عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

حين غاب صاحبُ الظلِّ الطويل وترك المَملكةَ لانتظار طويل، انبثقت البيضاء الفراتية من عُمق الصبر لتعتلي عرش الحكمة.

كان يليقُ بها تماماً أن تكون السلطانة الملكة بملامحها التي تأسرُ الروح، ووجهها المتلألئ الذي يُضيء كقمرٍ سومريٍّ فوق النهر وعينيها العسليتين اللتين تشبهان ذهب المعابد القديمة تلمعان بحدة الذكاء وهيبة السيادة ورفعة المقام . 

 تعيد صياغةَ الوجود بنهج أكاديمي رصين وتنسجُ من كلماتِها دروعاً لا تخترقها سهامُ العابرين.

كانت تفيض علينا بالحكمة وتقولُ بصوت يملؤه وَقارُ السنين:

السيادة في القدرةِ على توجيهِ مسارِ النهرِ دون أن تلمسَ الماء.

وفي ذروةِ تجليها رسمت لنا حدودَ الكيان الأنثوي:

الوردةُ حين تُقطع لا يُشمُّ عطرُها إلا مرةً واحدة هي قاعدة الوجودِ الأصيل القائمة على "وحدانيةِ الاستحقاق"..

المرأةُ في مذهبِ الفرات نصٌّ لا يُقرأُ مرتين والقلبُ حين يُوهبُ هو وهبٌ كُلّي، استحقاقٌ فريدٌ لا يقبلُ التجزئةَ أو التكرار لأنَّ العطرَ الأوحدَ لا يُباحُ إلا لمن استحقَّ قُدسيةَ الانتماء.

ثم خَتمت السلطانةُ وصيتها بالقول:

" الألواح السومرية نصٌّ أبدي، لا يقبل التكرار ولا يُباحُ مرتين، وهو التزام كفعل كرامة وجودي؛ أن تكونَ المرأة ذلك الرُّقيم المسماريَّ الذي لا يُمنح سرُّه إلا لمن يُعظّم حرمة الانتماء، فمَن أخطأ القراءةَ في المرة الأولى، فقدَ النصَّ للأبد؛ لأنَّ ماءَ الفراتِ الذي كُتبت به الأقدار لا يعودُ للخلف، وصبر السنين الذي صقل الأرواح لا يقبل أن يلوثَه دخيلٌ يجهلُ قيمةَ الحجرِ وعراقةَ العطر.

إنَّ تلك الألواحَ لا تُعرضُ بل تُحفظُ في مخدعِها الأول كأعظمِ اكتشافٍ للبشرية.

(كان ذلك هو الدستور الوجودي الذي أرادته البيضاء الفراتية:

 أن تكون المرأةُ وطناً... وطناً له أسوارٌ من كبرياء، لا يُقرأ إلا بلغة الانتماء الصادق، ولا يُشمُّ عطرُه إلا في مرابعه الأصيلة).

***

د. نسرين ابراهيم الشمري

 

إهداء الى روح الموسيقار الخالد بليغ حمدي

والى حبيبتي الأزلية مطربة الأجيال ميادة الحناوي

***

بيَ لهفــــــةٌ أن أسألكْ

أتحبنـــــــي قــــلْ يا ملكْ

*

يا من ملكـتَ مشاعري

حكــــمَ الهوى أن أعشقكْ

*

يا مَنْ بقلبــــــي ساكــنٌ

العُمــرُ كلّ العمـــرِ لــكْ

*

يا مَنْ هـــواهُ على الجبيـ

ـــنِ مُسطّرٌ لـنْ أترككْ

*

أنتَ الحيــــــاة ولا أرى

 معنى لها إلّا معــــــــكْ

*

ما العمرُ ما أمسي وما

 يومي اذا أنـــــــا لمْ أرَكْ

*

قدرُ الهوى أن أقتفــــي

 دومـــاً خُطـــاكَ وأتبعكْ

*

أشكو السهادَ فهلْ تُرى

 الوجْـــدُ يوما ً أرّقــــــكْ

*

هلْ ذقتَ طعم الحب هلْ

 شـوقٌ دعـــاكَ وحرككْ

*

قُلْ لي أحبّكَ مــــــــرةً

 وأرحْ فؤادي يـــا ملــكْ

***

جميل حسين الساعدي

...........................

* اشارة الى أغنية أنا بعشقك أنا لمطربة الأجيال ميادة الحناوي، التي أرسلتها من خلال ملحن عراقي الى ثلاث ملحنين وهذا مقطع منها. شيء رائع أن بليغ حمدي صاغ أبياتها باللغة العامية ألأصل، انا بعشقك هي من تأليفي، وهذا ما ذكرته مواقع ادبية عديدة والذكاء الصناعي. وأضاف اليها شيئا من ابداعه. أنا بعشقك الأغنية الخالدة هي من تأليفي في الأصل، ولا ضير أن تنسب اليه، وهذا ما كشفه الذكاء الصناعي ومواقع عديدة أنني من ألف كلمات القصيدة

يَا أَنْتِ… يَا شَهْقَةَ سَرْوٍ نَحْوَ السَّمَاءِ

تَمُدُّ أَغْصَانَهَا، تُسَابِقُ النَّجْمَاتِ

هَمَسَاتُكِ الدافئةُ

كأضواءِ شمعةٍ خافتةٍ،

تَرُشُّ مَغَارَةَ الذِّكْرَيَاتِ

بِبُرُودَةِ النَّدَى

*

النُّورُ يَأْبَى أَنْ يُبَارِحَ صَفْحَةَ خَدِّكِ،

يُقَاوِمُ سَنَا عَيْنَيْكِ فَيَرْتَدُّ

سِهَامَ شَوْقٍ إِلَى الفَضَاءِ

*

الوَرْدُ يَهْمِسُ:

رُدِّي لِي بَعْضَ لَوْنِي

حُمْرَةُ شَفَتَيْكِ قَدْ غَادَرَتْ مَرَاجَهُ،

أَعَارَتْهَا لِلْفَجْرِ السَّقِيمِ

لِيَطْبَعَ قُبْلَةً عَلَى وَجْنَةِ الصَّبَاحِ

*

نَسَائِمُ الخَرِيفِ

تَقْتَلِعُ الأَشْوَاكَ،

وَتَزْرَعُ شَتَائِلَ سَوْدَاءَ

تَتَدَلَّى بَيْنَ الحَاجِبَيْنِ،

تَعْبَقُ بِأَرِيجِ السُّوسَنِ

*

دُجَى خُصَائِلِ شَعْرِكِ

مَحَطَّاتُ اسْتِرَاحَةٍ لِقَلْبٍ

وُشِمَ بِمِيسَمٍ

يَتَلَظَّى بِنَارِ هَوَاكِ

*

لَيْلٌ يُجَاهِرُ بِسَلْبِ الكَرَى،

يُشْهِرُ خِنْجَرَ الغِيَابِ،

يَدْعُوهُ أَنْ يَجْلِسَ إِلَى مَائِدَةِ المَحْفِلِ؛

غَيْمَةُ مُشْتَهًى غَادَرَتْ،

وَبَقِيَتْ نُدُوبُهَا

مُسَمَّرَةً إِلَى مَضَارِبِ الزَّمَنِ.

*

إِعْصَارٌ يَتَقَاذَفُنِي

بَيْنَ أَمْوَاج اللهفة وشاطئ اللقاء

اتشبث بألواحٍ لزوارقٍ محطمةٍ

تقودني الى دوامةِ

أدور في سوراتِها كراقص صوفي

أردد اذكاراً لأطفو على زبدِ الوهمِ

و يؤذِّنُ سنى الفجرِ بأنّي وحيدٌ

 *

على رمالِ الحقيقةِ

أسأل الريح:

هل تذكُرُ محطاتٍ غادَرَتْني؟

***

جواد المدني

حينما اُغمضتْ نجمتاكْ

تساقطَ مِنْ غيهبِ الكونِ للأرضِ سربُ نيازكْ:

*

نيزكٌ للكرمْ

نيزكٌ للودادْ

نيزكٌ للنبالهْ

*

نيزكٌ للنقاءْ

نيزكٌ للصفاءْ

نيزكٌ للسخاءْ

نيزكٌ للشجاعهْ

نيزكٌ للعدالهْ

*

وتاهَ على اُفقِ الحزنِ في الحزنِ جمعُ حفاةْ

لَمْ يقيموا الصلاةَ على روحِ ميِّتِهمْ

اذْ يقولونَ:

طارَ الى البدرِ كيما يواصلَ في ألقٍ رائقٍ مِنْ هناكَ الحياةْ

***

شعر: كريم الأسدي

.........................

* زمان ومكان كتابة هذه القصيدة  في ليلة الثامن من شباط 2026، في بغداد.

ا- [خَطوَاتٌ على الرَّمْلِ القَديمِ]

عُدْتُ لِأَقْرأَ بَيْتي، لَمْ أَعُدْ لِأَبِيهِ،

مَا زالَ بَابُ الدِّيارِ الآنَ يَحْجُبُني

قَالَ الجِدارُ: هُنا مَرَرْتَ، فَقُلْتُ لَهُ:

كُنْتُ الَّذي يَتَراقصُ الحُلْمُ انْثِيالًا فِيهِ

تَمْحُو الرِّياحُ أَسْماءَنَا إِذَا عَبرَتْ،

لَكِنَّ قَلْبي يُنَادي: "أُمِّي... فَأَيْنَ أَنا؟"

أَمْشي فَتَقْرَأُ خُطْوَاتي مَعالِمَها،

وَتَسْتَفيقُ رُكُوعاتٌ مِنَ الآثارِ

كُلَّما لَامَستْ رِجْلي ذِراعَ جِدارٍ،

مَالتْ أَشْباحُهُ المَرْقُومةُ انْكِسارًا فيهِ

وَإِنْ تَمَسَّكَتِ الأَرْضُ الْآنَ مِنْ خَطَفي،

فَإِنَّ عِطْرَ "العَوْدِ" البَاكي يُفَجِّرُني

فَالْعَوْدةُ الرِّيحُ لَا رِحْلاتُنا فَقَطُ،

بَلْ مَوْجةٌ تُكْمِلُ التَّكْوِينَ في صَدفٍ

**

ب- [الحَرْفُ الأَخِيرُ]

سَأَكْتُبُ الحَرْفَ، ثُمَّ الحَرْفُ يَكْتُبُني،

لَا شَيْءَ يَحْتَمِلُ النِّسْيانَ في زَمَنٍ

الحَرْفُ يَأْبَى فَنَاءً قَبْلَ صَاحِبِهِ،

يَخْرُجُ مِنِّي كَجُرْحٍ في مَسَالِكِهِ

إِنْ لَمْ تَقُلْ... فَمَتى يَسْرِي بَيَانُ دَمي؟

وَأَنَا أَقُولُ: بَعْدَ المَوْتِ لَا أَحَدُ

أُعَلِّقُ النَّصَّ لِلرِّيحِ الَّتي عَبَرَتْ،

لَعَلَّهَا تَحْمِلُ المَوَّالَ لِلصَّمْتِ

أَكْتُبْ بِمَاءٍ، وَبِالرَّمْلِ الَّذي ظَمِئَا،

وَبِالدِّماءِ الَّتي تَسْرِي وَتُعْلِنُنِي

كُلُّ الَّذِي كَتَبتْ كَفِّي سَيَذْكُرُكُمْ:

كُنْتُ... وَمَا زِلْتُ... كُنْتُ... وَالصَّفْحةُ ابْتَسَمَتْ:

أَنَا الَّذِي سَأَبْقَى... بَعْدَ أَصْحَابِي

**

ج- [أُنْشُودَةُ العَوْدةِ]

أَمْدَدْتُ رِجْلي لِرَمْلٍ كَانَ يَحْفَظُني،

فَابْتَسَمَ الرَّمْلُ: "قَدْ جِئْتَ الَّذِي يَهْوَاكَ"

أَحْفِرُ بِالعَيْنِ قَبْرًا لِلَّقَبْ كَانَ يَسْكُنُني،

ثُمَّ التَفتُّ: أُغَنِّي، ثُمَّ أَبْكِيهِ

نَمْ... فَإِنِّي سَأَمْضِي قَبْلَ أَنْ أَصِيرَ رَمْلًا،

فَارْتَجَفَ الرَّمْلُ، وَارْتَفَعَتْ نُجُومُ دَمِي

**

د- [رِسَالَةٌ إِلَى مَنْ يَأْتي بَعْدِي]

إِنْ وَقَفْتَ يَوْمًا عَلَى أَعْتَابِ هَذِهِ الدَّارِ،

فَاعْلَمْ بِأَنَّ الطِّينَ يَحْمِلُ أَثْقَالَنا

وَاللَّيْلُ يَحْفَظُ أَسْماءً عَبَرْنَا بِهَا،

وَالرِّيحُ تَقْرَأُ مَا أَحْفَتْهُ خُطَّانَا

لَا تَبْكِ دَارًا، بَلِ ابْكِ لِلْعِطْرِ الَّذِي

غَابَ فِي صَدْرِهَا، وَانْدَثَرَ الْوَقْتُ بِهِ

وَإِنْ كَتَبْتَ قَصِيدًا، فَاجْعَلْهُ لَحْنًا قَصِيرًا،

كَنَفَسٍ يَرْفَعُ الْوَصِيَّةَ: "كُنَّا هُنَا..."

**

هـ - [نَشِيدُ الرَّمْلِ الأَخِيرِ]

أَمْدَدْتُ رِجْلي لِرَمْلٍ كَانَ يَحْفَظُني،

فَابْتَسَمَ الرَّمْلُ: قَدْ جِئْتَ، فَادْخُلْ مَدَارَتَنَا

أَحْفِرُ بِالْعَيْنِ قَبْرًا لِلِاسْمِ الَّذِي قُتِلَتْ

أَغْصَانُهُ فِي دَمي، ثُمَّ أُغَنِّيهِ.

