عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أوركسترا

منارات مدينة توره ديل مار

منذ القدم، شكّلت المنارات (الفنارة) رمزًا مميزًا لسواحل البحار، وارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالذاكرة العاطفية والوجدانية للبشرية. المنارة هب الحارسة الصامتة لسواحل المدن عبر العصور والازمان.حيث انها ذو وضيفة مهمة في توجيه السفن الراسية في الميناء في الليالي وابان هبوط الضباب. كما انها تعتبر مكانا مهما لتوديع الأحباب الذين يسافرون عبر البحر ومن ثم لقائهم حين يصلون عائدون الى البر من ابحارهم.

فمن منارة الإسكندرية في مصر، أشهر منارات العصور القديمة، إلى أحدثها، كانت جميعها أكثر من مجرد رموز على الساحل. وتتميز مدينة توري ديل مار (برج البحر) الأندلسية الساحلية الاخرى بوجود أكثر من منارة فيها، نظرًا لتغيير موقعها عدة مرات، مع أن واحدة فقط منها تعمل حاليًا. ومنذ القدم كذلك، مثّلت المنارات عنصرًا أيقونيًا على سواحل البحار . فمن أشهر منارات الماضي، هناك ما هو أكثر من مجرد شكل رمزي على الساحل. إنها رمز عزيز على قلوب الكثيرين ممن أنقذتهم. وفي توري ديل مار، يوجد شيء غير مألوف. تم تشييد العديد من المنارات في المدن الواقعة على طول ساحل آلبحر الأبيض في مدينة ملقه الأندلسية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ومن بينها، كانت أبرزها منارات إستيبونا وماربيا وبونتا دي لا كالابورا في ميخاس وتوري ديل مار نفسها، وكلها صممها المهندس أنطونيو مولينا.

نقرأ عن هذه المنارة الأولى في توري ديل مار تقع عند مصب نهر فيليز، بالقرب من الشاطئ، في منطقة منخفضة وغير مستقرة. وكانت إحدى ما يُسمى بمنارات الملاحة، التي صُممت وبُنيت في نهاية عام 1863. إلا أنها لم تدخل حيز التشغيل إلا بعد عام، في مارس 1864. في عام 1969 تم بناء برج توأم للمنارة الموجودة في شارع توري، على نفس الشاطئ. ومع ذلك، فإن هذا النقل المؤقت لم يستوف متطلبات خطة تحسين الإشارات البحرية التي وافقت عليها الحكومة، والتي تضمنت ضوءًا أطول مدى للمنارة. وبالتالي، ونظراً لمحدودية ارتفاع البرج الجديد، يُقترح استبداله ببرج آخر. بدأ بناء المنارة الحالية عام ١٩٧٤، بجوار المنارة القديمة وعلى نفس الساحل. هذا البرج الجديد أسطواني الشكل، مصنوع من الخرسانة المسلحة، وذو تصميم معياري. يتكون من ثلاثة أجزاء: قاعدة، وعمود وغرفة صيانة، وبرج صغير. يبلغ ارتفاعها 24.70 متراً وقطرها 3 أمتار. ويتكون إضاءتها من ومضات بيضاء في مجموعات من 2 + 1، تحدث كل 10 ثوانٍ. فيما يتعلق ببرجها الجديد، تجدر الإشارة إلى أنه يحتوي على درج حلزوني معدني داخلي، يتألف من حوالي 106 درجات، يؤدي إلى الفانوس. بلغت تكلفة المشروع بأكمله ما يقارب 4 ملايين بيزيتا (حوالي 24 ألف يورو). تم افتتاح المجمع بالكامل في 15 يونيو 1976.2989 manaraمنظر للمنارة في الوقت الحاضر

من الناحية الفنية، فإن الفانوس أسطواني الشكل بشكل منطقي ويبلغ قطره 1.75 متر، وهو مدعوم بقاعدة من المقاطع الملفوفة التي تدعم المعدات الكهربائية المزودة باحتياطي غاز. أما من جانبها، فقد كانت البصريات تحتوي في الأصل على أسطوانة بصرية قطرها 500 مم ومصباح بقوة 500 واط، وكان نظام الأسيتيلين الخاص بها يحتوي على موقدين سعة 30 لترًا. منذ افتتاحها، تعاقب على إدارة المنارة عدة مديرين، أبرزهم سيرافين بلتران، وفيليكس غارسيا مونتيسينوس، وخورخي كاسيسنوفيس غرانادو، ولكن لم يعودوا حراسًا للمنارة، بل فنيين للملاحة، وهو اللقب الذي كان يُطلق على المسئولين عن صيانتها.

المعلومات والوثائق التي وجدت بعد غرق المنارة الأولى، تم وضع المنارة الثانية في برج مربع الشكل، مصنوع من الخشب والبناء، حيث تم استخدام مواد من المنارة المهدمة في بنائها. كان يقع بجوار المنازل الأولى في المدينة، واستمر استخدامه لفترة طويلة. في بداية عام 1926، بدأ العمل على مشروع المنارة الجديدة، وتم افتتاحها أخيرًا في 16 ديسمبر 1930. وقد تميزت بهيكل برج رباعي الأضلاع مصنوع من كتل الطوب اللبن، بارتفاع 9.6 متر، وتوجت بفانوس من منزل "La maquinista Valenciana"، بقطر 1.8 متر. كانت القاعدة تتكون من أسطوانة بصرية ثنائية ومصباح أسيتيلين وجهاز وميض، وكانت تُتحكم بواسطة صمام شمسي.2990 manaraمنظر للمنارة القديمة والحديثة

كان المستوى البؤري للمنارة الجديدة يقع على ارتفاع 11 مترًا فوق سطح الأرض و 14 مترًا فوق سطح البحر، وكان مدى الضوء المسقط يصل إلى 12 ميلًا في الوقت العادي.ومن المثير للاهتمام أن نرى كيف أصبحت المنارة، استنادًا إلى ملاحظات وتقارير حراسها اليومية المسجلة في سجل شروق الشمس وغروبها، شاهدًا مميزًا على عصرها. فمن خلال هذه السجلات، علمنا بحوادث السرقة، وكسر زجاج الفوانيس، واستخدام المقاتلين للبرج خلال الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939)، وحتى التعتيم الذي أمرت به القيادة البحرية بناءً على طلب الحكومة الجمهورية، من بين أحداث أخرى. إلا أن ضوء المنارة، نتيجةً للطفرة السياحية التي شهدتها المدينة خلال ستينيات القرن الماضي، كان مقدراً له أن ينطفئ. ومع انتشار المباني الشاهقة، أصبح ضوء المنارة عائقاً، وبدأت العديد من مشاريع التنمية الحضرية . لسوء الحظ، ونتيجة للفيضانات والعواصف الشديدة التي اجتاحت المنطقة في يناير 1880، دمرها البحر. ورغم وجود حاجزين للأمواج على جانبيها يدعمانها ويحميانها، بالإضافة إلى عدة حواجز مصنوعة من القصب والأوتاد، لم يكن بالإمكان فعل شيء لمنع هذه النتيجة الكارثة.

من المعلومات الشحيحة المحفوظة في أرشيف هيئة ميناء مدينةً ملقه، نعلم أن أول حارس للمنارة كان أنسيلمو فيلار كويرا، من لوغو، غاليسيا. كان عمل هؤلاء الحراس الأوائل شاقًا للغاية، إذ كان عليهم السهر طوال الليل لضمان عدم انطفاء الضوء المنبعث من المنارة، والذي كان يُولّد في البداية بحرق الزيت، أو تسببه في نشوب حريق. وفي اليوم التالي، كان عليهم تنظيف جميع مخلفات الاحتراق المتبقية وإعادة ملء خزانات الوقود.

***

د. توفيق رفيق آلتونچي - الأندلس

٢٠٢٦

مُلتقى الشعراء ومَلاذ الفنانين وحاضنة الساسة

يُعتَبر فيلم (مقاهي بغداد الأدبية) للمُخرجة إيمان خضيّر الذي أُنجز عام 2013 لمناسبة بغداد عاصمة الثقافة العربية امتدادًا لتجربتها السينمائية السابقة التي تُزاوج فيها بين الفيلم الوثائقي والدكيودراما وذلك لمعالجة النقص الحاصل في الوثيقة، وغياب المعادل البَصَري، وشحّة الأرشيف أو انعدامه خاصة وأنّ الحكومات العراقية المتعاقبة، باستثناء الحقبة الملكية، كانت تدمر كل ما سبقها من أرشيف وتمحوه ولا تُبقي له أثرًا الأمر الذي وضع المخرجين السينمائيين، وخاصة الوثائقيين منهم، أمام مأزق انعدام الوثائق وندرة الصور الأرشيفية التي يحتاجونها في صناعة أفلامهم الوثائقية والدكيودرامية.2752 cafee

لا تنهمك المُخرجة إيمان خضيّر بإنجاز أفلام وثائقية تقليدية وتمهّد غالبا لمداخل ومقاربات جديدة تعتقد أنها لم تُطرق من قبل. ولو تمعّنا جيدًا في فيلم (مقاهي بغداد الأدبية) لوجدناه لا يختلف كثيرًا عن غالبية أفلامها الوثائقية من حيث بُناها الرصينة ومُقارباتها المُغايرة التي تُشعِرك منذ البدء أنك تقف أمام معالجة دكيودرامية جديدة وغير مسبوقة.

ويمكن للمتلقّي أن يتقصّى البنية الدرامية في التعليقات الصوتية الخمسة عشرة وفي أحاديث المُشاركين في الفيلم الذين بلغ عددهم 11 مُشاركًا بضمنهم الشخص الذي سقط اسمه سهوًا في نسخة قد تكون غير مُعدّلة وإلّا لما اختارتهُ المخرجة أن يظهر في إطلالتين تفصلهما مسافة زمنية قصيرة. فثمة بنية مقصودة في الأحداث التي ترد على ألسنة المُشاركين في هذا الفيلم الذي يستنطق الأمكنة والأزمنة منذ أوائل النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى يوم الناس هذا مُذكرةً إيّانا بمقهى (جغالة زاده) الذي أُسس عام 1853م لتنتشر بعدها المقاهي المختلفة في عموم العاصمة بغداد وإن تركزت الثقافية منها والأدبية في شوارع الرشيد والمتنبي وأبي نوّاس وأماكن أخرى معروفة في الباب الشرقي والكرّادة والكرنتينة والكاظمية وما سواها من أماكن مرموقة ضمّت الأدباء والشعراء والمثقفين والصحفيين والفنانين على مرّ العقود الماضية.

كما يمكن تلمّس هذه البنية المقصودة حتى في المقاهي الخمسة الرئيسة التي اختارتها المُخرجة وهي: (مقهى الزهاوي، حسن عجمي، الشابندر، المُعقدين، وأم كلثوم) أو في المقاهي الخمسة الأخرى التي يرد ذكرها في التعليقات الصوتية أو على ألسنة المتحدثين في هذا الفيلم وهي: (مقهى الشط، البرلمان، الجماهير، البرازيلية، ومقهى خامس على الرصيف وفي فضاء مفتوح بالكرّادة).2743 cafee

أهمية التعليقات الصوتية

تلجأ المخرجة إيمان خضيّر إلى التعليقات الصوتية لتغطي النقص الحاصل في الأرشيف والمعادل الصوري. وتعود بنا زمنيًا إلى مآثر الشاعر جميل صدقي الزهاوي (1863- 1936) ومعاركه الأدبية مع عباس محمود العقّاد ومحمود أحمد السيد ومناقشاته الظريفة مع الشاعر معروف الرصافي. وفي السياق ذاته تستذكر الشاعر محمد مهدي الجواهري وقصيدته المعنونة (أخي جعفر) الذي قتله الإنگليز حينما خرج محتجًا مع المتظاهرين العراقيين الذين وقفوا بوجه معاهدة بورتسموث الإنگليزية الجائرة. كما ترصد المخرجة المظاهرات والانتفاضات والحروب والتفجيرات الكبرى التي حدثت ببغداد على وجه التحديد مثل انتفاضة 1948 والحرب العراقية - الإيرانية، وتفجير شارع المتنبي عام 2007 الذي هزّ الضمائر الإنسانية في كل مكان وأثار استنكار العالم وشجْبِه وإدانته لهذا العمل الإجرامي المقيت. ولكي لا يفوتنا بعض الإضاءات المهمة في التعليقات الصوتية التي كتبتها المخرجة بنفسها إضافة إلى كتابة السيناريو لتعزّز رؤيتها الإخراجية المُرهفة.

كثيرة هي المعلومات المتوفرة عن (شارع الرشيد) الذي شُق عام 1916 في زمن الوالي العثماني خليل باشا لتسهيل حركة الجيش، وعُرف أول الأمر بـ (خليل باشا جاده سي) ثم سُميّ في عهد الانتداب البريطاني بـ (شارع الرشيد) نسبة للخليفة العباسي هارون الرشيد) الذي تُمثل حقبته العصر الذهبي لبغداد في عهد الدولة العباسية. وسوف يضم هذا الشارع أبرز وأكثر المقاهي الأدبية ببغداد مثل عارف آغا والزهاوي وأم كلثوم وحسن عجمي والبرلمان والبرازيلية وما سواها من مقاهٍ ثقافية وأدبية وفنية تعتبرها المُخرجة بمثابة المطبخ الحقيقي لإنتاج الثقافة العراقية التي تشمل القصة القصيرة والرواية والشعر والفن التشكيلي والسينما وما إلى ذلك.2745 cafee

 حسنًا فعلت المخرجة إيمان خضيّر حينما أحالتنا إلى كتاب (بغداد كما عرفتها) لأمين المميز الذي يقول: (كنّا نقضي السهرات حيث لا وجود للراديو أو التلفزيون في المقهى فكان الكركوز (خيال الظل) والفونوغراف وألعاب الدومينو أو الاستماع إلى القصّخون هي متعتنا الوحيدة). ومن يتأمل هذا الفيلم جيدًا فسيكتشف من دون عناء أنّ هناك مقاه متعددة ثقافية واجتماعية وحِرفية للعابرين ولأبناء المحلة ولذوي المهنة الواحدة، وللرياضيين، والتجّار، والحرفيين كالعمال والبنّائين والنجارين والمطيّرچية. وهناك أيضًا مقاهٍ للصُم والبُكم والعميان. وكان بعض المقاهي مثل (مقهى الشط) لصاحبه سبع الذي استقدم فرقة (الچالغي البغدادي) وبعد إعلان الدستور سنة 1908 تقدّم بطلب إلى الجهات الرسمية لجلب مطربات من مصر وبلاد الشام.

مُناصرة المرأة

حظي الشعراء والأدباء العراقيون باهتمام كبير من قِبل المُخرجة إيمان خضيّر في هذا الفيلم إذ ركّزت على أكبرهم سنًا وهو الشاعر جميل صدقي الزهاوي الذي يُعد رائدًا من روّاد التفكير العلمي فقد عُرف عنه بابتعاده عن السياسة وانشغاله بالأدب والفلسفة، ولعل موقفه الأهم والأكثر تميزًا هو مناصرته للمرأة وقد خاض معارك كثيرة لرفع الظلم عنها عندما أدركَ أهميتها ودورها الفاعل في تنشئة جيل جديد واعٍ وقادر على إعادة تشكيل حياته بطريقة أفضل حيث يقول في مطلع قصيدته المشهورة:

(أسفري فالحجابُ يا أبنةَ فهرٍ   هو داءٌ في الاجتماعِ وخيمُ)

إلى أن يقول:

(أسفري فالسفورُ لِلنَّاسِ صُبحٌ   زاهرٌ والحجابُ ليلٌ بهيمُ)2746 cafee

وكان الزهاوي يرى عفّة المرأة في تعليمها الواسع وثقافتها العميقة لا في حجابها الذي يعني به (النِقاب) ولذلك دعا إلى السفور الذي وصفهَ بـ (الصبح الزاهر) بينما نعتَ النقاب بـ (الليل البهيم).

حظي الشاعر محمد مهدي الجواهري باهتمام مُخرجة هذا الفيلم الذي يتمحور في جانب منه على مظاهرات الاحتجاج التي اندلعت عام 1948 والتنديد بمعاهدة بورتسموث التي سعى الإنگليز من خلالها إلى إبقاء الهيمنة البريطانية على العراق والتلاعب بمقدرات شعبه ( فقُتل عدد منهم من بينهم أخو الشاعر محمد مهدي الجواهري فرثاهُ بقصيدة كانت بمثابة صرخة وجع بعنوان (أخي جعفر) التي كتبها على تخوت مقهى (حسن عجمي) المواجه لجامع الحيدرخانة فخرجت المظاهرات الصاخبة دون أن يفكّر المتظاهرون بأنّ هذا الجامع سُنّي والشاعر ماركسي يرثي أخاه الشيعي فكانوا مفجوعين بموت الشهداء ومدهوشين بسحر القصيدة وبلاغتها) وقد كانت القصيدة المكتوبة على (بحر المُتقارب) بمثابة نبوءة لما سيعصف بالعراق لاحقًا وقد جاء في مطلعها:

( أتَعْلَمُ أمْ أنتَ لا تَعْلَمُ      بأنَّ جِراحَ الضحايا فمُ )

ثمة تركيز واضح على (مقهى الشابندر) الذي يقع بجوار منطقة القشلة أو السراي الحكومي آنذاك حيث أُسست أول حكومة بعد الاحتلال البريطاني برئاسة الملك فيصل الأول الذي يعتقد كثيرون أنه وضع اللبنات الأولى للدولة العراقية الحديثة رغم أنَّ البعض لم ينصفهُ بل عارضوه جهارًا نهارًا مستندين إلى الذريعة التي تقول مستفسرة: (هل عَقُمَ العراق من الرجال ليُؤتى لهم بأمير من الحجاز لكي يقودهم ويدير لهم دفّة الحكم؟) كما ورد في فيلم (فيصل الأول.. ملك العراق). لقد كان (مقهى الشابندر) أشبه بالمنتدى الذي يجتمع فيه المواطنون العراقيون منذ تأسيسه حتى انتقال مِلكيته العائلية إلى محمد الخشالي الذي سوف يُفجع بمقتل خمسة من أبنائه في التفجير الإرهابي المروِّع الذي حدث في 5 مارس / آذار 2007.

كثيرة هي المعلومات المتوفرة عن (مقهى المعقّدين) الذي يقع في أحد شوارع السعدون الفرعية باتجاه شارع أبي نوّاس. وثمة كتابات وصور وذكريات متراكمة عن هذا المقهى الذي سيتحدث عنه الصحفي والروائي زهير الجزائري وهو من جيل الستينات في العراق، والصحفي اسماعيل زاير، صاحب جريدة (الصباح الجديد) التي أسسها بعد الاحتلال الأنگلو - أمريكي للعراق في 9 أبريل / نيسان عام 2003. تشير كاتبة التعليقات الصوتية بأنَّ روايتيّ (خمسة أصوات) و (النخلة والجيران) لغائب طعمة فرمان تُصوِّران جانبًا من هذا المقهى الذي يحمل اسمًا غريبًا وغامضًا. وأنّ هذا المقهى الذي كان أشبه بالوكر السياسي للأدباء الستينيين الذين يسعون لتقويض النظام الاستبدادي الأمر الذي جعل منهم جيلًا غير تقليدي تبنّى الحداثة كمناخ للحياة وعلى الذات الإنسانية والإبداعية بدلًا من التركيز على الجوانب السياسية والاجتماعية.

اتسمت المقاهي الأدبية بالتعددية والتنوّع وظلّت منفتحة على الجميع خلال النصف الأول من القرن العشرين حتى أواخر الخمسينات عندما انقسم الشارع السياسي على نفسه فانعكس على غالبية المقاهي وأصبح لكل طيف سياسي مقاهيه الخاصة به.

يقترن اسم (مقهى حسن عجمي) بحركة تجديد الشعر العراقي وتعزيزها في أخطر مرحلة مرّ بها العراق حيث خاض الحروب المتلاحقة وتعرّض لأبشع حصار في التأريخ الأمر الذي أدّى نضج ثلاثة أجيال متعاقبة وهي السبعينات والثمانينات والتسعينات. وكان غالبية المبدعين العراقيين يلوذون بهذا المقهى حتى اللحظات الأخيرة قبل شحنهم لجبهات القتال أو لجوئهم إلى المنافي العربية والأوروپية.2747 cafee

أسلوب السهل المُمتنع

لا بدّ من الاعتراف بأنَّ كاتبة التعليقات الصوتية إيمان خضير قد اتبعت أسلوب (السهل الممتنع) في صياغة هذا التعليق الصوتي الآتي الذي وصفت فيه حادث التفجير الإرهابي الذي وقع في (شارع المتنبي) حيث قالت بدقة وبلاغة شديدتين: (تناثرت الكُتب مع الأشلاء واحترقت العيون والكلمات والأيدي والصفحات فتصاعدت دُخانًا في سماء المتنبي. تُرى، من هو عدّو الكتاب؟ ومنْ لا يُطيق مرأى العراقي وهو يقرأ؟ أي عدّو بربري هذا؟ من أين جاء القاتل الذي لا يُطيق اسم المتنبي؟).

بعد تفجير (شارع المتنبي) وتهديم (الشابندر) وتحويل مقاهي مثل (الجماهير) و (البرلمان) و(البرازيلية) إلى صالات بلياردو، ومحلات لبيع الأحذية والمستلزمات الطبية لم يجد الأدباء والمثقفون مكانًا يأويهم فاتخذ عدد منهم رصيفًا في الكرّادة مكانًا يلوذون به يوم الجمعة ويتجاذبون فيه أطراف الحديث بعد أن حُرموا من أبسط وسائل الترفيه في بلد كان يضج بـنحو 600 مقهى قبل أكثر من تسعة عقود!

لا يميل العراقيون إلى الاغتراب والعيش في المنافي إلّا عندما يطحنهم الاستبداد ويحاصرهم القتلة في عقر دارهم فيضطرون إلى الهجرة القسرية. فلا غرابة أن تُنهي كاتبة التعليقات الصوتية فيلمها بهذا التساؤل الذي يُدركه العراقيون ويعرفون إجابته أكثر من غيرهم سواء أكانوا عربًا أم مسلمين، يتعاطف بعضهم، مع الأسف الشديد، مع النظام القمعي لصدام حسين ويؤازرونه في السرّ والعلن، من دون أن يهتز لهم ضمير حيث تتساءل المخرجة قائلة: (هل هي مُصادفة أن يختار أغلب شعراء العراق العيش في المنافي بديلًا عن العراق أمثال أبو الطيّب المتنبي وابن زريق البغدادي وعبد المحسن الكاظمي والجواهري والسيّاب مرورًا بسعدي يوسف ومظفّر النوّاب؟). إضافة إلى ألوف مؤلفة من الأدباء والشعراء والفنانين والمثقفين الذين آثروا حياة النفي والغربة وفضّلوها على العيش بين جنبات الوطن الذي يستبيحه القمع والاستبداد وتنتهكه الدكتاتورية آناء الليل وأطراف النهار.

بغية تتبّع البنية الدرامية والهيكل المعماري لهذا الفيلم الدكيودرامي سنضع المتحدثين العشرة في إطار هذه المقاهي الخمسة وهي: (مقهى الزهاوي، حسن عجمي، الشابندر، المعقدين، وأم كلثوم). وربما نضيف إليها مقهى الرصيف أو الفضاء المفتوح بالكرّادة الذي تحدث عنه الشاعر والمترجم نصير غدير لكي نتقصّى البنية الفنية والمعمارية من خلال السرديات المتنوّعة للشخصيات الرئيسة التي تتكئ عليها القصة السينمائية ولا ننسى التعليقات الصوتية الذكية التي سدّت النقص الحاصل في المعادل الصوري أو المرجعيات الأرشيفية المفقودة. تُرى، ما البنية الدرامية التي يتوفر عليها (مقهى الزهاي)؟ وما هي المعطيات الفنية والفكرية التي وردت على ألسنة المتحدثين من جهة والتعليقات الصوتية من جهة أخرى؟ وهل أوفت المخرجة حق هذا المقهى أو المقاهي الأُخر التي وردت في سياق هذا الفيلم الذي يهزّ المتلقي ويستنفر مشاعره وأحاسيسه الداخلية المُرهفة؟

لم يلامس الباحث التراثي زين النقشبندي موضوع المقاهي ولم يتناوله بإسهاب سوى قوله بأن تاريخ المقاهي يعود إلى العهد العثماني وأنَّ القهوة والنرگيلة كانت موجودة في المقاهي البغدادية مثل (مقهى الزهاوي). وهذا كلام عابر لا يغني ولا يسمن من جوع.2748 cafee

جرأة الرصافي وتحفّظ الزهاوي

وثمة شخص آخر ظهر مُجردًا من اسمه وهو يرتدي جلبابًا ويتحدث عن (مقهى الزهاوي) كتكية ومدرسة ملّائية ومكان لإقامة الموالد النبوية. وقد أشار في سياق حديثه عن المقهى من الناحية الاجتماعية بأنَّ كُتّابًا وسياسيين وفنانين مثل عزيز السيد جاسم، وحافظ علوان، مُرافق الزعيم، ويوسف عمر، وهو أحد طلاب الملّا كانوا يجلسون في هذا المقهى. وأشار المتحدث من طرف غير خفي بأنّ موقف الشاعر جميل صدقي الزهاوي كان متحفظًا من الحكومة، أمّا الرصافي، الشاعر الإشكالي المعروف، فكان يعلن موقفهُ المُضاد للدولة وجرأته التي تكشّفت لاحقًا في كتابه المثير للجدل (الشخصية المحمدية) الذي نُشر وذاعَ صيته بعد وفاته. وحينما تيقّنت المخرجة من شحة المعلومات عن الشاعر الزهاوي الذي سُميّ المقهى باسمه لجأت إلى البناء الدكيودرامي وأشارت إلى معاركه الأدبية وحلقات السِجال التي استعرت بينه وبين الشاعر الكبير معروف الرصافي لتُحيط بأبرز المواقف التي عُرف بها الزهاوي وأنداده من الشعراء والمفكرين العراقيين والعرب على حدٍ سواء.

لم تجد المخرجة إيمان خضيّر صعوبة في العثور على الشخصيات الأدبية التي تتحدث عن بقية المقاهي الأربعة ومنها مقهى (حسن عجمي) حيث اكتفت بالتركيز على الشاعرين المعروفين عبد الزهرة زكي والشاعر حميد قاسم الذي أخذ وقتًا طويلًا يستحقه بجدارة. وقد اشترك الاثنان في الإشارة إلى الحضور الأمني لسلطة البعث ونظامها الدكتاتوري الذي جثم على صدور العراقيين طوال 35 سنة وأذاقهم مُرّ العذاب. يتوقف الشاعر عبد الزهرة زكي عند عقد الثمانينات الذي تكرّس فيه مفهوم قصيدة النثر وجرى فرضهُ على الثقافة الرسمية. كما يرى في هذا المقهى حاضنة لكثير من الشعراء الذين أصدروا مجموعاتهم الشعرية أمثال خزعل الماجدي، زاهر الجيزاني، سلام كاظم، حميد قاسم، محمد جاسم مظلوم، باسم المرعبي، خالد جابر يوسف، محمد تركي النصّار ونصيف الناصري وآخرين.

بينما يستذكر الشاعر حميد قاسم ما قاله أحدهم عن كم التقارير المكتوبة عليهم من قِبل أصدقاء وأناس يجلسون معهم. ويرى قاسم: (أنَّ هناك شيئًا مهمًا جمعهم معًا وهو الأدب الذي ليس له جنسية أو وطن أو قومية أو مذهب، فهم جميعًا عراقيون وكلهم يعبّرون عن همٍ واحد، ويعانون من مشكلة واحدة، ولم يكن الحصار أو الجوع يستهدف واحدًا دون الآخر).

يؤكد قاسم بأنَّ (مقهى حسن عجمي) الذي لاذوا به بعد إغلاق (مقهى البرلمان) قد احتضن مجموعة (تضاد) التي نشأت فكرتها في هذا المقهى إضافة إلى مجموعة (فيضان بحجم الكف). كما انبثقت هنا أفكار بعض القصائد مثل قصيدة (لماذا يغنّون؟) لحميد قاسم نفسه.

يحسب حميد قاسم توقيتاته في أبو ظبي على ساعة حسن عجمي، ويعرف لحظة مغادرة جماعته إلى اتحاد الأدباء ويقف غالبًا في شرفة شقّته الظبيانية ويسرح بذهنه إلى ذلك المكان السحريّ الأثير ويتخيّل مَن بقي منهم، ومَنْ غادر؟ فالمكان البغدادي، من وجهة نظره، (ليس مبنىً أو حجرًا، وإنما هو شيء مؤنسن يتشرّب أنفاسك بعد أن تعيش فيه عشرين أو ثلاثين سنة وتشعر أنَّ هناك علاقة عميقة) لا تنفصم عراها بسهولة.2749 cafee

البحث عن الذات

يتناوب الروائي زهير الجزائري والصحفي اسماعيل زاير في الحديث عن (مقهى المعقّدين) وطبيعة روّاده الذين التصقت بهم هذه التسمية الغريبة. وقبل الخوض في هذه التسمية الغامضة يسجِّل الجزائري ملحوظة مهمة جدًا مُفادُها أنَّ المقهى قد حلّ محل الجامع الذي يُعنى بالتوجيه الفكري، والشحن العاطفي، والتعبئة الوطنية ضد الإنگليز وأخذت المقاهي تجيب على الأسئلة الأساسية والوقائع التي تحدث في أرجاء المعمورة.

يتحدث الجزائري بوصفه واحدًا من روّاد المقهى وعضوًا فاعلًا فيهم حيث يقول: (كانوا يلبسون نظّارات سوداء، وسترات متهدَّلة، ويحمل الواحد منهم رزمة من الكتب التي شكّلت سلوكنا). وغالبا ما يغادر الأديب (المُعقّد) أهله ويسكن في غرفة مُستأجَرة وتنغمر حياته بالكتب والنقاشات الفكرية واستعمال كلمات ميتافيزيقية مثل الوجود، والعدم، والقلق، والعبثية وما إلى ذلك. ويرى الجزائري بأنَّ الحركات المسلّحة التي ظهرت في تلك الحقبة مثل ثورة الشباب في أوروپا، والحرب الفيتنامية، وظفار، وجيفارا، والمقاومة الفلسطينية قد أثرّت على روّاد المقهى وخاصة الستينيين منهم الذين سكنهم روح التمرد والبحث عن الذات المتوارية خلف حُجب الضباب الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

يُرجِع الصحفي اسماعيل زاير تسمية (مقهى المُعقّدين) إلى جهاز الأمن العراقي الذي كان حائرًا بالأشخاص الذي يجلسون في هذا المقهى ويرددون أسماء ومصطلحات غريبة على سمعهم مثل الوجودية وجان بول سارتر وفرانسواز ساغان وألبير كامو فيقولون في سرّهم: ما هؤلاء الناس؟ هل هم مجانين أم معقّدين أم ماذا؟ ويرى زاير أنَّ قوة هذا المقهى تأتي من الناس الوافدين من المحافظات العراقية الأخرى. فالطبقة الوسطى والغنية لا تجلس في هذا المكان العادي وإنما تبحث عن أماكن رفيعة المستوى.

يركز زاير على الهجرتين الرئيستين في العراق؛ الأولى التي حدثت إلى المقاومة الفلسطينية في نهاية الستينات وذهب فيها شريف الربيعي، ابراهيم زاير، مؤيد الراوي، وفالح عبدالجبار. أمّا الهجرة الثانية التي حدثت في بداية الثمانينات حينما أصبح القمع قاسيًا جدًا وقد شارك فيها اسماعيل زاير مع آخرين واشتغل في المكان نفسه الذي اشتغل فيه شقيقهُ ابراهيم زاير وزهير الجزائري وغسان كنفاني وآخرون.2750 cafee

ضيافة في أروقة المخابرات

يبدو أنَّ المُخرجة إيمان خضيّر قد كرّست شخصيتين للحديث عن كل مقهى، وكانت حصة (الشابندر) هو محمد الخشالي، صاحب المقهى الآن، والصحفي هاشم حسن، عميد كلية الإعلام سابقًا. توسّع الخشالي في الحديث عن مُعارضة طلاب المدارس والكليات لمعاهدة بورتسموث والمظاهرات التي انطلقت في شارع الرشيد وراح ضحيتها 18 شخصًا بين قهوجي وعابر سبيل وطالب مدرسة. وفي إشارة إلى زمن القمع والاستبداد البعثي أشار الخشالي إلى أنَّ الصحفي هاشم حسن قد اقتادته عناصر مخابراتية من المقهى ولم يره إلّا بعد سنتين وعرِف لاحقًا أنه كان (ضيفًا) لديهم!

يتوقف الصحفي هاشم حسن عند نقطتين أساسيتين وهما (المصور العربي) المجلة الليبرالية الوحيدة التي كتبت فيها أسماء لامعة مثل الناقد الفني محمد الجزائري، وأستاذ الفلسفة مدني صالح وآخرون غيرهم وكانت كتاباتهم تُفعِّل الثقافة لكنها كانت غير مُعلنة وتحت الأرض. كما تحدّث عن لحظة اعتقاله حينما كان جالسًا في (مقهى الشابندر) وإلى جواره (شاعر كبير ومعروف) نهض من فوره حينما بدأ هاشم حسن يتحدث عن قضايا تمسّ النظام وكأنه استشعر بأنه سيدخل في لحظة إحراج وبعد مغادرته بدقائق تمّ اعتقال هاشم حسن الذي لم يُشِر من قريب أو بعيد لاسم هذا الشاعر (الكبير) الذي يحمل في داخله روح الشرطي العاهر.

يسترجع المخرج السينمائي رعد مشتّت ذكرياته القديمة عن (مقهى أم كلثوم) حيث كان يأتي ضمن مجموعة من الرسّامين الذين يضعون سكيتشاتهم على رُكبهم ويُخططون إمّا بالفحم أو بقلم الرصاص أو بأحبار الروترينغ ويستمعون لأغاني أم كلثوم وفي الوقت ذاته يرسمون روّاد المقهى بوصفهم موديلات جاهزة لا تحتاج لأن تأخذها إلى أكاديمية الفنون الجميلة أو تذهب بهم إلى إستوديو خاص لتُجلسهم أمامكَ. فالرسّام يقرأ حركات الأشخاص وهم جالسون. ثم يروي مشتّت بضمير الجمع المتكلم ليخلق قرباً نفسيًا ووجدانيا فيقول بما معناه: ( كنّا في الوقت ذاته نناقش كبرى مدارس الفن، ونحلم بالتعبيرية الألمانية، ونتكلم عن الانطباعية الفرنسية، ونتجاذب أطراف الحديث عن الپوپ آرت الأمريكي، ونتحدث عن الواسطي والحركات الفنية في العالم العربي كمنطقة أحلام نتلهف لولوجها).

يكتشف الدكتور عقيل مهدي (مقهى أم كلثوم) وكأنه جزيرة عجيبة في (ساحة الميدان) التي غنّت بقربها كوكب الشرق عام 1932 وقد استقبلها كبار قادة العراق. وحينما يقصدون هذا المقهى لسماع الموسيقى فكأنهم يذهبون إلى نوع من (الريبورتوار) الذي يضم أغانٍ قديمة وحديثة وبصوت فيه بُعد إنساني ونغمي. يشير مهدي إلى أنَّ سكريبت أول مسرحية أخرجها قد كتبهُ في هذا المكان وكانت عن (السندباد) لشوقي خميس وقد أضاف لها عنوانًا فرعيًا هو (تُمزِّقهُ الغربة) لأنه كان يعاني مثل سارتر وكامو وبقية الوجوديين.

مقهى ثقافي في فضاء مفتوح

أمّا آخر المتحدثين فهو الشاعر والمترجم نصير غدير الذي يعتقد بأنه أحد مؤسسي هذا المقهى الثقافي القريب من محل سكناه، والذي لا يبعد كثيرًا عن دائرة السينما والمسرح، والسوق التجارية للفن التشكيلي في وسط الكرّادة، بالإضافة إلى قربه النسبي من اتحاد الأدباء. ويأسف (غدير) لأنه يعيش وسط شارع صاخب يكثر فيه ضجيج مولدات الطاقة الكهربائية، وهناك مكب للنفايات، والكثير من الصخب في الطريق المُفضية إلى هذا المقهى الثقافي الذي وجد ضالته على رصيف مزدحم في فضاء مفتوح.

لا تقتصر بنية الفيلم على التعليقات الصوتية والشخصيات المُشاركة في الفيلم فقط، فثمة أكثر من عشرين فنانًا وشاعرًا وأديبًا يرد ذكرهم على ألسنة المتحدثين أو تتمّ الإشارة إليهم في التعليقات الصوتية المدروسة بعناية شديدة. وهناك صور عديدة تُظهر العديد من الأدباء والمثقفين والفنانين العراقيين الذين يصل عددهم إلى 35 شخصًا فاعلًا في المَشهدين الثقافي والفني نذكر منهم فاضل العزاوي، عبد الكريم گاصد، هاشم شفيق، فاطمة المحسن، حميد البصري، عواد ناصر، مهدي محمد علي، روناك شوقي، انتشال التميمي، جبر علوان، صادق الصائغ، فيصل لعيبي، كريم دحّام، علي فوزي وآخرين. أمّا صور الأدباء والشعراء والقصاصين والروائيين فهي كثيرة ويصعب حصرها وأبرزهم سركون بولص، عبدالستار ناصر، مؤيد الراوي، فاضل عباس هادي، جان دمّو، فالح عبدالجبار، غائب طعمة فرمان، عبدالرحمن مجيد الربيعي وما سواهم من مبدعين عراقيين يبدؤون من جيل الزهاوي والرصافي والجواهري (المدرسة الكلاسيكية الحديثة) وحتى تسعينات القرن الماضي. ولو تمعّنا في الأغاني والأناشيد العراقية التي وظّفتها المخرجة إيمان خضيّر في هذا الفليم لوجدنا عشر أغانٍ وأناشيد متنوعة وجميلة، بينها أغانٍ عراقية تراثية مثل أغنية (هاجن جنوني لولفي ودّوني) التي غنّاها يوسف عمر وهي من (مقام الحجاز كار) التي تنطوي على قصة عاطفية وإضاءات اجتماعية تُحيل إلى الزمن الجميل. وقد صادف أن تأخذ المخرجة أكثر من مقطع من الأغنية الواحدة وخاصة من أغاني أم كلثوم مثل (ألف ليلة وليلة) كلمات مرسي جميل عزيز، وألحان بليغ حمدي، ومقطع من أغنية (أغدًا ألقاك) للمؤلف السوداني هادي آدم، وألحان محمد عبد الوهاب. ومقاطع عديدة من أغنية (مرة ومرة) من كلمات الشاعر طاهر سلمان، وألحان جعفر الخفّاف، وغناء الفنان الراحل رياض أحمد، إضافة إلى عدد آخر من الأغاني التراثية التي تسكن في طيّات الذاكرة الشعبية العراقية. ولو تأملنا هذه الأغاني والأناشيد والمقامات لوجدناها هي الأخرى تنطوي على بنية درامية ملحوظة ترصد الزمان والمكان والقصص والأحداث التي وقعت منذ أوائل القرن العشرين في أقل تقدير وما زال المواطن العراقي بمختلف أطيافه وخلفياته الثقافية يستمع إلى هذه الأغاني، ويتماهى معها لأنَّ هناك قصة وراء كل أغنية إذا ما وضعناها تحت مشرط الجرّاح وفككنا إلى عناصرها الأولية.

لا بد من الإشارة إلى أنَّ نجاح هذا الفيلم الدكيودرامي يعود في جوانب متعددة منه إلى أشخاص آخرين وهم مدير التصور عمّار جمال المعروف بلمساته الاحترافية، وعينه السينمائية الخبيرة، والمايسترو المُبدع محمد أمين عزت، قائد الفرقة السمفونية العراقية، وقارئ التعليقات الصوتية الشاعر مضر الآلوسي الذي أجاد وتألّق وترك بصمته اللغوية المُرهفة على مَدار الفيلم. أمّا المونتير سلوان كامل فقد قدّم لنا فيلمً سلسًا في خاتمة المطاف لا يغادر ذاكرة المتلقين المُحترفين بسهولة.

***

لندن: عدنان حسين أحمد

تعتمد المُخرجة العراقية إيمان خضيّر في غالبية أفلامها على تقنية الدكيودراما أو (الدراما الوثائقية) للتغلب على النقص الحاصل في الوثائق أو الصور الأرشيفية. وسوف تبقى هذه التقنية لصيقة بها لسنوات طوالا رغم أنها تجد، بين أوانٍ وآخر، بعض المعطيات البصرية في محطاتٍ وقنواتٍ محلية وعربية وعالمية. وفيلم (تاريخ طوابع فلسطين) الذي أنتجتهُ (قناة الجزيرة الوثائقية) سنة 2010م هو فيلم دكيودرامي أيضًا تكثر فيه التعليقات الصوتية حتى تصل إلى 15 تعليقًا صوتيًا قرأتها المُخرجة بصوتها الاحترافي الجميل على مَدار الفيلم الذي بلغت مدته 28 دقيقة لا غير. ولو كانت الصور الأرشيفية والوثائق متوفرة وتفي بالغرض المطلوب لما احتاجت المُخرجة لهذا العدد الكبير من التعليقات الصوتية التي تشرح، وتُحلل، وتستخلص النتائج بحيث بدت الباحثة والمُخرجة وكاتبة السيناريو وكأنها تندرج ضمن (سينما المؤلف) الذي يسعى صاحبها لتحقيق رؤيته الإخراجية من دون الإتكاء على الآخرين.

ثمة منحىً آخرَ يمكن ملاحظتهُ في غالبية أفلام إيمان خضير الوثائقية وهو البحث الجاد والعميق الذي اكتسبتهُ، على ما يبدو، من عملها المُبكِّر في (قناة الجزيرة الوثائقية) التي يمكن أن نعتبرها مدرسة نوعية تمنح طلّابها أو المنضوين تحت لوائها خبرات كثيرة لا حصر لها. وربما يكون (البحث) هو العنصر الأبرز الذي تركز عليه، وتدعو منتسبيها للنهل منه والتزوّد به قبل الشروع بإنجاز أي فيلم يريدون الإحاطة به والاشتغال عليه.

وربما يكون عدد المتحدثين في فيلم (تاريخ طوابع فلسطين) هو الأقل بين أفلامها قاطبة، إذ اقتصر العدد على سبع شخصيات لا غير ففيها المتخصص في الطوابع، والباحث، والكاتب، وأستاذ الطباعة الحجرية، والفنان التشكيلي، وخبير الطوابع، ومُصمم الطوابع. غير أنّ التعليقات الصوتية الخمسة عشر ستغطي جوانب كثيرة سواء فيما يتعلّق بالطوابع الفلسطينية أو بالأحداث الجسام التي مرت بها القضية الفلسطينية منذ الاحتلال وحتى الوقت الراهن.

تعترف المُخرجة صراحة حينما تقول: (جعلتُ هذه الطوابع مثل المَدخل لكي أتكلم عن تاريخ فلسطين منذ بداية احتلالها من قِبل الكيان الصهيوني في عام 1948 حيث وجدتُ أنَّ أول طابع فلسطيني كان من إصدار الإنجليز في بداية القرن الماضي)(1).2697 Stamps

رسائل الألواح الطينيّة

لا تترك المخرجة إيمان خضيّر فيلمًا من أفلامها من دون أن تُحيطنا علمًا بخلفيته التاريخية الناجمة عن البحث المُشار إليه سلفًا. فعبداللطيف سلمان، المتخصص في الطوابع يتحدث عن السُعاة الذين ينقلون هذه الأخبار أو المعلومات. ثم يُحيطنا علمًا بأنّ البابليين والآشوريين والفرس قد عرفوا المراسلات التي تتم بواسطة الكتابة المسمارية على ألواح طينية مغلّفة بطبقة طينية أخرى مُجففة.

يتوقف الباحث أحمد سعيد عند شخصية الرسول الكريم محمد (ص) الذي أراد أن ينتقل بالدعوة الإسلامية إلى مديات أوسع فقرر أن يبعث الرُسل إلى الملوك والسلاطين المجاورين للجزيرة العربية وكتب لهم الرسائل لكن أحد خاصته أخبره بأنّ الملوك لا يقرأون الكتب والرسائل إلّا إذا كانت مختومة فقيل إن الرسول (ص) أمر بصناعة خاتم من الفضة كُتب عليه (محمد رسول الله) وقيل إنّ هذا أول خاتم في الحضارة العربية الإسلامية.

تعود بنا المخرجة في التعليق الصوتي الأول إلى عام 1840 حيث كانت المراسلات بين فلسطين وإسطنبول تتم بواسطة السُعاة أو القوافل أو الخيول أسبوعيًا أو شهريًا حتى عام 1867 حيث أصبحت هناك شُحنتان أسبوعيًا بين القدس ويافا ثم نابلس.

يؤكد الكاتب حمزة برقاوي، رئيس اتحاد الكُتّاب الفلسطينيين بدمشق أنّ الحديث عن طابع فلسطيني أو عربي في تلك الأيام غير ممكن لأن المنطقة برمتها كانت خاضعة للحكم العثماني وأن دراسة الطابع سواء أكان ختمًا أم طابعًا ورقيًا لا بد أن يتم من خلال دراسة الطابع العثماني واستعماله في ذلك الوقت.

حسنًا فعلت المخرجة إيمان خضير في تعليقها الصوتي الثاني حينما عرّجت على ما كتبه قسطنطين بازلي(2)، قنصل روسيا في يافا عام 1838 في مذكراته التي يقول فيها: (كان البريد خاصًا بالتبادلات الرسمية ويتم عن طريق القوافل والذي يعود إلى نظام الدفاع العسكري عن المنطقة) .2698 Stamps

الأختام السلبية العثمانية

يشير خبير الطوابع، سامي الحسيني، إلى أنَّ المدن الفلسطينية المهمة موجودة في الأختام السلبية العثمانية وباللغة العربية ولا وجود للغة العبرية عليها، وهذا دليل ثانٍ على عروبة فلسطين بشكل لا يقبل الجدل مُطلقًا. ومن الطبيعي أن تحمل هذه الأختام والطوابع أسماء المدن التي يتواجد فيها مركز للبريد يقصده الناس ويتجهون إليه.

تشير المخرجة إيمان خضير إلى افتتاح سبعة مراكز بريدية في القدس ونابلس والخليل وغزة ويافا وبيت لحم وطبرية حتى وصل عددها في القرن التاسع عشر إلى 22 مركزًا. ولعل المعلومة المهمة في هذا التعليق هي صدور الطابع أول مرة على يد رولاند هيل (3))عام 1840 كدليل على دفع الرسوم المُستحقة سلفًا. يتحدث علي الخالد، عضو لجنة الطوابع والأستاذ في الطباعة الحجرية عن مطبعة هي الأقدم ولا يعتقد بأنّ الأحرف الرصاصية كانت أقدمَ من الحجر إطلاقًا ويؤكد على وجود فارق زمني لا يقل عن خمسين أو مئة عام بين اكتشاف المطبعة وظهور الأحرف الرصاصية التي طُبعت عليها الطوابع البريدية وأقدم الكتب الدينية مثل الإنجيل والقرآن.

لم يجرِ على الطوابع منذ 170 عامًا، كما يذهب، عبداللطيف سلمان، سوى تعديلين وهما وضع الصمغ وإيجاد ثقوب ما بين هذه الطوابع من أجل فصلها بسهولة.

يُحيطنا التعليق الصوتي الرابع بأنّ الطابع لم يدخل في مؤسسات الدولة العثمانية إلّا في عام 1864 بموجب فرمان من الباب العالي، أي بعد استعماله في أوروپا بـ 23 سنة. وحينما ضعُفت الدولة العثمانية وتحولت إلى رجل أوروپا المريض في النصف الثاني من القرن التاسع عشر فأدى إلى نمو الأطماع الأوروپية في الأقطار العربية التابعة لها ومنها فلسطين وذلك لموقعها الإستراتيجي وأهميتها الدينية والتاريخية لمسيحيّي العالم ومسلميه ويهوده. استغل بعض الدول الأوروپية ضعف الدولة العثمانية فعقدت اتفاقيات حصلت بموجبها على امتيازات خاصة لتفتح مراكز بريدية مستقلة لا تخضع لرقابة السلطة العثمانية مكتفية بطوابعها وختمها البريدي ما عدا فرنسا التي أصدرت طوابع كُتب عليها كلمة ليفانت Levant وكلمة فلسطين.

في انتظار المسيح المخلِّص2701 Stamps

يشير الباحث أحمد سعيد إلى وجود قنصليات ببيروت ودمشق قبل القرن التاسع عشر ولكنهم يتحدثون دائمًا عن عام 1838 باعتباره تاريخًا لتأسيس أول قنصلية بريطانية في فلسطين هدفها حماية اليهود الموجودين هناك وتمكينهم شيئًا فشيئًا من الاستقرار في هذه البلاد واستعادة اليهود أو تحويلهم إلى المسيحية أو تجميعهم في الأقل في فلسطين في انتظار المسيح المخلِّص. وفي السياق ذاته يذكر خبير الطوابع سامي الحسني إلى أنَّ القناصل التابعين لهذه الدول الست كانوا يتمتعون بالحصانة ويكتبون بحرية.

شكّلت امتيازات القنصليات غطاءً لحماية اليهود وتزايد هجرتهم إلى فلسطين إذ كانت تعتبرهم أوروپيين ولا يُعاملون معاملة رعايا الدولة العثمانية الأمر الذي مكّن اليهود من شراء الأراضي وإنشاء المستوطنات فعقدوا اتفاقيات مع الصهاينة لتوزيع بريدهم الداخلي بالمجان مقابل توزيع بريدهم خارج فلسطين بالأجرة. كما ساهم مدّ خط الحجاز الحديدي الذي وضعت عليه اللمسات الأخيرة عام 1908 في تطوير الدولة العثمانية حيث كان الهدف منه وصول حجاج بيت الله الحرام بسهولة وليساعدها أيضًا على بسط سيطرتها.

إنَّ الانتقال من عصر النقل بواسطة الدواب إلى استعمال خطوط سكك الحديد هي ثورة كبيرة أفاد منها البريد كثيرًا حيث انتظم إرسال الرسائل من القدس الشريف إلى دمشق على مدار عشرين سنة منذ عام 1894 لغاية الحرب العالمية الأولى. واللافت للنظر أن الرسائل كلها لم تستغرق إلّا أربعة أيام فقط لوصولها إلى دمشق الأمر الذي يكشف عن وجود مثقفين وأشخاص عرب لديهم الإمكانية للتواصل بينما تذكر المصادر الصهيونية بأنّ تخلّف العرب لم يساهم في قيام دور إيجابي للخدمات البريدية في المنطقة بينما هذه الرسائل تُثبت العكس تمامًا.

دخلت الدولة العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا وكان وضعها متدهورًا وبدخول القوات البريطانية الغازية إلى فلسطين عام 1917 بقيادة الجنرال أللنبي(4)) توقفت الطوابع العثمانية نهائيًا.

يعاود حمزة برقاوي الحديث عن العدو الصهيوني الذي استهدف غزو فلسطين أن يظهر للعالَم بأنّ فلسطين هي أرض بلا شعب وأنَّ اليهود هم شعب بلا أرض وبالتالي برّر مقولة غزو فلسطين في كتابه المُعنون بـ (الدولة اليهودية) الصادر عام 1896 وجاء فيه أنَّ قيام دولة يهودية في فلسطين يشكِّل حاجزًا أمام البربرية وحينما نؤكد على الصعيد الفلسطيني وجود طابعٍ واتصالات بريدية بين المدن الفلسطينية فإننا نجيب بصورة غير مباشرة على أنّ فلسطين كان بلدًا متطورًا ولم يكن بربريًا وبعيدًا عن الحضارة كما ادّعى ثيودور هرتزل في كتابه المُشار إليه سلفًا(5).2699 Stamps

الطوابع الزرقاء

طلب الكولونيل وارن تصميم طابع كي يُستعمل للبريد العسكري ثم المدني لاحقًا بقيمة قرش ساغ مصري إذ لم تكن هناك عملة فلسطينية وكُتب عليها كلمتا (خالص الأجرة) وعُرفت بالطوابع الزرقاء.

تمّ في العام 1923، أي في ظل الانتداب البريطاني السعي لإيجاد طابع يحمل اسم فلسطين أول مرة على اعتبار أنّ الانتداب البريطاني كان يسعى لتثبيت وجود صهيوني في فلسطين فلم يكتف بأن تحمل الطوابع البريدية التي تمّ تصميمها آنذاك اللغتين العربية والإنگليزية فقط وإنما أصرّوا على استعمال اللغة العبرية أيضًا.

حينما عُيّن السير هربرت صموئيل (6) اليهودي الصهيوني كأول مندوب سامي بريطاني في فلسطين فكانت أولى أعماله رسالة كتب فيها يقول: (يجب الاستمرار في استعمال طوابع خالص الأجرة بإضافة كلمة فلسطين باللغات الإنگليزية والعربية والعبرية على أن يتبع الاسم العبري الحرفان (آ إ) اللذان يختصران كلمتيّ (آرتس إسرائيل) التي تعني (أرض إسرائيل) تطبيقًا رمزيًا لوعد بلفور.

لم يمرّ الحدث بسهولة بل واجهت إدارة صموئيل احتجاجات الفلسطينيين العاصفة التي أثارت مخاوفهم من تطبيق وعد بلفور وأيضًا من بدء التنازلات التي ستُفرض عليهم من قِبل حكومة الاحتلال فرفع جمال الحسيني أمين سر اللجنة العربية قضية ضدهم إلّا أنّ المحكمة العليا ردّت الطلب بحجة عدم التدخّل بالشؤون السياسية للحكومة.

وافقت المفوضية الإسرائيلية في فلسطين على إصدار أربعة طوابع وهي القدس، وقبر راحيل، وقبّة الصخرة، وجامع مدينة طبرية.

تركز معظم التعليقات الصوتية على الطوابع البريدية، ثيمة الفيلم وموضوعته الرئيسة، وسنرى أنّ الفئات المستعملة للبريد العادي الخارجي والداخلي هي اثنان، ثلاثة، عشرة مليم، وهي الأكثر استعمالًا وتتضمن صورة لقبر راحيل وقلعة القدس بوصفهما الرمزين اللذين اقترحهما اليهود، أمّا الرمزان الإسلاميان فاستُعملا للبريد المُسجّل وللطرود، وهما الأقل استعمالًا وذلك لإظهار الرموز اليهودية على حساب العربية بهدف الحؤول دون إطلّاع العالم عليها ولإظهار الصراع على أنه إسلامي يهودي وليس عربيًا صهيونيًا.2702 Stamps

طوابع عربية مُوشّحة بكلمة فلسطين

لا يختلف اثنان على الجرائم الصهيونية المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني فقد استولت قوات الاحتلال الإسرائيلي على 80% من مساحة فلسطين ومَحَت أكثر من 400 قرية فلسطينية، وشرّدت نحو 750,000 فلسطيني، وجزأت فلسطين إلى ثلاثة أجزاء فانعكس ذلك بالضرورة على طوابعها فاستُعملت الطوابع الأردنية المُوشّحة بكلمة فلسطين في الضفة الغربية، أمّا في قطاع غزة فظلت الإدارة المصرية تستعمل الطوابع المصرية موشّحة بكلمة فلسطين. ما كان للشعب الفلسطيني أن يقف ساكتًا فبدأ النضال السياسي والعسكري وتمثل في ست ثورات وانتفاضات مسلّحة كان من أبرزها ثورة عام 1929 و 36 و 39 مستعملًا الطوابع كأحد أسلحة مقاومته للاحتلال والتهويد فأصدر الثوار طابعين لجمع التبرعات لرجال المقاومة باسم (بيت المال العربي) لإنقاذ الأراضي العربية من محاولة شرائها من قِبل الصهاينة.

للفنانين التشكيليين حصتهم في هذا الفيلم فالطابع، كما يذهب الفنان التشكيلي علي الكفري، وُجد من أجل دعم المقاومة الفلسطينية فكانوا يُصدرون الطوابع ويبيعونها، فالطابع لا قيمة له من الناحية التشكيلية فهو مجرد صورة وبألوان ميتة لأنّ معظم الطوابع كان بالأسود والأبيض ولم تكن لديهم القدرة المادية على طبعه بالألوان.

أصدرت المقاومة في عام 1938 أول طابع يحمل شعارات نضالية وسياسية تؤكد أيضًا هُوية فلسطين العربية بدلًا من طوابع حكومة الاحتلال ويعتبر اليوم هذا الطابع أثريًا ونادرًا. وفي عام 1960 التي أُعتبرت سنة اللاجئين الدولية أصدرت عدة دول عربية وأسيوية إضافة للأمم المتحدة عددًا من الطوابع تضامنًا مع شعبنا الفلسطيني.2703 Stamps

الرمز الكامن في الشجرة المُقتلَعة

يعاود الفنان التشكيلي علي الكفري حديثه عن المضامين الفنية للطوابع الفلسطينية ويأخذ من طابع الشجرة المُقتلعة أنموذجًا للمقاومة، فالطابع يبيّن للمُشاهد بأنّ هناك شعبًا يُقتلع من أرضه، وأنّ هذه الشجرة المُقتلعة تبدو وكأنها منارة يشعُّ منها الضوء. وأنّ هذا الطابع ليس صورة فوتوغرافية وإنما هو تصميم لفنان ينطوي بالتأكيد على رمز خاص يجب استخلاصه نقديًا.

