عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

الناس نوعان،

نوع لا يحب الله، وآخر يكرهك.

إن سألك أحدهم عن حالك،

لا تخبره عن ابنتك السبية،

ولا تزعجه بأمر أمراضك المزمنة،

ولا تعلمه عن الخراب في روحك.

لا تقل له أنك لا تملك ثمن عشاءك،

ولا تحكي له قصة ابنك المفقود.

فقط أنظر في عينيه.

إن فهم الأمر،

سيكره الله مثلك،

وإن لم يفهم،

سيكرهك لصمتك.

في كل الأحوال، لا تهتم،

فالناس نوعان،

نوع لا يفهمك، وآخر لا يفهم نفسه.

***

مروان ياسين الدليمي

في حضوره تبدأ سكينة المكان. كأن الصمت يمشي معه. شاب يسكن الريف كما تسكن النخيل ممتدة الجذور بهذه الأرض، هو ليس قاسيا كما يبدو، بل روحه متعبة، ودون ان يترك ملامحه تفصح عما في قلبه. ومن سكون المزرعة تعلم كيف يحافظ على اتزانه. في صعوبته سحر غامض يجعل من يقترب منه حذرا. لكنه يشعر ان خلف الجدار قلبه الناصع وربما يحب بصدق. ولا يكره.

لم يكن يشبه الاعلاميين الذين يملؤون شاشات التلفزة ضجيجا. كانت مواضيعه جادة وتحمل جرأة مميزة.

لم تشغل قلبه امرأة. لكن احداهن كانت تراقبه من بعيد كأنها تحفظ ملامحه عن ظهر قلب، وتخبئ حبها بين دقات قلبها. ولم تدرِ ان كان قلبه يهمس باسمها كما تفعل. أم انها وحدها من تعيش الحكاية.

كان يمر بقربها كما تمر نسمة الصباح. دون ان يشعر بلهفتها. التي أخذت تزداد يوما بعد آخر. لكنها امرأة تجيد لعبة الصبر والاصرار. وشيئا فشيئا جعلته ينتبه اليها من خلال حديث عابر. وابتسامة مرتبكة ونظرة معبرة، فأخذ ينتظرها ويبحث عنها بين الوجوه.

نعم احبها أخبرتها عيناه ولهفته وتكررت لقاءاتهما وسارا معا بين الاعشاب. عندها أغمض عينيه وقال لها: ستبقين ملاذي الى الأبد

اما هي فكانت تعيش دهشة الحب وكيف خفق قلبها لأول مرة. فولد في روحها حلم كبير كما تولد شجرة عملاقة من نواة صغيرة.

. أحبته لا لوسامته، بل لذلك الحزن الذي يسكن عينيه. ولذلك الانشغال بعمله والذي يشبه الهروب. تكررت اللقاءات وتشابكت حكاياتهم وصار ما بينهما وعدا غير منطوق. وعدا بأن هذا الحب لا ينكسر. لكنه انكسر.!! اختفى الصحفي فجأة من حياتها. بدون رسالة، بدون وداع، وكأن الارض انشقت وابتلعته فجأة.

غدا فنجانها مُرّ مذاقه. كمرارة ربيع صباها. ارتعشت يداها. كقلب أصابه الاضطراب، فنسي كيف يخفق. لا يحتوي فنجانها سوى أثر لقهوة تمّ ارتشافها بشفاه متيبسة وقلب حائر يبحث عن الطمأنينة وعن لحظات شوق لحبيب ضيعته الليالي. واستطاعت ان تحول فنجانها الى نافذة تطل من خلالها على أمانيها. فربما يعود الذي تردد اسمه على عتبة النسيان. تذكرته حين يقول: ـ ان الحياة مهمة صعبة ليس فيها مجالا للترف أو للعاطفة. لكنها أحبته.

تحدق بعيون منكسرة وهي تتأمل خطوطا متعرجة منسابة في قعر فنجانها. كأنها أصابع اتهام تشير اليها وتتهمها بأنها المسؤولة. فيصرخ قلبها : لست أنا من يلام.

قتلها انتظاره دون ان تدري ان كان حيا أو ميتا. واليوم وقد أكتمل عامه الثاني على الغياب. فلا تملك سوى فنجانها ووعود العرافات.

تجلس قرب نافذتها كامرأة عجوز تعرف النتائج لكنها تتظاهر بالنسيان ليستمر أملها المزعوم.

وتمر الليالي متباطئة. تتخيله أمامها يقف على عتبة الدار مترددا. كأنه يلفظ حروف اسمها ويناديها ان تحفظ ذكراه لحين عودته عاجلا أو آجلا.

ومن تلك الليلة لم تغسل فنجانها. تركته فوق مكتبها كأنها تخفيه عن الأنظار. وكأنها تخشى ان تمحو آخر أمل كاف ليوقظ روحها من سباتها

كانت آخر رسالة منه حين أخبرها بتطوعه للسفر الى مناطق ساخنة لتغطية الأحداث هناك ليصور للعالم كيف يموت الأطفال جوعا. وكيف ان الانسانية تسير نحو الهاوية. ذهب واختار ان يكون في قلب الخطر. حيث لا أسماء تعود كما ذهبت.

شعرت فجأة بنداء خفي. لا يسمع بل يفهم بدقة. ذلك النوع من اليقين الذي ولد توا مثل نبأ جاء متأخرا.

نظرت مجددا الى فنجانها لتدرك ان بعض الغائبين لا يعودون وربما اسماءهم قد حذفت من سجلات الأحياء. نعم ربما أصابته قذائفهم. لانهم ضد المشاعر وضد الرحمة.

ومع ذلك كانت تنتظره كل يوم

عادت الى نافذتها ووضعت أمامها فنجان قهوتها. لكنها تيقنت أخيرا لماذا لم يعد. بقي فنجانها في مكانه. احتراما لحب صامت انتهى في ظلام لا صباح له. ودون ان ترثيه. فمن قال ان كلمات الرثاء تطفئ جذوة الألم.

***

قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو

 

لا نبضَ في التَّلِّ،

وما في التَّلِّ

غيرُ الرّيحِ والصَّبَّارِ والصَّدى.

شُجَيْرَةُ الْبَلُّوطِ تَسْتَوْقِفُنِي،

تَبْحَثُ في عَيْنَيَّ عن أبي.

تَسْأَلُنِي شُجَيْرَةُ الْبَلُّوطِ

عن أُخْتِي الَّتِي ما خَضَّبَتْ يَدي.

تَبْحَثُ في رجَفَةِ صَوْتي

عن عباءَةٍ لأمّي

طالها وجهُ اللَّظى.

وأَكْتَوي بِوَجْهِ أمّي

في مَجَامِرِ الْفَرَاغْ،

أَلْمَحُها تَفِرُّ مِنْ مُلاءَةِ الضَّنَى

إلى نَخْلَةِ مَرْيَمْ،

تَحْتَمي بها وتَقْتَري.

حتّى إذا ما طيْفُ داوُودَ لها بَدَا،

سَمَتْ

و أَقْمَحَتْ في كَفِّها

دَوَارِقُ الرّيحِ وأَمْلاحُ الْخَوَاءْ.

**

تسأَلُني شُجَيْرَةُ الْبلُّوطِ عن رِحْلَةِ شهرزادَ

في أَقْبِيَةِ اللَّيْلِ وأَلْوَانِ حُرُوفِها.

وشهرزادُ لا تزالُ تَغْزِلُ الرّيحَ

وتَسْطُرُ الْحَكَايا بِدَمِي.

ولا تزالُ تجْتَلِي حُرُوفَها

كَيْما يَظَلَّ ذلك النُّهَيْرُ

حاملا جناحَيْ طائرٍ في صدر أمّي،

ويَظَلَّ جامِحا نحوَ السّماءْ.

وأنتَ " أُورْفِيُوسُ "!

لا تزالُ بين زَنْبَقٍ ونَرْجَسٍ

تُسَعِّرُ الْجَوَى وتَمْضِي ذاهِلاً.

أَسْكَرَ ڨيتارُكَ بحرًا وَهِنًا

وما تَنَحَّى بِصَدَى الْڨيتارِ

قَيْدٌ شَدَّ " يُورِيدِيسَ " في الْمَنْفَى

وما لاَقَ بِها الصَّدَى.

ها أنتَ " أُورْفِيُوسُ " تُغْوِيكَ بِڨِيتَارِكَ

أَنْغامٌ ونَشْوَةٌ،

وتَنْسَى في الزِّحامِ

وَجْهَ " يُورِيدِيسَ " والْأَزْمِنَةَ الْأُخَرْ.

حَتَّامَ " أُورْفِيُوسُ " بالْڨيتارِ تَنْأَى

والنَّدى فيكَ مُعَلَّقٌ؟!؟

***

بقلمي: هادية السالمي / دجبي- تونس

رُدُودٌ آجِلَةٌ

كَلِمَاتٌ هَائِمَةْ

أَوْقَفَتْنِي

عِنْدَ أَبْوَابِ حُرُوفٍ مُبْهَمَةْ

سَأَلَتْنِي

لِمَ مَا زِلْتَ تَطُوفْ

فِي رُبُوعِي دُونَ إِذْنِي

لِمَ مَا زِلْتَ تُغْنِّي

نَاقِرَا فَوْقَ اَلدُّفُوفْ

دُونَ أَنْ تَسْمَعَ مِنِّي

عَزْفَ لَحْنِي

لِمَ شَوَّهْتَ مَعَانِي اَلْأُغْنِيَاتْ

لِمَ بَدَّدْتَ جَمِيعَ اَلْأُمْنِيَاتْ

دُونَ أَنْ تَسْأَلَ عَنِّي

لِمَ؟

أَرْجُوكَ أَجِبْنِي

لَا تَدَعْنِي

ظَامِئًا أُشْرَبُ أَحْزَانِي وَظَنِّي

أَتَغَطَّى بِرَمَادِ اَلْأَسْئِلَةْ

وَاحْتِمَالَاتِ اَلرُّدُودِ اَلْآجِلَةْ

***

حِسَابَاتٌ مَجْهُولَةٌ

حِسَابَاتْ

بِلَا جَمْعٍ، وَلَا طَرْحٍ

بِلَا قِسْمَةِ أَوْ ضَرْبٍ

بِلَا أَيِّ بِدَايَاتْ

وَلَا أَيَّ نِهَايَاتْ

حِسَابَاتْ

مَعَ اَللَّحْظَاتِ تَزْدَادْ

أَضَعْنَاهَا، أَضَاعَتْنَا

أَنَبْقَى نَحْنُ لَا نَعْرِفُ

مَا تُخْفِيهُ أَسْرَارُ اَلْحِسَابَاتْ

وَلَا نُدْرِكُ مَا تَعْنِيهُ أَلْغَازُ اَلْبَيَانَاتْ

مُنَادِينَ فُرَادَى أَوْ جَمَاعَاتْ

بِأَعْلَى اَلصَّوْتِ هَيْهَاتْ؟

***

شعر خالد الحلي

واجِفٌ

نبضُ الذُّهولِ بِصَدري الظَّامئ

لِغَيثِ السَّكن

طَيرٌ أضاعَ العُشَّ

ذَوَّب صوتَهُ بِأَوصالِ الزَّمن

تتقافَزُ الأَغصانُ مِن مطرٍ

إِلى وَتَرٍ

بِأَغصانِ الكَمَنجاتِ الَّتي ما وَدَّعتْ

أَعناقَ عِصمَتِها

ولا كَهفَ الشَّجَن

ما زِلتُ واقِفَةً

عَلَى الدَّمعِ اليَتيم

بِلَهفَةٍ

شَحَذَتها أَشواكٌ مدبَّبةٌ

تُكنّسُ عَن جدارِ الرُّوح

أَصداءَ الغُبار

وغُربَةً

أَغْوَت سريرَ الشَّمس

فاعتَزَمَ الرَّحيل

نَيسانُ يُنْكِرُني..

ويَرحَل

لا وداعَ ولا..

طَريقاً مِن ثُرَيّاتِ القُبل

تَرَكتُ دَليلاً في مَتاهةِ لَهْفتي

والبَحرُ شَدَّ حزامَهُ مَوجاً

تَهيَّأَ للسَّفر

إِذ كلّما وَجهي تَوسَّمَ بِابتسامِ الغَيث

عاجلهُ الخَفر

صَخرُ السَّراب بِه عطَش

حُزنٌ يلاعقُني

تَحتلُّ وَحيَ مَفاصلي

رَعَشاتُ أَثلامٍ عَلى درجِ النَّهار

فَبَعثَرت بَعضي عَلى بَعضي

وأَعلَنَت الحِصار

تَمضي هُناكَ إِلى مُحيطِ الشَّك

تَرقُبُ لَوثَةَ الأَشلاءِ تُرمى

خارجَ الجسدِ المُفارقِ حُلمَه

مِزقةٌ تَكسو خُطوطَ الظِّل

جُدرانَ الخَريطة

مِزقَةٌ أُخرى..

مِن الوَجعِ المُحلّى بِالمَحار

وَجعٌ مِن الصَّدَأ الَّذي أَكلَ الدَّقائق

حَدسي يُقرِّبُني إِلى مَوجِ القَلق..

ويشُدُّ خَيطَ المَوتِ في فُستانِ عُمري

يَقرأُ الغَيمَ عَلى كَفِّ الحَبق

تُمهِرُ الطِّينَ المُواربَ هَزّةٌ أُخرى

بِوِجدانِ الجَسد

تَختمُ الأَعصابَ مَرّات

بِأَحذِيَةِ النّعاس

وفي مَداميكِ البَرَد..

يا دَمعَةً سُجِنتْ

بِأَقفاصِ التّغرُّبِ والشّجون

تَفتَحُ المَعنى

إِلى حرّيَّةِ الصَّلوات

يا ثَورةً لِلْوجدِ تَقتلُني

وتَقتاتُ على منْ يَثور

سحقاً لِمزادِ الزَّمان

وقد تَعمَّدَ سَملَ فَجري

لِيَترُكني لوليمَةِ السُّؤال:

مَنْ أَقْنع المَوتَ أَن يُربِّي جُوعهُ؟

الصَّدى مَسمورٌ في فَمِ اللَّحظَة

يَتآكلُ ولا يَغيب

الطَّريقُ؟ نَعلٌ يَحتَذيه الرَّحيل!

وقَدَري أَنَّني الحَقيقَةُ الَّتي

كَذَّبَها الجَميع!

***

مرشدة جاويش

من مجموعتي سقوط الظل

  في يومها فكّرت... متى يتماثل ظفر إصبعي الأزرق للشفاء. الصيدلانية ابتسمت حين نصحتني بالعلاج. أحك العفن بخشبة صغيرة. أدهن الظفر بسائل شفاف. كل أسبوع مرتين. الجسد مذياع لا يتوقف عن البث. نشرات قصيرة: أَلمٌ هنا، وخز هناك، ورم صغير، صداع عابر.. أستمع. أدون. أؤجل. المذيع لا يرحم. يقرأ بصوت بارد: – "ورم القدم لن يزول."، تُعاني من الثلاثي، السكر والكولسترول والضغط، ولكن "السيطرة ممكنة."

أردّ: "لكنني أريد أكثر من السيطرة، أريد الشفاء".

