عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شهادات ومذكرات

شهادات ومذكرات

لم يكن أحد قد حضر إلى مجلة الثقافة، كنت أجلس وراء الآلة الكاتبة، أحلم أن أصبح مثل همنغواي الذي شاهدت صورة له وهو يضع أمامه آلة كاتبة صغيرة، طبعاً لم أصبح مثل همنغواي لأنني لا أملك خيالاً مثله، وأعتقد أن كتابة الرواية تفترض بصاحبها المزيد من الاطلاع وليس المزيد من الجلوس وراء الآلة الكاتبة، عندما أعيد قراءة أعمال صاحب "الشيخ والبحر"، أتيقن جيداً أنه كان أول روائي يمارس الصحافة على أنها أدب يومي.

 كانت الكتابة بالنسبة لهمنغواي أشبه بالطقس اليومي، فهو يستيقظ الساعة الخامسة صباحاً، كان ابنه يقول إن والده لديه مناعة ضد الأعراض الجانبية للسهر والإفراط في الشرب. في لقاء أجري معه في باريس ريفيو عام 1958، شرح همنغواي بالتفصيل أهمية تلك الصباحات: "عندما أعمل على قصة أو كتاب أبدأ كل صباح ما إن يطلع الضوء. لا أحد يقاطعك والمكتب بارد وتدفئه بالكتابة. أكتب بلا توقف، أتوقف عندما أعرف ما سيحدث لاحقاً. أكتب حتى تعرف أنك ما زلت تملك المزيد من عصير الكتابة، وأنك ما زلت تعرف ما سيحدث لاحقاً عندما تتابع الكتابة. لا شيء يمكنه أن يؤذيك، لا شيء سيحدث، لا شيء له معنى حتى يأتي اليوم التالي وتتابع ما كنت تفعله من قبل. ما يصعب تجاوزه حقاً هو الانتظار لليوم التالي" .

في ذلك الصباح، لم أكن أتوقع أن يحضر أحد للمجلة، لكني ما أن بدأت الضرب على مفاتيح الآلة الكاتبة، حتى سمعت وقع أقدام تقترب، ليس من عادة صاحب المجلة ورئيس تحريرها الدكتور صلاح خالص أن يأتي صباحاً، لحظات وسيدخل رجل مربوع القامة، كثيف الشعر ذو وجه مشرق يملك وسامة أتعبتها السنين، قال قبل أن يمد يده لمصافحتي: "ربما جئت مبكراً"، كنا في فصل الصيف وكان الزائر الغريب يرتدي جاكيت أنيقاً ويحمل بيده رزمة من الورق، أردت أن أقول إن رئيس التحرير لا يأتي صباحاً، لكنه قاطعني قائلاً: أنا غالب هلسا، ما أن سمعت الاسم حتى قفزت من خلف الآلة الكاتبة وأنا أرحب بالضيف وأدعوه لأن يجلس، لم أكن قد رأيت غالب هلسا من قبل، ولكنني قرأت روايته "الضحك" وكنت شغوفاً بعوالمها ما دفعني للبحث عن روايات جديدة له في المكتبة التي كنت أقضي فيها ما تبقى من النهار.. وفي ذلك الوقت أيضاً كانت مجلة الثقافة تنشر له سلسلة مقالات بعنوان "دراسات في الفلسفة العربية الإسلامية" ، والتي جمعها فيما بعد في كتاب بعنوان "العالم مادة وحركة"، ما أن نطق صاحب الجاكيت الانيق باسمه حتى تذكرت بطل روايته "الضحك" الذي كان يذكرني بروكانتان بطل رواية سارتر "الغثيان"، ولهذا لم أتركه يجلس على المقعد إلا بعد أن قلت له: يا أستاذ أنا من المعجبين جداً برواية الضحك، إنها أجمل رواية وجودية قرأتها، لم يتوقع مني هذا الكلام، فهو معروف في الوسط الثقافي بأنه ماركسي، سكت لحظة ثم قال بعد أن سلمني رزمة الورق التي كان يحملها بيده : هذه المرة الأولى التي يقال عن أعمالي إنها وجودية، وأضاف: هل قرأت رياح الخماسين؟ قلت: لم تصل إلى المكتبة التي أعمل فيها.

- أنت كتبيّ أيضاً، قالها لي وهو يبتسم.

كنت آنذاك في بدايات العشرين من عمري، وهو بشعره "الفضي" ربما تجاوز الأربعين عاماً، يبدو عندما يتحدث كأنه قادم من عالم آخر. قال لي: عندما كتبت "الضحك" كنت محبطاً، أشعر باليأس مما وصل إليه حال هذه البلاد العربية، كل الأحلام التي حلمنا بها تبخرت.

توقف ليخرج سيجارة من علبته، أشعلها ثم سحب نفساً عميقاً ليكمل: في "الضحك" كتبت جملة أثيرة على نفسي تلخص حالتي آنذاك: "من أجل أن أكتب قررت أن أعقد اتفاقاً مع الحياة، أن أسالمها وأتجنب صراعاتها الصغيرة البائسة.. في عملي تنازلت عن كل مطالبي عدا اثنين: الوقت والعزلة، ولم أكن خاسراً.".

- قلت له: وسارتر في "الغثيان" كان يريد أن يترك كل شيء وراءه من أجل التمتع بحريته.

المقارنة ليست في صالحي، قال وهو يسحب نفساً آخر من سيجارته، لا تنسَ أن رواية سارتر هذه أقيمت عليها دعائم الوجودية، بينما "الضحك" أولى محاولاتي المتواضعة في عالم الرواية.

قلت وانا احاول استعرض قراءاتي: لكن "غالب" بطل "الضحك" إنسان متمرد أشبه ببطل من أبطال الروايات الوجودية سواء عند كامو أو سارتر.

لمعت عيناه الملونتان وهو يقول: يبدو أنك مغرم بالوجودية.. طبعاً أنا أحترم مواقف سارتر وأيضاً المواقف التي كان يتخذها كامو، لكني أقرب إلى همنغواي الذي قرأته وأنا في العشرين من عمري، فهو أول كاتب يفتح لي الطريق لرؤية بصرية للواقع، كما علمني كيف أتخلص من اللغة المترهلة التي لا تقول شيئاً.

تحولت إلى تلميذ يَّتلقى درساً في فنون الأدب، انتبه غالب هلسا للحالة التي انتابتني، نهض ومد يده بالسلام، وقبل أن يخرج طلب مني عنوان المكتبة التي أعمل فيها قائلاً: لكي نواصل الحديث عن معشوقك سارتر.

تبدأ رواية "الضحك" بوصف لحالة بطل الرواية بعدما أقام علاقة جنسية مع بغيّ، كان لديه شعور بالدنس والقذارة، وأن رائحته امتزجت بروائح عرق البغي وجسدها الآثم، ولهذا نراه يشعر بالحنين إلى النظافة والبراءة، يختلط هذا المشهد الواقعي بحلم يلاحقه، حيث يجد نفسه يطالع منظراً من قريته التي ولد فيها، ونراه يحلم بالركض في شوارع القاهرة التي كانت خالية من الناس وقد ملأها الظلام، لينتهي إلى غرفة تحقيق يحاكم فيها بارتكاب جريمة لم يقترفها.

تبدأ الصفحات الأولى من رواية سارتر "الغثيان" بمكاشفة بطل الرواية لنفسه: "أعتقد أنني أنا الذي تغيرت، ذلك أيسر الحلول وهو أكرهها أيضاً، ولكن يجب أن أعترف أخيراً أنني معرض لهذه التغيرات المفاجئة التي تشبه الأحلام.. إن الأمر أكسب حياتي مظهراً متنافراً لا منسجماً.. هل أصبحت حقاً إنساناً يحب العزلة؟".

واصل غالب هلسا زيارته للمكتبة بين الحين والآخر، وفي كل مرة يدور حوار بيني وبينه عن آخر الكتب التي قرأتها، قلت له ذات مرة: "انتهيت من قراءة رواية ألبير كامو (الغريب)" ، واضفت إن الجملة الأولى من رواية كامو محيرة: "اليوم ماتت أمي، أو لعلها ماتت أمس، لست أدري. وصلتني برقية من مأوى العجزة: الأم توفيت. الدفن غداً. احتراماتنا.. وهذا لا يعني شيئاً، ربما حدث الأمر بالأمس". وضع غالب هلسا الكتاب الذي كان يقلب صفحاته، نظر في فضاء المكتبة كأنه يتذكر شيئاً ثم قال: يتصور بطل رواية ألبير كامو أن موت أمه ليس غلطته، وعندما سئل عن السبب الذي جعله يطلق الرصاص على العربي قال إن ذلك بسبب ضوء الشمس. إنها نظرة تلغي البعد الاجتماعي. ثم أضاف: يطلق الوجوديون على حالة ميرسو في (الغريب) وأيضاً حالة (روكنتان) في (الغثيان) صفة العبثية. إنها الحالة التي يفقد فيها الإنسان ثقته بكل المسلمات الاجتماعية، ويكون عاجزاً عن إيجاد قيمه الخاصة والتزامه النابع من ذاته.

قلت له إن كامو كان متأثراً برواية "الغثيان" وإن سارتر كتب يحيي "الغريب".

أجابني ونظراته لا تزال ساهمة: أعجبا! وتحية لم تدم طويلاً، فقد اختلفا بعد سنوات وهاجم كل منهما الآخر بقسوة.

يتذكر كامو في دفاتر ملاحظاته التي صدرت ترجمتها العربية بثلاثة أجزاء، أن علاقته بسارتر بدأت العام 1938 حين اكتشفه بالصدفة بعد أن أهداه صديق جزائري رواية: "الغثيان"، ما أن أغلق الصفحة الأخيرة من الرواية حتى قرر الكتابة عنها، آنذاك كان ينشر مقالات متفرقة في الصحف الجزائرية الناطقة بالفرنسية، يظهر المقال تحت عنوان "درس في الأدب": "هذه أول رواية من كاتب لنا أن نتوقع منه كل شيء، يا لها من سكينة طبيعية جداً عند الحدود البعيدة للفكر الواعي، ويا لها من مؤشرات دالة على مواهب غير محدودة، ونرى في كل هذا أساساً مكيناً لكي نرحب بـ "الغثيان" باعتبارها أول الغيث في عقل أصيل مفعم حيوية ونشاطاً، ما يجعلنا نتحرق شوقاً إلى الآتي من دروسه". كان عرض كامو لرواية "الغثيان" ينطوي على إعجاب كبير، ومثلما تحكي رواية سارتر الشهيرة تحطم الحياة الهادئة لبطلها روكانتن، فإن "الغريب" تتناول عبء الحياة اليومية على بطلها ميرسو، يكتب كامو في دفتر ملاحظاته: "إنه فكر ملياً ببطل الغثيان ووجده قريباً إلى نفسه، إنها أول رواية تعبر عنا بالصور الذهنية".

 بعد عام على صدور "الغريب" يكتب سارتر في الأعداد الأولى من مجلة الأزمنة الحديثة: "ليست الجريمة الحقيقية هي ما يحاكم ميرسو عليه، بل هي جريمة أخرى سيفهمها فهماً تاماً في النهاية، عندما يدرك مستوى جديداً من الوعي، إن رواية الغريب عمل كلاسيكي منهجي مؤلف عن العبث وضد العبث".

عندما نشر سارتر الغثيان كان في الثانية والثلاثين من عمره، وبطل الغثيان أنطوان روكانتان في حوالي الثلاثين من عمره، يمارس الاثنان سارتر وروكانتان فعل الحرية ويطلقان مقولتهما الشهيرة "إننا ملتزمون بفعل الحياة نفسه". إن العديد من النقاد الذين كتبوا عن الغثيان كانوا يرون أن سارتر كان يريد أن يدلي بتعبير شخصي عن تجربته.

أصدر غالب هلسا روايته الضحك وهو في الثامنة والثلاثين من عمره، وسيعترف في مقال كتبه عن الروائي الأردني تيسير السبول أن رواية الضحك انساقت إلى الرؤية العبثية، حيث فقد كل شيء معناه: " كانت روايتي الضحك تعبر عن أزمة جيل، ففيها تتفتت رؤيا كاملة إلى شظايا عبثية" – غالب هلسا أدباء علموني -.

يتذكر غالب أن روايته الضحك مرت بحالة من العبث، فعندما اعتقل عام 1966 في مصر، ترك وراءه مخطوط روايته "الضحك". وقد بقي في السجن ستة أشهر قام خلالها رجال الأمن باقتحام شقته واستولوا على مكتبته التي كانت تضم أكثر من ألف كتاب، لكن مخطوطة الرواية بقيت مكانها، لأن رجال الأمن كانوا يصادرون الكتب فقط.

يقتفي بطل رواية الضحك آثار الكاتب نفسه غالب هلسا وكأنه يريد أن يروي لنا سيرته الذاتية عن طريق الرغبات التي تتصارع في نفسه، إننا إزاء بطل مغترب أو كما وصفه الناقد فيصل دراج: "أضاع ما لا يريد وفتش عما يريد".

***

علي حسين - رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية

فى الفاتح من شهر مايو الجاري 2026 فتح المعرض الدّولي للنّشر والكتاب بالرباط أبوابَه الواسعة للزوّار، وامتدّت فعالياته حتى اليوم العاشر من نفس هذا الشّهر، وقد تصادفت وتزامنت دورة هذا العام اختيار منظمة اليونسكو لمدينة الرباط عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2026.

 على هامش هذا المعرض الكبير الذي حقق نجاحاً باهراً أدعو القارئ الكريم إلى إلقاء نظرة تاريخية فاحصة عن عالم الكِتَابة، والكِتاب، فأشير: أنّ معظمُ المصادر والمراجع والمظانّ التاريخية تؤكّد أنّ الكتابةَ بدأت في الأزمنة الغابرة الضاربة فى القدم في شكل صُور ورسومات وأشكال ترمز الى معاني ومدلولات ملموسة في الحياة اليومية للإنسان، و تشير هذه المصادر انه قد تمّ العثور علي الكثير من النقوش، والصُور، والرّموز التي تدلّ على مفاهيم معيّنة في منطقة الهلال الخصيب، خاصّة في الحضارة السوميريّة قبل حوالى ستّة آلاف سنة، وقد عُرفت الكتابة عندهم بالمسماريّة أو الإسفينيّة، كما تمّ العثور في جهاتٍ أخرى من العالم على بعض الرّسوم والصّور مثل تلك التي تمّ العثور عليها في كهوف” ألتاميرا” في إسبانيا، و”لاسكو “في فرنسا أو فى “رسوم ناسكا” في البيرو وسواها من المناطق الأخرى.

تاريخ الكتابة عند الشعوب القديمة

يؤكد الباحث فى التاريخ القديم الاستاذ إلياس غندور أيوب عطا الله فى كتابه ( الكون والأنسان بين التطوّر والعلم والتاريخ) : " أنّ الكتابة الأبجدية الكنعانية (الكنعانيون وهم من زمن 4000 ق م،) إبتكرها تاووتس الكنعاني ابن ميسور، او ميزور، ابن اميتس ابن كنعان ابن حام، بحوالي 500 سنة قبل ان يولد الفينيقيون في التاريخ، علماً أن الفينيقيين هم أحفاد الكنعانيين، وأنّ قدموس الكنعاني شقيق فينيقس وكيليكس وأوروبا، جميعهم أولاد أجينور أو أشنار ملك صور اللبنانية في القرن 13 ق م هو الذي حمل الأبجدية الكنعانية، وليس الفينيقية، إلى بلاد الأغريق حوالى 1250 ق م. وحديثاً عثر علماء الاغريق على عملات معدنية من العصر الكنعاني يظهرعليها صورة قدموس يعلّم الناس هناك الكتابة الكنعانية ".

 ويشير الأستاذ أيّوب عطا الله " أنّ اللغة اللّاتينية التي إشتقت منها معظم اللغات الأوروبية هي بنت اللغة الكنعانية، منها اشتقت، وتحمل ملامحها في جميع صورها ومعانيها. وبَعد الكنعانيين طوّر الفينيقيّون الكتابة ببراعتهم مستعينين بالإرث الكنعاني ثم بالسّومرية، والمصرية القديمة ".

كما يؤكد الباحث فى اللغة الأمازيغية من جهةٍ أخرى الأستاذ محمد حمزة: " أنّ الدراسات الحديثة أثبتت أن لغة التيفيناغ هي سابقة للأبجدية الفينيقية بقرون. وهو من الكتابات القديمة التي يُقال أنها كانت موجودة في وقت الكتابة الأولى التي عرفت في منطقة سومر ببلاد الرافدين"، وهناك مِن المتخصصّين مَنْ يؤكد أنّ هذه اللغة عاصرت الكتابات المسمارية القديمة، كما تشير عدّة نظريات من جانب آخر إلى أنّ كتابة التيفيناغ هي إنتاج محلي للأمازيغ في شمال إفريقيا. و ترجع بعض الدراسات التيفيناغ إلى الكتابة الليبية القديمة التي تعود إلى آلاف السنين والمدوّنة في الرّسومات الحجرية، حيث جرى تحوّل من الرّسومات التي تجسّد كلَّ شيء إلى ما يُسمى التجريد إلى أشكال هندسية، وهذا ما يؤكد أن الإنسان في شمال إفريقيا إنتقل من الرّسم إلى الكتابة وعلى سبيل المثال إنتقل من رسم المرأة إلى الترميز إليها من خلال شكل المثلث الموجود في الكتابات والرسوم، وهو نفسه الحرف (ت) أو (T )

و تؤكد نفس المراجع الآنفة الذكر أنّ الإغريق قد طوّروا أبجديتهم نقلاً عن الكنعانيين والفينيقيّين، وأصبحت عندهم أبجدية خاصّة بهم، والتي أصبحت في ما بعد الأبجدية الخاصّة بالغرب، ثم جاء الرّومان وأخذوا الأبجدية الإغريقية، وقد سادت اللغة الرومانية واللاّتينية في مختلف الأصقاع الأوروبية بعد سيطرة الإمبراطورية الرّومانية على بلاد الغرب. وحسب الباحث إلياس غندور أيوب عطا الله السابق ذكرُه " فإنّ الكتابة العربية جاءت متأخرة، إذ يعود تاريخ ظهورها إلى حوالى 600 ق م، من التاريخ، والأبجدية العربية مشتقة من الكتابة السّامية،جاءت من رحم اللغة الآرامية السّريانية بنت الكنعانية وربيبتها ".

وبعد ظهور الإسلام بدأت اللغة العربية تنتشر فى مختلف الأصقاع والمناطق النائية التي فتحها المسلمون خاصّة بعد أن قرّر الخلفاء الراشدون تدوين القرآن الكريم على عهد الخليفة عثمان بن عفّان، ثم انتشرت الكتابة العربية إنتشاراً واسعاً مع إنتشار الدّين الإسلامي الحنيف. ولقد وصلت العربَ عن طريق الأنباط.

وفي القرن الثامن الميلادي شرع المسلمون في إستخدام الورق الذي إبتكره الصّينيون بدلاً من الرقّ أو جلود الحيوانات حيث أسّسوا مصنعاً للورق وعنهم أخذته البلدان الأوروبية في القرن الثاني عشر. وقد أنشئ أوّل مصنع للورق في إنكلترا في القرن الخامس عشر. وفي عام 1436 إخترع العالم غوتينبرغ الطباعة فكان ذلك الإختراع فتحاً عظيماً، وقفزة نوعية هامّة، وفاصلة في تاريخ الكتاب والكتابة، حيث تمّ نقل الكتاب من طور المخطوط الغميس، إلى المخطوط المكتوب أو المطبوع الصّقيل.

جرائم إحراق الكتب

من المعروف أنّ الكتبُ والمخطوطاتُ قد تعرّضت منذ أقدم العصور للمتابعة، والمصادرة، والرقابة، والتضييق، والحرق، والإتلاف… كان الكتاب منذ القدم هو الوسيلة التي تنقل بواسطته العلوم والحكمة والمعارف وأسرار الحروب وخطط الدفاع والهجوم، وفيها كانت تُسجّل الإختراعات وأسرار الدّول والصنائع، والمُخترعات، بل كان الكتاب هو السّلاح الاكثر فتكاً، والوسيلة المثلى والأنجع للتنوير والتعليم وتثقيف العقول وتهذيب النفوس وتغذية القلوب وملئها بنور الإيمان والهداية والاستقامة والتقوى. كانت كلمة " إقرأ" أوّل ما نزل من القرآن الكريم وفي سورة البقرة يرد إسم الكتاب، كتاب الله فيقول جلّ جلاله: (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين). وغيرُ خافٍ أن كتب المسلمين ومخطوطاتهم في الأندلس كانت تثير الرّعبَ والهلعَ في قلوب الإسبان المتزمّتين منهم، في حين كان يحتفي ويُعْنىَ بها آخرون، وتحضرنا فى هذا المجال حادثة مؤلمة وحزينة إقترفها الكاردينال الإسباني " سيسنيروس" حيث أمر عام 1501 بحرق مكتبة مدينة الزّهراء التي كان فيها ما ينيف على ستمئة الف مخطوط في مكان يسمّى “باب الرملة ” Bib Ramblaبغرناطة، و ما زال إسم هذه الساحة مكتوباً على رخامة ملصقة بجدرانها حتى اليوم، وعلى إثر هذه الجريمة الشنعاء إختفت العديد من المخطوطات الكتب النفيسة التى أبدعها علماء أجلاّء في مختلف فروع العلم والمعارف بالأندلس، ويحكي لنا التاريخ إنّ الجنود الذين كلّفوا بالقيام بهذه المهمّة كانوا يُخفون بعضَ هذه الكتب أثناء إضرامهم النارَ فيها في ثنايا أرديتهم لفرط جمالها، وروعتها، وبهائها، إذ كان بعضها مكتوباً بماء الذهب. وقد وصف لنا العديد من شعراء الأندلس بحسرة ما بعدها حسرة كيف أنّ الإسبان بعد حروب الإسترداد كانوا يحرقون الكتبَ، ويتلفون المخطوطات العربية، ويلطّخونها على مرأىً من الملأ وفي ذلك أشعار كثيرة مشهورة ومؤثرة.

وفي بلدان أميركا اللاتينية أعاد التاريخ نفسه حيث قام الاسبان عند إكتشافهم لها عام 1492 بحرق العديد من المخطوطات، والكتب، والأسفار القديمة التي تعود لشعوب المايا، والأزتيك في المكسيك، ولشعوب الإنكا، والموشيك في البيرو، وقد تمّ ذلك أمام أعين أصحابها من السكّان الأصلييّن في هاذين البلدين وفي سواهما من بلدان أميركا الجنوبية الأخرى.

وإحراقُ الكتب أو إتلافها يجري عادة في العلن لأسباب أخلاقية أو سياسية، أو أيديولوجية، أو دينية. وقد يتمّ التخلّص من الكتب سريّاً كما حدث لملايين الكتب التي تمّ إحراقها في الكتلة الشيوعية الشرقية. ويذكر لنا التاريخ العديدَ من الأمثلة لهذه الجرائم التي لا تُغتفر. فبالإضافة الى حرق كتب المسلمين في الأندلس، وكتب المايا والإنكا في المكسيك والبيرو، نذكر حرق الكتب على عهد أسرة تشين الصينية، وحرق النازييّن لكتب خصومهم في أوروبّا. وتُعتبر حوادث حرق الكتب جرائم لا تُغتفر في حقّ العلم، والإنسانية.

نهب مخطوطات مغربية نفيسة

يعتقد غير قليل من الدارسين من باب الخطأ أنّ مكتبة دير الإسكوربال الذي يبعد عن مدريد بحوالي 45 كيلومتر، المليئة بالمخطوطات العربية الثمينة أنها من مخلّفات علماء المسلمين في إسبانيا، والحقيقة أنّ محاكم التفتيش الكاثوليكية المتعصّبة كانت أحرقت معظم الكتب العربية أينما وُجدت، ولم يبق بعد خروج المسلمين من الأندلس كتب عربية تستحقّ الذّكر. وكان المنصور الذهبي السعدي مولعاً بإقتناء الكتب وجمع منها خزانة عظيمة، وسار إبنه زيدان على سنته في الإهتمام والعناية بالكتب، فنمّى المكتبة التي كانت عند والده. ولمّا قام عليه أحدُ أقاربه، وإضطرّ للفرار، كان أوّل ما فكر فيه خزانة كتبه، فوضعها في صناديق ووجّهها الى مدينة آسفي لتُشحن في سفينة كانت هناك لأحد الفرنسيين وهو(القنصل الفرنسي كاستيلان) لينقلها الى أحد مراسي سوس بجنوب المغرب. فلمّا وصلت السفينة إنتظر كاستلان مدّة أن يدفع له أجرة عمله، ولما طال عليه الأمر هرب بمركبه وشحنته الثمينة، فتعرض له في عرض البحر قبالة مدينة سلا قرصان إسباني يُدعى (الأميرال فاخاردو) وطارده واستولى على الصناديق، ولا شكّ أنهم كانوا يظنّون أنها مملوءة بالذهب، فلمّا فتحوها ولم يجدوا بها إلا الكتب، فكروا، من حُسن الحظ أن يقدّموها هديّة لملكهم. ولما وصلت هذه الكتب إلى الملك الاسباني فيليبي الثاني، الذي كان منهمكاً في بناء الدّير الفخم للقدّيس لورينثو بالمحلّ المُسمّى اليوم الإسكوريال أوقفها على هذا الدّير، وهي التي لا تزال موجودة به الى اليوم، يقصدها العلماءُ والطلاّب من كلّ الأقطار للإستفادة من ذخائرها، ونفائسها. وما فتئ المغرب يطالب باسترجاع هذه الكتب والمخطوطات الى ايوم.

حكايات الكتاب وطرائفه

من المعروف ان الكتاب كان يحظى بعناية خاصّة عند العرب وما يزال، فقد جمع الخلفاء في المشرق والمغرب الآلاف من أمّهات الكتب والمخطوطات، فمدينة قرطبة كانت تحفل بالمكتبات وأروقة العلم و بيوت الحكمة، كانت تزيّن خزانة الحكم المستنصر بها أزيد من أربعمئة ألف مخطوط، هذا الرجل الذي قال عنه "بول لين " إنه كان دودة كتب، وعنه يقول إبن خلدون: إنّه جمع من الكتب ما لم يجمعه أحد من الملوك قبله. كما إعتنى هارون الرشيد في المشرق بجلب العديد من الكتب والمخطوطات من الدّيار التي فتحها. وقد بلغ نشاط بيت الحكمة ببغداد ذروته على عهد الخليفة المأمون الذي أولاه عناية خاصّة، ووهبه كثيرا من ماله ووقته. وأهمّ ما ميّز بيت الحكمة الخزانة العظمى التي كانت بها وقد تمّ تدمير العديد من نفائسها على يد المغول عام 1258. كان العلماء يحبّون الكتب حبّا جمّا، معروف أنّ أبا عثمان الجاحظ مات تحت أكوام كتبه، وكان هؤلاء العلماء يتحمّلون المشاقّ ووعثاء السّفر لطبع كتبهم، وكانت مسألة إعارة الكتب شيئاً ممقوتاً عندهم، وكان شاعرهم يقول في ذلك:

ألا يا مُسعيرَ الكتب دعني/ فإنّ إعارتي للكتب عارُ

فمحبوبي من الدنيا كتاب / وهل ابصرت محبوباً يُعارُ.

وكانوا يقولون إنّ الكتاب الذي يعار قد لا يردّ إلى صاحبه، وهم محقّون في ذلك، إذ يُحكى أنّ الكاتب الفرنسي " إميل زولا" زاره ذات مرّة أحدُ أصدقائه في منزله، وعندما بدأ يطّلع ويتفقّد مكتبة زولا الكبيرة، وفجأةً وقع نظرُه على كتابٍ كان يبحث عنه منذ مدّة، فقال لصديقه زولا : هل لك أن تعيرني هذا الكتاب؟ فقال زولا له على الفور: لا، لا أستطيع أن أعيرك إيّاه، فالكتاب الذي يُعار لا يُردّ إلى صاحبه، والدّليل على ذلك أنّ معظم الكتب التي ترى في هذه المكتبة مُعارة.. ! وكان الكاتب الإيرلندي الساخر برنارد شو يتجوّل ذات مرّة بسوق الكتب القديمة، وفجأة وقع نظرُه على كتابٍ له كان قد صدر مؤخّراً، وكان قد أهداه لأحد زملائه الأدباء، فباعه هذا الأخير من دون أن يفتح أوراقه التي كانت لا تزال لصيقةً ببعضها، كما كانت العادة بالنسبة إلى الكتب الصّادرة فى ذلك الحين، فاشترى شّو الكتاب، وكتب تحت الإهداء القديم ما يلي : برنارد شو يُجدّد تحيّاته، ثمّ بحث عن صديقه وسلّمه إليه من جديد.! يقول الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس الى اليوم ابو الطيّب المتنبّي عن الكتاب:

أعزّ مَكانٍ في الدّنى سرجُ سابحٍ / وخيرُ جَليسٍ في الزّمان كتابُ.

وكان أمير الشعراء احمد شوقي يقول:

 أنا من بدّلَ بالكتبِ الصّحَابَا / لم أجدْ لي وافيّاً إلاّ الكتابَا !

***

د. السفير محمّد محمّد الخطّابي

 كاتب وباحث ومترجم من المغرب

كثيرا ما اندلعت الحروب بين البلدان الاوربية وبلدان الشرق، واشهر تلك الحروب التي استمرت سنوات طويلة هي الحرب الصليبية التي انتصر فيها صلاح الدين الايوبي على الجيوش الجرارة وعامل أسراها باحترام. ويعد كتاب الاعتبار لاسامة بن منقذ(توفي 584 هـ) الذي سجل فيه تجربته العملية في الحرب والمعارك التي اشترك فيها،أشهر مذكرات وصلتنا عن تلك الحرب. وكان محاربا مقداما.

ولو انتقلنا الى العصر الحديث سنجد العديد من الشعراء نددوا بالحروب وعلى الاخص الحربين العالميتين الاولى والثانية، وحرب فيتنام.

ومن بين الشعراء الذين تناولوا الاحداث التي اندلعت إثر الحرب العالمية الاولى الشاعر عبد المطلب الحسيني الذي يصفه اليعقوبي بانه (فصيح البيان جرئ اللسان كثير الحفظ ذكي الخاطر خصب القريحة مرهف الحس..) البابليات (ص 40)

ولد الشاعر الحسيني في مدينة الحلة عام 1280 هـ وتعلم على يد عمه السيد حيدر واشتغل في الزراعة

وساهم في حشد المقاتلين ضد الاحتلال البريطاني للبصرة واستنهاض القبائل بخطب وقصائد حماسية باللغتين الفصحى والعامية.

وعندما دحروا القوات الانجليزية التي جاءت لانقاذ الجنرال تاوسند المحاصر في مدينة الكوت انتقل الى قرية بيرمانة واقام فيها حتى وفاته عام 1339 هـ.

من أعماله الادبية شرحه لديوان مهيار الديلمي في ثلاثة اجزاء، طبع عام 1330 هـ ببغداد ويعد من أجود نسخ ديوان مهيار.

وله قصيدة نونية تصف الحرب الايطالية الليـبـية (الطرابلسية) سنة 1331 هـ،وهي من أشهر قصائده الوطنية الحماسية

منها هذه الابيات:

أيها الغرب ماذا لقينا // كل يوم تثير حربا طحونا

تظهر السلم للانام وتخفي // تحت الضلوع داء دفينا

قل (لايطاليا) التي جهلتنا // بثبات الاقدام هل عرفونا

كيف ترجو كلاب (رومة) منا // أن ترانا لحكمها خاضعينا

سـل (طرابلس) التي نزلوها // كيف ذاقوا بها العذاب المهينا

ولم يغفل عن طرق باب الغزل أيضا:

لبابل من عينيك يسترق السحر // وللكأس من معسول ريقتك الخمر

شكوت الى عينيك ما فعل الهوى // لذاك حياء يعتري جفنك الكسر

وفي الحي خشف يصرع الغنج جفنه // فتصرعني الحاظه ودمي هدر

يموج على خديه ماء جماله // فيلهب لكن منه في كبدي جمر

محمد مهدي البصير..شاعر ثورة العشرين

ولد الشاعر محمد مهدي في مدينة الحلة عام 1895م ونشأ فيها.

فقد بصره وهو في سن الخامسة بسبب اصابته بمرض الجدري.

غادر مدينة الحلة الى العاصمة بغداد وهو في العشرين من عمره وكرس حياته للعمل في التدريس والقاء الشعر الحماسي المؤيد لثورة العشرين والخطب الرنانة التي تهز ضمير الجمهور وتزرع بذور الوطنية في نفوس الشبيبة. توفي عام 1974.

 ومن آثاره:

ديوان البابليات وديوان المختصر وديوان الشذرات.

 وله كتاب بعنوان: تاريخ القضية العراقية طبع ببغداد 1923 م

يتحدث فيه عن تاسيس الدولة العراقية وطبيعة العلاقات السياسية بين البريطانيين والعراقيين والاحداث التي رافقت تأليف الحكومة ومجلس النواب، وعن التظاهرات التي كانت تطالب باستقلال العراق وحقه في سيادة البلاد.يقول في ص 148 (إن أول مظاهرة أقيمت في أواخر شعبان، وشعرت الحكومة بالامر، فأخذت الانسة بيل تدعو الشبان الى شرب الشاي عندها،واختارت أن تكون هذه الدعوة ليلة الجمعة... ثم اقيمت المظاهرة الثانية في جامع الميدان ليلة الجمعة فحضرها الوف مؤلفة من الناس وألقيت في تلك الحفلات عدة قصائد منها:

إن ضاق يا وطني عليَّ فضاكا // فلتتسع بي للأمام خطاكا

لبيك ياوطني بكل ملمة // فيها يجيب المشرفي نداكا

واخرى:

ألآ هكذا من رام ان يتحررا / يطالب ومن يسكت يعش متأسرا

وحول وثيقة الرئيس الامريكي ولسن وحق استقلال الشعوب يخاطب البصير ولسن قائلا:

قلت للحق هل وجدت نصيرا // قال أعدائي كلهم نصرائي

قلت قد شد ولسن لك أزرا // قال إني بليت بالضعفاء

قلت كان الرئيس ذاك خطيرا // قال لكن يدين للحلفاء

قلت هلا حزنت يوم تولى // قال فيه ضحكي معا وبكائي

وله الكثير من القصائد التي اصبحت علامة بارزة في الشعر السياسي الحماسي والوطني.

ولشاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري 1899 _ 1997

قصائد مشهورة عن الحرب والسلام، منها قصيدته انشودة السلام، مطلعها:

جيش من السلم معقود به الظفر

وموكب كشعاع الفجر ينتشر

ونفحة من سماء الحق ترسلها

غر الملائك يستهدي بها البشر

وبئست الحرب قزما عنده صلف

من التعالي وفي سيقانه قصر

عجبت للحرب بلهاء ومنطقها

إن أغمضت أو أبانت منطق هذر

آمنت بالسلم لا دين لمن كفروا

به ودين لأهليه وإن كفروا

وهذه بعض الابيات التي يعرج فيها الجواهري على مأساة هيروشيما في

قصيدة أطفالي وأطفال العالم ألقاها في مؤتمر نزع السلاح في موسكو عام 1962

لي طفلتانِ أقنِصُ الخيالا

عَبْرَيهما والعِطرَ والظِلالا

....................

من وِزر باغٍ دكَّ " هيروشيما "

بالذرِّ حتى ردَّها هشيما

وبنتُ " هيروشيم " طيفٌ مرعب

وفي السكون حالةٌ لا تعجب

وللشاعر الراحل كاظم السماوي قصائد كثيرة تلهج بالحرية والسلام،

منها قصيدته ملحمة الحرب والسلم عام 1983 التي ترجمت الى الروسية والفرنسية والاسبانية والالمانية وكتب عنها

الدكتور جورج حنا مقدمة نشرت مع القصيدة في ديوان السماوي (الاعمال الشعرية 1950- 1993) دار الرازي عام 1994.

يقول الدكتور جورج حنا "لقد أحسن شاعرنا (السماوي) اختيار موضوع الحرب والسلم لملحمته، فالحرب والسلم موضوع الساعة والحديث عنه مالئ الدنيا وشاغل الناس. ولست أشك أبداً أن هذه الملحمة العميقة المعنى ستبعث في قارئيها روح الحقد على دعاة الحرب وتهيب بهم الى النضال من أجل السلم والحرية والانعتاق.

ومطلع قصيدة الحرب والسلم:

مازال يعلق بالحراب

دمٌ يسيلُ، وليس ينضبُ، بانسياب

 ومنها

وبكل دربٍ قلب والهة تولول هل يعود

أو لايعودُ أخٌ وزوجٌ أو حبيبٌ، والحشود

من الجنود العائدين تمر في اثر الحشود

تجر سيقان الهزال من القتال

أو العيون الممرضات من الكلال

.............................

وغدا سينتفض العبيد

ويهل للفجر الجديد

سناً تُدك به السجون أو المعاقل والحديد

يذوبُ في اللهب المبيد

وسوف ينهار الجدار الاسودُ

ويموج، يدفق بالشعاع لنا الغدُ

فوق الحقول الزاهيات

.........................

وغدا ستزدهرُ العصورْ

مدى الحياة، مدى الدهورْ

وترفُّ أجنحةُ السلام

وتغور أشباحُ الظلام

وغدا ستبتسم النجوم

في الافق من خلل الغيوم

ويطل إشعاع جديد

***

مؤيد عبد الستار

الفن لا يُصنع في المناطق الآمنة

وصلنا إلى بغداد، في تلك المنطقة المعلّقة بين النهار والليل، حين لا تعود الأشياء واضحة تمامًا، ولا غامضة تمامًا، بل تتخذ ذلك اللون الوسيط الذي يمنح المدن الكبرى شيئًا من هيبتها وشيئًا من قلقها.

كانت السماء فوقنا تميل إلى لون النحاس حين يخرج من أتونٍ قديم، متوهجًا، متعبًا، ومشحونًا بتاريخ لا يُرى بالعين المجردة. أما النوافذ البعيدة، المضيئة في واجهات الأبنية المتناثرة على امتداد الأفق، فلم تكن تبدو مجرد نوافذ؛ كانت أشبه بإشارات صامتة، ومضات قصيرة تخرج من عمق المدينة، كأن أحدًا هناك، في طبقة غير مرئية من الزمن، يحاول أن يبعث برسالة لا يمكن أن يقرأها سوى الذين يصلون متأخرين بما يكفي.

الحافلة التي أقلّتنا لم تكن تتحرك في شوارع المدينة بقدر ما كانت تشق طبقات من الذاكرة. كانت تسير ببطء محسوب، كما يتحرك قارب في ماء كثيف لا يُظهر عمقه. وعلى الأرصفة، كان المارة يعبرون بنوع من الاقتصاد الحركي الذي لا يصدر عن التعب وحده، بل عن علاقة طويلة بين الإنسان والمكان؛ علاقة تجعل الخطوة الواحدة محمّلة بما هو أكثر من معناها المباشر. بدا لي أن أولئك العابرين لا يمشون نحو وجهة محددة، بل يحملون زمنهم معهم، يجرّونه كما تُجرّ حقيبة قديمة امتلأت بما لم يُستخدم قط.

من خلف زجاج النافذة، كانت المدينة تعرض نفسها لا بوصفها مشهدًا، بل بوصفها أرشيفًا مفتوحًا. لافتات ممزقة لمهرجانات مضت، إعلانات باهتة لعروض مسرحية لم يعد أحد يتذكر أسماء ممثليها، صور فقدت ألوانها لكنها احتفظت بإصرارها على البقاء. أصوات الباعة ترتفع من زوايا غير مرئية، ثم تختلط بنداء المساء القادم من المآذن، فينشأ من هذا التداخل إيقاع لا يمكن نسبته إلى الشارع وحده أو إلى الدين وحده أو إلى التجارة وحدها. كان شيئًا أوسع من ذلك؛ نوعًا من الموسيقى المدنية التي لا تُكتب، لكنها تستمر.

لم تبدُ بغداد مدينة بالمعنى الذي نعرفه للكلمة. لم تكن تجمعًا عمرانيًا، ولا مركزًا سياسيًا، ولا حتى عاصمة بالمعنى الإداري البارد. كانت نصًا مفتوحًا، طويلًا، متعدّد الطبقات، يكتبه مؤلف مجهول منذ قرون، ثم يعود كل ليلة ليشطب فقرة، ويضيف هامشًا، ويبدّل نهاية لم تعجبه.

كان هناك إحساس داخلي يصعب تفسيره بلغة مباشرة: أننا لا ندخل مكانًا جديدًا، بل ندخل سردية قائمة منذ زمن، وأن حضورنا، مهما بدا عابرًا، سيُدرج بطريقة ما داخل بنية هذه الحكاية. كل ما سنراه لاحقًا، كل الوجوه، والمقاهي، والحوارات العابرة، وروائح الورق، وارتباك الكواليس، وحتى لحظات الصمت التي ستفصل بين مشهد وآخر، سوف يتحول، دون أن نشعر، إلى جزء من ذاكرة جماعية نحملها معنا كما يحمل الممثل نصه المطوي في جيب معطفه، لا ليقرأه، بل ليتأكد فقط أنه ما يزال موجودًا.

كان ذلك في شتاء عام 1992.

عام بدا فيه الزمن نفسه وكأنه فقد انتظامه.

كانت المدينة، في تلك الأشهر، أشبه بساعة رملية مقلوبة، ينحدر فيها الوقت ببطء يكاد يكون مرئيًا. لم تكن الأيام تمر؛ كانت تتسرب. وكان لكل يوم وزنه، ولكل مساء امتداده الخاص، كما لو أن عقارب الساعات تعمل داخل مادة أثقل من المعتاد.

ما شدّ الانتباه منذ اللحظة الأولى أن المدينة كانت تعيش على مستويين من الزمن في آن واحد.

هناك الزمن الظاهر، اليومي، المزدحم بالمواعيد، والقلق، ونقص الأشياء، والوجوه المستعجلة.

وهناك زمن آخر، أعمق وأبطأ، مستقر تحت حجارة الأزقة، خلف جدران المقاهي القديمة، في الأبواب الخشبية، وفي الأرصفة التي حفرتها أقدام لا تُحصى.

كان ذلك الزمن الثاني هو الذي يمنح المدينة ثقلها الحقيقي.

الزمن الأول يُرى، أما الثاني فيُحس.

كنا قادمين للمشاركة في مهرجان المسرح العربي الأول، وكان في داخل كل واحد منا شعور مبهم بأن ما ينتظرنا لن يكون مجرد مناسبة فنية عابرة. لم يكن الأمر يتعلق ببرنامج عروض أو لجنة تحكيم أو تصفيق جمهور. كان ثمة ما هو أعمق من ذلك؛ إحساس بأن المدينة نفسها اختارت أن تجعل من هذا اللقاء علامة تُضاف إلى دفترها السري، ذلك الدفتر الذي لا يُفتح إلا لمن يعرف كيف ينظر إلى الضوء بوصفه قناعًا، وإلى الظل بوصفه اعترافًا مؤجلًا.

بدت العاصمة، في تلك الأيام، مثل مسرح هائل بلا ستائر. لم يكن ثمة فصل واضح بين الخشبة والحياة. كل شارع كان يحمل بنية مشهد. كل مقهى بدا وكأنه مساحة انتظار قبل رفع الستار. كل وجه مرّ أمامنا كان يحمل شيئًا من شخصية لم يكتمل بناؤها بعد. حتى الصمت بين الكلمات بدا مدروسًا، كما لو أن المدينة بأكملها تتقن فن الإيقاع.

كان الهواء نفسه مشبعًا بما يكفي ليجعل الذاكرة أكثر يقظة. رائحة الورق المطبوع. الحبر القديم. ملفات محفوظة منذ سنوات. نصوص مرت عليها أيدٍ كثيرة. ملصقات طُويت ثم فُتحت. دفاتر ملاحظات حملت تصحيحات بالقلم الأحمر.

كل شيء كان يوحي بأننا لا نسير في مدينة، بل داخل مكتبة هائلة لم تُقرأ كتبها كاملة بعد.

دخلنا بغداد يومها كما يدخل المرء ذاكرة شخص آخر؛ بحذر، وبفضول، وبقدر من الخوف لا يعترف به علنًا. لأن الدخول إلى ذاكرة الآخرين أمر ممكن، أما الخروج منها كما كنت قبل الدخول، فتلك مسألة أخرى تمامًا.

أما مشاركتنا، فقد جاءت عبر العرض المسرحي "السيد والخادم"، وهو عمل ارتبط باسم المؤلف والمخرج شفاء العمري ( 22 سبتمبر1939 – 14 فبراير2013 ) ذلك الرجل الذي لم يتعامل مع المسرح يومًا بوصفه مهنة، بل بوصفه قدرًا شخصيًا طويل الأمد. كان من أولئك الذين لا يصعدون إلى الخشبة لكي يمثلوا، بل لكي يعيدوا تعريف وجودهم مرة أخرى.

يركض خلف فكرة يصعب الإمساك بها بالكامل

حين كنت أنظر إليه، كان يخطر لي دائمًا أن بعض الفنانين لا يعيشون أعمارهم بالطريقة المعتادة؛ إنهم يعيشون داخل دور واحد، دور يمتد لعقود، ويتبدّل شكله، لكنه لا ينتهي. وعلى امتداد ما يقرب من أربعين عامًا، ظل يركض خلف فكرة يصعب الإمساك بها بالكامل؛ فكرة المعنى نفسه. يطارده، يقترب منه، يفقده، ثم يبدأ من جديد.

منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، بدا حضوره في المسرح العراقي أشبه بحارسٍ يقف عند باب معبد قديم، لا يغادر موقعه، حتى حين يتبدّل الزوار، وتتغير الوجوه، وتتآكل الجدران. كان يعود كل مساء إلى الخشبة كما يعود الناس إلى صلواتهم الأولى، لا بحثًا عن إجابة نهائية، بل بحثًا عن السؤال الذي يستحق أن يُطرح من جديد.

اختزال العمري في صفة "مخرج منفتح على الحداثة " لم يكن كافيًا، كما لم يكن دقيقًا. كان أقرب، في جوهره، إلى صورة " المُعلّم" أكثر من أي توصيف آخر. ليس بمعنى السلطة التعليمية التقليدية، بل بمعنى ذلك الذي يجعل من التمثيل تجربة معرفة، ومن التدريب بحثًا في الإنسان قبل أن يكون تدريبًا على الأداء.

كان عصاميًا في شغفه، لا يتعامل مع المسرح بوصفه مهنة مستقرة، بل بوصفه حقلًا مفتوحًا للقلق والمعرفة المستمرة. يتابع كل تجربة جديدة كما لو كانت احتمالًا لفهم مختلف للعالم، لا مجرد إضافة إلى رصيده المهني.

وكانت علاقته بالمعرفة علاقة اشتباك دائم، لا علاقة استهلاك. يقرأ، يعيد القراءة، ثم يعيد بناء ما قرأه داخل رؤيته الخاصة، كأن كل نص، مهما كان مصدره، لا يكتمل إلا حين يمر عبر وعيه الشخصي ويُعاد تشكيله داخل تجربته المسرحية.

كما كان شديد الانتباه لما يُكتب ويُنشر باللغة الإنكليزية، لا بوصفها لغة امتياز، بل بوصفها نافذة إضافية على المسرح العالمي. يتعامل مع النصوص الأجنبية كأنها طبقات من تجربة إنسانية يمكن تفكيكها وإعادة تركيبها داخل سياقات مختلفة، من دون أن تفقد جوهرها.

ولم يكن انعزاليًا في هذا المسار، بل كان دائم السعي إلى الحوار.

يكتب، يراسل، يناقش، ويتبادل الأفكار مع مخرجين وكتّاب من العالم العربي وخارجه، في محاولة لفهم التحولات التي تصيب المسرح، لا بوصفها تغييرات شكلية، بل بوصفها تحولات في طريقة النظر إلى الإنسان نفسه.

كان يراقب تلك التبادلات كما يراقب المرء مجرى نهر تتقاطع فيه تيارات متعددة، دون أن يفقد اتجاهه العام نحو البحر.

ولهذا، حين دخلنا معه تلك المدينة، لم نشعر أننا نشارك في عرض مسرحي فحسب، بل شعرنا أننا نقترب من لحظة نادرة يلتقي فيها الفن بالذاكرة، والتاريخ بالأداء، والمدينة بالنص… في مساحة واحدة، مضاءة بما يكفي كي نرى، ومعتمة بما يكفي كي نتذكر.2721 shfaa

التكوين المبكر للعمري

وُلِد العمري في الموصل عام 1939، في مدينة لا يبدو فيها الزمن خطًا مستقيمًا بقدر ما يبدو طبقات متراكبة من الأصوات والحجارة والروائح والذكريات. كانت الموصل، في تلك السنوات، مكانًا تتجاور فيه القرون دون أن تتصادم؛ مدينة يستطيع المرء فيها أن يسمع صدى الماضي في نداء بائع متجول، وأن يلمح أثر حضارات كاملة في انحناءة زقاق ضيق أو في خشب باب أكلت أطرافه مواسم لا تُحصى. هناك، في ذلك التكوين المبكر الذي تمتزج فيه الحياة اليومية بتاريخ لا يكف عن الحضور، تشكلت عين العمري، لا بوصفها عين ممثل أو مخرج فحسب، بل بوصفها عينًا تعلمت منذ البداية أن ترى ما يقع خلف الأشياء، لا ما يظهر على سطحها.

حين أسس عام 1968 "فرقة مسرح الفن" في نادي الفنون في الموصل، لم يكن الأمر أشبه بتأسيس فرقة مسرحية بالمعنى الإداري البسيط للكلمة. كان أقرب إلى وضع حجر أول في بناء غير مرئي، مدينة موازية لا تُسجل في خرائط البلديات ولا في السجلات الرسمية، لكنها تعيش في ذاكرة من مرّوا بها. كان يعرف، على نحو ربما لم يصرّح به، أن المؤسسات الثقافية الحقيقية لا تُبنى بالجدران أو المقاعد أو الستائر، بل تُبنى بالأفكار التي تصر على البقاء رغم تبدل الأزمنة.

وحين عاد في عام 1975 ليؤسس "فرقة جامعة الموصل"، لم يكن يكرر التجربة، بل كان يوسع حدودها. بدا كمن يزرع شجرة في أرض لا يملك ضمانًا بأنها ستثمر، لكنه يؤمن، بإيمان نادر، أن فعل الزرع نفسه يحمل قيمة مستقلة عن الحصاد. كان يدرك أن بعض الأعمال لا تُقاس بنتائجها المباشرة، بل بما تتركه من أثر في أولئك الذين سيأتون لاحقًا، أولئك الذين قد لا يعرفون اسم من زرع البذرة، لكنهم سيجلسون يومًا في ظلها.

عمل مع "فرقة نينوى" التابعة لدائرة السينما والمسرح، وقدم عبرها أعمالًا حملت ملامحه الإخراجية الواضحة؛ تلك الملامح التي لم تكن تسعى إلى الإبهار السريع بقدر ما كانت تبحث عن بناء داخلي متماسك، عن علاقة أكثر عمقًا بين النص والممثل والجمهور.

ثم جاء ظهوره على خشبة مسرح الرشيد في بغداد عبر الفرقة القومية للتمثيل، في لحظة بدت، لمن عرف مسيرته، أشبه بتوقيع هادئ على جدار يعرف صاحبه أنه لن يبقى إلى الأبد، ومع ذلك يصر على أن يترك أثره عليه. لم تكن قيمة تلك الرحلة مرتبطة بنجاح عرض بعينه، أو بإشادة نقدية عابرة، أو حتى بتصفيق جمهور امتلأت به القاعة في مساء معين.

ما كان يتجلى في تجربة العمري أعمق من ذلك بكثير. كان الأمر انتصارًا لروح فنية اختارت، في بيئة لم تكن دائمًا سهلة على الفن، أن تظل واقفة. روح رفضت أن تنحني، لا بدافع البطولة، بل بدافع الإيمان بأن الفن، في لحظاته الحقيقية، ليس مجرد فعل جمالي، بل فعل مقاومة قادر على إعادة ترتيب المشهد كله.

عودة إلى ما قبل العرض في بغداد: وصول اللجنة للتقييم

وكما تقتضي تقاليد المهرجانات المسرحية الجادة، كان على العروض أن تمر أولًا عبر اختبار نقدي يسبق الافتتاح؛ اختبار لا يخضع للمجاملة، ولا للانتماءات المحلية، ولا لعلاقات الصداقة أو الضرورات الاجتماعية. لجنة محترفة، تمتلك المعرفة والخبرة والقدرة على قراءة العرض قراءة علمية وموضوعية، كانت جزءًا من بنية العمل نفسها، لا مجرد إجراء تنظيمي.

وقد تجسد ذلك بوضوح حين وصلت إلى الموصل لجنة جاءت من بغداد، تضم د. صلاح القصب ود. فاضل خليل .

الإثنان لم يكونا من أولئك الذين يكتفون بمشاهدة العرض من الخارج. كانا ينظران إلى الخشبة كما ينظر الجرّاح إلى تركيب معقد، أو كما ينظر قارئ متمرس إلى مخطوطة يعرف أن المعنى الحقيقي لا يوجد في الكلمات وحدها، بل في المسافات الفاصلة بينها. كانا يقرآن الحركة، والإيقاع، والصمت، والانقطاع، والنبرة، وتلك اللحظات العابرة التي لا يلاحظها إلا من أمضى عمره في الإصغاء لما تقوله الخشبة حين يظن الجميع أنها صامتة.

أما العمري، فلم يكن ينظر إلى ذلك التقييم بوصفه امتحانًا أو حكمًا نهائيًا. كان يتعامل معه كما يتعامل الفنان مع مرآة صادقة؛ أداة لا تمنحه الاطمئنان، بل تمنحه الحقيقة. في كل ملاحظة، كان يقرأ شيئًا من نفسه. في كل توصية، كان يختبر رؤيته الخاصة للمسرح، علاقته بالممثلين، قدرته على إيصال الفكرة، وعلى تحويل النص من مادة مكتوبة إلى تجربة محسوسة.

كانت تلك الساعات التي تسبق الافتتاح أشبه بمنطقة مكثفة من التأمل الداخلي؛ مساحة يختبر فيها الفنان حدود إمكانياته، لا ليتراجع، بل ليعرف من أين يبدأ من جديد. وهناك، بين القلق والترقب، بين الثقة والشك، تتشكل أكثر اللحظات صدقًا في حياة أي مخرج.

ومن يعرف شيئًا عن تاريخ المسرح العراقي المعاصر، يعرف أن المكانة التي وصل إليها صلاح القصب وفاضل خليل لم تأتِ من ألقاب أكاديمية أو مناصب ثقافية. لقد بدأت رحلتهما في ستينيات القرن العشرين، حين كانت أكاديمية الفنون الجميلة في جامعة بغداد مختبرًا مفتوحًا للأفكار، ومكانًا تُختبر فيه الحدود الفنية قبل أن تُختبر على الخشبة. ولم يكن لقب "الدكتور" في تجربتهما مجرد إضافة بروتوكولية تسبق الاسم، بل كان خلاصة سنوات من البحث، من الفشل والنجاح، من إعادة النظر في كل مسلمة، ومن محاولة مستمرة لفهم المسرح لا بوصفه أداءً فنيًا فقط، بل بوصفه ظاهرة ثقافية، ومرآة اجتماعية، وأداة لفهم البنية العميقة للنفس البشرية.

حين وصلا إلى خشبة مسرح جامعة الموصل، لم يكن الاستقبال الذي قوبلا به مجرد تحية رسمية أو واجب مؤسسي. كان ثمة صمت خاص يسبق المصافحة، ذلك النوع من الصمت الذي ينشأ حين يلتقي التلاميذ بمن تركوا فيهم أثرًا لا يزول.

كنت أنا وزميلي بولص آدم من بين أولئك الذين تتلمذوا على أيديهما. لم نتعلم منهما كيف نقف على الخشبة فحسب، بل كيف ننظر إليها. تعلمنا أن المسرح ليس مهنة، وليس حتى فنًا بالمعنى التقليدي للكلمة، بل طريقة في فهم العالم، وطريقة في مساءلة الذات، وطريقة في اختبار علاقتنا بالآخر.

كان القصب وخليل، شأنهما شأن عدد من كبار المخرجين العراقيين الذين صنعوا ملامح المشهد المسرحي في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، ينظران إلى تجربة شفاء العمري باحترام واضح. فقد كانت تجربة شقت لنفسها مسارًا خاصًا، متوغلة في أعمال جريئة في بنيتها وأسئلتها، ومتحررة من القوالب الإخراجية السائدة.

أما أعماله مثل "القاعدة والاستثناء"، و"ثورة الزنج"، و"مأساة بائع الدبس الفقير"، و"الزير سالم"، "شموكين " فلم تكن مجرد عروض تُقدَّم ثم تُطوى ملصقاتها في اليوم التالي. كانت مختبرات فكرية كاملة، مساحات اختبار للأسئلة الكبرى؛ عن السلطة، والعدالة، والذاكرة، والهزيمة، والبطولة، والخوف، والإنسان وهو يحاول أن يفهم موقعه داخل التاريخ.

وفي تلك اللحظات، لم يعد المسرح مجرد منصة للعرض، بل صار مرآة مزدوجة؛ واحدة تعكس الواقع كما هو، وأخرى تكشف ما كان يمكن له أن يكون.

على خشبة مسرح الجامعة، لم تكن الأشياء تبدو منفصلة كما تظهر عادة في الحياة اليومية. لم يكن ثمة حدّ واضح بين الماضي والحاضر، بين الأستاذ والتلميذ، بين النص والذاكرة، بين ما يُقال على الخشبة وما يُقال في داخلنا ونحن نراقب. بدا المشهد، في تلك اللحظة، وكأنه بنية واحدة تتغذى من طبقات عديدة من الزمن؛ خبرة القصب وخليل المتراكمة عبر عقود من البحث والتجريب، شغف العمري الذي لم يعرف التوقف يومًا، أعوامنا نحن كطلبة نتنقل بين المقاعد والكواليس وقاعات التدريب، النصوص التي مرت من هنا وتركت شيئًا من أصواتها في الجدران، الضحكات العابرة التي ولدت في لحظات الارتباك، الصمت الذي كان يسبق كل دخول، وكل حركة جسدية صيغت بعناية حتى بدت، في ظاهرها، تلقائية تمامًا.

في تلك الأمسية، لم يعد المسرح مجرد مكان تُضاء فيه المصابيح ويُرفع فيه الستار. كان شيئًا أكثر عمقًا وتعقيدًا من ذلك. كان فضاءً تتكثف فيه التجارب الإنسانية حتى تصبح قابلة للرؤية. كان مختبرًا للوعي، ومرآة للروح قبل أن يكون مادة للعين. كل زاوية فيه كانت تحمل أثر من وقف هناك من قبل، وكل لوح خشبي بدا كأنه يحتفظ بما سمعه عبر سنوات طويلة من الاعترافات المؤجلة.

كان حضور القصب وخليل يتجاوز قيمته الرمزية أو المهنية. لم يكونا مجرد ضيفين قادمين من بغداد، ولا مجرد اسمين كبيرين في سجل المسرح العراقي. كان حضورهما أشبه بدليل حي على أن الإنسان، حين يختار الفن طريقًا له، لا يتوقف عند حدود الإنجاز، بل يظل محكومًا بالبحث. كانا يحملان في ملامحهما أثر السنوات التي قضياها في مواجهة النصوص الصعبة، والممثلين القلقين، والفضاءات الفقيرة، والظروف التي لا تمنح الفنان ما يحتاجه بسهولة. ومع ذلك، لم تكن تلك السنوات قد أثقلت حضورهما، بل منحتهما نوعًا من الصفاء الذي لا يأتي إلا بعد زمن طويل من الشك والتجريب.

التجربة الفنية من فعل شخصي إلى اختبار جماعي

في تلك اللحظة، بدا لي أن الفن، في جوهره، ليس فعل إنتاج بقدر ما هو فعل استمرار. استمرار في السؤال، في إعادة النظر، في تجاوز ما يبدو نهائيًا. هو القدرة على التقاط خيوط متناثرة من التاريخ، والثقافة، والذاكرة الفردية، ثم نسجها داخل لحظة واحدة، على خشبة واحدة، أمام جمهور واحد، بحيث تتحول التجربة من فعل شخصي إلى اختبار جماعي، ومن عرض مؤقت إلى خبرة يصعب نسيانها.

ولهذا، لم يكن التقدير الذي أبداه القصب وخليل لتجربة العمري نوعًا من المجاملة المهنية، ولا تعبيرًا عن عرفان شخصي بين زملاء المهنة. كان اعترافًا حقيقيًا بمسيرة فكرية شجاعة، وبمحاولة استمرت لعقود لفهم المسرح لا بوصفه وسيلة للتعبير، بل بوصفه حياة كاملة. حياة يدخل فيها الألم كما يدخل الفرح، ويتجاور فيها الصراع مع التسامح، والضوء مع الظل، والأسئلة مع ذلك الصمت الذي لا يمنح إجابات جاهزة، لكنه يفتح أبوابًا جديدة للتأمل.

لهذا بقي ذلك اللقاء، في الوعي قبل الذاكرة، أشبه بلحظة نادرة لا تُقاس بطولها الزمني، بل بما تتركه من أثر داخلي. بعض اللحظات تمر أمامنا وتنتهي، وبعضها يستقر في مكان أعمق، في تلك المنطقة التي يتشكل فيها إدراكنا لما نحن عليه، وما يمكن أن نصبحه.

أما شفاء العمري، فكان يحمل في داخله علاقة مع المسرح يصعب وصفها بالمفردات المعتادة. لم يكن شغفًا عابرًا، ولا ولعًا مهنيا، ولا حتى طموحًا شخصيًا بالمعنى التقليدي. كان شيئًا أكثر اضطرابًا وأكثر صفاءً في آن واحد؛ حبًا لا يعرف الراحة، ولا يرضى بالاكتفاء بما هو متاح، ولا ينتظر من مؤسسة أن تمنحه شرعية ما يفعل.

لم يدخل معهداً متخصصاً، ولم يجلس في قاعة أكاديمية ينتظر شهادة تؤكد معرفته. كان يصنع تعليمه بنفسه، بصبر من يعرف أن المعرفة الحقيقية لا تُمنح، بل تُنتزع انتزاعًا. كان يقرأ، ويعود إلى ما قرأ، ثم يشك فيه، ثم يبدأ من جديد. يتتبع جذور المسرح الإغريقي، ويقرأ النصوص الغربية الحديثة، ويعود إلى التراث العربي، لا بوصفه مادة محفوظة، بل بوصفه كائنًا حيًا يجب مساءلته باستمرار.

كان ينظر إلى كل حركة على الخشبة كما ينظر عالم آثار إلى قطعة مكتشفة حديثًا؛ لا يكتفي بشكلها، بل يبحث عن أصلها، عن زمنها، عن الطبقات التي مرت فوقها، وعن الأثر الذي يمكن أن تتركه في من يراها. وكان يقرأ الكلمة المسرحية بالطريقة نفسها؛ لا باعتبارها جملة تُقال، بل باعتبارها قرارًا جماليًا ونفسيًا وتاريخيًا في آن واحد.

ومن خلال هذا التراكم الطويل، ومن خلال حسه الجدلي الخاص، الذي جمع بين التحليل الدقيق والحدس الفني، تشكلت لديه رؤية إخراجية مستقلة، رؤية لا تستعير ملامحها من أحد، ولا تخضع بسهولة لما تفرضه الموضات الفنية أو التوجهات الرسمية. كانت رؤية لا تعترف إلا بسلطة واحدة: سلطة الفن حين يكون صادقًا مع نفسه.2720 marwan

"السيد والخادم ": عندما يتحول الخوف إلى جزء من تكوين الإنسان

لمّا اختار أن يقدم "السيد والخادم"، لم يكن يختار نصًا صالحًا للعرض فحسب، بل كان يختار مواجهة فكرية وأخلاقية مع واحدة من أكثر الظواهر السياسية والاجتماعية تعقيدًا:

الخوف الذي يصيب السلطة حين ترى إنسانًا يؤدي عمله بإخلاص.

كان النص يغوص في ذلك المرض المزمن الذي يصيب الأنظمة المغلقة؛ عدم القدرة على الثقة بمن لا يرفع صوته، بمن لا يعلن ولاءه باستعراضات لفظية، بمن ينجز بصمت، ويواصل حياته رغم القلق، ورغم النقص، ورغم الضغوط التي تتراكم بصمت مثل الغبار فوق الأثاث القديم.

كل شخصية في النص لم تكن مجرد وظيفة درامية داخل بناء حكائي. كانت تشريحًا نفسيًا لحالة إنسانية مأزومة. كانت محاولة لرصد اللحظة التي يبدأ فيها الخوف بالتسلل إلى الداخل، قبل أن يتحول إلى صمت، ثم إلى انكسار، ثم إلى قرار يغير مسار حياة كاملة.

وكان العمري، في قراءته لهذا النص، لا يكتفي بإخراج الشخصيات إلى الخشبة، بل كان يحاول أن يكشف ما يحدث داخلها قبل أن تنطق. كان يبحث عن لحظة الشرخ الأولى، عن النقطة التي يتحول فيها الشك إلى أسلوب حياة، والرقابة إلى صوت داخلي، والخوف إلى جزء من تكوين الإنسان نفسه.

وهنا، تحديدًا، لم يعد المسرح مجرد فن للعرض، بل صار أداة لفهم ما يفعله الزمن القاسي بالروح البشرية، حين تُجبر على العيش طويلًا تحت سقفٍ لا يسمح لها أن تنظر إلى الأعلى.

كان تقديم "السيد والخادم" في تسعينيات القرن الماضي أقرب إلى دخول منطقة يعرف الداخل إليها أن الطريق ليس ممهدًا، وأن كل خطوة، مهما بدت محسوبة، قد تُقرأ خارج معناها الفني. لم يكن النص مجرد اختيار جمالي، ولا قرارًا إخراجيًا يمكن وضعه ضمن سياق موسم مسرحي عابر، بل كان، في جوهره، نوعًا من المجازفة الفكرية التي تدرك مسبقًا أن ثمنها قد يتجاوز حدود الخشبة. ففي تلك السنوات، لم يكن المشهد الثقافي يعيش في فراغ محايد، بل في مناخ كثيف، تتداخل فيه الرغبة الحقيقية في الإبداع مع أنماط أخرى من الحضور، أنماط لم تكن ترى في الفن قيمة مستقلة، بل فرصة للرصد، والتأويل، وإعادة صياغة المعنى بما يخدم سلطات أكبر من النص وأبعد من الخشبة.

كان الوسط الثقافي، في كثير من لحظاته، يشبه ساحة تتحرك فيها شخصيات متعددة الأقنعة. بعضهم جاء إلى الأدب من باب المعرفة، وبعضهم إلى المسرح من باب الشغف، وبعضهم إلى الرسم من باب الحاجة العميقة إلى التعبير. لكن إلى جانب هؤلاء، كانت هناك فئة أخرى، أقل اهتمامًا بالمنجز الفني نفسه، وأكثر اهتمامًا بما يدور خلفه؛ بما يُقال في الكواليس، وما يُحذف من النص، وما يُهمس به بعد انتهاء العرض. كانوا يتحركون داخل المشهد بمهارة من يعرف كيف يبقى قريبًا من الضوء من دون أن يكون جزءًا منه، وكيف ينصت أكثر مما يتكلم، لا بدافع الفضول الثقافي، بل بدافع آخر أكثر برودة وأقل براءة.

في مثل هذا المناخ، لم يكن تقديم "السيد والخادم" مجرد عرض مسرحي، بل كان اختبارًا حقيقيًا لفكرة الفن نفسها. اختبارًا لقدرة الخشبة على أن تتحول من مساحة للتمثيل إلى مساحة للمساءلة. كان النص يضع الإنسان العادي في مواجهة أنظمة الشك، ويمنح الصمت قيمة أخلاقية، ويعيد تعريف الإخلاص لا بوصفه طاعة، بل بوصفه موقفًا داخليًا لا يحتاج إلى إعلان. وهذا وحده كان كافيًا لكي يتحول العرض إلى تجربة تتجاوز حدود الفن نحو منطقة أكثر حساسية، وأكثر قابلية لسوء الفهم.

وكان العمري يدرك ذلك تمامًا. لم يكن من أولئك الذين يدخلون المغامرة من باب الحماسة وحدها. كان يعرف طبيعة المرحلة، ويعرف أن بعض النصوص لا تُقرأ بالكلمات وحدها، بل تُقرأ أيضًا عبر المناخ الذي تُقدَّم فيه. ومع ذلك، لم يتراجع. لم يبحث عن نص أقل حدة، أو عن منطقة أكثر أمانًا، أو عن معالجة تخفف من أثر السؤال. اختار أن يواجه الفكرة كما هي، وأن يضعها على الخشبة بكل ما تحمله من احتمالات.

وفي أوقات كثيرة، بدا وكأنه يعمل وحده. لا بالمعنى التراجيدي للكلمة، ولا بوصفه ضحية ظروفه، بل بالمعنى الذي يعرفه كل فنان حقيقي حين يصل إلى تلك النقطة التي لا يستطيع أحد أن يتخذ القرار نيابة عنه. كان وحيدًا مع النص، مع الخشبة الفارغة قبل دخول الممثلين، مع الضوء الأول الذي يُختبر قبل بدء العرض، ومع ذلك الصوت الداخلي الذي لا يمنح صاحبه الراحة، لكنه يمنحه الاتجاه.

كانت كل بروفة بالنسبة إليه أكثر من تمرين تقني. لم تكن مجرد توزيع للحركة، أو ضبط للإيقاع، أو مراجعة للنص. كانت مساحة للتفكير، وإعادة النظر، ومساءلة الذات. كان يتعامل مع كل قراءة كما لو أنها قراءة أولى، ومع كل حركة كما لو أنها يمكن أن تغيّر معنى المشهد كله. لم يكن يبحث عن أداء صحيح بقدر ما كان يبحث عن لحظة صادقة؛ تلك اللحظة النادرة التي يتوقف فيها التمثيل، ويبدأ الكشف.

ولهذا لم يتحول "السيد والخادم" إلى عرض مسرحي فحسب، بل إلى امتداد حي لتجربة شخصية وجماعية في آن واحد. كان النص، في بنيته العميقة، رحلة داخل خوف الإنسان حين يصبح الخوف جزءًا من الحياة اليومية، وحين لا يعود مصدره واضحًا أو محددًا، بل يتسلل إلى التفاصيل الصغيرة، إلى طريقة الكلام، إلى اختيار المفردات، إلى طول الصمت بين جملتين.

كان الخوف، في تلك المرحلة، لا يظهر دائمًا في صوره المباشرة. لم يكن يحتاج إلى حضور معلن كي يُشعر الناس بوجوده. كان أكثر تعقيدًا من ذلك، وأكثر قدرة على التخفي. كان يسكن الظلال، ويتسلل إلى العلاقات، ويعيد تشكيل السلوك الإنساني من الداخل. يظهر في نظرة تتوقف قبل اكتمالها، في جملة تُبتلع قبل أن تُقال، في ضحكة قصيرة تنتهي أسرع مما ينبغي، وفي صمت يبدو، للوهلة الأولى، طبيعيًا، لكنه يحمل داخله ما هو أبعد من السكوت.

الحضور الرمادي للبيئات الثقافية

ما كان يضاعف وطأة مناخ الخوف ليس السلطة في صورتها المباشرة وحدها، بل ذلك النوع من الحضور الرمادي الذي يتشكل داخل البيئات الثقافية نفسها؛ حضور أشخاص يبدون، من الخارج، جزءًا من المشهد الإبداعي، يتحدثون لغة الفن، ويكتبون عنه، ويجلسون في الصفوف الأولى، لكنهم، في العمق، يؤدون أدوارًا أخرى أكثر التباسًا.

كانوا يعرفون كيف يرتدون أقنعة متعددة: شاعر هنا، قاص هناك، ممثل في مناسبة أخرى، أو ناقد يوزع أحكامه بثقة من يملك الحقيقة. لكن خلف هذه الأقنعة، كان ثمة شيء آخر يتحرك؛ شيء يتغذى على الريبة، ويزدهر كلما ضاقت مساحة الحرية، ويكتسب نفوذه من قدرته على تحويل الكلمة من أداة كشف إلى أداة مراقبة.

وكان العمري يعرف ذلك، كما يعرفه كثيرون ممن اختبروا العمل الثقافي في تلك العقود. وربما لهذا لم يكن صراعه مع الرقابة في معناها التقليدي هو الأصعب دائمًا. ففي أحيان كثيرة، لا تأتي أكثر أشكال الضغط من الجدار الظاهر، بل من الظل الذي يقف بجواره. لا تأتي من القرار المعلن، بل من الهمس، ومن التأويل، ومن ذلك التواطؤ الصامت الذي يمنح الخوف قدرة على البقاء.

ومع ذلك، لم يتعامل مع المسرح بوصفه ملاذًا للهروب من هذا الواقع، بل بوصفه المكان الوحيد القادر على كشفه. في كل مشهد، وفي كل انتقال، وفي كل لحظة صمت محسوبة بدقة، كان يقرأ المجتمع كما يقرأ نصًا معقدًا متعدد الطبقات. وكان يحاول، عبر الخشبة، أن يعيد ترتيب ما بعثره الزمن، وأن يخلق، ولو لساعة واحدة، مساحة يمكن فيها للحقيقة أن تتنفس.

وهنا، تحديدًا، لم يعد المسرح وسيلة للترفيه، ولا مناسبة ثقافية عابرة، بل صار شكلًا من أشكال البقاء. بقاء الفكرة، وبقاء السؤال، وبقاء ذلك الجزء من الإنسان الذي يرفض، مهما اشتدت العتمة، أن يتحول إلى مجرد صدى.

حين خضع عرض "السيد والخادم" للمشاهدة الأولى أمام اللجنة الفنية، لم يكن الأمر يشبه ما يحدث عادة في قاعات التقييم الرسمية، حيث تُدوَّن الملاحظات ببرود، وتُمنح الأحكام وفق مقاييس تقنية مجرّدة. كانت تلك الجلسة أقرب إلى لحظة اعتراف جماعي، لحظة محدودة العدد، لكنها كثيفة بما يكفي لتبدو أكبر من زمنها الفعلي. داخل القاعة، لم يكن الحضور كثيرًا، غير أن كل وجه كان يحمل تاريخًا خاصًا مع الفن، وكل عين جاءت محمّلة بسنوات من النظر، من المقارنة، من الشك، ومن ذلك الفضول النبيل الذي يجعل الفنان الحقيقي أقل اهتمامًا بالنتيجة، وأكثر اهتمامًا بما يحدث قبلها.

كان بين الحاضرين رسامون، وكتاب، ومسرحيون من الموصل، رجال عرفوا كيف يقرأون الخط قبل اللون، والصمت قبل الحوار، والإيماءة قبل أن تتحول إلى معنى معلن. بعضهم جاء من محترفه، وآخرون من مكاتب امتلأت بالمخطوطات، وآخرون من خشبات قديمة تركت على أصابعهم أثر الغبار والطلاء والخشب. كانوا مختلفين في أدواتهم، لكنهم متفقون في شيء واحد: أنهم لا ينظرون إلى العرض بوصفه تسلية، بل بوصفه نصًا آخر يجب أن يُقرأ.

جلسنا هناك، وفي داخل كل واحد منا ذلك التوتر الذي يسبق اكتشاف شيء لا نعرف شكله النهائي بعد. لم يكن الخوف هو الشعور الوحيد، ولا الحماسة وحدها. كان هناك مزيج معقد من الترقب، والرهبة، والفضول، والإيمان الخفي بأننا على وشك مشاهدة شيء قد يتجاوز حدود العرض نفسه. كنا ننتظر أن يتحول النص، المكتوب بالحبر والهوامش والتصحيحات، إلى كائن حي. أن يصبح الجسد جزءًا من الجملة، والصوت امتدادًا للفكرة، والصمت شكلاً آخر من أشكال الكلام.

وحين بدأ العرض، لم يعد ثمة مجال للحديث الداخلي. أخذت الخشبة زمام كل شيء. الحركة، والإيقاع، والضوء، والوقفات المحسوبة، والمسافات بين الممثلين، وحتى تلك الثواني التي لا يحدث فيها شيء ظاهريًا، كانت تحمل داخلها ما يكفي لإبقاء الأنفاس معلقة.

كان القصب وخليل يتابعان العرض بذلك النوع من التركيز الذي لا يُظهر الكثير في الملامح، لكنه يكشف كل شيء في العيون. لم يكن ما رأيته فيهما مجرد إعجاب مهني، ولا رضًا عن معالجة تقنية متقنة. كان شيئًا أعمق من ذلك بكثير. كان إدراكًا واضحًا بأن النص لا يكتفي بسرد حكاية، بل يفتح جرحًا حقيقيًا في وعي المتلقي. جرحًا يتصل بالخوف، وبالشك، وبالعلاقة الملتبسة بين الإنسان والسلطة، بين الإخلاص الذي لا يطلب مكافأة، والخوف الذي يطلب الطاعة.

كانا يعرفان، منذ الدقائق الأولى، أن هذا العرض لا يشبه ما يُقدَّم عادة على الخشبة في مواسم المهرجانات. لم يكن نصًا يسعى إلى نيل التصفيق السريع، ولا عرضًا يبحث عن الأمان. كان تجربة متوترة، محفوفة بما يكفي من الجرأة لتجعل كل مشهد يبدو وكأنه يمشي على حافة غير مرئية.

ولهذا، حين بدأت بعض الأصوات من أطراف المشهد تلمّح إلى ضرورة استبعاده، بحجة أن قراءته قد تُفسَّر على نحو سياسي حساس، لم يكن الأمر مفاجئًا. فالنصوص التي تقترب من الحقيقة غالبًا ما تُقرأ من خارج الفن قبل أن تُقرأ من داخله. وما يربك بعض الناس ليس ما يقوله العمل صراحة، بل ما يتركه مفتوحًا للتأويل.

لكن ما حدث بعد ذلك كان، بالنسبة لي، واحدًا من أكثر الدروس رسوخًا في معنى المسؤولية الثقافية.

لم يتردد القصب وخليل طويلًا. بعد نقاش هادئ، خالٍ من الاستعراض أو التوتر الظاهر، أعلنا أن العرض صالح للمشاركة في مهرجان المسرح العربي الأول، وأن قيمته الفنية والفكرية لا يمكن أن تُختزل في قراءات متعجلة أو في مخاوف تأتي من خارج الخشبة.

