عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

الزجاجةُ التي أرسلها ذاك الهائمُ في البحر

لم تصلني.

*

ظلّت هناك،

بين موجةٍ تفتح ذراعيها للغرق،

وموجةٍ أخرى

تخفي في جوفها

قلبًا لا يعرف إلى أيّ شاطئٍ ينتمي.

*

كان قد كتب اسمي

بيدٍ أكل الملحُ أطرافها،

وطوى الرسالة

كما تُطوى آخرُ رحلة شوق...

*

و أنا،

منذ أن ابتلع البحرُ خطاه،

أفتّش في زرقة الماء

عن شيءٍ صغير

يشبه عودته.

*

أقول ، لعلّ الزجاجةَ تعثّرت

بجسد سمكة،

لعلّها نامت في قاعٍ بعيد،

لعلّ الموجةَ حملتها

لأمّ أخرى...

*

أيها البحر،

أنا أمّ.

*

ولا شيء في العالم

أقسى من أمّ

تصلها الأخبار متأخرة،

إلا أمّ

لا تصلها الأخبار أبدًا.

**

هاتِ رسائلي.

لا أريد البحرَ كلّه،

ولا أريد أن أعرف

إلى أيّ الجهات مضى.

*

يكفيني

أن تعيد إليّ

صوته في ورقة،

رائحة يديه في سطر،

ذلك الخطّ المرتجف

الذي كان يكتب به اسمي

كلما همّ بالعودة ....

*

هاتِ الزجاجة،

ولو فارغة.

*

هاتِ الورقة،

ولو مبتلّة.

*

هاتِ حتى الصمت

الذي تركه وراءه.

*

فالأمّ

لا تطلب من البحر

معجزةً كاملة ،

يكفيها أن يترك على الرمل

أثرَ قدمٍ واحدة

لتبني منها

وطنًا كاملًا للانتظار.

**

هاتِ رسائلي...

فقد طال الغياب،

وصار قلبي

شاطئًا لا ينام،

كلما جاءت موجة

نهض إليها،

ثم عاد خائبًا

إلى مقعده الأول.

والزجاجةُ...

*

ما زالت في مكانٍ ما،

تشقّ عتمة الماء

نحو يدي.

أو لعلّها

تشقّ الماء

نحوى غيري ...

***

مجيدة محمدي

حالما يجهز جواز سفري - قال- سأسافر بحرا إلى جزيرة الطّيور لإتمام الْمهمّة.

ارتعش صوتها وهي تسأله بعدما رفعت إضاءة الْمصباح الْمثبّت بجوارها:

- لامتك حبيبي، هل تكلّمني؟

- كلّم جدّي يا أمّي.

- ألم تقتنع بأنّ جدّك غائب عنّا منذ زمن؟

- لماذا تصرّون على إقناعي بغياب جدّي؟

هو ذا جالس على الْكرسيّ الْهزّاز وفي يده الْخريطة…

قاطعته:

- ترى جدّك في الْغرفة وترى الْخريطة

في الْعتمة ؟

- عتمة؟ أيّ عتمة يا أمّي؟ الْإنارة جيّدة

ولا غبش في رؤيتي.

زاغت عيناها. تحجّرت في القلب دموعها…

ألم يطمئنها طبيب الْعيون بأنّ منيرا سيكون بخير بعد التعديلات الّتي أجراها على عينيه؟

كثيرا ما حدّثها منير عن خرائط ورسومات مرصّفة على مكتبه وألحّ عليها بألاّ تسمح لأحد بالْاقتراب منها…

لطالما تألّمت وهي تقف أمام مكتبه ولا ترى عليه غير الْمزهريّة الّتي أهداه إيّاها أبوه قبل أن يختفي فجأة.

قبل أيام أسرّت إليها إبنتها غنوة أنّ منيرا حذّرها من رجل غريب رآه غير مرّة يسترق النّظر إلى غرفتها في ذات الْموعد الْيوميّ وهو يمرّ بجانب نافذتها، بينما هي لم تلحظ شيئا ممّا قاله.

هي أيضا سمعته مرّة، لمّا كانوا يحتسون قهوة الْمساء في الْحديقة، سمعته يطلب

من أخيه الْأصغر أن ينثر شيئا من الْحَبّ تلتقطه تلك الْعصافير الْمتحلّقة حول جذع الْبرتقالة.

هي لم تنس دهشة إبنها الصّغير وهو ينقل بصره بين جذع الْبرتقالة ووجه منير ووجهها، ولم تنس أنّها أومأت إليه بأن يفعل ما طُلب منه كي تقَرَّعين منير ولا تحزن.

حملقت في السّتار الرّماديّ الْمنسدل

على نافذة الْغرفة، وفي الْباب الْأزرق الّذي أَوْصَدَتْهُ بيديها قبل أن تمدّد جسدها

على الْأريكة الْمجاورة لفراش منير.

أرادت أن تنهض. لم تقو على الْوقوف.

رمت بجسدها على الْكرسيّ الْهزّاز الّذي كان يلوذ به زوجها كلّما حدّثه منير عمّا يرى.

كما الصّدى، تردّد في صدرها صوت جارها الشّابّ رائد الْعائد إلى الْقرية بعد رحلة بحث ودراسة في أكبر الْأكاديميّات وأعرقها.

- يجب عرضه على طبيب عيون قبل استفحال الدّاء.

قال رائد قولته هذه لمّا جلس إلى منير يناقشه

في لوحة "الْموناليزا" الّتي يرى في تفاصيلها

ما لا يراه أحد ممّن يتباحث معهم في شأنها.

كان يوما ثقيلا. يوم رافقهما رائد إلى مصحّة الْعيون الْأكثر تطوّرا لمقابلة طبيب الْعيون الْأكثر كفاءة في التّعامل مع الْمعضلات الْبصريّة.

أحسّت يومها بحاجة ملحّة لمن يشاركها عبء التّفكير في الْمغامرة الّتي قرّر الطّبيب اعتمادها مخرجا وعلاجا لحالة منير.

- عدستان مقعّرتان، قال الطّبيب، تمنحانه الْأمان.

قالها ويداه تعبثان بربطة عنقه الْحمراء.

كان الطّبيب واثقا من أنّ زراعة عدستين مقعّرتين في عينيْ منير أمرٌ حتميّ لإنقاذه

من متاهات تترصّده وهو أمر كفيل بتخليص الْعائلة من الْحيرة والْخوف.

أمّا هي فقد عبث الْارتباك بضلوعها، غير أنّها

تأمّلت خيرا في ما رآه الطّبيب…

جثا على ركبتيه أمامها، أمسك بيديها يخفّف

ارتعاشهما. أربكته حرارة دمعها على كتفيه.

سألته قبل أن يرفع رأسه إليها:

- هل أنت بخير؟

- اهدئي يا أمّي، أنا بخير.

- فكيف ترى جدّك على الْكرسيّ الّذي أجلس عليه؟

- يقينا يا أمّي، هنا كان جدّي بهيئته

الْمعهودة: عبايته الْحريريّة والْكوفيّة، ببسمته

الْحالمة وصوته الدّافئ.

هو غادر الْغرفة بعدما اتّفقنا.

- اتّفقتما؟

- سنبني مدينة في جزيرة الطّيور، وسأكون الْمهندس الْمشرف على الْمشروع.

إنّها الْمدينة الّتي لا تصدأ أعمدتها ولا تنزل

أرضَها الْأعاصير.

خانها ذراعاها حين همّت باحتضانه.

***

(قصّة قصيرة)

بقلمي: هادية السّالمي دجبي - تونس

فجأة، بعد منتصف الليل، أمسى وجهه ملتصقًا بصدرها في ركنٍ من حديقة دار أهله، التي لا يفصلها عن حديقة الجيران سوى بقايا سياج، تداعى إثر سقوط صاروخٍ على أحد البيوت القريبة. راحت تمسد شعره، فازداد تشبثًا بها. كانت أضلعها ترتجف بين ذراعيه المتشنجتين، وتأوهاتها تختلط بحشرجته المتعالية وسط صمت تشوبه أصوات متقطعة تنبعث من هنا وهناك.

 نأت عنه كل رغباته المجنونة التي غيّبته لياليَ طويلة في عوالم سحرها؛ فلم تعد شفتاه تحملان سوى مذاق الموت، بينما راحت دموعه المتواصلة تتسلل عبر ثوبها إلى صدرها المنتشيت برحابة الحياة.

 كان يبكي بين أحضانها الحانية صديقه وزميله في المدرسة، الذي تناثر أمام عينيه أشلاءً إثر انفجار عبوة ناسفة زُرعت إلى جانب الطريق، على مقربة من الكرة التي رماها بعيدًا. فيما كانت دموعها الحارقة تنساب بين خصل شعره الثائرة، وهي تندب بمرارة حبيبها الذي شقيت طويلًا بمداراة حقيقة علاقتها به عن أهلها، قبل أن يصرعه انفجار آخر بعد افتراقهما أمام باب الكلية بدقائق معدودات.

***

احمد غانم عبد الجليل

منذُ كنتُ صغيرًا

أخافُ الحبَّ،

وأتجنّبُه،

وأردّدُ ما قالته جدّتي

يومًا لعمّي الصغير:

"امشي شهر

ولا تطفر نهر".

وها أنا، يا جدّتي،

أقعُ في النهر،

بعدما حملتُ نصيحتكِ

سنينًا طوالًا،

وأسديتُها

لكثيرين مثلي،

وكنتُ أظنُّ

أنّ مَن يحفظُ الوصيّة

لا يضلُّ الطريق.

مددتُ يدي

لعلّ أحدًا ينتشلني،

فإذا بي أبحثُ عن يدٍ

تغرقُ معي،

وتقولُ لي:

لا تخف،

فما زال في النهر

متّسعٌ للحياة.

سامحيني يا جدّتي،

لقد حفظتُ نصيحتكِ طويلًا،

وعلّمتُها للآخرين،

لكنّني لم أتعلّم

كيف ينجو القلبُ

حين يحبّ.

وها أنا ذا،

بين ضفّتَين،

لا أنا الذي عبرتُ النهر،

ولا أنا الذي بقيتُ بعيدًا،

وكلُّ ما أعرفه الآن

أنّ بعضَ الأنهار

لا نعبرها بأقدامنا،

بل نعبرها بقلوبنا،

وحين نصلُ إلى الضفّة الأخرى

نكتشفُ أنّنا

لم نعد نحن.

***

جاسم الخالدي - بغداد

٩/ ١٠/ ٢٠٢٦م.

الفصل الثاني

 1ـ الزنزانة الانفرادية وهندسةُ السحق

تُشرع مديريات الأمن أبوابها على مداد الفجائع، فلا ليل يطوي قهرها، ولا نهار يحد طغيانها. هناك، خارج حسابات الزمن وبعيداً عن أطر الوجود البشري، تتلاشى الحدود وتتساقط سقوف الأمد، لتبدأ "استضافة" ملعونة تنأى عن كل قياس.

كان الاستجواب يتلوى كأفعى لا تنام، وجباتٌ متتابعة من العذاب المركز تنصبّ فوق الأجساد الواهنة.

يتناوب عناصر الأمن على المعتقلين ممارسين طقساً شيطانياً، يبتكرون فيه الأدوات ويختارون الفرص.

يشتد ضراوته حين يسدل الليل أستاره الثقيلة، فتخف أرواحهم بسكرة الطغيان ونشوة الخمرة، تحيل أيديهم أوجاع المعتقلين إلى مأدبةٍ حافلة بالتشفي والافتراس.

وحين ينبلج الفجر، تنفتح أمام الموقوفين بؤرةُ جحيمٍ أعتى وأمرّ خاصة حين يتسلم المهمة محققون وضباطٌ أُرضِعوا الحقد القمعي شريعةً وشرط لبقائهم.

رجالٌ تمرسوا في فنون التفتيت الجسدي والنفسي، واحترفوا الهدم الخفي لآخر معاقل الإرادة في النفس، مسترخصين أرواح السجناء في سبيل غايتهم.

انتهت الجولة الأولى من الاستنطاق، وانتهى معها نوري...

استحال هيكلاً أنهكه الإعياء، عقب حفلة ضربٍ متواصل ووابل من الإهانات والشتائم السوقية التي التهمت كرامته ونهشت جسده.

سحبه الحراس من معصميه كشاةٍ ذبيحة عجزت عن الحركة لشدة الأوجاع. استحالت بنية جسده خارطةً للفجائع:

جراحٌ تنزّ، أورامٌ تتشكل، وكدماتٌ زرقاء تشهد على قسوة الجلادين، حتى غدت كل خليةٍ في كيانه تصرخ بصوتٍ مكتوم لا يستجيب له سوى الموت.

بينما التصقت سمالُ ثيابه بجلده تحت وطأة الدم والعرق المتخثر.

ارتطم ظهره بالجدار الصلد حين دُفع بعنفٍ أعمى نحو قعر زنزانةٍ انفرادية. انفرط توازنه فوق برودة الاسمنت القاسية. ليُغلق الباب ويُفتح فصلٌ جديد من العزل المطبق والإنهاك التام.

استقبلته عتمةٌ ثقيلة ممزوجة برائحةُ خرابٍ عتيق، مزيجٌ يثير الغثيان من بقايا الدماء النازفة، ورائحة البول ورطوبة الجدران العفنة.

انكمش نوري على نفسه مستشعراً عجزه الكامل عن توقع ما هو قادم.

ما هي إلا لحظات حتى استيقظت الكائنات المتربصة في جحور ذلك المخبأ. اندفعت أسراب البراغيث الجائعة تحط على جراحه الطرية، توثق سيادتها على هذا الوافد الجديد.

كان أزيز البق يكسر الصمت المريب وهو يحوم فوق رأسه كأرواحٍ جائعة، فيما كانت زواحف القمل تسعى للتسلل بين ثنايا شعره وقميصه الممزق.

في ذلك التابوت الصامت إلا من أنينه وخفقات قلبه المتسارعة، شعر نوري بتوقف الزمن، وبرغبة الجدران الضيقة في الانطباق لعصر أضلعه واجتثاث ما تبقى فيه من رمق.

انطوت تلك القذارة على سياسةٍ محسوبة الأبعاد، هندسةٌ متقنة لإدارات السجون تبتغي إذلال الروح وقهر كبرياء المعتقل عبر إغراقه في القذارة، لإكراهه على تنفس المهانة ليلاً ونهاراً، بهدف تطويعه للشعور العميق بالدونية والخزي مما يمهد لاقتطاف خنوعه واستسلامه على مهل.

جالت عيناه المجهدتان في عتمة المكان، فاكتشف انعدام أسباب الحياة في هذا الحيز الذي يُدعى زنزانة، لقد أُقبر في تابوتٍ حجري ضيق يقل ارتفاعه عن المتر ولا يتجاوز الستين سنتيمتراً طولا وعرضا.

هندسةٌ شيطانية يُحرم فيها الجسد على مجرد التمدد. اُكره على الجلوس القسري، فضم ركبتيه إلى صدره حتى التقى رأسه بهما، وانحنى عموده الفقري في قوسٍ، أحال الجلسة ذاتها شكلاً إضافياً من أشكال الألم والتعذيب.

وفي انحناءة جسده تلك، تداخلت الأبعاد في وعيه، فاستحال وضعه القرفصائي محاكاةً لهيئة الجنين في الرحم، غير أنه رحِمٌ من إسمنتٍ وعفنٍ يُقبر الكائن بدلاً من أن ينسجه للحياة.

سرت في وجدانه تداعياتٌ مريرة حول ماهية الزمن حين يُنتزع من حركته. أضحت الدقائقُ والأنفاس أثقالاً جاثمة على صدره، واستحالت العتمةُ المطبقة مرآةً صقيلة تُعري كينونته أمام ذاته بلا مواربة.

