عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

رحلَ رجلٌ من قريتنا،

ذهبَ بعيدًا…

الرجلُ يخرجُ للمشيِ كلَّ يومٍ،

لا يصطحبُ معهُ كلبًا في نزهتِه.

هذا الرجلُ، شاعرٌ شرقيٌّ، لا يؤمنُ بالمساواة؛ ربما لهذا لا يقتني كلبًا أو قطةً.

الرجلُ الشرقي المُهاجرُ، الذي يسمُّونهُ بالشاعرِ،

يذهبُ إلى الحديقةِ القريبةِ كلَّ يوم، وبيدهِ دفترٌ.

يجلسُ وحيدًا،

متكئًا إلى جذعِ شجرةِ بلوطٍ، حتى المساء…

وفي مساءٍ باردٍ من هذا الخريف، بينما كانَ البلوطُ الناضجُ الصغيرُ يتساقطُ عليه، تساءلَ معَ نفسِه:

لماذا البلوطُ هنا صغيرُ الحجم؟

ماذا أفعلُ هنا؟

ولماذا أبدو أنا ـ كما يتراءى لي ـ صغيرًا جدًّا هنا؟

تمرُّ بيّ الكلابُ، تنبحُ وتلتفت إليّ وكأنَّها تخاطبني قائلة:

أيُّها المُهاجرُ العجوزُ،

وحيدًا…

هنا، مع دفترِ أشعارٍك، تحتَ شجرةِ بلوطٍ، بعيدًا عن شمسِ الشرق…

ماذا تفعل؟

***

مراد سليمان علو

لَسْتُ مِمَّنْ يَطْرُقُونَ أَبْوَابَ النَّاسِ بِجَبِينٍ مُنْحَنٍ،

وَلَا مِمَّنْ يَسْتَعِيرُونَ مِنَ الضَّعْفِ لُغَةً لِلنَّجَاةِ.

التَّذَلُّلُ لَيْسَ مِنْ صِفَاتِي،

فَخُذُوا هَذَا عَلَى مَحْمَلِ الجِدِّ،

وَلَا تُرْهِقُوا أَنْفُسَكُمْ فِي مُطَارَدَةِ روح لَنْ تسْقُطَ.

أَنَا لَسْتُ شَجَرَةً تُخْضِعُهَا الرِّيحُ لِجِهَةٍ لَا تُرِيدُهَا،

وَلَا غُصْنًا يَنحني كُلَّمَا مَرَّ بِهِ نسيم عَابِرٌ.

فِي دَاخِلِي جِذْرٌ قَدِيمٌ،

أَعْمَقُ مِنْ أَنْ تَبْلُغَهُ أَيَادِي العَابِثِينَ.

قَدْ أَصْمُتُ،

وَلَكِنَّ صَمْتِي لَيْسَ إِقْرَارًا ،

إِنَّهُ ذَلِكَ البَابُ الثَّقِيلُ الَّذِي أُغْلِقُهُ فِي وَجْهِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ السُّكُوتَ هَزِيمَةٌ.

وَقَدْ أَتْرُكُ لِبَعْضِ الأَشْيَاءِ أَنْ تَمُرَّ،

لِأَنَّي أَعْرِفُ أَنَّ بَعْضَ المَعَارِكِ تَصْغُرُ حِينَ نَنْزِلُ إِلَيْهَا.

فَلَا تَطْمَعُوا فِي انْكِسَارِي ،

فَقَدْ مَرَرْتُ بِمَا كَانَ كَفِيلًا بِأَنْ يَجْعَلَ مِنِّي رُكَامًا،

فَخَرَجْتُ مِنْ بَيْنِ الحُطَامِ

أَكْثَرَ صَلَابَةً، وَأَقَلَّ قَابِلِيَّةً لِلِانْحِنَاءِ.

وَإِنْ رَأَيْتُمُونِي أَمِيلُ يَوْمًا،

فَلَا تَخْطَئُوا القِرَاءَةَ ،

رُبَّمَا كُنْتُ أُصْغِي لِلأَرْضِ،

الشاهدة على سقوطكم .

أَمَّا أَنْ أَنْكَسِرَ لِأَحَدٍ،

فَتِلْكَ حِكَايَةٌ لَمْ أَكْتُبْهَا،

وَلَنْ أَتْرُكَ لِأَحَدٍ شَرَفَ كِتَابَتِهَا.

أَنَا ابْنَةُ مَا نَجَا،

وَلَسْتُ بَقِيَّةَ مَا سَقَطَ.

***

مجيدة محمدي

أطُوفُ بالرّوحِ في أنْسَامِ مَأْوَاهَا

وَأرْتَجِي الدّفْءَ في كَفٍّ حَوَانِيهَا

*

أعُودُ طِفْلَةَ قَلْبٍ لا يَخافُ سِوى

رؤى الحَنانِ إذا مالَتْ أمانِيهَا

*

ألقي غِواءَ الدُّنى عنّي بلا حَذَرٍ

وَأسْتَرِيحُ على عيْنَيْ مُنَادِيهَا

*

فلا المَقَامُ يَحدُّ الشَّوقَ في أذني

ولا السِّنونَ التي طالَتْ مَطَاوِيهَا

*

كأنّما الوَقْتُ مَهْمَا ضاقَ مُتَّسَعٌ

يَلينُ حينَ نُناجيها ونَحْكِيها

*

نَبْنِي مِنَ الودّ أحلاماً نُحلِّقُ بها

وَنُوقِدُ النُّورَ في أقصَى مَرَاعِيهَا

***

العامرية سعدالله

 

اللحظة (1)

هو اليوم يشرب أنخابه

وينادمه حجر ناتئ

حين كلمه

في الحديث أفاض وأصبح

يصدر فيه عن

هوى منسجمْ.

**

اللحظة (2)

لا تضاهى إذا هي خطَتْ

فالطريق يراها

ويعرفها

فوق جبهته خطَّ

منذ البداية

هاجسها الطاهر الأنثوي.

**

اللحظة (3)

ربما يحدث اليوم مثل الذي

كان يحدث بالأمس

لكنما فارق الوقت كان صفّى حساباته

واستراح.

**

اللحظة (4)

ذاك عرافنا لم يزل ضاربا

في الوقار

بعلاته الآن يجمع أشتاته

بيد أن جنايته لا خلاءَ لديها

ولا كهفَ تأوي إليه إذا عربدت

بين أسنانها عاصفةْ.

***

مصطفى معروفي

1- شَمِشٌّ فِي صِراعٍ

كانَ يَتَحَدَّثُ عَنِ العَدالَةِ، وَيَعُدُّ نَفْسَهُ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، حَتَّى لُقِّبَ بِـ«شَمِشٍّ¹». كانَ يُدافِعُ عَنْ كُلِّ مَظْلُومٍ وَيَقِفُ إِلَى جانِبِهِ، وَيُحارِبُ كُلَّ ظالِمٍ. بَلْ إِنَّهُ كانَ يَقِفُ حَتَّى ضِدَّ مَنْ يَرْتَكِبُ جُرْمًا دُونَ قَصْدٍ، لِيَنْصُرَ المُتَضَرِّرَ.

فِي يَوْمٍ صَيْفِيٍّ، كانَ والِدُهُ يَقُودُ السَّيّارَةَ قاصِدًا البَحْرَ لِلتَّرْفِيهِ، غارِقَيْنِ فِي الكَلامِ وَالضَّحِكِ، فَإِذا بِهِ يَدْهَسُ طِفْلًا لَمْ يَنْتَبِهْ إِلَيْهِ.

صُدِمَ عِنْدَما أُحِيلَ والِدُهُ إِلَى المَحْكَمَةِ. فَعَلَ المُسْتَحِيلَ لِإِنْقاذِهِ، وَلَجَأَ إِلَى أَشْهَرِ وَأَمْهَرِ المُحامِينَ. كانَ حُبُّهُ لِوالِدِهِ مَعْنَى حَياتِهِ، فَأَعْماهُ ذٰلِكَ الحُبُّ، وَنَسِيَ لَقَبَهُ.

اِخْتَلَفَ النَّاسُ فِي آرائِهِمْ عَمّا حَدَثَ. قالَ بَعْضُهُمْ: «لَوْ كُنّا مَكانَهُ لَفَعَلْنا مِثْلَهُ، فَمَنْ يَتْرُكُ والِدَهُ، أَوْ أَيَّ عَزِيزٍ عَلَيْهِ، يُسْجَنُ؟»

وَقالَ آخَرُونَ: «يا لَهُ مِنْ مُتَناقِضٍ وَأَنانِيٍّ! نَسِيَ مَبادِئَهُ وَسَعْيَهُ لِنُصْرَةِ المَظْلُومِ وَالمُتَضَرِّرِ، ذٰلِكَ الَّذِي كانَ يُنادِي بِأَخْذِ الحَقِّ مِنَ الجانِي وَمُعاقَبَتِهِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ قاصِدًا».

لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَنْزِلِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً. كانَ فِي داخِلِهِ صِراعٌ؛ تارَةً سَعِيدًا بِسَلامَةِ والِدِهِ، وَتارَةً حَزِينًا عَلَى طِفْلٍ ماتَ دُونَ ذَنْبٍ.

وَبِحُزْنٍ وَشُعُورٍ بِالعُزْلَةِ، بَعْدَ أَنْ اِبْتَعَدَ عَنْ ضَوْضاءِ الأَلْسُنِ وَالأَسْئِلَةِ، جَلَسَ يَنْظُرُ مِنْ شُرْفَتِهِ، وَيُتَمْتِمُ فِي سِرِّهِ:

«لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ النَّاسَ كانُوا الجُمْهُورَ، وَأَنَّنِي كُنْتُ المَسْرَحِيَّةَ».

***

2- مَسْرَحِيَّةُ الدُّمَى

عَلَى المَسْرَحِ، تَتَحَرَّكُ الدُّمَى الخَشَبِيَّةُ بِخِفَّةٍ وَحَماسَةٍ، كَأَنَّها تُرِيدُ أَنْ تُمْسِكَ بِالفَراشاتِ كُلِّهَا الَّتِي حَوْلَها.

تَتَبادَلُ الدُّمَى النِّسْوَةُ الحَدِيثَ، رَيْثَما يَعُودُ أَزْواجُهُنَّ مِنَ العَمَلِ.

تَسْأَلُ دُمْيَةٌ صَدِيقَتَها:

* أُوه، أَنْتِ حامِلٌ مُجَدَّدًا! ما سِرُّ رَغْبَتِكِ فِي الإِنْجابِ واحِدًا تِلْوَ الآخَرِ؟

تَرُدُّ الدُّمْيَةُ عَلَى صَدِيقَتِها:

* أَلا تَرَيْنَ ما أَجْمَلَ الحَياةَ؟ وَقانُونُ الدُّمَى يَنُصُّ عَلَى أَنْ تُولَدَ الدُّمَى جَمِيعُها أَحْرارًا وَمُتَساوِيَةً فِي الحُقُوقِ وَالواجِباتِ.

تُجِيبُ الدُّمْيَةُ:

* نَعَمْ، القانُونُ مَوْجُودٌ، فَلا خَوْفَ إِذَنْ.

اِنْقَطَعَتِ الكَهْرُباءُ، فَصاحَتْ إِحْدَى الدُّمَى مَفْزُوعَةً:

* أَخافُ مِنَ الظَّلامِ!

تَرُدُّ عَلَيْها الدُّمْيَةُ الجَدَّةُ:

* تَخافِينَ مِنَ الظَّلامِ؟ ماذا؟ أَنْتِ لَمْ تَعُودِي طِفْلَةً!

تَرُدُّ عَلَيْها الدُّمْيَةُ:

* هَلْ كانَ ذٰلِكَ بِإِرادَتِي؟ أَلا تَتَذَكَّرِينَ ماذا حَدَثَ لِي قَبْلَ سَنَواتٍ فِي الظَّلامِ، عِنْدَما عَضَّتْنِي دُمْيَةُ الكَلْبِ؟ وَمُنْذُ ذٰلِكَ اليَوْمِ وَأَنا فِي حالَةِ هَلَعٍ وَخَوْفٍ مِنَ الظَّلامِ.

جاءَ الأَزْواجُ مِنْ أَعْمالِهِمْ مُنْهَكِينَ.

قالَ أَحَدُ الأَزْواجِ لِزَوْجَتِهِ:

* بَعْدَ كُلِّ هٰذا التَّعَبِ اليَوْمَ، اِسْتَطَعْتُ أَنْ أَشْتَرِيَ رَغِيفَ خُبْزٍ وَبَيْضَتَيْنِ... سَنَتَقاسَمُهَا أَنا وَأَنْتِ وَالأَوْلادُ الخَمْسَةُ. مَرْحَى!