نَمْ... فَإِنِّي سَأَرْحَلُ قَبْلَ أَنْ أَعُودَ طِينًا،

فَارْتَفَعَ الرَّمْلُ وَاتَّسَعَتْ نُجُومُ دَمِي

**

و- كُودَا

(خَاتِمَةُ سِجِلِّ العَوْدةِ)

هَذَا بَقَايَا الَّذي يَبْقَى:

رَمْلٌ... وَاسْمٌ... وَنَجْمَةٌ تَسْتَعيرُ الْأَعْمارَ

مَنْ يَأْتِ بَعْدَنا يَقْرَأُ في الْأُفُقِ أَبْرَاجًا:

"كُنَّا... كُنَّا... كُنَّا..."

ثُمَّ صِرْنَا طِينًا يُنَادي طِينًا فِي سِرِّ الخَلائِقِ

وَيَبْقَى صَوْتُ العَوْدَةِ يَتَرَنَّمُ فِي أُذُنِ الرِّيحِ:

مَرَّةً أُخْرَى... مَرَّةً أُخْرَى…

حَتَّى يَثْنيَ الْوَقْتُ رَأْسَهُ،

وَيَعُودَ إِلَى بَيْتِهِ الرَّمْلِ

***

د. سعد محمد مهدي غلام

عندما انتهت الحرب لم ينتهِ شيء. المدن غيّرت أسماءها، والخرائط بدّلت ألوانها، لكن الليل ظلّ هو الليل، يمتلئ بي . صرخًا، وفرحًا مشروخًا، ومعاناةً تمشي على أطراف المعنى، ولا جدوى تتقن فنّ الجلوس في صدري.

*

أنا الآن وحدي، أوسع من الخراب وأضيق من نجاةٍ محتملة. أحمل في جسدي ضجيج العالم كأنني آخر إنسان وأول جريمة.

*

أيتها الغائبة الحاضرة، هل تستطيعين أن تعيدي الأمل إلى نفسي دون أن تعتذري عن هذا الكون؟ هل يمكنكِ أن تلمسي هذا القلب الذي نجا من الرصاص لكنه سقط في المعنى؟

*

خسارة…خسارة كونية ألا أراكِ مرة أخرى، أن ينتهي وجهكِ عند حدود الذاكرة كقمرٍ انطفأ ولم يترك تفسيرًا.

*

أنا لم أغتصبكِ، لا… أنا اغتصبتُ الزمن اللعين، شدَدته من عنقه لأسرق لحظةً نكون فيها خارج التاريخ، خارج الأخلاق الجوفاء، وخارج القوانين التي تبرّر المذابح وتدين الحب.

*

بوجودكِ كنتُ أجد نفسي كما يجد الناجي اسمه بعد أن يُسحب من تحت الأنقاض. كنتِ المرآة التي لا تكذب، والملجأ الذي لا يطلب وثائق.

*

أنتِ المرأة التي عبدتها سنوات طويلة وما زلت، لا لأنكِ إلهة، بل لأنكِ هشّة بما يكفي لتنجو من القداسة. عبدتكِ لأنكِ بشر، لأن عينيكِ لم تدّعيا الخلاص، ولأن صوتكِ كان يعلّمني أن الرحمة ليست ضعفًا بل شجاعة نادرة.

*

عواطفكِ الملوّنة خلقت ألوانًا كثيرة في روحي، ألوانًا لا تراها الطائرات، ولا تدرّسها الأكاديميات، ألوانًا تشبه البكاء حين يفهم نفسه.

*

بعد الحرب لم أعد أخاف الموت، أخاف أن أعيش دون أن أجدكِ في هذا الركام الكبير الذي يسمونه عالمًا.

*

فإن كنتِ تسمعينني الآن من أي جهةٍ في الوجود، قولي للكون أن يتأنّى قليلًا، أن يمنح قلبًا واحدًا فرصة أخيرة ليصدق أن الأمل ليس كذبة متقنة الصنع.

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

حقائق محترقة

نشبت نيرانها على حدود منطوية.

حقائب العودة مرهقة خلفها،

زفراتها متقطعة،

تتذوق مرارة الانتظار.

محطات الوصول متهكمة،

بعض المصابيح خافتة،

لمعة متكسّرة تطلّ بها على المحن.

أهزوجة المرايا قلّدتها على قارعة السماء،

ترعد كلّما حركتها ريح،

تتقافز بصداها على جبيني العقيم.

*

حقائق محترقة بلا حدود،

تدركني جيدًا بكل ما داهمني،

وأنا على يقينٍ أني لطالما كنت أخبارًا

وحروفًا مبعثرة في جريدة،

ترصدني منذ وقتٍ،

تهاجر عني كل العناوين،

مهمَّشة،

مقتضبة،

صامتة.

*

جسدي الممغنط،

الملام الوحيد في الحكاية،

هو من شرع صلابته لأغدر بي.

بيدي المسمومة تلك غرست الخناجر في كلي،

نفخت رأسي المحموم،

تحولت تمثالًا تذكاريًا في موطنٍ بلا مواسم.

*

كنت شاهدة عيان لأثري،

أنا فقط الملامة الوحيدة في الحكاية،

لأني بسذاجة ثعلب مكّار

قفزت من حولي، اختبأت خلفي، وتربصت لنقطة ضعفي،

وحين سهوت انقضضت عليّ لأفترسني،

فلأن لا أحد أحقّ بي أكثر مني،

وزعت نفسي على نفسي وتقاسمتني نصفين.

*

من يدرك حاجة قدري أكثر مني؟

مهما فعلت بذاتي لن أؤلمني كما آلمني،

وما زلت أنهش نفسي كلّ حينٍ لأصحو،

وأرتق جرحي حينًا آخر لأستكين.

***

ماتيلدا عواد

يؤرّقني الزّمان إذا أراهُ

خؤوناً غادراً .. فيما اعتراهُ

*

و قد عشناه في الدّنيا جميلاً

فلو يأتي كما أمسٍ عساهُ

*

لأنّ النّاس قد كانوا برايا

بوعيهمُ لقد كان انتباهُ

*

فكان المرء في مشيٍ وئيدٍ

بظهر الأرض .. ما زلّت خطاهُ

*

يسلّم طيّباً .. تلقي التحايا

على هذا و ذلك ذي يداهُ

*

و يبتسم الطّريقُ بكلِّ صوبٍ

لأرصفة المشاة بمن مشاهُ

*

و لكنْ عندما الشّيطان فينا

تراءى حيث ضلّلهم فتاهوا

*

و نحن لم نزل ذات البرايا

سجايانا كما شاء الإلهُ!

***

رعد الدخيلي

 

​على ركبةِ التاريخِ

تغفو (الشآمُ)

تنبشُ في ثوبِها المذعورِ عن ظِلّها

عن صبيةٍ قايضوا تِبْر السنابلِ بالريحِ

فانفرطوا في المدى غُباراً

واستحالوا فواصلَ مبهومةً

في أرشيفِ المنافي!

​هنا..

سدنةُ الوهمِ

يقتسمون الرغيفَ اليبيسَ

يعيدونَ رتْقَ الستائرِ

بذاتِ الخيوطِ القديمةْ

وجوهٌ هي الأمسُ

تقتاتُ من جوعِنا

ثم تمشي على دمنا

تُخبّئُ خلفَ الوقارِ المُعشّقِ بالخوفِ..

مقصلةً للنهارْ

​غَضّوا الطرفَ عن صرحٍ يتشقق

وانهمكوا بترمِيمِ الوَهْمِ

بِوأدِ الرَّفيفِ

بِهندسةِ العتمةِ

في رِئةِ الضوءِ

وبِصَهرِ الموازينِ من أجاجٍ وحريقْ!

وكأنّ (بردى) لم يَتجرّعْ

نبيذَ الجنائزِ

وكأنّ البيوتَ التي ثَقَبَ الخوفُ سُرّتَها

تكتفي برُقاعِ الذُّهولِ

لتُداريَ عُريَها أمامَ الفجيعة!

​أيا وطناً

يستدرجُ القحطَ ويستأصلُ البصيرة

يمنحُ أسرارَ مِحرابِهِ

للعدمِ

ويشطبُ من ذاكرةِ الطينِ

سُلالةَ مَن أينعوا من وريدِ الشوقِ

ومن جمرِ الوجد!

أيّ زيْفٍ هذا الذي

يُسرِحُ خُيولَ التلاشي..

ويحرسُ قيدَ المسافةِ

في الأرجلِ الحافيةْ؟

هَذا عَويلُ الزَّوايا

حِينَ يَبْصُقُ المَكانُ سُعالَهُ

في وجْهِ الغِياب!

والعارفونَ مَرايا تفتّتَ

فيها المَدى

لِقاعِ الوُجوْم

بينما الجالسونَ على سدّةِ الجهلِ

يُخِيطونَ جِلْدَ الفراغِ

يُسَمُّونَ هذا الخرابَ نهاراً!

وما نفعُ كَفٍّ تَمُدُّ الضياءَ

لِعَيْنٍ تَرى في الطَّعنِ

نُسُكاً؟

كلُّها..

تؤدي إلى ذاتِ الرمادْ

​سوريةُ الآنَ

أيها الذَّبحُ الذي ضَلَّ

طريقَهُ إلى اليقينْ

غَدَت مأدبةً

يتواطأُ فيها النَّزيفُ الغارقُ

مع النَّصلِ القادم

وهذا هو الحال

فلا الريحُ تَكْفي لِعَتْقِ السجونِ ولا الملحُ يَشفي حنينَ المَنافي

فالخريطةَ

حينَ فَقَدَتْ ثِيابَها

لم تَجِدْ جسداً يرتديها

***

مرشدة جاويش

 

تلك النّجمةُ تُلاعِجُ وَتِيني،

يَهْمي بين ضلوعي وجهُها،

وَوَجَعًا يهمي عليه مِزْهَري.

تَرْتَجُّ في كأسي رُعودا و أَهِلَّةً.

تَذْرُو شتاتَ جسدي في لُجَجِ الصّدى.

فترقُصُ النّارُ على أوْشِحَتي،

تُوقِظُني مِنْ غَفْوَةَ الصّبرِ،

و تعْتَصِرُ مِنْسَجِي.

وبين كثبان الظَّلام ،

يتناثرُ رمادي و اللَظى…

**

تلك النّجمةُ تُلاعِجُ وَتِينِي،

وَمَطاحِنُ السّرابِ

تترَصَّدُ هَفِيفَ الْمُزْنِ

بين أضلُعي.

و وَرَقُ الصَّفْصافِ

ينتَضِدُ فوق كتفي،

يُوغِلُ في نَهْشِ حَدَائِقِي،

و يُدْمي مِعْصَمِي.

على ضفاف الْوَجْدِ

يَتَمَدَّدُ نُثارُ ما تجَلَّى من رمادي

و نُثارُ غيْمَةٍ  شاردةٍ.

فأعْصِرُ الْغيمةَ ساعة،

و أنتظِرُ مثل طائرٍ

قد طَمَرَ الصَّرِيمُ ريشَهُ.

فلا خريرُ النّهرِ

يُطْلِقُ قَوَادِمَ جَفَتْها ريحٌ،

و لا الْخيولُ السُّمْرُ

تُبْهِجُ سماءَها.

**

تلك النّجمةُ تُلاعِجُ وتِيني،

وجهُها يَأْسِرُني،

و معهُ أَهِيمُ بالتَّطْوافِ و السُّرَى.

فيه دمي يَفِيضُ غاباتٍ ،

و يَهطِلُ خيالاتٍ على ڨيتار الْجَوَى.

و أتَحَسَّسُ عَصَايَ في وَمِيضِهِ،

فأَكْتَفِي به أعْمِدَةً.

يُنْبِئُنِي ذاك الْوَجْهُ

أنَّني نَبْضَتُهُ الْبِكْرُ،

و أنَّني

قُمَاشَةُ الْقَصِيدَةِ الّتي بها اعتَلَى…

**

تلك النّجمةُ هَوًى يسكُنُنِي.

نَشِيجُها يُمُورُ في صدري

بُرُوقًا تَتَصَفَّحُ الدُّجَى،

لأنّها الْوطنُ،

لا شيْءَ يُشَظِّي نورَهُ.

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي -  تونس

 

بلا رغبة في السفر أسافر

بلا رغبة في الهجرة أهاجر

بلا حقيبة

وبلا محطة

وبلا قطار

وبلا زاد

وبلا تذكرة

وبلا رواية

وبلا حكاية وقهوة أهاجر

يجرفني السيل إلى المتاهة

تغمرني مياه النهر كالموج

تفيض علي كأني مركب تائه

عند ضفاف نهر اللوكوس

أودع طفولتي

وأحلامي

وذكرياتي

وشوارع المدينة

وبيوتها وأهلها

گاني أودع روحي

خفيفا كغصن هش متعب

يجرفني السيل بجنون

أراني فوق الماء

وقد صرت متاهة

ودهشة وسؤالا

وخيمة في الشتات

تتلهى به الريح تحت المطر

***

عبد الرزاق اسطيطو

 

إفْصِليني، ما عدْتُ غُصْنًا صحيحا

مثلَ ماضٍ لا زالَ يَلقىْ المديحا

*

واكْسِرينيْ يُمسِ اجْتلابيْ يسيرًا

واتْركيني بالبابِ عودًا طَريحا

*

وإذا شِئْتِ فاجْمعيني لعُمرٍ

لمْ يكُنْ في هواكِ إلّا جريحا

*

واطْرَحينا في النّارِ كيْ تَسْتريحي

مِنْ هوىً نرْجو منْهُ أنْ نسْتريحا

*

سارعِي لا تُعذِّبيْ اليَبْسَ إنّا

قد قبِلنا بالنّارِ حلَّا مُريحا

*

هل رأيتِ العيدانَ تشْكو مِنَ النّا

رِ مصيرًا وهلْ شكَى الذّرُ ريحا؟!

