل لا تُقدّم أجوبة جاهزة بل تُبقي السؤال حيا، لأن حيوية السؤال هي في نهاية الأمر، ما يحفظ للإنسان إنسانيته في عالم تتغيّر فيه حدود الواقع باستمرار.

***

د. حمزة مولخنيف

لايبنتيز والعقل

نقلا عن لايبنتيز (الاساس العقلي يجعل فكرنا لا يقبل افكارا متناقضة، والنفس ايضا ترفض ادراك متناقضين معا. والاساس الانطولوجي او الوجودي يجعلنا نقبل الهوية في الاشياء. والا لما كانت موجودة على الحقيقة)1.

تعقيب نقدي

- ادراك العقل هو ذاته ادراك نفسي ولا فرق بينهما. ما تدركه النفس مصدره ادراك مرجعية العقل. ولا يدرك العقل من حقائق الواقع ما لا تدركه النفس لذات الوقائع بنفس آلية تجريد التعبير عنه باللغة.. كل مخرجات النفس من ضمير وعواطف وحب ووجدانات يتوزعها ويشرف عليها العقل وينفذها السلوك.

- الوجود الانطولوجي الحقيقي للشيء يمثّل هويته الكينونية المستقلة. وليس بدلالة احدهما ندرك الاخر. فحقيقة الوجود الانطولوجي للشيء هو هويته الحقيقية التي ليس شرطا ادراكها بالتمام. فالصفات الخارجية للشيء تدرك حسيا بسهولة لا كما يصعب ادراك ماهية ذلك الشيء او جوهره. الهوية لا تخلع التعيّن الوجودي على الشيء المدرك بل تكتسبه منه.

قول لا يبنتيز (العقل لا يجعل فكرنا يتقبّل متناقضين) في وقت واحد. معناه أن العقل يدرك الاشياء بافكار فطرية مسبقة عن الواقع الذي يعيشه ومصدر زرع الافكار الفطرية بالعقل المفكر هو قدرة الهية. مفهوم الافكار الفطرية قال به مجموعة من الفلاسفة رغم علمهم أن السبب وراء مقولة زرع الافكار الفطرية بالعقل هو سبب ميتافيزيقي في علّة مصدره الخالق. يحتمل الكثير من عدم الصواب والوثوق به علميا. علما ان ديكارت وكانط من المتحمسين لهذا الراي.

يوجد فرق كبير بين طبيعة العقل المبرمجة على قابلية الذكاء والتعلم واكتساب المعرفة، وبين القول العقل يمتلك قابلية الادراك بمعرفة فطرية. ما يرثه الانسان بالفطرة هو شبكة من الغاز الجينات الوراثية المعقدة التي اثبتها العلم ولا مجال نكرانها. لكن يبقى ادراك ومعرفة الواقع بموجوداته والطبيعة خاضعة للتجربة واكتساب الخبرة عنها.

طبعا احد ابرز الفلاسفة الذين يؤمنون بالافكار الفطرية للعقل ديكارت ولايبنتيز وكانط واشد الرافضين لها جون لوك وديفيد هيوم وراسل وكل فلاسفة المادية المنادين أن كل أفكار العقل مستمدة حسيا تجريبيا من الواقع. وحتى بعض فلاسفة المثالية لا يؤمنون أن العقل مزود بافكار فطرية منذ ولادة الطفل.

بالنسبة لي ليست المشكلة في امتلاك العقل افكارا فطرية ام لا يمتلكها، المشكلة اراها أن ادراك العقل للاشياء هي استعداد قبلي يحمل افكارا عن تلك الاشياء، لكن ليس مصدرها الفطرة بل مصدرها التجربة واكتساب الخبرة المتراكمة عنها من البيئة. العقل لا يدرك الاشياء على حقيقتها ما لم يكن مزودا بافكار قبلية مصدرها الادراك السابق لذلك الشيء وليست فطرية يرثها عن تلك الاشياء. والفرق بين الافكار القبلية انها نتاج تراكم خبرة مكتسبة من الواقع بالتجربة. اما الافكار الفطرية فهي افكار قبلية ليس مصدرها المعرفة المكتسبة سابقا، وانما الافكار التي مصدرها هبة فطرية سماوية معطى من الخالق وهي ليست الموروثات الجينية التي يولد الانسان مزودا طبيعيا بها. فالجينات الوراثية تعطي الانسان الصفات والمميزات التي تكوّن كينونته ولا تزوده بخبرات فهم الواقع والطبيعة وادراكهما ومعرفتهما.

الافكار الفطرية لدى كانط هي قابلية العقل على التفكير المنهجي السليم بما لم يكن اكتسبه سابقا معرفيا بالتجربة.أما فهم الافكار الفطرية هي الذخيرة التي يولد الانسان مزودا بها كاستعداد معرفي لاشياء لم يكن يعرف عنها شيئا هي وإن كانت أقل وطأة في عدم التصديق العقلي لها إلا أنها تلتقي مع الفهم الفطري المنهجي المزروع بمعرفة ما لم يسبق له به أدنى معرفة فكلا الافتراضين حول الافكار الفطرية تحتاج الى برهان يقيني التصديق بها.

ربما يكون رأيي متسرعا انه لامعرفة من غير موجود سابق عليها لذا تكون الافكار الفطرية بالنتيجة مكتسبة عن الشيء قبل ادراكه ومعرفته.ان ما يجعلنا نتردد في مقولة كانط انه لم يقل الخبرة الفطرية هي معرفة الاشياء انطولوجيا بل قال ان قالبي الزمان والمكان هما (وسيلة) ادراك العقل الوحيدة لفهم الواقع.

الوجود الانطولوجي يجعلنا نتقبل الهوية الحقيقية للشيء هي تحصيل حاصل أن الاشياء لا توجد انطولوجيا من غير ملازمة هويتها الخاصة بها كصفات خارجية ندركها.. وقول لايبنتيز الواقع الانطولوجي والوجودي للاشياء يمنحنا معرفة هوية ذلك الشيء لا تأتي بشيء يؤخذ به لم يكن بديهيا. ادراكنا الصفات الخارجية لشيء يعني امتلاكنا معرفة هويته الكينونية كموجود ولا يشترط معرفة ماهيته..

جدل المطلق والنسبي

يطرح احد الفلاسفة التالي:(الوجود المتغير الذي يعيشه البشر يمثل ذلك " المركّب" الناتج عن الجدل بين المطلق والنسبي).2

من وجهتي النظر الفلسفية والفيزيائية العلمية رغم اختلافهما المنهجي، في شقيهما المثالي والمادي، لا يشيران لحدوث جدل بين ما هو نسبي مع ما هو مطلق. يتخلق عنهما مركبا ثالثا. ماهو هذا المركب الثالث وماهي ماهيته وصفاته غير موجود ؟ فهي اسئلة لا اجوبة لها. ولو نحن تركنا الجدل الديالكتيكي القائم على وحدة تناقض الاضداد ضمن الوحدة الكلية المتجانسة في الماهية والصفات لشيء او ظاهرة. نجد الجدل يحصل ضمن شروط وضوابط هي خارج سيطرة رغبة الانسان لها وخارج سيطرته عليها منها:

- الجدل او الديالكتيك يحصل ضمن شروط ومواصفات منها تساؤل جوهري هل المجانسة النوعية الطبيعية (الجوهر والصفات) التي تجمع الشيء النسبي والمطلق هي عامل توحيد بينهما تقود الى تناقض جدلي بين قطبين وبغير هذه الوحدة التجانسية التي تجمعهما لا يحصل جدل ديالكتيكي متضاد يؤدي بنا الى حركة ثم تطور الى ناتج مركب ثالث؟ طبعا النسبي محدود يمكن ادراكه بمحددات مادية معروفة الابعاد وحتى بمحددات خيالية عندما يكون موضوع الادراك مستمدا من الذاكرة. والمطلق لانهائي ولا محدود لا يمكن ادراكه فكيف يكون التضاد الجدلي بين النسبي المتعين والمطلق غير المدرك؟ والوجود المتغير للاشياء ليس حصيلة وناتج جدل النسبي المحدود بمواصفات خارجية يمكن ادراكها، تجعله اي النسبي بعيدا عن اللقاء بالمطلق الذي هو مفهوم ميتافيزيقي لانهائي ولا محدود بصفات يدركها العقل.

- سبق لسورين كيركجورد في رده على جدل هيجل المثالي على مستوى الفكر، أن هناك انواعا من جدل بعضها زائف غير حقيقي، اي لا يمكن تحققه كجدل. رغم أن سورين كيركجورد لا يؤمن بالجدل المادي الذي قال به ماركس والذي لم يغفل ماركس ما ذهب له سورين كيركجورد في مناوئته الشديدة لجدل هيجل على مستوى الفكر الذي قال به.

كيركجورد يؤمن بجدل تاريخي ذاتي تتخلله طفرات نوعية. ويؤمن بصوفية دينية تجعل العقل يقفز مغادرا ماديته العقلية الى فضاء روحي ايماني ديني مصدره القلب وليس العقل. عبقرية كيركجورد في عبارته السابقة كان ماديا حول مفهوم الطفرة النوعية بالتاريخ التي لا تنكرها الماركسية.وكان في منتهى المثالية الدينية الايمانية في تعبيره عن القفزة الايمانية التي يحكمها القلب وليس العقل.

عليه أجد أن فرضية إمكانية حصول جدل بين نسبي ومطلق يحتويهما الواقع المتغير الذي نعيشه في تطور الحياة من حولنا. هي فرضية زائفة لا يمكن حدوثها. لا توجد وشيجة تجمع النسبي والمطلق الدخول في علاقة جدلية بينهما. بسبب إختلاف المجانسة النوعية بينهما من جهة، وبسبب ان المحدود النسبي متناهي الصفات لا يتداخل مع مطلق مقفل على نفسه. علاقة النسبي مع المطلق هي علاقة معرفية تحفظ لكل منهما صفاته التكوينية الخاصة به.

- النسبي محدود يمتلك مواصفات امتلاكه الماهية والصفات الخاصة به التي يستطيع ادراكنا العقلي له يحده بها انه متناه، والمتناهي على خلاف المطلق الذي لا يدركه العقل لأنه لانهائي ولا محدود. هذا التفريق بين المحدود النسبي والمطلق الكوني يجعل من العبث القول هناك نوع من جدل يجمعهما.

- الفرق الاخير اوجزه ان النسبي المتناهي هو صفات خارجية يمكن على الاقل ادراكها دونما حاجة التفتيش عن جوهر يحتجب خلفها، عليه يكون النسبي المحدود مصطلحا متفقا الاجماع عليه، بينما يكون المطلق مفهوما ميتافيزيقياغائما لا نهائيا غير متفق عليه يفتقد لأية دلالة تشير عليه وتثبته سوى أن كل حقيقة تتحقق على طريق الوصول لمطلق هي مجرد نظرية أو مرحلة ستصبح في وقت لاحق نسبية. المطلق مفهوم غير حقيقي سوى في تداوله نظريا على صعيد تجريد الفكر والمعرفة فقط على أنه طريق توالي الحقائق بغية الوصول الافتراضي له..

- أعود تاكيد خلاصة حقيقية جدل النسبي الزائف مع المطلق الميتافيزيقي، فيصبح الحال معنا، ان كلا المفهومين المتضادين بين الجدل المثالي والجدل المادي كلاهما افتراضان زائفان. حيث لا يمكن أن يتوفر النسبي بمجانسة نوعية بالماهية والصفات اللقاء مع مطلق يجب ان يكون بالضرورة يحمل مجانسة نوعية بالماهية والصفات هي ذاتها او بعضها المتوفر عليها النسبي.

سبقت الاشارة لي ان النسبي هو مصطلح متفق عليه انه متناه محدود متاح للعقل ادراكه. اما المطلق فهو مفهوم غائم ميتافيزيقي لا يقبل الادراك العقلي ولا تحده مواصفات نسبية تجعل منه محدودا متعينا بخواص. صحيح مآل كل نسبي التطور الحركي الذي يقود الى حقيقة افتراضية على طريق مطلق لا تحده التغييرات النسبية بحقائق يمكن دحضها لاحقا. الحقائق النسبية لا تمثل أدنى درجات الوصول الى الحقيقة المطلقة التي هي إفتراض وهمي تحفيزي لاشباع رغبات الحقائق النسبية دائمة التغيير والحركة ذاتيا في نشدانها التقدم والاضافة.

اللغة (صوت) مادي

الفكر واللغة جوهران متلازمان يشتركان بصفة التجريد فكيف لنا تبرير هذا التناقض مع قول برجسون " اللغة على وجه الخصوص هي مادية (أصوات) يمكن التعرف عليها لذاتها من حيث أنها حقيقة مادية ".

الصوت فيزيائيا لا يمكننا تحديده ماديا بصفات مادية معروفة، واللغة كصوت ذي دلالة تعبيرية عن معنى قصدي، هي تجريد في تعبيرها عن أشياء. وليست اللغة مادة بذاتها، ولا تكون اللغة هنا جزءا من مادة مدركة حسّيا بل تكون جزءا من لغة تجريد إدراكي للمادة في موضعتها الانفصالية عنها.

وتجسيد اللغة للفكر في التعبير عن معناه المضموني لا يجعل من كليهما اللغة والفكر مادة بإكتسابهما صفة تجريد الصوت مدركا بذاته وهو خطأ لعدم إمكانية إدراكنا الصوت مجرّدا عن دلالته ألماديّة لغويا. ألفكر لا تحتويه ألمادة كتكوين بمقدار ما تحتويه كلغة تجريد في تعبيرها عن المادة.

وفي حال تأكيد صوابية خطأ مقولة هنري برجسون أن تكون اللغة خاصّية مادية بالصوت المدرك لوحده فهذا يقودنا التسليم لخطأ أكبر منه تجاوزناه هو صحة إمكانية جواز التفكير من دون لغة تصورّية تمثّلية للاشياء. فالمادة غير العاقلة لا تدرك مادة أخرى تجانسها الخواص التعريفية ماديا معها من غير تداخل توسيط تفكير اللغة ألتجريدي بينهما لتحقيق تكامل معرفي بينهما..

عليه تكون اللغة كأصوات تعبيرية عن معنى مادي مقصود هي تجريد مادي وليست مادة مدركة لوحدها. تجريد اللغة في التعبير عن موضوع مدرك عقليا يفقدها خاصّية التعبير كأصوات وأبجدّية مكتوبة تعبيرية. وتنتفي عن ألمدركات حينذاك صفة اللغة التي هي خاصية تعبير فكري تجريدي عن ألمادة والأشياء في وجودها الواقعي. ألوجود بموجوداته الطبيعية ألتي تحكمها القوانين الطبيعية الثابتة هو وجود مستقل سواء أدركه العقل أم لم يدركه، وسواء تم تعبير الوعي بالفكر واللغة عنه أم لم يتم، فالموجودات المادية تبقى موجودات مستقلة في العالم الخارجي.

ألتسليم بمقولة اللغة مادة بدلالة الصوت، عندها يصبح لا غرابة أن نجد اللغة كما يعبّرعنها أحد الفلاسفة المثاليين "هي تعبير كلّي يقوم مقام الواقع بكامله.". تماشيا مع هذا التعبير إلإفتراضي الخاطيء لا يمكننا معرفة الواقع في حقيقته المادية عندما نحاول التعبيرعنه بمادة لغوية متموضّعة فيه تكوينيا وليست لغة إدراك تجريدي منفصلة عنه، وليس من الصحيح أن تمتلك المادة تجريدا لغويا ما يعني إمكانية أن تعي المادة ذاتها وتعي غيرها من الماديات الأخرى ليس بدلالة تجريد اللغة بل بدلالة تجريد لغة المادة الموهومة التي أصبحت هي ميزة المادة ذاتها في كثرة أعدادها وإختلافاتها وتنوّعاتها التي يعجز حصرها.

المادة غير العاقلة لا تدرك ذاتها ولا تدرك غيرها بلغة خاصة بها. المادة كي تكون وجودا مدركا تحتاج اللغة ولا تحتاج ذاتية وجودها الخاص المستقل عن ادراكها.وهذا أمر ليس محالا على صعيد الإدراك العقلي وحسب وأنما محال على صعيد إلغاء خاصّية التجريد اللغوي عن مدركات اللغة التعبيرية التي هي في حقيقتها تعبير عن مدركات عقلية. بوضوح ألعبارة اللغة لا تمتلك أسبقية الإدراك العقلي للأشياء، كما أن المادة لا تمتلك لغة تعبير لا عن نفسها ولا عن غيرها من الموجودات المتعالقة في الوجود معها مجردة عن موضوع مدرك.

المادة لا تمتلك صفة الإدراك العقلي كي يتاح لها إمتلاك لغة، لذا تكون ميزة الانسان النوعية عن جميع الكائنات في إمتلاكه اللغة.. اللغة هي إدراك كلّي لاشياء وموجودات لا حصر لها لكن لا يستطيع الانسان جعلها لغة إستيعاب تقوم مقام الواقع بأكمله. عالم الانسان ألإدراكي هو ما تستطع أللغة ألإحاطة به وألتعبير عنه، وهذا ألإدراك اللغوي يبقى ناقصا في محاولة جعل مدركات الحس العقلي إنابة اللغة أن تكون هي كل عالمنا الواقعي الذي تدركه.

لا يسعنا التعبير عن هذا المأزق أكثر من قولنا أننا يمكننا التعبير عن اللغة بلغة أخرى تجانسها الماهية والصفات النحوية والقواعد الصوتية، لكننا لا نستطيع فهم الواقع المادي الذي تموضعت اللغة فيه تكوينيا بتعبير لغة لم يعد يمتلكها العقل ولا يستطيع تصنيعها بل يمتلكها الواقع المادي للاشياء في محاولته توصيل فهم العقل له وليس العكس فهم العقل للواقع. ربما يذهب البعض في شطط أني أعبّر أن تكون أللغة مادة متموضعة في الاشياء المدركة تكوينيا، بل ما أؤكد عليه تبقى اللغة في كل أنواع ألإدراكات هي تجريد تصورّي إنفصالي في التعبير بمعزل تكويني مع المدركات الحسية. كل شيء موجود في الواقع يحمل معه لغة ألإدراك التي يتواصل بها مع إدراك العقل له. ولا تمتلك أيّة مادة لغة الإدراك التواصلية مع غيرها من المواد والاشياء.إن الحقيقة التي يراد العبور من فوقها أن اللغة تبقى تجريدا تعبيريا، والمادة تبقى واقعا لإدراك هذا التجريد اللغوي، واللغة المتموضعة بألأشياء هي لغة تجريد يحتويها الموجود المادي أنطولوجيا لكنه يبقى تجريد اللغة منفصلا ماهويا عن المادة كتجريد لغوي معبّراعن المادة منفصل عنها. اللغة تجريد التعبير عن المادة ولا تدخل المادة تكوينيا متموضعا بها.أما أن يكون الادراك الحسي هو صورة الشيء في تعبير الذهن عنه أم هو اصل ذلك الشيء في حقيقته الكلية فهو موضوع آخر سبق لي الكتابة عنه.

"التفكير والكينونة امر واحد" بارمنيدس 600 ق.م

اجد ديكارت عبر عن نفس المعنى الذي قال به بارمنيدس، حينما اعتبر العقل جوهرا ماهيته التفكير الذي مهمته يزودنا بالمعرفة، ونجد ديكارت يعبر عن ذات المعنى في الكوجيتو (انا افكر اذن انا موجود) معتبرا خاصية التفكير الانفرادي يمنح الذات كينونتها الموجودية. وهنا اجد بمقدار ما تعطي كينونة الموجودات من غير الانسان محفزات تنشيط التفكيرالانساني موضعته اشياء الطبيعة ومحاولة معرفتها. بمقدار ما نجد التفكير يمنح كينونة الموجودات حيوية حضورها الانطولوجي الحقيقي.

التفكير خاصية انسانية ينفرد بها عن غيره من مخلوقات وكائنات الطبيعة، ومعنى ان يمتلك الانسان التفكير هو انه اصبح يمتلك لغة التعبير عن تفكيره. وبذا يكون التفكير يمنح الانسان المفكر ميزتين هما اولا اعتزاز الانسان بذاتيته المتمايزة التعالي على مدركاتها. وثانيا يمنح تلك المدركات الموجودية فاعليتها الحيوية بالحياة.

***

علي محمد اليوسف

............................

هامش: 1.2 الحداثة وما بعد الحداثة، طلعت عبد الحميد، عصام الدين هلال، محسن خضر ص 40

 

مقاربة انثربولوجية

في التمييز المفهومي والسياقي بين الهوية المركبة عند ادغار موران والهوية السردية عند بول ريكور، مقاربة انثربولوجية

مقدمة: في عالم اليوم المتسارع والمعقد، أصبح مفهوم الهوية محورًا أساسيًا في الدراسات الأنثروبولوجية، حيث يعكس كيفية تشكل الذات البشرية في سياقات اجتماعية، ثقافية، وبيئية متغيرة. يبرز إدغار موران (مواليد 1921)، الفيلسوف الفرنسي المعروف بـ"التفكير المعقد" ، مفهوم "الهوية المركبة" كإطار يدمج التناقضات والترابطات في الوجود البشري. مقابل ذلك، يقدم بول ريكور (1913-2005)، الفيلسوف الهيرمينوطيقي، مفهوم "الهوية السردية" الذي يرى الهوية كبناء سردي يجمع بين التجارب الزمنية والتفسيرات الرمزية. تهدف هذه المقالة إلى استكشاف التمييز المفهومي والسياقي بين هذين المفهومين، من منظور أنثروبولوجي يركز على الإنسان ككائن اجتماعي وثقافي. سنعتمد على أعمال موران الرئيسية مثل "المنهج" وسلسلته حول التعقيد، وأعمال ريكور مثل "الزمن والسرد"  و"عين الذات كآخر". المقاربة الأنثروبولوجية هنا تؤكد على كيفية مساهمة هذه المفاهيم في فهم الهوية في عصر العولمة والأزمات المتعددة، حيث يصبح الإنسان جزءًا من أنظمة معقدة وروايات جماعية.

الهوية المركبة عند إدغار موران: التعقيد كأساس للوجود البشري

يبني موران مفهوم الهوية المركبة على فلسفته في "التفكير المعقد"، الذي يرفض الاختزالية ويؤكد على الترابط بين العناصر المتضادة مثل النظام والفوضى، الوحدة والتنوع، والذات والآخر. الهوية عنده ليست ثابتة أو أحادية، بل مركبة تتكون من طبقات متعددة: بيولوجية، اجتماعية، ثقافية، وبيئية. في كتابه "مقدمة في التفكير المعقد"، يصف موران الهوية كـ"وحدة متعددة"، حيث يدمج الإنسان بين الذاتية الفردية والانتماءات الجماعية، معتمدًا على مبادئ مثل "الحواري" الذي يجمع المتضادات، والـ"هولوغرافي" حيث يحتوي الجزء على الكل، والـ"التكراري" عبر حلقات التغذية الراجعة. من منظور أنثروبولوجي، ترتبط الهوية المركبة بالإنسان ككائن نظامي يتفاعل مع بيئته في سياق "الأزمة المتعددة " ، أي الأزمات المتشابكة مثل المناخية والاجتماعية. في "أرض الوطن"، يرى موران أن الهوية البشرية تتشكل من خلال الترابط مع الكوكب، مما يدعو إلى "سياسة حضارية" تعزز التضامن والتعاون. هذا المفهوم يتجاوز الأنثروبولوجيا التقليدية التي تركز على الثقافات المعزولة، ليؤكد على الهوية كعملية ديناميكية تتكيف مع التعقيد العالمي، مستلهمًا من علوم مثل الإيكولوجيا والأنثروبولوجيا البصرية. على سبيل المثال، في مواجهة العولمة، تصبح الهوية مركبة بين الجذور المحلية والتأثيرات العابرة للثقافات، مما يمنع الإقصاء ويحارب الاختزالية الثقافية.

الهوية السردية عند بول ريكور: السرد كبناء للذات

على الجانب الآخر، يقدم ريكور الهوية السردية كإطار يعتمد على الزمن والرواية كأدوات أساسية لبناء الذات. يفرق ريكور بين الهوية الثابتة التي ترتبط بالجوانب المادية والمستمرة، والهوية الذاتية الديناميكية التي تتشكل من خلال عملية سردية تربط التجارب المتناثرة في حبكة متماسكة. الهوية هنا هي نتاج تفسيري، حيث يروي الإنسان قصة حياته ليمنحها معنى، مستخدمًا الرموز والأساطير والتاريخ لربط الماضي بالحاضر والمستقبل.

يقدم ريكور مفهوم الهوية السردية كإطار هيرمينوطيقي يرى الهوية كنتيجة لعملية تاويلية تربط بين الزمن والرواية. في "الزمن والسرد"، يفرق ريكور بين "الهوية التطابقية" (idem) التي هي ثابتة ومادية، و" الهوية الذاتية" (ipse-) التي هي ديناميكية وسردية، حيث يبني الفرد هويته من خلال رواية حياته كـ"حبكة" تجمع التجارب المتناثرة في وحدة زمنية. الهوية هنا ليست جوهرًا ثابتًا، بل "مزيج غير مستقر بين الخيال والتجربة الفعلية"، كما يقول في "عين الذات كآخر"، حيث يتداخل الذاتي مع الآخر عبر السرديات الجماعية مثل التاريخ والأساطير.

أنثروبولوجيًا، يرى ريكور الإنسان كـ"كائن يروي"، حيث تشكل السرديات الهويات الفردية والجماعية في سياقات ثقافية. في "عين الذات كآخر"، يربط بين الأخلاق والسرد، حيث تساعد الروايات في فهم الآخر ومواجهة التناقضات الإنسانية مثل الشر والمعاناة. هذا المفهوم يتناسب مع الأنثروبولوجيا الثقافية، حيث تُبنى الهويات الجماعية من خلال الروايات التاريخية والميثولوجية، كما في دراسات الذاكرة الجماعية. على سبيل المثال، في مجتمعات ما بعد الاستعمار، تساعد السرديات في إعادة بناء الهوية الثقافية، مع الاعتماد على التفسير الرمزي لتجاوز التشظي والتشتت.

في مقاربة أنثروبولوجية، يرى ريكور الإنسان ككائن يروي، حيث تساهم السرديات في تشكيل الهويات الفردية والجماعية، خاصة في سياقات الذاكرة الجماعية والتجارب الثقافية. على سبيل المثال، في مجتمعات ما بعد الاستعمار أو النزاعات، تساعد الروايات في إعادة بناء الهوية من خلال تفسير المعاناة والأمل، مما يجعل الهوية عملية تفسيرية تتجاوز التشظي وتبني الانسجام. هذا المفهوم يتناسب مع الأنثروبولوجيا الثقافية التي تدرس كيفية استخدام الروايات لفهم الآخر، حيث يصبح السرد جسرًا أخلاقيًا يربط بين الذات والمجتمع، ويواجه التناقضات مثل الشر والفقدان من خلال الخيال الإبداعي.

التمييز المفهومي والسياقي:

يتميز المفهومان في عدة أبعاد، كما يظهر في المقارنة:

الهوية المركبة (موران) مقترنة بالتفكير المعقد: دمج المتضادات (نظام/فوضى، وحدة/تنوع)

الهوية مركبة نظامية، متعددة الطبقات، مترابطة مع البيئة

الإنسان كجزء من أنظمة معقدة، يواجه ازمة متعددة

عصر العولمة والأزمات البيئية، دعوة للمتحول

تعزيز التضامن والتعاون في عالم مترابط

أما الهوية السردية (ريكور) فهي مقترنة بالهيرمينوطيقا: بناء سردي (idem/ipse، زمن/رواية)

سردية تأويلية، زمنية، مبنية على الروايات والرموز

الدور الأنثروبولوجي الإنسان ككائن يروي، يربط الفردي بالجماعي عبر السرد

السياقات الثقافية والتاريخية، مواجهة التناقضات الأخلاقية

التأثير على المجتمع وإعادة بناء الذاكرة الجماعية وفهم الآخر

مفهوميًا، يركز موران على التعقيد كبنية مترابطة، حيث تكون الهوية نتيجة تفاعلات نظامية تتجاوز الاختزالية، كما في نقده للنظريات "المحدودة" مقابل "العامة" في التعقيد.

أما ريكور فيؤكد على السرد كعملية تأويلية، حيث تكون الهوية "غير مستقرة" ومبنية على الخيال والتجربة، كما في تمييزه بين autopoiesis (التنظيم الذاتي) و diapoiesis (الإبداع عبر الآخر).

يبرز التمييز المفهومي بين المفهومين في الطريقة التي يُبنى بها كل منهما. عند موران، تكون الهوية مركبة كبنية نظامية، حيث يركز على الترابطات والمتضادات كعناصر جوهرية للوجود، مما يجعلها أقرب إلى نموذج علمي يدمج الإيكولوجيا والاجتماع. أما عند ريكور، فتكون الهوية سردية كعملية تفسيرية، تعتمد على الزمن والرموز لخلق معنى، مما يجعلها أكثر ارتباطًا بالهيرمينوطيقا والأدب. هذا الفرق يعكس اختلافًا في النظرة إلى الإنسان: موران يراه كجزء من أنظمة معقدة تتطلب تفكيرًا حواريًا للتكيف، بينما ريكور يراه كمفسر يبني ذاته من خلال الرواية ليحقق الانسجام الأخلاقي.

سياقيًا، ينبع مفهوم موران من عصر الأزمات العالمية، حيث يدعو إلى تحول حضاري يعتمد على التعقيد لمواجهة التحديات البيئية والاجتماعية، مما يجعله مناسبًا للأنثروبولوجيا البيئية التي تدرس الترابط بين الإنسان والكوكب. مقابل ذلك، يأتي ريكور من سياق فلسفي أخلاقي يركز على الروايات في مواجهة التاريخ والمعاناة، مما يجعله أداة قوية في الأنثروبولوجيا السردية التي تفحص كيفية استخدام القصص لتشكيل الهويات الجماعية في أوقات النزاع أو التغيير. ينبع مفهوم موران من سياق ما بعد الحداثة والأزمات البيئية، حيث يدعو إلى "تحول" مجتمعي يعتمد على الترابط، كما في دراساته الأنثروبولوجية عن الإيكولوجيا البشرية.  مقابل ذلك، يأتي ريكور من سياق فلسفي أخلاقي، يركز على الروايات في مواجهة الشر والذاكرة، كما في تأثيره على الأنثروبولوجيا السردية.

لذلك يظهر تقارب بينهما في سياق الأخلاق، حيث يربط ريكور السرد بالأخلاق، وموران التعقيد بالاختلاف، لكن التمييز يكمن في التركيز: نظامي عند موران مقابل تفسيري عند ريكور.

أنثروبولوجيًا، يساعد موران في فهم الهويات في مجتمعات متعددة الثقافات، حيث يمنع الإقصاء عبر التعقيد، بينما يساهم ريكور في دراسة الذاكرة الجماعية، كما في نقاشات الهويات المتغيرة مع التاريخ الحياتي. لذلك يثري هذا التمييز النظرة الأنثروبولوجية للهوية، حيث يقدم موران إطارًا لفهم الإنسان في عالم مترابط ومعقد، بينما يقدم ريكور أداة لتفسير الروايات الثقافية والزمنية. رغم الاختلافات، يتقاربان في الإصرار على أن الهوية ليست ثابتة بل عملية مستمرة، مما يدعو إلى دمجهما في دراسات أنثروبولوجية جديدة تتعامل مع التحديات المعاصرة مثل العولمة والأزمات. بهذا المنهج، يصبح الإنسان ليس مجرد موضوع دراسة، بل كائن يبني هويته من خلال التعقيد والسرد، محتضنًا التنوع والتغير كأساس للوجود.

خاتمة

التمييز بين الهوية المركبة عند موران والهوية السردية عند ريكور الدراسات الأنثروبولوجية، حيث يقدم موران إطارًا لفهم الإنسان في عالم مترابط، بينما يقدم ريكور أداة لتفسير الروايات الثقافية. في عصرنا، يمكن دمجهما لمواجهة تحديات مثل العولمة، حيث تصبح الهوية مركبة سرديًا، تدعو إلى حوار بين التعقيد والتفسير. هذا التقارب يفتح آفاقًا لأبحاث أنثروبولوجية جديدة، تعزز التسامح والتكيف في مجتمعات متنوعة. فكيف يمكن تخطي منطق الهوهو التماثلي واعتماد منطق الاختلاف الثقافي والفرق الأنطولوجي؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

لم تعد الهوية في الزمن المعاصر معطى بسيطا أو جوهرا ثابتا يُستدعى كما تُستدعى الحقائق الأولى، بل غدت سيرورة مفتوحة على التحول، ومجالا للتفاوض المستمر بين الذاتي والجماعي والمحلي والكوني، وبين الذاكرة والتاريخ من جهة، وتيارات العولمة الجارفة من جهة أخرى. فالإنسان المعاصر لم يعد يسكن هوية واحدة صافية، ولا ينتمي إلى أفق ثقافي مغلق، بل بات يقيم على حدّ تعبير هومي بابا، في «الفضاء الثالث» الذي تتقاطع فيه المرجعيات وتتشابك فيه المعاني، حيث لا يعود الانتماء حاسما ولا الاغتراب كاملا. من هنا تبرز فكرة الهوية الهجينة بوصفها مفهوما إشكاليا، لا يصف وضعا عرضيا، بل يعبّر عن بنية عميقة للوجود الإنساني في زمن العولمة.

إنّ الحديث عن الهوية الهجينة لا يعني مجرد جمعٍ ميكانيكيّ لعناصر ثقافية متباينة، ولا اختلاطا سطحيا بين رموز وعادات ولغات، بل يحيل إلى تشكّل معقّد للذات في سياق تاريخي عالمي تُعاد فيه صياغة المعنى والتمثّل والانتماء. فالهوية كما نبّه بول ريكور، ليست هوية مطابقة لذاتها دائما، بل هي هوية سردية تتكوّن عبر الحكي وعبر إعادة تأويل الماضي في ضوء الحاضر، واستشراف المستقبل من موقع التوتر لا من موقع الانسجام. وفي عالم العولمة تتكاثر الحكايات وتتصادم السرديات، فيجد الفرد نفسه موزّعا بين أكثر من قصة وأكثر من ذاكرة وأكثر من أفق قيميّ، دون أن يكون قادرا على الانغلاق في واحدة منها دون خسارة.

لقد كشفت العولمة بما هي تكثيف غير مسبوق لحركة السلع والأفكار والصور والبشر، هشاشة التصورات الكلاسيكية للهوية، تلك التي كانت تفترض انسجاما طبيعيا بين الفرد والثقافة واللغة والأرض وبين الانتماء والحدود. فمع تفكك الدولة-الأمة كإطار حصري للهوية، ومع صعود الوسائط الرقمية والهجرات العابرة للقارات، أصبح الفرد يعيش في آنٍ واحد داخل ثقافات متعددة، ويتكلم بلغات مختلفة، ويتبنى أنماط عيش وقيما متداخلة. هذا الوضع لا يمكن فهمه بمنطق التنازل أو الازدواج المرضي، بل ينبغي التفكير فيه بوصفه شرطا أنثروبولوجيا جديدا يفرض إعادة النظر في مفاهيم الأصالة والخصوصية والنقاء الثقافي.

إنّ مفهوم «النقاء» ذاته، حين يُستحضر في النقاش حول الهوية، يكشف عن حنين ميتافيزيقي إلى أصل متخيَّل لم يوجد يوما في صورة صافية. فالتاريخ الإنساني كما يؤكد فرناند بروديل هو تاريخ التبادلات الطويلة والاحتكاكات البطيئة والتأثيرات المتراكمة التي لا تُرى في لحظتها، لكنها تشكّل العُمق الحقيقي للحضارات. وما من ثقافة إلا وهي في جوهرها نتيجة تداخلات متعاقبة بين عناصر محلية وأخرى وافدة. غير أنّ العولمة جعلت هذا التداخل أكثر كثافة وسرعة، وأخرجته من مستواه التاريخي البطيء إلى مستوى يوميّ معيش، حيث يعيش الفرد هذا التعدد داخل ذاته، لا فقط في محيطه الخارجي.

تغدو الهوية الهجينة تعبيرا عن وضع وجودي يتسم باللااكتمال، وبالعيش في منطقة بينية لا تسمح بالاطمئنان الكامل ولا بالقطيعة الجذرية. فالذات الهجينة ليست ذاتا ممزقة بالضرورة كما قد يتبادر إلى الذهن، لكنها ذات واعية بتعدديتها، قادرة على تحويل التوتر إلى طاقة خلاقة، والاختلاف إلى مورد للتفكير. وقد عبّر إدوارد سعيد عن هذا المعنى حين اعتبر المنفى بمعناه الرمزي موقعا معرفيا يسمح برؤية العالم من أكثر من زاوية، ويحرّر الفكر من أسر الانتماء الأحادي. فالعيش بين ثقافتين أو أكثر لا يعني فقدان الجذور، بل قد يتيح على نحوٍ مفارِق  وعيا أعمق بها.

غير أنّ هذا الوعي لا يتحقق تلقائيا، بل يمرّ عبر صراعات داخلية، وأسئلة مؤلمة حول الانتماء والولاء والمعنى. فالفرد في عالم العولمة يجد نفسه مطالبا بأن يكون «ذاتيا» و«كونيا» في آنٍ واحد، بأن يحافظ على خصوصيته دون أن ينغلق، وأن ينفتح دون أن يذوب. وهذا التوتر هو ما يجعل الهوية الهجينة إشكالية فلسفية بامتياز، لأنها تمسّ سؤال الذات وسؤال الحرية وسؤال المعنى في زمن فقدت فيه المرجعيات الكبرى قدرتها على الإقناع الشامل. وقد أشار زيغمونت باومان في حديثه عن «الحداثة السائلة»، إلى أنّ السيولة لا تطال المؤسسات والاقتصاد فحسب، بل تمتد إلى الهوية نفسها، التي لم تعد إطارا ثابتا بل صارت مشروعا فرديا هشا يُعاد بناؤه باستمرار.

ولا يمكن فصل الهوية الهجينة عن منطق السلطة الذي يحكم العولمة. فليست كل أشكال التهجين متكافئة، وليست كل الذوات قادرة على التفاوض من موقع قوة. فهناك تهجين مفروض ينتج عن هيمنة ثقافية واقتصادية، حيث تُفرض نماذج استهلاكية وقيم رمزية باعتبارها كونية، بينما تُهمّش أشكال التعبير المحلية أو تُحوَّل إلى فولكلور. وهنا تبرز ضرورة التمييز بين التهجين بوصفه حوارا، والتهجين بوصفه اختراقا. وقد نبّه أنطونيو غرامشي في سياق آخر إلى خطورة الهيمنة الثقافية حين تتخفّى في صورة «الطبيعي» و«البديهي»، فتُعيد تشكيل وعي الأفراد دون عنف ظاهر.

إنّ الفرد وهو يتشكّل داخل هذا الحقل المعقّد من القوى لا يعيش الهوية الهجينة بوصفها اختيارا حرا دائما، بل كثيرا ما يجد نفسه منخرطا فيها بحكم شروط العيش والعمل والتواصل. ومع ذلك تظلّ هناك مساحة للفعل والتأويل، لأن الهوية ليست مجرد انعكاس سلبي للبنى، بل هي أيضا ممارسة رمزية، وطريقة في قول «نحن» و«أنا». وهنا تتقاطع الهوية مع اللغة، بوصفها الحامل الأعمق للذاكرة والمعنى. فاللغة ليست أداة محايدة للتواصل، بل هي أفق للفهم كما يقول غادامير، ومن خلالها يُعاد تشكيل العالم. وحين يتنقّل الفرد بين لغات متعددة، فإنه لا يغيّر فقط وسيلة التعبير، بل ينتقل بين أنماط تفكير وتمثّل مختلفة ما يثري تجربته، لكنه يضعه أيضا أمام سؤال الانتماء اللغوي بوصفه جزءا من الانتماء الوجودي.

لقد أدّى هذا الوضع إلى بروز أشكال جديدة من الذاتية، لا يمكن اختزالها في ثنائيات الانتماء/الاغتراب أو الأصالة/الاستلاب. فالهوية الهجينة ليست حلا وسطا سهلا، بل هي توتّر دائم بين عناصر لا تندمج كليا ولا تنفصل تماما. وهي بهذا المعنى تشبه ما وصفه ميرلو-بونتي بالجسد العائش، الذي لا هو موضوع خالص ولا ذات خالصة، بل منطقة تداخل بين الداخل والخارج. فالذات الهجينة تعيش هذا التداخل في المستوى الثقافي والرمزي، حيث لا يعود بالإمكان رسم حدود صلبة بين «ما هو لي» و«ما هو للآخر».

وإذا كان هذا الوضع يفتح إمكانات جديدة للفهم والتعايش، فإنه يثير في الآن ذاته مخاوف وردود فعل دفاعية، تتجلى في صعود الهويات المغلقة والنزعات القومية والثقافوية، التي ترى في التعدد تهديدا وفي الهجنة خطرا على «الذات الأصيلة». غير أنّ هذه الردود مهما بدت قوية تكشف في العمق عن قلق وجودي أمام عالم متحوّل، وعن عجز عن التفكير في الهوية خارج منطق الجوهر والثبات. فالهجنة في معناها العميق لا تنفي الخصوصية، بل تعيد تعريفها بوصفها قدرة على الحوار والتحول، لا بوصفها انغلاقا على الذات.

إنّ الهوية الهجينة في سياقنا هذا، ليست مجرد توصيف سوسيولوجي لواقع معيش، بل هي أفق فلسفي لإعادة التفكير في الإنسان المعاصر، وفي علاقته بذاته وبالآخر وبالعالم. فهي تضعنا أمام سؤال أساسي: كيف يمكن للذات أن تحافظ على معنى الاستمرارية في زمن التشتت، وأن تبني سرديتها الخاصة وسط فيض من السرديات المتنافسة؟ هذا السؤال لا يجد جوابه في استعادة ماضٍ متخيَّل، ولا في الانصهار الكامل في الحاضر المعولم، بل في القدرة على ممارسة نقد مزدوج، نقد للذات حين تنغلق، ونقد للعالم حين يفرض نماذجه باسم الكونية.

إنّ الهوية الهجينة ليست قدرا سلبيا ولا امتيازا جاهزا، بل هي مهمة فكرية وأخلاقية، تتطلب وعيا تاريخيا وحسا نقديا، وقدرة على العيش مع التعقيد دون تبسيط مخلّ. وهي بهذا المعنى تعبّر عن شرط الإنسان في عالم لم يعد يسمح باليقين السهل، لكنه يفتح في المقابل إمكانات غير مسبوقة لإعادة ابتكار الذات والمعنى. وهذا ما يجعل التفكير في الهوية الهجينة ضرورة فلسفية لا مجرد ترف نظري، لأنها تمسّ جوهر سؤال الإنسان عن نفسه في زمن العولمة

تتعمّق إشكالية الهوية الهجينة حين ننتقل من مستواها الوصفي العام إلى مستوياتها التاريخية والرمزية والسياسية الملموسة، حيث تتقاطع التجارب الفردية مع البنى الجماعية، ويتحوّل سؤال الهوية من كونه سؤالا ثقافيا إلى كونه سؤالا أخلاقيا ومعرفيا. فالفرد لا يعيش تعدد الانتماءات في فراغ، بل داخل سياقات مثقلة بالذاكرة وبآثار الاستعمار، وباختلالات القوة بين المركز والأطراف، وبين ما يُقدَّم بوصفه كونيا وما يُصنَّف باعتباره محليا أو هامشيا. وفي هذا المستوى بالذات، تتبدّى الهوية الهجينة لا كمعطى محايد، بل كنتاج لصراعات طويلة، وكأثر من آثار التاريخ وهو يواصل اشتغاله داخل الحاضر.

إنّ المجتمعات التي عاشت تجربة الاستعمار، أو ما تزال تعيش أشكالا جديدة منه تحت مسمّيات اقتصادية وثقافية مختلفة، تقدّم مثالا بالغ الدلالة على تعقيد الهوية الهجينة. فالفرد في هذه السياقات لا يرث ثقافة واحدة متجانسة، بل يجد نفسه مشدودا بين لغة الأم ولغة المستعمر، بين منظومة رمزية تقليدية وأخرى حديثة، بين تصور للعالم متجذّر في الذاكرة الجماعية وآخر مفروض عبر المدرسة والإدارة ووسائل الإعلام. وقد أشار فرانز فانون إلى أنّ الاستعمار لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يتسلل إلى البنية النفسية للإنسان، فيزرع داخله انقساما عميقا، يجعل الذات ترى نفسها بعين الآخر، وتحاكم وجودها بمعاييره. وهنا تكون الهجنة أحيانا أثر جرح تاريخي لم يلتئم، لا مجرد انفتاح ثقافي حر.

غير أنّ هذا الجرح لا ينتج بالضرورة ذاتا مكسورة أو وعيا مستلبا بالكامل. فكما يمكن للهجنة أن تكون مجالا للهيمنة، يمكنها أيضا أن تتحوّل إلى موقع مقاومة رمزية، وإلى إمكانية لإعادة تركيب الذات خارج ثنائيات الأصالة والتقليد. وقد نبّه عبد الله العروي في سياق تحليله لإشكالية التراث والحداثة، إلى أنّ الوعي التاريخي هو وحده القادر على تحرير الذات من أسر الاختيارات الزائفة، لأنّه يسمح بفهم الحداثة لا بوصفها قطيعة مطلقة، ولا بوصفها امتدادا طبيعيا، بل بوصفها تجربة إنسانية مشروطة يمكن التفاعل معها نقديا. في هذا الأفق التأويلي، تتبدّى الهوية الهجينة تعبيرا عن وعي تاريخي يقبل التعقيد، ولا يبحث عن حلول تبسيطية.

وتزداد هذه الإشكالية حدّة حين ننتقل إلى تجربة الهجرة، حيث تتكثّف أسئلة الانتماء والاعتراف والذاكرة. فالمهاجر لا يغادر مكانا جغرافيا فحسب، بل يدخل في فضاء رمزي جديد، يطالبه بإعادة تعريف ذاته باستمرار. وهو يعيش كما يقول إدوارد سعيد في حالة «بين-بين»، حيث لا ينتمي كليا إلى موطنه الأصلي ولا يندمج تماما في المجتمع الجديد. هذا الوضع يولّد هوية هجينة تتشكّل في مفترق الطرق بين ثقافتين، وغالبا ما تُساء قراءتها إما بوصفها فقدانا للهوية أو بوصفها اندماجا ناجحا، في حين أنّها في العمق تجربة وجودية معقّدة، تتخللها لحظات اغتناء كما تتخللها لحظات قلق وانكسار.

وتلعب اللغة في هذه التجربة دورا محوريا، لأنها ليست مجرد وسيلة تواصل، بل فضاء انتماء وذاكرة. فحين يتنقّل الفرد بين لغتين أو أكثر، فإنه يعيش انقساما داخليا في التعبير عن ذاته، حيث لا تستطيع لغة واحدة احتواء التجربة كاملة. وقد أشار فالتر بنيامين إلى أنّ الترجمة ليست نقلا حرفيا للمعنى، بل إعادة خلق له في أفق لغوي آخر، وهو ما ينطبق على الذات الهجينة التي تترجم نفسها باستمرار بين سياقات مختلفة، دون أن تبلغ تطابقا تاما. هذه الترجمة الدائمة قد تكون مصدر غنى إبداعي، لكنها قد تتحوّل أيضا إلى عبء نفسي حين يُطلب من الفرد أن يختار لغة واحدة للانتماء، وكأنّ اللغات الأخرى مجرد زوائد.

وفي السياق العربي الإسلامي، تكتسب الهوية الهجينة أبعادا إضافية، نظرا للتداخل التاريخي بين الديني والثقافي والسياسي، وبين المحلي والوافد. فالعلاقة بالتراث ليست علاقة بسيطة بالانتماء، بل هي علاقة تأويل وصراع حول المعنى. وقد نبّه طه عبد الرحمن إلى أنّ الحداثة حين تُستورد دون نقد تتحوّل إلى قطيعة أخلاقية مع الذات، في حين أنّ التراث حين يُقدَّس دون مساءلة، يتحوّل إلى عائق أمام الفعل التاريخي. بين هذين الطرفين تتشكّل هوية هجينة تبحث عن صيغة للتوفيق بين القيم الروحية والرهانات الحديثة، دون أن تذوب في أحدهما. غير أنّ هذا البحث لا يخلو من توتر، لأنّ العولمة تضغط باتجاه نمذجة القيم والسلوكيات، وتُضعف إمكانات الاختيار الحر.

ويزداد الأمر تعقيدا حين نلاحظ أنّ العولمة لا تنتج هوية هجينة واحدة، بل أنماطا متعددة من الهجنة، تختلف باختلاف المواقع الاجتماعية والاقتصادية. فهجنة النخب المتعلمة القادرة على التنقل والاختيار، ليست كهجنة الفئات المهمّشة التي تُفرض عليها شروط التكيّف دون امتلاك أدوات التفاوض. وهنا يتقاطع سؤال الهوية مع سؤال العدالة، لأنّ القدرة على تحويل التعدد إلى مورد إيجابي ليست متاحة للجميع بالدرجة نفسها. وقد أشار بيير بورديو إلى أنّ الرأسمال الثقافي يلعب دورا حاسما في تمكين الأفراد من استثمار اختلافاتهم بدل أن تتحوّل إلى مصادر إقصاء. ولا يمكن التفكير في الهوية الهجينة خارج تحليل علاقات القوة التي تشكّل شروط إمكانها.

غير أنّ أخطر ما يهدّد الهوية الهجينة ليس التعدد في حد ذاته، بل تحويل هذا التعدد إلى فراغ قيمي، حيث تفقد الذات أيّ معيار للاختيار والمعنى. ففي عالم تتكاثر فيه الخيارات وتضعف فيه المرجعيات، قد تنزلق الهجنة إلى شكل من السيولة المطلقة، التي تجعل الهوية مجرد قناع يتغيّر حسب السياق. وقد حذّر تشارلز تايلور من هذا المآل، معتبرا أنّ الاعتراف بالاختلاف لا يمكن أن يقوم دون أفق قيمي مشترك يمنح الذات إحساسا بالكرامة والاستمرارية. فالهوية الهجينة لكي تكون مجالا للغنى لا للضياع، تحتاج إلى جذور رمزية لا بمعنى الثبات، بل بمعنى القدرة على العودة النقدية إلى الذات.

من هنا يتّضح أنّ السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كانت الهوية هجينة أم لا، لأنّ الهجنة أصبحت شرطا عاما في عالم العولمة، بل يتعلق بكيفية عيش هذه الهجنة: هل تُعاش بوصفها انقساما مؤلما أم بوصفها توترا خلاقا؟ هل تُدار بمنطق الاستلاب أم بمنطق الحوار؟ هل تتحوّل إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة أم إلى فضاء لإعادة بناء المعنى؟ هذه الأسئلة لا تجد أجوبتها في الخطابات الجاهزة، بل في الممارسة اليومية للذات وهي تفاوض انتماءاتها وتعيد صياغة علاقتها بذاتها وبالآخر.

وتقودنا هذه الاعتبارات إلى خلاصة ليس منها بد، لا بوصفها إغلاقا للنقاش، بل بوصفها فتحا لأفق تفكير أوسع. فالهوية الهجينة ليست حالة استثنائية تخصّ فئة بعينها، بل هي التعبير الأكثر صدقا عن وضع الإنسان المعاصر، الذي يعيش في عالم متشابك متعدّد الأصوات سريع التحوّل. هذا الوضع يفرض علينا التخلي عن التصورات الجوهرانية للهوية، دون الوقوع في نسبية مفرغة من المعنى. فالهوية في أفق فلسفي نقدي ليست جوهرا ثابتا ولا قناعا عابرا، بل هي علاقة دينامية بين الذاكرة والاختلاف، بين الاستمرارية والتحول.

إنّ المآل الذي يقود إليه هذا التفكير ليس دعوة إلى الاحتفاء الساذج بالهجنة، ولا إلى الحنين الدفاعي إلى هوية متخيَّلة، بل إلى وعي نقدي يرى في التعدد شرطا للفهم لا تهديدا له. فالهجنة حين تُعاش بوعي تاريخي وأخلاقي، تتيح للذات أن تتجاوز الانغلاق دون أن تفقد عمقها، وأن تنفتح على الكوني دون أن تتنكر للخصوصي. وهي بهذا المعنى تضعنا أمام مهمة فكرية مزدوجة، تفكيك أشكال الهيمنة التي تتخفّى باسم الكونية، وفي الآن ذاته نقد النزعات الانغلاقية التي تتذرّع بالخصوصية لرفض الحوار.