قالَتِ الدُّمْيَةُ الطِّفْلَةُ لِوالِدِها:

* لِماذا لا تَنْقَطِعُ الكَهْرُباءُ عِنْدَ صَدِيقَتِي تالا؟ قالَتْ لِي فِي حِصَّةِ مادَّةِ الاِجْتِماعِيّاتِ إِنَّ الكَهْرُباءَ عِنْدَهُمْ لا تَنْقَطِعُ.

أَجابَ الأَبُ:

* والِدُ تالا لَهُ نُفُوذٌ وَسُلْطَةٌ، يا اِبْنَتِي، وَنَحْنُ أُناسٌ بُسَطاءُ.

تُغَنِّي الدُّمَى أَغانِيَ فُلْكْلُورِيَّةً، وَتَرْقُصُ عَلَى ضَوْءِ شَمْعَةٍ، وَتَقُولُ بِابْتِهاجٍ:

* ما أَجْمَلَ الحُرِّيَّةَ وَالرِّقَّ...

قَبْلَ أَنْ تَكْتَمِلَ الجُمْلَةُ، اِنْقَطَعَ خَيْطُ إِحْدَى الدُّمَى، فَسَقَطَتْ قَتِيلَةً عَلَى المَسْرَحِ...

كانَ مَوْتُها مُفاجِئًا، فَقَدِ انْقَطَعَ خَيْطُ مُحَرِّكِها.

أُسْدِلَتِ السِّتارَةُ، وَاِنْتَهَتْ مَسْرَحِيَّةُ الدُّمَى بِالبُكاءِ وَالنِّواحِ

***

مريم نزار الديراني

تــمايلَ الغُصنُ مســـروراً بلُـقــيـــانـا

وأومض البـرقُ، ترحيــبا بمسْـعـانا

*

جــمْعُ الأحــبّة ِ، فــي اجـواء قافــيةٍ

تــعـطِـيـُر نَـكْــهـةِ ابــداعٍ بـمَـرْمانـا

*

صرْح الخلود، حروفُ المَجْدِ ترفده

وكــلُ اشــراقِ حرفٍ في العُـلا بانا

*

يامن يلُــوكُ مضامِيــناً، بـهـا حَسَـدٌ

هــذِّب نــواياكَ، أقــوالا وأرسـانا

*

إنْ كُـرِّمَ المبدعُ الموهوبُ، في عَمَلٍ:

تَفْـعـيلُ جهْـدٍ، ومـنحُ الحــقِّ عـنوانا

*

إنّ الوســامَ عـلى صــدرٍ يلـيـقُ بــه

توثـيــقُ عـدلٍ يَرى الانصافَ مِيـزانـا

*

يامَــن يواصِـلُ لهْــواً، دون فــائـدةٍ

إحجبْ، لأجْلِ نصوصٍ ترفعُ الشّانا

*

يعـلـو المُمَـيَّـزُ، فـــي طبْعٍ وموْهِـبةٍ

(إنّ الــنفـيـسَ غــريبٌ حيثما كانــا)

*

للحُــبِ ديــمومَــة ٌ، إنْ كــان يرفــدُه

نــهْجٌ عـفيفٌ، وعـزْمٌ يـبـني اركانـا

*

امْـنح صداكَ أهـازيجـاً، لهـا قِـيـَـمٌ

تُــعـزز العَــزْمَ، تصديــقـاً وإيــمانـا

*

إنّ التــواردَ فــي الافـكار تـتْـبـعـُهـا

حَـصيـلةٌ، فـلْـتكـن خيـراً وبُـنــيانــا

*

مع النــسيم، بريـدٌ مــنك يؤنِــُسني

والشمسُ تمنَـحــه، في الافق ألوانا

*

مُــذْ حـدَّثـونا عـن الاجدادِ من مُثُلٍ

(الا ونحــن نــراه فــيهــم الآنـا)

*

وجْــهُ الـبلاغــةِ، اشْــراقٌ بطلْعَــتِـه

فإنْ تجَــسَّدَ ما فــي الضوء اغْــنانـا

*

فالاســتعارة ُ والتشبيهُ إنْ شَخَصَـتْ

كالــزّرع تَــوَّجَ انـهــاراً ووِديــانــا

*

رِيـادَةُ الادب السّـامي، بَـهـاءُ غَــدٍ

وكـلُّ خطوَةِ نُــصْحٍ، تـبْـني انسـانا

*

يامـن يعــزّ عليــنا أن نـفارقهــم)

نَـيْلُ العلومِ اقتضى، والعِلمُ اسْمانا

***

(من البسيط)

شعر: عدنان عبد النبي البلداوي

مررنا

وكانت الطريق تشقُّ الوادي

بين صخرٍ وشجر

ورأيتُ بيوتًا صغيرة

كأنها أسرارُ الأرض،

تختبئُ منّا

وتأوي إلى ظلِّ الأشجار

*

قلتُ في نفسي

كيف يعيشُ الذين هنا؟

*

هم يرون السماء

لكنهم لا يرون المدى

يرون الشمسَ حين تعلو

ولا يرونها،

وهي تمشي على وجه الأرض

لهم نجومٌ كثيرة

لكن ليس لهم أفقٌ بعيد

ولهم صباحٌ

لكن الجبالَ تقفُ

بينه وبين امتداده

*

ومع ذلك

تُفتحُ الأبواب

ويخرجُ الأطفال

وتُزرعُ الورود

*

وتجلسُ أمي عند المساء

تنظرُ إلى السماء

كأنها تكفيها3151 orthar

فكم من قلبٍ

يسكنُ واديًا ضيقًا

وروحُه أوسعُ من الأفق

وكم من إنسانٍ

يسكنُ بين المدى والسماء

ولا يرى

إلا جدرانَ نفسه

*

ثم تذكرتكِ

منذ أن عبرتِ إلى صمتكِ الأخير

وأنا أسكنُ واديًا

كلما رفعتُ رأسي

ابتعدَ الأفق

البيتُ يعرفُ أن اسمكِ

طريقةٌ أخرى لفتحِ الأبواب

كلما قلتُ

أمي...

هَبطتِ على الأشياء

على المساءِ وهو يمدُّ ظلَّه

كأنه قطعَ طريقًا طويلًا

من الموصل

ليسمعَ صوتكِ

ثم طالَ به الطريق

*

كلما مددتُ يدي

تساقطت منكِ

رائحةُ صابون

خيطٌ أبيضُ عالقٌ بثوب

دعاءٌ بين فراقين

أمنيةٌ نامت تحت وسادة

وشعرةٌ فضيةٌ

تقاومُ الريح

في أسنانِ مشطٍ قديم

*

والنافذةُ

كلَّ صباح

تمسحُ زجاجَها بالضوء

يمرُّ وجهٌ بعيد

يشبهكِ

ثم تمضي الشمس

إلى الجهة الأخرى من الجبل

*

أما أنا

فكلما قلتُ

أمي...

ارتفعت في داخلي

جبالٌ قديمة

وتراجعت

حتى ظهرت السماء

واسعةً

وحيدة

أمدُّ يدي إليها

فتعودُ إليَّ

برائحة يديك

*

وفي المساءِ

حين يضيقُ الوادي

وتنحني الأشجار

تحت الريح

أراكِ

في خيطِ شمسٍ

على حافةِ جبل

وأظلُّ واقفًا

أرى السماء

وأنتظرُ الأفق

*

وعندما أعودُ إلى البيت

أشعرُ أن الجدران

ترتِّبُ صمتَها

وتتركُ عند الباب

مكانًا...

يكفيك

*

وتبقى السماء

معلّقةً فوق البيت

كأنها

آخر ما تركتِه لي

***

بولص آدم

.................

* اللوحة للفنان لوثر إيشو

هذه الدنيا القصيدةْ

أسْــعَدَتْني يا حَميدةْ

*

أشعَلَــتْني بِــحُرُوفٍ

ونُبٌـــــوءاتٍ عَـديدةْ

*

بيديهـــــا ألْبَسَـــتني

بُرْدَةً تُدعى: الفريدةْ

*

صَيَّرَتني مِنْ رسـولٍ

لنَبيــهٍ في الجـريدةْ

**

ذات هَجْسٍ عانَقَتْني

ومَضينـــا كالطريدةْ

*

تَســبِقُ البَرْقَ خُطَانا

للنهايــــاتِ السعيدةْ

*

وسَعِدْنــا بٍوصُــــولٍ

واحتفينــــا بالوليدةْ

*

فأقامَ الكـــونُ عُرْسًا

بجـــديدٍ وجـــــديدةْ

*

وهُتـافٌ مِن بعيـــــدٍ

يَروي عنَّــــــا للبَعِيدَةْ

**

بَعدها صِــــــرنا حياةً

للورى تبدو.. رَغِيدةْ

*

تَتَنـــــامي كل هًجْسٍ

بِمَـــــــــدَاءاتٍ مَديدةْ

*

مَنْ أتـــاها دون زادٍ...

سَطَّحَتْهُ كالحَـــدِيدَةْ

*

قَطَــعَتْ عَـــــنهُ وَتينًا

أنْضَــبَتْ مٍـــنهُ وَريدَه

***

محمد ثابت السُّمَيْعي

٢٠٢٦/٨/١٣م

 

لو أنبأتني الغجريةُ

أنكِ يومًا ستكونينَ لي،

لما كتبتُ ملحمة (بتلاتِ الوردِ)،

لما انتظرتُ تحتَ شمسِ (سيباي)،

ولا جلست أنتظر على حافة غدير.

أو تبللت تحتَ المطر.

لو أنبأتني الغجريةُ

أني سأقبّلُ جبينَ القمر،

لما رميتُ تلك الحصوات المسطحة في الغدير،

لأتابع عبورها إلى الجهة البعيدة.

فقط لو أنبأتني الغجريةُ

بالمكانِ والزَّمان،

لأتيتُ راكبًا

أبيضَ الحصانِ،

أمسِ، وغدًا،

والآن.

***

مراد سليمان علو

حياةٌ كلُّها ضاقت أفاعي

ولم تنفع هراوات الدّفاعِ

*

بحقدٍ تنفثُ الأنفاسَ فينا

تبثُّ السُّمَّ من غير انقطاعِ

*

ومازالت .. وما كفَّتْ بيومٍ

و قد مرّت على كلِّ المراعي

*

فما أبقت لنا حقلاً بريعٍ

ولا ريعاً ولا شاةً وراعي

*

تفرَّقنا.. وقد كنا جموعاً

مؤاخين المقاصد والمساعي

*

فصرنا قطعةَ الإسفنج قُصَّتْ

إلى العشرين تُذرى من شراعِ

*

وتهنا .. تاهتِ الآمال فينا

فلم نبلغ فنارات القلاعِ

*

وهاجت ثورة الإنسان تغلي

وقد هبّت بمخمصة الجياعِ

*

فهمنا.. هامت الآلاف تبدي

جنوناً جامحاً مثلَ الضِّباعِ

*

وكلٌّ ما به فيه؛ ليحيا

على ما ذاق من ثدي الرّضاعِ

*

فلا يحييه في يومٍ قيادٌ

ولا ينجيه قولٌ باستماعِ

*

لأنَّ المرءَ يدفعُهُ سلوكٌ

بما عاثَ التَّطَبُّعُ بالطِّباعِ

*

ستبقى تُمطِرُ الدُّنيا رزايا

ولم تقلع بعاصفة انقشاعِ

*

ونبقى نألف الآلام فينا

بجمر الحال من لسع التياعِ

*

فلا من راح يأتينا لينجي

ولا من جاء يقلينا بساعِ

*

ستبقى تفتك الأيام فينا

وترثينا مواساة النّواعي

*

ونبكي نندب الأجيال حزناً

على ما كان من مجدٍ مُضاعِ

*

إذاما الحال نفس الحال يبقى

فما الجدوى بخسران انتفاعِ !