تساءل مع نفسه وهو يستشعر تلاحق أنفاسه المجهدة:

"هل يُقاس وجود الإنسان بسلامة بدنه، أم بقدرة روحه على الطيران خارج هذا التابوت الإسمنتي؟"

الجلادون لم يستهدفوا إيلام اللحم وضيق المكان مجاناً، بل ابتغوا هندسة فراغٍ نفسي يستبد بالمعتقل حتى يغدو جسده هو سجنُه الأكبر..

فتستحيل جراحه صرخاتٍ تطالبه بالرضوخ مقابل الخلاص.

كانت الجدران السميكة تتنفس عذاباً. تخترقها أصوات المعتقلين الباكية، ونحيبهم المكتوم، وزفراتهم التي تتقطع ثم تعود لتلتئم مع أنين رفاقهم وهم يُسحقون في غرف التحقيق المجاورة تحت أسواط الضرب والإهانة.

توارت الوجوه خلف الجدران، غير أن الانتماءات العقائدية كانت تطفو هائمة عبر كلمات الحراس المتقطعة: شيوعيون، دعاةٌ إسلاميون، بعثيون مغضوبٌ عليهم وأحرارٌ سُجنوا لأجل كلمة...

رأى نوري أن السوط يتجاهل الفوارق بين العقائد. فالفلقة واحدة، والسياط عينها، والوحشية ذاتها تنصب على الجميع بلا تمييز.

توالت الأيام لتكشف له عن حقيقةٍ مرّة، بان التنكيل يتجاوز عتمة ردهات التحقيق ليتخلل أدق تفاصيل العيش اليومي.

كانت وجبات الطعام تتسرّب إليهم شحيحةً، تالفة وتسبقها رائحة العفن قبل أن تطأ الصحون عتبات الأبواب. فتاتٌ كالحٌ تقرف منه النفوس، مُكرهون على ابتلاعه بحسرةٍ لإبقاء الرمق في الأجساد المجهدة، فيما يتعمد سادة المعتقل دفعه لهم كأنه جودٌ وتفضلٌ منهم!

اعتمد هذا الهوان على شبكةِ نهبٍ منظم تحميها ظلال الصمت وتواطأ الإدارة، إذ استحال متعهد توفير الطعام شريكاً أصيلاً مع الادارة في اختلاس مخصصات العيش، يتقاسمون قوت السجناء فيما بينهم، تاركين أصحاب الحق لمكابدة الجوع واستشراء الأسقام.

وعلى مسافة خطوتين من هذا العدم، كانت موائد إدارة السجن والحراس والجلادين تتألق بألوان الشواء والمأكولات، في تباينٍ صارخ يضع المعتقلين في مهب الحرمان من أدنى مقومات الآدمية:

لقمةٍ نظيفة تخلو من العفن.

وحين تسلح بعض المعتقلين بالجرأة للاحتجاج، تحت وطأة المغص المعوي ونوبات الإسهال الحاد، تغاضت الإدارة عن أسباب الفجيعة، وجعلت من الشكوى ذريعةً لجولات جديدة من البطش.

عاقبت المحتجين بحرمانهم من النزر الشحيح من القوت، وجرهم كرّةً أخرى نحو أقبية التعذيب، إحكاماً للسيطرة على حركة الجوع، وإخماداً لآخر نبرةٍ تتجاسر على الاحتجاج.

انطبعت في وعي الجميع دلالةٌ عميقةٌ عن هذه المحنة، أن تجويع الجسد في أعراف الطغيان ليس سوى وسيلة مدروسة لإشغال الأسير بغريزة البقاء، وجعل الفتات أقصى أمانيه، حتى تتضاءل في ذهنه مطالب الكرامة.

غير أن هذا الصبر المغموس بالوجع تحول في أروقة الزنازين إلى ضربٍ من المقاومة الصامتة، حيث استحال امتناع الروح عن الانكسار أمام مائدة الجلاد انتصاراً خفياً يُبقي جذوة الآدمية متقدةً وسط الركام.

كان مُتنفس يومهم ينحصر في ثلاث فتراتٍ خاطفة، يُفتح فيها الباب للتوجه نحو المغاسل. دقائق معدودة كانت بمثابة نافذةٍ ضيقة يتسلل عبرها طيف الحياة.

هناك في الممرات الضيقة تتقابل، بلمحاتٍ سريعة، وجوه المعتقلين مع بعضها، معتمدين لغة الهمس.

حملت تلك الشفاه المرتعشة إلى مسامع نوري أنباء المعتقل، وأسماء من قضوا تحت وطأة التعذيب، ومن أظهروا صموداً خرافياً، ومن خارت قواهم واستسلموا للسياط.

أضحت الحمامات البقعة الوحيدة التي تعجز عيون الرقابة عن إحصاء كل زواياها، فكانوا يستغلون صوت تدفق المياه ليداروا به همساتهم الثائرة ويصلوا ما انقطع بينهم.

في احدى صباحات ذلك الجحيم، لاحت لنوري بين جموع السجناء ملامحُ يعرفها جيداً.

كان "شغب" واقفاً، يرمقه بنظراتٍ حادة كالشفرات، امتزج فيها الغضبُ بارتباكٍ يشي بريبة، بينما بدا عليه التوجس كمن يجثم على صدره سرٌّ ملغوم.

وما هي إلا لحظات حتى دنا أحد السجناء من نوري، والقى على سمعه همسةً خاطفة كمرور الطيف قبل أن يتوارى سريعاً:

ـ"توخَّ الحذر... يحمل شغب في طيات جيبه جهاز تسجيلٍ مخفياً. إنه يسعى لاستدراجك نحو اعترافٍ يوردك المهالك."

حافظ نوري على استقرار ملامحه، وسرى الموقف في ذهنه كبرقٍ خاطف، فاستبان له على الفور أن غريمه لم يأتِ محفوفاً برغبة الانتقام الصرف، بل جاء مبعوثاً لإنفاذ شَرِكٍ أعمق أُعدّ بليل.

وبمجرد أن التقت وجوههما في حيز المغاسل، اندفع شغب بصوتٍ صاخب وتهمةٍ مدوية تعلوها المبالغة:

ـ "ألا تخجل؟ يا للردة والخيانة! أنت من دلّيتَهم عليّ، وأنت من زججت بي في هذا المأزق... وبسبب غدرك اعتقلتني المخابرات، وتلقيتُ على أيديهم ألوان التعذيب والضرب والاهانة!"

تركه نوري يفرغ حشرجة شحنته دون أن يعترضه بكلمة.

أطال النظر في حدقتيه بثباتٍ حاد، ثم افترت شفتاه عن ابتسامةٍ متهكمة أورثت غريمه اضطراباً مضاعفاً، وقال بهدوءٍ يقطر ثقة:

ـ "حقاً؟ ... ألهذا السبب تبدو ثيابك مكويةً بعنايةٍ فاخرة؟ ولهذا يبرق حذاؤك كأنه فارق المصنع للتو؟

ألهذا هُذب ذقنك وسُرح شعرك وتفوح منك عطور الكولونيا؟

يبدو أن التنكيل في مقراتهم أضحى يُقدَّم مصحوباً برفقة خدمات العناية والرفاهية!"

اهتز جدار الثبات الواهي لدى شغب، ولمحت عينا نوري النبض الخفي لجهاز التسجيل المتربص داخل السترة.

قرر نوري في توّه ألا يدع الفرصة تفلت، فما دامت الأكذوبة قد صيغت لتلتف حول عنقه وتُجهز عليه، فلماذا لا يمسك بزمامها ليقلب دفة السحر على الساحر؟

رفع نوري صوته ناهراً، وقرع المكان بنبرةٍ جهورية تعمد أن تصل إلى مسامع الجميع:

ـ "أنت تعلم يقيناً بطلان ما تدعيه!

كنتَ أنت مسؤولي المباشر في التنظيم، وأنت من سلمني ذلك المسدس وأصرّ على أن أحتفظ به، وأنت من كان يجلب تلك المنشورات ويأمرني بنقلها إلى الاماكن الآمنة مقابل المبالغ التي كنت تدفعها لي ثمناً لتلك المهام...

واليوم، اليوم تجعل من صمتي ذريعةً لادعاء اعتقالك؟"

استحال وجه شغب كالحاً كرماد حريق، وانخرط في نوبة غضبٍ هستيرية، يصرخُ نافياً ومكرراً ذات التهم، بيد أن صوته فقد ظلال الثقة، وارتبكت خطواته بعد أن استوعب أن الفخ الذي نصبه بدقةٍ خبيثة قد انطبق على عنقه هو...

لم تنقضِ سوى لحظاتٍ خاطفة حتى اقتحم الممر حارسٌ يتبعه ضابطُ أمن.

رمق الضابطُ شغب بنظرة خيبة وازدراء، قبل أن يصفعه على وجنتيه صفعتين مدويتين جعلته يترنح في مكانه. لقد كانت الصفعتان عقاباً صريحاً على فشله الذريع في استدراج نوري وانتزاع الاعتراف المطلوب.

تراجع شغب وهو يتحسس وجهه الملطوم، وانسحب مطأطئ الرأس بخزيٍ فاضح، بينما ظل نوري واقفاً في مكانه يرنو إلى الأثر بصمت.

لم تتسلل إلى نفسه مشاعرُ الزهو أو نشوة الانتصار، فالموقف كله لم يغير من واقع احتجازه شيئاً، ولا حاد به عن موجات التعذيب القادمة.

ومع ذلك، خالجته نفحةٌ من الارتياح البارد، لأنه استطاع، بنباهةِ طريدٍ مجرّب، أن يحمي رقبته ويربك المخطط الأسود الذي حِيك لذبحه.

***

سعاد الراعي

...........................................

*  من رواية رأس لينين

أنا

مجردُ ظلٍّ

تأخّر عن موعده

فأغلقَ النهارُ البابَ في وجهي

ومُنذُها

والعالمُ يجهل أنني لم أمت بعد

بل عُلّقتُ

بين حافةِ كرسي مكسور

وصورةٍ

تنزفُ خبزًا

على الجدار.

* 

كل صباحٍ

أكشطُ الصمت عن وجه الساعة

علّها تعود لتدقَّ...

لكن عقاربها تلعق أحلامي

ككلبٍ شريدٍ

أضاع أسماء الأرصفة.

*

ليس لدي عمل.

لكنّ الجوعَ يوظفني كل يوم

في حفر الهواء

وزرعِ الخيبة

في تربةٍ بلا سماء.

*

الليل

عدوّي الذي لا يكبر

يدخل غرفتي

ويستلقي على ضلوعي

يبثُّ الكوابيس عبر ثقوب الوسادة

ويراقبني

وأنا أحسد النائمين

كما تحسد الذئابُ الغزلانَ المطمئنة.

*

زوجتي...

تمشي في البيت مثل ورقة خريف

تحاول أن لا تُسمِعَ وجعَها للحيطان

لكن الجدران تصرخ بصوت صدرها

تسعلُ الحياةَ...

قطرةً قطرة.

*

ابني

عاطل عن العمل أيضًا

لكنه ما زال يرتدي ابتسامةً

كي لا تذبل أمّه

يقف كل صباحٍ أمام المرآة يصلّي

لصورة

لم يولد فيها فقيرًا.

*

نحن ثلاثة

نعيش غرباء في مدينةٍ بلا ذاكرة

كل شارع فيها يمشي عاريًا

ولا يسأل عنّا أحد.

*

وكل ما أملك

هو أن لا أملك.

كل ما أحلم به

أن أنسى ما أحلم به

كي لا يخذلني الحلمُ حين يُفيق.

2

هذا البيت...

كان صغيرًا كفاية

ليحمل أحلامنا على كتفيه

والآن

صار يتنفّس بثقل عجوز

ينسى الأسماء

ويكحُّ كلما مرّ الشتاء من تحته.

*

المطبخ

صحنٌ وحيد على الطاولة

يعرفني بالاسم

يسألني كل مساء

لماذا لا أضع فيه شيئًا يؤكل؟

أجيبه: لأن الرغيف صار غريبًا

يأتي بلهجةٍ لا أفهمها

ويرحل قبل أن أمدّ إليه جوعي.

*

الجدار الذي بجوار النافذة

يرتجف

حين يسمع صوت زوجتي تبتهلُ

بصوتٍ منخفض

كأنها لا تريد أن توقظ الله.

*

الغبار على رفوف الكتب

أخذَ هيئة معلّقٍ منسي

كان يكتب قصائد عن المطر

ثم نسي كيف يُمسك القلم.

*

أنا

أحادث الضوء حين يتسلّل

وأقول له:

خذني معك

خذني إلى الخارج

إلى هناك

حيث يمشي الناسُ على أرصفة

لا تنهار تحت أقدامهم.

*

لكن الضوء جبان

يهرب حين يرى في عينيّ

انعكاس الهاوية.

*

الكرسي يتنهّد كلّما جلستُ عليه

ليكتبني الفراغ على شكلِ رجل

يبحث عن عمل في جيبِ قميصٍ قديم.

*

والمرايا

لا تعكسني كما أنا

بل كما كنت:

شابًا يصدّق أن القصيدة

أقوى من الجوع

وأطول عمرًا من القلق.

3

الوقت...

ليس ساعة

بل سكين باردة تحزّ يومي على مهل

تقطّعه إلى أجزاء أقل من أن تُطبخ

وأكثر من أن تُنسى.

*

عندما أخرج من البيت

أشمّ طعم الانتظار في الهواء

له رائحة الرطوبة في ملابس خزانة منسيّة

وله ملمس يدٍ لا تصافح

بل تبحث عن شيءٍ لتسنده.

*

المدينة التي نسكنها

مدينة بلا أيدٍ

لا تلوّح

لا تستقبل

تضعف شمسها عند الفجر

وتدّعي الضياء كاذبة.

*

أقف في الطابور

كمن ينتظر اعتذارًا من القدر

لكن الموظف خلف الزجاج

ينظر إليّ

كما لو أنني خطأ مطبعي في طلب وظيفة.

*

الأمل

يأتي أحيانًا

يمشي حافيًا

ويطرق الباب كطفل خجول

فأفتحه له

لكنّه يدخل فقط ليتفقد الغرفة

ثم يعتذر...

ويخرج.

زوجتي نائمة

لكن النوم خائفٌ منها

يقف على حافة جفنها

يتفقد جروحها

كمن يقرأ تاريخًا مكتوبًا بقطراتٍ باردة.

*

ابني

يشرب القهوة مرّتين كل صباح

واحدة ليصحو

وأخرى ليحزن .

*

أما أنا

فأكتب على الحائط

أسماءَ الوظائف

كأنني أرسم تمائمَ ضدّ العدم

لكن الجدار لا يستجيب

والمحبرة في قلبي جفّت

من كثرةِ محاولاتي

لرسم شجرة على صحراء.

4

لم يعد هاتفي يرن.

كأنّ العالم

استعاد صوته من عندي

وسحب المدى من بين أصابعي.

*

كان بالأمس

ينبح كجروٍ جائع

يركض على الطاولة

يوقظني من نومٍ لم أكن أحصل عليه

يرتجف من زحمة الأسماء

والتهاني

والدعوات المعلّقة

كحلوى في عيد ميلاد غير مكتمل.

*

الآن... هو مجرد قطعة بلا لسان

ساكنٌ كقبرٍ بلا شاهد

أمسح شاشته

علّني أجد وجهًا

أو خيبة قديمة

تتوسل أن أصدّقها من جديد.

*

كل من كانوا معي

مرّوا كحروفٍ مؤقتة على شاشة صغيرة

سحبهم الضوء

وتركوني للظلّ.

*

لا أحد يسأل إن كنت ما زلت أتنفّس

أو إن كان الجوع قد تراجع عن عناده

أو إن كانت القصيدة قد وُلِدت في المساء

ثم ماتت فجراً دون عزاء.

*

أدركت متأخرًا

أن الذكريات لا تطبخ العشاء

ولا تغسل الصحن

ولا تواسي أبا

قلقًا من الغد.

*

الذكريات خدعة مهذّبة.