وفي عالم يتجه أكثر فأكثر نحو التداخل والتشابك، يصبح الدفاع عن هوية صلبة ومغلقة وهما نظريا وخطرا عمليا، كما يصبح القبول بذات سائلة بلا معايير نوعا من الاستقالة الوجودية. بين هذين الحدّين تتبلور الهوية الهجينة بوصفها أفقا ممكنا للتفكير في الإنسان المعاصر، لا باعتباره كائنا منقسما، بل باعتباره كائنا قادرا على حمل التعدد داخل وحدته، وعلى تحويل الاختلاف إلى إمكان للفهم لا إلى ذريعة للصراع. وهنا ربما يكمن الرهان الحقيقي أن نتعلّم كيف نكون ذواتا متعددة دون أن نفقد قدرتنا على المعنى، وكيف ننتمي إلى أكثر من عالم دون أن نتنازل عن مسؤوليتنا الأخلاقية تجاه ذواتنا وتجاه الآخرين.

***

د. حمزة مولخنيف

يقترح نيتشه ان هناك أربعة أخطاء كبرى ارتكبتها الفلسفة طوال التاريخ:

الخطأ الأول وهو الأخطر: "المزج بين النتيجة والسبب". يدّعي نيتشه ان كل قواعد الدين والأخلاق وقعت ضحية لهذا الخطأ، وان الكهنة والوعاظ يتحملون مسؤولية التبشير به. هو يستخدم مثالا من كتاب في القرن الخامس عشر لرجل نبيل يسمى لويجي كورنار cornaro Luigi . يجادل فيه كورنار ان "نظام غذائي خفيف" قاد الى سعادة وحياة أخلاقية طويلة. لكن كورنار التبس عليه السبب والنتيجة غير مدرك ان بطء التمثيل الغذائي هو الذي تطلّب اتّباع نظام غذائي ضعيف، وهو ما سمح له ليعيش أطول. الاخلاقيون يرغبون اثبات الخيرية في رؤيتهم الأخلاقية عبر اقتراح ان الأشياء الجيدة (النتيجة) تحدث للناس الذين لديهم اخلاق جيدة (سبب). لكن هذا غير صحيح . كورنار اعتقد خطأ ان طعاما قليل جعله يعيش طويلا، بينما في الحقيقة ان التمثيل الغذائي البطيء لديه وبطء نبضات القلب كانت تعني انه احتاج الى القليل من الطعام ليعيش. يعتقد نيتشه ان الكنيسة مثل كورنار، تستعمل ظروفا موجودة سلفا لتبرير مجموعة من الأفعال او اطارا أخلاقيا.

معظم المبادئ الدينية تؤمن انه لو قام الفرد بأشياء معينة وتجنب عمل أشياءً أخرى سوف يكون سعيدا – أي ان السعادة تأتي من الفضيلة. يقترح نيتشه صيغة بديلة، لا يختلط فيها السبب مع النتيجة. في هذه الصيغة، الفضيلة تأتي من السعادة. هو يرى ان الفضيلة ممكنة فقط عندما يمتلك الفرد حياة طويلة وسعيدة. واذا كانت الكنيسة تدّعي ان الرذيلة تدمر الشخص، نيتشه يرى ان الشر هو مظهر وعرض للخراب ولعدم السعادة. الناس غير السعداء يحتاجون الشر لنسيان تعاستهم. على سبيل المثال، أصدقاء الرجل المريض يرون ان المرض هو المسؤول عن سلوكه. لكن الرجل يقع مريضا لأنه كان فقيرا ومتعبا في المقام الاول.

يشرح نيتشه بالتفصيل خطأ الكنيسة في الخلط بين السبب والنتيجة. فمثلا، الكنيسة تجادل ان الشخص الذي يتصرف أخلاقيا (السبب) سيكون سعيدا (النتيجة). في الحقيقة، العكس هو الصحيح. هو يرى انه فقط الناس الذين هم سعداء سلفا يمتلكون الحرية والفرصة ليتصرفوا أخلاقيا. ونفس الشيء، الناس الذين يلجأون لأعمال العنف والاجرام لم يفسدوا لأنهم تصرفوا بلا أخلاقية وانما لأن هؤلاء الناس كان عليهم اللجوء للعنف او الجريمة لأن حياتهم مدمرة سلفا. هم يقومون بأعمال سيئة لأنهم يائسين وليس العكس.

الخطأ الثاني الكبير: هو "السببية الزائفة". الناس يعتقدون خطأ انهم يتحكمون بأنفسهم ويمكنهم فهم لماذا يتصرفون بالطريقة التي يقومون بها - انهم يفهمون حوافزهم. اليوم، نحن نفهم ان "العالم الباطني" هو مكان معقد وغامض مليء بالأشباح والاضواء الخادعة، احد أجزاء ذلك العالم هي الإرادة. حاليا، لم تعد الإرادة توضح السلوك. ونفس الشيء، نحن لم نعد نؤمن ان "الحافز" و "الايغو" يسببان او يوضحان السلوك. يعتقد نيتشه ان ايمان الإنسانية في الحقائق الجوهرية الثلاث للإرادة والروح والايغو أفسد التجريبية. أي ان فهم البشرية المفترض للوجود، والذي يُفترض انه تجريبي وموضوعي، هو في الواقع الانا (بما فيها من مشاعر غير مقبولة وعيوب) التي تسقطها على العالم.

الخطأ الكبير الثالث: هو "خطأ الأسباب المتخيلة". نيتشه يقدم مثالا عن شخص ما يسمع صوت طلقة من مكان بعيد ويطرح قصة توضح وتعطي معنى للصوت. لكن ما يفعله الشخص في الحقيقة هو استعمال ردة فعله للصوت لتوضيح السبب. يعتقد نيتشه اننا يمكننا ان نعزو معظم المشاعر الجسدية - "كل نوع من الكبح، الضغط، التوتر، الانفجار" – الى دافع البشرية لخلق الأسباب . نحن نريد ان نعرف لماذا حافز معين يجعلنا نشعر بالطريقة التي نقوم بها – انه لا يكفي الاعتراف اننا نشعر بطريقة معينة. في الحقيقة، نحن فقط نصبح واعين بشعورنا حالما نحدد سبب تلك المشاعر، وان ذكرياتنا عن المشاعر تؤثر على الدوافع التي ننسبها الى المحفزات الجديدة. بهذه الطريقة، نحن نستبدل "الاعتياد" بـ "التحقيق".

نيتشه ينكر "التوضيح النفسي" كجهد للفرد في نسبة سبب لشيء لإراحة نفسه واستعادة الإحساس بالقوة. عندما نشعر بالخوف، تكون استجابتنا الفطرية هي إزالة الخطر. نحن نعتقد ان أي توضيح حتى لو كان زائفا هو افضل من لا شيء. لكي نخفف الخوف، نحن لا نبحث عن افضل توضيح وانما التوضيح الذي سوف يهدئ خوفنا. بمرور الزمن، نحن نعتاد على قبول هذا النوع من التوضيح. فمثلا، المصرفي دائما يفكر حول الاعمال، والمسيحي دائما يفكر حول الإثم. كل الاخلاق والدين ترتكز على هذا الخطأ في السبب المتخيل. فمثلا، الاخلاق والدين يخلقان "أرواحا شريرة" متخيلة لتوضيح كل شكل من "مشاعر عامة غير سارة". نحن نخلق أسبابا لتخصيص "عقوبة" للأشياء التي تأمرنا الاخلاق بعدم القيام بها. نيتشه رفض ادّعاء شوبنهاور باننا في الحقيقة نستحق كل عدم ارتياح جسدي او ذهني نشعر به.

الخطأ الرابع الكبير هو "خطأ الإرادة الحرة". نيتشه يدين الإرادة الحرة باعتبارها شيء صنعه الثيولوجيون لجعل الناس "مسؤولين" عن افعالهم اللاأخلاقية ويعتمدون على الدين للخلاص. الإرادة الحرة أيضا سوف تجعل الناس يشعرون بالذنب. يجادل نيتشه ان لا احد يمنحنا خصائصنا وسلوكنا: "لا إله، لا مجتمع، لا اسلافنا" ولا أي شخص مسؤول عن فعله او وجوده. نيتشه يحتقر فكرة "الحرية المُدركة" intelligible freedom او الحرية المقررة ذاتيا التي طرحها كانط وافلاطون. الناس ليسوا نتيجة لـ "تصميم خاص، إرادة، هدف"، لذلك لا ينبغي ان نتوقع ان يكافحوا لإنجاز "اخلاق مثالية" كما تدّعي الأديان. نحن كلنا جزء من كل أكبر. الحكم على شخص واحد يعني الحكم على الكل، ونحن لا نستطيع الحكم على الكل طالما "لا شيء يوجد منعزلا عنه". أخيرا، هو يقف بالضد من مفهوم "الله " ويعتبره "اكبر تحدّ للوجود".

***

حاتم حميد محسن

قراءة معاصرة في السيميائيات الحديثة وفهم العلامة

يندرج هذا البحث في إطار الدراسات السيميائية المعاصرة، حيث يسعى إلى تقديم قراءة شمولية لمصطلحات وأدوات علم السيمياء من منظور يزاوج بين الامتداد التاريخي والوظيفة التحليلية. فقد تمت مقاربة المفهوم انطلاقًا من التراث العربي الإسلامي كما تجلّى عند ابن سينا وجابر بن حيان وابن خلدون، مرورًا بما أثبته لسان العرب وما أورده الزجاج من دلالات لمفهوم السيماء والسيمياء، وصولًا إلى التحديدات التي رسختها المعاجم الغربية، والتي أفرزت تمييزًا بين الكيمياء والسيمياء من جهة، والسيميولوجيا والسيميوطيقا من جهة أخرى.

كما انفتح البحث على أبرز التنظيرات الحديثة لدى فرديناند دو سوسير وشارل بيرس وشارل موريس ورولان بارت وجاك دريدا وأمبيرتو إيكو، مبرزًا تباين المدارس بين المقاربة الثنائية (الدال/المدلول) والمقاربة الثلاثية (العلامة/المرجع/المؤول). وتم الوقوف عند أهم الأدوات الإجرائية للسيميائيات مثل العلامة، الرمز، الأيقونة، المؤشر، والقرينة، باعتبارها مفاتيح لتحليل الخطاب بمختلف أشكاله.

وخلصت الدراسة إلى أن إعادة تقويم العلاقة بين سيميولوجيا سوسير وسيميوطيقا بيرس تتيح إعادة طرح سؤال المرجع السيميائي وكيفية اشتغال العلامة داخل الخطاب الأدبي والثقافي، بما يمنح السيميائيات راهنيتها كمنهج فعّال لتحليل أنساق العلامات وبُناها الدلالية

الكلمات المفاتيح: السيمياء؛ السيميولوجيا؛ السيميوطيقا؛ العلامة؛ الدال والمدلول؛ بيرس؛ سوسير؛ تحليل الخطاب.

على سبيل التقديم

يعدّ علم السيميائيات من أبرز الحقول المعرفية المعاصرة التي انشغلت بدراسة آليات إنتاج المعنى داخل الخطاب الأدبي وغير الأدبي على السواء. وقد عرف هذا الحقل منذ نشأته مع دي سوسير وشارل ساندرس بيرس، مرورًا بجهود رولان بارت، غريماس، أمبيرتو إيكو وجوليا كريستيفا، تطورات نظرية ومنهجية أسهمت في بناء جهاز مفاهيمي متماسك يُمكّن الباحث من مقاربة النصوص والظواهر الثقافية بوصفها أنساقًا دلالية منتجة للمعنى

غير أنّ ثراء السيميائيات وتعدد اتجاهاتها أفضى إلى تباين واضح في صياغة مصطلحاتها وتوظيف أدواتها، حيث يتجاذبها بين الحقول المختلفة سياقان: سياق التأسيس النظري الصارم من جهة، وسياق الاستعمال التطبيقي المتشعّب من جهة أخرى. ومن هنا تتأتى إشكالية هذا البحث، الذي يهدف إلى رصد أهم المصطلحات والأدوات السيميائية، والكشف عن طبيعتها ووظائفها وحدودها التداولية، قصد بناء رؤية أكثر وضوحًا للباحث العربي في تعامله مع هذا الحقل المعرفي.

ولأجل ذلك، يقوم البحث على تتبّع الخلفيات النظرية لتلك الأدوات، وتبيّن موقعها في التحليل السيميائي الحديث، ثم مناقشة إمكانات تكييفها مع النصوص الثقافية والأدبية في السياق العربي، بما يتيح تجاوز إشكالية الازدواجية الاصطلاحية، ويمهّد لبلورة جهاز إجرائي يساعد في إنجاز قراءة أكثر عمقًا للنصوص والخطابات.

تعريف مصطلح السيمياء وتاريخه

في القديم اقترن مصطلح السيمياء عند العرب بعدد من العلماء أمثال ابن سينا وابن خلدون وجابر بن حيان (200ه ـ 815م)، هذا الأخير الذي كان شديد الثقة بعلمه ولكن لم تساعده أدوات عصره على تحقيق ما كان يطمح إليه من خيال علمي حيثُ كان يسعى إلى تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب. ولما لم يستطع تحقيق بعض ذلك الطموح، تحول علم الكيمياء عنده إلي ما عرف بعلم السيمياء. وقد كان مفهوم هذا العلم في ذلك الوقت قريباً من السحر. يقول صاحب كتاب أبجد العلوم: " السيمياء هي اسم لما هو غير حقيقي من السحر"(1).

وقد ورد في لسان العرب: "السومة والسيماء والسيمياء: العلامة، وسوم الفرس: جعل عليه السيمة، وقوله عز وجل: ﴿حجارة مسومة عند ربك للمسرفين﴾(2)؛ قال الزجاج: روى الحسن أنها معلمة ببياض وحمرة، وقال غيره: مسومة بعلامة يعلم بها أنها ليست من حجارة الدنيا ويعلم بسيماها أنها مما عذب الله بها؛ الجوهري: السومة بالضم العلامة، تجعل على الشاة وفي الحرب أيضا، تقول منه تسوم. قال أبوبكر: قولهم عليه سيما حسنة معناه علامة ... والخيل المسومة هي التي عليها السمة والسومة وهي العلامة. وقال ابن الأعرابي: السيم العلامات على صوف الغنم. وقال تعالى: من الملائكة مسومين؛ بفتح الواو، أراد معلمين ...وفي حديث الخوارج: سيماهم التحليق أي علامتهم، والأصل فيها الواو فقلبت لكسرة السين، وقد يجئ السيماء والسيمياء ممدودين ..." (3).

أما المعاجم الأجنبية فقد فرّقت بين مصطلحين: الكيمياء وهي العلم المعـروف Chemistry) وعلم أخر (Alchemy) وهو يرمز إلى ما كان يسمي عند العرب بعلــم السيمياء وهو علم كيمياء القرون الوسطي . وربما سموه (الخيمياء) لقرب اللفظتين لفظاً ومعنى(4).

وتعرف السيميولوجيا بأنها:" علم يدرس العلامة ومنظوماتها أي اللغات الطبيعية والاصطناعية كما يدرس الخصائص التي تمتاز بها علاقة العلامة بمدلولاتها"(5)؛ أي تدرس علاقات العلامات والقواعد التي تربطها أيضاً وهذا التعريف يدخل تحته عدد من العلوم مثل الجبر والمنطق والعروض والرياضيات...

في العصر الحديث

تعددت وجهات النظر في تحديد هوية هذا الحقل المعرفي، حيث اختلفت تحديداته وتنوعت تعريفاته بتنوع المدارس واختلاف الاتجاهات ولكن هذا لم يمنع العلماء من المحاولة إذ يعرفها بيارغيرو بأنها: "العلم الذي يهتم بدراسة أنظمة العلامات: اللغات، والأنظمة والإشارات والتعليمات ..." (6)؛ وهذا التحديد يدخل اللغة تحت مفهوم السيميوطيقا. وقد ترجم بعض علماء اللسـانيات العرب هذا العلم بعلم الرموز أو علم الدلالة. وكان أوائلهم متأثرين بموريس الذي كان يرى أن السيمياء تهتم بمعنى الإشارات قبل استعمالها في قول أو منطوق معين. وقد وضح د. ميجان الرويلي ود. سعد البازعى مفهوم السيمياء في كتابهما دليل الناقد الأدبي حيث يقولان في هذا الصدد ما يلي: السيميولوجيا لدى دارسيها تعني علم أو دراسة العلامات (الإشارات) دراسة منظمة منتظمة، ويفضل الأوربيون مفردة السيمولوجيا التزاماً منهم بالتسمية السوسيرية أما الأمريكيون فيفضلون السيميوطيقا التي جاء بها المفكر والفيلسوف الأمريكي تشارلي ساندرز بيرس. (7) وقد دعا معظم اللسانين العرب إلي ترجمتها بالسيمياء. ورأوا أن هذه المفردة السيمياء مفردة عربية لها حقل دلالي لغوي ثقافي تشاركها فيه كلمات مثل السمة والتسمية والوسام والوسم والميسم والسيماء والسيمياء وكلها تعني العلامة. وأيا كانت أصولها البنيوية التي هي نفسها منهج منتظم لدراسة الأنظمة الإشارية المختلفة في الثقافة العامة.

وقد استعمل"فردناند دو سوسير" مصطلح "سيميولوجيا" واستخدم الفيلسوف الأمريكي "شارل بيرس" مصطلح " سيميائيات"، حيث اعتبرا المؤسسين الفعليين لهذا النوع من الدراسات . يقول دوسوسير معرفا السميولوجيا في كتابه محاضرات في علــم اللغة:" من الممكن ابتكار علم يدرس دور العلامات باعتبارها جزء من الحياة الإجتماعية، ويكون جزء من علم النفس الاجتماعي، وبذلك يكون جزء من علم النفس العام. ونرى تسميته السيمولوجيا، وهو يدرس صيغة العلامات والإشارات والقوانين التي تحكمها. وبما أن هذا العلم لا يوجد بعد فلا نستطيع أن نتنبأ بمصيره، غير أننا نصرح بأن له الحق في الوجود إذ يوجد له سلفا مكانيا، وما الألسنية إلا فرع من فروع هذا العلم العام، وستكون القوانين التي ستكشفها السيميولوجيا قوانين تطبق في اللسانيات كذلك"(8).

وقد كتب دوسوسير هذا النص أواخر القرن التاسع عشر. سنة 1894. ونشر سنة 1916، حيث تصور دي سوسير وجود هذا العلم وبين اشتقاقه وأصله، كما حدد موضوعه، ونادى بحقه في الوجود ووصف علاقة هذا العلم الآتي الذي لم يكن قد ولد بعد، بكل من علم النفس الذي هو الأصل الذي ينتمي إليه العلم المبشر به، وبين علم اللسان الذي سيكون جزء منه. كما بين وظيفته وأهميته في بيان مدلولات الإشارات ومعرفة قوانينها التي تحكمها. لقد اعتبر ف. دوسوسير "اللغة نظام من العلامات التي تعبر عن الأفكـار"(9)؛ حيث اكتشف أن الكلمة تملك بنية سماها دليلا، يتكون هذا الأخير من دال (صورة سمعية) ومدلول(مفهوم). فالدليل إذن علاقة اعتباطية وضرورية بين الدال والمدلول. فهو "لا يملك أي رابطة انتماء مع الشيء المقابل ولا تشابه أو مماثلة، فهو ليس سوى مصوتية فارغة أو شكلا خطيا اعتباطيا ومبهم دون التمثل الذي يملك القدرة على استحضاره والذي يستمد منه مضمونه ودوره ووجوده الواقعي (10).

فقد كان دي سوسير يرى أن اللسان نسق من العلامات التي تعبر عن المعنى، وهو ما يمكن أن يقارن بلغة الصم والبكم والطقوس الرمزية الأخرى دينية كانت أم ثقافية مادامت وسط المجتمع. حيث دعا إلى الاهتمام بالعلامة لمنطلقات لغوية إلى ما سماه بعلم السيمولوجيا أو علم منظومات العلامات، من خلال مفهومه للغة بوصفها منظومة من العلامات تعبر عن فكر ما مع تركيز دائم على العلاقات التي تربط بين الوحدات والعناصر اللغوية كما قرر دي سوسير اعتباطية العلامة اللغوية بينما تقول السيميائية باعتباطية العلامة مما يمنح الدوال مدلولات لانهائية. (11) . وهكذا تلتقي السيميائية واللسانيات في القول باعتباطية الدليل اللساني. وإن رأى البعض أن هذه العلاقة ينبغي وصفها بأنها ضرورية وليست اعتباطية (12).

والدال هو تلك الصورة الصوتية، والمدلول هو ما تثيره تلك الصورة في ذهن المتلقي. وهكذا نجد أن سوسير قد أطلق السيميولوجيا على علم العلامة أو الإشارة، حيث يقول في هذا الصدد ما يلي: "إنه بإمكاننا أن نتصور علما يدرس حياة العلامات داخل الحياة الاجتماعية، وبالتالي السيكولوجيا العامة، وهذا العلم هو السميولوجيا الذي يعلمنا كيف تتكون العلامات، وما هي القوانين التي تحكمها"(13).

وهو أيضا من أصر على أن السيميولوجيا أصل، واللسانيات فرع منها، لكنه سيخضع للتعديل والقلب من طرف دارسين آخرين. فقد أكد "بارت" الذي مارس التحليل السيميولوجي على أكمل وجه أن اللسانيات أعم من السيميولوجيا. لأنه لا يمكن تصور إنسان بــدون لباس (علامة) ولا يمكن تصوره بدون لغة.

وأما جاك دريدا وإن اعترف بجهود بارت، فقد اعتبر على أن "النحوية": "الكتابة بوصفها أثرا" هي سمة الإشارة الكبرى، ولابد أن تكون الأصل الذي عنه تتفرع السيميوطيقا واللسانيات. ومهما يكن من أمر التمييز بين البنيوية والسيميولوجيا، فإن هذا التمييز يبقى تمييزا محليا ومرحليا، فالسيميولوجيا تتبع المنهجية البنيوية وإجراءاتها، لكنها تقصر التركيز على دراسة الأنظمة العلاماتية الموجودة أصلا في الثقافة، والتي عرفت على أنها أنظمة قارة قائمة في بيئة محددة. أما البنيوية فتدرس العلامة سواء كانت جزءا من نظام أقرته الثقافة كنظام أو لم تقره. ولعل هذا الفارق هو الوحيد الذي من شأنه أن يميز الحقلين ولئن اعتبرنا التمييز البنيوي بين اللغة النظام (اللسان) واللغة الأداء (الكلام) أساسا للفريق بين البنيوية والسيميولوجيا، فإننا سنقول إن مجال عمل السيميولوجيا هو اللغة النظام دون اللغة الأداء. ولهذا تظل السيميولوجيا ممارسة استقرائية استنتاجية، وهذا ما يجعلها تقوم على أهلية "الذات" المدركة والواعية.

وأما في اللغة الانجليزية فتسمى "سيميوطيقا" وقد أريد بها نفس المعنى الذي عند دوسوسير بواسطة "شارل بيرس" و"شارل موريس" الأمريكيين الذين أسسا للتراث الأمريكي في هذا الميدان من العلوم في الوقت الذي كان فيه دوسوسير يؤسس لهذا العلم في فرنسا وعلى جهل تام من قبله بذلك. وفي هذا الصدد يعتبر بيرس (1839-1914) بأن النشاط البشري بمجمله نشاط سيميائي .وبطبيعة الحال فإن النشاط اللساني هو نشاط سيميائي لأنه جزء من النشاط البشري .يقول بيرس عن نفسه:" إنني وحسب علمي الرائد أو بالأحرى أول من ارتاد هذا الموضوع المتمثل في تفسير وكشف ما سميته السيميوطيقا أي نظرية الطبيعة الجوهرية والأصناف الأساسية لأي سيميوزيس محتمل .إن هذه السيميوطيقا التي يطلق عليها في موضع آخر المنطق تعرض نفسها كنظرية للدلائل وهذا ما يربطها بمفهوم السيميوزيس الذي يعد على نحو دقيق الخاصية المكونة للدلائل"(14).

التسميتان إذا ليستا تفسيرا لغويا من قبل كل واحدة منهما للأخرى، بقدر ما هما نتاجان حدثا في الفترة الزمنية نفسها، لكن الصيغة الثانية "Semiotics" كتسمية لميدان هذا العلم، هي التي أقرت أخيرا، وقد أخذ بها " المجمع العالمي لعلم السيمياء" الذي أسس فيما بعد مجلة " السيميوطيقا العالمية" في كانون الثاني من عام 1969م، لكن الاختلاف بين "علم السيمياء" بمعنى "Sémiologie" و"علم السيمياء " بمعنى "Sémiotics" ليس على ما يبدو اختلافا بسيطا بين كلمتين وليس أيضا محصلة معركة وصراع علم الإصلاحات الفرنسي - الأمريكي بين "سيميوطيقا بيرس" و"سيميولوجيا سوسير"، إنه اختلاف يركز أساسا على التعارض بين نوعين أو بالأحرى بين طرازين من العلامة " Signe" أو الدلالة. ففيما يحدد "سوسير" العلامة ويعرفها على أنها اتحاد بين دال ومدلول. نجد "بيرس" قد أضاف إلى تلك الصيغة مفهوم "المرجع" أي الواقع المعين بواسطة العلامة (أو الدلالة).

ويعرف "بورس " السيميائيات بأنها:" الدستور الشكلاني للعلامات"، حيث عرض نظرية سيميولوجية غاية في التعقيد، لكن نظرته للعلامة وفاعلية وظائفها الدلالية لا تختلف عن الطرح البنيوي اللساني، إذ يرى بيرس على أن العلامات تنقسم إلى دوال ومدلولات وعلاقات تربطها معا، وكما الحال عند دوسوسير، فإن بيرس يبحث عن القانون المنتظم الذي يحكم حركة هذه العلاقات بين الدال والمدلول: فهو بلغة سوسير يبحث عن اللغة النظام التي تحكم حركة اللغة الأداء، وبحسب نظرية بيرس فإن البنية الدلالية العلاماتية تحتوي أربعة عناصر:

العلامة بوصفها ممثلا ينوب أو يحل محل شيء آخر (المادة المشار إليها أو الموضوع) والمحلل (الشخص الذي يدرك ويعني الإشارة)، ثم الطريقة المحددة التي تكتمل بها العملية النيابة الإشارة، وهي التي يسميها بيرس: الأرضية أو الأساس. ويقول بيرس في هذا الصدد ما يلي: " إن العلامة أو الممثل هي شيء ما من شأنه أن يقوم مقام شيء آخر، ويقوم مقامه بطريقة محددة بالنسبة إلى شخص معين"(15). وتحدد لنا هذه العلاقة الرباعية الوسيلة التي من خلالها تؤدي العلامات معانيها. كما أن العلاقة القائمة بين العناصر الأربعة تحدد بدقة متناهية طبيعة العملية السيميولوجية إذ يرى بيرس أن كل عملية سيميولوجية تنطوي على علاقة ثلاثية بالنسبة إلى العنصر الرابع: أي العنصر الإنساني المدرك.

بينما يقول" امبرتو إيكو": إن السيميائيات تعنى بكل ما يمكن اعتباره علامة وإشارة. أما مارتينيه فيعرفها قائلا: " السيميولوجيا: دراسة جميع السلوكيات والأنظمة التواصلية".

جوهر التعريف إذن يركز على اعتبار هذا العلم، علما جديدا زمن نشأته، وأنه يركز على دراسة الدلالة والمعنى؛ لكن هذه الدراسة لم تكن محل توافق وهو ما سيؤدي إلى نشأة مدارس سيميائية مختلفة.

مصطلحات وأدوات علم السيمياء

تتعدد أنواع العلامات والدلالات في ميدان علم السيمياء (علم الدلالة) فنجد إلى جانب العلامة كمصطلح أساسي، الدلالة، الرمز، الشاهد(الدليل) والأيقونة (أي القرين)، والإشارة، إن هذه الكلمات ليست مصطلحات فقط في علم السيمياء، بل هي أدوات هذا العلم، يعمل من خلالها ويستخدمها، وقد أوجد لكل منها تفسيرا أو تعريفا خاصا بها، فإذا وجد مقومات ذلك التفسير ومعطياته في ميادين الأدب واللغة والفن ووسائل التعبير الأخرى كالمسرح مثلا، عين نوع العلامة وقدم الوجهة الفنية في التعبير على أساسها لهذا الفن أو ذاك، إذا هذه المصطلحات كأدوات تختلف باختلاف موقعها في تفسير التعبير، وموقعها منه. من هنا يأتي علم السيمياء كتكملة لمسيرة علم اللسانيات، لكن على نطاق آخر، والدليل على أنه يتخذ علم اللسانيات كمنطلق له، هو وجود مصطلحات ذات سمة مشتركة بين العلمين: فالدليل والعلامة والدال والمدلول هي صيغ علم اللسانيات أساسا، لكن عالم السيمياء استعان بها في ميدان تبيان وتفسير دلالات اللفظ والتعبير الفني، ويقول سوسير في مجال علم اللسانيات بهذا الخصوص أن "الدال والمدلول هما الحدان اللذان بهما تعرف العلامة أي (الدلالة)"؛ ولعل من أهم المصطلحات السائدة في هذا المجال العلمي ما يلي:

- العلامة السيميولوجية: أي الدلالة في علم اللسانيات ليس اجتماع شيء ما مع اسم ذلك الشيء، بل إنها اجتماع مفهوم ما مع صورة سمعية/صوتية. كما يقول سوسير. ويكون سوسير قد ألغى كما ذكرنا سابقا في هذا الإطار مفهوم "المرجع" أي الواقع الذي تعينه الدلالة وتعود إليه عند جمعها للدال والمدلول. بينما هذه الصيغة هي كما رأينا عند بعض السيمائيين أمثال "بيرس" تتمسك بالعلاقة بين العلامة (دال+ مدلول) ومرجعها الذي تعينه ويقترح بذلك نمذجة للعلامات حسب طبيعة هذه العلاقة، وانطلاقا منها، وحيث هذه العلاقة هي بطبيعة الحال، مدعومة بواسطة القرين والرمز والشاهد.

و" يعتبر بيرس العلامة (Signal) كقرينة اصطناعية، أي دليلا من صنع الإنسان يربطه بموقف أو شيء معين بغية تحميله رسالة ما"(16). فالعلامة تؤدي إلى رد فعل ما. وهي لا تحتوي على أية علاقة دلالة. مثال: الجرس هو علامة نهاية الدراسة.

الشاهد أو الدليل: الشاهد (Index) أو (الدليل (Signe Indice/

هو نموذج يعود إلى نمذجة شارل بيرس عام 1978، فالشاهد بالنسبة له علامة أي ترابط أو اتحاد ديناميكي وترابط حيزي أيضا) مع الشيء الفردي من جهة، ومع الذاكرة للشخص الذي يكون بالنسبة لها علامة من جهة أخرى، والكلمة حسب سوسير تملك بنية سماها دليلا، كما سبق وتمت الإشارة إلى ذلك، حيث يتكون هذا الأخير من دال (صورة سمعية) ومدلول (مفهوم) . والدليل حسب سوسير هو علاقة اعتباطية بين الدال والمدلول، فهو "لا يملك أي رابطة انتماء مع الشيء المقابل ولا تشابه أو مماثلة، فهو ليس سوى مصوتية فارغة أو شكلا خطيا اعتباطيا ومبهم دون التمثل الذي يملك القدرة على استحضاره والذي يستمد منه مضمونه ودوره ووجوده الواقعي(17).

فالدخان مثلا شاهد على وجود النار، والاصبع الموجه نحو شيء ما، هو دليل يؤدي إلى تعيين ذلك الشيء. إن الشاهد (أو الدليل) يموضع عناصر وأشياء، وبدونه تبقى هذه الأخيرة معلقة، دون إرساء حيزي وزمني لها، هذا النموذج من العلامات أساسي.

- الرمز: Symbole: ويعني عند اليونان في السابق علامة التعرف أو المعرفة، إنه علامة اتفاقية واصطلاحية، تتعلق بعادة فطرية مكتسبة، سواءا كانت تلك العادة تزيد معنى وتدليلا جديدا على المعنى الأساسي أو تعود إلى المعنى والتدليل الأساسين. والرمز هو علامة قد اختيرت اتفاقيا كي توحي لنا بمرجعها الأصلي: وهكذا فإن نسق الضوء الأحمر /الأخضر/ الأصفر، قد استعمل اصطلاحا للإشارة إلى الأولوية في المرور. ويعرف بيرس الرمز بأنه " دليل يعود إلى الشيء، الذي يدل عليه بفعل قانون يتكون عادة من تداع عام للأفكار ويحدد ترجمة الرمز بالرجوع إلى هذا الشيء"(18).

ويقدم ج. بياجي تعريفا أكثر وضوحا، إذ يقول إن الرمز "صورة مستحضرة ذهنيا أو شيء مادي مختار عن قصائد ليعين صنف أفعال أو أشياء" (19).

وحسب المنهج السوسيري فإن الترميز يكتسب معنى معاكسا لنمذجة "بيرس" وهو بذلك يعتبر مبدأ العلة الطبيعية بين الدال والمدلول. أي أن الرمز لا يكون إلا بين وحدتين من نفس المستوى، أي بين داليين أو مدلولين. فالميزان هو رمز العدالة لأنه يوحي تماثليا بكفتيه المتوازيتين زنة كب من الحسنات والسيئات وبشكل مقصود يمكننا التكلم أيضا عن الرمز المستعمل في الديكور أو في الإخراج.

القرينة (الأيقونة): Identité: إن القرينة هي في نمذجة علامات بيرس العلامة التي تعين مرجعها حصرا، بواسطة خصائص تعود فقط إليه، خارج كل الاعتبارات التي تهم وجود أو عدم وجود المرجع" والقرينة تدل على الوجود المحتمل لشيء ما. و"القرائن هي أحداث قابلة للإدراك حالا وتجعلنا نعرف شيئا بصدد أحداث أخرى ليست كذلك(20).

إن رسم (صورة) يمتلكها شخص ما، يعتبر قرينه أي (أيقونته)، بالقدر الذي يمثل الرسم نموذجه. والدخان قرينة النار، والدخان الكثيف الأسود يدل على الحريق، والغيوم المتلبدة تدل على المطر.

خلاصة:

إن إعادة تقويم لسيميولوجيا سوسير، ولسيميوطيقا بيرس قد تسمح لنا بطرح مسألة مرجع العلامة السيميائية. فالنموذج البيرسي (نسبة إلى بيرس) ذو الشكل الثلاثي، يعتمد على العلاقة بين العلامة ومرجعها وعلى الاستعمال الذرائعي (العملي/ الواقعي) للعلامات، بينما نرى أن ثنائية الدال والمدلول لا تأخذ في حسبانها الشيء المعين بواسطة العلامة، كي تهتم في المقابل بالمفهوم الذي ترتبط به مادية الدال؛ بحيث سيتبلور مفهوم "علم السيمياء" فيما بعد انطلاقا من أعمال "غريماس" وقد اعتمد تسمية "sémiotiques" لهذا العلم على الرغم من أعماله في البحث قد انطلقت من أعمال سوسير وهيلمسلاف، فإن هذه الصيغة تكون أقرب إلى تسمية بيرس لهذا النوع من العلوم منها إلى تسمية "سوسير وهيلمسلاف له. ويقول غريماس وهكذا تتسع الهوة، وتزداد عمقا بين السيميولوجيا التي كانت تستخدم من أجلها اللغات الطبيعية كأدوات من أجل الشرح المسهب في وصف الأشياء الدلالية من جهة وبين السيميوطيقا التي أخذت على عاتقها بادئ ذي بدء، تشكيل وبناء "علم ما وراء اللغة" الذي يحتوي اللغة ويفسرها، أي تصبح ميدان من ميادينه، ويضيف غريماس قائلا: "السيميولوجيا تطرح كمبدأ، أو كمسلمة، بطريقة أو أخرى، توسط اللغات الطبيعية في تطوير سيرورة قراءة المدلولات المنتمية إلى السيميائيات اللغوية واللالغوية كالتصوير، والرسم والهندسة وغير ذلك بينما نرى بأن السيميوطيقا تدحض هذا الادعاء".

***

بقلم: د. منير محقق

كاتب وناقد وباحث أكاديمي مغربي

........................

لائحة المراجع والمصادر

المراجع والمصادر باللغة العربية

- القرآن الكريم.

- صديق القنوجي، أبجد العلوم ج، الطبعة الأولى ص 392

- سورة الذاريات، الآية: 34.

- ابن منظور لسان العرب مادة (سوم)

- إبراهيم صدق، السيميائية اتجاهات وأبعاد، محاضرات الملتقى الوطني الأول السيمياء والنص الأدبي، ص 77.

- أنور المرتجى، سيميائية النص الأدبي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، ط1 1987م ص 3.

- د. بشير كاوريربت، مناهج النقد الأدبي المعاصر 139

- بيار غيرو، السيمياء ترجمة: أنطون أبن زيد ط 1، 1984م، منشورات عويدات، بيروت لبنان ص 50.

- فرديناند دي سوسير: محاضرات في اللسانيات العامة، ص 33.

- فرديناند دي سوسير، محاضرات في اللسانيات العامة ص 87

- ميشال أريفية وجون كلود جيرو، السيميائية أصولها وقواعدها، رجمة رشيد بن مالـك مراجعة وتقديم عز الديـن المناصرة ص 28، 29

- فرديناند دي سوسير، محاضرات في اللسانيات العامة

- محمد السرغيني، محاضرات في السيميولوجيا، ص. 8.

- بسام بركة: الإشارة - الجذور الفلسفية والنظرية اللسانية. ص 50، مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد 30 -31.

- إبراهيم الخطيب، ترجمة مؤلف "مورفولوجية الخرافة" لفلاديمير بروب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

- الجلالي الكدية، أنطولوجيا الحكاية الشعبية المغربية، الطبعة الأولى " أنفوبرانت"، فاس، 2014.

- أحمد زياد محبك، الحكاية الشعبية، دراسة ونصوص، مقاربات للنشر والصناعات الثقافية، الطبعة الأولى 2018، فاس، المملكة المغربية.

- مصطفى يعلى، امتداد الحكاية الشعبية، موسوعة شراع الشعبية، طنجة، سبتمبر-دجنبر 1999.

- محمد حجو، الإنسان وانسجام الكون، سيميائيات الحكي الشعبي، الطبعة الأولى، الرباط 2012.

- محمد فخر الدين، الحكاية الشعبية المغربية، بنيات السرد والمتخيل، دار نشر المعرفة، الطبعة الأولى، الرباط 2014.

- محمد فخر الدين، موسوعة الحكاية الشعبية المغربية، دار نشر معهد الشارقة، الطبعة الثانية، 2018.

مصطفى الشاذلي، ظاهرة الحيز في الخرافة الشعبية، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، ع.10/1984، ص.169-177.

- إدريس كرم، اختيار الزوجة كما تقدمه الحكاية الشعبية المغربية، مجلة التراث الشعبي، ع.6، س.9، وزارة الإعلام، بغداد، 1978، ص.113-129

-حسن السائح، القصة والملحمة في الأدب الشعبي، مجلة التعاون الوطني، ع35/1966.

- صلاح الدين الخالدي، الحكاية المرحة في الأدب الشعبي المغربي، مجلة المعرفة، ع149، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، تموز 1974، ص.86.

- عبد الكبير الخطيبي، صوت الحكاية، في كتاب " الاسم العربي الجريح"، ط.1، دار العودة، بيروت، 1980، ص.153-183.

- عباس الجراري، حكايات من الفلكلور المغربي، مجلة المناهل، ع.5، س.3، وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الثقافية، الرباط، مارس 1976، ص.370-376.

-عبد الله بن شقرون، ما قيمة القصة الشعبية المغربية، هل الخرافة من الأدب؟ مجلة الإذاعة الوطنية، ع.14، س.2/1959.

- عائشة بلعربي، صورة الطفل في الحكاية الشعبية، أعمال ندوة التربية والتغيير الاجتماعي المنعقدة بالمدرسة العليا للأساتذة، جامعة محمد الخامس من 28 ماي إلى 2 يونيو 1979، منشورات جامعة محمد الخامس، الرباط ص.86

-محمد الفاسي، الخرافات في الأدب الشعبي، ضمن بحث "نظرة عن الأدب الشعبي بالمغرب، مجلة البينات، ع.4، س.1، وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الإسلامية، الرباط، غشت 1962، ص8-9

- مصطفى يعلي، القصص الشعبي بالمغرب، دراسة مورفولوجية، رسالة لنيل دكتوراه الدولة في الأدب العربي الحديث من كلية اداب الرباط، السنة الجامعية، 1992-1993

- مصطفى يعلى، ظاهرة المحلية في الفن القصصي بالمغرب من أوائل الأربعينيات إلى نهاية الستينيات، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا بكلية الآداب بفاس، السنة الجامعية 1983-1984، تحت إشراف الدكتور إبراهيم السولامي.

- الزمخشري، أساس البلاغة، الهيئة المصرية العامة للكتاب.ط.3. ج 1910.

- شحاذة خوري، 2012، أوراق ثقافية، الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق.

- علي كريت، موسوعة التراث الشعبي، دار الحكمة (الجزائر)، الجزء الأول 2007.

- ابن منظور، لسان العرب، دار صادر.ج.3. د.ت بيروت.

- سعيدي محمد، الأدب الشعبي بين النظرية والتطبيق.

- أحمد زياد محبك، من التراث الشعبي، الطبعة الأولى 1426ه/2005م، دار المعرفة، بيروت، لبنان.

- مالكة العاصمي، أنواع الأدب الشعبي بالمغرب، مجلة المناهل، عدد 30، س.11، وزارة الشؤون الثقافية، الرباط، يوليو 1984، ص.360-366.

- عبد القادر زمامة، الأمثال المغربية، دراسات ونصوص، إعداد وتقديم السعيد بنفرحي، 2010، الطبعة الأولى، المطبعة، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط.

- عبد السلام هارون، التراث العربي، دار المعارف. سلسلة كتابه. 30 القاهرة (ج.ت).

- د. أحمد مرسي، مقدمة الفلكلور، ص.5، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة 1976.

- مجموعة كتاب، 2008، مقدمة في دراسة التراث الشعبي، القاهرة.

- محمد الجوهري، علم الفولكلور، القاهرة 1977.

- د. أحمد مرسي، مقدمة الفلكلور، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة 1976.

- عباس الجراري، في الإبداع الشعبي، مطبعة المعارف الجديدة/ الرباط، ط1988/1.

- إدريس كرم، "الأدب الشعبي المغربي" الأدوار والعلاقات في ظل العصرنة، منشورات اتحاد كتاب

المغرب، ط1.

- عبد الحميد يونس، التراث الشعبي، سلسلة كتابك، دار المعارف، 1979.

- حسين عبد الحميد أحمد رشلان، الفولكلور والفنون الشعبية، مكتبة مدبولي، سنة 1989بتصرف

- ابن سيدة: المحكم والمحيط العظم في اللغة، ت.د. عائشة عبد الرحمان بنت الشاطئ، ط 2، ج3.

- المنجد الأبجدي، دار المشرق، بيروت، ط 5، (د.ت).

- نبيلة إبراهيم: أشكال التعبير في الأدب الشعبي، دار مكتبة غريب للطباعة، القاهرة، ط 1، 1991م.

- عمر أحمد مختار، معجم اللغة العربية المعاصرة، المجلد الأول، عالم الكتاب.

- عبد الحميد يونس، الحكاية الشعبية، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، ط.1،1968م.

- عبد الرحمن الساريسي، الحكاية الشعبية في المجتمع الفلسطيني، المؤسسة العالمية للدراسات والنشر، ط 1، 1986م.

- عبد الحميد بورايو، الأدب الشعبي الجزائري، دار القصبة للنشر، الجزائر، (د.ط) 2007م.

- صفوة كمال، الحكاية الشعبية الكويتية، ط 1، 1986.

- محمود تيمور، فن قصص دراسات في القصة والمسرح، المطبعة اللغوية.

- مصطفى الجوزو، الأساطير العربية وخرافاته.

.

مصطفى يعلى، ظاهرة المحلية في الفن القصصي بالمغرب من أوائل الأربعينيات إلى نهاية الستينيات، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا بكلية الآداب بفاس، السنة الجامعية 1983-1984، تحت إشراف الدكتور إبراهيم السولامي.

- الأستاذ الدكتور عبد الرحمان عبد الهاشمي، أدب الأطفال، فلسفته.أنواعه. تدريسه.

- فردريش فون ديرلاين، الحكاية الخرافية، نشأتها، مناهج دراستها، فنيتها، ترجمة: د.نبيلة إبراهيم، دار غريب للطباعة، القاهرة، (دط)، (دت).

- مصطفى يعلى، القصص الشعبـي دراسة مورفولوجيا، شركة النشر والتوزيع المـدارس، الدار البيضاء، ط. 1، (1999).

- سعيدي محمد، الأدب الشعبي بين النظرية والتطبيق.

- بيير بورديو، الرمز والسلطة، ترجمة بن عبد العالي، دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية 1990.

- جون سكوت، علم الاجتماع، المفاهيم الأساسية، طبعة الأولى بيروت 2009.

- مجمع اللغة العربية، معجم علم النفس والتربية، الجزء الأول، الهيأة العامة لشئون المطابع الأميرية،1984.

- علي بن محمد الشريف الجرجاني، كتاب التعريفات، مكتبة لبنان، طبعة جديدة، بيروت، 1985.

- عز الدين إسماعيل، التفسير النفسي للأدب، مكتبة غريب، القاهرة، ط4، د.ت.

- أبو أديب كمال، جدلية الخفاء والتجلي، دار العلم للملايين، بيروت، طبعة 3، ص. 20.

- اليافي نعيم، الصورة في القصيدة العربية المعاصرة، القاهرة، ص. 2.

- ماجدة حمود، مقاربات تطبيقية في الأدب المقارن، تحاد كتاب العرب، سوريا، ط. 1، 2011م.

- الدكتور أحمد أوزي، الطفل والمجتمع.

- مصطفى الورياغلي، الصورة الروائية.

- كيليطو، الأدب والغرابة.

- بروب، مورفولوجيا الخرافة.

- د. محمد مفتاح تحليل الخطاب الشعري إستراتيجية التناص، دار السنوبر ط1 1985.

- جوزيف كورتيس، مدخل إلى السيميائية السردية والخطابية، ترجمة: د. جمال حضري، الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الاختلاف.

- هامون، سيميولوجية الشخصية.

- لوكاش جورج، دراسات في الواقعية، ترجمة د فايق يلوز، وزارة الثقافة، دمشق.

- يسري شاكر، أجمل حكايات الفلكلور المغربي، ص.4.

- عماد بن صوله، الأصول والبدايات في السرديات الشفوية، الموقع الإلكتروني: الثقافة الشعبية polkulturebh.

- كورتيس، مدخل إلى السيميائية السردية والخطابية، ص 208، ترجمة د. جمال حضري، منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، الجزائر، السنة 2007.

- غريماس، تقديم لكتاب جوزيف كورتيس مدخل إلى السيميائية السردية والخطابية.

- المراجع والمصادر بغير العربية

- The American Heritage R Dictionary of the English Language،- Fourth Edition copyright C2000 by Houghton Mifflin company. Updated in 2009. Published by Houghton Mifflin company. All rights reserved.

- J. Piaget، La naissance de l’intelligence p.158

، - Charles. Peirce écrits sur le signe. Seuil 1978.p140-141

- Elisséeff (N): Thèmes et motifs des Mille et une Nuits, I.F.D Beyrouth, 1949.

- P. Bowles.whithout stopping: an autobiography/ New york. The Ecco Press ; 1972. Trad. Française. Mémoire d’un nomade. Paris. Quai Voltaire 1989.

Robert Briatte: Paul Bowles, Collection Biographique, Paris. Ed. Plon ; 1989.

- Black Sparrow Press, Santa Barbara. CA. 1985: The Jealous Lover.

Tambouctou Books. CA. 1985.

- Le petit robert.

Flament. C. 447: 1989.

P. Mannoni, 1989.

G. Thines, et, A. Lempreur, 1975.

Thines et Lempreur, 1975.

E.durkeheim: " forme élémentaire de la vie religieuse" puf. Paris 1968.

Baudrillard, Jean. Simulacra and Simulations. The Precession of Simulacra.

La sociologie de A à Z. Frédéric lebaron. paris.2009.p 103.

Jodolet, D. 1984.

Langenfeld 2005.

N. Sillamy ,1980.

Moscovici, " son image et son publique" édition puf, 1961.

Yves Alpe, 2005.

Ferdinand de Saussure, Cours de linguistique générale dans Bougnoux, D.

Sciences de l’information,

- Larousse, Paris, 1993, p. 12.

- Gremas, sémiotique structurale.6

- G. Courtes, Introduction à la sémiotique narrative et discursive.

- Analyse sémiotique du texte, p.15, Groupe d entre vernes.

Le roman à thèse ou L’autorité fictive puf 1983.

الهوامش

(1) ـ صديق القنوجي، أبجد العلوم ج، الطبعة الأولى ص 392

(2) ـ سورة الذاريات، الآية: 34.

(3) ـ ابن منظور لسان العرب مادة (سوم)

(4) - The American Heritage R Dictionary of the English Language، Fourth Edition copyright C2000 by Houghton Mifflin company. Updated in 2009. Published by Houghton Mifflin company. All rights reserved.

(5) ـ إبراهيم صدق، السيميائية اتجاهات وأبعاد، محاضرات الملتقى الوطني الأول السيمياء والنص الأدبي، ص 77.

(6) ـ أنور المرتجى، سيميائية النص الأدبي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، ط1 1987م ص 3.

(7) ـ د. بشير كاوريربت، مناهج النقد الأدبي المعاصر 139

(8) ـ بيار غيرو، السيمياء ترجمة: أنطون أبن زيد ط 1، 1984م، منشورات عويدات، بيروت لبنان ص 50.

(9) ـ فرديناند دي سوسير: محاضرات في اللسانيات العامة، ص 33.

(10) - J. Piaget، La naissance de l’intelligence p.158

(11) ـ فرديناند دي سوسير، محاضرات في اللسانيات العامة ص 87

(12) ـ ميشال أريفية وجون كلود جيرو، السيميائية أصولها وقواعدها، رجمة رشيد بن مالـك مراجعة وتقديم عز الديـن المناصرة ص 28، 29

(13) ـ فرديناند دي سوسير، محاضرات في اللسانيات العامة

، Charles. Peirce écrits sur le signe. Seuil 1978.p140-141 (14)

(15) ـ محمد السرغيني، محاضرات في السيميولوجيا، ص. 8.

(16) ـ محمد السرغيني، محاضرات في السيميولوجيا، ص. 8.

(17) ـ بسام بركة: الإشارة - الجذور الفلسفية والنظرية اللسانية. ص 50، مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد 30 -31.

(18) - Charles.S. Peirce، écrits sur le signe. Seuil 1978.p140-141

- J. Piaget: la formation du Symbole chez l'enfant, p.159 (19)

(20) - Prieto. Voir Galisson R et Costa D: Dictionnaire de didactique de langue Hachette, 1976.

 

مقدمة: تشكل الفلسفة المعاصرة، في عصرنا الحالي، نقطة تقاطع بين التساؤلات الأزلية عن الوجود والأخلاق والمعرفة، وبين التحديات العملية التي يفرضها العالم المعاصر. مع تطور التكنولوجيا والتغيرات البيئية والاقتصادية، أصبحت الفلسفة ليست مجرد تأمل نظري، بل أداة لفهم ومواجهة الواقع. في هذه الدراسة، نركز على المحاور الأساسية المحددة: المناخ والبيئة، الجغرافيا السياسية، الاقتصاد اللامادي، الذكاء الاصطناعي، والأخلاقيات التطبيقية والفلسفة الرقمية. هذه المحاور ليست منفصلة، بل مترابطة، حيث تعكس كيفية تفاعل الإنسان مع العالم الطبيعي والاجتماعي والتكنولوجي. سنستعرض كل محور بشكل معمق، مستندين إلى أفكار فلاسفة معاصرين ودراسات حديثة، لنكشف عن الجوانب النظرية والعملية لهذه المواضيع. الهدف هو تقديم رؤية شاملة تبرز كيف تساهم الفلسفة في حل التحديات الحالية، مع الإشارة إلى أن هذه المحاور تمثل تحولاً في الفلسفة نحو التطبيقي والعالمي. فماهي محاور الفلسفة في عصرنا؟

المناخ والبيئة في الفلسفة المعاصرة

يُعد المناخ والبيئة من أبرز المحاور في الفلسفة المعاصرة، حيث يجمعان بين الأبعاد الأخلاقية والوجودية. في السنوات الأخيرة، أصبح تغير المناخ ليس مجرد قضية علمية، بل فلسفية تتعلق بالعلاقة بين الإنسان والطبيعة. الفيلسوف البلجيكي برنارد فيلتز، على سبيل المثال، يركز على الجوانب الأخلاقية لإدارة تغير المناخ، مشدداً على أن العلم البيئي غير كافٍ لوحده، وأن هناك حاجة إلى فلسفة تجمع الإنسان مع الكائنات الحية دون تفوق بشري مطلق. هذا المنهج ينتمي إلى "البيئة العميقة"، التي ترفض التركيز البشري المركزي وتدعو إلى رؤية كلية. من الناحية الأخلاقية، يبرز مفهوم "العدالة المناخية" كما في موسوعة ستانفورد للفلسفة، حيث يُناقش كيفية توزيع حقوق الانبعاثات الغازية دون تجاهل قضايا الفقر والتنمية.

