عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

أنا اكبر مني بقهر ونيف

أحلامي صارت، حطب موقد خشبي

تحت خيمة ممزقة ...3272 majeeda

كل صباح، أتفقد أطرافي، هل لا زالت في موضعها...

تعلمت الحساب، بعد الأشلاء المتناثرة

هنا وهناك...

الغاشي، يمطر رؤوسنا كل حين بمناشيره المجترة،

"من يفقه التاريخ تحرم عليه الجغرافيا"،

لذلك حفظنا كل حكايات الجدات، ووضعنا حكمها كمسابح حول الأعناق ...

***

مجيدة محمدي

..................

* اللوحة للرسام الفلسطيني الراحل، سليمان منصور

الشجر العائلي احتمالٌ وثيق

وقد يحتوي منه شيئا

يشاع

بأن الغيوم إذا حضرت

حفلة الأرض

سوف تمد يديها للصبايا

يؤازرها صولجان الحقول على

عاتق الأفْق...

ليلةَ أمس فقط

اِكتشفتُ بأن القطين من الغجر ارتحلوا

ثُم لم يتركوا غير نؤي بعيد الرؤى

وأغانيَ يأوي إليها المزاج المكدّر

بل والهواجر

والنوق

تقتات منها الحجارةُ

ليس تني...

بين ليل وليل

هناك نهار يغمغم

فوق سرير عصي الملامح

لا امرأةٌ بالأحاديث تنساب

لا نبعَ يبدو لديه المناحي

تفيض عبيرا

فليس هناك سوى الظل

ما زال ينأى

وينأى

ويركضُ.

***

مصطفى معروفي

 

وقفت بثوبها الأبيض كأنها تشيع أحلامها وبراءتها الى مثواهما الأخير بينما يؤدي الجميع رقصة شعبية. كانت تريد ان تصرخ لكن صوتها أختنق بين الخوف والخذلان.

تتوجع ألما وحسرة حين دخلت قاعة الاحتفال خجلة، لم ترفع رأسها بوجوه الحاضرين، تمنت بداخلها ان يحدث أمر ما، ليفشل هذا الزواج الذي خنق انفاسها وجعلها تفكر بالهرب. فهل يمكنها ان تهرب من ليلة زفافها بفستانها الأبيض؟.

اجتمع الأهل والأقارب. وهي تحسبهم صنف من البرابرة أو آكلة لحوم البشر.

زُفتْ عروس لابن عمها الذي يكبرها بسنوات عديدة. اقتلعها الكبار من عالم طفولتها، وألبسوها فستان الزفاف الذي أثقل جسدها النحيف. تاركة خلفها دميتها وأحلامها وشهادة درجاتها المدرسية.

ما تزال تجمع احلامها الصغيرة بين دفاتر المدرسة، وتشجيع مدرساتها وصديقاتها عند وقوفها على خشبة المسرح المدرسي وهي تؤدي دورا فكاهيا أثار أعجاب الحاضرين فقررت ادارة المدرسة ان تمنحها كأس التمييز والأبداع. لكن أسرتها. من الناحية الأخرى قرروا ان يختاروا لها طريقا آخر لم تختره هي. فقد أجبروها على الزواج من ابن عمها، لتكون الزوجة الثانية، فزوجه الأولى لم يحالفها الحظ بالإنجاب. اذن ستكون هي الوعاء الجديد للتجربة، وهي تعرف تماما ان ذلك لم يكن سوى القتل المتعمد لطفولتها ومستقبلها، لكنه لا يعني شيئا بالنسبة لهم. كانت تبث همومها لشريط أسود ملصق فوق صورة أمها فقد كانت سندها والجدار الذي يحميها من قسوة والدها وتسلطه، والذي يعتبرها كأنها حمل ثقيل عليه.

بكتْ كثيرا، وتوسلتْ، وأخبرتْ الجميع انها لا تريد هذا الزواج، لكن صوتها كان أضعف من التقاليد والأعراف التي أحاطت بها كالجدران الصلدة الصامتة التي لا تسمح لصوت الأنثى ان يُسمع، ولا تسمح لها ان تقول لا..

وحين اقترب موعد زفافها شعرتْ ان الأيام تضيق حول عنقها، كأنها حبل المشنقة

الذي تراءى لها في كوابيسها منذ بدأ الحكاية.

سارت وروحها تئن بين الخوف والخذلان..

اذن عليها ان تهرب، ولكن الأمر مستحيل فالمكان محاط بالناس من كل جانب. وربما يمسكها والدها القاسي، أو أحد اخوانها الذكور فهم جميعا قد استلموا الثمن الباهض الذي دفعه أبن عمها ذلك العجوز البليد المتصابي..

كانت تتظاهر بالسعادة، لكنها تضمر خطة للهرب. خطة بسيطة تشبه براءة أحلامها، لذلك أطاعتهم وتزينت بينما كانت الأفكار تضج في رأسها الصغير، وهي تتذكر أسنانه السود المتقدمة للأمام فتكاد ان تتقيأ. اذن عليها ان تهرب حالا.

كانت تبتسم للناس مجبرة لكن عينيها ترويان قصة طفلة سُرقت منها أيامها

انتظرت حتى ضجت الاصوات في القاعة وانشغل الجميع بالتحضيرات، وقرع الطبول. جمعت شجاعتها المبعثرة، وتسللت بخطوات مرتجفة، كطائر جريح يبحث عن نافذة مفتوحة. كانت تهرب من حياة هي ليست عالمها. وبراءتها ترفض هذه القيود. عبرت الأزقة المظلمة، وقلبها يخفق بقوة، وكل خطوة كانت عبارة عن صرخة صامتة تقول: أريد ان أعيش كما أريد، لا كما تريد العشيرة وتقاليدها، لتجعلها تحمل مسؤولية أكبر من عمرها.

لكن القانون هو المشرع الحقيقي. لهذه المعضلة. بمن تستنجد..؟؟ فهل ينجدها القانون؟؟ .

لا تعرف الى أين ستصل، لكنها كانت تعرف شيئا واحدا فقط: ان البقاء يعني ان تفقد نفسها الى الأبد..

هربت باحثة عن ملاذ يحمي حلمها البسيط لإكمال دراستها. .

اختبأت في بيت إحدى صديقاتها، لا تحمل معها سوى خوفها وأملها بالنجاة. لكن الشائعات كانت أسرع منها؛ فلفق بعضهم قصة أنها هربت مع شاب كانت قد اتفقت معه..

وفي مجتمع يصدق الظنون والأكاذيب أكثر مما يسمع الحقائق، تحولت الطفلة الى متهمة دون محاكمة. وان مجرد هروبها يعد وصمة عار لسمعة أسرتها. وهذا ما ادّعاه أبن عمها الذي صرف أموالا طائلة وهذا جلّ اهتمامه ومما جعله يستشيط غضبا..

لم يفهموا ان القلوب الغضة لا تُجبر على الحب، وان الزواج بالإكراه لا يولد سوى العذاب والحقد بين الطرفين والى الأبد..

لم يسألها أحد: لماذا هربتْ؟. ولم يمنحها أحد فرصة لتروي وجعها. فكانت جريمتها الوحيدة أنها رفضت أن تساق الى رجل عافته نفسها. وانها حياة الجحيم معه في نظرها..

وبين لحظات غضب والدها وكلمات أبن عمها وتجريحه لهم وطعنه لشرفهم،

أُطفئت روحها البريئة.!!!

قبل أوانها حاملة معها أحلاما لم تكتمل وقبل ان تعرف معنى الحياة.

***

قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو

حين نامت المدن

في قميص الغيب

***

اشتهائي

كان يرتّبُ فوضى الأشياءِ

في غرفةٍ لا بابَ فيها،

ويعلّقُ قلبَهُ

فوقَ مسمارِ الغيابْ.

*

وكان المطرْ

يمشي حافياً على جسدي،

ويبحثُ عن رجلٍ

يشبهُ الفصولَ،

مبلّلاً بسرِّ الربيع،

كأنّهُ خرجَ لتوّهِ

من حلمِ امرأةٍ

نسيتْ اسمَها على شرفةِ الانتظارْ.

*

قلتُ للظلِّ:

خذني إلى حيفا،

فقال:

حيفا بعيدةٌ هذا المساء،

والبحرُ مشغولٌ

بتنظيفِ ذاكرتهِ

من ملحِ الغزاة.

*

فذهبتُ إلى عكّا،

وكان سورُها

يضعُ أذنهُ على صدرِ الماء،

ليسألَ عن سفينةٍ

تأخرتْ منذُ ألفِ عام.

*

وفي يافا

كانت البرتقالةُ

تفتحُ نافذةً في جلدِ الليل،

وتقولُ للريح:

لا تدخلي...

ففي البيتِ رجلٌ

ما زالَ يفتّشُ عن وطنه

بين رائحةِ القشور.

*

ثم رأيتُ الناصرةَ

تغسلُ ثوبَها في نبعٍ قديم،

ومريمُ تمشطُ شعرَ الصمتِ

بأصابعَ من نور،

وكان المسيحُ

يمرُّ من بينِ الأشجار

حاملاً ظلَّهُ

كمن يحملُ صليباً

لا من خشبٍ،

بل من أسئلةِ البشر.

*

ناديتُه:

يا ابنَ مريم،

أينَ الطريقُ إلى النجاة؟

*

فأشارَ إلى بيتِ لحم،

ثم اختفى

في عينِ طفلٍ

كان يرسمُ نجمةً

فوقَ جدارٍ مثقوب.

*

هناك،

كانت القدسُ

تنامُ على كتفِ زيتونة،

والحجرُ

يستيقظُ كلما مرّتْ بهِ صلاة،

وكانت أريحا

تخبّئُ في نخيلِها

مفتاحاً صغيراً

لبابٍ لم يُخلقْ بعد.

*

ومن بعيدٍ

جاء صوتُ جنين،

كأنّ الأرضَ

تجرّبُ للمرة الأولى

كيف يكونُ لها قلبٌ

من طين.

*

قلتُ للغيب:

خذ نصفَ شمسي،

واتركْ لي نصفَ الظلّ.

*

فضحكَ الغيبُ،

وقال:

لا أحدَ يملكُ الشمسَ،

لكنّ الجميعَ

يستطيعونَ أن يحترقوا.

*

وعندَ المساء

كانت غزةُ

تخيطُ جرحَ البحرِ

بإبرةٍ من نجمة،

وكانت الخليلُ

تخبّئُ في عناقيدِها

ضحكةَ شيخٍ

لم يتعلّمْ كيفَ يموتُ الوطن.

*

أما أنا،

فكنتُ أسبحُ في بحرٍ لَجّيّ،

لا أعرفُ

أأصعدُ إلى الهواء

أم أهبطُ إلى قاعِ نفسي.

*

كان جسدي

خريطةً بلا حدود،

وكان قلبي

قريةً فلسطينيةً

تفتحُ أبوابَها للغرباء،

ثم تنسى

أن تغلقَها على أحزانها.

*

وفي آخرِ الليل

جلسَ الجميعُ

على حافةِ الأمل؛

*

رجلٌ يحملُ مزوّدَهُ،

وامرأةٌ تحملُ قنديلًا،

وطفلٌ يعصرُ ليمونةً

على تفاحةِ العالم،

فتسيلُ منها شمسٌ صغيرة.

*

أما أنا

فكنتُ أنتظرُ شيئاً

لا أعرفُ اسمه.

*

وحين جاء،

لم يكنْ رجلًا،

ولا ملاكاً،

ولا وطناً.

*

كان باباً فقط...

فتحتهُ،

*

فوجدتُ فلسطينَ

واقفةً خلفه،

عاريةً من الخرائط،

*

وتقول:

لا تبحثْ عنّي في الأرض...

أنا المكانُ

الذي ظلَّ فيك

حين ضاعَ المكان.

***

عماد خالد رحمة - برلين

تغيّر وجه المدينة، وانكسرت حدّة الهجير، فتراجعت الأيام القائظة لتترك خلفها غبارًا متراكمًا على أوراق الشجر القاسية، وجفافًا أضنى الأرواح قبل الأرض.

كان الصيف يحتضر ببطء، ويجرّ أذياله الثقيلة عبر أيلول المتعب بينما كانت القلوب تُحصي الأيام وهي ترنو إلى السماء الشاحبة، وتسألها رحمة تسقط من علٍ.

وقف عند العتبة ذاتها يرقب الغروب الذي لم يعد يلتهم الأفق بحرارته المعهودة.

أخذ نفسًا عميقًا خاليا من رائحة الغبار المعتادة، مشبعا بنسائم باردة محملة برطوبة مجهولة تجوب شوارع المدينة. نظر نحو الأفق البعيد، فرأى غيومًا ركامية داكنة تتجمع على مهل، يُخيّل له أنها موكب ملوك يعودون بعد غياب طال أكثر مما ينبغي.

وفجأة انكسر الصمت بقطرة واحدة سقطت ثقيلة دافئة على بلاط الشرفة، فتطايرت معها رائحة الغبار العطِش وهو يعانق الماء لأول مرة منذ أشهر.

تلتها قطرة أخرى، ثم انهمر الهتان المتأخر كأنه اعتذار طويل من السماء عن كلّ ذلك الجفاف.

ابتسم، ومدّ كفيه للغيث القادم، وانثالت من صدره تنهيدة أمل كانت حبسًا طوال الفصول الماضية: أتيتَ أخيرًا يا مطر؟ لقد طال الصيف حتى كدنا ننسى كيف تُغسل الأرواح.

بدا المطر هذه المرة غسولاً للذاكرة التي أرهقها الحرّ، ورفيقًا أتى في لحظة الانكسار الأخير ليعيد الحياة للعهد القديم.

سقطت القطرات على وجهه المرفوع للسماء لتمزج الدفء بالبرودة بينما كانت الأرض تنشج تحت قدميه وهي تتشرب الماء بلهفة عاشق.

وقف هناك في المدى المفتوح بين رحيل الصيف وبداية المطر متيقّنا أنّ العطش قد انتهى، وأنّ الفصول مهما قست وظلمت تصدق دومًا بوعدها بالعودة.

ومع انهمار الغيث وتواري آخر أطياف الصيف خلف سُحب العودة امتلأ الفضاء بهدير المطر وهو يعيد كتابة ملامح المدينة.

رفع رأسه، وأغمض عينيه لتتساقط القطرات على جفنيه كقبلات غفرانٍ متأخرة.