لم يكن قرارهما مجرد توقيع إداري، ولا موافقة تقنية على مشاركة عرض ضمن برنامج مهرجان. كان موقفًا أخلاقيًا قبل أن يكون مهنيًا. كان إعلانًا صامتًا بأن الفن، حين يكون صادقًا مع موضوعه، لا يجوز أن يُحاسَب على ما يخشاه الآخرون فيه.

أتذكر أنني، وأنا أراقب ذلك المشهد، شعرت للمرة الأولى أن المسرح لا يعمل كمرآة واحدة، بل كمرآتين في آن واحد. واحدة تعكس الواقع كما هو، بكل تناقضاته وقسوته وغموضه. وأخرى تعكس الإنسان وهو يواجه ذلك الواقع من الداخل؛ بخوفه، وشكوكه، وكرامته، وصمته.

لم تعد الحركة مجرد حركة، ولا الكلمة مجرد كلمة، ولا الصمت مجرد فراغ بين جملتين. كل شيء صار يحمل معنيين في آن واحد: معنى ظاهر على الخشبة، ومعنى آخر يتحرك بصمت داخل المتفرجين.

وكان العمري واقفًا هناك، يراقب كل تفصيلة كما يراقب الأب ولادة شيء يعرف أنه قد لا يعيش بسهولة. لم يكن يتابع أداء الممثلين فقط، بل كان يتابع مصير تجربة كاملة. كانت الخشبة، في تلك اللحظة، امتدادًا مباشرًا لوعيه، ولتعبه، ولسنوات من القراءة، والشك، والمواجهة، والإيمان بأن الفن لا يُصنع في المناطق الآمنة.

كنت أراه يتابع حركة عين، وتبدّل نبرة، وتوقيت صمت، كما لو أن كل تفصيلة يمكن أن تغيّر مصير العمل كله. ولم يكن ذلك مبالغة. ففي مثل تلك الأزمنة، كانت أحيانًا حركة صغيرة، أو جملة تُقال بنبرة مختلفة، كافية لأن تغيّر طريقة قراءة العرض بأكمله.

ما فعله القصب وخليل في تلك الليلة لم يكن دفاعًا عن عرض مسرحي وحسب. كان دفاعًا عن حق الفنان في أن يخاطر. دفاعًا عن تلك المساحة الهشة التي يولد فيها الإبداع بين الشك والخوف والاحتمال.

وبحكمة نادرة، وهدوء لا يتوافر إلا لمن خبروا الفن والحياة معًا، وضعا حدًا لكل ما كان يمكن أن يتحول إلى أزمة أكبر. لم يرفعا صوتهما، ولم يدخلا في جدل استعراضي، ولم يحاولا إثبات شيء لأحد. اكتفيا بتحمل المسؤولية كاملة، وبوضوح لا يحتمل التأويل، أكدا أنهما مستعدان لتحمل أي تبعات قد تنشأ عن مشاركة العرض.

في تلك اللحظة، فهمت أن بعض القرارات لا تُكتب في محاضر الاجتماعات، بل تُكتب في ضمير من يتخذها.

وفهمت أيضًا أن حماية الفن لا تأتي دائمًا من القوانين أو المؤسسات، بل أحيانًا من أفراد يقررون، في لحظة حاسمة، أن الحقيقة تستحق أن تُمنح فرصة للظهور.

وأن الخشبة، مهما بدت صغيرة تحت الضوء، يمكن أن تصبح، في لحظة واحدة، أوسع من كل أشكال الخوف.

القيمة الحقيقية للفنان حين تتحول الخبرة إلى مسؤولية أخلاقية

أمام ذلك الموقف، الهادئ في ظاهره، العميق في أثره، بدأ معنى آخر للفن يتشكل في وعينا، معنى لم نتعلمه في قاعات الدرس، ولم نجده كاملًا في الكتب، ولم تمنحه لنا النصوص مهما بلغت من الإتقان. أدركنا، للمرة الأولى بهذا الوضوح، أن عظمة الفنان لا تُقاس بعدد الأعمال التي أنجزها، ولا بعدد المهرجانات التي مرّ بها، ولا بالشهادات المعلقة على جدران مكتبه، ولا بالألقاب التي تسبق اسمه في الدعوات الرسمية. كل ذلك قد يمنح صاحبه حضورًا، وربما يمنحه مكانة، لكنه لا يمنحه بالضرورة القيمة التي تبقى.

القيمة الحقيقية تظهر في مكان آخر تمامًا؛ في تلك اللحظات النادرة التي يصبح فيها القرار الشخصي أكثر أهمية من الإنجاز المهني، وحين تتحول الخبرة من معرفة إلى موقف، ومن تراكم نظري إلى مسؤولية أخلاقية لا يمكن التهرب منها.

هناك، في تلك اللحظة، فهمنا أن الفنان الحقيقي ليس ذلك الذي يعرف كيف يبني مشهدًا متقنًا فقط، أو كيف يوجّه ممثلًا، أو كيف يقرأ نصًا معقدًا قراءة ذكية، بل هو ذلك الذي يعرف متى يقف، ولماذا يقف، ولأجل من يقف.

فما معنى أن يحمل الإنسان موهبة، إذا كانت تلك الموهبة عاجزة عن حماية كرامة إنسان آخر؟

وما جدوى المعرفة، إذا كانت تتراجع عند أول اختبار أخلاقي؟

وما قيمة الفن، إذا كان صاحبه يستخدم الكلمة، أو اللون، أو الحركة، لا للكشف، بل للإدانة السريعة، لا للفهم، بل للتخوين، لا لفتح المساحات الإنسانية، بل لإغلاقها؟

كانت تلك الأسئلة تتحرك في داخلي بصمت، وأنا أراقب ما يجري أمامي. لم يكن أحد ينطق بها بصوت مرتفع، لكن الجميع، بطريقة ما، كان يشعر بها.

وفي تلك الليلة، بدا واضحًا أن أخطر ما يمكن أن يصيب الفنان ليس الفشل، ولا النقد، ولا قلة الإمكانات، بل أن تتحول أدواته الإبداعية إلى أدوات ضغط، أو إلى وسيلة لتصفية الحسابات، أو إلى خطاب يتخلى عن الإنسان باسم المبادئ، أو باسم الولاء، أو باسم النجاة الشخصية.

أما ما رأيناه في ذلك الموقف، فقد كان النقيض الكامل لهذا كله.

كان درسًا يتجاوز أي محاضرة، وأعمق من أي عرض، وأكثر بقاءً من أي شهادة أكاديمية. رأينا كيف يمكن للوعي الأخلاقي أن يحمي الفن حين تعجز المؤسسات عن حمايته. وكيف يمكن لقرار يُتخذ بهدوء، ومن دون استعراض، أن يمنح الخشبة قيمة تتجاوز الخشب والضوء والديكور.

لم تعد الخشبة مجرد منصة للعرض، بل بدت أشبه بمساحة يُختبر فيها الإنسان نفسه. مساحة تتجلى فيها القيم لا عبر الخطابات، بل عبر الأفعال الصغيرة التي تُتخذ في اللحظات الحرجة.

وأخذت أفكر، وأنا أراقب كل ذلك، أن الفن، حين يُمارَس بهذه الدرجة من المسؤولية، لا يعود مجرد نشاط ثقافي، ولا مجرد شكل من أشكال التعبير، بل يصبح أداة لإعادة ترتيب العالم الداخلي للإنسان. يصبح طريقة لرؤية الأخلاق لا بوصفها مفهومًا تجريديًا، بل بوصفها ممارسة يومية، قرارًا، مخاطرة، وصمتًا يعرف متى يتحول إلى موقف.

وفي تلك اللحظات تحديدًا، يصبح معنى الحرية أكثر تعقيدًا وأكثر صدقًا. الحرية ليست كلمة تُرفع في الشعارات، ولا جملة تُكتب في مقدمة نص، بل هي قدرة الإنسان على أن يقول نعم حين يخاف الجميع، أو أن يقول لا حين يصبح الصمت أكثر أمانًا.

وهكذا بقي ذلك المشهد عالقًا في داخلي، لا كذكرى، بل كمعيار.

السفر إلى بغداد لتقديم العرض

بعد أيام، اتجهنا إلى بغداد، المدينة التي لا تستقبلك كزائر بقدر ما تختبرك منذ اللحظة الأولى. مدينة تتجاور فيها طبقات التاريخ كما تتجاور الأصوات في سوق قديم؛ لا شيء فيها يبدو منفصلًا عن ماضيه، ولا شيء فيها يعيش حاضرًا خالصًا.

كنا متجهين إلى المهرجان لتقديم العرض، لكن الرحلة التي قطعناها لم تكن جغرافية فقط. المسافة بين الموصل وبغداد بدت، مقارنة بما كان يحدث داخلنا، أقصر بكثير من المسافة النفسية التي كان علينا عبورها.

لقد كنا نحمل معنا أكثر من ديكور، وأكثر من نص، وأكثر من جدول عروض. كنا نحمل خوفًا مكتومًا، وأسئلة لم تُحسم بعد، وإحساسًا ثقيلًا بأن ما سنقدمه لا يشبه العروض التي تمر بسلام.

أتذكر أنني أنا وصديقي بولص آدم، طوال الطريق، كنا نراقب العمري بصمت أكثر مما نتحدث معه. كان يحمل في ملامحه شيئًا لم يكن يحتاج إلى تفسير. سنوات طويلة من العمل، من الصبر، من بناء تجربة قطعة بعد أخرى، كانت كلها تبدو وكأنها تجمعت دفعة واحدة فوق كتفيه.

لم يكن الخوف الذي رأيناه فيه خوفًا من العرض ذاته، ولا من الجمهور، ولا من النقد. كان شيئًا أعمق من ذلك بكثير. كان خوف الإنسان الذي يدرك أن فكرة واحدة، أو قراءة واحدة، أو تأويلًا واحدًا، قد يغيّر مصير سنوات كاملة.

وكان واضحًا، حتى من دون أن يقول شيئًا، أنه يقف عند تلك المنطقة الدقيقة التي يبدأ فيها الفنان بمساءلة كل ما بناه:

هل يستحق الأمر؟

هل المضي إلى النهاية هو الشجاعة، أم التراجع هو الحكمة؟

وهل يمكن للحقيقة، في بعض الأزمنة، أن تكون أكثر كلفة من قدرة الإنسان على الاحتمال؟

لهذا حاولنا، أنا وبولص، أن نفعل ما يستطيع الأصدقاء فعله حين تعجز اللغة عن تقديم حلول. تحدثنا كثيرًا، ثم صمتنا كثيرًا. حاولنا أن نعيد إليه شيئًا من يقينه الأول. كنا نبحث عن الكلمات التي لا تبدو كلمات، عن النبرة التي تمنح الطمأنينة من دون أن تدّعي امتلاك الإجابات.

كل جملة، وكل ابتسامة، وكل لمسة على الكتف، كانت تبدو في تلك الساعات الصغيرة وكأنها جزء من معركة غير معلنة.

وكان هو يصغي، أحيانًا بعينيه، وأحيانًا بصمته.

لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا: لم يكن يقاتل من أجل عرض مسرحي فقط.

كان يقاتل من أجل حقه في ألا يتراجع بعد كل هذا الطريق.

التجربة الفنية: من فضاء للخلق، إلى امتحان للبقاء

ما حدث بعد وصولنا إلى بغداد لم يكن، في ظاهره، أكثر من سلسلة من التفاصيل التنظيمية المعتادة التي ترافق أي مهرجان كبير. لكن الفن، كما تعلمت لاحقًا، لا يتعامل مع التفاصيل بوصفها أشياء صغيرة. أحيانًا، يكفي تغيير في المكان، أو اختلال في التوقيت، أو سوء تقدير في المسافة بين الجسد والضوء، لكي يتبدل مصير عرض كامل، ولكي تنتقل تجربة فنية من منطقة الاكتمال إلى منطقة الدفاع عن بقائها.

منذ اللحظات الأولى، كان هناك شعور غامض بأن شيئًا ما لا يتحرك في الاتجاه الذي ينبغي له أن يتحرك فيه. لم يكن الأمر صدامًا مباشرًا، ولا اعتراضًا معلنًا، ولا قرارًا واضحًا يمكن الاحتجاج عليه. كان أقرب إلى ذلك النوع من التعقيد الذي يتسلل عبر الإجراءات، والجداول، والتبديلات المفاجئة، والقرارات التي تبدو، على الورق، محايدة تمامًا، لكنها في الواقع قادرة على تغيير البنية الداخلية لأي عمل فني.

بدت بغداد، في تلك الأيام، وكأنها تختبرنا بطريقتها الخاصة. المدينة التي فتحت لنا أبوابها بوصفها عاصمة للمسرح والثقافة، بدت في لحظات معينة كأنها تضع أمامنا سلسلة من الامتحانات الصغيرة، امتحانات لا تتعلق بالنص أو الأداء، بل بقدرة الفنان على حماية عمله من الأشياء التي لا تُكتب عادة في النقد، لكنها كثيرًا ما تحدد مصير العرض أكثر من أي موهبة.

كان واضحًا أن العمري يحمل تصورًا دقيقًا للغاية عن المكان الذي ينبغي أن يُقدَّم فيه "السيد والخادم". لم يكن اختياره للمسرح مسألة تفضيل شخصي، ولا رغبة عاطفية مرتبطة بمكان معين. كان قرارًا ينبع من فهم عميق للبنية الداخلية للنص، وللعلاقة العضوية بين الفضاء الدرامي والإيقاع النفسي للعمل.

كان يطمح إلى تقديم العرض على قاعة "مسرح الشعب" في منطقة باب المعظَّم، ذلك المسرح الصغير القريب من روح النص، والمناسب لتكوينه البصري والدرامي. لم يكن العرض بحاجة إلى فضاء هائل، ولا إلى عمق مسرحي واسع، ولا إلى إمكانيات تقنية معقدة. كان نصًا يعتمد على شخصيتين، وعلى ديكور مقتصد، وعلى مسافات محسوبة بدقة، وعلى صمت يجب أن يُسمَع بوضوح، لا أن يضيع في الفراغ.

في ذلك النوع من المسارح، يمكن لحركة صغيرة أن تحمل وزن مشهد كامل. يمكن لنبرة صوت منخفضة أن تصل إلى آخر مقعد دون أن تفقد حرارتها. ويمكن لصمت قصير أن يتحول إلى سؤال مفتوح داخل وعي المتفرج.

ذلك المكان، من وجهة نظر العمري، لم يكن مجرد خيار مناسب. كان الامتداد الطبيعي للنص. لكن ما يحدث أحيانًا في الحياة الثقافية لا تحكمه دائمًا الضرورات الفنية.

لم يتحقق ذلك الطلب.

لم يكن الرفض صاخبًا، ولم تُقدَّم له أسباب درامية أو فكرية أو حتى فنية. كان الأمر أقرب إلى قرار إداري بارد، قرار لا يحمل عداءً مباشرًا، لكنه لا يحمل أيضًا أي حساسية تجاه طبيعة العمل.

وفي تلك اللحظة، أدركت أن أكثر ما يمكن أن يرهق الفنان ليس الرفض الصريح، بل اللامبالاة.

أن تقضي سنوات في بناء عمل شديد الدقة، ثم تجد نفسك أمام منظومة ترى المسرح مجرد مساحة فارغة يمكن أن يوضع فيها أي شيء، في أي وقت، وعلى أي خشبة.

كان ذلك، بالنسبة إلى العمري، اختبارًا من نوع آخر.

لم يكن صراعه هذه المرة مع النص، ولا مع الرقابة، ولا مع الخوف الذي يسكن خلف الكلمات، بل مع شيء أكثر مراوغة: مع البنية الصلبة للروتين، مع القرارات التي لا ترى الفن إلا بوصفه بندًا ضمن جدول.

ومع ذلك، ظل يقاوم بصمته المعتاد.

لكن الصدمة الأكبر لم تأتِ بعد.

فإدارة المهرجان لم تكتفِ برفض المكان الذي رآه الأنسب، بل سلّمتنا خشبة العرض قبل موعد التقديم بساعة واحدة فقط.

ساعة واحدة.

في الحياة اليومية، قد تبدو ساعة زمنًا كافيًا لأشياء كثيرة. أما في المسرح، فهي قد تكون لا شيء.

بالنسبة لأي عرض قائم على الإيقاع، والمسافة، والضوء، والتنفس الجماعي بين الممثلين، فإن ساعة واحدة لا تكفي حتى لكي يبدأ الجسد بفهم المكان.

كنا نقف هناك، أمام خشبة واسعة داخل مبنى "المسرح الوطني"، نحمل معنا نصًا صُمّم ليعيش في فضاء حميمي، ثم نجد أنفسنا فجأة أمام مساحة ضخمة، مفتوحة، باردة، تبتلع الصوت قبل أن يستقر، وتمدد الحركة إلى ما يتجاوز معناها الأصلي.

كان الفرق بين الفضاءين أشبه بالفرق بين الهمس داخل غرفة صغيرة، والهمس نفسه في ساحة مفتوحة.

النبرة ذاتها، لكن المعنى لم يعد هو نفسه.

حاولنا أن نتحرك بسرعة، أن نعيد توزيع العلامات، أن نقرأ المسافات من جديد، أن نفهم أين يقف الجسد، وأين ينكسر الضوء، وأين يجب أن يسقط الصمت.

لكن الوقت كان يتحرك ضدنا.

كل دقيقة كانت تمر كأنها تسحب جزءًا من يقيننا.

وكان واضحًا أن العمري يشعر بذلك أكثر منا جميعًا.

كنت أراه ينظر إلى الخشبة لا بوصفها مساحة للعرض، بل بوصفها تضاريس جديدة عليه أن يعيد اكتشافها في وقت لا يسمح بالاكتشاف.

كان يمشي بصمت، يقيس المسافات بعينيه، يراقب الضوء، يصغي إلى ارتداد الصوت، ويتوقف فجأة كما لو أنه يحاول أن يسمع النص نفسه وهو يتأقلم مع المكان الجديد.

لكن بعض النصوص، مهما بلغت مرونتها، ترتبط بجغرافيتها الداخلية كما يرتبط الإنسان بصوته.

وكان واضحًا أن هذه الخشبة الكبيرة، بدل أن تمنح العرض اتساعًا إضافيًا، بدأت تسحب منه شيئًا من كثافته الأولى.

بدل أن تُكبّر الدراما، أخذت تُبعثرها.

وبدل أن تمنح الحركة أفقًا أوسع، أخذت تُحوّلها إلى جزئيات صغيرة داخل فراغ لا يرحم.

وفي تلك اللحظة، أدركت أن الخشبة، مثل الحياة تمامًا، ليست دائمًا حليفًا لمن يقف عليها.

أحيانًا، إذا لم تُفهم جيدًا… تتحول من فضاء للخلق، إلى امتحان للبقاء.

على الرغم من كل ما أحاط العرض من ارتباك مكاني وضغط زمني واختلال في الشروط التي وُلد من أجلها، فإن ما حدث بعد رفع الستار كان، في حد ذاته، تجربة لا تقل تعقيدًا عن العرض نفسه. لم يكن الجمهور كتلة واحدة، ولم يخرج بانطباع واحد، ولم يستجب بالطريقة المريحة التي يحلم بها أي فريق مسرحي بعد أسابيع من العمل والقلق.

انقسام الجمهور بين انتباهٍ حادٍّ وتحفّظٍ واضح

كان الانقسام واضحًا، بل يكاد يكون جزءًا من بنية تلك الليلة نفسها.

في جهة من القاعة، كان هناك من تلقّى العرض كما ينبغي لأي عمل صادق أن يُتلقّى: بانتباه حاد، وبصمت مشوب بالتوتر، وبذلك النوع من الإصغاء الذي لا يحتاج إلى التصفيق كي يعلن عن تأثره. رأيت في بعض الوجوه شيئًا يشبه الاعتراف الداخلي؛ ذلك الاعتراف الذي يحدث حين ينجح النص في الوصول إلى منطقة لا يحب الإنسان دائمًا أن تُمس. كانوا قد التقطوا ما كان يتحرك خلف الحوار، خلف الحركة، خلف الصمت المدروس، ورأوا في "السيد والخادم" أكثر من مواجهة درامية بين شخصيتين. رأوا، على ما يبدو، شيئًا من صراع الإنسان مع الخوف، ومع الولاء، ومع ذلك الانقسام الخفي بين ما يشعر به في داخله وما يُطلب منه أن يُظهره في العلن.

وفي جهة أخرى، كان هناك من خرج من القاعة بشيء من التحفظ، وربما بالضيق الذي لا يعترف دائمًا بأسبابه الحقيقية. لم يكن رفضهم صاخبًا، ولم يتحول إلى اعتراض مباشر، لكنه كان حاضرًا في الملامح، في الصمت البارد، في المجاملات المختصرة، وفي تلك النظرات التي تقول أكثر مما تقوله الكلمات. وربما لم يكن الأمر متعلقًا بالنص وحده، ولا بالأداء وحده، بل بذلك الإحساس غير المريح الذي يصيب بعض الناس حين يجدون أنفسهم فجأة أمام عمل يطالبهم بأن يروا ما اعتادوا تجنبه.

وربما كان الفضاء الكبير نفسه قد لعب دوره في هذا الانقسام؛ تلك المسافة الواسعة بين المتلقي والخشبة، ذلك الاتساع الذي أجبر العرض الحميمي على أن يتحدث بصوت أعلى مما أراد، وأن يتحرك في فراغ لم يُكتب له أصلًا. لكن الفن، حتى في أكثر ظروفه تعقيدًا، يظل قادرًا على العثور على من يصغي إليه، وعلى من يقاومه في الوقت نفسه.

أما أنا، وبعد كل هذه السنوات، فلا أزال أنظر إلى تلك التجربة بوصفها واحدة من أكثر المحطات رسوخًا في حياتي الفنية، لا لأنها كانت خالية من الألم أو القلق أو الإرباك، بل لأنها وضعتني، للمرة الأولى، تحت إشراف فنان يعرف التمثيل بوصفه علمًا بقدر ما يعرفه بوصفه حدسًا.

"الحرب بين المثقفين والفنانين أحيانًا أشد قسوة من حرب الساسة"

كان العمري من ذلك النوع النادر من المخرجين الذين لا يكتفون بتوجيه الممثل، بل يقرأونه. لم يكن ينظر إلى الأداء بوصفه حركة تُنفَّذ، أو جملة تُقال في توقيتها الصحيح، بل بوصفه سلسلة معقدة من الإشارات النفسية والجسدية التي يجب أن تُوقظ من الداخل قبل أن تظهر على الخارج.

كان يعرف، بدقة تكاد تكون علمية، كيف يقود الممثل إلى تلك المنطقة التي تبدأ فيها الحواس بالاستيقاظ. كيف يجعل الجسد أقل تمثيلًا وأكثر صدقًا. كيف يحرر الصوت من عاداته اليومية، ويعيد إليه طبقاته المنسية. كيف يجعل الصمت فعلًا دراميًا لا يقل قوة عن الكلام.

وكان يدرك، قبل كثيرين، أن الممثل لا يتحرك على الخشبة بجسده فقط، بل بتاريخ كامل من الخوف، والرغبة، والذكريات، والشك، واليقين المؤقت.

كل التفاتة، كل توقف، كل نفس غير مكتمل، كل فكرة عابرة تمر في عين الممثل قبل أن تتحول إلى كلمة، كانت بالنسبة إليه مادة قابلة للتشكيل.

ولهذا لم يكن التدريب معه تمرينًا بالمعنى التقليدي. كان أشبه بعملية تنقيب داخل النفس.

اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود على تلك الليلة، أجد نفسي أكثر قدرة على فهم جملة قالها صباح اليوم التالي، ونحن نجلس في صالة فندق المنصور ميليا، حيث كان الصباح هادئًا بما يكفي لأن تسمع الأفكار وهي تعود من الليل.

قالها بصوت منخفض، ومن دون أي رغبة في التأثير:

"الحرب بين المثقفين والفنانين أحيانًا أشد قسوة من حرب الساسة" .

في تلك اللحظة، بدت العبارة تعليقًا على ما جرى. أما الآن، بعد كل هذا الزمن، أراها أقرب إلى خلاصة حياة كاملة.

لم تكن جملة انفعالية، ولا رد فعل على خلاف عابر، بل قراءة عميقة لطبيعة الصراع حين ينتقل من السياسة إلى الثقافة، من المؤسسات إلى الأفراد، من السلطة الظاهرة إلى السلطة المقنعة باللغة والذوق والمكانة.

ففي السياسة، يعرف الإنسان خصمه غالبًا.

أما في الفن، فالأمر أكثر التباسًا.

قد يأتي الخطر أحيانًا من شخص يتحدث اللغة نفسها، ويقرأ الكتب نفسها، ويجلس في الصفوف الأولى، ويصفق في الوقت المناسب.

وربما لهذا بقيت تلك العبارة عالقة في داخلي كل هذه السنوات.

لقد فهمت، مع مرور الوقت، أن كل عرض، مهما بدا محدودًا بزمنه ومكانه، هو في الحقيقة لحظة اختبار للإنسان قبل أن يكون اختبارًا للفن.

لحظة يُعاد فيها ترتيب الداخل.

لحظة يُسأل فيها الفنان، من دون كلمات: لماذا تفعل هذا أصلًا؟

وبعد أن أُسدل الستار، وبعد أن غادر الجمهور، وبعد أن انطفأت الأضواء واحدًا تلو الآخر، رأيته يجلس وحده في الكواليس، على مقعد خشبي قديم، متآكل الأطراف، كأنه جزء من ذاكرة المسرح نفسه.

لم يكن يتحدث.

لم يكن غاضبًا.

ولم يكن منتصرًا أيضًا.

كان يحدق في أرضية الخشبة بصمت طويل، ذلك الصمت الذي لا يعني غياب الكلام، بل امتلاءه.

بدت الأرض التي حملت خطواته قبل دقائق وكأنها تطرح عليه أسئلة لا يملك أحد غيره أن يجيب عنها.

ماذا أنجزت؟

وماذا دفعت؟

وماذا بقي منك هنا؟

وكانت أصوات الممثلين، وضحكات العاملين، وخطوات المغادرين، تتلاشى تدريجيًا في الممرات الخلفية.

لكن الصمت الذي بقي لم يكن فراغًا. كان مساحة كاملة تتسع لعمر. لعقود من التعب. لنصوص كُتبت ومُزقت وأُعيدت كتابتها. لعروض نجحت، وأخرى قاومت الفشل. للحظات اقترب فيها من الانكسار، ثم عاد. ولتلك المحاولات المتكررة لفهم شيء يبدو بسيطًا في الظاهر، ومستحيلًا في العمق:

كيف يمكن للمسرح… أن يكشف الإنسان لنفسه، من دون أن ينطق باسمه؟

ليس كل مكان صالحًا لانفجار الروح

في السنوات التي أعقبت تلك التجربة، وبعد أن بدأت ملامح مشروعه الفني تترسخ بوضوح في الوعي المسرحي العراقي، تلقّى العمري دعوة للعمل مع" الفرقة القومية للتمثيل" التابعة لوزارة الثقافة العراقية، الفرقة التي كانت، في ذلك الوقت، تمثل بالنسبة لكثير من المسرحيين الذروة المهنية التي يسعى إليها المخرج أو الممثل بعد سنوات طويلة من التجريب والعمل في المسارح الجامعية والمحلية. كان الانتقال إلى تلك المؤسسة، في الظاهر، اعترافًا مستحقًا بخبرة تراكمت عبر عقود، وإقرارًا بأن الرجل الذي بنى لغته الإخراجية في الموصل أصبح قادرًا على أن يعمل في أكثر المساحات الرسمية حساسية وتأثيرًا.

لكن المؤسسات الفنية الكبرى، شأنها شأن المدن الكبرى، لا تمنح القادم إليها الاعتراف بسهولة، حتى حين يكون الاعتراف مستحقًا.

منذ الأيام الأولى، كان واضحًا أن المسألة لن تُحسم بالكفاءة وحدها، ولا بالتاريخ المهني، ولا حتى بالنجاحات السابقة. ففي البيئات التي تتراكم فيها الشهرة والنفوذ والعلاقات الشخصية عبر سنوات طويلة، لا يكون الصراع دائمًا على الفن نفسه، بل على من يملك حق تعريفه، ومن يملك سلطة توجيهه، ومن يحق له أن يقف في مركز الضوء.

وهناك، داخل تلك المساحة المشبعة بالخبرات والغرور والقلق المشروع وغير المشروع، واجه العمري موقفًا من الممثل (ع . خ) لم يكن فنيًا بقدر ما كان نفسيًا وثقافيًا في جوهره.

(ع .خ ) كان أحد نجوم المسرح في ذلك الوقت، ممثل ومخرج معروف داخل المؤسسة، استقبل وجود العمري لا بوصفه إضافة محتملة، بل بوصفه اختراقًا غير مرغوب فيه لبنية مستقرة اعتادت أن تعيد إنتاج نفسها. لم يكن اعتراضه على النص، ولا على الرؤية، ولا على التمرين، بل على فكرة أن يتلقى توجيهًا من مخرج قادم من خارج المركز الثقافي الذي اعتاد أن يمنح نفسه حق تعريف القيمة.

كانت الكلمات التي قيلت، في ظاهرها، مجرد اعتراض مهني.

لكن الكلمات، في المسرح كما في الحياة، نادرًا ما تكون مجرد كلمات.

كانت تحمل في داخلها شيئًا أعمق من الاعتراض، شيئًا يتصل بصورة المكان، وبسلطة المركز، وبذلك الوهم القديم الذي يجعل بعض الناس يعتقدون أن الموهبة تُقاس أحيانًا بعنوان المدينة أكثر مما تُقاس بعمق التجربة.

وكان في المفارقة ما يكفي لكي يثير التأمل؛ لأن كثيرًا ممن صنعوا ملامح المسرح العراقي الحديث لم يولدوا في العاصمة أصلًا، بل جاءوا إليها من مدن بعيدة، حاملين معهم لهجات مختلفة، وذكريات مختلفة، وتجارب صنعتها مسارح أصغر، لكنها لم تكن أقل صدقًا أو أقل تأثيرًا.

ومع ذلك، حين سقطت تلك الكلمات في فضاء الكواليس، بدت حادة بما يكفي لكي تُغيّر حرارة المكان كله.

لم ترتفع الأصوات.

لم يتحول الأمر إلى مواجهة علنية.

لكن بعض الجمل، حين تُقال في الوقت الخطأ وبالنبرة الخطأ، تستطيع أن تترك أثرًا أعمق من أي صراخ.

أتذكر أن الصمت الذي تلا تلك اللحظة كان أكثر قسوة من الكلمات نفسها.

وكان واضحًا أن وقع ما حدث أصاب العمري في منطقة أعمق من الكبرياء المهني. لم يكن الأمر يتعلق بمخرج أُسيء إليه أمام فريق عمل. كان الأمر يمس فكرة كاملة ظل يؤمن بها طوال حياته: أن الفن قادر على تجاوز الجغرافيا، وأن الخشبة، في لحظاتها الحقيقية، لا تسأل من أين أتيت، بل ماذا تحمل.

وكان يمكن لتلك اللحظة أن تكسر كثيرين.

وكان يمكن لها، بسهولة، أن تدفعه إلى الانسحاب بصمت، أو إلى التعامل مع التجربة بوصفها خطأ كان يجب ألا يحدث.

لكن ذلك لم يحدث.

ما حدث، على العكس، كشف شيئًا آخر عن الوسط نفسه.

فأغلبية الممثلين داخل الفرقة لم تنجرّ إلى ذلك التوتر. كثير منهم، بصمت أو بكلمات مباشرة، أظهروا ثقتهم بخبرته، وبقدرته على قيادة العمل، وبأن القيمة الحقيقية لأي مخرج لا تُقاس من أين جاء، بل بما يستطيع أن يوقظه داخل الممثل.

كان ذلك الدعم هادئًا، غير استعراضي، لكنه كان كافيًا لكي يمنح التجربة توازنها في لحظة كان يمكن أن تنكسر فيها بسهولة.

أما العمري، فقد كان معروفًا بين من عملوا معه بأنه رجل لا يفصل الفن عن الكرامة الشخصية. كان سريع الانفعال حين يشعر أن جوهر العمل يُهدد، وصارمًا حين يتعلق الأمر بالمبدأ، إلى الحد الذي يجعل قراراته، بعد اتخاذها، شبه نهائية.

ولهذا، لم يكن مستغربًا أن ينتهي به الأمر إلى اتخاذ قرار داخلي بعدم تكرار التجربة داخل بغداد ضمن ذلك الإطار المؤسسي.

لم يكن القرار نابعًا من هزيمة.

ولم يكن انسحابًا من المنافسة.

كان أقرب إلى إدراك ناضج بأن بعض البيئات، مهما بدت مغرية من الخارج، لا تمنح الفنان الهواء الذي يحتاجه لكي يعمل بكامل صدقه.

وكان العمري يعرف، ربما أكثر من كثيرين، أن الحرية بالنسبة للفنان ليست امتيازًا إضافيًا.

إنها شرط وجود.

كان يشعر، في داخله، أنه لو مُنح المساحة الكاملة، ولو أُتيح له أن يعمل من دون ذلك التوتر الخفي الذي يصاحب البيئات المشبعة بالحسابات، لكان قادرًا على أن يدفع الممثلين إلى مناطق جديدة، إلى طبقات أكثر تعقيدًا في الأداء، إلى اكتشافات داخل الشخصية ربما لم يختبروها من قبل.

لكنه فهم أيضًا شيئًا آخر لا يتعلمه الفنان من الكتب.

ليس كل مكان صالحًا لانفجار الروح.

وليس كل مؤسسة، مهما كانت عظيمة في تاريخها، قادرة على استقبال المختلف من دون مقاومة.

وفي النهاية، لم ينظر إلى ما حدث بوصفه هزيمة شخصية، ولا بوصفه بابًا أُغلق في وجهه.

بل بوصفه اختبارًا آخر.

اختبارًا لقدرته على أن يواصل البناء بعيدًا عن الضوء، بعيدًا عن الضجيج، بعيدًا عن المساحات التي تمنح الشهرة سريعًا لكنها تستهلك الروح ببطء.

وهناك، في ذلك الصمت الذي يعرفه الفنانون الحقيقيون، عاد إلى ما كان يعرفه دائمًا:

أن الأثر الحقيقي لا يُقاس بحجم المؤسسة التي احتضنتك…

بل بما يبقى منك، حين يختفي كل شيء آخر.

المكان الذي لا يتسع لحرية التفكير،لا يستطيع أن يحتضن التجربة الفنية

تجول في بغداد كمن يمشي داخل نص غير مكتمل، نص تتبدل جُمله كلما تقدم خطوة في الشارع. لم تكن المدينة بالنسبة إليه خلفية جاهزة لعرض مسرحي، بل كيانًا حيًا يختبر الداخل أكثر مما يُرى في الخارج. الأزقة الطويلة، الجدران المتآكلة، الوجوه التي تمرّ بلا توقف، كلها بدت كأنها تعيد عليه السؤال نفسه بصيغ مختلفة: ماذا كنت ستفعل لو سُمح لك أن تكمل ما بدأت؟

لكن ذلك السؤال لم يكن بريئًا.

كان محمّلًا بكل ما تراكم من حواجز، ومن حسابات غير معلنة، ومن أشكال من الاستبعاد الناعم الذي لا يعلن نفسه صراحة، لكنه يشتغل في العمق، في التوقيت، وفي توزيع الفرص، وفي تعريف من يحق له أن يقف على الخشبة ومن يُفترض أن يظل على الهامش.

كان واضحًا، مع مرور الأيام، أن ما اصطدم به لم يكن مجرد اختلاف فني أو سوء تنظيم عابر، بل بنية كاملة تقاوم فكرة أن يكون الإبداع فعلًا حرًا بالكامل. بنية ترى في الفن امتدادًا للموقع الاجتماعي، أو للانتماء الجغرافي، أو لمعادلات النفوذ أكثر مما تراه فعلًا جماليًا مستقلًا.

وفي لحظة هادئة، بلا ضجيج ولا إعلان، اتخذ قراره.

لم يعد إلى التجربة داخل الفرقة القومية للتمثيل .

لكن القرار، في جوهره، لم يكن انسحابًا بقدر ما كان إعادة تعريف للعلاقة مع العمل نفسه. لم يكن هروبًا من مواجهة، بل رفضًا لأن تتحول المواجهة إلى شكل من أشكال الاستنزاف الذي لا يترك للفن ما يكفي من الهواء.

كان يدرك أن المسرح، حين يُحاصر بالقيود الصلبة، يفقد شيئًا من قدرته على التحول إلى مساحة تخييل حقيقي. وأن المكان الذي لا يتسع لحرية التفكير، مهما بلغ من المكانة، لا يستطيع أن يحتضن التجربة الفنية في لحظتها الأكثر صدقًا.

ومع ذلك، لم يكن في قراره أي نبرة هزيمة.

كان أقرب إلى وعيٍ متأخر بأن القوة الحقيقية للفنان لا تُقاس بعدد المؤسسات التي دخلها، بل بعدد المرات التي استطاع فيها أن يحافظ على صوته الداخلي من التشويه.

بغداد، في تلك المرحلة، لم تكن مدينة خارجية فقط، بل كانت امتدادًا داخليًا لتجربة متوترة بين الممكن والمسموح، بين الرغبة والحدود، بين ما يُفكّر فيه الفنان وما يُسمح له بأن يقوله.

أما المسرح، فكان بالنسبة له القلب الذي ينبض في وسط هذا التوتر، حتى حين يضيق الإيقاع أو يختل التوازن.

ومن هنا بدأ يتشكل اتجاه آخر في مسيرته: أن يترك أثره في مساحات أكثر اتساعًا، أو أقل خضوعًا لتلك الحسابات الثقيلة، حيث يمكن للفكرة أن تُجرّب قبل أن تُقاس، وللخيال أن يُخطئ من دون أن يُعاقب فورًا.

تجربته لا تُختصر في معارك عابرة أو في قرارات إدارية أو في خلافات شخصية، بل في ذلك الإصرار الهادئ على أن يظل المسرح مساحة تفكير، قبل أن يكون مساحة عرض.

مساحة يمكن فيها للفن أن يظل حيًا، لا لأنه معزول عن العالم، بل لأنه يصر على أن يفهمه من الداخل.

***

مروان ياسين الدليمي

حينما قرأت قصيدة الدكتور، عيدروس النقيب (ذات المقام الأرفع) قبل أيام في صفحته. احسست بحالة من المتعة والذهول وشاركتها في صفحتي على طول بعنوان (ابن سينا وابن النقيب وقلق البحث عن المعنى) استوقفتني بقدرتها التعبيرية على حمل الأفكار الفلسفية على اجنحة الصور الشعرية البديعة. قصيدة عمودية طويلة جاءت في ٦٢ بيتا شعريا فصيحا موزعة في ستة اعمدة بتناسق بنائي مقصود الشكل والمعنى. نشرها الشاعر لأول مرة بعنوان (فتشت عن ذات المقام الأرفع” في مارس ١٩٩٧م، أبين. ولهذا المكان والزمان دلالة بالغة الأهمية في حياة الشاعر، الدكتور عيدروس نصر ناصر النقيب، عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني الذي وقع أمينه العام في ٢٢ مايو ١٩٩٠ (علي سالم البيض) اتفاقية الوحدة اليمنية الاندماجية مع صنوه القادم من صنعاء (علي عبدالله صالح) رئيس المؤتمر الشعبي العام ورئيس الجمهورية في نفق التواهي المظلم. حكاية يطول شرحها.

ثلاثة سنوات فقط مرت على حرب اجتياح الجنوب الغاشمة وقلع أظافر وأنياب الحزب الاشتراكي الذي كان حاكما في عدن لمدة ٢٣ عاما منذ نيل الاستقلال الوطني من الاستعمار البريطاني في ٣٠ نوفمبر ١٩٦٧ وحتى نفق التواهي في ٢٢ مايو ١٩٩٠م مدة ليست طويلة في حياة الدول والشعوب ولكنها كان مؤثرة جدا بالنسبة لجيلنا نحن جيل الثورة والاستقلال، مواليد ستينيات القرن العشرين. كانت تلك اللحظة بالنسبة لجيلنا الذي ولد مع الثورة هي لحظة ثورية بامتياز وكنا نستلهم الإبداعات الثورية الأتية من كل مكان ومنها الأدب القادم من الاتحاد السوفييتي ودول المعسكر الاشتراكي اتذكر منها: رواية كيف سقينا الفولاذ، لنيكولاي أوستروفسكي ورواية الأم لمكسيم غوركي ورواية الحرب والسلام، وفارس الرمال ورجال تحت الشمس والحلم القادم والمتشائل وخطابات عبدالناصر وجيفارا وبابلو نيرودا وعبدالفتاح إسماعيل، دق أمريكة وإسرائيل وغير ذلك من الرموز والأحلام التي كنا نعيشها في مراهقتنا. مازلت اتذكر تلك الكلمات المجنحة التي جعلتني اتسمر وأنا استمع اليها من اذاعة عدن الحبيبة في برنامج صباح الخير يا وطني، كلمات مفحمة بالحلم والسحر والأمل والثقة بالذات وبالمستقبل. جاء فيها: على هذه الأرض التي تضم رفاة أسلافنا... على هذه الأرض التي رويت بدماء شهدائنا.. وفي هذه الأرض التي سقيت بعرق جباه آباءنا.. مات الذي عاش دون أن يشك بان الفجر صالح لكل الأعمار، وأن الشمس تشرق كل يوم من جديد وأن الحرية تنتزع بارادة الأحرار ولا تمنح للعبيد. حينما مات فكر بالولادة وكتب تلك العبارة: هنا غرست شجرة الحياة التي سوف تنمو وتزهر وتثمر بالألف الرجال والنساء الأحرار؛ أطباء ومهندسين وتجار وفلاسفة وعلماء ومعلمين ورجال دين وكتاب وصحفيين وسياسين ومثقفين وشعراء وفنانين وصيادلة وعمال وفلاحين وعسكريين ومن كل الاختصاصين والأجيال هم وهن من تزهر بهم شجرة الحياة؛ حياة الأوطان ويزهرون على أغصانها بألف وجه ووجه من الجمال الفتان. وعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة! كنت استمع اليها وأنا اطّير من الفرح بما تحمله من شحنة ايجابية من المشاعر الرمانسية والأحلام الثورية التي كانت تمدنا بالزاد الروحي في واقع شديد البؤس والتخلف حين ذاك لم نكن ندرك أبعاده الوعيرة. كان الدكتور عيدروس النقيب من الجيل السابق لنا ممن عاشوا مرحلة الصراعات الخطرة؛ تلك اللحظة التاريخية اليسارية الخاطفة في جنوب شبه الجزيرة العربية. ربما بيننا عشرة سنوات فقط. في الواقع كان صوت الايديولوجيا وضجيجها الصاخب يخفي القدرات الحقيقية للأفراد الذين كانوا يمثلونها انذاك حينما كان لا (صوت يعلو فوق صوت الحزب! أو الحزب هو الذي يوجّه البندقية وليس العكس! وغيرها من شعارات مرحلة العنف الثوري المنظم، صوت الايديولوجيا اليسار العالي الذي أخفى الصوت الإبداعي للكثير من المواهب التي ماتت أو اختفت في تلك الأيام الرهيبة.

كان عيدروس النقيب سليلة عائلة يافعية عريقة تجيد الشعر الشعبي الحكمي. إذ علمت إن جده هو الشعبي صالح طالب بن معبد الذي اشتهر بزامله الحكيم الشهير بزامل جهنم إذ إنشد في لحظة بالغة الحساسية والتوتر بأبيات حاذقة. أطفت فتنة كانت مشتعلة بقوله:

الله يحي كـل مـن حيا بنا

قفـل جهـنم لا تفـك ابوابها

ظنّه حجر ياجور من شامخ عجي

عوجا عجية والعجي قلابها.

كان جد عيدروس شاعرا حكيما فضلا عن تفوقه في التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي وابتعاثه للدراسات العليا في دولة بلغاريا الاشتراكية، حيث الدراسة الجامعية تخصص الفلسفة وهناك حضر رسالة الماجستير وأطروحته في الملامح المادية في الفلسفة السينوية نسبة إلى إن سينا فضلا عن مواهبه الإبداعية الأخرى منها نظم الشعر وإجادة العزف على العود والغناء وربما الرسم. التشكيلي تلك المواهب المتعددة هي التي جعلت من عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني ينتج قصيدة (ذات المقام الأرفع) في لحظة سياسية خانقة. ثلاثة سنوات فقط من حرب اجتياح وتدمير مؤسسات دولة (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وعاصمتها عدن) حدث كل ذلك أمام نظر استاذ الفلسفة الشاعر الذي يرى أكثر الأشياء عادية بعيون شعرية فالشعر مثل الحب؛ حالة شعور مكثفة من الجذب الروحي للكائن الحاس المرهف الحواس يندمج فيها العقل الفعال والوجدان والانفعال والحدس والإحساس والتأمل والحيرة والدهشة والكشف والفرح والحزن والغضب والرغبة في التعبير عن اللحظة وفهم معناها وتجاوزها. وهكذا يظل الشعر مثل غيره من أشكال الفنون الإبداعية والفكرية مرهون بالقدرات الذاتية للأشخاص القادرين على مناوشته بوصفه حالة معقدة من وعي العالم والذات كما عبر الفيلسوف أحمد نسيم برقاوي ” فهو يرسم باللغة أعماق اللاشعور الذي صار شعوراً شعرياً والشعور الذي يرهق كاهل النفس إذا لم يخرج من النفس لغة. والنفس هنا هي الذات بكل تكويناتها. ويتأسس الوعي الجمالي بانزياح للغة عن الأشياء عبر صياغة علاقة جديدة بالأشياء لا وجود لها في الواقع لكنها بنت الواقع” فأجمل الشعر هو نتاج هذه اللحظة المتمردة التي تستحوذ على وجد الشاعر وتسيطر عليه قاطعة كل صلته بالعادي والروتيني اليومي المباشر إي الحياة بلا مزايا التي نمنحها تسعة أعشار وقتنا، الذي نعيشه في عالمنا الواقعي المعيشي الحي الفوري، بلا ماض ولا مستقبل، عالم اللحظة الحاضرة الراهنة المباشرة، عالم الحياة، وتدفقها بـ ملموسيتها وكليتها، أي الحياة اليومية البسيطة المملوءة بالانشغالات الروتينية، والمتطلبات المعيشية الملحَّة الصغيرة، والروتينية، التي تستغرق الكائن الاجتماعي الساعي إلى إشباع حاجاته بمختلف الوسائل والسبل والحيل، والتقنيات، والعادات والتقاليد، والأساليب والصراعات، والرهانات والتفاعلات، والنجاحات والإخفاقات، والمكاسب، وكل أنماط العلاقات والممارسات اليومية، التي ننهمك فيها وتشكِّل فعلاً عصب الجسد الاجتماعي برمَّته، أي الحياة بلا مزايا، التي يسمِّيها عالم الاجتماع جلبر دوران بـ «الجو الخانق» في تلك اللحظة الخانقة والضيق والمحنة حضرت الطاقة الإبداعية الثقافية للقيادي الأشتراكي الذي كان مخفيا بسبب ايديولوجيا (الصوت العالي) وربما رفعت تلك الايديولوجيا من اشخاصا ليس لديهم إي مميزات أو مواهب جديرة بالقيمة والاهمية والاعتبار. قليلون جدا هم الذي صمدوا بما لديهم من قدرات إبداعية في ذواتهم الفردية والدكتور عيدروس النقيب هو أهم شخصية مثقفة من حطام اليسار اليمني، فهو الفيلسوف والناقد والشاعر والفنان والروائي والقاص وكاتب الرأي وما زال يبدع ويتحف الناس بإبداعات متميزة في مختلف المجالات الثقافية الإبداعية.

والثقافة هي ما يبقى بعد خراب كل شي! فضلا عن كونه حيلتنا الوحيدة في أزمنة المحن والتحديات الصعيبة. اختفى معظم قيادات الحزب الاشتراكي اليمني التي كانت تتصدر المشهد منذ ١٩٦٧م دون إن تترك أثرا يدل عليها بينما ها هو عيدروس النقيب يزدهر كل يوم بابداعاته ومنها قصيدة (ذات المقام الأرفع) إذ تُعدّ من الأعمال الشعرية العميقة التي تتجاوز المحاكاة الأرسطية إلى التأمل الفلسفي، حيث ينسج الشاعر رحلة بحثٍ مضنية عن “معشوقة” رمزية تتجاوز الحسيّ إلى المعنوي، مُستخدمًا لغة شاعرية غنية بالصور البلاغية والمعاني الميتافيزيقية. إذ جاءت القصيدة في ٥٧ بيتا من النمط العمودي الفصيح

" فتشت عن ذات المقام الأرفعِ

وبحثت عنها في الفضاء الأوسعِ

معشوقةٌ محجوبةٌ أسرارها

"وهي التي سفرت ولم تتبرقعِ"(1)

أنثى بلا جسمِ ولا لوناً لها

وجميلةٌ فوق الجمال الأبدعِ

إني أغامر في هواها مغرماً

وأهيم في عشقي لها وتطلُّعي

أهفو إليها في صبابةِ مولعٍ

وأذوب في شوقي وجمر تولُّعي

"أنا لست بالحسناء وحدي طامعاً

كم راغبٍ في وصلها كم طامعِ(2)

يتغزلون بحسنها وجمالها

يتذللون لقربها بتمتعِ

يتسابقون إلى رضاها كلّما

لاحت من الآفاق بعض توقُّعِ

حتى إذا ما شهادوا أطيافها

وتوهّموا قرب اللقاء الممتعِ

زادت غموضاً رائعاً وتدلّلاً

وترفّعت في الوصل أي ترفُّعِ

**

ولقد سألت الضوء عنها والدجى

فإذا هما متحيران لمطمعي

لم يدركا ما مقصدي، ماغايتي

لم يفصحا عن أي ردٍّ مقنعِ

وبحثت عنها في السماء مفتشاً

بين الكواكب والنجوم السطَّعِ

فإذا النجوم تناثرت أضواؤها

تسعى لجمع حصيلةٍ لم تجمعِ

ولكم سألت البحر عنها حائراً

وركضت ركض اللَّاهث المتتبعِ

فتضاحكت أمواجهُ من مطلبي

واستنكرت شطآنهُ ما أدَّعي

ورجعت أبكي خيبتي ومرارتي

والبحر يلهو ساخرا من مرجعي

**

وبحثت عنها في القصور منقباً

وسالت في الأكواخ دون تورِّعِ

وهرعت في الغابات عنها باحثاً

ونشدتها في الدارسات الأربعِ

فإذا الذي القصر يلهو عابثاً

وإذا الذي في الكوخ مثلي لا يعي

وإذا الذي في الغاب مثلي حائرٌ

وإذا الرياح تهزُّني من موضعي

ولقد شممت من الزهور عبيرها

فظننتها في عطرها المتضوعِ

وزعمت أني في الكؤوس جرعتها

فإذا خلاف الوهم لم أتجرِّعِ

وعجبت من سجع الطيور فخلتها

فيه فلم تَكُ في غناء السجَّعِ

ولمحت في ماء الجداول طيفها

فحسبتها في الجدول المترعرعِ

فإذا المياه تساءلت محتارةً

عنها وعن إسفارها المتقنِّعِ

وبحثت عنها في المنام فلم أفز

إلاّ بحظّ الواهم المتضعضعِ

أمعنت في صوت الرعود تحرّياً

عنها وفي ضوء البروق اللمّعِ

فإذا الرعود تنوح مثلي حيرةً

وإذا البروق كأنها لم تلمعِ

ذهب الربيع ولم تكن في زهرهِ

والصيف في أضوائهِ لم تسطعِ

وأتى الخريف ولم تكن في ريحهِ

ومضى الشتاء وطيفها لم يطلعِ

**

ولقد زهدت من الحياة تبتّلاً

في حبِّها المغري بغير تمنّعِ

فوأدت أهوائي بدون تردّدِ

ومضيت في درب التقاة الخشّعِ

"وهجرت أقداحي وقلبي ظامئٌ

وأبيت من قوتي ولّما أشبعِ"

وحجبت عن خضر الروابي مقلتي

وحبست عن صوت الأغاني مسمعي

وحرمت من طعم السعادة مهجتي

وسلخت آمالي التي في أضلعي

وعزفت عن وهم الغرام تعفّفاً

وسلكت درب الزاهد المتورّعِ

أرنو إليها وهي تدنو غضّةً

مني وألمسها بلمس الإصبعِ

وأظنني قد صرت من ملاّكها

وبأنها قربي بذات الموقعِ

فإذا الدنوُّ يزيد من جهلي بها

وإذا ملاكي لم تعد في الموضعِ

**

لما حسبت بأنني قد نلتها

وفرشت روحي للعناق المزمعِ

ألفيتني ما نلت إلا ظلّها

من بعد ما قد خلتها كانت معي

ووجدتني ما ذقت إلا علقماً

منها ولم أظفر سوى بتصدّعي

قد كنت أحسب أنني عانقتها

فإذا الملحية تختفي من مضجعي

"لما حلمت بها حلمت بصهوةٍ

لا تمتطى وبقمَّةٍ لم تطلعِ"

أسعى إليها طامعاً في بعضها

أو كلها فكأنني لم أطمعِ

من كان ينوي الانفراد بوصلها

خسر الرهان بحلمه المتقوقعِ

"لم يجدني فيها شبابٌ طائشٌ

لم يدنني منها ذكاء الألمعي"

"فتزعزعت في الوصل أحلامي بها

وهي التي من قبل لم تتزعزعِ"

وبلعت مأساتي وطلّقت المنى

ومضيت أحسو شكوتي وتضرّعي

غمر الأسى روحي وزادت لوعتي

وغرقت في يأسي وفاضت أدمعي

**

وعلمت بعد اليأس أن حبيبتي

موجودةٌ ملء الوجود الأوسعِ

موجودةٌ في الشهد والُصبَّار في

صوت الأغاني والنحيب المفجعِ

موجودةٌ في الرجس في الإحسان في

القرآن في فعل الطغاة الأبشعِ

في كل شيء ظاهرٍ أو باطنٍ

في الشامخ السامي وفي المتواضعِ

وبأنها مثل الهواء مباحةٌ

ومشاعةٌ مثل النهار الطالعِ

تأتي لمن يسعى إليها صادقاً

ويصونها في رهبةٍ وتخشّعِ

نمضي الحياة تسابقاً في وصلها

ونغيب عنها كالقطار المسرعِ

وتظل خالدةً كنهرِ دافقٍ

بوميضها المتألق المتدافعِ

أزليةٌ مثل الوجود وجودها

أبديةٌ بعد الفناء المفزعِ

جزئيةٌ كالكون في أجزائهِ

كليةٌ كالدهر لم تتوزّعِ

ملء المكان بصمتها وضجيجها

ملء الزمان بوهجها المتشعشعِ

أبين مارس 1997م

ولا يخفي الشاعر تأثره بالفيلسوف ابن سينا الذي تخصص بفلسفته وقصيدته المشهورة في النفس الذي قال فيها:

" محجوبةٌ عن كل مقلةِ عارفٍ

وهي التي سَفَرَتْ ولم تتبرقعِ

ظاهرُها غيبٌ، وباطنُ سرُّها

قد احتجبَتْ عن كل ذي تطلعِ

هي جوهَرٌ قد جلّ عن إدراكِنا

لطفًا، وتدركه العقولُ بمرجعِ

وإذا نظرتَ إلى الزمان وأهله

علمتَ أن الأمر ليس بمخدعِ

فانظرْ، وتأملْ في النفوس فإنها

عجَبٌ عجابٌ في الأمور المرجعِ"

فكلمة “المقام الأرفع” تحمل دلالات صوفية وفلسفية وسيكولوجية، إذ تُشير إلى درجة من الكمال أو القرب من الحقيقة المطلقة. وربما تحكي تجربة الشاعر الحياتية الذي عاش تجربة سياسية واجتماعية معقدة في اليمن، يمكن قراءة القصيدة كتعبير عن الإحباط من الواقع السياسي والاجتماعي، أو كسعي لاستعادة قيم إنسانية عليا فقدت وسط الصراعات.

وقد عبر القصيدة عن عرى العلاقة بين الأدب والفلسفة المتأصلة في تاريخ الثقافة الإنسانية بوصفها كل التطور الدائم المستمر بالعلم والفن والأدب. تلك هي الثقافة بالمعنى الواسع لها. بَيْدَ أنَّ العلاقة بين الفلسفة والأدب ليست ذات بُعْدٍ واحد، بل إنَّ الوشائج التي تربطهما أفضت إلى تأثير متبادل بينهما. فإذا كانت الفلسفة قد مارست تاثيرًا على الأدب والفن والثقافة منذ ملحمة جلجامش، فإنَّ الأدب بدوره أثَّر تاثيرًا كبيرًا على إنضاج وتفتُّق واندياح المزاج والقلق الفلسفي الوجودي في أوروبا منذ القرن التاسع عشر تقريبًا. حيث يمكن القول: إنَّ القلق المحموم بشأن الذات المغتربة بدأ أوَّل ما بدأ في رحاب الأدب الحديث، وذلك مع زيادة وعي الإنسان وإحساسه المتوتر بالذات الفردية محاولًا فهمها. بسبب النزعة الفردية، وازدياد مفهوم الإنسان لدى الإنسان، وزيادة وعي الانسان بالحرية وظمأ مقابل للحرية الواقيعة المفقودة. ويرى كامو" أن المسألة هي مسألة شعور بالذات متزايد الاتساع نشأ لدى الإنسان خلال مغامراته لتأكيد وجوده" وسوف نلاحظ أن الكثير من المشكلات التي اهتم بها كامو وأقرانه – كالذات والاغتراب، والحرية، والموت، والتمرُّد، والقلق. إلخ كانت مثار اهتمام أساطين الأدب الحديث أمثال "شكسبير، غوته، دوستويفسكي، هولدرين.. منذ ردْح طويل من الزمن، ولعل هذا ما حدا بهيدجر أن يكتب كتابًا خاصًّا عن الشاعر الألماني "هولدرين والشعر" مميطًا اللثام عن ما تنطوي عليه أشعاره من روح فلسفية ميتافيزيقية. فإذا كانت صرخة شكسبير على لسان بطل مسرحيته "هاملت" (نكون أو لا نكون) تنصح بتحدِّي العدمية والهجران في عالم غربت عنه الأصنام والآلهة. وهكذا بدأت الفلسفة آدبًا أسطوريًّا ثم أمّا للعلوم وفي الأخير عادت إلى الأدب لتجعل منه حصان طروادة لتسرُّب الأفكار الفلسفية. في ضوء هذا يمكننا النظر إلى قصيدة عيدروس النقيب فإذا افترضنا أن القصيدة تعكس تجربة النقيب كسياسي وأكاديمي مثقف، فقد تكون رحلة البحث هذه استعارة لمحاولته إيجاد توازن بين المثالية الفكرية والواقعية السياسية. اليمن، بتاريخه الحافل بالتحديات، يوفر خلفية غنية لمثل هذه التأملات. ربما يعبر الشاعر عن شعور بالاغتراب أو الفقدان، حيث يجد نفسه عاجزًا عن تحقيق “المقام الأرفع” في ظل الفوضى والانقسامات.

ويمكن تأويلها بوصفها رحلة الشاعر في البحث عن “ذات المقام الأرفع” معشوقة رمزية تُجسّد قيمة عليا أو حقيقة مطلقة، قد تكون الحرية، أو العدالة، أو الحقيقة، أو الحكمة، الله، أو النفس البشرية، الروح..الخ معشوقة تتسم بالغموض والتجريد، فهي “أنثى بلا جسم ولا لون”، و”محجوبة الأسرار” طبيعتها المتعالية التي تتجاوز الإدراك الحسي إذ يفتش الشاعر عن معشوقته في الطبيعة (الضوء، الدجى، البحر، النجوم)، في المكان (القصور، الأكواخ، الغابات)، وفي الزمان (الأيام والفصول الأربعة)، لكنه يصطدم بخيبة الأمل من عدم العثور عليها ثم يلجأ إلى الزهد والتبتل والتخلي عن الملذات الحسية فيما يشبه النيرفانا الهندية، ظنًا منه أن يجدها في لحظة كشف صوفية، لكنه يكتشف أن التقرب الحسي أو الروحي لا يكفي للأمساك بها رغم أنه يدرك قربها منه فهي ليست بعيدة، بل هي “موجودة ملء الوجود الأوسع”، متجلية في كل شيء، ظاهر وباطن، خير وشر، وهي متاحة لمن يسعى إليها بكل جوارحه العقلية والعاطفية بحماسة وحب وخشوع وقناعة في المقصد والهدف. لاحظت أن القصيدة تُحاكي التجربة الصوفية، ومقاماتها في الشوق، الفناء، والاتحاد. إذ تذكر لغة النقيب بقصائد جلال الدين الرومي أو ابن الفارض هذا من جهة ومن جهة أخرى تحذو حذو ابن سينا في تأمل النفس البشرية بقصيدته المشهورة يُبرز تأثر النقيب الفلسفة السينيوية الإسلامية لاسيما في وحدة الوجود كما عرفها المعلم الثاني بقوله إن واجب الوجود هو الذي إذ تصورته غير موجودا نجم عن تصورك محال. كما يكن رصد تأثر عيدروس النقيب بالشاعر المهاجر إيليا أبي ماضي وقصيدته العنقاء بما حملته من تباريح الشوق إلى المثالية والتغني بالجماليات المتعالية،كما جاء فيها:

أنا ليست بالحسناء أول مولع

هي مطمع الدنيا كما هي مطمعي

فاقصص علّي إذا عرفت حديثها

واسكن إذا حدّثت عنها واخشع

ألمحتها في صورة؟أشهدتها

في حالة؟ أرايتها في موضع؟

إني لذو نفس تهيم وإنها

لجميلة فوق الجمال الأبدع

ويزيد في شوقي إليها أنها

كالصّوت لم يسفر ولم يتقنّع

فتّشت جيب الفجر عنها والدّجى

ومددت حتى للكواكب إصبعي

فاذا هما متحيران كالاهما

في عاشق متحير متضعضع

وإذا النجوم لعلمها أو جهلها

مترجرجات في الفضاء الأوسع

رقصت أشعتها على سطح الدجى

وعلى رجاء فيّ غير مشعشع

والبحر... كم سائلته فتضاحكت

أمواجه من صوتي المتقطّع

فرجعت مرتعش الخواطر والمنى

كحمامة محمولة في زعزع

وكأنّ أشباح الدهور تألبت

في الشطّ تضحك كلّها من مرجعي

ومن لا يعرف الدكتور عيدروس نصر النقيب اليكم سيرته الذاتية

- د عيدروس نصر ناصر نقيب بن معبد

- من مواليد 22 يناير 1955م في منطقة العمري مديرية رصد يافع محافظة أبين.

- أنهى تعليمه الابتدائي في مدرسة رخمة الابتدائية بمديرية رُصُد، محافظة أبين وحصل على دبلوم معلمين من دار المعلمين أبين في العام1977م.

- عمل معلماً ومديراً لإعدادية رُصُدْ.

- حصل على شهادة الماجستير في الفلسفة العامة من أكاديمية العلوم الاجتماعية في بلغاريا في العام 1988م.

- عمل سكرتيراً لدائرة الثقافة والتربية في المكتب التنفيذي لمجلس الشعب المحلي لمحافظة أبين حتى العام 1991م.

- في العام 1994م حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة العربية الاسلامية من جامعة صوفيا في جمهورية بلغاريا عن أطروحة الدكتوراه الموسومة بـ" المنظومة الفلسفية عند الشيخ الرئيس أبي علي ابن سينا".

- نشر العديد من الدراسات الفلسفية والفكرية والمقالات النقدية وعدد من القصائد الشعرية والقصص القصيرة في الصحف والمجلات والدوريات المحلية والعربية.

صدر له:

1. "أقسمت أن أبتسم" مجموعة قصصية، مركز عبادي، صنعاء، طبعة أولى 2003م، طبعة ثانية 2009م

2. "معادلة الجمر والفرح" مجموعة شعرية، مركز عبادي صنعا 2003م

3. "ملصقات على جدران الذاكرة" مجموعة شعرية، اتحاد الأدباء والكتاب، مركز عبادي صنعاء، 2003م

4. "ظِلال الشوك" مجموعة شعرية، مركز عبادي، صنعاء، طبعة أولى 2003م، طبعة ثانية، 2009م

5. "أهل الحسب والنسب" مجموعة قصصية، وزارة الثقافة صنعاء 2004م

6. "ذاكرة الإسفلت" مجموعة قصصية، مركز عبادي، صنعاء 2004م

7. "جمعية الفتنة الخيرية" مجموعة قصصية، مركز عبادي صنعا 2005م

8. "ابن سينا - من فلسفة الطبيعة إلى الفلسفة السياسية والاجتماعية" دار جامعة عدن، 2007م

9. "همس اليراع"، آراء ومواقف في الحياة السياسية اليمنية، مركز عبادي، صنعاء 2008م

10. "من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة العربية الإسلامية"، دراسة فلسفية تاريخية، مركز عبادي، صنعاء 2009م

11. "درس في الشرف والأمانة" مسرحيات، مركز عبادي، صنعا، 2009م

12. "لا شريف بعد اليوم" مسرحيات مركز عبادي، صنعاء، 2010م

13. "ملتقى الأرواح والأغاني" مجموعة شعرية، مركز عبادي، صنعا، 2011م

14القضية الجنوبية وإشكالية الهوية، دراسة تحليلية سياسية تاريخية، دار يسطرون، القاهرة 2023م

15. حنين الأماكن، رواية، دار يسطرون القاهرة 2023م

16. بالروح بالدم نفديك يا جلاد، مسرحية، الدار اليمنية للكتب والتراث، القاهرة، 2023م

17. أوراق من دفتر العشاق، قصائد غنائية، بالعامية، الدار اليمنية للكتب والتراث، القاهرة، 2023م

18- (همس اليراع 2)، اليمن ولعنة الثنائيات، دار الشواهين للنشر والتوزيع، القاهرة، 2024م.

19- (همس اليراع3) قضية شعب الجنوب..الموعود والمشهود، دار الشواهين للنشر والتوزيع، القاهرة، 2024م

له تحت الطبع:

1. (همس اليراع 4)، يوميات الحرب على عدن.

2. (همس اليراع 5) طموحات وتحديات جنوبية.

3. عذراء البحر والجبل، مجموعة شعرية.

4. من مهرجان البوح، مجموعة شعرية.

5. جئت منها إليها، مجموعة شعرية.

صدر له بحوث ودراسات:

1. "ابن رشد، وفلسفة التوفيق بين الحكمة والشريعة" مجلة الثقافة، العدد، 48، صنعاء 1996م

2. "الفارابي وفلسفة المدينة الفاضلة" مجلة الحكمة اليمانية، 88،صنعاء، 1996م

3. "ابن باجة، وفلسفة البحث عن السعادة في المدينة الفاسدة" مجلة الحكمة اليمانية، العددين، 91، 92م، صنعاء، 1997م

4. "أزمة العلاقة بين الكم والنوع في العملية التعليمية في الوطن العربي" منتدى البرلمانيين العرب للتربية والثقافة والعلوم، بيروت، 2007م

5. "أحزاب المعارضة العربية، والتوفيق بين الممارسة الديمقراطية ومواجهة السلطات الاستبدادية"، ندوة البرلمانيين العرب، بيروت، 2008م

6. "التعددية الحزبية وتجربة الانتخابات اليمنية"، ندوة المعارضة البرلمانية العربية، بيروت، 2009م.

7. "القضية القومية في فلسفة أنطوان سعادة"، مجلة العلوم الاجتماعية، جامعة عدن، العدد 15، عدن 2012

8. "الثورة السلمية اليمنية، وتحدياتها: المؤسسة العسكرية، القضية الجنوبية، قضية صعدة"، ندوة المركز العربي للدارسات وأبحاث السياسات، الدوحة، 2012م

9. "النقد الأرسطي لنظرية المُثُل الأفلاطونية"، مجلة العلوم الاجتماعية، جامعة عدن، تحت الطبع.

له مخطوطات:

1. مواكب وعناكب، مجموعة قصصية

2. "فلسفة المدينة بين الفارابي وابن رشد"، كتابات فلسفية.

3. "نظرية النفس عند ابن سينا وابن رشد"، كتابات فلسفية.

4. "الفلسفة الذرية بين المعتزلة والأشاعرة"، كتابات فلسفية.

5. "نظرية العقل في الفلسفة العربية الإسلامية" كتابات فلسفية.

6. نقد العقل السياسي الجنوبي.

7. "شغف الأزمنة"، الجزء الثاني من رواية "حنين الأماكن"

8. " مقدمة في علم النفس التربوي".

9. موسوعة الفلاسفة العرب والمسلمين.

- أستاذ مساعد في جامعة لحج.

- عضو اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين وعضو اتحاد الكتاب العرب.

- عضو المنظمة العالمية للبرلمانيين ضد الفساد، وعضو مؤسس لفرعيها العربي واليمني.

- عضو منتدى البرلمانيين العرب للتربية والثقافة والعلوم.

- عضو الشبكة البرلمانية للبنك الدولي

- مؤسس ومدير مدرسة المستقبل، العربية في مدينة شيفيلد البريطانية 2015-2017م

- رئيس الإدارة العامة للعلاقات الخارجية للمجلس الانتقالي الجنوبي 2017-2021م.

- رئيس مركز شمسان للدراسات والإعلام.

- رئيس تحرير جريدة شمسان.

- رئيس المؤسسة الجنوبية للدراسات والبحوث الاستراتيجية 2022-2024م).

- حائز على ميدالية التفوق العلمي مرتين للعام الدراسيين 1977م، 1988م

- متزوج وأب لخمسة أبناء وثلاث بنات هم : محجوب، ماهر، مراد، ملاك، منال، مها، محمد ومهند.

***

ا. د. قاسم المحبشي

...........................

(1) تضمين محوّر لقول الشيخ الرئيس أبي علي ابن سينا في قصيدته عن "النفس"

(محجوبةٌ عن كل مقلة عارف

وهي التي سفرت ولم تتبرقعِ

(2) كل مابين القوسين عبارة عن تضمينات محورة لعبارات وردت في قصيدة إيليا أبي ماضي "العنقاء".

تأملات في دلالة الاحتفال

يوم الاثنين الموافق 27 إبريل 2026م ارتدت هولندا لونها البرتقالي من أقصى شمالها إلى جنوبها، إذ بدا المشهد الاحتفالي البهيج وكأن البلاد كلها تدخل حالة وجدانية مشتركة، تستعيد فيها معنى عميقًا للعلاقة بين الإنسان وأرضه، بين المجتمع والدولة، بين الخطر والحياة. في السابع والعشرين من أبريل، يوم يوم الملك، يتحول اللون البرتقالي إلى لغة جامعة، إلى شعور مرئي يفيض في الشوارع والبيوت، حتى ليبدو وكأنه إعلان غير مكتوب عن طاقة جماعية تعيد وصل ما تفرّق في الأيام العادية، وتؤكد أن المجتمع، حين يكون متماسكًا، قادر على أن يحتفل بنفسه كما يحتفل برموزه. ادهشني مشهد تحول اللون البرتقالي إلى لغة عامة، إلى شعور مرئي يفيض في الشوارع والبيوت والقلوب، حتى ليبدو وكأنه تعبير جماعي عن طاقة الحياة نفسها، تلك الطاقة التي تجمع بين حرارة الأحمر وإشراق الأصفر، فتولد إحساسًا بالحيوية والبهجة والتوازن ففي هولندا البرتقالي ليس مجرد لونًا فقط، بل حالة ذهنية، دعوة إلى التفاعل، إلى الفرح، إلى الخروج من عزلة الفرد نحو دفء الجماعة. هو لون يشبه بداية جديدة، كأن الزمن يمنح الناس فرصة لتجديد علاقتهم بالحياة، وتخفيف ثقل الماضي، والانفتاح على أفق أوسع.

في مدينة دوكوم التي تحمل تاريخًا عريقًا، لم يكن حضور الملك وعائلته هناك استعراضًا رسميًا بقدر ما كان مشاركة حقيقية في نبض الحياة اليومية للناس. حين يرتدي الملك الزلاجات ويشارك المواطنين التزلج، أو يجرب لعبة “كاتسن” التقليدية، أو يقف متأملًا عروض “فيرليبين” التي تتحدى الجاذبية، فإن المسافة بين الحاكم والمحكوم تتلاشى، وتتحول السلطة إلى علاقة إنسانية أقرب إلى الألفة منها إلى الهيبة.

العيد الملكي البهيج لا يمكن فهمه بمعزل عن القصة الأعمق التي صنعت هولندا ذاتها؛ تلك القصة التي لم تبدأ بالسياسة ولا بالاقتصاد، بل بالماء. فهذه البلاد ليست مجرد رقعة جغرافية مستقرة، بل كيان تشكّل تاريخيًا في مواجهة دائمة مع قوة طبيعية لا تهدأ: البحر والأنهار. هنا، حيث يقع ثلث الأرض تقريبًا تحت مستوى سطح البحر، وحيث تتشابك دلتا أنهار مثل نهر الراين ونهر المايز ونهر سخيلده قبل أن تصب في بحر الشمال، لم يكن الماء يومًا عنصرًا محايدًا، بل كان قدرًا يوميًا، وامتحانًا مستمرًا، وسؤالًا وجوديًا: هل يمكن للإنسان أن يعيش هنا أصلًا؟

وهذا ما تناولته في دراسة معمقة سوف تنشر في العدد القادم بمجلة حوريت الحضرمية بعنوان (امستردام المدينة التي روضة البحار) فمنذ العصور الوسطى، لم يكن أمام سكان هذه الأراضي المنخفضة سوى خيارين: الانسحاب أو المواجهة. ولم يختاروا المواجهة بمعناها الصدامي البسيط، بل اختاروا طريقًا أكثر تعقيدًا: الفهم والتنظيم. لم يعاملوا الماء كعدو مطلق، بل كقوة يجب دراستها، والتفاوض معها، وإدارتها بقدر ما تسمح به المعرفة. وهكذا بدأت قصة السدود، ثم تطورت إلى شبكة معقدة من الحلول الهندسية، من الطواحين الهوائية التي ضخّت المياه خارج الأرض، إلى المضخات الحديثة، إلى مشاريع عملاقة أعادت رسم الحدود بين اليابسة والبحر.

فرض الماء على الناس أن يتعاونوا، لأن الخطر لا يميز بين غني وفقير، ولا يعترف بحدود الملكيات. إذا انهار السد، غرق الجميع. ومن هذه الحقيقة البسيطة نشأت فلسفة كاملة في الحكم: المشاركة، التوافق، وتقاسم المسؤولية.

ف“نموذج البولدر” الهولندي الشهير أي -تلك الأرض التي لم تكن موجودة ثم صارت موجودة بفعل الجهد الجماعي- ليست مجرد إنجاز هندسي، بل فكرة حضارية: أن الإنسان قادر على أن يخلق شروط حياته إذا امتلك المعرفة والإرادة والعمل المشترك. وكما أن الأرض تُحمى بالسدود، فإن المجتمع يُحمى بالقانون، والنظام السياسي نفسه يصبح شبيهًا بسدٍّ كبير، إذا ضعف جزء منه انهار كله.

يمكن فهم الدلالات الاجتماعية للاحتفالات الشعبية في كل المدن والقرى الهولندية بلا استثناء بعيد ميلاد ملكهم فيليم ألكساندر التاسع والخمسون إذ ولد في 27 إبريل 1967م فالاحتفال يعد تعبيرًا عن هذا التوازن العميق بين الدولة والمجتمع. إذ بدأ الملك وسط شعبه فردًا من العائلة الكبيرة التي اسمها الشعب. وهذا ما منح الاحتفال قيمته التي خاطري؛ الاحتفاء بفكرة الدولة التي استطاعت أن تصوغ علاقة متوازنة بين السلطة والمجتمع، علاقة تقوم على الثقة لا الخوف، وعلى المشاركة لا الإكراه فما الذي يجعل دولة ما قادرة على أن تبدو كأنها بيت كبير يحتضن أبناءه؟ ولماذا يشعر الإنسان في بعض الأماكن أنه غريب، حتى لو كان في وطنه، بينما يشعر في أماكن أخرى أنه في حضن أم حانية، حتى لو لم يولد فيها؟!

فالدولة في هولندا هنا ليست سلطة مفروضة من الأعلى كما هو حال النظم السياسة العربية، بل هي امتداد منظم لإرادة جماعية تشكّلت عبر قرون من التحدي المشترك. وحين ينزل الملك إلى الشارع، ويشارك الناس ألعابهم وأنشطتهم في مدن مثل دوكوم، فإن ذلك لا يُقرأ كاستعراض، بل كدليل على أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم ليست علاقة مسافة، بل علاقة انتماء داخل بيت واحد أي الدولة بوصفها بيتًا للشعب. ليس بيتًا بالمعنى المجازي البسيط، بل بيت العائلة الكبير، الذي يمنح الحماية والدفء والأمان، ويتيح في الوقت نفسه النمو والازدهار. بيت يشبه الأم الحانية، لأنها تعرف كيف توازن بين الرعاية والانضباط، بين الحب والمسؤولية. في هذا البيت، لا يخاف الإنسان من الغد، لأنه يعلم أن هناك نظامًا يحميه، ومؤسسات ترعاه، ومجتمعًا يعترف بإنسانيته وقد عبّر الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا 1632 - 1677م إذ كتب قائلا:

" ليست الغاية القصوى للدولة أن تهيمن على الناس، ولا أن تكبح جماحهم بالرهبة، بل أن تحرر الإنسان من الخوف، حتى يعيش ويعمل آمناً مطمئناً كل الاطمئنان، دون أن يلحق به أو بجاره أي أذى. وليست غاية الدولة أن تجعل من الكائنات العقلانية حيوانات ضارية وآلات (كما هو الحال في الحرب) بل تمكين أجسامهم وأذهانهم من أداء وظيفتها في أمان، أن غايتهم أن توجد الناس ليعيشوا على العقل السليم الصادق ويمارسوه.... أن غاية الدولة حقاً هي الحرية" واثناء استماعي إلى صديقي المهندس المثقف الهولندي الجنسية دكتور حسين جعفر السقاف وهو يتحدث عن تجربته الطويلة في هولندا تبينت إن الفلسفة هنا تعاش حقا وفعلا في الحياة اليومية للناس. وهذا ما جعلني اعيد التفكير في وظيفة الفلسفة الحيوية. وانا اشاهد دولة إسبينوزا تتجسد في هذا المشهد الاحتفالي البهيج فالدولة هنا لا تُخضع مواطنيها، بل تمكّنهم، ولا تُخيفهم، بل تمنحهم الطمأنينة، ولا تعزلهم، بل تجمعهم في إطار مشترك من الثقة.