يصمت مذياع الجسد. ثم يضع فاصلة موسيقية، مثل ضربة شوكة على صحن معدني.

عمري، عالمي، منذ عام أوراق الصحف الممزقة في عمارة اللاجئين، أصوات الرجال الواقفين. الوافدين القلقين، المغادرين الحائرين. كنتُ أريد أن أقرأ، لكن الجدران ضيقة، والهواء خانق. الآن، بعد ربع قرن، ما زلتُ أهرب من القراءة في الأماكن المغلقة.

هل أطيافنا تحفظ ذاكرة اللغو أمام شبابيك الاستعلامات هناك مثلما تحفظ رائحة التخمينات هُنا؟

القهوة تنزل ثم تتوقف. تنزل ثم تتوقف. أصبحتُ أنا والماكينة في مبارزة. كل توقف لعنة، كل تدفق نعمة. قدماي عاريتان. اليُسرى تبرد فوق بلاط المطبخ. اليُمنى، المصابة بالورم، تحترق بقطرات القهوة الساخنة التي تساقطت عليها. لم أشعر بالألم فوراً. كان كل انتباهي محصوراً في اللعنة: "امتلئي حتى آخر قطرة".

لمرة واحدة دون غيرها من المرات.. في ليغنانو الإيطالية جنب البحر. ملايين الجنادب تصرخ في وقت الظهيرة. صريرها يلتف حولنا مثل بحر خفي. تساءلنا: هل سيستمر هذا طوال أيام بقائنا؟

الغابة محشوة بأصوات. الصوت هنا لا يُقاس بالديسبل. الصوت كائن يتناسل بلا توقف.

الغربة تنهض بي من ذلك البحر الثخين. أعود إلى المطبخ.

القهوة احتكرت رغبتي. لكنني أتذكر الطعم القديم: الشاي الأسود. يا أيها الإله الذي يطلق سراح نفسه من ورق يابس حين يلامسه الماء الساخن. كم كنتَ وفياً لي في الليالي العراقية الثقيلة.

أنا حصان عراقي في النمسا يجر عربة شاهقة. التلة مكدسة بالهموم. أصعد بها وأهبط. كل خطوة طقطقة في مفصل القدم، طقطقة نشرة إخبارية جديدة. هل أترك العربة؟ لكنها مربوطة إلى جلدي، إلى تاريخي، إلى الطين الذي لُعق من يدي. "بيرفيكت" كلمة هادئة، يقولها النمساويون كأنها صلاة صغيرة في الاتقان. "شايزي" كلمة قذرة، يقولونها كأنها تنفيس عن حياة خانقة. طفلي ينام في الغرفة المجاورة. أخشى أن يرث القذارة قبل أن يتمسك بالاتقان.

أدوّن في مفكرة صحية داخل جمجمتي، ثم أعيدها إلى رف النسيان. ثقتي بجسدي كانت تساوي ثقتي في قلي الباذنجان دون أن يتشرب نقطة زيت. الطبيب ابتسم بعد زرقة أبرة سيئة في مفصل القدم وقال: "آسف جداً". خرجتُ متكئاً على إطار الباب، كأنني أحمل سيقاناً مضاعفة، وأنا أُفكّر: هل عليّ استخدام المصعد بدل الدرج؟ ومع ذلك، ما زال داخلي نسغ حياة، ورقة واحدة مؤجلة لعبور الشتاء إلى ربيع آخر.

ثمة ليلة لم ينم فيها ابني. جلستُ عند سريره أراقب عينيه المفتوحتين على الظلام. سألني: "لماذا لا نرى الله كما نرى القمر؟". عجزتُ عن الجواب. أعدتُ البطانية فوق جسده الصغير وقلت له: "نم يا ملاكي، الله يرى بك".

أشعر أنني أعيش على مقعد انتظار دائم. كل صباح أتهيأ لرحلة لا تبدأ. حقيبتي معبأة، تذكرة القطار مطوية في الجيب الداخلي للمعطف، والأحذية مصطفة عند الباب كجنود لا يُستدعون للمعركة. أحياناً أخرج إلى الشارع فأشعر أن الرصيف نفسه يراقبني: "لماذا لم تذهب بعد؟".

أتذكر أول صباح لي في هذا البلد. فتحت النافذة فرأيت الأشجار مغطاة بالثلج كأنها عرائس بيضاء صامتة. كانت رائحة الخبز الساخن تصل من المخبز القريب. دخلتُ إلى طابور طويل، الناس صامتون، يضعون عملاتهم المعدنية على الطاولة ثم يأخذون خبزهم. كنتُ الوحيد الذي ابتسم للخباز، لكنه ردّ بابتسامة باردة.

في مطبخ يوناني صغير في قلب مدينة لينتز، الزيوت تفوح كما لو أنها تحاول تذكيري بالبحر الأبيض المتوسط. الزعتر والريحان يتصاعدان من القدور، يلتصقان بالجدران الباردة التي لم تعرف الشمس منذ سنوات. شعاع الضوء الخافت من النافذة يقطع الدخان، يرسم خطوطاً على بلاط أبيض متصدّع، يربط الماضي بالمكان الجديد.

أنا الطباخ واقف عند الموقد. يراقب الزيتون الأسود يغلي مع فصوص الثوم، ويحسب كل حركة كما لو كان يقرأ شريط حياته في فقاعة صغيرة من الزيت. صوت السكاكين يتناغم مع الموسيقى اليونانية الهادئة التي تبثها إذاعة محلية. كل قطعة فلفل أخضر أو باذنجان مقطع تروي حكاية غربة، وكل رشة ملح تهمس: "أنت بعيد، لكنك هنا أيضاً".

نافذة صغيرة تطل على شارع هادئ، لم تظهر الثلوج بعد. السيارات تمر بخفة، مثل طيور غريبة تمر من عالم آخر، وكأنها تحاول ألا تزعج رائحة الزيتون. الطباخ ينقل القدور، يرش الزيتون على السلطة..  كوب القهوة الصغير على الطاولة أصبح مرايا: انعكاس الطباخ، انعكاس المدينة، انعكاس البحر الذي لم يأتِ. كل رشفة تقرّب الذكرى، وتبعد الغربة. الطباخ يضع يده على قلبه: كل شيء هنا، وكل شيء هناك، والأرض والهواء والماء والزيتون يجتمعون في حركة دائمة، مثل حياتنا التي لا تتوقف.

المطبخ يفتح فمه على شارع لينتز البارد. الزجاج متجمد قليلاً، والثلج يتجمع على العتبة كما لو كان يصر على الدخول. من الداخل، الزيتون يغلي مع الثوم والزعتر، رائحة البحر الأبيض المتوسط تحاول أن تصل إلى الشارع، لكنها تتردد في الهواء البارد. الطباخ يقف أمام الموقد، يراقب القدور بعين الكاتب والمخرج. كل فقرة من الزيت تتصاعد كجملة سينمائية، وفص ثوم يقفز في الزيت كإضاءة مفاجئة على وجه بطل الفيلم. السَّلَطة التي أعدها نص مفتوح. الطماطم مقطعة على شكل كتل صغيرة من ذكريات عراقية، البصل يشبه مشاهد من قصصه التي لم تُنشر، الزيتون… نصف دائرة منفوخة، ناقصة، رمز للمساكن والحياة والغربة. أصوات السكاكين تتناغم مع موسيقى إذاعة يونانية هادئة. كل حركة يدي الطباخ هي حركة كاميرا، كل رشة ملح هي تعديل في الضوء والظل. إنه لا يطبخ فقط، بل يكتب ويصور ويصنع حكاية مع كل طبق. الزبائن يجلسون على الطاولات، كل واحد في عالمه، لا يعرف أن خلف القدور يجلس طباخ شاعر يراقب حياته وكأنها فيلم قصير مستمر. كل شيء هنا، وكل شيء هناك، والطين والزيتون والماء يتقاطعون كما تتقاطع الشخصيات في روايته المقبلة. يلاحظ أن الضوء الصباحي على جدار المطبخ يُشكل ظل النافذة على البلاط كإطار سينمائي جاهز للتصوير. كل شيء صغير يصبح كبيراً: رشّة من الزيت، شرائح الباذنجان، حركة ساعي البريد الذي يمر من الشارع. كل حركة قابلة لأن تتحول إلى حكاية، إلى لقطة، إلى نص شعري.

يستيقظ الجسد قبل الروح. أفتح عيني على ألم في القدم. قبل أن أقول "صباح الخير"، أقول "أين العلاج؟ أين الحذاء الطبي؟". الروح تأتي متأخرة، مثل قطار بطيء يجر عربته المتهالكة عبر الجليد.

كل ليلة أضع رأسي على الوسادة وأتوقع أن يأتيني حلم جديد. لكن الأحلام تعيد نفسها. شجرة تهتز بصمت. صوت يقول لي: "تفضل". أستيقظ وأنا لا أعرف أن كان ذلك دعوة إلى الجلوس أم إلى الرحيل.

الطباخ واقف خلف الموقد، لكن عينيه ليست على القدور فقط. في رأسه، بغداد القديمة تتقاطع مع لينتز الباردة. شوارع المدينة تتبدل بمزاجه، الجدران تتنفس ذكريات سينمائية، كل ضوء يطرق الزجاج يتحول إلى مشهد محتمل. يسمع أصوات الزبائن، لكن كل كلمة تمر عبر مرشح داخلي: هي حوارات فيلم لم يُكتب بعد، أو فقرة قصة تنتظر الورق.

يتذكر نفسه طالب سينما في بغداد، يكتب قصصاً صغيرة عن الحواريين والليل والشهقات الخفية. الآن، بعد ثلاثين سنة في المطبخ، كل طبق يصبح مشهداً، كل رشة بهار لحن تصويري، كل صوت من الزبائن يتحول إلى موسيقى خلفية. الطباخ يبتسم لنفسه: ثلاثون سنة بين القدور لم تقتل الكاتب بداخلي، بل جعلته أكثر وضوحاً، أكثر حضوراً.

الزنجبيل يقطع الهواء، الزيتون الأسود يلمع، الرز يهمس في القدر. الطباخ يغمض عينيه للحظة، يتخيل مشهداً سينمائياً: فتاة شابة تضحك، طفل يركض بين الطاولات، والضوء ينعكس على وجهه. كل شيء جزء من نصه الداخلي، كل حركة قابلة لأن تصبح فقرة في رواية أو لقطة في فيلم.

يتذكر الموصل: السوق، الرصيف، صرخات الباعة، والنهارات الحارة. هنا في لينتز، كل شيء أبيض وبارد، لكن الذكريات تضيف اللون. الطباخ يحرك القدر ببطء، يراقب الفقاعات الصغيرة، ويقول لنفسه: "كل حركاتك وقراراتك الصغيرة هنا، كل رغبتك في الكمال… هي حكاية تستحق أن تُكتب".

الزبائن يضحكون في الزاوية، لكنه يسمع في رأسه أصواتهم مفلترة: موسيقى، همس، ضحك، جملة شعرية محتملة. كوب القهوة على الطاولة يعكس وجهه، لكنه يراه مختلفاً: رجل يكتب في بغداد، شاب يحلم بالسينما، وطباخ في لينتز يقاتل الصمت بالذكريات والموسيقى.

الكُبة في الفرن، نصف دائرة مشدودة، لا تكمل الشكل. بالنسبة له، هي العراق، هي الماضي، هي كل قصصه المفقودة. يخرجها، يضعها على الطاولة، ينظر إليها: "هنا، في هذا الصمت والروائح، كل شيء حي، قابل للكتابة، حتى الكمون".

يهمس الطباخ لنفسه: "كل ما أطبخه، كل ما أصنعه، ليس فقط طعاماً، بل نصوصاً، مشاهد، لحظات سينمائية… كل شيء هنا هو كتاب، كل طبق هو فيلم".

الزائر الأول يصل عند منتصف الصباح، رجل مسن بعينين متعبتين، يجلس في الزاوية، يفتح الجريدة بصمت. الطباخ يراقبه من بعيد، يسمع صرير الصفحة، يلتقطه في ذاكرته كإيقاع قصيدة قصيرة. كل حركة منه، حتى رفع كوب الشاي، تتحول في رأسه إلى لقطة سينمائية: الضوء ينعكس على الزجاج، ظل اليد يمتد على الطاولة، الجسد ينحني بحذر. فتاة شابة تطلب ليمون، تضيف لمسة عصير الليمون كما لو كانت تعدل نصاً. الطباخ يلاحظ ترددها، ابتسامتها الخجولة، طريقة التحدث، يحوّل كل شيء إلى تفاصيل شخصية في قصة لم تُكتب بعد. الأصوات الصغيرة- حركة الملعقة في الطبق، ضحك طفل في الخلفية، طرق الباب- كلها طبقات صوتية تصنع موسيقى المكان. يسمع أيضاً الكلام المبعثر للزبائن، لكنه لا يتفاعل مباشرة. الحوارات تتحول في رأسه إلى حكايات، ربما مشاهد فيلم، ربما فقرات رواية: "الرجل في الزاوية، ماذا يفكر؟ ما سر تلك النظرة؟"، "الفتاة، هل تحب الطعام أكثر أم التفاصيل الصغيرة؟". كل صوت يُصبح مادة، كل همس يُصبح نصاً.

بين القدور والروائح، يتحرك الطباخ ككائن مزدوج: يطبخ ويكتب في الوقت نفسه. يوزع البصل على السلطة، وكل حركة لها معنى. حتى أصوات التنظيف، خبط الملاعق على الطاولة، هدير الشفاط فوق الموقد، كلها إيقاعات تشد انتباهه، تصنع مشهداً داخلياً متكاملاً.

طفل صغير يركض بين الطاولات، ضحكته تتردد على الجدران. الطباخ يبتسم: كل حركة عفوية هي فقرة محتملة، كل همسة هي نص في روايته القادمة. الزبائن يأتون ويذهبون، لكنهم يتركون وراءهم طبقات من الأصوات والروائح والحركة التي يتحول فيها المطعم إلى ورقة فارغة، يمكن الكتابة عليها بلا توقف.

في هذه اللحظات، يعرف أنه، رغم كونه طباخاً، فهو في كل لحظة كاتب ومخرج ومصور، والزبائن، بلا علمهم، جزء من النص، جزء من الفيلم.

عطستُ كالعادة في سرحان الطهو. من أنفي، تطايرت ذرات فلفل أسود، تشبه بعرور تُطلقه بنادق صيد آدمية. اليوم، فاجأني نسياني لفصح مجيد، كغرفة معطوبة المصباح، كالسبانخ المحروقة في مقلاتي. غسلت مواعيد المكالمات المفترضة المقدسة في ماء العائلة، فكرت مع نفسي مثل رسالة قديمة لم أفتحها بعد. قطعت الثوم بحجم سنوات فأر يريني أسنانه، ثم البصل إلى مربعات تشبه شبابيك خاوية، وأضفت قليلاً من سمن البراءة، وحركت المغرفة الخشبية كالمجذاف الصغير هناك في المقلاة. معتقدًا أن اللون الأخضر وحده لا يكفي لمضاربي. كان السبانخ المحترق يخذلني…

آه منك، أيها الطاهي الأمهر!

