عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

فلتعرفوني.. إنني (زنجي)

حتى ولوني أبيضٌ ثلجي

هيهات أنكرني.. وأعلنها

حقا بلا خلط ولا مزج

ولينكر الباقون زنجيةً

ما كان منها مُفلتٌ مُنجي

أنا ذاتَ دهر كنتُ أوّلها

الأرض مجدي والسما أوجي

واليوم أفخر انني تَبَعٌ

أعطي ولاءاتي وأسترجي

تجتاحني الأمواج تغرقني

أطفو وتضربني يدُ الموج

أنت الحبيبُ فديته بدمي

وأنا المضامُ ودمعتي تَشجي

**

أمّي تلملمُ إرثها

مفجوعةً لتهاجرا

وأنا ألملمني وقد

أمسى وجودي ساخرا

كنتُ المسافر دائماً

والقيدُ فيَّ مسافرا

ماذا الجديد سوى هموم

يزدحمن تواترا

والليل مسودّ الاهاب

يعود ليلا دائرا

ولسوف أمضي سوف

أعطي من وجودي آخرا

حتى أؤول تلاشيا

قبرا يفيض مقابرا

دوامة.. أنسى وترجعني

مرارا ذاكرا

وأنا حملتك خاطرا

فكسرتَ مني الخاطرا

وأعود دوماً من جديد

أستميحك غافرا

أسفاً وأنت تبيعني

بيعاً غبينا خاسرا

وأنا أحبك لم أزل

عزماً تهالك خائرا

فتَّشتُ عنك فلم أجدك

فكنتَ نفسي حاضرا

أني وجدتك خاذلا

وعهدتَ مني ناصرا

وإليك حبّي كله

وأراك حبيَ ناكرا

وبنيتُ هيكلكَ العظيم

فقلت: اخرجْ صاغرا

وأراك أما أو أبا

ما طيَّبا لي خاطرا

ولقد بررتك فاديا

فرجعتُ ابناً بائرا

ستظل بي زنجيّتي

دوّامةً ودوائرا

**

يأس على يأسٍ ولا أملُ

فتسلَّ والأحزان تكتملُ

لابدَّ من المٍ يطهِّر من

أرجاس نفسٍ جرّها أملُ

يا أيها الزنجيّ إن غداً

وهمٌ غبيّ ليس يحتملُ

يمشي به التاريخ منزلَقاً

ويسيرُ تيهاً فوقه الدَّجلُ

ورؤى (سبارتاكوس) تفزعني

هام الزنوج بدربه شعلُ

واذا الزنوج البيض اغنيةٌ

تبكي على إيقاعها المقلُ

إني ورثتُ القيد منتقلا

وأظنه سيظل ينتقلُ

**

وجئتُ وليس بي أنسُ

وتبكي داخلي النفسُ

أرى قيدي واسمعه

ويدركه بي الحسُّ

فاحقرني واحقرها

حياة مذلةٍ تقسو

حياةٌ للردى سُحبت

حداها اليأسُ والنحسُ

سيكبر حزنُنا ابداً

ويصغر كلُّ ما يأسو

أيا ويلاه يطرشني

الصدى وحديثيَ الهمسُ

وتحويني فتعصرني

أصابعُ للردى خمسُ

أودّ القيد اكسره

وما إن فكَّني حبسُ

**

وقفت على ثراك أبي وكلّ

الزنوجِ البيضِ مجروحَ الشعور

وإنــَّا دون كل الناس نحيا

ويحيا الارثُ منا في الضمير

فان عشنا يعيش الارث فينا

وان متنا نُسجّى في حفير

فجودي يا عيونُ فليس شيءٌ

أمامكِ غير تذراف الكثيرِ

فانا إن نعشْ موتى حياة

وإنا إن نمتْ موتى قبورِ

**

أبي ولو انني مُلِّكتُ أمري

اذاً لمنعتُ عن نفسي حُضوري

وكيفَ أطيقُ أن ألفيكَ قبراً

وأنسى ماضياً ملءَ الشعورِ

وأينَ الجصُّ والطابوقُ مِنْ

خافقٍ حانٍ ومِنْ وجهٍ منيرِ

وهذا الصمتُ حول القبر مِنْ

ذلك الصوتِ الالهيِّ الطهورِ

أخافُ أرى الأبوَّة فيك تنعى

أبوَّتها، وتشكو من قصوري

وأشفقُ أن أراك وأنتَ في

الأرض أهونُ ساكنٍ بأذلِّ دورِ

***

الدكتور محمد تقي جون

لازَوَرْدٌ قد كَساهَا

فيهِ لُطفٌ وجلالُ

*

تَتهادَى في اِعْتِدالٍ

والخُطَى فِيهَا الدّلالُ

*

برَشِيقَاتِ التَّثنّي

خَلْفَها المارُّون مَالُوا

*

دَوحةٌ يَا مَنْ تراهَا

فَظِلالٌ وَغِلالُ

*

تَتَدلَّى دَانِياتٍ

لَيْتَني يَومًا أنال

*

إنْ أتَتْ، هَيفاءُ مَاستْ

أوْ رَنَتْ فَهيَ غَزالُ

*

وردةٌ في وَجْنتيْهَا

شَعرُها مِنهُ اِنْثِيالُ

*

ثَغرُها عَذْبُ اِبتسامٍ

لُؤلؤٌ! ذاكَ اِحْتِمالُ

*

إِنْ وَصَفتُ الحُسنَ يومًا

فَهيَ للحُسن مِثالُ

*

بشِفاهٍ ظامِئاتٍ

شَبَقٌ فِيهَا اِشْتعالُ

*

رُبَّ حُلمٍ صارَ عَيْنًا

رُبّما يَأتي المُحالُ

*

وَاِلْتقيْنا ذاتَ صُبح

فِي الضُّحى يَحلُو الوِصَالُ

*

فاِرْتَشَفْنا واِنتَشيْنَا

خَمرةُ الحُبِّ حَلالُ

***

سُوف عبيد - تونس

لا أحتاجُ إلى المعجزات

كي أُربكَ يقينَكَ المرتَّب.

*

يكفيني أن أتأخّرَ قليلًا

في الردّ على رسائلك،

فتبدأُ عقاربُ الساعة

بالدوران داخل رأسك

*

يكفيني أن أقولَ جملةً ناقصة،

وأتركَ آخرَها معلَّقًا

فتقضي ليلَكَ

تُفتِّش عنها بين السطور.

*

لا أحاربُ حصونَكَ العالية،

ولا أقتحمُ أبوابَكَ المغلقة.

*

أنا فقط

أتركُ نافذةً صغيرةً مفتوحة،

وأدعو فضولَكَ للدخول.

*

أمرُّ قربَكَ

وأتركُ عطري في الهواء،

ثم أرحل.

*

أضحكُ في اللحظةِ التي لا تتوقّعها،

فتمضي بقيةَ يومكَ

تستعيدُ صداها في الأجواء ...

*

أنظرُ إليكَ

ثانيةً أطولَ ممّا ينبغي،

ثم أتظاهرُ بأن شيئًا لم يحدث،

بينما تكونُ قد خسرتَ معركةً كاملةً

دون أن ترفعَ سلاحًا.

*

بعضُ الحيلِ لا تراها

هي أشبهُ بخيطٍ رفيعٍ من الحرير،

يلتفُّ حول قلبِك ببطء،

حتى يكتشفَ متأخّرًا

أنّ الخيط إستحال شريانا أصيل منه

*

وأنتَ،

بثباتِكَ الذي يشبهُ الجبال،

تظنُّ أنّكَ بمنأى عن الارتجاف.

*

لكنَّ الجبالَ أيضًا

تغيّرُ شكلَها قطرةُ ماءٍ،

تعودُ كلَّ يوم،

بصبرِ العاشقين.

*

وأنا، لا أريدُ أن أهدمَ ثباتَكَ.

أريدُ فقط

أن أتركَ في جدارِه طاقة صغيرة،

تطلُّ منها عليَّ.

*

أريدُ أن أزرعَ اسمي

في أكثرِ الأماكنِ هدوءًا داخلك،

حتى إذا مرَّ طيفي يومًا

ارتبكتْ روحُكَ كلُّها،

وشعرتَ أنَّ شيئًا خفيًّا

يعيدُ ترتيبَ العالمِ في قلبك.

*

هكذا أحتالُ عليك.

بتلك النظرات

بتلك الكلمات،

التي، تشقُّ طريقَها نحو أعماقك

بثباتِ نهرٍ يعرفُ منذ البداية

أن البحرَ ينتظره.

***

|مجيدة محمدي

لَكَمْ كانَ الغِيَابُ شِتَاءَ رُوْحِي

وأَنْتِ الصَّيْفُ يُشْرِقُ مِنْ جُرُوْحِي

*

تَرَمَّلُ، وَشْكَ بَيْنِكِ، رَمْلُ بِيْدِي

وتَصْهَلُ، مِلْءَ ما اشْتَاقَتْكَ، رِيْحي

*

صَقِيْعُ النَّاي يَبْكِيْنِي مَسَاءً

ونَارُ العُوْدِ تَسْقِيْنِيْ صَبُوْحِي

*

كأَرْحَامِ الأَرَامِلِ جَفَّ عُمْرِي

عَلَىٰ ذِكْرَىٰ الوِصَالِ بِعَصْرِ (نُوْحِ)

*

يُمَنِّيْ جُوْعَ أَيْتَامِ القَوَافِي

فَوَاكِهَ مِنْ فَرَادِسِكِ النُّزُوْحِ

*

فتَخْنِقُ طَائِرِيْ (عُرَبُ) الأَغَانِي

بِما حَامَتْ عَلَىٰ اللَّحْنِ الطَّمُوْحِ!

*

* * *

نِدَاءُ الكَوْنِ يَحْسُوْ كَأْسَ كَوْنِي

ودِجْلَةُ نَهْرِكِ الرَّيَّانِ تُوْحِي:

*

بِأنَّ رَبِيْعَ زَهْرَتِنَا خَرِيْفٌ

إِذَا مَا صَوَّحَتْ بِيَدِ الشَّحِيْحِ

*

وهَلْ قَطْرُ الحَيَاةِ سِوَىٰ رَصَاصٍ

إِذَا لَمْ تُرْوِ فِيْكَ صَدَىٰ الذَّبِيْحِ؟

*

كَأَنَّ العِشْقَ حَقْلٌ مِنْ نِصَالٍ

جَنَىٰ ثَمَرَاتِها أَبدًا قُرُوْحِي

*

ويَكْذِبُ مَوْسِمُ العُشَّاقِ ما لَمْ

يُشَنِّفْ بِالنَّدَىٰ شَفَةَ الضَّرِيْحِ

*

ومَنْ يَرْسُمْ كِتَابِ الشِّعْرِ وَجْهًا

يُجَمِّلُ وَجْهَ مَنْثُوْرٍ قَبِيْحِ

*

كَمَنْ يَرْكَنْ لِأُنثَىٰ مِنْ سَرَابٍ

تُرِيْ الصَّحْرَاءَ شَمَّاءَ الصُّرُوْحِ!

* * *

كبَارِحِ خَاطِرٍ، لا طَارَ عَنِّي

ولا أَمْسَكْتُهُ، غَرِدَ السُّنُوْحِ

*

يُكَتِّمُ حُبَّهُ دِيْنًا سَؤُوْلًا:

أكُفْرُكِ دِيْنُهُ في أَنْ تَبُوْحِي؟!

*

ولٰكِنْ رُبَّ بَوْحٍ شَابَ صَمْتًا

وصَمْتٍ شَبَّ كالبَوْحِ الفَصِيْحِ

*

فبُوْحِيْ بِالمَحَبَّةِ، أو دَعِيْنِي

لِصَمْتِكِ، كالمُرِيْحِ المُسْتَرِيْحِ!

* * *

أُغَنِّيْ كُلَّما هَبَّتْ جَنَاحِي:

جَنُوْبًا أو شَمَالًا تِلْكَ رُوْحِي

*

بِلَادِيْ حَيْثُما أَلْقَيْتُ رَحْلِي

فثَمَّةَ مُلْتَقَىٰ الكَوْنِ الفَسِيْحِ

*

بِلَادِيْ حَيْثُما أَطْلَقْتُ طَرْفِي

تَخَطَّتْهُ رُؤَىٰ الطِّرْفِ السَّبُوْحِ

*

ومَهْما طَالَ في البَيْدَاءِ تِيْهِي

لَسَوْفَ أَعُوْدُ مِنْ وَجَعِ المَسِيْحِ

*

أُعِيْدُ بِنَاءَ آفَاقِيْ بِأَمْسِي؛

فيَوْمِيْ اجْتَازَ خَيْلَ غَدٍ جَمُوْحِ!

***

شعر: أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

هل أصدّق نفسي؟

قد أكون بالغت كثيرا في شروطي مع صانع المرايا. هذا يثبت كوني بعيدا عن الفضول، ولا أرغب في أن أعرف عن نفسي من الآخرين. مسألة الإطار تهمني، والزخارف التي تحيطه لا أعيرها اهتماما. ورود.. شجر.. ورق.. امرأة عارية، فقط أحب أن يكون الإطار بلون ذهبي دائريّ الشكل. بتصوّري أنّ المرآة يعنيها وجهي أولا وأخيرا، ولا أناقض نفسي حين يكون وجهي طوليا والمرآة مدوّرة. الدائرة أكمل ىالأشياء تحافظ على ما تحيط به، ولا تفرّط فيه ويمكنها أن تقرأ وجهي الطولي بنفس الدقّة التي تظهر فيها بقيّة الوجوه.

  بلا شك ليس خطأ صانع المرايا. 

فأنا كتبت اقتراحي حين دخلت المحل.

فإذا ما عدت إلى زمن أبعد أي قبل يوم.  ذلك الصباح وقفت أمام المرآة حلقت ذقني وأنا أصفر وأدندن مع نفسي. كنت في غاية المرح.. ثم. غادرت المنزل.. وجدت في الطريق صديقا لا أعرفه يكذب.. تطلّع في وجهي وبادر :هل أنت متعب أرى وجهك ذا صفرة...

قلت والهاجس يزيدني حيرة:

لعلني سهرت الليلة الماضية، ثمّ سألت آخر:هل ترى شحوبا يلوح على وجهي، فأجاب بابتسامة عريضة:

أبدا أنت في غاية النشاط.

عندئذ عدت إلى البيت وأنا في شك.. هناك من يراني متعبا شاحب الوجه في الوقت نفسه كثيرون يجدونني أنبض  بالحياة، لو كان عندي مرآة راقية لاستغنيت عن كل الآراء. رميت مرآتي القديمة في الأزبال، وحين دخلت المعرض كانت المرايا تحيطني من جميع الأركان

راحت صورتي تتشظى الى عشرات الوجوه.

تنقسم

وتصطدم ببعضها. أصبجت أكثر من واحد. كل وجه من وجوهي الكثيرة يختلف مع تيار الضوء العابر إليه. اقتنعت أن أية منهن لاتمنحي وجهي الذي أريده.

أو وجهي الذي يرافقني.

قلت لصانع المرايا:

لا أريد مرآة تتدرب على وجهي كلّ يوم مثل التي كانت عندي من قبل.

فأجاب وهو يتابع الشروط التي دونتها أمامه:

لا تقلق أنت تريد مرآة غير عادية نحن الآن في عصر المعجزات.

وقد وفى الرجل بوعده

كانت مرآة لا تتدرب على وجهي إذ أراه شاحبا ويراه الآخرون ينبض بالحياة، بدت صافية لايعكرها الضباب ولا اختلاف النور، كل شئ ممكن، نحن في عصر يمكن أن نتحسس فيه مشاعر الأشياء الجامدة وشعورها الخفي نحونا.

 لم أعد  أقلق، أقف أمامها كلّ صباح وأثق بها، أخاطب الشخص الآخر الذي أراه: أجدك اليوم ياسيدي أنيقا، لا تشعر بالقلق، نمت البارحة نوما عميقا، وسوف تشرب قهوتك وتفطر بالزبدة والمربى، تمشي مسافة تروض رجليك، وتواصل عملك.

إنها لا تكذب علي

أصبحت صديقتي.

تخبرني عن نفسي وما يجب أن أؤوديه كل يوم.

لا أحد يخالفها منذ رأيت صورتي فيها.. تعكس صورتي كما أرغبها وترغب فلا يختلف فيّ أحد، وعلى الرغم من أنني أحب العزلة إلا أن هناك مناسبات تدفعنا إلى أن نزور الآخرين وندعوهم لزيارتنا. كانت مناسبة عيد ميلادي، أحضرت كل شئ، وقد حضر إلى منزلي بعض الأصدقاء والصديقات الذين لا ألتقيهم إلا في المناسبات، وفيهم من قرأ وجهي ذات يوم.

وقد فوجئت أنّهم ليلة حضروا لم يروا أيّ شئ. كانوا يظنونها لوحة فضية مدورة خالصة البياض تحيطها أوراق ذهبية خالصة البريق.

إنها لوحة جميلة توحي بالنقاء المتمثّل باللون الأبيض.

لم لا تكون الفراغ نفسه؟

قالت إحدى المدعوات، فعقب أحدهم

أو الكون البارد.

لا أحد منهم يقدر أن يرى صورته فيها. كانت فقط تختص بوجهي، وترفض الوجوه الأخرى، أهناك خلل، أم أنّها لا تريد أن تخونني مثلما تتعلق المرايا الأخرى بوجوه الآخرين غير أصحابها.

لكنني

أقسم أني أرى فيها وجهي. في غاية الحيوية والأناقة. غمزتها بعيني، فابتسمت لابتسامتي. تأكدت الآن أنها لن تحب الغرباء، وتحس بي وحدي.

وحدي أنا

تركت ضيوفي يتحدثون عن اللوحة والنقاء والبياض أو الكون، والدائرة المغلقة، وبين حين وآخر أتطلع فيها فأبعث لها ابتسامة أو قبلة، ولا وجهاً غير وجهي ينطبع على بياضها اللامتناهي.

***

د. قصي الشيخ عسكر

سائدونَ، مزاجيّةٌ ألوانُنا.

ارتجافُنا العاطفيُّ يقودُنا إلى تهدئةِ المواقد.

في الصيفِ يتبخّرُ البردُ،

قربَ فراغٍ بعيدٍ،

نخطو فوقَ خُطانا

ونجرّبُ ألّا نعودَ.

تلكَ مرّة،

كلُّ ما يبدو فيها

تلاوةٌ عذراءُ،

تُنجبُ لحنًا طريًّا من التخيّل،

كعزفِ نايٍ

مُرتبكٍ بأغنيةٍ مفقودة.

ومرّةً أخرى،

لا طريقَ يُشبهُ الطريقَ،

فنجرّبُ أن نعودَ،

ونسيرُ جنبَ خُطانا،

لعلَّ القلبَ يعرفُ نفسَه....