الدولة التي تشبه الأم الحانية لا تدفع أبناءها إلى المخاطرة بحياتهم، بل تمنحهم سببًا للبقاء. والدولة التي تفشل في ذلك، تفقد معناها الأساسي. ولهذا تبدو الدول المستقرة نعمة كبرى، لا لأنها خالية من المشكلات، بل لأنها تمتلك القدرة على إدارتها دون أن تنهار.

يتداخل المشهدان: مشهد البرتقالي الذي يملأ الشوارع في يوم عيد ميلاد الملك، ومشهد الماء الذي يحيط بالبلاد من كل الجهات. الأول يعبر عن الفرح، والثاني عن التحدي الدائم وبينهما تتشكل قصة مجتمع تعلّم كيف يحوّل التحدي إلى نظام، والخوف إلى تعاون، والجغرافيا إلى شريك. قصة دولة لم تُبنَ فقط بالقوانين، بل بالتجربة، ولم تُحفظ فقط بالقوة، بل بالثقة.

بهذا المعنى، لا يكون اللون البرتقالي البهيج الذي ارتدته هولندا أمس مجرد احتفال عابر، بل إشارة إلى حياة نجحت، رغم كل شيء، في أن تحفظ التوازن بين الماء واليابسة، بين العقل والقلب، بين الدولة والشعب وبين الراعي والرعية.

فما الذي يمنع أن تصبح فكرة الدولة بوصفها بيتًا حانيًا للمجتمع حقيقة واقعية في أماكن أخرى من هذا المعمورة ؟ ما الذي يمنع أن تتحول الفلسفة إلى ممارسة يومية للتفكير الرشيد والتنمية المستدامة، وأن تُترجم القيم السياسية الإنسانية إلى مؤسسات عامة؟ ربما لا توجد إجابة سهلة، لكن البداية تكون دائمًا في طرح السؤال. وعيد ميلاد سعيد للملك والمملكة.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

في السنوات الأولى التي أعقبت قيام ثورة 14 تموز 1958 شهد العراق انفتاحاً ثقافياً غير مسبوق، إذ تحررت الحياة الفكرية من القيود التي فرضها النظام الملكي، وظهرت مجلات ومنابر ثقافية جديدة حاولت أن تؤسس لخطاب فكري حديث يربط الثقافة العراقية بتيارات المعرفة العالمية. وفي هذا السياق صدرت في بغداد مجلة فكرية حملت عنوان "المثقف" ـ صدر العدد الأول منها في تشرين الأول 1958ـ لتصبح خلال سنوات قليلة إحدى المنابر المهمة التي عبّرت عن نزعة التحديث الثقافي في المجتمع العراقي. إلى جانب مجلة "الثقافة الجديدة" التي عادت إلى الصدور، ممثلة للفكر التقدمي العلمي، بعد أن كانت متوقفة بقرار متعسف عام 1954 ضمن حملة لتقييد حرية الرأي. صدر منها أربعة أعداد فقط.

أتاحت الأجواء التي أشاعتها الثورة في عامها الأول، مناخاً من الحرية، وفّر فرصاً لصدور عدد من الصحف والمجلات الأسبوعية بنهج تقدمي حر ومستقل، كما اتسعت مديات هذا المناخ نحو مدن العراق في الشمال والجنوب، إذ شهدت تلك المدن، ومنها الكردية صدور عدد من الصحف بذات النهج في تعزيز الخطوات الوطنية، وإشاعة الثقافة الحرّة، ونشر الوعي بهذه الاتجاهات.

كانت مجلة "المثقف" من بين أهم المجلات الفكرية التي صدرت آنذاك عن جمعية خريجي الولايات المتحدة الأمريكية في العراق، وهي جمعية ضمّت عدداً من المثقفين العراقيين الذين تلقوا تعليمهم العالي في الجامعات الأمريكية، وعادوا إلى الوطن حاملين معهم أفكاراً جديدة في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية والآداب الحديثة. وقد تولى رئاسة تحرير المجلة الدكتور الطبيب مهدي مرتضى، بينما ضمّت هيئة تحريرها أسماءً ثقافية معروفة في ذلك الوقت مثل عليّ الشوك، ورحيم عجينة، وعصام القاضي، وخالد السلام، ومحمد محمود.

يمثل هؤلاء امتداداً للنخب الثقافية العراقية التي تشكّلت منذ العقد الثاني من القرن الماضي، المتأثرة بالأفكار الجديدة، فغدوا على خصومة مع المجتمع التقليدي والدولة، باعتقاد منهم بالمشروع التحرري للحداثة.

منذ أعدادها الأولى، أعلنت "المثقف" عن توجهها الفكري الواضح القائم على الدفاع عن الفكر العلمي والعقلانية الحديثة، والانفتاح على التجارب الثقافية العالمية. لم تكن “المثقف” مجلة أدبية فحسب، بل فكريّة عامة تعنى بالفلسفة والعلوم الإنسانية والنقد الأدبي والترجمة، وتسعى إلى تقديم صورة جديدة للمثقف العراقي بوصفه فاعلاً في مشروع التحديث الاجتماعي. يكفي استعراض أهم عناوين موضوعات العدد الأول منها، ليتبين للقارئ طبيعة منهج المجلة وتوجهاتها الفكرية. فقد اهتمت بترجمة نصوص من الفكر الغربي الحديث، وعرضت قضايا الفلسفة والعلوم الاجتماعية المعاصرة، كما تابعت التحولات التي كانت تشهدها الثقافة العربية والعالمية. وفي الوقت نفسه كانت المجلة تنتمي إلى التيار التقدمي اليساري الذي كان فاعلاً في الحياة الثقافية العراقية آنذاك، ولذلك دافعت عن قيم العدالة الاجتماعية وحرية الفكر وحق الشعوب في التقدم.

تضمن العدد الأول قصائد للشعراء عبد الوهاب البياتي، وسعدي يوسف وعبد الرزاق عبد الواحد. وحسن البياتي، ومقالات في السياسة والاقتصاد لصفاء الحافظ، وإبراهيم علاوي، وحافظ التكمه جي، وحسين العلاق، ونوري الكاظم. ورحيم عجينة. وقصة قصيرة ليحيى جواد، وأخرى ترجمها حسين العامل عن القص الجيكي، ومقالة علمية في الفيزياء ترجمها عبد الجار عوض. وأخرى في السينما، وترجمة عن جوليو كوري لخالد السلام. وكتبَ الشوك عن أثر الموسيقى العربية في الموسيقى الغربية.

كما أسهمت المجلة في دورها في تحديث الخطاب الثقافي بإدخال عدد من المفاهيم الحديثة إلى النقاش الثقافي العراقي. إذ فتحت صفحاتها لموضوعات مثل العلمانية الثقافية، الفكر العلمي، نقد التراث، دور المثقف في المجتمع، وقضايا الأدب الحديث. كما نشرت دراسات نقدية وترجمات لأعمال أدبية وفكرية من اللغات الأجنبية، الأمر الذي أسهم في تعريف القارئ العراقي بتيارات الفكر العالمي.

كان وجود أسماء مثل عليّ الشوك، وخالد السلام، وجليل كمال الدين، وآخرون في هيئة التحرير مؤشراً على هذا التوجه. فالشوك، المعروف لاحقاً بكتاباته في الرواية والفن والموسيقى والأدب والفلسفة، كان يمثل نموذج المثقف الموسوعي الذي يجمع بين الأدب والرياضيات والفلسفة. وقد انعكست هذه الروح على المجلة التي حاولت أن تتجاوز الحدود التقليدية بين التخصصات. فضلاً عن بقية زملائه في هيئة التحرير، الذين كان لهم الدور الطليعي في تأسيس المشروع.

يذكر أن المجلة قدّمت نموذجاً متقدماً في تصميم الغلاف الأول، إذ ينتمي إلى محاولات الحداثة الأولى في الإخراج الصحفي، التي تتسم بالجرأة والابتكار، خارج المألوف التقليدي، كان للفنان المبدع الخطاط والقاص يحيى جواد الدور الريادي في اقتحام حالة الجمود التي سادت الوسطين الفني والصحفي، فكان غلاف مجلة المثقف نقلة جمالية مبهرة، حققت حضورها ونجاحها بسرعة.

تحولت "المثقف" بوصفها فضاءً للحوار الثقافي خلال سنوات صدورها إلى منبر في تبادل الآراء والأفكار بين الاتجاهات الفكرية المختلفة داخل الوسط الثقافي العراقي. فقد نشرت مقالات نقدية ونقاشات فكرية حول قضايا الأدب والفلسفة والسياسة الثقافية، وكانت بذلك جزءاً من الحركة الثقافية النشطة التي شهدتها بغداد في تلك السنوات، إلى جانب مجلات وصحف أخرى مثل "الثقافة الجديدة" و"الأديب العراقي" التي صدرت عن اتحاد الأدباء في العراق.

كانت المجلة تسعى إلى تقديم نموذج للمثقف الذي يتجاوز الانغلاق الأيديولوجي، المؤمن بالمعرفة الإنسانية بوصفها مشروعاً كونياً مفتوحاً. لهذا حرصت على الجمع بين النزعة العلمية والانفتاح الأدبي، فظهرت فيها مقالات في الفيزياء والفلسفة جنباً إلى جنب مع نصوص أدبية وترجمات شعرية.

بيد أن الريح السوداء التي اجتاحت العراق إثر الانقلاب الدموي في 8 شباط 1963 أجهزت على هذا المشروع الثقافي الذي لم يدم طويلاً. ومعها تعرّضت المؤسسات الثقافية إلى حملة عدائية وحشية، أُغلقت فيها العديد من الصحف والمجلات. واقتيد أغلب منتسبيها إلى الاعتقال والسجن بأحكام جائرة، بل جرى أبشع من ذلك في تصفية رموز الثقافة والصحافة العراقية. أمثال: عبد الرحيم شريف، عبد الجبار وهبي، عدنان البراك، إبراهيم الحكاك، وغيرهم المئات من أساتذة الكليات والمعاهد والمدرسين والمعلمين الذي فصلوا عن وظائفهم وزجّ بهم في السجون والمعتقلات، بأحكام جائرة، (جريمتهم) الوحيدة هي انتماؤهم إلى اليسار والفكر التقدمي.

في هذا السياق توقفت مجلة “المثقف” عن الصدور، شأنها شأن عدد من المنابر الفكرية التي كانت تمثل صوت الحداثة الثقافية في تلك المرحلة.

بيد أنها على الرغم من قصر عمرها، فإنها تمثل وثيقة مهمة لفهم مرحلة التحول الثقافي في العراق بين 1958 و1963. فقد كانت جزءاً من مشروع أوسع سعى إلى نقل الثقافة العراقية من فضائها التقليدي الساكن، إلى أفق الفكر العلمي الحديث، وإلى ربطها بالحركة الفكرية العالمية.

لذلك يمكن النظر إلى المجلة اليوم بوصفها تجربة مبكرة في إعادة تعريف دور المثقف العراقي، ليس بوصفه حافظاً للتراث فقط، بل بوصفه وسيطاً بين المجتمع المحلي والمعرفة الإنسانية الحديثة. ضمن هذا السياق أدعو الباحثين المهتمين بالشأن الثقافي والفكري والإعلامي إلى دراسة هذه التجربة العراقية الرائدة، ولا سيما أنها لم تأخذ فرصتها التي تستحق في البحث العلمي الرصين…

***

جمال العتّابي

في اليوم العالميّ للكتاب

فى اليوم العالمي للكتاب حريٌّ بنا أن نذكّر القراء الكرام بقصّة طريفة عاشها الكاتب الأرجنتيني الساخر إيرنيسطو ساباطو، مع الموت وهو لمّا يزلْ في شرخ الشباب، وعنفوان العمر وريعانه، طري العود، غضّ الإهاب، عندما ادلهمّت، واسودّت الدنيا في عينيْه في غربته بباريس بعيداً عن بلده الأرجنتين حيث أكّد في العديد من المناسبات ضمن أحاديث مختلفة أجريت معه حيث كان يشير أنّ الحياة كانت تبدو له قصيرة جدّاً على الرّغم من العمر المديد الذي عاشه حيث لم تدركه المنيّة الاّ بعد أن تجاوز قرناً من الزمان.

كان يؤكّد لزملائه فى صنعة الكتبة المتعبة ان مهنة العيش صعبة وشاقة للغاية، وقال انه من غرائب الحياة ومتناقضاتها وسخريتها في نظره أنّه عندما يدرك الإنسان سنّ الرّشد والنضج، ويبدأ في فهم خبايا الأمور، وأسرار الحياة والتعمق فيها تبدأ العلل المزمنة والأمراض والأسقام من كل نوع تداهمه وتهجم عليه، ويهدّه الوهن، ويغشاه التعب ويضنيه العياء ويحدّ العمر من نشاطه وحيويته، ثمّ أخيراً يأته الموت بعيون جاحظة ويباغته.

كان ساباطو يقول إنّه كان ينبغي للانسان أن يعيش على الأقل قرابة الألف سنة..!. وقد يفهم البعض أنّ فى هذا الكلام ضرباً من ضروب المبالغة.. لا بأس، فهو يسارع الى القول مازحاً: "لاغرو، ولا عجب فأنا شخص أحبّ المبالغة في كلِّ شئ.

 الكتاب مُنقذي!

وأخبر ساباطو قراءه ذات يوم انّ " الكتاب" قد أنقذه من موتٍ محقّق، وهو يؤكّد فى هذا القبيل ان الأمر ليس مزحة بل حقيقة واقعية ماثلة للعيان. وهو يحكي لنا في هذا القبيل أنّه في شتاء عام 1935 عندما كان يقيم في باريس، كان يشعر أنّ الدنيا قد أثقلت كاهلَه، وقصمت ظهرَه، حيث كان يعيش أقسى وأعتى وأمرّ سني عمره، وكان يشعر أنّ هوّة سحيقة عميقة مظلمة تنفتح تحت قدميْه روحياً ومادياً، وأمام هذا الإحباط فكّر في أن يجعل حدّاً لحياته، و قرّر أن يلقي بنفسه في نهر" السّين" الباريسي، إلاّ أنّه على حين غرّة حدث ما لم يكن فى الحسبان كما يقول بالحرف الواحد: «لقد قرّرتُ أن أسرق كتاباً من الكتب العديدة التي كانت تُعرض فى إحدى المكتبات الواقعة على ضفة هذا النهر الباريسي الجميل الذي تمخر فيه المراكب "الذبابية" التي لا تتوقف عن الجولان بين ضواحي وأرباض مدينة النور، وهي مكتبة "جيلبيرجون"، مددتُ يدي، أخذتُ الكتاب، تصفّحته، ثم وضعته تحت إبطي وانصرفت ! ذهبتُ إلى إحدى المقاهي في الحيّ اللاتيني، وفتحت الكتاب في صفحته الأولى وقلت مع نفسي سأقرأ هذا الكتاب أوّلاً ثمّ بعد ذلك أنتحر..!. وُخبرنا ساباطو بأسلوبه المرح: أنّ الذي حدث هو أنّ الكتاب شدّني إليه، وردّني إلى الحياة بقوّة سحرية خارقة، وبسَط أمامي مباهجَ الحياة، وفضيلةَ التعلّق بها، فكنت كمن يحاول الفرار من الجحيم إلى الفردوس، كتبتُ على الفور إلى والدتي في الأرجنتين، وطلبتُ منها بأن ترسل لي بعض النقود لأهجر فرنسا وأعود إلى بلدي حيث التحقتُ بمعهد للعلوم وتحوّلت إلى باحث في العلوم، وبعد أن حصلت على الدكتوراه في هذا الحقل قرّرتُ العودة من جديد إلى مدينة النور باريس، التي أحسستُ وكأنّني ولدتُ فيها من جديد، وأقنعتني اتصالاتي وقراءاتي وصداقاتي مع الكتّاب والرسّامين السّورياليّين بأن أهجر عالمَ الرياضيات والعلوم من جديد، وأن أرتمي في أحضان الأدب والخلق والإبداع ففعلت، عندئذٍ قرّرتُ أن أذهب الى مكتبة "جيلبيرجون" لأدفع ثمن الكتاب الذي أنقذني من موت مُحقق إلاّ أنني لسوء طالعي وجدتها مغلقة فانصرفت ".

الفوضوية والعربدة والتقاليع

يشير «ساباطو» إلى أنّ عودته هذه في الواقع هي عودة إلى حبّه القديم، إلى فلسفته «الفوضوية والعربدة والتسكّع وكان يرى انّنا كنّت نعيش نهاية عهد، وبداية عهد آخر، وأنّ العهود الحديثة منذرة بغير قليل من الأخطار، والأعاصير الحياتية والمفاجآت التي قد تأتي على الأخضر واليلبس، إذ أنه في هنيهة واحدة قد نختفي من على ظهر هذه البسيطة بسبب تلك الكارثة التي تسمّى الطاقة الذريّة، ولهذا فإنّ البشرية لابدّ أن تبدأ من جديد في تركيب وترتيب، وتمحيص وتفحيص وغربلة أفكار الماضي واستخراج كلّ ما هو صالح منها، ونبذ كلّ ما هو طالح بها

وكان الكاتب ساباطو يتحدث عن وظيفة الفنّ في الحياة فيقول إنه يصلح لإنقاذ صانعه، ومبتكره، ومتلقّيه، وقارئيه من الانهيار، بل إنه يساعدنا على مواجهة بعض اللحظات الحالكة و النيهات الصّعبة في حياتنا، لحظات العزلة والوحدة، والحيرة والقلق، والمعاناة والارتياب حيال التساؤلات الكبرى، والألغاز المُحيّرة للوجود التي تطرح على المرء في لحظات مّا من مراحل عمره.

الإغريق.. الشّعب الأكثر سعادة !

كان ساباطو يرى أنّ الإغريق كانوا خيرَ مُربّين لشعوبهم على المستوييْن التعليمي والتربوي، فبحّارة مرفأ مدينة "بيريُّوس" الذين لم يكونوا متعلمين بل أمييّن، مع ذلك كانوا يرتادون المسرح لمشاهدة أقطاب الدراما والتراجيديا الإغريقية أمثال سوفوكليس، ويوربيديس، وأنيكز وفانيسو سواهم، وكانوا يبكون، ويتأثرون ويضعون نصب أعينهم مواقف تساعدهم على إنقاذ ذواتهم، وأنفسهم، ممّا كان يجعلهم أكثر سعادة واستعدادا لمواصلة العيش وفهم الحياة بشكل أحسن، أيّ فهم واستيعاب الجوانب الايجابية والعناصر الصالحة فيها. (هذه المدينة الإغريقية الساحلية الجميلة التي تعبق بالحيوية وحبّ الحياة التي تتجلّى في عادة تكسير الصّحون بعد كلّ وجبة عشاء، زرتها عبر مراكب تركية كبرى كانت تسمّى " كارادينيز وأكدينيز" في مناسبات شتّى خلال رحلاتي العديدة من برشلونة إلى الإسكندرية (بحراً) ثم إلى القاهرة (برّاً) ذهاباً وإيّاباً أيام الدراسة والتحصيل و (الجدّ والضّحك واللعب في آن..)!.

ويرى «ساباطو» أنّ تلك هي وظيفة أو رسالة الفنّ العظيم، حتى وإن كان يبدو ذلك متناقضاً، خاصّة في ما يتعلق بالتراجيديا، ليس معنى ذلك أنّ هذا اللون من التعبير لا يقدّم أيّ شكل من أشكال الجمال، فالعكس هو الصحيح، إلاّ أنّ هذا الجمال ليس من باب الجمال الذي يقدّم لنا ديكوراً في إناء، أو رسماً على فخار، بل إنّه جمال معنوي، يخاطب الّرّوح والوجدان أكثر ممّا يخاطب العين والأذن.

ويختم الكاتب السّاخر حديثه بالقول: « إنّ مثل هذه الأحاديث تمليها عليه السّنون، فليس له في هذه السنّ المتقدّمة سوى الحديث بعد أن خبَا ضياءُ عينيه، ووهنت صحّته، وقلّ نظرُه حتى كاد يفقده، وبعد أن كان قد توقف عن القيام بأيّ نشاط عضوي، سوى المشي بتؤدة وتأنّ وتريّث، وهدوء رويداً رويداً بضعَ خطواتٍ قليلة معدودات في باحة بيته. وكأنّ ساباتو في هذا المعنى العميق والحزين يُذكّرنا ببيتيْ الشاعر العربي أبي عليٍّ البصير البليغين الذي يقول فيهما:

لئنْ كان يهديني الغلامُ لوجهتي / ويقتادني في السّير إذ أنا راكبُ

فقد يستضيئُ القومُ بي في أمورهمْ / ويخبُو ضياءُ العينِ والرّأيُ ثاقبُ

معانقة الحياة ومعاناتها..

الكاتب الارجنتيني الكبير الرّاحل « إيرنيسطو ساباطو» هو صاحب الأعمال الرّوائية الذائعة الصّيت في بلده الأرجنتين، وفي أمريكا اللاتينية، وفي العالم الناطق باللغة الإسبانية مثل: «عن الأبطال والقبور»، و»النّفق»، و»ملاك الظلام»، و»أبادّونْ المُهلك» وسواها من الأعمال الأدبية التي بصم فيها هذا الكاتب الساخر عصرَه بكلّ ما تميّزت به بلاده الأرجنتين بالذات من فتن، وقلاقل ومشاكل، واضطرابات، ناهيك عن الجرائم التي ارتكبتها الدكتاتورية العسكريّة فيها من مظالم وتجاوزات مثلها مثل أيّ حُكم عسكري ديكتاتوري جائر، حيث ناءت كاهله مهمّة شاقة عانى منها الكثير عندما كلّف بها إبّانئذ وهي رئاسته للّجنة الوطنية للبحث عن المفقودين خلال حُكم الرّئيس الأرجنتيني" راؤول ألفونسين".

قال ساباطو قبيل وفاته:" إنّه وقد شارف على المائة سنة من عمره ما زال يتعلّم أصولَ العيش، وفنّ الحياة التي تحفل بالآلام، والمحن، والأحزان، وحياة الكاتب أو الفنّان أكثر خطراً وتعقيداً من الآخرين نظراً لحساسيته المفرطة، وأنّ المرء في بعض الأحيان يتمنّى الموت ويشعر بميل له لجعل حدّ لحياته، وهذا ما حدث له بالفعل عندما كان في مقتبل العمر فى. وعليه، فإنّ هذا المشهد كثيراً ما يتكرّر في كتاباته، إلاّ أنّ أبطاله على النقيض من ذلك ينتهون دائماً بمعانقة الحياة رغم معاناتها، والتشبّث بتلابيبها، وإقصاء التهلكة عنهم، ولهذا فليس هناك أيّ دين يبيح الانتحار، بل إنّ جميع الأديان تحرّمه وتحظره.

سبق للكاتب إرنيسطو ساباطو أن حصل عام 1984 على جائزة "سيرفانتيس" المرموقة التي تعتبر بمثابة نوبل في الآداب الاسبانية. كما حصل على سواها من الجوائز الأدبية الهامة الأخرى داخل بلاده وخارجها.توفّي عام 2011عن سنّ تقارب قرناً من الزمان. الحكمة أن (الكتاب) هو ليس منقذ كاتبنا السّاخر «ساباطو» وحسب، بل هو منقذ البشرية جمعاء فلا تنسوه في " يومه العالمي" وفي غير يومه كذلك فهو خير أنيسٍ، وأحسن جليس فى الورىَ!.

***

د. السّفير محمد محمد الخطابي

كاتب وباحث ومترجم من المغرب

أصبح صدور رواية جديدة لهاروكي موراكامي حدثاً ثقافياً لمعظم قراء الأدب في العالم، ومنهم قراء العربية الذين يتلاقفون كتبه. قبل أيام أُعلن عن قرب صدور روايته السادسة عشرة "حكاية كاهو"، وتأتي الرواية الجديدة بعد ثلاث سنوات من صدور روايته "المدينة وأسوارها الغامضة"، والتي صدرت عام 2023، وكالعادة ستقف طوابير القراء في اليابان أمام المكتبات في انتظار الحصول على نسخ من الرواية الجديدة. تدور أحداث "حكاية كاهو" حول كاتبة كتب أطفال تبلغ من العمر 26 عاماً، وسبق لموراكامي أن كتب "حكاية كاهو" كقصة قصيرة عام 2024، ثم تطورت عبر ثلاث قصص لاحقة ضمن السلسلة نفسها، إلى أن تحولت إلى رواية تمتد أحداثها على نحو 352 صفحة، تبدأ القصة بخروج كاهو في موعد غرامي مع رجل يقول لها: "لقد واعدتُ جميع أنواع النساء في حياتي، لكن عليّ أن أقول إنني لم أرَ قط امرأة قبيحة مثلكِ".

موراكامي البالغ من العمر "77" عاماً واجه انتقادات متواصلة بسبب تصويره للنساء، حيث اتُّهم باختزال الشخصيات النسائية إلى مجرد أدوات أو شخصيات أحادية البعد. وفي مقابلة نُشرت عام 2004 في مجلة "باريس ريفيو"، قال عن الشخصيات النسائية في رواياته: "في قصصي، النساء وسيطات - نذير للعالم القادم. ولهذا السبب يأتين دائماً إلى بطل روايتي؛ فهو لا يذهب إليهن". ولهذا يرى النقاد أن هذه الرواية تكتسب دلالتها من كونها المرّة الأولى التي يقدّم فيها موراكامي بطلةً نسائية وحيدةً في روايةٍ طويلة، بعد أن ظلّت الشخصيات النسائية في أعماله السابقة، ومنها "الغابة النروجية" و"كافكا على الشاطئ"، تتحرّك غالباً داخل دوائر سرديةٍ يقودها أبطال ذكور. وبالتأكيد لن تخرج "حكاية كاهو" في خطوطها العامة، حسب المعلومات المتوفرة عنها، عن السمات التي ميّزت عالم موراكامي، من حيث التداخل بين الواقعي واللاواقعي واستحضار فضاءات تتجاور فيها الحياة اليومية مع عناصر غرائبية تخلخل منطقها. وفي المادة الترويجية التي نشرتها دار النشر عن الرواية أكدت فيها أنها تأخذ القارئ في رحلة للبحث عن "الطريق للخروج من هذا العالم".

في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز في شباط الماضي، وصف موراكامي الكتابة من منظور امرأة بأنها تجربة غير مألوفة لكنها طبيعية. وقال: "لقد أصبحتُ هي". وأضاف أن الرواية تبدو أكثر تفاؤلاً من أعماله السابقة. لكنه لم يقدم سوى القليل من التفاصيل حول الحبكة، حيث وصف كاهو بأنها "فتاة عادية جداً، ليست جميلة جداً، وليست ذكية جداً"، ولكن "تحدث لها الكثير من الأشياء الغريبة من حولها". يقول موراكامي إن قصصه ليست متشائمة: "على الرغم من العديد من الأشياء الغريبة والجانب المظلم، فإن قصصي إيجابية بشكل أساسي". مضيفاً: "أنا الآن في منتصف السبعينيات من عمري، ولا أعرف عدد الروايات الأخرى التي يمكنني كتابتها. لذلك شعرت بقوة أنه يجب أن أكتب هذه القصة بمودة، وأن أقضي وقتاً طويلاً للقيام بذلك"، لا يزال يؤمن بدرس معلمه كافكا من أن كتابة الرواية تتطلب الغوص في العمق. عن تقدمه في السن قال: "لا يعني أن الشاب الذي كان لي من الماضي قد بلغ من العمر دون أن أدرك ذلك، ما يدهشني هو كيف أصبح الناس من نفس الجيل الذي عشت فيه من كبار السن، وكيف أصبحت كل الفتيات الجميلات اللواتي كنت أعرفهن أكبر سناً بما فيه الكفاية ليحصلن على زوجين من الأحفاد، إنه أمر محبط بعض الشيء، حزين حتى، على الرغم من أنني لا أشعر بالحزن أبداً لأنني لا أفكر بعمري، بل أفكر بحياتي".

يعجب النقاد ومعه القراء من قدرة موراكامي على الجمع بين الحياة اليومية والواقع، مع السحر والحكايات المستمدة من الأساطير مع إتقان لغوي وأدبي يجعل القارئ يفكر مرة أخرى في كافكا ودوستويفسكي، وهو يرد على علامات الاستفهام حول الأشياء الغربية الموجودة في معظم رواياته بالقول: "أتعجب حين يقول النقاد إن حكاياتي عن سقوط الأسماك والمرأة المشبعة بطريقة خارقة للطبيعة ليست واقعية، إنها واقعيتي فأنا أحب غابرييل غارسيا ماركيز كثيراً، لكنني لا أعتقد أنه فكر بما كتبه كواقعية سحرية، أسلوبي يشبه نظارتي، من خلال تلك العدسات، يكون العالم منطقياً بالنسبة لي".

يبدأ الكتابة كل يوم من الساعة الرابعة صباحاً ويستمر لمدة ست ساعات، مما ينتج 10 صفحات في اليوم، قبل أن يقوم بممارسة رياضة المشي والسباحة: "أعتقد أني يجب أن أكون قوياً جسدياً من أجل كتابة أشياء قوية"، يقول رداً على سؤال حول طريقته في الكتابة: "أبدأ دائماً بمشهد واحد أو فكرة واحدة. عندما أكتب، أترك هذا المشهد أو الفكرة تتقدم من تلقاء نفسها". وأضاف: "لا أحب الروايات التحليلية: إذا حاول الروائي بناء قصة تحليلية، فسوف تضيع حيوية القصة لأن التعاطف بين الكاتب والقراء لن ينشأ". ويضيف أنه في كل ما يكتبه يسعى إلى تسليط الضوء على الزيف الذي نعيش فيه: "نحن نعيش في عالم مزيف، ونحن نراقب الأخبار المسائية المزورة. نحن نخوض حرباً زائفة. حكومتنا مزيفة. لكن العثور على الواقع في هذا العالم المزيف أمر مهم، لذا فإن قصصنا هي التي تعيد لنا رسم الواقع". قال لمحرر صحيفة الغارديان إنه يفاجأ أحياناً بأشخاص يركضون ناحيته ويوقفونه في وسط الطريق وهم يقولون: "عفواً، ألست الروائي المشهور؟" وفي كل مرة كان يرد قائلاً: "لا، أنا مجرد كاتب. لكن من الجميل أن ألتقي بك!" ثم يضيف: "عندما يوقفني الناس هكذا، أشعر بغرابة كبيرة، لأنني مجرد" .

يخبرنا أن قدراً كبيراً من الموضوعات المتكررة في كتبه هي من حياته هو؛ قططه، مطبخه، موسيقاه، وهواجسه. واستمراراً مع عملية الكتابة لديه: "إن حلم عمري أن أجلس في قعر بئر. وهو حلم يتحقق. كنت أفكر: إن من المسلّي أن تكتب رواية، ويمكنك أن تكون أي شيء! وأنا أستطيع أن أجلس في قعر بئر، في حالة عزلة... شيء مدهش!" – من حوار ترجمه الراحل أحمد فاضل ونشر في المدى -. في كل مرة تظهر فيها رواية جديدة من روايات هاروكي موراكامي، تبدأ الصحافة في البحث عن خفايا الكاتب الذي يقول إن لا أسرار في حياته، وأن الكتابة بالنسبة إليه هي معنى الحياة: "لقد جعلت الكتابة من حياتي شيئاً مميزاً. عندما أكتب؛ أتحول لحظتها إلى سوبرمان. يمكنني القيام بكل ما أريده، أتخلص من الخوف، بحيث يسمح لي الخيال بأن أخلق كل شيء. عندما أكتب، أصير قادراً على إنقاذ العالم. لكن ما إن أغادر مكتبي، أستعيد شخصيتي الأصلية. يمكنكم تصديقي: فأنا حقاً الشخص الأكثر بساطة في العالم. أنا زوج طيب لا أصرخ وأحافظ باستمرار على هدوء أعصابي. فيما يتعلق بحياتي العادية، لا تأتيني أبداً أي فكرة يمكنها إثراء أدبي. حينما أمشي أو أطهو أو أذهب إلى البحر، أفرغ رأسي تماماً".

***

علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية

تنحدر الشاعرة المكسيكية "ميريام موسكونا " من أصول بلغارية سفردية، وهي من مواليد عام 1955 بمدينة "مكسيكو سيتي" عاصمة المكسيك المترامية الأطراف، تُرجمت أشعارُها إلى الإنكليزية، والفرنسية، والإيطالية، والألمانية، والبرتغالية، والسويدية، والعربية، والروسية وبعض اللغات الأخرى. وهي مُدرجة في ما ينيف على ثلاثين أنطولوجيا حول الشعر المكسيكي المعاصر، ولقد شاركت مؤخراً بنجاح فى مهرجان شعريّ دوليّ بمدينة تطوان الحمامة البيضاء العامرة .وقد نُشر أحد دواوينها مؤخراً باللغتين الإسبانية والإنكليزية في آن واحد، وهو يحمل عنوان: ( Marfil Negro ) "العاج الأسود"، بعد أن نقله إلى لغة شكسبير الكاتب الأمريكي "جان هوفر".

وقد قامت الشاعرة " ميريام موسكونا" من جهتها بترجمة بعض الكتب والدواوين الشعرية لكتّاب وشعراء من البرتغال، والولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، وسواها. وهي حاصلة على العديد من الجوائز الأدبية، منها جائزة «هارولد مورتون لاندون» من الأكاديمية الأمريكية للشّعراء، كما أنها حاصلة على جائزة «المياه الساخنة» ( Aguas Calientes) المكسيكية المرموقة عن مجموعتها الشعرية "الزّائرات" التي نحن بصددها فى هذا العرض .

في البحث عن الجذور البعيدة

 كما تجدر الإشارة فى هذا السياق أنّ الشاعرة ميريام موسكونا حاصلة عن جائزة رفيعة عن روايتها الوحيدة «نسيج سيبُويا» في بلدها المكسيك، وهي جائزة «خابيير فِيّارّوتيا»، وفي حديثها عن هذه الرواية جاء على لسانها: «إنها تاريخ طفلة يافعة كانت تتحدّث لغة (اللاّدينو) وهي لغة اليهود السّفاراديم، أو السفراد الذين هاجرُوا اختياراً، أو قسراً من إسبانيا مع الموريسكيين المسلمين الذين أبعدوا من وطنهم، ودورهم، وأراضيهم عنوةً وقهراً، بعد سنوات من سقوط مدينة غرناطة آخر معاقل الإسلام في الأندلس عام 1492، تعلمت هذه الطفلة هذه اللغة من أجدادها، ولقد سافرت إلى بلغاريا بحثاً، وتنقيباً عن أصولها وجذورها البعيدة التي تعود إلى ما ينيف على خمسمائة سنة من الزمان.

 جاءت هذه الرواية في قالب سردي مثير، أيّ أنها تقوم على شكل سرد صارخ عن سيرة ذاتية لتجربتها، أو حياتها الخاصّة، تتخللها غير قليل من مظاهر الخيال المُجنّح، وهي رواية أو ترجمة ذاتية مفعمة ومترعة بالعديد من الأشعار المكتوبة باللغة الإسبانية المعاصرة التي تمتزج بلغة سيرفانتيس القديمة القشتالية، إنها تداخل وتمازج وتلاقح وتشابك وتلاق بين سرد ذاتي وحوار متواتر بين ماضٍ معاش، وحكايات مرويّة، تتأرجح بين الذاكرة والخيال، والأكثر من ذلك أنها تبدو في آخر المطاف، وكأنها حوار بين الأحياء الحاليين، والأموات الراحلين، وكأنّ لسان حالها يردّد مع الشاعر الجاهلي القديم البيت الدرامي والتراجيدي الشهير:

حَسْبُ الخليليْن نأيُ الأرضِ بينهما / هذا عليها وذاكَ تحتها بالي !

وقد وصف الكاتب والشاعر الأرجنتيني "خوان خيلمان" رواية ميريام موسكونا قائلاً: "إنها نصّ في منتهى الرّوعة والغرائبية، أمكن فيه للشاعرة موسكونا أن تمزج في آن واحد، وفي فضاء واحد بين الماضي والحاضر، والموت والحياة، والذاكرة والخيال" .

ديوانها " الزّائرات"

دعنا نتوقف هنيهةً مع ديوان الشاعرة ميريام موسكونا الذي يحمل عنوان: «الزّائرات» الذي يعتبره الناقد المكسيكي "عمر غونساليس" رحلة شعرية سديمية في الزمان والمكان، لاكتشاف ماضيها البعيد، وبنات جنسها، والغوص في أيامهنّ ومعايشة حياتهنّ، وملامسة معاناتهنّ اليومية المتواترة التي لا تني ولا تنتهي .

تركّز الشاعرة موسكونا في هذا الديوان على المرأة بشكلٍ خاص، ليس في بلدها المكسيك وحسب، بل في مواطن نائية وأصقاع أخرى بعيدة عن بلادها مثل العالم العربي، فنراها تتوقف فى هذا الديوان على وجه الخصوص في المغرب الذي سبق لها أن زارته من قبل فى عدّة مناسبات، فالباب الأوّل من هذا الديوان يقع تحت عنوان «نسيج» وهو يدور برمته حول المغرب، بل أن عناوين القصائد في هذا الباب تحمل أسماء مدن مغربية شهيرة مثل طنجة، وفاس، وتطوان، وتتقمص الشاعرة في هذا الديوان دور شهرزاد، بل أنها تغدو في أشعارها بمثابة شهرزاد مكسيكية معاصرة، تحاول أو تعمل على إنقاذ بنات جنسها، كما جاء فى أساطير ألف ليلة وليلة، وهي تتحدّث بالتالي بلسان جميع النساء، فهي تفتح ديوانها بكلمة للشاعر المكسيكي «إنريكي أوتشو» الذي يقول على لسان بطلته: " سأكون أبداً تلك المجهولة القاتمة المنفية".

 حسب هذا الديوان فإنّ " الزّائرات" هنّ النساء اللائيّ يمررن بنا مرور الكرام، سواء كنّ واعيات، أم غير واعيات بمعاناتهنّ، أو بمأساتهن التي يجررنها خلفهنّ من جرّاء النفي والاغتراب والإستلاب، والتشرّد والتيه، والضياع، إنهنّ حائرات بين «ذهاب وإياب» دائميْن يتطلعن إلى الماضي البعيد لاسترجاع ما فاتهنّ من ذكريات ومعايشات. ونجد الشاعرة في هذا المجال تضمّ صوتها إلى أصوات شاعرات أخريات من كل جنس، إنها تضخم هذا الصّوت وتُجاهر به، وتجعله أحدّ رنيناً وأكثر أنيناً، فهي أبداً امرأة تختفي في جُنح الليل إنها شبيهة بغجرية تائهة فى دروب الحياة، قارئة للأكفّ والفناجين، كاتمة للأسرار والأعمار، غير مفصحة عن الإرهاصات والتوقّعات والأخطارالتي تحدّق بها فى كلّ وقتٍ وحين .

إنها امرأة تخفي قلبها، لتمشي في الصحراء، ترسم اسمَها على الرمال المبلّلة، وتنتظر سدول الليل وقدوم الظلام، إننا نجد الشاعرة تتساءل بإلحاح على لسان بنات جنسها: ماذا تخلق فيها مشيتها الطويلة، إنها تعرف قساوة جولاتها، تعرف ذهابها وإيابها في الممرّات والأزقّة والشوارع والدروب، تعرف كذلك المخدع الذي يرغمها على النوم والصّحو واليقظة، ثم القيام باكراً فى الهزيع الأخير من جنح الليل وفى سديم الدياجي الحالكات .

"الزّائرات": هوَس بمعاناة المرأة فى كلّ مكان

يعود الناقد المكسيكي عمر غونساليس ليؤكد لنا أن المرأة ومعاناتها في كلّ مكان هي لبّ وصُلب موضوع ديوان «الزائرات»، فالشاعرة مريام موسكونا تتحدّث عن تجربتها الخاصّة، لأنها ترى نفسها في الأخريات، إننا نجدها فى الباب الأوّل من الديوان تلتقي كسائحة في عالم النساء في المغرب، ولا تلبث أن تبدأ في طرح جملة من الأسئلة شعراً مشحوناً بالرّموز العميقة الغور البعيدة المدىَ، ومبطنا بالإشارات والإيماءات الحاذقة الذكية والموفية والضافية إنها تقول:

آهٍ، من تلك العيُون المُسبلة كيف السبيل

إلى ملئها بأريج الشذىَ والعطر

عندما يلتفت أحدٌ إليها

تلتفّ في طرحتها

تقارن جسمَها بالصّمت،

تتظاهر بمصانعة السّأم

تُخفي حبّها الضائع تحت خمارها.

 لابدّ من الإشارة أنّ هذا الديوان الفريد، حتى لو بدا لأوّل وهلة للقارئ إنه يميل نحو " الأنوثة المُفرطة"، فالحقيقة عكس ذلك، لأنه منتدى، حتى إن كان ظاهريّا لا مكان للرّجال فيه، فإنّ ما تكتبه الشاعرة قد يكون مُوجّها في العمق للرّجال، أكثر ممّا هو موجّه للنساء. إننا نجد الشاعرة تصيح بصوت جهوريّ صادح ومدوٍّ في وجه المجتمع الذي يتألف من النساء والرجال معاً، في وقت أو زمن يعتبر بالنسبة لها ولنا كذلك حدّاً فاصلاً في التاريخ، إنها تقول فى هذا الصدد:

تضرّعي في أبياتك الشعرية يا إنريكيتا،

من أجل النساءالصّابرات القويّات

اللاّئي تراهنّ كما تراهنين أنتِ،

اللاّئي يتطلّعن إلى تحطيم الإدانة،

برقّةٍ ورهافةِ طائر الكنار،

وقوّة وصلابة الصّقر.

تطوان.. الحمامة البيضاء

ونقدم للقارئة الكريمة وللقارئ الكريم أيضاً فيما يلي نموذجاً آخر من أشعار هذه الشاعرة الرقيقة وهي قصيدتها التي تحت عنوان: «تطوان» إنها تقول فيها:

لون الخشَب، العيُون، صلبة كالجُوز،

في عمقها لبٌّ من سكون،

تذكر الأقوىَ، الذي تربّت في ظله،

أرجلهنّ، بنانُ أرجلهنّ كحشراتٍ،

تشعر بالطريق، كبوصلة أرضيّة،

أبدانٌ فارغة، أجسامٌ قميئة،

تقف جنباً إلى جنب، كأنّها جنب إلى جنب،

كأنّها بنايات، أو مدنٌ من ريبة،

أنسجةٌ ولوحاتٌ من القرن السادس عشر،

أين يخفين المرأة التي تحول دون رؤية التفاصيل،

يعلّقن في عزّ النهار رموز أقفالهن،

يخرجنَ طائراتٍ بين ضحكة وضحكة،

هل هي نقلة لطفولة لا تنتهي؟

يسرن على هدي أصابعهنّ،

يعددنَ بأصابعهنّ،

يهمنَ في أم ّ أربع وأربعين،

يَنسجنَ الأطفالَ في قماش ٍمن قطن،

إنهنّ كريمات غارقات في الصّمت،

يصرخنَ.. يغرقنَ،

في عيونهنّ المشبّبة

لحنٌ مكتوبٌ بموسيقىَ عينيّة،

هل يعود للظهور في الليل؟

عندما يبللن أرجلهنّ في صهاريج الأريج،

ما زلن في الموت يرقدنَ ملفوفات.*

من أبواب هذا الديوان: نسيج، أساطير، صور، الزّائرات، وقصائد الزائرات، ومن أعمال الشاعرة ميريام موسكونا الأخرى كتب:"الخِمار الأخضر". و"السّطح الأزرق"، (أنطولوجيا شعرية نُشرت في كوستا ريكا)، "الحديقة الأخيرة"، "تساؤلات ناتاليا"، "شجرة الأسماء" وسواها من الأعمال الابداعية الأخرى في مختلف مجالات الخلق، والبحث، والدراسة، والتاريخ، والإبداع، والترجمة.

***

د. السفير محمد محمد الخطابي

كاتب وباحث ومترجم من المغرب

.........................

* القصائد المُدرجة فى هذا المقال من ترجمة كاتب هذه السّطور عن اللغة الإسبانية.

 

منذ أن تعلّمتُ القراءة والكتابة، نشأت بيني وبين الكتب علاقة تتجاوز حدود الهواية إلى حدّ الإدمان الجميل. كانت الكتب، وما تزال، الرفيق الأوفى في مسيرتي، والملاذ الأكثر صدقًا في عالمٍ كثير التحوّلات. كنتُ أترقّب معارض الكتب كما يُترقّب المرءُ الأعياد، أتهيّأ لها بشغفٍ وحنين، وأتنقّل بينها في أكثر من مدينة عربية؛ من عدن وصنعاء إلى بغداد ودمشق والرياض والجزائر والخرطوم والقاهرة. لم يكن معرضٌ منها حدثًا عابرًا في حياتي، بل كان مناسبةً للاحتفاء بالمعرفة، وموسمًا لحصادٍ فكريٍّ جديد.

كنتُ أتفحّص الإصدارات بعين القارئ المتعطّش، لا يفوتني جديد، ولا تغيب عني دار نشرٍ عرفتُ عنها الجدية والعمق، حتى غدت مكتبتي، مع مرور الزمن، أشبه بخارطةٍ للمعرفة الإنسانية، تضم آلاف الكتب في مختلف الحقول. كنت أؤمن، وما أزال، أن القراءة هي الطريق الأوسع إلى المعرفة، وأن العقول، مهما بلغت خصوبتها، تظلّ بحاجة إلى حراثةٍ دائمة؛ والقراءة هي تلك الحراثة التي تُنبت الأفكار وتُزهر الإبداع.

وفي مثل هذا اليوم؛ اليوم العالمي للكتاب، أستعيد واحدةً من أجمل محطّاتي: حين أهدَيتُ مكتبة كلية الآداب بجامعة عدن مئات الكتب والدوريات الأدبية والفكرية والعلمية، قبل سنوات، في مبادرةٍ لم تكن سوى تعبيرٍ بسيطٍ عن إيماني العميق بدور الكتاب والمكتبة في بناء الوعي. يومها لم أكن أدرك أن بلدي سيغرق في مهاوي الحرب والفساد وأن الحالة الثقافية والأكاديمية في مدينتي عدن الحبيبة ستبلغ هذا الحد من التراجع والانهيار . ولو كنت أعلم، لأهديتُ تلك المكتبة كل ما أملكه من الكتب، لا جزءًا منه.

لقد اسعدني رؤية جناح خاص بالكتب التي اهديتها للمكتبة لازال يحمل أسمي وإن الكتب التي أحببتها وجمعتها بعناية، وجدت طريقها إلى قرّاء جدد، وإلى عقولٍ متعطّشة للمعرفة. تمنّيت فقط أن تُسبق تلك اللوحة بكلمة “إهداء”، وأن تُكتب بلونٍ أزرق، لون البحر والسماء، اللون الذي أراه أكثر تعبيرًا عن الامتداد والحرية فالمكتبة، في جوهرها، ليست مجرد مكانٍ لحفظ الكتب، بل هي روح الجامعة النابضة، وذاكرتها الحيّة، وفضاؤها المفتوح على التاريخ والمعرفة. منذ نشأة الجامعات الحديثة قبل قرون، كانت المكتبات هي الركيزة الأولى، والشرط الأساس لقيام الصروح الأكاديمية. ومن بين رفوفها خرجت النظريات، وتشكّلت الرؤى، وانطلقت الاكتشافات التي غيّرت وجه العالم.

ومع تلك السعادة العابرة، لا يمكنني في تجاهل الوجع الذي يلازمني كلما تذكّرت مكتبتي التي كانت عامرة باكثر من ثلاثة الف كتابا وتعرضت للحرق مرتين؛ الأولى في حرب التكفير والتدمير عام 1994، والثانية في حرب المليشيات الحوثية العفاشية الطائفية عام 2015م. إذ لازال الشعور يراودني بان جزءًا من ذاكرتي سُلب مني، وأن سنواتٍ من الجهد والشغف تتحوّل إلى رماد. ومع ذلك، كنتُ أستحضر موقف الفيلسوف الأندلسي ابن رشد، وهو يرى كتبه تحترق بصبرٍ عجيب، ويواسي تلميذه بقوله: “إن كنت تبكي الكتب، فاعلم أن للأفكار أجنحة، وهي تطير.”

نعم، قد تحترق الكتب، لكن الأفكار لا تموت. قد يُغتال الحرف، لكن المعنى يظلّ حيًا، يتنقّل بين العقول والقلوب. ولعلّ هذا ما عبّر عنه الشاعر عبدالله البردوني حين قال:

لماذا استشاط زحامُ الرماد؟

تذكّرَ أعراقَهُ فاضطربْ

*

لأن “أبا لهبٍ” لم يمتْ

وكلّ الذي مات ضوءُ اللهبْ

في زمن الضيق والمحن، تصبح الثقافة وسيلتنا الوحيدة للمقاومة والأمل، والقراءة زاد العقل في مواجهة العتمة. إن طالب المعرفة، مهما اشتدّت عليه الظروف، لن يجد أنيسًا أصدق من كتاب، ولا طريقًا أوضح من مكتبة. وبهذا المناسبة اكرر دعوتي لكل زملائي وزميلاتي وأصدقائي وصديقاتي إلى دعم المكتبات العامة، بما تجود به مكتباتهم الخاصة من كتبٍ زائدة أو مكرّرة، فربّ كتابٍ مهملٍ على رفٍّ خاص، قد يُحدث فارقًا في حياة قارئٍ شغوف.

كما أدعو طلابنا الاعزاء وطالباتنا العزيزات إلى إعادة اكتشاف المكتبة، لا كمكانٍ للزيارة السريعة، بل كفضاءٍ للإقامة الفكرية الطويلة، حيث البحث والتنقيب، وحيث تتشكّل الأسئلة الكبرى. فالتعليم الجامعي لا يكتمل داخل قاعات المحاضرات وحدها، بل يتجذّر في صمت المكتبات، بين رفوفها، وفي حوارات القارئ مع النص أما على المستوى الشخصي، فإنني أواصل العمل على جمع وأرشفة مقالاتي ودراسـاتي المنشورة في الصحف المحلية والعربية، وهي مهمة شاقة لكنها ضرورية، تليها مراحل أخرى لتوثيق ما نُشر في الدوريات العلمية، ثم في الفضاء الرقمي. وهنا، لا يسعني إلا أن أعبّر عن امتناني لمخترع الإنترنت، Tim Berners-Lee، الذي جعل الوصول إلى المعرفة أكثر سهولة وانتشارًا، وفتح أمامنا آفاقًا غير مسبوقة للأرشفة والتوثيق.

وخير تكريمٍ لمن سبقونا لا يكون بحفظ رمادهم، بل بإبقاء الشعلة التي أوقدوها حيّةً ومتّقدة. والكتاب، في هذا السياق، ليس مجرد صفحاتٍ تُقرأ، بل هو فعل مقاومة، ووسيلة بقاء، ورسالة أمل في وجه العتمة.

في اليوم العالمي للكتاب، فلنجدّد عهدنا مع القراءة، ولنؤمن أن كل مقال مكتوب نضعه في يد قارئ، هو بذرةٌ نزرعها في مستقبلٍ أكثر وعيًا وإنسانية.

وانا أومن بالعبارة التي تقول : انثر البذر الطيبة في كل أرض وتحت كل سماء فإن فقدت مكان البذور التي بذرتها يوما ما، سيخبرك المطر أين زرعتها .. لذا أبذر الخير فوق أي أرض وتحت أي سماء ومع أي شخص .. فأنت لَا تعلم أين تجده ومتى تجده!

وبمناسبة يوم الكتاب العلمي اليكم خاطرتي

إذا الليل أضناني وخارت بي القوى

ألوذ بمكتبتي بها الرفق والسلوى

كتابي أنيس العقل والروح والغذاء

لكل جراح القلب والضيق والخواء

رفيق حنون واسع الأفق والمدى

وفيه الدواء للعقل لو جف أو كبا

أطوف به الأفاق صمتا ومجهرا

ويأخذني الأمتاع وينسيني الردى

أطير بلا ريش واسبح بلا ندى

على أجنح الكلمات والحلم والمنى

صديقي كتابي قط ما ضاق أو شكى

أضيق به حينا وحينا به احتفى

كظلي يرافقني فأدمت له شراء

بحلي وترحالي هو الشهد والشذى

كنوز المعارف فيه روض ومنتدى

حدائقه غنأ وللعلم وموردا

جسد الثقافة دام واللحم والسدى

سعيد هو من صادقه ليس له عداء

وأجمل صداقات الكتاب لمن قرأ

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

لا يولد المرء أمريكيا، بل يصير كذلك حين يناضل من أجل القيم التي أرساها الآباء المؤسسون، ويُلوح بجرأة غير معهودة أحيانا، بضرورة نقد جديد للنصوص التأسيسية التي وطدت هوية أمريكا أمام العالم. ذلك أن أسطورة الأصل يجب أن يُعاد تفسيرها لتستوعب سرديات متعددة، وتمنح جواز سفر لمن أبقتهم أمريكا في الهامش، لتزج بهم في صراعاتها وحروبها الشرسة.

على الخيط المتوتر بين الكتابة والسياسة، تأرجحت مسيرة أدبية مفعمة بالجرأة والألمعية. وانبرى قلم متمرس لكشف الصدع الذي يمزق أمريكا المعاصرة، ولتجريد خطاب الحرية والديموقراطية من كلماته الرنانة. لذا فإن الضوء الكاشف الذي يُسلّط اليوم على الأعمال الأدبية للكاتب الأمريكي جون دوس باسوس، يبدو منسجما على نحو مقصود، مع اصطفاف العالم ضد جموح البيت الأبيض وساسته، وخطابه الذي يجسد النقيض تماما، حين يلوح بشعارات الحرية والديموقراطية، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.    

 منذ رواياته الأولى تمكن دوس باسوس من ربط الكتابة بالسياسة ربطا وثيقا، وسعى لتفكيك السرديات التي بنتها الدعاية الحكومية، لتبرير الانضمام إلى ساحة الحرب العالمية الأولى؛ بما يعنيه ذلك من هدم لفكرة أمريكا كنظام قيم.

وعبر السرد الخيالي سيُجري دوس باسوس تحديثا حقيقيا لهوية أمريكا، كاشفا عن الهوة السحيقة بين الجريمة الأساسية وتبريرها الخطابي، الذي شكل برأيه، بداية عصر التلاعب اللغوي. إن كلمات رنانة من قبيل الديموقراطية والحرية، بل وحتى أمريكا نفسها، ليست سوى عبارات رومانسية مبتذلة، تخفي في طياتها انسحاق الأمل، والطبيعة الأفقية لعالم يُخلف وعوده باستمرار.

استقبل جمهور الأدب في الولايات المتحدة الأمريكية كاتبا بروليتاريا مثيرا للجدل، من خلال روايتين هما: (تحويلة مانهاتن) و(ثلاثية أمريكا). تضمنت الروايتان هجوما قاسيا على نفاق أمريكا وماديتها البغيضة، في الفترة بين الحربين العالميتين. كما عرض المؤلف حقائق مرة لحياة الطبقة العاملة، متأثرا إلى حد كبير، بأعمال جيمس جويس وبليس سيندرز، الذين تبنيا ما سمي بالكتابة الضد-أدبية. غير أن دوس باسوس تجاوز تأثيرهما لينحت أسلوبه الخاص والمميز.

في (تحويلة مانهاتن)، وهي الرواية التي لم تحظ بتقدير كامل، بل اعتبرها النقاد مجرد مقدمة ل(ثلاثية أمريكا)، يستحضر المؤلف قصة مركز نقل رئيسي، يبتلع ملايين المسافرين دون أن يتركوا أثرا. ومثل نيويورك أصبحت مانهاتن فضاء قاسيا يشكل المصائر الإنسانية ويسحقها دون رحمة، ليرفع من شأن قلة قليلة:

"إن مشكلة الناس في هذا البلد يا سيد ميريفال هي هذه.. الناس في هذا البلد متسامحون للغاية. ليس هناك بلد آخر في العالم يسمح بذلك.. بعد كل ما فعلناه لبناء هذا البلد نسمح لحفنة من الأجانب، رعاع أوروبا، نسل الجيتوهات البولندية، بأن يأتوا ويحكموه بدلا منا."(1)

يغطي السرد ثلاثة عقود من العصر الذهبي، ليكشف دوس باسوس بجرأة فضاء يتنقل فيه الناس بشكل أعمى، ويمرون ببعضهم دون أن يتواصلوا. ورغم السعي الدؤوب لتحقيق النجاح إلى أن الفشل الذريع هو ما يسم قرابة ثلاثين شخصية في هذا العمل، حيث مانهاتن أقرب إلى كماشة، تمسك الشخصيات بين فكيها الفولاذيين لسحقها.

عمد دوس باسوس إلى تجذير العلاقة بين الأدب والسياسة، من خلال طرح صورة منعشة للأدب الأمريكي الراديكالي الذي اهتم، إلى جانب أعمال كُتاب آخرين ك(غاتسبي العظيم) لسكوت فيتزجيرالد، بكشف سراب الحلم الأمريكي منذ عشرينيات القرن الماضي: 

 "السلطة ليست شيئا حقيقيا؛ إنها وهم. إن العامل هو الذي يخترع كل ذلك لأنه يؤمن به. اليوم الذي نتوقف فيه عن الإيمان بالمال والمِلكية سيكون ما ولّى كحلم عندما نستيقظ. لن نصبح بحاجة إلى القنابل والمتاريس.. الدين، والسياسة، والديموقراطية؛ كل ذلك للإبقاء علينا في حالة الغفلة. يجب أن يجوب الجميع أرجاء البلاد منادين في الناس: استيقظوا!"(2)

لم يتقيد دوس باسوس في روايته هذه بأساليب السرد التقليدية، وإنما سعى بجرأة لأن يُجسد الروح الأمريكية العملية، من خلال تجريب تقنيات مستلهمة من الصحافة والسينما، والإعلانات التجارية، وإرباك القارئ بالتناوب بين اللقطات الواسعة والمقربة، ومقاطع من الأخبار الواقعية، والخطابات والأغاني الشعبية.

شكّلت (تحويلة مانهاتن) بأسلوبها التجريبي، ومضمونها الذي يجمع شظايا الحياة من هنا وهناك، دون التركيز على مصير محدد، تمرينا حداثيا لم يألفه القارئ الأمريكي. لا توجد حبكة أو صراعات وإنما عشرات الشخصيات التي تشكل طيفا عرقيا واسعا، تتحرك بشكل أعمى، وتتقاطع همومها عبر مصادفات لا حصر لها.

كانت مانهاتن بالون اختبار ناجحا لرواية تؤكد ارتباطها المباشر بالتجربة المعيشية، وتسعى لمنح صوت فردي أو جماعي لمن لا يُسمع صوتهم داخل أمريكا النابضة بالحياة. وهو المنحى الذي سيبرز بشكل واضح في (ثلاثية أمريكا)، والتي اعتبرها النقاد عملا أدبيا وفّى بجميع متطلبات الرواية الأمريكية العظيمة.

شكلت الأزمة الاقتصادية الكبرى لسنة 1929 لحظة فارقة للمثقفين الأمريكيين؛ إذ اعتبرها العديد منهم تجليا صارخا لشر أعمق مرتبط بطبيعة النظام الرأسمالي الأمريكي، وثمنا قاسيا لجريمة الانخراط في حرب حطمت الأرواح، وأحبطت الآمال، وأفسدت القيم المؤسِّسة للآباء.

من واقع تجربته الشخصية خلال الحرب العالمية الأولى، كمُسعف ضمن الفيلق الطبي للجيش الأمريكي، سيُعاين دوس باسوس عنف الهوة بين الحرب وتبريراتها الخطابية. وسيكتشف البُعد المروع والدموي الذي لم تفلح السرديات المصقولة في التخفيف من وطأته. غير أن المؤلف لن يعمد إلى تصوير وحشية الحرب، بقدر ما سيهتم بفضح التلاعب اللغوي الذي لا يبالي بتقويض الاستمرارية، وتحطيم العالم، وتعزيز اغتراب الحياة الفردية.

نشر دوس باسوس ثلاث روايات بشكل منفصل هي: خط عرض 42(1930)، و1919 (1932)، والمال الكبير (1936). ثم جرى دمجهما في طبعة واحدة بعنوان (ثلاثية أمريكاU.S.A) ليستوعب السرد تاريخ قارة بأكملها، من هوليود إلى نيويورك، ويقدم من خلال سرد الأحداث المنفصلة، مرايا تعكس حاضر أمة مهزومة.

 تدور أحداث الجزء الأول (خط عرض42) حول مصير خمس شخصيات عالقة في مسار هذا الخط العرضي. يدفعها التيار نحو نيويورك، لتتقاطع مسارات حياتها وتعود أدراجها. إنها شخصيات مجردة من أية إرادة حرة أو ترابط أسري واجتماعي. دمى فقدت صوتها الداخلي ومعه كل قدرة على التفكير والتصرف باستقلالية، لذا فهي تدور في حلقات عبثية من الإخفاق والاضطراب المحموم:

" -إن شيكاغو ليست هي الجنة. لا أستطيع قول ذلك يا جون، لكنها في الوقت الحالي سوق أفضل لعضلات العامل ودماغه عنها في الشرق. ولماذا؟ اسألني لماذا؟ بسبب قانون العرض والطلب. إنهم يحتاجون عمالا في شيكاغو.

- تيم، لقد قلت لك أنا أحس إحساس الكلب المجلود.

- إنه النظام يا جون. النظام القذر الملعون."(3)

أما رواية (1919) فقد كرسها الكاتب لحقبة الحرب العالمية الأولى، لكنه لا يتناول الحرب بشكل مباشر بقدر ما يرصد فرضياتها الخادعة، وحطام الإنسان الذي يعيش في بلاد تشيد بالظلم وانسحاق الأمل.

تجد شخصيات دوس باسوس نفسها في خضم حرب وفوضى عارمة. مسعفون وسائقون متطوعون يقضون أوقاتهم في معاقرة الخمر والبحث عن علاقات عاطفية. بينما الجنود يعانون من إحباط شديد ويهتفون: الموت للحرب!

لم يكن دخول أمريكا للحرب لدواع أخلاقية، وإنما يتعلق الأمر بانتهازية تجارية، أفضت إلى شغف رأسمالي بالحرب، مؤجج بالعواطف الدنيئة، وانفراط العلاقات الاجتماعية أمام المنافسة الشرسة التي يشنها الناس ضد بعضهم البعض.

تهيمن على أحداث الرواية شخصية جو وليامز، في تجسيد للرجل الأمريكي الفقير والمنهك بتقلبات الحياة. انضم إلى البحرية التجارية لتقذف به الحرب من قارة إلى أخرى بلا هدف. تقدم الشخصيات الأخرى نماذج لانخراط الأمريكيين في حرب تعيد رسم مصائرهم في القارة العجوز. بعضهم سيضيع، بينما سيحافظ آخرون على حبهم للوطن؛ أما بقية العائدين فسيجدون أمامهم بلدا تغير بالكامل. ترتسم تجربة الكاتب الذاتية بوضوح وهو يدعو القارئ إلى تتبع مسارات شخصيات من الجيل الضائع، في بلد تهيمن عليه الشركات الاحتكارية وقوى المال، وحيث يتعرض دعاة السلام والشيوعيون للملاحقة.

تتخلل الرواية استحضارات عفوية للحالة المزاجية للبلد، نتيجة الانهيار والكساد؛ بالإضافة إلى سير ذاتية لمشاهير أمريكا، وتقارير واقتباسات تُعبّر ضمنيا عن التزام دوس باسوس باختياراته الإيديولوجية، ونقده الحاد للفجوة المستمرة بين أثرياء أمريكا ومنبوذيها.

يقدم الكاتب سياقا تاريخيا للسرد، فتظهر الحرب فقط من خلال مونتاج الوثائق، والاقتباسات التي تتألف من قصاصات صحفية، وإعلانات تجارية، وأجزاء من سير ذاتية. يروي دوس باسوس ما جرى دون إصدار أحكام، أو الخوض في العوالم الداخلية لشخصياته؛ كأن الأمر متروك للقارئ كي يعيد تجميع الأجزاء في هذا البناء المفتوح.

أما الجزء الثالث الذي يحمل عنوان (المال الوفير) فتجري أحداثه في حقبة ما بعد الحرب، حيث يزدهر النظام الرأسمالي، وترتفع أسهم البورصة، وتتشكل على إثره طبقة رجال الأعمال التي تبين أنها المستفيد الحقيقي من حروب القارة العجوز.

تدور الأحداث حول شخصيات تجسد الحركة العارمة والقيم المتلاشية، والانحلال الأخلاقي لمجتمع ما بعد الحرب. فالطيار تشارلي أندرسون الذي عاد لتوه من الحرب، يستثمر أمواله في مشروع طيران تجاري، ويتمتع بحياة اجتماعية سرعان ما تُغرقه في الديون والعلاقات العاطفية، ثم ينتهي به المطاف في المستشفى إثر حادثة قطار.

أما الشابة ماري فينش التي لم تثمر علاقاتها المتعددة زيجة مرضية، فتجد ملاذها في العمل الاجتماعي، والتنقل بين المنظمات الاشتراكية. بينما تنجح مارغو داولينغ المتحدرة من عائلة فقيرة، في تحقيق ثروة طائلة من الاستثمار في العقارات، والسعي خلف حلمها لتصبح نجمة هوليودية.

يكرر دوس باسوس مرة ثالثة، خطته في جعل أمريكا شخصية رئيسية، تتوارى خلف عدد هائل من الشخصيات التي تتأكسد لصالح المدينة. تلك هي عبقرية الكاتب الذي فضل أن يكتب عن السرعة الجارفة، والآمال المحطمة، والإنسانية التي تخنقها عشرات المنظمات والنقابات، والسلطة في بلد ينتصر للظلم وتآكل الحريات.

 يعيد دوس باسوس كتابة تاريخ أمريكا، ببصيرة حكواتي يدلك على قارة في حالة تغير مستمر، يشوبها التصدع واهتزازات الحياة العصرية. لكن الأمر لا يتعلق بسرد تاريخي فحسب، وإنما بنقد هجائي حاد، يتصاعد تدريجيا عبر رواياته، ليكشف الطبيعة الخادعة للشعارات والتفسيرات الرسمية المسيئة لجذور أمريكا، وقيمها الروحية والاجتماعية. وخلف هذا النقد يتوارى إحساس عميق بالانتماء الذي بات مهددا بالاقتلاع، بفعل التيارات الجارفة للحياة الحديثة.

يدافع دوس باسوس عن أمريكا وكأنها بلورة مختطفة، توشك أن تتناثر أجزاؤها تحت وطأة التصنيع الشامل، وتفكك اللبنات الاجتماعية الأساسية، كالعائلة والمدينة والحي. وتعاظم الشعور الزائف بالرضى عما يحققه النجاح بمفهومه المادي، ولو على حساب القيم. لذا، ودفاعا عن الجذور العميقة، ارتكز خطابه على دفع الناس للتمرد، والحرص على إقناعهم بتفاهة المثل التي يروج لها الساسة المزيفون وتجار الحروب، وإبداء امتعاضه المستمر من حالة عدم الاكتراث التي سادت البلد خلال فترة الكساد الكبير.

بعد معاينته لدور الشيوعيين في الحرب الأهلية الإسبانية، سيبدأ التحول التدريجي لدوس باسوس في توجهاته السياسية من اليسار إلى اليمين. وهو التحول الذي لم يكلفه صداقات هامة في مجتمع نيويورك الأدبي فحسب، وإنما سيُفقده حضوره الإبداعي، بعد أن صدرت له روايات متوسطة القيمة، ودراسات تاريخية غير ذات قيمة علمية. وانتهى به الأمر لاحقا إلى معاداة الفكر التنويري القديم الذي صنع أدبه.

ولد جون رودريغو دوس باسوس سنة 1896 في أحد فنادق شيكاغو، كثمرة لعلاقة غير شرعية، غير أن حظي بطفولة سعيدة في كنف عائلة ثرية. والتحق بجامعة هارفارد قبل أن يتطوع في الجيش إبان الحرب العالمية الأولى، حيث عمل مسعفا، ثم تنقل بين إسبانيا والشرق الأدنى، قبل أن يعود إلى الولايات المتحدة سنة 1929.

برزت موهبته الأدبية منذ سن مبكرة، فنشر قصصا وقصائد ومقالات نقدية في المحلة الشهرية للجامعة. وكان لاستقراره بإسبانيا دور في تأثره بأعمال بيو باروخا التي تكشف عن نزعة تمرد حادة وتقديس للقيم الفردية. وفي سنة 1922صدرت الطبعة الأولى من روايته (روسينانتي يعاود الرحيل)، التي يستكشف من خلالها إسبانيا الممزقة بين التقاليد القديمة والحداثة الصناعية.

 حقق دوس باسوس شهرة عالمية خلال فترة ما بين الحربين العالميتين بروايته (تحويلة مانهاتن)1925، و(ثلاثية أمريكا)1930-1936. ويُعد، إلى جانب جون شتاينبك وعزرا باوند، أبرز كُتاب جيل الضياع، وهو الجيل الذي امتاز بميل شديد إلى اكتشاف العالم، والبحث عن حل لمشاكل أمريكا خارج طوقها الجغرافي، إلا أن ما يميز دوس باسوس هو إدانته المستمرة لاغتراب الإنسان الأمريكي حيث يُظهر أصالة وإبداعا في تجريب أسلوب كتابة متحرر من النداء العاطفي، وتكريس قلمه شاهدا على تاريخ القمع الذي سطره الرأسمال في حق المضطهدين من الطبقة العاملة.

 ورغم ما تمتع به الكاتب من شهرة مطلع القرن العشرين، إلا أن حركة الترجمة العربية لم تنصفه، لانشغالها آنذاك بنقل كلاسيكيات الأدب الأوربي والروسي من ممثلي الواقعية الاشتراكية. أما في الستينيات التي شهدت انفتاحا على الأدب الأمريكي، فقد كان دوس باسوس خارج دائرة الضوء، بعد توقفه عن الكتابة الإبداعية المتميزة، وتأييده لإجراءات قمعية جرّت عليه انتقادات واسعة، ليرحل سنة 1970 عالقا في المنتصف، بين الريادة والتجاهل القاسي.

***

حميد بن خيبش

.....................

1- جون دوس باسوس: تحويلة مانهاتن. ترجمة ياسمين العربي. مؤسسة هنداوي للنشر2023. ص103

2- تحويلة مانهاتن: ص43

3-جون دوس باسوس: خط عرض 42. ترجمة فيليب عطية. مكتبة مدبولي. القاهرة1992. ص 22

مشروع الخلافة النائبة

كانت الحركة الثورية في إيران ضدّ الشاه قد بلغت واحدة من منعطفاتها التصعيدية صيف عام 1978م، وكان من بين ما يؤرق قيادات النهضة داخل إيران وخارجها ويزيد من قلقها، هو الخوف على قائدها السيد روح الله الخميني؛ فماذا لو تمّ اغتياله حيث يقيم في النجف الأشرف من قبل جهاز السافاك الشاهنشاهي، وبتعاون سرّي محتمل مع المخابرات العراقية؟ وماذا سيحصل لو توفي على نحوٍ عادي وقد تقدّمت به السن إلى مشارف الثمانينيات من العمر؟

حمل الثائرون المعنيون على عاتقهم هذه الهواجس المخيفة، وراحوا يبحثون عن بدائل يمكن من خلالها مواصلة الاحتجاجات ضدّ نظام الشاه في إيران، برمزية مرجعية قيادية بديلة لها موقعها المكين في حواضر العلم الديني، وشأنها الراسخ في قلوب الناس وضمائرهم. ومن هنا بدأت القصة وبرز اسم المرجع والفقيه المفكر السيد محمد باقر الصدر، بديلاً مرشحاً لخلافة السيد الخميني لو حصل له طارئ.

لقاء ألمانيا السرّي

كان لقاءً بين كبيرين ذلك الذي جمع السيد موسى الصدر إلى واحد من كبار رمزيات النهضة الإيرانية السيد محمد حسيني بهشتي، إذ يذكر صادق طباطبائي ابن أخت السيد موسى الصدر وشقيق زوجة أحمد نجل الخميني، أن خاله موسى زار ألمانيا صيف عام 1978م، والتقى سراً ببهشتي ودار بينهما كلاماً مهمّاً ومطولاً عن سير حركة الاحتجاجات الشعبية في إيران، والمخاطر التي تهدّد النهضة.

كان أول ما ذكره طباطبائي عن اللقاء الذي تمّ ببيته في مدينة بوخوم الألمانية (يومها: ألمانيا الغربية) أن بهشتي راح يُعرب للصدر عن استغرابه من تصعيد الخميني للحركة الاحتجاجية داخل إيران، وتحميلها فوق طاقتها، وهو يقول نصاً: «ما هي تصوراته [الخميني] للأوضاع داخل إيران، حتى راح يُصدر البيانات هكذا؛ الواحد تلو الآخر؟ القدر الذي ألمسه أنا على الأقلّ، أن مجتمعنا [الإيراني] ليس له بعد هذا القدر من الاستعداد» ما يكشف عن أن بهشتي والصدر كانا يستبعدان احتمال إمكان الانتصار السريع للثورة في إيران (مذكرات صادق طباطبائي، ج 2، ص 164. أيضاً: إمامان وشاه واحد، محمد قوجاني، ص 365).

عند هذه النقطة أعرب موسى الصدر لبهشتي عن قلقه الكبير لمستقبل النهضة، إزاء احتمالات تعرّض الخميني لأي طارئ. يقول طباطبائي: «قال خالي العزيز [الصدر مخاطباً بهشتي] بقي لدي أمر مقلق، هو: إن الحركة متقوّمة حتى الآن بشخص السيد الخميني. كان خالي يؤكد أهمية التفكير بمستقبل المرجعية بعد الإمام [الخميني] خاصةً وسط تحرّكات الأعداء، وكان يريد ضماناً يقي النهضة ويصونها من الصدمة، التي يمكن أن تتعرّض لها من هذه الزاوية» (شاه وشطرنج قدرت، ص 414).

صدمة منتظري!

عند هذه النقطة سأل الصدر بهشتي: «هل فكرتم بهذه المسألة؟» فردّ بهشتي: نعم، الشيخ منتظري. فوجئ الصدر بهذا الخيار الصادم، وردّد متسائلاً بدهشة: الشيخ منتظري! فسأله بهشتي: وهل لك رأي آخر غير هذا؟ عندما بلغ الكلام بين الرجلين هذه التخوم من الدهشة، في أن يكون منتظري هو الخليفة المرتقب للخميني فيما إذا تعرّض الأخير لطارئ، اندفع السيد الصدر لتوضيح موقفه عبر التمييز بين جانبين من شخصية منتظري؛ الأول هو البُعد العلمي الذي لا غبار عليه، والآخر هو الوعي والبصيرة والقدرة القيادية.

يرسم لنا صادق طباطبائي هذا التمييز الصدري لشخصية منتظري على النحو التالي: «لما كان الصدر تلميذاً لمنتظري في بعض دروس المقدّمات في الحوزة، فقد كانت له به علاقة وطيدة، لكن ذلك لا يعني أن يكون مرجعاً وقائداً بعد الإمام. كان يقول: أنا احترم منتظري كثيراً وأحمل له تقديراً خاصاً، لكن ليس له قدرة على إدارة المجتمع. ورغم وجود قوّة في مبانيه ومرتكزاته الفقهية، إلا أنه يتسم بضرب من السذاجة ويختصّ بطيبة زائدة في التصديق» (مذكرات طباطبائي، ص 164؛ شاه وشطرنج قدرت، ص 414).

باقر الصدر بديلاً!

مثلما فاجأ بهشتي موسى الصدر باختيار منتظري بديلاً محتملاً عن الخميني، عاد الصدر ليفاجئ بهشتي بطبيعة تفكيره عن هذا البديل. لنترك لصادق طباطبائي تصوير هذه اللحظة من المشهد، بقوله نصاً: «سأل بهشتي الصدر: هل لك رأي آخر [وذلك عندما رفض منتظري مرشحاً]؟ عندئذ ذكر خالي ضمن إشادته بالشيخ منتظري وتقديره الخاص له؛ ذكر مؤكداً أهمية شروط المرجعية وخصوصياتها في هذا العصر، ورفض صراحةً ترشيح منتظري، وذكر السيد محمد باقر الصدر بالاسم مرشحاً لهذا الموقع!». يضيف طباطبائي عن المزايا العلمية والموضوعية التي تُقدّم باقر الصدر على منتظري، من وجهة موسى الصدر، قائلاً: «أوضح خالي أن المباني والمرتكزات الفكرية والسياسية والاجتماعية والمذاق الفقهي للسيد محمد باقر الصدر، تختلف كثيراً مع الشيخ منتظري. أضاف [موسى الصدر] إن المرتكزات الفقهية للسيد محمد باقر الصدر هي مرتكزات مُبتكرة وجديدة، بمقدورها أن تُلبي المتطلبات المعاصرة للمجتمع».

لم تكن المسألة تقتصر على القوّة العلمية لمنهجية باقر الصدر الأصولية، وقدراته الخلّاقة في الاستنباط الفقهي، ومذاقه الفقهي المنفتح على واقع الحياة وقضايا الناس، بل تخطّت ذلك إلى وعي دقيق بالموضوعات وهيمنة خلّاقة تؤهله أن يُلبي متطلبات الحكم الإسلامي لو انتصرت الثورة في إيران. يقول موسى الصدر معبراً عن هذا المعنى: «السيد محمد باقر الصدر هو شخصية ذكية جداً في تشخيص الموضوعات، ومن ثمّ فهو يستطيع جيداً من خلال المباني الفقهية المحكمة التي ينطوي عليها، أن يُلبي متطلبات حكومتكم [الخطاب لبهشتي] ويؤمّن لها احتياجاتها في العصر الجديد» (يُنظر: مذكرات طباطبائي، ج 2، ص 163ـ 164؛ شاه وشطرنج قدرت، ص 414؛ إمامان وشاه واحد، ص 365).

مشروع الخيار الرابع

هل كان هذا محض اقتراح عابر وفكرة هامشية أدلى بها موسى الصدر، ليضع باقر الصدر إلى جوار ترشيحاتٍ أُخر؟ يذكر صادق طباطبائي أن الصدر موسى كان يتحدّث عن الصدر باقر، بلغة مؤكدة واثقة لا يشوبها شيء من اللبس أو التردّد. كان يتحدّث متجاوزاً الخيارات الثلاثة المتداولة إيرانياً، ويطرح مشروع باقر الصدر في الاستخلاف والقيادة البديلة، ليس بصفته واحداً من الخيارات الثلاث، بل بوصفه الحلّ الوحيد والبديل الذي لابدّ منه لديمومة خطّ النهضة. يكتب صادق طباطبائي وقد كان حاضراً اللقاء: «لم أزل أذكر أن خالي كان يتحدّث عن الأمر ويؤكده بصيغةٍ، كان من الواضح أنها تكشف على أنه ليس لديه أدنى تردّد، بتشخيصه هذا» (المذكرات، ج 2، ص 164).