قطعت لحم الدجاج وأضفته متفادياً زحام رصيف المعجون، أحاول أن أعيد خضرة السبانخ إلى الحياة، لكنني أعلم أن الأحمر من الشمندر هو الذي سينقذ الطبق من الوحدة، من الفراغ، من الصمت الذي يسكن خلف القدور.

يغمض عينيه للحظة، يسمع المدينة من نافذته، يرى بيتهم في حي المحطة الموصلي في رأسه، الصوت، الرائحة، الضجيج، الفراق والسكينة كلها تتداخل. كل هؤلاء، وكل أحاديثهم، تصبح نسيجاً داخلياً للطباخ، تتشابك مع أصوات الملاعق، وبخار القدور، وتتحول إلى نص موزاييكي طويل، حلمي وواقعي.

في مطبخ بيلا إيطاليا في لينتز، المعكرونة في القدر، الريحان يملأ الهواء، والمعكرونة تستعد لتصبح طبقاً ذا مذاق حي. النادل التشيكي يختفي في المرحاض ليقرأ الصحف الشعبية، ويعود محملاً بالنجوم الصغيرة من الأبراج، بينما يتلاشى بخار الأطباق التي أعدها الطباخ. كل شخصية هنا انعكاس لشيء أكبر: ذاكرة، فقدان، حلم، انتظار.

في مطبخ صغير في ليغنانو، الهواء أخف، الجنادب تصرّ في الحديقة، والبصل والثوم يقطّع بحرص. الطباخ يضيف الزيت، يحرك القدر، يستمع لصمت المطبخ.. صامت، ولكن مشبع بالمعاني. هنا، كل طبق هو حكاية، وكل رائحة، جملة من قصة.

يقف أمام آلة القهوة، يضغط الزر، ينتظر حتى تتجمع القطرات في الكوب. كل قطرة هي ذاكرة، كل رشفة، كل رغوة هي كلمة. بين القهوة، السبانخ، والبهارات، الماضي يلتقي الحاضر، بلاده بأوروبا، الواقع بالحلم.

الجرس المثبت أعلى باب الشقة يرن برنين مخيف، كإعلان تهديد من أعماق الأيام السحيقة. يشعر وكأن أحداً يترصده، بينما حامل السلم الصغير ورفاقه الملوثين ببقع الأصباغ يقفون في الممر. يحاول أن يفهم سبب حضورهم، لكنهم يبتسمون بلا سبب: كان المقصود باب جاره المغني السكير، المتوفي، الوحيد الذي ظل غامضاً، أغنية صعبة الفهم، بلغة خليطة، كان صوتها يراوده فجراً في قلب النوم، كأنه يذكره بماضي بغداد الضائع.

يتذكر بغداد: سوق العصرية، رائحة الخبز الطازج، صخب الناس، الأصوات، والجنادب في الليالي الحارة. يحلم بالجنادب التي تصرّ في الحدائق، بالصخور القديمة، بالمناظر المألوفة التي أصبحت الآن ذكريات بعيدة. كل مطبخ في أوروبا هو امتداد لذلك العالم: كل طبق نص، كل نص فيلم، كل فيلم حلم مستمر، وكل حلم حياة كاملة.

في مطبخ نمساوي آخر، الضوء خافت، الأدوات المعدنية تعكس حركة الطباخ المتأنية. كل حركة مغرفة، جملة لم تُكتب بعد. الطباخ يقطع اللحم للطبق الرئيسي، السبانخ تطفو في الزيت، يضيف الشمندر الأحمر. له طعم وذاكرة، رائحة تحمل فصلًا، حكاية.

يتذكر الطباخ أصوات الناس، أحاديثهم، قصصهم من الجزائر، العراق، باكستان، أمريكا، اليمن، مصر. تتشابك مع أصوات المطبخ، وتصبح لوحة موزاييكية شاسعة، فصل كامل من أطياف الطباخ، حيث كل مدينة، كل طبق، كل شخص، وكل ذكرى هي طبقة في الرواية الممتدة، حلمي وواقعي، غني بالتفاصيل، ممتع، ومعقد، وكأن الحياة نفسها تُروى داخل مطبخ واحد.

يوماً ما، هكذا بدأت أحلام اليقظة: مغادرة لينتز، رحلة مطوّلة عبر مطابخ العالم... أرى نفسي خلف المقالي، الأواني، والأطباق المتناثرة على الطاولات، أضيف لمساتي وأراقب الزبائن، كل واحد منهم يحمل نصاً، كل حركة تهمس بأحداث محتملة.

في مطبخ يوناني على ساحل أثينا، الزيتون يغلي مع الأعشاب البحرية، والجبن الأبيض يتفتت فوق الخضار. رائحة الريحان تهب من القدور، تتخلل شعوري بالحنين، كما لو أن البحر يحكي حكايات الأساطير القديمة. أراقب النادل الصغير، شاب موهوب لكنه خائف من الحديث مع الزبائن، أرى فيه نفسي في أول أيام تعلم الطهو، قبل أن يعرفني العالم كطباخ وأديب في الوقت نفسه.

أنتقل بعد ذلك إلى مطبخ فرنسي في باريس، الضوء الخافت ينساب من النوافذ العتيقة، والفرن المعدني يطلق حرارة رقيقة. أقطع السمك بحركة شبه شاعرية، أضيف الزيت بزمن دقيق، كل حركة متقنة، كأنها جملة في رواية طويلة. الزبائن يتحدثون بهمس، وكل طبق يحكي فصلًا عن مدينة لم أزُرها من قبل، عن حياة لم أعشها، عن قصص تتقاطع مع بغداد، لينتز، وبقية المدن التي زرتها.

في مطبخ ياباني صغير في كيوتو، أعيد تعلم الصمت. السوشي المتقن على الطاولة يبدو كلوحة، كل قطعة نودلز ملفوفة بعناية، كل رشة توابل قرار فني دقيق. أراقب الشيف الصغير الذي يمرر المقلاة بأصابع ثابتة، أفكر كم من قصصي يمكن أن تُروى في دقائق الطهي هذه. كل طبق هنا هو فيلم قصير، كل رائحة مشهد، وكل حركة حوار.

في مطبخ مكسيكي على أطراف مكسيكو سيتي، الفلفل الأحمر الحار والذرة تعانق بعضها في القدر الكبير، أرقب الشيف المحلي وهو يسكب الصلصات بعناية، كل رشفة حارّة هي صرخة طفولة نينوى، كل مذاق يقودني إلى رحلة عبر الزمن والمكان. الطباخ هنا ليس مجرد طباخ، بل كاتب يحفر في كل طبق فصلًا من أحلامه، في كل رائحة ذاكرة، في كل حركة تجربة سينمائية.

وفي مطبخ إسباني في برشلونة، رائحة الزيتون والثوم والبابريكا تملأ الهواء. أراقب حركة المقالي الكبيرة، الملاعق الخشبية التي تتحرك مثل راقصات في باليه الطعام، أسمع أصوات الزبائن في الخلفية، كل ضحكة، وهمسة وفلامنكو، جزء من نص لم يُكتَب بعد. أضيف الحروف إلى المذاق، والخيال إلى الرائحة، وكل طبق هو لوحة من الواقع والحلم.

هكذا، بين مطبخ وآخر، بين قارات مختلفة، تتداخل الأصوات، الرائحة، والحركة، لتتشكل أطياف الطباخ: نص خيالي، مليء بالطبقات والقصص، ليس مجرد طباخ بعد الآن، كاتب يعيش حياته من خلال الطهو، أحلام اليقظة، والناس الذين يلتقيهم على الطريق. الموصل. نهر دجلة يلمع تحت الشمس. المدينة القديمة تتنفس بين الأزقة الضيقة، الدكاكين المتهالكة، ورائحة القهوة العربية الممتزجة بالبهارات. الطباخ يقطع البصل على الطاولة الخشبية في مطبخه، يتذكر الجنادب التي كانت تقفز على البلاط في فناء جده. صوت الباعة والناس كحكايات تتناثر في الهواء، كل حرف جزء من نص. السبانخ تتطاير مع الزيت الساخن، كل حركة من يده هي ذكريات الطفولة، كل رائحة تُعيده إلى بغداد. بغداد. رائحة الخبز الطازج، القرنفل، الناس الذين يصرون على البقاء أحياء رغم كل شيء. الطباخ يرى نفسه صغيرًا يحمل جرة الزيت، يتجنب الزحام، يسمع أصوات الجنادب في الليالي الحارة، ويسترجع حكايات أمه وجدته. كل طبق يطبخه اليوم في أوروبا يحمل عبق بغداد، حكاياتها، صخبها، وحبها الضائع... العمادية. يتذكر الرحلات الصيفية، السمك المشوي على الفحم، ضحكات الأطفال، وصرخات النسور فوق الجبال. كل رائحة بصل مقلي في مطابخه الأوروبية الآن تعيده إلى مكانه الذي لم ينسه. قرية ديري... ضبابية وباردة، يربطها في ذهنه مع أيام الشتاء الطويلة في لينتز، والقدور التي تغلي على النار البطيئة. كل نافذة وشعاع ضوء يذكره بمطبخ صغير، حكاية عائلة حائرة، وجه قريب، وصوت ضحك ضائع بين الطيات. يعيد له صورة خالدة: جدته تفرم الثوم، يده تمتد إلى القدر، حُبه للطبخ بدأ هنا، تعلم أن الطعم هو لغة، أن الرائحة هي قصة، وأن كل طبق هو فصل من حياة كاملة... البصرة.. رائحة النخيل، أسماك الميناء، الهواء الرطب... لينتز. تجمع كل الرحلات، الأصوات، الذكريات. الأصابع التي تقلب الملاعق، كل شيء حي، كأنه فيلم سينمائي صغير داخل شقة صغيرة. الأصوات من الماضي والحاضر تتداخل، بغداد، الموصل، العمادية، البصرة كلها تتحدث من خلال الرائحة، المذاق، والحركة. فيينا.. فيينا.. القهوة الثقيلة، الماكينات المعدنية التي تصرخ بلطف، الرغوة التي ترتفع في الكوب، كل رشفة تأخذ الطباخ في رحلة داخلية، تلتقي فيها بغداد بالهضاب الأوروبية. النوافذ الكبيرة، ضوء الشمس البارد، صوت المارة، كل شيء أصبح جزءًا من روايته الداخلية.. براغ.. الشوارع المرصوفة، الأبنية القديمة، الجسور التي تحمل حكاياتها، والمقاهي التي تفوح منها رائحة الكراميل والشاي، كل شيء يذكّره بأن كل مطبخ هو نافذة إلى مدينة أخرى، وأن كل طبق يحمل ذاكرة، حلم، أو شخصية.. كورفو.. جزيرة يونانية صغيرة، البحر أزرق صافي، شجرة زيتون معمرة، رائحة البحر ممتزجة بالريحان والثوم. الطباخ يتذكر رحلته الأولى خارج أوروبا، أول طبق أعده هناك، أول زبون ابتسم له، وكل شيء بدأ يتحول إلى نص، فيلم، حلم، وواقع في الوقت نفسه.

أسترجع بغداد في كل لحظة والجنون الجميل الذي حملته معي إلى كل مطبخ بدل استوديو أفلام. وأضع لمسة أخيرة على نص. في كل مطبخ ألتقي بوجوه جديدة.. أصبح أكثر من طباخ، أصبح كاتباً على كل طبق، شاعر في كل رائحة، وصانع أفلام في كل حركة. كل طبق موزاييكي: رائحة البهارات مثل حوار داخلي، حركة الملعقة مثل مونولوج، المقلاة الساخنة ككاميرا تتبع الحركة، وكل المدن المترامية من بغداد إلى كورفو إلى لينتز تتقاطع داخلياً.

في محطة قطار الموصل، حيث تتلاقى خطوط السكك الحديدية مع خيوط الذاكرة، كانت القطارات تنطلق يوميًا نحو بغداد، حاملةً معها أحلام المسافرين وآمالهم. وكانت تُعد من أفخم محطات الشرق الأوسط، تضم فندقًا كاملًا ومرافق حديثة. لكن مع مرور الزمن، توقفت القطارات، وتُركت المحطة تنتظر عودة الحياة... في 3 يونيو 1943، تم افتتاح المحطة، وكانت تُعد من أفخم محطات الشرق الأوسط، وقد قام بتخطيطها جماعة من المعماريين البريطانيين… محطة قطار أربيل، التي شُيدت في أربعينيات القرن الماضي تحت إشراف المهندس الهندي محمد علي هندي، كانت تربط المدينة بكركوك وبغداد. كان القطار يصل أربيل في الساعة العاشرة صباحًا، وينطلق نحو كركوك في الخامسة مساءً … من خلال النوافذ في المطابخ، كنت أرى العالم يتغير. في الموصل، كانت النوافذ تطل على شارع المحطة، حيث كانت القطارات تصل وتغادر. أما في أربيل، فكانت النوافذ تطل على ساحة المحطة، حيث كان الناس يتجمعون وينتظرون رحلاتهم. وفي ديري، كانت النوافذ تطل على الجبال، حيث كانت الرياح تعزف ألحانًا قديمة. في مدينة لينتز، تطل على حياة تدب في كل زاوية. النوافذ تحمل في طياتها قصصًا عن الماضي والحاضر، عن الفرح والحزن، عن الأمل والخذلان. في ديري، قرية صغيرة تبعد ثلاث كيلومترات شرق قلعة العمادية شمال دهوك، كان الطباخ يذكّر نفسه بجدائل الضوء التي تتسلل بين الجبال عند الفجر. وخشونة الصخور العتيقة، كانت تحاصر أصابعه بينما يقطع الثوم والبصل لمطبخه الصغير هنا، في ذاك البيت القديم، حيث تعلم أن الطهو ليس مجرد طعام، بل لغة توازي الشعر والسينما. يتذكر كل زاوية في القرية: الطريق الترابي المؤدي إلى النبع، الأطفال يلعبون على حافة الحقول، صوت الحمام الذي يخرج من البيوت القديمة، ورائحة خبز العائلة التي تطوف فوق أسطح المنازل. هنا، في ديري، بدأت أولى أحلامه عن الطعام والقصص والرحلات، هنا بدأ حلم مفتوح، لا حدود له، لا زمن يحكمه. وبينما كانت الشمس تتسلق الجبال، تتردد في ذهني صور محطة قطار الموصل، حيث كان القطار القديم يغادر حاملاً معه رجالًا ونساءً وحكاياتهم المتشابكة: سائق القطار الذي يبتسم رغم ضجيج المحرك، وفتاة تلمع عينيها أمام نافذة القطار كما لو كانت ترى المستقبل بألوانه المشرقة والمخيفة معًا. وفي محطة أربيل، يقف الناس حول عربات القطار الصغيرة، يتبادلون الأحاديث عن الطموحات التي لم تتحقق، عن الخوف من الزمن الذي يمضي بلا رحمة. هناك، تعلم أن الناس يحملون في صدورهم مثل ما يحمل الطباخ في قلبه من توابل ونكهات، وجبات الحياة التي لم تُقدّم بعد. وبعد سنوات، بينما يجلس في مطبخ زيتون الشمال في لينتز، يرى أمامه كل هذه المدن ممتدة كخريطة في مخيلته: ديري شرق العمادية، الموصل، أربيل، بغداد، العمادية، البصرة، ثم أوروبا؛ لينتز، فيينا، براغ، كورفو. كل مطبخ هنا يحكي قصة، وكل طبق يحمل نكهة الماضي، ونسمة الحلم.