***

رجاء الغانمي - العراق

 

رجلٌ يقتربُ منَ التسعينْ

زوجتُهُ ماتت منذُ سنينْ

وله بنتٌ قسمتُها كانت في الصينْ

لم يبقَ لهُ غيرُ الجيرانِ إذا ما احتاجَ يهاتفُهم بينَ الحينِ وبينَ الحينْ

**

رجلٌ يقتربُ منَ التسعينْ

في يومٍ ما نَفِدَتْ حبّاتُ الاسبيرينْ

قرّرَ أن ينزِلَ للشارعِ

محنيّاً كانَ الظهرُ فلا يُبصرُ إلا قدميهْ

والخطواتُ خفيفةُ وَطْءٍ مثلَ الطفلْ

منذ زمانٍ لم يجتز بابَ البيتْ

حاولَ أن يتذكّرَ خارطةَ المنطقةِ ليخرجَ من تلك الأفرعِ لكنْ عبثاً

أوقفَ أشخاصاً بالعُكّازِ لكي يسألَهم لكنْ ظنّوهُ فقيراً

لم يعرف أحداً في تلك المنطقةِ سوى نخلةِ جارٍ كانَ صديقَهْ

وتذكّرَ كيفَ تسلّقَها أيّامَ شبابِهْ

كي يُهدي صُرّةَ تمرٍ لحبيبتِهِ

**

رجلٌ يقتربُ منَ التسعينْ

نسيَ لماذا خرجَ منَ البيتِ

وماذا يفعلُ وسْطَ الشارعِ

تتقاذفُه أكتافُ المارّينْ

مثلَ القشّةِ في سيلٍ عارمْ

***

عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

أنا لستُ صوتًا عابرًا…

أنا الفكرةُ التي تخيفُ الصمت.

*

أدخلُ الأمكنةَ فتعتدلُ المرايا من ارتباكها

كأنّ حضوري يعيدُ ترتيبَ الفوضى داخل الأشياء.

*

لي في الحياةِ شيءٌ يشبهُ العاصفة…

لا يُرى، لكنّهُ يغيّرُ شكلَ البحر.

*

أنا ابنةُ الأسئلةِ الكبيرة.. والثقيلة

تلك التي كلّما حاول العالمُ أن يضعها داخل تعريف

كسرتْ الجدارَ وخرجت.

*

لا يشبهني أحد

لأنّي لا أعيشُ كما يعيشون…

أنا أستهلكُ العالمَ بالتفكير.

*

أرى ما لا يُقال

وأسمعُ التعبَ في ضحكاتِ الناس.

*

وأعرفُ أنّ بعضَ الأرواح تموتُ واقفةً

دون أن يلاحظَ أحد.

*

أنا لا أبحثُ عن النجاة

أنا أبحثُ عن معنى يجعلُ هذا الخرابَ جديرًا بالقلب.

*

وإن سقطتُ يومًا

لن يكونَ سقوطًا…

سيبدو كأنّ السماء غيّرتْ مكانها فقط.

*

أنا المرأةُ التي تمشي داخل الزمن

كأنّها تتحدّاه.

***

ماتيلدا عواد- فلسطين

انقضت أيام العيد، وكنتَ أكثر الحاضرين رغم غيابك عن تفاصيل فرح نسائم العيد... لم نكن نتصور أن يأتي العيد وأنت في ذاك المكان البعيد الذي يحجبك عنا...

كان العيد محتفياً بك وبكل الأحاديث الطويلة التي تشبه غيمات مطر وضحكات...

هل تعلم مدى الفراغ الذي تركته وأنت الذي كنت أكثرنا حضوراً لافتاً من أي وقت مضى؟ كانت هيبتك رغم لطافة حضورك تعكس ذاك البهاء المكتمل لبيتنا...

جاء العيد، ومضى يلملم خفقات قلوبنا، ونحن نحاول أن نستحضر العيد بكامل أناقته ونصنع منه مزهريات ورد، ورائحة فرح...

كان العيد يجامل بهجتنا وأنت لست معنا، وكنا نحن نجامله بحضورك العطر وكأنك كنت ترسم تفاصيله معنا...

أحاول عبر هذه السطور أن أطيل عمر العيد حتى تأتي الأيام بلطفها الإلهي وتعيد في قلوبنا بهاء العيد، وأكتال من الفرح بعد كل تلك الأيام المصفرة وكأنها خريف طويل...

***

مريم الشكيلية / سلطنة عُمان...

ويْحَها من مدينةٍ ما رأى منـ

ـها الورىْ غيرَ نافعٍ ومفيدِ

*

وعليْها الورى بكلِّ خبيثٍ

ومُميتٍ وحاقدٍ ولدودِ

*

كم ألومُ الزمانَ أنّي لها وُلْـ

ــدٌ وقُبِّحْتُ أجلَها من وليدِ

*

كم رجَوتُ العليّ لو أنّني أُخـ

ـلقُ في رحمِ غيرِها منْ جَديدِ

*

فأنا ملزمٌ لترضى وأرضَى

بسبيلٍ فيه انْصلاحُ الوُجودِ

*

و حروبٍ لا تنتهي بحدودِ

و فناءٍ على مِثالِ الجُدودِ

*

وكثيرٌ على العصورِ رشيدٌ

وعلى هذا العصرِ بعضُ رشيدِ

*

ونهارٌ يمرّ أنسى به أنْـ

ـني لأمّي يكونُ لي يومَ عيدِ

*

لاجْتثاثِ العبيدِ تأتي بنا أمـ

ـمي وثأرٍ ممّن علَوا بالعبيدِ

*

بيدَ أنّا نجتثُّ دونَ انكسارٍ

و الورىْ حيٌّ إنّما من جليدِ

*

لا لأنّا أقلُّ بأسًا ونارًا

أو لمالٍ مُدّوا بهِ و حديدِ

*

بل لأمّاتٍ كلّما جُدْتِ مجدًا

جئْنَ كلٌّ بخائنٍ أو بليدِ

*

وبعَينِ القُنوطِ يبدو فناءٌ

وبعينيكِ النّصرُ غيرُ بعيدِ

*

ويمُرُّ الكريمُ ذكرًا ويُنبي

أنّك المعنى للعلا والخلودِ

*

ولِذُلِّ الذليلِ تُعطى سنونٌ

وبعزّ العزيز نيلُ الأُبودِ

*

فاغفريْ لي أمّاهُ ذنبي وجودي

رغمَ أنفي وأنفهِم بالمزيدِ

***

أسامة محمد صالح زامل

عندما صعد كريم إلى الحافلة، كان وجهه شاحبًا؛ وكاد ارتعاش يديّه واصطكاك أسّنانه يفضحه! وحاول دون جدوى، تجاهل قطرات العرق الباردة التي كانت ترشح من جبينه اللجين. بحث بعينيه المحمومتين عن مكان شاغر، ولكن الحافلة كانت مزدحمة بالمسافرين المتوجهين صوب السوق الشعبية، شهر رمضان في أوجه..؟ ورُغم الحرّ القائظ والازدحام الشديد، أظّهر المسافرون من أطفال ونساء وشيوخ تفهّمًا وصبرًا! كيف لا وهم في شهر رمضان الكريم..؟

تساءل كريم الشاب الصغير الذي لم يرتشف رحيق الحياة بعد..؟ لماذا ألقوا على كاهله هذه المهمّة الصّعبة التي لا تستطيع أن تتحملها حتّى الجبال؟ كان قلبه مفعمًا بالهموم كحقيبته الصّغيرة المملوءة بالمتفجرات والتي ستنفجر بعد دقائق معّدودة، شعر كريم بقشرة روحه تتشقق وهو قاب قوّسين، أو أدنى من الموّت، كان يتخبط بين الإرادة واللاّ إرادة..؟ بين الحياة والموت..

تذكر وصايا أمه المربية الفاضلة التي ذوّتت فيه قيمًا إنسانية عالية؛ “لا تفرق بين بني البشر يا كريم حتى لو اختلفوا عنك، بالدين أو الجنس أو العرق أو الطبقة!”

– كلّنا على باب كريم يا ابني..! والدين..؟ أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، بأي وجه سيقابل والدته يوم القيامة..؟ لطالما رددت أمامه مقولة غاندي الشهيرة: “لا تستحق أي قضية مهما سمت أن أقتل إنسانًا من أجّلها..” ربما سيرجعونه إلى والدته الغالية بكيس قمامة أسود مثل فعلته السوداء هذه..؟ التي ستُّنهي في غضون دقائق حياة أناس عزل، أصبحوا مشّروعا للقتل والسلب والنهب بسبب انتمائهم الديني أو الطائفي، أليّس الدين أمرًا شخصيا يصل الإنسان بخالقه؟ لا يُفرض أو يغيّر بالقوة! وشهر رمضان شهر الخير والبِرّ والإحسان..؟

أخذ قلبه يخفق بشدة؛ بل كاد يقف لصاعقة المفاجأة، عندما سمع صوتا أنثويًا ناعمًا يناديه:

- أخي كريم تعال لهنا ثمة مكان بجانبي..

اسّتدار للخلف ونظر كالملسوع مستغربا! من يعرف اسمه من بين هؤلاء المسافرين..؟ اسمه الجميل الذي انتقته له والدته من بين مئات الأسماء! كان هذا صوت ميّس صديقة أخته التي كانت تجلس لوحدها تتأبط سلة كبيرة بجانبها؛ إذ زاحتها قليلا وطلبت منه الجلوس، وأردفت قائلة بأدب:

-الحافلة مزدحمة يا كريم وأنت بمكانة أخي الكبير! تعال..؟ اجلس بجانبي..

حشر كريم جسده المرتجف في المكان الصغير الضيق، حيث فصلت السلة الكبيرة بينه وبين ميّس صديقة أخته التي نظرت إليه بخجلٍ، وأخبرته بأنها مُسافرة لجدتها المريضة، وتحمل لها بعض الحاجيّات والحلويات وأرّدفت قائلة:

– بالرغم من الوضع الأمني السيئ فلا بد أن تصل لجدّتها التي في أمسّ الحاجة لرعايتها..

كان يصّغي إليها وكأنّه يراها للمرة الأولى..! تفرّس بوجهها الذي يشّبه وجّه القمر وتعلّقت عيناه بعينيها التي انعكست فيهما غابات لوّزٍ، شعر أن ثمة شيء..؟ أزهر في قلبه.. انتاب كريم شعورًا بالخزي والعار عندما تذكر قصّة “ليلى الحمّراء والذئب” التي كانت تقصّها له دائما أخّته الكبيرة، عندما كان طفلاً صغيرًا، لطالما كره الذئب المتوحش التي أبتلع ليلى الحمراء وجدّتها وها هو يتحول لذئب بشريّ..؟ لن يبتلع ميّس وكل من بالحافلة.. بل سيُمزّقهم إربًا إربًا!

حاول أن يخفي ارتباكه وألمه في حقيبته المُفخخة، التي ستنفجر في غضون الدقائق القليلة القادمة! الويّل لهم هؤلاء القساة كحطّابِي الليل.. هؤلاء..؟ الذين أرّسلوه لتنفيذ هذه الجريمة النكراء بحق أطفال ونساء وشيوخ عُزّل وفي شهر رمضان الكريم..؟ واوهموه بأنّه سيحظى باثنتين وسبعين حورية في الجنة!

هل ستستمر سادية الرجل ونرجسيته حتى في الجنة؟ يصغّرون المرأة لتعّظيم أنفسهم؟ لماذا لا يكتفي بإنسانة طيّبة وجميلة على الأرض مثل ميّس مثلاً، يؤّمن لها العيش الكريم ويسكُب عليّها كوثر حنانَه واحترامه!

الوقت يمرّ سريعًا؛ يلتهم كل شيء، أنت الآن سيّد الموقف يا كريم! كن شجاعًا؟ ولا تستخف بوالدتك يا كريم، والدتك التي تتنفس من خلالك! هي لا تريدك أن ترحل بهذه الطريقة البربرية! تريدك أن تحيا من أجل الوطن، لا أن تموت من أجّله! وهي لن تزغرد لرحيلك! ستحرق كبدها يا كريم.. ولن تحظى قط بشاهدة قبرٍ، أو ينصب لك عزاء.. كما أوهمك هؤلاء الذين يقبعون في جحورهم كالفئران، ويساومونَ على حياة الناس العُزّل، وفي شهر رمضان المُبارك..؟ "شهر التسامح الذي فيه أُنزل القرآن" هؤلاء الذين يعتبرون أنّفسهم يد الله على الأرض، من سوّغ لهم أن يمارسوا طقوسهم دون رحمة أو تفعيل ضمير، ويزهقون حياة الأبرياء؟ متجاهلين أن الروح لا ثمن لها، الروح..؟ لا تقدّر بثمن.. هذه الوصفة السحّرية التي جرّعوك إياها، ستفتك بروحك وجسدك يوم القيامة! ترجّل يا كريم، إنهض! كن شجاعًا.. الله سبحانه وتعالى هو الذي خلقنا، وهو أرومة كل الديانات التي تصب في بحر نعّمته العظيم..

"من سوّغ لنا نحن البشر أن نسقي كأس الحِمام لإخوتنا في البشرية، كي نحظى بنعيم الجنان..! لماذا لا نصوم عن المحرّمات ونعمل الصالحات لنفوز بالداريّن؟"

نظر كريم لميّس نظرة يائسة كنظرة المستجير الذي يقول: أعتقني من الأسر.. وشعر أن فؤاده سقط في غمازتيها العميقتين، عندما ابتسمت له ابتسامة بريئة، صافية، صاغت حوله عبيرًا وريحان..

– ساعة النهاية تقترب! قم يا كريم.. ميّس صبية يافعة.. مثل أختك تمامًا..؟ هل تسمح لأحدهم بأن يسلب أختك نعمة الحياة؟ هيّا.. تحرك.. كنْ شجاعا.. لا تستجيب بما لا يليق بكرامتك، ولا يمليه عليّك ضميرك! إنت طيّب يا كريم.. هيّا.. العد التنازلي بدأ والعملية سوف تنتهي عند وقوف الحافلة لإنزال الركاب في مدخل السوق الشعبية، ومعّها ستنضم للمقبرة الكُبرى..

نظر كريم عبر النافذة الكبيرة، ثمة أشّجار وارفة الظل وأعمدة كهرباء مزينة بفوانيس رمضان، وسماء زرقاء صافية الأديم، أطفال صغار يتراكضون بسعادة على الأرصفة التي تكاد تبتسم لقدسية الشهر الفضيل.

نهض كريم من مكانه كالمجّنون؛ هرّول لسائق الحافلة وصرخ بصوتٍ كدويّ الرعد:

– توقف يا سيدي أرجوك..؟ ثمة حقيبة مليئة بالمتفجرات سوف تنفجر في كل لحظة دعني أرمِها خارجا هيا.. أسرع..

سادت الفوضى، وانتابت المسافرين حالة من الهلع والخوف ولكن هذا لم يزعزع ثقة كريم بنفسه، أو يثّنيه عن عزمه، نزِل من الحافلة بسرعة البرق بعد أن ترك المسافرين بحالة رعب كبيرة.. ركض عدة أمتار ورمى الحقيبة في شارعٍ جانبي خالٍ من المّارة لتنفجر في الفضاء الرحب..

أستيقظ كريم من غيبوبته ليجد نفسه ملقى على الرصيف، وقد تجمهر حوله حشدٌ كبيرٌ، وكانت ميس تبكي كالأطفال.. عن رفّ الذاكرة..؟ سرق صورة أمه.. نعم! أمه التي كانت تتمنى له دائما الصحة والعافية وطول العمر، وها هو يحقق لها أمّنيتها! هو لن يكون الذئب الذي أبتلع ليلى الحمراء ولن يكون يوسف الذي القاه إخوته في الجُب؛ وهؤلاء الذين أرسلوه لهذه المهمة أشدّ ضراوةً من أخوة يوسف.. سيكون قوس القزح الذي تعانقه كل العيون، سيكون قنديل رمضان الذي تزدان به كل البيوت والمائدة المتواضعة التي تُشّبع كل الأيدي.. سيكون الزاد والدواء على عتبة المحتاج، والماء العليل على شفة العطشان!

نهض كريم من مكانه كان صوت المؤذن يعانق السماء؛ توجّه كريم للصلاة، نعم سيصلي بكل جوارحه.. بأن لا تمطر السّماء سحائب سوّداء في رمضان.. يُريدها أن تبتسم الشمس في رمضان.. كريم..؟ لا يريد.. أن تنزف الشمس بعد الآن..

***

قصّة قصيرة

شهربان معدّي

........................

*القصة مهداة لكل ضحايا الإرهاب في كل زمان ومكان، بغض النظر عن دياناتهم وأصولهم وقوميتهم، ضحايا حُرموا نعمة الحياة، بسبب أُناس عمت الأثرة والأنانية بصيرتهم، وأظلم الحقد قلوبهم، وطمست الكراهية والتعصب الأعمى، معالم انسانيتهم.. وحين يسألونك عن الجهاد الحقيقيّ، أخبرهم أن أصدق جهاد، هو قدرتك على أن تجعل هذا القلب نقيًّا صالحًا، للحياة على الأرض، قبل كل شيء..

غَداً عِيدٌ وَلَكِن مَن نُعَايِد؟ ...

وَأنَّ لِفَقْدِكَ الدَّامِي نُكَابِدُ

*

​غَدًا عِيدٌ وَأَفْرَاحٌ وَجَمْعٌ ...

وَبِي شَوْقٌ لِوَجْهِكَ في تزايدْ

*

تَذَكَّرْنَا زَمَانًا قَدْ تَوَلَّى

وَأَعْيَادًا بِقُرْبِكَ لا تُعَاوِدْ

*

يَجِيءُ مَعَ الصَّبَاحِ وَفِيكَ نَجْوَى ...

وَدَمْعُ العَيْنِ فِي المَحْرَابِ جَامِدْ

*

صَبَاحَ العِيدِ تَرْكُضُ نَحْوَ حِضْنِي ...

كَطَيْفٍ مِنْ جِنَانِ الخُلْدِ وَافِدْ

*

​غَدًا عِيدٌ وَصَحْبُكَ قَدْ تَلاقَوْا ...

وَدُونَ لِقَاكَ دَمْعُ الوَجْدِ شَاهِدْ

*

​وَلَكِنْ ذِكْرُكَ الغَالِي أَنِيسِي ...

وَشَوْقُكَ فِي حَنَايَا الرُّوحِ خَالِدْ

*

​حَبِيبِي كَيْفَ أَفْرَحُ فِي عُهُودٍ ...

وَنُورُ العَيْنِ تَحْتَ التِّرْبِ رَاقِدْ؟

*

وَمَا عَادَتْ لَيَالِينَا الخَوَالِي

وَلَا عَادَتْ لَنَا فِيهَا المَوَاعِدْ

*

​وَكَمْ كُنْتَ الصَّغِيرَ إِذَا ابَتسَّمْتَ ...

تَسَاقَطَتِ الهُمُومُ على الوسائدْ

*

​تُرَتِّبُ ثَوْبَكَ العِيدِيَّ فَخْرًا ...

وَتَسْأَلُنِي: جَمِيلٌ مَا أُشَاهِدْ؟

*

وَتَسْتَفْتِي المَرَايَا فِي ابْتِهَاجٍ ...

فَيَخْتَزِلُ البَهَاءُ عَلَى القَصَائِدْ

*

فَأَضْحَكُ وَالدُّمُوعُ تَفِيضُ سِرًّا ...

وَأُخْفِي مَا بِقَلْبِي وَهْوَ جَاهِدْ

*

​أُقَلِّبُ فِي الخَزَائِنِ بَعْضَ عِطْرٍ ...

لَهُ فِي الصَّدْرِ أَشْوَاقٌ تُعَانِدْ

*

​وَأَلْمَحُ فِي الزَّوَايَا ظِلَّ خَطْوٍ ...

كَأَنَّكَ لَمْ تَغِبْ وَالبَيْتُ شَاهِدْ

*

أُنَادِي يَا بُنَيَّ وَمَنْ يُجِيبُ؟ ...

سِوَى صَمْتٍ يَرُدُّ وَلَا يُسَاعِدْ

*

وَيَبْقَى العِيدُ يَسْأَلُنِي بِحُزْنٍ ...

