عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

الجذور المعرفية والسياسية لأزمة العقل

تطرح دراسة الإيتولوجيا، بوصفها دراسة لأصول ومسببات وديناميكيات المعرفة الإنسانية، تساؤلات جوهرية حول الآليات التي ينحرف بها العقل عن مساره النقدي ليقع فريسة للوعي الزائف والأوهام. إن دراسة "عِلل العقل الفلسفية" لا تعني البحث في الاختلالات العصبية أو البيولوجية، بل تتمثل في فحص التشوهات البنيوية التي تعتري آليات الإدراك والتفكير نتيجة لتعقيدات البِنَى الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والانفعالية. وفي غياب العقل النقدي الفاعل، تتخلق "آليات سردية" كبرى تعمل على إنتاج وإعادة إنتاج "الخرافة" كأداة للهيمنة. هذه الخرافة، في تجلياتها الحديثة، تتجاوز الأساطير القديمة لتتخذ أنساق فكرية وعقائد مؤسسية وحقائق تكنولوجية تُفرض على الوعي الجمعي. 

لقد شهد التاريخ الفكري والسياسي البشري ما يمكن تسميته بـ"انتفاضة العقل التحرري"، وهي محاولات حثيثة متكررة قادها فلاسفة، ومنظرون نقديون، وحركات اجتماعية بهدف تفكيك هذه السرديات وتحرير الوعي الإنساني من الاستلاب والاغتراب. ومع ذلك، فإن التحليل العميق للواقع المعاصر يكشف عن مفارقة قاسية؛ إذ لم تؤدِ هذه الانتفاضات إلى تقويض الهيمنة الرأسمالية، بل دفعت هذه الهيمنة إلى تطوير آلياتها، متكيفة بمرونة مذهلة عبر ابتكار أدوات استغلال ناعمة تعيد صياغة السلوك البشري من الداخل. إنَّ التقاطعات بين طبائع المعرفة والعِلل الاجتماعية للعقل، تستهدف تحليل الآليات السردية التي تُنتِج التصديق بالخرافة، وتتبع مسار العقل التحرّري وهو يواجه أشدَّ صور الهيمنة الرأسمالية المعاصرة تجسّدًا في السياسة النفسية والرأسمالية الرقابية. 

طبائع المعرفة ومنابع عِلل العقل، التأسيس السبينوزي:

تضرب دراسة ايتالوجيا المعرفة بجذورها العميقة في الفلسفة السبينوزية، التي أسست لرؤية ثورية تتجاوز الثنائيات الديكارتية الجامدة بين العقل والجسد. يقدم باروخ سبينوزا، في عمله الأبرز "الأخلاق"، فهمًا للمعرفة ينبثق من مبدأ "المحايثة"، حيث الطبيعة (أو الجوهر) هي الأساس الشامل الذي تتولد منه كافة الموجودات. وفي هذا السياق، تتحول دراسة المعرفة إلى دراسة لـ "طبائع الأشياء"، تدرس كيفيات الوجود، وأشكال تحقق الموجودات بوصفها قوة وحركة وعلاقات تأثير وتأثر، بعيدًا عن الماهيات والمفاهيم القبلية المجردة. يرى سبينوزا أن الإنسان يمتلك "جهدًا" للاستمرار في وجوده، وهذا الجهد يحدد انفعالاته، التي أدّت دورًا مركزيًا في تشكيل بنيته الإدراكية.

تنشأ الخرافة، وفقًا لهذا التأسيس السبينوزي، من قصور معرفي أصيل في مستوى المعرفة الأول، الذي يُطلق عليه سبينوزا "المعرفة التخيلية". في هذا المستوى، يدرك الإنسان الأشياء بتأثيرها على جسده دون أن يفهم الأسباب الحقيقية التي أدت إليها. هذا الجهل بالأسباب يولد ما يسميه سبينوزا "وهم الغائية" أو "المركزية البشرية". فالإنسان، لأنه يعي رغباته ويتصرف في تحقيق غايات معينة، يفترض وهمًا أن الطبيعة كُلََّها تعمل وفقًا لغايات مصممة خصيصًا من أجله، وأن هناك قِوَى عليا تدير الكون لخدمته أو معاقبته.

يتغذى هذا الوهم المعرفي على انفعالات الخوف والرجاء. فحين يواجه البشر تقلبات الطبيعة والحياة، ويتأرجحون بين الخوف من الكوارث والرجاء في النجاة، يلجؤون إلى اختلاق سرديات خرافية وتهويمات تمنحهم شعورًا زائفًا بالسيطرة والأمان. هكذا، تصبح الخرافة بمنزلة عِلّة عقلية مَرَضية ناتجة عن العجز الإنساني وعن الارتقاء إلى المعرفة العقلية والمعرفة الحدسية التي تدرك الضرورة الطبيعية وقوانينها الحتمية، التي تقود وحدها إلى الحرية الحقيقية أو "الغبطة". 

كسوف العقل

في القرن العشرين، ومع تصاعد الهيمنة التكنولوجية والأنظمة الشمولية، اتخذت دراسة عِلل العقل بعدًا اجتماعيًا وتاريخيًا نقديًا على يد فلاسفة مدرسة فرانكفورت. في كتابه الرائد "كسوف العقل"، يقدم ماكس هوركهايمر تحليلًا تاريخيًا لكيفية تدهور العقل البشري وتحوله إلى أداة لإنتاج الخرافة المعاصرة. يميز هوركهايمر بين نمطين من العقل:

"العقل الموضوعي" و"العقل الذاتي/الأداتي"

كان العقل الموضوعي، كما تبلور في الفلسفات الكلاسيكية منذ أفلاطون، قوة كونية كامنة في الواقع ذاته، قادرة على إدراك الغايات الكُلِّيَّة، وتحديد الصواب والخطأ، وفهم الانسجام بين الإنسان والمجتمع والطبيعة. في المقابل، فإن الحداثة الرأسمالية والاتجاهات الوضعية والبراغماتية أدت إلى صعود "العقل الذاتي"، الذي تم إفراغه من أي محتوى معياري أو أخلاقي، وتحول إلى مجرد آلة حسابية وتنسيقية تهدف إلى تحقيق أقصى قدر من الكفاءة والمصلحة الذاتية دون مساءلة الغايات بحد ذاتها.

يؤكد هوركهايمر أن "كسوف العقل" حدث عندما تم إخضاع العقل بالكامل لعملية الإنتاج الاجتماعي والرأسمالي، حيث أصبح العقل "أداتياً" لا يهتم بسوى كيفية السيطرة على الطبيعة وعلى البشر. هذا التجريد وإفراغ العقل من المعنى الموضوعي جعل المجتمعات عرضة للاستلاب الأيديولوجي، وسهل على الأنظمة الفاشية والرأسمالية المتوحشة تحويل الجماهير إلى مجرد أدوات، حيث يولد العقل الأداتي خرافة جديدة تتمثل في تقديس التكنولوجيا والسوق الكفء كحقائق مطلقة.

 عِلل العقل الاجتماعي وأمراض التشيؤ

امتدادًا لهذا التراث النقدي، يطرح الفيلسوف أكسيل هونيث مفهوم "عِلل العقل الاجتماعي". ينطلق هونيث من إرث هيجل ليرى أن العقل الإنساني وتطوره لا يحدث في عزلة، بل هو نتاج "مسار تعليمي" يتشكل عبر صراعات "الاعتراف المتبادل". عندما تعيق المؤسسات الرأسمالية المتأخرة تحقيق هذا الاعتراف، وتخلق هوات عميقة من اللامساواة والهيمنة، يظهر التدهور البنيوي في صورة ممارسات اجتماعية ونفسية مشوهة.

يُعيد هونيث صياغة مفهوم "التشيؤ" الذي طرحه جورج لوكاتش، مُجرداً إياه من حتميته الاقتصادية الصارمة المرتبطة بالسوق الرأسمالي فحسب، ليعرفه كعِلّة تتمثل في "نسيان الاعتراف". التشيؤ هنا هو فقدان للمشاركة الوجدانية والانفعالية العميقة مع العالم ومع الآخرين، حيث يتحول البشر والطبيعة في نظر الفرد إلى مجرد أرقام أو أشياء قابلة للاستغلال والتلاعب. هذا التشيؤ البنيوي يخلق بيئة خصبة لنمو "رذائل معرفية" مثل الغطرسة الفكرية، والانغلاق، والوثوقية العمياء، وانعدام الحساسية المعرفية. هذه الرذائل ليست مجرد عيوب فردية، بل هي أعراض لمرض اجتماعي يمنع الفرد من اكتساب معرفة حقيقية، وتجعله قابلاً لتصديق الخرافات ونظريات المؤامرة التي تعفيه من مسؤولية التفكير النقدي المعقد.

تفكيك الآلية السردية للتصديق بالخرافة وتغييب العقل النقدي

إن الخرافة لا تنتشر في الفراغ؛ بل يتم إنتاجها وتأطيرها ضمن "آليات سردية" متماسكة توفر تفسيرات جاهزة ومريحة للواقع المعقد. وفي غياب العقل النقدي، تعمل هذه السرديات كأدوات للهيمنة، تعيد صياغة وعي الأفراد والمجتمعات بما يخدم هياكل السلطة. 

السردية اللاهوتية-السياسية وصناعة الطاعة

لقد كان سبينوزا رائداً في كشف كيفية تحويل الخرافة النابعة من الخوف إلى آلية سردية سياسية. في "رسالة في اللاهوت والسياسة"، يفضح سبينوزا توظيف المؤسسات اللاهوتية والنظم الملكية للخرافة بهدف السيطرة المطلقة. يدرك الحكام أن الجماهير الخائفة مستعدة لتصديق أي أمر يمنحها الطمأنينة. وبالتالي، فإن "السر الأعظم للحكم الملكي" يكمن في إبقاء الناس في حالة من الخداع الدائم، وتغليف الخوف الذي يسيطر عليهم بغطاء ديني زائف، بحيث يقاتل البشر ببسالة من أجل عبوديتهم واستعبادهم وهم يظنون أنهم يقاتلون من أجل خلاصهم ونجاتهم. إن حرية التفلسف التي دعا إليها سبينوزا لم تكن مجرد حرية سلبية متمثلة في عدم التدخل الخارجي، بل حرية إيجابية تتمثل في قدرة الفرد على إعمال العقل لتفكيك هذه السرديات الكهنوتية والسياسية التي تصنع الطاعة العمياء.

 تفكيك الوعي الزائف والأنساق في الفكر العربي

لا يمكن فهم استدامة الخرافة في السياقات غير الغربية دون التطرق إلى التحليل النقدي الذي قدمه المفكر المغربي عبد الله العروي في مؤلفاته، ولا سيما "الأيديولوجيا العربية المعاصرة" و"مفهوم الإيديولوجيا". يرى العروي أن العقل العربي يعاني من أزمة "وعي زائف" متجذرة تعود إلى ما يسميه بـ"التأخر التاريخي" مقارنة بالغرب.

يصنف العروي المثقفين العرب تاريخياً إلى ثلاثة نماذج تعتمد جميعها آليات سردية تغيب العقل النقدي التاريخاني:

"الشيخ" الذي يعتمد على التاريخ المقدس محاولاً العودة إلى عصر ذهبي متخيل وتأطير الواقع عبر نصوص أسطورية.

و"الليبرالي" الذي يتبنى سردية خارجية دون فهم صيرورتها التاريخية، و"التقني" الذي يختزل الحضارة في أدواتها المادية ويتجاهل السياق الثقافي والفلسفي لإنتاجها.

هذه التصنيفات تعمل بمثابة "قناع" يخفي المصالح، و"أفق ذهني" يحبس المثقف في دوامة من التساؤلات الزائفة. وفي ظل غياب القطيعة المعرفية والتبني الصارم لمنهج "التاريخانية"، يستمر العقل العربي في إعادة تدوير الخرافات التراثية أو الانبهار الأعمى بالآخر، عاجزاً عن بلورة سردية تحررية عضوية تواجه الواقع بموضوعية. 

مساعي الانعتاق ومقاومة الاستلاب

كرد فعل حتمي على تشوهات العقل والعقائد الخرافية، تشكلت تيارات معرفية وسياسية أسست لما يُعرف بـ"انتفاضة العقل التحرري"، وهي مشاريع سعت بكل قوة لاستعادة قدرة الإنسان على الوعي الذاتي وتحطيم هياكل القهر. 

هابرماس وتأصيل المصلحة التحررية

شكلت إسهامات يورغن هابرماس امتداداً نقدياً ومراجعة عميقة لتشاؤم الجيل الأول من مدرسة فرانكفورت. في كتابه المحوري "المعرفة والمصلحة البشرية"، يؤكد هابرماس أن المعرفة ليست مجرد مسعى محايد، بل هي موجهة بمصالح بشرية عميقة الجذور. يميز هابرماس بين ثلاثة أنواع من المصالح المعرفية:

"المصلحة التقنية" التي توجه العلوم الطبيعية للسيطرة على البيئة، و"المصلحة العملية" التي توجه العلوم التأويلية للفهم البين-ذاتي، وأخيراً "المصلحة التحررية" التي توجه النظرية النقدية والتحليل النفسي.

إن المصلحة التحررية هي قوة الإرادة العقلانية التي تدفع الإنسان نحو التأمل الذاتي لتحرير نفسه من التعصب الفكري، والقيود السلطوية، وأشكال "التواصل المشوه" الذي تفرضه السلطة والتقاليد. من خلال تطوير "نظرية الفعل التواصلي"، أسس هابرماس لانتفاضة عقلية لا ترفض الحداثة بأكملها، بل تسعى لتحرير "العقلانية التواصلية" من طغيان "العقلانية الأداتية" التي اختزلت الحياة في الكفاءة الفنية والبيروقراطية.

 استمرار الهيمنة الرأسمالية

ورغم هذه المساعي التحررية، لم تقف السلطة مكتوفة الأيدي؛ بل أظهرت قدرة داروينية مذهلة على التكيف، والتحول، واستيعاب النقد. لقد غيرت الرأسمالية من طبيعتها السردية والتنظيمية، منتقلة من قمع الأجساد المباشر إلى استهداف العقل نفسه بأساليب لا شعورية بالغة التعقيد والتطور، مدشنة ما يمكن اعتباره "خرافة تكنولوجية" معاصرة.

الرأسمالية كديانة وآكلة للحوم البشر

وضع الفيلسوف فالتر بنيامين في شذرته "الرأسمالية كدين" البذرة لفهم هذا الاستمرار. أكد بنيامين أن الرأسمالية ليست مجرد هيكل اقتصادي، بل هي عقيدة دينية خالصة، تقيم طقوساً لا تتوقف ولا تمنح أتباعها أي خلاص أو كفارة، بل تراكم لديهم الإحساس بـ"الدين/الذنب" إلى الأبد. وتتضح وحشية هذه العقيدة اليوم فيما تصفه المفكرة نانسي فريزر بـ"الرأسمالية الآكلة للحوم البشر"، والتي لم تعد تكتفي باستغلال فائض القيمة من العمالة، بل باتت تتغذى بضراوة على استنزاف مجالات الاستنساخ الاجتماعي والبيئة الطبيعية، والمصادرة العرقية المستمرة. هذه المنظومة تخلق "أزمات معرفية" ممنهجة تمنع الأفراد من رؤية الترابط بين أشكال القهر المتعددة.ترتكز هذه السلطة على الإرث السلوكي لعلماء النفس الراديكاليين مثل بي. إف. سكينر، الذي رأى ضرورة هندسة البيئة للقضاء على وهم "الإنسان الداخلي المستقل" لصالح كائن مبرمج يتفاعل بآلية مع المحفزات. كذلك تعمل الرأسمالية الرقابية بآلية خفية تستخدم فيها المكافآت والعقوبات اللاشعورية والتنبيهات المبرمجة لتوجيه المستهلكين والمواطنين وتطويعهم. في هذه البيئة، يتم مصادرة الاستقلالية الفردية والوكالة الإنسانية التي هي عماد الديمقراطية والعقل التحرري. والخرافة العظمى هنا هي وهم الإجماع والخدمة المجانية المخصصة التي تقدمها شركات التقنية، بينما الحقيقة أنها تجرد الأفراد من حقهم في تقرير المستقبل. 

السياسة النفسية، سلطة البيانات وموت السرد

يصل تحليل استدامة الهيمنة إلى ذروته مع الفيلسوف بيونغ-تشول هان، منتقلاً من مجتمع الانضباط المعتمد على المنع والقسر، إلى عصر "السياسة النفسية". في ظل نظام الرأسمالية الفردية الحديثة، لا تستخدم السلطة أساليب القمع المباشرة، بل تعتمد على استغلال "الحرية" ذاتها كأداة. يتم تحفيز الأفراد للإفصاح عن كل شيء، ومشاركة حياتهم، وتحقيق ذاتهم باضطراد، مما يؤدي إلى استغلال ذاتي طوعي يتميز بكفاءة أعلى بكثير من الاستغلال الخارجي. إن النتيجة مَرَضية بامتياز:

استبدال القمع بالاكتئاب وإنتاج "مجتمع الإرهاق" ذي الأفراد المنهكين الذين يحملون أنفسهم مسؤولية فشلهم.

أما على المستوى المعرفي، فيحذر هان في كتابه "طغيان المعلومات" من أن العصر الرقمي قضى على مفهوم "السردية" العميقة و"الحقيقة" المستقرة. لقد تم استبدال الفكر السردي بسيل عارم من البيانات المنفصلة والمعلومات الخوارزمية الفيروسية التي تثير العاطفة والانفعال السريع وتتبخر فوراً. تنهار الساحة العامة الديمقراطية لتقوم مقامها فقاعات استقطاب وتلاعب نفسي خوارزمي تعتمد على الشحن العاطفي والمحفزات الآنية. هنا، تتحول الخوارزميات إلى ما يشبه "كهنة المعابد الجدد" الذين يتلقون اعترافاتنا وبياناتنا طوعاً، ليعيدوا إنتاج خرافة اللاهوت القديمة ولكن في قالب رقمي حديث.

تكشف القراءة المعمقة لتقاطعات طبائع المعرفة وعِلل العقل الفلسفية أن معركة العقل الإنساني ضد الخرافة ليست مجرد إشكالية إدراكية بحتة قابلة للحل عبر توفير المزيد من الحقائق أو التعليم التقليدي. إنها معركة سياسية واجتماعية بامتياز، محاكة بخيوط السلطة، والانفعال، وتاريخ طويل من الهيمنة. من وهم الغائية السبينوزي، مروراً بالعقل الأداتي لمدرسة فرانكفورت وتشيؤ الاعتراف عند هونيث، تتكشف أمامنا آليات توليد الأوهام التي تعرقل الوعي النقدي.

لقد شكّلت جهود فلاسفة الحفريات التاريخية للأخلاق والمثقفين العضويين، جنباً إلى جنب مع حركات التوعية النقدية والتحرر الكولونيالي التي جسدها هابرماس وفريري وفانون، محطات مشرفة ومفصلية في تاريخ "انتفاضة العقل التحرري". بل إن الدعوات المعاصرة لاستعادة "الشيوعية الحمضية" والقدرة على تخيل بديل تؤكد أن جذوة الرغبة في التحرر لم تنطفئ. إلا أن الرأسمالية المتأخرة، مسلحةً بالرأسمالية الرقابية، والخوارزميات التنبؤية، وسياسات استغلال الحرية الفردية نجحت في إعادة إنتاج آليات استلاب لا تعتمد على القهر الجسدي المباشر بقدر ما تعتمد على تفريغ الوعي، وقتل المعنى، وهندسة السلوك البشري من الداخل.

***

غالب المسعودي

"إذا ما تشكّل الذهن على نمط من أنماط الاعتقاد الدجمائي بات من الصعب تغييره"

ثمة علاقة عميقة بين طريقة تفكير الإنسان وطريقة تربيته، وبين صورة العقل الذي نصنعه في المدرسة وصورة المجتمع الذي نعيش فيه؛ فالمجتمعات لا تعيد إنتاج نفسها بالاقتصاد والسياسة والمؤسسات وحدها، وإنما تعيد بالتربية والتعليم والأسرة والإعلام وسائر المؤسسات الاجتماعية والثقافية التي لا تنقل المعارف والقيم فحسب، بل تسهم في تشكيل أنماط الإدراك والحكم والسلوك التي ينظر الإنسان من خلالها إلى نفسه وإلى العالم وتلك هي الوظيفة الرئيسية للتربية والتعليم بحسب عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو؛ فالتعليم قد يتحول، إذا خضع للتنميط والتلقين والروتين، من وسيلة لتغيير المجتمع إلى أداة لإعادة إنتاجه، إذ لا يتعلم الطفل المعلومات وحدها، وإنما يتعلم معها كيف يرى العالم، وما الذي ينبغي أن يصدقه أو يرفضه، وما الذي يعده صحيحاً أو خاطئاً، وما الذي ينبغي أن يخشاه أو يحبه. وهذا هو ما يطلق عليه مصطلح «الهابيتوس» (Habitus)، أي مجموعة الاستعدادات المكتسبة التي تتشكل لدى الفرد بفعل موقعه الاجتماعي وتاريخه وبيئته الثقافية، فتؤثر في طريقة إدراكه للأشياء وتقويمه لها وممارسته اليومية. وهنا تكمن قوة التربية الاجتماعية وخطورتها في الوقت نفسه؛ فهي لا تقول للفرد دائماً ماذا يفعل، وإنما تجعله يكتسب بصورة تدريجية ما ينبغي أن يراه طبيعياً وبديهياً ومقبولاً، حتى يصبح ما هو تاريخي ومكتسب وكأنه فطري وثابت.

ويرى عالم النفس السويسري جان بياجيه، أن الطفل في مراحل معينة من نموه يواجه صعوبة في النظر إلى الأشياء من منظور الآخرين، لأنه لم يكتسب بعد القدرة الكافية على التمييز بين منظوره الخاص والمنظورات الأخرى؛ فالطفل لا يكون أنانياً بالضرورة بالمعنى الأخلاقي للكلمة، وإنما يكون إدراكه في هذه المرحلة متمركزاً حول ذاته، فيميل إلى رؤية العالم من موقعه الخاص، ويجد صعوبة في تصور أن الآخر يمكن أن يرى الأشياء بطريقة مختلفة. ومن هنا فإن النضج العقلي لا يعني مجرد زيادة كمية المعلومات التي يمتلكها المرء، وإنما ذلك القدرة على الخروج من مركزية الذات والانفتاح على تعدد المنظورات، والاقرار بأن ذاتي الفردية أو الجماعية ليست مركزا للكون! وأن العالم لا يدور حولنا، وأن الآخرين ليسوا نسخاً منا، وأن الحقيقة أكثر اتساعاً من زاوية نظر واحدة، وأن اختلاف الناس في البيئة والمجتمع واللغة والثقافة والتاريخ والمصالح لا يعني بالضرورة أن أحدهم يمتلك الحقيقة المطلقة والآخر لا يمتلك منها شيئاً. وقد نبه جان بياجيه إلى مخاطر (تمركز العقل في ذاته) بوصفه سببا للانغلاق الفردي والجماعي؛ إذ قد يكبر جسد الإنسان ويزداد عمره وشهاداته ومعلوماته، بينما يظل عقله أسير بنية معرفية مغلقة لا يستطيع معها رؤية العالم إلا من خلال ذاته أو الجماعة التي ينتمي إليها. وقد يكون الإنسان أستاذاً أو طبيباً أو مهندساً أو سياسياً أو او فقيها، ومع ذلك يظل عاجزاً عن قبول أن للآخر حقاً في الاختلاف، أو أن ما يعتقده هو نفسه قد يكون قابلاً للنقد والمراجعة.

المشكلة ليست في أن الإنسان يمتلك معرفة أو عقيدة أو هوية، وإنما في أن تتحول المعرفة إلى يقين مغلق، والعقيدة إلى حقيقة نهائية، والهوية إلى حصن يمنع دخول الآخر. فالمعرفة الحقيقية كلما اتسعت جعلت الإنسان أكثر تواضعاً، لأنها تكشف له حجم ما يجهله، بينما المعرفة المغلقة تمنحه وهماً خطيراً بأنه امتلك الحقيقة كاملة. وكلما قلت معارف الرجل كلما زاد الحديث ولعاً بذلك الشيء القليل الذي يعرفه! وهكذا سُمي سقراط حكيم أثينا لأنه الوحيد الذي فهم الرمز الذي نطقت بِه عرافة دلفي التي نطقت باسم سقراط بوصفه أحكم أهل اليونان، إذ قال يومها: (لعلها اختارتني لأنني الوحيد الذي اعرف بانني لا اعرف شيئاً) بهذه الحكمة الخالدة عرّف سقراط فضيلة الفلسفة التي تعلمنا جهلنا! وهذا هو فحوى حكاية الحكيم الياباني مع تلميذه الجديد إذ جاء فيها:

ذهب احد المريدين إلى شيخ بوذي من معلمي يوغا الزّن في طوكيو فاستقبله الشيخ بابريق الشاي فأخذ يسكب إلى الكوب الذي وضعه أمام الضيف بدون توقف حتى فاض الشاي على الطاولة، فصرخ المريد ما هذا أيها المعلم توقف الكأس ممتلئ، فابتسم الشيخ قائلا: هذا هو الدرس الأول يا فتى، الكأس الممتلئ لا يتسع لشيء اخر غير ما فيه وكذلك هو العقل الذي لا يشعر بالجهل وبالحاجة إلى المعرفة لا سبيل إلى تعليمه! وفِي هذا السياق يمكن فهم عبارة الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت صاحب الكوجيتو (أنا أفكر إذا أنا موجود) الذي أعقبها بالقول: إن العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس، لكنهم يختلفون بطريقة استخدامه، إذ تجدهم يطلبون المزيد من كل شيء ما عدا ذلك الشيء الذي ينقصهم دائما أي العقل؛ إذ تجدهم يعتقدون بأنهم مكتفين منه حتى الذين لا يمتلكون منه النزر اليسير أي المجانين! يعتقدون بأنهم اعقل العقلاء! والعقل النقدي ليس العقل الذي يعرف كل شيء، وإنما الذي يعرف حدود معرفته وجهله ، ويقبل احتمال الخطأ، ويستطيع أن يعيد النظر في أفكاره عندما تتغير المعطيات.

وهنا تتجلى وظيفة التربية والتعليم؛ لأن السؤال الحقيقي يصبح: هل تساعد المدرسة الإنسان على الخروج من مركزية ذاته، أم تعيد إنتاجها في صورة أخرى؟ وهل تعلمه أن العالم متعدد ومفتوح، أم تلقنه أن هناك إجابة واحدة ونهائية لكل سؤال؟ إن التعليم التقليدي القائم على النقل والتلقين والحفظ والاستظهار يقوم على مفارقة عميقة؛ فهو يريد أن يعلم عقل الإنسان، لكنه يطلب منه في الوقت نفسه ألا يثق بعقله وألا يسأل وألا يشك وألا يعيد التفكير فيما تلقاه. إنه يعلم الطالب ماذا يقول، لكنه لا يعلمه لماذا يقول؛ ويعلمه الإجابة، لكنه لا يعلمه السؤال؛ ويطالبه بحفظ المعرفة، لكنه لا يمنحه دائماً القدرة على نقدها أو اختبارها أو إعادة تفسيرها. وهذا ما انتقده باولو فريري في مفهومه عن «التعليم البنكي»، حيث يتحول المتعلم إلى وعاء للمعلومات، ويصبح المعلم الطرف الإيجابي الذي يودع المعرفة، بينما يظل الطالب الطرف السلبي الذي تقتصر وظيفته على الحفظ والاسترجاع. وهنا تكمن خطورة هذا النمط من التعليم، لأنه لا ينتج أفراداً متعلمين بالضرورة، وإنما قد ينتج أفراداً منمّطين، يعتقد كل واحد منهم أن ما تعلمه هو الحقيقة الوحيدة، وأن ما عداه جهل وضلال. وكلما زاد انتشار هذا النوع من التعليم زاد عدد الأشخاص الذين يحاولون استنساخ النسخة الأصلية، مع أن الخبرة التاريخية تعلمنا أن التاريخ يستحيل أن يعيد نفسه بالطريقة ذاتها، لأن لكل حدث شروطه الزمنية والمكانية والاجتماعية والثقافية الخاصة. ولذلك فإن محاولة استنساخ الماضي بحذافيره ليست سوى مهزلة عابثة؛ فالمطلوب من التعليم ليس إعادة إنتاج الماضي، وإنما تمكين الإنسان من فهم الحاضر وصناعة المستقبل.

إن عقل الطفل، التلميذ، الطالب ليس وعاءً فارغاً يمكن ملؤه بما نشاء من المعلومات، بل هو كائن حي يتفاعل مع المعرفة ويعيد بناءها داخل خبرته الخاصة. وهنا تكتسب أفكار بياجيه حول النمو المعرفي أهمية تربوية بالغة؛ فالعقل لا ينمو بمجرد إضافة معلومات جديدة إلى مخزونه، وإنما ينمو عندما يتفاعل مع البيئة ويواجه المشكلات والتناقضات ويعيد تنظيم بنيته المعرفية. ولذلك فإن التعليم الحقيقي لا ينبغي أن يحمي الطالب من كل خطأ أو شك أو اختلاف، لأن العقل لا ينمو في الراحة الفكرية الدائمة، وإنما ينمو عندما يواجه السؤال والمشكلة والتجربة والاختلاف. فالطفل نفسه يقدم لنا الدرس الأكثر وضوحاً؛ إذ يبدأ حياته كثير السؤال: ما هذا؟ لماذا؟ كيف؟ من أين جاء؟ وماذا يعني؟ ثم يعود إلى السؤال نفسه: لماذا؟ ولعل هذه الدهشة الفطرية هي أول منابع التفكير الفلسفي. وقد ذهب الفيلسوف الأمريكي غاريث ماثيوز إلى أن الأطفال قادرون منذ سن مبكرة على طرح أسئلة فلسفية مهمة حول الوجود والقيم والمعرفة واللغة، وهو ما يجعل مهمة التربية الحقيقية ليست قتل السؤال الذي يولد مع الطفل، وإنما الحفاظ عليه وتنميته وتوجيهه. فالمشكلة ليست أن الطفل كثير السؤال، وإنما أن المدرسة قد تجعله أقل سؤالاً؛ يبدأ الطفل حياته مدهوشاً من العالم، ثم يتعلم تدريجياً أن هناك أسئلة لا ينبغي طرحها، وأفكاراً لا ينبغي مناقشتها، وأجوبة لا يجوز الشك فيها، وهكذا تتحول التربية من صناعة العقل إلى إغلاق العقل.

فالتربية الحقيقية لا تعلم الطفل ماذا يفكر فقط، وإنما تعلمه كيف يفكر، وهذه مسألة جوهرية في عالم سريع التغير. فنحن نعيش اليوم في عصر تتغير فيه العلوم والتقنيات والمعارف بسرعة غير مسبوقة، وأصبحت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والميديا الجديدة تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة والعمل والزمان والمكان. فكيف يمكن أن نعلم أبناءنا اليوم معارف قد تصبح قديمة قبل أن يغادروا مقاعد المدرسة أو الجامعة؟ وكيف نعدهم لمهن لم تظهر بعد، ولمشكلات لم نعرفها بعد؟ إن الإجابة لا تكمن في زيادة كمية المعلومات، وإنما في بناء القدرة على التعلم المستمر؛ لأن المعرفة المتجددة تحتاج إلى عقل متجدد، والعقل المتجدد هو العقل الذي لا يخاف من مراجعة نفسه. ولذلك ينبغي أن ننتقل من تعليم المعرفة إلى تعليم إنتاج المعرفة، ومن تلقين الإجابات إلى صناعة الأسئلة، ومن نموذج الطاعة إلى نموذج المشاركة، ومن الحفظ إلى الفهم، ومن الخوف من الخطأ إلى التعلم من الخطأ.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يتحول ما تعلمه إلى قفص يسكنه، بدلاً من أن يكون سلماً يصعد به. فالتربية التي لا توسع المدارك، ولا تنمي الفهم، ولا تزيد القدرة على التفكير والنقد والإبداع وحل المشكلات، تتحول في النهاية إلى ممارسة لإعادة إنتاج الجهل والتجهيل، حتى وإن امتلأت خزائنها بالشهادات والمعلومات. والمعرفة ليست اعتقاداً مغلقاً، وإنما انفتاح دائم للعقل على كل جديد، وانشغال متقد للفهم والذكاء في محاربة الجهل ونقد الأخطاء وتصحيح المسارات والمناهج. وكلما اتسعت المعرفة اتسعت معها مساحة السؤال والتواضع والبحث، وكلما أغلق العقل نفسه داخل يقين نهائي بدأ يفقد قدرته على النمو.

صحيح إن الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي يولد ناقصاً، إذ إن وجوده يسبق ماهيته، فهو وجود لذاته ومن أجل ذاته وليس وجودا في ذاته وفي متناول اليد مثله مثل وجود الأشياء. وهذا هو مبعث حضور مشكلة الهوية الطاغي في عالم الإنسان، حيث توجد الحرية والعقل واللغة والحاجات والمصالح والرغبات والأحلام والأوهام والتنافس والصراع. إلخ إذ إن نقص الهوية في الكائن البشري ليس عيباً، بل هو جوهر إنسانية الإنسان، وهو ما يمنحه القدرة على أن يتجاوز ذاته، وأن يعيد تشكيلها باستمرار. فالإنسان مشروع مفتوح، لا يتحقق إلا عبر اللغة، والثقافة، والتربية، والتعليم. وإذا كان الحيوان محكوماً بغرائزه، فإن الإنسان محكوم بإمكاناته، وهذه الإمكانات لا تتحقق إلا بالفعل التربوي. ومن هنا، تصبح التربية ضرورة وجودية، لا مجرد وظيفة اجتماعية، لأنها الأداة التي ينتقل بها الإنسان من كينونة ناقصة إلى كينونة متحققة.

الطفل الإنساني يبدأ بالدهشة، ثم يسأل، ثم يفكر، ثم يحاور، ثم يفهم، ثم ينقد، ثم يبدع، ثم يعيد بناء ذاته والعالم. ولهذا يمكن اختزال فلسفة التربية في معادلة بسيطة: يبدأ العقل بالدهشة، ثم السؤال، ثم التفكير، وينتهي إلى الفهم. أما العقل الذي يخاف من الدهشة، ويخشى السؤال، ويرفض الاختلاف، فإنه لا يتعلم العالم، بل يعيد إنتاج القفص الذي وضعه فيه الماضي. وهنا تحديداً تكون التربية إما طريقاً إلى الحرية والانفتاح والنضج، أو وسيلة لإعادة إنتاج الانغلاق.

وفي الختام يمكن الاشارة الى الفرق بين نمطين مناهج التربية التعليم: يرتكز منهج النقل والتلقين في التعليم التقليدي على مفارقة منطقية، فهو من جهة يدعو إلى تعليم عقول التلاميذ معارف سابقة جاهزة ومكتملة التكوين ومن جهة أخرى يدعوهم إلى التخلي عن عقولهم وعدم الثقة بها، فضلا عن كونه يقوم على فرضية خاطئة في النظر إلى عقول المستهدفين بالتعليم بوصفها أوعية ثابتة وجامدة يمكننا حشوها بما نشاء من معارف وأفكار جاهزة عبر النقل والتلقين دون الخشية من سوء الفهم والتاؤيل أو دون أن يخامرنا الشك بسلبيتها المطلقة في التلقي والحفظ والتخزين والاستعادة تماما كما نقوم بنقل الأموال وايداعها في البنوك الإسلامية كأمانة ثابتة نستعيدها وقت الحاجة بدون ربح أو فائدة! هذا النمط من التعليم المسمى بالتعليم البنكي، يكون فيه المعلم الشيخ أو الناقل هو الطرف الإيجابي الفاعل بينما يكون المستهدف بالتعليم (التلميذ)هو الطرف المتلقي السلبي إذ تقتصر وظيفة هذا الأخير على حفظ ما نُقل اليه واسترجاعه استرجاعا حرفيا دون بذل أي جهد فكري نقدي للفهم والتدبّر والتأويل والتفسير! وكلما زاد انتشار هذا النمط من التعليم التقليد كلما زاد عدد الأشخاص المنمطين تنميطاً صارماً في محاولة عابثة لاستنساخ النسخة الأصلية التي اثبتت الخبرة التاريخية والتجربة الاجتماعية استحالة نقلها وحفظها وتلقينها واسترجاعها بحذافيرها وذلك من طبيعة التاريخ الذي يستحيل إعادته مرتين! لان احداثه نوعية وفريدة في معطياتها التاريخية الزمنية والمكانية وسياقاتها الاجتماعية والثقافية، وكل محاولة لاستنساخ التاريخ هي مهزلة عابثة ! وهكذا يمكن القول أن التعليم الذي لا يوسّع من مدارك المستهدفين وينمي معارفهم وفهمهم بموضوعات ومشكلات واقعهم وعالمهم ويزودهم بالقدرة والذكاء الفعّال لمواجهتها وحلها،لا قيمة له ولا فائدة، فضلا عن كونه ممارسة لتكريس الجهل والتجهيل المزدوج ! وتكمن خطورة هذا النمط من التعليم التقليدي في قدرته على تشكيل وتنميط عقول المستهدفين تنميطاً صارماً وجعلها تعتقد انها وحدها من يمتلك العلم والمعرفة الصحيحة وما خلاها هو الجهل والظلام. وكلما تم تشكيل الاذهان على نمط من أنماط الاعتقاد الايديولوجي كلما بات من الصعب تغييرها!

***

قاسم المحبشي

 

لقد أيقظت المجتمع العربي صدمة اللقاء بالحضارة الغربية إبان الاحتلال الغربي للوطن العربي، وكان رد الفعل الأولي مواجهة عسكرية خسرها الثوار، لأنهم واجهوا جيوشاً معدة، وأجهزة متطورة، ومن ثم دفعت المواجهة الحضارية إلى تأمل الذات والآخر، والحاضر والماضي، والواقع والواقع الآخر، فكانت المواقف متفاوتة ومتباينة على النحو الآتي:

1- الانسلاخ تماما من التراث العربي والإسلامي والارتماء بأحضان الحضارة الغربية، اذ يرى انصار هذا الاتجاه ان تقدم الشرق لا يمكن ان يتحقق الا بالتبعية للآخر الغربي، فكريا وسياسيا واقتصاديا .

2 - الانكفاء نحو الذات، والعودة للتراث بوصفه المنقذ، وكما تمكن التراث من حل معضلاته ومشكلاته في سياقاته التاريخية والاجتماعية السابقة، يمكنه، أيضا، ان يحل معضلاته المعاصرة .

3 - المجاورة بين إنجازات التراث العربي والحضارة الغربية بحيث نجدل منهما ضفيرة واحدة، تحاول التوفيق بين الماضي العربي والحاضر الغربي .

وقد استخدم المفكرون العرب مناهج متعددة تتأسس في ضوئها قراءات التراث، فلقد وظف الطيب تيزيني وحسين مروة المنهج الماركسي من اجل الانتقال من التراث الى الثورة عند تيزيني ومن الضرورة الى الحرية عند حسين مروة، كما سعى محمد عابد الجابري الى قراءة ذات طبيعة تنويرية للكشف عن تكوين العقل العربي .

أما زكي نجيب محمود فلقد تطور موقفه مع تطور الحركة القومية ليقدم منهجا توفيقيا في قراءته للتراث، وتحديد أليات مستقبل التقدم . وكان متعصبا ـــ في اول حياته ـــ لتصور يرى فيه أنَّ الفكر الغربي " هو الفكر الإنساني الذي ليس لفكر سواه " وانه لا أمل في حياة فكرية معاصرة إلا اذا بترنا التراث بترا، وعشنا مع من يعيشون في عصرنا علما وحضارة ووجهة نظر الى الانسان والعالم "وكان يتمنى ان يأكل كما يأكل الغربيون ويلعب كما يلعبون ويكتب من اليسار الى اليمين كما يكتبون، ظنا منه ان الحضارة وحدة لا تتجزأ " فإما ان نقبلها من أصحابها ـــ واصحابها اليوم هم أبناء اوروبا وامريكا بلا نزاع ـــ واما ان نرفضها "، ويعزو موقفه هذا الى المامه بالثقافة الغربية وجهله بالتراث العربي الذي وصفه بانه " كاد ان يكون تاما "، بحيث تبدو أسماء الاعلام العربية والمذاهب في التراث " لا تجيئه الا أصداء مفككة متناثرة كالأشباح الغامضة يلمحها، وهي طافية على أسطر الكاتبين ".

ويكتشف زكي نجيب محمود وكأنه في "صحوة قلقة " او " عرج في بنائه الثقافي " وهو في انضج سنيه " بان مشكلة المشكلات في حياتنا الثقافية الراهنة، هي ليست كم اخذنا من ثقافات الغرب، وكم ينبغي ان نزيد ... وانما المشكلة كيف نواءم بين ذلك الفكر الوافد الذي بغيره يفلت منا عصرنا او نفلت منه، وبين تراثنا الذي بغيره تفلت منه عروبتنا او نفلت منها "، وينبغي ان يكون الحل المواءمة والمجاورة بين فكرين، اطلق عليهما المنقول أي الفكر الغربي، والاصيل أي التراث العربي، ويكشف أنَّ هذه "الصحوة القلقة " قد تأتت بعد استيقاظه بعد ان فات الآوان، او اوشك على ذلك فيما يقول، والاستيقاظ لم يأت بعد نوم وانما من غفلة او جهل او فهم خاطئ، ولذا أراد ان يسد هذا الفراغ الكبير بازدراد تراث آبائه، بحيث " يعب صحائف التراث عبا سريعا " ويطرح سؤالا " كيف السبيل الى ثقافة موحدة متسقة يعيشها مثقف حي في عصرنا هذا بحيث يندمج فيها المنقول والاصيل في نظرة واحدة ".

ويبدو ان زكي نجيب محمود يعيش مفارقة الصدمة القلقة او العرج في بنائه الثقافي، والاقتصار في المعرفة على منبع الآخر وحده، وسعيه الى المواءمة بين الفكر الغربي والتراث العربي، ويشعر انه قد استيقظ بعد غفلة طويلة فشرع في قراءة التراث على عجالة، ومن ثم يهدف الى دمج الفكرين الغربي (المنقول) والعربي (الأصيل) .

2

ان الانسان العربي يعيش انشطارا حقيقيا في شخصيته وانماط تفكيره، ذلك انه يزاوج بشكل منفصل بين أقواله وأفعاله، فقد يكون مزهوا بانجازاته العلمية في العلوم الفيزياء والكيمياء ولكنه يعتقد عن ايمان وتصديق بالخرافات والخوارق والكرامات، الامر الذي دفع زكي نجيب محمود الى القول إنَّ الانسان العربي "يعيش على مستويين لا صلة بينهما فالقول ناحية والتطبيق ناحية " .

واذا كان سؤال النهضة الذي بدأه مفكرو القرن التاسع عشر وحاولوا فيه الإجابة عن كيفية النهوض بالأمة، فإن زكي نجيب محمود لم يقدم إجابة تامة، لأنه ـــ فيما يقول ــ ليتعذر علينا اليوم ان نقول عن الفكر العربي انه قد اصبح ذا طابع يميزه "، ويرفض المجاورة بين الثقافتين الغربية والعربية، بحيث نشير بأصابعنا الى رفوف نقول هذا شكسبير قائم الى جوار ابي العلاء المعري، لان مجرد المجاورة لا يعني حلا لمشكل معضل، كما انه يرفض الفصل بين الثقافتين فصلا حادا، لان هناك تناقضا او ما يشبه التناقض بين الثقافتين لأنه اذا كان عربيا صميما اقتضى ذلك ان يغوص في تراث الاقدمين حتى لا يدع رأيا مجالا لجديد، ... واذا كان معاصرا صميما كان محتما عليه ان يغرق حتى اذنيه في هذا العصر بعلومه وآدابه وفنونه وطرائق عيشه، ويرى ان الحل ان تكون هناك تركيبة عضوية يتمزح فيها تراثنا مع عناصر العصر الراهن الذي نعيش فيه، لنكون بهذه التركيبة عربا ومعاصرين في آن " غير ان سؤالا محيرا يطرحه زكي نجيب محمود، كيف نفعل ذلك ؟ ما الذي نأخذه؟ وما الذي نتركه من القيم التي انبثت في خلفه الاقدمون ؟ ثم ما الذي نأخذه وما الذي نتركه من هذه الثقافة الجديدة ؟" وكيف ننسج الخيوط التي استللناها من قماشة التراث مع الخيوط التي انتقيناها من قماشة الثقافة الاوربية والأمريكية ؟، كيف ننسج هذه الخيوط مع تلك في رقعة واحدة، لحمتها من هنا وسداها من هناك، فاذا هي نسيج عربي معاصر؟

3

ويؤكد زكي نجيب محمود انه ( كثيرا) ما شكك في جدوى السؤال المطروح في الخروج من الازمة الخانقة التي يعاني منها لايجاد حل ... ولأنه يعاني من صحوة قلقة، و (كثيرا) ما يشكك في جدوى طرح الأسئلة ولكنه (فجأة) يجد الحل بقوله " وفجأة وجدت المفتاح الذي اهتدي به " ولم يكن هذا المفتاح عربيتا او تراثيا، ولكنه في مصدر غربي لدى هربرت ريد في عبارته " انني على علم بان هناك شيئا اسمه (التراث) ولكن قيمته عندي في كونه مجموعة من وسائل تقنية يمكن ان نأخذها عن السلف لنستخدمها اليوم ونحن آمنون بالنسبة الى ما استحدثناه "

ومن الغريب ان يصرح زكي نجيب محمود بانه وجد في هذه العبارة مفتاحا للموقف كله، اذن مرجعية الحل ليست عربية، وانما غربية، وفي نص لاحد المفكرين الغربيين ومن الغريب ان تكون عبارة هربرت ريد " مفتاحا للموقف كله "

ان هذا المفتاح الغربي ــ مقولة هربرت ريد ــ تنظر الى التراث الغربي، فتأخذ ما يصلح لواقعهم الغربي المعاصر، وقد يكون هذا صحيحا، غير ان هذه المقولة لا يمكن ان تكون معيارا نطبقه على تراثنا العربي، اذ يبدو ان زكي نجيب محمود ما يزال يستخدم الأدوات الغربية، ولا يطبقها على الفكر الغربي، وإنما يحاول تطبيقها على الفكر العربي، بمعنى ان زكي نجيب محمود يجعل من هربرت ريد يفكر نيابة عن، وان كان بشكل مختلف .

ولذلك نجده يطبقها حرفيا حيث يقول " نأخذ من تراث الاقدمين ما نستطيع تطبيقه اليوم تطبيقا عمليا فيضاف الى الطرائق الجديدة المستحدثة فكل طريقة للعمل اصطنعها القدامى وجاءت طريقة جديدة انجح منها، كان لا بد من اطراح الطريقة القديمة ووشعها على رف الماضي الذي لا يعنى به الا المؤرخون "

ونخلص من هذا الى نتيجة مفادها ان البحث عن " طرائق السلوك التي يمكن نقلها عن الاسلاف العرب بحيث لا تتعارض مع طرائق السلوك التي استلزمها العلم المعاصر والمشكلات المعاصرة " ولم يقتصر زكي نجيب محمود على ذلك بل انه قسم المعرفة على أساس منهجي يستقيه من فيلسوفين غربيين، وهما :ديكارت الذي " أراد ان يكون السير العلمي بادئا من فكرة داخلية نثق في صوابها، ثم نمضي خارجين الى العالم الطبيعي وما وراءه، واما ثانيهما فهو بيكون الذي رأى ان يكون طريق السير في الاتجاه المضاد، بادئا من الطبيعة الخارجية وما نشاهده في ظواهرها، ثم نمضي داخلين الى فكرة عقلية نقيمها ونكون على يقين من صوابها .

***

الدكتور كريم الوائلي

"هناك صور عامة مشفرة بتراثات وأحلام يصعُب اخفاؤها.."

"تنطوي بعض الصور على واقع يتجاوز أصلها إلى درجة بعيدةٍ.."

هل الصورة أكثر حضوراً من الأصل؟! هل الشخص الأصل هو صاحب الصورة التي تتجاوزه؟!

حقاً بعض الصور العامة أكثر تأثيراً من الأصل. ذلك لكونها تدخل "حزاماً موروثاً" من الأحلام السياسية وعلاقات القوى وآثار المجتمعات. وتظهر اللقطات كخريطة سياسية لا مساحة فوتوجرافية حُرة. الصورة ضخمة حين تمتلئ بميتافيزيقا الحضور التي جمعت عصوراً وأفكاراً وممارسات تاريخية. كل ذلك قد ينضغط عبر الاطار وزوايا الرؤية والمعاني الصامتة للخلفيات كرقائق غارقة في الزمن.

المدهش أنَّ طرفي الصورة قد لا يعيّان حجم ذلك. الطرف القريب الذي إلتقط الصورة بوصفه راعياً لها. وصاحب الصورة نفسه الذي هو الأصل. المسافة بينهما لا تُحسب بفارق الأدوار والمواقع، بل بفارق التراث والتاريخ. فنحن لا ندخل مباشرةً في علاقات تفاوض مع التراث، ولكنه خلال اللحظة التي يبقى التراث فيها خارج كل علاقاتنا بالواقع، يسترد وجوده المفقود بمجرد أن نؤكد وجودنا في محيطه الأساسي، وتظل آثارة داخل عقولنا وخطواتنا الثقافية فوق الأرض. وأن الصورة العامة تُطلق بهذا الزخم الحاضر مستندةُ إلى ماضٍ لم يتلاش بعد.

جسدت صور اللاعب المصري"مو صلاح Mo.Salah " الذي أُعلن احترافه بنادي ترابزون سبور التركي هذا الجانب. مئات الصور التقطت منذ الاعلان عن التفاوض معه وإلى حين وصوله لتركيا وحتى الاحتفال بالتوقيع لنادي ترابزون. ومازالت الصور تتناثر في شوارع المدينة ومطاعمها فضلاً عن الاعلانات الداعمة لها. بدت الصور اسطورية، تعملقت في الفضاء الكوني حتى تجاوزت الأصل. تخطت المستطيل الأخضر إلى الاعلان على صفقات أخرى، هبت أشباح اللقطات تجاه كل مواقع التواصل الاجتماعي وسكنت النوافذ والشوارع في الشرق العربي. ودخلت جميع بيوت قرى وضواحي ترابزون ومدن تركيا الأخرى دون حدود، بل وتعلقت أمام عيون الأتراك وغيرهم من المتابعين في شتى بقاع العالم.

لا مبرر في هذا لكون مو صلاح قدم مسيرة احترافية بارزة في أندية أوروبا وحصد ألقاباً وجوائز. فهذا متاح لكل لاعبي النخبة بكرة القدم. وهناك لا عبون يفوقون انجازات صلاح وأكثر مهارةً وثقافةً رياضية منه في ميدان الدائرة المستديرة. وطبعاً ذلك لا ينفي موهبة هذا اللاعب المصري الاستثنائية وحياة الاحتراف التي عاشها واستثمار قدراته في الملاعب وخارجها.

السؤال: ما دلالة ذلك المشهد الذي لم تُفكْ شفراتُه؟ ذهب البعض إلى أن الصور تعرض قدرات مو صلاح الكروية وذكاء الرعاة للاحتفال. ورأى أخرون فيها كما من البهجة الجماهيرية بتواجد لاعب مشهور في الدوري التركي المنزوي عالمياً إلى حد ما. وهناك من نظر إلى مو صلاح على أنه مثال عالمي أمام الأطفال والشباب التركي. ومن الضروري تداول صور اللاعب المصري في كل المحافل.

إطار الصورة

ليست كل صورة ناقلةً فقط لأصل ما معروف. عاجلاً أم آجلاً، ستخرج من إطارها إلى أشياء أخرى. المفاجأة أن " مو صلاح " ليس هو أصل الصور التي راجت له. هو ليس أكثر من رمز رياضي تمَّ توظيفه لدلالة أكبر. وفي العادة الرمز مناسبة قد يُقال في حضوره كل ما لم يُقل في غيابه منذ سنوات وقرون. بالفعل لم يرسم صلاح إطار الصور ولا عناصرها ولا الوجوه التي ظهرت فيها. لأن الاطار سياسي بكل ما تحمله الكلمة من معنى. سياسات الصورة هي ما حددت: لماذا أخذت صور مو صلاح هذه الأشكال المبالغ فيها؟

الرئيس طيب اردوغان قالها في أول أنباء احترف مو صلاح: أنه علينا اتمام صفقة احترافه بالدوري التركي. ولجأ إليه يعض المسؤولين تدخلاً لحسم الموضوع عند تعثرها. المقصد في البداية هو انهاء انتقاله لنادي بشكتاش. وقد تداولت المواقع الاعلامية خبر تدخل اردوغان شخصياً من أجل هذا الغرض. ولم تكن تلك وسيلة من نادي بشكتاش تخصيصاً بقدر ما كانت مهمة انتقال صلاح لتركيا هي الأهم ولو كان لنادي ترابزون كما حدث.

نظام الرئيس أردوغان لديه خريطة سياسية واسعة الخطوط لبقاع الجغرافيا المتخيلة التي تتحاول تركيا استثمارها. أردوغان هو الدماغ السياسي الجامع بين أشباح تركيا الاسلامية وبقايا العلمانية والنزعة القومية للاتراك والتطلعات شبه الأوربية. بخاصة أنَّ تركيا لا هي دولة أوروبية، فلم يتم ضمها إلى الاتحاد الأوروبي، ولا هي دولة واضحة القوام في مناطق النفوذ والصراعات. منذ أن تولى الرئاسة، جاء أردوغان لكي يدير هذا التراث الجيو سياسي الغائر في التاريخ. تلتقي لديه مآثر الدولة العثمانية بحفرياتها في خريطة العالم العربي وجنوب شرق أسيا وشمال أفريقيا وجنوب غرب أوروبا. وهذا أمر معروف ولم يغب عن مفاهيم السياسة الدولية وعلاقات الدول تاريخياً.

ألوان صور " مو صلاح " لم يرسمها هو ، ولم يكن هو الوحيد الموجود داخلها. كما أن الكاميرا اندمجت مع حالة تركيا التاريخية إزاء الدول العربية والصراعات بين القوى بأشكالها الاسلامية والمسيحية في المنطقة. جميع ذلك استند إلى النزعة القومية التركية التي مازالت حيةً في ثوب اسلاموي قشيب. رأس النظام التركي يتحرك وسط هذا التراث، إذ لم يخفِ أنامله في أحداث الربيع العربي والمواقف ضد اسرائيل وبعض الأحداث بغزة وتوظيف الجاليات التركية في اوروبا. تركيا من الدول التي لم تكف بحثاً عن أصولها الاستعمارية القديمة.

في تونس وليبيا ومصر وسوريا لم تتوقف الدولة العثمانية الراهنة عن التدخل بحثاً عن نفوذ قديم. في تونس دلفت عن طريق الأزياء الاسلاموية وأيدت الجماعة الدينية الأكبر (الاخوان المسلمين). وكانت تركيا لاعباً ماهراً لاعادة النفوذ تحت عناوين شتى. مرة اعادة الاعمار والبناء واعانة المجتمع التونسي على تخطي الظروف السياسية الحرجة. ومرة لاعادة تأهيل حالة الديمقراطية وزيادة رقعة تطويرها في المدن وبصدد الفئات المهمشة. وبخاصة أنَّ الثقافة في شمال أفريقا لم تفقد تراث الاتراك من الأسماء والمساجد وبعض العادات السياسية والاجتماعية.

في ليبيا تحركت أنامل تركيا داخل مناطق النزاع عقب الاطاحة بنظام القذافي، من المتابعة على الأرض إلى الشركات العملاقة التي أخذت مساحة لإعادة الاعمار بالتحالف مع النفوذ القطري. ولم يفتها معرفة التركيب القبائلي للمجتمع الليبي وتدعيم بعض الأصول البشرية التركية المتواجده بالعاصمة والمدن الساحلية.

وتجاه مصر، كانت تركيا تتحين انتقال السلطة إلى الاخوان، انتقال الدولة المصرية حكماً وسيادة وعمقاً وموروثاً. لأنَّ مصر بالنسبة لتركيا الأن هي مصر بالنسبة لمحمد على الذي جاءها واحتل معظم العالم العربي وناطح الدولة العثمانية وضرب في كبد أوروبا. أي لو هيمنت تركيا على مصر بواسطة اخوانها وبعض الأذرع الاقليمية، فقد تستعيد تراب الخلافة الاسلامية ولم يتبق إلاَّ بعض الدول الأخرى.

ترك الاتراك سوريا إلى أنْ تحين لحظتها، لأنها واقعة في الخاصرة من دولتهم، حيث لم تأخذ كثيراً سوى رعاية بعض الجماعات الاسلامية. إلى أن تحين الضرورة، وقد أطلقت يدها لتُسقط النظام السوري وتستولي على السلطة. ولم تتوقف عند هذا، بل تدخلت من قبل في المحافظات المتاخمة للجنوب التركي. تدخلت اقتصادياً وتعليمياً، حيث تم انشاء مدارس تركية وغدت اللغة التركية هي المتداولة. وتعلم صبيان وبنات سوريا باللغة التي لم تبرأ من مفردات التعظيم والتقديس للباب العالي.

الصور لا تُفك شفراتها إلا عبر دهاليز الاقتصاد السياسي، كانت تركيا تتمتع برصيد اقتصادي مرموق قبل الربيع العربي وبعده. الملابس التركية والبضائع والأدوات المنزلية أخذت مكانة كبيرة. وهذا يدر ربحاً في إطار النفوذ والمنافسة في المنطقة العربية. وفي هذا أحدث النظام التركي سيولة ناعمة بفضل الدراما والأفلام وأرصدة التراث العثماني القديم.

الصورة/ التراث

تشف صور "موصلاح" تراثاً سياسياً ثقافياً بعيد الجذور . وكأنه سيظهر مهارته الاحترافية بــ" بكرة التراث" أكثر مما سيلعب بــ"كرة القدم". بدت الملاعب الخضراء هي ساحات الثقافة والمعتقدات. كل التفاصيل الفوجرافية تنطق بهكذا دلالة في الاحتفالات والتجمعات البشرية، وبخاصة الوجوه التي تقف بجوار اللاعب والأزياء والشوارب والعيون التي تحمل قسمات عيون الاتراك القدماء. هيمنت الدولة العثمانية على العالم العربي في القرن السادس عشر الميلادي. وتحديداً عقب انتصار السلطان سليم الأول على المماليك في معركتي مرج دابق (1516) والريدانية (1517).

امتدت السيطرة العثمانية على المجتمعات العربية وشملت مصر وكل مناطق بلاد الشام ودولة العراق وأجزاء واسعة من شبه الجزيرة العربية ودول شمال إفريقيا، واستمرت هذه الهمنة قرابة أربعة قرون كاملة. طبعت الثقافة العربية بالطابع الاسلامي التركي المحافظ والذي يخلط بين التراث القومي للحكم والمعالم الدينية السلفية. لم تتجنب أبعاد الحياة العربية أياً من التأثيرات المباشرة في العادات والتقاليد وصولاً إلى العبارات وطرق الرؤية والنظر وكيفية التعامل تجاه المرأة والرجل وأدوات الطهي والرتب الحربية والتعامل مع رموز الدين والخطابة والوعظ والفتاوى.

أربعة قرون عثمانية تركت بصماتها الثقافية على أجواء العالم العربي ومازالت. وفي الإدارة ونمط الحكم وتقديس الحكام والهشاشة الحضارية والتقاليد الخاصة بالحياة اليومية. حتى أن بعض القرى الشعبية في تركيا تجسدت معالمها كأنها نسخ متقدمة من القرى والشعبيات في الدول العربية. الملابس والأزياء وأساليب الحركة بين الناس. حتى أن علامات تقديس الأسرة ورب البيت وربة البيت واحدة وربما متطابقة. وكذلك تجري الاحتفالات بالمناسبات والاعياد كصور لأصل مشترك.

ومع بعض التميز في تواجد العثمانيين على أرض العرب، وبخاصة أن العرب كانوا يعانون من حالة الفوضى وبقايا الاستعمار، إلاَّ أن التواجد السياسي العثماني لم يكن خالصاً للعرب. فبحكم استغلال هذه المجتمعات تم استنزاف ثرواتها والهيمنة السياسية على أنظمتها الحاكمة، كان هناك تكريس لحكم غير متطور لا أقول كلمة أخرى لزيادة السيطرة. وجرى التعامل مع مقدرات العالم العربي بطريقة الرصيد الاضافي للدولة العلية. وأنه كان زيادة عن الحاجة، ولكن لابد من تواجده تحت قبضتها.

الصورة / الحلم

بعض الاحلام إن لم تتحقق فإنها تُستعاد ولو عبر صورة متأخرة. صور موصلاح كانت مساحة غامضة لاستعادة حلم تغلغل الدولة العثمانية عبر مواهب وقدرات الشرق. وبالرغم من كون الاحتراف في كرة القدم أخذ طابعاً عالمياً، إلاّ أنه لم ينسلخ عن استثمار قدرات الشباب (من خارج الدول) لصالح قدرات وطنية. وهذا ما ينسحب على تركيا بقدر ما ينسحب على سياسات الدول الأخرى.

ولكن في هذا الاتجاه، استعادت الدولة العثمانية الراهنة صنيع الدولة العثمانية الفائتة، استعادت الحلم في جمع المهارات والكوادر من كافة المجالات. عندما استدعت الحرفيين وارباب المهن وأساتذة المعارف المختلفة وأرسلتها إلى الاستانة. يذكر تلك الواقعة الصورة المؤرخ المصري محمد بن إياس الحنفي، في كتابه "بدائع الزهور في وقائع الدهور" الجزء الخامس، تحقيق محمد مصطفى، دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاه، الجمهورية العربية المتحدة 1961، ص ص 187- 188.

ينوه ابن إياس في كتابه المذكور أنه بعد دخول العثمانيين مصر عام 1517، أمر السلطان سليم الأول بجمع أمهر الحرفيين والصناع، والمهندسين وأرباب المهن وأصحاب الخبرات الحياتية والثقافية من القاهرة وإرسالهم إلى العاصمة "الأستانة" (إسطنبول)، وهو ما عُرف تاريخياً بـ "ترحيل أرباب الحرف". إذ جمع طائفة كبيرة من أهل القاهرة وأعيانها من كل الأصناف الموجوده. فهناك من هؤلاء: قضاة ونواب قضاة، ومباشرين رسميين، وأطباء ومهندسين، وتجاراً مصريين وتجاراً مغاربة من أهل المغرب. وكذلك طائفة من أعيان اليهود، وأعيان المسيحيين. إضافة إلى جمع طائفة من الصناع والبنائين والعمال المهرة والنجارين واصحاب الحرف المنزلية، والحدادين والنحاسين. وذلك من أجل تدعيم الدولة العثمانية لـ "مدرسة الحرفيين" التي أراد بناءها سليم الأول في العاصمة العثمانية (الأستانة). وقد أشار ابن إياس إلى أن عدد من تم ارسالهم قُدر بألف وثمانمائة رجلاً.

في اشكال الاستعمار الأخرى سواء الفرنسي أو الانجليزي، كان أبناء الدول المستعمرة تذهب إلى عواصمه لنقل الحضارة وتعلم المهن وصقل المهارات. كما حدث مع البعثات المصرية التي ذهبت للدراسة في فرنسا دراسة نتاج الحضارة ونقل الخبرات. بينما في حالة الدولة العثمانية كان الأمر معكوساً.

هناك صورة لـ "مو صلاح " في احد الاعلانات الناقلة لتناول الطعام داخل أحد البيوت التركية في مدينة ترابزون تظهر عودة الفرع (الابن المصري) كما يطلق السيدات في الاعلان على صلاح إلى المرجعية العثمانية. سمات ومعالم السيدات من جهة الملابس وربطة الرأس وطريقة التواصل مع بعضهن البعض متماثلة تماماً مع ما تركه العثمانيون في مصر منذ القرن السادس عشر. إن السيدات في الأرياف المصرية يرتدين الإيشارب (القرطة) ويربطونه بالطريقة ذاتها وينادين على بعضهن من خلال النوافذ كما بدا في الاعلان. واختيار لقب الابن لتطلقه سيدة الاعلان على " مو صلاح" لقب دال. ليس لقباً مجانياً من تلقائية الاعلان، ولكنه معبر عن الانتماء إلى أرضية ثقافية واحدة.

ليس من المبالغةِ أن الاحتفال باحتراف "موصلاح " تجاوز الصور ليلتقي مع ماض ثقافي لا يخلو من صراع القوى الكبرى في المنطقة العربية. وبدت مظاهر البهجة في الشارع والمقاهي والميادين مفتوحة أمام من جاءوا من مناخ عثماني موروث. فلا تؤدي الصورة دور التجسد والتحقق لأصل محدد، بل دونت فوتوجرافياً بعض المعالم الثقافية المتأخرة عن أوانها. لأن أشكال التواجد الاستعماري (الثقافي) لا يخرج من جسد المجتمعات مرةً واحدةً، ولكن هناك نوازع هيمنة خفيةً مازالت سارية تحت جلد الناس. يتنفسها المناخ العام من وقت لآخر كما تتنفس الأرض عوامل الضغط والتوترات بين الطبقات. وقد تتسلل نوازع الهيمنة عبر صورة أو سواها تبدو خاصةً، ولكنها شديدة العمومية في فهم الأحداث والمظاهر.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

 

نقصد بطاقة النفس هي الشحنات الانفعالية التي توظف توظيفًا بين الخسارة في استهلاكها حيث لم يتح لها التفريغ المناسب، والربح في تحقيق نجاحات الإنسان في حياته اليومية مما تعمق لديه التوازن النفسي.

حينما نراجع سلسلة طفولتنا ونحن على يقين بأنها الماضي الأبدي، نتيقن بأننا لا يمكن أن ننفصل عن ماضينا، فهذا الماضي هو يومنا، هو حاضرنا، ويقول البعض.. أريد أنسى الماضي، ونقول الماضي حاضر دائمًا في كل أفعالنا ويوميات حياتنا، ماذا تركت طفولتنا في خبايا اللاوعي – اللاشعور؟ هل أنهكتنا التخييلات حتى بددت الطاقة المتاحة للعمل في أنفسنا؟

طاقة النفس تستمد كما يراها سيجموند فرويد مؤسس التحليل النفسي من مجموعة الاقتصاد النفسي الذي يهتم بالناحية الكمية للقوى الموجوده في الصراع، مثال ذلك كما يقول " دانييل لاجاش" أن الفرد يمكن أن ينطوي منذ الميلاد على قدر متفاوت من الميل العدواني، أو الشهوي. وتتعدل الطاقة الغريزية في بعض الفترات الحرجة " كالبلوغ وسن اليأس"، وتكون القوة النسبية للحوافز،  والحوافز المضادة حاسمة في تطور الصراع، ويمكن أن تنتقل هذه الطاقة – فإذا كان الغضب كمثال، نشاهد أن العدوان الموقوف بإزاء فرد آخر أقل مدعاة إلى الخوف، إلا أن إمكانيات القياس الكمي محدودة.  لذا فإن الطاقة التي تحملها النفس تجد لها منفذ حتمًا، هذا المنفذ هل هو مقبول إجتماعيًا، أو غير مقبول؟ 

 فالمنفذ لتصريف هذه الطاقة غير المقبول اجتماعيًا يتمثل في السلوك العدواني، إذن العدوان طاقة "، أو الانفعالية المكبوتة بسبب الخجل والانطواء على الذات، وهي بالتأكيد طاقة نفسية  إنفعالية غير سوية ونجدها في استجابات البعض للظرف بشدة عالية، أو المبالغة في رد الفعل الذي لا يستحق حد المبالغة، وهذه الاستجابات يعرفها المشتغلون في علم النفس بشكل عام وتظهر في علامات جسدية مميزة مثل التعرق الشديد، احمرا أو اصفرار في الوجه، أو تشنجات في الوجه، وكذلك ترجرج شديد في الاجفان مع حركة غير مسيطر عليها، فضلا عن نظرة غير مستقرة مع حركات تشنجيه غير مستقرة. وهذا ما نشاهده بشكل صريح..  ولكن تكون طاقة العدوان كامنة وغير مرئية حينما تتلبس بمجموعة من التمويهات، المنافق إنمذجًا، فطاقة النفس تشكل كل سلوكنا وحياتنا اليومية في تعاملنا. ويرى " بيير داكو " العدوانية غير السوية هدامه، تركز على الخوف شأنها شأن عدوانية الحيوان الذي ضاق عليه الخناق.

نجد طاقة النفس هائجة عند الطفل يبحث عن تأمين حياته من خلال اللذة التي يحصل عليها بالإشباع من حليب الأم، أو اشباع رغباته الأخرى مثل مداعبة الأم والعطف والحنان بدون حساب أو حدود، لأنه لم يتم تطبيعه بعد على قيم المجتمع السائدة، فكل ما يصدر عن الطفل إنما هو بلا تهذيب ولا بشكل مقبول إجتماعيًا مثل اللعب ببرازه، أو تحطيم الاشياء وغيرها، فهو يبحث عن اللذة، وقول العلامة مصطفى زيور في المراحل الأولى من النمو النفسي يؤدي الخلط بين الذات والآخر لدى الطفل إلى عجزه عن التمييز بما يخص ذاته،

وما يخص الآخرين. هذا السلوك إن لم يجد توظيفًا تربويًا ناجحًا في السنوات الستة من حياة الإنسان، سيتحول إلى العدوانية المتمدنة في الرشد. إذا بقى هذا الطفل بلا تربية صحيحة تتوافق مع قيم الاسرة والمجتمع من خلال عملية التنشئة الاجتماعية بعد ذلك سنقول عنه طفل غير متوازن.. أو إنسان إنفعالي يثير عند الاسوياء الكثير من التساؤلات.

أزمة طاقة النفس لا يمكن وصفها بسطور بسيطة لأنها تشكل سلوكه وتعامله وأسلوب حياته اليومية، وكلما عظمت هذه الطاقة بجانبها السلبي في النفس سوف يكون الموت شعارها ولو على مستوى اللاشعور – اللاوعي.

 إنها طاقة لم تجد من يوظفها توظيفًا مقبول اجتماعيًا لأنها تكون خارج الأخلاق.. الجنسية المثلية إنموذجًا، وممارسة البغاء عند النساء، لم ولن تشبع أبدًا.  

نقول أن نشأتها منذ الطفولة وبالأخص تكون سمة العدوانية هي السائدة وبصورة صريحة منذ ولادة طفل آخر، فهو يكره أخاه علنًا وجهارًا، وتتدخل الأم والأب في تأكيد صورة مغايرة لما يحمله في لاشعوره، وإن نجح الأبوين فهو يتستر بهذا السلوك العدواني، وربما تتغير الصورة وتنقل تلك الطاقة إلى المبالغة في اللطف نحو أخيه.

طاقة النفس في البلوغ ربما تكون مموهة عندما تحمل السلوك العدواني، والسلوك المضاد للمجتمع – أعني السيكوباثي – عند بعض الشخصيات المنحرفة، أو الشخصية المنحرفة نرجسيًا، أو الشخصية المثلية جنسيًا عند الرجال والنساء.