يتذكر محطة قطار الموصل: العربات القديمة تهتز على القضبان، الباعة ينادون على الخبز والفواكه، الأطفال يلوحون بيدهم للقطارات العابرة، والرياح تحمل أصوات المسافرين، حكاياتهم، وأحلامهم. هناك، في أصوات القطارات، كان يسمع الحكاية الأولى عن العالم، عن البعد بين الإنسان وهدفه، عن الشجاعة والخوف معًا. وفي محطة أربيل، يجد الزحام والهدوء في الوقت ذاته: رجل، امرأة، شاب ينتظر القطار، وكل واحد منهم يحمل قصة. الريح تداعب الأشجار، أصوات المدينة تتسلل عبر الزجاج، همسات الماضي تتسلل، الليل يمتد، والطباخ يسكب الشاي الأسود الثقيل، يرش الهيل على الكوب، ويجلس متأملًا في حبات التوابل الصغيرة، كنجوم في سماء مطبخه. هناك تتشابك الحكايات ويظل الطباخ، شاعرًا وروائيًا وسينمائيًا، ينسج كل شيء في مطبخه، في زيتون الشمال، في حكاياته وأطيافه، في الماضي والحاضر، في الغربة والأمل والحلم، في الطبخ والحياة، في أطياف الطباخ التي لا تنتهي، التي تتداخل فيها المدن والمطابخ والأشخاص والذاكرة في لوحة ضخمة، ممتدة، حية، تنبض برائحة الطعام ودهشة الحياة.

***

بولص آدم

ها أنا أمضي خفيفة ..

كأننا لم نكن سوى ظلين

يتصافحان أمام مرآة الألم.

وكل ما تبقى غبارُ العدم

تنفضه القصيدة

كي يتمدد البياض

نهرا بلا ذاكرة...

1

حملتَ حقائبَك ولم تلتفتْ،

وضعتَ فيها أشيائكَ ..

شالكَ القرمزي،

أوراقك المكتوبة بنورِ الشّمس،

وابتساماتِ من حولك.

كنتَ تشد حزام روحك كي لا تتساقطَ

جمعتَ ظلكَ

ضوءكَ

وخيباتٍ كانتْ..

2

رميتَ بحزمةٍ من القصائد

كنّا فيها عاشقَين حافيا القلب،

وصورًا رسمها الليلُ الأزرق

أخذتَ معكَ رائحةَ المكان،

واغتلتني في المنتصف.

قلتُ:

- خُذني معكَ،

فلا أحدَ لي سِواي.

زهرةُ النعناعِ التي وضعتَها في كفِّي

أزهرتْ بعبقِ اسمكَ.قلتُ

3

فتحتَ قلبَك للعابرين،

مرّتْ عرباتُهم على جثتي،

مثنى وثُلاث...

كتبتُ لك رموزًا رسمَها الحطام

دندنتَ بلحنِ أغنيةٍ خائفة

وهاجرتَ نحو العاصفة.

4

لا شيء يحدثُ في غيابك

غير وجعٍ يسألني عنك.

قلتُ بيْنِي و بَيْني:

- لعلّك تأخّرتَ في جمعِ بعضي

ونسيتني قربَ بابِ الحنين.

مرّت من قربي سنديانةٌ

غطّتْ عينيّ

فرأيتُني هناك .. حيثُ لا أنا.

فزعتُ...

دُلّني على ذلك الرصيفِ الأعمى،

حيثُ كانت فراشاتُ المساءِ

تُضئ خيامَ الكلام،

تصرخُ بي:

- إلى متى تنتظرينَ محطّةَ الوصول؟

- هل أقفزُ من سقفِ المجاز

كي يرثيني بقصيدةٍ للغياب؟

ويقول:

- "كانتْ بعضي الذي ضيّعتُه،

وقلبي الذي تناسيتُه هناك

حينَ حملتُني على عَجل". أجبتُ

5

أعدني إلى نقطةِ البداية،

وانتظرْني كي أنساني...

لعلَّ البحرَ يحملُ بقايايَ

نحوَ رحلتِنا الأخيرة.

***

نجاة الزباير

يناير / 2025

نحن إنْ كنّا قد كذبنا فذاكم

أنّنا أغوتْنا حياةٌ غرورُ

بادأتْنا بالفريةِ يومَ جئنا

وادّعتْ أنّها السماءُ القطورُ

ثمّ قالت تجَملُّوا وادّعوا كيْ

لا أميلَ عنكم فإنّي قرورُ

ثم كونوا لي لا لِمنْ هنّ دوني

قد علِمتمْ أنّي امراةٌ غيورُ

والرجالُ في كثرةٍ كنجومٍ

حولَ ثقبيَ الجوْنِ باتتْ تدورُ

واحذروا الإنسياقَ خلف وعودٍ

فالّتي بعد الموتِ إفكٌ وزورُ

عمرُكمْ هذا الأوّلُ والأخيرُ

ثمّ تروي بالصّمتِ عنكمْ قبورُ

فاملأوا كأسَهُ بما لذّ منّي

ولتهُنْ في سبيلِ "دنيا" المُهورُ

هل رأيتُمْ من ادّعى أنّني با

بٌ لأخرى منه يكونُ العبورُ؟

قد وعدتُ من قبل خلقاً كثيرًا

ليتها ترويْ عنْ نعيمي القصورُ

وادّعتْ من ليستْ تملُّ احتجابًا

أنّ فيها ما لن تملَّ الصّدورُ

واقتفينا ما ضاعَ منها كما لوْ

أنّها يعسوبٌ قفتْها الذّكورُ

وارتدَيْنا زيّ الثراءِ امتثالًا

كي ترى منّا ما استحبّت غَدورُ

واستزدنا من عِطرها وارتشَفنا

ريقها منْ كؤوسِ خمرٍ تفورُ

واستلفنا مالاً وبِعنا إراثا

وترَكْنا الأوطانَ جرحى تجورُ

واسْتطَبنا ظِلالها وهْيَ نارٌ

واجْتنبْنا هجيرَها وهْوَ نورُ

وادّعينا ما ليسَ فينا وبِتنا

ضحكةً لم يزلْ صداها يَمورُ

كان منّا ما كان حتّى أفقنا

واستفاقتْ من سكْرتِها الشّرورُ

كالذِّئابِ حاقتْ بنا ردَّ دينٍ

تشهدُ الأيدي قبضَهُ والسّطورُ

كلّما استغاثتْ بها الرّوح قالتْ:

في هوى دُنيا لا تُعدُّ الشّهورُ

واكتفتْ منّا واختفتْ من غوَتْنا

فغدونا كما الذّباحى نخورُ

هلْ إلى العودِ من سبيلٍ فنمحو

ذاك سؤلٌ ما انفكّ فينا يثورُ

ليتها قالت يومَ جئنا بأنّ الـ

ـــــوهمَ ليس حلٌّ لِمن همْ عشورُ

قد أصاب الثريُّ منها لبوبًا

وإلينا انتهىْ النّوى والقشورُ

قد خسِرنا الدّارين معاً فلا هَــــ

ــــــذي ولا تلك أعجبتْها الكسورُ

لا مفرّ لمن عوتهُ حياةٌ

فانعوى ما ارعوى فقف يا غرورُ

***

أسامة محمد صالح زامل

تجرّدٌ يَرشُّ الصَّمتَ

في رئَةِ المَدَى

تتشظى الرُّؤيا على

حجرِ الغِيابْ

والرِّيحُ مِخرَزُها يُخيطُ مَلامِحي

بِخُيوطِ ليلٍ لا يُؤدِّي للإيابْ

​هذا الذي بَسَطَ الخَديعةَ

فوقَ جَفني

واستباحَ دَمَ السُّؤالْ

يَلهو بِنَردِ مَواجعي

ويَجُسُّ نَبضَ الرَّملِ في

جَسَدِ المَحَالْ

​أنا قِبلةٌ مَنسِيَّةٌ

صلَّى عليها الوَجدُ سَهواً

ثمَّ غابْ

أنا طَعنةٌ عَطشى

تُفتِّشُ في جِدارِ الصَّدرِ

عَنْ وَهمِ السَّحابْ

​هُوَ يستلبُ أصابعي

ليَقُصَّ عَنِّي صرخةً مخنوقةً

ويُعِيذَ أشواقي بِجمهَرَةِ

العَذابْ!

يَقتادُ أحلامي لِمقصلَةِ

الذُّبولْ ويَصبُّ في نَومي

دُوارَ نبيذِهِ

ليَصيرَ صَحوي فِكرةً

مَصلوبةً خَلفَ الضَّبابْ

​يَمشي على قَلبي كأنهُ

آخِرُ العُشَّاقِ في مُدنِ

الرَّمادْ ويَرشُّ مِلحَ يَقينِهِ

فوقَ الجِراحِ

لِتَشهَقَ الذِّكرى ويَنكسِرَ

العِنادْ

​يَجتاحُني

يَمتصُّ آخِرَ نُقطَةٍ في

فنائنا حتى إذا ما جَفَّ

هَذا الحِبرُ في شِريانِنا

وأضاعَني

وَقَفَ الجاني ببابِ عُمري نادِماً

يَرثي القَصيدَةَ

وهوَ مَنْ أحْرَقَ الكِتابْ!

***

مرشدة جاويش

من مجموعة / سقوط الظل

 

سفر الحكاية هو البحر

ساعة الغروب

البحر بوح ولغة ومتاهة

البحر آية العارفين بسفر النوراس

المفتونة بسحر الزرقة

إلى أين تقول الحكاية للبحر؟

إلى اين تقول الذاكرة للحكاية؟

ويمضيان عند الغروب كموجتين

شردتهما الذكريات..

والشرفات..

والموانئ..

والمساءات..

والنوارس في الأفق

البحر ذاكرة الغريب ومرآة روحه

وهي تسترجع شغب طفولتها

حكاية تلو الحكاية

البحر حكاية شهرزاد

وهي تنام قريرة العين

في عيون الأمراء بعد كل حكاية

البحر شرفة الروح ونوافذها

المشرعة على هدير الموج

وهي تقف بشوق حارق

على أطلالها كالشعراء

في انتظار عودة المراكب

وشرود البحارة

البحر فنار الروح

من بعيد كنجم

يضيء للحكاية

ليلها المعتم

وللمساء دروبه المنسية

وللغد شغب الطفولة

إلى أين تقول الحكاية للمساء؟

إلى أين تمضي بي أيها الموج

تقول الغجرية التي تسكن القلب والذاكرة؟

***

عبد الرزاق اسطيطو

تَــغْـريـدَةٌ وُلـِـدَتْ، فــي أفُـق مَوْهـبة

تُـمَـوْسِـقُ الفِكرةَ العلياء، في الـوَرَقِ

*

عين ترى الهدفَ الأسـمى، له صِـلـة ٌ

بِهـاجِس القـلبِ، في منأى عـن الأرَقِ

*

تَــصوغُـه احـرفُ الإبــداع، فـي مَـدَدٍ

مِــن الـنقـاء، وتَــفْـعِيـلٍ مِــن النَّسـَـقِ

*

أنقى المضامين، حَـيَّـتْ ما تجـودُ بـه

العَــبْـقَــريـة ُ، مِــن عَـزْمٍ ومِـن عَــبَـقِ

*

بـَـرِيـقُ عِــلْـمِـك، للاجـــيال مَــفْـخَـرةٌ

يســمـو بِـعــزٍّ، ويـبقى اطهـر الطُرقِ

*

صـــوتُ القـوافي، سَــريعٌ فـي تَرنّـمِه

إنْ صاغَه الوصفُ،عن فَهْمٍ وعن رَتَقِ

*

(لا تيـأسَــنَّ إذا مـا كنــتَ مُــقْــتـدِرا)

وضْـحُ النهـارِ نُفُوذ ٌ، ليس في الغَسَـقِ

*

الـــشّـكُ إنْ قــارَبَ الإنــصــافَ أبـْعَــدَه

مِن نيّة الـسوء، تمهـيـدا الى السَـبَـقِ

*

(يامــن يَـعــزّ عــليــنا أنْ نــفـارقَـهـم)

الذكـرى تُورِقُ، كالأغصان فـي الـوَدَقِ

*

مــاذا يُـــقــالُ، إذا الــمِــيعـادُ أخْــلَـفَــه

عُـذْرٌ طَفـيفٌ، أيبقى الزادُ في الطّـبَقِ..؟

*

مَــن يُـلصِـق الكـيْـدَ فـيمَـن لا يُـمارِسـُه

يُـــمَـهِّــد المَـكـرُ اســبـابـاً الى الـغَـــرَقِ

*

إن كان فــي الـتِـبْـر إكساءٌ وبَهـْـرَجَــة ٌ

فــفـي اللســان تــعـاويــذ ٌ مـن الـزّلَــقِ

***

(من البسيط)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

يا حبيبي فيكَ حُزني ما ارتَسَمْ

وبِعَينَيكَ وَصَلْتُ المُختَتَمْ

*

كُلَّما هَـبَّ نَسيمٌ عابِرٌ

جاءَني مِن عِطرِه عَذبُ النَّغَمْ

*

وإذا ما ضاقَ صَدري لحْظَةً

صِرتَ في أَحلامِ قَلبي المُحتكَمْ

*

أَنتَ سِرُّ الشَّوقِ إنْ طالَ المدى

وضِياءُ الروحِ إنْ يَغشى النّدَمْ

*

كَم تَوارى الوَصلُ عنّا صامتا

وتَجلّى فيكَ صَبري بالقلمْ

*

فاسكُنِ النّبضَ فإنّي عاشقٌ

خُلقَ الإحساسُ في قَلبي نَغَمْ

*

وارعَ عَهدي لاتكُنْ لي ظالمًا

بِتَّ دائي يا حبيبي والسّقمْ

*

وخُذِ العهدَ إذا ما قُلتُهُ

لا أُريدُ الكونَ إنْ غابَتْ قِيمْ

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

الليلُ يَحتلُّ المكانَ

فلا مَكانًا للزُحامْ

صَفٌ من البِطريقِ يستلبُ الرَّصيفْ

متوعدًا:

بالبَردِ والموتِ الزؤامْ

عصفٌ وذاكِرةٌ هُنا يَتَجمّدان

الكُلُّ مَكتومُ اللسانْ

والرايةُ القتلى هُناكْ

مَخرومَةُ الرئتينِ

نازفةُ الدماء

جرداءً معتمةُ الضِياءْ

والنصلُ مسلوخُ المهابة والجلالْ

يغفو على رَمَدِ الظِلالْ

متنطِّعًا زيفَ الضَلالْ

يحصي تواريخَ القِتالِ..

مواريًا..

شبحَ القتيلةِ..

لا قتالْ!