يتوقف مُصمم الطوابع حسان أبو عيّاش عند طابع (النازحين) الذي يقوم بتصميمه منذ مدة وثيمتهُ الأساسية هي أُسرة تسير بشكل سريع لأنها مُلاحَقة من قِبل العدو الصهيوني ضمن خلفية تُمثّل الكرة الأرضية وهي بلون أبيض بينما الأُسرة النازحة قد تضمّخت بلون بنفسجي يمثل الحزن وقد أخذت الخلفية اللون الأخضر أو الأزرق. ويبدو هذا الموضوع ظاهرًا للعيان ويمكن للمشاهد أن يراه عن بُعد متر في الأقل، ولكن إذا أراد الفنان أن يُعطي ألوانا خفيفة لا تضادّ فيها فيمكن أن يمرّ المُشاهد من دون أن يرى الطابع.

بتصاعد الكفاح الفلسطيني المسلّح وبروز الهُوية النضالية بعد معركة (الكرامة) أصدرت الثورة الفلسطينية طوابع سياسية نضالية خارج الوطن لمعارك (مؤتة) و (حطّين) و (الكرامة).

يعود بنا علي الخالد، أستاذ في الطباعة الحجرية إلى خطاب الرئيس الراحل ياسر عرفات في الأمم المتحدة حيث أظهر الطابع الفلسطيني الذي يحمل غصن الزيتون والحمامة البيضاء لكي يقول للعالم إذا أردتم السلام فنحن نعبّر عنه بالحمامة البيضاء وبغصن الزيتون، ونحن لسنا مخرِّبين، وثمة فرق كبير بين المخرّب وبين المقاتل الذي يسعى لتحرير وطنه من الاحتلال. وأشار الخالد بأنّ اللون الأخضر هو لون الخصوبة والعطاء والحياة، واللون الأبيض يمثِّل السلام والبراءة والنقاء أمّا علم فلسطين فينطوي على رموز عديدة معروفة.

لا يتفق الفنان التشكيلي علي الكفري تمامًا مع صدور طابع بهذه المناسبة لأنه، من وجهة نظره، لا يحق لعرفات ولا لغير عرفات أن يتنازل عن أرض فلسطين. ويتساءل الكفري: عن أي سلام يتحدث عنه عرفات ويحاول أن ينشره في العالم بينما القوات الإسرائيلية تحتلُ أرضه، وتشرّد شعبه؟

توضِّح المخرجة إيمان خضير في تعليقها الصوتي الرابع عشر بأنّ السلطة الفلسطينية أصدرت طوابعها الخاصة بعد اتفاقية أوسلو عام 1994 بفئات العملة المصرية المليم وذلك لرفض الإسرائيليين السماح باستعمال العُملة الفلسطينية مما اضطرها إلى عقد اتفاق مع الحكومة الأردنية لاستعمال عملة الفلس على طوابع السلطة الفلسطينية.

يلفت خبير الطوابع سامي الحسني انتباهنا إلى أنّ أهمية الطابع تنبع من المناسبة التي صدر فيها، فإذا كانت المناسبة وطنية مهمة فإنّ الطابع يستقطب الكثيرين ثم تأتي القيمة المادية بالدرجة الثانية. وانتبه الحسني على حين غرّة إلى طابع لهيلاريون كابوتشي (7) الذي لا قيمة له من الناحية المادية لكنه أخذ شهرته بسبب مواقف هذا المطران وسيرته النضالية المُشرِّفة.2700 Stamps

اللهفة لاقتناء الطابع الفلسطيني

يؤكد الباحث أحمد سعيد كجامع طوابع بأنه لو وجد أحدًا لديه طوابع سويسرية أو ألمانية يريد أن يبيعها فإنه لا يرغب بشرائها، ولكن حينما يقول له أحدهم بأنّ لديه طوابع فلسطينية فإنه سيتلهف لاقتنائها لأن فلسطين لها مكانة خاصة في وعي البشر وذاكرتهم الحيّة أينما كانوا.

لا يفوت المخرجة إيمان خضير أن تُنهي فيلمها الدكيودرامي (تاريخ طوابع فلسطين) نهاية مدروسة ومُعبِّرة حينما تسلّط الضوء على هيأة البريد التابعة للأم المتحدة التي أعلنت عن جائزة عالمية للطوابع تتحدث عن السلام حيث فازت الطفلة الفلسطينية، ابنة الحادية عشرة، بيان فايز أبو هلال بالجائزة. وتم طباعة العمل الفائز بـ 206,000 نسخة حيث يُظهر الطابع يدًا تحمل بداخلها حمامة السلام وغصن الزيتون ومعابد الأديان الثلاثة وتقول (بيان) في لقاء معها: (رسمتُها لطموحي وحلمي بتحقيق السلام بين الأديان لأنها تدعو إلى احترام الآخر وهي مقولة كبيرة وعميقة تلامس ضمير البشر ووجدانهم في كل مكان.

لا شكّ في أنّ صانعة فيلم (تاريخ طوابع فلسطين) تستحق الإشادة والثناء على الجهد الكبير الذي بذلته في إنجاز هذا الفيلم الوثائقي (الدكيودرامي) المميز الذي يلامس المشاعر الإنسانية العميقة في كل مكان فإنّ خير ما نختتم به هذا المقال النقدي هو ما قالته الروائية والصحفية العراقية إنعام كچه چي، المُقيمة بباريس، في وصف إيمان خضيّر بأنها: (مُخرجة مُجتهدة ومُناضلة يسارية دفعت الثمن اغترابًا طويلًا . . . تنسج أفلامها بدأب نملة وتواصل العمل في بلدٍ كل ما فيه فوضى)(8).2704 Stamps

لندن: عدنان حسين أحمد

......................

(1) - إيمان خضير: الصعوبات في قلة الأفلام الوثائقية، صحيفة الخليج، دبي، 14 نوفمبر 2011.

(2) - قسطنطين ميخائيلوفيتش بازيلي Konstantin Bazili، قنصل روسيا في يافا وصاحب كتاب (سوريا وفلسطيت تحت الحكم العثماني).

(3) - رولاند هيل Rowland Hill مدرس ومخترع ومصلح اجتماعي إنگليزي قام بحملة تهدف إلى إصلاح شامل للنظام البريدي لتسهيل النقل الآمن والسريع والرخيص للرسائل.

(4) -أدموند أللنبي Edmund Allenby ضابط إداري بريطاني وقائد قوة التدخل المصرية.

(5) - ثيودور هرتزل Theodor Herzl، كاتب نمساوي – مجري، وناشط سياسي، ومؤسس الصهيونية السياسية الحديثة، وأهم كتبه (الدولة اليهودية) Der Judenstaat الصادر سنة 1896.

(6) -هربرت صموئيل Herbert Samuel سياسي بريطاني يهودي أُنشئ تنشئة دينية لكن دراسته في أكسفورد غيّرت معتقداته جذريًا.

(7) -هيلاريون كابوتشي Hilarion Capucci  (1922 – 2017) رجل دين مسيحي سوري أصبح مطرانًا لكنيسة الروم الكاثوليك في القدس عام 1965. عُرف بمواقفه الوطنية المُعارضة للاحتلال الإسرائيلي، وعمِل سرًا على دعم المُقاومة الفلسطينية.

(8) - كجه جي، إنعام، طوابع غزة، الشرق الأوسط ، لندن، 12 نوفمبر 2023.

 

على الرغم من شحّة المصادر والوثائق الدامغة لا تشعر المخرجة العراقية الدؤوبة إيمان خضيّر باليأس والقنوط وتلجأ، في الأعم الأغلب، إلى تقنيتيّ الدكيودراما والتعليق الصوتي الـ Voiceover أو التعليق المكتوب الذي يظهر حرفًا حرفًا Type-on Text والذي يمكن أن نسمّيه بالـ Text Reveal لتعوّض النقص الحاصل في الوثيقة والأرشيف.

وربما يكون موضوع فيلمها المعنون (فيصل الأول - ملك العراق) هو دليل دامغ على تحدّي النواقص الأرشيفية المُشار إليها سلفًا ولكنها تجاوزتها بإعادة تمثيل العديد من المَشاهد التي تحتاجها قصة الفيلم الوثائقي لهذه الشخصية الإشكالية التي تحوّلت بسرعة خاطفة إلى (رمز عراقي) ينتمي إلى بلاد الرافدين وليس إلى الحجاز أو الجزيرة العربية.

لم يعش الملك فيصل الأول حياة طويلة فقد وافتهُ المَنيّة وهو في سن الثامنة والأربعين (1885- 1933) لكنه عاش حياة عريضة متداخلة ومكتنزة بالأحداث بدءًا من تنصيبه ملكًا على سورية لأربعة أشهر من (8 آذار / مارس 1920 ولغاية 24 تموز / يوليو 1920)، مرورًا بتتويجه ملكًا على العراق في23 آب / أغسطس 1921 حتى وفاته في 8    أيلول / سبتمبر 1933. لم تكن فترة حُكمه سلسة يسيرة كما يتخيلها البعض وإنما تخللتها الكثير من الصعاب والمشقّات والمواقف العسيرة حيث أحاط به الأعداء من كل حدبٍ وصوب، فالفرنسيون من سورية، والأتراك من الشمال، والكورد من الشرق، والعجم يدّسون له الدسائس، وابن سعود يهددهُ بالإخوان من الجنوب، ناهيك عن المندوب السامي بيرسي كوكس الذي يلمِّح له، بين أوانٍ وآخر، بإمكانية خلعه عن العرش. ومع ذلك فقد كان يقول في السرِّ والعلن: (مَنْ لي غير الإنگليز؟). أمّا صراعات الداخل العراقي فهي كثيرة ولا يمكن أن تُحصى وتُعدّ.

مَن يتابع أفلام المخرجة العراقية إيمان خضيّر التي جاوزت العشرة أفلام حتى الآن سيُدرك بسهولة تركيزها الواضح على البحث في موضوعات وثيمات أفلامها ومحاولة إحاطتها من جميع الجوانب التاريخية والسياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية، ولعلها أفادت كثيرًا من وجودها وعملها مع (قناة الجزيرة الوثائقية) وهي قناة مهنية تخلق نمطًا من المخرجين المُحترفين في مجال الفيلم الوثائقي الذي يزوِّد المُتلقين بالمتعة والمعرفة والثقافة البصرية بمعناها العام.2682 faisal

البحث.. عصب الفيلم الوثائقي

وكلما كثُرت التعليقات الصوتية والمكتوبة على الشاشة فهذا يؤكد بالدليل القاطع شحّة الوثيقة وندرتها ومحاولة تعويضها بأشياء أُخر أبرزها التقنية الدكيودرامية التي أشرنا إليها سلفًا. أمّا البحث فهو عصب الفيلم الوثائقي الذي يحاول فيه المخرج أو شخص متخصص آخر تُسنَد إليه هذه المهمة ليسدّ بها الفراغ الكبير الذي يكتنف هذا الفيلم الوثائقي أو ذاك.

ما يهمنا في هذا الفيلم (فيصل الأول - ملك العراق) هو البوح الجماعي لخمسة عشر باحثًا ومتخصصًا بينهم الصحفي، والكاتب السياسي، والمؤرخ، وعضو مجلس النواب، والأكاديمي، والآثاري، والمثقف، والباحث الأمني وما إلى ذلك. وقد بلغ عدد المتحدثين الذي أفرغوا كل ما في جُعَبهم في هذا الموضوع المتعلق بحياة فيصل الأول، ملك العراق 15 متحدثًا تناولوا حياته الشخصية والأُسرية، وعرّجوا على أدواره السياسية والفكرية، وانتهوا بموته الغامض الذي أثار غابة من الأسئلة المتناقضة لدى الدارسين والباحثين الذين أدلوا بدلائهم طوال مدة الفيلم التي تجاوزت الـ 53 دقيقة بـ 36 ثانية لا غير.

يتضمن موضوع الفيلم أكثر من 30 محورًا ومادة فرعية تشكّل الهيكل المعماري العام لنسيجه الداخلي المتشابك الذي يجمع بين السيرتين الذاتية والموضوعية. وعلى الرغم من أنَّ (الفلاش الباك) أو الاسترجاعات الذهنية تعود بنا إلى اليوم الأول الذي رأى فيه النور حيث يقول في مذكّراته: (وُلدتُ في الطائف في العشرين من أيار عام 1885 ثم أرسلني أبي إلى قرية (رِحاب)، وأنا هناك تُوفيت والدتي، وعندما كبُرتُ تزوجتُ من ابنة عمّي خُزيمة التي أنجبتْ لي ثلاث بنات وصبي ولم أتزوج غيرها). ولعل العبرة من إرساله إلى قرية بدوية هي التعوّد على حياة التقشف، وقسوة المعيشة، وتعلّم الفروسية والصيد وفنون القتال وإحاطته بالقيم والتقاليد البدوية المعروفة بين القبائل العربية آنذاك.

لا يمكن تتبّع حياة الملك فيصل الأول بخط مستقيم ولا بد من قفزات زمكانية مُبررة، ولعل القفزة الأولى الأولى أخذت أكثر من ثلاثين عامًا حيث انتقلت بنا المُخرجة مباشرة إلى عام 1916، وهي السنة التي اشترك فيها الملك فيصل الأول في الثورة العربية الكبرى، وحرّر فيها دمشق، وتُوِّج عليها ملكًا لأربعة أشهر لا غير قبل أن يطردهُ الفرنسيون في معركة (ميسلون) الشهيرة ويخرج منها بخفّيّ حنين كسيرًا مدحورا. وتزامن مع اندحاره انطلاق الثورة العراقية التي قادها شعلان أبو الچون عام 1920 لرفض العراقيين للاحتلال البريطاني الأمر الذي وضع لندن أمام معضلة كبيرة. فكيف يمكن الاحتفاظ بالعراق من دون سيطرة عسكرية وهم الذين يرفضون الانتداب ولا يطيقون الهيمنة الأجنبية؟ وبما أنَّ الثورة عراقية وأنَّ مُفجِّريها عراقيون فلماذا يأتون بحاكم غير عراقي من الحجاز ليقود العراقيين؟ فلا غرابة أن نسمع تساؤلًا منطقيًا مُفاده: هل عَقُمَ العراق من الرجال؟  يدافع الشريف علي بن الحسين الذي ينتمي إلى العائلة المالكة نفسها ويرى أنَّ هذا التقليد معمول به في المغرب وتونس فلماذا لا يُعمَل به في العراق؟ بينما يرى الصحفي معاذ عبدالرحيم أنَّ العراقيين لا يستجيبوا لشخص من أبناء جلدتهم وربما يعود السبب إلى المكونات العديدة التي يتألف منها الشعب العراقي كالعرب والكورد والتركمان والسنة والشيعة والمسيحيين والصابئة المندائيين الأمر الذي دفعهم باتجاه الشريف حسين لأن يأتي بفيصل ليكون ملكًا على العراق فهو سُني، وهذا ما يُرضي السُنة، وهو من أحفاد آل البيت وهذا ما يُرضي الشيعة.2681 faisal

الأهواء والتقلبات السياسية

لم تكن العلاقة بين فيصل الأول ووالده طيبة فقد خرج الابن عن سيطرة الوالد وأصبح مُستقلًا إلى حد ما  وشرع باتخاذ قرارات تكتيتكية واستراتيجية بعيدًا عن هيمنة والده الذي لم يكن راضيًا على تنصيب ابنه ملكًا على سورية لأن ذلك يُضعف محاولاته الدؤوبة لتشكيل دولة عربية موحدة ومستقلة حيث اعتمد على الوعود البريطانية ولم يتعامل مع الأمر الواقع لتغيير الظروف السياسية فخسر مملكة الحجاز بينما تعلّم الابن أن يكون مرنًا وأدرك بأنّ السياسة هي فن الممكن بخلاف والده الذي أصرّ على المطاليب المبدئية التي وسّعت الهوّة بينهما. ومع ذلك فقد رفض الملك فيصل الأول أن يكون بيدقًا بيد البريطانيين. يتفق د. عصام الفيلي، أستاذ التاريخ في الجامعة المستنصرية بأنّ الشريف حسين صدّق كل وعود بريطانيا تجاه الدولة العربية الموحدة ويُرجع السبب إلى طبيعته الشخصية المختلفة فهو أمير نشأ في بيئة دينية بمدينة الحجاز إضافة إلى شخصيته البدوية بما تحمله من قوة ونقاوة الصحراء التي لا تتلاءم مع الأهواء والتقلبات السياسية التي يعرفها العاملون في هذا المضمار. فالسياسي عليه أن يناور حينًا، ويكذب حينًا آخر، ويساوم تارة، ويتخلى تارة أخرى أو يتمسك بالشيء الأبعد. فالسياسة من وجهة نظرهم لا ربّ لها.

لا بدّ من الاعتراف بأنّ الصحف العراقية نشرت خبر تتويج فيصل الأول ملكًا على العراق قبل أن يُقرّ الأمر الذي دفعهُ للإبحار من ميناء جدة في 12 حزيران عام 1921 فخرج الأهالي عن بكرة أبيهم لاستقباله احتفالًا بمقدمهِ حيث ألقى كلمة جاء فيها: (إني والله لا أرغبُ أن أرى في المقامات العليا غير مَنْ تجمع عليه الأمة، وأقسم بشرفي وتربة أجدادي، وبقبر جدنا الرسول (ص) أنني أول من يُبايع الرجلَ الذي تتفقُ عليه الأمة جميعًا). وخاطبَ الطوائف المسيحية واليهودية برفعهِ شعار (الدين لله والوطن للجميع). وأصرّ الملك فيصل على إجراء انتخابات شكلية من قبل شيوخ العشائر ووجهاء المدن بطريقة المضابط فحصل على نسبة 69% تقريبًا الأمر الذي يكشف عن وجود معارضة له وخاصة بمدينة الموصل.

يؤكد التعليق الصوتي الرابع بأنّ أهم نجاح حققهُ الملك هو حصوله على بيعة المرجع الأعلى والزعيم الروحي محمد مهدي الخالصي حيث نسمع ما كتبهُ ابن الخالصي في مذكراته حيث يقول في مشهد تمثيلي: (جاء الملك إلى بيتنا وهو يحمل قطعة من ستار الكعبة وقدّمها هدية لأبي فوافقَ أبي بشرط أن يكون ملكًا مستقلًا وبعيدًا عن أي سلطة أجنبية). ثم نُشرت البيعة في اليوم الثاني في غالبية الصحف وسبقتهُ بيعة للسُنة وأخرى لليهود.

لا ينسى د. عامر فيّاض شروط إقامة الدولة العراقية التي تتضمن وجود مؤسسات سياسية أولها المجلس التأسيسي والدستور والتعددية الحزبية والصحافة الحرة التي تستطيع أن تلامس القضايا الحساسة في المجمتع العراقي برمته.

نسمع في تعليق صوتي تالٍ بأنَّ الملك قد استأجر دار (شعشوع) وأختار يوم الغدير في 18 من ذي الحجة 1339 وهو اليوم الذي عاهد فيه الرسول محمد (ص) بالخلافة للإمام علي(ع) والذي يُصادف 23 آغسطس / آب عام 1921 حيث ألقى الزهاوي قصيدة جاء فيها:

(إنّا مُحيّوك فاسلم أيها الملكُ  

   وما أصطفوكَ لعرشٍ شأنهُ الفلكُ

*

عَرشُ الملوك ضمانٌ للعراق  

    وفي تأييدهِ الشعبُ والأحزانُ تشتركُ

*

الناسُ في فرحٍ إذ جئتَ ترأسُهم

   من بعدِ ما بكوا من يأسِهم ضَحِكوا)

2683 faisalتحت الإقامة الجبرية

تعتبر إستانبول التي عاش فيها الأمير فيصل الأول (تحت الإقامة الجبرية) عاصمة كوزموپوليتانية ففيها التركي والعربي واليوناني والمسلم والمسيحي واليهودي ولكنه لم يكن يفرّق بين المذاهب الإسلامية فقد كان شخصية مُجددة وكان مبهورًا بالتقدم الذي شهدته العاصمة آنذاك حيث عاش فيها 13 سنة بين عاميّ 1896- 1909ودرس فيها اللغة التركية والإنگليزية وشيئًا من الفرنسية والتاريخ كما علّمه والده القرآن. وإذا كان الأمير قد أتقن اللغة التركية قراءة وكتابة لكنه فشل في تعلّم اللغة الإنگليزية ويكفي أن نشير إلى المقطع الذي يتحدث فيه في هذا الفيلم لنثبت بالدليل القاطع بأنّ لغته الإنگليزية كانت متدنّية إلى أبعد الحدود خلافًا لأشقائه الذين كانوا ضليعينَ بها. وهذا الأمر ينسحب إلى اللغة الفرنسية التي مرّ عليها مرور الكرام.

تكشف مُخرجة الفيلم الثغرات التي حصلت في أول وزارة أُسست في العراق وهي وزارة عبد الرحمن النقيب التي تألفت من 21 وزيرًا لم يكن فيها سوى شيعي واحد هو محمد علي بحر العلوم. وجدير ذكره أنَّ رجال الدين الشيعة هم الذي منعوا المكوِّن الشيعي بفتاوى مُلزِمة من الانخراط في مؤسسات الدولة كما أن نسبة المتعلمين الشيعة كانت قليلة ولا تعدو أكثر من خرّيجي المدارس الدينية فلا غرابة أن تكون أقلية سُنية تحكم أكثرية شيعية وهذا الأمر ليس نتاج هذه المرحلة حسب وإنما نتاج الدولة العثمانية التي سعت جاهدة إلى بثّ الفِرقة والشقاق بين أبناء العراق فخلقت نخبة وأقليّة متعلّمة تقابلها أكثرية مظلومة وغير متعلّمة. ولعل ندرة النخب الشيعية المتعلمة كانت من أخطر الإشكاليات التي واجهت الملك فيصل الأول في حينه الأمر الذي دفعهُ للاستعانة برستم حيدر، الشخصية الشيعية اللبنانية التي أسندَ إليها رئاسة البلاط الملكي ثم وزارة المالية والاقتصاد والمواصلات.

يذهب الدكتور شفيق المهدي إلى الإشادة بوزير المالية العراقي ساسون حسقيل الذي أسس لاقتصاد نفط بكلمة غولدن حينما حدّد سعر برميل البترول بثلاثة سنتات ذهب حافظ فيها على الاقتصاد العراقي وبقي العراق في عهده يأخذ ويطالب خلافًا للوقت الراهن الذي لا يُطالب فيه العراق ولا يأخذ.

رفض الانتداب والاستشارة

أصرّ الملك فيصل الأول برفض كلمتيّ (الانتداب والاستشارة) إلّا أنَّ البريطانيين رفضوا التعديل فآزره العراقيون حينما خرجوا بمظاهرات صاخبة كانوا يمْلون فيها شروطهم من موقع قوي رغم التهديد التركي بأخذ ولاية الموصل وتركه وحيدًا يواجه المطامع التركية. لقد عيّن البريطانيون مستشارًا لكل وزارة مهمة مثل الدفاع والداخلية والمالية وبقية الوزارات الأخر وكانت معاهدة 1922 في حقيقتها هي انتداب آخر وربما اعتبرها البعض أخطر من الانتداب نفسه. وإذا لم يوقِّع الملك هذه المعاهدة فإن الموصل ستذهب إلى تركيا إلى الأبد علمًا بأنَّ مساحة ولاية الموصل تشمل أكثر من 180, 000 كم2 ، أي أكثر من ثلث مساحة العراق التي تبلغ 438,317 كم2 وتشمل ليس الموصل وحدها وإنما كركوك وأربيل والسليمانية ودهوك.

سقط الملك فيصل مريضًا بشكل مفاجئ فحاول المندوب السامي بيرسي كوكس استغلال الموقف وجاء ليوّقعهُ على إبعاد الوطنيين العراقيين إلى جزيرة هنجام () بعد المظاهرات الصاخبة التي اندلعت فيه لكن الملك رفض التوقيع وأُجريت له العملية فاستغل كوكس غيابه وأصدر قرارًا بنفي الوطنيين إلى تلك الجزيرة وأغلق حزبيّ (النهضة) و (الوطني) ولمّح بإمكانية خلعه عن العَرش فوافقَ في فترة نقاهته على المعاهدة المذكورة تحت ضغط الأعداء الذين يحيطون به من كل حدبٍ وصوب. فالبريطانيون سيرحلون إن عاجلًا أم آجلًا لكن إن رحلت الموصل فإنها لن تعود إلى الأبد. ومما زاد الطين بِلّة أنَّ المرجع الشيعي محمد مهدي الخالصي قد نقض البيعة التي جاء فيها: (بايعنا فيصل ليكون ملكًا على العراق بشروط وقد أخلّ بتلك الشروط فلم يعُد له في أعناقنا وفي أعناق الشعب العراقي أية بيعة).2684 faisal

لم يكن فيصل الأول قادرًا على مواجهة البريطانيين والشارع العراقي معًا فكان يستعين بالصحفيين من طرف خفي وهذا ما أكده الباحث والمؤرخ شامل عبدالقادر الذي أشار إلى استمالة الصحفيين الكبار أمثال المرحوم سامي خندة ويستدعيه إلى القصر ليعرض أمامه المشاكل التي يعاني منها الملك ولا يستطيع حلّها مع المندوب السامي البريطاني الذي كان بمثابة مستشار للملك فكانت الصحافة تلعب دورًا مهمًا للكشف عن الحقائق التي يريد الملك طرحها أمام الرأي العام العراقي. فقد كانت الصحافة العراقية توجع البريطانيين على اختلاف مناصبهم وكانو يشتكون إلى نوري السعيد من تصرفات الملك الذي يستعمل الصحفيين العراقيين للضغط عليهم وتمرير مخططاته الوطنية بعد أن تحوّل إلى رجل عراقي قلبًا وقالبًا وصار يبحث عن مصلحة الشعب العراقي بعيدًا عن المصالح البريطانية.

أُفتتح المجلس التأسيسي يوم 27 آذار 1924 وألقى الملك أول كلمة أمام أول مؤسسة تشريعية مُنتخَبة في تاريخ العراق المُعاصر وأُنتخب عبد المحسن السعدون كأول رئيس له بالأغلبية.

تشير د. أزهار الشيخلي، عضو مجلس النواب بأنَّ المجلس التأسيس كان يتألف من 100 عضو ينتمون إلى مختلف المحافظات العراقية وكانت مهمتهم إقرار المعاهدة العراقية البريطانية لعام 1922 وإقرار القانون الانتخابي والدستور. وكان العراقيون يطّلعون أول مرة على آليات ديمقراطية مثل مسألة الانتخابات والعلاقة ما بين مجلس الوزراء ومجلس الأمة، والهيأة التشريعية والتنفيذية. وكان يُفترض أن يكون الملك عامل توازن بينهما لكن إذا تحرّينا الدقة من الناحيتين العلمية والأكاديمية فسنرى أن هناك تركيزًا للسلطة بيد الملك وكان بإمكانه أن يسحب الثقة ويحلّ البرلمان. بينما يعترف الملك في مذكراته بأنّ (يوم تأسيس المجلس الوطني العراقي كان بمثابة يوم ميلادي)!

كثيرة هي منجزات الملك فيصل الأول كما يشير د. شفيق المهدي، فقد أسس معهد الفنون الجميلة أمام البلاط الملكي وكان يحيّي الطلاب كل مساء من بوابة البلاط وأول عميد لمعهد الفنون الجميلة هو الشريف محي الدين حيدر الذي يعتبر من أعظم العازفين على آلتيّ البيانو والكمان. وبحسب رواية الفنان العراقي فائق حسن الذي يقول: (كنتُ صبيًا في سن الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة وكنت أرسم بالفحم على ورقة وإذا بجلالة الملك أمامي حيث سألني: ما هذا يا ولدي؟ فقلت له: أرسم. فضحك وقال: أرسمني. فخططتهُ من بعيد، فنظر إلى الورقة وقال: ابعثوه إلى فرنسا).

المس بيل.. صانعة الملوك

ثمة إشادة بالمس بيل، صانعة الملوك ودورها في بناء المتحف العراقي وحفاظها على الآثار العراقية المكتشفة. يعتبر المتحف العراقي خامس متحف في العالم ليس من حيث السعة وعدد الآثار وهي كثيرة جدًا ولكن ثمة خاصية مهمة جدًا في المتحف العراقي وهي احتوائه على حلقات متسلسلة ربما لا نجدها في أي متحف آخر تبدأ من عصور ما قبل التاريخ وتنتهي بالعصور الإسلامية. وجدير ذكره أنَّ الملك فيصل الأول كان يأتي كل صباح ليشرف بنفسه على بناء هذا المتحف الكبير.

يشير الدكتور قيس حسين، رئيس هيأة الآثار العامة بأنَّ المس بيل حينما واجهت قدرها المحتوم عام 1926 تركت مبلغًا قدره 50.000 ألف جنيه إسترليني كسلفة أو وديعة لبناء المتحف العراقي وتوسعته. ويرى حسين أن امرأة من هذا النوع يُدين لها العراقيون قاطبة بالفضل الكبير لأنها كانت حريصة على العراق وربما هي أكثر حرصًا من العراقيين قاطبة لأنها تركت لنا هذا الصرح الخالد.

لم تترك المخرجة حدثًا عراقيًا مهمًا إلّا وتناولته مثل اتفاقية فيصل- وايزمان ببنودها الستة المعروفة. وكما يشير الباحث شامل عبد القادر أنَّ لقاء وايزمان بفيصل هي مسألة مصالح قيام دولة عربية على أساس وعد بريطاني يسمّى (وعد مكماهون) وقيام دولة يهودية على أساس وعد بريطاني يسمّى (وعد بلفور). فما الذي سيخسره فيصل الأول أو سيربحه وايزمان من خلال هذا اللقاء. فكلا الرجلين يسعيان إلى بناء دولتين؛ الأول يسعى لبناء دولة يهودية، والآخر يسعى لبناء إمبراطورية عربية وليس دولة واحدة.

لا شكّ في أنَّ فقرة تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين كانت تثير الكثير من الشكوك والمخاوف لدى الملك فيصل الأول ووالده الذي يطمح لبناء إمبراطورية إسلامية كبيرة فكيف يسمح بإختراق مملكته المُنتظرة بهذا العدد الكبير من المهاجرين؟

لم يكن الملك فيصل الأول رجلًا غشيمًا فقد إطلّع على نفوذ الصهاينة ومُداولاتهم ومُراسلاتهم مع السلطان عبد الحميد. وكان يعرف، هو ووالده، كم بذل اليهود من جهود وأموال لانتزاع اعتراف من السلطان عبد الحميد لتأسيس هذه الدولة؟ وعلى الرغم من جهل الملك فيصل الأول باللغة الإنگليزية إلّا أنه كان ينتبه إلى أهمية الوثائق المُتَرجَمة من لغة إلى أخرى، ولكي يتفادى الوقوع في إشكالية ما كان يُذيّل مثل هذه الوثائق بتوقيع يقول فيه: (لا تُعتَبر هذه الوثيقة نافذة ما لم ينل العرب استقلالهم) لكي يسد الباب على كل الهواجس والتكهنات التي قد تُثار من بعده في هذا الاتجاه.2680 faisal

تعاظم صلاحيات الملك

لا تجد الدكتورة أزهار الشيخلي بُدًا من التأكيد على أنّ المجلس التأسيس لم يكن حرًا بالمطلق في عمله فقد كان مُقيدًا بغلبة الملك وإعطائه المزيد من الصلاحيات على حساب مجلس النواب الذين يجدون صعوبة بالغة في تغيير بعض الكلمات التي كُتبت بقطرات من الحبر لكنها تحتاج في يوم من الأيام إلى نهر من الدماء لإزالتها أو محوها من الدستور.

يرى الدكتور أسامة الدوري، أستاذ التاريخ المعاصر أنَّ الملك قد تحوّل إلى دكتاتور سياسي، بل أن عبارة دكتاتور سياسي قد أصبحت عنوانًا لتقرير مُفصّل من 13 صفحة يكتبها المفوض الأمريكي إلى وزارة الخارجية الأمريكية ليكشف عن سيطرة الملك على الحكومة. وأكثر من ذلك فإنّ الملك بدأ يستعمل مصطلحات جديدة من قبيل (سياستي وحكومتي) وما إلى ذلك بينما يقول الدستور العراقي بأنَّ (الملك مَصون غير مسؤول وسلطته تنفيذية).

يعتبر الحدث الأكبر في 6 تشرين الثاني 1932 هو قبول العراق العضو السابع والخمسين في عصبة الأمم كأول بلد يتحرر من الانتداب حيث تأسست دولة جديدة بسلام بينما لم يحدث هذا الأمر في الماضي إلّا بوسائل العنف حيث أعلنَ رئيس الوفد البريطاني في مجلس العصبة قائلًا: (سنكون بلداء إذا ما فاتنا الالتفاف إلى أننا بإدخالنا العراق إلى عصبة الأمم لا نكون قد أدخلنا أحدث الدول إليها، بل أدخلنا قطرًا من أعرق الأقطار قاطبة).

سافر الملك فيصل الأول إلى بيرن في الرابع من أيلول عام 1933 لإجراء فحوصات طبية حيث كان يعاني ضعف وهزال وتسارع في دقّات القلب حسبما جاء في مذكرات طبيبه الخاص هاري أندرسون. وفي ليلة الخميس على الجمعة السابع من أيلول توقف قلبه في الساعة الحادية عشرة و خمس وأربعين دقيقة مُرددًا قبلها الجُمل القصيرة الآتية: ( أنا مُرتاح، قُمتُ بواجبي، خدمتُ الأمة بكل قواي ليسير الشعبُ من بعدي بقوة واتحاد).

الاختلاف على سبب الوفاة

من الطبيعي أن يختلف عدد من الباحثين والمشاركين في هذا الفيلم على سبب الوفاة، فكل واحد منهم يرى الحقيقة من زاوية نظره الخاصة به. فالباحث الأمني الدكتور معتز محي يركِّز على التساؤلات التي أُثيرت لدى المُحققين والقضاة من قبيل: لماذا لم تلجأ الحكومة العراقية آنذاك لتشكيل فريق عمل والذهاب إلى المستشفى لمعاينة الأجهزة الطبية، ومشاهدة المكان الذي توفي فيه الملك؟ ولماذا لم تُفحص الكؤوس، أو تُستدعى الممرضة، أو تؤخذ عيّنات من الدم في أثناء الوفاة؟

تساءل شمران العجيلي، رئيس بيت الحكمة، إذا كان البريطانيون قد نفّذوا كل البرنامج السياسي المُعدّ له فعلامَ يُسمم؟ بينما يرى الدكتور عامر فياض أنَّ الملك قد مات موتًا طبيعيًا. فيما يجزم المؤرخ شامل عبد القادر بأنه قُتل وتمّت تصفيته.

أمّا الشريف علي بن الحسين فقد اعتبر وفاته مفاجأة غير مُتوقعة رغم أنَّ صحتهُ لم تكن جيدة لكنه نفى وجود أدلة تؤكد أنه سيتوفى في ذلك الوقت. كما يجزم الدكتور محمد كامل الربيعي بأنه انتقل إلى الآخرة مقتولًا بعد أن انتهت بريطانيا منه وطُويت مرحلته. وربما يكون الدكتور أسامة الدوري أكثرهم علمية لأنه دقق في الوثائق الأمريكية واكتشف أنَّ الملك فيصل الأول كان يعاني من السل ويقول الطبيب بالحرف الواحد أنه لن يعيش أكثر من سنتين إلى ثلاث سنوات.

بقي أن نقول بأنَّ المخرجة والباحثة وكاتبة السيناريو إيمان خضيّر قد أنجزت عشرة أفلام وهي على التوالي: (د. انيس الصائغ، تاريخ طوابع فلسطين، فيصل الأول- ملك العراق، ظل الكونكريت، مقاهي بغداد الأدبية، عاملات الطابوق، صفر، الأهوار، جدارية المطر، جواد سليم وسمفونية البرونز).

***

لندن: عدنان حسين أحمد

....................

* الصور بالأسود والأبيض مأخوذة من غوغل

تُشكِّل الإطلالات الثلاث للمدرّب الرياضي ثامر گُلاز إضافة إلى مُداخلَتيّ الكابتن فؤاد ذياب والمُدرِّب حازم صالح المادة الأساسية لهذا الفيلم الوثائقي الذي حمل أكثر من عنوان؛ الأول هو (ثامر گُلاز.. سيرة رياضي ومدرب) كما ورد في السيرة الذاتية لمخرج الفيلم مصطفى الهود، والثاني هو (السيرة الذاتية "ثامر گُلاز") كما ورد في مٌلصق الفيلم. وبغض النظر عن تعدد العناوين التي تحاول الجمع بين سيرة الرياضي والأديب والإعلامي ثامر گُلاز إلّا أنَّ مضمون الفيلم يتمحور حول سيرته الذاتية والرياضية ولا يتعداها إلى الجانبين الثقافي والإعلامي؛ فحياة گُلاز الأدبية والإعلامية تحتاج إلى وقفة طويلة ومتأنية لما تنطوي عليه من أفكار ورؤى ومواقف لا مجال لذكرها الآن والإحاطة بها في هذا المجال الضيق الذي تجاوز الـ 24 دقيقة بقليل. كما اشتمل الفيلم على أربع تعليقات صوتية لم تكن فيها المُعلِّقة تحرير الطائي مُوفقة على الإطلاق وكان عليه أن يختار شخصية إذاعية مُحترفة لقراءة التعليق الصوتي بما ينطوي عليه من إتقان وسلاسة وتدفّق يجذب المُتلقي إلى المعلومات والأفكار الواردة في النص المقروء. يتضمّن التعليق الأول (عرضًا لدراسة عطاء شخصية عراقية بعقوبية مؤثرة في المَشهد الثقافي والرياضي بديالى حيث يرونَ في سيرته المتوقدة كواحد من جيل الروّاد وأقطاب الرياضية الديالية).

يشتمل التعليق الصوتي الثاني على سيرته الذاتية وتاريخ ولادته عام 1950 والمراحل الدراسية التي مرّ بها بدءًا من الابتدائية، مرورًا بالمتوسطة والإعدادية، وانتهاءً بالمرحلة الجامعية حيث تخرّج في جامعة البصرة، كلية الآداب، قسم التاريخ عام 1975. ثم مارس التدريس حتى عام 1994 وأُحيل على التقاعد بإرادته بعد تحويل خدماته إلى موظف في ديوان التربية. ثم عاد إلى التدريس سنة 2010 وتقاعد سنة 2017. وخلال هذه السنوات عقد عشرات الصداقات مع الأدباء وفناني الدراما والرياضيين العراقيين في داخل الوطن وخارجه. ولا بد من الإشارة إلى أنَّ تحويل خدمات المدرِّسين في تلك الحقبة المشؤومة كانت تعود إمّا لأسباب سياسية أو لتبعية المدرسين الإيرانية وهو السبب ذاته الذي أُحيل فيه ثامر گُلاز من التدريس إلى موظف في ديوان تربية ديالى آنذاك.2640 thamer

ولع بالرياضة وشغف بالأدب والفن

يركِّز التعليق الصوتي الثالث على ولع ثامر گُلاز بكرة القدم منذ نعومة أظفاره، فقد لعب كرة القدم ضمن فرق المدارس الابتدائية والمتوسطة لكن موهبته تفجرت في المرحلة الإعدادية حيث لعبَ ضمن منتخب تربية ديالى المدرسي، ومنتخب محافظة ديالى، ومُنتخب الجامعات العراقية. ثم خاض في عالم تدريب كرة القدم منذ وقت مبكر سنة 1980 وكان الأول على العراق حيث رُشِّح على إثرها إلى أسكتلندا لكن ظروف الحرب حالت دون ذلك فالتحق بالخدمة الإلزامية لمدة ثلاث سنوات وستة أشهر كشفت له مساوئ الحرب وفظائعها.

يسلّط التعليق الصوتي الرابع والأخير الضوءَ على مرحلة السبعينات من القرن الماضي الذي يصفه الكثيرون بالزمن الجميل حيث تركت هذه المرحلة بصمات مهمة في حياته الرياضية وحصوله على خبرة واسعة وعميقة مع اثنين من عمالقة الرياضة العراقية الراحلين وهما رشيد مطر ومحمود عيشة ومعاصرته لأبطال الملاعب والكرة والمدرّبين أمثال الأساتذة طارق لطفي وثامر مطر والحاج عبدالرزاق صفاوي وإياد حميد وآخرين لا يسع المجال لذكرهم جميعًا. لا ينكر أحد من أقرانه الرياضيين أنه حقق تقدّمًا سريعًا في مضماره الرياضي وهيأ نفسه للسفر إلى أوروپا والإمارات العربية المتحدة والأردن. كما سافر إلى مونپليه الفرنسية ومكث فيها ثلاث سنوات حيث شاهدَ وعايشَ فيها نادي مونپليه الذي كان يلعب ضمن الدوري الممتاز الفرنسي، كما شاهد بعض المُباريات في ألمانيا قبل أن يعود إلى الإمارات ومنها يقفل راجعًا إلى محطته الأخيرة في مدينة بعقوبة التي لا يقوى على فراقها أبدًا. وظل ثامر گُلاز يسافر بين أوانٍ وآخر إلى كثير من الدول العربية والأجنبية ويحصد العديد من الشهادات والأوسمة المحلية والدولية حيث حصل على شهادة من الاتحاد العربي، وشهادات أخرى في الطب الرياضي، وقانون كرة القدم، وغذاء لاعبي كرة القدم. كما حصل على شهادات من الخبراء الأجانب والمُحاضرين العالميين المُنسّبين من قِبل الاتحاد الدولي (الفيفا).

كان أمام المخرج مصطفى الهود حلّان لا ثالث لهما؛ الأول ألّا يُكرر المعلومات التي وردت في التعليقات الصوتية على لسان الكائن السيري تحديدًا لأنها جاءت في التعليقات الصوتية الأربعة والعكس صحيح؛ أي أن تاتي المعلومة على لسان الراوية أو الكائن السيري ولا ضرورة لمجيئها في التعليقات الصوتية لأن التكرار مهما كان شكلهُ سيولِّد الملل والتذمر عند المُشاهِد خاصة حينما يكون الفيلم قصيرًا ولا يتجاوز الـ 24 دقيقة إلّا بثوانٍ معدودة.2641 thamer

قارئ نهم ومفوّه طليق اللسان

لا بد من الإشارة إلى أنَّ ثامر گُلاز هو أديب وإعلامي وقارئ نهم، كما أنهُ مفوّه وطليق اللسان فلا غرابة أن يكون حديثهُ سلسًا وعذبًا ومتدفقًا ولا يحتاج إلى مَنتجة أو تعديل إلّا لمِاما وأنّ ما يقوله يفي بالغرض المطلوب ولا داعي لتكراره في التعليقات الصوتية Voiceovers أو في أحاديث المتكلمين الآخرين المُشاركين في الفيلم.

ثمة ثلاث إطلالات للرياضي والمدرب ثامر گُلاز قال فيها كل شيء تقريبًا لكنّ أهمّ ما فيها هو تواضع هذا الرجل وسعيه الحثِّيث لترسيخ ثقافة التسامح وإضفاء اللمسات الإنسانية على حياته حيثما يكون وهذا لعمري من أصعب المهمات التي أوكلها لنفسه ونجح فيها إلى حد كبير. يصف حياته بأنها بسيطة جدًا ومتواضعة إلى أبعد الحدود. فقد وُلد في محلة (أم النوى) ببعقوبة في 14 - 2 - 1950. درسَ في مدرسة الأمين الابتدائية، ثم في متوسطة الانتصار، وأكمل دراسته في الإعدادية المركزية ببعقوبة، ثم قُبل في جامعة البصرة، كلية الآداب، قسم التاريخ. يأخذنا گُلاز في رحلة وصفية مكانية آسرة للحياة البسيطة الممتعة التي أشار إليها سلفًا حيث كانت المحبة الصادقة هي الآصرة التي تجمع بين سُكّان المحلة التي تفصلها عن نهر (خريسان) مجموعة من البساتين الوادعة الغنّاء.

يُحيطنا گُلاز في إطلالته الطويلة الثانية بكمٍ كبير من المعلومات حيث يقول بأنّ الجانب الرياضي أخذ منه قسطًا كبيرًا من الاهتمام لأنه كان هاويًا للرياضة وكرة القدم بالتحديد مثله مثل أقرانه الرياضيين لكنه بتواضع الكبار يقول بأنّ بوادر التميّز قد ظهرت عليه واستطاع أن يُمثل المدرسة في المراحل الابتدائية والمتوسطة والإعدادية وقد حصل في المرحلة الأخيرة على كؤوس عديدة لأن الإعدادية المركزية كانت تضم نخبة من اللاعبين الممتازين الذين حققوا للمدرسة انتصارات متلاحقة أفضت به لأن يلعب ضمن منتخب التربية والمُنتخب المدرسي العراقي ومنتخب الجامعة.2642 thamer

مهارة عالية مُطعّمة بفكر تدريبي

يُذكِرنا گُلاز بأنّ العراق كان يفتقر إلى الدوري حيث كانت هناك بطولة الجمهورية التي تُقسّم فيها المحافظات إلى ثلاث مناطق؛ شمالية ووسطى وجنوبية وأفضل نتيجة حصلوا عليها هي أبطال المنطقة الوسطى ثم فازوا على المنطقة الشمالية، وخسروا أمام البصرة؛ بطل المنطقة الجنوبية. يُمرر گُلاز بين أوانٍ وآخر معلومة مهمة تشير إلى تفرّده، ففضلًا عن التميّز المهاري المُشار إليه سلفًا يقول بأنه (كان يمتلك فكرًا تدريبيًا) لأنه يجمع بين النَفَسين الرياضي والأكاديمي في آنٍ معًا، فهو مُدرس من جهة ومدرب رياضي لكرة القدم من جهة أخرى. دخل گُلاز دورات تدريبية متعددة من بينها دورة على مستوى القطر أشرف عليها الاتحاد العراقي في حزيران سنة 1980 وكان ترتيبه الأول على القطر حيث رُشح إلى أسكتلندا لكن اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية ألغى الترشيح فالتحق بسوح الحرب أسوة ببقية الشباب وخدم في الجيش لمدة ثلاث سنوات وستة أشهر. لا يميل گُلاز للحديث عن نفسه كثيرًا وهذه سمة الكبار التي يفهمها ذوو الألباب والعقول الكبيرة.

يشير گُلاز إلى الأساتذة الروّاد من الرياضيين في بعقوبة الذين يعتبرهم الكابينة الأولى أمثال الأستاذ محمود حسين، ومحمود عيشة، ورشيد مطر، وعبدالستار خضر، وفاروق الأطرقجي؛ وهو من بغداد وكان يُدرِّس بالإعدادية المركزية حيث أنشأ نواة لكرة السلّة وأخذ بطولات كثيرة باسم نادي ديالى. أمّا الجيل اللاحق فهو جيل الأستاذ طارق لطفي وجبار عباس وحارث شاكر الذي أصبح الحكم العراقي الأول والحكم العربي وحكمًا في الدورات الأسيوية. أمّا الأستاذ لطفي فهو أبو الكرة الطائرة بديالى وحصل على دوري القطر ومثّل العراق باسم نادي ديالى سنة 1978 بالبطولة العربية. ولم ينسَ دور الأستاذ سعدون شفيق الذي يجمع أكثر من صفة فهو الأستاذ والمعلم والكاتب والصحفي والمعلّق ومدرّب الرياضة الذي درّب گُلاز شخصيًا الذي سيدخل عالم التدريب حاله حال المدربين الآخرين لكن النجاح حالفَ گُلاز الذي كان متفوقًا في الدورات وحظي بنوع مميز من الرعاية من قِبل الاتحاد المركزي ببغداد.2643 thamer

شهادات واعترافات دولية

يُحيطنا گُلاز في إطلالته الثالثة والأخيرة بالدورات الكثيرة التي دخلها وحصل على شهادات عديدة من بينها شهادة من الخبير الألماني فرانس تراب الذي يمثل الاتحاد الدولي (الفيفا) فقد علّمهم أصول كرة القدم وغيّر الكثير من المفاهيم التي كانت تدور في أذهانهم كمدربين. وكدأبه دائما فقد أشار گُلاز إلى أقرانه وزملائه في هذه الدورة أمثال اللاعب الدولي فلاح حسن، وحسن فرحان وأنور جسام وكاظم خلف وخلف كريم ونزار أشرف ويحيى علوان. ثم دخل في دورات أخرى أشرف عليها من الاتحاد العراقي الأستاذ عبدالقادر ثم استقدموا مدربين أجانب مثل الخبير الأسكتلندي جاك غاليغار والبرازيلي جواو هافيلانج وجوزيف سيپ بلاتر، وحصل على شهادة عليا من التضامن الأولمبي العالمي لكرة القدم بتوقيع من أنطونيو سمارانش، رئيس الاتحاد الأولمبي العالمي. ثم دخل دورات في المعاهد العربية والقومية وتعرّف إلى خبراء مثل عبده صالح الوحش وباسل عبدالمهدي وتيرس أديشو ولم تقتصر الدورات على كرة القدم وأصول اللعبة وتكتيكها وإنما دخلوا دورات في اللياقة البدنية وفي غذاء اللاعب وفي القانون والإصابات الرياضية وما إلى ذلك فأصبحت لديهم خبرة كبيرة في كرة القدم. ثم ظهر نهج آخر وهو دورات الاتحاد الآسيوي وحصل گُلاز على الشهادات الثلاث CBA وأصبح في أكثر من دورة مساعد آسيوي وحاضرَ في دورات كثيرة ومنحَ شهادات لبعض المدربين. وأكثر من ذلك فإنّ گُلاز لديه كتابات كثيرة ولقاءات إضافة إلى تحليلات تلفزيونية في مجال الرياضة وحصل في خاتمة المطاف على هُوية المدربين المحترفين العرب ووصل إلى درجة خبير وهو مُعين من قِبل الاتحاد المركزي ببغداد ويشغل منصب المدير الفني في الاتحاد الفرعي بديالى ويشرف على الفئات العمرية مثل البراعم والأشبال والناشئين والشباب، ويُعد لهم مناهج تدريبية ويُشرف على تدريبهم مع مدربين آخرين. ثم أخذ يدرب نادي ديالى الذي يعتبره النادي الأم وصاحب الفضل الأول والأخير عليه حيث أشرف على تدريب أعضائه حين كان النادي درجة ثانية ثم صعد للأولى قبل أن يرتقي للدرجة الممتازة بقرار وظل النادي بالدوري الممتاز لسنة 1992 حيث أبلى بلاء حسنا مع إخوانه المدربين الذين تناوبوا على تدريب نادي ديالى. لقد درّب گُلاز أكثر من أقرانه قياسًا بالعمر الزمني من باقي المدربين وكان عضوًا في الهيأة الإدارية ونائب رئيس النادي ما يقارب عشر سنوات أو أكثر لكن رحلاته واحترافه بالخارج أبعداه عن العمل الإداري وحينما عاد بدأ يسدد قسطًا بسيطًا من الدَين الذي يطوّق عُنُقهُ لناديه الأم.

استذكر الكابتن فؤاد ذياب بعض المعلومات التي سمحت له بالحديث عن شيخ المدربين ثامر گلاز . فقد قال عنه أنه مُدرب ومُحاضر أسيوي غني عن التعريف وقد كان أحد لاعبيه سنة 1989 ويُشرف الآن على الفئات العمرية بالنادي. وهو من لاعبي نادي ديالى القدامى وقد مثّل نادي ديالى خير تمثيل فهو لاعب من طراز خاص وصاحب شهادات عليا بالتدريب وقد احترف في الإمارات العربية المتحدة وعايشَ أحد الأندية الفرنسية ويجب أن نفتخر بوجود قامة كبيرة من هذا النوع، ونتمنى له الموفقية والعمر المديد وأن يبقى رمزًا من رموز الرياضة العراقية بديالى.2644 thamer

لا يبخل بالمعلومة ولا يتردد في تقديم النصائح

لا يختلف المُدرب حازم صالح في الإشادة بأخلاق گلاز العالية فقد صاحَبهُ لمدة طويلة وعاش معه كلاعب وكمدرب وقد زرعَ فيه الكثير من المواصفات القيادية، وهو صاحب فضل كبير على غالبية الرياضيين في محافظة ديالى وتمنى الراوية أن يأخذ هذا الرمز الرياضي استحقاقه الطبيعي لأنه يمتلك الكثير من المواصفات العلمية والواقعية التي تؤهله لأن يكون مستشارًا فنيًا في المحافظة فهو رجل ناجح ولا يبخل بالمعلومة على أحد ولا يتردد في تقديم النصائح الرياضية للجميع.

لا شك في أنَّ هذا الفيلم الوثائقي ناجح ولكن ما أربك نجاحه هو قراءة التعليقات الصوتية بطريقة غير احترافية وكان عليه أن يختار مذيعًا مُختصًا بقراءة التعليقات الصوتية بحيث يجذب السامع ولا يجعله ينفر من متابعة الفيلم. كما أنّ حديث الكابتنين فؤاد ذياب وحازم صالح لم يكن موفقًا هو الآخر فقد بانَ عليه التلكؤ اللغوي الذي يشي بفقدان السلاسة والعفوية في صياغة الجمل العربية التي تفتقر إلى الفصاحة والبيان.

لا بد من الإشارة إلى أنّ بداية الفيلم ونهايته كانتا ناجحتين ولم يقع في بعض الأخطاء التي سبق وإن ارتكبها في بعض أفلامه الوثائقية مثل (سليمان البكري . . معلِّم الأجيال) فقد انتهى الفيلم برمته في غرفة الاستقبال التي شهدت أحداث الفيلم ووقائعه بنجاح لكنه أخرج السائل والراوية إلى حديقة المنزل وأضاف للفيلم ما لم يكن بحاجة إليه على الإطلاق.

بقي أن نقول بأنّ المخرج الدؤوب مصطفى الهود قد أنجز حتى الآن أربعة أفلام روائية و13 فيلمًا وثائقيًا من بينها (جواد سليم) و (عمّتنا النخلة) و (أنمار الجرّاح.. هزار الدجلتين) و(ثامر گُلاز.. سيرة رياضي ومدرب).

***

لندن: عدنان حسين أحمد

 

يجمع فيلم (مُعلِّم الأجيال) للمُخرج مصطفى الهود بين الفيلم الوثائقي التقليدي القائم على تقنية الـ Q&A وبين بعض اللمسات الدكيودرامية التي توظِّف الصور والمَشاهد التي انطوت عليها أحداث الفيلم من دون اللجوء إلى إعادة تمثيل بعض المَشاهد الحربية المُتعلقة بثورة العشرين على وجه التحديد.

يعتمد مُخرج الفيلم على تقنية الڤويس أوڤر Voiceover لثلاث مرات لأنّ مدة الفيلم التي بلغت 34 دقيقة لا تسمح بأكثر من هذا العدد من التعليقات الصوتية. وقد كانت كافية لتسليط الضوء على ثيمة الفيلم الرئيسة وأحداثه الثانوية المُؤازرة.

ينطلق هذا الفيلم من الخاص إلى العام، ويُبحر من الذات إلى الموضوع، ويتجوّل في فضائيّ الزمان والمكان منذ اندلاع ثورة العشرين في شهر أيار / مايو 1920وحتى وفاة الناقد سليمان البكري في 17 /03/ 2026.  أمّا الأمكنة فهي عديدة تتوزّع بين مُدن بُهرز والمقدادية وديالى وبغداد وكربلاء والناصرية والمحيط الهندي الذي سُجنَ في إحدى جزره جدّه الشيخ مجيد البكري. وإذا ما أضفنا الوقائع والأحداث التي تُشكِّل متن الفيلم فسنجد أنفسنا أمام تواريخ أدبية وفنية وسياسية واجتماعية كثيرة لا تقتصر على محافظة ديالى لوحدها وإنما تمتدّ لتغطي مساحة العراق برمتها.

يحاول المخرج مصطفى الهود في التعليق الصوتي الأول أن يسلّط الضوء على المراحل الأساسية للناقد سليمان البكري فنفهم أنه وُلِد في عام 1937م في بيت جدّه لأمه من دون أن نعرف اليوم أو الشهر الذي وُلد فيه! والغريب أنه وُلد في مدينة بُهرز بينما سُجِّل في مدينة المقدادية (وهذه أول مُفارقة زمكانية عاشها البكري في عتبات حياته الأولى). وبما أنَّ البكري قد عاش طفولته وأيام يفاعته وشبابه في بيت جدّه الشيج مجيد البكري في المقدادية فقد تأثّر بهذه البيئة الاجتماعية الأصيلة حيث كان جدّه شيخًا معروفًا، وعلَمًا من أعلام ديالى، وقائدًا من قادة ثورة العشرين في العراق، وقد عُرف بشجاعته ودماثة خلقه حيث تصفهُ السيدة الإنگليزية زيتون بوكانن التي وقعت أسيرة بيد أهالي المدينة العرب أنّ الشيخ مجيد البكري كان مُتسامحًا معها وقد عاملها معاملة حسنة بوصفها ضيفة لا أسيرة.2582 solayman

دور التعليقات الصوتية

يُفترض في التعليق الصوتي أن يغطّي معلومات لم يأتِ السائل والمُجيب على ذكرها. وغالبية المعلومات التي وردت في هذا التعليق الصوتي سنسمعها من الراوية الأساسي سليمان البكري والسائل الدكتور فاضل عبّود التميمي الذي حاول أن يتتبع سيرة (مُعلم الأجيال) منذ ولادته عام 1937 وحتى وفاته في 17 / 03 / 2026 تاركًا خلفة مجموعة من القصص والروايات والكتب النقدية المميزة حقًا. 