***

رعد الدخيلي

 

مقهىً جنوبَ موجةٍ

جنوبَ حقلٍ من أجاص

أعلى من القلبِ الذي خبأتهُ في القنبة[2]

أدنىً من الناي الذي يسكبُ حزنَ القصبة

مقهىً جنوب قطةٍ

وغربَ مفحصِ القطاة

شَمال غرب القافية

الياسُ بكرٍ ها هنا[3]

وهاهنا شُكْرُ الرشيدي[4]

والهيلُ في شاي الشتاء

عبدُ العزيز[5] قادمٌ من محلّةِ العرب

شمالَ غربِ غابةِ الرُّطب

3144 ahmadأما يزال بيتنا مضاء؟

يحيا على ابتسامة ٍ(لفادية)[6]

وصيفُنا الطويل

والضحكةُ التركيةُ

على الزمان الزنجبيل

وكان عمراً اخضراً يا سيّدي

صلّت عليهِ العافية

مقهىً يرتبُ عزلةَ الأزهار في طفولة بعيدة

مقهى يُرتّبُ الحنينَ في طريق المدرسة

مقهى يحاولُ استعادةَ التي طارت حمامةً بيضاءَ نحو الضاحية

*

حميتُ نفسي منَ الأشواق كي أحبّك

وعندما العشّاق يمضون فلستُ ماضياً إلّا اليك

ويسقطُ الثلجُ على كتفي لكي اشاهدَ الصيف على يديك

مقهى على رصيفٍ واسعٍ

والوقتُ صيفٌ ربّما القاكِ في المرة الثانية

وربما خمسُ صنوبرات

يلْقينني في الشارع العام

وقربَ بيت الحاج قاسم [7]

وانتِ بستانُ من القطن الجميل

تفتّحت ازهارُهُ شمالَ غربِ القافية

***

د. أحمد شهاب

..........................

[1] مقى في رشيدية الموصل في الستينات والسبعينات اختفى الآن

[2] القنبة وهي كلمة تركية قد عُرّبت وهي الأريكة

[3] صديق الشاعر

[4] صديق الشاعر

[5] صديق الشاعر

[6] زوجة الشاعر

[7] بيت كبير من بيوتات الرشيدية

حين استدارَ النُّورُ

عن خاصرةِ الظِّلِّ

وانكسر العِطرُ على عتبةِ

الورد

​كانَ الفضاءُ المُلوَّثُ

بالبوحِ

يَفتحُ شهِيَّةَ الغياب

​مرَّت بِنا النَّشوةُ

رماداً مِن غُصنٍ أَعمَى

وخُطواتُ الدَّهشةِ

تُفتِّشُ عَن خُضرةٍ فِي

عينِ الحَجر

​كُنَّا على حافةِ الأَغصانِ

ثِمار سُكْرٍ مُؤجَّل

​هل كان ذاكَ الإِيقاعُ

دَمعَ القَيظِ

في رَملِ القَنَادِيلِ؟

كم التاثَ النَّرجِسُ

بنارِ

قصِيدتِنا السَّوداءْ

​نَحنُ الغَارقُونَ بِما

لاَ يُوصفُ

مِن وَلهٍ

مُثقَلونَ بِغيثٍ بِلا

سماء

تَركُضُ إِلينا مواسمُ

تَجهلُ أُسطورةَ

وَجدنا

​يا قَيُّومَ ما نتكهن

أَنا هالَةٌ هبَطتْ مِن رُؤيَا

امرأَةُ حَدسٍ

تطعَنُ البرِّيَّةَ بشهوةِ

الرَّيحانْ

​وأَنا بين يديَّ

حدائقُ الغَيمَ

لغةٌ هيفاءُ تنزِفُ

رَحيقها

فِي أَغصَانِ الزَّمنْ

​لم يجدِ الولهُ أَبهَى

من شهادةِ تبصُّري

المُتأَصِّلِ

في الرُّؤيَا

سوى أَن ننفُضَ رمادَ

الضَّوءِ

ونصيرَ سيلَ الجريانِ الَّذِي مضى

​أَسرَارُنا نَجتْ

حِين صِرنَا أَشَدَّ صِدقاً

مِن الأَزَلِ

***

د. مرشدة جاويش

وصايا الغيم / دار نون

2010

بين حقيبةٍ تشبه قبرًا صغيرًا،

وبوابات العبور المضيئة كشاشات الاحتضار،

يقف المواطن العربيّ..

يحمل تاريخًا من الهزائم في جيبه الأيمن،

ويورو معدنيًّا في جيبه الأيسر،

ويبحث عن ظلٍّ له في عواصم الضباب.

في مطار شارل ديغول*

أو على حافة هيثرو**

تفتش الكلاب البوليسية في أمتعته،

عن حنينٍ خفيٍّ سرقه من بيته،

أو عن رائحةِ زعترٍ تكفي لإدانته بتهمة الحنين العابر للحدود.

يمشي في "المنطقة الحرة"،

حراً كطائرٍ مكسور الجناحين،

يشتري عطرًا غربيًّا ليخفي به رائحة البارود العالقة في جلده،

ويبتسم لموظف الجمارك من وراء الزجاج الأملس،

بينما في صدرِ ه أمةٌ كاملةٌ تُطرد من تاريخها.

يستوقفه ضابط الحدود:

ـ ما سبب الزيارة؟

ـ أبحث عن بلادٍ لا تحترق،

ـ أبحث عن وجه أمي المنسي خلف جدار السنتيمتر الأخير من الخريطة.

لكنه يبتلع إجابته،

ويكتفي بختمِ دخولٍ مؤقتٍ..

مؤقتٍ جداً، كعمره،

كحلمه،

كأحلام الجياع على شاشات الفضائيات.

***

العامرية سعدالله / شاعرة من تونس

.....................

* مطار شار ديغول: مطار بمدينة باريس الفرنسية.

** هيثرو: مطار بمدينة لندن

يا مرحبا قد أقبلت * تناسقت ألوانُها

مِن كلّ لَون أزْهرتْ * كأنّها جِنانُها

وأينعتْ ثِمارُهُ * وَقَدْ بَدَا أوانُها

مِنَ الغِلالِ كُلِّهَا * تَمَايلتْ أغصانُها

تأرْجَحَتْ تَبَهْرَجَتْ* ومُنعشٌ رَيْحانُها

بَعدَ اِنتظار هِيتَ لَكْ * الآن ذَا زَمانُها

تَعسّلتْ تَرَقْرَقتْ * تَرنَّمَتْ أفنانُها

لِقَطفِهَا تَغنّجَتْ * مُستَسلِمَا عِنَانُها

فاِنْطلقتْ كالمُهْرةِ * إِذَا اِسْتوَى مَيدانُها

وقَد عَلا صَهْوتَها * مُتيّمٌ وَلْهَانُها

وشَدّ شدّا سَرْجَها * تزَعْزَعَتْ أركاتُها

فَحَمْحَمَتْ ضَابِحةً * تأجَّجَتْ نِيرَانُها

حَامِيةٌ آهاتُها * حَالمِةٌ أجفَانُها

تَأوّهَتْ لَذَاذَةً * أنّى لَهَا كِتْمَانُها

واِنتفَضتْ من نَشوةٍ * فِي عَينِها لَمْعَانُها

أَمِيرةً بَايَعتُها * قَالتْ أنَا سُلطانُها

***

سُوف عبيد ـ تونس

فَنَّانَانْ

اِلْتَقَيَا بِالصُّدْفَةِ فِي بُسْتَانْ

كَانَ اَلْأَوَّلُ يَرْسُمُ

وَالْآخَرُ يَعْزِفُ

وَالْإثْنَانْ

فِي أَبْحُرِ إِبْدَاعِهِمَا يَنْغَمِرَانْ

**

كَانَ اَلرَّسَّامْ

قَدْ أَنْجَزَ لَوْحَاتٍ تَتَلَوَّنُ فِيهَا اَلْأَحْزَانْ

وَالْعَازِفُ كَانْ

يَعْزِفُ أَلْحَانًا مَا عَزَفَهَا إِنْسَانْ

حَلَّ اَللَّيْلُ، فَقَالَا سَيَنَامَانْ

بِهُدُوءٍ وَأَمَانْ

بَيْنَ اَلْأَوْتَارِ، وَبَيْنَ اَلْأَلْوَانْ

**

نَامَ اَلْإثْنَانْ

فِي اَلْحُلْمِ رَأَى اَلرَّسَّامْ

أَلْوَانًا لَمْ يَشْهَدْ

مَا يُشْبِهُهَا قَبْلَ اَلْآنْ

وَرَأَى لَوْحَاتٍ تَتَرَاكَضُ،

وَهُوَ يُلَاحِقُهَا دُونَ اِطْمِئْنَانْ

أَمَّا اَلْعَازِفُ، فَالْحُلْمُ أَتَاهْ

وَهُوَ حَزِين يُرْبِكُهُ وَقْعُ خُطَاهْ

وَيَرَى نَفْسَهْ

فَنَّانًا أَسْلَمَ كَفَّيْهِ لِأَوْتَارٍ قَلِقَةْ

وَمَضَى مُلْتَاعًا يَعْزِفُ أَلْحَانًا نَزِقَةْ

**

مَاذَا سَيَقُولُ اَلْاِثْنَانْ

حِينَ يُفِيقَانْ؟

مَاذَا سَيَقُولَانْ؟ !

***

شعر: خالد الحلّي

مَا لِي فُتِنْتُ بِلَحْظِكِ الْفَتَّاكِ

فَوَجَدْتُنِي مِنْ أَسْرِهِ أَهْوَاكِ

*

وَسَلَوْتُ كُلَّ مَلِيحَةٍ إِلَّاكِ

فَكَأَنَّ وَجْدِي مَا احْتَفَى بِسِوَاكِ

*

يُسْرَاكِ قَدْ مَلَكَتْ زِمَامَ صَبَابَتِي

مُذْ عَانَقَتْ وَرْدَ الْهَوَى يُسْرَاكِ

*

وَمَضَلَّتِي وَهُدَايَ فِي يُمْنَاكِ

قَدْ ضَاعَ قَلْبِي بَيْنَ هَذِي وَذَاكِ

*

فَإِذَا وَصَلْتِ فَكُلُّ شَيْءٍ بَاسِمٌ

وَالْكَوْنُ نُوِّرَ مِنْ جَمَالِ بَهَاكِ

*

وَإِذَا هَجَرْتِ فَكُلُّ شَيْءٍ بَاكٍ

حَتَّى الْخَرِيفُ أَسَالَ دَمْعَ جَفَاكِ

*

هَذَا دَمِي فِي وَجْنَتَيْكِ عَرَفْتُهُ

يَسْرِي حَنِينًا عِنْدَمَا أَلْقَاكِ

*

لَا تَسْتَطِيعُ جُحُودَهُ عَيْنَاكِ

فَالسِّرُّ يُفْضَحُ مِنْ بَرِيقِ سَنَاكِ

*

لَوْ لَمْ أَخَفْ حَرَّ الْهَوَى وَلَهِيبَهُ

لَأَذَبْتُ قَلْبِي فِي لَظَى ذِكْرَاكِ

*

لَجَعَلْتُ بَيْنَ جَوَانِحِي مَثْوَاكِ

وَنَذَرْتُ عُمْرِي خَالِصًا لِفِدَاكِ

***

بِقَلَمِ: سُلَيْمَانَ بْنِ تَمَلِّيست

جَرْبَة، فِي 2026/08/16

من الجيدِ أن تكونَ حمارًا، يحسدُكَ الملايينُ من البشرِ كلَّ يوم.

قد يكونُ الأمرُ صعبًا في البداية،

ستنبذُ اللحومَ، وتلكَ الأطعمةَ الدسمةَ المليئةَ بالكوليسترولِ الضار.

ستُصادفُ الكثيرَ من الساخرينَ والمتشككين،

وقد تُضربُ وتُهان، ويُذهبُ بكَ لأعمالِ السخرةِ.

ومن حينٍ لآخر، يمكنكَ أن تحتجَّ على وجودِكَ في المكانِ الخطأ،

بالتبوّلِ واقفًا أو بالرفسِ،

ولكن أيضًا، سيكونُ لكَ أصدقاء،

رجالٌ جادّون، يساعدونكَ على تناولِ وجباتٍ مجانيةٍ من العشبِ الأخضرِ الطازجِ كلَّ يوم.

حينها يمكنكَ أن تتظاهرَ بالسعادةِ، وأن تنهقَ، وتضرطَ…

ويمكنكَ أن تردَّ الجميلَ أيضًا كحمارٍ لهُ كرامتُه،

تحملُ بعضَ متاعِهم،

ويجلس على ظهرك كبارَ السنِّ أثناءَ الفرامينَ عليهم.

مرحى يا حمار!

البشرُ يتداولونَ أعظمَ مقولةٍ قيلتْ فيكَ:

"لتكونَ سعيدًا، وعلى خيرِ ما يرام؛ كنْ حمارًا".

بالتأكيد، من الأفضلِ أن تكونَ كذلك.

مرحى يا حمار.

***

مراد سليمان علو

وحدك علمتني.. كيف تقيم الروح في غير ذاتها..

وكيف يصيرُ القلب بابا.. لا يُغلقه الانسحاب..

ظننتُ الودادَ عهدًا.. القلبَ ميثاقًا

وأن النبض إن صدق.. لا تُغويه رياح المسافات

وإذ بالأفعال تكسر الوعود.. تخدع الأسماء..