*

قد علِمْنا أنّا خُلِقنا لنارٍ

مُذ هوى كوخُنا الصّغيرِ الصُّروحا

*

مُذ رضينا ضيقَ القصورِ حياةً

وكرِهْنا الفِردوْسَ مأوىً فسِيحا

*

رأفةً بالقلْبِ اقْبليْ إذْ نرى في

كلِّ ما دونَ النّارِ حلًّا قبيحا

*

قلِّبي تُفجَئي بدِفء هوىً ما

كانَ يومًا كما وصفتِ: شَحيحا

*

فانْعمي الآنَ بالهَوى لهَبًا لمْ

تُدركيه أيّامَ كانَ جُروحا

*

وانْصِفينا منْ بعدِنا فلَظانا

نحنُ أمْ هلْ علىْ اللّظىْ أن يَبوحا

*

بالّذي لمْ تبُحْ بهِ اللُّسْنُ لكنْ

نارُ قلبٍ في العينِ بانتْ قُروحا

*

علّنا أمواتًا نفوزُ بقلبٍ

لم يكُنْ في هواهُ معْنا صَريحا

***

أسامة محمد صالح زامل

 

ألـخَـدَرُ الـنابعُ في قـدمي

ألـيـمـنى.. لا أدري

ألـيـسـرى.. لا أدري

لـكـنّي أدري مـا يـجـري

بـكـوالـيـسِ

الـحـبِّ الـعُـذري

وأخـافُ الـحُــبَّ الـمـتـصـدي

لـبـقـايـا أوراقِ الـعُـمْـرِ

وكـأني أقــرأ في سِــفْـرِ

لأطــالـعَ فـيـه أيـامي

أحـلامًـا صـارتْ

تـتـلاشـى كـظِـلالٍ

في قـعـر الـجُــبِّ

وكـذلـك كـانـتْ آمـالي

أوســاخًـا قُـمّـتْ مـرمـيّـهْ

لـتـكـونَ الـبـاقيَ مِـن حُـبّي

وطـنًـا يـتـعـكـزُ بـالـمـاضي

بـشـمـوخٍ في زمـنِ الـقـهـرِ

والـشـاهـدُ يـبـقى قـبـلاتي

ذكــرى أحـمِـلُـهـا لـلــقــبـرِ

عـنْ وطـنٍ أمـسـى يـتـعـرى

فـي زَمــنٍ يـفـــخــرُ بـالـعُـهـر

***

عطا يوسف منصور - الدنمارك / فايلا

في 4 أيلول 2000

في البدءِ، كان الليلُ فكرةً لم تكتمل.

حبرًا أراقته السماءُ على صفحةِ الكونِ الأولى،

لينبتَ من سوادِه معنى الرؤية.

منذ ذلك الحين، وأنا أبحثُ عن عيني في ظلامي،

أمدُّ أصابعي إلى نجمةٍ تهرب كلّما سمّيتها،

كأنّ للنجوم ذاكرةً تخافُ من الضوء.

*

الليلُ ليس ظلامًا،

إنّه مرآةٌ تُطفئُ ما حولها لتُريكَ ما فيك.

وحين أجلسُ في عمقه،

أسمعُ صوتي كما لو أنّه يأتي من زمنٍ آخر،

من امرأةٍ تشبهني،

لكنّها لا تعرفُ أن تقول “أنا”

دون أن يرتجف الهواء حولها.

*

في الليل، تتكشّفُ الأرواحُ كما تنفتحُ الزهرةُ في غيابِ العيون.

تتسلّلُ الأشياءُ إلى حقيقتها،

وتنكشفُ الملامحُ بلا مساحيقَ من النهار.

الوجوهُ التي كانت تبتسمُ في الضوء

تتأمّلُ الآن خوفها بصمتٍ شفيف.

حتى الظلالُ تبدو أقربَ من أصحابها،

كأنها تحرسُهم من شيءٍ لا يُرى.

*

أجلسُ على عتبةِ السكون،

أحتسي من الليل قهوته السوداء الممزوجة بالدهشة،

وأتذكّرُ أنني كنتُ ذات يومٍ أكرهُ الظلام،

قبل أن أكتشفَ أن النورَ يفضحُ ما لا نريدُ أن نراه.

*

في الليل، يتعلّم القلبُ الإصغاء،

لا لأنّ العالمَ يهدأ، بل لأنّ الضجيجَ فينا ينام.

كلُّ فكرةٍ تصبحُ كائنًا من لحمٍ ودم،

وكلُّ حنينٍ يستعيدُ صوته الأول.

تُفتحُ دفاترُ النسيان،

وتخرجُ منها رسائلُ لم تُرسل،

وصورٌ لم تُلتقط،

وعيونٌ لم تودّع بما يكفي.

*

أنا ابنةُ هذا السوادِ المضيء،

أنتمي إلى لحظةِ ما قبل الفجر،

حيثُ العالمُ لم يُقرّر بعد إن كان سيبدأ من جديد.

أكتبُ في الليلِ لأختبرَ نفسي،

كأنّ القلمَ فانوسٌ يسيرُ في ممرّاتٍ منِّي لا تنتهي.

كلُّ حرفٍ مصباحٌ صغيرٌ أضعُهُ على عتبةِ جرحٍ قديم،

وكلُّ سطرٍ طريقٌ إلى ذاكرةٍ كانتْ تنامُ في العتمة.

*

كم يشبهُ الليلُ الكتابة:

كلاهما يفتحُ بابه لمن لا يملكُ وجهًا في النهار.

كلاهما يعيدُ ترتيبَ الخساراتِ كأنّها انتصاراتٌ صامتة،

ويُعلّمانك أن العزلة ليست وحدةً،

بل وطنٌ يُبنى من السكون.

*

الليلُ علّمني أن الصمتَ موسيقى،

وأنّ الظلَّ صلاةٌ طويلة،

وأنّ الأملَ لا يحتاجُ نهارًا كي يزهر.

في منتصفِ العتمة،

يضيءُ القلبُ بما تبقّى فيه من صدقٍ،

ويمشي وحيدًا —

لكنّه يعرف الطريق.

*

حين يقتربُ الفجر،

أسمعُ الليلَ ينسحبُ من تحت جلدي،

كمن يُسلّم مفاتيحَ الأسرار إلى الضوء.

يهمسُ لي وهو يرحل:

“لا تخافي من الظلام بعد الآن،

فكلُّ ما لم يُقل في النهار،

قاله الليلُ عنكِ.”

*

فأبتسم،

وأغلقُ النافذة،

وفي عيني بقايا نجمٍ تأخّر في الرحيل،

وفي قلبي لغةٌ لا تُكتَب إلا بالحبر الأسود،

لغةٌ اسمها: الليل.

***

الشاعرة الفلسطينية ماتيلدا عواد - الناصرة

جزيرةٌ كشامةٍ خبيثةٍ

في جسدِ المحيطْ

هواؤها مَفسدةٌ

والطيرُ لا يقرَبُها

وطينُها سيُنبتُ الديدانْ

جزيرةٌ يسكنُها الشيطانْ

**

سيجارةٌ تتبَعُها سيجارةْ

والقتلُ مسرحيةٌ

وفوقَها لن تُسدلَ الستارةْ

ونحنُ فيها لاعبو أدوارْ

ومُخرِجٌ لقّننا الحوارْ

سنقتلُ الإنسانَ والفراشَ والأشجارْ

**

سيجارةٌ تتبعُها سيجارةْ

وإننا نباركُ الدعارةْ

نفتضُّ كلّ ساعةٍ بَكارةْ

ونذبحُ الأطفالَ في حروبِنا بحجّةِ الحضارةْ

***

عبد الله سرمد الجميل - شاعر وطبيب

ويشاءُ أنْ

تبدأَ الجملةُ بنقطةٍ،

أن يولدَ المعنى أعزلَ

من يقينِه،

ويمشي على حافّة السؤال

كطفلٍ يتعلّمُ الظل

من كسرِ الضوء .

*

ويشاءُ أنْ

يتركَ للريحِ حرّيّةَ ترتيبِ الأسماء،

أن لا يكونَ للجرحِ تفسيرٌ واحد،

ولا للنجاةِ شكلٌ نهائيّ،

فكلُّ بابٍ

هو احتمالُ هاوية

أو احتمالُ سماء.

*

ويشاءُ أنْ

يُربَك النظام الصارم للأشياء،

أن يجعلَ الكرسيَّ يفكّرُ

قبل أن يُجلَسَ عليه،

وأن تسألَ الساعةُ

عن جدوى الدوران

إن كان الوقتُ لا يَثبت عند أحد.

*

ويشاءُ أنْ

نُخطئ الطريقَ بوعيٍ كامل،

لأنّ الخرائطَ

تكذبُ حين تدّعي

أنّ النهايةَ معروفة.

*

ويشاءُ أنْ

يُخفّفَ عن القلبِ

ثقلَ الحكمة،

فبعضُ المعرفةِ

حجرٌ إضافيّ

في جيبِ الغريق.

*

ويشاءُ أنْ

نصادقَ الهشاشة،

أن نعترفَ

أنّنا لم نُخلقْ مكتملين،

بل قابلين للتصدّع،

وأنّ الشقوقَ الصغيرة

هي ما يسمحُ للنور

أن يتسلّلَ إلينا بلا استئذان.

*

ويشاءُ أنْ

تتركَ الحياةَ

مسوّدةً مفتوحة،

نصًّا بلا خاتمة...

***

مجيدة محمدي

يوم الجمعة هو يوم نحسي المزمن، ومنذ أيام طفولتي الأولى. انتبهت لهذا وأنا ما أزال في العاشرة من عمري. ورغم أني لم ألجأ لأي نوع من الاحتياطات التي تخفف ذلك النحس، وأنا في ذلك العمر، إلا أني ما انفككت عن ترديد (أوه اللعنة، إنه يوم الجمعة مرة أخرى) في مساء كل يوم جمعة، بعد أن أكون قد تلقيت أربع أو خمس من مصائبه، التي لم أكن أفهم كيف يدبرها القدر ضدي، بحقد وتصميم عجيبين.

اليوم الأول من عامي الخامس عشر، قضيته وأنا أقرأ رواية الحارس في حقل الشوفان في السرير. وفي آخر ذلك اليوم، تنبهت إلى أنه يوم جمعة آخر، ولكنه مر دون مشاكل تماماً. ومن يومها عمدت إلى عادة السكون التام في ذلك اليوم، كي يمر وكأني غير موجود أو خارج دائرة القدر، كي تمر أيام الجمع يسيرة وبهدوء ودون مشاكل.

التهمت خلال تلك الجمع الطويلة مئات من كتب مكتبة أبي التي كانت تساعدني على البقاء طافياً ومنعزلاً عن زمن وكآبة أيام الجمع. لكن هذا لم يعني أن تأثير نحسها كان قد توقف، فقد كنت أحسه يدور حولي ويترصدني من أجل الإيقاع بي، وخاصة عندما أخرج من غرفتي، قاصداً الحمام، لأقضي حاجتي، أو المطبخ لكي أتناول ما يسد جوعي، حتى إن أمي قالت لي ذات يوم (أنت هكذا ستتحول إلى سلحفاة بيتية لا يسمع صوتها أو شبح يسمع حفيفه في الأماكن الفارغة فقط).

في العطلة الصيفية من المدرسة لذلك العام، انتشر فايروس خطير بين الأغنام والأبقار، فمنعت الأجهزة الصحية ذبح تلك الحيوانات وتناول لحومها بشكل مشدد، لخطورة ذلك الفايروس القاتل، ولحد أنها كانت ترسل فرق تفتيش مفاجئة لمطابخ البيوت، من أجل التأكد من التزام السكان بعدم أكل اللحوم. اللحوم الوحيدة التي سمح بأكلها هي لحوم الطيور والدجاج. ولهذا عمد أبي للخروج إلى القرى البعيدة من أجل شراء الدجاج البري وبكميات كبيرة. كان كل يوم يعود مع موعد الغداء بأربعة أقفاص مليئة بالدجاج، ومن كافة الألوان. ولأننا كنا نسكن في بيت يعود للعهد الملكي، الذي سبق عملية انفجار زيادة السكان في العهد الجمهوري، فقد كان بيتنا يحتوي على حديقة خلفية تكفي لإيواء عشرة آلاف دجاجة، كما قدرت، بعد أن عمدت لعمل أقفاص، من الخشب والأسلاك المركبة، لإيواء ذلك العدد الهائل من الدجاج، والذي رغم كثرته، فإنه ضاع ولم يعد يلفت بوجوده أحد، بعد أن جمعته في قفصين في الركن البعيد والمجاور لبيت وزير ملكي، كان قد أعدمه النظام الجمهوري، ففرت عائلته هاربة لدولة بعيدة، وتركت البيت لوحده ليتحول إلى مستوطنة أشباح. كان أبي يحرص على رعايته وسقي وتشذيب ورود وأشجار حديقته، وفاء لذكرى صديقه وزميل عمله، حيث كانا قد تزاملا في ثلاث وزارات متتالية في خدمة المملكة وملكها، الذي أعدم هو الآخر، وفي ذات يوم إعدام الوزير، صديق أبي، ولكن رمياً بالرصاص.

المهم، وفي ذلك الصيف الطويل، صارت الدجاجات تسليتي، التي كادت أن تنسيني نحس وكآبة أيام الجمع بصورة نهائية، لولا أن – وهذا ما عرفته لاحقاً وعبر مراقبتي لأحوال وعادات الدجاج – الدجاجة الشاذة والشرسة (وهي تتوفر في جميع ممالك الدجاج، صغيرها وكبيرها) حفرت لنفسها ممراً تحت ذلك القفص لتخرج إلى فضاء حديقة البيت. وعندما حاولت إعادتها إلى القفص راوغتني بشراسة، وبدل أن تسير إلى القفص قفزت إلى أعلى السياج الفاصل بين بيتنا وبيت الوزير المقتول. وعندما حاولت مغافلتها والإمساك بها، كانت أكثر انتباهاً لنواياي، فطارت لتحط وسط حديقة جارنا الوزير الغائب.