ربما يكون التعليق الصوتي الثاني الذي قرأهُ الدكتور نبيل وادي هو الأكثر حِرفية بين التعليقات الصوتية الثلاثة حيث يتابع مراحله الدراسية؛ الابتدائية والمتوسطة و (معهد تدريب المعلمين) بديالى خلال الأعوام 1942 و 1951 و 1955 حيث تأثّر بمدرّس اللغة العربية ميخائيل جرجيس الذي شجّعهُ على الاهتمام باللغة العربية وآدابها ليكتب لاحقًا قصصًا تدور أحداثها في المحلة التي كان يسكُنها. وعلى الرغم من أنَّ هذه القصص الأولى كانت أشبه بالتمارين الأوليّة لكنها أخذت بيده إلى عالَم السرد الدرامي الناضج. يركِّز المُحاور الدكتور فاضل التميمي على أنّ (معهد تدريب المعلمين) هو أبرز محطة ثقافية أثرّت في التأسيس لحياة البكري الأدبية حيث كانت الحياة منفتحة على ثقافة جديدة وغير تقليدية ناجمة عن نمّو وعيهم السياسي والثقافي يومذاك واختلاطهم بعشرات الأساتذة المختصين من العراقيين والعرب والأجانب. تعرّف البكري أوّل مرة على المسرح ونال تشجيع أستاذيه المصرييَن فرح الجوهري وعوض عبدالو هاب فقرأ نتاجات شكسبير ومثّل بعض مسرحياته مثل (تاجر البندقية) و (هاملت) ثم انغمس في قراءة الروايات العربية والمُترجمة وأفاد منها كثيرًا في إغناء تجربته السردية التي كانت تتعمّق يومًا بعد يوم.

أمّا التعليق الصوتي الثالث والأخير فقد جاء مُقتضبًا جدًا حيث ركّز الكاتب على أنّ سليمان البكري يعيش الآن في بيته العامر بمدينة المقدادية الذي شهد ولادات نقدية وإبداعية تاركًا إرثًا مهمًا وأرشيفًا جيدًا للباحثين والدارسين العراقيين والعرب على حد سواء. وبما أنَّ الدكتور فاضل عبّود التميمي لم يأتِ على ذكر التجربة السياسية اليسارية للناقد سليمان البكري الذي تعرّض للمطاردة، والتعذيب، والنفي داخل حدود البلد وخاصة في محافظتيّ كربلاء والناصرية فقد كان حريًا بكاتب التعليق الصوتي أن يُغطي هذه المرحلة المهمة التي لم ينجُ منها الكثير من الأدباء والفنانين والمثقفين العراقيين.

يحاول الدكتور الناقد فاضل عبّود التميمي من خلال أسئلته العشرين أن يغطّي ولادة ياسين البكري ومعرفته بجدّه على وجه التحديد؛ الثائر على الاحتلال البريطاني للعراق. كما يسلّط الضوء على مراحله الدراسية الثلاث وهي الابتدائية والمتوسطة ودار المعلمين الابتدائية وقراءاته الأدبية التي أخذت تتطور بمرور الزمن، وعلاقاته الإنسانية مع الأدباء والكُتّاب والفنانين من مختلف المدن العراقية. كما يتوقف عند مجمل نتاجاته الأدبية والنقدية ودوره البارز في ولادة اتحاد أدباء ديالي. دعونا ندقق في هذه الأسئلة التي صاغها ناقد مُقرّب من سليمان البكري وتربطة به علاقة حميمة امتدت لسنوات طوالا.2583 solayman

الأسيرة البريطانية

لم يسأل فاضل التميمي صديقه البكري عن والده داوود البكري وإنما قفز مباشرة إلى جدّه مجيد البكري الذي كان شيخًا معروفًا وقائدًا بارزًا في ثورة العشرين. وتبيّن من مضمون السؤال أنه لم يرَ جده مجيد البكري وإنما قرأ عنه في كتابات عالم الاجتماع الشهير علي الوردي. ولا يجد الراوية بُدًا من تكرار قصة الهجوم على المعسكر البريطاني وأخذة السيدة الإنگليزية زيتون دوكانن أسيرة حيث جلبوها إلى منزل الشيخ مجيد البكري وبقيت هناك لمدة شهر وكانوا يعاملونها معاملة حسنة. يهجم الجيش البريطاني ويحرر الأسيرة دوكانن ويعتقلون الشيخ مجيد في سجن بالمحيط الهندي حيث أمضى هناك سنتين وحينما عاد إلى دياره لم يجد شيئًا من أملاكه التي صادرها الإنگليز وباعوها لعامة الناس. هذا التكرار الذي ورد في التعليق الصوتي الأول يضرُّ بالسردية القصصية وكان بالإمكان تجاوزه إمّا من التعليق الصوتي أو من هذه الإجابة. فمدة الفيلم القصيرة لا تسمح بهذا التكرار الذي قد يسبب الملل لبعض المُشاهدين.

يسقط السؤال الثاني في الإشكالية نفسها حينما يتناول السائل موضوع المفارقة المكانية فقد وُلد الراوية سليمان البكري بمدينة بهرز لأن أمهُ كانت في زيارة لأهلها وأنجبتهُ هناك وسوف يُسجّل بشكل طبيعي بمدينة المقدادية التي تقطنها العائلة.

يتذكر الراوية مراحلة دراسته الثلاث وأسماء المعلمين الذين درّسوه في الابتدائية والمتوسطة التي كانت مُختلطة في ذلك الوقت. وسوف تحدث النقلة النوعية في حياته حينما ينتقل إلى (دار المعلمين الابتدائية) في بعقوبة وكانت تلك الدار يومها أشبه بالجامعة حتى أنهم كانوا يسمّونها (كلية تدريب المُعلّمين) ويشرف على تدريسهم رالف ميلنر؛ وهو أستاذ جاء خصيصًا من لندن وكان يتحدث الإنگليزية فقط وخلال سنتين بدأ الطلاب يتحدثون الإنگليزية كما يتحدثون العربية تمامًا.

يعتقد فاضل التميمي أنّ (دار المُعلّمين الابتدائية) هي التي صنعت القاعدة الثقافية لسليمان البكري حيث قرأ في تلك المرحلة العديد من المسرحيات والكتب باللغة الإنگليزية. وكان من أبرز الطلاب الذين يذهبون يوميًا إلى مكتبة المعهد التي وصفها بمفتاح الطريق إلى الثقافة الأوروپية التي نهل منها الكثير.2584 solayman

أدباء الناصرية وتوهجهم الإبداعي

ربما تكون مرحلة انتقاله إلى مديرية تربية كربلاء عام 1963 أولًا ثم مديرية تربية الناصرية هي أهم مرحلة في حياته الثقافية حيث التقى هناك بكبار الكُتّاب والمخرجين العراقيين أمثال عبدالرحمن مجيد الربيعي، والمخرج المسرحي مهدي السماوي، والدكتور عبد المطلب السنيد، وداخل خالد حسن وما سواهم من الرموز الثقافية والفنية في مدينة الناصرية. كانت مقاهي المدينة هي التي تجمعهم وجلّ أحاديثهم كانت تدور حول الأدب والفن والمسرح. يشير البكري بأنّ شهرة عبدالرحمن مجيد الربيعي قد بدأت منذ ذلك التاريخ حيث تُرجم بعض أعماله إلى لغات كثيرة ثم انتقل إلى بغداد وتزوج هناك لتبدأ علاقتهما العائلية هذه المرة وتُسفر عن إنتاج كتب نقدية ترصد عنصر التجديد في التجربة الأدبية لصديقه عبدالرحمن مجيد الربيعي. ويصف البكري تلك المرحلة بأنها تمثل أجمل أيام حياته التي أسس فيها علاقات اجتماعية حميمة مع الأدباء والفنانين العراقيين.

يُثير بعض أسئلة التميمي جانبًا (ميتا سرديًا) في هذا الفيلم وربما يكون سؤاله عن أول مقالة كتبها البكري في صحيفة (الأيام)  الورقية بالناصرية هي خير مثال لماذا نذهب في هذا الاتجاه الميتاسردي حيث شاهد البكري فيلمًا يحمل عنوان (إني راحلة) وهو فيلم عاطفي، سياسي، بطولة مديحة يسري وعماد حمدي ومن إخراج عزالدين ذو الفقار، فجاءه أحد الأصدقاء وسأله: لماذا لا تكتب دراسة نقدية عن هذا الفيلم وكانت تلك المقالة النقدية هي أول تجربة نقدية سينمائية له في هذا المضمار.

تتكرر الأسئلة ضمن سياق واحد وهو الاستذكارات بينما كان التنويع ضروريًا لإيجاد مقاربات أخرى تدفع الراوية لأن يبوح بالكثير من الأشياء التي يعرفها ويستطيع أن يسترجعها من منجمها الفكري والثقافي. فقد أصدر البكري مع المخرج المسرحي سالم الزيدي عددين من مجلة (القصة) في أواخر ستينيات القرن الماضي. وقد أثار العددان ضجة في حينه لكنّ محافظ المدينة منعهما من إصدار العدد الثالث ما لم يحصلوا على موافقة من وزارة الثقافة والإعلام آنذاك.

يجيب البكري عن سؤال نقدي مهم مفاده: ألا تجد في كتابة القصة والرواية في منحاهما الإبداعي يتقاطع مع نقدهما معًا؟ فيأتي الرد سريعًا وسلسًا بأنها تسير في خط واحد. ويرى أنّ القصة القصيرة والرواية والنقد هي عائلة إبداعية واحدة وقد مارسها كلها في حياته الإبداعية والنقدية من دون أي إشكال يُذكر. وفي السياق ذاته يسأل التميمي صديقه البكري عن المنحى النقدي الواقعي الذي أخذه في الكتابة عن القصص والروايات العراقية على وجه التحديد. فيأتي الردّ بأنّ الواقعية هي أقرب شيء إلى المتلقي والمبدع نفسه. فالكاتب حينما يقرأ كتابًا جديدًا ينظر إليه من منظاره الخاص سواء أكان قاصًا أم روائيًا أم شاعرًا أم مسرحيًا وعند الانتهاء من قراءة الكتاب تنجلي فكرة النص الإبداعي ونعرف عندها إن كان هذا الكتاب يستحق أن نتوقف عنده ونوليه جزءًا كبيرًا من اهتمامنا. واستطاع جيل الستينات، بحسب البكري، أن يصل إلى قرّاء كثيرين في المجتمع العراقي والعربي على حدٍ سواء.2585 alhood

المنجز الإبداعي والنقدي

على الرغم من أهمية حياة البكري الشخصية، ومراحله الدراسية الثلاث إلّا أن منجزه الإبداعي هو بيت القصيد في هذا الفيلم فهو قاص وروائي وناقد نشر العديد من القصص القصيرة التي لم ترَ طريقها إلى النور على العكس من روايتيه (مَدار الأشياء المرفوضة) و (رجال في ليل المدينة) وكتبه النقدية الخمسة التي سنأتي على ذكرها والغوص في مضامينها الفكرية والمعرفية والثقافية.

يُوجز البكري ثيمة روايته الأولى (مَدار الأشياء المرفوضة) بأنها تتكوّن من أربعة فصول وهي: المُعتقل والمنفى والحُب والثورة التي يعني بها ثورة 14 تموز ويستغرب كيف أنها فلتت من يد الشرطي أو الرقيب لأن ثيمتها سياسية خطيرة لكنه كتبها بأسلوب فني رصين سمح لوزارة الثقافة بالموافقة عليها.

أمّا رواية (رجال في ليل المدينة) فهي رواية فنية أيضًا تتمحور حول مجموعة من الحزبيين اليساريين يريدون أن يوزعوا منشوراتهم ليلًا في داخل إحدى المدن وهي مثل الرواية السابقة تموّه على شخصياتها ولا يعرف القارئ إن كانوا يمينيين أم دينيين أم يقفون في منتصف المسافة.

لا يفوّت الناقد فاضل التميمي الفرصة لسؤاله المهم الذي يدور في بال أصدقاء البكري ومعارفه وقرائه الذين يعرفون أنه نشر العديد من القصص القصيرة في الصحف والمجلات لكنها لم تظهر على شكل مجموعة قصصية قائمة بذاتها. فيأتي الرد المؤلم بأنه دفع مجموعته القصصية إلى وزارة الثقافة وحينما سأل عنها الخبير أخبره ببرود بأنّ المخطوطة قد ضاعت! لكن عزاءه الوحيد أن هذه القصص منشورة ويمكن العودة إليها إذا ما بذل الباحث أو الدارس بعض الجهد للوصول إليها.

ليس غريبًا أن يُكرِّس البكري كتابًا عن صديقه عبدالرحمن مجيد الربيعي يحمل عنوان (عبدالرحمن مجيد الربيعي وتجديد القصة العراقية) وقد تعرّف إليه، كما أشرنا سلفًا، في مدينة الناصرية ومقاهيها الكثيرة. ثم تطورت علاقتهما الاجتماعية إلى أن أصبحت علاقة أخوية وعائلية بعد زواجهما. وكان البكري يقرأ ما يكتبه الربيعي والعكس صحيح، ويرى أن الربيعي قد اشتهر بسرعة وذاع صيته عراقيًا وعربيًا حيث تُرجم بعض مجموعاته القصصية إلى لغات أوروپية عديدة.2586 alhood

أدب الرفض الأمريكي

لا يقل كتابه النقدي الثاني (أدب الرفض الأمريكي) أهمية عن كتبه النقدية الأخرى. فهو يتضمن عددًا من كُتّاب الرفض الأمريكيين من بينهم أرنست همنغوي صاحب رواية (الشيخ والبحر) التي فازت بجائزة نوبل وآرثر ميلر الذي أجبروه على الانفصال عن زوجته النجمة الشهيرة مارلين مونرو المتهمة بالتجسس لمصلحة روسيا وقضايا أخرى جعلتهُ يتابع الرواية الأمريكية المناهضة للتوجهات الرسمية. ولعل الكتب الإنگليزية التي قرأها في مكتبة في معهد المعلمين هي التي هيأت له الأرضية الخصبة لإصدار هذا الكتاب النقدي المُعارض للسياسة الأمريكية آنذاك.

ثمة كتاب آخر صدر عن (الموسوعة الصغيرة) ذاتها يحمل عنوان (التجريب في القصة والرواية) خلاصته أنَّ الكاتب العراقي المُجرِّب بشكل خاص لم يلتزم بما دبّجهُ كُتّاب القصة في الأربعينات والخمسينات فيما يتعلق بالبداية والعقدة والحلّ وإنما أخذ يفجِّر ما يريد أن يقوله في مستهل القصة بحيث يأخذ بتلابيب المتلقي ويجبرهُ على متابعة ما يريد أن يقوله.

وكنوع من الوفاء الذي أبداه بعض النقاد والدارسين الذين أصدروا أكثر من كتاب لسليمان البكري من بينهم الدكتور علي متعب جاسم والدكتور فاهم طعمة اللذين أشرفا على إصدار كتاب (الناقد وآفاق القراءة) أمّا الكتاب الثاني فهو (الرؤية والكتابة) الذي يرصد تجربة القاص الستيني المعروف غازي العبادي فقد صدر بدعم من الدكتور علي متعب، رئيس تحرير مجلة (الأديب العراقي). وعلاقة البكري بغازي العبادي تشبه في حميميتها علاقة البكري بعبد الرحمن الربيعي حيث كان يكتب دراسة نقدية عن كل مجموعة يُصدرها العبادي ثم جُمعت هذه الدراسات وظهرت في كتاب قيّم ما كان له أن يظهر لولا الجهود الجهيدة للدكتور علي متعب الذي جمع هذه المقالات وبوّبها في كتاب أنيق.

أمّا عن دوره في ولادة اتحاد أدباء ديالى أجاب البكرى بأنه، مع مجموعة من الأدباء والشعراء، قدّموا طلبًا لاتحاد الأدباء العراقيين- المركز العام لفتح فرع لهم في ديالى وتمت الموافقة لتوفرهم على الشروط المطلوبة. ثم قدّم البكري كلمة أخيرة شكر فيها القائمين على الفيلم وتمنى أن يكون العراق بلدًا عامرًا، محبوبًا، ومشهورًا ليس على مستوى الأدب فحسب وإنما على كل المستويات الثقافية والفنية والسياسية.

تصحيح هنات الراوية وهفواته

لا شكّ في أنّ الناقد سليمان البكري قد بلغ السابعة والثمانين حينما شارك في هذا الفيلم الوثائقي ومن الطبيعي أن ينسى بعض المعلومات. وكان على السينارست الذي يكتب السيناريو عادة بعد التصوير في الأفلام الوثائقية أن يدقق في الأخطاء التي ارتكبها الراوية أو أي مشارك آخرَ في الفيلم ويحاول جهد الإمكان تداركها عن طريق تصوير بعض اللقطات القصيرة وتصحيح الأخطاء التي وقع بها بعض المشاركين ثم إعادة مَنتجة الفيلم لإظهاره بالصيغة المناسبة التي تجعل منه وثيقة حقيقية لا يعتورها الخطأ ولا يشوّهها النسيان أو التصحيف. ومن أبرز أخطاء هذا الفيلم أنّ الراوية البكري لم يعرف إن كانت الفنانة زينب (فخرية عبدالكريم) هي شقيقة السيد داخل خالد حسن أم لا؟ كذلك لم يتذكر البكري مكان صدور المجلة العراقية المشهورة (الكلمة) التي كان يرأسها الأستاذ حميد المطبعي إن كانت في كربلاء أم النجف مع أنّ جميع المعنيين بالشأن الثقافي العراقي يعرفون أنّ مكان صدورها هو مدينة النجف التي تضم مجموعة كبيرة من كُتاب الستينات. كما نسي البكري اسم رواية لآرثر ميلر مع أنه كتب عنها في كتابه الموسوم (أدب الرفض الأمريكي). أتمنى على أي مخرج وثائقي أن يعتمد على باحث رصين يستطيع أن يلتقط الخطأ بشكل سريع ويحاول تصحيحة في أثناء التصوير أو بعده ضمن المَنتَجة التقويمية التي تُقدّم في خاتمة المطاف فيلمًا ناجحًا يرتقي إلى مستوى الوثيقة التي يتمناها المتلقي العراقي.

نخلص إلى القول إنّ هذا الفيلم ليس فيلمًا خاصًا بالناقد سليمان البكري فقط وإنما يشمل كل الشخصيات التي ظهرت في متن هذا الفيلم الجميل الذي غطّى أحداثًا ووقائع كثيرة بدءًا من ثورة العشرين، مرورًا بجيل الستينات، وانتهاء بالسنوات الأخيرة من حياة البكري التي شهدت جمع غالبية أعماله النقدية الخمسة ووضعها بين يديّ القارئ العراقي والعربي في أقل تقدير.

بقي أن نقول إن مصطفى الهود هو مخرج أفلام روائية ووثائقية عديدة بلغ مجموعها حتى الآن 17 فيلمًا جاءت على الشكل الآتي: أربعة أفلام روائية وهي (الفن رسالة)، (الينبع)، (السجّان الأخير) و (قلوب رحيمة). أمّا الأفلام الوثائقية الثلاثة عشر فهي: (هزار الدجلتين - سيرة الشاعر أنمار الجراح)، (أحمد الخياط - سيرة المحامي أحمد خلف الخياط)، (جمعية مصوري العراق - فرع ديالى)، (بناية السراي: تاريخ وحاضر)، (سعدون شفيق سعيد - كاتب وإعلامي وصحفي)، (ثامر گُلاز - سيرة رياضي ومدرب)، (تاريخ الصحافة في محافظة ديالى)، (جواد سليم - تاريخه وإنجازاته)، (عمّتُنا النخلة)، (قطار الساعة السابعة - عن فيلم صُوِّر في ديالى عام 1962)، (حكاية نهر)، (سليمان البكري - معلم الأجيال)، و (تاريخ بعقوبة - قيد الإنجاز). جدير ذكره أنّ مصطفى الهود يحمل شهادة البكالوريوس في الإخراج من قسم الفنون السينمائية والتلفزيونية عام 2024 ولديه العديد من الأعمال الإذاعية والتلفازية. فاز فيلمه المعنون (الفن رسالة) بالمركز الثاني في مهرجان جامعة المستقبل ببابل من بين 90 فيلمًا مشاركًا في المسابقة. كما شارك بعض أفلامه في مهرجانات محلية وعربية من بينها (حكاية نهر) و (هزار الدجلتين – سيرة الشاعر أنمار الجرّاح) اللذين عُرضا في مهرجانيّ دُبي والإسكندرية.

***

لندن: عدنان حسين أحمد

" لماذا يحتاج كل من يحب وطنه ان يشاهد هذا الفلم؟

ما انتم من بشر؟ بهذه المقولة ينتهي هذا الفلم الخيالي" سر القديسة ڤيتوريا"

"Sanning med modifikation"

أي "الحقيقة مع اجراء بعض التعديلات"

اليس هذا الذي يتم دوما تدوينه في كتب التاريخ؟tawfeeq altonaghi

هذا الفيلم مقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب روبرت كرايتون، وكتب السيناريو كل من ويليام روز وبن مادو . رشح الفلم مرتين لجائزة الأوسكار (1970): أفضل مونتاج وأفضل موسيقى تصويرية أصلية وقد فاز بجائزة غولدن غلوب لأفضل فيلم كوميدي أو موسيقي عام 1970. الفلم الذي شاهدته مرات عدده وفي كل مرة اكتشف شيء جديدا فيه وفي مجريات حوادثه.

لكن الأهم في الفلم الصراع بين قوات الاحتلال النازي لإيطاليا او بالأحرى المؤتلفة لكون إيطاليا الفاشية كانت في محور واحد مؤتلفين مع النازية الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية  (1939-1945) مع ابناء بلدة صغيرة. من هنا تبدأ قصة الفلم اي مع خبر إعدام موسوليني وسقوط الفاشية التي تصل لهذه البلدة الوديعة. الفلم "سر سانتا فيتوريا" (الاسم الأصلي في الإنكليزية: (The Secret of Santa Vittoria) هو فيلم أمريكي من إنتاج وإخراج ستانلي كرامر عام 1969، هذا المخرج الرائع الذي كان دوما يحول أفلامه إلى روايات ملحميةً خالدة محفزا المشاهد إلى التفكير والنقاش والحوار كما في هذا الفلم وافلام امثال؛ "على الشاطئ" و"ورثة الريح" و"محاكمة نورمبرغ" والفلم الخالي كان من مونتاج: ويليام أ. ليون وإيرل هيردان .مدة العرض: ١٣٩ دقيقة، تصوير سينمائي: جوزيبي روتونو، موسيقى: إرنست غولد، تصميم الإنتاج: روبرت كلاتورثي، ديكور: فرديناندو روفو، وصميم الأزياء: جو كينغ. ومن بطولة أنتوني كوين، وآنا ماغناني، وفيرنا ليزي، وهاردي كروجر في الأدوار الرئيسية.2566 Vittoria

سانتا فيتوريا، بلدة هادئة في شمال إيطاليا، تشتهر بنبيذها اللذيذ. مع اقتراب نهاية الحرب العالمية الثانية، تحتلها القوات الألمانية في طريق انسحابها من إيطاليا . قائد الكتيبة الألماني بعد معرفته بان البلدة شهير بإنتاج الخمور وان لديهم أعداد هائلة من زجاجات النبيذ هنا يخطر بباله مصادرة تلك الثروة وفي البدا يعتقد ان عدد الزجاجات تصل إلى ٣٠٠ الف في حين يكتشف لاحقا بان العدد فوق المليون.

هنا يجب الإشارة بان ابناء البلد قد اخذوا احتياطاتهم ونقلوا جميع تلك الزجاجات واخفوها قبل وصول القوات النازية للبلدة بطريقة حكيمة ونادرة في التاريخ البشري تحت ادارة رئيس بلدية بومبوليني (يؤدي الدور الممثل أنطوني كوين) السكير والمهرج الذي يعيش منفصلا، ويعاني من مشاكل عائلية مع زوجته (تؤدي الدور آنا ماغناني) وهم في صراع عائلي دائم لسلوكه المشين.  تمكن هذا العمدة كما يشير الفلم إلى اكتشاف ادارة سلوك البشر والقيادة عن طريق أفكار مكيافيلية بقراءة كتاب "الأمير " وتنظيم ادارة البلدة.

تصور ملايين الزجاجات تنقل عن طريق العديد من الطوابير البشرية لإخفاء مليون زجاجة نبيذ عن النازيين . القاسم المشترك وراء إتحاد جميع ابناء البد جاء من عاملين:

العامل الاول اقتصادي في الحفاظ على مصدر رزقهم. العامل الثاني سياسي كونهم جميعا ضد توا جد القوات النازية وفيهم من المناضلين من رجال المقاومة.

التضامن القوي بين ابناء البلدة من اهم الأفكار التي أراد الكاتب إيصاله والنضال من اجل ثروة يعتبرها الجميع ملكا لهم ولأجيالهم القادمة هنا رمزيا "زجاجات النبيذ" مهمة لهم وللأجيال القادمة وإخفاء ذلك في كهف تاريخي قديم. رغم وحشية معاملة القوات النازية لأهل البلدة نرى بانهم يبقون محافظين حتى النهاية على ان يكونوا صوتا واحدا ولا يخرج من بينهم " خائن" واحد بحتى لو يهان رئيس البلدية ويعذب كما يستشهد منهم اخرون في سبيل بقاء سر البلدة وعدم إفشاء الأسرار إلى العدو. يقبل الجنرال النازي الألماني صاغرا "فون بروم " الممثل (Hardy Krüger) الهزيمة ويغادر المدينة حسب أوامر انسحاب الجيش الذي تلافاه من القيادة العسكرية في يوم سابق دون حتى الإضرار بالعمدة الذي قدم له زجاجة نبيذ كهدية من اهل البلدة. يبتهج ابناء البلدة بمغادرة المحتل الألمان لبلدتهمً القديسة فيتوريا، يحتفل سكان البلدة مع العمدة بومبوليني بانتصار يرقصون في الساحة الرئيسية للمدينة فرخين.

***

توفيق رفيق آلتونچي - الأندلس

2026

..........................

 للمزيد من المعلومات:

http://pablocine.blogia.com/2015/010701-el-secreto-de-santa-vittoria-the-secret-of-santa-vittoria-1969-.php

ينطوي هذا الفيلم على موقفين صادمين أفادت منهما المخرجة إيمان خضيّر ووظّفتهما ضمن البنية الفكرية التي تُعرّي شخصيتين سياسيتين برزا ضمن المشهد السياسي الجديد بعد عام 2003. وهاتان الشخصيتان الإشكاليتان اللتان تنتميان إلى مكوِّنين كبيرين في المجتمع العراق وهما عزت الشاهبندر ومحمود المشهداني، وكنت أتمنى على المخرجة لو اختارت بضع شخصيات إشكالية من المكوّنات الأخرى سواء القومية أو الدينية الموجودة ضمن فسيفساء المجتمع العراقي لتكبير الصورة وإظهار الطبقة السياسية الجديدة على حقيقتها المُروّعة التي تقشعر لها الأبدان.2509 homeland

ومع ذلك دعونا نتوقف عند لقاء تلفزيوني سابق لعزت الشاهبندر، وهو عضو برلماني سابق أثار جدلًا واسعًا في المشهد الإعلامي المرئي العراقي والعربي حيث قال بالحرف الواحد: (الشيعة خطيّة فرحوا أنه المرجعية مؤسسة مقدّسة لا يجوز المَساس بها، والمظاهر الحسينية حُرّة.. دُگوا، لُطموا، زنجيل، وقامات (سكاكين طويلة)، ومَشي من البصرة إلى كربلاء والنجف كلّش (جدًا) فرحانين همّه. أَمّا يجوعون مو (ليس) مهم، ما عدهم تعليم مو مهم، لا توجد مستشفيات.. مستشفياتنا مسالخ، مدارسنا أوكار للهزيمة والتخلّف، لا شارع، لا متنزّه، لا فرصة تعلّم في الخارج، لا فرصة عمل حقيقية، فرصة العمل بالنسبة إلنا البوگ (السرقة). تعرفين شنو فرصة العمل؟ إحنا هسّه (الآن) بهذه الفترة ليش (هل) سوينا مقاولين كبار يگدرون يسوون شركات تنهض بالبلد؟ لا. جبنا (جلبنا) أولاد شوارع عدهم علاقات بالوزارات يطوهم (يعطوهم) مقاولات كلها متلكئة لذلك وصل البلد إلى هذا المستوى). إنَّ هذه الاعترافات الصريحة بالتدجين والفشل والسرقة والمحسوبية كافية لأن تضع هذا البرلماني المتحدث خلف قضبان السجن وتُعرّضه للمساءلة القانونية والحساب العسير.2510 homeland

وهذا الأمر ينطبق على المتحدث الثاني محمود المشهداني، رئيس البرلمان السابق حيث قال من دون خوف أو خجل: (إحنا مقاولو تفليش. جاي آني دا أنتقم.. زين هو اللي ينتقم يبني دولة لو يريد بس يقتل الآخر. تهجّرَ العلماء، انقتل الطيارون، انهارت القوى الأمنية وإحنا كيّفنا (فرِحنا) لأن أجينا للسلطة. أخذ منا الإسرائيليون والأمريكان الدولة وأعطونا السلطة كيّفنا.. نقتل مِن يقول (لا)، ونُقصي مِن يقول (لا). ونفّسنا عن كل أحقادنا وآلامنا ومشاكلنا. شعدنا (ماذا لدينا من) عقدة بالسجن طلعناها.. الجوع نفّسنا عنه، الظلم اللي كنّا نعاني منه سوّينا (فعلنا) الأتعس منه.. ردود أفعال).

وثيقة صوتية وبَصَرية دامغة

إذا كان اعتراف عزت الشاهبندر يقوده إلى المساءلة القانونية والسجن فإن اعتراف محمود المشهداني يفضي به حتمًا إلى حبل المشنقة فقد وصف الطبقة السياسية الجديدة بمقاولي تفليش، وأنه جاء لكي يقتل الآخر، أو يقصيه في أضعف الأحوال، وأنه فرح لأنه أخذ السلطة فقط وفرّط بالدولة للإسرائيليين والأمريكان، ونفّس عن كل مشكلاته وعُقده وأحقاده وآلامه بواسطة ردود الأفعال السيئة وغير القانونية. وهذه الاعترافات الصريحة هي أدلة صوتية وبصرية دامغة لا ينقصها سوى تطبيق القانون الذي يحقق العدالة للشرائح المتضررة من الشعب العراقي الذي ضحّى بالغالي والنفيس من أجل الحرية والديمقراطية والعيش الكريم.2511 homeland

أمّا الشخص الرابع والأخير فهو الدكتور حيدر سعيد الذي يكتب في النقد والسياسة والفكر فقد قال: (إنَّ المكان الذن يحتضن الاحتجاجات والمظاهرات ببغداد هو شارع الرشيد، وأنَّ الساحات التي بنتها الأنظمة التي صعدت إلى السلطة بسبب الانقلابات العسكرية للتعبئة الجماهيرية في لحظة ما لم تكن تُدرِك أنَّ هذه الساحات سوف تُصبح مكانًا للتعبئة الجماهيرية الواسعة. لم تكن التعبئة تحدث من خلال تنظيمات حزبية مركزية تُبلِّغ أعضاءها بالخروج إلى الشوارع بل من خلال الميديا والميديا الجديدة التي شاعت وغزت العالم وبالتالي لم يعد الاحتجاج عبارة عن وجود في الشارع وإنما أصبح صورة أيضًا. فالحركات الاحتجاجية وثورات الربيع العربي ومنها احتجاجات تشرين استعملت هذه الأماكن العامة بسبب قدرتها على التعبئة الواسعة ونقل صورتها بشكل واسع). وأضاف الدكتور حيدر سعيد: (أنَّ الحركة الاحتجاجية منذ بدايتها في 2011، وفي مفصل أساسي منها في 2015 وصولًا إلى تشرين في 2019 كان مركزها الأساسي هو أكبر مكان ببغداد قادر على الحشد هو ساحة التحرير يُضاف إلى ذلك رمزية (نصب الحرية) الذي بُني أساسًا لتمجيد ثورة تموز 1958 وبغض النظر عن سياقه السياسي أو المرحلي فقد أصبح بمثابة إعلان عن الرغبة أو الطموح الدائم للحرية).2508 homeland

استنطاق الماضي التليد

لا بد من الإشارة إلى أنَّ الشخصيات الأخرى لا تقل أهمية عن سابقاتها الأربع التي توقفنا عندها طويلًا للكشف عن البنى الثقافية والفكرية والنفسية للطبقة السياسية الجديدة التي يرصدها المثقف العراقي اليساري أو الوطني بشكل عام. فالمتظاهر، وسائق التكتك، والممرضة، والطاهية، وعامل النظافة، والفنان التشكيلي يؤدون ما عليهم من واجبات وطنية في ساحة التحرير أو في نفقها أو في بناية المطعم التركي التي أصبحت رمزًا للمقاومة يُحيل إلى (جبل أُحد) مُستنطِقًا الماضي التليد بكل أبعاده الوطنية النبيلة.

ولو تأملنا غالبية اللقاءات التي أجرتها المخرجة مع المتظاهرين والعناصر المؤازرة لهم لوجدناها تنطوي على قصص متفرقة يجمعها قاسم مشترك هو حُب الوطن. فثمة امرأة فقدت زوجها في تظاهرة احتجاجية سابقة خرجت إلى هذه التظاهرة من تلقاء نفسها وأوضحت بأنّ غيرتها هي التي دفعتها لمؤازرة المتظاهرين في طهي الطعام مع أنها لا تملك بيتًا وليس لديها راتب شهري لكنها مُصرة على إسقاط حكومة عادل عبدالمهدي التي أمعنت في قتل مئات المتظاهرين وجرح الألوف منهم في رابعة النهار.

شاب آخر عاطل عن العمل استشهد والده في الحشد الشعبي ولا يمتلك، هو الآخر قطعة أرض أو راتبًا شهريًا، ويجد صعوبة بالغة في شراء أدوية الضغط لوالدته المريضة ومع ذلك فقد لبّى نداء الانتفاضة وكرّس حياته لخدمة المتظاهرين.

حلّاق قَدِم من محافظة واسط لكي يُقدِّم خدماته المجانية للمتظاهرين بينما يطالب شباب آخر بمحاكمة قتلة المتظاهرين وإنزال القصاص العادل بهم بدءًا من عادل عبد المهدي، مرورًا بعناصر الشغب، وانتهاءً بالطرف الثالث.

ثمة فنانة تشكيلية جاءت لترسم على جدران نفق التحرير وكانت تحثُّ المخرجة على أن تلتقي بأناس يقفون على خط النار وقد تعرض أحدهم للإصابة بقنبلة دخانية في ظهره. وتعتقد هذه الفنانة أنَّ هذه الانتفاضة هي ثورة وعي أكثرَ منها ثورة تغيير، وأنَّ هذا المكان يجب أن يكون مَسلةً أو صرحًا كبيرًا يحتضن هذه الرسومات والجداريات العفوية التي رُسمت من دون تخطيط مسبَق.

تلتقط عين المخرجة كلمات وعبارات وجُمَل شديدة الدلالة أبرزها (بغداد شاخت من الأسى). كما نقرأ على جدار النفق لائحة طويلة بأسماء الشهداء.2512 homeland

بنية الأنشودة الوطنية

تنطوي أنشودة (نازلين نجيب حگنه) كلمات وهندسة وتوزيع ومُونتاج أحمد الدرّاجي وألحان أحمد القصّاب وأداء حيدر الطيّب وعلي المهندس على بنية رصينة لا تقلّ أهمية عن بنيتيّ (التعليقات الصوتية) و (الرؤوس المتكلمة) فثيمة الأنشودة ومضامينها الفرعية تؤكد على هذه البنية القوية المتماسكة التي يمكن تتبعها في المقاطع الخمسة التي تهيمن على ذهن السامع وتأخذ بتلابيبه حيث يكشف كل مقطع على جانب مهم من القصة الرئيسة التي تسلّط الضوء على سبب نزول العراقيين إلى التظاهر والاحتجاج في الانتفاضة التشرينية الخالدة حيث يقول المقطع الأول: (نازلين نجيب حگنه / نحاسب الباگو بلدنا / يا علي تمادوا علينه /.. أنتَ ما ترضاها لينه / اليتامى بالشوارع نايمين / نازلين.. نازلين). فثمة حق مُضاع، ولصوص سرقوا البلد فلا غرابة أن يخاطبوا الإمام علي بن أبي طالب (رض) ويحيطونه علمًا بأنّ السلطة الجديدة قد تمادت عليهم وسرقت أموال اليتامى الذين يفترشون شوارع العراق.

أمّا المقطع الثاني فيقول: (إحنه صوت الله ونزلزل گاعهم / إحنه ما عدنا سلاح سلاحهم /  إحنه طرگ صدورنا.. والوطن بعيونه / بس عَلَم الله وأكبر شايلين / نازلين.. نازلين). لا ينسى كاتب الأنشودة أحمد الدراجي أن يُذكِّر هذه السلطة الغاشمة في هذا المقطع بأنَّ المنتفضين يمثلون صوت الله الذي سيزلزل الأرض تحت أقدامهم رغم أنهم لا يمتلكون السلاح الذي تمتلكه السلطة المُتجبرة، وهم يواجهون ظلمها وعَسَفها بصدور عارية لأنهم يضعون وطنهم في حدقات العيون ولا يحملون سوى علم العراق المرصّع بعبارة (الله وأكبر).

يوضِّح كاتب الأنشودة في المقطع الثالث واقع الحال المُزري الذي يعيشه غالبية العراقيون باستثناء الطبقة السياسية الجديدة وأحزابها المنتفعة من التغيير الذي أحدثته القوات الأنگلو – أمريكية حيث نسمع في المقطع الثالث ما يهزّ المشاعر الإنسانية حينما يقول: (إحنه أجيال إنظلمنه بجالكم / إحنه ما عشناها مثل أولادكم / طِلْ جاءت نتيجة البحث والاستقصاءعوا من هاي البلاد.. كافي ملّينا الفساد / وين لاگيها شعب ساكت حزين / نازلين.. نازلين) لم تأخذ السلطة وقتًا طويلًا لكي تمارس قمعها وتصادر حقوق الناس وحرياتهم الشخصية والعامة فلا غرابة أن يطالبوا بمغادرتهم هذا البلد بعد أن ملّوا من الفساد السياسي والإداري والمالي مستغلّين الشعب العراقي (الصامت والحزين).

لا يمكن للشعب العراقي أن يتحمّل الإحن والمِحن الكثيرة ولا بدّ أن يثور على كل أشكال الظلم والتعسّف والفساد حيث يقول كاتب الأنشودة: ( نازلين نسوّي ظلمتنا شمس / نازلين الثورة سلميّة وعِرس / مو لعبتوا بحالنا.. رَجعوا كل أموالنا / هذا إنذار الشباب الثائرين / نازلين.. نازلين). يكشف هذا المقطع بشكل صريح بأنّ الليل مهما ازداد حلكة فلا بدّ أن يعقبه فجر قريب رغم أنّ الانتفاضة سلمية ولم تتخذ من العنف سبيلًا فهي أشبه بالعُرس الجماعي الذي يُفرح الغالبية العظمى من الشعب العراقي المحروم من خيرات هذا البلد المعطاء.

لا تكتفي الأنشودة بعرض حال العراقيين وما سبّبتهُ الطبقة السياسية الجديدة التي نهبت ثروات البلد وهرست أعصاب العراقيين على مدى 16 عامًا وهم يقدِّمون الضحايا والقرابين من أجل الوطن المُبتلى فلا غرابة أن يخلص كاتب الأنشودة إلى القول بأنّ المتظاهرين لا ينامون على الذل وهذا الليل الدامس لا بدّ أن ينجلي وأن النساء الثكلاوات لا بد أن ينمْنَ قريرات العيون احتفاء بنصر الثائرين حيث يقول: (يا أم شهيد وداعتچ نامي رغد / موش بينه اللي عله الذلة گعد / مِسْحي دمعچ  هلهلي.. لازم الهم ينجلي / كلنه ولدچ وحگ رب العالمين / نازلين.. نازلين).2513 homeland

رَهافة وحِرَفية وإبداع

لقد تآزرت هذه البنى الرصينة الثلاث على تقديم الثيمات الرئيسة والفرعية بطريقة مُحكّمة قالت فيها أشياء كثيرة كذّبت فيها إدّعاءات السلطة الفاسدة ووضعتها على المحكّ وذكّرتهم بأنّ نهايتهم المُفجعة قادمة لا محالة وإن طال الزمن على العراقيين قليلًا ولعلنا نجد في قول الشاعر الجاهلي قراد ابن أجدع بعض العزاء فهو الذي قال: (فَإِنْ يَكُ صَدْرُ هَذا الْيَوْمِ وَلَّى / فَإِنَّ غَدًا لِناظِرِهِ قَرِيبُ).

تختم المخرجة إيمان خضيّر فيلمها المؤثر باستقالة رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي التي قال فيها: (بالنظر للظروف الصعبة التي تمرّ بها البلاد ولتوفير شروط أفضل لتهدئة الأوضاع ولفتح المجال أمام مجلس النواب الموقر لدراسة خيارات جديدة أرجو من مجلسكم الموقر قبول استقالتي من رئاسة مجلس الوزراء والتي تعني بالتالي استقالة الحكومة بمجملها.. ). كما نقرأ (تشرين تأجلت لكنها لم تمت). ثم تُقدم المخرجة خلاصة لأربعة مؤشرات مهمة جاءت نتيجة البحث والدراسة والاستقصاء وهي على التوالي:

1-  أسقطت التظاهرات رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي في نهاية تشرين الأول 2019 الذي قُتلت على يد قواته وبأوامر منه حوالي  600 محتج، وجُرح قرابة 23000 متظاهر وأُعتُقل نحو 1800 مُنتفض في سجون خفيّة.

2-  وصل مُعدل الفقر حسب إحصائيات وزارة التخطيط العراقية لعام 2018 إلى 25% في بعض المحافظات.

3-  تُشير التقديرات الرسمية إلى فقدان أكثر من 450 مليار دولار أمريكي خلال 16 عامًا من الفساد.

4-  (تشرين) هي أول انتفاضة وعي في تاريخ العراق.

إنَّ مِن يتأمل هذا الفيلم جيدًا سيكتشف من دون عناء حجم الجهد الكبير الذي بذلته المخرجة إيمان خضيّر في معالجة ثيمات الفيلم وإظهار أفكاره الكامنة في الخطاب البصري الذي بلغت مدته 50 دقيقة لم يتسلل في أثنائها الملل إلى المتلقّي، بل أنه على العكس من ذلك كان ينتظر المزيد من الصور والأحداث والأفكار الوطنية الكامنة في هذا الشريط الوثائقي الأكثر تميزًا في السينما الوثائقية العراقية لما تتوفر عليه المخرجة إيمان خضيّر من رهافة وحِرَفية وموضوعية وإبداع. ولا تقتصر هذه الصفات والمميزات على هذا الفيلم فقط وإنما تمتد إلى غالبية الأفلام الوثائقية والدكيودرامية التي أنجزتها إن لم أقُل كلها على الإطلاق.

بقي أن نقول بأنّ المخرجة إيمان خضيّر قد أنجزت عشرة أفلام وثائقية ودكيودرامية وفيلم قصير واحد وهي على التوالي: ( الملك فيصل الاول)، (د. أنيس الصائغ)، (تاريخ طوابع فلسطين)، (ظل الكونكريت)، (عاملات الطابوق)،(مقاهي بغداد الادبية)، (صفر)، (جدارية المطر)، (جواد سليم وسمفونية البرونز) و (نريد وطنًا).

***

لندن: عدنان حسين أحمد

لا بدّ من الإقرار أولًا بأنَّ الفيلم الوثائقي الجديد الذي ينضوي تحت عنوان (نُريد وطنًا) للمخرجة السينمائية الدؤوبة إيمان خضيّر هو من الأفلام المميزة التي تهزّ المشاعر الإنسانية وتلامس الضمير البشري عراقيًا وعربيًا وعالميًا. ففي العالم كله هناك الكثيرون الذين يبحثون عن وطن لهم حينما يشعرون بأنَّ وطنهم قد سُرق منهم في رابعة النهار وأنَّ أبنائهم الخُلّص قد هُمِّشوا وأصبحوا طُعمًا للفقر والجوع والمرض ولم يجدوا غير المساكن العشوائية التي لا تتوفر على أبسط الخِدْمات سكنًا لهم، كما لم يجدوا غير (البسْطيات) كعملِ شريف يسكتون به غائلة الجوع لهم ولأطفالهم المحرومين من غالبية متَع الحياة.2501 iman khodayir

لا يسلّط هذا الفيلم الضوءَ على حياة المهمّشين والمحرومين والفقراء من أبناء الشعب العراقي فقط وإنما يُحيل المتلقي بطريقة غير مباشرة إلى المترفين من الطبقة السياسية الجديدة التي جاءت لتنتقم من العراقيين جميعًا ليس لأنهم كانوا ضحايا للنظام الدكتاتوري المقبور وإنما للتنفيس عن عُقد النقص التي كانوا يعانون منها فأشفوا غليلهم من غالبية العراقيين بما فيهم الطبقة المسحوقة التي واجهت اشتراطات الحياة الصعبة بصدور عارية ولم تجد بُدًا من التظاهر والاحتجاج وكشف عورات النظام الجديد الذي جاءت به قوّات الاحتلال الأنگلو - أمريكية التي اعترفت بإخفاقاتها  في نقل الديمقراطية إلى (العراق الجديد)، تمامًا كما اعترف قادة الطبقة السياسية الجديدة بفشلهم الذريع في إنقاذ الشعب العراقي من المصائب والمحن التي تتراكم عليه عامًا بعد عام. الأمر الذي دعاهم إلى التظاهر والاحتجاج المتواصلين اللذين سوف يفضيان إلى المطالبة بإسقاط النظام لاحقًا بوصفه أنجع الحلول للمعضلة العراقية بعد الاحتلال الأمريكي.2502 homeland

بنية التعليقات الصوتية

ما يميّز فيلم (نريد وطنًا) للمخرجة المُبدعة إيمان خضيّر هو بنيته الداخلية من الناحية الفنية أو معماره الفني، إن شئتم، فهو يقوم على ثلاثة بنىً في آنٍ واحد وهي على التوالي: التعليقات الصوتية التي بلغ عددها عشرة تعليقات، والرؤوس المتكلمة Talking heads التي بلغ عددها الثلاثين رأسًا تقريبًا، وبنية الأنشودة العراقية التي اختصرت محنة العراقيين في خمسة مقاطع جميلة  ومُؤثرة ومُعبّرة إلى أبعد الحدود، ولعل المُشاهِد العراقي والعربي، وربما الأجنبي إلى حدٍ ما، سيفهم  ما يعانيه المواطن العراقي من قمع وظلم وضيق ذات اليد اعتمادًا على ما يبوح به المتظاهرون العراقيون في أثناء إجاباتهم على أسئلة المخرجة التي بدأت بطرحها في النصف الثاني من هذا الفيلم الذي يلامس الحقيقة ويقدّمها إلى المتلقين على طبق من ذهب.

تبدو المخرجة إيمان خضيّر معنية بالشأن الثقافي العراقي دائمًا مثل عنايتها بالشأن السياسي الذي ترصده لكن المُدقق جيدًا في تفاصيل هذا الفيلم سيجد أنَّ المعطيات الثقافية والفنية تتقدم على الشأن السياسي ولعلها تحتل مركز الصدارة في طريقة العرض والتناول والمعالجة. فلا غرابة أن تستهل الفيلم باستعراض عددٍ مهم من المنحوتات والنصب والأعمال الفنية مثل تمثال (الرصافي) لاسماعيل فتّاح التُرك، وتمثاليّ (إنقاذ الثقافة) و (كهرمانة)  لمحمد غني حكمت، و (ساعة القشلة) في مبنى المدرسة الموفقية، ونُصب (الحرية) لجواد سليم. وسوف ترد في متن الفيلم تماثيل ونُصب فنية أخرى أبرزها (نصب الشهيد) لاسماعيل فتّاح الترك أيضًا الأمر الذي يكشف عن شغف المخرجة بالجوانب الفنية والثقافية العراقية.2503 homeland

تنحصر مدة الفيلم زمنيًا بين الأول من تشرين الأول 2019 وتنتهي بـ 30 تشرين الثاني من العام ذاته عندما قدّم رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي استقالته التي تعني استقالة الحكومة برمّتها لإتاحة الفرصة لمجلس النواب البحث عن خيارات جديدة تُنقذ الوضع المستعصي وتفتح نافذة على المستقبل. غير أنَّ هذه المدة الزمنية قد تنفتح على الماضي البعيد لتذكِّرنا بـ (ساعة القشلة) في مبنى المدرسة الموفقية التي بُنيت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر للميلاد.

ولكي نُحيط بالقسم الأكبر من ثيمات الفيلم الرئيسة والفرعية فلا بدّ من التوقف عند البنى الثلاث المُشار إليها سلفًا وأولها التعليقات الصوتية المكتوبة بحرفية عالية يمكن أن يستشفَّ منها المتلقي قصة متكاملة الأركان تكشف في مطلعها الفرق الكبير بين التظاهرات السابقة والحالية حيث كسر المتظاهرون في انتفاضة تشرين 2019 هندسة سياقات التظاهرات السابقة لأن الجيل الجديد لم يعرف المشاركة الحزبية والطاعة التي عرفتها الأجيال السابقة ولم يوجّههم حزب أو قائد كارزمي. وقد توجّه غضب المتظاهرين باتجاهين: الأول يريد الإصلاح من داخل الحكومة ويؤكّد على الطابع السلمي للتظاهرة، أمّا الثاني فرفعَ شعار (نريد وطنًا) وكان يمثِّل ثورة على الفساد، والتبعية، والفشل الإداري وما إلى ذلك.

إهانة المُنقذ والمثال

يُحدد التعليق الثاني المداخل الخمسة التي فُتحت أربعة منها بينما ظلّ مدخل جسر الجمهورية المؤدي إلى المنطقة الخضراء، مقرّ السلطة، مُغلقًا بجدرانٍ إسمنتية عازلة بطول قامتيّ إنسان. أمّا التعليق الثالث فيركز على الخطأ القاتل الذي ارتكبه رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي حينما أقدم في خطوة مفاجئة على نقل العقيد (وقتها) عبدالوهاب الساعدي من منصبه كقائد لجهاز مكافحة الإرهاب إلى عمل إداري في وزارة الدفاع بعد أن تحوّل إلى بطل شعبي في محاربة داعش وكان يتمنى إحالته على التقاعد ويفضِّل السجن على قرار مُجحف يُعدّ إهانة كبيرة لهذا الرجل الشجاع الأمر الذي اعتبره المتظاهرون إهانة للمثال والمُنقِذ.2504 homeland

تنقل التظاهرات سوّاق التُكتك من الهوامش النائية إلى قلب العاصمة بغداد ويتكفل بعض الناشطين بدفع تكاليف الوقود الذي كان يوزع مجانًا على هؤلاء السوّاق الشجعان الذين كانوا يواجهون الدخانيات والرصاص الحي بصدور عارية.

تتحول بناية (المطعم التركي) إلى رمز كبير يتنافس عليه المتظاهرون وقوات الشغب وذلك لأهميتها الإستراتيجية بسبب إطلالتها على المنطقة الخضراء من جهة وساحة التحرير من جهة ثانية.

قطّعت قوات مكافحة الشغب جسر الجمهورية المؤدي إلى المنطقة الخضراء إلى ثلاثة سواتر احتمت وراءها السلطة التي تحكم البلد ولا تراه لكنها تتهجّس ما فيه من مخاطر من خلال ثلاث ركائز، العقيدة والمال والقوّة، وقد تحوّل الجسر إلى مكان نموذجي لتمارين الشجاعة حيث الإرادة في أعلى تجلياتها مقابل الموت.

يعود التعليق السابع إلى ساحة التحرير التي تحوّلت إلى أماكن للتنوير والتثوير من دون خلفيات آيديولوجية مسبقة حيث أُقيمت ندوات وعروض مسرح الفرجة من هواة ومُحترفين على عكس ما أشاعتهُ السلطة من أنهم صغار السن ومُراهقون وطرف ثالث، وكلام بذيء لا أساس له من الصحة.

تُذكِّر انتفاضة تشرين بالموجة الأولى من الربيع العربي، فگرافيتي ساحة التحرير ببغداد يشبه گرافيتي ميدان التحرير بالقاهرة غير أنَّ فكرة الميادين تكشف عن نمط جديد من الانقلابات خلافًا لما كان يحدث  في القصور الرئاسية ومباني الإذاعة حيث تحوّل نفق التحرير إلى ورشة عمل ثقافية شاملة ترافقَ مع صوت الدخانيات فأعيد تأهيله بعد إهماله ستة عشر عامًا بالرسوم والجداريات التي أبدعها طلبة معهد وأكاديمية الفنون الجميلة. ويخلص التعليق الصوتي الأخير إلى أنَّ المنتفضين قد أعادوا الحياة للنفق تحت قنابل الغاز لتحقيق فعل جمالي بفن الشارع الگرافيتي من دون تخطيطات مسبقة حيث رسموا أمام المارّة موضوعات تعبيرية مباشرة يغلب عليها الطابع التحريضي الوطني الذي يُوحي بأنّ الفن لم يكن هامشيًا في حياة الشعوب ذات يوم سواء المتحضرة منها أو البدائية.2505 homeland

خدش القيم السائدة

تقوم بنية الرؤوس المتكلمة على قرابة ثلاثين رأسًا من مختلف الأعمار والمناصب والخلفيات الثقافية. وعلى الرغم من أنَّ غالبية المتحدثين من الثوّار والمنتفضين والمُحتجين هم من الشباب من كلا الجنسين أبرزهم من المتظاهرين، والمُسعفين، وسوّاق التُكتك، والمُنظِّفين، والطُهاة، والحلّاقين، والفنانين التشكيليين، والعاطلين عن العمل، ومكافحي القنابل المُسيّلة للدموع إلّا أنَّ الشخصيات الأربع الرئيسة التي انتقتها المخرجة إيمان خضيّر بالغة الأهمية من حيث بوحها، واعترافها، وملامستها للحقيقة من دون رتوش. ولعلّ اختيار المخرجة إيمان خضير للصحفي والروائي زهير الجزائري كأنموذج للمثقف العراقي هو اختيار مناسب جدًا لأنّه منغمس في العمل الصحفي والسياسي منذ ستين عامًا أو يزيد كما يمتلك القدرة على التحليل السياسي والاجتماعي والفكري حيث اختصر لنا في إطلالتين لا غير الأسباب التي أفضت إلى إنطلاقة انتفاضة تشرين ويمكننا إيجازها بثلاثة أسباب أو أحداث رئيسة وهي: تهديم البيوت العشوائية، ومطاردة أصحاب (البسْطيات)، والطريقة المُذلّة التي تعاملت فيها السلطة مع أصحاب الشهادات العليا. وبحسب تقرير وزارة التخطيط العراقية فإنَّ سكنة العشوائيات يشكّلون ثلث سُكّان العراق، وهي نسبة كبيرة جدًا تحتاج إلى حلول فورية لا تقبل التأخير. أمّا السبب الثاني فهو (البسْطيات) العشوائية أيضًا التي ارتفعت نسبتها بشكل مُخيف حتى أنها فاقَت نسبة المحلات والمتاجر الرسمية في العديد من مناطق التبضّع منذ عام 2003 ولحد الآن. وفي كلا الحالتين فقد تمّ المَساس وإلحاق الضرر بالطبقات الدُنيا الأكثر فقرًا في المجتمع العراقي التي تُرقِب بعين الحسرة والغضب الطبقة السياسية الجديدة وأحزابها التي أثرت ثراءً فاحشًا وامتصت ثروات البلد الظاهرة منها والمطمورة على حدٍ سواء. أمّا السبب الثالث بحسب الجزائري فيتمثّل بالضربة القاضية التي وُجِّهت لحَمَلة الشهادات العليا الذين كانوا يتظاهرون أمام رئاسة مجلس الوزراء حيث تعرّضوا إلى رشّاشّات الماء الساخن بطريقة مهينة. ويرى الجزائري بأنَّ المنظر الأكثر حسّاسية الذي هزّ المشاعر الجمعية للمواطنين العراقيين حينما شاهدوا امرأة من حَمَلة الشهادات العليا تتدحرج أمام قوّة رشاشات المياه الساخنة التي أفضت إلى ارتفاع ملابسها إلى الأعلى أمام كاميرات التصوير الأمر الذي مسّ الشرف العام، وخدش القيم السائدة، وأهان الأمثولة التربوية بطريقة تفتقر إلى الذوق والحكمة وتنتهك منظومة القيم الاجتماعية والأخلاقية المُتعارف عليها في المجتمع العراقي المحافظ. وقد استعانت المخرجة بمقتطفات منشورة في بعض الصحف ووسائل الإعلام العراقية التي تُعزِّز آراء الكاتب زهير الجزائري وتؤشر على مصداقيته في ملامسة الحقائق الدامغة التي وردت في إطلالتيه المُعبِّرتين اللتين تصلان إلى مستوى الوثيقة ولا تندرجان ضمن الكلام العابر.

***

لندن: عدنان حسين أحمد

"ابن المدينة" هو اسم المدينة الساحلية ومقصد السياح من جميع انحاء العالم . مدينة جميلة تتالف من ثلاث اجزاء بديعة من جميع النواحي. فيها الجزء المسماة القرية وهي تقع على سفح الجبل المطل على البحر ثم الجزء الحضري وتسمى طربق العسل وتقع فيها مركز المدينة ومحطة القطار والدوائر الرسمية اما دانتها فهي الساحل المسماة الميناء البحري وهي الأجمل.