لأكتشف أن بعضَ العهود.. تُترك في مَهبِ التأويل..

وأن الصمت خيانة.. تغتال الروح في هدوء.

*

شيء ما فيك يبعثر ترتيبي..

يُسقط المقدمات.. ويتركُ الحكاية بلا خاتمة..

يُعيدني طفلة لا تُجيد سوى الدهشة.

كلما حاولتُ جَسَ نبضي..

تسللتَ من بين الدقات.. ذنباً يُنعشُ مشوار أيامي

يُسقط عني يقيني.. لأصيرَ احتمالاً لا مستقر له..

كلما حاولتُ ترتيبً الغياب..

زرعتَ الفوضى في كل المعاني

وجعلتَ الارتباك يكتبني كما يشاء.

*

ألتمس الوضوح.. فيتقدم نحوي ضباب..

يُغرقني في ظلمات الأبجدية..

ذنبي.. أني صدقت ارتعاش الحرف

حين تاه في دروب الشوق

لم أكن أعلمُ أن القلوب إن أفرطت في العطااء

صارتْ أوطاناً سهلةَ الاجتياح.. ؟

*

في البعد.. لا يضيق المكان فحسب..

بل يَختلُ ميزان الأشياء..

تصير الخطى أثقل من الطريق

ويغدو الزمن.. حجراً في مَجرى الروح..

في القرب.. لا أَستردُني كاملةً..

بل أتعلم كيف أكون أقلَ كي يتسع لك المشهد..

و يختفي الصوت.. ليصغي الصمت

إلى ما فيكَ من مجازٍ..

*

بيني وبينكَ.. حالة بَهماء

تُداهمُني كلما حاولت النجاة..

تُقيم فيَ كلما ظننتُ.. أني نجوت..

فإن كان لما يحدث اسمٌ.. فقد ضاق به اللسان..

وإن كان له مآلٌ.. فإن كل الطرق إليه

تمرُ عبر صمت ينمو..كشجرة لَبلابٍ

يمتد ظلها في كل الجهات..

*

بيننا..حكاية لم تُختم..

لا لأن القدر ضاقَ بنا.. بل لأنك اخترتَ

أن تتركَ الباب موارباً.. وتمضي..

تاركا الصمت مخنوقاً..

اللغة مرتبكة.. والحنين في حالة اضطراب

أفهمُ اليوم جيدا :

أن الصمت الذي مجدناهُ.. كان عذراً جبانا

لوعدٍ لم يكتمل.. حين غابت عنه الشجاعة.

*

كيف استطعنا.. أن نحملَ كل هذا الدفء

ثم نضعهُ على الرُّف.. كذكرى مؤجلة؟

كيف أقنعنا الأرواحَ.. أن التراجع حكمة..

ونحن نعلم يقينا.. أنه خوف يُتقن التبريرَ

عجزٌ.. يغتالُ.. كل ما هو جميل..

ويتركنا هياكل فارغة..

تنتحبُ خَلفَ قُضبان المستحيل

*

لستُ غاضبة لأنكَ رحلتَ..

بل لأنكَ بقيتَ.. نصف حاضر.. نصف غائب..

تُلوحُ لي كلما حاولت النسيان..

ثم تختفي كأنك لم تكن يوما..

سوى لحظة عابرة.. في مشوارٍ بَهِيم..

كنتَ تعرفُ.. أني لا أحب الطرق المعلقة..

الأبواب المغلقة..

والعلاقات اللتي تقتات على الاحتمال..

ثم تركتني أعيش فيكَ.. فكرة بلا مصير..

أتعلم؟.. ليسَ الفقدُ ما يوجع..

بل التواطؤ الخَفيُ على ألا نكتمل.

*

ها أنا الآن.. أغلقُ الصفحة بيد مرتجفة..

لا حبا.. بل غضبا.. من حكاية

كان من الممكن أن تكون كل شيء..

لو لم تَكنْ.. كل هذا التردد.. !!!

***

مالكة حبرشيد - المغرب

 

بِلا أيِّ قلبْ

مثلما يخسرُ التائهونَ الى آخرِ الليلِ أفئدةً وعيونْ

وعندَ الصباحِ يريدونَ أنْ يجدوا ـ دونَ جدوى ـ الذي فقدوا

فلا يعثرونَ على شيءِ بلْ تتعثرُ في ظلماتِ الدروبِ خطاهمْ

فلا العينُ تبصرُ وهجَ الفؤادِ، ولا القلبُ يبصرُ نورَ العيونْ

أرادوا المسراتِ صاعدةً في دروبِ السماءْ

أرادوا نخيلاً وبدراً وماءْ

أرادوا الصبايا الجميلاتِ ينذرنَ للحبِّ أرواحَهنَّ

ويكتبنَ في وهجِ العشقِ أتراحَهنَّ وأفرأحَهنَّ

ولكنْ صبايا المنافي مضينَ الى سوحهنَّ

وكانَ الحصادُ هباءْ.

*

لا الخمورُ تواسي الذي ضاعَ في حانةِ الغرباءْ

لا النساءُ اللواتي مضينَ بعيداً فماتتْ بِهنَّ النساءْ

لا النقودُ تواسي

والمآسي أتتهمْ جنوداً مجندةً في جيوشِ المآسي ..

***

شعر: كريم الأسدي - العراق

انتظرت

زقزقة العصافير

وبقيت أنتظر

ولما يئست

فتحت

نافذتي

وألقيت

التحية

على الملأ

فرددتها العصافير

وطارت

بقيت

أنظر إلى السماء

وأنتظر

لعلّها تعود

بخبرٍ

يشبهك

لكنها

ابتعدت

وغاب صوتها

فأغلقت نافذتي

وجلست

أصغي

لعلّي أسمع

خطوةً

على الباب

***

جاسم الخالدي

بغداد ١٥/ ٨/ ٢٠٢٦م

 

تعالَ

فقد عُمِّد الحرفُ

بمكنُوننا

واستحالَ المجازُ

مُعتكَفاً

تعالَ نُقشِّرُ عنَّا رداءَ

الصمْت

لندخُلَ في بهوِ (نُونِ)

الجلالِ

فلا قصدَ يعلو

ولا انحنى عزمٌ لتذوي

جمرةٌ

في لُجّةِ المعنى وما

وراءَ القافية

​تعالَ لنُحصيَ أوجاعَ

هذا البياضِ

فصدري كتابٌ

ونبضي نزيفٌ يُظهِر

جُحودَ الغِياب

أنا اللغةُ الآنَ

أبسطُ كُلّي صراطاً إليك

فَمُت فيَّ شوقاً لِتحيا

بي

ما كانَ هذا البهاءُ ليُبصِرَ

لولاكَ

نُوراً تجلّى ليسجُدَ

بينَ يديكْ

أُريدُكَ معنىً عصيّاً

يُراودُ سكوني..

فيُنبتُ شكّاً ويُحيي

يقيناً

ويَسقي الصخَب

الذي في كياني

نبيذاً تقطَّرَ مِن مُقلتيكْ

​أنا الظِّلُّ الذي فارقَ

جسدَه

وإيقاعُ خَلق تمرَّده

​أنا المغايرةُ التي لا

تجيدُ التمثيلَ

بخُروج عن زيفِ التوازن

كي أَمشيَ خارجَ إيقاعِ

حبالهم

فلا تَقترب برُؤى

العابِرينَ

ولا تَختصرني بأُنثى

فإنِّي كونٌ منَ الوجد

لا يستريحُ

وأنت القُطبُ الذي

شَفَّ

حتَّى تماهى مع

العارفين

تعالَ بلا مطلبٍ

أو مآربَ طينٍ

فإنّي كفرتُ بكلِّ

الوُجوهِ

وآمنتُ فيك

لنكتملَ الآن كَوناً نقيّاً

يَغيبُ به (الكَافُ)

عن (كُنْ)

​فنغدو غرقاً

يَضيقُ به المحيطُ

بل يلُمُّكْ

​خُذِ الحرفَ منِّي

جَسداً يُصاغُ منَ

الغيمِ

لم يَلمس العُري إلا

ليُلبسهُ لؤلؤاً من لُغاتْ

أنا غايةُ الانطفاءِ

وأنت السَّنَا

فما نحنُ إلا اصطدامُ

القصيدةِ بالرُّوحِ

فكُن لي غيباً

كي أُعيدَ للَّهِ مَعناهُ

في حُطامكَ

فما نحنُ

إِلَّا الرَّعشَةُ الأُولى

للخلقِ

حين كان اللهُ وحدهُ

وكان الشَّتاتُ هو

الرُّؤيا!

***

مرشدة جاويش

مجموعة (سقوط الظل)

استانبول ٢٠١٨

إستهلال: كتبْتُ القصيدةَ بتاريخ الخميس 26 آذار 2009،

مهداةً الى شاعرِ السّاكسفونِ والبجعِ، الشّاعرِ العَذْبِ الرّقيقِ الطيِّبِ النّقيِّ الرّاحل (سامي العامريّ).

وإحياءً لذكرِهِ أعيدُ نشرَها، فلم يغِبْ يوماً عن البالِ والقلبِ.سامي العامري

***

شُغِفْتُ بما تقولُ هوىً مُراقا

صبـابةَ عاشـقٍ غنّى وتـاقـا

*

شُغِفتُ أنا القتيلَ بكلِّ حرفٍ

بجَمْرِ الشِّـعرِ يأتلقُ ائتلاقـا

*

فما مثلُ القـوافي غانياتٌ

نشدُّ بدربِها عيناً وساقا

*

تبـارزُنا البلاغةَ والمعـاني

تقاسمُنا المواجعَ أنْ تُطاقا

*

تفـكُّ أناملاً وتسـوقُ ريشـاً

يخطُّ صدى القلوبِ دماً مُراقا

*

تغـازلُنـا، فنغزلُهـا حُلِيًّـا

تُطوِّقُ جيدَ محبوبٍ عِناقا

*

تضمُّ مصارعَ العشاقِ تروي

مَلاعبَهـمْ لهيبـاً مُستذاقـا

*

وهل مثـلُ القوافي أغنياتٌ

عزفْنَ شرائعَ الحبِّ اعتناقا!

*

تُظلِّلُنـا بظـلٍّ مـِنْ جَناحٍ

رقيقِ الرَّفِّ بالأرواحِ حاقا

*

فهـذا عبقـرٌ لـَمَّ الرِّفاقـا

بواديـهِ وأطلقَهُمْ رِقاقـا

*

شياطينٌ تصبُّ لنا كؤوساً

لترويَ ظامئاً عشقاً زُهاقا

*

وتمـلأُ سـمعَ نادينـا رَويـًّا

شجيّاً يعلقُ النَّفسَ اعتلاقا

**

لذيذاً كم نذوقُ لكَ المَذاقا

بنارِ الشِّعرِ تُشعلُنا احتراقا

*

فكلُّ قصيدة تُشـجيكَ لحناً

وحبًّا شدَّ في الصَّدرِ الوثاقا

*

نزيفُكَ نزفُنا وصـداهُ صوتٌ

يدورُ بجَمعِنا كأساً دِهاقا

*

هـوانا واحدٌ فردٌ نزيلٌ

بلُبِّ القلبِ يعصرُنا اشتياقا

*

وهلْ بعدَ العراقِ لنا خليلٌ

يضمُّ ضلوعَنا طَوقـاً وطاقا!

**

أبغـدادَ المغانـي والمراثـي

لكِ الصَّبَواتُ تُمتشَقُ امتشاقا

*

شربْتُ بكفَّكِ الماءَ الفراتا

عَتَقْتُ بروضِـكِ الحُلْمَ انعتاقا

*

وإذْ ضاقتْ بـيَ الآفاقُ أهلاً

وشدُّوا حـولَ وادينا الخِناقا

*

حملْتُ مواجعي ورميْتُ حُلْمي

فعـاشـرْتُ المهاجـرَ والفِراقـا

*

ودُرْتُ مشارقاً وحلَلْتُ غرباً

بحاراً أم سهولاً أم زُقاقا

*

فلمْ أشـهدْ لحضنكِ مِنْ مثيـلٍ

يُخفِّـفُ لاعجاً ويُريـحُ سـاقـا

**

أيا خمرَ القوافي أنْ تُسـاقَى

لذيـذَ الشَّدوِ تسكبُها غُداقا

*

طربْتُ وقد سُحِرْتُ بفنِّ قولٍ

نُعـِدُّ لهُ السَّـوابقَ والنِّياقـا

*

صريعَ الشِّعرِ ما فاضَتْ بصدري

أحاسيسي رياءاً أو نفـاقـا

*

ولكنْ هزَّهـا قـولٌ بليـغٌ

جمالاً واصطياداً واختراقا

***

عبد الستار نورعلي

الخميس 26 آذار 2009

إنني صوت المنادي

وأنا حادي القوافل

ودمي الزهرةُ والشمسُ

وأمواج السنابل

"توفيق زياد"

***

وَجَعٌ بلا نُذُرٍ،

رمادُهُ ينهلُ،

أوجاعُهم نارٌ،

صديدُها والروحُ تُقتَلُ

*

سفَّ الزمانُ فلا

قرارَ والمسارُ مُؤجَّلُ،

أفي كلِّ قلبٍ ضياعٌ

في العراءِ، والنفسُ تسألُ؟

*

إن عشتُ يا وطني

فقلبٌ في دموعِكَ لا يذبلُ،

وإن هلكتُ فدربُكَ

هو الترابُ والمُنى الأكملُ

*

حبلٌ يشدُّ إلى البقاءِ،

وروحٌ مثلُ طيرٍ تُنحَرُ*،

نهشت جسدَها الليالي،

والسُّقمُ،

وهَمُّ السنينِ

يثقلُ.