ما يكشف عن وجود تفكير عميق بالبديل القيادي، خاصة وأن القرائن والمؤشرات على أرض النهضة في إيران ما كانت ترجّح قطّ وجود نصر قريب؛ هو شهادة أخرى نقلها على هذا الصعيد مهدي فيروزان ابن أختٍ آخر لموسى الصدر والمسؤول الحالي لمؤسّسة الصدر الثقافية، وهي تتحدّث نصاً أن أسماء ثلاثة متداولة، ثمّ اسم باقر الصدر بديلاً رابعاً. يقول فيروزان في شهادته: «قبل انتصار الثورة كان آية الله الخميني هو قائد سفينة الثورة. لكن في الحصيلة كانت سنه متقدّمة. لذلك كانت أوساط معسكر الثورة تشهد أحياناً، تداولات مؤدّاها: لو توفي الإمام [الخميني] فكيف يمكن لهذه الثورة أن تستمر؟ بصرف النظر عن الممثلين الثوريين وفيما إذا كانوا مطلعين على هذه المداولات أم لا؛ فقد كانت حصيلة هذه المداولات، هي ذهاب فريق أن آية الله منتظري هو خليفة آية الله الخميني. وذهب فريق آخر إلى أن الشهيد بهشتي هو البديل؛ والفريق الثالث كان يعتقد بالإمام موسى الصدر هو الخليفة. لقد كان لكلّ واحد من هذه الفرق الثلاثة أدلته وحججه، من دون أن يكون لهؤلاء الثلاثة الأفاضل [منتظري، بهشتي، موسى الصدر] علماً بالموضوع» (يُنظر: خفايا ملف الإمام موسى الصدر في حوار مع مهدي فيروزان، أسبوعية: شهروند امروز، 4 أيلول 2011م).

دعائي وتهريب الصدر

ماذا كان ردّ فعل بهشتي على اقتراح موسى الصدر في مشروع القيادة البديلة؟ يذكر طباطبائي نصاً: «إن السيد بهشتي لم يعترض، بسبب إيمانه بـ[موسى الصدر] ومعرفته أنه لا ينطق بدون حجة ودليل». يضيف: «أجل، ربما كان الاعتراض الذي يمكن أن يثيره بوجه هذا المقترح مثلاً، أن السيد محمد باقر الصدر كان في النجف، ومن ثمّ لا يمكن التواصل معه» (المذكرات، ص 164).

ما حصل على الأرض فعلاً أن السيد موسى الصدر مضى إلى مصيره عند اختطافه الآثم إبّان زيارته إلى ليبيا بتأريخ 25 آب 1978م، وأن النهضة الإيرانية شهدت مجموعة من المتغيّرات الحاسمة على مستوى نظام الشاه والموقف الدولي منه في قمة «غواديلوب» الشهيرة أدّت إلى تصاعد الاحتجاجات الجماهيرية الواسعة، انتهت فعلاً بانتصار الثورة وعودة السيد الخميني إلى إيران سالماً غانماً مظفراً بالنصر المؤزّر، وقد انتهى هذا النصر فعلاً بتأسيس الجمهورية الإسلامية. وبين هذا وذاك وقع ما وقع في العراق عامة من محنة وبطش مروّع، دفع الألوف إلى المعتقلات والمئات إلى المشانق، كأكبر ثمن دفعه إقليم من بلدان المنطقة للثورة المنتصرة. وكان من بين هذا الثمن الحصار الذي ضُرب على السيد محمد باقر الصدر.

عند هذا المنعطف الخطير لم يسقط خيار باقر الصدر خليفةً للخميني، خاصةً مع الأزمة القلبية الحادّة التي عصفت بالأخير، ودفعته إلى المستشفى، ما جعل مسألة الاستخلاف غاية الأهمية والجدية. بالرغم من اختفاء موسى الصدر واختطافه، إلا أن ما يسمى بالجناح الصدري في قيادة الثورة والحكومة المؤقتة، أحسّ مجدّداً بأهمية تفعيل مقترح باقر الصدر في القيادة البديلة، مع أن المشهد قد تعقّد كثيراً داخل إيران، بعد أن تصدّرت الواجهة شخصيات ثلاث وازنة من الصعب تخطيها في مشروع الخلافة، هي السيد محمود الطالقاني والشيخ منتظري والسيد محمد حسيني بهشتي، وربما أيضاً المرجع الديني السيد كاظم شريعتمداري، قبل تهميشه وعزله.

يذكر طباطبائي بهذا الشأن أنهم نسّقوا مع السيد الخميني مباشرةً، لإنقاذ السيد محمد باقر الصدر وإخراجه من النجف الأشرف بأمرٍ من الخميني نفسه، عبر السيد محمود دعائي أول سفير للجمهورية الإسلامية في إيران. نقرأ: «في وقتٍ، أردنا إخراج السيد محمد باقر الصدر من العراق والمجيء به إلى إيران على نحوٍ سري؛ بأمرٍ من الإمام الخميني [لكي يكون خليفة السيد الخميني] ومهّدنا لذلك بتهيئة كلّ ما يلزم من مقدّمات، وذهب السيد [محمود دعائي] لهذا الغرض إلى بغداد، وهو يحمل معه جوازاً جاهزاً لخروج [الصدر] من العراق بنحو مناسب ولائق؛ أثناء ذلك كله يبدو أن الخطة أُفشيت، وأعتُقل [الصدر] واستُشهد» (خفايا السيد صادق طباطبائي، بارسينه، 22 نيسان 2015م).

التبعات ضدّ الصدرين

بشأن تحليل المبادرة يمكن الإشارة باختصار إلى حدود ولاية الفقيه، والفصل يومذاك بين دورها في حدود الإشراف المرجعي والقيادة العامة، وبين الإدارة السياسية للدولة. وهذه نقطة أساسية تضع أيدينا على خمس حلقات أساسية في التطوّر التأريخي للبُعد الوظيفي في ولاية الفقيه، والحلقات هي: ما قبل انتصار الثورة، دستور باريس، دستور طهران الأول سنة 1979م، دستور طهران الثاني سنة 1989م، والبُعد الحقيقي المنكمش وظيفياً إلى أدنى حد الآن لولاية الفقيه بعد غياب المرشد الراحل فجر السبت 28 شباط الماضي، وهيمنة قبضة العسكر.

عن تبعات المبادرة فيلحظ في البدء أنها كشفت الصدرين ولاسيّما محمد باقر، وجعلت مستقبلهما أمنياً في مهبّ الريح، وساهمت إلى حدّ كبير بتصفيتهما معاً. على سبيل المثال يذكر آرش رئيسي نجاد: «إن السافاك أيضاً رفع تقارير تفيد أن الإمام الخميني كان يرى الصدر خليفةً له بالقوّة» (شاه وشطرنج قدرت، ص 415. أيضاً: كتاب عزت شيعه، ص 50ـ 51). لم يقتصر الأمر على جهاز السافاك وحده الذي سرعان ما انتهى أمره بانهيار نظام الشاه، وإنما امتدّ إلى أجهزة المخابرات الإقليمية المؤثرة وفي طليعتها السورية والليبية والفلسطينية، والأخطر منها جميعاً جهاز المخابرات العراقية، الذي نرجّح درايته الأكيدة بهذه الخطط، وأنها كانت أحد الأسباب الرئيسية لتصفية السيد باقر الصدر، بعد الدور الذي نهضت به الأجهزة السابقة في تصفية السيد موسى الصدر.

ليس هذا وحده بل ثمّ ما هو أبعد مدى في خطره. لقد أثار مشروع خلافة باقر الصدر للخميني، صراعاً كان محتدماً قبل ذلك بسنوات بين هذه الجماعة من الثوريين الإيرانيين ورجال الدين المحيطين بالسيد الخميني، ضدّ الصدرين موسى ومحمد باقر، وقد جاءت مبادرة الخلافة لدفع هذا الصراع إلى أقصى الحافات الحادّة. فقد كان هذا الخطّ من الثورية الإيرانية المتطرّفة الواقع تحت تأثير المخابرات الليبية والسورية والفلسطينية (وربما العراقية البعثية أيضاً) شديد العنف ضدّ السيد موسى الصدر، وهو يصفه صراحة ودون وجل بـ«الشاهنشاهية» و«السافاكية» بل وبـ«الصهيونية» و«الأمركة» وموالاة المحور «الرجعي» في الخليج، على ما كان يردّد أنصاره ذلك، وعلى رأسهم محمد منتظري وعلي أكبر محتشمي وحميد روحاني زيارتي وجلال الدين فارسي ومحمد غرضي ومحمد موسوي خوئينها ومحسن رفيق دوست، وغيرهم. فهؤلاء لم يكتفوا بنثر التهم وإشاعتها ضدّ موسى الصدر، بل اندفعوا لمواجهته واستطاعوا أن يكسبوا إلى صفهم في النجف الأشرف نصيراً قوياً لهم في معركتهم ضدّه، هو مصطفى النجل الأكبر للسيد الخميني، الذي حلّ محله ولده حسين في معاداة موسى الصدر، بعد وفاة والده السيد مصطفى، حتى هدّد أحدهم (جلال الدين فارسي) بضرورة قتل الصدر وتصفيته!

لم تكن حملة التشويه ضدّ السيد باقر الصدر قليلة بالنسبة لهذا الفريق، لكنها لم تكن بمستوى قوّتها مع موسى الصدر. وكانت الحملة ضدّ باقر الصدر مغلّفة بذريعة دفاعه عن مرجعية السيد الخوئي والدعوة إلى تقليده بحكم أعلميته، ثمّ تصاعد الهجوم ضدّه عندما أعلن مرجعيته. لكن الأهمّ في أسباب الهجوم عليه من أنصار هذا الخط واتهامه المباشر بـ«الأمركة» لأنه كتب ضدّ الماركسية؛ هي صلته الوثيقة بابن عمه موسى الصدر والتنسيق الكبير فيما بينهما (يُنظر في بعض توثيقيات هذا العداء للصدرين نصوصاً وتصريحات ومواقف: شاه وشطرنج قدرت، ص 387ـ 431. أيضاً: إمامان وشاه واحد، ص 32ـ 40. كذلك: آگاهي نو، العدد 15، 208ـ 242. أيضاً: السيد موسى الصدر والانتهازيون المتغربون لحميد روحاني، وغير ذلك، وكلها بالفارسية).

ملاحظات الختام

لم تقتصر تبعات الملف على الصدرين الغائب والشهيد وحدهما، بل امتدّت تحرق مؤسّسات هذين الرجلين وكلّ ما هو منتمٍ لهما أو محسوب عليهما، وبخاصةً حركة أمل في لبنان وحزب الدعوة الإسلامية في العراق.

كما تحوّل عند بعضهم إلى ثأر عميق ضدّ النجف الأشرف قاطبة، كلّ ذلك تحت ذريعة مواجهة مدرسة السيد الخوئي وامتداداتها، ومواجهة خطّ السيد باقر الصدر نفسه!!

هذه خطوط عريضة لمتابعة مكثفة قمتُ بها بشأن هذا الملف، برزت مادّتها في مصادر حديثة راحت تصدر قبل نحو عقدين، لكنها تكاثفت ما بعد 2024م (مقتل نصر الله وانهيارات محور المقاومة) يمكن أن تنتهي بتفاصيل دقيقة ومثيرة ومؤسفة، تمتدّ على مئات الصفحات، عسى أن تشجّع للقيام بها، الدارسين والجامعيين ومن يعنيهم أمر الصدرين الغائب والشهيد، بل وأمر العراق أيضاً من زاوية ما طال مرجعية النجف الأشرف وحزب الدعوة الإسلامية من أذى هذا الخطّ، ربما لم يقلّ عن أذى صدام ونظامه، خاصة وأن ما يزيد من أهمية هذه الدراسة الآن هو التصفية التي تعرّض لها هذا الخطّ ورموزه في الجمهورية الإسلامية نفسها، عبر العزل والتهميش والإقصاء، ومحاكمة بعض رجاله ونبذهم بل وإعدامهم كما هو الحال مع المعمّم مهدي هاشمي.

***

جواد علي كسار

(ان الروائيين العظماء فلاسفة عظماء)... البير كامو

ماذا سيضيف قارئ مثلي وهو يكتب عن دوستويفسكي بعد أن اثير حوله قبل أيام نقاش ساخن، عندما كتبت الاستاذة ابتسام المقرن تدوينة قصيرة قالت فيها ان " من أبرز مآخذي على فيودور دوستويفسكي الإطالة والترهل والتكرار، مما يضعف صقل العبارات مقارنة بثقل أفكاره، التي تفتقر؛ من وجهة نظري؛ إلى الإبداع الفني "، وذكرت الاستاذة المقرن بعض الاسباب التي تجعل رواياته من وجهة نظرها اقرب الى المقالة منها الى الرواية الممتعة فنياً، بعدها استشهدت برأيي كتبه الصديق الباحث الدكتور عبد الله ابراهيم في كتابه الأمواج " حول رايه في رواية دستويغسكي " الجريمة والعقاب " التي وصفها بانها رواية " فككة بصورة تثير الشفقة الى حد بعيد ".

ماذا سأكتب انا المغرم بالروايات عن شخصية تشابكت فيها المصائر والمواقف وتنقلت بين اليسار واليمين، والإلحاد والإيمان، وتشابكت حياته بصورة واضحة مع نتاجه الادبي؟.. ماذا ساكتب عن ذلك الإنسان الذي وجد نفسه يقف امام فصيل الاعدام في ساحة سيميونوف في بطرسبورغ بتهمة التأمر على القيصر، لينهي حياته محمولاً على الاعناق بعد ان القى خطبته الشهيرة عن بوشكين والتي اعلن فيها عن " وحدة البشر "، دائما يُطرح سؤال: من هو دوستويفسكي؟، هل هو الشاب الذي شارك بحلقة بتراشيفسكي الثورية، أم هو الداعية للافكار الملكية، هل هو دستويفسكي الذي قال له الناقد الاشتراكي بيلينسكي بعد أن قرأ روايته " الفقراء ": هل تعي ما كتبت، هل تدرك ما كتبت؟ انك كنز وعليك ان تكون امينا على موهبتك "، أم هو دوستويفسكي الذي كان لينين يعتبر بعض رواياته مقززة وتثير الغثيان ويصفها بالرجعية وخصوصا روايته الشياطين. على مدى 145 عاما منذ رحيل فيودور ميخائيلوفيتش دوستويفسكي في التاسع من شباط عام 1881، عانت رواياته من حالات التذبذب من قبل القراء، كم وجه لها من النقد الشديد، وكم رفعت مرات الى اعالي المجد، وكم حاول البعض ان يخلع منه تاج الادب، منذ رحيله تجري صياغة طرق لقراءة اعماله حتى بالنسبة للذين يجدون فيه مجرد مريض نفسي. وسيحيرنا دوستويفسكي نفسه حين يصف هذا التناقض الذي يعيش فيه، في واحدة من رسائله التي يعنونها الى الانسة " ن" يكتب فيها: " اعلم انني ككاتب، اقع في كثير من الأخطاء، لأني في الطليعة، وانا أيضاً غير راضٍ عن نفسي البته، تصوري أنني في بعض اوقات الاختبار الذاتي، غالبا ما اكتشف بأسى، انني لم اوفق في التعبير عن جزء من عشرين مما كنت اريد. ان ما ينتشلني من هذا العجز هو الأمل المالوف أن يمدني الله يوما بالقوة والإلهام الكافيين، وان اصل إلى مستوى من التعبير اكثر اكتمالا " – الرسائل ترجمة خيري الضامن -. يكتب بوريس بوروسوف ان دوستويفسكي كان قليل الصبر: " اراد ان يسبق الزمن، واقتناص السر من المستقبل، واراد أن يكون دوما واثقا من نفسه، لقد كان يخوض صراعا مع المجهول، مع المستقبل المغلق، مع المصير والقدر " – شخصية دوستويفسكي ترجمة نزار عيون السود –

لعل من الصعب ان نجد كاتباً اكثر تناقضا من دوستويفسكي، فمع انه كان ضحية الطبقة البرجوازية الحاكمة، إلا انه تغنى بها، وهو كما يصفه توماس مان غالبا ما يتارجح بين حرية لا حدود لها وطغيان لا حدود له.. في رسائل الشباب التي كان يرسلها الى شقيقه من سيبيريا يبدو دوستويفسكي وكأنه عراف يريد ان يتنبا بما تخبئه له الحياة: " انظر الى الامام، وياخذني الرعب من المستقبل.. اندفع الى جو بارد قطبي، لا يصل اليه شعاع الشمس ".

من هو دوستويفسكي أذن؟ هل هو الروائي الذي كتب في " ذكريات من منزل الاموات ": " ما من إنسان يحيا من دون غاية معينة، ودون سعي لتحقيق هذه الغاية " أم هو دوستويفسكي الذي يكتب في احدى رسائله: " ما من غاية تستحق أن يفنى الانسان حياته من اجلها ". يطالبنا اندريه جيد ان لا نبحث عن دستويفسكي، وانما ان نعرف ما هي " الدوستويفسكية "، هل هي فلسفة ام نمط ادبي؟. في كتابه تاريخ الفلسفة الروسية يكتب نيقولاي لوسكي أن الدوستوفسكية ليست فلسفة الحنين الى الآلام والآثام، بل هي فلسفة التمرد على القيم المتعارف عليها، و يضع توماس مان تعاليم دوستويفسكي عن النفس البشرية في مرتبة اعلى من انجازات الرواية الاوربية يكتب: " ليس على المرء إلا ان يقارن بينه وبين مارسيل بروست، ليدرك الاختلاف في اللهجة والنغمة الاخلاقية، فالاكتشافات النفسية والبدع والوقاحات التي طلع بها بروست ما هي إلا متع تافهة بالقياس الى صنوف ما اوحى به دوستويفسكي، الرجل الذي يقطن في الجحيم "..وسيدافع فرانتز كافكا بعناد عن دوستويفسكي ضد اعتراض ماكس برود الذي كان يرى ان الكاتب الروسي قدم الينا العديد من الشخصيات المريضة، كتب كافكا في يومياته: " هذا خطا فظيع، فهذه ليست شخصيات مريضة، اما تشخيص مرضهم فليس إلا وسيلة للكشف عن هذه الشخصيات، فيكفي مثلا ان نقول بالحاح هذا الشخص ساذج ابله، لكن مثل هذا الشخص لو كان له سند دوستويفسكي لانجز اعظم الاعمال ".- يوميات كافكا ترجمة خليل الشيخ -.

دوستويفسكي بدون دستويفسكية لا يمكن ان يكون دوستويفسكي، هكذا يكتب الفيلسوف الوجودي نيقولاي برديائيف الذي فتح في كتابه " رؤية دستويفسكي الى العالم " الباب امام الدراسات الوجودية حول مؤلف الاخوة كارامازوف. لكن د.ج. لورنس سينبهنا الى ان دوستويفسكي يستحق المرتبة الأهم كروائي وليس فيلسوف، ففي رواياته ليست ثنائية الخير والشر التي تعلق بها نيتشه مجرد واجهة نظرية، وانما هي تدخل مادة اساسية في قصصه وشخصياته. عاش دوستويفسكي في اعوام المنفى والاشغال الشاقة خيبة امل حادة من المثل العليا للاشتراكية، وخلافا لكل معاصريه كان يعتقد بان الشر في مجتمعه سيقوى ويزداد عمقا اكثر مما يتصور اصحاب العقول الثورية في عصره.. ولهذا سنجد ان البطل المفكر الذي يعمل عقله دون توقف على تفسير تناقضات ومغزى الحياة، يحتل مكان الصدارة في رواياته وخصوصا التي كتبها بعد انتهائه من حكم الاشغال الشاقة.فقد اصبح بطله " انسان الأفكار "،. ان كل بطل من ابطال دوستويفسكي، فيلسوف، ومفكر، وشخصية معقدة، يقرر بطريقته الخاصة، القضايا الرئيسية للوجود الانساني.يقول دوستويفسكي: " ان التصوير الواقعي اللامبالي بالواقع لا يساوي شيئا، والاهم من ذلك لا يعني شيئا ".- يوميات كاتب ترجمة عدنان جاموس –.

تشكلت وجهة نظر دوستويفسكي للعالم وهو في سن التاسعة والعشرين من عمره، بعد ان واجه حكما بالاعدام خفف فيما بعد الى النفي الى سيبيريا.. انه الآن يُلقي نظرة جديدة على الحياة والعالم فهذه مدينته بطرسبورغ تبدو اليوم: " اكثر مدينة تربصا بالانسان على الارض.. انه يرى اليوم ان شيطان الثروة حقق سلطانه، وان المواخير وبيوت الدعارة حلت محل الكنيسة.. انه يعلن الحرب ضد ما اسماهم " ثاقبي الارض ".

في روايات دوستويفسكي نشهد التفاعل الغامض بين الروح والمادة والفكر والعمل، وشياطين العقل البشري، والمرض البدني والاضطراب الروحي، وألم المسيح الدائم مقابل معاداة المسيح. ونتذكر الرسالة التي كتبتها والدة راسكولنيكوف تدعوه فيها الى ان لايترك الصلاة لأنها النجاة بالرسالة التي كتبها فرانزيسكا نيتشه إلى ابنها: "إذا كنت فقط سعيدا، فعندها سنكون سعداء. هل تصلي لله،، كما اعتدت، وهل تؤمن بصلاح خالقنا ومخلصنا؟ أخشى في قلبي أن عدم الإيمان قد زارتك من جديد. إذا كان الأمر كذلك، أصلي من أجلك. تذكر، يا عزيزتي، في طفولتك، عندما كان والدك على قيد الحياة، كيف كنت تصلي جالسا على ركبتي، وكم كنا جميعًا سعداء بذلك ".

لعب دوستويفسكي في حياتي دوراً حاسماً، فمنذ أن قرأت قبل اكثر من اربعين عاماً رواية "الأبله" أثار فيّ من الحماسة والنشوة للقراءة ما لم يثره كاتب آخر. ولا أزال أتذكر اللحظة الاولى التي قرأت فيها "الأبله" وأتمثل السطور الاولى من الرواية التي لاتزال تسحرني: "في صباح من صباحات تشرين الثاني، في نحو التاسعة أثناء ذوبان الجليد كان قطار وارسو يقترب من بطرسبورغ "، بعدها ساتفرغ لقراءة اعمال دستويفسكي التي كانت قد صدرت عن الهيئة المصرية للكتاب في " 18 " جزء وبترجمة العبقري سامي الدروبي، تنقلت من الفقراء والليالي البيضاء الى مذلون ومهانون، وازعجتني المقامر وتحيرت مع الشياطين، لكنني توقفت كثيراً عند " الجريمة والعقاب "، رواية كئيبة مليئة بأبشع أنواع العذاب، سواء للقارئ أو لشخصياته. اتعبتني الرواية، باجوائها السوداوية، تركتها جانبا وقررت أن ابتعد عن اجواء دستويفسكي، لكن ذات يوم وكعادتي بالتطفل على زبائن المكتبة التي كنت اعمل بها، قررت ان ابث شكواي الى العلامة جواد علي الطاهر وكان من الزبائن الدائميين للمكتبة، قلت له انني شعرت بالخيبة وانا اقرأ " الجريمة والعقاب "،قال لي وهو يبتسم ان روايات دستويفسكي ارتبطت ارتباطا شديدا بحياته، وقدم لي النصيحة الثمينة بان اقرأ ما كتب عن سيرة دستويفسكي لتكون مدخلاً لفهم رواياته، ثم اضاف ان قراءة دستويفسكي اشبه بالتجربة القاسية، فهو يُطبق على انفاسك وانت تتجول بين صفحات رواياته، واضاف " لا ينبغي علينا ان نترك دستويفسكي دون ان نقرأ اعماله بشكل متأني. يكتب دستويفسكي في " يوميات كاتب ان: " البساطة عدوة التحليل، وهي غالباً ما تؤدي في النهاية الى الكف عن فهم الشيء،، بل حتى الى عدم رؤيته بالمرة ". سترافقني هذه النصيحة لأعود بعد فترة من الزمن الى " الجريمة والعقاب ".

في احدى رسائله الى شقيقه ميخائيل يقول دستويفسكي انه يفكر بكتابة" الجريمة والعقاب " مروية بطريقة الاعترافات مثل روايته القصيرة " في قبوي "، لكنه يتخلى عن هذه الفكرة ‘ إلا ان رجل القبو يطل برأاسه في شخصية راسكولينيكوف الذي يؤمن مثل بطل " في قبوي " باهمية الإرادة الفردية، ونجد في الرسالة التي يرسلها دستويفسكي الى ناشر كتبه كاتكوف عرض لعقدة " الجريمة والعقاب: " إنها رواية سايكولوجية عن جريمة، شاب مطرود من الجامعة، برجوازي من حيث خلفيته الاجتماعية يعيش في فقر مدقع، يقرر مدفوعا بالطيش واضطراب التفكير، ان يخلص نفسه من حالته التعيسة عن طريق ضربة جريئة واحدة. وهو يستسلم للافكار الفجة. ويقرر الطالب ان يقتل مرابية عجوز " – رسائل دستويفسكي ترجمة خيري الضامن –، في تحليله لرواية الجريمة والعقاب يكتب الناقد الروسي يوري كارياكين ان دستويفسكي رغب في بعث راسكولنيكوف، وفي اكتشاف الكائن الإنساني فيه وفي منحه حياة جديدة ".

ينشغل دستويفسكي في الجريمة والعقاب وفي رواياته الكبيرة الاخرى " الابله، الشياطين، الاخوة كارامازوف "، بما اسماه "الأسئلة الملعونة ": الحياة والموت، الإيمان والشك، الخير والشر.

رسكولنيكوف يعتبر تمرده نقطة انطلاق رواية " الجريمة والعقاب". ولكن ماهو هو السبب الذي دفعه الى التمرد؟.. ان افكار دوستويفسكي اصبحت فيما بعد افكار نيتشه، وان هناك تشابه بين نظرية راسكولنيكوف عن الإنسان المتفوق ونظرية نيتشه عن السوبرمان. يقول راسكولنيكوف: " ان الناس بحكم قوانين الطبيعة ينقسمون الى فئتين: " فئة دنيا هي فئة العاديين الذين لا وجود لهم إلا من حيث انهم مواد ان صح التعبير، وليس لهم من وظيفة إلا ان يتناسلوا، وفئة عليا هي فئة الخارقين الذين أوتوا موهبة ان يقولوا في بيئتهم قولا جديدا "، وبعد اقل من عشرين عاما يقول نيتشه على لسان زرادشت في كتابه " هكذا تكلم زرادشت: " انني آت اليكم بنبأ الانسان المتفوق.. فما الانسان العادي إلا كائن يجب ان نفوقه ".

ان فكرة نيتشه عن الانسان الاعلى، الذي يعتبر موت الإله شرطا لظهوره، قد عبر عنها دوستويفسكي قبل نيتشه بفترة طويلة، يقول كيريلوف في رواية الشياطين: " الحياة ألم، الحياة خوف، والإنسان تعيس بائس. أن من ينتصر على الألم والخوف سيكون إلاها "، انها الصرخة التي اطلقها زرادشت نيتشه بعد عقود، ويذهب كيريلوف ابعد من ذلك عندما يقول: " إذا لم يكن ثمة إله، فانا هو الإله.. واذا لم يكن ثمة إله، فالارادة كلها لي، وانا ملزم باضهار إرادتي ".

يكتب إيتالو كالفينو في لماذا نقرأ الادب الكلاسيكي؟ – ترجمة دلال نصر الله – ان: " الكتب الكلاسيكية مثل الكون، إنما تُنعت بالكلاسيكية لأنها تشبه الطلاسم الاثرية، وهي التي نعتقد اننا احطنا بمضمونها، لكننا نكتشف انها تتنافى مع توقعاتنا، الكتاب الكلاسيكي هو كتاب لا ينضب محتواه ". انها الكتب التي يجب ان لا تحظى بقراءة سريعة، على حد تعبير هارولد بلوم.

كتب دستويفسكي: " لكي يكون المرء قادرا على ان يكتب جيدا، عليه ان يعاني " وتجربتي في قراءة بعض الكلاسيكيات تجعلني اؤمنأ القارئ لمثل هذه الاعمال عليه أن يتغلب على معاناتعه، وان كل قراءة حقيقية هي محاولة للتغلب على هذه المعاناة.

من السطر الاول لرواية " الجريمة والعقاب "، يشعر القارئ ان شيئا خطيرا ومفزعا سوف يحدث، هذا الشيء بدور في عقل راسكولنيكوف طوال الوقت. يكشف لنا دستويفسكي ان هذا الشيء المفزع يتغلغل في صميم نوايا راسكولنيكوف.. ثم تحدث الجريمة ويبحث دستويفسكي عن الدوافع الحقيقية ورء هذه الجريمة. وبعد ان يعثر على السر، يقدم مفاتيح الرواية الى القارئ، لكنه لا يشرح الحل مباشرة، بل يفود القراء بطريقة تمكنهم من ان يتمعنوا في الرواية بانفسهم، وان يجربوا ما مر به دستويفسكي نفسه، بهذه الطريقة والتي تتلخص بعدم اعطاء اجابات جاهزة للقارئ، لان عليه ان يبحث عنها بنفسه، ينجح دستيفسكي في أن يجعل هذه الاجابات ذات معنى وهدف بالنسبة للقراء.

واعود الى السؤال الذي شغلني منذ اللحظة الاولى التي قرأت فيها روايات دوستويفسكي والتي اعود اليها بين الحين والآخر: من هو دوستويفسكي؟ بالتاكيد انا لست باحثا متخصصة في الرواية أو خبير في الآداب،، إنما أنا قارئ، شأني شأن الكثيرين منكم، ومصدر اعجابي بدوستويفسكي يكمن في انني وجدت في كل رواية من رواياته صورة ما للعالم، وأيضا اكتشفت ان دوستويفسكي، اينما كان، واي شيء عمل، وفي اي صورة يظهر لنا، لا يكف ابدا عن ان يكون دوستويفسكي الذي كتب في احدى رسائله: " الانسان سر يجب اكتشافه ".

يُرينا دوستويفسكي تعقيدات الطبيعة البشرية، ويُرينا انحطاط الإنسان، يُساعدنا كقراء على رؤيته عن قرب من خلال سطور رواياته، وعلى إدراك مدى قربنا منه. في البداية، قد نصدر احكاماص قاسية على بعض. لكن شخوص رواياته لن يسمحوا لنا بذلك، فكلما ظننا اننا امسكنا بالسر، كان دستويفسكي يسخر منا ويعرض الفكرة بثوب آخر ومن زاوية جديدة ويتكرر هذا الامر مع كل قراءة جديدة لواحدة من اعماله العظيمة.

لا شك أنني مدينٌ بالعرفان لما كتبته السيدة ابتسام المقرن التي اعادتني تدوينتها الى ذكرياتي مع دستويفسكي الذي يصفه باختين بأنه " متعدد الألحان، وهذا ما يجعلنا نطلق عليه لقب عبقري الرواية " – شعرية دستويفسكي ترجمة جميل نصيف.

***

علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية

اعترف انه جاء الى الدنيا بسبب غلطة ارتكبها قسيس متزمت تزوج من امراة كئيبة وحزينة. في واحدة من رسائله يكتب: " كثيرا ما افكر بامي، وعلى وجه الخصوص، بسوداويتها التي اورثتني سمها والميل اليها "، ستموت هذه الام بمرض القلب بعد أن قرأت كتاب ابنها الاول " على ذرى اليأس " وكانت متحمسة له، وقد توقع انه سيموت مثلها بنوبة قلبية في سن الشباب، لكنه سيعيش حتى الرابعة والثمانين عاما، مات في يوم 20 حزيران عام 1995، وكان يسخر من ان تكون الحياة التي يعتبرها تجربة مريرة وفاشلة تمتد به كل هذه السنين. خلال سنواته الطويلة في الحياة حاول الاحتفاظ بقطعة السواد التي زرعتها الحياة فيه كما يقول، وتعلم من شوبنهاور أن الانسان لا يولد عدميا وانما يصبح كذلك، حيث تبدو الحياة هشة وعقيمة. واذا كان معلمه شوبنهاور قد منح التشاؤم صورة مفزعة يكتب وهو في الثمانينمن عمره، انه مارس الكتابة لكي يتفادى الانتحار: " أكتب لأتفادى نوبة اليأس، الكتابة انتحار مؤجل "، ويضيف ان " فكرة الانتحار هي وحدها تجعل الحياة محتملة "، يتذكر عندما كان في الثانية والعشرين حيث راودته فكرة الانتحار، بعد ان فشل في الحصول على عمل: " كنت حائزا الشهادات العليا التي تخولني ان اكون استاذا للفلسفة في جامعة بوخارست. لكن كيف لإنسان متعب أن يستطيع مواجهة طلاب صف الفلسفة. وهكذا يمكنني القول إن لياليَّ البيضاء في سيبوس كانت محور كل افكاري اللاحقة وكل التوجهات التي سأعطيها حياتي " – من حوار ترجمه الى العربية الكاتب اللبناني عصام محفوظ -. ظل العالم بالنسبة اليه سجن كبير، وضرب من ضروب الاشغال الشاقة، واعلن في معظم كتبه ان الجنس البشري يمضي في طريق مسدود: " انني مؤمن بالكارثة النهائية التي ستحل بعد وقت. لست ادري اي شكل ستتخذ، لكني على يقين بانه يتعذر تجنبها ".

عاش الغربة في أعماقه ورفض ان ينتمي إلى اي أرض: " أشعر أنني منفصل عن كل البلدان وعن كل المجموعات. أنا متشرد ميتافيزيقي. أشبه قليلا أولئك الرواقيين في نهاية الامبراطورية الرومانية والذين كانوا يشعرون بأنهم مواطنو العالم، الأمر الذي يعني أنهم مواطنو اللامكان "، ظل يحن الى قريته التي ولد فيها في رومانيا: " انا ولدت في قرية تكاد تكون مسحورة في ريف رومانيا، في الأقل هكذا كانت لي، ولا ازال اشعر وكأنني منفي من الفردوس كما الإنسان الاول مطرود من جنة عدن "

ظل ينظر الى الحياة على مدى عقود عمره الثمانية، بوصفها تأجيلا للانتحار،: " كنت دائما أؤجل انتحاري، لقد استثمرت هذه الفكرة، عشت كمتطفل عليها ولكن في نفس الوقت كان الإقبال على الوجود لدي قويا جدا"، ليموت في النهاية موتة طبيعية عام 1995.

ولد أميل ميشال سيوران في الثامن من نيسان عام 1911 في قرية من قرى رومانيا، وعرف منذ طفولته بحبه للعزلة والتنزه في الجبال المحيطة بقريته، وصف سنوات حياته الاولى بانها كانت رائعة، في تلك السنوات يتحذ من المقبرة القريبة من منزلهم مكانا للعب، يبحث عن الهياكل العظمية التي يغطيها التراب، حتى ان امه قالت ان ابنها اصبح مهوسا بالجثث، وسيؤكد انه ظل مهوسا بظاهرة الموت: " ليس الهوس بالموت ما يجعلك تكتشف بأن الحياة غير حقيقية، بل حين تكتشف بأن الحياة بلا جوهر، وبأنها لا شيء على الإطلاق، مجرد وهم، فأن الهوس بالموت يتعمق " – نانسي هيوستن اساتذة اليأس - قال ان قلبه تحطم في سن العاشرة حين هجرت عائلته القرية التي ولد فيها، فقد احس ان العالم يريد له ان يُحرم من فردوسه: " عشت لحظة اقتلاع جذور "، في المدينة الجديدة والتي اصبح فيها والده رئيسا للكنيسة، سيتمكن من اكمال دراسته الثانوية، بعدها سيذهب الى العاصمة بوخارست لاكمال دراسته الجامعية حيث يدرس الفلسفة، في بوخارست يتفرغ للقراءة ومطاردة النساء " في سني شبابي الاولى، لم تستهويني سوى المكتبات وبيوت الهوى "

في الجامعة يقرأ شوبنهاور ونيتشه ودستويفسكي، وسيحظى شوبنهاور باعجابه، فعن طريقه يتعرف على البوذية، يكتب في يومياته: " ليس لدي ما يكفي من الكلمات للدفاع عن معلمنا الكبير – يقصد شوبنهاور – الذي قاطعه قطيع الطوباويين ناهيك عن قطيع الفلاسفة ". يجد ان نيتشه لم يكن فيلسوفا وانما كاتبا عظيما، صاحب اسلوب متفرد، وبعد سنوات سيصف نيتشه بانه كما لو كان شخصية من شخصيات تشيخوف " انسان جدير بالشفقة ".، اما دستويفسكي فيقول انه لا يتذكر متى قرأه، لكثرة ما اعاد قراءة اعمال صاحب الاخوة كارامازوف.

يعترف ان الفلسفة البوذية لعبت دورا طبيرا في صياغة افكاره: " كنت في شكل ما بوذي، ولو خيرت ان اعتنق دينا فساختار البوذية، لانها تقدم القدرة على احتمال الشقاء الانساني " – حوار ترجمه عصام محفوظ -

إضافة الى شوبنهاور ونيتشه تعرف سيروان على اعمال الشاعر الفرنسي لوتريامون الذي تعرض في حياته القصيرة إلى التجاهل، والبعض كان يصفه بالمجنون، وسيلعب أرثر رامبو الدور نفسه الذي لعبه لوتريامون في حياة سيروان، ولعل من الغريب إن هذين الشاعرين ختما تجربتهما الشعرية وهما في العشرين من العمر، توفي رامبو وهو السابعة والثلاثين من عمره وكان خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة من حياته توقف عن كتابة الشعر، فيما توفى لوتريامون في الرابعة والعشرين من عمره، وكان سيروان يتوقع ان حياته ستنتهي في الثلاثين من عمره ايضا.      

يصاب بحالات من الأرق التي تصاحبه حتى اليوم الاخير من حياته، وبسبب الأرق يتوقف عن دراسة الفلسفة بعد ان حصل على شهادة الدبلوم في رسالة عن فلسفة برغسون: " أدركت في لحظة يأس شديد بأن الفلسفة لا تقدم العون مطلقا، وأنها قطعا لا تنطوي على أجوبة "، يوظف معاناة الأرق في مشروعه الكتابي: " كان الأرق التجربة الأساسية في حياتي. وهناك أيضا حقيقة أنك وحيد مع نفسك. في منتصف الليل، الجميع نائمون وأنت الشخص الوحيد الذي ما انفك يقظا. في هذه الحال، أنا لست جزءا من المجتمع البشري، وإنما أنتمي إلى عالم آخر. وهذا يستلزم إرادة خارقة لتجنب السقوط ".

عام 1934 يحصل على منحة دراسية في ألمانيا لاعداد أطروحة في الفلسفة، لكنه لم يفعل شيئا، وقد وصف السنة التي قضاها في برلين بانها سنة عقيمة، انتهت بفراره السفر الى باريس التي راقت له، يحصل على منحة من المعهد الفرنسي في بوخارست للدراسة حيث التحق بجامعة السوربون لدراسة اللغة الإنكليزية. عام 1946 يقرر الاقامة بشكل نهائي في باريس والكتابة باللغة الفرنسية، ينشر عام 1949، اول كتبه بالفرنسية بعنوان "موجز التفكيك "، الذي وضعه في مصاف الكتاب الكبار، وسيقرأ البير كامو الكتاب مخطوطا لدى دار غاليمار فيوجه التهنئة لسيوران مع نصيحة: " الآن عليك ان تدخل حركة الافكار "، الأمر الذي ازعج سيوران، فهو يرفض النصائح والدروس: " كانت تلك اهانة بالغة لي، كما لو كنت فقيرا مبتدئا وصل لتوه من الريف ".

في باريس يتفرغ للكتابة، اثنى عشر ساعة يوميا يجلس في مقهى الفلور، كان ينجز كتاب المهزومين، وعلى بعد خطوات منه يجلس جان بول سارتر يضع اللمسات الاخيرة على كتابه " الوجود والعدم: " لا ادري أيه صدفة كانت تجعلني كل يوم تقريبا اجلس الى جانب سارتر، لكني لم ارغب ابدا في ان اتبادل معه اقل حديث "، كان سارتر ىنذاك يتخلص شيئا فشيئا من سوداويته، ليدخل في مجال الفعل الثقافي والسياسي، فيما كان سيوران يعلن تخليه عن اي التزام اجتماعي ليدخل في متاهات العزلة او كما اطلق على نفسه وصف: " رجل هامشي ومنبوذ. فرد لا تربطه اية صلة ببني جنسه ".. لا شيء مثير خارج الحياة، ولا ضرر ".

في العام 1931 القى مارتن هايدغر محاضرة بعنوان " ما الميتافيزيقيا ؟ " وقد ترجمت الى الفرنسية، وعلى الرغم من ان سيوران كان قد اطلع على كتابات هايدغر عندما كان في رومانيا، إلا ان هذه المحاضرة قامت فيما بعد بتشكيل افكاره حول رسالة الكاتب في الحياة.

كان من بين الموضوعات التي طرحها هايدغر في " ما الميتافيزيقيا ؟ " موضوع " العدم " او اللاشيء، وهو التعبير الذي اراد من خلاله هايدغر ان يكشف عن التعسف الكامل لوجودنا في العالم، اي وجودنا ليس ذاتي الإرادة بل هو نتيجة لا اساس لها من احداث وظروف تسبق وجودنا وتخرج عن سيطرتنا، يقول هايدغر: " إن جوهر اللاشيء المؤدي الى العدم أصلا يكمن في هذا، اي انه ياتي بالحضور اول مرة امام الكائنات بهذه الصفة.. وكلمة الحضور تعني كون المرء حاضرا اللاشيء ".

تتوالى اعمال سيوران، وتتوسع معها قاعدة قراء كتبه، لكن الشهرة تاتي متاخرة، حيث عاش اكثر من ثلاثين عاما في باريس فقيرا، ومغمورا، قبل ان يصبح واحدا من اشهر كتابها، نظرالى الشهرة باعتبارها حالة من اللامبالاة: " كان لابد دائما أن أكون إما كئيبا أو غاضبا، حانقا أو شاعرا بالقرف، ولكن ليس في حالة عادية. ومن الأفضل أن أكتب وأنا نصف كئيب. لابد أن تكون هناك أشياء ليست على ما يرام. لأنني أعتقد أنه عندما يكون الإنسان متوازنا لا حاجة لأن يكتب؟ لماذا يصرح؟ وأيضا ربما كما قالوا ثمة إلى حد ما وجه مرضي لما أكتب. وهذا صحيح، لقد لاحظت بأن من يستقبلون كتاباتي هم على أحسن وجه المختلون، أنصاف المجانين، العاطفيون ".

في معظم كتاباته نجد السخرية من الاشياء المحيطة به، فالحياة محكومة بالعبث، ومع بعض الامل المستحيل من الشعور بالعبث. وقد توصل الى اسلوب خاص انتقل به من البحث المسهب الى العبارة الموجزة المكثفة: "الشذرة وهي الشكل الوحيد الملائم لمزاجي، تمثل كبرياء لحظة محولة مع كل التناقضات التي تحتويها. إن عملا ذا نفس طويل، وخاضعا لمتطلبات البناء ومزيفا بهاجس التتابع، هو عمل من الإفراط في التماسك بحيث لا يمكن أن يكون حقيقيا".

لم يشعر سيوران يوما ما انه فيلسوف رغم اصرار صديقه صامويل بيكت على اطلاق لقب " فيلسوف العدم " عليه، وظل يؤمن ان الكتب التي تستحق الكتابة تلك التي تكتب دون ان يفكر اصحابها في القراء، ومن دون ان يفكرو ا باية جدوى او مردود مالي او معنوي، والفلسفة بالنسبة له تكمن في طريقة عيشه للحياة.

في كتابه "مثالب الولادة" الصادر عام 1973 – ترجمه الى العربية آدم فتحي – يعود سيوران الى معلمه لوتريامون حيث يشير الى مازق الانسان في الوجود والذي يكمن في ولادته: " ليس من برهان على ما بلغته البشرية من تقهقر أفضل من استحالة أن نعثر على شعب واحد، أو قبيلة واحدة، ما زالت الولادة قادرة على أن تثير فيها الحداد والمناحات".، فما بين الولادة، والموت، نعيش المأزق الحقيقي، ومن اجل تجاوزه علينا ان نتمرد مرة او مرات، والاهم ان نتمرد على انفسنا.

يخبرنا سيوران عن الغاية من كتابة " مثالب الولادة "، بأنه دخل يوماً على أمه وارتمى على الأريكة وهو يصرخ " لم أعد أحتمل هذه الحياة "، فردت عليه: "لو كنت علمت ذلك لأجهضتك، هذه العبارة ستلهمه فيما بعد فكرة مثالب الولادة التي اراد من خلاله ان يقول لنا انه ابن الصدفة: " ما دمت استطيع التملص من النظام عبر تغليب الصدفة فان حياتي كانت زائدة عن النظام، إذن هي لا تمت الى النظام بل الى الحرية ".

في " مثالب الولادة" يقلب سيوران الأسئلة المصيرية، عن جدوى الوجود في هذا العالم ولماذا الولادة أصلاً؟، فالكارثة أو النكبة بالنسبة الى الانسان ليست في الموت، وإنما هي الولادة، ولا شيء غير الولادة: " كابوس الولادة حين ينقلنا إلى ما قبل ماضينا، يجعلنا نفقد الرغبة في المستقبل والحاضر والماضي أيضاً. بمجرد التفكير في أن لا أكون ولدت، أي سعادة ! أي حرية ! أي مدى "..

ثمة تشابه خفي مثالب سيوران، وبين ما كتبه نيتشه في هكذا تكلم زرادشت، فسيوران مثل نيتشه يؤمن بان الطريق امام الانسان مسدود: " انني مؤمن بالكارثة النهائية التي ستحل بعد وقت. لست ادري اي شكل ستتخذ لكني على يقين بانه يتعذر تجنبها ". وهو مثل نيتشه لا يكتب من اجل معاصريه، وانما من اجل الجنس الجديد الذي سيولد من البشرية: " ان ما يثار حولي من ضجيج يزعجني ويخيب املي. كنت اعلم ان ذلك سيكون حتميا ذات يوم، لكن كبريائي كان يصور لي انه سيأتي بعد الكارثة المستقبلية. كانت تصوراتي تتوجه للناجين وليس للمحتضرين ".نرجمت العديد من اعمال سيوران الى العربية وكان ابرزها " مثالب الولادة "، " المياه كلها بلون الغرق " " على مرتفعات اليأس " و" اعترافات ولعنات "، و" تاريخ ويوتوبيا " و" دموع وقدسيون " و" تمارين في الاعجاب " و" رسالة في التحلل " و" غسق الافكار " و" السقوط في الزمن " و" لو كان آدم سعيداً " و" هوس التراسل ".

***

علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية

 

في الذكرى السنوية لاستشهاده

في يوم من أيام ربيع عام 1978م زار السيد موسى الصدر مدينة بوخوم (تُكتب أيضاً: بوخُم) واحدة من المدن المهمّة في المانيا الاتحادية يومها، والتقى على نحوٍ مطوّل مع السيد محمد حسيني بهشتي. في هذا اللقاء السرّي أعرب الصدر لبهشتي عن قلقه البالغ من إمكان تعثّر النهضة التي كانت قد انطلقت في إيران ضدّ حكم الشاه محمد رضا بهلوي، من زاوية السنّ المتقدّم لقائد النهضة السيد روح الله الخميني وهو في الثمانين من عمره، وماذا سيكون مصيرها لو اختفى الفقيه والمرجع القائد؟

ذكر بهشتي للصدر أنهم فكروا بذلك ملياً، والخيارات البديلة لو حصل طارئ لشخص السيد الخميني، اتجهت إلى شخصيات ثلاث هي الشيخ حسين علي منتظري أو السيد محمد حسيني بهشتي (المتحدّث) أو السيد موسى الصدر نفسه! لم يتفاعل السيد موسى الصدر مع هذه الخيارات، وذكر لبهشتي أنه يقترح بديلاً أفضل محلّ السيد الخميني كمرجع وفقيه قائد لو غاب، وعندما سأله بهشتي بلهفة: مَن هو؟ ردّ الصدر بلغة قطعية واثقة لا يشوبها شيء من التردّد: السيد محمد باقر الصدر!

صدمة المعلومة!

بصراحة، دفعتني هذه المعلومة القطعية عن تفكير بعض كبار رادة النهضة الإسلامية كبهشتي (1928ـ 1981م) ومرتضى مطهري (1919 ـ 1979م) وأضرابهما، في التفكير الجاد بإعداد بدائل للسيد الخميني في ما لو تعرّض لمكروه أو اختفى بالموت الطبيعي وتقدّم السنّ؛ دفعتني إلى احترام  هذا النسق من التفكير العقلاني الموضوعي الإنساني لتقدير المخاطر، والعناية بمصير الثورة الإسلامية وجمهورها وهي لم تزل تخوض المواجهة مع نظام الشاه، يفصلها عن الانتصار مسافة سنة أو أقلّ قليلاً، كانت مليئة بالحوادث الجسام من قبيل إعلان الحكم العسكري في إيران، ودفع حكومة شريف إمامي عن الواجهة، وأخيراً تكليف شابور بختيار بإدارة المرحلة الانتقالية، بعد هروب الشاه من طهران بتأريخ 16 كانون الثاني 1979م.

بيدَ أن ما صدمني حقاً هو مشروع موسى الصدر الجاد، في أن يكون السيد محمد باقر الصدر، هو البديل المرجعي القيادي للسيد الخميني، ودفاع حلقات مقرّبة من الخميني عن هذا الاختيار، وبلوغ شيء من معلوماته إلى جهاز السافاك الإيراني، الذي أيّد للبلاط الشاهنشاهي وجود مساعٍ تُبذل بهذا الاتجاه.

الأسئلة الصاعقة!

كلّ ذلك جعل الأسئلة تتدافع وتعصف بذهني، وأبرزها:

أولاً: كيف تلقت بقية الأوساط والنخب العلمائية والسياسية وثيقة الصلة بالسيد الخميني، هذا الاقتراح؟ وما هي ردود فعلها عليه سلباً وإيجاباً؟

ثانياً: هل كان هذا الاقتراح هو أحد الأسباب العميقة من وراء تلك النظرة العدائية من بعض خطوط الثورية الإيرانية، في معاداتها العنيفة  للصدرين الكريمين موسى في لبنان، ومحمد باقر في العراق، كما هو شأن الحلقة الليبية؛ حلقة محمد منتظري والعشرين أمثال جلال الدين فارسي وحميد روحاني وعلي محتشمي وموسوي خوئينيها ومحمد صالح الحسيني وغيرهم كثير، ممن لم يكتفِ بسوق الاتهامات الرخيصة ضدّ الصدرين، بل المشاركة بتصفيتهما بهذا القدر أو ذاك، وبعلم وتخطيط مسبق أو بغير علم، وبتعاون مع أجهزة استخبارية كما كشفت عن ذلك المعلومات الجديدة المفرج عنها في ملف الصدرين؟

ثالثاً: هذا الخبر وقد تسرّب إلى جهاز مخابرات الشاه (السافاك) إلى أي مدى يكون قد تسرّب أيضاً إلى بعض أجهزة المخابرات المعنية في المنطقة، كالمخابرات السورية واللبنانية والليبية (عبر وجودها المكثف في لبنان) والفلسطينية، والأهمّ من ذلك العراقية، وكان واحداً من أسباب تصفية موسى الصدر أولاً، ثمّ محمد باقر الصدر ثانياً؟! كل ذلك بتخطيط من هذه الأجهزة وجهود حثيثة منها، وبإرادة مسبقة من القيادات السياسية لهذه الدول (سوريا، لبنان، العراق، شخص ياسر عرفات). وربما أيضاً بتأثير استخباري من عواصم غربية ونصيحة مبكرة من سياسييها للتخلص من الصدرين الكريمين!

رابعاً: لماذا لم تنتبه المعارضة العراقية بطيوفها المختلفة ولاسيّما الإسلامية والتيارات العريضة المؤيدة للسيد الشهيد محمد باقر الصدر؛ لهذه المعلومة ولم تلتفت إليها؟ وهل كان ذلك جهلاً بها أم أنها عرفتها وتجاهلتها وصمتت عنها، علماً بأن أول إعلان توثيقي موسّع عنها يعود إلى عام 2008م، عندما صدر الجزء الثاني من مذكرات صادق طباطبائي شقيق السيدة فاطمة زوجة أحمد الخميني؟!

وعود باريس وطهران

اختفى موسى الصدر عند زيارته إلى ليبيا يوم 25 آب 1978م، قبل نحو ستة أشهر من انتصار الثورة الإسلامية في 11 شباط 1979م. وعندما كان السيد الخميني لم يزل في باريس ذهب صدر الدين نجل السيد موسى الصدر لزيارته، وطلب منه متابعة ملف والده المختطف، فواساه ووعده خيراً. من يعرف روح الله الخميني في خصائص شخصيته ومنهاجيات سلوكه وعمله؛ يعرف أنه لا يطلق الوعود جزافاً، ولا يعدُ إلا إذا كان قادراً على الوفاء؛ فما الذي حصل في طهران عند عودته إليها، ولماذا لم يُحقق ملف تغييب موسى الصدر ولو خطوة واحدة إلى الأمام؟

أكثر من ذلك جدّد السيد الخميني عند عودته إلى طهران، وعوده الجزمية القاطعة بمتابعة ملف السيد موسى الصدر، على ما تؤكد ذلك وثائق وشهادات قطعية، أبرزها ما نقلته السيدة رباب الصدر شقيقة السيد موسى الصدر، وأخت أم جعفر زوجة السيد الشهيد محمد باقر الصدر؛ كلّ ذلك عندما انتقل إليها ملف متابعة قضية اختفاء شقيقها موسى الصدر، ككبيرةِ ممثلي العائلة؛ لكن مرّة أخرى لم يتحقق شيء مما وعد به!

على سبيل المثال، تذكر السيدة رباب أن د. مصطفى چمران اتصل بها هاتفياً وهي في طهران عام 1979م لمتابعة ملف شقيقها أوائل انتصار الثورة، وذكر لها أن الخطّ المناهض لموسى الصدر في جسم الثورية الإيرانية (حلقة محمد منتظري ومناصريه ولاسيّما حسين حفيد الخميني، نجل ولده مصطفى) يريدون أخذ العقيد عبد السلام جلود (الرجل الثاني في الهيئة الحاكمة الليبية بعد معمر القذافي) الذي حطّ في طهران بزيارةٍ مغامِرة؛ بأخذه للقاءٍ مع السيد الخميني. فما كان منها إلا أن دخلت على السيد الخميني في غرفته الخاصة، مستفيدة من صلتها العائلية به (السيدة رباب هي خالة فاطمة زوجة أحمد نجل الخميني) وذكرت له ما يخطّط له حفيده حسين الخميني، لتبرئة الليبيين وغلق ملف اختطاف الصدر، وإسكات أي صوت مطالب بإظهار حقيقة ما حدث. عندئذ قال لها السيد موبّخاً حفيده حسين: «لقد تصرّف [حسين] تصرّفاً غبياً جداً» قبل أن يضيف: «إذا ما جاء إلى باب الغرفة، [المقصود به عبد السلام جلود] فلا أدعه يدخل». ثمّ أضاف: «إذا ما كان يريد المجيء، فينبغي أن يأتي ومعه السيد موسى الصدر، وعندئذ أهلاً به إلى جواري» (ميريام، مذكرات رباب الصدر، مؤسّسة الإمام موسى الصدر، ص 23).

مرارات رباب

هذه كانت أمثلة لوعود قطعها السيد الخميني على نفسه لمتابعة ملف السيد موسى الصدر، مرّة في باريس (عام 1978م) عندما كان مطارداً، وأخرى في طهران (عام 1979م) عندما ثُنيت له الوسادة وأصبح صاحب الكلمة الأولى في إيران. مع ذلك كان المآل ولم يزل قاسياً مريراً، بالنسبة لمصير الصدر وحقيقة ما جرى عليه. تقول السيدة رباب الصدر: «زرتُ إيران كثيراً وقد كنا نرتجي منها أكثر من هذا» (مذكرات رباب الصدر، ص 54) هذا من حيث الإجمال.

أما من حيث التفاصيل ترسم السيدة رباب مناخاً من عدم الرضا من الجمهورية الإسلامية بشأن ملف الصدر، مثقلاً بالإحباط واليأس والمرارة لإهمال هذا الملف وعدم الاكتراث به. فبشأن قريبها وزوج أبنة أختها أحمد نجل السيد الخميني وأقرب المقربين إليه، وعلى رأس الدائرة الخماسية المؤثرة عليه وعلى قراراته من بين الحلقة الخماسية (هاشمي رفسنجاني، مير حسين موسوي، عبد الكريم أردبيلي، علي خامنئي، وأحمد نفسه) تقول نصاً وهي تتألم من تنصله: «السيد أحمد كان في العادة يقول: لا يمكن الكلام مع الإمام [الخميني] عن مثل هذه المواضيع [ملف الصدر] لأنها تؤذي السيد [الخميني]. لقد تحدّثتُ إلى السيد أحمد مرّات، فقال[مسوفاً]: لننظر.. لننظر!»

أما عن هاشمي رفسنجاني فتذكره بكلام قاسٍ، وتقول عنه نصاً: «إنها كان ينبغي لها أن تصفعه، لكنها لم تستطع»! وسبب ألمها من رفسنجاني أنها كانت تعتقد: «إذا كان هناك شخص بمقدوره أن يفعل شيئاً، فهو الشيخ رفسنجاني؛ ولم يفعل». أما عن التفاصيل، فتذكر أن رفسنجاني خاطبها، بقوله: «السيدة رباب، أنتِ تعرفين بأن وضعنا حساس في إيران الآن. نحن بحاجة إلى دعم القذافي. لا نستطيع أن نتحدّث عن هذا الموضوع [اختطاف الصدر]».

تؤكد السيدة رباب أن رفسنجاني كان يكرّر كلامه هذا، بمثل قوله مثلاً: «في واحدٍ من اللقاءات في إيران، قال لي الشيخ رفسنجاني: إن طائراتنا تذهب إلى ليبيا خالية، وتعود مليئة بالأسلحة. لا نستطيع أن نزعج القذافي، نحن مضطرون لمراضاته». تشعر رباب بالانزعاج الشديد من تبريرات رفسنجاني ويمتلئ داخلها غيضاً عليه، حتى تودّ أن تصفعه! تقول: «هل هناك محل للكلام؟ كان ينبغي لي أن أصفعه على وجهه، لكن لا أستطيع أن أفعل ذلك. لقد كان كلامه هذا على درجة من القباحة وعدم المروءة، بحيث لم أستطع أن أقول شيئاً».

 ثمّ تفيض بها مراراتها وهي تستأنف القول: «لقد ساعدكم أخي كلّ هذه المساعدة، وله على بعضكم حقّ الأستاذية، وأنتم تكررون معزوفة صداقتكم له؛ ومع ذلك أنتم بمثل هذا القدر من عدم الوفاء؟! لقد بذل أخي لكم مساعيه وساعدكم فرداً فرداً، ودعمكم لكي تنتصروا. كان يلاحق مشكلاتكم ويتابعها في سوريا ولبنان، ويحلّها؛ وكانت لكم دورات عسكرية في لبنان» (مذكرات رباب الصدر، ص 55، 60، 61).

الخلاصة التي انتهت إليها السيدة رباب وجعاً مستقراً في أعماق نفسها، ومرارات تطفح على لسانها، هي قولها نصاً، وهي تحكي واقع فرار المسؤولين وكبار القادة في الجمهورية الإسلامية، من ملاحقتها لهم: «شيئاً فشيئاً صاروا يفرّون منّا، وعندما كنت أريد الذهاب للقاء أحدهم، كانوا يعتذرون: لا وقت لنا، مشغولون!» (مذكرات رباب الصدر، ص 55. علماً بأن نسخة مذكرات رباب هذه صدرت أساساً في الجمهورية الإسلامية، باللغة الفارسية عام 2024م، عن مؤسّسة الصدر الثقافية التي يشرف عليها في إيران فيروزان ابن أخت السيد موسى الصدر).

صراع التيارين

لكي أسهّل الأمر على من لا يعرف ملابسات ملف السيد موسى الصدر واشتباكها مع قلب صراع الأجنحة في إيران، أسجّل إجمالاً وجود تيارين تصارعا بعنف بشأن مصير الصدر تمثّل الأول بالحكومة المؤقتة برئاسة مهدي بازرگان، إذ كان بازرگان نفسه يؤيد متابعة الملف والكشف عن الحقيقة، اصطفّت إلى جواره في ذلك رمزيات سياسية كبيرة أمثال مصطفى چمران وإبراهيم يزدي وصادق طباطبائي وصادق قطب زادة وغيرهم، وكانوا يصرون على كشف أوراق ملف الاختطاف كاملة، ولو كلف ذلك أن تسوء العلاقة مع ليبيا. وكان لهذا التيار غطاءً من كبار رجال الدين أمثال محمد حسيني بهشتي ومرتضى مطهري وعبد الكريم موسوي أردبيلي، وآخرين.

على حين التزم الرئيس الأول أبو الحسن بني صدر بموقف بارد محايد، لكي يحفظ علاقته مع حسين حفيد الخميني من نجله الأكبر مصطفى، ويُبقي على تأييده ضمن صراع الأجنحة وقد انطلق مبكراً.

أما التيار الثاني فقد تمثل بالاتجاه اليساري المتطرّف من الثورية الإيرانية المخترقة ليبياً، إذ لم يكتفِ بوأد أي مبادرة لملاحقة مختطفي الصدر والكشف عنهم، بل أصرّ على اغتيال شخصية السيد موسى، بمزاعم من قبيل اتهامه بـ«الشاهنشاهية» والارتباط بجهاز «السافاك» وتوجيه اتهامات خطيرة له بـ«الصهينة» و«العمالة» للحكام العرب، بفعل علاقاته المنفتحة مع أغلب الأنظمة العربية، وموازنته الدقيقة في هذه العلاقة بين المحورين التقدّمي والخليجي، بحسب تصنيفات السياسة ذلك الوقت، وما جرّ إليه صراع التيارين من نيرانٍ نالت السيد محمد باقر الصدر وحزب الدعوة الإسلامية.

من أكابر رموز هذا التيار وغلاته هم جلال الدين فارسي ومحمد منتظري وحميد روحاني زيارتي، وعلي محتشمي ومحمد موسوي خوئينيها ومحمد غرضي ومحسن رفيق دوست ومهدي هاشمي وكثير غيرهم. وذلك بغطاء كبير من رجل الدين البارز يومذاك الشيخ حسين علي منتظري، وموقف ملتبس موارب من قبل السيد أحمد الخميني، وقد جاراه هاشمي رفسنجاني وآخرين.

الملفات الجديدة

لقد تفجّرت إبّان العقدين الأخيرين معلومات كبيرة عن ملف السيد موسى الصدر ومشروع استخلاف السيد محمد باقر الصدر للسيد الخميني، وبرز في مدوّنات عديدة. بيدَ أن السنوات الثلاث الأخيرة شهدت كثافة متصاعدة بهذا الاتجاه، لاسيّما بعد تحوّلات لبنان واغتيال الأمين العام لحزب الله، واندفاع مراكز التفكير والسياسة في إيران، لإعادة الاعتبار للسيد موسى الصدر، وإيجاد «حالة» من الاستمرارية المفترضة بين خطّ الصدر وحركة أمل من جهة وحزب الله من جهة أخرى، بديلاً من منطق القطيعة الذي كان سائداً فيما مضى.

سأشير في ما يلي إلى بعض أهمّ هذه المصادر:

1ـ الجزء الثاني من مذكرات نائب رئيس الوزراء الأسبق صادق طباطبائي، وقد صدر عام 2008م، بعنوان: لبنان.. الإمام الصدر وثورة فلسطين.

2ـ مذكرات وزير الخارجية الأسبق إبراهيم يزدي، وقد صدرت بعدة أجزاء، تضمن الجزء الثاني معلومات عن الصدرين.

3ـ مذكرات السيدة رباب الصدر، إعداد حميد قزويني، وقد صدرت باللغة الفارسية عام 2024م، ولستُ أعلم فيما إذا كان قد صدرت لها ترجمة باللغة العربية أم لا.

4ـ كتاب: الشاه وشطرنج السلطة في الشرق الأوسط (ط 5، 2025م) وفيه عناية بمشروع استخلاف السيد محمد باقر الصدر للسيد الخميني. من ميّزات هذا الكتاب كثافته الوثائقية، ومنها وثائق «السافاك» ووثائق غربية.

5ـ كتاب: امامان وشاه واحد، بقلم محمد قوچاني، وقد صدر بعد التحوّلات الأخيرة في المنطقة مروراً بما جرى في غزة ولبنان وسقوط نظام الأسد بدمشق، لكي يعيد الاعتبار لتيار الإصلاحية الإسلامية وعلى رأسه السيد موسى الصدر بعنوان مثير، هو: لماذا سرقوا الصدر؟ نُشر الكتاب كملحق لمجلة آگاهى نو، العدد 15، خريف 2024م. بالإضافة إلى ملف مثير وجرئ في المجلة نفسها، بعنوان: ما يحتاج إليه لبنان.. مكان الإمام موسى الصدر لا يزال خالياً.

6ـ فاجأنا مركز وثائق الثورة الإسلامية المعروف بتوجّهاته اليمينية المتطرّفة، بملف مشترك عن الصدر ونصر الله، في العدد الأول من مجلة المركز «كواه» (الشاهد) بعنوان غير مألوف لتوجّهات أمثال هذا المركز، هو: شخصيتان وفكر واحد، صدر خريف 2024م.

سؤال الأسئلة!

سؤال الأسئلة والسؤال القضية بالنسبة إلينا هو معرفة تفاصيل مشروع استخلاف الصدر للخميني، كما بلوره موسى الصدر؛ ما هي تفاصيل القصة؟ وما هي حلقاتها؟ وما أصداء المشروع في الوسط الإيراني سلباً وإيجاباً؟ وهل كان لهذا المشروع أثره في تغييب موسى الصدر أولاً، وباقر الصدر من بعده؟ هل اقتصرت تصفية الصدرين على أجهزة المخابرات وأصحاب القرار السياسي في البلدان المعنية، أم هناك من تورّط بذلك بتمهيد المقدّمات عن قصد وغير قصد في قلب الساحة الثورية الإيرانية؟

الحقيقة أن الملف مثير ودقيق جداً، وهو يربط بين الصدرين موسى وباقر بصلات وثقى. لذلك عمدتُ في هذا المقال للإشارة إلى أصل المشروع، مكتفياً ببعض التفاصيل عن ملف السيد موسى الصدر المتداخل بشدّة مع ملف السيد محمد باقر الصدر وقرار تصفيته وحزب الدعوة الإسلامية، لكي يكون ذلك تهيئةً للأذهان للانتقال إلى ملف السيد الشهيد محمد باقر، في المقال الثاني إن شاء الله العزيز.

***

جواد علي كسار

 

قبل ايام استوقفتني عبارة آن بوقل التي تقول فيها: " لم أكن لأصبح الشخص الذي أنا عليه لولا القراءة " – الأفضل ان تقرأ كتاباً " ترجمة عبد الله الأسمري - "، مثلت القراءة إحدى أجمل ذكرياتي في الصغر، وكل شيء بدأ عندي اشبه برحلة، ذات يوم وانا أبن العاشرة من عمري وفي احدى مناطق بغداد، اخذتني قدماي الى مكتبة يملكها أحد أقاربي يبيع فيها الكتب والمجلات والصحف، في ذلك النهار وأنا أتجول بين العناوين وصور الأغلفة الملونة، اكتشفت إن هذا المكان يمكن أن يصبح كل عالمي، حيث اندلعت شرارة علاقتي الغرامية مع الكتب، هناك عقدت صداقات مع توفيق الحكيم وتولستوي وتشارلز ديكنز وكافكا ونجيب محفوظ ونيتشه وفرجينيا وولف وجين اوستن وتوماس مان، كنت اختار الكتب بناءً على نصيحة صاحب المكتبة أو بعض الزبائن، لم اكن اضع خططاً لما ساقرأه، تشدني احيانا العناوين، ولهذا اجدني نفسي احيانا اقرأ كتب غير متجانسة، في يوم من الأيام وقع نظري على رواية توماس مان " الموت في البندقية "، كان الكتاب بحجم كف اليد وبصفحات لا تتجاوز المئة وعشرون صفحة، لم يسبق لي أن قرأت أياً من اعمال توماس مان، إلا أن أسمه لم يكن غريباً بالنسبة لي، كنت آنذاك احتفظ بنسخة من كتاب جورج لوكاش عن توماس مان الذي ترجمه الى العربية كميل قيصر داغر، وفيه يصف مان بأنه " آخر ممثل عظيم للواقعية النقدية "، في ذلك كنت اسمع همسا بين الزبائن وصاحب المكتبة كلما بادر أحدهم لشراء نسخة من الرواية، مما اثار فضولي فقررت أن اخطف نسخة منها وبدأت أعد خطة لقراءتها بالسر، واجهت صعوبة في بداية الأمر، فهذه رواية غريبة لم اقرأ واحدة مثلها من قبل، تركتها جانباً وذهبت باتجاه كتاب جورج لوكاش اطلب العون منه . يشير لوكاش الى ان توماس مان في روايته القصيرة " الموت في البندقية " كان ناقداً للمجتمع، يرى ان الفاشية التي انتشرت في صفوف المجتمع الالماني لم تكن صدفة، ولهذا نجده يتشبث بنموذج غوته، فاستحضار مثل هذا النموذج وسط " البؤس الالماني، كان هو الرد الطبيعي على الاذلال الروحي والاخلاقي لالمانيا، ولهذا يرى لوكاش ان " الموت في البندقية " كانت محاولة لفضح خطر قوى الظلام والبربرية داخل الحضارة الامانية الحديثة . اقتربت من اعادة قراءة " الموت في البندقية " من هذا المفهوم الجديد الذي اشار اليه لوكاش . لا اتذكر أين قرأت ذات يوم ان احد اهم الاشياء في الرواية لأي شخص حاول قراءتها وافترض انه فشل في ذلك، هو فهم ان قراءة هذه الرواية ليست مهمة لمرة واحدة، وأن قراءتها هو عمل لمدى العمر، لا يوجد شيء كالفشل في قراءة كتاب، فانت لم تتمرن بما يكفي لفهمه، يكتب تنطوان كومبانيون في كتابه الممتع " لم يُصلح الادب " ان: " القراءة هي اختبار للممكنات " . بعد القراءة الثانية لرواية " الموت في البندقية " تغيرت وجهة نظري، فالرواية العظيمة تٌغير وجهات نظرنا في الحياة، وقد علمتني القراءة أن كل رواية عظيمة تحمل سراً هاصا بها وبكاتبها .

لن احاول ان اسرد حكاية " الموت في البندقية "، الرواية قصيرة واحداثها تدور في فترة زمنية معينة، ورغم انني اتمنى منك وانت تقرأ هذه الصفحات ان تعود الى الرواية وتقرأها، يمكن ان الخص الرواية بالقول انها تتناول لحظة في حياة كاتب وفنان كهل يدعى " غوستاف آشنباخ "، يقضي عطلة في البندقية ويقع في غرام فتى يبلغ من العمر أربعة عشر عاماً، انه الانبهار المميت الذي يمكن ان يمارسه الجمال: " الجمال هو الطريق التي تقود الإنسان الحساس إلى الروح " – الموت في البندقية ترجمة كيل داغر – لا اريد ان احرق التفاصيل، لكن الرواية تنتهي بالموت، حيث يريد توماس مان أن ينعي عصراً كاملاً موشكا على الغروب، فـ" آشنباخ " الذي يعاني من عقم إبداعي شل قدرته على التأليف، يبدو اختياره للعيش في مدينة البندقية التي ضربها الطاعون، تجسيدا حيا لطبقة اوروبية كاملة متهاوية كانت تعتبر الجمال قيمة مقدسة لا يمكن المساومة عليها، وسط عالم يتداعى بأفكاره ومفاهيمه، وعندئذ يتحول الموت إلى حل وحيد . انها ظلال شوبنهاور ونيتشة التي ظلت ترافق توماس مان وهو يرى العالم من حوله يسير نحو الانحدار، لم يكن غريبا ان يكون توماس مان قد تاثر بفلسفة شوبنهاور وخصوصا بكتابه " العالم إرادة وتمثلاً "، ان نزعة شوبنهاور الإنسانية التشاؤمية بحسب توماس مان تتسم بنظرة مستقبلية. فحساسية شوبنهاور الروحية، ومذهبه، وحياته، وفلسفته، من وجهة نظر مان، لم تكن مجرد نتيجة للمنطق، بل كانت، عملاً يجسد القلب والعقل والروح والجسد، ويمكن أن يساهم في إعادة بناء الإنسانية.

كتب توماس مان دراسة عن "شوبنهاور" استجابةً لاقتراح من جمعية شوبنهاور الأمريكية عام ١٩٣٨، وفيها يرى فلسفة شوبنهاور كفلسفة الفن بامتياز، ويستشهد بالفنانين والمفكرين البارزين في هذا المجال. ويذكر أن تولستوي وصفه بأنه "أعظم عبقري بين البشر"، وأن ريتشارد فاغنر اعتبر مذهب شوبنهاور "هبة سماوية حقيقية"، وأن نيتشه رآه مرشدًا عظيماً. في الجزء الأخير من المقال، يُفصّل توماس مان موقفه من العلاقة بين التشاؤم والإنسانية. ويجادل بأن الإنسانية كانت تمر بأزمة حادة في عصره، وأن تشاؤم شوبنهاور، من وجهة نظره، يحمل في طياته جوهر هذه الإنسانية، وفي الدراسة يعترف توماس مان بتأثير شوبنهاور عليه في شبابه. وقد تجلّت رؤى شوبنهاور بشكل خاص في رواية " آل بودنبروك" حيث نقرأ في الفصل العاشر: " على المقعد الصغير الهزاز المصنوع من الخوص الأصفر، كان أن أمضى ذات يوم أربع ساعات كاملة يقرأ متأثراً في كتاب وقع في يده فبعد أن تناول الإفطار، وجده في ركن غائر من خزانة الكتب متوارياً خلف مجلدات أنيقة، وتذكر أنه اشتراه مرة من سنين وأيام من الكتبي بثمن زهيد، سفر ضخم مطبوع طبعاً رديئاً، يمثل الجزء الثاني فقط من مذهب ميتافيزيقي شهير، وقد حمله الى الحديقة وجعل وهو شارد الذهن يقلبه ورقة ورقة .

لقد غمره رضى عظيم، لا عهد له به وشكر الله عليه، وشعر بارتياح لا مثيل له من انه رأى كيف ان عقلاً متفوقا بدرجة هائلة تعلب على الحياة، هذه الحياة القوية القاسية الساخرة الى الحد ليخضعها ويصدر عليها حكمه.. ارتياح المتألم الذي يبقي المه على الدوام طي خجله، فاذا هو يتلقى فجاة من يد عظيم، حكيم، حقه المبدئي الرسمي في أن يعاني في هذا العالم، خير العوالم التي يمكن ان تخطر بالبال جميعا، بعد ان اثبت في سخرية وتورية أنه شر العوالم التي يمكن ان تخطر بالبال جميعا " - آل بودنبروك ترجمة محمد ابراهيم الدسوقي

يتساءل توماس بودنبروك في الرواية عن معنى النهاية والفناء؟ كيف ينظر الإنسان إلى هذه المفاهيم العبثية على أنها أهوال! ما الذي سينتهي وما الذي سيتلاشى؟ جسده هذا. شخصيته وفرديته هذه، هذا العائق الثقيل، العنيد، المعيب، والبغيض أمام أن يكون شيئاً مختلفا وأفضل! ألم يكن لكل إنسان خطأً وزلة؟ ألم يسقط الإنسان في سجنٍ مؤلمٍ منذ ولادته ؟ اننا نعيش وسط حواجز وقيود في كل مكان! لم يتبق للانسان إلا ان يحدق من خلال نوافذ فرديته المُغلقة، بيأسٍ في جدران الظروف الخارجية، حتى يأتي الموت ويناديه إلى بيته وإلى الحرية .

في عبارات مهمة من روايته " الموت في البندقية " يلخص لنا توماس مان وظيفة الرواية: " لكي يستطيع عمل روحي وفكري ويؤثر بشكل عميق في الجمهور، يجب أن تكون ثمة علاقة عميقة أو بالأحرى لحمة متجانسة بين إبداع الكاتب والناس الذين يعيشون حواليه بمختلف اتجاهاتهم " .

عندما كنت منغمساً في عالم توماس مان، كنت مستغرقا للغاية لادرك جيدً كيف ان " القراءة تجعل الإنسان كاملا " مثلما قال ذات يوم الفيلسوف الانكليزي فرنسيس بيكون، وان قدرة الادب تكمن اولا واخيراً في معرفة العالم والآخر، ومعرفة المرء لذاته على نحو خاص.

***

علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية

 

كان يجلس على كرسيه، يضع على ركبتيه غطاء السرير، لقد عانى في الليل من الألآم، وكان متيقنا أن الصباح لن يشرق عليه ثانية، فهو منذ اسابيع طريح الفراش: انت الأمة الالمانية تتابع بقلق صحة شاعرها الخالد، باحة البيت الكبير تمتلئ بالناس الذين يريدون ان يطمئنوا على صحة: اتبهم المحبوب.