أَيُورِقُ بَعْدَ فَقْدِكَ عِيدُ وَالِدْ؟

*

​سَأَلْتُ اللهَ يَجْمَعُنَا قَرِيبًا ...

بِدَارٍ لَا فِرَاقَ بِهَا يُعَاوِدْ

*

هُنَاكَ سَيَرْجِعُ الضِّحْكُ المُغَنِّي

وَيَهْدَأُ فِي الحَشَا وَجَعٌ يُكَابِدْ

*

هُنَاكَ سَأَحْتَوِي رُوحًا تَمَنَّتْ

لِقَاءً بَعْدَ مَا طَالَ التَّبَاعُدْ

*

​هُنَاكَ سَأَحْتَوِي وَجْهًا أَحَبَّتْ ...

مَلَامِحَهُ المجالس والمعاهد

*

وَأَهْمِسُ: يَا بُنَيَّ، دَنَا سُرُورٌ

وَفِي الأَكْوَانِ يَشرق كلُّ عَائِدْ

*

فَلَا حُزْنٌ يُقِيمُ عَلَى فُؤَادٍ

إِذَا مَا اللهُ يُجْزِلُ كُلَّ وَاعِدِ

***

د. جاسم الخالدي

وحدي في خيمتي،

وقفت دقيقة صمت...

حزنًا على حالي.

حزين أنا كـ(شنكال)،

مكسور الخاطر كـ(سيباى)،

ووحيد مثل داري.

(2)

كتبتم في جرائدكم ومجلاتكم كيف احترقت خيمته،

وأعلنتم على التلفزيون كيف مات حرقًا،

ولم تسألوا أنفسكم أبدًا...

كيف كان يعيش؟

(3)

أصابعكِ ما مدّت يومًا لتلامس أصابعي.

دائمًا كان هناك غراب ساخر،

ريح تلهو،

ومطر ينوح.

أما أصابعكِ،

فبقيت دافئة في جيبكِ كحلم.

(4)

في ليل ألمي الطويل،

أناديكِ بصمت...

أعلم كم أنتِ بعيدة،

ولكن اسمكِ حين يرقص على شفتيّ

يريح صدري المتعب،

يزيل ألم كتفي الأيسر،

تهدأ صرخات ركبتي،

وتعود شراييني للعمل،

وأتصالح مع قلبي.

(5)

"أقبل الليل"..

وتسللت الكآبة إلى المواويل.

قطار الرغبة يقطع الذاكرة ذهابًا وإيابًا.

ومثلكِ أنا أيضًا،

لا أؤمن بالحبّ القريب،

ولكنكِ بعيدة جدًا،

كقرية (شنكالية).

(6)

في حبّي لكِ،

الهجر كان فضيلة،

أيتها القروية الجميلة،

كنجمة بعيدة.

(7)

الخيمة تطل على نوح الأغنية،

المطرب الشعبي حزين،

كل حفلات العرس هاجرت إلى ألمانيا،

وحجول جبل (شنكال) التحقوا بكورال الكنيسة القريبة.

***

مراد سليمان علو

 

أنثى ولو بلغتْ تسعاً وتسعينا

فالعمرُ ليس يُضيرُ الحورَ والعِينا

*

كريمةُ الحسن لكن جدُّ باخلةٍ

فليس تعطي المنى الا أحايينا

*

تُعطي ابتساما وشيئاً من تلفُّتها

ولا تَزيد.. فعشتُ الحبَّ مسكينا

*

كانت فتاة كضوء الشمس مُغمِضَةً

وكنتُ طفلا صغيراً أقطفُ التينا

*

أحببتُها يا لقلب الطفل قد ركضت

به السنين فمن عشرٍ لعشرينا

*

للآن رائحة التفاح تلطمه

يوماً دنت منه أو أدنت بساتينا

*

بيضاء حمراء ما أحلى امتزاجَهما

في وجهها البضّ إغراءً وتلوينا

*

شفَّافة مثلُ اقداح الزجاج، أرىى

عروقَها من صفاء الجلد تبيينا

*

تسوَّل الطفل منها الحبَّ لاهية

عنه لغيرٍ فزاد الحبّ تمكينا

**

تصولُ فيه خيولُ الشوق صاهلة

وقد تراه من الصفنات مسكونا

*

تدري مريضاً بها والبرءُ في يدها

فما شفته وأعطته التساكينا

*

يغفو على نظرات اذ تهدهده

كالطفل بعد صراخ ارتخى لينا

*

أعطى لها الله ما لم يعطِه أحداً

حُسنا تجاوز قدرا كونُه طينا

*

وحينما دارت الدنيا دوائرها

وهرول العمر يجتاز الميادينا

*

قالت: كبرتَ، فقلتُ اليوم في نظري

كما رأيتكِ، بل ما زلتِ تحلينا

*

قالت أنا اليوم في السبعين قلت لها

إذن تصيرين أحلى في الثمانينا

*

وان تجعّد وجهٌ وارتخى جسدٌ

زادِت جمالا من المرَّات تسعينا

*

مثل الزبيب اذا ما صار منكمشا

أحلى من العنب الريَّان يُغرينا

*

يوما أرتني جمالا وهي غافلةٌ

للآن أذكره الحينَ والحينا

*

أستغفرُ الله دوما اذ تقابلني

مما تثير، فأخشى اللهَ والدِّينا

*

بعضُ القديماتِ أحلى من محدَّثة

وهل تساوي مع اليابان أَلصينا

***

الدكتور محمد تقي جون

......................

* كانت في ريعان الشباب كالشمس تَغمض العينُ اذا حدّقت بها، وكنتُ في رعونة الطفولة فأرقت براءتي وسلبتها

ولأني اُحبُّ البلادْ

مثلما يعشقُ النهرُ جرفَهْ

*

ولأني اُحبُّ البلادْ

مثلما يعشقُ النخلُ ضفَّهْ

*

ولأني اُحبُّ البلادْ

كنتُ أعرفُ انَّ المدنْ

تدورُ على فلكٍ شمسُهُ لا تترمدْ

تتوهجُ حدَّ اضاءةِ أقصى حدودِ الدنى

وتمطرُ نوراً طوالَ دهورٍ

ولكنها تتجددْ

وبغدادُ اسمُ البلادْ

ومازال: بغدادْ ..

مزيجٌ غريبُ لنهرٍ مِن الماءِ والنارِ فيها

ولؤلؤُهُ مِن بناتٍ مررنَ بأحيائها عابراتْ

فجاءتْ طيورٌ مهاجرةٌ من بعيدٍ الى منزلٍ

اسمهُ: دجلةٌ وفراتْ

*

وبغدادُ كلُّ أهالي العراق بنوها ومِن ساكنيها ..

والذين نأوا

حملتْهمْ اليها بأفئدةِ الوجدِ أجنحةُ السندبادْ

***

شعر: كريم الأسدي

19 ايار 2026، بغداد

 

أقبلَ الأضحى فأزهى موطنِي

وتسامى الحلمُ فينا مُعلَنا

*

وانثنتْ أنغامُ تكبيراتِهِ

تملأُ الآفاقَ نورًا مُسكَنا

*

يا هلالَ العيدِ حلِّقْ باسمًا

واملأِ الدنيا صفاءً بالمنى

*

واستفاقَ الفجرُ في أثوابِهِ

ينثرُ الإشراقَ نورًا مُحسَنا

*

والأماني أشرقتْ في عيدِنا

مثلَ نصرٍ في الدُّجى قد أُعْلِنا

*

فاسعدوا بالعيدِ وامضوا فرحًا

إنَّ أيّامَ الصفا لا تُقتَنى

*

وخذوا من مهجتي ألحانَها

تستقي من نبعِ حُبٍّ أزمُنا

*

عادَ عيدُ اللهِ مختالَ السَّنا

فاستفاقَ الشوقُ عطرًا مُتقنا

*

يا رفاقَ الودِّ هذا عيدُكمْ

فاقطفوا من زهرِه ما أمكنا

*

يا أحبَّ الناسِ هذا عيدُنا

فاملؤوا الدنيا سرورًا آمِنا

*

يا صباحَ العيدِ هلّا أقبلتْ

من رُباكَ البِشرُ أنغامًا لنا

*

واستدارَ الكونُ في أفراحِهِ

مثلَ بدرٍ في الدُّجى قد زُيّنا

*

كلُّ عامٍ والمنى تحيا بكمْ

والهنا يكسو خطاكمْ أينما

*

نحنُ ما زلنا نحبُّ العيدَ إذْ

يجمعُ الأرواحَ قربًا حولَنا

*

فامضِ يا عيدُ وخلِّفْ في المدى

أثرًا يبقى بقلبي مُزمِنا

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

لا بأس أن تنوي القصيدة

فقط

يَلزَمُكَ مجدافٌ بنافذةٍ طليقةٍ

يَتشَبَّثُ بأنامِلِكَ البيضاء

ونَفَسٌ طويلٌ

يتحلّى ببديعِ تَدفُّقِكَ الفريد

وأنثى تَكتحِلُ حضارتها

بمدنيَّتُكَ العبقريةْ!

*

قراصِنةٌ بثيابٍ ورَقيةٍ غامِقةٍ

تَتَرصَّدُ بَثّكَ

كي تتبنَّاهُ وتُلفِتَ الفضاءِ الطيفي

بأنّ لها بريقٌ ذائعٌ

وثيابها أنيقةْ!

*

لذا

لا تَفْرُكَ عينيكَ أمام مِحبرةٍ

تَستَدرِجكَ

بموسيقا غضّةٍ الفؤادِ

وأزياءٍ تُصَفِّقُ بإيعازٍ

فتدفَعكَ إلى الغناءِ شَبِقَيَّةٌ ساذجةٌ

بانفتاحٍ صناعيٍّ

وذكاءٍ مُفْتَعَلْ!

*

لذا..

أنت أذكى!

***

محمد ثابت السُّمَيْعي

 

العازِمون على بِناءٍ زاهرٍ

بجذوره تِبْرٌ، ونَجْمُه ساطِعُ

*

شُمُّ الأنوفِ، إذا تواصل حَسْمُهم

صوْبَ المَعالي، فالحروفُ لَوامِعُ

*

حُسْنُ الظنون، له شُروقٌ دائمٌ

والودّ ُ دوما، في رخائه يرتعُ

*

لو كان يُسْمَعُ ما يفوه به الجّوى

ما صار في نَسْج الكلام تَصنّعُ

*

يَكفي البعاد، وليت عُذرَكَ شافِعٌ

أنْصِفْ، فقد آواكَ قلبٌ مُولَعُ

*

يامَن يحدِدُ، في نواياه المَدى

طَبْع الليالي في الفراق مُنَوّع

*

الوَصلُ إنْ بلَغَ النَّقاءَ، بِودِّه

عَينُ الحسود، لِقَطْعِهِ تَتَسارَعُ

*

سلِمَ اليَراعُ، إذا بِقَبْضَته عَلا

شأنٌ... وطاب بعزفه المتوَجِّعُ

*

يامَ ن يلوِّحُ، بالإشارة شاكيا

غَلَبتْ عليه، عواثرٌ ومَواجِعُ

*

للصبر باعٌ، في العلاج وخبرةٌ

ودِراية ٌ في الصّمْتِ نعمَ المرجِعُ

*

إن كان في الحِسْبان، ضوءٌ خافِتٌ

لابد مِن حَسْمٍ، لِما هو أنفعُ

*

رُبّ التأرجُح، بين (لا ونعم) به

تأخيرُ إقْرارٍ، لما هو أوْقَعُ

*

إنْ كان سَرَّكُم اللِقاءُ، بعفةٍ

ووفاءُ مَن تهوون قربه سامِعُ

*

فتحية للصدق، في أجوائه

نَبراتُ حُبٍّ، في الوَفاءِ تُشعشِع

***

(من الكامل)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

هذه الأيام أصبحت قلقا جدا

 بسبب شعري

لقد

بدأ يتساقط.. يتسلل مثل اللص، ويختفي

وليس معي سوى ضفيرة جميلة تعود إلى زمن الطفولة الراّقي

طبعاً

يثير استيائي حين أصبح أصلع. كثيرون لن يبالوا.. بعضهم يعدّه علامة للحكمة والرجولة

 لكني

أختلف تماما فمنذ بدأ شعري يتساقط راودتني رغبة سخيفة

مثل نكتة لا تجبر أحدا على الضحك

رحت أعد الصلعان الذين أقابلهم في طريق...

رأس فارغ من الشعر

أقرع..

والحكاية بدأت

بصلع خفيف راود الهامة

المعيار عندي يختلف عن الآخرين الذين لايبالون.. فأنا أرى الكثيرين منهم منافقين يظهرون أنفسهم حكماء بالصلع وفي السرّ يصرفون مالهم ووقتهم على وهم.. يركضون وراء سراب أو يرتدون الشّعر المستعار

ربما.. لايهمك عضو في بدنك

لا تعّده رمزا لوسامتك،

فمن حقي أن أنظر لشعري الكثيف بإعجاب ذلك الذي عايشته منذ ربع قرن

قد تقول لي حججي واهية. .. شعر الإبط وشعر العانة نقصّه.. نطرده بلا رحمة، لا يهمنا أن يتساقط أم لا، أقول بصراحة هذا شعر مخفيّ، يعيش في الظلمة يتغذى على النجاسة.. القذارة سبب بقائه وديمومته، أما شعري فيتغذى على دم الرأس.. أعلى قمة في قامة البشر.. على الفكر، إذا تساقط فذلك يعني أنَّ غذاء الفكر مصاب بعاهة ما. هناك تلكؤ يعيق الغذاء عن الوصول إلى القمة.. الآخر الذي ينبت في النجاسة أو بالقرب منها لا يعنيني

أنا نفسي أزيله فأشعر بالراحة

كأنني أزحت همّا يجثم على صدري أو جبلا عن طريقي...

لا أعجز عن أن أجيب على أي سؤال يخص الشعر بكل أحواله، ما نطرده نحن أو ما نأسف لفراقه.. صديقي جمال الذهب مصمم الأزياء الفكه الذي يعمل في الشركة معي، يقول لي :

عليك أن تقبل الواقع تروّضه تصادقه إذا أصبحت أصلع، ليذهب شعر رأسك.. صادق الصلع.. إنّه صديق دائم لايخونك ولا يفارقك مهما يكن أقلّ قبحا من الموت وتذكّر ياصديقي إنك تحلق لحيتك كلّ يوم!!

قلت على البديهة مثل الإلهام:

هناك ثلاثة أصناف ياصديقي من الشعر، ما يجب أن يبقى وهو الأجمل، ومايجب أن نزيله، وما يُستحبّ أن نحلقه، وهو المنافس الأقرب لشعر الرأس.. اللحية، شعر الرأس يدل على الجمال والوسامة ومادام شعر الوجه الأقرب إليه ولا يتغذى من الفكر أو النجاسة. مصدر غذائه مجهول فيمكن أن نحلقه أو نبقيه حسب رغبتنا، لكنه في بعض الحالات يتحول إلى بعبع يزيد من قسوتنا وتوحشنا ويدفعنا إلى العنف

كان على صديقي المرح في قسم التصميم هو وغيره أن يعرف أني أكثر ما أكرهه في الصلع أن يكون كثيفا عند الجنبين ولا شئ في الهامة

فراغ تام في الأعلى

يلمع تحت الشمس

يمكنك أن ترى صورتك فيه وهو يلمع

بداية تساقط شعري جعلني أراقب العابرين

كم رأسا رأيت في الشارع

أنسى العدد وأتذكره

بعض الأحيان أضيف إليه ما أشاهده، في الليل، على شاشة التلفاز، من صلعان وقرعان، من مذيعين ومغنين وملوك ورؤوساء.

لم تصبح حالتي مرضية ولا أظنّها ستتطوّر إلى هاجس.

أنا وسيم

عمري خمسة وعشرون عاما.. ليس في عائلتنا من أصيب بالصلع، وأنا في المرحلة الابتدائية، سألت أبي فأجاب إن عائلتنا لم تعرف الصلع من قبل وضرب لي مثالا بجدّي الذي وعيت عليه. يقال عاش 95 وتسعين عاما وكان شعره كثيفا جدا.. أسود.. ظلّ أسود ولم يتطرّق إليه الشيب.

واستفسرت من أمي فنفت داء الصلع من عائلتها. عندي خالات وليس لي أخوال. في كلّ الأحوال سلالة أمّي نقيّة.

ولكوني وسيما امتهنت عدة حرف. بدأت بالتجارة فتحت محلا للملابس النسائية وبعد عام استغنيت عنه وجدته لا يحقق طموحي في المال، ولا يحقق لي الشهرة... مارست مهنة الصحافة قبل أن أصبح مذيعا في محطة الإذاعة المحليّة. أما رغبتي الحقيقية فكانت أن أعمل عارضا للأزياء. ولا مشكلة عندي في الطول...

طولي 180 سنتمترا

هي..

آخر مهنة مارستها قبل أن يخونني الشعر..

وقبل أن أتحوّل بسبب الصلع إلى قسم الإعلان.

2

لا أغالي حين أذكر أن الزهو رافقني منذ الطفولة.

كانت أمي، إلى السنة السادسة، من عمري_ سنة المدرسة- تترك شعري يطول. اعتادت أن تسرحه كلّ يوم،، وتعمل لي ضفيرة فكنت أقف على منصة خشبية، أمام المرآة، في غرفة أبويَّ. أراها كيف تمشطه، ثمّ تأخذ بيدي أو تحملني بين ذراعيها وتسير بي إلى أبي في الصالة، فيداعبني بحنان، ويمرر يده على ضفيرتي. أراه يقول لأمّي:

- ألم يحن الوقت بعد لتقصي شعره؟

فتجيبه وهي تبتسم:

- حينما يلتحق بالمدرسة

وعندما حان الوقت، وقبل أن أرتدي السروال القصير و أتأبط حقيبتي المدرسيّة بيوم صحبني أبي، وأمي إلى صالون الحلاقة.. لم أخف أو أقلق.. كانت تجربة جديدة.. الحلاق فضّل أن تقص شعري فتاة ماهرة تعمل معه. وقد مرت السنوات ولم يغب اسمها عن بالي.. (سلافة) أجلستني على كرسي عال، وبدأت تقص شعري الكثيف، وكانت أمي تبتسم.. إنها المدرسة.. قالت الحلاقة عام دراسي سعيد، وبدأت يداها تتحرّكان أصبح رأسي بين المقص والمشط.. أوّل مابدأت بالضفيرة، هذه التي مازلت أحتفظ بها إلى الآن. وضعتها أمي في كيس، قالت: ستكون ذكرى، وأجاب أبي بهدوئه المعتاد:أصبح الآن رجلا بكل معنى الكلمة، وعقبت الحلاقة والمقص بيدها والمشط يسريان فوق شعري:

- الشعر زينة للنساء وهيبة للرجال إذا كان قصيرا.

منذ ذلك اليوم والضفيرة تلاحقني أو ألاحقها. بطولها وشكلها، وعقدها التي ضفرتها أمي. كنت أهملتها وفي هذه الأيام أدمنت على النظر إليها. مرتين أو ثلاثا في اليوم ثم وضعتها في درج الدهليز المؤدي إلى القبو كي أراها حيثما شئت.

عندها بعد أن انتهت الحلاقة من شعري ورشت على رأسي رذاذا باردا عبق الرائحة وخزتني بعض قرصات منه في عنقي..

بدأت بصورة أخرى..