*

إن عشتُ يا وطني

فقلبٌ في ضلوعِكَ لا يذبلُ

وإن هلكتُ فدربُكَ

هو الترابُ والمُنى الأكملُ

*

كودا

في رمادي

خَفْقُ طيرٍ لا يَذْهَلُ...

***

د. سعد محمد مهدي غلام

................

* النحرُ دلالةٌ رمزية على الاستلاب وقمع التوق إلى الحرية؛ وقد جاء تحوُّل القافية عند هذه اللحظة مقصودًا، ليوازي إيقاعيًا انكسارَ الروح وحدّةَ فعل النحر، ضمن الانفتاح الإيقاعي الذي لا يخفى لا القارئ.

سَقَيْتُ حُرُوفِي مِنْ مَنَاهِلِ عِزَّةٍ

فَما لان قَلْبِي عندَ هول الشَّدَائِدِ

*

وَأَمْضِي وَإِنْ ضَاقَتْ عَلَيَّ مَسَالِكِي

أُقَابِلُ خَطْبَ الدَّرْب مثلَ المُجَاهِدِ

*

وَإِنِّي لِعَهْدٍ قَدْ تَقَادَمَ وُدُّهُ

كَمَا الوردِ في سَكْبِ العَبيرِ وسائِدِي

*

وَإِمَّا رَماني الدّهرَ سَهم مُسدّدِ

تَلَقَّيْتُهُ بالصَدْرِ شأوَ مُجالدِ

*

وَقُلْتُ لِجُرْحِي: كُنْ دَوَاءً لِغَيْرِنَا

فَإِنِّي نَذَرْتُ العُمْرَ غَيْثًا لِقَاصِدِ

*

وَمَنْ يَطْلُبِ العَلْيَاءَ لَم يَخْشَ وَعْثَة

وَلَا يَتَّقِي بالمَجْد غزل المكَائِدِ

*

سَأَزْرَعُ فِي أَرْض المَكَارِم أَحْرُفِي

وَأَرْوِي بِدَمْع الجِدِّ تُرْبَةَ مَاجِدِ

*

فَإِنْ تَذْبُل الأَزْهَار يَوْمًا بِبُخْلِهَا

فَلِي في جِنَانِ العَزمِ أرقى الشواهدِ

*

وَأَحْمِلُ اسْمِي في ذُرَى المَجْدِ خَافِقًا

لِيَمْضِي مَدَى التَّارِيخُ بَيْنَ الخَوَالِدِ

***

ميلا العياري - تونس

 

تلك القادمة على طرَف البحر

بجانب قدميها ينساب صدى

من سعف النخل

مواعيد تضيء

وتكتظ بداخلها

تتخطى ما طرأ من الدهشة

جرّبتْ أن ترحل عن عزلتها

وهواجسها

أن تسكب في ناظرها

بعض ضباب البحر

وأن تُلجم أرصفة الوجع لديها

بقراها

وبياض منازلَ غيبيّةْ...

صارت تمشي وتقول:

ألا من ينفض عن كتفي

سدف الليل

يؤجج في الريح تضارس الريبةِ

ويغلق أسماء الأرض هنيهةْ؟

قادمة

يتهادى اللؤلؤ قي مقلتها

غاسلة بحفيف الذعر

دم الأسلاف

وقبل النوم مباشرةً

رسمت دائرة خضراءَ

على جسد الأصِّ وكان يقرفص

بجوار الدولاب يراقب في جذَلٍ

هندام الغرفةِ.​

***

مصطفى معروفي

عندما كنت في سيباي،

شعرتُ أن الموت يقترب.

لم أكن قادرًا على انتظاره ليأتي إلي،

فهربتُ نحو الجبل،

حيثُ الصخور الصامتة تحمل أسرار الهاربين.

غضب الفرمان، ولحقني،

انطلقتُ بعجالة نحو مدن كردستان الجميلة.

زحفَ الغضبُ خلفي حانقا،

وتحوَّلَ إلى جيشٍ من القرودِ المجنونة،

لكنَّني تركتُ السيركَ خلفي،

تسلَّلتُ نحوَ مدنِ الثلج،

حيثُ الروحُ تتوارى خلفَ نوافذِ الصمت،

وتبحثُ عن دفءِ لا يأتي،

وعن يقينٍ هاربٍ بينَ ضبابِ الأيامِ الثقيلة.

هناك، في مدن الثلج وجدتُ السلام.

***

مراد سليمان علو

لا تلعنوا راسبوتين

أنكم بذلك تصفعونَ وجوهكم يأيديكم

ألستُم صورتَهُ المعكوسة في مرآة

لعناتُكُم كلعناتِ القاتل لأقرانِهِ

ليوهِمَ الشَرَطة

أنّ الدماءَ التي تقطُرُ من فمِهِ

هي ما تميَّعَ من التسابيحِ والصلواتِ

كلّ لعناتِكم لن تتجاوزَ فوّهاتِ قناني خمورِكم

لو علِمتُم أنّها تخترقُ القبور

لفتحتُم رُخامَةَ قبرِهِ

ونزلتم لتقاسُمِ غنائِمِكُم مع جُثّته

**

ملعونُكُم أيها اللاعنون ما زالَ في موتِهِ حيّاً

وجثّتُهُ المدفونةُ في طيّاتِ كُتُب التاريخ

هي لواحدٍ من ضحايا المؤرِّخين

أنه في قبرِهِ يسمعُ لعناتِكم

ويُرطّبُها بلُعابِهِ

ليُبَرِّدَ بها آتونَ جحيمِه

ولأنّ القبورَ لا تتّسعُ لمزيدٍ من الشياطين

فقد اعتزلَ في قبرهِ الرَهبَنة

وتحوّلَ إلى صانعِ دُمى

يضُخُّ من تحتِ رُخامةِ القبرِ للمعابِدِ

أشباهَكُم من الدمى المقدّسة

دُمىً ذاتُ أسنانٍ

إذا لم تجدْ ما تقضِمُهُ

يقضِمُ بعضُها بعضاً

وذاتُ بطونٍ

رُفِعتْ عن الأرض بسِقالاتٍ

فقد نُفِختْ لتستوعبَ مواريثَ الأيتام

**

قُتلَ راسبوتين

لكنّ غيومَ ثلوجِهِ السُود

ما زالتْ تزحَفُ على سَمَاواتِنا المتعافية

لتُصيبَ نجومَنا بالجَرب

وتُنبِتَ أمطارُها في حقولنا

غاباتٍ من اللحى والعمائِم

***

شعر: ليث الصندوق

ما بينَ وجهِكِ والغروبِ

تغفو الحياةُ بلا لُغوبِ

*

لِيَطِلَّ مِنْ بينِ الغمامِ

بنورهِ وعلى دروبي

*

وأراكِ بينَ جنّائنٍ

إبداعُ علّامِ الغُيوبِ

*

اُمّي أيا نَبعَ الحنانِ

لَأنتِ طيبٌ للطيوبِ

*

مِنْ بَعدِ فَقدِكِ لم أجدْ

دِفئً كدِفئكِ في القلوبِ

*

أشتاقُ صدرَكِ عندَ ما

تجتاحُني ريحُ الخطوبِ

*

أشتاقُ صوتَكِ والصدى

ترنيمَةً فوقَ السُهُوبِ

*

هي ما تزالُ بمَسمعي

ودُعاءُكِ وقتَ الغُروبِ

*

ولدي حَمَاكَ اللهُ لا

تأسى وصبرًا يا حبيبي

*

سيَزولُ عنكَ نحوسُها

إنْ شاءَ ربّيْ عن قريبِ

*

اُمّي ظِلالُكِ مَؤلي

وإليكِ مِنْ وَجَعيْ هُروبي

*

يا دوحةَ البيتِ التي

بَرِئتْ ببلسمها نُدوبي

*

هذا نِثارُ الذكرياتِ

تلوّنَتْ فيها كُروبي

*

لأعيشَ ساكِنَها النَدِيَّ

مُكَفِّرًا فيها ذنوبي

*

وأرُشَّ روحيَ عِطرَها

فوّاحةً مِنْ غيرِ حُوبِ*

*

مُدني بقايا الذكرياتِ

أزورُها عِندَ الوجوبِ

*

وأطوفُ بعضَ رياضِها

مُتحامِيًا عَينَ الرقيبِ

*

شتّانَ روضكِ والرياضُ

إذا تَنَسّمَ بالهبوبِ

*

فالرَوحُ أنتِ وراحَتي

وإليكِ مُلهِمَتي نسيبي

*

أستلهِمُ الذكرى أُداوي

نازفًا أعيى طبيبي

*

أستلهِمُ الذكرى لكي

تبقى طيوفُكِ مِنْ نصيبي

*

لأرُدَّ وحْشةَ وحدَتي

وعواديَ الزمَنِ المُريبِ

*

يا جَنَّتي يا جُنَّتي

ذكراكِ تستدعي نَحيبي

*

فعليكِ تَسليمي الدوام

مِن الشروقِ الى المَغيبِ

***

احاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / فارا في يوم: الاحد 13 مايس 2012

..................

* الحُوب: الذَنْب

"عُودوا بِنُور الوَصْلِ مِن غَسَق الجَفَا

فَالهَجْر لَيلٌ والوِصالُ صَباحُ"

شهاب الدين السهروردي

***

ركبتُ مَوجا ثائرًا

حَسِبتُه لا يُغرِقُ

وغُصتُ في عِشقي،

فمِثلي مُقدِمٌ إذ يَعشق

أَسقي لهيب دهشة

تأجّجتْ في مُهجتي

وأُفلِتُ من جنّة نيرانُها لا تَحرِق

كَيْ أَلحَق الكأس التي تَوَقَّدتْ

فأَسْكَرَ من حَرّها، لكنني لا أَلحَقُ!

لا أُمَّ لَكْ!

يا عاشقا تَكَشَّفَّتْ أحوالُه

إنّ الشقيَّ لَلّذي معشوقُه لا يُشفِقُ

يُطارِد نورَ الطريقِ زاهدًا...

في خُلْوَة تَأبَّدَتْ أرجاؤُها،

والهَجرُ فيها مُطْبِقُ

رُويْدَكَ!

فهل أَراكَ لائما حَبيبكَ

وقلبُك مُسبِّحٌ بعشقه إذ يَخفِقُ؟!

رُويْدَكَ!

فرُبَّ صَبٍّ أَرهقَته رِحلةٌ في طَيِّها

تَخالُه حِين تَراه، فانيًا مِن شَوقِه - -

تُعيده لِلوَجدِ

خَمرةُ الصَّبابةِ، وسرُّها المعتَّقُ

فتُزهرُ في الدَّربِ تَوبةٌ...

شَذى أريجِها يُدغدِغ الرّوحَ

التي حَنّتْ لعطرٍ يَعبِقُ

والشّمسُ تَنْضُو صَمتَها...

فتُنشِدُ، وتَرقصُ

لِيَسقُطَ المُريدُ في أنوارها تَجَلِّيًا

ويَصْحُوَ مُردِّدًا مُذْ تُشرِقُ:

مُتَيِّمي، "

ها قد صَحوْتُ ساعيًا للرِّزقِ راجيًا

فَالوَصْلُ رِزقٌ...

دُلَّني، لَعَلّني...

مِنْه بِشيْءٍ أُرزَقُ"

***

د. المنتصر العامري

 

رواية قصيرة جدا

مهدي شاب في العشرين من عمره، يعيش في قرية تضطجع على شكل قيثارة بغنج على منحدر جبلي يمتد الى ساحل البحر كامتداد لسان كلب لولغ الماء، ترك دراسة الحقوق حيث وجدها منحازة الى أصحاب المال والنفوذ، عاد الى بيته وأمتهن الصيد، علاقته غاية في البرود مع أقرانه من الأناث والذكور، بسبب (شذوذ) أفكاره ومخالفته للأغلبية حول الوجود والواقع المعاش...