جئت بأحد الأقفاص الخشبية التي كان أبي يجمع الدجاج فيها، في صندوق سيارته الوزارية السابقة (حافظ أبي على سيارته الوزارية، الشوفروليه، من طراز عام 1952 ، كنوع من أوجه احتجاجه ورفضه للنظام الجمهوري الجديد) ووضعته بجانب السياج وصعدت عليه، لأتمكن من النظر إلى حديقة جارنا الوزير ومعرفة مصير دجاجتي المشاكسة. كان يوم جمعة طبعاً، وعندما لم يجد القدر ما يناكفني به، كما قدرت، حرض تلك الدجاجة الوقحة على التمرد والهروب. وحالما تمكنت من وضع كلا قدميّ على ظهر القفص الخشبي المترجرج ومددت رأسي من طرف السياج لأرى دجاجتي، وجدتني مباشرة في وجه امرأة بعينين سوداوين وحاجبين، أشد سواداً وأكثر تهديداً، وخاصة بعد أن طوحت الصدمة بنظري إلى ما تحتهما من أنف بحدبة ناتئة كحدبة الجمل. صرخت مصعوقاً وتدحرجت من فوق القفص لأسقط على ظهري مفترشاً الأرض. وبعد أن عاودت فتح عينيّ، وقبل أن يهدأ وجيب قلبي، ارتفع الرأس، من خلف السياج لينتصب على عنق أنثوي، مزين بسلسلة ذهبية، يتوسطها قرنفلة سوداء، قبل أن ينتصب ذلك العنق على كتفين غضين ونهدين مشاغبين، يكادان تمزيق القميص الذي يغطيهما لحد الخنق والإذلال. ما هذا الذي يحصل ومن هذه المرأة؟ هل بدأ يوم الجمعة مهاجمتي في عقر داري، بعد مقاطعتي له، ببعث شياطين وأشباح عبثه ونحسه إلى معتزلي؟ فجأة ارتفع الجسد الأنثوي إلى حد الخصر ليقول من فم شهواني ومتحرش (هل أنت بخير أيها الصبي المدلل؟ هل تحس بألم ما يا ابن سعادة الوزير)؟ ومن خجلي من رخامة وأنثوية صوتها، نهضت بسرعة وأنا أنفض تراب الأرض من على ملابسي لأقول بغضب مصطنع، يغطي على خجل انكساري (من أنت وماذا تفعلين في بيت جارنا الغائب)؟ ابتسمت بشفقة وقالت (قبل أن تفلت قطار أسئلتك المسكينة في وجهي، عاود الصعود وتعال لأنفض التراب عن قميصك الجميل يا ولد). ورغم أن نبرتها لم تكن تخلو من السخرية، إلا أنها كانت ضاجة بشحنة إثارة أنثوية مهلكة، من تلك التي تسحب الذكر من خياشيمه لتقوده لذلك الحتف الشيطاني الذي لا تبدعه إلا أحلام اليقظة في الليالي القمرية. نفضت التراب عن صدر قميصي، بلطمات عصبية وقفزت إلى أعلى القفص، من جديد، الذي ترجرج من جديد، محاولاً اسقاطي إلى الخلف، لولا قبض الفتاة على تلابيب قميصي وشدها لي لتعيد لي توازني، بلصقي بحجارة السياج وسحبها لكلا ذراعيّ لأشد بهما نفسي إلى الجدار، فوجدت، فجأة، وجهي في مواجهة وجهها، من على مسافة أقل من بوصتين، فملأت رائحة أنوثتها جميع زوايا روحي المظلمة، وطوح عبير أنفاسها بجميع مرتكزات التوازن، التي كنت أحاول الإتكاء عليها. وبعد أن استعدت توازني، سألتني لكي تجنبني الشعور بالإحراج (هل كنت تبحث عن تلك الدجاجة الشرسة؟) وأشارت بحركة قصيرة من رأسها باتجاه ما خلفها. قلت بصوت مخنوق (نعم وهي بالفعل شرسة وغبية لدرجة إثارة الحنق بأي شخص). ابتسمت وهي تهز رأسها رافضة بنعومة أنثى حاذقة لفنونها لتقول (كلا ليس هذا، كل ما في الأمر هو إنها تغالي في احترام أنوثتها كورقة فوز لا يمكن اسقاطها). ولأني لم أكن في وضع يسمح لي بالتفكير العميق، بل وزادني عبيرها، قبل كلامها المتخم بنيازك سماوية لاصفة ولا يمكن تجاهل ثقلها، ولأنها لاحظت هذا وبعمق بلغ حتى الخيط الأخير الذي يستر فضيحتي، ابتسمت لي بحنان حارق وغير أمومي وقالت (تعال وأنزل لنحاول الإمساك بدجاجتك المتعبة). في تلك اللحظة خرجت، من بيت الخدم (وهو مماثل لبيت الخدم الموجود في بيتنا وتحتويه أغلب بيوت وزراء العهد الملكي الغابر) امرأة بنحو الأربعين، كما قدرت فسألتها بهدوء لملمته على عجل (من تكون هذه المرأة)؟ أجابت وهي تلتفت ناحية المرأة وتبتسم (أمي، أم تراك تظن أن أولاد الوزراء وحدهم الذين لهم أمهات)؟ أومأت المرأة لي من مكانها بوجه مبتسم وسألت ابنتها (من هذا الشاب الجميل يا رنيم)؟ التفتت إلى أمها وقالت بنبرة خاملة، أو تتصنع عدم الاهتمام، أو هكذا أحسست (إنه ابن الوزير صديق أبي..) وبعد أن استدارت ناحية أمها ضحكت بطريقة استفزتني وأضافت (إنه يبحث عن دجاجته التائهة). فجأة استعر حنقي، لأني أحسست أنها تتعمد السخرية في كلامها فصرخت بها (يبدو أنك ترين نفسك بحجم عابرة محيطات أيتها الدجاجة العاقة)؟ عضت لي شفتها السفلى بطريقة مثيرة أوقفت جميع حشائش حقلي المخجل النابت لتوه وقالت (تمهل يا صاحب الدم الفائر، فأنا فقط أحاول تقليل أهمية الأمر لتعود أمي لشؤونها كي لا تلاحقنا، لأني أريد أن أريك شيئاً). أشعلت جملتها الأخيرة حريقاً دموياً في رأسي، فنزعت نحس يوم جمعتي تلك مع النعل الذي كنت أحتذيه، وبقفزة واحدة صرت فوق السياج ودليت جسدي إلى جهتها، فقفزت هي إلى الأرض، بحركة أكثر رشاقة من رشاقة بطلات الجمناستك اللائي يعرضهن التلفزيون، ولكن ولأنها كانت أطول مني، ظلت قدماي تسبحان في الهواء، بحثاً عن قاعدة الكرسي الذي كانت تقف فوقه، وبحركة واحدة أزاحت الكرسي ودخلت بيني وبين جدار السياج لتتلقفني من وسطي لتضعني على الأرض. ولأنها لم تبعدني عنها، وجدت أنفي يعب تلك الرائحة التي تسحب الذكر إلى مهاوي، يمتنع عن، بل ويصر على عدم تقدير عمقها أو أن يكون لها قرار يراه. كان وجهي كاملاً ينام في ذلك الدفء الناعم والساحق الذي يكشف عنه الزر، المهمل التعليق، من قميصها الصيفي الطري. وعندما ساعدتني أخيراً على الخروج من معبد النار المقدسة، برفع رأسي بكلتا يديها، وبحنان أم راضية، وقعت عيني اليسرى على شعر أبطها النابت القصير فقلت وأنا أحاول مد أصابعي المرتعشة للمس أغصان الجحيم التي لا تنكسر تلك (هذا جحيم لا يلده إلا يوم جمعة خرج عن فلك لؤمه ليدور في المكان الخطأ). فسألتني بصوت مقطع الأنفاس (هل فهمت الآن لم يحرص الآباء على تجنيبنا مثل هذه الأحزان)؟ وهنا جاءنا صوت أمها كضربة فأس تقطع أطراف أصابع القدم المتجمدة من البرد (رنيم، هل قررت الموت وأنت واقفة هناك)؟ هنا، وبحركة لئيمة وساحرة، شبكت زر قميصها، الذي يخفي مفرق نهديها، ببيته، وقادتني كأخت كبرى، تعود بشقيقها الأبله الصغير من المدرسة، وسارت بي باتجاه أمها وهي تقول (كلا لم أقرر هذا بعد، فما زال أمامي أمر البحث عن دجاجة أبن السيد الوزير قبل ذلك).

عندما اقتربنا من تلك المرأة، الناضجة كرغيف خبز ساخن، استبدلت ملامح الغضب بابتسامة رضى وقالت (أوه، إنه ابن وزير فعلاً. انتبهي لأمره فعلاً يا رنيم) وتركتنا ومضت إلى داخل بيتها المنزوي. ورغم أن الغضب كان قد ملأني من سخرية تلك المرأة التي تملك ذات سطوة ابنتها، إلا أن رنيم سحبتني من كفي ومضت بي إلى الجهة البعيدة من حديقة القصر وهي تقول بنبرة تواطؤ (لا تغضب لأن الأمهات يتعذبن إن لم يهدرن أجمل أوقاتهن في المراقبة وإطلاق التعليقات المخزية). وهنا ضغطت على كفي المتعرق في كفها بتواطؤ وأضافت، وهي تتوقف لتنظر في عينيً، بشهوة صريحة هذه المرة، لأننا صرنا بعيدين عن قوس رصد أمها (عليك الاعتياد على هذا كما فعلت أنا، كي ندخر ألمنا لما هو أكبر ويستحق متعة الألم). صدمني كلامها العميق، رغم أني لم أفهم كامل مراميه، فقلت في نفسي (ما هذا؟ أين تعيش أنت يا ولد؟ يا لك من أبله مثير للشفقة. لا ينقصك سوى أن تطبع هذه الفتاة قبلة الحزن على بؤس يتمك).

لكنها لم تفعل ذلك، لأنها كانت أكثر رحمة من أمها، وأيضاً لأن دجاجتي اللعينة صادفتنا خلف إحدى أشجار النارنج المثقلة بالوحدة. ولأن الدجاجة حاولت القفز، دون تفكير محكم، عاجلتها رنيم بصفعة محكمة في وسط ظهرها، أعادتها إلى الأرض، وبحركة رشيقة وغير محسوبة، وضعت قدمها على ظهرها، فاستسلمت الدجاجة وخمدت بخنوع كامل لسطوتها. عندها فقط، ولأن ضوء الشمس كان ما يزال يتشبث بتلك الزاوية من حديقة مقدمة البيت، تنبهت إلى أن البنطال البيتي الذي كانت ترتديه، لم يكن لونه الأزرق القاتم، سميكاً ومعتماً لحد حجب ما تحته، لأني استطعت تحديد حدود مثلث أبيض، بحجم كف اليد تحته، ولكنها لم تمنح خيالي، الذي استشرس متوقداً فجأة، الوقت لرسم صورة عجلى لما يحجب من حشائش الموت الرحيم، لأن دجاجتي اللعينة أنت غاضبة مطالبة بحريتها في تلك اللحظة، فما كان من رنيم إلا أن أحكمت قدمها على ظهرها.. لتضمني إلى صدرها، بذراع حداد ماهر، ثقيلة ومحكمة الحركة و.. لتنقض على شفتيً بحقد صقر جائع، لتمصهما لحد الخدر. وبعد أن تراجعت للحظة، لتلعق الرضاب الذي سال بلسانها، عادت لتأخذ لساني ولتمصه إلى أقصى منابت الألم. وعندما عادت إلى الأرض، نظرت في عينيً وقالت بحزن (شفتان نديتان بالفعل، ولكنهما متخاذلتان ونفسهما قصير.. إنهما بالفعل شفتا ابن وزير مدلل للأسف).

في اللحظة التالية خرج كل ما يحيط برنيم عن اهتمامها، فتحول عنفها الشاهق إلى مجرد حركة رتيبة للإمساك بالدجاجة ونتف ريش جناحيها بعجلة وقسوة وهي تقول (هذا من أجل أن تكف هذه التافهة عن تعذيبك في عبور جدران وحدائق، لم تستعد مسبقاً للقفز عليها وعبورها). وبذات العطف الأمومي الذي ساعدتني فيه على عبور السياج الفاصل بيننا، قادتني لتساعدني على عبوره في الاتجاه الخاطئ هذه المرة وهي تقول (لحسن الحظ أن السادة الوزراء لا يبالغون بالإنجاب، كي لا يتعبونا بمطاردة دجاجات عنيدات كثيرات).

أي يوم جمعة كان هذا؟ هل أحسبه على أيام جمعي السابقة، المليئة بالنحس؟

كانت مرتي الأولى التي أقترب فيها من المرأة كأنثى، تضطلع بأسرار الألم اللذيذ، ولسوء حظي ربما أو بتأثير من نحس يوم الجمعة، أن تلك الأنثى كانت

من النوع الماهر في إجادة اللعبة، بل كانت من النوع الذي يشدك لحد الهلاك. لم أنم تلك الليلة لأن عبير أنوثتها الذي لفحني، أحدث لي انقلاباً في كامل مفاصلي، من طريقة تفكيري وحتى دورتي الدموية. تسللت عشر مرات، في بطن الليل، لكي ألق نظرة، عبر السياج، لحديقة جارنا الوزير، ولكني لم أجد غير الظلام في مواجهتي وسكون الصمت الذي يلف بيت الخدم الذي كانت تسكنه تلك الفتاة مع عائلتها.

تضاعف الدوار في رأسي، بل إن حرارتي ارتفعت بالفعل، وأنا أدور حول نفسي، في حديقة البيت الخلفية. مع شروق الشمس أطلقت سراح دجاجتي المشاغبة وطاردتها حتى أجبرتها على القفز إلى الجهة الثانية من السياج.. وانتظرت – بكل سذاجة – أن تناديني تلك الشابة لأخذها، على الأقل.. ولكن دون فائدة، بل دون حتى أن أسمع صوتها. أخرجت دجاجة ثانية، من أحد أقفاصي ووضعتها على السياج ودفعتها إلى حديقة الجارة وانتظرت لنحو ساعة.. ولكن لم يأتني أي رد. وبعد دوران غبي وطويل، تجرأت وصعدت على قفص الأمس لألق نظرة إلى الناحية الثانية من سور الحديقة اللعين، لم أجد سوى دجاجاتي وهي تنقر أرض حديقة جارنا الوزير.. ولا أثر لكرة اللهب التي مسني بعض أوارها بالأمس. أ لن تخرج من البيت مرة أخرى؟ هل خيبت أملها بسذاجتي، لحد أني لم أعد أستحق حتى مجرد نظرة منها؟ هذا ما استقر عليه رأيي، وخاصة بعد استعادتي لجميع تفاصيل تلك المغامرة وتحليلها تحليلاً دقيقاً ومحكماً.