كأنْ تجلس مع ضيف لا يحمل شيئًا

لكنه يتكلم كثيرًا

دون أن يمدّ لك كسرة وعدٍ صالحة للهضم.

*

لا أريدها.

أريد شيئًا حاضرًا

يمشي على قدمين

ويضع في جيبي قطعة خبزٍ صغيرة

أو على الأقل

يناديني باسمي

كما كان يفعل الهاتفُ

قبل أن تُغلَق كل الأرقام بابها عليّ.

5

أحلُمُ

ولا أعرف إن كنتُ أرتكب خطيئة جديدة.

هل يجوز لي أن أحلُمَ

وأنا لا أملك ثمن غدٍ واحد؟

هل يجوز أن أكتب قصيدة

بينما الثلاجة تعوي مِثلَ كلبٍ جائع؟

بينما زوجتي

تنام تحت غطاء خفيف

يشبه صلاةً منسية؟

القصيدة

ليست كلمات.

إنها أنفاسي حين تضيق

ارتجافة يدي

حين أمدّها ولا أُمسك شيئًا

سوى الورق.

*

في داخلي رغبةٌ

أن أكتب قصيدة دون أن أوجِع أحدا

أن أكتب كما تُغنّي طيورالسنونو

على سلكِ كهرباء

لا تخشى أن تُصعق

ولا تفكر إن كان الغناء نافعًا.

*

أحلم

أن يعود ابني من العمل كل مساء

بصوتٍ مبحوحٍ من التعب

لكن بعينين تضحكان

فيقول:

"أبي،

اليوم كانت الحياة عادلةً قليلاً."

*

أحلم

أن ترى زوجتي حفيدًا

فتبتسم

كما تبتسم الحقول بعد المطر

تنسى مرض السرطان

تنسى أورامها للحظة

وتسقي الأرض بحكاية جديدة.

*

وأنا

لا أريد أكثر من أن أجلس

على المائدة معهم

ثلاثتنا فقط

نتقاسم طعامًا بسيطًا

ونضحك

ثم ننام

ونحلم دون أن نحسب

ثمن الحلم.

*

أحلم

أن من يقرأ قصيدتي

لا يبكي

بل يغنّي

أو يوقظ حلمًا قديمًا

نسيه في الدُّرج

أو يُمسك بيد من يحب

ويقول:

"ما زال هناك معنى."

*

وإن مُتّ

فقط دعوني أموت

وفي عينيّ تلك الابتسامة...

التي كنتُ أبحث عنها

كل هذه السنوات.

6

لم يعد هناك من يطرق الباب.

حتى الريح…

تمرُّ أمام النافذة

وتشيحُ بوجهها عني .

*

أنا وحدي.

لكنّ الوحدة صارت أكثرَ من شعور.

إنها الآن كرسيٌّ خامسٌ لا أحد يجلس عليه

ورابعُ طبقٍ على المائدة يبقى نظيفًا.

*

في البداية

كنت أكتب كي أبني جسرًا نحو المعنى.

الآن

أكتب لأدفن نفسي

بكلماتٍ ناعمة

كأكفانٍ مصنوعة من الحروف.

*

ما عدت أؤمن

أن الشعر يولد من الجوع

الجوع لا يكتب

بل يلتهم.

والقصيدة

حين تكتبها المعدة

تفوح برائحة الرماد.

*

أحتاج سلامًا ولو بحجم لحظةٍ

أضع فيها رأسي على الوسادة

دون أن أُفكّر

إن كنت سأستطيع شراء دواء زوجتي غدًا.

*

الأمنية

أمنيةٌ واحدة... لا أكثر

ضوءٌ صغيرٌ

لا يفضح فقري

ولا يكشف وجعي

بل فقط...

يمنحني القدرة على أن أبتسم

قبل أن أغفو.

*

في المدينة

كل شيء يمشي بسرعة

إلا قلبي

يمشي على عكاز

ويخشى أن يسقط.

*

القصيدة هذه

ليست قصيدة.

إنها وصيتي

إنها رغبة في أن أُترك قليلًا

بين سطورٍ لا تنتمي لأحد

ولا تُسأل عن وظيفة.

*

حين أرحل لا تحزنوا

ارفعوا هذه الكلمات

إلى ضوءٍ

يستطيع أن يُدَفِّئَ  أحدًا.

واهمسوا للعالم:

مرّ من هنا رجل

لم يكن شاعرًا

ولا بائع أحلام

بل فقط... أبٌ

كان يجرّ الحياة من طرفها المهترئ

ويكتب

كي لا يسقط أحد من عائلته في الهاوية قبله.

***

مروان ياسين الدليمي

 

لو هي أيضا نزلت في فندقك المتكئ

على الساحل

لانداح النزف على شفتيك

وغنى رهط النزلاء مواويل

تذوب على الأهداب وراء

لفيف الحجُرات

مواويل تظل على كفيك تشع

كأن بها حجرا صوفيا يوشك

أن يقترف نهايته

والرغبة ملتهبةْ...

فيزياء البوح العصرية تتعقب

خطواتي

تلمحني في الدرب الفارغ هيأةَ

ذكرى غائمةٍ...

فوق جبيني ما فتئت

تعدو الخيل الشتوية

أهرب من ذاتي كزبون يهرب

من صخب المقهى

كي يبحث عن شجر عال

لمعانيه تلك المتهدلة على

الأعمدة المنهوكة لحواسهْ.

***

مصطفى معروفي

قصائد على غير البحر والتفعيلة

***

1 - البابُ القديمُ

العتبةُ المَرمريّةُ تلكَ

مَلساءُ

إلى حَدِّ الاِمّحَاءْ

كمْ مِنْ خُطوةٍ عليهَا

مازالتْ

لهذا الحذاء ؟

***

2 - التّاجُ

المُصارعُ الأنيقُ

يُغادرُ الحَلَبةَ

قبلَ أن تَدوسَهُ

حَوافرُ الثّيران

***

3 - الثلاّجةُ

لدينَا ثلاّجةٌ

غنِمَها أبي

من أيّامِ الحربِ ورحيلِ الإفْرنجِ

في رَمضانِ الصّيفِ

كلُّ الحَيِّ كانَ يُفطرُ

على مائِها المُشَعْشَعِ بالثّلج

ماتَ أبي

الثّلاجةُ شاختْ

أمستْ خزانةً للأدواتِ الزّائدةِ

وتابوتًا لِلّعَبِ

ضاقَ البيتُ

يا أبَتِي

ذابتِ الدّنيا

يا لُعَبي

ذاتَ يوم

بِعْنا الثلاّجةَ

بأبخس ثَمَنِ

***

سُوف عبيد - تونس

في الليلة التي اختفى فيها عادل، كانت الساعة تشير إلى الثانية وسبع عشرة دقيقة بعد منتصف الليل، وكانت جميع ساعات المنزل متوقفة عند الوقت نفسه.

لم يلاحظ أحد ذلك في البداية، باستثناء أخته ليلى، التي عادت إلى بيت العائلة بعد غياب دام اثني عشر عامًا، لحضور جنازة والدها.

كان المنزل قائمًا عند طرف القرية، بعيدًا عن البيوت الأخرى، تحيط به أشجار سرو طويلة تتمايل أغصانها تحت المطر.  لم يتغير شيء فيه تقريبًا؛ الأثاث الخشبي القديم، والستائر الثقيلة، ورائحة الرطوبة التي تسكن الجدران.  حتى صورة أمها الراحلة بقيت معلقة فوق المدفأة، كأنها تراقب كل من يدخل.

لكن شيئًا واحدًا كان مختلفًا.

في نهاية الممر الطويل، بجوار غرفة والدها، ظهر باب خشبي لم تره ليلى من قبل.

كان ضيقًا، مطليًا باللون الأسود، ومقبضه نحاسيًا صدئًا. اقتربت منه ببطء، ومدت يدها لتلمسه، لكنها سمعت فجأة صوت أخيها عادل خلفها:

-لا تفتحيه.

استدارت مذعورة.

كان عادل يقف عند بداية الممر، شاحب الوجه، يرتدي معطفًا رماديًا مبتلًا، رغم أنه أخبرها قبل دقائق أنه لم يغادر المنزل طوال اليوم.

- سألته: ما هذه الغرفة؟

نظر إلى الباب، ثم إليها.

- لا توجد غرفة هنا.

ضحكت ليلى بتوتر: أراها أمامي!

اقترب منها وأمسك بذراعها بقوة مؤلمة.

- اسمعيني جيدًا. إذا سمعتِ طرقًا من خلف هذا الباب، فلا تجيبي.  وإذا سمعتِ صوت أمي، فلا تفتحيه مهما حدث.

ثم تركها وعاد إلى غرفته، دون أن يفسر شيئًا.

في صباح اليوم التالي، اختفى عادل.

كانت غرفته مرتبة، وسريره جافًا، وحذاؤه بجوار الباب. لكن معطفه الرمادي كان مفقودًا، وكذلك مفتاح صغير وجدته ليلى فوق وسادته، وإلى جانبه ورقة كُتبت عليها جملة واحدة:

«أبي لم يمت كما تظنين.»

شعرت ببرودة تسري في أطرافها.

كان والدها قد مات قبل ثلاثة أيام، بحسب الطبيب، إثر أزمة قلبية مفاجئة. لم يكن هناك ما يدعو للشك. ومع ذلك، تذكرت ليلى أن أباها قضى الأشهر الأخيرة من حياته حبيس غرفته، يرفض مقابلة الناس، ويصرخ أحيانًا في منتصف الليل طالبًا من شخص غير موجود أن يبتعد عن الباب.

اتجهت إلى غرفة أبيها، وبدأت تفتش الأدراج.

في أحدها، عثرت على دفتر جلدي أسود. كانت صفحاته مليئة بتواريخ وأسماء ورسوم غريبة، تتكرر بينها جملة واحدة:

«الغرفة لا تظهر إلا لمن بقي له شيء لم يُدفن.»

وفي الصفحة الأخيرة، وجدت رسمًا تخطيطيًا للمنزل. تأملت الجدران والممرات، ثم شعرت بأن قلبها توقف لحظة.

لم يكن الباب الأسود موجودًا في الرسم.

لكن خلف الجدار الذي ظهر عنده الباب، كُتبت كلمة واحدة بخط أبيها:

«ليلى».

عند الغروب، ذهبت إلى منزل عمها يوسف، الرجل الوحيد الذي بقي من أفراد العائلة الكبار.

حين فتحت له الباب، تغير لون وجهه بمجرد أن سمع اسم الغرفة.

قال بصوت خافت: ظننت أن أباك دفن السر معه.

- أي سر؟

جلس يوسف، وراح يفرك كفيه المرتجفتين.

قبل اثنين وعشرين عامًا، كما أخبرها، اختفت أمها في ليلة عاصفة. قالت الشرطة إنها هربت من المنزل، لكن أباها رفض تصديق ذلك. وبعد أشهر، بدأ يدّعي أنه يسمع صوتها خلف جدار غرفته، تناديه باسمه.

أما عادل، فكان يوم اختفاء أمه طفلًا في السابعة. ومنذ ذلك الوقت، لم يعد يتحدث عن تلك الليلة.

سألته ليلى: وهل كانت هناك غرفة خلف الجدار؟

أطرق عمها طويلًا، ثم قال:

- كان هناك باب، نعم. لكنه اختفى بعد اختفاء أمك. أقسم أبوك أنه أغلقه بيديه، ثم بنى جدارًا فوقه. ومنذ ذلك الحين، لم يدخل أحد إلى ذلك الجزء من المنزل.

نهضت ليلى.

- ولماذا يظهر الآن؟

لم يجب يوسف. لكنه أمسك بيدها قبل أن تغادر، وقال:

- إذا وجدتِ أخاك، فلا تصدقي كل ما سيخبرك به. أحيانًا، تكون الذكريات أكثر كذبًا من الغرباء.

عادت ليلى إلى المنزل بعد منتصف الليل بقليل.

كان المطر قد توقف، لكن الريح أخذت تصفر بين الأشجار. دخلت الممر، فوجدت الباب الأسود ينتظرها في مكانه.

اقتربت منه وهي تقبض على المفتاح الصغير.

وقبل أن تضعه في القفل، سمعت طرقًا خفيفًا.

ثلاث طرقات.

ثم جاءها صوت أمها، واضحًا، دافئًا، كما تتذكره من طفولتها:

- ليلى... حبيبتي، افتحي الباب.

تجمدت في مكانها.

كان الصوت مستحيلًا.  لقد ماتت أمها، أو هكذا قيل لها طوال حياتها.

تراجعت خطوة، فتذكرت تحذير عادل.

لا تجيبي.

لكن الصوت عاد، هذه المرة مصحوبًا ببكاء خافت.

- ليلى، أنا خائفة. لقد تركني أبوك هنا.

شعرت بدموعها تنهمر دون إرادة منها. وضعت المفتاح في القفل وأدارته.

انفتح الباب ببطء.

خلفه امتد ممر طويل، أضيق من ممر المنزل، تتدلى من سقفه مصابيح صفراء ضعيفة. وعلى الجدران صور عائلية قديمة، بعضها لم تره ليلى من قبل.

في أول صورة، ظهر أبوها شابًا يقف إلى جانب أمها.

وفي الثانية، ظهرت أمها تحمل طفلًا صغيرًا.

أما الصورة الثالثة، فقد جعلت الدم يتجمد في عروقها.

كانت ليلى نفسها، تقف أمام الباب الأسود، بملابسها الحالية، وخلفها رجل يرتدي معطفًا رماديًا.

عادل.

تقدمت بحذر، حتى وصلت إلى غرفة صغيرة في نهاية الممر.

وجدته هناك، جالسًا على كرسي، ويداه مقيدتان إلى ذراعيه. رفع رأسه عندما رآها.

- لماذا جئتِ؟! صرخ. ألم أقل لك ألا تفتحي الباب؟

أسرعت نحوه وفكت قيوده.

- أين أمي؟ ماذا يحدث هنا؟

نظر إليها بعينين دامعتين.

- أمنا لم تختفِ يا ليلى. لقد ماتت في تلك الليلة، لكن أبي لم يكن وحده معها.

تراجع عادل حين سمع صوت خطوات في الممر.

- كنت في السابعة، وسمعت شجارًا. رأيت أبي يدفع أمي، فسقطت وضربت رأسها بحافة المدفأة. ماتت قبل أن يتمكن من مساعدتها. لكنه أخفى جسدها، وأقنع الجميع بأنها هربت.

همست ليلى: ولماذا أخفى الأمر؟

- لأنه كان يخشى أن يعرفوا ما فعله قبل ذلك.

وقبل أن تسأله، ظهر رجل عند مدخل الغرفة.

كان والدها.

وقف هناك بوجه شاحب، وعينين غائرتين، وابتسامة لا تشبه أي ابتسامة عرفتها في حياتها.

قال بهدوء: كنت أتمنى ألا تضطرا إلى معرفة الحقيقة.

تراجعت ليلى وهي تبحث عن مخرج.

- لكنك مت! رأينا جثمانك!

ابتسم الرجل.

- رأيتم ما أردتكم أن تروه.

رفع يده، فسمعت ليلى صوت الباب يُغلق خلفها. حاول عادل الهرب، لكن والدها أمسك به من كتفه.

- أنت السبب في كل هذا، قال الأب. لو أنك لم تتذكر تلك الليلة، لما اضطررت إلى إبقائك هنا.

صرخ عادل: أنت قتلتها!

وفي اللحظة نفسها، انطفأت المصابيح.

سمعت ليلى عراكًا، ثم ارتطام جسد بالأرض. أخرجت هاتفها وأضاءت الشاشة، فرأت أخاها واقفًا وحده في وسط الغرفة.

كان الأب قد اختفى.

وعلى الأرض، قرب الكرسي، ظهرت بقعة دم داكنة.