- يا أخي أني لاأتفق معكم حول تفسيراتكم لنشوء الحياة على الأرض، ولا أتفق معكم حول وجود الأنسان في هذا الكون، حواء ضلع من ضلوع آدم ...

- لا أرى معنى لهذه الحواجز بين القارات والبلدان وتقييد الأنسان ضمن رقعة جغرافية محددة تدعى الوطن، أرى ذلك سلوك انسان مستبد أو مجموعة من الناس لفرض سيطرتهم على جمع من الناس ضمن حيز معين واستعبادهم بأس الوطن والوطنية.

يبتسم صديقه سهيل بوجهه مع نظرة إستغراب وتساؤل استنكاري

- ماذا يا أخي هل أنت من كوكب أخر، ألست أنت إبن قريتنا إبن فطيمه ومزهر... فمن أين أتتك هذه الأراء؟؟

- هل هناك من يخرج من البحر ويلقنك هذه الأفكارأثناء وجودك على شاطيء البحر للصيد؟؟

- انَّ من علمني هو موج البحر، فسطحه مستو مفتوح بلا حدود ولا قيود، تتعايش فيه الآلاف من المخلوقات دون تميز ودون حدود، يعطي للجميع ولايكتنز اللؤلوء، ولا يعرف البيع والشراء

- أرى أن هيجانه أحيانا غضبا لما يجري على اليابسة من تمييز واستعباد واكتناز، يغضب من وجود البارجات والمدمرات والغواصات وهي تنتهك حرمته ليقتل أهل البر بعضهم البعض، يختبرون أسلحتهم ومتفجراتهم المدمرة في البحر، لايشكرون ما يمنحهم البحر من الخيرات، وأشكال وأنواع لاتحصى من أنواع الحيوانات للغذاء والدواء البشري!!

 فلماذا لايتمثل البشر حياة البحار والمحيطات فيعيش الجميع بسلام وأمان ورفاه وحرية؟؟

- ظل سهيل فاتحا فاه مستغربا لما يسمع من مهدي، محاولا الرد بكون هذه الطبيعة البشرية ولايمكن تغييرها منذ عشرات الآلاف من السنين...

- لا يا أخي انه واقع مصطنع، أوجده الأقوياء والطغاة لتكون حياة أهل البر بهذه التعاسة والألم والخوف والتمييز ...

- هز سهيل يده معبرا عن يأسه من إقناعه بتغيير سلوكه الغريب

- حمل مهدي شبكة صيده وتوجه نحو البحر ليناغيه ويصغي له ويلقي بشبكه ليتلقى كرمه من السمك اللذيذ كما في كل يوم شاكيا له ضلال أهل الأرض ...يستعيد نشاطه ثم يلقي بشبكته في البحر ...

- يهديه عدداً من السمكات المتنوعة الجميلة في المرة الأولى، ولكنه تلقى في المرة ثانية هدية من نوع آخر

:- انها قنينة جميلة الشكل، جذابة اللون تسر الناظرين، ينبعث منها شعاع ذهبي وامض ... مما جعل مهدي يسحب شبكته ويتنحى قليلا عن ساحل البحر ليطلع على هذه القنينة وطبيعة محتوياتها ..

فتح الغطاء الفضي المثبت فوق عنق القنينة، وأخرج ما في داخلها فوجد ورقة مطوية محفوظة داخل أنبوبة زجاجية شفافة، وبجانبها قنينة صغيرة على شكل قلب على الرغم من إغلاقها كانت تفوح منها رائحة لم يشم مثل عذوبة رائحتها في حياته !!!

أخفى انبهاره برائحة العطر، وفتح غطاء الإنبوبة لإخراج ورقة ملفوفة باحكام، فتحها بعد أنْ سحب حلقة من خيوط الذهب البراق كانت تمثل مشدا لها، بسط الورقة أمام عينيه فكانت تقول:-

" أنا الأميرة شيرين إبنة (أميرة البحر) نتيجة زواجها بعد قصة حب أسطورية مع راعي غنم وسيم أستحوذ على قلبها، عبر قصة حب طويلة على سطح البحر، ولكنه كان ضحية عصابة تسليب، مما رمل أمي التي عادت الى غياهب البحر كارهة ناقمة على مايجري من توحش وطغيان على الأرض، وبقيت أنا عهدة جدي عائلة الراعي، كانت أمي تزورني بين حين وآخر قرب ساحل البحر تحتضنني بحنان وتبكي مستذكرة حبيبها المقتول، ثم تلقي في حضني عددا من الجواهر الثمينة من اللؤلوء والمرجان النادر، وتغادر عائدة الى البحر على أمل اللقاء في وقت لاحق ...

 أصبحت عائلة والدي ثرية من جراء بيع هذه الجواهر الثمينة الفريدة من نوعها وقد خف استغرابهم وتساؤلهم حول من يزودني بهذه الجواهر الثمينة، فلم يكونوا على دراية بطبيعة أمي طيلة حياتها مع ولدهم، ولا كيف وأين توارت بعد مقتله، وأنا الآن في سن التاسعة عشرة من عمري، أسكن في قصر منيف مع جدي وجدتي على ساحل أحد البحار في هذا العالم الفسيح، أجيد الغناء، وقول الشعر، ورسم صورة أمي باشكال شتى كانت الصورة محل إبهار وإدهاش كل من يراها نظرا لجمالها ولم يروا مثيلا لحسنها وملامحها في كل العالم المحيط، دفعوا لي مبالغ طائلة لأبيعهم نسخ منها إلا إنّي كنت وما زلت أرفض البيع مهما كان الثمن، كما إنّي أمنع تصويرها عند توافدهم لرؤيتها حيث تتواجد في قاعة خاصة في المنزل ..

- أنا شيرين إبنة الراعي وأميرة البحر قررت أن لا أتزوج بالطريقة التقليدية المعروفة، سأتزوج من سيعثر على هذه الرسالة في القنينة الطافية في البحر، حاملا معه الرسالة، والحلقة، وقنينة العطر المرفقة التي لامثيل لعطرها على وجه الأرض، ستكون هي مهري وشرط عقد الزواج وسأعيش معه كيفما يعيش، وأن يتعهد بعدم الإلتزام بعادات وتقاليد أهل الأرض المسببة للعدوات والقتل والنهب واغتصاب حق الغير، وعلى أنّْ يتعهد بأن لايحذو حذو أبناء جنسه في السعي للكنز، وأستعباد الناس عبر المال، هذا الوبال الذي غير شكل حياة البشر وجعلهم عبيداً له، واستخدامه لأستعباد الآخرين، مع علمهم انَّه من صنع أيديهم، فما أغرب أن يخلق الأنسان مخلوقاً يستعبده ويخضعه لأرادته، وأن يعاهدني على البقاء بمزاولة مهنته في الصيد لأني واثقة بأن قنينتي ورسالتي ستكون في شبك صياد .

أريد أنْ يكون الصيد هو مصدرعيشنا سوية وعدم الأستغراق في الأبهة والبذخ والكسل، بما يمكن أنْ تيسره لنا هدايا والدتي (أميرة البحر) من كنوز...فالعيش الكسول على جهد الغير مذلة وتطفل أمقته ولو كنت في الجنة ...

على حين غرة إدلهمت السماء، قطعان من الغيوم حجبت ضياء شرائط الشمس الحمراء، فار البحر، وزمجر الرعد، وعصفت الرياح، فلملم الصيادون شباكهم وصيدهم وأسرعوا بمغادرة الساحل البحري الذي بدى هائجا عبر جبال حمراء بفعل حمرة غروب الشمس، أمواج البحرالمتلاطمة التي تسعى لمعانقة السماء وتقبيل شمس الغروب قبلة الوداع، جمع مهدي شباكه وحمل صيده وقنينته سريعا وهرع قاصداً العودة ًللدار، وسط ثغاءالأغنام والماعز العائدة الى حضائرها...نازلة من سفوح الجبال

مع بريق الغيوم وصوت هطول المطر يسمع مهيار أصوات رعد الطائرات والصواريخ المتبادلة بين الدولتين المتحاربتين، حيث تزهق الأرواح، وتدمر البساتين والبيوت والمصانع، وتحرق مليارات الدولارات في جنون الحروب والقسوة التي تستنكرها حتى الوحوش الكاسرة ...

  2

واصل مهدي طريقه نحو محل سكنه وقد كان رأسه مثقلا بسيل من الاسئلة حول صاحبة الرسالة، وهل هي حقيقة ام نسج خيال فتاة حالمة؟

واسئلة أخرى محيرة تحتاج الى اجابة، أعاد ترتيب شباكه ولف سماكته المتبقية، وضم الرسالة والقنينة ومحتوياتها في جيبه، مغلقا باب الاسئلة الى حين وصول الدار ليتدبر الامر بعد ذلك...

وصل الدار بعد أن خف هطول المطر، وصوت الريح، وبدأت الغيوم تنقشع لتكشف قبة السماء المجدورة بقطع الغيوم المتناثرة تتخلها ضياء نجوم مرسلة خيوطها لتقبل سطح برك مياه الأمطارالآسنة مستمتعة بأصوات نقيق الضفادع عازفة سمفونية عشق مكبوت في موسم التكاثر، يصغي مهدي باعجاب كبير لانتظام سير الحياة لمختلف الكائنات الحية على كوكب الأرض بسلاسة وهارمونيا منتظمة لولا عبث الإنسان ووحشيته في تعامله مع الطبيعة ومع أبناء جنسه، متخيلا براكين الدم البشري الفوارة بسبب القذائف المتبادلة المجنونة التي يسمعها بين القوى المتحاربة

 3

- في طريقه للدار شاهد طفلل ينبش القمامة وسط المطر يستخرج القناني الفارغة ليضعها في كيس يحمله على ظهره، أوقف عربته متوقفا قربه

- ماذا تفعل وسط القمامة ياصغيري؟؟

- كما ترى ياعم أفتش عن القناني الفارغة، أجمعها وأضعها في هذا الكيس لأبيعها كي أحصل على لقمة عيشي، وإن لم أجد أضطر الى التسول، أو أضطر الى ...

- ما اسمك ياولدي؟؟

- أسمي (سعيد)؟؟

- قلت (سعيد)... نعم ياعم أسم سعيد لتعيس بائس مفارقة طبعاً!!! يحلم والدي بالسعادة

- ووالديك أين ياصغيري؟؟

- قتل كل أفراد عائلتي بسبب قصف الطيران الصهيوني لقريتنا، هدمت الدار، فتشردت الى المدينة دون مأوى، بدون معيل، فاضطررت الى هذه المهنة والتسول لأبقى على قيد الحياة ...

 أغرورقت عيون مهدي بالدموع تأسياً على حال الطفل، الطفل الواقف على الرصيف أنشغل بمشاهدة التلفاز في المقهى فاغرفاه أمام التلفاز الذي يعرض عملية إحراق ملايين الدولارات في التنور، وعشرات الأكياس الدولارية وقوالب الذهب البراقة المستخرجة من حفرة المجاري، ورزم أموال تستخرج من حفرة داخل حمام أحد الدور في العراق. نبهه مهدي خوفا عليه من حركة السيارات في الشارع، فأفاق (سعيد)من دهشهته وتوجه صوب الرصيف بعد أنْ غطى وجهه رشاش المياه المطينة بفعل طشاش إطارات السيارات المسرعة كقطيع جاموس هارب من ملاحقة وحش مفترس، أخفى لفة الليرات الورقية المتهرئة حصيلته من جولة التسول الصباحية في جيبه متوجها الى صنبور ماء في الشارع لغسل وجهه من الطين ...

- يمسح مهدي على رأسه، ويناوله عدد من السمكات يبيعها ويتصرف بما يحصل عليه من المال، مودعا إياه على أن يلتقيه متى تمكن من مساعدته ...