هناك نقاشات حول "الاستدامة الضعيفة" مقابل "الاستدامة القوية"، حيث تسمح الأولى بتعويض الخسائر الطبيعية بالرأسمال، بينما ترفض الثانية ذلك. الفيلسوف هانز يوناس، في مبدأ "الإلزام البشري"، يدعو إلى التصرف بطريقة تحافظ على حياة بشرية أصيلة على الأرض. هذا يتجاوز العلم إلى الفلسفة، حيث يُنظر إلى المناخ كمسألة وجودية تهدد الكينونة البشرية. في السياق الصيني، يُلخص الباحثون أساسيات الفلسفة البيئية في أربعة أسئلة: المركزية، القيمة، الأخلاق، والبقاء، مستمدين من الفكر الغربي لكن مع لمسة ماركسية. أما في الفلسفة الخضراء، فإنها تُعتبر أداة لفهم العلاقة بين الإنسان والطبيعة لمواجهة الاحتباس الحراري، مع التركيز على التنمية المستدامة.  فلاسفة مثل هانري جوناس وفاندانا شيفا يرون في تغير المناخ تحدياً أخلاقياً يتطلب تحولاً في الوعي البشري. هذا المحور يتداخل مع الآخرين، حيث يؤثر المناخ على الجغرافيا السياسية والاقتصاد، مما يجعله مركزياً في الفلسفة المعاصرة.

الجغرافيا السياسية في الفلسفة المعاصرة

الجغرافيا السياسية هي دراسة تأثير الجغرافيا على السياسة والعلاقات الدولية، وفي الفلسفة المعاصرة، تُعتبر فرعاً يجمع بين النظرية السياسية والأخلاقية. يُقترح إنشاء فرع فلسفي جديد للجغرافيا السياسية، نظراً لتعقيدها، حيث يمكن للفلاسفة حل النزاعات باستخدام المنطق الفلسفي.  في عصرنا، شهدت الجغرافيا السياسية تحولاً هيكلياً بسبب التعددية القطبية المجزأة والتسارع التكنولوجي. يُعيد الفلاسفة مثل تشارلز غرايبز النظر في الجغرافيا كمساعدة للسياسة الدولية، مستندين إلى النظريات الكلاسيكية مثل تلك لـهالفورد ماكيندر وكارل شميت. هناك نظريات متعددة عن العصر الجيوسياسي الجديد، مثل نظرية الاستقرار الهيمني، والواقعية الدولية، والتعددية التي تركز على التعاون العالمي لمواجهة المشكلات مثل تغير المناخ. ألكسندر دوغين، في "أسس الجغرافيا السياسية"، يدعو إلى مشروع أوراسي يهدف إلى تحرير أمريكا الجنوبية من الهيمنة الشمالية، مستوحى من الفاشية الجديدة. هذا الكتاب مؤثر في النخب الروسية، ويُنتقد لتأثيره على السياسات الإمبريالية. في عام 2023، أصبحت النظريات التقليدية غير كافية بسبب التحولات العالمية، مما يتطلب إعادة تقييم للجغرافيا السياسية في سياق التحديات البيئية والتكنولوجية. هذا المحور يتداخل مع المناخ، حيث تؤثر الجغرافيا على النزاعات البيئية، ومع الذكاء الاصطناعي في تشكيل الاستراتيجيات العالمية.

الاقتصاد اللامادي في الفلسفة المعاصرة

الاقتصاد اللامادي يشير إلى الإنتاج الذي يعتمد على الأنشطة المعرفية والعاطفية، بعيداً عن الإنتاج المادي التقليدي. في الفلسفة المعاصرة، يُناقش هذا المفهوم من منظور ماركسي، خاصة في أعمال موريتسيو لازاراتو، الذي يعرفه كعمل ينتج خدماتاً أو معرفة غير مادية.  هذا العمل يتجاوز الإنتاج المادي، مشملاً التواصل والعلاقات الاجتماعية. في أعمال أنطونيو نيغري ومايكل هاردت، يُوصف العمل اللامادي كإنتاج يجمع بين الفعل الاقتصادي والتواصلي، مما يثري الإنتاج إلى مستوى التفاعل البشري.

هناك ثلاثة أنواع: العمل المعرفي (مثل استخدام الحواسيب)، العمل التحليلي، والعمل العاطفي الذي ينتج شبكات اجتماعية.  فوكو يناقش كيف يحول هذا الاقتصاد المادي إلى لامادي، مع الحفاظ على التحديدات التاريخية. في السياق الشبابي، يرتبط الاقتصاد اللامادي بالشبابية كقوة عاطفية تتجاوز الأجساد، مما يعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية. هذا المحور يتداخل مع الذكاء الاصطناعي، حيث يعتمد الاقتصاد الرقمي على العمل اللامادي، ومع الأخلاقيات التطبيقية في قضايا الاستغلال.

الذكاء الاصطناعي في الفلسفة المعاصرة

الذكاء الاصطناعي (AI) يُعد ثورة فلسفية، حيث يتحدى مفاهيم الذكاء والوعي. في الفلسفة المعاصرة، يُناقش كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف الإنسانية، مستنداً إلى هيدغر ويوناس.  يُرى الذكاء الاصطناعي كظاهرة فلسفية تعيد تشكيل المفاهيم الكلاسيكية للعقلانية والوكالة. في فلسفة العلم، يتحدى الذكاء الاصطناعي التمييز بين الإنساني والآلي، مما يؤدي إلى فلسفة ما بعد إنسانية.  أسئلة مثل: هل يمكن للآلة أن تمتلك وعياً؟ تُطرح في فلسفة الذكاء الاصطناعي.  الفلسفة تأكل الذكاء الاصطناعي، حيث تحدد كيف يتعلم ويخلق.  هذا المحور يرتبط بالأخلاقيات التطبيقية في قضايا الخصوصية والمسؤولية.

الأخلاقيات التطبيقية في الفلسفة المعاصرة

الأخلاقيات التطبيقية هي تطبيق النظريات الأخلاقية على مشكلات حقيقية، مثل الإجهاض والحيوانات والجوع العالمي.  بدأت مع جوديث جارفيس تومسون في 1971. تشمل مجالاتها الأخلاقيات الطبية والتجارية والبيئية. في الفلسفة المعاصرة، تُعتبر نقاشاً بين الأنانية والنتائجية والديونتولوجيا.  جون راولز يقترح عدالة توزيعية تسمح باللامساواة إذا خدمت الأقل حظاً.  هذا المحور يربط جميع الآخرين، حيث يطبق الأخلاق على المناخ والذكاء الاصطناعي.

الفلسفة الرقمية:

أصبح المصطلح "الفلسفة الرقمية" أحد أبرز المفاهيم الفلسفية المعاصرة، حيث يجمع بين عدة اتجاهات مترابطة: استخدام الأدوات الحسابية والرقمية لإعادة صياغة وتطوير الأسئلة الفلسفية التقليدية. التأمل الفلسفي في تأثير التقنيات الرقمية على الوجود البشري، الهوية، الأخلاق، المعرفة، والواقع نفسه. محاولات تفسير الواقع الأساسي كعملية رقمية أو حسابية. دراسة التحولات الثقافية والاجتماعية الناتجة عن الرقمنة الشاملة (العصر الرقمي، الذكاء الاصطناعي، الواقع الافتراضي، الاقتصاد الرقمي). هذه الاتجاهات ليست منفصلة؛ بل تشكل نسيجاً واحداً يعكس كيف أصبح الرقمي ليس مجرد أداة، بل أصبح بيئة وجودية جديدة تُعيد تشكيل مفهوم "الإنسان" و"العالم". سنستعرض في هذه الدراسة الأبعاد الرئيسية لهذا المجال، مع التركيز على أبرز الأسئلة والمفكرين والتحديات. لعل الفلسفة الحسابية التي تعتمد على استخدام الرقمي لعمل الفلسفة تنتمي الى هذا الاتجاه، الذي يُسمى أحياناً "الفلسفة الرقمية" بالمعنى الدقيق، يعتمد على الأدوات الحسابية لتقدم البحث الفلسفي:

نمذجة المفاهيم الفلسفية عبر خوارزميات ومحاكاة.

تحليل نصوص فلسفية ضخمة باستخدام الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي.

رسم خرائط مفهومية وعلاقات بين الفلاسفة والأفكار بطريقة بصرية وحسابية.

دراسة فلسفة العلم الرقمية.

أمثلة بارزة: كيف يمكن محاكاة حجج أخلاقية (مثل المشكلة العربة) باستخدام نماذج قرار آلية؟

استخدام الـفلسفة الرقمية لدراسة تطور المفاهيم الفلسفية عبر القرون. هذا الاتجاه لا يحل محل التأمل التقليدي، بل يوسعه ويجعله أكثر دقة وشمولاً.2. فلسفة الوجود الرقمي – إعادة تعريف الإنسان في العصر الرقمي هنا ينتقل السؤال من "كيف نستخدم الرقمي؟" إلى "ماذا يفعل الرقمي بنا؟":الهوية الرقمية: كيف تشكل الملفات الشخصية على المنصات ذاتنا؟ (مفهوم "الذات بعد الأصالة" عند هانز-جورج مولر وبول دامبروزيو).

الوعي الرقمي : هل يمكن للأنظمة الاصطناعية أن تمتلك وعياً؟ (نقاش يتجاوز تجربة غرفة الصين لجون سيرل إلى آفاق ما بعد-بشرية).

الجسد الرقمي: من الجسد الطيني إلى "الشبكة الديكارتية" – الواقع الافتراضي والأجساد الرقمية القابلة للتعديل والزوال.

التفاهة الرقمية: نقد فلسفي للسطحية المعولمة، التمجيد الدائم للحظة، وانهيار العمق في زمن الخوارزميات واللامتناهي. فلاسفة بارزون في هذا السياق (من السنوات الأخيرة):بيار ليفي، برنارد ستيغلر (قبل وفاته)، لوك دي براباندر ((فلسفة موجزة للتحول الرقمي)).

الأنطولوجيا الرقمية – هل الواقع رقمي أصلاً؟

أحد أكثر الاتجاهات جذرية، يعود بشكل أساسي إلى إدوارد فريدكين:

الافتراض: الطبيعة في أعمق مستوياتها ليست مستمرة ، بل منفصلة – تتكون من "طفرات" وتتطور عبر عمليات حسابية تشبه معالج حاسوب.لا توجد لا نهائيات، لا كسور عشرية مستمرة، لا احتمالات عشوائية محلية.

الميكانيكا الرقمية كأساس للفيزياء الكمومية والنسبية.

هذا الاتجاه يتقاطع مع: نظرية المعلومات ( جون ويلر) ومحاكاة الكون (نيك بوستروم).

بعض تفسيرات الفيزياء الحديثة التي ترى الكون كحساب هائل.

الأخلاقيات والقيم في العصر الرقمي

الخصوصية مقابل الشفافية الخوارزمية.

العدالة الخوارزمية: التحيزات المدمجة في الذكاء الاصطناعي.

القيم الأخلاقية المتغيرة: كيف تتأثر الأخلاق بالتفاعل الرقمي المجهول، السريع، والمُعَدَّل خوارزمياً؟

السيطرة والتحكم: هل نحن نتحكم بالتقنية أم هي تُعيد تشكيلنا؟ (مفارقة نوربرت وينر).

خاتمة

تكشف هذه المحاور عن فلسفة معاصرة مترابطة، حيث يؤثر كل محور على الآخر. المناخ يشكل الجغرافيا السياسية، والاقتصاد اللامادي يعتمد على الذكاء الاصطناعي، والأخلاقيات التطبيقية توجه الجميع. في عام 2026، مع التحديات العالمية، تحتاج الفلسفة إلى التركيز على التعاون لضمان بقاء بشري مستدام. الفلسفة الرقمية ليست مجرد "فلسفة عن الرقمي"، بل هي فلسفة في الرقمي – أي فلسفة تُمارس داخل بيئة رقمية، تُنتج بواسطة أدوات رقمية، وتتناول واقعاً أصبح رقمياً في جوهره. في 2026، لم تعد الفلسفة تتساءل فقط "ما هو الإنسان؟"، بل "ما هو الإنسان الرقمي؟"، "ما هو الواقع عندما يصبح قابلًا للبرمجة؟"، "ما هي الأخلاق عندما تصبح خوارزمية؟". الفلسفة الرقمية، إذن، ليست مجالاً جانبياً، بل هي الأفق الفلسفي الرئيسي للقرن الحادي والعشرين، حيث يلتقي القديم بالجديد، والإنساني بالآلي، والمادي بالمعلوماتي. فماهي خصائص ابستيمولوجيا ما بعد الحقيقة الرقمية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

تأملات فلسفية في فقدان الصبر ومعنى العيش

ليس الزمن المعاصر مجرد تعاقبٍ محايدٍ للحظات، ولا هو إطارٌ خارجيٌّ تتحرك داخله أفعالنا كما تتحرك الأشياء في فراغٍ صامت؛ إنه بنيةٌ ضاغطة، ونمطُ عيشٍ يتسلّل إلى الأجساد والعقول، ويعيد تشكيل الإحساس بالذات والعالم. فالحديث عن الإسراع والتسارع ليس حديثا تقنيا عن السرعة بوصفها خاصيةً فيزيائية، بل هو تشخيصٌ فلسفيٌّ لروح عصرٍ جعل من العجلة قيمة ومن الفورية معيارا، ومن التأجيل خطيئةً وجودية. هكذا صار الزمن لا يُعاش بل يُستهلَك ولا يُسكن بل يُطارَد، حتى غدا الإنسان كائنا يلهث داخل زمنٍ يفرّ منه باستمرار.

لقد فرّق بول فيريليو في سياق تفكيكه لظاهرة السرعة، بين الإسراع بوصفه قدرةً على إنجاز الفعل بكفاءة، والتسارع باعتباره منطقا شاملاً يفرض إيقاعه على كل شيء، بحيث لا يعود السؤال كيف ننجز؟ بل: كيف ننجز أسرع؟ هذا التحوّل الدقيق هو ما جعل السرعة تنفلت من بعدها الأداتي لتغدو أفقا وجوديا عاما. فالتقنيات الرقمية وشبكات التواصل واقتصاد الانتباه، لم تضف إلى الزمن أدوات جديدة فحسب، بل أعادت تعريف الزمن نفسه، حتى صار الحاضر لحظةً هشّة لا تكاد تُمسك حتى تتلاشى، وصار المستقبل ضغطا دائما، وصار الماضي عبئا لا يُسمح له بالإقامة الطويلة في الذاكرة.

ففي سياقنا هذا، لا يعود الصبر فضيلةً أخلاقية فحسب، بل يتحوّل إلى وضعٍ وجوديٍّ مهدَّد. الصبر كما فهمه الفلاسفة والرهبان والحكماء، ليس مجرد احتمالٍ سلبيٍّ للأذى أو الانتظار، بل هو فنّ السكن في الزمن، والقدرة على منح الأشياء وقتها كي تنكشف في حقيقتها. وقد عبّر سبينوزا عن هذا المعنى حين ربط الحكمة بالقدرة على الفهم الهادئ، حيث “كل ما هو نفيس عسير المنال”، لا لأن الطريق إليه طويل فحسب، بل لأن النفس تحتاج إلى تهيئة زمنية كي تبلغ نضج الرؤية. أما الزمن المعاصر، فإنه يختصر الطريق ظاهريا، لكنه يفرغ الوصول من معناه، فيصير الإنجاز بلا تجربة والمعرفة بلا تأمّل، والعلاقة بلا عمق.

إن الفلسفة في أصلها تمرينٌ على البطء. ليس البطء هنا نقيضا للعقل أو تعطيلا للفعل، بل هو شرط إمكان الفهم. لقد أدرك أرسطو حين جعل الدهشة مبدأ الفلسفة، أن الدهشة تفترض توقّفا، وانقطاعا مؤقتا عن الجريان المألوف للأشياء. والدهشة لا تُختزل في المفاجأة السريعة، بل هي انفتاحٌ صبور على سؤال الوجود. غير أن زمن التسارع لا يحتمل الدهشة، لأنه زمن الأجوبة الجاهزة والتفسيرات السريعة، والمعاني المختزلة في عناوين عابرة. وهكذا تُستبدل الحكمة بالمعلومة ويُستبدل التفكير بالتفاعل، ويُستبدل السؤال بالنقرة.

لقد وصف هيدغر العصر الحديث بأنه عصر “نسيان الكينونة”، حيث ينشغل الإنسان بالكائنات وأدواتها، وينسى سؤال الوجود نفسه. غير أن ما يميّز الزمن المعاصر هو أن هذا النسيان لم يعد نتيجة انشغالٍ تقنيٍّ فحسب، بل صار نتيجة إيقاعٍ زمنيٍّ محموم لا يترك للكينونة فرصة الظهور. فالوجود يحتاج إلى زمنٍ كي يُقال، واللغة تحتاج إلى صبرٍ كي تحمل المعنى، بينما التسارع يضغط اللغة حتى تصير إشاراتٍ مختصرة، ورموزا سريعة التداول، فاقدةً لثقلها الدلالي. هنا لا تُصاب الفلسفة بالعزلة لأنها معقّدة بل لأنها بطيئة، والزمن المعاصر لا يغفر البطء.

يمكن فهم أزمة الصبر من هذه الناحية بوصفها أزمة علاقة بالزمن، لا مجرد ضعفٍ أخلاقيٍّ فردي. فالفرد المعاصر لا يفتقر إلى الإرادة بقدر ما يفتقر إلى الإطار الزمني الذي يسمح للإرادة بأن تتشكّل. لقد نبّه هارتْموت روزا إلى أن التسارع الاجتماعي يُنتج مفارقةً عميقة، كلما امتلك الإنسان وسائل أكثر لتوفير الوقت، شعر بأن الوقت يضيق. ذلك أن الزمن لا يُقاس بما نملكه منه، بل بما نستطيع أن نعيشه بامتلاء. وحين تتكاثف الخبرات دون أن تُهضم، يتحوّل العيش إلى سلسلة من الانقطاعات، ويغدو الصبر ترفا لا ينسجم مع منطق الأداء والإنجاز.

وليس من المصادفة أن الفلسفات التي أعادت الاعتبار للصبر، سواء في التقليد الرواقي أو في الحكمة الشرقية أو في التصوف الإسلامي، قد ربطته جميعا بالتحرّر. فالرواقيون رأوا في الصبر تدريبا على قبول ما لا يمكن تغييره، لا استسلاما، بل وعيا بحدود الفعل. والمتصوفة جعلوا الصبر مقاما من مقامات السير، لأنه يحرّر القلب من استعجال الثمرة قبل نضجها. أما كانط على اختلاف سياقه، فقد شدّد على ضرورة الزمن في تشكّل الحكم العقلي، إذ لا يُبنى العقل العملي في لحظة، بل عبر تربية طويلة للنفس على احترام القانون الأخلاقي. في المقابل، يقدّم الزمن المعاصر أخلاقا فورية، ومواقف سريعة، وإدانات عاجلة دون فسحةٍ للتروّي أو الفهم.

إن الحياة اليومية في ظل هذا الإيقاع تفقد عمقها الوجودي. فالعمل يتحوّل إلى سباقٍ لا ينتهي، والعلاقات تُقاس بسرعة الردّ لا بعمق الحضور، والمعرفة تُختزل في تحديثٍ مستمرٍّ للمعلومات. وهنا تتبدّى مأساة الإنسان المعاصر، إنه يعيش أكثر، لكنه يحسّ أقل. يرى أكثر، لكنه يتأمّل أقل. يتواصل أكثر، لكنه يصغي أقل. وقد عبّر باسكال في سياقٍ مختلف عن حدسٍ قريب حين قال إن شقاء الإنسان يرجع إلى عجزه عن الجلوس هادئا في غرفة واحدة. غير أن الغرفة اليوم لم تعد مكانا فيزيائيا فحسب، بل صارت حالةً زمنية نادرة، حالة الصمت الداخلي الذي يسمح للفكر بأن يتشكّل.

لا يعني هذا التشخيص تمجيد الماضي أو الدعوة إلى انسحابٍ رومانسي من العالم، بل هو محاولة لفهم الكلفة الوجودية للتسارع. فالتاريخ يعلّمنا أن كل تحوّل تقني يرافقه تحوّل في الحساسية الإنسانية. غير أن خطورة اللحظة الراهنة تكمن في أن التسارع لم يعد مجالا جزئيا، بل صار شاملا، يمسّ الجسد والنفس واللغة والخيال. وهنا تُستدعى الفلسفة لا بوصفها ترفا نظريا، بل بوصفها مقاومةً هادئة، تذكّر الإنسان بحقه في الزمن، وبقدرته على التمهّل دون أن يشعر بالذنب.

إن استعادة الصبر ليست عودةً إلى البطء الكسول، بل هي إعادة توازنٍ بين الحركة والمعنى. فكما أن الجسد يحتاج إلى إيقاعٍ حيويٍّ متوازن كي لا ينهار، تحتاج الروح إلى زمنٍ قابلٍ للسكن كي لا تتبدّد. وقد عبّر نيتشه عن قيمة البطء حين قال إن “كل الأفكار العظيمة تُولد أثناء المشي”، أي في زمنٍ غير مضغوط، زمنٍ يسمح للفكر بأن يتنقّل دون هدفٍ نفعيٍّ مباشر. لكن زمن التسارع لا يسمح بالمشي، بل يفرض الجري، والجري لا يتيح للفكرة أن تتنفّس.

إن أزمة الصبر هي في جوهرها أزمة معنى. فحين يُختزل الزمن في أداة إنتاج، يُختزل الإنسان في وظيفة، وتفقد الفلسفة موقعها بوصفها سؤالا عن الغاية. ولعلّ أعظم ما يمكن أن تقدّمه الفلسفة اليوم هو إعادة طرح سؤال: كيف نعيش الزمن؟ لا كيف نملأه. كيف نسكنه؟ لا كيف نستهلكه. هذا السؤال لا يبحث عن وصفةٍ جاهزة، بل يفتح أفقا للتفكير في إمكانات مقاومة ناعمة، تبدأ من الوعي وتنتهي بإعادة تشكيل علاقتنا اليومية بالعالم.

يمتدّ تأملنا هذا إلى مستوى أعمق تتقاطع فيه اليوميّات الصغرى مع الأسئلة الكبرى للوجود، حيث لا يعود التسارع مجرّد ظاهرة خارجية نلاحظها، بل يصير بنية داخلية تستوطن الوعي نفسه. فالعقل المعاصر لم يعد يفكّر داخل الزمن، بل يفكّر على إيقاع الزمن المسرِع، أي داخل ضغط الاستعجال. ومن هنا تنشأ مفارقة دقيقة، لم يعد الإنسان يفتقر إلى الوقت بقدر ما يفتقر إلى القدرة على الإقامة في الوقت. فالزمن متاح لكنه غير قابل للمعاش؛ ممتلئ لكنه غير مثمر؛ متكاثف، لكنه بلا رسوخ.

إن ما يتبدّى في الحياة اليومية هو تحوّل الانتباه إلى سلعة نادرة. وقد أدرك وليم جيمس منذ وقت مبكّر أن الانتباه هو جوهر التجربة الواعية، وأن ما ننتبه إليه هو ما يصنع عالمنا. غير أن اقتصاد التسارع لا يقوم على تعميق الانتباه، بل على تشتيته، لأن القيمة لم تعد في الفهم، بل في التدفّق المستمر للمثيرات. وهكذا يتآكل الصبر من حيث هو قدرة على تثبيت النظر وعلى الإصغاء الطويل، وعلى احتمال الغموض دون استعجال تبديده. ومع تآكل الصبر يتآكل التفكير العميق، ويصير العقل أقرب إلى شاشة تعكس الصور مما هو مرآة تتأمّل المعاني.

إن الفلسفة لا تواجه اليوم خطر التهميش فقط، بل خطر سوء الفهم الجذري. فهي تُطالَب بأن تكون سريعة مبسّطة قابلة للاستهلاك الفوري، وإلا عُدّت خطابا متحفيا لا صلة له بالحياة. غير أن الفلسفة كما نبّه أفلاطون ليست خطابا يُلقَّن، بل مسار تحوّل للنفس. والتحوّل لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر زمن طويل من التمرين، من الشك، ومن إعادة النظر. وحين يُختزل الزمن يُختزل إمكان التحوّل نفسه، فيتحوّل الفكر إلى رأي، والحكمة إلى موقف عابر، والجدل إلى صراع انفعالي سريع الاشتعال.

لقد كان هيغل يرى أن الحقيقة هي الكل، وأن الكل لا ينكشف إلا عبر الصيرورة. غير أن الصيرورة تفترض صبرا تاريخيا، وتراكما بطيئا للمعنى. أما الزمن المعاصر، فإنه يريد الحقيقة مجتزأة قابلة للتداول ومنفصلة عن سياقها. وهنا يفقد الفكر بعده الجدلي، ويغدو أسير لحظةٍ منفصلة لا تعترف بما قبلها ولا بما بعدها. إن هذا التفكك الزمني ينعكس مباشرة على الحياة الأخلاقية حيث تُستبدل المسؤولية، التي تفترض وعيا بالاستمرارية وبردود أفعال لحظية لا زمن لها.

وإذا كان التسارع قد مسّ الفكر، فإنه مسّ الجسد أيضا. فالجسد المعاصر يعيش تحت ضغط الأداء، ويُطالَب بأن يستجيب دون توقّف، وأن يتكيّف دون مقاومة. وقد نبّه ميرلو-بونتي إلى أن الجسد ليس شيئا نملكه، بل هو طريقتنا في الوجود في العالم. وحين يُفرض على الجسد إيقاع لا يحتمله، ينعكس ذلك اغترابا داخليا، وتوتّرا دائما، وإحساسا غامضا بالإنهاك لا يُفسَّر بالتعب الجسدي وحده. إن التعب المعاصر في جوهره تعبٌ زمنيٌّ ناتج عن فقدان الإيقاع الإنساني الطبيعي.

من هنا نفهم لماذا صارت مفردات مثل القلق والاحتراق النفسي وفقدان المعنى شائعة في توصيف التجربة المعاصرة. فهي ليست أعراضا فردية معزولة، بل إشارات إلى اختلال عميق في علاقتنا بالزمن. لقد أشار كيركغور إلى أن القلق هو دوار الحرية، غير أن القلق المعاصر هو دوار السرعة، دوار كثرة الإمكانات التي لا يُتاح لها أن تتحقّق فعليا. فكل شيء ممكن، لكن لا شيء يُعاش إلى النهاية. وكل تجربة تُقاطع بأخرى، وكل رغبة تُستبدل بأسرع منها، حتى يفقد الإنسان القدرة على الالتزام، سواء في الفكر أو في الحب أو في العمل.

في مقابل هذا الوضع، لا تقترح الفلسفة خلاصا جاهزا، لكنها تفتح أفق مقاومة هادئة، مقاومة تبدأ بإعادة الاعتبار للبطء بوصفه قيمة وجودية. وقد نبّه غاستون باشلار إلى أن الزمن العلمي ليس هو الزمن المعاش، وأن الشعر والفلسفة يشتغلان داخل زمن كثيف، زمن تتداخل فيه اللحظة مع الذاكرة والتوقّع. هذا الزمن الكثيف هو ما يتيحه الصبر، لأنه يسمح للتجربة بأن تترسّخ، وللمعنى بأن يتشكّل، وللذات بأن تتعرّف على نفسها خارج ضغط الفورية.

إن استعادة الصبر ليست فعلا سلبيا، بل هي قرار أخلاقي ومعرفي في آن. قرار بالإنصات بدل الضجيج، وبالتفكير بدل التفاعل، وبالسؤال بدل الجواب السريع. وقد عبّر فيتغنشتاين عن شيء من هذا المعنى حين قال إن حلّ مشكلات الفلسفة لا يكون بتراكم الأجوبة، بل بتغيير الطريقة التي ننظر بها إلى الأشياء. وهذا التغيير لا يحدث في عجلة، بل في صمتٍ وتأمّل، أي في زمنٍ مستعاد من قبضة التسارع.

في الحياة اليومية تتجلّى إمكانات هذا الاستعادة في ممارسات تبدو بسيطة، لكنها عميقة الدلالة، القراءة البطيئة، الإصغاء غير المشروط، المشي دون غاية نفعية، الجلوس مع فكرة دون استعجال حسمها. هذه الممارسات ليست هروبا من العالم، بل إعادة تشكيل للعلاقة به. إنها تذكّر الإنسان بأن الزمن ليس عدوا يجب التغلب عليه، بل مجالا للمعنى يجب السكن فيه. وكما قال برغسون، فإن الزمن الحقيقي هو الديمومة، أي ذلك الجريان الداخلي الذي لا يُقاس بالساعات، بل بكثافة الشعور.

تستعيد الفلسفة دورها النقدي، لا بمعنى المعارضة الصاخبة، بل بمعنى الكشف الهادئ. فهي تكشف أن ما نعدّه تقدّما قد يكون أحيانا فقدانا، وأن ما نعدّه ربحا في السرعة قد يكون خسارة في العمق. وهي تذكّر أسوةً بألبير كامو،بأن الإنسان كائن معنى قبل أن يكون كائن إنتاج. وحين يُختزل في الإنتاج، يفقد قدرته على التمرّد الوجودي الذي يمنحه كرامته.

إن استعادة الفلسفة في الحياة اليومية لا تعني تحويل كل لحظة إلى درس نظري، بل تعني إعادة الحسّ بالسؤال، وإعادة الشرعية للتردّد، وإعادة الاعتبار للزمن بوصفه شرط المعنى. ففي عالم يريد كل شيء الآن، تصبح القدرة على الانتظار فعلا مقاوما، ويغدو الصبر شجاعة وجودية، وتتحوّل الفلسفة إلى ملاذٍ لا للهرب من الواقع، بل لفهمه بعمق أكبر.

إن الرهان الحقيقي ليس في أن نبطئ العالم فهذا خارج قدرتنا، بل في أن نمنع العالم من أن يسرق زمننا الداخلي. فهناك في ذلك الزمن غير المرئي، تتشكّل الأفكار الكبرى وتنضج القيم ويستعيد الإنسان صلته بنفسه. وفي هذا الامتداد الفكري لا يكون الصبر فضيلة أخلاقية فحسب، بل شرطا لإمكان الفلسفة، وشرطا لإمكان حياة تستحق أن تُعاش.

***

د. حمزة مولخنيف

التشريح الماركسي للتعاضد الرأسمالي

في "ما وراء" الاقتصاد الريعي: يُشكل البحث في "الميتافيزيقا" الكامنة داخل البنية الاقتصادية للرأسمالية مدخلاً حاسماً لفهم آليات الهيمنة الحديثة، لا سيما عند إسقاطها على واقع "الاقتصاد الريعي" في دول العالم الثالث يتطلب هذا الفهم غوصاً في العمق الفلسفي والاجتماعي الذي أسسه كارل ماركس حول "صنمية السلعة" و“التعاضد الرأسمالي" الذي يجمع بين المراكز الإمبريالية والنخب الكومبرادورية المحلية.

إن استغلال الشعوب في الأطراف لا يتم فقط عبر القوة العسكرية أو التبادل غير المتكافئ، بل يمر عبر منظومة "ميتافيزيقية" تخلع صفات لاهوتية وقدرية على قوانين السوق؛ مما يحول "الريع" (سواء كان نفطياً، عقارياً، أو مالياً) إلى أداة لتجميد الصراع الطبقي وتأبيد التبعية، تجسيداً لما أسماه مهدي عامل بـ "نمط الإنتاج الكولونيالي".

لاهوت السلعة: الأساس النظري للاستلاب

لفهم آلية استغلال العالم الثالث اليوم، لا بد من العودة إلى اللحظة التأسيسية في الفصل الأول من كتاب "رأس المال"، حيث يكشف ماركس عن الطبيعة المزدوجة للسلعة. ففي حين تبدو السلعة للوهلة الأولى "أمراً بديهياً ومفهوماً"، يكشف التحليل العميق أنها "شيء غريب جداً، يعج بالدقائق الميتافيزيقية والنزوات اللاهوتية". هذا التوصيف ليس مجازاً أدبياً، بل هو تشخيص دقيق لعملية "التشيؤ".

 في الاقتصاديات الريعية، تتفاقم هذه الحالة الميتافيزيقية؛ فالنفط أو الغاز -كسلعة- ينفصل تماماً عن العمل البشري الذي استخرجه، ويتحول في السوق العالمية إلى "وثن" يمتلك قوة ذاتية سحرية قادرة على منح الحياة. هذه الهالة التي تكتنف السلعة تخفي حقيقة الاستغلال؛ إذ يظهر الفقر في العالم الثالث لا كنتيجة لنهب تاريخي، بل كقدر "طبيعي" أو نقص في "بركة" السوق الحرة. هنا، تعمل "الميتافيزيقا" كغطاء أيديولوجي يرفع قوانين العرض والطلب إلى مصاف القوانين الكونية المتعالية غير القابلة للنقض، تماماً كما كانت الأرواح تسكن الأشياء في المعتقدات البدائية.

التعالي الميتافيزيقي للنقد المالي

تتجسد ذروة الميتافيزيقا الرأسمالية في شكل "المال"، الذي يصفه ماركس بأنه "الشكل الأكثر سطحية وتوثيناً". يبدو رأس المال وكأنه "إنسان آلي" يلد الربح من ذاته دون الحاجة للمرور بالعمل. هذا الوهم هو الركيزة الأساسية للاقتصاد الريعي المالي المهيمن على العالم الثالث.

في هذا السياق، يتحول "التعاضد الرأسمالي" إلى تحالف مقدس بين "رأس المال المالي" في المركز و"رأس المال الريعي" في الأطراف. يتم تقديم الفائدة البنكية، عوائد السندات، والريع العقاري كحقائق "ميتافيزيقية" مسلم بها، مشتقة من "طبيعة" رأس المال نفسه، وليس من فائض القيمة المستقطع من عرق العمال. هذه "الصيغة الثالوثية" تعمل على طمس الأصل الواحد للثروة -وهو العمل- مما يبرر وجود طبقة كاملة من "الريعيين" الذين يعيشون على "قص الكوبونات" دون أي مساهمة إنتاجية، سواء كانوا مصرفيين في نيويورك أو أمراء في دول الأطراف.

الاستلاب الميتافيزيقي كأداة هيمنة

يشير التحليل الماركسي إلى أن "الاستلاب الديني" الذي وصفه فيورباخ قد تحول في الرأسمالية إلى استلاب اقتصادي. فالعالم "المسحور والمقلوب" للرأسمالية ليس مجرد وهم في الوعي، بل هو واقع موضوعي يفرض نفسه. بالنسبة للمواطن في العالم الثالث، تتجلى هذه الميتافيزيقا في الشعور بالعجز أمام قوى غيبية تسمى "الأسواق العالمية" أو "تصنيفات الائتمان". هذه القوى، التي هي في الأصل نتاج علاقات إنتاج اجتماعية، تواجه صانعها (الإنسان) كقوى غريبة ومستبدة.

إن "الدقائق الميتافيزيقية" للسلعة تبرر الاستعمار الجديد؛ فبما أن القيمة تبدو وكأنها خاصية ذاتية للسلعة المصنعة في الغرب، وبما أن المواد الخام في الجنوب تبدو "رخيصة" بطبيعتها، فإن التبادل غير المتكافئ يُمرر كعملية عادلة. هذه "الخديعة اللاهوتية" هي الأساس الذي يُبنى عليه الاقتصاد العالمي، حيث يتم شفط القيمة من الأطراف إلى المراكز تحت عباءة القوانين الطبيعية للسوق.

الاقتصاد الريعي: هيكل الاستغلال وتعطيل التاريخ

بينما يُنظر إلى الاقتصاد الريعي في الأدبيات الليبرالية كحالة "لعنة موارد"، يراه التحليل الماركسي كنتيجة بنيوية لتقسيم العمل الدولي. يُعرّف الاقتصاد الريعي بأنه النمط الذي تتحقق فيه الثروة ليس من خلال دورة الإنتاج الرأسمالية (نقد - سلعة - نقد زائد)، بل من خلال الاستحواذ على عوائد بيع أصول طبيعية أو استراتيجية للخارج.

في هذا النمط، تنفصل الدورة الاقتصادية عن الدورة الاجتماعية للإنتاج. الدولة الريعية لا تعتمد على ضرائب مواطنيها (وبالتالي لا تحتاج لتمثيلهم سياسياً)، بل تعتمد على "الريع الخارجي". يخلق هذا الوضع ما أسماه ماركس بـ "ختم الطفيلية" على المجتمع بأسره. وتلعب الميتافيزيقا هنا دوراً حاسماً: فالريع يظهر كـ "هبة" (إلهية أو طبيعية)، مما يعزز الثقافة القدرية والاتكالية، ويعطل نمو القوى المنتجة المحلية التي تُعد محرك التاريخ في الفكر الماركسي.

التراكم عن طريق السلب: الآلية المستمرة

يربط الجغرافي الماركسي ديفيد هارفي بين مفهوم ماركس عن "التراكم البدائي" وواقع الاقتصاديات الريعية اليوم عبر مفهوم "التراكم عن طريق السلب". إن الاقتصاد الريعي في العالم الثالث ليس مجرد حالة تخلف، بل هو نتاج عملية مستمرة من السلب تتجلى في:

تحويل الموارد الطبيعية (أرض، معادن، مياه) من ملكية عامة إلى سلع قابلة للتداول تدر ريعاً للشركات المتعددة الجنسيات والوكلاء المحليين.

كذلك الأمولة (هي التجلي الأكبر لـ "الخديعة اللاهوتية")، توهم العالم بأن الثروة يمكن أن تُخلق من العدم (من شاشات التداول)، مما يغطي على حقيقة أن هذه الأرباح هي في الواقع اقتطاع من القيمة الفائضة التي ينتجها العمال في مكان آخر (غالباً في دول الجنوب/العالم الثالث).

بالنسبة لدول العالم الثالث، الأمولة هي الأداة التي تمتص الثروات عبر "خدمة الدين" وتدفقات رؤوس الأموال الساخنة، مما يمنع هذه الدول من بناء قاعدة إنتاجية حقيقية ويبقيها في حالة "اقتصاد ريعي" تابع. وهي العملية التي يتحول فيها الاقتصاد من "مصنع" ينتج سلعاً للبشر، إلى "كازينو" كبير يراكم الثروة لأصحاب رؤوس الأموال بمعزل عن المجتمع.

نقد الرأسمالية الميتافيزيقية (الطيب تيزيني نموذجاً)

يضيف المفكر الطيب تيزيني بعداً آخر، مشيراً إلى أن الفكر النظري في المجتمعات التابعة يعاني من "فقر" ناتج عن غياب القاعدة المادية الصناعية. هذا الفراغ تملؤه "ميتافيزيقا" مستوردة أو مُعاد إنتاجها من الماضي، تخدم في النهاية مصالح "الرأسمالية الطفيلية". فالنخب الريعية تروج لثقافة استهلاكية سطحية (فيتيشية السلعة في أقصى تجلياتها) كبديل عن المشروع النهضوي الإنتاجي.

نحو تحطيم المرآة الميتافيزيقية

يكشف التحليل المتعمق لرؤية ماركس وتطبيقاتها المعاصرة لدى مفكري العالم الثالث أن "الميتافيزيقا" ليست مجرد مبحث فلسفي معزول، بل هي "البنية التحتية الأيديولوجية" للرأسمالية المعولمة في مرحلتها الريعية.

إن "الدقائق الميتافيزيقية" للسلعة التي تحدث عنها ماركس، و"التعاضد الميتافيزيقي" للطوائف الذي شرحه مهدي عامل، و"الميتافيزيقا الاقتصادوية" التي نقدها سمير أمين، كلها وجوه لعملة واحدة: "التعمية" التي تخفي حقيقة أن رفاهية الشمال مبنية على سلب الجنوب.

يعمل "التعاضد الرأسمالي" كنظام متكامل؛ حيث تضع المراكز الإمبريالية قواعد "السوق الميتافيزيقية" (حرية التجارة، قدسية الديون)، بينما تقوم النخب المحلية (الريعية/الكومبرادورية) بحراسة هذه المصالح عبر تخدير الشعوب بـ "هويات ميتافيزيقية" (طائفية، قبلية).

لا يمكن الخروج من "مصيدة الاقتصاد الريعي" عبر إصلاحات تقنية داخل النظام (كما يقترح البنك الدولي)، لأن المشكلة بنيوية وميتافيزيقية في آن واحد. الحل يكمن فيما أسماه سمير أمين "فك الارتباط"، والذي يعني كسر الخضوع لـ "قانون القيمة" العالمي، واستعادة السيطرة على الموارد الوطنية لتوجيهها نحو تلبية الحاجات المادية للشعوب، بدلاً من تلبية "النزوات اللاهوتية" للأسواق المالية.

إن مواجهة "الاستغلال الريعي" تتطلب إسقاط "التعاضد الرأسمالي الميتافيزيقي" عبر بناء "تضامن مادي" حقيقي بين شعوب العالم الثالث، يعيد الاعتبار للإنتاج مقابل الريع، وللإنسان مقابل السلعة، وللتاريخ مقابل القدر.

***

غالب المسعودي

...........................

المراجع المختارة

كارل ماركس: Capital Volume I - Marxists Internet Archive.

د. عادل سمارة: أزمة الرأسمالية المعولمة عتبة إلى الاشتراكية - أرشيف الماركسيين العرب.

Ernest Mandel: Marx's theory of primitive accumulation and industrialization of the Third World (1967) - IIRE.

دراسات في "صنمية السلعة" والميتافيزيقا الاقتصادية:

Carlos L. Garrido: What is the Fetishism of Commodities? - Midwestern Marx Institute.

Literary Theory: Fetishism and Commodity Fetishism - Literary Theory and Criticism.

Cambridge Press: Ideology, Fetishism, Apophaticism: Marxist Criticism and Christianity.

Emory Scholar Blogs: Marx and the Idea of Commodity - Postcolonial Studies.

الاقتصاد السياسي، الريع، والتراكم عن طريق السلب:

David Harvey & Others: Anti-Capitalist Chronicles: Accumulation by Dispossession - Democracy at Work.

Taylor & Francis: The land question: special economic zones and the political economy of dispossession in India.

Osgood Commons: Laboure, Laboure Law and Capitalist Rent-Seeking: Rentier Capitalism and Laboure in Historical Perspective.

ECMES Academy: الاقتصاد الريعي كنموذج رأسمالي حديث للنمط الآسيوي للإنتاج.

قراءات إضافية في الإمبريالية والثقافة:

International Viewpoint: Imperialism in the 21st century.

Culture Machine: Imaginary States: Studies in Cultural Transnationalism.

Redtails: What Was Primitive Accumulation?

Irish Marxism: Sráid Marx Blog (August 2025).

تندرج النفعية تحت مظلة واسعة من العواقبية، لكنها ليست العضو الوحيد، اذن ما هو الاختلاف بينهما؟ يُستخدم مصطلحا النفعية والعواقبية عند دراسة الفلسفة الأخلاقية. احيانا يُستخدمان كما لو كانا شيئا واحدا. ومع ان هاتين النظريتين الاخلاقيتين تبدوان توأمين للوهلة الأولى، لكن الاستطلاع يكشف اختلافا هاما بينهما. سوف نحلل هاتين النظريتين ونفحص الارتباط بينهما ونحدد أين يفترقان، بالنهاية سوف نفهم بالضبط ما تؤمن به كل واحدة من النظريتين وأهمية ذلك لنا.

ما هي العواقبية consequentialism

يمكن تلخيص العواقبية بفكرة مبسطة: الفعل الأخلاقي يتقرر فقط بنتائجه. اذا كان الفعل يقود الى نتائج جيدة فهو جيد أخلاقيا، واذا كان يقود الى نتائج مؤذية فهو خاطئ أخلاقيا. العواقبية ترى ان أخلاقية الفعل لا تعتمد على النوايا او على مدى اتباعنا للقواعد، بل كل ما يهم هو النتيجة. هذا يفسر لماذا يعبّر الناس أحيانا عن فكرة العواقبية بعبارة "الغاية تبرر الوسيلة". لننظر في هذا المثال. شخص ما يتحدث كذبا لكي يحمي صديق له. شخص آخر يفكر تبعا للقاعدة التي تقول "الكذب دائما خطأ". لكن الشخص الذي يفكر تبعا لوجهة نظر العواقبية يسأل: "هل ذلك الكذب له نتائج جيدة؟"

هناك مختلف الأنواع من العواقبية. احد الأمثلة هو الانانية الأخلاقية التي تؤمن بان الفعل صحيح اذا كان يعزز مصالحك اكثر من الاخرين. صيغ أخرى هي الوكيل - المحايد وتعني ان مصلحة كل الناس يجب النظر اليها بالتساوي، والوكيل القريب التي تسمح لك إبداء تعامل خاص مع منْ ترتبط معهم بعلاقة وثيقة مثل (أعضاء العائلة). يمكن رؤية هذا كرياضيات أخلاقية. العواقبيون لا يهتمون فيما اذا اتبعت القواعد، هم يهتمون فقط بما اذا كانت النتائج الكلية لفعلك جيدة. اذا كانت جيدة، فان ما قمت به هو صحيح. هذا الاتجاه يقدم اطارا واضحا وقويا لدراسة القضايا الأخلاقية. لكن وكما سنرى، هناك أيضا بعض النقاشات المعقدة ومشاكل غير متوقعة فيها.

ما هي النفعية utilitarianism

احدى الأنواع الشهيرة للعواقبية هو النفعية. طبقا لهذه النظرية الأخلاقية، الفعل يكون صحيحا عندما ينتج أعظم كمية من السعادة لأكبر عدد من الناس. بلغة مبسطة، النفعيون يعتقدون انه لا يكفي مجرد القيام بعمل خير، وانما يجب على المرء ان يكافح لعمل أعظم خير كلي، أي، تعظيم الكمية الكلية للسعادة او المنفعة في العالم. جيرمي بنثام الذي هو اول من صاغ النفعية، اقترح اننا نحسب المتع والالام كما لو انها أرقام: بعد خصم المعاناة من المتع، نؤدي أي فعل له أعلى محصلة كلية. تلميذه جون ستيوارت مل أجرى عدة تعديلات على نظام بنثام، احداها تميّز بين أنواع المتع، على سبيل المثال، ان قراءة الشعر أرقى من تناول الكيك.

احدى الطرق للتفكير حول النفعية هي من خلال النظر في مثال مشكلة العربة. تخيّل عربة هاربة تنطلق بسرعة على طول سكة حديد باتجاه خمسة اشخاص. انت تقف بجانب الرافعة التي يمكنها تحويل العربة الى اتجاه مختلف ضمن السكة. لكن عندما تسحب الرافعة، ستضرب العربة شخص سادس مربوط بتلك السكة. المنظور النفعي سيكون انك يجب ان تسحب الرافعة. وفق هذه الرؤية، خمسة وفيات تفوق واحد. النفعية تقول لنا ان ننظر في الصورة الكبيرة وليس فقط لسعادتنا وانما لكل شخص. هذه الفكرة البسيطة كانت لها اثار واسعة النطاق على كل شيء بدءا من صنع القوانين او - تغييرها الى نوع أنظمة الرعاية الصحية التي تتبعها الدول. مع ذلك، التفكير بهذه الطريقة يخلق بعض الأسئلة الصعبة سوف نعالجها ادناه.

اختلاف أساسي بين النفعية والعواقبية

من الضروري فهم انه بالرغم من كون جميع النفعيين عواقبيين، لكن ليس كل عواقبي هو نفعي، لذلك، من الضروري ان لا نخلط بين الاثنين. هنا طريقة جيدة للتفكير. في هذه العلاقات، النفعية تشبه المربع الذي يندرج ضمن مستطيل اكبر (الذي هو عواقبية). مرة أخرى، النفعية تحكم على الأفعال وفقا لنتائجها، والنتيجة الوحيدة الهامة هي ما اذا كانت تخلق سعادة او متعة اكثر من الألم. طبقا للنفعية، الفعل يمكن القول انه صحيح عندما ينتج اعظم كمية ممكنة من الخير لكل ذوي العلاقة. G.E. More كان عواقبيا ولكن ليس من النوع النفعي. هو اعتقد ان أشياء مثل الصداقة والجمال لها قيمة باطنية وانها أيضا تنتج السعادة. وهكذا، بينما النفعي يختار الفعل الذي يعظم السعادة، العواقبي سوف يختار فعلا يخلق المزيد من الانصاف حتى وان كان اقل بهجة. هنا مثال: تخيّل فعلا يخلق سعادة لكنه يخلق لاعدالة. النفعي سوف يوافق، لكن العواقبي المرتكز على العدالة سوف يقول انه سيئ. باختصار، النفعية ليست الا نوعا واحدا من صنف أخلاقي اكبر، يمكن مقارنتها بوصف كل الفاكهة موز – انها فقط نوع واحد. ادراك هذا يساعدنا لنفهم بشكل افضل طيفا واسعا للطريقة التي يرى بها الفلاسفة الفعل جيدا بالنهاية .

نظريات عواقبية بديلة

عندما نأتي الى العواقبية، هناك اكثر من نسخة واحدة للنفعية. هناك مختلف النسخ البديلة التي تعدّل المفهوم الأساسي للحكم على الأفعال بالارتكاز على محصلتها بطرق ملفتة. قاعدة العواقبية هي واحدة من هذه البدائل. بدلا من تقييم كل فعل انفرادي طبقا لمزاياه الخاصة، فان هذا الاتجاه يشجعنا للنظر بما يحدث لو كل شخص اتبع قاعدة معينة، وما اذا كانت النتائج الكلية تكون محسنة بالنتيجة. الفيلسوف ريتشارد براند دعم هذه الفكرة. هو اعتقد ان امتلاك مبادئ أخلاقية يمكن ان يقدم ارشادا افضل للسلوك قياسا بمجرد محاولة حساب أي سلوك يقود الى اكبر سعادة. العواقبية السلبية تقدم منظورا مختلفا مرة أخرى. بدلا من جعل السعادة اكبر ما يمكن، انها تقترح اننا يجب ان نحاول تقليل المعاناة.

هذه الرؤية مرتبطة بإحكام بأفكار شوبنهاور الذي اعتقد ان المعاناة هي المظهر الأساسي للحياة وان قراراتنا الأخلاقية يجب ان تعكس هذا عبر تقليل ألم الشخص بدلا من زيادته. العواقبية التفضيلية فرع اخر قادها بيتر سنجر والذي يقدم اتجاها مختلفا. انه لا يتعلق بالسعادة او الحزن وانما بتلبية افضليات كل شخص. اذا شخص ما يفضل ان يكون حرا بدلا من المرح ،او معرفة الحقيقة بدلا من الراحة، عندئذ فان هذه النظرية تأخذ هذا على محمل الجد. هذه الأمثلة توضح الطبيعة المتغيرة لأخلاق العواقبيين. انها ليست فقط مسألة تعظيم المتعة وتقليل الألم. أحيانا، المرء يجب ان يركز على تقليل الأذى. وفي أوقات أخرى، ربما يكون اتباع القاعدة يخلق المزيد من الخير.

الانتقادات والتحديات

العواقبية تبدو واضحة للوهلة الأولى: فقط اعمل كل ما ينتج افضل النتائج. لكن عدد هائل من الفلاسفة اثاروا تحديات بشأن هذه النظرية. النقد الرئيسي هو انها تتجاهل العدالة والحقوق والكرامة الشخصية. اذا كان كل ما تهتم به هو حول المحصلة، عندئذ ماذا يحدث للعدالة والقواعد الأخلاقية؟ انظر في مثال معضلة التبرع بالأعضاء. تخيل وجود شخص ملائم يتجول امام المستشفى، في الداخل، هناك خمسة مرضى ينتظرون زراعة الأعضاء. طبقا للرؤية النفعية المتطرفة، نحن يجب ان نضحي بالمتجول لكي ننقذ حياة خمسة اشخاص. مع ذلك، معظم الناس يجدون هذا الاقتراح شديد الازعاج، والسبب هو انه يستلزم انتهاك حقوق الافراد.

هذا ما يعارضه علماء الاخلاق مثل عمانوئيل كانط. كانط اصر على ان الناس يجب ان لا يُعاملوا كوسائل لغايات. اعتقد كانط في الالتزامات الأخلاقية مثل قول الحقيقة وتمجيد الأشخاص بصرف النظر عن المحصلة. العواقبية أيضا واجهت حالات كبش الفداء. افرض انك تلوم شخص بريء لكي تقمع اعمال شغب. المحصلة يمكن ان تكون الهدوء لكن على أي حساب أخلاقي؟ هذه المشاكل توضح انه بينما العواقبية تشجعنا للنظر بأفكار كبرى، هي أحيانا تتجاهل الأشياء الصغيرة التي تخلق اختلافا كبيرا مثل حياة الناس، العدالة، والقواعد الأخلاقية للسلوك. الاخلاق لا تستلزم دائما رياضيات، أحيانا افضل خيار ليس دائما الأكثر فاعلية.