مع أول ضوء للفجر، خرجت ليلى وعادل من المنزل، واتجها إلى مركز الشرطة. سلّما الدفتر والصور، وأخبرا المحققين بكل ما عرفاه.

لكن الشرطة، عندما فتشت المنزل، لم تجد ممرًا سريًا ولا غرفة خلف الجدار.

كان هناك جدار صلب، قديم، بلا أبواب.

أما والدها، فقد كان جثمانه موجودًا بالفعل في المقبرة، وقد أكد الطبيب وفاته قبل ثلاثة أيام.

لم يصدق أحد روايتهما.

وبعد أسابيع، قررت ليلى مغادرة القرية نهائيًا. وفي الليلة الأخيرة، بينما كانت تجمع أغراضها، وجدت ظرفًا صغيرًا مدسوسًا تحت باب غرفتها.

لم يكن عليه اسم المرسل.

فتحت الظرف، فوجدت صورة فوتوغرافية قديمة لأمها، وعلى ظهرها عبارة مكتوبة بخط والدها:

«لم أقتلها يا ليلى. لقد فتحت الباب بنفسها.»

وتحت العبارة، كُتب تاريخ يعود إلى اليوم السابق لوفاته.

ارتجفت يداها.

ثم سمعت ثلاث طرقات خفيفة على باب غرفتها.

طرقة أولى.

طرقة ثانية.

طرقة ثالثة.

وجاءها صوت أمها من خلف الباب:

- ليلى... حبيبتي، افتحي الباب.

تراجعت ببطء، وعيناها معلقتان بالمقبض.

ثم رأت شيئًا جعلها تصرخ.

لم يكن هناك ظل خلف الباب.

بل كان هناك ظلّها هي، واقفًا في الجهة الأخرى.

وفي اللحظة التي انطفأ فيها الضوء، أدركت ليلى أن الغرفة لم تكن تخفي سر عائلتها فحسب.

بل كانت تنتظرها منذ البداية.

  ***

قصة قصيرة

رمزي ميركاني

أُمِّي

يا وجه اليقين

والحقيقة الأخيرة البتول

كَمْ أَحْتَاجُ إِلَيْكِ

الْقَلْعَةُ الْأَخِيرَةُ أَنْتِ

النَّسْمَةُ الَّتِي يَحْيَا بِهَا الْغَرِيقُ

وَهَذَا الظَّلَامُ يَا أُمِّي

شَبَحٌ يُشْبِهُ غِيَابَكِ الَّذِي أَخْشَى

قَادِمٌ يَا أُمِّي

مُوحِشٌ وَعَنِيفٌ

مِثْلَ سِكِّينٍ أَعْمَى

تَقْتَاتُ عَلَى رِقَابِ الْأَبْرِيَاءِ

زَمَنُنَا الدَّاعِرُ

يَا أُمِّي

كَلِّمِيهِ

أَقْنِعِيهِ وَاحْلِفِي لَهُ بِالنِّيَابَةِ عَنَّا

أَنَّنَا غَيْرُ مُذْنِبِينَ

أُمِّي

أَجِيبِينِي

لِمَاذَا الْبُكَاءُ لِلْكِبَارِ مَعِيبٌ؟

مَا ضَرَّ لَوْ بَكَيْنَا طَوِيلًا

وَانْتَحَبْنَا

عَلَى حَيَاةٍ تُدَحْرِجُنَا فِي أَنْفَاقِهَا الْخَيْبَاتُ

مِثْلَ كُرَةِ الْفُقَرَاءِ مُشَوَّهِينَ

مِثْلَ عَقِبِ سِيجَارَةٍ فِي يَدِ عَجُوزٍ ذَابِلَةٍ

أُمِّي

خَائِفٌ أَنَا وَضَعِيفٌ

صَبْرِي هَزِيلٌ وَإِلَيْكِ أَشْكُو الْهَبَاءَ

يَا طَعْمَ الْمَاءِ يَا أُمِّي

ظَمْآنُ أَنَا مِثْلَ الرَّضِيعِ فِي يَدِ الْيَقِينِ

مَصْلُوبٌ أَنَا

عَلَى مَذْبَحِ الدَّاعِرِينَ

مُعَلَّقَةٌ جُثَّتِي تتدلى مثل كَرَامَتِي

وَدِيدَانُ الْخَيْبَاتِ

تَقْتَاتُ عَلَى مُقْلَتَيَّ

تَدْفِنُنِي الْغِرْبَانُ ظِلًّا ذَبِيحًا

وَتُسَمِّرُنِي عَلَى صَفْحَةٍ سَوْدَاءَ

صَفْحَةٍ

دُونَ حَرْفٍ يُؤْنِسُ وَحْشَةَ الْمَيِّتِ الْأَكْثَرِ مَوْتًا بَيْنَ الْجَمِيعِ

اسْمَعِي يَا أُمِّي

خَائِفٌ أَنَا

مُسْتَوْحِشٌ مِنَ الْأَقْرَبِينَ وَالْأَهْلِ وَالْأَصْحَابِ

أَقْنِعَتُهُمْ مُمِلَّةٌ ثَقِيلَةٌ

مِثْلَ ثقل جَبَلٍ رابض

عَلَى جَنَاحِ فَرَاشَةٍ غَضَّةٍ

أَكْرَهُهُمْ وَهُمْ يُقْسِمُونَ وَيُبَايِعُونَ

أَمْقُتُ دَمِيَ الْبَارِدَ الَّذِي لَا يَصْرُخُ بِالْكَرَاهِيَةِ

أَمْقُتُ ظِلِّيَ الْمُخْتَبِئَ خَلْفِي

أَمْقُتُ الْأَرْصِفَةَ وَالْعَابِرِينَ الْغُرَبَاءَ

الْكُلُّ يَتَرَبَّصُ بِي

لَيعريني فِي هَذَا الزَّمْهَرِيرِ الْمُقِيمِ

تَائِهٌ أَنَا

خَلْفَ الْخَرِيطَةِ الَّتِي أَعْطَتْنِي ظَهْرَهَا الْعُرْيَانَ

مَنْزُوعَةٌ جُذُورِي

كَوَرْدَةِ الرَّافْلِيسِيَا

أَتَطَفَّلُ عَلَى كِبْرِيَائِي أَعْتَاشُ عَلَى ذكراها مَنْفِيًّا عَنِ الْجُذُورِ

أُمِّي

مُدِّي يَدَيْكِ فِي جَيْبِكِ

أَخْرِجِينِي

أَنَا وَذَاتِيَ الْبَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَشَكٍّ

اقْطَعِينِي وَوَزِّعِي أَعْضَائِي عَلَى الْجِبَالِ

وَاسْتَدْعِي مَوْتِي لِأُعَانِقَهُ

فَلَا حَاجَةَ لِلْإِيمَانِ لِأَنَّ اللَّهَ (زَعْلَانُ) عَلَيْنَا جَمِيعًا

أَوْ عَمِّدِينِي

وَاغْسِلِي بِمَاءِ وُضُوئِكِ وَجْهِي

وَاخْلُقِينِي مِنْ طِينِ تُرْبَتِكِ السَّاهِرَةِ

وَكَفِّنِينِي عَلَى عَجَلٍ بِسَجَّادَتِكِ الْعَتِيقَةِ الْمُطَهَّرَةِ

فَأَنَا أَشْتَهِي الْمَوْتَ نَدِيًّا أَوْ نَبِيًّا

لِأَجْلِسَ مَعَ اللَّهِ

طَوِيلًا سَنَجْلِسُ

سَأَبُثُّهُ ذُنُوبَ الْمُنَافِقِينَ وَلَاعِقِي الْمُؤَخِّرَاتِ الْمُتَعَفِّنَةِ

سَأَحُثُّهُ طَوِيلًا

أَنْ يُرْسِلَ طُوفَانًا

وَأَنْ يَعْتَذِرَ هَذِهِ الْمَرَّةَ

عَنْ سَفِينَةٍ مَجْهُولَةٍ

تَقِلُّ الشُّرَفَاءَ إِلَى الْحَيَاةِ

أَنَا مُتَأَكِّدٌ يَا أُمِّي

أَنَّ الْحُسَيْنَ

سَعِيدٌ بِمَوْتِهِ

كَمَا أَنِّا اتمنى أن يسعدني

كم هو موت سَعِيدٌ آشتهيه

آه يا أمي

لَوْ أَمُوتُ مَوْتَةً أَخِيرَةً وَحَقِيقِيَّةً

***

د. أيمن الناصح

اترك بيّارةً للحشرات والنحل والقُبّرات

ضع القش في العربة

دع العصافير تطير بفرح

وفي الصباح..

في الصباح

أحد صباحات يوليو

في فَيءِ بيتكَ الطيني

أمامكَ رغيفٌ حار

إبريقٌ من الشاي

السكر

صحن اللبن الرائب الذي جلبه الجيران

ثلاثةُ أولاد متتالين

ثلاثةٌ سيولدون لاحقاً

وزوجةٌ تحاربُ الفقر بقلب كبير

أيها الحالم بالحلم

قم الآن وهَيِّئ جَبْلَةَ الطين

اخلطها بالقش

لتَمْرَعَ بها سقف غرفتيك الطينيتين

في الليل،

القمرُ مكتملٌ فوق السقف

أنت نائمٌ بملء عينيك

والثعلب البري..

الثعلب البري، تماماً قرب السياج

‏في المكان الذي تضع له فيه الخبز

***

فارس مطر

برلين 9.10.2026

الساعة الآن تشير إلى الثامنة مساءً، والمصابيح المتأرجحة في الخارج تفرض ظلالاً مشوهة على الجدران المقشرة لـ "مقهى العدم"، وهو قبو تفوح منه رائحة البُنّ المحروق وكتب الفلسفة الرطبة.

يظهر الشاب كريم غارقا في سوداوية عبثية، مرتديا معطفاً صوفياً رمادياً فضفاضاً يحتمي به من الوجود، وشعره أشعث يشبه عشّ طائر مهجور، وعيناه غائرتان تحدقان في الفراغ، يحمل قلماً يقرع به الطاولة بإيقاع جنائزي منتظم.

بينما يجلس سامر الرجل الخمسيني الأصلع يرتدي بدلة رسمية أنيقة لكنها مهترئة عند الأكمام.

ملامحه هادئة لدرجة مخيفة، ويحمل حقيبة جلدية سوداء لا يفارقها، وابتسامته باردة أشبه بشفرة حلاقة.

يقلّب كريم فنجان قهوته المرة، ويسعل بسوداوية مسلّطا نظره على سامر الجالس أمامه.

يتنهّد كريم ويقول: يا سامر، يقول المثل الشعبي: "يخلق من الشبه أربعين"، لكنني أظنها نبوءة مرعبة.

تخيل أنّ هناك تسعة وثلاثين نسخة أخرى من بؤسي تتجول الآن في هذا الكوكب البائس.

يبتسم سامر ابتسامة خفيفة ويعدل نظارته قائلا: ولماذا تفترض أنهم بائسون مثلك؟ الفلسفة تقول إنّ الاحتمالات لانهائية.

ربما أحد أشباهك الآن هو ملياردير في نيويورك، والآخر بوذي وجد السلام النفسي الذي تبحث عنه في سيجارتك هذه.

ينفث كريم الدخان بسخرية: مستحيل، فالجينات لا تكذب.

لو كان لي أربعون شبيهاً، فالحتمية البيولوجية تفرض أنْ يكونوا جميعاً مصابين بذات اللعنة.

أراهم الآن: أحدهم يسقط في بالوعة مفتوحة في المطر، والآخر يُرفض طلب توظيفه للمرة المئة، وثالثهم يجلس في مقهى رديء يشرح لشخص ما فلسفة أشباهه الأربعين.

نحن مجرد نسخ كربونية مشوهة لخطأ وجودي أول.

سامر: هذه كوميديا سوداء بامتياز، فأنت تحول التعددية الوجودية إلى مأساة شخصية.

ماذا لو التقى هؤلاء الأربعون في غرفة واحدة؟

يضحك كريم ضحكة جافة: سيكون ذلك المشهد الأكثر إثارة للسخرية في تاريخ البشرية، وسينظر كل منا إلى الآخر، ونكتشف أننا جميعاً نملك نفس الندبة خلف الأذن، ونفس الخيبة في العينين.

سنبدأ بالشكوى الجماعية، ثم نتقاسم فواتيرنا بالتساوي.

إنها فكرة مريحة ومقززة في آن واحد بأنْ تكون تافهاً لدرجة أنّ هناك 39 تكراراً منك.

يأخذ سامر رشفة من شاي الأعشاب الخاص به: حسناً يا كريم، لقد أفرطت في التحليل الفلسفي الليلة، لكن ماذا لو أخبرتك أنّ حساباتك الرياضية خطيرة، وأنّ النظام العام لا يحتمل هذا الفائض من البؤس؟

كريم: ماذا تقصد؟ الكون يبتلع المجرات، فهل تضيق مساحته بأربعين شخصاً يؤجلون التزاماتهم يومياً؟

يضع سامر فنجانه ببطء، ويفتح حقيبته الجلدية السوداء: في الواقع نعم، فالضغط البيروقراطي هائل، ولهذا السبب هناك وظائف سرية في هذا العالم لا يُعلن عنها في الصحف.

يعقد كريم حاجبيه بسخرية: وظائف؟ مثل ماذا؟ مصفف شعر للنسخ المشوهة؟

يخرج سامر من الحقيبة ملفاً سميكاً يحتوي على وثائق رسمية وصور فوتوغرافية، ويضعها على الطاولة: مثل وظيفتي أنا.

أنا أعمل مصححًا وجوديًّا لصالح سكرتارية التوازن العام، ومهمتنا هي إلغاء السجلات المدنية للفائض الوجودي عندما تصبح طاقة البؤس للأربعين مهددة لاستقرار الميزانية العامة للكون.

شخصت عينا كريم وهو ينظر إلى الأوراق الملقاة أمامه، ثمّ التقط الوثيقة الأولى، فكانت شهادة شطب قانونية لشخص في اليونان يملك تماماً نفس ملامحه، ونفس الشامة على الخد الأيسر، ومكتوب عليها: تمّ تحويله إلى كائن افتراضي غير فعال.

أمّا الوثيقة الثانية فكانت قرار إلغاء هُوية لشخص في مدريد نسخة طبق الأصل منه.

والوثيقة الثالثة، فالرابعة، والخامسة...كلها وثائق إلغاء رسمية لأشخاص يشبهونه تماماً في مدن مختلفة من العالم، وعلى كلّ ورقة ختم أحمر بعبارة: تَمَّ الشَّطْبُ النِّهَائِيُّ.

تصلّب كريم في مكانه، وسقط القلم من يده ليحدث رنيناً وحيداً في المقهى الصامت.

تطلّع إلى سامر بذهول حقيقي تداخل مع ضحكة هستيرية مكتومة، وقال بصوت يرتجف: ما هذا؟ هل هذه دعابة؟ هل تمّ إلغاء وجودهم قانونياً؟

يخرج سامر بهدوء ختماً رسمياً ضخماً وحبراً أحمر من حقيبته، ويضعه على الطاولة، ويقول بنبرة هادئة للغاية:

أبداً يا كريم، لقد كنت أبحث عنك منذ شهرين لتوقيع الورقة الأخيرة.

في الواقع إنّ الفلسفة التي تحدثت عنها صحيحة جداً، فأنت النسخة رقم 40 والأخيرة في السجلات.

وبتوقيعك الليلة على هذا الإقرار سيتم شطب ملفك الوجودي تماماً، وتتحول قانونياً إلى مجرد وهم، وتنتهي لعنة هذا الشبه إلى الأبد من دفاتر الدولة.

ينظر كريم إلى الختم، ثم إلى فنجان قهوته الفارغ، وتتسع ابتسامته الساخرة لتتحول إلى ضحكة منخفضة: ههههههه هل هذا يعني أنني من الناحية القانونية لم أعد موجوداً، ولن أضطر لدفع الضرائب أو حساب المقهى الليلة؟

يغمز سامر له ببرود ويختم الورقة بعنف: بالتأكيد، اعتبر حسابك الليلة خارج نطاق الوجود.