يسترجع (سعيد) صور أصحاب الفلل والقصور ومالكي أكداس الأموال، ينظر الى قدميه المتسختين، فسالت دموعه الحرى على وجنتيه الذابلتين رافعة رأسه نحو السماء مخاطبا الرب :-

- ياربي ألم تكن انت خالقنا جميعا؟

- ألم تقل أنك من توزع الأرزاق وتعطي من تشاء، فأية مشيئة هذه التي تمنح بعضهم المليارات في حين يبقى الملايين يتحسرون على كسرة خبز؟؟

- ماذا تقول إصبر فلك عندي جنات تجري من تحتها الأنهار؟؟

- لماذا أنا جنتي مؤجلة الى يوم الحساب وهؤلاء الأثرياء يعيشون الجنة اليوم وغدا؟؟

- هل خيرتني بالوجود بهذه الحال، هل هذا الوجود هو خياري في الدنيا لأكسب الجنة في الآخرة إنّ صلح عملي، وآنى لي بالصلاح وأنا بهذا البؤس وأنت تريد صلاة وصوم وحج وتوزيع صدقات؟؟

- أنا لا أرى عبادتك واجبة علي، فلماذا أعبد من خلقني ورماني في هذا الجحيم، ولماذا أصوم وأنا أعيش الصيام طوال عمري وليس في شهر رمضان فقط؟؟

- اقتنص كسرة خبز فأسمى سارق وأعاقب، يسرقون المليارات يصنفون بالشطار ويكافئون، لا أملك المال لأعطي صدقة واكسب حسنة تمحو سيئاتي، في حين هم قادرون على منح الملايين، ويحجون الى بيتك فتغسل ذنوبهم وتمحى سيئاتهم مهما عظمت فيعودون كما ولدتهم أمهاتهم، يدفعون المال لمن يصلي ويصوم ويحج بالنيابة عنهم فيثبتون لك طاعتهم، فماذا أدفع أنا لأغسل ذنوبي حين أسرق رغيف خبز، أو أنشل محفظة ثري، أوأسرق حذاء أو سروالا من حانوت لأكسو عريِّ...

- ماذا تقول لمن أذلوني وأغتصبوني بالقوة، ومن اذلوني مقابل شريحة لحم، وقطعة حلوى، أوقميص مهتريء، أكيد ستغفر لهم عندما يحجون بيتك، هم يدفعون لتمسح ذنوبهم أما أنا مذنب تزجني في نارك؟؟

- اطفالهم يولدون وفي أفواههم ملاعق من ذهب، ونحن نولد وفي أفواهنا مشاعل من نار الجوع والتشرد والخوف...

- تقول إنَّي أوصيتهم ان يرأفون بكم، (وللسائل والمحروم) ويتصدقون عليكم أنتم الفقراء، السؤال لماذا نحن فقراء وهم أثرياء، لماذا نمد أيدينا ونذل أنفسنا لهم لتستمر حياتنا من صدقاتهم؟؟

- أليس أنت المانح الرزاق فلماذالاترزقنا كما ترزقهم؟؟

- آباؤنا وأمهاتنا يعملون في مزارعهم، ومصانعهم، وخدمتهم في بيوتهم ليل نهار، ولايعطونهم ما يسد رمق عوائلهم، وغالبا ما نأكل فضلات موائدهم

- أين العدل في هذه القسمة في الأرزاق، فلماذا تفضل بعضنا على بعض في الرزق، لا حتى انَّك تمسك الرزق عنا حد الموت ألسنا جميعا خلقك؟

- تقول سيعيش الجميع برفاه وسعادة مجابة طلباتهم وكل مايرغبون في الجنة، انهار من الخمر واللبن، وحواري وأولاد مخلدين أليس كذلك؟؟ فلماذا لاتنصر من يريدون اقامة هذه الجنة على الأرض، يقتلوهم ويسجنونهم أصحاب الثروة، ويدعون انّهم يكفرون بك، كيف يكون هذا وهم يريدون تحقيق ارادتك للانسان الصالح العامل الكادح المسالم على الأرض قبل السماء، الا يرضيك أن يكون خلقك سعداء في الأرض وفي السماء، وسوف تكون النار شبه فارغة لأن المساواة والعدالة على الارض سوف تقضي على كل أسباب العصيان لا أوامرك بالعدل والسلام لكل البشر ...

- يكفكف دموعه يمسحها بطرف كمه المتسخ المبلل، يتفقد اللويرات في جيبه خشية ان يكون قد سرقها منه أحد أصحاب الكروش، أو أحد الشقاة، والذي يكنزون الذهب والفضة والدولار بما يسرقونه من بطون وجيوب الفقراء...

- أتوجه للمبيت تحت درج العمارة وسط المدينة، يصادر مني الحارس ماحصلت عليه أثناء التسول ويجبرني على تنظيف غرفته، وغسل ملابسه، و...

- أرى العديد من المساجد والجوامع في المدينة حيث لايخلو شارع من واحد أو أكثر من هذه المساجد الفارهة والجوامع التي تسمى بيوت الله، فقررت أنْ أذهب الى إحداها علني أجد مكانا للمبيت في أحد بيوت الله أليس الله هومن خلقنا و لأتخلص مما أنا فيه، و لكن ما إنْ أصل باب الجامع محاولا الدخول حتى يستقبلني خادم الجامع بالصراخ أمام أنظار إمام الجامع يأمرني بالخروج الفوري لئلا أدنس الجامع بوساختي ونجاستي...وعندما ترجيته وتوسلته نهرني بشدة، أغرب من وجهي الجامع ليس مأوى للمشردين والصعاليك!!!

- لماذا تطردني اليس هذا بيت الله ونحن عيال الله فاين أذهب؟؟

- نعم أخرج فأنت غير طاهر والجامع مخصص للعبادات وليس لأيواء من أمثالك!!!

- يا الله هل ترى وتسمع اني مطرود من بيتك على الأرض وأكيد مطرود من جنتك في السماء ...!!!

- كيف تمكن وتملك قوى الجبروت والطغيان كل هذه القوة القاهرة، ليقتلوا ن ويشردوا، ويقتلوا عبادك وخلقك، وانت الذي تقل للشيء كن فيكون، ألسنا أتباع أنبيائك ورسلك؟؟

  4

اقتربت عربته من دار سكنه، فلمح والدته واقفة تنتظره عند عتبة الدار غير مبالية بالريح والمطر يلفها القلق على ولدها الوحيد، ما ان لمحته حتى هرعت اليه مرحبة تحمد الله على سلامته، أحتضنها بشوق قبل يديها ودخلا الدار، بعد أن أوقف العربة، وفك رباط الحصان، شاركته والدته حمل اشياؤه بما فيها الأسماك والشباك داعية إياه بتغيير ملابسه المبتلة والأستراحة، ثم انشغلت في إعداد طعام العشاء كالعادة في كل يوم مما يتيسر من الأسماك والخضروات واللبن، حيث يتناولان طعام العشاء بالقرب من منقلة مليئة بجمر الموقد الذي يتوسطه إبريق شاي تفوح منه رائحة الهيل المنعشة ....

 أثناء جلسة مسائية تحت ظلال (حديثات نخيل البرحي) المتراصة لمسافات طويلة على حافة الهور ترفرف بمرح النوارس والأوزات البرية التي تأتي الى أهوار الجنوب مقتبل كل شتاء يدفعها الحنين الى فراديس التزواج السنوي المعتاد حيث الدفءووفرة الغذاء ورائحة حضارة تمتد لآلاف السنين. خاطبت فطيم حبيبها (مزهر)حينما كانت حاملا بمهدي بغنج انثوي أخاذ حبيبي الغالي يبدو انّي أتوحم بلحم طير الحذاف ونبات (العكيد) فهل يمكن ان تجلبه لي؟؟

- قبلها مزهر قبلة عشق لم تخبو حرارته ولم يخف وهجه طوال سنين مذ تعرفها لأول مرة والتقت نظرات عيونهم في عمق الهور، فاشتعل فتيل الحب داخل قلبيهما، وهما يرقبان بخجل عذري طيور الخضيري تتقاقز متلاقحة جذلة فرحة تهز ريش ذيولها تشارك ذوائب القصب المتراقصة متناغمة مع رياح الشمال العذبة، بعد موجة مطر خفيف اغتسلت بقطراته نباتات الهور الخضراء ...

- أغلق نافذة الذكريات ونهض من ساعته حاملا بندقية صيده (الشوزن) خماسية الطلقات، لف رأسه بيشماغه، ولف جسده (بالمزوي)، وبعد أنْ أنعش جسده بكأس من الشاي المهيل الساخن تناوله من يد(فطيم) المضيئة بالوشم الأزرق الأخاذ على ظاهر كفها وأصابعها الناعمة البيضاء كبياض قيمرالصباح، فك رباط الزورق المتراقص فوق مياه الهور المربوط في باب الكوخ الذي تبدو مقدمته كأنها فم عطش يعب من ماء الهور ولايعرف الأرتواء، أمسك (بالمردي) غارزا إيّاه في وسط مياه ضحلة فأندفع الزورق شاقاً طريقه نحو عمق الهور، ودعه كلبه حنفوش بنباح مموسق، تفرقت محلقة فوق القصب أومتوغلة بين نباتات البردي (دجاجات الماي السوداء)، توغل برشاقه بعيدا في عمق الهور بواسطة زورقه الذي تزين صدره صورة ملونة للزعيم عبد الكريم قاسم محبوب الصيادين والفلاحين الفقراء، وقد كان والدك رئيس جمعية الصيادين، موجها سير الزورق عكس تيار الهواء حتى لا تشم رائحتة الطيور الحرة (الخضيري، ابو بسيله، الحذاف، البط)، فمن طبيعتها تستشعر رائحة الإنسان من بعد فتسارع بالطيران مبتعدة عن الخطر يقول الصيادون الطيور الحرة (تريّح)، فلو أمتلك ثوار تموز وانصار الزعيم حاسة الشم هذه، لشموا رائحة المتآمرين وأفشلوا الانقلاب الأسود ولكن ...

- على مبعدة من مكانه أبصر مهدي تجمع للطيور ومن ضمنها (الحذاف)، فكمن خلف أكمة من البردي مصوبا بندقيته صوب تجمع الطيور، وهو المشهور بدقة التصويب كصياد ماهر، ركز على حذافتين متجاورتين وأطلق النار، فاصطبغ الماء حولهما باللون الأحمر وهمدت الحذافتين ومعهما فحل خضيري بعد رفرفة يائسة ضربت أجنحتها سطح الماء دون تمكنها من الطيران، فهمدت ساكنة بلا حراك، وجه البلم صوبها منتشلها من الماء ووضعها في بطن البلم، ثم بدء بقلع نبتات البردي من الجذور ليعد باقة من (العکيد) لحبيبته الغالية، حول مقدمة الزورق نحو طريق العودة، فتح صدره للنسيم العليل المشبع برائحة البردي والقصب، والزهور الصفراء الطافية على سطح الماء، فرحاً بتحقيق طلب حبيبته الغالية ووليدهما القادم، طابت نفسه وانفتحت أساريره، فأطلق صوته العذب بأبيات من الأبذوية، المعبره عن حبه وعشقه لحبيبته فطيم، تمايلت ذوائب القصب طربا وصفقت اجنحة الطيور تشاركه فرحه، وأجساد الجاموس العائمة، يعتلي ظهرها بعض الصبيان، ملاحظا بعض القرويات، يلاعب الريح أطراف ثيابهن الملونة، يسترقن السمع الى صوته الجميل فتتمايل أجسادهن طربا فوق المشاحيف المحملة بحزم القصب والبردي، ومشاهد الصيادين الذين يجمعون صيدهم من الشبوط، البني الاصفر، القطان، والحمري العالقة في شباكهم الممتدة وسط مياه الهور، مستمتعا برقصات الأسماك المتراقصة على جوانب الزورق الذي يشق صدر الماء بقوة دفع مردي مزهرامندفعاً صوب كوخه ...

  5

مهيدي يلاحظ والدته سارحة بعيدة عنه تماما فخاطبها:-

- أمي العزيزة أراك في عالم آخر بعيدة عني تماما فما الذي يشغل بالك .؟؟

- تبتسم له مع تنهيدة طويلة تعبر عن الفقد وألم الذكريات، قائلة:

- لاتهتم ياولدي انَّما أنا استذكر أيام كنا مع والدك في العراق يالقرب من الأهوار وما حصل بيني وبينه أثناء حملي بك حيث الهوروذكريات الطفولة والصبا بين أحضان الطبيعة والأهل والأصدقاء، وظروف لجوئنا الى بيروت هربنا خلاصا من ملاحقة السلطة الفاشية البعثية بعد انقلاب 8 شباط 1963 ومقتل الزعيم عبد الكريم قاسم، وإتهام والدك بأنَّه قاسمي، وشيوعي وأصبح مطلوبا للسلطات، قبل الانقلاب كنا نعيش أياما رمضانية جميلة لاتنسى على الرغم من البرد القارس حد الأنجماد حينها، فوأدوا الثورة، وأوغلوا في جرائمهم حتى في أعماق الأهوار، صار رأس قلم (الحمرة) مطلوبا، وأخفى سمك الزوري حمرة شفتيه، وساد سوق الحناء الكساد وأخذت شباك الصيادين لاتجلب السمك وحده بل كتبا ذا أغلفة حمراء، وصور ملتحين من دون عمائم، صار سمك الحمري يجلب الشبهات، ممادفع والدك بمساعدة أحد البحارة اللبنانيين في البصرة بنقلنأ وتهريبنا الى لبنان بيروت بفعل توصية من أحد أقاربه العاملين في الميناء و كنت صغيرا وأنت تعرف بقية القصة، ثم انتماء والدك الى المقاومة اليسارية الفلسطينية واستشهد داخل فلسطين... عشقت أنت البحر والصيد لإعاشتنا ورفضت إكمال دراستك بسبب تعسر ظروفنا المعاشية وعدم قناعتك بمهنة المحاماة...