شعر بقلبه يتنفّس مع كلّ حبة ثرى تشربت الماء عبوةً معتّقة من الرائحة البيتريكوريّة.

اقتطع خطوة نحو العراء، وترك النافذة والاحتماء خلف الزجاج، ثمّ غرق كاملاً في اللحظة.

أمسى قدوم المطر عودةً إلى الذات، فالصيف بكلّ قسوته وجفافه لم يكن إلا ظلامًا ضروريًا لتصير نقطة الماء هذه معجزة، والعطش الشديد هو الذي يمنح الارتواء معناه الأبدي.

ابتسم للرياح الباردة وهي تعبث بشعره، وسار تحت الشحنة الأولى للغيث بلا مظلة ولا حذر متخففًا من غبار الأيام الماضية، وهو يعلم أنّ الأرواح التي تعرف كيف تنتظر المطر لا تجفّ أبداً.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

وجيعُ الروحِ في بَدنِ المُعاني

تُخاطِبهُ الخوافقُ باحْترانِ

*

سَئِمْتُ رياضَها والبوحُ أضْحى

مِدادَ حكايةٍ رسَمتْ زَماني

*

تُباغتُني المَواجعُ رُغمَ أنفٍ

وتَحْفرُ خَنْدقاً يَفري كِياني

*

مُعللتي بنورِ الكونِ إنّا

على جُرُفٍ منَ الأوْهامِ داني

*

تُداهِمُنا الرَزايا دونَ نُذرٍ

وتَطبُخنا على نارِ الهَوانِ

*

فلا تعْجَبْ إذا هَجَمتْ تِباعا

بُراقُ الحَيْن مَجْهولُ الأوانِ

*

تَكلّلَ جُرْمَها بجَميلِ فَخرٍ

تُبرِّرهُ عَقابيلُ المَكانِ

*

هيَ الدُنيا بغفلتنا توارتْ

فقد سَحقَ الرحيلُ بها وِطاني

*

عَدَوْنا نَحوَ آفاقٍ تَلاشتْ

كأنّا في مُطاردةِ الدُخانِ

*

أوانٌ في أوانٍ من لَهيبٍ

يُبعثرُنا بدائرةِ الرهانِ

*

إذا لاحتْ عواضلُ مُنتَهانا

تُبشّرُنا الغياهِبُ بالمُنانِ

*

مَرقنا في حَواضِرها كسَهمٍ

لكُسْعيٍّ بها دونَ امْتنانِ

*

مَواضعُ رَكبِنا داسَتْ عليها

سَنابكُ أرْضِنا قبلَ البيانِ

*

تَرجّلَ حالمٌ برؤى بقاءٍ

ومُنطلقٍ بأرْوقةِ افتنانِ

*

سلامٌ من ذراها مُستهامٌ

ببارقةٍ مُخادِعَةِ احْتِجانِ

*

بألغازٍ تُخاطِبنا فنُعْمى

وتُبصرُنا بأحْداقِ الغَواني

*

فما نفعتْ تمائمُ مُرْتَجانا

إذا نَشَبَتْ أظافرُها بعاني

*

كذا لَعِبٌ ولهوٌ مُبتغاها

تُغرّرُنا بمَجهولِ الأماني

*

سُجِنّا في مَرابعِها كأنّا

خِرافُ وليْمةٍ زادُ التَهاني

*

جَناحُ بَعوضةٍ في كفِ أدْري

تراءَتْ في عيونٍ لا تُجاني

*

كعابرِ سُبْلِها يَسعى ضَريرٌ

يُحجّبُها بعاليةِ المَباني

*

فعشْ أبدا بلا يومٍ سَيأتي

وجاهرْ في مُقاومةِ الضِغانِ

*

غرورُ سلوكِنا أوْحى إليْنا

عجائبَ فعلةٍ كالمَهْرجانِ

*

سعيدٌ مِن جهالتهِ بكُنهٍ

يُباركُ رقصةً فوقَ الخِوانِ

*

غلَتْ بحَياتنا دُنيا مُنانا

ونفسٌ لا يُعقلها التداني

*

خبالٌ فعلُنا والروحُ حيْرى

بلا ذُخرٍ لجائحَةِ الدِرانِ

*

مَكاسبُنا تُغازلُ مُبْتليها

وتَحْرمُنا منَ العملِ المُزانِ

*

بها نَصَبٌ وأوْجاعٌ بموْتٍ

ومِيلادٌ قَريْنُ المُسْتَكانِ

*

نيامٌ كلّنا والمَوتُ يَقظٌ

خيالُ مَسيرةٍ بُهتاً كساني

*

وفيها مَنْ رأى حُجُباً أبانَتْ

يُحاوطُها بواقيةِ الطِعانِ

*

لنا أمَلٌ يُعللنا بعَيْشٍ

وإنْ ضاقتْ بأعْيُنِنا الرُوانِ

*

غفلنا الموتَ أو بَيْنٌ حَدانا

يُخادِعُنا بمَعْسولِ الهِتانِ

*

قصيدةُ رحلةٍ بلغتْ مَداها

تُقفيها المَتاعِبُ بالمُدانِ

*

سَئمْنا من تكاليفِ احْترابٍ

نُقارعُ لهفةً ظهرتْ كزاني

*

تناقصَ عيشُنا والعمرُ يَجْري

على سُفحٍ إلى وادي العَوانِ

*

فقيرٌ في مَرابعها سعيدٌ

وإنّ غنيَّها رهنُ امْتهانِ

*

حياةٌ في حَقيقتها كوَمْضٍ

تطوّقها المَصائبُ بالشنانِ

*

مَشاعِلُها ببَحرِ الذاتِ تذوي

ظلامٌ حلّ مِن سَفهِ الرِعانِ

*

فنجْهلها وما كشفتْ غِطاها

وتَحسبُنا حفاةً في ذهانِ

*

فعشْ رجباً ترى عَجباً عُجابا

يُخبّرنا بداهيةِ الرهانِ

*

حفيدٌ واعدٌ بسَنى ضياءٍ

لهُ الدنيا كيانعةِ الجِنانِ

*

تَبغددَ جاهلٌ فأتى خَشيلا

وكلُّ أصيلةٍ ذهبتْ كَوانِ

*

تُعاجلنا المَنايا ذاتَ يومٍ

ليأكلنا الترابُ غَضى احْتضانِ

*

تَطامى كلُّ مَخلوقٍ بتربٍ

رميماً في حُميْماتٍ عَوانِ

*

كلامٌ عن نياطِ القلبِ يُملي

يُسَطّرهُ يراعٌ من كياني

*

فهلْ عَثرتْ سُراةُ القومِ دوما

وأجيالٌ بما ورِثَتْ تُعاني؟!!

***

د. صادق السامرائي

رأيتُ جميعَ الكائناتِ بِعينِها

وأجملُهنَّ الساقياتُ خمورا

*

أتينَ الى روحي يُبشرنَ بالجوى

وبالطلِّ اذ تؤوي الطيورُ طيورا

*

أتى فلكُ الأكوانِ حوليَ دائراً

لِيسكرَ قلبي في الهوى ويدورا

*

وحتى أرى نخلَ السماواتِ طائراً

وأقطفُ منه مُرطِباً وتمورا

*

رأيتُ.. وعيناها رؤايَ، وخافقي

سرى بِجناحِ الفرقدينِ أميرا

*

ويُطلقُني حبُّ الجَمالِ الى المدى

واِنْ كنتُ في قاعِ الجحيمِ أسيرا

*

لذا كانَ وجدي دونَ حدٍ قبستُهُ

مِن النارِ ماءً في الفؤادِ ونورا

*

وأوكلَني بالنوِّ أسري لقلبِها

وأمطرُهُ حتى يشبَّ سعيرا

***

كريم الأسدي ـ العراق

لطخة

هي الليلة الأولى مرت و(مايا) بعيدة عني، هل يُعقل هذا. أكثر من عامين ولم نفترق، وقد استيقظت، شأني كلّ يوم، في الساعة السادسة قبل شروق الشمس، دفعت الباب برفق فوجدت (ساديا) نائمة بهدوء: فتحت النوافذ في الطابق العلوي، وألقيت نظرة على نوافذ البيوت عند الرصيف الآخر فوجدت بعضها بدأت تتفتح لضوء الصباح، وأخرى ماتزال نائمى، ثمّ هبطت إلى المطبخ..

أعدّدت القهوة، والمربّى، والزبدة، انتظرت برهة، وصعدت ثانية إلى (ساديا)، فتحت نافذة الغرفة أيقظتها بلطف.. طبعت قبلة على جبهتها وانتظرتها حتى جاءتني بحقيبتها والمشط، فسرحت شعرها.

ثمّ جلسنا إلى المائدة نستمتع بالفطور.

قلت ملاطفا:

اليوم أو غدا يصبح عندك أخ.

قالت بفرح:

نكون أربعة (وأردفت وهي تتلذ بلعق مربى المشمش) ذلك يسعدني كثيرا.

خامرتني ابتسامة لذيذة، فأغمضت عينيّ على وقع دخان القهوة المتأرجح للأعلى.

كنت أتركهما تتمتعان بلذة النوم نصف ساعة. تحسّ مايا بي أنهض، فتتململ، تتثاقل تمد إليّ ذراعيها فأطبع قبلة على شفتيها ثمّ تغطي عينيها بذراعيها حتى أنزل إلى المطبخ أرتب كلّ شىء وأعدّ الفطور وحالما تعلن ساعة الصالة عن السادسة والنصف عندها تترك مايا الفراش الدافىء الفراش، تدخل غرفة (ساديا) تجهزها بعدها تنزلان إليّ في المطبخ..

ذلك الصباح بدا كلّ شيء عاديا..

اطمئنان

سكون

وعلامة بشرى بمولود جديد.

تفاؤل

والسماء رمادية.. خفيفة. وبعض لفحات من نسيم بارد يداعب أوراق الشجر الممتد على جانبي الطريق، تركت (ساديا) في المطبخ، ونزلت درجتي الحديقة الأمامية، فتحت البوابة العريضة، وقصدت السيارة عند الرصيف..

فجأة

على السياج الخشبي ظهرت لطخة حمراء كبيرة

في البداية ظننتها صبغة أو طلاء سقط من شيء ما.

حاولت أن أراوغ عينيّ..

الشكل

اللون

حمرة الدم

لون الرمان

القرمز

أحمر داكن انتشر على الخشب بهيأة كفّ منفرجة الأصابع.. كأن أحدا ما غمس يده بدم حقيقي ثمّ لطشها على السياج، وزينها أسفل الرسخ بقطرات متناثرة.

لوحة غريبة.

عنف أم عبث؟

تهديد.. ربما

اقتربت خطوة وابتعدت

تراجعت

تطلعت إليها من بعد. حاولت أن أقتنع على مضض أنّها مجرّد طلاء، غير أنّ لونها والشكل.. الأصابع الخمس، والدماء التي تخر من تحتها كل ذلك أثار خوفي..

أشاع الريبة.. التوجّس

 ظهور المشاة في الشارع، وحركة السيارات، لا شك أن هناك من لا يعيرها اهتماما ومن ينظر إليها ساخرا بدافع الفضول، ولا أظنّ أحدا يتوقف عندها.. هل هي رسالة من مجهول؟

أم عبث مقرف؟

لا أنكر.. لست جبانا..

أخذ قلبي يخفق.. أردت أن يتأكد من أسيجة البيوت الأخرى، صعدت إلى أعلى الشارع عدة أمتار ألقيت نظرة على أسيجة البيوت التي في صفّ بيتنا ذات الأرقام الزوجية، وتابعت في الوقت نفسه إلى الرصيف الآخر حيث صف البيوت والأشجار فلم أجد أيّه علامة شبيهة توعد بالشرّ ثمّ هبطت أسفل الشارع باتجاه التقاطع ولم أر شيئا.

من حقي أن أعجب

أندهش

أخاف

وأشك بلا شىء وكلّ شىء.

خلال السنوات الطويلة التي عشتها في منزلي تجاوزت أي خلاف بيني وبين الجيران. ليس لديّ خصومات. ابتعدت عن الشرقيين ومشاكل السياسة والدين. معظم وقتي أقضيه بين المدرسة والبيت، الجيران يعرفونني هادئا أقابلهم بابتسامه وأواصل طريقي.

ليس هناك أكثر من هذا

مع ذلك

ظهور اللطخة الحمراء المفاجئ جعلني أنظر إلى الشارع بعين أخرى.. كأنّ شيئا مخفيا يراقبني..

يتابعني.. حتى كدت أنسى (ساديا).

هرعت إلى المنزل، كانت تنتظرني بتأفف. قالت:

تأخرت كثيرا dad؟

قلت : تنظيف السيارة استغرق مني بعض الوقت

جعلتها عن يميني كي لا ترى اللطخة، فتنهال عليّ بأسئلة أحار في جوابها.. من.. لماذا.. كيف.. ماذا تعني.. كأي صحفي فضوليّ أو قاض ذكيّ.. الحقّ أسئلة لا أعرف لها أيّ جواب جعلتها عن يميني أغطي على اللطخة.. وحالما عدت.. اتصلت بالمدرسة. أخبرتهم أنّي في شغل وقد أتأخّر.. استعنت بالهاتف مرّة أخرى

استوقفتني الشاشة بضع ثوان..

هل أتصل. ؟

.. 999

كانت يدي تضغط على رقم الطوارىء.. 999 كأنّها تنفصل عن تردّدي.

واستغرقني هاجس آخر: من قبل رأيت وشوما على الجدران.. ماذا لو رأيت حرفا أو وردة، أم خربشة ما لكنْ ليس بهذا الشكل المخيف.. لعل الأمر يبدو تافها. قبل أن يكون ذا ملامح غريبة.

لحظة عبث من مخمور..

أنقض خيالاتي البريئة.

ليس عابثا.