انطلق صوت الختم القوي على الطاولة، وتنهد كريم بارتياح تامّ وهو يسند رأسه إلى الخلف، بينما تبرع المذياع الصغير في زاوية المقهى ببث أغنية مسائية هادئة عن فوائد التخلص من الالتزامات اليومية.

***  

غدير حميدان الزبون - فلسطين

 

الظمأ

منذ غرق ابنه، يقيس دجلة كل صباح بعصا طويلة. يغرسها عند الضفة، ويتفحّص حدّ البلل على الخشب. يعود إلى المقهى بطين عالق بنعليه، ويقول إنّ النهر انخفض ثلاث إنشات.

هذا الفجر، عصاه ملقاة على الضفة. ارتفعت مياه دجلة ثلاث إنشات. بين القصب، يصفع الماء قميص الأب.

***

الرسالة

وصلت الرسالة بعد موت أبيه بأسبوع. عرف خطّه على الظرف. كان يدرس، فوضع قلمه بين صفحتين وفتحها.

«سامحني يا ابني. إخوتك كُثُر، ومن بعدي سيصير الحمل عليك».

قرأها، ثم أعادها إلى الظرف. من المطبخ سمع أخته تحصي لأمّه ما بقي من الطحين. أغلق الكتاب، والقلم في داخله.

في الصباح، حمل كتبه إلى مكتبة تشتري الكتب المستعملة. وضعها على الطاولة، وأخرج القلم من الكتاب قبل أن يتركها هناك.

***

السّر

احتفظت أمّه بحذائه الصغير ثلاثين عاماً، في صندوق تحت سريرها. بعد موتها، نفض إحدى فردتيه، فسقط منها خيط صيد قديم، تتدلّى منه سنّارة أكلها الصدأ.

التقطها بحذر. كان يحشو الخيط في مقدّمة الحذاء قبل أن يعود إلى البيت، ويمسح نعليه بالتراب اليابس. تسأله أمّه إن كان قد ذهب إلى النهر، فيقول إنّه كان عند أصحابه.

تذكّرها واقفة أمامه عند الباب، تنتظر أن يرفع عينيه وهو يجيب.

***

فؤاد ميرزا بغدادي

 

في الممرّ الطويل للمحطة

يمرّ وجهكَ كظلّ لا يحتفظ بأثره.

أحاول أن أضع يدي على الهواء

كأنني أوقف شيئًا يسقط في بئر

لا قاع لها.

*

علينا أن نفهم:

المدن ليست سوى غرف انتظار أكبر

أبوابها شقوق في جدار

يدخل منها الغياب كلّ يوم.

*

كنت أراكَ تمشي إلى آخر الممرّ

مثل فكرة تفقد شكلها

تتحرّك بلا زمن

وأنا أبحث عن طريقة لأعيدك

إلى مكان لم يعد موجودًا

كمن يضع ماءً في دُرج مغلق.

*

الأسماء التي حفظناها

تصير أصواتًا

تتقافز في الفراغ

كطائر يضرب زجاج نافذة

ثم يسقط على الأسفلت

ولا أحد يعرف لمن كانت تلك الأجنحة.

2

في المقاهي التي تغلق قبل منتصف الليل

يجلس الغياب على الطاولات كضيفٍ دائم

يترك بخارًا على زجاج النوافذ

ثم ينسحب

كدخان سيجارة لم تُكمَل.

*

أحاول أن أفهم:

هل كان هذا مكتوبًا في دفترٍ لا يفتح أبدًا؟

أم أن القدر هو تلك الساعة الإلكترونية

التي تومض على جدار المطبخ

تذكّرنا دائمًا بالوقت الذي عبر

بينما كنّا نبحث عن معنى واحد للبقاء؟

*

يغادرون

كما يغادر الضوء المرايا في آخر النهار

لا ضجيج

لا إعلان

فقط أثر دافئ

يتحوّل بعد لحظات إلى بقعة باردة.

*

أتجوّل في الشوارع

أراقب إشارات المرور

كأنها دروس في التوديع:

الأحمر يعلّمنا التوقّف

الأخضر يذكّرنا أنّ كل شيء يمضي

والأصفر... هو لحظة التردّد التي نسمّيها حبًّا.

3

في النهاية لا أحد يبقى

سوى ما تخلّفه المقاعد الفارغة:

انحناءة في الوسادة

أو ظلّ على بلاطٍ لم يلحظه أحد.

أدرك الآن

أن الغياب ليس حدثًا

إنه طقس يومي يتكرّر

مثل أخبار الطقس على شاشة صامتة

حتى نصبح جزءًا من نشرة لا يقرؤها أحد.

*

علينا أن نصغي

إلى المسافة التي تفتحها الخطوات

حين تغادر الأرواح التي أحببناها

المسافة التي تتحوّل مع الوقت

إلى مرآة

نرى فيها أنفسنا

أكثر من وجوههم.

*

ربما هذه هي القدرية:

أن نفهم أن العالم ليس بيتًا

بل ممرّ طويل

وأن الذين عبروا حياتنا

لم يكونوا أصدقاء

ولا أعداء

بل علامات استدلال

على خريطة لا نهاية لها.

***

مروان ياسين الدليمي

الحُبُّ لَيْسَ أَنْ أَجِدَكِ.

رُبَّمَا أَنْ أَفْقِدَ الطَّرِيقَ إِلَيْكِ

وَأَظَلَّ أَمْشِي.

*

أَحْبَبْتُكِ،

فَصَارَ بَيْنَنَا

شَيْءٌ لَا اسْمَ لَهُ:

*

لَيْسَ قُرْبًا،

وَلَيْسَ غِيَابًا.

*

شَيْءٌ يُشْبِهُ

أَنْ تَكُونِي فِي الْغُرْفَةِ

وَلَا أَرَاكِ،

*

ثُمَّ أَخْرُجُ مِنْهَا

فَأَرَاكِ فِي كُلِّ شَيْءٍ.

*

كُنْتُ أَظُنُّ

أَنَّ الْحُبَّ يَجْمَعُ اثْنَيْنِ.

ثُمَّ عَرَفْتُ:

*

الْحُبُّ أَحْيَانًا

أَنْ تَمْنَحِينِي مَسَافَةً كَافِيَةً

كَيْ أَكْتَشِفَ

كَمْ كُنْتُ قَرِيبًا مِنْكِ.

***

بِقَلَمِ:️ سُلَيْمَانَ بْنِ تَمَلِّيْسْت - تونس

جَرْبَةُ فِي 2026/10/08

"ثلاثون مترًا معلّقة بين الأرض والمجهول"

في الأحلام قد ترتدي عباءة البطل أو قناع الجبان، لكن اليقظة لا تفتح سوى درب واحد، كأنه خط محفور على صخرة، يقودك إلى مصيرك دون التفات.

خطوة واحدة على الحصيرة الهزّازة تكفي لتذكّرك أن الأحلام لا تملك درابزين، وأن النهر تحتك ليس ماءً فقط، بل مارد عطشان ينتظر أن يبتلع أول ارتجافة في قدميك.

ابتلع الصمت كل شيء، فلم يبقَ سوى هدير النهر يتردّد كطبول خفية، يرسم لوحة مخيفة تخترق القلوب وتزرع في النفس إحباطًا وخوفًا، كأن الطبيعة نسجت مكيدة تجعل كل ارتجافة على الجسر مواجهة مع النفس قبل أن تكون مواجهة مع الماء.

اندفع النهر بجموح، أشبه بفرسانٍ ينطلقون في مضمار السباق، يتسابقون بشراسة نحو الهدف، والزمن يلهث خلفهم ليحسم النصر ويزرع القلق في نفوس المراهنين وهم يترقبون لحظات النهاية. وكنا نحن نجرّ خطواتنا كأننا نطارد ظلًا يبتسم على الضفة الأخرى، سرابًا يستدرجنا إلى لعبة الخوف.

خطوتُ خطوتي الأولى نحو الجسر، فاهتز الهيكل كله معلنًا بدء طقس الرعب. لم يكن جسرًا، بل حصيرة ضيقة تتأرجح كخيط مشدود بين ضفتين، بلا درابزين ولا سياج. ومع كل وقعٍ لقدمي، كان الجسر يترجح بعنف تحت ثقلي، كأنه كائن حي يتألم أو يتآمر ليلفظني.

كان الصرير المتقطع للخشب يتجاوب مع هدير الماء، فيتردد صداه في الوادي كصرخة مكتومة. خلفي، أصوات الأنصار تتعالى:

ــ ثبّت نظرك للأمام!

ــ لا تفكر… واصل!

كانت كلماتهم كأجراس صغيرة تقطع عزلة الصوت الوحشي للنهر، تمنحني لحظة طمأنينة وسط العاصفة السمعية.

نظرتُ للأسفل، فبدت مياه النهر أسفل الحصيرة المهتزة كأنها في سباق محموم مع الزمن، يتدفق الموج بقوة هائلة وعنفوان أعمى، كأن السيول قد تأخرت عن موعدٍ قدريّ، وهي الآن تكرس كل طاقتها لتصل في الوقت المناسب، حتى لو كان ثمن ذلك ابتلاعنا. في تلك المساحة الضيقة، تلاشت الخيارات، وأصبح كل ارجاحة للجسر هي لحظة المصير التي تفصل بين الحياة والموت، حيث المشي فوق الحصيرة أشبه بالسير على حد شفرة، والأقدام ترتجف خوفًا من أن تخون صاحبها في الخطوة التالية.

وصلت إلى الضفة الأخرى، وأقدامي تلامس الأرض الصلبة، فشعرت أن الأصوات انكسرت فجأة، كأن سيمفونية الرعب توقفت عند هذه النقطة. هدير الماء ظل يتردد في الخلفية، لكنه لم يعد يملك السيطرة عليّ. كان الصمت بعد العبور أثقل من الضجيج، لكنه حمل معه معنى الانتصار على لحظة مرعبة، لحظة لا تُنسى.

ذلك الجسر لم يكن خشبًا مهتزًا فحسب، بل مرآة علّقت خوفنا في الهواء، وأجبرت كل واحد منا أن يرى نفسه في ارتجافاته. في تلك اللحظة بدا الخوف كوحشٍ يلوّح بمخالبه، ثم ينكمش ليصير طاقةً نُمسك بها ونوجّهها. عبرنا الجسر، لكننا عبرنا أيضًا إلى مستوى آخر من الوعي، حيث تتحول الرهبة إلى قوة، والصوت إلى معنى، والخوف إلى انتصار داخلي.

***

كفاح الزهاوي

 

العصور العجاف:

هذي عصورٌ عِجافٌ نبتُها دُوَلٌ

مِنْ دولةِ الشرِّ حتى دولةِ السَفَلِ

*

إنَّ التي لوَّنَتْ يوماً عباءَتها

بصبغةِ الحقِّ أمسَتْ صِبغةَ الحِيَلِ

*

إنَّ الخيولَ اللواتي رُحْتَ تُسرجُها

في ساحةِ النَّومِ كانَتْ لُعبةَ الزَلَلِ

*

هذي عوالِمُنا تشكو الأفاعي وما

مِنْ رادعٍ ينتضي قنَّاصةَ العِلَلِ

*

إنْ كانَ قائدُنا مِنْ طينةٍ أسُنَتْ

فشيمةُ القومِ رقَّاصٌ على طَلَلِ

***

الصخر:

الصَّخرُ فيما يحملُ الموجودُ

ألماً يُريقُ فؤادُهُ الموجودُ

*

أنا إنْ أجبتُكَ ما استطعتُ تحمُّلاً

ما قد يقولُ فؤاديَ المعمودُ

*

سرُّ الوجودِ جراحُنا ونزيفُنا

وكؤوسُها بينَ الشِّفاهِ تزيدُ

*

لا سُكرَ يحسُنُ أنْ نميطَ لِثامَهُ

فالأمنُ في خطواتِنا مفقودُ

*

حتى الثُّمالةِ يُستباحُ طريقُنا

والبابُ في جدرانِنا مسدودُ

***

الخداع:

نخادعُ النَّفَس إذْ ندعو وننتظرُ

نهايةُ الدَّربِ وعدٌ زادُهُ الخَبَرُ

*

وخيرُ ما فيهِ لا خَزٌّ ولا ذَهَبٌ

بلْ ما تركْنا وما قالتْ بهِ السِّيَرُ

*

هي السِّنينُ حسابٌ نحنُ ندفعُهُ

وسَكرةٌ مِنْ كؤوسٍ مِلؤُها العِبَرُ

*

يا صاحبي لا يغرَّ القومَ مُلكُهُمُ

أيَّامُنا دَورةٌ دولابُها القَدَرُ

*

اليومُ كالأمسِ يمضي مثلَ قاطرةٍ

فصاعدٌ، نازلٌ، والجامعُ السَّفَرُ

***

القرنُ الجديدُ:

هذا هوَ القَرْنُ الجديدُ فلا غَرابةْ

الْحَقُّ فيهِ جريمةٌ والْعيشُ غابَةْ

*

بالْأمسِ كُنَّا صَفْوَةً مَهْيُوْبَةً

فِكْرٌ يُنِيْرُ وصَوْتُنَا جَمْعُ الصَّحَابَةْ

*

ما كانَ يَعْلُوْ فَاسدٌ وَمُزَوِّرٌ

أوْ قاتِلٌ يُشْرَى يُبَاعُ بِلا رَقابَةْ

*

أوْ عَاِطِلٌ مُتَنَمِّرٌ مُتَبَخْتِرٌ

كالْبُوْمِ حَلَّقَ ناعِقاً فوقَ الْخَرابَةْ

*

يُنْعَى الزَّمانُ وما الزَّمانُ سِوى صَدَىً

لِصَنِيْعَةِ الْبَشَرِ الْذِيْ رَسَمَ اضْطِرَابَهْ

***

يا حاديَ العشقِ:

نزلتُ ساحتَها أبغي الرِّهانَ إذا

غابَ الحُداةُ "وناءَتْ بالهوى الإبلُ"

*

يا حاديَ العشق مَنْ يُسليكَ هائمُهُ

عنْ هائِمٍ غابَ فاشتدَّتْ بنا العِلَلُ

*

إنَّ الغرامَ الّذي قد ضَلَّ مُغرَمُهُ

طريقَهُ، تاهَ، والهُيَّامُ قد أفلوا

*

فأرَّقتْني بناتُ النَّعْشِ قافلةً

مرَّتْ عليَّ ونارُ الشَّوقِ يشتعلُ

*

أمستْ حروفيَ نُدمانيْ ليُسكرَني

طيفُ الخيالِ، أساقيهِ، وأنتهلُ

***

يا حلوتي:

يا حلوتي إنّ الحياةَ شَبابُ

في سيرِها لا تُغلَقُ الأبوابُ

*

الحبُّ نبضُ قُليبِ إلفٍ عاشقٍ

لا تُستَلَذُّ بدونِهِ الأطيابُ

*

وأنا بقلبي نازلٌ مُتربِّعٌ

ولِذا شرابي بالْلظى أكوابُ

*

فخُذِي صَبابةَ خافقي وتلهُّفي

فخدودُكِ الأرطابُ والأعنابُ

*

أمَّا الشِّفاهُ فتلكَ مِرْسالُ الظَّمَا

الخمرُ في قُبُلاتِها تَسْكابُ

***

سعدي الحلِّي:

يذوبُ السِّحرُ في أوتارِ سعدي

بحزنٍ دافئٍ يشدو أليفَا

*

فيُطربُني لأسكرَ دونَ خمرٍ

أحلِّقُ طائراً غَرِداً خفيفا

*

ويرتاحَ الفؤادُ مِنَ الهَجيرِ

سويعاتٍ تبثُّ شجىً رهيفا

*

أعودُ الى الشَّبابِ الغَضِّ ذكرىً

ليَنزِفَ بُلبلي الشَّادي نَزيفا

*

فأسهرُ والْفؤادُ يرِفُ رَفَّـاً

أنادمُ طيفَها السَّاري شَفيفا

***

البُغاث:

هزُلَتْ تدِبُّ، وتستطيلُ فتصفِرُ

"إنَّ البُغاثَ على الذُّرى يستنسِرُ "

*

غابَ الأسودُ ثعالبٌ طلعَتْ لنا

تتناوشُ الكتفَ السَّمينَ فتهبُـرُ

*

عافُـوا البلادَ لكلِّ أفّاقِ الورى

لصٌّ يسودُ وقاتلٌ يتبخترُ

*

فغدَتْ وما بينَ اللُّتيا والَّتي

مشلولةَ الأطرافِ ضَرْعاً يُعصَرُ

*

لِيطولَ فوقَ سمائِها وحدودِها

عِلجٌ، ومهزوزُ المقـامِ صُغَيِّـرُ

***

الشَّرخ...