اذن، هل النفعية والعواقبية هما ذات الشيء؟

ليسا كذلك، النفعية نوع واحد من العواقبية لكنها ليست كل القصة. كل النفعيين يؤمنون بان الفعل الصحيح هو الذي يجلب اعظم سعادة او منفعة. لكن العواقبية هي شجرة أخلاقية اكبر، تضم أي نظرية تحكم على الأفعال على أساس محصلاتها بصرف النظر عما اذا كانت تلك المحصلة سعادة او عدالة او حرية او شيء آخر. ان الفرق هو هام لأنه يمكّننا من الاقتراب من مشاكل العالم الواقعي مثل الذكاء الصناعي، تقلبات المناخ، او السياسة الاقتصادية بوضوح أخلاقي اكبر. هل نحن نفضل اعظم سعادة؟ أقل ألم؟ اكثر عدالة في التوزيع؟ كل واحدة تمثل نظرية فلسفية مختلفة.

في النهاية، من غير المحتمل ان تكون أحسن بوصلة أخلاقية بحجم واحد يناسب الجميع. انها سوف تعتمد على ما يهمنا اكثر: السعادة، الانصاف، الحقوق، الكرامة. تحديد هذه الاختلافات يساعدنا في التفكير بوضوح وتعاطف اكبر في عالم معتم.

***

حاتم حميد محسن

في الفرق الدلالي والاجرائي بين الباراديغم عند توماس كون والنموذج عند الان باديو، مقاربة ابستيمولوجية

مقدمة: في مجال الإبستمولوجيا، أي علم المعرفة، يبرز مفهوما الباراديغم والنموذج كأدوات أساسية لفهم كيفية تطور المعرفة البشرية وتشكلها داخل السياقات العلمية والفلسفية. يعود مفهوم الباراديغم إلى توماس كون، الفيلسوف والمؤرخ للعلوم، الذي طوره في سياق دراسته لتاريخ العلوم، بينما يأتي مفهوم النموذج من آلان باديو، الفيلسوف الفرنسي المعاصر، الذي يربطه بنظريته في الأنطولوجيا والرياضيات. رغم أن كلا المفهومين يتعلقان ببناء المعرفة وتحولها، إلا أنهما يختلفان جذريًا في دلالاتهما النظرية وتطبيقاتهما الإجرائية، مما يعكس تحولًا في النظرة الإبستمولوجية من التركيز على الثورات العلمية التاريخية إلى الالتزام بالأحداث الراديكالية والحقائق الرياضية. في هذه المقاربة الإبستمولوجية، سنستكشف هذين المفهومين بشكل موسع، مع التركيز على الفرق الدلالي الذي يتعلق بمعاني المصطلحين الأساسية، والإجرائي الذي يتناول كيفية عملهما في بناء المعرفة، لنكشف عن كيفية مساهمتهما في فهم الديناميكيات المعرفية في عصرنا.

المفهوم بين توماس كون والان باديو

يبدأ فهم الباراديغم عند كون من سياقه التاريخي والعلمي، حيث يراه كإطار شامل يحدد الطريقة التي ينظر بها العلماء إلى العالم ويحلون مشكلاته. في نظر كون، الباراديغم ليس مجرد نظرية أو افتراض، بل هو نظام متكامل من المعتقدات، القيم، والممارسات التي تشكل "العلم الطبيعي" في فترة معينة، مما يجعله أشبه بـ"عالم نظري" يوجه البحث العلمي. على سبيل المثال، الباراديغم النيوتوني في الفيزياء يشمل ليس فقط قوانين الحركة، بل أيضًا الافتراضات حول الزمان والمكان المطلقين، والأدوات المنهجية للتجريب. هذا المفهوم يعكس نظرة إبستمولوجية ترى المعرفة العلمية كبناء اجتماعي وتاريخي، حيث يسود الباراديغم خلال فترات "العلم الطبيعي" الذي يركز على حل الألغاز داخل الإطار الموجود، لكنه ينهار عند مواجهة "الشذوذات" التي لا يمكن تفسيرها، مما يؤدي إلى "ثورة علمية" تنقل إلى باراديغم جديد. إبستمولوجيًا، يؤكد كون على عدم التوافق بين الباراديغمات، أي أن الباراديغم الجديد لا يبني على القديم بشكل تراكمي، بل يغير النظرة إلى العالم كله، مما يجعل المعرفة غير محايدة ومتأثرة بالسياقات الاجتماعية والثقافية. هكذا، يصبح الباراديغم أداة لفهم كيف تتطور المعرفة ليس عبر التقدم الخطي، بل من خلال قفزات جذرية تعيد تشكيل الواقع المعرفي.

على النقيض، يأتي مفهوم النموذج عند باديو من خلفية فلسفية رياضية، مستمدًا من نظرية المجموعات التي يراها أساس الأونتولوجيا، أي علم الوجود. في فلسفة باديو، النموذج ليس إطارًا علميًا تاريخيًا، بل بناء رياضي يمثل "حالة" أو "عالم" يحدد ما هو موجود وما هو غير موجود داخل سياق معين. يعتمد باديو على أكسيومات زيرميلو-فرانكل في نظرية المجموعات ليصف النموذج كمجموعة تحتوي على عناصر تُعد وتُرتب، لكنها تتعرض لـ"الحدث" الذي يقلب هذا النظام، مما يؤدي إلى إنتاج "حقيقة" جديدة. على سبيل المثال، في سياق السياسة أو الفن، يصبح النموذج نموذجًا للحقيقة الذي يبني عالمًا جديدًا بناءً على حدث راديكالي، مثل ثورة أو اكتشاف فني.

 إبستمولوجيًا، يرى باديو المعرفة كالتزام بحدث يتجاوز النموذج القائم، حيث يصبح النموذج أداة للكشف عن الفراغ في الوجود، أي ما لا يُعد داخل المجموعة، مما يجعل المعرفة عملية فلسفية راديكالية ترتبط بالحقيقة كشيء عام وأبدي، لا تاريخيًا متغيرًا. هذا المفهوم يعكس نظرة إبستمولوجية ترى المعرفة ليست اجتماعية بل أنطولوجية، مدعومة بالرياضيات كلغة الوجود، حيث يصبح النموذج وسيلة للتمييز بين "المعرفة" كبناء قائم وبين "الحقيقة" كإنتاج حدثي.

يبرز الفرق الدلالي بين الباراديغم والنموذج في جوهرهما النظري، حيث يحمل الباراديغم عند كون دلالة تاريخية وعلمية اجتماعية، يشير إلى إطار يشمل الممارسات والمعتقدات الجماعية التي توجه العلم في فترة معينة، مما يجعله مفهومًا نسبيًا يعتمد على السياقات البشرية والثقافية. فالباراديغم يدل على "نموذج مثالي" للعلم، لكنه يتغير مع الثورات، مما يعكس دلالة ديناميكية ترتبط بالتطور التاريخي للمعرفة، حيث يصبح رمزًا للتوافق الاجتماعي داخل المجتمع العلمي. أما النموذج عند باديو، فيحمل دلالة رياضية وأنطولوجية، يشير إلى بناء منطقي يحدد الوجود داخل مجموعة، لكنه ليس اجتماعيًا بل عامًا ومجرّدًا، حيث يدل على "نموذج" كبناء يمكن توسيعه أو كسره بالحدث، مما يجعله أداة للكشف عن الحقيقة كشيء يتجاوز التاريخ. هذا الفرق الدلالي يعكس تحولًا إبستمولوجيًا من النظرة السوسيولوجية للمعرفة عند كون، التي ترى العلم كبناء بشري متأثر بالمجتمع، إلى النظرة الأونتولوجية عند باديو، التي ترى المعرفة كالتزام فلسفي بالحقيقة الرياضية، مما يجعل الباراديغم أكثر ارتباطًا بالتجربة البشرية اليومية بينما النموذج أكثر تجريدًا وعمومية.

أما الفرق الإجرائي، فيكمن في كيفية عمل كل مفهوم في بناء وتحويل المعرفة. عند كون، يعمل الباراديغم إجرائيًا كدليل للممارسة العلمية اليومية، حيث يوجه الباحثين في حل الألغاز داخل الإطار الموجود، لكنه يؤدي إلى أزمة عند تراكم الشذوذات، مما يؤدي إلى ثورة تعيد ترتيب المعرفة بشكل جماعي وتاريخي. هذا الإجراء يعتمد على المنافسة بين الباراديغمات، حيث يفوز الجديد ليس بسبب دليل مطلق بل بقدرته على حل المشكلات بشكل أفضل، مما يجعل العملية إبستمولوجية اجتماعية تعتمد على الإقناع والتوافق داخل المجتمع العلمي. في المقابل، يعمل النموذج عند باديو إجرائيًا كبناء رياضي يُبنى ويُفكك من خلال الحدث، حيث يبدأ الإجراء بالالتزام بالحدث الذي يكشف الفراغ، مما يؤدي إلى إنتاج حقيقة جديدة تتجاوز النموذج القائم دون ثورة تاريخية، بل من خلال عملية فلسفية فردية وجماعية ترتبط بالإخلاص للحقيقة.

هذا الإجراء أكثر راديكالية، حيث لا يعتمد على التوافق الاجتماعي بل على الرياضيات كأداة للتمييز بين المعرفة القائمة والحقيقة الناشئة، مما يجعل العملية إبستمولوجية أونطولوجية تركز على الابتكار الراديكالي بدلاً من التطور التدريجي.

تطبيقات في العلوم الحديثة

في سياق العلوم الحديثة، يظل مفهوم الباراديغم عند توماس كون أداة قوية لفهم كيفية تطور المعرفة العلمية، بينما يقدم مفهوم النموذج (أو "النموذج" المرتبط بالحدث) عند آلان باديو رؤية فلسفية أكثر تجريدًا وأونتولوجية، تعتمد على الرياضيات كأساس للوجود. رغم الاختلاف الدلالي والإجرائي بينهما، إلا أن تطبيقاتهما في مجالات مثل الفيزياء الحديثة تكشف عن ديناميكيات عميقة في كيفية ظهور المعرفة الجديدة، سواء عبر ثورات تاريخية أو أحداث راديكالية. في هذا المقال، نستعرض التطبيقات الرئيسية لهذين المفهومين في العلوم الحديثة، مع التركيز على الفيزياء الكلاسيكية، النسبية، والميكانيكا الكمومية، لنرى كيف يساعدان في تفسير التحولات المعرفية دون الوقوع في الاختزالية أو التفسير الاجتماعي البحت.

يجد مفهوم الباراديغم عند كون تطبيقاته الأبرز في الفيزياء الحديثة، حيث يصف التحولات الكبرى كثورات تُغير الإطار المرجعي للعلماء. أحد أوضح الأمثلة هو الانتقال من الفيزياء النيوتونية الكلاسيكية إلى نظرية النسبية الخاصة والعامة لأينشتاين في أوائل القرن العشرين. في الباراديغم النيوتوني، كان الزمان والمكان مطلقين ومستقلين، والجاذبية قوة فورية تعمل عبر مسافات لا متناهية. لكن ظهور "الشذوذات" مثل نتائج تجربة مايكلسون-مورلي (التي فشلت في اكتشاف الأثير)، ومشكلات في تفسير الإشعاع الأسود، أدت إلى أزمة في الباراديغم القديم. أينشتاين، من خلال النسبية، قدم باراديغمًا جديدًا يجعل الزمان والمكان نسبيين ومترابطين، والجاذبية انحناءً في النسيج الزمكاني.

هذا التحول لم يكن مجرد إضافة قوانين جديدة، بل تغيير جذري في النظرة إلى الواقع، حيث أصبحت المفاهيم مثل "التوافق الزمني" غير موجودة في الباراديغم الجديد، مما يجعل الباراديغمين غير قابلين للمقارنة المباشرة . هذا التطبيق يظهر كيف يساعد كون في تفسير لماذا يرفض العلماء في البداية النظريات الجديدة، ثم يتبنونها تدريجيًا بعد أن يثبت الباراديغم الجديد قدرته على حل المشكلات التي عجز عنها القديم.تطبيق آخر بارز لباراديغم كون هو الانتقال إلى الميكانيكا الكمومية في عشرينيات القرن العشرين. الباراديغم الكلاسيكي (النيوتوني-ماكسويلي) كان يفترض التحديدية الكاملة والاستمرارية في الظواهر، لكن ظهور "الشذوذات" مثل إشعاع الجسم الأسود، التأثير الكهروضوئي، وتجارب الانحراف في الذرات أدت إلى أزمة. ماكس بلانك، ثم أينشتاين، ثم هايزنبرغ وبور، قدموا باراديغمًا كموميًا يقوم على الاحتمالية، التفكك، والازدواجية (موجة-جسيم).

هذا الباراديغم الجديد غير النظرة إلى الواقع، حيث أصبحت الجسيمات غير محددة الموقع والسرعة في الوقت نفسه (مبدأ اللايقين)، والقياس يؤثر في الحالة. هذا التحول يُعتبر ثورة علمية نموذجية عند كون، لأنه لم يكن تراكمًا خطيًا، بل قفزة غيرت المفاهيم الأساسية مثل السببية والواقعية، وأدى إلى تطبيقات عملية هائلة مثل الترانزستور والليزر والحوسبة الكمومية. أما مفهوم النموذج عند آلان باديو، فهو أكثر تجريدًا وأقل تاريخية، حيث يربطه بالرياضيات (نظرية المجموعات) كأساس للوجود، والحدث ككسر راديكالي ينتج حقيقة جديدة. في العلوم الحديثة، يجد هذا المفهوم تطبيقات في تفسير الاكتشافات الكبرى كأحداث تتجاوز النموذج القائم. على سبيل المثال، يمكن اعتبار ظهور الميكانيكا الكمومية حدثًا باديويًا، حيث كشف "الفراغ" في الباراديغم الكلاسيكي (مثل فشل تفسير الإشعاع الأسود)، مما أدى إلى إنتاج حقيقة جديدة غير قابلة للاختزال في النموذج القديم.

 باديو يرى أن العلم (كإجراء حقيقي) يعتمد على الالتزام بهذا الحدث، كما حدث مع تطوير نظرية المجموعات لوصف الوجود، أو مع اكتشافات مثل عدم التوطين في التشابك الكمومي، الذي يتجاوز النموذج الكلاسيكي للعلاقات المكانية. هذا التطبيق يساعد في فهم كيف تكون الاكتشافات العلمية ليست مجرد حلول لألغاز، بل أحداث تُعيد تشكيل الوجود نفسه، كما في محاولات توحيد النسبية والكمومية (مثل نظرية الأوتار أو الجاذبية الكمومية الحلقية)، حيث يُعتبر أي نجاح حدثًا ينتج نموذجًا جديدًا للوجود.

في الفيزياء الحديثة، يتقاطع المفهومان في تفسير التحديات المعاصرة مثل توحيد النسبية العامة والميكانيكا الكمومية. من منظور كون، يُنظر إلى هذه المشكلة كأزمة في الباراديغم الحالي (النموذج القياسي للجسيمات + النسبية)، حيث تتراكم الشذوذات مثل الطاقة المظلمة والمادة المظلمة، مما قد يؤدي إلى ثورة جديدة. أما من منظور باديو، فهي فرصة لحدث يتجاوز النموذج القائم، حيث يُكشف الفراغ في الوجود (مثل التناقض بين الاحتمالية الكمومية والتحديدية النسبية)، مما يدعو إلى إنتاج حقيقة جديدة عبر الرياضيات. هذه التطبيقات تظهر كيف يساعد كون في وصف التطور التاريخي للعلم، بينما يقدم باديو أداة فلسفية لفهم الابتكار الراديكالي كحدث يتجاوز التاريخ نحو الأبدي.

خاتمة

تظل تطبيقات الباراديغم عند كون أكثر انتشارًا في تفسير التاريخ العلمي الحديث، خاصة في الفيزياء، حيث يفسر الثورات الكبرى كتحولات جذرية في النظرة إلى الواقع. أما مفهوم النموذج عند باديو، فيقدم رؤية أعمق للابتكار كحدث أونطولوجي، مما يثري الإبستمولوجيا بإمكانية رؤية العلم كإنتاج حقائق جديدة. هذان المفهومان، رغم اختلافهما، يدعوان معًا إلى تأمل مستمر في كيفية ظهور المعرفة الجديدة، سواء عبر أزمات تاريخية أو أحداث راديكالية، في عصر يشهد تحديات مثل الجاذبية الكمومية والكون المتعدد. لذلك، يكشف الفرق الدلالي والإجرائي بين الباراديغم عند كون والنموذج عند باديو عن تناقضات عميقة في الإبستمولوجيا المعاصرة، حيث يمثل الباراديغم نموذجًا للمعرفة كعملية تاريخية اجتماعية تتطور عبر الثورات، بينما يقدم النموذج رؤية فلسفية رياضية تربط المعرفة بالحقيقة كحدث أبدي. هذا التمييز لا يقتصر على النظرية، بل يفتح آفاقًا لفهم كيفية مواجهة التحديات المعرفية في عصرنا، سواء في العلوم الطبيعية أو الفلسفة، مما يدعونا إلى دمج النهجين لإثراء النظرة إلى المعرفة كبناء بشري متعدد الأبعاد.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

مقدمة في تشريح المعضلات المعرفية الكبرى

مقدمة: تُمثل إشكالية العقل البشري وطبيعة الخبرة الذاتية المحور الذي تدور حوله أعقد السجالات في تاريخ الفكر الإنساني. إن المفاهيم الأربعة: الوعي، والإدراك، والفهم، والحدس، ليست مجرد وظائف بيولوجية معزولة، بل هي الأسس الأنطولوجية التي يتشكل عبرها "الوجود في العالم".

لطالما احتكر التأمل الفلسفي -من المثالية الأفلاطونية إلى الظاهراتية الهوسرلية- حق التقرير في ماهية هذه الظواهر. بيد أن العقود الأخيرة شهدت زحفاً غير مسبوق للعلوم العصبية الإدراكية والفسيولوجيا العصبية، مدعومة بتقنيات تصوير دقيقة، لتقديم تفسيرات مادية لهذه العمليات التي بدت عصية على الاختزال.

لا يهدف هذا التقرير إلى تكرار السردية الشائعة حول الصراع بين الفلسفة والعلم، بل يسعى لتقديم قراءة تركيبية وشاملة. نحن اليوم أمام مشهد معرفي يتجاذب فيه تياران رئيسيان:

تيار "فلسفة الأعصاب" (النيروفلسفة): ويميل رواده، أمثال "باتريشيا تشيرشلاند" و"دانيال دينيت"، إلى إلغاء مفاهيم "علم النفس الشعبي" لصالح التفسير المادي البحت.

تيار "الظاهراتية العصبية" (النيروفينومينولوجيا): الذي أسسه "فرانسيسكو فاريلا"، والذي يصر على أن البيانات العصبية تظل "عمياء" دون الاستنارة بالوصف الدقيق للخبرة الذاتية من منظور الشخص الأول.

في السطور التالية، سنغوص في عمق الآليات العصبية التي تحول الإشارات الكهروكيميائية إلى "معنى"، ونقارنها بالرؤى الفلسفية التي حللت بنية هذا المعنى. سنناقش تحول نظرية الإدراك من "استقبال سلبي" إلى "تنبؤ نشط" يعيد الاعتبار لكانط، ونبحث في تموضع الحدس بين كونه "اتصالاً روحياً" عند برغسون وبين كونه "معالجة ضمنية سريعة" في العقد القاعدية، وصولاً إلى معضلة الوعي الكبرى ومسألة "الكيفيات الحسية".

بين البناء العصبي والظاهراتية المتجسدة: التحول من التلقي السلبي إلى الاستدلال النشط

تقليدياً، هيمنت النظرة التجريبية التي تعتبر العقل "لوحاً فارغاً" يستقبل الانطباعات الحسية من العالم الخارجي في مسار تصاعدي. لكن الفسيولوجيا العصبية المعاصرة أحدثت انقلاباً مفاهيمياً يعيد الاعتبار للطرح الكانطي حول دور "المخيلة" في تشكيل الإدراك. تشير نظرية "المعالجة التنبؤية" إلى أن الدماغ ليس مستقبلاً سلبياً، بل هو "آلة تنبؤ" تعمل بشكل تنازلي.

يجادل إيمانويل كانط في "نقد العقل المحض" بأن المخيلة شرط ضروري لتركيب الانطباعات الحسية في وحدة مفهومة، وهي عملية سابقة على التجربة. وبشكل مذهل، تترجم العلوم العصبية الحديثة هذا المفهوم الفلسفي إلى آليات دقيقة: الدماغ يولد باستمرار نماذج داخلية تحاكي الأسباب الكامنة وراء المدخلات الحسية. إذن، ما ندركه ليس "الواقع الخام"، بل هو التوقع الذي يولّده الدماغ، والذي يتم تعديله فقط عندما يحدث "خطأ في التنبؤ"؛ أي عندما تختلف المدخلات الحسية الفعلية عن التوقعات.

الآليات العصبية للتنبؤ والخطأ

تعتمد هذه العملية على تسلسل هرمي قشري؛ حيث ترسل الطبقات العليا في القشرة المخية (مثل القشرة الجبهية) توقعاتها إلى الطبقات الحسية السفلى (مثل القشرة البصرية).

إذا تطابقت الإشارة الحسية الصاعدة مع التوقع النازل، يتم "إلغاء" الإشارة ولا تصل إلى الوعي الكامل لأنها "متوقعة".

أما إذا حدث تباين، فإن "إشارة خطأ التنبؤ" تصعد للأعلى لتحديث النموذج الداخلي.

يفسر هذا علمياً لماذا لا نرى البقعة العمياء في أعيننا، ولماذا يظل العالم ثابتاً رغم حركة أعيننا المستمرة؛ فالدماغ يملأ الفجوات بناءً على نماذجه السابقة. يقودنا هذا إلى استبصار فلسفي عميق مفاده أن الإدراك هو نوع من "الهلوسة المسيطر عليها" التي تتقيد بالواقع عبر تصحيح الأخطاء، مما يذيب الحدود الصارمة بين "الخيال" و"الإدراك".

ظاهراتية الجسد والمسار الظهري

في مقابل هذا التفسير الحسابي، تقدم الظاهراتية -وخاصة عند "موريس ميرلو-بونتي"- رؤية "تجسيدية" للإدراك. يرفض ميرلو-بونتي في كتابه "ظاهراتية الإدراك" اعتبار الجسد مجرد موضوع مادي؛ إنه "الجسد المعاش" الذي يشكل نقطة الصفر لكل خبرة. فالإدراك ليس تمثيلاً عقلياً داخلياً للعالم، بل هو فعل انخراط جسدي ماهر في البيئة.

الفهم كنمط وجودي: الهرمينوطيقا مقابل الحوسبة

الهرمينوطيقا عند هيدغر وغادامير

في الفلسفة القارية، لا يُنظر للفهم كعملية معرفية تجري داخل الجمجمة، بل كنمط أساسي للكينونة. بالنسبة لمارتن هيدغر، الإنسان هو "دازاين" أو "وجود-في-العالم"، والفهم هو الطريقة التي يسقط بها هذا "الدازاين" إمكانياته على العالم.

طور "هانز غيور غادامير" هذا المفهوم، مؤكداً أن الفهم حدث لغوي وتاريخي. نحن لا نفهم العالم من فراغ، بل من خلال "أحكام مسبقة" تشكل أفقنا المعرفي. الفهم الحقيقي هو "انصهار الآفاق" بين فهمنا الحالي وبين الشيء الذي نحاول فهمه (نص، شخص، أو حدث). هذا المنظور يختلف جذرياً عن النظرة الديكارتية التي ترى الفهم كتمثيل عقلي داخلي مطابق لواقع خارجي موضوعي؛ فالفهم الهرمينوطيقي عملية دائرية حيث يحدد الكل معنى الجزء، ويحدد الجزء معنى الكل، وهي ديناميكية لا تنتهي.

تحدي الغرفة الصينية: هل يمكن للشبكات العصبية أن "تفهم"؟

في المقابل، يطرح "جون سيرل" في الفلسفة التحليلية حجته الشهيرة "الغرفة الصينية" لتحدي فكرة أن المعالجة الحسابية يمكن أن تنتج فهماً حقيقياً. تخيل شخصاً داخل غرفة يتلقى رموزاً صينية، ولديه كتاب قواعد (برنامج) يخبره كيف يربط الرموز ببعضها ويُخرج إجابات. قد ينجح الشخص في خداع من هم خارج الغرفة بأنه يفهم الصينية، لكنه في الواقع لا يملك أي "قصدية" أو فهم للمعنى؛ هو يمارس تلاعباً بالنحو فقط دون إدراك للدلالة.

تجادل فلسفة الأعصاب والذكاء الاصطناعي القوي ضد سيرل بما يسمى "رد النظام": الشخص لا يفهم، لكن "الغرفة ككل" (الشخص + الكتاب + الغرفة) تفهم. ومع ذلك، يصر سيرل على أن البيولوجيا الدماغية المحددة هي المسؤولة عن توليد القصدية والوعي، وأن المحاكاة الوظيفية ليست هي الشيء نفسه (تماماً كما أن محاكاة العاصفة على الحاسوب لا تجعل أحداً يبتل).

فسيولوجيا "القبض على المعنى": مشكلة الربط

كيف يترجم الدماغ الإشارات الفيزيائية إلى "مفهوم" موحد؟ تشير الأبحاث إلى أن عملية "القبض على المفهوم" ترتبط بظاهرة عصبية محددة: التذبذبات العصبية المتزامنة في نطاق "جاما". عندما ندرك تفاحة، تتم معالجة لونها، وشكلها، ورائحتها في مناطق دماغية مختلفة. ولكي ندركها كـ "تفاحة" واحدة (وليس خصائص متناثرة)، يجب أن تتزامن إشارات هذه المناطق زمنياً. هذا التزامن هو "الغراء العصبي" الذي يربط السمات المختلفة في "موضوع إدراكي" واحد.

الحدس: ما وراء العقل التحليلي

يحتل الحدس مكانة جدلية في تاريخ الفلسفة. فبينما اعتبره العقلانيون (مثل ديكارت) أساساً لليقين الرياضي والمنطقي، قدم "هنري برغسون" في كتابه "التطور المبدع" رؤية راديكالية تضع الحدس في تضاد مع العقل. يرى برغسون أن العقل أداة تطورت لغايات نفعية، ووظيفته الأساسية هي "تجميد" سيلان الواقع وتقسيمه إلى وحدات مكانية منفصلة ليسهل التعامل معها (العقل يدور "حول" الشيء). أما الحدس، فهو "الدخول في" الشيء؛ هو تعاطف فكري يسمح لنا بإدراك "الديمومة" -الزمن الحقيقي المتدفق وغير القابل للتجزئة– من الداخل.

فسيولوجيا الحدس: المعالجة الضمنية السريعة

عندما ننتقل إلى المختبر، يفقد الحدس هالته الصوفية ليصبح "نمطاً من معالجة المعلومات". يُعرّف الحدس علمياً بأنه "معالجة غير تسلسلية للمعلومات" تؤدي إلى معرفة مباشرة دون وعي بمراحل الاستدلال. تحدد الأبحاث نظامين عصبيين متميزين للحدس:

حدس الخبرة والنواة المذنبة: هذا النوع يمتلكه الخبراء (كلاعبي الشطرنج أو الأطباء). إنه ليس سحراً، بل نتيجة لعمليات "التعلم الضمني" المكثفة. العضو الرئيسي هنا هو "النواة المذنبة" في العقد القاعدية، التي تعمل كمخزن للأنماط المعقدة التي تم تعلمها عبر التكرار. تقوم هذه العقد بمطابقة المدخلات الحالية مع الأنماط المخزنة بسرعة فائقة، وترسل النتيجة كـ "شحنة دالة" دون استدعاء التفاصيل الواعية، مما يفسر قدرة الخبير على معرفة الإجابة دون شرح السبب فوراً.

الحدس العاطفي والواسمات الجسدية: يرتبط بتقييم المخاطر، ويعتمد على قشرة الفص الجبهي الحجاجي واللوزة الدماغية. تشير نظرية "الواسمات الجسدية" لـ "أنطونيو داماسيو" إلى أن الحدس هو استشعار لحالة الجسد (تسارع نبض، انقباض معدة) المرتبطة بمواقف سابقة. تدمج قشرة الفص الجبهي هذه الإشارات لتوجيه القرار "حدسياً" نحو الخيارات الآمنة قبل بدء التحليل المنطقي.

تركيب: هل الحدس البرغسوني ممكن عصبياً؟

قد يبدو التناقض صارخاً بين "الديمومة" البرغسونية و"التعرف على الأنماط" الآلي. ومع ذلك، يمكن بناء جسر نظري: الحدس البرغسوني يركز على "الاتصال المستمر" وتجاوز التجزئة. من الناحية العصبية، تعمل الأنظمة الحدسية (العقد القاعدية) بشكل موازٍ وسريع وشامل، بينما تعمل الأنظمة التحليلية (القشرة الجبهية الجانبية) بشكل تسلسلي وتجزيئي. بهذا المعنى، فإن اعتماد الدماغ على الحدس هو بالفعل انتقال من "التحليل المجزئ" إلى "الإدراك الكلي" للموقف، وهو ما يقارب فكرة برغسون.

النيروفلسفة ومستقبل الوعي: من الاختزال إلى الإلغاء

المادية الإقصائية: تجادل "باتريشيا تشيرشلاند" و"بول تشيرشلاند" بأن مفاهيمنا الحالية عن "الوعي" و"الكيفيات الحسية" هي بقايا من "علم النفس الشعبي" المغلوط، تماماً كاعتقادنا القديم بـ “الفلوجستون"، وسنقوم باستبدالها بمصطلحات عصبية دقيقة.

نظرية وهم الذات: يقترح "توماس ميتزينجر" في كتابه "نفق الأنا" أن "الذات" ككيان ثابت غير موجودة. ما يوجد هو "نموذج ذاتي ظاهراتي" يبنيه الدماغ لتمكين الكائن من تنظيم سلوكه. الوعي هو عملية محاكاة شفافة لدرجة أن النظام (نحن) لا يدرك أنها مجرد نموذج، بل يظنها الواقع نفسه.

الوهمية: يذهب "دانيال دينيت" و"كيت فرانكيش" للقول إن "الكيفيات الحسية" نفسها وهم؛ فنحن ضحايا لآليات استبطان خادعة توهمنا بوجود تجربة داخلية "سحرية".

التقاء الشرق بالغرب: الظاهراتية العصبية والتأمل

أمام مأزق "المسألة الصعبة"، اقترح "فرانسيسكو فاريلا" منهجاً ثورياً: "الظاهراتية العصبية" (النيروفينومينولوجيا). الفكرة الجوهرية هي دمج بيانات "الطرف الثالث" (تصوير الدماغ) بمنهجية صارمة لاستقصاء بيانات "الطرف الأول" (الخبرة الذاتية) عبر "التعليق الظاهراتي" وتدريبات التأمل. الهدف هو تدريب المشاركين ليصبحوا "مراقبين مهرة" لخبراتهم، لربط الأوصاف الدقيقة بالنشاط العصبي.

تشير الدراسات إلى أن ممارسة التأمل تُحدث تغييرات بنيوية في الدماغ، مثل زيادة سماكة القشرة المخية في مناطق الانتباه، وتقلص اللوزة الدماغية. هذا يعني أن "الحكمة" قد تكون حالة بيولوجية قابلة للقياس تتميز بانخفاض ضجيج الأنا ويقظة حسية عالية.

خاتمة: العقل كجدلية مستمرة

إن الرحلة من الآليات العصبية للإدراك إلى التأملات الفلسفية تكشف أن التقابل بين "العلم" و"الفلسفة" مصطنع. فالإدراك بناء إبداعي وتنبؤي، والفهم رنين عصبي يدمج الذات بالعالم، والحدس تجلٍ لكفاءة الدماغ القصوى. أما الوعي، فيظل التحدي الأكبر، لكن المقاربة التي تدمج انضباط التأمل بدقة العلم تفتح الباب لفهم كيف يمكن للمادة أن تستيقظ على ذاتها. إن "الإنسان" ليس مجرد دماغ في وعاء، ولا روح مفارقة؛ إنه كينونة متجسدة تتشكل "ذاتها" في المسافة الواصلة بين الشبكات العصبية والعالم المعاش.

***

غالب المسعودي

.........................

قائمة المصادر والمراجع

أولاً: الفلسفة والظاهراتية (الأسس النظرية)

برغسون، هنري. (1911). التطور المبدع [Creative Evolution]. نيويورك: هنري هولت وشركاؤه.

كانط، إيمانويل. (1998). نقد العقل المحض [Critique of Pure Reason]. (بي. غاير وأ. وود، محررون). مطبعة جامعة كامبريدج.

ميرلو-بونتي، موريس. (1962). ظاهراتية الإدراك [Phenomenology of Perception]. روتليدج وكيغان بول.

هوسرل، إدموند. (1982). أفكار ممهدة لعلم الظاهراتية الخالص [Ideas Pertaining to a Pure Phenomenology]. مارتينوس نيجهوف.

هيدغر، مارتن. (1962). الوجود والزمان [Being and Time]. هاربر ورو.

ثانياً: العلوم العصبية وفلسفة الأعصاب (المقاربات المادية)

تشيرشلاند، باتريشيا. (1986). النيروفلسفة: نحو علم موحد للعقل والدماغ [Neurophilosophy: Toward a Unified Science of the Mind-Brain]. مطبعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT Press).

داماسيو، أنطونيو. (1994). خطأ ديكارت: العاطفة والعقل والدماغ البشري [Descartes' Error: Emotion, Reason, and the Human Brain]. دار بتنام.

دينيت، دانيال. (1991). تفسير الوعي [Consciousness Explained]. ليتل، براون وشركاؤه.

سيرل، جون. (1980). "العقول، الأدمغة، والبرامج" ["Minds, Brains, and Programs"]. مجلة العلوم السلوكية والدماغية [Behavioral and Brain Sciences]، المجلد 3(3)، ص 417-424.

ميتزينجر، توماس. (2009). نفق الأنا: علم العقل ووهم الذات [The Ego Tunnel: The Science of the Mind and the Myth of the Self]. بيسك بوكس.

ثالثاً: المعالجة التنبؤية والظاهراتية العصبية (المقاربات التركيبية)

فاريلا، فرانسيسكو؛ طومسون، إيفان؛ وروش، إليانور. (1991). العقل المتجسد: العلوم الإدراكية والتجربة البشرية [The Embodied Mind: Cognitive Science and Human Experience]. مطبعة MIT.

فريستون، كارل. (2010). "مبدأ الطاقة الحرة: هل هي نظرية موحدة للدماغ؟" ["The Free-energy Principle: A Unified Brain Theory?"]. مجلة مراجعات الطبيعة لعلم الأعصاب [Nature Reviews Neuroscience]، المجلد 11(2)، ص 127-138.

كلارك، آندي. (2016). ركوب أمواج اللايقين: التنبؤ، الفعل، والعقل المتجسد [Surfing Uncertainty: Prediction, Action, and the Embodied Mind]. مطبعة جامعة أكسفورد.

 

تمكّن فلسفة ديوي الناس من اكتساب المعرفة من خلال الفعل، والنمو عبر التجربة المُعاشة، وبناء عالم أكثر ديمقراطية. اثناء تخمة المعلومات، والاستقطاب السياسي، والتغير التكنلوجي السريع، ظلت أفكار جون ديوي يتردد صداها الآن كما كانت دائما. ديوي ليس فقط أعاد تعريف التعليم وانما هو أعاد تصور الديمقراطية والأخلاق ومفهوم التعليم ذاته. بالنسبة له، التعليم الصحيح هو حول العمل، الارتباط، والتطور بدلا من تذكّر الحقائق. هو شعر ان الديمقراطية لم تكن فقط مسألة تصويت، وانما هي كيف تعيش وتعمل في حياتك اليومية. لذا، كيف سيكون الحال لو عشنا هذا الوضع حاليا؟

منْ هو جون ديوي؟

وُلد جون ديوي عام 1859 وكان من بين أبرز الفلاسفة والتربويين في تاريخ أمريكا. هو لعب دورا هاما في إعادة صياغة الأفكار المعاصرة حول كل من التعليم والديمقراطية، بالإضافة الى فهمنا لما نعني بالإنسان. وكمناصر للبرجماتية (الفلسفة التي تؤمن بان قيمة الشيء يجب ان يُحكم عليها بنتائجها العملية)، اعتقد ديوي ان الناس يجب ان يتوقفوا عن مجرد مناقشة الأفكار بل عليهم بدلا من ذلك تجربتها. لا تسأل ما اذا كانت الفكرة صحيحة ام خاطئة، حسب قوله، وانما أي فرق تُحدث لو افترضنا انها صحيحة؟

عندما نأتي الى التعليم، اعتقد ديوي ان التعليم المدرسي يجب ان لا يكون محددا بفترة من الزمن اثناء الطفولة او المراهقة، بدلا من ذلك، هو اعتقد ان الحياة كلها تعليم مستمر. احد الأشياء التي ترك فيه بصمة له تتصل بنوع التعليم الذي يجري في المدارس والكليات. ديوي آمن أيضا في الديمقراطية لكنه لم يؤمن حول التصويت. هو اعتقد ان الديمقراطية الحقيقية تحدث عندما يستمع الناس الى بعضهم، ويعملوا مجتمعين، ويتعلموا من بعضهم البعض باستمرار ضمن جماعاتهم.

وهكذا، هو ربط التعليم بالتقدم الاجتماعي. أفكاره أثّرت في اصلاح التعليم، والسياسة، والأخلاق، وحتى علم النفس. باحثون مثل ريتشارد رورتي Richard Rorty أسس عمله على ديوي الذي لاتزال طرقه تُستعمل من جانب المدرسين حول العالم.

ببساطة، اعتقد ديوي بالنمو الجمعي من خلال الفعل التأملي، والتحقيق التعاوني، والايمان الراسخ في إمكانية الانسان، وهذا ما سوف نستطلعه في التفاصيل ادناه.

التعلم بواسطة العمل.. رؤية ديوي الثورية في التعليم:

اعتقد ديوي ان الناس يتعلمون بشكل أفضل عندما يمارسون الأشياء. هو لم يتفق مع الطريقة التقليدية في التعليم التي استلزمت الجلوس بهدوء في خطوط وتعلّم الحقائق عن ظهر قلب. اعتقد ديوي ان التعلم يجب ان يكون عمليا، مرحا ومرتكزا على التجربة اليومية. هذا الاتجاه يسمى التعليم التجريبي: اكتشاف الأشياء عبر تجربتها.

الفيلسوف ديوي شعر ايضا ان التعليم هو اكثر من مجرد وضع الأفكار في رؤوس الطلاب (رغم ان هذا كان هاما). هو أراد من الشباب ان يكونوا قادرين على التفكير بأنفسهم، يطرحون أسئلة، ويحلّون المشاكل – لا يتلقون فقط المعلومات من الكتب او المعلمين.

اعتقد ديوي ان الصف المدرسي يشبه الجاليات حيث الأطفال يعملون مع بعضهم في خطط تهم اوضاعهم حقا، فعاليات ربطت ما يحدث في المدرسة بالحياة اليومية. وبدلا من اختبارات نمطية، دعم ديوي تعليم مرتكزا على الخطة او المشروع. فمثلا، المتعلمون في كورس العلوم قد يقومون بإنشاء حديقة كجزء من دراستهم في البايولوجي. الطلاب في درس التربية المدنية ربما ينظّمون انتخابات لإدارة المدرسة. هذه الأنواع من المشاريع العملية تساعد الشباب في التعلم لأنهم يعملون اشياءً، ليس فقط يرون او يستمعون حولها في كل مرة. ديوي اعتقد ايضا ان المدارس يجب ان تعلّم الأطفال كيفية المشاركة في الديمقراطية. عندما يعمل الأطفال مع بعضهم في خطط، ويستمعون الى بعضهم، ويشاركون في الأفكار، ويتناوبون على الكلام – هذه هي أنواع الأشياء التي يقوم بها المواطنون الجيدون (والديمقراطيات تحتاجها اكثر من أي وقت مضى).

اليوم، أثّر ديوي في نطاق واسع من طرق التعليم الجديدة حول العالم. كل من مدارس مونتيسوري (نسبة للتربوية الإيطالية ماريا مونتيسوري) وبرامج "التفكير المصمم" لهما جذورهما في نظامه العقائدي، كما تفعل أي دروس تبدأ بطرح أسئلة (أحيانا الكثير منها). من الصحيح القول: عندما لا يبدو التعليم المدرسي ملائما لحياة الفرد، فهو عادة لا يعمل جيدا.

الديمقراطية كطريقة في الحياة

نظر الفيلسوف ديوي الى الديمقراطية اكثر من مجرد الإدلاء بصوت انتخابي كل بضع سنين. بالنسبة له، انها طريقة للعيش، والعمل، والتعلم مع الآخرين – ممارسة مستمرة تستلزم حوارا مفتوحا وحل لمشاكل مشتركة باحترام. انها حول أخلاق يومية بدلا من أنظمة حكومية بذاتها.

في العمل، المدرسة، او عند العمل الاجتماعي المحلي، اعتقد ديوي ان سلوكنا يجب ان يتقرر بقيم ديمقراطية. اذا شعر الافراد ان أصواتهم مسموعة، هم سوف يتطورون بطرق لا يمكنهم تحقيقها في حال عدم المشاركة. هو يرى ان الديمقراطية الحقيقية تحدث فقط عندما يشارك كل فرد بالتساوي في عملية صنع القرار الذي يؤثر على حياته. كذلك، هو جادل بضرورة المشاركة الفعالة من جانب المجموعات المستبعدة عادة.

رؤاه عكست تلك الأفكار التي وردت في حوارات افلاطون: تثير استقصاءات، تمارس استماعا عميقا، تبقى فضوليا. أيضا وفي شبه مع ارسطو، نظر ديوي للبشر باعتبارهم يزدهرون بشكل أفضل عندما يكونون ضمن جماعات متعاونة. كذلك، مثل هابرماس، هو اعتقد ان المنطق العام يمكن ان يصوغ مجتمعات عادلة. وفي وسط صراخ الاون لاين المستقطب اليوم وغرف الدردشة، تبدو رؤى ديوي رائعة. انها تذكّرنا ان الديمقراطية ليست فقط الفوز بالجدال وانما حول تعزيز العلاقات.

سواء كنا نناقش في صفوف الدراسة او في الاجتماعات مع الزملاء حول مشروع معين، تأتي ديمقراطية ديوي حية عندما نرى الآخرين ليس كأعداء وانما كمشاركين في ابتكار شيء ما ذو قيمة.

أخلاق النمو والتجربة

اعتقد جون ديوي ان الاخلاق يجب ان لا ترتكز على قواعد صارمة او الرغبة بمخرجات مثالية. هو اعتقد ان الاخلاق تستلزم "نموا" لأن الناس يخوضون تجارب من خلال التأمل فيها. ديوي لم يتفق مع عمانويل كانط الذي جادل ان هناك واجبات أخلاقية معينة يجب دائما اتباعها. هو أيضا خالف جيرمي بنثام وجون ستيوارت مل، عندما قالا ان اعظم شيء أخلاقي نفعله هو ان نجعل الناس سعداء بأقصى حد ممكن. بدلا من ذلك، اقترح ديوي ان تسأل نفسك هذه الأسئلة: ما الذي يساعد الشخص ليكون اكثر نضجا (يتطور بالكامل ككائن بشري) بمرور الزمن؟ أي نوع من السلوك يحسن العلاقات بين الافراد او الجماعات بما يقود الى مجتمع أفضل بشكل عام؟

اتجاهه ملائم لعالم اليوم المعقد والمترابط، الذي لا تكفي فيه وصفات أخلاقية صارمة. ديوي دعا الى أخلاق جمعية – العقيدة بان مختلف الناس والثقافات يمكن ان تصل الى استنتاجات أخلاقية مختلفة لكنها صالحة. ما يؤخذ بنظر الاعتبار هو كيف نفكر ونتعلم من تجاربنا وكيف نتكيف مع المواقف الجديدة. هذه الرؤية تشبه جدا رؤية ارسطو الذي اعتبر الاخلاق تتمحور حول تنمية الشخصية الجيدة من خلال العادة، وان كان ذلك بلمسة ديمقراطية حديثة. طبقا لكلا المفكرين، القيم لا تأتي جاهزة. انها يتم العمل بها في حوار مع الاخرين (في الماضي والحاضر) عندما نعيش ونتعلم مجتمعين. في عالم لم يتوقف ابدا في سكون، يذكّرنا ديوي ان التقدم الأخلاقي يتطلب اكثر من مجرد تغيير رأيك. انه يعني النمو عاطفيا وفكريا: ان نصبح اناسا افضل (اكثر فهما، مفيدين، عاطفيين) بمرور الزمن.

التعليم لعالم متغير.. ديوي والتعليم المستمر

جادل ديوي ان التعليم هام لكل شخص بصرف النظر عن العمر. وبسبب ان العالم يتغير دائما، فان الناس يجب أيضا ان يستمروا في التعليم. هو اعتقد ان التعليم لا يعدّك فقط للحياة، انه الحياة. هذا يعني اننا يجب ان نتعلم باستمرار كيف نفكر لأنفسنا ونبقى مهتمين ليس فقط بالعمل الجيد وانما في النمو. اليوم، مع الذكاء الصناعي، والتغير السريع في أتمتة الوظائف والمجتمع نتيجة للتكنلوجيا، تبقى أفكار ديوي حول التعليم مدى الحياة اكثر ملائمة من أي وقت مضى. عندما تتطلب الوظائف مختلف المهارات في عالم متغير، هو أكّد على أهمية التفكير النقدي، وان تكون متكيفا (مرنا)، وتأخذ بالاعتبار حاجات الآخرين (مسؤولية اجتماعية). هذه أشياء تساعد الناس في اختيار العمل، عندما يكون متوفرا، وتعيش بحكمة وتكون اخلاقي أيضا.

هذه المشاعر رددها مفكرون آخرون أيضا. كتب سقراط، ان "الحياة غير المختبرة لا تستحق العيش". باولو فريري Paul Freire أكّد ان التعليم يحفز الناس للتحقق والتفكير وتحويل العالم. وافق ديوي ان التعليم الأصيل يربط الافراد بالمجتمع ويخلق مجتمعا راقيا. بالنسبة له، التعليم مدى الحياة ليس مفيدا فقط،انه مسؤولية أخلاقية والتزام عام. في الديمقراطية، يجب ان يستمر المواطنون بالتفكير والاستماع والتعلم من بعضهم. تلك هي الطريقة التي يصبح بها المجتمع افضل. رسالته اننا لا نحتاج ابدا التوقف عن التعليم لأن العالم لا يتوقف ابدا عن التطور، ولن نتوقف نحن كذلك.

ديوي حول العلوم والتحقيق وحل المشكلة العامة

طبقا لديوي، التفكير الواقعي يتطلب اكثر من مجرد إيجاد حلول – انه يتركز حول التحقيق inquiry. هو يرى ان المرء يتعلم بشكل افضل عندما يحقق في قضايا ملائمة للحياة اليومية. ديوي أيضا شعر ان العلم يجب ان لا يُدار فقط في المختبرات. هو اعتقد ان العلماء يجب ان يعملوا مع المواطنين العاديين لمساعدة الجاليات على معالجة المشاكل باستخدام الدليل والمنطق والتأمل.

اليوم، يبقى منظور ديوي مقنعا. انظر الى تقلبات المناخ وحالات طوارئ الصحة العامة: مثل هذه المسائل لا يمكن تركها فقط للمختصين. بدلا من ذلك، الناس العاديين يجب أيضا ان يلعبوا دورا – يطرحوا أسئلة، يزنون الحقائق، ويضعون إستراتيجيات جنبا الى جنب. الموضوع ليس فقط حول امتلاك معلومات وانما حول الاستخدام الجمعي والجيد لها كجزء من اتخاذ الإجراءات اثناء المشاركة في النقاش طوال الوقت.

الفلاسفة الاخرون دعوا الى ايديولوجيات مشابهة. فرنسيس باكون دعا الى الطريقة العلمية كأساس لتعزيز الحياة. كارل بوبر أكّد على أهمية التجريبية وتطوير أفكار بدلا من التشبث بالدوغما. ديوي طور هذه المعتقدات في الميدان العام واعلن ان الديموقراطيات تزدهر عندما يكون المواطنون فضوليين، متعلمين، وتعاونيين. هو اعتقد ان العقل والحقيقة ضروريان لكن فقط عندما يُستكملان بالتعاطف والمحادثة. هو يأمل ان التساؤل قد يستبدل الصراخ بمحادثة بنّاءة، وان العلم يمكن ان يعمل كلغة مشتركة لخلق عالم أفضل. ديوي يرى ان الديمقراطية والتساؤل يسيران جنبا الى جنب.

اذن، لماذا لاتزال فلسفة جون ديوي هامة؟

ان فلسفة ديوي تبقى ملائمة اليوم لأنها تؤكد بان التعليم والأخلاق والديمقراطية هم عملية ديناميكية مستمرة. التعليم قُصد به غرس الفضول بدلا من تذكّر الحقائق. هو اعتبر الديمقراطية طريقة للحياة، تأسست على التعاطف والمشاركة والتطور المستمر. في البيئة الحالية من التطور السريع، يؤكد ديوي على التعليم مدى الحياة وحل المشكلات بطريقة تأملية باعتبارها هامة الان كما كانت دائما. وكما بالنسبة لسقراط، ديوي يتحدانا للانخراط في التحقيق. ومشابه أيضا لأرسطو، هو شعر ان الناس يزدهرون مع التجربة. لكن مع اتجاهه الحديث نحن نتعلم بفاعلية اكبر عبر ممارسة التعليم بأنفسنا، وبشكل مشترك مع الجماعة.

هو لم يقدم أجوبة محددة لكن يحثنا للاستمرار في طرح أسئلة محسنة. لهذا، اذا كنت تربويا او أبا او ناشطا او فقط مهتما بالحياة عموما، فان عمل ديوي يحفزك لتتأمل عميقا وتعيش بحكمة، لأن الحياة المدروسة ليست هي الوجهة النهائية، انها ممارسة مستمرة. ديوي اعتقد ان كل واحد منا هو قادر وراغب أيضا للقيام بها.

***

حاتم حميد محسن

حين نتأمل المسار الطويل للفكر الغربي من لحظاته التأسيسية الأولى إلى تخومه المعاصرة، يتكشف لنا أن الفلسفة لم تكن يوما مجرّد نشاط تجريدي أو لعبة ذهنية مع المفاهيم، بل كانت على الدوام محاولة لبناء أفق كليّ يمنح العالم قابلية للفهم، ويمنح الوجود الإنساني معنىً يمكن العيش في ظله. من أفلاطون الذي أقام الحقيقة في عالم المثل بوصفه مرجعا أعلى لكل ما هو زائل، إلى أرسطو الذي نظم الكينونة في شبكة من العلل والغايات، إلى ديكارت الذي بحث عن يقين لا تهزّه الشكوك، وصولا إلى هيغل الذي رأى في التاريخ تجلّيا للعقل المطلق، كانت الفلسفة في جوهرها فنّ تشييد السرديات الكبرى التي تفسّر العالم وتمنحه بنية ومعنى.

لم يكن المعنى في هذه الرؤية ناتجا عن التجربة الفردية أو عن صدف التاريخ، بل كان يُستمد من نظام يتجاوز الأفراد والوقائع، ويمنحها شرعيتها الأنطولوجية. والإنسان  من حيث هو لا يخلق معنى من فراغ، بل يكتشفه داخل قصة كونية أكبر منه، يجد فيها موقعه ودلالته. كان الوجود قابلاً للفهم لأن له مرجعا، وكان التاريخ معقولا لأن له اتجاها، وكانت الذات ممكنة لأن لها مكانا في بنية كلية.

غير أن القرن العشرين بما حمله من كوارث وتحولات جذرية، سيقلب هذه الصورة رأسا على عقب. فالحربان العالميتان ومعسكرات الإبادة والقنبلة النووية والبيروقراطيات الشمولية، والتقنيات التي حوّلت الإنسان إلى عنصر في منظومة آلية، كل ذلك زعزع الثقة في السرديات التي وعدت بالتقدم والعقلانية والتحرر. ولم يعد التاريخ يبدو مسارا عقلانيا نحو غاية أخلاقية، بل سلسلة من الانقطاعات والكوارث. لقد صار من الممكن بل من الضروري، أن نشك في كل خطاب يزعم امتلاك المعنى الكلي.

وقد كتب فالتر بنيامين، وهو يتأمل صورة “ملاك التاريخ” لبول كلي، أن التقدّم ليس إلا عاصفة تدفع الملاك إلى الأمام بينما تتراكم الأنقاض خلفه. لم يعد المستقبل وعدا بالخلاص، بل استمرارا لدمار يتخذ أشكالا جديدة. التاريخ لم يعد روايةً عن تحقيق العقل لذاته، بل أرشيفا مفتوحا للخراب. وهنا بدأت الفلسفة تفقد ثقتها في دورها القديم بوصفها حارسة للمعنى، لتتحول تدريجيا إلى شاهدة على انكساره.