لكن الأمر الخطير الذي تعرض له شعري لم يكن من الحلاقة بل من تلميذة معنا في المدرسة في الصفّ نفسه. اسمها لم يغب عن بالي، كنت ألتقيها في بعض الأحيان لقاءات عابرة، فبيتسم كل منا للآخر ويهز رأسه إذا التقينا في عن بعد إو نستعيد ذكريات الحادث على عجل إذا التقينا مصادفة وجهها لوجه..

كانت نادية أضخم منا - نحن طلاب الصَّفِّ الأوّل_تبدو أكبر لكنها في الواقع في سننا تماما

ست سنوات من يرها يظنّها في العاشرة..

فيها بعض الخشونة، شعرها قصير، أشبه بتسريحة صبي، ربما الشعر القصير لا يناسب وجهها الطولي، هيئتها.. سلوكها.. صوتها الخشن تلك صفات لا توحي بأنها من عائلة أرستقراطية مثل أهلي والعائلات الأخرى التي اختارت مدرستنا الخاصة ذات الأجور المرتفعة والمعروفة أنّها مدرسة أبناء الذوات بالوراثة.

ليست من عائلة فقيرة ولا متوسطة الحال، هذا ما عرفناه من آبائنا بعد مقلبها السمج معنا. قبل دخول الآنسة الصف، فتحت حقيبتها.. أخرجت منها مقصا ونزلت في شعرها من جهة الجبهة قطعت بعض الخصلا ثمّ دارت علينا على تطقطق بالمقصّ. راحت تقص وهي تقول:هكذا إذن أفضل.. أنت أجمل بهذه الصورة.. أنتِ أحلى.. نزلت علينا بلا رحمة.. صفنا فيه عشرون تلميذا وتلميذة.. لم تترك أحدا منا.. تلاميذ آباؤهم من كبار التجار وأساتذة الجامعات والضباط المعروفين وذوي المناصب العليا.

قصت شعرنا وهي تضحك وتغني

ولا تبالي

هكذا أفضل

ونحن جالسون صامتون مثل الخرفان

أدهشتنا التجربة حدّ الهدوء والسكون التامين

ووددنا لو ينصرم الدرس فننط إلى دورات المياه نتطلع في أشكالنا الجديدة الغريبة.

وحين طالعتني أمي في البيت شهقت وأخذت تلعن وتسبّ، وتدعي أن الطفيليات والرعاع أصبحوا في كلّ مكان، مثل الطاعون لاتخلوا منهم مؤسسة أو مدرسة ولا أيّ معلم يروده المجتمع المتحضر والعوائل العريقة..

رعاع

همج

متخلفون

وفي النهاية أخذني أهلي للحلاقة سلافة التي عجزت أن ترمم رتق الشعر فحلقته كلّه، وفي اليوم التالي بدا الصف كله أقرع حليق الشعر. قالت المعلمة لا تبالوا: هكذا كانت المدارس تفعل في القديم إذ يصيب القمل شعر التلاميذ بسبب البرد الشديد، كانت آنسة الصيف لينة تغالب ابتسامتها وتَدّعي أن حلاقة الشعر تقوّي الشّعر، فيما بعد أدرك أهلنا أن والد (نادية) من أغنى أغنياء البلد.. له شأن في الداخل والخارج.. من عائلة كانت معدمة لا علاقة لها بالترف والنعمة.. تختلف في ثروته الآراء والتخرّصات، والحقّ أصبح فعل نادية معنا ومع نفسها نكتة قديمة لم تستمرّ طويلا..

 قلت:

إني كنت ألتقي نادية في الشارع، لقد كبرت ومع السنوات اختفت خشونتها، وطال شعرها، أصبحت تعقده بتسريحة ذيل الحصان، بدت حقا أجمل وأكثر ليونة ورقّة ثمّ اختفت سنتين، وفي الأسبوع الأول لتساقط شعري المخيف التقيتها مصادفة وجها لوجه.. رأيتها بملامح أجمل، تسريحة ذيل الحصان نفسها. كانت تشعّ أنوثة وفتنة.

- نادية أين كنت؟

- تزوجت وغادرت مع زوجي إلى الخارج

قالتها بابتسامة عريضة شعرت معها براحة وخدر:

- أخبرك أن شعري بدأ يتساقط؟

فأطلقت ضحكة خفيفة:

- إذن لن تحتاجني ولن ينالك مقصي!

تحياتي إلى زوجك.

وافترقنا..

وكنت وصلت إلى رقم معقول من الصلعان الذين عددتم في طريقي، ولست متأكدا من أن شعري يخونني بعد

وصل الرقم عندي إلى خمسين أصلع هذا اليوم.

3

أظنّ أنّها الهامة.

النقطة العليا في الرأس.

أحد الأيام وقع بصري عليها فارغة، ولعلي تجاهلتها. وقتها تذكرت ألّا أحد من أهلي أصيب بالصلع على حدّ رواية أمي وأبي. لا أنكر أن بعض الهواجس راودتني، في العمل حيث اعتدت أن أرى وجه صديقي الساخر (جمال الذهب).. قلقي الذي لم يحتدم بعد دفعني إلى السؤال وأنا أطأطئ هامتي ليراها:

- هل ترى الفراغ في هامتي؟

- قد تكون بداية صلع أو تبقى بحجمها

- معقول

- ولِمَ لا في هذا الزمن كلّ شئ معقول وغير معقول!

هل أصبحت فيلسوفا؟

- يا أخي شعرك أو صلعك لن يغيرا العالم

- أظنهم سوف ينقلونني في حالة صلعي إلى وظيفة أخرى

فأطلق ضحكة طويلة وقال بسفاهة:

- في هذه الحالة لا ينفعك إلا حالة واحدة توقف توسع الرقعة أخلط في الليل قبل النوم عشر قطرات من بنزين الطائرات مع فصّ ثوم مهروس وادهن به شعرك ثمّ لفّه بقطعة قماش ونم.. مارس الطقوس كل ليلة مدة سبعة أيام ولا تقلق بعدها.

_حقا سخيف وأسخف منك من يسألك.

وقد رجعت إلى الضفيرة، هناك أشياء كثيرة تركها لي أبواي غفلت عنها في القبو، ودرج قديم وضعت فيه والدتي بعض الأدوات.. وعاء شاي خزفي.. مكحلة نحاس.. مرش ماء الزهر، أما القبو فكان يضمّ إرثا واسعا لعائلة أرستقراطية تكاد تقطع مابيني وبينها حياتي المختلفة تماما.

خنجر قديم، وبعض اللوحات الزيتية، وثمة فانوص كالذي كان يملكه علاء الدين، ودلّة قهوة، ومقص من فضّة. أشياء لا تنفعني ذكرتني بها الضفيرة في الدرج. قد أكون أحتاجها إذا بدأت عملية زرع الشعر.

أخرجت الضفيرة من الدرج لتكون شاهدا على كلامي وتجاهلت المقتنيات على أمل أن أبيعها ذات يوم.

استعرضت ذاكرتي وأنا مسترخ المشهورين من ممثلين ورؤوساء دول قهروا الصلع. مادمت قدتَ ثورة فيجب أن تبقى بشكلك شابا.. لو أصبحَ أصلعَ لبدا شكله بلحيته أكثر قبحا.. جيفارا قتل قبل أن يعتريه داء الصلع... الرئيس الكوبي استغنى عن شعر رأسه الذي لم يسقط بشعر لحيته الكثّ. أنا شخصيا أكره اللحية، وأكره وجوها ترتديها بعد أن استشرى التيار الانتقامي...

فتحت الدرج في غرفتي

الضفيرة بدأت تلاحقني

كل يوم

وشعري أخذ يهرب من رأسي

معادلة صعبة

فالرقعة في الهامة اتسعت

ستكون معي عند الطبيب لعلها تنفعني، وكان علي أن أستعيد شعري بأي ثمن.. بعيدا عن القضية الجمالية رأسي الأجرد لا يقدر أن يواجه المطر والبَرَد:

الطبيب الخبير نظر إلى هامتي، وقال بكل هدوء كأنّ القضية لا تعنيه:

هو الصلع، ولا مفرّ منه

طمأنّي صلع أم تساقط؟

صلع

قلت بأمل يائس

- صلع أم تساقط؟

- صلع وما عليك إلا أن ترضى؟

منذ أن وعيت، وجدت أمي تغسل كلّ أسبوع شعري بالبيض، وعندما كبرت، ودخلت المراهقة وضعت البيض والليمون على وجهي، مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع، ولا أمل لي إلا في الزراعة:

أليس من علاج؟ وعدت إلى الضفيرة القديمة فنظر إليها وقلت:

هكذا كان شعري قبل المدرسة بيوم، وتلك الضفيرة احتفظت بها والدتي للذكرى.

فعاد إلى واقعيته بوجهه الجامد:

لن تنفعك بشئ.

أضحك من شكل جديد ينتظرني في المستقبل، وأسخر من لحظة فكرت فيها أمي أن تجمع شعري كلما ذهبت للحلاق لتصنع منه وسادة مريحة:

- - الحق دكتور شغلي يتطلب أن أكون ذا شعر.. مهنتي عارض أزياء.. شكلي مقبول (تحاشيت أن أقول إني وسيم لئلا يتهمني بالغرور- ) والصلع يجعلني أفقد وظيفتي:

- لم لا تضع شعرا مستعارا على رأسك؟

- أكره ذلك.. أكره أن أستخدم وسيلة ليست ملكي.. قد يكون إحساسي ذا عامل نفسي كأنّي أضع بعضا من شخص آخر على رأسي يمكن أن يكون مات.

- هناك الكثيرون من الممثلين والمشاهير لجأووا لهذه الوسيلة؟

قلت متباهيا:

- كلّ له طريقته، لكن ماذا عن زراعة الشعر؟

بعد صمت قصير قال:

- لا أظن تنفع أنت عندك تساقط للشعر كله صلع بشكل قرع سوف يسري من الهامة إلى عنقك.. البصيلات تموت ولن يبقى مكانا ننزع منه أيّ بصيلات.

أقرع

أصلع

- هل أسافر للغرب؟

قال باستنكار كما لو كنت أتحداه:

ماذا يفعل الغرب لك هذا داء يقف العالم عاجزا أمامه!

نعم أعرف.. بلى.. عندي بصيص أمل.. الضفيرة أمامي، جيفارا الثائر ليس أصلع.. رئيس عربي أجرى عملية زراعة وشدّ الوجه كي تبقى الثورة شابة.. كاسترو استغنى عن شعر رأسه بلحيته.. أنا عارض أزياء.. خطواتي محسوبة.. حركاتي.. ابتسامتي. صحيح أنّ هناك من يبدو أجمل في حالة الصلع..

- هل نجرب.. بعض الدواء عسى ولعل يوقف التساقط.

- لك ماتشاء.. سأكتب لك دواء. ودواء آخر يمنع عنك القلق.. لنجرب مع ذلك لا أظنّ أنّ الدواء ينفعك.

5

الرقعة ازدادت يوما بعد يوم

كانت تسابق الدواء

وكانت حبوب القلق تدفعني إلى النوم.. ولم تنفع سوى أنّها استعادت شعري خلال حلم جميل.

كان حلما مشوَّشا في البدء

واتضحت معالمه شيئا فشيئا

كأنّما انبثق من ضباب كثيف إلى جوّ رائق

رحت فيه أدخل مدينة غريبة الأطوار لحظتها لم يخطر على بالي أني أقرع أم أبدو وبشعر كثيف

ولم يخطر لي قطّ أنّ ما لايمكن أن أحققه في الواقع أجده في الحلم

أو

ما أراه في الحلم لايتحقق في الواقع

ذلك ماحدث لي بالضبط..

في المدينة الغريبة الأطوار وجدت كل من فيها يحدّق بي..

وفي لحظة متأخرة عرفت أنهم كلّهم ذوو شعر أسود براق

النساء بضفائر تنحدر على ظهورهن فتكاد تلامس الأرض

وبعضهن بشعر منفوش يغطي الأكتاف، وأخريات يتباهين بتسريحات مذهلة.

ينظرن وينظرون

وعلى الرغم من وسامة الرجال

وجمال النساء

إلا أنّ الوجوه كانت حزينة كئيبة..

حتى الأطفال غادر الفرح قسماتهم

يبدون كما لو يعانون من شئ ما ينغّص عليهم حياتهم

فجأة

من دون أيّة مقدمات

.... قدموا إلي

.. تزاحموا حولي

انقلبت سحنة وجوههم إلى غبطة وحزن إلى انشراح

ابتسموا

غير مصدقين

أحاطوا بي

هتفوا بحياتي

ثمّ راحوا يضحكون

يرقصون.. يغنون....

شيوخ

شباب

نساء

أطفال

من البؤس انقلبوا إلى المرح

لا أدري في أيّ مدينة أنا

وأمام من أقف

مدينة أو بلد..

مملكة أو

جمهورية

إمارة

أي مكان أم أيِّ زمان..

راودني خوف!

أصبحت وسط الحشود التي ما انفكت تضحك وتهتف هتافات لا أسمعها وإن كنت أفهمها

في هذه اللحظة الحاسمة تخطيت الخوف، وانتظرت

انتظرت وربما خشيت أن ينقلبوا فجأة عليّ مثلما انقلبوا من الحزن إلى الفرح، ومن حسن حظّي أن الصفوف انشقّت عن طريق واسع ليتقدم نحوي رجل طويل القامة مهيب الطّلعة متوسّط العمر، حيّاني وانحنى لي. رفع يده فانفضت الجموع ثمّ قادني إلى مكان فخم..

بركة تعج بالأسماك الذهبية والشقراء، وتماثيل أسود تمجّ الماء من أفواهها إلى البركة، ثمّة قصر له بوابة ذات زخرفة تحكي عن ملحمة مفقودة. ظننت أنّي انتقلت إلى قسم الإعلان، فما أراه من مظاهر يوحي أنّ الأرض والوقت، والأجواء تهيأت لتصوير إعلان يكون لي فيه دور ما..

كان كل من في المكان ينحني لي. دخلنا بهوا واسعا ازدانت جدرانه بصف طويل من صور ذوي المهابة الصلعان مثلي.. حالة غريبة.. وانتهينا إلى غرفة مستطيلة، فيها مكتب، وكرسي فخم وبضعة كراس أقل فخامة. أشار مرافقي بيده نحو الكرسي الفخم، وقال وهو ينحني:

_تفضّل اجلس

جلست على الكرسي الفخم فشعرت بدبيب ما يسري في جسدي..

قشعريرة

رهبة

دفء

تيار لذيذ

قوة تصبح طاقة ناعمة تهزّ جسدي

انحنى الشخص الذي لم أعد أراه مهيبا منذ لامست مؤخرتي الكرسي الفخم:

كم من الوقت يستغرق الإعلان؟!

- هل تتفضّل يامولاي وتسمح لي بالجلوس؟

فأشرت إليه دون أن أجيب:

- تفضل

فانحنى وجلس، قال:

يامولاي لابدّ أنّك سمعت بالقانون القديم الضارب في القدم الذي بموجبه تختار البلدان حكامها من الغرباء والبلدان البعيدة.

- لم أفهم ؟هل لك أن توضح لي كلّ هذه الإشكالات.

يامولاي نحن شعب لا يسقط شعرنا، ومن يسقط شعره- وتلك ظاهرة تحدث عندما يموت لنا ملك- غير أننا وقعنا في محنة غريبة حين مات آخر ملك لنا قبل بضعة أيام و.. لم يسقط شعر أحد منا.. لعلّ الطبيعة تغيرت.. أظنّه التقدم الصناعي.. التلوّث أو الاحتباس الحراي، فعلا وجوه الناس الحزن حتّى قدمت أنت من بلاد بعيدة ورأينا رأسك خاويا من الشعر. كنت أنت الذي كسرت حزننا وقلقنا!

فوجئت

ها أنا أعيد مدينة حديثة إلى زمن الاغتراب.. مازالت شحنة الكرسيّ تجذبني، فتذكرت قلت:

ألا ترى أننا في حلم؟

- يامولاي أنت تراه حلما، ونحن نجده حقيقة ماثلة للعيان.

- أفرض أنّي صحوت والحلم كما أعلم لايدوم إلا بضع ثوان.

فابتسم ابتسامة غامضة:

عندنا الثانية تعادل سنين!

فتأملت في كلامه، وأيقنت للمرة الثانية أنّه إعلان: :

- ليكن لكن قل لي من أنت.

- أنا وزيرك الأول.. كبير السلطة بعد جلالتكم، والآن هل تسمح لي بالذهاب؟

أشرت إليه بيدي، فنهض وقال:

على فكرة يامولاي، من حقك أن تغير نظام الحكم من ملكي إلى رئاسي، مادام الحاكم الذي يخلفك- بعد طول العمر لكم- ليس من صلبك

تأملت لحظة.. المكان وهيبته وطراز البيت الفخم والبركة ومشهد الأسود جميعها توحي بأجواء ملكية، وتذكّرت أننا في عالم اليقظة نقدّم الملوك.. أصحاب السمو والفخامة لا يسبقون أصحاب الجلالة:

لا أظنّ.. دع الأمور كما هي (واستدركت): ماذا عنك أنت أتفضلني صاحب جلالة أم فخامة.

لافرق عندي يامولاي الأصل ألا تكون ذا شعر(ثم انحنى) هل تسمح لي بالذهاب يامولاي؟

تفضّل

وقبل أن يغادر استوقفته::

تذكر أن الطبيب كتب لي حبوبا تقوي الشعر تناولتها في يقظتي فماذا لو عاد شعري؟

فقال بتأثر:

آمل أل يحدث وإلا حسب القانون ستكون واحدا من الناس الذين أحاطوا بك..

تمسكت بالحلم أكثر وبالقوة التي تشدني. الكرسي الفخم الذي يداعب ظهري بنعومته، وعلوه والكراسي الأخرى التي لا تتطاول على كرسيّي. تمنيت ألا أصحو قط، وأعجبت بصلع كامل كرهته

قرفت منه

. صلع رفعني إلى أعلى سلطة في هذه البلاد

أنا الوحيد لا أملك مشطا..

وهي البلاد الوحيدة في العالم التي تنفرد بقانون عجيب يتفق عليه الجميع.

مع ذلك كانت الحبوب اللعينة ترافقني. قلت مع نفسي لا تضرّ. لن أرميها مادامت جاءت إليّ في حلمي مع ما حملت من شتات يقظتي.

هل خدعت نفسي؟

كنت أدوام عليها

سأحلق شعري.

كل يوم

لن أكشف عن حقيقة رأسي

عشت الوهم، وكنت أراهن على طول الحلم.. لا أريد أن أفقد سلطة الحلم الجميل، لديّ الوقت الكافي لكي أستيقظ حتى وجدت الحبوب التي تناولتها في السر، تحقق أمنيتي في الحلم..

وفت بوعدها في زمن لا أريده

زمن الحلم

الذي أصبحت فيه كبيرا من غير أن أقدم أيّ تنازل.

قبل أن أجوب تلك البلاد وأعرف وأعايش ناسها

وأعيش قدرتي

وقوتتي

وسطوتي

ولو للحظات

خانني رأسي

وخانني الطبيب

والدواء

لم ينحني لي الوزير

أنا جلالة الملك

أنا فخامة الرئيس

جاء الوزير الكبير، مع ثلة من المسلحين، لم ينحنِ لي أحد، قال بغلظة، بلغت حدّ الزعيق:

إنّه القانون الموروث لا تحاول أن تعصي مادمت بهذا الشعر فعليك أن تغادر..

قلت لا، فقد تسلل لي الداء من الصحو.

ازدادت حدته.. قرأت القرف يرتسم على وجهه :

لا نأبه لذلك أنت مخير بين أن تعيش مع الناس أو ترحل إلى حيث جئت.