. هناك علبة صبغ. وكف مطبوعة نسخة حقيقة أم من البلاستك.. بيتي الوحيد من بيوت الحي الذي وقعت عليه اللطخة.. لقد شعرت ببعض الحرج وأنا أُثْقَلُ بالتفاصيل عن البوابة واللطخة والجدار، كانت الموظفة تصغي إليّ بتعاطف تبينتُه من خلال نبرة صوتها، وكانت الأسئلة تتلاحق:

هل تلقيت تهديدات سابقة أو رسائل من مجهول؟

كلا.. أبدا

تشك بأحد

كلا كلا

بعد ربع ساعة وصلت سيارة الشرطة، وكانت هناك سيارة من طراز صالون فيها فيها السائق وشرطي آخر وقفت عن بعد.. ترجل الشرطي والشرطية، واقتربا من السياج. كانت الشرطية في الخامسة والثلاثين من عمرها، والشرطي يقاربها في العمر. اقتربا من السياج يتفحصانه ويدققان في البقعة. التقط الشرطي عدة صور من مسافة قريبة، بعدها.. أخذ يطالع الأثر. كانت ملامحه هادئة وظلّ يلتزم الصمت. بعد دقائق أخرج قفازات واقتطع عينة صغيرة من المادة الحمراء بآلة من البلاستك. وتبادل النظرات مع زميلته. سألت:

هل اكتشفت شيئا؟

أجاب:

مازال الوقت مبكرا لعلها طلاء أو صبغ، سوف سنرسلها إلى الفحص إذا لزم الأمر.

زاد جوابه الموقف غموضا، فتجاهلا الحديث معي وواصلا فحص المكان

الرصيف

الحديقة

صندوق الرسائل..

وتوجّها إلى بعض الحيران الذين خرجوا من بيوتهم إذ أبصروا سيارتي الشرطة ترابطان في المكان.

بعض الوجوه أطلت من النوافذ، خيّل إلي أنهم يتهامسون.. فشعرت أنّي أصبحت محور الشارع كلّه.

حديث الناس؟

ماالذي يظنونه.. جاري القريب يعرف بلا شك من حديث الشرطة حقيقة الأمر، أما الشبابيك البعيدة وعلى الرصيف فيمكن أن تختلق حكايات متفاوتة، بين الاعتداء على زوجتي، والتزوير، والغش وربما تهريب المخدرات، وجرائم القتل. ومن يظن أنّي من تنظيم إسلاميّ خطير.. لي صلة بإفغانستان.. أو حركات غامضة في إفريقيا.. أعرف الإنكليز جيدا فقد ولدت في بريطانيا.. درست في لندن. أعرفهم فضوليين إلى حدّ الإدمان لكنهم لا يجعلونك تشعر أنّهم يراقبونك. هل أشير إلى أرنبة أنفي بسبابتي وأهمس:Nose، ذلك ما يجعلني أخجل من نفسي أكثر مما أقلق.

طلبت الشرطيّة من سيارة الصالون المغادرة، وأمرت الشرطيّ المرافق أن ينتظرها في السيارة، والتفتت إليّ:

هل يمكن أن ندردش داخل المنزل.

لا مانع لديّ. تفضلي.

دلفنا إلى الداخل، جلست على كرسي في الصالة واتخذت مكاني قبالتها. فبدأت بالسؤال:

اسمك لو سمحت؟

أنمار السرّاج

هل تظنينه حسب خبرتك عبثا أم ماذا؟

من أي بلد أنت؟

أنا بريطاني من أصل عراقي والدي قدم إلى هنا منذ ستينيات القرن الماضي للدراسة وفضل العمل هنا في بريطانيا حالما أكمل دراسته أما أنا فقد ولدت في لندن ودرست أعمل معلما في مدرسة (وردة الخشخاش)

لديك علاقات مع العرب هنا؟

ولا في العراق تعلمت العربية في البيت، أتحدث الإنكليزية أكثر من حديثي العربية، لكن ماذا تعنين بهذا السؤال؟

أقصد بعد عام 2004 وظهور داعش قد تكون مستهدفا.

أنا لم أزر العراق قط ولا أعرف لي أعماما وأخوالا هناك. لقد انقطعت صلتي تماما. بعد وفاة والدي ووالدتي، ولم أنتمِ إلى أيّ تنظيم أو تجمّع شرقي ماعدا اجتماعات المدرسة الدوريّة ولقاءات بلديّة محلتنا.

لديك إخوة؟

أخ وأخت غير شقيقين من زوجة أبي الويلزية قبل زواجه من أمي، التقيتهما مرة واحدة ولا أعرف أين هما علاقتي بهما مقطوعة تماما.

لزمت الصمت لحظات، تشاغلت بالهاتف الذي أحدث رنّة مميزة، ثم أعادته إلى جيب الصدر، والتفتت إليّ:

أنت مسلم؟

نعم!

من أية طائفة؟

من عائلة سنية ولست متعمقا في الدين!

هل تظنين أن هناك من يطارد المسلمين.

أبدا علي أن أضع دوائر لكل الاحتمالات، لدي دائرة داعش والأحداث التي جرت في العراق وسورية، ودائرة المتطرفين المسلمين في بريطانيا، ودائرة المصادفات وهي الدائرة التي أظنها وأظنّ الموضوع عبثا لا أكثر.

آمل أن يكون كما أشرت

كم عمرك؟

أربعة وأربعون عاما!

متزوج؟

نعم!

زوجتك من العراق.

كلا (مايا) من بنغلادش مولودة هنا ولم تزر بلدها إلا مرة واحدة في حياتها!

ماذا تعمل؟

معي في مدرسة وردة الخشخاش.

هي في العمل الآن؟

كلا في المشفى على وشك الولادة نحن هنا وحدنا أنا (وساديا) ابنة زوجتي من زوجها الأوّل.

هزت الشرطية رأسها، وارتسمت علامة واسعة على جبينها:

هل زوج السيدة السابق في نوتنغهام.

إنه متوفى منذ سنوات طويلة.

حسنا

ونهضت، وهي تقول:

كن مطمئنا سنعالج الأمر بهدوء وأظنه لا يشكل خطرا عليكما.

وقبل أن تغادر:

لن أخبر (مايا) لئلا أقلقها؟ هل تنصحينني أن أمسح اللطخة فهي فضلا عن أنها تلوث الحائط فإنها تلفت النظر بشكلها القبيح ولونها.

يمكنك أن تفعل ذلك.

بقيت بعض الوقت في الصالة حالما غادرت الشرطيّة، تمددت على الكنبة ألتقط أنفاسي كأنّي محارب يلتقط أنفاسه، في هذه الأثناء رنّ الهاتف، وظهر على الشاشة رقم (باريس):

-هل من شئ؟

-لا تقلقي

-ظننتك مع مايا في المشفى هل هي بخير؟

- نعم.. نعم.. ساعة أو أكثر وأكون في المدرسة..

- حسنا إلى لقاء.

ونهضت إلى الحديقة الخلفيّة حيث المخزن، تناولت الفرشاة وفائض الصبغ القديم، رفعت الغطاء فوجدته لم يتغير وكنت أنحني على الكفّ المقطوعة الحمراء المخيفة وأمرر الفرشاة عليها، وجها وآخر وثالثا يمينا وشمالا. أعلى وأسفل أمرر اوأمر بتشف كأنّني أدفنها، فيتساوى فوقها لون الحائط القديم بالصبغة الجديدة.

***

د. قصي الشيخ عسكر

..............

* فصل من رواية عنوانها (باريس)

القنيطرة – خريبكة

كُنْتُ فِي خَلْوَةٍ خَاصَّةٍ فِي مَقْهَى  RIVER CLUBالُمطِلِّ عَلَى كُورْنِيشِ نَهْرِ سَبُو أَسْتَمْتِعُ بِلَحْظَةِ سَكِينَةٍ وَهُدُوءٍ، أُرَاجِعُ فِيهَا نَفْسِي، كَانَ النَّهْرُ مُتَدَفِّقاً وَقَدْ آنَسَ لِأَشِعَّةِ الشَّمْسِ الدَّافِئَةِ الَّتِي كَانَتْ تُسْبِلُ عَلَيْهِ حَنَاناً يَتَجَاوَزُ المَدَى، عِنْدَمَا رَنَّ هَاتِفِي النَّقَّالُ، كَانَ المُتَّصِلُ صَدِيقِي، فَتَحْتُ الخَطَّ، وَحَيَّيْتُهُ بِحَرَارَةٍ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ أَحْوَالِهِ، أَخْبَرَني أَنَّهُ يَعِيشُ حَيَاتَهُ بِتَرْتِيبٍ خَارِجَ المَجَازِ، بَدَا لِي كَلَامُهُ غَيْرَ مُتَنَاسِقٍ، فَوَجَّهْتُ لَهُ سُؤَالاً مُبَاشِراً:

-قُلْ لِي بِحَقِّ السَّمَاءِ أَيْنَ أنت الآنَ؟؟؟

رَدَّ بِصَوْتٍ مُخَاتِلٍ:

-أَحِسُّ بِأَنَّنِي خَارِجَ الزَّمَنِ، وَلَا أَسْتَطِيعُ فَهْمَ مَا يَقَعُ حَوْلِي

أَيْنَ أَنْتَ؟؟؟

أَجَابَ:

- أَنَا موجود بِمَدِينَةِ خُرِيبْكَة

سَأَلْتُهُ عَنْ سِرِّ اخْتِيَارِهِ لِهَذِهِ المَدِينَةِ القَابِعَةِ فِي هَضْبَةِ الفُوسْفَاطِ، تَرَدَّدَ فِي الجَوَابِ وَتَلَكَّأَ قَبْلَ أَنْ يُخْبِرَنِي بِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ السَّبَبَ، فَقَدْ خَرَجَ صَبَاحًا مِنْ شَقَّتِهِ، ثُمَّ رَكِبَ سَيَّارَتَهُ، وَضَغَطَ عَلَى دَوَّاسَةِ البِنْزِينِ، فَقَطَعَ مَسَافَاتٍ مُتَقَطِّعَةً دُونَ أَنْ يُعِيرَ انْتِبَاهًا لِلَوْحَاتِ المُدُنِ، وَلَا إِلَى إِشَارَاتِ تَحْدِيدِ السُّرْعَةِ أَوْ بَدَلَاتِ الطَّرِيقِ، وَقَالَ أَيْضًا إِنَّ الإِحْسَاسَ بِالزَّمَنِ وَالمَكَانِ لَمْ يَعُدْ يَدْخُلُ فِي حسْبَانِهِ، وَهُوَ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى تَرْتِيبِ أَوْرَاقِهِ بِشَكْلٍ يَسْمَحُ لَهُ بِالتَّعَامُلِ مَعَ الوَضْعِ بِشَكْلٍ مَعْقُولٍ .

سَأَلْتُهُ مَرَّةً ثَانِيَةً بِصَوْتٍ حَاد:

لَا أَفْهَمُكَ يَا صَدِيقِي، وَكَلَامُكَ يُخِيفُنِي؛ لِأَنَّهُ يَدُورُ فِي سِيَاقٍ يَبْدُو غَيْرَ وَاقِعِيٍّ، فَمَاذَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ أَجْلِكَ؟

أَجَابَ بِصَوْتٍ مُتَوَسِّلٍ:

اِفْعَلْ شَيْئًا يَا صَدِيقِي، فَخُرِيبْكَةُ جُزْءٌ مِنْ ذَاكِرَتِكَ، قُلْتَ لِي مِرَاراً إِنَّهَا حَاضِرَةٌ فِي لاوعيك، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

ارْتَشَفْتُ جُرْعَةً مِنْ كَأْسِ العَصِيرِ الَّذِي كَانَ أَمَامِي، ثُمَّ مَسَحْتُ حُبَيْبَاتِ العَرَقِ المُتَسَرِّبَةِ مِنْ جَبِينِي، وَنَقَلْتُ الهَاتِفَ إِلَى الأذُنِ الأُخْرَى وَقُلْتُ بِنَبْرَةٍ حَادَّةٍ:

هَلْ أَنْتَ مُتَأَكِّدٌ بِأَنَّكَ مَوْجُودٌ حَالِيًّا بِهَذِهِ المَدِينَةِ؟!

نَعَمْ، لَقَدْ قَرَأْتُ اسْمَ المَدِينَةِ عَلَى لَوْحَةٍ عِنْدَ مَدْخَلِهَا وَأَنَا قَادِمٌ مِنَ الطَّرِيقِ الوَطَنِيَّةِ رَقْمِ12.

أَحْسَسْتُ مِنْ خِلَالِ رَنَّةِ صَوْتِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ فِي كَلَامِهِ وَحَدِيثِهِ، وَأَنَّ بِإِمْكَانِي مَدَّ يَدِ العَوْنِ لَهُ لِلتَّكَيُّفِ مَعَ الوَضْعِ الَّذِي فَرَضَتْهُ الظُّرُوفُ عَلَيْهِ. طَلَبْتُ مِنْهُ تَحْدِيدَ مَوْقِعِهِ، فَقَالَ بِأَنَّهُ تَجَاوَزَ مَدْخَلَ المَدِينَةِ، وَوَصَلَ إِلَى "الدَّوْرَةِ" أَوْ مَا يُسَمَّى الطُّرُقَ الأَرْبَعَةَ، قُلْتُ لَهُ: "عَلَيْكَ أَنْ تَنْعَطِفَ إِلَى اليَسَارِ، عِنْدَمَا تَصِلُ إِلَى العَامرِيَّاتِ، تَرَحَّمْ عَلَى الأَمْوَاتِ وَالأَحْيَاءِ، وَلَا تَنْسَ طَلَبَ الرَّحْمَةِ وَالمَغْفِرَةِ لِلْوَلِيِّ الصَّالِحِ "عَبْدِ الخَالِقِ"، ثُمَّ عَرِّجْ عَلَى "مْنِينَة"، وَاشْرَبْ مِنْ مَاءِ بِئْرِهَا هَنِيئًا مَرِيئًا، وَبَعْدَ ذَلِكَ لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ ."

تَوَقَّفَتِ المُكَالَمَةُ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ، عَلَى أَمَلِ اسْتِئْنَافِ الحَدِيثِ مُبَاشَرَةً، أَوْ عَنْ طَرِيقِ رَسَائِلَ صَوْتِيَّةٍ عَبْرَ "الوَاتْسَاب"، وَعُدْتُ أَنَا إِلَى أَجْوَاءِ سَبُو أُمَتِّعُ البَصَرَ بِسِحْرِ المَنْظَرِ الطَّبِيعِيِّ المُبْهِجِ، كَانَ المَقْهَى شِبْهَ خَالٍ، إِلَّا مِنْ أُسْرَةٍ شَابَّةٍ تَبْدُو سَعِيدَةً بِطِفْلِهَا الصَّغِيرِ الَّذِي كَانَ يُمَارِسُ شَغَبًا لَذِيذًا، وَكَهْلٍ صُحْبَةَ زَوْجَتِهِ وَهُمَا فِي حَالَةِ انْسِجَامٍ تَامٍّ، فِي هَذَا المُنَاخِ كُنْتُ أَجِدُ نَفْسِي مَحْظُوظًا وَأَنَا أَعِيشُ لَحْظَةً تَجْمَعُ جَمَالِيَّاتِ الوَاقِعِ وَالرَّاحَةِ النَّفْسِيَّةِ المُتَاحَةِ. رُبَّمَا كَانَ هَذَا سَبَبًا مُهِمًّا فِي اخْتِيَارِي لِهَذَا الفَضَاءِ كُلَّمَا زُرْتُ مَدِينَةَ القُنَيْطِرَةِ .