نظر حوله سأل عن تاريخ اليوم، قيل له انه الثاني والعشرين من آذار، قال بصوت خفيض: لقد بدأ الربيع. لم يعد يشعر بالألم. رفع يده وأخذ يحركها في الهواء: أنه يكتب شيئا ما، لكن سرعان ما سقطت يده بسبب الضعف، أخذ يحرك اصابعه: أنه يتابع الكتابة. بعدها اصبحت الاصابع تتحرك بصعوبة، تغير لونها، أصبح يميل للزرقة، ثم توقفت عن الحركة، فيما عيناه اأخذتا بالإنطفاء. بعد دقائق أعلن طبيبه الخاص ": ارل فوغر "، موت اديب المانيا الكبير " يوهان فولفغانغ فون غوته " في الساعة الخامسة من عصر يوم 22 آذار عام 1832

كان غوته قد: تب قبل رحيله بأشهر: " أن يعيش المرء طويلاً معناه أن يبلغ من العمر عتياً وأن يبقى على قيد الحياة بينما تزول اشياء: ثيرة: من الناس الذين احبهم وكرههم ولم يكترث لهم، الى الممالك والعواصم، لا بل إلى الغابات والاشجار التي بذرناها وغرسناها في الصبا. نحن نعمر أكثر من انفسنا، لقد عشت طيلة حياتي مع نفسي، واشتركت فيها مع الآخرين، فتطلعت دوما صوب الأسمى في: ل سعي دنيوي وعمل أرضي قمت به " – غوته من حياتي ترجمة محمد جديد –

في سنواته الأخيرة: ان غوته يستقبل الكثير من الضيوف بصورة يومية، وغالباً ما: انت هذه الزيارات من أجل اطلاغ الزائرين على مجموعة من الرسوم التي انجزها، أو بقصد الاستماع الى حفلات الموسيقى أو لمناقشة البراهين على تجاربه في حقول العلم الطبيعي، أو لإجراء محاورة فلسفية.: انت مغادرته لمدينته فايمار قد قلت، فقرر فتح ابواب منزله للجميع: تاب وباحثين وعلماء فنون ورحالة ورجال سياسة، وناس من العامة يودون مشاهدة الرجل الذي اصر نابليون ان يلتقيه ليخبره انه قرأ " آلام فرتر " عدة مرات ورافقته في معظم رحلاته ومعاركه االحربية، وعندما قال له قال غوته:  يا صاحب الجلالة إنك تجاملني ". قال نابليون: " فرتر هو في الواقع عمل مليء بالأفكار الجليلة.. إنه يحتوي على آراء نبيلة للحياة، ويصور التعب والاشمئزاز الذي يجب أن تشعر به جميع الشخصيات الرقيقة الصافية الذهن عند إجبارها على ترك مجالها والتواصل مع العالم، لقد وصفت معاناة بطلك ببلاغة لا تقاوم، وربما لم يقم شاعر بعمل تحليل فني للحب أفضل مما فعلت".: ان غوته يبلغ من العمر 60 عاما عندما التقى نابليون الذي قال له: " لديك مظهر شاب!، من الواضح أن التواصل الدائم مع الموسيقى قد أعطاك شبابا إضافيا".- غوته ونابليون.. لقاء تاريخي ترجمة خليل الشيخ -

ظل غوته طوال حياته يحارب الشهرة التي التي: ان يقول عنها " جارحة للشعور بقدر ما هو سوء السمعة ". ييردد على مسامع زواره: " ان معنى: تاباتي وحياتي ومغزاهما هو انتصار العنصر الانساني " ثم يضيف: " سوف يكون من شأن الاديب بوصفة إنساناً ومواطناً أن يحب وطنه الأم، ولكن وطن طاقته الشعرية وتأثيره الشعري هو قيم الخير والنبل والجمال، وهذه لا ترتبط باقليم معين ولا ببلاد معينة، بل هي قيم يعمد إلى اعتناقها والتمسك بها وتشكيلها حيثما يجدها " – غوته أفكار وتأملات ترجمة هاني صالح –

كتب غوته عام 1820 وهو في عقده السابع: " إن الكتابة مرض مستعص، ومن الخير أن نستسلم له. ونراه يعلن ان: تابا ما إنما يؤثر في القارئ ثم يصبح جزءا من الثقافة المحيطة بواسطة شخصيية المؤلف وجدها: " يجب ان تكون انسانا ذا شخصية لكي تخلق عملا ذا قيمة".

بدأ اهتمامه بالقراءة والكتب مبكراً بتعرفه لأول مرة في مكتبة والده على: تاب الجمهورية لافلاطون الذي قال عنه إنه اول: تاب يفتح عيني على العالم. ومنذ ذلك الحين صارت الكتب أكثر ما يتحدّث فيه مع رفاقه في المدرسة، يتذكر يوهان فولفانغ غوته: يف أن مجموعة من الكتب قد اجتذبته أكثر من سواها وسيكتب في سيرة حياته التي أسماها " الشعر والحقيقة " متذكراً المكتبة الكبيرة التي: انت تأخذ حيزاً: بيراً في ذلك المنزل الذي يتألف من مبنيين متجاورين: " هناك عندما: برت، لم تكن إقامتي في جو يخيم عليه الحزن، بل سادها التوق وخالجها الشوق الى المعرفة "، يتذكر أن عمه رشح له مجموعة من الكتب: ان لمعرفة غوته الطالب الصغير بعالم الفلسفة أبرز الأثر في: تاباته فيما بعد، ففي سن العشرين بدأ يبشر بفلسفة سبينوزا، وآمن إن الشعر بحاجة الى العلم، لكنه اختلف مع أفكار نيوتن فهو يعتقد ان واجب العلم البحث عن تعابير واستعارات في الطبيعة تبرهن على الوحدة المستكنة في: ل جزء من أجزائها. توقع غوته من العلم: الدين سواء بسواء تأكيد لمقولته الشهيرة ": ل الأشياء تتشابك وتنسجم في: لٍ: امل ". في عام 1769: ان غوته في العشرين من عمره حين وقع في يده: تاب " مقال في إصلاح العقل " لسبينوزا حيث وجد في هذا الكتاب، أجوبة على أسئلة: انت تدور في ذهنه عن علاقة الدين بالتفكير العقلي والعلمي، وسيصبح إبداع غوته الشعري فيما بعد تفسيراً لفلسفة سبينوزا، فقد وجد غوته في: تاب سبينوزا مفاهيم جديدة عن الحرية وموضوعة الذاتية الفردية: تب رساله الى شوبرت يخبره فيها إن الفلسفة وحدها ستبلغه سر الوجود: " "في البداية قرأت: تب الفلسفة بجد وإخلاص، لكن الفلسفة لم تنورني فقط. بل مارست عملية هدم وعزل، أتلقف تلك العمليات الذهنية التي: نت أؤديها بأقصى قدر من السهولة في شبابي، لكي أرى الاستخدام الصحيح لها".في العام 1784 سيصدر يوهان غوتفريد هردر، كتابه " تأملات في فلسفة تاريخ البشرية " وسيرسل نسخة الى غوته الذي سيكتب إليه يحيي فيه قدرته على وضع تاريخ: لي للحضارة.. لكنه أخذ عليه إيمانه المطلق بالجبرية، وقمعه: ل فعل عقلي حر تقوم به الإرادة، فالإنسان في نظر هردر غير قادر على توجيه مصيره، لأن ما يسيطر على أفعاله ومصيره هو الطبيعة وتكوينه العضوي وبيئته الفيزيائية، ورغم اعتراضات غوته على: تاب هردر إلا إنه سيكتب ملاحظات ينشرها ضمن يومياته يؤكد فيها إن استعدادات الانسان التي تعمل على خدمة عقله، مهيئة لبلوغ أسمى درجات الكمال، إلا أنه من غير المستطاع تحقيق هذه الغاية في الفرد، فهي لن تتحقق إلا في الجنس البشري، لأن العقل يعمل في صورة محاولات تتجه الى التقدم والتراجع معاً. وستتضح هذه الفكرة فيما بعد في مقال ينشره إيمانويل: انط عام 1790 يؤكد فيه إن التحقيق الكامل لطبيعة الإنسان العقلانية لن يتيسر إلا في " المجتمع العالمي المتحضر " المرتكز على العدالة السياسية، حيث يؤكد: انط إن إقامة مثل هذا المجتمع هو أكبر مشكلات الجنس البشري. ووضع: انط: هدف سياسي إنشاء اتحاد للدول يتحقق فيه أكبر قدر مستطاع من الحرية.. وسيتذكر غوته ما: تبه: انط عند لقائه مع نابليون في الثاني من تشرين الثاني عام 1808: ان غوته معجباً بالثورة الفرنسية، ويدين بالكثير من أفكاره عن الطبيعة لجان جاك روسو وعندما سأله نابليون عن رأيه في ما يجري من حوله أجاب: ": ل العصور التي في انحطاط وانحلال عصور ذاتية، ومن جهة أخرى فجميع العصور التقدمية لابد أن تكون موضوعية. إن عهدنا عهد رجعة، ولذا فهو عهد ذاتي "، اعتقد غوته إن العالم سائر نحو التحقيق الكامل للحرية، فهي غايته وهدفه، لكنه هدف صعب الوصول لأنه يعني القمع الكامل للطبيعة، ولهذا ظل غوته يؤمن إن العالم يقترب في طريق غير محدد تجاه مثل أعلى، وثمة تزايد مستمر في تحقيق الحرية، وبازدياد ارتفاع العالم نحو بلوغ غاياته يتزايد اتباعه للعقل، فغاية البشر هي بلوغ حالة تترتب فيها: ل علاقات الحياة وفق العقل، لا تبعاً للغريزة، وإنما بوعي: امل وتبعاً لهدف مقصود..إنها أفكار سبينوزا التي بعثت الروح التفاؤلية عند غوته، فمهما: انت التناقضات التي تسيطر على الروح الإنسانية، ومهما: انت الكوارث والانهيارات التي تهددها ومهما سمم الحزن القاتل هذا المخلوق الأرضي، فإن طاقة السعادة العامة لا تعرف النضوب، ولاتقوم خصوصية أفكار غوته على صلتها بفلسفة سبينوزا فقط، وإنما على حركتها النقدية الغنية الأصيبلة المرتبطة بمجالات الواقع والعلم المتنوعة، وقد شكلت هذه الافكار بدايات فلسفة التنوير التي ظهرت في المانيا التي جعلت من غوته المجرب الطبيعي والمجدد لهذا الفكر، فكان يمتلك رؤية بعيدة للمستقبل، وكان أكثر من أي: اتب آخر رائداً للرواية الفلسفية، وقد ساهم غوته مساهمة فعالة للغاية في النقاشات المعاصرة حول الحرية والمستقبل، وأشار الى الإمكانات اللا محددودة التي يتمتع بها العنصر البشري، والإدراك التاريخي للروابط القائمة بين تطور المجتمع والتقصي الفلسفي لمعنى الوجود.

ولد جوهان فولفانج غوته في فرانكفورت في الثامن والعشرين من آب عام 1749، والده محام صارم الفكر، أصرّ أن يتعلم ابنه اللاتينية والعبرية والفرنسية والإنكليزية وهو صغير، وطلب منه أن يكتب مقالات وينظم الشعر، ويقرأ: تباً في الفلسفة والفنون، هذه الحياة التي ارتبطت بالكتاب نجده صداها في شخصية فاوست الذي دائما ما يعقد مقارنة بين مغامراته مع الكتب وحكاياته مع النساء، يدرس غوته القانون في: لية ستراسبورج لكنه لايعمل في سلك القضاء مثلما تمنى والده، فقد انصرف للكتابة، ليصبح بعد سنوات واحداً من أهم أدباء المانيا، وليحظى بالتكريم خلال سني حياته التي استمرت أربع وثمانين عاماً، حيث توفى عام 1832

عام 1774 صدرت الطبعة الأولى من رواية آلام فرتر: ان غوته في الخامسة والعشرين من عمره، ولم يكن يتصور أن تلك الصفحات الحزينة التي: تبها عن تجربته مع العشق يمكن أن يتخاطفها الناس، ويصبح الشاب فرتر بوجهه الحزين والكتاب بين يديه نموذجاً لجيل بأكمله، وشهيداً من شهداء الحب: ان هذا أول: تاب يصدره غوته، لكنه وضعه في المقدمة من أدباء المانيا وأصبحت آلام فرتر بداية لعصر جديد في الأدب سمي"عصر الرومانسية".

كان غوته قد فكر في بداية الأمر أن يكتب مسرحية عن آلام الشاب فرتر، لكنه في النهاية استقر على رواية، تروي بعضاً من سيرة حياته، فبطل الرواية لايتجاوز عمره الثالثة والعشرين من عمره، وبطلة الرواية لوت، هي شارلوت بوف التي تَعرّف عليها في تلك السنوات، ويخبرنا: تاب سيرة غوته إنه في تلك الفترة: ان يائساً وفكر في الانتحار، وعندما عجز عن تنفيذ ذلك، نفّذه على الورق، فبطل الرواية بعد أن يفقد الأمل في الحصول على محبوبته، يكتب رسالة وداع أخيرة، يقرر فيها الانتحار، وقد حملت سيرة حياة غوته حكاية حب تقترب بشكل تام مع حكاية حب فرتر، يكتب جورج لوكاش إن غوته في هذه الرواية: ان واحداً من أجرأ الكتّاب الذين سلطوا الضوء على حياتهم الخاصة – غوته وعصره ترجمة بديع عمر نظمي -، ظل غوته يصر على انه مواطن عالمي اكثر مما هو اديب الماني ونجده وهو في الثمانين من عمره يكتب وصيته السياسية: " سوف يكون من شأن الاديب ممارسه بوصفه انسانا ومواطنا ان يحب وطنه الأم، لكن وطن طاقته الشعرية وتاثيره الشعري هو قيم الخير والنبل والجمال، وهذه لاترتبط باقليم معين ولا ببلاد معينة، بل هي قيم يعمد الى اعتناقها والتمسك بها وتشكيلها حيث يجدها. انه في ذلك يشبه النسر الذي يحلق بالاعالي وفوق البلدان بنظرته الطليقة، حيث الامر سواء عنده:  فيما اذا: ان الارنب الذي ينقض عليه النسر ارنبا يعدو بروسيا او ساكسونيا ".

هناك الكثير من الكتب التي يعثر عليها القارئ في تفسيرات جديدة ومثيرة في: ل الأزمنة، وتجد من يمنحها تأويلاً جديداً. ومن هذه الكتب "فاوست"، الذي صاغه الألماني يوهان سبيس في فرانكفورت عام 1587 وأعاد: تابته، بعد عام واحد، الانكليزي: ريستوفر مارلو بعنوان:  "التاريخ المأسوي للدكتور فاوست"، قبل أن تتوازعه أسماء لامعة متلاحقة، ليس آخرها توماس مان وبول فاليري وفرناندو بيسوا. أسباب: ثيرة أسهمت في أقدار " فاوست " الذي لا يشيخ: ما لو: ان مزيجاً قلقاً من النور والظلام. والحديث عن الموت والحياة والسياسة وآلام المعرفة، وتلك الرغبة في الاقتراب اسرار الحياة.

بدا غوته بكتابة فاوست عام 1771، قبل أن ينشر آلام فرتر حين: ان في الثانية والعشرين من عمره، لكنه لم يكملها واستمر في: تابتها بشكل متقطع حتى انجزها عام 1831، قبل عام من وفاته، لم تظهربشكل: امل إلا بعد موته بست سنوات. ولهذا اعتبر العمل اشبه بوصية فلسفية وفكرية عكس فيها غوته التحولات الجذرية التي غيّرت المجتمع الألماني والعالم بأسره، ومثلما يكتب لوكاش لم تكن فاوست مجرد تشخيص لمصير غوته الشخصي وإنما: انت: "تطويراً مستقلاً متميزاً للوعي الذاتي القومي، بل للوعي الذاتي للبشرية". ونجد هذا المعنى في نشيد البداية حيث يخبرنا فاوست:

أود أن أتمثل في أعماق قلبي

ما قدر للبشرية جمعاء

أن أدرك بعقلي أسمى الأشياء في نظرهم وأعمقها،

وأجمع في قلبي سعادتهم وشقاءهم

وبذلك أصل ما بين: ياني وكيانهم

وأتحطم في النهاية: ما يتحطمون.

تبدأ أحداث المسرحية باتفاق يتنازل فيه فاوست عن روحه لمفيستوفيلس مقابل أن يمنحه لحظة واحدة من الفرح والانتصار.

في بداية القسم الاول حاول إغواء فاوست للفتاة مرغريت بمساعدة مفيستوفيلس، حيث تنتهي قصة الحب هذه بكارثة شبيهة بما حدث لبطل آلام فرتر، إذ يقتل فاوست شقيقها، فتفقد مرغريت عقلها وتموت.

أما القسم الثاني فيدور حول قصة حب أخرى بين فاوست وهيلين التي يستحضرها من عالم الأموات بمساعدة مفيستو فيلس وتكون ثمرة ذلك الحب الطفل "يوفورين" الذي سرعان ما يتبخر في الهواء: الدخان، والموضوع الرئيسي في هذا الجزء هو حب فاوست وهيلين الذي يجري في جو من المغامرات، وتبلغ ذروته حين يحاول مفيستوفيلس أن يجرّ فاوست معه الى الحجيم رغم إنه لم يحصل على لحظة فرح حقيقية، ليدرك في النهاية أن الفرح الحقيقي ليس في السيطرة على الآخرين والبحث عن القوة والسلطة وإنما في مساعدة الناس، عندها يتخلص فاوست من وساوس الشيطان وينتصر عليه. وهكذا نجد غوته يؤمن بأن لولا الشر ولولا تضحية هيلين ما: ان في إمكان فاوست أن يحقق حلمه النهضوي، وأن يعطي إنسان العصور الجديدة مكانته، وشكه الانساني في الخالص، بعيداً من اليقين المريح.

لقد نجحت مسرحية فاوست التي أطلق عليها اسم إلياذة العصور الحديثة أن تلخص لنا من خلال مسيرة فاوست من السقوط والبؤس الى الارتفاع والخلاص، مسيرة البشرية ذاتها وهذا ما جعل النقاد يعتبرون عمل غوته هذا عملاً أدبياً وفنياً لايقاس به أي عمل آخر تناول شخصية فاوست، وهو الأمر الذي جعل جورج لوكاش يعقد مقارنة بين فاوست غوته وظاهريات الروح لهيغل، والذي انتهى منه بنفس الوقت الذي انتهى فيه غوته من: تابة القسم الاول من فاوست، ونقرأ في سيرة الفيلسوف الالماني الشهير انه: ان يحتفظ بمخطوط "ظاهريات الروح" في جيب معطفه أينما يذهب، وإنه طلب مساعدة صديقه غوته ليقنع أحد الناشرين بطباعته، لكنه لم يجد إقبالاً من القراء حيث وجدوا صعوبة في حل ألغازة، ونراه يخبر غوته أن لا أحد يريد أن يفهمه. وإذا: انت فاوست تلخص حياة الإنسان وتجارب مصير البشرية، فان ظاهريات هيغل تشرح لنا تطور الوعي الفردي خلال مراحله المختلفة منظوراً إليه: تلخيص للمراحل التي قطعها وعي الإنسان في مجرى التاريخ، واذا: ان هيغل قد نظر الى التطور التاريخي بوصفه عمل الانسان نفسه وأدرك إن الانسان يخلق نفسه من خلال عمله الخاص، فان هذا على وجه التحديد هي الصيغة الفلسفية لفاوست.. الإنسان الذي يخلق مصيره من خلال عمله الخاص.

في العام 1932 يلقي الشاعر الفرنسي بول فاليري: لمة في الإحتفال الذي أقيم بمناسبة مئة عام على رحيل غوته وفي هذا الخطاب يتحدث فاليري عن فاوست وغوته إنهما شخص واحد: "وأول ما ينبغي أن تعرفه عن فاوست هو قلقه الخالص والشك الدائم، وهي الصفات التي لازمت غوته طوال حياته.

كان الفيلسوف الامريكي إمرسون قد اطلق على شكسبير لقب " اعظم الشعراء "، فيما اعطى غوته لقب " اعظم الكُتاب "

ظل غوته يكتب حتى الايام الاخيرة من حياته، وقد: ان يحس بالسعادة وهو يعلن ارتباطه بالكتب

إنها مهنة غريبة وشاقة.. من ينكر ذلك؟

إنها قضاء يمكن أن يبدو في حينه: اللعنة الحقيقية، وكالمرض لمن يحترفها ".

***

علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية

 

(13 آذار 1941م/ البروة- 9 آب 2008م/ هيوستن"

في الجليل تتكئ التلال على زرقة البحر وتفوح رائحة الزعتر من بين حجارة الحقول، كانت هناك قرية صغيرة تُدعى البروة تستيقظ كلّ صباح على صوت الريح وهي تمرّ بين أشجار الزيتون. هناك، في صباحٍ من آذار عام 1941م وُلد طفل لم يكن في ملامحه ما يوحي بأنّ اللغة ستتخذ من صوته وطناً، وأنّ الشعر سيجد فيه أحد أكثر حراسه إخلاصاً، كان اسمه محمود درويش.

لم تكن البروة يومها أكثر من قريةٍ وادعة على أطراف التاريخ، لكنّ القدر كان يخبّئ في أحد بيوتها حكاية ستتجاوز حدود المكان.

ففي تلك البيوت الحجرية التي كانت تتكئ على دفء العائلة وهدوء الحقول بدأ طفلٌ يصغي إلى العالم كما لو أنّ كل شيء فيه يصلح لأنْ يتحول إلى قصيدة ترتسم في خطى الأم في المطبخ، وفي صرير الباب الخشبي، وهدير الريح في المساء، وامتداد الحقول حتى حافة الضوء.

ثم جاءت الأعوام التي تغيّر فيها كل شيء، فانكسرت القرية تحت وطأة التاريخ، وتفرّقت الطرق بأهلها، لكنّ الطفل الذي خرج من البروة حملها معه سرّا صغيرا في القلب.

ومع مرور الأيام صارت القرية ذاكرةً، وصارت الذاكرة لغة، ومن تلك اللحظة بدأ الشاعر يتكوّن، ويعيد بناء وطنٍ كامل بالكلمات.

هكذا بدأت سيرة محمود درويش من قريةٍ محاطة بالزيتون، إلى قصيدةٍ أحاطت بالعالم.

هي سيرة شاعرٍ لم يكتفِ بأنْ يكتب عن فلسطين، وإنما جعلها تتكلم في صوته، وتتنفّس في قصيدته، وتعيش في اللغة كما تعيش الأرض في جذور شجرها.

في طفرة جينية استثنائية يولد بين شجيرات تلك القرية الزراعية الهادئة أحد أعمدة الشعر العربي الحديث، والذي صار اسمه مرادفاً لذاكرة وطن كامل.

كان اسمه محمود درويش، وكان ميلاده بداية قصةٍ ستتحول لاحقاً إلى واحدة من أكثر السير الأدبية تأثيراً في الثقافة العربية المعاصرة.

كانت البروة مشهداً أولياً لوعي الشاعر. هناك تعلّم الطفل معنى الأرض قبل أنْ يتعلم اللغة، ورأى أشجار الزيتون تمتد على التلال كأنها سلالةٌ من الصبر.

في تلك البيئة الريفية الأولى تشكّل الحس الشعري المبكر، واختلطت رائحة التراب بصوت الأم وهدوء الحقول.

لكنّ التاريخ كان يعدّ لذلك الطفل مصيراً مختلفاً.

ففي عام 1948م ومع اندلاع الحرب التي غيّرت وجه فلسطين دُمّرت البروة وهُجّر أهلها.

خرجت عائلة درويش مثل آلاف العائلات الفلسطينية في رحلة المنفى الأولى.

كان محمود آنذاك مجرد طفلٍ يراقب العالم وهو يتشقق أمام عينيه.

غير أنّ هذه التجربة المبكرة في حياته أصبحت البذرة التي سينمو منها مشروعه الشعري.

ظلّت القرية تسكنه حتى بعد أنْ غابت عن الجغرافيا، ولهذا عندما كتب لاحقاً قصيدته الشهيرة عن الأم بدا وكأنه يكتب عن الوطن أيضاً:

أحنُّ إلى خبزِ أمي

وقهوةِ أمي

ولمسةِ أمي

وتكبر فيَّ الطفولة

يوماً على صدر يوم

وأعشق عمري

لأني إذا متُّ

أخجل من دمع أمي

(قصيدة إلى أمي – ديوان عاشق من فلسطين).

في هذه الأسطر القصيرة تختلط الأم بالأرض، والحنين بالطفولة.

لقد كان درويش يدرك مبكراً أنّ الذاكرة قادرة على أنْ تعيد بناء الوطن في اللغة إذْ يتعذر وجوده في الواقع.

بعد سنواتٍ من النزوح عادت العائلة خلسة إلى الجليل، غير أنّ العودة لم تكن عودةً كاملة، فالقرية لم تعد قائمة، والطفل الذي عاد لم يعد كما كان.

عاش درويش في قرى الجليل تحت واقعٍ سياسي معقد، لكنه وجد في القراءة والكتابة ملاذاً مبكراً.

بدأ درويش يكتب قصائده الأولى في المدرسة، فكان الشعر بالنسبة له وسيلة لفهم العالم الذي تبدّل فجأة.

ومع مرور الوقت بدأت ملامح صوته الشعري تتشكل في صوت يجمع بين الحس الغنائي والوعي السياسي.

وفي بداية الستينيات ظهر اسمه بقوة في الصحافة الثقافية داخل فلسطين خصوصاً من خلال عمله في صحيفة الاتحاد ومجلة الجديد.

لكنّ اللحظة الفاصلة في مسيرته جاءت عندما نشر قصيدته الشهيرة "بطاقة هوية".

لقد شكّلت قصيدة "بطاقة هوية" إعلان ميلاد الشاعر أمام الجمهور العربي، فكانت قصيدة قصيرة نسبياً، لكنها حملت طاقة رمزية هائلة.

يقول فيها:

سجّل!

أنا عربي

ورقمُ بطاقتي خمسون ألف

وأطفالي ثمانية

وتاسعهم سيأتي بعد صيف

فهل تغضب؟

سجّل!

أنا عربي

وأعمل مع رفاق الكدح في محجر

وأطفالي ثمانية

أسلّ لهم رغيف الخبز

والأثواب والدفتر

(قصيدة بطاقة هوية – ديوان أوراق الزيتون).

كانت هذه الكلمات أشبه ببيان وجودي للشاعر الذي كتب سيرة شعبٍ كامل في مواجهة المحو.

وقد تابع في القصيدة نفسها بنبرةٍ تحمل كرامة واضحة:

ولا أتوسل الصدقات من بابك

ولا أصغر

أمام بلاط أعتابك

هكذا ظهر محمود درويش في بداياته شاعراً للمقاومة، وصوتاً يعلن الهوية ويرفض النسيان.

ومع مرور الوقت تحولت البروة في شعر درويش من قريةٍ حقيقية إلى رمزٍ شعري، فصارت تمثل البيت الأول، والذاكرة الأولى، والبداية التي لا تنتهي.

لقد كتب عن القرية بطريقة جعلتها أكبر من جغرافيتها، فالزيتون في قصائده كان علامة على الجذور، والخبز بات رمزاً للحياة البسيطة التي يحرسها الإنسان بكرامته.

وفي كثير من نصوصه يعود إلى فكرة الأرض والعلاقة الوجودية، كما في قوله:

على هذه الأرض ما يستحق الحياة:

على هذه الأرض سيدةُ الأرض

أمُّ البدايات أمُّ النهايات

كانت تسمى فلسطين

صارت تسمى فلسطين

(قصيدة على هذه الأرض ما يستحق الحياة – ديوان ورد أقل).

في هذه القصيدة يتجاوز درويش حدود الخطاب السياسي ليقدم رؤية إنسانية للجمال والحياة.

غادر درويش فلسطين في مطلع السبعينيات، وبدأت مرحلة جديدة في حياته، فعاش في القاهرة ثم بيروت وتونس وباريس متنقلاً بين عواصم متعددة، ومع كل انتقال كانت القصيدة تتسع أكثر.

وسرعان ما صار الوطن عنده فكرة فلسفية، والمنفى تجربة وجودية.

في تلك السنوات كتب نصوصاً أصبحت من أهم ما أنتجه الشعر العربي الحديث، ومن بين هذه النصوص قصيدته الملحمية "مديح الظل العالي" التي كتبها في سياق حصار بيروت. يقول فيها:

بيروت خيمتنا

بيروت نجمتنا

بيروت شكل البحر والبر

بيروت تعب القلب

بيروت القصيدة

حين تكتب نفسها بالنار

(قصيدة مديح الظل العالي)

في هذه القصيدة تتحول المدينة إلى شخصية شعرية، وتصبح الحرب جزءاً من الملحمة الإنسانية.

وعلى الرغم من أنّ درويش عُرف بوصفه شاعر فلسطين، فإنّ قصائده كانت مليئة أيضاً بقصص الحب، لكنه حبّ معقد يتداخل فيه العاطفي بالتاريخي.

ففي قصيدته الشهيرة "ريتا والبندقية" يقول:

بين ريتا وعيوني بندقية

والذي يعرف ريتا

ينحني

ويصلّي

لإلهٍ في العيون العسلية

هذه القصيدة تحكي قصة حبٍ مستحيل، لكنها في الوقت نفسه تعكس التوتر بين الإنسان والتاريخ.

وفي الثمانينيات والتسعينيات دخل شعر درويش مرحلة جديدة من النضج الفني، فأصبحت لغته أكثر رمزية وتأملاً، وبدأت القصيدة تتجه نحو الأسئلة الوجودية الكبرى.

ومن أشهر ما قال في تلك المرحلة:

نحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا

ونرقص بين شهيدين

نرفع مئذنة للبنفسج بينهما

ونسرق من دودة القز خيطاً

لنصنع ثوباً لسماء جديدة

هذه الأسطر تقدم فلسفة كاملة للحياة، والتشبث بالجمال رغم المأساة.

في نهاية التسعينيات تعرّض درويش لوعكة صحية خطيرة، وبعد تجربة الاقتراب من الموت كتب واحدة من أعظم قصائده وهي "جدارية".

في هذه القصيدة يحاور درويش الموت بهدوء الشاعر الذي يرى الحياة من مسافة جديدة:

هذا هو اسمك

قالت امرأة

وغابت في الممر اللولبي

ثم يعلن انتصار الفن على الفناء:

هزمتك يا موتُ الفنون جميعها

(قصيدة جدارية)

إنها لحظة شعرية يتداخل فيها الوجودي بالفلسفي.

في سنواته الأخيرة كتب درويش نصوصاً قصيرة مكثفة أبرزها في كتاب أثر الفراشة.

في هذه النصوص تبدو لغته أكثر صفاءً واختزالاً. يقول:

أثرُ الفراشة لا يُرى

أثرُ الفراشة لا يزول

إنها استعارة دقيقة عن أثر الشعر في العالم.

في التاسع من آب عام 2008 رحل محمود درويش في مدينة هيوستن بعد عملية جراحية في القلب، لكن رحيله لم ينهِ حضوره؛ فما زالت قصائده تُقرأ وتُغنى وتُدرَّس في الجامعات. لقد ترك أكثر من ثلاثين ديواناً شعرياً، وترجمت أعماله إلى عشرات اللغات، وأصبح أحد أبرز شعراء العصر الحديث، لكنّ إرثه الحقيقي يُقاس بتلك القدرة الفريدة على تحويل الألم إلى جمال. وعندما نعود اليوم إلى قرية البروة مسقط رأسه الأول تبدو الحكاية أكبر من قرية وأكبر من شاعر. لقد خرج درويش من تلك القرية طفلا صغيرا، لكنه عاد إليها في ذاكرة الشعر العربي كله. وقد لخّص درويش علاقته بوطنه في جملةٍ قصيرة أصبحت شعاراً إنسانياً:

وطني ليس حقيبة

وأنا لست مسافراً

هكذا بقي محمود درويش شاعراً جعل من اللغة وطناً، ومن القصيدة بيتاً للذاكرة، ومن الحنين فناً يخلّد الإنسان والأرض.

تمرّ السنوات، وتتبدّل المدن، ويغيب الشعراء كما تغيب النجوم البعيدة، لكنّ بعض الأصوات تبقى معلّقة في سماء اللغة لا تنطفئ.

هكذا بقي صوت محمود درويش صدى طويلا لقريةٍ ما زالت تتنفس في الذاكرة اسمها البروة.

لقد غادر الشاعر العالم ذات يوم غير أنّ القصيدة التي بدأها لم تنتهِ.

فما زالت كلماته تمشي بين الناس، وتعبر الأزمنة كما تعبر الريح حقول الجليل، وتعود كل مرة لتذكّرنا بأنّ الأرض التي تُكتب بالشعر لا يمكن أنْ تضيع.

كان درويش يعرف ذلك عندما قال:

على هذه الأرض ما يستحق الحياة.

ولعل هذه العبارة خلاصة حياة شاعرٍ آمن بأنّ اللغة تستطيع أنْ تحفظ الذاكرة من الغياب، وأنّ القصيدة يمكن أنْ تكون بيتاً واسعاً يتّسع لوطنٍ كامل.

وهكذا، كلما مرّ يوم ميلاده يعود المشهد الأول من جديد لقرية صغيرة في الجليل، وطفل يولد بين الزيتون، وصوت خفي في المستقبل يقول إنّ هذه الحكاية لن تنتهي عند حدود القرية، وأنّها ستسافر بعيدا حتى تصبح قصيدة اسمها محمود درويش.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

ملامح التمرد الثقافي في عراق الأربعينيات

للجماعات الأدبية والفنية امتداد طويل في تاريخ العراق الثقافي والفني منذ تكوين الدولة العراقية وانفتاح الثقافة والفن على مصادر متنوعة من الأفكار والمفاهيم والتيارات الحديثة.

اقترن ظهور العديد من الجمعيات والنوادي الثقافية والسياسية والمهنية والرياضية في بغداد، بإقرار قانون الجمعيات في 2 تموز 1922، ومن أبرز تلك الأندية التي ظهرت في العاصمة في عشرينات القرن الماضي التي كان لها دور متميز في الحركة الوطنية، "نادي التضامن". إذ كان تأسيسه في عام 1926، نقطة تحول في نشاط المثقفين المجددين. كان لحسين الرّحال الدور الأساس في تأسيسه.

أصبح نادي التضامن منبراً تجتمع فيه العناصر الوطنية والشباب المثقف، والمكان الذي يتابعون فيه ما تنشره الصحافة في البلدان العربية. وأظهر النادي ميوله السياسية المعارضة حين طالب بسقوط معاهدة 1922. كما اهتم بالفن المسرحي، إذ قدم عملاً مسرحياً على قاعة سينما الوطني في كانون الثاني 1927، وكان للنادي نشاط في المجالين التعليمي والثقافي، وقام بتوفير الصحف للمطالعة مما شجّع المثقفين على الإقبال عليه.

تلك كانت البدايات الأولى، بيد ان المرحلة التي شهدت تطور الحركة الثقافية في العراق، وتأسيس الجماعات الأدبية، كانت قد بدأت في اعقاب الحرب العالمية الثانية، على الرغم من أنها دارت في أماكن بعيدة عنه، إلا نهايتها في عام 1945 دشّنت مرحلة جديدة لتحولات نوعية في المشهد الثقافي، بتأثير التغيرات الشاملة في خارطة العالم، وما نجم عنها من تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية. كانت تلك قد فتحت نافذة أمام المثقفين العراقيين لمتابعة ما يحصل في العالم.

وعلى صعيد آخر جرت محاولات عديدة لإعادة ترتيب التوازنات السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط، وكان العراق جزءاً من هذا التحول، إذ تسارعت وتيرة التحديث، على مسارات متعددة، بفعل نمو الطبقة الوسطى، وشهدت المرحلة ازدهاراً لافتاً في الصحافة الثقافية والمجلات الأدبية، وكان التحول الأهم في حركة الشعر العربي الحديث، وفي السرد، وفي الفنون التشكيلية، وبناء الهوية البصرية، وفن العمارة.

أنتج هذا الواقع جيلاً جديداً من الكتّاب يبحث عن أطر تنظيمية تتجاوز الفردية، فتحولت المقاهي الثقافية والصالونات وبعض البيوت إلى نوىً لتشكيل جماعات تتبنى توجهات ثقافية وجمالية متنوعة. كاستجابة لتلك التحولات الفكرية والفنية، تحوّلت بمرور الزمن إلى ظاهرة أشاعت الحوار والجدل والتنظير، ونقلت الإبداع من مبادرات فردية إلى مشاريع ثقافية تركت أثراً عميقاً في الحياة القافية العراقية.

الواقع أن رواد تلك المشاريع أخذوا بأسباب ضرورة التعرف على الفكر الأوربي، والفن العالمي التي ساعدت ظروف الحرب في اتساعهما، لم يقتصر الأمر على الأدب فحسب، بل امتد إلى الفن التشكيلي. كان تأسيس معهد الفنون الجميلة عام 1939 حدثاً ثقافياً وفنياً في تاريخ العراق، وامتداداً لنهضة ثقافية كانت تنمو في المدارس على اختلاف مستوياتها. كما رافق تأسيسه بوصفه معهداً للفن، ظهور مؤسسات أخرى غير رسمية، اهتمت بالفكر والفن، فأصدر الفنان جميل حمودي، وهو ما يزال طالباً في المعهد مجلة "الفكر الحديث عام 1945"، كما أصدر رسائل فنية أسماها "ستوديو" وحاول أن يجعل من مجلته صوتاً للحركة الفنية في العراق، تعرّف القارئ من خلالها على "السريالية" في مقالة لـ "نعيم قطّان"، وكتب فيها الفنان جواد سليم مقالين عن الموسيقى العالمية.

وفي السنوات ذاتها، اتفق جماعة من الأصدقاء، جلّهم من الشباب على تشكيل رابطة تجمعهم أسموها "جماعة الوقت الضائع"، وهؤلاء الشباب هم: بلند الحيدري، نزار سليم، سلمان محمود، حسين هدّاوي، إبراهيم اليتيّم. ثم انضمّ إليهم: عدنان رؤوف، حسين مردان، فؤاد رضا، أكرم الوتري. وعدنان أبو الفتوح، المصري الجنسية، المنتدب للتدريس في كليات بغداد.

اتخذت جماعة "الوقت الضائع" أول الأمر "مقهى السويس" المجاورة لمقهى "البرازيلية" في شارع الرشيد مقراً لها، كانوا يلتقون فيها للنقاش وتبادل الآراء، وتمكنت الجماعة من اصدار عدة كتب، منها: ديوان الشاعر بلند الحيدري "خفقة طين" عام 1946، ومجموعة أقاصيص بعنوان " أشياء تافهة" للقاص والفنان نزار سليم. كما صدر عنها نشرة باسم الجماعة، لعددين فقط، كان غلاف العدد الثاني صورة لتمثال "النهر الأسود" للنحات خالد الرحّال. وأهمّ ما تضمنته النشرة مقالات للفنان جواد سليم، وترجمة لإحدى قصص " وليم سارويان" وقصيدة من الشعر المنثور لحسين هدّاوي.

ثم انتقلت الجماعة إلى مقهى آخر في الأعظمية مقابل النادي الأولمبي، أسموه "الواق واق" نسبة إلى اسم الجماعة ذاتها. التي تحمل طابعاً تهكمياً ـ رمزياً، يحيل إلى متخيل بعيد، ولها موقف نقدي من الواقع الثقافي، لكن الجماعة كانت موضع ارتياب السلطة، لأن مخبريها ينقلون صورة مشوشة عن أحاديث الجماعة في مجالسهم، يعتقدون أنهم يتكلمون لغة غير مفهومة. هذه اللغة غير المفهومة كان يتحدث بها الأديب المترجم إبراهيم اليتيم عن التيارات الأدبية الحديثة في أوربا، بوصفه خريجاً لإحدى الجامعات الفرنسية. لذلك أغلقت المقهى بعد مضي وقت قصير.

لم تكن الجماعة تنظيماً مؤسسياًـ بل حلقة ثقافية ضمت شعراء وكتاباً وفنانين شباباً تأثروا بالتيارات الفكرية الحديثة والتجريب، وتقاطعوا مع السائد التقليدي في تلك الفترة.

يصف الشاعر بلند الحيدري الظروف التي دفعت أولئك الشباب الى تبنّي تلك الأفكار، فيقول: ربما أحدثت الحرب العالمية الثانية اهتزازاً كبيراً في القشرة السطحية لأرض العراق فتواجدنا آنذاك على هذا المستوى في الخلق. إن أكثر المبدعين كانوا من الشباب المثقف، وهي ظاهرة مهمة جداً على ما كان مألوفاً في تجاربنا الشعرية والفنية. ربما كان الأمر أسهل وأهون لأننا لم ننقطع عن تراثنا، أما بالنسبة إلى الفنان فكانت المغامرة أشدّ، والجهد أكبر، لأنهم يحرثون في أرض بكر، استوردوا المحراث من أوربا، ولكن ليحرثوا به أرضهم.

***

د. جمال العتابي

في المساءات الدمشقية المعلَّقة بين صلاةٍ وقصف، حين يهبط الضوء على حجارة البيوت العتيقة في باب توما والميدان، تتكاثر الظلال كأنها ذاكرة تمشي على قدمين. رائحة الياسمين المتدلّي من الشرفات تختلط ببخار القهوة المُرّة، وصوت فيروز ينساب من مذياع قديم، فيما تُدار أباريق “المتة” أمام دكان صغير، بين أيادٍ تعرف طقوس الانتظار جيدًا أكثر من معرفتها بطقوس الفرح.

هناك، في تلك الأزقة التي كتب عنها نزار قباني بوصفها طفولته الأولى، تبدو البلاد كقصيدة مؤجلة؛ كل بيت فيها شطر، وكل نافذة قافية مكسورة.

في تلك المساءات، كانت المدينة تمشي على أصوات باعةٍ يعرفون وجدانها: “عرقسوس… بارد يا عطشان…”. إنه ليس صوت بائع يأتي من بعيد؛ إنه اختبار صيفٍ كامل…  يرفع الصبيان رؤوسهم من لعبهم، تمتدّ يدٌ من نافذة، وتتكاثف قطرات الماء على الزجاج قبل أن تلامس الشفاه. لحظة قصيرة يتوقّف فيها الضجيج، كأن المدينة تنتبه فجأة إلى عطشها.

وفي مشهد آخر عند البحر، وقبل أن يهبط الظلام بقليل، يقف بائع الذرة على عربةٍ صغيرة تدفعها عجلات صدئة. الفحم يتوهّج كجمرٍ مكشوف، والذرة تُدار ببطء فوق النار، تصدر فرقعة خفيفة تشبه همسًا مكتومًا. رائحة الشوي تختلط بملح الموج، والناس يقفون في صفٍ غير معلن، يأكلون واقفين، ينظرون إلى الأفق وكأنهم ينتظرون شيئًا أكبر من الغروب.

هناك، أمام هذا الإيقاع الذي لا يستعجل أحدًا، بدأت أفهم لماذا صار البحر عند حنّا مينه ميزانًا للكرامة. من يقف قبالته يعرف أن اليابسة ليست دائمًا أوسع، ولا تشكّل الجزء الأكبر من الكرة الأرضية التي سمّاها الرِّيّس طه في حكاية “الدقل، المرفأ البعيد” كرةً مائية لأن الماء يغطي ثلاثة أرباعها، وأن الثبات لا يعني السكون. البحر لا يمنح الطمأنينة، لكنه يمنح اختبارًا دائمًا: اختبار الصبر، واختبار القدرة على الوقوف في وجه الموج من دون أن تنكسر الكرامة.

ولهذا أطرح عليك هذا السؤال، يا حنّا مينه:

كيف تتحول البلاد إلى مرفأٍ يخاف سفنه؟

كيف لها أن تعيش كل هذا الزمن وهي تمشي على حافة العاصفة والفجيعة؟

أكاد أرى الإجابة في فمك، في كل ما كتبت، يا صديقي الذي لم ألتقه ولكنني أعرفه جيدًا؛ أعرفك من كتبك، من بحرك، من وجوه رجال المرافئ في رواياتك، كما تخيّلتك دائمًا في اللاذقية، ظهرك للبحر، كأنك تراقب وطنًا لا تثق في استقراره. وأتذكر أنك قلت يومًا إن الناس هم الذين يتعلمون الخوف، أما الموج فيبقى موجًا. غير أن السؤال الذي يلحّ عليّ: ماذا يحدث حين يتعلّم الموج نفسه أن يصمت؟

في دمشق، لم تكن صور الأب الطاغية مجرد صور. كانت نظام نظرٍ ومراقبة. كانت تُحدّد كيف يرفع الناس رؤوسهم وكيف يخفضونها.

حماة لم تكن ذكرى، كانت آلية.

الخوف لم يكن نتيجة، كان أداة تنظيم.

وحين يطول الخوف، لا يصير مجرد قيدٍ على الأفواه والمعاصم، بل يصبح شيئًا أكبر من ذلك؛ يستقر في الدواخل، ويصير طريقةً في رؤية الأشياء قبل أن يكون خوفًا من شيء محدد. لا يحتاج الأمر إلى شرطي دائمًا؛ يكفي أن يتعلم الإنسان كيف يراقب نفسه.

وكان ذلك الخوف يتشكّل قبل أن يكتمل وعي الأطفال، في باحات المدارس الابتدائية. سبق الأحداث كلها، وتسلل إلى الطابور الصباحي، إلى الجملة المردّدة بصوتٍ واحد.

تلاميذ يصطفّون تحت صورة معلّقة، يردّدون كلمات أكبر من أعمارهم، لا يفهمون معناها، لكنهم يتقنون إيقاعها. لم يكن أحد يشرح لهم ما يقولون؛ كانوا يتعلمون فقط كيف تُقال الجملة بصوت واحد.

وقبل أن يعرفوا السياسة، عرفت عيونهم الصغيرة معنى الاصطفاف.

لم يفهموا الخوف بعد، ولكن تمرّنوا على نطقه في نشيد الصباح.

هكذا لا يعود الخوف طارئًا.

يصبح عادةً يومية تبدأ من الطابور وتكبر مع السنوات، حتى يغدو الانحناء سلوكًا طبيعيًا، والصمت اختيارًا للنجاة.

رحل الأب، وجاء الابن بملامح أكثر هدوءًا، غير أن البنية التي تأسست على الخوف لا تحتاج إلى أن يعلو صوتها كي تستمر. يكفي أن تتقن توزيع الصمت بآلية جديدة أكثر حداثة.

تبدّلت الوجوه، غير أن الجهاز الذي يُعيد إنتاج الطاعة، والعمود الفقري للنظام، بقيا كما هما. انتقل الخوف من ساحة العقوبة إلى عمق السلوك اليومي؛ كإدارةٍ للمسافة بين الفرد وصوته، بين المواطن وإمكان ظهوره خارج الإطار المفروض عليه. لم يعد السؤال: من يخاف؟ بل كيف يُعاد تشكيل الإنسان حتى يتكيّف مع خوفه ويعتبره جزءًا من شروط البقاء؟

وهنا يتقاطع الخاص بالعام، ويغدو الخوف شأنًا جماعيًا لا يخص فردًا بعينه. إنسانٌ يتعلم كيف ينحني كي لا يُكسر، ومجتمعٌ يتعلم كيف ينجو دون أن يفقد إحساسه بالعدالة المؤجلة.

حين خرجت درعا تهتف، لم يكن الأمر مجرد احتجاج. كان الصوت أكبر من قدرة الجدران على احتماله. ارتفعت الحناجر فوق السقف الذي اعتادته المدينة، فكان لا بد أن يُعاد السقف إلى مكانه بالقوة.

الصوت الذي تعلّم أن يُخفض نفسه، ارتفع.

والأرض التي اعتادت أن تُداس، استعادت فجأة حنجرتها.

ومع ذلك، لم تتوقف الحياة عن البحث عن شكلٍ آخر للاستمرار.

في الشام، كانت “المتة” تُدار في الجلسات كما لو أن البلاد بخير.

طبق التبولة على الطاولة، الأغنيات القديمة، العرق يُسكب في كؤوس شفافة كالبلور.

هذا ليس مشهدًا سياحيًا؛ هو آلية دفاع.

الحياة لا تستمر لأنها سالمة، بل لأنها تعرف كيف تتكيّف مع الانكسار.

استمرار الحياة ليس دليل عافية في كل حال.

أحيانًا هو شكل من أشكال المقاومة البطيئة، كما فهم غرامشي حين تحدّث عن إرادة تتقدّم رغم عقلٍ يعرف حجم الهزيمة.

ومن بين هذا العقل وتلك الإرادة، أتذكّر مكالمتي الأخيرة مع شاعر العراق مظفّر النواب.

كان يومها في دمشق.

صوته لم يكن منهكًا، كان واعيًا لثقل المعنى.

قال لي إن الشام مدينة تعرف جرحها ولا تتظاهر بأنه شُفي. لم يكن يمدحها؛ كان يعرّيها بحبّ.

وقال، وكأنه يلغي قصيدة: إن الشام مدينة تعرف أنها مجروحة، ومع ذلك تمشي بكبرياء.

ثم عاد وذكر زيارته إلى بيتنا في السودان. حدّثني عن والدي. قال إنه كان يحرس المعنى كما يحرس الميناء سفنه. في تلك اللحظة فهمت المفارقة التي لم أكن أراها صغيرًا:

هناك أب يحرس المعنى، وأب يحرس السلطة.

الأول يربّي أبناءه على السؤال.

الثاني يربّي أبناء وطنه على الانكسار.

كنتُ في بدايات العشرين، أتنقّل بين الضيوف حاملًا الشاي والقهوة، أراقب الرجال وهم يناقشون الثورة والقصيدة والتاريخ.

ضحك وهو يذكّرني:

“كنتُ أعطيك كاسات العرق خلسة، لأرى هل تخاف من النار أم تبحث عنها.”

أجبته أنني كنت أخاف أن يراني والدي.

فقال بهدوءٍ أثقل من المزاح:

“الخوف ليس عيبًا. العيب أن يتعلّم المرء كيف يعيش داخله. الخوف أول درس في الحرية.”

توقفت طويلًا عند هذه العبارة.

في سوريا، لم يكن الخوف مجرد شعور غريزي.

كان ترتيبًا اجتماعيًا.

طريقةً في المشي، في التوجّس، في اختيار الكلام.

وكان الصمت أحيانًا أبلغ من الخطاب.

وحين أخبرته في تلك المكالمة أن والدي قد رحل، صمت طويلًا. حاول أن يتكلم ولم يستطع أن يُكمل الجملة. شعرت أن المسافة بين دمشق وسيدني صارت أثقل من الصوت نفسه. أنهى الاتصال دون وداع، وبقي الصمت معلّقًا بعده. ثم جاء خبر وفاته بعد سنوات من تلك المكالمة. يومها لم أصرخ، ولم أكتب رثاءً سريعًا؛ حملت حزني كما يُحمل سرٌّ قديم، ومشيت به في صمتٍ يليق بالرجال الذين علّمونا أن الكرامة لا تُعلن، بل تُعاش.

عدتُ بعدها إلى قصيدته “الحانة القديمة” التي سمعته يردّد كلماتها لأول مرة في بيتنا:

“المشربُ ليس بعيدًا…

ما جدوى ذلك!

أنتَ كما الإسفنجةُ تمتصُّ الحاناتِ

ولا تسكر

يأخذُكَ الحزنُ لكاساتٍ تُركتْ طافحةً للصمتِ

أكانوا عشّاقًا غلب النومُ عليهم؟

غرباءُ تعبوا من هذه الدنيا

والموتُ تأخّر؟

أم بضعة منحطّين؟”

فهمت الأبيات بطريقة مختلفة.

هناك من يمتص الحانات ولا يسكر.

وهناك من يمتص الخوف سنوات طويلة ولا يُهزم.

وهنا اسمح لي أن أناجيك، يا حنّا بن سليم حنّا مينه، أو كما يحلو لك أن يُنادوك: يا حنّا ابن مريانا ميخائيل زكور، أنت الذي جعلت البحر اختبارًا للرجولة والكرامة، هل كنت تتخيّل أن يتحوّل الخوف إلى بحرٍ آخر، لا يُغرق السفن والأجساد، وإنما يُغرق الأصوات التي ترتفع حناجرها بهتافات الحرية؟

سوريا ليست فقط لوحة زيتية مُعلّقة على الجدار، وليست رائحة ياسمين يتدلّى من الشرفات. هي أيضًا باب يُطرق في منتصف الليل، وزنزانة بلا نافذة، واسم يتحول إلى رقم في سجلٍ سري، ومدينة تتقن الصمت لأن الجدران تحفظ صدى التعذيب.

الأب ظن أن القبضة تحمي البلاد.

الابن ربط الوطن بمكان جلوسه، كأن الجغرافيا تبدأ من الكرسي وتنتهي عنده.

لكن الوطن لا يُختزل في كرسي، ولا في صورة معلّقة في كل مكان تذكّر الناس بأنهم مراقبون.

الوطن لا يُحرس بشعار يعلم الجميع أنه زائف.

الوطن لحظة صدق بين أب وابنه، بين شاعر وصديق، بين شاب يحمل القهوة ويستمع إلى حلم أكبر منه.

في الساحل ما زال البحر يضرب الصخور دون أن يسأل أحدًا.

فالموج لا يخفض صوته.

ربما لهذا يخشاه الطغاة.

هذا الإيقاع البحري نفسه، يا حنّا ابن مريانا ميخائيل زكور، يذكّر بأن ما يبدو ثابتًا في الظاهر يتغير تدريجيًا في العمق.

لكن ما يتراكم في الأعماق لا يبقى في الأعماق إلى الأبد.

ومن هذه المسافة بين الفرد والجماعة، ولطمات الموج على المرافئ، تبدأ صورة المستقبل في التشكّل.

لا أزعم أن الفجر يولد على عجل.

لكن البلاد التي جرّبت هذا العمق من الصمت، تعرف أن الكلمة حين تعود، تعود بوزن البحر.

***

إبراهيم برسي

في تشرين الثاني من عام 1797 حمل كاهن يعيش في قرية ريفية تقع جنوب بريطانيا، اوراق كتبتها ابنته، قالت له انها رواية وضعت لها عنوان " انطباعات اولى "، ولم يكن يتوقع أن يّسخر منه صاحب المطبعة قائلاً له: هل من المعقول أن رجلاً يخدم الكنيسة يدور على المطابع لنشر هذه " الترهات " ؟. كان الأب واثق جداً من موهبة ابنته، فقد كانت مشغولة بالكتب منذ صغرها، تقرأ كل ما يقع بين يديها، كانت الكتب آنذاك باهظة الثمن، وشراء كتب جديدة أمراً يفوق قدرة والدها الذي كان يعيش حياة متواضعة، مما اضطر الصبية جين ان تعتمد على المكتبات العامة واصدقاء العائلة تستعير منهم الكتب، عثرت في مكتبة احد اقاربها على نسخة قديمة من رواية دون كيخوته التي ترجمت الى الانكليزية عام 1612، تستهويها مغامرات بطل رواية ثيرفانتيس، وجدت في الرواية وجدانية عاطفية تجمع بين دون كيشوت وسانشو وستكتب في دفتر يومياتها: " ان علاقة الصداقة بين دون كيخوته وتابعه لا يمكن ان نجد لها مثيلا في الحياة "، اخذت تغوص في عالم الروايات العجيب، قرأت روايات الكاتبة الايرلندية ماريا إيدجوورث والتي كان لها تاثير بالغ على حياة جين أوستن وكتاباتها. وقد أعجبت بها لدرجة أنها أرسلت لها نسخة من رواية "إيما" عند نشرها عام 1815. ومن الكتب التي احتفظت بها جين اوستن رواية " إيفلينا" لفاني بورني، ورواية " تاريخ السير تشارلز جرانديسون، تأليف صموئيل ريتشاردسون، التي نُشرت في سبعة مجلدات عام 1754، وأعمال اللورد بايرون، والاعمال الكاملة لشكسبير وقد ادهشتها قدرة شكسبير في فهم الواقع، ونقرأ في قائمة جين اوستن الكوميديا الالهية لدانتي ورواية لورنس ستيرن " تريسترام شاندي " ورحلات جاليفر لجوناثان سويفت. كتبت في واحدة من رسائلها:" لا متعة تضاهي متعة القراءة! فكم يملّ المرء من أي شيء أسرع من الكتاب! ".

كانت أوستن، بشهادة الجميع، قارئة نهمة وذات ذائقة رفيعة، تكشف رسائلها عن انخراطها الحيوي في الأدب والتاريخ والفلسفة الأخلاقية، وحتى في بعض المواعظ، لم تكن القراءة مجرد تسلية لقضاء الوقت، بل كانت تقرأ بنظرة نقدية وبعين كاتبة، مدركة للأسلوب والبنية ودقة تصوير الشخصيات.

غالبًا ما تُشير روايات أوستن إلى عالم الكتب والقراءة فنجدها تناقش عادات القراءة، وتقتبس أو تُحرّف اقتباسات مؤلفيها المفضلين.في روايتها " كبرياء وهوى " – ترجمة نبيل حلمي اسكندر – نجد هذا الحوار على لسان السيد كولينز:" لقد لاحظتُ مراراً وتكراراً قلة اهتمام الفتيات الصغيرات بالكتب الجادة، رغم أنها كُتبت خصيصاً لمنفعتهن. أعترف أن هذا الأمر يُثير دهشتي، إذ لا شك أنه لا يوجد شيء أنفع لهن من التعليم ".

تخبرنا سيرة جين أوستن انها كانت تقرأ بصوت عالٍ، سواءً رواياتها التي لم تكتمل بعد أو أعمال الكتاب الآخرين. كانت القراءة بصوت عالٍ ممارسة عائلية شائعة في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، وفي منزل أوستن، أصبحت وسيلة ترفيه ونقد أدبي في آن واحد، مما جعل الروايات تجارب اجتماعية وفردية في آن واحد. ولا شك أن هذه الممارسة قد صقلت حسها المرهف للحوار وبناء الحكاية.

بدأت جين اوستن تكتب في سن الثانية عشر، وحين بلغت الخامسة عشر من عمرها انتهت من كتابة اولى رواياتها التي خبأتها في زاوية من زوايا المطبخ، كانت تكتب في الطابق العلوي من بيتهم الصغير، ولم تكن لديها غرفة خاصة بها، فكانت تجلس في الممر تعمل على صفحات صغيرة ملونة كانت تخفيها عندما تسمع خطوات شخص قادم، وصفت جين اوستن كتاباتها بأنها تمت بفرشاة ناعمة على جزء صغير من العاج، ويقال ان المنضدة التي كانت تكتب عليها كانت صغيرة جدا مصنوعة من شجر الجوز، ولعلها اصغر منضدة استخدمها كاتب على الإطلاق وعليها رسخت نفسها كأشهر كاتبة في بريطانيا، منحت مدينة ونتشسترالتي عاشت فيها وكتبت رواياتها الكبرى صفة القداسة عند البريطانيين، مثلها مثل ستراتفورد مسقط رأس شكسبير.، قال عنها الروائي هنري جيمس أنها كتبت لمتعة الكتابة ووصفها بـ " عزيزتنا وعزيزة الجميع "، فيما اكد الشاعر أودن انها تمكنت بالكشف عن الأساس الاقتصادي للمجتمع قبل ان ينتبه ماركس لهذه المسألة ويقال ان السياسي البريطاني الشهير بنيامين دزرائيلي الذي تولى رئاسة الوزراء في عهد الملكة فيكتوريا قرا رواية " كبرياء وهوى سبع عشرة مرة.

قبل روايتها " انطباعات اولى " كانت قد كتبت رواية اسمتها " العقل والعاطفة "، كان الأب يقرأها في الليل وهو يهز بيده مستغربا من قدرة ابنته على نسج الاحداث، ويهز يده وهو يتابع ما يدور بين الشقيقتين " إلينور "، و" ماريان "، الاولى اتسمت بالحكمة والنظر الى الامور من زاوية عقلية، فيما الشقيقة الاخرى " ماريان " كانت عاطفية وتنظر الى الحياة نظرة مثالية.

جين اوستن المولودة في في السادس عشر من كانون الاول عام ١٧٧٥، لا يعرف الكثير عن حياتها سوى انها ابنة لقسيس، وام من عائلة ارستقراطية تنظم القصائد في اوقات فراغها، العائلة المكونة من ثمانية ابناء، كانت هي تحمل الرقم سبعة، احرقت شقيقتها " كاسندرا " اوراق جين الخاصة والكثير من رسائلها بعد وفاتها، ولم تترك لها سوى صورتين واحدة رسمت بقلم اسود واخرى بالوان مائية..قال عنها اصدقاء واقارب العائلة بأنها:" أجمل واحمق واكثر الفراشات الباحثات عن الازواج تصنعاً ".

كانت تريد من خلال روايتها " العقل والعاطفة " ان تبين لقراء الروايات الرومانسية التي كانت مشهورها في عصرها بأن من الخطأ السير وراء العاطفة لوحدها دون العقل، ولهذا نجد ان " ماريان " التي احبت بكل عواطفها، ستتعرض للخيانة من الرجل الذي احبته " ويلي "، حيث يهجرها ليتزوج امرأة غنية، بينما كانت حياة شقيقتها " إلينور " سعيدة بعد ان ارتبطت بالشاب " ادورد " حيث استطاعا الاثنان التحكم بعواطفهما وتحكيم العقل في علاقتهما.. قالت فيما بعد أن الهدف من كتابتها رواية " العقل والعاطفة " هو تهذيب العواطف، لكنها رفضت الاساليب الروائية المطروحة التي تقدم شخصيات نموذجية، فقد رأت أن البطلات المثاليات يثرن استجابات عكسية، ويثرن استفزاز القارئ عندما يكتشف انفصالهن عن الواقع، كما أن هذه الشخصيات النموذجية لاتهذب الاخلاق حسب رأيها، بل تشبع الرغبات وتفسدها لمجرد اكتساب عطف القارئ.. ولهذا حاولت جين اوستن أن تقدم في رواياتها الحكمة المقرونة باللاأنانية، وليس بالعاطفة المفرطة.

بعد 16 عاما على سخرية الناشر من رواية جين اوستن " انطباعات اولى " سيتم نشر الرواية في الثامن والعشرين من كانون الثاني عام 1813 وهذه المرة بعنوان " كبرياء وهوى " من دون ان تضع عليها اسمها الحقيقي، وقد باعت حقوق الرواية لقاء عشرة جنيهات، ولم تكن يدرك ان هذا المبلغ سيتحول الى الآف الجنيهات، حيث باعت الرواية في عامها الاول اكثر من خمسين الف نسخة، وباعت حتى الآن اكثر من عشرين مليون نسخة، واختيرت في السنوات الاخيرة باعتبارها الرواية المفضلة عند البريطانيين، ولا تزال تُطبع حتى اليوم. حُولت أفلاماً ومسلسلات، واحتفلت بريطانيا عام 2013 بمناسبة 200 عام صدورها بمهرجانات ومؤتمرات ومحاضرات وطوابع تذكارية وعدد كبير من الكتب النقدية التي تتناول سيرة مؤلفة " كبرياء وهوى "، قال عنها الروائي الشهير ولتر سكوت وهو يقرأها للمرة الثالثة انها اشبة بلمسة رقيقة، ومثل روايتها الاولى " العقل والعاطفة ". تبدو جين أوستن حريصة على التحذير من خطر الانقياد وراء الانطباعات الاولى، ونجدها تردد على لسان الشخصيات كلمة " تعقل "، وهي ترفض ان تقدم شخصيات مثالية، فهي من خلال محاولتها تسعى الى ان تتعرف شخصياتها على بواعث افعالهن مما يجعلهن قادرات على اصدار الاحكام ونجد الشخصيات في " كبرياء وهوى " وبالأخص " اليزابيث " يتمتعن بالذكاء الذي يوصلهن الى التعقل الحقيقي، وهو تعقل يختلف عن الالتزام الأعمى بالتقاليد والاعراف الاجتماعية، فنحن وسط عائلة تتكون من اب منغلق، لا يحترم زوجته التي همها الوحيد العثور على ازواج لبناتها، ونتابع في الرواية كيف ان " اليزابيث " تحاول ان تغير وجهة نظر حبيبها " دارسي " في الحياة، ونرى التباين في وجهات النظر، حيث كل منهما يستنتج استنتاجات خاطئة عن الآخر، لكنهم في النهاية تتكشف لهم الحقائق دون مغالطات تنجم عن الكبرياء او الهوى، بل ان العاطفة الحقيقية التي يتبادلونها تقدم لهم مفهوما جديدا للحياة، التي لايمكن ان تعاش بالتقليد الاعمى لما حولنا.

يكتب هارولد بلوم ان بطلات اوستن الرائعات، يقتربن من تألق بطلات شكسبير، فهن يدمجن الذكاء والارادة معا وينجحن في هذا الاندماج.

في معظم رواياتها تحاول جين اوستن الابتعاد عن الأحداث السياسية أو التطرق الى الامور الدينية، بل انها سخرت من الكتاب الذي يحاولون ان يقحموا الفلسفة في روايتهم، فهي تركز على العلاقات الاجتماعية في الطبقة الوسطى حيث يلعب المال والحب دورا رئيسيا.

انهت جين اوستن كتابة " كبرياء وهوى " في تسعة اشهر، ويقال انها خلال هذه الفترة ارتبطت بعلاقة حب مع شاب كان في مثل سنها، يدرس المحاماة، تكتب اوستن في احدى رسائلها انها تحاول ان ترقص وتغازل وتحلم وانها مصرة على ان تعيش لحظات الاثارة والمغامرة، لكن الشاب سرعان ما يتركها. تحاول ان تجعل من بطلة " كبرياء وهوى " النموذج التي تنال ما عصى على الفتاة أوستن في الواقع، خافت أن يلصق بها لقب عانس، لكنها في لحظة تمرد رفضت طلب الزواج من احد اقاربها لأنه زواج من دون حب ويخضع لاغراءات مادية وجنسية كما وصفته، ولهذا قررت ان تبقى عازبة موهوبة ومستقلة ترتاب بالعواطف الزوجية.

كانت جين أوستن تحتفظ بأكثر من طبعة من كل كتاب وتقول لمن يسألها: إن الكتب اشبه بالورود في الحقل، لاتوجد وردتين متشابهتين. في روايتها " كبرياء وهوى " تُظهِر أوستن شغفها بالكتب، مؤكدة على أهمية المكتبة في حياة الإنسان، ونقرأ على لسان السيد بنغيلي:" برغم إنني لا أملك الكثير من الكتب، إلى انني أملك منها أكثر بكثير مما قرأت في حياتي ".

أدب أوستن يتجدد دوما عبر الأجيال. بجملة لأوستن من روايتها إيما تقول فيها " نادرا ونادرا جدا ما تنكشف الحقيقة بأكملها عبر الأشخاص؛ ونادرا ما لا تبقى أمور خفية نتيجة التورية أو الخطأ "

قضت السنوات الثمانية الاخيرة في منزل مع امها بعد ان توفى والدها – توفي عام 1804 - حيث نشرت ست روايات تناولت فيها حياة الطبقة المتوسطة في الريف الإنكليزي،لكنها اعتبرت " كبرياء وهوى " كأعز طفل لديها "، فيما حققت روايتها " أيما " نجاحا باهرا، وفيها تقدم لنا جين اوستن بطلة تنتمي الى طبقة اجتماعية متعلمة، تتمتع بثقة عالية في النفس، وذكاء تستطيع من خلاله ان توجه حياة اللآخرين..بطلة تتمتع بحرية الاختيار، فإيما لا تبحث عن زوج، فهي تدرك ان المراة قادرة من دون زواج على اكتساب احترام الآخرين، وعندما تقرر الزواج من " نايتلي "، فانها تسعى الى أن تقدم معه صورة لمفهوم الاتزان والتعقل، ومفهوم للحب يسمو فوق الرغبات الشخصية من اجل مصلحة المجتمع.

يلاحظ جورج لوكاش في كتابه " دراسات في الواقعية الاوربية " ان نبض الواقعية الذي يستغرق روايات جين اوستن هو امتداد لنبض الفضول المضبوط والموضوعي الذي كان نتاج للثورة البورجوازية وكميزة بارزة لرواية القرن الثامن، وصفها بعض اصدقائها بانها " اجمل واحمق واكثر الفراشات الباحثات عن الازواج تصنعا "، ركزت على الشخصية والحوار العفوي، وشرّحت النفسية النسائية، واستبدلت كليشيهات الحب الرومانسي بواقعية لا تزال تخاطب المجتمعين الغربي والشرقي.

حين توفيت جين اوستن في في ١٨ تموز عام ١٨١٧ عن واحد وأربعين عاما. كانت شارلوت برونتي صاحبة الرواية الشهيرة " جين آير " قد بلغت عامها الاول. فيما ولدت اميلي برونتي التي ابدعت " مرتفعات وذرينغ " بعد عام من ولادة شقيقتها شارلوت، وفي صالون كبير كانت اكثر الطقوس اهمية للشقيقات برونتي، هي كماقشة روايات جين اوستن.

تعرفت على جين أوستن عندما كنت أعمل في مكتبة وسط بغداد، وبصفتي قارئ مبتدئ آنذاك كنت اختار الكتب التي يُقبل عليها زبائن المكتبة، لم تكن جين اوستن ضمن اهتماماتي، فقد كنت اطبق نصيحة صاحب المكتبة الذي كان يقول أن رواياتها مخصصة للنساء. ذات يوم سيطلب مني احد الزبائن أن ارشح له أفضل رواية لجين اوستن، لم أعرف الاجابة، قلت له انني لم اقرأ لها شيئا، بعد ان خرج الزبون قررت ان اطلع على واحدة من روايات حين اوستن حتى اتمكن من الاجابة على اسئلة الزبائن.

 في البيت انغمستُ في قراءة " كبرياء وهوى "، استهوتني اجواء الرواية، قرأتُ بعدها روايتها "إيما"، ثم "العقل والعاطفة " بعدها " إقناع "، كل واحدة كانت تاسرني كقارئ، سرد ممتع، نقد اجتماعي عميق، نساء يشعرنك بالألفة، تشعر أنهن قريبات منك، توقفت كثيرا عند شخصية إليزابيث بينيت في " كبرياء وهوى"، التي كانت قارئة نهمة، تراقب العالم من حولها. عالم تتجول فيه الشابات الجميلات، وتاخذنا الكاتبة في دراما اجتماعية هادئة.

انظر الى صورة جين أوستن المطبوعة في الصفحة الاولى من روايتها " العقل والعاطفة " في نسخة بنغوين التي كنت أبيعها في المكتبة، تستند الصورة إلى لوحة مائية رسمتها شقيقتها كاساندرا حوالي عام ١٨١٠، كانت جين اوستن آنذاك في الخامسة والثلاثين من عمرها، يلفت نظري أولاً الهدوء الذي يرتسم على ملامحها، تبدو كأنها تمثال كلاسيكي. كانت ترتدي غطاء فوق شعرها الطويل المضفر والمجعد، تاركةً غرةً أماميةً.لعل أفضل وصف لوجه جين اوستن جاء من ابنة أختها كارولين، التي كتبت: " كان وجهها مستديراً نوعاً ما، وليس طويلاً، وكان لون بشرتها مشرقاً، لكن ليس وردياً، ببشرة بنية صافية وعيون جميلة جداً.. كان شعرها بنياً داكناً، مجعداً بشكل طبيعي." – جون بيك الادب الانجليزي ترجمة حمدي الجابري -.

يصف سومرست موم جين أوستن في لوحة شقيقتها كاساندرا بأنها ذات عيون ثاقبة، وفم صغير خالٍ من الابتسامة، ملابس بسيطة، وذراعين مطويتين بإحكام، ويبدو أنها تنظر بهدوء وببريق معين نحو العالم".- سومرست موم عشر روايات خالدة ترجمة سيد جاد -

ذات يوم سأتجرأ واسأل الروائي والمترجم غالب هلسا وكان من زبائن المكتبة الدائميين عن السبب في عدم اقبال زبائن المكتبة من الرجال والشباب على روايات جين اوستن، قال لي هل قرأت لها شيئا ؟، قلت قرات ثلاث من رواياتها. سألني: هل وجدت شيئاً يتعلق بالرجال ؟ لم اعرف الإجابة حينها لأنني كنت قارئ مبتدئ، عندما لاحظ الحيرة تسيطر على ملامحي قال بصوته الهادئ: كانت جين اوستن قاسية مع الرجال في رواياتها، تقدم نماذج مغرورة وسطحية، والسبب لأنها حسب قوله فشلت في تجربة حب مريرة.

في سيرة جين اوستن نقرأ انها لم تتزوج قط،، لكنها حظيت بمعجبين، أشهرهم توم ليفروي الشاب الأيرلندي الذي التقت به في كانون الثاني عام 1795، كان قد انتقل إلى لندن لدراسة القانون، كانت جين قد بلغت العشرين من عمرها، فتاة ذكية، مرحة، وجميلة، ومثل بطلة روايتها " كبرياء وهوى " إليزابيث بينيت، كانت تستمتع بالموسيقى والرقص، والفكاهة، والضحك، والحديث الممتع، في ذلك الوقت تقريباً بدأت بكتابة رواية "الانطباعات الأولى" التي نُشرت فيما بعد بعنوان "كبرياء وهوى، إلا ان قصة الحب لم يكتب لها النجاح.

 لا نعلم إن كانت جين ترغب بالزواج، وهو ما كان سيعني على الأرجح التخلي عن أي فرصة لتصبح كاتبة كما يقول سومرست موم، بالتأكيد لم تسعَ للزواج بأي ثمن، كما تفعل بعض شخصياتها النسائية، كان حبها الأكبر هو الكتابة، اعتبرت كتبها بمثابة أبنائها، وقد أشارت إلى روايتها " كبرياء وهوى " بأنها "طفلتها الحبيبة".

يشير هارولد بلوم الى مفارقة عجيبة في حياة جين اوستن فقد عاشت حياتها من دون زواج، بينما تمتعت بطلات رواياتها بسعادة الزواج الرومانسي والأمان المالي.

رفضت جين عرض الزواج من احد اقاربها مُعللةً ذلك بعدم وجود حب حقيقي في قلبها، رواياتها مليئة بعروض الزواج التي رُفضت لعدم وجود مشاعر حقيقية. بطلاتها ذكيات، مستقلات الرأي، مخلصات، وبارعات في الكلام. ليس من الصعب استنتاج أنها وجدت هذه الصفات في المرأة جديرة بالإعجاب، ورغم وجود شخصيات نسائية في رواياتها تتزوج لمجرد الزواج، إلا أن بطلاتها لا يتزوجن أبداً من دون مشاعر حقيقية. ويشير سومرست موم الى ان عدم زواج جين اوستن منحها الوقت لتنمية موهبتها دون قيود منزلية أو التزامات زوجية. لقد ضحت بالسعادة الزوجية لتحافظ على حريتها في الكتابة والتطور كفنانة حقيقية. ولعل هذا الخيار هو ما يجعل جين أوستن تُعتبر واحدة من أعظم المواهب الأدبية على مر العصور.

نبهني غالب هلسا الى ضرورة أن انتبه الى التفاصيل في روايات جين اوستن، وأن لا اقرأها وفي بالي حكم مسبق عن اعمالها. ويجب عليَّ ان ادرك أن الروائي يخلق لنا عالما جديداً، وعلينا كقراء اأن نتفحص ذلك العالم الجديد بدقة وانتباه.

سألته: لكن هل هناك فائدة من قراءة روايات رومانسية تدور احداثها في القرن التاسع عشر ؟

قال لي: نحن كقراء نبحث في الكتب عن المتعة العقلية، وأيضاً عن متعة الابحار مع الكاتب في الزمان والمكان، وكما يقول فلاديمر ناباكوف نحن نذهب للمعلم الموجود بداخل الكاتب، ليس فقط للتربية الاخلاقية، بل حتى للمعرفة المباشرة والمعلومات البسيطة.

في كل مرة أعيد فيها قراءة أعمال جين أوستن، أجد الكثير مما يرتبط بتجارب الحياة اليومية، اعيش مع شخصيات تشبه أشخاصاً أعرفهم، وازداد اعجاباً بتلك الكاتبة التي نظرت إلى العالم بوضوح ولاحظت كل تفاصيله.

تمنحنا جين أوستن الفن المثالي للرواية الواقعية الاجتماعية التي تتناول الأشخاص الذين يضطرون إلى التغلب على مشاكلهم الداخلية - بدلاً من اضطرارهم إلى التغلب على المشاكل التي يفرضها عليهم العالم.. يقال ان جين اوستن كانت مولعة بكتاب آدم سميث نظرية المشاعر الأخلاقية والذي صدر قبل ولادتها بـ " 46 " عاماً والذي اراد من خلال كتابه هذا أن يبين لنا إن أفكارنا وأفعالنا الأخلاقية ليست إلا نتاجاً لطبيعتنا باعتبارنا كائنات اجتماعية، ولهذا مطلوب منا أن نعرف كيفية العيش مع الآخرين، ولهذا نجد معظم روايات جين اوستن تتمحور حول معنى رؤية الأمور من وجهة نظر الآخرين.

تكتب الروائية سالي روني ان جين اوستن:" لم تكتفِ بخلق ما نتوقعه اليوم من الرواية، بل ابتكرت ما نتوقعه منها اليوم. فبدون جين أوستن، لن يكون هناك جورج إليوت، ولا هنري جيمس، ولا فرجينيا وولف؛ ولا فيتزجيرالد، ولا أورويل، ولا نابوكوف، ولا جويس. أحببناها أو كرهناها، أعد قراءتها أو انتقدها بشدة، لقد كانت المكتشفة العظيمة، والمبتكرة العظيمة، والرائدة العظيمة في عالم الأدب الحديث ".

بعد سنوات طويلة على لقائي الأول بروايات جين أوستن، اخذت أؤمن ان القراءة للمتعة يمكنها أن تطور من خيالنا، فالروايات العظيمة هي في المقام الأول دروس عظيمة.

***

علي حسين – رئيس تحرير  جريدة المدى البغدادية

 

تبدو المدينة في الشعر الحديث رديفة الضياع والاغتراب، والآلية الجوفاء، والجغرافيا القاسية التي جردت الإنسان من أصالة الريف ودفئه. غير أن مدنا بعينها وطّدت علاقتها مع الأدب، لما احتضنته من عبق التاريخ والذكريات، أو لانبعاثها كعنقاء من موجات الخراب التي يُحدثها غزاة أو سياسة رعناء.

تصبح المدينة رديفة للخلود حين تصمد في وجه الكراهية، وحين تشذب أساطيرها لتمنح الكُتاب من أبنائها أحوالا شعورية، تسري في كتاباتهم كالنسغ الذي يفيض حياة في جذور النبات. ومدينة براغ هي إحدى هذي المدن التي حفرت اسمها في الأدب التشيكي والعالمي، وأنضجت حكاياتها وأسرارها مخيلة أدباء بارزين، كميلان كونديرا، وفرانز كافكا، وفاتسلاف هافل، وإيفان كليما، وياروسلاف سيفرت أحد أبرز أصواتها الشعرية، والذي انحاز إلى أوجاعها بعد الاجتياح السوفياتي.