  تؤكد لنا الدراسات النفسية المعمقة بأن تلك الطاقة النفسية التي لم تأخذ مكانها السوي تستنزف كل ما تحمل من جهد ولكنها تجد اللذة والمتعة في تحقيق عدوانها نحو الآخرين، أو نحو الذات عند المثليين، أو ظاهرة البغي عند النساء بالاستمتاع المرغم عليه، ويرى الدكتور احمد فايق أن الغريزة الجنسية لدى الإنسان أكثر تأثرًا بالجانب النفسي عن غيرها من الغرائز.. كلها تحركها طاقة النفس التي لم تجد مسارها، لكن تجد الاشباعات المبتسرة الناقصة، إذن لا ينتهي هذا الإشباع، ولا ينتهي هذا الصراع. ويمكننا القول بأنها الخسائر من طاقة النفس وليس المكاسب الظاهره، أو المستترة في النفس. 

أما الارباح في طاقة النفس وتوظيفها توظيفًا ناجحًا من الممكن أن تصون الطاقة النفسية توازن النفس والبناء النفسي للإنسان وتضفي على نفسه الراحة. هذه الطاقة التي سايرنا استمرارها منذ الطفولة حتى المراهقة ثم البلوغ والرشد، ثم النضج العقلي، ثم العطاء في الاداء الظاهري والمستور، لأن طاقة النفس بها تراكمات حتمًا، والحياة النفسية تحمل خبايا ودهاليز مظلمة، ليست نقية، ولا عملية ميكانيكية تراتبية، إنها عملية صراع مستمر غير منتهي، بالأحرى  صراع قبل وفاق، وصراع بعد وفاق، ويعلم الجميع بأن أي ظاهرة نفسية تحتاج إلى طاقة نفسية موجودة أساسًا في دواخلنا، غير ملموسة ماديًا، لكنها موجودة فعليًا، هذه الظاهرة النفسية يصاحبها الحاح بدني كما هو الإلحاح الفكري العقلي مع إمكانيات معنوية ومادية لابد من إشباعها.

ويمكننا القول أن أشق ما في اختزال الظاهرة النفسية هو الانتباه إلى أهمية التخييل في النشاط العقلي الذي يستهدف إكمال بلوغ الهدف للطاقة الموظفة من النفس، ويمكن لتحقيق الطموح للظاهرة النفسية انشغالا لا شعوريًا – لا واعيًا بالرغبة لتحقيق هدف النفس، ومن أمثلة نجاح طاقة النفس هو تحقيق النجاحات في الحياة اليومية المعاشة مثل توظيفها للنجاح في الحصول على شهادة علمية بحق، أو النجاح في مهنة، أو الحياة اليومية بأقل ما يمكن من الصراعات، ونتفق مع العبارة التالية بأن الظاهرة النفسية للاشباع الناجح هو تحول كمي في قدر التوتر الناجم من الإلحاح البدني أي الغريزي، أي الطاقة النفسية التي تم توظيفها بنجاح مقبول، في المهنة، أو الشهادة العلمية، أو الزواج الناجح، أو علاقات الفرد مع أفراد المجتمع لغرض الإنجاز، وهذا يوصلنا في نهاية الأمر إلى مفهوم اقتصادي للحياة النفسية يسمح بصلة معينة بالمعنى الاقتصادي للظاهرة الاجتماعية المقبولة من خلال توظيفها وتحقيق افضل لطاقة النفس  عند الإنسان.  

***

د. اسعد الامارة

مقاربة لسانية

ظلت مباحث علم النفس لفترة طويلة من الزمن تتمحور حول الفرد والذات فاهتمت بدراسة سلوك الفرد في أطواره العمرية المختلفة فتعقبت مراحل نموه في سيكولوجية الطفولة والمراهقة وبناء الشخصية وسيكولوجية الشيخوخة ودراسة السلوك الإنساني ودوافعه المختلفة، وبعد حين انبثق نظر جديد على يد العالم الفرنسي (غوستاف لوبون) يهتم بالبصمة النفسية التي تشكل سيكولوجية المجتمع ومشتركه الشعوري النفسي والآراء والمعتقدات والأوهام ومخيلته بما يشكل وحدة ذهنية اجتماعية واحدة، ودراسة العوامل التي تكون كل ذلك إذ يجري التفريق في الدراسات السيكولوجية والاجتماعية بين نظرين مختلفين اثنين، يهتم أحدهما بتأثير المجتمع في نمو الفرد وتشكيل قيمه وأثر محيطه في بناء شخصيته المستقلة، ونظر ثان يرتكز على السلوك الجمعي للأفراد وكيف ينصهر الفرد بتأثير الجماعة فينخرط مع قيمها فتغيب ملامحه الفردية فينقاد ضمن سيكولوجية الجماعة وعاطفتها التي يغيب فيها التفكر والتروي والحس النقدي، فالمرء في أفقه الفردي يمتلك سمة الاختلاف والمغايرة والقدرة على التأمل والمراجعة ونقد الأفكار ولكن في انخراطه العاطفي مع الجمهور يأتلف مع قيم الجماعة بمطابقة وجدانية يسهل استثارتها وتعبئتها من قبل رموز اجتماعية فاعلة تستخدمه في التحشيد والتعبئة والتوجيه إذا ما أحسنت تلك الرموز من زعماء وقادة مخاطبة الجماهير واستثارة عاطفتها وإذكاء مخيلتها في استراتيجية براغماتية قائمة على التضليل والتمويه والتوجيه نحو مسارات مؤدلجة، وكأن الجمهور قد وقع أسيراً تحت سطوة تنويم مغناطيسي يستدعي المناطق المعتمة المستكنة في دهاليز النفس والقابعة في اللاشعور الجمعي مستثيرةً فيه الملامح البدائية من الطفولة الإنسانية في بعث الخرافات وإيقاظ الأساطير المؤسسة للمخيلة الجمعية للجماهير واستدعاء غرائز الخوف والتطرف في الاعتقاد وتخطئة الآخر المختلف وتأثيمه، فيسهل قياده وتوجيهه لاعتناق رأي والدفاع عنه بعنف وكأنه قد نوم مغناطيسياً. ويصدق هذا على جمهور كرة القدم وجماهير الأحزاب في الانتخابات والجماهير التي يتم تعبئتها وزجها للقتال والحرب في قضايا غير قضاياها وفي حروب عبثية غير مشروعة. هذا التفريق قد تبلور في كتاب (سيكولوجية الجماهير) للعالم الفرنسي (غوستاف لوبون)، فهو يشبه الفرق بين قيم الفرد وتصوراته منعزلاً وتصوراته بانخراطه مع الجمهور بالعناصر التي تمتلك حال انفرادها خصائص كيميائية مختلفة تماماً عن ائتلافها ضمن مركبات جديدة في تفاعلها الكيميائي. ويضرب مثالاً على ذلك ــ وقد يبدو صادماً ــ أن الطبيب في سلوكه الفردي وما يقدم من مشورة مهنية علاجية يمثل وعياً متقدماً ولكنه قد ينخرط مع سلوك الجماهير وطقوسها البدائية وعاداتها الفلكلورية فيستوي بذلك مع القصاب الذي يكون نصيبه متواضعاً من المعرفة والعلم. ومن بين أبرز القضايا التي تناولها (لوبون) في كتابه خطابات الزعماء المحركين للجماهير وكيفية توظيفهم للألفاظ في استماله عواطف الجمهور والسيطرة عليهم وتضليلهم. فالجماهير المخدوعة التي كانت وقوداً لنيران الحرب وأتون المعارك الدينية والقومية في أوربا في حروب وفتوحات (نابليون)، والجماهير التي كانت تقاتل من أجل تحرير قبر المسيح من (براثن الشرقيين الهمج) ـ في نعت الدعاية المضللة ــ في معارك الصليب لم يكن ليثنيها ألف برهان عقلي وألف دليل منطقي ليقنعها بزيف تلك الدعاوى وبطلانها إزاء خطاب حماسي واحد من زعيم يبجلونه يلهب وجدانهم ويثير فيهم مشاعر الكراهية والاحساس بالظلم العقائدي ويستعديهم تجاه الآخر، خطاب يلقى ببلاغة ساحرة تصطنع الهيبة والخشوع ويرتدي قناع الإيمان بقضايا الجمهور العامة، فانطلت على الجمهور الاطماع التوسعية الاستعمارية وبسط النفوذ القومي باسم الدين والعقيدة والوطن. فكم من دماء بريئة أريقت ظلماً باسم المقدس ! وكم من رموز وقادة تلاعبوا بعواطف الجماهير واحترفوا التمثيل والدجل معتمدين التكرار والتأكيد في القول والتلاعب اللفظي لما يمتلكوه من لباقة ومؤهلات في الخطابة وما يتمتعون به من هالة وهيبة في نفوس البسطاء وصلت حد التقديس والعبادة، فـ (لوبون) يفصل الأسباب النفسية من مخاوف وأحقاد وأهواء لدى الجمهور التي تدفعهم لتقديس الزعماء إلى حد العبادة وإطاعتهم طاعة عمياء وكأنهم أنبياء وقديسون جدد. بل إن هالتهم وهيبتهم في نفوس البسطاء في أحيان تغنيهم عن الحديث ومحاولة الإقناع، فحضورهم وحده وسط الجماهير هو (إيثوس) في مفهوم (أرسطو) يستغني عن الخطابة في الإقناع، حتى في غيابهم تمثل أيقوناتهم وصورهم حضوراً مهيباً ومبجلاً ومقدساً في نفوس البسطاء لأسباب سيكولوجية كثيرة فصلها (لوبون).

لقد وصل الأمر في الاهتمام بكتابه أن تلقي الكتاب تجاوز النظر الأكاديمي في أبحاث علم النفس الاجتماعي ليشمل اهتمام الزعماء والقادة السياسيين المنشغلين بالسيطرة على الجماهير وتضليلها، فتفكيك الخطابات العنصرية النازية لـ (هتلر) وتحليل لغة جسده ومراجعة سيرته الذاتية (كفاحي) التي كتبها بقلمه يؤكد أنه أفاد من كتاب (لابون) في تشكيل خطاباته التي ترتكز على تغذية الجماهير بمشاعر الكراهية والتفوق العنصري، وهو ما يصدق أيضاً في إفادة زعيم الفاشست الإيطالي (موسوليني) منه في خطاباته التوليتارية (الشمولية) مما ألحق نفوراً وعزوفاً عن تلقي الكتاب واستقباله من قبل بعض الأوساط الثقافية وأكسبه صيتاً سيئاً، بيد أن كثيراً من التيارات النقدية المعاصرة ولا سيما مدرسة (فرانكفورت) وفي طليعتها الناقد (أدورنو) أعادوا الاعتبار لهذا الكتاب. فالكتاب في دائرة النقد الحديث يمثل واحدة من حلقات تطور فكرة استقبال وتلقي النصوص لدى الجمهور. وإذا كانت فكرة الاستقبال تمثل في الخطاب النقدي منطلقاً في قراءة الكتاب فهل يمكن أن تتبلور منطلقات لسانية مغايرة في قراءة هذا الكتاب في نظر يقترب من الفكرة المركزية للكتاب المتمثلة في بناء الخطاب وكيفية التأثير في الجماهير؟.

لقد ولدت اللسانيات بنشر محاضرات (دي سوسير) بنسختها البنيوية عام 1916 ولكنها شهدت تحولات كبيرة وخضعت نظرياتها للتطور وأفرزت اتجاهات عديدة شملت اللسانيات الوظيفية والتوليدية ولسانيات تحليل الخطاب، فثمة بون واسع بين اللحظة الزمنية الثقافية لعصر (غوستاف لوبون) في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وبين اللسانيات في مشهدها المتطور الراهن، لكن ما يشكله كتاب (لوبون) من أهمية وريادة في دراسة سيكولوجية الجمهور يجعله كتاباً تأسيسياً يحتم مراجعته ومقاربته مع نظريات حديثة للبرهنة على منزلته العلمية ولاختبار فاعليته الواقعية في تحليل الخطاب من خلال الموازنة والتعرف على تطور الأفكار التي كانت يهجس بها والتي خضعت بتطور البحث العلمي لمنوالات نظرية وأبعاد إجرائية مختلفة تؤكد فاعلية أفكاره وثبات كثير من نتائجها في فحص سيكولوجية الجمهور. ليس هذا فحسب بل المقاربة والتنقيب عن الروافد اللغوية ومرجعيات (لوبون) اللغوية غير المصرح بها يلتقي مع النظر الحفري في تحليل الخطاب لمعرفة تطور الأفكار والوقوف عند جذورها النظرية.

غالباً ما يكون تفاعل الجماهير وانجذاب مخيلتها للصورة ـ في نظر لوبون ـ أكثر منها للكلمة، لذلك فإن من يخاطب الجمهور من الزعماء الأذكياء يحرص كثيراً على توظيف الألفاظ في دلالتها ومعانيها الحسية غير التجريدية ليضمن انشدادهم، وهذا ما يعضده التحليل اللساني المستند على نظريات تحليل الخطاب، فالألفاظ التجريدية تستدعي حقلاً دلالياً إشكالياً يخضع المشكلة للتحليل والمناقشة والجدل نقيض المفردات الحسية في الخطابات التي لا تنفذ إلى عمق المشكلة وتعمد إلى تسطيح الأفكار، وهوما تؤكده أيضاً اللسانيات الإدراكية في دراستها للمعجم الذهني ومعالجة الدماغ للتراكيب، فالمعالجة العصبية اللغوية تكون أسرع في الجمل القصيرة ذات المفردات الحسية اليومية المألوفة في محيط المخاطب. وثمة كلمات يصعب تحديد معانيها بنحو دقيق، ويكون لها أكبر الأثر في تحشيد الجماهير واللعب بعواطفها بسبب اختلاف الرؤى والمرجعيات في الاصطلاح الجمعي على ما تحيل عليه من مدلولات سياسية أو اجتماعية، فهي لا تمثل وفاقاً في معظم الأحيان نحو مفردات : (الديمقراطية والاشتراكية، والمساواة، والحرية)،وهذا ما تصطلح عليه لسانيات التلفظ بـ (الإحالة المشتركة)، فكأنَّ هذه المفردات وصفة سحرية لمعالجة مشاكل كثيرة وعامة وتلامس أهواء الجماهير من دون أن تقترب من معالجة المشكلة بنحو دقيق، فغموض كثير من المفردات وهلاميتها ودلالاتها الفضفاضة يمنحها قوة وفاعلية في التأثير في الجمهور. وتبرز مشكلة ثانية هجست بها اللسانيات الاجتماعية ترتبط بالتنوعات اللغوية داخل المجتمع الواحد، فالمجتمع متنوع ومختلف بهمومه وتطلعاته ومشاكله وقضاياه، فليس من المناسب توظيف الألفاظ نفسها في مخاطبة أي جمهور، فالمجتمع وإن كان يتحدث اللغة نفسها ولكن بتنوعاته الطبقية والبيئية تتنوع أساليبه وألفاظه، فمن غير المناسب تعميم الخطاب دون مراعاة خصوصية البيئة المحلية أو التشكيل المهني أو الطبقي للجمهور المعنيين بالخطاب، ولكن خطاب التضليل المتلاعب بالأهواء ـ والتأكيد للوبون ـ يستعمل الألفاظ الأكثر اختلافاً، فهو يؤكد أن اللغة متطورة بحقبها الطويلة وبمراحلها الزمنية القصيرة نتيجة حركة المجتمع وتغيره مما ينعكس على اختلاف الألفاظ وتطورها بين بيئة وأخرى أو بين عصر راهن وآخر متقدم، فالحرص على توظيف مفردات معينة من المفردات التاريخية الموروثة دون الانتباه إلى دلالتها المتغيرة هو نوع من التلاعب ؛ يؤكد هذا (لوبون) في وقت متقدم على ظهور اللسانيات الجغرافية، فالأخيرة هي الثمرة العملية التطبيقية للسانيات الوصفية وعلم اللهجات والدراسات اللغوية التاريخية والمقارنة التي يمثل وضع الأطلس اللغوي هاجسها الرئيس، فالأطلس يتكفل بتتبع التوزيع اللغوي الجغرافي لاستعمال الكلمة وتغيراتها الدلالية والصوتية وتطور معانيها بين إقليم وآخر، فرصد تطور اللغات حاجة لسانية ملحة تستدعي وضع أطلس جديد غير الأطلس اللغوي المتقدم، والموارنة بين الأطلسين تمثل وسيلة مهمة لقياس التطور اللغوي وقياس تحول التفكير وتطور ثقافة المجتمع، فاللغة تشكل أهم محددات الفكر.

وفي نظر (لوبون) يمثل الشعور العاطفي المصاحب للأداء الصوتي الذي يحرص على تمثيل الخشوع نقول يمثل سطوة كبيرة في التأثير بالجمهور وتنحسر عنده قوة البرهان والجدل العقلي المستند إلى الحقيقة الموضوعية ويتفوق عليها بكثير بسبب انفعال الجماهير لسحر الأصوات وجرسها الموسيقي النغمي، فقد نبه على عادة الزعماء في تمثيل الهيبة والخشوع في نطق ألفاظ محددة تدغدغ العصبية الاجتماعية وعقيدة الجمهور، وهذا ما توصلت إليه اللسانيات الأنثروبولوجية الوصفية الأمريكية في دراستها للغة الجسد، فهناك لسانيات شكلية تهتم بدراسة ألفاظ اللغة وتراكيبها وهناك (لسانيات مصاحبة) لها، فهذه الأخيرة تنظر في السلوك غير اللفظي المصاحب للسلوك اللغوي في لحظة إنشاء الخطاب وتفاعل الأفراد ضمن سياق الحال، ففي أحيان كثيرة يلعب السياق غير اللفظي المتضمن لدلالة التنغيم والنبر والمتضمن للغة الجسد دوراً حاسماً في قلب دلالة الألفاظ ومحمولات الخطاب اللغوية مثلما يحصل في ألفاظ السخرية إذ لا يمكن حملها على دلالتها الحرفية، فالمقام يمثل قرينة صارفة نحو معان ضمنية غير مباشرة، وهذا ما يسمى بـ (الاستراتيجية التلميحية) في تكوين الخطاب التي تقابل (الاستراتيجية التصريحية).

وتتفاوت المفردات في شحنتها الدلالية ومعانيها وظلالها النفسية والإيحائية، فثمة مفردات هي من الشيوع والألفة حد الابتذال في المخيلة الجمعية، فهي في نظر (لوبون) بمنزلة الأصوات والصراخ الفارغ من الدلالة إلا أن استعمالها في مخاطبة الجماهير يعفي قائلها من مسؤولية التفكير والتوضيح والتفصيل لمحمولات خطابه الإبلاغية. وهذا النظر عند (لوبون) يقترب من مفهوم (لسان الخشب)، ففي لسانيات تحليل الخطاب تسمى الخطب السياسية التي لا تتضمن محتوى إبلاغياً مؤثراً في الجمهور بـ (لسان الخشب) فهي تمثل أسلوباً رسمياً جامداً، فواحدة من شروط الخطاب هو أن يتضمن الإعلامية والإخبار عن وقائع مجهولة للمتلقين أو يتضمن تفسيراً ووجهة نظر منشئ الخطاب عن وقائع تستدعي تفسيراً أو أن يتضمن الخطاب جزءاً من الأفعال الإنجازية القولية التي تنعت بـ (الوعديات) أو (الالتزاميات) المستقبلية التي تتعهد للجمهور بإنجازات مستقبلية إزاء تحديات ومشاكل ما تقتضي حلولاً ومعالجات، ومحللو الخطاب في التمييز بين (الرواية الرسمية) للحكومة والروايات غير الرسمية للحوادث يلجؤون إلى قياس حضور الذاتية في الخطاب من خلال وسائل إحصائية كمية للواسمات اللفظية التي تعبر عن وجهات النظر وقياس الدرجة الإعلامية أيضاً، وفي غياب كل ذلك يفقد الخطاب الحكومي حجاجيته في التأثير والإقناع، ويلجأ إلى الاقتصار على العموميات وتكرارها في حديثه مما يفقده ثقة الجمهور بقدرة الحكومات على المعالجة، واكتفاؤها بالشجب والإدانة والتعبير عن أسفها، أو يلجأ إلى إبقاء الحديث دائراً فيما لا يجهله الجمهور ولكن يضمنه صوراً استعارية وبلاغية توحي بالقوة والإحاطة والحزم. فثمة ورش لغوية خلف الكواليس تعكف على صناعة الخطاب وتنخرط في لعبة السياسة البراغماتية من خلال دراسة البدائل اللغوية الممكنة عن التعبير عن الفكرة الواحدة وانتقاء خيار تعبيري يظهر الأحزاب أو الحكومات بمظهر القوة والحرص على الجماهير مما يعد شكلاً من أشكال إساءة استعمال السلطة. وفي (لسان الخشب) يسهل وبدرجة كبيرة قياس رأي الجمهور وعدم تفاعلهم ضمن مفهوم (بلاغة الجمهور)، ففي مناهج تحليل الخطاب يُنظر إلى(بلاغة الجمهور) من خلال مفهوم (الاستجابة)، وهي غير (استجابة القارئ) الجمالية في نظريات القراءة الأدبية عند (ياوس) و(إيزر) التي تقوم على تلقي النص ضمن (أفق التوقع) وقبليات الفهم والتأويل، فـ (استجابة الجمهور) من منظور تحليل الخطاب تنظر في الموقف الذي يتخذه جمهور المتلقين من الحمولات الايديولوجية لخطابات السلطة إذعاناً وقبولاً أو رفضاً وممانعة، وقد تكون الاستجابة فعلاً معارضاً لا فعلاً قولياً، وقد تكون الاستجابة استجابة سلبية صامتة.

ويؤكد (لوبون) أن الجماهير قد تشعر بانقباض ونفور من معاني بعض المفردات بسبب صورتها التي تثيرها في نفوسهم أثر التحولات السياسية والانقلابات التي أفقدتها دلالاتها وصورتها القيمية التي يحملوها عنها، فهو ينصح رجال الدولة بانتقاء مفردات جديدة مع الحفاظ على المعاني المقصودة التي كانت تعبر عنها تلك الألفاظ، وهذا ما انتهى إليه التحليل اللساني في مباحث علم الدلالة وتفريقه بين معاني الألفاظ المركزية التي تعين مسميات الأشياء وبين المعاني الهامشية الحافة بتلك المعاني التي تضيف بعداً عاطفياً إيجابياً أو سلبياً نتيجة تجارب حياتية أو ما تخلفه ثقافة المجتمع من انطباعات عن مدلولاها التصوري، فالمعاني الهامشية ليس معان محايدة بل هي تتضمن أحكاماً قيمية محملة بالذاتية والانطباعات القبلية الأمر الذي ينبغي تجنبها مراعاة للتلقي في إنشاء الخطاب والاستعاضة عنها ببدائل تعبيرية غيرها تكافي المدلول المركزي غير الهامشي.

ويركز(لوبون) على الزمن بوصفه العامل الأساس لتغير اللغة ولكنه يؤكد تغيرها بتغير العرق البشري إلى جنب تشخيصه بكونها متغيرة بتغير الزمن وبتنوع الطبقات الاجتماعية، ويضرب مثالاً على ذلك بأنه يجد في فترة واحدة ولدى شعوب متحضرة تتضمن أعراقاً مختلفة يجد أن استعمالهم للكلمات المتماثلة في اللفظ يدل غالباً على أفكار مختلفة تماماً بينهم. وللتدليل على ذلك يلجأ إلى الفطرة والانطباع المؤسس على الرحلات ومعايشة المجتمعات، فهو يؤكد أن التصور اللاتيني (الفرانكفوني) للمفردات يختلف عن الروح الأنكلوسكسونية، فكلمة (ديمقراطية) عند اللاتين تدل على انمحاء الإرادة وغياب حس المبادرة الفردية والتبعية للدولة وغياب الروح الفردية. فالدولة تضطلع بمسؤولية القيادة والمركزية في سياسة الأمور، لذلك فالمفردة توظف ــ في الفترة المعاصرة للوبون ــ عند جميع الأحزاب الراديكالية والاشتراكية والدستورية الملكية ؛ بينما المفردة نفسها لدى الانكلوسكسون وتحديداً في أمريكا تعني تنمية الإرادة الحرة للفرد، فالدولة ترعى قطاعات الأمن والدبلوماسية الخارجية فحسب. والجدير بالذكر أن هذه المفردة في عصرنا الراهن قد طرأ عليها تحول كبير يختلف عن استعمالها عند الشعوب الذي تحدث عنهم (لوبون)، ولكن تأكيده بأن الخطاب ينبغي أن يراعي تصورات الجمهور وبرهنته على اختلاف اللغة باختلاف العرق هو أمر برهنت عليه النظريات اللسانية الأمريكية الوصفية في نزعتها الأنثروبولوجية من خلال التحليل التقابلي والمسح المعجمي الوصفي التي تمخضت عنه نظرية (ادوارد سابير) و(بنيامين لي وورف)، فلكل لغة نظام تمثيلي يختلف عن اللغة الثانية في تصوره للأشياء والكون، فالشخصان اللذان يتحدثان بلغتين مختلفتين لن يفكرا بطريقة واحدة، فهناك محددات لغوية تحتم على الناطق بلغة ما أن يفكر بأطر وقوالب ذهنية تختلف عن الأطر والقوالب الذهنية للغة المختلفة عن لغته، فاللغة ليست وسيطاً حيادياً بين الأفكار والتصورات وبين ما تعبر عنه من موضوعات خارجية ووقائع، فهي تعيد تشكيل انطباعاتنا حول الشيء وتبني تمثلات تناسب خصوصية اللسان والثقافة، وهذا ما تؤكده أيضاً اللسانيات الإدراكية في نظرية الاستعارة التصورية لـ (جورج لايكوف) و(مارك جونسون)، فاللغة ليست نظاماً تشفيراً رمزياً يوازي موضوعاً خارجياً يحيل إليه بل هي نظام تفكير وعقل استدلالي يتمايز بين ثقافة وأخرى.

إنّ الكثير من تصورات (لوبون) المتعلقة بجدلية اللغة وسيكولوجية الجمهور التي تقدم الحديث عنها في وفاقها مع التفكير اللساني يمكن عزوها إلى جذور واحدة استقت منها اللسانيات وامتاح منها (لوبون) أيضاً، فمن المؤكد أنه أفاد من معطيات البحث اللغوي الفيلولوجي، فهذا الحقل العلمي معني بدرجة كبيرة في النظر في الأبعاد التأثيلية للألفاظ وأصولها الاشتقاقية وتغير معانيها ويهتم بجوانب تأويلية تتعلق بفهم نصوص قديمة كالملاحم الشعرية والأساطير التي يصعب فهمها بسبب تطور اللغة وتغير دلالة الألفاظ والتراكيب، وإن كان النظر اللغوي في البحث الفيلولوجي ليس غاية وهدفاً لذاته كما هو حال اللسانيات، فالفيلولوجيا تنظر للغة بوصفها وسيلة للنفاذ إلى ثقافة الشعوب القديمة وفولكلورها من خلال تحليل ما غمض من نصوصها التأسيسية كالملاحم وهو ما ينسجم مع تخصص (لوبون) المعنى بدارسة حضارة الشعوب، وصحيح أن البحث اللساني يختط لنفسه طريقاً منهجياً ومنوالاً نظرياً غير المنوال الفيلولوجي بيد أن البعد التأثيلي وتغير دلالة المفردات في النظر الفيلولوجي أسهم إلى حد كبير في قضايا النظر اللغوي التاريخي والمقارن والتمييز بين النظر السايكروني التزامني والبعد التعاقبي التاريخي للغة الذي لا يشف عن جوهر النظام. وفي مجال تغير اللغة وتأثرها بالعرق الاجتماعي عند (لوبون) وموازنته باللسانيات النسبية الوصفية تتأكد فرضية وحدة الروافد المعرفية، فثمة نظرية سائدة في القرن الثامن عشر عند الفلاسفة ودارسي الحضارة الإنسانية مثل الفيلسوف الألماني (همبولت) و(هيردر) تتخلص بأن اللغة تتأثر بالعقل الجمعي الناطق بها وهناك تأثير متبادل بين اللغة والفكر، فقد تأثر (لوبون) بهذه النظرية وتأثرت بها اللسانيات الوصفية الأمريكية عند (إدورد سابير) و(بنيامين لي وورف)، غير أن اللسانيات الوصفية غادرت تبني الفكرة على المستوى النظري إلى البرهنة عليها من خلال تحليل لغات كثيرة تختلف في تمثلاتها للزمن واللون. ليس هذا فحسب بل لا نستبعد تأثره بالموروث اليوناني ومنجزه في فلسفة اللغة من خلال تنظيرات (أرسطو) في كتابه فن الشعر وفي مصنفه الخطابة، فـ (أرسطو) في تقسيمه لأنواع الاقناع ميز بين (اللوغوس) المتمحور على البرهان العقلي والحجة المنطقية، و(الباثوس) وهو الإقناع الذي يوظف عواطف الجمهور واستثارة حس الخوف أو الشفقة أو الحزن، و(الإيثوس) أي الاقناع الذي يستند إلى هالة الخطيب وهيبته الشخصية وثقة الجمهور به أقول إن (أرسطو) في تقسيمه الثلاثي أولى النوعين الأخيرين (الباثوس، والإيثوس) أهمية كبيرة في استمالة الجمهور، و(لوبون) استبعد العنصر الأول تماماً من سيكولوجية الجمهور ليركز على الأخيرين. وعلى الرغم من تطور نظريات تحليل الخطاب ومقاربتها لبلاغة الجمهور ضمن طروحات (شاييم بيرلمان) في البلاغة الجديدة ونظريات الحجاج التداولية إلا أن جذوراً تراثية يونانية فلسفية مثلت روافد معرفية قد خضعت للصيرورة الجدلية فتمخضت عنها تلك الأفكار المتطورة في حقل تحليل الخطاب، فوحدة الروافد التراثية اليونانية يفسر بنحو يبعث على الاطمئنان التقارب الكبير بين طروحات (لوبون) ومسائل الفكر اللساني في بناء الخطاب وتلقيه والتأثير المتبادل بين اللغة والمجتمع.

***

كريم عبيد علوي

باحث وتدريسي بجامعة بغداد

كيف يسحقُ العقلُ المستطيلُ بقايا العقلِ المسطحِ في الشرق الأوسط؟

يشهد الفضاء الجغرافي-السياسي والثقافي في الشرق الأوسط أزمة بنيوية مستعصية، لا تقتصر تجلياتها على التصدعات السياسية أو الإخفاقات الاقتصادية، بل تمتد لتضرب بجذورها في البنية المعرفية العميقة للعقل العربي. إن مقاربة هذه الأزمة تتطلب تجاوز التحليلات السطحية التي تقف عند حدود الظواهر، والانتقال إلى الحفر التنقيبي في طبقات الوعي واللاوعي الجمعي، حيث تتشكل العِلاقة المعقدة والمترابطة بين بنيتين استعاريتين:

"العقل المسطح" الذي يظهر حالة الجماهير المستلبة، و"العقل المستطيل" الذي يجسد صرامة السلطة وهندستها القمعية. هذه العِلاقة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تطوري معرفي مترابط، ما انفك مشتغلًا منذ قرون، متغذيًا على رافعتين أساسيتين: "الجهل المقدس" الذي يضفي طابعًا إلهيًا على التخلف، و"الأسطورة" التي تعطل ملكات العقل النقدي لمصلحة الانقياد الأعمى.

لقد ظل الفكر الفلسفي والاجتماعي العربي مشتبكًا مع هذه المعضلة، محاولًا تفكيك آليات اشتغال العقل والسلطة. ومن خلال استنطاق أدبيات رواد الفكر النقدي، أمثال محمد عابد الجابري، ومحمد أركون، ونصر حامد أبو زيد، وعلي حرب، وهشام جعيط، وتقاطعها مع الأطروحات الفلسفية الغربية لميشيل فوكو، وإرنست كاسيرر، وأوليفييه روا، وروبرت بروكتور، تتكشف ديناميكية التخادم البنيوي بين المُسْتَبِد والمُسْتَبَد به.

هذه الدراسة الفلسفية التفكيكية تقدم تشريح شامل لهذه الديناميكية، مبينة كيف تماسس "العقل المستطيل" ليحكم قبضته على "العقل المسطح"، وكيف تم توظيف الأسطورة وصناعة الجهل لإنتاج "وعي زائف" يضمن استدامة منظومة الهيمنة. عبر نقد تاريخي ومعرفي، يتتبع الأنساب المعرفية والسياسية للسلطة في الشرق الأوسط، وصولًا إلى أزمة المثقف المعاصر، وتحديات العصر الرقمي وما يفرزه من "الغباء الاصطناعي "الذي يعيد إنتاج التسطيح المعرفي في قوالب حداثية.

ظاهريات العقلين: التسطيح الجماهيري والاستطالة السلطوية

لتفكيك بنية الهيمنة في الشرق الأوسط، يجب أولًا تحديد الخصائص المعرفية والوجودية للفاعلين الرئيسين في هذه الجدلية:

"العقل الجماهيري (المسطح) والعقل المؤسساتي (المستطيل)"

سيكولوجيا الاستلاب وأحادية الرؤية

يتحدد "العقل المسطح" بوصفه بنية معرفية أفقية، تفتقر إلى العمق التحليلي، وتُعاني من شلل في القدرة على إدراك التناقضات وممارسة الشك المنهجي. يتميز هذا العقل برفضه المرضي لمشروعات التحديث والتغيير، إذ ينظر إلى أي اختراق لثوابته على أنه تهديد مباشر لهويته ووجوده، مما يولد رفضًا مجانيًا ومسبقًا لأي نقاش عقلاني. إن العقل المسطح، وفقًا للتحليل الاجتماعي الذي أرساه علي الوردي في دراسته لشخصية الفرد العراقي والعربي، هو نتاج صراع تاريخي طويل بين قيم البداوة وقيم الحضارة، مما أفرز شخصية مزدوجة تتغنى بالمثل العليا نظريًا، وتمارس الانتهازية والتبعية عمليًا.

في السياق الفلسفي، يعود هذا التسطيح إلى هيمنة ما أسماه أدونيس بـ "الثابت" على حساب "المتحول". فالعقل المسطح يعيد إنتاج النصوص والأفكار القديمة بشكل آلي، حيث يتم تعطيل كلّ ما هو عقلاني لمصلحة التلقين والتقليد، فتتحول الثقافة إلى مجرد اجترار للبديهيات، ويفقد الفرد قدرته على الإبداع والابتكار. إن هذا العقل يختزل الإنسان إلى كائن منضبط خاضع، يُقصي القيم الإنسانية الحرة من مجاله التداولي، ويستعيض عنها بمنظومة من الشعائر المفرغة من أي مضمون روحي أو فلسفي.

هندسة الضبط

على النقيض من هشاشة العقل المسطح، ينتصب "العقل المستطيل" ككيان هندسي، صُلْب، وعمودي. إنه يمثل السلطة بكل تجلياتها:

السياسية، الدينية، والأمنية

لا يشتغل العقل المستطيل بمنطق تحري الحقيقة، بل بآليات إدارة القوة والسيطرة. يستمد هذا العقل فاعليته من آليات "السياسة الحيوية" والسلطة الانضباطية التي شرحها ميشيل فوكو، حيث لا تقتصر السلطة على القمع الجسدي المباشر، بل تتغلغل في أدق تفاصيل الحياة اليومية لتنظيم الجسد والعقل والسلوك معاً.

يتخذ العقل المستطيل من القانون والمؤسسات أدوات لترويض المجتمع. ففي إطار النظرية القانونية النقدية، لا يُنظر إلى القانون بوصفه تجسيداً للعدالة المحايدة، بل كخطاب سلطوي وأداة للسيطرة الاجتماعية والاقتصادية، تُسهم في تكريس الهيمنة الطبقية وإعادة إنتاج العلاقات وفقاً لموازين القوى. هنا يظهر نموذج "برج المراقبة الشاملة" الفوكوي، حيث تتيح المراقبة المستمرة تحويل الطاعة إلى ممارسة داخلية مستبطنة، فيصبح المواطن حارساً على نفسه لصالح السلطة المستطيلة.

التخادم البنيوي

إن العلاقة بين العقلين ليست علاقة صدام دائم، بل هي في جوهرها علاقة تخادم متبادل. فالعقل المستطيل لا يمكنه البقاء دون وجود قاعدة جماهيرية مسطحة تتقبل سردياتها الانقيادية. وفي الوقت ذاته، يجد العقل المسطح في استبداد العقل المستطيل ملاذاً آمناً يعفيه من مسؤولية الحرية وعناء التفكير. وكما يرى فوكو في تحليله لأنساب السلطة، فإن السلطة الحديثة تقوم على منطق الصراع المستمر المُمأسس، حيث يتم إنتاج خطاب معرفي يبرر هذا الإخضاع.

أركيولوجيا الجهل وتأسيس الوهم

لضمان استمرارية الخضوع، كان لزاماً على العقل المستطيل أن يبتكر آليات متطورة لتعطيل الفاعلية النقدية للعقل المسطح. هنا، لا يكون الجهل مجرد نقص في المعرفة، بل يصبح "مشروعاً" استراتيجياً يُدار بعناية، متخذاً مستويات متداخلة:

المؤسَس، والمقدس، والمبرمَج...!

الجهل المؤسَّس

صاغ المفكر محمد أركون مصطلح "الجهل المؤسَّس" ليصف ذلك النوع من الجهل الذي لا ينشأ عفوياً، بل يُنتج ويُعاد إنتاجه منهجياً من خلال النظام التربوي والمؤسساتي الرسمي. يبدأ هذا الجهل من الأسرة ويمتد إلى المدارس والجامعات التي تعتمد التلقين منهجاً، وتقصي التحليل النقدي للنصوص والتاريخ. إن هذا النمط التعليمي يهدف إلى إنتاج أفراد يتمتعون بقدرات فنية ومهنية ربما، لكنهم يعانون من أمية فلسفية ونقدية واضحة. يرى أركون أن الجهل المؤسس هو الأداة الفعالة التي تلجأ إليها السلطة لضمان التبعية المطلقة، حيث يُمنع المجتمع من طرح الأسئلة الوجودية، وتُستبعد المعرفة العقلانية لصالح ثقافة الاتباع. هذا الانعدام التأسيسي للمعرفة يحول دون تمكن الفاعلين الاجتماعيين من إخضاع التراث أو الواقع للتحليل أو التفكيك، وبذلك يتم وأد العقل البرهاني لحساب العقل العرفاني والنقلي، مما يعمق أزمة الوعي العربي.

الجهل المقدس

ينتقل الجهل من مستواه المؤسسي ليبلغ ذروة فاعليته عندما يرتدي مسوح القداسة. قدم أوليفييه روا تشريحاً دقيقاً لظاهرة انفصال الأديان عن الثقافات التي احتضنتها، وتحولها إلى أيديولوجيات صلبة عابرة للقوميات. الجهل المقدس يعني إنتاج "دين محض"، مُفرغ من سياقه التاريخي، والجمالي، والمعرفي، ليتحول إلى منظومة حتمية مغلقة. تتجلى خطورة الجهل المقدس في كونه يحرّم السؤال بدعوى أن التفكير يُفضي إلى التشكيك، مما يؤدي إلى تبني الفرد لمقولات دينية مسطحة يرددها كاليقينيات المطلقة. وقد أحدث هذا الجهل خراباً هائلاً في جسد المجتمعات؛ إذ تُلصق سلسلة من الاجتهادات البشرية القاصرة بالنص الإلهي لتصبح بقوة الوحي، وتُستخدم لتكفير المخالفين، وإهدار الدماء، وإعاقة أي مشروع تنويري.

الجهل المبرمَج وهندسة التفاهة

لا يكتفي "العقل المستطيل" بالتجهيل المؤسسي والمقدس، بل يتجاوزهما في العصر الحديث نحو "الجهل المبرمَج". هذا النمط لا يعتمد على حجب المعلومة كما في العصور السابقة، بل يعتمد على الإغراق فيها. من خلال توظيف أدوات الإعلام وتقنيات الفضاء الرقمي، تعمل السلطة على صناعة التشتيت الممنهج، وإغراق "العقل المسطح" في طوفان من الأخبار الزائفة، والصراعات الوهمية، والقضايا الهامشية. وهنا يتجلى بوضوح ما يُعرف بـ "علم صناعة الجهل"، حيث تُستخدم "التفاهة" كأداة قوية للضبط الاجتماعي. إن هذا الجهل الخوارزمي يعطل ملكة النقد عبر تشتيت الانتباه وتسطيح الوعي، محولاً المواطن إلى مجرد مستهلك سلبي، ومفرغاً الفضاء العام من أي نقاش سياسي أو فلسفي جاد يهدد منظومة الهيمنة.

أسطورة الدولة والنزوع اللاعقلاني

يرى الفيلسوف إرنست كاسيرر أن أخطر تجليات النزوع الأسطوري تظهر في مجال السياسة، وتحديداً في الأنظمة الشمولية(الدكتاتورية والثيوقراطية). تعمل هذه الأنظمة على فبركة أساطير سياسية متقنة تستقطب الانفعالات وتصادر المحاكمة العقلية. يتم التلاعب باللغة لتفريغها من دلالاتها المنطقية وتحويلها إلى شحنات عاطفية وسحرية تسوق الجماهير. في الشرق الأوسط، تم تحويل الدولة ذاتها إلى "أسطورة"، حيث تُقدم على أنها كيان مفارق ومقدس يتطلب تضحيات مجانية مستمرة، في حين يتم إخفاء طبيعتها الحقيقية كأداة قمعية بيد نخبة معينة. وقد أشار سبينوزا سابقاً إلى ضرورة تحرير الدولة من الأسطرة، وبنائها على أساس العقل الذي يحمي الحرية ويعتبرها الغاية الأسمى للاجتماع السياسي. إن التضافر الثلاثي بين (الأسطورة، ورأس المال، والسلطة) يجعل من الصعب تفكيك منظومة الهيمنة، إذ أن إقناع "العقل المسطح" بالتخلي عن أساطيره يعادل تجريده من مبرر وجوده.

من وهم الغيبيات إلى ألاعيب السلطة

لترسيخ الأسطورة، تدعي السلطة امتلاك "الحقيقة المطلقة". هنا يتدخل الفيلسوف زكي نجيب محمود لنقد "خرافة ما وراء الطبيعة" والدعوة إلى تبني العقلانية والوضعية المنطقية كطريق وحيد للنهوض. وفي اتجاه تفكيكي أكثر جذرية، يعمد علي حرب إلى نسف فكرة الحقيقة كجوهر ثابت أو يقين مطلق. يرى حرب أن الإيمان بامتلاك الحقيقة النهائية هو أصل التعصب والإرهاب؛ فالحقيقة ليست مطابقة للواقع، بل هي استراتيجية، وقراءة، وبناء. إن المفكرين ورجال الدين الذين يزعمون حراسة الحقيقة هم في الواقع يمارسون "سياسة الحقيقة"، حيث يفرضون وصايتهم على المجتمع ويؤسسون لديكتاتورية معرفية تخدم العقل المستطيل.

التأصيل التاريخي للسلطة والعقل السياسي العربي

لم تكن سيطرة العقل المستطيل وليدة صدفة، بل تشكلت عبر سيرورة تاريخية حددت ملامح "العقل السياسي العربي". تُعد أطروحة هشام جعيط من أهم الحفريات التاريخية التي تتبعت نقطة الانكسار في التاريخ الإسلامي المبكر؛ إذ يرى أن الفتنة الكبرى أعلنت بداية الانفصال بين "المثالي الديني" و"الواقع السياسي". في تلك اللحظة سقطت المثالية الحالمة تحت وطأة التجاذبات القبلية والمصالح الذرائعية وهي التي كانت  اللحظة التاريخية التي تمثل وتمكن فيها "العقل المستطيل" النفعي في تجليه الأول، مستنداً إلى شرعية العصبية في تأسيس الدولة على حساب مبادئ الشورى والعدالة. لقد تم أسطرة هذه الفتنة لاحقاً عبر تقديس أطرافها وتغليف الصراع المادي بغلاف عقائدي يبرر الانقسام الذي يعصف بالشرق الأوسط حتى اليوم.

يبني محمد عابد الجابري مقاربته على أن هذا العقل ليس معنياً بإنتاج المعرفة، بل وظيفته الأساسية هي "ممارسة السلطة". ويحدد ثلاث آليات كبرى تحكمت في ممارسة السلطة: العصبية، الغنيمة، والعقيدة، وتكريساً لهذا العقل البراغماتي، ظهرت طبقة من "فقهاء السلطان" مهمتها تبرير الواقع الفاسد عبر إخراج نصوص الفقه السياسي من سياقها لترسيخ مقولة "طاعة المتغلب".

أزمة المثقف العضوي وانكسار المشروع التنويري

في ظل هذا التحالف المتين، كان من المفترض أن ينهض "المثقف" بدور التفكيك والتنوير. إلا أن الواقع العربي يشهد أزمة مستفحلة للمثقف الذي يعاني من اغتراب مضاعف:

فهو مقصي من قبل السلطة القمعية، ومنفصل عن قاعدته الجماهيرية (العقل المسطح) التي ترفض خطابه النخبوي المعقد. ويوجه علي حرب نقداً لاذعاً لهذه النخبة، مبيناً أن المثقف العربي يمارس ادعاءات نرجسية وينتج أوهاماً أيديولوجية لا تقل خطورة عن الأوهام الدينية.

أخذت الأزمة بعداً كارثياً عندما تحول جزء كبير من المثقفين التنويريين إلى تبرير سياسات الاستبداد والتواطؤ مع العقل المستطيل. بدلاً من حماية الحرية، سقط المثقف في إغراء السلطة، ووظف خطابه لتسويغ القمع بدعوى الحفاظ على "الحداثة"، ففقد مصداقيته وأسهم في تعميق "الجهل المؤسس". وللخروج من هذا المأزق، اعتمد محمد أركون مفهوم "القطيعة المعرفية" لضرورة إحداث كسر جذري مع التراث المنغلق الذي يقمع العقل، داعياً لاستخدام المناهج الحديثة لتحليل "اللامفكر فيه" في الفكر الإسلامي.

العقل الرقمي وتحديات "الغباء الاصطناعي"

مع بزوغ فجر الثورة التكنولوجية، طُرحت الآمال حول "العقل الرقمي التواصلي" القادر على تفكيك الأيديولوجيات الصلبة عبر فضاء مفتوح يُنهي احتكار العقل المستطيل للمعلومة. ومع ذلك، فإن هذا العصر يحمل طفرة عكسية خطيرة تتمثل في "الغباء الاصطناعي". لم يعد الجهل المقدس يتخذ شكل المحاكم الدينية فحسب، بل اتخذ أشكالاً خوارزمية ذكية. تقوم السلطات بتوظيف الذكاء الاصطناعي لإغراق العقل المسطح في فقاعات من المعلومات المضللة، وتسخيف القضايا الجوهرية واستخدام "التفاهة" كآلية للسيطرة والضبط.

نحو تحرر مزدوج

تخلص هذه الدراسة إلى أن أزمة الشرق الأوسط ليست سياسية أو اقتصادية عابرة، بل هي اختناق معرفي مزمن ناتج عن التفاعل العضوي بين العقل المسطح للجماهير والعقل المستطيل للأنظمة. إن التحرر من هذا الاستلاب يتطلب مقاربة مركبة:

أولاً، إحداث قطيعة معرفية مع آليات قراءة التراث المتكلسة، واستبدالها بالتأويلية التاريخية السياقية والتفكيك النقدي الذي يعيد للنص بشريته.

ثانياً، تفكيك علم صناعة الجهل وفضح آليات هندسة التحكم الحيوي التي تمارسها الدول المستعمرة.

ثالثا، لا يمكن للعقل (المسطح) في الشرق الأوسط أن ينهض دون أن يمتلك شجاعة مواجهة أوهامه الذاتية، ليتحرر من أسطرة الحاكم وتقديس النص، مؤصلاً لعقلانية نقدية تؤسس لدولة المواطنة، وتنهي عصور الاستبداد والجهل.

***

غالب المسعودي

هل توجد في لغتنا القوة الكافية لصياغة تفكيرنا؟ طبقا لفرضية سابير- وورف، الجواب هو بالتأكيد نعم. ان فرضية سابير – وورف تفترض ان اللغة التي نتحدث بها يمكن ان تضع حدودا للمفاهيم التي نفكر بها. هناك اكثر من سبع الاف لغة جرى تحديدها في كل العالم. هذا يعني ان الادراك البشري تطور طبيعيا ليستعمل سبعة الاف نظام للاتصالات لتبادل المعلومات والأفكار.

مع كل ذلك، هذه اللغة عادة تكون غير مفهومة للبعض الآخر وفيها من السمات تختلف بشكل لافت. وفي ضوء التعقيدية في نظام الاتصال البشري، يمكن للمرء ان يتساءل ما اذا كانت اللغة تؤثر على التفكير، وبتحديد اكثر، ما اذا كانت اللغة التي يتحدث بها المرء تؤثر على الطريقة التي يفكر بها. هذا المسعى هو في لب فرضية سابير – وورف التي تُعرف أيضا بفرضية النسبية اللغوية linguistic Relativity hypothesis.

فرضية سابير- وورف

هذه الفرضية في الأصل صيغت من جانب اثنيين من لغويي القرن العشرين وهما ادوارد سابير و بنيامين وورف. جوهر الفرضية هي الفكرة بان اللغة التي يتحدث بها الشخص تضع حدودا على المفاهيم التي يفكر بها. وعليه، طبقا لهذه الفرضية، تلعب اللغة دورا هاما جدا في تقرير موضوعات التفكير وآلياته. وكمثال تطبيقي، لننظر في كلمات متعلقة بالألوان. كلمات الألوان تختلف عبر اللغات، وبعضها يشتمل على عدد هائل من الوحدات المعجمية التي تميز بين العديد من الألوان الرئيسية (مثل قرمزي او ارجواني فاتح)، بينما أخرى تمتلك ما لا يزيد عن وحدتين معجميتين للتمييز بين ألوان فاتحة ومعتمة.

وبالتالي، وطبقا لفرضية سابير وورف، فان عدم وجود كلمة للون معين في لغة الشخص الاصلية سوف يمنعه من التفكير بشكل منفصل حول ذلك اللون او من ادراكه بشكل متميز. لذلك، فان التحدث بلغة لا تمتلك كلمة لـ "الأخضر" ربما يمنع المرء من تصور وادراك "اخضر" كشيء مختلف ومتميز عن "ازرق" او "اصفر".

وبنفس الطريقة، ليس كل اللغات تمتلك نفس الكلمات للعواطف. ولهذا فان عدم امتلاك كلمة لوصف عاطفة يشعر بها شخص معين ربما يقوده للكفاح لتحديدها وتمييزها عن الاخريات، وبالنتيجة يجعل من الصعب التفكير فيها كمتميزة عن العواطف الأخرى.

نجاح الفرضية

بينما تعاني الفرضية من عدة مغالطات، هي تبقى من بين أفضل الاستنتاجات في البحوث اللغوية في أوساط غير اللغويين. استطلاع ما اذا كانت الصناعات البشرية مثل اللغة، تمتلك القوة لتحديد قدرة المرء الفكرية هو شيء جاذب بحيث لايمكن انكاره. من المؤكد انها تولّد اهتماما كبيرا حتى بين غير المختصين. مع ذلك، بالإضافة لجاذبية الموضوع، يمكن للفرضية ان تحقق بعض النجاح النظري لو انها عملت جيدا اثناء الاختبار. الشيء الرئيسي الذي نريد فحصه هو ما اذا كان هناك اختلاف قابل للقياس في تمييز أشياء بتسميات معينة بين مجموعتين: مجموعة متمكنة من هذه التسميات، والمجموعة الأخرى بدون هذه القدرة. تقنيا، تسمية الأشياء والمفاهيم هي طريقة لتحديدها وتمييزها عن أشياء مشابهة او غير مشابهة. في فلسفة اللغة وعلم الدلالة، هذا يسمى الإحالة او الدلالة reference or denotation . فمثلا،الوحدة المعجمية "طفل" تشير الى انسان من أي جنس تحت عمر الـ 13 عاما، بينما كلمة "مراهق"، "بالغ" و "شخص كبير في السن" تشير الى انسان من أي جنس ولكن ضمن فئات عمرية مختلفة. في هذا المثال، الوحدات المعجمية توضح ان المرء لا يشير ببساطة الى أي انسان من أي جنس، بل يشير الى أي انسان من أي جنس ضمن فئة عمرية محددة. قدرة المرء على الاستفادة من هذه التصنيفات تسمح له للاعتراف بوجود كل فئة والتمييز بينها.

من السهل تصور انه اذا كانت لا توجد التسميات لكل فئة، سيصارع المرء بالضرورة لتحديدها كمنفصلة وسوف يفضل التفكير بسهولة في البشرية ككل.

مشكلة الفرضية

ان فرضية سابير- وورف تذهب الى ما وراء الدعوة الى الدلالة المباشرة او التسمية وبدلا من ذلك هي تؤكد ان التصور و التفكير في الكينونات التي ليس لها اسم في لغة المرء هو امر مستحيل. فمثلا لو فكرنا في الكلمة الألمانية schadentfreude التي تصف مفهوم الابتهاج او الشعور بالسعادة تجاه فشل او مكروه وقع به الاخرون. فرضية سابير وورف لا تجادل فقط ان امتلاك كلمة لتسمية او الإشارة الى عاطفة يسمح للمرء لتصويرها بوضوح اكبر وفهمها على النقيض من العواطف الأخرى من نفس النوع، وانما أيضا تدّعي ان المرء سوف لن يكون قادرا على التفكير في هذه العاطفة او الشعور بها او ادراكها ككل. ومن هنا، الفرضية تدّعي ان القدرة على التفكير حول الشعور بالابتهاج تجاه فشل شخص ما هي محددة اكثر بين متحدثي الإنجليزية قياسا بمتحدثي الألمانية.

مثال مشابه يمكن عمله عندما نفكر في اللون. الايطاليون يميزون بين الأزرق الغامق المرتبط بلون البحر او سماء الليل، ويطلقون عليه اسم "ازرق" و الازرق الفاتح المرتبط بلون السماء في يوم مشمس ويطلق عليه اسم ازرق سماوي  "azzurro ". هذان اللونان لا يعملان كنسخ مشابهة لبعضهما اكثر مما يعمل  لون "قرنفل" او "برتقالي" لمتحدث الإنجليزية كمتميزان عن "الأحمر"، هما ألوان بطبيعتهما الخاصة. ربما بالإمكان الادّعاء ان عدم امتلاك اسم للتمييز بين الداكن والازرق الخفيف قد يزيد من صعوبة ادراكهما كمتميزين بشكل واضح. مع ذلك، لا يُنكر ان اللغة المستعملة لايمكنها ان تحدد قوة الشخص على التفكير حول الأزرق الداكن جدا والازرق الخفيف جدا.

ماذا يقول علم اللغة linguistics؟

اذا كانت فرضية سابير  وورف خلقت نقاشا لا بأس به، فان اللغويين الحديثين يرفضون الحتمية اللغوية linguistic determinism (فكرة ان اللغة تقرر ما نفكر فيه) ربما الباحثون المعاصرون يقبلون نسخة أضعف تُعرف بـ النسبية اللغوية، التي تبيّن ان اللغة يمكن ان تؤثر في التحيزات المعرفية والادراك. اللغات تتطور باستمرار، ولكن تغير اللغة غير مستقل ابدا عن الفاعلية البشرية. اللغات هي وسائل للاتصال البشري، وعلى هذا الأساس، هي تتحدد بواسطة حاجات المتصلين البشر. وهكذا، اللغات بطبيعتها، تتطور طبقا للحاجات الاتصالية لمستعمليها. هذا يعني  ان اللغات تطوّر اوتوماتيكيا تعبيرات ووحدات معجمية للاشياء التي يلزم ايصالها. عندما تجلب تجارب جديدة مستعملي لغة لمواجهة أفكار وتصورات جديدة، او عندما هم يشعرون بالحاجة للإشارة الى موقف معين لتجربة في تضاد مع اخريات من نفس النوع، هم سيطورون طريقة للقيام بهذا.

لكي نعرض مثالا، لنتصور انتقالا الى بلد بعيد جدا وسنتذوق حينها طعاما محليا. المذاقات التي سنواجهها ستكون بالضرورة مختلفة جدا عن تلك التي اعتدنا عليها، وربما نشعر بالحاجة للاستفادة من كلمة جديدة او عبارة مطوّلة لوصفها. المذاقات الجديدة تتألف من تجربة جديدة وتصور جديد حالما يُجرب ويُدرك، ربما يتطلب منا تكييف لغتنا لنصف إحساسا جديدا كليا. مع ذلك، حقيقة ان لغتنا ليس فيها طريقة لوصف ذلك الذوق لايعني اننا لا نستطيع تصوره، واننا لا نستطيع التفكير حوله. بدلا من ذلك، اللغة كيّفت نفسها لحاجتنا الجديدة لتعبير معين.

يتبع من هذا ان اللغة لا تأتي قبل الفكر وانما تعمل كأداة لإيصال الأفكار. ومن هنا، الجدل بان اللغة يمكن ان تقرر الفكر سيعني سوء فهم للتأثير الذي تمتلكه الأفكار على اللغة والعملية الاشتقاقية التي تربط التجربة والادراك والتفكير في اللغة.

ماذا تقول الفلسفة؟

بينما فرضية سابير وورف تشكل تحديا لغويا فهي حتما ستولّد نقاشات أخرى في حقل الفلسفة، خاصة في فلسفة الذهن. فلسفة الذهن هي فرع من الفلسفة تهتم بالادراك، أي، وظيفة الذهن، والطريقة التي نتصور بها ونفهم ونتصل. جزء من مسعاها هو أيضا التحقيق بطبيعة العلاقات الادراكية والتبادل بين الافراد، وهي المسألة التي تتحداها فرضية سابير وورف مباشرة.

القضية الملائمة جدا التي عرضتها الفرضية هي انه، من خلال قبولها، سيجادل المرء بان البشر يمتلكون،عموما، أنظمة ادراكية مختلفة وغير متوافقة في نهاية المطاف. مع خطر تبسيط الفرضية، سنصل الى حقيقة ان هناك اكثر من سبع الاف لغة في العالم جرى تحديدها، وان البشرية طورت اكثر من سبعة الاف نظام للادراك، تشكلت بواسطة اللغات المرتبطة بها. ادّعاء ان البشر لا يشاركون نظام ادراكي، وانما لديهم عدة أنظمة ادراكية، كل واحد يختلف قليلا او بعمق عن الآخر، حتما يثير أسئلة إضافية حول الاتصال والفهم.

مصير فرضية سابير – وورف

يمكن الاستنتاج بأمان: ان فرضية سابيير منذ صياغتها الأولية، ولّدت اهتماما كبيرا وغذت نقاشات هائلة سواء داخل او خارج العالم الاكاديمي. ما أشرنا اليه في السطور السابقة، هو ان ادّعائاتها قوية جدا وفي نهاية المطاف هي غير منسجمة مع طبيعة الادراك. لذا فان الفرضية خاطئة(1) . الفرضية قدّمت بعض التنبؤات المثيرة التي أثارت اهتماما اكاديميا في العلاقات بين اللغة والادراك وحفزت العديد من الدراسات الثاقبة حول القضية. وهكذا، فان فرضية سابير ـ  وورف جرى التحقق منها على نطاق واسع وروجعت بشكل افضل لتعكس الطبيعة الحقيقية لنظام الادراك البشري وتعزيز دقتها المحتملة، انها تعرضت أيضا للانتقاد لعملها تنبؤات غير دقيقة.

النظر في هذا لن يكون ممكنا بدون الصياغة الأولى للفرضية، قيمتها تبقى بمنأى عن الاعتراض بسبب الاهتمام الذي أوجدته في دراسة العلاقة بين اللغة والفكر والادراك.

***

حاتم حميد محسن

...........................

The collector, Aug 4,2026 

الهوامش

(1) الصيغة القوية لفرضية سابير وورف تُعتبر خاطئة لأنها تدّعي ان اللغة تقرر تماما ما نفكر فيه. في الواقع، الناس يمكنهم بسهولة فهم المفاهيم والشعور بالعواطف ورؤية الألوان حتى عندما تفتقر لغتهم الاصلية لكلمة معينة او قاعدة نحوية لها.

 

مقدمة: قبل البحث في الاستبداد، أو في مؤسساته، أو في أدواته، لا بد من التوقف عند المفارقة التي حيّرت الفلاسفة والمفكرين عبر التاريخ: كيف يمكن للإنسان، الذي فُطر على طلب الحرية، أن يقبل بالعبودية؟ بل كيف تتحول الطاعة من استجابة عارضة لظروف القوة إلى نمط دائم من التفكير والسلوك، حتى يغدو الخضوع فضيلة، والامتثال حكمة، والاعتراض خروجًا على النظام؟ إن هذه المفارقة ليست مجرد إشكالية سياسية، بل هي سؤال أنثروبولوجي وفلسفي يتعلق بطبيعة الإنسان، وبكيفية تشكل وعيه، وبالعلاقة المعقدة بين الحرية والخوف، وبين السلطة والرضا، وبين الإرادة الفردية والبناء الاجتماعي.

لقد درجت أغلب الدراسات السياسية على تفسير الاستبداد من زاوية القوة؛ فالمستبد، في هذا التصور، يحكم لأنه يمتلك الجيش، أو يحتكر السلاح، أو يسيطر على الاقتصاد، أو يستخدم أجهزة القمع. غير أن هذا التفسير، على الرغم من أهميته، لا يجيب عن السؤال الأعمق: كيف تستطيع سلطة محدودة العدد والعدة أن تهيمن على مجتمع كامل؟ وكيف يستمر نظام استبدادي عقودًا، وربما قرونًا، رغم أن المحكومين يفوقون الحاكم عددًا وقدرة؟ إن القوة المادية وحدها لا تكفي لتفسير دوام السلطة، لأن السلطة التي تقوم على العنف المجرد تظل مهددة بالانهيار متى ضعفت أدواتها، أما السلطة التي تنجح في تحويل الطاعة إلى قناعة، والخضوع إلى عادة، فإنها تصبح أكثر رسوخًا وأشد صعوبة في التفكيك. من هنا جاءت أهمية السؤال الذي طرحه المفكر الفرنسي إتيان دو لا بوييسي في القرن السادس عشر في رسالته الشهيرة «مقالة في العبودية المختارة»، حين تساءل: لماذا يطيع الناس طاغية واحدًا، مع أنهم قادرون على التخلص منه لو امتنعوا عن طاعته؟ لم يكن هذا السؤال احتجاجًا أخلاقيًا على الظلم بقدر ما كان محاولة للكشف عن الآليات الخفية التي تجعل الإنسان شريكًا – من حيث لا يشعر – في استمرار النظام الذي يقيده. لقد نقل لا بوييسي النقاش من دراسة المستبد إلى دراسة المحكوم، ومن تحليل القوة إلى تحليل الطاعة، ومن البحث في أدوات السيطرة إلى البحث في البنية النفسية والثقافية التي تجعل السيطرة ممكنة. غير أن مفهوم «العبودية المختارة» كثيرًا ما أسيء فهمه، إذ ظُن أنه يحمل الإنسان مسؤولية استعباده، أو أنه يفترض وجود اختيار حر وكامل للخضوع. والحقيقة أن المقصود بهذا المفهوم أكثر تعقيدًا؛ فالاختيار هنا ليس قرارًا واعيًا يتخذه الفرد في لحظة معينة، وإنما هو حصيلة عملية طويلة من التنشئة الاجتماعية، والتربية، والخطاب الديني، واللغة، والرموز، والخوف، والعادات، حتى يصبح الامتثال هو السلوك الطبيعي، ويبدو التمرد فعلًا شاذًا أو غير أخلاقي. فالإنسان لا يولد محبًا للطاعة، وإنما يتعلمها، ويتكيف معها، ويعيد إنتاجها في حياته اليومية. وهنا تتجاوز هذه المقالة القراءة التقليدية للا بوييسي لتضع أطروحته في حوار مع عدد من المشاريع الفكرية الحديثة. فإذا كان لا بوييسي قد كشف لغز الطاعة، فإن ميشيل فوكو بين كيف تعمل السلطة من خلال الانضباط والمراقبة وإنتاج الذوات، ولم تعد السلطة مجرد أوامر تصدر من الأعلى، بل شبكة من العلاقات التي تجعل الإنسان يراقب نفسه بنفسه. وإذا كان بيير بورديو قد أوضح أن الهيمنة تستمر عبر العنف الرمزي، بحيث يقبل الناس بالنظام الاجتماعي لأنه يبدو لهم طبيعيًا، فإن إريك فروم كشف البعد النفسي للمسألة حين رأى أن كثيرًا من البشر يهربون من الحرية لأنها تضعهم أمام مسؤولية الاختيار، فيبحثون عن سلطة تمنحهم اليقين والأمان. أما عبد الرحمن الكواكبي فقد ربط بين الاستبداد وإفساد الأخلاق والعقول، بينما كشف محمد عابد الجابري عن أثر البنى المعرفية في تشكيل أنماط التفكير، وأبرز مالك بن نبي أثر القابلية الداخلية في استمرار الهيمنة، في حين قدّم علي شريعتي مفهوم «الاستحمار» بوصفه عملية منظمة لتغييب الوعي وإلهاء الجماهير. إن الجمع بين هذه المقاربات لا يراد منه مجرد استعراض لأفكار متفرقة، بل بناء إطار تفسيري يوضح أن الطاعة ليست ظاهرة بسيطة يمكن ردها إلى سبب واحد، وإنما هي نتاج تفاعل معقد بين البنية النفسية، والنسق الثقافي، والمؤسسة السياسية، والاقتصاد، والدين، واللغة، والتعليم، والذاكرة الجماعية. فالسلطة لا تصنع الطاعة وحدها، كما أن المجتمع لا ينتجها بمعزل عن السلطة، وإنما تنشأ بينهما علاقة دائرية يعيد كل طرف فيها إنتاج الآخر. ولهذا فإن هذه المقالة لا تبحث عن إدانة الإنسان لأنه يطيع، بل تحاول فهم الظروف التي تجعل الطاعة خيارًا يبدو عقلانيًا في نظره. فالإنسان قد يفضل الخضوع إذا كان البديل هو الفوضى، أو إذا تربى على أن الطاعة فضيلة مطلقة، أو إذا أقنعته الثقافة بأن الاعتراض خروج على الدين أو الجماعة أو الوطن. وهكذا تتحول العبودية من علاقة خارجية بين السيد والعبد إلى بنية داخلية تسكن الوعي، بحيث لا يحتاج المستبد دائمًا إلى القمع، لأن الناس يتكفلون بإعادة إنتاج النظام الذي يحكمهم. وانطلاقًا من هذه الرؤية، تنقسم هذه المقالة إلى ثلاثة محاور مترابطة. يبدأ المحور الأول بتحليل سؤال لا بوييسي وإشكالية الطاعة بوصفهما المدخل الفلسفي لفهم الاستبداد. ثم ينتقل المحور الثاني إلى التمييز بين الإكراه بوصفه استخدامًا مباشرًا للقوة، وبين العبودية المختارة بوصفها حالة تتداخل فيها القناعة والعادة والخوف والتنشئة. أما المحور الثالث فيتناول الطاعة بوصفها بناءً ثقافيًا تشارك في إنتاجه الأسرة، والمدرسة، والمؤسسة الدينية، واللغة، والإعلام، وسائر النظم الاجتماعية، بما يجعلها جزءًا من الوعي الجمعي لا مجرد استجابة ظرفية للسلطة. وبذلك تمثل هذه المقالة الأساس النظري الذي يقوم عليه الكتاب كله؛ لأنها تنقل البحث من السؤال التقليدي: كيف يحكم المستبد؟ إلى السؤال الأكثر عمقًا: كيف يُنتج المجتمع الطاعة التي تجعل الاستبداد ممكنًا؟ وعندما يصبح هذا السؤال هو نقطة البداية، يغدو الاستبداد ظاهرةً يمكن تفكيكها، لا قدرًا تاريخيًا لا سبيل إلى تغييره، وتصبح الحرية مشروعًا لإعادة بناء الإنسان قبل أن تكون مشروعًا لإعادة بناء الدولة.