وَصَلَتْنِي فَجْأَةً رَسَالَةٌ صَوْتِيَّةٌ عَلَى "الوَاتْسَابِ"، فَتَحْتُهَا بِسُرْعَةٍ، كَانَتْ مِنْ صَدِيقِي الَّذِي كَانَ يَعِيشُ وَضْعًا غَامِضًا بِخُرِيبْكَةَ، كَانَ صَوْتُهُ مُضْطَرِبًا وَهُوَ يَقُولُ:

"صَدِيقِي العَزِيزُ، شَرِبْتُ مِنْ مَاءِ البِئْرِ المَعْلُومَةِ فَأَحْسَسْتُ بِرَعْشَةٍ شَدِيدَةٍ تَعْتَرِي كُلَّ مَنَاطِقِ جِسْمِي، فَهَرْوَلْتُ نَحْوَ سَيَّارَتِي دُونَ وَعْيٍ مِنِّي، وَإِذَا بِي أَنْدَفِعُ نَحْوَهَا، فَتَنْطَلِقُ بِي وَأَنَا جَاهِلٌ إِلَى أَيْنَ؟! فَجْأَةً تَوَقَّفْتُ عِنْدَ مَا يُشْبِهُ الضَّيْعَةَ، اقْتَحَمْتُ المَكَانَ بِجُرْأَةٍ لَمْ أَعْرِفْ سِرَّهَا، فَوَجَدْتُ نَفْسِي أَمَامَ حَظِيرَةِ خَنَازِيرَ، نَعَمْ خَنَازِيرَ حَقِيقِيَّةٍ مِثْلِ تِلْكَ الَّتِي يَأْكُلُهَا النَّصَارَى، وَإِذَا بِسَيِّدَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، أَخْبَرَنِي العَامِلُ المُشْرِفُ عَلَى الحَظِيرَةِ أَنَّ اسْمَهَا مَادَامُ مَارِيَانُو، وَهِيَ فَرَنْسِيَّةُ الجِنْسِيَّةِ وَتُشْرِفُ عَلَى (المَخْبَزَةِ الفَرَنْسِيَّةِ) الكَائِنَةِ بِالحَيِّ الأُورُوبِّيِّ، سَأَلَتْنِي مَنْ أَكُونُ، أَخْبَرْتُهَا بِأَنَّ اسْمِي بْن دَاوُودَ البَهْلَانِي، وَأَنَّنِي لَا أَعْرِفُ سَبَبَ وُجُودِي فِي هَذَا المَكَانِ، لَكِنَّ الخَطِيرَ فِي الأَمْرِ أَنَّنِي اسْتَنْتَجْتُ مِنْ خِلَالِ حَدِيثِي مَعَهَا أَنَّ التَّارِيخَ قَدِ انْزَلَقَ إِلَى الخَلْفِ، فَالْعَامُ كَانَ 1967، وَالشَّهْرُ هُوَ أَبْرِيلُ ..."

أَعَدْتُ الِاسْتِمَاعَ إِلَى الرَّسَالَةِ الصَّوْتِيَّةِ مَرَّةً ثَانِيَةً، فَأَحْسَسْتُ بِأَنَّ شَيْئًا غَرِيباً وَمُثِيراً فِي نَفْسِ الوَقْتِ يَقَعُ لِصَدِيقِي، كَلَامُهُ يَبْدُو غَيْرَ قَابِلٍ لِلتَّصْدِيقِ، وَلَكِنَّ السَّيِّدَةَ الفَرَنْسِيَّةَ الَّتِي تَحَدَّثَ عَنْهَا شَخْصِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ، وَقَدْ أُتِيحَتْ لِي الفُرْصَةُ فِي نفس السَّنَةِ الَّتِي وَرَدَ ذِكْرُهَا أَنْ أَزُورَ مَقَرَّ إِقَامَتِهَا وَأَنَا طِفْلٌ بِصُحْبَةِ وَالِدِي الَّذِي كَانَ يَعْرِفُهَا مُنْذُ سَنَوَاتِ الِاسْتِعْمَارِ، وَأُشَاهِدَ بِأُمِّ عَيْنِي لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي الطَّبِيعَةِ الخَنَازِيرَ وَهِيَ تَتَحَرَّكُ بَيْنَ بَقَايَا الخُضَرِ بِلَوْنِ جِلْدِهَا الوَرْدِيِّ؛ الكَثِيرُ مِنَ التَّفَاصِيلِ تُفْلِتُ مِنْ ذِهْنِي الآنَ، لَكِنَّ مَنْظَرَ الخَنَازِيرِ وَابْتِسَامَةَ صَاحِبَتِهِمْ لَا تَزَالُ تَسْكُنُ ذَاكِرَتِي .

وَصَلَتْنِي رَسَالَةٌ صَوْتِيَّةٌ ثَانِيَةٌ مِنْهُ فِي الوَقْتِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ مُنْصَرِفًا إِلَى اسْتِرْجَاعِ ذِكْرَيَاتِ الأَمْسِ البَعِيدِ. كَانَ صَوْتُ صَدِيقِي هَذِهِ المَرَّةَ يُسَيْطِرُ عَلَيْهِ الخَوْفُ وَالِانْزِعَاجُ:

"غَادَرْتُ حَظِيرَةَ الخَنَازِيرِ مُسْرِعًا وَأَنَا شِبْهُ غَائِبٍ عَنِ الوَعْيِ، وَأَوَّلُ شَيْءٍ فَكَّرْتُ فِيهِ هُوَ شُرْبُ قَهْوَةٍ تُوقِظُنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ، هَرْوَلْتُ حَتَّى رَأْسِ الشَّارِعِ، فَوَجَدْتُ نَفْسِي أَمَامَ حَانَةٍ تَحْمِلُ اسْمَ ( مَدَام قِيس)، هَرْوَلْتُ دَاخِلًا، كَانَ الفَضَاءُ يَحْتَضِنُ عَدَدًا مِنَ الرُّوَّادِ الجَالِسِينَ إِلَى طَاوِلَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَأَغْلَبُهُمْ يَحْتَسِي الجُعّةَ أَوِ النَّبِيذ الأَحْمَرَ، طَلَبْتُ مِنَ النَّادِلِ العَجُوزِ أَنْ يُحْضِرَ لِي قَهْوَةً (نصْ نصْ) صَغِيرَة، كَانَ مُعْظَمُ الحَدِيثِ الَّذِي يَجْرِي وَيَدُورُ بَيْنَ الزُّبَنَاءِ بِاللُّغَةِ الفَرَنْسِيَّةِ، زَادَ اسْتِغْرَابِي عِنْدَمَا لَاحَظْتُ أَنَّ اليَوْمِيَّةَ تُشِيرُ إِلَى نَفْسِ التَّارِيخِ الَّذِي قَالَتْهُ مَدَامُ مَارِيَانُو... أَوْشكُ عَلَى أَنْ أَفْقَدَ عَقْلِي !"

هَذِهِ الرَّسَالَةُ الجَدِيدَةُ مِنْ بْنِ دَاوُودَ زَادَتْ مِنْ تَأَكُّدِي أَنَّهُ يَعِيشُ لَحَظَاتٍ صَعْبَةً فِي ظِلِّ الزَّمَنِ المَاضِي الطَّارِئِ، فَحَانَةُ مَدَام قِيس مَكَانٌ لَا يُمْكِنُ نِسْيَانُهُ البَتَّةَ؛ خِلَالَ السِّتِّينِيَّاتِ، وَأَنَا طِفْلٌ، كُنَّا نَقْتَحِمُ فَضَاءَ الغَابَةِ المَخْزَنِيَّةِ لِاصْطِيَادِ العَصَافِيرِ، وَخَاصَّةً طَائِرَ "الجَوش"، وَنَتَسَلَّى بِإِخْرَاجِ العَقَارِبِ وَأَنْوَاعٍ صَغِيرَةٍ مِنَ الأَفَاعِي مِنْ غِيرَانِهَا، ثُمَّ نَقُومُ بِوَضْعِهَا فِي عُلَبِ حَلِيبِ الأَطْفَالِ القَصْدِيرِيَّة وَنُشْعِلُ النَّارَ تَحْتَهَا وَنَحْنُ فِي أَقْصَى دَرَجَاتِ بَهْجَتِنَا، لَا نُحِسُّ بِالوَقْتِ وَلَا الطَّرِيقِ الَّتِي نَقْطَعُهَا حَتَّى نَصِلَ إِلَى "الدَّوْرَةِ"؛ كَانَ عَلَى اليَمِينِ -حَيْثُ يُوجَدُ اليَوْمَ فُنْدُقُ فَرَحٍ- بَيْتٌ لِمُوَاطِنٍ نِمْسَاوِيٍّ كُنَّا نُصَادِفُهُ فِي الطَّرِيقِ فَنُحَيِّيهِ، وَفِي الجِهَةِ المُقَابِلَةِ كَانَتْ تُوجَدُ مَحَطَّةٌ لِلْبَنْزِينِ وَحَانَةُ مَادَام قِيس.

صَدِيقِي يَعِيشُ الآنَ أَحْدَاثَ مَاضٍ عِشْتُهُ إِبَّانَ طُفُولَتِي، وَكَانَ وَالِدِي جُزْءًا رَئِيسِيًّا مِنْ هَذَا المَاضِي، بِاعْتِبَارِهِ كَانَ رَفِيقًا دَائِمًا لِي كَظِلِّي؛ فَقَدْ كَانَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ -بِحُكْمِ اشْتِغَالِهِ بِالتِّجَارَةِ وَصَدَاقَتِهِ المَتِينَةِ بِعَدَدٍ مِنَ المُقِيمِينَ الأَجَانِبِ، وَخَاصَّةً الفَرَنْسِيِّينَ- يَتَعَامَلُ مَعَهُمْ بِشَكْلٍ دَائِمٍ وَمُسْتَمِرٍّ، دُونَ قَيْدٍ أَوْ شَرْطٍ، لِأَنَّهُ كَانَ يُتْقِنُ اللُّغَاتِ:  الفَرَنْسِيَّةَ، وَالإِسْبَانِيَّةَ، وَاليُونَانِيَّةَ بِطَلَاقَةٍ لَا تُوجَدُ لَدَى المُتَعَلِّمِينَ..

بَعْدَ تَفْكِيرٍ طَوِيلٍ، قُمْتُ بِإِرْسَالِ رَسَالَةٍ صَوْتِيَّةٍ لِصَدِيقِي، وَرَاعَيْتُ أَنْ تَكُونَ مُطَمْئِنَةً: "صَدِيقِي العَزِيزُ، أَتَمَنَّاكَ بِخَيْرٍ، كُلُّ المَعْلُومَاتِ وَالمُعْطَيَاتِ الَّتِي وَرَدَتْ عَلَى لِسَانِكَ صَحِيحَةٌ مِائَةً بِالمِائَةِ، لَكِنَّهَا تَرْتَبِطُ بِفَتْرَةٍ زَمَنِيَّةٍ قَدِيمَةٍ، وَمِنَ الصَّعْبِ عَلَى الإِنْسَانِ العَادِيِّ تَقَبُّلُهَا أَوْ تَصْدِيقُهَا، وَلَكِنَّنِي أُصَدِّقُكَ".

لَمْ أَتَلَقَّ مِنْهُ جَوَابًا، انْتَظَرْتُ لَحْظَةً ثُمَّ تَوَاصَلْتُ مَعَهُ عَبْرَ مُكَالَمَةٍ مَرْئِيَّةٍ، كَانَ وَجْهُهُ يَبْدُو شَاحِبًا وَعَيْنَاهُ جَاحِظَتَيْنِ، قَالَ إِنَّهُ غَادَرَ الحَانَةَ، وَانْعَطَفَ إِلَى اليَسَارِ فِي اتِّجَاهِ وَسَطِ المَدِينَةِ عَبْرَ الطَّرِيقِ الَّذِي يَقْسِمُ الغَابَةَ المَخْزَنِيَّةِ إِلَى قِسْمَيْنِ، ثُمَّ أَضَافَ مُسْتَدْرِكًا: "أَشْجَارُ الغَابَةِ تَبْدُو كَثِيفَةً، وَهِيَ خَالِيَةٌ مِنْ أَيِّ بِنَايَةٍ "

وَحَتَّى يُؤَكِّدَ لِي كَلَامَهُ، وَجَّهَ كَامِيرَا الهَاتِفِ نَحْوَ الغَابَةِ، لَمْ أَمْلِكْ نَفْسِي مِنَ الدَّهْشَةِ فَصَرَخْتُ بِصَوْتٍ حَادٍّ: "سُبْحَانَ اللهِ! الغَابَةُ تَبْدُو عَذْرَاءَ، وَأَشْجَارُ الكَالِيتُوسِ تُعَانِقُ بَعْضَهَا، أَمَّا أَشْجَارُ العَرْعَرِ فَأَفْنَانُهَا تَتَشَابَكُ فِي حَمِيمِيَّةٍ لَا يُضَاهِيهَا إِلَّا دِفْءُ الأَيَّامِ الخَوَالِي

رَكَنَ بْنُ دَاوُودَ سَيَّارَتَهُ عَلَى أَطْرَافِ الطَّرِيقِ، وَتَابَعَ حَدِيثَهُ مَعِي قَائِلاً:

-هَا قَدْ رَأَيْتَ بِأُمِّ عَيْنَيْكَ مَا أَنَا فِيهِ مِنْ خُرُوجٍ عَنِ المَأْلُوفِ، فَالسَّفَرُ عَبْرَ الزَّمَنِ فِي اتِّجَاهِ المَاضِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَقَّقَ فِي الحَيَاةِ العَادِيَّةِ

قُلْتُ بِنَبْرَةٍ تَحْمِلُ طَابَعَ الشَّكِّ وَاليَقِينِ فِي النَّفْسِ الوَقْتِ:

-وَاللهِ يَا صَدِيقِي، مَا تَعِيشُهُ هُوَ ظَاهِرَةٌ طَارِئَةٌ نَادِرَةُ الحُدُوثِ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ مُسْتَحِيلَةً إِذَا تَمَّتْ فِي سِيَاقِ العَوَالِمِ المُوَازِيَةِ.