لمدينة براغ طابعها الفريد والمثير لكوامن الغيرة؛ فهي ساحرة بشوارعها المرصوفة بالحصى، وكاتدرائياتها ذات الطراز القوطي الغامض، وقلاعها التي تحرس ذاكرة الأمة التشيكية. فهي الغنية بمخلوقاتها الأسطورية، وحكاياتها الشعبية المستوحاة من تاريخ ممتد لآلاف السنين. حين يُسأل سكان العاصمة عن قصة التأسيس فإنهم يكشفون بحماس عن بُعدها الأسطوري:

 "في قديم الزمان، وبينما كانت الأميرة الحكيمة ليبوشي تحدق في الأفق الأخضر من قلعة فيشيهراد، تنبأت وذراعها ممدودة ناحية الشمال الشرقي قائلة: "أرى مدينة عظيمة سيبلغ مجدها النجوم.. في الغابة، ابنوا حصنا وسموه براها". هكذا شُيّدت براها أو براغ لتصبح العاصمة السحرية لأوروبا القديمة كما وصفها أندريه بريتون.

أما إحدى أساطيرها التي اكتسبت شهرة عالمية فهي حكاية فاوست، الساحر الأسود الذي باع روحه للشيطان في مبنى بحي نوفيه ميستو، مقابل سر الحب والشباب الدائم. يقال أن الشيطان حمله بعد ذلك إلى عالمه السفلي، ولا تزال حتى اليوم فتحة في أرضية المنزل شاهدة على الواقعة التي تعود للقرن السادس عشر.

في مدينة الأسرار والكنوز المخفية، ولد الشاعر ياروسلاف سيفرت سنة 1901 بحي عُمالي يدعى جيجكوف. وكان هذا الحي مثالا لعالم البؤس والاستغلال، حيث تصرف الطبقة العاملة همومها في حانات البيرة الرخيصة، والمراقص الشعبية، دون أن تفقد شيئا من صفاتها النبيلة.

انقطع سيفرت عن الدراسة قبل حصوله على الباكالوريا لينصرف إلى كتابة الشعر والدفاع عن الثورة الاشتراكية التي هزت العالم بعد تداعيات الحرب العالمية الأولى. وسرعان ما برز اسمه كممثل للطليعة الفنية، حيث ظهر سعيه إلى تحويل الواقع اليومي شعر جليا في ديوانيه (على موجات الراديو) و(العندليب يغني بشكل سيء).

برز اهتمامه الشديد بالعدالة الاجتماعية وتعاطفه مع الفقراء منذ سن مبكرة، فقد نشر مجموعته الشعرية (المدينة الباكية) في التاسعة عشرة من عمره، وأهداها إلى العمال التشيكيين. وانضم إلى الحزب الشيوعي لفترة وجيزة قبل أن يُطرد منه سنة 1929، بسبب احتجاجه على تزايد النزعة الستالينية، والتضييق على المثقفين.

تميز شعر سيفرت برقة غنائية حميمية، وبتعبيرات زاخرة بالصور. لغته بسيطة كأنها حكي يومي يفهمه الجميع. لقد نأى بنفسه عن الشعرية ليُنضج أسلوبه الخاص، حيث التعبير الغنائي الخالص، يُمجد فيه الحب، والعائلة، والصداقة، ومدينته براغ التي يعتبرها أما وزوجة وحبيبة:

"القبعة في يدي، أسير

في شوارع براغ

وألمس حجارتها.

أحجار خشنة

لكن، عليها، وضع

الشاعر قبلاته.

- طيلة حياتي، أحببت براغ،

 مثلما أحبها جميع

شعرائنا.

ربما، لأنني أحببتها كثيرا

كنت تعسا في غالب الأحيان."

ربط سيفرت مصيره بمصير المدينة التي أحبها، فهي المدينة الأم التي يتوق للعودة إلى حضنها ليرتاح، وهي نبع الإلهام الذي يُولّد الميول ويرعاها ويشجعها. هذا العشق للمكان بكل تفاصيله سيجعل من براغ حالة شعورية تفجر القوى الكامنة في روحه:

"براغ!

 في قلب الذي لم يرها إلا مرة واحدة

على الأقل، يصدح اسمها

إلى الأبد. هي نفسها أغنية منسوجة بالزمن

ونعشقها

فلتصدح!"

يعتبر نقاد شعره أن السمة التي تميزه عن غيره من جموع الشعراء التشيكيين هو أنه تعامل مع الشعر كمحادثة عادية. لقد أنزل الشعر من مكانته الرفيعة ليحوله إلى شيء مألوف وقريب وطبيعي. إنها السمة التي تبرز بشكل جلي في الصور التي أضفاها على براغ ليقرنها بنبض حي متجدد، تتحرر فيه المدن من حيزها الجغرافي لتصبح حبيبة يبثها الشاعر لواعج حبه وأشواقه، ويشحذ أبياته بكل النضارة والحسية، والحنين العميق إلى الطفولة:

"براغ تبتسم لي

وأرتعش

مثل عاشق، وبعد أن يرى عشيقته،

ينتظر بفارغ الصبر لحظة معانقتها

على جسر نوفوتني،

مرأى السد القديم يصيبني بالدوار.

أسمع ضجيجه المكتوم

مثل أغنية حب."

اتجه سيفرت إلى تطوير أسلوب كلاسيكي متأن، يتغنى من خلاله بموضوعاته المفضلة: المرأة، والحب، والزمن الذي يمضي. فحقق شعبية كبيرة بعد الحرب العالمية الثانية؛ لكنه لم ينج من حملة نقدية ممنهجة شنتها الإيديولوجيا الحاكمة، مدعية أنه انحرف عن التزامه بالواقعية الاشتراكية.

بعد الاجتياح السوفياتي لعام 1968 انضم سيفرت إلى أنصار ربيع براغ، وتولى مهمة رئيس اتحاد الكتاب رغم التهديدات والملاحقات المستمرة. خلال هذه الفترة كان شعر سيفرت صوتا حرا، يتصدى لمظاهر الإذلال التي لحقت بسيادة الأمة التشيكية:

" صفّر القطار خلف تيلاهوزيفيتش

حان وقت الرحيل

راكضا، هممت بالوصول إلى الرصيف.

بالكاد جلست في المقطورة

حتى أحسست بندم مرير

بالهرب من المدينة

التي أحبها

بأن أتخلى عنها لحظة

كانت في خطر.

بيد أن مبنى المحطة كان يختفي

في عتمة الربيع

والقطار يتجه صوب دولاني

حيث كل شيء مزهر.."

عندما أُعلن عن منحه جائزة نوبل في الأدب سنة 1984، انتهزت دور النشر هذا الحدث للاستفادة من "تأثير نوبل"، فقدمت للعالم مخطوطة شعرية وصلت سرا إلى أوروبا، كتبها سيفرت احتجاجا على الغزو السوفياتي لتشيكوسلوفاكيا. يتعلق الأمر ب "سوناتات براغ"، وهي مقاطع شعرية عبّر فيها عن مخاوفه بشأن مصير محبوبته أمام وحشية القصف النازي، وكتبها على شكل أغنية متكاملة، حيث يتكرر السطر الأخير من كل سوناتة في مطلع السوناتة التالية:

"براغ الخامسة عشرة

التي طعمها كرشفة نبيذ،

 حتى لو سقطت في الخراب

ولو فقدتُ عتبتي،

ولو اختنق طينها بالدماء

فلن أكون ممن يستسلمون

للموتى. سأنتظر هنا

من الربيع حتى أواخر الشتاء،

كمن ينتظر في فناء الكنيسة.."

سُئل سيفرت في مقابلة صحفية: "هل ينبغي أن يكون الشعر إيديولوجيا، أم جماليا، أم شيئا آخر؟" فأجاب:" لا ينبغي أن يكون إيديولوجيا أو جماليا؛ بل يجب أن يكون شعرا في المقام الأول. وهذا يعني أنه يجب أن يحمل شيئا مباشرا، شيئا يصل إلى أعمق أعماق الإنسانية، إلى تلك المناطق التي تسكنها أدق مشاعر الوجود."

كان من الصعب على براغ، وهي في قبضة الاحتلال، أن تتنسم الحرية. إلا أن أشعار سيفرت عرفت كيف تعيد إليها بهجتها ومتعتهاـ وتحملها على أجنحة الخيال الذي غذّاه الشاعر بكل ما أوتي من رقة وحب، وتنديد بمسحة الحزن التي تعلو حبيبته براغ:

"لطالما كان الشعر حاضرا بيننا

كالحب،

كالجوع والطاعون والحرب

أحيانا كانت أبياتي سخيفة،

لدرجة تبعث على الخجل،

لكنني لا أعتذر عن ذلك

أؤمن بأن السعي وراء جمال الكلمات

أسمى بكثير

من القتل والإبادة."

***

حميد بن خيبش

في زمنٍ تتسارع فيه التقنيات المعرفية وتتشعب مسارات الفكر، وتتخصص العقول في مسارات ضيقة تبرز بعض الشخصيات كمناراتٍ مضيئة، تجمع بين عمق التأمل ورهافة الحسّ، وبين صرامة العقل وجمال الروح، حيث يطلّ علينا  د. إبراهيم العاتي الأكاديمي الشاعر والأديب المتخصص في الفلسفة، بوصفه نموذجاً مختلفاً للمثقف الذي يُعد من جيل الموسوعيين الذي لا يرى في الفلسفة برجاً عاجياً ولا في الشعر ترفاً لغوياً، بل تمكن من الجمع بينهما في مشروع فكري وأدبي متجانس، واستطاع أن ينسج من الفكر والشعر نسيجاً فريداً يزاوج بين الحكمة والإبداع.

صدر حديثاً، في نهاية 2025، عن أكاديمية الكوفة موسوعة الموسم الهولندية المجلد (208) بجزئين مكرسة لسيرة وآثار الأُستاذ الدكتور إبراهيم العاتي الحاصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة عين الشمس – القاهرة، والمبدع في نظم الشعر وكتابة البحوث في مختلف الدراسات الفلسفية والدينية والاجتماعية. أشرف على تحرير وتوثيق المجلد الأُستاذ محمد سعيد الطريحي رئيس تحرير الموسوعة.

رصد المجلد الأول مراحل الطفولة والنشأة الأولى في بيئة النجف المدينة المقدسة الثرية في ميادين العلم والمعرفة، لقد أثرت البيئة الدينية الثقافية في نشأته، وساهمت في تحفيز وتشكيل وعيه المبكر بأكثر فنون المعرفة والبحث الرصين، حيث أظهر، منذ سنواته الأولى، شغفاً بالقراءة والاطلاع في مختلف المجالات، مما أهّله لاحقاً ليصبح شخصية موسوعية تجمع بين تخصصات متنوعة. كان والده يحثه على حفظ الشعر العربي بمختلف أصنافه ومراحله، كشعر المتنبي والشريف الرضي وغيرهم من شعراء العصور القديمة والمعاصرة. وقد تعززت ثقته بنفسه من خلال حضوره ومشاركته في الندوات الأدبية الخاصة التي انتشرت في النجف أواسط الستينات.

وقد أفرد الأُستاذ الطريحي، في المجلد الأول، حيزاً كبيراً لسيرة والد د. إبراهيم العلامة الشيخ عبد الزهرة العاتي، الذي كان متألقاً في مجالات الأدب والعلوم الدينية والشعر الملتزم. وعندما انتُدب الشيخ العاتي من التعليم وعين مديراً للمكتبة العامة في النجف عام 1960، تهيأت فرصة ثمينة إلى إبراهيم العاتي ليتبحر في عالم المعرفة ويطلع على الكثير من الكتب والدوريات والمجلات القديمة والجديدة التي عززت من إهتمامه بالدراسات الفلسفية وكتب الفكر الإسلامي، جنباً إلى جنب من إهتماماته الأدبية.

وتضمن المجلد الأول مقدمة الموسوعة ولمحات من سيرة الدكتور إبراهيم العاتي، ومراحل التعليم الجامعي والدراسات العليا، وتأثير الأساتذة والمدارس الفكرية المختلفة في تشكيل منهجه العلمي. وكذلك ترحاله للدراسة والتدريس في سوريا، مصر، الجزائر، ليبيا، وبريطانيا. شهدت تلك المحطات إنتاجه الغزير وتألقه في مجالات المعرفة الإنسانية، فتمكن من وضع بصمات مؤثرة في مجال الفلسفة بوصفها فعلاً نقدياً وسؤالاً مفتوحاً، فتميزت كتاباته الفلسفية بقدرتها على الجمع بين العمق النظري والوضوح القريب من هموم الإنسان واسئلته الكبرى بعيداً عن التعقيد.

تناول المجلد مجموعة كبيرة من بحوث د. إبراهيم في المرجعية والتعليم الديني عند الشيعة الإمامية ومشكلات التعليم الديني ومشاريع الإصلاح، ومواضيع متنوعة تعكس العمق المعرفي حول: الوجود والإنسان عند محي الدين ابن عربي، والأخلاق الإسلامية ودورها في حياتنا المعاصرة، ودور الفكر الفلسفي في مواجهة النطرف، والمرأة المسلمة في الغرب بين مشكلات الهوية ومقتضيات الحقوق والواجبات، ورحلة الحضارة من المشرق إلى المغرب. وتطرق إلى الثقافة العراقية وآفاق المستقبل وما رافقها من اشكالات مؤكداً على أن الثقافة العراقية ليست أمراً طارئاً أفرزته ظروف العلاقة المعقدة بين الشرق والغرب في العصر الحديث، وإنما هي قديمة تنتمي إلى حضارات قديمة كالسومرية والبابلية والآشورية وما تلاها. وعلق على بدايات تأسيس الحكم الوطني في العراق سنة 1921، وتجربة الحكم الملكي ومساحة الحرية التي لم تتوفر في الجمهوريات العسكرية التي حملت شعارات الوطنية ومكافحة الاستعمار.

وتضمن المجلد الأول عرض لكتاب من مؤلفات العاتي بعنوان: (أحمد الصافي النجفي - غربة الروح ووهج الإبداع)، الذي تعرف عليه بدمشق، وكان يقضي أغلب أوقاته معه في المقاهي الدمشقية، التي كانت بمثابة بيته الحقيقي الذي يلتقي فيه كل محبيه من الأصدقاء والأُدباء والشعراء. تمكن العاتي من الإطلاع على تجربته الشعرية وعالمه الفني المتعدد الجوانب والأغراض، وخصص له هذا الكتاب كثمرة من ثمار معرفته الشخصية المباشرة بالشاعر، حيث جسد فيه خلاصة  تجربة فكرية تقاطعت فيها المعرفة الأكاديمية مع الحسّ التحليلي العميق في فضاء البحث الرصين الذي يسعى إلى مساءلة المفاهيم وإعادة بناء الرؤى وفق منهجية تجمع بين التأصيل النظري والانفتاح على الأسئلة المعاصرة. تناول فيه مواضيع متعددة تتعلق بفلسفة الصافي النجفي والمزايا الفنية والجمالية في شعره.

 كان حضور بعض الشخصيات الدينية أمثال الشهيد السيد محمد باقر الصدر وغيره من وجهاء النجف من الرموز الدينية والثقافية له الأثر الهام في توجهات العاتي المستقبلية، حيث جذبت انتباهه واهتمامه كتب الفلسفة. وبعد اقامته في دمشق وحصوله على شهادة الليسانس في الفلسفة والعلوم الاجتماعية، ومن بعدها سافر إلى القاهرة التي أكمل فيها دراسته العليا، تلك المحطات فتحت له آفاق التعرف على عدد من الأدباء المثقفين والمفكرين الكبار الذين تأثر بهم وبنتاجهم الفكري المتنوع، فتوسعت آفاق المعرفة لديه بقراءة المزيد من الكتب الأدبية والتاريخية والدينية والاجتماعية والسياسية ومختلف صنوف الثقافة الأُخرى من الدوريات والمجلات والصحف التي أكسبته صفة المثقف الموسوعي.

إمتاز د. إبراهيم العاتي بملكة الحفظ وسعة المعارف والانفتاح على الآخر المختلف وبقدرته على تجاوز الحدود التقليدية، فاستطاع إعادة الاعتبار إلى المثقف الموسوعي في زمن التخصصات الضيقة، فالفلسفة لديه ليست مجرد تنظيرٍ جامد، بل تجربة إنسانية راقية تتجلى في لغته الشعرية ورؤيته الأدبية، لا يكتفي بتحليل الأفكار، بل يعيد صياغتها في قوالب جمالية تمنح المتلقي متعة عقلية ووجدانية في آنٍ واحد، بحيث تعكس أنماط التفاعل مع التحولات التاريخية والفكرية.

عُرِف عنه بعمق قراءاته واتساع افقه المعرفي، استلهم روافد معرفته من التراث الفلسفي القديم والحديث على حد سواء، تمكن من الخوض في طرح الأسئلة الكبرى حول الوجود والمعنى والإنسان بأسلوب يجمع بين الدقة الأكاديمية والأبعاد الإنسانية. ففي شعره، تتداخل الصور البلاغية مع المفاهيم الفلسفية، لتحول قصائده إلى فضاءٍ للتأمل، بحيث تصبح الكلمة بكل أبعادها التعبيرية في نتاجه الإبداعي جسراً بين العقل والقلب، بين التراث والحداثة، وبين النقد الصارم والخيال الخلّاق. استلهم من الفلسفة أفقها التأملي، ومن الشعر طاقته التعبيرية، ليقدّم خطاباً ثقافياً معاصراً يجمع بين العمق والوضوح، وبين الرصانة والابتكار.

برز العاتي في الحقل الأكاديمي، فأصبح مثالاً للباحث الجاد الذي يؤمن بأن المعرفة مسؤولية، لا يكتفي بتلقين المعرفة، حضوره العلمي مقرونٌ بتواضعٍ فكري وشغفٍ أصيل، مما يجعله مصدر إلهامٍ لمن يقترب من عالمه الفكري. يرى بأن التعليم رسالة تتجاوز حدود القاعات الدراسية، أسهم في إلهام طلابه وزملائه، ليس فقط بما يمتلكه من علم، بل بما يتحلى به من سمو التواضع الفكري وشغف الإندفاع الدائم في إروقة  البحث واكتشاف الحقائق، مؤمناً بأن الفلسفة ليست أجوبة نهائية، بل رحلة دائمة نحو الفهم.

ليس حضوره مجرد تراكم معرفي أو إنتاجٍ علمي، بل هو تجربة فكرية متفردة تنبض بالأسئلة الكبرى، وتتحرك في فضاءات التأمل العميق، ففي كتاباته الفلسفية، لامس جوهر القضايا الوجودية والإنسانية بلغةٍ دقيقةٍ رصينة، تحترم العقل وتستفزّه في آنٍ واحد. أما في شعره وأدبه، فتتحول الفكرة إلى إيقاع، ويتحوّل المفهوم إلى صورٍ جمالية، حيث تمتزج وتتلاقى اللغة مع الرؤية في تناغمٍ نادر.

فالحديث عن شخصية د. إبراهيم العاتي هو حديث عن توازنٍ نادر بين العقلانية وبين المنهجية الأكاديمية وحرية الإبداع. فهو شاهدٌ على أن الفلسفة يمكن أن تُكتب بروح الشعر، وأن الشعر يمكن أن يُقرأ بعين الفيلسوف؛ وأن المثقف الحقيقي هو من يحوّل المعرفة إلى أثرٍ حيٍّ في الوعي الإنساني. فتجربته رائدة تمثل نموذجاً متفرداً للمثقف الذي تمكن من خلق روحية التوازن بين الصرامة العلمية والحسّ الإبداعي، منح الفلسفة روحاً شعرية، ومنح الشعر عمقاً فلسفياً، وجعل من الكلمة حين تتكئ على الحكمة تصبح قادرة على إضاءة العقول وإثراء الأرواح.

 تكمن أهمية هذه السيرة في كونها وثيقة تاريخية  في مجلدين عملاً موسوعياً يجمع بين العمق العلمي والأسلوب الأدبي، ويقدم نموذجاً لكيفية توثيق حياة الأكاديمي بوصفها رحلة معرفية وإنسانية متكاملة. فهي لا تسرد مسيرة فرد فحسب، بل تعكس أيضاً تحولات الفكر والمجتمع عبر عقود من البحث والإبداع، وتعكس تطور الحياة الأكاديمية والثقافية خلال فترة زمنية طويلة، كما تُعد مرجعاً مهماً للباحثين والمهتمين بأكثر مجالات المعرفة الإنسانية، لما تتضمنه من شهادات لشخصيات أكاديمية معروفة ومتميزة، أمثال د. إبراهيم بحر العلوم، د. عبدالجبار الرفاعي، د. قيس العزاوي، د. محمد ياسين الشكري، والأُستاذ علي المؤمن، الذين أشادوا بمكانة العاتي الاجتماعية والأدبية والفلسفية والمعرفية وبما قدم من إبداع فكري بمختلف المجالات من خلال بحوثه الرصينة التي تضمنت تحليلات نقدية لكثير من التجارب الحياتية. وقد كُتب الكثير عن كتب العاتي من بعض الباحثيين الأكاديميين أمثال د. رشيد الخيُّون، والأُستاذ عدنان حسين أحمد، والأُستاذ أحمد بهجت، ود. نضير الخزرجي.

اعتمدت سيرة د. إبراهيم العاتي، في المجلدين، على مصادر متعددة، منها الوثائق الشخصية والمراسلات العلمية والشهادات المعاصرة، مما منحها بعداً علمياً دقيقاً بحيث تكون مرجعاً للباحثين في تاريخ الفكر والمؤسسات الأكاديمية.

***

د. عبد الحسين صالح الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

توثق ذاكرة الأدب لعدد لا يستهان به من الرسائل التي خطّها مشاهير الأدباء والمفكرين. رسائل تخاطب العالم، وتحدثه عن أشواق وآلام، وتجارب ظلت تلسع قلوبهم كإبر النحل، لكنها تُخلف أثرا جليا على شعور القارئ وتفكيره.

رسائل تُلامس في مذكراتهم واقعا شبيها بالذي نعيشه، مع اختلاف واضح في القدرة على التصوير والحُكم. ذلك أن الطفولة المحفوفة بالعوز والحرمان هي ذاتها في كل أرجاء البسيطة، وشغب التلصص على عالم الكبار متعة يتقاسمها كل الصغار. كما أن الشقوق التي تُخلفها متاعب الحياة وأحزانها هي ذاتها، مع فارق في تقريب الصورة برشاقة قلم لا تحظى به كل الأصابع!

ضمن هذا المنحى الذي يُلون النسيج الداخلي للكاتب بألوان الحكمة والجمال، قدم رابندرانات طاغور ذاكرته كمادة أدبية مفعمة بالسحر، لكنها لا تصلح دليلا في المحكمة. وفي كتابه (ذكرياتي) يعرض طاغور مسيرة متألقة جمعت بين الأدب والنشاط السياسي، لتثمر بناء مدرسة تلخص نظرة فريدة للعالم والإنسان.

لم يقنع طاغور بعطائه الأدبي الذي تواصل على امتداد ستة عقود، وقدم خلاله أعمالا رائدة في الشعر والقصة والرواية والمسرح، وإنما أبدى حرصا عجيبا على تفكيك عقدتي التخلف والجهل في بلده البنغلاديش، وطرق أبواب المستقبل عبر إذكاء الشعور الوطني في مجال السياسة، وتصويب الممارسة التربوية بما يحقق تجاوزا صائبا لمادية المنظومة الاستعمارية الغربية.

تلقى طاغور في بداية حياته المدرسية نصيحة مدوية من معلمه، ستفتح بصره على أهمية التعليم رغم قسوته آنذاك، لكسر الطوق الذي يشل أمة الهند بأسرها:

"تبكي الآن للذهاب إلى المدرسة. عليك أن تبكي أكثر في المستقبل لإخراجك منها."

لكن طاغور لا يتذكر شيئا مما تعلمه آنذاك غير طرق العقاب التي ظلت ماثلة في ذهنه:

" " كان الصبي الذي لا يحفظ دروسه يوقَف على مقعد، ويفرش ذراعيه على امتدادهما، وفي كفيه المقلوبين إلى أعلى توضع كومة من الصخور المقطعة على شكل ألواح. دع علماء النفس يناقشون كيف يمكن لهذا الأسلوب أن يستحث فهماً أفضل!"(1)

رغم أنه ينتمي لأسرة ميسورة، إلا أن سلطة الخدم داخل البيت اتسمت بالصرامة المفرطة، والحد من الانطلاق والفضول الذي يَسم حياة الطفولة. لذا لا يخفي طاغور تذمره حتى من اللُعب التي تقيد عالم الطفل، بدعوى أنها بديل للسعي إلى الخارج واكتشاف الطبيعة:

"حين تحيط بنا الأشياء وتكون في متناول كل يد، يصيب العقلَ الخمول، ويوكل المهمات بالآخرين، وينسى أن فرحة العيد تعتمد على الغذاء الذي تقدمه المخيلة أكثر من الأشياء الخارجية. هذا هو الدرس الأساسي الذي على الطفولة أن تعلمه للإنسان.. بالنسبة للطفل غير المحظوظ الذي يملك عددا لا يحصى من الألعاب: عالم اللُّعب مفسد."(2) 

داخل جدران المدرسة تبرعمت روحه الشاعرة، وكانت القراءة مهربا يوميا من المواد الدراسية التي كانت تضفي قيدا آخر على عقل الصبي؛ قيد التغريب واقتلاع الجذور:

"على التعليم أن يتبع عملية الأكل بقدر الإمكان. عندما يبدأ التذوق من اللقمة الأولى تستيقظ المعدة لأداء وظيفتها قبل أن تمتلئ، كي تمارس إفرازات الهضم واجبها كاملا. لا يحدث شيء من هذا القبيل حين يدرس الولد البنغالي بالإنجليزية."(3)

يرمز التمدرس إلى رحلة خروج الطفل من البيت إلى العالم. غير أن الرحلة لا تكون دوما موفقة، إن لم يُضف الكبار على هذا العالم لمسة طفولة. وهنا يوجه طاغور دعوة لإعادة النظر في تصميم المدارس بما ينسجم مع الطفل الذي تنشد تهذيبه:

"لم يكن المكان مؤذيا لكنه كان مدرسة. كانت الغرف كئيبة بفظاظة وجدرانها تنتصب حُراسا كالشرطة. لعلها أقرب شبها بصندوق عيون أبراج الحمام من موضع سكن بشري. لا زينة ولا صور ولا لمسة ألوان، ولا محاولة لجذب القلب الطفولي. تم تجاهل الحقيقة التي تقول إن ما يحبه الطفل أولا يحبه يشكل جزءا كبيرا من تفكيره."(4)

عندما بلغ السابعة عشرة من عمره أرسله والده إلى إنجلترا لدراسة القانون؛ إلا أن شغفه بالأدب حمله على أن يتفرغ لدراسة عمالقة الأدب الإنجليزي: شكسبير وملتون وبيرون وشيللي، والتعرف على الآداب الغربية الأخرى التي كانت شبه مجهولة في الهند. فقدم للقراء الهنود أعمال غوته ودانتي وبترارك وتاسو وفكتور هوغو، من خلال سلسلة مقالات نشرها في مجلة بهاراتي.

بعد العودة إلى الوطن أصدر طاغور ديوانه "أغاني المساء" والذي عدّه النقاد حدثا شعريا، حيث برع طاغور في التحرر من تقاليد النظم البنغالي، وقدم نصوصا مجدّدة من حيث الأوزان والقوافي شكلا، ومضمونا بما دعت إليه من مثالية رافضة للوضع السائد.

 وبدءا من سنة 1885 شارك طاغور في الحركة الوطنية ببلاده، وساهم بقلمه في إيقاظ الشعور القومي للشباب البنغالي، والعناية باللغة والثقافة المحلية. وارتكزت كتاباته الشعرية والقصصية على مبدأ تحرير الإنسان من عبودية الصنم، وتبديد ظلام الحقد والجهل الذي خلّفه نظام الطوائف الهندوسي. لقد دافع بشدة عن جوهر الحق اللامحدود، كما سماه، والذي لا يجب أن يخضع لشيء يعارضه، سواء كان صنما أو آلة. (5)

في أتون المواجهة مع منظومة الاحتلال الانجليزي سيُنضج طاغور أفكاره حول التربية، ويستمد من تجربته الشخصية ما يعزز نظرته إلى تجديد الأداء التربوي. كان الأساس الذي انطلق منه يقوم على التفرقة بين الحقائق والوقائع؛ بمعنى أن غاية كل نظام تربوي هي تقديم الحقيقة للإنسان ضمن وحدة كلية، تنسجم بداخلها العناصر الثلاثة التي يتألف منها الكائن البشري، وهي العقل والمادة والروح. أما النظام التعليمي السائد، والذي يستلهم مقولاته ومرتكزاته النظرية من الفكر الغربي، فيُجري فصلا متعنتا وقاسيا بين هذه العناصر، ولا يهتم إلا بالمادة والعقل، لأن التربية عندهم لا تقيم وزنا لعالم الروح؛ بل حتى مفهوم الحرية الذي تزعم التربية الحديثة انشدادها إليه، ينبني على استعلاء للفرد أمام المجتمع، وانفصال عن الوجود الذي يحيط به:

"الغرض من التربية في نظره هو تقديم الحقيقة للإنسان في وحدتها الكلية. بينما النظام التقليدي للمدرسة يفصل الطلاب عن هذه الحقيقة الكلية، ويقدم له عوضا عنها حزمة من المعلومات، فهو يحرمه من الأرض ليعلمه الجغرافيا، وينزع منه اللغة ليعلمه النحو، وبدلا من أن يروي ظمأه إلى الملاحم، يقدم قوائم من الوقائع والتاريخ."(6)

استقرت في تصور طاغور فكرة مفادها أن الطفل رمز للحياة الخالدة، وأن محبته ترقى إلى درجة التقديس، لكونه أشبه ببلوة صافية، يمكنها أن تستوعب كل الحقائق إذا ما تولى أمر تهذيبها معلمون لم تقيدهم العادات البالية. لقد كانت آراؤه في هذا المضمار مزيجا من المقولات الغبية التي رددها أمثال فروبل وبستالوتزي، مضافا إليها تلك النظرة الشرقية للحياة، والتي تجعل من المدرسة مؤسسة روحية، تربط الناشئة بالطبيعة ليشعروا دوما بوجود الله.

انسحب طاغور من ميدان العمل السياسي سنة 1901 ليُنشئ مدرسة تستوعب نظريته التربوية؛ فحوّل المعبد الذي أنشأه والده عام 1863 ببلدة شانتينيكتان إلى مدرسة داخلية. وتبنى في إدارتها نظام "القادة" الذي يجري العمل به المدارس الأمريكية، حيث ينتخب التلاميذ قائدا للمدرسة يتولى الإشراف على النظام مرة كل أسبوع، بينما يُعهد إلى لجنة من الطلاب بالنظر في المخالفات المرتكبة.

يلتحق الطفل بمدرسة الغابة كما يصفها الغربيون، في جو روحي يتطلع من خلاله للحياة الأبدية. هناك يرعى التلاميذ الماشية، ويقطفون الثمار، ويمارسون التأمل الهادئ، إلى جانب الدروس التي يتلقونها بهدف تزكية الروح، وتشرب الرحمة اللائقة بجميع المخلوقات.

حرص طاغور على إلقاء دروس في الأدب والموسيقى، دون أن يشارك في العمل المدرسي اليومي. وكان توجيهه ينصب بالأساس حول توطيد علاقة حميمة بين الأساتذة والتلاميذ ترتقي بالأداء التربوي ليصبح مثالا للعمل الاجتماعي المخلص للشعب؛ لذا أنشأ سنة 1914 معهدا زراعيا ملحقا بالمدرسة، للتوفيق بين المنهاج الدراسي واحتياجات الفلاحين في القرى المجاورة.

آمن طاغور بأن المستقبل لا ينبغي أن يظل حكرا على الغرب، وأن على الهنود والأمم الأخرى التي لم تزل مستضعفة في زمنه، أن تحجز مقعدها في عالم الغد وفق مبدأ الحق لا مبدأ القوة أو الأمر الواقع؛ لذا سعى إل إنشاء معهد جديد يحقق تطلعاته النبيلة، وأسماه "جامعة الأمم"، وفتح أبوابه لطلاب الغرب الذين يرغبون في دراسة الحضارات الشرقية، وربط الثقافة الهندية بالعالم، وتعزيز حداثة تستقطب الجميع من خلال نهج تعليمي مفتوح، يمزج الطبيعة بالفن والثقافة.

كانت مدرسة طاغور رسالة للتفاهم والتسامح تتخطى حدود الهند؛ مثلما كانت عنوانا على الحرية التي ينشدها المفكرون أمثاله، ممن لا تقيدهم نظرة الحاضر بل يمدون أبصارهم نحو المستقبل، حيث الحرية تستوعب كل البشر. نستحضر هنا نقده الشديد للزعيم الروحي المهاتما غاندي بسبب نزعته القومية، والتي تنبأ طاغور بأنها ستجر الهند إلى جحيم الأصولية والصراع الطائفي. لذا كان يسترجع توقه الطفولي إلى العالم الخارجي، من داخل الدائرة الطبشورية التي رسمها الخدم حوله يوما ما، ليُصرّح دون مواربة بأن من يرغب في الحرية لنفسه، ويخشى أن يكون جاره حرا، فهو لا يستحق الحرية!

 ***

 حميد بن خيبش

..............................

1- رابندرانات طاغور: ذكرياتي. ترجمة صلاح صلاح. المجمع الثقافي. أبو ظبي 1995. ص8

2- نفس المرجع. ص16

3- نفس المرجع. ص53

4- ص55

5- شكري عياد: طاغور شاعر الحب والسلام. ص58

6- نفس المرجع. ص98

في مثل هذا اليوم عام 399 ق.م، صدور حكم الإعدام على الفيلسوف اليوناني سقراط، في واحدة من أشهر المحاكمات في التاريخ القديم، التي لم تكن مجرد محاكمة لرجل، بل كانت مواجهة مفتوحة بين السلطة والفكر.عام 2012 اعادت اثينا محاكمة سقراط، وجاء الحكم ببراءته. ففي العام 399 قبل الميلاد، تولى سقراط شخصيا الدفاع عن نفسه أمام حضور مؤلف من 500 من سكان أثينا من الذكور فقط، وكانوا مواطنين وقضاة ومحلفين. وفي غيابه وبعد 2500 عام مثله محاميان أمام عشرة قضاة دوليين. وقد مال خمسة منهم إلى أن الفيلسوف مذنب، وقال خمسة آخرون عكس ذلك.

وأكد باتريك سايمون، احد محاميي الدفاع أن: "التعبير عن رأي ليس بجرم. سقراط كان يسعى إلى الحقيقة". وقال وهو يفيض بالكلام أمام القضاة ونحو 800 من الحضور: "موكلي كان لديه عيب، فهو كان يحب أن يهزأ ويستخدم سخرية شرسة. إلا أني أرجوكم ألا تقعوا في فخ تشويه الديمقراطية. فمن خلال تبرئته ستثبتون صلابة الديمقراطية وإمكانية الوثوق بها".

وكان البعض يعتبر سقراط خائنا، والبعض الآخر اعتبره مرشدا روحيا، كما كانت تعاليمه، تشكك بمفاهيم حساسة، مثل السياسة والأخلاق، ما أوجد له أعداء كثر.

لعل أهم رواية عن محاكمة سقراط، تركها لنا أفلاطون في محاورة الدفاع، يخبرنا إفلاطون أن تلامذة سقراط كانوا يذهبون إليه كل يوم في سجنه، وقبل يوم إصدار الحكم:"ذلك اليوم ذهبنا مبكرين. دخلنا وإذا زوجته وابنهما الصغير، هناك. كانت تبكي وتردد ذلك النوع من الكلام الذي هو عادة النساء: آه يا سقراط، هذه آخر مرة تتحدث إلى أصدقائك ويتحدثون إليك! وتطلع سقراط إلى كريتو وقال: كريتو، فليُعِدها أحدكم إلى المنزل. وقام بعض رجال كريتو بشدها بعيدًا وهي تنتحب. أما سقراط فجلس على المقعد وطوى ساقه وأخذ يفركها. وراح يعلم عن الفارق بين الألم واللذة ".

يمضي أفلاطون في الرواية: بعد أن انتهى من الكلام قال له كريتو: هل هناك أية توجيهات لنا في خصوص أولادك؟ هل هناك شيء نستطيع أن نخدمك به؟ قال لهم: "انتبهوا إلى أنفسكم"، ثم سأله كريتو: كيف تفضل أن ندفنك؟: "آه، كما تشاءون، إذا لم أتمكن من الإفلات منك". ثم ضحك بهدوء، وقال: أيها الأصدقاء، إن كريتو يخاطب الجثة التي سوف أصيرها ويسألها كيف سيدفنها. كن شجاعًا يا كريتو. ادفنها بالطريقة المناسبة.

قال ذلك ثم ذهب إلى غرفة ليستحم، فتبعه كريتو وطلب منا أن ننتظر في الخارج. وأخذنا نتحادث كم سيكون الفقد كبيرًا وأننا سوف نصبح أيتامًا. وبعدما استحم، أُحضر إليه أبناءه الثلاثة، ثم حضرت نساء العائلة.

ويواصل افلاطون:" كان الغياب قد حل. ولم يكن بعد ذلك كلام كثير. ثم جاء الحارس الذي كُلف بأن يعطيه السم الذي عليه أن يتجرَّعه، وقال له: يا سيدي، أنت تعرف ما الذي عليك أن تفعله، أما أنا فلم أعرف في هذا المكان رجلاً أنبل منك. ثم انفجر بالبكاء ومضى. وودعه سقراط قائلاً: حظًّا سعيدًا. وسوف أفعل ما تقول."كم هو لطيف هذا الإنسان. منذ أن وُضعت في السجن وهو يقوم بزيارتي كل يوم ويحادثني. والآن، ها هو يبكي من أجلي. هلم يا كريتو، أعطني السم إذا كان جاهزًا أو اطلب من الرجل أن يعدّه". لكن كريتو قال: إن الشمس لم تغرب تمامًا بعد، تمتع بمزيد من الوقت. فقال سقراط: سوف أحتقر نفسي يا كريتو إن أنا تعلَّقت ببضع لحظات إضافية. هات، أعطني السم، ثم رفع الكأس بهدوء وتجرَّع منه .

لم يكن سقراط سياسياً، فقد راى انه لايمكن اداء دوره عن طريق مجادلة الافراد فردا او جماعات صغيرة وعن ذلك يقول:"اعرف كيف اصنع شاهدا واحدا على حقيقة ما اقول وهو الرجل الذي اجادله، اما الاخرون فأتجاهلهم، كما اعرف كيف احصل على تاييد رجل واحد ولكن في الجماعة لا ادخل في المناقشة". وعلى مر العصور اخذ تأييد سقراط يتزايد نتيجة احتفاظ محاورات افلاطون بمجادلاته، وثمة شيء واحد قاله سقراط للقضاة في محاكمته:"إذا حكمتم عليّ بالموت، فلن تجدوا من يحل محلي بسهولة".

يرينا سقراط طريق النجاة من وهمين شديدين: ان ننصت دوما، او لاننصت إلى املاءات الرأي السائد، لكن المهم جدا ان الإنصات دوما الى املاءات العقل.

كان نيتشه يرى ان سقراط أوّل من تفلسف حول الحياة، وأن جميع الفلسفات التي انبثقت عنه هي فلسفات للحياة؛ الحياة السعيدة والنزيهة، التي هي الهدف لدى سقراط، ويضيف نيتشه أن الفلسفة السقراطية تُناصب العداء لكل معرفة لا تقترن بالإنسان. ويكتب الفيلسوف الوجوديّ الألماني كارل ياسبرز: " ربما كان أنقى وجه في طريق من جازفوا بأنفسهم ليطيعوا مطلباً مطلقاً هو وجه سقراط، هو من كان يعيش في ضياء عقله، بشمولية عقله (لا أعرف شيئاً)، فقد تابع طريقه دون أن تبلبله أو تضلّه عن سبيله الأهواء العنيفة للناس الذين يغتاظون ويكرهون ويريدون بأي ثمن أن يكون الحق معهم، ولم يقدم أي تنازل، ولم ينتهز فرصة الهرب التي كانت متاحة له، ومات في صفاء وسكينة، متحملاً تلك المجازفة باسم معتقداته التي يؤمن بها- كارل ياسبرز مدخل الى الفلسفة ترجمة محمد فتحي الشنيطي -، في حوار مع سيمون دي بوفوار يقول سارتر إنّه تعلم من سقراط كيف يمكن للفيلسوف أن ينزل الفلسفة من السماء إلى الارض، ويُدخلها إلى الأسواق والبيوت. ومثلما ارتبطت الوجوديّة بالمقاهي الباريسية والنوادي الثقافية الألمانية ومدرجات الطلبة، ارتبطت فلسفة سقراط ومعه السفسطائيين بالناس الذين كانوا يقابلونهم في الأسواق والشوارع، حيث كانت عادته أن يتوجه كل صباح إلى الأسواق حيث يتجمع الناس ليلقون عليهم اسئئلتهم، والخلاف الوحيد بين سقراط والسفسطائيين، انه لم يكن يتقاضى مالاً مقابل أحاديثه ودروسه، حيث اعتبر نفسه منشغلاً برسالة مفروضة عليه، فلا يكاد إنسان يلقي عليه السلام حتى يسأله عن معنى كلمة الشرّ، ولماذا علينا أن نختار الخير. وتدور المناقشات ساعات وساعات، مثلما كانت تدور في المقاهي الفرنسية التي كان من أشهرها مقهى اسمه (لي دو ماغو) حيث كان جان بول سارتر ومعه سيمون دي بوفوار ومجموعة من أصدقائهم يدخلونه صباحاً ويجلسون فيه على موائد صغيرة متجاورة ويدخلون في نقاشات لا تتوقف وهم يحرقون السجائر. تكتب سيمون دي بوفوار: " كنتُ أشعر أن المقهى أصبح جزءاً من العائلة" – قوة الاشياء ترجمة محمد فطومي - .وفي أثينا القديمة كان يمكن أن تصادف رجلاً يتجوّل في الشوارع يحادث المارة، وإن كان ثمة شخص لا يعرفه فلسوف يسأله:

* من تكون يا هذا؟

- سقراط بن سوفرونيسكوس.

* ما هي اهتماماتك؟

-ان أتحدّث مع الذين يودّون ذلك.

* ولأيّ هدف؟

- لكي أساعد العقول على أن تولّد الحقيقة.

وليس غريباً أن تكون لدى كلٍّ من كيركغارد ونيتشه، مواقف متضاربة تجاه فلسفة سقراط؛ فمن ناحية، كان يُنظر إلى سقراط كمدافع عن نوع من العقلانية يتخطى القيم التقليدية والشخصية الخالصة إلى معايير أخلاقية عالمية، وهو ما أشاد به كيركغارد نفسه وانتقده نيتشه. لكن كليهما أدرك أن سقراط خاطر بتجاوز حدود المعقول كي يعيش الحياة بكلّ معانيها. وكما علق كيركغارد حول أهمية القناعة الشخصية التي يكون فيها الشخص مستعدّاً للتضحية بحياته من أجلها مثلما فعل سقراط وهو يتجرع السمّ.

هكذا نجد أن الأساس في فلسفة سقراط وبرتاغوراس هو معرفة الإنسان لنفسه. إن موضوع الفلسفة ودورها الأساسي وهدفها الرئيس، يكمن في معرفة طبيعة الإنسان للمصدر الأول لأعماله وسلوكه، لطريقته في العيش والتفكير، وان المعرفة المعرفة لا تتحقق إلّا من خلال معرفة النفس، وأن الفيلسوف الحقّ هو من يمارس فلسفة الحياة، وأن يكون منهجه الحقيقي هو الحوار والمحادثة الحية، ودراسة المسائل التي تنشأ من السؤال والجواب.

في محاورة المادبة يصف ألقيبيادس ما فهلته في نفسه حواراته مع سقراط:" تركني في حالة ذهنية شعرت فيها انني، ببساطة، لا استطيع أن امضي في العيش بالطريقة التي كنت عليها .. جعلني اعترف انني بينما اقضي وقتي في السياسة فأنا اهمل كل الاشياء التي تهيب بي ان انتبه اليها في نفسي " – افلاطون محاورة المأدبة ترجمة وليم الميري –

ربما يكون سقراط اليوم أكثر أهمية مما كان عليه في مجتمع أثينا عام 399 ق.م. ففي ظل الازمات التي تمر بها البشرية، تبرز الحاجة الماسة إلى موقف فلسفي يتمحور حول إعطاء الأولوية لتنمية الفضيلة الإنسانية، والابتعاد عن أنماط الحياة التي حولت الانسان الى سلعة . علينا اليوم أن نؤكد على اهميةالتغيير السقراطي في القيم، والتزامه المبدئي الراسخ بفعل الصواب، حتى وإن ادى ذلك الى الموت. علينا ان نتذكر لحظة اعدام سقراط، فقد كانت لحظة ثورية أطلقها رجل في السبعين اراد منا ان نعيش الحياة بكل معانيها.

***

علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية

تفكيك خطاب جلد الذات في ضوء وفرة المكتبات وتنوع المصادر

منذ صباي وأنا قارئ نهم، تستهويني الكتب وتسحبني مجلات "مجلتي" و"المزمار" إلى المكتبة العامة في بلدتي الصغيرة وأنا عائد من مدرستي الابتدائية، ألتهمها من الغلاف إلى الغلاف. لم أكن أكترث كثيراً للأدب، ولكني كنت أقرؤه رغماً عن ذلك ربما لأن الكتب السائدة آنذاك (وإلى الآن... ربما) هي كتب الأدب والسياسة والتاريخ. ورغم حبي للكتب إلا أنني وجدت نفسي أبتعد عنها حيناً وأقترب حيناً آخر. ربما لانشغالي (وهو أمر أستبعده) أو بسبب النوع المتوفر. وهو ما يسمى في علم الاجتماع بالتنوع البيبليوجرافي Bibliodiversity. فالقراء كالعشاق؛ مذاهب، ولربما كنت (ولم أزل) أميل للعلوم والتكنولوجيا لا للأدب والتاريخ. ومن هنا سأبتدئ رحلة بحثي في مقالي هذا.

فالقراءة في بلادنا نخبوية بامتياز. لم تنجح مكتباتنا (الفقيرة والقليلة) أن تكسر حاجزه نحو الفعل الاجتماعي، لأنها ببساطة لا توفر سوى طيف ضيق من الكتب الفلسفية والدينية والتاريخية ولربما (النمطي) من الكتب اللغوية ناهيك عن الأدب (الكلاسيكي حد النخاع). وحتى في أكثر الكتب تداولاً في مكتباتنا: الأدب، لن تجد على الرفوف سوى الأدب الذي كان يقرأه قراء الخمسينيات من القرن المنصرم. فأنت لن تجد بسهولة كتب هاروكي موراكامي، أو إليف شافاق، أو خوسيه ساراماغو لكنك ستجد بالمقابل كتب دوستويفسكي وغابرييل غارسيا ماركيز وفرانتس كافكا، وأنا هنا لا أنتقص من قدر هؤلاء الكتاب العالميين وإنما أضرب بهم مثالاً لشحة التنوع وهيمنة النمطية حتى أنك تحس أننا نستنسخ القراء لا ننتجهم. فأنت بكل تأكيد لن تجد بسهولة كتباً علمية تتحدث عن آخر استخدامات ميكانيكا الكم في التكنولوجيا أو النظريات الأحدث في القانون أو كتباً في الكيمياء تبني أساساً للنشء المهتم بهذه التخصصات. وحيث أن الأبحاث تؤكد (مثل دراسات ستيفن كراشن وغيره) أن "الوصول الحر" (Free Voluntary Reading) في بيئة غنية بالكتب هو المتنبئ الأقوى بالكفاءة اللغوية والعادة القرائية، أكثر من التعليم المباشر. يرى الكثيرون أن الشحة هي النتيجة وليس السبب فالمكتبة تجلب ما يرغب القراء فيه أو ما يشترونه وهنا لا بد أن أشير إلى أن الأمر يمكن أن يقرأ بالاتجاهين معاً.

خلال رحلتي في الدكتوراه مررت بتجربة جميلة وددتُ أن أحكيها كلما أتيحت لي الفرصة. ففي جامعتي (في ماليزيا) وجدت المكتبات منتشرة بشكل ملفت وكانت إحداها (وهي مكتبة قراءة لا استعارة ولا شراء) مكتبة تفتح لـ ٢٤ ساعة للطلبة داخل الحرم الجامعي، وكان جوها غريباً بحيث تفقد فيها الإحساس بالوقت. كان ذلك الجو مصداقاً لقول أمير المؤمنين (ع): "الكتبُ بساتينُ العلماء"، فكأننا كنا في نزهة عقلية لا تنتهي بمعزل عن ضجيج العالم.

ذهبت مع صديقي إليها لندرس واتفقنا أن يجلس كل منا على منضدة مختلفة وبدأنا بالقراءة وبعد عدة ساعات حاولت التواصل مع صديقي بالإشارة ففشلت، كتبتُ له لكنه لم ينتبه لرسائلي فاضطررت أن أتصل به اتصالاً فانتفض وألغى الاتصال فكتبت له وتحدثت عن ضرورة أن نذهب للغداء فاستهجن قولي كوننا (في الصباح الباكر) فضحكت وقلت له انظر إلى الساعة. ما إن نظر إلى الساعة حتى أتاني مسرعاً. أو ما قاله هو: ما هذا المكان "هل يرشون شيئاً ما؟" طبعا قد يظن القارئ أن صديقي هذا ربما يكون قارئاً نهماً وهو في الحقيقة شخص لا يستطيع الصمود في مكان لساعة واحدة وينظر عادة إلى موبايله كل دقيقة. رجل منهمك اجتماعياً لا يحب الهدوء. لذا فإن أول رد فعل صدر عنه كان ظنه أن المكان فيه شيء مختلف. في الحقيقة أن ما قاله صديقي لم يكن خاطئاً (طبعاً باستثناء رشهم لعقار ما). فالجو الهادئ الذي توفره المكتبة لا يمكن أن يشبهه شيء آخر. وقد أرى ابتسامة على وجه أحد القراء الآن لأن القراء يعرفون بالضبط ما أعني.

مكتبات جامعتي لم تكن عظمة هندسية وإنما بنايات متعددة الطبقات فيها ما لذ وطاب من الكتب في شتى الاختصاصات. الوقت فيها شبه مفتوح، فمن المكاتب التي تفتح من السابعة للسابعة إلى المكتبات التي تفتح ٢٤ ساعة في اليوم في ٣٦٥ يوماً في السنة. مكتبات تقسم إلى درجات بحسب الصمت المطلوب، فهنالك أماكن يمكنك الحديث بها بهدوء وهنالك مجال الصمت (Silent Zone) وفي داخل هذه القاعات المعدة للصمت ترى كابينات مغلقة لشخص أو أكثر تعزل الداخل إليها عن العالم.

هذه المكتبات وفرت جواً لا يمكن أن توفره المنازل الفاخرة، فحتى القارئ الذي يمتلك مساحة ممتازة للقراءة (وأنا منهم والحمد لله) سوف يفتقد ذلك الجو الذي تتقاطع به موجات القراء الدماغية بتناغم عجيب مكونة بيئة تحثك على الاستمرار. بيئة لا يستطيع الملل أن يتخللها. أقول هذا لأنني قضيت فيها مئات الساعات. كنت أحياناً أقرأ فيها لما يزيد على ١٥ ساعة. وهنا أضع تساؤلي الآتي: لماذا لا نمتلك مكتبات شبيهة بهذه المكتبات؟ لماذا يشعر الطالب في جامعاتنا بالرغبة الشديدة في مغادرة كليته أو جامعته؟ لماذا لم تستطع الكافيهات الضخمة المبهرجة أن تفكك ملله؟ ولماذا نهتم بالأساس بالكوفي شوب (أو النادي الطلابي على زماننا) ولا نهتم ببناء المكتبات؟ لماذا كليتنا فيها مكتبة لا تكفي لعشرين طالباً بينما تكفي قاعة المطعم (أو سمه ما شئت) لمئات الطلبة؟ هل هو الاستثمار قصير الرؤية؟ أم هو نزول عند رغبة الطلبة؟ هل لأن طلبتنا أمة لا تقرأ أم لأننا أمة لم توفر المكتبات ولم تهتم بالتنوع الحقيقي للكتب؟ كل هذه التساؤلات تجيبها الظاهرتان الآتيتان:

الظاهرة الأولى: السوشيال ميديا في العراق

يستخدم العراقيون السوشيال ميديا لساعات طويلة يتعلمون ببعضها ويستمتعون ببعضها ويضحكون في البعض الآخر، ولو دققنا لوجدناهم قارئين نهمين لكنهم فضلوا المكتبات التي توفرها الشاشات الصغيرة بأسلوب تفاعلي على القراءة التي خنقتها النمطية التي ترى القراءة حكراً بالكتب الدينية والتاريخية والأدبية والفلسفية الكلاسيكية حصراً. فمكتبات السوشيال ميديا ترضي فضولهم في تخصصات عدة. فالمحب للرياضة سيجد محتوى يراه أو يقرأه وهو محتوى حديث جداً وكذا من يحب العلوم فستراه يركن إلى الدحيح أو حسينولوجي لأنه وببساطة لا توجد في مكتباتنا كتب تغطي هذا التنوع والحداثة. هذا النزوح نحو الرقمية لم يكن ترفاً، بل هو لجوء اضطراري؛ فالعراقي لم يترك الكتاب لأنه يكره الورق، بل لأنه وجد 'المعلومة الحديثة' في اليوتيوب ولم يجدها في المكتبة التقليدية، وإن وجدت محتوىً تحبه فستجده على غرار (تعلم ويندوز XP)، كتباً قديمة لم تعد تستحق الورق الذي طبعت عليه.

الظاهرة الثانية: مكتبات الصين

طورت الصين مكتباتها بحيث أنها أصبحت مكتبات تضم تنوعاً قل نظيره، مكتبات ضخمة إلى الحد الذي احتاجت به إلى أذرع روبوتية ضخمة تجلب الكتب لطوابير القراء الذين ينتظرون دورهم ليحصلوا على ما يشاؤون من كتب. هذه بالطبع ليست كتباً كلاسيكية أو عناوين نمطية فقط إذ طبعت أكثر من ١٨٠ ألف عنوانٍ سنة ٢٠٢٣ وارتفع العدد إلى ١٩٢ ألف عنوانٍ جديداً في سنة ٢٠٢٤. نعم نحن نتحدث هنا عن العناوين الجديدة بين ما تم تأليفه في الصين وما ترجم من لغات أخرى. إنها أشبه بثورة مجنونة لم يشهد العالم مثلها على مر العصور. وهنا تتبادر إلى الذهن أسئلة على غرار: هل هم أمة تقرأ مقابل أمتنا التي لا تقرأ؟ هل هم يفكرون كما نفكر؟ ولماذا لا نفكر مثلهم؟

وبعيداً عن جلد الذات المعهود بحثت عن إجابات لهذه الأسئلة ووفقت للآتي والذي لا أزعم تطابقه الكامل مع الواقع بل أدعي (وبكل ثقة) أن جزءاً كبيراً منه أصاب كبد الحقيقة:

أولاً. النوع الذي يؤدي للوفرة

ما يميز القارئ الصيني ليس الوفرة فحسب (نسبة القراء في الصين بلغت ٨١.٩ بالمئة من البالغين و٨٦.٢ ممن هم دون سن ١٨ عاماً لسنة ٢٠٢٣) وإنما النوع فهذا العدد الكبير من القراء تقابله ملايين العناوين المتاحة بكل المجالات التي يتخيلها العقل. تخيل عزيزي أن مواطناً صينياً قرر أن يعمل في مجال ما فلنقل الطباعة ثلاثية الأبعاد. كل ما عليه هو أن يذهب للمكتبة ويقتني بعض الكتب المتخصصة بالطباعة ثلاثية الأبعاد وينهمك بقراءتها إلا أن يشبع شغفه بهذا التخصص الجديد عليه. في المقابل يفكر شاب عراقي بالعمل في المجال نفسه، لن يفكر بالذهاب إلى شارع المتنبي ليقتني بعض الكتب حول الطباعة ثلاثة الأبعاد وإنما سيبحث في يوتيوب بين أكوام المعلومات (الغث والسمين) وسيحاول شراء (أو تحميل) كتاب أو اثنين حول الموضوع (هذا إن حالفه الحظ وعلم بأمر هذه الكتب، وبالطبع لن يجدها مترجمة لغته الأم وإنما سيعاني من أجل ترجمتهما. هذا إن حالفه الحظ ولم يصبه الإحباط وهو يحاول.

ولن تقتصر رحلة القارئ الصيني طبعاً على الكتب التي جاء ليستعيرها لأنه قد ترد أمام عينيه كتب في تخصصات مختلفة تقلب تفكيره أو على الأقل تحفزه ليقرأ في مجال آخر وهو ما يطلق عليه التلقيح المتبادل للأفكار (Cross-Pollination of Ideas). وهذا الأمر هو عينه الذي جعل ستيف جوبز (Steve Jobs) يصمم خطوط "الماك" الجميلة إذ لم يكن ليصممها لولا أنه حضر دروساً في "الخط العربي واللاتيني" (Calligraphy) وهي بعيدة عن التكنولوجيا. إذن المكتبة المتنوعة هي التي تخلق هذه الفرص وبالتالي تولد القراء.

ثانياً. جو القراءة ومثال مكتبة الـ ٢٤ ساعة

ومن هنا تصبح الإجابة على سؤالنا الأول واضحة. نحن لم نرغب في الابتعاد عن القراءة وإنما ظروفنا وقلة فرصنا هي التي أبعدتنا. وحتى لو أننا وصلنا بشكل ما كتاب وهممنا بقراءته فسنبحث عن مكان هادئ لنقرأه به وبالطبع لن يكون هذا المكان مكتباتنا العامة ولا مكتبات كلياتنا. ربما سنحاول أن نقرأ باستخدام موبايلنا بضعة سطور في الكوفي شوب قبل أن يخترق صمتنا النادل بأسئلته التجارية المعهودة أو صديق رآنا من بعيد فأحب اقتحام خصوصيتنا، أو حفلة عيد ميلاد أو لعبة لكرة القدم رفعت سماعات التلفزيونات إلى مستوى تصبح القراءة فيه مستحيلة. كما أننا لن نستطيع بأية حال من الأحوال أن نتمشى إلى مكتبة كليتنا بعد انتهاء الدوام الرسمي لنصرف بعض الوقت في القراءة ببساطة لأن مكتباتنا تفتح أوقات الدوام فقط. وأتذكر أنني اقترحت يوماً ما على عميد كليتنا في جامعة بغداد أيام البكالوريوس أن تمدد أو تغير المكتبة أوقات دوامها لأننا ننهي محاضراتنا الساعة الثانية ظهراً والمكتبة تُغلق أبوابها قبل هذا الوقت أصلاً. فما كان منه إلا أنه أبدى إعجابه بالطالب الذي يفكر بالمكتبة لكن هذا الإعجاب لم يترجم بأرض الواقع إلى أي قرار ملموس ولربما كان في قرارة نفسه يضحك على سذاجتي. فنحن أمة تهرع راكضة إلي البيت عند انتهاء الدوام مباشرة (وأحياناً كثيرة قبل ذلك بكثير). والدوام الإضافي أو المسائي كان نكتة آنذاك. ولا أدري لو أن العميد في حينه فكر خارج الصندوق وأتاح المكتبة خارج أوقات الدوام الرسمي، لا أدري لربما كانت الأمور على غير حالنا اليوم.

أخيراً. قد يكون بعضنا يستحق كلمة (أمة لا تقرأ) لكن غالبيتنا كان يمكن أن يقرأ لو أتيحت له فرصة القراءة، لو توفرت له مكتبة بدوام مضاعف، لو وجد كتباً في التخصص الذي يحبه. نحن إذن ضحية أكثر من أن نكون جناة. كان يمكن للحكومات أن تستثمر ببنايات مكتبات على الطراز الحديث، مكتبات ربحية باشتراكات معقولة، مكتبات توفر تنوعاً حقيقياً ومكاناً يجد فيه القراء السلام والجو الملائم للقراءة ولربما جاعوا فأكلوا في مطاعم هذه المكتبات، أو قرروا أن يحتسوا قهوتهم من إحدى أكشاكها لتصبح استثماراً للإنسان وللمال لا للإنسان فقط. حين ذاك فقط ستنطلق حركة التعريب التي سيطالب بها القراء، وحينها فقط - وليس الآن - يحق لنا أن نقرر بإنصاف: هل نحن أمة تقرأ أم لا.

***

محمد رضا عباس يوسف - باحث أكاديمي

كلية الإمام الكاظم

للعُشّاق في عيد الحُبّ وحكاية ابن السرّاج والفاتنة شريفة

يحكي لنا الكاتب الاسباني “أنطونيو فييغاس” مؤلّف أجمل قصّة حبٍّ موريسكية فى تاريخ الاندلس، قصة عميقة المعنى، بعيدة الغور عن عاشق أندلسي مولّه ومحبٌّ هائم عريق المحتد نبيل الجِذر يُدعى إبن سرّاج الذي كان مُغرماً بحبيبته الفاتنة الحسناء ”شريفة” فى ظروف صراعاتٍ عصيبة ساد فيها التطاحن والمواجهات، وعشعشت فيها الضغائن والأحقاد بين مختلف العوائل والأسر الحاكمة من الجانبين العربي الإسلامي وبين الإسبان النصارى، ومع ذلك إنتصر الحبّ الذي كان مغلفاً بالعفّة والصّدق والنبل والوفاء وسط هذه الأجواء الحالكة المتطاحنة والمُدلهمّات والمحن. ووتظهر هذه القصّة في العديد من الحكايات والكتب والمرويات الرومانسية في ذلك العصر، وتكمن قيمة عمل “أنطونيو فييغاس” في إحياء هذه القصّة وإعادة نشرهاعلى أوسع نطاق، وقد قدّمها لنا في قالب قصصي سهل وبسيط، وتسجّل هذه القصّة المشاعر السامية والنبيلة، والأحاسيس المرهفة العفيفة لبعض النبلاء الإسبان في ذلك العصر وفي العصور التي جاءت فيما بعد، فحتى الكاتب الإسباني العالمي “ميغيل دي سرفانتيس” لم يفته أن يشير في روايته الشّهيرة “دون كيخوته دي لا مانشا ” إلى حكاية إبن السراج الشهيرة مع خليلته شريفة، بل إنّ هذا الكتاب كان وما يزال يُدرّس في المقرّرات التربوية والتعليمية الإسبانية الى يومنا هذا المشهود.

 ظهرت هذه القصة المثيرة عام 1565 في مدينة “ريّال كامبُو”، فى كتاب طريف طريف جمع فيه  مؤلفه قصائدَ وحكاياتٍ وقصصا كلاسيكية وقد نال ببهذا الكتاب شهرة واسعة فى الأندلس، وفى مختلف أصقاع شبه الجزيرة الإيبرية فى القرن السادس عشر، ولقد استوحى المؤلف كتابه من نصوص بعنوان “حكايات الأمير الماجد دون فرناندو الذي إسترجع أنتيكيرا”، ويجد القارئ فى هذا الكتاب قصّة حبّ رومانسيّة عن أسمىَ معاني الشّهامة، والولاء، والنبل والوفاء في عهدٍ كانت الكلمة فيه ما زالت تُحترم، وكان العهدُ فيه لا يُنكث حتى مع الخصوم، وقصّة من هذا القبيل جديرة بأن تُحكىَ هذه الأيام لأنها تسمو بالحبّ وبمعناه العميق وبأهله وذويه وأصحابه إلى أعلى علييّن في عيده الذي يحتفل به وفيه العالم فى الرابع عشر من شهر فبراير الجاري من كل عام.

أليس جزاء المحبّة إلاّ بالمحبّة؟

يحكي لنا “أنطونيو فييغاس” فى هذه القصة أنّ إبن السرّاج كان قد وقع في أسر الفارس الإسباني النبيل ” رودريغو دي نارفايس” عمدة مدينة “أنتيكيرا ” التي تبعد عن مدينة مالقة بحوالي خمسين كيلومترا، وعندما رأى نارفايس الفارسَ العربيّ المسلم خلال سجنه فى زنزانته غارقاً في حُزنٍ عميق سأله عن سبب كربه وغمّه ووُجومه، فحكى له ابن السراج قصته وهي أنه وقع في الأسر قريباً من المكان الذي كانت تنتظره فيه محبوبته شريفة لعقد قرانه عليها فى ذلك اليوم، عندئذٍ قرّر الحاكم الإسباني إبرام اتفاق مع الفارس العربي الحزين بإطلاق سراحه بشرط واحد أن يُقدّم له وعداً بأن يعود للسّجن متى إلتقى بخطيبته شريفة وعقد قرانه عليها وتزوّجها فوافق ابن السرّاج على الفور على هذا الشرط وقدّم للحاكم وعداً بذالك، ثم إنطلق للبحث عن شريفة وعند إلتقائه بها تزوّجها سرّاً، إلاّ أنّها عندما عرفت قصّة خطيبها وسوء الحظ الذي وقع فيه قرّرت ألاّ تفارقه، وأن تصحبه إلى السّجن، ولم يتوان ابن السرّاج فى العودة إليه على الفور الى السجن وفاءً منه للعهد الذي قطعه على نفسه مع الفارس الإسباني حاكم أنتيكيرا وعمدتها الذي عندما وجد الفارس العربي قد عاد اليه، ولم تشأ زوجته شريفة فراقه بل قرّرت مرافقته في السجن، عندئذٍ فكّر الفارس الاسباني كيف يجازي ” ابن السرّاج ” على وفائه وإحترامه للوعد الذي قطعه على نفسه معه، فقرّر أن يكافئه وزوجته شريفة على إخلاصهما ووفائهما فأطلق سراحهما على الفور.

العِشق والصّبَابة والهَوىَ في الشّعر العربي

كلما عاد” عيد الحبّ” أو” سان فالينتاين”، كما يطلق عليه فى الغرب تعود إلى أذهاننا قصص العاشقين، وحكايات الوالهين، وأشعار المتيّمين، وتطوف فى مخيّلاتنا، وتدور فى خلدنا أسماء عالقة ولاصقة بذاكراتنا الوَهنة لها شهرة واسعة الأطناب فى عالم العِشق، والهوىَ، والتيم والهُيام، والصّبابة والجوىَ، ممّا قاد بعضهم إلى مزالق الجنون، وعوالم المُجون، فمنذ معلقاتنا الشعرية القديمة التي كانت تُكتب بماء الذهب، وتُعلّق على جدران الكعبة كان شعراؤنا يبكون، وينوحون، وينتحبون، ويتغزّلون نسيباً، وتشبيباً، وإعجاباً بمحبوباتهم، ومعشوقاتهم، ويتغنّون بأطلالهم الدارسة، فهذا عنترة العبسي يسائل خليلته عبلة: أنْ هل سَألت الخيلَ إن كانت جاهلةً بما لم تعلمِ، وهذا عمرو بن كلثوم التغلبي: يناشدُ خليلته بأن هبّي بصحنكِ واصبحينا، ولا تبقي خمورَ الأندرينا، وهذا طرفة بن العبد المنكود الطالع: يذكّرنا بأطلال خليلته خولة ببرقة ثمهد، والتي أصبحت تلوح له كباقي الوَشم فى ظاهر اليدِ، وهذا امرؤ القيس الكِندي:يذكّرنا بليله السّديم الذي أرخىَ عليه سدوله كأمواج البحر ليبتليه بأنواع الهموم، وهذا جميل بثينة الذي يحلف لخليلته: بربّ الرّاقصات إلى مِنىً، هُوِيَ القطا يجتزنَ بطنَ دفين، لقد ظنّ هذا القلبُ أن ليس لاقياً.. سليمىَ ولا أمّ الحسين لحين، وهذا عمر بن أبي ربيعة فى جولاته، وصولاته، خلسةً فى جُنح الليالي الحالكات يزورخليلته ولم يعرف الواشون ما كان بينهما، ناهيك عن المجنون الهائم على وجهه فى الفلاة، والفيافي، والمفاوز، والقفار قيس بن الملوّح وحكايته مع ليلاه الأخيلية يرفع عينيْه الى السماء ويخاطب طير القطا متوسّلاً: أطير القطا هل من يعير جناحه.. لعلّي إلى من قد هويتُ أطير. ونجد شاعراً عاشقاً ولهاناً آخر يقول فى ذات السياق: أشارتْ بطرفِ العيْنِ خيفةَ أهلها / إشارةَ مَحزونٍ ولم تتكلّمِ.. فأيقنتُ أنّ الطرْفَ قد قال مَرْحبَا / وأهلاً وسهلاً بالحبيبِ المتيّمِ..وجاء بعد ذلك آخرون، نذكر منهم أبا تمّام الطائي الذي يقول فى بيتيْه الشّهيرين: نقّلْ فؤادَك حيث شئتَ من الهوى / ما الحبُّ إلاّ للحبيبِ الأوّلِ.. كمْ منزلٍ في الأرض يألفهُ الفتىَ / وحنينُه أبداً لأوّلِ منزلِ..وهناك العديد من القصص، والحكايات، والأشعار الأخرى التي يحفل بها أدبنا العربي الزاخر منذ فجر التاريخ، وهي حكايات تنخلغ لها الأنفس، وتخفق لها القلوب، وتتغيّر معها الطباع، وتطول بسببها الليالي، وتحتدّ بها نوبات الأرق، وتزيد بها نبضات القلوب، ويتفاقم القلق والتسهيد، ويحلو بها ولها وفيها السّمروالتنهيد والسّهر.

 أيّها العشّاق اسمعُوا واعملُوا بنصائح ابن حزم

هذه المواضيع والأشعار والحكايات تدخل فى صلب الإحساس العاطفي الذي كان الأقدمون ينعتونه بمسميّاتٍ جميلة مثل الغزّل، أو النسيب، أو التشبيب، ومنه العذري والإباحي، إنها مواضيع على الرّغم من مرور الزمن، وانسياب السنين ما فتئت على أيامنا الغارقة فى الماديات، والتكنولوجيات المتطوِّرة والمُحيّرة تُحيي الرُّوحَ، وتجذل القلبَ، وتُنعش الوجدانَ، وتشدّ الكيان. والتي كان لها حضور قويّ فى تراثنا العربي والأندلسي القديم على وجه الخصوص. إننا واجدون فى هذا التراث التليد كتاباً فريداً فى بابه، يُعتبر من أروع ما كتب فى هذا الموضوع للعلاّمة الفقيه الشّاعر الحافظ ابن حزم الأندلسي فى مؤلّفه الشهير “طوق الحمامة فى الألفة والألاّف”، وهو كتاب يُعالج تباريح الحبّ والهوىَ، وعذابات التّيم، والعِشق والجوى فى الأندلس، ولقد أصبح هذا المؤلّف من بين أشهر الكتب التي وُضعت فى الاندلس خلال عهودها الزاهرة، تناول فيه صاحبُه موضوع الحبّ وما تعتري صاحبَه من ظواهر الإنفعال، والتغييرات التي تغشاه، وتأخذ بمجامعه ومعروف لدى القاصي والداني مدى التأثير البليغ، والأثر العميق اللذيْن أحدثهما هذا الكتاب فى آداب القرون الوسطى، عند مختلف الأجناس أو فى العالميْن العربي والغربي على حدّ سواء .

مواصفات الحبّ وتباريحه

 تجدر الاشارة انه في قراءةٍ متأنية تقول الباحثة الأردنية ديانا نصار عن هذا المؤلَّف: ” هذا الكتاب ألَّفه واضعُه نزولاً عند رغبة صديقٍ مُحبّ طلب منه أن يصنف له (رسالةً في صفة الحبّ ومعانيه وأسبابه وأعراضه، وما يقع فيه وله على سبيل الحقيقة). وهذا يدفع إلى أذهاننا التساؤل الأوّل: هل من الممكن فعلاً أن يُعرَّف الحبّ وتُقسَّم معانيه وأعراضُه وأنواعه والمشاعر المتعلقة به وأن يُصنّف في كتابٍ أو رسالة؟”. وسرعان ما يأتينا الجواب الشّافي من الكاتبة فتقول:” بالرغم من غرابة الفكرة فقد انتهج ابن حزم منهجاً علمياً بحثياً في تقسيم الرسالة. حيث عمد إلى تقسيمها إلى ثلاثين باباً: عشرةٍ في أصول الحبّ، واثني عشر باباً في أعراض الحبّ وصفاته المحمودة والمذمومة، وستةٍ في الآفات الداخلة على الحبّ، واختتمها ببابين تحدث فيهما عن قبح المعصيّة وفضل التعفف”.

وتضيف الكاتبة: ” هناك آراءٌ واجتهادات. أبرزها أن يكون الإسم مبنياً على فكرة الديمومة والثبات؛ كقول العرب: “أبقى من طوق الحمام”. أو أنه يحمل دليلاً على معاني الزّينة والحلية واستلهام الجمال الذي هو مثار الحبّ. أو – بكلِّ بساطةٍ ممكنة – أن الحمامة هي رسول الحبّ والهوى، والطوق حليتها وزينتها، أو الأمانة المعقودة في عنقها لحملها من العاشق إلى المحبوب “.

يصف ابن حزم الحبّ فيقول: “الحبُّ – أعزّك الله – أوّله هزْلٌ وآخرُه جدّ، دقّت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تُدرَك حقيقتها إلاّ بالمعاناة. وليس بمنكرٍ في الديانة ولا بمحظورٍ في الشريعة، إذ القلوب بيد الله عزَّ وجل”. وتشير الباحثة: “يكفينا هذا الاقتباس لملاحظة النزعة الدينية والقالب العقلاني الذي طغى على غير موضعٍ في هذه الرسالة”. وهي تتساءل:” إن كان ذلك نابعاً من خلفية ابن حزم وفكره الديني، أو من حقيقة أنه كتب الرسالة رداً على طلبٍ من صديق؛ وبالتالي فقد كانت أشبه بالتوثيق والتوصيف العلمي، وأنها لو كُتبت في فترة أطول وفي وقتٍ مختلف من حياة ابن حزم لكان محتواها أو طريقة عرضها اختلفت عن المضمون الحالي ”. وتضيف: أصل الحبّ عند ابن حزم ” اتصالٌ بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخليقة في أصل عنصرها الرفيع”؛ حيث يرى أنّ المحبّة ضروب: محبة المتحابين في الله عزوجل، ومحبّة القرابة، ومحبّة الألفة، ومحبّة التصاحب والمعرفة، ومحبّة البِرّ، ومحبّة الطمع في جاه المحبوب، ومحبّة المتحابّين لسرٍّ يلزمهما ستره، ومحبّة بلوغ اللذة، ومحبّة العشق التي لا علّة لها إلاّ اتصال النفوس”، هي المحبة فى رأيه هي الوحيدة التي لا تفنى ولا تزيد ولا تنقص كأنواع المحبة الأخرى. يحتوي كتاب طوق الحمامة على قصصٍ وحكايات وأخبارٍ شهدها ابن حزم أو نُقلت إليه. فقد تربىّ في وسط يزخر بالنساء والجواري، وهنَّ من علّمنه وأدّبنه حيث تسنّى له أن يطّلع على أسرارهنَّ وخباياهنّ التي ليس لها قرار “.

شيخ المُستشرقين الاسبان وكتاب طوق الحمامة

في هذا اليوم ( يوم الحبّ أو عيد الحبّ ) لا حديث للناس سوى عن الحب ما أحوجنا إلى إعادة نبش تراثنا، وقراءة تاريخنا، والاستماع والإستمتاع بدرره، وصدفاته، ونفائسه التي أُعْجِب بها الغربُ قبلنا، يقول شيخُ المُستشرقين الإسبان الكبير الرّاحل ” إميليو غارسيا غوميس” - الذي تعرّفت عليه فى مدريد فى الثماننات من القرن الفارط عندما كنت اتقلّد منصب المستشار الثقافي بسفارة المغرب فى العاصمة الاسبانية – انه يقول عند تقديمه لكتاب “طوق الحمامة” فى ترجمته له إلى اللغة الإسبانية:” أنّ الحبّ العذري دخل الأندلس حوالي 890م. وكان لابن حزم نفسه تأثير واضح، وبليغ في هذا القبيل خاصّة في البلاطات الأوربية الرّاقية”.

و تجدر الاشارة فى هذا القبيل أنه من المعروف أنّ هذا العالم الأندلسي الجليل قد سبق وبذّ بقرون علماء النفس الأوروبيّين المعروفين أمثال “كارل كوستاف يُونغ”، و” ألفريد أدلر”، و” سيغموند فرويد ” وسواهم ممّن على شاكلتهم بملاحظاته العلمية الدقيقة، وتفسيراته العميقة، وتحليلاته النفسية للأمارات والعلامات والتغييرات التي تعتري الحالات النفسية للعاشقين المتيّمين، في كتابه الآنف الذكر الذي تُرجم إلى العديد من اللغات الحيّة – كما هو معروف- ولقي فيها نجاحاً وإنتشاراً منقطعيْ النظير. وهكذا فإنّ كتاب طوق الحمامة سيظلّ بالتأكيد مرجعا اساسيا للعاشقين والوالهين وهو لا يخلو من المتعة والفائدة والأخبار العجيبة عن الحبّ، والصّبابة والجوىَ والهُيام.. وكلّ عامٍ وأنتم وأنتنّ بألف حبّ !.

***

د. السّفير محمّد محمّد الخطّابي

كاتب، وباحث ومترجم من المغرب

في عشرينيات القرن الماضي، كانت جامعة ماربورغ الألمانية فضاءً نابضاً بالأسئلة الفلسفية الكبرى، وهناك التقت حنة أرندت، الطالبة الشابة المتوقدة الذكاء، بأستاذها مارتن هايدغر، الفيلسوف الصاعد الذي كان يفتن طلبته بعمق أفكاره وغموض لغته. وما بدأ إعجاباً فكرياً خالصاً، سرعان ما انزلق إلى علاقة عاطفية سرية، ظلت طيّ الكتمان، لكنها تركت أثراً عميقاً في حياة الاثنين.

كانت العلاقة، منذ بدايتها، غير متكافئة، أرندت في مطلع شبابها، تبحث عن المعنى واليقين، وهايدغر رجل ناضج، متزوج، يحتل موقع السلطة الأكاديمية والفكرية. ومع ذلك، لم تكن العلاقة مجرد استغلال عاطفي أو نزوة عابرة، فقد رأت أرندت في هايدغر عقلاً فلسفياً استثنائياً، فيما وجد هو فيها ذكاءً نادراً وروحاً قادرة على ملامسة أسئلته الوجودية الأعمق. لكن التاريخ لا يرحم العلاقات الهشة. مع صعود النازية، اتخذ هايدغر موقفاً سياسياً صادماً بدعمه للنظام النازي، بينما اضطرت أرندت، اليهودية، إلى الهجرة هرباً من الاضطهاد. هنا انكسر الخيط الرفيع الذي كان يجمع بين الحب والفكر، وتحوّل الإعجاب إلى خيبة، والذكرى إلى جرح مفتوح. وبعد الحرب العالمية الثانية، جمعهما لقاء متأخر. لم يكن لقاء عاشقين يستعيدان الماضي، بل مواجهة فكرية صامتة بين شخصين حمّلهما التاريخ أثقاله. لم تغفر أرندت لهايدغر خياراته السياسية، لكنها رفضت أيضاً اختزال فكره الفلسفي في موقفه الأخلاقي، متمسكة بفصلٍ صعب بين الفكر وصاحبه. وهكذا بقيت علاقة هايدغر وأرندت رمزاً معقداً لقصة حب لم تكتمل، وخيبة لم تُمحَ، وفكرٍ ظل حياً، يتجاوز أصحابه، ويقاوم السقوط في محكمة التاريخ .