1. سؤال لا بوييسي وإشكالية الطاعة

إن السؤال الذي طرحه إتيان دو لا بوييسي في منتصف القرن السادس عشر يُعد من أكثر الأسئلة الفلسفية إثارة في الفكر السياسي الحديث، لأنه نقل النقاش من البحث في طبيعة السلطة إلى البحث في طبيعة الطاعة. فلم يتساءل لا بوييسي: كيف يفرض المستبد سلطته؟ بل سأل سؤالًا أكثر عمقًا وإرباكًا: لماذا يطيع الناس المستبد أصلًا؟ وإذا كان البشر أكثر عددًا وأقوى من الحاكم، فما الذي يجعلهم يقبلون الخضوع له، بل ويساهمون أحيانًا في تثبيت سلطته والدفاع عنها؟ لقد كان هذا السؤال بداية لتحول معرفي كبير في دراسة السلطة، إذ لم تعد المشكلة تكمن في القوة التي يمتلكها الحاكم، وإنما في البنية الاجتماعية والنفسية والثقافية التي تجعل الطاعة ممكنة ومستدامة، وهو التحول الذي سيجد صداه لاحقًا في أعمال ميشيل فوكو، وبيير بورديو، وإريك فروم، وغيرهم من منظري السلطة الحديثة(). لم يكن لا بوييسي بصدد صياغة نظرية قانونية في الحكم، ولا تقديم برنامج سياسي للإصلاح، وإنما كان يحاول تفسير مفارقة تاريخية لازمت المجتمعات الإنسانية عبر العصور؛ إذ كيف يمكن لرجل واحد أن يحكم ملايين البشر، مع أن هؤلاء يملكون القدرة العددية والمادية على التخلص منه؟ لقد رأى أن السلطة لا تستمد قوتها من ذاتها، وإنما من مقدار الطاعة التي يمنحها الناس لها، وأن المستبد لا يستطيع أن يستمر في الحكم إلا لأن المجتمع يمنحه – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – أسباب بقائه(). ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة التي تفيد بأن الطاغية يسقط إذا امتنع الناس عن خدمته، لأن قوته ليست قوة ذاتية، بل قوة مستعارة من خضوع المحكومين. تكمن جدة أطروحة لا بوييسي في أنها قلبت العلاقة التقليدية بين السيد والعبد؛ ففي الفكر السياسي السابق كان التركيز ينصب على وسائل الإكراه والقهر، أما هو فقد حوّل الأنظار إلى المحكوم نفسه، متسائلًا عن الأسباب التي تجعله يشارك في إعادة إنتاج النظام الذي يقيده. وبهذا المعنى فإن الاستبداد لا يصبح مجرد علاقة رأسية بين حاكم ومحكوم، بل يتحول إلى علاقة اجتماعية معقدة يشترك في صنعها الطرفان، وإن كانت المسؤولية الأخلاقية والسياسية الأولى تبقى ملقاة على عاتق السلطة المستبدة التي تحتكر القوة وتمنع شروط الحرية. إن أهمية هذا التحول تكمن في أنه يكشف أن تحليل السلطة لا يكتمل بتحليل أدوات القمع، بل لا بد من تحليل البنى التي تجعل القمع مقبولًا أو محتملًا أو حتى مشروعًا في نظر الناس(). غير أن مفهوم «العبودية المختارة» لا ينبغي أن يُفهم على نحو حرفي، وكأن الإنسان يختار العبودية بإرادة حرة ومطلقة، لأن هذا الفهم يُفضي إلى تحميل الضحية مسؤولية استعبادها. والمقصود عند لا بوييسي هو أن الطاعة تتحول مع الزمن إلى عادة اجتماعية، وأن الأجيال التي تولد داخل نظام استبدادي تنشأ على اعتبار الخضوع أمرًا طبيعيًا، فلا تدرك إمكان العيش خارج منظومة السلطة القائمة(). ومن ثم فإن «الاختيار» هنا ليس اختيارًا لحظيًا، بل هو حصيلة عمليات طويلة من التنشئة والتطبيع الثقافي، بحيث يغدو الامتثال جزءًا من تكوين الفرد النفسي والاجتماعي. وقد أدرك لا بوييسي أن العادة تؤدي دورًا حاسمًا في تكوين الطاعة؛ فالإنسان يعتاد النظام الذي يعيش فيه، ويألف قوانينه ورموزه، حتى لو كانت ظالمة. فالاعتياد يخلق نوعًا من الألفة مع الواقع، ويجعل تغييره يبدو مخاطرة مجهولة العواقب. ولهذا فإن المجتمعات التي تتوارث الاستبداد لا تتوارثه بوصفه نظامًا سياسيًا فحسب، بل بوصفه ثقافة، ولغة، وأسلوبًا في التربية، ورؤية للعالم. ومن هنا يصبح الدفاع عن السلطة دفاعًا عن نمط الحياة المألوف، لا عن الحاكم نفسه(). وتتضح قيمة هذا التحليل إذا قورن بما ذهب إليه عبد الرحمن الكواكبي في كتابه «طبائع الاستبداد»؛ فالكواكبي لم يكتف بوصف الاستبداد باعتباره انحرافًا سياسيًا، بل رأى أنه يفسد الدين والعلم والأخلاق والاقتصاد، حتى يصبح المجتمع كله أسيرًا لمنطقه(). وإذا كان لا بوييسي قد بحث في أسباب الطاعة، فإن الكواكبي كشف نتائجها الحضارية؛ فالطاعة العمياء لا تؤدي فقط إلى استمرار الحاكم المستبد، وإنما تُنتج إنسانًا عاجزًا عن المبادرة، يخشى التفكير الحر، ويعتاد الاتكال، فيتحول الاستبداد إلى بنية شاملة تتغلغل في جميع مؤسسات المجتمع. ومع تطور الفكر الاجتماعي في القرن العشرين، اتسعت دائرة تفسير الطاعة لتشمل آليات أكثر تعقيدًا من مجرد الاعتياد. فقد بيّن ميشيل فوكو أن السلطة الحديثة لا تعتمد أساسًا على العنف المباشر، وإنما على إنتاج أفراد منضبطين يراقبون أنفسهم بأنفسهم(). فالمدرسة، والثكنة، والسجن، والمستشفى، والمؤسسات الإدارية، كلها تسهم في تشكيل ذوات مطيعة، بحيث تصبح الطاعة ممارسة داخلية لا تحتاج دائمًا إلى حضور الحاكم أو الشرطي. وبهذا المعنى فإن لا بوييسي طرح السؤال، بينما قدّم فوكو تفسيرًا لكيفية تشكل شروط الإجابة عنه داخل المؤسسات الحديثة. ومن زاوية أخرى، يضيف بيير بورديو مفهوم العنف الرمزي، الذي يفسر استمرار الهيمنة دون حاجة إلى الإكراه المادي(). فالسلطة تنجح عندما تجعل تصوراتها للعالم تبدو طبيعية وبديهية، وعندما يقتنع الخاضعون بأن مواقعهم الاجتماعية أمر مشروع أو محتوم. وهنا لا تُفرض الطاعة بالقوة، بل تُمارس عبر اللغة، والتعليم، والرموز، والذوق، وأنماط التفكير، فيغدو الخضوع نتيجة لاقتناع ضمني بالنظام القائم. أما إريك فروم، فقد قدّم تفسيرًا نفسيًا بالغ الأهمية حين رأى أن الحرية ليست دائمًا موضع ترحيب، لأن الإنسان قد يخشى المسؤولية التي تفرضها، فيلجأ إلى الخضوع طلبًا للأمن والاستقرار(). فالطاعة، في بعض الحالات، ليست مجرد استجابة للخوف من العقاب، بل محاولة للهروب من قلق الاختيار. ومن ثم فإن السلطة لا تستمد قوتها من قدرتها على التخويف وحدها، وإنما أيضًا من قدرتها على إشباع حاجة نفسية لدى بعض الأفراد إلى اليقين والانتماء. وتكتسب هذه الرؤى أهمية خاصة عند إسقاطها على الواقع العربي؛ إذ لا يمكن تفسير استمرار أنماط الاستبداد بردّها إلى إرادة الحكام وحدهم، كما لا يصح اختزالها في عوامل خارجية. فهناك منظومات ثقافية وتربوية ودينية وسياسية أسهمت تاريخيًا في تكوين ثقافة تميل إلى الامتثال أكثر من ميلها إلى النقد، وإلى البحث عن الحماية أكثر من البحث عن الحرية. وهذا لا يعني أن الطاعة صفة جوهرية في العقل العربي، بل يعني أن الظروف التاريخية والاجتماعية أنتجت أنماطًا معينة من العلاقة بالسلطة، وهي أنماط قابلة للنقد والتغيير متى تغيرت شروط إنتاجها. وعليه، فإن سؤال لا بوييسي لا يفقد راهنيته، بل يزداد أهمية في عالم تتخذ فيه السلطة أشكالًا أكثر تعقيدًا مما عرفه القرن السادس عشر. فالاستبداد اليوم لا يقوم على السيف وحده، بل على المدرسة، والإعلام، والخطاب الديني، والاقتصاد، والتقنيات الرقمية، وصناعة الرأي العام. ولذلك فإن فهم الطاعة لم يعد مسألة سياسية فحسب، وإنما أصبح مدخلًا لفهم الثقافة والمجتمع والوعي. ومن هنا ينطلق هذا الكتاب ليجعل سؤال لا بوييسي نقطة البداية في مشروع أوسع يسعى إلى الكشف عن الأركيولوجيا العميقة للطاعة، وكيف تحولت عبر التاريخ إلى بنية ثقافية تعيد إنتاج الاستبداد جيلاً بعد جيل.

2. الفرق بين الإكراه والعبودية المختارة

يُعدُّ التمييز بين الإكراه والعبودية المختارة من أهم المفاتيح النظرية لفهم آليات استمرار الاستبداد؛ إذ إن الخلط بين المفهومين يؤدي إلى اختزال السلطة في بعدها القسري وحده، بينما تكشف التجربة التاريخية أن أكثر الأنظمة استقرارًا ليست تلك التي تعتمد على العنف وحده، وإنما تلك التي تنجح في تحويل الطاعة إلى قناعة، والخضوع إلى فضيلة، والامتثال إلى جزء من الهوية الثقافية. ومن هنا فإن دراسة الاستبداد لا تكتمل بتحليل أدوات الإكراه، بل تستلزم الكشف عن الكيفية التي يتحول بها الإكراه الخارجي تدريجيًا إلى طاعة داخلية، حتى يغدو الإنسان شريكًا في إعادة إنتاج النظام الذي يقيده، دون حاجة إلى حضور دائم لأجهزة القمع(). في الاصطلاح الفلسفي والسياسي، يشير الإكراه إلى حالة يُجبر فيها الإنسان على القيام بفعل أو الامتناع عنه تحت تأثير تهديد مباشر باستعمال القوة أو العقوبة. فالإكراه يفترض وجود إرادتين متعارضتين؛ إرادة الآمر وإرادة المأمور، بحيث تُقهر الثانية بفعل الخوف من العقاب. ولهذا ارتبط مفهوم الإكراه في الفكر القانوني بفقدان حرية الاختيار، لأن الفعل الصادر عن المكره لا يعبر عن إرادته الحقيقية، وإنما عن استجابته لضغط خارجي يفوق قدرته على المقاومة(). ومن ثم فإن العلاقة بين السلطة والفرد في حالة الإكراه تقوم على المواجهة الظاهرة؛ فالسلطة تفرض، والفرد يمتثل دفعًا للأذى، ويبقى في داخله رافضًا أو ناقمًا متى سنحت له فرصة التحرر. أما العبودية المختارة، فلا تقوم على الإكراه المباشر، بل على تحول الطاعة إلى سلوك اعتيادي وقناعة ثقافية. فالإنسان هنا لا يشعر دائمًا بأنه مكره، لأنه أصبح ينظر إلى النظام القائم بوصفه أمرًا طبيعيًا أو مشروعًا أو حتى ضروريًا لاستقرار المجتمع. ولذلك فإن أخطر صور السلطة ليست تلك التي تُرغم الناس على الطاعة، وإنما تلك التي تجعلهم يرغبون فيها أو يدافعون عنها أو يعيدون إنتاجها داخل مؤسساتهم الاجتماعية(). ولهذا السبب ميز إتيان دو لا بوييسي بين الخضوع الناتج عن القوة والخضوع الناتج عن الاعتياد؛ فالسلطة التي تعتمد على السيف وحده تظل سلطة هشة، لأن الناس ما إن تزول أسباب الخوف حتى يثوروا عليها، أما السلطة التي تنجح في غرس الطاعة داخل الضمير الجمعي فإنها تستمر حتى لو تغير الحكام، لأن بنيتها أصبحت مستقرة في الثقافة نفسها(). وهنا لا يعود الاستبداد مجرد نظام سياسي، بل يتحول إلى نمط في التفكير والعلاقات الاجتماعية. إن الانتقال من الإكراه إلى العبودية المختارة يتم عبر سلسلة طويلة من عمليات التطبيع الاجتماعي. فالطفل لا يولد خاضعًا، وإنما يتعلم الطاعة داخل الأسرة، ثم تعززها المدرسة، وتمنحها المؤسسة الدينية شرعية أخلاقية، وتعيد وسائل الإعلام إنتاجها في صورة قيم وطنية أو اجتماعية، حتى يصبح الامتثال جزءًا من شخصية الفرد. وبهذا تتحول السلطة الخارجية إلى سلطة داخلية، ويصبح الإنسان رقيبًا على نفسه قبل أن يكون خاضعًا لرقابة الدولة(). وقد بيّن ميشيل فوكو أن السلطة الحديثة لا تعتمد أساسًا على القمع، بل على إنتاج الأفراد المنضبطين. فالسجن، والمدرسة، والثكنة، والمستشفى، والمؤسسات الإدارية لا تعمل فقط على تنظيم السلوك، وإنما على تشكيل الذات نفسها، بحيث يتعلم الإنسان مراقبة نفسه، ويخشى مخالفة المعايير حتى في غياب الرقيب(). وهذا ما يجعل الطاعة أكثر رسوخًا؛ لأنها لم تعد استجابة لأمر خارجي، بل أصبحت جزءًا من آليات الضبط الذاتي. ومن زاوية سوسيولوجية، يفسر بيير بورديو هذه الظاهرة بمفهوم العنف الرمزي؛ فالهيمنة لا تستمر لأن الأقوياء يمتلكون وسائل القهر فحسب، بل لأنهم ينجحون في فرض تصوراتهم للعالم باعتبارها تصورات طبيعية وبديهية(). فعندما يقتنع الناس بأن التراتب الاجتماعي قدر لا يمكن تغييره، أو أن طاعة السلطة واجب أخلاقي مطلق، فإنهم يمارسون الخضوع دون أن يشعروا بأنه مفروض عليهم. وهنا تصبح الهيمنة أكثر فاعلية لأنها تُمارس من داخل الوعي نفسه. ويضيف إريك فروم بعدًا نفسيًا مهمًا لهذا التمييز؛ إذ يرى أن الإنسان قد يهرب من الحرية لأنها تضعه أمام مسؤولية الاختيار وما يرافقها من قلق، فيلجأ إلى الخضوع بحثًا عن اليقين والأمان(). فالعبودية المختارة ليست دائمًا نتيجة خداع أو تضليل، وإنما قد تكون أيضًا استجابة لحاجة نفسية عميقة إلى الانتماء والاستقرار. ولذلك فإن بعض الأفراد يدافعون عن السلطة لا خوفًا منها، بل لأن وجودها يمنحهم شعورًا بالطمأنينة ويخفف عنهم عبء اتخاذ القرار. ويظهر الفرق بين الإكراه والعبودية المختارة بوضوح عند دراسة سلوك المجتمعات في أوقات الأزمات. ففي حالة الإكراه، ينتظر الناس أول فرصة للتخلص من السلطة، لأن ولاءهم ظاهري ومؤقت. أما في حالة العبودية المختارة، فإن كثيرًا منهم يدافعون عن النظام حتى عندما تتعارض سياساته مع مصالحهم، لأنهم ربطوا بين وجود السلطة ووجود النظام ذاته، وبين طاعة الحاكم وحماية الجماعة. ومن هنا يصبح تغيير النظام السياسي غير كافٍ إذا بقيت الثقافة التي تنتج الطاعة على حالها، إذ سرعان ما يُعاد إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة(). وهذا ما أدركه عبد الرحمن الكواكبي حين بيّن أن الاستبداد لا يفسد السياسة وحدها، بل يفسد الأخلاق والعلم والدين، ويجعل الناس يعتادون الخضوع حتى يفقدوا القدرة على المبادرة والنقد(). فالاستبداد الطويل لا يصنع رعايا مطيعين فحسب، بل يصنع عقلًا يتوجس من الحرية، ويعدّها مصدرًا للفوضى، ويبحث دائمًا عن سلطة تحسم عنه مسؤولية الاختيار. وفي السياق العربي، لا يمكن تفسير أنماط الطاعة بردها إلى الإكراه وحده، لأن التاريخ يكشف عن تداخل معقد بين القوة والشرعية والعادة والدين والعصبية. فقد أسهمت بعض البنى الاجتماعية التقليدية في ترسيخ ثقافة الامتثال، كما أدت بعض التأويلات الدينية والخطابات السياسية إلى إضفاء بعد أخلاقي على الطاعة، حتى غدت قيمة في ذاتها، بغض النظر عن عدالة السلطة أو ظلمها. ولا يعني ذلك أن الثقافة العربية بطبيعتها ثقافة استبداد، وإنما يعني أن ظروفًا تاريخية معينة أنتجت أنماطًا من التفكير يمكن نقدها وإعادة بنائها. وعليه، فإن الفرق بين الإكراه والعبودية المختارة لا يكمن في وجود القوة أو غيابها، بل في موضع السلطة. ففي الإكراه تكون السلطة خارج الإنسان، تمارس عليه الضغط بالقوة المباشرة، أما في العبودية المختارة فإن السلطة تنتقل إلى داخل وعيه، فتغدو جزءًا من قناعاته وعاداته وتمثلاته للعالم. ولهذا فإن مقاومة الإكراه تكون بإزالة أدوات القمع، بينما تتطلب مقاومة العبودية المختارة إعادة بناء الثقافة، وإصلاح التربية، وتجديد الخطاب الديني، وتنمية التفكير النقدي، لأن تحرير الإنسان يبدأ بتحرير وعيه قبل تحرير جسده.

3. الطاعة بوصفها بناءً ثقافياً

يُعدُّ التمييز بين الإكراه والعبودية المختارة من أهم المفاتيح النظرية لفهم آليات استمرار الاستبداد؛ إذ إن الخلط بين المفهومين يؤدي إلى اختزال السلطة في بعدها القسري وحده، بينما تكشف التجربة التاريخية أن أكثر الأنظمة استقرارًا ليست تلك التي تعتمد على العنف وحده، وإنما تلك التي تنجح في تحويل الطاعة إلى قناعة، والخضوع إلى فضيلة، والامتثال إلى جزء من الهوية الثقافية. ومن هنا فإن دراسة الاستبداد لا تكتمل بتحليل أدوات الإكراه، بل تستلزم الكشف عن الكيفية التي يتحول بها الإكراه الخارجي تدريجيًا إلى طاعة داخلية، حتى يغدو الإنسان شريكًا في إعادة إنتاج النظام الذي يقيده، دون حاجة إلى حضور دائم لأجهزة القمع(). في الاصطلاح الفلسفي والسياسي، يشير الإكراه إلى حالة يُجبر فيها الإنسان على القيام بفعل أو الامتناع عنه تحت تأثير تهديد مباشر باستعمال القوة أو العقوبة. فالإكراه يفترض وجود إرادتين متعارضتين؛ إرادة الآمر وإرادة المأمور، بحيث تُقهر الثانية بفعل الخوف من العقاب. ولهذا ارتبط مفهوم الإكراه في الفكر القانوني بفقدان حرية الاختيار، لأن الفعل الصادر عن المكره لا يعبر عن إرادته الحقيقية، وإنما عن استجابته لضغط خارجي يفوق قدرته على المقاومة(). ومن ثم فإن العلاقة بين السلطة والفرد في حالة الإكراه تقوم على المواجهة الظاهرة؛ فالسلطة تفرض، والفرد يمتثل دفعًا للأذى، ويبقى في داخله رافضًا أو ناقمًا متى سنحت له فرصة التحرر. أما العبودية المختارة، فلا تقوم على الإكراه المباشر، بل على تحول الطاعة إلى سلوك اعتيادي وقناعة ثقافية. فالإنسان هنا لا يشعر دائمًا بأنه مكره، لأنه أصبح ينظر إلى النظام القائم بوصفه أمرًا طبيعيًا أو مشروعًا أو حتى ضروريًا لاستقرار المجتمع. ولذلك فإن أخطر صور السلطة ليست تلك التي تُرغم الناس على الطاعة، وإنما تلك التي تجعلهم يرغبون فيها أو يدافعون عنها أو يعيدون إنتاجها داخل مؤسساتهم الاجتماعية(). ولهذا السبب ميز إتيان دو لا بوييسي بين الخضوع الناتج عن القوة والخضوع الناتج عن الاعتياد؛ فالسلطة التي تعتمد على السيف وحده تظل سلطة هشة، لأن الناس ما إن تزول أسباب الخوف حتى يثوروا عليها، أما السلطة التي تنجح في غرس الطاعة داخل الضمير الجمعي فإنها تستمر حتى لو تغير الحكام، لأن بنيتها أصبحت مستقرة في الثقافة نفسها(). وهنا لا يعود الاستبداد مجرد نظام سياسي، بل يتحول إلى نمط في التفكير والعلاقات الاجتماعية. إن الانتقال من الإكراه إلى العبودية المختارة يتم عبر سلسلة طويلة من عمليات التطبيع الاجتماعي. فالطفل لا يولد خاضعًا، وإنما يتعلم الطاعة داخل الأسرة، ثم تعززها المدرسة، وتمنحها المؤسسة الدينية شرعية أخلاقية، وتعيد وسائل الإعلام إنتاجها في صورة قيم وطنية أو اجتماعية، حتى يصبح الامتثال جزءًا من شخصية الفرد. وبهذا تتحول السلطة الخارجية إلى سلطة داخلية، ويصبح الإنسان رقيبًا على نفسه قبل أن يكون خاضعًا لرقابة الدولة(). وقد بيّن ميشيل فوكو أن السلطة الحديثة لا تعتمد أساسًا على القمع، بل على إنتاج الأفراد المنضبطين. فالسجن، والمدرسة، والثكنة، والمستشفى، والمؤسسات الإدارية لا تعمل فقط على تنظيم السلوك، وإنما على تشكيل الذات نفسها، بحيث يتعلم الإنسان مراقبة نفسه، ويخشى مخالفة المعايير حتى في غياب الرقيب(). وهذا ما يجعل الطاعة أكثر رسوخًا؛ لأنها لم تعد استجابة لأمر خارجي، بل أصبحت جزءًا من آليات الضبط الذاتي. ومن زاوية سوسيولوجية، يفسر بيير بورديو هذه الظاهرة بمفهوم العنف الرمزي؛ فالهيمنة لا تستمر لأن الأقوياء يمتلكون وسائل القهر فحسب، بل لأنهم ينجحون في فرض تصوراتهم للعالم باعتبارها تصورات طبيعية وبديهية(). فعندما يقتنع الناس بأن التراتب الاجتماعي قدر لا يمكن تغييره، أو أن طاعة السلطة واجب أخلاقي مطلق، فإنهم يمارسون الخضوع دون أن يشعروا بأنه مفروض عليهم. وهنا تصبح الهيمنة أكثر فاعلية لأنها تُمارس من داخل الوعي نفسه. ويضيف إريك فروم بعدًا نفسيًا مهمًا لهذا التمييز؛ إذ يرى أن الإنسان قد يهرب من الحرية لأنها تضعه أمام مسؤولية الاختيار وما يرافقها من قلق، فيلجأ إلى الخضوع بحثًا عن اليقين والأمان(). فالعبودية المختارة ليست دائمًا نتيجة خداع أو تضليل، وإنما قد تكون أيضًا استجابة لحاجة نفسية عميقة إلى الانتماء والاستقرار. ولذلك فإن بعض الأفراد يدافعون عن السلطة لا خوفًا منها، بل لأن وجودها يمنحهم شعورًا بالطمأنينة ويخفف عنهم عبء اتخاذ القرار. ويظهر الفرق بين الإكراه والعبودية المختارة بوضوح عند دراسة سلوك المجتمعات في أوقات الأزمات. ففي حالة الإكراه، ينتظر الناس أول فرصة للتخلص من السلطة، لأن ولاءهم ظاهري ومؤقت. أما في حالة العبودية المختارة، فإن كثيرًا منهم يدافعون عن النظام حتى عندما تتعارض سياساته مع مصالحهم، لأنهم ربطوا بين وجود السلطة ووجود النظام ذاته، وبين طاعة الحاكم وحماية الجماعة. ومن هنا يصبح تغيير النظام السياسي غير كافٍ إذا بقيت الثقافة التي تنتج الطاعة على حالها، إذ سرعان ما يُعاد إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة(). وهذا ما أدركه عبد الرحمن الكواكبي حين بيّن أن الاستبداد لا يفسد السياسة وحدها، بل يفسد الأخلاق والعلم والدين، ويجعل الناس يعتادون الخضوع حتى يفقدوا القدرة على المبادرة والنقد(). فالاستبداد الطويل لا يصنع رعايا مطيعين فحسب، بل يصنع عقلًا يتوجس من الحرية، ويعدّها مصدرًا للفوضى، ويبحث دائمًا عن سلطة تحسم عنه مسؤولية الاختيار. وفي السياق العربي، لا يمكن تفسير أنماط الطاعة بردها إلى الإكراه وحده، لأن التاريخ يكشف عن تداخل معقد بين القوة والشرعية والعادة والدين والعصبية. فقد أسهمت بعض البنى الاجتماعية التقليدية في ترسيخ ثقافة الامتثال، كما أدت بعض التأويلات الدينية والخطابات السياسية إلى إضفاء بعد أخلاقي على الطاعة، حتى غدت قيمة في ذاتها، بغض النظر عن عدالة السلطة أو ظلمها. ولا يعني ذلك أن الثقافة العربية بطبيعتها ثقافة استبداد، وإنما يعني أن ظروفًا تاريخية معينة أنتجت أنماطًا من التفكير يمكن نقدها وإعادة بنائها. وعليه، فإن الفرق بين الإكراه والعبودية المختارة لا يكمن في وجود القوة أو غيابها، بل في موضع السلطة. ففي الإكراه تكون السلطة خارج الإنسان، تمارس عليه الضغط بالقوة المباشرة، أما في العبودية المختارة فإن السلطة تنتقل إلى داخل وعيه، فتغدو جزءًا من قناعاته وعاداته وتمثلاته للعالم. ولهذا فإن مقاومة الإكراه تكون بإزالة أدوات القمع، بينما تتطلب مقاومة العبودية المختارة إعادة بناء الثقافة، وإصلاح التربية، وتجديد الخطاب الديني، وتنمية التفكير النقدي، لأن تحرير الإنسان يبدأ بتحرير وعيه قبل تحرير جسده. خاتمة تُفضي هذه المقالة إلى نتيجة أساسية مفادها أن الاستبداد لا يبدأ من الحاكم، بل من البنية التي تجعل الطاعة ممكنة، وتمنح السلطة شرعيتها واستمرارها. فالسؤال الذي طرحه إتيان دو لا بوييسي قبل أكثر من أربعة قرون لم يفقد راهنيته، بل ازداد عمقًا في ظل التحولات الحديثة؛ إذ لم يعد جوهر المشكلة في امتلاك السلطة لأدوات القهر، وإنما في قدرتها على تحويل الطاعة إلى جزء من الوعي الفردي والجمعي، بحيث يغدو الامتثال سلوكًا اعتياديًا، ويصبح الخضوع فضيلة أخلاقية أو ضرورة اجتماعية. ومن هنا انتقل البحث من تفسير الاستبداد بوصفه علاقة سياسية بين الحاكم والمحكوم إلى فهمه بوصفه علاقة ثقافية ومعرفية ونفسية تتغلغل في مؤسسات المجتمع وآليات تنشئته. وقد أظهر تحليل سؤال لا بوييسي أن الطاعة ليست استجابة تلقائية للقوة، وإنما هي ظاهرة مركبة تتداخل فيها العادة، والخوف، والتنشئة، والرموز، والشرعية، والذاكرة الاجتماعية. كما بيّن التمييز بين الإكراه والعبودية المختارة أن السلطة تبلغ ذروة فاعليتها عندما لا تعود بحاجة إلى الإكراه المباشر، لأن الإنسان يصبح رقيبًا على نفسه، ويعيد إنتاج النظام الذي يخضع له من خلال سلوكه اليومي وقناعاته الثقافية. أما النظر إلى الطاعة بوصفها بناءً ثقافيًا، فقد كشف أن الأسرة، والمدرسة، والمؤسسة الدينية، والإعلام، واللغة، ليست مؤسسات محايدة، بل يمكن أن تتحول إلى فضاءات لإنتاج الامتثال أو إلى أدوات لتكوين الإنسان الحر، تبعًا للمنظومة الفكرية والقيمية التي تحكمها. ومن ثم، فإن العبودية المختارة لا ينبغي أن تُفهم بوصفها إدانة للإنسان أو تحميلًا له مسؤولية استعباده، بل بوصفها وصفًا للكيفية التي تنتقل بها السلطة من الخارج إلى الداخل، ومن القهر المادي إلى الضبط الذاتي، ومن مؤسسات الدولة إلى بنية العقل ذاته.

وهذه النتيجة تفتح أفقًا نقديًا جديدًا؛ إذ يصبح تحرير الإنسان مشروعًا يتجاوز تغيير الحكام أو إصلاح المؤسسات السياسية، ليشمل إعادة بناء الثقافة، وتجديد التربية، ونقد الخطاب الديني والسياسي، وترسيخ قيم المسؤولية والتفكير النقدي. فالاستبداد الذي يُبنى في الوعي لا يُهزم بالقوة وحدها، وإنما يُهزم بإنتاج وعي جديد يجعل الحرية قيمة معرفية وأخلاقية قبل أن تكون مطلبًا سياسيًا. وعلى هذا الأساس، تمثل هذه المقالة المدخل النظري للكتاب كله؛ لأنها تضع القارئ أمام الفرضية المركزية التي ستتكرر بأشكال مختلفة في المقالات اللاحقة، وهي أن الطاعة ليست معطى فطريًا ولا قدرًا تاريخيًا، بل بناء اجتماعي قابل للتفكيك وإعادة التشكيل. فإذا كان الاستبداد قد نجح عبر التاريخ في صناعة الإنسان المطيع، فإن مشروع التحرر الحقيقي يبدأ بصناعة الإنسان القادر على السؤال، والنقد، وتحمل مسؤولية الحرية. ومن هنا تنطلق المقالة التالية لتتتبع الجذور التاريخية للطاعة في التراث العربي، باحثةً في الكيفية التي انتقلت بها من البناء القبلي إلى بنية الدولة، ومن العصبية الاجتماعية إلى الشرعية السياسية، لتصبح جزءًا من التكوين العميق للعقل والثقافة.

***

د. عامر الوائلي

الوعي هو الجرح الذي لم يندمل في جسد المعرفة الحديثة. فمنذ أن نجح العلم في تفكيك المادة إلى ذرات، والدماغ إلى شبكات، والسلوك إلى أنماط، ظلّ هناك شيء واحد يقاوم الاختزال بعناد غريب: ذلك الحضور الداخلي الذي لا يُرى، ولا يُقاس مباشرة، ولا يُختزل إلى معادلة، لكنه مع ذلك أقرب إلينا من كل شيء. إننا قد نعرف كيف تتحرك الإشارات العصبية في القشرة البصرية حين نرى اللون الأحمر، وقد نرصد بدقة مناطق الألم والذاكرة والانتباه، لكن كل هذا لا يفسّر لماذا يكون هناك أصلًا شيء ما يشبه أن نرى الأحمر، أو أن نتألم، أو أن نتذكر، أو أن نكون نحن أنفسنا من الداخل. هنا تبدأ مشكلة الوعي، لا باعتبارها نقصًا تقنيًا في المعرفة، بل بوصفها تصدّعًا في بنية التفسير نفسها.

إن ما يجعل الوعي مشكلة فلسفية كبرى ليس أننا نجهل بعض تفاصيله فحسب، بل أن لغتنا العلمية كلها تبدو وكأنها تتحرك خارجه دون أن تمسه في مركزه. العلم يصف الوظائف، يشرح الترابطات، يحدّد الآليات، لكنه حين يصل إلى الخبرة الذاتية يتوقف عند عتبة غامضة. يمكنه أن يقول لنا ما الذي يحدث في الدماغ حين يخاف الإنسان، لكنه لا يستطيع أن يعبر الجسر من هذا “الحدوث” الموضوعي إلى “الإحساس” الذاتي بالخوف. يمكنه أن يحدد الشروط العصبية للرؤية، لكنه لا يفسر كيف تنقلب النبضات الكهربائية إلى عالم مرئي حاضر في التجربة. وكأن ثمة هوة بين الوصف من الخارج والحضور من الداخل، بين الوقائع الفيزيائية كما تُرصد، والخبرة كما تُعاش.

من هنا ظهر التمييز الشهير بين ما يُسمّى بالمشكلات السهلة للوعي والمشكلة الصعبة. والمقصود بالمشكلات السهلة ليس أنها سهلة فعلًا، بل إنها قابلة من حيث المبدأ للتفسير العلمي الوظيفي: كيف ينتبه الدماغ؟ كيف يدمج المعلومات؟ كيف يميز بين المنبهات؟ كيف يصدر التقارير اللفظية عن حالاته؟ هذه كلها مسائل معقدة، لكنها تقع داخل أفق التفسير السببي المعتاد. أما المشكلة الصعبة فهي شيء آخر: لماذا ترافق هذه العمليات كلها خبرة ذاتية أصلًا؟ لماذا لا يكون الكائن جهازًا بالغ التعقيد يعالج المعلومات دون أن يكون هناك أحد “في الداخل” يحيا هذه المعالجة؟ لماذا لا يكون العالم مجرد حساب بلا حضور؟

هذه الصعوبة هي التي دفعت بعض الفلاسفة إلى القول إن الوعي يكشف حدود النزعة المادية في صورتها الاختزالية. فإذا كانت كل حقيقة في العالم قابلة للرد إلى حقائق فيزيائية، فلماذا يبدو أن هناك بعدًا كيفيًا لا تلتقطه الفيزياء؟ إن وصف الدماغ بوصفه جهازًا لمعالجة المعلومات قد يشرح التنظيم، لكنه لا يشرح الإحساس. المعلومات ليست ألمًا، والتمثيل ليس لونًا، والوظيفة ليست طعمًا، والترابط العصبي ليس حزنًا. إننا هنا لا نواجه مجرد فجوة في البيانات، بل فجوة في النوع: فرقًا بين ما يمكن وصفه بضمير الغائب وما لا يُفهم إلا بضمير المتكلم.

ولعل أشهر ما كشف حدة هذه المعضلة هو سؤال الكواليا، أي الخصائص الكيفية للتجربة. ما معنى أن ترى الأحمر؟ ليس المقصود هنا الطول الموجي، ولا البنية الشبكية، ولا التصنيف الإدراكي، بل تلك الكيفية الحية التي يظهر بها الأحمر في التجربة. هذه الكيفية لا تبدو شيئًا زائدًا بالمعنى الساذج، لكنها ليست كذلك مجرد وظيفة قابلة للتبادل. قد نصنع آلة تميز الأحمر من الأخضر بدقة تفوق الإنسان، لكن هل هذا يعني أنها “ترى” الأحمر؟ هنا ينكشف التوتر بين الأداء والخبرة، بين السلوك والوعي، بين النجاح الوظيفي والحضور الظاهراتي.

ومن أجل تعميق هذه الفجوة، صاغ بعض الفلاسفة تجارب ذهنية أصبحت مركزية في فلسفة العقل. من أشهرها الزومبي الفلسفي: كائن مطابق للإنسان في كل شيء فيزيائيًا وسلوكيًا، يتكلم مثله، يستجيب مثله، يصف العالم كما نصفه، لكنه يفتقر تمامًا إلى الخبرة الواعية. إذا كان تصور مثل هذا الكائن ممكنًا منطقيا، فذلك يعني أن الحقائق الفيزيائية لا تستلزم وحدها وجود الوعي. سواء قبلنا هذه الحجة أو رفضناها، فإن قوتها تكمن في أنها تكشف أن السؤال عن الوعي ليس سؤالًا عن التعقيد فقط، بل عن طبيعة العلاقة بين البنية والظهور، بين المادة والتجربة.

وفي الجهة المقابلة، حاولت النزعات المادية أن ترد بأن هذا كله ناتج عن سوء فهم لطبيعة التفسير. فالوعي، في نظر بعضهم، ليس لغزًا ميتافيزيقيًا، بل ظاهرة تنشأ حين يبلغ التنظيم العصبي مستوى معينًا من التكامل أو النمذجة الذاتية أو القدرة على الإحالة الداخلية. ما نعتبره “فجوة تفسيرية” ليس إلا أثرًا للحدود الإدراكية للإنسان حين يحاول فهم ذاته بأدوات تطورت أصلًا للبقاء لا للشفافية الميتافيزيقية. بعبارة أخرى: ربما لا يكون الوعي شيئًا زائدًا على العالم الطبيعي، بل يكون فقط الطريقة التي يظهر بها التنظيم المعقد من الداخل.

غير أن هذا الرد، على أهميته، لا يحل المشكلة بل ينقلها. لأنه حتى لو قلنا إن الوعي ينشأ من التعقيد، يبقى السؤال قائمًا: لماذا ينتج التعقيد خبرة بدلًا من أن يبقى مجرد تعقيد؟ إن قولنا إن الدماغ يكوّن نموذجًا لنفسه لا يفسر لماذا يكون لهذا النموذج طابع معيش. وإن قولنا إن الوعي هو تكامل للمعلومات لا يوضح لماذا يكون تكامل المعلومات مصحوبًا بإحساس. التفسير هنا كثيرًا ما يتحول إلى إعادة تسمية للمشكلة، لا إلى حل لها.

لهذا ظهرت اتجاهات أخرى أكثر جرأة، مثل البانسايكزم، الذي يفترض أن الوعي ليس حادثًا طارئًا في الكون، بل سمة أولية من سمات الواقع، مثل الكتلة أو الشحنة. في هذا الأفق، لا يكون الوعي قد انبثق فجأة من مادة ميتة تمامًا، بل تكون المادة ذاتها حاملة لأشكال بدئية من الداخلية. قوة هذا الطرح أنه يتجنب المعجزة الصامتة التي تجعل الذاتي يخرج من اللاموضوعي خروجًا مطلقًا. لكن مشكلته الكبرى أنه يواجه سؤالًا صعبًا آخر: كيف تتجمع هذه “الداخليات” الجزئية لتكوّن وحدة الوعي الإنساني؟ كيف تنتقل الذرات من ومضاتها المفترضة إلى ذات واحدة تقول: أنا؟

وهناك أيضًا من حاول أن يفهم الوعي لا بوصفه جوهرًا مستقلًا ولا بوصفه إفرازًا آليًا، بل كعلاقة. أي أن الوعي ليس شيئًا نملكه داخل الرأس كما نملك عضوًا، بل هو انفتاح على العالم، نمط حضور، طريقة يكون بها الكائن في العالم. هذا ما ألمحت إليه الفينومينولوجيا حين رفضت اختزال التجربة إلى أشياء داخلية. فالوعي، في هذا المنظور، ليس صندوقًا مغلقًا يحتوي صورًا، بل حركة قصدية تتجه دائمًا نحو شيء. أنا لا أملك وعيًا أولًا ثم أضيف إليه العالم، بل أجد نفسي منذ البدء في تماس مع العالم، منخرطًا فيه، متوجّهًا نحوه، متأثرًا به. هذه المقاربة لا تحل المشكلة العصبية طبعًا، لكنها تعيد ترتيبها: بدل أن نسأل فقط كيف ينتج الدماغ الوعي، نصبح مضطرين إلى السؤال عن الخطأ الكامن في تصورنا للوعي كشيء محصور داخل الجمجمة أصلًا.

إن مأزق الوعي يكشف في العمق أزمة أوسع في الحداثة المعرفية: أزمة العلاقة بين المنظور الثالث والمنظور الأول. لقد تفوقت العلوم الحديثة لأنها نجحت في تعليق الذات والحديث عن العالم من الخارج، بلغة القياس، والتكرار، والموضوعية. لكن الوعي هو بالضبط ما لا يُعطى إلا من الداخل. ومن هنا نشأ التوتر: كلما اقتربنا من الشروط الموضوعية للوعي ابتعدنا عن كيفيته المعاشة، وكلما تمسكنا بالخبرة الحية فقدنا قابلية القياس. إننا كأننا نقف بين لغتين: لغة تقول ما يحدث، ولغة تشهد على ما يُعاش، ولا توجد حتى الآن ترجمة كاملة بينهما.

وهذا ما يجعل مشكلة الوعي ليست مجرد مشكلة في فلسفة العقل، بل مشكلة في معنى الإنسان نفسه. لأن الوعي هو موضع الحرية، والهوية، والألم، والذاكرة، والحب، والخوف، والكرامة. إذا اختزلناه تمامًا إلى نشاط عصبي فقد نخسر شيئًا من ثراء التجربة البشرية، وإذا فصلناه تمامًا عن العالم الطبيعي وقعنا في ثنائية غامضة يصعب الدفاع عنها. لذلك فإن الصعوبة الحقيقية ليست فقط في أن نفسر الوعي، بل في أن نفعل ذلك دون أن نمحو الإنسان أو نحوّله إلى شبح.

ربما لا يكون السؤال النهائي هو: ما الوعي؟ بل: لماذا يظهر العالم أصلًا في صورة خبرة؟ لماذا لا يكون الوجود صامتًا بالكامل؟ لماذا يوجد حضور بدلًا من مجرد وقوع؟ هنا يتحول الوعي من قضية تقنية إلى دهشة أنطولوجية. فالكون، عبرنا، لا يكتفي بأن يكون، بل يصبح ظاهرًا لنفسه. وهذه الحقيقة، مهما تقدم العلم في تحليل شروطها، ستظل تحمل شيئًا من الغموض البدئي: أن المادة في لحظة ما لا تصير فقط منظمة، بل تصير معيشة؛ لا تصير فقط بنية، بل تصير إحساسًا؛ لا تصير فقط شيئًا في العالم، بل موضعًا يظهر فيه العالم.

لهذا تبقى مشكلة الوعي أعظم من أن تُفهم كعقبة عابرة في طريق العلم، وأخصب من أن تُختزل إلى لغز ميتافيزيقي معزول. إنها النقطة التي يصطدم فيها التفسير بالحضور، والسببية بالمعنى، والموضوعية بالتجربة. إنها الموضع الذي يكتشف فيه الفكر أن العالم ليس فقط ما يُرى، بل أيضًا ما يرى نفسه فينا.

***

عبد الله الهميلي

من أكذوبة "التنمية" إلى حظيرة البقاء الحيواني

تستدعي قراءة المنظومة الأخلاقية المعاصرة، التي تتمركز حول الأنانية وتقديس المنفعة المادية، تفكيكاً عميقًا وصادمًا للأسس النفسية والسياسية التي تُوجّه وعي المجتمعات اليوم. نحن نعيش في عصرٍ تتشدق فيه القِوَى العظمى والأنظمة التابعة لها بأرقى المبادئ الإنسانية، غير أن نَظْرَة فاحصة ،تكشف لنا أن هذه المبادئ الثابتة ليست في جوهرها سوى حيل دفاعية، تنبع من العجز، والاعتلال الوجودي، والخداع السياسي. يحيلنا هذا التناقض الفج إلى البحث في أصول هذه الأخلاق ودوافعها الخفية.

حين تتكتل هذه الإسقاطات الفردية لـ "المرضى" بالسلطة ستأخذ طابعًا مؤسسيًا وتوافقيًا، وتتحول إلى نظام شامل من المحاكاة والاصطناع. في هذا النظام، يُشيّد المجتمع الرأسمالي العالمي "صنمًا أخلاقيًا" متفقًا عليه، يحمل أسماء براقة مثل "حقوق الإنسان"، و"نشر الديمقراطية"، و"التنمية المستدامة"، ولكنه في الحقيقة صنمٌ مفرغ من أي قيمة وجودية أو حقيقة ملموسة؛ بل هو مجرد واجهة لتبرير الهيمنة واستغلال الشعوب. ولمواجهة هذا الانسداد المعرفي والسياسي، تبرز الحاجة الماسة إلى مقاربة نقدية شجاعة تجرّد هذه المنظومات الأخلاقية من تقديسها الأعمى، وتنسف وهم "الضمير المرتاح" الذي تعيشه الأنظمة الرأسمالية وحلفاؤها.

جذور الوهم:

لفهم كيف وصلنا إلى هذا الانحطاط المغلف بالفضيلة، يجب أن نعود إلى الجذور. تتأسس الذات الإنسانية المنغلقة على مصالحها عبر آليات تعويضية تُحاول التغطية على تمزقها الداخلي وخوفها من قسوة الوجود. وقد أزاح الفكر الفلسفي النقدي الستار عن الجذور الدفينة لهذه المنظومات الأخلاقية، بربطها بما يُسمى "الإنسان المريض" أو العاجز. فبينما تتولد الأخلاق النبيلة الحقيقية من قوة الذات وتدفقها الحيوي وقدرتها على العطاء، تنشأ "أخلاق العبيد" أو الضعفاء كردة فعل تحكمها روح الضغينة والحقد والافتقار إلى الإبداع.

الإنسان، أو حتى النظام السياسي، العاجز عن المواجهة المباشرة وصناعة فعل تنموي حقيقي، يتوسل بحيلة خبيثة:

يحاول ان يقلب مقاييس القوة والضعف، ويُعيد تعريف عجزه بوصفه "فضيلة"، واستسلامه للتبعية بوصفه "تسامحًا واندماجًا في المجتمع الدُّوَليّ". تتقاطع هذه الرؤية بوضوح مع معطيات التحليل النفسي فيمًا يخص "الإسقاط النفسي"، وهو حيلة دفاعية لا شعورية يهرب بها الفرد من صراعه الداخلي وفشله المريع، عبر إلصاق نقائصه بالآخرين واختلاق نموذج دائم لـ "العدو الشرير" أو "المتخلف" الذي يجب محاربته أو تنويره.

هكذا، تبدأ دينامية التحول من الضعف الباطني والفشل السياسي إلى فرض تشريعات أخلاقية صارمة. يصبح التشدد الأخلاقي، وإطلاق الشعارات الرنانة، وعقد المؤتمرات الدولية، نتاجًا مباشرًا لاضطراب داخلي، يُحاول فيه النظام العاجز فرض سيطرته الوهمية على الخارج ليتجنب الانهيار والانكشاف.

في سياقنا المعاصر، أصبحت هذه المنظومة مجرد أيديولوجيًا تعويضية يُمارس بها النظام الرأسمالي العالمي هيمنته الرمزية لسحق المخالفين وتبرير جرائمه.

الرأسمالية وصناعة الصنم الأخلاقي التوافقي

عندما تتجاوز هذه الحيل النفسية حدود الفرد لتُصاغ في أطر جماعية ودولية، فإنها تنحت  ما يمكن وصفه بـ "الصنم الأخلاقي التوافقي". هنا يبرز الوجه الأبشع للنظام الرأسمالي العالمي، حيث يمر الفضاء السياسي والاجتماعي بتحولات تنتهي إلى مرحلة "الاصطناع الكامل". في هذه المرحلة، تصبح الشعارات مجرد واجهات تُشير إلى أوهام أخرى دون أي صلة بالواقع المعيش. إنها تشبه العملة المزيفة التي يتداولها الجميع وهم يعلمون أنها لا تملك غطاءً من الذهب.

تتم عملية صناعة هذا الصنم الأخلاقي الرأسمالي عبر تفريغ القيم من مضامينها الحقيقية، وتأطيرها في مؤتمرات ضخمة، واستعراضات إعلامية، وتقارير دولية تُحقق للمركز الرأسمالي تفوقًا أخلاقيًا زائفًا. تحت مظلة هذا الاصطناع، تلتئم مصالح الأنظمة في توافق جمعي يُنشئ صرحًا قيميًا يبدو صلبًا في ظاهره، لكنه خاوٍ في باطنه. يُسجد لهذا الصنم الرمزي بصفته الضامن لاستقرار العالم وحامي الكوكب، دافعه الحقيقي هو إخفاء العدمية المتوحشة للسوق الحرة، والهرب من مواجهة التفكك الاجتماعي، وتبرير النهب الممنهج لثروات دول الأطراف.

التبعية ودورة البقاء الحيواني

في ظل هذا النظام العالمي المصطنع والمريض، تبرز مأساة حقيقية وعميقة تتمثل في تعاضد الجهل والغباء السياسي عند الحكومات التابعة لدول المركز الرأسمالي. هذه الحكومات، التي تفتقر إلى أي شرعية حقيقية، أو رؤية وطنية، أو استقلال إرادي، تتبنى هذا الصنم الأخلاقي الرأسمالي بسذاجة مفرطة وعبثية مدمرة. إنها تستورد شعارات مثل "التطوير"، "مكافحة الفقر"، و"التنمية المستدامة" و" مكافحة الفساد الإداري والمالي" وترددها كالببغاوات في خطاباتها الرسمية، سياساتها الفعلية على الأرض تدمّر أي فرصة للتنمية الحقيقية، وتبيع مقدرات الأوطان بأبخس الأثمان.ينتج  هذا الغباء السياسي والتبعية العمياء شللٌ كامل في قدرة هذه الدول على استثمار وفرة مواردها. فبدلًا من بناء بنية تحتية مستدامة، أو تأسيس اقتصاد إنتاجي يضمن كرامة الإنسان واستقلاله، أو دعم التعليم والصحة، تقوم هذه الحكومات بتبديد الثروات لخدمة سادتها في المركز الرأسمالي، أو لسداد ديون وهمية، أو لإشباع نهم نخبها الفاسدة التي تعيش طفيليات على جسد الدولة.

أثر هذا الفشل الأخلاقي والسياسي يبدو كارثيًا ومدمرًا على الشعوب؛ إذ يتم اختزال طموح الإنسان، وتطلعاته، وحياته كُلََّها في تلك الدول إلى ما يمكن تسميته بـ "دورة البقاء الحيواني". ففي بلدان تزخر بالموارد الطبيعية الهائلة والقدرات البشرية الشابة، يجد المواطن نفسه يلهث يوميًا في دائرة مفرغة لتأمين أبسط مقومات البقاء الغريزي:

اللقمة، المأوى، قطرة الماء النظيفة، والأمان الجسدي. لقد سلبت الرأسمالية وأدواتها من الحكومات التابعة إنسانية المواطن، وحولته إلى مجرد كائن مستهلك يصارع من أجل قضاء حاجاته البيولوجية الأساسية، غارقًا في يوميات بائسة ومطحنة اقتصادية لا تترك له مجالًا أو طاقة للتفكير في حريته، أو إبداعه، أو حقوقه السياسية، أو مستقبله. إن ادعاءات التنمية المستدامة هنا ليست سوى نكتة سمجة تُلقى في قاعات مكيفة،  يُسحق الإنسان في الشارع تحت وطأة الجهل، والتبعية، والجوع.

نحو التفكيك: أخلاقٌ بلا أخلاق

لإنهاء هذا العبث والخروج من هذه الحظيرة المصطنعة، ما بد من تبني مقاربة تفكيكية راديكالية تنقض هذه الأصنام، وتُسقط القناع الأخلاقي عن المركزية الرأسمالية. يبدأ هذا النقد بمساءلة الأخلاق التقليدية والمؤسسية التي تعتمد على قوائم جاهزة من القوانين واللوائح. فالالتزام الأعمى بالقواعد المكتوبة، كالقوانين الدولية والمواثيق التي تُفصّل دائمًا على مقاس الأقوى، يُنتج وهمًا شديد الْخَطَر يُعرف بـ "الضمير المرتاح". يتوهم النظام التابع، أو المسؤول الفاسد، أنه حقق العدالة والمساواة لمجرد توقيعه على معاهدة دولية أو إعلانه عن خِطَّة خمسية فارغة، وهو في الحقيقة يتنصل تمامًا من مسؤوليته المباشرة تجاه معاناة الناس المسحوقين.

من هنا يُطرح المفهوم الفلسفي العميق "الأخلاق بلا أخلاق". ولفظة "بلا" هنا ما تعني أبدًا رفض القيم الإنسانية أو الدعوة إلى الفوضى والعدمية، بل تعني تجريد القِيَم من غطائها المؤسسي الزائف، ونزع طابع القداسة عن القوانين الرأسمالية التي تُستخدم أدوات للقمع والاستغلال. إنها دعوة جريئة لإعادة الأخلاق إلى جوهرها الأول الأصيل:

الانفتاح المطلق، والمسؤولية الفائقة وغير المشروطة تجاه الآخر، هذا الآخر هو المواطن المقهور، والفقير، والمُهمش الذي لا يجد صوتًا في عالم تحكمه الأرقام والأسواق.

يؤكد هذا الفكر النقدي التفكيكي أن القرار أو الفعل لا يكوون أخلاقيًا بحق، إلا إذا مرّ بتجربة المأزق المستعصي ولحظة اتخاذ القرار الحر الشجاع. فإذا كان السلوك الأخلاقي والسياسي مجرد تطبيق آلي لقوانين مستوردة، أو استجابة خاضعة لإملاءات، فإنه يفقد جوهره الإنساني وقيمته الحقيقية. إن الأخلاق الحقيقية تتطلب كسرا لأنساق المغلقة، ورفض الحلول المعلبة، وتحطيم الأصنام السياسية التي تبقي مجتمعاتنا في مستنقع التبعية.

كسر الصنم والانفتاح غير المشروط

إن التفكيك المعمق للذات الإنسانية المنغلقة، وللنظام الرأسمالي التي يعبر عنها، يكشف بوضوح أن الأخلاق المعيارية التي يتشدق بها العالم اليوم ليست سوى إسقاطات لمرضى العصر، وبنية اصطناعية خاوية تستهدف التدجين والسيطرة. وحين تعتنق الحكومات التابعة هذا الزَّيف، وتطبقه بامتياز بسبب ارتهانها غير المشروط للمركز، تنعدم تمامًا فرص التنمية المستدامة، وتُسجن الشعوب، جيلًا بعد جيل، في أقفاص البقاء الحيواني على الرغْم ثرائها الفاحش بالموارد.

إن تجاوز هذا الانسداد التاريخي لا يتحقق باليأس أو السقوط في مستنقع العدمية، بل بممارسة نقدية مستمرة، تفضح وتعري أوهام "الضمير المرتاح" وزيف التنمية الرأسمالية. تُعيد صياغة مفهوم "الأخلاق بلا أخلاق" المسؤولية إلى الواجهة؛ بوصفها التزاماً حياً، شاقاً، ومقلقاً يضعنا في مواجهة مباشرة وحقيقية مع معاناة مجتمعاتنا، بعيداً عن القفازات المؤسسية أو الشعارات الصنمية. بهذا المسار التفكيكي الجريء فقط، يمكن تطهير القيم من كونها مجرد قناع لسرقة الشعوب وإذلالها، لتصبح أفقاً مفتوحاً للعدالة الحقيقية، والكرامة الإنسانية، والتنمية الأصيلة التي تليق بالإنسان وتنتشله من قاع البقاء الغريزي ليصنع حاضره ومستقبله.

***

غالب المسعودي

 

ليست الفلسفة ترفًا فكريًا كما يتصور البعض، ولا مادة مدرسية يمكن الاستغناء عنها كلما ضاقت المناهج أو ازدحمت الجداول الدراسية، وإنما هي قبل ذلك وبعده تربية للعقل على الحرية، وتهذيب للضمير، وتدريب للإنسان على فن السؤال قبل البحث عن الجواب. ولعل أعظم ما أنجزته الفلسفة في تاريخ الحضارة الإنسانية أنها لم تكتف بإنتاج الأفكار، بل ساهمت في إنتاج الإنسان القادر على التفكير.

ومن هنا يبدو الدفاع عن الفلسفة دفاعًا عن الإنسان نفسه، وعن حقه في أن يفكر، ويشك، ويبدع، ويختار، وأن يكون مواطنًا لا مجرد تابع، وعقلًا حيًا لا مجرد وعاء لحفظ المعلومات. ولهذا جاءت دعوات كثير من الفلاسفة والمثقفين في الجزائر وغيرها من البلدان العربية الرافضة لتهميش الفلسفة في التعليم، تعبيرًا عن وعي عميق بأن معركة المستقبل ليست معركة التكنولوجيا وحدها، وإنما هي معركة العقول التي ستستخدم هذه التكنولوجيا.

لقد أثبتت التجربة الإنسانية أن التنمية ليست مجرد بناء طرق وجسور ومصانع، وإنما هي قبل كل شيء بناء الإنسان. والإنسان لا يُبنى بالمعرفة التقنية وحدها، وإنما ببناء شخصيته العقلية والأخلاقية والجمالية والوجدانية. وهذا ما تؤكده نظرية الذكاءات المتعددة لعالم النفس الأمريكي هاورد غاردنر، التي تجاوزت الفهم التقليدي للذكاء بوصفه قدرة رياضية أو لغوية فحسب، لتؤكد أن الإنسان يمتلك طيفًا واسعًا من القدرات؛ كالذكاء المنطقي والاجتماعي والوجداني والجمالي والأخلاقي والوجودي وغيرها. وليس ثمة علم أسهم في تنمية هذه الملكات مجتمعة كما أسهمت الفلسفة والعلوم الإنسانية.

ومن خبرتي المتواضعة في دراسة الفلسفة وتدريسها وإدارة قسمها في جامعة عدن، أدركت أن جوهر الدرس الفلسفي لا يكمن في تلقين تاريخ الفلسفة، وإنما في تعليم الطلاب كيف يفكرون. فالغاية ليست أن يحفظ الطالب ما قاله بارمينيدس أو الفارابي أو هيجل أو سارتر، وإنما أن يتعلم كيف يصوغ أسئلته الخاصة عن ذاته وعالمه الذي يعيش فيه وحاضره ومستقبله أما الاقتصار على تدريس الأقوال الفلسفية القديمة باعتبارها حقائق مكتملة، فإنه يحول الفلسفة إلى مادة جامدة تفقد روحها. فما قيمة أن يردد الطالب قول بارمينيدس: “الوجود موجود والعدم غير موجود”، أو عبارة هيجل: “العقل يحكم العالم”، أو مقولة سارتر: “الوجود يسبق الماهية”، إذا لم تساعده هذه الأقوال على فهم وجوده هو، وعالمه هو، ومشكلاته هو وجيله وعصره.

العالم اليوم يتحرك بسرعة غير مسبوقة. فالذكاء الاصطناعي، والثورة الرقمية، والبيانات الضخمة، والروبوتات، والتقنيات الحيوية، كلها تعيد تشكيل معنى الإنسان والعمل والمعرفة. وفي مثل هذا العالم لا تكفي المعلومات، لأن المعلومات أصبحت متاحة للجميع، وإنما تصبح القيمة الحقيقية في القدرة على تحليلها، ونقدها، وربطها، وتوظيفها أخلاقيًا. بحسب إدجار موران الذي أكد "إن التفكير في تعقيد العالم وتداخله وتسارع متغيراته ليس ترفًا فكريًا، بل هو ضرورة وجودية في عالم لا تكفيه الأجوبة البسيطة.” وهذا هو فحوى المنهج التركيبي المنطلق من ثلاثة مبادئ أساسية عند الفيلسوف موران:

أولها: المبدأ الحواري، الذي يسمح بالتعايش بين المتناقضات دون أن يلغي أحدها الآخر. فالنظام والفوضى ليسا نقيضين مطلقين، بل قد يكون كل منهما شرطًا لوجود الآخر. وكذلك العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والوعي الإنساني؛ فليست علاقة صراع، بل علاقة تكامل إذا أحسن الإنسان إدارتها.

ثانيا: مبدأ الارتداد السببي، حيث لا تسير العلاقة بين السبب والنتيجة في خط مستقيم، بل تعود النتائج لتؤثر في الأسباب نفسها. فالإنسان يصنع التكنولوجيا، لكن التكنولوجيا تعيد تشكيل الإنسان، وثقافته، وعلاقاته، وطريقته في التفكير.

ثالثا: المبدأ الهولوغرامي، الذي يرى أن الجزء يحمل صورة الكل، كما يحمل الكل آثار أجزائه. فالإنسان ليس فردًا معزولًا، بل يحمل داخله تاريخ مجتمعه وثقافته ولغته وقيمه، كما أن المجتمع لا يوجد إلا من خلال الأفراد.

إنها رؤية كلية نقدية عقلانية ترى الوحدة داخل التعدد، والتعدد داخل الوحدة.

وليس من قبيل المصادفة أن تشير دراسات بحثية عديدة إلى وجود علاقة بين ضعف تدريس الفلسفة والعلوم الإنسانية وبين قابلية بعض الشباب للانجذاب إلى الأفكار المتطرفة. فقد ناقشت ورقة “تحصين العقل” التي أعدها الباحث البريطاني مارتن روز، وعدد من الدراسات اللاحقة، أثر غياب العلوم الإنسانية في تنامي العقلية المغلقة، واقترحت أن تدريس الفلسفة، وعلم الاجتماع، والتاريخ، والآداب، إلى جانب أنسنة تدريس العلوم الطبيعية والهندسية، يمكن أن يسهم في بناء عقول أكثر انفتاحًا ومناعة تجاه الأيديولوجيات المتشددة.

كما أثارت دراسات مقارنة أخرى الانتباه إلى الحضور المرتفع لخريجي بعض التخصصات التقنية والهندسية داخل جماعات التطرف العنيف، ليس لأن الهندسة تنتج الإرهاب، فذلك استنتاج باطل ومجحف، وإنما لأن الاقتصار على التكوين التقني دون مرافقة فلسفية وإنسانية قد يحرم الطالب من التدريب على التفكير النقدي، وتعدد وجهات النظر، وفهم التعقيد الإنساني الذي لا يخضع دائمًا لمنطق الصواب والخطأ الحاسم كما في المسائل الرياضية.

إن هذه النتائج لا تدين العلوم الطبيعية، فهي من أعظم منجزات الحضارة الإنسانية، لكنها تؤكد أن العلم وحده لا يكفي. فالعلم يخبرنا كيف نصنع الأشياء، أما الفلسفة فتسألنا لماذا نصنعها، ولأي غاية، وبأي مسؤولية إنسانية أخلاقية؟

لقد اثبت التاريخ أن المعتقدات والأفكار لا تُهزم بالقوة وحدها، وإنما بأفكار أكثر عقلانية وإنسانية. فالذي يقتنع بأن الموت طريقه الوحيد إلى الخلاص، لا تستطيع الدبابات أن تغير قناعته، لكن قد ينجح في ذلك معلم حكيم، أو كتاب جيد، أو حوار صادق، أو درس فلسفة يفتح نافذة جديدة في عقله.

ولهذا فإن مسؤولية بناء العقل لا تقع على المدرسة وحدها، وإنما تشترك فيها الأسرة، والجامعة، ووسائل الإعلام، ودور العبادة، والمؤسسات الثقافية، وكل من يسهم في تشكيل وعي الإنسان. فالتطرف لا يولد فجأة، وإنما ينمو في بيئة يغيب عنها السؤال، ويهيمن عليها اليقين المغلق والعقل الهندسي.

وهكذا يمكن القول ؛؟إن إعادة الاعتبار للفلسفة والعلوم الإنسانية في مدارسنا وجامعاتنا ليست دفاعًا عن تخصص أكاديمي، وإنما دفاع عن مشروع حضاري كامل، يؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة تمتلكها الأمم، وأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من العقل، لا من النفط ولا من السلاح ففي عصر الذكاء الاصطناعي، تزداد هذه الحقيقة وضوحًا. فالآلة تستطيع أن تحسب أسرع منا، وأن تخزن أكثر منا، وأن تسترجع المعلومات في أجزاء من الثانية، لكنها لا تستطيع أن تمنح العالم معنى، ولا أن تميز بين الخير والشر، ولا أن تتحمل مسؤولية أخلاقية. وهذه هي المنطقة التي ستظل حكرًا على الإنسان، ما دام يحتفظ بعقله النقدي، وخياله الخلاق، وضميره الحي.

وعلينا إن نعلم إن مستقبل التعليم العربي لن يتحدد بعدد الحواسيب في المدارس، ولا بسرعة الإنترنت، وإنما بقدرته على تخريج إنسان يفكر قبل أن يحفظ، ويناقش قبل أن يقلد، ويبدع قبل أن يكرر. ذلك هو الإنسان الذي تحتاجه أوطاننا إذا أرادت أن تدخل المستقبل بعقلها، لا أن تظل تلهث خلفه بخطى متعثرة.

ختاما اليكم هذا البشارة: قبل أيام استوقفتني مقابلة تلفزيونية مع إحدى مذيعات قناة الجزيرة، قالت فيها إن تخصص الفلسفة أصبح اليوم من أكثر التخصصات طلبًا في عصر التحول الرقمي، لأن شركات الذكاء الاصطناعي والمؤسسات التقنية الكبرى باتت بحاجة إلى الفلاسفة لوضع الأطر الأخلاقية التي تضبط منتجاتها، وللتفكير في الأسئلة التي تعجز الخوارزميات عن الإجابة عنها؛ لم تكن المفاجأة في الخبر، وإنما في المفارقة؛ ذلك التخصص الذي ظل لعقود طويلة مادة للسخرية الاجتماعية، أصبح اليوم أحد أكثر التخصصات حضورًا في مستقبل البشرية.

ولهذا ستظل الفلسفة، مهما تغيرت العصور، أمَّ العلوم حقًا؛ لأنها ليست علمًا ينافس العلوم الأخرى، بل الأفق الذي يمنحها معناها، والضمير الذي يحرسها من الانزلاق إلى قوة بلا أخلاق، أو معرفة بلا حكمة، أو تقنية تنسى الإنسان وهي تحتفل بإنجازاته

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

حين تتراجع يقينية العقل أمام انكشاف الجمال

جدل الحقيقة والمعنى والكينونة بين الأبستمولوجيا والاستطيقا

في أقصى تخوم السؤال الفلسفي، حيث يتوقف العقل عن الاطمئنان إلى أجوبته، يبدأ الشعر في الإصغاء إلى ما لم تستطع المفاهيم أن تقوله. هناك، في المنطقة الفاصلة بين ما نعرفه وما نجهله، وبين ما يُبرهن عليه وما ينكشف، وبين الحقيقة بوصفها قضيةً والجمال بوصفه حضوراً، يتأسس ذلك اللقاء العميق بين الميتافيزيقا والشعر.

فالوجود ليس كتاباً مكتمل الصفحات، ولا حقيقةً موضوعةً في نهاية الطريق كي يبلغها العقل ثم يستريح؛ إنه سؤال يتجدد كلما ظننا أننا أحطنا به. ومن هنا لا تعود الميتافيزيقا بحثاً عن «ما وراء» العالم بقدر ما تصبح مساءلةً لما نسمّيه عالماً، ولا يغدو الشعر وصفاً للأشياء بقدر ما يصير طريقةً أخرى في حضور الأشياء وانكشافها.

إن العقل يسأل: ما الحقيقة؟

والشعر يسأل، في صمته العميق: كيف تظهر الحقيقة حين تعجز اللغة المباشرة عن احتوائها؟

بين السؤالين تنفتح المسافة التي منها يولد الفكر.

أولاً: الميتافيزيقا من يقين الامتلاك إلى أخلاق السؤال

لم تكن الميتافيزيقا، في أعمق لحظاتها، مجرد محاولة لتشييد بناء نظري عن الوجود، وإنما كانت احتجاجاً دائماً على الاكتفاء بما يظهر. إنها الرغبة في اختراق سطح الظاهر بحثاً عن شروط إمكانه، وفي مساءلة ما يبدو بديهياً قبل أن يتحول البديهي إلى عقيدة.

غير أن الميتافيزيقا تبلغ نضجها الحقيقي حين تتخلى عن وهم امتلاك الحقيقة. فالحقيقة التي تُغلق على نفسها تتحول سريعاً إلى دوغما، والنسق الذي يعتقد أنه امتلك المعنى النهائي لا يعود بحاجة إلى السؤال؛ وحين يموت السؤال، يبدأ الفكر في التحول إلى سلطة.

لذلك فإن قيمة الميتافيزيقا لا تكمن بالضرورة في قدرتها على تقديم جواب نهائي، بل في قدرتها على إعادة فتح السؤال بعد أن أغلقه الاعتياد.

هنا يصبح الشك فعلًا تأسيسياً لا نزعةً هدمية، ويغدو القلق ضرباً من اليقظة الوجودية. وليس القلق، في الأفق الكيركغوري، مجرد اضطراب نفسي، بل تجربة تكشف للإنسان أنه موجود في فضاء الاحتمال، وأن حريته نفسها ليست يقيناً مريحاً، بل مسؤولية مفتوحة على إمكانات لا نهائية.

إن الفكر الذي لا يراجع يقيناته يتحول إلى عقيدة، والعقيدة التي لا تقبل التأويل تتحول إلى سلطة، والسلطة التي تخشى السؤال لا تلبث أن تجعل من السؤال جريمة.

ومن هنا يمكن النظر إلى الميتافيزيقا بوصفها أخلاقاً للسؤال قبل أن تكون نظاماً للأجوبة؛ فهي تُبقي الوجود مفتوحاً أمام إمكانات الفهم، وتحمي العقل من أن يتحول إلى سجن لما يظنه حقيقة.

ثانيًا: الأبستمولوجيا وحدود العقل:

لقد شيّد الفكر الحديث جزءاً كبيراً من مجده على انتصار المعرفة المنهجية: الملاحظة، والتجربة، والبرهان، والقياس، والتعليل. وبفضل ذلك أمكن للعقل أن يتحرر من كثير من أوهام الميتافيزيقا التقليدية، وأن يؤسس معرفة قابلة للفحص والنقد.

لكن المشكلة تبدأ حين تتحول حدود المنهج إلى حدود للوجود نفسه.

فليس كل ما لا يخضع للبرهان التجريبي عديم المعنى، كما أن ما يمكن البرهنة عليه ليس بالضرورة كل ما يستحق أن يُعاش. ثمة خبرات إنسانية لا تستنفدها المعادلة: الحب، الموت، الخوف، الدهشة، الحنين، الجمال، الزمن، الذاكرة، معنى أن يكون الإنسان موجوداً أصلًا.

إن الأبستمولوجيا تجيب عن سؤال: كيف نعرف؟

أما الأنطولوجيا فتسأل: ماذا يعني أن يكون هناك وجود يمكن أن نعرفه؟

وفي المسافة بينهما تتدخل الاستطيقا لتضيف سؤالاً ثالثاً: كيف ينكشف الوجود لنا بوصفه جميلاً أو مدهشاً أو مؤثراً؟

وهنا تحديداً يظهر الشعر بوصفه معرفةً من نوع آخر؛ لا معرفةً تنافس العلم في مجاله، ولا بديلًا عن البرهان، وإنما معرفة حسية-حدسية تكشف طبقات من التجربة لا تستطيع اللغة المفهومية وحدها أن تستنفدها.

ثالثًا: الشعر ليس قولًا عن الوجود، بل طريقة في حضوره:

الشعر، في جوهره، لا يكتفي بأن يقول لنا شيئًا عن العالم؛ إنه يغيّر الطريقة التي يظهر بها العالم.

فحين يقول الشاعر «ليل»، لا يعود الليل مجرد ظاهرة زمنية؛ قد يصبح وحدةً، أو خوفًا، أو ذاكرةً، أو انتظاراً، أو موتاً مؤجلاً. وحين يقول «نافذة»، قد تتحول النافذة من جسم معماري إلى احتمال للخلاص، أو إلى حدّ فاصل بين الذات والعالم.

وهنا تكمن قوة الشعر: إنه لا يضيف الأشياء إلى العالم، بل يغيّر دلالتها داخل وعينا.

ولهذا يصبح الشعر، في الأفق الهايدغري، أحد أكثر أشكال اللغة اقتراباً من سؤال الكينونة؛ فاللغة ليست مجرد أداة يحمل بها الإنسان أفكاره، وإنما هي المجال الذي يتشكل فيه عالمه ويظهر فيه معنى وجوده.

ومن ثم فإن القصيدة ليست «نسخة لغوية» عن واقع سابق عليها، بل حدثٌ تتخلق فيه الأشياء من جديد. إنها لا ترسم العالم كما هو، وإنما تكشف إمكاناً آخر لرؤيته.

إن الشاعر لا ينقل لنا الحجر؛ إنه يجعلنا نراه للمرة الأولى.

ولا يصف البحر؛ بل يعيد اختراع علاقتنا بالبحر.

ولا يستعيد الحبيبة؛ بل يخلق في اللغة صورةً لا تستطيع الحياة الواقعية أن تمنحها اكتمالها.

وهكذا يصبح الشعر فعل استعادة للدهشة التي يبددها الاعتياد.

رابعاً: الجمال ليس زينةً للمعنى، بل طريقة لانكشافه

لعل إحدى أكثر سوءات التفكير التقليدي رسوخاً هي النظر إلى الجمال باعتباره طبقةً خارجية تضاف إلى المعنى بعد اكتماله؛ كأن الحقيقة توجد أولاً عاريةً، ثم يأتي الفن ليكسوها ثوباً من المجاز والإيقاع والصورة.

لكن الشعر العظيم يهدم هذه الثنائية.

ففي القصيدة لا يكون الجمال شيئًا زائداً على المعنى؛ بل قد يكون الطريقة التي يصبح بها المعنى ممكنًا أصلًا.

الصورة ليست زينةً للفكرة، والإيقاع ليس موسيقى خارجية للكلام، والمجاز ليس لعبةً لغوية؛ إنها جميعاً طرائق لإعادة تنظيم الإدراك.

ومن هنا فإن الانزياح الشعري لا ينبغي فهمه بوصفه خروجاً شكلياً عن المألوف فحسب، بل بوصفه انقلاباً في زاوية الرؤية. فاللغة حين تنحرف عن استعمالها اليومي تفتح للوعي مساراً جديداً نحو الأشياء.

إن المجاز لا يقول إن الشيء يشبه شيئًا آخر وحسب؛ إنه يجعلنا نكتشف أن الشيء لم يكن هو نفسه الذي اعتدنا أن نراه.

وهنا يغدو الجمال حدثاً معرفيًاً بقدر ما هو حدث استطيقي؛ لأنه يغيّر علاقتنا بما نعرف، ويعيد ترتيب ما نظنه مألوفاً، ويمنح الحواس فرصةً لكي تفكر بطريقتها الخاصة.