قَاطَعَنِي بِلَهْجَةٍ سَاخِرَةٍ:

تَبْرِيرُكَ يَحْتَمِلُ بَعْضَ الصِّحَّةِ، لَكِنَّهُ يَظَلُّ مُجَرَّدَ تَحْصِيلِ حَاصِلٍ، وَيَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ قَوِيٍّ يَكْشِفُ الحَقِيقَةَ.

هَتَفْتُ بِصَوْتٍ حَادٍّ:

-وَهَلْ هُنَاكَ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْ هَذَا الوَضْعِ الَّذِي تَعِيشُهُ حَالِيًّا؟! الغَابَةُ المَخْزَنِيَّةُ الَّتِي أَرَاهَا عَلَى شَاشَةِ الهَاتِفِ تَنْتَمِي لِحِقْبَةٍ زَمَنِيَّةٍ لَا عَلَاقَةَ لَهَا بِالتَّارِيخِ الآنِيِّ.

بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ، تَابَعْتُ كَلَامِي قَائِلاً:

-أَتَعْلَمُ أَنَّ الغَابَةَ الَّتِي تَقِفُ بِمُحَاذَاتِهَا تَكَادُ تُحَافِظُ عَلَى عُذْرِيَّتِهَا، وَشَكْلِهَا القَدِيمِ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ خِلَالَ سَنَوَاتِ الِاسْتِعْمَارِ، كَمَا وَرَدَ عَلَى لِسَانِ أَهْلِنَا خِلَالَ عَقْدِ السِّتِّينِيَّاتِ مِنَ القَرْنِ المَاضِي؟

عَقَّبَ عَلَى كَلَامِي مُسْتَفْسِرًا:

-مَاذَا يَعْنِي هَذَا يَا صَدِيقِي العَزِيزُ؟ هَلْ أَنَا ضَحِيَّةٌ لِارْتِدَادٍ زَمَنِيٍّ طَارِئٍ؟

قُلْتُ وَأَنَا أُحَاوِلُ أَنْ أُهَدِّئَ مِنْ رَوْعِهِ:

-أَظُنُّ أَنَّهَا حَالَةٌ طَارِئَةٌ، وَلَنْ تَسْتَمِرَّ طَوِيلًا

ثُمَّ تَابَعْتُ وَأَنَا أَبْتَسِمُ:

-أتعلمُ أَنَّ "لِيُوطِي" شَخْصِيًّا -بَعْدَ بِدَايَةِ اسْتِخْرَاجِ الفُوسْفَاطِ بِمِنْطَقَةِ "بُوجْنِيبَةَ" سَنَةَ 1921- هُوَ مَنْ أَشْرَفَ عَلَى إِنْشَاءِ الغَابَةِ المَخْزَنِيَّةِ كَحِزَامٍ أَخْضَرَ لِحِمَايَةِ بُيُوتِ وَمَكَاتِبِ المُهَنْدِسِينَ وَالتَّقْنِيِّينَ العَامِلِينَ بِمَنَاجِمِ الفُوسْفَاطِ، وَكَذَلِكَ المُعَمِّرِينَ الأَجَانِبَ وَسُكَّانَ المَدِينَةِ مِنَ الغُبَارِ الأَبْيَضِ النَّاعِمِ السَّامِّ المُنْبَعِثِ مِنْ مَعَامِلِ الغَسْلِ وَالتَّجْفِيف؟

قَاطَعَنِي مَرَّةً ثَانِيَةً بِتَأَفُّفٍ:

-وَلَكِنْ بِمَاذَا سَتُفِيدُنِي كُلُّ هَذِهِ المَعْلُومَاتِ التَّارِيخِيَّةِ الَّتِي تَسْرُدُهَا؟!

أُرِيدُ الخَلَاصَ مِمَّا أَنَا فِيهِ يَا سَيِّدَ مَحْمُودُ.

طَلَبْتُ مِنْهُ أَنْ يَرْكَبَ سَيَّارَتَهُ وَيَتَّجِهَ إِلَى وَسَطِ المَدِينَةِ، وَيَتَوَقَّفَ بِشَارِعِ "مُولَاي يُوسُفَ"، وَيَنْتَظِرَ اتِّصَالًا قَرِيبًا مِنِّي قَدْ يَحْمِلُ لَهُ الحَلَّ لِلْخُرُوجِ مِنْ هَذَا المَأْزَقِ.

عُدْتُ لِاحْتِضَانِ مِيَاهِ النَّهْرِ المُتَلَأْلِئَةِ، وَمَنَحْتُ لِنَفْسِي فُرْصَةً لِأَخْذِ نَفَسٍ عَمِيقٍ أَحْسَسْتُ أَنَّ رِئَتِي فِي حَاجَةٍ إِلَيْهِ لِاسْتِعَادَةِ التَّوَازُنِ النَّفْسِيِّ وَالبَدَنِيِّ؛ لَقَدْ وَعَدْتُ صَدِيقِي بِأَنْ أَتَّصِلَ بِهِ وَمَعِي الحَلُّ، وَأَنَا أَعْلَمُ مُسْبَقًا أَنَّ مَا قُلْتُهُ مُجَرَّدُ كَلَامٍ وَهَرْطَقَات غَيْرِ مُجْدِيَةٍ.

كَانَ السُّؤَالُ المُحَيِّرُ الَّذِي شَجَّ رَأْسِي هُوَ: "كَيْفَ يُمْكِنُنِي إِنْقَاذ بْنِ دَاوُودَ مِنْ هَذِهِ الدَّوَّامَةِ الَّتِي وَجَدَ نَفْسَهُ بَيْنَ بَرَاثِنِهَا؟!"

فَكَّرْتُ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ، وَلَمْ تَتَوَقَّفْ خَلَايَا دِمَاغِيَ الرَّمَادِيَّةُ عَنِ البَحْثِ عَنْ مَسْلَكٍ يُمْكِنُهُ أَنْ يُعِيدَ بْنَ دَاوُودَ إِلَى الزَّمَنِ الفِعْلِيِّ، وَيَمْنَعَهُ مِنَ الِانْزِلَاقِ فِي دَوَّامَةِ المَاضِي.

أَفَقْتُ مِنْ سَهْوِي عَلَى صَوْتِ إِشْعَارٍ بِوُصُولِ رَسَالَةِ "وَاتْسَابٍ"، كَانَتْ مِنْ صَدِيقِي المَأْزُومِ، أَسْرَعْتُ أَفْتَحُهَا وَيَدَايَ تَرْتَعِشَانِ، ثُمَّ بَدَأْتُ بِالْتِهَامِ سُطُورِهَا:

"أَنَا الآنَ بِشَارِعِ مُولَاي يُوسُفَ، أَوْ (طَرِيقِ الجَرْدَةِ)، أَوْقَفْتُ سَيَّارَتِي أَمَامَ فِيلَا صَغِيرَةٍ، قِيلَ لِي إِنَّهَا تَخُصُّ مَادَامَ سَالِيرْنُو SALIRNO. بِمُوَاجَهَتِي (سَاحَةُ المُجَاهِدِينَ) الَّتِي تَحْتَضِنُ مَحَطَّةَ الحَافِلَاتِ التَّابِعَةِ لِـ(كَرَاجِ سَالِيرْنُو)؛ وَفِي الجِهَةِ المُقَابِلَةِ لِلْفِيلَا مَحَلٌّ لِلتَّجْهِيزَاتِ المَنْزِلِيَّةِ وَالإِلِكْتُرُونِيَّةِ بِعَلَامَاتٍ تِجَارِيَّةٍ شَهِيرَةٍ كُتِبَتْ عَلَى الجِدَارِ الخَارِجِيِّ بِحُرُوفٍ لَاتِينِيَّةٍ ضَخْمَةٍ ذَاتِ لَوْنٍ أَصْفَرَ فَاتِحٍ:  (PHILIPS-SINGER)

وَفِي الوَاجِهَةِ الزُّجَاجِيَّةِ عُرِضَتْ أَجْهَزَةٌ مُتَنَوِّعَةٌ: رَادْيُوهَاتٌ ضَخْمَةٌ، آلاتُ خِيَاطَةٍ بِاليَدِ، آلاتُ فَرْمِ اللَّحْمِ، وَأَيْضًا دُمًى وَلُعَبٌ وَأَدَوَاتُ البَسْتَنَةِ، مَحَلٌّ يَسُرُّ النَّاظِرِينَ بِحَقٍّ! قِيلَ لِي إِنَّ صَاحِبَ المَحَلِّ حَالِيًّا هُوَ الحَاجُّ مَسْعُودُ بْنُ مْحَمَّدْ الدُّكَالِي، وَقَدِ اشْتَرَاهُ مِنَ الإِسْبَانِيِّ جُوزِيف مُولَار"

اخْتَرْتُ الرَّدَّ عَلَيْهِ بِرَسَالَةٍ صَوْتِيَّةٍ:

لَا تَخَفْ يَا صَدِيقِي، شَارِعُ مُولَاي يُوسُفَ هُوَ أَكْثَرُ الشَّوَارِعِ أَمَانًا، خَاصَّةً فِي الحِقْبَةِ التَّارِيخِيَّةِ الَّتِي تَعِيشُ أَطْوَارَهَا؛ فِي الجِهَةِ الَّتِي رَكَنْتَ سَيَّارَتَكَ بها هُنَاكَ أَيْضًا تَاجِرُ مُجَوْهَرَاتٍ شَهِيرٌ، ومخبزة (الطَّنْجِي)، وَكُشْكُ جَرَائِد، وَمَقْهَى (الأَطْلَس) الَّذِي يَنْتَمِي لِحِقْبَةِ الِاسْتِعْمَارِ، وَإِلَى جَانِبِ مَتْجَرِ الإِلِكْتُرُونِيَّات الَّذِي ذَكَرْتَ، هُنَاكَ (قَيْسَارِيَّةُ سَحْنُون) لِبَيْعِ المَلَابِسِ وَالمُجَوْهَرَاتِ، وَسِينِمَا (لُوكسْ). لَا تَخَفْ يَا صَدِيقِي أَنْتَ فِي

لا تَخَفْ يَا صَدِيقِي أَنْتَ فِي أَمَانٍ، لِأَنَّ صَاحِبَ المَحَلِّ التِّجَارِيِّ PHLIPS

هُوَ أَبِي!... نَعَمْ وَرَبِّ الكَعْبَةِ، الحَاجُّ مَسْعُودٌ هُوَ أَبِي، وَحَلُّ مُشْكِلِكَ بِيَدِهِ!"

رَنَّ هَاتِفِي، كَانَ المُتَّصِلُ طَبْعًا صَدِيقِي، وَالمُكَالَمَةُ عَبْرَ الكَامِيرَا؛ جَمِيلٌ أَنْ تَتَحَوَّلَ التِّكْنُولُوجْيَا الحَدِيثَةُ إِلَى وَسِيلَةٍ لِرَبْطِ المَاضِي بِالحَاضِرِ، وَالمُسَاهَمَةِ فِي صُنْعِ المُعْجِزَاتِ! كَانَ مُحَيَّا صَدِيقِي عَبْرَ شَاشَةِ الهَاتِفِ يَبْدُو بِمَلَامِحَ مُمْتَعِضَةٍ وَمَعَالِمِ خَوْفٍ يَصْعُبُ إِخْفَاؤُهَا، قُلْتُ لَهُ وَعَلَى وَجْهِي ابْتِسَامَةُ دَعْمٍ:

- دَعْنِي أَرَى صُوَرَ الشَّارِعِ عَبْرَ كَامِيرَا هَاتِفِكَ.

وَجَّهَ الكَامِيرَا نَحْوَ الشَّارِعِ، فَإِذَا بِي أَرَى مَمَرَّ السِّكَّةِ الحَدِيدِيَّةِ الَّذِي يَقْسِمُ المَدِينَةَ نِصْفَيْنِ: المَدِينَةَ القَدِيمَةَ وَالحَيَّ الأُورُوبِّيَّ، وَرَأَيْتُ أَيْضًا الأَعْمِدَةَ المَصْبُوغَةَ بِاللَّوْنَيْنِ الأَبْيَضِ وَالأَحْمَرِ الَّتِي يَتِمُّ إِنْزَالُهَا كُلَّمَا رَنَّ جَرَسُ الإِنْذَارِ مُعْلِنًا قُرْبَ مُرُورِ القِطَارِ، وَعَلَى مَرْمَى حَجَرٍ مِنَ المَمَرِّ ظَهَرَتْ طَاوِلَاتُ مَقْهَى (الأَطْلَسِ) وَقَدْ جَلَسَ حَوْلَهَا بَعْضُ الزُّبَنَاء، وَنَقَلَتْ أَيْضاً كَامِيرَا الهَاتِف صُورَةً وَاضِحَةً لِبِنَايَةِ مَدَام سَالِيرْنُو؛ تِلْكَ السَّيِّدَةِ الإِيطَالِيَّةِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي كَانَتْ تُقَدِّمُ لِي فِي مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ قِطَعًا مِنَ الشُّوكُولَاتَةِ الفَاخِرَةِ، لَا أَزَالُ أَتَذَكَّرُ أَنَّهَا أَهْدَتْنِي سَيَّارَةَ سِبَاقٍ سَنَةَ 1966م، ذَاتَ لَوْنٍ أَحْمَرَ، يُمْكِنُ تَحْرِيكُهَا بِدَوَّاسَتَيْنِ فِي الأَسْفَلِ عَنْ طَرِيقِ الضَّغْطِ عَلَيْهِمَا بِالتَّنَاوُبِ. لَكِنَّنِي تَسَمَّرْتُ فِي مَكَانِي وَأَصَابَنِي الذُّهُولُ، بَلْ شَعَرْتُ بِقُشَعْرِيرَةٍ تَمَسُّ كُلَّ مَنْطِقَةٍ فِي جِسْمِي عِنْدَمَا رَأَيْتُ رَأْيَ العَيْنِ مَحَلَّ وَالِدِي؛ وَظَهَرَتْ تِلْكَ الحُرُوفُ الصَّفْرَاءُ الضَّخْمَةُ الَّتِي تُشِيرُ إِلَى أَسْمَاءِ المَارْكَاتِ العَالَمِيَّةِ الَّتِي تُبَاعُ الأَجْهَزَةُ المَنْزِلِيَّةُ وَالإِلِكْتُرُونِيَّةُ الحَامِلَةُ لِعَلَامَاتِهَا بِالمَتْجَرِ، وَبَرَزَتْ عَبْرَ الوَاجِهَةِ الزُّجَاجِيَّةِ بَعْضٌ مِنْهَا فِي أَوْضَاعٍ مُخْتَلِفةٍ لَكِنْ بِشَكْلٍ مُنَظَّمٍ وَجَذَّابٍ. طَلَبْتُ مِنْ صَدِيقِي أَنْ يَنْزِلَ مِنْ سَيَّارَتِهِ وَيَتَّجِهَ صَوْبَ وَاجِهَةِ المَحَلِّ، اسْتَجَابَ بْنُ دَاوُودَ لِطَلَبِي وَاسْتَحَثَّ الخُطَى نَحْوَ الوَاجِهَةِ، اسْتَطَعْتُ أَنْ أَرَى دَاخِلَ المَحَلِّ سِلَعًا مُتَنَوِّعَةً وَأَشْيَاءَ كَثِيرَةً فَتَحْتُ عَيْنَيَّ عَلَيْهَا خِلَالَ طُفُولَتِي وَمَا تَلَا ذَلِكَ مِنْ أَيَّامِ عُمْرِي، وَعَبْرَ الزُّجَاجِ رَأَيْتُ وَالِدِي يَجْلِسُ إِلَى مَكْتَبِهِ، وَإِلَى جَانِبِهِ طِفْلٌ فِي السَّادِسَةِ مِنْ عُمْرِهِ، لَمْ يُخَامِرْنِي شَكٌّ فِي أَنَّهُ أَنَا:

سَأَلَنِي صَدِيقِي بِصَوْتٍ مُضْطَرِبٍ:

- مَاذَا أَفْعَلُ الآنَ؟ أنتظر توجيهاتك عَلَّنِي أَخْرُجُ مِنْ هَذَا الوَضْعِ

أَجَبْتُ بِنَبْرَةٍ مُطَمْئِنَةٍ:

- اِسْمَعْ يَا ابْنَ دَاوُودَ، ادْخُل المَتْجَرَ بِرِجْلِكَ اليُمْنَى، وَسَلِّمْ عَلَى الرَّجُلِ الطَّيِّبِ الَّذِي فِي المَحَلِّ، وَقَبِّلْ خَدَّ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ فَهُوَ أَنَا! بَلِّغْ أَبِي سَلَامِي، وَاقْصُصْ عَلَيْهِ مَا أَنْتَ فِيهِ، وَسَيَمُدُّ لَكَ يَدَ العَوْنِ

تَوَقَّفَتِ المُكَالَمَةُ المَرْئِيَّةُ، وَعُدْتُ أَنَا مِنْ جَدِيدٍ إِلَى أَجْوَاءِ كُورْنِيشِ نَهْرِ سَبُو، حَيْثُ كَانَتْ تُخَيِّمُ عَلَى المَكَانِ حَالَةٌ مِنَ الهُدُوءٍ وَالسَكِينَةٍ، وَسَمَحْتُ لِنَفْسِي بِاسْتِرْجَاعِ لَحَظَاتٍ مِنْ ذَلِكَ الزَّمَنِ الخُرِيبْكِيِّ الجَمِيلِ، بِكُل تِلْكَ الظِّلَالِ الوَارِفَةِ الَّتِي كَانَتْ تُخَيِّمُ عَلَى مُحِيطِ بَيْتِنَا القَدِيمِ، وَبِكُلِّ تِلْكَ النَّسَمَاتِ العَطِرَةِ الَّتِي كَانَتْ تُضَمِّخُ هَوَاءَ حَيِّنَا المَجِيدِ؛ فَفِي (سَاحَةِ المُجَاهِدِينَ) كَانَتِ الشَّمْسُ تَتَوَقَّفُ لِتَعَانُقَ النَّافُورَةَ الزَّرْقَاءَ، وَكَانَتِ الخَطَاطِيفُ تَبْنِي أَعْشَاشَهَا تَحْتَ نَوَافِذِ العِمَارَاتِ وَالمَغَانِي الحَانِيَةِ.

فَجْأَةً، أَمْسَكْتُ وَرَقَةً وَقَلَمًا وَكَتَبْتُ بِانْسِيَابِيَّةٍ لَمْ أَعْهَدْهَا فِي نَفْسِي:

عِنْدَ الرَّبْوَةِ الخَضْرَاءِ

وَمُفْتَرَقِ الطُّرُقِ الأَرْبَعَةِ

تَتَنَهَّدُ طُيُورُ الزَّرْزُورِ

عَلَى شَجَرِ العرعر

يَرْتَدُّ الزَّمَنُ نَاكِصًا

تَرْتَمِي الأَمَاكِنُ بَيْنَ ذِرَاعَيِ الذَّاكِرَة

بِلِبَاسٍ خَاطَتْهُ حُورُ الجُزُرِ الفِضِّيَّة.

تُومِضُ بَوَارِقُ المَحَجَّةِ البَيْضَاء

تَبْزُغُ سَرْبَةُ الخَيَّالَة

أَشُمُّ رَائِحَةَ البَارُود

لَا ضَيْرَ فِي ذَلِكَ، هُوَ عَامُ "سَبْعَةٍ وَسِتِّينَ"

أَنَا طِفْلٌ أُمْسِكُ بِيَدِ أَبِي، وَالخَيْلُ سَاطِعَةُ الغُبَار

الأَرْضُ تَبْتَسِمُ لِحَوَافِرِهَا فِي انْتِشَاءٍ

وَالسَّمَاءُ تَزْهُو بِنَقْعِهَا المُتَرَامِي

مَوْسِمُ المَدِينَةِ يَتَمَطَّى، يَمُدُّ فَسَاطِيطَهُ لِلْعَالَمِين

عَلَى أَعْتَابِ "العَامِرِيَّاتِ" تُقَامُ الوَلَائِمُ

يَحْتَفِي الأَمْوَاتُ وَالأَحْيَاءُ بِسُوَيْعَةِ اللَّمَّةِ.

حَقًّا، عِنْدَمَا تَلْتَقِي أَرْوَاحُ الأَمْوَاتِ بِـمُهَجِ الأَحْيَاءِ، فَالزَّمَنُ يَرْتَدُّ إِلَى الخَلْفِ، وَيَتَقَاسَمُ الجَمِيعُ سِرَّ اللَّحْظَةِ وَكُنْهَهَا بِكَثِيرٍ مِنَ التَّلَاحُمِ وَتَبَادُلِ الحُبِّ القَائِمِ بِإِرَادَةٍ قَدَرِيَّة حَتْمِيَّة يَصْعُبُ عَلَى غَيْرِ اللَّبِيبِ إِدْرَاكُهَا، أَوْ الوُصُولُ إِلَى دَرَجَةِ الوَجْدِ الَّتِي تَسْمَحُ لَهُ بِاخْتِرَاقِ الخَفِيِّ المُتَوَارِي خَلْفَ سُجُفِ الغَيْبِ، أَوِ الحَدْسِ الكَامِنِ بَيْنَ تَلَابِيبِ الذَّاكِرَةِ، رَغْمَ التَّمَاسِّ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ فِي النَّتِيجَةِ، وَالاِخْتِلَافِ فِي المَصْدَرِ وَالمَرْجِعِ.

بَعْدَ سَاعَةٍ مِنَ الزَّمَنِ، رَنَّ جَرَسُ هَاتِفِي، كَانَتِ المُكَالَمَةُ مَرْئِيَّةً مِنْ بْنِ دَاوُودَ البَهْلَانِيِّ، تَرَدَّدْتُ فِي الإِجَابَةِ، وَمَسَّنِي خَوْفٌ وَجَزَعٌ كَبِيرَانِ أَنْ تَصِلَنِي مِنْهُ أَخْبَارٌ سَيِّئَةٌ، وَأَنْ يَضِيعَ فِي البُعْدِ الزَّمَنِيِّ الَّذِي دَخَلَهُ دُونَ عِلْمٍ أَوْ دِرَايَةٍ مِنْهُ. قَرَأتُ الفَاتِحَةَ، ثُمَّ فَتَحْتُ الهَاتِفَ وَأَنَا أَدْعُو اللهَ أَنْ يَكُونَ خَيْراً؛ ظَهَرَ صَدِيقِي بِوَجْهٍ يَتَهَلَّلُ فَرَحًا، وَقَدِ افْتَرَّ فَمُهُ عَنْ ابْتِسَامَةٍ عَرِيضَةٍ، سَأَلْتُهُ بِصَوْتٍ تَعْرُوهُ الدَّهْشَةُ:

-خَبِّرْنِي بِحَقِّ السَّمَاءِ.. مَاذَا حَلَّ بِكَ؟! هَلْ لَا تَزَالُ ضَائِعًا فِي ارْتِدَادَاتِ المَاضِي؟

رَدَّ بِنَبْرَةٍ وَاثِقَةٍ:

-قُضِيَ الأَمْرُ، وَوَالِدُكَ قَامَ بِاللَّازِمِ.

وبَعْدَ لَحْظَةِ صَمْتٍ قَصِيرَةٍ، أَدَارَ كَامِيرَا الهَاتِفِ، فَإِذَا هُوَ يَقِفُ بِمُحَاذَاةِ نَافُورَةِ الماء وقد  تَوَسَّتطُهَا السَّاعَةُ التَّارِيخِيَّةُ لِلْمَدِينَةِ، الَّتِي غَيَّرُوا لَوْنَهَا الأَبْيَضَ القَدِيمَ إِلَى لَوْنٍ أَسْوَدَ قَاتِمٍ لَا يَسُرُّ النَّاظِرِينَ!

شَعَرْتُ بِانْفِرَاجٍ نَفْسِيٍّ كَبِيرٍ؛ لِأَنَّنِي اسْتَطَعْتُ أَنْ أَكُونَ السَّبَبَ فِي إِنْهَاءِ مِحْنَةِ صَدِيقِي، أَنْهَيْنَا المُكَالَمَةَ وَوَعَدَنِي بِأَنْ يَبْعَثَ لِي رَسَالَةً صَوْتِيَّةً يَقُصُّ عَلَيَّ فِيهَا مَا عَاشَهُ مِنْ وَقَائِعَ بَعْدَ إِقْدَامِهِ عَلَى الدُّخُولِ إِلَى مَحَلِّ وَالِدِي.

عَادَتِ الدَّعَةُ وَالطُّمَأْنِينَةُ لِتُخَيِّمَا عَلَى أَجْوَاءِ الفَضَاءِ السَّاحِرِ لِلْمَقْهَى الَّذِي بَدَأَ يَسْتَقْبِلُ زُبَنَاءَ آخَرِينَ، رَفَعْتُ يَدِي مُنَادِيًا النَّادِلَ الَّذِي هَرْوَلَ نَحْوِي مُبْتَسِمًا، طَلَبْتُ مِنْهُ أَنْ يُحْضِرَ لِي عَصِيرَ مَنْجَا، وَ(إِكْلِير بالفَانِيلَا) احْتِفَاءً بِعَوْدَةِ بْنِ دَاوُودَ إِلَى الزَّمَنِ  الحاضر والتاريخ الفِعْلِي.

رَنَّ هَاتِفِي المَحْمُولُ فَجْأَةً؛ كَانَ المُتَّصِلُ هَذِهِ المَرَّةَ زَوْجَتِي، سَأَلَتْنِي عَنْ أَحْوَالِي، فَأَخْبَرْتُهَا بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُرَامُ، وَتَلَافَيْتُ الحَدِيثَ عَنْ قِصَّة صَدِيقِي، وَحَدَّثْتُهَا عَنْ رُومَانْسِيَّةِ وَسِحْرِ الطَّبِيعَةِ، وَجَمَالِيَّة الفَضَاءِ الَّذِي أَجْلِسُ بِهِ، وَقُلْتُ لَهَا إِنَّ كُورْنِيشَ سَبُو أَشْبَهُ بِقَصِيدَةٍ شِعْرِيَّة مُرْسَلَة تَجْمَعُ بَيْنَ مُتْعَةِ الجَمَالِ وَالسِّحْرِ الخَالِصِ، وَحَدَّثَتْنِي هِيَ عَنْ أَسْعَارِ الخُضَرِ الَّتِي تُلهِبُ الجُيُوبَ، وَغَلَاءِ الفَوَاكِهِ وَاللُّحُومِ الَّتِي تُثْقِلُ كَاهِلَ الفُقَرَاء وَالبُورْجْوَازِيِّينَ الصِّغَارِ عَلَى السَّوَاء.