هذا التحول هو ما صاغه جان فرانسوا ليوتار في عبارته الشهيرة عن “نهاية السرديات الكبرى”. لم يكن يقصد بذلك مجرد أفول الميتافيزيقا أو انهيار الأيديولوجيات الشاملة، بل تغيّرا أعمق في علاقة الإنسان بالحقيقة نفسها. فالحقيقة لم تعد تُفهم بوصفها انكشافا داخل نظام كلي، بل بوصفها بناءً محليا مؤقتا متعدّدا. المعنى لم يعد يتدفّق من مركز، بل يتشظّى في هوامش لا يجمعها إطار واحد.

وهكذا يغدو الشكّ لا مرحلةً عابرة في طريق اليقين، بل بنيةً دائمة للفكر. حيث لا نعود نشكّ لكي نصل إلى حقيقةٍ أكثر رسوخا، بل لأن الحقيقة نفسها لم تعد تمتلك أساسا نهائيا. لقد أصبح اللايقين قدرا إبستمولوجيا وأنطولوجيا في آنٍ واحد.

لكن هذا الانعطاف لم يبدأ مع ما بعد الحداثة. فقد كان نيتشه قبل ذلك بقرن تقريبا، قد أعلن “موت الإله”، لا بوصفه واقعة دينية، بل كحدث أنطولوجي يطال بنية القيم والمعنى. إن موت الإله عند نيتشه يعني انهيار المرجع الأعلى الذي كانت تستند إليه الحقيقة والأخلاق والتاريخ. وفي غياب هذا المرجع بحسبه لا يعود المعنى معطًى، بل يصبح شيئا يجب ابتكاره. غير أن هذا الابتكار لا يتم في فراغ مطمئن، بل على حافة العدم.

العدمية في هذا الطرح ليست مجرد موقف فكري متشائم، بل تجربة تاريخية يعيشها الوعي حين يكتشف أن القيم التي كان يتكئ عليها فقدت قدرتها على الإلزام. لم يعد العالم “يثقل” بالقيم، بل صار خفيفا قابلا لكل تأويل. وهذا ما سيجد صداه لاحقا في فلسفات التأويل والتفكيك، التي أكدت أن المعنى لا يقيم في الأشياء أو النصوص، بل يتولد داخل شبكة من الاختلافات والعلاقات.

غير أن هذا التفكك المعرفي كان له بعد وجودي عميق. فالإنسان الحديث وقد تحرر من السلطات التقليدية، وجد نفسه في عالم بلا يقين نهائي. كيركغارد وصف هذا الوضع بـ”دوار الحرية”، حيث تصبح الإمكانات مفتوحة إلى حد يجعل الاختيار ذاته مصدرا للقلق. وهايدغر رأى أن القلق ليس عارضا نفسيا، بل المزاج الأساسي الذي يكشف حقيقة الوجود بوصفه انفتاحا دائما على العدم. في عالم فقد سرده الكلي، يصير الوجود نفسه سؤالا مفتوحا بلا جواب نهائي.

هنا تظهر المفارقة الكبرى للحداثة المتأخرة، فبينما تحرر الإنسان من أنظمة ميتافيزيقية مغلقة، وجد نفسه في فراغ دلالي يهدد بتفريغ التجربة من معناها.

لقد أشار هابرماس إلى أن العقل الذي حرر الإنسان من الأسطورة انقلب إلى عقل أداتي، يحوّل كل شيء إلى مورد قابل للاستغلال، بما في ذلك الإنسان نفسه. وهكذا بدل أن يؤدي تفكك السرديات الكبرى إلى تعددية خلاقة، فكثيرا ما أفضى إلى هيمنة منطق السوق والتقنية، حيث يصبح المعنى نفسه سلعة.

في هذا المشهد تبدو الفلسفة واقفة بين أنقاض عالمين، عالم اليقين الميتافيزيقي الذي انهار، وعالم اللايقين المعاصر الذي لم ينجح بعد في إنتاج أفق بديل. حيث لم تعد قادرة على تقديم “قصة كبرى” جديدة، لكنها ترفض في الوقت نفسه الاستسلام للعبث. التفلسف اليوم ليس بناء أنظمة، بل ممارسة نقدية داخل فضاء هشّ، حيث كل معنى قابل للانكسار.

من هنا يمكن فهم التفكيك كما عند دريدا، لا بوصفه تدميرا للمعنى، بل بوصفه إنصاتا للاختلافات التي يسكتها الخطاب المهيمن. المعنى لا يُلغى، بل يُكشف في هشاشته وتعدده. الحقيقة لا تُفهم بوصفها حضورا مكتملا، بل بوصفها أثرا يتأجل باستمرار. اليقين ليس إلا وهما ميتافيزيقيا. لكن هل يعني ذلك أننا محكومون بالضياع؟ أم أن اللايقين نفسه يمكن أن يكون شرطا لإمكان معنى مختلف؟ هنا تتقاطع الهرمنيوطيقا مع التفكيك. فغادامير يرى أن الفهم ليس امتلاكا للحقيقة، بل حوارا دائما معها. الحقيقة ليست شيئا نضع يدنا عليه، بل أفقا ينفتح كلما انخرطنا في تأويل العالم. اللايقين هنا ليس نقصا، بل شرط إمكان للتاريخ وللتجربة.

غير أن هذا الأفق يضع الإنسان أمام مسؤولية ثقيلة، أن يصنع معناه دون ضمانات ميتافيزيقية. سارتر عبّر عن هذا حين قال إن الإنسان “محكوم عليه بالحرية”. في عالم بلا سردية كبرى، يصبح كل فعل تأويلاً، وكل حياة مشروعا مفتوحا. وهذه الحرية على الرغم من طابعها التحرري، تحمل في داخلها قلقا وجوديا لا يمكن تبديده.

هذا القلق هو ما يفسر جزئيا عودة الأصوليات والهويات المغلقة في زمن اللايقين. إنها محاولات لاستعادة سرديات تمنح الهوية معنى ثابتا. لكنها غالبا ما تنقلب إلى عنف، لأنها تقوم على إنكار التعدد الذي كشفته الحداثة. وهكذا يعيد التاريخ إنتاج الصراع بين الرغبة في المعنى الكلي والخوف من اللايقين.

ولا تستطيع الفلسفة أن تعود ببساطة إلى يقينيات الماضي، ولا أن تكتفي بالاحتفاء بالاختلاف. إنها مطالبة بتطوير تفكير قادر على العيش داخل الهشاشة دون أن يحولها إلى عبث. وهذا ما يجعل سؤال المعنى اليوم سؤالا أخلاقيا بقدر ما هو أنطولوجي.

ليفيناس على سبيل المثال، رأى أن المعنى لا ينبع من نظام كلي، بل من علاقة الوجه بالوجه ومن المسؤولية تجاه الآخر. في عالم بلا مركز، يمكن للأخلاق أن تكون أحد مواقع إعادة بناء الدلالة، لا بوصفها قانونا صارما، بل بوصفها استجابة لنداء لا يمكن رده إلى بنية.

وهنا يلتقي التفكيك مع الأخلاق، فالهشاشة ليست ضعفا، بل شرطا للمسؤولية. ولو كان العالم محكوما بقوانين مطلقة، لما كان للالتزام معنى، لأنه سيكون مجرد امتثال. أما في عالم بلا يقين نهائي، فإن كل التزام هو مخاطرة، وكل قيمة اختيار. وهذا ما يمنح الفعل الإنساني ثقله الوجودي.

غير أن هذه الروايات الصغيرة التي ننسج بها حياتنا لا تعيش في فراغ، بل في عالم تهيمن عليه قوى اقتصادية وتقنية تعيد إنتاج اللامعنى بطرق جديدة. الرأسمالية المتأخرة لا تكتفي بتسليع الأشياء، بل تسلّع الذوات والرموز. وتحول البحث عن المعنى إلى استهلاك دائم للهويات والصور.

وتبرز ضرورة البعد النقدي للفلسفة. حيث أن النقد ليس ترفا نظريا، بل مقاومة لتفريغ العالم من دلالته. أدورنو كان يرى أن التفكير النقدي هو تفكير لا يطمئن إلى مفاهيمه، بل يعيد مساءلتها باستمرار. وفي عالم اللايقين، تصبح هذه السلبية النقدية إحدى طرق الحفاظ على إمكان الحقيقة.

لكن الفلسفة لا تستطيع أن تكتفي بالنقد وحده، لأن ذلك قد ينزلق إلى تشاؤم عقيم. ما نحتاجه هو أمل بلا يقين، أمل لا يستند إلى سردية خلاصية، بل إلى الإمكانات الكامنة في الواقع ذاته. كما قال إرنست بلوخ، حتى في عالم بلا ضمانات، يظل هناك فائض من الإمكان، شيء لم يُقل بعد ولم يُعش بعد.

هذا الفائض هو ما يجعل اللايقين ليس فقط علامة على الانهيار، بل أفقا للخلق. حين تنهار البنى المغلقة، تنفتح مساحات جديدة للتجربة. الفن المعاصر أدرك هذا مبكرا، حين حوّل تفتت العالم إلى مادة للإبداع.

يمكن أن نفهم الفلسفة اليوم بوصفها فنّ التوجيه داخل المتاهة. لا تمنحنا خريطة كاملة، لكنها تعلّمنا قراءة العلامات. ولا تقدم معنى نهائيا، لكنها تفتح فضاء للمعاني الممكنة. وكما قال ميرلو-بونتي، الفلسفة ليست امتلاكا للحقيقة، بل إقامة في سؤالها.

من هنا لا يكون انهيار السرديات الكبرى نهاية للمعنى، بل نهاية لوهم امتلاكه النهائي. لقد تحررنا من الاعتقاد بوجود قصة واحدة تحتوي العالم كله، لكن هذا التحرر وضعنا أمام مهمة أصعب: أن نعيش بلا ضمانات، وأن نخلق معنى دون أن نحوله إلى صنم.

في هذا التوتر تستمر الفلسفة في دورها الإشكالي. ليست واعدة بالطمأنينة، بل تمرينا على اليقظة. وكما قال نيتشه، من يملك “لماذا” يعيش من أجله يستطيع أن يتحمل أي “كيف”، لكن في عالمنا لم يعد هذا “اللماذا” معطى، بل صار مهمة.

ومن المعنى إلى اللايقين لا نسير نحو الفراغ، بل نحو أفق جديد من التفكير، حيث لا يُقاس عمق الفلسفة بقدرتها على بناء أنظمة مغلقة، بل بقدرتها على مرافقة الإنسان في تيهه، دون أن تسلبه شجاعة السؤال.

ويتضح جليا أن الفلسفة في زمن التيه لم تعد مطالبة بأن تقدّم للعالم صورة مطمئنة عن ذاته، ولا أن تعيد الوجود إلى نظام مكتمل يبدّد قلقه، بل أن تُنصت إلى هذا القلق نفسه بوصفه أحد أشكال الحقيقة. فاللايقين لم يعد عرضا عابرا يمكن تجاوزه بالعودة إلى يقينيات قديمة، ولا خللا يحتاج إلى علاج بسرديات جديدة، بل صار البنية التي يتحرك داخلها الفكر بعدما فقد العالم براءته الميتافيزيقية. ولا يعود السؤال عن المعنى بحثا عن أساس ثابت، بل انفتاحا على ما يتكوّن في التجربة الحيّة في اللغة، وفي العلاقة مع الآخر.

وحين تتخلى الفلسفة عن وهم الامتلاك، لا تفقد قيمتها، بل تستعيد تواضعها الخلاق. فهي لا تعد بالخلاص، لكنها تمنح الإنسان قدرة أعمق على السكن في هشاشته دون أن يذوب فيها. أن نفكر اليوم هو أن نقيم في التوتر بين حاجتنا إلى المعنى واستحالة تثبيته، بين توقنا إلى اليقين وضرورة الشك. وفي هذا التوتر لا يولد العبث، بل تولد إمكانات جديدة للفهم، إمكانات لا تزعم الكمال، لكنها تحفظ للوجود كثافته وللتجربة معناها، وللسؤال حقه في أن يظل مفتوحا.

***

د. حمزة مولخنيف

في العالم العربي المعاصر.. تحليل سوسيولوجي لمقولة طه حسين

” إلى الذين لا يعملون، ويؤذي نفوسهم أن يعمل الناس “ (الأديب والناقد طه حسين في إهداء كتاب: مع أبي العلاء في سجنه، مؤسسة هنداوي، ط2، 2014).

”  إن مراقبة الأفراد الذين لا يعملون لغيرهم وهم يعملون تولد لديهم إحساساً بالنقص، لا لأن العمل في ذاته مؤذٍ، بل لأنه يذكرهم بعجزهم وضعفهم عن بلوغ ما حققه الآخرون “ (الكاتب).

ليست مشكلة العمل في المجتمعات العربية المعاصرة كامنة في ندرته وحدها، بل في المعنى الاجتماعي الذي أفرغ منه، وفي الموقع الرمزي الذي دُفع إليه العامل داخل سلم القيم العامة. ففي سياق تتقدم فيه الامتيازات غير المستحقة، ويعلو فيه صوت اللا منجز على حساب الفاعل، تصبح مقولة عميد الأدب العربي طه حسين: " إلى الذين لا يعملون، ويؤذي نفوسهم أن يعمل الناس " أشبه بأداة نقدية تكشف اختلالاً بنيوياً عميقاً في العلاقة بين العمل والاعتراف الاجتماعي. إنها ليست دهشة أخلاقية بقدر ما هي مساءلة صريحة لثقافة تعاقب الإنتاج وتكافئ العطالة، وتعيد إنتاج اللا مساواة عبر آليات رمزية ناعمة تجعل من العمل فعلاً مهمشاً، ومن العامل موضوعاً للتقليل لا للتقدير. ومن هذا المنطلق، تندرج هذه المقولة ضمن أفق سوسيولوجي نقدي يسعى إلى تفكيك أنماط الوعي السائدة، وفهم كيف تحول العمل من قيمة مؤسسة للكرامة والاندماج الاجتماعي إلى عبء فاقد للمعنى في كثير من التجارب العربية الراهنة.

- قيم العمل من منظور الوعي الجمعي العربي المعاصر: تُعرف قيم العمل سوسيولوجياً بوصفها منظومة المعاني والمعايير والتمثلات الرمزية التي يطورها المجتمع حول العمل، وتحدد مكانته الأخلاقية والاجتماعية، ومعايير تقديره، وعلاقته بالاستحقاق والكرامة والاعتراف الاجتماعي. فالقيمة هنا لا تنبع من العمل كجهد مادي أو نشاط اقتصادي فحسب، بل من كونه فعلاً اجتماعياً يقاس بمدى إسهامه في الصالح العام، وبما يمنحه للفرد من هوية ومكانة وانتماء.

وفي الوعي الجمعي العربي المعاصر، تتسم قيم العمل بطابع ملتبس ومزدوج، إذ تُعلن قيمة العمل خطابياً في التعليم والدين والإعلام بوصفه فضيلة أخلاقية وضرورة اجتماعية، بينما يُفرّغ عملياً من مكانته الرمزية في الحياة اليومية. هذا الانفصال بين الخطاب والممارسة يعكس تحولاً عميقاً في بنية الوعي الاجتماعي، حيث لم يعد العمل شرطاً أساسياً للاعتراف أو للترقي الاجتماعي، بقدر ما أصبحت عوامل أخرى كالقرابة، والوساطة، والانتماء الطبقي والمذهبي، والإيديولوجي (السياسي) تلعب الدور الحاسم في تحديد الموقع الاجتماعي.

ويظهر موقف الأفراد من قيم العمل في هذا السياق متأرجحاً بين التقدير المبدئي والنفور العملي. فكثير من الأفراد، ولا سيما الشباب، لا يرفضون العمل من حيث المبدأ، بل يرفضون المعنى الاجتماعي الذي أُلصق به عمل بلا أفق، وبلا عدالة، وبلا اعتراف. ومن ثم يتحول العمل من فضاء لتحقيق الذات إلى تجربة اغتراب، حيث ينظر إليه كوسيلة اضطرارية للعيش لا كقيمة مؤسسة للكرامة أو المشاركة الاجتماعية.

كما أسهمت التحولات الاقتصادية والسياسية في ترسيخ نمط من الوعي يرى في العمل المنتج مخاطرة غير مضمونة العائد، مقابل البحث عن أشكال " أكثر أمناً " من الدخل أو المكانة، حتى وإن كانت غير منتجة. وبهذا المعنى، فإن ضعف قيم العمل في الوعي الجمعي لا يعود إلى خلل أخلاقي فردي، بل إلى بنية اجتماعية تعيد إنتاج اللا مكافأة وانعدام العدالة الرمزية.

وعليه، يمكن القول إن الوعي الجمعي العربي المعاصر يعيش أزمة في قيم العمل لا غياباً لها، أزمة تتجلى في فقدان الثقة في العلاقة بين الجهد والاستحقاق، وبين العمل والاعتراف الاجتماعي. واستعادة قيم العمل لا تمر عبر الوعظ أو الخطاب الأخلاقي، بل عبر إعادة بناء الشروط الاجتماعية والمؤسساتية التي تجعل من العمل مساراً معقولاً للاندماج، ومن العامل فاعلاً معترفاً به داخل الجماعة الاجتماعية.

ونجد في هذا السياق أن العامل لا يُقصى عبر الحرمان القانوني أو القسري، بل من خلال نزع الشرعية الرمزية عن جهده. فالسخرية من بعض المهن، أو التقليل من شأنها في الخطاب اليومي والإعلامي، أو ربطها بالفشل الاجتماعي، يشكل نمطاً من الإقصاء الناعم الذي يجعل العامل نفسه، في كثير من الأحيان، يتبنى هذه النظرة الدونية ويمارسها على ذاته. هنا يتحول العنف الرمزي إلى عنف داخلي، يُعاد إنتاجه تلقائياً دون حاجة إلى قهر خارجي.

وتتجلى خطورة هذا النمط من العنف في كونه يخلق انفصاماً حاداً بين الحاجة الموضوعية والقيمة الرمزية. فالمهن الضرورية لاستمرار الحياة الاجتماعية كالأعمال اليدوية، والخدمات الأساسية، والحرف تشكل العمود الفقري للاقتصاد الاجتماعي، لكنها في الوقت نفسه تقصى من فضاء التقدير الاجتماعي. هذا التناقض لا يعكس خللاً فردياً في الذوق أو الأخلاق، بل خللاً بنيوياً في منظومة التصنيف الاجتماعي التي تضع " الهيبة " و" المكانة " فوق المنفعة الاجتماعية الفعلية.

ومن منظور سوسيولوجيا الثقافة، يمكن فهم هذا الاحتقار الرمزي للعمل بوصفه نتاجاً لتاريخ طويل من التراتبية الطبقية والرمزية، حيث ارتبط العمل اليدوي أو الخدمي بالضرورة أو القهر، لا بالاختيار أو الكفاءة. ومع التحولات الحديثة، لم تُفكك هذه البنية، بل أعيد إنتاجها بأشكال جديدة، عبر التعليم، والإعلام، واللغة اليومية، ما جعل الوعي الجمعي يستبطن تصنيفات غير عادلة للعمل دون مساءلتها.

كما أن هذا العنف الرمزي يسهم في تعميق الاغتراب الاجتماعي، إذ يفقد العامل الشعور بأن عمله معترف به اجتماعياً، فينشأ توتر بين الوظيفة الاقتصادية للعمل ووظيفته الرمزية. وبدلاً من أن يكون العمل مصدراً للاندماج الاجتماعي وبناء الهوية، يتحول إلى مجال للإحباط والانسحاب، وهو ما ينعكس سلباً على الإنتاجية، وعلى علاقة الفرد بالمجتمع والدولة.

وعليه، فإن قراءة مقولة طه حسين في ضوء العنف الرمزي تكشف أنها لا تنتقد مجرد موقف أخلاقي تجاه العمل، بل تفضح آلية اجتماعية عميقة تنتج احتقار العمل عبر المعنى لا عبر القوة. ومن هنا، فإن تجاوز هذا الخلل لا يقتضي فقط تحسين شروط العمل المادية، بل يتطلب إعادة بناء الوعي الجمعي حول القيمة الاجتماعية للعمل، وتفكيك التصنيفات الرمزية التي تجعل من الضروري محتقراً، ومن غير المنتج محل إعجاب وامتياز.

ويمكن لنا تعميق هذه الفكرة سوسيولوجياً من خلال ربط إساءة المجتمع إلى العامل بمفهوم الاغتراب الاجتماعي بوصفه نتيجة بنيوية لاختلال علاقة الفرد بالفعل الاجتماعي ذي المعنى. فالاغتراب هنا لا يقتصر على انفصال العامل عن نتاج عمله، بل يمتد إلى انفصاله عن الدلالة الرمزية للعمل نفسه، حين يفقد هذا الأخير وظيفته بوصفه مصدراً للاعتراف والاندماج والكرامة.

وعندما لا يعترف المجتمع بقيمة العمل، يتحول الفعل المنتج إلى ممارسة بلا أفق رمزي، أي إلى جهد يستهلك اقتصادياً دون أن يقدر اجتماعياً. في هذه الحالة، لا يشعر العامل بأنه فاعل داخل الواقع الاجتماعي، بل مجرد أداة وظيفية قابلة للاستبدال. وهذا ما يجعل الاغتراب ليس تجربة نفسية فردية، بل حالة اجتماعية عامة تنتجها بنية قيمية تفرغ العمل من معناه الأخلاقي والوجودي.

وهنا تتقاطع مقولة طه حسين هنا مع سؤال فقدان المعنى في الفعل الاجتماعي، حيث لا يعود العمل وسيلة لتحقيق الذات أو لبناء الهوية، بل عبئاً ضرورياً للبقاء فقط. هذا التحول يضرب في العمق أحد الشروط الأساسية للاستقرار الاجتماعي، لأن المجتمعات لا تقوم على العمل بوصفه نشاطاً مادياً فحسب، بل على الإحساس الجمعي بأن الجهد له قيمة، وأن الفعل الفردي يجد صداه في الاعتراف الاجتماعي.

كما يمكننا فهم ضعف المبادرة الفردية بوصفه نتيجة منطقية لاختلال العلاقة بين الجهد والمكافأة الرمزية. فحين يدرك الأفراد أن الاجتهاد لا يقود إلى التقدير، وأن التميز لا يضمن الاعتراف، تتآكل الدوافع الداخلية، ويحل محلها سلوك حذر أو انسحابي، يقوم على الحد الأدنى من الامتثال بدل الإبداع والمبادرة.

وتفسر لنا هذه البنية الاغترابية ظاهرة هجرة الكفاءات العلمية، لا باعتبارها بحثاً عن دخل أفضل فقط، بل بحثاً عن فضاء اجتماعي يعيد وصل العمل بالمعنى، والجهد بالكرامة، والإنجاز بالاعتراف. فالهجرة، في هذا المعنى، هي هروب من اغتراب رمزي بقدر ما هي انتقال اقتصادي. أما انتشار اللامبالاة، فيمثل المرحلة الأكثر خطورة، حيث يتوقف الفرد عن الاستثمار الرمزي في المجتمع ذاته، بعدما فقد ثقته في عدالة منظومته القيمية.

وعليه، فإن إساءة المجتمع إلى العامل لا تنتج ظلماً آنياً فحسب، بل تراكم أزمة معنى طويلة الأمد، تهدد أسس الفعل الاجتماعي ذاته. ومن هنا، فإن استعادة قيمة العمل ليست مسألة تحسين شروطه المادية فقط، بل إعادة تأسيس أفق المعنى الذي يجعل من العمل فعلاً معترفاً به، ومن العامل ذاتاً اجتماعية مكتملة الانتماء.

خلاصة القول، تأخذ مقولة طه حسين في المجتمعات العربية المعاصرة بعدها النقدي عبر وضعها في سياق التحولات البنيوية التي مست أنماط الإنتاج، وسوق العمل، ومنظومة القيم الاجتماعية. فالمقولة لا تكتسب راهنيتها فقط لأنها تصف ظاهرة قائمة، بل لأنها تكشف منطقاً ثقافياً ما يزال فاعلاً في إعادة إنتاج الأزمة.

وبرأي تتجلى هذه الراهنية أولاً في البطالة البنيوية التي لم تعد ظاهرة ظرفية أو مرتبطة بدورات اقتصادية عابرة، بل نتيجة لاختلال عميق بين أنظمة التعليم، وبنية الاقتصاد، وآليات الإدماج الاجتماعي. ففي هذا السياق، لا يُقصى الأفراد عن العمل وحسب، بل يقصون عن المعنى الاجتماعي للعمل ذاته، حيث يصبح العاطل عن العمل ضحية مزدوجة (حرمان مادي، ونزع اعتراف رمزي).

كما يواكب ذلك تضخم القطاعات غير المنتجة التي تعيد تدوير الموارد دون خلق قيمة اجتماعية مضافة، وتمنح في المقابل مكانة رمزية مرتفعة لمن يشغلون مواقعها. هذا الوضع يعمق المفارقة التي أشار إليها طه حسين، حيث يُساء إلى من يعمل فعلاً، بينما يكافأ من لا يساهم إنتاجياً. وهنا تتحول المقولة إلى توصيف دقيق لعلاقة مختلّة بين العمل والقيمة داخل البناء الاجتماعي العربي.

وتبرز راهنية المقولة أيضاً في تراجع المكانة الاجتماعية للمعرفة والعمل المهني، حيث لم يعد التخصص أو الإتقان شرطاً للترقي الاجتماعي، بقدر ما أصبحت الشبكات الاجتماعية، والولاءات، والقدرة على التكيف مع منطق رأس المال الاجتماعي الزبائني عوامل حاسمة. هذا التحول لا يفرغ العمل من قيمته الأخلاقية فقط، بل يجرده من بعده السياسي بوصفه أساساً للمواطنة الفاعلة والمشاركة الاجتماعية.

بذلك، لم يعد الإشكال الأساسي هو نقص فرص العمل فحسب، بل تشويه المعنى الاجتماعي للعمل، أي فقدان الثقة في العلاقة بين الجهد والاستحقاق، وبين الكفاءة والاعتراف. وحين يختزل العمل إلى وظيفة بلا كرامة، أو إلى ضرورة بيولوجية للبقاء، تتآكل قدرته على إنتاج الانتماء والمعنى، ويتحول إلى عبء فردي لا مشروعاً جماعياً.

وهكذا يظل نقد طه حسين صالحاً بوصفه نقداً لبنية ثقافية عميقة، لا لظرف تاريخي عابر. فهو يفضح آلية اجتماعية تجعل من العمل فعلاً مفرغاً من قيمته الأخلاقية والسياسية، وتعيد إنتاج مجتمع يكافئ العطالة الرمزية أكثر مما يكافئ الفعل المنتج. ولذلك، فإن استعادة راهنية المقولة اليوم لا تعني استدعاء الماضي، بل مساءلة الحاضر، وفتح أفق نقدي لإعادة بناء العلاقة بين العمل، والمعنى، والاعتراف الاجتماعي في المجتمعات العربية المعاصرة.

وفي النهاية، ليست مقولة طه حسين حكماً أخلاقياً عابراً، بل تشخيصاً سوسيولوجياً مبكراً لأزمة الاعتراف في المجتمع العربي. فمجتمع يسيء إلى العامل هو مجتمع يسيء إلى ذاته، لأنه يفكك الرابط بين الجهد والقيمة، وبين المسؤولية والاستحقاق. والخروج من هذا المأزق لا يكون بتمجيد العمل خطابياً، بل بإعادة بناء الشروط الاجتماعية والرمزية التي تجعل من العمل أساساً للكرامة، ومن العامل فاعلاً مركزياً في إنتاج المعنى الاجتماعي.

***

د. حسام الدين فياض

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

قراءة في تصور الزواوي بغُورة

في قلب عالم متغير وسريع الإيقاع، حيث تتقاطع الأزمات وتتلاحق التحولات، يجد الإنسان نفسه أمام سؤال جوهري: كيف يفهم مكانه في المجتمع، وكيف يعيد ترتيب قيمه وسلوكياته في مواجهة ما يفرضه الواقع من ضغوط وتقلبات؟ ففي خضم التحولات العالمية المتسارعة، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية والصحية والثقافية، يواجه الإنسان اليوم تحديًا معرفيًا وأخلاقيًا لاستيعاب معاني وجوده الاجتماعي وإعادة قراءة قيمه وسلوكياته. فقد أفرز الواقع المعاصر، سواء في العالم الغربي أو العربي، تغيّرات جذرية زعزعت استقرار المجتمعات وأثرت في وعي الأفراد، خاصة بعد الصدمة المفاجئة للجائحة ومآلاتها فيما بعد على السياسات الحيوية والصحية، فلا يمكن إنكار أن العالم اليوم يعيش سياسة حيوية، حيث أصبحت القوة لا تُقاس بالقدرة العسكرية أو الاقتصادية وحدها، بل بمدى التحكم في الحياة نفسها، في جسد الإنسان، وفي صحته، وفي إمكاناته البيولوجية والمعرفية. فالتقنية والبيوتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لم تعد أدوات محايدة، بل وسائل ممارسة السلطة على الحياة، تتداخل فيها المعرفة بالقوة، والفعل بالسيطرة، لتفرض على الإنسان شروط وجوده، وتعيد صياغة العلاقة بين الفرد والمجتمع والعالم. وهكذا تحولت السياسة من إدارة الأحداث إلى إدارة الحياة ذاتها، مع ما يترتب على ذلك من أسئلة أخلاقية، وجودية، وفلسفية حول حرية الإنسان، وهويته، ومصيره في عالم يهيمن عليه البُعد الحيوي للسلطة. الأمر الذي فتح المجال لنقاش فلسفي وسوسيولوجي حول القيم، والممارسات، والمآلات الاجتماعية. ومن هنا نشأت الفلسفة الاجتماعية، التي حللها الباحث الجزائري "الزواوي بغورة"، مقدّمًا قراءة متكاملة للعلاقة بين الإنسان والمجتمع والتغير التاريخي، مندمجة بين المبادئ الفلسفية والوقائع الاجتماعية.

لقد أدت الأزمات الراهنة، على اختلاف أشكالها، إلى اهتزاز العديد من القيم الكونية والإنسانية، وجعلت الإنسان يعيش حالة من الهشاشة والخوف من المستقبل. فالثورة التقنية والبيوتكنولوجية أعادت تشكيل المبادئ التي كانت تُنظّم علاقة الإنسان بعالمه وجسده، وجعلت الوصول إلى كنه الإنسان ممكنًا عبر الهندسة الوراثية والذكاء الاصطناعي، بما فيه من تراكيب دقيقة ومبرمجة، في مسعى لإنشاء إنسان جديد أقوى وأكثر اختلافًا. غير أن هذه الثورة لم تأتِ دون ثمن؛ إذ انقلبت سلبًا على الإنسان، وجردته من كثير من قيمه وهوياته، وأغرقته في اغتراب عن ذاته، في ظل هيمنة البُعد الاستهلاكي المادي الذي سيطر على حياته وأصبح معيارًا للعالم.

ومع استمرار هذه التحولات، شهد العالم في السنوات الأخيرة حروبًا بيولوجية وانتشار فيروسات مدمرة، كان أبرزها فيروس كوفيد، الذي قلب موازين القيم وفرض قيودًا جديدة على الحياة اليومية، وجعل الإنسان في حيرة من أمره بين طبيعة هذه الأزمات: هل هي نتيجة تلاعب مخبري، أم مجرد تقلبات طبيعية للحياة؟ لقد أصبح العالم ملعبًا للتلاعبات، بينما يبقى الإنسان الضحية الأولى لتشابك هذه القوى، في مواجهة واقع يعيد تعريف مكانته في الحياة والوجود.

في ظل تلك الانتهاكات التي أثرت على الكثير من الجوانب، حتى لا نقول معظم، لاسيما القيم العالمية الاجتماعية والسياسية، من قبيل النظام العالمي برمته، والسياسات الصحية والطبية، والمحيط البيئي والطبيعي للإنسان، اذ أن كل هذه الأحداث أترث في العالم بمختلف توجهاته وميادينه.

ان البحث في الخط الجامع لهذه الظواهر التي أصابت الواقع الاجتماعي للإنسان هو ضرب من السؤال عن مصيره، فمن الإنساني والأخلاقي أن يهتم المفكرون بطبيعة الانسان المفككة والممزقة ضمن الواقع الهش الذي صرنا نٌعايشه اليوم، خاصة إثر وجود وسائل قمعية تحطم الانسان كليا وتحرمه من العيش بكرامة، وفي ظروف مستقرة، وانما صار يعيش الاضطراب واللااستقرار. اثر هذه الظروف شخص المفكر الجزائري "زواوي بغورة" اختلالات الراهن الفلسفي والاجتماعي ضمن ميدان يٌسمى بالفلسفة الاجتماعية، هذا الميدان الذي فرضت وجوده تأزمات الواقع اليومي، ليطلعنا بذلك عن التغيرات التي مست الواقع الاجتماعي من أمراض وأحداث وظواهر، وسياسات حيوية أصابت العالم، وأثرها على الإنسان وعلاقاته، خاصة وأن السياسة الحيوية عرفت تداولا كبير في مجال السياسة والفلسفة وعلم الاجتماع، لترتبط بنسق فلسفي أكثر مع المفكر الزواوي بغورة خاصة في دراسته الأخيرة الموسومة ب" الفلسفة الاجتماعية" المُحللة لحالة التجمعات الإنسانية المعاصرة، وكل ما يرافقها من اجتماع وشعبوية وعنصرية وعدالة وغيرها، ويعرض لنا المفكر الجزائري الزواوي بغورة نقاش فلسفي اجتماعي حول الراهن الذي تغير بسبب أزمات القرن الواحد والعشرين، خاصة مما خلفه وباء الكوفيد، من تحولات في النظام الدولي والعنصرية والعدالة وغيرها، وهو ما عبر عنه داخل إطار الفلسفة الاجتماعية.

1- مفهوم الفلسفة الاجتماعية حسب بغورة:

يمكننا القول أن مفهوم الفلسفة الاجتماعية يتحدد بالاجتهادات النظرية التي قدمتها مدرسة فرانكفورت أو النظرية النقدية ضمن سياق الفلسفة الألمانية المُعاصرة، وتحوله الى عنصر أساسي ضمن عناصر أخرى لا تقل أهمية من حيث الاسهام النظري والمنهجي، ولا سيما في الاتجاه البراغماتي، وفي بعض تيارات الفلسفة الفرنسية المعاصرة1. اذن تأسست الفلسفة الاجتماعية مع رواد مدرسة فرانكفورت، أو المدرسة النقدية، الألمان، الذين عملوا على نقد الواقع الاجتماعي من العُمق، كون أن هذا الأخير أصبح جد مُستهلك وذو بعد تقني واحد، وفاقد للمُعطى الروحي. واذا كانت الفلسفة الاجتماعية معنية بالمسألة الاجتماعية، فإنها تختلف عن علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية على وجه العموم، وذلك لأن من مهامها تجاوز الثنائية بين علم الاجتماع والفلسفة السياسية، وتحليل العلاقة الجدلية بين النظريات وبين الممارسات، واذا كان علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية عموما تتميز بجانبها التقني والتجريبي، فان الفلسفة الاجتماعية تتميز بمقاربتها الأخلاقية للمسألة الاجتماعية، وعلى رأس هذه المقاربة العدل في علاقته بأشكال الظلم، سواء تعلق الأمر بالأفراد أم بالجماعات أم بالمؤسسات.2 ولا تكتفي الفلسفة الاجتماعية بالتحليلات النظرية والسياسية للواقع كما هو كائن في علم الاجتماع والسياسة، وانما تتعدى التحليل الى المساءلة الأخلاقية لما هو موجود في الواقع من قبيل، العدل والظلم والخير والشر، لأجل النظر في سلوكيات المجتمعات على اختلافه، لأن القيم ضرورية لأجل تحقيق التعايش الكريم بين مختلف عناصر المجتمع.

وما يُميز الفلسفة الاجتماعية عن بقية المجالات الأخرى هو اهتمامها بالصراعات الاجتماعية، وبخاصة صراع الفئات المهمشة والمقصية والمستبعدة، ومختلف الجماعات التي تعتبر قاصرة وتابعة، وتبحث عن حياة اجتماعية كريمة، من هنا تحتل المسألة الاجتماعية أو العلاقات الاجتماعية مكانة واضحة في هذا المجال الفلسفي الجديد، وذلك من منظور نقدي معني بالأشكال المختلفة للهيمنة أو السيطرة. كما تعتمد الفلسفة الاجتماعية على التحليل النقدي للمجتمع، عبر تحليل ما يكون في فئاته خاصة المستبعدة والمهمشة، خاصة فيما يخص الهيمنة والسيطرة الاجتماعية، والأزمات الواردة في ذلك، ومصير العلاقات الاجتماعية، ونقد كل التدخلات الواردة، من صراعات ونقاشات وتساؤلات واردة فيما يخص العلاقات الاجتماعية في حيزها النقدي لأجل ضبط "التحرر العقلاني والتفكير بكل استقلالية من خلال ادراج النقد كسمة أساسية في التفكير"3. ففعل النقد يبرز طبيعة

ان العلاج الفلسفي المقصود من الفلسفة الاجتماعية يعني خلق شروط تعاون بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية يعني خلق شروط تعاون بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية حول العمل، على أن نربط العمل نفسه بمسألتين أساسيتين: الأول التحرر في مقابل الهيمنة، والثانية تحقيق الحياة السعيدة أو الخيرة أو الطيبة أو الكريمة في مقابل الحياة البائسة أو الشقية أو الخيرة أو الهشة أو الذليلة، والنظر في مقولة العمل ليس على أنها تعبير عن ظاهرة اجتماعية واقتصادية فحسب، وانما بوصفها، كما قال هاربرت ماركيوز مقولة وجودية تحدد كينونة الوجود الإنساني، بما هو وجود تاريخي، وبذلك يدخل العمل ضمن مقولة عامة وأساسية في الفلسفة الاجتماعية وهي مقولة براكسيس، والممارسة الاجتماعية على وجه التحديد لأنه لا وجود لمجتمع من دون العمل.4 اذن ترتكز الفلسفة الاجتماعية على العمل وعلاقاته، ودور فلسفة البراكسيس في تجسيد القيم الخيرة والابتعاد عن القيم التي تعيق الانسان في العيش في حياة كريمة، خاصة بالبعد عن العمل اليافع، وبالتالي تُمكن الفلسفة الاجتماعية من خلق ظروف مناسبة في العمل التحرري البعيد عن الهيمنة، لأجل تحقيق السعادة، باعتبارها قيمة اجتماعية تجعل الانسان يعيش حياة كريمة بالاعتماد على قيم الحرية والمسؤولية والتضامن الاجتماعي.

2- الفلسفة الاجتماعية في مقاربة السياسة الحيوية:

ضمن مشروعه الفكري المتكوّن من مجالات عدة تشتمل على فلسفة اللغة، وفلسفة العلوم، والفلسفة السياسية والاجتماعية، صدر أخيراً كتاب «السياسة الحيوية من منظور الفلسفة الاجتماعية» (دار سؤال ـــ بيروت) للباحث الجزائري الزواوي بغورة، أستاذ الفلسفة المعاصرة في «جامعة الكويت». يعدّ الكتاب بمثابة تطوير وتعميق لقراءاته في فلسفة ميشال فوكو، ومحاولة لتطبيقها على مجموعة من القضايا الفكرية والأحداث التاريخية، أبرزها ما شهدته البشرية بين عامَي 2019 و2022 من جائحة كورونا، وتوظيف مفهوم السياسة الحيوية في دراستها. مفهوم قديم نسبيّاً، استُخدم في وصف الممارسات والآليات التي اتخذتها السلطة في منتصف القرن الثامن عشر لإحكام السيطرة على جسد الأفراد، وعلى الحياة بصفة عامة، من خلال التدُخّل في حياة السُكان، ومُراقبة معدَّل الولادات والوفيات، ووصف الأوبئة وتحدياتها5.

اذن تهتم السياسة الحيوية في مجملها بعلاقة السياسة بالتحكم في الفرد والمجتمع، عبر التحكم في الجسد، والتحكم في بيولوجية الانسان، وفي مجاله الحيوي، عبر مختلف التقنيات الرقابية والأمنية، لأن احكام القبضة على السُكان يٌشكل هدف أساسي للسياسة.

اذن في الفلسفة الاجتماعية، تتمحور السياسة الحيوية اذ يرى بغورة أن هناك انفجار خطابي كبير لهذا المفهوم الذي رأى النور في هذه السنوات القليلة، وانتشر مع انتشار الجائحة الذي أكدت على ضرورة قراءة الراهن قراءة سوسيولوجية وتحليلية ونقدية، وتلك هي مهام السياسة الحيوية، وبالتالي تأسيس فلسفة حيوية تُعنى بالأمراض الاجتماعية، لأن معظم الكوارث أصبحت عالمية، ولا بد للمجتمع العربي الانفتاح على كل التطورات لأنه هو الآخر معرض للخطر.

تتميز السياسة الحيوية التي تهدف الى ضمان وتعزيز صحة السُكان أو الجسد الاجتماعي، وتظهر في 4 أشكال:

- مراقبة ظاهرة الانجاب، والأعمار والوفيات وتنظيم السكان.

- الاهتمام الصحي والطبي بمختلف الأمراض وبخاصة تلك التي تتحول الى وباء أو جائحة تقضي على حياة الأفراد والجماعات، وما تسببه من كوارث اجتماعية وكلفة اقتصادية، وما يتطلب ذلك من إقامة أنظمة تسيير صحية لمختلف القوى الاجتماعية، وتفعيل القوى الاقتصادية.

- مراقبة الأحداث والظواهر التي تصيب الأفراد كحوادث المرور والعمل والشيخوخة والتشوهات والاعاقات، ومختلف أشكال العاهات والعجز، وما تحتاجه هذه الحوادث من مؤسسات اجتماعية واقتصادية خاصة بالتأمين والضمان الصحي.

- تمارس السياسة الحيوية على مستويين الفردي والاجتماعي معا، وذلك نتيجة تطبيق آليات على جسد الفرد والنوع المتمثل في السكان6. اذن تهتم السياسة الحيوية بالمجالات التي تخص المرض والعجز أي تهتم بالمعنى السلبي والايجابي ولا تكتفي بمعنى واحد يرتبط بالرفاهية بل تتبع الفرد حتى في أقصى انفعالاته وفي مرضه، فمن الناحية الإيجابية تهتم بتوفير الراحة والحرص على النقاء البيولوجي وتحارب المرض وتوفر الرفاهية اللازمة للحفاظ على الصحة، وفي الجانب السلبي تحارب السياسة كل المعيقات التي تقف في وجه الفرد كالأمراض المعدية وبالتالي تحاول السيطرة عليها والحفاظ على صحة السكان ومراقبة العمال لتفادي الحوادث التي تقع أثناء العمل، وحتى ان وقعت فستهتم السياسة الحيوية بتعويض الشخص المضرور وتقديم العلاج الخاص به وكذلك توفر له وقتا من الراحة من أجل استعادة صحته وعافيته، وبذلك تكون هذه السلطة منخرطة في جميع الجوانب الحياتية المرتبطة بالجانب البيولوجي دون استثناء، وعلى جميع الأصعدة وعلى كافة المستويات سواء تعلق الامر بالفرد وحده أو بحياة الجماعة والسكان، ذلك العنصر المهم في السلطة الحيوية والذي تهتم به في محور مجالاتها إضافة الى توفير الأمن داخل الإقليم الذي تديره حكومة ما، لأن أمن السكان شيء ضروري لضمان رضا السكان وبالتالي بسط السيطرة عليهم، كما أنه ضروري للسياسة التي تعمل بجد داخل وسط هادئ لا تعتريه المخاوف الناجمة عن التدخلات الخارجية أو تمرد السكان وقيام الفوضى.

3- الجائحة من منظور الفلسفة الاجتماعية:

من أجل التأكيد على الطابع الاجتماعي للسياسة الحيوية، يرى بغورة أنه اقترح مبحث الفلسفة الاجتماعية بوصفه تعبيرا عن وحدة الاستعمالات المختلفة للسياسة الحيوية خاصة من خلال حضور عنصر التاريخ، أي التجارب التاريخية والاجتماعية والسياسية، وكذلك دراسة التجارب الاجتماعية والسياسية، ولانتحدث عن الدولة والأمن والحرية بشكل مطلق وانما من خلال التجارب التاريخية.7 كون الفلسفة الاجتماعية تهتم بالأحداث التي تدور في المجتمع والوقائع التاريخية التي تخلف أثرا للإنسان وللمحيط الاجتماعي ككل، هذا ما يجعلها على صلة وثيقة بالسياسة الحيوية، لأن هذه الأخيرة حسب بغورة تشتغل مع معطيات الراهن ومتغيرات العصر، المتعلقة بالحياة ككل وكذلك بالجانب البيولوجي للإنسان، مثل ما حدث في الراهن مع انتشار الجائحة، كما أن الموضوعات المدروسة في هذا الحقل لا تعبر عن الجانب النظري المحض من قبيل دراسة المفاهيم في بعدها الاصطلاحي والكرونولوجي، بل بدراستها من خلال ميدانها التطبيقي والنسبي، كأن نتحدث عن استراتيجيات الدولة الحالية في مكافحة المرض وعن السياسات الصحية المتبعة، وأن لا نقول أن الدولة هي كذا ومهامها تكمن في توزيع المهام وفقط، وأن الأمن هو وحدة مراقبة، وعرض المفاهيم النظرية كما تفعل الفلسفة السياسية الكلاسيكية الموغلة في المطلقيات، بل الأمر يتعدى الجانب النظري الى مفاهيم تطبيقية عملية حيوية، عبر التجارب التاريخية التي نحاول استنطاقها وابراز أهم جوانبها مع محاولة تشخيص تتبعها حلول توعوية، وبذلك تتأسس الفلسفة الاجتماعية من خلال مشاركتها في الراهن الذي تستقي مشكلاتها منه.

وباء الكوفيد 19 أصبح يفرض اكراهاته على العالم الذي يحاول بوسائل شتى الحد من أضراره وأخطاره معتمدا على جملة من المعارف الطبية والبيولوجية والكيميائية وسلسلة من الآليات والتقنيات الرقابية والأمنية، والاستراتيجيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تجد في مفهوم السياسة الحيوية تعبيرها الحقيقي.8 اذن فان فيروس كورونا من أحدث الأوبئة التي شهدها العالم في الوقت الحالي اذ تطور و تحول الى جائحة  خلفت أزمات متباينة في جميع الأصعدة بحيث حدث هناك اكتظاظ على المستوى الصحي و تقريبا لم تستطع بعض الحكومات تغطية تكاليف العلاج من أدوية ومستشفيات وأكسيجين. الخ، وأزمة اقتصادية بحيث خلفت الجائحة العديد من الخسائر المادية وانقلاب في اقتصاد العالم ككل بسبب توقف بعض الأنشطة حتى أن بعض الشركات انهارت وأفلست وكذلك على الجانب التعليمي  بحيث أن الدراسة توقفت مما ساهم في تأخر بعض السياسات التعليمية في الدروس خاصة تلك الدول الفقيرة والتي لا تستطيع العمل على برنامج التعليم عن بعد، اضافة الى توقف جميع الأنشطة السياسية و الفنية و الرياضية و حتى الاجتماعية من قبيل تأجيل حفلات الزواج وتبديل مراسم العزاء في الجنازات وغيرها فقد مس فيروس كورونا كل العلاقات أي كل الأنشطة التي تتطلب احتكاك ولقاء بين البشر، هذا التغير المفاجئ الذي أصاب العالم أحدث رعب بين بني البشر واعتقد الأغلبية أن نهاية المطاف قريبة لا محالة بسبب التدهور الهائل في الأوضاع اضافة الى التهويل الاعلامي الذي زاد الطين بلة و أفقد الانسان المتأزم كل بصيص أمل كان بحوزته، واختلفت أحاديث العلماء وخطابات الفلاسفة و تنبؤاتهم بين عالم متشائم تسود فيه الصراعات البيولوجية والفيروسية وبين آخر متفائل معتقدا أن هذه الجائحة ستساهم في تغيير العالم من خلال تغيير وجهة نظر الانسان وتجعله أكثر نظرا في حياته وشديد الاحتياط للتصدي للأزمات مستقبلا، بمعنى أن هناك قيم عديدة تغيرت في ظل الجائحة لصالح الانسان وكرامته التي لا يسبقها شيء والتحلي بقيم جديدة تليق بكرامته.

كما أن الجائحة كشفت عن غياب التضامن العالمي، وغياب العدالة الصحية، كما كشفت عن ضرورة تعزيز الدولة القومية مقارنة بوعود العولمة، وأعلنت العودة الى تحرر الفكر الفلسفي من النماذج الجاهزة، وهو مايفرض علينا في الفكر العربي اجراء تحليلات نقدية كاشفة لمختلف مشكلاتنا العويصة.11اذن فان الأحداث العالمية في الفترة الأخيرة قد غيرت بعض الثوابت التي تتميز بالمطلقية، وبعض المفاهيم التي احتلت المركز لعدة قرون، وهو ما أتبثته جائحة كورونا من رؤى جديدة للقيم العالمية وللأنظمة كذلك، فقد انغلقت الأمم على نفسها، وغاب التعاون والتضامن العالميين، كما أن النظام العالمي لم يستطع تلبية مصالح الجماعات، والعولمة انقلبت الى النقيض ولم تلبي فكرة العالمية، خاصة وأن الكورونا أعلنت عن غياب العدل في النظر الى الصحة كمفهوم انساني عالمي وليس غاية للتفرقة بين القوي والضعيف.

الخاتمة:

في الختام نستنتج أن الزواوي بغورة دعى الى ضرورة إقامة فلسفة اجتماعية عربية تهتم بالقضايا التي تضرب المجتمعات العربية والأمراض الاجتماعية العالمية التي تمس الانسان العربي، لأن البيئة العربية تختلف عن الغربية، كما أن لكل مجتمع خصوصيته، كما أن تبيئة الحلول الغربية هو حل يحمل فنائه في ذاته، وقد فشلت جميع المحاولات التي دعت الى ضرورة اقتباس جهاز المفاهيم والمناهج الغربية، ومحاولة تلبيسها في التراث العربي، فلكل مجتمع نمط معين من المناهج والحلول، لهذا فالبيئة العربية تحتاج الى نظرة تنطلق من مفاهيمها الخاصة ولاحرج في أن تستفيد من محاولات الآخر، يتساءل بغورة، عما اذا يسعنا مفهوم السياسة الحيوية في صورته الجديدة بما هو مفهوم أساسي في الفلسفة الاجتماعية على فهم طبيعة الدولة في مجتمعاتنا العربية؟ وهل تكفي الدراسة النظرية للمفهوم، أم أن الأمر يتطلب دراسة تجارب اجتماعية وسياسية معينة؟ اذن فلابد من تعزيز النقاش حول الدولة القومية عبر دراسة الفلسفة الاجتماعية لأنها تعانق الواقع والمشكلات الاجتماعية بانواعها، والأحداث التاريخية، مباشرة، ومن الضروري تطبيق هذه الفلسفة على التجارب الاجتماعية، لهذا فقد وضع الباحث السؤال مفتوحا أملا في تجارب عربية أصيلة لمعرفة كيفية انتاج الحياة، وبالتالي تغيير الواقع.

***

د. إيمان عامر – اختصاص فلسفة

.....................

1- الزواوي بغورة، الفلسفة الاجتماعية بحث في مفهومها نظريتها وعلاقاتها، مجلة تبين، العدد 30، الدوحة، سبتمبر 2019، ص 56

2- الزواوي بغورة، الاعتراف من أجل مفهوم جديد للعدل، دراسة في الفلسفة الاجتماعية، ط1، دار الطليعة بيروت، 2012، ص10

3- عامر ايمان، صافي الطاهر، تحليلية السلطة ومظاهرها عند ميشيل فوكو، مجلة البحوث والدراسات الإنسانية، المجلد17، العدد1، سكيكدة، الجزائر، 2023، ص607

4- الزواوي بغورة، الفلسفة الاجتماعية بحث في مفهومها نظريتها وعلاقاتها، مصدر سابق، ص 62

5-عامر ايمان، الزواوي بغورة الجسد والمرض والعنصرية في النظام الدولي الجديد، جريدة الأخبار، بيروت، 20 ماي 2023

6- الزواوي بغورة، السياسة الحيوية من منظور الفلسفة الاجتماعية، ط1، دار سؤال، بيروت، 2022، ص، ص 15، 16

7- المصدر نفسه، ص56، 57

8- المصدر نفسه، ص 9

9- الزواوي بغورة، السياسة الحيوية من منظور الفلسفة الاجتماعية، مصدر سابق، ص 319

إن لمفهوم الصفر جذور فلسفية قديمة، حيث يعود تاريخ إستخدام الصفر الى الحضارات القديمة، كالحضارة الهندية والصينية وحضارة وادي الرافدين، والحضارة اليونانية، وفي البداية لم يمثل الصفر قيمة عددية، بل كان يمثل فاصلة أو فراغ، وإستخدم شعوب الحضارات القديمة الصفر كمرادف لمفهوم الفراغ، او اللاشيء في مقابل الشيء، حيث كان الصفر في البداية يُستخدم للإشارة الى الفراغ، أو عدم وجود رقم، ولكن في القرن السابع الميلادي قام العالم الهندي (براهماغوبتا) بتطوير الصفر كقيمة رياضية، وبعد ذلك قام العالم المسلم (الخوارزمي) في القرن التاسع الميلادي بتطوير مفهوم الصفر، وتطبيقه في الرياضيات، ولقد كتب الخوارزمي رسالة عن (الحساب بالأرقام الهندية)، بَيّن فيها استخدامات الصفر، ومنها تعرّف الغرب على النظام الحسابي العربي (النظام العُشري)، الذي عُرف بنظام الأرقام الخوارزمية نسبة إليه، حيث إستخدم الخوارزمي (الرقم صفر) كقيمة رياضية مهمة في الحسابات والعمليات الرياضية، ومن ثم إنتشرت مساهماته فيما بعد في كل أرجاء العالم.