خامساً: من اللغة بوصفها أداة إلى اللغة بوصفها كينونة

في الكلام اليومي نستعمل اللغة لكي نصل إلى شيء خارجها؛ نطلب، ونخبر، ونصف، ونسأل. أما في الشعر فإن اللغة تستعيد استقلالها، فتغدو حاضرةً بذاتها، لا مجرد جسر إلى شيء آخر.

الكلمة الشعرية لا تُستهلك في معناها القاموسي؛ إنها تحتفظ بظلالها، وإيحاءاتها، وإيقاعاتها، وذاكرتها الثقافية، وباحتمالاتها غير المنجزة.

ولهذا لا يمكن اختزال القصيدة في «فكرتها». فالفكرة يمكن تلخيصها، أما القصيدة فلا تُختصر دون أن تفقد جزءاً من كينونتها.

يمكن أن نقول: إن القصيدة تقول الحب.

لكننا لا نستطيع أن نستبدل قصيدة الحب بجملة «أنا أحبك» ونزعم أننا احتفظنا بالمعنى نفسه؛ لأن الشعر لا يسكن في المعلومة التي تحملها العبارة، بل في الطريقة التي تجعل بها اللغة التجربة قابلةً للحضور.

ومن هنا تصبح اللغة الشعرية فضاءً تتجاور فيه الدلالة والصمت، والقول والإيحاء، والحضور والغياب.

فالقصيدة لا تقول كل شيء؛ وربما تكمن عظمتها في أنها تعرف أين تتوقف.

سادساً: الشعر بوصفه معرفةً بلا امتلاك

إذا كانت المعرفة العلمية تميل إلى التحديد والتصنيف والقياس، فإن الشعر يترك للشيء حقه في الغموض. وليس الغموض هنا نقصاً في المعرفة، بل اعترافاً بأن بعض حقائق الوجود لا تبلغ كمالها إلا حين تقاوم الاكتمال.

إن القصيدة لا تمنحنا الحقيقة بوصفها ملكيةً فكرية، بل تمنحنا تجربة الاقتراب منها. وهذا فارق جوهري.

فامتلاك الحقيقة يعني إغلاق السؤال، أما الاقتراب منها فيعني إبقاء السؤال حياً.

لذلك يمكن للشعر أن يكون معرفةً دون أن يتحول إلى مذهب معرفي؛ لأنه لا يقول لنا: «هذه هي الحقيقة»، بل يضعنا في حالة تجعلنا نرى العالم كما لو أننا نكتشفه للمرة الأولى.

إنه لا يملأ فراغ الجهل بالمعلومات، وإنما يحوّل الجهل نفسه إلى مساحة للدهشة.

وهنا يتقاطع الشعر مع الفلسفة في أعمق نقطة بينهما: كلاهما يبدأ حين لا يعود الجواب كافيًا.

غير أن الفلسفة تميل إلى بناء المفهوم، بينما يميل الشعر إلى بناء التجربة؛ الفلسفة تصوغ السؤال في اللغة المفهومية، والشعر يجعله محسوسًا في الصورة والإيقاع والصمت.

سابعاً: القصيدة كائن لا مرآة

ليست القصيدة مرآةً للعالم بالمعنى الساذج؛ فالمرآة تعكس ما أمامها، بينما الشعر يعيد تركيب ما يراه.

إنها ليست محاكاةً للواقع، بل إعادة إنتاج له في نظام رمزي جديد. ولهذا يمكن للقصيدة أن تكون أكثر صدقًا من الوصف الواقعي، لا لأنها تنقل الوقائع بدقة أكبر، بل لأنها تكشف حقيقتها الشعورية والوجودية.

قد لا تكون قصيدة عن الفقد سجلًا لأحداث الفقد، لكنها تستطيع أن تجعل القارئ يشعر بثقل الغياب بطريقة لا تستطيع الوثيقة أن تفعلها.

وقد لا تكون قصيدة عن الوطن خريطةً جغرافية، لكنها قد تجعل الوطن أكثر حضورًا في الوجدان من آلاف الخرائط.

وهنا تتجلى قدرة الشعر على الانتقال من «الواقع» إلى «حقيقة الواقع»، من الواقعة إلى معناها، ومن الشيء إلى أثره في الكينونة الإنسانية.

إن القصيدة الناجحة لا تقول لنا فقط ماذا حدث؛ إنها تسألنا: ماذا فعل ما حدث بنا؟

ثامناً: من استطيقا الجمال إلى أنطولوجيا الدهشة

الجمال، في أفقه الفلسفي العميق، ليس مجرد توافق بين الشكل والذوق؛ إنه لحظة تتعطل فيها عادية الأشياء، فيظهر ما كان مختبئًا خلف اعتيادنا عليها.

وهذا هو سر الدهشة.

فالدهشة ليست انفعالًا عابرًا؛ إنها الشرارة الأولى لكل فلسفة حقيقية، وربما لكل شعر حقيقي. الإنسان لا يتفلسف لأنه يعرف، بل لأنه فوجئ بما لا يعرف. ولا يكتب الشعر لأنه امتلك العالم، بل لأنه اكتشف أن العالم أكبر من الكلمات التي اعتاد أن يسميه بها.

من هنا يمكن النظر إلى الجمال بوصفه حدثًا أنطولوجيًا؛ لأنه لا يضيف إلى الموجود مجرد صفة، بل يغيّر كيفية ظهوره أمام الذات.

إن وردةً في لحظة عادية ليست هي الوردة نفسها في لحظة شعرية.

والمدينة التي نعبرها كل يوم ليست هي المدينة ذاتها حين تستيقظ في قصيدة.

والوجه الذي نعرفه قد يصبح، في لحظة حب أو فقد، كونًا بأكمله.

الشعر لا يخلق هذه الأشياء من العدم؛ إنه يحررها من أسر العادة.

حين يصبح الشعر صورةً أخرى للتفلسف:

ليس الشعر نقيض العقل، كما أن الفلسفة ليست خصمًا للجمال. إنهما طريقان مختلفان إلى منطقة واحدة: منطقة السؤال عن الإنسان والوجود والمعنى.

العقل يريد أن يفهم، والشعر يريد أن يكشف؛ العقل يبحث عن بنية المعنى، والشعر يختبر ارتعاشه؛ الفلسفة تسأل عن شروط الحقيقة، والشعر يجعل الحقيقة تجربةً حسيةً ووجدانيةً وأنطولوجية.

ومن هنا لا تكون الميتافيزيقا الشعرية هروباً من العقل إلى الخيال، بل انتقالاً من عقلٍ يظن أنه أحاط بالوجود إلى عقلٍ أكثر تواضعاً، يعرف أن الوجود أكبر من مفاهيمه.

إن أعمق ما يمكن أن يفعله الشعر ليس أن يمنحنا أجوبةً جديدة، بل أن يعيد إلى أسئلتنا قدرتها الأولى على الإدهاش.

فحين يفقد العقل دهشته يتحول إلى تقنية، وحين يفقد الشعر سؤاله يتحول إلى زخرف، وحين ينفصل الجمال عن الحقيقة يصبح ترفًا، وحين تنفصل الحقيقة عن الجمال تصبح قاسيةً وعمياء.

أما حين يلتقيان، فإن الفكر يستعيد حساسيته، والجمال يستعيد عمقه، واللغة تستعيد قدرتها على فتح العالم.

لذلك ربما لا يكون الشعر مجرد فنٍّ من فنون القول، بل أحد أشكال مقاومة العالم حين يتحول إلى شيء مألوف أكثر مما ينبغي.

وربما تكون القصيدة، في معناها الأبعد، محاولة الإنسان الأخيرة لكي يقول للوجود:

إنني لم أعتد عليك بعد.

وهنا تحديدًا يبدأ الشعر؛

لا عندما نعرف العالم،

بل عندما نكتشف أن معرفتنا به لم تمنعنا من الدهشة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

(مُقاربة فلسفية جديدة لمنهجيّة القراءة على القراءة)

ـ نظرية المعرفة بين التراكم والتوليد:

شاسعٌ هو الفرق وكبيرٌ جداً بين التراكم المعرفي والتوليد المعرفي، هل هو فرق في الدرجة أم فرق في النوع؟ واذا كان هو فرق في الدرجة كما هو ظاهر؛ فلماذا ترتب عليه إيثار الثاني على الأول بداهةً وتأخير درجة الأول عن الثاني، مع أن نوع المعارف، وإنْ كانت مختلفة، إلا أن موضوعها يكاد يكون واحداً؟

وهذا الفرق نفسه يجعلنا نُقيم منهجيّة القراءة على القراءة، لا على أساس التراكم بل على أساس التوليد، لأن هذه المنهجيّة نفسها لا تقوم لها قائمة بغير إضافة نوعيّة من جنسها، وبالتالي تصبح المعرفة الجديدة هي بالأساس توليد معرفة عن معرفة سابقة نتيجة لعنصر التأمل الفاعل فيها، لا تراكم معرفة بجوار أخرى، أو تجاور معرفة مع أخرى، بمثل ما تتجاور العناصر المتفرقة بعضها مع البعض الآخر بغير فاعليّة عقليّة بينهما، أو إضافة معرفة على معرفة أخرى دون أن يُحدث بينهما مثل هذا التفاعل العقلي البناء.

على ذلك؛ فإنّ التراكم لا يدل على النحو الذي نذهب إليه بمقدار ما يدل عليه التوليد. والتراكم لا يوظّف مفهوم منهجيّة القراءة على القراءة، على نحو ما تقدّم ذكره في السابق، بالقدر الذي يوظّفه التوليد؛ فالقراءة على القراءة منهج لا يثمر نتاج التفاعل بين معرفتين تصدر عنهما معرفة ثالثة وكفى بمثل ما جرى به في السابق تعريف الغزالي للفكر، ولكن قد يتولّد عن القراءتين ـ نتيجة للتفاعل العقلي بينهما ـ قراءة ثالثة، ورابعة، وخامسة إلى غير انتهاء، ثم إنّ هذه القراءات المتولدة إنما هي في الأصل معارف مُتجدّدة.

ولربما جاء الفرق الفارق لا يكمن بين التصورين - التراكم من جهة، والتوليد من جهة ثانية - في أن أحدهما يرفض التراكم والآخر يقبله، لا بل في طبيعة ما يحدث للمعرفة حين تتصل بمعرفة سابقة.

التصور التقليدي للتراكم المعرفي ينظر إلى المعرفة بوصفها مادةً تُضاف إلى مادة؛ فكل قراءة جديدة تزيد الرصيد المعرفي للقارئ، وكل كتاب يُضيف إلى ما سبقه، وكل معلومة تجد مكاناً في الذاكرة إلى جوار معلومات أخرى.

المعرفة، في هذا التصوّر، تنمو بالامتداد؛ أي إن الجديد ينضم إلى القديم، فيتسع المخزون. أمّا التصور التوليدي الذي نصطنعه، فإنّه يرى أن المعرفة لا تبلغ أخصب إمكاناتها حين تُضاف إلى معرفة أخرى، بل حين تُعيد تشكيل القدرة التي تنتج بذاتها المعرفة.

هنا تكمن المهمّة الأصعب، وهي أيضاً الأكثر أصالة فيما نتصوّر؛ إذ ليس الأهم هو البرهنة على أن القراءة تُنتج المعرفة، بل البرهنة على أن المعرفة في ذاتها بنية مولِّدة، وليست مخزوناً تراكميّاً حتى إذا ثبت أمامنا هذا الأصل، أصبحت منهجيّة "القراءة على القراءة" نتيجةً طبيعية له، لا مجرد اقتراح منهجي وكفى. وهذا، في تقديري، هو أساس فكرة التوليد المعرفي أو المعرفة المُولدة التي نحن بصددها.

هنالك يحدث الانتقال الجوهري من حيث إن التراكم يضيف معرفة إلى ما نعرف؛ أمّا التوليد فيحوّل ما نعرفه إلى قدرة على أن نعرف ما لم يكن في إمكاننا أن نعرفه من قبل.

فالمعرفة السابقة، في التصور التراكمي، تُشبه رصيداً محفوظاً. أمّا في التصور التوليدي فهي ليست رصيداً فحسب، بل قوة فاعلة تدخل في علاقات جديدة، فتتغير هي نفسها، ويظهر من تفاعلها ما لم يكن موجوداً في السابق مع أي معرفة منفردة.

من ذلك ترى؛ أن المعرفة المولدة ليست تشي بالتراكم، بل قدرة تشي بالتوليد. فإذا كانت المعرفة قدرة، فإنّ خاصية القدرة أنها تُنتج أفعالاً وآثاراً جديدة. أمّا إذا كانت مجرد مضمون، فإنّ أقصى ما يمكن أن تفعله هو أن تُحفظ أو تُنقل، الأمر الذي يصبح معه التوليد نتيجة لازمة لطبيعة المعرفة، لا حادثة عارضة تقع لبعض القراء دون بعض.

وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال: هل يمكن للقراءة أن تنتج معرفة؟ بل يصبح السؤال: كيف يمكن للقراءة ألا تنتج معرفة، إذا كانت المعرفة نفسها قوةً فاعلة لا مخزوناً ساكناً ؟ بمعنى هل يمكن للقراءة أن تنتج معرفة ساكنة؟ وكيف يمكن للمعرفة أن تكون ساكنة؟ أي نعم! يمكن للمعرفة أن تكون ساكنة ومجترة، واجترار المعارف دليل سكونها، لأنه إذا جاز للمرء أن يتوقف عن القراءة، جاز للعقل أن يتوقف عن إنتاج المعرفة.

من أجل ذلك؛ فإنّ المعرفة الجديدة، في التصور التوليدي، لا تكون مجرد "لبنة" تضاف إلى البناء القديم، بل قد تكون إعادة اكتشاف للبناء كله من زاوية لم تكن قبلها ممكنة.

خذ مثلاً: أنت لا تقرأ كتاباً ثانياً بعد كتاب أول بعقل القارئ نفسه. فالكتاب الأول قد غيّر فيك شيئاً؛ منحك مفهوماً، أو أضاء لك علاقة، أو كشف لك سؤالاً، أو أنشأ فيك قدرة على رؤية لم تكن لديك من قبل. وحين تقرأ الكتاب الثاني بهذه القدرة الجديدة، فإنّك لا تستقبل الكتاب الثاني كما كان سيستقبله قارئ لم يقرأ الكتاب الأول.

ولا يكون - من ثمّ ـ حاصل القراءة الثانية مجرد معرفة الكتاب الثاني، بل المعرفة التي تنشأ من التقاء الكتاب الثاني بالبنية الجديدة التي صنعتها القراءة الأولى في عقلك.

وتلك هي المعرفة الثالثة: ايجاد تفاعل وعلاقات غير مسبوقة.

إنها ليست المعرفة الأولى، وليست المعرفة الثانية، وليست جمعاً بينهما؛ بل هي ما لم يكن ممكناً أن يظهر إلا بسبب اجتماعهما في عقل حيّ فعال. وهنا يمكن أن نصوغ الفارق فلسفيّاً هكذا:

التراكم المعرفي يحفظ تاريخ ما عرفناه. أمّا التوليد المعرفي، فيصنع إمكان ما لم نكن قادرين على معرفته. أو بعبارة أكثر كثافة: التراكم يزيد محتوى العقل؛ أمّا التوليد؛ فيزيد قدرة العقل على إنتاج المحتوى.

غير أننا نرى من هذه الجهة أن هذه الصياغة، على قوتها، لا تزال تحتاج إلى مراجعة نحو خطوة أعمق؛ فالتصور التراكمي يفترض ضمناً أن المعرفة شيء يُمتلك، بينما التصور التوليدي يرى أن المعرفة شيء يُستثمر ويُمارس ويُعاد إنتاجه وفق قدرة من يمارسه، وعلى شرط هذه القدرة، لا على شرط غيرها؛ إذْ ذاك، تأتي الصلة التي اصطنعناها فيما سبقت إليه الإشارة بين فائض القيمة وفائض المعرفة، لا على سبيل التشبيه السطحي البّرانيّ، بل على مستوى البنية الفلسفيّة العميقة.

ليست قيمة المعرفة في أنها أضافت إلى ما لديك مقداراً جديداً من المعلومات، وإنما في أنها أعادت تشغيل ما لديك من جديد، وأنتجت منه إمكاناً معرفيّاً جديداً.

فالمعرفة لا تكون "فائضة"؛ لأنها زادت كميّة ما نملك، بل لأنها تجاوزت ذاتها الى حيث معرفة أخرى تناظرها.

ــ مكمن الفرق الفارق:

المعرفة التراكمية تنمو بإضافة الجديد إلى القديم؛ أمّا المعرفة التوليديّة؛ فتنمو بتحويل القديم إلى شرط لإمكان جديد ولإضافة جديدة.

في التراكم، يظل القديم والجديد محتفظين بحدودهما. القديم قديم، والجديد جديد، وما بينهما علاقة جوار أو تراص أو اتصال.

أمّا في التوليد، فإنّ المعرفة الجديدة تغيّر معنى المعرفة السابقة نفسها. فالكتاب الذي قرأته منذ سنوات قد يصبح كتاباً آخر تماماً حين تعود إليه بعد أن اكتسبت مفاهيم جديدة.

لم يتغير الكتاب، لكن تغيرت قدرتك على إنتاج معناه. وهذا أمر بالغ الأهميّة، لأن التوليد لا ينتج معرفة جديدة من المعارف السابقة فحسب؛ بل يعيد إنتاج المعارف السابقة ذاتها في ضوء المعرفة الجديدة.

ومن هنا؛ فإنّ المعرفة الثالثة كما استخلصناها من معنى الفكر عند الغزالي، ليست مجرد نتيجة تأتي بعد معرفتين، بل هي لحظة يتحوّل فيها القارئ نفسه إلى وسيط توليدي.

وربما يكون التعبير الأدق عن منهجيّة القراءة على القراءة: أنها ليست قراءةً ثانية لما قرأناه، بل قراءةٌ جديدة للقدرة التي خلقتها القراءة الأولى فينا كما تبيّن لنا فيما تقدّم.

لكأنما هذه المعرفة الثالثة تنمي دوماً القدرة على التوليد، وعلى الاستطاعة على التجديد، وهو ما يحدث بالضبط. ولعل هذا هو الفرق الفارق أيضاً بين قارئ يُراكم الكتب، وقارئ تتوالد في داخله المعرفة. الأول يخرج من الكتاب وقد امتلك شيئاً.

أمّا الثاني؛ فيخرج منه وقد أصبح شخصاً معرفيّاً آخر من حيث زيادة قدرته على التوليد، ومن حيث اتصال استطاعته بتحقق المعارف في نفسه وزيادتها على التوكيد.

ولهذا أرى أن التصور التوليدي الذي نصطنعه ينقل نظرية المعرفة من سؤال: كم تعرف؟ إلى سؤال أكثر عمقاً وأكثر إثارة للبحث والتنقيب وهو: ماذا أصبح في إمكانك أن تعرف؛ لأنك عرفت ما عرفت؟ وهنا تحديداً تتجاوز المعرفة نفسها.

قد يُقال إننا نقيم مُقابلة حادة بين التراكم والتوليد، لكأنما العلاقة بينهما علاقة تضاد. غير أن نظريّة المعرفة نفسها قد تسمح برؤية أكثر تركيباً؛ إذ ليس التراكم نقيضاً للتوليد، بل قد يكون شرطه الأول؛ فالمعرفة لا تولد من الفراغ، وإنما تحتاج إلى مادة أوليّة تعمل فيها الفاعليّة العقليّة. والتراكم بهذا الاعتبار ليس غاية، لكنه شرط لازم للتوليد. إنّ الخلل ليس في التراكم نفسه، وإنما في الاكتفاء به والتغافل عن التوليد.

فالتراكم المعرفي هو ذاكرة المعرفة. أمّا التوليد المعرفي فهو خصوبة المعرفة وغناها بذاتها بالترقية والتفرد عن سواها.

التراكم يحفظ ما أنتجته المعرفة. أمّا التوليد فيسأل: ما الذي تستطيع هذه المعرفة أن تنتجه؟

وبعبارة أخرى؛ نراها ربما تكون أوجز وأقوى: التراكم المعرفي يجعل المعرفة ماضياً يُضاف إلى الماضي. أما التوليد المعرفي؛ فيجعل المعرفة قوةً تستخرج من الماضي إمكانات المستقبل.

ولذلك؛ فإنّ ما نصطنعه إزاء المعرفة المولدة، أو ما نضيفه في مشروع القراءة على القراءة ليس نظريّة في كثرة القراءة، بل تصوراً مختلفاً لطبيعة المعرفة نفسها:

المعرفة الحقيقيّة ليست ما يملأ العقل، بل ما يغيّر قدرة العقل على الامتلاء. وليست ما يضيفه القارئ إلى نفسه؛ بل ما يجعل نفسه قادرةً على أن تُنتج ما لم يكن موجوداً قبل فعل القراءة. المعرفة الحقيقية تتجاوز نفسها لتصل بصاحبها إلى مناطق متسامية من العرفان.

ومادامت المعرفة قدرة فهي بلا شك تسند مددها العلوي المبارك من مصدر القدرة ذاته، ولسوف نولي هذا النوع من المعرفة عنايتنا في الحلقة المقبلة.

وفي تقديري، تكون المعرفة الثالثة، من هذه الجهة؛ هي اللحظة التي تتجاوز فيها المعرفةُ مجردَ التراكم، وتبدأ في ممارسة فعلها التوليدي: أن تنتج من التقاء المعارف معنىً لا يسكن في أيٍّ منها منفرداً، وأن تجعل القارئ لا حافظاً لما عرف، بل مولِّداً لما لم يكن قد عرف مع التجديد. وهذا هو سر الإبداع.

ـ مستويات تأصيل المعرفة المُولّدة:

على أن المشكلة ليست في صياغة مصطلح "التوليد المعرفي" وكفى، بل في إقامة البرهان على أن القراءة نفسها فعلٌ مولِّد للمعرفة، لا مجرد وسيلة لاكتسابها؛ فإذا أمكن تأصيل هذه الدعوى، خرجت الفكرة من كونها تأملاً فلسفيّاً إلى كونها نظريّة أبستمولوجية. وأحسب أن التأصيل يمكن أن يتم عبر سبعة مستويات مترابطة.

(١) التأصيل الأنطولوجي (الوجودي):

ينطلق من أن المعرفة ليست شيئاً جامداً، وإنّما هي بنية حيّة كبنية الكائن الحي نفسه؛ فالكائن الحي لا ينمو بإضافة أعضاء إلى جواره، وإنما بإعادة إنتاج ذاته من داخله. وكذلك المعرفة؛ فهي لا تكبر لأنها ازدادت معلومات، بل لأنها ازدادت قدرة على إنتاج معانٍ جديدة. هنا يصبح "التوليد" خاصيّة وجوديّة للمعرفة نفسها، لا مجرد فعل يقوم به القارئ.

(٢) التأصيل الأبستمولوجي:

يتبيّن منه أن المعرفة ليست وحدات مستقلة، بل شبكة من العلاقات. والقيمة المعرفيّة لا تكمن في المعلومات منفردة، وإنما في العلاقات التي يقيمها العقل فيما بينها. ومن ثمّ فإنّ القراءة ليست انتقالاً من الجهل إلى العلم، بل إعادة بناء للعلاقات بين المعارف. والمعرفة الجديدة لا تُستورد من الخارج، وإنما تُولد من إعادة تنظيم الداخل.

وهذه، في رأيي، هي العبارة التي يمكن أن تصبح محوراً لنظريّة جديدة في المعرفة:

المعرفة لا تنمو بإضافة معلومات جديدة، وإنما بإعادة تشكيل العلاقات بين المعلومات حتى تنتج بنية معرفيّة لم تكن موجودة من قبل.

(٣) التأصيل المنهجي:

وفيه ينبغي أن تتحوّل "القراءة على القراءة" من شعار إلى منهج له خطوات واضحة. كأن تكون مثلاً: قراءة أولى للفهم، وقراءة ثانية للكشف عن البنية الداخلية، وقراءة ثالثة للمقارنة، وقراءة رابعة لاستخراج الفروض الجديدة، وقراءة خامسة لإنتاج نظريّة أو مفهوم جديد.

عندئذ تصبح القراءة عمليّة إنتاج، لا استهلاك.

(٤) التأصيل التاريخي:

وفيه نتثبّت من أن جميع الطفرات الفكريّة الكبرى كانت ثمرة قراءة على قراءة. فـمثلاً إسحاق نيوتن لم يبدأ من الصفر، بل قرأ أعمال من سبقوه، ثم أعاد تركيبها في نسق جديد. وكذلك فعل ألبرت أينشتاين، إذ لم يجمع معلومات أكثر من نيوتن، وإنما قرأ نيوتن قراءة جديدة.

وأعلام الفلسفة ممّن تحدّثوا مباشرةً في أبستمولوجيا المعرفة العلميّة أمثال: كارل بوبر، وتوماس كون، وغاستون باشلار، وجان بياجيه، مع بيان موضع الاتفاق والافتراق فيما بينهم، كانوا قدّموا قراءات جديدة تثري المعرفة العلميّة، الأمر الذي يمنح نظريّة المعرفة بعداً فلسفيّاً لا يقتصر على عرضها الداخلي.

ومحمد بن إدريس الشافعي لم يزد النصوص الشرعية أو يراكمها، بل أعاد قراءة علاقة النصوص بعضها ببعض، فأنشأ علم أصول الفقه. وكذلك فعل أبو حامد الغزالي في نقده لفلسفة العلوم الإسلاميّة.

وعبد الرحمن بن خلدون لم يكتشف وقائع جديدة، بل قرأ الوقائع التاريخيّة بمنهج جديد، فأنشأ علماً في العمران جديداً. فهذه الأمثلة تثبت أن القراءة المنتجة هي التي تصنع العلوم.

(٥) التأصيل الذوقي الإسلامي:

وأغلب الظن فيه أنه يمنح المعرفة بعداً روحيّاً هو أسمى وأبقى ما يكون؛ فالقرآن نفسه لا يقدّم القراءة على أنها حفظ للنّص، وإنما باعتبارها باباً للتدبر: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ والتدبر ليس تكرار ألفاظ القراءة، بل توليد دلالات جديدة من النص الواحد على قسطاس السّعة والحضور؛ بل إن القرآن يقرر أن آياته لا تنفد:

﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾

وهذا في ذاته يؤسس لفكرة أن النص العظيم يمتلك قابلية لا نهائية للتوليد.

(٦) التأصيل الفلسفي:

ويتضمّن طرح القضية من حيث بيان فروقها الجوهريّة، وهي أن هناك فرقاً بين المعرفة بوصفها موضوعاً، والمعرفة بوصفها فعلاً؛ فالذي يركز على الموضوع ينتهي إلى التراكم. أمّا الذي يركز على الفعل المعرفي نفسه، فلا بد أن ينتهي إلى التوليد. وهذا في تقديري هو التحول الحقيقي في نظريّة المعرفة.

(٧) التأصيل الاصطلاحي:

حين تمتلك النظريّة جهازاً اصطلاحياً خاصّاً بها، تكتسب استقلالها، لأن كثيراً من النظريات الفلسفية لا تتميز بأفكارها وحدها، بل أيضاً بلغتها المفهوميّة. وعليه فلا يحتفى بتعريف "التوليد المعرفي"، ويكتفى بذلك، بل ينبغي إنشاء معجماً كاملاً للنظريّة مثل: (القراءة التراكميّة، القراءة التوليديّة، الفاعلية المعرفية، فائض المعرفة، الكثافة المعرفية، الاستثمار المعرفي، الرأسمال المعرفي والرمزي، القيمة التوليدية للنص، الطاقة التأويليّة، سلسلة الأفكار التوليديّة، خصوبة النّص، خصوبة العقل).

على أنه من المحقق عندنا أن القراءة على القراءة هي الآلية المنهجيّة التي يتحقق بها فعل إنتاج المعرفة حتى إذا تبين لنا ذلك بوضوح نكون قد نقلنا النقاش من مستوى منهج في القراءة إلى مستوى نظريّة في طبيعة المعرفة نفسها؛ الأمر الذي يمنح نظريّة المعرفة التوليديّة ثقلها الفلسفي الحقيقي كلما تجاوزت نظريّة المعرفة التقليديّة.

- نقدٌ وتقييم:

بقليل من التأمل فيما سبق أن طرحناه ممّا تقدم عنه الحديث، يلحظ القارئ أن ما طرحناه لم يكن ليطرح لمجرد تمييز اصطلاحي بين مفهومين هما التراكم والتوليد، وإنما يحاول الطرح أن يؤسس لتحول أبستمولوجي في فهم ماهية المعرفة نفسها؛ فهو ينتقل بالمعرفة من كونها "رصيداً" إلى كونها "قوة مولِّدة"، من التقليد إلى التوليد. ومن هنا فإنّ قراءة الطرح نفسه لا ينبغي أن تكون قراءة لغوية أو شرحاً لألفاظه، وإنما قراءة فلسفية تكشف ما ينطوي عليه من افتراضات نظريّة، وما يفتحه من آفاق، وما يعتريه في الوقت نفسه من مواطن تحتاج إلى مزيد من التأصيل.

فمن المعرفة بوصفها تراكماً إلى المعرفة بوصفها توليداً تجدر الإشارة إلى الأساس الفلسفي لنظريّة المعرفة بين التراكم والتوليد بحيث تكون قراءتنا لهذا الأساس قراءة نقديّة، إذ ليس من المبالغة القول إن طرحنا من وجهة نظر فلسفية يحاول أن يزحزح إحدى المسلمات الراسخة في نظرية المعرفة التقليديّة؛ فقد جرت العادة على النظر إلى المعرفة في التصور التقليدي باعتبارها حصيلةً تراكمية، ينمو فيها العقل بزيادة المعلومات والخبرات حتى يبلغ درجة من النضج. أمّا طرحنا نحن، فإنه يعترض على هذا التصور من جذوره، ويقترح بديلاً أكثر عمقاً، يرى أن المعرفة لا تتقدّم بمجرد الإضافة الكميّة، وإنما تتقدّم بقدرتها على أن تُنتج معرفة أخرى من داخلها، وإذ ذاك ينتقل مفهوم المعرفة من منطق "الكم" إلى منطق "الخلق"، ومن حساب المخزون إلى دينامية الإنتاج.

إنّ الفكرة المركزيّة فيما تقدّم مما طرحناه، تقوم على أن الفرق بين التراكم والتوليد ليس فرقاً في الدرجة، بل هو فرق في الطبيعة؛ فالتراكم يضيف، أمّا التوليد فيخلق؛ والتراكم يزيد الموجود، أما التوليد فيوجد ما لم يكن موجوداً. وهذه النقلة تمثل في حقيقتها انتقالاً من أبستمولوجيا الحفظ إلى أبستمولوجيا الإبداع، ومن تصور سكوني للمعرفة - بتعبير برجسون - إلى تصور حركي يجعلها كائناً نامياً يتكاثر من داخله.

ويحسب للطرح الذي توخيناه أنه يلفت النظر إلى قضية كثيراً ما غابت عن مناهج التعليم والبحث، وهي أن كثرة القراءة ليست دليلاً على كثرة التفكر. فقد يمتلك الإنسان مكتبة هائلة ولا ينتج فكرة واحدة؛ لأن ما يملكه ليس إلا تراكم معلومات. بينما قد يقرأ إنسان آخر كتباً قليلة، لكنه يحولها إلى رؤى جديدة بفعل التأمل العقلي، فتكون قراءته (مولدة) لا (مجمّعة).

من ذلك ترى؛ أن طرحنا ينجح في إعادة الاعتبار إلى عنصر التأمل بوصفه القوة التي تمنح المعرفة خصوبتها وتذكي عنصر التأمل والتفكير فيها.

ومن أبرز مكامن القوة في هذا الطرح أنه يجعل العلاقة بين المعارف علاقةً عضويّة لا ميكانيكية؛ فهو يرفض أن تكون الأفكار متراصة متجاورة كما تتجاور الحجارة في البناء وتتراص، ويريدها أن تتفاعل كما تتفاعل العناصر الحيّة في الكائن العضوي. وهذه استعارة فلسفية دقيقة؛ لأن القيمة المعرفيّة لا تنشأ من اجتماع الأفكار، وإنما من قوة الفاعلية العقلية فيها: من الحوار الذي يقوم فيما بينها داخل عقل حي فعال.

يتميز طرحنا بمحاولة تجاوز الفكرة التقليدية القائلة إن اجتماع معرفتين ينتج عنهما معرفة ثالثة كما رأيناها فيما تقدّم من تعريف الغزالي للفكر؛ ليقرر أن عملية التوليد لا تعرف نهاية؛ فكل معرفة جديدة تصبح بدورها منطلقاً لتوليد معارف أخرى، وبذلك تصبح المعرفة سلسلة لا تنقطع من عمليات الإنتاج الذاتي. وفي الحق أن هذه الفكرة تمنح نظرية المعرفة بعداً ديناميكياً يجعلها أقرب إلى تصور الكائن الحي الذي ينمو باستمرار، لا إلى تصور الوعاء الذي يمتلئ شيئاً فشيئاً كما هو الحال في التصور التراكمي التقليدي.

ومع ذلك، فإنّ هنالك اعتراضات قامت على طرحنا تثير عدداً من الأسئلة الفلسفيّة التي تحتاج فيما ترى إلى معالجة إضافية أكثر إحكاماً.

فأول هذه الأسئلة يتعلق بمفهوم "التوليد" نفسه. فالطرح يستخدمه بوصفه المفهوم المحوري، لكنه لا يقدم تعريفاً فلسفياً جامعاً له، ولا يبين حدوده الفاصلة بينه وبين مفاهيم قريبة مثل الإبداع، والاستنباط، والاستقراء، والاكتشاف، والتأويل، والتركيب. ولو أراد هذا المفهوم أن يتحول إلى نظرية معرفيّة مكتملة، فلا بد أن يكتسب تعريفاً اصطلاحياً دقيقاً يمنع التداخل بينه وبين غيره من هذه المفاهيم.

وهذا السؤال مردود عليه، لكننا هنا قبل الرد سنأتي على جميع الاعتراضات ثم نقوم بالرد عليها تفصيلاً في الحلقة القادمة تحت عنوان كيف تتولد المعرفة عن المعرفة إنْ شاء اللّه.

وثانيها: الطرح يجعل "التأمل الفاعل" هو العنصر المنتج للمعرفة، لكنه لا يحلل طبيعة هذا التأمل. هل هو فعل منطقي؟ أم حدس عقلي؟ أم ممارسة تأويلية؟ أم تركيب جدلي؟ إنّ تحديد الآلية الداخلية للتوليد سيمنح النظريّة صلابة فلسفية أكبر، ويحولها من فكرة ملهمة إلى منهج معرفي قابل للتطبيق.

وثالثها: أن طرحنا يكتفي بالتحليل النظري دون أن يسوق شاهداً معرفياً يبرهن على دعواه. وكان يمكن أن يستشهد بتكوين نظرية الجاذبية عند نيوتن، أو بنشأة النسبية عند أينشتاين، أو بتطور أصول الفقه عند الإمام الشافعي، أو ببناء فلسفة ابن خلدون في العمران؛ ليتضح أن الإنجاز العلمي أو الفلسفي لم يكن نتيجة تراكم المعلومات وحده، بل نتيجة إعادة تركيبها في نسق جديد.

على إننا إذا نظرنا إلى هذا الطرح من زاوية فلسفة العلم، وجدناه ينقل معيار التقدم العلمي من تراكم النتائج إلى القدرة على إنتاج (وتوليد) أطر تفسيريّة جديدة. وإذا نظرنا إليه من زاوية فلسفة التربية، فإنه يدعو ضمناً إلى الانتقال من التعليم القائم على الحفظ إلى التعليم القائم على إنتاج المعرفة. أما إذا قرأناه في ضوء التصوف المعرفي، فإن التأمل الذي يتحدث عنه الكاتب يقترب من مفهوم التفاعل الباطني بين المعاني حتى تتولد من القلب معارف لم تكن حاضرة في بدايات القراءة.

وفي تقديري؛ أن القيمة الحقيقية لهذا الطرح لا تكمن في صياغة التمييز بين التراكم والتوليد، وإنما في كونه يفتح أفقاً جديداً لإعادة بناء نظريّة المعرفة من الداخل؛ فهو لا يسأل: كيف نزداد معرفة؟ بل يسأل سؤالاً أعمق: كيف تصبح المعرفة نفسها قادرة على إنتاج معرفة أخرى؟ وهذا سؤال يتجاوز حدود المناهج التعليمية إلى صميم الأبستمولوجيا.

ولهذا، فإن الطرح يمثل مشروعاً فلسفياً واعداً أكثر ممّا يمثل نظرية مكتملة. فهو يمتلك الفكرة المؤسسة، ويملك الجرأة على مراجعة التصور التقليدي للمعرفة، لكنه لا يزال بحاجة إلى مزيد من التأصيل المفاهيمي، وربطه بتاريخ الفكر، وصياغة حدوده الاصطلاحيّة، وإقامة شواهد تطبيقية تثبت أن التوليد ليس مجرد استعارة بل قانون يحكم تطور المعرفة الإنسانية. فإذا تحقق ذلك، أمكن لهذا التصور أن يكون إسهاماً حقيقياً في تجديد فلسفة المعرفة المعاصرة، لا مجرد اقتراح لغوي أو تمييز مفهومي عابر. كان هذا هو النقد تقيماً لفكرة المعرفة المولَّدة في إطار منهجيّة القراءة على القراءة، وعلى ضوئه نستكمل كيفية توليد المعرفة عن المعرفة في الحلقة القادمة.

(وللحديث بقيّة)

***

بقلم: د. مجدي إبراهيم

من طرف الان باديو بين الافلاطونية والشعرية والرياضيات، مقاربة فلسفية

مقدمة: استئناف القول الأنطولوجي هو أحد ملامح المشروع الفلسفي لألان باديو، الذي يسعى منذ أعماله الكبرى إلى إعادة تأسيس الفلسفة على أساس أنطولوجي صارم بعد عقود من الإعلان عن نهاية الميتافيزيقا أو اختزالها في اللغة أو التأويل أو التجربة الوجودية. يرى باديو أن الفلسفة فقدت قدرتها على قول الوجود بما هو وجود عندما استسلمت إما للنزعة الشعرية التي تجعل اللغة الشعرية مأوى الوجود، أو للنزعات التحليلية واللغوية التي تردّ كل شيء إلى الخطاب، أو للنزعات التاريخية التي تذيب الوجود في الصيرورة. وفي مواجهة هذه الاتجاهات، يستأنف باديو القول الأنطولوجي من خلال تقاطع ثلاثي حاسم: عودة مجددة إلى الأفلاطونية، ونقد جذري للأنطولوجيا الشعرية، وتأكيد أن الرياضيات هي الأنطولوجيا ذاتها.تسعى هذه الدراسة إلى استجلاء هذا الاستئناف في أبعاده المتشابكة، مبرزة كيف يبني باديو أنطولوجيا المفرد المتعدد عبر الرياضيات، وكيف يستعيد الأفلاطونية دون الوقوع في مثالية مفارقة تقليدية، وكيف يرفض اختزال الوجود في القول الشعري مع الاعتراف بمكانة الفن ضمن إجراءات الحقيقة. وتنطلق المقاربة الفلسفية من فهم باديو للفلسفة بوصفها فكرًا للأحداث والحقائق، لا بوصفها تأملًا وجوديًا أو تحليلًا لغويًا. فماهو جوهر القول الفلسفي عند الان باديو؟ وماذا تمثل الأنطولوجي منه؟

أولًا: أزمة القول الأنطولوجي في الفلسفة المعاصرة وسياق استئنافه

شهدت الفلسفة في القرن العشرين تحولات عميقة أدت إلى تهميش الأنطولوجيا التقليدية أو إعادة صياغتها بطرق تبتعد عن الصرامة المفهومية. فمن جهة، أعلن هيدغر أن الميتافيزيقا نسيت الوجود وانشغلت بالموجودات، ودعا إلى فكر أكثر أصالة يقترب من الوجود عبر اللغة الشعرية والتفكير التأويلي. ومن جهة أخرى، سادت النزعات التحليلية التي اختزلت الفلسفة في تحليل اللغة والقضايا، والنزعات البنيوية وما بعد البنيوية التي ركزت على الخطاب والاختلاف والصيرورة دون الالتزام بقول صارم عن الوجود بما هو كذلك. في هذا السياق يظهر مشروع باديو بوصفه محاولة لاستعادة الفلسفة قدرتها على قول الوجود دون الرجوع إلى الجوهرانية القديمة أو الوقوع في النسبية. يرى باديو أن الفلسفة لا يمكن أن تستمر إذا تخلت عن الأنطولوجيا، لأن السؤال عن الوجود يظل السؤال الجذري. لكنه يرفض أن يكون هذا القول شعريًا أو تأويليًا أو تجريبيًا بالمعنى الضيق. البديل الذي يقدمه هو الرياضيات، وتحديدًا نظرية المجموعات وما تلاها من تطورات، بوصفها الخطاب الوحيد القادر على قول الوجود الخالص بما هو متعدد خالص.هذا الاستئناف ليس عودة ساذجة إلى الماضي، بل هو إعادة بناء جذرية تستفيد من إنجازات الفكر الحديث، خاصة الثورة الكانتورية في الرياضيات، وتواجه التحديات التي طرحتها الفلسفة المعاصرة.

ثانيًا: نقد الأنطولوجيا الشعرية ومكانة الشعرية في المشروع

ينتقد باديو بشدة ما يسميه الأنطولوجيا الشعرية، المرتبطة أساسًا بهيدغر وبتيارات الفكر التي تجعل القصيدة أو اللغة الشعرية الموقع الامتيازي لانكشاف الوجود. في هذا التصور، يصبح الوجود حدثًا لغويًا أو انفتاحًا شعريًا، وتتحول الفلسفة إلى نوع من التأويل أو الإصغاء إلى نداء الوجود عبر الشعراء.

يرفض باديو هذا الاختزال لعدة أسباب. أولها أن الشعر، رغم عظمته، ينتمي إلى نظام الفن، وهو أحد إجراءات الحقيقة الأربعة (العلم، السياسة، الفن، الحب)، لكنه ليس الخطاب الذي يقول الوجود بما هو وجود. الشعر ينتج حقائق فنية تتعلق بالظهور والحس والشكل، لكنه لا يبني أنطولوجيا كلية. ثانيها أن الاعتماد على الشعر يعيد الفلسفة إلى نوع من الغموض أو الإلهام الذي يتعارض مع مطلب الصرامة المفهومية. ثالثها أن هذا التوجه غالبًا ما يرتبط بنزعة رومانسية أو بوجودية تذيب الوجود في التجربة أو اللغة، مما يفقد الفلسفة قدرتها على التمييز والبرهنة.

ومع ذلك، لا يلغي باديو مكانة الشعرية أو الفن. فالفن عنده إجراء حقيقة ينتج ذاتيات جديدة وأشكالًا من الظهور لم تكن ممكنة من قبل. القصيدة يمكن أن تكون موقعًا لحدث فني يقطع مع الوضع القائم ويفتح إمكانيات جديدة للظهور. لكن هذا يبقى في سجل الفن، لا في سجل الأنطولوجيا. الأنطولوجيا تتطلب خطابًا قادرًا على قول المتعدد الخالص دون الإحالة إلى معنى أو تجربة أو لغة طبيعية.

بهذا التمييز يحفظ باديو للشعر مكانته دون أن يسمح له بالاستيلاء على القول الأنطولوجي. الفلسفة تحتاج إلى الرياضيات لتقول الوجود، وإلى الفن لتفكر في إجراءات الحقيقة المتعلقة بالظهور والإحساس.

ثالثًا: العودة إلى الأفلاطونية وإعادة بنائها

تمثل الأفلاطونية أحد المحاور الأساسية في استئناف باديو للقول الأنطولوجي. يعلن باديو صراحة انتماءه إلى أفلاطون، لا بمعنى تكرار نظرية المثل المفارقة كما فهمت تقليديًا، بل بمعنى الالتزام بعدة مبادئ أفلاطونية جوهرية: أن الوجود قابل للفكر، وأن هناك حقائق كلية، وأن الفلسفة تفكير في الأفكار، وأن الرياضيات نموذج للفكر الصارم، وأن ضد السفسطة والنسبية ضرورة فلسفية.

يعيد باديو بناء الأفلاطونية في ضوء الرياضيات الحديثة. فبدلاً من المثل بوصفها ماهيات مفارقة ثابتة، يصبح «الفكرة» مرتبطة بالإجراءات العامة للحقيقة، وبالقدرة على التفكير في المتعدد الخالص. الأفلاطونية الباديوية هي أفلاطونية المتعدد، حيث يكون الوجود نفسه متعددًا لا واحدًا، ويكون الواحد نتيجة عملية عدّ أو تنظيم لا أصلًا أنطولوجيًا.

هذه العودة تسمح لباديـو بمواجهة نزعات العصر: ضد النسبية التي تنكر الكليات، وضد النزعات التي تختزل الفكر في اللغة أو السلطة أو الجسد، وضد الإعلانات المتكررة عن نهاية الفلسفة أو نهاية الميتافيزيقا. الأفلاطونية هنا موقف فلسفي يؤكد أن هناك ما يمكن قوله عن الوجود بشكل كلي وضروري، وأن الفلسفة قادرة على التمييز بين الرأي والحقيقة. كما أن الأفلاطونية تبرر مكانة الرياضيات؛ فأفلاطون نفسه جعل الرياضيات تمهيدًا ضروريًا للديالكتيك، ورأى فيها نموذجًا للفكر الذي يتجاوز المحسوس نحو المعقول. باديو يذهب أبعد، فيجعل الرياضيات هي الأنطولوجيا نفسها، لا مجرد تمهيد لها.

رابعًا: الرياضيات بوصفها الأنطولوجيا

الإعلان المركزي عند باديو هو أن «الرياضيات هي الأنطولوجيا». هذا الإعلان ليس استعارة، بل هو أطروحة فلسفية دقيقة. الأنطولوجيا هي قول الوجود بما هو وجود، والوجود عند باديو هو المتعدد الخالص، أي التعددية قبل أي وحدة أو تنظيم أو معنى. والخطاب الوحيد الذي يستطيع قول هذا المتعدد الخالص دون إحالته إلى شيء آخر هو الرياضيات، وتحديدًا نظرية المجموعات التي أسسها كانتور وطورها آخرون. في نظرية المجموعات، يُفكر في المجموعات بوصفها تعددات خالصة، ويُعامل الفراغ (المجموعة الفارغة) بوصفه الاسم الأنسب للوجود الخالص، لأن كل متعدد يتأسس في النهاية على الفراغ عبر عمليات معقدة. الرياضيات لا تتحدث عن موجودات معينة أو عن معنى أو عن تجربة، بل تبني هياكل صورية تقول إمكانيات التعدد والتنظيم والعلاقات الخالصة.

هذا التصور يسمح بتجاوز الثنائيات التقليدية: الواحد والمتعدد، الوجود والصيرورة، الجوهر والعرض. الوجود متعدد في ذاته، والواحد نتيجة لعملية «العدّ كواحد» التي تنتمي إلى الوضع أو الموقف، لا إلى الوجود الخالص. الأنطولوجيا الرياضية تقول الوجود دون أن تفرض عليه وحدة مسبقة أو معنى أو غاية. الرياضيات أيضًا توفر أدوات للتفكير في الحدث والجدة. فمن خلال مفاهيم مثل المجموعات العامة أو الإجراءات الجنيسة، يستطيع باديو أن يفكر في ما يتجاوز الوضع القائم دون الرجوع إلى تعالٍ لاهوتي أو إلى غموض شعري. الحدث هو ما لا يمكن تسميته داخل لغة الوضع، وهو ما يفتح إمكانية حقيقة جديدة.

خامسًا: تحليل نظرية المجموعات في أنطولوجيا ألان باديو

تشكل نظرية المجموعات العمود الفقري للأنطولوجيا عند ألان باديو، إذ يعلن صراحة أن الرياضيات هي الأنطولوجيا، وأن نظرية المجموعات تحديدًا هي الخطاب الوحيد القادر على قول الوجود بما هو وجود خالص. لا يستخدم باديو نظرية المجموعات استعارة أو نموذجًا مساعدًا، بل يعتبرها القول الأنطولوجي ذاته. فالوجود عنده ليس جوهرًا ولا واحدًا ولا صيرورة غامضة، بل هو المتعدد الخالص، أي التعددية قبل أي وحدة أو معنى أو تنظيم. ونظرية المجموعات، بما هي علم المتعدد الخالص، توفر الأدوات الصورية الدقيقة للتفكير في هذا الوجود دون الإحالة إلى تجربة أو لغة طبيعية أو تأويل شعري.

يهدف هذا التحليل إلى تفكيك الدور الذي تلعبه نظرية المجموعات داخل المشروع الأنطولوجي الباديوي، من خلال بيان كيف تحول مفاهيمها الأساسية (المجموعة، الانتماء، الفراغ، المجموعة الأسية، البديهيات) إلى مفاهيم فلسفية تقول الوجود والوضع والحدث والحقيقة.

أ: المتعدد الخالص والوجود بما هو متعدد

ينطلق باديو من رفض الأنطولوجيات التي تجعل الواحد أصلًا أو جوهرًا. الوجود ليس واحدًا، ولا يمكن رده إلى وحدة أولية. كل ما يوجد هو متعدد، والمتعدد لا يُرد إلى واحد إلا عبر عملية لاحقة. هذا المتعدد الخالص، أي المتعدد من دون واحد، هو ما تقوله نظرية المجموعات. في نظرية المجموعات لا تُعرف العناصر بصفاتها أو ماهياتها، بل بعلاقاتها الانتمائية فقط. المجموعة هي جمع من عناصر، وهذه العناصر نفسها مجموعات. لا يوجد «شيء» أخير أو جوهر فردي؛ كل شيء متعدد يتألف من تعددات أخرى. بهذا المعنى تصبح نظرية المجموعات خطابًا عن المتعدد بما هو متعدد، دون افتراض وحدات أولية أو جواهر بسيطة. الوجود الأنطولوجي هو هذا المتعدد غير المنظم بعد، والمتعدد الذي لم يُعدّ بعد واحدًا. هذه الخطوة حاسمة: فهي تحرر الأنطولوجيا من الإرث الأرسطي واللاهوتي الذي يبحث عن جوهر أو محرك أول أو واحد مطلق، وتفتحها على فكر التعددية الجذرية المستمدة من الثورة الكانتورية.

ب: الفراغ والاسم اللائق للوجود

إذا كان كل متعدد يتألف من تعددات، فلا بد من نقطة توقف أو أساس. هذا الأساس هو المجموعة الفارغة، أو الفراغ. الفراغ هو المجموعة التي لا ينتمي إليها أي عنصر. وهو ليس عدمًا مطلقًا بالمعنى الميتافيزيقي التقليدي، بل هو الاسم اللائق للوجود الخالص في الأنطولوجيا الرياضية. يرجع باديو إلى بديهية الفراغ في نظرية المجموعات ليؤكد أن كل بناء مجموعي ينطلق في النهاية من الفراغ عبر عمليات متتالية من التجميع. الفراغ هو ما يتبقى عندما نُجرد المتعدد من كل تقديم أو عدّ. وهو بذلك يشير إلى الوجود بما هو غير مُقدَّم وغير معدود بعد. في الوضع الملموس قد يُقصى الفراغ أو يُنسى، لكن الأنطولوجيا تكشف أنه الأساس الصامت لكل تعدد. هذا التصور يمنح الأنطولوجيا طابعًا ماديًا صوريًا صارمًا: الوجود ليس روحًا أو معنى أو حضورًا، بل فراغ متعدد يُبنى عليه كل شيء عبر الانتماء.

ت: التقديم والعدّ كواحد والوضع

الوجود الخالص متعدد غير منظم، لكن ما يظهر لنا هو أوضاع منظمة. هنا تدخل عملية أساسية يسميها باديو «العدّ كواحد». العدّ كواحد هو ما يحول المتعدد الخالص إلى متعدد مُقدَّم، أي إلى مجموعة يمكن التعامل معها كوحدة. الوضع (أو الموقف) هو متعدد مُقدَّم، أي مجموعة من العناصر التي عُدّت كواحد وفق بنية معينة. الانتماء هو العلاقة الأنطولوجية الأساسية: أن ينتمي عنصر إلى مجموعة يعني أنه مُقدَّم في ذلك الوضع. البنية هي ما يضمن هذا العدّ ويمنع التشتت. نظرية المجموعات توفر اللغة الدقيقة لهذا التمييز: فالانتماء () يقول التقديم الأنطولوجي، بينما البنية هي ما يجعل الوضع متماسكًا. الأنطولوجيا تقول المتعدد الخالص، أما الوضع فهو نتيجة تدخل العدّ كواحد الذي ينتمي إلى نظام الظهور لا إلى الوجود الخالص نفسه.بهذا تصبح الأنطولوجيا قادرة على التمييز بين ما هو موجود بما هو متعدد وبين ما هو مُقدَّم في وضع معين. وهذا التمييز يمهد للحديث عن ما يتجاوز الوضع.

ث: إعادة التقديم والدولة والمجموعة الأسية

كل وضع لا يكتفي بتقديم عناصره، بل يعيد تقديمها عبر مجموعات جزئية. هنا يظهر مفهوم «دولة الوضع» أو حالة الوضع. دولة الوضع هي ما يعدّ المجموعات الجزئية للوضع، أي ما يضمن إعادة تقديم ما كان مُقدَّمًا. في نظرية المجموعات يقابل هذا المفهوم بدقة فكرة المجموعة الأسية (مجموعة كل المجموعات الجزئية). فالدولة هي العدّ كواحد للمجموعات الجزئية، وهي بذلك تمثل مستوى أعلى من التنظيم والسيطرة. غالبًا ما تكون الدولة أكبر من الوضع نفسه، مما يخلق فجوة أنطولوجية بين التقديم وإعادة التقديم. يحلل باديو هذه الفجوة فلسفيًا: فهي تفسر ظهور الهيمنة والتصنيف والسيطرة داخل الأوضاع التاريخية والاجتماعية. الدولة تحاول إحصاء كل الممكنات الجزئية والسيطرة عليها، لكنها لا تستطيع أبدًا أن تطابق التقديم الأصلي تمامًا، ولا أن تمنع ظهور ما يفلت منها. هذه الفجوة هي أحد الشروط الإمكانيّة للحدث.

ج: بديهيات نظرية المجموعات وتأويلها الأنطولوجي

يؤول باديو بديهيات نظرية زيرميلو-فرانكل (مع بديهية الاختيار) تأويلًا أنطولوجيًا منهجيًا:

بديهية الامتداد تقول إن المجموعة تتحدد بعناصرها فقط، مما يؤكد أولوية الانتماء على أي صفة ماهوية.

بديهية الفراغ تثبت وجود الأساس الفارغ.

بديهيات الزوج والاتحاد والمجموعة الأسية تسمح ببناء التعددات المعقدة من البسيط.

بديهية اللانهاية تدخل اللانهاية الفعلية، فتحرر الفكر من التناهي الأرسطي.

بديهية الاختيار تثير مسألة وجود دالة اختيار شاملة، ويربطها باديو بقضايا التدخل والقرار.

بديهية التأسيس (أو الانتظام) تمنع الانتماء الذاتي والتسلسل اللانهائي الهابط، وهي نقطة حاسمة في التمييز بين الوجود الأنطولوجي والحدث.

هذه البديهيات ليست مجرد قواعد تقنية؛ بل هي قرارات أنطولوجية تحدد ما يمكن قوله عن الوجود الخالص. الأنطولوجيا الرياضية تقول ما هو ممكن بحسب هذه البديهيات، لكنها لا تقول كل شيء؛ فهناك ما يفلت منها.

ح. الحدث وحدود الأنطولوجيا

الحدث عند باديو هو متعدد يفلت من العدّ داخل الوضع، ويتميز بخاصية مستحيلة أنطولوجيًا: الانتماء الذاتي. الحدث ينتمي إلى نفسه بطريقة ما، أو يتضمن اسمه الخاص ضمن عناصره. لكن بديهية التأسيس في نظرية المجموعات تمنع تمامًا أي مجموعة من الانتماء إلى نفسها أو تكوين سلسلة هابطة لا نهائية. لذلك يكون الحدث في نظر الأنطولوجيا الرياضية مستحيلًا أو غير موجود. الأنطولوجيا تقول الوضع والمتعدد الخالص، لكنها تصمت أمام الحدث. الحدث يظهر كفائض أو كتمزق في الوضع، ويستدعي تسمية تدخلية وقرارًا يتجاوز الحساب الأنطولوجي الصرف. بهذا تحدد نظرية المجموعات حدود الأنطولوجيا ذاتها: فهي تقول الوجود بما هو وجود، لكنها لا تستطيع أن تقول ما يحدث بما هو حدث. الفلسفة تبدأ من هذا الحد، فتنتقل من الأنطولوجيا إلى نظرية الحدث والحقيقة والذات.

خ: الحقائق والمجموعات العامة والإرغام

بعد الحدث يأتي بناء الحقيقة. الحقيقة ليست مطابقة ولا معنى، بل هي مجموعة عامة (جنيسة) تُبنى داخل الوضع عبر إجراء طويل من الإخلاص. المجموعة العامة هي متعدد يفلت من كل الاستحواذات التي تمارسها دولة الوضع؛ فهي غير قابلة للتصنيف داخل الموارد الموجودة في الوضع. لذلك يستعير باديو هنا مفهوم الإرغام الذي طوره بول كوهين. الإرغام يسمح بإضافة مجموعات عامة إلى نموذج دون تدمير تماسكه. فلسفيًا يعني ذلك أن الحقيقة تُبنى بوصفها إضافة جنيسة توسع الوضع دون أن تكون مشتقة منه. الذات هي ما يخلص لهذا الإجراء عبر الزمن، فتحول الحدث من مجرد وقوع عابر إلى حقيقة كلية.

نظرية المجموعات توفر هنا الأدوات الصورية للتفكير في الجدة الجذرية دون الرجوع إلى تعالٍ أو إلى غموض: فالعامّة والإرغام مفاهيم رياضية دقيقة تسمح بقول كيف يمكن لما لم يكن محسوبًا أن يصبح جزءًا من الوضع الجديد.

امنًا: الدلالة الفلسفية العامة لنظرية المجموعات في الأنطولوجيا الباديوية

من خلال نظرية المجموعات ينجز باديو عدة تحولات جذرية:

يحول الأنطولوجيا من بحث عن الجوهر أو المعنى إلى علم المتعدد الخالص.

يفصل الوجود عن الواحد، فيجعل الواحد نتيجة عملية لا أصلًا.

يحدد بدقة الفرق بين التقديم وإعادة التقديم، بين الوضع ودولته.

يضع حدودًا صارمة للأنطولوجيا عبر استحالة الحدث داخله.

يفتح إمكانية التفكير في الحقائق بوصفها مجموعات عامة تُبنى بالإخلاص.

سادسا: التقاطع الثلاثي: الأفلاطونية والشعرية والرياضيات في بناء الأنطولوجيا

يتشكل استئناف القول الأنطولوجي عند باديو من خلال تقاطع هذه العناصر الثلاثة لا من خلال عزلها. الأفلاطونية توفر الأفق الفلسفي العام: الالتزام بالكليات، وبرفض السفسطة، وبإمكانية الفكر الصارم عن الوجود. الرياضيات توفر الأداة والخطاب الفعلي للأنطولوجيا، فتحول الأفلاطونية من مثالية مفارقة إلى أنطولوجيا المفرد المتعدد. أما الشعرية، أو بالأحرى الفن، فتُحفظ في موقعها كإجراء حقيقة مستقل، يُمنع من الاستيلاء على الأنطولوجيا لكنه يُعترف بدوره في إنتاج ذاتيات وظهورات جديدة. هذا التقاطع ينتج أنطولوجيا دينامية لا سكونية. الوجود يقال رياضيًا بوصفه متعددًا خالصًا، لكن الفلسفة لا تتوقف عند الأنطولوجيا؛ بل تنتقل إلى التفكير في الأحداث التي تقطع مع الأوضاع، وفي الحقائق التي تنبني عبر إجراءات طويلة الأمد، وفي الذاتيات التي تخلص لهذه الحقائق. الأنطولوجيا الرياضية توفر الأساس، والأفلاطونية توفر الروح الفلسفية، والاعتراف بالفن يمنع الاختزال العلمي أو الصوري الجامد. في هذا الإطار يصبح القول الأنطولوجي استئنافًا حقيقيًا: فهو يستعيد قدرة الفلسفة على قول الوجود، لكنه يفعل ذلك بأدوات حديثة وبوعي نقدي تجاه إغراءات الشعرية والغموض.

سابعًا: من الأنطولوجيا إلى إجراءات الحقيقة والذات

لا يكتفي باديو بالأنطولوجيا الرياضية؛ فهذه الأخيرة تقول الوجود الساكن أو الوضع، بينما الفلسفة تهتم بما يحدث، بما يقطع، بما ينتج جدة حقيقية. الحدث هو ما يظهر في وضع ما دون أن يكون قابلًا للاختزال إلى عناصره السابقة، وهو ما يفتح إمكانية إجراء حقيقة. إجراءات الحقيقة أربعة: العلمية (في الرياضيات والعلوم)، والسياسية (في المساواة والتحرر)، والفنية (في الأشكال الجديدة)، والعشقية (في الاختلاف الجنسي وبناء الاثنين). كل إجراء ينتج حقيقة كلية، ويبني ذاتية تخلص لهذه الحقيقة عبر الزمن. هنا تتضح أهمية التقاطع السابق: الرياضيات تقول الوجود وتوفر نموذجًا للفكر العلمي كإجراء حقيقة، والأفلاطونية تؤكد كلية هذه الحقائق ضد النسبية، والشعرية (الفن) تمثل أحد الإجراءات دون أن تحتكر القول الأنطولوجي. الذات عند باديو ليست جوهرًا سابقًا ولا أنا تجريبيًا، بل هي ما ينبني عبر الإخلاص للحدث والحقيقة. بهذا المعنى تكون الأنطولوجيا مقدمة ضرورية لفكر الحدث والذات والحقيقة، لا غاية في ذاتها.

خاتمة

المقاربة الفلسفية لاستئناف باديو تكشف عن محاولة جريئة لإعادة تأسيس الفلسفة في عصر يعلن كثيرون نهايته أو تحوله إلى مجرد نقد أو تأويل. من خلال الربط بين الأفلاطونية والرياضيات مع تحديد مكانة الشعرية، يقدم باديو نموذجًا لفلسفة نسقية دون أن تكون مغلقة، صارمة دون أن تكون جامدة، منفتحة على الجدة دون أن تسقط في النسبية. هذه المقاربة تثير أسئلة عميقة حول علاقة الفلسفة بالعلم، وحول إمكانية القول الكلي في زمن التعدد والاختلاف، وحول كيفية التفكير في الحدث دون الوقوع في اللاهوت أو الرومانسية. كما أنها تفتح حوارًا مع تيارات أخرى: مع هيدغر عبر النقد، ومع أفلاطون عبر إعادة البناء، ومع الفكر الرياضي عبر التبني الجذري. هذه التحولات تجعل الأنطولوجيا الباديوية مادية وصورية في آن واحد: مادية لأنها ترفض أي روحانية أو معنى مفارق في قول الوجود، وصورية لأنها تعتمد على الرياضيات الخالصة. كما أنها تجعل الفلسفة قادرة على استئناف القول الأنطولوجي دون الوقوع في الشعرية أو في النسبية أو في الجوهرانية القديمة. نظرية المجموعات في أنطولوجيا باديو ليست أداة مساعدة بل هي القول الأنطولوجي نفسه. من خلالها يُفكر الوجود بوصفه متعددًا خالصًا، والفراغ بوصفه اسمه اللائق، والوضع بوصفه عدًّا كواحد، والدولة بوصفها إعادة تقديم، والحدث بوصفه ما يفلت من الحساب الأنطولوجي، والحقيقة بوصفها مجموعة عامة تُبنى بالإرغام والإخلاص. هذا التوظيف الجذري يعيد للأنطولوجيا صرامتها، ويفتح الفلسفة على فكر الجدة والحدث دون التخلي عن مطلب الكلية والضرورة. وبه يصبح استئناف القول الأنطولوجي ممكنًا في عصر ما بعد الميتافيزيقا، عبر الرياضيات لا عبر الشعر أو التأويل. في النهاية، يمثل استئناف القول الأنطولوجي عند باديو إعلانًا بأن الفلسفة لم تنته، وبأن الوجود لا يزال قابلاً للفكر، وبأن الصرامة الرياضية يمكن أن تلتقي مع الروح الأفلاطونية دون أن تلغي أبعاد الفن والحياة والسياسة. إنه استئناف يعيد للفلسفة طموحها الأكبر: قول الوجود والتفكير فيما يحدث وإنتاج حقائق تليق بالإنسانية. لكن ما قيمة بديهية التأسيس في الأنطولوجيا عند باديو؟ وماهي العلاقة بين أنطولوجيا باديو والفلسفة الكانطية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

يمثل عبد الجبار الرفاعي، المولود في محافظة ذي قار جنوب العراق سنة 1954، واحدًا من أصحاب المشاريع الفلسفية العربية المعاصرة الأكثر اتساقًا ومثابرة واستمرارًا. كرس أكثر من ثلاثة عقود لتأسيس أرضية معرفية لحقلين متداخلين لم يترسخ حضورهما بعد في الفضاء العربي: فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. بلغ إنتاجه الفكري نحو ستين كتابًا، فضلًا عن رئاسته تحرير مجلة "قضايا إسلامية معاصرة" منذ تأسيسها سنة 1997 حتى اليوم، وإدارته مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، وإشرافه على سلاسل مرجعية صدر فيها أكثر من ثلاثمئة كتاب في بيروت.  لم يقتصر مشروعه على التعريف بفلسفة الدين ونقل مباحثها إلى العربية، إذ عمل على بناء رؤية خاصة تنطلق من مركزية الإنسان وكرامته، وتفسر الدين استجابة لحاجة وجودية عميقة إلى إنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي للحياة. أعاد في ضوء هذه الرؤية قراءة الوحي والنبوة والإيمان والتجربة الدينية ولغة الدين، وسعى إلى تحرير علم الكلام من أسئلته الموروثة ومقولاته المغلقة، ونقله من الدفاع عن العقائد إلى فهم الإنسان وحاجاته الوجودية في العالم الحديث. لا يدعي هذا المدخل الإحاطة بمختلف أبعاد المشروع وامتداداته، ويسعى إلى رسم خريطته العامة، وتتبع منطلقاته وتحولاته، والكشف عن أدواته في التفكير، وتحليل مفاهيمه المحورية، وبيان ما يميزه من المشاريع الفكرية العربية المعاصرة، ومناقشة أبرز الأسئلة والاعتراضات التي أثارها خصومه ومحاوروه.

تلقى عبد الجبار الرفاعي علوم الدين في حوزة النجف الأشرف ابتداء من سنة 1978، واضطر إلى مغادرة العراق سنة 1980، فواصل دراسته في حوزة قم حتى بلغ مرتبة الاجتهاد، وصار لاحقًا أحد أساتذتها. حصل على البكالوريوس في الشريعة الإسلامية سنة 1988، والماجستير في علم الكلام سنة 1990، والدكتوراه في الفلسفة الإسلامية سنة 2005 بتقدير امتياز، ونال درجة الأستاذية سنة 2012. أشرف على أكثر من ثمانين رسالة وأطروحة لدرجتي الماجستير والدكتوراه وشارك في مناقشتها، ونوقشت حتى اليوم اثنتان وثلاثون رسالة ماجستير وأطروحة دكتوره تناولت مشروعه التجديدي، في جامعات عراقية وعربية وأجنبية. نال الرفاعي عددًا من الجوائز، من أبرزها: "الجائزة الأولى للبطريركية الكلدانية لأفضل الأعمال الفكرية" سنة 2020، و"الجائزة الأولى للإنجاز الثقافي والتفاهم الدولي" في الدوحة سنة 2017، و"الدرع الذهبية للحركة الثقافية" في أنطلياس بلبنان سنة 2013، إلى جانب جوائز أخرى.

من التكوين التقليدي إلى تجديد الفكر الديني

تمثل التحول الحاسم في مسيرة عبد الجبار الرفاعي في انتقاله التدريجي من الاشتغال بعلم الكلام القديم، الذي انصرف إلى الدفاع عن العقائد وإثباتها ودحض عقائد الخصوم، إلى بناء "علم الكلام الجديد". بدأ الرفاعي هذا المشروع قبل أربعة عقود تقريبًا، وأصدر في سياقه، مجلة "قضايا إسلامية" سنة 1994-1997، صدرت هذه المجلة بدعم مالي من صديقه المرحوم الشيخ مهدي العطار. وأسس مجلة "قضايا إسلامية معاصرة" سنة 1997، فاحتضنت مباحث فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، وعرفت القارئ العربي بأبرز أعلامهما ومفاهيمهما وأسئلتهما واتجاهاتهما، وترجمت دراسات ونصوصًا أساسية فيهما، ومازالت تصدر حتى اليوم. أسس الرفاعي أيضًا مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، ليكون فضاء للبحث والترجمة والنشر والحوار في هذين الحقلين. وما زال يراجع مشروعه ويعمقه ويطور مفاهيمه في مؤلفاته المتعاقبة.

 لم يكن هذا التحول قطيعة مفاجئة مع التراث الكلامي، فقد جاء ثمرة مراجعة نقدية طويلة لمناهج ومقولات ووظائف وحدود الكلام القديم، في ضوء مكاسب الفلسفة الحديثة والعلوم الإنسانية وفلسفة الدين. تجلى هذا المشروع في عدد من مؤلفاته، من أبرزها: "مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد"، و"مقدمة في علم الكلام الجديد"، و"الدين والظمأ الأنطولوجي"، و"الدين والاغتراب الميتافيزيقي"، و"الدين والكرامة الإنسانية"، و"الدين والنزعة الإنسانية"، و"مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث"، و"مبادئ الفلسفة الإسلامية"، وصولًا إلى عمله الأخير "موسوعة فلسفة الدين" في ثمانية أجزاء، التي وصفها بعض الدارسين بأنها أول موسوعة عربية في فلسفة الدين، وجاءت ثمرة أكثر من ربع قرن من البحث والعمل المتواصل.

منح هذا المسار مشروعه سمة مميزة؛ فقد انتقل من التكوين الحوزوي التقليدي إلى المراجعة النقدية لمناهج هذا التكوين ومقولاته وأدواته في إنتاج المعرفة الدينية. يصدر نقده من خبرة عميقة بالتراث الديني وعلومه ومناهج تدريسه، لا من موقع الغريب عنه. إنه نقد من داخل علوم الدين التراثية، يعيد فحص الموروث، ويتجاوز تكراره واجتراره، ويفتحه على أسئلة الإنسان وتحديات العالم الحديث.

يتفرد مشروع الرفاعي في تجديد الفكر الديني بانتقاله من النقد إلى البناء، ومن التفكيك إلى التركيب. لا يقف عند تفكيك علم الكلام القديم والكشف عن محدودية أسئلته ومناهجه ووظائفه، وتشديده على احتكار الخلاص بفرقة واحدة، ولا يكتفي بنقد الصورة التي رسمها هذا العلم لله والإنسان والعالم، فقد عمل الرفاعي على تركيب رؤية بديلة تستند إلى مركزية الإنسان وكرامته، وتعيد تعريف وظيفة الدين في حياته. يبدأ التفكيك عنده بفحص البنية العميقة للمعرفة الدينية، والتمييز بين الدين ومعرفة البشر للدين، وبين المقدس وما ينتجه المتخيل الديني، والكشف عن تاريخية الفهم البشري للنصوص، ونقد توظيف الدين في الاستبداد والعنف وإهدار الكرامة.