انْتَبَهْتُ فَجْأَةً إِلَى رَسَالَةٍ وَصَلَتْنِي أَثْنَاءَ حَدِيثِي إِلَى زَوْجَتِي، أَسْرَعْتُ أَفْتَحُهَا، فَكَانَتْ مِنْ صَدِيقِي:

"أَنَا الآنَ جَالِسٌ بِمَقْهَى (تَازَرْوَالْتْ)، قِيلَ لِي إِنَّهُ مَقْهًى شَعْبِيٌّ، وَمِنْهُ أَكْتُبُ لَكَ هَذِهِ الرَّسَالَةَ المُخْتَصَرَةَ؛ لِقَائِي مَعَ وَالِدِكَ كَانَ فَوْقَ السَّحَابِ، فَعِنْدَمَا دَخَلْتُ المَتْجَرَ وَجَدْتُ أَمَامِي رَجُلًا مَرْبُوعَ القَدِّ، أَبْيَضَ البَشَرَةِ، يَرْتَدِي قَمِيصًا رَمَادِيًّا وَسِرْوَالًا بِالنَّفْسِ اللَّوْنِ، فِي يَدِهِ سُبْحَةٌ، وَإِلَى جَانِبِهِ (طِفْلٌ) يَقِفُ عَلَى يَمِينِ المكْتَبِ، وَكَانَ هُنَاكَ أَيْضًا رَجُلٌ فِي مُنْتَصَفِ العُمْرِ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيٍّ بِمُوَاجَهَةِ وَالِدِكَ الَّذِي سَمِعْتُهُ يُنَادِيهِ بِاسْمِ (الحَاجِّ فَوْزِي). أَلْقَيْتُ السَّلَامَ عَلَى الجَمِيعِ، فَابْتَسَمَ وَالِدُكَ فِي وَجْهِي وَسَأَلَنِي عَنْ حَاجَتِي، تَلَكَّأْتُ فِي الكَلَامِ، لَكِنَّنِي فِي آخِرِ الأَمْرِ تَغَلَّبْتُ عَلَى دَهْشَتِي، وَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّتِي، وَأَبْلَغْتُهُ سَلَامَكَ، تَأَمَّلَنِي مَلِيًّا ثُمَّ وَجَّهَ لِي الكَلَامَ بِنَبْرَةٍ مَقْصُودَةٍ:

-مَحْمُودُ مَا زَالَ طِفْلًا... فَكَيْفَ تَدَّعِي أَنَّكَ صَدِيقُهُ؟

قُلْتُ مُفَسِّرًا:

-لَا تَنْسَ يَا سَيِّدِي أَنَّنِي قَادِمٌ مِنْ حِقْبَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، وَأَنَّ وُجُودِي هُنَا لَا مَعْنَى لَهُ، وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ مَفْهُومِ الزمن المعتاد

ظَلَّ صَامِتًا رَدْحًا مِنَ الوَقْتِ ثُمَّ قَالَ:

-أسْأَلُ اللهَ أَنْ يَكُونَ خَلَاصُكَ عَلَى يَدَيَّ؛ لِأَنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ لِمَحْمُودٍ طَلَبًا حَتَّى وَلَوْ كَانَ فَوْقَ طَاقَتِي.

طَلَبَ مِنِّي الِانْتِظَارَ، ثُمَّ قَامَ مِنْ مَكَانِهِ وَدَخَلَ بَابًا كَانَتْ تَتَدَلَّى أَمَامَهُ سِتَارَةٌ زَرْقَاءُ، لَمْ يَتَأَخَّرْ طَوِيلًا وَعَادَ يَحْمِلُ قَارُورَةً زُجَاجِيَّةً وَغِشَاءً أُسْطُوَانِيَّ الشَّكْلِ، وَضَعَ الكُلَّ عَلَى المَكْتَبِ ثُمَّ قَالَ وَهُوَ يَفْتَحُ القَارُورَةَ:

- هَذَا مَاءُ زَمْزَمَ جَلَبْتُهُ مَعِي هَذِهِ السَّنَةَ مِنَ الدِّيَارِ المُقَدَّسَةِ، خُذْ وَاشْرَبْ جُرْعَةً .

أَمْسَكْتُ بِالقَارُورَةِ الزجاجية وارتشفت جرعَتين ثم طلب مني

الِاقْتِرَابَ مِنْهُ، أَزَالَ غِطَاءَ الغِشَاءِ وَأَخْرَجَ سِلْسِلَةَ أَوْرَاقٍ مَلْفُوفَةٍ بِشَكْلٍ دَائِرِيٍّ وَقَالَ:

هَذِهِ يَا وَلَدِي شَجَرَةٌ مُبَارَكَةٌ تَخُصُّ جَدِّي الَّذِي قَضَى ثَلَاثِينَ سَنَةً مُعْتَكِفًا بِبَغْدَادَ المَحْمِيَّةِ، لَبِسَ الجُبَّةَ، وَأَكَلَ الرُّطَبَ، وَشَرِبَ حَلِيبَ النُّوقِ، وَأَوَى إِلَى نَفْسِهِ فِي مَغَارَةٍ يَعْبُدُ رَبَّهُ، فَكَانَ نِعْمَ المرِيد! وَلَمَّا عَادَ عَلَى الأَقْدَامِ إِلَى دُكَّالَةَ، اتَّبَعَ نَهْجَ الفَلَاحِ وَالصَّلَاحِ، وَوَرِثَ عَنْهُ أَبِي هَذِهِ البَرَكَةَ، فَدَعْنِي أَرْقِيكَ، وَأَدْعُو اللهَ أَنْ يُخَلِّصَكَ مِمَّا أَنْتَ فِيهِ

وَكَانَ مَا كَانَ؛ تَرَكْتُهُ يَرْقِينِي وَيُمِرُّ بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِي، وَيَضَعُ الشَّجَرَةَ عَلَى هَامَتِي، شَعَرْتُ بِقُشَعْرِيرَةٍ غَرِيبَةٍ وَأَحْسَسْتُ بِنَسِيمٍ عَلِيلٍ يَهُبُّ عَلَيَّ، وَدَاهَمَ النَّوْمُ فجأة أَجْفَانِي، فَأَسْلَمْتُهُمَا لِلْكَرَى. وَعِنْدَمَا اسْتَيْقَظْتُ وَفَتَحْتُ عَيْنَيَّ وَجَدْتُنِي فِي سَيَّارَتِي أَجْلِسُ خَلْفَ عجلة القيادة، وَأَنَا بِالقُرْبِ مِنَ السَّاعَةِ السَّوْدَاءِ الَّتِي تَتَوَسَّطُ تَقَاطُعَ شَارِعِ مُولَاي يُوسُفَ وَشَارِعِ الزَّلَّاقَةِ، وَقَارُورَةُ مَاءِ زَمْزَمَ بَيْنَ يَدَيَّ! اِلْتَفَتُّ فِي كُلِّ الِاتِّجَاهَاتِ، وَأَدْرَكْتُ أَنَّ رِحْلَةَ التِّيهِ قَدِ انْتَهَتْ وأنني عدت إلى الحاضر، فَحمَدْت الله واستغفرته وصلّيْت على النَّبي وآلهِ وصحْبِه."

***

محمد محضار

الدارالبيضاء: 17 شتنبر 2026

لا إلى هؤلاءِ أو هؤلاءِ

وحدَهُ للعراقِ يبقى انتمائي

*

إنّ أرضاً شَرِبْتُ أوّلَ ماءٍ

من يديها لها فداءً دمائي

*

وغصوناً قد ألبسَتْني ظِلالاً

أكسِرُ الفأسَ إنْ أتَتْ للعَداءِ

*

ومناراً مُحْدَودِبَ الظهرِ قد علَّـ..

مَني أن أعيشَ دونَ انحناءِ

*

ثُمَّ ثوراً مُجنَّحاً ليس يدري

سائحٌ ما أمامَهُ من بهاءِ

*

أضعُ الكفَّ فوقَهُ ثُمَّ أُصغي

هل عرفْتُم كفّاً منَ الإصغاءِ

*

البلادُ التي تريدُ لنا الخيـ..

رَ وإنّا نسوقُها للشقاءِ

*

كلّما للأمامِ همَّتْ بسعيٍ

أرجعوها لما وراءَ الوراءِ

*

والبلادُ التي ستُنبِتُ نخلاً

لو صخوراً ألقَمْتَها بجفاءِ

*

فهلِ الأرضُ أهلُها أم تُراها

مُبتلاةً بأهلِها الغرباءِ

*

وهلِ النهرُ مُسعَدٌ وهْو يجري

بينَ قبرينِ في دجى الصحراءِ

*

يسقطُ الغيثُ والعراقُ ككوخٍ

باردٍ مُوحشِ وغيرِ مضاءِ

*

وصراخٌ لطفلةٍ وسطَ غابٍ

ثُمّ صمتٌ يَرينُ في الأرجاءِ

*

يسقطُ الغيثُ والشوارعُ تخلو

من خطى كلِّ شاعرٍ مشّاءِ

*

ويراني الشرطيُّ يرتابُ ممّا

أنا فيهِ من عزلةٍ وانكفاءِ

*

من يكونُ الغريبَ؟ قلتُ خيالٌ

هدنةٌ بينَ ظلمةٍ وضياءِ

*

ليسَ يدري بأنّ عنديَ فصلاً

خامساً في الحياةِ فصلَ البكاءِ

*

جالساً في الحديقةِ العامّةِ الوقْـ..

تُ كعينيكِ ترسمانَ سمائي

*

وأمامي عِمارةٌ دونَ ضوءٍ

ما عدا غرفةً تثيرُ اشتهائي

*

صاعداً نحوَها سأطرُقُ باباً

مثلَ طرقِ الأمطارِ جلدَ الظِّباءِ

*

يُفتَحُ البابُ وحدَهُ ثُمّ أرنو

لا أرى في المكانِ غيرَ العراءِ

*

وأُزيحُ الستارَ أصرُخُ رُعْباً

إذ أراني عندَ الحديقةِ نائي

*

صِرْتُ ضدّينِ؛ ها هنا محضُ نارٍ

وهناكَ المياهُ في أسمائي

*

عجِبُ الناسُ أنّ نورسَ نهرٍ

ليسَ خبزاً يريدُ عندَ النداءِ

*

رُبَّ ميْتٍ بهيأةِ الطيرِ يأتي

فدعوهُ يَقصُصْ حكايا الفَناءِ

***

د. عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

الأرصفة التي تغير جلدها في الليل

لن تذكرك في الصباح

المدن ذات الألف وجه

تجيد الابتسام في وجه الغرباء

مقاعد القهوة الممسوحة الذاكرة

تتماهى مع سحنة كل زائر

الميناء وضجيج النوارس

كلما ابتعدت هيأوا ترنيمة وداع جديدة

يحتسون البرود أمام نظرتك الحائرة

لن يشتروك

أنت المتخم بالخسارة

وحدك البائع يأخذون ما لديك

يقايضونك بالحنين

تكتب تنزف

تحشر اللغة في حيز الجسد

في الواقع الأمكنة لا تحتمل

المجاز يفعل

حمامة بيضاء تحط على كتفك

لم تأت من وراء البحر

ولا الرصيف دلها

ولا يعني شيئًا

أنك شممت رائحة القهوة لحظة وصولها

كل ما في الأمر أنك دفعت ثمنًا غاليًا

الحنين تُرّهة

القصيدة شُبهة

الوطن ذاكرة!

***

أريج محمد

 

كان يوماً قارس البرودة، من تلك الأيام الصقيعية التي تجعل المرء في موسكو ينسى كل شيء، ولا يفكر إلا في كيفية الاحتماء من البرد. كانت الحرارة قد هبطت إلى درجات لا يرحم فيها الهواء الوجه، وكانت شبكة توزيع المياه في بعض أحياء المدينة تتجمد، فتغدو المياه في الأنابيب كتلاً من الجليد. وكان البرد شديداً إلى درجة أن المرء، وهو يعبر الشارع، لا يفكر إلا في الوصول إلى أقرب مكان دافئ.

عدت مساءً إلى شقتي، مرهقاً بعد يوم دراسي طويل في الجامعة. كنت أسكن في الطابق الخامس من إحدى العمارات الجديدة في حي جريوموشكي، جنوب موسكو. وكانت تلك العمارات من مباني خروشوف التي شاع بين الناس أن يسموها، بسخرية محببة، «علب خروشوف»، لضيق شققها وصغر مساحاتها.

لم يكن في العمارة مصعد. صعدت الطوابق الخمسة ببطء، وأنا أشعر بثقل حقيبتي ومعطفي وحذائي المبلل بالثلج. كان الضوء في الدرج شاحباً، والهواء بارداً، وكانت رائحته خليطاً مألوفاً من السمك المقلي والزيت المحروق والثوم.

كنت أريد أن أصل إلى شقتي بأسرع ما يمكن. كان البرد قد أنهكني، وكل ما كنت أحلم به هو أن أخلع معطفي الثقيل، وأعدّ عشاءً خفيفاً، ثم أرتشف على مهل كوباً من القهوة البرازيلية التي كنت أحتفظ بها بعناية للمناسبات الجميلة. وبعد ذلك أندس في فراشي الدافئ، وأفتح الرواية التي اشتريتها قبل أيام، وظلت تنتظرني فوق الطاولة؛ رواية لم أجد، منذ اشتريتها، وقتاً لقراءة صفحة واحدة منها.

كان في انتظاري، إذن، مساء صغير وهادئ، لا أريد له أن يخطئ موعده.

وصلت إلى باب شقتي، وما إن فتحته حتى جاءني من الداخل صوت جهوري:

- قف! ولا تتحرك!

تسمّرت في مكاني.

لم يكن الصوت غريباً فحسب، بل كان آمراً إلى درجة جعلتني أطيعه قبل أن أفكر.

بقيت واقفاً عند العتبة، ويدي لا تزال على مقبض الباب، أحدق في الظلام داخل الشقة. لم أفهم من أين جاء الصوت، ولا من يخاطبني، ولا لماذا.

هل هناك أحد في الشقة؟

تسارعت دقات قلبي.

قلت في نفسي:

لص؟

لكن كيف دخل؟

أم أن الأمر يتعلق بشيء أخطر؟

مرّت في رأسي احتمالات كثيرة خلال ثوانٍ قليلة.

ثم خطر لي احتمال آخر أكثر إثارة للقلق: رجل أمن سري. وربما أكثر من رجل. فقد كانت مساكن الطلبة الأجانب، في ذلك الزمن، محاطة دائماً بشيء من الريبة، وكان الأجنبي يحتاج أحياناً إلى وقت طويل كي يقنع نفسه بأن أحداً لا يراقبه.

لم أجرؤ على التقدم خطوة.

كان بإمكاني أن أعود إلى الدرج، لكنني كنت قد صعدت خمسة طوابق، وكانت ساقاي بالكاد تحملانني. ثم إنني لم أكن أعرف إن كان الرجل يقف خلف الباب، أم في غرفة الجلوس، ولا إن كان مسلحاً أم لا.

ربما دخل أحدهم الشقة.

ربما كان ينتظرني.

ربما...

جاء الصوت مرة أخرى:

- قف! لا تتحرك!

شعرت بأن يدي، التي ما زالت على مقبض الباب، أصبحت باردة كالجليد.

لم أتقدم.

ولم أتراجع.

كنت واقفاً بين الخارج والداخل، بين برد موسكو وما قد يكون في الشقة.

وفجأة انطلقت موسيقى صاخبة.

تبعها صوت المذيع، ثم أصوات أشخاص يتحدثون ويتجادلون.

عندها فقط فهمت.