شَرْخٌ على القلبِ بينَ الدَّهرِ والحُلُمِ

"أحلَّ سـفكَ دمي" بالحرفِ والقلمِ*

*

ما سطَّرَتْ ريشتي ما كانَ شاطرَها

مِـنْ مبتغىً يُرتجَى أو نـازفُ النَّغَـمِ

*

هذي مشيئةُ دنيـاً كـلُّها عـدَدٌ

حسابُهُ بينَ أيدي البنكِ والقِمَمِ

*

أفـقْـتُ مِـنْ عَـدِّهِ عـدّاً بـقـافـيتـي

كما استفاقَتْ عيونُ القَهْرِ في الظُّلَمِ

*

وسيرةُ النَّارِ مِنْ أيامِ مُوقدِها

بينَ الأخاديدِ عدٌّ فائقُ الرَّقَمِ

***

عبد الستار نور علي

...................

* "أحلَّ سفكَ دمي": تضمين من بيت أحمد شوقي:

"ريمٌ على القاعِ بينَ البانِ والعلمِ

أحلَّ سفكَ دمي في الأشهرِ الحُرُمِ"

بطِرتْ روضتنا ذات صباحٍ

حين مرَّ بها نسيمٌ

يشبه يدًا غائبةً

تعود لتلامس الذاكرة.

ومشيتُ…

فإذا بالطريق يطول تحت قدمي،

وتلمع في آخره شواطئ

لا أعرف إن كانت تنتظرني

أم تنتظر شيئًا مني.

كانت العيون تضيق قليلًا

كلما اقترب الموج،

ثم تتسع خلسةً

كأنها تخبئ سرًّا لا يقال.

وكان للبحر موعدٌ آخر؛

يعلّم المراكب أن تهتدي باللؤلؤ،

وأن تظل معلّقةً

بذلك البريق البعيد

كلما أوشكت الجهات أن تضيع.

أما النوارس،

فكانت تعرف قبلنا

أن للماء قبلةً

لا يخطئها قلبٌ

أضاع طريقه ذات مساء.

رأيتُ لؤلؤةً

مكتملةً على كتف الماء،

تبتسم للحظة،

ثم تختفي،

ثم تعود كأنها

تختبر قدرتي على الانتظار.

عندها لم أحتمل.

هربتُ من الضوء،

وصحتُ في داخلي:

أنا هاجس الريح…

لا مأوى لي إلا ظلٌّ

أعود إليه حين يتعبني الندى.

أشعلتُ نبضي العدنيَّ،

وتركتُ للفضاء

أن يسمع ما لم أقله:

ها هي سفني تعود…

لكنها هذه المرة

لم تحمل صمت الجليد،

ولا ذلك الثقل القديم

الذي كنت أخبئه

خلف وجهي.

جمعتُ من ظهيرةٍ عابرة

رذاذها،

ومسحتُ به ملامحي،

ثم راقبتُ ما تبقّى مني

من رفضٍ مؤجل،

ودفعته بعيدًا

في سهوبٍ قريبة

لا تعرف اسمي.

ولم أفهم

كيف استطال الامتداد في داخلي،

ولا كيف صارت المسافة

أقرب من نبضة.

كنت فقط أرى الضفاف تجري،

فانفتح قلبي لها،

حتى تمنيتُ،

في لحظةٍ لم أعرف كيف جاءت،

أن أرتدي واحدةً

من ظلالها…

لعل الماء

يعرف حينها

إلى أين كنت أريد أن أصل.

***

عارف عبد الرحمن

 

(على غير البحر والتفعيلة)

رحمَ اللّه جدّي

لم يقرأ لم يكتب

كان يُصلّي بالفاتحةِ

جَهرًا

بما تيسّر من القرآن سِرًّا

لم تكن لجدّي ساعةٌ

غيرَ أنّه كان يعرفُ وقتَ السَّحور

بالنّجوم

ويُقرّر صلاةَ الظّهر والعَصر

بظلّ الجدار

أو النّخلةِ

إذا تَحرّك جريدُها

يعرفُ حالَ الطّقس مِنْ غَدٍ

وإذا مرّ السّحابُ على حُوشِنا

يرنُو إلى الآفاق

فيعرفُ حيث ينزلُ المطرُ

و من أخبار جدّي

أنّه إذا سكتَ

ثمّ نظر هُنا أو هناك

وحدَها

جدّتي كانت تفهمُ

ما يريد جدي ...

* سُوف عبيد - تونس

في تمام الساعة الرابعة فجرًا قرّر العالم أنْ يتقاعد عن تلوين نفسه.

استيقظ المخرج المسرحي "فؤاد" على صوت منبهه، ليجد أنّ قهوته الصباحية لم تعد بتلك السمرة الداكنة التي تعود عليها، فقد تحولت إلى سائل رمادي غامق يشبه مياه الأمطار الراكدة.

في البداية ظنّ أنّ داء الزرقاء قد أصاب عينيه، لكنه عندما نظر من النافذة أدرك أنّ المصيبة جماعية.

لقد استيقظت المدينة بأكملها وقد غُسلت ألوانها في غسالة الكون بمسحوق رديء.

فالسماء رمادية، والأشجار رمادية، وحقائب المارة رمادية كئيبة.

لم يكن الوضع أفضل حالاً في المسرح الوطني، فقد كانت حدود الزمان تتآكل على حوافّ مدينة حجرية بلا طيف.

فتح أحد ممثلي الكومبارس عينيه فجأة على عالم رمادي مطبق، لتصدم بصره تفاصيل غرفة مقفرة من طاولة خشبية بالية غطاها غبار رمادي بسمك مليمترات، وكوب قهوة خزفي فارغ تشققت جدرانه البيضاء سابقاً لتتخذ لون الطين الجاف، وساعة حائط مسمارية توقفت عقاربها البلاستيكية عند منتصف اللا شيء بدقة متناهية.

بَدَت العتمة محواً كاملاً لكلّ بهجة بصرية، فالأزرق تخلّى عن السماء ليتركها صحنًا صلبًا من الإسمنت المبلل، والأحمر استقال من دماء الشفاه تاركًا وراءه صمتًا أعمى تتكسّر فوقه أقدام عابرة تسير وتسير في خطوط مستقيمة نحو مجهول ضبابي.

رأى بطلة الفيلم في وضع كئيب ترتدي معاطف صوفية ثقيلة تآكلت أزرارها وتناثرت خيوطها المتربة بعدد سنوات الغربة في هواء تتنفّسه ببطء مرير مقيت.

وبينما كانت الظلال تزحف لابتلاع آخر وميض للذاكرة التقت خطوات اثنين من الهائمين على صخرة صامتة في منتصف الميدان الخاوي بجانب عمود إنارة حديدي متآكل الصدأ يُفضي إلى فضاء المسرح..

كان اللقاء غريبا على غير العادة، فلا تعريف ولا هُويات تسبقهما سوى حنين غامض يشتعل تحت ضلوعهما المهشّمة.

اقتربا ببطء شديد تسبقهما أنفاس ساخنة تختلط بضباب الصباح الأملس، وفي اللحظة التي تلامست فيها أصابعهما الخشنة اندلع شرار داخلي أضاء العتمة، فتمايلت الألوان المتناثرة ملطِّخةً جدران المسرح ببهجة ساخرة ارتدى فيها وجه أحدهما زرقة فاقعة بينما تحول أنف الآخر إلى أحمر قانٍ يشبه المهرجين وسط تصفيق خافت لجَمْع رفيع القامة من تماثيل حجريّة اكتفت بمشاهدة العرض دون أنْ تحرك ساكناً.

لقد فهم الاثنان دون أنْ ينطقا بحرف أنّ الألوان عادت بأبهى تكلفتها البصرية، لكنهما ظلا واقفين في منتصف المسرح يستعدان لرقصة البجع، ويتساءلان في حيرة مضحكة: هل نعيدُ طلاء العالم المتهالك من جديد، أم نذهب للبحث عن متجر قريب يبيع مساحيق إخفاء العيوب لهذا المأزق البصري الفاقع؟

أصيب المخرج بحالة من الهلع، وبدأ الهائمان رقصتهما الميكانيكية الباردة في عالم نسيت فيه الألوان كيف تعود إلى المنزل.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

عرفته من اسم قضيته النادر. كان سجناء «أبو غريب» يختصرون قضاياهم بأسماء قصيرة تكفي وحدها لاستحضار الحكاية كلها، أما قضية الرجل البصري فكانت تسمى «الخارج».

لم يفهم أحد ما إذا كان الخارج مكاناً خلف سور السجن، أم بلداً، أم شيئاً آخر، إلى أن تولى أحد السجناء، وكان مشهوراً بيننا بتنبؤاته القاسية، مهمة معرفة سره. ظل يلاحق أبا الخارج أياماً حتى انتزع منه الاسم على مرحلتين. في اليوم الأول، وبعد إلحاح طويل، قال أبو الخارج كلمة واحدة: «جيكو». وفي اليوم التالي، وبعد أن ظل المتنبئ يترصد له عند الطعام والنوم والتنظيف، انتزع منه الكلمة الثانية: «سلوفاكيا».

ومنذ ذلك اليوم، صار المتنبئ ينادي القضية في غياب صاحبها «جيكو سلوفاكيا»، وكأن الاسم صار ملكاً له، ثم يضيف: «يعني إعدام إلا شبر»!

كان أبو الخارج يتحدث عن الخارج كما لو أنه مكان يعرفه جيداً. هناك، أشجار أكثر من البشر، وهناك أماكن لرمي النفايات، ولا أحد يبصق على الرصيف، ولا أحد يتبول على الجدران في الزوايا. وكان يختم أحاديثه بعبارة «القضية بحاجة إلى تنوير»، ثم يخفض صوته ويضغط رأسه إلى عنقه قائلاً: «نحن بحاجة إلى تنوير».

أما المتنبئ فلم يكن يكتفي بالأسماء. كان يتنبأ بالمصائب، وقد صدقت له واحدة منها. قال ذات يوم إن قاسماً سيُعاقب يوم الخميس القادم، ولم يشرح السبب.

جاء الخميس، وبدأ قاسم، من غير سبب واضح، نقاشاً فوضوياً حول آخر فيضانات بغداد. عاند على السنة، وراهن على كلامه بسيجارتين، فوصفه خصمه بالجاهل، وكانت الكلمة كافية لإشعال عراك شرس انتهى بالشرشحة واقتياد قاسم ومن معه إلى المحجر، وكان قاسم في المقدمة.

بعدها صار المتنبئ يراقب أبا الخارج باهتمام أكبر، كأنه اكتشف أن «جيكو سلوفاكيا» ليست اسماً لقضية فحسب.

أما أبو الخارج فظل على حاله؛ يغسل يديه، وينظف مكانه، ويتجنب مصافحة الآخرين، ويتحدث عن الخارج كما لو أنه يراه أمامه.

ثم بدأت حملة التنظيف الكبرى في أبي غريب.

كانت تلك أقسى علامة على زيارة مسؤول. فجأة صار الغبار جريمة، وصارت الجدران موضع اهتمام رسمي، وأخذ السجانون يركضون بالماء والصابون، وكأن النظافة اكتشاف حديث. أما أبو الخارج فلم يفاجأ. كان قد سبق الجميع إلى حملته الخاصة، فنظف مكانه حتى صار أنظف من الأماكن التي يقصدون تنظيفها، وظل في يوم الزيارة يتفقد الأرض ويمسح موضعاً لا تكاد العين تراه.

دخل المسؤول أخيراً، مجهولاً كما يأتي المسؤولون دائماً، بنظارته السوداء الكبيرة ونظرته الجادة. وقف أمام الزنازين وسأل السجناء إن كانوا يحتاجون شيئاً، فجاءت الإجابات كما لقننا السجانون: «لا أستاذ، لا نريد سوى سلامتك، الله يحفظك ويحفظ الرئيس».

وصل إلى زنزانتنا وسأل السؤال نفسه.

ساد الصمت لحظة، ثم تقدم أبو الخارج وقال بكل جوارحه: «نعم سيدي، محتاجين تنوير».

توقّف المسؤول فجأة، فتوقّفنا معه. ساد صمت، كأن الكلمات نفسها تراجعت خوفًا مما قد يحدث. أسرع السجّان إلى الكلام، محاولًا إنقاذ الموقف قبل أن يتفاقم، وقال على عجل:

«الحقيقة والواقع، سيدي، أن هذا المشاكس بالذات وسواسيّ ومجنون. هو يقصد الإنارة والكهرباء، لا أكثر... المصباح يحتاج إلى إصلاح، وهذا كل ما في الأمر.»

ظل أبو الخارج ساكتاً حتى انتهى السجان من شرحه، ثم نظر إلى المسؤول وقال بهدوء إن المصباح يعمل، وإنه يقصد التنوير.

حاول السجان أن يضحك، ثم أخذ يشرح أن الرجل يقصد شيئاً آخر، وأنه مولع بالنظافة والترتيب، وأن التنوير عنده ربما يعني تحسين المكان. لكن أبا الخارج ظل ينظر إليه، ثم قال للمسؤول: «هو يعرف معنى التنوير، فقد كان يلقننا كل يوم ماذا نقول حين تسألنا».

التفت المسؤول إلى السجان.

وأضاف أبو الخارج: «وكان يقول لنا إن الجواب الصحيح هو أن ندعو لك وللرئيس».

بقي المسؤول ينظر إليه، وبقي أبو الخارج واقفاً في مكانه، نظيف اليدين، نظيف الثوب، نظيف الزنزانة، كأنه أعد كل ذلك منذ أسابيع لهذه اللحظة.

وصارت الزنزانة أهدأ من مقبرة.

***

بولص آدام

 

كلُّ شيءٍ

يكتمل،

إلّا حبُّكِ،

فهو دائمًا

يبحثُ عن الدهشة.

كلّما ظننتُ

أنّي وصلتُ إليكِ،

أخذتني عيناكِ

إلى مكانٍ

لم أعرفه من قبل.

وكلّما قلتُ:

هذه نهايتي،

ابتدأتْ فيكِ

حكايةٌ أخرى.

كأنّكِ

لا تُحبّينَ أن تكتملِي،

وكأنّي

لا أريدُ لهذا الحبِّ

أن يصل.

أريدُهُ

دائمًا في الطريق،

دائمًا قريبًا،

دائمًا على وشكِ

أن يقولَ شيئًا

لم نقله بعد.

فالحبُّ الذي يكتملُ

يصيرُ ذكرى،

أمّا حبُّكِ

فكلّما اقتربتُ منه

ابتعدتْ دهشتُهُ قليلًا،

لأظلَّ

أحبُّكِ

وأبحثُ عنكِ

فيكِ.