يفضي هذا التفكيك لدى الرفاعي إلى مرحلة التركيب، إذ يبني منظومة مترابطة من المفاهيم، في مقدمتها: الظمأ الأنطولوجي، والاغتراب الميتافيزيقي، والكرامة الإنسانية، والإنسانية الإيمانية، والنزعة الإنسانية في الدين، ولغة الدين، وعلم الكلام الجديد. لا تعمل هذه المفاهيم منفصلة، إذ ينتظمها سؤال مركزي واحد: كيف يستطيع الدين أن ينتج معنى روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا لحياة الإنسان في العالم الحديث؟ ينطلق الرفاعي من حاجة الإنسان الوجودية إلى المعنى، ويرى أن الدين يستجيب لهذه الحاجة عندما يوقظ الحياة الروحية، ويحمي الكرامة، ويغذي الضمير الأخلاقي، ويثري الحس الجمالي. في سياق هذا البناء، صاغ الرفاعي تعريفاته الخاصة للدين والوحي والنبوة والشريعة والتكليف، وأعاد تحديد وظائفها وحدودها وصلتها بالإنسان وحاجاته الوجودية. هكذا لا يترك القارئ الباحث عن المعنى في الدين عند حدود الشك والنقض وتفكيك الموروث، ويرسم له خريطة فكرية تنتقل من تشخيص أزمة المعرفة الدينية إلى بناء فهم جديد للدين يتمحور حول الإنسان، ويصل الإيمان بالحرية، والتدين بالأخلاق، ومعرفة الله بصيانة كرامة الإنسان.

مرجعيات مشروع الرفاعي

يصعب فهم مشروع الرفاعي بمعزل عن تعدد مرجعياته وتفاعل رافدين أساسيين في تكوينه. ينتمي الرافد الأول إلى التراث الإسلامي؛ فالرفاعي متخرج في المدرسة الحوزوية في علم الكلام والفقه وأصوله، ودارس لتراث الفلسفة الإسلامية لدى الفارابي وابن سينا، والحكمة المتعالية لدى ملا صدرا، والعرفان النظري والعملي لدى ابن عربي ومدرسته. لا يمثل هذا التراث لديه زخرفًا معرفيًا، فهو رافد روحي حاضر في رؤيته للروح والقلب والضمير، وفي تأكيده أن العقل النظري المجرد لا يستقل بإنتاج الإيمان، وأن الأدلة الكلامية القديمة استنفدت طاقتها في إيقاظ التجربة الروحية وإرواء حاجة الإنسان إلى المعنى. ينتمي الرافد الثاني إلى الفلسفة الغربية والعلوم الإنسانية الحديثة، التي ينفتح عليها الرفاعي انفتاحًا نقديًا وانتقائيًا لا مذهبيًا. يظهر ذلك في استثماره نقد كانط لحدود العقل النظري وتمييزه بين الشيء في ذاته والشيء كما يظهر لنا، وإفادته من شلايرماخر في تفسير الدين في أفق الشعور بالاعتماد المطلق، لا في حدود الأنساق العقائدية، ومن بول ريكور في التأويل وفلسفة الرمز، ومن غادامير في تاريخية الفهم. ويمكن استكشاف صدى أسئلة هيدغر عن الوجود والقلق والعدم في بعض أبعاد مفهوم "الظمأ الأنطولوجي"، من دون اختزال هذا المفهوم في مرجعية هيدغر، لما ينطوي عليه من روافد دينية وعرفانية ووجودية متعددة. لا يستنسخ الرفاعي منظومات هؤلاء الفلاسفة، ولا ينتسب إلى فلسفة أحد منهم، ويعيد توظيف ما يلائم أسئلته داخل أفقه الخاص في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. يظل تحديد طبيعة هذا التأثر ومقداره، وما إذا كان استعارة اصطلاحية أو استثمارًا لمفهوم أو تبنيًا لبعض عناصر المنهج، من أكثر المسائل إثارة للنقاش بين دارسي مشروعه. لا تكفي لحسمه قراءة عابرة، إذ يستدعي دراسة مقارنة دقيقة بين كتابات الرفاعي ونصوص هؤلاء الفلاسفة، تتتبع المفاهيم في سياقاتها وتكشف ما أدخله عليها من إعادة تفسير وتركيب.

يقوم مشروع الرفاعي على مجموعة من المفاهيم المتشابكة، يستمد كل مفهوم منها دلالته من موقعه داخل المشروع وصلته بسائر مفاهيمه. يأتي "الظمأ الأنطولوجي" في مقدمة هذه المفاهيم وأكثرها تداولًا، ويعني به الحاجة الوجودية العميقة في كيان الإنسان إلى الاتصال بالوجود المطلق، والبحث الدائم عما يروي ظمأه إلى المعنى. لا يكتمل الإنسان بذاته، ولا تستطيع الأشياء المادية وحدها إشباع حاجاته الوجودية، إذ يظل محتاجًا إلى أفق يتجاوز وجوده المحدود، ويمنح حياته معنى روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا. على أساس هذا المفهوم ينقد الرفاعي الصياغة الأيديولوجية للدين، لأنها تفرغه من طاقته الروحية، وتختزله في أداة للسلطة والتعبئة والصراع والعنف، أو تحوله إلى هوية مغلقة تفصل الإنسان عن سواه. عندما يخضع الدين للأيديولوجيا، يحتجب حضوره الروحي خلف الشعارات، ويعجز عن إرواء الظمأ الأنطولوجي الذي يمثل وظيفته الوجودية الأساسية. يرتبط بمفهوم "الظمأ الأنطولوجي" مفهومُ "الاغتراب الميتافيزيقي"، الذي يفسر شعور الإنسان بالوحشة والضياع والغربة الوجودية عندما تنقطع صلته بالمطلق، ويفتقر وجوده إلى المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي. لا ينشأ هذا الاغتراب من غياب الدين دائمًا، فقد ينشأ داخل أنماط من التدين تستنزف روح الإنسان، وتزرع الخوف في داخله، وتقدم له صورة قاسية لله، وتغرقه في الشعور بالإثم والاحتقار. من هنا يعمل الرفاعي على اكتشاف الصور المضيئة لله، وإعادة بناء صلة الإنسان به على أساس الرحمة والحب والرجاء، لتصبح التجربة الدينية مصدرًا للسكينة وإثراء الوجود، لا منبعًا للرعب واستلاب الذات.

ويمثل "علم الكلام الجديد" الإطار النظري الذي تنتظم فيه هذه الرؤية. لا يختزل الرفاعي هذا العلم في تحديث لغة الكلام القديم أو إضافة مسائل حديثة إلى موضوعاته، إذ يعيد بناء موضوعه ومنهجه ويضع له معيارًا واضحًا هو الفهم الجديد للوحي ووظيفته. ينقل مركز اهتمام علم الكلام من الدفاع عن العقائد ودحض الخصوم، إلى تفسير الإيمان، وفهم معنى الدين ووظيفته وحدوده، وقراءة مفهوم الوحي والنبوة والشريعة والتكليف، وتحليل حاجة الإنسان إلى المعنى.

يستفيد الرفاعي من الفلسفة الحديثة والعلوم الإنسانية في فحص المعرفة الدينية والكشف عن تاريخيتها وحدودها، ويميز بين الحقيقة الدينية في ذاتها وما يفهمه الإنسان منها. يفتح هذا التمييز أفقًا لتعدد التأويلات والحوار، ويحرر المتكلم من وهم امتلاك الحقيقة النهائية والاستئثار بتمثيلها. ويحتل التمييز بين الدين والتدين والمعرفة الدينية موقعًا محوريًا في المشروع. يعرف الرفاعي الدين بأنه: "حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة وجودية لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياة الإنسان الفردية والاجتماعية". أما التدين فهو تمثل الإنسان للدين وطريقة عيشه والتعبير عنه في الواقع، في حين تمثل المعرفة الدينية الفهم البشري للنصوص والمعتقدات والرموز. يخضع التدين والمعرفة الدينية لانتاجها في المتخيل الفردي والجمعي، وللتاريخ واللغة والثقافة والبيئة والمصالح البشرية. يتيح هذا التمييز نقد أنماط التدين العنيف والمغلق، ونقد المعرفة الدينية الموروثة، من دون اختزال الدين في أحد أشكال حضوره التاريخي.

وتأتي الهرمنيوطيقا لتكشف أن الإنسان لا يتلقى النص خارج لغته وتاريخه وآفاق انتظاره. يستفيد الرفاعي من مناهج التأويل الحديثة، ويحاور ما قدمه غادامير وغيره في فهم النص والرمز وتاريخية الوعي. لا يعني ذلك إخضاع النص لإرادة القارئ أو نفي دلالته، وإنما يعني أن الوصول إلى النص لا يحدث من دون فهم بشري، وأن كل فهم يتشكل داخل أفق لغوي وتاريخي معين. تتجدد قراءة النص بتجدد أسئلة الإنسان ومعارفه وتحولات حياته، وتظل دلالاته أوسع من أن يستنفدها تفسير واحد أو يحتكرها مذهب بعينه.

 الجدل العربي حول مشروع الرفاعي

 أثار مشروع الرفاعي اعتراضات صدرت من اتجاهات متباينة. يتحفظ بعض ممثلي الاتجاه الديني التقليدي على تأكيده تاريخية المعرفة الدينية وتعدد الفهم، ويرون في ذلك تقليصًا لسلطة التفسير الموروث وفتحًا للدلالة على قراءات غير منضبطة. وينظر بعض السلفيين إلى أدواته الفلسفية والهرمنيوطيقية على أنها وافدة من بيئة معرفية غربية لا تنسجم مع منهجهم في فهم النص. في المقابل، يرى بعض العلمانيين أن مشروعه يحتفظ للدين بموقع مركزي في تفسير الإنسان وحاجته إلى المعنى، ولا يذهب إلى القطيعة التي يدعون إليها بين الدين والمعرفة الحديثة. ويسائل بعض الباحثين في الفلسفة دقة استعماله لبعض المصطلحات الغربية، وحدود استفادته من كانط وهيدغر وغادامير، ومقدار التحول الذي تخضع له مفاهيمهم عندما يدمجها في مشروعه. تكشف هذه الاعتراضات، على اختلاف منطلقاتها، عن الموقع الذي يشغله المشروع بين مسارات متعارضة. فهو لا يكرر علم الكلام الموروث، ولا يتبنى القطيعة مع الدين، ولا يستنسخ فلسفة غربية بعينها. يحاول أن يشق طريقًا ثالثًا يستبقي الحاجة الوجودية إلى الدين، ويخضع المعرفة الدينية للنقد، ويجعل كرامة الإنسان معيارًا في تقويم أنماط التدين وتأويل النصوص. يمنحه هذا الموقع قدرته على إثارة الأسئلة، ويعرضه في الوقت نفسه لنقد التقليديين ودعاة القطيعة مع الدين وبعض المتخصصين في الفلسفة.

لا تتجاوز الصفحات السابقة رسم خريطة أولية لمشروع واسع ومتعدد المسارات. يتطلب تقويم هذا المشروع فلسفيًا دراسة تطور مفاهيمه عبر مراحل كتاباته، وتحليل الروابط التي تصل الظمأ الأنطولوجي بالاغتراب الميتافيزيقي والكرامة الإنسانية والإنسانية الإيمانية وعلم الكلام الجديد، وفحص اتساق هذه المفاهيم وقدرتها التفسيرية. كما يستدعي مقارنة نصية دقيقة بين كتابات الرفاعي والمرجعيات الإسلامية والغربية التي يحاورها، للتمييز بين استثمار المفهوم، وإعادة تفسيره، وإدماجه في تركيب جديد. لا تكفي في ذلك الملخصات ولا التشابهات اللفظية، فالحكم على أصالة المشروع يقتضي الرجوع إلى النصوص الأصلية، وتتبع المفاهيم في سياقاتها، والكشف عما أحدثه الرفاعي فيها من تحويل وإعادة بناء. يؤسس هذا المدخل لتلك الدراسة الموسعة، ويمهد لقراءة المشروع من داخله، في ضوء أسئلته وغاياته ومساره الخاص.

***

إبراهيم العروي - كاتب سعودي

كان هابرماس (1929-2026) مفكرا عظيما ذا اهتمامات واسعة. شمل عمله مجموعة كبيرة من الحقول بدءاً من الفلسفة ومرورا بالنظرية الاجتماعية والسوسيولوجيا وحتى السياسة والانثرابولوجي. كُتب الكثير حول هابرماس منذ وفاته في 14 مارس الماضي بعمر 96 عاما من جانب أولئك الذين أعادوا قراءة كتاباته الغزيرة، واضعين أفكاره ونظرياته ضمن منظور معين، مقيّمين إرثه بشكل عام. هو سوف يتم تذكّره لعدة أشياء، لكنه برز بفضل موقفه الثابت الذي جعله فريدا من نوعه. في فترة ما بعد الحرب، عندما كان معظم المثقفين ذوي التوجهات اليسارية في اوربا آنذاك اما متأثرين او مؤيدين لما بعد الحداثة والنسبية، وقف هابرماس شامخا كمؤيد وحيد للعقل وقيم التنوير. هو كان، وفق أحكام البعض، "آخر عقلاني كبير".

وُلد هابرماس في دوسلدورف ونشأ في غومرس باخ في شرق كولونيا، درس الفلسفة في جامعة بون ثم انتقل لاحقا الى غوتينغن و زيورخ. نال أولى وظائفه الكبيرة عام 1956 عندما عُين مساعدا في معهد البحوث الاجتماعية في جامعة فرانكفورت، والذي كان يُعرف بـ مدرسة فرانكفورت. كان المعهد يدار بواسطة اثنين من كبار مفكري جناح اليسار آنذاك، وهما ثيودور ادرنو و ماكس هوركهايمر. في عملهما عام 1947 بعنوان ديالكتيكية التنوير، هما لم يدينا فقط الطبيعة القمعية للمجتمع الرأسمالي المعاصر، وانما هاجما ما اعتبراه طبيعة قمعية متأصلة وإرث خبيث للتنوير..العقلانية: رغبة ذلك المجتمع في قمع الاختلافات واجتثاث الغيرية.

كيف وصلا الى هذا الاستنتاج؟ كان تنوير القرن الثامن عشر هو حول تطبيق العقل والعلم لتوسيع معرفتنا بالعالم. انه قاد لإنفجار الاكتشافات العلمية والتقدم المادي، وباختصار – الى الحداثة. لكن التطبيق المنهجي لهذه الطرق على التاريخ والعلوم الإنسانية حفز على خلق "السرديات الكبرى" – نظريات شاملة تسعى لتوضيح كل التطور السياسي والاجتماعي للكائن البشري. هذه السرديات مثل الليبرالية والدارونية الاجتماعية والماركسية – همّشت الولاءات التقليدية او الارتباطات والعادات المحلية ونادت بصوت عال "انت لا تستطيع وقف التقدم". ومن بين التجسيد الأكثر ظلاما لهذه النزعة كان "العلم العرقي" للنازية وللقتل الجماعي المؤسسي في مخيمات الموت. كتاب ادرنو وهوركهايمر ساعد في غرس بذور التحول المستقبلي "ما بعد الحداثة" المتمثل في رفض كل السرديات الكبرى.

وبينما لم يكن هابرماس متشائما كما هم اساتذته، كان في ذلك الوقت اكثر تعاطفا مع الماركسية، كان مهتما بألمانيا الغربية والعالم الغربي الذي اصبح منفصلا ومصابا بخيبة أمل. بحثه المبكر جاء في عمله الأول المتميز والذي نال الاعجاب، (التحول الهيكلي للمجال العام ،1962). في هذا هو تتبع مسار ظهور المجال العام المنفتح في القرن الثامن، المتجسد في أماكن مثل الصالونات والمقاهي ومواقع يمكن ان يتجمع بها الافراد طوعا للانخراط في محادثات ونقاشات عقلانية مفتوحة وغير هرمية . هو أيضا أسف على زوالها مع صعود وسائل الاعلام الجماهيرية والترفيه الجماهيري وتزايد توغل الدولة البيروقراطية، كل ذلك، حسب زعمه، مال لتحويل المواطنين من مشاركين الى متفرجين وزبائن سلبيين.

الكتاب كان أيضا ردا على ادرنو و هوركهايمر، معبّرا عن الأمل بان هذا المجال العام يمكن انعاشه، وان مشروع التنوير يمكن انقاذه. ان السعي للحوار، وضرورة العقل كوسيلة للقيام بذلك: هذان كانا الاساس في مجمل أعماله. توج هابرماس ذلك بتحفته الأبرز عام 1981، نظرية الفعل التواصلي بجزئين. سعى فيها لرسم تمييز بين العقل الأداتي كنمط من التفكير اعتبراه ادرنو وهوركهايمر أساسيا للتنوير، والذي عامل المعرفة كوسيلة بديهية تجريبيا لتحقيق غاية، ومن جهة أخرى ما أسماه "العقل التواصلي". هذا منح قيمة لتبادل المعرفة والاستخدام التعاوني للعقل لغرض الوصول الى إجماع. حالما يتم تفكيك عوائق التحرر والاتصال المفتوح – طابع الدولة القانونية البيروقراطية ومظاهر الرأسمالية المشتتة للانتباه، خاصة الإعلام الجماهيري – يتخيّل هابرماس "موقف كلام مثالي"يسود في المجتمع له "قوة غير قسرية لأفضل حجة".

هذا الى حد ما قاد الى اتهامات من منتقديه بيوتوبيا ساذجة. هذه الاتهامات لم تنبثق فقط من المحافظين الذين سخروا من رؤيته السياسية الغير محددة بوضوح، لكن أيضا من جانب العديد من اليسار.  في الثمانينات وبعد ان تلقت أحلام الاشتراكية في تغيير العالم ضربة قاضية جراء انتفاضات الطلاب التي باءت بالفشل عام 1968، ومع الوضوح المتزايد لأوجه القصور في اشتراكية الدولة في الشرق، خيّم جو من التشاؤم على الفكر التقدمي في كل الغرب. في الاكاديمية وبين الحلقات التقدمية المثقفة تجلى هذا في العقيدة بان مشروع التنوير يلفظ أنفاسه الأخيرة، لاسيما وفقا لرأي البعض، كان من المعيب البدء به. في سنوات ما بعد الحرب اعتقد العديد من الناس ان الغرب هو الان في حالة من التشرذم، وإرهاق أخلاقي ونسبية أسموها ما بعد الحداثة.

في المقابل، هناك نظرية ما بعد الحداثة، ترى ان كل الأسس العقلانية للمعرفة لا تُطاق بل ومجحفة، ومع ذلك، لم يحدث هذا الاّ بعد نشر كتاب (الوضع ما بعد الحداثي،1979) لجان ليوتار الذي لقي قبولا واسعا في التشخيص والنظرية معا.

هدف الكتاب الرئيسي كان التصريح بان عصر "السرديات الكبرى" للنظريات العلمانية بايمانها "في التقدم، الإجماع، في القيم المتعالية" قد انتهى. وهدف ليوتار الرئيسي كان ادانة هابرماس الذي اعتبره ليس فقط كمروج لـ السرديات الكبرى "الشمولية" التي تُعلي من شأن الإمتثال، وانما كان داعما لتلك الفكرة غير القابلة للاستمرار والقائلة اننا نملك أساسا لإرساء الحقيقة ولهذا نبني أفضل مجتمع.

وبسبب تأييده للعقل وقبوله الضمني للذاتية البشرية، رُفض هابرماس  كحالم من جانب مفكر ما بعد حداثي آخر بارز وهو ميشيل فوكو. واذا كان هابرماس فخورا في تسمية نفسه كـ "مدافع عن الحداثة سار على خطى الفلاسفة من ديكارت الى كانط" فان فوكو لم يؤمن لا بالذات المستقلة الكانطية ولا في العقل الديكارتي المكتف بذاته، مؤمنا بدلا من ذلك في اننا نتكون من ذوات مجزأة وغير مركزية وان ذلك "الانسان" لم يكن الاّ اختراعا غربيا.

جادل فوكو بعدم وجود أي وجهة نظر او مبدأ عالمي من خلاله يمكن عمل أحكام. ردّ هابرماس من خلال السؤال من أي وجهة نظر استطاع فوكو عمل مثل هكذا حكم، او كيف أمكنه استخدام العقل لعمل ذلك الحكم او أي حجة مقنعة. اعتبر هابرماس منتقديه قد وقعوا – دون أمل في الخلاص – في فخ هذه المفارقة، واتخذ ذلك دليلا على ان التخلص من الرواسب الذهنية للحداثة ليس بالامر الهين. وبالرغم من هجوم ليوتوار وسخرية فوكو، بقي هابرماس صامدا . هو عرف ان مهمته لم تكن سهلة، وانه كان تقريبا الشخص الوحيد الذي يسبح ضد التيار. في مقابلة معه عام 1981، مدافعا عن نظريته في العقلانية، سخر من أولئك "الذين يجدون مثل هذه النظرية في العقلانية الاتصالية كمطلب صادم، هم لا يستطيعون ابتلاع كلمة محرجة مثل العقلانية دون ان يحمر وجههم خجلا" .

هو ذاته كان نادرا ما يرتبك. في الحقيقة، يمكن فهم تلهّفه للانخراط في الجدال الشائك على انه جزء لا يتجزأ من هدفه في النقاش التشاركي. هو وضع هذا موضع التنفيذ على ساحة سياسية أوسع في أواسط الثمانينات عندما ساعد في افتتاح خلاف "المؤرخين" في المانيا الغربية، منددا بظهور نزعة من بعض المحافظين المؤرخين  تسعى للتقليل من جريمة النازية وإضفاء طابع نسبي عليها. وبدلا من الإنزعاج من سهام ما بعد الحداثيين ونبالهم، كان هابرماس مهتما اكثر بالاسباب ونتائج هذا المزاج الفكري المتجسد بفوكو وجاك دريدا. هو خشي ان هذا مثّل تطورا تافها ورجعيا، بل هو تخلّ عدمي عن السياسة برمتها. في عمله عام 1987 (الخطابات الفلسفية للحداثة) اتّهم أولئك الذين ودّعوا الحداثة بتجسيد نوع من المحافظة الجديدة وفوضوية مستلهمة جماليا.

في عدة حالات، كان منتقدوه يهاجمون رجل قش طوال الوقت، اذ لم يكن الامر وكأن هابرماس يروج لنسخة أصولية من الفكر التنويري، الشيء الموجود علنا في العلمية الوضعية لاوكست كومت. كان هذا أشبه بنمط التفكير الاحتمالي والمفتوح المميّز لفولتير بصفته كاتب مقالات وكتيبات سجالية. في الحقيقة، هابرماس ذاته كان في وقت ما صحفيا ظهر اسمه لأول مرة عام 1953 بمقال في الصحيفة العامة في فرانكفورت، منتقدا مارتن هايدجر ليس بسبب قبوله العام للنازية عام 1933 وانما بسبب صمته المستمر تجاه رعب الرايخ الثالث بعد الحرب.

واذا كان منتقدوه اعتقدوا ان هناك أزمة ابستيمولوجية عميقة في الغرب، مع موت الاله ومن ثم موت الانسان العقلاني المستقل، فان هابرماس لايزال يعتقد بالقوة المستمرة للاجماع من خلال النقاش. في مجموعة مقالاته عام 1992(تفكير ما بعد ميتافيزيقي)، جادل باننا يمكننا التخلي عن عكاز الدين والنيومينا (الشيء في ذاته) ومع ذلك نواصل السعي وراء الحقيقة من خلال التفكير النقدي. هو توصل الى استنتاج بان الإمكانات التحررية بُنيت ضمن بناء اللغة، وان الفعل التواصلي العقلاني،الذي يعمل من خلال أفعال الكلام، يمكن ان يجلب الى السطح أخلاقا كونية متأصلة. هو تحدّث عن "عقل متجسد في الادراك، الكلام، والفعل". ومع انه وصف نفسه ضمن تقاليد ديكارت وكانط، هو لم يكن تلميذا لأي منهما، باعتبارهما غير كافيين لفكرة الانسان المستقل. هو نقل بدلا من ذلك التأكيد الى الذاتية المشتركة في متابعة موقفه المثالي لـ "الفهم المتبادل".

مشروع هابرماس لم يتوجه كثيرا الى مطلق أخلاقي شمولي وانما الى ديالكتيك جديد للتنوير، اعترف وأوضح سلبيات التنوير، مع ذلك لايزال مبررا لمبادئه الجوهرية بأمل متابعة الحرية والعدالة. عنوان احدى مقالاته، عُرضت اول مرة ككلام في شهر سبتمبر 1980 كانت بعنوان "الحداثة: مشروع لم يكتمل". في عام 1987 أعاد التأكيد على اتجاهه وبعبارات أبعد ما تكون عن الطراز السائد، متبنّيا فلسفة اعتمدت "نظريات تجريبية ذات ادّعاءات عالمية قوية".

يمكن الجدال اننا نحتاج الى هابرماس الان اكثر من أي وقت مضى. وبينما حجج ما بعد الحداثة قد تبدو عتيقة الان، او ان ما بعد الحداثة موضة عفا عليها الزمن، العديد من المبادئ اللاحقة تسربت الى التيار السائد. ليس من قبيل الصدفة ان ثقافة الليبرالية المفرطة hyper-liberalism اشير اليها في بعض الحلقات الاكاديمية اليوم كـ "ما بعد حداثة متجسدة او مشيّأه"، اعتراف بمديونيتها لتلك الحركة. تلك التركة واضحة. المرء فقط عليه ان يلاحظ انشغالات الليبرالية المفرطة بالذاتية والتجربة الشخصية، عقيدتها الفوكية في القوى الاجتماعية اللامرئية السائدة في كل مكان، ثقتها بنظرية جوديث بتلر حول الجندر. نشطائها لديهم نفس مهام الاستهجان التي كانت موجهة لأسلافهم: الغربي، العقلاني، الهرمي، أنظمة تفكير ثنائي، تضعهم جميعهم في سياق عالم المركزية الاوربية القمعي. هنا نرى الإرث الواضح لادرنو وهوركهايمر .

احد أهم الاتهامات التي وُجهت ضد الليبرالية المفرطة هي انها غير متسامحة وغير عقلانية. هذه التهمة لا تقتصر على مصدر واحد فقط من المحافظين وانما من النسويين والليبراليين الكلاسيك ومن يسار الوسط. في أي عصر عندما لايزال البعض يخجل لمجرد ذكر العقلانية، لايزال من المناسب التذكير بالنداء الذي اطلقه هابرماس الى حوار عقلاني والاعتراف بقيمة الفهم المتبادل والحاجة له.      

***

حاتم حميد محسن

ان تقديم قراءة تفكيكية نقدية للمشهد الفلسفي المعاصر، ملتقطةً لحظة التحول الحرج من هيمنة الأنساق البنيوية الجافة إلى رحاب "الحاضرية الوجودية الشاملة". تمثل أزمة إزاحة للذات الإنسانية الفاعلة وتشييئها داخل المقولات اللسانية والنظم المغلقة، بعد استعراض نتائج إعلان "موت الإنسان" و"موت المؤلف". تطرح الحاضرية الوجودية الشاملة  بدائل أنطولوجية وتأويلية قائمة على مفاهيم محورية:

الوعي الانخراطي، التورط الجميل، تفكيك الكوجيتو المغلق، أخلاق بلا أخلاق، نظرية الكود الأول، والتكاؤن التقدمي. يهدف هذا الطرح إلى إعادة شحن البنية بالحياة والفاعلية الأنطولوجية، وتأطير الوجود الإنساني بوصفه صيرورة حرة وانخراطاً خلاقاً في حاضرٍ معيش يرزح المشهد السياسي الراهن تحت وطأة ارتهانٍ مزدوج، تتقاطع فيه الإملاءات الخارجية مع التواطؤ الداخلي لمصادرة مقدرات الشعوب وتهميش إرادتها. وفي خضم هذا الواقع المأزوم، تتشابك التحديات المتسارعة مع انسداداتٍ عدمية تفرغ السياسة من جدواها، لتُفضي إلى حالة من السيولة المطلقة؛ حيث تذوب معالم المشاريع المحلية والدولية في دوامة من العبث، وتتلاشى دون أفقٍ واضح أو مسارٍ يلوح بالخلاص، اضافة الى التسيل التام للمشاريع الدولية والمحلية دون افق واضح.

إشكالية النسق وإزاحة الذات في المشهد الفلسفي المعاصر

شكّلت النظرية البنيوية في منتصف القرن العشرين منعطفاً معرفياً بارزاً في الفكر الإنساني؛ إذ طمحت إلى تحويل العلوم الإنسانية والدراسات اللسانية والنقدية إلى ميادين علمية صارمة ذات نظام مغلق، عبر إحالة الظواهر الإنسانية والثقافية والاجتماعية إلى أنساق صلبة وقواعد تنظيمية محايثة [سوسير، 1916]. غير أن هذا المشروع المعرفي في مسار تبلوره الممتد من اللسانيات البنيوية لدى فرديناند دي سوسير إلى أطروحات رولان بارت وميشيل فوكوأفضى بالتدريج إلى إزاحة جذرية للذات الإنسانية الفاعلة، ممهداً لإعلان "موت المؤلف" [بارت، 1967] و"موت الإنسان" [فوكو، 1966] داخل المنظومة المعرفية الحديثة.

لقد تحول النص والخطاب والثقافة، بموجب هذا التوجه الشكلي، إلى بنيات قائمة بذاتها ومغلقة على آلياتها؛ حيث اغتربت الذات الإنسانية ومُحي معها التاريخ المعيش والزمان الحي لصالح علاقات تجريدية محايثة. وفي هذا الفضاء المعرفي البارد، لم يعد الإنسان هو الكائن المتكلم أو الصانع الأصيل للمعنى، بل غدت السلطة الموزعة داخل النسق، والشبكات اللغوية المعقدة، هي التي تتكلم عبر الذات وتحدد شروط وجودها ومعرفتها وقيمها [فوكو، 1969].

أدى هذا الانغلاق الشكلي للبنيوية، وما تلاه من انزياحات تفكيكية وعلاماتية سعت لمعالجة التجريد بالوقوع في السيولة المطلقة، إلى أزمة سلب عميقة للمضمون الوجودي والحيوي للإنسان. وأمام تجذر هذه الأزمة في الفكر المعاصر، يبرز المشروع الفلسفي المتمثل في أطروحة "الحاضرية الوجودية الشاملة" ليعيد صياغة المعادلة الأنطولوجية. يتيح هذا الإطار صياغة رؤية وجودية وظاهراتية متقدمة تعمل على تفكيك المركزية الصلبة للنسق البنيوي؛ لا عبر نفي البنية كلياً كأداة تحليلية إجرائية، بل عبر إعادة شحنها باللحظة الأنطولوجية الحية، وإحياء الفاعلية القصدية للذات المنخرطة في العالم. إنها محاولة لتجاوز مأزق الذات المفكرة المغلقة والنسق الميت لصالح وجود حركي يتزامن فيه المعنى مع صيرورة الحاضر المعيش.

الركائز التأسيسية

تتأسس نظرية الحاضرية الوجودية الشاملة كنموذج معرفي يدمج مباحث الوجود بالظاهراتية المتقدمة، لتقديم قراءة ديناميكية ورابطية للوجود الإنساني تكسر الثنائيات التقليدية الحادة التي استقرت في الفلسفة الغربية، مثل: الذات والموضوع، المتن والهامش، أو الداخل والخارج. يرتكز هذا البناء النظري على متلازمة ثلاثية تتشابك فيها أبعاد الوعي والماهية والغيرية:

أ. الوعي الانخراطي

لا ينفك الوعي في هذا الطرح عن كونه مجرد كيان باطني معزول أو مرآة عاكسة تتلقى صور العالم المادي بسلبية، لكن سيصبح نشاطاً إبداعياً حركياً يُكتسب ويتحقق من خلال الانخراط المستمر والمباشر في الواقع [هوسرل، 1913]. الوعي هنا ليس متفرجاً على الأحداث، بل هو فعل توجّه وقصدية متجددة تصوغ الحاضر وتتأثر به في آن واحد.

ب. الماهية كمشروع مفتوح حاضراني

ترتبط هذه الرؤية بفهم جديد للماهية؛ حيث يُرفض التصور الكلاسيكي الماهوي الذي يتعامل مع الإنسان كجوهر ثابت ومكتمل سلفاً، لتُفهم الروح والماهية بوصفهما مشروعاً وجودياً مفتوحاً يتشكل ويتجدد عبر الاختيارات الحرّة والمسؤولية الكلية في كل لحظة حاضرة [سارتر، 1943]. إن الإنسان لا يمتلك ماهية جاهزة، بل يصنعها عبر صيرورة الفعل والانخراط،عبر صيررة متزامنة بين الوجود والماهية.

ج. الغيرية التفاعلية الشبكية

لا يكتمل هذا البناء الأنطولوجي إلا بُبعد الغيرية التفاعلية؛ حيث لا يتشكل المعنى في معزل عن الآخر، ولا تتحقق الذات في عزلة منغلقة، بل تتحدد الكينونة عبر الشبكة الرابطة التي تجمع الذات بالغير والعالم في أفق كوني مشترك [ليفيناس، 1961]. الآخر ليس تهديداً للذات أو مجرد موضوع للرؤية، بل هو شريك في تأسيس المعنى والحاضر.

ينطلق من نقد صارم لـ "الكوجيتو الديكارتي" التقليدي القائم على أولوية التفكير المجرد والمستقل ("أنا أفكر، إذن أنا موجود") [ديكارت، 1637]. إن الكوجيتو الكلاسيكي أسس لوعي خالص ومجرد، مفصول عن التموضع المادي والتعلق المباشر بالواقع العيني، وهو ما يحوله في التحليل الوجودي الحاضراني إلى مجرد وهم مثالي أو ذات مغلقة تعجز عن إنتاج وجود فاعل. وبدلاً من هذا الانغلاق المعرفي، تقرر الحاضرية الوجودية الشاملة أن الوجود الفعلي الانخراطي يسبق نقاء الوعي المجرد؛ إذ إن التعلق المباشر بجدلية الواقع والموضوع هو الذي يمنح الوعي حقيقته الوجودية، ويحوله من حالة تأملية سلبية إلى قوة مبدعة تمنح المعنى للموجودات وتتحمل مسؤولية الحاضر.

الفلسفة العميقة للانخراط الوجودي في الحاضر

إذا كانت العقلانية المغلقة والبنيوية الجافة قد جردت الكائن البشري من حرارة التجربة الحية وحولته إلى نقطة تقاطع داخل شبكة علاماتية صماء، فإن الحاضرية الوجودية الشاملة تطرح مفهوم "التورط الجميل" بوصفه الركيزة الأنطولوجية والجمالية الأكثر أصالة لإعادة وصل الذات بالعالم ومقاومة التشيؤ من خلال:

أ. ماهية التورط الجميل وفلسفته

التورط الجميل ليس مجرد انفعال طارئ بالحدث، ولا هو امتثال قسري للحتميات الاجتماعية أو الفيزيائية؛ بل هو قرار وجودي واع وشجاع بتدشين الملامسة المباشرة للحاضر. تتألف هذه المقولة المركبة من دلالة مزدوجة وعميقة:

التورط: الشجاعة الوجودية في الانغماس الكامل والمسؤولية التامة عن اللحظة الراهنة، ورفض موقف التفرج المحايد أو الانسحاب التأملي من مسرح الكينونة.

الجميل: الشغف الإبداعي والحرية الاستمتاعية التي تحول العبء الوجودي والمسؤولية الثقيلة إلى فعل تخلق جمالي متجدد يمنح الحياة قيمة ومعنى.

ب. التورط الجميل في مواجهة الحياد الأكاديمي البارد

إن الفلسفات البنيوية والأنظمة الصورية الممتدة كبلت الإنسان بموقف الملاحظ المحايد الذي يكتفي بفك شفرات العلامات وتحليل الأنساق دون أن ينخرط فيها أو يتأثر بآلامها ومصائرها. يرفض "التورط الجميل" هذا الحياد الأكاديمي البارد، ويرى فيه شكلاً من أشكال الهروب الأخلاقي والأنطولوجي من الموقف الوجودي الأصيل. إن الذات عندما تتورط جميلاً في حاضرها، تجعل من جسدها ووعيها وفعلها أدوات لتوليد المعنى في اللحظة العينية دون إرجاء أو تسويف.

ج. التجلي الجمالي للحاضر

في التورط الجميل، لا يعود الزمان خطاً وهمياً يمتد بسلاسة ميكانيكية من ماض مفقود إلى مستقبل مجهول، بل يصبح "صهريجاً أنطولوجياً" تتكثف فيه الطاقات البشرية والإمكانيات الإبداعية. إن هذا الانخراط الجميل يحول الممارسات اليومية والخيارات الأخلاقية إلى أعمال فنية قائمة بذاتها؛ حيث يتطابق المفهوم النظرية مع التجربة الحية، وتتحول الحرية الإنسانية من "عبء ثقيل ومقلق" كما وصفها جان بول سارتر [سارتر، 1946] إلى طاقة انخراط بهيجة تسبغ الجمال والمعنى على الوجود الإنساني المشترك.

العدمية الوجودية عند إميل سيوران

في مسار تشريح الانسدادات المفهومية والفلسفية التي واجهت الإنسان الحديث، تبرز العدمية الوجودية الحادة التي صاغها المفكر "إميل سيوران" بوصفها التعبير الأكثر قسوة عن اغتراب الذات وفقدان الأمل في الجدوى الحضارية [سيوران، 1934، 1949]. تتجلى الكينونة عند سيوران كخطأ كوني لا علاج له، ويتحول الوجود لديه إلى مأساة مدمرة ونزيف مستمر، لا يملك الإنسان حيالها سوى نفي الفعل، والتنصل من إرادة الحياة، والتعلق بأوهام العدم والصمت.

تشريح الأصول المعرفية لعدمية سيوران

تكشف الحاضرية الوجودية الشاملة أن عدمية سيوران المطلقة ليست سوى النتيجة الحتمية لسقوط "الكوجيتو المغلق" في يأسه الخاص. تتأسس رؤية سيوران على افتراض ميتافيزيقي مضمر يطالب الكون بتقديم "معنى جاهز ومطلق ومكتمل"، فلما وجد أن الكون صامت ولا يقدم إجابات مسبقة أو ضمانات ميتافيزيقية، ارتد على الوجود بالنفي الكامل ورأى في الولادة نفسها "محنة غير مجدية" وفي الوجود عبئاً طفيلياً [سيوران، 1973].

التجاوز الحاضراني للانسداد العدمي

يجابه مشروع الحاضرية الوجودية الشاملة هذا الانسداد العدمي القاتل من خلال ثلاث آليات نقدية وتأسيسية:

المعنى ليس اكتشافاً بل خلق متجدد: إن صمت الكون وغياب المعنى المسبق ليس برهاناً على عبثية الوجود كما زعم سيوران، بل هو الشرط الأساسي والفرصة العظمى للحرية الإنسانية. إن غياب "المعنى الجاهز" يمنح الإنسان الحق والواجب في صياغة معناه الخاص وإسباغه على الواقع عبر الانخراط الفعلي والتورط الجميل.

تفكيك شلل الزمانية: ينشأ يأس سيوران من الرؤية السكونية والخطية للزمان؛ حيث يُسقط ركام الماضي وخيباته على الحاضر، فيصيب المستقبل بالشلل التام. بينما تعيد الحاضرية الوجودية الاعتبار للحاضر المعيش بوصفه نقطة انبعاث دائم؛ فكل لحظة حاضرة هي بداية جديدة غير محكومة بحتميات السلف أو إحباطات الماضي.

تحويل القلق من الشلل إلى التأسيس: بدلاً من الاستسلام للقلق الوجودي وتحويله إلى مبرر للعدمية والاستقالة من العيش والتنصل من الفعل، ترى الحاضرية الوجودية في القلق محركاً أنطولوجياً أصيلاً يدفع الذات نحو التكاؤن والالتزام الأخلاقي والجمالي بالعالم.

الكوجيتو المغلق وتفكيك النزعة الثقافوية في الفضاء الإقليمي

عند تطبيق أدوات التفكيك الخاصة بالحاضرية الوجودية الشاملة على الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي في المنطقة، يظهر نموذج خاص شديد الانغلاق والخطورة يُعرف بـ "الكوجيتو المغلق".

أ. طبيعة الكوجيتو الهوياتي المغلق

هذا الكوجيتو هو ذات انكفائية تعيش في إسار الهويات المغلقة والسرديات النمطية، ممارِسةً القهر الأيديولوجي والإقصاء الطائفي أو العرقي. إنه وعي مستلب يعيش كاملاً في الماضي، ويستمد مشروعيته الوحيدة من تقديس السلف والنصوص التاريخية دون فحص نقدي أو مراجعة عقلانية، مما ينتج إنساناً مسكوناً بـ "المظلوميات التاريخية" ومحتجزاً داخل بؤرة النقاء الهوياتي المتوهم، ومقطوع الصلة عن متطلبات الحاضر المعيش.

ب. تفكيك النزعة الثقافوية والسرديات الميتافيزيقية

بالتقاطع مع نقد النزعة الثقافوية، تفكك الحاضرية الوجودية الشاملة الأطروحات الفكرية والاستشراقية التي تختزل الصراعات المادية والجيوسياسية والاجتماعية في المنطقة إلى مجرد "جواهر ثقافية" صلبة أو صراعات أزلية بين أديان وأعراق ثابته لا تتغير. إن هذا التوظيف السياسي للتاريخ وسرديات الخداع الميتافيزيقي يسهم في تعميق التبعية وإيقاف العقل النقدي وتبرير العنف البنيوي.

تطرح الحاضرية الوجودية البديل الناجع المتمثل في تحرير الذات الإقليمية من أسار الهوية المغلقة، عبر نقل التركيز من الموروث المتخيل والمقدس التاريخي إلى اللحظة الحاضرة المعيشة، وتأسيس الهوية كصيرورة إنسانية مفتوحة تتشكل وتتجدد عبر الفعل، والعدالة الاجتماعية، والمواطنة الفاعلة، والتفاعل الحضاري المفتوح مع الآخر.

القلق الوجودي وتفكك البقاء: نحو مفهوم "أخلاق بلا أخلاق"

عندما تتصاعد الأزمات البنيوية العنيفة (مثل الحروب الكونية، الانهيارات البيئية المناخية، والسيطرة الخوارزمية الفائقة)، يرتفع القلق الوجودي إلى مستويات حادة تهدد شروط البقاء والديمومة البشرية. في هذه اللحظات الحرجة من تاريخ الإنسانية، تنهار المنظومات الأخلاقية المعيارية التقليدية التي بنيت على التقاليد الصارمة أو الوصايا المؤسسية الفوقية.

هنا، تقدم الحاضرية الوجودية الشاملة مفهوم "أخلاق بلا أخلاق" بوصفه أفقاً أنطولوجياً جديداً يتجاوز الامتثال الشكلي إلى الممارسة الحية:

القلق الوجودي وتفكك البقاء: نحو مفهوم "أخلاق بلا أخلاق"

عندما تتصاعد الأزمات البنيوية العنيفة (مثل الحروب، والانهيارات البيئية، والسيطرة الخوارزمية)، يرتفع القلق الوجودي إلى مستويات حادة تهدد شروط البقاء والديمومة البشريّة. وفي هذه اللحظات الحرجة، تنهار المنظومات الأخلاقية المعيارية التي بُنِيَت على التقاليد أو الوصايا المؤسسية الصارمة.

هنا، تُقدِّم الحاضرية الوجودية الشاملة مفهوم "أخلاق بلا أخلاق". فبينما تعتمد الأخلاق المعيارية التقليدية في مرجعيتها على أوامر مؤسسية وسرديات قَبْليَّة صلبة، ينطلق الأفق الوجودي الجديد من الوعي المباشر بالهشاشة البشرية والمصير المشترك. وفي حين يكون الدافع في النسق التقليدي هو الخوف من العقاب أو الامتثال المجرد، يتحول في هذا المفهوم إلى استجابة حية للقلق الوجودي بهدف صيانة الكينونة. أما على مستوى الممارسة، فبدلاً من التطبيق الآلي لقواعد جاهزة، نشهد ابتكاراً أخلاقياً لحظياً ينبثق من الانخراط الحقيقي في الحاضر.

إنَّ هذا الطرح لا يعني السقوط في الفوضى أو العدمية الأخلاقية، بل هو تسامٍ بالأخلاق من الامتثال الشكلي إلى الفاعلية الأنطولوجية الجذرية. فعندما تنهار المؤسسات، لا يعود السلوك الأخلاقي ناتجاً عن اتباع دليل إرشادي خارجي، بل يصبح نابعاً من إدراك الإنسان لذاته وللآخر، وبضرورة حماية الحياة من الفناء.

إنها أخلاق تنبثق من قلب القلق؛ أخلاق تتأسس في كل لحظة حاضرة عبر الفعل المسؤول الذي يستجيب لمعاناة الآخر الماثل أمامنا، ويجعل من التضامن البشري شرطاً أنطولوجياً للبقاء.

إن هذا الطرح الفلسفي لا يعني بحال من الأحوال السقوط في الفوضى أو العدمية الأخلاقية، بل هو تسامٍ بالأخلاق من الامتثال الشكلي الميت إلى الفاعلية الأنطولوجية الجذرية. عندما تنهار المؤسسات والمعايير القبلية، لا يعود السلوك الأخلاقي ناتجاً عن اتباع إرشادات خارجية، بل يصبح نابعاً من إدراك الوعي بذاته وبالآخر، وبضرورة حماية الحياة نفسها من الفناء والاندثار. إنها أخلاق تنبثق من قلب القلق؛ أخلاق تتأسس في كل لحظة حاضرة عبر الفعل المسؤول الذي يستجيب لمعاناة الآخر العيني، ويجعل من التضامن البشري شرطاً أنطولوجياً للبقاء والاستمرار.

نظرية "الكود الأول" وتفكيك الإقطاع الرقمي السحابي

في قراءة متقدمة للتحولات التقنية والمعلوماتية المعاصرة، تتناول الحاضرية الوجودية الشاملة الأطروحات العلمية والفيزيائية التي تصوغ الكون كشبكة معلوماتية رقمية صماء، مثل أطروحة الفيزيائي جون ويلر: "الشيء من الخانة الثنائية". [ويلر، 1989].

أ. نظرية الكود الأول والتفكيك المعرفي للكون الرقمي

تؤسس نظرية الحاضرية الوجودية لنقد جديد يُعرف بـ "نظرية الكود الأول". تنطلق هذه النظرية من تفكيك خطورة اختزال الوعي البشري العضوي والتجربة الوجودية الحية إلى مجرد "بيانات" أو "رموز رقمية" قابلة للمعالجة الخوارزمية والتنبؤ الاستهلاكي. إن الاختزال التقني للوجود يسعى لإعادة صياغة المكوّن الميتافيزيقي الأسطوري (صانع العالم أو "الديميورغ") ولكن في صورة "ذكاء اصطناعي فائق" يُفرض كمعبود تقني جديد يحدد للقيم شروطها وللإنسان معناه وحريته.

تؤكد "نظرية الكود الأول" أن اللحظة الأنطولوجية الحية للتجربة الإنسانية المباشرة هي الأسبق والأصل، وأن الرقمي والمعلوماتي هو مجرد مشتق تقني لا يستطيع استيعاب حرارة الوعي أو ألم الوجود أو إرادة الحرية. إن محاولة اختزال الإنسان في شفرة رقمية هي تجسيد للتشيؤ النهائي واغتراب الذات في أقصى صوره.

ب. تفكيك الإقطاع الرقمي ورأس المال السحابي

تتمدد الأدوات التفكيكية للنظرية لتشريح تحولات الرأسمالية المعاصرة؛ حيث ننتقل بخطى حثيثة من الرأسمالية الصناعية الكلاسيكية إلى "الإقطاع الرقمي" القائم على احتكار رأس المال السحابي والخوارزميات الفائقة.

في هذا النظام الجديد، لا يمتلك الإقطاعي الرقمي أراضٍ أو مصانع تقليدية، بل يمتلك "منصات وخوادم سحابية" تحول الفضاء الرقمي العالمي إلى إقطاعيات مجازية تستعبد انتباه البشر، وتستنزف وجودهم الحي، وتحول تجاربهم الحياتية وانفعالاتهم إلى بيانات خامة قابلة للتسليع والبيع. إن التراكم المالي المفرط لدى النخب الرقمية يتحول إلى مشروع "خلود وهمي" لصد قلق الفناء عبر حلول التقانة الفائقة، بينما يُفرض على الفئات المسحوقة عنف بنيوي رقمي يسلبها كرامتها وحقها في العيش الحر والانخراط الفعلي في العالم.

التكاؤن التقدمي والالتزام الأخلاقي: أفق الخروج وتشييد المعنى

تختتم الحاضرية الوجودية الشاملة طرحها بضبط العلاقة الجدلية بين التفكيك والتأسيس. إن الفعل الفلسفي الأصيل لا يمكن أن يستمر كـ "تفكيك أعمى" يؤدي إلى السيولة المطلقة وانهيار المعنى، كما لا يمكنه الانغلاق داخل "تأسيس وثوقي" يعيد إنتاج العقائد المغلقة والأنساق القمعية.

إن التفكيك بدون تأسيس يفقد الفكر قدرته على البناء والالتزام والمواجهة، والتأسيس بدون تفكيك يحول النظرية إلى عقيدة دوغمائية ميتة تحارب الحرية. يتجلى المخرج الفلسفي الأبرز من هذا التناقض في مفهوم "التكاؤن التقدمي".

التكاؤن: هو العملية المعرفية والعملية التي يتشكل فيها الإنسان والكون بشكل متزامن ومتبادل؛ فالذات لا تنفصل عن موضوعها، والوعي لا يتحقق إلا بالانخراط المباشر في قضايا الجماعة والعدالة الإنسانية والبيئية

الالتزام الأخلاقي في "أخلاق بلا أخلاق": يفرض التكاؤن التزاماً أخلاقياً شمولياً؛ حيث تتحول الحرية من عبء فردي عزلي إلى مسؤولية كونية حرة تهدف إلى مواجهة أشكال الاستلاب التقني والسياسي، وحماية الكينونة البشرية، وإرساء التضامن الإنساني العابر للهويات الضيقة.

التورط الجميل: الفلسفة العميقة للانخراط الوجودي في الحاضر

إذا كانت العقلانية المغلقة والبنيوية الجافة قد جردت الكائن البشري من حرارة التجربة الحية، فإن الحاضرية الوجودية الشاملة تطرح مفهوم "التورط الجميل" بوصفه الركيزة الأنطولوجية والجمالية الأكثر أصالة لإعادة وصل الذات بالعالم.

ماهية التورط الجميل

التورط الجميل ليس مجرد انفعال طارئ بالحدث، ولا هو امتثال قسري للحتميات الاجتماعية أو الفيزيائية؛ بل هو قرار وجودي واع وشجاع بتدشين الملامسة المباشرة للحاضر. إن الكلمة بحد ذاتها تحمل دلالة مزدوجة:

التورط: الانغماس الكامل والمسؤولية التامة عن اللحظة الراهنة، ورفض التفرج المحايد على مسرح الكينونة.

الجميل: الشغف الإبداعي والحرية الاستمتاعية التي تحول العبء الوجودي إلى فعل تخلق جمالي متجدد.

التورط الجميل في مواجهة الحياد البارد

إن الفلسفات البنيوية والأنظمة الصورية كبلت الإنسان بموقف الملاحظ المحايد الذي يكتفي بفك شفرات العلامات دون أن ينخرط فيها. يرفض "التورط الجميل" هذا الحياد الأكاديمي البارد، ويرى فيه شكلاً من أشكال الهروب من الموقف الوجودي. إن الذات عندما تتورط جميلاً في حاضرها، تجعل من جسدها ووعيها وفعلها أدوات لتوليد المعنى في اللحظة العينية.

التجلي الجمالي للحاضر المعيش

في التورط الجميل، لا يعود الزمان خطاً وهمياً يمتد من ماض مفقود إلى مستقبل مجهول، بل يصبح "صهريجاً أنطولوجياً" تتكثف فيه الطاقات البشريّة. إن هذا الانخراط الجميل يحول الممارسات اليومية والخيارات الأخلاقية إلى أعمال فنية قائمة بذاتها، حيث يتطابق المفهوم مع التجربة الحية، وتتحول الحرية من "عبء ثقيل" كما عند سارتر [سارتر، 1946] إلى طاقة انخراط بهيجة تسبغ المعنى على الوجود.

إن مشروع الحاضرية الوجودية الشاملة، عبر هذه الرؤية المتكاملة، يقدّم بديلاً فلسفياً عميقاً يتجاوز جمود البنيوية الميتة وعدمية التفكيك السائل والعدمية السيورانية، ليُعيد للذات الإنسانية حريتها، وللحاضر معناه الأنطولوجي، وللإنسان كرامته وانخراطه الجميل الخلاق في العالم.

***

غالب المسعودي

......................

احالات:

1. سوسير، فرديناند دي. (1916). دروس في اللسانية العامة. باريس: بايو.

2. بارت، رولان. (1967). موت المؤلف. باريس: سوي.

3. فوكو، ميشيل. (1966). الكلمات والأشياء: حفريات العلوم الإنسانية. باريس: غاليمار.

4. فوكو، ميشيل. (1969). حفريات المعرفة. باريس: غاليمار.

5. هوسرل، إدموند. (1913). أفكار خاصة بظاهراتية خريطة وفلسفة ظاهراتية. هالي.

6. سارتر، جان بول. (1943). الوجود والعدم: بحث في الظاهراتية الأنطولوجية. باريس: غاليمار.

7. سارتر، جان بول. (1946). الوجودية مذهب إنساني. باريس: ناغل.

8. ليفيناس، إيمانويل. (1961). الكلية واللانهائي: مقال في الغيرية. لاهاي: نيجوف.

9. ديكارت، رينيه. (1637). مقالة في المنهج. ليدن.

10. سيوران، إميل. (1934/1949). على قمم اليأس / المياه العكرة. باريس: غاليمار.

11. ويلر، جون. (1989). المعلومات، الفيزياء، الكم: الشيء من الخانة الثنائية. أتوك: طوكيو.

من الإرهاصات الأولى إلى البرنامج الأدنوي

على سبيل الافتتاح: شهد الفكر اللساني خلال القرن العشرين تحولات إبستمولوجية عميقة أعادت تشكيل طبيعة البحث في اللغة، وأحدثت قطيعة معرفية مع كثير من التصورات التقليدية التي ظلت مهيمنة على الدراسات اللغوية زمنا طويلا فبعد أن انصب اهتمام اللسانيات البنيوية على وصف البنى اللغوية كما تتجلى في الاستعمال، وتحليل العلاقات القائمة بين عناصر النسق اللغوي باعتباره ظاهرة اجتماعية مستقلة عن المتكلمين، برز اتجاه جديد أعاد الاعتبار إلى الإنسان بوصفه مركز العملية اللغوية، وجعل من العقل البشري موضوعا أساسيا للدراسة اللسانية.

وقد شكلت أعمال فرديناند دو سوسير نقطة الانطلاق الحقيقية نحو بناء اللسانيات الحديثة، عندما دعا إلى دراسة اللغة في ذاتها ولذاتها، وحدد موضوعها ومنهجها العلمي، فأسس بذلك لمرحلة البنيوية التي هيمنت على معظم الدراسات اللسانية في النصف الأول من القرن العشرين. غير أن الاقتصار على الوصف الخارجي للغة، وإهمال الآليات الذهنية المنتجة لها، كشف عن محدودية هذا التصور في تفسير القدرة الإنسانية الفريدة على إنتاج عدد غير محدود من الجمل انطلاقا من وسائل لغوية محدودة.

وفي هذا السياق برزت اللسانيات التوليدية مع نعوم تشومسكي باعتبارها تحولا علميا كبيرا في تاريخ الدراسات اللغوية، حيث نقلت موضوع البحث من اللغة بوصفها سلوكا خارجيا إلى اللغة باعتبارها معرفة ذهنية كامنة في العقل الإنساني، وأعادت الربط بين اللسانيات والعلوم المعرفية والعلوم الطبيعية، من خلال تبني تصور عقلاني يقوم على بناء الفرضيات واختبارها، والسعي إلى تفسير الظواهر اللغوية بدل الاكتفاء بوصفها.

ومنذ ظهور النظرية التوليدية لم تعرف هذه الأخيرة الاستقرار، بل ظلت في تطور مستمر، حيث انتقلت من النحو التحويلي التوليدي إلى النظرية المعيارية، ثم النظرية المعيارية الموسعة، فنظرية الربط، العاملي وصولا إلى مقاربة المبادئ والوسائط التي مثلت مرحلة نضج علمي في البحث عن المبادئ الكونية المشتركة بين لغات العالم، قبل أن تتطور إلى البرنامج الأدنوي الذي يسعى إلى تفسير اللغة في ضوء مبدأ الاقتصاد والكفاءة، وإعادة النظر في طبيعة الملكة اللغوية وتصميمها الأمثل داخل البنية البيولوجية للإنسان.

ويعتبر البرنامج الأدنوي تتويجا لمسار طويل من المراجعات النظرية التي عرفها النحو التوليدي، إذ لم يعد الاهتمام منصبا فقط على وصف البنية التركيبية أو تفسير اكتساب اللغة، وإنما أصبح البحث موجها نحو فهم الأسس البيولوجية والإدراكية التي تجعل اللغة نظاما معرفيا يتمتع بأقصى درجات البساطة والكفاءة، من خلال دراسة العلاقة بين البنية الذهنية، وآليات الحوسبة، والتمثيل الصوتي والدلالي.

وانطلاقا من ذلك، فإن دراسة تطور اللسانيات التوليدية لا تمثل مجرد تتبع تاريخي لمراحل نظرية معينة، بل تشكل مدخلا لفهم التحولات الكبرى التي عرفتها اللسانيات المعاصرة، والانتقال من التصور الوصفي للغة إلى التصور التفسيري، ومن دراسة اللغة باعتبارها نسقا اجتماعيا إلى النظر إليها باعتبارها ملكة بيولوجية ومعرفية مميزة للإنسان، وهو ما يجعل هذه الدراسة محاولة للكشف عن الأسس العلمية التي قامت عليها هذه التحولات، وبيان أثرها في تجديد البحث اللساني المعاصر.

إشكالية الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من الإشكالية الرئيسة الآتية:

كيف تطورت اللسانيات التوليدية منذ بداياتها الأولى إلى البرنامج الأدنوي، وما طبيعة التحولات الإبستمولوجية والمنهجية التي أحدثتها في دراسة اللغة والملكة اللغوية؟

ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من الأسئلة الجزئية وهي:

ما أبرز المحطات التاريخية التي عرفها تطور اللسانيات الحديثة؟

ما أوجه الاختلاف بين اللسانيات البنيوية واللسانيات التوليدية؟

كيف تطور النحو التوليدي عبر مراحله المختلفة؟

ما الأسس النظرية التي قامت عليها مقاربة المبادئ والوسائط؟

ما الخصائص التي تميز البرنامج الأدنوي عن المراحل السابقة؟

إلى أي حد استطاع البرنامج الأدنوي تقديم تصور أكثر اقتصادا وكفاءة  لتفسير اللغة والملكة اللغوية؟

أهمية الدراسة:

تكتسب هذه الدراسة أهميتها من عدة اعتبارات علمية ومعرفية، من أبرزها:

إبراز التحولات الكبرى التي عرفها الفكر اللساني الحديث.

توضيح التطور التاريخي للنحو التوليدي ومراحله المختلفة.

الكشف عن الأسس الفلسفية والمعرفية التي يقوم عليها البرنامج الأدنوي.

إبراز العلاقة بين اللسانيات والعلوم المعرفية والعلوم البيولوجية.

الإسهام في تقريب المفاهيم التوليدية للقارئ العربي والباحثين في اللسانيات.

توفير دراسة تركيبية تجمع بين البعد التاريخي والتحليل النظري للنظرية التوليدية.

 التحولات الإبستمولوجية في اللسانيات الحديثة من البنيوية إلى اللسانيات التوليدية:

عرفت اللسانيات الحديثة منذ مطلع القرن العشرين سلسلة من التحولات العلمية العميقة التي مست موضوعها ومنهجها وغاياتها المعرفية، إذ انتقلت من مرحلة كان الاهتمام فيها موجها نحو الوصف الخارجي للغات الطبيعية إلى مرحلة أصبح فيها العقل الإنساني والملكة اللغوية محور البحث اللساني. ولم يكن هذا الانتقال مجرد تطوير لمجموعة من المفاهيم أو الآليات الإجرائية، بل شكل تحولا إبستمولوجيا شاملا أعاد تعريف اللغة نفسها، وأعاد رسم الحدود الفاصلة بين اللسانيات وغيرها من العلوم الإنسانية والطبيعية.

وترجع البداية الحقيقية لهذا التحول إلى أعمال فرديناند دو سوسير الذي استطاع أن يمنح اللسانيات استقلالها العلمي عندما حدد موضوعها في دراسة اللغة في ذاتها ولذاتها، بعيدا عن الاعتبارات التاريخية أو الفلسفية التي كانت تهيمن على الدراسات اللغوية التقليدية. فقد دعا إلى النظر إلى اللغة باعتبارها نسقا من العلاقات الداخلية، تحكمه قوانين خاصة ينبغي الكشف عنها بواسطة الوصف العلمي، وهو ما أدى إلى ظهور المدرسة البنيوية التي هيمنت على الفكر اللساني خلال العقود الأولى من القرن العشرين.

وقد أسهمت البنيوية في ترسيخ المنهج الوصفي القائم على جمع المعطيات اللغوية وتصنيفها وتحليل العلاقات القائمة بينها، غير أن اهتمامها انصب أساسا على اللغة باعتبارها ظاهرة اجتماعية خارجية يمكن ملاحظتها مباشرة، الأمر الذي جعلها تتعامل مع المنجز اللغوي أكثر من اهتمامها بالقدرة الذهنية التي تنتجه. ومن هنا أصبح الباحث البنيوي يكتفي بوصف البنية اللغوية كما تظهر في المتون اللغوية، دون أن يتساءل عن الكيفية التي تمكن الإنسان من إنتاج عدد غير محدود من الجمل انطلاقا من قواعد و وسائل لغوية محدودة.

ومع منتصف القرن العشرين بدأت حدود هذا التصور تتضح بصورة متزايدة، خاصة بعد الانتقادات التي وجهها نعوم تشومسكي إلى الاتجاهين البنيوي والسلوكي معا، إذ رأى أن اللغة لا يمكن تفسيرها بوصفها مجرد استجابات لعوامل خارجية، ولا باعتبارها مجموعة من العادات المكتسبة، وإنما هي قدرة معرفية فطرية ترتبط بالبنية الذهنية للإنسان. ومن هنا انتقلت اللسانيات من دراسة اللغة الخارجية إلى دراسة اللغة الداخلية، وأصبح موضوع البحث هو المعرفة اللغوية الكامنة في ذهن المتكلم، لا السلوك اللغوي الظاهر وحده.

ويمثل هذا التحول أحد أهم المنعطفات في تاريخ الفكر اللساني، لأنه نقل البحث من مستوى الوصف إلى مستوى التفسير، وربط اللسانيات بالعلوم المعرفية وعلم النفس الإدراكي والعلوم البيولوجية، وأصبح الهدف الرئيس للنظرية اللسانية هو الكشف عن المبادئ العامة التي تجعل اكتساب اللغة ممكنا، وعن الخصائص المشتركة التي تجمع لغات البشر جميعا.

 تطور النحو التوليدي من النظرية التحويلية إلى مقاربة المبادئ والوسائط:

شكل ظهور النحو التوليدي في النصف الثاني من القرن العشرين منعطفا حاسما في تاريخ اللسانيات الحديثة، حيث لم يكن مجرد نظرية جديدة تضاف إلى النظريات اللسانية السابقة، وإنما مثل تحولا إبستمولوجيا عميقا في فهم طبيعة اللغة ووظيفتها وعلاقتها بالعقل الإنساني. فقد انتقل البحث اللساني من التركيز على اللغة بوصفها سلوكا قابلا للملاحظة والوصف إلى اعتبارها نسقا معرفيا داخليا يعكس البنية الذهنية للإنسان، الأمر الذي أدى إلى إعادة بناء الأسئلة اللسانية نفسها، بحيث لم يعد الهدف وصف الظواهر اللغوية كما تظهر في الاستعمال، وإنما تفسير الآليات العقلية التي تجعل إنتاج اللغة وفهمها أمرا ممكنا.

وقد ارتبط هذا التحول بأعمال نعوم تشومسكي الذي وجه نقدا حادا.للتصور السلوكي الذي كان يهيمن على الدراسات النفسية واللغوية خلال خمسينيات القرن الماضي. فقد اعتبر أن تفسير اللغة اعتمادا على مفاهيم المثير والاستجابة أو على مبدأ العادة اللغوية لا يستطيع تفسير الإبداع اللغوي الذي يميز الإنسان، إذ يستطيع المتكلم إنتاج عدد غير محدود من الجمل الجديدة التي لم يسبق له سماعها، كما يستطيع فهم تراكيب لم يتعرض لها من قبل. وهذا ما يدل على أن اللغة ليست مجرد حصيلة للتجربة، وإنما تعبير عن قدرة ذهنية فطرية تمكن الإنسان من بناء التراكيب اللغوية وفق قواعد مجردة ومستقرة.

ومن هذا المنطلق أصبحت دراسة اللغة جزءا من مشروع معرفي واسع يهتم بفهم البنية العقلية للإنسان، حيث أدمجت اللسانيات ضمن العلوم المعرفية، وأصبح هدفها الكشف عن طبيعة الملكة اللغوية التي تميز الإنسان عن غيره من الكائنات. ولم يعد الباحث اللساني يكتفي بوصف الجمل وتصنيفها، بل أصبح يسعى إلى بناء نظرية تفسيرية قادرة على بيان الكيفية التي يكتسب بها الطفل لغته الأم، وكيف يستطيع المتكلم إنتاج وفهم عدد لا نهائي من الجمل اعتمادا على نظام محدود من القواعد.

وفي هذا السياق قدم تشومسكي التمييز الشهير بين القدرة اللغوية والإنجاز اللغوي، وهو تمييز يعتبر من أهم الأسس التي قامت عليها اللسانيات التوليدية. فالقدرة اللغوية تشير إلى المعرفة الضمنية التي يمتلكها المتكلم بلغته، أي ذلك النظام المجرد من القواعد والمبادئ الذي يسمح له بإنتاج الجمل والحكم على صحتها، أما الإنجاز اللغوي فهو الاستعمال الفعلي لهذه المعرفة في مواقف التواصل، وهو استعمال قد يتأثر بعوامل نفسية أو اجتماعية أو معرفية لا تعكس حقيقة النظام اللغوي ذاته. وبذلك انتقل الاهتمام من دراسة الإنجاز الظاهر إلى تحليل البنية العقلية الكامنة التي تجعل الإنجاز ممكنا.

ولم تتوقف النظرية التوليدية عند هذه المرحلة، بل عرفت سلسلة من المراجعات العلمية التي استهدفت تبسيط النموذج النظري وزيادة قدرته التفسيرية. فقد ظهرت النظرية المعيارية التي حاولت تقديم تصور أكثر دقة للعلاقة بين البنية العميقة والبنية السطحية، وربطت بين المكون التركيبي والمكونين الدلالي والصوتي، قبل أن تتطور إلى النظرية المعيارية الموسعة التي أعادت النظر في عدد من الفرضيات المتعلقة بالتحويلات وبنية القواعد، سعيا إلى تحقيق مزيد من الانسجام بين مختلف مكونات النحو.

ومع مطلع الثمانينيات شهدت اللسانيات التوليدية تحولا جديدا تمثل في ظهور نظرية الربط العاملي، التي سعت إلى توحيد عدد كبير من القواعد الجزئية داخل إطار نظري عام يقوم على مبادئ كلية تحكم جميع اللغات الطبيعية. وقد مهد هذا التحول الطريق أمام صياغة تصور أكثر شمولا للغة الإنسانية، يقوم على البحث عن الخصائص المشتركة بين اللغات بدلا من الاقتصار على دراسة الاختلافات الظاهرة بينها، وهو ما منح النظرية التوليدية قدرة تفسيرية أكبر، وربطها بصورة أوثق بفكرة الكليات اللغوية.

وقد بلغت هذه المراجعات مرحلة أكثر نضجا مع ظهور مقاربة المبادئ والوسائط، التي مثلت إحدى أهم المحطات في تاريخ النحو التوليدي. فقد انطلقت هذه المقاربة من فرضية مفادها أن جميع الأطفال يولدون وهم مزودون بملكة لغوية فطرية ذات أساس بيولوجي، تتضمن مجموعة من المبادئ الكونية المشتركة بين جميع اللغات، في حين ترجع الفروق بين اللغات إلى عدد محدود من الوسائط التي تقوم البيئة اللغوية بتحديد قيمها أثناء عملية الاكتساب. وبهذا التصور أصبح تفسير تنوع اللغات لا يقوم على افتراض وجود قواعد مستقلة لكل لغة، وإنما على اختلاف كيفية تفعيل الوسائط داخل إطار من المبادئ العامة المشتركة.

ويترتب على هذا التصور أن اكتساب اللغة لم يعد ينظر إليه باعتباره عملية تراكمية تعتمد فقط على التجربة والخبرة، بل أصبح ينظر إليه بوصفه تفاعلا بين الاستعداد الفطري والتجربة اللغوية التي يتعرض لها الطفل. فاللغة المحيطة لا تنشئ الملكة اللغوية من العدم، وإنما تقوم بتوجيهها وتفعيل إمكاناتها الكامنة، وهو ما يفسر السرعة الكبيرة التي يكتسب بها الأطفال لغاتهم رغم محدودية المعطيات اللغوية التي يتلقونها في سنواتهم الأولى.

لقد أعادت مقاربة المبادئ والوسائط تعريف مفهوم اللغة ذاته، فلم تعد اللغة مجرد أداة للتواصل أو مجموعة من العبارات المتداولة داخل المجتمع، بل أصبحت نظاما معرفيا داخليا يقوم على عمليات تمثيل ذهني وحوسبة عقلية معقدة. ومن ثم انتقل الاهتمام من دراسة اللغة الخارجية إلى دراسة اللغة الداخلية، ومن وصف السلوك اللغوي إلى تفسير الآليات الإدراكية التي تنتج ذلك السلوك، وهو التحول الذي مهد الطريق لظهور البرنامج الأدنوي، الذي سيحاول إعادة النظر في بنية الملكة اللغوية انطلاقا من مبادئ الاقتصاد والكفاءة والانسجام مع الخصائص البيولوجية للعقل البشري.

 البرنامج الأدنوي ورهانات تفسير الملكة اللغوية في ضوء العلوم المعرفية:

يعد البرنامج الأدنوي " Minimalist Program " أحدث المراحل التي بلغها المشروع اللساني التوليدي، وهو ثمرة مسار طويل من المراجعات النظرية التي شهدها النحو التوليدي منذ ظهوره في خمسينيات القرن العشرين. ولم يكن ظهور هذا البرنامج مجرد تعديل لبعض المفاهيم أو الآليات الإجرائية، وإنما مثل إعادة بناء شاملة للأسس التي تقوم عليها النظرية التوليدية، من خلال السعي إلى تفسير الظاهرة اللغوية بأبسط الفرضيات وأكثرها قدرة على التفسير. وقد جاء هذا التوجه نتيجة اقتناع مفاده أن أي نظرية علمية لا تكتسب قيمتها من كثرة قواعدها، وإنما من قدرتها على تفسير أكبر عدد ممكن من الظواهر انطلاقا من أقل عدد ممكن من المبادئ.