 لقد أرسى الفهم الفلسفي لمفهوم الفراغ أو العدم البنية الأساسية للربط بين الظواهر وإعتماد العدد صفر في الحسابات، وبمرور الوقت أصبح الصفر يُستخدم كرمز عددي في الرياضيات، وكمفهوم فلسفي في الفلسفة.

إن الصفر في الرياضيات يُعتبر قيمة مهمة سواء في الحسابات أو العمليات الرياضية، حيث يُستخدم الصفر كقيمة أساسية في النظام العُشري، والعمليات الحسابية، مثل الجمع والطرح والضرب والقسمة، كما يستخدم الصفر في الجبر والهندسة والتحليل الرياضي.

والصفر في الفيزياء يعتبر مفهوما مهماً في دراسة الكتلة والطاقة، حيث يُستخدم الصفر للإشارة الى عدم وجود الطاقة والكتلة، ولكن في نفس الوقت، يمثل الصفر قيمة مهمة في العمليات الفيزيائية، مثل التفاعلات النووية والتحولات الطاقية. 

يمارس مفهوم الصفر دورا فعالا في الحوسبة الحديثة، حيث بلغ تطور الصفر ذروته من خلال دوره المحوري في عالمنا الرقمي اليوم، وأحدث الصفر تحولاً جذرياً في الفكر البشري والمجتمع، وتعتبر إسهامات الصفر في الرياضيات والفيزياء والعالم الرقمي، إسهامات جوهرية لاتزال أصدائها تتردد في عالمنا المعاصر، مما يبرز الأهمية البالغة لهذا العدد الذي يبدو بسيطاً ولكن دوره يعد أساسياً في كل المجالات.

رؤية فلسفية لمفهوم الصفر

إن القيمة الفلسفية للصفر، هي ليست في مايمثله هذا الرقم في عالم الرياضيات فحسب، بل في مايمثله أيضاً في الفلسفة، حيث يبرز من خلال العدم معنى الوجود، كمفهوم أساسي بين المعنى واللامعنى، وبين ماهو مادي وغير مادي، وبين ماهو موجود بشكل فعلي وماهو غير موجود.

الصفر في الفلسفة يمثل رمزاً وإشارة لمفهوم اللاشيء، او العدم في مقابل الشيء، وقد تم إستخدامه من قِبل الفلاسفة كمفهوم فلسفي مهم، يمثل(اللا شيء)، أو(عدم الوجود)، في مقابل (الشيء)، أو الوجود، ويُمثل الصفر نقطة البداية للعديد من النظريات الفلسفية حول الوجود، واللاوجود (العدم).

لقد تم إستخدام الصفر كمفهوم فلسفي في الفلسفات القديمة والحديثة والمعاصرة، وتعتبر قيمة الصفر كمفهوم فلسفي نقطة بداية للعديد من النظريات الفلسفية حول الوجود والعدم، والشيء واللاشيء، من حيث المعنى المادى وغير المادي، من خلال المعنى الرمزي الذي يمثله، فعلى سبيل المثال ناقش آرسطو مفهوم الصفر كرمز غير مادي يعبر عن اللاشيء، أو عدم الوجود، وقد إعتبر آرسطو أن الصفر هو عدم وجود الشيء، وليس شيئاً بحد ذاته، ويمثل الصفر في الفلسفة البوذية اللاشيء أو عدم الوجود، وهو ليس مجرد غياب كمي، بل هو مفهوم جوهري، كانوا يرون فيه حقيقة أساسية للواقع، مما مهد لظهوره كرمز رياضي في الهند القديمة، حيث يُنظر إليه كأداة لفهم اللاشيء، وكحقيقة لا كفراغ وجودي، وإن الفرق بين الصفر الرياضي واللاشيء، هو إن الصفر الرياضي في الرياضيات عبارة عن نقطة مرجعية، يمثل غياب الكمية أو حالة الحياد بين الموجب والسالب، و له خصائص وقواعد، بينما الفراغ البوذي (شونياتا) ليس مجرد غياب، بل هو فراغية الظواهر، وعدم وجود جوهر ثابت لها، وهو فهم يتجاوز مجرد غياب العدد إلى فهم طبيعة الوجود نفسه، وناقش الفيلسوف (مارتن هايدجر) في كتابه (الكينونة والزمان)، مفهوم اللاشيء أو عدم الوجود، كمرادف للصفر، من حيث المفهوم والمعنى والقيمة الفلسفية، حيث إستند الى مفهوم العدم في فهم الوجود، فالصفر عند هايدجر ليس غيابًا للعدد، بل هو تعبير عن العدم المرتبط بالوجود الإنساني (الدزاين)، ولا يجب أن ننسى أن الفيلسوف (ألبير كامو) ناقش مفهوم اللاشيء أو العدم في فلسفته، وقد ربط بين العبثية والعدم، حيث يعتبر كامو ان الإنسان يعيش في ظل اللاوجود والعدم، وأن الحياة هي سلسلة من الأحداث العبثية، وأن الإنسان يجب أن يتقبل العدم، ويجد معنى لحياته من خلال هذا التقبل، وبالتالي فإن تقبل العدم عند كامو هو أساس الإستمرار.

لقد تم إستخدام مفهوم الصفر فلسفياً من قبل الفلاسفة على مر التاريخ، من خلال رؤية فلسفية تدمج بين الوجود واللاوجود، ويمكن إعتبار الصفر كقيمة رياضية مهمة في الحسابات والعمليات الرياضية والفلسفية على حدٍ سواء، حيث يمثل الصفر رمزاً للفراغ او العدم واللا شيء، والتضاد بين الوجود واللاوجود، ويمثل مفهوم الصفرمادة دسمة لمعظم المذاهب الفلسفية القديمة والحديثة والمعاصرة، حيث إنه يجعل من الصفر مفهوما فلسفياً مهما في تاريخ الفكر البشري، فمن خلال الصفر تشكلت مفاهيم فلسفية مثل الوجود والعدم، والشيء واللاشيء، وإذا تسائلنا لماذا الصفر مهم الى هذه الدرجة في العلم والفلسفة وفي حياتنا، يكون الجواب عبارة عن مجموعة من النظريات والمفاهيم الرياضية والعلمية والفلسفية التي حاولت من خلال معرفة قيمة الصفر أن تبحث في قيمة الوجود، فمن خلال معرفة العدم تتشكل قيمة الوجود، ونستطيع أن نقول ان أهمية الصفر تتمثل في تجلي الوجود من خلال إدراك العدم، فما بين يقين الوجود و حتمية العدم، هنالك الصفر يشكل مرحلة التحول بين الشيء واللا شيء.

***

شيماء هماوندي

والتحول نحو النموذج البيولوجي - الثقافي

 يُعَد التدين، بصفته ظاهرة إنسانية شاملة عابرة للثقافات والأزمان، إحدى أعقد المعضلات التي تواجه النظرية التطورية الحديثة. فمن منظور دارويني كلاسيكي قائم على حسابات "التكلفة والعائد"، يبدو الدين وكأنه "شذوذ" بيولوجي؛ إذ يستهلك موارد هائلة من الوقت والطاقة، ويفرض قيوداً سلوكية صارمة (كالصيام، والتبتل، والتضحية بالموارد)، وغالباً ما يعرّض الأفراد لمخاطر شتى دون تقديم مكاسب بقائية فورية وملموسة توازي هذه التكاليف. والسؤال هنا: إذا كان التطور يعمل بآلية "الانتخاب الطبيعي" التي تُبقي السمات المفيدة وتستبعد السمات الضارة أو المكلفة بلا طائل، فكيف نجح الدين في الصمود والاستمرار عبر عشرات الآلاف من السنين في كافة المجتمعات البشرية؟

هيمنة "النموذج المعياري": الدين كنتوء ثانوي

تستند النظرية القائلة بأن الدين ليس تكيفاً تطورياً، بل نتاج عرضي، إلى استعارة معمارية شهيرة صاغها عالما الأحياء التطورية "ستيفن جاي غولد" و"ريتشارد ليوونتين" في ورقتهما البحثية المفصلية "نتوءات سان ماركو". في العمارة البيزنطية، "النتوء" هو تلك المساحة المثلثة التي تتشكل حتماً كضرورة هندسية عند تحميل قبة دائرية على أقواس مربعة. لم يصمم المعماري هذه المساحة لغرض الرسم عليها ابتداءً، لكنها نشأت كضرورة إنشائية، ومِن ثَمَّ استُغلت لاحقاً لوضع الزخارف.

في السياق التطوري، يجادل أنصار هذا التوجه - وعلى رأسهم "باسكال بوير" و"سكوت أتران" - بأن الدين يشبه هذه النتوءات؛ فالعقل البشري لم يتطور "ليتدين"، بل تطور لحل مشاكل البقاء في بيئة الأسلاف (مثل تجنب الحيوانات المفترسة، وفهم العلاقات الاجتماعية، واستخدام الأدوات). وعليه، فإن هذه الضغوط التطورية أنتجت آليات معرفية محددة، وما التدين إلا نتيجة عرضية لتفاعل هذه الآليات أو لفرط نشاطها.

جهاز كشف الوكالة مفرط النشاط

يعتبر "جهاز كشف الفاعلية" ركناً أساسياً في النموذج المعياري، حيث تشير النظرية إلى أن عقل الإنسان تطور ليكون متحيزاً نحو الحذر المفرط. في حياة الغابة قديماً، كان ارتكاب خطأ "الإيجاب الكاذب" (أي الظن بوجود خطر غير موجود) أفضل للنجاة من "السلب الكاذب" (تجاهل خطر حقيقي). فإذا سمع الإنسان صوتاً خافتاً، فإن الهروب مفترضاً وجود نمر حتى لو كان الصوت مجرد ريح، هو خيار آمن قليل التكلفة. أما الاطمئنان واعتبار الصوت ريحاً بينما هو نمر متربص، فهو خطأ قاتل لا فرصة لتداركه.

وفقاً لهذه النظرية، فإن هذا الجهاز مفرط الحساسية يجعل البشر يميلون لنسب الظواهر الطبيعية الغامضة (كالرعد، أو الأمراض، أو حتى الحظ) إلى "وكلاء" غير مرئيين (آلهة، أرواح، جن). وبهذا المعنى، يكون الدين نتيجة حتمية لنظام إنذار تطور لضمان البقاء الجسدي، لكنه "أخطأ الهدف" في البيئات المعقدة معرفياً. ومع ذلك، تواجه هذه الفرضية انتقادات حديثة تشير إلى نقص الأدلة التجريبية المباشرة التي تربط بين الحساسية الحسية للوكالة وبين اعتناق المعتقدات اللاهوتية المعقدة، مما دفع البعض لاقتراح نماذج بديلة تعتمد على "المعالجة التنبئية".

نظرية العقل والتشخيص

تُشكل 'نظرية العقل' الركيزة الثانية للنموذج المعياري، وهي قدرة بشرية متطورة تتيح استنتاج الحالات الذهنية للآخرين (كالنوايا، والرغبات، والمعتقدات)، مما يجعلها ضرورة حتمية للتفاعل الاجتماعي المعقد. وفي هذا الإطار، يجادل تفسير 'النتوء الثانوي' (أو المنتج العرضي) بأن الدين ينشأ نتيجة لتطبيق هذه القدرة خارج سياقها البيولوجي المألوف؛ إذ يميل البشر إلى إسقاط مبادئ 'علم النفس الشعبي' على العالم الطبيعي، متصورين أن للكون وعياً ونيات، وهو ما يمهد الطريق لتبلور فكرة الآلهة باعتبارها 'عقولاً غير مجسدة".'

المفاهيم الأقل تناقضاً مع الحدس

يشرح "باسكال بوير" نجاح الأفكار الدينية وانتشارها عبر مفهوم "الحد الأدنى من التناقض مع الحدس". تميل الذاكرة البشرية لتخزين واسترجاع المفاهيم التي تلتزم بمعظم التوقعات الواقعية (مثل أن الشخص لديه عقل وجسد) لكنها تخرق قاعدة واحدة فقط (مثل شخص لا يموت، أو شجرة تتحدث). الأفكار التي تخرق الكثير من القواعد تبدو غريبة جداً ولا تُصدق، والأفكار التي لا تخرق أي قاعدة تبدو عادية ومملة. تقع الآلهة والأرواح في هذه "المنطقة الذهبية" الوسطى، مما يجعلها "فيروسات عقلية" ناجحة جداً في الاستحواذ على الموارد المعرفية البشرية والانتشار الثقافي، دون أن تكون بالضرورة مفيدة بيولوجياً.

نقد النموذج المعياري: تحدي التكلفة والاستمرار

رغم جاذبية التفسير المعرفي للتدين كنتوء ثانوي، إلا أنه يواجه تحديات جوهرية يبرزها النقاد والتكيفيون، وأهمها "مشكلة التكلفة". فالسمات البيولوجية التي تنشأ كمنتجات عرضية عادة ما تكون محايدة من حيث التكلفة أو ذات تكلفة منخفضة. أما الدين، فمكلف للغاية (وقت، طقوس، قرابين، قيود إنجابية). ووفقاً لمنطق الانتخاب الطبيعي، فإن "النتوء الثانوي" الذي يفرض تكلفة عالية ولا يقدم فائدة تكيفية يجب أن يندثر عبر الزمن. إن استمرار الدين لعشرات الآلاف من السنين يشير إلى أنه قد لا يكون مجرد خطأ معرفي، بل حلاً لمشكلة ما.

البديل التكيفي: الدين كحل لمشاكل العمل الجماعي

في مقابل نظرية النتوء الثانوي، يطرح علماء مثل "ديفيد سلون ويلسون" و"ريتشارد سوسيس" نظرية "التكيف"، التي تجادل بأن الدين نظام متطور وظيفياً لتعزيز بقاء الجماعات البشرية.

أ- الانتقاء الزمري والتماسك الاجتماعي يقدم ديفيد سلون ويلسون في كتابه "كاتدرائية داروين" حجة قوية لإعادة الاعتبار لنظرية "الانتقاء الزمري" الفكرة هي أن التطور لا يعمل فقط على مستوى الجينات الفردية، بل أيضاً على مستوى الجماعات. فالجماعات البشرية التي تبنت أنظمة دينية (تتضمن طقوساً موحدة، ومعايير أخلاقية، وآليات عقاب إلهي) كانت أكثر قدرة على التعاون، وأقل عرضة للتفكك الداخلي، وأكثر كفاءة في الحروب وإدارة الموارد. الدين هنا يعمل كـ "صمغ اجتماعي" يحول الجماعة إلى وحدة تكيفية واحدة تشبه الكائن الحي. تشير الأدلة إلى أن المجتمعات الدينية تظهر معدلات أعلى من "الإيثار النفسي" والتعاون الداخلي، مما يحل مشكلة "تراجيديا المشاع" عبر فرض رقابة غيبية تمنع تقديم المصالح الأنانية على مصلحة الجماعة.

ب- نظرية الإشارة المكلفة تدعم هذه النظرية التفسير التكيفي من خلال معالجة مشكلة "الثقة". في الجماعات الكبيرة، يصعب التمييز بين المتعاونين الصادقين" والمنتفعين بالمجان" الذين يستفيدون من الموارد دون مساهمة. يقترح ريتشارد سوسيس أن الطقوس الدينية الشاقة والمكلفة تعمل كـ "إشارات صادقة" يستحيل تزييفها؛ فالفرد غير المؤمن حقاً لن يدفع هذه التكلفة الباهظة. وقد وجدت دراسات سوسيس على المجتمعات الطوباوية في القرن التاسع عشر أن المجتمعات الدينية التي فرضت طقوساً مكلفة عاشت لفترات أطول (4 أضعاف) مقارنة بالمجتمعات العلمانية، مما يدعم فرضية أن الدين تكيف لتعزيز البقاء الجماعي.

 المقاربة التعددية وتأسيس علم الأعصاب اللاهوتي

للخروج من ثنائية (إما تكيف أو نتوء)، يبرز نموذج "التكيف الثانوي" ويشير إلى السمات التي تطورت لغرض معين (أو بلا غرض) ثم أعيد توظيفها لغرض آخر (كريش الطيور الذي تطور للعزل الحراري ثم استُخدم للطيران).

 تفكيك خرافة "بقعة الإله":

 في بدايات علم الأعصاب اللاهوتي، ساد اعتقاد بوجود "بقعة الإله" في الدماغ، استناداً لملاحظات عن مرضى الصرع الصدغي. إلا أن تقنيات التصوير الحديثة دحضت ذلك؛ فالتدين يعتمد على شبكات عصبية موزعة ومعقدة. هذا الاكتشاف يدعم مبدئياً "النموذج المعياري" (الدين يستعير بنى موجودة مسبقاً)، لكن نمط التفعيل المعقد يشير إلى عملية "تكييف ثانوي" متقنة.

 خاتمة

تؤكد الأدلة العصبية صحة فرضية "النتوء الثانوي" من حيث الأصل (لا يوجد عضو ديني خاص)، وتؤكد في الوقت ذاته صحة فرضية "التكيف" من حيث الوظيفة (تحقيق فوائد نفسية واجتماعية). إن الدين، في جوهره العصبي والتطوري، هو عملية "إعادة تدوير إبداعية"؛ حيث قامت الثقافة البشرية باختراق الشبكات العصبية المتاحة (للخوف، والحب، والتخيل) ودمجها في نظام متماسك يوفر المعنى ويضبط السلوك. وبذلك، يظل الدين واحداً من أقوى استراتيجيات البقاء، ليس لأنه "حقيقي" بالمعنى العلمي المادي، بل لأنه "حقيقي" بالمعنى البراغماتي العصبي: إنه، ببساطة، يعمل...!

***

غالب المسعودي

.........................

المراجع

الدراسات والأوراق البحثية

Pyysiäinen, I., & Hauser, M. (2010). Religion as an Evolutionary Byproduct: A Critique of the Standard Model. The British Journal for the Philosophy of Science. رابط المصدر (Journals.uchicago.edu)

Kapogiannis, D., et al. (2009). Seeking the supernatural: The Interactive Religious Experience Model. Social Neuroscience / Taylor & Francis. رابط المصدر (Tandfonline.com)

الكتب والفصول التعليمية

Exaptations and Spandrels. In Evolutionary Psychology: Exploring Big Questions. KPU Pressbooks. رابط المصدر (KPU.pressbooks.pub)

Boyer, P. Religion Explained. (Summary & Review). Blinkist. رابط المصدر (Blinkist.com)

Religion Explained. MentalHealth.com. رابط المصدر (MentalHealth.com)

مقالات ومناقشات عامة

Religious Belief as Adaptation and as Spandrel. 3 Quarks Daily. رابط المصدر (3quarksdaily.com)

HADD its day: there is no evidence for an inherited hyperactive agency detection device. The Skeptic. رابط المصدر (Skeptic.org.uk)

Discussion: Can someone clearly explain S. J. Gould's paper “The Spandrels of San Marco”? Reddit / r/evolution. رابط المصدر (Reddit.com)

 

حدود التعبير الفلسفي عن التجربة الإنسانية

حين نحاول الإمساك بالتجربة الإنسانية في كثافتها الحية نواجه مفارقة عميقة تجعل اللغة في آن واحد، أداة للكشف وحدا للإخفاء. فهي الوسيط الذي لا يمكن التفكير خارجه، ومع ذلك يعجز عن احتواء ما يتجاوز بنيته الرمزية. لذلك قال فتغنشتاين في خاتمة رسالته المنطقية إن ما لا يمكن الكلام عنه ينبغي الصمت حياله، لا لأن تلك المناطق فارغة بل لأنها ممتلئة إلى حدّ لا تسمح فيه اللغة بالإحاطة. فالصمت هنا ليس غياب المعنى بل فائضه، وليس انقطاع الدلالة بل تخمها. ومن هذه النقطة يبدأ السؤال الفلسفي عن اللغة بوصفها حدا للتجربة وحدا ضدها في آن، إذ ما إن تتحول التجربة إلى قول حتى تفقد شيئا من حدتها الوجودية وتدخل في اقتصاد العلامة الذي يجعل الوجود قابلاً للتمثيل.

اللغة لا تعكس التجربة كما هي، بل تعيد تشكيلها وفق منطقها الداخلي. وحين يقول هايدغر إن اللغة بيت الوجود فإنه لا يقصد أنها مجرد أداة وصف، بل الفضاء الذي يسكن فيه الوجود لكي يصير قابلاً للظهور. غير أن هذا الظهور نفسه مشروط ببنية لغوية تجعل ما يظهر قابلاً للقول لا بالضرورة مطابقا لما هو كائن. هنا تتجلى المسافة الدقيقة بين القول والكينونة؛ فالكلمات لا تمسك الأشياء بل تفتح لها أفقا من المعنى، وهذا الأفق ليس محايدا بل مثقلاً بتاريخ الاستعمال وتراكمات الدلالة وأنماط الرؤية. لذلك فإن التجربة حين تمر عبر اللغة تخضع لتصفية رمزية تفقدها كثيرا من كثافتها المباشرة، غير أن هذه الخسارة هي ما يجعلها قابلة للتشارك والفهم، لأن ما لا يُفقد لا يمكن أن يُقال.

ويمكن فهم أطروحة ميرلو بونتي حين ربط الجسد باللغة بوصفهما نمطين من الظهور. فالجسد يتكلم قبل الكلمات، والتجربة تُعاش قبل أن تُقال، لكن القول ليس مجرد ترجمة لتجربة سابقة، بل إعادة إنتاج لها في مستوى آخر من الوجود. لذلك فالكلام ليس ناقلا محايدا، بل فعل وجودي يغيّر ما ينطقه. حين أقول «أنا أتألم» فإن الألم الذي صار قولا ليس هو الألم الذي كان في صمته الجسدي، بل ألم آخر تشكّل في فضاء الرمزية والتواصل. وهنا كتب بول ريكور أن اللغة لا تعكس العالم بل تفتحه على إمكانات دلالية جديدة.

غير أن هذا الفتح لا يخلو من عنف تأويلي، فاللغة حين تصوغ التجربة تفرض عليها بنية تركيبية ودلالية تجعلها قابلة للفهم وفق قواعد مشتركة. لذلك يكون القول دائما أقل من التجربة وأكثر منها في آن، أقل لأنه لا يبلغ عمق العيش، وأكثر لأنه يضيف أبعادا رمزية لم تكن فيها. ولهذا فإن كل تعبير هو خيانة بالمعنى النبيل، خيانة لما لا يمكن قوله فيما يقال. وعند المتصوفة أن الإشارة أصدق من العبارة، وإن الصمت أبلغ حين يتعلق الأمر بما يتجاوز المدار العادي للمعنى.

ففي تاريخ الفلسفة كان هذا التوتر حاضرا منذ البدايات. أفلاطون حين كتب محاوراته كان واعيا بأن الحقيقة لا تُختزل في نص مكتوب، بل تتطلب حضورا حيا وسجالا نفسيا، ولذلك نُسب إلى سقراط رفضه للكتابة لأنها تجمّد الفكر وتفصله عن سياق التلفظ. ومع ذلك لم يجد أفلاطون بديلا عن اللغة ليبلغ فكره، فكتب وهو يعلم أن ما يُكتب ليس إلا ظلا للفكرة، وهذا الوعي بالمحدودية هو ما يجعل النص الفلسفي فضاءً مفتوحا للتأويل لا مخزنا للحقيقة.

وحين أسس أرسطو المنطق سعى إلى ضبط القول بقواعد تضمن الدقة والتمييز، لكنه كان يعلم أن اللغة الطبيعية تنفلت من قبضة الصياغة الصورية، لأن المعنى يتولد في الاستعمال لا في البنية وحدها. وسيعيد فتغنشتاين المتأخر صياغة ذلك بقوله إن معنى الكلمة هو استعمالها في اللغة. فالتجربة الإنسانية لا تُختزل في تعريفات، بل تتكشف في ممارسات لغوية حية تجعل القول فعلا اجتماعيا قبل أن يكون تمثيلا ذهنيا.

غير أن هذا الطابع التداولي لا يلغي حدود اللغة حين تواجه ما هو فريد وغير قابل للتكرار. فالتجارب الوجودية العميقة، كالألم والحب والموت والدهشة، تقاوم الإدراج في صيغ عامة، ولذلك يبدو وصفها ناقصا بالضرورة. اللغة تعمل عبر التعميم، بينما التجربة تتحدد بالفرادية. من هنا يكون الشعر أحيانا أقرب إلى الإمساك بوميض التجربة من الخطاب المفهومي، لأنه لا يسعى إلى الإحاطة بل إلى الإشارة، ولا إلى التحديد بل إلى الإيحاء، فيغدو أقرب إلى الصمت الناطق.

يشير هايدغر إلى أن الشعر هو اللغة في أصلها، لأن اللغة حين تبلغ أقصى توترها بين القول والصمت تتحول إلى إنصات للوجود لا إلى مجرد لتسميته. الشاعر لا يضع الكلمات فوق الأشياء بل ينصت لما يريد أن يتكلم عبرها. لذلك ليست التجربة الشعرية تزيينا للمعنى، بل انكشافا له في مستوى يتجاوز النثر التقريري.

لكن الفلسفة لا يمكنها الاكتفاء بالإشارة الشعرية، لأنها مطالبة بالتمييز والتحليل. ومع ذلك فإن الفلسفة العميقة واعية بأن المفهوم ليس نهاية المعنى بل بدايته، وأن الفكر الذي يظن أنه أحاط بالتجربة يكون قد قتلها في صرامته. أما برغسون فيرى أن الذكاء يميل إلى تشييء الحركة، بينما الحدس وحده يلامس ديمومة العيش. فاللغة المفهومية تميل إلى تثبيت المتغير، وإلى تحويل الزمن إلى نقاط والحياة إلى حالات، في حين أن التجربة تُعاش كتدفق.

هذا التوتر يجعل الفيلسوف في وضع إشكالي دائم، لأنه يحتاج إلى اللغة ليقول ما لا يقبل القول، وإلى المفهوم ليقبض على ما ينفلت بطبيعته. لذلك فالفلسفة ليست خطابا عن التجربة بل صراعا معها داخل اللغة، سعيا إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من صمت الوجود دون اختزاله في صيغ ميتة. النص الفلسفي العظيم لا يقدم أجوبة نهائية بل يفتح أسئلة لا تنغلق، لأنه يدرك أن الحقيقة لا تُمتلك بل تُسكن.

في التصوف الإسلامي تتخذ مفارقة اللغة والحقيقة صيغةً قصوى. فابن عربي حين يتكلم عن الحقائق الإلهية، لا يلجأ إلى الرمز والاستعارة تزيينا بل ضرورةً إبستمولوجية، لأنه يدرك أن الحقيقة بما هي فيض حضوري، لا تُحاط بعبارات مباشرة ولا تُختزل في مفاهيم. وتُفهم الحكمة الصوفية: «من ذاق عرف، ومن عرف اغترف، ومن اغترف وصف»، بوصفها ترميزا لسلسلة وجودية-معرفية تنتقل فيها الحقيقة من الحضور إلى الوعي، ومن الوعي إلى القول. فالذوق هو تماسٌّ مباشر مع المعنى قبل أن يتشيّأ في صورة، والمعرفة هي استقرار هذا التماس في صورة إدراكية، أما الوصف فليس إلا الأثر اللغوي لما فاض عن التجربة. ولا تأتي اللغة في البدء بل في النهاية، لا باعتبارها وعاء الحقيقة بل باعتبارها ظلَّها. في كل انتقال يُفقد شيء من الكثافة الأصلية، لكن يُكسب في المقابل إمكانَ المشاركة والتداول. فالقول لا يُعادل الذوق ولا يعوّضه، بل يشهد عليه من مسافة بوصفه بقايا تجربة تعذّر على اللغة أن تحتويها كاملة.

لذلك يكون الصمت في هذا السياق علما من نوع آخر، علما يعرف حدوده. وهذا يلتقي مع تيارات فلسفية حديثة رأت في الصمت موقفا معرفيا. فتغنشتاين حين وضع حدودا للغة دعا إلى تواضع الفكر، وإلى الاعتراف بأن العالم أوسع مما نقول عنه، وأن المعنى يشمل ما يمنح الحياة قيمتها لا ما يمكن التحقق منه فقط.

ونفهم علاقة اللغة بالأخلاق والجمال والدين بوصفها مجالات لا تُختزل في أوصاف علمية. ما يهم فيها ليس ما هو بل ما ينبغي أن يكون أو ما يُعاش كقيمة. لذلك فالكلام الأخلاقي موقف، والكلام الديني استجابة، والكلام الجمالي مشاركة في تجربة.

اللغة ليست مجرد أداة في يد الذات، بل بنية تشكل الذات نفسها. الإنسان لا يعيش ثم يتكلم، بل يعيش في الكلام، لأن وعيه بذاته وبالعالم يتوسطه نظام رمزي يحدد رؤيته وشعوره وتفكيره. وكمثال على ذلك تحضرنا أطروحة سابير وورف عن أثر اللغة في الفكر، لا بوصفه حتمية صارمة بل بوصفه فتحا لأفق خاص من الإمكانات الدلالية.

ومع ذلك توجد نواة كونية من التجربة تتجاوز اللغات، لأن البشر يواجهون الولادة والموت والحب والفقد والدهشة في كل مكان. غير أن التعبير عنها يكون دائما ترجمة مشروطة، ولهذا فالحوار بين الثقافات ليس تبادل كلمات بل اقترابا من تجارب عبر وسائط مختلفة. الترجمة فعل فلسفي لأنها تكشف أن المعنى لا يسكن الكلمات بل يتنقل بينها، وأن ما يقاوم النقل الحرفي يحمل كثافة وجودية.

حدود التعبير الفلسفي ليست حدود عجز بل شروط خصوبة، لأنها تذكّر بأن الفكر يعيش في فجوة بين ما يُعاش وما يُقال. لو تطابق القول مع التجربة لانتهى السؤال، لكن السؤال لا ينتهي لأن اللغة لا تستنفد الوجود. الصمت المحيط بالكلمات ليس فراغا بل أفق لما لم يُفكَّر فيه بعد.

تعمّق هذه الفجوة وعينا بأن اللغة فضاء تشكّل. ما نسمّيه وعيا هو في وجوه كثيرة أثر لغوي، لأن الإنسان يعي ذاته عبر سردها. قال ريكور إن الهوية سردية؛ تُحكى ولا تُعطى دفعة واحدة. وما يُحكى ليس ما وقع تماما بل ما صار قابلاً لأن يُقال.

غير أن هذه المصفاة تخضع لقوى الثقافة والسلطة. ما يمكن قوله في زمن ليس هو ما يمكن قوله في آخر. الصمت قد يكون مفروضا بآليات الإقصاء، وقد تكون هناك تجارب لا تجد لغتها لأنها لا تجد اعترافا. وهنا يظهر اهتمام فوكو بما يُقال وما يُمنع من القول بوصفه كاشفا لبنية السلطة.

الصمت قد يكون مقاومة حين تفرض لغة نفسها بوصفها وحيدة. بعض الكوارث تضع اللغة أمام مأزق أخلاقي لأن الكلام عنها قد يحوّلها إلى استهلاك. عندئذ يكون الصمت وقفة احترام أمام ما يفوق التمثيل.

لكن الإنسان لا يستطيع السكنى في الصمت طويلا. التوتر بين القول والصمت بنية دائمة تجعل كل تعبير واعيا بنقصه وكل صمت محمّلا برغبة الكلام. وهذا التوتر يمنح اللغة حيويتها.

الفلسفة مشدودة إلى حدودها لأنها تحاول قول ما يقاوم القول. لغتها تقع بين التقنية والشعر، قادرة على المفهمة دون فقدان الحس بالغامض. لذلك كان الفلاسفة الكبار كتابا كبارا، لأن شكل القول جزء من مضمونه.

الاعتراف بالحدود يمنح القول صدقه. الصمت جزء من الأخلاق الفكرية لأنه يمنع تحويل المفاهيم إلى أصنام. بعض المعاني ينبغي أن تبقى في الظل لكي لا تُبتذل.

ومع ذلك لا تتخلى الفلسفة عن الكلام، لأنها تحفظ السؤال حيّا. كل كلمة تشير إلى ما يتجاوزها، وكل نص يحمل صمته الخاص.

اللغة ليست سجنا للتجربة ولا مرآة لها بل فضاء عبورها. لو بقيت التجربة في صمتها المطلق لبقيت فردية مغلقة، ولو صارت قولا كاملا لفقدت عمقها. بين هذين الحدين يتحرك الوجود الإنساني في توتر خلاق يجعل اللغة في ولادة دائمة، ويجعل الصمت رفيق الكلمات لا نقيضها بل شرط معناها.

وهكذا لا تعود اللغة مجرد أداة نصف بها ما نعيشه، بل تصبح هي نفسها جزءا مما نعيشه، لأن التجربة حين تمر عبر القول لا تُنقل فقط بل تُعاد صياغتها داخل أفق مشترك من المعنى. إن الإنسان لا يملك تجربته إلا بقدر ما يستطيع أن يمنحها شكلًا لغويًا، ومع ذلك يبقى دائمًا شيء يتفلّت، شيء يقيم في ما لا يُقال، في ذلك الصمت الذي يرافق كل كلمة كظلها الخفي. وهذا ما يجعل الوجود الإنساني وجودا مفتوحا على الزيادة، لأن ما لا يُقال اليوم قد يجد لغته غدا، وما يبدو عصيا على التعبير قد يفتح لنفسه مسارب جديدة في القول.

تغدو الفلسفة تمرينا دائما على الإصغاء بقدر ما هي تمرين على الكلام، فهي لا تفرض المعنى على التجربة بل تحاول أن تتهيأ لاستقباله، وأن تصغي إلى ما يريد أن يتجلى عبر الكلمات دون أن يختنق فيها. إن التفلسف الحق ليس امتلاكا للحقيقة بل إقامة عند تخومها، حيث يلتقي القول بالصمت في توتر خلاق، وحيث يصبح الفكر حركة مستمرة بين ما نعرفه وما نشعر به، وبين ما نقوله وما نعجز عن قوله، في رحلة لا تنتهي نحو معنى يظل دائما أبعد بقليل مما نصل إليه.

***

د. حمزة مولخنيف

 

يهدف التفكير النقدي إلى تفسير المعلومات وتحليلها وتقييمها. وهو أداة أساسية للبحث والاستقصاء، وللفهم العميق، ولتحسين موضوعية القرارات. والمفكر النقدي المثالي هو شخص فضولي بطبيعته، واسع الاطلاع، منفتح الذهن، صادق في مواجهة تحيزاته الشخصية، حكيم في إصدار الأحكام، مجتهد في البحث عن المعلومات، ومثابر في السعي لتحقيق نتائج دقيقة. كما يتميز المفكر النقدي بالوضوح في صياغة الأسئلة؛ والقدرة على تنظيم المواضيع المعقدة؛ والمثابرة في الحصول على المعلومات الأساسية؛ والمعقولية في اختيار وتطبيق المعايير؛ والالتزام بالدقة. ويجب ان نكون علي حذر من المفكر النقدي الغير اخلاقي الذي يستخدم قدراته العقليه والتحليليه لتضليل الجمهور، او تشويش الفكر، او عرقله المشاريع .

يتطلب التفكير النقدي حريه الفكر، والموضوعيه، واستخدام كيف ولماذا في تحليل جميع الامور، وتحديد اسباب الموافقه او الرفض، واستكشاف إمكانية وجود تفسيرات بديلة. ويتجنب التفكير النقدي الاعتماد على العواطف والمشاعر، أو اختيار موقف فكري لمجرد أنه أكثر قبولاً لدى الآخرين.

إن التفكير النقدي يعيقه التفكير الثنائي من منظور أبيض وأسود، والاعتقاد بوجود حل واحد فقط، ورفض آراء الآخرين، والموافقة التلقائية على تفكير المجموعة، وآراء أصحاب السلطة دون أي دراسة، والمعتقدات الدينية، والقيم العائلية، والانتماءات القبلية. يتطلب تجاوز هذه العقبات استخدام آليات التفكير النقدي، والتي تشمل: فهم الموضوع ووصفه بموضوعية، والتمييز بين الفكرة الرئيسية والأفكار الفرعية عند دراسة أي موضوع، وترتيب جميع الأفكار المطروحة بطريقة منظمة، وتحديد أسباب دعم الفكرة الرئيسية. من الضروري أيضًا التحقق من دقة المعلومات مع تقييم مصداقية مصدرها، وما إذا كانت الأدلة تدعم الاستنتاج المطروح بشكل قاطع أم أنها مجرد دليل على مستوى عالٍ من الثقة.

ينبغي شرح نتائج التفكير النقدي بأسلوب مقنع وواضح، مع تقديم شرح وافٍ للمنهجية المستخدمة في التوصل إلى هذه النتائج والمراجع التي تم الاستناد إليها. ومن الضروري أيضاً ضمان المصداقية والحيادية التامة. علاوة على ذلك، من المهم القدرة على تعديل التفكير عند اكتشاف معلومات جديدة، أو أخطاء في المنهج التحليلي، أو إغفال معلومات مهمة.

يُعدّ التفكير النقدي ضروريًا عند التعامل مع إجابات الذكاء الاصطناعي لضمان دقتها. لذا، يجب تعزيز الرقابة العلمية والثقافية على مصادر تدريب الذكاء الاصطناعي لمنع انتشار المعلومات المضللة الناتجة عن أخطاء في أنظمة الذكاء الاصطناعي، والتي لا يمكن اكتشافها إلا من قِبل ذوي المعرفة المتعمقة بموضوع البحث، القادرين على التمييز بين المعلومات الصحيحة والخاطئة. كما أن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي يضعف مهارات التفكير النقدي ويؤدي إلى تدهور مهارات البحث والتحليل، بالإضافة إلى خلق فجوة معرفية بين أولئك الذين يمتلكون أدوات الذكاء الاصطناعي وأولئك الذين تم استبعادهم منها، مما يؤدي إلى تعميق عدم المساواة المعرفية بين الدول والفئات الاجتماعية المختلفه.

يُعتبر التفكير النقدي منهجاً أساسياً في التعليم. لم تعد فلسفة التعليم الحديثة تركز على نقل المعلومات فحسب، بل على تنمية العادات الذهنية لخدمة المجتمع، والاهتمام بالصالح العام، وغرس الشعور بالمسؤولية الاجتماعية.

إن التعليم الجيد ينتج عنه المفكر النقدي النابه القادر على طرح الأسئلة بوضوح، وتنظيم المواضيع المعقدة، والمثابرة في اكتساب المعلومات على الرغم من الصعوبات، وممارسة العقلانية والدقة في اختيار وتطبيق المعايير. وقد اشار مارتن لوثر كينج المناضل الأمريكي العظيم في مجال الحقوق المدنية وانهاء التمييز العنصري ضد السّود، الي اهميه التعليم في إنقاذ الإنسان من مستنقع الدعاية، واكتساب القدره علي غربلة الأدلة وتقييمها، وتمييز الحق من الباطل، والواقع من الوهم، والحقائق من الخيال، لأن وظيفة التعليم هي تعليم المرء التفكير العميق وممارسه التفكير النقدي.

ختاماً، يُعدّ التفكير النقدي من أهم المهارات العقليه في العصر الحديث، إذ يمكّن الأفراد من التعامل مع سيل المعلومات بوعي، والتمييز بين الحقيقة والخيال، واتخاذ قرارات مدروسة بناءً على تحليل الأدلة بدلاً من الانجرار وراء العاطفة أو الضغوط الاجتماعية. وهو ضروري لمكافحة التضليل الإعلامي والمعلومات المغلوطة في وسائل الإعلام والفضاء الرقمي.

كما أنه يعزز الإبداع من خلال تمكين الأفراد من النظر إلى المشكلات من زوايا متعددة، ويرتقي بجودة الخطاب العام، وبناء ثقافة نقاشية صحية في المجتمع. علاوة على ذلك، يدعم التفكير النقدي التعلم المتعمق بدلاً من الحفظ عن ظهر قلب، مما يطور مهارات التفكير لدى الطلاب ويعزز استقلاليتهم الفكرية، ويمنعهم من الخضوع للسلطة أو الجماعة دون وعي.

من أقوال الكاتب الروسي العظيم ليو تولستوي، الذي يُعتبر أحد أعظم الكتّاب وأكثرهم تأثيراً على مرّ العصور: "المفكرون الأحرار هم أولئك المستعدون لاستخدام عقولهم دون تحيّز أو خوف لفهم الأمور التي تتعارض مع عاداتهم أو امتيازاتهم أو معتقداتهم. هذه الحالة الذهنية ضرورية للتفكير النقدي.“ وكما قال نعوم تشومسكي، المفكر الأمريكي والناشط السياسي وعالم اللغويات: "لا تأخذوا الأمور كأمر مسلم به. ابدأوا بالتشكيك في أي شيء يعتبر حكمة تقليدية، وكونوا مستعدين لطرح أسئلة حول ما يعتبر أمراً مسلماً به، وحاولوا التفكير النقدي في الأمور بأنفسكم“.

اختتم المقال باقتباس من هوارد زين، المؤرخ والناقد الاجتماعي الأمريكي، حول مسؤولية المثقفين في نشر المعرفة ومنهج التفكير النقدي: "لدينا جميعًا مسؤولية هائلة تتمثل في لفت انتباه الآخرين إلى المعلومات التي لا يملكونها، والي اسلوب التفكير النقدي، وحثهم علي إعادة التفكير في التقاليد والأفكار التي طالما تمسكوا بها“.

***

بقلم استاذ دكتور سامح مرقس

في قلب التفكير الفلسفي المعاصر حول السلطة والمعرفة، يحتل مفهوم المراقبة موقعا مركزيا، ليس بوصفه آلية تقنية لضبط السلوك فحسب، بل باعتباره بنية عميقة تُعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالعالم الاجتماعي الذي ينتمي إليه. فالمراقبة كما تتجلى في المجتمعات الحديثة، لم تعد ممارسة استثنائية أو إجراءً مؤسساتيا محدودا، بل أصبحت شرطا وجوديا يرافق الفرد في تفاصيل حياته اليومية، ويؤثر في وعيه واختياراته وتمثلاته عن نفسه وعن الآخرين. الإنسان المعاصر لا يعيش تحت المراقبة فقط، بل يعيش داخلها ويشارك في إعادة إنتاجها دون وعي مباشر.

حين استعاد ميشيل فوكو نموذج البانوبتيكون الذي اقترحه جيريمي بنثام في أواخر القرن الثامن عشر، لم يكن بصدد تحليل تصميم معماري خاص بالسجون، بل كان يسعى إلى الكشف عن منطق جديد للسلطة الحديثة. يقوم البانوبتيكون على فكرة الرؤية غير المتكافئة، حيث يكون المراقب قادرا على رؤية الجميع، في حين لا يعرف الأفراد إن كانوا خاضعين للمراقبة في اللحظة نفسها. غير أن الأهمية الفلسفية لهذا النموذج لا تكمن في المراقبة الفعلية، بل في أثرها النفسي والمعرفي، لأن الإحساس الدائم بإمكانية الرصد يكفي لإنتاج الانضباط، وجعل الفرد يضبط سلوكه ذاتيا دون تدخل مباشر.

تتحول السلطة من قوة قهرية خارجية إلى قوة داخلية مستبطنة. الفرد لا يُجبر على الطاعة بالقوة، بل يتعلم كيف يراقب نفسه بنفسه، ويقيس أفعاله وفق معايير محددة سلفا. وقد أدرك فوكو أن هذا المنطق لا يقتصر على السجون، بل يمتد إلى مختلف مؤسسات المجتمع الحديث، مثل المدرسة والمصنع والمستشفى والإدارة. في هذه الفضاءات، تُمارَس السلطة عبر المراقبة والتصنيف والتقييم، وإنتاج ذوات منضبطة وقابلة للضبط المستمر.

مع التحول الرقمي، دخلت المراقبة مرحلة جديدة أكثر شمولا وتعقيدا. لم تعد محصورة في مؤسسات مرئية أو فضاءات مادية محددة، بل أصبحت شبكة غير مرئية تحيط بالإنسان في كل لحظة. الفضاء الرقمي بما يتيحه من تفاعل دائم، يُنتج كميات هائلة من البيانات حول الأفراد تشمل تفضيلاتهم وسلوكهم وميولهم وأنماط تفكيرهم. هذه البيانات تُجمع وتُحلل بواسطة خوارزميات ذكية قادرة على استخراج الأنماط السلوكية وبناء التوقعات وتوجيه السلوك بطرق غير مباشرة.

في هذا الطرح، يمكن الحديث عن بانوبتيكون رقمي لا يعتمد على الجدران والأبراج، بل على الخوارزميات والبيانات الضخمة. المراقِب هنا ليس شخصا بعينه، ولا حتى مؤسسة واضحة المعالم، بل نظام تقني معقد يعمل بصمت واستمرار. الإنسان قد يكون مراقَبا دون أن يعرف من يراقبه أو كيف تُستخدم بياناته، أو إلى أي حد يمكن أن تؤثر هذه المراقبة في قراراته ومستقبله. هذا الغموض لا يُضعف السلطة، بل يمنحها فاعلية أكبر، لأن المراقبة تصبح شاملة وغير قابلة للتحديد.

العلاقة بين السلطة والمعرفة والتي تشكل محورا أساسيا في فكر فوكو، تتجلى بوضوح في السياق الرقمي. فكل سلوك إنساني يتحول إلى بيانات، وكل بيانات تُنتج معرفة، وكل معرفة تُعاد توظيفها لإنتاج أشكال جديدة من السلطة. المعرفة هنا ليست محايدة، بل تؤدي وظيفة ضبطية وتوجيهية. الخوارزميات لا تكتفي بتسجيل ما نفعله، بل تسهم في تشكيل ما سنفعله لاحقا، عبر الاقتراح والتصفية وإعادة ترتيب الأولويات وصناعة الأذواق.

هذا الوضع يثير إشكالات فلسفية عميقة حول مفهوم الحرية. فالحرية كما ناقشها فلاسفة الوجود لا تعني غياب القيود، بل الوعي بها والقدرة على التعامل معها. غير أن المراقبة الرقمية تُنتج قيودا غير مرئية تعمل في مستوى أعمق من الوعي المباشر. الإنسان قد يعتقد أنه يختار بحرية، بينما تكون اختياراته قد صيغت مسبقا ضمن إطار خوارزمي يحدد له ما يراه وما يفكر فيه وما يعتبره ممكنا أو مرغوبا.

من منظور اجتماعي، لا يمكن فهم المراقبة الرقمية باعتبارها مجرد تطور تقني محايد. إنها امتداد لشبكات القوة التي رافقت نشأة الدولة الحديثة والاقتصاد الرأسمالي. الفضاء الرقمي ليس مجالا افتراضيا منفصلا عن الواقع، بل فضاء اجتماعي مُنتج، تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والسياسية والثقافية. المنصات الرقمية تعيد تنظيم العلاقات الاجتماعية، وتعيد تعريف مفاهيم الخصوصية والانتماء والفضاء العمومي.

الإنسان داخل هذا الفضاء لا يظهر فقط كمستخدم، بل ككيان قابل للقياس والتصنيف. هويته الرقمية تُختزل في أنماط سلوكية، وتتحول إلى ملف بيانات يُحدَّث باستمرار. هذا التحول يمس جوهر الهوية الإنسانية، لأن التمثيلات الرقمية للفرد قد تؤثر في فرصه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، دون أن يكون له وعي كامل بآليات هذا التأثير. هنا تبرز إشكالات أخلاقية حادة تتعلق بالخصوصية والشفافية وحق الفرد في التحكم في بياناته.

الآثار النفسية للمراقبة الرقمية لا تقل خطورة عن أبعادها الفلسفية. فالإحساس الدائم بالملاحظة يولد نوعا من القلق الوجودي ويعزز الرقابة الذاتية. الفرد يصبح أكثر حذرا في التعبير، وأكثر ميلا إلى الامتثال للمعايير السائدة، خشية التقييم أو الإقصاء. هذا الانضباط لا يُفرض بالقوة، بل يُنتج داخليا، مما يجعله أكثر رسوخا واستمرارية.

يصبح الوعي النقدي شرطا أساسيا للحفاظ على معنى الحرية الإنسانية. فكما أشار يورغن هابرماس، لا تتحقق الحرية إلا داخل فضاء للنقاش العقلاني والنقدي. المراقبة الرقمية إذا لم تُواجَه بوعي فلسفي وأخلاقي، قد تُحوّل الإنسان إلى كائن قابل للتوجيه التلقائي، دون حاجة إلى قسر مباشر. غير أن هذا الوعي نفسه يمكن أن يشكل شكلا من أشكال المقاومة الواعية.

المستقبل الرقمي مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي وتقنيات التنبؤ السلوكي، ينذر بتعميق هذه الإشكالات. فالأنظمة أصبحت قادرة على توقع الرغبات قبل أن تتبلور في وعي الفرد، وعلى التأثير في قراراته دون أن يشعر بذلك. الحرية في العصر الرقمي لم تعد معطى جاهزا، بل مشروعا أخلاقيا ومعرفيا يتطلب وعيا دائما ومساءلة مستمرة.

وإذا كان البعد المعرفي والأخلاقي للمراقبة الرقمية قد كشف عن تحولات عميقة في علاقة الإنسان بذاته، فإن البعد الزمني لهذه المراقبة لا يقل خطورة وتأثيرا. فالمراقبة في صيغتها الكلاسيكية كانت مرتبطة بالحضور الآني، باللحظة التي يُرى فيها الفرد أو يُراقَب. أما في السياق الرقمي فإن الزمن ذاته يخضع لإعادة تشكيل، حيث لا تُراقَب الأفعال فقط، بل يُعاد استحضارها باستمرار عبر الأرشفة الرقمية. كل تصرف وكل تفاعل وكل أثر رقمي يبقى محفوظا وقابلا للاستدعاء والتحليل في أي لحظة، مما يجعل الإنسان يعيش داخل زمن ممتد من المراقبة، لا ينقضي بانقضاء الفعل نفسه. الماضي الرقمي لا يمضي، بل يظل حاضرا بوصفه مادة دائمة للتقييم وإعادة التأويل.

هذا الامتداد الزمني للمراقبة يُنتج شكلا جديدا من الانضباط، حيث لا يراقب الإنسان أفعاله الراهنة فقط، بل يعيد النظر في ماضيه الرقمي، ويتحسب لتأثيره على مستقبله. وهكذا تتداخل المراقبة مع الذاكرة، وتتحول الذاكرة الرقمية إلى أداة سلطة، قادرة على إعادة تصنيف الأفراد وتحديد فرصهم وتوجيه مساراتهم الاجتماعية والمهنية. الإنسان لا يُحاسَب فقط على ما يفعل الآن، بل على ما فعله سابقا، وعلى ما قد يُستنتج من بياناته عن سلوكه المحتمل.

كما أن المراقبة الرقمية تعيد صياغة علاقة الإنسان بجسده. فالجسد الذي كان في تحليلات فوكو موقعا مركزيا لممارسة السلطة والانضباط لم يفقد أهميته، بل أُعيد ترميزه رقميا. البيانات الصحية وتتبع الحركة وأنماط النوم ومؤشرات الأداء الجسدي، كلها تُحوّل الجسد إلى مجموعة من المعطيات القابلة للقياس والتحليل. الجسد لم يعد يُضبط فقط عبر المؤسسات الطبية أو العسكرية، بل عبر تطبيقات وأجهزة يومية تُقدَّم في ظاهرها بوصفها أدوات للعناية بالذات، لكنها تساهم في إدخال الجسد ضمن منظومة مراقبة دقيقة ومستدامة.

تتقاطع المراقبة الرقمية مع منطق الاقتصاد السياسي المعاصر. فالبيانات لم تعد مجرد معلومات، بل أصبحت موردا اقتصاديا بالغ القيمة. الإنسان الرقمي يُنتج البيانات باستمرار، وغالبا دون مقابل مباشر، بينما تُستثمر هذه البيانات في بناء نماذج اقتصادية قائمة على التنبؤ والتوجيه والتأثير. هكذا يصبح الفرد في آن واحد، مستهلكا للمنتجات الرقمية، ومنتِجا غير واعٍ للقيمة التي تقوم عليها هذه المنتجات. المراقبة هنا لا تخدم فقط أغراض الضبط الاجتماعي، بل تُدرج ضمن منطق السوق، حيث تتحول الحياة اليومية ذاتها إلى مادة للربح.