***

د. جاسم الخالدي

مشهد/ إيران

٣/ ١٠/ ٢٠٢٦م

جمَّعتُ مِن ورقِ الأشجارِ بعضَ ندىً

صيَّرتهُ نهرَ عشقٍ جامحاً خَطِرا

*

وكنتُ أبحثُ عن بنتٍ لِتسْبَحَهُ

فجاءَ سربُ بناتٍ قدْ درى فسرى

*

اِمّا تراني بفكري سارحاً ثملاً

فقل أتى قَدَراً قدْ أذهلَ القَدَرا

***

شعر: كريم الأسدي - العراق

لا أحدَ يعلمُ من أينَ جاءَ الدخانُ

العالمُ برمتهِ أعمى.. أم هي ساعةُ الغياب؟

أولُ مرةٍ أرى تُرابًا يبكي

وهواءً ثملًا من الخوفِ!

ولأولِ مرةٍ أبصرُ رأسيَ يركضُ أمامي...

يركضُ كي يفلتَ من رأسِ دخانٍ هائج!

فأنا مثلُ رأسي

لكنني جبلٌ أخرس!

قالَ لي ذاتَ يومِ أبي:

إنني صخرةٌ من ماء

أحملُ في أنهاري مدنًا تلدُ

وأخرى تلدُ أيضًا

لكنّها لا تشبهُني.

قلتُ لَهُ : لم أدرك ألوانَكَ في المعنى.

ابتسمَ لي..ثم قبلّني

وقالَ أنتَ أصابعُ الشمسِ

وخجلُ القمر!

لم أدرك ألوانكَ يا أبتي.

صمتَ قليلًا... ونظرَ إلى صمتِهِ

ثم مضى..

لم أدرك أينَ

لكنني أتنفسُ صوتًا

ظلَّ يفرشُ لي ابتسامتَهُ

كان أبي في المعنى

وأنا في رأسٍ دخانٍ أعمى!

في مكانٍ ما

ما زالَ هناكَ شيءٌ لم يحترق

ربما حلمُ حبيبتي

أو دمعةُ أمي..!

***

حسن رحيم الخرساني

 

لم يعد حميد يعدّ الأيام. كان يفعل ذلك في بداية خدمته العسكرية، حين كان الزمن لا يزال شيئًا يمكن الإمساك به. كان يعرف، تقريبًا، كم يومًا بقي على الإجازة، وكم أسبوعًا يفصله عن نهاية الخدمة، ويستطيع، في الليالي الطويلة، أن يستلقي على ظهره داخل الخيمة أو في ملجأ ضيق تفوح منه رائحة العرق والملابس المبتلة، ثم يبدأ العدّ.

واحد.

اثنان.

ثلاثة.

وكلما وصل إلى رقم جديد، يشعر أنه انتصر على يوم آخر. الزمن آنذاك بالنسبة له يشبه عدوًا يمكن مراقبته من بعيد. أما الآن، فلم يعد يعرف أين يضع يده عليه. انحلّ الزمن من شكله القديم، أو لعل حميد هو الذي انحلّ منه. لم يعد يعرف كم سنة مضت منذ ارتدى البدلة العسكرية للمرة الأولى، ولا كم جبهة انتقل إليها، ولا كم خندقًا نام فيه، ولا كم مرة استيقظ على صوت قصف ليجد أن الليل ما زال في مكانه، وأن النهار الذي يفترض أن يأتي، تأخر مرة أخرى.

الأيام فقدت أسماءها. لم يعد يميز بينها إلا بالموتى.

هذا اليوم مات فيه فلان.

وفي ذلك اليوم اختفى فلان.

وفي يوم آخر حملوا رجلًا إلى الخلف، ولم يعرف إن كان قد مات قبل أن يصلوا به أم بعد ذلك بقليل.

يتذكر الموتى أكثر مما يتذكر الأحياء. ولم يكن في الأمر ما يدعو إلى الدهشة.

كما اكتشف، أن الأحياء يمتلكون عادة مزعجة: يبتعدون، يتغيرون، ينسونك، ثم قد يظهرون بعد سنوات وكأن شيئًا لم يحدث.

أما الموتى فكانوا أكثر انتظامًا. يبقون في اللحظة التي تركتهم فيها. الوجه نفسه، النظرة نفسها، وربما الكلمة الأخيرة نفسها، إذا كانت هناك كلمة أخيرة أصلًا. وهذا جعل الموتى، بطريقة غريبة، أكثر وفاءً من الأحياء.

كان يقضي معظم حياته في الحرب، وإن لم يكن يعرف متى بدأت الحرب تأخذ شكل الحياة في داخله.

كلما وصل إلى جبهة جديدة، اختار زاوية يضع فيها حقيبته، ثم حفظ أسماء الرجال الذين يشاركونه المكان.

بعد أيام قليلة كان يستطيع أن يميز وقع أقدامهم في الظلام، وأن يعرف صاحب الخطوة الثقيلة من صاحب الخطوة المترددة، بل إنه يعرف، أحيانًا، من الطريقة التي يشعل بها أحدهم سيجارته، إن كان خائفًا أم مطمئنًا.

ثم يموت أحدهم.

ويأتي رجل آخر.

هكذا كانت الحرب تُدار بالنسبة إليه. ليس بالخرائط والخطط والأوامر، وإنما بالفراغات التي يتركها الرجال وراءهم.

حين يسأله أحد عن سنوات الحرب يقول :

ـ  كنت محظوظًا.

يقولها بلا ابتسامة تقريبًا، وبلا مرارة ظاهرة، كأنه يتحدث عن شخص آخر. لكنه لم يكن يحب هذه الكلمة.

محظوظ.

يشعر أنها كلمة غير عادلة بالنسبة إلى أولئك الذين لم يعودوا موجودين لكي يسمعوا بها. لذلك يصمت.

مع مرور الوقت، أخذت الوجوه تتآكل في ذاكرته.

يتذكر وجهًا وينسى الاسم،

أو يتذكر الاسم ولا يستطيع أن يستعيد الوجه.

وربما أكثر ما يخشاه من الموت نفسه، أن يأتي يوم يستيقظ فيه فلا يجد أحدًا في ذاكرته. حتى أولئك الذين ماتوا. وهنا بدأ يشك في نفسه.

هل كانوا أصدقاءه فعلًا؟

هل أحبهم؟

أم أن الإنسان، حين يعيش طويلًا في مكان يمكن أن يموت فيه في أي لحظة، يتعلق بمن ينام إلى جواره، لا حبًا به بالضرورة، وإنما لأن وجود جسد آخر في الظلام يمنحه الوهم البسيط بأنه لن يموت وحيدًا؟

لم يعرف.

ولم يحاول أن يعرف.

فقد اكتشف، مع السنوات، أن بعض الأسئلة يكون تركها بلا جواب أكثر رحمة.

وكان هناك شيء آخر نسيه، ربما كان هذا النسيان أكثر قسوة من نسيان الموتى: أنه كان ذات يوم رجلًا لا علاقة له بالجيش. رجلًا آخر.

قبل البندقية كان هناك حميد آخر، وقبل الخندق كان هناك بيت، وقبل الأوامر كانت هناك كتب. كان يحب القراءة. ليس ذلك الحب الذي يعلن عنه الناس حين يريدون أن يبدوا مثقفين، بل ذلك الحب الهادئ الذي يجعل كتابًا مستعملًا، ذا صفحات مصفرة ورائحة غبار، شيئًا أثمن من أشياء كثيرة يملكها المرء. ويكتب أيضًا. أو يحاول أن يكتب.

لديه دفاتر صغيرة، أوراق متفرقة، جمل كتبها في أوقات مختلفة، أفكار لم تكتمل، وبدايات قصص لم تجد نهاياتها. كتَبَ محاولات جادة، ويعتقد، على نحو بسيط ومخلص، أن بعضها يستحق أن يرى النور. لكن النور لم يأت.

ربما لأن الحرب كانت أسرع من الكتابة.

وربما لأن الكتب، في ذلك الزمن، تحتاج إلى أشياء لم يكن حميد يملكها: وقتًا، وهدوءًا، ومكانًا لا تسقط فيه القذائف. ومع ذلك لم يتخلَّ عن الكتب. يحمل واحدًا منها معه أحيانًا إلى الخندق. وهذا، في نظر بعض الجنود، أمرًا مضحكًا. رجل يقرأ بينما يمكن أن يأتي الموت من الجهة الأخرى من الساتر. لكنه لم يكن يرى التناقض. بالنسبة إليه الكتاب شيئًا يشبه النافذة. وحتى لو كانت النافذة صغيرة، وحتى لو لم تُظهر إلا قطعة من سماء بعيدة، فإنها تظل نافذة.

يقرأ تحت ضوء خافت، وفي أثناء فترات الهدوء، وبين انفجارين، وأحيانًا وهو ينتظر دوره في الحراسة. فإذا سأله أحدهم:

ـ ماذا ستفعل بالكتاب عندما تنتهي الحرب؟

يرفع كتفيه، فقط .

ربما سيعود إلى الكتابة. يقولها كأن الحرب شيء له نهاية مؤكدة.

ثم يمر يوم آخر.

ويأتي آخر.

وتستمر الحرب.

ويستمر الكتاب في جيبه.

وبعد سنوات، لم يعد متأكدًا أيهما بقي أطول: الحرب أم الكتاب.

في إجازته الأخيرة، عاد إلى البيت. جسده يعرف الطريق أكثر منه.

دخل، وضع أغراضه في المكان الذي اعتاد أن يضعها فيه، جلس قليلًا، ثم تمدد ونام.

نام طويلًا.

كان نومه عميقًا إلى درجة جعلت زوجته لا توقظه للغداء. وحين سأل الأطفال عن أبيهم، قالت لهم:

ـ اتركوه نائمًا.

كانت تعرف أنه حين ينام لا يكون نائمًا تمامًا، وإنما يبتعد. وتعرف أيضًا أن إيقاظه فجأة ليس فكرة جيدة. ربما لأن الرجل الذي ينام بعد سنوات من الحرب لا يعود دائمًا إلى المكان نفسه الذي نام فيه.

حين استيقظ، ظل لحظات ينظر إلى السقف. لم يعرف أين هو. لم يكن الأمر غريبًا عليه. سمع صوت طفل يركض في الفناء، وملعقة تضرب حافة كوب، وصوت زوجته في المطبخ، ثم احتاج إلى لحظات حتى يتعرف إلى هذه الأصوات التي يفترض أنها أكثر أصوات العالم ألفة. يعرفها جميعًا. ومع ذلك بدت له، للحظة، أصواتًا قادمة من مكان بعيد. ثم تذكر.

البيت.

الإجازة.

الحياة.

في اليوم التالي خرج. لم يكن لديه مكان يقصده. وهذا يروق له. ترك الشارع يختار عنه.

دخل مقهى، شرب الشاي، جلس يراقب الناس. يحب مراقبتهم بطريقة لا يفهمها تمامًا.

رجل يتشاجر مع سائق.

امرأة تشتري الخضار.

طفل يركض خلف كرة.

شاب يضحك بصوت عالٍ.

رجل آخر يقف وحيدًا أمام واجهة محل.

يرى في كل ذلك شيئًا يطمئنه. بأن العالم مستمر. وهذه، في تلك السنوات، لم تكن فكرة صغيرة.

كان يحب المرور قرب دور السينما أيضًا. يتوقف أمام صور الأفلام، يتأمل وجوه الممثلين، ثم يمضي. لم يكن يريد أن يكون مثلهم. فقط يحب فكرة أن هناك حياة أخرى، حياة لا يحتاج فيها المرء إلى معرفة اتجاه الرصاصة قبل أن يسمعها.

يأكل حين يجوع. يمشي حين يريد. يجلس حين يتعب. ولم يكن يعرف أن الناس كانوا ينظرون إليه. بعضهم يبتسم. بعضهم يكتم ضحكته.

رجل تجاوزه ثم التفت إلى الخلف.

شابان صمتا حين اقترب منهما، ثم انفجرا بالضحك بعد أن ابتعد.

امرأة نظرت إليه طويلًا، ثم أمسكت بيد طفلها.

أما حميد فلم يفهم شيئًا. ولم يكن ذلك لأنه غبي. فقط لأنه كان منشغلًا بنفسه على نحو لا علاقة له بالغرور.

كان سعيدًا.

سعيدًا بهذه الحرية الصغيرة التي اكتشفها متأخرًا:

أن يمشي بلا هدف، وأن لا يصدر أحد أمرًا له، وأن لا ينتظر منه أحد أن يطلق النار.

بدا متصالحًا مع نفسه إلى درجة جعلته غير مهتم كثيرًا بما يراه الآخرون فيه.

وعندما عاد إلى البيت، كانت زوجته أول من رآه. نظرت إليه. ثم انفجرت بالضحك. حاولت أن تمنع نفسها، لكنها لم تستطع. ضحك الأطفال معها.

وقف حميد عند الباب. نظر إليهم. ثم قال:

ـ ما الذي يضحك؟

لم تستطع زوجته الكلام.

أشارت إلى الِمرآة.

اقترب منها. نظر إلى وجهه. كان وجهًا يعرفه ولا يعرفه. رجلًا أكبر مما ينبغي، وأصغر مما ينبغي، بحسب الضوء والتعب والسنوات التي لم يعد يعرف عددها. ثم نظر إلى ملابسه. وهناك اكتشف الأمر. كان يرتدي ملابسه المدنية كاملة.

القميص.

السروال.

الحذاء.

وفوق رأسه كانت القبعة العسكرية.

ظل ينظر إليها في المرآة.

ثم قال:

ـ آه.

وكانت تلك الـ"آه" كافية.

ضحك.

لم يغضب.

لم يشعر بالإهانة.

ولم يحاول أن يبحث عن شخص يلومه.

فجأة فهم كل شيء:

تلك الابتسامات في الشارع، ذلك الشاب الذي التفت إلى الخلف،  المرأة التي نظرت إليه طويلًا، الرجلان اللذان انفجرا بالضحك. كلهم رأوا ما لم يره هو. كان قد خرج من البيت بثياب رجل مدني، لكنه ترك الحرب جالسة فوق رأسه. وكان الأمر مضحكًا فعلًا.

ضحك .

ضحكت زوجته.

وضحك الأطفال.

لم يشعر أنه هو موضوع السخرية تمامًا. كان يرى الأمر من الخارج أيضًا، كأنه يشاهد مشهدًا في فيلم. رجل قضى سنوات في الحرب، ثم عاد إلى بيته، وخرج ليتنزه في المدينة، وجلس في المقهى، وتأمل صور السينما، واشترى شطيرة، ثم عاد إلى البيت وفي رأسه قبعة عسكرية لم ينتبه إليها.

كان المشهد سخيفًا. والسخرية، في هذه المرة، عادلة.

خلع القبعة ووضعها على الطاولة. ثم بقي ينظر إليها. لم تكن القبعة مجرد قطعة قماش. حملها سنوات طويلة، حتى صار من الصعب عليه أن يعرف متى يرتديها ومتى هي التي ترتديه.

تذكَّر، للحظة، الخنادق.

تذكر الرجال.

تذكر الكتب.

تذكر دفاتره الصغيرة.

وتذكر الجُمَل التي كتبها ولم يقرأها أحد. ربما لا تزال في مكان ما.

في صندوق.

في حقيبة.

في درج قديم.

أو ربما ضاعت مثلما ضاعت أشياء كثيرة. لكنه لم يشعر بالحزن. كان لديه شعور آخر، أكثر بساطة. أن الكتابة لم تمت. فهي، مثل الكتب، لم تكن تحتاج إلى أن ترى النور لكي تظل موجودة. يستطيع أن يعود إليها يومًا. إذا انتهت الحرب. وإذا انتهى شيء آخر لا يعرف اسمه.

ابتسم.

نادته زوجته إلى العشاء.

التفت إليها. ثم أخذ القبعة ووضعها بعيدًا، ومشى نحوهم.