*

انّ المسافةَ شبهةٌ

وتواطئٌ بين الحقيقةِ والخيالْ

بطشٌ ومجنٌ في الحكايةِ والسؤالْ

حُجُبًا يزينها الدخانْ

والبغي يُزهرهُ الهَوان

*

ندمٌ

وجومٌ

والزمانْ

أغفى على صمتِ المكان

والرايةُ القتلى هناكَ

مبلولةٌ

بالمشهدِ المَهزومِ

مهملةً هناكْ

*

طعمٌ مِنَ القِصديرِ فوقَ شِفاهِنا

***

طارق الحلفي

قصيدة رقم 24

الصورة الاولى

عامٌ مضى عامٌ يطالعني

جديدْ

ماذا سيحملُ مِن جديدٍ

عامي الجديدْ

ونظرتُ مِن خلفِ الزجاج

لكي أرى

عامي الجديدْ

فإذا بهِ عامُ الجليدْ

عام الوعودْ

عامُ الوعيدْ

عامي الجديدْ

ومصارعُ العشاقِ في

الأمل البعيدْ

**

الصورة الثانية

عامٌ مضى للقردِ

عامٌ لن يعودْ

والسَعدُ في العامِ

الجديدْ

فقرأتُ شيءً مِن دُعاءِ

الصالحين

مُعوّذًا فيه الوليدْ

عامي الجديدْ

وإذا به ديكٌ فصيحْ

يصيحُ في فَلَقِ الصباحْ

عامٌ يُبشرُ بالوعودْ

وطالعي فيه السعودْ

ويحق فيه للعبيدْ

أن يحلموا

بعالمٍ حُرٍّ سعيدْ

ومِن بعيدْ

كفٌ تُلوّحُ بالوعيدْ

**

الصورة الثالثة

في عامنا العامِ الجديدْ

ما زالَ في مَرْجِ الزهورْ

بعضُ الطيورْ

مسكينةٌ تلك الطيورْ

ترنو الى الافق البعيدْ

وترومُ أهلاً بائسينْ

في موطنٍ صبرًا يموتُ

بلا أنينْ

والشيخُ والطفلُ الشريدْ

يترقّبانِ عسى الجديدْ

يَأتي به ساعي البريدْ

ماذا سيَحملهُ البريدْ؟!

في عامنا العام الجديدْ

بطاقةً قد حُبِّرتْ

بدمِ الشهيدْ

[مُتِعتَ بالعامِ الجديدْ]*

**

الصورة الرابعةُ

الدينُ للّهِ

وعند الناسِ بعضِ الناسِ

دينُ الاقوياءْ

ما يأمرونَ به

يكونُ

ولا يكونُ لغيرهمْ الا الدعاءْ

وإذا الحقوقُ تساءلوا عنها

فمعناهُ الجحودْ

بل الخروجِ على تقاليدِ

الجدودْ

والصمتُ أولى بالعبيدْ

ودماءُنا هدرًا تسيلُ

لنصفِ قرنٍ

بل يزيدْ

وتصيحُ هلّا مِن ضمادْ

يا أدعياءْ

في عالمٍ حُرٍّ سعيدْ

وعامنا العام الجديدْ

**

الصورة الخامسةُ

ألوحشُ صربيٌّ

يعيثُ كما يشاءْ

متى يشاءْ

ويكونُ في عَرَمٍ شديدْ

مع النساءْ

والحقدُ يكشفُ وجهَهُ

فالى مَ نستغشي الرياءْ

في عالمٍ

يسوسُهُ الشُذّاذُ**

والادعياءْ

في

عامنا العامِ الجديدْ

عام التلوّنِ بالفريدْ

وهناك

ما بين الركامْ

حمائمٌ زغبُ

الحواصلِ

تصطليْ الموتَ الزؤامْ

ما بين أطلالِ

البيوتْ

ولمجلسِ الامنِ القرار

وفوق أكداسِ العظامْ

يأتي القرارُ

بلا قرارْ

في عامنا العامِ الجديدْ

وعالَمٍ حُرٍ سعيدْ

***

عطا يوسف منصور - الأردن / إربد

في 4 شباط 1993

.........................................

* ما بين القوسين تضمين من قصيدةٍ للشاعرة الدكتورة عاتكة الخزرجي.

تلك الأغاني ليسَ تُسمعُ

بل تُرى بالعين

أو تُشوى، وتُؤكلُ كالرغيف

أو ربما هي كالعطور تُشمّ

أو تَحمي بحاجزها الحديديِّ الجموع

فترصُّهم

حتى ليصبحَ كالهزيم بسُلّمِ اللحنِ النداءْ

كنا نُغني دائماً في سِرّنا

فتهبّ في طربٍ

لترقصَ في سكينتها الضلوع

وتفورَ في أعماقنا الغضبى الدماء

لمّا بنا الطرقاتُ ضاقتْ

لم نعدْ كالأمسِ ننشدُ من وراء دموعنا

بل أننا صِحنا وأيقظنا مع الأمواتِ أحجارَ القبور

مذ ذاكَ أصررنا على أن نتركَ السردابَ

كي نطفوا كما الأمواجُ في الأفقِ المضاءْ

ألبعضُ منا صارَ نَسراً

والبعضُ إنقلبوا بلابلَ

أو ملائكةً

وغابوا في الغيوم

لكنّ من خرقوا موازينَ الوفاء

تاهوا كما العُميان

واحترفوا البكاء

**

ليست أغاني الضدّ تصديةً

ولا كانتْ مُواء

بل أنها أرواحُ أجيالٍ سَمَتْ سُحُباً

وسَحّتْ

كلما مَسّتْ بروقُ الحزن حافتَها

دراريَ من ضياء

أقدامُها خوّاضةٌ بدمائِها

وعيونُها كالشُهْبِ تلمعُ في السماء

***

شعر / ليث الصندوق

ومنذُ زمانٍ طويلٍ نُردّدُ نفسَ التعابيرِ والكلماتْ:

عنصريهْ

بربريهْ

عنجهيهْ

همجيهْ

*

نُردِّدُها وكأنَّ اللغاتْ

عقمتْ مِن عقودٍ ولمْ تنجبِ الأمهاتْ

رغم انَّ اللغاتِ فضاءاتُ جودٍ

تفكَّرْ اذا هطلتْ ثروةُ العربيهْ

بيدَ انَّ اللئيمَ تمادى ولمْ يتركِ الاختيار

لكي نتخطى الصفاتِ التي انفردتْ بالاجادةِ في سبرِ أغوارِها المفرداتْ.

***

شعر: كريم الأسدي

......................

ملاحظة:  زمان ومكان كتابة هذه القصيدة في يوم 11 نيسان 2026، في العراق ـ الناصرية ..

يا نسيمَ الفجرِ بلّغْ موطني

أنّ قلبي في اشتياقٍ ما انطفى

*

إنْ يكنْ بُعدُكِ حقًّا قد قضى

فلقاءُ الروحِ باقٍ ما خَفَى

*

وجرى نبضُك في شرعِ الهوى

حينَ لاقى الطيفُ قلبًا مُدنَفَا

*

يا نسيمَ الروضِ سَلْ عن مُهجتي

هل تُرى صبري على البُعدِ كَفَى؟

*

كم رجوتُ الوصلَ في ليلِ الأسى

غيرَ أنّ الحلمَ في عيني غفا

*

كان قلبي في رُباكم مُورِقًا

فإذا الهجرُ لروحي ما شفى

*

يا نسيمَ الليلِ بلّغْ فاطِمَهْ

أنّ دمعي فاض بحرا وصفا

*

كيفَ أنساها وفي أعماقِنا

نبضُها باقٍ وإنْ طالَ الجَفَا

*

كلُّ ركنٍ في حياتي شاهدٌ

أنّها كانتْ لروحي المُصطفى

*

يا فُطَيمةَ إنّ قلبي لم يزلْ

يرتجي لُقياكِ في دارِ الصَّفَا

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

كَمْ تَبقّى مِنْ ظِلالي

حينَ يُخفي اللَّيلُ وَجْهي؟

وأنا أَمشي كأَنّي:

آخِرُ الأَسْماءِ.. أَمْضي

كَمْ دعوْتُ النَّفْسَ يوْمًا

ثُمَّ لا يَرْجِعُ صوْتي

غَيْرَ أَنِّي، كُلَّ ليْلٍ،

أَخْلُقُ الوَجْهَ..

ثُمَّ أَخْتفي

2

تهْتدي عيْنايَ ليْلًا

لِجَناحٍ كانَ يلْمعُ

فأَرى في الصَّمْتِ رَفْرَفةً

كُلَّما ناديتُ..

ينْأى

يا اقْتِرابًا فاضَ نُورًا

ثُمَّ أَوْغلْتُ بُعادًا

كُلُّ درْبي إذْ تهاوى

حينَ سَمَّيْتُ الخُلودَ

3

حينَ مَرَّتْ..

عادَ كوْني

شجرًا يعْتاشُ ظَمأً

غيْرَ أَنِّي، كُلَّ حينٍ،

يأْتي الفَيْضُ..

يمْحوني

كانَ في عيْنيْكِ سِرٌّ

يُشْبِهُ بدْءًا لا يُسمّى

كُلَّما لامسْتُ خفْيًا

صِرْتُ أَدْنو..

ثُمَّ أَتوارَى

4

وكواكِبُ تتدلّى

مِنْ جِدارِ الوقْتِ صمْتي

كُنْتُ أَهْجِسُ بِوهْمٍ

في جسدٍ يَتشظّى

كُلُّ عُشْبٍ مَسَّهُ ظِلِّي

ثُمَّ وارتْهُ كفُّ الخُلْدِ،

وكأَنَّ السِّرَّ فيها

أَنْ نرى..

ثُمَّ نغيبَ

5

يا مدينةَ كُلِّ ناجٍ

ثُمَّ لمْ ينْجُ..

ويبْقى

كُلُّ طوفانٍ يُقيمُ بِكِ

يبْدأُ الآنَ..

ثُمَّ يَفْنى

في تُرابِكِ سِفْرُ مَنْ

كانَ يرْوي ثُمَّ يخْفُتْ

كُلُّ ناجٍ..

حينَ يُخْبِرْ

يكْتشِفْ أَنَّهُ ينْسى

**

كودا

(ضِدَّ الخُلود)

ليْسَ في الأَسْماءِ خُلْدٌ

كُلُّ ما قُلْناهُ يَنْسى

غَيْرَ أَنِّي، كُلَّما أَدْنو،

أَخْتفي ..

ويبْقى

***

د. سعد محمد مهدي غلام

الشِعْرُ والإنشـــــاءُ ليْ أعيـــادُ

والضــادُ نـــــاسٌ تلتقي وبِلادُ

*

ولسانُ هاتيكَ التي جاءَتْنَا في

شرَفٍ وفي ثـوبٍ هي الميلادُ

*

أَوَلَسنا نُولَــدُ من لسانها حينما

يحيــا بها الأجدادُ... والأحفادُ

*

أقرانها مـاتَتْ... ووارَتْ شمسها

ما عـــاد يَذْكُرها ثَرَى مَن بَادوا

*

مانال منها (فَرنكفُوني) ولن يَنلْ

شَنــــآنُ منها... أيهــــا الأوغادُ

*

هي تَصطفِيكَ فخُذْ بها مُتَحَرِّرًا

إن الجُمُـــــــــــودَ لِمِثلِهِا أصفادُ

*

أنتُمْ لها أهــــــلٌ وليس بِعُذرِكُمْ

مَن يَستَــــــظِل بِشَمسِهِ الإلحادُ

*

أنتُمْ لها أهــــــلٌ وآيــــةُ نَصْرِكُمْ

ألَّا تخُـــــونُوا لِسَـــــــانكُمْ فَتُقَادُ!

*** 

محمد ثابت السُّمَيْعي

٢٠٢٦/٤/١٠م

بِسُتْرَتِها الحَمْراءِ تَمْشِي مَعَ المَطَرْ

حَبِيْبَاً لَها قَدْ جَاءَ مِنْ عَالَمِ الشَّجَرْ

*

تُباطِئُ خَطْواً كَي يَطُولَ طَرِيقُها

وفِي عَيْنِ مَن تَهْوى يَطِيبُ لَها السَّفَرْ

*

تَقُولُ لِضَوءِ الفَجْرِ خُذْنِي ودُلَّنِي

وتُنْشِدُ عِنْدَ الليلِ أُنْشُودَةَ الغَجَرْ

*

تُرِاقِصُ أعْوَادَ الزّنَابِقِ والنَّدى

وتُصغِي إلى شُوْبَانَ كَي تَطْرُدَ الضَّجَرْ

*

خِزانَتُها فيها الثِّيابُ تَزاحَمَتْ

وَكُلٌّ يُنادِيها ارْتَدِينِي أيَا قَمَرْ

*

كَأَنَّ خُيُوطَ الثَّوْبِ إنْ مَسَّ جِلْدَها

تَدُبُّ بِهَا رُوْحٌ فَتُصْبِحُ كَالبَشَرْ

*

تَرَى أثْمَنَ الأَشْيَاءِ ما أَنْبَتَ الثَّرَى

وَأَجْمَلَ صَوْتٍ نَقْرَةَ الماءِ في الحَجَرْ

*

قِلادَتُها ليسَتْ لَآلِئَ إنَّمَا

قٌلوبٌ مِنَ العُشَّاقِ شُكَّتْ عَلى وَتَرْ

*

وَمِعْصَمُها يَأْبَى سِوَاراً يَلُفُّهُ

لأنَّ بِهِ رُوحَ التَّمَرُّدِ وَالشَّرَرْ

*

مَتَى اسْتَيْقَظَتْ فَالصُّبْحُ يَبْدَأُ عِنْدَنَا

فَمَعذِرةً يا شَمسُ ما عُدْتِ ذا خَبَرْ

*

هِوايَتُها رَسمٌ على الماءِ سَفرَةٌ

مَع الطَّيرِ نَحْوَ الغَيْمِ كي تَقْطِفَ المَطَرْ

*

قَدِ ارتَبَكَ الشُّرْطِيُّ عِندَ مُرورِها

فَصَفَّرَ حَتّى مَوكِبُ النَّملِ ما عَبَرْ

*

وَلَكِنْ قُلُوبُ النّاظِرينَ تَصادَمَتْ

لِسُرْعَةِ نَبضٍ إنَّها تَسْحَرُ البَصَرْ

*

لَها طَقْسُها في كُلِّ فَصْلٍ فَفِي الشِّتا

تُقِيمُ بِكُوخٍ في الجِّبالِ قَدِ اسْتَقَرْ

*

تَسَخَّرَتِ الغاباتُ جَمْعاً لِأمْرِها

وطَوْعاً لَها الغِزْلانُ تَأْتٍي مَعَ الثَّمَرْ

*

وَفِيْ الصَّيفِ عِندَ النَّبْعٍ حَلَّتْ ضَفِيرةً

ومسَّتْ خُشوعَ الماءِ فانْسَابَ وانهَدَرْ

*

ألَا إنَّ نَهْدَيْها كَفَصْلَيْنِ واحدٌ

رَبيعٌ وثانٍ بِهِ الدَّاءُ الخَبِيثُ قَدِ اسْتَتَرْ

*

خَرِيفٌ مِنَ الأحْزانِ لَكِنَّ غُصْنَها

يُقاوِمُ حتّى ما يُقالَ قَدِ انْكَسَرْ

*

وما كُلُّ حَربٍ بانتظارِ نَتيجَةٍ

ولَكنَّها مَحسومَةُ الأمْرِ كَالقَدَرْ

*

لَنا ظَاهِرُ الأشْيَاءِ والمَوتُ مُضْمَرٌ

وُجوباً كَمَا قَالَ النُّحَاةُ بِلا أَثَرْ

***

عبد الله سرمد الجميل

 

أدرت ُ المفتاح مرتين، أقفلت باب الغرفة.. انغمست في فراشي البارد بعد منتصف الليل سعيدة ً بحرية الفراش، سريرٌ أتلوى على جزء من يساره وأترك اليمين للهواء القادم من كل زاوية يعيث في اللاشيء، فلقد أخذت كل الغطاء لي فارهة ً بليلة هادئة حرة تشبه ليالي العازبات اللاتي تأخر عليهن قطار الحب فاستبدلنه بحب الذات لإتمام مهمة الحياة على أكمل وجه، وأولئك اللاتي طلقن أزواجهن أو الآخرون نفروا منهن، تألمن قليلًا ثم انهمرن بالحياة، أصبحن ممطرات طوال العام في حالة من تشتيت ذهن العالم عن فراغهن العاطفي واضطراباتهن النفسية تجاه الرجل وإشكالية االرتباط به، استثمرن ما لديهن بصدق ووهم معًا، صدقن ّ وكذبنّ، حتى قلبن طاولة الحظ بتحد ٍ رومانسي، اخترن الظفر بكل شيء كرد ٍ موغل في الأنانية ولكنه ضبابي، يرفضن المشاركة والمناصفة ابتداء ً من لحاف النوم وانتهاء ً بالراتب الشهري، ويصرخن في وجه التنازل والتضحية صرخة ً ناعمة ً لكنها ثابتة ٌ وعنيدة كقفل باب قديم!