هذا التداخل بين المراقبة والاقتصاد يضيف بعدا سياسيا بالغ الأهمية. فالخوارزميات التي تُحلل السلوك الفردي لا تظل محايدة في المجال السياسي، بل يمكن توظيفها للتأثير في الرأي العام وتوجيه الاختيارات وإعادة تشكيل الفضاء العمومي. النقاش العمومي الذي كان يُفترض أن يقوم على التعدد والحوار، يصبح مفلترا ومُعاد تشكيله وفق منطق الخوارزميات، حيث يُعرض على الأفراد ما يتوافق مع ميولهم السابقة، مما يعمق الاستقطاب ويحدّ من إمكان التفكير النقدي المشترك.

ومع ذلك، فإن المراقبة الرقمية رغم قوتها وانتشارها، لا تلغي تماما إمكان المقاومة. غير أن هذه المقاومة لا يمكن أن تأخذ الشكل الكلاسيكي للمواجهة المباشرة، بل تتطلب وعيا جديدا بطبيعة السلطة ذاتها. فوكو أشار إلى أن حيثما توجد السلطة، توجد إمكانات المقاومة لا خارجها، بل داخل شبكاتها. في السياق الرقمي، يمكن أن تتجسد هذه المقاومة في الوعي النقدي، وفي إعادة التفكير في أنماط الاستخدام وفي المطالبة بالشفافية وفي بناء أخلاقيات رقمية تُعيد الاعتبار للكرامة الإنسانية.

المقاومة هنا ليست فعلا بطوليا معزولا، بل ممارسة يومية معرفية وأخلاقية، تسعى إلى استعادة المعنى الإنساني داخل فضاء يهدد بتحويل الإنسان إلى مجرد ملف بيانات. إنها مقاومة تسعى إلى تحويل المعرفة من أداة للضبط إلى أداة للفهم، وإلى استعادة الفلسفة لدورها النقدي في مساءلة المسلّمات التقنية التي تُقدَّم بوصفها قدرا لا مفر منه.

وتغدو المراقبة الرقمية مرآة تكشف هشاشة الإنسان المعاصر بقدر ما تكشف قوته. فهي تضعه أمام حدود حريته، لكنها تفتح له أيضا إمكان التفكير في هذه الحدود. الإنسان المراقَب ليس مجرد ضحية، بل ذات قادرة، إن امتلكت الوعي على إعادة تعريف علاقتها بالسلطة وبالتقنية وبذاتها. وهنا بالضبط تتجدد الحاجة إلى الفلسفة، لا باعتبارها خطابا تجريديا، بل ممارسة نقدية تساعد الإنسان على فهم شروط وجوده في عالم لم تعد فيه السلطة صاخبة ومرئية، بل هادئة دقيقة ومتغلغلة في أدق تفاصيل الحياة اليومية.

إن الإنسان المراقَب في العصر الرقمي يعيش حالة مزدوجة، مراقَب باستمرار، ومراقب لذاته، عالِما بأن كل فعل قد يُحوّل إلى مادة للمعرفة والسلطة. هذا الواقع يضعه أمام مسؤولية معرفية وأخلاقية عميقة، تتطلب وعيا نقديا بالبيانات والخوارزميات، وقدرة على استثمار هذا الوعي لإعادة إنتاج ذاته بحرية. المراقبة الرقمية بما هي أكثر دقة وشمولا من أي زمن سابق، لا تمحو الحرية الإنسانية، بل تطرحها في سياق جديد، تتقاطع فيه المعرفة والتقنية والاجتماع. وفي هذا الصراع بين الحرية والانضباط والخصوصية والانكشاف، يظهر دور الفلسفة بوصفها أداة لفهم الذات، وإعادة بناء الفضاء العمومي ومساءلة السلطة. ويبقى الاختيار الفلسفي والمعرفي للأفراد هو ما يحدد شكل الإنسان في العالم الرقمي، بين الاستسلام والوعي وبين الانضباط الذاتي والحرية المسؤولة، وبين أن يكون مراقَبا فقط، أو أن يكون واعيا لمراقبته، فاعلا فيها، ومعيدا تعريفها بما يعزز إنسانيته في ظل شبكة لا تنام من البيانات والخوارزميات.

***

د. حمزة مولخنيف

يشير ماثيو هامرتون أستاذ الفلسفة في جامعة سنغافورة الى ان الحياة التي هي ذات معنى والحياة التي تسير على ما يرام هي ليست نفس الشيء. لو تخيلنا شخصين على فراش الموت. الأول عاش بشكل مريح، محاطا بعائلة محبة وأصدقاء، متمتعا بمتع متنوعة وانجازات طوال حياته. الشخص الثاني كرس نفسه كليا للتصدي الى اللاعدالة، محققا تغيرا اجتماعيا رائعا، ولكن بكلفة شخصية كبيرة. منْ هو الذي عاش حياة أفضل؟

الجواب يعتمد على ما نعنيه بكلمة "افضل". الفلاسفة منذ وقت طويل اعترفوا اننا عندما نسمي الحياة "جيدة" نعني مختلف الأشياء. لذا نحن ربما نتحدث عن الخير الأخلاقي للحياة – الى أي مدى كان الشخص فاضلا – او جودتها للفرد - الى أي مدى كانت الحياة جيدة للشخص الذي عاشها. لكن هناك بُعد ثالث أحيانا نتجاهله وهو كم كانت الحياة ذات معنى. هذا يعطينا ثلاثة أسئلة مختلفة يمكننا طرحها حول أي حياة:

أولا: هل كانت الحياة جيدة من الناحية الأخلاقية؟

ثانيا: هل سارت الأمور جيدا للشخص الذي عاشها؟

ثالثا: هل هي حياة ذات معنى؟

هذه الأسئلة تسير باتجاهات مختلفة. الحياة المثالية أخلاقيا ربما تستلزم معاناة لأجل الاخرين، مما يجعلها أقل عناية بالذات. الحياة ذات معنى ربما تتطلب أيضا تضحيات تقلل من الرفاهية الشخصية. ان فهم هذه التوترات يساعدنا في التنقل بين خياراتنا حول الكيفية التي نعيش بها.

هل المعنى ليس الاّ رفاهية متنكرة؟

هنا يصبح الموضوع مثير فلسفيا. عندما نختبر الأشياء التي تجعل الحياة ذات معنى، نحن نجد تشابها ملفتا مع الأشياء التي تجعل الحياة تسير بشكل جيد. نظريات كل من المعنى والرفاهية تأتي في أنواع ذاتية تجذب خيرات متداخلة مثل الحب، المعرفة، الإنجاز، التجارب الجمالية. هذا يثير سؤالا غير مريح: هل "المعنى في الحياة" فقط طريقة أخرى للحديث عن الرفاهية؟ عندما يشكو شخص ما ان حياته تفتقر الى معنى، هو في الحقيقة فقط يقول انه يفتقر الى عنصر مهم للرفاهية.

لننظر بأوجه التشابه. النظريات الذاتية للرفاهية تقول ان حياتك تسير على ما يرام عندما انت راض، رغباتك متحققة، او انت تمارس المتعة. بعض نظريات المعنى تطرح ادعاءات مشابهه حول الهدفية. النظريات الموضوعية للرفاهية تشير الى الخير مثل المعرفة والحب والانجاز كونها ثمينة للشخص الذي يمتلكها. نظريات المعنى تشير بالضبط الى نفس الخيرات كمصدر لأهمية الحياة.

هذا التشابه محير. اذا كان المعنى والرفاهية حقا متميزين، لماذا تبدو نظرياتهما متشابهة جدا؟ اكثر التوضيحات هي انهما في الحقيقة نفس الشيء – أي "المعنى" هو فقط طريقة انيقة للحديث عن مظاهر معينة للرفاهية.

ثلاثة دفاعات فاشلة

حاول الفلاسفة طرح عدة استراتيجيات للحفاظ على المعنى كصنف متميز لكن لم ينجح أي منها.

الاستراتيجية الأولى: مختلف أنواع الخير

يرى البعض ان الرفاهية تتعلق فقط بخيرات ذاتية مثل المتعة، بينما المعنى يتعلق فقط بخيرات موضوعية مثل الإنجاز. لكن هذا يبدو لا يمكن الدفاع عنه. اذا انت تعترف ان الإنجاز ثمين، اليس من السيء ان تفتقر حياتك له؟

الاستراتيجية الثانية: المتعة لا تهم بالنسبة للمعنى

اتجاه آخر يدّعي انه بينما تساهم المتعة بالرفاهية، فهي لا تساهم ابدا بشكل مباشر بالمعنى. قارن بين حياتين كسولتين متساويتين تشاهدان مسلسلات كوميدية وتأكلان طعاما بلا قيمة غذائية. افرض ان احدى الحياتين ممتعة اكثر من الأخرى. من منظور الرفاهية، الحياة الأكثر متعة تبدو أحسن للعيش. لكن من منظور المعنى، كلا الحياتين تبدوان بلا معنى. ان المشكلة هنا هي انه حتى لو كان هذا الجدال صالحا، فهو فقط يبيّن ان المعنى يختلف عن مظاهر الرفاهية المتصلة بالمتعة. العناصر الغير مرتبطة بالمتعة لاتزال تتداخل كليا، وبهذا يكون "المعنى" فقط طريقة مؤدبة للحديث عن تلك المظاهر الأخرى للرفاهية.

الاستراتيجية الثالثة: مختلف النتائج

البعض يجادل ان أشياء معينة تضيف معنى بدون تعزيز الرفاهية. لننظر في المكافح لأجل الحرية الذي يموت شامخا لأجل الاستقلال. تضحياته تبدو ذات معنى عميق، لكن بالتأكيد انه سيكون افضل حالا لو بقي على قيد الحياة ليستمتع بمزيد من خيرات الحياة. او لنتصور فينسيت فان جوخ الذي أضافت آثاره الفنية معنى لحياته بعد موته (مع ان لوحة واحدة فقط بيعت اثناء حياته). كيف يمكن لأي حدث بعد الموت يحسّن الرفاهية الشخصية للفرد؟ هذه الحالات تبين ان المعنى والرفاهية منفصلان. مع ذلك، نظريات الرفاهية يمكن ان تستوعب كلا المثالين. اذا كانت رغبة المدافع عن الحرية التي هي أقوى من رغبته بحياة مريحة وطويلة تدعم قضيته، عندئذ فان نظريات اشباع الرغبة تقول ان التضحية بنفسه تدعم رفاهيته. والنظريات الموضوعية التي تتضمن تميز أخلاقي ستقول ان التضحية البطولية بالذات تعزز بشكل كبير التميز الأخلاقي في حياته أيضا وهكذا تعزز الرفاهية. وبالمثل، لو أراد فان كوخ التقدير لفنه، فان الاعتراف النهائي به أشبع هذه الرغبة حتى بعد وفاته، بينما يمكن للنظريات الموضوعية ان تعتبر تأثيره الفني الدائم إنجازا ساهم الاعتراف به بعد وفاته في إكتماله.

المعنى

هنا اتجاه جديد يحتفظ بالمعنى كشكل متميز حقا عن الرفاهية بينما يوضح التشابهات بينهما. كل من المعنى والرفاهية يبرزان من نفس الخيرات الأساسية – حب، معرفة، انجاز، تميز أخلاقي، تجربة جمالية، وغيرها – لكنهما يختلفان في الكيفية التي تجتمع بها هذه الخيرات لإنتاج قيمة. المقادير ربما ذاتها لكن الوصفات تختلف. بالنسبة للرفاهية، ما يهم ليس فقط الكمية الكلية للأشياء الجيدة في حياتك، وانما أيضا توازنها. انظر شخص ما يصبح قائدا أخلاقيا استثنائيا في جماعته لكنه يمتلك القليل من الوقت لعلاقات شخصية، متابعات فكرية، او تقدير جمالي. الان تصور شخص ما آخر يعيش حياة متكاملة لكن نسبيا حياة غير استثنائية، ينجز نجاحا معتدل في جميع هذه المجالات. حتى لو كلتا الحياتين تحتويان بالضبط على نفس الكمية الكلية للخير، فان الحياة المتوازنة بديهيا تبدو افضل للفرد الذي يعيشها.

نستطيع التفكير أبعد من ذلك: لو تصورنا حياة غير متوازنة ركزت كليا على انجاز فكري يحتوي على 100 وحدة من الخير، مقابل حياة متوازنة جيدا تحتوي على المعرفة، العلاقات، التقدير الجمالي، وتطور أخلاقي تشكل بمجموعها 98 وحدة. رغم ان الحياة المتوازنة تمتلك القليل نسبيا من الخير الكلي، ألا تزال افضل للفرد الذي يعيشها؟

بالنسبة للمعنى، التوازن يبدو غير ملائم. ما يجعل الحياة ذات معنى في ظل هذه الرؤية هو الكمية الهائلة من الخيرات الثمينة التي تحتويها بصرف النظر عن الكيفية التي توزع بها. الخير الكلي الأخلاقي الذي تخلقه حياتك او ترتبط به،هو الأكثر أهمية وتأثيرا، وبهذا يصبح الأكثر معنى. انظر ليوناردو دافنشي الذي شغل كل حياته بالفن والعلم والهندسة والفلسفة بتوازن ملحوظ. الآن قارنهُ بشخص آخر تركز حياته كثيرا على الفيزياء والرياضيات. كلاهما عاش حياة ذات معنى استثنائي لكن دافنشي لم يضف معنى وراء ما قدمه من انجاز كلي. إنجازاته المتكاملة جيدا ربما جعلت حياته أحسن له لكن المعنى جاء من الكمية الهائلة من الخيرات القيّمة التي احتوت عليها حياته.

هذا التمييز يساعد في توضيح الحيوات ذات المعنى المثالي. لو نظرنا الى شخصيات مثل غاندي، ماري كوري، او بيكاسو. جميعهم عاش حياة غير متوازنة، ركزوا بكثافة على نطاق ضيق من الخيرات بدلا من السعي لإنجاز متكامل. المعنى بالنسبة لهم جاء من كميات استثنائية من الخيرات – فضيلة، معرفة، او جمال فني – نالوه ليس من التوازن بين مختلف الخيرات.

مأزق دارون وخيار بارفت

قدم تشارلس دارون توضيحا هاما عن إمكانية انفصال المعنى عن الرفاهية. تركيز ذهن دارون فقط على العمل العلمي قاد الى اكتشافات استثنائية مذهلة منحت حياته معنى هائلا. لكن دارون ذاته ندم لاحقا على خياره، قائلا لبنته انه رغب لو لم يتقوقع ذهنه عبر تجاهل الشعر والاهتمامات الأخرى التي جلبت له البهجة في يوم ما. منْ هو على صواب؟ دارون ام المعجبون به الذين يشيدون بحياته المركزة؟ يمكن القول ان كلاهما على صواب، لكن بطرق مختلفة. من منظور المعنى، خيار دارون كان صحيحا. جهده المركز انتج من الخير الكلي اكبر مما كان يمكن ان يحققه نهج اكثر توازنا. لكن من منظور الرفاهية، تقييم دارون الذاتي ربما صحيح. الحياة الأكثر توازنا، مع اهتمام في البايولوجي وايضا مع مزيد من الوقت للاهتمامات الأخرى، ربما يكون أحسن له شخصيا حتى لو انجز القليل.

انظر أيضا الى الفيلسوف البريطاني ديريك بارفت Derek Parfit (1942-2017)، يمكن القول انه ابرز فيلسوف أخلاقي مؤثر في القرن العشرين. في حياته المبكرة، اظهر بارفيت موهبة استثنائية عبر مجالات متعددة – هو برع اكاديميا، حرر اشهر مجلة للطلاب في أكسفورد، عزف موسيقى الجاز، كتب الشعر، وانخرط في سياسة الطلاب. كان يمكن ان يعيش حياة متغيرة واسعة ثرية الإنجاز. لكن بدلا من ذلك، اختار بارفت التخصص الشديد، ليصبح هوسه الوحيد حول الفلسفة. هو أوقف الاجازات السياحية، تخلى عن اهتماماته الأخرى، وعاش شكلا غريب الاطوار – يقرأ الفلسفة وهو ينظف اسنانه بالفرشاة وحتى انه يأكل نفس الطعام كل يوم لكي يقلل وقت اعداد الطعام – كل ذلك لمضاعفة الوقت الذي يخصصه للفلسفة. في معظم المعايير، هذا الخيار انتج حياة ذات معنى استثنائي – أفكاره الرائدة أعادت تشكيل الفلسفة الأخلاقية، لكن هل كانت أحسن حياة لباريف ذاته؟

العديد من الناس سيجدون شيئا مزعجا حول عيش غير متوازن كهذا، حتى مع علمهم ان ذلك سيسمح لهم بترك بصمة اكبر على العالم. هذا يشير الى انه بينما خيار بارفيت ضاعف المعنى (الخير الكلي المنتج)، لكنه لم يضاعف رفاهيته الشخصية (خير متوازن). هذا النوع من المقايضة برز طوال حياة الانسان، من خيارات العمل المهني الى العلاقات وحتى الهوايات. الخير الكلي (المعنى) او توزيع متوازن بشكل جيد للخيرات (الرفاهية). ان فهم هذا التوتر يساعدنا في عمل قرارات اكثر تعقلا حول كيف ان نعيش.

العيش مع التوتر

 هذا التحليل لا يحل التوتر الأساسي بين المعنى والرفاهية، وانما هو يوضحه. أحيانا هما يصطفان: نحن لانزال بإمكاننا السعي للمعنى وفي نفس الوقت نحافظ على توازن جيد في حياتنا. لكنهما في الغالب ينفصلان فيجبراننا على الاختيار.

الفكرة الأساسية هي ان كلاهما يهم، لكن بطرق مختلفة. المعنى يتحدث الى رغباتنا بعمل تأثير هام، لنرتبط مع او نخلق قيمة حقيقية في العالم، اما الرفاهية تتحدث الى رغبتنا بحياة تسير بشكل جيد لنا كما يعيشها الناس. بعض الناس يفضلون المعنى، يقبلون التكاليف الشخصية لأجل تأثير اكبر. آخرون يفضلون الرفاهية، يبحثون عن حياة ثرية متوازنة حتى لو كان هذا يعني أقل انجاز. لكن لا طرف يبقى اوتوماتيكيا اكثر أهمية من الآخر. معظمنا يتنقل بين هذين القطبين، صانعا مختلف الخيارات في مختلف الأوقات.

ان فهم هذا الفرق سوف لن يحل لغز كيفية العيش، لكنه يساعد في التفكير بوضوح اكثر حول ما نختار من بين تلك. عندما نشعر بالتمزق بين متابعة عواطفنا بكثافة او الحفاظ على التوازن في حياتنا، نحن نشعر بجاذبية المعنى ضد الرفاهية. عندما نتساءل ما اذا كنا نعمل تضحية شخصية لسبب نؤمن به، هنا نحن ربما نوازن المعنى ضد الرفاهية.

هذا التحليل له آثار ملموسة. انه يقترح ان الناس يسألون "ماذا يجب ان أعمل بحياتي؟" هل اختار ضمنا بين نوعين مختلفين من القيمة. هل تريد تعظيم تأثيرك الإيجابي على العالم حتى لو يتطلب هذا التضحية بالتوازن وبالقناعة الشخصية؟ ام انك تريد حياة تسير على ما يرام لك حتى لو يعني هذا أقل إنجازا؟

هناك حكمة في كلا الاتجاهين. الباحث عن المعنى الذي يضحي بالراحة الشخصية لأجل تأثير أكبر يستحق احترامنا واعجابنا. لكن هذا أيضا ينطبق على الشخص الذي يختار حياة متوازنة من انجاز معتدل في عدة ميادين. كلاهما يستجيبان لمصدر حقيقي للقيمة. ربما أعمق بصيرة هنا هي ان السؤال القديم "كيف يجب ان أعيش؟" لا يمتلك جوابا منفردا لأنه في الحقيقة سؤالان: "كيف يمكن ان أعيش بمعنى؟" و "كيف يمكن ان أعيش بشكل جيد؟" أحيانا هما يشيران الى نفس الاتجاه - لكن عندما لا يشيران، نحن يجب ان نختار – وذلك الخيار يكشف أي نوع من القيمة نهتم بها بعمق.

الشيء السار هو ان فهم هذا الخيار يمكن ان يساعدنا في جعله أكثر حكمة، مع وعي كامل بما نحصل عليه وبما نتخلى عنه. في عالم غالبا ما يقدم لنا ثنائيات زائفة، فان تمييز التوتر الحقيقي بين المعنى والرفاهية وشرعية كل منهما ربما هو ذاته شكل من الحكمة.

***

حاتم حميد محسن

المعرفة لا يمكن أن تكون مجرد جمع للحقائق أو تراكم للمعلومات. إنها مسار مستمر من التساؤل والمراجعة، حيث يختبر الفكر حدود إدراكه ويواجه هشاشة اليقين. منذ باشلار الذي رأى في تاريخ العلم سجلا للأخطاء والنقد، وحتى ديكارت الذي جعل الشك شرطا للوعي، يتجلى أن كل معرفة حقيقية تقوم على قدرة العقل على مساءلة ذاته، ومراجعة أدواته ومفاهيمه. في هذا الإطار، يبرز التأويل كفضاء إبستمولوجي يتيح للمعرفة تجاوز الانغلاق على الثوابت، ويحوّل التجربة الفكرية إلى رحلة حيّة بين الذات والعالم، بين السؤال والإجابة، بين الخطأ والفهم.

إن المعرفة، في جوهرها، لا تنفصل عن نقدها. كل علم يظل معلقا في فضاء الشك حين يفقد مرآة مراجعة ذاته. وهو ما لاحظه باشلار عندما أشار إلى أن تاريخ العلم ليس سوى تاريخ أخطاء، تاريخ ملازمة النقد ومداومة المراجعة، حيث لا يتقدم الفكر إلا حين يواجه حدود فهمه ويستكشف ثغرات يقينه. ودون ضوء هذه الملازمة، يتيه العقل في متاهة المينوتور، متوهّما امتلاك الطريق، ومقفلا على سرّه الخاص، بلا مراسلة بين الحقيقة والشاهد.

فالنقد هنا لا ينفي المعرفة، بل يمنحها العمق، يحول الخطأ إلى معلم، والخطيئة إلى نقطة انطلاق. كل مراجعة للعلم، كل تأمل في زواياه المظلمة، هو صدى للحياة نفسها، حيث تصبح المعرفة فعلا حيا، يتحرك بالوعي والتأمل، متواصلا مع ذاته ومع ما هو خارجها، متجاوزا الانغلاق على الثابت، متصلا بالرحلة التي لا تنتهي نحو فهم أوسع وأشد حيادية.

في هذا الفضاء، يصبح الخطأ صديقا، والنقد وسيلة للضوء. كل إشراقة معرفية تولد من مواجهته، وكل تيه في المتاهة يُفضي إلى مسار جديد، حيث العقل يتعرف على ذاته من خلال حدود ما لا يعرفه، ويصبح البحث المستمر عن الحقيقة رحلة أبدية، ليست للامتلاك بل للمعايشة، حيث المعرفة نفسها تتجدد وتتنفس عبر مراجعتها ونقدها.

وفي أفق نظرية المعرفة، حيث تتقاطع الأسئلة المؤسسة مع قلق الفكر المعاصر، يبرز مفهوم التأويل كأحد المفاصل الحاسمة في إعادة التفكير في معنى المعرفة وحدودها وشروط إمكانها. فالتأويل لم يعد مجرّد أداة تفسيرية ملحقة بالفعل المعرفي، وإنما أضحى فضاءً إبستمولوجياً تتداخل فيه اللغة والتاريخ والذات، وتتزعزع داخله ادعاءات اليقين المستقر. ومن هذا المنظور، يتقاطع التأويل مع البراديغمات الثقافية الراهنة التي تعيد مساءلة أسس التفلسف ذاته، وتدفعه إلى مراجعة مسلّماته القديمة.

لقد ظل التصور الكلاسيكي للمعرفة مشدودا إلى ثنائية التجربة والعقل، حيث تُفهم الحقيقة باعتبارها نتيجة مطابقة بين الذهن والواقع، أو ثمرة لاستدلال منطقي قادر على اختراق الظواهر. غير أن هذا التصور سرعان ما اصطدم بحدوده التاريخية والسوسيولوجية، إذ تبيّن أن المعرفة تتشكّل داخل أنساق رمزية وسياقات ثقافية مخصوصة، وأن الفهم لا يتحقق إلا عبر وسائط لغوية وتأويلية تُحمّله آثار الزمن والموقع والذات العارفة.

وعند هذا الحد، يتخذ السؤال الإبستمولوجي طابعا أكثر راديكالية: هل في مقدور الفكر الإنساني أن يبلغ حقائق مطلقة، أم أن أقصى ما يبلغه هو أشكال نسبية من المعنى؟ فمحاولات الإحاطة بطبيعة الزمن أو الوعي تكشف عن مفارقة جوهرية. إذ كلما اقتربنا من الموضوع ازداد انفلاته، وكأن الفكر يواجه نفسه وهو يحاول أن يفكر شروطه الخاصة. فالزمن لا يدرك إلا من خلال آثاره، والوعي لا ينكشف إلا بوصفه تجربة متشظية، عصية على القبض الكلي.

في هذا المجال الرمادي، حيث تتقاطع المعرفة مع الارتياب، يستعيد الشك الفلسفي مكانته التأسيسية. فشك ديكارت لم يكن موقفاً عدميا، بل تمرينا جذريا على مساءلة البداهات، ووعيا بأن كل يقين غير ممتحَن يظل هشا. إن إعلان "أنا أشك، إذن أنا موجود" يؤسس لذات واعية بحدودها، ذات تدرك أن وجودها المعرفي يتحدد بقدرتها على مساءلة ما يبدو بديهيا

هكذا تتبدل صورة المعرفة في أفقها المعاصر، فهي لم تعد وعدا بيقين نهائي، وإنما ممارسة مفتوحة على التعدد والاختلاف. يصبح الفهم سيرورة لا تنتهي، ويغدو التأويل أفقا ضروريا لكل ادعاء بالحقيقة، حيث لا تُمتلك المعاني مرة واحدة، بل تُبنى باستمرار في حركة لا نهائية من القراءة والتأويل وإعادة الفهم.

المعرفة في جوهرها، عملية مستمرة من التوليد والتأمل، لا تستقر إلا في حركة النقد وإعادة التقييم. كل شك، وكل خطأ، يصبح أداة لاكتشاف أعماق الوعي وحدود الفكر، وحيث تتحول الحدود إلى مساحات للحرية والإبداع. فالتأويل يجعل من المعرفة ممارسة لا نهائية، ومسارا متواصلا نحو فهم أوسع وأكثر حيادية.

في النهاية، ليس المهم امتلاك الحقيقة، بل العيش في ضوئها ومراجعتها، لتظل المعرفة نفسها حية، متجددة، ومتصلة بالحياة والذات في كل لحظة من لحظات الفهم.

***

مصطفـــى غَلْمـــان

تحولات الفلسفة الحديثة والعلم المعاصر

يشهد الفكر الإنساني المعاصر منعطفاً إبستمولوجياً حاسماً، يتسم بتصدع الأسس الأنطولوجية والمعرفية التي شيدت عليها الحداثة الغربية صرحها طيلة القرون الثلاثة الماضية. يسعى هذا البحث، عبر قراءة تقاطعية لأحدث الأدبيات العلمية والفلسفية، إلى تبيان كيف أدت كشوفات فيزياء الكم إلى تقويض مفاهيم "الموضوعية المطلقة" و"الحتمية السببية". وبالتوازي، البحث في تفكيك العلوم العصبية لمفهوم "الذات الموحدة" و"الكوجيتو" الديكارتي، واستبدالهما بنماذج بيولوجية موزعة. والانتهاء بدمج رؤى علم النفس التحليلي التي أعادت الاعتبار لـ “اللاوعي" كنقيض لمفهوم "اللوح الفارغ". يخلص البحث إلى اقتراح إطار تفسيري جديد ينتقل بنا من "ثنائية" الجوهر" إلى "أحادية الجانب المزدوج"."

 تشريح النموذج الكلاسيكي وأزمة اليقين

لقد هيمن على المخيال الفلسفي والعلمي الغربي، منذ القرن السابع عشر وحتى نهايات القرن التاسع عشر، براديغم متماسك، وعد الإنسان بالقدرة المطلقة على فهم الكون والسيطرة عليه. لم يكن هذا النموذج مجرد نظريات متناثرة، بل شكّل "نسقاً مضمراً" للتفكير، قام على تقاطع ثلاث مسارات كبرى:

المسار الأنطولوجي (الميكانيكي):

 دشنه نيوتن وغاليليو، حيث الكون آلة ميكانيكية ضخمة، والمادة جوهر صلب، والزمان والمكان حاويات مطلقة. تُوج هذا المسار بفرضية "شيطان لابلاس"؛ ذلك العقل الافتراضي القادر على التنبؤ بحركة الوجود كله لو توفرت له المعطيات الأولية، مما كرس مبدأ "الحتمية الصلبة".

المسار الميتافيزيقي (الذات المتعالية):

 أسسه رينيه ديكارت عبر "الكوجيتو" (أنا أفكر، إذن أنا موجود)، مرسخاً فصلاً أنطولوجياً بين "الجوهر المفكر" (الروح/العقل) و"الجوهر الممتد" (المادة). هذا الفصل منح الإنسان مكانة "المراقب المتعالي" المستقل عن قوانين الطبيعة العمياء.

المسار الإبستمولوجي (المعرفي):

 تنازعته "التجريبية" التي رأت العقل "لوحاً فارغاً"، و"النقدية" التي رأت أن العقل يفرض قوالبه القبلية. وكلاهما افترض وجود "عقلانية عالمية موحدة".

إلا أن الاكتشافات العلمية في القرن العشرين لم تكتفِ بتعديل هذا النموذج، بل قامت بنسفه، واضعةً البشرية أمام "تحول براديغمي" جذري:

انهيار الحتمية المادية:

من اليقين إلى الاحتمال كانت الفيزياء الكلاسيكية تفترض "الواقعية المحلية".

شيطان لابلاس في مواجهة مبدأ الريبة

يرتكز مفهوم الحتمية الكلاسيكي على إمكانية التحديد الدقيق للحالة الفيزيائية. في عام 1927، وجه فيرنر هايزنبرغ ضربة قاصمة لهذا الافتراض عبر "مبدأ الريبة".

ينص المبدأ على استحالة قياس أزواج معينة من الخصائص (الموقع والزخم) بدقة تامة آنياً. التفسير الفلسفي لهذا المبدأ هو الأخطر: "الريبة" ليست ناتجة عن قصور في أدوات القياس (جهل إبستمولوجي)، بل هي خاصية متأصلة في الطبيعة (لا-تحدد أونتولوجي). الجسيم ليس له موقع محدد قبل القياس، بل هو دالة موجية من الاحتمالات. وهذا يعني أن "شيطان لابلاس" مستحيل الوجود، لأن المعلومات التي يحتاجها للتنبؤ بالمستقبل غير موجودة أصلاً في الحاضر قبل أن يتم رصدها. بذلك، سقطت الحتمية الصارمة التي حكمت فلسفة سبينوزا وكانط.

تفكيك الكوجيتو ووهم الذات الحرة

إذا كانت الفيزياء قد زعزعت ثقتنا في "الموضوع" الخارجي، فإن العلوم العصبية شنت هجوماً موازياً على "الذات" الداخلية:

"خطأ ديكارت": العقل المتجسد

بنى ديكارت فلسفته على استقلال العقل عن الجسد. يجادل عالم الأعصاب أنطونيو داماسيو في كتابه خطأ ديكارت بأن هذا الفصل خطأ بيولوجي وفلسفي. أظهرت دراسات التلف الدماغي (مثل حالة إليوت وفينس غيج) أن القدرة على "التعقل" تعتمد كلياً على الأنظمة العاطفية والجسدية. العقل ليس وليس جوهراً مفارقاً، بل هو وظيفة متجسدة. بمعزل عن "الشعور"

 الدماغ المشطور ووهم الوحدة

تحدى كانط شكوك هيوم حول الذات بفرضية "وحدة الإدراك المتعالية". لكن أبحاث روجر سبيري ومايكل غازانيغا على مرضى "الدماغ المشطور “قدمت دليلاً تجريبياً ضد هذه الوحدة.

اكتشف غازانيغا ما سماه "وحدة التأويل" في النصف الأيسر للدماغ، ووظيفتها اختلاق تبريرات وقصص منطقية بأثر رجعي لتفسير سلوكيات صدرت عن عمليات لا واعية. النتيجة الفلسفية:

 شعورنا بأننا "ذات موحدة" هو وهم سردي يخلطه الدماغ للحفاظ على التماسك النفسي.

من الميتافيزيقا إلى البيولوجيا العصبية

وضعت العلوم العصبية مفهوم "الإرادة الحرة" تحت المجهر:

تجارب بنيامين ليبت: أظهرت أن النشاط الدماغي الممهد للحركة يبدأ قبل الوعي بالرغبة في الحركة بمئات المللي ثانية.

الحتمية البيولوجية:

يجادل روبرت سابولسكي بأن السلوك البشري نتاج تراكب معقد من المسببات البيولوجية والبيئية التي لا تترك فجوة لـ “إرادة سحرية"

الإدراك المتجسد:

 يوضح جورج لاكوف ومارك جونسون أن المفاهيم المجردة (كالزمن والأخلاق) هي استعارات مجازية مشتقة من خبرتنا الجسدية-الحركية، مما يقوض المشروع الكانطي لتأسيس عقل خالص ومجرد.

نقد العقلانية: منظور علم النفس التحليلي

بينما فكك العلم المادي الآليات، قام علم النفس التحليلي (مدرسة كارل يونغ) بتفكيك "المعنى"، كاشفاً عن الجذور اللاواعية للعقلانية:

الذات (Self) مقابل الأنا (Ego)

في الفلسفة الكلاسيكية، "الأنا" هي المركز. أما عند يونغ، فالأنا ليست سوى قشرة رقيقة تطفو على محيط اللاوعي. المركز الحقيقي هو "الذات" واللاوعي معاً. ونقد يونغ للعقلانية التنويرية يكمن في تحذيره من "التضخم النفسي"؛ حين تتماهى الأنا مع العقل وتقمع الجانب اللاعقلاني (الظلال)، مما يؤدي لعودة المكبوت بشكل وحشي، كما تجلى في حروب القرن العشرين.

نحو تركيب جديد: فرضية باولي-يونغ ووحدة الواقع

"لعل أعمق نقطة التقاء بين الفيزياء وعلم النفس تتمثل في التعاون الفكري الفريد بين الفيزيائي الحائز على نوبل "فولفغانغ باولي" وعالم النفس "كارل يونغ"." (“غالب المسعودي - تفكيك البراديغمات الكلاسيكية: مقاربة نقدية لتحولات ...”) لقد رأى كلاهما أن انهيار السببية في فيزياء الكم وتشابه النماذج.. في العقل البشري يشيران إلى أصل مشترك.

الإبستمولوجيا التطورية وتطبيع "القبلي":

 في سياق تمهيدي لهذا التركيب، أعاد كونراد لورنتز (1941) تفسير "القبليات" الكانطية (الزمان والمكان) تفسيراً بيولوجياً. فما هو "قبلي" بالنسبة للفرد هو "بعدي" بالنسبة للنوع؛ أي أن جهازنا العصبي تطور ليدرك العالم بهذه الطريقة لخدمة البقاء.

 من الثنائية إلى "أحادية الجانب المزدوج":

ان هذه الرحلة النقدية بفرضية "احادية الجانب المزدوج" يظهر الواقع كعمليات فيزيائية (دماغية) وتارة كخبرة ذاتية (نفسية) لا يعود الإنسان مراقباً مفصولاً عن الطبيعة، بل مشاركاً في صياغة واقع هو جزء لا يتجزأ منه، مما يعيد للوجود وحدته المفقودة بعد قرون من التشظي الديكارتي.

***

غالب المسعودي

........................

المراجع

Bell, J. S. (1964). "On the Einstein Podolsky Rosen paradox". Physics Physique Fizika, 1(3), 195.

Damasio, A. R. (1994). Descartes' Error: Emotion, Reason, and the Human Brain. New York: Putnam.

Gazzaniga, M. S. (2011). Who is in Charge? Free Will and the Science of the Brain. New York: Ecco.

Heisenberg, W. (1927). "Über den anschaulichen Inhalt der quantentheoretischen Kinematik und Mechanik". Zeitschrift für Physik, 43, 172-198. (“HEISENBERG, Werner. - Milestones of Science Books”)

Jung, C. G. (1969). The Archetypes and the Collective Unconscious (Collected Works, Vol. 9, Part 1). Princeton University Press.

Jung, C. G., & Pauli, W. (1955). The Interpretation of Nature and the Psyche. Pantheon Books.

Lakoff, G., & Johnson, M. (1999). "Philosophy in the Flesh: The Embodied Mind and Its Challenge to Western Thought." (“Philosophy in the flesh: the embodied mind and its...”) Basic Books.

Libet, B. (1985). "Unconscious cerebral initiative and the role of conscious will in voluntary action". (“Unconscious cerebral initiative and the role of conscious will in ...”) The Behavioral and Brain Sciences, 8, 529-566.

Lorenz, K. (1941). "Kants Lehre vom Apriorischen im Lichte gegenwärtiger Biologie". Blätter für Deutsche Philosophie, 15, 94-125.

McGinn, C. (1993). Problems in Philosophy: The Limits of Inquiry. Blackwell.

القلق الوجودي يشكل أحد أبرز محاور التفكير الفلسفي الحديث، إذ يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الإنسان وعلاقته بالعالم وموقعه الأخلاقي في الحياة. منذ فلسفة كيركغارد مرورا بالوجوديين أمثال سارتر وكامو، وصولا إلى التحليلات النفسية لفرويد، لم يكن القلق مجرد حالة شعورية عابرة، بل ظاهرة متصلة بالحرية وبالاختيار، وبمسؤولية الإنسان عن ذاته وعن العالم الذي يعيش فيه . وعند هذا الحدّ، يبرز التساؤل الأساسي: هل القلق علامة على مرض نفسي أو خلل في البنية الذاتية، أم أنه شرط ضروري لإمكان الحرية والوعي الأخلاقي؟.

كيركغارد في كتابه "الخوف والارتعاب"، قدم رؤية عميقة للقلق باعتباره تجربة أساسية للوجود الإنساني. القلق وفق هذا الفيلسوف الدنماركي ليس مجرد خوف من أحداث محددة أو تهديدات ملموسة، بل هو إحساس بالاحتمال، باللايقين، وبالمسافة بين الإمكان والواقع. الإنسان في مواجهة هذا الاحتمال يتعرض لحالة من التوتر الوجودي، لكنها ليست بالضرورة حالة مرضية؛ إنها بوابة للإدراك الذاتي وللتحرر من القوالب الجاهزة، بوابة تجعل الفرد واعيا بمسؤوليته وبخياراته وبالأفق الأخلاقي الذي يحدده لنفسه، إذ يظهر القلق كظاهرة أخلاقية قبل أن يكون حالة شعورية مرضية؛ فهو يضع الإنسان أمام نفسه وأمام قراراته وأمام الحرية التي لا يمكن التهرب منها.

سارتر الذي طور الفلسفة الوجودية الفرنسية، يربط بين القلق والحرية بشكل أكثر وضوحا. الحرية عند سارتر ليست مجرد القدرة على التصرف وفق الرغبات أو الرغبات الاجتماعية، بل هي محكّ متصل بالمسؤولية الوجودية، الإنسان "محكوم عليه بالحرية"، بمعنى أنه مضطر لتحمل العواقب الأخلاقية لاختياراته. القلق، هنا، هو الإشارة الدائمة إلى هذه الحرية، إلى الفراغ الذي يتركه عدم اليقين، وإلى اللايقين الأخلاقي الذي يفرضه الوجود. إنه شعور يصيب الفرد عند مواجهة إمكاناته اللامحدودة، عند إدراكه أن كل قرار يترك أثره في ذاته والآخرين. من هذا المنظور، القلق ليس مرضا يجب علاجه، بل أداة للتربية الأخلاقية، ووسيلة لتعميق الوعي الذاتي.

إن الجانب الطبي أو النفسي للقلق الذي ركز عليه فرويد وغيره من علماء النفس، ينظر إلى القلق بوصفه عرضا يحتاج للتخفيف أو العلاج. فرويد اعتبر القلق نتيجة لصراع داخلي بين الرغبات اللاواعية والقيود الواقعية المفروضة على الأنا، بحيث يظل الإنسان في حالة توتر مستمر. إلا أن التحليل الفلسفي يوسع نطاق النظر، فالقلق الوجودي ليس مجرد أعراض صراع داخلي، بل تجربة وجودية تسمح للفرد بأن يلتفت إلى ذاته وأن يعي حدود إمكاناته وأن يواجه مسؤولياته. بمعنى آخر، حتى لو كان القلق شعورا مؤلما، فإنه يمكن أن يكون شرطا لتحقيق الحرية الأخلاقية، شرطا لإدراك الإنسان أن وجوده ليس مسألة طبيعية تلقائية، بل تجربة تتطلب اختيارا واعيا ومواجهة مستمرة للذات.

ويمكن النظر أيضا إلى القلق على أنه اختبار أخلاقي قبل أن يكون شعوريا. الأخلاق هنا لا تعني مجرد الامتثال للقوانين أو الأعراف، بل وعيا بالاختيار وبالمسؤولية وبالتأثير الذي يمارسه الفرد على العالم والآخرين. القلق يجعل الإنسان يواجه نفسه بلا وسائط أو أعذار، ويجعله يعيد تقييم قراراته وأفعاله والقيم التي يعيش وفقها. وبناءً على ذلك، يصبح القلق أداة للاختبار الأخلاقي، أداة للفهم العميق للحرية، ولإدراك أن الحياة ليست مجرد تقليد للآخرين، بل خلق مستمر للذات وللعالم. كما يرى كامو في سياق فلسفته العبثية، أن التمرد على اللامعنى هو ما يمنح الحياة قيمتها. وهنا لا يظهر القلق فقط كتهديد للطمأنينة النفسية، بل كفرصة لخلق معنى يتجاوز العبثية الماثلة في العالم.

من ناحية تاريخية، شهدت المجتمعات الحديثة محاولات لتصنيف القلق كمرض نفسي أو اضطراب، خاصة في الطب النفسي العصري الذي ميّز بين القلق الطبيعي والقلق المرضي. القلق المرضي غالبا ما يظهر في شكل أعراض مستمرة من التوتر، الخوف، أو الوسواس، ويحتاج إلى تدخل علاجي. لكن القلق الوجودي حتى عندما يكون شديدا لا يمثل بالضرورة مرضا؛ إنه مؤشر على وعي الفرد باللامحدودية، على إدراكه لمحدودية تحكمه في الحياة، وعلى قدرته على مواجهة أسئلة المصير والاختيار. الفارق الجوهري هو في التفاعل مع القلق: المرضي يغرق الفرد في التكرار والهلع، أما الوجودي فيحث على إدراك الحرية وعلى التفكير الأخلاقي وعلى صقل الذات.

هذا التمييز يبرز بوضوح في النظرية الأخلاقية للوجوديين. الحرية الأخلاقية لا تتحقق إلا إذا كان الإنسان واعيا بالاختيار قادرا على مواجهة قلقه، واستخدامه كمرشد أخلاقي. والقلق من هذا المنظور، شرط للحرية وليس عائقا لها. إنه يشكّل النقطة التي يبدأ منها الفرد رحلة الصدق مع ذاته، ويصبح قادرا على اتخاذ قرارات تتجاوز الانقياد للروتين أو التقاليد أو الضغوط الاجتماعية. الإنسان الذي يتجاهل قلقه أو يحاول الهروب منه، يفقد جزءا من وعيه الأخلاقي، ويقصر قدرته على أن يكون فاعلا مسؤولا متحررا من قيود التكرار ومتصلا بمسؤوليته الذاتية.

التجربة المعاصرة للقلق تُظهر كذلك أن عالم اليوم، بتعقيداته الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية، يضاعف من فرص مواجهة الإنسان للاضطراب الوجودي. سرعة المعلومات، التشتت، الفوضى الثقافية، والانشغال المستمر تجعل الإنسان يبحث عن الطمأنينة اللحظية، غالبا عبر الانغماس في العمل أو الترفيه، متجاهلا القلق العميق الذي يربطه بمعنى حياته وحرية قراراته. ويظهر الفرق بين القلق المرضي الذي يُكمّل بتجنب التفكير العميق والهروب من الذات، والقلق الأخلاقي الذي يفتح آفاق الوعي ويجعل الفرد قادرا على إعادة تقييم علاقته بالآخرين وبالعالم وبنفسه.

الفلسفة الوجودية إذن، تعلمنا أن القلق ليس مجرد شعور يجب التخلص منه، بل حقيقة إنسانية يجب مواجهتها واستثمارها كوسيلة لتحقيق الحرية والمسؤولية الأخلاقية.

كما أن القلق لا يقتصر على تجربة الفرد فحسب، بل يتجاوزها إلى البعد الاجتماعي. فالإنسان الذي يعيش قلقه بوعيٍ أخلاقي يغدو أكثر قدرة على ممارسة حريته في علاقةٍ واعية بالآخرين، وأكثر إدراكا لأثر قراراته في محيطه، وأشدّ استعدادا لتحمّل المسؤولية الاجتماعية. فالأخلاق لا تنحصر في الباطن الذاتي، بل تتجسّد في علاقة الإنسان بالعالم، وفي قدرته على الفعل بطريقة تعكس وعيه بالآخرين بقدر ما تعكس وعيه بذاته. وعليه، لا يكون القلق عامل انغلاق أو عزلة، بل أفقا لتعميق التفاعل الاجتماعي، وسلوكا أخلاقيا يجعل الحرية الفردية في تناغمٍ خلاق مع مسؤولياتها تجاه المجتمع.

الجانب الأدبي والفني للقلق يكشف أيضا عن بعد آخر من أبعاده الأخلاقية والوجودية. الأدب والفن غالبا ما ينبع من تجربة القلق، ليس بوصفه مرضا، بل كشرط للإبداع، كوسيلة لإعادة صياغة الوعي، وفهم الطبيعة العميقة للوجود. في الأدب الكلاسيكي والمعاصر، تظهر الشخصيات وهي تواجه حالة قلق عميقة، وتنتقل من حالة الخوف إلى حالة إدراك أعمق لحرية خياراتها، ولقدرتها على التأثير على العالم من حولها. هذا الانتقال يعكس ما يمكن تسميته بالتحول الأخلاقي: القلق، بدل أن يكون عائقا، يصبح محفزا للإبداع، للتفكير النقدي وللتصرف الأخلاقي الواعي.

تجربة القلق الوجودي تتداخل مع البعد الزمني للحياة الإنسانية. إنها تجربة مستمرة، لا تبدأ عند لحظة معينة ولا تنتهي بانتهاء حدث معين. القلق يرافق الإنسان في رحلة حياته، يشكّل جزءا من إدراكه للزمن، وللإمكانات المتاحة أمامه، ولحقيقة أن كل لحظة تحمل معها خيارات ومسؤوليات جديدة. الفلاسفة مثل هيجل يرون أن وعي الإنسان يتشكل في التفاعل مع العالم والآخر، والقلق هو مؤشر دائم على هذه العملية، إذ يدفع الفرد إلى إعادة النظر في قراراته ومراجعة مواقفه ومساءلة ذاته.

القلق حين يُفهم بوصفه تجربة وجودية وليس مجرد اضطراب شعوري، يظل مؤشرا على أن الإنسان لم يتخلى عن وعيه بالحرية، ولم يستسلم لجمود الروتين أو الطمأنينة الزائفة. إنه في جوهره اختبار أخلاقي دائم: هل أستسلم لما هو مفروض، أم أواجه اللايقين، وأصنع قراراتي بشكل واعٍ؟.

يصبح القلق بمثابة بوصلة داخلية، تشير إلى المسار الذي يقتضيه الوعي الأخلاقي، إلى حدود الحرية الممكنة وإلى إمكان الإنسان في أن يكون فاعلاً حقيقيا، لا مجرد متلقٍ سلبي للظروف والأحداث. حينها، يمكن فهم القلق كأداة للتمايز بين وجود أعمى وبين وجود واعٍ ومسؤول.

القلق ليس مجرد شعور مؤلم، بل هو حالة تأملية عميقة تتطلب من الإنسان أن يضع نفسه أمام مرايا الوجود. إنها تجربة تحدد العلاقة بين الفرد والآخرين والفرد والعالم، وبين الفرد وذاته الداخلية. فالقلق الوجودي كما يرى سارتر مرتبط بالحس الأخلاقي، لأنه ينبه الإنسان إلى المسؤولية اللامتناهية المرتبطة بالحرية: كل فعل وكل قرار وكل اختيار، يحمل أثره الخاص، ويترك بصمته في العالم وفي تجارب الآخرين. هذا البعد يجعل القلق أداة للفضيلة وأداة لإدراك حدود القدرة الشخصية، وأداة للارتقاء بالوعي الأخلاقي إلى مستوى أعلى من مجرد الامتثال الاجتماعي أو النفسي.

التفاعل مع القلق يتطلب معرفة دقيقة بالفرق بين القلق المرضي والقلق الأخلاقي. القلق المرضي يغرق الإنسان في الخوف والارتباك، ويقوده غالبا إلى الانسحاب أو التهرب من مواجهة الأسئلة العميقة. بينما القلق الأخلاقي الذي ينبع من إدراك الإنسان لحرية خياراته، يحوله إلى قوة دافعة نحو الفعل الواعي. الإنسان الذي يعي قلقه ويقبله كحقيقة وجودية، يصبح قادرا على اتخاذ قرارات صائبة، متسقة مع قيمه ومع فهمه للآخرين، وبالتالي يصبح القلق شرطا أساسيا للحرية الأخلاقية. إنه ليس ثقلا يجب التخلص منه، بل أداة لإعادة بناء الذات بشكل مستمر، ولتأطير القرارات ضمن وعي أخلاقي متجدد.

إن القلق يشكل مرآة تعكس التوازن الداخلي بين الحرية والمسؤولية. الإنسان القلق الذي يعيش تجربته بشكل واعٍ، ليس عالة على المجتمع، ولا عبئا على نفسه، بل يتحول إلى كيان مسؤول قادر على التأثير في محيطه بإيجابية. إن فهم القلق بهذه الطريقة يربطه مباشرة بالبعد الاجتماعي للأخلاق؛ فالقلق الذي يتم التعامل معه بشكل واعٍ يؤدي إلى اتخاذ قرارات تراعي الآخرين وتدرك الأثر المتبادل بين الذات والبيئة وبين الفرد والمجتمع. ويمتد تأثير القلق من المجال الفردي إلى البعد الجماعي، مؤكداً أن الأخلاق والحرية مترابطتان، وأن القلق هو القاعدة التي تجعل هذا الترابط ممكنا.

علاوة على ذلك، يفتح القلق أفقا جديدا للفكر الإبداعي، سواء في الأدب أو الفلسفة أو الفن. فالتاريخ الإنساني مليء بالشواهد على أن التجربة القلقة، حين تُستثمر بشكل واعٍ، تتحول إلى مصدر للإبداع والتأمل العميق. من شكسبير إلى كامو، ومن كيركغارد إلى سارتر، نرى أن القلق كان أداة لإعادة صياغة الوعي وكشف اللامعنى، وإيجاد طرق جديدة للتعبير عن الحرية. الفن والأدب هنا لا يمثلان هروبا من القلق، بل وسيلة لاستثماره، وتحويله إلى فهم أعمق للوجود، وإلى قوة دافعة للفعل الأخلاقي، وإلى إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والعالم.

إن القلق الوجودي يشكل تحديا مضاعفا. لأننا نعيش في عالم سريع، معقد، متشابك، مليء بالمعلومات والاختيارات والفرص التي تبدو لانهائية. هذا الواقع يزيد من إحساس الإنسان باللايقين، ويعزز تجربة القلق، لكنه في الوقت نفسه يوفر فرصا جديدة للحرية الأخلاقية. الإنسان المعاصر الذي يعي قلقه ويستثمره في إعادة تقييم حياته وفي مواجهة المعضلات الأخلاقية، وفي صياغة قراراته بناءً على وعي حقيقي، يحقق بذلك نوعا من الحرية الفعلية، ويؤسس لوعي أخلاقي مستمر، يتجاوز حدود الزمان والمكان، ويتفاعل مع تحديات الواقع بطريقة أكثر عمقا ومسؤولية.