دفعني الفضول:

هل حدث مثلما حدث لي مع غيري

أنت غيّرت عن عمد قانونا نعرفه منذ قرون.. كل الذين حكموا ماتوا من دون شعر.. (أشار بيده للحراس، وصمت)...

تقدموا نحوي، حاولوا أن يزيحوني من على الكرسي الفخم.. تشبّثت فيه بقوة.. بكلتا يدي.. زعقت

أنا جلالة الملك.. قبل دقائق كنتم تنحون لي

أنا صاحب الفخامة

لم يأبه لي أحد

انتزعوني بالقوة..

حملوني في الهواء..

. وقذفوا بي خارج الباب.

6

شعرت ببعض الألم في ظهري

تحسست رأسي فوجدته أقرع أملس وأني سقطت من على السرير، فهل يصدقني أحد إذا ادعيت أنّه ليس حلما.. مارأيت.. وسمعت وعايشت لم يكن واقعا ولاحلما.. لا أقدر على تسميته..

غير أن الحلم الغريب الذي عشته في النوم شهورا بدا - حسب الظاهر- فاتحة خير عليّ فكان ألم ظهري من سقطتي عند النهاية خفيفا لم يمنعني من الذهاب إلى العمل، وحالما وصلت أخبرني زميلي في قسم الإعلانات أن المدير يطلبني، وأضاف:

لعله يستفسر منك عن سبب تأخرك.

قلت ضاحكا:

الاحلام كبلتني إلى السرير هل تصدق؟

ياصديقي سبق أن قلت لك لن ينقلب العالم من اجل شعرك..

استقبلني المدير بترحاب كبير، طلب منّي بلطف أن أجلس، خمنت أنّه حديث لا يخصّ تأخري عن العمل، في البد كشف عن ارتياحه لعملي وعن عروض الأزياء التي قدمتها ولفتت نظر الشركات المحلية والعالمية. كان الرجل - ولاريب- مفتونا بشخصيتي الفذة، فما كان منّي إلا أن أوقفه عن الاسترسال في مديح إذا طال يفقد رونقه:

يا سيدي أشكرك على هذا الثناء العطر، (مازلت أعيش لذة الحلم الذي تأخرت عن القدوم في الموعد المعلوم بسببه، ومازلت أحسّ طعم الجلالة والمهابة وهناك، وأدرك- بعد استقبال المدير الناعم لي- أنّ رأسي الأقرع لن يعيقني عن العروض) وآمل أن أقدم عروضا أفضل.

فاتسعت ابتسامته:

- لا أعني الأزياء فإنها لم تعد تليق بك.

قاطعت بوجل:

- يمكن أن أعوض عن ذلك بالشعر المستعار (تحاشيت أن أذكر له نموذج شباب الثورة وحيويتها وأنّي في حالة الشعر المستعار أكره أن أحمل أيّ شئ كان في جسد غيري سوى أّي الآن أقبل على مضض) أظنّ ياسيدي.

بعضهم يليق له الصلع مثلما هو الممثل تيلي سافالاس هل ينكر أحد أن قرعته تزيده وسامة وتلألؤا

حقا ذلك أمر مثير للغاية.

- لم أفهم قصدك بعد هل أصبح ممثلا؟.

فقال يستدرجني:

- لو تساقط شعرك من الجانبين لكنت لم تستفد شيئا.. الآن أمامك فرصة لا تعوض.

- أصبح ممثلا. ؟.

فارتسمت ملامح الجدّ على وجهه، وقال:

أكثر أهمية من ممثّل.. أمامك عقود ليستغل العالم قرعتك.. الشركات العالمية.. عقود بالملايين، بين عشية وضحاها تصبح مليونيرا، تخيل الشركات المحليّة لا توقع مثل هذه العقود لكلفتها العالية.. لديك فرصة لتصبح أكبر بطل دعاية، ننقش المنتج الجديد على صفحتي رأسك بوشم تزيله كلّ شهر، تمشي به في شوارع البلد الكبيرة صورة أيّ الإعلان تزول من رأسك بعد شهر، فيأتي رسم آخر، ومبلغ جديد..

تأملت كلامه، وتساءلت:

- ألم تعد مهنة عارض الأزياء تليق بي.

فقال بحزم:

لا أظن.. لا أحب أن أخدعك.. أصحاب الملايين رؤوا نجاحك في الإعلان.. لديهم تاريخك بشعرك والآن أنت بشكل جديد لوضع آخر.. الملايين بين يديك.. والفرصة لا تأتي إلا مرة واحد.. الحياة يا صديقي لا أظنها تسير على نمط واحد!.

7

لم يكن أمامي إلا أن أقبل أمام عقد كان سخيا جدا.

حقا

أصبح المال يسيل بين يدي كالشلال..

ماخلفته لي العائلة الأرستقراطية لا يساوي شيئا مقابل الإعلانات التي أحملها على صفحتي رأسي، هيئة كاملة من مصمم رسومات وخطاطين وفنيّي مكياج يحيطون بي داخل المؤسسة: يثبتون الرسم على صفحتي رأسي ويعاينونه كلّ يوم..

لا أنكر

هناك بعض المنغصات ظهرت منذ اليوم الأوّل

أضطررت ألا أغسل رأسي إلا كلّ شهر مرة، ولا وجهي خشية من أن يصل رذاذ الماء إلى النقوش

وقد بدأتُ بإعلان عن عصير.

أسير في الشوارع

آلات تصوير تحطيني

عابرون يبتسمون لي

مارون يقفون يشيرون إلي

بعض الصخب أحيانا

بعض الدهشة

مشهد خلّاب لاتضاهيه أجمل المشاهد الخلابة في الطبيعة

أسير وأبتسم ليس أكثر

لا أكلم أحدا

ولا أرد على أي أحد

ألف الشارع مطمئنا.. منزعجا بعض حين، أجتاز مركز المدينة والشوارع في الأطراف وأظنّ أن هناك حراسامن حولي يختفون تبعثهم شركة الإعلانان لحمايتي من أيّ سوء

بشر وهميون...

مع ذلك كانت هناك مفارقات كثيرة في مهنتي الجديدة.

مفاجآت فاتني أن أنتبه لها..

بدأت بإعلان عن عصير على رأسي.

عايشته شهرا

أنام فيه

يأكل معي

أصادقه.. يصادقني

من أجله لم يطل الماء رأسي

أغلف هامتي وأصبّ الماء على جسدي كأنّ رأسي غريب عنّي

تجاوزت العصير واعتدت قضية الاستحام صار مألوفا لديّ أن استحم مرّة كلّ شهر، والإعلانات تتوالى على رأسي:

آيس كريم على رأسي

موز

أثاث.. كراس

دجاج

كباب.. فلافل..

ثمّ

جاء الإعلان المثير الذي نبّهني إلى أنّي تعجلت!

ربما الملايين التي رأيتها تلوح أمامي على الورق وانقلبت إلى جيبي جعلتني أتسرع

لم أحدد شكل الإعلان وما أريده أن يقع على رأسي

لم أفرض أيّ شروط..

كان هناك حذاء يقفز كثيرة ليقع على رأسي

حذاء على صفحة رأسي اليمنى

وعلى اليسرى خط جميل:

Puma

أمشي عدة كيلومترات في المدينة.. كاميرات التصوير خلفي..

صامت وسط الابتسامات واللغط

أقف وألتف لترى الجهتين صفحة رأسي

وفي الليل التقي نفسي ثانية أشاهدني من على شاشة التلفاز في عدّة تجلّيات:

في حالة وقوف، والحسناوات يحطن بي.. دوبلاج.. رائع. أقف:

Puma

وصوت المذيعة يصدح :إنّه حذاء الأجيال

يريح رجلك سيدتي

سيدي: هو هو الأفضل

هل ترغب في أن تربح جائزة الجري الأولى في أولمبياد 2030 إذن هو حذاء

Puma

الشاشة أمامي

تلفّني جهتا اليسار واليمين

تمثّلتني صورة العالم في كلّ لحظة، وسائل الإعلام تبث صورتي بكلّ اللغات مع كلّ سلعة جديدة تظهر على رأسي.. الشخصيّة الأولى في العالم.. الأرض محصورة بين اليابان والولايات المتحدة، وفرق التوقيت يجعلني أظهر كلّ لحظة في أيّ مكان وأيّ زمان.

ما من دولة أتجاهلها

أبدو لهم مرة حاملا عصيرا على رأسي

وأخرى حذاء

وثالثة يرى على رأسي الجائعون في الصومال وأثيوبيا طعام كلاب في غلاف زاهي الألوان

وتارة أخرى ترتقي على رأسي مقصات وسكاكين ومطارق.. صلعي أو قرعتي تجسدت فيها الرياضة والجوع والشبع والجمال.

حتى اقترب الإعلان الأخير

ذلك الذي دفعني إلى أن أكره نفسي

وصورتي التي يترقبها العالم كلّه

إنّ ماجرى في الإعلان الأخير فقد حدا بي إلى ثورة عنيفة كادت تخنقني:

اندفعت إلى السيد المدير في سورة غضب من دون أن أطرق الباب:

إهدأ.. إهدأ (قال عبارته ببرود تام)

مازلت محتدا.. الصداع كاد يفتك برأسي:

كان عليكم أن تراعوا شروط العيب.

فاحتد لكن ببرود:

العيب نسبي ما يراه مجتمع ما عيبا يراه مجتمع آخر غير معيب وأنت تنتقل كل يوم وفي كل لحظة من الشرق إلى الغرب فلن يقيدك عيب في مكان هو ليس عيبا في مكان آخر.

هكذا إذن!

نعم.. لقد وافقت منذ البدء وأظن أن النقود جعلتك لاتلتفت غير أني أقول لك لا تتهور فتخسر.. أنت الآن شخصية العالم الأولى.. ما من وسيلة إعلان لا تعتز بك.. لا تتهور..

عدت إلى غرفة المكياج.. فأزاحوا صورة الطفل ورضاعة الأطفال إعلان شهر انتهى. بدأووا يرسمون على صفحتي رأسي وسيلتي العيب

فخرجت إلى الشارع أحمل على جانبي رأسي شيئا غريبا :...

Condom

هذه المرة ازداد تفاعل العابرين معي

محطات التلفاز

نساء يتطلعن في رأسي بحياء

وأخريات يتضاحكن

شركات الإعلان قد تمدد إعلان الكندوم على رأسيبضعة أيّام أو، سوف يضعون مالا هائلا في حسابي، وربما يعيدون النقش بشكل جديد.

إعلان ناجح مذهل بكلّ المقاييس..

وفي المساء.. عدت إلى البيت مرهقا.. كان اليوم ممطرا وقطرات الماء تهبط على رأسي مثل صخر هائج..

لسعات، وقرصات

مع ذلك لم ينشغل العابرون بشئ آخر سوى النظر إلى رأسي المربوط إلى المطر. بدوت مبللا.. التقطت أنفاسي، وأشعلت المدفأة فشعرت بألسنة النار تداعب صلعتي وكتفي.

نسيت أني لم آكل منذ الظهيرة

وتابعت التلفاز

راقبت نفسي بدءاً من شرق آسيا

وقع بصري على امرأة معها صبي يشير إلى رأسي

فتضحك وتجيب بلغة لا أفهمها..

تايلند

ماليزيا

سيلان

الهند

وصل الإعلان إلى بلد أفهم لغته

المرأة نفسها بملامح أخرى والصبي نفسه، ءسأل عن الآيس كريم... يريد واحدا مثل الذي على رأسي فتقول المرأة إنّه ليس من المرطبات.. مازال الوقت أمامك إنه لي. وظهر قس بعد الإعلان يحاور مذيعا عن الإعلان.. يدعي أنّ حالة الكوندوم تشبه حالة رجل يلبس بدلة تقيه من انفجار عنيف بنسبة خمسين بالمائة.

ضحكت

العالم مشغول برأسي

وقرعتي

ما أراه رغم العيب يفند مقولة صديقي مصمم الأزياء، فما أراه وما أسمعه يثبت أن الأرض تنسى الحروب والمجاعة والأمراض.. الأوبئة.. الصراع وتلفت إلى رأسي ذي الإعلانات!

ضكت طويلا أإلى درجة أني شعرت بالعرق يتصبب من جبيني، فنهضت دونما هدف، وقصدت الممر المطل على القبو، رفعت خصلة الشعر القديمة من الفاترينا، وعدت للصالة فألقيتها في المدفأة

راحت تعانق اللهيب وتذوي مثل فراشة شقراء محمومة، في هذه الأثناء تسللت رائحة احتراق الشعر إلي فشعرت بدوار وغثيان فتمددت على السررير ولم تمض إلا دقائق وقد شعرت بالنوم يتجاذبني، فأغمضت عيني وقد نسيت أن أغلق الجهاز.

رحت أغط بنوم عميق والتلفاز أمامي يستعرض صورتي ورأسي بالكندوم يلفّ بي العالم من شرقه إلى غربه ولا يتوقف عن الدوران!.

انتهيت من كتابة رواية الجيب هذه مساء يوم 27- 5- 2026

***

رواية جيب

د. قصي الشيخ عسكر

 

لم يُفكر في الماضي، ولا اهتم بالمستقبل، لأن الحاضر كان يضج بالحلكة، الأبواب موصدة في وجهه، ولغة التواصل تعطلت وصارت أمرا نافذا لا يقبل النقض أو الجدل، طرقوا باب بيته هذا صباح، أخبروه أن قرارا بالهدم من أجل المنفعة العامة قد أصبح ساري المفعول، يَهُم بيوت الحي الذي ولد به وعاش كل ما انصرم من سنوات عمره،هو وأصوله ثم فروعه.

خرج إلى الشارع مترنحا، يحمل على كاهله كل هُموم العَالم، لم يكن وحده مَن ْ تلقى صفعةً هذا الصباح، بل كان الألم متقاسما بين كل الجيران بالعدل والقسطاس وكانت بذرة الغضب والتوتر قد تنامت وسيطرت على القُلوب والعقول، الوجوه اعتراها الوجوم والذعر، والأسئلة الثقيلة شَجّتِ الرؤوس.

“جُدران البيت ليست مجرد لَبِنَاتٍ وإسمنت، بل هي حياة تضج بالذكرايات، وصخب مسترسل من المشاعر، كل زاوية فيه تحكي عن ذكرى يمتزج فيها الفرح بالحزن، ويلتئِم الواقع بالحُلم، أما الحي فهو ليس مجرد أزقة تتقاطع فيما بينها، بل وجوه طيبة وأرواح حالمة تجمعها صلة وحب ومودة، ووشائج قرابة متشابكة، زُقاقه الضَّيق تَفوح منه رائحة الحبق ومِسك الليل، وجُدران بيوته المتعانقة وقد مال لونها إلى حمرة غامقة أقْرَب إلى لون التراب، كيف يمكن لقرار بِلُبوس المنفعة العامة، أن يبدد تفاصيل عمر كامل ؟“

قال بصوت تشوبه رنّة حزن وهو يُوجه الحَديث إلى الأعوان والموطفين الذين كانوا يحاولون شرح فحوى القرار المشمول بصيغة التنفيذ للجيران:

- أنا وُلِدت ُهنا، ووالدي فارق الحياة في هذا البيت.

ردّ أحد الأعوان:

- نحن هُنا مُجرد جِهة منفّذة، المنفعة العامة فرضت هدم منازل هذا الحيّ من أجل المخطّط التنموي الجديد للمدينة.

ارتفع صوته ويداه ترتجفان وهو يقول:

- وماذا عن ذكرياتنا؟ عن حياتنا؟ أين نذهب بأطفالنا؟

رد العون بصوت حازم موجها كلامه للحاضرين:

- لديكم مهلة خمسة عشر يوما لإخلاء بيوتكم، الاعتراض لن يوقف التنفيذ،

ويمكنكم مراجعة الجهة المختصة من أجل موضوع التعويضات

اِنسحب الأعوان والموظفون، دون أن يمنحوهم فُرصة للرد أو الإعتراض.

اِنفض الجَمع والكمد ينهش الحنايا ويفتك بالنفوس، هرول إلى بيته وقد مَسّه مزيج من الوجع والجزع، اِستقبلته زوجته بنظرات تَفيض تساؤلا، كلّمَها بصوت هامس مبتلعا حروف كلماته حتى لا تصل حشرجات صوته المخنوق لأسماع والدته المضطجعة بالغرفة المجاورة فريسة ً للمرض ووهن الشيخوخة:

“ قُضي الأمر ولم يعد أمامنا إلا أسبوعان لإخلاء البيت، وطي صفحة من أعمارنا، أسبوعان اثنان وتدكُّ آليات الهدم تاريخ حي بأكمله، مُحوِّلة ذكريات الأصول وغبطة الفروع إلى غبار تذروه الرياح”

عندما دخل غرفة والدته لمح في عينيها الذابلتين معالم تساؤل عميق، ابتسم في وجهها، مَازحَها في محاولة لكسر أجواء الحزن المُخيمة على المكان، وقال بصوت تشوبه نبرة حب:

- تبدين اليوم أكثر إشراقا، وجهك مفعم بالحياة

ردت وهي تحتضن مُحيّاه بنظراتها الواهنة وقد أدركت بحدسها أن شيئا ما قد وقع:

- لدي إحساس بأن أمراً جللا قد وقع، أرجوك أخبرني بحقيقة الأمر ابتلع غصته وتجمدت الابتسامة على وجهه، اقترب من حافة سريرها وأمسك يدها المتجعدة وضغظ عليها بحنو، محاولا التهرب من نظرات عينيها الكليلتين، ثم قال:

بسبب ضغوط الحياة “لا شيء يا أمي.. مجرد تعب عابر  "-

شدّت على يده بِوهن واِغرورقت عيناها بالدموع وهي تتطلع إلى النافذة المطلّة على الشارع، حيث كانت أصوات الجيران تتعالى في الخارج، همست بصوت متهدج:” فراسة المؤمن لا تخطئ يا ولدي، أشعر باهتزاز في جدران البيت وكأنها تنبئنا بأن القادم أسوأ مما نتوقع”

أمام طوفان حدسها، إنهار جدار صموده، دفن وجهه في صدرها وانهمرت دموعه مدرارة لتجيب عن السؤال الذي لم يقوَ لسانه على نطق كلماته الجافة، لكن زمن الكتمان قد انتهى والمنفعة العامة لم ترحم عجز والدته ولا ضعفها.

ساد فجأة صمت ثقيل في الغرفة، صمت لم تقطعه سوى أنفاس الأم المتلاحقة، التي سحبت يدها برفق من بين كفيه ثم استوت جالسة، جالت ببصرها بين جدران الغرفة، حدقت بشقوق السقف المهترئ، وتأملت صورة زوجها المعلقة بمواجتها في إطار باهت ثم تمتمت بصوت يصاحبه الوهن:

- سيهدمون المكان الذي رأيت فيه النور وتربى في أحضانه أطفالك؟ المكان الذي شهد شهقة والدك الأخيرة وهو يسلم الروح إلى باريها؟!!

رد بصوت تعمّد أن تشوبه دفقات حب وأمل في نفس الوقت:

- فداك ألف بيت “ ألمِّيمَة” المهم أن تكوني بخير، الله معنا ولن يتركنا فريسة لأحد.