ومن هذا المنطلق، لم يعد السؤال المركزي الذي يوجه البحث اللساني هو: ما القواعد التي تتكون منها اللغة ؟ وإنما أصبح السؤال: هل يمثل تصميم الملكة اللغوية أفضل تصميم ممكن وفق القوانين العامة للطبيعة؟ وبهذا انتقلت النظرية من البحث في وصف البنية اللغوية إلى البحث في أسباب وجودها بهذا الشكل، وفي مدى انسجامها مع المبادئ العامة التي تحكم الأنظمة البيولوجية والمعرفية.

ويقوم البرنامج الأدنوي على افتراض أن اللغة ليست نظاما مستقلا عن بقية القدرات الذهنية، وإنما هي جزء من البنية البيولوجية للإنسان، تخضع مثل غيرها من الأنظمة الطبيعية لمبدأ الاقتصاد والكفاءة. ولذلك فإن الملكة اللغوية لا تستعمل إلا العمليات الضرورية التي تمكنها من الربط بين الصوت والمعنى بأقل تكلفة ممكنة، وهو ما جعل مفهوم الاقتصاد يحتل مكانة محورية داخل هذا البرنامج. فكل عملية تركيبية لا تحقق وظيفة ضرورية تعد عملية زائدة ينبغي الاستغناء عنها، وكل عنصر لا يسهم في التفسير العلمي للظاهرة يصبح قابلا للحذف أو إعادة الصياغة.

ويتميز البرنامج الأدنوي كذلك بإعادة النظر في طبيعة العمليات التركيبية التي كانت تشكل الأساس في المراحل السابقة من النحو التوليدي. فقد تم الاستغناء عن عدد كبير من القواعد والتحويلات التي كانت تستعمل في تفسير البنية اللغوية، وتعويضها بعمليات أكثر بساطة وتجريدا، تقوم على دمج العناصر اللغوية داخل بنية تركيبية موحدة، ثم إخضاعها لشروط التمثيل الصوتي والتمثيل الدلالي. وبهذا أصبحت البنية اللغوية نتيجة مباشرة لتفاعل عمليات حوسبية محدودة مع المبادئ العامة التي تحكم النظام اللغوي، بدلا من كونها حصيلة عدد كبير من القواعد المستقلة.

ويكشف هذا التوجه عن تحول فلسفي مهم في النظرية التوليدية، يتمثل في الانتقال من بناء نماذج تفسيرية معقدة إلى البحث عن أبسط تفسير ممكن للظاهرة اللغوية. فاللغة، وفق البرنامج الأدنوي، ليست جهازا صمم بطريقة اعتباطية، وإنما هي نظام بالغ الدقة والاقتصاد، استطاع عبر التطور البيولوجي أن يحقق أعلى درجات القدرة  بأقل الوسائل الممكنة. ولذلك فإن دراسة اللغة تصبح في جوهرها دراسة لتصميم هذا النظام، ولمدى انسجامه مع المبادئ العامة التي تحكم العقل الإنساني.

ويطرح البرنامج الأدنوي بعدا وجوديا يتمثل في التساؤل حول طبيعة الملكة اللغوية نفسها، وهل تمثل بالفعل أفضل تصميم ممكن داخل البنية الإدراكية للإنسان. وينطلق هذا التساؤل من فرضية أن اللغة تؤدي وظيفة أساسية تتمثل في الربط بين المستويين الصوتي والدلالي، وأن نجاحها في أداء هذه الوظيفة يقتضي اعتماد آليات بسيطة وفعالة في الوقت نفسه. ومن هنا أصبح الهدف الرئيس للنظرية هو تفسير كيفية تحقيق هذا الربط بأقل عدد من العمليات الحاسوبية، مع المحافظة على القدرة اللامحدودة للإنسان على إنتاج الجمل وفهمها.

أما على المستوى المنهجي، فقد أعاد البرنامج الأدنوي صياغة العلاقة بين النظرية اللسانية وموضوعها، إذ لم يعد المطلوب بناء نظرية تفسر الوقائع اللغوية فحسب، وإنما بناء نظرية تتلاءم مع طبيعة اللغة بوصفها ظاهرة بيولوجية ومعرفية. ولذلك أصبح تقييم النظرية مرتبطا بمدى قدرتها على الانسجام مع المعارف المستمدة من علم الأحياء، والعلوم العصبية، وعلم النفس المعرفي، وغيرها من العلوم التي تدرس العقل البشري وآليات اشتغاله.

وفي هذا السياق تبرز أهمية المقاربة الأحيائية للغة التي ترى أن الملكة اللغوية تمثل عضوا معرفيا داخل الدماغ، شأنها شأن بقية الأنظمة البيولوجية التي يتكون منها الكائن البشري. ووفق هذا المنظور فإن تعلم اللغة لا يختلف في جوهره عن نمو بقية الأعضاء الحيوية، إذ يخضع لعوامل وراثية وبيئية ومعرفية تتفاعل فيما بينها لتوجيه عملية النمو. ولذلك لا يمكن تفسير اكتساب اللغة بالاعتماد على التجربة وحدها، كما لا يمكن تفسيره بالعامل الوراثي وحده، وإنما ينبغي النظر إليه باعتباره نتيجة تفاعل معقد بين الاستعداد الفطري والتجربة اللغوية والمبادئ العامة للحوسبة والإدراك.

وفي ضوء هذا التصور يذهب البرنامج الأدنوي إلى أن نمو اللغة وتصميمها يتأثر بثلاثة عوامل رئيسة. يتمثل العامل الأول في التجهيز الوراثي الذي يحدد الإطار العام لنمو الملكة اللغوية ويمنح الطفل الاستعداد الفطري لاكتساب أي لغة بشرية. أما العامل الثاني فيتمثل في التجربة اللغوية التي يتعرض لها الطفل داخل بيئته الاجتماعية، وهي التي تقوم بتوجيه هذا الاستعداد وتحديد الخصائص الخاصة بلغته الأم. في حين يتمثل العامل الثالث في المبادئ العامة المستقلة عن اللغة، وتشمل مبادئ تحليل المعطيات وآليات الحوسبة والاقتصاد الإدراكي، وهي مبادئ لا تخص اللغة وحدها، وإنما تشترك فيها أنظمة معرفية أخرى داخل العقل الإنساني.

وتكشف هذه الرؤية أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل بين الأفراد، بل هي نظام معرفي يسهم في بناء الفكر الإنساني وتنظيم التجربة وإنتاج التصورات الذهنية. فالإنسان لا يستعمل اللغة لنقل المعلومات فحسب، وإنما يوظفها في التخطيط، والاستدلال، وصياغة الفرضيات، واستحضار الصور الذهنية، وبناء العوالم الممكنة. ولذلك أصبحت دراسة اللغة في إطار البرنامج الأدنوي مدخلا لفهم طبيعة العقل الإنساني ذاته، وهو ما يفسر التقارب المتزايد بين اللسانيات والعلوم العصبية والذكاء الاصطناعي والعلوم الإدراكية خلال العقود الأخيرة.

وهكذا يمكن القول إن البرنامج الأدنوي يمثل مرحلة متقدمة في تطور اللسانيات التوليدية، لأنه لم يقتصر على مراجعة البنية الداخلية للنظرية، بل أعاد تحديد مكانة اللغة داخل المشروع العلمي المعاصر، وربطها بقضايا الإدراك والبيولوجيا وفلسفة العقل. ومن ثم أصبح البحث اللساني يتجاوز حدود تحليل الأبنية اللغوية ليشارك في الإجابة عن أسئلة كبرى تتعلق بطبيعة الإنسان، وأصول المعرفة، وكيفية تشكل الفكر، وهو ما يمنح اللسانيات التوليدية مكانة متميزة ضمن العلوم المعرفية الحديثة.

على سبيل الختام:

تشكل اللسانيات التوليدية أحد أبرز المنعطفات المعرفية التي شهدتها الدراسات اللسانية المعاصرة، حيث  لم تقتصر على اقتراح نموذج جديد لتحليل البنية اللغوية، وإنما أعادت بناء التصور الفلسفي للغة ولطبيعة المعرفة الإنسانية. فقد انتقلت اللسانيات، بفضل المشروع التوليدي، من دراسة اللغة بوصفها نسقا اجتماعيا خارجيا يخضع للوصف والتصنيف، إلى اعتبارها ملكة ذهنية ذات أساس بيولوجي، ترتبط بالبنية المعرفية للإنسان، وتخضع لمبادئ عامة مشتركة بين جميع اللغات الطبيعية. ومن ثم أصبح الهدف الرئيس للبحث اللساني لا يتمثل في وصف الظواهر اللغوية فحسب، بل في الكشف عن الآليات العقلية التي تفسر إنتاج اللغة واكتسابها وفهمها.

وقد بينت هذه الدراسة أن تاريخ اللسانيات الحديثة لم يكن سلسلة من الإضافات النظرية المتعاقبة، وإنما كان تاريخا لتحولات إبستمولوجية عميقة غيرت طبيعة الموضوع والمنهج والغاية العلمية. فقد أسهمت البنيوية، انطلاقا من أعمال فرديناند دو سوسير، في إرساء الأسس العلمية للدرس اللساني الحديث، ورسخت مبدأ استقلال اللغة موضوعا للبحث، غير أن تركيزها على اللغة الخارجية جعلها عاجزة عن تفسير الإبداع اللغوي والقدرة الإنسانية على إنتاج عدد غير محدود من التراكيب انطلاقاً من وسائل محدودة.

وفي المقابل، أحدثت اللسانيات التوليدية، بقيادة نعوم تشومسكي، تحولا جذريا. في فهم اللغة، حين جعلت من الملكة اللغوية محور الدراسة، وربطت البحث اللساني بالعلوم المعرفية وعلم النفس الإدراكي والعلوم البيولوجية. وقد أتاح هذا التحول الانتقال من المنهج الوصفي إلى المنهج التفسيري، ومن دراسة الإنجاز  اللغوي إلى تحليل القدرة اللغوية بوصفها المعرفة الضمنية التي يمتلكها المتكلم بلغته، وهو ما منح اللسانيات بعداً علمياً أكثر عمقاً واتساعا.

كما أظهرت الدراسة أن النحو التوليدي لم يكن نظرية جامدة، بل مشروعا علميا متجددا خضع لمراجعات متواصلة، انتقل خلالها من النحو التحويلي التوليدي إلى النظرية المعيارية، ثم إلى النظرية المعيارية الموسعة، فالربط، ثم مقاربة المبادئ والوسائط، وصولا إلى البرنامج الأدنوي الذي يمثل أكثر مراحل النظرية نضالا من الناحية الإبستمولوجية والمنهجية. ويعكس هذا التطور طبيعة المشروع العلمي الذي يقوم على المراجعة المستمرة للفرضيات، والبحث عن نماذج أكثر قدرة على التفسير وأكثر انسجاما مع معطيات العلوم الحديثة.

وقد أبرز البرنامج الأدنوي أن اللغة ليست منظومة مستقلة عن بقية القدرات الإدراكية، وإنما هي نظام بيولوجي ومعرفي يتسم بالاقتصاد والنجاعة، ويهدف إلى تحقيق أفضل توازن ممكن بين البنية الصوتية والبنية الدلالية بأقل عدد من العمليات الحاسوبية. ومن هنا أصبحت دراسة اللغة جزءا من مشروع علمي أوسع يهدف إلى فهم طبيعة العقل البشري وآليات اشتغاله، وهو ما يفسر تزايد الاهتمام بالتكامل بين اللسانيات والعلوم العصبية والذكاء الاصطناعي والعلوم الإدراكية.

وتؤكد هذه النتائج أن اللسانيات التوليدية لم تغير فقط أدوات التحليل اللغوي، بل أعادت صياغة الأسئلة الكبرى المتعلقة باللغة والفكر والمعرفة، وأسهمت في توسيع آفاق البحث العلمي نحو مقاربة متعددة التخصصات، تجعل من اللغة مدخلا أساسيا لفهم الإنسان وقدراته الإدراكية. كما أن البرنامج الأدنوي، بما يطرحه من قضايا تتعلق بالاقتصاد والتمثيل الذهني والحوسبة اللغوية، يظل إطارا نظريا مفتوحا على إمكانات واسعة للتطوير في ضوء ما تحققه العلوم المعرفية من تقدم متواصل.

ومن ثم، فإن دراسة تطور اللسانيات التوليدية لا تكتسي أهمية تاريخية فحسب، وإنما تمثل ضرورة علمية لفهم أحد أكثر المشاريع الفكرية تأثيرا في اللسانيات المعاصرة، لما أحدثه من تحول في تصور اللغة، ومن أثر واضح في مناهج البحث اللساني، وفي الدراسات المعرفية الحديثة، وفي التطبيقات اللسانية المرتبطة بالتقنيات الرقمية ومعالجة اللغات الطبيعية والذكاء الاصطناعي.

نتائج الدراسة:

خلصت هذه الدراسة إلى مجموعة من النتائج العلمية، يمكن إجمالها فيما يأتي:

أثبتت الدراسة أن اللسانيات الحديثة عرفت انتقالا إبستمولوجيا من المنهج الوصفي الذي تبنته البنيوية إلى المنهج التفسيري الذي تبنته اللسانيات التوليدية، وهو انتقال غير طبيعة البحث اللساني وأهدافه.

أسهمت أعمال فرديناند دو سوسير في تأسيس اللسانيات الحديثة وإرساء استقلالها العلمي، غير أن تصورها للغة ظل محصورا في دراسة النسق اللغوي بوصفه ظاهرة اجتماعية خارجية.

أحدثت اللسانيات التوليدية تحولا جذريا عندما جعلت من الملكة اللغوية والمعرفة الضمنية للمتكلم موضوعا للدراسة، وربطت اللغة بالعقل الإنساني والعلوم المعرفية.

أظهر تطور النحو التوليدي أن النظرية لم تكن نسقا مغلقا، بل مشروعا علميا دينامياً خضع لمراجعات مستمرة بهدف تعزيز قدرته التفسيرية وتحقيق قدر أكبر من البساطة والانسجام النظري.

مثلت مقاربة المبادئ والوسائط نقلة نوعية في تفسير اكتساب اللغة، من خلال اعتمادها على فكرة المبادئ الكونية والوسائط التي تفسر أوجه التشابه والاختلاف بين اللغات الطبيعية.

يعد البرنامج الأدنوي المرحلة الأكثر عمقا ونضجا في المشروع التوليدي، لأنه أعاد بناء النظرية في ضوء مبدأ الاقتصاد والكفاءة، وربط دراسة اللغة بالمحددات البيولوجية والإدراكية للعقل البشري.

أبرزت الدراسة أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، وإنما نظام معرفي يسهم في بناء الفكر، وتنظيم الخبرة، وإنتاج المعنى، وصياغة التصورات الذهنية.

كشفت الدراسة أن التطورات التي عرفتها اللسانيات التوليدية أسهمت في تعزيز التقارب بين اللسانيات والعلوم العصبية والذكاء الاصطناعي وعلم النفس المعرفي، مما فتح آفاقاً جديدة أمام البحث العلمي متعدد التخصصات.

توصيات الدراسة:

في ضوء ما أسفرت عنه الدراسة، يمكن تقديم التوصيات الآتية:

تشجيع البحوث العربية المتخصصة في اللسانيات التوليدية، ولا سيما الدراسات التي تتناول البرنامج الأدنوي في ضوء المستجدات العلمية المعاصرة.

توسيع تطبيقات النظرية التوليدية على اللغة العربية، بما يسهم في الكشف عن خصوصياتها التركيبية في إطار المبادئ الكونية التي تقترحها النظرية.

تعزيز التكامل بين أقسام اللسانيات والعلوم المعرفية والعلوم العصبية والذكاء الاصطناعي، بما يتيح مقاربة أكثر شمولا للظاهرة اللغوية.

الاهتمام بترجمة المؤلفات اللسانية الحديثة، ولا سيما الأعمال التي تناولت تطورات البرنامج الأدنوي بعد صياغته الأولى، حتى يواكب الباحث العربي أحدث التحولات في هذا المجال.

إدراج موضوعات اللسانيات التوليدية الحديثة ضمن برامج الدراسات العليا، مع التركيز على الجوانب التطبيقية والمنهجية للنظرية.

تشجيع الدراسات المقارنة بين الاتجاهات اللسانية المختلفة، بما يسمح بإبراز نقاط القوة والحدود المعرفية لكل اتجاه، ويسهم في تطوير البحث اللساني العربي.

الإفادة من مبادئ اللسانيات التوليدية في مجالات معالجة اللغات الطبيعية، والترجمة الآلية، والذكاء الاصطناعي، وتحليل الخطاب، لما توفره من نماذج تفسيرية تساعد على فهم البنية العميقة للغة.

توجيه البحوث المستقبلية نحو دراسة العلاقة بين الملكة اللغوية والدماغ البشري في ضوء نتائج علوم الأعصاب الحديثة، بما يسهم في بناء نموذج أكثر تكاملا. لتفسير طبيعة اللغة الإنسانية وآليات اكتسابها وتطورها.

***

د. منير محقق

 

لا يتشكل " أسلوب الفلسفة "مما قاله الفلاسفة تحديداً. لأنَّ كلام الفلاسفةِ شيءٌ والفلسفة شيءٌ آخر. على غرار العلاقة بين المبادئ والتأويلات المختلفة، بل نشأت الفلسفة كنوع من" الأداء الحُر " للأفكار والمعاني في المجتمعات الإنسانية. وستظل هناك فجوةٌ تكبُر مع الوقت بين الاثنين (المبدأ وتأويله). من جانبٍ معرفي، لا تكون الفلسفةُ متفردةَ الهوية بما هي كذلك، كُل فلسفة لا تبلغ درجة اليقين ولا درجة التطابق مع ذاتها. ومن جانبٍ تاريخي، لن يكف "صانعُو الفلسفة" عن بناء جسور لعبور هذه الفجوة.

رأسُ المفارقات أنَّ الفجوة السابقة تبقى سارية التأثير، ويتعذر عبورُها بسهولة. فقد طبعت آثارها عبر اللغة والتداول وتراث الأفكار. وليس هناك منفذٌ لتجنب أدوات التعبير والتمثيل. فربما يفقد الفيلسوف أداةً معينةً، ولكنه لن يفقد بوصلته التاريخية العامة. وحدُها الفلسفة لا تفلتُ من تراثها شاءت أم أبت. هناك فلسفات بأكملها تدور في تراث الفلسفة العتيد، جاعلةً من نصوص الفلاسفة ورش عمل مفتوحة بحجم التاريخ والوجود.

في حين أنَّ الفلسفة تجاوزت كلَّ ذلك – قبل أنْ يحدث – عندما كانت" أداءً عمومياً " لا تأملاً خاصاً. لأنها لم تضع ثنائيات، ولم تكرر مرجعيات، بل كانت" تجارب حُرة " في التكوين العقلي والحياتي للبشر. والفيلسوف صاحب أداء حي. كان الفلاسفة لا يتخلون عن سمةٍ كهذه عبر كافة المجالات. لأنّ المبادئ لا تترسخ بالتنظير، بل عن طريق حركة الأداء وفاعليته القصوى. مثلماً كان يفعل الحكماء والشعراء والمثقفون الكبار والمصلحون بصدد كافة الموضوعات. أدوارهم في الحياة كانت إضافات حيوية إلى عالم الإنسان. تجلت الاداءات قيماً ومبادئ تمشي عبر الأسواق والشوارع والحدائق. وربما لم تكن الحياة الماضية معقدةً مثلما هي الآن، وصحيح فقدت البشرية بعض المظاهر القديمة، ولكن ظل الأداءُ موجوداً كما هو. لأنه أداء معنى، أداء كشف، أداء إستنارة، أي شق دروب جديدة في الحياة.

رَحَى المعاني

منذ أنْ دارت رحى المعاني ضمن أقوال ومرجعيات أصحابها، خرج الفكر الفلسفي عن مساره وسيظل. ولا يعني ذلك إنشاء أصل خرافي أو أسطوري للفلسفة، ولا الأمر دال على وجود مرجعية أحادية خارج التاريخ، بل هو طبيعة التفلسف باعتباره طريقاً للفكر مختلفاً على الدوام. فليس هذا الفعل صناعةً ولا ترميماً ولا تلفيقاً، ولكنه نحت رؤى أصيلة إزاء الحياة والوجود والعالم. مع كامل الاعتراف بوجود تنوع هائل بين الرؤى، بل الأصل في المسألة هو التنوع غير القابل للاختزال.

ليس الأسلوب مادةً لغويةً أو اصطلاحيةً معبأة في نصوصٍ ومؤلفاتٍ. وإنْ كانت الأخيرةُ مهمة تاريخياً لأغراض التعليم والثقافة وطرح المفاهيم وصياغة القضايا. المعايير تنتعش وسط التراكم الفكري بحكم القوالب الثقافية الجاهزة. لأن الفلاسفة بدورهم ليسوا منفلتين تاريخياً من عقال المرجعيات. فكلٌّ منهم له مرجعيته الغارقة في تحليلاته وحواشي أفكاره. وبخاصة الذين ينظرون إلى الاسلوب بوصفه وسيلة تعبير لا رؤى للعالم. والوسائل تتعقد وتتبدل ويضاف إليها مع تطور الأفكار ودخول متغيرات أخرى. فالتقنيات تركت بصماتها على أساليب الفلاسفة من جهة التعبير والتوليف والقدرة على طرح البدائل.

ولكن.. تعبير الاسلوب عن ماذا؟ وكيف يتحدد اسلوب الفلسفة؟ وبأية وسائل تتم المطابقة بين الأصل والصورة؟!

ما يقال فلسفياً يعبر عما طرحه الفيلسوف من تراكم تاريخي حول اشكاليةٍ ما. وبلا ريب يتداخل مع أقوال وأفكار ومعتقدات سواه، وفي ذلك يعتبر نفسه حلقة وصل بينه والأخرين معتمداً على رواج الأفكار وأصالة المبادئ التي ليست له. ويستند إلى المعالجات الفكرية لقضايا مرّ عليها كثيرون. هنا يعد قول الفيلسوف تجربة في خلفيات الأفكار والمصطلحات. ويدخل فعل التفلسف في بلاغة التكرار واستحضار المعاني ليس أكثر . إن الفيلسوف بمعناه التقليدي هو أحد آثار الفلسفة في التاريخ، الأثر الذي كوّن عالماً موروثاً ثم غدا مستقلاً. فيدلف إليه اللاحقون دائرين فيه متفرداً ومغلقاً. وفي النهاية تحجب الأقوال والأساليب نسغَ الحياة، تشوه احساسنا الحي بالعالم.

ولكن الفلسفة كفلسفة حيةٍ كانت متميزة بأصالة المعاني وجدة الاختلاف وثراء التفكير ونوعية النصوص وخطورة الممارسات. وبضربة واحدة، تكون الفلسفة طريقةً حرة تزيح من أمامها تراكم الأقوال والعبارات والوسائل. لأن اختلافاً للرؤى هو الأهم من أي تراكم تاريخي. المعضلة أنَّ الفلسفة بحكم التاريخ تُراكم ذاتها تلقائياً ولا يوجد ضابط لهذه العملية. حتى باتت معبداً تاريخيا لأشباح الفلاسفة. واللغة لا تسمح بخروج الأفكار من قوانينها المحكمة تاريخياً من زاوية ترسبات المعاني والمفاهيم والمقولات. فطالما كانت المفاهيم معبراً عنها، فهي عرضة لموضَّعة التاريخ، أي تصبح جزءاً من التراث بحسب عمليتي الإضافة والنقصان أو بواسطة الحذف والتلوين والتوليف. لا تنجو الأفكار من حركة التراكم الزمني الذي يغير طبيعتها ولا يسمح باستقرارها.

الأسلوب / الأداء

أسلوب الفلسفة مغاير لما يطرحه الفلاسفة من أفكار متداولة. لأن أسلوبها الأساسي بمعناه الحي هو الأداء Performativity. فالكائن الذي يسمى بالفيلسوف مؤد في الحياة العمومية. ليس شخصاً عادياً بلا عامات بين الناس، إن سيمياء الفكر الفلسفي تقول أنه مصدر تنوير وقوة لفهم الحياة وكيفية العيش. الفيلسوف يؤدي أفكاره، يمتلك فنون تجسيد الكلام، يمثل معانيه أمام الجماهير والتاريخ والسلطة، كأنه على مسرح مفتوح. حتى نصوصه كانت تخضع للمنطق ذاته. فأفلاطون – وليس هو المثال الوحيد– أرسي الأداء الحواري بين الجماهير. حتى جعل الأفكار والرؤى معروضةً في الهواء الطلق، في الأسواق، في الطرقات، في الساحات العامة. حوار هو أداء حيادي بين مجموعة من المفكرين. ولكنه يخضع للرؤية التي تلتحم بنسيج الحياة الإنسانية.

وبصرف النظر عن الاختلاف إزاء فلسفة افلاطون، إلاَّ أن الأداء رسم أفكاره كدائرة بين الناس كاتباً بريشة المؤدي لتاريخ هو يترصده. أفلاطون أخطر الفلاسفة المؤدين في تراث الفلسفة الغربية. يعدُّ مسرح الفلسفة في ضوء كافة العناصر: الطبيعة البشرية والمادية والاجتماعية ويجهز أدوات الثقافة ويحضر سياسات الصورة في الانتقال من مشهد إلى آخر. ويجسد الشخوص والمرجعيات معتبراً الفلسفة رؤية مرتبطة بجوانب الحياة. كما أنه يدير المشاهد ويجسد الآراء المختلفة مكرّساً الحضور الجماهيري بعين الاعتبار. فهو يخاطب الفلاسفة وأصحاب الرأي عبر مشهدية الفكر على مسرح الفلسفة. مازال الأداء سارياً مؤثراً. تتحدد ماهية التفلسف اليوناني بكونه أداءً في المقام الأول. وجميع الفلسفات الأصيلة لم تخلو من هذه السمة العملية العامة.

سقراط كان مُؤدياً من الطراز الفلسفي الرفيع. استلهم نفسه من بين ثنايا الواقع الحي. ومع ذلك لم يستمد أفكاره من مجرد كلام الآخرين، بل تركها للتجربة المعيشة، مارس الكلام الفلسفي عبر الحياة المشتركة. صقل أساليبه من خلال حيوات البشر وقدمها مرةً أخرى عبر أسئلة حية. وكانت الاسئلة نتاج رؤية في الحياة بحكم أن الفيلسوف يحيا كل التفاصيل. ضمن حدود الاخلاق والعدالة والحرية وكيفية العيش، وضعَ سقراط أفكاره بطريقة الأداء. وهو أداء حُر قائم على الايمان بما يعتقد. وأسلوب الفلسفة يتجلى مثل دروب الأفكار العملية للحكماء. التزم سقراط بالأداء إلى أنْ مات أمام تلاميذه بالأداء ذاته. أي جسّد موقف الموت عبر تجرُع السم. وترك الأداء الفلسفي مسئولاً عن الأفكار حتى الرمق الأخير.

كذلك أرسطو طرح أفكاره بطريقة الأداء، الأداء الفلسفي أثناء الحركة والمشي. "المشائية” هي طريقة أرسطو في التدريس وتناول الأفكار، كان يُلقي محاضراته أثناء المشي مع تلاميذه في أروقة مدرسة اللوقيون في أثينا. ولم يكم التجول مجرد أداة وفعل، ولكنه كان هدفاً مقصوداً لأداء المفاهيم والأفكار التصاقاً بعالم الأشياء. تميزت الفلسفة المشائية بمنهجها العقلي التجريبي، حيث اعتمدت على الاستدلال المنطقي والبحث في الطبيعة والمنطق العملي والسياسة والأخلاق الأساس الذي يربط ذلك هو الأداء، لأن الأداء فلسفياً ينتشر في كل مظاهر الأشياء. لا يوجد كائن لا يؤدي حياته في حدود الأدوار التي مارسها بنفسه. والأداء أساس الفكر والفن والمسرح والسينما والحوار والنقاش والاختلاف والكلام والشعر وممارسة أمور الحياة.

ولدت الفلسفة في المجال العمومي من خلال الأداء الثقافي cultural performance واشتقت وجودها الحُر من لحمته وتركت بصماتها المؤثرة بالطريقة ذاتها. وحرية الفلسفة شرط يدور مع حرية المجال العمومي. وفي حالة انتعاش الفلسفة تاريخياً كما حدث في تراث الإنسانية، كانت تستعيد سمة الأداء إزاء كافة الفضاءات. حتى وإنْ لم تُوجد الفلسفة بمعناها الاصطلاحي التقليدي. فالأديب قد يكون فيلسوفاً مؤدياً ضمن انتاجه الابداعي، الناقذ الفذ بإمكانه أن يكون مؤدياً حراً إلى درجة بعيدةٍ، عالم النفس مؤد معرفي بصورة لافتة، السياسي لا ينجح إلاَّ إذا كان مؤدياً فكرياً حتى يُقنع الآخرين، المثقف لن يؤثر في محيطة سوى بالأداء.

الأداء أساس قوي لترسيخ مبادئ العقل والفكر والعمل والمعرفة. وربما أخطر ما حصل في تاريخ الفلسفة هو القول بثنائيات الفكر والواقع، النظر والعمل، التأمل والتجريب، العقل والمادة. مما جعل الفلسفة تتقهقر إلى المربع صفر داخل العقل، قبل أن يعبر عن ذاته، إلى التأمل وكأنه في فراغ وسديم لا نهائي. وهذا يفترض وجود الأزدواج الذي لا يمكن تجاوزه. الأداء يتجاوز كل تلك الثنائيات، فهو يوجد داخلها بالقدر الذي يوجد في الأطراف الأخرى. لا يسمح الأداء بالثنائيات العصية على التداخل، فليس ثمة أداء قائم على التناقض.

حافظ الأداء على أصالة التفلسف، وكان محط اهتمام لا الفلاسفة فقط، بل عدد كبير من المفكرين والمثقفين. إن فهم الأداء بالنسبة لنيتشه جزء لا يتجزأ من فهم أفكاره وتجاربه الحياتية. نيتشه هو الفيلسوف الذي بلغ الأداء لديه درجة الذروة. في تفاصيل فلسفته، يشغل الأداء مساحة التفكير ويرسم آفاق المعنى ويضم حقباً متناثرة. داخل كتابة "هكذا تكلم زرادشت"، لجأ إلى " أداء درامي" خطير لاحياء شخصية الحكيم الفيلسوف الذي يعيد تأسيس الفكر وعلاقته بالحياة والوجود والحكمة والحقيقة. جعل الأداء الفلسفي أداء وجودياً طبيعياً شاعرياً. أفكاره ومقولاته تخلط بين الحكمة والفلسفة وتعاليم المفكرين ونبوءات الشعراء. اخترق الأداء كل هذه المجالات التي تبدو منفصلة ليضمها في رؤية للعالم. وأدخل الوعي الراهن في اللعبة ليصبح الأداء هو سيد الموقف مع الأفكار والأشياء والمضامين الفلسفية. الأداء لدى نيتشه حرر الأفكار من مرجعياتها وجعلها قرينة الحركة التاريخية للحياة. بحيث يفهم القارئ أنه يعيش شخصية زرادشت، وأن زرادشت يعيش العالم المعاصر من واقع الفهم العميق لتراث الفكر الغربي.

حرية الأداء

لا يعترف الأداء بحدود، لأنه يستهدف تغييراً جذرياً. فهو يتناول أي موضوع قريباً كان أم بعيداً. وذلك بحكم كونه حركة ووسيطاً دالاً على عالم أصيل من المعاني. هذه المعاني تمتد إلى كافة الفضاءات الممكنة. إذ تشكل الرؤية بوصلة لاستكشافها. إن الفيلسوف يلتقط الأداء مما يراه مُشتتاً ومُتنوعاً. ويُسمي إيقاعه الكلي ليعرفه الأخرون، أي يطلق عليه اسماء ويتعرف على معانيه. في الفلسفات الأصيلة كان الفلاسفة يحددون قوانين وآليات الموضوعات من خلال الأداء. في السياسة، في التراث الاجتماعي، في تاريخ الأفكار، في المعرفة والتقاليد، يحرر الأداء المعاني من القيود. لأنها – أي المعاني – إنسانية بالدرجة الأولى. فلا توجد فلسفة بهذا الأداء لا تفتش عن موطء قدم لإنسان.

الأداء كان ومازال قرين كل فلسفة مؤثرة في حياة الإنسانية. واللافت أن الأداء يفتح آفاقاً أخرى من طبائع الحياة. مثل أداء افعال الكلام عند جون اوستين، والأداء في المجال العمومي ليورجين هابرماس، وحركة العدالة عند جون رولز وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي عند لوتشيانو فلوريدي Luciano Floridi. ترسخ نظرية أفعال الكلام لاوستين بُعداً أدائياً كما في المقولة الشهيرة: "قول شيء ما هو فعل شيء ما “to say something is to do something "). والأداء بمثابة الفعل الذي ينجز شيئاً معيناً سواءأكان لغة أم فعلاً عاماً. لأنه يجسد مضامين خاصة بالإنسان وتتجلى بواسطته الدلالات التي يحملها. وقد كان لنظرية أفعال الكلام آثار وأهمية في ميادين متنوعة كما في السيميولوجيا، والأخلاق، والفلسفة السياسية، وفلسفة القانون، واللغويات، والذكاء الاصطناعي، والفلسفة النسوية والنظريات الاجتماعية.

وإذا كانت اللغة هي الفضاء الأبرز للأداء، فلن تقل مساحة المجال العمومي عن ذلك. نظرية هذا المجال عند هابرماس مبنيةٌ على الأداء المرئي. فهو مجال مشترك بين جميع الفاعلين لأداء الاعمال والخطابات والحريات والحقوق والواجبات والنقاشات والحركات الاجتماعية والثورات وتيارات التمرد. وهذه بمجملها أداءات حرة تستدعي التفليسف بطرائق مختلفة. وكذلك الاقتصاد أداء يخضع لمنطق المجتمع وللسياسات المعبرة عن حركته المادية. ولعل أنشطة البشر في الحياة المشتركة تجسيد لهذا الفعل، إن وجودهم هو الأداء الناقل للأهداف والمنجز لما يريدونه من بعضهم البعض.

الرهان فلسفياً على الأداء لأنه كاشف ومنبيء، الفيلسوف السياسي مؤد لما يفكر فيه تبعاً لأداءات الأفكار. والمجتمعات حين تجد هناك متسعاً لحركة الأداء تحدث سيولة في المفاهيم والاجراءات والتصورات. كان الفيلسوف إجمالا مؤدياً لهذا الدور خلال كل مراحل الفلسفة عندما كانت رؤى للحياة. فلا مسافة بينها وبين أداء الحياة. وعندما خرج الفلاسفة من ذلك الأداء وتركوا أنفسهم للشروح، لاذوا بالتجريدات وأدمنوا الأخيلة والشروح.

في حدود العدالة، ثمة أداء معبر عن قيم الحق والمساواة والحرية. وكل ما يمت إليها من أفعال ومظاهر. لم يرَ جون رولز العدالة على المستوى النظري، بل هي فضيلة عملية. وتباعاً لن تكون الفضيلة كذلك دون أداء لجوانبها المتنوعة. والمجتمع الذي ينهمك في العدالة يفسح الطريق لحريات الأفراد وتجنب التفاوت بين عناصره الحرة. وفي هذا يتمتع الأفراد بحرياتٍ أساسية متساوية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، بل ربما لا يوجد ما يسمى باليمين والسيار في مجتمع العدالة. هذا المجتمع المتميز بكونه متعادل الأطراف. أي لن يكون هناك توظيف سياسي مُقنّع تحت هذه المقولات. والحرية في الأساس أداء وحركة ونشاط، وما لم تكن هناك جوانب عملية للحريات، فلن تتحقق العدالة.

بالمثل يتمتع الأفراد بحرية العمل والكسب في بيئة اقتصادية تحول دون التفاوتات الكبيرة. لأنَّ التفاوق الاقتصادي معناه أنه لايوجد أداء مادي يعود بالنفع على كافة طبقات المجتمع. ويدخل في هذا مبدأ: أن الحقوق بكافة جوانبها أصول لا هوامش في حياة الأفراد. فلا حقوق ثانوية، لا قدرات مهملة، لا جوانب تافهة. الحق هو أداء الامكانيات الأصيلة التي تتاج للمواطنين بالتوازي. والعدالة هبي أداء الفضيلة بحيث يتحقق الانصاف لكل فرد. فلا يجُوز أن يقع الانسان تحت القيد أو التسلط أو القهر، إن العدالة انصافٌ بالدرجة الأولى، إداء ينتشل الانسان من ظروفه القاهرة ويمثل شرطاً لتحقيق الحرية والمساواة. وكلمة انصاف يسكنها معنى منحاز سلفاً مؤداه أن الاجحاف سابق على العدالة. وهذا صحيح إلى حد كبير، لأن الأداء القاطن في كل عدالة ممكنة يكافح وصولاً إلى الانصاف الذي لم يكن.

يظل الأداء سمةً جوهريةً للحياة والفلسفة جنباً إلى جنب، لأننا في الاثنين يصعب أن نتنازل عن كوننا فاعلين. ويصعب أن نتنازل عن وجودنا في حالة العطاء والأداء، فهو الوضع اللائق بالانسان. وليس الأداء تمثيلاً ولا تقمصاً، بل قمة تجديد العالم من حولنا. وهذا الأمر عند لوتشيانو فلوريدي (فيلسوف الذكاء الاصطناعي) يتجسد في المعلوماتية باعتبارها انطولوجيا حقيقية لا استعارية. المعلوماتية تؤدي دورها كعالم عميق الجذور للوجود الإنساني في أعظم تجلياته الحرة. المعلومات قدرات وابداعات بشرية في طريقها إلى تحريرنا من القصور.

فلا المعلومات تنقل وجودنا ضمن أرقام وخوارزميات فقط، ولا هي تحشد جيوش المعارف والأدوات على اعتاب الحياة وحسب، ولكنها الفضاء الرحب لحرية الفعل والحركة وأداء الأدوار وابداع الرؤى. أي أن المعلومات هو العالم الإنساني نفسه في حالة أداء. فعن طريق الحاسبات والوسائط الافتراضية، يمكننا انجاز الأشياء بالفعل. كل شيء تحول إلى بيانات وصور وعلامات وايقونات واجراءات ولمسات ضوئية، ومن ثم فهو في قرارة وجوده أداء ينتج شيئاً جديداً. ولم يخرج الإنسان من هذا، بل تدريجياً يغرق ويظل يسير في هذا الاتجاه إلى نهاية المطاف.

إنَّ الأداء يستحضر الفلسفة إلى أكثر الفضاءات تطوراً. فهو وسيط المستقبل الذي يُولد وظائف الفيلسوف لفهم المعاني وطرح الأسئلة وفتح منافذ الفكر. ونظراً لأنَّ الاداء فاعلية عابرة للحيوات، فالفلسفة ممارسة تستهدف تعميم النقد والتحرر من الاكراهات وفك القيود المفروضة على العقول. وبما أن الفلسفة لصيقة الصلة بكل غرائز وملكات وطاقات البشر جسداً وروحاً، فستأتي أداء من كافة الجوانب الإنسانية. هي توجد حيث يوجد الأداء. لا لأنَّ الأخير مرحلةٌ في حياة الإنسان، بل لأنَّ الأداء والفلسفة ينتجان بعضهما البعض. في الأداء هناك أثر معنى، علامة فكرة. وكل فلسفة هي استفهام عن معنى. وذلك هو جذر وجودنا الإنساني على الأصالة من عصر الحجر إلى عصر المعلوماتية، هذا الانتقال الذي مرَ عبر مسيرة الحرية لا غيرها.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

 

بين تشخيص الأزمة واستراتيجيات التغيير

مقدمة: تُعاني الفلسفة في السياق العربي من أزمة تتمثل في انحسار دورها في الحياة العامة، وتحولها إلى مجال أكاديمي منفصل عن الواقع. لا يكتفي المفكرون اليوم بتشخيص هذه الأزمة، بل يسعون إلى تجاوزها من خلال صياغة استراتيجيات تهدف إلى إعادة الفلسفة إلى موقعها كأداة نقدية وإبداعية تسهم في مواجهة التحديات الحضارية. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل أزمة الفلسفة في السياق العربي، مع اقتراح استراتيجيات تداولية وحضارية لإحياء دورها الفعال في الواقع. تعتمد الدراسة على منهج تحليلي نقدي يستلهم مفاهيم من الفلسفة التحليلية، ما بعد الكولونيالية، والفكر الحضاري العربي، مع التركيز على إمكانيات التفكير الاستراتيجي لتفعيل الفلسفة. فماهي أزمة الفلسفة في حضارة إقرأ؟ هل تعاني من التبعية أم من التقليد؟ وكيف تخرج من وضع الارتهان الى الماضي وتساهم في عملية التغيير واليقظة الفكرية؟

الفلسفة بين الأزمة والتغيير

تُعرف الفلسفة تقليديًا بأنها التفكير النقدي في الوجود، المعرفة، والقيم. في السياق العربي، ارتبطت الفلسفة تاريخيًا بمحاولات التوفيق بين العقل والنقل (كما عند ابن رشد)، أو بتطوير رؤى وجودية صوفية (كما عند ابن عربي). ومع ذلك، أدت عوامل مثل الهيمنة الاستعمارية، النيوليبرالية، والجمود الفكري إلى تهميش دور الفلسفة. يستلهم هذا المبحث أفكار فلاسفة مثل محمد عابد الجابري، الذي دعا إلى إحياء العقل العربي، ومارتن هيدجر، الذي ركز على التفكير كعملية إبداعية، لاقتراح استراتيجيات تجاوز الأزمة.

أولاً: تشخيص أزمة الفلسفة في السياق العربي الاسلامي

الانفصال عن الواقع:

أصبحت الفلسفة في العالم العربي مجالًا أكاديميًا منعزلاً، يركز على دراسة النصوص التقليدية أو استنساخ الفلسفات الغربية دون توطينها.

قلة التفاعل مع القضايا الاجتماعية والسياسية، مثل الفقر، التفاوت الاجتماعي، أو الهوية الثقافية، أضعفت دور الفلسفة كأداة للتغيير.

الهيمنة الثقافية الغربية:

تُفرض الأطر الفلسفية الغربية (مثل الليبرالية أو الوجودية) كمرجعيات عالمية، مما يُضعف إنتاج فلسفة عربية أصيلة.

يؤدي الاعتماد على اللغات الأجنبية في التفكير الفلسفي إلى إقصاء اللغة العربية كأداة للإبداع الفكري.

الجمود التراثي:

يميل بعض المفكرين إلى التمسك الحرفي بالتراث الفلسفي العربي-الإسلامي، مما يحد من الابتكار ويمنع التفكير في القضايا المعاصرة.

غياب النقد الذاتي للتراث يعيق تطوير رؤى فلسفية جديدة.

ثانيًا: استراتيجيات إحياء دور الفلسفة

إعادة توطين الفلسفة في السياق العربي:

التفاعل مع القضايا المعاصرة: يجب أن تُعالج الفلسفة قضايا الواقع العربي، مثل العدالة الاجتماعية، الهوية في ظل العولمة، والتحديات البيئية. على سبيل المثال، يمكن تطوير فلسفة عربية للبيئة تستلهم من القيم الإسلامية حول الحفاظ على الطبيعة.

التوطين اللغوي: تعزيز استخدام اللغة العربية كأداة للتفكير الفلسفي، من خلال تطوير مصطلحات جديدة تعكس التحديات المعاصرة.

تبني مقاربة تداولية:

استلهامًا من جون أوستن ونظرية الأفعال الكلامية، يمكن للفلسفة العربية أن تركز على كيفية استخدام اللغة في تشكيل الواقع الاجتماعي. على سبيل المثال، تحليل خطابات السلطة أو الحركات الاجتماعية يمكن أن يُسهم في فهم ديناميات القوة.

تطوير "ألعاب لغوية" (حسب فتغنشتاين) متجذرة في السياق العربي لتعزيز التفكير النقدي.

النقد الحضاري والتمايز الفلسفي:

اعتماد مقاربة ما بعد كولونيالية لنقد الهيمنة الفكرية الغربية، مع التركيز على إنتاج معرفة فلسفية مستقلة. على سبيل المثال، يمكن إعادة قراءة أعمال ابن رشد لتطوير فلسفة نقدية حديثة.

تعزيز الحق في التمايز الفلسفي من خلال إحياء التراث مع فتحه على الحوار الحضاري مع الفلسفات العالمية.

تفعيل دور المؤسسات الفكرية:

إنشاء مراكز بحثية وجامعات تركز على الفلسفة التطبيقية، مثل فلسفة الأخلاق في السياسة أو التكنولوجيا.

تشجيع الحوار الفلسفي من خلال منصات عامة، مثل الندوات، المنتديات، ووسائل التواصل الاجتماعي، لجعل الفلسفة متاحة للجمهور.

ربط الفلسفة بالذات الجماعية:

استلهام مفهوم الذات الجماعية (حسب الجابري) لتطوير فلسفة تعكس الهوية العربية وتُسهم في بناء مشروع حضاري.

على سبيل المثال، يمكن تطوير فلسفة عربية للعدالة تستند إلى القيم الإسلامية والتجارب التاريخية للمقاومة.

ثالثًا: أدوات التطبيق العملي

التعليم الفلسفي: إدراج الفلسفة في المناهج التعليمية بطريقة تجمع بين التراث والمعاصرة، مع التركيز على التفكير النقدي.

تدريب الطلاب على تطبيق المفاهيم الفلسفية على قضايا الواقع، مثل تحليل الأخلاق في التكنولوجيا الرقمية.

الفلسفة والإعلام:

استخدام وسائل الإعلام ومنصات التواصل (مثل X) لنشر الأفكار الفلسفية بأسلوب ميسر، مما يعزز التفاعل العام مع الفلسفة.

تحليل الخطابات الإعلامية من منظور فلسفي لكشف آليات الهيمنة الثقافية أو السياسية.

التعاون الحضاري: تشجيع الحوار بين الفلاسفة العرب ونظرائهم في العالم لتبادل الأفكار وتطوير رؤى مشتركة دون فقدان الخصوصية.

إنشاء شبكات فكرية إقليمية تربط بين المفكرين العرب لتعزيز إنتاج المعرفة المحلية.

رابعًا: التحديات والفرص

التحديات التي تمنع الفلسفة العربية الاسلامية من التطور والتأثير هي:

الهيمنة الأكاديمية: تُعيق الأطر الأكاديمية الغربية تطوير فلسفة عربية مستقلة.

الموارد المحدودة: نقص التمويل والدعم المؤسسي للبحث الفلسفي في العالم العربي.

الرفض الاجتماعي: قد يُنظر إلى الفلسفة كمجال نخبوي بعيد عن هموم الناس.

أما الفرص التي يمكن توفيرها للفلسفة في حضارة اقرا بغية القيام بدورها والانخراط في المقاومة فهي:

العولمة الرقمية: تتيح منصات رقمية عديدة نشر الأفكار الفلسفية والتفاعل مع الجمهور.

إحياء التراث: يمكن استلهام التراث الفلسفي العربي لتطوير خطابات معاصرة.

الحركات الاجتماعية: توفر الحركات الشعبية في العالم العربي (مثل الربيع العربي) أرضية خصبة لتطبيق الفلسفة في الواقع.

خاتمة

لا يكفي تشخيص أزمة الفلسفة في السياق العربي، بل يتطلب الأمر صياغة استراتيجيات لتحيين دورها الفعال في الواقع من اجل التغيير. من خلال المقاربة الحضارية والتداولية، يمكن للفلسفة العربية أن تتجاوز التهميش وتُسهم في مواجهة التحديات الاجتماعية، الاقتصادية، والثقافية. تتطلب هذه العملية إعادة توطين الفلسفة في السياق العربي، تعزيز دور اللغة العربية، وبناء مؤسسات فكرية تدعم التفكير النقدي. في النهاية، تُعد هذه الاستراتيجيات دعوة لاستعادة الفلسفة كأداة للتغيير الحضاري وبناء مستقبل يعكس تطلعات الأمة العربية. فمتى تحقق الفلسفة عندنا الاستقلال الحضاري وتعيد انتاج الكونية الانسية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

هي النفس خزان كل الطاقات وتُحركها، بها دوافع، وهي مصدر القوة الجسمية والنفسية التي تحرك الفرد في تفاعله مع بيئته، وفي ممارسة أنشطته المختلفة. ويمكن للطاقة المرتبطة برغبة ما أو دافع ما أن تُكبت معه في اللاشعور – اللاوعي، وأن تنطلق معه أيضًا عندما تفلت معه من قبضة اللاشعور – اللاوعي في تعبير يظهر في حلم، أو عرض مرضي كما تراه موسوعة علم النفس والتحليل النفسي، وكذلك في انحرافات في الشخصية منها النرجسية، والسلوك المضاد للمجتمع " السيكوباث" والانحرافات الجنسية بأنواعها. وربما يستغرب البعض عما تحمله النفس من هذه الطاقات التي تحتويها النفس البشرية، وأين مسربها سواءًا في الطفولة، أو في الرشد – البلوغ لكي تحرك كل شيء في دواخلنا، وتتحكم في ما هو خارجها، أعني في الواقع الخارجي، هي تضم الطاقة الإنفعالية، حزن وفرح، كراهية وعدوانية وبغض أو محبة، بصورتها الحقيقية أو المتخيلة أو الذي أرتبط بالشيء المرموز، هي الطاقة التي تحرك وجودنا البيولوجي، وهي الطاقة الجنسية بمختلف أنواعها، اقصد لغرض التناسل والانجاب، أو المثلية السلبية والايجابية " مفعول به وفاعل"، أو الافتتان الهستيري والاستعراض.

النفس تحمل النرجسية ومعها تكمن بين ثناياها العدوانية وهي في الأساس طاقة تم تطبيقها في الواقع، لذا تؤكد لنا أساسيات التحليل النفسي بأنه لا يمكن فصل النرجسية عن العدوانية وكلاهما طاقة نفسية وجدت في هذا السلوك منصرفًا غير مقبول إجتماعيًا لكنه أخذ مسار الفعل في حياتنا اليومية، وعند جاك لاكان العدوانية هي الوجه الآخر لنفس العملة المتخيلة. النرجسية كما يعرف الجميع هي عشق الصورة.. والعدوانية هي الصراع القاتل مع هذه الصورة.

ماذا يُخزن في اللاشعور – اللاوعي من طاقات لم توجه دائمًا نحو فعل الخير أو الشر، الظلام والنور كما يرى " صلاح مخيمر " قوله يجب أن يقام جسرًا بين اللاشعور – اللاوعي وبين الشعور– الوعي. ويقودنا هذا بالاستشهاد برؤية جاك لاكان المحلل النفسي الفرنسي الذي يصور اللاشعور – اللاوعي المطروح على هذا النحو هو لاشعور – لاوعي صوري وفارغ وحامل لقوانين بنيوية، يفرض على ما تحت الشعور – الوعي مجموع العناصر المتمفصلة القادمة من موضع آخر : نزوات، انفعالات، تمثلات، ذكريات، إن كان تحت الشعور كالمتخيل تمامًا، وهي في الحقيقة عبارة عن مجموعة من المواد، أي خزان من الصور يغرف منه كُلٌّ نصيبه الذي يميزه كفرد، وهي طاقته المحركة لهذا السلوك، 

الطاقة في النفس إذن هي منذ الطفولة وهي الفعل الذي يصبح سلوكًا ملموسًا في المستقبل ولو أخذ طابع الرمزية في بداية حياة الإنسان، أي طفولته، فهذه الرمزية تقوم على نقل الطاقات الخاصة لكل فرد بدوافعها المكبوتة من موضوعها الأصلي، إلى موضوع يرمز لها متى توفر تشابه أي ما كان هناك حد ثالث سواء كان الشكل الخارجي، أو الوظيفة، أو الانفعالات التي يثيرها الأصل ورمزه، ولا يخفى لمن درس التحليل النفسي، أو أهتم به كمعرفة إنسانية إن هذه الانفعالات في الطفولة المبكرة، مثل المخاوف المفزعة التي ترتبط بالفعل بكل أنواعه ومنها الجنسي، أو المخاوف من الحيوانات الأليفة بصورة الفوبيا أو غيرها هي مخاوف إنفعالية ترجع إلى طبيعة المراحل الطفلية بتخيلاتها البالغة بالقوة والجموح والبعد عن حقيقتها في الواقع.

إن فاعلية الطاقة تبرز وتظهر في سلطة اللغة والكلمات والفعل الذي كونه صاحبه من الرمزية في الطفولة والتي أدركها كمتخيل ونسج حولها صورته التي بنى بها نفسه، ولا نغالي كثيرًا حينما نقول هي إخفاء السبب النفسي الحقيقي عن مسار هذه الطاقة وتكونها في الأساس لغرض تحقيق الرغبة.

إن الطاقة النفسية التي يمارس بها أي منا في حياته اليومية هي في الأساس تأخذ طابع الفقدان منذ الطفولة، أخذت مسار يناسب شخصية كلٌ منا ونظل نبحث عن تحقيق الرغبة، وحتى لو حققنا رغبتنا، لا نتوقف، ولا تنتهي هذه الرغبات، هي النفس في مسعاها لا تشبع. وترى " نيفين زيور" فالفنان في عمله يعبر عن تدفق من اللذة من شأنها أن توائم له الأشياء ولكن إلى حين، وتقول أيضًا أكبر الظن أن تكون جملة – فعل الفنان ذات قدرة كبيرة على الإعلاء . وهي جزء من الطاقة التي تم توجيهها إلى فعل وسلوك مقبول اجتماعيُا. وعلى النقيض من ذلك فإن التحليل النفسي كشف النقاب عن الرغبات الخفية لجنس منحرف التي تدفعها طاقة جياشة، هذه الطاقة النفسية التي لا تدرك أي معنى للثقافة، أو القيم الاجتماعية. أو الطاقة التي توجه إلى العدوانية وسلوك العنف وابرزها السادية والمازوخية، وكلاهما مرتبط بالجنس في أغلبه، وتدل السادية على انها انحراف ينحصر في استمداد اللذة الجنسية مما يلحق الغير من ألم بدني، والشخص الذي يقع عليه هذا الألم قد يكون من نفس الجنس الذي ينتمي إليه السادي، أو قد يكون طفلا أو حيوانًا، وفقًا لارتباط الانحراف بالجنسية المثلية، أو عشق الأطفال كما يرى ذلك فرويد.

إن عالمنا اليوم لم يجد أفراده في تصريف الطاقة النفسية منفذًا مقبول اجتماعيًا إلا في سلوك التعصب بكل أشكاله الرياضي، الديني والمذهبي، الجغرافي والانتماء القبلي والعشائري، السياسي، الاجتماعي، عالم الأليكترونيات ومواقع التواصل الاجتماعي حيث تظهر أعلى سمات العدوانية في السلوك، أو إظهار الدوافع الغريزية الجنسية وقول فرويد هذه الغرائز والنزعات الجنسية هي الممثل النفسي للمنبهات التي تصدر عن الكائن العضوي وتتغلغل في النفس وهي في الآن ذاته مقياس للمطالب التي تفرضها على الطاقة النفسية صلة النفس بالبدن، ونقول إنها الاستعراض الجسدي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويضيف فرويد حينما يتناول الغرائز من وجهات نظر ثلاث : فهو يفترض أن لكل غريزة مصدرًا يمدها بالطاقة الضرورية، وأن لها موضوعًا تتجه إليه لغرض الإشباع وهدفًا يحقق لها هذا الإشباع. ونقول أخيرًا ان الطاقة النفسية لدى الإنسان تأخذ المسار الذي بنيت عليه " البنية" بمختلف أنواعها، التي تتجه لاشباع الرغبات العلمية والمهنية والحرفية والفنية والاجتماعية والرياضية والفكرية والأدبية والجنسية المنحرفة وغيرها، فكل تلك تحركها الطاقة النفسية أولًا وأخيرًا.

***

د. اسعد الامارة

ناتجة عن هشاشة العولمة المتوحشة واللاتكافؤ التنموي بين المجتمعات والدول

مقدمة: تشهد البشرية في العصر الراهن جملة من التحولات العميقة التي أعادت تشكيل خريطة العلاقات بين الدول والمجتمعات، وأبرزها ظاهرة الهجرة غير النظامية. لم تعد هذه الظاهرة مجرد انتقال جغرافي لأفراد يبحثون عن فرص أفضل، بل تحولت إلى كارثة مركبة تضاف إلى قائمة الكوارث التي تهدد استقرار الكوكب وتماسك النسيج الإنساني. فهي تعكس في جوهرها هشاشة بنيوية خلفتها العولمة المتوحشة، ذلك النمط من الاندماج الاقتصادي والسياسي الذي يكرس اللاتكافؤ التنموي الصارخ بين المجتمعات والدول، ويحول الفوارق التاريخية والجغرافية إلى فجوات هيكلية شبه دائمة. تتسم هذه الكارثة بطابعها المتعدد الأبعاد: إنساني وأمني واقتصادي وبيئي وثقافي. وهي ليست وليدة الصدفة أو الخيارات الفردية المعزولة، بل نتيجة منطقية لنظام عالمي يفتح أبواب الثروة أمام القلة ويغلق أبواب الكرامة أمام الكثرة. ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة الأكاديمية المعمقة التي تسعى إلى تفكيك الظاهرة من جذورها، وتحليل آليات إنتاجها، ورصد آثارها الكارثية على المستوى الكوني، دون الاعتماد على مراجع خارجية أو جداول إحصائية، بل من خلال تحليل نظري ومنطقي متماسك. فماهي أسباب تزايد أعداد الذين يشاركون في الهجرة غير النظامية؟ وكيف تعتبر الهجرة غير النظامية كارثة كونية؟ ما العلاقة بينها والتغير المناخي والتوحش العولمي؟ وماهي الآليات القائمة والممكنة للحد من هذه الظاهرة الخطيرة؟

أولاً: مفهوم الهجرة غير النظامية وطبيعتها الكارثية

تُعرف الهجرة غير النظامية بأنها انتقال الأفراد عبر الحدود الدولية خارج الأطر القانونية المعتمدة من قبل الدول، سواء عبر التسلل أو استخدام وثائق مزورة أو تجاوز فترات الإقامة المسموح بها. غير أن هذا التعريف الشكلي لا يفي بوصف الظاهرة في سياقها المعاصر. فهي في حقيقتها عملية قسرية في كثير من الأحيان، تحركها ضغوط وجودية تجعل البقاء في الوطن مرادفًا للموت البطيء أو الإذلال اليومي.

كما تتحول هذه الهجرة إلى كارثة حين تتجاوز كونها خيارًا فرديًا لتصبح موجات جماعية مستمرة، تزهق فيها الأرواح في البحار والصحاري، وتُستغل فيها الأجساد في شبكات التهريب والاتجار بالبشر، ويُحرم فيها الملايين من الحقوق الأساسية في بلدان الوصول. إنها كارثة لأنها تكشف عن فشل النظام العالمي في توفير الحد الأدنى من العدالة التوزيعية، وتحول الإنسان إلى سلعة قابلة للنقل والمضاربة في سوق غير رسمي تحكمه قوى الظل.

ثانياً: العولمة المتوحشة كمنتج للهشاشة البنيوية

لم تكن العولمة في صورتها السائدة منذ أواخر القرن العشرين عملية محايدة أو متكافئة. فقد قامت على تحرير حركة رؤوس الأموال والسلع والخدمات، مع الإبقاء على حركة البشر مقيدة بشدة. هذا التناقض الجوهري أنتج نظامًا عالميًا يفضل الربح على الإنسان، والتنافسية على التضامن، والاستخراج على الاستدامة. في ظل هذه العولمة المتوحشة، أصبحت الشركات متعددة الجنسيات قادرة على نقل رأس المال بحرية بحثًا عن أرخص العمالة وأضعف التشريعات البيئية والاجتماعية، بينما ظلت الدول النامية أسيرة بنى اقتصادية هشة تعتمد على تصدير المواد الأولية أو العمالة الرخيصة. أدت سياسات التحرير الاقتصادي المفروضة إلى تدمير القطاعات التقليدية كالزراعة والحرف المحلية، وفرضت نماذج تنموية لا تراعي الخصوصيات الاجتماعية والثقافية، فأنتجت بطالة هيكلية وفقرًا مزمنًا وتبعية متزايدة.

لقد ساهمت العولمة أيضًا في تسريع التغير المناخي من خلال أنماط الإنتاج والاستهلاك المكثفة في الدول الصناعية، مما جعل مناطق واسعة في الجنوب أكثر عرضة للجفاف والتصحر وارتفاع مستوى البحار والكوارث الطبيعية المتكررة. هكذا تحولت الهشاشة من حالة مؤقتة إلى بنية دائمة، تدفع الأفراد إلى البحث عن مخارج يائسة خارج الأطر القانونية.

ثالثاً: اللاتكافؤ التنموي كمحرك أساسي للهجرة غير النظامية

يُعتبر اللاتكافؤ التنموي بين المجتمعات والدول الجذر الأعمق لظاهرة الهجرة غير النظامية. ففي عالم يتسم بتفاوت صارخ في مستويات الرفاه والبنية التحتية والخدمات والتعليم والصحة، يصبح الانتقال من مناطق الهامش إلى مراكز الثروة استجابة منطقية، وإن كانت محفوفة بالمخاطر. كما يتجلى هذا اللاتكافؤ في عدة مستويات: اقتصاديًا، حيث تتركز الثروة والتكنولوجيا في الشمال بينما يعاني الجنوب من الديون المتراكمة وضعف التصنيع؛ واجتماعيًا، حيث تتسع فجوات الفقر والبطالة والأمية؛ وسياسيًا، حيث غالبًا ما ترتبط النزاعات والفساد وضعف الحوكمة بالتحولات الاقتصادية العالمية، سواء من خلال التنافس على الموارد أو التدخلات الخارجية التي تخدم مصالح القوى الكبرى. هذا اللاتكافؤ ليس طبيعيًا أو حتميًا، بل هو نتاج تاريخي لعمليات استعمارية سابقة، أعادت العولمة إنتاجها بأشكال جديدة أكثر تعقيدًا. فبدلاً من تضييق الفجوات، عملت آليات العولمة على توسيعها، محولة التطلعات المشروعة للشعوب إلى إحباط جماعي يدفع نحو المخاطرة بالحياة في مسارات غير نظامية.

رابعاً: الأبعاد الكارثية للهجرة غير النظامية على مستوى الكوكب

تتجاوز آثار الهجرة غير النظامية الحدود الوطنية لتتحول إلى كارثة كونية متعددة الطبقات. على المستوى الإنساني، تحول ملايين البشر إلى كائنات هامشية تعيش في مخيمات مؤقتة أو أحياء عشوائية أو في ظل الخوف الدائم من الترحيل. يولد هذا الوضع أزمات نفسية واجتماعية عميقة، ويمزق النسيج الأسري، ويحرم أجيالًا كاملة من التعليم والرعاية الصحية والكرامة. كما يفتح الباب أمام استغلال جنسي واقتصادي منظم، خاصة للنساء والأطفال.

أمنيًا، تغذي هذه الهجرة شبكات الجريمة المنظمة في بعض السياقات، وتثير توترات سياسية داخل بلدان الاستقبال، حيث يُستغل الخطاب المعادي للمهاجرين لأغراض انتخابية، مما يؤدي إلى صعود النزعات القومية المتشددة وتآكل قيم التضامن الإنساني. اقتصاديًا، بينما يستفيد بعض القطاعات في بلدان الشمال من العمالة المهاجرة الرخيصة في الاقتصاد غير الرسمي، فإن التكاليف الاجتماعية طويلة الأمد تكون مرتفعة، وتشمل الضغط على الخدمات العامة والتوترات المجتمعية. بيئيًا، تساهم موجات الهجرة في زيادة الضغط على الموارد في مناطق الاستقبال، وفي تدهور البيئات الهشة التي يمر بها المهاجرون. كما أن التغير المناخي، الذي يغذيه النظام العالمي غير المتكافئ، يصبح عاملًا مضاعفًا يدفع بمزيد من النزوح.

ثقافيًا، تؤدي هذه الظاهرة إلى صدامات هوية وصعوبات في الاندماج، مما يعمق الشعور بالاغتراب لدى المهاجرين والرفض لدى المجتمعات المضيفة.

خامساً: تأثير التغير المناخي على الهجرة: بُعد كارثي إضافي في سياق الهشاشة العالمية

يمثل التغير المناخي أحد أبرز التحديات الوجودية التي تواجه الكوكب في العصر الراهن، وهو لم يعد ظاهرة بيئية معزولة، بل تحول إلى محرك هيكلي لإعادة تشكيل أنماط التنقل البشري على مستوى العالم. فتأثيره على الهجرة، وخاصة الهجرة غير النظامية، يتجلى في دفع ملايين البشر إلى مغادرة مواطنهم بحثًا عن سبل عيش آمنة، في سياق يتسم أصلًا بهشاشة عميقة خلفتها العولمة المتوحشة واللاتكافؤ التنموي بين المجتمعات والدول. يُنتج التغير المناخي ضغوطًا متراكمة تجعل البقاء في المناطق المتضررة أمرًا مستحيلًا تدريجيًا، ويحول النزوح من خيار فردي إلى ضرورة جماعية. وبهذا المعنى، يصبح تأثيره كارثة مضافة إلى كارثة الهجرة غير النظامية، إذ يفاقم الفجوات القائمة ويدفع بالضعفاء إلى مسارات محفوفة بالمخاطر. يسعى هذا التحليل الأكاديمي المعمق إلى تفكيك آليات هذا التأثير، وأبعاده المتعددة، وعلاقته الجدلية بالهشاشة العالمية، بعيدًا عن التبسيط أو الإحصاءات الجزئية. يتم التعامل مع التغير المناخي كعامل مضاعف للهشاشة، اذ لا يعمل التغير المناخي في فراغ، بل يتفاعل مع بنى اقتصادية واجتماعية هشة أنتجتها عقود من العولمة غير المتكافئة. ففي المناطق التي تعاني أصلًا من ضعف البنية التحتية، واعتماد الاقتصاد على الزراعة المطرية أو الرعي، وندرة الموارد، يتحول ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط التساقط وارتفاع مستوى البحار إلى صدمة وجودية. كما يؤدي الجفاف المتكرر إلى تدهور الأراضي الزراعية وانخفاض الإنتاجية، مما يفقد الأسر مصدر رزقها الأساسي. وتتسبب الفيضانات والعواصف الشديدة في تدمير المساكن والمحاصيل، بينما يؤدي ارتفاع مستوى البحار إلى غمر المناطق الساحلية المنخفضة، خاصة في الجزر والدلتاوات المكتظة بالسكان. هذه الظواهر لا تدفع إلى الهجرة فحسب، بل تجعل العودة إلى الموطن أمرًا صعبًا أو مستحيلًا في كثير من الحالات، محولة النزوح المؤقت إلى هجرة دائمة أو شبه دائمة. من هذا المنظور، يتخذ تأثير التغير المناخي على الهجرة أشكالًا متنوعة تتدرج من النزوح الداخلي إلى الهجرة عبر الحدود، ومن التنقل التدريجي إلى النزوح المفاجئ. في المرحلة الأولى، يلجأ السكان إلى التنقل داخل حدود الدولة، من الأرياف المتضررة إلى المدن، بحثًا عن فرص عمل بديلة. غير أن المدن في الدول النامية غالبًا ما تكون غير مهيأة لاستيعاب هذه الموجات، فتنشأ أحياء عشوائية تزيد من الهشاشة الحضرية. ومع استمرار الضغوط، يتحول جزء من هذا النزوح إلى هجرة خارجية، غالبًا عبر مسارات غير نظامية، لأن الدول المتضررة تفتقر إلى إمكانات توفير بدائل مستدامة، ولأن الدول المستقبلة تفرض قيودًا صارمة على الدخول النظامي. علاوة على ذلك يظهر نمط آخر في المناطق الساحلية والجزرية، حيث يصبح الغمر التدريجي للأراضي دافعًا للبحث عن مواطن جديدة، فيما يُعرف أحيانًا بـ"اللجوء المناخي"، رغم أن الإطار القانوني الدولي لا يعترف به صراحة بعد. كما تساهم الظواهر المتطرفة المفاجئة، كالأعاصير والفيضانات الكارثية، في نزوح جماعي فوري، غالبًا ما يتحول إلى هجرة طويلة الأمد إذا لم تتوفر شروط الإعادة والإعمار. كما تعمل عدة آليات متداخلة على تحويل الضغوط المناخية إلى دوافع للهجرة. أولها الآلية الاقتصادية: فتدهور الموارد الطبيعية يقلل من الدخل ويفاقم الفقر، خاصة في المجتمعات المعتمدة على الاقتصادات الأولية. وثانيها الآلية الأمنية: إذ يؤدي شح المياه والأراضي إلى نزاعات محلية على الموارد، قد تتطور إلى عنف يدفع السكان إلى الفرار. وثالثها الآلية الصحية: حيث تنتشر الأمراض المرتبطة بالمناخ، وتتراجع الخدمات الأساسية، مما يجعل الحياة اليومية غير محتملة. تتفاعل هذه الآليات مع اللاتكافؤ التنموي بشكل حاسم. فالدول الغنية، المسؤولة تاريخيًا عن الجزء الأكبر من الانبعاثات، تمتلك قدرات تكيفية عالية من خلال التكنولوجيا والبنية التحتية والتأمينات، بينما تتحمل الدول الفقيرة العبء الأكبر من الآثار رغم مساهمتها الضئيلة في المشكلة. وهكذا يصبح التغير المناخي آلية إضافية لتعميق الفجوات، ودفع سكان الجنوب إلى مسارات الهجرة غير النظامية المحفوفة بالمخاطر. هكذا ظهرت أبعاد كارثية للتأثير المناخي على الهجرة، اذ يضاعف التغير المناخي من الطابع الكارثي للهجرة غير النظامية على عدة مستويات. إنسانيًا، يتعرض المهاجرون المناخيون لمخاطر مضاعفة: فهم يفرون من بيئة منهارة ليواجهوا بيئات أخرى قد تكون معادية أو غير مهيأة، مع زيادة احتمالات الاستغلال والغرق والموت في الطرق. واجتماعيًا، يؤدي النزوح الجماعي إلى تفكك المجتمعات الأصلية، وفقدان الهويات الثقافية المرتبطة بالأرض، وضغوط هائلة على المجتمعات المضيفة. أمنيًا، قد تساهم موجات الهجرة المناخية في إذكاء التوترات داخل الدول وبينها، خاصة حين تُستغل في الخطابات السياسية المعادية للأجانب. واقتصاديًا، تتحمل الدول المصدرة خسارة رأس المال البشري، بينما تواجه الدول المستقبلة تكاليف إضافية في الخدمات والاندماج. أما على المستوى الكوني، فإن هذا التأثير يحول التغير المناخي من مشكلة بيئية إلى أزمة إنسانية عالمية مترابطة، تهدد استقرار النظام الدولي برمته. لكن تكشف الاستجابات الدولية الراهنة عن عجز واضح في التعامل مع البعد المناخي للهجرة. فمعظم الأطر القانونية تركز على اللاجئين السياسيين أو النزاعات، وتتجاهل الدوافع البيئية أو تعاملها كعامل ثانوي. كما أن برامج التكيف والتخفيف تبقى غير كافية، وغالبًا ما تُوجه وفق أولويات الدول الغنية، دون أن تصل إلى المجتمعات الأكثر تضررًا بالقدر الكافي. في ظل العولمة المتوحشة، يستمر نمط الإنتاج والاستهلاك الذي يغذي الانبعاثات، بينما تُترك المجتمعات الهشة لتواجه العواقب بمفردها.