مرت أيام طويلة وأنا أنتظر رسالة.. عودة دجاجاتي.. ولكن دون نتيجة. كنت أفور وأغلي شوقاً لتلك الرائحة المدوخة، رائحة أنوثتها.. للمسة يدها لي.. لمذاق رضابها.. بل كنت أحن لذلك الألم الذي أحدثته ضمة ذراعيها لي.. ألم عميق يمس منابت لذة دفينة لم أعرفها من قبل.. ترى كيف عرفتها هي وهي كانت بمثل عمري أو أكبر قليلاً فقط؟ هل هذه بعض أسرار الأنوثة الدفينة؟ كم تمنيت أن أسألها عن هذا وتشرحه لي بحكمتها السرية التي لا يعرفها أمثالي.

انقضت كامل شهور عطلة المدارس الصيفية، من دون أن تظهر أو تعيد إليّ دجاجاتي، وحتى اليوم الثاني من السنة الدراسية الجديدة. ففي ذلك اليوم لمحتها وهي تعبر الشارع الذي يؤدي إلى سوق الخضار، وأنا في طريقي إلى المدرسة. ما هذا؟ ألا تذهب تلك الساحرة إلى المدرسة؟ كيف ولماذا؟ غيرت وجهتي ولحقت بها، وفي مدخل السوق حاذيتها وسألتها وأنا أرتجف (ما هذا؟ ألا تذهبين إلى المدرسة)؟ لم تتفاجأ برؤيتي، بل رمقتني بنظرة شفقة وقالت وهي تبتسم (يا لسذاجتك يا ولد.. لم يبق سوى أن تسألني عن سبب عدم إعادتي لدجاجاتك اللعينة، رغم قرف برازها الذي تلوث به عشب الحديقة)؟

هل أبدو لها ساذجاً لهذا الحد؟ لماذا؟ ما الذي اقترفته في ذلك اليوم البعيد يا ترى، ودفعها لمثل هذا الموقف معي؟ إنها تنظر إليّ بشفقة مقرفة.. لماذا؟ ما الذي ينقصني يا ترى، أو ثبت لها نقصانه بي، بعد اندفاعها تجاهي؟ لقد خيبت أملها.. ولكن بم؟ ما الذي كانت تبحث عنه، كامتياز للرجل، ووجدته ينقصني، بعد جولتيّ عناق فقط؟ هل أسألها عن الأمر؟ أ لن تهزأ مني فيما لو سألتها؟

عندما أفقت من أفكاري وتحليلاتي، تنبهت إلى أنها كانت قد تركتني ومضت لتقليب خضار السوق بانهماك وجدية، وكأني لم أكن معها قبل بضع لحظات فقط. ماذا يعني هذا يا ترى؟ يعني أني سقطت من قائمة اهتمامها بل وكامل حساباتها. لماذا؟ كان ينقصني شيء ما، وربما هو الشيء الأكثر إثارة لاهتمام المرأة. ما هو هذا الشيء؟

عدت إلى حياة بطل سنلجر، الحارس في حقل الشوفان، ما الذي كان ينقص ذلك الصبي يا ترى، لتعافه نفس المرأة؟ كان بمثل عمري، كما تقول الرواية، وكان قد سبقني في معرفة عالم المرأة، ولحد أنه يقول (أفضل أن تتواجد النساء في المكان الذي أرتاده، ولو من أجل أن تحك كل منهن ذراعها فقط). ولكن هو كان مستبعداً من عالم النساء.. لماذا؟ أكان ينقصه ذات ما ينقصني؟ ماذا يكون ذلك الشيء اللامرئي يا ترى؟ هل أسأل فتاتي عنه؟ يا لبلاهتي، لم أسألها عن اسمها حتى.

كانت منهمكة في انتقاء حبات الطماطم، عندما اقتربت منها وسألتها، بشيء من الخجل (لماذا)؟ ودون أن ترفع رأسها وتنظر إليّ سألت (ماذا تعني بلماذا هذه)؟ نفثت أنة غضب وقلت (فقط أود معرفة سبب نكوصك؟ ما الذي ينقصني أو لم تجديه بي)؟ دحرجت حبة الطماطم التي كانت بيدها واستدارت لتواجهني، وبعد أن رازتني بنظرة متفحصة، وكأنها تتأكد من صحة نظرتها الأولى أو وجود السبب في مكانه قالت (ليس من سبب حقيقي، كل ما في الأمر هو إنك لا تجيد اللعبة.. لا تجيد كسر البيضة). ولأني لم أفهم مقصدها اكتفيت في التحديق في وجهها كالأبله متسائلاً بنظرة استغراب فصرخت بي (أترى؟ ها أنت وقفت كالأبله في الوقت الذي كان فيه عليك أن تصفعني وتجرني من شعري.. إلى الموت)! فسألت كمن تلقى سقطة حجر على رأسه (الموت؟ ماذا تعنين بالموت هذه..)؟ صرخت بيأس وقالت (هيا اذهب من هنا.. اذهب إلى مدرستك يا ابني فأنت لست سوى تلميذ مجتهد..) ولأنها رأت نظرة انكسار في عيني أضافت وهي تزفر (آسفة جداً، ولكن بالفعل أنت مجرد ولد مهذب.. وذاك الأمر يحتاج.. لوقاحة وصلف.. يحتاج لعنف... أعني ذلك العنف الذي ينزل المرأة من بغلة غرورها ويعيدها إلى الأرض).. وبعد أن نفثت زفرة تأفف أضافت (يا ابني أنت لن تفهم هذا، المرأة كائن مجنون في هذا الجانب، أعني جانب حاجاتها الملعونة.. هل تفهمني؟ لن تفهم لأنك ولد مهذب أكثر مما يجب!... وأمر المرأة في هذا الجانب، يحتاج لأمر آخر.. قل عنه وقاحة.. عنف.. في المعالجة.. صدقاً لا أعرف كيف أشرح لك هذا الأمر، لكني وأغلب النساء نعرف أن بعض الرجال يفهمون هذا ويقودون الأمر وفق متطلباته.. والمرأة تسعى، بل تقتل نفسها من أجل الفوز بواحد من هذا البعض.. هل فهمت الآن)؟ هززت رأسي فدفعتني بعيداً عنها وعادت لالتقاط حبة طماطم، ولكنها بدل أن تضعها في كيس تسوقها رشقتني بها في وجهي وتركت كل شيء ومضت.              

***

سامي البدري

منشورة على شرفة الطابق العلوي

من الجنائن المعلّقة

جنّيّة الرّيح تضفر شعرها

تزغرد مع الصبايا

في هوادج العشيرة

جنّيّة الرّيح لبست الرّيح

في عرسها

وطارت

ما عندي موائد السلاطين

أدعوها

ما عندي مزارع النبلاء

أحصدها

وتدّخر جنيّة الرّيح للعام القادم

عندي ما عندي

عندي بحر

في محبرتي

عندي عصا موسى

في مقلمتى

أرشّ منها على شفتيها حروفي

تبتسم

فأقّبلها قبلتين

قبلة على الخدّ

وقبلة في الرّيح

***

سُوف عبيد - تونس 1972

 

لم تكن "هنية" على علم بما يجري.

بدا الزفاف عاديا، ونزولا طيعا عند رغبة أب عاشت هنية دوما طوع بنانه . أما الأب الذي لازمه لقب "البيدق" حتى خفي عن القرية اسمه الحقيقي، فكانت تعلو محياه ابتسامات ذابلة، يوزعها يمنة ويسرة على حضور تنضح أساريرهم بعطر الشماتة !

لم يجرؤ أحد من الأهالي أن يحتال على البيدق يوما أو يغنم منه خُطام بعير؛ فالرجل رغم قصر قامته وضمور بنيته، إلا أنه يتصدر أخبار القرية وأسمارها، فالضحايا كـُثــُر، والمقالب تُنبيك عن دهاء غير عادي.

كان اليـُتم شفيعه لدى أهل القرية ليتولى رعي قُطعانهم لقاء دراهم معدودة. لكنه سُرعان ما كشف عن مواهبه ليُصبح تاجرا للمواشي، ثم مسؤولا عن تموين الثكنة العسكرية المجاورة بالزاد والأفرشة. وكعادة أثرياء الطفرة الكاذبة، سُرعان ما اجتـالته شياطين المدينة ونادته مفاتنها: هيت لك !

عاد إلى القرية رُفقة صبية كالبدر ليلة تمامه. صدق الأهالي توبته وعزمه التفرغ لرعاية ابنته، فتولت أياديهم البيضاء سد حاجة العائدين بعد طول غيبة. كان المشهد قبيل الغروب مَكرُمة تعالت على الوصف: سلال خضر، وأكياس قمح تفد على البيت المتواضع من جهات القرية الأربع. حتى "أمي زهرة" التي تعيش على الكفاف زينت جيد هنية بقلادة من الخرز الملون .

 لكن البيدق سرعان ما كشف عن مواهبه مجددا ليُقنع شباب القرية بالعائد المُغري للهجرة ما وراء البحر، فانسلوا تباعا حتى خلت القرية من ساعد يُباشر الحرث والبذار. وأسرع البيدق إلى تمكين الأهالي من الجرارات والمحاريث العصرية، لقاء سداد مؤجل؛ حتى إذا ناءت الكواهل بعبء الديون، تطوع البيدق للسداد لقاء حيازة مؤقتة للأرض، ريثما يعود ابن مهاجر أو تصل حوالة منقذة !

خيم على القرية همود مهيب.

بدت كأن غاصبا استل روحها.

 الخضرة وبيادر القمح غدت مثار حسرة في نفوس الأهالي، فعما قريب سيجلب "البيدق" حمالين لنقل خيرات القرية إلى سوق الجملة ليستوفي ديونه، ويُمكن الأهالي من قروض صغيرة تسد الرمق .

تنبهت شياطين المدينة مجددا للبيدق فاجتالته، لكن في عقر داره !

دُبرت له المكائد تباعا للنيل من دهائه وغنائمه. وترنح هو مرارا تحت ضربات كادت أن تُفقده صوابه، حتى إذا ضاقت عليه السُبُل قصد كبيرهم لينقاد مُرغما لشروط اللعبة، ويُقدم هنية ثمنا للإبقاء عليه وعلى مواهبه!

طبعا، لم تكن هنية على علم بما يجري، فقد بدا الزفاف عاديا، ونزولا طيعا عند رغبة أب عاشت هنية دوما طوع بنانه !

***

حميد بن خيبش

ما رأيك لو ندخل في صلب الموضوع

ونرثي انفسنا بلا وعي

ونرقص آخر رقصة

أمام محراب الموت

قبل فوات الأوان

*

نغالب الثمالة

والشيخوخة تجبرنا على حل

مسائل حسابية في عيد الميلاد

وبعصا الكترونية

نعبر الطريق الى الخلاص

ثم نرفض دفع ثمن التوبة

حتى ننسجم بشكل أو بآخر

مع فواتير الدنيا التي نحبها

*

ثمة مبرر وحيد

الذي يجعلنا نقف على رؤوسنا

ونكتب بماء السراب

ادعية بدائية وخارقة

انه برزخ الحياة والخلود

وطقوس السير في الجنازات

*

ليس ضروريا

أن نستأذن صناع الحروب

لانقاذنا من ذنوب لا تغفر أبدا

فهي غير مضمونة

ولا بد من اقتراف معاصي بديلة

لكي لا نتشاجر مع أصحاب اللحى المسدولة

*

بعض الأشجار كما الكهلة

يجب أن تبقى واقفة

والحجر الذي ألقيناه في نهر المحبة

فيضانه ممكن

ولا شيء غير ذلك

*

وكلما ملأنا فراغ أسناننا

بعلكة أو سيجارة

تستهزأ بنا التماسيح بدموعها الكاذبة

*

لو أرادنا الله أن نكون أحرارا

ما سلط علينا ولاة الأمر

من طينة الزئبق الخطير

*

أصبحنا ندفع الجزية بانتظام

مع فواتير الذل والخنوع

لأصنام صنعناها بايدينا

وثلة من القرابين

للسيد الأعظم لكي يحمينا

من عضة الشاطر حسن

الذي جاء من وراء البحار

***

بن يونس ماجن

 

كانت تلك الزيارة الأولى التي تطأ فيها عتبة بيتنا وحيدة، بلا ظلّ زوجها ولا ضحكته التي اعتدنا أن تسبق حضوره. عرفتُ، قبل أن تنطق، أن شيئًا ما انكسر في داخلها. زوجي كان قد خرج إلى الساحل مع أصدقائه، يتهيؤون لليلة صيد، وبقي البيت لي ولها، ولصمتٍ ثقيل أخذ يتمدد بين الجدران.

استقبلتها بحرارةٍ لم تستطع ملامحها المتعبة أن تردّها. كان الحزن يغشى وجهها كغيمٍ كثيف، لا يحتاج إلى سؤال ليُرى. ومع ذلك آثرتُ الصمت؛ فزواجها لم يمضِ عليه سوى أسابيع قليلة، بعد قصة حبٍ صاخبة كانت هي شرارتها الأولى، ناضلت فيها كما لو كانت تخوض معركة لإثبات حقّها في الحلم.

عبد القادر… ذلك الاسم الذي كان يمرّ في المعهد العالي مقرونًا بالاحترام. أستاذٌ منضبط، هادئ، يشي وقاره بحكمةٍ لا تُجادَل، وتفانيه في عمله يمنحه هالة رجلٍ كامل. كان قد خرج من زواجٍ دام عشر سنوات، انتهى بلا أطفال، والهمس، الذي لا يجرؤ أحد على الجهر به، يقول إن العقم كان نصيبه وحده لأن زوجته السابقة قد تزوجت وأنجبت.

كان يحمل هذه الحقيقة كسرٍّ دفين، أو كجرحٍ نرجسيٍّ يخشى أن يراه الآخرون، فالرجل الذي لا يخلّف، في مجتمعاتنا، يُسلب إحدى علامات فحولته الرمزية، ويُترك عاريًا أمام مرآةٍ قاسية.