استطاع أن يحتوي غضب والدته، ويقنعها بأنها إذا عمّت هانت، وأن كل سكان الحي يتقاسمون نفس الهّم، وأن العناد لن يغير من الواقع شيئا، وأن الرحيل قدر لا محيد عنه، اكتفت العجوز بالاستماع إليه وهو يتظاهر برباطة الجأش والثبات رغم أنه في قرارة نفسه كان يحس أنه تَعرض صحبة سكان حيه إلى ظلم وجور كبيرين، ثم أغمضت عينيها المتعبتين واستسلمت لنوم عميق، بينما انسحب هو من الغرفة بخطوات واهنة، يكاد ينفجر في صدره بركان هادر من الغضب، لقد تصرف بكثير من الرزانة كاِبن بارّ، استطاع بثّ الطمأنينة في قلب أمه، لكنه كإنسان كان يحس بتمزق داخلي وخنوع تام أمام القرارات المتوحشة التي لا تهتم بعَبرِات الأمهات ولا ضعف الأطفال.

اِنصرمت الأيام الخمسة عشر بسرعة البرق، وأخلى أغلب السكان منازلهم، ولم يَبْق إلا عدد قليل منهم كانوا بصدد جمع أمتعتهم بقلوب يعتصرها الألم، وكان هو واحدًا منهم، إذ نقل جزءًا إلى بيت خاله الذي كان يعيش صحبة أسرته بالديار الأروبية، والذي قبل إيواءهم حتى يتدبروا أمرهم فيما بعد.

بعد ظهور الجرفات وآليات الهدم طاف الأعوان على البيوت يحثُّون المتخلفين على الإسراع في الرحيل.

تصاعد الغبار، وهدير المحركات، وحوصر المكان بشكل كلّي حتى لا تقع حوادث أو إصابات، في تلك اللحظة القاسية تشاء الأقدار أن تسلم الأم الروح لباريها مع بدء عمليات الهدم، وكأنّ جسدها العليل رفض أن يرى جدران بيتها تنهار، وروحها آثرت الصعود إلى الرفيق الأعلى قبل أن أن تسقط اللبنات الأولى من غُرفتها الحانية.

أمام جلال الموت تراجعت أصوات المُحركات مرغمة، وتوقفت لُغة الأوامر، لتفسح المجال لذهول حاد صَبغ الوجوه بالحزن، رفض “هو” المغادرة ونقلَ الجثمان إلى أيِّ مكان أخر،هُنا لفظت أنفاسها وهنا يجب أن يقام واجِب عزائها.

بأيدي الجيران وعُمّال الجرافات وتحت أنظارِ رجال الأمن رُفعت خيمة العزاء سامقة وسط اليَباب والخراب، لم تُنصب الخيمة على أرض مُمهَّدة، بل رُكّزت أوتادها قسراً بين شقوق الحجر المكسور وقضبان الحديد الملتوي، وفوق أنقاض الجدران التي كانت قبل ساعات تحمل سقف غرفتها. تَمّ وضعُ الكراسي فوق الغبار الساخن، وفي داخل الخيمة، وُضع نعشها كشاهد أخير على هوية المكان المفقود.

توافد سُكان الحي بأكمله، من رحل منهم ومن كان يستعد للرحيل، ليتجمعوا في تلك البقعة الضيقة التي اختزلت مأساتهم المشتركة. اختلطت أصوات تلاوة القرآن بهدير الآلات المتوقفة على مضض في المحيط، وامتزجت رائحة البخور برائحة التراب والإسمنت لم يكن المُعزّون يبكون “الراحلة “فحسب، بل كانوا يبكون مظاهر طفولتهم، وتاريخ أصولهم، وفروعهم التي تشتتت.

ومع غروب شمس ذلك اليوم العَصِيب، اِنفض العزاء وهُدّت الخيمة، لتتلاشى آخر مظاهر الحياة في الحَيِّ، وتختفي معانيها تماماً وسط رُكام صَامتٍ لا يَحمل سوى صدى الوداع الأخير وبداية رحلة عذاب مبنية للمجهول.

***

قصة قصيرة

محمد محضار

24 مايو 2026م

دنوت منك

لأرمم عاهات السفر

و كان ترابا عالقا بقصر الروح

يسترق السمع لصدى الأحجيات

و خطوات النسل فينا .

2

مساء

تصطدم الأعاصير في نظراتنا

لكأن  سفينة حطت بميناء القلب واستقرت

لكأن شعوبا سخية اليد والروح تفتح بيوتها

لكأن قصورا فتحتها

لكأن أراضى

و بحارا

و أنهارا

و سهولا

لكأن عرشا حل ببهو القلب

فاستراح ونام .

3

هناك

حيث المنافي

حيث الجينات

حيث اللغات

و موانئ الكلام

تفتح مصراعيها للاجئين

هناك حيث الهبوب

و الذهول

أجتمع بدروب الرحلة

أقع فريسة السهو

لخطط الكلام

فأغرق

حيث ينعطف اللاوعي

و يعترف على لسان هدهد التواريخ

يسلم وثيقة انهزامه في شكل فضفضة

لا تليق بسير المرحلة .

***

صليحة نعيجة - الجزائر-

2024

تحتَ الظِّلالِ الوارفاتِ مشيتُ

وعنِ المدينةِ والأُناسِ نأيْتُ

*

وسمِعْتُ أصواتاً تناديني ولَــ..

كِنْ غيرَ صوتِ الماءِ ما لبّيْتُ

*

تتهامَسُ الأشجارُ: من هذا الغريـ..

بُ فقلتُ: ضيفاً عندكم وافَيْتُ

*

يا مرحباً، فتحَتْ ليَ الأزهارُ مِنْ

تيجانِها الحمراءِ فاستسقَيْتُ

*

ودخلتُ مملكةً بها اليَعْسوبُ توّ..

جني أميرَ النحلِ فاستعلَيْتُ

*

لكأنّما الأشجارُ أقلامٌ دفا..

تِرُها الغيومُ تخطُّ ما أملَيْتُ

*

تتزاحَمُ الأغصانُ مثلَ تزاحُمِ الـ..

آياتِ في رأسي وقد صلّيْتُ

*

أنا مثلُ هذا النبعِ لا أحدٌ لهُ

فضلٌّ عليَّ وعنهُمُ استغنَيْتُ

*

منّي سيأخذُ كلُّ نهرٍ حكمةً

حتّى الضفافَ ثمارَها أعطيتُ

*

أنا مثلُ هذا الكهفِ صمتٌ ناطقٌ

بينَ الضياءِ وظلِّهِ ساويتُ

*

أنا متعَبٌ يا غابةَ الأحرارِ من

وطني فهل لي في رحابِكِ بَيْتُ

*

سأصادقُ الغِزلانَ والنَّسْرَ العجو..

زَ وأُطفئُ الخشبَ الذي أورَيْتُ

*

وسأحرُسُ الفِطْرَ الذي ما فيهِ سُــ..

مٌّ إنّما أفواهُنا وسقيتُ

*

ما النخلُ أمّنني عليهِ من العُذو..

قِ فلو تيبَّسَ عُودها لَبكيتُ

*

والغيثُ في الغاباتِ غيرُ الغيثِ في الـ..

مُدُنِ الكبيرةِ غيرُ ما سمَّيْتُ

*

هوَ ها هنا غيثانِ؛ غيثٌ في السَّما

والآخَرُ الغيثُ الذي أخفيتُ

*

للغابِ صمتٌ ليسَ يُوحِشُ إنّما

صوتُ ابنِ آدَمَ منهُ كم قاسَيْتُ

*

سيُروِّعُ الأطيارَ في وُكُناتِها

ويجفُّ جوزُ الهندِ فيهِ الزيتُ

***

عبد الله سرمد الجميل – العراق

عَلَى سُفُوحِ الْقَلْبِ

تَنْبُتُ، تَتَفَتَّحُ أَزْهَارُ الشَّوْقِ

عَلَى كَفِّ الْأَمَاكِنِ

تُغَازِلُ حُمْرَةُ تُرَابِكِ عَيْتَرُونَ

رَذَاذُ مَطَرٍ وَحُبٍّ

قُبَلٌ مِنَ الْحَنِينِ

«يَا حَادِيَ الْعِيسِ»

تَرَاتِيلُ صَدَاهَا يَتَرَدَّدُ

فَوْقَ هِضَابٍ

بَيْنَ أَوْدِيَةٍ

تَحْفَظُ وُجُوهَ نَاسِهَا وَحُرَّاسِهَا

وَهَمَسَاتِ الرِّيحِ

آذَانٌ تَسْتَرِقُ سَمْعًا

عُيُونٌ تُمْعِنُ النَّظَرَ

فِي ذٰلِكَ الْمَدَى

الْأَبِيِّ الصَّامِدِ كَصَخْرَةِ الْعُنْفُوَانِ

كَالتِّينِ

وَالزَّيْتُونِ

يَرْشَحُ مِنْهُ زَيْتُ الْعَطَاءِ

نُورُ السَّمَاءِ يَبْرُقُ

فُصُولٌ مِنَ الْحُبِّ

تَتَوَالَى..

تُعَانِقُ جِهَاتِ الْجَنُوبِ الْأَرْبَعَةَ

وَنَحْلَةٌ تَعُودُ لِلْقَفِيرِ

تَعْصِرُ الْأَرِيجَ بَلْسَمًا

لِجِرَاحِ الذِّكْرَيَاتِ

***

عباس علي مراد

​إلى تلكَ الديارِ أتيتُ صُبحاً

لعلّي لا أُلاقي فيكِ جُرحا

*

أتيتُ كأنّ قلبي عاد طفلاً

يُفتِّشُ في الأزقّةِ عنكَ لمْحا

*

​أسائلُ بابَ داركِ: هل رأتني

عيونُ الدارِ أمْ زادتني بَرْحا؟

*

أجابَ البابُ في صمتٍ حزينٍ:

كفاكَ فما أرى في العتبِ رِبحا

*

ألم ترحلْ لكي تنسى هوانا؟

فكيفَ رجعتَ تبغي اليومَ صُلْحا؟

*

فقلتُ له: وكيف النوم ذكرى

تراودُ خافقي ليلاً وصبحا؟

*

فَقُلْتُ لَهُ: وَكَيْفَ أَعِيشُ دُونِي؟

وَقَلْبِي لا يُطيقُ اليومَ جَمْحا

*

رأيتُ ملامحَ الماضي تنادي

وجوهاً غادرتْ ضيقاً وفُسْحا

*

فيا داراً سكنتِ الروحَ دهراً

ويا طيفاً أضاعَ العُمْرَ كَدحا

*

أتيتُ لكي أرمّمَ فيكِ صبري

فلم أرَ غيرَ دمعي فيكِ نَضْحا

*

​أنا المنفيً من شوقي، وجرحي

يئنُّ، فكيفَ أرجو منكِ صَفْحا؟

*

فيا دارَ الأحبّةِ طالَ ليلي

فهلْ يلقى غريبُ الدارِ نُصْحا؟

*

أحدّقُ في الزوايا.. أينَ أهلي؟

وهل نسيَ الزمانُ هناكَ بوحا؟

*

هنا كنا.. وكانَ الحبُّ غضّاً

نطيرُ بهِ كَمَا الأطيار مَرْحا

*

نخطُّ على جِدارِ الدارِ حُلماً

ونرسمُ في سوادِ الليلِ فَرْحا

*

​فأينَ الأمسُ؟ أينَ رنينُ ضحكٍ؟

أحالَ البُعدُ ذاكَ الشدوَ نَوْحا

*

عجبتُ لدارنا.. بالأمسِ رَوضٌ

فكيفَ غدتْ تزيدُ القلبَ قَدْحا؟

*

فلا الأبوابُ تذكرُ وجهَ خلٍّ

ولم تمنحْ جدارُ الدارِ شَرْحا

*

أتيتُ لكي أضمَّ الروحَ فيها

فلم أرَ غيرَ بَرْدِ الهجرِ سَفْحا

*

​أشدُّ رِحالَ خيباتِي وأمضي

فلا لومٌ يُفيدُ اليومَ نَصْحا

*

وداعاً يا دياراً جفَّ فيها

رحيقُ الوصلِ.. حتى صارَ شُحّا

*

فلم أسمعْ سوى ريحٍ تَهادى

تذرُّ على جراحِ القلبِ مِلْحا

*

وداعاً يا دياراً كنتِ أُنسي

فقد أضحى مزارُكِ فيَّ نَزْحا

*

سأحملُ طفليَ الباكي بصدري

وأتركُ عندَ بابِ الدارِ رَوحا

*

ساحمل طفلي الباكي بصدري

واترك عند باب الدار نفحا

***

جاسم الخالدي

يبيعُ على حافةٍ من طريق

بعضَ الهمومِ

ويشكو لرب ٍكثيرَ الألم

ويشرحُ للريحِ...

في مقلتيهِ

تفاصيلَ ما حاطهُ من الغموض

وما قد ألم...

ويتركُ للصمتِ قبحَ الرجاء!

سعيدًا إذا لامستهُ كفوفُ الكرم

كأن رسومَ البلادِ اختفت

ولم تأتِ يومًا إليه

ولم تدعهُ ساعةً

قبلَ حلولِ الهرم

شموسُ البلادِ تريدُ لها في جسمهِ

معلمًا

كبيرًا

مثيرًا

يؤريخُ تاريخهُ المزدحم

تقولُ له بملء فمٍ

لماذا انتهيتَ ولم تنتهِ

وظلتَ على جانبيكَ بقايا وشم؟!

***

عبد الهادي الشاوي

 

لم يزرني النوم بعد تلك الحادثة لعدة أيام خلت. ففي كل ليلة كنت أترقب بخوف وتوجس. ان دائرة الأمن، تبعث بطلبي لتحقق معي بسبب تهوري وما انطلق به لساني بتلك الكلمات التي جعلت الوساوس تجثم فوق أنفاسي كل ليلة. ومما زاد الطين بلة ان كل أفراد أسرتي قد وجهوا لي أشد اللوم والتقريع لما بدر مني في ذلك اليوم النحس رافقني الندم وجلد الذات خوفا ورعبا عليهم وعلى نفسي.

تأخرنا عن محفل فاتحة الشهيد، فجئنا والجمع قد انفض. لا أحد هنا. فالشهيد قد رحل الى خلوده الأبدي، ولم يترك خلفه الا صمتا مهيبا يروي حكاية لوعة امرأة ثكلى وأخت تجلس وحيدة قرب صورته.

ردتْ صديقتي التحية بصوت خليط بين حشرجة وأنين. جلستُ بجانبها بصحبة أمي دون ان نتكلم الا بكلمات التعزية على روح أخيها الشهيد (عماد) مع قراءة سورة الفاتحة ثم ساد صمت لمدة غير قليلة. كانت أمي تجيد الحديث بمثل هذه المواقف وصديقتي وأمها تتظاهران بالقوة والتماسك ولكن آثار الحزن بادية عليهما. الجو العام يوحي بكآبة حادة. لاذ الجميع بصمت طويل. فالمرء تخرس كلماته في محراب الفقد لشاب في مقتبل العمر. مع توجس واحساس بخطر من يتفوه ببعض الكلمات والحذر من مغبة ان تفهم بشكل مختلف.

انتقلت نظراتي الى جدران الغرفة المتهالكة وهي توحي ان الدار قديم جدا وقد بذلوا جهودا كبيرة لتبدو أفضل حالا. عمدوا لتغطية الجزء الأكبر منه بقطع النايلون السميك ليخفي عيوب التآكل فيه. هناك صورة لرجل يرتدي الزي العربي وربما هو والد صديقتي وصور أخرى لأطفال لا أعرفهم. الا ان الصورة التي لفتت انتباهي لكبر حجمها وكونها الوحيدة بين الصور كانت مزججة بعناية مختلفة وكانت لرئيس تلك المرحلة. وحيث حرب الثماني سنين ما زالت طاحنة بشراستها المعهودة. كان صاحب الصورة يبدو ضاحكا ملء ثغره وكأنه لا يدري بما تعانيه الأمهات الثكالى والعوائل الفقيرة بالذات. ولا يدري ان عماد هو الرجل الوحيد المعيل لهذه العائلة بعد وفاة والده. وان هذا البيت المتهالك لا تعود ملكيته لهم.

وانهم فيما بعد أجبروا أبنتهم (صديقتي) على ترك الدراسة لتعمل في أحد مصانع التصنيع العسكري. كنت أعتز بصداقتها فقد ضحت بمستقبلها من أجل اسرتها رغم ما كانت تتمناه سابقا.

شعرتُ بحزن شديد لاستشهاد عماد كونه أصغر مني سنا وكانت أخته تصحبه معها خلال السفرات المدرسية أو أيام الاحتفال بالمناسبات المدرسية أو الوطنية أيام المرحلة المتوسطة. كان طفلا جريئا حاضر البديهة، يرد على من يسأله بطريقة محببة. وحين فرقتنا ظروف الحياة واتجهت كل منا بطريقها لم نعد نلتقي الا مصادفة.

ولكن بعد سنين رأيته شابا يافعا مع صديقتي فكان يلقي تحيته بخجل وتواضع وحين ذكرته بمناكفاته التي كان يفتعلها كان يبتسم وتحمرّ وجنتاه دون ان يتكلم.

غاضني منظر الصورة المزججة وضحكة صاحبها العريضة. فسرح خيالي الى الأرض التي يرقد تحتها عماد وهي تحتضنه وتضغطه بحضنها البارد المخيف والضباع البرية تتصايح من حوله بكل شراستها. بينما يكون صاحب الصورة محتفلا بعيد ميلاده.

كان الحديث مع نفسي سرا. ولكن انفلتت من فمي كلمات مسموعة دون وعيي فقلت: أنظروا الى الصورة انه بالتأكيد يضحك على مآسينا ولا يهمه من أمرنا شيئ. ليس وحدكم متعبين بل كلنا نعيش حياة البؤس والخوف والرعب. تتجمد الدماء في عروقنا حين يطرق أحدهم بابنا وترعبنا حتى هذه الجدران الصامتة.

غمرتني صديقتي بنظرة حزينة وأشارت لي بالسكوت بإشارة منها. بينما رمقتني أمي بنظرة لوم وعتب. وهي تضغط بأسنانها على شفتها السفلى.

ولكن ما جعل جسدي يرتعد خوفا هو حركة غير متوقعة من أم صديقتي فقد نهضت بوثبة مفاجأة وهوت بكامل جسدها فوقي وغطت عباءتها رؤيتي وهي تصرخ بعصبية وامتعاض. أين المسجل. ؟؟؟ أخرجيه بسرعة ايتها الخائنة. !!! وما زالت تبعثر بعباءتي وتفتش بحقيبتي بيدين مرتجفتين وصراخ مستمر وكأنها ليست هي نفس المرأة التي استقبلتنا بهدوء تام.

أجبتها وصوتي يرتجف خوفا وقلبي يخفق خفقانا سريعا :ـ عن أي شيء تبحثين.؟؟ وماذا تقصدين بالمسجل. ؟؟ لا أدري ماذا تعنين. !!

قالت: تعرفين ماذا أعني بالضبط. يا لك من صديقة مدسوسة.

أمي لحد هذه اللحظة كانت محافظة على صمتها لكنها تراقب الأحداث ففهمت ماذا تعني المرأة بهذا التصرف. نهضتْ من مكانها وهي غاضبة ثم واجهت المرأة ومنذرة اياها بقولها : ـ كفي عن تصرفك الأهوج. لسنا من النوع الذي تقصدين. ثم رفعت عباءتها ونفضتها ونفضت ثوبها ثم سحبت عباءتي ورمتها على الأرض. ودلقت محتويات حقيبتي فوقها. ثم بطريقة الأمر قالت لها :ـ فتشي بما يحلو لك. فان وجدت شيئا فعليك ان تبصقي بوجهينا.جئنا من أجلكم لنقدم واجب العزاء.