***

مروان ياسين الدليمي

أفتح نافذة للحلم الواقف

في الباب

وأسأله عن ساقيه

كيف تبادلتا الرقص به

أثناء الليل

وقد كان إلى الدم

في الشجرة ينظر

والغزلان قريبا منه

تثب زرافاتٍ وفرادى

(لا يكفي التوضيب لوجهي زمنا

حتى أتذكره

أو أغرق برؤاه)...

هي الأفكار هلامٌ يتعقبني

آهٍ لو تذروها الريح يبابا

قد يطلع ظني أخضرَ ممزوجا

بعبير الغبطة

وحدي في ردَهات التيه أحدّق

أبني وطنا يتسع

تجيش ذراه منىً

تبحر فيها سفن صادقة الوعد

وتلبس بِشْرَ الزمن القادم.​

***

مصطفى معروفي

 

يتطلع ذاك الرجل في المرآة، تتغير صورته

يرى قردا، بل يرى ثعلبا في هيئة إنسان في المرآة.

أرأيت كيف تغيرت الصورة؟

فغدت ثعلبا في هيئة إنسان!

مهما تتعبك الحيلة، فلن تتغير الصورة

ستبقى ثعلبا في هيئة إنسان.3317 shaf

أمضيت زمنا في اللعبة مختلسا خلسة في الليل

تنظر وتراقب نافذة الفجر، أغراك المشهد في اللعبة

تعاود تنظر في المرآة، تتأمل وجهك ثانية

تلصقه بزجاج المرآة، لتتأكد

تتعجب ...لا تتعجب!!

مهما حاولت، وتساءلت، كيف تحولت؟

كيف أصبحت قردا، بل ثعلبا؟

المرآة لا تكذب:

من قال لك يوما؟

إن للإنسان الثعلب وجها آخر في المرآة

فأكد.

***

لطفي شفيق سعيد

الخامس من تشرين أول 2026

الطائرُ النَقّار وشُجيرة الصُبّار

إلى: ناطورِ الإبتداع

***

بأجنحةِ الأشواقِ أسرى إلى المُطْلقْ

وليسَ سوى الألغازِ مهما السُرى استغْرقْ

**

فلا بُدَّ للنقّار سَبْرَ جذوعِها

هُنالكَ يحلو التينُ إن شوْكُها أشْفقْ

**

لَعلَّ سُلافَ التينِ طابَ مُعتّقاً

بِحَدْسٍ لنا يُوحي ثُمالةَ ما عَتّقْ

**

وَليْتَ تَفي الأسرارُ غوْثَ بشائرٍ

فسادِنُها الناطورِ أمطرَ بل أغدقْ

**

أما يُدْركُ الناطورِ هَوْلَ شِباكِها

بَلى: إنّما غاوٍ يُراوُدُ كي يَعْلَقْ

**

ينادي على الأفلاكِ هاتِ نيازكاً

فإنّ ركامَ النفسِ أجدبَ بل أملقْ

**

رأى عَدَماً يغشى رَمادَ دَوارِسٍ

فَحَبّرَ ماءَ الروحِ في حرْفهِ الأزرقْ

**

ألا يا نديمَ النخْلِ جَفَّ بُويْبُكمْ

وبدرُ خصيبِ الشطِّ غابَ وَلَمْ يُمْحقْ

**

وَ (برْحيَّةٍ) تُهدي عُذوقَ خَصيبِها

(وبَمْبَرهُ) المعسولُ عُنْقودُهُ أطْرقْ

**

حَنانيْكَ نحّاتاً أحَبَّ رُخامَهُ

وَرَشّقَ أحجارَ الكلامِ إلى الأرْشقْ

**

ونُعماكَ رحّالاً يغيبُ لِيَرتقي

ووقتَ حضورِ القلبِ دمعَ الجوى أهرقْ

**

قَفا أثَراً للسابقينَ ولم يَكنْ

يُقلّدُ مطروقاً فَجوّزَهُ الأسْبقْ

**

دَواليْكَ يُسقينا نبيذَ كُشوفِهِ

فَيا حبّذا كشفٌ يُشيرُ ولا ينطقْ

**

وَلاسيّما إيماءَةٍ بِقصيدتي

تُطوّقُ بالإكْليلِ عاتِقَ مَنْ طوّقْ:

**

سُباعيّةً سكرى عَقيقَ قلائدٍ

وجوهرُها الأْلأءُ من قَزَحٍ أأْنقْ

**

وَبورِكَ سَكْراناً بِسحْرِ طريقَةٍ

فأقْلقَ شيخَ الحانِ: طوبى لِمَنْ أقلقْ

**

رُؤاهُ تراءتْ للأنامِ طلاسِماً

بماءِ مرايا الطِرْسِ فائْتَلَقَ الرونقْ

**

وثمَّ يَواقيتٌ تُنيرُ وَصيدَهُ

وتاهَ فَبابُ الغيبِ مِنْ أزَلٍ مُغلقْ

**

تَفائلَ لمّا حازَ بَيْرَقَ سابِرٍ

فربّتما المعنى يجيءُ مع الببْرقْ

**

وسوفَ يعي الراؤون سِرَّ ضبابِهِ

وكيفَ بهذا التيهِ هوّمَ واستطْرقْ

**

وصوبَ ذُرى الألحانِ مَدَّ سَلالِماً

وَسُلَّمُهُ المِفراسُ يا طالما أرهقْ

**

تَلَقّطَ مِسباري بصيصَ نُبوءةٍ

ولكنَّ مَنٌ أفشى الحقيقةَ قدْ يُشْنقْ

**

فَيا عُرَبَ الأنغامِ حَسْبُكِ نشوةً

بِمُبْتَدِعٍ حتى النشازَ بِها مَوْسقْ

**

تغرّبَ حتى جادَ قوسُ كَمنْجَةٍ

مقامَ بَياتٍ في سَفائِنِهِ شَرّقْ

**

فَأوّاهُ يالحنَ البياتِ مع الصَبا

أراقا دَمَ الأوتارِ حينَ الجوى إغروْرقْ

**

لَهُ بِدَعٌ حُسنى تَشُعُّ ضلالَةً

تُضيءُ رُبى الفردوسِ تحتَ الذي حَلّقْ

**

ذنوبُ غُواةِ الشعرِ تُغْفَرُ جُنحةً

فَبشّرَتِ الألحانُ سادِنَها الأنزقْ

**

سُيولُ عُيونٍ في البواطنِ أجْهَشتْ

وَشَلّالُها الهدّارُ أغْرقَ مَنْ أغْرَقْ

**

طُيوفُ أماسيهِ تلوحُ مواكباً

تَزيدُ هوى المفتونِ في نخْلةِ الجوسقْ

**

أضاء فناءَ الكوخِ خَفْقُ يَراعَةٍ

كأنّ شُعاعَ النجْمِ من دمعها يُسْرَقٌ

**

فأسرجَ نحوَ البُرْجِ جمْرَ خسائرٍ

وهل تُبْعَثُ العَنْقاءَ من دونِ أن تُحْرقْ؟

**

بِفيْءِ مَجازِ الوَجْدِ شَيَّدَ خُلْوةً

لعلَّ بِرِمْشِ الريحِ أبوابَها تُطْرقْ

**

على ضَفَةِ المجهولِ صومعةً بنى

بها المَلَأُ الأوفى لقافيةٍ صفّقْ

**

وحادَ عَنِ المُعْتادِ نحوَ غرائبٍ

وقابَ كُوى الديجورِ كوكبهُ أشرقْ

**

تراءت له الأحقابُ قيدَ سلاسلٍ

فَنوّرتِ المِشكاةُ قُمْقُمَهُ الأعمقْ

**

يقولُ كفى الأسلافَ عَزْفُ ربابَةٍ

فعاشقُها المأسورُ آنَ لَهُ يُعْتَقْ

**

فَصاغَ سَليلُ الماءِ من مُتَرَدّمٍ

مُعلّقةَ الآتينَ أنّى بها نلحقْ؟

**

رُوَيْدَكَ نقّاداً يُعيبُ صِياغَةً

مَذاقُكَ خانَ الشَهْدِ أم فَمُكَ الأشْدقْ؟

**

أرامَ سوى تجنيحِ مُعْجَمَ سالِفٍ

فغادرَ مأثوراً تَهلْهلَ إذ أخْلقْ؟

**

يُفتّقُ أكماماً لعلَّ جديدَها

يُبدّلُ أسمالَ القديمِ ولا يَرْتقْ

**

عَقيبَ صدى الطوفانِ جاشَ لُبابُهُ

فرجْرجَ في المخيالِ رؤيا كما الزئبقْ

**

تجاوزَ مألوفَ البُحورِ مدادُهُ

وحينَ تمادى النوْءُ طارَ بهِ الزورقْ

**

يجوسُ عناقيدَ السريرةِ قاطِفاً

وَيَرْشفُ من ناقوطِ سُلافِها الأعرقْ

**

يُنادمُ (شاماناً )ويخلعُ شيْخَهُ

فَصارَ مُريدَ النايَ بل عودِهِ الأصدقْ؟

**

فَيا عَبْقَرَ الغاوينَ جِئْتُكَ سائلاً

قَرينَ خُطى المشّاءِ كم مَرّةً أخْفقْ؟

**

بُعيْدَ هُطولِ الوحْيِ زاغَ مُوارِباً

وأرْعدَ قَبْلَ الصُورِ من بعدِ ما أبْرقْ

**

فَيالكَ صُبّاراً تشوّكَ تينُهُ

وَقَطُّ قَذى الأشواكِ (رنثاهُ) لن تعشقْ

**

فحازَ رُؤى (رَيّاهُ ) دونَ رِضابِها

وَعاودَ عزفَ الناي في قَبْوِهِ الخندقْ

***

د. مصطفى علي

حـربُ الـنـجـومِ إذا أدَرتِ رَحـاها

فـعـلـيـكِ يـا رأدَ الـضُـحى بـلـواها

*

هـي لُـعـبـةٌ لا يـسـتـطـيـعُ حـسـابَـها

مَــنْ لــمْ يُـجَـرّبْ نــارَهـا ولـظــاها

*

هـي لُـعـبـةُ الـمَـغـرورِ حـيـنَ يَـرُومُـها

مُـتــوهّــمًـا فـي كــســبــهِ إيّــــاها

*

وبـهـا يـرى الـمـغـرورُ أيـن مـآلَـهُ

مِـنــهـا ويَــعــلَــمُ أيُّـنـا أشـــقـاها

*

إنّـي اُحَـذرُكِ الـنـتـائـجَ مُـشــفِـقًـا

ولـطــالـمـا حــذّرتُ مِـن عُـقــبـاها

*

هـا أنـتِ فـي صَـلَـفِ اراكِ بـعـيـدةً

عـنْ واقـــعٍ وعِـــلاقــةٍ أمــــلاها

*

ظـرفـي ولـيـنُ مـشـاعرٍ أبـديـتُـها

كُـنـتُ الـسـلـيـبَ ولـمْ اعِ أُخـراها

*

وكـأنـني أمـسـيـتُ فـي زنــزانـةٍ

نَــزّتْ فـســاءَ مَـكــانُـها وهــواها

*

بـلْ صـارَ عِـبْـئُ بُـخـارِها فـي خـاطـري

صَــدَأً ودامَ سَــــحــابُـهُ بِـســمـاها

*

لا تَـعـجَـلي حـربـي أقـولُ نـصـيـحـتي

أنْ تُــوقـفـي قَـبــلَ الـفَـواتِ خُـطـاها

*

كـانَ الـزمـانُ وكُـنـتُ فـيـهِ مُـدَلّـهًا

لا أدري مــا الـدُنـيـا ومــا مَـعــنـاها

*

إذْ كـنـتِ أحـلامـي تـطـوفُ وجـنّـتي

والــروحُ بـيـن ظـــلالـهـا مَــرعـاها

*

أيّـامَ كُـنـتُ أرى صـبـاحيَ مُـشـرقًـا

فـي وجـــهِ فـاتـنـتي وفـي مَـغــنـاها

*

لـتـذوبَ ذاتـي فـي غـيـاهـبِ نَـشـوتـي

عِـشـقًـا وتُـمْـطُـرُنـي غـيـومُ رضـاها

*

لـكـنَّ ســوءَ الـظـنِّ عـنـد حـبـيـبـتي

وصــلافـــةً فـي طـــبـعــهـا أرداها

*

ظـنّـتْ بـأنّـي خـاتـمٌ أو دُمـيـةٌ

هـو مـا قـرأتُ ومـا حَـكَـتْ عـيـنـاها

*

وكـأنـني بـحـيـاتـها لا دورَ لـيْ

دوري انـتـهى وبـهِ انـتـهى مَـلـهـاها

*

قـدْ فِـقْـتُ يـا رَأْدَ الـضُـحى مِـنْ سـكـرتي

وسَــتَـعـلــمـيـنَ مَـنْ الــذي يَـصــلاها

*

رُدّي عَـلـيَّ إذا مـلـكـتِ شــجـاعـةً

قَــوْلِـيْ وأصــدقَ مــا يـكـــونُ وِجــاها

*

هـذي طـبـيـعـتُـكِ الـتي جـربـتُـها

فـمـتـى تـكــونُ الـحـربُ كـي أغـشـاها

*

نُـصـحي إلـيـكِ بـأنْ تَـقَـرّي ســاعـةً

كـيْ تُـنـعــمـي الـتَـفـكـيـرَ فـي اُخـراها

*

مُـضـنـاكِ لا يـخـشى الـوعـيـدَ فَـهـوّنـي

مـا كــانَ حــالاً قـد مَــضـتْ وطــواها

***

الحاج عطا يوسف منصور - الدنمارك

الاربعاء في 14 / آب / 2013

"إذا لم تستطع شيئا فدَعْهُ

وجاوِزْه إلى ما تستطيع"(1)

*

ولا تَنْدمْ على أَمْسٍ تَقَضَّى

تَهيّأْ للغدِ كَي لا يَضيعْ

*

ولا تَبْكِ سِنينَ العُمْرِ فَهْيَ

فُصولٌ بَيْنَها خَيْطٌ رَفيعْ

*

نُجارِيها بِحُلْوٍ مِن هَناءٍ

ومُرٍّ مِن عَناءٍ، كالضَّريعْ

*

فَلَوْ غابَ الخريفُ لَمَا شَتَوْنا

ولا رَقَصَتْ فراشاتُ الرّبيعْ!

*

ولا تَشْكُ جَفا أَغْمارِ قَوْمٍ

فكَمْ ذئبٍ بَدا حَمْلًا وديعْ!

*

وكم راعٍ تَوارى في سُباتٍ

يُهَدهِدُه صَدَى شَكْوى القَطيعْ!

*

يَرى أثناءَ حُلْمٍ أنّ طَيْرًا

تَهاوَى، مِنْ عُلُوٍّ، في وَقِيعْ

*

فَمَا طارَتْ طُيورٌ أو تَعَلَّت

هَوَتْ، وَوُقوعُها سَهْلُ سَريعْ

*

ومَن رَفَع السّماءَ بِلا عِمادٍ

وأَجْرَى الفُلكَ في نَظْمٍ بَديعْ

*

يُدَبِّرُ رِزْقَ كُلِّ الكادِحينَ

ويُقْسِطُ إنْ قَضَى، بين الجميعْ

*

فثِقْ باللهِ، لا تَرْجُ عَظيمًا

سِواهُ، ولا تُطِعْ مَنْ لا يُطيعْ

*

ولا تَكْتُمْ سَنَا وَجْدٍ أَضاءَ

شُغافَ القَلبِ كالطَّلْعِ / الْوَلِيعْ

*

فكَمْ صَمْتٍ أَذاعَ هَوَى مُعَنًّى

وذَا صَمْتِي لِما أُخْفِي يُذيعْ

***

د. المنتصر العامري

........................

(1)      : بيت منسوب لعمرو بن معد يكرب الزبيدي المعروف بصاحب الصمصامة، وهناك من ينسبه إلى دريد بن الصمة الجشمي.

في نصوص اليوم