كان عقرب الساعة يسير متجاوزًا حد الواحدة صباحًا، فتكاثرت خيالات الشعراء والشاعرات على الحائط، بين جالس وواقف ومنكب على أوراقه، يكتبون قصائد َ رهيفة ً ويسكبون أحاسيس عذبة ً لا تظهر إلا في عتمة الليل وهدوء المدينة، ولأول مرة في تاريخ سهري أغبط الشعراء المتقاعدين؛ الذين لطالما اعتبرت أن الزمن غلبهم، والشاعرات  اللاتي ليس لديهن وظائف غير إراقة الشعور، فكأنما وجب على العامة أن تنام لتستيقظ باكر ًا للعمل والكدح، وعلى الشعراء وحدهم أن يسهروا الليالي ليكتبوا مشاعر النائمين ممن لم تمنحهم الحياة فرصة الاعتناء باللحظة قبل فواتها كليًا، حاولت أن أعزف نوتة ً شعرية ً لها من القداسة ما يُصمت الشاعر الخبير، ومن العذوبة ما يقدح شرارة الغيرة في قلب الشاعرة المتكلفة بثقة ٍ مُفتعلة، أما صغار الكُتاب من الناشئين والناشئات الذين يكتبون أضعاف ما يقرؤون فهؤلاء حتمًا ستفعل فيهم النوتة فعل السحر.

نظرت ُ إلى الجدار فتبدت لي شاعرة منهمكة على طاولة خشبية تستضيء بنورٍ، أباجورة خافتة، لا أعلم سر وجودها وحيدةً؛ لكني اُقدم افتراض انفصالها عن الزوج واكتفائها بصداقات دافئة، لديها طفل نائم لا تنوي إنجاب أكثر من ذلك، تقضي ليلها ونهارها في هذه الغرفة المسوّرة بالكتب شاهقة الارتفاع، لا تتوقف عن الإنتاج الإبداعي الصافي، كيف لا وكل شيء ملكها لوحدها، لا تخضع للشراكة حتى في طبق الطعام، فإذا ما اشتاقت للألفة هاتفت الأصدقاء واستداروا حولها، ماذا تحتاج امرأة مثلها؟ قليل من كل شيء يرويها، مهمومة بما تحمله هذه الأرشيفات الورقية، ثم ماذا..؟

ظلت طوال الليل على هذه الوضعية لم تحرك عضوًا في جسدها غير رأسها واليدين، حتى انفتح الباب بهدوء ساحر يكشف عن ابتسامة ستينية تفرد ُ وجهه المضيء، يجلس برزانة أخاذة على كرسي متحرك، وقد ترك كتابه يستريح على فخذيه العاطلين عن العمل إلا من حمل الكتب وحملها، كيف لا وقد نكبها الطريق السريع فالتهم زوجها وطفلها قبل بضعة أعوام، طارت مضامينها نحو السماء ثم هوت قُرب مقعده المتحرك، نظرت لرجل مشغول في غربته يكبر ُ والدها بثالث أعوام، ومن هول الارتطام بالأرض مرة ً ثانية ً تماهت الرؤية أمام عينيها، فتكثفت عليها صمامات الأبوة والحب والرفقة والشراكة والعشق، سلمت مضامينها لقدر ٍ جديد بعد أن استنفذت قواها في البكاء على  ٍعُمر ٍ مر ّ كبرق البصر فاقترب نحوها، أطلقت ذراعيها تُمددهما بعد شوط  ًطويل من القراءة الليلية، نزحت نحو حضنه في غمرة دفء، طبع قبلة عميقة ً على رقبتها، ثم سألها عن آخر ما وصلت إليه في كتابها الأخير، قدم لها أسماء نُقاد من أصحابه قد تستفيد من كتاباتهم في مشروعها الحالي، أخذ رشفة ً من كأس الماء الموضوع على الطاولة، وأبلغها بأنه ذاهب للفراش، عليه الاستيقاظ مبكر ًا، فقضمت قطعة ً من خده وهي تقول: أحبك ولا أشبع، أحبك حتى تخمد أنفاسي. عادت لمكانها، وانسحب إلى الخارج تاركًا إغلاق الباب للريح.

رف ّ جفني بلا إرادة، فخرجت ُ من الجدار قبل أن أسألها عن الحُب، حاولت ُ العودة، أغمضت ُ عيني بشدة وفتحتها مرارًا، بحثت ُ عنها في باب الغرفة والسقف، النوافذ والستائر، وأغطية السرير والوسائد؛ فلم أجدها! سمعت ُ شدو عصفور عند النافذة، فعرفت أن علي ّ أن أدير المفتاح مرتين وأفتح باب الغرفة.2668 rajaa

قصة: رجاء البوعلي

........................

لوحة القصة: الفنانة إيمان اليامي

كتاب: عشرة أيام في عين قسيس الإنجيلي

الناشر: منشورات جدل

يهزمني الْأزيزُ - قال - وارتعاشةُ الْإبَرْ

وأشتهي فَرْقَعَةَ الْجَبينِ والْأَثَرْ.

كذلك الْيومَ يُحدِّثُ الْمرايا مِنْ أَلَمْ.

يُنبئُها نَثيثَهُ مِنْ هَلَعْ:

*

أنا الّذي ظَلَّلْتُهُمْ دَهْرًا

وبي قدْ وَلِهُوا

فَاسْتَكَنُوا.

مَكَثْتُ فيهم أَمَدًا

أسقي صدورَهُمُ تباشيرَ اللَّظَى،

فما اسْتَطالَتْ أبدا أعناقُهُمْ

ولا كِعابُهُمْ عَلَتْ.

أنا الّذي تَقَدَّسَتْ أَلْوِيَتي،

تَسْقُطُ مِنْ يَدِي قناديلُ

وكَفٌّ يَنْثُرُ الْبُرْءَ لِمَنْ به السَّقَمْ.

وها أراهُمْ

قَضَموا التُّفّاحَةَ الْأَنْذَرْتُهُمْ،

فأَوْرَقَتْ بين ضلوعهم

غِواياتٌ وأسئلَهْ.

وأيْنَعَتْ ألسنةٌ

يَسْكُنُ طَيْفُها جناحَ الطّيْرِ

والرّيحُ تَحُومُ في يدي.

ألسنةٌ تَخْطُو إلى طاولتي،

تُرْبِكُها،

تُرْبِكُني،

تُرْبِكُ كأسي ووَسائِدي…

**

ألسنةٌ حيثُ أنا.

أَلْمَحُ طَيْفَها يَطُوفُ في نوافذي

وفيها يتعالى نَبْضُهُ.

أَلْمَحُهُ يَنْثُرُ في ثُقْبِ الْمرايا وجهَهُ.

أَمُدُّ ظُفْري نحوه

لعَلَّني أَطْحَنُهُ،

فيَنْثَني مُهْتَرِئًا.

يُرْهِقُني الْآنَ صهيلُ خَطْوِهِ

في غُرْفتي.

في غرفتي طاولةٌ منها يفرُّ ريحُ كَفَّيَّ،

وكرسيٌّ يُرَتِّبُ اللَّهيبَ في دَوَارِقي.

تَنْهَشُني اِرْتِعاشةُ الضَّوْءِ،

أُنادي شَبَحَ الزَّبَانِيَهْ…

أَغْرَقُ وَحْدي في غُيُومٍ صاخبَهْ…

**

يا ذي الْمرايا !

أيْنَ شمسي وشَتاتي

ومفاتيحُ خَزَائِني؟؟

ها أنَّنِي في صَخَبِ النِّعالِ

أَدْفِنُ الْعَوِيلَ - صِرْتُ -

واهتِزَازَةَ الْإِبَرْ.

لا صاحِبَ الْيوْمَ لِصَوْتي

غيْرُمِحْرابٍ

يُؤَذِّنُ الْبَعُوضُ في شُقُوقِهِ

وفي حُنْجُرَتي.

فَكَيْفَ أَسْتَرِدُّ تُفّاحًا

يُعِيدُ لي تَوَازُني؟؟؟

**

يا ذي الْمرايا الشّاحِبَهْ!

كيف أُلاقي قَبَسًا

يَعْصِمُني

مِنْ وَمَضاتِ الشّاهِنَامَةِ الْأَبَتْ (*)؟؟؟

**

يا ذي الْمَرايا الْآثِمَهْ!

شُدّي على صِدْغي كُفُوفَ الْمِطْرَقَهْ.

ما أَجْدَرَ الْمَطَارِقَ الْبَيْنَ شَظَاياكِ

بِإِخْمَادِ الْوَجَعْ!!!

***

بقلمي: هادية السّالمي دجبي- تونس

....................

* إضاءة: الشّاهنامة: ملحمة شعرية فارسية كتبها أبو القاسم الفردوسي، تهدف إلى إحياء التراث الفارسيّ.

في صمت الليل، حيث تتسلل همسات الذكريات كأشباح الماضي، كانت هي هناك، وحدها، تحمل في عيونها ألف سؤال لم تجد له جوابًا. أضاءت مصابيحها، وأشعلت المدفأة التي لم تَعد تمنحها الدفء، بينما كانت روحها تنسحب ببطء كأنها ضباب يذوب في الفجر. أعدت له فنجان قهوة، لكن رائحتها كانت تختفي في الهواء، كأحلامها التي فقدت لونها.

تنهدت بعمق، ومسحت دمعة كادت أن تهرب من عينيها. تذكرت كيف كانت يديها تتلامس مع يديه، كيف كانت الأصوات تتناغم بينهما في لحنٍ واحد، لكن الزمن كان قد أخذ معاهما كل شيء، حتى الكلمات. ارتدت ملابسها التي كانت تعرف أنها تروق له، لكنها شعرت بأنها فقدت بريقها، وكأنها ارتدت ثوبًا من الفراغ.

غسلت وجهها لتطرد عن ملامحها ثقل الساعات التي مرت، لكنها شعرت أن الصباح لا يأتي أبدًا، كأن الشمس نفسها قد قررت أن تتركها في العتمة. همست للريح أن تُعيد له ما أخذه، لكن الرياح كانت مشغولة بأسرارها، لم تلتفت لها.

وانقضت الليلة كما تمر أيام العمر، بين الذكريات والأماني التي لم تتحقق. وبقيت هي، بين الانتظار والنسيان، لا تدري إن كانت قد تعلمت كيف تعيش دون أن تملك شيئًا. فقط كانت... هناك، بين الفرح الحزين والحزن المفقود.

أيا من ملكت القلب بلهفةٍ، كيف تجرأتِ على غيابك؟ كيف تركتِه يتيه بين اللحظات دونك؟

تعالي، امسكي يدي وأعِديني إلى لحظةٍ كانت أبدية، لحنٌ صمت في القلب، ووردةٌ ذبلت بين الأمل والحقيقة.

قد عشنا معًا في عالمٍ لا يُرى، بنظرةٍ نطقنا بها، وعدًا لم يكتمل. ومع ذلك، ما زال القلب يسكنه صوتك في كل زاوية.

***

بقلمي: ربى رباعي - الاردن

أنا طفلةٌ، اسمي حرّيّة،

تسلّل اسمي إليّ، كما يتسلّل الضوءُ من شقٍّ صغير

في جدارٍ أُحكم إغلاقه.

*

كنتُ نطفةً

هُربت من عيون الحراس،

ومن ثقوب عُرى مفاتيح صدئةٍ

توهمت أنّها تُمسك بمصير الحياة،

*

السجان ظن

أنّ أبي إذا غاب خلف القضبان

سيتحوّل إلى ذكرى،

وأنّ أمّي إذا أُثقِلت بالفراق

ستنسى كيف تُنبت المعجزات،

لكنّه لم يكن يعرف

أنّ الحبّ حين يُحاصَر

يتحوّل إلى سرٍّ

أشدّ خصوبةً من الأرض.

*

أنا ابنةُ المسافة،

ابنةُ الرسائل التي لم تصل،

ابنةُ يدٍ ممدودةٍ في الحلم

لم تلمس يدًا

لكنّها لم تتراجع....

*

ولدتُ

كما تولد الأشجار في الشقوق،

كما يخرج الماء من بين الصخور

ولدتُ لأنّ المستحيل

أخطأ الحساب.

*

كبرتُ قليلًا،

فاكتشفتُ أنّ اسمي

ليس حروفًا تُنادى،

بل طريقٌ طويل،

وأنّ كلّ من ينطقني

يُعيد ترتيب العالم

على هيئة نافذة.

أنا حرّيّة،

لا تُقاسُ بطولِ غياب،

ولا تُهزمُ بتأجيل اللقاء،

أنا ذلك الاحتمال

الذي ظلّ مفتوحًا

رغم كلّ الأبواب المغلقة.

وحين وضعتُ قدمي

على هذه الأرض،

لم أمشِ،

بل امتدَدتُ -

جذرًا خفيًّا

يبحث عن أبي في عمق التراب،

وغصنًا طريًّا

يصافح وجه أمّي في الضوء.

أنا طفلة،

لكنّي أقدمُ من السجون،

وأقوى من الحراس،

وأشدُّ عنادًا من الحديد.

أنا حرّيّة،

وقد جئتُ

لأُربك النهاية.

***

مجيدة محمدي

أرثي نيسان في قصيدتي

أحمل نيسان من خرائب (شنكال) إلى (جامعة دهوك)،

وباقة شقائق من غابات (الموصل) إلى قبر (شيركو بى كه س).

وبحزن...

أضع نيسان في زورق مثقوب،

ليرافق دجلة..

ويضيع في هذه الرحلة.

(2)

يوم ولد نيسان،

رافقته شمس (شنكال).

زارا معًا (شيبلقاسم)(1)

وبصمت...

رافقته قوات الـ(اليبشه)(2) إلى دهوك.