- تكاثفت غيوم الحزن أمام أنظار مهيدي مسترجعاً ذكرياته مع والده، أختطت الدموع لها مجرى على وجنتيه، مترحما على والده متأسيا لوالدته، و من أجل طي ورقة الحزن والذكريات المرة أستعاد هدوئه وبادر والدته قائلا :-

- أمي العزيزة سأخبرك بما حوته شبكتي اليوم من داخل البحر

- ماذا هل هي سمكة من نوع نادر، أو محارات معبأة باللؤلؤ؟؟

- لا يا أمي لا هذا ولا ذاك، وعرض أمامها، الحلقة الماسية، وقنينة العطر التي ملأت الحيز بعطرها، والرسالة الجميلة المكتوبة بخط اليد ...

- انبهرت أم مهدي بما رأت، وما شمت، مستغربة متسائلة هل ساقت الأمواج القنينة الى شبكتك، لتكون الفتاة من نصيبك وقدرك، متسائلة عن كيفية معرفة صاحبة الحلقة والعطر والرسالة؟؟

- تعذر على ولدها الأجابة على السؤال فليس هناك أشارة الى عنوان أو مكان فكيف لنا التوصل اليها

- بعد لحظة تفكر وتذكر قالت :-

- ياولدي أنا أعلم إنَّ بعض الصاغة يضعون ختما يدل عليهم عند صياغة مثل هذه التحف المميزة، فلنتفحص الحلقة علّنا نجد ما يدل على الصائغ وربما عن طريقه نستدل بها على صاحبتها

- وضع مهدي الحلقة تحت الضوء وأخذ يدورها غارزا بصره في داخلها، فكانت المفاجأة إنْ وجد ختم باسم الصائغ أستطار فرحاً ومخبراً والدته بما قرأ..

- أشرق وجهها، مخبرة إياه بأنها تعرف هذا المحل وصاحبه ومكانه، وهو من أمهر الصاغة وصاحب شهرة كبيرة ...

- جيد جداً يا أمي اذنْ سنبكر غداً بالذهاب الى هذا الصائغ عسى أنْ يدلنا على مكان صاحبة الرسالة

- وبالفعل أصطحب مهدي والدته وذهبا الى محل الصائغ وسط بيروت، فوجدا شخصاً تكلل رأسه بالبياض، وبانت عليه علامات الوقار والوسامة الظاهرة، رحب بهما مستفسرا عما يريدون معرفته، فعرض عليه مهدي الحلقة، أنتابه الأستغراب والدهشة لرؤيته الحلقة، وما الذي أوصلها الى يد هذا الشاب الصياد الفقير؟؟

- ياعم هذه قصة يحكيها لك البحر وليس أنا ...

- كل ما أطلبه من حضرتكم أنْ تدلني على مكان سكن صاحبتها ...

- نعم ياولدي إنَّ صاحبة هذه الحلقة زارتني قبل سنوات وزودتني بمادة خام غريبة لم أر مثلها في حياتي وغير متداولة في سوق الصاغة، لاهي من الذهب ولاهي من الألماس ولا الفضة والبلاتين ولكنها أجمل وأكثر بريقا من كل هذه المعادن مادة لم أر ولم أسمع بمثلها من قبل طيلة عملي بالصياغة، طلبت مني أنْ أصوغ لها حلقة، وقرط وأساور من هذه المادة التي لم تعلمني مصدرها ومن أين جلبتها، ورفضت رفضا قاطعا ْان تبيعني ولوبضع غرامات منها، وعندما أتت لأستلام المصوغات أعلمتني أنْ سيأتي يوماً من يسأل عنها وعن محل سكنها، فإنّ كان يمتلك هذه الحلقة أخبره إنَّ الحلقة ستكون دليله، فأنها سترشده الى سكني، فإن حضر اليك أخبره رجاء بذلك وسألتقيه حتما ...

- كانت ياولدي فتاة باذخة الجمال لم أر مثيلا لها في لبنان تبدو وكأنها ليست من كوكب الأرض هنيئا لك بلقائها يا ولدي وفقك الله ...

- ودع مهدي ووالدته الصائغ شاكرين له حسن الأستقبال وبما فاض عليهم به من معلومات حول صاحبة الحلقة وسبيل الوصول اليها

- خرجا من المحل وقد أمسك الحلقة بيده فأرسلت سهما مشعا باتجاه البحر، تبعا إتجاه السهم تهمين عليهما الدهشة لما يحصل، ساراكما مؤشر حتى بلغا ساحل البحر، فأشر السهم نحو اليسار، فأتجها يسيران بهذا الأتجاه حتى تركز الضوء عند باب قصر منيف على الساحل، ما إنْ توجها نحو الباب حتى فتح على مصراعيه على ممر مرمري بألوان زاهية يتوسط حديقة غناء تضم أنواع الزهور والطيور الملونة المغردة الراقصة وكأنها في عرس جميل ...

- تقدما نحو الداخل بعد أن أخرج مهدي قنينة العطر التي فاحت بعطرها على المحيط المزهر، ففتح الباب الداخلي تلقائيا لتطل منه فتاة شابة ساحرة الجمال ولا في الخيال، مشوقة القوام، لها ضفائر ذهبية تكاد أن تلامس الارض، وعيون واسعة زرقاء كزرقة مياه البحر، وصوت عذب يسلب الألباب، مرحبة بهما بوجه بشوش ومودة ظاهرة وكأنهم معرفة قديمة، وأنها موعودة بقدومهم، أفسحت لهم الطريق للتوجه الى صالة واسعة مهيبة تزينها ثريات ضخمة غاية في السحر والجمال وقدمتهم الى جدتها أم أبيها كهلة غاية في الوسامة والوقار، تلتف بقماش حرير أبيض يشع عطرا أخاذ، فعرف مهدي بأسمه ومهنته ومقدما والدته لها ولجدتها التي اسنقبلتهم بترحاب كبير ...

- أجزلت لهم الضيافة والترحيب بحلو الكلام وعطر المقام المختلطة بعطر قنينة العطر دليلها بيد مهدي ...

- نعم يامهدي انا شيرين كما كتبت في رسالتي، كان القدر أنْ تكون بين يديك، فهل أعلمتنا عن دافع زبارتكم لنا؟؟

- عندما عثرت على القنينة وأطلعت على مضمون الرسالة، شعرت كأني قد عثرت على ضالتي التي أبحث عنها خلال سنواتي السابقة، فأنت منيتي وغاية مرامي، وتحقيق أحلامي...

- وهل أطلعت على شروطي في الرسالة؟؟

- نعم ...نعم وكأني أنا من وضعها وليس أنت فما أعجب انسجام روحيّنا قبل أنْ يتعرف بعضنا على بعض!!؟؟

- على حين غرة أطل رجل بالغ الهيبة، مسترسل شعر رأسه ناصع البياض كشلال من ثلج ونور، ولحية بيضاء تغطي صدره، يتوكأ على عكاز من خشب الأرزمرحباً بمهدي ووالدته مقدما نفسه بأنَّه جد شيرين لوالدها رحمه الله ...

- ثم دخلت أمرأة متوسطة العمر تفوح من ملابسها رائحة تماثل رائحة قنينة العطر العجيب الذي في يد مهدي، تشع بالهيبة والوقار والجمال الأخاذ، مقدمة نفسها والدة شيرين، قام مرحبا بها الجميع، أتت خصيصا لحضور هذا اليوم يوم خطبة ابنتها الوحيدة، عانقت والدة مهدي ومهدي ومصافحة الشيخ المهيب، وجدتها أحتضنت شيرين وعاجلتها بقبل حرى ودموع فرح بيوم كانت تنتظره مذ ولدت أبنتها الوحيدة، ألبستها قلادة تشع نوراً وجمالاً من نفس معدن الحلقة، وألبست مثيلتها مهدي تتوسط القلادتين جوهرة حمراء تخطف الأبصار، وأهدت والدته خاتماً أذهلها جماله ودقة صنعه قائلة:-

- شرفني حضوركم نورتموني بنوركم، وأعتذر كثيرا لأني لا أستطيع أستضافتكم في بيتي، فأنا من سكنة البحر وأنتم من أهل البر، شاءت الأقدار وملكة النقاء والجمال أنْ تجمع بيننا، سرني كثيرا إسم وخلق ونسب وسلوك مهدي أنا الذي كنت أتابعه من خلف ستر، أشارك الأب الكريم جد شيرين مباركتكما راجية لكما السعادة الدائمة حيث البساطة والسلام وأتحاد قلبيكما، حتما سأحضر يوم زفافكما بعد أن سمعت موافقة عمي وعمتي جد وجدة شيرين لأبيها، أنقل لكم تهاني وأمنيات ومباركة عالم البحر هذا الأتحاد المقدس لمثل البحر السامية ومثل الأرض النبيلة

- علت زغرودة جنوبية من حنجرة أم مهدي في حين أنشد سرب من طيور الحب التي زينت قاعة الجلوس، متناغمة مع موسيقى تسمع ولاترى، فاح عطر الحب والمودة وتعانق الحبيبان حيث نجح مهدي بإلباس شيرين الحلقة العجيبة، وألبسته هي حلقة الرباط المقدس حلقة لم تر مثيلا لها عين بشر، ودارت على الجميع فناجين الزعفران قدمتها فتيات مزهرات كأغصان البان تتلوى كأعواد الخيزران ...

عصر اليوم المتفق عليه للزفاف، قدمت أم شيرين تتقدم موكبا مهيبا من عشرات عرائس البحر باهرات الجمال والحسن يرتدين ملابس من حرير زاهي الالوان، مطرز بخيوط الذهب، يلبسن اقراط وقلائد وأسوار مضيئة لم يشهد شبيها لها أهل الأرض، تغطي المسيرة خيمة من أسراب نوارس البحر، تهفهف اجنحتها بانتظام كرقصة تبهر الأبصار، تحمل بعض العرائس باقات مدهشة من زنابق البحر، باقات من نباتات تشع أمواجاً من أنوار ملونة تضفي البهجة والسرور على الموكب، موسيقى راقصة تأسر الألباب ترسلها أمواج البحر قاذفة حبيبات من اللؤلؤ بألوان زاهية، ونماذج من الجواهر والمرجان، يتقدم موكب العروسان مصحوبا بدبكات شباب وشابات فرحا بهذا اليوم السعيد بزواج ابن قريتهم العزيز مهدي، حيث يحمله الشباب على الاكتاف، مغمورا بأنواع حلوى (الجكليت والملبس) الملونة، ونسق من الأطفال يحملون باقات ورد الجوري والقرنفل، والياسمين، أوصلوهم لباب الدار، مع صخب زغاريد الفرح، ناثرة عليهم مناقير النوارس حبات اللؤلؤ الملونة فترتفع الزغاريد، وتفتح الاكف لأستقبال هدايا البحر التي تفوق الخيال ولم تخطر على بال ...

أحاط الجمع بموائد اكتظت بما لذ وطاب من طيبات البر والبحر، فرح وبهجة وتبادل قبل الحبيبين تزيد الجمع سعادة وترتفع أصوات الزغاريد وأنغام الموسيقى وتفتح أسارير الشباب والعذروات ..

- بعد الزفاف وانتظام حياة العائلة في بيت مهدي، أول ما قام به مهدي تفقد الطفل (سعيد) الذي عثر عليه في المكان نفسه حيث التقاه أول مرة، فعاش في كنفهم، مشاركا مهدي الصيد ومتابعة الدراسة بتفوق . وسط فرح ورعاية شيرين، فعاشت العائلتان بفرح ومرح وسعادة وسلام ورخاء...وأصبحت الدار مأوى كل مشرد ومشردة، وسد حاجة كل من يطلب مساعدة، فسميت ب(دار المحبة والحنان) .

- آملا أن تجد البشرية طريقها نحو العدل والمساواة والحرية ليكون العالم كله دارا للمحبة والحنان والسلام

***

حميد الحريزي

 

في نصوص اليوم