 لم اكن قد خططت بزيارة مصيف ابن المدينة التابعة إلى مدينة ملقا الساحلية الجميلة ولكني اكتشفت فيها مركزا ثقافيا بعنوان بابلو بيكاسو ومركز اخر في القسم البحري للمعارض اذهب اليها كلما استجد فيها معرض لفنان وكنت قد كتبت عنها عدد من المرات.

فقررت زيارةً المدينة والكتابة عنها. . إنها مدينة غريبه كما اسلفت لكونها تتألف من ثلاث أقسام الساحل يسمى "الميناء البحري" وهي جميلة جدا وذو بيوتات تحيطها مياه البحر من أربعة جهات ومخازن ومطاعم جميلة وهي منطقة سياحية يكتظ فيها ابناء المدينة للاستجمام والسياح طوال العام. ومن الشارع الرئاسي صعودا حيث احدى أجمل الحدائق العامة المسماة (بالوما) اليمامة وتمتاز بوجود بحيرة كبيرة في وسطها ونباتات استوائية وتماثيل وحديقة خاصة بالاطفال وقد تجد عددا من الدجاج البري هنا وهناك يتراكضون وترى عجوزة تبحث خلسة عن البيض بين الأحراش. كما فيها متحفا جميلا للفراشات وبالقرب منها نجد المعبد البوذي:

 (Stupa of Enlightenment) والذي يعتبر احد أكبرمعبد، ستوبا بوذية في أوروبا، وتعد رمزًا للتسامح الثقافي والديني في الأندلس.2495 Andalusia

إن تاريخ المدينة يعكس تأثير الحضارات المختلفة التي مرت على الأندلس، مما جعلها مدينة غنية بالتنوع الثقافي والحضاري. كانت المنطقة تاريخيا مأهولًا بالسكان منذ عصور ما قبل التاريخ، حيث عُثر على آثار تدل على وجود حضارة في الكهوف القريبة مثل “Cueva del Toro”. وخلال ما يسمى العهد الفينيقي القادمين من الشام والروماني فيما بعد ، كانت المنطقة مركزًا صغيرًا للتجارة لصيد الأسماك وقد أسس الرومان وعلى عادتهم شبكات زراعية وبنية تحتية مثل الطرق والقنوات في المدينة. اما في العصر الإسلامي فلم اجد الكثير عن المدينة سوى اسمها المشتق من الكلمتين ابن و مدينة ولا يزال الاحقة "ب تستخدم في الأسماء العبرية والعربية خاصة في شمال أفريقيا .2496 Andalusia

 بعد استرجاع الاسبان للأندلس عام 1492 في القرن العاشر الميلادي، أصبحت المدينة مركزًا زراعيًا وتُعرف بزراعة الفواكه التين والعنب وصناعة الحرير حيث شُيدت قلعة المدينة للدفاع عن المنطقة ضد الغارات القادمة من البحر.يعتبر السيد أنطونيو سواريث (A. Suárez اهم شخصية منً ابناء المدينة.2497 Andalusia

يقع هذا التمثال النصفي له خارج محطة قطار أرويو دي لا ميل، تكريمًا لأنطونيو مارتن غونزاليس. كان أنطونيو مارتن غونزاليس (1935-2014) كاهن رعية محبوبًا ومخلصًا لفترة طويلة. يتميز التمثال بتفاصيله الدقيقة، وهو تحفة فنية تستحق المشاهدة، ويستحق الزيارة إن كنت في المنطقة، كما يسهل العثور عليه خارج محطة قطار أرويو دي لا ميل.2498 Andalusia

 كما قام المرحوم الشيخ صالح كامل وهو رجل أعمال سعودي، باستثمارات تطورية مهمة في المدينة مما أعطى المدينة أهمية سياحية . نصل إلى مركز المدينة حيث محطة القطار السريع الذي يربط مركز مدينة ملقا مع المصايف الممتدة مئات الكيلومترات على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط وصولا إلى مدينة فينخورلا الجميلة ومن ثم مربيا وصولا الى مضيق جبل طارق..2499 Andalusia

توفيق رفيق آلتونچي

 

أرشفة فنية أمينه لذاكرة الأنصار الشيوعيين

ينتمي فيلم (سنوات الجمر والرماد) للمخرج علي رفيق إلى نمط الأفلام الدكيودرامية أكثر من انتمائه إلى الفيلم الوثائقي الخالص. ولعل شحّة الوثائق، ونُدرة المادة الأرشيفية المُصوّرة هي التي دفعت السينارست ومخرج الفيلم لأن يلوذ بالدراما الوثائقية التي تعوّضعه عن النواقص المذكورة أعلاه. لم يستغنِ المخرج عن تقنية التعليق الصوتي (Voiceover) الذي تكرّر 14 مرة على مَدار الفيلم. وعلى الرغم من الشحنات الشاعرية والعاطفية التي تخللت التعليقات الصوتية التي تنطوي على العديد من المعلومات التاريخية والاجتماعية التي أفادت المخرج في بناء الفيلم خلافًا لما ادعّاه البعض بأنَّ (جلّهُ كان شاعريًا وعاطفيًا.. ولم يعطِ معلومة تاريخية واجتماعية)().2444 the fire

وبما أنَّ الفيلم، في الأعمّ الأغلب، يقوم على البوح، والشهادات الشخصية، وبعض الصور، والقليل من المادة الأرشيفية المُصورة فلا بد من حبكة قوية تُعيد هذه المواد المتناثرة إلى نصابها الصحيح، وتمنحها بنية رصينة تقنع المتلقي ولو في الحدود الدنيا للدراما الوثائقية التي تسدّ بعض الثغرات الناجمة عن غياب الوثيقة وشحّتها في المفاصل الأساسية من الفيلم الذي يهمّ شريحة نوعية مثقفة من المجتمع العراقي، متعدد الأعراق والقوميات والأديان والمذاهب.

يرصد الفيلم تاريخ حركة الأنصار الشيوعيين العراقيين منذ بزوعها عام 1979- 1989م وما تخللها من وقائع وأحداث تُعيد للأذهان الخطأ الإستراتيجي الذي ارتكبه الحزب الشيوعي العراقي حينما تحالف مع حزب البعث العربي الاشتراكي الذي يقوده صدام حسين على الرغم من وجود أحمد حسن البكر كرئيس صوري للجمهورية العراقية حيث استثمر هذا التحالف للترويج لنفسه كشخصية يسارية تقود حزبًا يساريًا يصطف إلى جوار العمّال والفلاحين والكسبة.

الإيمان بعقيدة الكفاح المسلّح

على الرغم من كَثرة الشخصيات المُشاركة في هذا الفيلم بحيث بلغ عددها 80 شخصية تنتمي جُلّها إلى الحزب الشيوعي العراقي، وبعضها إلى الحزب الشيوعي الكوردستاني، والحزب البارتي الديمقراطي الكوردستاني وغيرها من المجموعات التي انشقت عن هذه الأحزاب ومارست نشاطها على انفراد بالرغم من وجودها في كوردستان العراق وخاصة في المثلث العراقي التركي الإيراني ومقرات هذه الأحزاب في باهدينان وزيوه وما سواهما من أماكن ومقرات حزبية معروفة للمناضلين الشيوعيين العراقيين والكورد الذين آمنوا بفكرة الكفاح المسلّح بعد أن غدر بهم حزب البعث العربي الاشتراكي ودفعهم إلى حمل السلاح ومقارعة الدكتاتورية لسنوات طوالا.2440 the fire

ولو دققنا في هذا الفيلم الدكيودرامي وبحثنا عن الثيمة الرئيسة لوجدنا أنّ فكرة الكفاح المسلّح هي المُهيمنة الرئيسة في هذا الفيلم. ولو تفحصنا الوقائع والأحداث التي جرت على مدى عشر سنوات من عمر الحركة الأنصارية لاكتشفنا أن جريمة بشتاشان هي الثيمة المهيمنة التي وقعت في الأول من آيار عام 1983 وقَتلَ فيها الاتحاد الوطني الكوردستاني أكثر من 150 عضوًا من الأنصار الشيوعيين بضمنهم أعضاء المكتب السياسي للحزب كما دمروا الإذاعة التي كان يديرها الحزب الشيوعي العراقي من هناك.

وبما أنّ قصة الفيلم ومادته الرئيسة هي سردية بوحية قوامها أحاديث متواترة لـ 80 شخصية تجمع بين شخصيات سياسية شيوعية وأخرى من الحزبين الكورديين الكبيرين فلا غرابة أن يلجأ المخرج علي رفيق إلى تقسيم بنية الفيلم إلى 15 قسمًا تبدأ بالقرار، وتمر بطرق الدخول، والسلاح، والتموين، والطبيعة، والعلاقات، والمعارك، والفن والأدب، والطبابة، والعائلة، والشهداء، والعمل الإعلامي، وهجمات، وأفكار وآراء، وتنتهي بالانتفاضة الأمر الذي يتيح للمتلقي أن يكوّن فكرة أساسية عن حركة الأنصار للشيوعيين العراقيين ومن الأفضل أن نبدأ بما قاله الرفيق كريم أحمد، السكرتير السابق للحزب الشيوعي الكوردستاني - العراق الذي بدأ بداية موفقة حينما قال: (توترت العلاقة إلى حدٍ لا يُطاق مع حزب البعث. وبعد إعدام عدد من الرفاق ببغداد قرّرت اللجنة المركزية الانسحاب من الجبهة الوطنية والالتحاق بالثورة الكوردية). وفي التعليق الصوتي الأول ينصبّ التركيز على المقرّ الأول حيث (يبحث الإنسان عن المكان؛ مكان الأمان والعيش، فالصدفة تختار والضرورة تُرتِّب.. ثمة مجموعة صغيرة من الأنصار البواسل اجترحوا هذه المأثرة) حيث شيّدوا المقر ولم يكتفِ (أبو علي النجّار) بصنع الأبواب والشبابيك وإنما صنعَ لهم بنادق خشبية تُوهِم العدو بأنها أسلحة حقيقية لأن الوجبات الأولى التي التحقت لم تزوّد بالأسلحة الشخصية.

لم يكن قرار العمل الأنصاري قرارًا مركزيًا فبعد اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي عام 1980 وبعد قمع السلطة الدكتاتورية وتوحشها أقرّ المجتمعون الكفاح المسلّح وأعتبروه الشكل الأعلى من أشكال النضال الطبقي. ولا بد من الإشارة إلى أنّ قضية الأنصار قد وجدت طريقها إلى أرض الواقع من دون أن تعرف القيادة بذلك. ولعل معركة (قزلر) التي أشار إليها الدكتور (أبو گوران) هي خير دليل لما نذهب إليه حيث اشترك الرفاق في معركة غير متكافئة راح ضحيتها 16 شهيدًا من دون أن تعرف القيادة المركزية بذلك.2441 the fire

تتفرع طرق الدخول إلى سورية وجنوب تركيا لأسباب كثيرة منها تهريب السلاح والذخيرة أو جلب بريد الحزب أو استضافة عوائل الشيوعيين لمدد تتتراوح بين خمسة وعشرة أيام قبل أن ينقلوهم إلى سوريا.

قساوة الطبيعة وشحّة التموين

لا تقتصر معاناة الأنصار على قساوة الطبيعة وإنما تمتدّ إلى شحة التموين الغذائي بكل أشكاله وقد لا تجد المفرزة الأنصارية وجبة إضافية من الشاي والسكّر فكيف بوجبات الطعام التي لا تسدّ الرمق فلا غرابة أن يصطاد الرفاق السمك أو السلطعون ليسدوا بهما غائلة الجوع بينما يفكِّر البعض الآخر بزراعة المحاصيل الصيفية لتوفير بعض وجبات الطعام.

تتجلى قساوة الطبيعة في وعورة الأرض، وبرودة المناخ، وتساقط الثلوج، وتواجد الذئاب التي تبحث، هي الأخرى، عمّا يسدّ رمقها في فصل الشتاء القاحل.

لا ينكر أعضاء الحزبين الكورديين الكبيرين أفضال الحزب الشيوعي العراقي على الكورد عمومًا حيث يعترف فاضل ميراني، سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني بأنَّ لقاء الپارتي والشيوعي يعود إلى سنوات سابقة لميلاده الشخصي. كما شجّع الشيوعيون الكوردَ على تأسيس حزب قومي لهم. ويعترف عدنان المُفتي، عضو المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكوردستاني بأنهم التقوا بالرفاق الشيوعيين في جبال كوردستان الشمّاء، وأنهم ناضلوا معًا ضدّ الدكتاتورية والظلم والعنصرية والشوفينية.

يُشرك المخرج علي رفيق في هذا الفيلم غالبية مكونات الشعب العراقي، فمثلما يحضر العربي والكوردي، بُطل علينا المسلم والمسيحي والصابئي حيث نستمع إلى منى توما وهي تتحدث عن قدرة زوجها (أبو جوزيف) في حلّ المشكلات العائلية وإمكانياته الفذة في ترضية الطرفين المتنازعين. كما نستمع إلى عبدالأحد فرنسيس الذي يسكن في قرية (دَهَي) وهي قرية مسيحية آشورية عاش أبناؤها ظروفًا صعبة للغاية منذ عام 1962 وحتى عام 1975 حيث كانت طائرات السلطة تقصفهم حينًا، وتهجم عليهم القوات العسكرية حينًا آخر لكنهم لم يترددوا في تزويد الپيشمرگة بالطعام والشراب لكي يواصلوا مشروعهم النضالي ضد دكتاتورية النظام السابق.2442 the fire

لا شك في أنّ معارك الأنصار مع قوات النظام القمعي كثيرة لكن مخرج الفيلم وكاتب السيناريو قد ركّز على عملية مشتركة مع قوات الاتحاد الوطني في منطقة (كاني شيرين) تكبد فيها العدو خسائر بالأرواح واغتنمَ الأنصار أسلحة ومعدات عسكرية. كما توقف المخرج عند معركة القلعة في مدينة العمادية حيث اقتحموا فيها الأماكن الحصينة التي تتواجد فيها أجهزة الأمن والمخابرات الصدامية.

شغف الأنصار بالأدب والفن

يُشكِّل (الأدب والفن) هاجسًا لغالبية الشيوعيين إن لم أقل كلهم على الإطلاق. فهم مولعون بالقراءة، وشغوفون بالفنون القولية وغير القولية. وقد اختار المخرج علي رفيق أن يتوقف عند مسرحية (ضجيج عند الفجر) التي كتبها لطيف حسن وأخرجها (أبو داوود). فيما أنجز (أبو فايز) أول معرض في كوردستان وكان يشتمل على تخطيطات ومنحوتات بسيطة من الخشب والطين لكنها عميقة في المعنى وضاربة في المضمون. بينما قدّم الفنان قاسم الساعدي (أبو عراق) الميني بوستر أو المُلصَق الصغير بحيث كان يصنع من ورقة الستينسل الواحدة 12 مُلصقًا صغيرًا يمكن إدخال كل واحد منها على انفراد في عُلبة السگائر ثم ترسل إلى المفارز، وتُرمى في المدن أو المناطق التي تُنفّذ فيها العلميات القتالية. وثمة لقطات سريعة متتابعة يظهر فيها عدد من المثقفين والكُتاب العراقيين بأسمائهم الحركية أو الصريحة مثل سلام ابراهيم ومهنّد ويوسف وأسعد أبو إعلام.

على بساطة (الطبابة) مبنىً وأجهزة وأدوية إلّا أنّ الكوادر الطبية كانوا يبذلون قصارى جهدهم لمعالجة الإجهاض وحالات البتر القاسية ومن دون تخدير بأجهزة بدائية مثل المناشير الخشبية التي يقطعون بها الأقدام والسيقان التي أكلتها الغنغرينيا.

كثيرة هي القصص التي انضوت تحت باب العائلة وربما تكون قصة النصيرة (سمر) هي أكثر القصص العائلية حميمية ودفئًا. فحينما أرادت أن تحتفل بليلة الدخلة طلبت من نساء القرية أن يزودنها بفستان الزفاف الأبيض فتقاطرت عليها الفساتين البيض من كل حدب وصوب حتى سقطت في دائرة الحيرة والذهول. فكل نساء القرية يتمنينَ أن تختار هذه العروس الپيشمرگه فستانها الأبيض من دون بقية الفساتين.2445 the fire

قصة الأم فهيمة عبدالله وابنها مهدي حسن هي قصة عائلية مكتملة الأركان حيث يُسجَن مهدي مع أمه وبقية أفراد عائلته وسوف تعاني هذه العائلة برمتها ما يعانيه السجناء في زنازين الأمن والمخابرات أو حتى السجون العادية. وحينما يرتكب النظام الدكتاتوري مجزرة (الأنفال) التي راح ضحيتها عشرات الألوف من الكورد الأبرياء سوف تضطر هذه العائلة إلى البحث عن الخلاص الفردي والعثور على ملاذ آمن في تركيا أول الأمر وإيران في خاتمة المطاف.

ربما تكون قصة (كاوه) هي خير أنموذج لقصص الجود بالنفس فقد استشهد الرفيق (كاوه) في جبهة دربندخان وانضمّ إلى قافلة شهداء الحزب الشيوعي العراقي وقد وصفه العديد من رفاقه بصفات حميدة كالشجاع والمناضل والمخلص والمُحب لوطنه وشعبه. ثم تتوسع إحدى الرفيقات من مقارعة الدكتاتورية إلى الاستعمار بأشكاله المتعددة حيث تردّد بحماسة منقطعة النظير بيتًا من الشعر الشعبي الذي يقول: (حدّي ويه الاستعمار للگبر والخام *** للگبر لو دشّيت أتحرّك عظام).

لا يختلف الإعلام كثيرًا عن باب (الأدب والفن) فثمة إعلاميون كثيرون انطلقوا من الحركة الأنصارية وغذّوها بعصارة جهدهم الثقافي والفكري على مدى السنوات العشر الممتدة بين عاميّ 1979 و1989 حيث رفدوا الصحف والمنشورات والإذاعة بكل ما تحتاجه الماكينة الإعلامية الأنصارية التي تقارع القمع والظلم والنظام الدكتاتوري الذي كان يتغوّل على شعبه يومًا بعد يوم. وقد تعددت النشرات والصحف والمجلات لكننا سنكتفي بالإشارة إلى بعض منها مثل نشرتيّ (الأمل) و(ينابيع دجلة) وصحيفة (النصير) الشهرية.2443 the fire

الهجوم الغادر

يصف الرفيق كريم أحمد، السكرتير السابق للحزب الشيوعي الكوردستاني - العراق، بأنّ الهجوم الذي تعرّض له مقر الأنصار في بشتاشان في الأول من أيار عام 1983 بالهجوم الغادر حيث فقد الأنصاريون 150 شهيدًا على أيدي حلفاء الأمس. ثم يتوسّع السكرتير في الحديث بأنّ هذا الهجوم هو من صنع المخابرات العراقية ضدّ الرفاق العرب تحديدًا وقد وصف عمليات القتل بأنها (حقد شوفيني قومي ضيّق). ويرى بأنّ الأنصار لم يتدربوا على القتال ولم تكن لديهم معلومات عسكرية دقيقة فقد نمَت الحركة الأنصارية وقادتها نموًا عفويًا.

عودًا على أهمية التعليق الصوتي الذي ساهم في بناء الفيلم بناءً رصينًا سنتوقف عند التعلق الثاني عشر الذي يقول فيه المعلق: (نريد أن نستعيد حركة التاريخ وأن ننفض الرماد الذي غطّاها؛ رماد مُعلَن ومقصود. لقد مدّت الانتفاضة يدها نحو الأفق وصارعت أهوالًا وخساراتٍ وكان يكفي أن يكون نبعها الصافي ودمها الدافق من عيون وسواعد أنصارنا). وإذا كان عزيز محمد نفسه يرى بأنهم أضعفوا النظام لكنهم لم يجنوا ثمرته لأن آخرين قفزوا على السلطة. بينما يعلن الرفيق كريم أحمد بالفم الملآن بأنّ منظمات الأنصار هي التي لعبت دورًا كبيرًا في الانتفاضة ودخلت إلى أربيل مباشرة ولم يدخل أعضاء الحزب الپارتي إلأّ في نهاية المطاف. ولعلنا نجد في التعليق الصوتي ما قبل الأخير القول الفصل حيث يقول إنّ (الأنصار سلّحوا الانتفاضة بالجرأة والإقدام وكانوا المصباح الهادي في ظلام الأوضاع المُلتهبة). لكنّ الأيادي الخفية سرقت هذا النور واحتفت بنصرها الزائف.

إنَّ من يُشاهد هذا الفيلم الذي بلغت مدته 68 دقيقة وبهذا العدد الكبير من الشخصيات السياسية والثقافية والاجتماعية ولم يشعر بالملل فإنَّ هذا يعني، من بين ما يعنيه، أنَّ الفيلم الدكيودرامي كان ناجحًا مع الأخذ بنظر الاعتبار أنَّ المخرج المبدع علي رفيق الذي اتخذ موقفًا مُحايدًا ونقل المواقف والأحداث كما جرت على حقيقتها وتفادى الاصطفاف إلى جانب هذا الطرف أو ذاك، خصوصًا وأنَّ هناك حزبيين كورديين كبيرين يتقاسمان جغرافية إقليم كوردستان، إضافة إلى وجود مجموعات صغيرة منشقة عن أحزاب أخرى تركت المدن ولاذت بالجبال الشاهقة التي لا تصلها آلة القمع الصدامية.

لا يقتصر نجاح هذا الفيلم على السينارست ومخرج الفيلم علي رفيق وإنما يمتد أيضًا إلى مدير التصوير فاروق داوود، وكاتب التعليق علي جاسم شبيب، وقارئ التعليق المحترف فلاح هاشم، والمونتير أحمد عبدالكريم وفريق العمل برمته الذي دوزنه المايسترو علي رفيق الذي يمكن أن نُطلق عليه المؤرشف الأمين للذاكرة الأنصارية.2446 the fire

سيرة إبداعية مُكتنزة

جدير ذكره أنَّ المخرج المسرحي والسينمائي علي رفيق هو من مواليد 1946 في (أبي غريب). تخرج في معهد الفنون الجميلة - فرع التمثيل والإخراج - بغداد 1965. كما تخرّج في معهد التدريب الإذاعي والتلفزيوني - ببغداد 1970. أنهى دراسته العليا (الماجستير) في معهد الدولة للسينما / كييف / أوكرايينا / الاتحاد السوفيتي السابق / متخصصًا بالإخراج السينمائي الروائي 1981. أخرجَ بين الأعوام 1979 و2014 ستة أفلام وهي على التوالي: (كرسي المدير العام)، (الليلة الثانية بعد الألف)، (حلبجة - المدينة الشهيدة)، (ستون وجمر الكفاح يتقد)، (سنوات الجمر والرماد)، و(نصيرات).

عمل في ثلاث فرق مسرحية معروفة ببغداد وهي: فرقة مسرح 14تموز، وفرقة المسرح الشعبي، وفرقة مسرح اليوم منذ عام 1964 وحتى عام 1975.

مثّل أدوارًا مختلفة في مسرحيات كثيرة نذكر منها: (مصرع كليوباترا)، (أفكار صبيانية)، (مكبث)، (سجناء ألتونا)، (أشجار الطاعون)، (الغريب)، (العطش والقضية) و(الينبوع).

أخرج عددًا من المسرحيات المهمة أولها مسرحية "القاعدة والاستثناء" ببغداد عام 1965 ثم توالت تجربته الإخراجية وشملت (المفتش العام) لـغوغول، (السرّ) لمحي الدين زنكنه، (طبيب رغما عنه) لموليير، (أغنية على الممر) لعلي سالم. وعندما التحق بفصائل الكفاح المسلّح لحركة الأنصار الشيوعيين العراقيين في كوردستان عمل علي رفيق بين الأعوام 1981 - 1988مُحررًا صحفيًا ومُذيعًا في إذاعة (صوت الشعب العراقي) وأخرج عدة مسرحيات لفصائل الأنصار من بينها: (عند الموقد) لناظم حكمت، و(الليالي البيضاء) لديستويفسكي، (روح إليانورا) للوناتشارسكي، و(كيف تركت السيف؟) لممدوح عدوان.

أنجز 75 حلقة من مسلسل وثائقي تلفزيوني نشرها على اليوتيوب بعنوان (ذاكرة الأنصار) ولا يزال منهمكًا بالتوثيق التلفزيوني لنشاطات الجالية العراقية بلندن ويبثّها على وسائل التواصل الاجتماعي بينها (١32) أمسية للمقهى الثقافي العراقي بلندن.

***

لندن: عدنان حسين أحمد

 

ثمة أفلام وثائقية تلامس شغاف القلب، وتحرِّك المشاعر الإنسانية العميقة المُرهفة، ولا تغادر ذاكرة المتلقين بسهولة. وفيلم (نصيرات) للمخرج علي رفيق من هذا النوع يمكث طويلًا ليس لأنه يرصد فقط دور النساء المقاتلات في الحركة الأنصارية للشيوعيين العراقيين التي انطلقت عام 1979 ووضعت أوزارها سنة 1990، وإنما لأنه فيلم نوعي جريء يبوح بكل شيء دفعة واحدة ويعترف بما له وما عليه.

ولعل أهمّ ما في ثيمة هذا الفيلم الوثائقي المُطعّم بنبرة درامية واضحة هو (تسليط الضوء على تجربة الحركة الأنصارية بسياقاتها الإنسانية والاجتماعية والسياسية). فمن غير المألوف في المجتمعات المُحافظة كالمجتمع العراقي بمختلف مكوّناته القومية والدينية والمذهبية أن تنخرط النساء في القتال ويعشن حياة الجنود بكل حذافيرها من تدريب، ورصدٍ، وحراسةٍ، ومشاركة في الحروب والعمليات القتالية. ولا بدّ من الاعتراف قبل كل شيء بأنّ المقاتلات الكورديات (الپيشمرگه) في سوريا والعراق وتركيا وإيران قد أحرزنَ قصب السبق في هذا العمل النضالي وأخذنَ دورًا موازيًا للرجل تمامًا، بل أن البعض منهم قد تفوقنَ على الرجال في التضحية والجرأة والإقدام كما هو الحال مع المقاتلة الكوردية "بِريتان")غولناز كاراتاش(التي ألقت بنفسها من قمة جبل خاركوك، شاهقة الارتفاع، لكي لا تستسلم وتقع أسيرة بيد مجموعة من الپيشمرگة الكوردية المتعاونة مع الجيش التركي آنذاك. أمّا مكان فيلم (نصيرات) فهو يتوزع بين شمال العراق وعدد من البلدان الأوروبية وخاصة السويد والدنمارك وهولندا وألمانيا والمملكة المتحدة التي احتضنت القسم الأكبر من أعضاء الحركة الأنصارية للشيوعيين العراقيين ومنحتهم حق اللجوء السياسي أو الإنساني بوصفهم مقاتلين من أجل الحرية والديمقراطية والعيش الكريم.2436 naserat

المشكلة في فيلم (نصيرات) أو حتى في الفيلم الأول المعنون (سنوات الجمر والرماد) اللذَين يوثقان للحركة الأنصارية هي أن عدد المتحدثين كبير جدًا لدرجة أنّ المُشاهد المحترف يجد صعوبة في التعرّف على أسماء المتحدثين أو حفظ أشكالهم ومظاهرهم الخارجية خصوصًا حينما يصل عدد (الرؤوس التكلمة) إلى 80 رأسًا متكلمًا في الفيلم الأول و35 متحدثة في الفيلم الثاني الذي تروي فيه النساء قصصهن، ويبحن فيه بأسرارهنَّ الداخلية التي تنطوي على أفراحهنَّ وأتراحهنَّ أو بعض مواقفهنَّ الطريفة الساخرة التي تنتهك الأعراف المسكوت عنها قبل ثلاثة عقود من هذا التاريخ.

ومع أنَّ فيلم (نصيرات) يتمحور على النساء الشيوعيات في الحركة الأنصارية إلّا أن سردية الفيلم تتضمن 13 متحدثًا أو أكثر من الرجال بينهم قادة في الحزب الشيوعي العراقي أمثال عبدالرزاق الصافي، وكريم أحمد داوود، وقصاصين مثل محمد علي الربيعي وما سواهم من الرفاق الشيوعيين الذين نتعرّف عليهم على مدار الفيلم الذي بلغت مدته (73) دقيقة.

غياب الوثائق

لعل غياب الوثائق في هذا الفيلم هو الذي دفع المخرج للاعتماد على تقنية الاستذكار والبوح وحتى (الاعتراف) ببعض المواقف العاطفية والفكرية الجريئة. فبعض النصيرات لا يترددن في الاعتراف بـ (الندم) على ما فعلْنهُ تجاه الجنود البسطاء الذين لا ذنب لهم في التواجد بهذه الربيئة العسكرية أو تلك لكنهم كانوا هدفًا لرصاص الأنصار وأسلحتهم الخفيفة التي تقتنص الجنود العراقيين المُساقين إلى جبهات القتال رغمًا عنهم أو تلبية لما يُسمّى بخدمة العَلَم.

يحتشد الفيلم بثيمات كثيرة لا تتسع لها مدة الفيلم التي زادت على الساعة بثلاث عشرة دقيقة وكان بإمكان المخرج أن يفرد للشهيدات السبع فيلمًا خاصًا بهن، فهو موضوع مكتمل الأركان وثيمة جاهزة لا تحتاج إلى بناء وتصعيد درامي لأنها تنطوي عليهما ضمن كل قصة على انفراد.

تنتمي الشهيدات السبع إلى خلفيات ثقافية واجتماعية مُتقاربة فثلاث منهم مُعلِّمات والرابعة خرّيجة قسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة البصرة، والخامسة طالبة، والسادسة مهندسة زراعية، والسابعة ربة بيت وناشطة سياسية. وفيهن العربية والكوردية، والمسلمة والمندائية، الأمر الذي يكشف أننا أمام لوحة رائعة من فسيفساء الشعب العراقي متعدد الأعراق والأديان والمذاهب، فلا اللغة أو العِرق أو الدين أو المذهب يمكن أن يفرِّق بين أبناء البلد الذي توحده العقيدة الرافدينية منذ الأزل.

لا تختلف مصائر الشهيدات السبع وإن اختلفت طرق التنفيذ فالبعض أُعدمن شنقًا حتى الموت، والبعض الآخر رميًا بالرصاص، وهناك من أقدمت على حرق نفسها لكي لا تترك أثرًا أو دليلًا قاطعًا يُدين بقية رفاقها في العمل السياسي. ومع أنَّ هذه القصص السبع تنطوي على مواقف بطولية قد لا نغالي إذا قلنا إنّ كل قصة تستحق أن تكون مادة لفيلم وثائقي أو روائي لما تنطوي عليه من حدث جلل أو تصعيد درامي يؤهله لأن يكون فيلمًا منفردًا وقائمًا بذاته. ولو وضعنا فعل الشهادة، وهو الثيمة الأعظم في هذه القصص السبع، فإن هناك ثيمات مؤازرة يمكن أن ترفد هذه القصص بمعطيات جديدة تبرِّر ما دعونا إليه من استحقاق هذه القصص لأن تكون مادة لفيلم ناجح مكتمل الاشتراطات من حيث سرديته الأدبية التي سوف يترجمها المخرج إلى سردية بصرية تخلب الألباب. ففي قصة الشهيدة رسمية جبر الوزني (أم لينا)؛ المعلمة التي بُعثت للدراسة في معهد العلوم الاجتماعية بموسكو وقررت العودة للالتحاق بالحركة الأنصارية المسلحة في كوردستان العراق ثم عادت إلى بغداد وقُبض عليها في أحد البيوت الحزبية في بغداد الجديدة وأُعدمت كما أُعدم صاحب البيت الذي كانوا فيه. ثمة خط درامي شديد الأهمية في هذه القصة يتعلق بابنة الشهيدة (لينا) التي لم ترَها الأم منذ 12 سنة وعندما عادت الأم إلى منزلها بعد هذه السنوات الطوال لم تلتقِ بها وجهًا لوجه لأنّ حزب البعث كان يشجّع الأطفال على التنصت على ذويهم وإيصال كل المعلومات المتوفرة لديهم لكي يرفعوها بدورهم إلى الأجهزة الأمنية التي كانت تبطش بالمواطنين في وضح النهار. ولهذا السبب تذرعت (رسمية) بأنها صديقة (أم لينا) وليست الأم الحقيقية لها في اللقاء اليتيم الذي رتبتهُ إحدى النصيرات لها لكي تشبع بصَرها من فلذة كبدها الوحيدة!2431 naserat

نكهة الفرات الأوسط

تُكنى الشهيدة الثانية رضية ياس خضيّر عباس السعداوي بـ (أم حسين) وهي مثل سابقتها من مدينة كربلاء. وقد تخرجت في قسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة البصرة والتحقت بمعسكرات الأنصار في كوردستان العراق لكنها عادت إلى الداخل غير مرة كان آخرها عام 1983 حيث تمّ اعتقالها وتغييبها إلى أن تمّ التأكد من استشهادها بعد سقوط النظام الدكتاتوري الغاشم. من يُدقق في صحف ومجلات الحزب الشيوعي العراقي سيكتشف الكثير من الأخبار والريپورتاجات والمقالات عن الشهيدة (رضية) فهي امرأة شجاعة ولا تخشى في قول الحق لومة لائم، وثمة رفاق كثر كانوا معها في جامعة البصرة يمكن أن يؤكدوا هذا الجانب المعروف من شخصيتها الفذة، وأكثر من ذلك فهي تمتلك صوتًا جميلًا جدًا يحمل نكهة الفرات الأوسط.

لم تكن الطالبة والناشطة فاتن (جميلة محمد شلال) لوحدها في السجن وإنما كانت معها شقيقتها وصال في الزنزانة نفسها. كما أنها أنجبت ابنتها الوحيدة (زينب) وهي في داخل السجن. وكانت تطلب من أمها أن ترّبيها بنفسها ولا تعطيها إلى أي شخص آخر إذا ما قُدر للأم أن تخرج من السجن ذات يوم. وصدر القرار الجائر بشنق الشقيقتين حتى الموت. وبشهادة الرفيقة جنان (حنان حدّاد) أنّ جميلة كانت شجاعة بمعنى الكلمة وقبل إعدامها بلحظات كانت تهتف بصوت عالٍ: (عاش الحزب الشيوعي العراقي) و(يحيا العراق) و(الموت للمجرمين الطغاة).

يمكن اختصار قصة الشهيدة بشرى صالح (أم ذكرى) وهي من مواليد 1952 السماوة وخريجة معهد المعلمات بأنها ضحّت بحياتها لكي لا تترك أسماء رفاقها ووثائقهم كأدلة دامغة تفضي بهم إلى الإعدام أو السجن المؤبد في أضعف الأحوال. فقد أحرقت نفسها لكي يعيش الرفاق الذين آمنوا بالشيوعية والفكر الماركسي.

على الرغم من الإعاقة الجسدية لـ (أنسام) موناليزا أمين منشد وهي معلمة من مواليد 1951 الناصرية لكن القليل من الرفاق والرفيقات يعرفون بهذه الإعاقة لأنها تعمل وتتحرك برشاقة. كما أنها ودودة وحنونة وهادئة وضاحكة السن بشهادة كل الذين عرفوها. كانت مسؤولة المخابرة اللاسلكية. وقد استشهدث في أثناء العبور بالمفرزة بين باهدينان إلى سوران ووُري جسدها الطاهر هناك.

تذوب القوميات والأديان والطوائف في الحركة الأنصارية فالشهيدة أحلام (عميدة عذيبي حالوب الخميسي) من مواليد 1954، سوق الشيوخ، الناصرية هي مندائية، وخريجة كلية الزراعة، جامعة بغداد. التحقت بصفوف الأنصار عام 1982 وسرعان ما اكتسبت حب الجميع وثقتهم فنّسبوها كمُشفِّرة للبرقيات. وعلى الرغم من شجاعتها التي يعرفها الرفاق جيدًا إلّا أنَّ هجوم العناصر الموالية للنظام القمعي وفتحهم نيرانًا كثيفة على مفرزتها أفضت إلى استشهادهم. ونظرًا لحقدهم الأسود فقد شوّهوا جثث الضحايا بزخات من الرصاص مزقت أجسادهم ووجوههم ووصلت الدناءة بهم إلى أنّ أحدهم قطع اصبعها طمعًا بالخاتم الذي ترتديه.2431 naserat

الوردة الحانية

للنصيرات الكورديات حصتهنَّ أيضًا، فالشهيدة عائشة گولكه من مواليد 1931 كويسنجق بأربيل، هي ناشطة سياسية وامرأة شيوعية معروفة. تتحدث عنها في هذا الفيلم ابنتها (كلثوم محمد أمين) وهي تأتينا ببعض المعلومات المهمة عن طريق سجينة اسمها (خاتو) تم إخلاء سبيلها فنقلت لكلثوم ما رأته وسمعتهُ من أمها مباشرة حيث تعرّضت گولكه إلى مختلف أصناف التعذيب ولم تعترف على أي رفيق من الحركة الأنصارية. ونظرًا لصمودها وقدرتها الفائقة على تحمل التعذيب فقد أمر علي حسن المجيد أن تُعدم أمام بناية المحافظة لكي تكون عبرة لكل المعارضين لنظام البعث لكن مدير أمن أربيل اعترض وقال بأن هذه المرأة تمتلك سمعة طيبة وتأثيرًا كبيرًا في المحافظة وأقترحَ عليه أن يعدموها ويدفنوها بشكل سريّ قرب معمل اسفلت البلدية على طريق الموصل حيث طرزوا جسدها بالرصاص ثم واروها الثرى بعيدًا عن أعين المناضلين الذي يعتبرونها أُمًا للحزب. وكانت تحنو على جميع الأنصار من كل أطياف الشعب العراقي. وتمجِّد الأخوة العربية الكوردية على الدوام.

يبدأ فيلم (نصيرات) بداية رمزية دالة حيث نرى في المشهد الاستهلالي للفيلم طفلًا يلهو وثمة طائرة هليكوبتر تهدر في السماء يعقبها آثار قصف جوي بأسلحة كيمياوية نستدل عليها من خلال أعمدة الدخان البيضاء التي تشي باستعمال غاز الأعصاب السام أو ما سواه من الأسلحة الكيمياوية المحرّمة دوليًا. أمّا المشهد الثاني الذي يعْلق في الذاكرة هو مشهد صراخ الماعز الذي يلفت الانتباه. وبما أنَّ الناس المدينيين لا يمتلكون فكرة عن سبب هذا الصراخ فقد سأل الدكتور جبار محمد سعيد رفاقه الكورد فأجابوه بأن الماعز؛ هذه الحيوانات المدجنة التي كان يقودها راعٍ في المناطق المعشوشبة ويعتني بها على مدى ساعات النهار لكنها ما إن فقدتهُ حتى عادت إلى طبيعتها الأولى وملاذها الجبلي وشرعت بالبكاء عليه.

تتحدث غالبية شخصيات الفيلم بعفوية واسترسال واضحين ولا تشعر كمشاهد أنك تسمع كلامًا مُنمّقًا أو مُفتعلًا. فالنصيرة أم سلام (رمزية بيّا صليوه) التي طلبوا منها جهازًا لقياس الضغط لم تكتفِ بسرقته من المستشفى وإنما جلبت لهم جهازًا لتخطيط القلب قد يحتاجونه في القادم من الأيام وكأنّ ما تفعله ليس سرقة يُحاسِب عليها القانون وإنما هو واجب وطني تستدعيه الضرورة القصوى من دون الخوض في تبريرات فلسفية لهذا الخرق القانوني الذي لا تستسيغه العادات والتقاليد الاجتماعية.

تستدعي النصيرة سلام الدلال حادثة المرأة التي قفزت من (الكلك) وهي تحمل طفلًا رضيعًا عمره سبعة أشهر. وفي أثناء هذه القفزة سقط الرضيع المُقمّط من يديها في الماء. ولم تستطع أن تذرف دمعة واحدة ليس لأنها غير قادرة على البكاء، وإنما لأنها كانت قريبة من المواقع العسكرية العراقية حيث أخبرها زوجها بألّا تصرخ لأنّ حياة الناس الموجودين على (الكلك) مُعلقة ببكائها المرير وصراخها الحاد.

ومع أنَّ قصة شيخ العشيرة الكوردي عبدالحق هي قصة مؤلمة في جوهرها لأنه يعاني من سرطان البروستات إلّا أنَّ النصيرات وجدناها نافذة للسخرية والتهكّم. وقد أرسلته الطبيبة المختصة (مريم) إلى إيران لإجراء الفحوصات المطلوبة التي أكدت إصابته بالمرض المذكور لكنه لم يفضِّل إجراء العلمية في إيران لأنه يثق بالأطباء العراقيين المهرة لذلك طلب من الأطباء الأنصار أن يجروا له العملية في طبابتهم التي لا تتوفر على الأجهزة الطبية الكافية لإجراء هذا النوع من العمليات المعقدة. وعلى الرغم من خشية الأطباء على حياة الشيخ عبدالحق فقد أجروا له العملية التي تكللت بالنجاح وبعد أسبوعين تماثل للشفاء وأصبح بوله صافيًا الأمر الذي يدلل على تعافيه التام من المرض الخطير الذي كان يعاني منه.2432 naserat

مُناهضة العُنف

وعلى الرغم من أهمية ثيمات الفيلم كلها ومن دون استثناء إلّا أنَّ انعطافة مهمة تحدث في طريقة تفكير بعض النصيرات. فسندس محمد (تانيا) التي وردتها أوامر، هي وزوجها، باحتلال ربيئة عسكرية وأثارت لديها نقاشات حول موضوعات العنف والقتل والكفاح المسلّح وكانت في ذروة شبابها في ذلك الوقت حيث أخذت تتساءل عن جدوى استعمال العنف؟ وهل هو وسيلة صحيحة أم خاطئة؟ فيما ذهبت نوال الصالح (بدور) بأنَّ (الجيش العراقي هم أبناء شعبنا لكننا كُنّا مُضطرين (لقتالهم) ولم نكن نحن مُخطئين أبدًا). أمّا النصيرة الأكثر وضوحًا في بوحها واعترافها هي (أم طريق) التي قالت بالحرف الواحد بما معناه: (أنا نادمة على كل ما فعلته ولو عاد بي الزمن إلى الوراء لما كررت فعله ثانية. أنا الآن ضد العنف وأرفضه بشكل كامل، وأعتبره عملية غير إنسانية بغض النظر عن الظروف ولكنني لا أتبرأ من تاريخي الشخصي. وأنَّ الشيء الذي كسبتهُ من هذه الحركة هو الذي طوّر شخصيتي وجعلني أتعرّف على أُناس ما كان لي أن أتعرّف عليهم، وجعلني أُدرك أن ممارسة العنف هي التي تدفع بالإنسان لأن يفقد إنسانيته شيئًا فشيئًا). وهذا أول وأقوى انقلاب على جوهر الحركة الأنصارية حتى وإن جاء متأخرًا بعد ربع قرن من الزمان.

على الرغم من أنَّ (نصيرات) هو فيلم أحداث وشخصيات في آنٍ معًا وقد تعامل معهما المخرج علي رفيق بحِرَفية عالية ومثلما أتاح للنصيرة (أم طريق) أن تُعبِّر عمّا يجول في طويّتها وتنقلب على طريقة تفكيرها القديمة وتؤسس لقناعة جديدة قد تكون صادمة لأقرانها لكنها تتلاءم مع روح العصر الذي يُقاتل بأسلحة جديدة ووسائل سلمية مختلفة. أمّا أبرز الأحداث في قصة الفيلم فهي عديدة من بينها هجوم الجلاليين أو، حلفاء الأمس، في أواخر نيسان عام 1983 مع أن أنصار الحركة الشيوعية قد استضافوهم قبل ليلة واحدة وزوّدوهم بالمواد الغذائية المطلوبة. والحدث الأكثر أهمية هو قصف طائرات النظام الدكتاتوري لمقر باهدينان للأنصار في 5 حزيران 1987 بغاز الأعصاب حيث أُستشِهد نصيران وأصيب أكثر من مئة نصير بالعمى المؤقت عدا الأمراض التي استوطنت في أجهزة التنفس.

تُعتبر هذه الحادثة دراماتيكية وكبيرة جدًا وكان بالإمكان تطويرها والاشتغال عليها كفيلم وثائقي قائم بذاته تمامًا مثل حوادث الشهيدات السبع التي تصلح لأن تكون فيلمًا وثائقيًا أو دكيودراميًا منفصلًا عن هذه السردية الطويلة التي اشتملت على 35 امرأة متحدثة إضافة إلى 13 رجلًا نصيرًا باحوا بالقسم الأكبر من ذكرياتهم التي تختلط فيها الأفراح بالأحزان.2433 naserat

الإحساس بالنهاية

ثمة مشهد دراماتيكي لا يمكن نسيانه لأحد أفراد الپيشمرگة الذي كان يحمل طفلته إضافة إلى سلاحه الشخصي بينما كانت هناك ألوف مؤلفة من الأنصار والپيشمرگة ينسحبون من الجبال ليستفيدوا من العفو العام ويسلموا أسلحتهم إلى الحكومة المركزية ببغداد. وضع هذا الپيشمرگة ابنته جانبًا وبدأ يضرب بندقيته على الصخرة حتى حطّمها بالكامل ثم احتضن طفلته وانخرط في بكاء حار قد يُصنّف في خانة الانهيار أو الإحساس بالنهاية أو التشبث بالطفلة والحياة في آنٍ معًا بعد أن خسر كل شيء.

لا يمكن مشاهدة هذا الفيلم من دون الالتفات إلى اللمسات الرمزية التي نثرها المخرج القدير علي رفيق مثل شَذَرات متوهجة في بنية فيلمه الدكيودرامي الرصين الذي لا يغادر ذاكرة مَن يشاهدهُ إلّا بعد زمنٍ طويل. ولأنّ علي رفيق الذي درس الإخراج السينمائي بـ (كييف) في أوكرايينا ونهل الفن من مصادره المُحكَمة فهو يعرف جيدًا كيف يُوصِل رموزه ولغته المُشفّرة فقد ارتأى أن يختم الفيلم بمشهد الطفلة (سندس صبحي) التي لم تبلغ العاشرة من العمر لكنها دُفنت حيّة في مقبرة جماعية عام 1988 وهو العام الذي جرت فيه معركة الأنفال؛ سيئة الصمت والسمعة التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من أبناء شعبنا الكوردي الكريم الذي انكسر في تلك المعركة غير المتكافئة وسوف يلتقط أنفاسه لينهض من جديد ويقارع الدكتاتورية والبطش والعدوان.

لا بدّ من الإشارة إلى أنَّ نجاح فيلم (نصيرات) يعود إلى عناصر فنية أخرى بعيدًا عن الرؤية الإخراجية المتميزة للفنان المسرحي والسينمائي علي رفيق، فلقد لعب تصوير فاروق داوود، وسمير العتابي، وعلي رفيق نفسه دورًا مهما في إنجاح هذا الفيلم الديناميكي النابض بالحياة. كما لعب قراءة التعليق الصوتي (الڤويس أوفر) بشكل احترافي جميل للإعلامية سلوى الجرّاح دورًا كبيرًا في إشعار المتلقي بأنه يتابع فيلمًا دكيودراميًا جديرًا بالمشاهدة.

بقي أن نقول بأنَّ المخرج المسرحي والسينمائي علي رفيق هو من مواليد 1946 في (أبي غريب). تخرج في معهد الفنون الجميلة - فرع التمثيل والإخراج - بغداد 1965. كما تخرّج في معهد التدريب الإذاعي والتلفزيوني - ببغداد 1970. أنهى دراسته العليا (الماجستير) في معهد الدولة للسينما / كييف / أوكرايينا / الاتحاد السوفيتي السابق / متخصصًا بالإخراج السينمائي الروائي 1981. أخرجَ بين الأعوام 1979 و2014 ستة أفلام وهي على التوالي: (كرسي المدير العام)، (الليلة الثانية بعد الألف)، (حلبجة - المدينة الشهيدة)، (ستون وجمر الكفاح يتقد)، (سنوات الجمر والرماد)، و(نصيرات) مدارَ دراستنا النقدية الراهنة.

***

لندن: عدنان حسين أحمد

يصادف اليوم الاول من سبتمبر مرور 22 عاما على اطلاق هاتف نوكيا نوع 3310. اذ كان ذلك مطلع سبتمبرعام 2000. يعتبر الهاتف احد اكثر الهواتف مبيعا في العالم، حيث باعت نوكيا من ذلك الهاتف 126 مليون قطعة. الكثير من المؤسسات الرسمية في مختلف بلدان العالم تفضل حاليا استخدام هواتف نوكيا الجديدة القديمة التي لا تحتوي على تطبيقات كثيرة تلافيا لمحاولات الاختراق

(عن افتتاحية صحيفة التالهتي)

لكن تتناوب النجاحات مع الاخفاقات في حكاية " نوكيا " الشركة التي وضعت اسم فنلندا على الخارطة الاقتصادية الحديثة ودخلت " صنع في فنلندا " في كل جيب من خلال منتجاتها من الهواتف النقالة. ففي الثالث من سبتمبر 2013 بدءت شركة نوكيا بيعها ذراع صناعة الهواتف الذكية الى شركة مايكروسوفت بعد ان تراجع فرصها بسوق تقنية الاتصالات، بصفقة بلغت خمسة مليارات يورو. الشركة الفنلندية الرائدة بمجال الاتصالات والتي كانت تهيمن على السوق ببعض الفترات واجهت صعوبات حينما تم التحول الى الهاتف الذكي، دخل السوق منافسون اخرون مثل ابل. اعتمدت لفترة طويلة على نظام سمبيان ولم يكن مناسبا حينها. بعد فترة اعادت شركة نوكيا ترتيب اوراقها واستحوذت على شركات اخرى وعادت للسوق من جديد.2404 nokia

فنلندا أو" سومي SUOMI " الاسم الرسمي بالفنلندية، بلد بارد الجغرافية والطبيعية المجتمعية، ينزوي في أقصى شمال أوروبا كما يتزوي الفرد الفنلندي عن الآخرين في محيطه بدواعي الخصوصية. ترافق اسمها دائماً مع الابتكار والقوة التكنولوجية والتحديات. واحدة من أبرز تجليات قوة فنلندا التكنولوجية هي نوكيا، الشركة التي لم تشكل فقط الصناعة العالمية للاتصالات ولكنها لعبت أيضًا دورًا كبيرًا في تحديد هوية فنلندا على الساحة العالمية.

بدأت رحلة نوكيا في عام 1865 كمطحنة للورق في بلدة صغيرة تامبيري. خلال السنوات، تطورت الشركة وتنوعت مصالحها، لتحقق بذلك بصمتها في قطاع الاتصالات. في أواخر القرن العشرين، ظهرت نوكيا كزعيم عالمي في مجال الهواتف المحمولة.

في التسعينات وأوائل الألفية الجديدة، سيطرت نوكيا على سوق الهواتف المحمولة، حيث أصبحت أجهزتها الرمزية واسعة الانتشار على مستوى العالم. أصبحت نوكيا 3310، المعروفة بمتانتها، ونوكيا 1100، المعترف بها كأفضل هاتف محمول تم بيعه على مر العصور، ظواهر ثقافية. نجاح نوكيا لم يكن مقتصرًا فقط على الأجهزة الهاردوير، بل امتد إلى البرمجيات مع إطلاق نظام التشغيل سيمبيان، رائد في نظام الهواتف الذكية.

كان لنجاح نوكيا تأثيرًا كبيرًا على اقتصاد فنلندا وهويتها الوطنية. أصبحت الشركة مصدر فخر وطني مع الرموز الاخرى مثل " الساونا " الاختراع الفنلندي القديم،مع تدفق الإيرادات من نجاح نوكيا على الساحة العالمية تزايد النمو الاقتصادي وخلق مجتمع قوي وازدهاررفاة مدني.

علاوة على ذلك، حثت التزامات نوكيا تجاه البحث والتطوير على التحفيز للابتكار في فنلندا. أصبحت البلاد بسرعة مركزًا للمواهب التكنولوجية والهندسية، مجذبة للخبراء من جميع أنحاء العالم. هذا التدفق من المحترفين المهرة رفع مكانة فنلندا في المشهد التكنولوجي العالمي.

ومع ذلك، خفت الحماس الذي أحاط بنجاح نوكيا مع التحول الكبير في صناعة الهواتف المحمولة مع ظهور الهواتف الذكية. صعدت نوكيا صعودًا صعبًا للتكيف مع التغيرات في المشهد، مما أدى إلى انخراط الحصة السوقية والخسائر المالية. في عام 2014، تم استحواذ مايكروسوفت في النهاية على قسم الهواتف المحمولة في نوكيا.

على الرغم من هذه الصدمة، عرضت فنلندا صمودًا رائعًا. أدركت البلاد ضرورة تنويع مناظرها التكنولوجية والاستثمار في القطاعات الناشئة. قامت الحكومة الفنلندية بتنفيذ سياسات لدعم الشركات الناشئة والمبادرات البحثية والبرامج التعليمية، مما دفع إلى جيل جديد من المبتكرين.

في السنوات الأخيرة، خضعت نوكيا لتحول، متحركة خارج معقلها التقليدي في الهواتف المحمولة. ركزت الشركة على بنية الشبكات، وحلول الشبكات.

بحسب مسؤولين في شركة نوكيا فان محفظة براءات الاختراع التي تمتلكها الشركة تعتبر من افضل الموارد التي تدر دخلا للشركة. لقد استثمرت نوكيا منذ العام 2000 حتى الان ما مقداره 150 مليار يورو على تطوير الابحاث. حاليا تنفق الشركة حوالي اربع مليارات سنويا على تطوير الابحاث والمنتجات. ان شركات الاتصالات الاخرى تستفيد من براءات اختراع نوكيا وليست بحاجة الى الاستثمار في الابحاث.. بالمقابل تحصل نوكيا على مردود مالي مقابل تلك الخدمة. لنوكيا في هذا المجال تعاون مع ابل، سامسونج وهواوي. ان الاستفادة من براءات الاختراع يستمر لمدة عشرين عام. "عن صحيفة هلسنكي سانومات".

لانها من الشركات التي وضعت أسس صناعة الهواتف النقالة في العالم لازالت حتى الان تقتات على ما أنجزته فيما سبق من براءات اختراع فضلا عن ما قدمته من خدمات للهواتف النقالة.. نوكيا بعد ان باعت برنامج الخرائط الخاص بها Here لاتحاد الصناعات الألمانية الذي يضم "BMW، Audi، Mercedes" بحوالي ثلاثة مليارات يورو، حصلت قبل عدة سنوات ايضا على على حوالي 2 مليار دولار من شركة آبل كتسوية لاستخدام الاخيرة اكثر من 30 براءة اختراع مسجلة باسم نوكيا، ايضا حصلت على جزء من الاموال عبر تفاهمات مع شركة سامسونغ.. تجاوزت نوكيا السنوات العجاف وعادت بهدوء الى سوق تكنلوجيا الاتصالات مرة اخرى.2403 nokia

نوكيا والسياسة

تواصل شركة نوكيا نشاطها في السوق الامريكية عموما وخصوصا مع وزارة الدفاع الامريكية فيما يخص تقنيات الاتصالات. فيما تعزز تعاونها مع السلطات الامريكية عموما في مجال تطوير شبكات الجيل الخامس 5G بعد استبعاد الشركات الصينية المتهمة بالتجسس.

جرت مناورات كبيرة جدا للناتو في فنلندا والبلدان القريبة منها، جزء من المناورات محاكاة هجوم روسي على فنلندا فيما يقوم حلف الناتو بتفعيل المادة خمسة التي تنص على التزام بلدان الحلف الدفاع عن البلدان الاعضاء فيه. المناورات سوف تستدعي قدوم قوات عسكرية امريكية كبيرة جدا الى فنلندا. بعض الخبراء يؤكدون للتلفزيون الفنلندي بان اقامة هذا النوع من المناورات يعني ان امكانية حدوث ذلك ممكنة.

لكن ماعلاقة نوكيا بالامر ؟ لنعد الى التأريخ قليلاً..

بحضور كبار ساسة العالم وقعت في العاصمة الفنلندية هلسنكي بتاريخ الاول من اب 1975 اتفاقية هلسنكي والتي تطورت لاحقا لتكون منظمة الامن والتعاون في أوروبا. الاتفاقية في قصر فنلانديا نجحت الى حد ما في تخفيف حدة التوتر الدولي بين المعسكر الشرقي والغربي لان المنظمة كانت تضم مختلف اطراف الحرب الباردة. حيث يصل عدد اعضائها الى 56 دولة، اضافة الى أحد عشر شريكا متعاونا ومساهما في تحقيق اهداف تلك المنظمة. كما انها من الاتفاقيات النادرة التي تلم شتات كلا معسكري اوروبا الشرقي والغربي. الحرب الباردة والصراع المشحون بين الشرق والغرب جعل البلدان الاسكندنافية في فوهة المدفع لانها تمثل نقطة تماس جغرافية بين الجبهتين ولهذا فإن الاسكندنافيين كانوا مندفعين بشكل واضح لمناصرة هذه الفكرة ومن هنا كانت فنلندا بحراكها الدبلوماسي المحايد هي المكان المناسب لتلك المهمة الدبلوماسية.. الفنلنديون عانوا مرارة ذلك الصراع. كما عانوا قبل ذلك من تبعات الحرب العالمية الثانية وما خلفه لهم الصراع بين الالمان والسوفيت. حتى قبل اشهر كان هناك حديث لتحديث تلك الاتفاقية بتفاهم جديد بمناسبة مرور خمسين عاما على توقيعها لكن الامور تغيرت كليا بعد تقدم فنلندا والسويد بالدخول الى حلف الناتو.