(3)

الطريق إلى مدن وقرى كردستان وعر،

يمر عبر خدّ مقاتلة كردية تدعى (ميدوزا).

(ميدوزا) سقتني ماءً في الجبل،

وأهديتها قصيدة حبّ.

كيف لا يتحوّل عدوكِ إلى حجر،

عندما ينظر إلى عينيكِ؟

ألا يقلق نيسان من شهوة حمرة خدود الشقائق ونظراتك؟

تقول الفتاة بثقة أبناء الجبل

"نيسان يهديني باقة شقائق،

وأنت تهديني القصائد،

وأنا أهدي عدوي نظراتي."

(4)

النرجس حزين تحت أقدام (مم وزين)

العاشقان يبكيان على نيسان.

نيسان مات من العطش،

وأنا يهمني محتويات بطاقة التموين،

ودفتر من مكتبة (الجزيري)،

أكتب فيه قصائد الحنين.

(5)

أدباء دهوك أهدوني أمسية شعرية.

قرأت قصيدتي تحت شلال (علي بك).

تقول لي ابنتي،

"هل تعرف (علي بك) يا أبي؟"

"أعرفه وأعرف (إيزيدي ميرزا) و(خيري الشيخ خدر)."

تضحك (ميدوزا) وتقول لرفاقها في الجبل:

"ومن لا يعرف (خيري الشيخ خدر) ؟"

(6)

يتجول نيسان في محلة (بربروش الدهوكية)،

ينادي بصخب:

"أعطوا لأخوتكم الشنكاليين الخبز،

وسيعطونكم باقات شقائق ندية.

سيعطونكم قصائد حبّ،

ومواويل شنكالية.

سيعزفون لكم ألحان حبّ على الطنبور الشنكالي،

من مقام الحزن الشنكالي،

والدمع الشنكالي،

والجوع الشنكالي،

والقلق الشنكالي."

فقط أعطوهم خبزًا،

ليس الخبز المدرج في قائمة الأمم المتحدة،

بل ذاك المخمّر ببرد الجبال،

والمشوي بخشب البلوط.

(7)

نيسان يمشي وحده في أسواق دهوك:

يسمع أغاني (عيدوى كتي)،

يحاضر طلبة جامعة دهوك في فلسفة الربيع.

وحده يملك صلاحية رئيس دولة،

يعزف على بوق الحضور،

ويدعو الجميع للاصطفاف الصباحي.

***

مراد سليمان علو

................

(1) شيبلقاسم: ويسمى ب باب المراد. مزاره في جبل (شنكال).

(2) اليبشة: وهي القوات التي رافقتنا وحرستنا أثناء الفرمان إلى كردستان العراق.

حتّى مقابرُنا ما عادَ متّسعُ

فيها لنا ونفوذُ الموتِ يتّسعُ

*

فأين نُدفَنُ؟ هل للهند نتّبعُ؟

أم نسألُ البحرَ علّ البحرَ يبتلعُ؟

*

لا التربُ مُصغٍ ولا الهنديُّ يُتّبعُ

والبحرُ مهما رجونا ليس يقتنعُ

*

والعيشُ يرفضنا والحدُّ يدفعُنا

ولا جَناحَ لإنسٍ معْهُ يرتفعُ

*

والأهل في مقبرٍ عنّا قد انقطعوا

والصّحبُ في غربةٍ من وصلِنا مُنعوا

*

والغدُ يوعدُنا بالوهمِ يسكرُنا

واليومُ مُستذكرًا ما كانَ يستمعُ

*

فاليومُ قبلَ وداعِ الأمسِ كان غدًا

لذا فبالغدِ وعدًا ليسَ ينخدعُ

*

والأمسُ يبكي لنا والصّفحُ مطلبُهُ

أَنْ غابَ يا ليتَ ذاك الأمسِ يُرتجعُ

*

والعرْبُ من أجلِنا كم مرّةً جُمعوا

للمالِ من أجلنا والقوتِ كم جَمعوا

*

وليتهمْ أجلَنا يا قومُ ما اجتمَعوا

فليسَ من جوعٍ الإعوالُ والوجَعُ

*

إكرامُ ميّتنا يا عرْبُ مطلبُنا

أيكرِمُ القوتُ والأموالُ من يقَعُ؟

*

والنّاسُ من دونِهم في الكِذْبِ ما برَعوا

مهما علا صوتُهم فينا أوِ ابتَدعوا

*

لو أنّهم صَدقوا الإحساسَ ما هجَعوا

والموتُ من حظِّنا في العيشِ يقْتطعُ

***

أسامة محمد صالح زامل

مَقاماتٌ بين الظِّلِّ والضَّوءِ (7)

مقام الكرد

***

حلمٌ...

وأنتَ تعودُ إليه

فيستيقظُ فيكَ

*

الذي رأيتَهُ

لم ينتهِ

بل بدأ الآنْ

تقولُ: مضى...

فيتّسعُ فيكَ،

ويصيرُ طريقًا

يؤدّي إليكَ

*

تلمسُ صورةً

فتخرجُ منها،

ولا تنتهي

المنامُ

هو اليقظةُ المؤجَّلةْ

*

والحقيقةُ

ما تراهُ

ثم تنساهْ

تمرُّ...

ولا فصلَ

بين ما كانَ

وما يأتي

*

تميلُ إلى ما رأيتَ

فتبقى هناكْ

ولا تصلْ

فامضِ...

ولا تحاولْ

أن تفهمْ

*

كنْ

في ما ترى

حلمٌ...

وأنتَ تستيقظُ

كلّما نمتْ

*

مقام اللامي

(آخرٌ يسكنني)

*

آخرٌ…

وأنتَ تراهُ..

فيخرجُ منكْ

كأنَّ المسافةَ

لم تكنْ بين اثنينْ

بل كانتْ

تتّسعُ فيكَ

*

تقولُ: سواهُ..

فيشبهُكَ الآنَ

بقدرِ اختلافٍ

يضيءُ فيكَ

وتلمحُ وجهًا

فتعرفُ فيهِ

بقاياكَ

*

كأنّكَ

كنتَ تعيدُ توزيعَ نفسِكَ

على من تمرُّ بهمْ

فكم أنتَ واحدُ هذا التعدّدْ

وكم أنتَ أكثرُ

حين تنقسمْ

*

تمدُّ يدًا

فيصافحُكَ

ما كنتَ تنكرُهُ فيكَ

وتنطقُ باسمِهِ

فيصيرُ صداكَ

*

فامضِ..

ولا تفصلِ الآنَ

بينكَ،

وبين الذي فيكَ

*

كنِ الآخرَ

حين تكونْ

آخرٌ..

وأنتَ الذي يتّسعُ

كلّما ضاقْ

*

كودا

(تقاسيم الدشت)

*

ما بين الاسمِ والجسد

وما بين الظلِّ والضوء

لا يقيمُ أحد

لكنّنا

نمرُّ... مرّةً بعد مرّة،

ونتركُ في العبور

ما نظنّهُ نحن

*

ثم نعودُ

فنمرُّ،

ونتركُ مرّةً أخرى

ما نظنّهُ اللحنْ

ولا نلتفتْ

كأنَّ الذي مضى

لم يكنْ لنا

وكأنَّ الذي يأتي

يمرُّ بنا،

ولا يُمسكْ

***

د. سعد محمد مهدي غلام

 

على أَيِّ الجَناحِ أراكَ تَرْقى

مَلائِكةُ السَّما لَكَ خيرُ مَرْقى

*

ألا صُغْ ألفَ أُغْنِيةٍ صَباحًا

تَشُقُّ بِها مِنَ الظُّلُماتِ فِلْقا

*

أَتَحْمِلُ مِنْ وَميضِ الفجرِ خَيطًا

على فَتْقِ اغْتِرابِكَ كان رِتْقا؟

*

جِبالاً قد عَلوتَ وَقلْ : سُهولاً

طَويتَ وقد أَرقتَ بِهِنَّ شَوْقا

*

٥-  إذا ما بُحتَ فَرْدا في هَباءٍ

وَجدتَّ البَوحَ في الغَمَراتِ أَنْقى

*

بِوادٍ غيرِ ذي زَرْعٍ ظُنونًا

نَثَرْتَ، مِنَ اليَقينِ غَدًا سَتُسْقى

*

فَرِفْقا بالَّذي حُمِّلْتَ حُزنًا

وَما تَطويهِ طَيَّ دُجاكَ رِفْقا

*

وَتَنْعَمُ في سَماواتِ التَّجلِّي

كَمِثلِ فَتًى غَريبٍ أنتَ تَشْقى

*

تُغالبُ فوقَ لُجِّ الوَهْمِ غُولاً

وَتُصْلى مِنْ حِبالِ الغَشْمِ شَنْقا

*

١٠-  أَتَهجُرُ دَوحةً تَصِلُ الأماني

طَريداتٍ وَكُنْتَ بها الأَرقَّا

*

فَطائرُك المُحلِّقُ فوقَ طُورٍ

وآخَرَ مِثلَهُ قد زِيدَ عِتْقا

*

أنايُكَ كلَّما خَضِرَتْ رُؤاهُ

وَرَقَّ كما الزُّهورِ ازْدادَ نُطْقا؟

*

تَحمَّلَ مِنْ أَسًى ليلاً بَهيما

وَأُلْبِسَ مِثلَ إبراهيمَ حَرْقا

*

ونادى في ظَلامِ النُّونِ حتَّى

تَراءى النُّورُ لِلْكَلماتِ بَرْقا

*

١٥- فَأَلقيتَ العَصا في خيرِ وَعدٍ

وَفِرْعونُ اللَّظى بالشَّرِّ أَلْقى

*

هُنالِكَ يَومَ نَعليكَ احْتِرامًا

خَلَعْتَ مُناجِيا لَم تُبْدِ خُرْقا

*

لَقَد خَشُنَ السُّرى مِنْ كلِّ نَفْي

وَهَمْسُ سَراتِهِ في اللَّوحِ رقَّا

*

كَظلٍّ مِثْلَما العَنقاءِ تَعلو

فَحَيْثُ ظَلَلْتَ طيرًا صِرْتَ أَنْقى

*

نَبِيًّا قَدْ سَجَعتَ وَكنتَ أَجْلى

بَيانًا صادِحا وَأَجلَّ نُطْقا

*

٢٠-  مَشيتَ وفيكَ أَسْئِلةُ انْدِهاشٍ

تُراوِدُ خاطِرًا لم يَرْضَ سُحْقا

*

أَتُشْرِقُ والسَّماءَ تُضيءُ غَرْبا؟

إذا ظَلَموا حِماكَ بَدَوْتَ شَرْقا

*

تَرودُ على الدُّروبِ طُيورَ بُشرى

تَرومُ بِكلِّ سَيْنا أَلْفَ عَنْقا

*

أَبِالجُوديِّ فُلْكٌ مِنْ أَماني

كَ تَرْسو لَم تَجِدْ شَقًّا وَفِرْقا؟

*

وما زالتْ يَدٌ بيضاءُ مِسكٌ

بِها كُنتَ النَّدى وَأَشَدَّ حِذْقا

*

٢٥- وَعِنْدَ البحرِ لَم يَأخُذْكَ جَزْرٌ

ولا مَدٌّ عَتا لَم تَخْشَ فِرْقا

*

هَداهِدُ أَخْبَرَتْكَ الوَصلَ صِدْقا

مَساءُ الهَجْرِ مِنْها صارَ طَلْقا

***

[الوافر]

عبد العزيز شبِّين - هرو ولد / لندن

١٢ / نيسان / ٢٠٢٦م

ما كانت ظهيرة ذلك اليوم في ذاكرة الصيف عاديةً، وإن تدرّعت في بدايتها برداءِ الرتابة المألوف. كانت الشمسُ تميلُ نحو كبد السماء بكسلٍ ذهبيّ، تُلقي بظلالِ البيوت العتيقة على أرصفة المحلّة كأنها حكاياتٌ منسيةٌ تستريحُ من عناءِ الزمن.. لكنّ هذا السكونَ كان فخًّا محكمًا، يخبئُ في طياتِهِ نذيرًا لحدثٍ وشيكٍ سيقتلعُ جذورَ الطمأنينة، ويتركُ المكانَ أثرًا بعد عين.

فجأةً، ودون نذيرٍ يسبقُ العاصفة، انشقّ رداءُ الصمت عن زحفٍ كابوسي.

اندفع عددٌ من الخنافس السوداء صوب باحة الدار، لا كحشراتٍ عابرة، بل كشظايا ليلٍ تهشّم في وضحِ النهار وانسكب دفعةً واحدة فوق البلاط القديم الذي شاخت عروقُه.

 كانت ضخمةً، مثقلةً بأجنحةٍ كأنها صفائح معدنية صدئة، قبيحةَ المنظر كأنها نتاجُ لعنةٍ قديمة استيقظت من جوف الأرض.

لم يستطع أحدٌ أن يؤكد لحظة انبثاقها الأولى.. إذ بدت وكأنها خُلقت من العدم، من ذلك الفراغ المظلم الذي يسكن المسافة بين شهيقٍ وزفير.

 تراصّت أجسادُها فوقَ البلاطِ بنسقٍ فجائعي، ناشرةً رعبًا صامتًا ورائحةً كبريتيةً تخنقُ الأنفاسَ، ومصدرةً حفيفًا معدنيًا يمزقُ أحشاءَ السكون.

وما هي إلا ثوانٍ معدودات، حتى ضجّ فضاءُ الدار بأزيزٍ حاد، وصارت تلك الكائنات السوداء تقفز من حوافّ السطح لتتسلل في الشقوق والفتحات كأنها جنودُ ظلٍّ يعرفون خبايا البيت أكثر من أهله، وكأن الدار العتيقة قد قررت أخيرًا أن تبوح بسرٍّ دفين ظلّ يختمر في أحشائها عقودًا من الانتظار.

 ارتجفتِ الجدرانُ تحتَ وطأةِ هذا الزحف، وصارَ الصمتُ صراخًا مكتومًا يمزقُ أحشاءَ السكون.

تبادلت الوجوهُ نظراتٍ لم تكن الدهشة سيدتها الوحيدة، بل كان هناك أيضًا ارتيابٌ مُرّ، كأن الجميع أدركوا بالفطرة أن هذا الغزو ليس عرضًا مناخيًا، بل إيذانٌ بخللٍ أصاب روح المكان.

حلّقت التخمينات في الهواء المثقل بالتوجس والهواجس:

 أهي لعنةُ المجاري القديمة؟

 أم آفةٌ موسمية ضلّت طريقها؟

أم أنه أمرٌ آخر لا يُرى؟

لم يمنحهم الوقت ترف التأمل؛ تحرّكت الأيدي في فوضى عارمة، رُشّت المبيدات بيأسٍ محموم، وتصاعد دخان البخور حتى استحال الهواء غلالةً كثيفة تخنق الأنفاس، بينما استُخدمت المَنشّات والمكانس اليدوية كمراوح قلقٍ عاجزة في وجه جيشٍ لا يريد الارتداد.

كانت الخنافس تتساقط ميتة أحيانًا، لكن الأرض كانت تلد بدائلها بضراوةٍ غريبة، كأن رحم الدار صار مفقسًا لا ينضب للسواد.