منى كانت إحدى طالباته. لم تنتظر المصادفة؛ بادرت، اقتربت، نسجت خيوطها بصبرٍ ودهاء: فطورٌ صباحي، اهتمامٌ زائد، لحظات اختلاءٍ بريئة المظهر، ونزهات على الساحل بعد انتهاء الدوام. كان عبد القادر، المُنهك من خيبته القديمة، يرى فيها فرصة لترميم صورته أمام نفسه قبل الآخرين. زواجٌ جديد، امرأة شابة تحبه، تعجب به، ترفعه إلى مقامٍ طالما خشي السقوط عنه. كان ذلك كافيًا ليصمت عن الحقيقة.

احتسينا الشاي بصمتٍ متوتر، ثم قالت فجأة، بلا مقدمات، كمن يرمي حجرًا في ماءٍ راكد:

ـ هو لا ينجب… هو عقيم.

وقعت الكلمة بيننا كصفعة. سألتها بهدوءٍ حاولتُ أن أستعيره:

ـ ألم تسأليه قبل الزواج؟ وأنتِ تعرفين أنه لم يُنجب من زوجته السابقة؟

هزت رأسها أسفاً ثم أردفت:

ـ لا، لم أفعل.

ـ لكن الجميع كان يعلم أنه مطلّق ولا أطفال له.

أومأت برأسها مرة أخرى، وأضافت بمرارة:

ـ نعم… لكنني لم أتَصوّر أنه عقيم. لم يكن صادقًا معي. وأنا… كأي امرأة، أريد طفلًا.

كان في صوتها صدقٌ موجع، وفي دموعها خيبة حلمٍ لم يُمنح حتى فرصة الاكتمال. سألتها:

ـ ولماذا لم تُلحّي بالسؤال؟

ترددت، وارتبك صوتها، وفاحت رائحة الكذب الممزوج بالخجل:

ـ سألته… ولكن…

ثم انفجرت بالبكاء.

قلت، وكأنني أختبر المعنى:

ـ والحب؟ الرابط الذي بينكما؟

رفعت رأسها، وعيناها غارقتان في فراغٍ بعيد:

ـ وما نفع الحب بلا ثمرة؟ بلا طفل؟

في تلك اللحظة أدركتُ أن عبد القادر لم يكن فقط رجلًا أخفى عجزه، بل إنسانًا أسير كبريائه، خائفًا من مواجهة نقصه، فاختار أن يبني سعادته على صمتٍ هشّ. ومنى، التي دخلت الزواج منتصرة، اكتشفت أنها خرجت منه مهزومة، تحمل في رحمها حلمًا لا يُولد.

سألتُها أخيرًا، بصوتٍ خافتٍ كأنني أخشى أن أوقظ وجعًا نائمًا:

ـ وما الحل؟

لم تُجب. ظلّ السؤال معلّقًا بيننا كندبةٍ مفتوحة، لأن بعض الأسئلة حين تأتي متأخرة لا تطلب خلاصًا، بل تبحث عن شاهدٍ أخير على انكسارٍ لا يُجبر.

حين غادرت، بقي البيت مشبعًا برائحة الشاي البارد، وبأثر حكاية حبٍ انطفأت قبل أن تُنجب حتى ذاكرتها. كان بيتُهما ملتصقًا ببيت عائلتها، قربًا جغرافيًا تحوّل سريعًا إلى حصارٍ نفسي. الأبواب المتجاورة لم تكن مجرد جدران، بل ممرات مفتوحة للتدخّل، وللهمس الذي سرعان ما يصير أوامر. وما إن عرف أهلها نقطة ضعفه، حتى دخلوا منها بلا تردّد، كمن يضغط على جرحٍ ليتأكد أنه ما زال ينزف.

في البدء، بدا الأمر رحيمًا في ظاهره: إلحاحٌ على السفر للعلاج، على استعادة الرجولة من بوابة الطب. وافق عبد القادر، لا بدافع الأمل وحده، بل بدافعٍ أعمق:

 رغبته العارمة في ترميم صورته أمام نفسه قبل الآخرين. سافر، طرق أبواب الأطباء، أنفق بلا حساب، وبذل ما يشبه الفداء، كأن المال قادرٌ على شراء ما عجز الجسد عن منحه. لكنه عاد كل مرة بخيبةٍ أنقى، وبصمتٍ أثقل.

منى، التي دخلت الزواج امرأةً عاشقة، بدأت تتحوّل إلى امرأةٍ تطالب.

 لم يكن طلبها قاسيًا في ذاته، لكنه كان يتراكم، مدفوعًا بأصواتٍ أخرى خلفها. أهلها، وقد أدركوا أنه الابن الوحيد لعائلةٍ ثرية، وأنه الوريث الذي لا شريك له، رأوا في ضعفه فرصة. طالبوه أن يعوّضها، لا بالحب ولا بالحنان، بل بالأوراق والعقود. أن يكتب لها ممتلكاته، كأن الملكية يمكن أن تملأ فراغ الرحم.

وافق... تنازل عن الجزء الأكبر من أملاكه، لا لأنه مقتنع، بل لأنه كان يظن أنّ التضحية ستعيد له احترامه المهدور. كان يرى نفسه رجلًا كريمًا، فوق الشبهات، قادرًا على العطاء حتى وهو مكسور. غير أن التنازل لم يُطفئ النار، بل زادها اشتعالًا. بدأوا يعيّرونه، يذكّرونه بعجزه، يسلخونه من آخر ما تبقّى له من كرامةٍ صامتة.

لم يحتمل. الجسد، الذي طالما خانه، قرر أن يعلن تمرّده الكامل. تدهورت صحته على نحوٍ غامض، أعراضٌ بلا اسم، آلامٌ بلا تفسير. الأطباء وقفوا حائرين أمام حالته، كأن المرض لم يكن في عضوٍ بعينه، بل في مكانٍ أعمق، حيث تتراكم الهزائم غير المعترف بها.

سافر عبد القادر إلى الخارج طلبًا للعلاج، لا لأن الأمل كان واضح المعالم، بل لأن الهروب أحيانًا يتخفّى في هيئة رجاء. كانت منى إلى جواره، تمشي بمحاذاة ظله لا أمامه ولا خلفه، كأنها تخشى إن تقدّمت أن تتركه وحيدًا مع هزيمته، أو إن تأخرت أن تفقد ما تبقّى منها. في غرف الانتظار، حيث تختلط اللغات والروائح وأصوات الأجهزة، كانت تجلس صامتة، تحمل على وجهها إرهاق امرأةٍ أنهكها الوقوف طويلًا بين حبٍ لم يبلغ تمامه، وطموحٍ ظلّ مؤجّلًا كرسالةٍ لم تُفتح.

لم يستطع الأطباء تشخيص حالته؛ فالفحوص كانت سليمة، والتقارير محايدة، والجسد، في ظاهره، لا يشي بما يعتمل في داخله. لأن ما كان يفتك به لم يكن مرضًا يُقاس أو يُرى، بل تصدّعًا عميقًا في صورته عن نفسه. عبد القادر، الذي بنى حياته على وقار الأستاذ، وهيبة الرجل المتماسك، وجد فجأة أن كل تلك الأقنعة لا تصمد أمام حقيقةٍ واحدة: عجزٌ مسكوت عنه، وكرامة مجروحة لم تتعلّم يومًا كيف تعترف بالهشاشة.

كان في داخله رجلٌ يريد أن يُرى كاملًا، حتى وهو ناقص. أراد من السفر أن يكون إعلانًا أخيرًا عن قوته: "ما زلت أقاتل". لكنه، في أعماقه، كان يعرف أن المعركة خاسرة، وأن الجسد ليس سوى مرآةٍ تعكس هزيمةً أقدم. ومع كل فشلٍ جديد، كان يصمت أكثر، لا تواضعًا، بل خوفًا من أن يتداعى ما تبقّى من صورته أمام منى، المرأة التي أحبته لأنه بدا لها يومًا منتصرًا على العالم.

منى، من جهتها، لم تكن أقلّ تمزقًا. ربما كانت تحبّه، لكنها كانت تحب أيضًا صورتها المستقبلية: أمًّا، مكتملة، مرئية في عيون المجتمع. اكتشفت متأخرة أن الحب وحده لا يكفي، وأن الزواج بلا حلمٍ يولد يتحوّل إلى مرآةٍ قاسية، تعكس للمرأة حدود صبرها، وللرجل حدود كبريائه. كانت تطالب، لا طمعًا فحسب، بل خوفًا من أن تذوب في حياةٍ بلا أثر، أن تصبح زوجةً لوجعٍ لا اسم له.

مضيا معًا في طريقٍ بلا لافتات، كلٌّ منهما يسير على حافة ذاته. هو يصمت لئلا ينهار، ويتشبّث بصمته كآخر ما يملكه من سيطرة. وهي تتكلم وتطالب، لا قسوةً، بل محاولةً يائسة للإمساك بمعنى ما. وبين الصمت والمطالبة، كانت حياتهما تتآكل ببطء، كشمعةٍ تحترق لا لتضيء، بل لتؤكّد أنها كانت هنا يومًا، وأن هذا الاحتراق لم يكن بلا ثمن.

وحين رحل عبد القادر أخيرًا، لم يكن الرحيل مجرد موتٍ جسدي، بل نهاية سردية رجلٍ عاش وهو يدافع عن صورةٍ لم تسمح له الحياة بإكمالها. بقيت منى وحدها، لا أرملة رجلٍ فحسب، بل شاهدة على قصةٍ لم تكتمل. بقيت تحمل اسمه كندبة، وذكراه كدرسٍ قاسٍ. بقيت منى… وبقي معها أثره. رجلٌ غاب، وترك خلفه امرأةً تعلّمت، متأخرة، أن النجاة أحيانًا ليست في البقاء مع الآخر، بل في القدرة على البقاء والاستمرار بعده.

***

سعاد الراعي/ المانيا

مادت الأرضُ بالموظف وهو يتلقى خبرَ استدعاءِ المديرِ له؛ فارتسمت على جبينهِ تقطيبةٌ تفزعُ لها الغربان. ثم راح يحلل الموقفَ ولعابه يتنافض ككلامه الهَذِر:

"ربما أزْعَجَتْهُ كلمتُك الأخيرة في حفل الأمس! حينما وَصَفْتَ المديرَ العام بالنملة التي لا تتعبها الواجبات!

ربما!!

ألم تجد كلمةً أفضلَ من هذه الحشرة الحقيرة كي تصف بها مديرك في حفل أقيم لتكريمه!.. كيف تخيلت نفسك في أمسية أدبية لتخلط الرموز بالحقائق أمام جمهور بات يأنف ثرثرة الأدباء في مجالسهم!

كيف فاتك أن تنعته بالنحلة مثلاً.. فهي على الأقل تستحلب رحيق الزهور وسلافة الحكمة خيبك الله، أما النملة فهي مداس لعابري الطريق..

 نملة يا متهور!

والله أضحكت الناس عليك!".

قال ذلك في نفسه بينما راح يتخيلُ مصيرَه المبهَم بفرائصَ مرتعدة، ولسانٍ لاهثٍ كأنه مفقودٌ في صحراءَ متناهيةِ الأطراف؛ أو قادمٌ لتوه من الجبهة؛ وتخيل لوهلة بأن المديرَ احتسبها إهانةً شخصيةً له؛ خلافاً لما قصده الموظف المصدوم من الموقف المفاجئ؛ لذلك لم ينتظر طويلاً فسارع الخطا.

كان عليه تجاوز كلِّ أبوابِ المكاتبِ على جانبيِّ الممرِّ الطويل، فيما نظرات زملائه الشفوقة تحاصره مؤنبة،

وتباغته عبارات كانت تتساقط على سمعه كالحمم البركانية:

ألم تهدر بذلك رزق أهلك الذين يعتاشون من راتبك البائس!

ليتك تريثت قبل أن تفج رأس مديرك بكلماتك الجارحة!

فلسفتك فارغة..

لقد أُدْمِيَتْ قدماك وأنت تبحث عن فرصة عمل.. فلا تنكر فضل خطيبتك في الحصول عليها؛ وقد أحرجتها بعبارات خانتك!.

استلحقَ الموظفُ الخطوات باتجاه المكتب وعيون الزملاء ترمقه بحزن إزاء ما سيتعرض إليه من عقوبة.

بدا وجهه مخطوف اللون، وعيناه تتقلبان توجساً، فيما فمه يتلمظ طعمَ المهانةِ التي أَثْقَلَتْ على طرفيّ شاربيهِ الأحمال، فتنكسا حتى تقاطرت عليهما حبيباتُ العرقِ المتفصّدِ على جبينه، قال في نفسه:

" أكيد! سيكون وبالُها عليّ شديد..

نملة أيها الشقي!

فعقول هؤلاء المدراء ضيقة في مثل هذه الأمور كسمّ الخياط".

وأخذ يبلع ريقه متلعثماً حين قال له أحدهم منبهاً قبل أن تبتلعه إحدى مكاتب الدائرة المالية:

رأيت المدير يتطاير الشرر من عينيه المتوقدتين.. وهو يدخل الدائرة القانونية، عساه يرأف بحالك أيها المتهور.. فلسفتك أخيراً ستدميك على المكشوف.

وعلق آخر كان يضم على صدره عدة ملفات:

بل دلفَ المديرُ إلى قسم الشؤون الإدارية من الباب المتواري وكان يلاحق أحدهم بشتائم مكبوتة، أخشى أن تكون المقصود!.

وكان خبر استدعاء هذا الموظف المجتهد قد التهم كل فواصل الفراغ في وقت العمل بمكاتب الشركة، متسائلاً:

فماذا تفعل الهواتف غير إضرام النيران في عقول الموظفين المريضة فالكل يتربص بالآخر!.

 وانضمت خطيبةُ هذا الموظف إلى الركبِ وهي تصبُّ جامَ غضبِها عليه، بينما كانت تعقص شعرها الناعم إلى مؤخرة رأسها، ربما ليشاهد مبلغَ الغضبِ الذي تركَ ملامحَ الخريفِ بعواصفِهِ المتربةِ على قسماتِ وجهِها المتشنج:

"ماذا يعني أنك قلت في حفل الأمس بأن كلمتك ستكون مختزلة في ذات النملة..