القلق بهذا الشكل يصبح شرطا أساسيا للحرية، إذ لا يمكن لأي وعي أخلاقي كامل أن ينشأ من طمأنينة مطلقة أو غياب للاختبارات الصعبة. الحرية كما يوضح سارتر، لا تتجسد إلا عندما يواجه الإنسان خياراته، عندما يدرك حجم المسؤولية وعندما يشعر بوزن وجوده في العالم. القلق إذن، ليس فقط اختبارا للذات، بل هو مقياس لعمق وصدق الحياة الأخلاقية. كلما ازداد الإنسان وعيا بقلقه، كلما أصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات مسؤولة وعلى مواجهة العبثية، وعلى إنشاء معنى وجوده بطريقة واعية ومتجددة.

الأخلاق المرتبطة بالقلق لا تقتصر على الفرد وحده، بل تمتد لتشمل الآخرين والمجتمع. الإنسان الذي يواجه قلقه بوعي يصبح أكثر قدرة على التعاطف والتفاهم، وعلى اتخاذ خيارات تراعي تأثير أفعاله على الآخرين. القلق في هذا الإطار، ليس شعورا فرديا محصورا في الذات، بل حالة أخلاقية تؤثر على العلاقات الاجتماعية، وتفرض على الإنسان التفكير في أثر قراراته على محيطه، وعلى العلاقات المتبادلة بينه وبين الآخرين. إنه تذكير دائم بأن الحرية الحقيقية لا تتحقق إلا بالمسؤولية، وأن الأخلاق تتشكل من خلال التفاعل الواعي بين الفرد والآخرين.

في مستواه الأعمق، يضع القلق الوجودي الإنسان أمام ضرورة التأمل المستمر في معنى الحياة وفي طبيعة وجوده، وفي حدود إمكاناته. إنه اختبار دائم للوعي وحافز على تعميق الفهم الذاتي، ومصدر لتحفيز التفكير النقدي. فالإنسان الذي يتجاهل قلقه يفقد جزءا من وعيه الأخلاقي، ويغدو أسيرا للروتين أو للتقاليد أو للتلقين الاجتماعي؛ بينما الإنسان الذي يعي هذا القلق ويستثمره يتحول إلى كائن قادر على تحرير ذاته وعلى تحقيق إمكاناته، وعلى صياغة حياته وفق فهم عميق للحرية والمسؤولية.

وبناء على ما سبق، يمكننا أن نخلص إلى أن القلق على الرغم من أنه شعور مؤلم أحيانا، هو شرط ضروري للحرية الأخلاقية ووسيلة للوعي بالذات، وأداة لفهم معنى الحياة في ضوء إمكاناتها ومحدوديتها. إنه ليس مرضا بالمعنى الكامل، ولا خللاً يجب علاجه، بل هو تجربة وجودية أساسية، تجعل الإنسان أكثر قدرة على اتخاذ قرارات صائبة، وأكثر استعدادا لتحمل مسؤولياته، وأكثر وعيا بالأثر الذي يتركه في العالم وفي حياة الآخرين. القلق هنا يتحول إلى معلم ومرشد، وإلى شرط للارتقاء بالوعي الأخلاقي، لا مجرد شعور نفسي يجب التخلص منه.

يصبح القلق الوجودي جسرا بين الإمكان والواقع والفرد والمجتمع وبين الحرية والمسؤولية. إنه يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والعالم، ويؤكد أن كل تجربة للقلق هي فرصة للتفكير وللتأمل وللتحرر من الانقياد الأعمى. القلق إذن، ليس مجرد حالة شعورية ولا مرضا نفسيا يجب التخلص منه، بل شرط أساسي للحرية الأخلاقية، ووسيلة لتحقيق إدراك أعمق للذات وللعالم، وتجربة مركزية تجعل من الإنسان كيانا واعيا مسؤولا ومتصالحا مع حقيقة وجوده.

إن القلق هو أداة الأخلاق في أرقى صورها، وهو شرط الحرية في أصدق تجلياتها. إنه مؤشر على أن الإنسان ما زال واعيا، ما زال يواجه إمكاناته وما زال يتحمل مسؤولياته، وأنه قادر على خلق معنى لحياته في عالم غير مضمون، وفي مواجهة أسئلة مستمرة حول الحرية والاختيار والمسؤولية والوجود. القلق في جوهره، هو علامة على حضور الذات، وعلى وعي الإنسان بالحرية، وعلى إمكانية تحقيق الأخلاق في أعمق مستوياتها، وهو بذلك ليس عائقا، بل بوابة لتجربة الإنسان الأكثر أصالة وصدقا.

***

د. حمزة مولخنيف

كيف يُعاد تشكيل الوعي في المجتمعات المعاصرة؟

أصبح من الصعب تصور الوعي البشري في وقتنا هذا بمعزل عن القوى المؤثرة التي تشكله، سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أم تقنية. فالوعي لم يعد ظاهرة طبيعية تتشكل وفق الخبرة الفردية والتأمل الذاتي فقط، بل أصبح خاضعا لشبكات معقدة من المعرفة والسلطة والتقنية، حيث تتداخل هذه القوى لتعيد إنتاج الواقع الاجتماعي والفكري. إن فهم هذه العلاقة يتطلب تجاوز النظر إلى المعرفة كموضوع ثابت، والاعتراف بأن كل معرفة تحمل في طياتها إمكانيات القوة والسيطرة، كما أشار ميشيل فوكو حين قال: "السلطة ليست مجرد تقييد أو إكراه، بل هي إنتاج للمعرفة، وتحديد لما يُعتبر حقيقة". في ضوء هذا التصور، لا تعود المعرفة مجرد أداة لتفسير العالم وفهمه، بل تتحول إلى آلية للهيمنة وتوجيه الوعي والتحكم في تمثلات الأفراد والجماعات وإدراكاتهم. حيث تلعب التقنية دور الوسيط الأساسي بين المعرفة والسلطة، فهي لا تقتصر على كونها أداة لنقل المعلومات، بل تتحول إلى جهاز يعيد صياغة المحتوى المعرفي وتوجيه الانتباه الفردي والجماعي. هانز مورافياك أشار إلى أن "الأدوات التي نستخدمها لتوسيع قدراتنا المعرفية ليست محايدة، بل تمثل نمطا محددا من التفكير يفرض نفسه على المستخدم". هذا الواقع يتجلى بوضوح في استخدام الخوارزميات التي تتحكم في ترتيب الأخبار والمحتوى على شبكات التواصل الاجتماعي، إذ تحدد هذه الخوارزميات ما يصل إلى وعي المستخدم وما يُستبعد منه، وتعيد إنتاج أنماط التفكير والسلوك الجمعي وفق منطق تقني خاضع للمعايير الاقتصادية والسياسية. وهنا يبرز السؤال الفلسفي: كيف يمكن للوعي أن يظل مستقلاً في مجتمع تُسيطر فيه التقنية على إنتاج المعرفة، وتتشابك فيها السلطة السياسية والاجتماعية لإعادة تشكيل تصورات الأفراد وسلوكياتهم؟.

لا يقتصر التأثير على المحتوى المعلوماتي فحسب، بل يتعداه إلى تشكيل إدراك الإنسان للعالم والذات. الشبكات الاجتماعية، والخوارزميات التي تديرها، تفرض أنماطا من الانتباه والاعتماد النفسي، بحيث يصبح الفرد غير واعٍ تماما للتأثيرات التي يمارسها النظام الرقمي على إدراكه. هنا تتجلى نظرية فوكو حول السلطة والمعرفة في أبعادها الرقمية، إذ تتحول المعرفة إلى قوة لا يقتصر تأثيرها على ما يُعرف، بل على كيفية الإحساس والمعاملة والتفاعل مع الواقع. ويصبح الوعي الجمعي ساحة صراع مستمر بين قوى متعددة تحاول توجيه المعلومات، وتشكيل الأولويات، وتحديد ما هو مهم وما هو هامشي.

إذا تأملنا، نجد أن إعادة إنتاج الوعي في هذا السياق تخضع لثنائية مزدوجة: أولاً، هناك ضغط معرفي لتحديد ما يُعتبر حقيقة وما يُعتبر وهما أو تضليلا، وثانياً، هناك ضغط تقني لتوجيه الانتباه وتشكيل الانفعالات والممارسات. هربرت ماركوزه وصف هذا التحكم الحديث بأنه لا يعتمد على القهر المباشر فقط، بل على القدرة على تشكيل الاحتياجات والرغبات والعواطف، مما يجعل إعادة تشكيل الوعي عملية تتجاوز الفكر لتطال المشاعر والسلوكيات أيضا. ويصير الفعل الرقمي اليوم جزءا من بنية السلطة، حيث تتشابك التقنية والسياسة لإعادة إنتاج الواقع الاجتماعي والفكري، ويصبح كل فرد موضوعا ضمن شبكة علاقات معقدة تحدد إدراكه وتصرفاته.

تتجلى أهمية التأويل النقدي للمعرفة والوعي في كونه أداة لكشف المعاني المضمرة التي تنطوي عليها أشكال إنتاج المعنى المعاصرة. وقد نبّه بول ريكور إلى أن «التأويل هو ما يمنح النصوص والظواهر دلالتها»، غير أن مجال التأويل لم يعد محصورا في النصوص الكلاسيكية، بل امتد ليشمل المعطيات الرقمية والخوارزميات. ويغدو من اللازم إخضاع المعرفة الرقمية لممارسة تأويلية نقدية، ذلك أن كل خبر وكل آلية لترشيح المحتوى وكل توصية تنتجها النظم الرقمية تنطوي على إمكانات للنفوذ والتوجيه. ومن ثمّ، يصبح الوعي النقدي مطالبا بتفكيك الأبعاد الخفية للسلطة الممارسة عبر هذه الوسائط، والتمييز بين الحقيقة والمعالجة التوجيهية للبيانات.

يتحول التأمل النقدي إلى فعل مقاومة معرفية، يمكّن الوعي من استعادة قدر من استقلاليته في مواجهة الضغوط التقنية والسياسية والاجتماعية. إضافة إلى ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي يشكل مثالا واضحا على إعادة تشكيل المعرفة والوعي. فالنماذج اللغوية وأنظمة التوصية وتقنيات التعلم الآلي لا تُنقل المعلومات فقط، بل تعيد إنتاجها وفق معايير محددة، وتفرض على المستخدمين أنماطا معرفية متكررة تتفق مع أهداف النظام الاقتصادي أو السياسي. هذه الظاهرة تذكرنا بما وصفه أورويل بـ"الحقيقة المرنة"، حيث لا يتم تحديد الحقيقة بمعزل عن السلطة التي تتحكم في إنتاج المعلومات. وإذا كانت السلطة في الماضي تستخدم المعرفة لتوجيه السلوك الاجتماعي عبر التعليم أو الإعلام التقليدي، فإنها اليوم تتسلح بالقدرة التقنية على تحليل البيانات الضخمة والتنبؤ بالتصرفات والتأثير في الانتباه الجمعي. ومع ذلك، لا تعني الهيمنة التقنية أن إمكان المقاومة الفكرية قد انتفى. فالوعي النقدي كما يتجلى في تقاليد التحليل الفلسفي، يظل قادرا على تفكيك الآليات التي تضبط إنتاج المعرفة وتوجيهها، واستثمار الهوامش التي تتركها التقنية لإعادة بناء المعرفة وفق معايير الحرية والاستقلالية. وقد أشار والتر بنيامين إلى أن «التاريخ ليس سوى تراكم للحظات يمكن للوعي النقدي إعادة تشكيلها»، وهي فكرة تنطبق على علاقتنا بالبيانات الرقمية والخوارزميات، حيث تغدو لحظة الهيمنة ذاتها مجالا ممكنا للتأمل والمقاومة الفكرية عبر الفهم النقدي لآلياتها.

 يتبدّى دور الفلسفة بوصفها «نور العقل» الذي يهدي الوعي وسط العتمة التي تخلّفها تداخلات السلطة والتقنية، وذلك انسجاما مع التصور الكانطي الذي يجعل من العقل النقدي شرطا لمواجهة الهيمنة والمعرفة الموجَّهة. ولقد أضافت العولمة الرقمية بُعدا جديدا إلى هذه المعادلة، إذ لم تعد المعرفة محصورة في أطر جغرافية أو ثقافية محددة، بل أصبحت خاضعة لتأثير قوى عابرة للحدود تتحكم في تدفّق المعلومات وتوجيهها. فالشبكات الرقمية، والخوارزميات التي تديرها الشركات الكبرى والمنصات التعليمية والإعلامية، باتت جميعها تحدد ما يصل إلى الفرد، وشروط تلقيه للمعرفة وأنماط تفاعله معها. ويغدو من الضروري فهم الوعي الجمعي بوصفه نتاجا لتفاعل معقّد بين الفرد والمؤسسات والتقنية والسياسة، بحيث يستحيل فصل أحد هذه العناصر عن الآخر. إذ يعيد هذا التصور إلى الأذهان أطروحة جورج زيميل القائلة بأن «الحياة الاجتماعية شبكة من التفاعلات التي تُشكِّل الوعي والمعرفة»، وهي رؤية أساسية لفهم إشكالات المعرفة في العصر الرقمي، حيث لا يمكن تحليل الوعي بمعزل عن سياقاته التقنية والاجتماعية والسياسية.

وفي ضوء كل ما سبق، يصبح من الواضح أن إعادة تشكيل الوعي ليست مجرد تأثير سلبي للسلطة والتقنية، بل هي أيضا فرصة للتأمل النقدي، ولتطوير أدوات مقاومة تمكن الأفراد من استعادة استقلاليتهم الفكرية. إن التقنية رغم ما تحمله من هيمنة، توفر إمكانيات لفهم الواقع بشكل أعمق وتحليل المعلومات، وإعادة إنتاج المعرفة وفق معايير حرية وانتقاد. هنا تتجلى أهمية الفلسفة النقدية، التي تمنح العقل أدوات التأمل والتحليل، وتمكن الوعي من مواجهة الضغوط التقنية والسياسية، واستثمار الإمكانيات التي توفرها التقنية لإعادة صياغة المعرفة وإنتاج وعي مستقل.

إن العلاقة بين المعرفة والسلطة والتقنية تتشكل اليوم كمجال مركب من التفاعلات المعرفية والاجتماعية والسياسية، حيث لا يمكن لأي دراسة للوعي أن تغفل أي عنصر من هذه العناصر. فالوعي لم يعد مجرد إدراك للمعلومات أو الخبرة، بل هو إنتاج مستمر في سياق الشبكات التقنية والسياسية والاجتماعية، وهو مشروع نقدي مستمر لإعادة التأويل والتحليل، وإعادة إنتاج المعرفة بمعايير حرية واستقلالية.

في الامتداد العميق لهذا الأفق التحليلي، يتبيّن أن الوعي المعاصر لا يُعاد تشكيله فقط من خلال مضامين المعارف التي يتلقّاها، بل أساسا عبر الشروط غير المرئية التي تُنتَج في ظلها هذه المعارف وتُنظَّم وتُكسى بطابع المعقولية والشرعية. فالمعرفة في المجتمعات الحديثة لم تعد تُقاس بقيمتها الحقيقة فحسب، بل بمدى قابليتها للاندماج داخل منظومات تقنية واقتصادية تحدد سلفا ما يُتاح للرؤية وما يُحجب، وما يُفكَّر فيه وما يُقصى. وما نشهده اليوم هو انتقال دقيق من سلطة الخطاب إلى خطاب السلطة، حيث لم تعد الهيمنة في حاجة إلى ممارسة الإكراه المباشر، لأنها تنجح في جعل أنماط معينة من التفكير تبدو بديهية وطبيعية، بينما تُهمَّش أنماط أخرى أو تُوصَم باللاعقلانية أو بعدم الواقعية. تتشكل التقنية أكثر من مجرد وسيط محايد، وتتحول إلى بنية أنطولوجية تعيد تشكيل علاقتنا بالزمن والمعنى والذات. فالخوارزميات التي تنظّم تدفّق المعلومات لا تكتفي بتسريع الوصول إلى المعرفة، بل تعمل على إعادة صياغة أفق التوقّع نفسه، دافعةً الوعي إلى الارتهان لحاضر دائم، مثقل بالتحديث المستمر، ومفتقر إلى تلك المسافة التأملية التي شكّلت شرطًا جوهريا لممارسة الفكر النقدي. وقد تنبّه هايدغر في تحليله للتقنية، إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الآلة ذاتها، بل في الكيفية التي تجعل بها التقنية العالم «موردا» والإنسان «قابلا للتوظيف»، أي عنصرا داخل منظومة حسابية شاملة. ويكتسب هذا التحليل راهنيته اليوم في عالم تُقاس فيه قيمة المعرفة بمدى قابليتها للتحليل والتنبؤ والاستثمار.ومع سيادة منطق البيانات، يتحول الوعي إلى موضوع للقياس والتوقع، لا للفهم والتأمل. فالسلوك الإنساني الذي كان يُنظَر إليه باعتباره تعبيرا عن حرية وإرادة، أصبح يُختزل في أنماط إحصائية تُغذّي أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتُستخدم في توجيه القرارات الاقتصادية والسياسية والإعلامية. هنا يتجلى شكل جديد من السلطة، سلطة لا تأمر ولا تنهى، بل “توصي” و“تقترح” و“تُفضِّل” وتنجح، عبر هذه الليونة الظاهرية في التأثير العميق في اختيارات الأفراد. إن ما يبدو حرية في الاختيار يخفي في طياته توجيها ناعما، يجعل الفرد يعتقد أنه يقرر بنفسه، بينما هو يتحرك داخل مسارات مُعدة سلفا.

هذا التحول يعيد إلى الواجهة سؤال الحرية، لا بوصفها قدرة مجردة على الاختيار، بل بوصفها وعيا بالشروط التي يُمارَس فيها هذا الاختيار. فالحرية في ظل هيمنة التقنية، لم تعد تُهدَّد بالقمع المباشر، بل بالتشبع المفرط بالمعلومات وبالتوجيه الخفي للانتباه. وقد عبّر زيغمونت باومان عن هذا الوضع حين أشار إلى أن الإنسان المعاصر يعيش في “سيولة” دائمة، حيث تختفي الثوابت، ويصبح الوعي عرضة للتشتت، فاقدا القدرة على التماسك وبناء معنى طويل الأمد. إن هذا التشتت لا يُضعف المعرفة فقط، بل يُضعف الذات ذاتها، ويجعلها عاجزة عن بناء سردية متماسكة عن نفسها وعن العالم.

غير أن هذا الوضع لا يعني نهاية الفعل النقدي، بل يفرض إعادة تعريفه. فالنقد لم يعد يقتصر على تفكيك الخطابات الأيديولوجية الصريحة، بل أصبح مطالبا بتحليل البنى التقنية التي تنتج هذه الخطابات وتُمرِّرها. إن النقد اليوم هو نقد للخوارزمية بقدر ما هو نقد للفكرة، وهو مساءلة لمنطق الترتيب والتصنيف بقدر ما هو مساءلة للمحتوى. حيث تكتسب أفكار مدرسة فرانكفورت راهنية جديدة، خصوصا في تأكيدها على أن العقل الأداتي حين ينفصل عن البعد القيمي، يتحول إلى أداة للهيمنة بدل أن يكون وسيلة للتحرر.

وتبرز أهمية الوعي التأويلي بوصفه نمطا من أنماط الوعي القادر على إبطاء الزمن، واستعادة المسافة، وطرح السؤال بدل الاكتفاء بالاستهلاك. فالتأويل كما فهمه ريكور، ليس مجرد تفسير للنصوص، بل هو فعل وجودي يُعيد للذات قدرتها على الفهم في عالم مغمور بالإشارات. إن ممارسة التأويل في العصر الرقمي تعني تفكيك ما يبدو بديهيا، والوقوف عند ما يُمرَّر بسرعة، والسؤال عن المصالح التي تقف خلف تنظيم المعرفة وتوزيعها. يغدو التأويل في هذا الأفق شكلا من أشكال المقاومة الهادئة؛ مقاومة لا ترفع صوتها، لكنها تزعزع منطق النظام بإصرارها على الفهم والتفكيك.

كما أن التعليم في سياقنا هذا لم يعد مجرد نقل للمعرفة، بل أصبح ساحة مركزية للصراع حول الوعي. فالنماذج التعليمية التي تكرس التلقي السريع، والمهارات القابلة للتوظيف فقط، تُسهم في إنتاج وعي أداتي، ينسجم مع منطق السوق والتقنية، لكنه يفتقر إلى العمق النقدي. في المقابل، يظل التعليم الفلسفي والإنساني عموما، أحد آخر الحصون التي يمكن أن تُنَمِّي القدرة على السؤال، وعلى التفكير في شروط المعرفة ذاتها. وقد كان كانط محقا حين ربط التنوير بجرأة استعمال العقل، لأن هذه الجرأة هي ما يتعرض اليوم للتآكل في ظل أنظمة معرفية تُكافئ الامتثال أكثر مما تُكافئ التساؤل.

ولا يمكن إغفال البعد السياسي لهذه التحولات، إذ إن إعادة تشكيل الوعي لا تتم في فراغ، بل في سياق صراعات على السلطة والنفوذ. فالمعرفة التي تُنتجها التقنية تُستخدم في إدارة السكان وتوجيه الرأي العام، وإعادة رسم الحدود بين المقبول والمرفوض. وهنا يعود فوكو ليذكرنا بأن السلطة الحديثة لا تعمل عبر المنع، بل عبر التنظيم، وأن أخطر أشكالها هي تلك التي تنجح في جعل الأفراد يراقبون أنفسهم بأنفسهم. وفي العالم الرقمي تتخذ هذه المراقبة شكلا داخليا، حيث يصبح الفرد شريكا في إنتاج البيانات التي تُستخدم لاحقا في توجيهه، في مفارقة تكشف عن عمق التداخل بين الحرية والسيطرة.

إن الوعي ليس صفحة بيضاء تُكتب عليها السلطة ما تشاء. فداخل كل منظومة هيمنة توجد إمكانيات للتصدع ومساحات للتفكير المختلف. إن التجارب النقدية والحركات الفكرية وحتى الممارسات الفردية البسيطة التي تُعيد الاعتبار للبطء والقراءة العميقة والحوار، كلها تشكل نقاط مقاومة في وجه التسطيح المعرفي. وقد أدرك بنيامين في تأملاته حول الحداثة، أن الخلاص لا يأتي من التقدم التقني ذاته، بل من الوعي الذي يرافقه، ومن القدرة على التقاط “اللحظة الحرجة” داخل سيرورة التاريخ.

يتضح أن السؤال عن المعرفة بين السلطة والتقنية هو في جوهره سؤال عن مصير الإنسان ذاته. فإما أن يتحول الوعي إلى مجرد وظيفة ضمن منظومة تقنية كبرى، وإما أن يستعيد دوره بوصفه قدرة على الفهم والنقد وإنتاج المعنى. وإن الرهان الفلسفي اليوم لا يكمن في رفض التقنية بل في تحرير العلاقة بها، وفي إعادة توجيه المعرفة نحو خدمة الإنسان لا اختزاله. وهنا تظل الفلسفة رغم كل شيء ممارسة ضرورية، لا لأنها تقدم أجوبة نهائية، بل لأنها تُبقي السؤال مفتوحا، وتُذكِّر الوعي بأنه لا يزال قادرا على التفكير، حتى في أكثر الأزمنة تشبعا بالسلطة والتقنية.

يتواصل هذا المسار التحليلي حين ننتبه إلى أن إعادة تشكيل الوعي لا تشتغل فقط على مستوى البنى الكبرى للمعرفة والتقنية والسلطة، بل تنفذ بعمق إلى التجربة اليومية للفرد وإلى أبسط تفاصيل العيش، حيث يتشكل الإحساس بالذات والعالم في تداخل خفي بين ما هو تقني وما هو رمزي. فالوعي المعاصر لا يُدار من فوق فقط، عبر مؤسسات أو أنظمة واضحة المعالم، بل يُعاد إنتاجه من الداخل، من خلال العادات الرقمية والإيقاعات السريعة، وأنماط الاستهلاك المعرفي التي تجعل الفرد مشاركا فعليا في إعادة إنتاج الشروط التي تُقيده. هنا تتجلى إحدى أخطر مفارقات الحداثة التقنية حيث أن السيطرة لم تعد خارجية بالكامل، بل أصبحت متجذرة في أساليب العيش نفسها، بحيث يصعب التمييز بين ما نختاره بحرية، وما يُختار لنا باسم الراحة والكفاءة والسرعة.

يكتسب مفهوم “الذات” دلالة جديدة، إذ لم تعد الذات مركزا متماسكا للوعي، كما تصورتها الفلسفات الكلاسيكية، بل أصبحت ذاتا موزعة، متشظية عبر حسابات ومنصات وفضاءات افتراضية متعددة. هذا التشظي لا يعني فقط تعدد الهويات، بل يعني أيضا فقدان العمق الزمني الذي يسمح ببناء معنى متماسك للخبرة. فالزمن الرقمي القائم على التحديث المستمر والتدفق اللامتناهي، يضعف القدرة على التراكم، ويجعل الوعي يعيش في آنٍ دائم، بلا ذاكرة عميقة ولا أفق انتظاري واضح. وقد نبّه بول فيريليو إلى أن تسارع الزمن التقني لا يغير فقط إيقاع الحياة، بل يغير بنية الإدراك ذاته، بحيث يصبح التفكير العميق عبئا والبطء نوعا من المقاومة غير المعلنة.

هذا التحول في بنية الزمن ينعكس مباشرة على المعرفة التي تفقد طابعها التكويني لتتحول إلى معلومات عابرة، قابلة للاستهلاك والنسيان السريع. المعرفة لم تعد تجربة تُغيّر الذات، بل مادة تُستخدم ثم تُستبدل، وهو ما يفرغها من بعدها الوجودي والأخلاقي. هنا يمكن استحضار نقد نيتشه للمعرفة التي لا تُهضَم، تلك التي تتراكم دون أن تتحول إلى قوة حياة، بل تثقل الوعي وتُضعف القدرة على الفعل. ففي المجتمع المعاصر لا تكمن المشكلة في نقص المعرفة، بل في فائضها غير المُؤوَّل الذي يغمر الوعي دون أن يمنحه معنى.

ومع هذا الفائض تتعزز أشكال جديدة من السلطة، سلطة لا تحتاج إلى فرض الصمت، لأنها تغرق الأصوات في الضجيج ولا تحتاج إلى إخفاء الحقيقة، لأنها تذيبها في تعدد الروايات. إن الوعي في مثل هذا السياق لا يُقمع بل يُستنزف ويُستبدل الفعل النقدي بردود أفعال سريعة وانفعالات لحظية تُدار بدقة عبر تقنيات توجيه الانتباه. وقد أشار غي ديبور في حديثه عن “مجتمع الفرجة”، إلى أن الواقع لا يُلغى، بل يُستبدل بتمثيلاته، بحيث يعيش الإنسان في عالم من الصور التي تحجب العالم بدل أن تكشفه. هذا التحليل يزداد راهنية اليوم حيث لا يعود السؤال: ماذا نعرف؟ بل: كيف نرى ما نعرف؟ ومن يحدد إطار الرؤية ذاته؟.

غير أن هذا الوضع لا يلغي إمكان بناء وعي مختلف، بل يفرض شروطه الصعبة. فالوعي النقدي في العصر التقني لا يمكن أن يكون وعيا بريئh أو بسيطا، بل هو وعي مركب يدرك أنه يتحرك داخل شبكات من السلطة والمعرفة، وأن كل موقف يتخذه مشروط بسياقات أوسع. هذا الإدراك لا يؤدي بالضرورة إلى الشلل، بل يمكن أن يكون مصدرا لتحرر نسبي، قائم على الفهم بدل الوهم. فكما أن التقنية تُستخدم للسيطرة، يمكن استخدامها أيضا للكشف، وكما أن المعرفة تُوظف للهيمنة، يمكن إعادة توجيهها نحو مساءلة هذه الهيمنة ذاتها.

يصبح الفعل الفلسفي أقرب إلى ممارسة يقظة دائمة، لا تبحث عن يقين نهائي، بل عن وضوح نقدي. الفلسفة هنا لا تنافس التقنية في السرعة أو الكفاءة، بل تقدم ما تعجز عنه وهو القدرة على التوقف، على طرح السؤال غير النافع، وعلى التفكير في ما لا يُقاس. وهذا ما يجعلها ضرورية لا بوصفها خطابا نخبويا بل كأفق مقاومة رمزية، يحفظ للإنسان حقه في ألا يُختزل إلى معطى أو رقم أو نمط سلوكي. لقد كان سقراط في محاكمته، يمثل خطرا لأنه كان يُزعج النظام عبر الأسئلة، لا عبر الشعارات، وهذا الدور يظل جوهريا اليوم، وإن تغيرت أشكال السلطة.

كما أن إعادة التفكير في الوعي تقتضي إعادة النظر في علاقتنا بالحقيقة. فالحقيقة في المجتمعات المعاصرة، لم تعد تُرفض صراحة، بل تُعاد صياغتها باستمرار، بحيث تفقد قدرتها على الإلزام. تتجاور الحقائق مع الآراء والمعرفة مع الانطباعات في فضاء واحد، دون معايير واضحة للتمييز. هذا الوضع لا ينتج تعددية صحية بالضرورة، بل قد يؤدي إلى نسبية مفرغة، تُضعف الثقة في إمكان المعرفة ذاتها. وهنا يبرز التحدي الفلسفي: كيف يمكن الدفاع عن الحقيقة دون الوقوع في الدوغمائية؟ وكيف يمكن ممارسة النقد دون السقوط في العدمية؟ إن الجواب لا يكمن في العودة إلى يقينيات مغلقة، بل في بناء عقل نقدي قادر على التمييز، وعلى تحمل مسؤولية الحكم.

وفي قلب هذا كله، تظل مسألة المعنى هي الرهان الأعمق. فإعادة تشكيل الوعي ليست فقط مسألة سلطة أو تقنية، بل مسألة معنى: معنى العيش، ومعنى المعرفة، ومعنى أن يكون الإنسان إنسانا في عالم قابل للحساب إلى أقصى حد. التقنية قادرة على الإجابة عن سؤال “كيف”، لكنها عاجزة عن الإجابة عن سؤال “لماذا”، وهنا يتحدد مجال الفلسفة، لا كبديل عن العلم، بل كفضاء يسائل غاياته وحدوده. إن الوعي الذي لا يسأل عن المعنى، حتى وهو يمتلك معلومات هائلة، يظل وعيا ناقصا قابلا للتوجيه والاستعمال.

إن إعادة تشكيل الوعي في المجتمعات المعاصرة ليست قدرا محتوما في اتجاه واحد، بل صراع مفتوح بين قوى الاختزال وقوى الفهم، بين منطق السيطرة ومنطق المعنى. هذا الصراع لا يُحسم دفعة واحدة، ولا على مستوى الخطابات الكبرى فقط، بل في التفاصيل اليومية: في طريقة القراءة وفي نوع الأسئلة المطروحة وفي القدرة على الإصغاء، وفي الشجاعة على التفكير خارج الإيقاع السائد. إن هذه الممارسات الصغيرة المتواضعة في ظاهرها، تشكل في عمقها نواة وعي مختلف، وشرطا لإمكانية الحرية. ويتبين أن المعرفة حين تنفصل عن النقد تتحول إلى أداة سلطة، وأن التقنية حين تنفصل عن المعنى تتحول إلى قدر أعمى. أما الوعي فلا يحفظ إنسانيته إلا بقدر ما يظل يقظا قلقا غير مكتفٍ بما يُقدَّم له من إجابات جاهزة. في هذا القلق، لا بوصفه ضعفا بل شرطا للفكر، يكمن أفق مقاومة هادئة طويلة النفس لا تعد بالخلاص السريع، لكنها تُبقي الإنسان في صلة حية بذاته وبالعالم.

***

د. حمزة مولخنيف

لم يكن السؤال الفلسفي في جوهره العميق، مجرد أداة معرفية لاستجلاء المجهول أو آلية ذهنية لملء فراغات الجهل، بل كان دوما علامة على قلقٍ أنطولوجيّ أصيل، وعلى توترٍ خلاق بين الإنسان والعالم وبين الوعي وما يتفلّت عنه وما يُعاش وما يُفكَّر فيه. لذلك فإن التساؤل عن إمكان السؤال الفلسفي اليوم لا يُحيل فقط إلى وضعية الفلسفة داخل منظومة المعرفة المعاصرة، بل يطال مصير الذات المفكِّرة نفسها داخل عالم يتسم بالسرعة والتشظي والانغمار الدائم في الحاضر اللحظي. فالسؤال هنا ليس تقنيا ولا بيداغوجيا، بل هو سؤال عن شروط التفلسف بوصفه نمطا في الوجود قبل أن يكون ممارسة فكرية.

لقد نشأ السؤال الفلسفي تاريخيا في فضاء التمهّل والدهشة، كما عبّر عنه أرسطو حين جعل من التعجب مبدأ التفلسف، والدهشة لا تُختزل في انفعال عابر، بل هي تعليقٌ مؤقت للمألوف، ومسافة نقدية بين الذات والعالم، حيث تسمح للرؤية بأن تتجاوز سطح الظواهر. غير أن العالم المعاصر كما يصفه هارتموت روزا هو عالم التسارع الشامل، حيث لم تعد الأشياء تُعاش بعمق بل تُستهلك بسرعة، ولم يعد الزمن فضاءً للتراكم الوجودي، بل سلسلة من اللحظات المتجاورة التي لا تترك أثرا. يبدو السؤال الفلسفي غريبا، بل معطِّلا لإيقاع الحياة السائد، لأنّه يتطلب الصمت والتريث والتردد، وكلها قيم أصبحت تُقابل بالريبة داخل منطق النجاعة والإنجاز.

ومع ذلك فإن إعلان موت السؤال الفلسفي سيكون تسرعا لا يقل سطحية عن السرعة التي ينتقدها. فالفلسفة كما يذكّرنا كانط ليست نسقا من الأجوبة الجاهزة، بل هي ممارسة دائمة للسؤال النقدي، ومساءلةٌ لحدود العقل وشروط إمكان المعرفة ومعنى الفعل وأفق الأمل. وإذا كان العالم قد تغيّر، فإن أشكال القلق الإنساني لم تختف، بل ربما ازدادت حدّة وتعقيدا. إنّ الإنسان المعاصر رغم فائض المعلومات، يعيش مفارقة الفقر المعنوي، ويعاني من اغترابٍ جديد لا ينتج عن القهر المباشر بل عن التشتت وفقدان المعنى والتماهي مع أنماط حياة لا يُسائلها.

إن السؤال الفلسفي اليوم لا يُلغى بوفرة الأجوبة التقنية، لأن هذه الأخيرة تعالج كيف نعيش لا لماذا نعيش ولا بأي معنى. وقد نبّه هايدغر إلى هذا الخلل حين فرّق بين التفكير الحِسابي والتفكير التأملي، معتبرا أن سيادة الأول لا تعني اكتمال العقل، بل ربما دلالته على نسيان السؤال عن الوجود. فالعالم السريع لا يُقصي السؤال الفلسفي فحسب، بل يُنتج نمطا من الوعي المبتور، الذي يتعامل مع الوقائع دون مساءلة أفقها، ومع المعطيات دون تفكير في دلالاتها. وهنا يبرز الفرق بين الفكر الفلسفي كعملية نشيطة وبين المعرفة كحاصل صرف، إذ الأولى تفكك الافتراضات، والثانية قد تعيد إنتاجها بطريقة تلقائية.

لكن السؤال الجوهري يظل متعلقا بإمكان نشوء السؤال الفلسفي داخل هذا السياق، لا بوصفه ترفا ثقافيا، بل كضرورة وجودية. إن الفلسفة لم تكن يوما ابنة المؤسسات وحدها، بل هي قبل ذلك انبثاقٌ فردي من تجربة العيش، من الصدمة ومن الفقد ومن الإحساس باللاجدوى أو التناقض. ولعل ما يتغير اليوم ليس الحاجة إلى السؤال بل أشكال التعبير عنه ومسالك ظهوره وفضاءات تداوله. فالسؤال الفلسفي قد يغادر المدرّجات الأكاديمية ليظهر في أشكال أدبية أو فنية أو نقدية دون أن يفقد جوهره. بل ربما يجد في هذه الأشكال الجديدة حرية أوسع للتجربة الفلسفية، إذ لم يعد مقيدا بقوالب منهجية جامدة، بل بالقدرة على إعادة صياغة المعنى في كل مرة.

غير أنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في تحوّل أشكال التفلسف، بل في تطبيع اللامساءلة، وفي تحويل الفكر إلى وظيفة، واللغة إلى أداة تواصل فارغة من الكثافة الدلالية. وقد نبّه أدورنو إلى أن أخطر أشكال السيطرة ليست تلك التي تُمارَس بالقوة، بل تلك التي تجعل الأفراد يقبلون بالواقع كما هو، دون مقاومة فكرية. وهنا يصبح السؤال الفلسفي فعل مقاومة صامتة، لا ضد سلطة سياسية بعينها، بل ضد تسطيح الوجود، وضد اختزال الإنسان في مستهلك أو رقم أو ملف. فالفلسفة ليست فقط تأملاً نظريا، بل فعلا يوجّه النظر إلى ما يمكن تغييره في العلاقة بين الذات والعالم، بين الفرد والمجتمع والمعنى والزمان.

إنّ السؤال الفلسفي الممكن اليوم ليس هو السؤال الكلاسيكي نفسه، ولا هو استعادة حنينية لصيغ ماضية، بل هو سؤال يعيد التفكير في شروطه ويُراجع لغته ويُدرك محدوديته دون أن يتنازل عن جرأته. وقد أشار بول ريكور إلى أن الفلسفة الحيّة هي التي تقبل بالهشاشة، وتشتغل داخل التوتر بين الشكّ والإيمان بالمعنى والنقد والتأويل. فالسؤال لا يعيش إلا داخل هذا التوتر، لا في يقين مغلق ولا في نسبية عدميّة. والأهم أن هذا التوتر لا يضعف الفلسفة، بل يمنحها طاقتها الدائمة على إعادة فتح المسائل من جديد، وإعادة تشكيل الأسئلة التي تُعدُّ جوهر أي حياة فكرية نشطة. كما أنّه يسمح بمساءلة الأنظمة الفكرية والاجتماعية التي يمكن أن تُغلق إمكان التفكير، ويمنح الفيلسوف القدرة على الانتقال من السطحيات إلى الجوهر، ومن العملي إلى القيمي، ومن المعرفة إلى الوعي النقدي.

كما أن إمكان السؤال الفلسفي اليوم مرتبط بإعادة الاعتبار للذات المفكِّرة، لا باعتبارها مركزا مطلقا، بل باعتبارها كائنا متناهيا تاريخيا منخرطا في العالم. وهنا يكتسب السؤال بعدا أخلاقيا، لأنّه ليس فقط طلبا للمعرفة، بل تحمّلا لمسؤولية التفكير. وقد كتب ليفيناس أن السؤال عن الآخر يسبق السؤال عن الذات، لأن التفلسف الحقيقي يبدأ حين ينكسر الاكتفاء بالنفس، وحين يُستدعى الضمير قبل المفهوم. ومن هنا نفهم أن التفلسف المعاصر حتى في زمن الانغماس في التقنية لا يفقد أهميته، بل يصبح أكثر حساسية تجاه ما يمكن أن يُغفل في حياتنا اليومية من أبعاد أخلاقية وإنسانية. فالوعي بالآخرين وبالفضاء الاجتماعي المحيط هو ما يمنح الفلسفة أهميتها الحية، ويجعل من السؤال الفلسفي فعلا حيويا يتجاوز حدود الذات إلى العالم، إلى القيم المشتركة وإلى المعنى العميق للوجود الإنساني.

وفي عالم تُهيمن عليه الخوارزميات وتُوجَّه فيه الرغبات وتُصاغ فيه الاختيارات، يبدو السؤال الفلسفي كفعل تحرير بطيء لا يعد بالحلول، بل يفتح أفقا للتفكير المختلف. إنّه لا ينافس العلوم ولا التقنية، بل يرافقها نقديا، ويكشف افتراضاتها المضمَرة وحدودها الصامتة. وقد أكّد يورغن هابرماس أن العقل الأداتي حين ينفصل عن العقل التواصلي، يُنتج تشوهات في الفعل الاجتماعي، وهنا تتجدد وظيفة الفلسفة بوصفها حارسة للمعنى. ولم يعد التفلسف يُفهم بوصفه ترفا معرفيا، بل أضحى ضرورة فكرية لفهم العالم وإعادة مساءلة موقع الذات داخله. فالفلسفة لا تقتصر على كونها بناءً نظريا أو نسقا مفاهيميا مجردا، وإنما تتجسد كممارسة فكرية نقدية تستلزم حضور الذات ويقظة الوعي، وتنهض بمسؤولية تحليل ما يشهده المجال المجتمعي من قوى سياسية واقتصادية وثقافية.

إن مصير التفلسف داخل عالم سريع بلا تأمل ليس الزوال، بل التحوّل الصعب والمؤلم. فالسؤال الفلسفي لا يُلغى، لكنه يُحاصَر، ولا يُمنع لكنه يُهمَّش، ولا يُكذَّب لكنه يُعتبر غير نافع. غير أن الفلسفة منذ سقراط، لم تُقِم وزنا لمعيار النفع المباشر، بل جعلت من إزعاج البداهات رسالتها. ولذلك فإن السؤال الفلسفي يظل ممكنا بقدر ما يظل الإنسان قادرا على التوقف، وعلى قول لا لما يُقدَّم له كأمرٍ بديهي. بل إن المسألة تتعدى الإنسان الفرد إلى المجتمعات، لأن مجتمعات بلا سؤال، أو بلا مساحة للتفلسف، معرضة لتقليص حرية التفكير، وإضعاف قدرة الثقافة على الاستمرار في مساءلة نفسها، وفي مساءلة العالم الذي تنتمي إليه. والفلسفة هنا ليست مجرد أداة نقدية، بل هي ممارسة للحياة نفسها، إذ لا يمكن للإنسان أن يعيش حياة مكتملة إذا لم يشارك في مساءلة ما يُطرح أمامه من حقائق وأوامر وقيم.

ولعل الرهان الأكبر اليوم ليس في الدفاع عن الفلسفة كمادة أو تخصص، بل في الدفاع عن الحق في السؤال، في الشك وفي التردد وفي التفكير غير السريع. إنّ التفلسف ليس امتلاكا للحقيقة بل شجاعة في مواجهتها، وهو ما يجعل السؤال الفلسفي رغم كل شيء ممكنا وضروريا، بل مصيريا في عالم فقدَ القدرة على الإصغاء إلى ذاته. يصبح التفلسف فعل مقاومة وجدلية في آن، إذ يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وعالمه والمعرفة والحياة، وبين القيم والواقع. إن هذا الضرب من التفكير عصيٌّ على الاختزال، منفرٌ بطبيعته من الإجابات الجاهزة، إذ لا يكتفي بتفكيك السطح بل ينفذ إلى العمق، ويفرض على الفيلسوف — ومن خلاله على المجتمع بأسره — أن يقف عاريا أمام الأسئلة الكبرى، بلا مواربة وبلا التفاف وبلا احتماءٍ بحلولٍ سهلة تُسكِّن القلق بدل أن تفهمه.

إن إمكانية السؤال الفلسفي اليوم تتطلب الوعي بمحدودية أدواتنا المعرفية، وبتعقيد الواقع وبتداخل المعنى بالوجود. فحتى الفلسفة التي تبدو بعيدة عن التطبيق العملي تحمل داخلها إمكانية التحرر من الأنماط المعرفية المألوفة، وتتيح إمكانية إعادة صياغة الأسئلة الكبرى حول الإنسان والمجتمع والعالم. ومن هنا يظهر أن التفلسف في زمن السرعة ليس رفاهية فكرية بل ضرورة وجودية، لأنه يواجه تحديا لم يسبق له مثيل، وهو كيف نحافظ على عمق السؤال وإمكانيته في عالم يُغرقنا في المعلومات واللحظات العابرة، وفي تقنيات توهمنا السيطرة على الواقع بينما تقطع الصلة بين الذات والمعنى؟.

ولا يمكن فهم إمكان السؤال الفلسفي اليوم بمعزل عن التحولات الكبرى التي عرفها الوعي الإنساني منذ القرن العشرين حتى اليوم. فالحداثة وما بعدها لم تُنتج تغييرات معرفية وتقنية فحسب، بل أطلقت أيضا أزمة في العلاقة بين الإنسان والزمن والإنسان والعالم، وبين الإنسان وذاته. لقد لاحظ هايدغر منذ زمن أن الإنسان الحديث أصبح غارقا في ما سماه “العقل الأداتي”، بحيث تتراجع القدرة على التفكير التأملي والتوقف عن الانجراف وراء الأحداث. والتسارع في حياة الأفراد والمجتمعات لم يعد مجرد مسألة تنظيم أو كفاءة، بل أصبح آلية تأثير على جوهر السؤال الفلسفي نفسه. فالإنسان الذي لا يتأمل، والذي لا يترك مساحة للدهشة، والذي يختزل تجربته في فعل الإنتاج والاستهلاك، لا يترك مجالا لإمكانية التفلسف، لأن التفلسف بطبيعته يتطلب حضور الذات ووعيا بالمفارقات ومقاومة للسطحية وتقبلاً للتعقيد.

وهذا يقودنا إلى رؤية أن التفلسف لم يعد مرتبطا فقط بالمعرفة النظرية أو الفلسفة الجامعية، بل أصبح اختبارا لوجود الإنسان في زمنه. فالفيلسوف المعاصر سواء أكان أكاديميا أو كاتبا أو فنانا، مطالب بأن يكون واعيا بالمحددات التاريخية والاجتماعية، وأن يدرك أن السؤال الفلسفي لا ينشأ في فراغ بل في سياق يفرض عليه الإبداع، ويضعه أمام مسؤولية التفكير النقدي. ومن هنا تأتي أهمية إعادة النظر في مفهوم التفلسف نفسه، فهو ليس مجرد نشاط عقلي، بل ممارسة حياتية تجمع بين الفهم والنقد والإحساس، بين ما يُعرف وما يُعاش. وفي هذا الصدد، نلاحظ أن الفلسفة المعاصرة لم تعد تقتصر على مواجهة الأفكار أو النظريات السابقة، بل تمتد إلى مساءلة الطريقة التي نعيش بها، والطريقة التي نختبر بها معنى حياتنا، والعلاقات التي نبنيها مع الآخرين.

ومن منظور آخر، نجد أن إمكان السؤال الفلسفي اليوم مرتبط أيضا بالقدرة على مواجهة تضارب المعارف، والقدرة على التشكيك في “اليقينيات” التكنولوجية والعلمية والاجتماعية. فكما أشار ميشيل فوكو أن كل معرفة تحمل في طياتها شبكة من القيم والسلطات، ومن ثم فإن السؤال الفلسفي يتطلب جرأة على تحليل هذه العلاقات، وعلى كشف الافتراضات الخفية التي تتحكم في حياتنا اليومية وفي تصورنا للواقع. يغدو السؤال الفلسفي والحال هذه، أكثر من مجرد نزوعٍ إلى المعرفة، إذ يتحول إلى أداة نقدية لتحرير الفكر والمجتمع، وإلى ممارسة تأملية تعيد مساءلة معاني الحرية والمسؤولية، والإنسانية ذاتها، كما أن التفلسف المعاصر لا يمكن أن يغفل البعد اللغوي للمعرفة. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل هي أداة تشكيل للواقع، وأداة للتفكير النقدي. وقد بين هيجل وسوسير وأدورنو أهمية اللغة في بناء المفاهيم وفي صياغة السؤال الفلسفي. فإعادة صياغة السؤال بلغة دقيقة ومتماسكة تسمح بفتح أفق جديد للتأمل، وتكشف عن أبعاد لم تكن واضحة في البداية. وهذا يتطلب وعيا دقيقا بالعلاقات بين الكلمات والمعاني والمفاهيم والتجارب الحياتية، وبين السؤال والجواب المحتمل.

يواجه السؤال الفلسفي اليوم تحديا مزدوجا، تحدّي التسارع التقني الذي يرهق التفكير العميق ويقصيه لصالح الاستجابة الفورية، وتحدّي اللامبالاة الاجتماعية والثقافية التي تُفرغ التساؤل من قيمته وتحوّل التأمل إلى ترفٍ هامشي. ومن ثمّ لا يعود التفلسف المعاصر مجرد ممارسة فردية منعزلة، بل يغدو فعلا جماعيا، يقاس بقدرة المجتمعات على ابتكار فضاءات للحوار والتفكير النقدي، وعلى صون السؤال بوصفه عنصرا مؤسِّسا في الحياة الثقافية والفكرية. فحين يَخبو السؤال الفلسفي في مجتمع ما، تخبو معه قدرة الإنسان على مواجهة رهاناته الكبرى، وعلى وعي أبعاد وجوده في عمقها ومعناها. تتجلى أهمية الفلسفة كفضاء للتأمل النقدي، فضاء يسمح بالعودة إلى الجوهر وبإعادة تقييم القيم، وبالتفكير في مستقبل الوجود الإنساني. فالفلسفة اليوم ليست مجرد أداة نظرية، بل ممارسة عملية تهدف إلى تحرير الفكر، وإعادة تشكيل الوعي، وتوسيع قدرة الإنسان على إدراك تعقيدات العالم وحقيقة وجوده. يتخذ السؤال الفلسفي طابع الضرورة والحيوية، لكونه السبيل إلى مجابهة السطحية المتفشية، والتحرر من الخضوع الأعمى لتراكم المعلومات، واستعادة ملكة التفكير النقدي العميق التي تمنح الوعي معناه وتحرره من الاكتفاء بالتلقي. وليس بخاف أن التفلسف في العصر الحديث يكتسب بعدا وجوديا أكثر حساسية من أي وقت مضى. فالأزمات البيئية والاجتماعية والسياسية والتكنولوجية تحتم على الفيلسوف أن يتساءل عن معنى الحياة، وعن العلاقة بين الإنسان والعالم، وعن شروط العدالة والحرية، وعن أفق القيم في مجتمع معقد ومتسارع. وهذا يجعل السؤال الفلسفي ليس فقط ممكنا، بل ضروريا للبقاء الإنساني والثقافي، لأنه يتيح لنا إدراك حدود المعرفة ومواجهة المجهول والتفكير في معاني الفعل والمسؤولية.

إن التفلسف المعاصر يتجاوز الأسئلة التقليدية ليصبح وسيلة لفهم الذات والآخر والعالم بشكل متكامل، وهو بذلك يعيد تأكيد دوره الحيوي في حياة الإنسان المعاصر.

يظل التفلسف فعلا يفرض على الإنسان التأمل في ذاته، في ماضيه وفي حاضر العالم وفي المستقبل المحتمل. فالسؤال الفلسفي لا يتوقف عند حدود المعرفة النظرية، بل يتعداها إلى مساءلة التجربة الإنسانية والتفكير في القيم وفي الغاية وفي المعنى.

يبرز السؤال الفلسفي بوصفه عملية متواصلة لا تنغلق على لحظة بعينها ولا يحدّها زمن محدد، بل تمتد لتخترق كل تجربة حياتية وكل انعطاف معرفي، وكل مواجهة مباشرة مع الواقع. إن السؤال الفلسفي رغم كل تحديات العصر الحديث، لا يزال ممكنا وضروريا، بل يمثل قلب الحياة الفكرية والمعرفية، لأنه يتيح للإنسان إعادة تقييم ذاته وعلاقته بالعالم، ومساءلة الافتراضات المهيمنة، وإعادة صياغة المعنى في زمن السرعة والانغماس. فالفلسفة ليست رفاهية فكرية، ولا مجرد معرفة نظرية، بل هي ممارسة حياتية، ونمط من التفكير النقدي، ومساحة لإعادة الاتصال بالوجود.

ينهض السؤال الفلسفي بوصفه علامة حيّة على وعي الإنسان وعلى إدراكه العميق لمحدودية المعرفة، وحاجته الدائمة إلى التأمل وإلحاح البحث عن المعنى في قلب تعقيدات الحياة المعاصرة. ورغم ما يواجهه التفلسف اليوم من تحديات غير مسبوقة، فإنه يظل فعلا ممكنا لأنه يتجاوز الظرفي والعابر، ويعيد تأسيس السؤال كركن أصيل في تجربة الوجود البشري، محوّلا التفكير إلى ممارسة للمقاومة والإبداع والمسؤولية الوجودية في آن واحد.

وبذلك يكون السؤال الفلسفي ليس مجرد قضية نظرية، بل ممارسة حية وفعلا إنسانيا متجددا قادرا على مواجهة التسارع والتشتت والانغماس وإعادة الإنسان إلى ذاته، وإعادة العالم إلى أفق التأمل، وإعادة المعنى إلى مركز التجربة الإنسانية. فمصير التفلسف ليس الزوال، بل إعادة اكتشاف القوة الداخلية للسؤال، وإعادة تأسيسه في قلب حياة الإنسان وفي قلب المجتمعات، وفي قلب كل فعل فكر يهدف إلى مواجهة الواقع وفهمه بعمق ومسؤولية

***

د. حمزة مولخنيف

في المثقف اليوم