كل دقيقةٍ تمر، كان الانقباض يتمدّد في الصدور، والأبصار ترتفع نحو الأعلى، حيث ينبع هذا الفيض الكدر.

صعدت ثلة من أهل البيت السلالم بقلوبٍ واجفة، لكن الدرجات لم تكن ممرًا آمنًا، بل صارت ساحة زحفٍ لطبقةٍ حيّة سوداء تجعل الخطوات ثقيلة كأنها تمشي فوق الجمر. ومع كل درجة يرتقونها، كان الإحساس يترسخ بأنهم يقتربون من مركز الكارثة الذي يزداد كثافة.

ما إن بلغوا السطح، حتى انفتح المشهد عن صدمةٍ لا يمحوها النسيان..

 كان السطح مغطىً بطبقاتٍ متحركة من الخنافس، وصرير لا ينتهي، كأن الأرض قد استبدلت جلدها الترابي بجلدٍ داكن نابض بالحمى.

في إحدى الزوايا، وسط هذه الدوامة المحمومة، كانت الطفلة ياسمين تجلس متقرفصة، ملتصقةً بالجدار كعصفورٍ بليلٍ غبّ مطر، يخشى الطيران.

كانت عيناها المتسعتان بذهولٍ يفوق سنواتها التسع تلمعان ببريق خوفٍ غامض، وهي تمسك كيسًا ورقيًا مجعدًا، أناملها الصغيرة ملطخة بمسحوقٍ أبيض يشبه الطحين وقد تناثر على الأرض حولها. كانت له رائحة غريبة، رائحة النوايا المدفونة. وبينما كانت الخنافسُ تطوقُها بهالةٍ سوداء، بدت ياسمينُ كأنّها حارسةُ هذا الطقسِ الرهيب، لا ضحيتُه.

سادَ سكونٌ مثقلٌ بأسئلةٍ تنهشُ اليقين.

 ذعرت هدى وهي ترى طفلتها بهذه الهيئة المزرية، طلبت من الآخرين النزول فورًا، لأن حدسها أخبرها أن ما يجري هنا ليس لهو أطفال، بل نصٌّ مشفّر كُتب بمداد البراءة.

اقتربت منها كما يُقترب من كائنٍ بلوري آيلٍ للكسر.

 انفجر بكاء الصغيرة نشيجًا ممزقًا يمتزج فيه الذنب بالروع.

 طمأنتها أمها، وخفّضت نبرة صوتها إلى حد الهمس، وبودٍ سألتها:

"لماذا يا مهجة القلب؟ ماذا تفعلين وسط هذا السواد؟"

رفعت الطفلة عينيها المغسولتين بالدمع، وقالت بصوتٍ يكاد لا يُسمع:

"أنا.. أنا أطعمها من هذا الكيس."

مسحت الأمّ عن وجنتي صغيرتها آثار الخديعة، وقالت لها برفق:

"ولماذا تطعمينها؟ ومن أعطاكِ هذا الكيس الثقيل بالسر؟"

ترددت الصغيرة لحظة، ثم قذفت بالحقيقة الصاعقة:

"هم.. هم أعطوني إياه. كان فيه صغار الخنافس، وقالوا لي: ضعيها هنا وأطعميها حتى تكبر وتملأ المكان.. منحونا حلوى ونقودًا كثيرة."

"أرتها قطع النقود التي كانت في جيبها قائلة: ها هي.."

سألتها الأم بقلبٍ يخفق هلعًا:

"من هم؟ وهل كنتِ وحدكِ؟"

هزّت الصغيرة ياسمين رأسها نفيًا:

"بل أنا وصديقاتي، وأطفالٌ آخرون.. حذرونا من البوح، وإلا سيصيبنا مكروه."

سألتها بوجل هادئ:

"كيف يبدون؟"

فأجابت:

"يأتون بسيارةٍ سوداء، وجوههم محجوبة بالنظارات والكمامات، أكفهم محمية بالقفازات، كأنهم لا يريدون للهواء أن يلمسهم."

كانت كلماتُ ياسمينَ تتساقطُ كشظايا جليدٍ في جوفِ هدى، محولةً حرارةَ الصيفِ إلى صقيعٍ يضربُ العظام.

أدركتِ الأمُّ في تلكَ اللحظةِ أنَّ الحشراتِ لم تكن غازيةً من الخارج، إنما كانت بذور الغرباء التي استنبتوها في بساتينِ الطفولةِ الغافلة.

نظرتْ إلى الكيسِ الورقيِّ، فصارَ في عينِها تابوتًا يضمُّ جنازةَ الأمانِ التي عاشوا فيها عقوداً.

نزلت الأم بطفلتها ملهوفةً، وفي الأسفل كان الجيران يغرقون في بحرٍ من التساؤلات. وحين رآها الجميع مع ياسمين تحمل الكيس الملعون، خيّم صمتٌ مشوب بالحذر، وبدأت الحقيقة المُرّة تتسرّب إلى العقول كخيط من دخانٍ داكن.

**

2. في ساحةِ الملعب: ميثاقُ الوجعِ الواحد

لم يمضِ وقتٌ طويل حتى كانت الهواتف تتناقل الأنباء ذاتها..

 الخنافس تستبيح بيوت الأزقة المجاورة أيضًا. غدا الحيُّ كلُّهُ حقلاً لتجربةٍ شيطانية، وصارتِ الجدرانُ العتيقةُ التي كانت تحميهم، مجردَ قشورٍ واهنةٍ أمامَ تدبيرٍ يفوقُ قدرةَ الناس البسطاء على الاحتمال.

اتفق الجميع على لقاءٍ عاجل في ساحة الملعب.

 تلك البقعة التي كانت بالأمس ملاذًا لمرح أطفالهم، فإذا بها اليوم تتحول إلى برلمانٍ لتداول الهموم.

 تجمع الناس بوجوهٍ شاحبة وأفكارٍ كالحة، كأنهم خرجوا لتوّهم من زلزال.

وسط اللغط، ارتفع صوت الجار عمار:

"الأمر ليس عبثًا.. إنه مدبّر يتعلق بالأرض."

تعلّقت به الأبصار، وتابع موضحًا:

"ثمة شركات تلهث خلف هذه المنطقة، وثمة صفقات تُحاك في العتمة لإرغامنا على الرحيل."

لم تكد كلماته تستقر في الأذهان حتى تابع جارٌ آخر، وقد بدا كمن تذكّر أمرًا ظل طويلًا في الظل:

"نعم، نعم.. صحيح.. قبل فترة ليست ببعيدة عرضت عليّ إحدى الشركات شراء بيتي. عرضٌ سخيّ على غير المتوقع. ظننت أنهم يخططون لبناء مشروع كبير.. أو مجمع سكني.. أو.. لا أعلم بالضبط، لكني رفضت.."

توالت الشهادات، وتشابكت الخيوط:

 السيارات السوداء.. الوجوه المحجوبة.. والآن الغزو الحيوي.

 ساد صمتٌ مثقل بقداسة المكان. كانوا ينظرون إلى الأرض التي ألفت وقع خطاهم، الأرض التي شربت عرق آبائهم وضحكات أطفالهم، حتى غدت قطعةً من أرواحهم.

تأمّلت هدى وجوه الجيران، لم يكونوا عابري سبيل، بل كانوا مرآةً للروح.

 رأت في عيونهم ذات السؤال الذي هز هدوءها:

 "كيف يمكن لما شُيّد بماء العمر أن يُعامل كغنيمة سائبة؟"

 وفي وجوهٍ أخرى، رأت عنادًا هادئًا راسخًا كجذع زيتونٍ عتيق صقلته العواصفُ فزادته ثباتًا.

طفحت بها الذاكرة فأخذتها إلى يوم زفافها إلى علي، حين أهداهما والده مفتاح البيت بابتسامةٍ تجمعُ بين الوقارِ والوصية قائلًا:

"اجعلاه عامرًا بالحب."

 لم يكن مفتاحًا، بل وعدًا بوطن.

 تذكّرت كيف زرعا شجرة الزيتون، وكيف قال علي باسمًا:

"ستكبر معنا… وستشهد على كل شيء."

 تذكّرت ضحكتها يومها، وكيف أنها لم تدرك أن الشجرة ستشهد حتى على الغياب. تذكّرت ذلك الصباح الذي أخبرته فيه بحملها؛ وكيف ضحك تلك الضحكة الصافية التي لا تتكرر في العمر كثيرًا.. وكيف أحاطها بذراعيه راقصًا، وطابعًا قبلة على جبينها، ثم ركض إلى الحديقة، وقف قرب شجرة الزيتون الصغيرة وقال ضاحكًا: "الآن صار لزامًا علينا أن نزرع شجرةً أخرى كي لا تشعر هذه بالوحدة.

فلنزرع شجيرة ياسمين أيضًا.."

كانت لتلك الذكريات جذورٌ تمنحها القوة والعزيمة.

 حين حل المساء، وبدا أن الجميع يريد المغادرة، قال العم عواد:

"يريدون طردنا دون أن يطرقوا أبوابنا."

ردّ صلاح بنبرة واثقة:

"لكنهم يجهلون أننا وبيوتنا توأمان."

نظر الناس بعضهم لبعض ثم تفرّقوا، عائدين إلى بيوتهم، لا مهزومين بل متأهبين. كانت السياراتُ السوداءُ ما تزالُ تمرُّ ببطءٍ مريب في أطرافِ الحي، كعيونٍ باردةٍ تراقبُ فريستها، لكنها لم تدرك أن في كل بيتٍ نارًا أُضرمت لن تُطفأ بعد الآن، وأن بذرةَ الأملِ قد بدأت تمتصُّ الوجعَ تمهيدًا للنمو غدًا..

شجرةً من غضبٍ ويقين.

حين غادرت هدى الساحة، مع من غادرها، كانت تشعر ببرد الليل، لكن دفء الانتماء ظلّ يسري في عروقها، مدركةً أن المعركة ليست معركة بقاء فقط، بل معركة ذاكرة.

أغلقت باب دارها، ونظرت إلى ياسمين النائمة، وتعهدت لها في سرّها:

"لن أدعهم يسرقون سماءكِ، ولن يقتلعوا أرضكِ.. ما دام فيَّ عرقٌ ينبضُ"

**

3. ظلا الياسمين

بدأ أثر المبيدات يتسلّل خفيةً إلى مملكة الخنافس. شيئًا فشيئًا انحسرت أعدادها، وخفتت حركتها، حتى بدا أن المعركة تميل لصالحهم، أو هكذا اعتقدوا.

في صباح اليوم التالي، الذي صادف عطلة نهاية الأسبوع، كانت هدى في المطبخ تهيّئ الإفطار، بينما كانت ياسمين في الحديقة تلمس الأوراق الغضّة لشجيرة الياسمين، وتهمس لها بشيءٍ لا يفهمه سواهما، كما لو كانت توقظها من نومٍ شفيف ـ تلك الشجيرة التي تحمل اسمها، والتي غرسها أبوها بيديه ذات مساءٍ بعيدـ، ثم تنطلق راكضة لمطاردة العصافير المزقزقة في الحديقة.

لاحظت هدى أن الشجيرة كبرت، وصار لها ظلان صغيران يتمايلان مع النسيم:

ظلّها الأخضر المبرقش بالأزهار البيضاء، وظلّ طفلتها بضفيرتيها الزاهيتين.

فتحت النافذة، فرأت الأطفال يتقاطرون إلى الساحة. ولما لمحتهم ياسمين..

 التفتت نحو أمها بعينين متوسلتين:

 "أريد أن أذهب إليهم."

ابتسمت لها وقالت:

"ليس قبل الإفطار."

قطّبت حاجبيها قليلًا، ثم عادت لمطاردة عصفورٍ يقفز بين أغصان شجرة الزيتون.

في تلك الأثناء لمحت هدى العم عواد كعادته، جالسًا على أحد المقاعد إلى جانب جارهم صلاح.. غليونه بين أصابعه، يطلق خيوطًا من الدخان تتلوى في الهواء مثل ذكرياتٍ قديمة. كان يجلس مستقيم الظهر رغم سنوات التعب، يراقب المارّة بعينين فيهما طيبة وتأمل صامت.

قالت لياسمين:

"سنذهب معاً بعد قليل."

بدأت هدى بإعداد صينية القهوة. وضعت الفناجين وإبريق القهوة الذي ملأ بخاره المتصاعد البيت برائحة البنّ الزكية، تلك الرائحة التي تشبه وعدًا خفيًا بأن النهار سيكون أقل قسوة.

خرجتا إلى ساحة الملعب. كانت ياسمين تمشي إلى جوارها بخطواتٍ متلهفة للحاق بأترابها، وهي تقصّ عليها أخيلةً من أحاديثها الطفولية.

ما إن اقتربتا من المقعد الخشبي حتى انشرحت الوجوه مرحّبة. قال صلاح وهو يبتسم:

"أهلاً.. يبدو أن الصباح صار أكرم."

جلسوا يحتسون القهوة، لكن القلق ظل حاضرًا.

 بعد فترة وجيزة تقاطر الجيران واحدًا تلو الآخر.. وفي العيون نظراتٌ قلقة وسؤال ملح:

ما العمل؟

ساد الصمت، بينما ظل دخان غليون العم عواد يتصاعد، كأنه يبحث عن إجابة.

**

يتبع

***

سعاد الراعي

20. 4. 2026

........................

 * من رواية قيد الانجاز

عدتُ للكتابة بعد غياب قصير زمنياً، وفي الحقيقة لا أعلم لماذا قادني قلمي نحو حقول الورق في نهاية نيسان؛ حيث كل شيء يعود بك إلى الماضي...

كيف أخبرك بأنني الآن، وأنا أكتب هذه السطور، أشعر بترف الحبر على طول السطر، وكأنني أعد طبقاً شهياً بمزاجٍ هادئ؟!

عندما أخط بقلمي، أشعر بأن نيسان يفتح نوافذ الصيف للشمس والضوء والذكريات، وعندما ألتفت للوراء أحدث نفسي وأقول: كيف مرت تلك العقبات التي كنتُ عالقة فيها كشبكة عنكبوت حريرية نسجت في فتحة سقف بيت؟!

لا تتخيل كيف هي رغبتي في إخراج هذا الكم الهائل من الكلمات الحبرية على صفيح الورق، كتلك المرأة الحبلى التي تنتظر مخاضاً لتغلق أبواب الترقب.. هل شعرت يوماً بأن شهراً واحداً يمكن أن يجعلك تشعر بالبكاء والحنين والانكماش، وشعور آخر لا أعلم كيف أصفه لك.. كل هذا في لحظة خاطفة؟!

إن للشهور القدرة على فهم مزاجاتنا المضطربة بتلك الطريقة الغامضة والمعقدة، ولها القدرة أيضاً على إيصالنا إلى آخر نقطة في السطر، كأنها صممت خصيصاً لتكون شاهدة على ما نحن عليه من تبدلات...

عندما استيقظتُ هذا الصباح، شعرت بأن الذي استيقظ ليس أنا، وإنما ذاك الضجيج القابع في أدراج ذاكرتي، وأنني لا زلت على سرير الحلم لم أستيقظ بعد، رغم مرور كل هذا الوقت الطويل.

***

مريم الشكيلية - سلطنة عمان

 

في نصوص اليوم