ان الأنسان ليخجل عندما يتصرف بوقاحة في لحظة غضب. قالت أم صديقتي. وفعلا خجلها واضح باحمرار وجهها.

وأخيرا تربعت على الأرض وهي تضرب بكلتا يديها فوق ركبتيها وتقول: لقد فعلتها احداهن قبل عدة أيام وسجلت لنا كلاما من هذا القبيل. وهي من استدرجتني للحديث ثم أوصلته لهم. لذلك بعثت الينا دائرة الأمن انذارا. ان لا نفقد السيطرة بسبب استشهاد ولدنا ونتحدث بسوء على السلطة.

ثم تابعت كلامها: طلبوا مني ان أحضر الى هناك ووقعت بهذه اليد ورفعت يدها بعصبية. نعم وقعت على التعهد بعدم تكرارها.

ان خسارة ولدي بكفة واذلال امرأة بعمري بألف كفة.

***

قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو

"عيونِك شوكةٌ في القلبِ

توجعني... وأعبدُها

وأحميها من الريحِ

وأُغمدها وراء الليل والأوجاع... أُغمدها

فيشعل جُرحُها ضوءَ المصابيحِ"

محمود درويش

**

تَذوبُ بِعِرقي هَمَساتُ الأَسْرارْ

فما غيرُ نارِكِ يُفْني أُواري

وما من سِوى رَمادِكِ يَروي أَخباري

عن زمنٍ كانَ بِهِ القلبُ:

دارْ ،

وكانَ العُمْرْ:

جِدارْ

*

هأَنا ذا..

يُعانِقُ دُخّانُكِ الآنَ نَفْسي

وتَرسُمُ فوقَ زُجاجِ النَّوافِذِ

أَقواسَ نارٍ ،

وأَطيافَ ضَوْءٍ،

وبعضَ الضَّبابْ،

بلون الصَّبّارْ

*

أَتذكَّرُ:

لَمّا كانَتْ كفُّكِ تَمسحُ

غُبارَ التَّعبْ،

وتَزُرُّ بِتُربتيَ اليابِسةِ

أَزاهيرَ ياسَمِنٍ وجُلَّنارْ

كأَنَّ رَبيعَكِ من  "لارا " يَسيرْ

لِيَسكُنَ فيَّ،

ويُشعِلَ هذا المَدارْ

*

أَدركتُ أَنَّ الهَوى

ليسَ وميضًا يَخبو

ولكِنَّهُ

نَبْضُ عُمْرٍ

إِذا ضاقَ هذا الزَّمانُ أَنارْ

*

وها هُوَ شَتْوُكِ يَعْلو

ويُحكِمُ حِصْنَ المطرْ

ويحْصُرُ بحرَ المَحارْ

فأَرجِعُ نَحْوَكِ

من نَصَبِ العُمْرِ

من وحشةِ المُنْحدَرْ

أَسْتلْهِمُ الآنَ من وَهجِكْ

عُمراً حديدَ النّارْ،

وشكلَ القَرارْ

**

لا تجزعي من رَمادي

فإِنَّ الرَّمادَ ابْتِداءُ الطَّريقْ

وأَوَّلُ طيرٍ يُحلِّقُ في شَفقِ النارْ

ويحمِلُ في مِنقارِهِ

بقايا الحُلُمْ

وبقايا الشَّرارْ

كما كانَ طِفْلٌ بِ"غزَّةَ"

يحمِلُ في كفِّهِ

شَرارًا مِنَ الثّارْ

وجُرحًا يُنيرُ سماءَ الفَنارْ

*

فأَحْرِقيني

لِكيْ لا يبقى مِنِّي سِوى الأَثرْ

لكيْ يغْدوَ الجِسْمُ قِيثارةً

وتغدوَ رُوحي وَترْ

ولِترْتجِفْ في مدى الكونِ

أَسرارُ الأَقدارْ

فلا يَعرِفُ السِّرَّ

إِلّا الَّذي عانقَ النّارَ

حتّى انْصهرْ

ورأى "آشُورَ"

تنهضُ من رَمادِ المُنكسِرِينْ

*

آهِ...

لوْ تعلمينَ

كيفَ يتلظّى السُّكوتُ بِفمِّ الزَّمنْ

وكيفَ يَصيرُ الأَسى

لُغةً من عِنادٍ

ودمعًا يُقاسُ بِهِ الثَّمنْ

كأَنَّ "قاسيونَ"

يُخفي بِصَخرتِهِ

تعبَ الأَنْبِياءْ

**

ما أَنا غيْرُ وَقودٍ

لِحُلْمٍ بَعيدٍ مُحالْ

وما أَنْتِ إِلّا طَلاسِمُ سِرٍّ

يُطيلُ الرَّحيلْ

**

اُنْظُري

كيفَ يَروبُ الوُدُّ

بينَ الجسدْ

وبينَ الرُّوحْ

بينَ أَمسٍ يُوَدِّعُنا

وغدٍ يتشكَّلُ

من لَهْفةِ المُسْتحيلْ

*

لَمْ يَعُدْ ثَمَّ  أَنا

لا وَلا  أَنْتِ

في هذا المَقامْ

ثَمَّ ضوءٌ وحيدْ

وظلامٌ  أَكيدْ

وشيءٌ يُشبِّهُ حُلْمَ الانْسِجامْ

*

وتشهدُ  "قانا"

أَنَّ الدِّماءَ الَّتي تُزهِرُ الآنَ

تُصبِحُ يومًا

نَشيدَ السَّلامْ

*

يا نارُ

علِّميني

كيفَ أَموتُ ولا أَنْتهي

كيفَ أَصيرُ رَمادًا

وأَرْجِعُ مِنْهُ إِلى مُبْتدايْ

*

أَنا الشَّجرُ المُلتهِبْ

لِيُثمِرَ النُّورَ في عَتْمةِ المُنْحنى

أَنا البحرُ

حينَ يَضُجُّ بِأَعماقِهِ

فَيُصبِحُ ذِخارًا وماءْ

*

فلا تَرْحمي جسدي

من لَفيحِكِ يا حَمْراءْ

فالبرْدُ سُمٌّ

وصمتُ المدى سَجْنُ رُوحٍ

وصبرُ المُحِبِّينَ داءْ

*

أَحْرِقيني

لِكيْ لا يبقى مِنِّي سِوى الصَّدى

صدًى يتردَّدُ في الكونِ

كالتَّرْتيلِ

كالنَّايِ

كالفِدَا

*

ها أَنا ذا..

آخُذُ من نارِكِ اسْمِي الأَخيرْ

وأَدخُلُ في نَسقِ اللهبِ المُستحيلْ

**

كودا

لا شيءَ يبقى

سِوى الأَثرِ المُشتعِلْ

لا أَنا..

لا أَنتِ..

لا غيرُ هذا التَّوهُّجِ

يعبُرُ في دمِنا

نحوَ الأَبدْ.

***

د. سعد محمد مهدي غلام

 

ما بالُنا؟

نلوكُ الغيابَ

من قبلُ ومن بعدُ،

ولا أحدَ يصل.

أسى الانتظارِ—

أراجيحُ فارغةٌ في المحطّات،

لم يُخبرونا عن مداها…

هؤلاءِ العابرون.

مهلًا،

كي أقولَ لكم:

لا تفتحوا الأزرار.

بوّاباتُ قلوبِنا

ما زالت مغلقةً،

والمفاتيحُ

لا ندري أين هي.

هل ضاعت مع مواقيتنا؟

أم أنّها

لم تُصنع بعد؟

شذاها العابرُ -

ألوانٌ من ضوءٍ -

سوَّلتْ لنا

مسافاتِ يقينٍ

حين اقتربنا

ننأى بكلِّ أحمالِنا،

نقولُ للكفِّ:

لا تكشفْ عن رؤياكِ؛

فكلُّ الاحتمالاتِ واردةٌ.

نغفو على جوانبِنا،

ننسى تَلَفُّتَ القلبِ،

ونسهو قليلًا…

ما بالُنا؟

***

رجاء الغانمي

 

12. الارتطامُ بجدارِ الجليد

أولاً: حين يخذلُ النصُّ الروح

كان ذلك اليومُ المشهود غائماً برداءٍ كالح، كأن السماء قررت أن تنسج وشاحًا من الرماد قبل أن ينطق لسانُ القانون بالجور.

عاد أهل الحي إلى قاعة المحكمة بقلوبٍ توجس خيفة، لكن الهواء هذه المرة كان أكثر ثقلًا، والرخامُ تحت أقدامهم بدا أكثر قسوةً وبرودة، كأنه يرفض الانتماء إلى طين أجسادهم.

اعتدل القاضي في جلسته خلف منصته العالية، يعلوه وقارٌ مصطنع بدا للجميع في تلك اللحظة قناعًا خشبيًا صقيلًا، يخفي خلفه آليةً بيروقراطية صماء لا تشعر بنبض البيوت ولا بوجع ساكنيه.

ساد صمتٌ موحش؛ صمتٌ يشبه الفراغ الذي يعقب دويّ الكارثة، ثم بدأ القاضي يتلو منطوق الحكم بنبرةٍ رتيبة، خالية من أي مسحةٍ إنسانية، وكأنه يقرأ قائمة جردٍ لسلعٍ بائرة.

كانت الكلمات تسقط فوق رؤوسهم كأنها صخورٌ مدببة تهوي من شاهق:

"لعدم كفاية الأدلة المادية القاطعة.. ولإنكار الجهة المدعى عليها أي صلة سببية لها بالوقائع المذكورة.. وحيث إن إفادات الشهود قد اقتصرت على أقوال أطفالٍ قاصرين لا يعتدُّ بشهادتهم قانونًا لفقدانهم الأهلية القانونية.. حكمت المحكمة بـ ..."

في تلك اللحظة، شعر المدعون وكأن جدران القاعة تضيقُ عليها بضراوة حتى كادت تسمع طقطقة عظامهم تحت ضغط الظلم.

"عدم كفاية الأدلة!!!!؟"

هل كانت آلاف الخنافس التي استباحت قدسية غرف نومهم وهمًا بصريًا؟

هل كانت القروح التي نهشت أجساد الصغار مجرد خيالات؟

نظر الجميع إلى الطفلة ياسمين؛ كانت الصغيرة تقف بذهولٍ صامت يمزق نياط القلب، تمسك طرف ثوبها بأصابع مرتعشة، وعيناها اللتان شهدتا الحقيقة عيانًا، تنظران الآن بانكسار إلى رجلٍ يتدثر بالسواد ليخبرها أن ما رأته وعانته لم يكن إلا أضغاث أحلام.

كان ممثلو الشركة يجلسون في الجانب المقابل، يتبادلون ابتساماتٍ خفية يدارونها خلف وقارٍ زائف؛ فالقانون في شرعتهم لعبة مراوغة لا ميزان عدل. لقد غسلت المحكمة أيديهم بماء النصوص الباردة، وتركت لأهل المحلة الوجع المحض والبيوت المهددة بالابتلاع.

خرج الجميع من القاعة، ولم يكن الوجوم هو سيد الموقف فحسب، بل كان الذهول من برودة مؤسسة القانون والعدالة.

مشى اصحاب الحق في الممرات الطويلة، وأصواتُ أحذيتهم ترنُّ فوق الرخام كأنهم يشيعون قضيتهم ُ بموسيقى الخذلان.

العم أبو عواد لم ينبس ببنت شفة، لكن عصاه كانت تضرب الأرض بعنفٍ كأنها تعاتب التراب الذي سمح لهذا الظلم أن ينبت فوق أديمه.

توقفوا عند البوابة الخارجية، حيث كانت الريح العاتية تعبث باليافطات التي رُفعت قبل أيام بآمالٍ عريضة.

نظر بعضهم في وجوه بعض بنظرات الاصرار والتحدي؛ لم يَروا فيها الهزيمة او الانكسار، بل رأوا يقيناً متحفزًا لمواصلة الكفاح. مدركون أن المعركة مع القانون المكتوب بروحٍ ميتة قد خُسرت، لكن المعركة مع الحق الوجودي قد استعرت لتوها.

 أمسكت هدى يد ياسمين الصغيرة، كانت باردةً كقطعة ثلجٍ مهجورة، فهمست لها ولنفسها بيقينٍ غاضب:

"يا صغيرتي، إنهم لا يملكون عيونًا بريئة ليروا الحقيقة خلف الأوراق البليدة، لكن الأرض والجدران التي حفظت صدى افادتك لن تنسى اسمكِ أبدًا..

الحقُّ لا يموت بقرارٍ من حبر".

ثانياً: مرافعةُ الوجدان..

الصعودُ إلى مِحرابِ العدالةِ الأسمى

لم يكن انكسارُ دعواهم في ردهات المحكمة الابتدائية سوى الارتطام الصاعق الذي شقّ مآل الركود في أرواحهم، وأيقظ في الأعماق ذلك العناد الفطري الذي يورثه الحق لأهله. حين عادوا إلى "المحلة" بقلوبٍ كَسيرة، لم يهرعوا إلى عتمة الزوايا بانتظار نعي الجرافات، بل تداعت أجسادهم تحت جنح الليل إلى ساحة الملتقى؛ هناك حيث كانت الوجوهُ تستمدُّ ضياءها من وهجِ حقيقةٍ عصية على الطمس، حقيقة أنكرتها عدسات القضاة خلف نظاراتهم الباردة.

وفي غمرة ذلك الشجن الجماعي، انشقّ ليل الساحة عن قامة الجار "أبو أحمد" وعائلته، وهم يتقدمون نحو الجمع بخطىً مثقلة بالندم، لكنها واثقة، كعائدٍ إلى مِحرابه. استقبلتهم القلوبُ قبل الأيدي بترحابٍ يملأه الترقب. تقدم أبو أحمد، والصمتُ يغلف المكان إلا من أنفاس الحاضرين، وقال بصوتٍ يقطر صدقَا:

"لقد طالعتُ في جريدة الصباح ما آل إليه عرقكم وصبركم، وجئتكم اليوم أحملُ أسفي واعتذاري ثقيلين فوق كاهلي. لقد خذلتكم حين ظننتُ أن الاستسلام ممرٌّ آمن، وحين توهمتُ أن الرحيل نجاة، في الوقت الذي كنتم فيه تشهرون صدوركم دفاعَا عن وحدة هذه الأرض ونبض أهلها. ها أنا أعود إليكم، نابذًا خلف ظهري عقود البيع التي عرضوها، ومغرياتهم التي لم تكن سوى أثمنةٍ بخسة لوأد الضمير."

صمت لبرهة، وكأن الكلمات تستجمع قواها، ثم تابع بيقينٍ هزّ الوجدان:

"أدركتُ، ويا لمرارة الإدراك، أنهم لم يطمعوا في جدران بيتي فحسب، بل أرادوا شراء روحي؛ أرادوا مسخي جسرًا للوشاية، وجاسوسًا ينخر في عضد أهلي، ومحرضًا يغوي الجيران بالشتات مقابل فتاتِ وظائفهم وضماناتهم الزائفة.

لكن طين هذه المحلة الذي جبلت منه عظامي أبى ان يتحول إلى خسة.

رفضتُ أن أكون الأداة التي تطعنكم في الظهر.

أنا اليوم معكم، بلا شروطٍ وبلا تراجع، فاقبلوني ابنًا عاد إلى حضن حقيقته."

انجلت الغُمّة عن الوجوه، واستحالت ملامح الوجوم بشرى غامرة، وهم يحيطون بأبي أحمد وعائلته في عِناقٍ أعاد صياغة ميثاق الجوار. ومع عودة هذا الشتات إلى النسيج الواحد، استجمعوا عزمهم للمضيّ نحو المحكمة العليا، لا بحثًا عن ثغرةٍ قانونية، بل صعودًا نحو سدرة المنتهى في العدالة الأرضية.

هنا، وقفت هدى في قلب الدائرة، وبدا صوتها المتهدجُ بمرارة الكبرياء كأنه رنين نقيّ في عتمة الليل، وقالت بيقينٍ يلامس آفاق السماء:

"إن كانوا قد كبّلوا العدالة بنصوصٍ جامدة مفرغة من المعنى، فسنمضي بها إلى حيثُ لا تنفعهم مراوغاتُ المحامين ولا برودةُ الحيل القانونية.

سيرفع محامونا استئنافنا إلى (المحكمة العليا)؛ هناك حيثُ يُفترض أن تُحاكم (النوايا) قبل (الأوراق)، وتُوزن الأرواح قبل العقود".

كان قرارًا يشبه الصعود الحافي نحو جبلٍ بركاني، لكنه كان خيارهم الوحيد لئلا تموت الحكاية.

في اليوم التالي جمعوا شتات أنفسهم، واستحضروا المحامون الذين آمنوا بقضيتهم، ومضوا نحو ذلك المبنى المهيب الذي يتربعُ فوق قمةِ المدينة. في قاعة المحكمة العليا، كان للصمت هيبةُ المعابد العتيقة، وبدا القضاةُ هناك كأنهم حراسُ الضمير الإنساني الأخير. وقف محاميهم، واستهلَّ مرافعته بهديرٍ من البلاغة الجزلة:

"يا سادةَ المنصة، إننا لا نقف اليوم لنشكو ضياع أمتارٍ من تراب او احجار من طين، بل جئنا نحملُ براءةً مغدورة. إن الحكم المستأنف قد اغتالَ الحقيقة تحت ذريعة عدم الأهلية، وكأن الطفل الذي يرى النار تلتهمُ أطراف ثوبه لا يُصدَّق إلا إذا أتى بختمٍ رسمي على جلده!

إن الشركة التي تتنصل اليوم من صلتها بالخنافس، هي ذاتها التي تبتسمُ جشعًا، منتظرةً لحظة انقضاض الجرافات لتُقيم فوق ذكريات اهل المحلة صروحًا من زجاجٍ بارد لا روح فيه".

ثم كانت اللحظة التي لم يتوقعها أحد؛ حين أخرج المحامي الكيس الورقي والمنشور اللذين احتفظ بهما الجيران كوثيقةٍ مقدسة، ووضعهما فوق المنصة أمام أنظار القضاة.

لم يكن الكيس صامتًا، بل كانت حوافّه تحملُ أثر ذلك المسحوق المريب ورائحة الغدر. أضاف المحامي بصوتٍ خفيضٍ يهزُّ الوجدان:

"هذا الكيس ليس مجرد دليلٍ مادي، بل هو توقيعٌ إجرامي لا يخطئه قلبٌ يبصر الحقيقة. إن استبعاد شهادة الأطفال هو وأدٌ متعمد للعدالة".

نظرت الحضور نحو القضاة بعزيمة وأمل..

كانت ملامحهم تعكس صراعًا بين نصٍ جاف وضميرٍ مستيقظ.

لم يعد الأمر قضية إخلاء، بل تحول إلى محاكمةٍ للقيم الإنسانية.

 شعر الجميع أن ياسمين ورفاقها، بجلوسهم الصامت البريء، كانوا هم القضاة الحقيقيين.

كانت الأنفاس معلقةً برفةِ جفن، وبحركةِ قلمِ رئيس المحكمة الذي أطال النظر في الكيس الملقى أمامه.

 لكنهم أدركوا أن صرختهم التي ولدت من فوق سطح دارهم، قد وصلت أخيرًا إلى سقف العالم، لتسأل بمرارة:

هل للإنسان قيمة تفوق ثمن الأرض، أم أن الحجر في شرعة الغاب أثمن من البشر؟

**

13. قيامةُ الحق.. حين تستيقظُ كفةُ الميزان

حبست المدينةُ أنفاسها في ذلك اليوم الذي لم يكن يشبهُ سابقه؛ فقد بدت قاعة المحكمة العليا بأسقفها الشاهقة وجدرانها المكسوة بالخشب الداكن كأنها محرابٌ أخير للضمير الإنساني المنهك.