سادسا: آليات إعادة إنتاج الكارثة في ظل النظام العالمي الراهن

دور المنظمات الدولية في مواجهة الهجرة غير النظامية

تستمر الهجرة غير النظامية في التفاقم لأن النظام العالمي يتعامل معها كعرض أمني وليس كعرض بنيوي. فالإجراءات الأمنية المشددة على الحدود، واتفاقيات إعادة القبول، ومراقبة السواحل، لا تمس الجذور، بل تدفع المهاجرين إلى مسارات أكثر خطورة وكلفة بشرية. في الوقت نفسه، تستمر وسائل الإعلام العالمية في نشر صور الرفاه في الشمال، فتولد تطلعات غير قابلة للتحقق في الجنوب. وتُستخدم التكنولوجيا غالبًا لمراقبة الحدود وفرض السيطرة بدل أن تكون جسرًا للتواصل المتكافئ. هكذا تتحول الهجرة غير النظامية إلى آلية مستمرة لإعادة إنتاج الهشاشة، حيث يعود جزء من التحويلات المالية إلى بلدان الأصل دون أن يغير البنى الاقتصادية الأساسية، بينما يبقى الجزء الأكبر من المعاناة على كاهل المهاجرين أنفسهم. في هذا الاطار، تُشكل المنظمات الدولية أحد أبرز الفاعلين في النظام العالمي المعاصر، وهي مدعوة نظريًا إلى لعب دور محوري في معالجة الظواهر العابرة للحدود، وفي مقدمتها الهجرة غير النظامية. غير أن هذا الدور، في الواقع العملي، يكشف عن تناقضات عميقة تعكس طبيعة النظام الدولي نفسه، القائم على توازنات القوى والمصالح المتباينة بين الدول. ففي سياق الهجرة غير النظامية بوصفها كارثة كونية ناتجة عن هشاشة العولمة المتوحشة واللاتكافؤ التنموي، يظهر دور المنظمات الدولية مزدوجًا: فهو يجمع بين محاولات التنظيم والإغاثة من جهة، وبين عجز بنيوي عن معالجة الجذور الهيكلية من جهة أخرى. يسعى هذا التحليل إلى تفكيك هذا الدور بشكل معمق، من خلال رصد آليات تدخله، وحدوده، وتناقضاته، وأثره الفعلي على الظاهرة، بعيدًا عن التعميمات السطحية، مع التركيز على العلاقة الجدلية بين عمل هذه المنظمات وبين استمرار الهشاشة واللاتكافؤ اللذين يغذيان الهجرة غير النظامية. على هذا النحو تنطلق المنظمات الدولية، سواء الحكومية منها كالأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، أو تلك ذات الطابع الإقليمي، من مبادئ إنسانية وقانونية تهدف إلى حماية حقوق الإنسان وتنظيم حركة الأفراد عبر الحدود. يُنظر إليها كآليات لتجاوز السيادة المطلقة للدول لصالح مقاربة جماعية عالمية. غير أن هذا الإطار النظري يصطدم منذ البداية بواقع أن هذه المنظمات تُموَّل وتُدار في جزء كبير منها من قبل الدول الأقوى اقتصاديًا وسياسيًا، مما يجعل استقلاليتها نسبية، ويخضع أولوياتها لموازين القوى الدولية. في مجال الهجرة غير النظامية، يتجلى هذا الإطار في محاولات وضع أطر معيارية لتنظيم التنقل، وتقديم المساعدات الإنسانية للمهاجرين في حالات الخطر، وتعزيز التعاون بين دول المصدر والعبور والاستقبال. إلا أن هذه المحاولات تبقى محكومة بمنطق يفضل إدارة الظاهرة أمنيًا على معالجتها تنمويًا، وهو منطق يتماشى مع مصالح الدول المستقبلة أكثر مما يتماشى مع احتياجات الدول المصدرة أو المهاجرين أنفسهم. من هذا المنطلق تمارس المنظمات الدولية دورها عبر عدة مستويات متداخلة. على المستوى الإنساني، تتدخل لتقديم الإغاثة الطارئة للمهاجرين العالقين في البحر أو الصحراء أو المخيمات، وتسعى إلى ضمان الحد الأدنى من الحماية من الاستغلال والانتهاكات. وعلى المستوى القانوني، تعمل على صياغة اتفاقيات ومواثيق تحاول وضع معايير مشتركة للتعامل مع المهاجرين غير النظاميين، مع التركيز على حماية الفئات الأكثر هشاشة كالنساء والأطفال. أما على المستوى التنسيقي، فتحاول هذه المنظمات تسهيل الحوار بين الدول، وتشجيع برامج التعاون في مجالات مراقبة الحدود أو إعادة الإدماج أو التنمية في بلدان المصدر. كما تلجأ إلى آليات الرصد وجمع المعلومات بهدف فهم تدفقات الهجرة وتوجيه السياسات. غير أن هذه الآليات غالبًا ما تبقى في إطار التسيير اليومي للأزمة، دون القدرة على التأثير في البنى الاقتصادية والسياسية التي تنتج الهجرة أصلًا. الا أن العجز الجوهري لدور المنظمات الدولية يكمن في طبيعتها المؤسسية نفسها. فهي منظمات بين-دولاتية، لا تمتلك سلطة فوق-وطنية حقيقية قادرة على إلزام الدول بتنفيذ التزاماتها، خاصة حين تتعارض تلك الالتزامات مع المصالح الوطنية الضيقة. في مواجهة الهجرة غير النظامية، تجد هذه المنظمات نفسها عالقة بين خطاب حقوق الإنسان من جهة، وضغوط الدول المستقبلة التي تطالب بتشديد الرقابة وإعادة الترحيل من جهة أخرى. يظهر هذا العجز بوضوح في التعامل مع الجذور الهيكلية للظاهرة. فبينما تؤكد الخطابات الرسمية على أهمية التنمية المستدامة وتقليص الفجوات، تبقى البرامج الفعلية محدودة الأثر، وغالبًا ما تُصمم وفق أولويات المانحين من الدول الغنية. وهكذا تتحول المساعدات التنموية إلى أدوات لإدارة تدفقات الهجرة أكثر مما تتحول إلى وسائل حقيقية لتفكيك اللاتكافؤ التنموي. كما أن التركيز المفرط على البعد الأمني – من خلال دعم قدرات مراقبة الحدود – يساهم أحيانًا في دفع المهاجرين إلى مسارات أكثر خطورة، مما يزيد من الكلفة البشرية للظاهرة. علاوة على ذلك، تعاني المنظمات الدولية من بيروقراطية معقدة، وتداخل اختصاصات، وتنافس على التمويل، مما يضعف فعاليتها ويحول جزءًا كبيرًا من مواردها إلى نفقات إدارية بدل أن تصل إلى المستفيدين المباشرين. لا يمكن فهم دور المنظمات الدولية بمعزل عن سياق العولمة المتوحشة. فهذه المنظمات، في كثير من جوانبها، هي نتاج للنظام العالمي الليبرالي الذي أنتج اللاتكافؤ أصلًا. فهي تعمل داخل إطار يحافظ على حرية حركة رؤوس الأموال والسلع، بينما يتعامل مع حركة البشر كتهديد يجب احتواؤه. ومن ثم، فإن تدخلاتها غالبًا ما تُعيد إنتاج الهشاشة بدل تجاوزها: برامج إعادة الإدماج تبقى سطحية، والمساعدات الإنسانية تخفف الأعراض دون علاج الأسباب، والحوارات الدولية تتحول إلى منصات لتبادل الاتهامات أكثر مما تتحول إلى فضاءات لصنع سياسات مشتركة عادلة. في هذا السياق، يصبح دور المنظمات الدولية جزءًا من آليات إدارة الأزمة العالمية، لا جزءًا من حلها الجذري. فهي تساهم في شرعنة النظام القائم من خلال خطاب إنساني يخفف من حدة التناقضات، دون أن تمس بمراكز القوة والثروة التي تغذي الهجرة غير النظامية. لذلك  يولد هذا الدور المتناقض آثارًا مركبة. من جهة، ينقذ تدخل المنظمات الدولية أرواحًا ويوفر حماية نسبية في لحظات الخطر الشديد، مما يمثل إنجازًا إنسانيًا لا يمكن إنكاره. ومن جهة أخرى، يساهم التركيز على الإدارة الأمنية والإنسانية في تطبيع الظاهرة بوصفها أمرًا دائمًا يمكن التعايش معه، بدل اعتبارها كارثة يجب اقتلاع جذورها. كما أن اعتماد هذه المنظمات على تمويل الدول الغنية يجعلها عرضة للضغوط السياسية، ويضعف قدرتها على تبني مواقف نقدية جذرية تجاه سياسات العولمة غير المتكافئة.

خاتمة

تمثل الهجرة غير النظامية مرآة صادقة لهشاشة النظام العالمي المعاصر. إنها تذكرنا بأن الكوكب لا يمكن أن يعيش في سلام واستقرار طالما استمرت فجوات التنمية في الاتساع، وطالما بقيت العولمة أداة لتكريس التفاوت بدل جسره. فهذه الكارثة ليست قدرًا محتومًا، بل نتاج اختيارات سياسية واقتصادية يمكن تغييرها.

هكذا يتحول التغير المناخي إلى حلقة إضافية في سلسلة إعادة إنتاج الهشاشة، حيث تدفع آثاره إلى مزيد من الهجرة غير النظامية، التي بدورها تزيد من الضغوط على الموارد في مناطق الوصول، في دورة كارثية متصاعدة. كما يؤكد تأثير التغير المناخي على الهجرة أن الكارثة البيئية والكاراتة الإنسانية مترابطتان بشكل لا ينفصل. فالتغير المناخي ليس مجرد عامل إضافي، بل مضاعف هيكلي للهشاشة التي خلفتها العولمة غير المتكافئة واللاتكافؤ التنموي. وهو يدفع بملايين البشر إلى مسارات محفوفة بالمخاطر، ويحول الهجرة غير النظامية إلى ظاهرة أكثر حدة واستمرارًا.إن مواجهة هذا التأثير تتطلب أكثر من إجراءات طارئة أو مساعدات إنسانية محدودة. فهي تستدعي إعادة هيكلة النظام العالمي نحو عدالة مناخية حقيقية، تتحمل فيها الدول المسؤولة تاريخيًا مسؤولياتها، وتُفتح فيها قنوات تنقل نظامية وآمنة، وتُبنى فيها قدرات تكيفية في المجتمعات الأكثر هشاشة. بدون ذلك، سيظل التغير المناخي يغذي موجات هجرة كارثية، مضيفًا طبقة جديدة من المعاناة إلى معاناة الكوكب وشعوبه، ومذكرًا بأن مصير الإنسان والبيئة واحد لا يتجزأ. إن معالجة الظاهرة تتطلب إعادة التفكير جذريًا في أسس النظام العالمي: مواجهة اللاتكافؤ التنموي من خلال سياسات تنموية عادلة، وإصلاح النظام المالي الدولي، وتحمل المسؤولية التاريخية عن التغير المناخي، وفتح قنوات هجرة نظامية منظمة تقلل من الاعتماد على المسارات الخطرة. والنتيجة أن الهجرة غير النظامية تستمر وتتفاقم، بينما تبقى المنظمات الدولية في موقع المتفرج النسبي أو المدير للأزمة، عاجزة عن تحويل خطابها المعياري إلى واقع يغير موازين القوى العالمية. يكشف التحليل الفلسفي أن دور المنظمات الدولية في مواجهة الهجرة غير النظامية عن مفارقة مركزية: فهي مدعوة إلى أن تكون أداة للعدالة العالمية، لكنها تظل في كثير من الأحيان آلية لإدارة عدم العدالة. إن عجزها عن معالجة الجذور الهيكلية المرتبطة بالعولمة المتوحشة واللاتكافؤ التنموي يجعل تدخلاتها محدودة الأثر، ومحكومة بمنطق النظام الذي أنتج الكارثة أصلًا. ولا يعني ذلك إنكار أي قيمة لوجود هذه المنظمات، بل الدعوة إلى إعادة التفكير في طبيعتها ووظائفها. فبدون تحول جذري يجعلها أكثر استقلالية، وأكثر قدرة على إلزام الدول، وأكثر تركيزًا على تفكيك البنى المنتجة للهشاشة، سيبقى دورها محصورًا في تخفيف الأعراض لا علاج المرض. وفي عالم تتفاقم فيه فجوات التنمية وتزداد فيه الضغوط المناخية والسياسية، يصبح إصلاح هذا الدور ضرورة وجودية، لا مجرد خيار مؤسسي، إذا أريد للهجرة غير النظامية أن تتحول من كارثة متجددة إلى ظاهرة قابلة للضبط ضمن إطار إنساني وتنموي عادل. كما يتطلب الأمر إعادة تعريف العولمة نفسها، بحيث تصبح عملية تخدم التوازن بين المجتمعات لا تكرس الهيمنة. بدون ذلك، ستظل الهجرة غير النظامية كارثة متجددة تضاف إلى الكوارث البيئية والصحية والسياسية التي تهدد مستقبل الكوكب بأكمله. والاعتراف بهذه الحقيقة والعمل على جذورها هو السبيل الوحيد لإعادة بناء علاقات أكثر عدالة وإنسانية بين شعوب الأرض، وحماية الكرامة الإنسانية كقيمة كونية لا تقبل المساومة. فهل يمكن للمنظمات غير الحكومية أن تعلب دورا رياديا في الحد من ظاهرة الهجرة غير النظامية وتقلل من مخاطر وسلبيات التغير المناخي وتلوث المدن وتخريب الطبيعة والأزمة البيئية التي تعاني منها الكرة الأرضية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

بقلم: إدوارد سعيد

ترجمة: علي أسعد وطفة (1)

جامعة الكويت – كلية التربية

***

تعريف:

في عام 1978، نشر إدوارد وديع سعيد (Edward W. Said: 1935-2003) كتابه الرئيس "الاستشراق". وقد تصدّى المفكر الأميركي الكبير، الفلسطيني الأصل، لإعادة بناء صورة "الشرق" على نحو يهدف إلى تبرير المشاريع الاستعمارية والاستعمارية الجديدة للغرب و ما زال متمسكًا بموقفه هذا مع مرور الزمن ومؤكدًا له إذ يرى أن التفاعل الثقافي مع الثقافات الأخرى أصيلةً تهذب الروح وتستبعد كل طموح إلى الهيمنة. هنا تكمن النزعة الإنسانية التي تشكل الحصن الأخير ضد البربرية.

ويعد إدوارد سعيد أحد كبار المفكرين في العصر الحديث، وهو مفكر وناقد أدبي فلسطيني أميركي، وُلد في القدس وتلقّى تعليمه في القاهرة والولايات المتحدة. وقد عمل أستاذًا للأدب الإنجليزي والمقارن في جامعة كولومبيا، ويُعدّ أحد أبرز المفكرين المؤسسين لدراسات الاستشراق ما بعد الاستعمار. وق اشتهر بكتابه «الاستشراق» (Orientalism)، الصادر عام 1978، الذي حلّل فيه الطريقة التي صوّر بها الفكر الغربي الشرقَ، مبيّنًا ارتباط كثير من هذه التصورات بالمشروعات الاستعمارية وعلاقات القوة والهيمنة. ومن أبرز مؤلفاته أيضًا: «الثقافة والإمبريالية: (Culture and Imperialism)، و«تغطية الإسلام" (Covering Islam)، و"العالم والنص والناقد" (The World, the Text, and the Critic)، وسيرته الذاتية «خارج المكان" (Out of Place).

دافع سعيد عن حقوق الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير، ودعا في الوقت نفسه إلى التعايش والمساواة والاعتراف المتبادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين. كما عُرف بدفاعه عن النزعة الإنسانية والنقد العلماني، وبمقاومته للصور النمطية والتعصب القومي والديني. وقد ساهم مع الموسيقي دانيال بارنبويم (Daniel Barenboim) «في التاسيس لـ "أوركسترا الديوان الغربي الشرقي" (West–Eastern Divan Orchestra).، التي جمعت موسيقيين عربًا وإسرائيليين في مشروع ثقافي مشترك. توفي في نيويورك عام 2003 بعد صراع طويل مع مرض سرطان الدم.

بداية:

قبل تسع سنوات، كتبتُ خاتمةً إضافيةً لكتاب "الاستشراق"، تناولت فيها طبيعة السجالات العديدة التي أثارها الكتاب منذ صدوره عام 1978 وقمت بتفنيد التأويلات خاطئة التي مني بها من قبل المفكرين والنقاد. وإن كنت سابقا أواجه يواجه الانتقادات بالحدة والغضب، فإني الآن أمّا الآن أنظر إليها بشيء من السخرية والهدوء، وهذا التحول يدل على الهدوء الذي يفرضه النضج الناجم عن التقدم في العمر وليس على زوال الخلافات. ومما لا شك فيها أيضا أن الرحيلُ المؤلم لملهميّ الكبيرين إقبال أحمد, (Eqbal Ahmad) إبراهيم أبو لغد (Ibrahim Abu-Lughod). قد تركا في جرحا عميقا من الشعور الفارق بالأسى والحزن، ومع ذلك فإن هذا الرحيل الصاعق أورثني مزيدا من القوة والرغبة العنيدة في المضي قدما في رحاب الفكر الإنساني العميق ضد كل أشكال التفكير العنصري في هذا العالم الفسيح.

تصف سيرتي الذاتية، "خارج المكان" (À contre-voie)، العوالم الغريبة والمتناقضة التي نشأتُ فيها، وتعطي فكرةً عن التأثيرات التي خضعتُ لها خلال شبابي في فلسطين ومصر ولبنان. غير أن هذه السيرة لم تتوقف حتى بعد انخراطي السياسي، الذي بدأ عام 1967، أي عد حرب الأيام الستة. أما "الاستشراق" فهو أقرب بكثير إلى اضطرابات التاريخ المعاصر، إذ يُفتتح بوصفٍ، كُتب عام 1975، للحرب الأهلية في لبنان عام 1975 التي لم تنتهِ إلا عام 1990. ومع ذلك، فإن العنف وحمّامات الدم ما زالت مستمرةً حتى يومنا هذا. لقد فشلت عملية السلام التي أُطلقت في أوسلو، واندلعت الانتفاضة الثانية، وما زال الفلسطينيون يعانون آلامًا رهيبةً في الضفة الغربية التي أُعيد احتلالها، كما في قطاع غزة المنكوب.

وقد ظهرت ظاهرة التفجيرات الانتحارية بكل عواقبها البشعة، التي لا تقل فظاعةً ولا طابعًا قياميًّا عن أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 وما أعقبها من الحروب التي شُنّت على أفغانستان والعراق. وفي الوقت الذي أكتب فيه هذه السطور، يتواصل الاحتلال الإمبراطوري غير الشرعي للعراق من قِبل الولايات المتحدة وبريطانيا، مخلفًا آثارًا رهيبة. ويُفترض أن يكون كل ذلك جزءًا من "صدام الحضارات" لا نهاية له ولا يعرف الرحمة ولا رجعة عنه مع إنني أرفض هذه الفكرة رفضًا قاطعًا من حيث المبدأ.

وأودّ القول في هذا المقام إن الفهم العام لدى الأميركيين للشرق الأدنى والعرب والإسلام قد أحرز بعض التقدم. لكن الأمر، للأسف، ليس كذلك. ولأسباب عديدة، يبدو الوضع أفضل بكثير في أوروبا. ففي الولايات المتحدة، انعكس تصلّب المواقف، وتزايد سطوة التعميمات المتعالية والصور النمطية الانتصارية، وهيمنة سلطة غاشمة متحالفة مع ازدراء ساذج للمعارضين و"للآخرين"، في نهب المكتبات والمتاحف العراقية وتدميرها. ويبدو أن قادتنا وأتباعهم من المثقفين عاجزين عن فهم الفكرة التي تقول بأن التاريخ عصي على الذاكرة إذ لا يمكن محوه كما تُمحى سبورة سوداء كي نتمكن "نحن" من أن نكتب عليه مستقبلنا الخاص وأن نفرض نمط حياتنا على الشعوب "الدنيا".

كثيرًا ما نسمع كبار المسؤولين في واشنطن، أو في أماكن أخرى، يتحدثون عن إعادة رسم حدود الشرق الأدنى، كما لو أن مجتمعات ضاربةً في القِدم وسكانًا بهذا القدر من التنوع يمكن رجُّهم مثل حبّات الفول السوداني داخل مرطبان. ومع ذلك، فقد حدث هذا كثيرًا مع "الشرق"، ذلك البناء شبه الأسطوري الذي أُعيد تشكيله مرات عديدة منذ غزو نابليون لمصر في أواخر القرن الثامن عشر. وفي كل مرة، تُكنس رواسب التاريخ التي لا تُحصى، والحكايات التي لا تنتهي، والتنوع المذهل للثقافات واللغات والذوات الفردية؛ فيُنسى ذلك كله ويُقصى إلى الصحراء، شأنه شأن الكنوز المسروقة من بغداد والمحوَّلة إلى شظايا مجردة من كل معنى.

في رأيي، يصنع الرجال والنساء التاريخ، لكنه قد يُفكَّك أيضًا ويُعاد تدوينه، بواسطة الصمت والنسيان، والأشكال المفروضة والتشويهات المقبولة؛ على نحو يجعل شرقنا، أو "شرقنا" نحن، يصبح حقًا "ملكًا لنا"، فنتمكن من امتلاكه وإدارته. ويجب عليَّ أن أكرر القول إنه ليس لديَّ شرق "حقيقي" أدافع عنه. وفي المقابل، أكنّ أكبر قدر من الاحترام لقدرة هذه الشعوب على الدفاع عن رؤيتها الخاصة لما هي عليه، ولما تريد أن تصير إليه.

لقد شُنّت هجمات واسعة النطاق، ذات عدوانية مخططة، على المجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة، واتُّهمت بالتخلّف، وغياب الديمقراطية، وعدم الاكتراث بحقوق النساء؛ إلى حدّ جعلنا ننسى أن مفاهيم مثل الحداثة والتنوير والديمقراطية ليست، بأي حال من الأحوال، مفاهيم بسيطة وأحادية المعنى، سينتهي كل شخص دائمًا إلى اكتشافها، مثل بيض عيد الفصح المخفي في حديقته. وقد أنتج الجهل المذهل لهؤلاء المروّجين الإعلاميين الشباب المتغطرسين، الذين يتحدثون باسم السياسة الخارجية من دون امتلاك أدنى معرفة حيّة، ولا أدنى إلمام بلغة الناس العاديين، مشهدًا قاحلًا مهيّأً لأن تبني عليه القوة الأميركية بديلًا زائفًا من "ديمقراطية" السوق الحرة. ولا حاجة إلى معرفة العربية أو الفارسية أو حتى الفرنسية، لكي يتفلسف المرء متعاليًا بشأن تأثير الدومينو الديمقراطي الذي يُفترض أن العالم العربي في أمسّ الحاجة إليه.

إن إرادة فهم الثقافات الأخرى، بغرض التعايش وتوسيع الأفق، لا علاقة لها بإرادة الهيمنة. ولا شك في أن هذه الحرب الإمبريالية، التي دبّرتها مجموعة صغيرة من المسؤولين الأميركيين غير المنتخبين، وشُنّت على ديكتاتورية من العالم الثالث سبق أن دُمّرت، لأسباب أيديولوجية مرتبطة بإرادة الهيمنة العالمية، والسيطرة الأمنية، والاستيلاء على الموارد الآخذة في الندرة؛ تُعدّ واحدةً من الكوارث الفكرية في التاريخ، ولا سيما لأنها بُرّرت وعُجّل بشنّها على أيدي مستشرقين خانوا رسالتهم بوصفهم باحثين. فقد مارس خبراء في العالمين العربي والإسلامي، من أمثال برنارد لويس وفؤاد عجمي، تأثيرًا كبيرًا في البنتاغون ومجلس الأمن القومي التابع للسيد جورج دبليو بوش؛ إذ ساعدوا الصقور على التفكير من خلال أفكار شديدة الغرابة والسخف، مثل "العقل العربي" أو "الانحطاط العلماني للإسلام".

في الوقت الراهن، تمتلئ المكتبات الأميركية بمجلدات ضخمة ذات عناوين مثيرة تتحدث عن الصلة بين "الإسلام والإرهاب"، و"الإسلام عاريًا"، و"التهديد العربي"، وغيرها من عناوين "المؤامرة الإسلامية"، كتبها مساجلون سياسيون يزعمون أنهم يستقون معلوماتهم من خبراء يُفترض أنهم نفذوا إلى روح هذه الأقوام الشرقية الغريبة. وقد استفاد دعاة الحرب هؤلاء من دعم قناتَي "سي إن إن" (CNN) و"فوكس نيوز" (Fox News)، فضلًا عن عدد لا يُحصى من الإذاعات الإنجيلية والمحافظة، والصحف الشعبية، بل حتى الصحف المحترمة، التي انشغلت جميعها بإعادة تدوير التعميمات نفسها، غير القابلة للتحقق، بغرض تعبئة "أميركا" ضد الشياطين الأجنبية.

ولولا هذا الانطباع الذي يجري ترسيخه بعناية، والقائل إن هذه الأقوام البعيدة ليست مثلنا "نحن" ولا تتقبل قيمنا "نحن" — وهي صور نمطية تشكّل جوهر العقيدة الاستشراقية — لما أمكن شنّ الحرب. لقد أحاط جميع أصحاب السلطة أنفسهم بمثل هؤلاء الباحثين المأجورين: الغزاة الهولنديون في ماليزيا وإندونيسيا، والجيوش البريطانية في الهند وبلاد ما بين النهرين ومصر وغرب أفريقيا، والقوات الفرنسية في الهند الصينية وشمال أفريقيا. أما الذين يقدمون المشورة إلى البنتاغون والبيت الأبيض، فيستخدمون الصور النمطية نفسها، والقوالب التحقيرية نفسها، والمسوغات نفسها لاستخدام القوة والعنف. وتردد الجوقة: "ففي نهاية المطاف، لا يفهم هؤلاء الناس سوى لغة القوة". ويُضاف إلى هؤلاء المستشارين في العراق جيش حقيقي من المتعهدين الخاصين، سيُعهد إليهم بكل شيء: من نشر الكتب المدرسية إلى صياغة الدستور وإعادة تشكيل الحياة السياسية، وصولًا إلى إعادة تنظيم صناعة النفط.

تزعم كل إمبراطورية جديدة دائمًا أنها تختلف عن الإمبراطوريات التي سبقتها، وتؤكد أن الظروف استثنائية، وأن مهمتها تتمثل في نشر الحضارة وإرساء النظام والديمقراطية، وأنها لا تستخدم القوة إلا بوصفها ملاذًا أخيرًا. والأشد إثارةً للحزن هو وجود مثقفين دائمًا يعثرون على كلمات لطيفة، ويتحدثون عن إمبراطوريات خيّرة أو إيثارية.

بعد خمسة وعشرين عامًا من صدور كتابي الاستشراق نجد أنفسنا مجبرين على التساؤل عمّا إذا كانت الإمبريالية الحديثة قد اختفت يومًا، أم إنها، في الواقع، لا تزال مستمرة منذ دخول بونابرت مصر قبل قرنين. لقد قيل للعرب والمسلمين إن نزعة التمركز حول دور الضحية والإصرار على الحديث عن أعمال النهب والتخريب التي ارتكبتها الإمبراطورية لا يمثّلان سوى وسيلة للتهرب من مسؤولياتهم الراهنة. ولكن المستشرق المعاصر يقول اليوم: "لقد فشلتم، ولقد أخطأتم".

يبدأ كل شيء مع بونابرت، ويتواصل مع تطور الدراسات الشرقية وغزو شمال أفريقيا؛ ثم تتطور أبحاث من النوع نفسه في فيتنام ومصر وفلسطين، وفي مطلع القرن العشرين، مع الصراع من أجل السيطرة على النفط والأراضي في الخليج والعراق وسوريا وفلسطين وأفغانستان. ثم يحلّ زمن ظهور مختلف النزعات القومية المناهضة للاستعمار، مرورًا بالمرحلة القصيرة لحركات الاستقلال التقدمية، وعصر الانقلابات العسكرية، والانتفاضات، والحروب الأهلية، وأشكال التعصب الديني، والصراعات غير العقلانية، وعودة الوحشية المطلقة ضد آخر جماعات "السكان الأصليين". وقد أفرزت كل مرحلة من هذه المراحل رؤيتها المشوّهة للآخر، وصورها الاختزالية، وسجالاتها العقيمة.

من خلال كتاب "الاستشراق"، أردتُ أن أستند إلى النقد الإنساني من أجل توسيع ميادين النضال الممكنة، وأن أستبدل بنوبات الغضب القصيرة وغير العقلانية، التي تسجننا، فكرًا وتحليلًا أكثر عمقًا وعلى مدى أبعد. وقد أطلقتُ على ما أحاول فعله بهذه الطريقة اسم "النزعة الإنسانية"، وهي كلمة ما زلتُ، بعناد، أستخدمها، على الرغم من الرفض الازدرائي الذي تقابلها به الانتقادات ما بعد الحداثية المتحذلقة.

أعني بالنزعة الإنسانية، أولًا، تلك الإرادة التي دفعت وليم بليك (William Blake) إلى تحطيم قيود عقولنا، لكي نستخدمها في تفكير تاريخي وعقلاني. وتتغذى النزعة الإنسانية أيضًا من شعور بالانتماء إلى جماعة تضم باحثين آخرين، ومجتمعات أخرى، وعصورًا أخرى؛ فلا وجود لإنسانيٍّ منعزل عن العالم. إن كل مجال مرتبط بجميع المجالات الأخرى، ولا يمكن لشيء مما يحدث في العالم أن يظل منعزلًا ونقيًّا من كل تأثير خارجي. وعلينا أن نتناول الظلم والمعاناة، ولكن ضمن سياق مندرج، على نطاق واسع، في التاريخ والثقافة والواقع الاجتماعي والاقتصادي. ويتمثل دورنا في توسيع مجال النقاش.

خلال السنوات الخمس والثلاثين الماضية، أمضيتُ جزءًا كبيرًا من حياتي مدافعًا عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، غير أنني حاولت دائمًا أن أفعل ذلك واضعًا الشعب اليهودي ومعاناته في الحسبان بصورة كاملة، من الاضطهادات إلى الإبادة الجماعية. وأكثر ما يهمني هو أن النضال من أجل المساواة بين إسرائيل وفلسطين ينبغي ألا يكون له سوى هدف إنساني واحد، هو التعايش، لا مواصلة الإقصاء والرفض.

وليس من قبيل المصادفة أنني بيّنتُ أن الاستشراق ومعاداة السامية الحديثة يمتلكان جذورًا مشتركة. ولذلك، فإن ابتكار نماذج بديلة من العقائد الضيقة والتبسيطية القائمة على العداء المتبادل، التي سادت في الشرق الأدنى وفي غيره منذ زمن طويل جدًا، يمثّل ضرورة حيوية لكل مثقف مستقل.

وبوصفي إنسانيًّا يعمل في مجال الأدب، فقد بلغتُ من العمر ما يكفي لأكون قد تلقيتُ، قبل أربعين عامًا، تعليمًا في الأدب المقارن تعود أفكاره المؤسسة إلى ألمانيا في أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر. وينبغي أيضًا التذكير بالإسهام الأساسي لجيامباتيستا فيكو (Giambattista Vico)، الفيلسوف وفقيه اللغة النابولي، الذي استبقت أفكاره أفكار مفكرين ألمان مثل هيردر (Herder) وفولف (Wolf)، ثم تبنّاها غوته (Goethe)، وهومبولت (Humboldt)، وديلتاي (Dilthey)، ونيتشه (Nietzsche)، وغادامير (Gadamer)، وأخيرًا كبار فقهاء اللغة في القرن العشرين: إريش أورباخ (Erich Auerbach)، وليو سبيتزر (Leo Spitzer)، وإرنست روبرت كورتيوس (Ernst Robert Curtius).

بالنسبة إلى شباب الجيل الحالي، يوحي فقه اللغة بعلم قديم بقدر ما هو عتيق، في حين أنه أكثر مناهج التأويل أساسيةً وإبداعًا. وأروع مثال على ذلك اهتمام غوته بالإسلام، وبالشاعر حافظ الشيرازي (Hafiz) خصوصًا؛ فقد قادته هذه العاطفة الملتهبة إلى كتابة "الديوان الغربي الشرقي" (West-östlicher Divan)، وأثّرت في أفكاره حول "الأدب العالمي" (Weltliteratur)، أي دراسة آداب العالم جميعها بوصفها سيمفونيةً كليةً يمكن فهمها، نظريًّا، على نحو يحفظ فردية كل عمل، من دون إغفال الكل.

ومن المفارقات أن عالمنا المعولم يتقدم نحو ذلك التوحيد المعياري، وذلك التجانس اللذين كانت أفكار غوته تهدف تحديدًا إلى الحيلولة دونهما. ففي مقالته "فقه أدب العالم" (Philologie der Weltliteratur)، المنشورة عام 1951، حذّر إريش أورباخ من هذا التطور في بداية مرحلة ما بعد الحرب، التي شهدت أيضًا بزوغ الحرب الباردة. وكان كتابه الكبير "المحاكاة" (Mimésis)، المنشور في برن عام 1946، ولكنه كُتب في أثناء الحرب حين كان لاجئًا في إسطنبول، حيث كان يدرّس اللغات الرومانسية، يُراد له أن يكون شهادةً على التنوع والواقع المُمثَّلَين في الأدب الغربي، من هوميروس إلى فرجينيا وولف (Virginia Woolf). ومع ذلك، فعند إعادة قراءة مقالة عام 1951، ندرك أن كتاب أورباخ الكبير كان نشيدًا لعصر كانت النصوص تُحلَّل فيه بمصطلحات فقه اللغة، بطريقة عينية وحسّاسة وحدسية؛ عصر كان فيه التبحر العلمي والإتقان التام لعدد من اللغات يسهمان في ذلك الفهم الذي كان غوته ينادي به، من خلال فهمه الخاص للأدب الإسلامي.

كانت هذه المعرفة باللغات والتاريخ ضرورية، لكنها لم تكن كافيةً قط؛ تمامًا مثلما لا يشكّل مجرد تراكم الوقائع، على سبيل المثال، منهجًا ملائمًا لفهم ما يمثله مؤلف مثل دانتي (Dante). وكان المطلب الرئيس للمنهج الفيلولوجي، الذي تحدث عنه أورباخ وأسلافه وحاولوا ممارسته، يتمثّل في النفاذ، بطريقة ذاتية وتعاطفية، إلى المادة الحية للنص، انطلاقًا من منظور عصره ومؤلفه، أي "التقمص الوجداني" (Einfühlung)..

كان فقه اللغة، المطبَّق على "الأدب العالمي" (Weltliteratur)، يتنافى مع الابتعاد عن عصر آخر وثقافة مختلفة أو مع معاداتهما؛ إذ كان ينطوي على روح إنسانية عميقة تنفتح بسخاء، و— إن جاز لي استخدام هذه الكلمة — بضيافة. وينبغي لعقل الباحث أن يفسح دائمًا، وبفاعلية، مكانًا في داخله للآخر الغريب. وهذا الفعل الخلّاق المتمثل في الانفتاح على الآخر، الذي يظل لولاه غريبًا وبعيدًا، هو البعد الأهم في رسالة الباحث.

في ألمانيا، تعرّض ذلك كله، بطبيعة الحال، للاهتزاز، ثم دمّرته الاشتراكية القومية. وبعد الحرب، يلاحظ أورباخ بحزن أن توحيد الأفكار توحيدًا معياريًّا، والتخصص المتزايد باستمرار في المعارف، قد ضيّقا تدريجيًّا إمكانات ذلك النوع من أعمال البحث والتقصّي الدؤوبة التي كان يمثّلها. والأشد إثارةً للكآبة أنه منذ وفاة أورباخ عام 1957، فقدت فكرة البحث الإنساني وممارسته مكانتهما المركزية. فبدلًا من القراءة، بالمعنى الحقيقي للكلمة، يتعرض طلابنا باستمرار للتشتيت بفعل المعرفة المجزّأة المتاحة على الإنترنت، والتي تنشرها وسائل الإعلام الجماهيرية.

وهناك ما هو أخطر من ذلك. فالتعليم مهدَّد اليوم بالعقائد القومية والدينية الجامدة التي تنشرها وسائل الإعلام، والتي تركّز، بطريقة لا تاريخية ومثيرة، على الحروب الإلكترونية البعيدة، فتمنح المشاهدين انطباعًا بوجود "دقة جراحية"، وتحجب بذلك المعاناة الرهيبة وأعمال التدمير التي تولّدها الحرب الحديثة. ومن خلال شيطنة عدو مجهول تُلصق به صفة "الإرهابي"، بغرض إبقاء الرأي العام في حالة غضب، تُفرط الصور الإعلامية في تركيز الانتباه، ويمكن التلاعب بها بسهولة في أوقات الأزمات وانعدام الأمن، كما حدث بعد اعتداءات 11 سبتمبر/أيلول.

وبوصفي أميركيًّا وعربيًّا، يتعيّن عليَّ أن أطلب من القارئ ألا يستهين أبدًا بذلك النوع من الرؤية التبسيطية للعالم، التي صاغها عدد قليل من المدنيين العاملين في البنتاغون لتحديد السياسة الأميركية في العالمين العربي والإسلامي بأكملهما. فالإرهاب، والحرب الوقائية، وتغيير الأنظمة بالقوة، وهي أمور أتاحتها أكبر ميزانية عسكرية في التاريخ، تمثّل الأفكار الوحيدة التي تناقشها بلا نهاية وسائل إعلام تنتج "خبراء" مزعومين لتسويغ التوجه العام للحكومة. لقد استُبدلت بالتفكير والمناقشة والحجاج العقلاني والمبادئ الأخلاقية القائمة على الرؤية العلمانية، التي ترى أن البشر يصنعون تاريخهم بأنفسهم، أفكارٌ مجردة تمجّد الاستثنائية الأميركية، أو الغربية، وتنكر أهمية السياق، وتنظر إلى الثقافات الأخرى بازدراء.

خطاب عالمي علماني وعقلاني

ربما يتهمني القارئ بإجراء انتقالات شديدة الفجائية بين التأويل الإنساني والسياسة الخارجية، ولا سيما حين أؤكد أن مجتمعًا متقدمًا تكنولوجيًّا، يمتلك، بقوة غير مسبوقة، الإنترنت والمقاتلة "إف-16" (F-16) في الوقت نفسه، لا بد أن يديره، في نهاية المطاف، خبراء تقنيون وسياسيون مقتدرون مثل السيد دونالد رامسفيلد (Donald Rumsfeld) أو السيد ريتشارد بيرل (Richard Perle). لكن ما فقدناه في الطريق هو الإحساس بكثافة الحياة الإنسانية وترابطها المتبادل، وهو ما لا يمكن أبدًا اختزاله في صيغة، ولا استبعاده بوصفه خارج الموضوع.

هذا جانب من جوانب النقاش العالمي. أما في البلدان العربية والإسلامية، فالوضع ليس أفضل كثيرًا. وكما بيّنت الصحافية رولا خلف (Roula Khalaf) في مقالة ممتازة، انزلقت المنطقة إلى نزعة معادية للولايات المتحدة، لا تُظهر إلا قدرًا ضئيلًا من فهم حقيقة المجتمع الأميركي. ولأن الحكومات عاجزة عن التأثير في موقف الولايات المتحدة تجاهها، فإنها تكرّس طاقتها كلها لقمع شعوبها والسيطرة عليها. ومن هنا تصاعد الاستياء والغضب واللعنات العاجزة، التي لا تسهم في انفتاح المجتمعات التي اكتسحت فيها الإخفاقات والإحباطات، إلى جانب إسلاموية تقوم على الحفظ عن ظهر قلب ومحو كل ما يُنظر إليه بوصفه أشكالًا أخرى منافسة من المعرفة الحديثة، الرؤيةَ العلمانية للتاريخ الإنساني والتطور.

لقد كان التلاشي التدريجي لتقليد الاجتهاد الإسلامي، أو التأويل الشخصي، إحدى الكوارث الثقافية الكبرى في عصرنا؛ إذ أدى إلى اختفاء كل تفكير نقدي، وكل مواجهة فردية مع الأسئلة التي يطرحها العالم المعاصر.

لا أدّعي أن العالم الثقافي قد تراجع ببساطة، فسقط، من جهة، في استشراق جديد عدواني، ومن جهة أخرى، في تعصّب مطلق. ففي أواخر أغسطس/آب 2002، كشفت قمة الأمم المتحدة في جوهانسبرغ، على الرغم من جميع حدودها، عن ظهور مجال واسع من الاهتمام العالمي المشترك، مبشّرةً بنشوء "دائرة انتخابية كوكبية" قادرة على بث روح جديدة في مفهوم "العالم الواحد" الذي أُفرط كثيرًا في ابتذاله. لكن، هنا أيضًا، ينبغي الإقرار بأنه لا أحد يستطيع معرفة الوحدة المركبة والاستثنائية لعالمنا المعولم، حتى وإن كانت الطبيعة المتكاملة على نحو متزايد لكل جزء من أجزائه تجعل عزل أحد هذه الأجزاء أمرًا صعبًا منذ الآن.

إن الصراعات الرهيبة التي أُشير إليها هنا، والتي تجمع السكان تحت رايات زائفة التوحيد، مثل "أميركا" أو "الغرب" أو "الإسلام"، وتختلق هويات جماعية لأفراد يختلفون، في الواقع، اختلافًا كبيرًا بعضهم عن بعض، لا يمكن أن تواصل أعمالها التدميرية. ولا بد من الوقوف في وجهها. وفي مواجهتها، لا تزال في حوزتنا قدراتنا التأويلية العقلانية، وهي إرث تربيتنا الإنسانية. ولا يتعلق الأمر هنا بتقوى عاطفية تدعونا إلى العودة إلى القيم التقليدية وإلى الأعمال الكلاسيكية، بل يتعلق حقًا باستئناف ممارسة خطاب عالمي علماني وعقلاني.

إن الفكر النقدي لا يمتثل للأمر بالاصطفاف في الصفوف للذهاب إلى الحرب ضد هذا العدو الرسمي أو ذاك. وبعيدًا عن صدام حضارات مصنوع سلفًا، ينبغي لنا أن نركّز على العمل المشترك البطيء بين ثقافات تتداخل، ويستعير بعضها من بعض، وتتعايش بطريقة أعمق بكثير مما توحي به أنماط الفهم الاختزالية والزائفة. غير أن هذا الشكل الأوسع من الإدراك يتطلب وقتًا، وبحوثًا صبورة ودائمة النقد، تغذيها الثقة بوجود جماعة فكرية يصعب الحفاظ عليها في عالم يقوم على فورية الفعل ورد الفعل.

تتغذى النزعة الإنسانية من المبادرة الفردية والحدس الشخصي، لا من الأفكار الجاهزة والامتثال للسلطة. وينبغي قراءة النصوص بوصفها نتاجات تعيش في التاريخ بصورة ملموسة.

وأخيرًا، وليس آخرًا، تمثّل النزعة الإنسانية حصننا الوحيد، بل أقول حصننا الأخير، في مواجهة الممارسات اللاإنسانية والمظالم التي تشوّه تاريخ البشرية. وأصبح في حوزتنا الآن ذلك الفضاء الديمقراطي المشجّع للغاية الذي يمثّله الفضاء السيبراني، المفتوح أمام الجميع على نطاق لم يكن في وسع الأجيال السابقة، ولا أي طاغية أو عقيدة جامدة، أن تتخيله يومًا. ولم يكن ممكنًا للمظاهرات العالمية التي سبقت الحرب على العراق أن تصبح حقيقةً واقعةً لولا وجود جماعات أخرى منتشرة في جميع أنحاء العالم، تغذيها معلومات مختلفة، وتعي القضايا البيئية وحقوق الإنسان، وكذلك التطلعات التحررية التي تجمعنا جميعًا على هذا الكوكب الصغير.

***

......................

المصدر: "لوموند ديبلوماتيك" (Le Monde diplomatique).

(1) - Edward W. Said, " L’humanisme, dernier rempart contre la barbarie ", Le Monde diplomatique, no 594, septembre 2003, pp. 20-21. Disponible en ligne: Le Monde diplomatique.

مُقاربة فلسفية جديدة لمنهجيّة القراءة على القراءة

من الاستعارة إلى التأصيل:

حين كنت أكتب تعليقاً على منهجيّة القراءة للقراءة، تذكرت القيمة المُضافة لماركس، وخطر لي إذْ ذاك فصل في كتابي (حديث الولايّة: إضاءات معرفيّة للدعائم والمرتكزات) صدر في العام ٢٠١٩م، وأعيد طباعته في العام ٢٠٢٢م، كان عنوان هذا الفصل هو (المعرفة، والمعرفة الثالثة) يعني استحضار معرفين في القلب؛ لينتج عنهما معرفة ثالثة، وهذه موجودة في تعريف معنى الفكر في كتابات الغزالي (ت ٥٠٥)، وهي عندي لب لباب منهجيّة القراءة على القراءة. بالإضافة إلى أنها فكرة أعمق ما تكون شرحاً لمنهجيّة القراءة على القراءة، وربما كانت أكثر قرابة بل وأكثر أصالة من نظريّة ماركس في فائض القيمة.

إنّ تشبيه "فائض المعرفة" بـ "فائض القيمة" عند ماركس، تشبيه قوي من الناحية البلاغية والمنهجيّة؛ لأنه يلفت الانتباه إلى أن المعرفة يمكن أن تكون منتجة لا مستهلكة. لكنه يبقى تشبيهًا خارجياً مستعارًا من حقل الاقتصاد.

أمّا الحديث عن المعرفة الثالثة (المُولَّدة) فهو ينبع من داخل التراث المعرفي الإسلامي نفسه، من الحقول نفسها التي مارست منهجيّة القراءة على القراءة خلال الشروحات التي لا حصر لها لشتى فروع المعارف الإنسانية، ولذلك يبدو حديثاً أكثر أصالة واتّساقاً مع منهجيّة القراءة على القراءة. وأغلب الظن أن العلاقة بين الفكرتين ينبغي ألا تكون علاقة استبدال، بل علاقة تأسيس يستتبع نتيجة، حتى إذا كانت المعرفة الثالثة هي الآليّة أو المبدأ المولِّد، كان فائض المعرفة هو الأثر أو النتيجة.

هنالك يستحضر القارئ معرفتين في ذهنه، فتتفاعلان، ومن هذا التفاعل تتولد معرفة ثالثة لم تكن موجودة في أي منهما منفردة.

ومع تكرار هذه العمليّة عبر القراءات، يتراكم فائض المعرفة؛ فيصبح البناء المنهجي، على هذا أكثر إحكاماً، فالقراءة الثانية إذا أضيفت إلى القراءة الأولى، أنتجت المعرفة الثالثة، ثم إنّ المعرفة الثالثة بالإضافة إلى معرفة جديدة تشكل معرفة رابعة، فخامسة، وهكذا كلما أضفنا معرفة إلى أخرى، نتج نتاج جديد لم يكن موجوداً من ذي قبل، فتصبح المعرفة، كما سنرى، في حالة توالد مستمر.

ولا تكون المعرفة ها هنا مجرد جمع معلومات كما ذكرنا في السابق، بل تتحوّل إلى نسق توليدي؛ فكل معرفة تصبح مادة خام لإنتاج معرفة أخرى.

وممّا يُلفت النظر أن الغزالي يُقرر في مواضع من كتبه من حيث يتناول معنى الفكر، أن الفكر حركة بين معلومين ينتج عنها مجهول يصير بدوره معلوماً.

ونحن اذا وسعنا هذا المفهوم لمعنى الفكر ونقلناه من كونه مجرد عمليّة عقلية فرديّة إلى منهج معرفي في القراءة، أمكننا إجراء توظيف مبكر لمنهجية القراءة على القراءة في صيغتها الفلسفية الإسلامية. وبالعودة الى النقلات الفلسفيّة يمكن كذلك نقل فكرة الغزالي من مستوى المنطق المعرفي إلى مستوى المنهج الثقافي.

وبما أن المعرفة الثالثة هي المركز النظري لمنهجيّة "القراءة على القراءة"، فإنّ فائض المعرفة يعدُّ مفهوماً يصف الثمرة التراكمية لهذا المنهج؛ فحينئذ لا يعود مفهوم فائض المعرفة مستعارًا من ماركس، بل يصبح مفهومًا يفسَّر من داخل النسق الفلسفي الإسلامي كما تبيّن لنا.

فإنّه من الملاحظ على تصور الغزالي السابق أن كل إبداع إنما يبدأ من اجتماع معرفتين تُنتجان معرفة ثالثة، فهذه ليست نظريّة في التفكير أو في القراءة فحسب، بل هي نظريّة في الإبداع المعرفي نفسه. وطالما وصلنا الى هذا الابداع المعرفي العام فقد وصلنا في الوقت نفسه إلى ما هو أوسع في الدلالة من القراءة؛ ليشمل الفلسفة، والاجتهاد، والتفسير، والنقد، وحتى الإبداع الأدبي، وأنا لن أنسى إن نسيت مقالاً كنت قرأته في صغري للأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي (ت١٩٣٧) في كتابه "وحي القلم"، كان بعنوان "سر النبوغ الأدبي"، يرى فيه أن سر هذا النبوغ يكمن في التوليد.

ومن هنا؛ فليست المعرفة الثالثة مُجرد فصل سابق في كتابنا المُشار اليه سلفاً، بل قد تكون البذرة التي كانت تنتظر أن تنمو لتصبح الأساس الفلسفي الكامل لمنهجيّة (القراءة على القراءة) كما نتصوره، بينما يكون (فائض المعرفة) الاسم الذي يعبّر عن حصيلة هذا التوليد المستمر للمعرفة، كما حققناه.

فمثل هذا التوالد لا يحدث مرة واحدة بل يتكرر بلا نهاية، ومن ثم فنحن لا نكتفي بجعل المعرفة الثالثة ثمرة اجتماع معرفتين في القلب، ولكن أيضاً هنالك استمراريّة في التوالد المعرفي. المعرفة الأولى والثانية تنتجان الثالثة. والثالثة لا تتوقف عند كونها نتيجة، بل تتحول هى أيضاً إلى معرفة أولى في دورة جديدة؛ إذ تلتقي بمعرفة أخرى، فتولد رابعة ثم تستمر العمليّة. فهذه المعرفة الثالثة الناتجة ليست رقماً في عدد معلوم، بل وظيفة.

كان يمكن تسميها "المعرفة المولَّدة"، لكن اختيار "الثالثة" يشير إلى لحظة الميلاد الأولى، لا إلى أنها تقف عند العدد ثلاثة. فإذا صّح هذا الفهم، فإنّ مصطلح المعرفة الثالثة نموذج لكل معرفة ناشئة من تفاعل معرفتين.

وهكذا يُلاحظ القاريء إنه إذا كان الجزء الأول قد وضع "القراءة على القراءة " في أفق التراكم المعرفي، فإنّ هذا الجزء ينقلها إلى أفق أعمق من التراكم هو: أفق التوليد، والتوالد، والصيرورة، وإعادة إنتاج القدرة المعرفيّة. وهنالك نقلة ملحوظة في هذا الجزء من استعارة فائض المعرفة إلى محاولة تأصيلها من داخل مفهوم المعرفة الثالثة. وهذه ليست مجرد مراجعة اصطلاحيّة، بل نقلة فلسفية حقيقية. ففي الصياغة الأولى كان فائض المعرفة يستمد قوته الإيحائية من مقارنته بفائض القيمة عند ماركس؛ أما هنا فقد أصبح فائض المعرفة نتيجةً لنظرية أسبق منه: المعرفة لا تنتج فائضاً لأنها تشبه رأس المال، بل لأنها تدخل في علاقة توليديّة مع معرفة أخرى. ومن ثم أصبح "فائض المعرفة" أثراً، بينما أصبحت "المعرفة المولدة" مبدأً. وهذه النقلة إضافة واضحة ممّا لا شك فيه.

والأقوى من ذلك؛ أن الارتهان بماركس لم يعد هدفاً لنا. فماركس كان مدخلًا استعاريّاً خصباً، لكنه لم يعد الأساس النظري. وهذا مهم جدًا؛ فنحن لم تعد نقول: إنّ المعرفة تشبه رأس المال من حيث إنها تنتج فائضاً، بل نقول شيئًا أكثر أصالة: إنّ المعرفة تملك في بنيتها الداخلية قدرة على توليد معرفة أخرى، ولذلك يكون فائضها نابعاً من طبيعتها التوليديّة لا من استعارتها من الاقتصاد السياسي. وهنا يتحول ماركس من مصدر تأسيسي إلى مجرد قرين مُقارن، وربما تكون هذه النقلة ضرورية في الصياغة النهائيّة لما نحن بصدده. ثم إننا مع تطور الفكرة أضافنا شيئًا آخر بالغ الأهمية حين جعلنا "المعرفة الثالثة" وظيفة لا رقماً. هذه العبارة تحديدًا قويّة جدًا: المعرفة الثالثة ليست مرحلة تنتهي عند الرقم ثلاثة، بل هي الاسم الذي نطلقه على كل معرفة ناشئة من تفاعل معرفتين. وبذلك يتحول المصطلح من تسمية لنتيجة محددة إلى مفهوم عام للتولد المعرفي.

فالمعرفة الثالثة التي تولدت من معرفتين تصبح بدورها مادة لتولد معرفة أخرى، ثم تتحول المعرفة الجديدة إلى طرف في علاقة توليديّة لاحقة. وهنا يظهر أن التوليد ليس حدثاً معرفيّاً منفردًا، بل سلسلة حية لا تنقطع؛ إذ المعرفة الثالثة لا ينبغي أن تُفهم فقط باعتبارها نتيجة تفاعل معرفتين، بل باعتبارها تحولاً في طبيعة العلاقة بين المعرفتين. فالجديد لا يأتي بالضرورة من مضمون جديد يضاف إلى المضمونين السابقين، وإنما قد ينشأ من أن المعرفة الأولى أصبحت تُرى في ضوء الثانية، والثانية أصبحت تُرى في ضوء الأولى. أي إن المعرفة الثالثة قد تكون علاقة جديدة قبل أن تكون مضمونًا جديدًا. وهذه، في تقديري، نقطة فلسفية جديدة بالاعتبار.

قانون التوالد الذاتي:

كنّا في مطلع المقال ضربنا مثلاً عمليّاً بسيطاً من واقع حياتنا الشخصية، وهو الجانب العملي الجدي في الموضوع كله، والذي كنّا استعرناه من كلمة كان الوالد رحمة الله يقولها لنا ونحن أطفال، حرصاً منه على بذل الجهد في المذاكرة والصبر عليها في كل حين.

كان يقول: يا ولدي !

النوم يأتي بالنوم، والمذاكرة تأتي بالمذاكرة.

ويقولها بالعاميّة المصريّة: النوم يجيب نوم، والمذاكرة تجيب مذاكرة. والقصد واضح هو بذل الطاقة فيما ينفع لا الاستسلام للخمول. وكذلك المعرفة تجيب معرفة، والعلم يجيب علم، والجهل والبلادة لا يولدا إلا جهالة وبلادة.

هذه ليست حكاية شخصية فحسب، بل مدخل فلسفي شديد القوة؛ لأنه ينقل النظريّة من التجريد إلى الخبرة الإنسانية المباشرة في الواقع الملموس.

ولعّل هذا المثال العملي هو الشاهد التجريبي الذي كان ينقص النظريّة، حتى إذا كنا نبحث في السابق عن تأصيل فلسفي وكفى، فإذا أمامنا الآن تأصيلًا وجوديّاً ظاهراً من واقع الحياة العمليّة.

تأمل هذه السلسلة: النوم يجر النوم. الكسل يجر الكسل. المذاكرة تجر المذاكرة. المعرفة تجر المعرفة. الجهل يجر الجهل. هذه ليست أمثالًا متفرقة، بل وقائع مُشاهدة تعبر عن قانون واحد:  هو قانون التوالد الذاتي للأفعال والملكات. فالفعل إذا تكرّر لا يبقى فعلًا منفردًا، بل يتحوّل إلى قوة تولِّد أفعالًا من جنسها. ولعل هذا ما يذكرنا بما كان أرسطو يقوله في اكتساب الفضائل، فالفضيلة تُكتسب بممارسة فعلها؛ والإنسان لا يكون شجاعاً ثم يعمل أعمال الشجاعة، بل يعمل أعمال الشجاعة أولاً حتى يصبح شجاعاً ثانياً. لكننا هنا نتجاوز هذا من جهة أننا لا نتحدّث عن تكوين الملكة فقط، بل عن إنتاج الشيء لمثله. فإذا كان أرسطو يتحدّث عن الاكتساب والممارسة لتتكون الملكة؛ فإننا نقصد من الدرجة الأولى تنمية القدرات المبدعة التي تنتج الشيء ذاته، وانتاجه لمثله كذلك، وربما أفضل منه.

وعليه، تصبح منهجية القراءة على القراءة خاضعة لما يمكن تسميته بقانون التوالد الذاتي؛ فالقراءة تولد قراءة. والمعرفة تولد معرفة. والفكر يولد فكراً. وكذلك على الضد: الجهل يولد جهلًا، والبلادة تولد بلادة، والكسل يولد كسلًا، وهكذا ...

وإذن؛ فنحن أمام قانون عام، والقراءة ليست إلا تطبيقاً عملياً من تطبيقاته .. غير أن هذه الفكرة لم تعد تدور حول منهج "القراءة على القراءة" وحده، بل حول مبدأ أعم هو:

(كل قوة وجوديّة تنمو بما تمارسه، وتضمحل بما تهمله).

والقراءة ليست إلا المثال الأوضح لهذا القانون. ويُلاحظ فيما ذهبنا إليه في السابق: أن مفهوماً شديد الخصوبة قد أضيف هاهنا، هو "قانون التوالد الذاتي"، بمقتضاه يمكن توسيع النظر في نمو القوى الإنسانية. فالقراءة لا تولد معرفة فحسب، بل تولد قابلية للقراءة؛ والمعرفة لا تنتج معرفة فحسب، بل تزيد القدرة على إنتاجها. وهذا يختلف عن التراكم التقليدي اختلافًاً جوهريّاً.

ففي التراكم تزداد الموجودات؛ أما في التوالد فتزداد القدرة على الإيجاد. ولسوف نعود لاحقاً إلى التفرقة الفارقة بين اصطلاحي التراكم والتوليد.

وهذه، في رأيي، إضافة فلسفية حقيقية فوق ما قيل في الجزء الأول. لأننا لم تعد نقول فقط إن "المعرفة تنتج"، بل قلنا إن الفعل المتكرر ينتج القوة التي تجعل الفعل اللاحق أكثر قدرة على إنتاج نفسه. وهنا لا يعود التكرار مجرد إعادة للفعل، بل يصبح بناءً للقدرة على الفعل. المذاكرة لا تزيد المعلومات فقط، بل تزيد قابليّة العقل للمذاكرة، والقراءة لا تزيد الكتب المقروءة فقط، بل تزيد القدرة على القراءة، والفكر لا ينتج أفكاراً فحسب، بل ينمي القدرة على التفكير.

ويمكن أن تصبح هذه الفكرة أكثر دقة إذا ميزنا بين التولد الذاتي والتولد التفاعلي؛ فالمعرفة لا تولد من ذاتها بالمعنى الحرفي؛ إذ لا بد لها من مادة أو معرفة أو تجربة تدخل معها في علاقة. لكنها بعد أن تولد لا تبقى نتيجة خاملة، بل تصبح قوةً قادرةً على الدخول في توليد جديد. ولذلك؛ ربما يكون القانون الأعم هو: كل معرفة متولدة تتحول إلى قدرة مولدة. وربما كانت هذه الصياغة أكثر دقة من كون "المعرفة تولد المعرفة"؛ لأنها تكشف التحول من النتيجة إلى القوة.

أمّا المثال الذي استقيناه من قول الوالد رحمه الله، إذْ كان ينصحنا في ريعان الطفولة: "النوم يجيب نوم، والمذاكرة تجيب مذاكرة"، فهو أصيل حتماً من الناحية الفلسفيّة؛ لأنه يخرج الفكرة من برج التجريد، ويكشف أن القانون ليس فكرة مصطنعة من أجل بناء نظريّة، بل هو مبدأ يمكن أن يُرى في الخبرة اليوميّة. وهذا مهم جدًا؛ لأن الفلسفة القويّة الفاعلة لا تظل مُعلقة في التجريد، بل تستطيع أن تعود إلى أبسط خبرة إنسانية وتكشف فيها قانوناً عاماً.

ومن هذه الجهة أرى أن هذا المثال لا يثبت فقط قانون التوالد الذاتي، بل يكشف شيئًا أعمق: أن الأفعال لا تنتج نتائجها فحسب، بل تنتج شروط إمكان تكرارها. النوم لا يؤدي فقط إلى مزيد من النوم، والمذاكرة لا تؤدي فقط إلى مزيد من المعرفة؛ بل إن الفعل المتكرر يعيد تشكيل الذات بحيث يصبح الفعل اللاحق أسهل أو أقدر أو أكثر رسُوخًا. ومن هنا يمكن أن نقول إنّ التولد المعرفي ليس توليداً للمحتوى فقط، بل توليد للقدرة؛ الأمر الذي يفتح باباً لمفهوم جديد هو: فائض القدرة المعرفيّة.

وعليه؛ فالمعرفة المُولّدة ليست فقط معرفة جديدة، وفائض المعرفة ليس فقط مجموع ما تراكم من معارف؛ بل كل قراءة عميقة قد تترك وراءها قدرة إضافية على القراءة والفهم والربط والتوليد. وهذا الفائض (فائض القدرة) هو الذي يجعل المعرفة اللاحقة أقوى من السابقة وأقدر على التوالد إذا أضيفت إليها معرفة لاحقة.

ونلاحظ هنا أن النّص يتجاوز بالفعل مفهوم التراكم؛ فالتراكم يفترض أنّ ما يأتي لاحقاً يُضاف إلى ما سبق، أمّا التولد فيفترض أن ما يأتي لاحقاً يستفيد من تغير القدرة التي أحدثها ما سبق. ولذلك لا تكون القراءة الثانية مجرد قراءة أولى مكررة، بل قراءة أولى وقد تركت في الذات قدرة جديدة على القراءة.

وربما ألتقت هذه النقطة بصورة مباشرة مع ما ذكرناه من قبل في غير هذا الموضع عن قراءة القرآن على السّعة والحضور؛ فالآية لا تتغير، لكن القارئ لا يعود إلى الآية بالقدرة نفسها التي كان عليها في القراءة السابقة؛ الأمر الذي يوجد صلة عميقة جدًا بين هذا الجزء من المقال وبين حديثنا المُوسّع عن "القرآن والتجربة البشريّة".

فالقانون (أي قانون التوالد الذاتي) يمكن أن ينتقل من المعرفة إلى التجربة: التجربة لا تنتج خبرة فحسب، بل تنتج قدرة جديدة على استقبال تجربة أخرى؛ والقراءة القرآنيّة لا تنتج استنباطًا فحسب، بل تنتج قدرة جديدة على قراءة الآية. ومن ثم فإنّ المعرفة المُولدة في القرآن لا تكون فقط مجرد "معنى جديدًا"، بل قابلية جديدة لرؤية ما لم يكن الإنسان قادراً على رؤيته من ذي قبل.

وبادي الرأي عندي أن النص الذي تضمنه القانون أضاف انتقالًا بالغ الأهمية من منهجيّة "القراءة على القراءة" إلى نظريّة عامة في الإبداع. وذلك حين نقول إن الفلسفة والاجتهاد والتفسير والنقد والإبداع الأدبي كلها يمكن أن تُفهم من خلال توليد معرفة من معرفة، فإننا نوسّع نطاق النظرية بصورة كبيرة. لم تعد القراءة على القراءة منهجاً خاصاً بالقراءة، بل أصبحت القراءة مثالاً حاضراً على قانون أوسع يحكم الإبداع الإنساني. وهذا، في تقديري، هو أحد أكبر مكاسب نص أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة. لكننا من جهة أخرى نرى أن هذا التوسُّع يحتاج إلى احتراز فلسفي مهم:

ليس كل اجتماع معرفتين توليداً، وليس كل معرفة جديدة ناتجة عن معرفتين بالضرورة معرفة ثالثة بالمعنى الاصطلاحي الشديد لقوة التفكير. فقد تجتمع معرفتان في الذهن دون أن يحدث بينهما تفاعل حقيقي. وقد تكون النتيجة مجرد جمع أو نقل أو إعادة ترتيب آلي. ولذلك فإنّ التوليد يحتاج إلى شرط جوهري، وهو أن يحدث تحول في بنية الفهم، لا مجرد اجتماع في الذاكرة. وهنا يمكن أن يكون شرط "الحضور" الذي تحدثنا عنه في قرائتنا للقرآن شرطاً عاماً للتوليد. فالمعرفة لا تتولد من مجرد اجتماع معرفتين وكفى، بل من حضور معرفتين في وعي قادر على إقامة علاقة منتجة بينهما. وهذا الوعي هو الذي يحول المجاورة إلى تفاعل، والتفاعل إلى انكشاف، والانكشاف إلى معرفة جديدة.

(وللحديث بقيّة)

***

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

يقول أبو علي الحسن بن الحسن بن الهيثم البصري "354 - 430 ه" في مقدمة كتابه "الشكوك على بطليموس": "الحق مطلوب لذاته، وكل مطلوب لذاته فليس يعني طالبه غير وجوده. ووجود الحق صعب، والطريق إليه وعر، والحقائق منغمسة في الشبهات. وحسن الظن بالعلماء في طبع جميع الناس... وما عصم الله العلماء من الزلل، ولا حمى علمهم من التقصير والخلل، ولو كان ذلك كذلك، لما اختلف العلماء في شيء من العلوم، ولا تفرقت آرائؤهم في حقائق الأمور، والوجود خلاف ذلك. فطالب الحق ليس هو الناظر في كتب المتقدمين، المسترسل مع طبعه في حسن الظن بهم، بل طالب الحق هو المتهم لظنه فيهم، المتوقف فيما يفهمه عنهم، المتبع الحجة والبرهان، لا قول القائل الذي هو إنسان، المخصوص في جبلّته بضروب الخلل والنقصان. والواجب على الناظر في كتب العلوم، إذا كان غرضه معرفة الحقائق، أن يجعل نفسه خصمًا لكل ما ينظر فيه. ويجيل فكره في متنه وفي جميع حواشيه، ويخصمه من جميع جهاته ونواحيه، ويتهم أيضاً نفسه عند خصامه فلا يتحامل عليه ولا يتسمح فيه. فإنه إذا سلك هذه الطريقة انكشفت له الحقائق، وظهر ما عساه وقع في كلام من تقدمه من التقصير والشُّبه"1.

أول من نبهني إلى أهمية كتاب "الشكوك على بطليموس" لابن الهيثم هو الصديق العزيز الأستاذ عبد الأمير المؤمن، الباحث المتمرس في التراث العلمي، وذلك قبل أكثر من أربعين عامًا. كما حفزتني على كتابة هذا المقال قراءة ترجمة الأستاذ عبد الرحمن المرزوقي المهمة لكتاب برادلي ستيفنز "ابن الهيثم: أول عالم تجريبي"2.

كانت الشكوك منهجًا في التراث العلمي، فقد تغلب العقل العلمي نسبيًا على سلطة المنطق الأرسطي عندما احتكم إلى الملاحظة والمشاهدة والتجربة. ظهرت كتب "الشكوك" الناقدة للعلم الطبيعي اليوناني، لأن التجربة منحت العالِم مرجعيةً مستقلة عن النص، فاستطاع اختبار آراء القدماء، وكشف أخطائها، وتصحيح نتائجها، من دون أن يجعل مكانة أصحابها بديلًا عن الدليل. في المقابل، لم أعثر، في حدود ما اطلعت عليه، على كتاب يحمل عنوان "الشكوك" خصص لنقد تسلط المنطق الأرسطي على الفلسفة والكلام وأصول الفقه.3083 alhasan

لا يعني ذلك غياب نقد المنطق الأرسطي في تراثنا، فقد نقد شهاب الدين السهروردي، 549–587هـ/1154–1191م، عددًا من أسسه في القسم الأول من كتاب "حكمة الإشراق"، كما ناقش قضاياه بتفصيل أوسع في قسم المنطق من كتاب "المشارع والمطارحات"، فراجع نظرية الحد والتعريف، واختزل أشكال القياس، واعترض على بعض التقسيمات والمقولات المنطقية المشائية. وخصص ابن تيمية، 661–728هـ/1263–1328م، كتابه "الرد على المنطقيين"، المعروف أيضًا باسم "نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان"، لنقد الحد الأرسطي والقياس، ورفض دعوى حصر اليقين فيهما، وأكد إمكان تحصيل المعرفة من الحس والتجربة والخبر والقياس التمثيلي.

 وفي العصر الحديث ظهر كتابان مهمان في مدرسة النجف، ألّف الأول علي كاشف الغطاء، 1331–1411هـ/1913–1991م، بعنوان: "نقد الآراء المنطقية وحل مشكلاتها" في جزأين؛ خصص الأول للتصورات، والثاني للتصديقات، وألحقهما بخاتمة في المغالطات، فناقش آراء المناطقة، وراجع قواعدهم، واقترح حلولًا لبعض مشكلاتها. وقدم محمد باقر الصدر، 1353–1400هـ/1935–1980م، في كتابه "الأسس المنطقية للاستقراء" محاولة جديدة لمعالجة الثغرة التي تركها المنطق الأرسطي في الاستقراء الناقص، وسعى إلى تأسيس الانتقال من ملاحظات جزئية محدودة إلى تعميم علمي مرجح، مستعينًا بحساب الاحتمالات، ومميزًا بين مرحلتي التوالد الموضوعي والتوالد الذاتي للمعرفة.

 غير أن هذه المحاولات، على أهميتها، لم تؤسس منطقًا بديلًا يحل محل المنطق الأرسطي في التفكر الديني والتعليم، ولم تتحول إلى نموذج معرفي "براديغم" تتبناه جماعة علمية ومؤسسات معرفية، وظل أكثرها يتحرك داخل أسئلة المنطق القديم ومفاهيمه، أو ينقده من دون أن يعيد بناء مناهج العلوم على أساس المشاهدة والتجربة والاستقراء. فقد لبثت عملية التفكير خاضعة للنموذج المعرفي اليوناني قرونًا طويلة، فتحول هذا النموذج من أداة يستخدمها العقل إلى سلطة تحدد شروط التفكير وحدود السؤال ومعايير البرهان. ظل العقل ينقد النتائج بأدوات المنطق الأرسطي، من دون أن ينقد الأداة التي ينتج بها تلك النتائج.