اتفاقية التعاون المشترك بين فنلندا وامريكا:

ـ السماح لامريكا باستخدام 15 موقعا عسكريا فنلنديا بمناطق مختلفةمن البلاد. منها في ايفالو، تامبيرا، كوبيو، كيركونومي، يوفاسكولا وغيرها.

ـ من حق امريكا ان تنشىء اماكن غير مسموح لاحد استخدامها غير الامريكان.

ـ امريكا تساعد فنلندا بالدفاع عنها فيما لو تعرضت لتهديد.

ـ الجنود الامريكيون من حقهم التواجد في فنلندا ولا يسمح بمحاكمتهم الا من قبل الجانب الامريكي نفسه.

ـ تسمح الاتفاقية للجانب الامريكي التواجد في فنلندا، تخزين الاسلحة واستخدام القواعد العسكرية الامريكية

الانتخابات الرئاسية الفنلندية عام 2024.

ـ ابتداءا من العام 1919 وحتى الان تبوأ رئاسة فنلندا 12 رئيسا بينهم امرأة واحدة وهي "تاريا هالونن" عن الديمقراطي الاشتراكي، اول رئيس فنلندي هو "كارلو ستولبيرغ" واخر رئيس هو "ساولي نينستو". هناك رئيس واحد حاصل على جائزة نوبل وهو "مارتي اهتساري" الذي حكم فنلندا بين الاعوام 1994ـ2000. الرئيس الجديد الكسندر ستوب 1968 ( Alexander Stubb) سيكون الرئيس رقم 13.

ـ الدورة الرئاسية تستمر في فنلندا 6 سنوات ويتم انتخاب الرئيس بشكل مباشر من قبل الشعب. صلاحيات رئيس الجمهورية هي قيادة القوات المسلحة، ادارة ملف العلاقات الخارجية، لكن الدور الاهم للرئيس هو الثقل الاساسي لشخصية الرئيس من وجهة نظر الشعب وايضا بسبب الانتخاب المباشر حيث يجعل للرئيس دور فاعل في حلحلة اي ازمة سياسية كبرى قد تعصف بالبلاد.

ـ ان الرئيس المقبل عليه قيادة فنلندا بظل انهيار قواعد اللعبة التي كانت ترتكز عليها سياسة رئيس الجمهورية وهي:

العلاقة مع الغرب

تنظيم العلاقة مع روسيا و

ادارة الملف الخارجي بظل علاقات دولية متنوعة

الحفاظ على امن فنلندا من اي تهديد خارجي

ـ الرئيس الفنلندي كان يمتلك قنوات دبلوماسية مع بوتن ورؤساء أمريكا لا تتوفر لغيره. لكن بعد انضمام فنلندا للناتو عام2023 تغير الموقف وأصبحت فنلندا ضمن حلف عسكري مما يعني تراجع أهمية الرئيس مقارنة بما سبق!

ـ فيما مضى كان جزءا كبيرا من البرامج الانتخابية للمرشحين يدور حول اللعب على ورقة الناتو، مع او ضد، ثم هناك من يتبع سياسة الأبواب المفتوحة والغموض الهادف وهذا يأخذ مساحة كبيرة من السجال الانتخابي، بعد انضمام فنلندا للناتو تحول السجال الانتخابي حاليا للموقف من دعم التسليح لاوكرانيا، الخطوات الجريئة التي تتخذ عسكريا بالتعاون مع أمريكا والناتو وما شابه.

في مقابلة صحيفة الواشنطن بوست بتاريخ 27.9.2023 صرحت مع وزيرة خارجية فنلندا بان روسيا كانت تخطط للحروب منذ فترة والدليل انها هاجمت جورجيا عام 2008 وايضا القرم عام 2014 لذلك فان العقوبات القاسية هي الحل الامثل حاليا.. تلك التصريحات اثارت غضب روسيا، وزير الخارجية لافروف علق على تلك التصريحات بان فنلندا افسدت منهجها المحايد وذهبت للمعسكر الامريكي. ان فنلندا تاخذ خطوات متسارعة وكبيرة بالعداء لروسيا.

يجب الحذر من تنامي ظاهرة مزدوجي الجنسية من الروس "الحاملون للجنسية الروسية والفنلندية"، لان روسيا قد تستخدمهم في الحرب الهجينة وتحاول التاثير بالواقع الفنلندي بشكل سلبي من خلالهم. انهم قد يشكلون خطرا على فنلندا. البروفيسور الفنلندي كاري ليوهتو يرفع الصوت عاليا في هذا الصدد رغم ان هناك من يعتقد بان هذا الموضوع معقد لانه قد يتداخل مع العنصرية وفيه اجحاعام 2022 تقدم تسعة آلاف روسي بطلب الحصول على اقامة في فنلندا، حصل منهم سبعة آلاف متقدم على قرار ايجابي. هذا العام يتوقع ان يكون الرقم اقل اذ متوقع ان يصل نهاية العام الجاري الى حوالي ستة آلاف طلب.ف بحق مواطنين فنلنديين.

2023

كيف تشكلت فنلندا من الاساس؟

منذ الف عام اخذت تتجمع شيئا فشيئا تجمعات بشرية مهاجرة من هنا وهناك شكلت نواة الامة الفنلندية بالقرب من بحر البطليق في ظل ظروف مناخية غاية في الاختلاف بين شتاء قاس مظلم تختفي فيه الشمس قرابة الخمسين يوما وبين طبيعة خلابة خضراء من البحيرات والغابات والخضرة التي تحيط كل شيء. لكن القدر خبّأ الكثير من المفاجئات لهذه الرقعة الجغرافية التي تسترخي بهدوء على ضفاف بحر البطليق، ومن سوء حظ من سكونها انهم وقعوا بين فكي كماشة، صراع التوسع والنفوذ بين المملكة السويدية وبين الامبراطورية الروسية.. نفوذ يتمثل تارة في صراع الكنيسة الكاثوليكية ضد الكنيسة الارثوذكسية واحيانا اخرى يتمثل في طموح الملوك والقياصرة وهوسهم في التمدد حيثما هناك ارض وسماء. وحينما افل نجم المملكة السويدية دخلت على الخط المانيا بكل ما اثارته للجدل طيلة الخمسينية الاولى للقرن الماضي.

منذ بداية القرن الحادي عشر وحينما كان يعيش في فنلندا آنذاك اللابيون او شعب السامي بالاضافة الى خليط من المهاجرين من البيئة المحيطة والفايكنغ بدأت الصراعات بين الدولتين الكبيرتين اللتين تتنازعان على فنلندا تاخذ شكلا أخر. حين تندلع الحرب ويشتد الوطيس، وحين اخر تعلو لغة السلام والتهدئة، اما بهدنة او معاهدة صلح او ماشابه ذلك. واستمر الحال على هذا المنوال حتى استقلت فنلندا عام 1917.

المملكة السويدية بسطت نفوذها في فنلندا منذ القرن الحادي عشر لاكثر من ستمائة عام واصبحت اللغة السويدية هي اللغة الاولى في فنلندا، حتى عام 1808 حينما قوت شوكة روسيا فمالت الكفة لهم في المعارك التي خاضوها في فنلندا مع الجانب السويدي ونتيجة أيضا لانشغال السويد بنزاعات استنزافية اخرى مما ادى الى توقيع الجانبين معاهدة هامينا بتاريخ 17/12/1809 التي تنازلت السويد بموجبها عن كل فنلندا إلى الامبراطورية الروسية. وأصبحت فنلندا دوقية مستقلة يحكمها القيصر باعتباره الدوق الأعلى. وهامينا هي مدينة فنلندية تقع في جنوب شرق البلاد.

يحتفي الفنلنديون يوم السادس من تشرين الثاني كل عام بيوم الأقلية السويدية في فنلندا، بدا الاحتفال بهذا اليوم ابتداءا من العام 1908 تاكيدا لحقوق الأقليات وحرية التعبير ولسبب سياسي أيضا اذ ان ذلك جزء من المناهضة للاحتلال الروسي. تم اختيار يوم السادس من تشرين الثاني اعتزازا بيوم مقتل اعظم ملوك السويد "غوتساف الثاني" ادولف الذي شن الحروب من اجل السيطرة على بحر البلطيق وحقق الكثير من الانتصارات لكنه قتل في احدى مواجهات حرب الثلاثين عاما في 6 تشرين الثاني عام 1632. يعيش في فنلندا حوالي 300 الف فنلنديا من أصول سويدية. ويعتبر السويديون من بناة هذا البلد لان السويد احتلت فنلندا منذ القرن الثالث عشر واخذت تؤسس لبناء الدولة الفنلندية الاولى قبل ان تستقل.. لكن بهوية سويدية. في فترات لاحقة صعد جيل فنلندي نخبوي انضج هوية فنلندية خاصة لكنه حافظ على هوية الاقلية السويدية اعتزازا بها ودفاعا عن حقها بالتمسك بثقافتها وهويتها. زيادة بسيطة بعدد سكان فنلندا مؤخرا والسبب هو الهجرة، وفقا للاحصاءات الرسمية فان عدد الولادات منذ مطلع العام حتى نهاية اب وصل لحدود 30 الفا، فيما بلغ عدد الوفيات 40 الفا. هناك عدد وفيات بحدود اربعة الاف اكثر من العام الماضي وبنفس العدد تقريبا الولادات اقل مقارنة بالعام الماضي بمثل هذا الوقت من العام. حتى نهاية شهر اب وصل عدد سكان فنلندا الى خمسة ملايين و555 الفا.

المصدر "القناة الثالثة" الفنلندية.

***

كتبها: ياسين غالب

التجول في مدينة تقع على ظهر جبل شبيه بسفر عبر الزمن تقع مدينة ألورا الاسبانية في قلب وادي نهر گوادالهورس، وهي مدينة ذات تراث تاريخي غني وتقام فيها أنشطة لا تنتهي من ثقافية وسياحية. ازدهرت في هذه الأراضي العديد من الحضارات، بما في ذلك الفينيقيون والرومان والقوط الغربيون والعرب حيث يعتقد بانها كانت تسمىً (نقحره) والتي تعني عملية النسخ وتستخدم اليوم بكثرة في كتابة الكلمات الاجنبية بحروف عربية وحتى استعمالها في الحياة اليومية كاستخدام مصطلحات المعلوماتية والكومبيوتر والتلفون والخلوي (الموبايل) ونطقها بالعربية وهي اليوم بلدية تابعة لمدينة ملقا. السفر بالقطار إلى هذه المنطقة سفر في إسبانيا القديمة بازقتها وبيوتها التراثية القديمة وهي سفرة في ريف الأندلس وبين غابات اشجار البرتقال والليمون على جهتي قضبان السكك الحديدية لمسير القطار.

مارس سكان المنطقة زراعةً أشجار الحمضيات والزيتون لخصوبة أراضي الوادي الزراعة ومنذ القدم. صنف ألورينا كزيتون مائدة، فإن تقليد تحضير الزيتون وتتبيله يعود إلى أجيال، وينتقل من الآباء إلى الأطفال الذين يواصلون تتبيله بالزعتر والشمر والفلفل الأحمر والثوم والملح وغيرها من النباتات العطرية التي تجعل زيتون ألورينا منتجًا فريدًا وتقليديًا. ولكن لم يرتبط المدينة هذا الارتباط الوثيق بإدارة المياه إلا مع وصول المسلمين، حيث لا تزال تقنيات الري تلك مستخدمة حتى اليوم. وقد ورثت المنطقة ممارسات ري مبتكرة لا تزال تستخدم في بساتين الحمضيات، مثل قنوات الري، والدواليب المائية، والخزانات، وغيرها من الوسائل الهندسية لتخزين المياه وتوزيعها، والتي تُعد جزءًا من التراث المائي للمنطقة. وقد تحقق ذلك بفضل الظروف المناخية الملائمة، ووفرة المياه، وخصوبة التربة. كان يقع في المدينة مصنع للعطور، بناه ورثة ديونيسيو سايس عام 1930. وقد استمر المصنع في العمل حتى سبعينيات القرن الماضي حين توقف عن العمل في هذا المصنع. حيث هناكً العديد من القرى وبلدات بأسماء عربية ولكن المدينة باكملها بنيت على جبل وعلى المسافر انتظار الباص بعد وصوله لآخر محطة للقطار ويقلها إلى قمة الجبل حيث المدينة الشبيه بما شاهدته في جبل طارق ولا يوجد في الوقت الحاضر ممشى للسائلة للصعود إلى المدينة والى الحصن. الممشى الرصيف من الوادي إلى المدينة على قمة الجبل يتم اليوم بناءه وتبليط ومن ثم تحويله إلى ممشى خشبي بتمويل من الاتحاد الأوربي.2322 andolos

وصلنا للمدينة مع عائلة عراقية من أصدقائي والذين التقي بهم في رحلتيّ الشتائية كل عام هنا في الأندلس، أقول وصلنا منتصف النهار إلى محطة المدينة وبعد دقائق استقلنا الباص الذي سار بنى في طرق ملتوية وصولا إلى قمة الجبل حيث المدينة بأزقتها الضيقة ( درابزين) ومشينا صعودا ونزولا إلى ان وصلنا إلى قمة الجبل حيث الحصن العسكري الكبير . في مدخل الحصن نقف وجها لوجه مع لوحة من الموزايك الأندلسي الجميل (الصورة اعلاه) الذي يشتهر به وهي من بقايا الارث الثقافي لشعوب البحر الأبيض المتوسط من الفينيقيين والعرب والمسلمين الذين اخذوا معهم الصناع من الفنانين الشاميين وادخلوا العديد من فنون العمارة إلى شبه الجزيرة الايبيرية.

تسمى قلعة المدينة ب "القلعة العربية" تعود تاريخها إلى القرن العاشر الميلادي، حيث تتميز محيطها بالتحصين والأسوار من الفترة الإسلامية. ومن أبرز معالمها في الجزء العلوي من السور القلعة وقوس بوابة الدخول، وهما فريدان من نوعهما في العمارةً الغربية، بينما يرتفع برج المراقبة الرشيق في الجزء الخارجي. وقد تم اعتبار المجمع بأكمله نصبًا تذكاريًا وطنيًا عام 1931. الذي بني في قمة الجبل بكنيسة صغيرة وهي أبرشية القديسة مريم العذراء المتجسدة بعد غزو الملوك الكاثوليك للمدينة عام ١٤٨٤، شُيّدت هذه الكنيسة في أواخر القرن الخامس عشر على موقع المسجد الإسلامي السابق. وما تبقى منها اليوم هو بعض القبور والمذبح الرئيسي، المصمم على الطراز القوطي المتأخر، ويتجلى ذلك في قبته النجمية الشكل وأعمدته المزخرفة بالقصب. وهنا، يُمكن مشاهدة تمثالا  لنبينا عيسى بن مريم والعذراء ، من إبداع النحات المحلي خوسيه نافاس باريخو. ما تبقىً من الحصن ، القلعة الذي يمكن الوصول اليه مشيا بينً ازقة المدينة صعودا لم يبقى الكثير منه ولكنه يشرف على المدينة والوادي من جميع الاتجاهات حيث يمكن روية الوادي بدرجة دوران ٣٦٠ من برج المراقبة واذا كان عيونك حادة كما كانت لزرقاء اليمامة تستطيع روية مدينة ملقا والبحر الأبيض المتوسط كذلك.2321 andolos

كتب أبو بكر محمد بن عبد الملك الشنتريني الأندلسي المعروف بـابن السّرّاج الشَنتريني (549 هـ/ 1154 م) وهو لغوي وأديب أندلسي من أهل القرن الثاني عشر الميلادي/ السادس الهجري. ولد في شنترين وسكن إشبيلية وأخذ عن علمائها. رحل إلى المشرق في 1121 فنزل في مصر وقام بالتدريس، كتب ما يلي في بوابة القلعة؛

"ولدت في غرناطة، ونشأت في كارتاما، وعشت الحب في كوين، على حدود مدينة ألورا. عندما وصلت، كان رودريغو يغني أنني ألفت ذلك إلى لتر، ولحسن حظي، استطاع أهلي المباركون ذلك.قاومتُ قدر استطاعتي، لكن المقاومة لا تجدي نفعاً أمام تقلبات القدر. أنا أسير، وجريفا تنتظرني. دون رودريغو دي نارفايز، هذا ما يُدعى به مدير السجن، ألقى القبض عليّ واقتادني إلى ألورا. ماذا فعل بي المسيحي؟ أهذا اللطف الغريب، المبني فقط على قسمي، لأنني أعطيته كلمتي؟ وأنه في اليوم الثالث سيعود إلى ألورا بلا شك، أسيراً ومأسوراً."

***

تقرير وصور: توفيق رفيق آلتونچي

- الاندلس   2026

تُعدّ الآثار المندائية من أبرز الشواهد المادية على عمق حضارة الصابئة المندائيين وتجذّر وجودهم في منطقة وادي الرافدين منذ آلاف السنين. فقد استقرّ المندائيون في هذه الجغرافيا الحيوية وأسّسوا كيانًا سياسيًا وحضاريًا تمثّل في مملكة ميسان، التي قامت في مدينة الطيب جنوب العراق، كما امتدّ حضورهم إلى مدينة شوشتر الإيرانية، حيث شكّلوا هناك مجتمعًا متكامل الأركان وكيانًا اجتماعيًا ودينيًا واضح المعالم.2250 mandaean

وعلى امتداد تاريخهم الطويل، تعرّض المندائيون إلى موجات متلاحقة من الاضطهاد والقهر، شملت جرائم إبادة جماعية، وعمليات قتل ممنهجة، وإجبارًا على تغيير الدين. وقد استُخدم تكفير المندائيين ذريعةً رئيسة لتبرير تلك الجرائم، ولا سيما في مدينة شوشتر، التي كانت في وقت من الأوقات مدينةً مندائية خالصة، يُقدَّر عدد سكانها آنذاك بنحو (20 ألف) مندائي. وتقع شوشتر شمال الأحواز في جنوب إيران، وتبعد أقل من عشرة كيلومترات عن مدينة الشوش الحالية.

وفي عام 1870م، تعرّض غالبية المندائيين في شوشتر إلى إبادة جماعية على يد الحاكم الإيراني آنذاك ناصر الدين شاه، الذي حكم إيران بين عامي 1831 و1896م. وقد اضطرت عائلات مندائية أصيلة، من بينها العائلة الصابورية (المعروفة سابقًا بالعائلة الششترية)، إلى الفرار من المدينة حفاظًا على أرواحها وإنقاذًا لعوائلها.2251 mandaean

وتشير مصادر مندائية موثوقة، مثل الزهيرات الواردة في متن دراشة يحيى (تعاليم يحيى)، وكذلك كتاب سدرا نشماثا المتداول لدى الإخوة المندائيين في إيران، إلى إشارات واضحة حول هذه المذبحة. كما أن الزائر لمدينة الشوش اليوم سيلاحظ كتابات مندائية منقوشة، لا سيما على الجسر القديم للمدينة، توثّق هذه الفاجعة التاريخية.

وخلال زيارتنا الميدانية إلى مدينة شوشتر، اطّلعنا على آثار أجدادنا المندائيين التي تعود إلى أكثر من ألفي عام، وتحديدًا إلى زمن الدولة الساسانية. وعند الوصول إلى الموقع الأثري، وُجدت لافتة معدنية رسمية تابعة لمديرية الآثار الإيرانية، جاء فيها أن هذا المكان كان معبدًا وسكنًا للمندائيين في شوشتر قبل ألفي عام، ويُعرف هذا الموقع بأنه مندي، أي معبد الصابئة المندائيين، بما يؤكّد تواجدهم الحضاري والديني في المنطقة.2252 mandaean

ومن أبرز المؤشرات المعمارية والدينية في هذا المعبد:

اتجاه بابه نحو الجهة الشمالية، وهي قبلة المندائيين.

وجود دكّة مرتفعة داخل المعبد كانت تُستخدم لإجراء طقوس التعميد.

مرور ساقية مائية داخل المعبد، تنقل المياه من نهر الكركر إلى داخله، في انسجام تام مع قدسية الماء في العقيدة المندائية.

أما اللافت هندسيًا وروحيًا، فهو أن المعبد منحوت في الصخر على هيئة الدرفش (الراية المندائية)، في دلالة رمزية عميقة على الهوية الدينية.

كما شملت الزيارة الحيّ المندائي في مدينة دِسفول الإيرانية، حيث وُجدت لوحة رسمية أخرى من مديرية الآثار الإيرانية تشير بوضوح إلى أن هذا الحي كان مسكنًا للصابئة المندائيين، وأن فيه معبدًا مندائيًا قديمًا تم تحويله لاحقًا إلى جامع. وقد رافقنا خلال هذه الجولة أحد المختصين من مؤسسة الآثار الإيرانية، الذي قدّم شرحًا وافيًا وموثّقًا عن الوجود المندائي في ذلك الحي ودوره التاريخي.

إن هذه الشواهد الأثرية والتاريخية الماثلة للعيان لا تمثّل مجرد بقايا حجرية، بل تُعدّ وثائق حيّة تؤكد أصالة الوجود المندائي وعمق حضارته، وتدحض كل محاولات طمس الهوية أو إنكار التاريخ

***

اعداد/ خليل الحلي

رئيس تحرير صحيفة العهد/ سدني

(أنا كوبا) هو أحد أفلام المخرج السوفياتي من أصل جورجي ميخائيل كالاتوزوف المعروف باسم كالاتوزيشفيلي الذي يتميز بأسلوبه الإخراجي المبتكر ولغته البصرية المرهفة التي يمكن تلمّسها في فيلم (حين تمرّ اللقالق) 1957 الحائز على السعفة الذهبية و (أنا كوبا) 1964 الذي (يمزج بين الدراما السياسية والدعاية) ويحتفي بالثورة الكوبية. لقد أعيد اكتشاف هذا الفيلم وترميمه في التسعينات على يد المُخرجَين الكبيرين مارتن سكورسيزي وفورد كوبولا. وهو من ألأفلام الستة التي تحتفي بالسينما الكوبية التي أدرجها القائمون على الدورة الثانية عشر لمهرجان الجزائر الدولي للفيلم في برنامجهم الذي يمتد للمدة من 4-10 ديسمبر 2025 تحت عنوان (السينما الكوبية.. شاعرية الواقع وذاكرة الثورة).2190 coba

يتألف فيلم (أنا كوبا) الذي تبلغ مدته 120 دقيقة من أربع قصص متصلة بصوت رمزي يعكس معاناة الشعب الكوبي وأمله الكبير عشية الثورة.

على الرغم من أهمية النَفَس السردي في هذا الفيلم إلّا أنَّ لغته البَصَرية أكثر متعةً وإدهاشًا حيث يكمن الجمال أو اللغة الاستيطيقية في كل لقطة أو في كل مشهد على انفراد. ومع ذلك فلا يمكن الاستغتاء عن الجانب السردي الذي يروي لنا أربع قصص متتالية يكمل بعضها بعضًا. ولعل شخصية (ماري) المزدوجة هي التي تلفت انتباهنا أكثر من الشخصيتين الأخريين، فهي تُحب بائع الفاكهة (رينيه) وتطمح بالزواج منه لكنه سوف يكتشف مؤخرًا أنها تحمل اسم (بيتي)؛ بائهة الهوى التي تعمل في أحد كازينوهات القمار الأمريكية بهافانا

تتمحور القصة الأولى حول شخصية (ماري) الفتاة الكوبية الفقيرة التي لا تختلف عن بقية النساء الكوبيات المعوزات حيث تعيش في حي فقير عند أطراف العاصمة هافانا وتطمح بالزواج من حبيبها رينيه؛ بائع الفاكهة الذي يمحضها حُبًا من نوع خاص ولكنه لا يعرف بحياتها المزدوجة كـبائعة هوى تتستر وراء اسم (بيتي) وتعمل في أحد كازينوهات القمار الأمريكية بهافانا التي تستقطب الأمريكيين الأثرياء وتوفر لهم متع الحياة اليومية العابرة. وحينما يُدرك (رينيه) هذا الالتباس تتقوض أحلامه العاطفية دفعة واحدة بينما كان الأمريكي يشق طريقه بصعوبة بالغة في الأراضي الريفية الموحلة بعد أن اشترى منها أغلى ما تملك وهي قلادة الصليب مقابل ثمن بخس.

تدور القصة الثانية حول المزارع بيدرو المنهمك في حصاد قصب السكر الذي زرعه قبل مدة من الزمن لكن صاحب المزرعة يحضر ليخبره بأنه قد باع الأرض لشركة (يوناتيد فروت) وأنّ عليه مغادرة الأرض فورًا ثم يقفل المالك راجعًا مع حرّاسه على ظهور الجياد. لم يلفت بيدرو انتباه عائلته السعيدة بالحصاد الوافر بل أعطاهم كل ما يملك من نقود وطلب منهم قضاء يوم ممتع بالمدينة لينفّذ ما يدور في مخيلته المتقدة من أفكار حيث أشعل النار في أركان المزرعة الأربعة وفي البيت الذي يسكنه ليموت في خاتمة المطاف متأثرًا بالدخان الكثيف الذي استنشقه جرّاء الحرائق التي لم تُبقِ ولم تَذر.2191 coba

يسعى أنريكي في القصة الثالثة إلى القيام بتغيير جذري بعد أن شعر بالإحباط من جهود الطلاب المتمردين الذين لم يحققوا شيئًا يُذكر. ففي لقطة طويلة جدًا بدأ يخطط لاغتيال قائد الشرطة. وحينما رصد ضحيته المُرتَقبة وجده يتناول طعام الإفطار مع زوجته وطفلية الصغيرين فتردد في إطلاق النار عليه حتى عكف عن الأمر نهائيًا لأسباب إنسانية تركت تأثيرها على المتلقين. ثم تتفاقم الأحداث حينما يطلق  ضابط الشرطة النار على أنريكي ويرديه قتيلًا فيحمل المتظاهرون جثمانه في الشوارع بعد أن نال الشهادة في سبيل الشعب والوطن المحكوم بالحديد والنار.

أمّا القصة الرابعة والأخيرة فتدور حول المزارع النموذجي ماريانو الذي يرفض طلبات جندي ثوري بالانضمام إلى ساحة الحرب الدائرة لأنه لا يريد أكثر من العيش بسلام ويصرّ على رحيل الجندي لكن طائرات الحكومة تبدأ بقصف المنطقية عشوائيًا فتدمر منزل ماريانو وتقتل ابنه الأمر الذي يضطره للانضمام إلى المتمردين في جبال سييرا مايسترا والمشاركة بمسيرة النصر إلى هافانا لإعلان الثورة.

لم يقيض لهذا الفيلم مثل هذا النجاح الكبير والشهرة الواسعة ما لم تتآرز عدة عناصر ومعطيات مهمة تبدأ بكتابة النص الذي أبدعه يفغيني يفتشينكو مع أنريك بييندا بارنيت والتصوير الرائع الذي تألق فيه سيرجي أوروسيفسكي والموسيقى المذهلة لكارلوس فاريناس والمونتاج الرائع لنينا غلاغوليفا مع الأداء المتقن للشخصيات الرئيسية التي جسّدت القصص الأربع التي نالت استحسان الجمهور مع أنّ الفيلم طويل حيث تجاوزت مدته الساعتين وعشرين دقيقة بنسخته المرممة.

***

الجزائر / عدنان حسين أحمد

 

ضمن فعّاليات الدورة الثانية لمهرجان بغداد السينمائي الذي انعقد للمدة من 15 ولغاية 21 / 9 / 2025 اشترك في مسابقة الأفلام الروائية القصيرة 23 فيلمًا قصيرًا خضعت لمشاهدة وتقييم لجنة تحكيم الفيلم الروائي القصير برئاسة الناقد السينمائي علاء المفرجي وعضوية الفنانة داليا البحير والناقدة السينمائية التونسية وحيدة دريدي الذين ارتأوا أن يمنحوا ثلاث جوائز تقديرية أخرى حيث ذهبت الجائزة التقديرية الأولى، لفيلم "شكراً لأنك تحلم معنا" إخراج ليلى عباس من فلسطين، كما ذهبت الجائزة التقديرية الثانية لفيلم "دعاء العشاء" إخراج محمد كمال من السودان، بينما أُسندت الجائزة التقديرية الثالثة لفيلم "كان نفسي" لأسامة القزاز من مصر، وشهادة تقديرية أخرى كانت موجود ضمن سياق الجوائز الأساسية لفيلم "الموعد" إخراج سفيان بن يوسف من الجزائر، وجائزة التحكيم الخاصة لفيلم "عَ الحافة" إخراج سحر العشي من تونس، وجائزة أفضل فيلم روائي قصير "سحر" لكحيل خالد من العراق. وعلى الرغم من أهمية هذه الجوائز الستة إلّا أن ذلك لا يعني أن بقية الأفلام الـ 17 لا قيمة لها فالعديد منها يتوفر على خصائص ولمسات فنية لا يمكن نكرانها أو غض الطرف عنها وفيلم "المجهول" للمخرج العُماني هو أحد هذه الأفلام القيّمة التي تستحق التأمل والمراجعة النقدية الحاذقة.1994 alkindy

ثُريا النص السردي

إذا كان العنوان هو "ثُريا النص السردي" وعتبته التي تُفضي إلى القصة السينمائية فإن الفيلم الروائي القصير الذي يحمل أكثر من عنوان، الأول رئيسي تتمحور عليه الأحداث وهو (المجهول) والثاني فرعي أو مؤازر وهو (سر اختفاء موسى) للمخرج العُماني محمد الكندي فإننا بالضرورة نقف أمام فيلم روائي يتكئ على الخرافة المحلية أو الأسطورة التي تجترحها الذاكرة الشعبية التي لا تعوّل على المنطق أو العلم كثيرًا فلا غرابة أن تذهب في الاتجاه المعاكس الذي يعتمد على الأوهام والتصورات المُتَخيلة التي لا تُعززها الأدلة والبراهين العلمية المُقنعة. يؤكد المخرج في ملخّص الفيلم بأنّ (المجهول) دراما تاريخية تدور أحداثها في سبعينات القرن الماضي وأنه قصته المحورية جذّابة آسرة ومليئة بالإثارة والترّقب ويسعى بطلها وراء الحرية والمغامرة وعلى الرغم من أنّ أحداثها تدور في قرية عُمانية صغيرة إلّا أنها تنفتح زمانيًا على سبعينات القرن الماضي، ومكانيًا لتغطي قرىً أخرى وبساتين غنّاء، وأماكن جبلية وعرة، وبحر شاسع يمتد على مدّ البصر.

ينقسم الفيلم مبدئيًا إلى ثلاثة أقسام وهي كالآتي: ثلاثون يومًا منذ اختفاء موسى، وثلاثون يومًا قبل اختفاء موسى، والحاضر. وما يوحّد هذه الأقسام هي القصة السردية التي تتعلق باختفاء موسى والعثور عليه، والنقاش الحاد الذي يدور بينه وبين والده المتشبث بالأرض والمزرعة التي يرعاها، ورغبة موسى في ركوب البحر لأنه متعلق بالسفن والمراكب الشراعية ورغبته في اكتشاف العالم وإقراره بعدم حُبه للزراعة مثل والده وجده وأسلافه الذين تعلّقوا بالأرض وكرسوا كلّ حياتهم لها.

يعتمد الفيلم في بنائه السردي على شخصيات ثنائية أو ثلاثية في أبعد الأحوال حيث نرى ناصر وموسى اللذين يستمران في حضورهما الفعّال منذ مطلع الفيلم حتى نهايته، وشخصيتيّ المزارع الأول والثاني اللذين يتجاذبان أطراف الحديث عن الإمساك بالجن، وشخصيتيّ الرجل الأول والرجل الثاني اللذين سيتفادان المرور بقرية موسى التي تحوّل فيها الرجل الذي مرّ فيها إلى حمار! وهناك شخصيات أُخر تندمج في أحاديث جماعية مثل إمام المسجد أو عائلتيّ ناصر وموسى وما سواها من الشخصيات التي تنهمك في أحاديث جانبية تمنح النص السردي والبصري في آنٍ معًا نكهة خاصة ومتعة يشعر بها المتلقّي العضوي الذي يندمج مع القصة السينمائية ويتفاعل معها ويُصبح جزءًا من نسيجها السردي.

بصمة التقنيات الهندية

وقبل الغوص في تفاصيل القصة والسيناريو والحوار الذي كتبه المخرج المنفِّذ شايلش ميندون ويوسف البو سعيدي لا بدّ أن نشير إلى معطيات هذا الفيلم الجمالية من بينها التصوير والمونتاج، فقد لعب أبهي مانيو دانج دورًا مهمًا كمدير تصوير وقدّم لنا صورًا ومَشاهد لا يمكن أن تغادر ذاكرة المتلقّي مثل حاملي المشاعل الذين يجوبون المزارع والغابات الكثيفة الأشجار ليلًا أو مَشهد أشجار النخيل التي صوّرت من الأعلى وغيرها من اللقطات الجميلة الساحرة على مدار الفيلم الذي بلغت مدته 20 دقيقة  وهذا الأمر ينسحب على الموسيقى التصويرية لـ (ديب سي) ومونتاج شايلش ميندون.1995 alkindy

حينما يختفي موسى يجري البحث عنه أول الأمر بواسطة ثلاث مجموعات لا تفضي إلى شيء محدد ثم يذهبوا إلى مسجد الحارة حيث يدعوهم الإمام إلى التعاون والتكاتف والبحث عن موسى في قرية الشيخ بلال بثلاث مجموعات أيضًا مع التركيز على البيوت القديمة فلربما هدّه التعب وسيطر عليه الخوف ونام في أحد المنازل المهجورة، أمّا المجموعة الثانية فتبحث في الحارات المجاورة لقرية موسى بينما تقصد المجموعة الثالثة والأخيرة القرى الجبلية وما تنطوي عليه من أودية وسهول إضافة إلى البحث في ساحل البحر.

المكوث في دائرة الخُرافة

لم تعثر مجموعات العائلة أو المسجد على موسى ولكي يُبقينا المخرج وكاتب السيناريو في دائرة الخرافة التي تنسجها الذاكرة الشعبية يقدّم لنا حكاية المُزارعَين اللذَين يَنصبَ جُل حديثهما عن الجن الذي مسكهُ أحدهما كما تُصور له مخيلته الكاذبة فهو أضعف من أن يمسك حشرة. لم تكن صورة الجني غريبة على مُخيلة الأطفال، فالجن عمومًا لهم قرون طويلة، وعيون حمراء مثل الجمر المتقد، ولهم قامات طويلة مثل أشجار النخيل. وأنّ الأمهات غالبًا ما يتحدثنَ عن إمكانية تحوّل الجن إلى أي شكل كأن يكون معزى أو حيوان آخر. لا يمكن للجميع أن يفكروا بطريقة واحدة فثمة رجل كبير يعزو التفكير بالجن إلى مشكلات صحية أو عقلية وهو لا يقتنع بطروحاتهم الساذجة عن مرض شخص يُدعى (شيخان) الذي تدهورت حالته الصحية بعد العلاج وصار يختفي عن بيته ويذهب إلى قرية ثانية. بينما ذهب البعض الآخر إلى أن (شيخان) قد أصبح ساحرًا وبدأ يتكلم مع الحيوانات والجن الأمر الذي يضعنا أمام شخصيات فنتازية عجيبة وغريبة حتى أن الحيوانات والطيور صارت تتصرف تصرفات غريبة وتُطلق أصواتًا عالية تلفت الانتباه.

أحلام اليَقَظة

يكشف القسم الثاني المعنون (ثلاثون يومًا قبل اختفاء موسى) عن رغبة موسى وولعه في القوارب الشراعية التي يراقبها من ذروة جبل صخري شاهق، وقد وقع في حُب قارب شراعي كبير يحمل ثلاثين بحّارًا، وقد رآه ذات مرة يحمل العديد من الجِمال. وأعرب عن رغبته حينما يشبّ عن الطوق أن يشتري مثل هذا القارب وينفّذ مغامراته الشخصية ويعيش حياة جديدة تختلف عن حياة المزارعين في قريته وأن يكتشف العالم بنفسه. لا يشترك أقرانه في هذا الحلم لأنهم مهووسون بزراعة الأرض وجني ثمارها. يغرق موسى في أحلام كثيرة ولا يعيش الواقع إلّا لِماما ولعل لقاءه مع النوخذة هو واحد من هذه اللقاءات الحُلُمية التي تتكرر في حياته اليومية فهو يجلس ساعات طويلة على ساحل البحر منتظرًا قاربه الشراعي المفضّل ويتمنى أن يراه من الداخل لكننا نكتشف أنه محضَ حلم لا غير!1996 alkindy

قد يكون لقاء الأب بابنه موسى هو واحد من اللقاءات النمطية التي لا تُقدّم ولا تؤخر مع أنّ مضمونها حقيقة واقعة فالآباء والأجداد هم الذين حوّلوا هذه الأرض الصحراوية القاحلة إلى بساتين خضراء، وهم الذين شقّوا (الأفلاج) في الأرض الصخرية بأيديهم وسواعدهم التي لا تعرف الكلل أو الملل من أجل الأولاد والأحفاد والأجيال القادمة. وغالبًا ما يصف الأب هذا العمل الجبّار بالإرث الذي يجب أن يحافظوا عليه فهو قصة كفاح لا بدّ لها أن تستمر.

الحياة حكاية لا تنتهي فصولها

يعتقد النوخذة الذي يجد نفسه في موسى بأنّ الحياة حكاية تشبه هذه البحر الكبير لا تنتهي فصولها وقد كتبها أسلافنا وأجدادنا وأباؤنا. فما الذي تريدهُ يا عاشق السفن والمراكب الشراعية؟ هذا سؤال جوهري يضع الشاب موسى أمام خيارين لا ثالث لهما: هل تريد أن تتبع حكاية الأولين أم تريد أن تكتب مغامرتك لوحدك وتروي قصتك للأجيال القادمة؟

ينطوي القسم الثالث والأخير على أحداث شحيحة فموسى يتجول في أرجاء السفينة من الداخل ويتأملها بدقة. أما الصبي ناصر فهو يُذكِّر صديقه موسى الذي قال له ذات مرة:"إذا تطلع في الليل وأنتَ صغير راح تكون شجاع وأنت كبير؟" ولهذا السبب فقد طاوعه وغامر في الخروج ليلًا لكنه رفض رفضًا قاطعًا فكرة الذهاب معه غدًا. تعاودنا حكاية الجن ثانية حيث ادّعى ناصر أن الجن قد مسكه من دشداشته من الخلف وأصابه بذعر شديد لكننا سنكتشف أنّ الذي مسكهُ من الخلف هي شوكة غصن الليمون لا غير. ويبدو أن السنوات العشر التي بلغها لم تزرع في نفسه الشجاعة الموجودة عند غالبية الأطفال القرويين الذين يتصرفون بقلوب جامدة لا يتسلل إليها الخوف أو الرعب من أي حدْب أو صوب.

تقديم الهُوية العُمانية

يدّعي المخرج الدؤوب محمد الكندي أنّ هذا الفيلم الروائي القصير يُقدِّم إضافة إلى القصة السردية والمتعة البصرية الهُوية العُمانية سواء من خلال القصص والحكايات التي يرويها أبطال هذا الفيلم، كما يستعرض جماليات الطبيعة العُمانية الساحرة التي تتنوع بين السهول والتلال والجبال التي تشقّها الأفلاج في عموم السلطنة، وكذلك البحر الواسع الذي يحتضنها من جانبين كبيرين. لا يمكن لمُشاهد هذا الفيلم أن يغضّ الطرف عن سحر القرى الطينية وجمالها الأخّاذ حيث تُحيطها أشجار النخيل الوارفة مثل أم رؤوم. ولو حاولنا الربط بين مضمون الفيلم وعناصره البصرية المختلفة لوجدنا استجابة كبيرة بين القصص الشعبية ومحيطها الخارجي الذي يخلق بيئة محلية صادقة لا يفرّط بها مهما كبُرت الإغراءات.1997 alkindy

تعدد المواهب والاختصاصات

بقي أن نقول إنّ محمد الكندي هو صانع أفلام عماني مشهور، وممثل، وعضو في مجلس إدارة الجمعية العُمانية للسينما ومؤسس لها. من مواليد 3/4/1970م ولاية نزوى - سلطنة عُمان. حاصل على شهادة  البكالوريوس بتخصص إنتاج وإخراج تلفزيون وسينما -  من جامعة جريف - كوينزلاند في أستراليا - 2006. لعب دورًا كبيرًا في توثيق وتشكيل صناعة الأفلام في عُمان. حاز على العديد من الجوائز الدولية عن أفلام قصيرة ووثائقية. أصدر مؤخرًا كتاب "تحولات السينما العُمانية" 1970-2020 الذي يوثق تطور السينما العُمانية على مدى خمسة عقود.

تنقسم تجارب الفنان المبدع محمد الكندي إلى قسمين رئيسيين يتوزعان بين التلفزيون كمخرج وممثل وبين السينما كمخرج ومُنتج منفِّذ . يمتلك الكندي سيرة إبداعية كبيرة يصعب حصرها في هذا المجال ويمكن اختصارها بشِقّين رئيسيين وهما إنجازه لعدد من الأفلام الوثائقية نذكر منها "اكتشاف حُطام فاسكو دي غاما"، " كنوز عمان البحرية - محافظة مسندم" و "الشدود الصناعية ". أمّا في حقل الأفلام الروائية فقد أنجز الكندي عددًا من الأفلام نذكر منها "النسخة" و "الخطيئة" كمشرف فني و "أزرق ربما" كمخرج، و "المجهول" كمخرج وممثل معًا. نالت أفلامه العديد من الجوائز المحلية والعربية والدولية ويكفي أن نشير إلى أنّ فيلم"فيلم كنوز عمان البحرية"2012م قد حصد أربع جوائز مهمة بضمنها الجائزة الذهبية في المهرجان الدولي الثاني للبيئة في رومانيا والجائزة الذهبية في مهرجان الخليج للاذاعة والتلفزيون سنة 2012.

***

عدنان حسين أحمد - بغداد

تضمّنت مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في الدورة الثانية لمهرجان بغداد السينمائي 15 فيلمًا من بينها 5 أفلام عراقية وفيلمين تونسيين إضافة إلى ثمانية أفلام من بلدان عربية مختلفة وهي مصر وسورية ولبنان وفلسطين والمغرب والسعودية. ورغم أن غالبية جوائز هذه المسابقة قد ذهبت إلى العراق ومصر وفلسطين إلّا أنّ الفيلم الروائي السعودي قد نال إعجاب النقّاد والمشاهدين لما يتوفر عليه من جرأة فكرية، وسوية فنية، وجمالية التصوير والموسيقى إضافة إلى المؤثرات السمعية والبصرية الناجحة.

يشكِّل فيلم "هوبال" للمخرج السعودي عبد العزيز الشلاحي انعطافة مهمة في تاريخ السينما السعودية التي بدأت تتناول موضوعات جريئة لا تجد حرجًا في خرق المحظور، وكشف المستور، وانتهاك اللا مُفكر فيه وخاصة ما يتعلّق بالدين ومنظومة القيم الاجتماعية التي عفا عليها الزمن. ولو تأملنا هذا الفيلم الذي كتب قصته السينمائية مُفرج المجفل لوجدناه يتعالق مع ثيمات رئيسة وفرعية كالحُب، والحرب، والموت، والعزلة القسرية، والانعتاق من الهيمنة الأبوية (البطرياركية)، والفجوة بين الأجيال، والتزمّت الديني، إضافة إلى الخرافات والأساطير التي تنتعش في المجتمعات البدائية التي لا تحتك بالمدينة والحياة الحضرية إلّا لِماما. ينطوي فيلم "هوبال" على محمولات رمزية عديدة الأمر الذي انتشل قصة الفيلم من نسقها الواقعي إلى فضائها المجازي الأرحب الذي يعود فيه الفضل إلى السينارست مُفرح المجفل من دون أن ننسى دور المخرج اللمّاح عبدالعزيز الشلاحي الذي يفضّل هذا النوع من المقاربات الفنية المُوحية التي تتفادى المعالجات التقليدية فيجد نفسه منغمسًا في النَفَس التجريبي هنا وهناك.1968 hobal

يدور هذا الفيلم زمنيًا في أوائل التسعينات من القرن الماضي الذي شَهِد حرب الخليج واجتياح دولة الكويت الشقيقة من قِبل قوات النظام الدكتاتوري السابق. والحرب التي ليس فيها منتصر أو خاسر، توحي للكثيرين بأننا جميعًا محاطون بخطر داهم وإذا ما بالغنا في التقدير فسنقول إنّ الساعة قد قامت للتعبير عن الفجيعة الكبرى التي تنتظر البشر جميعًا.

لم يكن اختيار الأمكنة اعتباطيًا فلقد سبق للمخرج الشلاحي أن أمضى عدة أيام في الصحراء السعودية لكي يتأقلم مع المكان فلا غرابة أن ينتقي مكانين أو أكثر وهما صحراء (نيوم) في شماليّ المملكة وصحراء (رماح). وقد أسفرَ هذا الاختيار الدقيق عن توفره على معطيات مذهلة سواء في جمال الطبيعة الصحراوية وسحرها أو في هدوئها الذي يحفِّز على التأمل وإعمال الذهن.

ثمة لقطات ومَشاهد افتتاحية يجب أن تُؤخذ في الاعتبار مثل غزو الكويت، ودفن حفيدة الجد (ليّام) التي تموت بسبب مرض الحصبة المُعدي، ومَقتل الذئب وما إلى ذلك من مَشاهد مُعبرة ودالة لكن حبكة القصة السينمائية تتشعّب لتضع الأسرة برمتها أمام خيارات صعبة تهزّ الجميع ولا تستثني منهم أحدا. يُقرّر الجد الثمانيني (ليّام) الذي أدّى دوره ببراعة وإتقان الفنان (ابراهيم الحساوي) أن يهجر القرية ويعيش في قلب الصحراء لاعتقاده بأنّ القيامة قد اقتربت بسبب ظهور علامات تؤكد صحة ما يذهب إليه أبرزها "تطاول البنيان" لطبقتين في أفضل الأحوال وكذلك "تشييد المخبز" و "بناء مركز صحي" في الديرة فهل تتأكد مزاعمه التي انبجست من مخيلته الدينية التي لا تشذّ عن التفكير الجمعي لأبناء جلدته من الجيل الأول؛ جيل الأجداد الذي سوف يتمرّد عليه جيل الأحفاد بينما يظل جيل الآباء متشبثًا بالقيم الفكرية والأخلاقية والاجتماعية القديمة مع أنّ البعض من النسوة سيحرِّكنَ المياه الساكنة وينتصرن لمبدأ الحريات الشخصية التي تنتشل النساء من خوانقهنّ الضيّقة.

مع أن المرض المُعدي يفتك بالقرية وقد ينتشر في أرجائها إلّا أنّ الجد يحرِّم النزول إلى "الديرة" أو المدينة بالمعنى الأوسع فيترك الأبناء والأحفاد، رجالًا ونساء، صبيانًا وبنات في حيرة من أمرهم لكن التمرد سوف يتسرّب إليهم تباعًا وينتقلوا من الأقوال والرغبات إلى الأفعال الحاسمة التي تضع الهمزة على كرسيّ الكلام.1971 hobal

على الرغم من أهمية شخصية (ليّام) ومحوريتها في هذا الفيلم السينمائي الجميل إلّا أن قصة الحب التي تحدث بصمت بين الصبي عسّاف (حمد فرحان) وابنة عمه ريفة (أمل سامي) هي أشبه بالزهرة التي نبتت في تلك المضارب الصحراوية وبدونهما سوف يكون الفيلم أجدبَ قاحلًا تعوزه الرَقّة والشفافية وجاذبية الحُب غير المردود على نفسه. ومن أجل هذا الحُب البريء والصادق يقرر عسّاف انتهاك أوامر الجد ومغادرة القرية إلى المدينة بحثًا عن علاج لها في المركز الصحي خشية أن يتفشى المرض داخل الأسرة الكبيرة.

تأخذ الحبكة منحىً آخرَ حينما يقرّر الجد (ليّام) أن يختفي ويتوارى عن الأنظار نهائيًا ويختفي في أحد تجاويف الأرض "الدحل" الأمر الذي يفضي إلى خلافات حادة بين من يتمسك بالتقاليد القديمة وبين من يرغب في تقويض جدران العزلة المقيتة والخروج إلى القرية بحثًا عن النجاة. يموت عسّاف، في خاتمة المطاف، في خزّان الماء، ويتوارى (ليام) في أحد التجاويف الأرضية التي تبتلعه، بحسب العقل البدوي الجمعي، وتُظهره من تجويف آخرَ بعيد جدًا.

يحتفي هذا الفيلم بالمرأة السعودية التي حاولت التمرّد غير مرة فهي امرأة شجاعة وذكية لا ترتكن إلى الراحة والهدوء وقد رأيناها تقود السيارة وتقترح حلولًا منطقية للأزمة التي تمر بها العائلة لكن تعنّت الزوج يحول دون تحقيق ذلك حيث يشعر الأبناء بالندم لفقدان والدهم الذي ضاع في تجاويف الأرض الصحراوية.

لا بدّ من الإشارة إلى بعض اللقطات الرمزية حيث تقوم الأم برسم دائرة حول الخيمة التي تضم الطفلة المريضة اعتقادًا منها أنّ هذه الدائرة تمنع عبور الشرّ أو المرض. ولو دققنا في هذا الفيلم فسنجد فيه العديد من اللقطات والمَشاهد الرمزية التي تغني حبكة الفيلم وتُثري قصته السينمائية الجميلة.

قد يتساءل البعض عن معنى كلمة "هوبال" التي انضوى تحتها عنوان الفيلم فهي تعني (الحِداء) أو الصوت الذي يُطلقه صاحب الإبل في أثناء مناداتها. كما تضمّن الفيلم اللهجة البدوية التي تخللتها بعض الأمثال المحلية التي تُحيل إلى الناس الذين يقيمون في الصحراء ويتنقّلون في أرجائها الواسعة بحثًا عن الماء والكلأ.1970 hobal

لم يقتصر التعاون بين المخرج عبد العزيز الشلاحي والسينارست مُفرح المجفل على فيلم "هوبال" وإنما سبق لهما أن تعاونا في ثلاثة أفلام أخرى وهي "المغادرون" و "المسافة صفر" و "حدّ الطار" وفازت أفلامهما بجوائز متعددة في مهرجانات محلية وعربية.

لا بدّ من الإشارة أيضًا إلى أنّ أداء غالبية الممثلين كان مُقنعًا ومستوفيًا للشروط الفنية وخاصة الفنان ابراهيم الحسّاوي ومشعل المطيري وحمدي الفريدي وميلا الزهراني. كما لعب تصوير محمود اليوسف دورًا مهمًا في التقاط جماليات الصحراء التي زرعها في ذاكرة المتلقين من مختلف الأعمار. وفي السياق ذاته لا بدّ من الالتفات إلى الموسيقى التي أبدعتها سعاد بوشناق بحيث تناغمت مع أحداث الفيلم وتساوقت مع القصة السينمائية المطعّمة بوقائع متنوعة وكثيرة.

***

عدنان حسين أحمد - بغداد

يعتبر عرض فيلم "سعيد أفندي" للمخرج كاميران حسني بحد ذاته حدثًا فنيًا مهمًا في الدورة الثانية لمهرجان بغداد السينمائي ليس لأهميته الفنية وصموده الذي قارب السبعة عقود وقدرته على الحياة لسنوات طويلة قادمة وإنما لأهمية ترميمه بتقنية 4K من قِبل المعهد السمعي البصري (INA) باستعمال النيگاتيف الأصلي للفيلم. ويأتي هذا الترميم ضمن مشروع "سينماتيك العراق" للحفاظ على كلاسيكيات السينما العراقية. وقد عُرض هذا الفيلم المُرمّم في مهرجان (كان) السينمائي سنة 2025 في قسم "كان كلاسيك" كأول فيلم يشارك في هذه الفئة. كما كان العرض الافتتاحي للدورة الثانية لمهرجان بغداد السينمائي الذي شهد فعّاليات فنية وثقافية موازية من بينها تكريم رائدات السينما العراقية.

يحذو فيلم "سعيد أفندي" للمخرج كاميران حسني حذو الواقعية الإيطالية الجديدة لكنه لا يلتزم تمامًا باشتراطاتها وسماتها الأسلوبية التي لا تعتمد على السيناريو المكتوب، ولا تُعوّل كثيرًا على الحبكة الدرامية، ولا تُراهن على اللغة الشعرية المنمّقة وما إلى ذلك من خصائص الفيلم الواقعي الجديد الذي اتضحت معالمه في أوروپا بعد الحرب العالمية الثانية واستحوذت إيطاليا على ماركته المسجّلة واحتكرتها على الرغم من ذيوع هذا المذهب الفني وانتشاره في إنگلترا وفرنسا ووصوله إلى مصر وبقية بلدان العالم العربي ومن بينها العراق.1959 saed afandi

لم يكن "سعيد أفندي" هو الفيلم الروائي الأول المُقتَبس عن قصة طويلة أو رواية وإنما سبقه فيلم "مَنْ المسؤول؟" الذي تمّ اقتباسه عن قصة لأدمون صبري، وسوف تتبعه أفلام سينمائية عراقية مُقتَبسة عن روايات مثل "المُنعطَف" المأخوذ عن رواية "خمسة أصوات" لغائب طعمة فرمان، و "الأسوار" المُستوحى من رواية "القمر والأسوار" لعبدالرحمن مجيد الربيعي، و "الظامئون" المُستمَد من رواية تحمل الإسم ذاته لعبدالرزاق المطلّبي.

يبدو أنّ اختيار قصة "شِجار" الواقعية لأدمون صبري هو اختيار موفّق خاصة وأنّ المُخرج كاميران حُسني قد أخذ على عاتقة كتابة السيناريو فيما أسند مَهمة الحوار إلى الكاتب والفنان يوسف العاني الذي يُتقن اللهجة البغدادية و يتألق بها على الدوام. وهنا نسجّل نقطة اعتراضنا الأولى لأنّ من خصائص أفلام الواقعية الجديدة أنها لا تلتزم بالسيناريو وإنما تراهن على الارتجال الحُرّ من دون الإتكاء على الاستعدادات والتحضيرات المُسبقة.

يجب أن نُقرّ منذ البداية بأن ثيمة الفيلم، وقبلها القصة، هي ثيمة اجتماعية واقتصادية مطعّمة بإشارات سياسية خفيّة لم تظهر على السطح ولكن يستطيع المُشاهد الأريب أن يتلّمس أنّ سبب فقر المعلّم هو تقصير الدولة تجاه هذه الشريحة المثقفة التي يجب أن تعيش عيشة كريمة أقلّها أن يمتلك المعلّم بيتًا يأوي أفراد أسرته. وأن يمتدّ هذا الاهتمام ليشمل أسرة الإسكافي عبدالله الذي ينهمك في عمله طوال النهار لكنه لا يستطيع مراجعة الطبيب أو يدفع ثمن الأدوية التي يحتاجها.

الشكل يخدم المضمون

تتمحور ثيمة الفيلم على التفاوت الطبقي القائم بين المؤجرين والمستأجرين؛ فالشريحة الأولى تلهث بجشع كبير وراء تحصيل الأموال، فيما تضحّي الشريحة الثانية بأمنها وراحتها النفسية حينما تنتقل مضطرة إلى أحياء شعبية تفتقر إلى أبسط الاشتراطات الصحيّة، وتنعدم فيها أماكن اللهو والراحة فتتحول الشوارع الضيقة إلى ملاعب لكرة القدم التي تؤذي المارة بمختلف الأعمار. أمّا الثيمة الثانية التي نتلمّسها بقوة فهي ثيمة "الصداقة" القائمة بين المعلِّمَين سعيد أفندي الذي جسّد دوره باتقان شديد الفنان يوسف العاني، والمعلّم عزت أفندي الذي أبدع فيه الفنان عبدالواحد طه. ولا ننسى أيضًا العلاقة غير المتكافئة بين سعيد أفندي وعبدالله الإسكافي من جهة، وزوجتيهما فهيمة، التي جسّدت شخصيتها الفنانة "زينب" و"عفتة" زوجة الإسكافي سليطة اللسان. فيما تتمثل الثيمة الثالثة بالوقاحة وسوء التربية وما ينجم عنهما في عنف اجتماعي شديد القسوة سواء بين أطفال المحلة الشعبية أو بين آباء وأمهات العوائل المتنازعة التي تشتبك بالأيدي ولا تتورع عن استعمال الهراوات أو الأحجار أو قِطع الطابوق المتناثرة في شوارع الحي الشعبي وأزقته المتواضعة. وثمة ثيمة جانبية تأخذ حصة ضئيلة من مدة الفيلم التي بلغت 86 دقيقة وهي عدم الإنجاب، فشفيقة، زوجة عزت أفندي لا تنجب ولكنه راضٍ بما قسم الله له ويعتبر نفسه أبًا لكل الأطفال في المدرسة التي يُدرّس فيها. وهذه الثيمات بمجملها تنسجم مع خصائص الواقعية الجديدة لكن التركيز يجب أن يكون منصبًا على المضمون وليس على الشكل؛ فالمعنى أهمّ من المبنى في السينما الواقعية الجديدة وأن الشكل يجب أن يكون خادمًا للمضمون وحاضنة أمينة وصادقة له.1960 saed afandi

مَنْ يقرأ القصة الطويلة "شِجار" لأدمون صبري سيكتشف التغييرات الجذرية التي أحدثها كاتب السيناريو كاميران حسني في العديد من الشخصيات وعلى رأسها شخصية سعيد أفندي وصراعه غير المتكافئ مع الإسكافي الذي يُشبعه ضربًا في إحدى الشجارات ويترك المعلّم طريح الفراش لعدة أيام لكن كاتب السيناريو يُرحِّل هذه النزاعات إلى زوجتيمها ويخفِّف من وطأتها ليجعلها نزاعات لفظية لا تتورع عن الكلام النابي والشتائم البذيئة.