في النهاية، يظل مارتن هايدغر وحنة أرندت شاهدين على مأزق الإنسان حين يتقاطع الحب مع الفكر، فقد أحبت أرندت الفيلسوف، لا مواقفه، وفكّر هايدغر عميقاً، لكنه تعثّر أخلاقياً، فالفلسفة لا تعصم القلب، كما أن الحب لا يمنح الفكر براءةً أبدية، لأنه تجربة وجودية لا تُقاس بالنجاح أو الفشل، بل بعمق الأثر.

وقد يضل القلب، وقد يخطئ الفكر، لكن الإنسان يظل أقوى من سقطاته .

***

د.  طه جزّاع – كاتب أكاديمي

 

في العشرين من عمري بدأت اتلمس الطريق الى فلسفة إيمانويل كانط، عندما حصلت على نسخة من كتاب زكريا ابراهيم " كانت أو الفلسفة النقدية "، وهو الكتاب الاول من سلسة عبقريات فلسفية، وكنت اجد كتب زكريا ابراهيم مؤثرة جدا، لم تكن لي فكرة مسبقة عن كانط، سوى انني تعرفت على اسمه للمرة الاولى من خلال مقال نشرته مجلة العربي بعنوان " امانويل كانط " كتبه محمد فتحي الشنيطي، ربما ذكرت سابقا ولعي بكتب الفلسغة، إلا ان السيد كانط لم يجد له مكانا ضمن اهتمامي، رغم ان كتبه موجودة في المكتبة، التي اعمل فيها ونادرا ما يتجرأ احد الزبائن ويطلب نسخة منها. مجلدات ضخمة الحجم بعناوين غريبة " نقد العقل المجرد "، " نقد العقل العملي "، احيانا اقول لنفسي كلما انظر الى هذه المجلدات، هل ساتمكن يوما من قراءتها، وهل ساستمتع بكتابات كانط ؟، وبالطبع فانني وضعت هذا الافتراض قبل ان اقرأ كلمة لهذا الفيلسوف. ذات يوم سأمد يدي الى الرف لاتناول نسخة من كناب " نقد العقل المجرد "، جلست في زاوية من المكتبة اتلصص على الزبائن وأنا اقلب صفحات المجلد، اقرأ في المقدمة التي كتبها المترجم احمد الشيباني عسى أن اعرف سر من اسرار هذا الفيلسوف، وجدت المترجم يخبرني ان كانط استخدم كلمة مجرد لأنه: " يرى في كتابه هذا ان العقل هو، في نشاطه الرئيسي ونزوعه الجوهري، مجرد من الحس، ومتحرر من الحساسية " – نقد العقل المجرد طبعة دار اليقظة العربية 1965 – وقبل أن أتيه في دوامة الحس والحساسية انتهبت على صوت صاحب المكتبة يطلب مني أن البي طلب احد الزبائن. كنت امني النفس ان افهم ما ذا يريد السيد كانط من كتابه الضخم هذا، والآن ربما زكريا ابراهيم يأخذ بيدي، ويطمأنني أن لاشيء يدعو للخوف، من هذا الفيلسوف الذي يصفه مقال مجلة العربي بأنه رجل غريب الاطوار.

في المكتبة كنت ارى بعض الزبائن يطلقون اوصافا على بعض الكتب، منها صفة عظيمة والبعض الآخر يراها ممتعة، فيما البعض يقع في حب مؤلف إلى حد البحث عن جميع كتبه، وقارئ يحاول ان يجمع طبعات نادرة من مؤلفات كاتبه المفضل. وكنت أسال ما الذي يجعل هذا المؤلف عظيما ؟، فقد كانت كتب " كانط " برغم قلة مبيعاتها إلا انها كتب مبجلة عند الزبائن الذين يهتمون بالفلسفة والادب، ايقنت حينها ان الجميع بالتاكيد قد اطلعوا عليها، إلا ان اخبرني ذات الروائي الراحل فؤاد التكرلي وكان من زبائن المكتبة، من ان بعض الكتب تحتل مكانتها المتميزة ليس لأن الجميع قرأها وفهمها، أو انها كتب ممتعة، بل لأنها مارست تاثيرا على مسيرة الفكر البشري، فالكاتب العظيم ليس مهما أن يكون ممتعا.وسيؤكد زكريا ابراهيم ان كتب " كانط " رغم صعوبتها هي الفلسفة ذاتها لانها تحمل في صفحاتها " تساؤلات واستفهامات "، اما عن كتابه الذي تورطت به يوما " نقد العقل المجرد او المحض " فها هو زكريا ابراهيم يؤكد شكوكي حيث يقول انه جاء: " حافلا بالاصطلاحات، وشتى ضروب التكرار، حتى وقع في ظن الكثيرين انه أعسر كتاب فلسفي ظهر في العصور الحديثة " – زكريا ابراهيم كانط الفلسفة النقدية -

كان صاحب الكتاب الشهير " قصة الفلسفة " وول ديورانت يحذر قراء إيمانويل كانط من السير اليه بشكل مباشر، فهو كما يصفه " عقل لا يمكن حلّ ألغازه، ولهذا فان الطريق اليه يجب أن يمر اولاً عبر الكتب التي كتبت عنه: "، وأن يكون آخر ما نقرأه هو ما كتبه كانط نفسه " – قصة الحضارة ترجمة احمد الشيباني –. يُذكر ان شوبنهاور كان يردد ان فلسفته " استلهمت استلهاماً ثميناً كتابات كانط "، وظل طوال حياته مغرما بكتاب " نقد العقل المجرد "، وصفه بأنه اعظم كتاب في الفكر الالماني، فيما بعد سيعتبر نفسه الوريث الشرعي لفلسفة كانط، وانه وحده الذي يملك الحق بتصحيحها وتقديمها وتكملتها – نقد الفلسفة الكانطية ترجمة عبد الحميد لشهب –

كان الابن الرابع لعائلة تتكون من تسعة اطفال، مات ثلاثة منهم وهم صغار، عاشت العائلة في جو ديني متشدد.ولد إيمانويل كانط في الساعة الخامسة صباحا من يوم الثاني والعشرين من نيسان عام 1724، في مدينة كونيغسبرغ والتي كانت جزءً من المانيا، تأسست في نفس السنة التي ولد فيها كانط من تجمع ثلاث مناطق سكنية، عاش في مدينته كونيغسبرغ حياة هادئة، ولم يكن يتوقع يوما ان هذه المدينة الصغيرة ستهب عليها ويلات الحروب التي كان يحذر منها، وانها بعد ان كانت تخضع للسيادة الألمانية، تصبح بعد نهلية الحرب العالمية الثانية تحت السيطرة الروسية، ويتغير اسمها من كونيغسبرغ الى كالينينغراد حيث قامت روسيا باخلاء المدينة من السكان الالمان، ورغم تفكك الاتحاد السوفييتي، وظهور دويلات في البلطيق، بقيت كالينينغراد روسية وقدمت المانيا عرضا مغريا عام 2001 بشراء مسقط راس اعظم فلاسفتها، مقابل، إعفاء روسيا من الديون المستحقة وقتها، والتي تجاوزت 25 مليار يورو، جوبه العرض برفض روسي. كان والد كانط " يوهان جورج " يعمل سراجا، وطالما استخدم الاحزمة في تأديب اطفاله، مات عندما كان كانط في الثانية والعشرين من عمره، اما امه " حنا ريجينا " فقد توفيت وهو في الثالثة عشر من عمره، كانت امراة شديدة التدين تمنت ان يصبح ابنها كاهنا، ولم تكن تدري ان هذا الطفل الخجول سيوجه فيما بعد اشرس نقد للكنيسة، ويطلق عبارته الشهيرة " إنّ ديناً يعلن الحرب على العقل سوف يُصبح مع مرور الزمن غير قادر على الصمود أمامه " – كانط الدين في حدود العقل ترجمة فتحي المسكيني -.

عاش طفولة بسيطة، كان الاب والام يتبعان الطائفة التقوية، وهي جماعة بروتستانية رفضت تعاليم لوثر، ما ان بلغ الثامنة من عمره حتى قررت الام ان يتزود ابنها بثقافة دينية، فادخلته مدرسة " الفردريكية "، التي كانت تنشيء الاطفال على المبادئ " التقوية "، في المدرسة تعلم اللغة اللاتينية واتقنها، بسبب الفقر عملت اخواته في وظائف منزلية، اما شقيقه الاكبر فقد تمرد على " تقوية " العائلة واصبح قسيسا من جماعة لوثر، وصف بأنه كان طالبا هادئا، اشتكى بعض المعلمين من عدم قدرته على الحفظ، مما دفع امه ان تكلف احد اقاربها لمساعدته في التعلم، في المقابل كان مهتما بقراءة الكتب العلمية، وسعى للحصول على كتب نيوتن وغاليلو. في الجامعة التي دخلها عام 1746 قرر ان يتخصص بدراسة اللاهوت ليحقق امنية عائلته، لكنه سيترك اللاهوت ويتجه لدراسة الرياضيات والفلسفة، تعلق بفلسفة ليبنتز المتوفي عام 1716، الذي كان يرى ان العالم يتكون من عقول اولية تسمى " موندات " أي الوحدات المتناهية في الصغر، وكان كتابه " المونادولوجيا " – ترجمة عبد الغفار مكاوي - والذي صدر عام 1714 أشهر أعماله وأكثرها دلالة على مذهبه. كذلك اهتم كانط بدراسة مؤلفات نيوتن، عام ١٧٤٦ تقدمَ برسالة جامعية حاول فيها التوفيق بين فلسفة ديكارت وليبنتز، وهي نفس السنة التي توفى بها والده فاضطر ان يعمل مدرسا في الريف عند الاسر الغنية ليعيل شقيقاته، امضى تسع سنوات في مهنة المعلم، قال فيما بعد انه ربما كان أسوأ معلم عرفه العالم.في هذه الفترة كان منشغلا في كتابه الاول " التاريخ العام للطبية ونظرية السماء " الذي استطاع ان ينشره عام 1755 على نفقة احد الاغنياء، والمثير ان كانط رفض ان يضع اسمه على الكتاب خوفا من تعرضه لهجوم الكنيسة. يعود الى مدينته كونيغسبرغ ليكمل دراسته ينال شهادة الدكتوراة عن رسالته التي كانت بعنوان: " المبادئ الأولى للمعرفة الميتافيزيقية" يحصل على وظيفة محاضر في الجامعة من دون راتب، حيث يتعين عليه ان يكسب مالاً مما يدفعه الطلبة لقاء سماعهم لمحاضراته، وبعد فترة وجدت الكلية ان قاعة المحاضرات التي يلقي فيها كانط دروسه تمتلأ بالطلبة، حتى ان البعض ينتظر واقفا في الخارج، وهو الأمر الذي حسن من وضعه المالي. استمر في مهنة المحاضر خمسة عشر عاما، عين عام 1770 استاذا للمنطق والميتافيزيقيا في جامعة كونيغسبرغ، وفي عام 1780 اصبح عضوا في مجلس الشيوخ الاكاديمي، وبعد اعوام يتم اختياره لعضوية الاكاديمية الملكية للعلوم في برلين. يتم تعينه عميدا لكلية الاداب، وفي عام 1786 يتولى منصب مدير الجامعة، يبقى في المنصب عشر سنوات وبسبب مشاغله وبحوثه يقدم في شباط من عام 1796 طلبا باعفاءه من المنصب يقول فيه: " إن ضعفي بسبب شيخوختي يضطرني الى أن اعلن عجزي عن القيام بهذه المهمة. في الثالث والعشرين من تموز عام 1796 يلقي آخر محاضرة له في الجامعة وكانت عن المنطق. يقيم الطلبة احتفالا بمناسبة تقاعده، حيث نظموا موكبا كبيرا تتقدمه فرقة موسيقبة وعدد من الاساتذة، سار الموكب من الجامعة الى بيت كانط.

عاش الفيلسوف الماني الشهير حياة بسيطة ، يستيقظ كل يوم في الخامسة صباحا، ينام لمدة سبع ساعات، بقضي ثلاث ساعات من الخامسة الى الثامنة صباحا في القراءة والكتابة. يذهب الى الجامعة في الوقت المحدد، يعود الظهر الى البيت، في الخامسة عصرا يمارس رياضته المفضلة المشي، ومن الطريف انه اثناء المشي لا يتكلم مع احد ويرد السلام باشارة من يده، فقد كان يعتقد ان الفم يجب ان يبقى مغلقا اثناء المشي وان التنفس يكون من الانف فقط.. يكتب فريدريك غرو في كتابه " فلسفة المشي" – ترجمة سيعيد بوكرامي - ان كانط لم يغير مساره اليومي إلا مرتين في حياته، مرة للحصول على نسخة مبكرة من كتاب إميل لجان جاك روسو، ومرة عندما ذهب لمتابعة اخبار الاعلان عن الثورة الفرنسية. يفلسف اهمية الرياضة في حياة الانسان، ويرى أن المشي لمسافات طويله يجب ان يتحول إلى قانون يومي يرافق الانسان، بشرط أن تسير لوحدك دون ان يجهدك صديق او تلميذ في حديث غير مجدي.

ظهرت ثلاثية كانط النقدية في وقت متاخر من حياته: نقد العقل الخالص او المجرد عام 1781، نقد العقل العملي عام 1788، نقد ملكة الحكم عام 1790. فيما صدرت كتبه الآخرى في نفس الفترة، كتاب تأسيس ميتافيزيقيا الاخلاق عام 1785، الدين في حدود العقل المجرد عام 1793، وعلى الرغم من تدهور صحته في سنواته الاخيرة إلا انه لم يتوقف عن التاأيف، حيث اصدر عام 1795 كتاب مشروع للسلام الدائم وكتاب ميتافيزيقيا الاخلاق عام 1797، وكان آخر كتاب ظهر له " تأملات في التربية " عام 1803، قبل وفاته بعام حيث توفي في الثاني عشر من شباط عام 1804، واجريت له مراسيم دفن شارك فيها كبار مسؤولي المدينة مع اساتذة الجامعة والمئات من الطلبة. كان كانط قد كتب وصية سلمها لشقيقته عن اسلوب الجنازة التي يرغب فيها، فقد اراد ان تكون في الخامسة صباحا، وهو الوقت الذي كان يستيقظ فيه كل يوم، وان يحضرها عدد قليل من الاصدقاء، وان تسير في نفس الشارع الذي كان يتنزه به مساء، إلا ان المسؤولين في المدينة قرروا ان تقام له جنازة مهيبة وان تسير جنازته الى الكاتدرائية حيث تجمع الآلاف من طلبته ومن سكان مدينته ، بعد ذلك تم دفنه في رواق الجامعة التي قضاى فها فيها معظم حياته.

في معظم كتاباته كان ايمانويل كانط يعبر عن ايمانه بالاستخدام الحر للعقل لفحص كل شيء، مهما كان تقليديا أو مقدسا، كانت الفكرة التي تشغل تفكيره هي التوفيق بين الاخلاق والدين من جهة والمعرفة العلمية من جهة اخرى، وكان يسعى لرسم صورة موحدة. يكتب في مقدمة نقد العقل الخالص: " إن معرفتنا تنبع من مصدرين عقليين أساسيين: الأول هو القدرة على تقبل الانطباعات، والثاني هو القدرة على معرفة الشيء يهذه الانطباعات او التمثلات. وبالأول يُعطى لنا الشيء، وبالثاني يُفكَّر في الشيء.. لا يجوز تفضيل قدرة منهما على الأخرى، فبدون الإحساس لن يُقدم أي شيء لنا، وبدون فهم لن يُفكَّر بأي شيء. إن الأفكار التي بلا محتوى فارغة، والحدوس التي بلا مفاهيم عمياء ".

قد يتساءل البعض بعد كل هذه السنوات هل تمكنت من حل الغاز هذا الفيلسوف الذي توصف كتاباته بالغامضة والمعقدة ؟ في الحقيقة خلال تجوالي في كتب الفلسفة ايقنت ان بعض الفلاسفة ومنهم كانط جعلوني أتنصل من كثير من المفاهيم التي كنت مقتنعا بها، لأبدلها بافكار ومفاهيم اوسع. في اوائل العشرين من عمري كنت تائها بين مفاهيم كثيرة، لكن بعض الكتب استطاعت ان توسع مداركي، وان تحررني من الافكار المستهلكة.

توصف فلسفة كانط بانها شبيهة بثورة كوبرنيكوس عندما اخبرنا ان الارض لم تعد مركز الكون، وإنما الشمس،، جاء كانط ليطلب منا ان نغير نظرتنا فيما يتعلق بالمعرفة " إذا اردنا معرفة حدود عالمنا، يجب علينا ان نتحقق من حدود قدرتنا الذاتية على المعرفة "، فهو بدلا من ان يحاول تفسير المفاهيم العقلية على اساس التجربة، قام بتفسير التجربة على اساس المفاهيم العقلية، وهكذا ووفقا للثورة " الكانطية، اصبح من واجب الاشياء والحقائق الموضوعية ان تدور حول العقل لكي تتحول الى معرفة، بدلا من أن يدور العقل حول الاشياء والحقائق الموضوعية لكي يحصل على المعرفة. وقد تصور كانط ان بكتابه نقد العقل المحض انما يصحح خطأ تاريخيا في ميدان المعرفة، اشبه بالخطأ الذي قام كوبرنيكوس بتصحيحه في علم الفلك.

***

علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية

 

قدم الأستاذ الباحث علي المدن أطروحة دكتوراه في تاريخ 3/2/2026 بالعنوان أعلاه في جامعة الاديان والمذاهب / كلية الاداب والعلوم الإنسانية وقد كتب الدكتور الرفاعي شهادته حولها بعد الاطلاع عليها وهذا نص شهادته:

تعود العلاقة الأخوية بيني وبين علي المدن إلى سنة 1994 م أي إلى ما قبل 32 سنة، عندما بادر هو فهاتفني إلى بيتي، من أحد هواتف الشارع، بعد قراءته العدد الأول من مجلة "قضايا إسلامية" التي أصدرتها بمعية أخي المرحوم الشيخ مهدي العطار، قبل اصدار مجلة "قضايا إسلامية معاصرة" سنة 1997. أعرب علي وزميله سرمد الطائي عن رغبتهما بزيارتي، شابان لا يتجاوز عمرهما 16 عاما، شغوفان بالمعرفة خارج التراث. لبث علي وفيا لهذه الصلة، كما هو معروف عن أخلاقه وتهذيبه، وصار يحضر "المنتدى الثقافي المفتوح" الذي ينعقد في بيتي بقم لعدة سنوات، عصر كل جمعة لطلاب الحوزة المهتمين بالثقافة من العراقيين. لا أقدم في هذا المنتدى لهم محاضرة، كما جرت العادة في مثل هذه المنتديات، أكتفي دائما بالإصغاء إليهم، أفتح لهم قلبي وأنصت إلى همومهم، وأزودهم بما يرغبون مطالعته من مكتبتي، وأتعاطف مع غربتهم ومواجعهم، وأقدم لهم كل ما أستطيع. تميز هؤلاء الأحبة بالذكاء الحاد، والأخلاق والنبل والتهذيب. اللافت كان كثير منهم من البصريين، فتذكرت كيف تأسس الاعتزال في البصرة في القرن الثاني الهجري، وكيف نشأت مدارس المناظرة في علوم الدين في البصرة، وكيف ظهر اخوان الصفا في البصرة، وولد النحو وازدهرت علوم اللغة في هذه الحاضرة العلمية العريقة.

تلمست تفرد علي المدن مبكرا، كان يغيب مدة، ليغرق في الدراسة والمطالعة والبحث والكتابة، كلما التقينا أراه يتطور معرفيا وثقافيا بشكل يبهرني. رابطَ المدن في الحوزة ولم يغادرها نحو 35 عاما، وأضحى من المجتهدين المغمورين في علوم الدين، والمتبحرين في التراث الإسلامي، والخبراء براهن الفكر العربي، خاصة مشاريع المفكرين الكبار، مثل: عبد الله العروي، المفكر النادر الذي يكتب متنا لا هامشا في الفكر العربي المعاصر، وإن كان هذا المفكر مجهولا للأسف في ايران حتى اليوم، العروي مفكر فذ لذلك أهداه علي اطروحته، ومحمد عابد الجابري، ومحمد أركون، وعبدالمجيد الشرفي، وحسن حنفي، وعشرات المفكرين العرب. كما أصبح المدن من ذوي الرأي النقدي بالفكر الديني في ايران، وتحولاته المدهشة في نصف القرن الأخير.

يتميز علي المدن بعقل نقدي عميق، وقدرة استثنائية على استيعاب وتمثل وتجاوز ما يقرأ. لا يقرأ علي لينبهر، بل يقرأ ليفكك ويغور في البنية اللامرئية لفكر الكاتب ومرجعياته المضمرة ليفككها. أنا وعلي المدن نجتهد في علوم الدين، لكن كل واحد منا يفكر على شاكلته، لذلك طالما اختلفنا في النظر، من دون خلاف أو سوء فهم، لأننا ندرك معا أن الاجتهاد يعني الاختلاف لا التطابق.

كنت وما زلت متيما بالاهتمام بالأذكياء ورعاية مواهبهم. أقول بحق كان علي المدن خلاصة تلامذتي، بعد رحلة في التدريس ورعاية الموهوبين لعشرات السنين. أنا بهذا العمر فخور بمنجزه، وأترقب أن يكون تأثيره فاعلا في الفكر الديني في العراق والعالم العربي غدا. أشرفت على وناقشت أكثر من 80 أطروحة دكتوراه ورسالة ماجستير، ولو لم تكن من ثمرة لرحلتي الطويلة في التدريس والاشراف إلا هذا المفكر الشاب لكفاني فخرا.

أبارك لجامعة الأديان والمذاهب تفوقها بإعداد أطروحة دكتوراه علي المدن في فضائها الأكاديمي، وأبشر هذه الجامعة بأن هذه الاطروحة ستكون أثمن هدية تقدمها للفكر الديني العراقي والعربي، وأتطلع بعد نشرها أن تصبح إعلانا متميزا في موضوعها، يعرف بهذه الجامعة في كل مكتبة في الشرق والغرب يطلع عليها أي باحث مهتم بموضوعها. كما أبارك لحوزة قم انجاز المدن، وهو أحد العلماء غير المعروفين فيها لهذا العمل الاستثنائي، كذلك أبارك لوطني العراق ولادة مفكر ديني مجدد، مفكر تلتقي في شخصيته الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة بجوار التكوين التراثي الراسخ في علوم الدين.

أمضينا علي المدن وأنا عدة سنوات ونحن نفكر معا في الموضوع الذي يكتب فيه الدكتوراه، وأنا أعرف جيدا موهبة علي وعقله النقدي الحاد، منذ أن أشرفت قبل نحو 20 عاما على رسالته الماجستير، التي كانت أول رسالة أصررت على لجنة المناقشة بمنحها درجة كاملة لاستحقاقها بجدارة. بعد مدة اقترح المدن أن يكتب عن مشروع الصديق العزيز المفكر العراقي يحيى محمد، فاستبشرت خيرا بهذا الاختيار. يحيى محمد إنسان زاهد، يعيش في قرية بالمغرب، كما أخبرني في آخر اتصال معه قبل أشهر. لا يعرف مشروع يحيى محمد إلا القليل من القراء الشغوفين بملاحقة المشاريع الفكرية الجادة. وبعد تسجيل المدن أطروحته وتقديمه الخطة التفصيلية، واجتماع لجنة الدكتوراه لتقييمها، ارتأت اللجنة توسيع البحث ليستوعب مشاريع فكرية عراقية لمجايلي يحيى محمد.

 كنت أقرأ كل شيء يكتبه المدن، يبعث لي مباشرة ما يكتب وأنا أقرأ. لا أزعم اني ساهمت في كتابة الاطروحة أو حذف بعض ما كتبه المدن أو اضافة ما هو أساسي، أقول بصراحة: تعلمت من هذه الاطروحة أكثر مما تعلم كاتبها مني، وأفدت منها أكثر مما أفدت كاتبها، عملت اطروحة المدن على إعادة بناء رؤيتي في اكتشاف هوية الفكر الديني العراقي الحديث وخارطته المتميزة، ومساره التكاملي.

تميزت اطروحة علي المدن بأنها ابتكرت موضوعا لم يسبقه إليه أحد من جيل أساتذته ومن سبقهم، ولا من جيله في مختلف الجامعات. علي اكتشف خارطة وهوية للفكر الديني العراقي الحديث، ورسمها ببراعة ريشة فنان يري التفاصيل والجزئيات بجلاء ويعيد تركيبها في اطار نظري واضح. تميزت هذه الاطروحة بتحقيب التطور التاريخي للفكر الديني العراقي الحديث وتجييله في محطات زمنية تعكس تطور هذا الفكر وترصد مشاغله لأكثر من قرن. تحدث المدن عن الجيل الأول وأعلامه: هبة الدين الشهرستاني، ومحمد جواد اللاغي، ومحمد حسين كاشف الغطاء. والجيل الثاني وأعلامه: محمد رضا المظفر، ومحمد أمين زين الدين، ومحمد باقر الصدر. والجيل الثالث وأعلامه: عمار أبو رغيف، وكمال الحيدري، ويحيى محمد، وعبد الجبار الرفاعي.

كي يبدع هذا المنجز قرأ علي المدن عشرات الأعمال في تاريخ العراق الديني والفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي للقرون الثلاثة الأخيرة، في رحلته البحثية التي تجاوزت ثلاث سنوات، كنت معه نتناقش في كل ما يقرأ، ويبوح لي باكتشافاته لمعطيات تاريخية من شأنها أن تغير معلومات شائعة زائفة. يستند في كل ذلك إلى ما هو مطمور في بطون الكتب، تحجبه معرفة شائعة خاطئة، تغدو مسلمات وبداهات راسخة لا تناقش بمرور الزمان. مع هذه الاطروحة يحق للفكر والمفكر الديني العراقي أن يعلن عن مساهمات استثنائية لفقهاء ومفكرين عراقيين لم تسلط الأضواء بالشكل المطلوب على مساهماتهم.

 

يتميز حضور جوليا كريستيفا في المشهد الثقافي الفرنسي بالثراء وتنوع الاهتمامات، فهي المتنقلة دوما بخفة الموسوعي والخبير بتفكيك الشفرات لتطرق فلسفات اللغة والمعنى و الرمز والصمت، وتقارب تشكلاتها التاريخية و الابستمولوجية بأسلوب عبّر عنه اللغوي الروسي رومان ياكوبسون بالقول: " إن كلا من القراء والمستمعين، سواء كانوا متفقين أو غير متفقين معها، يشعرون بالفعل بانجذابهم إلى صوتها المُعدي، وموهبتها الحقيقية في التشكيك في البديهيات المعتمدة عموماـ وموهبتها العكسية المتمثلة في إطلاق أسئلة ملعونة من علامات استفهامهم التقليدية" كما أن هناك إقرارا بتأثيرها الفريد في الفكر البنيوي، خاصة حين كان للبنيوية هيمنة قوية على العلوم الإنسانية.

ولدت الناقدة الأدبية والمحللة النفسية والنسوية جوليا كريستيفا في مدينة سليفن ببلغاريا سنة 1941لأم مسيحية وأب يشتغل محاسبا للكنيسة. وتلقت تعليمها في مدرسة فرنكوفونية تديرها راهبات من الدومينكان، حيث اطلعت على أعمال الفيلسوف و اللغوي الروسي "ميخائيل باختين"، قبل أن تنتقل إلى جامعة صوفيا لمتابعة الدراسة بالجامعة.

أثناء دراساتها العليا حصلت على زمالة بحثية انتقلت بموجبها إلى فرنسا سنة 1965وهي في الرابعة والعشرين من عمرها، لتواصل تعليمها في مدرسة المعلمين العليا، تحت إشراف أساتذة بارزين أمثال: لوسيان غولدمان و رولان بارث. وسرعان ما تأثرت بالحراك اليساري الفرنسي لتنضم إلى جماعة "تيل كيل" التي كان يرأسها الناقد والمفكر الفرنسي فيليب سوليرز الذي ستتزوجه سنة 1967.

خلال هذه المرحلة المبكرة في باريس نشرت جوليا عددا من المقالات في دورية "تيل كيل"، وبدأت في حضور السيمنار الذي كان يعقده المنظر التحليلي جاك لاكان. كما نشرت كتابها" السيميوطيقا" الذي أكد قدرتها على التأثير في التحليل النقدي الدولي والدراسات الثقافية، حيث وجهت من خلال بحوثه انتقادات للنموذج العلمي العقلاني للسيميوطيقا، والذي كان يتطور آنذاك تحت تأثير اللغويات البنيوية. وفي سنة 1973 نالت شهادة دكتوراه الدولة في باريس، لتتولى بعدها منصب أستاذ كرسي اللغويات في جامعة باريس السابعة، ثم أستاذا زائرا في جامعة كولومبيا بنيويورك، وتوجت مسارها التحصيلي بشهادة في التحليل النفسي سنة 1979.

تمثل كتابات جوليا كريستيفا توليفا معقدا للنظريات المادية والنفسية، في محاولة لتطوير فهم ما بعد بنيوي للغة والذات. فهي ترفض فهم المواضيع ضمن إطارها البنيوي مقابل فهم يندرج ضمن ما يسمى ب"فلسفة الصيرورة". وبذلك تؤسس لنقد ما بعد بنيوية يحافظ في الآن نفسه على مبادئ التحليل النفسي، والذي يكشف عن تشابه وجهات نظرها، خاصة في المواضيع الفلسفية، مع سيغموند فرويد وجالاك لاكان. حيث تعتبر أن فرويد فتح لنا طريقا بقوله أن المجال النفسي لا يكون حيا إلا إذا انطوى على فكر ثوري.

تكشف منشورات كريستيفا منذ أواخر الستينات عن معارضتها لنظرية الثقافة الغربية حول اللغة، بوصفها نتاجا أو تمثيلا. وتقترح بديلا للغة بكونها ممارسة مادية يمكن أن تؤيد الثورة السياسية. فهي تدعو في كتابها "السيميوطيقا"(1969) إلى تطوير منهج تسميه "تحليل علاماتي" يحلل النصوص بوصفها نتاجا ماديا. أما في كتابها "نص الرواية :مدخل سيميولوجي إلى بنية استطرادية متحولة"(1970)، فتستعرض مفاهيم متحولة للنص في الأعمال المبكرة لأنطوان دي لاسال. وتكشف هذه الإنتاجات المبكرة عن تأثر واضح بالشكلانية الروسية، خاصة أعمال ميخائيل باختين، الذي طوّرت مفهومه للتناص واللغة الشعرية.

وامتد منهجها في التحليل العلاماتي ليشمل نظرية التحليل النفسي، من خلال كتابها " ثورة في اللغة الشعرية"(1974)، حيث تُطور فكرة عن اللغة بوصفها نضالا جدليا بين قطبين : سيميوطيقي هو عبارة عن نمذجة ما قبل لغوية لنقوش النفس التي تتحكم فيها العمليات الأولية للإزاحة والتكثيف. ورمزي يشكل تمثيلات مكونة للغة بوصفها نظاما للعلامات. وتعتبر أن المجتمع الغربي الحديث رفض دوما ال" سيميوطيقي" ليقطع بذلك الصلة بين الذات واللغة. وهنا تدافع كريستيفا عن ضرورة تجاوز هذا النموذج الأحادي، مقابل نظرية لهُوية الذات تستحضر الجدلية السابقة، وتُفرد مجموعة من كتاباتها لتحليل نصوص أدبية ومرئية في ضوء نظريتها عن الذات في اللغة، خاصة كتابها "تحاوُر"(1977)،و" الرغبة في اللغة"(1980).

أبدت جوليا كريستيفا انشغالا واضحا بالهوية الأنثوية منذ كتاباتها المبكرة. فأعادت تقويم معنى الاختلاف الجنسي وعلاقته بالتحول الاجتماعي، كما اهتمت بتحليل التقديرات التاريخية للمرأة في ضوء نظريتها عن الذات في اللغة. فتقدم في كتابها " قوى الرعب" (1980) مناقشة تحليلية نفسية لما تسميه ب"الدناءة"، أي طرد الآخر ورفضه، وعلاقة ذلك بالاستبعاد التاريخي للمرأة. بينما يقوم كتاب" في البدء كان الحب"(1985) على موازنة بين الفهم الديني والفهم التحليلي النفسي للحب والجنسوية والرغبة. وهي إلى جانب ذلك تسلط الضوء على التفرد باعتباره صيغة راقية للوجود النسائي، حيث يصبح التعبير الفني والجمالي وسيلة للكشف عن الأزمات النفسية، في أفق تمكين المرأة من تجاوز معاناتها، وإعادة تشكيل كيانها الخاص وروابطها المجتمعية. تقول كريستيفا في حوار مع إليان بوكي نُشر ضمن كتابها "نساء بصيغة المفرد"(2008): " أنا مقتنعة بأنه ينبغي الاحتراز من جنسنة الانتاجات الثقافية: هذا مؤنث وهذا مذكر. يبدو المشكل مختلفا بالنسبة إلي: منح النساء الشروط الاقتصادية و الليبدية من جل تحليل وجدلنة القمع الاجتماعي و الكبت الجنسي، بكيفية يمكن معها لكل واحدة، بما تتمتع به النساء من تفرد، تحقيق خصوصياتها واختلافاتها التي أنتجتها الصدف، وضرورات الطبيعة والأسرة والمجتمع".

ولا يمكن الحديث عن جوليا كريستيفا دون أن نستحضر نظريتها التناصية، والتي استكملت بها جهود الباحث الروسي ميخائيل باختين. ففي محاضرة لها بعنوان " الكلمة و الحوار والرواية" سنة 1966، قدمت كريستيفا مفهوم التفاعل النصي كبديل لمصطلح الحوارية الذي اعتمده باختين. وأنهت بذلك نصف قرن عاشه النقاد داخل النص وفي سجن اللغة.

فهي تنفي من خلال مفهوم التناص وجودَ أي نص خال من بقايا نصوص أخرى، حيث أن كل نص هو تشرب وتحويل لنصوص أخرى تقول كريستيفا. بمعنى أن قراءة النص تسمح بالعبور إلى كل النصوص الأخرى التي اشتركت في نسجه وبنائه. ولا يوجد بالمحصلة نص مغلق وقائم بذاته كما يدعي نقاد البنيوية.

النص إذن عند كريستيفا هو إنتاجية، وترحال وتداخل نصي تتقاطع وتتنافى فيه ملفوظات عديدة من نصوص أخرى". وهذا التقاطع في النظام الصوتي نحتت له كريستيفا مصطلح  "الإيديولوجيم" الذي يعني تلك الوظيفة للتداخل النصي التي يمكن قراءتها ماديا على مختلف مستويات بناء كل نص؛ تمتد على طول مساره لتمنحه معطياته التاريخية و الاجتماعية. وهكذا أبدعت كريستيفا في بلورة نظرية للتناص، وأرست تصورا منهجيا منذ ستينيات القرن الماضي، ينقل النص من بنية مغلقة إلى أخرى مفتوحة تؤثر وتتأثر.

برزت جوليا كريستيفا بوصفها واحدة من أهم المنظرين الفرنسيين المعاصرين، الذين ينكبون باستمرار على دراسة مختلف التحولات التي تعتري النسيج المجتمعي؛ حيث تكشف أعمالها عن استعداد دؤوب لكشف إمكانات التحليل النفسي في قراءة الظواهر النفسية والثقافية والاجتماعية، والانتقال ضمن قوس شديد الاتساع من الممارسة التحليلية و المصاحبة العيادية، إلى التأمل الفكري العميق في قضايا من قبيل الغربة والاكتئاب، والأمومة والقلق الأنثوي. إنها تؤكد مجددا بأن الفكر ثورة مستدامة، مهمتها أن تضع الحياة دوما تحت علامات الاستفهام، وتفضح البنى الهشة للقناعات و المعتقدات.

مقابل هذا العطاء المميز والنشاط النظري الدال داخل النقد الأدبي والحركة النسوية، حظيت جوليا كريستيفا باعتراف دولي من لدن عدد من النظم المعرفية الأكاديمية، بحصولها على وسام الاستحقاق الوطني، وجائزة هولبرج الدولية، ووسام جوقة الشرف الوطني برتبة ضابط، بالإضافة إلى دكتوراه فخرية من الجامعة العبرية بالقدس وجامعة بوينس آيرس، وعضوية مؤسسات ولجان ثقافية متعددة.  

***

حميد بن خيبش

..................

إحالات:

- إيرينا.ر.ماكاريك: موسوعة النظرية الأدبية المعاصرة .

- حوار مع أرنو سبير. مجلة إبداع.عدد12.دجنبر 1980

- نهلة فيصل الأحمد : التفاعل النصي: النظرية والمنهج. 

لا يُعتبر نوري عبد الرزّاق مثقفًا شيوعيًا موسوعيًا فحسب، بل إنه رؤيوي ومجدّد أيضًا. ومثلما كان الحديث معه شائقًا وممتعًا، غنيًا ومفيدًا في الآن، كانت قراءة أوراقه كذلك، حتى وإن بدت متفرّقة، فإنها تعطيك كمًّا هائلًا من المعلومات والأفكار عن تاريخ غير مقروء للحركة الشيوعية العراقية والعربية، بما فيها علاقتها الأممية، يقدّمها لك على طبق شهيّ بلغة بسيطة وسردية جميلة دون تكلّف، مثلما تعكس أوراقه شخصيته المتسامحة، التي تبلورت عبر ماركسيته المنفتحة وليبراليته الواعية وعروبته الحضارية، فقد كان متصالحًا مع القيم الإنسانية التي جسّدتها هذه المصادر الثلاثة.

وتمتاز أوراقه التي أقلّبها وحواراته واستذكاراته التي أستعيدها، بين الفينة والأخرى، بعفّة اللسان، فمنذ أن عرفته، قبل خمسة عقود ونيّف من الزمن، امتاز بفم معطّر، وهو ما تظهره أوراقه التي تدلّ على نزاهته الأخلاقية. وحتى وإن اختلفت معه يُبقي على حبل الود قائمًا، وحين يُخطئ أو يُقصّر سرعان ما يعتذر بأريحية وجنتلمانية وثقة بالنفس.

وبقدر ما كانت له وجهات نظر وآراء خلافية قديمة وجديدة واجتهادات وتمايزات بشأن مسار الحركة الشيوعية وإشكالياتها ومشكلاتها، لكنه ظلّ يتمسّك بالقيم والرفقة والصداقة، وهو ما لمسته بشكل خاص حين تباعدت السبل وافترقت الطرقات، خصوصًا خلال فترة الحرب العراقية – الإيرانية، وتأسيسه حركة المنبر مع مجموعة من رفاقه، التي كان منسقًا عامًا لها، بل إن سلوكه الراقي والمهذّب هذا يمتدّ إلى خصوم وأعداء سابقين له أو من حاولوا الإساءة إليه. إننا أمام إنسان متحضّر لا يعرف الكراهية أو الحقد، ولم يحمل الضغينة أو يسبب الأذى لأحد.

***

بعد نشر حواراتي ودردشاتي واستذكاراتي معه، زوّدني ببعض الوريقات، التي قال عنها أنها مسوّدات لمذكرات، وهو ما فعله أيضًا شقيقه د. سعد عبد الرزّاق بعد رحيله (25 آذار / مارس 2024) بتوفير نسخ أخرى من المسوّدات بعضها كان مكرّرًا. وكنت منذ أواسط الثمانينيات أدعوه لكتابة مذكراته، وسبق أن أشرت إلى ذلك قبل بضعة سنوات.

وأودّ أن أشير إلى أن نوري عبد الرزاق الذي عاش حياةً شاسعة، امتدّت إلى قارات العالم المختلفة بحكم المواقع الدولية التي تبوأها منذ وقت مبكّر، بما فيها سكرتير عام اتحاد الطلاب العالمي وسكرتير عام منظمة التضامن الأفرو – آسيوي، وكان لهذه المواقع حينها اعتبار كبير، خصوصًا في ظل الصراع الأيديولوجي بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي في فترة الحرب الباردة، فقد كانت شخصيته لامعة ومحبّبة حيثما حلّ وأينما ارتحل مقدّرًا ومحترمًا وموثوقًا به ممّن عرفوه، وعند بلوغه سن الأربعين (1974) مُنح وسام لينين نظرًا للمساهمات التي قدّمها للحركة الشيوعية.

لا يمكن حصر الشخصيات الكبرى التي التقاها وارتبط مع بعضها بصداقات وعلاقات عميقة، سواءً رؤساء دول أم حكومات أم مفكرين وقادة رأي وزعماء، مثل جيفارا وسوسلوف وبناماريوف وإدريس كوكس وبريجينيف ونوفوتني وعبد الخالق محجوب وباليكان وجيفكوف والحسن الثاني والشيخ زايد وعبد الفتاح إسماعيل وعلي ناصر محمد وأنور السادات وحسني مبارك وكاسترو وكبريانو وكرشنامنن وياسر عرفات وجورج حبش والملك حسين وحافظ الأسد وأحمد حسن البكر وصدام حسين.

***

أتوقّف في هذه الفسحة من الأوراق عند لقائه بسلام عادل خلال زيارته لندن (1954). حيث يقول نوري: أنه جاء لحضور المؤتمر السنوي العام للحزب الشيوعي البريطاني، بمشاركة 12 حزبًا من الكومنويلث، ودخل بتأشيرة وجواز سفر مزوّرين، واختار اسمًا لوالده شبيهًا باسم والد أنيس عجينة، وادّعى أنه شقيقه. أمّا سبب الزيارة حسبما أفاد سلام عادل لسلطات مطار لندن معه، فهي بصفته تاجرًا وجاء "لحضور المعرض الصناعي الزراعي"، وحين سألوه عن المبالغ التي يحملها معه، قال حساباته لدى شقيقه أنيس، فاستبقيَ يومًا بالمطار، حتى جاء أنيس وصدّق على رواية سلام عادل باعتباره تاجرًا.

تألّف وفد الحزب الشيوعي من سلام عادل، والطلبة أنيس عجينة وعبد الأمير الرفيعي ونوري عبد الرزاق، وكان عجينة المسؤول الحزبي في بريطانيا، وفي المؤتمر تعرّف على عبد الخالق محجوب الأمين العام للحزب الشيوعي السوداني، وكان آخر لقاء بينهما في القاهرة في 1971 قبل أشهر قليلة من إعدامه.

لم يلقِ سلام عادل كلمة الحزب الشيوعي باقتراح من الحزب الشيوعي البريطاني خوفًا من انكشافه، خصوصًا بعد ما حصل له في المطار، وألقاها نيابةً عنه إدريس كوكس القيادي الشيوعي البريطاني والمفكر المعروف، ويبدو أن السلطات البريطانية تتبّعت سلام عادل، الذي أخذ يتنقّل بين منزليْ أنيس عجينة ونوري عبد الرزاق، فقد عُرفت هويّته، وعملت على استجواب أنيس بعد مراقبته، حتى اضطرّ سلام عادل مغادرة لندن إلى بيروت، ويبدو أن السلطات البريطانية أبلغت السلطات اللبنانية التي قامت هي الأخرى باستجواب سلام عادل عند وصوله، وهو ما كتبه برسالة خاصة إلى نوري.

سعيد قزّاز في لندن

أثارت زيارة سلام عادل إلى لندن حفيظة الحكومة العراقية ونوري السعيد بالذات، الذي كان يحضّر لإقامة حلف بغداد، وعلى إثر زيارته قام سعيد قزّاز وزير الداخلية آنذاك (أعدم بعد ثورة 14 تموز / يوليو 1958) بزيارة إلى لندن، واتّصل بنوزاد مصطفى، مهدّدًا إياه بأن الأمر لن يمرّ هكذا، وبعد فترة تم طرد أنيس عجينة مسؤول التنظيم ليصبح نوري عبد الرزاق بعده مسؤولًا، ثم طرد لاحقًا نوري وآخرين.

يروي نوري بعض المفارقات بخصوص المبتعثين حينذاك إلى بريطانيا، فقد كانوا أبناء وزراء أو شخصيات مسؤولة في العراق، وقسمًا منهم على ملاك التيار اليساري من بينهم رئيس جمعية الطلبة العراقيين نوزاد مصطفى، فقد كان والده وزيرًا، وعندما طلب إعفاءه تم اختيار لؤي نوري القاضي وكان والده وزيرًا كذلك، وكان سكرتير الجمعية إبراهيم الشيخ نوري، أما نوري عبد الرزاق فهو نجل عبد الرزاق حسين، الضابط الكبير الذي شارك في حرب العلمين، وتمّ أسره واعتقل في القاهرة، وبعد الإفراج عنه في العام 1946 عاد إلى بغداد جنرالًا في صفوف القوّات المسلّحة العراقية، وكان محسوبًا على العهد الملكي.

وبعد أن تعّرف والد نوري على سلام عادل، وخصوصًا بعد العام 1958، أعجب به كثيرًا وأخذ يدافع عن مواقف الحزب الشيوعي. وكان في إحدى المرات في زيارة للفريق نجيب الربيعي رئيس مجلس السيادة، الذي أخذ يهاجم الشيوعيين وسياسة الحزب الشيوعي، ففوجئ حين انبرى عبد الرزاق حسين بالرد عليه والدفاع عن الشيوعيين وسياستهم، وكان سلام عادل حين يزور نوري الذي أصبح السكرتير العام لاتحاد الشبيبة الديمقراطية في العراق، كان يلتقي بوالده ويقضي معه وقتًا طويلًا.

يقول نوري بناءً على تعليمات سلام عادل خلال زيارته لندن بتوحيد وتنسيق نشاطنا: نظّمتُ اجتماعًا خاصًا للطلبة الشيوعيين، وقد كتبت تقريرًا مفصلًا عنه وسلّمته إلى خطيبتي حينها، لميس العماري، لإيصاله إلى سلام عادل، حيث كانت متوجّهة إلى بغداد، وكان يومها ما يزال عضوًا في اللجنة المركزية، وحين علمت بسفر عبد الأمير الرفيعي إلى بغداد طلبنا منه اللقاء مع سلام عادل، الذي أشعل حماستنا وفتح عقولنا، وحينها قابل الرفيعي حميد عثمان(المسؤول الأول عن قيادة الحزب بعد هروبه من السجن)، الذي أخبره بأن ما قاله سلام عادل لكم وللشيوعيين البريطانيين، هو كلام مبالغ فيه، حيث قدّم لكم صورة ورديّة، وهو ما ينبغي أن يعرفه الحزب الشيوعي البريطاني، فقد حاول أن يرسم هالة حول نفسه، وأول خطوة اتّخذها عثمان هي إبعاد سلام عادل.

يقول نوري تشاءمت كثيرًا من ذلك، وكنتُ أتمنّى ألّا نخبر الحزب الشيوعي البريطاني بهذا القرار الصعب، وبملاحظته تلك يرثي نوري للعلاقات الحزبية غير السويّة، تلك التي تقوم على المحسوبيات وعلى التقييم الذاتي في ظلّ غياب احترام الحق في الاختلاف، في حين أن الحزب الشيوعي البريطاني أخذ ينظر إلى الحزب بصورة أكبر بعد لقائه بسلام عادل.

وكان شريف الشيخ عضوًا في اللجنة المركزية قد أُفرز لتنسيق النشاط الشيوعي في الخارج (النمسا) والتقاه نوري في العام 1955، وكانت المشاكل قد بدأت تتراكم فوق رأس نوري، حيث لم تجدّد له السلطات البريطانية الإقامة، كما أن جواز سفره أوشك على الانتهاء، واستجوبه السكوتلانديارد، واحتفظوا بجواز السفر لديهم من شهر شباط / فبراير 1955 لغاية شهر كانون الأول / ديسمبر من العام نفسه، وطلبوا منه مغادرة بريطانيا خلال شهر.

إيدن وحلف بغداد

وخلال تلك الفترة، شهدت لندن فصل عدد من الطلبة المحتجّين على حلف بغداد وقطع رواتبهم من جانب الحكومة العراقية. وحين زار الملك فيصل الثاني والوصي عبد الإله بريطانيا، وكان رئيس الوزراء البريطاني حينها أنتوني إيدن وفي جلسة العشاء قال إن بريطانيا تنظر إلى العراق كدولة رئيسية في الاستراتيجية الغربية، ولكن ما تأسف له أن نشاط الطلبة العراقيين في بريطانيا لا يساعد على تدعيم هذه العلاقات، لأنه نشاط مناوئ لسياسة الحكومة البريطانية، كما جاء في جريدة التايمز.

وبعد الاجتماع التمهيدي لحلف بغداد الذي ضمّ تركيا وباكستان وإيران والعراق وبحضور بريطاني ومراقبين أمركيين، كتبت جريدة التايمز أيضًا تقول كما تضمنّته أوراق نوري عبد الرزاق (يوم 23 آذار / مارس 1955) مقالة بعنوان "ما هي القوى وراء الباشا؟"، والمقصود بذلك نوري السعيد، المعروف بعلاقاته الوثيقة ببريطانيا، مشيرةً إلى الوجه الآخر، بقولها إن نشاط الطلبة العراقيين في بريطانيا هو عنصر قلق وتشويش ودعاية ضد العراق، وكانت هذه إشارة وإنذار لطرد عدد آخر من الطلبة.

بعد إعادة جواز سفر نوري وإبلاغه بالمغادرة توجّه إلى أمستردام، حيث كانت السفارة المصرية هي من تتولّى شؤون العراقيين لعدم وجود تمثيل ديبلوماسي عراقي، إذْ كان محرّمًا على العراقيين دخول الدول الاشتراكية لغياب العلاقات الديبلوماسية، واستطاع تمديد جواز سفره بعد كتابة رسالة خاصة إلى السفير المصري.

توجّه نوري إلى بيروت فالشام للقاء سلام عادل الذي غادر قبل وصوله، وهناك التقى صفاء الحافظ وجورج تلو ونزيهه الدليمي، التي سبق أن التقاها في لندن، وعبد الجبار وهبي (أبو سعيد) وعبد القادر إسماعيل، وتعرّف على الجواهري في دمشق. واستمع نوري كما يقول منهم عن موضوع توحيد الشيوعيين (القاعدة وراية الشغيلة) ودور خالد بكداش، ويقول نوري: كنت أعرف أن هناك حساسيات قديمة من قبل خالد بكداش ضدّ الرفيق فهد بسبب اعتقاده أنه منافسًا له على كسب ودّ المركز الأممي لهيبة فهد ومكانته، فهو يشعر أنه الأجدر والأقدم.

يقول نوري: استفدت كثيرًا من عبد القادر إسماعيل وثقافته ومعرفته بتاريخ الحركة الوطنية، فقد كان أول صحافي يزور الأهوار ويعيش فيها 40 يومًا في أواسط الثلاثينيات، ويكتب يومها "مذكرات صحافي في الأهوار"، وللعلم فقد أسقطت الجنسية عنه في العام 1937، وهو من مؤسسي جماعة الأهالي بقيادة عبد الفتاح ابراهيم.

وخلال فترة وجوده وصل وفد من اتحاد الطلبة متوجّهًا إلى براغ برئاسة عبد الرزاق الصافي وعضوية حسين الملّا (رئيس رابطة الطلبة العراقيين في القاهرة) وعلي الشيخ حسين (كان محكومًا بالإعدام وأفرج عنه) وحبيب محمد كريم (الذي انتمى في وقت لاحق إلى الحزب العمّال الكردستاني وأصبح سكرتيرًا عامًا 1964 – 1975)، ويقول نوري: والتقيتهم عن طريق صفاء الحافظ واقترح عليّ الصافي مرافقة الوفد لمعرفتي بالحركة الطلابية العالمية، التي أصبح نوري لاحقًا السكرتير العام لاتحاد الطلاب العالمي (1960 – 1968)، وقد التقى هناك ياسر عرفات وتعمّقت علاقته معه، حتى وفاته وفيما بعد مع صلاح خلف (أبو إياد)، فضلًا عن المثقفين المصريين بعد انتقاله إلى مصر من بينهم عبد العظيم أنيس ولطفي الخولي ومحمد عودة وفيليب جلاب ومحمود أمين العالم وعبد الرحمن الشرقاوي، الذي أصبح لاحقًا مسؤولًا في منظمة التضامن الأفروآسيوي. وكانت الحكومة المصرية تقبل العراقيين المعارضين لنظام بغداد سبب الخلاف مع نوري السعيد والحكومة العراقية من بينهم نوري عبد الرزاق ونصير الجادرجي، كما يذكر الأخير في مذكراته، وتلك حكايات أخرى، آمل أن يتوفّر الوقت لاستكمالها.

ويذكر نوري أن سلام عادل زاره في القاهرة في العام 1957 على نحو مفاجئ، ومكث عنده ليلة واحدة، وكان متوجّهًا حينها إلى براغ لحضور مؤتمر الأحزاب الشيوعية والعمالية، وقد طلب مني اللقاء مع إحدى القيادات الشيوعية المصرية، فزرنا محمود أمين العالم. وقبيل سفره تعرّف على عزيز شريف وكان ذلك أول لقاء بينهما.

***

عبد الحسين شعبان - أكاديمي ومفكر

........................

* الصورة: نوري عبد الرزاق ود. شعبان في جنوب أفريقيا

  بهجة الروح وقلق الموت

لا تُعَدّ جهود المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي طارئة على حركة الفكر الديني، بل هي امتدادٌ طبيعي لسلالة عريقة من المجدّدين الذين سعوا إلى التوفيق بين العقل والوحي: من الفارابي وابن سينا وابن رشد، إلى محمد عبده جمال الدين الأفغاني محمد عبده ورشيد رضا، ثم محمد إقبال، وصولاً إلى حسن حنفي ونصر أبي زيد. وبين هؤلاءجميعاً يبرز صدر الدين الشيرازي، الذي سبقهم بقرون، بوصفه حلقة وصل مؤثرة في تشكيل الحسّ الفلسفي والكلامي الحديث. وفي هذه السلسلة الفكرية ينتسب الرفاعي، لا بوصفه شارحاً أو مكرّراً، بل واحداً من أبرز من صاغوا علم الكلام الجديد وفلسفة الدين بلغة معاصرة، وبمنهج يقلب المقولات القديمة رأساً على عقب، لأنها- كما يقول- " لا تورثُ الروح سكينتها، ولا القلبَ طمأنينته، ولا تكرّسُ المحبّة ". 

سرّ الإقبال على كتبه… ولماذا تنفد سريعاً ؟

لستُ هنا بصدد حصر مشروعه الواسع الممتدّ أكثر من نصف قرن في التأليف والتحرير والمناظرة والمحاضرة والنشر، فذلك يحتاج إلى مجلدات. إنما لافتٌ أنّ ظاهرة الرفاعي في العراق تستحق التوقف: كتبٌ في الفلسفة وعلم الكلام وفلسفة الدين - وهي عادةً الأبعد عن الرواج - تنفد بالكامل ويُعاد طبعها مرات عديدة. سلسلة مؤلفاته عن الدين: الدين والنزعة الإنسانية، الدين والظمأ الأنطولوجي، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، الدين والكرامة الإنسانية، مقدمة في علم الكلام الجديد، لاقت إقبالاً يتجاوز حدود التخصص والأكاديميا، إلى قراء يبحثون عن فكر مستنير، ولغة واضحة، وطرحٍ عقلاني عميق بعيد عن الدوغمائية. والسرّ ؟ الأسلوب الذي - كما قال بوفون – هو الرجل نفسه. أسلوب لا يتكلف ولا يتصنع، نابض بشخصية كاتبه وصدقه. ويضاف إلى ذلك فضيلته الأساسية: قدرته على قراءة النص القديم كأنه نصّ راهن، يفككه، يرمزّه، يعيد الحياة إليه، ويدرجه في أسئلة عصرنا، واحتياجات الإنسان الروحية والنفسية والمادية. ولعل هذا ما دفع الكاردينال لويس ساكو بعد قراءته "الدين والظمأ الأنطولوجي" ليكتب: "أتمنى أن يقرأ هذا الكتاب كل رجل دين مسلم ومسيحي، حتى تكون له شجاعة الأنبياء في تبليغ رسالة الإيمان" .

رسالة الرفاعي ليست تنظيراً مجرداً، بل دعوة إلى ما يسميه "إيمان الحبّ"، إيمانٌ لا يتصادم مع العقل، ولا يتبرّم من الشك، بل يتخذه جسراً للحقيقة، على طريقة الغزالي وديكارت: "من لم يشكّ لم ينظر، ومن لم ينظر لم يُبصر، ومن لم يُبصر بقي في العمى والضلال".

من هنا يبدو الرفاعي أقرب إلى "الثائر الهادئ"، الذي يكتب بروح المؤمن، ويحاكم التراث بعقل الفيلسوف، ويقاوم العنف والكراهية بكلمة رقيقة تذكّر بقول الرومي: "توضأ بالمحبّة قبل الماء… فإن الصلاة بقلبٍ حاقد لا تجوز". في كتابه "مسّرات القراءة ومخاض الكتابة" يخوض الرفاعي أصعب أنواع الكتابة: كتابة السيرة، وهي في الوقت نفسه من أصدق الاعترافات وأمتعها، حين يكون صاحبها صريحاً يحترم قارئه، ويؤمن بأن تجربته الخاصة – بما فيها من أخطاء – تستحق أن تُروى. في هذا الكتاب ينقل للقارئ محطات مهمة من حياته، وذكرياته مع الكتب والمكتبات، وكيف صارت القراءة شرطاً وجودياً عنده: "لا قيمة لكتابة لا تعتمد العقل، العقلُ لا غير هو ما يحمي الانسانَ من الانزلاق في متاهات الخرافات والأوهام والجهالات".

عام 1971 اكتشف مصادفة مكتبة عامة قرب مدرسته في مدينة الشطرة جنوب العراق، وفيها عثر على الجزء الأول من كتاب: "لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث" لعلي الوردي، ثم على "معالم في الطريق" لسيد قطب، الذي أسرَه زمناً قبل أن يكتشف – بجرأة عقلية – أن تلك الكتابات "لا تقول شيئاً نافعاً"، وأنها أبعدته عن الواقع بوعد خلاصيّ لا أساس له. ذلك الفتى الذي اشترى أولى مجلاته من بائع صحف بسيط،وصُدم لرحيل جمال عبد الناصر عبر افتتاحية لأحمد زكي في مجلة "العربي"، سيغدو لاحقاً من أبرز المجددين في الفكر الديني الحديث.

يمتلك الرفاعي اليوم مكتبة تضيق بها غرف البيت، تجمع قرابة ثلاثين ألف كتاب ومجلّة ودورية. يتعامل مع الكتب ككائناتٍ حيّة، تُبهج حضورها الروحُ والعقل، اذ يقول: "وجودُ الكتب في كلّ بيت أسكنه يخفضُ الشعورَ بالاغترابِ الوجودي وقلق الموت". لا يزال الرفاعي يتحسّر على كتب لم يستطع شراءهافي وقتها، مثل دائرة معارف البستاني التي رآها في شارع المتنبي عام 1973 ولم يكن يملك ثمنها.

في نيسان 1980، وبينما كان في الكويت بعد هروبه الليلي من العراق عبر الصحراء، قاده شغفُ الكتب إلى موقف خطير: دخل مخزناً واسعاً للكتب تحت الأرض، وانغمس فيها حتى نسي الزمن. وبعد خمس ساعات من "معاشرة الكتب" خرج ليجد المكتبة مغلقة، وهو بلا جواز سفر، ولا وثيقة إقامة! . كيف خرج من هذا المأزق؟ وما الذي جرى بعده؟ ذلك ممّا تُحيله فصولُ "مسرّات القراءة ومخاض الكتابة" إلى القارئ ليستمتع به دون أن يُفوّت شيئاً من حكايات الرفاعي ونوادره التي لا تُحصى. يقول عن شغفه هذا : "أنا قارئ قبل كلَّ شيء وبعد كلَّ شيء. لم تمنحني القراءةُ إجازةً ليومٍ واحد في حياتي".

***

د. طه جزاع - أستاذ الفلسفة في كلية الآداب بجامعة بغداد

......................

* نشرت في ‏مجلة دار السلام، العدد 22، شباط 026.

قراءة في سيرة عبد الوهاب الأسواني الإبداعية

ما الذي يحدث عندما يرحل مبدع كبير، حاملًا معه سر إلهامه، تاركًا وراءه فراغًا ثقافيًا يحس به كل من يقترب من الدائرة التي كان يتحرك فيها؟ وبأي مقياس نستطيع تقدير مكانته الحقيقية في حركة الفكر والأدب؟ هل بقياس المساحة الشاغرة التي خلفها في المشهد الثقافي، أم بقياس حجم الصمت العميق الذي استقر في المكان الذي اعتاد أن يملأه بصوته المتميز الذي يجمع بين هدوء الحكمة وعمق التجربة؟

لقد انتابني هذا السؤال وأنا أجلس في ندوة استثنائية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، نظمت على هامش معرض القاهرة الدولي للكتاب، داخل قاعة لم تترك مقعدًا شاغرًا، امتلأت عن آخرها بأنفاس نخبة من الكتاب والنقاد والمهتمين بالشأن الثقافي، ومحبين للكلمة الأصيلة. لم يأت هؤلاء بحثًا عن إصدار جديد أو مطبوعة حديثة، جاءوا لأجل هدف آخر، أعمق وأكثر رمزية: جاءوا لاستعادة قيمة مهددة، واستحضار روح ملهمة كادت أن تطويها نسيان يتسارع في زمن الضجيج والزحام والسطوع العابر.

العنوان الرسمي للندوة كما ورد في جدول الفعاليات هو: "السيرة الغيرية.. عبد الوهاب الأسواني.. حكاء الجنوب"، وهي جلسة خصصت لمناقشة كتاب الروائي خالد إسماعيل -المنشور في سلسلة "عقول" الصادرة عن هيئة الكتاب -الذي يتناول سيرة الراحل الكبير. أما الحضور فكانوا من طراز خاص، يتحدثون بلغة تختلف عن لغة النقد الأكاديمي التقليدي الجاف؛ لغة تشي بالحنين إلى الجذور والأصول، والتوق إلى الطمأنينة الروحية والفكرية التي يوفرها الأصل الثابت في عصر يعمل على تقويض كل ثابت واجتثاث كل متجذر.

والغريب - حقًا- في أن بطل الندوة الروائي عبد الوهاب الأسواني لم يكن يومًا ما "نجمًا" بالمعنى السائد والمتداول في الساحة الثقافية العربية، بتعريفها الإعلامي والتجاري الضيق. لم تتصدر صورته الصفحات الأولى للجرائد، ولم تعل صيحته في المعارك الأدبية الصاخبة التي كثيرًا ما تكون أقرب إلى الاستعراض منها إلى الجدل الفكري الجاد، ولم يسع إلى الأضواء أو يلهث وراء الشهرة. لقد كان أشبه بتلك الأشجار النادرة المعمرة التي تظلل البلدات والنجوع في صعيد مصر، جذورها ضاربة في أعماق التربة، وظلالها وارفة ممتدة، ووجودها بديهي لدرجة أنك لا تدرك قيمتها الفعلية ولا تعرف عمق تغلغلها إلا عندما تقتلع فجأة، فتنكشف المساحة الشاسعة التي كانت تشغلها، وترى الشمس الحارقة التي كانت تردها عنك. وهذا هو ما حدث تمامًا. لقد رحل الجسد الفاني، لكن بقيت المساحة الشاغرة شاهدة على حجم الرجل، معبرة بحضورها الغائب عن الفراغ الذي تركه فينا.

لنبدأ من نقطة أولى، تلامس تجربة شرائح واسعة من أبناء هذه الأمة ممن سلكوا - باختيارهم أو مضطرين - دروبًا غير تقليدية في طلب العلم. لقد توقف المسار التعليمي الرسمي لعبد الوهاب الأسواني عند حصوله على شهادة الثانوية العامة. كم هو مألوف هذا النموذج في مجتمعاتنا التي تحكم على الإنسان في كثير من الأحيان من خلال شهادته الأكاديمية فحسب، فتخزنه في إطارها الضيق! لكن ما هو غير مألوف على الإطلاق، بل استثنائي ونادر، هو ما أنجزه الرجل بعد ذلك. ففي مدينة الإسكندرية، بين رفوف المكتبات العتيقة التي تفوح بعبق التاريخ والمعرفة، وفي أروقة الندوات الفكرية ومجالس الأدباء التي شكلت جامعة شعبية حقيقية، شرع هذا الشاب في تشييد تعليمه بيديه، وبجهد ذاتي صارم. كان يبني صرح معرفته لبنة لبنة، بلا منهج مفروض، وبلا شهادة مطمئنة في النهاية توثق مسيرته.

 إن التأمل في هذا المسار الفردي، في عصرنا الحالي الذي يقدس الشهادة الرسمية ويهمل جوهر العلم، يكشف أن نموذج الأسواني يمثل ثورة صامتة على المقولات الجاهزة السائدة. ثورة تذكرنا، بصبر وأناة، أن العقل المتعطش للمعرفة أقوى أثرًا وأبقى من المنهج المليء بالحفظ والتلقين، وأن الشغف القلبي بالعلم يتجاوز كل المؤسسات الجامدة ويهدم كل الأسوار التي تحيط بالمعرفة لتحتكرها لفئة دون أخرى.

أليس محيرًا حقًا أن أنظمتنا التعليمية تخرج ملايين الحاصلين على الشهادات سنويًا، بينما يندر أن نجد بينهم من يلتهم المعرفة بنهم عبد الوهاب الأسواني وعشقه الأصيل لها؟ ربما يكمن الجواب في أننا دربنا الأجيال على اجتياز الامتحانات، وجمع الدرجات، ولكننا - للأسف الشديد - لم نعلمهم كيف يحبون المعرفة لذاتها، وكيف يجعلون منها رفيق درب، ونور عقل، وغذاء روح.

وما أثار دهشتي حقًا في مسيرة روايته الشهيرة "سلمى الأسوانية" ليس النجاح الأدبي الذي حققته فقط، لكن أيضا ،التوقيت التاريخي والنفسي الدقيق الذي صدرت فيه. ففي اللحظة التي كان العالم ينظر فيها إلى أسوان النوبية على أنها رمز للضحايا والضياع والغرق تحت مياه بحيرة ناصر بسبب بناء السد العالي، جاء عبد الوهاب الأسواني ليكشف للمصريين وللعالم عن أسوان أخرى، مختلفة وغنية ومدهشة. أسوان القبائل العربية والعائلة الأنصارية، أسوان التاريخ المتعدد والطبقات الغنية التي طمست تحت وطأة الرواية الأحادية، رواية الضحايا وحدهم.

هذا الفعل، في جوهره، هو فعل سياسي بالمعنى الأشمل والأعمق للكلمة؛ إنه رفض جذري للصورة النمطية الأحادية، وإعلان واضح بأن الأرض أكبر وأعقد من أن تختزل في رواية واحدة، مهما بلغت قوتها وجمالها. وكما لاحظ الناقد الصديق سعد القليعي، فإن الأسواني "اكتشف أسوانًا للمصريين أنفسهم". كم هي مؤلمة ومفرحة هذه العبارة في آنٍ واحد! مؤلمة لأننا في الواقع نحتاج إلى من يكتشف لنا أجزاء من وطننا قد أخفتها القراءة السطحية أو الإهمال المتعمد، ومفرحة لأنه يوجد دائمًا مَن يمتلك الشجاعة الفكرية والأمانة التاريخية لفعل ذلك، من يملك الجرأة ليقلب الطاولة على الرواية الرسمية، ويكشف عن الثراء المختفي تحت السطح.

أما فلسفته في الإبداع، فقد لخصها في مقولته الشهيرة "عِش سنةً علشان تكتب شهرًا"، تحمل نظرية متكاملة في علاقة الإبداع بالحياة. إنها تضع العملية الإبداعية في إطارها الصحيح، فهي نتيجة طبيعية وحتمية لتجربة إنسانية غنية وعميقة وممتدة. الفرق هنا جوهري وحاسم. فالكثيرون اليوم، في زمن التسليع السريع والنجومية الفورية، يريدون أن يكتبوا ليقال إنهم كتاب، بينما كان الأسواني يكتب لأنه عاش حياة تستحق أن تروى. لنتخيله كأنثروبولوجي متمرس، ينزل إلى عمق مجتمعه ليس بوصفه مراقبًا خارجيًا منعزلاً في برج عاجي، بل كجزء حيوي منه، كخلية في هذا الجسد الاجتماعي الكبير. يمتص التفاصيل الدقيقة، يتنفس الصراعات الخفية، يعيش التناقضات اليومية بكل كيانه، ثم بعد ذلك، بعد أن يمتلئ حتى أقصى حد بالتجربة الحية، يجلس ليكتب. فالفرق بين هذا النموذج، نموذج الكاتب المنغمس في المادة التي يكتب عنها، وبين الكاتب الذي يجمع "مادة خام" لروايته من مصادر متفرقة، هو فرق بعيد المدى. الأول يكتب من داخل التجربة الإنسانية، من القلب النابض بالحياة، والثاني يكتب عن التجربة من خارجه، كمراقب من بعيد.

وهنا تحديدًا تكمن إحدى الإشكاليات الكبرى في الإبداع المعاصر. اليوم، في ظل هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي وتسارع إيقاع الحياة إلى درجة مذهلة، أصبح المحتوى هو الملك. المطلوب أن نكتب بسرعة، أن ننتج بغزارة، أن ننشر بأقصى سرعة، ونطالب بالتفاعل الفوري، والإعجاب اللحظي، والشهرة العابرة. لكن الأسواني يذكرنا، كنداء يأتينا من زمن آخر أكثر هدوءًا وعمقًا، بأن الفن الحقيقي، كالكائن الحي، يحتاج إلى فترة حضانة طويلة، يحتاج إلى أن ينضج ببطء، كالجنين في الرحم، لا يمكن استعجال نضجه دون أن يفقد العمل روحه وعمقه وإنسانيته، دون أن يتحول إلى قشرة جميلة المظهر، خاوية الجوهر.

وإذا انتقلنا إلى نظرته للتاريخ، فيمكن تلخيصها في عبارته البليغة: "التاريخ يجري في العروق". ففي روايته الخالدة "كرم العنب"، التاريخ ليس مجرد أحداث كبرى وأسماء عظيمة تحفظ في الكتب وتدرس في المناهج. التاريخ عند الأسواني كائن حي ينمو ويعيش ويتطور ويؤثر في حياة الناس العاديين، وقرارات بعيدة تتخذ في مراكز السلطة تتحول في النهاية إلى مصائر شخصية مؤلمة أو مفرحة لأهل النجوع البعيدين. هذه هي القوة السحرية الحقيقية لأدبه؛ قدرته الفائقة على جعل التاريخ تجربة إنسانية حية نعيشها اليوم، نلمسها بأيدينا، نشم رائحتها. هو يعلمنا، من خلال شخصياته الواقعية التي تشبهنا ونشبهها، أن الماضي ليس خلفنا، بل هو حاضر يعيش فينا؛ في عاداتنا، في طباعنا، في صراعاتنا الداخلية، وحتى في أحلامنا وأمنياتنا وخيباتنا. التاريخ عنده نبض متدفق عبر الأجيال، يحمل معه الحكايات والدماء والذكريات والدمع والفرح، وليس مادة جامدة محنطة في كتب مدرسية جافة تفرغ الحدث من مضمونه الإنساني.

وعند مسألة الهوية، يصبح عبد الوهاب الأسواني أكثر من مجرد كاتب موهوب؛ فهو يتحول إلى نموذج حي، إلى حالة قابلة للدراسة في سياق الإشكالية الكبرى التي تعيشها أمتنا بأكملها. فهو العربي الأنصاري، وهو المصري، وهو ابن الحضارات المتعددة في الجنوب. كيف جمع كل هذه الهويات في نفس واحدة دون أن تنفجر بالتناقضات؟ الإجابة بسيطة ومعقدة في الوقت نفسه، لأنه لم يرَ تناقضًا حيث رأى الآخرون تناقضًا، ولم يرَ تعارضًا حيث اعتقد الكثيرون بوجود تعارض. كانت الهوية عنده مصدر إثراء واتساع، وليست سجنًا وانحصارًا. فانتماؤه القبلي المتجذر لم يحل دون انتمائه المصري الأوسع، وانتماؤه المصري الثابت لم يلغ انتماءه الإنساني الشامل لكل بني آدم، مهما اختلفت ألوانهم وأديانهم ولغاتهم.

اليوم، تحاول تيارات عديدة، بوعي أو بغير وعي، اختزال الهوية في بعد واحد ضيق؛ سياسي أو ديني أو عرقي. فيأتي عبد الوهاب الأسواني ليقول لنا، من خلال حياته قبل أدبه، إن الهوية الحقيقية هي تلك التي تتسع لتضم ولا تفرق، التي تثرى بالتنوع ولا تضيق بالاختلاف. هو الذي قال - في جرأة المثقف الواثق من فكره - إنه يتعاطف مع أبناء الديانات "التي يسمونها وثنية". ولننتبه جيدًا إلى دلالة العبارة: "التي يسمونها". فهناك اعتراف ضمني عميق بأن هذه التسميات مجرد اصطلاحات قابلة للنقاش والتجاوز، وأن الجوهر الإنساني المشترك، جوهر البحث عن المقدس وعن معنى للوجود، يتعالى على هذه الاصطلاحات والحدود الضيقة. في زمن يموت فيه الناس وتزهق الأرواح كل يوم بسبب اختلافات في الدين أو المذهب أو العرق، يقدم الأسواني نموذجًا فريدًا للتسامح الذي لا يقوم على الضعف أو المسايرة، لكن على القوة المعرفية والوجدانية الراسخة، وعلى يقين راسخ بأن التنوع هو سنة الحياة، وأن محاولة توحيد البشر على نسق واحد هي محاولة ضد الطبيعة، محكوم عليها بالفشل.

ولعل موقفه الشهير، الصارم، من تحويل روايته "كرم العنب" إلى عمل تلفزيوني، يبقى درسًا أخلاقيًا وفنيًا نادرًا في زمننا الذي تهيمن عليه القيم المادية والمصالح الآنية. كم منا كان سيفعل مثله؟ في وقت أصبحت فيه الفرص قليلة أمام المبدعين، وحيث يتشبث الكثيرون بأي فرصة للظهور والانتشار والشهرة التي قد تجلب المال أيضًا، يأتي هذا الرجل ليرفض فرصة ذهبية، لأن مبدأه الأخلاقي والفني يقول له: روح المكان لا ينقلها إلا ابن المكان. هذا الموقف، الذي قد يراه البعض غريبًا أو متطرفًا، يحمل في ثناياه فلسفة كاملة عن العلاقة بين الفنان وعمله؛ إنه رفض صارخ وعلني لفكرة أن العمل الفني سلعة قابلة للتداول والتشويه بأي ثمن. فهناك كرامة للعمل الإبداعي، وكرامة للجذور التي نبت منها، وكرامة للحقيقة التاريخية والاجتماعية التي يسعى الفن إلى نقلها. إنه يشبه الأب الحريص الذي يرفض أن يسافر بابنه إلى مكان لا يفهم لغته ولا ثقافته، خوفًا من أن يضيع الولد في غربة التشويه والابتذال، وأن يفقد روحه الأصيلة. هنا، في هذا الموقف بالتحديد، تلتقي الأخلاق بالجماليات لتشكلا نظرية إبداعية متكاملة، لا انفصال فيها بين القيمة الفنية الرفيعة والقيمة الأخلاقية السامية. إنه إعلان صريح بأن الجمال الحقيقي لا يمكن أن ينفصل عن الحق وعن الخير.

واستمرارًا للمسيرة، فإن كتاب "عبد الوهاب الأسواني .. حكاء الجنوب" للروائي خالد إسماعيل - وهو النص الذي دارت حوله هذه الأمسية البهية– هو في حد ذاته مثال حي، وتطبيق عملي، لفلسفة الأسواني نفسه في الوفاء والعمق والالتزام. فالوفاء هنا ليس مجرد عاطفة، بل هو منهج ورؤية فلسفية عميقة. فكيف تكتب عن رجل عاش حياته كلها ملتزمًا بمبادئه، صارمًا في أخلاقياته الفنية؟ لا يمكنك ببساطة إلا أن تلتزم أنت أيضًا بمبادئ صارمة في الكتابة عنه. هذا ما نفتقده اليوم، وبمرارة، في ثقافتنا العربية: الاستمرارية الحقيقية، والتوارث الأصيل للمعرفة والمنهج والأخلاق. فنحن نستهلك الشخصيات ثم ننساها بسرعة، نمر على التجارب مرور الكرام كالسائح العابر الذي يلتقط الصور ثم نمضي. لكن كتابًا كهذا يأتي ليكسر هذه الحلقة المفرغة، وليؤسس لعلاقة مختلفة بين الأجيال؛ علاقة ليست قرابة دم فقط، بل قرابة روح وفكر ومنهج في رؤية العالم والتعامل معه. إنه جسر من الوعي الحي، يربط الماضي بالحاضر، ليبقى الحاضر حيًا في المستقبل.

بالأمس، احتشدت قاعة الندوة في المعرض بأنفاس المحبين والمشتاقين لتذكر هذا الرمز. كان الكل حاضر، بوعيه أو بغير وعيه، يبحث عن شيء مفقود: عن جذور في عالم بلا جذور، عن عمق في عالم سطحي يركض على السطح، عن صدق في عالم مليء بالتمثيليات والأقنعة والادعاءات. لقد رحل عبد الوهاب الأسواني بجسده الفاني، لكن صخر الذاكرة الذي نحته بأنامله الماهرة، بصبر النحاتين العظام، لا يزال قائمًا شاهدًا على زمن آخر، وعلى إمكانية أخرى للإنسان وللفن. والأهم من ذلك، أن أدوات النحت التي استخدمها - الصبر، العمق، الاحترام للتفاصيل الصغيرة، الحب الشغوف للإنسان في وضعه العادي البسيط - لا تزال متاحة ومعروضة لكل من يريد أن يستخدمها، لكل من يريد أن ينحت ذكراه هو في صخر الزمان.