فتوجه الكلام للرجل المحتفى به فتقول بملء الصوت:

يا من تمثل النملة في العطاء والعمل الدؤوب، أنت نملة بين الكسالى الاتكاليين المتسلقين! ليتهم يتعلمون منكم معنى العطاء!.

معقبةً بغضب شديد:

ألم أخطر ببالك وأنت تشتم وليّ نعمتنا ولو عن غير قصد، وخاصة أن الموظفين أخذوا يعلقون على الموقف حتى تناهى إلى سمع المدير بأنهم يطلقون عليه (عطوفة النملة المبجلة)! ألا يعني هذا بأنك تتاجر بمصلحتنا مجاناً خيبك الله!؟".

ثم أخرسته بدموعها.. وكاد يتعثر وهو يواريها ظهره مستلحقاً الوقت، بينما أخذ المحاسبُ الذي دخل لتوه مكتبه، يوجه الموظف برتابة تخلو من أي معنى:

-عاجل الخطا! المدير ينتظرك على أحرِّ من الجمر.

- خير إن شاء الله.

 لم يحر جواباً.. فقد تسمر الموظف أخيراً أمام المكتب ليأتيه صوتُ المدير المجلجل من الداخل ضاحكاً:

أدخل مستعمرة النمل أيها المجتهد.

 فلما فتح الباب بيديه المرتجفتين لم يتسع قلبه للمفاجأة والمدير يقدمه لأحد أصدقائه بمحبة ورضا:

كانت كلمته هي الأصدق!

النمل!

ليتنا نقتفي أثر النمل في مسيرته اليومية كي نرتقي بأعمالنا.

 ثم أشار إليه بالجلوس:

ستشرب قهوتك معنا تقديراً للنمل الذي نحبه.

وعقب ضاحكاً ملء شدقيه وهو يدور حول مكتبه الفاخر باتجاه الموظف المشدوه:

قرأت ملفك وما يحتويه من شهادات تقدير بحقك، هذا تميز يثير الانتباه.

ثم جعل يربت على كتفيه هامساً باعتداد:

بوجود أمثالك بيننا سيتحول مكتبي بالفعل إلى مستعمرة للنمل.. ويبدو أنني سأحوّل الشركة إلى مستعمرة كبيرة، والموظفين إلى نملٍ يعمل باجتهاد وانتظام دون هدر للوقت.. معك ساعتين منذ الآن لتكتب كلمة أخرى كي تقرءها في القاعة المجاورة حتى أكافئك أمام الهازئين بالمجتهدين أمثالك، اذهب الآن فلدينا موعد مع موظفي الشركة بعد ساعتين.

خرج الموظف مورق الوجه حامداً الله في سره.. وشعر بمستعمرة النمل تتمدد في رأسه كنور السراج.

***

قصة قصيرة: بقلم بكر السباتين

هل إنني غَاليتُ في الإسراعِ حتى انفَلَتَتْ

أحزِمَةُ الأرضِ

ولاذَ الأفقُ بالفرارْ

أمِ انهُ الأفقُ الذي يَسبِقُني

فيسحبُ البيوتَ كالخِراف من ورائه

والنخلَ، والأسوارْ

ما أبعدَ المسافةَ

أمشي وحيداً

وورائي الشمسُ في فضولٍ

تدفعني

كأنها تُريدُ أن تَحشو بجلدي جَمرَها

أو ربما تقدحَ فوقَ رأسيَ الشَرارْ

ما أضيقَ الطريقَ

وأوسعَ الأمل

أمشي، وقُدّامي القُرى

وما عليها خَلّفَ القَهرُ من الرَّماد

وخلفَ أشلاءِ بُيوتِ الطين

تكدّستْ كالجُثثِ الصُلبةِ فوقَ بعضِها

ظِلالُ مَنْ قد رَحلوا

من دون أن يفلحَ في تليينها بضوئِهِ النهار

**

تسحبُني أمامَها من عُنُقي إرادةٌ مُبهمة

هيهاتَ أن تُمهلني هُنيهةً

أردُّ أنفاسي لأثوابَ

أو أمنعُ أن تُصابَ من لُهاثيَ الأشواكُ بالدُوار

أنامُ ماشياً

أحلمُ ماشياً

أُعيدُ ماشياً حِسَابَ رِحلتي

فأحذفُ الأصفارْ

أمشي ... وأمشي

ساحِباً من خلفيَ الوقتَ

الذي نَهَّشَ في جُثتهِ الغُبار

**

خَوّضتُ في السَّرابِ حتى هامتي

شرِبتُ من مياهِهِ الصَمّاء

غَطَستُ للعُمقِ

ولم أعثُرْ على مُفتاحِ سِرٍّ واحدٍ

لكنني طَفَوتُ حَامِلاً كُدساً من الأسرارْ

***

شعر: ليث الصندوق

"ثم تبني في وجهيَ الأوهامُ

جُزُرًا وقِلاعًا من الصَّمْتِ يجهل أبوابها الكَلامُ

ويُضيءُ الليلُ الصّديقُ وتنسى

نفسَها في فراشيَ الأيامُ"

"أدونيس"

***

أ- [نَديمُ الوَحْشةِ]

في بَابِ اللَّيْلِ، وَلا أَثَرٌ يُنْصِتُ لطَرْقي

صَوْتي يَتكسَّرُ في حَجرٍ يَصْعدُ في دَمي

رُوحي مُتَّقِدةٌ لا دُخانَ لَها.. تَتوقَّدُ

كُلُّ جِدارٍ شَيَّدْتُ يَسْقُطُ تُرَابًا في جَفْني

أَمْشي.. لَا أَرْضٌ تَحْمِلُ وَعْدًا، لَا أُفُقٌ يَفْتحُ بَابًا

اِبْقَ، يَهْمِسُ ظِلِّي.. وأَبْقى، وَأَعي أَنَّ ظِلَّ الوَعْدِ لَيْسَ لي.. بَلْ لِصدًى يُناديني

**

ب- [خُطايَ عَلى الرَّمْلِ]

خَطايَ عَلى الرَّمْلِ.. لَا تَبْقى، تَمْحُوهَا رِيحٌ صَمَّاءْ

كَأَنِّي لَمْ آتِ.. أَوْ كَأَنَّ الحُضورَ هَوًى يَتباخرْ

خَلَّفْتُ وَرائي صَوْتًا مَكْسورًا كَحُزونةِ شِعْرٍ

وَرِسالةً دُونَ اسْمٍ تَبْكي في جَيْبِ الرِّيحِ طَويلًا

أُحِبُّ.. فَيُصيرُني الحُبُّ غِيابًا يُدْعى أَطْلالًا

وَلَوْ عُدْتُمْ.. هَلْ تَعْرِفُ أَثَري؟ أَمْ تَتْبعُ ظِلِّي الهارِبَ مِنِّي في لَيْلي؟

أَمْشي.. وَأَرُدُّ.. وَأَمْشي.. حَتَّى يَنْطِقَ رَمْلٌ: "أَنْتَ"

**

ج- [الدَّمُ يَنْتحِبُ لَا يَكْتُبُ]

الدَّمُ يَسيلُ عَلى تَاريخٍ يَحْترِقُ وَلَا يُكْتبْ

كُلَّ سَنةٍ أَرْسُمُ نَدْبًا وَأُسَمِّيهِ اسْمًا يَصْمُتُ

وَطَني.. صَليبٌ يَمْتَدُّ في ظَهْري، أَحْمِلُهُ وَيَحْمِلُني

والْقَصيدَةُ الوَحيدَةُ الَّتي لَا أَنْشُرُهَا.. أَنا

أَكْتُبُ: "كُنْتُ هُنا" دَمًا في جُدْرانِ اللَّيْلِ.. فَيَمْحوهُ،

فَأَكْتُبُهُ مَرَّةً أُخْرَى، حَتَّى يَعْلمَ لَيْلي أَنَّ الدَّمَ لَمْ يَسْقُطْ عَبثًا

**

د- [فِي الصَّدْرِ شَيْءٌ مَوْقُوتٌ]

في الصَّدْرِ شَيْءٌ لَا يَموتُ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْطَفِئا

حَتَّى إِذَا غَفتِ الرُّوحُ يَبْقى.. يُنَادِي اسْمًا يَصْعَدُ.

لَوْ طُمِستْ كُلُّ الْحُروفِ في الأَرْضِ، سَيبْقى اسْمُكِ في دَمي.. نَبْضًا.. أَنْتِ.

وَسَأَكْتُبُهُ عَلى جُدْرانِ اللَّيْلِ، حَتَّى يَفْهمَ لَيْلي أَنَّني لَمْ أَنَمْ.. لَنْ أَنَما

**

هـ - [زَهْرَةُ لُوتُسٍ في يَدِ المُحارِبِ]

وُلِدْتُ في زَمنٍ لَا يُحِبُّ وُرُودًا.. لَا يَفْهَمُ عِطْرًا

فَكُنْتُ زَهْرَةَ لُوتُسٍ فِي كَفِّ مُحَارِبٍ يَنْزِفُ.

قَالُوا: "اِرْمِها.. تَضْعُفْ"، فَضَممْتُها في صَدْري،

فَأَصْبحتْ شَوْكَةَ سَيْفٍ.. وَقَصيدَةً لَا تُهْزَمُ أَبدًا

قَصيدَةٌ تَرْقُصُ رَصَّاصًا، تَلْمسُ جَبْهةَ مَوْتٍ

وَتَهْمِسُ لَهُ: "اِبْكِ.. قَدْ مَرَّ بي نُورٌ"

**

و- كُودَا

[صَوْتُ اللَّيْلِ يَكْتُبُني]

في آخِرِ الصَّوْتِ.. يَنْحدِرُ لَيْلي نُقْطَةَ ضَوْءٍ

كُلَّما سَقَطْتُ، رَفَعني هَمْسٌ يَكْتُبُني فِي الظُّلْمَةِ

أَصِيرُ اسْمًا يَنْطِقُني صَوْتٌ لَا أَعْرِفُ مِمَّنْ جَاءَ،

وَيَبْقى اللَّيْلُ يُرَاوِدُني: اِكْتُبْ.. فَأَنْتَ بَدْءَ اللَّيْلِ وَآخِرُ هَمِّهِ

***

د. سعد محمد مهدي غلام

كم حمل بين جنبيه

أسرارًا وأفكارًا شتّى،

كم خبّأ في ناظريه أحلامًا وآمالًا… كالعرافين.

خَطَا الزمنُ قبل أن يولد،

ذلك الذي لمس

خلاصة الطين والتراب،

وتذوّق ملح الفراتين

وحلاوة الرطب الممنوع.

كان صادقًا،

كما الوعد الغضوب،

كما القمر المخطوف في ليلة سوداء.

ذلك الذي سمّى العراق أرض السواد،

لم يبقَ من ألوان الواقع أو الخيال

إلّا الغصّة، وأغوارَ التيه،

وصدى الصمت في وديان الأحلام المفقودة.

(قصة تنساب من دارٍ إلى دار)

تختنق مصابيح العشق

بدخان السواد،

يتغلغل في هياكل الوجوه

المطلية بالحزن.

لن يهجر الضحكةَ المدفونة،

حتى عرفنا وجوهنا الكالحة،

وجوهنا المنحوتة من ليلٍ لا ينتهي

(مثل كذبةٍ فاتنة).

بلادي، يا بلاد الإيائل والآس،

يا بلاد النخل والنرجس،

لم تعودي صبيّةً كما كنتِ،

قد سمع إخوتكِ رؤياكِ،

وها أنتِ في الجبّ ترقدين،

وها أنتِ، والأحلامُ تُبعثُ إلى السجن.

بلادي، يدٌ تلوّح للوداع،

لا للعودة، لا للقاء.

أتخشى شموسُ السماء الضياع؟

بلادي، بلادُ الأسود، فكيف

ستخشى قطيعَ الضباع؟

وكيف للبقايا أن تسكن الأرض

إذا لم يبقَ فيها سوى أجفانٍ غافية،

واستيحاشُ يمامةٍ ترتّل حيرىً…

نزفُ الجذعِ والنهر…

وتقول: يا ليتني مُتُّ

قبل أن أرى العراق

نَسْيًا مَنْسِيًّا.

***

باقر طه الموسوي

الولدُ الذي لعِبَ بالطّينِ

جَعل منهَا بُيُوتًا

خُيولاً

وإبلاً

*

الولدُ الذي جلسَ في الشّمس

نامَ في المغارات

لُدِغ بالعقربِ مرّات

عَدّ نُجومَ السّماوات

*

وَلدٌ لمْ يَكبُرْ

برغم الشّاربِ الغَليظ

برغم خاتَم البِنصَر

برغم الشّيبةِ الأولى!

*

الولدُ الذي ظلّ ولدًا

مازال يَجلسُ في الصّمتِ

يقفُ في القَلقِ

يُراقبُ جُدْرانًا مُشَقّقة

حَوافرَ مُفلّلة

فَوارسَ مُثْخنة

وهوادجَ بلا زَغردةٍ !

*

الولدُ الذي لعِبَ بالطّينْ

حَزينٌ حزينْ

جفّتْ بَسمتُهُ كالطّينْ !