وبغية الوقوف على النسق السردي والبصري في آنٍ معًا لا بد من تتبّع الثيمة الرئيسة والوصول إلى الذروة التي تؤكد وجود الحبكة الدرامية ثم الانحدار إلى النهاية المفتوحة التي تتماشى مع خصائص الواقعية الجديدة. ففي مستهل الفيلم يخرج سعيد أفندي إلى السوق لكي يقتني بعض الاحتياجات المنزلية التي تطلبها زوجته ويعود مُثقلاً بها إلى البيت. ثم يتهيأ للذهاب إلى المدرسة حيث يسبقه إليها ولداه عامر وماهر وهما من التلاميذ الأذكياء والمتفوقين في المدرسة فيما يبقى الطفل الأصغر عزيز جالسًا على عتبة الدار أو يلعب مع أقرانه في المحلة الشعبية.  وبما أنّ سعيد أفندي بدأ يتضايق من المستأجر الذي يلحّ عليه لإخلاء البيت بحجة ترميمه فلا غرابة أن يذهب مع صديقه عزت أفندي للبحث عن دار جديدة في محلة شعبية أخرى أكثر تخلّفًا من سابقتها لكنه يوافق أخيرًا على البيت الذي وجده لكي يتخلص من تهديدات المستأجر القديم وإهاناته المبطّنة.

هيمنة المَحكيّة العراقية

يلتزم كاتبا السيناريو والحوار بعدم استعمال اللغة المنمقة لذلك هيمنت المحكية العراقية على الحوار باستثناء حالات خاصة حينما يُلقي أحد الطلاب في المدرسة قصيدة "قُم للمعلِّم وفِّه التبجيلا" للشاعر أحمد شوقي حيث نستمع إلى أربعة أبيات جزلة ومعبرة نختار منها البيتين الآتيين:

" قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا    /       كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا

أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي /  يَبني وَيُنشِئُ أَنفُساً وَعُقولا"

وفي موضع آخر يعود سعيد أفندي مترنحًا وهو يردد مطلع قصيدة الأصمعي التي يقول فيها:

"صَوتُ صَفِيرِ البُلبُلِ / هَيَّجَ قَلبِي الثَمِلِ"

ثم نستمع إلى سعيد أفندي وهو يجيب زوجته ممازحًا عندما تسأل عن هُوية الطارق على الباب فيردّ ببيتٍ للحجّاج بن يوسف الثقفي مُبدلاً فيه العمامة بالسدارة، وتعرفوني بـ "تعرفيني" حيث يقول:

"أنا ابن جلا وطلاع الثـنـايا / متى أضع السدارة تعرفيني"

كما يحوِّر بيت شعر آخر حينما يقول مخاطبًا زوجته فهيمة:

"اصعدي على سلّم الهوى / فأنت الطبيب وأنت الدوا"

أو حينما يخاطبها بـ "يا حبّة القلب، ويا سويداء الفؤاد". أو بعبارة "يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره". ولعلنا نجد له العذر في استعمال هذه الأبيات الشعرية واللغة المزوّقة لأنه معلّم مثقف، يقرأ الكتب والروايات، ويحفظ الأشعار عن ظهر قلب، لكن بالمقابل هناك افراط في استعمال المحكية العراقية من قبل زوجته وأصدقائه وجيرانه، ومَن يُشاهد الفيلم سيجد فيه غالبية الشخصيات وهي تتحدث بالمحكية العراقية التي تحتشد بالكلمات الدارجة التي لا يعرفها من غير العراقيين إلاّ منْ استعان بمعجم اللهجة العراقية. فكلمات من قبيل: "سُمّاطة"، "الطلايب"، "يچفص"، "القوانة"، "غثّيتني"، "الجنجرص"، "داهرني" و "الخاولي" وهي تعني على التوالي:"خِرقة غسيل المواعين"،"المشاكل"، "يزِل"، "إسطوانة الموسيقى"، "أزعجتني"، "الجرس"، "تمازحني" و"المنشفة".  وهناك مصطلحات عراقية يصعب على غير العراقيين التقاطها بسرعة وفهمها بشكل دقيق مثل "أوگعي عليها" التي تعني "قبّليها من رأسها وراضيها" وثمة أمثال عراقية لا يعرفها غير العراقيين ما لم يعودوا إلى قاموس الأمثال الشعبية العراقية مثل "قيّم الرگاع من ديرة عفچ" أو "اليحچي الصدگ طاگيتة منگوبة" أو "إدهدر الجدر ولگه قبغه"، وهي تعني باختصار شديد "ماذا يفعل الإسكافي إذا كان أبناء مدينة عفچ كلهم حُفاة؟"و "الذي عاهد نفسه على قول الحق يتعرّض للضرب على رأسه وتنثقب طاقيته"،و "انحدر القِدر وعثر على غطائه" وما سواها من الأمثال التي وردت في سيناريو الفيلم وحواراته الشعبية.1961 saed afandi

التفاوت الثقافي

وحينما ينتقل سعيد أفندي إلى المحلة الثانية وتنسجم فهيمة مع زوجة الإسكافي عبدالله التي بدأت تزوها كل يوم على الرغم من تحذيرات زوجها الذي يعرف هذا النمط من النساء ويدعوها إلى تحديد العلاقة الاجتماعية معها لأنها حينما تسقط في دائرة الانفعال تستعمل كلمات نابية ولا يمكن لامرأة نصف متعلمة مثل فهيمة أن تتحمّلها. وهذا ما حدث بالضبط، فعند أول شِجار بين الأطفال تهجم زوجة الإسكافي على فهيمة وتسمعها أقذع الكلمات وتسحب ابنها من ذراعه وتعود إلى البيت لتنقطع العلاقة الاجتماعية لبعض الوقت. وبعد بضعة أيام ينتبه سعيد أفندي إلى أنّ دكان الإسكافي مُقفل فيطلب من زوجته أن تذهب وتتقصى الأمر ورغم رفضها القيام بهذه الزيارة إلاّ أنها تنصاع لرغبة زوجها وتكتشف أنّ سبب غياب الإسكافي عن المحل هو مرضه الذي ألمّ به وجعله طريح الفراش وذلك لعدم قدرته المادية على استدعاء الطبيب أو دفع ثمن الأدوية الذي يجب أن يقتنيها من الصيدلية. فيذهب سعيد أفندي من فوره إلى عيادة الطبيب، وهو تلميذ سابق لديه، ويصحبه إلى منزل الإسكافي حيث يفحصه ويكتب له بعض الأدوية التي سيدفع ثمنها سعيد أفندي بنفسه كما يقوم بزرقه بإبرتين حتى يتماثل للشفاء. فيوبّخ الإسكافي زوجته ويطلب منها أن تذهب في الحال لكي تعتذر من فهيمة وتنال عفوها ورضاها. ورغم عودة المياه إلى مجاريها إلاّ أن الأطفال يتشاجرون على الدوام غير أنّ الشجار الأخير قد قصم ظهر البعير، إذ ضرب أحد أبناء الإسكافي "عزيزًا" بنصف طابوقة كانت مرمية على الأرض وكانت هذه الضربة القاسية على وشك أن تودي بحياته لولا إخلائه السريع من مكان الحادث إلى المستشفى حيث تُجرى له عملية طبيّة سريعة وتُسهم في إنقاذ حياته. وفي أثناء رقود عزيز في المستشفى كان سعيد أفندي يلوذ بالحانة البغدادية ويُكثر من تناول الخمرة التي تساعده على النسيان المؤقت غير أن صديقه الحميم عزت أفندي يأتيه بالخبر المُفرح ويبشّره بنجاح العملية وزوال الخطر تمامًا. عند ذلك يأمر سعيد أفندي زوجته بالمقاطعة النهائية مع عائلة الإسكافي التي يشبّه أبناءها بالميكروبات التي تنقل العدوى المرضية فهم مصابون، من وجهة نظره، بالوقاحة وسوء التربية ولا يتمنى لأبنائه أن يصابوا بهذه الأمراض.

أما النسق الثالث من السردية القصصية والبصرية فهي تتمحور على المعلم عزت أفندي، الصديق الحميم لسعيد أفندي ونديمه في البار فهما يحتسيان الجعة، ويذهبان إلى الملهى حيث يستمعان إلى الأغاني والمونولوجات ويعودان إلى منزليهما عند انتصاف الليل أو بعده بقليل. يُنقَل عزت أفندي إلى محافظة تكريت بعد أن يحصل على الترقية ويصبح مديرًا حيث يودّعه سعيد إلى المحطة ويذرف دمعة حزن على هذا الفراق الموجع بالنسبة إليه. فنشوة النبيذ لا تحلو إلاّ مع هذا الخلّ الوفي الذي يشاركه في الأفراح والأتراح. وما إن يصل عزت إلى تكريت حتى يشعر بالغربة وكأنه انتقل إلى بلد آخر. ومن هناك يبعث لصديقه سعيد قفصًا من الدجاج مشفوعًا برسالة خطية يُعرب فيها عن شعوره بوحشة لا تُوصف، فمن يعّوضه عن صديقه سعيد الذي يسكن في أعماقه، ويهديهم، في خاتمة الرسالة، التحية والسلام.

لا يمكن للإسكافي عبدالله أن ينسى الجميل الذي أسداه سعيد أفندي، فهو الذي جلب له الطبيب، وزرق له الحقن، واشترى له الأدوية، فلابد أن يردّ له هذه المواقف الإنسانية الطيبة. ينفتق حذاء سعيد أفندي فيكلّف ابنه أن يأخذ هذا الحذاء المعطوب إلى إسكافي آخر لكن عبدالله ينتبه إلى ذلك ويخطف الحذاء من يد عامر ويصلحه في الحال ويأخذه بيده إلى منزل سعيد أفندي ويعاتبه قائلاً:"أبو عامر إحنا إخوة، وآني ما أنسى فضلك، والله رگبتي گدامك، أطفال بيناتهم .. إحنا جيران وصرنا أهل ... تريد أوگع عليك؟ وُلدَك ولدي، وولدي احسبهم مثل وُلدك، وشتريد تسوّي بيهم آني قابل، أُبسطهم، أُكتلهم، أنتَ ربّيهم بمكاني". يقبل سعيد أفندي اعتذاره، ويعتبر القضية قد انتهت وكأنّ شيئًا لم يكن.1962 saed afandi

النهاية المفتوحة

تبدو النهاية مفتوحة تمامًا وكأنها تستجيب لخصائص السينما الواقعية الجديدة التي يجب أن يقف فيها المؤلف على الحياد لكنّ السناريست والمخرج أراد أن يضفي لمسة كوميدية ساخرة فحينما يشكر الإسكافي عبدالله جاره سعيد أفندي ويخبره قائلاً"الله يحفظك سعيد أفندي، ومنّا وغاد إذا شفت صارت عركة، لو سمعتْ حس صياح بين وُلدك وُولدي آني معتّب!". وفي هذه اللحظة بالذات يدخل الأطفال في مشّادة جديدة تدفع الأبوين إلى الضحك والاستغراق في القهقهة.

يذهب المخرج السينمائي والناقد العراقي قيس الزبيدي بيقين ثابت إلى القول:"كان "سعيد أفندي" أول فيلم عراقي نقل صورة واقعية عن الحالة الاجتماعية في المجتمع البغدادي الشعبي"(1) والصحيح أنه ثاني فيلم لأن "الصورة الواقعية" التي يتحدّث عنها يمكن أن نجدها في فيلم "مَنْ المسؤول؟" للمخرج عبدالجبّار توفيق ولي، وما يعزّز هذا الرأي هو قول المؤرخ السينمائي مهدي عبّاس أنّ "مَنْ المسؤول؟" هو "أوّل فيلم متأثر بالواقعية الإيطالية ... البيئة البغدادية كما هي بكل عيوبها وحلاوتها"(2). ويكاد يجمع معظم النقاد السينمائيين في العراق بأنّ فيلم "سعيد أفندي" متأثر بالواقعية الإيطالية الجديدة حيث يقول الناقد السينمائي أحمد ثامر جهاد "كان فيلم "سعيد أفندي" متاثرًا إلى حد كبير بأسلوب الواقعية الايطالية الجديدة التي كان من أبرز سماتها التصوير في الأماكن والأحياء الشعبية الحقيقية، وإظهار هموم الناس الفقراء ومعاناتهم، والتركيز على إبراز الأمكنة الواقعية للأحداث، والتقشف في الديكورات والأزياء ، فضلا عن تقليل الاعتماد على الممثلين المحترفين، وتوظيف مواهب الناس العاديين"(3) ورغم أنّ الناقد جهاد يرى شخصية سعيد أفندي في النص القصصي الذي كتبه أدمون صبري " أشدُّ اقناعا وواقعية،بسلبياتها وانفعالاتها ونقاط ضعفها ... لكنها بدت في الفيلم طامحة وخيّرة بما ترمز اليه من تنوير وحراك اجتماعي. وهو ما جعل القصة والفيلم على حد سواء يشتركان في رسم صورة حيّة للمجتمع العراقي في عقد الخمسينيات"(4). ثمة أسباب عديدة لنجاح هذا الفيلم الواقعي تتوزع على المخرج، والسيناريست، وكاتب الحوار، وأداء الممثلين، والفنيين بدءًا من المصوّر، ومرورًا بتقني الإضاءة، وانتهاءً بالمونتير لكن بطل الفيلم يوسف العاني يرى سببًا آخر لنجاح الفيلم في معرض إجابته على سؤال الصحفي كرم نعمة حيث يقول:"السبب بسيط للغاية، لقد اجتمعنا قبل الشروع بتصوير الفيلم وأقسمنا بإخلاص جماعي ألا نسمح لأيّ خطأ ينطلي على المشاهد"(5) لا يقتنع السائل بهذا التبرير الذي قدّمه العاني ويعتقد أنّ " الدافع الإبداعي لدى المخرج كاميران حسني، بمعية فريق العمل على الرغم من الإمكانيات البسيطة التي كانت متاحة لفريق الإنتاج والتصوير"(6) بينما يرى المخرج فيصل الياسري في تصريح خصّ به صحيفة "العرب" اللندنية أنّ " ظهور الفيلم في زمانه يحمل لنا ملامح البشارة باحتمال ظهور سينما عراقية ذات موضوعات اجتماعية وثقافية شعبية ملتزمة بهموم الناس وتعالجها من خلال فكر تقدمي واضح المعالم، وأن يكون ذلك الإنتاج من قِبل القطاع الخاص الذي موّل الإنتاج وحشد له أفضل العناصر أمام الكاميرا وخلفها وقادهم المخرج حسني"(7) وسوف تظهر لاحقًا ثيمة "هموم الناس" في العديد من الأفلام العراقية الواقعية أو التي تتجِّه إلى الرمز والشاعرية والخيال المجنّح.

فن سينمائي نظيف

وفي لقاء آخر مع الفنان يوسف العاني أجراه الشاعر علي عبدالأمير سائلاً إياه عن دوره كممثل ومُسجّل "بلمسة الحياة شخصية هذا المعلم في "سعيد أفندي" فأجاب مؤكدًا على ضرورة عدم تقديم أي شيء رديء حيث يقول:" بعد قبول السيناريو إثر مناقشات حادة أحيانًا، قَبلت تمثيل شخصية المعلّم، وشكّلنا لجنة: ابراهيم جلال، جعفر السعدي، المنتج كريم هادي والمخرج كاميران حسني وتعاهدنا على عدم تقديم اي شيء رديء، على الاقل في الفكرة ومحاولتنا في تقديم فن سينمائي نظيف"(8). ويضيف العاني في الإجابة نفسها بأنّ "السينما كانت أكثر الأشكال الفنيّة تأثيرًا في الخمسينيات العراقية، وفيلم "سعيد أفندي" عُرض في صالتين بوقت واحد عام 1957 وأضيفت حفلة خاصة ظهرًا، وشاهدهُ الملك والوصيّ ونوري السعيد، والناس بمختلف مستوياتهم الاجتماعية والفكرية، وأوصلنا من خلاله ما كنا نريد أن نقول: إن السلام بين الناس هو الحل وليس الصراع العنيف"(9). يؤكد الباحث الدكتور محمد حسن بأن واحدة من سمات الواقعية وخصائها الرئيسة أنها "تصوّر الواقع، وتعكسه،وتُظهر خفاياه، وتفسِّره"(10). وهذا ما حدث في فيلم "سعيد أفندي" الذي كان أمينًا في تصوير الواقع ونقله إلى المشاهدين عراقيين وعربًا وأجانب بكل أمانة وإخلاص حتى أن الباحث والمؤرخ الموصلي  أزهر العبيدي قد أشاد بالاحتفاء بهذا الفيلم محليًا وعربيًا وعالميًا "لأنه ينقل الواقع العراقي بلا رتوش وبذلك يعكس صورة حية للمجتمع العراقي في ذلك الزمان، فضلاً عن كونه يضم عرض صور من التراث الشعبي والمهن السائدة مثل: أبو "الفرارات" و"بائع المرطبات" والعربة "الربل" و " ختان الاطفال" إذ نراهم يرفعون ثيابهم البيض ويرتدون قلائد من البصل"(11). ويرى الناقد السينمائي ليث عبدالكريم الربيعي أنّ "سعيد أفندي" يُعدُّ "واحداً من أهم الأفلام العراقية ونقطة مضيئة في تاريخها، لأنه أول فيلم تناول الواقع العراقي بأسلوب واقعي، وتعرّض للواقع الاجتماعي المنهار والمشاكل التي يرزح تحتها الإنسان المسحوق في الخمسينات"(12).

صُوِّر الفيلم في أزقة الحيدرخانة بعدسة المصور ألبرت أوشان ونقل لنا صورًا حقيقية للواقع العراقي من دون رتوش ولكن اللافت للانتباه أنّ المؤرخ السينمائي مهدي عباس يرى "أنّ الأسباب الحقيقية وراء الاتجاه إلى الواقعية والتصوير في الأماكن على حقيقتها هو عدم توفر الأستوديوهات والآلات الحديثة والديكورات والأدوات الفنية"(13) وجدير ذكره أنّ فيلم "سعيد أفندي" قد عُرض أول مرة في 6 - 11- 1957م في سينما ميامي ببغداد. كما عُرض في مهرجان موسكو السينمائي سنة 1959م ونالَ حظًا من الشهرة والذيوع.

***

عدنان حسين أحمد - بغداد

........................

(1) - الزبيدي، قيس، من تاريخ السينما العراقية سعيد أفندي والمنعطف، صحيفة صوت الصعاليك، 6 مايو، 2022، صفحة ثقافة وفن.

(2) - عبّاس، مهدي، الدليل الشامل للفيلم الروائي العراقي الطويل 1946- 2012، ص 16.

(3) - جهاد، أحمد ثامر، سعيد أفندي من القصة إلى الفيلم، جريدة تاتو العراقية،07-12-2011.

(4) - المصدر نفسه.

(5) - نعمة، كرم، سعيد أفندي" يؤرخ للسينما العراقية، فيلم واقعي يعبر بامتياز، صحيفة العرب اللندنية، 04 / 09 / 2021م.

(6) - المصدر نفسه.

(7) - المصدر نفسه.

(8) - عبدالأمير، علي، يوسف العاني: مع أيام استقراره كان العراق ينتج أفلامًا جيدة ويعيش نهضة ثقافية حقيقية، الناقد العراقي، 11 / 11 / 2013م.

(9) - المصدر نفسه.

(10) - حسن، محمد، الواقعية الإيطالية الجديدة وانعاساتها على السينما المصرية، ط1، مطبعة بيت الكتاب السومري، بغداد، 2015م، ص 43.

(11)  - العبيدي، أزهر، سعيد أفندي وثّق عادات وتقاليد بغدادية لم تعد موجودة، مجلة عراقيات، 20- 02- 2019م.

(12)  - الربيعي، ليث عبدالكريم، قراءة في تاريخ السينما العراقية، موقع دُرر العراق.

(13)  - مصدر سابق.

 

لا يحتاج المُشاهد اللمّاح إلى جهد كبير لمعرفة ثيمة فيلم "حنين" للمخرجة الدنماركية من أصول عراقية رانيا محمد توفيق فالعنوان الصريح "حنين" يفضح كل شيء دفعة واحدة ولكنّ المتلقي هنا يحتاج لمعرفة هذا النوع من الحنين وطبيعته التي تهزّ الراوية والكائنة السيرية التي تروي الأحداث بضمير الشخص الأول أو المتكلم، وهو، كما نعرف ضمير يُعبّر بصدق عن الذات الحميمة التي تقول كل شيء بلسانٍ فصيح لا يعتوره الخلل ولا تعوزه السلاسة وملامسة قلوب المتلقّين. ولكي لا نتشعّب في الإجابات المحتملة وهي كثيرة نقول إنه حنين إلى الوطن، وحنين إلى الذاكرتين الفردية والجماعية، وحنين إلى الأسرة التي توزعت في المنافي وبلدان الشتات العربية  والأوروپية، وأنه حنين الذات المغتربة التي وجدت نفسها ببيروت تارة وكوبنهاغن تارة أخرى وببغداد تارة ثالثة وإن كانت بطريقة افتراضية هذه المرة.

للأغنية العراقية؛ سواء التراثية منها أو الحديثة دور في هذا الفيلم   ويبدو أنّ المخرجة قد اختارت أغنية شعبية تراثية واسعة الانتشار تحمل عنوانًا ذائع الصيت يستجير هو الآخر بضمير المتكلم ويلوذ به منذ مستهل الأغنية الشعبية القصيرة حتى نهايتها وهو "أنا المسيجينة" (المسكينة) التي تدور حول فتاة يافعة مظلومة زوّجوها بالقوّة والإكراه من رجل طاعن في السن غير أنّ إيقاع هذه الأغنية جميل ونابض بالحياة ويحفّز السامعين على الرقص والاندماج في مناخ الأغنية الأمر الذي دفع المخرجة لأن تستهل الفيلم برقصة عنيفة تؤديها بنفسها بانفعال واضح وكأنها تشير من طرف غير خفي إلى معاناة المرأة العراقية الشابة على وجه التحديد التي يتوجب عليها أن تتحمل الكثير في حياتها اليومية المُثقلة بالإحِن والمِحن.1954 ranya

لا تستغرق المخرجة وقتًا طويلًا في الرقص لتتيح لنا فرصة الدخول إلى سيرتها الذاتية والعائلية لتشمل ثلاثة أجيال وهم على التوالي: الأبناء والآباء والأجداد؛ ولو شئنا الدقة لقلنا المُخرجة الراوية رانيا والأخ غير الشقيق مراد، والأب محمد توفيق "الشاعر والمخرج المعروف أيضًا" ووالدة رانيا المونتيرة الراحلة جنين جواد كاظم. ثم تتسع الاستذكارات لتشمل عائلتيّ الجد من جهة الأب، صاحب المعول الذهبي، والجدة من جهة الأم التي أنجبت مع زوجها أسرة صغيرة سيكون فيها الجد سجينًا سياسيًا محبوسًا في نقرة السلمان سنة 1967، وسيتعرّض فرزدق، شقيق جنين إلى التعذيب والقتل عام 1984لتكون هذه الأسرة المقموعة أنموذجًا لبقية الأُسر العراقية التي تناوئ الدكتاتورية وتحلم بعراق ديمقراطي موّحد.

ولكي تكتمل الصورة ويتضحّ المَشهد جيدًا لا بدّ أن نعود إلى الكائنة السيرية التي تريد أن تنطلق منها أحداث الغربة والشتات الذي هو بالتأكيد يحمل بصمات الشتات العراقي في الأعمّ الأغلب. تقول الراوية أنها وصلت مع أبويها إلى الدنمارك في أكتوبر 1993 ولم تكن تعلم أنها سوف تقضي في مراكز اللجوء 866 يومًا؛ أي قرابة سنتين ونصف السنة قبل أن تُمنح هذه الأسرة المناهضة للقمع والدكتاتورية حق اللجوء السياسي أو الإنساني في أقل تقدير. ولا غرابة أن تُصاب الراوية بنوبات الهلع أو رُهاب الموت. فقد كان يراودها الشعور بأنها تختنق ولا تستطيع أن تتنفس أو أنها على وشك الموت؛ وهي هواجس وحالات نفسية كانت تُصيب الكثير من طالبي اللجوء. وكنوع من الحلّ الفردي أدمنت الراوية على مشاهدة جميع المسلسلات التي كانت تُعرض على التلفاز الدنماركي. وفي السنة الأخيرة علُقت في ذهنها أغنية واحدة كان فيها المقطع الأكير تكرارًا يقول:"رغم كل غضبي مازلت مجرد جُرذ في قفص".

يستدعي الأب محمد توفيق، وهو شاعر وسينارست ومُخرج، صندوق العجائب الذي يضمّ صور الماضي والذكريات التي تنأى بمرور الزمن فنعرف أنه كان طالبًا في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد ومعه ثلة من الأصدقاء وكان يمثل دور "هاملت" في إحدى الصور أو يعمل مساعد مخرج في فيلم "بيوت في ذلك الزقاق" للمخرج قاسم حول. وكالعادة فقد كان الشباب يرتدون بناطيل الشارلستون ويطيلون شعورهم على وفق الموضة الغربية التي كانت سائدة أنذاك.1955 ranya

العراق بوصلتي

ولكي لا يفوّت فرصة الإشارة إلى زوجته الراحلة جنين جواد كاظم يخبرنا بأنّ صورتها قد أُلتقطت في حفلة تخرجها من الجامعة بقسم العلوم السياسية وكأنه يمهِّد لها السبيل لكي تلامس ثيمة الفيلم الرئيسة من جديد فتسأله سؤالًا محددًا مفاده:"هل تشعر بالحنين عندما تفكِّر بتلك المرحلة الذهبية من حياتك الشخصية؟" فيأتي الجواب سلسًا ومنسابًا بأنّ التذكّر هو نوع من أنواع اللقاء. ثم يعزز الإجابة بقصيدة "العراق بوصلتي" وهي قصيدة جميلة ومعبّرة لعلها واحدة من أهم القصائد التي كتبها الشاعر والمخرج محمد توفيق خلال تجربته الشعرية الطويلة يقول في مقطع منها:

"أينما أضع قدمي

تقع على تراب العراق

نخلُهُ يظللني في المفازات

والأهوار شاخصة في القلب

. . .

أنا الغريب

أدور في الدنيا وليس لي نسيب

دمي عذب ماء فرات

ودجلة أسرار روحي

قاربي بين لُجتيّ عشق

فنارهما بوصلتي

أينما يحلُّ بي المقام

تشير بوصلتي الى العراق".

جدير ذكره بأنّ الشاعر محمد توفيق قد كتب هذه القصيدة التي تلامس شغاف القلب بتاريخ 22 / 06 / 2022 في الدنمارك وهي مُستلة من ديوانه الشعري الجديد "مِعول أبي الذهبي" الذي سوف يصدر في السويد قريبًا.

يتنقّل محمد توفيق من المناخ الذاتي إلى الفضاء الموضوعي. فمن العراق وفراته العذب يأخذنا مباشرة إلى همومه الشخصية فها هو يعود من أحد المهرجانات السينمائية مُحملًا بهداياه إلى زوجته وابنته الوحيدة آنذاك حتى يتلقّى الخبر المُفجع لوفاة أمه فتنساب الدموع الحرّى على وجنتيه حُزنًا على الأم التي رحلت ولم يتمكن من توديعها وإلقاء النظرة الأخيرة على ملامحها الوديعة التي تسكن في مهجته وسويداء قلبه، وهذا هو شأن الكثير من المغتربين العراقيين وخاصة المُقتلَعين من جذورهم بسبب مناهضتهم للنظام القمعي السابق.

صندوق العجائب

تعود بنا الراوية رانيا إلى عائلة أمها ببغداد سنة 1960 لتخبرنا عن معاناة جدها من جهة الأم الذي كان سجينًا سياسيًا عام 1967 في "نقرة السلمان" وهو سجن سيء الصيت والسمعة في قلب الصحراء العراقية القاحلة كان يضم السياسيين اليساريين على وجه التحديد وبقية المعارضين للأنظمة القمعية التي توالت على حكم العراق وأوغلت في اضطهادها للشعب العراق المتعدد الأعراق والأديان والمذاهب. وكما أشرنا سلفًا بأنّ فرزدق، شقيق جنين، قد عُذب هو الآخر ثم قُتل عام 1984. ومن خلال صندق العجائب والغرائب نرى صورة تجمع بين والديّ الراوية قبل هروبهما من العراق سنة 1978، وهي السنة التي هرب فيها معظم المناوئين للنظام الدكتاتوري السابق وخاصة اليساريين منهم الذين تناثروا في جهات العالم الأربع. وفيما يتعلّق بهذه الأسرة المثقفة الصغيرة فسنجد أنها قد مرّت بين بيروت ودمشق قبل أن يستقر بها المقام في الدنمارك. وبحسب الصور أيضًا فإن آخر صورة للراوية مع أمها كانت على أرض الدنمارك التي ضمّت جثمانها وطوّقته بالزهور من جهاته الأربع.1956 ranya

ينضاف إلى هذه الأسرة الفنية بامتياز قادم جديد يُدعى مُراد وهو الأخ غير الشقيق للراوية رانيا، الذي سيعاني هو الآخر من ثنائية الحنين والاشتياق إلى الوطن على الرغم من أنه مثل أخته رانيا لم يرَ العراق ولم يزره حتى الآن لكنه يحنّ إليه كلما سمع أغنية عراقية تراثية قديمة ويتأثر بها إلى درجة البكاء فتستغرب أخته أن يشتاق إلى مكان لا يعرفه ولم يزرهُ ذات يوم. وفي أويقات استرخائه يسأل والده عن المكان الذي يحبه في العراق فيأتيه الجواب:"أُحب القلعة القديمة" التي تنتمي إلى الحقبة الآشورية ثم يبدأ بدندنة أغنية تركمانية تقول كلماتها:"لو كنت آجّرة في القلعة القديمة لصادقتُ كل من يمرّ بي / وإن كانت لأحدهم أختًا جميلة لأصبحت له أخًا" فتثني عليه الراوية بأنه غنّى هذه الأغنية بطريقة جميلة فيؤكد لها مراد صحة ما ذهبت إليه بأنّ "الوالد قد غنّى هذه المقطع بطريقة جميلة أول مرة".

تمتد ثيمة الحنين إلى زملاء الراوية وأصدقائها أيضًا مثل العازف الموسيقي "لواند" الذي يشعر، هو الآخر، بالحنين إلى العراق بطريقة غريبة جدًا لكنه لا يعرف حتى الآن ما الذي يشتاق إليه على وجه التحديد! تبدو الراوية مهمومة جدًا بمعاناة أخيها الأصغر مراد الذي لم يجتز عامه الخامس عشر بعد فقد وُلد ونشأ في الدنمارك وتتمنى من أعماقها أن تنقذه من هذا الشعور لكي تحميه من ثقل الإرث الذي ينوء به. وتتساءل غير مرة: هل يمكن أن تخفّف عنه حدّة هذا الحنين الذي يُوصله في كل مرة إلى درجة البكاء. وكلما تأخذها الحيرة تلوذ بالوالد فيخفف عنها غلواء السؤال بأنّ الآباء يتحدثون دائمًا عن العراق بمحبة كبيرة وأنّ ذاكرة الأطفال حيّة وخصبة على الدوام الأمر الذي يدفعهم إلى التفاعل مع ذكريات الوطن التي تتأجج في أعماقهم كلما سمعوا أغنية عراقية سواء أكانت قديمة أم حديثة مثل "فوق النخل" وما سواها من أغنيات تراثية.

تعتقد الراوية أنّ الحنين يرتبط بالشجن الذي ورثته هي وأبناء جيلها لكن الوالد يورد لها حكاية لينين الذي رأى شابًا يحمل كتابًا في أحد المعارض فسأله: ماذا تقرأ؟ أجاب: مايكوفسكي. فقال له: هل قرأت لبوشكين؟ فرد بالنفي: فنصحهُ لينين: اقرأ لبوشكين حتى تفهم مايكوفسكي. ويعتقد الوالد أنّ هذه الحلقات مترابطة مع بعضها بعضًا ولا يمكن فصلها أبدًا.

يذكِّرنا الموسيقي لواند بأنه سمع نوعًا من الموسيقى في كوابيسه المروّعة وذات يوم استيقظ في منتصف الليل وتوجّه إلى البيانو وبدأت يعزف الموسيقى ثم دوّنها ولعل هذا التدوين ساهم في تحرره منها حيث أخرجها من داخله بهذه الطريقة. كانت أمه تروي له دائمًا قصصًا مخيفة عن يوم القيامة. والغريب أنه كلّما فكّر في العراق كانت هذه الصور المروعة تملأ رأسه حيث بدأت تلك المشاعر تتسلل إلى أحلامه. لا أحد من أبطال هذا الفيلم ينجو من الكوابيس فالوالد يسمع أصوات الطلقات الثلاث، والابنة الراوية ترى الكوابيس التي تضاعف دقات قلبها حينما تفكر بمشاركة والدها في المهرجانات السينمائية وتخشى أن يحدث له ما لا يُحمد عقباه فيطمنئها الوالد بأنّ هذه المسألة هي قضاء وقدر ويمكن أن يموت الإنسان وهو جالس على كرسيه لكن الابنة تخشى عليه من مفاجآت القدر ولا يرجع من هذه السفرة أو تلك وكأنه قطع تذكرة ذهاب فقط من دون أن يحجز تذكرة العودة. يذهب الأب إلى مهرجان ما ثم يعود من دون أن تتحقق كوابيس البنت فيستعرضان الهدية التي جلبها لمراد وهي عباءة مذهّبة تصلح أن يرتديها في حفل تخرّجه.

تذهب المخرجة إلى أبعد من ذلك حينما تطلب من والدها أن يجلب لها حفنة من تراب الوطن التي يشمّها أحد الأصدقاء فيشعر أنه وُلد هناك ثم يستعرض الآخرون الهدايا الأُخر مثل المسبحة التي يقدمونها إلى أحد العوائل التركمانية فيشعر ابنهما بحنين شديد إلى الوطن. البعض منهم يشعر أنّ رائحة التربة العراقية هي رائحة الروح والحياة والجذور التي تُشعرك بالفخر والانتماء إلى تلك التربة الزكيّة.

ينهي الأب محمد توفيق قصة الفيلم باقتباس لمسرحية "هاملت" الذي يقول:"أكون أو لا أكون؟ تلك هي المسألة. أي الحالتين . . ثم ينسى بقية البيت الشعري المُقتَبس وينهي المشهد بضحكة مجلجلة مع ابنته رانيا وولده مُراد اللذين يتوقان لمعانقة العراق واحتضانه إلى الأبد.

جدير ذكره أنّ فيلم "حنين" لرانيا محمد توفيق قد اشترك مع 12 فيلمًا في مسابقة الأفلام الوثائقية القصيرة من بينها "مرآة السماء" للمخرج العراقي حيدر قيس، و "هدهدة" للسعودي علي العبدالله، و "الأراضي الرطبة" للعُماني عبدالله بن حسن الرئيسي. وقد ارتأت لجنة التحكيم في الدوؤة الثانية لمهرجان بغداد السينمائي أن تسند جائزة أفضل شريط وثائقي قصير إلى فيلم "لن أغادرها" للمخرج اليماني علوي السقّاف.

بقي أن نقول إنّ المخرجة رانيا محمد توفيق قد أنجزت عددًا من الأفلام الروائية والوثائقية نذكر منها "نوال"، "بوس الواوا" و "أغنيتي لأبي" الذي فاز بجائزة أفضل مخرجة في مسابقة الأفلام القصيرة في الدورة السابعة لمهرجان مالمو للسينما العربية.

***

عدنان حسين أحمد - بغداد

بغداد عاصمة العراق، مدينة السلام، حبّاها الله باثار ومعالم رائعة. كانت محطّ أنظار وأعجاب الكثيرين مِن سواح ورحالة ومكتشفين. مرت بفترة مظلمة وبحقبات ازدهار وبنيان. لعبت دورها في التّاريخ، لأنّها منبع العلم والحرف.

كانت ولم تزلْ أمّ الدنيا رغم كلّ ما شهدته مِن ظروفٍ قاسية وأوقاتٍ عصيبة، لهذه الاسباب ولغيرها ارتايت تدبيج هذا المقال عن عاصمتي بغداد تاج العواصم وعروس الشرق، بغية التعريف بها وتسطير بعض المعلومات التّاريخيّة للقرّاء، سبق وأن نشرَ في بغداد قبيل عام 2003 وبعده ونشر مجددًا في صحفٍ عراقيّة ومجلات في المهجر وبعض المواقع، ويطيب لي إعادة نشره اليوم في هذا الموقع الأغر، فعلّنا نوفق، ومِن الله التوفيق.     1878 baghdad عندما عزم أبو جعفر المنصور ثاني خلفاء العباس(ت 775 م) على بناء مدينة جديدة لتكون قاعدة الدولة العباسيّة الفتية ارادها ان تكون بعيدة عن معقل المعارضة واعدائه، اذ كان المنصور ودولته مهددين من قبل العلويين في الحجاز وغيرهم. ويمككنا القول أنّ المنصور أختار هذا الموقع (موقع بغداد) لكونه حصينًا يحميه نهر دجلة من العجم ونهر الفرات من العرب، وكانت في الموقع قرية في عهد الساسانيين تدعى باسم بغداد أيّ "عطية الله". لم يكن تحديد الموقع واختياره من قبل المنصور امرًا عشوائيًا بل جاءت عملية الاختيار بشكلٍ مدروس، اذ ارسل الخليفة المنصور أُناسًا يبحثون عن الموقع يفي بهذه الغاية، ثمَّ خرج بنفسه لارتياد الاماكن المختلفة واختار الموقع من الناحيتين الجغرافيّة والاقتصاديّة، حيث تجمع معظم المصادر على ما يلي:

لم تنشأ المدينة إلا بعد فحص موضعها وموقعها وأهميتها من النواحي العسكرية والسياسية والادارية والاقتصادية (تجارية وزراعية) وملائمة المناخ وامكانية التوسع العمراني المستقبلي فيها، كلّ ذلك بدون تجاهل سهولة وسعة العلاقة مع العالم المعروف آنذاك. كما كتب ابن الطقطقي عن كيفية خروج المنصور للبحث عن مكان ملائم ليبني فيه مدينته الجديدة فيقول : "خرج المنصور بنفسه يرتاد له موضعا يسكنه ويبني فيه مدينة له ولاهله ولجنده فانحدر الى جرجرايا واصعد إلى الموصل ثمَّ ارسل جماعة من الحكماء ذوي اللب والعقل وامرهم بارتياد موضع، فاختاروا له مدينته التي تسمى مدينة المنصور وهي بجانب الغربي من مشهد موسى والجواد عليهما السلام، فحضر الى هناك واعتبر المكان ليلا ونهارا فاستطابه وبنى به المدينة".

شرع المنصور بانشاء المدينة سنة 762 م على الضفة اليمنى من نهر دجلة في الزاوية المنحصرة بين مجرى دجلة ومجرى السراة شمالاً، وفي المنطقة التي كانت تقوم عليها المزرعة المباركة. لقد اقسم الخليفة بالله تعالى ليبني مدينته، وما ادراكم كم كان عظيمًا اندفاع المنصور في تحقيق مشروعه ذاك! فقد وظف كلّ طاقات الدولة العباسيّة لبناء مدينة السلام وكان يتتبع عملية البناء بحرص شديد وبفارغ الصبر. وتجمع المصادر على انه شرع بالبناء سنة 762 م وفرغ منه سنة 766 م .1877 baghdad

البناء:

استغرق بناء بغداد اربع سنوات، انفق عليها نحو 400,883,000 درهم وقيل 18 مليون دينار واستخدم نحو مائة الف من المهندسين واهل المعرفة بالبناء والفعلة من شتى ارجاء الدولة وسمى هذه العاصمة بالاضافة الى اسمها الاصلي مدينة السلام. كما سميت ايضًا بالمدينة المدورة، عقب أن جعل بناءها على شكل مستدير، علمًا أنّ اكثر الحجارة التي دخلت في بناء بغداد نزعت من انقاض طاق كسرى في المدائن، أما اللبن فاصطنعه البناءون.

- تسمية بغداد

ذكر بعض الباحثين أنّ اصل تسمية بغداد من ( بغ داد) أيّ "الصنم اعطاني". (بغ) يعني اسم الصنم. وبالفارسي (بغ) تعني البستان و (داد) تعني "اعطى"، فيكون المعنى عطية البستان. بينما ذهب البعض الاخر ليرجع اسم بغداد الى الملك صيني اسمه بغ !!، فهنالك قصّة مفادها: كان تجار الصين اذا انصرفوا الى بلادهم بارباحهم الطائلة من اسواق بغداد قالوا "بغ داد" أيّ هذا الربح ما هو الا عطية الملك .

لقد اجتهد العديد من الباحثين في شرح وتحليل اسم بغداد، لكننا نرجح أنّ اسم بغداد يرتقي الى عهد الملك حمورابي نحو القرن 18 قبل الميلاد، حيث ذكر في لوح وجد في سبار ( يطلق عليه اليوم حبة) مدينة باسم (بكدادا) ولا أعلم ما حملته من معنى.

 وأذكر هنا أنّ البحّاثة العراقي الأب بطرس حدّاد – رحمه الله- ذكر لي يومًا ما يلي: وقد سمعت البطريرك بولس شيخو ( ت 1989) أكثر من مرة يشرح أسم بغداد شرحًا لم اطالعه في المصادر العربية أو الارامية فكان يقول:

إنَّ المنصورَ ورّجاله عند زيارتهم الدير قبل بناء بغداد راوا رِجالاً عند دجلة يجدلون الخيوط وينسجون الخيام فسالوا الديراني مِن هؤلاءِ وما أسم المكان ؟. فاجابهم (بكذاذا) أيّ _بيث كذاذا_ التي تعني موضع النسيج وإعداد الخيام، فقال الخليفة ساسمي مدينتي باسم هؤلاء الفقراء

 ( حدّاد كتاب كنائس بغداد ودياراتها).1879 baghdad

سمُيت بغداد عبر التّاريخ بتسميات عدة والشائع منها مدينة السّلام، ونقرا في كتاب المسكوكات وكتابة التّاريخ ما يلي: "ان اختيار تسميتها مدينة السلام جاء للعديد من الاسباب منها لمقاربتها لنهر دجلة وكانت دجلة تسمى قصر السلام". ويوصفها أو يسميها ياقوت الحموي بـ " أمّ الدنيا وسيدة البلاد" ويزيد فيقول عنها: "مدينة السلام جنة الارض ...عين العراق".

 ومِن اسماءها الشائعة أيضًا الزوراء. وينقل لنا الحميري بأنّها سميت بالزوراء لانعطافها بانعطاف دجلة، ويضيف قائلاً: "بعضهم يسميها الصيادة لانها تصيد القلوب" .

وفي ظني وفق قرائتي للمراجع أنّها سميت الزوراء، نسبة لتقاطر الزوار إليها. فمن يطلع على كتب الرحلات والرحالة المستشرقين الذين قصدوا العراق وعلى وجه الخصوص بغداد سيوافقنا الرأي إن قلنا: إنَّ بغدادَ مِن أكثر المدن والعواصم التي تقاطر عليها السوّاح والرحالة على مدى العصور وأكثروا في وصفها.

ومِنَ الجديرِ بالذكّر أنّ سبب تسمية بغداد بـ "مدينة السلام" هو قربها من نهر دجلة.

***

الأب يوسف جزراوي/ أمريكا

بقلم: فيكتوريا سونج

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم

***

في يوليو 2023، حذفتُ تطبيق كتابة اليوميات Day One من هاتفي وحاسوبي المحمول. ولعلها كانت أفضل خطوة قمت بها بوصفي شخصاً يدوّن يومياته طوال حياته.

جاء قراري مدفوعاً بإعلان آبل عن تطبيقها Journal في مؤتمر WWDC ذلك العام. ففي الكلمة الرئيسية، قالت آبل إنها ستستخدم "التعلّم الآلي على الجهاز" لتقديم موجّهات تعتمد على المحتوى الموجود في هاتفك الآيفون — مثل جهات الاتصال، والصور، والموسيقى، والتمارين الرياضية، والبودكاست، وبيانات الموقع. وقد منحني ذلك شعوراً بالنفور.

وذلك أساساً لأن التطبيق وُصف بأنه تطوير لفكرة ميزة Memories في تطبيق الصور، التي كانت قد أعادت إليّ "بذكاء" في وقت سابق صورة لنعش والدتي المفتوح.

راودتني ذكريات ذلك الموقف الأسبوع الماضي عندما شاهدت عرضاً تجريبياً لرؤية جوجل في تطبيقها الجديد : جورنال/ Journal، إلا أن تطبيق جوجل يميل أكثر إلى الاعتماد على الذكاء الاصطناعي مقارنة بإصدار آبل. فإلى جانب الموجّهات التي يقترحها الذكاء الاصطناعي للكتابة، يقوم الذكاء الاصطناعي الكامن في الجهاز أيضاً بتقديم ملخصات لمداخلاتك. وهناك كذلك عرض تقويمي صغير يضع رمزاً تعبيرياً يشير إلى حالتك المزاجية بناءً على ما كتبته في يومياتك ذلك اليوم.

في العرض التجريبي، أخبرني جوجل أن الفكرة هي جعل كتابة اليوميات أسهل — بالطريقة نفسها التي يسهّل بها تطبيق  Gemini مهام الكتابة الأخرى، مثل رسائل البريد الإلكتروني وملخصات المستندات. فقيل لي إنك أحياناً قد لا تعرف عمّا تكتب في يومياتك. كما أن العودة إلى ما دوّنته قد تكون صعبة. والغرض من Gemini هنا هو أن يجعل الحياة أكثر راحة وفائدة قليلا .

"هذا جميل، لكن كتابة اليوميات لا يُفترض بها أن تكون سهلة أو مريحة. اسأل أي كاتب: الصفحة البيضاء خُلقت لتصارعها. وفي كتابة اليوميات، الموجهان الوحيدان اللذان تحتاجهما هما: 'ماذا حدث اليوم؟' و 'كيف أشعر حياله؟'."

إنه سؤال يبدو بسيطاً على نحوٍ مخادع . ففي بعض الأيام، يكون ما تكتب عنه واضحًا تمامًا مأساة كبرى، مناسبة سعيدة، حدث كنت تنتظره — أي شيء يثير عاطفة قوية يصلح أن يكون دافعاً مباشراً للكتابة. لكن معظم الأيام تمرّ بلا أحداث تُذكر، ما يجبرك على التنقيب في تفاصيل رتيبة للعثور على شيء يستحق التدوين. وهذا هو الهدف بالضبط: صقل قدرتك على التمييز، تمرين عقلك، وإجهاد قاموسك الداخلي بحثاً عن العبارة المناسبة للتعبير عن عالمك الباطني. هذه ليست أشياء يُفترض أن تكون سهلة.

هناك اقتباس في كتاب أربعة آلاف أسبوع: إدارة الوقت للبشر الفانين يلخّص الأمر بالنسبة لي: "المغزى ليس في الفكرة ذاتها، بل في الجهد — أي في المشقة. فعندما تجعل العملية أكثر راحة، فإنك تستنزف معناها."

أنا لا أتفق دائماً مع المؤلف أوليفر بوركمان في هذا. فأنا لا أجد أي معنى في العناء المبذول في غسل الأطباق يدوياً، وأنا ممتنة إلى الأبد لمخترع غسالة الصحون. لكن فيما يتعلق بسعي شركات التكنولوجيا الكبرى الذي لا ينتهي لتبسيط الكتابة عبر الذكاء الاصطناعي، فأنا أتفق تماماً أن المعاناة هي التي تمنح العملية قيمتها الحقيقية.

يُذكّرني ذلك بالإعلان المثير للجدل من جوجل عن Gemini، الذي يظهر فيه أب يستخدم الذكاء الاصطناعي لكتابة رسالة إعجاب مثالية للعدّاءة الأولمبية سيدني ماكلوفلين-ليفرون، لكنه ينتهي بنص باهت بلا روح. هناك أيضاً بدا أن جوجل قد نسي أن جهد كتابة الرسالة بنفسك، وأن تضع ذاتك فيها، هو ما يجعل رسائل الإعجاب صادقة وذات معنى.

لقد وجدتُ أن جعل كتابة اليوميات “غير مريحة” قدر الإمكان يعود عليّ بفوائد كبيرة. فبعد أن حذفت تطبيق "Day One"، عدتُ إلى الكتابة في دفتر ورقي، وقد أدى ذلك إلى تحسّن ملحوظ في صحتي النفسية، وتفكيري النقدي، وإدارتي للوقت، وذاكرتي. أظهرت دراسات عديدة أن الكتابة باليد أفضل للاحتفاظ بالمعلومات والتعلّم مقارنة بالكتابة على لوحة المفاتيح. والكثير من ذلك يعود إلى كونها عملية غير مريحة: يدك تتشنج بسرعة أكبر عند الكتابة بالقلم، والحبر يصعب محوه، وفي حالتي، عقلي يفكر أسرع مما تتحرك به يدي. هذه القيود تجبرني على تحديد ما يستحق التدوين، وتدفعني للجلوس مع أفكاري بطريقة أكثر قصدية. وهذا يعني أنه حين أرغب في العودة إلى الوراء، عليّ أن أتذكر متى وقعت الأمور بدقة لأنه لا توجد خانة للبحث. ما لم تكن هناك أسباب تتعلق بإمكانية الوصول (وفي تلك الحالة قد يكون جهاز تسجيل الصوت بديلاً جيداً)، أرى أن كل من يهتم بكتابة اليوميات ينبغي أن يعود إلى التدوين الورقي.

تمنحك العودة إلى التدوين الورقي خصوصية أيضاً. فالكتابة في اليوميات ليست في الغالب عن التفاصيل الصغيرة في الحياة. (مع أن لا أحد سيمنعك من كتابة قصيدة مديح عن ذلك الشاي الفقاعي الذي غيّر حياتك أثناء الغداء). كثير من الناس يكتبون يومياتهم لمواجهة المشاعر الكبرى: الانفصال، والموت، والقلق، والسأم، ومحاولة العثور على بهجة في حياة محدودة، قاسية، وغير عادلة. هذه أمور شخصية لا يُفترض أن يراها أحد غير الكاتب نفسه. لا يهم ما إذا كان جوجل يقول إن تطبيق "Journal" يعمل بالكامل على الجهاز، ويمكن قفله وحذفه، فكل ما يتصل بالإنترنت لا يبدو يومًا ملكًا خالصًا لك.

أما الملخص الذي يولّده الذكاء الاصطناعي ليعطيك أهم النقاط المستخلصة من تدويناتك فهو في جوهره معيب. فمن المفترض أن تقلّب الصفحات بنفسك، وأن تُنقّب وسط الجمل المبعثرة عن ومضات المعنى. ومن المفترض أن تتذكر الشخص الذي كنت عليه ذات يوم، وأن تتأمل في من أنت الآن. الفكرة أن يكون الأمر أشبه بالعثور على رسالة في زجاجة، أو ورقة نقدية من فئة عشرين دولاراً في جيب معطف قديم. وأشك كثيراً أن قراءة ملخص من إنتاج الذكاء الاصطناعي لمقطع من يومياتي قد تمنحني الإحساس نفسه.

بينما كنت أكتب هذه السطور، ظللت أسترجع صيف عام 2009. آنذاك، وبعد صدمتي العاطفية الحقيقية الأولى مباشرة، ملأتُ دفتر يومياتي الورقي بصفحات غارقة في الدموع، وحبر متلطخ، وقصائد ركيكة إلى حدٍّ لا تجرؤ حتى أكثر فتيات "تَمبلر" كآبة على الاعتراف بكتابتها. وعندما كنت أعجز عن النوم أو الطعام، كنت أشغّل ألبوم أديل 21 بأعلى صوت ممكن، وأكتب كل ذرة من شك في نفسي، ونفور، ورفض، وحنين، وغضب، وخيانة، وحزن مدركة أن كل حب لا يمكن أن يدوم إلى الأبد.

بعد ستة أشهر من ملء ذلك الدفتر بأكمله، جلست لأقرأ كل صفحة فيه. كان التعريف الدقيق لـتلك التجربة هو "الإحراج"، لكن هذه القراءة الطويلة جعلتني أرى بوضوح كيف ضعت في علاقة استنفدت أغراضها وانتهى زمنها. وقد ساعدني ذلك على أن أسامح ولا ألتفت إلى الوراءً. وعندما انتهيت، أحرقت الدفتر بولاعة سجائر قديمة فوق سطح شقتي الجديدة البائسة. وأنا أراقب الصفحات وهي تتحول من برتقالية إلى سوداء، لم أشعر في حياتي الشابة بحرية أعظم من تلك اللحظة. أما مجرد حذف تطبيق يوميات يعمل بالذكاء الاصطناعي، فلن يمنحني أبداً مثل هذا التطهّر.

***

.......................

https://www.theverge.com/analysis/764519/ai-gemini-pixel-journal-app?utm_source=Klaviyo&utm_medium=campaign&utm_id=01K3KAEGT03PZFYMFX0J5NC26R&_kx=_eGnyKxvjY2rMrVvfreS1xdg_SmcF30VCoAeDX7bLW_r_9jh1wKtlgq1-Wn30M41.U5D8ER

كيف أدى وباء الإيدز إلى ظهور التربية الجنسية في أمريكا؟.. مارجريت جريس مايرز تتحدث عن الإرث القاتم لرونالد ريجان

بقلم: مارجريت جريس مايرز

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم

***

صدر قانون "حياة الأسرة للمراهقين" (AFLA)، الملقب بـ"مشروع قانون العفة"، كجزء من قانون المصالحة المالية الشامل لرونالد ريجان عام 1981. خصص هذا القانون التمويل الفيدرالي لبرامج منع الحمل لدى المراهقات، بشرط وحيد هو الترويج للامتناع الجنسي فقط، مع منع تمويل أي برامج تذكر الإجهاض أو وسائل منع الحمل. أدى ذلك إلى توجيه الأموال الحكومية نحو برامج دينية تُعلّم "العفة فقط"، بينما حُرِمت برامج التربية الجنسية الشاملة من التمويل.

في العام نفسه الذي صدر فيه القانون (1981)، توفي خمسة شبان في لوس أنجلوس - جميعهم مثليون وكانوا بصحة جيدة سابقًا - بسبب "عدوى رئوية نادرة" مصحوبة بضعف في الجهاز المناعي. سرعان ما انتشرت حالات مماثلة، خاصة بين المثليين في مدن كنيويورك وسان فرانسيسكو، تظهر معها أعراض سرطانات شرسة مثل "ساركوما كابوزي"، وعدوى "الالتهاب الرئوي بالمكورات الرئوية".

بحلول يونيو 1981، بدأت مراكز السيطرة على الأمراض (CDC) تتابع هذه الظاهرة الغامضة والمروعة. وفي يوليو، ذكرت صحيفة "باي أريا ريبورتر" — النشرة الأسبوعية للمثليين في سان فرانسيسكو — مصطلح "الالتهاب الرئوي للمثليين". وقبل نهاية العام، أي خلال ستة أشهر فقط، تم الإبلاغ عن 337 حالة، توفي منها 130 شخصًا.

بحلول مايو 1982، أُطلِق على المرض اسم "GRID" (نقص المناعة المرتبط بالمثليين)، لاعتقاد خاطئ أنه يصيبهم فقط. لكنه حصل لاحقًا على اسمه الدائم: الإيدز (متلازمة نقص المناعة المكتسب).

اكتشف الباحثون لاحقًا أن الإيدز يسببه فيروس نقص المناعة البشرية (HIV)، الذي ينتقل جنسيًا أو عبر الدم (مثل تشارك الإبر)، أو من الأم للجنين أثناء الحمل أو الولادة. كان وباءً وحشيًا صادمًا، تجاهلته الحكومة الأمريكية وصمته بالعار وقلصت تمويل أبحاثه.

لقد كان وباءً قاسيًا ومذهلًا، تجاهلته الحكومة الأمريكية، وصمته بالعار، وقلصت تمويل أبحاثه.

انتشر الفيروس بسرعة وقسوة: ارتفع عدد المصابين من 20 ألفًا عام 1981 إلى 130,400 بحلول 1984-1985. وأظهرت تقارير 1986 أن المصابين كانوا يموتون بعد 15 شهرًا من التشخيص في المتوسط.

لقد كان وباءً قاسياً وصادماً، أهملته الحكومة الأمريكية، ووصمته بالعار، وامتنعت عن تمويل الأبحاث لمواجهته. تماماً كما حدث مع تفشي مرض الزهري في مطلع القرن العشرين، حين اعتُبرت العدوى غالباً ثمنًا يدفعه المرء مقابل خطيئة الجنس خارج إطار الزواج، شعر البعض الآن أن الإيدز هو عقاب إلهي على خطيئة المثلية الجنسية.

وقد عبر القس "جيري فالويل" عن هذا الاعتقاد بوضوح عام 1987:، حين قال: "الإيدز عقاب إلهي قاتل لفِعل المثلية الجنسية "

كان الجراح العام الأمريكي في عهد ريجان، سي. إيفريت كوب - الذي عُرف بولعه بارتداء الزي العسكري الكامل أثناء عمله — معاديًا لحقوق المثليين ووصف حركتهم بأنها "معادية للأسرة"، كما كان مسيحيًا متشددًا ومناهضًا للإجهاض. لكن تقريره الصادر في أكتوبر 1986 عن الإيدز كشف مفارقة: فقد دعا إلى التربية الجنسية الشاملة، بما في ذلك التوعية باستخدام الواقي الذكري، ووصف الامتناع الجنسي وحده بأنه "غير واقعي".