ساد صمتٌ مهيب، لم يكن يقطعه سوى حفيف الأوراق المرتبكة ووقع أقدام القضاة وهم يعتلون المنصة بوقارٍ يلفّه ثقلُ الأمانة التاريخية.

تسمّرت الأنظارُ نحو رئيس المحكمة؛ رجلٍ وقور خطَّ الزمنُ على وجهه تجاعيد الحكمة، وهو يفتح الملف الذي يحمل بين طياته مصير محلةٍ كاملة، بل مصير فكرة العدل ذاتها.

لم يبدأ بالنطق المباشر، بل استهلَّ كلمته ببيانٍ أدبيٍّ وقانونيٍّ بليغ، أعاد فيه الاعتبار للإنسان قبل النص.

قال رئيس المحكمة بصوتٍ رخيمٍ يتردد صداه في أرجاء القاعة الصامتة:

"إن العدالة التي لا تبصرُ دموع الصغار هي عدالةٌ عرجاء، والقانون الذي يتجاهلُ بديهياتِ الواقع بحجةِ نقصِ البينات المادية هو قانونٌ يحمي الجاني ببرودةِ نصوصه.

لقد فحصت هذه المحكمة عريضة المستأنفين، وتأملت في روح الحقيقة الكامنة خلف كيس الخنافس وحكاية الأطفال، ووجدت أن إغفال شهاداتهم بحجة نقص الأهلية هو تفريغٌ للقضاء من جوهره الأخلاقي".

توقف لحظةً، فبدت القاعةُ وكأنها خاليةٌ من الأكسجين، ثم تابع بمنطقٍ الواثق والمنصف: ...

" وحيث إن الشركة المدعى عليها قد استغلت نفوذها لتمويه الحقائق، وحيث إن تلازم ظهور الوباء مع عروض الشراء القسرية يشكل قرينةً قوية لا يمكن تجاهلها..

 فقد قررت المحكمة العليا نقض الحكم السابق جملةً وتفصيلًا، وإعادة القضية إلى التحقيق الجنائي الموسع مع إيقاف كافة إجراءات الإخلاء فورًا، وإلزام الشركة بتعويضٍ ماديٍّ مؤقت للسكان جراء الأضرار الصحية والبيئية، ريثما يتم التحقيق النهائي والكشف عن المتورطين "

وقعُ الكلمات كان كالمطرِ الهاطل على أرضٍ شققها الظمأ.

لم تضج القاعةُ بالتصفيق، بل بـزفرةٍ جماعية طويلة، امتزج فيها نحيبُ المقهورين بارتياح المنتصرين. شُوهد العم أبو عواد وهو يغمض عينيه ويسند جبهته إلى عصاه، وكأنه يفرغُ وقرًا ثقيلًا من فوق كاهله المتعب.

أما ياسمين، فقد نظرت إلى امها ببراءةٍ، لم تعد مذعورة، بل أصبحت مُبصرة..

لقد أدركت الصغيرةُ أن كلماتها لم تذهب سدىً، وأن العالم، رغم قسوته، ما زال يتسعُ للحق.

خرج الجميعُ إلى الضوء، ولم يكن انتصارهم مطلقًا بالمعنى المادي المحض.. فالبيوتُ ما تزال شاخصةً بقِدَمها، والخنافسُ تركت أثرًا في النفوس لا يمحوه قرارٌ ورقي، والشركاتُ النافذة ستظل تحاولُ الالتفاف من وراء حجاب.

لكنهم انتصروا اخيرًا.

لقد انتزعوا اعترافًا رسميًا بحقهم، وبأن جدرانهم ليست للبيع، وأن الطفولة ليست حيزاً للتجارب المخبرية.

عادوا جميعاً إلى المحلة، وكأن التراب نفسه قد استعاد لونه الأصيل، واختفت تلك السيارات السوداء المريبة، وانزوت الوجوه المقنعة خلف عتمة فشلها، لتبقى هدى وأهلُ حيّها حراساً ليقينٍ لا يغلبه الباطل.

**

14. سديمُ الصمت.. وارتيابُ اليقظة

قرر الجيران أن يطووا صفحة تلك الأيام العجاف لا بالصمت، بل بفعلٍ يليق بما انتزعوه من العتمة.. عيدًا يصوغونه بأيديهم، ويودعونه في ذاكرة المحلّة علامةً على أن الفرح، حين يُنتزع انتزاعًا، يكون أصدق وأبقى.

عادت ساحةُ لعب الصغار لتتنفس من جديد؛ تلك البقعة التي شهدت يومًا أولى تعثراتهم وهم يتهجون حروف التمرد ويتعلمون كيف تُصاغ كلمة لا في وجه العاصفة.

لم تعد الساحة مجرد حيزٍ من تراب وأراجيح صامتة يأكلها الصدأ، بل استحالت فضاءً رحبًا لبهجةٍ مصفّاة من الأسى، كأنما بُعثت من العدم لتمتص هذا الفيض الساطع من الضوء الذي غمر المحلة.

اصطفت الطاولات الخشبية في انتظامٍ حميم، كأنها أكتافٌ تشابكت لتصدّ عن الذاكرة رياح النسيان العاتية، وافترشتها أغطيةٌ ناصعة لم يستمد البياضُ سطوته فيها من غزل القماش، بل من طهر السرائر وما انقشع عن الصدور من لوعة ووجل. كان المشهدُ تجلياً لكرامةٍ استُردت؛ فخرج كل بيتٍ يحمل نصيبه من الجود، لتجتمع تحت السماء قدورٌ تفور بحكاياتٍ طريفة، وأرغفةٌ جدعة المخبوزة بملح الصبر، دافئة كأنها أكفٌّ تمتد للمصافحة بعد هجرٍ طويل.

كان الضحك في ذلك النهار كائنًا غريبًا ومدهشًا، انبعث بين الجموع فجأة، فراحوا يتأملونه بذهول الكفيف الذي استعاد بصره؛ كأنهم عبر رنين الأصوات يتعرفون إلى ملامح وجوههم للمرة الأولى، ويمسحون عنها غبار زمنٍ ظنوا أنه لن ينقضي.

توالدت التفاصيل الصغيرة في عفويةٍ آسرة لتغزل ثوب الإلفة الكبير:

أطفال يمرحون، صبي يركض خلف حلمه كأن الأرض ملكٌ يمينه، وصبيةٌ تمشّط خصلة شعرٍ لصديقةٍ غيّبها الارتيابُ طويلًا، ورجلٌ وقور يرفع يديه نحو السماء بصمتٍ ممتنّ، كأنما يوقع عهداً أبديًا مع الطمأنينة.

تدفقت الأحاديث بين الجيران سَلِسةً كالماء، بلا رتوش أو كلفة، تنسج نسيجًا من الألفة الضاربة في الوجدان، حتى خُيّل للناظر أن الأشجار المشرئبة على حواف الساحة قد مالت بأغصانها نحوهم، تنصت بخشوع لنبض المكان الذي استعاد هويته. ومع كل ابتسامةٍ كانت تُسترد قطعةٌ من عمرٍ مسروق، ومع كل تشابك أيدٍ كان يُرمم صدعٌ خفيٌّ.

لم يكن فرحهم ضجيجًا عابرًا، بل كان عارمًا وعميقًا، ضاربًا جذوره في طين الأرض؛ فرحًا وقورًا يعرف جيدًا حجم الأهوال التي تكبدها ليعلن ميلاده، ويشرق بثقةٍ لا تعرف المبالغة.

في تلك اللحظة الفارقة، شعر الجميع بيقينٍ غامض أن الساحة لم تعد تتسع لأجسادهم فحسب، بل غدت محرابًا يضم كل ما عبر بهم من انكسار وخوف، ليصهر الوجع القديم ويحيله إلى مادةٍ خام للفرح الخالص. لقد انتصر أهل الارض لا بقرارٍ مكتوب فحسب، بل ببعثٍ جديد للروح، حيث غدت الساحةُ شاهدةً على أن الحق حين يُنتزع، يترك خلفه نسيجًا من النور لا يقبل الإنطفاء.

لكن السماء التي استردوا صفاءها، بدت فجأة ثقيلة ورمادية، كأن سقفًا من الرصاص أخذ يهبط ببطءٍ فوق صدورهم.

ارتجف الهواء فوق رؤوسهم، وانشقّ الأفق عن صوتٍ معدنيّ خشن، عويلٌ حادّ يشقّ الفضاء كحدِّ سكينٍ في صمتٍ طري.

رفعوا رؤوسهم في آنٍ واحد، فرأوا طائرةً تدور على علوٍ منخفض، تلتفّ ببطءٍ مريب، كعينٍ جارحة تمسح المكان بنظرةٍ متحفّزة.

لم ينطفئ الفرح، لكنه انقبض على نفسه كضوءٍ يقيه حدسٌ غامض.

خفَتت الضحكات، وتباطأت الأحاديث، وتلاقت النظرات في ومضاتٍ خاطفة، كأنهم يقيسون في صمتٍ المسافة بين ما انتزعوه للتوّ وما قد تمتد إليه يدُ الفقد.

ومع هذا التماسك الحذر، تسلّل الاضطراب إلى الأطراف أولًا، ثم سرى كرجفةٍ خفية بين الجموع...

ارتبكت الخطى، وتعالت النداءات، حتى غدت الساحة دوّامةً بشرية قلقة.

وقفت هدى في قلب ذلك الارتباك، وهي تشعر بشيءٍ داخلي يتصدّع ببطء.

أطلقت صرخةً بلغت أقصاها، صرخةً لم تخرج من الحنجرة وحدها، بل من ذاكرةٍ مثقلةٍ بأسئلةٍ الرفض المؤجلة، حملت حيرة أجيالٍ أنهكها السؤال ذاته:

كيف ينقلب البيت، في غفلةٍ قاسية، من ملاذٍ آمن إلى موضع خوف؟

لكن الصرخة لم تكتمل..

فجأة، انكسر الصوت كما تنكسر مرآة على صخرة.

تلاشى هدير الطائرة

اختفى صراخ النساء

غابت الساحة بمن فيها

غرق كل شيء في صمتٍ مطبق.

شعرت هدى بيدين صغيرتين تهزان كتفها برفق، وصوتٍ مألوفٍ ينساب إلى أذنها كخيط نور:

"ماما.. ماما.. ما بكِ؟

استيقظي، استيقظي ارجوكِ!".

فتحت هدى عينيها ببطءٍ شديد، كأنها تعود من غيبوبة مسافات.

 لم تكن هناك ساحة

لا جيران.

كان الضوء الخافت يتسلل من نافذة الغرفة، والصمت يغلف البيت بهدوءٍ.

رأت وجه طفلتها "ياسمين" قريباً منها، وعيناها الواسعتان ممتلئتان بالخوف. جلست هدى ببطء، والتقطت أنفاسها، ومدت ذراعيها لتضم ابنتها بقوة، وقالت بصوتٍ مبحوح:

"آسفة يا حبيبتي.. لا شيء، أنا هنا.. كان مجرد كابوس مزعج".

بقيت هدى تسمع نبض قلب صغيرتها، لكنها لم تشعر بأن الكابوس قد انتهى فعلًا. أصغت إلى صمت البيت.. كان صمتًا مثاليًا، هادئًا أكثر مما ينبغي، كأنه ستارٌ سميك يخفي وراءه ضجيجًا قادمًا.

أدركت حينها أن ذلك الكابوس كان مرآةً مشوشة لحقيقةٍ أكبر، حكاية تشبه أوطانًا تسللت إليها الخيانات ببطء يشبه زحف الخنافس؛ أوطانًا استيقظ أهلها ليكتشفوا أن الأرض التي ظنوها صلبة كانت تُقرضُ من تحت أقدامهم.

بقي السؤال معلقًا في داخلها، ثقيلًا كحجرٍ في قاع العتمة:

هل كان انتصارهم على الجشع حلمًا ام واقعًا رأوه وهم نيام؟

أم أن الحلم الحقيقي والأكثر رعبًا هو أن يظنوا انهم يعيشون مطمئنين، ومعتقدون أن كل شيءٍ بخير، بينما الخنافس تبني إمبراطوريتها المروعة تحت أقدامهم في صمت؟

أشرعت النافذة على مصراعيها. كان الفجر ينساب ساطعًا وشفيفًا، حين تجلّت لها الحقيقة يقينًا ثقيلًا

أن الكوابيس الحقيقية ليست تلك التي تزور النائم فتفزعه ثم تنقضي، بل تلك التي يُراد للناس أن يعتادوا حضورها ورسوخ ديمومتها، أن يفتحوا أعينهم كل صباح ليروا ما يروعهم..

واقعهم يتلاشى.. وواقعًا اخرًا صمم لمراوغتهم، كسرابٍ لا يُمسك.

***

سعاد الراعي    

في المدينة التي كانت تنام قديمًا على أصوات الباعة وتستيقظ على رائحة الخبز، صار الليل أكثر سطوعًا من النهار. الشاشات في كل مكان. على الجدران، داخل الحافلات، فوق واجهات الأبناك، حتى في المصاعد الضيقة التي لم يعد الناس يرفعون فيها رؤوسهم نحو بعضهم البعض.

كان عبد المالك يعتقد، في البداية، أن الأمر مجرد تطور طبيعي. العالم يتغيّر، هكذا قال لنفسه دائمًا. لكن شيئًا ما بدأ يتآكل ببطء، دون صوت.

في المدرسة التي يدرّس فيها مادة الفلسفة، لاحظ أن التلاميذ لم يعودوا يكرهون التفكير كما كان يحدث سابقًا؛ بل صاروا عاجزين عنه أصلًا. كل إجابة تحتاج أكثر من عشر ثوانٍ كانت تُربكهم. كل فكرة طويلة تبدو لهم كأنها طريق بلا نهاية.

وحين كان يسأل: "لماذا حدثت الحروب الكبرى؟"

كانوا يحدقون فيه بنظرات زجاجية، ثم يعودون تلقائيًا إلى هواتفهم.

أما الإدارة، فكانت سعيدة. وصلت أجهزة تعليم ذكية جديدة. ألواح إلكترونية. منصات تقييم فورية. برامج ترصد انتباه التلاميذ عبر الكاميرات الصغيرة المثبتة فوق السبورات.

قال المدير ذات صباح، بفخر: "لقد دخلنا عصر التعليم المتقدم."

لكن عبد المالك لم يشعر بالتقدم. كان يشعر أن شيئًا غير مرئي يغادر المكان. حتى الضحك تغيّر.

في المقاهي، صار الناس يضحكون بعد نصف ثانية فقط من ظهور أي مقطع على الشاشة، ثم يصمتون فجأة، كأن الضحكة نفسها لم تعد تخرج من الداخل بل من رد فعل آلي محفوظ داخل الجسد.

وفي البيت، بدأت ابنته سلمى تفقد قدرتها على النوم دون الضوضاء البيضاء القادمة من الهاتف. أما ابنه ياسين، ذو الأحد عشر عامًا، فصار يسأل أسئلة غريبة: "أبي… هل صحيح أن الذكاء الاصطناعي سيختار الوظائف المناسبة لنا قبل أن نكبر؟"

- "ربما."

- "وهل سيعرف أيضًا من يجب أن يتزوج؟"

ضحك عبد المالك، لكنه شعر بانقباض خفيف.

في تلك الليلة، انقطعت الكهرباء عن الحي كله. للمرة الأولى منذ سنوات، عمّ الظلام الحقيقي. خرج السكان إلى الشرفات مرتبكين، كأن المدينة فقدت الهواء فجأة. لا إنترنت. لا موسيقى. لا إشعارات.  فقط صمت ثقيل.

عندها سمع عبد المالك شيئًا لم يسمعه منذ زمن بعيد: صوت الريح. وقف طويلًا قرب النافذة. في العمارة المقابلة، ظهرت وجوه الجيران مضاءة بالشموع. بعضهم بدأ يتحدث مع بعضه لأول مرة منذ سنوات. طفلان كانا يركضان في الممر ويضحكان بلا شاشة بين أيديهما.

شعر عبد المالك براحة غريبة. لكن الراحة لم تدم طويلًا. بعد أقل من ساعة، عادت الكهرباء دفعة واحدة. فعادت الوجوه إلى زرقتها القديمة. اختفى الناس داخل الشقق بسرعة، كأن أحدًا استدعاهم إلى مكان أكثر أهمية من العالم الحقيقي.

وفي اليوم التالي، أعلنت الحكومة عن إطلاق مشروع وطني جديد: "المدينة الذكية المتكاملة". كاميرات أكثر. أنظمة توقّع سلوكي. مساعدات تعليمية رقمية إلزامية للأطفال. خوارزميات لتوجيه الرأي العام والحد من "الفوضى الفكرية".

كان المذيع يبتسم بثقة وهو يقول: "نحن ندخل المستقبل."

لكن عبد المالك لم يستطع النوم تلك الليلة. فتح هاتفه. الأخبار تتدفق بسرعة مرعبة: حرائق في الجنوب. شحّ مياه. أعمال شغب في مدينة ساحلية. إفلاس صحف جديدة. اختفاء أحزاب قديمة. ارتفاع قياسي في معدلات القلق بين الشباب.

ثم ظهر إشعار صغير أعلى الشاشة: "تم تحديث ملفك النفسي بنجاح."

تجمّد. حدّق طويلًا في الجملة. لم يتذكر أنه وافق على شيء. ضغط على الإشعار، فاختفى فورًا.

في صباح اليوم التالي، ذهب إلى المدرسة مبكرًا. وجد العمال يفككون السبورة القديمة من قسمه. سألهم: "ماذا تفعلون؟"

أجاب أحدهم دون اهتمام: "وصل النظام الجديد."

بعد دقائق، دخل المدير مبتسمًا: "لم نعد بحاجة إلى الدروس التقليدية كثيرًا. المنصة الجديدة قادرة على تكييف المعرفة حسب كل تلميذ."

- "وماذا سيبقى للمعلم إذن؟"

تردد المدير قليلًا، ثم قال: "التوجيه… ربما."

في آخر الحصة، نظر عبد المالك إلى التلاميذ. ثلاثون وجهًا مضاءً بضوء أزرق خافت. لا أحد ينظر إلى الآخر. لا أحد يكتب. لا أحد يسأل.

فجأة شعر بخوف حقيقي. ليس خوفًا من التكنولوجيا. بل من الإنسان حين يفقد بالتدريج قدرته على الانتباه، وعلى الشك، وعلى الوحدة الداخلية التي تصنع المعنى.

اقترب ياسين منه مساءً وسأله: "أبي… هل صحيح أن الناس قديمًا كانوا يحفظون أرقام الهواتف في ذاكرتهم؟"

ابتسم عبد المالك بحزن: "نعم."

فكر الطفل قليلًا، ثم قال بدهشة صادقة: "ولماذا كانوا يتعبون أدمغتهم هكذا؟"

لم يجب.

رفع رأسه نحو النافذة. في الخارج، كانت المدينة تتوهج أكثر من أي وقت مضى. لكن شيئًا في ذلك الضوء بدا له شبيهًا بالاحتراق البطيء. وفي البعيد، كانت صفارات الإنذار ترتفع للمرة الثالثة ذلك الأسبوع. أما الهاتف، فظل يهتز فوق الطاولة.. كأنه يعرف شيئًا لم يعرفه البشر بعد.

***

الحسين بوخرطة

في نصوص اليوم