سنشير في مقال قادم إلى أسباب انحسار منهج الشكوك في التراث العلمي، وانصراف جانب كبير من طاقة العقل إلى علوم لا تحتكم إلى المشاهدة والتجربة. فقد ظهر في تاريخنا عدد من العلماء الأفذاذ الذين كانت لهم ريادة في علوم متنوعة، واعتمدوا الملاحظة والقياس والتجربة، غير أنهم ظلوا يعملون، بدرجات متفاوتة، داخل النموذج المعرفي "البراديغم" الأرسطي البطلمي الجالينوسي الموروث من اليونان. وإن كان ذلك لم يمنعهم من نقد بعض آراء اليونان، وكشف أخطائها، وتصحيحها وتجاوزها في مسائل أساسية، كما فعل الرازي في الطب، والبيروني في الفلك والمعادن، وابن الهيثم في البصريات والفلك، وابن النفيس في التشريح. غير أن هذه المنجزات بقيت جهودًا فردية متفرقة، ولم تنتظم في نموذج معرفي "براديغم" بديل، تتبناه جماعة علمية، وتتوارثه مؤسسات مستقلة، وتعمل على اختباره وتطويره وتراكم نتائجه. حضر العالم التجريبي في تراثنا، وغابت البيئة المعرفية والمؤسسية القادرة على تحويل منجزه إلى تقليد علمي مستدام، يقود إلى ثورة شاملة في فهم الطبيعة ومعايير إنتاج المعرفة.3082 alhasan

 يمثل أبو علي الحسن بن الحسن بن الهيثم البصري "354–430هـ/965–1040م" مرحلة متقدمة في تاريخ العقل العلمي في الحضارة الإسلامية. كان الشك لديه أداة منهجية لتحرير العقل من هيبة الأسماء وسلطة الموروث، ومدخلًا إلى اختبار الآراء ومراجعة الأدلة والكشف عن مواطن التهافت والقصور فيها. الشك عند ابن الهيثم يفتح الطريق إلى معرفة أكثر دقة، كما أعلن ذلك بوضوح في مقدمة كتابه "الشكوك على بطليموس"، إذ حذر من اختلاط المعرفة بالأوهام والعادات والأحكام المسبقة، ونبّه إلى الكيفية التي يحجبها حسن الظن بالأعلام. أشار إلى أنه لا تكفي شهرة العالم، ولا قدم كتابه، ولا اتفاق الناس على تعظيمه لإثبات صحة آرائه، فقيمة القول تستمد من حجته، لا من مكانة قائله. ينبه ابن الهيثم إلى أن "حسن الظن بالعلماء في طباع جميع الناس"، وأن القارئ إذا استسلم لهذا الميل تلقى أقوال المتقدمين كأنها حقائق نهائية. العلماء بشر يصيبون ويخطئون، ولم يعصمهم الله من الزلل أو التقصير، ولو كانوا معصومين من الخطأ لما اختلفوا في مسائل العلم وحقائق الأشياء. يضع ابن الهيثم قاعدة معرفية حاسمة: "فطالب الحق ليس هو الناظر في كتب المتقدمين، المسترسل مع طبعه في حسن الظن بهم، بل طالب الحق هو المتهم لظنه فيهم، المتوقف فيما يفهمه عنهم، المتبع الحجة والبرهان، لا قول القائل". تبدأ المعرفة عند ابن الهيثم بنقد الثقة العمياء بالمكانة العلمية للقائل، وإخضاع كل قول للسؤال مهما علا شأن صاحبه.

لا يكتفي ابن الهيثم بالشك في أقوال الآخرين، وإنما يطالب الباحث أن يشك في فهمه وأحكامه أيضًا، فيقول إن على الناظر في كتب العلوم "أن يجعل نفسه خصمًا لكل ما ينظر فيه، ويجيل فكره في متنه وفي جميع حواشيه، ويخصمه من جميع جهاته ونواحيه، ويتهم أيضًا نفسه عند خصامه، فلا يتحامل عليه ولا يتسمح فيه". يتجه النقد هنا في مسارين متلازمين: نقد الموضوع الذي يدرسه الباحث، ونقد الذات التي تمارس الفهم والحكم. ربما يخطئ المؤلف، وربما يسيء القارئ فهمه، وربما يقوده التعصب إلى رفض قول صحيح أو قبول قول ضعيف، لهذا يشترط ابن الهيثم الإنصاف، فلا يتحامل الناقد على النص، ولا يتساهل معه. طبّق ابن الهيثم هذا المبدأ في كتاب "الشكوك على بطليموس"، فدرس ثلاثة من أهم كتب بطليموس.

لم يرفض ابن الهيثم تراث بطليموس، فقد أدرك قيمته العلمية وأفاد من منجزاته، لكنه فصل بين احترام العالم والتسليم بأقواله. استوعب نظامه، وقارن بين مقدماته ونتائجه، وبين نماذجه الرياضية وما يمكن وجوده في العالم الطبيعي. تركز اعتراضه على أن نجاح النموذج في وصف حركة الكواكب والتنبؤ بها لا يثبت أن البنية التي يفترضها موجودة فعلًا في السماء. ميز ابن الهيثم بين مطابقة النتائج للرصد وصدق تفسير الظاهرة، وطالب بنظرية تجمع بين الدقة الحسابية والإمكان الطبيعي. رفض إخضاع الواقع للنموذج، ودعا إلى إعادة بناء النموذج بما يلائم الواقع، ففتح نقده الطريق أمام إصلاح الفلك البطلمي.

 استعادت مدرسة مراغة هذه المعرفة في سياق مشروع علمي جماعي هدفه بناء نماذج تطابق الرصد، وتحافظ على انتظام الحركة الدائرية، وتتخلص من تناقضات نظام بطليموس. ابتكر نصير الدين الطوسي "597–672هـ/1201–1274م" نماذج هندسية أكثر اتساقًا، أشهرها "مزدوجة الطوسي"، التي تولد حركة خطية من حركتين دائريتين منتظمتين. ووضع مؤيد الدين العرضي "نحو 597–664هـ/نحو 1200–1266م" قاعدته الهندسية المعروفة بـ "قاعدة العرضي"، واستعملها في إعادة بناء حركات الكواكب من دوائر منتظمة من دون الحاجة إلى بعض افتراضات بطليموس. وطور قطب الدين الشيرازي "634–710هـ/1236–1311م" نماذج مدرسة مراغة، وأعاد تركيب أدواتها الرياضية بحثًا عن هيئة تجمع بين دقة الحساب والإمكان الطبيعي. بلغ هذا المسار مرحلة أكثر نضجًا عند ابن الشاطر "704–777هـ/1304–1375م"، الذي أنشأ نماذج جديدة لحركة الشمس والقمر والكواكب، وتخلص من "معدل المسير"، وهو نقطة افتراضية جعل بطليموس حركة الكوكب منتظمة بالقياس إليها، مع أنها لا تتطابق مع مركز العالم أو مركز فلكه. لم تكن إنجازات هؤلاء نقلًا مباشرًا عن ابن الهيثم في كل تفاصيلها، وإنما كانت استئنافًا لمطلبه المعرفي: ألا يكتفي النموذج الفلكي بالنجاح الحسابي ومطابقة الرصد، وأن يكون متماسكًا وقابلًا للتصور في العالم الطبيعي.

كان كتاب "الشكوك على بطليموس" إعلانًا مبكرًا على أن العلم لا يتقدم بتقديس النماذج الموروثة، وإنما بفحصها واختبار اتساقها، والكشف عن تناقضاتها، وفتح الطريق أمام بناء بدائل أكثر دقة. لم يقدم ابن الهيثم في هذا الكتاب بديلًا فلكيًا متكاملًا لنظام بطليموس، لكنه كشف أزماته، خاصة التعارض بين نجاح بعض نماذجه في الحساب وتعذر وجود هيئاتها المفترضة في العالم الطبيعي. تجلى هذا المنهج بصورة أوسع في "كتاب المناظر"، إذ لم يقبل نظرية خروج أشعة البصر من العين التي تبناها إقليدس وبطليموس، ولم يكتف بما ورثه من التراث الطبي، خاصة وصف جالينوس لتشريح العين ووظائف أجزائها. جمع بين الهندسة والطبيعيات ووصف بنية العين والملاحظة والاختبار، وحلل ظواهر الضوء والإبصار إلى عناصرها، ثم فحص فروضه بتغيير شروط التجربة ومقارنة نتائجها. انتهى إلى أن الإبصار يحدث بوصول الضوء من الأجسام إلى العين، مع احتفاظه ببعض تصورات جالينوس في وظائف أجزائها. كانت التجربة عنده وسيلة لامتحان الفرضية ومواجهة نتائجها بالواقع، وعندما تتعارض سلطة الموروث مع ما تثبته الملاحظة والحجة والبرهان، يمنح الأولوية للدليل.

نسبت إلى ابن الهيثم مؤلفات تتصل بهذا المسار، من أشهرها "حل شكوك كتاب إقليدس في الأصول وشرح معانيه". وسبق محمد بن زكريا الرازي "251–313هـ/865–925م" ابن الهيثم إلى تأليف كتاب "الشكوك على جالينوس"، الذي ناقش فيه آراء جالينوس الطبية والفلسفية، مستندًا إلى خبرته السريرية ومشاهدته الطويلة للمرضى. لم يمنعه تقديره لجالينوس من الاعتراض عليه، فميز بين ما تثبته الممارسة الطبية وما يقرره الكتاب النظري. رأى الرازي أن الوفاء للعلم لا يتحقق بترديد أقوال المعلم، وإنما بمراجعتها وتصحيحها. لهذا يمثل كتابه نموذجًا مبكرًا لمقاومة الأبوة المعرفية، ويثبت أن التلميذ يستطيع تجاوز أستاذه حين يمتلك دليلًا أقوى.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

.........................

1- ابن الهيثم، الحسن، الشكوك على بطليموس، تحقيق: د. عبد الحميد صبرة، ود. نبيل الشهابي، تصدير: د. إبراهيم مدكور، ص3، 1971، مطبعة دار الكتب، القاهرة.

2- ستيفنز، برادلي، ابن الهيثم: أول عالم تجريبي، ترجمة: عبد الرحمن المرزوقي، 2025، جمعية الفلسفة السعودية، الرياض.

فلسفة المهرجان بين تحقيق مطلب الترفيه عند الجمهور وتهذيب الذوق الفني من الفنان.. مقاربة استطيقية

مقدمة: يُمثل المهرجان ظاهرة إنسانية أصيلة، تمتد جذورها إلى أعماق الطقوس الدينية والاجتماعية القديمة، حيث كان يجمع الناس في لحظة استثنائية تتجاوز الزمن اليومي الرتيب. في جوهره، يمثل المهرجان فضاءً جماعياً يحتفل بالحياة، بالجسد، بالروح، وبالإبداع. ومع ذلك، ينطوي هذا الفضاء على توتر فلسفي عميق: بين حاجة الجمهور إلى الترفيه الفوري الذي يُشبع الرغبات الحسية والنفسية، وبين دور الفنان في تهذيب الذوق الفني، أي رفع الوعي الجمالي نحو مستويات أعمق من التأمل والإدراك. من منظور استطيقي، لا يُقصد بالمهرجان مجرد حدث ترفيهي، بل هو تجربة جمالية متعددة الأبعاد تجمع بين الإحساس والتأمل. يسعى هذا البحث إلى استكشاف هذه الفلسفة المزدوجة: كيف يحقق المهرجان مطلب الترفيه دون أن ينحدر إلى التسطيح، وكيف يمارس الفنان دوره التهذيبي دون أن يبتعد عن متناول الجمهور؟ سنتناول هذا التوتر كديالكتيك إيجابي يُثري التجربة الإنسانية، لا كتناقض يجب حله بالقضاء على أحد طرفيه. ماهي الارهاصات التي مهدت لقيام فلسفة المهرجان؟ وكيف ارتبطت بالمسرح الاغريقي وبالاحتفالات الدينية في المعابد؟ وكيف قطعت الفلسفة مع هذه الممارسات؟ ومتى ظهر المهرجان؟ وما الفرق بينه والكرنافال؟ ماهي أغراضهما؟ وماهي الأبعاد الفنية الجمالية لكليهما؟

فلسفة المسرح الإغريقي القديم

المسرح كفعل فلسفي وديني

يُعد المسرح الإغريقي القديم أحد أعظم الإنجازات الثقافية والفلسفية في تاريخ البشرية. لم يكن مجرد ترفيه أو عرض فني، بل كان فعلاً جماعياً يجسد رؤية الإغريق للوجود الإنساني، للعلاقة بين الإنسان والآلهة، ولطبيعة المصير والحرية. نشأ المسرح في سياق المهرجانات الديونيسية (مهرجانات ديونيسوس إله الخمر والخصوبة والنشوة)، حيث تحول الطقس الديني تدريجياً إلى فن درامي منظم.

فلسفياً، يمثل المسرح الإغريقي تجسيداً للتوتر الأبدي بين «الأبولوني» (النظام، الشكل، الوضوح) و«الديونيسي» (النشوة، الفوضى، الغريزة)، كما تجلى لاحقاً في الفكر الفلسفي. إنه فن يجمع بين المحاكاة والتطهير، بين المتعة والمعرفة، وبين الفرد والمجتمع. في هذه الدراسة، سنستكشف أبعاده الفلسفية والاستطيقية بعمق، مع التركيز على جوهره كوسيلة لاستكشاف الإنسانية.

النشأة والسياق الديني-الاجتماعي

بدأ المسرح الإغريقي في أثينا القرن السادس قبل الميلاد، مرتبطاً بمهرجان «الديونيسيا الكبرى». كان العرض يُقام في «مسرح ديونيسوس» المبني على منحدر تل، حيث يجتمع آلاف المواطنين. الجوقة تمثل الصوت الجماعي، الذي يعكس قيم المجتمع ويعلق على الأحداث، بينما يواجه البطل مصيره. دينياً، كان المسرح احتفالاً بقوى الحياة والموت. ديونيسوس يرمز إلى التحول والانبعاث، والمسرح يسمح للجمهور بمواجهة الرعب والشفقة في بيئة آمنة. اجتماعياً، كان المسرح مدرسة ديمقراطية: يناقش قضايا الحرب، العدالة، السلطة، والأخلاق. المواطنون الأثينيون، الذين يشاركون في الجمعية، يرون على المسرح انعكاساً لصراعاتهم السياسية والأخلاقية.

فلسفة المأساة: الشفقة، الرعب، والتطهير

تمثل المأساة قلب فلسفة المسرح الإغريقي. هي ليست مجرد قصة حزينة، بل استكشاف للحدود الإنسانية. البطل المأساوي عادة نبيل ومثالي، لكنه يقع في خطأ  — قد يكون خطأً أخلاقياً أو جهلاً أو عناداً — فيواجه قوى أكبر منه: القدر ، الآلهة، أو قوانين الكون. أرسطو في «فن الشعر» يصف المأساة بأنها تقليد لفعل جليل، يثير الشفقة والخوف، ويؤدي إلى التطهير. هذا التطهير ليس مجرد تنفيس عاطفي، بل تحول معرفي: الجمهور يتعلم من خلال معاناة الآخرين، فيخرج أكثر نقاءً ووعياً. المأساة تُظهر أن الإنسان حر في اختياراته، لكنه محكوم بقوانين عليا، مما يولد إحساساً بالرهبة الدينية أمام الكون. عند إسخيلوس، تكون المأساة تعليمية ودينية، تركز على العدالة الإلهية (مثل ثلاثية أوريستيا). أما سوفوكليس فيبرز الصراع بين الإرادة الفردية والقدر (أوديب ملكاً). ويوربيدس يُدخل شكاً أكبر في الآلهة والتقاليد، مما يجعل المأساة أكثر إنسانية ونفسية.

فلسفياً، تطرح المأساة أسئلة أنطولوجية: ما طبيعة العدالة؟ هل الإنسان مسؤول أم ضحية؟ كيف نواجه الموت والمعاناة؟ إنها فلسفة عملية تُعلم التواضع والحكمة من خلال العاطفة لا الجدل النظري فقط.

فلسفة الكوميديا: السخرية والاحتفاء بالحياة

لم يكن المسرح الإغريقي مأساوياً فقط. الكوميديا تمثل الجانب الديونيسي الاحتفالي. عند أريستوفانيس، تكون الكوميديا ساخرة سياسية، تهاجم الساسة والفلاسفة والمفكرين (مثل «السحب» التي تسخر من سقراط). تستخدم الإباحية، التهريج، والمبالغة لتعريض المتناقضات الاجتماعية.

فلسفياً، الكوميديا تحتفل بالجسد والغرائز والحياة اليومية. هي رد فعل على الجدية المأساوية، تُذكر الإنسان بطبيعته الأرضية. من خلال الضحك، تُحرر الكوميديا من الخوف والسلطة، وتُعيد التوازن إلى المجتمع. إنها تُظهر أن الحقيقة قد تكون في السخافة أكثر مما في الوقار.

استطيقياً، يعتمد المسرح الإغريقي على مبادئ صارمة: وحدة الزمان والمكان والفعل. التمثيل يستخدم الأقنعة التي تكبر الصوت وتُعمم العواطف، مما يجعل الشخصية أسطورية لا فردية بحتة. اللغة شعرية، موسيقية، والجوقة تربط بين العالم الإنساني والكوني. الجمال هنا ليس زخرفياً، بل عضوياً: يخدم الغرض الأخلاقي والمعرفي. المسرح يجعل المشاهد مشاركاً، لا متفرجاً سلبياً. من خلال «المحاكاة»، يقلد الفن الطبيعة والحياة، لكنه يرتقي بها إلى مستوى أعلى من الوضوح والنظام.

نقد أفلاطون والدفاع الأرسطي

يُعتبر موقف أفلاطون من المسرح مثيراً للجدل. في «الجمهورية»، ينتقد الشعر والمسرح لأنه يقلد الظلال (عالم المحسوسات)، ويثير العواطف الدنيا، مما يُضعف السيطرة العقلية. يرى أن المأساة تُغذي الشفقة والخوف اللذين يجب السيطرة عليهما. يطالب بطرد الشعراء من المدينة المثالية، إلا إذا أثبتوا فائدتهم الأخلاقية. في المقابل، يدافع أرسطو عن المسرح كوسيلة تربوية. التطهير يُنقي النفس، والمأساة تُعلم الفضيلة بالمثال السلبي. هذا الجدل يعكس توتراً فلسفياً أعمق: هل الفن يُفسد أم يُرقي؟ هل العاطفة عدو العقل أم مكمله؟

دلالة المسرح الإغريقي في الفكر الإنساني

يظل المسرح الإغريقي نموذجاً للفن الذي يجمع بين الترفيه العميق والتأمل الفلسفي. هو يُظهر أن الفن ليس هروباً من الواقع، بل مواجهة له بكل أبعاده: السياسية، الأخلاقية، الميتافيزيقية. في عصرنا، يذكرنا بأهمية الفن الجماعي الذي يُربي المواطن ويُطهّر العواطف، بدلاً من الاستهلاك السطحي. المسرح الإغريقي يُعلمنا أن الإنسان كائن مأساوي-كوميدي: عظيم في طموحه، هزيل أمام القدر، مضحك في تناقضاته. من خلال هذا الفن، يصل الإنسان إلى وعي أعمق بذاته وبعالمه، في لحظة احتفالية مشتركة ترفع الروح وتُنير العقل.في الختام، فلسفة المسرح الإغريقي القديم هي فلسفة الحياة نفسها: مواجهة المصير بشجاعة، الاحتفاء بالوجود رغم المعاناة، والسعي إلى الحكمة من خلال الجمال. إنه إرث يتجاوز الزمن، يدعونا إلى إحياء فن يُعيد اكتشاف ما هو إنساني فينا.

الكاثارسيس كمحور فلسفي في نظرية التراجيديا عند أرسطو

يُعد مفهوم «الكاثارسيس» أحد أكثر المفاهيم إثارة للجدل في الفكر الأرسطي، وخاصة في كتاب «فن الشعر». ليس الكاثارسيس مجرد مصطلح فني يتعلق بالمسرح، بل هو مفهوم فلسفي يجمع بين علم النفس، الأخلاق، والاستطيقيا. يشير إلى التأثير الذي تمارسه المأساة على المتلقي، حيث تثير عواطف معينة ثم تؤدي إلى تخليص النفس منها أو تهذيبها. في سياق فلسفة أرسطو الشاملة، يرتبط الكاثارسيس بمفهوم الاعتدال الأخلاقي، وبفكرة أن النفس تحتاج إلى توازن بين العواطف المضطربة والعقل المنظم. إنه ليس تنفيساً عشوائياً، بل عملية منظمة تحول العاطفة الخام إلى خبرة معرفية وأخلاقية. سنحلل هنا المفهوم من جذوره النصية، معانيه المحتملة، دلالاته الفلسفية، وعلاقته بالعناصر الأخرى في نظرية أرسطو للتراجيديا.

السياق النصي في «فن الشعر»

يظهر مصطلح الكاثارسيس في تعريف أرسطو للتراجيديا:

«التراجيديا إذن تقليد لفعل جليل... تثير الشفقة والخوف، وتؤدي بهما إلى الكاثارسيس».هنا، تكمن أهمية النقطة: المأساة لا تثير الشفقة والخوف فقط، بل تُحقق بهما كاثارسيس. الشفقة تنشأ من رؤية بطل يعاني أكثر مما يستحق، بينما ينشأ الخوف من الشعور بأننا معرضون لمثل هذا المصير. أما الكاثارسيس فهو النتيجة النهائية لهذه الإثارة. كما يربط أرسطو الكاثارسيس بالبنية الدرامية: الحبكة يجب أن تكون موحدة، تؤدي إلى انقلاب وتعرف ، وتنتهي بسقوط البطل بسبب خطأ ما. هذه العناصر تخلق التوتر العاطفي الذي يبلغ ذروته ومن ثم يتحرر.

معاني الكاثارسيس: التعدد التأويلي

كلمة «كاثارسيس» في اليونانية تحمل دلالات طبية ودينية وأخلاقية:

المعنى الطبي (التطهير أو التنقية): يُشبه أرسطو تأثير المأساة بدور الدواء. تماماً كما يُخرج الدواء الرطوبات الضارة من الجسد، تُخرج المأساة التراكمات العاطفية (الخوف والشفقة) من النفس. هذا التفسير «التنفيسي» يرى الكاثارسيس كعملية إفراغ تُعيد التوازن النفسي. النفس بعد المسرحية تكون أهدأ وأكثر صفاءً.

المعنى الديني-الطقسي (التطهير): مستمد من الطقوس الدينية حيث يُطهر الإنسان نفسه من الدنس. في المسرح، يُطهر المتفرج نفسه من العواطف «الزائدة» أو «الغير منضبطة» من خلال مشاهدة الآخرين.

المعنى الأخلاقي-التربوي: الأكثر توافقاً مع فلسفة أرسطو الأخلاقية. الكاثارسيس ليس إزالة العواطف، بل تهذيبها واعتدالها. المتفرج يتعلم كيف يشعر بالشفقة والخوف بشكل صحيح ومتناسب. بدلاً من أن تكون العواطف عمياء ومدمرة، تصبح مدربة ومفيدة للحياة الأخلاقية.

المعنى الاستطيقي (التوضيح أو الإدراك): بعض التفسيرات ترى الكاثارسيس كـ«توضيح» للعواطف. من خلال الشكل الفني المنظم (الوحدة، الإيقاع، اللغة الشعرية)، يرى المتفرج عواطفه بوضوح أكبر، فيفهم طبيعتها وأسبابها. هنا يتحول العاطفي إلى معرفي.

أرسطو لا يُفصل المعنى بدقة، مما أدى إلى الجدل عبر العصور. لكنه يميل إلى الجانب التربوي-النفسي، بما يتوافق مع رؤيته للفن كوسيلة لتحقيق السعادة والاعتدال.

علاقة الكاثارسيس بالعناصر الأخرى في نظرية أرسطو

بالمحاكاة: المأساة تقلد الفعل الإنساني. الكاثارسيس يحدث لأننا نرى «مقلداً» لا واقعاً مباشراً، مما يسمح بالمسافة العاطفية اللازمة للتطهير دون الغرق في الألم الحقيقي.

بالخطأ: سقوط البطل بسبب خطأ غير شرير تماماً يثير الشفقة (لأنه غير مستحق) والخوف (لأنه محتمل). هذا يجعل الكاثارسيس أكثر فعالية، لأنه يتجنب الاشمئزاز (من شر مطلق) أو اللامبالاة (من عدالة كاملة).

بالبنية الدرامية: الكاثارسيس هو ذروة وخاتمة العملية الدرامية. الحبكة الجيدة تبني التوتر ثم تحرره بطريقة مرضية.

هكذا يُعكس الكاثارسيس رؤية أرسطو للنفس البشرية ككيان يحتاج إلى التوازن. العواطف ليست شراً يجب قمعه، بل طاقات تحتاج إلى تهذيب. هذا يختلف عن النزعة الأفلاطونية التي ترى العواطف خطراً على العقل. عند أرسطو، الفن يساعد في تحقيق الفضيلة بالتدريب العاطفي لا بالقمع. كما أنه يربط الاستطيقيا بالأخلاق: المتعة الفنية الناتجة عن المأساة ليست متعة رخيصة، بل متعة «نقية» تنبع من إرضاء الغريزة المعرفية والعاطفية معاً. المسرح إذن ليس ترفيهاً فقط، بل تربية للمواطن. من الناحية النفسية، يُعد الكاثارسيس سابقاً لما طورته علم النفس الحديث حول التنفيس العاطفي والتعرض العلاجي للمخاوف. ورغم قدمه، يظل مفهوم الكاثارسيس ذا صلة عميقة. في زمن الدراما التلفزيونية والسينما والألعاب، نرى كيف تثير القصص المأساوية الشفقة والخوف ثم تمنح المتلقي إحساساً بالتحرر أو الفهم.

الكاثارسيس عند أرسطو هو عملية استطيقية-نفسية-أخلاقية تحول الإثارة العاطفية إلى توازن ومعرفة. إنه يُبرهن على قوة الفن في تهذيب النفس البشرية دون إنكار عواطفها. من خلال إثارة الشفقة والخوف ثم تحريرهما بشكل منظم، تُصبح المأساة مدرسة للحياة: تُعلمنا الرحمة، التواضع أمام المصير، والاعتدال العاطفي.بهذا المفهوم، يرتقي أرسطو بالمسرح من مجرد تسلية إلى فلسفة عملية تُساهم في تحقيق السعادة الإنسانية. الكاثارسيس ليس نهاية العمل الفني، بل بداية لتأثيره الدائم في نفس المتلقي، فيجعله أكثر إنسانية وأعمق وعياً. يساعدنا أرسطو على التساؤل: هل ما نشاهده يُطهّرنا فعلاً أم يُغرقنا في العواطف دون تحرير؟ هل يُهذب ذوقنا أم يُنميه بشكل مرضي؟ وكيف ساهمت أفكار أرسطو في نشأة المهرجان؟

طبيعة المهرجان وأبعاده الاستطيقية

المهرجان، في أعمق معانيه، هو تعليق مؤقت للنظام الاجتماعي اليومي. إنه زمن الكرنفال حيث تذوب الحدود بين المشاهد والمشارك، وبين الفن والحياة. استطيقياً، يعتمد على مبدأ «الانغماس الحسي» الذي يجعل الجسد والعواطف شركاء أساسيين في إنتاج المعنى الجمالي. الإيقاعات، الألوان، الحركات، والأصوات تُشكل وحدةً عضوية تتجاوز التمثيل إلى «الحضور» الحي. هنا يبرز الفرق بين الترفيه البحت والتجربة الاستطيقية الحقيقية. الترفيه يُشبع الحاجة إلى المتعة اللحظية: الضحك، الدهشة، الإثارة، والإلهاء عن هموم الواقع. أما التهذيب الفني فيتطلب «مسافة استطيقية» تسمح بالتأمل، حيث يتحول الإحساس إلى وعي جمالي يُعيد تشكيل ذوق المتلقي. الفنان في المهرجان ليس مجرد مُسلٍّ، بل هو مهندس تجربة تحول المتعة إلى معرفة، والانفعال إلى بصيرة.

مطلب الترفيه عند الجمهور: البعد النفسي والاجتماعي

يحتاج الإنسان، بطبيعته، إلى لحظات انفلات من قيود الواقع. الترفيه في المهرجان يُلبي هذه الحاجة من خلال تحرير الطاقة المكبوتة، سواء على مستوى الجسد (الرقص، الغناء الجماعي) أو على مستوى النفس (الضحك من السخرية، الفرح بالجمال الزائل). من الناحية النفسية، يعمل الترفيه كآلية توازن: يُفرغ التوترات ويُعيد شحن الطاقة الحيوية.

اجتماعياً، يُتيح المهرجان «الانقلاب المؤقت» الذي يسمح للفئات المختلفة بالمشاركة في تجربة مشتركة، مما يعزز الشعور بالانتماء والتسامح. الجمهور لا يطلب دائماً «فنًا عالياً» بقدر ما يطلب لحظة مشتركة من الفرح. هنا تكمن قوة المهرجان: قدرته على الوصول إلى الجميع، بغض النظر عن مستوى الثقافة أو الذوق. الترفيه إذن ليس ترفاً سطحياً، بل ضرورة وجودية تجعل الحياة محتملة وممتعة.

ومع ذلك، يحمل الترفيه خطراً استطيقياً: خطر الوقوع في «الإغراق الحسي» الذي يُفقد المتلقي قدرته على التمايز. عندما يصبح المهرجان مجرد سلسلة من المؤثرات السريعة، يتحول إلى استهلاك فني يُضعف الذوق بدلاً من تهذيبه. هنا يبرز دور الفنان كعامل توازن.

دور الفنان في تهذيب الذوق: التربية الاستطيقية

يُعرف الفنان في السياق المهرجاني بأنه «الوسيط الجمالي» الذي يمتلك القدرة على تحويل المادة الخام (الإيقاع، الصورة، الكلمة) إلى تجربة معنى. تهذيب الذوق لا يعني فرض ذوق نخبوي، بل تدريج المتلقي نحو إدراك أدق للجمال. يبدأ ذلك من الإحساس المباشر (المتعة الحسية) ويصعد إلى التأمل (الوعي بالشكل والمضمون) ثم إلى التحول الوجودي (إعادة النظر في الذات والعالم).

استطيقياً، يعتمد التهذيب على مبدأ «اللعب الجمالي» حيث يجمع الفنان بين الحرية والانضباط. هو يُمتع الجمهور ليُفتح له أبواب الإدراك. على سبيل المثال، يمكن لعرض موسيقي شعبي أن يحتوي على طبقات معقدة من الإيقاع والانسجام تُربي السمع دون أن يشعر الجمهور بالجهد. الفنان الحقيقي لا يحتقر المتعة، بل يستخدمها كبوابة للعمق. في هذا السياق، يتحول المهرجان إلى مدرسة استطيقية مفتوحة. الفنان يُدرب الذوق على التمييز بين الجمال الحقيقي (الذي يجمع بين المتعة والمعنى) والتقليد الزائف. هذا الدور يتطلب من الفنان وعياً مزدوجاً: وعياً باحتياجات الجمهور، ووعياً بمسؤوليته التربوية. إنه يمشي على حبل مشدود بين الشعبية والعمق.

الديالكتيك بين الترفيه والتهذيب: نحو توازن استطيقي

التوتر بين مطلب الترفيه ومهمة التهذيب ليس تناقضاً يجب إلغاؤه، بل هو طاقة دافعة. عندما ينجح المهرجان، يصبح الترفيه وسيلة للتهذيب، والتهذيب مصدر متعة أعمق. هذا التوازن يتحقق عندما يُصمم الفنان تجربته بحيث تكون «متعددة المستويات»: سطحها يُمتع الجميع، وباطنها يُثري من يرغب في الغوص.استطيقياً، يمكن فهم هذا الديالكتيك من خلال مفهوم «الجمال كلعب» الذي يجمع بين الحرية (الترفيه) والقانون (الهيكل الفني). الفنان الذي يفهم جمهوره يخلق «فضاءً انتقالياً» يسمح بالانتقال التدريجي من المتعة الحسية إلى المتعة التأملية. هنا يتحقق «الارتقاء الجمالي» دون إقصاء أحد. ومع ذلك، تواجه هذه الفلسفة تحديات معاصرة. في عصر الاستهلاك الرقمي والمهرجانات التجارية الضخمة، غالباً ما يُهيمن الترفيه السطحي بحثاً عن الربح السريع، مما يُضعف دور الفنان التربوي. كما أن بعض الفنانين يميلون إلى النخبوية المغلقة، فيبتعدون عن الجمهور ويفقدون قدرتهم على التأثير. الحل يكمن في «الفن الشعبي الراقي» الذي يحافظ على أصالته دون أن يخون متعة الجمهور. هكذا يمتد تأثير المهرجان إلى أبعاد وجودية أعمق. استطيقياً، هو لحظة «تجسيد» للجمال في العالم. الجمهور يعيش تجربة جماعية تُعيد اكتشاف الجسد كمصدر للفرح لا للكبت فقط. الفنان، من جهته، يمارس حريته الإبداعية كفعل مسؤول يُساهم في تشكيل الذائقة العامة.كما أن المهرجان يُعيد الاعتبار للحواس في زمن الهيمنة الرقمية. فبدلاً من النظرة السطحية على الشاشات، يُقدم تجربة كلية تجمع الرؤية والسمع واللمس والشم والذوق في وحدة حية. هذا الإحياء الحسي هو أساس التربية الاستطيقية الحقيقية.

مفهوم الكرنفال عند ميخائيل باختين

يُشكل مفهوم الكرنفال (Carnival) أحد أبرز المفاهيم في فكر ميخائيل باختين (1895-1975)، ويُعتبر محور كتابه الشهير فرانسوا رابيليه وثقافة العصور الوسطى والنهضة (1965). ليس الكرنفال مجرد احتفال موسمي أو مهرجان شعبي، بل رؤية كونية ومبدأ جمالي واجتماعي يعبر عن فلسفة باختين في الثقافة الشعبية، الجسد، الضحك، والحوارية. يرى باختين في الكرنفال تعبيراً عن "ثقافة شعبية مضادة" للثقافة الرسمية الجادة والهرمية. كما يستمد باختين مفهومه من الكرنفال التاريخي في العصور الوسطى والنهضة، خاصة في أعمال فرانسوا رابيليه (غارغانت وا وبانتاغرويل). الكرنفال ليس مجرد ترفيه، بل عالم مقلوب يعلق فيه النظام الرسمي مؤقتاً. الطابع الشعبي: ينتمي إلى "ثقافة السوق" أو الثقافة الشعبية ، بعيداً عن قصور الملوك والكنيسة.

الطابع اليوتوبي: يخلق مساواة مؤقتة بين الناس، يختفي فيها التراتب الاجتماعي، والخوف، واللياقة الرسمية.

الطابع المؤقت: هو "احتفال الزمن" الذي يدمر القديم ويبشر بالجديد، مرتبطاً بدورات الطبيعة (الموت والتجدد).

خصائص الكرنفال الرئيسية

أ. الضحك الكرنفالي

الضحك عند باختين ليس سخرية فردية بل ضحكاً جماعياً عالمياً. هو ضحك "مفرح ومنتصر" يسخر من السلطة والموت والخوف، ويحرر الإنسان من الرهبة الرسمية. يختلف عن الضحك الساخر الحديث (الذي يستهدف فرداً) بأنه يشمل الجميع، بما في ذلك الضاحكين أنفسهم.

ب. الواقعية البشعة

يحتفل الكرنفال بالجسد "السفلي": البطن، الأعضاء التناسلية، الفم، البراز، الأكل، الشرب، والجنس. هذا الجسد "المفتوح" يرمز إلى التجدد والخصوبة. يقابل الجسد "الكلاسيكي" المغلق والمثالي (مثل تماثيل اليونان). البشع يمزج بين الموت والحياة، الجميل والقبيح، العالي والسفلي.

ج. التبادل والمقلوب

قلب الهرميات: الملك يصبح مهرجاً، والمهرج ملكاً.

الإهانة المجددة: الشتائم والإهانات جزء من الاحتفال، لأنها تدمر السلطة القديمة وتفتح الباب للتجدد.

الإكليل والخلع: تتويج الملك الكرنفالي ثم خلعه يرمز إلى دورة الزمن.

د. الحوارية والتعددية الصوتية

يرتبط الكرنفال ارتباطاً وثيقاً بمفهومي باختين الأساسيين: الحوارية والتعددية الصوتية. في الكرنفال، تتصادم الأصوات واللغات والأساليب (لغة السوق، اللهجات، الشتائم، الصلاة) في حرية مطلقة. لا صوت واحد مهيمن.

الكرنفال كمبدأ أدبي وثقافي

يطبق باختين المفهوم على الأدب:الرواية الكرنفالية: روايات مثل أعمال رابيليه، دستويفسكي، أو حتى بعض أعمال جيرارد مانلي هوبكنز. تتميز بالفوضى، التنوع، الضحك، والجسدية.

النوع الأدبي: يؤثر الكرنفال في أجناس مثل "المينيبية" التي تسمح بحرية كبيرة في الخيال والفلسفة والسخرية.

الانتقال إلى الحداثة: مع صعود الدولة الحديثة والرأسمالية، يتراجع الكرنفال الحقيقي، لكنه يبقى كإمكانية في الأدب والثقافة الشعبية (المهرجانات، السيرك، الكوميديا).

فلسفة الجسد: يعيد باختين تأهيل الجسد الشعبي ضد الروحانية المسيحية الرسمية أو النزعة الكلاسيكية.

نقد السلطة: الكرنفال شكل من أشكال المقاومة الشعبية غير العنيفة، يسمح بالتنفيس عن التوترات الاجتماعية دون ثورة دموية.

رؤية زمنية: الزمن الكرنفالي "شعبي"، يرتبط بالدورات الطبيعية، مقابل الزمن الرسمي الخطي والجاد.

الطابع الطوباوي: يقدم صورة مؤقتة لعالم بدون خوف ولا سلطة، لكنه لا يدعو إلى ثورة دائمة، بل إلى تجدد مستمر.

قوى المفهوم: يوفر أداة تحليلية قوية لفهم الثقافة الشعبية والأدب.

يربط بين الجماليات والسياسة والاجتماع.

يؤثر تأثيراً كبيراً في الدراسات الثقافية، ما بعد الكولونيالية، ودراسات الجسد.

الانتقادات:المثالية: يبالغ باختين في الحرية الكرنفالية، وقد تكون هذه الاحتفالات في الواقع تابعة للسلطة (تفريغ الضغط).

الرومانسية للشعبي: يُتهم باختين بتجميل الثقافة الشعبية وتجاهل عنفها أو تناقضاتها.

السياق السوفييتي: كُتب الكتاب في ظروف قمعية، فالكرنفال يُقرأ أحياناً كرمز للمقاومة ضد الستالينية.

خاتمة

في الختام، تكمن فلسفة المهرجان في قدرته على الجمع بين طرفي الثنائية: ترفيه الجمهور وتهذيب ذوقه. هذا الجمع ليس تسوية رخيصة، بل توليف استطيقي يُثري الإنسانية. الفنان الذي يفهم هذه الفلسفة يصبح مهندساً لتجارب تحول المتعة إلى وعي، والاحتفال إلى تحول.المهرجان الحقيقي هو ذلك الذي يجعل الجمهور يخرج منه أكثر حيوية وأعمق ذوقاً. إنه ليس مجرد حدث، بل مناسبة وجودية تُذكرنا بأن الجمال ليس رفاهية، بل ضرورة إنسانية. وبهذا، يظل المهرجان شاهداً على قدرة الفن على التوفيق بين الحاجات الأرضية والتطلعات الروحية، بين الجسد والروح، بين اللحظة والأبدية. هذه المقاربة تدعو الفنانين والمنظمين إلى تبني وعي استطيقي يرفض كلا التطرفين: الترفيه التسطيحي والنخبوية المعزولة، لصالح مهرجان يحتفل بالإنسان ككل. مفهوم الكرنفال عند باختين ليس احتفالاً تاريخياً فقط، بل فلسفة للحرية والتجدد من خلال الضحك والجسد والحوار. هو دعوة للنظر إلى الثقافة من أسفل، من منظور الشعب والسوق والجسد، لا من أعلى (القصر أو الكنيسة). في عالمنا المعاصر، الذي يسيطر عليه الجدية الاستهلاكية أو السلطة الرقمية، يظل الكرنفال تذكيراً بإمكانية قلب الأوضاع، والضحك من الخوف، واحتفال الجسد المفتوح بالحياة. هو، في النهاية، تعبير عن تفاؤل باختين بالقدرة البشرية على التجدد المستمر رغم كل أشكال القمع. فكيف يتم تطوير ثقافة المهرجات لكي تحوز على معنى مرموق؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

لقد جعل تطور العقل البشري الإنسان العاقل أنجح الكائنات الحية ومنحه الحق في احتلال قمة شجرة التطور، ولكن ربما في المستقبل، مع استمرار التطور، سيتم استبدال موقعه بآلات أكثر ذكاءً ذات قدرات عقلانية فائقة.

سيناقش هذا المقال مفهوم العقلانية وعلاقتها بالدين والعلم، ومفارقات العقلانية التي يواجها الإنسان.

تُعرَّف العقلانية بأنها اتجاه فلسفي ينظر إلى العقل باعتباره المصدر الأكثر موثوقية للمعرفة، وأن الإنسان يستطيع الوصول إلى الحقائق الكبرى عبر التفكير المنطقي والاستدلال، وليس من خلال الحواس وحدها.

برزت العقلانية في أوروبا خلال القرن السابع عشر، مع فلاسفة اعتبروا العقل أساسًا لكل معرفة يقينية، وكان أبرزهم ديكارت الذي جعل التفكير أساس الوجود، وسبينوزا الذي رأى أن الكون منظم وفق قوانين عقلية. هؤلاء الفلاسفة حاولوا بناء معرفة شاملة تعتمد على العقل وحده، وتفسر الطبيعة والإنسان وفق مبادئ منطقية صارمة.

يؤمن العقلانيون بأن الإنسان يولد مزوّدًا ببديهيات عقلية فطريه، مثل مبادئ الرياضيات والمنطق، وان العقل قادر على إدراك حقائق سابقة على التجربة، وان الشك المنهجي أداة لتصفية الأفكار، ومقاومه الاعتماد على الحواس، التي تُعتبر مصدرًا غير موثوق به للمعرفة اليقينية٠وهناك أيضاً اعتقاد بأن قوانين العقل تتوافق مع قوانين الطبيعة، وأن الكون منظم بطريقة يمكن للعقل أن يفهمها تماماً.

تُعد العلاقة بين العقلانية والإيمان الديني واحدة من أكثر المواضيع إثارة للجدل في الفلسفة، ويجب تحليل هذه العلاقة من منظور أكاديمي محايد لفهم هذه العلاقة المعقدة التي تتشابك فيها أسئلة المعرفة والوجود والغاية. فالعقلانية والإيمان نظامين معرفيين مستقلين نسبيًا، لكل منهما أدوات هو حدوده ومجاله الخاص، والتوتر بينهما هو تعبير عن اختلاف في طبيعة الأسئلة التي يسعى كل منهما إلى الإجابة عليها.

العقلانية هي الافتراض بأن الواقع نفسه له بنية عقلية يمكن إدراكها من خلال مبادئ الرياضيات والمنطق دون الحاجة إلى تجربة حسية، وأن الواقع منظم بطريقة تسمح للعقل بفهمه. في المقابل، يعتمد الإيمان الديني على الوحي، الذي يوفر معرفة تتجاوز حدود العقل التجريبي. ويقوم الإطار المعرفي للإيمان على تفسير غاية الوجود، واستنباط الأخلاق من مصدر غير بشري، وقبول ما هو غير مرئي، الذي لا يستطيع العقل وحده إدراكه. وهكذا، يُقدّم الإيمان نوعًا آخر من المعرفة المرتبطة بالغاية والمعنى. تُبيّن الفلسفة الحديثة، ولا سيما وفقًا لكانط، أن للعقل حدودًا لا يمكن تجاوزها، أبرزها عجزه عن إثبات الغايات النهائية وتقديم معنى شامل للوجود.  وبالمثل، فإن للوحي حدود معرفية، كعجزه عن تقديم برهان عقلاني واعتماده على الإيمان بدلًا من الاستدلال.

توجد نماذج مختلفة لفهم العلاقة بين العقلانية والإيمان. أحدها نموذجٌ توافقي، يفترض أن العقل والوحي يكشفان الحقيقة نفسها بطرق مختلفة. وآخر نموذجٌ انفصالي، يميز بين العقل والإيمان، ويربط العقل بالمعرفة والإيمان بالمعنى والأخلاق. أما نموذج الصراع فينظر إلى الدين على أنه ينتمي إلى مرحلة ما قبل العقلانية.

ربما أفضل موقف هو اعتبار أي توتر بين العقلانية والإيمان بمثابة تعبير عن ثراء التجربة الإنسانية، حيث يسعى العقل إلى الحقيقة البرهانية ويسعى الإيمان إلى الحقيقة الروحانية٠

تتداخل العلاقة بين العقلانية والمعرفة العلمية في مسائل المنهج، واليقين، والحدود المعرفية. تؤكد العقلانية أن العقل قادر على إنتاج مبادئ عامة تُنظّم التفكير، وانها قادره علي فهم الواقع ضمن إطار نظري يسبق التجربة. في المقابل، يعتمد العلم علي الملاحظة المنهجيه، وصياغة الفرضيات، والاختبار التجريبي، والتفسير السببي للظواهر.

في الواقع، تتكامل العقلانية مع المعرفة العلمية على مستويات عديدة. فالعقلانية هي أساس العلم لأنها تفترض السببية، وإمكانية قياس الظواهر، وصحة الاستدلال المنطقي. ويرتكز العلم على بنية عقليه تسبق التجربة، حيث توفر العقلانية مبادئ عامة، ويختبر العلم صحتها، مما يجعل العلم تصحيحًا مستمرًا للعقلانية النظرية. مع ذلك، هناك نقاط توتر بينهما، فالعقلانية تبحث عن يقين ضروري، بينما يقبل العلم اليقين الاحتمالي، وتفسير الواقع عبر نماذج قابلة للتعديل، فالعلم يتغير بتغير الأدلة، بينما العقلانية أكثر ثباتًا.

توجد نماذج مختلفة تُعبّر عن العلاقة بين العقلانية والعلم: النموذج العقلاني الكلاسيكي، حيث يُنظر إلى العلم على أنه تطبيق للمبادئ العقلانية؛ والنموذج التجريبي، حيث تُختزل المعرفة إلى التجربة وحدها؛ والنموذج النقدي، حيث يُنظر إلى العقل على أنه يُهيئ الظروف للتجريب العلمي؛ والنموذج المعاصر، الذي جسّده فيلسوف العلم كارل بوبر، حيث يُنظر إلى العلم على أنه عملية مستمرة لنقد الفرضيات العقلانية. وبالتالي، يمكن القول إن العقلانية تُوفّر الإطار النظري الذي يجعل العلم ممكنًا، والعلم يُوفّر الاختبار التجريبي الذي يجعل العقلانية قابلة للتحقق. وهكذا، تُثري هذه العلاقة فهم البشرية للعالم.

توجد مفارقات جوهرية في العقلانية. يسعى العقل إلى توحيد وجهات النظر ودمجها، ولكنه في الوقت نفسه يخلق اختلافات من خلال عملياته التحليلية، مما ينتج عنه عدد لا حصر له من التفسيرات المختلفة. وهكذا، تقوم العقلانية على التناقض والاختبارات المتتالية للتناقض والتوفيق. ولا يستقر المسار الجدلي للعقل على حالة نهائية، وأي محاولة لتجميد العقل في معرفة نهائية تتلاشى سريعًا، لأن العقلانية، في جوهرها، هي فلسفة للاختلاف بقدر ما هي فلسفة النظام.

إن العقل، كاللغة، نظام واحد يوحد المتحدثين به، ولكنه أيضاً أداة لإنتاج عدد لا يحصى من الخطابات المختلفة. وبينما تؤدي العقلانية إلى وحدة الإطار والمنهجية، فإنها لا تستبعد الاختلاف، بل تُضفي الشرعية على كل تفسير٠

وهكذا، يبقى العقل في حالة توتر، يطرح الأسئلة، ولا يستقر على إجابات نهائية. لا تؤدي العقلانية إلى يقين مطلق، بل إلى يقين مؤقت قابل للتفكيك وإعادة البناء، وكل تفكيك ينتج عنه اختلاف معرفي جديد.

تحوّلت العقلانية في العصر الحديث، إلى أداة لتبرير مشاريع سياسية متعددة، ولم تعد معيارًا للتمييز بين الصواب والخطأ٠مع ذلك، تبقى العقلانيه أداة فعّالة لدحض الخرافات والادعاءات الباطلة.

يدرس العقل النقدي الأدلة، ويبحث عن البدائل، ضمن إطار من المسؤولية. فهو لا يترك الأمور للفوضى العارمة، بل يُخضعها لمنطق الحوار الموضوعي.

ختاماً، العقلانية هي تفسير متواصل لعالم يتحدى اختزاله إلى حقيقة واحدة. ورغم أنها قد لا تقدم الحقيقة المطلقة عن العالم، إلا أنها أداة حيوية لتفكيك المعرفة الزائفة. ومن خلالها، تتعلم البشرية مواجهة المجهول وإدراك أن السعادة تكمن في السعي وراء المعرفة، متقبلةً كل الصعوبات ومدركةً وجود وسائل متنوعة لاكتسابها.

***

د. سامح مرقس

 

"إذا كنا نقرأ في نفوس الآخرين دوافعنا وفهمنا نحن، فكيف لنا أن نفهم دوافعهم وفهمهم هم؟" مايكن كاريدرس الأنثربولوجيا الثقافية

يشيع في الكتابات الفكرية والأكاديمية استعمال كلمتي المفهوم والمصطلح كما لو أنهما مترادفان، حتى أصبح الخلط بينهما أمراً مألوفاً لا يكاد يلتفت إليه كثير من الباحثين. غير أن هذا الخلط ليس مجرد خطأ لغوي أو اصطلاحي، بل يعكس في العمق خللاً في طريقة التفكير نفسها. فحين نخلط بين المفهوم والمصطلح فإننا نخلط بين الفكر واللغة، وبين المعنى واللفظ، وبين ما ينتجه العقل وما تنقله الكلمات.

ولعل أول ما ينبغي التأكيد عليه أن المفهوم يسبق المصطلح وجوداً، بينما المصطلح يسبق المفهوم تداولاً. فالإنسان يدرك الأشياء أولاً، ثم يحاول التعبير عنها. غير أن هذه العلاقة البسيطة سرعان ما تصبح أكثر تعقيداً حين ندخل عالم المعرفة العلمية والفلسفية؛ إذ لا تعود الكلمات مجرد أسماء للأشياء، بل تتحول إلى أدوات لإنتاج المعرفة نفسها.

المفهوم هو بناء عقلي مجرد، أو صورة ذهنية منظمة، تتكون في العقل نتيجة التجربة والتأمل والمقارنة والتجريد. إنه ليس الشيء ذاته، ولا اسمه، وإنما المعنى الكامن وراء الاسم. أما المصطلح فهو الوعاء اللغوي الذي يحمل هذا المعنى، وهو الكلمة أو العبارة التي يتفق أهل الاختصاص على استخدامها للدلالة على مفهوم معين.

إذ إن العلاقة بين المفهوم والمصطلح تشبه العلاقة بين الروح والجسد؛ فالمفهوم يمنح المصطلح حياته ودلالته، بينما يمنح المصطلح المفهوم شكله القابل للتداول والتواصل. فإذا انفصل أحدهما عن الآخر فقد كلاهما وظيفته؛ فالمفهوم بلا مصطلح يبقى فكرة حبيسة الذهن، والمصطلح بلا مفهوم يتحول إلى لفظ أجوف تتداوله الألسن دون أن يحمل معنى حقيقياً.

غير أن السؤال الفلسفي لا يتوقف عند العلاقة بين المفهوم والمصطلح، بل يمتد إلى سؤال أكثر عمقاً: ما طبيعة العلاقة بين الكلمة والشيء؟ هل الاسم هو المسمى؟ وهل الألفاظ تحمل المعاني في ذاتها أم أنها مجرد رموز تشير إليها؟ هنا ندخل إلى أحد أهم ميادين الفلسفة المعاصرة، وهو فلسفة اللغة، التي كشفت أن الكلمات لا تمتلك معانيها بصورة طبيعية، وإنما تستمدها من السياقات الثقافية والاجتماعية والتاريخية التي تُستعمل فيها. فالكلمة ليست الشيء ذاته، وإنما علامة عليه. إنها، كما يقول موريس بلانشو، تحضر بوصفها إعلاناً عن غياب الشيء لا عن حضوره؛ فعندما ننطق بكلمة “بحر” لا يحضر البحر، بل تحضر صورته في وعينا، بما تحمله من ذكريات وتجارب وانفعالات تختلف من إنسان إلى آخر ومن هنا كان الخطأ المعرفي الأكبر هو المطابقة بين الكلمة والشيء، أو بين الدال والمدلول، وهو ما نبه إليه ألفرد كورزيبسكي حين صاغ عبارته الشهيرة: “الخريطة ليست الأرض”. فالكلمات ليست الواقع، وإنما أدوات لفهمه، وكلما ظن الإنسان أن اللفظ هو الحقيقة ذاتها، وقع أسيراً لما يمكن تسميته “عبودية الكلمات”

أن مثل هذة الإشكال من التجارب الثابتة مع الكلمات هي نوع من التحيز والتعصب الأعمى، عند الذين يبدو وكأن لديهم في ادمغتهم نقطة مكشوفة بحيث انها لو مست بكلمات لا يرغبون بحدث لديهم لتماس كهربائي أو شرت قد يحترق المصباح الكهربائي" المين سوتش"كله. ويعتقد الفريد" كورز يبسكي" مؤسس علم تطور المعنى العام": أن مثل هذا النوع من الاستجابات المكهربة: هي استجابة التسوية في الهوية،وهذا نمط من العقول يمكن وصفه بالعقول الأحادية البعد، التي لا تميز بين الرمز وما يرمز إليه، ولا بين الاسم والمسمى، فتتعامل مع الكلمات وكأنها حقائق مقدسة أو مدنسة في ذاتها. وما إن تسمع ألفاظاً مثل: الاشتراكية، أو العلمانية، أو الليبرالية، أو السلفية، حتى تستجيب لها انفعالياً قبل أن تسأل عن معناها أو سياقها. إنها لا تناقش المفاهيم، بل تحاكم الألفاظ، وتخلط بين الخريطة والأرض، وبين الرمز والواقع. ومن هنا يتولد التعصب، ويضيق أفق الحوار، وتتحول اللغة من جسر للتفاهم إلى أداة للاستقطاب والصراع ولعل الصحابي علي بن أبي طالب ، أدرك هذه الحقيقة مبكراً حين أوصى أبا موسى الأشعري في مناظرته للخوارج قائلاً: “لا تخاصمهم بالقرآن، فإن القرآن حمّال أوجه”. وهي إشارة بليغة إلى أن النصوص والكلمات لا تنطق بذاتها، وإنما يفسرها البشر وفق عقولهم وخبراتهم وأطرهم الثقافية.

إن كثيراً من الأزمات الفكرية في ثقافتنا العربية ترجع إلى التعامل مع المصطلحات وكأنها حقائق نهائية، بينما هي في الأصل مجرد علامات لغوية تشير إلى مفاهيم قابلة للنقد والمراجعة وإعادة البناء. ولهذا نختلف حول كلمات مثل: الحداثة، الهوية، الحرية، الديمقراطية، العقلانية، الأصالة، التراث، والعلمانية، لأننا كثيراً ما نناقش المصطلحات قبل أن نتفق على مفاهيمها.

فالخلاف في الغالب لا يكون حول اللفظ، وإنما حول المعنى الذي يحمله هذا اللفظ. وقد يستخدم باحثان المصطلح نفسه بينما يقصد كل منهما مفهوماً مختلفاً تماماً، فتتحول المناظرة إلى حوار بين عالمين لا يلتقيان. ولذلك فإن أول شروط التفكير العلمي هو تحرير المفاهيم قبل استعمال المصطلحات.

وهنا تظهر أهمية الفلسفة؛ فالفلسفة ليست علماً للمصطلحات، وإنما هي علم للمفاهيم. إنها لا تكتفي بتعريف الكلمات، بل تسأل عن المعاني الكامنة وراء الكلمات، وعن العلاقات التي تربط المفاهيم بعضها ببعض، وعن الشروط التاريخية والثقافية التي أنتجتها. ولهذا وصف جيل دولوز الفلسفة بأنها فن خلق المفاهيم، لأن المفهوم ليس معطى جاهزاً، بل بناء فكري يتطور باستمرار.

ومن هذا المنطلق يصبح التفكير الفلسفي انتقالاً من الكلمات إلى المعاني، ومن الألفاظ إلى البنى العقلية، ومن اللغة إلى الفكر. فليس المهم أن نحفظ المصطلحات، وإنما أن نفهم المفاهيم التي تشير إليها. ولهذا فإن كثرة المصطلحات لا تعني بالضرورة عمقاً فكرياً، كما أن بساطة اللغة لا تعني بالضرورة بساطة المفاهيم.

والفرق الجوهري بين الصورة والمفهوم أن الصورة تمثل شيئاً معيناً، بينما المفهوم يمثل فئة كاملة من الأشياء. الصورة تقول: هذا الإنسان، وهذه الشجرة، وهذا البحر. أما المفهوم فيقول: الإنسان، والشجرة، والبحر بوصفها معاني كلية تتجاوز الأفراد.

ومن هنا يمكن القول إن الحضارة الإنسانية هي تاريخ الانتقال التدريجي من سيادة الصور إلى سيادة المفاهيم. فالأسطورة تفكر بالصور، بينما الفلسفة تفكر بالمفاهيم. والخرافة تقدم صوراً مدهشة، بينما العلم يقدم مفاهيم قابلة للاختبار. وحتى الذكاء الاصطناعي، رغم قدرته الهائلة على إنتاج الصور، فإنه لا يصبح ذكياً بالمعنى الحقيقي إلا حين يستطيع التعامل مع المفاهيم والعلاقات المجردة.

إن الأمم التي تفكر بالمفاهيم تمتلك القدرة على إنتاج العلوم والنظريات وصناعة المستقبل، أما الأمم التي تكتفي بتداول المصطلحات أو الانبهار بالصور، فإنها تظل تدور في دائرة الاستهلاك المعرفي، مهما بلغت ثروتها اللغوية أو كثافة خطابها الإعلامي.

ختاما، يمكن تلخيص العلاقة بين المفهوم والمصطلح في عبارة واحدة: المفهوم المجرد هو عقل المعرفة، والمصطلح هو لسانها؛ فإذا صلح العقل استقام اللسان، وإذا ضاع المفهوم أصبحت المصطلحات أقنعة تتخفى وراءها الأوهام. ومن هنا فإن أولى خطوات التجديد الفكري ليست اختراع ألفاظ جديدة، بل إعادة هندسة المفاهيم التي نفكر بها، لأن الإنسان لا يرى العالم كما هو، بل كما تصوغه مفاهيمه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

تهافت العقلانية الجيوسياسية للشرق الأوسط

الشخصيات المفاهيمية: يوضح ألان دونو أن الهيمنة الشاملة لنظام التفاهة يستدعي تصنيف شخصيات مفاهيمية محددة تجسد ردود الفعل المختلفة تجاه هذا النسق الشمولي، وتكشف في الوقت ذاته كيف يعيد النظام إنتاج أدواته بفاعلية. تعكس هذه الشخصيات (نماذج رمزية مجردة وبروفايلات سلوكية) أنماط التكيف الذاتي مع المنظومة الرأسمالية على النحو الآتي:

الرافض المنسحب: وهو الذي يرفض النظام القائم كلياً ويختار الانسحاب المنعزل من دائرته، فيظل معزولاً ومفتقراً للفعالية السياسية والتغييرية الميدانية.

التافه بالطبيعة: وهو الكائن الذي يصدق أكاذيب النظام، ويعتنق أيديولوجياته بلا مسألة، ويرى ممارسات العصر النفعية أمراً طبيعياً، مشكلاً بذلك القاعدة الشعبية الصلبة والمستهلكة والداعمة لاستقرار المنظومة.

أستاذ المكائد: الانتهازي الشغوف بالسلطة، والذي يتصف بعدم الاقتناع العميق بأي مبدأ، ويكون متاحاً باستمرار لكل الاصطفافات المصلحية؛ وهو ما يمثل النخب السياسية والإدارية الصاعدة التي تدير آليات الفساد.

التافه رغماً عنه: وهو الذي يعي رداءة النظام وهشاشته لكنه يضطر للامتثال لمتطلبات الوظيفة والبقاء المادي، فيغذي عجلة الاقتصاد اليومي تحت وطأة الحاجة والإكراه البنيوي.

إن هذه الشخصيات المفاهيمية تجد ترجمتها المادية في الشرق الأوسط من خلال صعود "الأشباه" إلى سدة النفوذ وصناعة القرار. فالأنظمة التبعية وبُنى الفساد لا تعتمد فقط على القمع المباشر، بل تعتمد بشكل حيوي على "أشباه السياسيين"، و"أشباه المثقفين"، و"أشباه الإعلاميين"، و"أشباه رجال الأعمال"، ليكونوا بمثابة الدورة الدموية الفاسدة التي تضمن بقاء التبعية وتمرير سياسات الليبرالية الجديدة المهلكة للشعوب.

من سيولة المقاومة إلى شلل الانتباهة

تتبدى القوة التدميرية الكبرى لنظام التفاهة في قدرته البالغة على دمج حركات الرفض وردود الفعل المقاومة، وإعادة إنتاجها داخل أطر التفاهة والاستهلاك ذاتها. إن هذا الاحتواء الممنهج يمكن تفسيره فلسفياً من خلال التقاطع الحرج بين "مجتمع الاستعراض" لغي ديبور و"الحداثة السائلة" لزيجمونت باومان.

يطرح ديبور أن الاستعراض ليس مجرد تراكم للصور، بل هو علاقة اجتماعية بين الأفراد تتوسطها الصور، حيث يغدو حضور الفرد مشروطاً بظهوره ضمن منطق الصورة والسلعة. وهنا يبرز الدور الوظيفي للكذب السياسي الإعلامي؛ إذ لا يكتفي الإعلام المعاصر بنقل الخبر، بل يمارس هندسة مأجورة للوعي تتمأسس على التزييف وتفريغ المفاهيم. عبر الضخ الإعلامي المكثف والمحترف، يتم نزع السياق التاريخي والعمق الدلالي للمأساة الإنسانية، لتتحول المقاومة ودماء الضحايا إلى ما يشبه "الاستعراض الشاشاتي الحي".

إن هذا الكذب السياسي المتواصل عبر وسائل الإعلام يخلق حالة مرضية من الموت الشعوري؛ إذ يُغمر المواطن بسيل لا ينقطع من المشاهد المتناقضة والصدمات المتتالية، مما يؤدي تدريجياً إلى تخدير الوعي العام، وغياب "الانتباهة النقدية"، وتلاشي "الدهشة " الفلسفية التي تتولد عادةً عند مواجهة الظلم والقهر.اذ يتحول المواطن بفعل هذا التسطيح الإعلامي من ذائقة متأملة وفاعلة إلى حالة متقدمة من "اللااهتمام" والحياد السلبي تجاه ما يدور حوله.

في هذا الفضاء، سيقع الفعل المقاوم في فخ التسييل والاستهلاك الرقمي؛ إذ يتسمر المشاهد المعاصر أمام شاشته مستهلكاً لصور القتل والدمار كأنه منتج (فرجوي) يومي. ويتحول التضامن مع القضايا العادلة إلى تضامن مشروط بحجم المشاهدات والتفاعلات على المنصات الرقمية، مما يحول الفعل الأخلاقي الصلب إلى "تضامن استهلاكي" مؤقت وهش. إن الرغبة في التعبير واستعراض التضامن تفضي بالذات الرقمية إلى إنتاج وهم "السعادة الافتراضية"، بينما تظل القوى الحقيقية على الأرض محكومة بصراعات دموية وتوازنات قوة مادية غاشمة لا تؤثر في مجرياتها الفضاءات الافتراضية.

تتعزز هذه السيولة بفعل بنية الحداثة السائلة، حيث تذوب الروابط الاجتماعية المستقرة والهويات الصلبة لتستبدل بعلاقات افتراضية عاجلة تهيمن عليها نزعة الاستهلاك الفوري. إن الفرد الذي يسعى للمقاومة يضطر لاستخدام أدواته ومنصاته ولغته الرقمية لكي يُسمع صوته خارج الدوائر الضيقة. هذا الاستخدام الاضطراري يفرض على المقاوم صياغة خطابه بلغة النظام وصوره المبتورة، مما يؤدي فلسفياً إلى ابتلاع المقاومة داخل قيم المنظومة التي يسعى لتفكيكها.

تناول الفيلسوف بيونغ تشول هان هذه الظاهرة في نقد "مجتمع الشفافية"، مبيناً أن طغيان المرئي يمثل نوعاً من الفحش البصري الذي ينفي جلال الحضور الحقيقي والقداسة. فالصورة المستمرة من دون مسافة حجاب تحول التفكير النقدي الكثيف إلى مجرد عمليات حسابية خوارزمية سريعة. وعلى النحو ذاته، يرى تيودور أدورنو في نظريته الجمالية أن السوق الرأسمالية تهدد الفن وفاعلية الموقف النقدي حين تحول العمل الإبداعي والمقاوم إلى مجرد مروج إعلاني وتجاري، مما يستوجب الحفاظ على مسافة نقدية جمالية صلبة لمواجهة الهيمنة الرأسمالية التي تسعى لتسليع كل أشكال التمرد.

السياسة بين سلطة القوة وسيولة الرد

تتجلى الهزيمة الفلسفية الكبرى للعقلانية المعاصرة في صعود "العقلانية الأداتية" التي انتقدتها مدرسة فرانكفورت بقوة؛ حيث أُحيل العقل من أداة لتحقيق التحرر والانعتاق الإنساني إلى محض تقنية رياضية وحسابية تهدف إلى السيطرة على الطبيعة والإنسان لإعادة إنتاج علاقات الهيمنة. في ظل هذا النسق الأداتي، تُقصى الأحكام القيمية والأخلاقية والتأويلية بوصفها خارجة عن نطاق العلم الوضعي الضيق، وتُوظف التقنية الحديثة كأيديولوجيا تبرر السيطرة والقهر وتزاوج على نحو مقيت بين التقدم الصناعي والخرافات السياسية والاجتماعية لتثبيت الواقع القائم.

يترافق هذا الانهزام مع ما شخصه (باومان) من انفصال مأساوي بين "السلطة" و"السياسة". فبينما تحررت السلطة من الحدود والقيود القومية والترابية لتستقر في الفضاءات السائلة لرأس المال المعولم، بقيت السياسة محلية وعاجزة ومقيدة بالحدود الجغرافية. هذا الانفصال أفرغ السياسة من محتواها وصنع القرار الفعلي، تاركاً الساحة الدولية والمحلية لـ "سلطة القوة" العارية التي تفرض إرادتها من دون سند قيمي أو تواصل عقلاني. ضمن هذا الإطار الجيوسياسي، تبرز ظاهرة "سيولة الرد" كأثر مباشر لغياب الأطر المؤسسية الصلبة وتفكك الدولة الوطنية المستقلة؛ إذ يصبح الفعل المقاوم أو المعترض متغيراً ومؤقتاً وخاضعاً للظروف اللحظية، مما يمنع تشكيل مشروع تحرري دائم ومتماسك.

البعد الفلسفي للاستسلام وتفكيك السيادة من الداخل

يتخذ الاستسلام الممنهج لمجتمعات التفاهة في الشرق الأوسط بعداً فلسفياً عميقاً ينبع من فقدان السيادة التاريخية وتعميق التبعية البنيوية للمراكز الرأسمالية. فالرأسمالية النفعية في سياق حروب المنطقة لا تكتفي بوضع اليد على الموارد الطبيعية كالنفط، بل تعمل بنشاط على إعادة صياغة الوعي الجمعي المحلي لتقبل الهزيمة والاستسلام بوصفهما خياراً "عقلانياً" وحيداً. يتحقق هذا من خلال آليات ممنهجة تقودها السلطة المحلية الموالية للرأسمالية، والتي تقتضي قوانينها تركيز الثروات في يد أقلية طفيلية والاعتماد على الأنشطة المالية الموازية لتبييض الأموال.

يتجلى هذا الاستسلام الممنهج من خلال خطوات بنيوية متكاملة، تجريف الوعي النقدي الجماهيري واستبدال السياسة الحقيقية بثقافة استهلاكية متوحشة، ومحتويات ترفيهية مسطحة، ورياضات جماهيرية لتبديد طاقات الجماهير.

مأسسة التدليس الثقافي والأكاديمي

ان خضوع الجامعات ومراكز البحث والتعليم لإملاءات التمويل، تحولها إلى مصانع تنتج خبراء وظيفيين فاقدي القدرة على التفكير التأملي والنقد الاجتماعي، ومستعدين لتبرير السياسات الاقتصادية والاجتماعية الكارثية بذريعة السلطوية الإدارية والتقنية.لذا تكشف القراءة التفكيكية الفلسفية لتاريخ الصراعات الطويلة في الشرق الأوسط عن قانون صارم يحكم حركتها الجيوسياسية.

اذ لا يمكن بناء دولة مستقلة أو صيانة كرامة مجتمعية عبر تجريد الذات طوعاً من عناصر القوة المادية مقابل وعود خطية وضمانات دولية وهمية. إن الاستسلام الطوعي يمثل شكلاً من أشكال التفكيك الأحادي للسيادة من الداخل، وهو ما يتضح بجلاء عند تحليل المحطات التاريخية الكبرى في المنطقة.

أثبتت التجارب أن الدولة لا تُبنى بالتجريد النظري بل بخاصية الاستبدال والاستعاضة؛ أي عدم نزع الدرع أو كسر الأداة الحامية قبل بناء مؤسسة وطنية بديلة مكافئة وقادرة على صد سيف العدو. غير أن لغة الإدارة الجوفاء والوعود الدولية المدعومة لا تتبنى هذا الموقف المقاوم، بل تسهم في إدامة الارتهان.

استنتاجات فلسفية ونقدية

يكشف التفكيك الفلسفي المقارن أن تمكّن منظومة التفاهة من المشهد الصراعي في الشرق الأوسط يُحدث قطيعة مع القراءات التبسيطية السائدة، مُفضياً إلى رؤية نقدية تُعيد قراءة الصراع بوصفه أزمة وعي وهشاشة بنيوية، لا مجرد تجاذبات سياسية عابرة من خلال:

نزع الفاعلية الرقمية

إن حصر حركات التضامن والمقاومة في المساحات الافتراضية والشبكات الرقمية يسلبها قدرتها التغييرية الفعلية، ويحولها إلى سلع وصور قابلة للاستهلاك اليومي، مما يخدم البنية التحتية للرأسمالية والشركات المالكة للمنصات.

تحرير اللسان الفلسفي

لا يمكن مواجهة نظام التفاهة باستخدام قاموسه اللغوي الأجوف، بل يجب استعادة شحنة المعنى للمفاهيم التاريخية الكبرى كالمواطنة، والصراع البنيوي، والسيادة المادية، والحقوق الجمعية للشعوب.

تفكيك نخب التبعية

تتطلب مجابهة الاستسلام الممنهج تعرية "أشباه النخب" والمثقفين التابعين لتمويل الشركات والمؤسسات العابرة للحدود، وإعادة الاعتبار للمثقف العضوي والوعي النقدي والجامعات بوصفها حصوناً لإنتاج المعرفة الحرة الملتزمة بقضايا التحرر والإنسان.

***

غالب المسعودي

في المثقف اليوم