***

سُوف عبيد ـ تونس 1980

 

لسْتُ شيئًا، خمسونَ مرَّتْ وأكثَرْ

وقليلٌ مذْ جِئتُها ما تغيَّرْ

وطُموحي يزدادُ عنّي ابتِعادًا

لمْ تشأْهُ ليَ الحياةُ فأبحَرْ

ومَنامي القديمُ ما عادَ منذُ

ابْيَضّ ليليْ وعنْهُ كالنّجمِ أدبَرْ

شاخَ بينَ النّجومِ في إثرهِ واعْـ

ــــتلّ وهْمي حتّى هَوىْ وتكَسَّرْ

وهُمومي بالرّغمِ مِن كونِها عُمـ

ـــري أراهَا شيْئًا مِنَ العُمرِ أكبَرْ

وانتِظاريْ على وُعودٍ بها لمْ

أَفِ أمسَىْ باللّومِ يُلقي ويجْأَرْ

يا انتظارا عذّبْتُهُ بِوعُودي

كمْ منَ الوَعدِ في الدّروبِ تعثَّرْ

لا تلُمْ هذهِ الحياةَ ولمُني

إنْ تجِدْ معْها يومًا البرُّ أثمَرْ

لا تسَلْني عنها فقدْ عِشتَها مِثـ

ـلي ومِنّي بكيدِها أنتَ أخبَرْ

وجَديدٌ عليّ يُكنى سلامًا

ثورتي في سجالِها معْهُ تخسَرْ

أيُّ سِلمٍ ذاكَ الذي انْسلَّ للقلـ

ـــــبِ كلصٍّ في اللّيلِ للدّارِ قدْ مَرْ

إي وربّي ما كانَ سِلمًا ولكنْ

إنكسارٌ على خُطى الرّاسِ سَيطَرْ

وقديمٌ في العُرْبِ يُكنى قِتالًا

ردَّتيْ في سِجالِها معْهُ تَظفَرْ

ألْقتِ الرُّمحَ من يديْ كي يجازيـ

ــني سلامٌ بمقعَدٍ في المؤَخَّرْ

يا سِلاحيْ الأعزّ منذُ انبِعاثي

ثِقْ بإيمانيْ أنّكَ لستَ تُكسَرْ

إنّما قولُ ردَّتي ما الذي يُبـ

ـقيكَ في راحَتي وأنتَ المُطَهَّرْ

صافَحَتْ تلكَ بينما لم تُصافِحْ

وتخيّرتَ الثأْرَ دونيَ فاثْأَرْ

وحسابُ الأحيا لعُمري كبيرٌ

وحسابُ الأمواتِ من ذاكَ أكبَرْ

ولِقاءُ يومي الأخيرِ عسيرٌ

ولقاءُ الدّيانِ لا ريبَ أعسَرْ

وغَدِي كلّما نظَرتُ لِعيْنيـ

ـهِ بدا لي خُذلانُ يوميْ وكدَّرْ

وكذا يومي، كلّما لمتُهُ فيَّ

حَكى عَنْ خُذلانِ أمسي وأخبَرْ

ما الذي تسْتطيعُهُ الآنَ يا قلـ

ـبُ ومِثلي يخشىْ خُطاهُ ويَحْذَرْ!

ما الذي تسْتطيعُهُ الآنَ يا قَوْسُ

ومنّي في الرّميِ زَعْمِيَ أَمهَرْ

ما الذي تسْتطيعُهُ الآنَ يا عِلـْ

ــمُ وقدْ صارَ مِنكَ نِدُّكَ أشهَرْ

ما الذي تسْتطيعُهُ الآنَ يا عُمْـ

ــرُ وخمسونَ ضِعنَ منكَ وأكثَرْ

جئْتَني يومًا سائلًا أوَنبدا

من جديدٍ وربّما الغدُ أيسَرْ

جئْتَني يومَها ومعْكَ الصّبا والـ

لاءُ كانتْ أجدى، أَشيءٌ تغيَّرْ؟!

أيّها السّاهيْ أنتَ مَنْ قدْ تغيَّرْ

صِرتَ بعدَ الخمْسينَ لا تتَحيَّرْ

ما اسْتطاعَ الصّبا اصْطِيادَ طُموحٍ

فوقَ شطٍّ، أَدونَهُ أنتَ أقدَر؟!

ما اسْتطاعَ افْتِكاكَ أُمنِيةٍ مِنْ

سجْنِ دُنيا أنكسَةُ الشّيبِ أخبَرْ؟َ

عُدْتني بعدهُ ومعْكَ زمانٌ

تمّ قُبحًا وعنْ ذراعَيهِ شمَّرْ

وقبيحُ الزّمانِ مهما يعِدْ هيـ

ـهاتَ يأتيْ بغيرِ وجْهٍ لَهُ اصْفَرْ

أيّها الإنسانُ الذي يَعْترينيْ

كلَّما عودٌ في تُرابيَ أزهَرْ

مُحبِطًا لا مُهنِّئًا عازيًا لي

لا لهُ ما مِنَ الفواقرِ قدْ جَرْ

لو بهِ ذرّةٌ منَ الصّدقِ لاخْتارَ

الخطايا وقتًا لِيَنْهى وينهَرْ

أيّها المستقلُّ عن دولةِ الشّيـ

ــطانِ والآن راسُها مِنكَ أصغَرْ

أيّها المُستعاذُ مِنهُ بدارِ الـ

جنِّ حتّى إبليسُهُ منكَ قدْ فَرْ

يا ابنَ دُنيا، لأجلِ دُنياكَ ذي تَجْـ

ـــعَلُني أبدو في عيونيَ أقصَرْ؟!

يا ابنَ زيفٍ، لعينِ دُنياكَ ذي تُخـ

ـــفيْ مراياكَ كلَّ نصْرٍ مُؤزَّرْ؟!

لا تُريني حينَ المثولِ أماميْ

غيرَ ما قدْ خسِرتَ أو ما تعذَّرْ

يا ابن ذلٍّ تريدُني خادِمًا فيْ

بيتِها شاني شانُ غرٍّ بها اغْتَرْ

غفَرَ اللهُ للشّياطينِ إذْ مِنْ

كلِّ مَنْ قد تَشيْطنوا أنتَ أكْفَرْ

لستُ شيئًا؟ بل لستَ شيئًا وفيما

يَسْطرُ الدّهرُ منكَ لا شيءَ يُذكَرْ

كلّ شيءٍ عداكَ بتُّ فعَنِّي

امْــضِي وأبقِيْ ليَ الملاكَ المُطهَّرْ

***

أسامة محمد صالح زامل

 

كتاب مفتوح.

أصابع تقلب الصفحات ببطء.

صوت المحرك ينسحب إلى الخلفية.

من نافذة الحافلة، تتبدل الحقول.

يتوقف الزمن عند محطة الرباط.

رائحة عطر.

ليست فاخرة… لكنها دقيقة.

صوت نسائي خافت.

- عفوا...

يرفع رأسه.

تجلس بجانبه.

الصمت يسبق التعارف.

انطلقت الحافلة بنفس جديد.

نظرتها لا تتجه إليه، بل إلى الكتب المرتبة بعناية بجانبه.

تلمس الأغلفة بعناية، كما لو أنها تتحسس ذاكرة.

يلاحظ.

يتردد.

ثم:

- هل تحبين القراءة؟

تبتسم دون أن تجيبه مباشرة.

تقول:

- أحب الأشياء التي لا تشرح نفسها.

يعود إلى كتابه...

لكن الصفحة لا تتقدم.

حملق متوهجا في مرآة السائق.

قابله بابتسامة.

يدها تشير إلى عنوان.

ابتسامة عابرة... سهاد متقطع ...

نافذة… سماء تتغير.

ضحكة قصيرة.

أنا باحثة ألمانية في الآثار.

أنا أستاذ جامعة أمازيغي.

لحظات اقتراب نقطة الوصول.

تجاذب ودعوة...

جبال الأطلس تشتعل بلون الغروب.

دار ضيافة تقليدية.

للا مسعودة تستقبل بابتسامة تعرفها الجدران.

الموقد مشتعل.

صوت الحطب.

تنظر حولها:

- المكان يشبه لوحة لم تُكمل.

هو يجلس قرب المدفأة.

هي تفتح حقيبتها.

ألوان. فرش. قماش.

ترسم دون كلام.

الوقت يتكاثف.

هو يراقبها أكثر مما تراقبه.

النار تنعكس على الجدار… وعلى جسده.

تنتهي.

تضع اللوحة أمامه.

نظرة طويلة.

لا تعليق.

ضوء الصباح يتسلل.

السرير فارغ من الجهة الأخرى.

صوت للا مسعودة من الخارج:

- غادرت باكراً… قالت لك شكراً.

يبقى وحده.

اللوحة مسندة إلى الجدار.

هو في الجامعة.

يشرح.

يصمت فجأة.

اللوحة في مكتبه.

الغرفة تمتلئ بغيابها.

يقف.

يراها.

ليست وحدها.

طفل صغير يمسك يدها.

تحمل لوحة جديدة.

تقترب.

تقول بهدوء:

- بعض الأشياء لا تُكرر… لكنها تترك أثراً.

تشير إلى الطفل:

- هذا أثري الوحيد الذي لم أبحث عنه.

نظرة بينهما.

الطفل ينظر إليه… ثم يبتسم.

داهمته فكرة "الآري الأمازيغي".

قطع على اللوحة.

سواد.

***

الحسين بوخرطة

بعد سكون ثلاثون يوماً في حضرت الحلم، وهطول الرسائل التي جاءت من عبق الجنة التي أحدثت ضجة في النفس حين هطلت كالمطر من غيمة فاجعة كانون ...

الآن أقف على رصيف السطر دون حراك حرف.. حقا لا أعلم إلى اين يأخذني قلمي الذي أتكئ علية وأنا أسير في شوارع الحياة الكتابية في هروب أنيق من شظايا الحياة الواقعية..

 لدي رغبة في الكتابة إليك وأحدثك عن تفاصيل تلك الفترة الزمنية التي كانت فيها جيوبنا خالية من حمولة أوجاع الحياة وظلمة الفقد ....

أحدثك كيف كانت أرواحنا تتوهج بأضواء الأحلام الملونة ونحن نرسم الحياة كأنها مساحات شاسعة ممتدة نحو البعيد...

 أتعلم كيف كانت أجسادنا مشدودة بفرح الأيام وكأنها كاسحة ألغام تبطل مفعول الخوف منا ..؟!

 إنني أتعجب من قوتنا التي لاتزال تتنفس تحت ضغط الأحداث المثقلة، وضحكاتنا التي لا تنزال تحتفظ برنين أصواتنا رغم هذه الإهتزازات المدوية التي لا تقاس على مقياس ريختر بل على مقياس الصبر ....!

 في داخلي شعور يصعب تفسيره هو مزيج من الخدر النفسي ومن الترقب لما بعد هذه الهزات الإرتدادية حين أزاح القدر ستاره ووضعنا في مقاعد حياتية كأننا نشاهد مشهداً واقعياً ينخر عظامنا، وليس أمام مشهداً ممثلاً كتب بحبر بشري...

 في لحظات كثيرة تلبسنا الأقدار أثواب الوقار وتعيد رسم ملامحنا بمساحيق لا صله لها بالألوان...حين تدخلنا في مخاضات الحياة الصعبة وكأننا نولد مرة أخرى من رحم الأقدار بعد أن ولدنا من رحم أمهاتنا....

***

مريم الشكيلية - سلطنة عمان

إِنِّــي أُحِـبُّـكِ رَغْــمَ كُــلِّ جِـرَاحِي

رَغْـمَ الصَّعَائِبِ فِي طَرِيقِ كِفَاحِي

*

مَـا زِلْـتُ أَحْـمِلُ فِـي الْـفُؤَادِ مَـوَدَّةً

وَأُخَـبِّـئُ الْأَشْـوَاقَ تَـحْتَ جَـنَاحِي

*

أَخْـشَى عَـلَيْكِ مِـنَ الـضِّيَاءِ إِذَا دَنَا

وَمِـنَ الـنَّدَى عـن خَـدِّكِ الـتُّفَّاحِي

*

قَدْ كَانَ حُبُّكِ كَالرَّحِيقِ عَلَى فَمِي

كَـالْـقَهْوَةِ الـسَّمْرَاءِ عِـنْدَ صَـبَاحِي

*

إِنْ غِـبْـتِ، يَـكْـفِينِي دُعَـاءٌ خَـافِتٌ

يَــسْــرِي إِلَــيْــكِ كَـنَـفْـحَةِ الْأَرْوَاحِ

*

حُـبِّي لَـكِ الـطُّهْرُ الَّـذِي لَا يَـنْثَنِي

وَالْـعُـمْـرُ بَــعْـدَكِ قَــرْيَـةُ الْأَشْـبَـاحِ

*

سَـيَـظَلُّ حُـبُّـكِ مُـلْـهِمًا لِـقَصَائِدِي

زَيْـــتَ الْـحَـيَاةِ لِـشُـعْلَةِ الْـمِـصْبَاحِ

*

وَأَرَى  مَــلَامِــحَـكِ الْـبَـرِيـئَـةَ آيَــــةً

تَـتْـلُو الْـيَقِينَ عَـلَى دُرُوبِ روَاحِـي

*

وَأَعُـــدُّ خُـطْـوَتَـكِ الْـقَـرِيبَةَ مَـوْعِـدًا

يُحْيِي الرُّجُوعَ إِلَى صَمِيمِ نَجَاحِي

*

لَا أَبْـتَـغِي مِـنْـكِ الْـحُضُورَ مُـجَاهَرًا

يَـكْفِي اخْـتِبَاءُ الـظِّلِّ فِي إِيضَاحِي

*

أَنْـتِ الـسُّكُونُ إِذَا تَـلَجْلَجَ خَـافِقِي

وَنَـشِيجُ صَمْتِي فِي ذُرَى أَفْرَاحِي

*

أَنْـــتِ الْـيَـقِـينُ إِذَا تَـكَـاثَفَ شَـكُّـنَا

وَالْـمَـاءُ إِنْ جَــفَّ الْـحَـنِينُ بِـرَاحِي

*

أَمْـشِـي إِلَـيْـكِ بِـكُـلِّ دَرْبٍ شَـائِكٍ

فَـالْـحُـبُّ حَــوَّلَ شَـوْكَـهُ لِأَقَـاحِـي

*

مَــا بَـيْـنَنَا عَـهْدٌ أَجَـلُّ مِـنَ الْـمُنَى

صِـــدْقٌ يُــجَـاوِزُ حِـسْـبَـةَ الْأَرْبَــاحِ

*

إِنْ قُـلْـتُ شِـعْـرًا فَـالْهَوَى أَسْـبَابُهُ

وَإِذَا سَـــكَــتُّ فَــقِـمَّـةُ الْإِفْــصَــاحِ

*

وَإِذَا دَعَـانِـي الْـيَـأْسُ أَغْـلَـقَ بَـابَـهُ

قَدْ بَاتَ يَخْشَى مِنْ مَدَى إِلْحَاحِي

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

في نصوص اليوم