ويسقط السؤال الآن بحضوره القوي: هل لا نزال نعرف كيف ننحت في الصخر؟ أم أننا، في غمرة السرعة والسهولة والاستهلاك، صرنا نفضل الصور الفوتوغرافية السريعة العابرة على المنحوتات البطيئة الخالدة؟ الإجابة، كما كان يقول عبد الوهاب الأسواني نفسه، ليست حبيسة صفحات الكتب وحدها، لأنها تكمن، أولًا وأخيرًا، في كيف نعيش حياتنا، في كيف نصنع من أيامنا العادية ذاكرة تستحق البقاء، في كيف نتحول، نحن أيضًا، إلى صناع للذاكرة.

***

د. عبد السلام فاروق

داخل صالات معرض القاهرة الدولي للكتاب، إذا وقفت فجأة، بدون مقدمات، أمام تل من الكتب والدراسات والروايات التي تحمل اسم الكاتب المبدع الصحفي الدكتور ياسر ثابت، فإن شيئا غريبا وعميقا يحدث لك في هذا الموقع بالذات. فهناك رائحة مميزة تلف المكان وتخيم عليه، رائحة أعمق بكثير من مجرد رائحة الورق والطباعة الحديثة، إنها رائحة الزمن المكثف، الزمن المضغوط في صفحات. كأن القرون كلها تمر من هنا في صورة غبار ذهبي ناعم يعلق في هواء الصالة، ويجتمع تحت يد واحد من حراس الذاكرة العظام. كأن الزمن، ذلك السائل المتسرب دائما من بين أصابعنا، والذي لا نستطيع أن نمسك منه شيئا، قد وجد هنا أخيرا وعاء يحفظه، وإناء يصونه من الضياع والتبخر.

"ياسر ثابت".. الاسم مكتوب بخط واضح وصريح على مئات العناوين المصفوفة بانضباط وجمال أمامك. لكنك سرعان ما تدرك أنك لست أمام اسم مؤلف عادي. أنت أمام اسم مشروع. مشروع فكري حي وكامل، يمشي على قدمين ويدير حوارا صامتا مع كل زائر يقترب. تخيل أنك تقف أمام رجل يحمل أرشيف أمة بأكملها في رأسه. ليس الأرشيف الرسمي الجاف، المليء بالتواريخ المجردة وأسماء الحكام والمعارك، بل الأرشيف الحي، النابض، تاريخ الناس العاديين، ضحكاتهم، أناتهم، أغانيهم، خيباتهم، انتصاراتهم الصغيرة، أحلامهم التي تحققت على استحياء، والأحلام التي تحطمت على صخرة الواقع. إنه رجل قلبه لا ينبض إلا بنبض بلده، وقلمه يسكب حبره من دماء تاريخها وعرق ناسها، ومن أفراحهم وأتراحهم.

وأنا هنا، في هذا المقال، لا أتحدث عن كاتب قرأت له مجرد كتاب أو كتابين. فأنا أعرفه معرفة شخصية. كان ذلك في رحاب "الأهرام المسائي"، أيام زمان، حين كانت الصحافة فيها حرفة مقدسة، والحبر رفيقا للضمير، والكلمة مسئولية قبل أن تكون مهنة. رأيته شابا في مقتبل العمر، عيناه تتقدان بذلك الفضول النادر الذي لا يخبو مع الأيام. فضول الباحث، والمفكر، ومن يريد أن يفهم العالم فهما عميقا، لا أن يحكم عليه فقط. كان يحمل أحلاما كبيرة بين جفنيه، ويكتب مقالاته الأولى بحماسة من يخطط لفتح عالم جديد. كان المستقبل صفحة بيضاء ناصعة، وهو يحمل قلما ممتلئا حتى آخر نقطة فيه بالأمل والطموح.

اليوم، وأنا أقف أمام هذه المكتبة المتنقلة الضخمة التي تحمل اسمه، أتأمل هذه الرحلة الطويلة بكل ذهول وإعجاب. تلك البذرة الصغيرة التي غرسها بيديه في تربة الصحافة المصرية، كيف نمت وترعرعت لتصير شجرة عملاقة باسقة، لا يحصى أغصانها. أغصانها تمتد في كل اتجاه يمكن أن يفكر فيه عقل إنسان: التاريخ، السياسة، الاجتماع، الفن، الموسيقى، السينما، الرياضة، الحب، الجنون، الحياة، الموت... كل غصن من هذه الأغصان مثقل بالثمار اليانعة. وكل ثمرة هي كتاب قائم بذاته. وكل كتاب هو عالم مكتمل الأركان، لكنه ليس منعزلا أو منفصلا. كل عوالمه هذه تتصل بأنابيب شعرية خفية، بأنسجة رقيقة وثيقة، بذلك القلب المركزي النابض، بذلك المحور الذي يدور حوله كل شيء، مصر. مصر ليس كموقع جغرافي فقط، بل كفكرة، وكحضور، وكسؤال دائم، وكذاكرة حية لا تنضب.

اللغز والمنهج

لذا، يطرح سؤال نفسه بقوة وبإلحاح لكل من يقف أمام هذا الإنتاج المذهل، هذا الخصب الفكري النادر، للمرة الأولى: كيف نقرأ ياسر ثابت؟ من أين نبدأ هذه الرحلة؟ هل نغوص أولا في أعماق "تاريخ المقهورين" أم نفتح "مفاتيح الذاكرة"؟ هل ننطلق مع "سينما النهايات الخالدة" أم ندخل عالم "فتوات وأفندية" الغريب والمثير؟

بعد سنوات ليست بالقليلة من قراءته ومتابعة فكره ومساره، أدركت حقيقة بسيطة لكنها جوهرية، أن كتابات ياسر ثابت هي مثل خريطة مترابطة ومتشابكة لمدينة عظيمة ومعقدة. يمكنك أن تبدأ من أي حي، من أي شارع جانبي، من أي ميدان. سرعان ما ستجد العلامات تؤدي بك إلى أحياء أخرى، والطرق تتقاطع، والجسور تمتد، حتى تبدأ في تكوين صورة المدينة كلها، بكل تفاصيلها، في ذهنك. كل كتاب هو خيط بلون مختلف في نسيج واحد كبير ومتشابك. ابدأ من أي طرف، وسيقودك الخيط بلطف، وبإتقان، إلى الخيوط الأخرى، حتى ترى الصورة الكاملة النهائية، صورة الإنسان في هذا الركن من العالم. الإنسان بكل تعقيداته المربكة، تناقضاته المضحكة المبكية، أحلامه العظيمة والصغيرة، هزائمه التي يحول بعضها إلى أغاني خالدة، وانتصاراته التي قد ينساها بسرعة، وصمته الذي يكون أحيانا أعلى أنواع الكلام وأبلغه.

وهذا التنوع الهائل، هذا الامتداد في كل المجالات، ليس عشوائيا أبدا. إنه وليد منهج. منهج رجل صمم شخصيته الفكرية كما يصمم مهندس دقيق مبنى متعدد الطوابق، كل طابق له وظيفته وجماله واستقلاله، لكنهم جميعا يشكلون كلا واحدا متماسكا. فهو خريج كلية الإعلام بجامعة القاهرة، حيث تعلم أصول الحرفة وشروطها. ثم سافر إلى كارديف وبوسطن ليحصل على الماجستير والدكتوراه، حيث تعلم دقة البحث الأكاديمي ومنهجيته الصارمة، واحترام الوثيقة والدليل. وفي داخله، تعيش ثلاثة أشخاص في وئام تام، الباحث الأكاديمي المنضبط الذي يلتزم بالمرجع ويرفض الارتجال، والصحفي الجريء الذي لا يخاف الخوض في مستنقعات الواقع اللاذعة، والأديب صاحب الحس المرهف الذي يستطيع أن يرى الجمال في أكثر الأماكن قبحا، ويلتقط القصة الإنسانية من أبسط التفاصيل وأكثرها عقدا وإشكالا.

قبل الطوفان!

انطلقت رحلة ياسر ثابت العملية الحقيقية من منبر (الأهرام المسائي)، حيث اختبر نبض الشارع مباشرة، وتعلم أن الخبر الحقيقي لا يكمن فقط في البيانات الرسمية الجافة، بل في نظرات العيون وفي همسات المقاهي، وفي تفاصيل الحياة اليومية. لكن روحه التواقة للمعرفة والحرية دفعت به إلى مجالات أرحب وأوسع. أسس صحفا مثل "العالم اليوم" و"صوت الأمة"، ثم انتقل إلى عالم البث الإخباري الدولي الواسع، من قناة الجزيرة إلى العربية إلى سكاي نيوز عربية ثم القاهرة الإخبارية.

وكانت هذه النقلات بين غرف الأخبار في العواصم المختلفة، القاهرة والدوحة وواشنطن ودبي وأبوظبي، أشبه بدخول معمل ضخم لصناعة الوعي والذاكرة. رأى من الداخل كيف تصنع الروايات، وكيف تحاك الأخبار، وكيف تشكل وسائل الإعلام تصورات ملايين الناس عن العالم. كل هذه الخبرة العملية الهائلة تراكمت في عقله، لتصير المادة الخام الثمينة التي يصوغ منها تحليلاته السياسية الحصيفة وقراءاته التاريخية العميقة. إنه لا يتحدث عن السلطة وعن السياسة من برج عاجي، بل من داخل دهاليزها، ومن قلب معمعتها.

لكن وسط هذا الصخب الإعلامي الدولي، بقي قلبه معلقا بشيء آخر، بالماضي. بالماضي البسيط والمعقد لبلده الذي كان يتبخر بسرعة فائقة في زمن العولمة والنسيان الإلكتروني. من هذا القلق الوجودي على الذاكرة، من هذا الخوف من الضياع، ولدت مدونته الشهيرة "قبل الطوفان". ولم تكن مجرد مدونة عادية؛ كانت نافذة أطل منها على جمهوره بأسلوب فريد جمع بين الحكمة والمتعة، وبين العمق والرشاقة. أسلوب المؤرخ الذي يعرف أن الماضي ليس ماضيا، والراوي الذي يجيد صنعة التشويق، والناقد الحاد الذي يرفض أن تدفن الحقائق تحت ركام الإهمال والنسيان. فازت بجائزة أفضل مدونة عربية، وكانت بحق الجذع الرئيسي الذي تفرعت منه كل أغصان مشروعه اللاحق. كل كتاب تقريبا مما بين أيدينا اليوم يمكنك أن تجد له بذرة أولى، أو إشارة مبكرة، في تلك المدونة الثرية. كل خاطرة، كل سلسلة مقالات، كانت تحتاج إلى مزيد من الغوص والتوسع، فتحولت بجدارة إلى كتاب مستقل.

جولة في أقسام المملكة

لنأخذ جولة سريعة، كما لو كنا نسير بين رفوف مكتبة خاصة فاخرة، في أقسام هذه المملكة الفكرية الواسعة: الأول هو قسم التاريخ الحي: هنا لا يكتب ثابت تاريخ الصفوة والحكام، بل تاريخ الحياة نفسها. كتاب مثل "فتوات وأفندية" ليس مجرد سيرة لعصابات أو أفراد غريبين. إنه تشريح دقيق لميكانيزمات السيطرة الاجتماعية، وتكوين السلطات الموازية، وكيف يتشكل الشر والخير في المجتمع المصري ويتبادلان الأدوار في دراما إنسانية فريدة. وكتب مثل ( تاريخ العاديين) و(مصر قبل المونتاج) و(مصر المدهشة) و(تاريخ المقهورين ) تقدم تاريخا مختلفا كليا. إنها تحفر تحت سطح الأحداث الكبرى – الحروب والمعاهدات والانقلابات – لتصل إلى طبقة الذهب الخام: الحياة اليومية للناس، الروح المصرية في لحظات صعودها الحالم وهبوطها المأساوي.

والقسم الثاني تشريح للسلطة: هنا يقف المحلل السياسي الحصيف، الذي يملك أدوات الصحفي المحنك والباحث المدقق. كتابه "صناعة الطاغية" علامة فارقة بكل المقاييس. هو لا يكتفي بتحليل شخص الطاغية الفرد، إنما يذهب إلى تحليل ظاهرة "الطغيان" نفسها كيف تنشأ؟ ما التربة الاجتماعية الخصبة لها؟ وما دور "النخب الكسيحة" - بتعبيره الموحي والدقيق - في تمهيد الطريق لها عبر التواطؤ أو الصمت المخزي؟ وعناوين مثل "محاكمة الرئيس" و"رئيس الفرص الضائعة " و"العصا والمطرقة" تكشف عن انشغال دائم بآلية عمل السلطة، وتفاعلها المعقد، وأحيانا المأساوي، مع جسد المجتمع وتفاصيله.

وفي القسم الثالث الذي يتمحور حول فلسفة الحياة والموت: وفيه لا يخاف ياسر ثابت من الأسئلة الكبرى التي يفر منها الكثيرون. "شهقة اليائسين" كتاب يتناول ظاهرة الانتحار في العالم العربي ليس بمنطق الوعظ الديني أو الإدانة الاجتماعية السطحية، بل بتعاطف إنساني عميق وتحليل نفسي واجتماعي دقيق. وكتب مثل "الموت على الطريقة المصرية" و"حرائق التفكير والتكفير" و"ذنب" تناقش قضايا الموت والخطيئة والضمير والإيمان بأسلوب مفتوح وشجاع، يجمع بين الفلسفة والشعر، وبين التفكير المنطقي والتأمل الوجداني. وحتى كتاب مثل "سيرة اللذة والجنس في مصر" يكتبه بمنهج المؤرخ الاجتماعي المنضبط، الذي يهدف إلى الفهم والتفسير، وليس إلى الإثارة أو الفضح.

أما القسم الرابع فينصب علي سحر الفنون، وفيه يظهر ياسر ثابت عاشق الجمال، الباحث عن الروح في الإبداع. "تاريخ الغناء الشعبي: من الموال إلى الراب" و"سلاطين النغم" رحلتان غنائيتان في تطور الوجدان المصري والعربي. هو يرى في الصوت والموسيقى سجلا حيا ونابضا لأحلام الشعب وهواجسه. و"سينما النهايات الخالدة" و"سينما القلوب الوحيدة" قراءات للسينما العربية لا بوصفها فنا تقنيا فحسب، لكن بوصفها مرآة عاكسة لـ "انتقالاتنا وانتصاراتنا وانكساراتنا"، كما يقول هو. وكتب مثل "الموسيقى العارية" و"طقوس الجنون" تقترب من الفن باعتباره تعبيرا عن أعمق مناطق الروح البشرية، منطقة اللاوعي والهواجس والجنون الخلاق.

وخصص القسم الخامس لمملكة الملاعب حيث يتجلى شغفه بالملاعب واضحا وجليا. وقد يستغرب البعض أن كاتبا جادا ومحللا سياسيا مرموقا يكتب بهذا العمق وهذا الحجم عن الرياضة. لكن ثابت يرى في كرة القدم - اللعبة الشعبية الأولى – أكثر من مجرد لعبة. يرى مجتمعا مصغرا، وساحة لصراع الهويات، ومسرحا للأحلام الفردية والجماعية. كتاب "مشوار الخلود: سيرة محمد صلاح" ليس سردا لأهداف وسجلات، هو قصة صعود وإرادة، قصة تحول قرية صغيرة اسمها نجريج إلى بقعة مضيئة على خريطة الوعي العالمي. وكتب مثل "جنرالات كرة القدم" و"موسوعة كأس العالم" و"حروب كرة القدم" تستخدم الملعب كعدسة مكبرة لفهم السياسة والاقتصاد وعلم النفس الجماعي.

ووراء كل هذا العمق الفكري والسياسي والاجتماعي، ثمة ياسر ثابت آخر. هو الروائي والقاص، صاحب الحس الإنساني الشفيف والنبرة الشعرية الرقيقة. عناوين مثل "يطل الخجل من حقيبتها" و"قبل الذروة بقليل" و"10 قبلات منسية" و"أبناء البكاء" تكشف عن وجه رقيق وشفاف. وجه رجل يكتب عن الحب والشوق والخسارة والذكريات بأسلوب نثري رشيق يلامس شغاف القلب مباشرة، دون استعراض لغوي أو عاطفة مبتذلة.

الموسيقى الخفية

ما السر إذن؟ كيف يستطيع ياسر ثابت أن يجعل من قراءة التاريخ والتحليل السياسي والفلسفة تجربة ممتعة وشيقة، تصل إلى القلب كما تصل إلى العقل، وتغذي الوجدان كما تغذي الفكر؟

السر كله، في تقديري، يكمن في أسلوبه. الأسلوب هو الجسر السحري الذي يبنيه بين القارئ وذلك الكم الهائل من المعلومات والمعارف. أسلوبه يمكن وصفه بأنه سردي ناعم، متدفق كالنهر، متماسك كنسيج العنكبوت، رشيق كحركة القط، متناغم مع نفسه، وفي النهاية، مباشر بكل وضوح وجرأة. كتابته خالية تماما من ذلك الجفاف الأكاديمي القاتل، أو التعقيد الاصطلاحي المتعالي الذي يستخدمه البعض ليفرض هيبته على القارئ. هو يحكي لك. يحكي كما يحكي الصديق العارف الواسع الاطلاع في جلسة حميمة ليلا. تنتقل معه من فكرة إلى أخرى، من واقعة تاريخية موثقة إلى تعليق شخصي ذكي، من اقتباس أدبي عميق إلى نكتة شعبية مضحكة، كل ذلك في انسيابية طبيعية لا تشعر معها أبدا أنك تقرأ مرجعا أو دراسة جافة، إنما تستمع إلى حكاية مسلية. حكاية مسلية، لكنها عميقة الجذور، وبعيدة الغور.

ورغم هذا التدفق الظاهر، والتنوع الهائل في المواد التي ينسج منها نسيجه - الوثائق التاريخية، المقالات الصحفية القديمة، المذكرات الشخصية، الأغاني، المشاهد السينمائية، الأحاديث اليومية - فإن النسيج النهائي متماسك بقوة مذهلة. كل خيط في مكانه، وكل لون يخدم اللوحة العامة. ورشاقة الأسلوب هي التي تجعلك تطير عبر الصفحات دون أن تشعر بثقل الحمولة المعرفية الهائلة التي يحملها الكتاب.

وهناك موسيقى داخلية في جمله. إيقاع جميل بين الجمل القصيرة المفعمة بالدلالة، والجمل الطويلة الموحية التي تأخذك في متاهات التأمل. يستخدم الطباق والمقابلة والتشبيهات البليغة المستمدة من بيئتنا المحلية، فيخلق نسيجا لغويا جميلا يسر الأذن كما يسر العقل.

وأهم ما فيه، المباشرة. لأن ياسر ثابت لا يلف ولا يدور. لا يخفى رأيه خلف سحابة من المصطلحات المعقدة. يضع الفكرة واضحة صريحة، لكنه يفعل ذلك بطريقة فنية عالية، لا تجعل تلك المباشرة تبدو فجة أو ساذجة. هو واضح كضوء الشمس في يوم صاف، لكنه شمس دافئة، تشع بالحكمة والتعاطف الإنساني. عندما ينتقد، يكون نقده حادا وقاطعا كالسيف، لكن السيف لا يوجه إلى رقبة الخصم بقدر ما يوجه إلى فكرته وسلوكه. لا يتعالى أبدا على القارئ. وعندما يتأمل، تكون تأملاته عميقة كالبئر، لكنك تستطيع أن ترى إلى قاعها. هي قريبة منك، كأنها الخواطر التي دارت في رأسك أنت، لكنها صيغت بصورة أجمل وأكثر دقة وبلاغة.

المشروع الأكبر

إذن، ياسر ثابت في معرض الكتاب هذا العام ليس مجرد كاتب يؤلف كتب وروايات ويوقع عليها للمعجبين. هو في مهمة أعلى وأسمى. هو حارس للذاكرة في زمن يحترف النسيان، ويسعى بكل قوة لطمس الهويات. هو مقاوم للنسيان والمحو، بأسلحة المعرفة والجمال والفهم. مشروعه الكبير يمكن تلخيصه في كونه محاولة جادة وحثيثة لإعادة تأهيل الوعي الجمعي. تذكيرنا، نحن القراء، من نحن. من أين أتينا. ما المسارات التي سلكناها، والمنعطفات الخطيرة التي مررنا بها. وما الثمن الباهظ الذي دفعناه، وما الأثمان التي لا نزال ندفعها في رحلة وصولنا إلى هذه اللحظة بالذات من التاريخ.

لذلك، حين تمر بأعماله وكتبه ورواياته في المعرض، وتلمس بإصبعك غلاف إحداها، فاعلم أنك لا تلمس مجرد ورق مطبوع وحبر جاف. أنت تلمس جرحا قديما لم يندمل بعد. تلمس ضحكة مكبوتة خلفها ألف قصة. تلمس دمعة جافة على خد التاريخ. تلمس لحنا شاردا كان يملأ الأفق في زمن ما. تلمس هدفا في الشباك جعل الملايين يصرخون فرحا. تلمس قبلة منسية في زقاق مظلم. تلمس حبا ضائعا بين أوراق الوثائق. في النهاية، أنت تلمس وطنا بأكمله، بكامل تناقضاته وروحه وشجونه. أنت تلمس ذاكرة حية، تتنفس وتنبض بين دفتي كتاب.

وأنا، الذي رأيته ذات يوم شابا يحمل حلم الصحافة الفتية في عينيه، في رحاب "الأهرام المسائي"، أرى اليوم أن ذلك الحلم لم يمت، ولم يتضاءل. لكنه تحول. تحول من بريق في العين إلى مكتبة كاملة قائمة بذاتها. مكتبة من لحم ودم وورق. مكتبة تمشي على قدمين، وتتنفس، وتكتب، وتتواصل مع الأجيال.

هذه المكتبة هي مشوار خلوده الحقيقي.

***

د. عبد السلام فاروق

 

من يقرأ السيرة الذاتية لعظيم الهند، سيجد محطات كثيرة في حياته منذ صباه إلى نضجه السياسي ودخوله الفاعل في معترك الحياة السياسية وتأثيره على مختلف الأصعدة، وقد يختلف صدى ذلك التأثير من تقييم لآخر، ولكن يبقى المنجز السلوكي لهذه الشخصية الأكثر بروزًا وأهمية ومناقشة عند من وقف عليها وتمعّن في محطات حياته، إذ كان التحدّي عنصرًا فاعلاً في بناء شخصية قوية لديه - على الرغم من ضآلة بنيته الجسدية - دفعته لأن يكمل دراسته للقانون خارج الهند - وتحديدا في بريطانيا - متحديًّا بذلك إرادة الزعيم الروحي والقَبَلي الذي رفض بقوّة أن يسافر إلى بريطانيا أحد أبناء قبيلته، وأحد أعضاء الطائفة الدينية – وتحديدًا الفيشنافية أو الفيشنوية أحد الطوائف الهندوسية الكبرى - التي ينتمي إليها، كذلك تحدّى كثيرًا من الأعراف الاجتماعية التي كانت قائمةً في مجتمعه، وإنْ وقع في بعضها قبل أنْ ينضج لديه الوعي النقديّ الحاد، فيُمسك عن ممارستها، مثل قبوله وهو بعمر الثالثة عشر قرار أهله بزواجه، ما جعله يتثاقل منزعجا في سرد هذا الفصل من حياته، وذلك بالقول: "كم كنتُ أتمنى لو أُعفى من كتابة هذا الفصل ولكني أعلم أنَّ عليّ أنْ أبتلعَ كثيرًا من هذه الجُرع المريرة خلال هذه القصة. وليس لي مناص من ذلك، إذا ادّعيتُ أنِّي متعبِّدٌ للحقيقة. إنّ من واجبي الأليم أنْ أسجِّلَ هنا زواجي في سنِّ الثالثة عشرة. وإذ أرى من حولي غلمانًا في مثل تلك السن – غلمانًا وُضِعوا تحت عنايتي – وأُفكِّر في زواجي ذاك، أنزعُ إلى أنْ أرثي لنفسي وأهنِّئهم على نجاتهم من القدر الذي كُتِبَ عليَّ. أنا لستُ أرى أية حجة مناقبية تؤيد مثل هذا الزواج المُبكِّر المنافي للطبيعة والعقل" (تجاربي مع الحقيقة: 19). الأمر الذي دفعه أنْ يصفها بالعادة الوحشيّة في المجتمع الهندوسي1، وفي هذا التوصيف إيذانٌ بشجاعة دفعته لانتقاد ما كان عليه المجتمع الذي ينتمي إليه، بخلاف كثيرٍ من الناس التي دومًا ما تغضّ النظر عن عادات مجتمعها، في حين تراها تضع صغائر عادات الآخرين تحت المجهر..!

وقد تحدّى نفسه في وصف ما كان عليه من حالٍ أيام الصبا والمراهقة والشباب، بعكس ما عليه حال كثير من الذين يسطّرون الملاحم المزيّفة والشمائل الأخلاقية الرفيعة حين يتولّون سرد ذكرياتهم في كتاب، فلا يتردد من أنْ يصف نفسه بالبلادة وعدم الفهم حين دخل المدرسة الابتدائية، بالقول: " ولقد أمضيتُ سنيّ طفولتي في "بورباندر" وأنا أذكر أني دخلتُ إلى المدرسة، وأني وجدتُ بعض الصعوبةِ في حفظ جدول الضرب. وكوني لا أذكر من تلك الأيام أكثر من أني تعلمتُ، بالاشتراك مع غيري من الغلمان، أن نطلق على معلمنا مختلف ضروب الألقاب، يوحي بأنّ عقلي كان بليدًا، وأنّ ذاكرتي كانت فجّةً من غير شك" (م.ن: 16) أو ينتقد ما كان عليه من سلوكٍ يراه بعد سنوات – أي بعد نضجه الفكري وتدوينه تلك الذكريات – أبعد ما يكون عن الصواب، فقد تحدّث عن مرحلة التحاقه بالدراسة الثانوية، اعتزاله التمرينات الرياضية ولعبة الكريكت التي كانت آنذاك إجبارية في المدارس، ذاكرًا السبب في ذلك، بقوله: "وكان حيائي أحد أسباب الاعتزال، الذي يظهر لي الآن أنه كان خطأً. لقد كنتُ أعتقد آنذاك اعتقادًا خاطئًا أن الرياضة البَدَنية لا علاقة لها بالتربية، أما اليوم فأنا أعرف أنّ التدريب الجسماني يجب أن يكون له في برامج التعليم مكانٌ لا يقلّ عن مكان التدريس العقلي" (م.ن: 27). وليس كلُّ ما تحدّاه غاندي من سلوكيات يراها محلّاً للتقدير والاعتزاز، بل كانت محلاًّ لجلد الذات، بوصفها أفعالا غير مسؤولة، أو لم تصدر عن نفسٍ عارفة بحكمة الفعل الذي يُقدم عليه، بقدر ما كان نابعًا من طيش أو حبّ القيام بأفعال بدافع التقليد أو التأثر بمن حوله، ومن ذلك حين تجرأ على أكل اللحم – باعتبار أنه من أسرة دينية متشدّدة ترى أكل اللحم محرّما على أبنائها – وبحسب قوله: "كانت كراهية أكل اللحم السائدة في كوجارات بين اليانيين والفيشنافيين أقوى مما كانت في أيما مكان آخر في الهند أو خارجها. تلك هي التقاليد التي وُلدتُ ونُشّئتُ في جوِّها. ولقد كنتُ برًّا بوالديّ إلى حدٍّ بعيد. لقد عرفتُ أنّهما إذا عرفا أنّي أكلتُ اللحم فعندئذ يُصابان بصدمةٍ قد تقضي على حياتهما. وفوق هذا، فقد زادني حبّي للحقيقة حذرًا على حذر. فأنا لا أستطيع أنْ أقول أنّي لم أعرف آنذاك أنّي أخدع أبويّ إذا ما بدأتُ أكل اللحم" (م.ن: 34 - 35) ويعترف غاندي أنّه تأثّر بأحد أقرانه آنذاك، ممّن جعل يسوّغ له أكل اللحم بحجج كثيرة، منها ما له علاقة بالصحة البدنية التي كان عليه صاحبه، ومنها ما له علاقة بتغيير النظام الغذائي، ومنها ما له علاقة بالقوّة التي تدفع الشعوب لمناهضة المستعمر الانكليزي الذي ما تمكّن من السيطرة على البلاد لولا تناوله اللحم، الأمر الذي دفعه ليتحدّى تقاليد تلك الأسرة المُحافظة، بتناوله اللحم، ساردًا لنا تلك الذكريات، معقّبًا عليها بما يُدلِّل على ندمه من فعلته هذه، معوِّلاً في ذلك على مراقبته لنفسه وصيانته لها من الوقوع في الرذائل الأخلاقية، وذلك في قوله: "من أجل ذلك قلت في ذات نفسي: صحيح أنّ أكل اللحم أساسي، وصحيحٌ أن القيام بـ"إصلاح" غذائي في البلاد أساسي أيضًا، ولكن خداع المرء وكذبه على أبيه وأمه أسوأ من عدم أكل اللحم. وإذن، فإنّ أكل اللحم، في حياتهما، ينبغي أن يكون أمرًا غير وارد، حتى إذا توفّيا، وأصبحتُ حرًّا، فعندئذ سوف آكل اللحم في وضح النهار، ولكني حتى تحين تلك اللحظة سأكفّ عن هذا الصنيع" (م.ن: 37). بمعنى أنّ غاندي يرى في تحدّيه الذي عبّر عنه في بعض السلوكيات لم ينمّ عن وعيٍ ورغبة في تحقيق الذات، بقدر ما يكون مدفوعًا بنزق الشباب إلى فعلٍ من الأفعال يراه فيما بعد ليس إلا حمقًا أو خروجًا من ذاته المرهقة بتقليد الآخرين حتى وإن كان ذلك التقليد وقوعًا في رذيلة، فيحمد الله أن نجّاه من ممارسة ذلك الفعل، وفي الوقت يريد لقارئه أنْ يستفيد من تلك التجارب التي مرّت في حياته، فلا يقع فيما وقع فيه، فلذلك كان يحذّر من صديق السوء الذي دفعه إلى أكل اللحم، أو خيانة الزوجة، فقد ذكر أن صديقه الذي دفعه لأكل اللحم، قاده "ذات يوم، إلى بيتٍ من بيوت الدعارة وأدخلني إلى هناك مزوّدًا بالمعلومات الضرورية. كان كلّ شيءٍ معدًّا إعدادًا قبليًّا. وكانت فاتورة الحساب قد دُفِعت مقدّمًا. ومضيتُ إلى شدق الرذيلة، ولكنّ الله حماني، برحمته اللانهائية، من نفسي. وأُصِبتُ بمثل العمى والصمم في وكر الرذيلة ذاك. لقد جلستُ قربَ المرأة، على سريرها، ولكن لساني كان معقودًا. وطبيعيٌّ أن يفرغ صبر المرأة، آخر الأمر، فطردتني راشقةً إياي بفيض من الشتائم والإهانات. عندئذ شعرتُ وكأنّ رجولتي قد أُوذِيت، ووَددْتُ لو أن الأرض تبتلعني من شدّة الخجل. ولكنّي ما فتئتُ أشكر الله، منذ ذلك الحين؛ لإنقاذه إياي" (م.ن: 37)

إنَّ الجانب الأخلاقي في شخصية "غاندي" كان الطاغي عليه، فأفعاله وأقواله محكومةٌ بهذا الجانب، وإنْ خرج عن إطار العُرف والتقاليد في بعض أفعاله، فبعضها محكومٌ بنزعته المتمرّدة التي تدفعه لتحدّي الواقع الذي عاشه، ويطمح إلى تغييره سواء بانتقاده تلك الممارسات، أو بمباشرته فعلاً يخرج به عن طوق تلك الممارسات التي ينتقدها وينعى من كان مأسورًا لها، ووفقًا لذلك أخذه طموحه أنْ يغادر الهند إلى بريطانيا لإكمال دراسته في القانون، غير آبهٍ لما يصله من أخبار السفن التي تبتلعها أمواج البحار، وفي الوقت نفسه متحدّيًا زعيم قومه الديني "الشيث" ومن معه من أبناء طبقته، وقد نقل في ذكرياته ما جرى من حوارٍ يعكس لنا ثقته بنفسه إزاء ما طرحه عليه ذلك الزعيم من حجج يراها كفيلة بثنيه عن السفر، معبّرا عن رفضه تلك الحجج التي نقلها لنا بقوله عن ذلك الزعيم: "تعتقد الطائفة أنّ رغبتك في الذهاب إلى انكلترة ليست عملاً صالحًا، إن ديننا يُحرم السفر إلى ما وراء البحار. ولقد سمعنا كذلك أنه ليس من اليسير على المرء أن يعيش هناك من غير أنْ يحطّ من شرف ديننا، إنه مُكرهٌ على أنْ يأكلَ ويشربَ مع الأوربيين" (م.ن: 57) وبعد سجالٍ أراد أنْ يحرجه ذلك الزعيم بالقول: "ولكن أتتنكر لأوامر الطائفة..؟!" باعتبار أنّ غاندي يمثّل أحد أفراد هذه الطائفة، فلا يحق له أنْ يعترض على أيّ أمر يصدر لمن يتزعّمها، وكأن في تنكّره لأوامره خروجٌ عن الطائفة، بما يجعله مغضوبًا عليه من جميع أفراد الطائفة، وهذا ما حصل، إذ نطق "الشيث" بحكمه عليه، في وسط ذلك الجمع، بالقول: "إنّ هذا الغلام سوف يُعامل مُعاملة المنبوذين، منذ اليوم. وكل من يساعده أو يذهب لوداعه في الميناء سوف يُعاقَب بغرامة قدرها روبية وأربع آنات" (م.ن: 57 - 58) ولم يكن هذا الحكم بآخذٍ أثره على غاندي بحسب ما صرّح به، بل دفعه لأن يمضي قُدُمًا في تحقيق طموحه، مندفعًا بتشجيعٍ من أخيه لإكمال إجراءات سفره إلى بريطانيا..

ويمكن أنْ نستطرد في إيراد شواهد كثيرة لا يخلو منها فصلٌ من فصول الكتاب يُنبئ عن ذلك التحدّي الذي ميّز "غاندي" وصار جزءًا من شخصيته، ومن خلاله صار ذلك الزعيم الذي التفّ حوله الملايين من أبناء وطنه، مقارعًا كل من وقف بوجه المصلحة العامة التي دفع لصونها وتحقيقها الكثير من الجهود والمخاطر والمشاكل التي أودت به إلى السجون أو الشكوى في المحاكم أو غير ذلك من مضايقات. ومن هذه الخصلة أرى أنَّه لا بدَّ لكل من أراد أنْ يكون زعيمًا على نهج المُصلح "غاندي" لا بدّ له أنْ يتحدّى كثيرًا من الضغوطات والممارسات والتقاليد والأساليب، بأعلى قدرٍ من الانضباط الأخلاقي، وإلا فمصيره النسيان مثل قادةٍ كُثُر حكموا العالم ولكن لم يبق لهم من الذكر مثل ما بقي لعظيم الهند..

***

د. وسام حسين العبيدي

...................

ينظر: 25.

وما فتئت شمُوعُنَا مُوقَدَة ودمُوعُنَا مُنسَكِبَة

فى الثاني من شهر يناير/كانون الثاني الجاري 2026 جرى في مدينة غرناطة الاحتفال التقليدي الذي يعيد إلى الأذهان ذكرى سقوط مدينة غرناطة التي تُعتبر آخر معاقل الإسلام فى الأندلس في هذا التاريخ من عام 1492 في أيدي الملكيْن الاسبانييْن الكاثوليكيْين فرناندو وإيزابيل المعروفيْن بتعصّبهما الأعمىَ، وعدائهما للإسلام والمسلمين، وقد حرصت السلطات المحلية في المدينة على عدم السماح للمشاركين في هذه الاحتفالات استعمال الشّعارات العدائية، واللاّفتات العنصرية، ورفع أعلام المناطق الإسبانية الجهوية المطالبة بالانفصال، وكلّ ما من شأنه أن يحثّ أو يحرّض على العداء والكراهية والغضاء.

أبو عبد الله الصّغير هل سلّم الحمراء أم أنقذها من الدّمار ؟

تجدر الإشارة فى المقام الأوّل أنّ الكاتبة الإسبانية" ماغدالينا لاَسَالَا" تشير: " أنّ أبا عبد الله الصّغيرعلى العكس ممّا قيل فيه، وأشيع عنه بخصوص موقفه المُهين بتسليمه مدينة غرناطة للملكيْن الكاثوليكيين فرناندو وإيزابيل فقد كان رجلاً شجاعاً وحكيماً، لأنه كان يعرف أنه كان بمثابة الحَجرة الأخيرة في طريقٍ كان لا بدّ له أن يُعبّد. كان يعلم بأنه يمثل نهاية حقبة تاريخية، وبأنه لا يستطيع منافسة تقدّم جحافل الجيوش القشتالية، ومواجهة إعداداتها العسكرية الهائلة. كان يعلم أنّ أيامه قد أصبحت معدودة. ولذلك عهد على إنقاذ أكبر المعالم المعمارية والعمرانية فى هذه المدينة وهي مَعْلَمة قصر الحمراء. كان يدرك تمام الإدراك، ويعي تمام الوعي كيف أن فرناندو الكاثوليكي الأراغوني المتعنّت لم يكن يقف شيء أو عائق في طريقه، فقد أخضع في جميع غزواته السّابقة مختلفَ المدن التي مرّ بها بعد حصاراتٍ دمويّةٍ طويلة. لذلك فإنّ الشيء الوحيد الذي كان في إمكان أبي عبد الله الصغير القيام به في النهاية، هو إنقاذ قصر الحمراء من الدمار، إذ أنه لو لم يكن قد سلّم مفاتيحَ المدينة في ذلك الموقف المذلّ للملكيْن الكاثوليكيْين لاقتحمت جيوشُهما هذا القصرالمنيف الفريد فى بابه، ولمَا كان اليوم في وقتنا الحاضر وجود للحمراء".

الذكرى بين مؤيّديها ومعارضيها

وخلافاً للرّأي السابق، فقد تباينت الآراء بين السياسيين االإسبان بين مؤيّدين ومعارضين حول هذا الاحتفال بهذه الذكرى وجدواها أو عبثيتها، فقد كانت ــ الناطقة الرّسمية السابقة للحزب الشعبي في بلدية مدريد ــ إسبيرانسا أغيرِّي قد استغلّت هذه المناسبة وأدلت بتصريحاتٍ شوفينية وعدائية ضدّ الإسلام، قائلة عن يوم الاحتفال بسقوط غرناطة: «إنه يوم المجد للإسبان جميعاً، فمع الإسلام لن تكون لنا حرية». وكانت هذه التصريحات المناوئة قد خلّفت موجة عارمة من الانتقادات السّاخطة والسّاخرة، سواء في الصّحافة أو الإعلام، وفى وسائل التواصل الاجتماعي، داخل إسبانيا وخارجها. إلاّ أنه من جهة أخرى كان عمدة مدينة غرناطة السّابق فرانسيسكو كْوِينكا ــ من الحزب الاشتراكي العمّالي الإسباني ــ المناهض صراحة لهذا الاحتفال المُجحف قد صرّح: «إن 2 يناير لا يقدّم لنا أيَّ قيم ديمقراطية، وهذا الاحتفال تستغلّه جماعات متطرفة مُوغلة في الحقد المجّاني والكراهية، ومدينة غرناطة لم يتمّ استرجاعها أبداً، بل تمّ تسليمها في أجواء سلمية للملكيْن الكاثوليكييْن، والاتفاقيات التي أبرمت خلال هذا التسليم بين الطرفيْن لم تُحترم ولم تُطبّق أبداً».

كما تعالت أصوات أخرى مناهضة لهذه الاحتفالات، وأصدرت بياناً مفادُه أن «هؤلاء الذين أُبْعِدوا وطُردوا وأُخرِجُوا قهراً وقسراً من ديارهم في هذا التاريخ وبعده لم يكونوا عرباً أو أمازيغ، بل كانوا غرناطيين مثلنا… إننا لم نأتِ لإضرام الضغائن وتأجيج نيران الأحقاد حيال التاريخ، بل لنعترف ونعالج جروح الماضي بيننا لإقامة مزيدٍ من التقارب والتفاهم، والتثاقف والتداني والحوار، نريد أن نقرأ التاريخ ونستخرج منه العناصر الصالحة لنا جميعاً».

الإحتفالات فى عيون الشاعر الاسباني أنطونيو غالا

تُرى كيف ينظر المثقفون الإسبان الكبار داخل إسبانيا وخارجها إلى هذه الاحتفالات؟ وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكّر فى هذا المجال بما كان قد قاله الكاتب والشاعر والرّوائي الإسباني الكبير الراحل أنطونيوغالا فهو يشير فى هذا القبيل:" أنه في مرحلة بداية إراقة الدّم في إسبانيا أيّ في يوم 2 يناير 1492، عندما تمّ تسليم مدينة غرناطة للملكيْن فرناندو وإيزابيل من طرف آخر ملوك بني الأحمر أبى عبد الله الصّغير، أصبحت إسبانيا فقيرة، ومنعزلة وهرمة لمدّة قرون، بعد أن أفلت شمس الحضارات السّامية العربية الراقية فيها، عندئذٍ انتهى عصرُ العِلم والحِكمة والفنون، والثقافة الرّفيعة والذّوق والتهذيب. وتمّ مزج كلّ ما هو قوطي ورومانيّ بالمعارف العربية البليغة، وكان هؤلاء الذين يطلقون عليه غزواً لا يدركون أنه كان في الواقع فتحاً ثقافياً أكثر من أيّ شيء آخر، الشئ الذي جعل الإسبانَ يسبقون عصرَ النهضة بحوالي قرنين… ظلّت إسبانيا بعد ذلك التاريخ تافهة مكروبة، مغمومة،مهمومة، ومخذولة، وكان عليها أن تنظر إلى الخارج، ومن ثمّ كان ما يُسمّى بـ (عصر الاكتشاف) ".

جريمة حرائق الكتب

ويضيف انطونيو غالا: «أنّ مكتبة قصرالحمراء كان أكبر قسط منها يتألف من مكتبة (مدينة الزّهراء) التي كان بها ما ينيف على 600000 مجلّداً، وقد أأمر بحرقها الكاردينال سيسنيروس عام 1501 في مكانٍ يُسمّى (باب الرّملة) في مدينة غرناطة، ــ هو اليوم ساحة كبرى ما زالت تحمل نفس الاسم العربي القديم حتى اليوم ــ فاختفت العديد من الوثائق والمخطوطات، وأمّهات الكتب النفيسة التي أبدعها علماءُ أجلاّء في مختلف فروع المعارف والعلوم في الأندلس». ويُقال إن الجنود الذين كُلّفوا بالقيام بهذه المهمّة كانوا يُخفون بعضَ هذه المخطوطات أثناء إضرامهم النارَ فيها في أرديتهم لفرط جمالها وروعتها، إذ كان معظمها مكتوباً بماء الذّهب والفضّة. ويا لعجائب المُصادفات، ففي المدينة نفسها (قلعة النهر/ألكَالاَ دِي إيناريسْ)، التي نُقل إليها ما تبقّى من هذه الثروة المعرفية الهائلة ــ حوالي 4000 مخطوط ــ التى نجت من الحرق، ستكون المدينة التي سيولد في ما بعد فيها شيخ الروائيين الإسبان ميغيل دي سيرفانيس صاحب رواية «دون كيخوته دي لا مانشا » الشّهيرة المُستوحاة في غالبيتها من التراث العربي.

تزييف التاريخ

ويشير غالا من جهة أخرى أنّه اكتشف أنّ أبا عبد الله الصغير أصبح في عيون الباحثين والمؤرّخين والناس مُخادعاً، مُتخاذلاً جباناً، فهذه كتب التاريخ تصف لنا لحظة التسليم المذلّ فتقول: «وافق السلطان أبو عبد الله الصّغير على شروط التسليم، ولم يكن في مقدوره إلاّ أن يوافق، وتنازل عن آخر معقل للمسلمين في الأندلس، ووقف مع ثلة من فرسانه بسفح جبل الرّيحان، فلمّا مرّ موكبُ الملكيْن الكاثوليكيْين فيرناندو وإيزابيل تقدّم فسلّم لهما مفاتيحَ المدينة، ثم لوى عنانَ جواده مولياً، ووقف من بعيد يودّع مُلكاً ذهب ومجداً ضاع. وكان هو بأعماله وسوء رأيه سبباً في التعجيل بضياعه».

وتخبرنا هذه المراجع انه كانت كلمات أمّه خيرَ ما يمكن أن يوجّه إليه في هذا المقام، فقد رأته يجهش بالبكاء فقالت له: «إبكِ مثلَ النّساء مُلكاً مُضاعاً لم تحافظ عليه مثلَ الرّجال»ّ!، وما زالت الرّبوة أو الهضبة أو الأكمة التي ألقي منها آخرَ نظرةٍ على غرناطة وقصر الحمراء ثمّ تنهّد فيها تنهيدة حرّى عميقـــة، حيث عاتبته أمّه، تُسمّى باسمه حتى اليوم Suspiro del Moro!.

تصحيح الحقائق التاريخية

وكان غالا كثيراً ما يتعرّض في أحاديثه، ومداخلاته، ومؤلفاته شعراً ونثراً إلى الوجود العربي والإسلامي في إسبانيا، مُصححاً الحقائق التاريخية حول مدى تأثير الحضارة واللغة العربية في الحضارة وفى النفسية، والعقلية، واللغة الإسبانية، وكان يكرّر في العديد من المناسبات قائلاً «بدون الثقافة العربية والإسلامية لا يمكن فهم إسبانيا». وهو نفس الرأي الصّريح الذي كان يجاهر به الكاتب الاسباني الكبير الراحل خوان غويتيسولو كذلك، وتتضح وجهة نظر غالا أكثر من خلال رؤيته لبنية المدن الاندلسية وتكوينها الروحي، فيقول إذا سُئلت ما هي الأندلس؟ لقلتُ إنها عصير غازي يساعد على هضم كل ما يُعطىَ لها حتى لو كان حجراً، فقد مرّت من هنا مختلف الثقافات بكلّ معارفها وعلومها، إلاّ أن الثقافة العربية والإسلامية في إسبانيا كانت من أغنى الثقافات الإنسانية ثراءً وتنوّعاً، وتألقاً وإشعاعاً، فهي بحقّ منارة علم وحضارة وعرفان قلّ نظيرُها في تاريخها الطويل. وكانت الإسبانية لغتين: لاتينية وعربية، لكن بعد الملوك الكاثوليك الذين تمّ الاحتفال بهم وباستلامهم لمدينة غرناطة، جاءت محاكم التفتيش القاسية والهمجية في أعقاب ما سُمّي بــ (حروب الاسترداد) التي كانت في الواقع حروباً للاستعباد والاستبداد والتي تركت جروحاً عميقة في الجسم إلاسباني، هذه الجروح التي لم تلتئم حتى اليوم».

أروع المعاني وأجمل الأشياء

ويستكمل انطونيو غالا باحثاً عن إجابة لسؤاله بأنه «خلال قراءاته المتنوّعة العديدة، أو عند كتابته لأيّ مؤلّف جديد حول الحضارة العربية، فإنه كان يكتشف كلّ يوم حقائق مثيرة تدعو للتفكير والتأمّل والإعجاب. فأروع المعاني وأجمل الأشياء في إسبانيا جاءت من الحضارة العربية الإسلامية، بل أن أجمل المهن وأغربها وأدقّها وأروعها، وكذلك ميادين تنظيم الإدارة والجيوش، الفلاحة، الملاحة، الطبّ، الاقتصاد، العمارة، البستنة والريّ، حتى المهن المتواضعة، كلّ هذه الأشياء التي نفخر بها نحن اليوم في إسبانيا، تأتي وتنحدر من العربية وحضارتها، وهذا لم يحدث من باب المصادفة أو الاعتباط، فالعرب والأمازيغ أقاموا في هذه الديار زهاء ثمانية قرون، وظللنا نحن نحاربهم ثمانية قرون لإخراجهم، وطردهم من شبه الجزيرة الإيبيرية، فكيف يمكن للمرء أن يُحارب نفسَه؟ ذلك أن هذه الحضارة المتألقة كانت قد تغلغلت في روح كلّ إسباني، فبدون هذه الحضارة لا يمكن فهم إسبانيا، ولا كلّ ما هو إسباني، بل لا يمكننا أن نفهم حتى اللغة الإسبانية ذاتها، هذه الحقيقة تصدم البعض، إلاّ أنّهم اذا أعملوا النظر، وتأمّلوا جيّداً ومليّاً في هذا الشأن فلا بدّ أنهم سيقبلون بهذه الحقيقة، فالبراهين قائمة، والحجج دامغة في هذا القبيل ولا ريب.

وجود العرب والبربر فى اسبانيا كان فتحاً ثقافياً

ويمضي غالا في تصريحاته الجريئة قائلاً «إن الذي حدث في إسبانيا ليس اكتشافاً أو استعماراً مثلما حدث في أمريكا، فالذي حدث هنا كان فتحاً ثقافياً جليّاً، إنه شيء يشبه المعجزة التي تبعث على الإعجاب والانبهار اللذين يغشيان المرء بعد كل معجزة، فقد وصل العرب والبربر إلى إسبانيا وهم يحملون معهم ذلك العطر الشرقي العبق الفوّاح الذي كانت الأندلس تعرفه من قبل عن طريق الفينيقيين والإغريق، وصل العرب بذلك العطر الشرقي والبيزنطي، ووجدوا في الأندلس ذلك العطر الرّوماني، حيث نتج فيما بعد أو تفتّق وانبثق عطر أو سحر جديد من جرّاء الاختلاط والتجانس، التنوّع والتمازج الذى بهر العالمَ المعروف في ذلك الحين. لم يدخل العرب والأمازيغ البربر شبه الجزيرة الإيبيرية بواسطة الحصان وحسب، بل إنّهم دخلوها فاتحين، مكتشفين، ناشرين لأضواء المعرفة وشعاع العلم والأدب والشعر والحكمة والعرفان، فقد كان كشفاً أو اكتشافاً ثقافياً خالصاً. هنا يكمن الفرق بين الذي ينبغي لنا أن نضعه في الحسبان للإجابة عن ذلك التساؤل الدائم: لماذا لم تلتئم القروح، ولم تندمل الجروح بعد في أمريكا اللاتينية حتى اليوم؟ إســبانيا اليوم تقف في وجه كلّ ما هو أجنبي وتنبذه وتصدّه، فالشعب الإسباني تجري في عروقه مختلف الدّماء والسّلالات، والأجناس والأعراق والإثنيات، ومع ذلك ما زالت إسبانيا تظهراليوم بمظهرالعنصرية وتدّعي أنّها براء من أيّ دم أجنبي».

اكتشاف العالم الجديد

ويشير غالا في سخرية مرّة إلى أن «أيّ إسباني من مملكة قشتالة لم يكن في مقدوره أن يقوم بأيّ أعمال يدوية بارعة، كما لم يكن في إمكانه زراعة الأرض المترامية الأطراف أمامه، وهذا هو السّبب الذي أفضى إلى اكتشاف أمريكا، أو ما سُمّي في ما بعد بالعالم الجديد. فجميع هؤلاء الذين لم يكونوا يحبّون القيام بأيّ عمل كان عليهم أن يذهبوا وينتشروا في الأرض مكتشفين، وكان الإسبانيّون شعباً محارباً، فهم يتدرّبون منذ ثمانمئة سنة، وكانوا باستمرار ينتظرون ويتحيّنون الفرصة المواتية للانقضاض على الغنائم بعد هذه الحروب الطويلة الضروس، ومن هنا ذهبوا بحثاً عن أرض بِكر تعجّ بالغنى والثراء، والثروات، وكانت هذه الأرض هي أمريكا. إن إسبانيا في البلدان التي (غزتها) اتّسمت بالعنف، والتنكيل، والتقتيل، والجبروت، والقهر، والغِلظة، ولم تعتبر الشعوب فيها شعوباً مسيحية بالمعنى الصحيح للكلمة، وقد نزعت عن هذه الديانة كلَّ صفةٍ للرّحمة، والرّأفة، والشّفقة، والتسامح، وهكذا أصبحت الكاثوليكية اليوم في هذه الأصقاع النائية من العالم أبعدَ ما تكون عن رسالة السّيد المسيح».

تجدر الإشارة فى هذا القبيل فى ختام هذا المقال أنّ معظم هذه التصريحات حول الحضارة الاسلامية فى الأندلس كان الكاتب والشاعر انطونيو غالا قد أدلى بها قيد حياته خلال لقاء جمعه مع الصّديق العزيز الباحث المثابر، والاكاديمي المصريّ المتألق الدكتور خالد سالم المتخصّص فى الدراسات الاندلسية المعروف بعلوّ كعبه فى هذا المجال، والذي شاءت الأقدار ان أحظى بشرف ألتعرّف عليه  فى اسبانيا خلال عملي كمستشار ثقافي بسفارة المغرب فى مدريد فى الثمانينات من القرن الفارط . مدّ الله حبلَ الصداقة الخالصة التي تجمعني به طويلاً ومتيناً لا إنفصام لعراها الوثقى.

***

د. السفير مُحمّد مَحمد خطّابي

كاتب وباحث ومترجم من المغرب

في الذكرى العاشرة لرحيل عميد الصحافة العراقية

تمرّ في الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير) 2026 الذكرى العاشرة لرحيل الدكتور فائق روفائيل بطي (أبو رافد). وُلد في بغداد عام 1935، وحصل على بكالوريوس في الصحافة من الجامعة الأميركية في القاهرة، ثم نال الدكتوراه في الصحافة من موسكو. كان شيوعيّاً، وتعرّض للاعتقال بعد انقلاب شباط 1963، ليغادر بعدها إلى المنافي حيث أصدر عدداً من الصحف المعارضة مثل "عراق الغد" و "رسالة العراق". توفي في 25 كانون الثاني (يناير) 2016 في أحد مستشفيات لندن عن عمر ناهز الثانية والثمانين.

أصدر الراحل العديد من الكتب والدراسات، خاصة في تاريخ الصحافة العراقية والكردية والسريانية. وكان يرى للصحافة دوراً محورياً في كشف الحقيقة، مؤكداً أنها "مهنة البحث عن الحقيقة" لا "مهنة المتاعب". كتب مذكّراته بعنوان "الوجدان"، وألّف كتاب "عراقيون في الوجدان" الذي قدّم فيه صوراً لشخصيات عراقية بارزة. وفي سنوات المنفى، تولّى تحرير جريدة " صوت الاتحاد" وإذاعة "صوت الرافدين".

تعرفتُ إليه بعد وصولي مع عائلتي إلى كندا في شباط 1990. وفي عام 1992 انتُخبتُ مسؤولاً للمنظمة الحزبية هناك، بينما انتُخب فائق بطي عضواً في اللجنة المركزية في المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي العراقي في حزيران 1993. زارنا في تورنتو لعرض نتائج المؤتمر والاطلاع على سير عمل المنظمة، ومنذ ذلك اللقاء توطدت علاقتي به.

في عام 2005 أجريتُ معه مقابلة في برنامجي الأسبوعي "حصرياً على عشتار" على قناة عشتار الفضائية، التي أسسستُها عام 2004. تحدث في اللقاء عن والده روفائيل بطي، الذي وُلد في الموصل ودرس الحقوق في بغداد وعمل محرراً في جريدة "العراق". وألف في الرابعة والعشرين من عمره كتاب "الأدب العصري في العراق العربي".

وتوسّع في الحديث عن والده قائلاً إنه خاض العمل السياسي، وأصدر جريدة "البلاد" في بغداد عام 1929، ثم أصبح نائباً في البرلمان عن المسيحيين في بغداد. كان وطنياً معارضاً، سُجن وتحمل المنفى، وتولى وزارة الإعلام في حكومة فاضل الجمالي عام 1953. وكان يتعرض لهجوم يومي في الصحافة، حتى إن أحد شيوخ القبائل قاطعه في البرلمان قائلاً: "اقعد… ولك كلك أثوري نصراني".

أرّخ فائق بطي سيرة والده في كتابه الضخم "ذاكرة عراقية" الصادر في جزأين يبلغان نحو ألف صفحة. وكما فعل والده، خاض هو الآخر المعترك السياسي ومارس الصحافة في سن مبكرة. وعلى الرغم من أن له ثلاثة إخوة، إلا أنه تولّى مسؤولية جريدة "البلاد" بعد وفاة والده عام 1956 وهو في السادسة والخمسين من عمره.

في عام 2008، استأجر بيتاً في بلدة عنكاوا بأربيل العراق، وتفرغ للكتابة الموسوعية، يعمل ساعات طويلة في البحث والتوثيق. كنا نلتقي مساءً بعد انتهاء عمله ودوامي، فقد كنت آنذاك وزيراً لشؤون منظمات المجتمع المدني في حكومة إقليم كردستان.

في إحدى الأمسيات، بينما كنّا نغادر نادي المركز الأكاديمي في عنكاوا بعد سهرة صاخبة بالضوضاء، التي كان يكرهها، تعثّر وسقط أرضاً وأصيب ببعض الرضوض. ومنذ ذلك اليوم، فضّل أن نقضي أمسياتنا في منزلي، خاصة عندما يكون وحيداً وزوجته سعاد في لندن. حيث كانت نيفين، السيدة التي تعمل عندي آنذاك، تُحضّر ما يلزم من المقبلات والطعام ثم تغادر إلى منزلها. وكان أبو رافد يلحّ عليّ ألا أدعها تعود لترتيب المائدة وغسل الصحون، فهو لا يحب إثقال كاهل أحد.

كان أبو رافد في سبعيناته، وشَعره الأبيض يضفي عليه هيبة العارفين. كلما أثقل العمل كاهله وهو يغوص في تفاصيل موسوعته عن الصحافة، كان يأتي إليّ ماشياً من بيته المستأجر في تلك البلدة الصغيرة، بخطوات هادئة تليق برزانته. وما إن يطرق الباب حتى أعرف أنه جاء ليقضي أمسيته معي، فنغرق معاً في أحاديث طويلة تمتدّ حتى يتهادى الليل.

كان قنوعاً، عزيز النفس، لا يطلب الكثير من الطعام، ويميل إلى صنف واحد من المقبلات. وكان يعاني أحياناً من نوبات سعال، ولم تكن بنيته قوية. ولا أدري لماذا كان يسمّي مشروب الويسكي المفضل لديه، "الريد ليبل"، ب"الزرنيخ"، ذاك العنصر الكيميائي الشديد السمية!.

وكان إذا جلس في مقعده المفضل قرب النافذة، يخلع عن كتفيه عبءَ النهار كما يخلع معطفه القديم، ثم يبتسم ابتسامة صافية. يمدّ ساقيه المتعبتين أمامه، وينظر إليّ نظرةَ من وجد أخيراً ملاذاً من ضجيج العالم، ولو لساعات.

كنا نبدأ أحاديثنا من آخر كتابٍ قرأه، أو من حكاية استعادها من أرشيف ما زال الغبار عالقاً على أطرافه. يروي عن الصحفيين الذين مروا في حياته كمحطات قطار، وعن معاركه الصغيرة دفاعاً عن كلمة صادقة أو عن صورة يرفض أن يطمسها التاريخ.

ومع مرور الوقت، أدركت أن زياراته لم تكن لمجرد السمر، بل حاجة عميقة لأن يجد من يصغي إليه، وأن يحفظ ما في ذاكرته. كنت أتركه يتحدث طويلاً، فهو من أولئك الذين يختزلون الزمن حين يفتحون دفاترهم.

وحين يشتدّ الليل، كان ينهض ببطء، يعدل معطفه، ويقول عبارته التي لم تتغير: "سنكمل غداً… فالكلام لا ينتهي". ثم يمضي، حاملاً صداقة كانت تنمو في كل مساء.

بعد انتهاء جلستنا، كنت أرافقه وأسير إلى جانبه حتى باب منزله القريب، وكأن المسافة القصيرة جزء من ودّ لا يكتمل إلا بخطواتنا معاً.

في الخامس من أيلول 2009، دعوتُ الزميل فلاح المشعل، رئيس تحرير جريدة "الصباح"العراقية، إلى أمسية، في نادي مارينا بعنكاوا، أثناء مشاركته في مؤتمر لمنظمة إعلامية كندية ممثلاً عن شبكة الإعلام العراقي. وشارك في الأمسية أيضاً الدكتور فائق بطي وسعاد الجزائري، والصديق الروائي زهير الجزائري. كنا في غاية السرور ونحن نتبادل أطراف الحديث، حين تلقّى فلاح اتصالاً هاتفياً من بغداد.

لم يستغرق الحديث سوى لحظات، لكن ملامحه تغيّرت فجأة، وعلتها آثار الصدمة. سألته عمّا حدث، فقال:

" الاتصال كان من زميل يخبرني أنني قد أُعفيت من منصبي، وقد نشرت وكالات الأنباء الخبر". وأضاف : "تصرف غير لائق من مجلس الأمناء بعد أن أقنعوا رئيس الوزراء نوري المالكي بذلك".

جاء القرار فجأة بلا سابق إنذار. ربما كانت تلك من أقسى اللحظات في حياة رئيس تحرير يرتبط منصبه بالهيبة والمسؤولية والثقة. في لمح البصر، بدا كأن الأرض قد مُدت من تحت قدميه. كيف لا وهو في مؤتمر يمثّل فيه مؤسسته، ثم يفاجأ بأنه لم يعد جزءاً منها.  شعرنا جميعاً بالخذلان؛ سنوات من العمل وبناء الصحيفة والجهد المضني بدت وكأنها ذهبت أدراج الريح. حاولنا مواساته، إلاّ فائق بطي الذي بقي صامتاً تماماً، لم يتفوه بكلمة.

في اليوم التالي، وجدتُ أبا رافد مستاءً جداً مما حدث. سألته: لماذا لم تتحدث بالأمس؟ فأجاب بنبرته الهادئة: "لم أرد أن تتحول الأمسية الجميلة إلى عزاء بسبب تصرف طائش من مجلس أمناء شبكة الإعلام العراقي، وبتحريض من رئيس الوزراء نفسه".

كان غضبه مكتوماً، لا يريد إفساد الجلسة. كان غاضباً من المؤسسة وأسلوب الإدارة، ومن دبر الأمر في الخفاء. كان يدرك أن بعض القرارات تكشف الوجوه خلف الابتسامات.

كان صحافياً ومثقفاً من العيار الرفيع، يفضل الصفوف الخلفية رغم قدرته على الصدارة. متواضع بطبعه، قريب إلى القلب من اللحظة الأولى، يمتلك عزة نفس لا تنحني، ورصانة لا تهزّها الأضواء. يكره الظلامة ويتجنب النميمة وضجيجها. صريح في القول، واضح في الكتابة، لا يساوم على كلمة ولا يجامل على حساب الحقيقة. قليل الكلام كثير الفعل؛ يترك أثراً حيثما يمضي، صامتاً حين يعمل. لكن ثمرة عمله لا تخفى. إنه ممن تُقاس قيمتهم بما يخلّفون، لا بما يعلنون.

كنتُ أساعده في تذليل الصعوبات اللغوية أثناء عمله على موسوعة الصحافة الكردية لأنني أتقن اللغة، وفي إيجاد مصادر لموسوعة الصحافة السريانية. وعندما صدرت الموسوعة،  أهداني نسخة وكتب عليها بخط يده: "إلى العزيز جداً جورج منصور مع مودتي واعتزازي به رفيق درب طويل من بغداد حتى دول المنفى شرقاً وغرباً.. وللذكرى". وقّع: فائق بطي.

***

جورج منصور

في ذكرى رحيله الـ " 76 "

آب 1948 وفي بيت يقع على جزيرة جورا قبالة الساحل الاسكتلندي، وفي صباح بارد وعاصف، جلس رجل في زاوية من المطبخ وأمامه صحن وضع فيه قطعة من كعك الزعفران، وفطيرة تفاح، ومربى الكوسا، ورغيف خبز، وفي طبق آخر أنواع لا تُحصى من البسكويت، وعلى المنضدة كانت آلته الكاتبة حيث يجاهد معها لاكمال رواية كان حريصا أن يجعل منها نبؤة لزمن قادم. كان المطبخ يُستخدم غرفة جلوس، وقد وضع في زاوية منه مكتبة خشبية ضمت عشرات الكتب التي اختارها لترافقه في سكنه الجديد. يتناول قطعة من البسكويت مع " كوب لطيف من الشاي دون سكر " كان اورويل عاشقاً للشاي " من المفترض للشاي أن يكون مر الطعم، لو أنك قمت بتحليته، فانت لم تعد تتذوق الشاي، انت تتذوق السكر فقط " – جورج اورويل كوب لطيف من الشاي ترجمة علي مدن -.

 ينظر الى الصفحات التي انجزها امس، الكتابة مجهدة، هذه الرواية اللعينة تمتص الحياة منه، لكنه مصم على انهائها. كان حريصاً ان لا تتحول صفحات روايته إلى منشور سياسي، انه يريدها ان تكون عملأ ساخراً ونبؤة وتحذير فهو يؤمن انه يعيش : " في عالم كل من فيه ليس حراً، وقلما يوجد فيه شخص آمن، ومن شبه المستحيل أن تكون صادقاً فيه وتظل حياً " – جورج أورويل الطريق الى رصيف ويغان ترجمة اسعد الحسين –.

كان لجورج أورويل، المتقشف والزاهد، والنحيل نوعاً ما، اهتمامٌ بالطعام.، ونجد شخصياته، مثله،غالباً ما تكون جائعة، وبسبب ايام التشرد والجوع، كان يتلذذ بوصف الوجبات المُقززة، بهدف احداث صدمة عند القراء واثارة إشمئزازهم، لم يكن أورويل خبيراً في مطابخ العالم، ولم يسافر إلى آسيا خلال إجازاته في بورما، ولم يزر إيطاليا أو اليونان قط، كره الأطباق الأجنبية، ورأى الدول الأوروبية في أسوأ أحوالها، في فرنسا عاش معدماً، وإسبانيا جنديا خلال الحرب الأهلية، وفي ألمانيا صحفياً وسط الفوضى والمجاعة بعد الحرب العالمية الثانية. كان يُشكك في المطاعم الفاخرة والباهظة.

كانت الرواية التي يعمل عليها تتقدم ببطأ كان قد كتب الى صديقه همفري سلاتر رئيس تحرير مجلة " بوليمك" :" لقد بدأت روايتي التي تحكي عن المستقبل اخيراً، لكنني كتبت نحو 50 صفحة فقط، ووحده الرب يعلم متى سأنتهي منها "، انه يريد أن يقدم للقراء شهادته عن عالم مرعب، كان قد وضع رواية جيميس جويس " يوليسيس " على المائدة الى جانب قطع البسكويت، كتب مرة في احدى رسائله ان جيميس جويس يلخص في يوليسيس :" اكثر من أي كتاب اعرفه، اليأس المرعب الذي يكاد يكون عادياً في أيامنا، وانك لتجد االتنوع ذاته من الاشياء في قصائد اليوت " - رسائل جورج اورويل ترجمة عماد العتيلي -

يتذكر اورويل انه استعار نسحة من رواية " يوليسيس " عندما كان يعيش متشردا في باريس عام 1928، وقد كتب عدد من الملاحظات عن الرواية مشيداً بطريفة جويس في تناول الحدث اليومي، حيث اعتبر يوليسيس تحاول أن تقدم الحياة كما هي معاشة :" ان جويس يحاول ان ينتقي ويقدم الأحداث والأفكار كما تحدث في الحياة لا كما تحدث في القصة - جورج اورويل سيرة حياة ترجمة ممدوح عدوان -.

كان اورويل يشارك جيميس جويس احتقاره للكتاب الذين يكتبون الروايات من خلال قراءتهم للروايات. ومثلت له يوليسيس نموذح للفن الروائي يكتب في احدى رسائله :" لعلي كنت اتمنى لو انني لم أقرأها. إنها تولد عندي مركب نقص. حين أقرا كتاباً من هذا النوع ثم اعود الى عملي، احس مثل خصي عمل دورة في تقليد الاصوات ".

أحب أورويل الكتب وجمعها، ولكن حذرنا من ان نطلب منه تكرار تجربة بيع الكتب :" السبب الحقيقي لنفوري من ان أكون في حرفة الكتب طوال الحياة هو أنني بينما كنت هناك فقدت عشقي للكتب. بائع الكتب عليه قول الاكاذيب حول الكتب، وهذا ما يدفعه للشعور بالجفاء تجاهها.. حالما بدأت العمل في متجر للكتب توقفت عن شراء الكتب عند رؤيتها مكومة. كانت الكتب مملة وحتى مثيرة للغثيان قليلاً، هذه الأيام اشتري كتاباً واحداً أريد قراءته فقط ولا استطيع استعارته، ولا اشتري ما لانفع له أبداً " – جورج أورويل لماذا اكتب ترجمة علي مدن -.

على مدى سنين حياته التي بلغت " 47 " عاماً مارس جورج اورويل هواية جمع الكتب منذ ان كان في التاسعة من عمره حين عثر على نسخة قديمة من رواية تشارلز ديكنز " ديفيد كوبر فيلد "، والتي سترافقه فيما بعد ليعيد قراءتها اكثر من مرة وليكتب مقالا عن ديكنز اكد فيه انه :" لا يوجد كاتب انكليزي كتب عن الطفولة أفضل من ديكنز، فليس هماك روائي أظهر نفس المقدرة على الدخول الى قلب وجهة نظر الطفل " – جورج اورويل الاعمال السياسية والادبية ترجمة أسعد الحسين -.

في جزيرة جورا وجد اورويل مكانا يستطيع فيه التركيز على العمل الكبير الذي يسيطر على مخيلته، وايضا على قراءة بعض الكتب التي حمبها معه. كان يشعر بالحاجة الى القراءة والكتابة، معتقدا ان اليوم الذي لا يكتب فيه ولا يقرأ بضع صفحات فيه هو يوم ضائع. كان مصرا على التفرغ لانجاز عمله الروائي، لكنه كان يكتب بين الحين والاخر بضع مقالات عن الزراعة والصيد، وملاحظات عن الحياة البرية، كان شبح الفقر قد ابتعد عنه بعد ان اعيد نشر روايته " مزرعة الحيوان " في اواخر آب عام 1946، وقد بلغت مبيعاتها نصف مليون نسخة.

يوصف أورويل بانه شخصية غريبة الاطوار، يرتدي ملابس غريبة، وجاء الى عالم الكتابة بطريقة غريبة ايضا، وبرغم ملامح البؤس التي تبدو على وجهه، فانه لم يكن منعزلاً. كان غارقا في الأدب الفرنسي والروسي. يعرف المزيد عن السياسة الأوروبية والاستعمارية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين أكثر من معظم معاصريه الادباء والسياسيين. كان لديه أشياء يقولها لا تزال ذات أهمية عالمية حتى اليوم، والحماس للكتابة لجمهور عريض، وليس لجمهور فكري بحت.

ولد جورج أورويل واسمه الحقيقي " اريك هيو بلير " في البنغال أيام كانت جزءاً من الهند التي تخضع للنفوذ البريطاني، يوم 23 من ايارعام 1903، وكان والده يعمل موظفاً في إدارة مكافحة المخدرات، وأمه ابنة تاجر خشب فرنسي، بعد عودة عائلته إلى انكلترا دخل مدرسة إعدادية خاصة، بعدها استطاع والده ان يدبر له دراسة بمنحة في كلية ايتون الخاصة بابناء الطبقة العليا، وكان الكاتب الشهير الدوس هكسلي أحد أساتذته، لكن الفتى رأى حقيقته في مكان آخر حيث يقرر فجأة أن يترك الدراسة ليرحل الى بورما للعمل في " الشرطة الملكية "، هناك يكتشف المعاناة التي يعانيها البورميون من جراء الحكم الانكليزي، فيكتب روايته " أيام بورمية "، بعدها يسافر الى فرنسا، ثم يعود إلى انكلترا حيث يعمل في مكتبة لبيع الكتب، وكان في السابعة والعشرين عندما نظف بيتاً في لندن مقابل ربع جنيه استرليني يومياً. أتعبه المرض، فكان يبدو أكبر من عمره واعتقد انه لا يروق للنساء، ويسجل هذه الفترة من حياته في كتابه " متشرد في باريس ولندن ".عندما تندلع الحرب الأهلية الاسبانية يذهب إلى برشلونة ومن هناك يكتب تحقيقات صحفية لمحطة البي بي سي، ونجده يلتحق بالحزب العمالي للاتحاد الماركسي الذي يتبع تروتسكي، ويشترك في القتال مع القوات الجمهورية، يصاب في منتصف عام 1937 بجروح، ليعود إلى انكلترا فيصدر عام 1938 كتابه " وفاء لكتلونيا " يروي فيه أسباب انفصاله عن حركة اليسار، عام 1943 ينضم الى هيئة تحرير صحيفة الأوبزرفر، يتولى كتابة تقارير سياسية وأدبية، سنة 1945 تنشر روايته " مزرعة الحيوان "، التي بيع منها ملايين النسخ وترجمت إلى معظم اللغات، وقد حققت له هذه الرواية الشهرة والثروة، ورغم أن مرض السل تفشى في جسده إلا أنه استطاع عام 1948 تكملة روايته الاخيرة " 1984"، ليرحل عن عالمنا بعد عامين من نشر الرواية عام 1950.

كان أول اسم مقترح لرواية جورج أورويل " 1984 " هو " الرجل الأخير في أوروبا ". يقدم لنا أورويل في روايته هذه عالماً يحكمه نظام شمولي، وتدور أحداث الرواية في لندن التي يسميها أورويل " دولة أوشانيا العظمى " حيث تدير شؤونها أربع وزارات، هي وزارة الصدق ومهمتها تزييف الحقائق، وإتلاف الوثائق التي تذكر الناس بالماضي، ووزارة السلام تتولى شؤون الحرب والإعداد لها، وزارة الرخاء ومهمتها تخفيض الحصص التموينية المخصصة للأفراد، ووزارة الحب التي تُعنى بحفظ النظام وتنفيذ القوانين. في الرواية ترافقنا صورة "الاخ الاكبر " في كل مكان، وهي صورة لوجه ضخم بشارب اسود كثيف، وكتب تحت الصورة " الاخ الأكبر يراقبك "، ووسيلة الدولة في مراقبة الناس تتلخص في استخدام شرطة الفكر دوريات بطائرات هيلوكوبتر تقترب من النوافذ وسطوح المنازل بهدف التجسس على كل السكان.

كان أورويل قد صاغ لأول مرة مفهوم الشمولية بعد عودته من إسبانيا التي ذهب اليها اواخر عام 1936، في هذه الفترة يوجه نقدا الى الجمهوريين، حيث عزا انتصار فرانكو الى سوء تصرف حكومة الجمهوريين وتفشي الخيانة. كان أورويل يؤمن بأن العوامل المشتركة كانت تظهر في الستالينية والنازية المعنية بالاحتفاظ بالسلطة وبسطها من قبل النخبة الداخلية للحزب. ومثل هذه الدولة ستسعى الى حشد المجتمع كله كما لو كان من أجل حرب دائمة وشاملة، وهو الامر الذي تلقفته الفيلسوفة الالمانيه حنه أرندت وهي تكتب عن اصول الشمولية، في كتاب صدر بعد عام من رحيل جورج اورويل.

إذا أخذنا المرء مصطلح "الكاتب السياسي" بمعناه الأوسع ليشمل الفلاسفة ورجال الدولة والادباء في الفكر الانكليزي، فإن ثلاثة أسماء تبدو بارزة بلا منازع : توماس هوبز، وجوناثان سويفت، و جورج أورويل.، كان هوبز فيلسوفا، منغمس في دراسة مفارقات الحكم تجعل من كتابه " اللفياثان " تحفة من روائع النثر.. وكان جوناثان سويفت ناشرا وكاتبًا ساخرا قادرًا على التهكم على الفلسفة، والدين وكذلك السياسة الحزبية.

لقد حاول أورويل ان يتتبع في رواياته دوافع السلوك البشري، وجد ان الحافز الاول لسلوك الانسان السوي هو اثبات وجوده، وفي سبيل هذا الغرض أقر أورويل بحق الفرد في تحطيم القوانين إذا كانت جائرة او ظالمة. كما اعترف بحق الجماعة في الثورة وتغيير النظم التي لا ترضاها، وقد استطاع ان يرسم لنا صورة لمصير الانسان في عصر تسيطر عليه الآلات سيطرة تامة، ويسيطر عليه الطغيان نتيجة لانقسام العالم الى معسكرات وتكتلات، ولوجود طبقة اجتماعية لا يرضيها إلا ممارسة السلطة واذلال الاخرين.

كان أورويل يؤمن باستحالة أن يتجنب الكاتب البحث في شؤون السياسة، وقد وجد ان الرواية هي افضل وسائل التعبير في الكتابة السياسية، ولكن الرواية لا تزدهر إلا اذا كان الكاتب حرا، والمهم ان يكون مفهوما، ولهذا اهتم أورويل بان يكتب باسلوب سلس لكنه جميل، وقد استطاع ان يجعل من الكتابة فنا متميزا، عندما قدم للقراء رائعته " مزرعة الحيوان ".

رفض العديد من النقاد روايته " 1948" واعتبروها بلا معنى، لكن الهدف كان عند اورويل هو الرغبة في كشف مساوئ الاشتراكيّين والسلطة المتسلطة. كان المجتمع الذي خلقه اورويل بديلا للمجتمع الانكليزي يتساوى فيه السكان بكونهم لا يساوون شيئاً، وتنبثق حقائق مجتمعهم من الإيديولوجيا، والإيديولوجيا من السلطة. حيث تلغى المشاعر التي بُنيت السلطة عليها سابقاً من حب الجار والعادات والوطن والتاريخ، و يختفي المنادون بها. كره اورويل الادعاء والتباهي، وخشي أن يبدو أسلوبه متكلفاً فبسّطه ليجعله اقرب الى لغة الانسان العادي الصادق الذي يفتح فمه ليقول ما يهمه دون ان يزوق الكلمات، كان يقرا كل يوم في كتب جوناثان سويفت و سومرست موم، كره الثروة والنجاح، وسعى الى حياة روحانية من دون ان يؤمن بالكنيسة. دفعه تقشفه الى العيش في جزيرة اسكوتلندية حيث حاول كسب قوته بالصيد والزراعة، كان مريضاً بالسل وعجل عيشه على الجزيرة في نهايته.

رواية "1984" جلبت له شهرة عالمية بعد رحيله وخلّدت عباراته "الأخ الأكبر" و"وزارة الحقيقة". توفي عن سبعة وأربعين عاماً ففاته الهجاء الذي كتبته عن صحيفة البرافدا السوفيتية وهي تصف روايته " 1984 " بـ. "كتاب قذر حقير".

***

علي حسين

الصفحة 1 من 5