هذا الموقف أثار غضب المحافظين، لكنه مثل بداية تحول في السياسات العامة. فبعد سنوات من التجاهل، أجبرت الوقائع الحكومة على الاعتراف بأن الإيدز ليس "مرض المثليين"، بل أزمة صحية عامة تتطلب تثقيفًا جنسيًا عقلانيًا. وهكذا، من رحم الوباء القاتم، وُلدت أولى برامج التربية الجنسية العلمية في أمريكا.

كتب كوب أن "خطر الإيدز يجب أن يكون سببًا كافيًا لإقرار منهج للتربية الجنسية"، وأن يبدأ ذلك من "أدنى صف دراسي ممكن". واقترح الصف الثالث كنقطة بداية مناسبة. وأوضح بحسم قائلاً: "الحاجة ملحة، وثمن الإهمال باهظ. حياة شبابنا تعتمد على قيامنا بمسؤولياتنا."

إلى جانب دعوته لإدراج التربية الجنسية في المدارس العامة، حث كوب أيضًا على التعاطف. رافضًا النظرة السائدة آنذاك بأن "بعض الفئات 'استحقت' مرضها". صرح بوضوح لا لبس فيه:

"دعونا نترك هذه المشاعر وراء ظهورنا. نحن نحارب مرضًا، لا أناسًا. المصابون بالفعل هم مرضى يحتاجون إلى رعايتنا، مثل جميع المرضى "

بالإضافة إلى التربية الجنسية، نادى كوب أيضًا بالاستخدام الواسع للواقيات الذكرية وإجراء الفحوصات، مكررًا صدى تحذيرات الطبيب "مورو" سابقًا: "لم نعد قادرين على تجنب النقاش الصريح حول الممارسات الجنسية."

كان تقرير كوب صادماً نظراً لانتماءاته السياسية والدينية. وكما جاء في مقال رأي بواشنطن بوست: "من النادر أن تتفق مؤسسة تنظيم الأسرة مع إدارة ريجان، لكن أزمة وطنية جمعت بينهما." اعتقد البعض أن دعوة كوب قد تكون القوة الدافعة التي ستفتح أخيراً عصراً جديداً للتربية الجنسية في الولايات المتحدة. بعد أيام فقط من إصدار التقرير، كتبت الصحفية إلين جودمان: "قد يكون الإيدز، من بين كل الأشياء، الدافع المأساوي الذي سيُجبرنا على التحدث بصراحة ووضوح عن عن الجنسانية البشرية إلى المدارس". لكن اليمين المُحافظ — الذي اعتبر كوب حليفًا — انقلب عليه. علقت "فيليس شلافلي" بسخرية: "يبدو التقرير كما لو كُتب بواسطة 'التحالف الوطني للمثليين'!"

وبحلول فبراير 1987، تلقى كوب موجات من خطابات الكراهية من مسيحيين محافظين شعروا بـ"خيانته".حتى بعض التربويين عارضوا توصياته، وإن بلهجة أقل حدة. قالت "كاميل دورمان" — مساعدة مشرف مدارس مقاطعة بالم بيتش — عن فكرة تعليم الصف الثالث، قالت: "أعتقد أنه سيكون من الصعب جداً تبسيط المادة بحيث يفهمها الأطفال الصغار دون أن تثير فيهم الرعب فيما كان قلق الآخرين مركزاً على حقيقة أن تعليم الإيدز سيتطلب الاعتراف بوجود العلاقات الجنسية المثلية. قال هوارد كارول من الرابطة الوطنية للتعليم: "شرح ماهية المثلية الجنسية لأطفال في هذا العمر هو ما يثير التحفظات".

كما برزت مخاوف لوجستية أخرى. ففي بعض الولايات، كانت القوانين السارية تجعل تنفيذ مقترحات كوب أمراً صعباً. وكما أشارت صحيفة سولت ليك تريبيون، فإن لوائح مجلس التعليم في ولاية يوتا كانت تمنع المدارس العامة من تدريس "تفاصيل العلاقة الجنسية" أو "تقبل المثلية الجنسية" أو "الأساليب العملية لاستخدام وسائل منع الحمل". واختتم المقال بالقول: "من الواضح أن سكان يوتا لا يستطيعون تعليم أطفالهم كيفية تجنب عدوى الإيدز - والموت - إذا رفضوا مناقشة أسبابه."

لكن رغم ردود الفعل المتباينة، كانت الحكومة الفيدرالية مستعدة لدعم كلام كوب بالمال. ففي نوفمبر 1986، أعلنت إدارة ريجان تخصيص 10 ملايين دولار من الميزانية الفيدرالية لمساعدة "وكالات التعليم في الولايات لتصميم وتنفيذ برامج تعليمية شاملة حول الإيدز والجنس والمخدرات في الفصول الدراسية." وكانت هذه المبادرة برعاية مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC). وقال دينيس تولزما ستشهدون بعد عام دروسًا لم تكن تُدرَّس من قبل.".

ستشهدون بعد عام دروسًا لم تكن تُدرَّس من قبل."

هكذا، وسط العاصفة، بدأت أمريكا — ببطء — تكسر تابوهات التربية الجنسية. لكن الطريق ظلّ شائكًا: فكل خطوة للأمام كانت تُوازيها مقاومة شرسة من قوى التقاليد.

لم تكن لجائحةٌ أن تُلغي أخرى، فبينما احتل الإيدز الصدارة على الساحة الوطنية، ظلّ حمل المراهقات يشكل هاجساً ملحاً للمهتمين بهذه القضية. ففي عام 1985، نشر معهد جوتماكر دراسةً مقارنةً حول "حمل المراهقات والإنجاب في الدول المتقدمة، سعياً لفهم العوامل المحددة للسلوك الإنجابي لدى المراهقين، وخاصة العوامل التي قد تكون خاضعة لتغييرات سياسية."

وقد قارنت الدراسة الولايات المتحدة مع خمس دول أخرى: إنجلترا وويلز (تم تصنيفهما كدولة واحدة)، فرنسا، كندا، السويد، وهولندا. وقد تم اختيار هذه الدول لأنها كانت تتمتع بمعدلات حمل بين المراهقات "أدنى بكثير" من الولايات المتحدة، لكنها كانت تشهد معدلات نشاط جنسي مشابهة بين الشباب.وبالمقارنة معهم، أوضح الباحثون أن الولايات المتحدة كانت في "موقع استثنائي". "فمعدلات الولادة، والإجهاض، والحمل الأمريكية كانت أعلى بكثير من تلك الموجودة في جميع الدول الأخرى."

أما عن أسباب هذه الظاهرة، فقد برزت عدة عوامل مجتمعية، لكن أبرزها على الإطلاق كان "تقبل النشاط الجنسي للمراهقين" في تلك الدول. فقد تعاملت هذه الدول مع منع حمل المراهقات بالأساليب نفسها التي رفضتها أمريكا بعناد لعقود.

وفي الدول الأخرى، أفادت الدراسة أن "الاهتمام العام لم يكن موجهًا مباشرة نحو أخلاقية النشاط الجنسي المبكر، بل كان موجهًا نحو البحث عن حلول لمنع زيادة الحمل والولادة بين المراهقات." بينما في الولايات المتحدة، "كان الجنس يُعامل كموضوع خاص، وهناك قدر كبير من التردد: فالجنس رومانسي لكنه أيضًا خطيئة وقذر، يُعرض بفخر لكنه أيضًا شيء يجب إخفاؤه."

والأهم من ذلك، أنه لم تكن لدى أي من هذه الدول ما كافحت الولايات المتحدة من أجله بشراسة: "برامج رسمية تهدف إلى ثني المراهقين عن ممارسة العلاقات الجنسية". فالهوس الحكومي بالمنع كان ظاهرة أمريكية خالصة. وأشار التقرير إلى أن: "الدول الأخرى كانت تميل إلى ترك مثل هذه الأمور للآباء والكنائس أو لقرارات المراهقين المستنيرة".

وفي ديسمبر 1986، أوصى المجلس القومي للبحوث - وهو فرع من الأكاديمية الوطنية للعلوم—بإعطاء الوقاية من الحمل "أولوية قصوى" بين المدارس والحكومات، ودعا تحديداً إلى "توسيع نطاق التربية الجنسية وتقديم 'خدمات منع الحمل' عبر المدارس والعيادات المجتمعية" - وهي ليست نوعية البرامج التي كان يمولها قانون AFLA.

ولم يكن مفاجئاً أن رئيس "منظمة تنظيم الأسرة" (Planned Parenthood) أيد توصيات المجلس. أما وزير التعليم في عهد ريجان، ويليام بينيت، فقد عارضها واصفاً العيادات المدرسية بأنها "غبية"، وتنبأ بأنها "ستلحق الضرر بمدارسنا وأطفالنا".

وأخيرًا، في مارس 1987، وبعد "ما يقرب من سبع سنوات من الصمت" كما وصفتها جولي جونسون من صحيفة بالتيمور صن، خرج ريجان بنفسه ليتحدث عن الإيدز. واصفًا إياه بـ"عدو الصحة العامة رقم واحد"، وأعرب عن تأييده للتربية الجنسية في المدارس، بشرط أن تُدرَّس "مرتبطة بالقيم". وأشار إلى أنه لا "يعترض" على فلسفة كوب في الصحة العامة فيما يخص التربية الجنسية، رغم أنه أبدى رأيه قائلاً: "عندما يتعلق الأمر بالوقاية من الإيدز، ألا تقدم لنا الطب والأخلاق نفس الدروس؟"

كان هذا هو نفس الاستنتاج الذي توصل إليه الدكتور مورو قبل ثمانين عامًا. ولا يزال صحيحًا بالتأكيد أن الامتناع عن جميع الأنشطة الجنسية يمنع بالضرورة حدوث الحمل، كما يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بالأمراض المنقولة جنسيًا.

لكن الطب الآن يوفر خيارات لم تكن متاحة في مطلع القرن. فقد برزت وسيلة منع الحمل الحديثة، وخاصة الواقي الذكري، كأداة صغيرة أشبه بالمعجزة: رخيصة الثمن، سهلة الاستخدام نسبيًا، بسيطة التصنيع، وفعالة للغاية في منع كل من الحمل والأمراض المنقولة جنسيًا، بما في ذلك الإيدز.

لكن بالنسبة لأولئك الذين رأوا في العفة غايةً في حد ذاتها، كان تعليم الطلاب عن الواقي الذكري بمثابة تشجيعٍ على ممارسة الجنس. لم يكن أي منطق، مهما بلغ من معقولية واستنادٍ إلى الحقائق، قادرًا على إقناع شلافلي وحلفائها المدافعين عن هذه الفكرة - خاصةً بعد ظهور مناهج مثل "سكس ريسپكت" و"تين-إيد" التي كانت من الناحية النظرية تقدم تعليم الجنس مع استبعاد جميع المعلومات عن وسائل منع الحمل. ومع وجود هذا الإطار المضلل الآن، كان بإمكان الولايات الامتثال لدعوة ريجان وكوب لتعليم الجنس في المدارس دون الحاجة إلى تعليم الشباب أي شيء فعليًا عن كيفية الوقاية من الحمل أو تجنب الأمراض المنقولة جنسيًا.

وبحلول ديسمبر 1987، كانت سبع عشرة ولاية بالإضافة إلى واشنطن العاصمة قد فرضت تعليم الإيدز في مدارسها العامة-أي اثنتا عشرة ولاية جديدة مقارنة بالخمس التي فعلت ذلك قبل سبعة أشهر فقط. ومع ذلك، كانت هذه البرامج تختلف اختلافًا كبيرًا في المحتوى، مما أظهر مرة أخرى مدى إمكانية استخدام مصطلحات مثل "تعليم الجنس" وإساءة استخدامها.

وكانت اللغة تُصاغ بطرق أخرى أيضًا. فعلى سبيل المثال، أقرّت كاليفورنيا مشروع قانون أعلن   أن الامتناع هو "الوسيلة الأساسية" وليس "إحدى الوسائل الأساسية" للوقاية من الإيدز. كما ادعى نص القانون أن وسائل أخرى، مثل الواقيات الذكرية، "قد تقلل من خطر انتشار المرض."

عندما يتعلق الأمر بالتربية الجنسية، كانت أواخر الثمانينيات فترة نقاش حاد في المناطق التعليميةعلى مستوى البلاد. ومع ذلك، وبعد كل الاجتماعات الطويلة والمداولات الحامية، كانت النتيجة النهائية غالبًا لا تتجاوز أن تكون مجرد إرشادات غامضة تنص على أن تعليم الجنس يجب أن "يؤكد على الامتناع"، وهو ما ترجم عمليًا إلى برامج لم تختلف كثيرًا عن أي فصل تربية جنسية تقليدي في العقود السابقة.

**

في يناير 1988، نظر مجلس ولاية كارولاينا الجنوبية في مشروع قانون يلزم التعليم الصحي الشامل في المدارس، بما في ذلك تعليم الجنس. وحدد القانون أن "الامتناع والمخاطر المرتبطة بالنشاط الجنسي خارج الزواج يجب التأكيد عليها بقوة"، وأن "الإجهاض يجب ألا يُدرج كوسيلة لمنع الحمل."

كما حظر القانون توزيع وسائل منع الحمل وتقديم استشارات حول الإجهاض داخل المدارس. وفي ذلك الوقت، وفقاً للسيناتور الديمقراطي نيل سميث، كانت كارولينا الجنوبية تعاني من "معدل حمل مراهقات" يتجاوز "المعدل الوطني بنسبة تسعين بالمائة". وقد حظي مشروع القانون بتأييد مجلس التعليم بالولاية، وجمعية كارولينا الجنوبية الطبية، والمؤتمر المعمداني للتعليم والتبشير، من بين آخرين

وفي ديسمبر، تم التوصل إلى حل وسط. فسيتم تعليم الطلاب عن "الامتناع ووسائل منع الحمل."

وكان الجزء الأكثر جدلًا في مشروع القانون يتضمن خيارًا للمناطق التعليمية المحلية لإدراج "تعليم الوقاية من الحمل" في مناهجها .لكن القانون اشترط أيضاً ضمانات واسعة لحقوق الوالدين فيما يتعلق بهذا الجزء من المنهج

ولحضور الطالب صفًا يتناول الوقاية من الحمل، كان على المنطقة التعليمية إخطار أولياء الأمور والسماح لهم باستبعاد أطفالهم. وتم التأكيد للوالدين أن أي نقاش حول الوقاية من الحمل سيُـركّز على "أهمية الامتناع عن الجنس قبل الزواج."

واتهمت السيناتور سميث منتقدي القانون، وخاصة الجماعات الدينية المحافظة، بتنظيم "حملة      تضليل منظمة جيداً" حول مشروع القانون المقترح للتعليم الصحي. كما أشارت إلى جامعة بوب جونز - وهي جامعة مسيحية إنجيلية محافظة تقع في جرينفيل بكارولينا الجنوبية - كواحدة من أشد المعارضين لمشروع القانون.

وخلال مناقشات مجلس الشيوخ، وفقاً لتقرير صحيفة "ذا ستيت"، بدأت مجموعة صغيرة من أعضاء الحزب الجمهوري "مراجعة تفصيلية للقانون، تكاد تكون سطراً سطراً". وتمحورت تعليقاتهم حول مخاوفهم من أن صياغة القانون لا تعكس "القيم العائلية التقليدية". وكما لاحظت افتتاحية صحيفة "روك هيل هيرالد" في يناير 1988، "إذا استمعت إلى بعض هؤلاء الأشخاص، فإن أي تعليم عن الجنس تقريبا ....هو خطر على شبابكم".

وفي النهاية، أقرّ مشروع القانون في مجلس الشيوخ مع بعض التنازلات الإضافية: فتم تأجيل الصفوف حتى العام الدراسي 1989–1990، وتم حظر مناقشة وسائل منع الحمل حتى الصف السادس. وظل لهجة المشروع محافظة بشكل صارم، مصرة على أن المعلمين لا يمكنهم "مناقشة الإجهاض إلا لشرح مضاعفاته."

كما لم يكن من المسموح "مناقشة أنماط الحياة البديلة" (المقصود بها على ما يبدو العلاقات من نفس الجنس) إلا "في سياق الأمراض المنقولة جنسيًا." وكان نص مشروع القانون يؤكد أن "المعلمون يجب أن يوعظوا بالامتناع."

وفي مارس، بدأت لجنة تشريعية العمل على التوفيق بين نسختي مجلس النواب ومجلس الشيوخ من القانون. وأعرب أحد المحافظين في اللجنة عن قلقه من أن الصياغة ليست قوية بما يكفي لتوضيح للطلاب أن "الممارسات المثلية غير قانونية وغير أخلاقية".

كانت قوانين كارولينا الجنوبية، تحت بند "جرائم ضد الأخلاق والآداب"، تتضمن تجريم "اللواط". وكان هذا النوع من القوانين شائعاً نسبياً في الولايات المتحدة، حيث كان يتم تطبيقه بشكل انتقائي ضد مجتمع الميم، مما جعله يشكل في الممارسة "حظراً" على المثلية الجنسية."

لكن القانون تم إقراره في أبريل، وبدأت مدارس كارولينا الجنوبية العمل على كيفية تلبية متطلباته الجديدة. وما تلا ذلك كان سلسلة من المشاكل، حيث اضطرت المدارس للتعامل مع توجيهات فردية ومحلية وولائية حول التربية الجنسية .

في مايو، قدم أعضاء مجلس مدرسة روك هيل، كارولاينا الجنوبية، عريضة لهم. وقد نظمتها مجموعة تُسمى "المواطنون المهتمون"، واحتوت على توقيعات 536 من السكان الذين قدموا بعض الاقتراحات المحددة للبرنامج الإلزامي لتعليم الجنس.

طالبوا بأن يكون حضور التربية الجنسية اختيارياً (يحتاج لموافقة ولي الأمر)، وبحظر مناقشة وسائل منع الحمل حتى الصف الثاني عشر، وبعدم تقديم "المثلية الجنسية أو الإجهاض" كخيارات مقبولة. ." كما أرادوا أن "تعزز المادة الدراسية القيم الأخلاقية وفوائد تأجيل النشاط الجنسي حتى الزواج"، وأن "تحافظ على المؤسسة الأسرية التقليدية وتشجع مشاركة الوالدين

ومع تعامل مجلس المدرسة مع مجموعة المواطنين المهتمين، دخل الطلاب أنفسهم النقاش. فقد جادلت طالبة في المرحلة الثانوية قائلة إن "التوعية بوسائل منع الحمل يجب أن تُدرس في أواخر المدارس الابتدائية." وقال طالب آخر إن تعليم الجنس لا يجب أن "يدور حول المواضيع بطريقة ملتوية، لأنك ستعرف ذلك من الأطفال وأشياء أخرى. من الأفضل أن يأتي شخص ويخبرك مباشرة." وأشار أكثر من واحد منهم إلى أن لديهم زميلات  بالفعل حوامل.

ولمعالجة الموقف - وإطالة أمد النقاش - شكل مجلس المدرسة لجنة ستشرف، كما أوضحت ليزا بيوي في صحيفة "روك هيل هيرالد"، على "برنامج التعليم الصحي الشامل الذي تفرضه الولاية".

ثم تكررت المشهد المألوف: جلسات مطولة تناقش التفاصيل التافهة، وشكاوى قديمة تعاد إثارتها، وتنازلات محرجة. ثم بدأت سلسلة من الخُطب الغاضبة حول كتاب مدرسي معتمد من الولاية بعنوان "التربية الجنسية البشرية"، الذي تعرض لانتقادات لكونه "صريحاً جداً" بسبب "وصفه للعلاقة الجنسية". وأراد الآباء مواد تعليمية تركّز أكثر على العفة، حيث تم اقتراح كلاً من "تين-إيد" و"سكس ريسپكت".

وفي ديسمبر، تم التوصل إلى حل وسط. فسيتم تعليم الطلاب عن "الامتناع ووسائل منع الحمل." وسيتم اعتماد كتاب "التربية الجنسية البشرية" كمقرر دراسي، بينما سيُستخدم برنامج "تين-إيد" كمرجع للمعلمين.

وكان تعليم الامتناع يجد طريقه بوضوح إلى مناهج المدارس العامة على مستوى البلاد، غالبًا بناءً على طلب المشرعين في جميع المستويات. لكن الرأي العام الأمريكي أظهر دعمًا قويًا لتعليم الجنس الذي يشمل أكثر من مجرد "قل لا."

وبحلول منتصف عام 1988، وجدت إحدى الدراسات أن الولايات المتحدة "تؤيد بشكل عام تعليم الجنس والتعليم" حول "الإيدز، والأمراض المنقولة جنسيًا الأخرى، والامتناع، والوقاية من الحمل." ومن الواضح أن مسألة تعليم الجنس بقيت معقدة ومثيرة للجدل وغامضة-دون حل واحد يناسب الجميع في الأفق.

مقتطف من كتاب النضال من أجل تعليم الجنس: المعركة المئوية بين الحقيقة والعقيدة لمارجريت جريس مايرز. 2025.

الكاتبة: مارجريت جريس مايرز/ Margaret Grace Myers: مارجريت جريس مايرز كاتبة وباحثة ومعلمة وبائعة كتب سابقة مقيمة في ولاية مين. وهي مؤلفة كتاب النضال من أجل تعليم الجنس: المعركة المئوية بين الحقيقة والعقيدة. ظهرت كتاباتها في مجلات مثل The Cut وLady Science وGotham Gazette، إلى جانب منشورات أخرى. تحمل درجة البكالوريوس من كلية Skidmore، وماجستير الدراسات اللاهوتية من كلية هارفارد لللاهوت، ودرجة الماجستير في الفنون الجميلة في السرد الإبداعي غير الروائي من كلية Goucher.

***

حقائق تاريخية وفنية غفل عنها المشاهدون

كنت ومنذ صغري عاشقا للسينما. وكانت اغلب الأفلام المعروضة من صنف رعاة البقر. بيد ان شاشة سينما الوطني الصيفي وبالضبط في احد ايام عام 1958 كسرت ذلك التقليد بعرض فيلم هندي ملون سيخلد في الذاكرة الا وهو فيلم (أم الهند). وقد عرض الفيلم بعد ايام في سينما الوطني الشتوي بحكم ان مالك الدارين كان واحدا: المرحوم مجيد سلومي. ولصغر سني ومحدودية مداركي فقد صدمتني خاتمة الفيلم وخلفت في جوارحي أثارا سايكولوجية غير قابلة للتلاشي.

كيف انبثقت فكرة اخراج الفيلم ؟

كتب قصة الفيلم (بابوبهي، أ مهتا) اما السيناريو فأعده كل من (وجاهت ميرزا و س علي رضا) ومن اخراج (محبوب خان)، وتمثل الحافز الرئيس لإخراج (ام الهند) في رغبة كاتب النص والمخرج في إعادة الاعتبار للمرأة الهندية والتي تعرضت للانتقاص والتجريح عبر الكتاب الذي الفته الكاتبة الامريكية كاترين مايو الصادر في عام 1927 والذي حمل عنوان (ام الهند) والذي اختاره المخرج ليكون بمثابة الرد البليغ على النظرة الاستعلائية للكاتبة تجاه الهند وهي النظرة النابعة من الفكر العقائدي الامريكي ذي الطابع الكولونيالي ــ الامبريالي.لقد نظرت الكاتبة مايو الى الآمة الهندية على انها غير كفء لفكرة الاستقلال عن الامبراطورية البريطانية مشيرة الى سوء المعاملة التي كانت المرأة الهندية تعاني منها والى هند المنبوذين والممنوع لمسهم بسبب القذارة والأوبئة وتقديس الحيوان والحضور الهزيل لرجالها من ساسة البلاد. كما ان الكاتبة سلطت الضوء على الجنس حيث الذكور هم لبّ معضلة الغريزة التي تهوي بالذكور الى وهاد الاغتصاب والعادة السرية والشذوذ الجنسي واستباحة المحارم والأمراض التناسلية التي كانت تعد بمثابة طعنات نجلاء لمفاهيم الأمومة هناك. وقد استقبل الكتاب بقدر عال من السخط في عموم الولايات الهندية بل ان الزعيم الهندي مهاتما غاندي انتقد الكتاب بشدة. فقامت الجماهير ــ خلال مسيرات احتجاجية ــ بحرق الكتاب واضرام النار في صور المؤلفة. اذن فقد كان الفيلم المنجز في عام 1957 بمثابة تحدٍ لوجهات النظر التي طرحها الكتاب، والذي تمخض عن انجاز تلك الملحمة التي عدت بمثابة الخطوة الاولى في عوالم (بوليوود). وقد اكد الفيلم على الروح الهندية النقية والكامنة في جوانح المرأة قبل الرجل.

هذا هو الجانب الرئيس في اشكالية العنوان ــ على الصعيد التاريخي ــ اما على الصعيد اللغوي فالترجمة التي كانت هدف العنوان هي (امنا الهند Mother India) بيد ان العنوان الأخير سيكون تقريرا مباشرا لاسيما وان أحداث الفيلم اشارت الى الايماءات البلاغية لأحداث الفيلم المستضئ بالفكر الهندوسي. ولقد آثر المخرج نفس عنوان الكتاب الامريكي ليكون بمثابة الرد البليغ على كاترين مايو. وحين عرض المخرج فكرة الفيلم، ترددت اللجان الرقابية هناك في كون الاصدار سيشكل خطورة على الصالح العام الهندي لكن محبوب خان ارسل صفحتين ضمتا خلاصة احداث الفيلم مرفقا به بعض التوضيحات التي حدت به للتفكير في انحاز فيلم ملمحا الى الكتاب ومؤكدا بأن الفيلم يحمل طابع التحدي لمضمون الكتاب وما ورد فيه من اساءات.. وهكذا حصلت الموافقة.1737 india

قصة الفيلم

في سنة 1957 اكتمل شق قناة في احدى القرى الهندية حيث نظر الى (رادها) بطلة الفيلم على انها الأم الكبرى في القرية حيث يطلب منها تدشين ذلك المشروع الاروائي فتشرع في تذكر ماضيها ويوم زواجها.لقد كانت نفقات زفاف الزوجين (رادها وشامو) قد سددت من قبل حماتها التي اقترضت ذلك المبلغ من المرابي (ساخيلالا). وكانت شروط ذلك القرض مرهقة وباعثة على الجدل.والأنكى ان أهل القرية وقفوا في صف ذلك المرابي مما اضطر الزوجين الى بيع ثلاثة ارباع المحصول من اجل تسديد القرض.وبينما كان شامو منهمكا بالعمل في الحقل، وقعت على ذراعيه صخرة كبيرة ليفقدهما الى الأبد ! وبسبب شعوره بالعجز وسخرية المرابي من اتكاله على مورد زوجته المالي، يقرر شامو ان يترك البيت الى عوالم الموت جوعا.في تلك الاثناء يموت ابنها الاصغر وحماتها ثم تجتاح القرية عاصفة جبارة وتتلف حصاد حقل الاسرة. فيهتبل المرابي الفرصة عارضا على رادها تسهيلات مالية لقاء بيع جسدها اليه.في بادئ الأمر أراد اهل القرية الفرار منها الا أنهم عدلوا عن ذلك بتأثير من قبل (رادها). وبعد مرور عدد من السنين يصبح الشقيقان (رامو) و(برجو) رجلين راشدين. وكانت شخصية رامو تميل الى المسكنة وعدم مخالفة أوامر الأم على العكس من (برجو) الذي لقي عنتا وشعورا غامرا بالحيف امام سطوة المرابي ليتحول الى فتى متمرد ساخط على المرابي فيتعمد التحرش بـ (روبا) ابنة المرابي ومضايقتها الى الحد الذي يمسي فيه شخصا بالغ الخطورة.وفي يوم من الأيام يقوم برجو بالسطو على بيت سيخلالا وسرقة خلخال ابنة المرابي الذي هو في الاصل ملك للأم رادها التي تضطر لابلاغ المرابي بأنها لن تدع ابنها برجو يسبب ضررا له او لأسرته. وفي يوم زفاف (روبا)، يقوم برجو مع عدد من أتباعه بالانتقام من المرابي عن طريق قتله والعودة الى الغاب غير ان (ام الهند) تطارد ابنها الى حيث مخبأه وتطلق النار عليه ليلقى مصرعه بين ذراعيها. وفي خاتمة الفيلم تظهر رادها وهي على وشك فتح بوابة السد ليتدفق الماء احمر قانيا بلون الدم نحو الحقول!

فريق العمل

ولدت فاطمة عبد الرشيد ــ التي ستعرف فيما بعد باسم نرجس ــ في الاول من حزيران 1929 بمدينة كلكتا ابان الحكم الكولونيالي البريطاني. وكان اول ظهور لها على الشاشة الفضية عام 1935 حين كانت في السادسة من العمر لتبدأ مسيرتها الفنية التي ناهزت الستين فيلما سينمائيا.من اشهر أفلامها (الحريق 1948)، (باروسات 1949)، (المتشرد 1951) لتتوج مسيرتها الفنية بالفيلم الاجتماعي الملحمي (ام الهند 1957). رحلت في الثالث من مايس 1981 عن عمر ناهز الحادي والخمسين سنة بعد معاناة طويلة من سرطان البنكرياس. نالت العديد من الجوائز المحلية والعالمية. اما سونيل دوت الذي ادى دور ابنها المتمرد (برجو) فكان من مواليد 1929 وسيصبح زوجها الحقيقي فيما بعد. وهو والد الممثل الشهير سنجاي دوت الراحل سنة 2005. واشترك في الفيلم كل من (راج كابور) الذي يعد واحدا من اعظم الممثلين الهنود وصانعي الافلام العصية على النسيان. برز في ادوار مثل (ام الهند) و(سنغام) وعشرات الافلام التي جعلته ينال ارفع الجوائز. كما اسهم في الفيلم كل من راجندرا كومار الذي ادى دور (رامو) والممثل القدير (راج كومار) الذي مثل دور الأب شامو وخانيالال الذي مثل دور المرابي الجشع وآخرون.

صورت مشاهد الفيلم في استوديوهات (محبوب) بمدينة بومبي وفي اماكن اخرى. وكانت ميزانية الفيلم الأعلى قياسا بميزانيات افلام تلك السنوات غير ان الفيلم حصد ارباحا خيالية.

شهد دور السينما الهندية العرض الأول للفيلم في تشرين الأول من عام 1957 ليصبح علامة فارقة في التراث السينمائي الهندي.

لقد عزز الفيام مكانة المرأة في المجتمع الهندي كمصدر قوة ضد النظرة الذكورية الدونية اضافة الى ان (محبوب خان) قد استلهم أحداث واحد من افلامه المبكرة (امرأة Aurat1943) والذي قام باخراجه في عام لصالح (أم الهند .وعلى صعيد وجهات النظر افاد المخرج من جوانب في الفلسفة الهندوسية تقدس دور المرأة في المجتمع الهندي. ومن العوامل التي أعانت الممثلين على ضخ قدر كبير من العفوية قيام نرجس وراج كومار (زوج رادها) بتنفيذ معايشات حقيقية في الحقول كالحراثة والحصاد والبذار وقطف القطن قبيل تصوير الفيلم، اضافة الى اعتماد الرقص والغناء على نماذج من الواقع المحلي لاسيما في مناطق الريف الهندي.

مرجعيات الفيلم

ثمة تماهيات بين ام الهند وافلام عالمية اخرى. فمن الواضح تأثر (ام الهند) بالسينما السوفييتية مثل فيلم (الأم 1927) الصامت وكذلك مع فيلم (خبزنا اليومي) وهو من اخراج كنغ فيدور 1934. اما الناقد الامريكي المعتمد لدى صحيفة (النيويورك تايمز) ديفد كيهر فيؤكد قائلا: " من الواضح وجود تشابهات بين فيلم (ام الهند) وفيلم (ستيلا دالاس 1934) من واقع التماهي الملحوظ في مشاهد التضحية التي تضطلع بها المرأة في كلا الفيلمين " كما ان تأثيرات فيلم (ذهب مع الريح) تبدو واضحة على بعض مشاهد فيلم (ام الهند).ولقد اعتمدت موسيقى الفيلم على لمسات من الموسيقى العالمية مزجت مع الموسيقى المحلية من اجل تجسيد الخصال الروحية التي تتمتع فيها المرأة الهندية كقيم الشرف ومقاومة النزعات العدوانية على الصعيدين الاجتماعي والغرائزي، لاسيما في المجتمعات الريفية.

جوائز وتقييمات

نال مخرج الفيلم مهبوب خان وبطلته نرجس العديد من الجوائز والتزكيات اذ فازت نرجس عام 1958 بلقب افضل ممثلة لمؤسسة (فيلمفير) لعدة مرات كما انها عدّت اول ممثلة هندية تفوز بلقب افضل ممثلة في مهرجان (كارلو فيفاري) العالمي في تشيكوسوفاكيا لعام 1958.كما نال محبوب خان عددا من التكريمات ذات الطابعين المحلي والعالمي. وهناك جوائز اخرى لكل من الكاتب السينماتوغرافي فريدون ايراني فيما خصصت جائزة المؤثرات الصوتية للفنان (كوشيك)، اضافة الى ترشح الفيلم لجائزة الاوسكار واقترابه من منصة الفوز بالجائزة الاكاديمية لولا تقدم فيلم فلليني المعنون (ليالي كابيريا) عليه. كما تمت دبلجة الفيلم الى العديد من اللغات العالمية، مما اصاب محبوب خان بالاحباط حسبما ما ذكره لسونيل دوت بعد سنين.مؤكدا تفوق (ام الهند) على الأفلام الفائزة.

ويبقى فيلم (ام الهند) خالدا في الذاكرة.

***

محمد سهيل احمد

تقول المستشرقة الإسبانية «فرخينيا لوكي»: “إنّ تغيير إسم " مسجد قرطبة الأعظم" إلى " كاتدرائية قرطبة"  يتنافى مع المبادئ التي صادقت عليها منظمة اليونسكو العالمية فى باريس التي تقرّ بالطابع الإسلامي لهذا المسجد التاريخي العظيم والتي كانت قد أعلنت منذ عام 1984 بأنه تراث ثقافي  ومعماري للإنسانية جمعاء”.

كما كان المستشرق الإسباني «أنطونيو شافيس» من جامعة اشبيلية قد عبّر عن استغرابه ودهشته من هذا الصّنيع، حيث أنه تحت ذريعة إبراز الطابع الأندلسي للمسجد تتمّ الإشارة في هذا الفيديو إلى التأثيرات الهلينية والبيزنطية ولا تتمّ الإشارة إلى الطابع العربي والإسلامي لهذه المعلمة التاريخية الفريدة إلاّ لماماً. كما نجد على تذاكر الدخول إليها  كلمة الكاتدرائية أو كاتدرائية قرطبة تتكرّر مرّات عدّة، في حين تختفي كلمة مسجد.

" روح قرطبة"

ويأسف هذا المستعرب كيف أنّ قرطبة ومسجدها كانا دائماً رمزاً ومثالاً للتسامح والتعايش والتفاهم والتقارب والتداني بين الثقافات والديانات في أبهى عصورها على امتداد التاريخ، ولا يظهر ذلك خلال هذه الجولات الليلية لهذا المشروع الثقافي، والتاريخي، والسياحي الذي أطلق عليه اسم “روح قرطبة”، حيث يتمّ التركيز فقط خلال هذه التفاسير على كلّ ما هو معماري مادّي ملموس بدون استبطان، أو تبيان، أو استكناه أو إبراز روح المسجد الكبير الذي طبقت شهرته الآفاق منذ تأسيسه عام 785م (92 هجرية) على يد الأمير الأموي عبد الرحمن الأوّل الداخل المعروف بـ “صقر قريش”، والذي تمّ تجديد بنائه، وترميمه، وتوسيعه في تواريخ لاحقة في مناسبات أخرى من طرف الأمراء والخلفاء المسلمين الذين تعاقبوا بعده على حكم الأندلس.

كانت زيارة هذه المعلمة الإسلامية الكبرى تتمّ من قبل نهاراً فقط. وقد أصبحت الزيارات الليلية تستغرق اليوم حوالي السّاعة، باستعمال ثماني لغات حيّة، بما فيها اللّغة العربية، قبل افتتاح مسجد قرطبة في وجه السياح ليلاً باستعمال الصّوت والضوء والتكنولوجيات المتطوّرة لأول مرّة تفتتح المسؤولة عند تقديم الشّروح، والإرشادات التي لها صلة بهذه الزيارة بقولها: “كاتدرائيّة قرطبة تُرحّبُ بكم”!، يتمّ ذلك على أنغام موسيقية ذات طابع غريغورياني  كنسي ثمّ يبثّ فيديو وثائقي مقتضب حول المراحل التاريخية التي عرفتها قرطبة ومسجدها الأعظم.1687 cordoba

أكبر مهرجان للشعر العربي

خلال العام الجاري (2025)، تكون قد مرّت إثنان وستّون عاماً على مهرجان الشّعر العربي الذي أقيم عام 1963 في قرطبة. وقد شارك فيه العديد من الشّعراء العرب ممّن كانوا ذوي شهرةٍ واسعة في ذلك الوقت، في طليعتهم نزار قباني. وشهد المهرجان أكبر تجمَّع للمستعربين على الصّعيدين الوطني والعالمي بحجم لويس سيكو دي لوسينا، وأستاذنا في الجامعة في مدريد الراحل بيدرو مارتينيث مونتافيث، وميغيل كروث هيرنانديث، وهنري تيراس، وسواهم. وقد تغنّى الشّعراء العرب والإسبان بتاريخ المدينة، وشاركوا مع المستعربين الإسبان في ندوة سلطوا خلالها الأضواء على تاريخ قرطبة كما قاموا حينها بزيارة تاريخية إلى مسجدها الأعظم.

قرطبة الغرّاء حاضرة فاقت كل الأمصار

تخبرنا معظم المصادر أنّ حاضرة قرطبة كانت درّة الأندلس التي حظيت بشهرة واسعة في القرون الوسطى، حيث ناهزت قصورها الآلاف، وبلغت حماماتها سبعمئة، وكان فيها 160 مسجداً، وشوارعها

مرصوفة وتُضاء ليلاً، وفاق عدد سكانها المليون نسمة. أما مسجدها فكان يتّسع لثمانين ألف مصلّ.

يقول ابن زيدون فى أبيات تشعّ حنيناً، ومحبّة، وهياماً بمدينته الأثيرة:

أَقُرْطُبةُ الغَرَّاءُ هل فيكِ مَطْمعُ  / وهل كَبدٌ حرَّى لبَيْنِكِ تُنْقَعُ؟

وهل للياليكِ الحميدةِ مَرْجِعُ  / إذِ الحسنُ مرأًى فيكِ واللهوُ مَسْمَعُ

ويقول الشاعر القرطبي الفقيه بن عطيّة الأندلسي:

بأربعٍ فاقتِ الأمصارَ قرطبةٌ / هي قنطرة الوادي وجَامعها

هاتان ثنتان والزّهراءُ ثالثةٌ  / والعِلمُ أعظمُ شيءٍ وهو رابعُها.

كان أسقف قرطبة السابق مونسنيور «ديميتريُو فيرنانديث غُونساليث» مع ثلة من رجال الدين الكنسييّن قد  عمدوا على استبدال اسم «مسجد قرطبة» كما يُنعتُ ويُعرفُ عند القرطبيّين منذ ثلاثة عشر قرناً، باسم  : «كاتدرائية قرطبة»، وكان  هذا الصنيع قد أثار ردود فعل متباينة غاضبة لدى مختلف المواطنين العادييّن الإسبان من سكان قرطبة  على اختلاف مشاربهم على وجه الخصوص، وكذا لدى مختلف شرائح المجتمع الاسبانيّ على وجه العموم من سياسيّين، وكتّاب، ومؤرّخين، ومُستعربين وسواهم الذين استنكروا هذه الإجراءات، وتساءلوا: كيف يمكن تغيير اسم مَعْلمة تاريخية ذائعة الصّيت تحمل اسم مسجد منذ القرن الثامن الميلادي؟1686 cordoba

قرطبة: بيزنطة الغرب

الحديث عن قرطبة التي كانت تلقب ب " بيزنطة الغرب"  حديث ذو شجون، يجرّنا بالضرورة إلى مسجدها الجامع الأعظم، وهو وحده يكفي لتقديّم الدليل القاطع على عظمة العهد العـربي – الأمازيغي في هذه المدينة وجلال ورفعة وسموّ الحقبة الإسلامية بها.

يقول الناقد «ميشيل بوتور»: " إنه من سخف الأقدار أن يعمل الإنسان على إضفاء الطابع غير الإسلامي على المسجد" . إن ذلك في نظره بمثابة اختراق رمحٍ سام أو خنجرٍ حادّ لقلب مؤمن تقيٍّ ورع، إنّ الإضافات التي ألحقت بالمسجد على مرّ التاريخ كانت من السّخف حتى أمست أضحوكة في أعين كل من زاره، ليس فقط عندما أقحمت كاتدرائية مُصغّرة في قلب المسجد التي تبدو وكأنها غارقة في غابة من الأقواس والأعمدة ذات الرّونق العجيب والتي شيّدت بأشكال هندسية ومعمارية تحيّر الناظرين، وقد أصبحت هذه الكاتدرائية كحَجرة رمي بها وسط غدير جميل فغطتها المياه! إنها تحُول دون رؤية جمالية البناء، والاستمتاع بسحره وجلاله، إنها تبدو كفقاعة من ملل تفسد هيبة المكان التاريخي والعمراني الفريد . ويقول الكاتب نفسه: " إنّ الجهود التي بذلت لهزيمة الخصم قد باءت بالفشل، وقد انتصر الأصل دون إعلان أو قيام أيّ حرب!" .

ويشير كذلك إلى أن الندم والتأسّف لا بد أنهما قد صاحبا العديد من سكان المدينة من القرطبييّن على امتداد التاريخ حكّاما ًكانوا أم مواطنين عادييّن أو مثقفين من جراء محاولات إفساد أجمل معلم حضاري معماري في مدينتهم، بل أجمل المعالم قاطبة التي شيدتها يد شريفة في التاريخ.

ويرى «بوتور» انّ الإمبراطور كارلوس الخامس، ملك إسبانيا وإمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة، هو الذي كان قد سمح من بعيد ورخّص ببناء هذه الكاتدرائية وسط المسجد الجامع، إلاّ أنه عندما حضر إلى قرطبة، وقام بزيارة المسجد الجامع لأوّل مرّة ورأى النتيجة، نتيجة الصّراع، لم يكن في وسعه إلاّ أن يعلن هـزيمة الحزب الذي ساند وأيّد. وقد سجّل له ذلك التاريخ في كلمات مشهورة ومؤثّرة له لا بدّ من إعادة سردها وتذكير القرّاء الكرام بها في هذا المقام.

الإمبراطور كارلوس الخامس عندما دخل لأوّل مرّة إلى مسجد قرطبة الأعظم ووقعت عيناه على الدّير الذي بني بداخله صاح في رجال الدين غاضباً فقال: “ويحكم ماذا فعلتم؟! والله لو كنت علمتُ بما كنتم تنوون القيام به لما سمحتُ لكم بذلك، لأنّ الذي شيّدتم هنا يوجد في كل مكان، وأمّا الذي كان موجوداً هنا فهو فريد وليس له نظير في أيّ مكان ”!.

***

د. السفير محمد محمد خطابي

كاتب وباحث ومترجم من المغرب

لم يكن "حزن للبيع" هو الفيلم الوثائقي الثقافي الأول للمخرج الدؤوب هادي ماهود وإنما سبقه فيلم "تراتيل السومري" الذي كرّسه للشاعر غيلان حوشي علي سنة 1998م. وكان يتحرّق شوقًا لإنجاز أفلام وثائقية ثقافية أخرى تغطي غالبية الأدباء والفنانين والمثقفين العراقيين المبثوثين في المنافي الأوروپية والأمريكية لكن ضيق ذات اليد وتقصير المعنيين بالشأن السينمائي كان يقف حائلًا أمام تنفيذ مشاريعه السينمائية المهمة. ولولا دعم الدكتور جبار جودي، نقيب الفنانين العراقيين، ومدير دائرة السينما والمسرح لما رأى هذا الفيلم النور. ومهما كان حجم هذا الدعم فقد أتاح للمخرج هادي ماهود أن يسافر من العراق إلى المملكة المتحدة ويتنقل بسلالة بين مانشستر ولندن تارة وبين السماوة ومدينة الخضر تارة أخرى ليتابع قصة حياة الشاعر خالد العامري التي تصعب، هي الأخرى، أن تُختصر بفيلم وثائقي مدته 25 دقيقة أو أكثر بقليل، فمادة الفيلم الخام الموجودة بين يديّ الآن قابلة للزيادة والنقصان، فمن الممكن أن يصبح الفيلم 30 دقيقة أو أكثر إذا تحقّق نَصب تمثال الشاعر خالد العامري الخضري واحتفت جماهير مدينة الخضر بإزاحة الستار عنه في الأيام القادمة.

لم يختر المخرج هادي ماهود الكثير من المتحدثين في هذا الفيلم وإنما انتقى الصفوة من الأصدقاء الذين عمل معهم في "صوت الشعب العراقي"؛ الإذاعة العراقية المُعارِضة التي كانت تبث برامجها من جدة في المملكة العربية السعودية أمثال الشاعر عبدالحميد الصائح،والكاتب عودة وهيب وآخرين لا يسع المجال لذكرهم جميعًا من بينهم الشاعر خالد العامري نفسه، ومخرج الفيلم هادي ماهود، والمذيعة اللبنانية هدى المهتدي الريّس التي تظهر ظهورًا خاطفًا وتتوارى بعد عدد من الجُمل الاحترافية القصيرة. وعلى الرغم من قلّة المتحدثين الذين لم يتجاوزوا السبع شخصيات إلّا أنهم قالوا أشياء مهمة تسلّط الضوء على شخصية الإنسان والشاعر خالد العامري الذي رأيناه وهو يتنقّل بين خمس مدن رئيسة وهي الخضر والسماوة ودُبي وجدة ومانشستر التي استقر فيها أخيرًا وبدأ يبحث فيها عن حُسن الختام.1545 mahod

الحنين إلى ملاعب الطفولة والصبا

يتمحور هذا الفيلم على ثيمات متعددة من بينها مناهضة النظام الدكتاتوري في العراق في حقبة السبعينات وما تلاها من عقود وهي التي كانت السبب في هجرته أو اقتلاعه القسري من مدينته التي ظل متشبثًا بها، ومن العراق الذي يحبّه إلى درجه الهوس والجنون. كما تأتي الغربة كثيمة ثانية مهمة بنى عليها المخرج فيلمه، وتتبّع أحداثه بشكل مرهف ودقيق. لا يمكن لمُشاهِد هذا الفيلم أن يغضّ الطرف عن فكرة الحنين إلى ملاعب الطفولة والصبا، وأيام اليفاعة والشباب قبل أن يحزم حقيبته ويقرر الرحيل إلى دولة الإمارات العربية المتحدة التي بدأت تتنفس الصعداء بعد الاتحاد في أوائل السبعينات من القرن الماضي. كما يتناول الفيلم جوانب متفرقة من المنجز الشعري لخالد العامري بين الأعوام 1979 و 2025 الذي بلغ ست مجموعات شعرية وهي "تِگلّي ارتاح..؟" و "بنت الملك" وهما مجموعتان شعريتان صوتيتان، و "قطار الـ ياريت" و "الملحمة الخضرية" و "حزن للبيع"، إضافة إلى "أنين الغربة" وهي مجموعة شعرية بالفصحى صدرت عام 1984م عن مؤسسة البيان للصحافة والنشر بدبي. ولديه الكثير من القصائد التي تنتظر أن ترى النور قريبًا.

يعالج الفيلم أيضًا ثيمة المرض المستعصي، فقد أُصيب الشاعر خالد العامري، مع الأسف الشديد، بسرطان الكبد الذي انتشر، كما تقول قصة الفيلم في الدم وأماكن أخرى من الجسد وقد حدّد الأطباء المشرفون على علاجه الأشهر القليلة المتبقية لديه لكنه بعزمه الشديد وإرادته الصُلبة تغلّب على هذا المرض وانتصر عليه، وقد تجاوز المدة التي حدّدها الأطباء ببضعة أشهر وهو يواصل الآن مختلف أنشطته الثقافية والإبداعية بين مانشستر ولندن ويشارك في قراءاته الشعرية الجميلة التي تغلّفها غلالة من الحزن الشفيف.

أصدقاء الغيم وحرّاس الأنهار الشرسة

اختار المخرج هادي ماهود حديثًا مهمًا للشاعر عارف الساعدي، وهو للمناسبة المستشار الثقافي لرئيس الوزراء، يقول فيه عن السماوة العريقة بأنها  "لا وظيفة لها إلّا بإنتاج الأبناء المخلصين" ويصف السماويين بأنهم "أصدقاء الغيم وحرّاس الأنهار الشرسة".

يستأنس المخرج برأي الشاعر الشعبي الماركسي ناظم السِماوي الذي تعرّض للسجن ومضايقات النظام السابق ويقول عن الشاعر خالد العامري بأنّ الغربة صنعت منه إنسانًا آخرَ يتمع بالهُوية الوطنية العراقية خارج حدود الوطن، وهو يشكّل إضافة جديدة في الثقافة العراقية. ويختم السِماوي حديثه بالقول:"سيبقى هذا الشاعر رمزًا من رموز الحركة الشعرية العراقية المليئة بالحُب والوطنية والإنسانية والشرف الأخلاقي".

يطل علينا الشاعر حسين عبيد وهو صديق العامري منذ أيام الصبا والشباب، وقد شرعا بكتابة الأغاني الشعبية للإذاعة ثم تطورت موهبتهما الشعرية شيئًا فشيئًا فأخذ العامري يكتب قصائد الحُب والغزل التي اشتهر بها. كما يتذكر حسين عبيد أول قصيدة كتبها في هذا الصدد مُذكرًا إيّاه بذكرى جميلة لم تغادر ذاكرته أبدًا يقول فيها:" تنسى الخضر / تنساني تقبل غيرتك / وبگلبي ما ظل كل صبر / تذكر أيام المدرسة / لمحبوبتك نوگف سوه بوگت الظهر". تنقّل العامري، كما يذهب حسين عبيد، إلى مدن الغربة التي أشرنا إليها سلفًا، وعرّج على السياسة، ثم انهمك في العمل الإذاعي قبل أن ينتقل إلى مانشستر، المدينة التي لا تؤمن إلّا بالحديد حيث تضاعفت غربته عمّا كان عليه في دبي والمملكة العربية السعودية. ولعل سبب هذه الغربة القاسية يعود إلى تجذّره بمدينة الخضر نهرًا وشاطئًا وبساتين مخضرّة على مدّ البصر. أمّا عن كتابته للقصيدة الشعبية فيقول حسين عبيد بأنّ خالدًا يكتب الشعر بطريقة متفردة تختلف عن الشعراء الشعبيين العراقيين برمتهم، فهو يكتب شعرًا موزونًا أو يعتمد على التفعيلة، ونادرًا ما يخرج في كل قصائدة عن تفعيلة واحدة. وديوانه الموسوم بـ "الملحمة الخُضرية" مكتوب بوزن واحد وتفعيلة واحدة لكنه لم يُحدد هذا الوزن، ولم يسمِّ تلك التفعيلة.

مُقارعة المرض الخبيث

لم يعتمد المخرج على تقنية  الـ " ڤويس أوڤر" وإنما استعاض عنها بالكتابة لتلخيص قصة مرضه بواسطة الكتابة على الشاشة بأسطر معدودات يقول فيها:"أُصيب خالد بسرطان الكبد وانتشر المرض في الدم وأماكن أخرى، ووصل المرض إلى درجة عَجَزَ الأطباء عن إيقافه. أبلغوه بأنّ الوقت المتبقّي له لا يتعدى الأربعة أشهر فقط. واجه خالد المرض بقوة ولم يستسلم وتجاوز بإصراره الزمن الذي حدّدهُ الأطباء".

انتقى الشاعر خالد العامري عشر قصائد قرأها على مدار الفيلم، ولعل المخرج قد ساهم في بعض هذه الاختيارات باعتباره مُطلًا على غالبية ما كتب العامري من أشعار، فهو صديقه الحميم، ورفيق غربته في المملكة العربية في الأقل. مَن يتمعّن في هذه القصائد الجميلة والمؤثرة سيكتشف من دون لأي أنّ المخرج قد بنى الهيكل العام لفيلمه على هذه القصائد العشر. كما أفاد من عنصر التأثيث الذي شيّدته الشخصيات المتحدثة الأخرى مثل الشعراء والكُتّاب ناظم السماوي، وحسين عبيد، وعبدالحميد الصائح، إلى جانب صاحب الديوان الحاج جبيّر، والعامل المتواضع سعد ستار ونّاس إضافة إلى شخصية الفيلم المحورية الشاعر خالد العامري الذي أطل علينا خمس مرات قال فيها أشياء كثيرة أفصحت عن أحاسيسه، ومشاعره الداخلية، وتوجهاته الفكرية، ورؤيته الفلسفية لرحلة الحياة التي أمضاها في غربة مضاعفة، وأوصله الحنين إلى الوطن إلى درجة العزلة القاسية والتوحّد مع الذات التي استلبها العسف والتجبّر والطغيان.1544 mahod

صندوق العرس العتيق

لا يمكن الإلمام بثيمات ومضامين ديوان "حزن للبيع" الذي يتألف من 95 قصيدة ولا يمكن الإحاطة حتى بثيمات القصائد العشر التي اختارها الشاعر والمخرج معًا لأنها كثيرة ومتعددة ومتداخلة مع بعضها بعضًا. وسنأتي عليها تباعًا ثم نختار أبياتًا أو مقاطعَ منها لتأكيد صحة ما نذهب إليه. فالقصيدة الأولى التي تحمل عنوان "حانة وسكران ومجنونة" تتمحور على الحياة التي تمشي بخُطى متسارعة وتكون عُرضة للتبدّل والتغيّير ويختمها ببيت شعري جميل وشديد الدلالة مفاده:" صندوگ العرس اللي يعتگ / ينباع بسوگ الحُب خرده" والنص الثاني يدور حول الاغتراب في هذا الزمن ويمكن ملاحظة ذلك من هذا البيت تحديدًا الذي يقول فيه:" لا دار عنده لا وطن / متغرّب بهذا الزمن". أما القصيدة الثالثة فيختمها ببيت شعري يثلج الصدر وهو يتناول بعبقرية فذّة تصوير الحكّام الجبابرة والنرجسيين والطواويس الذي يتناوبون على حكم العراق بالحديد والنار الذي يفضي في الأعمّ الأغلب إلى حمّامات الدم، والمقابر الجماعية، والحزن المعتّق الذي ينطبع في الذاكرة الجمعية العراقية حيث يقول:" خلّصنا العمر كلّه تروح چلاب وتجينا چلاب". ورغم قساوة التوصيف إلّا أنها حقيقة دامغة لا يمكن أن ينكرها إنسان حصيف. ربما تكون كلمة الحزن هي الصفة الأبرز في شعر خالد العامري وفي حياته الشخصية بشكل عام حتى أنه أصدر ديونًا شعريًا كاملًا بعنوان "حزن للبيع" نختار منه هذا المقطع اللافت للانتباه:" حزن عندي أدوّر له على شرّاي / أظل طول العمر ممنون له بهاي / حزن مو أي حزن ما يصح تلگاه / ربّيته على جرحي وضيم دنياي". تشتمل القصيدة الخامسة على مجموعة من الاستذكارات التي تتعلق بالنهر والشاطئ والمدينة نقتبس منها الأبيات الآتية:" على شاطي الخضر يا ليل أحلى سنين عشناها / غِنا واصبع يطگ وهيل وصوت عبيد غنّاها / غِنا واصبع يطگ وكيف راحن يا ألف ياحيف / گلي بروح أبوك شلون أحلى أيام أنساها". لا تعرض القصيدة السادسة حزنها للبيع لأن اختصاص البائع هنا هو بيع الأقمشة رخيصة الثمن إلى الناس الفقراء المُبعَدين عن الحياة المخملية التي تقع أصلًا خارج دائرة اهتمامهم.

تتناول القصيدة السابعة ثيمة الكرم، وحسن الوفادة، وطيبة أهالي المدن الصغيرة النائية وربما يكون حجي جبيّر هو أنموذج للكرم والطيبة والوفاء حيث نقرأ:" حجي جبير يا وجه الأيام الخيّر / يا ديوان الچلمة الحلوة / التجبر خاطر كل مسيّر / كل الناس الحلوة الطيبة حجي جبيّر / ما يتكرر وما ظن مثله هناك اثنين".

يتألق الشاعر في قصيدته الثامنة التي يؤنسن فيها البيت القديم الذي تهدّم وخوى على عروشه حيث يدخل الشاعر في حوار إنساني مؤثر مع هذا المنزل المتداعي الذي يقف على قدميه بالكاد. نقتبس منها الأبيات الآتية:" سيّرت طير على بالچ جابته أشواگ السنين، ردت أشوف آنا على بالچ / لو صدگ ضاع الحنين / شفت كل طابوگه تبچي / ومن خراب البيت تشچي / صحت يا غربة زماني / وين دربك يا الغريب".

الشخصيات المتواضعة وبراءة التعبير

ينتبه المخرج هادي ماهود، ليس في هذا الفيلم فقط، وإنما في غالبية أفلامه الأخرى إلى الشخصيات البسيطة المتواضعة ويعطيها مساحة، قد تكون واسعة أحيانًا، للمشاركة في أفلامه الوثائقية على وجه التحديد. وفي هذا الفيلم، وهنا نرى ونسمع العامل سعد ستار ونّاس الذي ارتأى أن يسمّي محل عمله بـ "محطة الشاعر خالد العامري الخضري لغسيل كافة أنواع السيارات" لأنه يعتز بهذا الاسم ويعتبره رمزًا من رموز مدينة الخضر. وعندما التقاه أول مرة حينما جاء إلى مدينة الخضر بعد غياب طويل وجد فيه إنسانًا بسيطًا ومحبوبًا لذلك سمّى المحطة باسمه، وهذا كل ما يستطيع أن يفعلهُ، وفي المرة القادمة سوف يسجّل هذه المحطة باسمه.

يحظى الشاعر والإعلامي عبدالحميد الصائح باهتمام كبير من قِبل المخرج هادي ماهود فهو صديقه الحميم، ورفيقه في العمل السياسي المعارض، وشريكه في الاهتمامات الثقافية والفنية التي تمتد لعقود طويلة من الزمن. كما أنه صديق الشاعر خالد العامري وزميله في العمل المعارض ذاته. ولهذا السبب فإنّ شهادته مهمة جدًا في هذا المضمار حيث يقول الصائح:"كنتُ حريصًا على أن تخرج تجربة خالد للناس فجمعت له قصائد مجموعة "قطار الـ يا ريت". ويضيف من موقع العارف بهذه الشخصية المُقرّبة إلى نفسه والتي يعرف تفاصيلها من كثب:"بأنّ الهجرة لم تُغيّر من طباع خالد العامري الذي عاش في دولة الإمارات العربية المتحدة التي لا تُعتبر دولة خليجية حسب، وإنما هي حاضرة ثقافية ومدنية واسعة تكاد تكون ملتقى لثقافات العالم". يسجّل الصائح ملحوظة مهمة حينما يقول:"أنّ خالدًا قد حفظ مدينة الخضر وطباعها وحينما تأتي إلى خالد الذي عاش في المهجر كثيرًا تجده وكأنه قد جاء من الخضر توًا ولم يخرج من العراق قبل أربعين سنة". وأكثر من ذلك "فإن خالدًا لا يستطيع أن يعيش في مدينة مثل مانشستر؛ مدينة ساكنة بلا حركة وبلا روح لأنّ حنينه للخضر والسماوة وللعراق هو حنين غير طبيعي، وأنا أول مرة في حياتي أشاهد شخصًا مريضًا بالحنين إلى الوطن بهذه الدرجة". ومع أنّ الشاعر عبدالحميد الصائح هو أقدر الناس في الحديث عن تجربة خالد العامري الشعري إلّا أنه اكتفى بالقول:( إنّ شعره حلو فجمعتُ له هذه القصائد وطبعناها في ديوان "حزن للبيع") لكنه لم يبيّن لنا مكامن الجمال سواء في الأشكال الشعرية أو المضامين التي تدور حولها قصائده المميزة التي يحبها السامع العراقي على وجه التحديد. ويضيف الصائح قائلًا:"أنا عشتُ مع خالد مدة طويلة من الزمن حيث اشتغلنا في إذاعة كانت مُوجهة ضدّ نظام صدّام، والحقيقة أنّ صوت خالد هو الصوت الذي حارَ بِه العراقيون لمدة طويلة من الزمن لأنه كان يقلّد صوت صدام بالضبط".

ولتأكيد هذا الشبه الكبير في تقليد الأصوات يقول الكاتب عودة وهيّب الذي كان يعمل في الإذاعة المعارِضة نفسها:"قال صدام حسين للقوات المسلحة العراقية إذا سمعتم أمرًا بالانسحاب بصوتي لا تصدقوا ذلك لأنّ هناك شخصًا يقلّدني". وأضاف بأنّ شعر أبو سيف "خالد العامري" قد أوجعني في المدة الأخيرة وكأنه كان ينعي نفسه فكنت أتألم جدًا حينما أقرأ له".1546 mahod

نرجسية القادة العراقيين

لعل الإذاعة المعارِضة قد انتبهت إلى مسألة مهمة جدًا وهي نرجسية العديد من القادة الذين تناوبوا على حكم العراق وعاثوا فيه فسادًا حيث نسمع الكورَس المسرحي وهم يقولون بصوت جماعي:"في كل عشرين سنة يأتي إلينا نرجسي عاشق لذاته ليدّعي بأنه المهدي والمُنقذ والنقيُّ والتقيُّ والقويّ (ثم يأتي صوت خالد العامري مُقلدًا صدام) .. والواحدُ والخالدُ والحكيمُ والعليمُ والقدّيسُ والإمام. (ثم يُكمل الكورَس) واليوم يأتي بيننا صدّام ... (الصوت المُقلّد ثانية) .. وتوكلتُ على الله وقررتُ أن أركب الشعب العراقي من الآن إلى يوم القيامة".

تُعد المذيعة اللبنانية هدى المهتدي الريّس أحد الشخصيات المشاركة في هذا الفيلم وإن اقتصر حضورها على جملة واحدة تقول فيها بنبرة احترافية واضحة:" نواصل رحلتنا معكم في برامج إذاعة الجمهورية العراقية من بغداد صوت الشعب العراقي". وكنت أتمنى أن تسلّط هدى المهتدي بعض الضوء على شخصية خالد العامري الشعرية والحياتية ويبدو أنّ الجانب المادي قد وقف حائلًا دون تحقيق هذا اللقاء الذي كان سيخدم مضمون الفيلم كثيرًا ويُخرجه من إطاره الوطني المحدود إلى فضاء عربي آخر يمتد إلى لبنان (من خلال هدى المهتدي) والإمارات والمملكة العربية السعودية التي عمل فيهما العامري لمدة طويلة من الزمن.

يُطل علينا الشاعر خالد العامري خمس إطلالات إضافة إلى قراءته لقصائده العشر التي أشرنا إلى ثمانية منها حتى الآن حيث يقول:"عشتُ في الإمارات لمدة عشرين عامًا كان فيها النشاط الثقافي كبيرًا جدًا حيث تعرّفتُ إلى العديد من الشعراء والكُتاب الإماراتيين مثل الشاعر عارف الخاجة وغيرهم من الأسماء. وكانت مرحلة النشر في الصحف الإماراتية جيدة مثل صحف "الخليج" و "البيان" و"الاتحاد". كما عملتُ مدة طويلة في مجلة "الظفرة".

العيش على حافّة الغربة

يكشف العامري في حديثه عن أشياء كثيرة مهمة من بينها الإحساس بالغربة المُضاعفة حيث يقول:"عندما جئت إلى مانشستر أحسست بغربة أشدّ لأنه انتقلت إلى مجتمع مختلف تمامًا حيث تفاعل الأولاد وذابوا في المجتمع البريطاني لكنني بقيت أعاني من غربة مضاعفة. ورغم التفاعل والاشتراك ببعض الأنشطة الثقافية إلّا أنك لا تستطيع أن تنتمي إلّا إلى وطنك مهما كلّف الأمر. وأتذكر هنا ما قاله الماغوط ذات مرة:"لو وضعوني في الجنة لقلت آه يا وطني"! ويضيف العامري:"أنا أعيش الآن على ذكرياتي أسترجعها وأعيش فيها. وليس لدي غير الذكريات. وحينما أحاول أن أكتب شيئًا خارج الغربة أو بعيدًا عن الحزن أكتشف أنّ الغربة والحزن والوجع والألم تأخذني من النص الجديد الذي أحاول أن أضمّنه شيئًا من الفرح".

لا يمكن للمُشاهد أن يتلمّس في وجه الحاج جبيّر غير الطيبة والمحبة والحنان وهو يستمع إلى القصيدة التي كتبها عنه الشاعر المغترب خالد العامري واصفًا إيّاه بـ "الوجه الخيّر" ودامغًا أهل الخضر بـ "الناس الطيبين" فتارة يُقبّل العامريُّ يده وتارة أخرى يحتضن أهل الخضر بمحبة غامرة لا تخفى على المُشاهد الحصيف. يروي الحاج جبيّر ما علُق في ذهنه من ذكريات مُحبّبة عن جد خالد العامري الذي كان يقرأ كتاب "ضياء الصالحين" في الزورق الذي يصطاد فيه السمك. كما أشار إلى جدته "طويرة" التي دخلت إلى تاريخ الأغنية العراقية من خلال أغنية "ذبحني الشوگ يا طويرة" التي لحّنها وغنّاها الفنان رياض منصور. يُدِل الحاج جبيّر الشاعر خالد العامري إلى منزل جدته "طويره" لأنه لم يتعرّف عليه بسبب التغييرات العمرانية التي طرأت على المدينة بعد غياب دام خمسة عقود تقريبًا. ولعل اللحظات التي وقف فيها العامري أمام المنزل المتداعي هي من أكثر لحظات الفيلم تأثيرًا على المتلقي الذي يتفاعل مع هذا المَشهد تحديدًا ويبكي مع المغترب الذي بدا أكثرًا غربة واغترابًا من ذي قبل. فلا غرابة أن يكتب عن "دار الحبايب" التي أشرنا إليها سلفًا في متن القصيدة الثامنة.

تتحدث القصيدة التاسعة عن زائر الموت "مفرّق الجماعات وهادم اللذّات" التي يقول فيها:" الليلة رايدكم تجوني الليلة / الموت وازاني وعليّ شدّ حيله / الليلة رايد شوفكم يحبابي / گبل لا يطوي الزمان كتابي / واندفن وحدي غريب / آه من هذا النصيب".1543 mahod

الوداع الأخير

يجيب الشاعر خالد العامري عن سؤال الموت بأريحية كبيرة وكأنّ شيئًا لم يكن حيث يقول عن حياته الماضية هي رحلة وانتهت ويشكر فيها ربّ العالمين. فحينما يشاهد المتلقي هذا الفيلم أو يستمع للشاعر خالد العامري وهو يقرأ قصائده الحزينة والقليل النادر من القصائد التي يطرّزها الفرح يكتشف أنه لم يخشَ الموت ولا يخاف من هذا المرض اللعين وإنما هو يبحث له عن قبر يأويه في خاتمة المطاف ويذكر ببساطة عجيبة بأنّ ثمة مقبرة قريبة منه ولا تبعد أكثر من ربع ساعة لكي يودِّع الأهل والأحبة والخلّان.

أمّا القصيدة الأخيرة التي أسمّيها قصيدة "الوداع" التي يصوّر فيها الحزن الذي دهمهُ وهو جنين في رحم أمه فيقول فيها:" أذّنت دنياي حيّ على الممات / وأمّت بروحي صلاة الميتين/ هي رحلة وانتهت هاي الحياة / والحمد لله رب العالمين".

على الرغم من النهاية المأسوية للفيلم، أو الإيحاء بها في الأقل، وهي نهاية متوقعة لكل البشر الفانين إلّا أنّ الفيلم ظل متوازنًا في رصد ثنائية الحياة والموت، فمثلما هناك حياة قد تكون سعيدة أو تعيسة، هناك موت أيضًا لا بدّ من مواجهته أو القبول بفكرته شئنا أم أبينا. ولكي نجعل الحياة أقل وطأة مما هي عليه علينا أن نقبل بهذه الثنائية وأن يواجه كل منا مصيره بطريقته الخاصة.

تضمّن الفيلم ثلاث أغنيات كلماتها جميعًا للشاعر خالد العامري وهي "دگ هاونك" التي غنّاها الفنان ياس خضر، و "ذبحني الشوگ يا طويره" التي غنّاها الفنان رياض منصور، وأغنية "يالتنشد" التي غناها الفنان طاهر وبركات الذي وضع الموسيقى التصويرية للفيلم. لا بد من الإشارة إلى أنّ هادي ماهود قد حقّق رؤيته الإخراجية التي تنطوي على نبرات متعددة تنويرية واحتجاجية وجمالية، وهذا ما يسعى إليه منذ خمسة عقود تقريبًا.

***

عدنان حسين أحمد - لندن

بقلم: جيريمي إل. فوست

ترجمة: د.محمد عبدالحليم غنيم

***

إن معرفة الأسباب التي تدفع الناس إلى اختيار عدم المعرفة - وعواقب هذا الاختيار - قد تساعدنا في معرفة متى يصبح الأمر مشكلة.

أخيرًا، ستحل عليك غدًا العطلة التي كنت تنتظرها. ستنطلق أنت وأصدقاؤك في رحلة بحرية لمدة أسبوعين، خالية من المسؤوليات ومليئة بالمرح. تبدأ بتجهيز أمتعتك ثم تشعر بدوار خفيف. لا تُفكر كثيرًا في الأمر لأنك كنت متوترًا مؤخرًا في محاولة الاستعداد للرحلة. لاحقًا، تبدأ بالسعال. ربما مجرد حساسية، هذا ما تفكر فيه وأنت تُكمل يومك. عندما تستيقظ في الصباح - يوم الرحلة - تشعر بالتهاب في الحلق وقشعريرة. تُفكر للحظة: يبدو أن هذا قد يكون كوفيد. ربما عليّ إجراء فحص ذاتي. تبدأ في السير نحو خزانة الأدوية، لكنك تتوقف.إذا جاءت نتيجة الاختبار إيجابية، ستشعر بأنك مضطر لعزل نفسك عن الآخرين وستفوّت الرحلة. لقد قضيت وقتًا طويلًا في التخطيط لها، ودفعْت مبلغًا كبيرًا من المال مقابل التذاكر. أصدقاؤك سيشعرون بخيبة أمل. " أنا متأكد أنني بخير ."تُقرّر أن من الأفضل ألّا تعرف.

سواء مررتَ بمثل هذا الموقف أم لا، فإن كثيرين منّا قد اختاروا "ألّا يعرفوا" بطرق أخرى: على سبيل المثال، تأجيل زيارة الطبيب لإجراء فحص، أو الامتناع عن الاطلاع على تقريرك الائتماني، أو تجنّب بعض المواضيع في النقاش لأنك تفضّل ألّا تعرف رأي الآخرين الحقيقي. تُعرف هذه العملية — أي اختيار عدم معرفة معلومة متاحة لك مجانًا — باسم تجنّب المعلومات.

لدينا اليوم إمكانية الوصول إلى معلومات تخصّنا شخصيًا أكثر من أي وقت مضى وفرصٌ أكبر للبحث عنها أو تجنبها. فالأجهزة الذكية تتابع نشاطنا البدني وأنماط نومنا، والخدمات المصرفية الإلكترونية تتيح لك مراقبة أمورك المالية في أي وقت، ويمكنك مقارنة نمط حياتك مع حياة أصدقائك أو المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي. لدينا أيضًا وصول دائم إلى معلومات ذات تبعات كبرى، مثل معلوماتٍ حول أزمة المناخ، وحقوق الإجهاض، والآثار الاقتصادية للرسوم الجمركية الأمريكية. إذا صحّ القول المأثور "المعرفة قوة"، فإنّ معظم الناس يمتلكون قدرًا غير محدود من السلطة في جيوبهم. وفي هذا السياق، من الغريب أن يختار أحدهم التخلي عن هذه السلطة بتجنب المعلومات.

عندما بدأت دراسة هذه الظاهرة، نظرت إليها على أنها نوع من "البحث عن الذات"، فأنا نفسي كنت قد تجنبت المعلومات في الماضي. ورغم كوني مهووسًا بالإحصاءات ومولعًا بالبيانات، إلا أني تساءلت: كيف يمكنني أن أكون محاطًا بالأرقام والحقائق، ومع ذلك أختار أحيانًا تجنب معرفة معلومات تتعلّق بي شخصيًا؟

أكدت أبحاثي أنني لست وحدي في هذا الشأن. مؤخرًا، أجريتُ دراسة مع زميلتي جينيفر إم. تابِير، طلبنا فيها من طلاب جامعيين المشاركة في استطلاع يومي، يجيبون فيه عمّا إذا كانوا قد تجنّبوا أي نوع من المعلومات في ذلك اليوم. وجدنا أن المشاركين تجنّبوا المعلومات — في سياق واحد على الأقل — في أكثر من 30% من الأيام. أكثر المعلومات التي تمّ تجنّبها كانت تتعلق بالمعلومات المالية والأخبار والنشاط البدني .ومن اللافت للنظر أن 14 مشاركًا فقط (من أصل 181) لم يبلغوا عن أي تجنب للمعلومات خلال أسبوعين، بينما أفاد عدد مماثل بتجنب المعلومات في 10 أيام أو أكثر. هذه النتائج توضح أن غالبية الأشخاص يمارسون تجنبًا معتدلًا للمعلومات، بينما يبالغ البعض في هذه الممارسة بشكل واضح.

نظرًا لأن تجنّب المعلومات يبدو سلوكًا شائعًا، فلماذا يلجأ الناس إليه؟ في مراجعة علمية أعدّتها كيت سويـني وزملاؤها، جرى تصنيف الأسباب المحتملة لتجنّب المعلومات ضمن ثلاث فئات رئيسية: حماية معتقد قائم، وتجنّب اتخاذ إجراء غير مرغوب فيه، وتقليل المشاعر السلبية.

أولًا، قد تهدد المعلومات أنواعًا مختلفة من المعتقدات الراسخة لدى الفرد.  فعلى سبيل المثال، قد يؤمن شخص ما بأنه يتمتع بموهبة في استثمار الأموال في سوق الأسهم. ثم، في أحد الأيام، ينهار السوق فجأة وبشكل غير متوقّع. ومن المحتمل جدًا أنه خسر جزءًا من استثماراته. لكن بدلًا من التحقق من أدائه، يختار تجنّب معرفة التفاصيل، آمِلًا أن يتعافى السوق من تلقاء نفسه. وطالما أنه لا يرى الخسائر بعينه، فإن إيمانه بقدرته الاستثمارية يظلّ سليمًا دون أن يُمسّ. وقد درست عدة أبحاث ظاهرة تجنّب المعلومات في السياق المالي. ففي إحدى الدراسات، كان الناس أكثر ميلًا لتجنّب معرفة الخسائر المحتملة في الأسهم الافتراضية، مقارنةً بالأرباح المحتملة. وفي دراسة أخرى، تبيّن أن حاملي الأسهم في الولايات المتحدة والدول الإسكندنافية كانوا يدخلون إلى حساباتهم ليفحصوا محافظهم الاستثمارية بشكل أكبر عندما كانت الأسواق مرتفعة.

بصورة أوسع، حين تكون هناك معلومات تهدّد معتقدًا معينًا — سواء كان عن الذات، أو عن شخص آخر، أو عن حالة العالم — فإن الميل الطبيعي يكون تجنّب تلك المعلومة والبحث بدلًا من ذلك عن معلومات تدعم المعتقد القائم. وقد أظهرت الدراسات أن الناس يفكرون مسبقًا في مدى تحيّز الخبر قبل قراءته، ويميلون إلى قراءة المصادر التي يتوقعون أنها تتفق مع آرائهم. وهذا قد يفسّر سبب ميل الناس إلى متابعة القنوات الإخبارية التي تتماشى مع معتقداتهم السياسية.

يميل الناس إلى تجنب المعلومات المزعجة عندما يشعرون بأنهم لا يملكون سيطرة على الموقف.

لكن تجنّب المعلومات لا يقتصر فقط على الدفاع المسبق عن المعتقدات.فكما في مثال اختبار كوفيد، قد تتطلّب المعلومات التي تكتشفها — مثل معرفتك بأنك مريض - أن تغيّر سلوكك بطريقة لا ترغب فيها.وقد يتيح لك تجنّب المعلومات أيضًا أن تتخذ قرارات ثم تدّعي لاحقًا أنك لم تكن تعلم.على سبيل المثال، في إحدى الدراسات، قال حوالي 63% من المشاركين إنهم لا يريدون معرفة عدد السعرات الحرارية في قطعة الكعك - حتى لا يشعروا بالذنب عند تناولها. إن الدافع لدى هؤلاء يشبه دافع المسافر الذي يشتبه بأنه مريض، لكن يفضل ألا يعرف. (رغبة في حماية أنفسهم من العواقب غير المريحة للمعرفة)

وأخيرًا، هناك بُعد عاطفي لتجنّب المعلومات: فهذا السلوك قد يساعد على تجنّب مشاعر غير مرغوب فيها. في دراستنا اليومية (التي اعتمدت على مذكرات المشاركين)، وجدنا أن الأفراد كانوا أكثر ميلًا لتجنب المعلومات في الأيام التي شعروا فيها بمشاعر سلبية مكثفة. كما كانوا أكثر عرضة لفعل ذلك بعد أيامٍ عاشوا فيها مشاعر إيجابية قوية  وقد افترضنا أن الأشخاص الذين يشعرون بالحزن أو الغضب، قد يتجنّبون أي معلومة من شأنها أن تزيد حالتهم سوءًا. وبالمثل، بعد الشعور بسعادة كبيرة، يسعى الناس أحيانًا للمحافظة على هذه الحالة الإيجابية عبر تجنّب أي شيء قد يعكّر صفوهم. بشكل عام، وبما يتوافق مع النظريات النفسية، يبدو أن الناس يستخدمون تجنّب المعلومات كاستراتيجية لتنظيم المشاعر أي أنهم يحاولون السعي وراء المعلومات أو تجنبها بهدف تعزيز مشاعرهم الإيجابية وتقليل السلبية منها.

تشير أبحاث أخرى إلى أن الناس يتجنّبون المعلومات أحيانًا لأنهم يشعرون بأنهم غارقون فيها بالفعل. فعندما يشعر شخص ما بأنه مثقل بالمعلومات، فمن الطبيعي أن يقرر "أخذ استراحة" من متابعة الأخبار أو تصفّح الهاتف — حتى وإن كانت هناك أحداث كثيرة تدور حوله. كما توجد دلائل على أن الناس يميلون إلى تجنّب المعلومات المقلقة - مثل خطر الإصابة بمرض ما - عندما يشعرون بعدم وجود أي سيطرة لديهم على الموقف  فإذا لم يكن بوسعهم فعل شيء حيال ما قد يكتشفونه، فقد يفضّلون البقاء في جهل مريح بدلًا من مواجهة حقيقة مزعجة لا يمكنهم تغييرها.

ثمة عامل آخر محتمل قد يؤثر في قرار تجنُّب المعلومات، وهو إدراك الفرد لرغبة الآخرين في أن يعرف هذه المعلومات. فخلال بحثي مع  زميلتي " جينيفر تايبِر " حول تتبع معلومات كوفيد-19 في بداية الجائحة (قبل توفر اللقاحات)، سألنا المشاركين عن استعدادهم لإجراء فحص كوفيد في سيناريوهات مختلفة — مثلًا: إذا تعرّضوا لشخص مصاب، ثم سنحت لهم فرصة مقابلة صديق لم يروه منذ وقت طويل. وتبيّن أن الدافع الرئيسي لإجراء الفحص كان اعتقاد المشاركين أن أصدقاءهم أو عائلاتهم يريدون منهم ذلك. أي أننا — حين نعتقد أن الأشخاص المهمين في حياتنا يريدوننا أن نطّلع على معلومات معينة — نكون أكثر ميلًا لمعرفتها. والعكس صحيح أيضًا: إذا بدا أن الآخرين غير مهتمين بمعرفتنا لأمر ما، فقد نقلِّل نحن بدورنا من اهتمامنا به. هذا يسلّط الضوء على كيف يمكن للضغوط الاجتماعية — حتى غير المباشرة منها — أن تُشكّل خياراتنا المعلوماتية، سواءً في السياقات الصحية أو غيرها. فالتفاعل بين رغبتنا الشخصية وتوقعات المحيطين بنا قد يُحدد في النهاية ما نختار معرفته... وما نختار تجاهله.

لكن تجنّب المعلومات لا يخلو من المخاطر - بعضها بسيط، وبعضها قد يكون بالغ الخطورة. فقد يأكل شخص كمية من كعكة الشوكولاتة أكثر مما كان ينوي. وقد يتجاهل المستهلكون سياسات معيبة تتبعها شركة ما، ويواصلون شراء منتجاتها. وقد يتأخّر مريض في طلب العلاج من مرض كان يمكن اكتشافه مبكرًا، مما يؤدي إلى تفاقم حالته.

هناك أيضًا مخاطر أعمق يجب أخذها في الاعتبار. فتجَنُّب المعلومات التي تتعارض مع معتقدات المرء يُفسِّر - ولو جزئيًا - الاستقطاب السياسي. فالأشخاص الذين يتجاهلون وجهات النظر المخالفة لآرائهم يميلون إلى تعزيز ثقتهم بمعتقداتهم بشكل متزايد، بغض النظر عن الأدلة المتوفرة. إنهم بذلك يقتصرون على ما يريدون سماعه ويتجنبون ما لا يرغبون فيه. وفي سياق وسائل التواصل الاجتماعي، قد تسهم هذه النزعة في تعزيز خوارزميات تغذّي المستخدمين بمحتوى أكثر تطرفًا مع مرور الوقت.

قد لا يُشكّل تجنّب المعلومات مشكلة دائمًا؛ فهناك حالات يمكن أن يكون فيها مفيدًا.

في كثير من الأحيان، يتطلب تجنب المعلومات قدرًا من الامتياز الاجتماعي أو الاقتصادي. على سبيل المثال، يكون تجنب المعلومات المتعلقة بأمورك المالية أسهل عندما يكون لديك ما يكفي من المال. وبالمثل، يكون تجنب المعلومات حول السياسات العامة – بما في ذلك السياسات الضارة – أسهل عندما لا تتأثر مباشرةً بتلك السياسات.

ومع ذلك، وكما أشرتُ سابقًا، فإن تجنّب المعلومات لا يكون دائمًا مشكلة؛ ففي بعض الأحيان، يمكن أن يكون مفيدًا. فعادة "التمرير الكئيب" (doomscrolling)، أي الاستهلاك المستمر للأخبار السلبية عبر الإنترنت، ترتبط بارتفاع مستويات القلق وتدهور الصحة النفسية.

لذا فإن تجنّب هذا النمط، ووضع حدود للتعرّض للمعلومات السلبية، قد يعود بفائدة على سلامة الصحة النفسية.

صحيح أن التجنّب المزمن للمعلومات المزعجة قد يؤدي إلى مشكلات، إلا أن تأثيراته قد تكون ضئيلة في مواقف معينة. ففي دراستنا مع طلاب الجامعات، لم نجد أدلّة قوية على أن تجنّب المعلومات حول الدرجات، أو المال، أو الصحة في يوم معين أثّر على سلوكهم في اليوم التالي، مثل الوقت الذي قضوه في الدراسة، أو الإنفاق، أو ممارسة الرياضة. لكن أبحاثًا مستقبلية قد تكشف الآثار بعيدة المدى لتجنّب المعلومات الحاسمة (مثل المعلومات عن كيف يمكن لعدم النشاط البدني أن يزيد من خطر الإصابة بالأمراض).

إذا كنتَ - أو شخص تعرفه-  قد تجنب مؤخرًا أنواعًا معينة من المعلوما ، فقد يكون ذلك لأسباب متنوعة، ولا توجد قاعدة واضحة تحدد متى يكون التجنب "جيدًا" أم لا. لكن أثناء تفكيرك في قراراتك المتعلقة بالسعي وراء المعرفة أو الابتعاد عنها، من المفيد أن تسأل نفسك: هل هناك ما يمكنني فعله بناءً على هذه المعلومة؟

تشير الدراسات الكمية والنوعية على حد سواء إلى أن الناس يميلون لتجنّب المعلومات عندما يشعرون بالعجز عن التأثير في نتائجها. فإذا كنت تغرق في الأخبار السيئة حول أمر لا تملك حياله شيئًا، وكانت هذه المتابعة تؤثر سلبًا على صحتك النفسية، فربما من الأفضل أن تأخذ استراحة.

أما إذا صادفت معلومات قابلة للتطبيق — تتعلق بصحتك، أو أموالك، أو أحداث يمكن أن تؤثر فيها أنت أو غيرك — فربما يستحق الأمر أن تتعرّف عليها، حتى لو كنت مُيالًا إلى تجنبها.

***

...................

جيريمي إل. فوست/Jeremy L Foust: أستاذ مساعد في قسم علم النفس في جامعة كونفرس بمدينة سبارتنبرغ، ولاية كارولاينا الجنوبية، الولايات المتحدة. وهو أيضا عالم نفس تجريبي متخصص في علم النفس الاجتماعي وعلم النفس الصحي.

https://psyche.co/ideas/why-we-choose-to-avoid-information-thats-right-in-front-of-us

بقلم: أنجيلا هاوبت

ترجمة: د. محمد غنيم

***

يمكنك قضاء الساعات التي تسبق موعدك الغرامي منشغلًا بالهوس بتصفيفة شعرك، أو مكياجك، أو ملابسك. أو يمكنك توجيه تلك الطاقة نحو ابتكار أسئلة تطرحها على الشخص الذي تشارك معه سلة خبز لمعرفة ما إذا كنتما قد ترغبان في تناول العشاء معًا مدى الحياة.

تقول دامونا هوفمان، مدربة المواعدة الشهيرة، ومقدمة بودكاست Dates & Mates، والخبيرة الرسمية في العلاقات العاطفية في برنامج The Drew Barrymore Show:

"هناك الكثير من خيبات الأمل في عالم المواعدة اليوم، وأحد أهدافي هو تمكين الناس من إدراك مدى تحكمهم في حياتهم العاطفية. من المهم للغاية أن تعبر عن نفسك بوضوح وتتعرف جيدًا على الشخص الجالس أمامك، حتى تمنح نفسك أفضل فرصة لاستمرار العلاقة أو تكتشف مبكرًا إن كانت هذه العلاقة غير مناسبة لك."

سألنا هوفمان وإحدى قصص النجاح من برنامج الحب أعمى / Love Is Blind عن الأسئلة المثالية للموعد الأول—وما الذي قد تكشفه الاجابات عنها :

1-  ما آخر حفل موسيقي حضرته؟ وماذا عن أول حفل؟

تنصح هوفمان بطرح أسئلة تشجع الطرف الآخر على سرد قصة. بدلًا من السؤال عن نوع الموسيقى التي يفضلها—والحصول على إجابة عامة مثل "أستمع إلى كل شيء قليلًا"—يمكنك تحفيز شعوره بالحنين إلى الماضي بسؤاله عن أول حفل موسيقي حضره، بالإضافة إلى آخر حفل. وتوضح هوفمان: "هذا لا يمنحك فقط فكرة عن الشخص الجالس أمامك، بل يكشف أيضًا عن ارتباطاته العاطفية." بالإضافة إلى ذلك، فإن تبادل الذكريات الجميلة يمكن أن يعزز الشعور بالألفة والترابط."

2- عليّ أن أعرف: هل أنت شخص صباحي أم كائن ليلي؟

تقول هوفمان إن الأسئلة ذات الخيارات الثنائية تعمل بشكل جيد، مثل سؤال الطرف الآخر عمّا إذا كان يفضل الاستيقاظ مبكرًا أم السهر ليلًا. تضيف: "أنا شخص صباحي حتى النخاع"، مشيرة إلى أن هذا السؤال سيسمح لها بالتحدث بحماسة عن طقوسها الصباحية وحبها للشمس.

أما إذا أجاب الطرف الآخر بأنه يحب السهر، فسيكون هناك مجال لاستكشاف مزيد من التفاصيل حول كيف يقضي ساعاته الليلية، مما قد يفتح الباب لمناقشة أنماط الحياة والاهتمامات المشتركة. بالمناسبة، ليس بالضرورة أن تكون هذه الفروق في أنماط الحياة عقبة في العلاقة—فهوفمان نفسها متزوجة من شخص ليلي!

3- ما هدفك العاطفي؟

إذا كنت تبحث عن التزام طويل الأمد، بينما يعيش الطرف الآخر مرحلة من العلاقات العابرة، فمن الأفضل معرفة ذلك مبكرًا. ومع ذلك، يخشى كثيرون طرح هذا السؤال، وفقًا لهوفمان، لأنهم لا يريدون مواجهة خيبة أمل أخرى أو يخشون أن يبدو السؤال مباشرًا جدًا في وقت مبكر من العلاقة. لكن هوفمان تنصح بطرحه على أي حال: "كلما كان سؤالك أكثر وضوحًا، حصلت على إجابة أوضح. فالناس يخبرونك من البداية من هم حقًا."

4- ما الذي يحمسك في عملك؟

الجميع يعلم أن سؤال "ماذا تعمل؟" بات تقليديًا ومملًا، لكنه يظل مهمًا. لذلك، تقترح هوفمان طرحه بطريقة أكثر تشويقًا، مثل سؤال الطرف الآخر عن أهدافه المهنية أو المشاريع التي يعمل عليها بحماس حاليًا.توضح: "لا أريد أن تتحول المحادثة إلى نقاش طويل عن العمل في الموعد الأول، لأن هذا ليس الهدف منه." لكن هذا السؤال يمكن أن يكون مدخلًا للحديث عن الأشياء التي تشعل الحماس لدى الطرف الآخر وتكشف عن شغفه.

5- من هو أقرب شخص إليك في عائلتك؟

المفتاح في هذا السؤال هو تجنب الحكم على إجابة الطرف الآخر. توضح هوفمان: "علاقة الشخص بعائلته لا تحدد بالضرورة علاقته بك." وتضيف أنها تسمع من بعض الأشخاص الذين يقولون: "أنا نشأت في أسرة مترابطة، لذا يجب أن يكون شريكي قريبًا من عائلته أيضًا." لكنها ترى أن هذا الافتراض قد يحرم الشخص الآخر من فرصة أن يكون مستقلًا بذاته.

ومع ذلك، يمكن أن تكشف إجابة هذا السؤال عن بعض المؤشرات المهمة حول المستقبل—سواء كان ذلك يعني قضاء عيد الميلاد وسط احتفال عائلي حميمي، أو الهروب إلى جزيرة استوائية بعيدًا عن الجميع!

6- حدثني عن أعز أصدقائك.

تعرفت تايلور كراوس على زوجها، جاريت جوزمانز، في الموسم السابع من برنامج الواقع " الحب أعمى " على Netflix—ما يعني أنها تعرفت عليه من خلال جدار، حيث كانا يلتقيان في غرف معزولة صغيرة، يسمعان صوت بعضهما دون أن يتمكنا من الرؤية. وقد احتفل الزوجان، اللذان أعلنا خطوبتهما قبل أن يلتقيا وجهًا لوجه، بذكرى زواجهما الأولى في نوفمبر.

تقول كراوس إن طرح الأسئلة الذكية على زوجها المستقبلي كان "كل شيء". فقد حرصت على اختيار أسئلة هادفة تكشف عن أمور جوهرية، سواء من خلال الإجابات نفسها أو من الطريقة التي يتم الرد بها. من بين هذه الأسئلة، تفضّل سؤال الطرف الآخر عن أعز أصدقائه بدلًا من سؤاله مباشرة عن عائلته. وتوضح: "الأصدقاء هم العائلة التي تختارها، وأعتقد أن هذا يمنحك فكرة أفضل عن الأشخاص الذين يحيط بهم شريكك المحتمل." كما ترى أن الحديث عن الصداقات يجب أن يكون ممتعًا—وإذا لم يكن كذلك، فقد يكون ذلك مؤشرًا على شيء ما أيضًا.

7- ما الذي يجعلك تشعر بالحياة—وما الذي يوجد على قائمة أمنياتك؟

تبادل الحديث حول قائمة الأمنيات يمكن أن يساعدك وشريكك المحتمل في تكوين صورة أوضح عن مستقبلكما معًا ومدى توافق اهتماماتكما. تقول كراوس: "هذا يمنحك فكرة عن كيفية رغبة الطرف الآخر في قضاء لحظات حياته الأكثر إشباعًا." وترى أنه سؤال بسيط وممتع، لكنه يكشف أكثر من مجرد معلومات سطحية. على سبيل المثال، زوجها شغوف بصيد الأسماك بالرمح، بينما تعشق هي السفر، وسرعان ما أدركا أن اهتماماتهما يمكن أن تتكامل بسهولة ليقضيا وقتًا ممتعًا معًا.

8- من هو قدوتك، ولماذا؟

يساعدك هذا السؤال في فهم الشخص الذي يسعى شريكك المحتمل ليكون مثله. توضح كراوس: "غالبًا ما يكون القدوة أحد الوالدين، ونحن نعلم أن البيئة والتربية تؤثران بشكل كبير على شخصيتك وكيفية تصرفك في المستقبل." لكن إذا كان قدوته نجم سينمائي متقاعد بسجل إجرامي وعدد من العلاقات الفاشلة أكثر من أدواره السينمائية الأخيرة؟ حسنًا، هذا شيء من الجيد معرفته أيضًا.

9- هل ترغب في إنجاب أطفال؟

يُعد هذا من الأسئلة الكبيرة- ولا يوجد سبب لتأجيل طرحه. فوجئت كراوس عندما اكتشفت أن العديد من معارفها لم يناقشوا مسألة إنجاب الأطفال قبل الزواج، ثم اكتشفوا لاحقًا أنهم افترضوا ببساطة ما يريده الطرف الآخر، أو اعتقدوا خطأً أن شريكهم قد يغير رأيه بمرور الوقت. تقول: "ربما لا تحتاج إلى اتخاذ قرار نهائي في تلك اللحظة، لكنه يمنحك فكرة عن الاتجاه الذي قد تسير فيه العلاقة، ورغبات الطرف الآخر."

10- ما أسلوب الحياة الذي تحلم به؟

قليلون يستمتعون بالحديث عن المال—فهو موضوع محرج غالبًا. لكنه ضروري لضمان توافق التطلعات بين الشريكين. تقول كراوس: "الواقع هو أن المال يحدد أسلوب الحياة الذي نستطيع أن نعيشه، ومن الطبيعي أن يطمح بعض الأشخاص إلى نمط حياة معين، لكن ذلك قد يتطلب منهم العمل 14 ساعة في اليوم." ربما يكون ذلك مقبولًا بالنسبة لك، وربما يكون عائقًا كبيرًا—في كلتا الحالتين، من الأفضل مناقشته بصراحة.

11- ما رأيك في ... (أدخل هنا قيمة تهمك)؟

إذا لم يكن الشريكان على توافق بشأن القيم الأساسية، فمن غير المرجح أن تنجح العلاقة. تقترح كراوس اكتشاف ذلك بطريقة مفتوحة. على سبيل المثال، بدلًا من سؤال "هل أنت نسوي؟"، من الأفضل طرح السؤال بشكل غير مباشر مثل: "ما رأيك في النسوية؟" (ويمكنك استبدالها بأي قيمة أخرى تهمك).

وتضيف: "دع الشخص يخبرك ويُظهر لك بالضبط كيف يشعر حيال الموضوع. إذا كان دفاعيًا بشدة، فقد يكون ذلك مؤشرًا مهمًا." وترى أن القدرة على التعبير بصراحة عن المبادئ الشخصية أمر بالغ الأهمية، لأنه لا يمكن لعلاقة أن تنجح إذا كان أحد الطرفين يخفي جزءًا أساسيًا من شخصيته. وتؤكد: "لا يجب عليك المساومة على قيمك—لا تضيّع وقتك إذا لم يكن هناك توافق في هذا الجانب."

(انتهى)

***

.........................

الكاتبة: أنجيلا هاوبت / Angela Haupt محررة الصحة والعافية في مجلة TIME. تتناول مواضيع السعادة وطرق العيش الرغيد..

 

يُعتبَر فيلم "كسب القلوب والعقول" للمخرجيَن الدنماركيّين مارتن تام أندرسن ونجيب خاجة واحدًا من الأفلام الوثائقية الاستقصائية الناجحة التي تسعى إلى اكتشاف الحقيقة ولا تحاول الاصطفاف أو التحيّز لهذا الطرف أو ذاك. فعندما أُرسلت قوات دنماركية إلى بلدة "قلعة موسى" في جنوبيّ أفغانستان عام 2006م، وهي جزء من القوّات الأوروپية التابعة لحلف شمال الأطلسي "الناتو" أبلغَ الرائد الدنماركي لارس أولسليف جوهانسن القيادة البريطانية بأنّ الشرطة الأفغانية ببلدة "قلعة موسى" التابعة لولاية هلمند يعتدون جنسيًا على أطفال قاصرين، ويتاجرون بالمخدرات، ويبتزون الفلاحين ماديًا، ويهدّمون منازلهم ويتركونهم في العراء ليواجهوا مصائرهم المحتومة.
قد يتصوّر البعض أنّ هذه الاتهامات هي مجرد مزاعم لا أساس لها من الصحة ولكن الأدلّة الدامغة التي يُقدِّمها المخرجان الدنماركيان أندرسن وخاجة الذي يتحدّر من أصول أفغانية لجأ إلى الدنمارك ودرسَ في جامعاتها، وتسلّح بمعارفها الأكاديمية، وأنجز عددًا من الأفلام الوثائقية التي رشّحتهُ إلى جائزة كافلينغ المرموقة، يكشفان لنا بما لا يقبل الشك أنّ الأخوين كوكا وعيسى خان شخصين فاسدين حتى نخاع العظم، وأنّ القوى العظمى في العالم تنتقي دائمًا أسوأ الشخصيات المحلية لإدارة الأنظمة والحكومات التي يُسقطونها بأسلحتهم الجبّارة ويحوّلونها إلى مرتع للقتل والجريمة وبؤرة للأفيون والمخدرات، ومباءة للرذيلة والتحلل الأخلاقي.1265 movi
وعلى الرغم من كَثرة شخصيات هذا الفيلم المحلية والأجنبية إلّا أن التركيز سينصبُّ على الشخصيتين الأفغانيتين البارزتين والموغلتين في الفساد والجريمة وهما الشقيقان كوكا وعيسى خان، والشخصيات السياسية التي مثل عضو مجلس الشيوخ الأفغاني شير محمد أخوندزاده الذي حظي بدعم كرزاي نفسه. إضافة الشخصيات الدنماركية والبريطانية والأمريكية التي تمتلك معلومات كثيرة لا تُظهرها إلى الملأ إلى إذا دعتْ الضرورة لذلك.
ثمة صحفي ثالث يُدعى "عارف" هدّدته الشرطة الأفغانية لأنه يسعى مع زميليه لكشف الحقائق فلا غرابة إن تعذّر عليه السفر إلى ولاية هلمند واللقاء بكوكا على انفراد لأنّ السلطة ما تزال بيده. كما أنّ السواد الأعظم من الناس لا يثقون بالقوات الغربية عمومًا لأنهم تعاونوا مع الشقيقَين الفاسدَين كوكا وعيسى خان.
لا يحتاج المتلقي كثيرًا من الوقت ليفهم أنّ مدير الشرطة أو قائدها السابق في بلدة "قلعة موسى" كوكا هو رجل أميٌّ ساذج لا يستطيع أن ينطق بجملة مفيدة واحدة ورغم أنّ عينه اليسرى قد أُصيبت وأنه لا يستطيع أن يتذكر أي شيء بحسب إدعاء أخيه عيسى خان إلّا أنّ مظهره الخارجي يوحي بشيء واحد وهو البلادة التي يُعزّزها الجهل والأميّة ولكنه يعرف أشياء كثيرة تتعلّق بقتل الناس، وتهديم بيوتهم، وتشريدهم وابتزازهم، ولعله النموذج الذي يقتدي به شقيقه الأصغر ويقلّده في كل شيء. لم يفهم المتلقي من هذا اللقاء الذي أجراه المخرجان والصحفيان أندرسن وخاجة مع كوكا أكثر من أنه تعرّض 11 هجمة انتحارية بينما هناك هجمتان أو ثلاث هجمات استهدفت أطفاله. وحينما جُرح وفقد الذاكرة حلّ محله شقيقه عيسى خان وأصبح قائدًا للشرطة في "قلعة خان" وواصلَ مهمة أخيه في ابتزاز المواطنين وقتلهم وتشريدهم. لا يفوّت أندرسن الفرصة ليسأل إن كان أهالي "قلعة موسى" يعرفونه أم لا؟ فيأتيه الرد المبالغ فيه بأن الأمّهات يهددنَ أطفالهنّ الذين لا ينامون باستدعاء كوكا وعيسى خان فينامون في الحال.1266 movi
الاستعباد الجنسي للصبيان الصغار
هناك أكثر من ضحية للاستعباد الجنسي لكن اختيار المُخرجين وقع على اثنين منهما؛ الأول رجل تجاوز مرحلة الشباب، والثاني صبي صغير يتحدث والده بالنيابة عنه، وهما نموذجان لعشرات أو مئات الضحايا الذين تعرّضوا للاعتداءات الجنسية لكن غالبيتهم يلزمون الصمت خشية من القتل أو التعذيب أو الطرد من منازلهم وقد وافق الرجل الأول بعد أن تلثّم وامتنع عن ذكر اسمه ومكان سكنه وروى محنته بإطلالتين قال فيهما أشياء مروّعة وربما لا يصدّق كثيرون أنها تقع في بلد مثل أفغانستان. فعندما كان في التاسعة أو العاشرة من عمره ويعمل في مزرعة للخشخاش التقطه كوكا وحشرهُ في سيارته بعد أن قيّد يديه خلف ظهره وأخبره بأنّ هناك سبعة أو ثمانية أشخاص سيمارسون معه الجنس، وحينما رفض أشبعوه ضربًا وركلًا فلم يبقَ أمامه من خيار سوى الرضوخ والاستسلام خشية من القتل حيث تناوب عليه الواحد بعد الآخر في الصباح والظهيرة والمساء، وحينما كان يتململ أو يصرخ من شدّة الألم كانوا يعطونه الأذن الصمّاء. واستمر على هذا المنوال لمدة سبعة أيام كان فيها بحاجة ماسة إلى طبيب يصف له دواء ناجعًا، وحينما أخلوا سبيله اشتكى إلى كوكا من حجم الظلم الذي وقع عليه فأخبره هذا الأخير بكلام صاعق مفاده: "أنتَ تقول سبعة أو ثمانية أشخاص فعلوا بك ذلك.. اذهب وإلّا سآتي بكل الجنود الموجودين هنا ليفعلوا بكَ الشيء ذاته"! لكن ضبّاط التحالف قبضوا على كوكا وزجّوه السجن لمدة ستة أشهر إلى أن جاء شير محمد أخوندزاده، وهو شخص سياسي متنفِّذ، فأخرجه من السجن.
يشكّل الشقيقان كوكا وعيسى خان مُرادفًا للظلم والطغيان وقد ارتكبا الكثير من الفظائع ولم ينجُ منهما إلّا القلائل من سعداء الحظ. وحينما يذهب أي منهما إلى أية منطقة في "قلعة موسى" أو القرى المحيطة بها كان الصبيان والشباب يختبئون في الآبار لكي يتفادوا اعتداءاتهم المتواصلة. فلقد قتلوا أخ المُغتصَب بطريقة بشعة حيث أجلسوه على لغم وفجّروه من مسافة آمنة، كما قتلوا ابن شقيقه. وعذبوا أناسًا آخرين بطرق لا تقل بشاعة عن سابقاتها حيث ألقوا أحد الفلاحين من السطح ثلاث مرات حتى تكسرت أطرافه الأربعة. وحينما احترقت نقطة التفتيش التابعة لهم طلبوا من الشخص المُغتصَب أن يدخل الغرفة المشتعلة وينقذ بعض أفراد الشرطة فدخل واحترقت ملابسه بعد أن سحب اثنين إلى الخارج، وقد أرتنا كاميرا المخرجَين الحروق الشديدة التي أصابت ساقيّ هذا الشخص المُضطهَد.
لا فرق بين الأخوين فكلاهما يهدد الفلاحين إن زرعوا الخشخاش أو أية غلة أخرى كالحنطة أو الذرة أو أي نوع آخرَ من الحبوب ولكن الخشخاش لا يحتاج إلى ماء كثير لأنه يتحمل الحرارة والجفاف كما أنّ مردوداته المادية عالية جدًا لذلك يغامر الفلاحون بزراعته لكن يتوجب عليهم الاتفاق مع الشقيقين اللذين يأخذان، في الأعم الأغلب، نِسبًا عالية من الأرباح التي تدرّها هذه المحاصيل المحرّمة. أمّا زراعة الحنطة والشعير والذرة فتقتضي دفع ضرائب عالية لا يقوى عليها غالبية الفلاحين الأفغان.1540 x 862 - 4
سياسيون كبار يبتزون أمراء الحروب
يأخذ الفساد أشكالًا متعددة، فإذا كان الشقيقان الأميّان يبتزان الفلاحين ويعيشان على عرقهم وكدّهم اليومي فإن المسؤولين السياسيين من هم برتبة نائب أو سيناتور يبتزّون أمراء الحروب وتجّارها الصغار على شاكلة كوكا وعيسى خان المبثوثين في طول البلاد وعرضها، فشير محمد أخوندزادة الذي عُيّن حاكمًا لولاية هلمند من قِبل كرزاي نفسه لأنه صديقه فقط وعليه أن يوفِّر له كل أشكال الحماية السياسية والأمنية والقانونية. وحينما يتهمهُ المخرج بأنّ القوات البريطانية عثرت على تسعة أطنان من الأفيون في منزله فلا غرابة أن يفقد أعصابه ويكّذب الخبر ويعتذر عن إكمال المقابلة بحجة أنه مريض وقد تناول أدوية تتعلّق بالصحة الذهنية، ووصف يوم المقابلة بأنه أصعب يوم في حياته الشخصية، وأعرب في الوقت ذاته بأنه لا يريد مقابلة هذا المخرج ثانية لأنه كان سببًا في استفزازه وتدهور حالته النفسية.
لا يخفي عيسى خان تهوره واستهتاره حتى بوجود المُخرجَين إذ كان يرمي الإطلاقات الحيّة التي يمكن أن تصيب أي مزارع يعمل في الهواء الطلق. لن تستمر الأوضاع على ما هي عليه من قمع وابتزاز وتشريد للمواطنين الأفغان البسطاء حيث سيطرت طالبان مجددًا على ما فقدوه خلال عقدين من الزمن واجتاحوا المدينة وكان آخر تواجد للأمريكان وقوات التحالف في 31 آب / أغسطس 2021م حيث هُزمت الحكومة الأفغانية وبسطت طالبان سلطتها القوية على البلاد.
يلتجئ الصحفي المحلي عارف إلى الولايات المتحدة الأمريكية ويسأل من هناك عن مصير عيسى خان الذي وُجهت له العديد من الاتهامات بالقتل، والاغتصاب، والإتجار بالمخدرات، وتجريد المواطنين من ممتلكاتهم.
لم يقبل السكّان المحليون بفعل الاغتصاب كثقافة أفغانية إذ رفضوا هذا الرأي جملة وتفصيلا وألقوا الكرة في ملعب أمراء الحروب وتجارها فهم الذين يمارسون هذه الفواحش التي تهتز لها الضمائر الإنسانية النبيلة وتنبذها بشدة في السرّ والعلن. ومنْ يُدقق في ظاهرة العبودية الجنسية ودعارة الأطفال سيجد أنّ هناك ظاهرة الـ "پاشا بازي" حيث يقوم الأطفال الذكور بالرقص والحركات النسائية، ووضع الماكياج لمصلحة أصحاب النفوذ والأغنياء، وهذه العادة موجودة في أفغانستان منذ القِدم (1) كما ذهب أحد ضباط التحالف.
لا ينكر حكماء القوم بأن قسوة الحكومة الأفغانية وفظاظة شرطتها هي التي جلبت طالبان مجددًا واستقدمت القوات الأجنبية من آلاف الأميال لتنتهك سيادة هذا البلد الذي يتنقّل بين الملكية والجمهورية ليستقر في خاتمة المطاف على نظام الإمارة الإسلامية التي انحسر عنها العالم.
يتوارى عيسى خان لمدة من الزمن بعد سقوط الحكومة الأفغانية الفاسدة لكن المخرجَين أندرسن وخاجه يعثران على رقم هاتفه النقّال ويوافق على إجراء محادثة هاتفية مصورة لكنه ما إن يسمع الاتهمامات الكثيرة الموجهة إليه حتى يغلق الهاتف ويُنهي المكالمة طالبًا من المخرج ألا ينشرها على الملأ فلقد تحوّل من رئيس للشرطة إلى مزارع عادي مختبئ في "قلعة موسى" وقد أنكر جميع الاتهامات التي وُجهت إليه من قتل وتعذيب واغتصاب وسوء معاملة السكّان المدنيين الذين كان يبتزهم يوميًا. يخبرنا مخرجا الفيلم بأنّ عيسى خان قد توارى عن الأنظار، وأنّ أفغانستان قد أصبحت دولة شمولية بعد سيطرة طالبان، وأنّ المجتمع الدولي قد نبذ هذا البلد مرة أخرى وتركه يتخبط في عزلته شبه الكلية عن المجتمع الدولي.
بقي أن نقول بأنّ نجيب خاجة هو مخرج أفلام وثائقية عُرضت أفلامه على قناة الجزيرة الأنكليزية و بي بي سي وكرّس نفسه لتوثيق الصراعات في سوريا وأفغانستان والشرق الأوسط. أمّا المخرج مارتن تام أندرسن فهو صحفي ومخرج أفلام وثائقية. خدم في الجيش الدنماركي لمدة 18 عامًا ذهب خلالها إلى كوسوفو والعراق وأفغانستان. أنجز عدة أفلام من بينها "الوجه الخفي للحرب" و "هايتي - الانهيار" الذي اشترك في منتدى CPH:FORUM لسنة 2024.
***
عدنان حسين أحمد - لندن
..........................
- Boys in Afghanistan Sold Into Prostitution, Sexual Slavery", Digital Journal, Nov 20, 2007.

صدر كتاب – المقاهي الادبية في باريس – حكايات وتاريخ – للكاتبة السورية هدى الزين عام 2014 وهو من الكتب النادرة التي تقدم قراءة جميلة عن تاريخ نشوء المقاهي في باريس ولندن وروما وامستردام. وكانت المقاهي في القرنين التاسع عشر والعشرين فضاءا للمثقفين والمفكرين والفنانيين والسياسيين. ومن على طاولاتها تم تحرير اغلب المقالات الصحفية وكتبت فيها بيانات كثير من الحركات الفنية والادبية وانطلقت منها صرخات الثوار والمناضلين ضد الظلم والفساد. وكان المثقفون يتخذون اركانا منها ليكتبوا مؤلفاتهم واشعارهم وسط سخونة جدلية حول الافكار والنقد. وفيها رسمت اللوحات العالمية والتيارات الفلسفية وفيها اقيمت المعارض الفنية وتوقيع الكتب ومنح الجوائز للاعمال الادبية والفنية.1248 cafe
وتذكر احد المقاهي في باريس واسمها -الاموموس – وكان من روادها الشاعر شارل بودلير 1821 والرسام ادوارد مانيه 1832. ومقهى اخرى تسمى -غروب دي مانتينول – حيث فيها يلتقي عظماء الادب والفن مثل بول سيزان 1839 والكاتب اميل زولا 1840 وادوارد مانيه. ومنها انطلقت الشرارة الاولى للمدرسة الانطباعية.. ومقهى -ليب – والتي يلتقي فيها كبار الشخصيات السياسية والادبية منهم فرانكويس ميتران 1916 والروائي الامريكي ارنس همنغواي 1899 حيث فيها كتب روايته – باريس والعيد.1249 cafe

ومقهى – دي لورانت – وكان من روادها الفيلسوف جان جاك روسو 1712- 1778 صاحب كتاب العقد الاجتماعي. والذي عرف عنه انه ناري حاد المزاج، وهجاء بالسليقة، وكان قد هجا كل من حوله من رواد المقهى حتى ادى به ذلك الى نفيه. ويذكرنا ذلك بالشاعر العربي الحطيئة الذي اتصف شعره بالهجاء حتى انه هجى نفسه، وادى به ذلك الى السجن من قبل الخليفة عمر بن الخطاب.. ومقهى – بروكوب – التي تاسست عام 1689 ويذكر انها اول مقهى تاسست في باريس. وكان من روادها عدد من المثقفين المجددين والرافضين للحكم المطلق والذين لا يهضمون الافكار الجامدة ويرفضوا التفكير الارستقراطي والكنسي ومنهم جاستاف فرانسوا فولتير 1694 – 1778 ابو التنوير، وكان يكثر من مديح محمد -ص- حتى قال ان دينه حكيم وصارم وطاهر وانساني. كما ظهر في باريس مقهى -ليه دي ماغوش ومقهى – دوفلوز – وكان يردها عدد من المفكرين والكتاب والفنانين منهم بول سارتر وصديقته سيمون دي بوفوار وبيكاسو، وغيرهم.1250 cafe
وفي انكلترا تم افتتاح اول مقهى عام 1652 تسمى – بيتي يونفر سيتيز – وتعني الجلوس مقابل اجر. ثم جاءت بعدها مقهى ادوارد اليودز عام 1688. وفي عام 1683 تم افتتاح مقهى في فينا ويرجع ذلك بعد هزيمة الاتراك في المعركة تاركين ورائهم مخزونهم من البن. وفي عام 1721 تم افتتاح اول مقهى في برلين. وفي عام 1760 ظهرت اول مقهى في روما تسمى انتيكوغريكو. ومقهى مونتمارت التشيكي والتي كانت مقر الاديب فرانز كافكا 1883-1924. والملحن والصحفي ماكس برود. والمقهى الادبي في سانت بيتر اسبورغ وكانت مقرا للادباء الروس مثل الكاتب ديستوفيسكي والشاعر الكسندر بوشكين وغيرهم.1251 cafe
وكانت هذه المقاهي بمثابة مراكز للتنوير والتثقيف حيث يجد الزبائن فيها المكان المناسب للكتابة واستقبال الضيوف وتناول الطعام. وبعضها تمنح جوائز سنوية لافضل الاعمال الادبية مثل مقهى – ليه دي ماغوش– وكانت بعض المقاهي تتوفر فيها الصحف اليومية للمطالعة المجانية. كما توزع فيها احيانا الحلويات.. وكانت من هذه المقاهي الباريسية تصدر بيانات الحركات الفنية مثل السريالية من قبل الشاعر اندريه بريتون وجماعته.
***
د. كاظم شمهود

الصفحة 1 من 5

في المثقف اليوم