التلفزيون!

لقد نسيت أن أطفئه قبل أن أذهب إلى الجامعة.

ظل يعمل طوال النهار، وكان البرنامج الذي يُبث في تلك اللحظة يتضمن مشهداً درامياً بدا، من دون أن أرى الشاشة، كأنه تهديد حقيقي موجّه إليّ.

بقيت لحظة أحدق في جهاز التلفزيون، ثم انفجرت ضاحكاً.

ضحكت من نفسي، ومن خوفي، ومن ذلك الرجل الذي كنت أتخيله لصاً أو رجل أمن، فإذا به مجرد صوت يخرج من جهاز تلفزيون تركته يعمل منذ الصباح.

دخلت وأغلقت الباب.

خلعت معطفي وتوجهت إلى غرفة الجلوس.

نظرت حولي مرة أخرى.

كان كل شيء كما تركته: التلفزيون يعمل، والنافذة ترتجف تحت ضربات الريح.

ومع ذلك، لم تعد الشقة كما كانت قبل دقائق.

جلست طويلاً أحاول أن أستعيد ما حدث. لم يكن هناك لص، ولا رجل أمن، ولا حركة خلف الباب. لم يكن هناك أحد.

كنت وحدي؛ طالباً أجنبياً أنهكه يوم طويل، في شقة صغيرة وسط شتاء موسكو، بينما كانت الريح تضرب النوافذ وتعبث بأعصابي.

ابتسمت، ثم ضحكت. كنت أضحك وحدي.

قلت لنفسي إن الأمر لم يكن أكثر من وهم عابر، لحظة صنعها التعب والصمت والليل. ومع ذلك، بقي شيء واحد يزعجني:

كيف أمكن لشقة أعرف كل زاوية فيها أن تبدو لي غريبة إلى ذلك الحد؟

بعد قليل وضعت القهوة على النار.

ثم أخرجت الرواية من حقيبتي وجلست قرب النافذة.

في الخارج كانت موسكو بيضاء، ساكنة، كأن المدينة كلها قد اختبأت تحت بطانية ضخمة. وظل التلفزيون يتحدث.

هذه المرة لم أخف من صوته.

كنت أسمعه وأبتسم.

ومنذ ذلك المساء، كلما تذكرت تلك الشقة الصغيرة في جريوموشكي، لم أتذكر البرد وحده، ولا السلالم الخمسة، ولا رائحة القهوة البرازيلية.

أتذكر دائماً ذلك الصوت:

«قف! ولا تتحرك!»

وأتذكر أنني، في تلك اللحظة، صدقته تماماً.

ثم أبتسم.

فقد علّمتني تلك الليلة شيئاً لم أنسه عن موسكو، وعن الغربة، وعن الإنسان حين يكون وحيداً ومتعباً.

يكفي أحياناً صوت يأتي من جهاز تلفزيون، في شقة صغيرة وسط ليل موسكو، لكي يتحول في رأسك إلى خطر حقيقي.

ويكفي أن تهدأ قليلاً...

كي تكتشف أن أكثر ما أخافك لم يكن موجوداً إلا في داخلك.

***

جودت هوشيار

دَعْ عَنْكَ مَا يُقَالُ فِي الْجَلَسَاتِ السِّرِّيَّةِ

وَلَا تُصْغِ لِلْأَفْوَاهِ الْهَوْجَاءِ

كُلَّمَا أَسْكَرَنَا الشَّوْقُ نَبِيذًا

وَغَرَقْنَا فِي الْعَطَشِ...

نَحْنُ مَنْ نَرِثُ السَّمَاءَ

وَنَنْزَلِقُ كَطِفْلَيْنِ فِي الْاحْتِرَاقِ.

قُلْ شِعْرًا وَتَعَالَ حَبيبِي،

اِنْتَبِذْ مِنَ النَّثْرِ نَخِيلًا يُغَنِّي

فَأَنَا لَا أُحْصِي عَدَدَ الثِّمَارِ الَّتِي....

وَلَا أُدْرِكُ جُنُونَ الرُّومَنْسِيِينَ

الَّذِينَ اجْتَاحَهُمْ الْحُبُّ

أَنْتَ بُسْتَانٌ مُتَّسِعٌ فِي مَدَايَ

وَأَنَا هَمْسَةُ مَسَاءٍ عَلَى شُرْفَةِ التِّيهِ

أَضَاعَتْ طَرِيقَ عَوْدَتِهَا إِلَيْكَ...

أَنَا نَايٌ أُسْطورِيٌّ مِنْ سِيمْفُونِيَّاتِ "نِينْوَى"

رَاقِصْنِي إِذَنْ، كإلَاهَةٍ شَبَقِيَّةٍ،

تَرَكَتْ شُمُوعًا تَذُوبُ فِي كَنَائِسِ التَّمَنِّي

كَأُرْجُوحَةٍ مُلَوَّنَةٍ مِنْ زَمَنٍ سَعِيدٍ.

كُنْ أَنْتَ فَقَطْ،

كُنْ كُلَّ الْمُشَاهِدِ وَكُلَّ الْأَشْرِطَةِ وَكُلَّ الْأَسَاطِيرِ

وَالْخُرَافَاتِ الْقَدِيمَةِ....

وَقَصَائِدَ السُّكَّرِ الَّتِي فَاضَتْ، مِنْ كُؤُوسِ المُنَى

وَانْسَابَتْ كَحُبيْبَاتِ ضَوْءٍ فِي الْأَرْوِقَةِ...

ضُمَّنِي أَكْثَرَ، كُلَّمَا اشْتَدَّ الْفَرَاغُ

وَاقْتَبَسَتِ الْقُبُلَاتُ حَرَارَةَ الشِّفَاهِ

خُذْ مِنْ أَلْوَانِ عَيْنَيَّ مَا يَكْفِي لِلْعَتمَة

وَمَا يَجْعَلُ اللَّيَالِي مُتَلَأْلِئَةً.

لَا تَكْتَرِثْ إِنْ قُلْتُ لَكَ سَأَرْحَلُ

مُتَأَهِّبَةً لِلضَّـيَاعِ

لِعُنْوَانٍ بِلَا شَارِعٍ

فَأَنَا لَمْ أَكَنْ أَشْتَهِي الذَّهَابَ مِنْ قَبْلُ.

فَهَلِ النِّهَايَاتُ لَذِيذَةٌ حَبيبِي

كَرَائِحَةِ الْوَرْدِ الَّذِي انْتَشَرَ

كَالْعِطْرِ الَّذِي فَاضَ مِنْ إِنَاءِ الكَوْنِ

كَشَجِرِ الْمِسْكِ الَّذِي عَبِقَ؟

اِقْتَرَبْ أَكْثَرَ مِنْ حَفِيفِ ثَوْبِي

وَمِنِ اللَّهْفَةِ الشَّاهِقَةِ

أَنْتَ مَنْ يُدْرِكُ مَا تَبَقَّى مِنْ فَرَحٍ

فِي جُيُوبِ الْأَمْنِيَاتِ.

أَيُّ هَذَيَانٍ أَجْمَلُ مِنَ أَنّنَا هُنَا

اثْنَانِ، نُؤَدِّي طُقُوسَنَا الْمُخْتَلِفَةَ

عَلَى أَرَضٍ لَا تَعْتَرِفُ بِالْحُبِّ

وَلَا تُؤْمِنُ بِالْمَشَاعِرِ الَّتِي تَكْبُرُ كَالْسَّنَابِلِ

تَطِيرُ فِي السَّمَاءِ كَالْيَمَامِ

وَتَحُطُّ عَلَى الْأَشْجَارِ الْبَعِيدَةِ...

ثُمَّ تُغْتَالُ كَالْشُّهَدَاءِ

عَلَى التِّلَالِ وَالسَّاحَاتِ الْخَالِيَةِ.

لِتَتَحَوَّلَ إِلَى عَصَافِيرَ خَضْرَاءَ

تُؤْمِنُ أَنَّ السَّمَاءَ قَرِيبَةٌ.

***

الشاعرة والرسامة سليمى السرايري - تونس

قصيد من ديواني "غدا تزهرُ الأناشيد"

 

لا تكتم ما في القلب

واسرج للروح فرسها الجامح

ودعها في ميادين القوافي تنطلق

ودع الكلمات تتنفس

من أوردة الحياة

مقبلة غير مدبرة...

وَعَرِّ صمت الحنين

ارحل في مدى الشوق...

وانهل من دفاتر الأيام

شمساً لغدك

انفض غبار التردد

ولا تخشَ...

ولا تخشَ

أيها المسافر

في رحاب الوجد

حَلِّقْ في معراج الهوى

فالروح ظمأى

لمستقرّ لها...

فكن الحارس

وكن المنافح

وكن الركن والمنطلق

وكن القاضي والمتهم

واسكر من خمرة العشق

فلا يلام من كان خمره الهوى

واكتب أوائل الآيات وآخرها

فما الحياة بحياة

بدون الشوق والعشق

ثم املأ الكأس

تعلقاً وولها...

***

عباس علي مراد

شيخٌ مثلي يحلمُ بالثورةِ دائمةً

في كونٍ تاهَ

بين محيطاتِ الظلمةِ، بينَ الحربِ

وضبابِ الرؤيةِ

ليسَ غريباً أنْ يعشقَ لوحةَ أرنستو تشي جيفارا؛

كي تسريَ في أنهار القلبِ ووديان العين،

تلك الأحلامُ الورديةُ في زمن الكلماتِ الكبرى

وأساطيرِ اليوتوبيا البشرية.

*

الذاكرةُ:

المرآةُ المصقولةُ، والملأى بالصورِ وبالألوانِ

تتقاطعُ في نزعاتِ الغيثِ

يُـمطرُ بالزَّهرِ وبالشَّمعِ

بحماماتِ فضاءِ الأصداء.

*

يا أرنستو،

تلك القممُ الشَّاهقةُ

بين سماواتِ جبالِ الأنديز

تعشقُ فيكَ سيجارةَ هافانا

ولباسَ الگوريلا

والأقسام.

*

يا ذا الأيامِ نداولُها بينَ بيوتِ القصبِ

والغاباتِ المكتضَّةِ في أحضانِ الأمزون

وبينَ كهوفِ (تورا بورا)،

هذي أزقةُ سانتياغو الحافيةُ

مازالتْ تعشقُ مملكةَ الحبّ السِّحريةِ

في أشعار بابلو نيرودا

وقصائدِ (عيون ألزا)

ومراجل سلفادور الليندي،

ذاك الشَّيخُ الصّامدِ في قلعتهِ حتى الموت؛

من أجل عيونِ (سانتياگو).

*

العشقُ سؤالٌ مطروحٌ فوق بساط الكون

من أيام التفاحةِ والفردوس المفقودِ

حيّرَ أصداءَ رسالاتٍ زحفتْ

ورسالاتٍ ذُبِـحَت

ورسالاتٍ تخبو

ورسالاتٍ تحبو

*

كمْ مِـنْ معشوقٍ قتلَ العاشقَ في اللعبةِ

كم منْ نبتٍ جفّ على دربِ الأشواق المُحرقةِ

كم منْ قلمٍ قد ذابَ على رَجْعِ القلبِ

كم منْ فقراءَ

هامُوا في رائحةِ الخبزِ

فاحترقوا

في تيزابِ أولي الأمر .

*

العشقُ ضياءٌ مرسومٌ في روح الأرض

حيّر أمراءَ الحرفِ وصنّاعَ الكلماتِ

والثَّوراتِ

وأصحابَ دهاليز الموتْ.

*

يا أرنستو،

لو عادتْ خيلُ الوديان تقاومُ عاصفةَ البحر الهائج

لو أنَّ سنابلَ أرض الفقراءِ

وبنادقَـهم

أحلامَ الليل وأنفاسَ الجدران الصدئةِ

تقفز من فوق الغاباتِ، والأنهارِ، والصحراء،

لاعتدْنا للكافر بنصاعةِ عينيكَ سعيرا.

*

ليسَ بيدي، يا أرنستو،

أو بيدِ الزمن الغافي

في تعليلاتِ الحرس الأقدمِ، والأجددِ،

والقادم فوق حصانٍ مِنْ خشبٍ،

أو تحليلاتٍ منْ خبراء الزّ،من الخائبِ

أن يُحصَرَ وجهُـك في شقّ الذاكرة،،

في أسوار الكتبِ،

في متحفِ تاريخٍ ذاب.

*

العشقُ سؤالٌ

صدّعَ رؤوسَ حكماءِ الأحلام

صدّعَني:

لِمَ هذا الإنسان يُـحِبّ؟

لِمَ يحترقُ بنار الشّوقِ؟

لمَ يأسرُهُ وجهُ المعشوقِ؟

لمَ كلُّ جراحات التّوقِ؟

مَـنْ ذا يحظى برنين القلبِ ووخز الشّوقِ؟

مَـنْ هذا الحائزُ جائزةَ الطوقِ ؟

منْ غيرُك أجدى،

جيفارا؟!

*

مازالَ الحلمَ الأبهى والأقدمَ

في طيفِ الليل وهمسِ الفجرِ

ونبضِ الحرفِ

حلمُ جبالِ (سيرا مايسترو)

وخارطةِ الألفِ ميل.

*

مَنْ يقدرُ أنْ يختطفَ

مِنِ حَدَقاتِ الأيام ومِنْ قلبي

صورةَ أرنستو

تشي جيفارا؟

***

(عبد الستار نورعلي)

..........................

رُويَ أنَّ أحدَ رجالاتِ الدولةِ الكبارِ - منَ الراحلينَ - قالَ يوماً:

"انتهى زمنُ الثورات وجيفارا لم يكنْ ذا صوابٍ أبداً..."

وقالَ جيفارا:

"لا تحزني، يا أمي، إنْ مُتُّ في غضِّ الشبابِ غداً، سأحرِّضُ أهلَ القبورِ، وأجعلُها ثورةً تحتَ التراب."

عيون المدينةٍ

تمنحني‎ الدفء

قبل هطولِ الشتاءِ المُرصَّعِ

بالسوقِ والنَّافِلاتْ

*

تُعَلٍّمَني الحبّ في لمحةٍ قبل أنْ

يَرتد طرْفي

يُضِجّ المدينة

يأوي إلى ذاتٍ قلبٍ

تُفَرِّدُ بين حقولٍ الأماني بلا فلسفاتْ

وَتَسْلُكُ وَجْها

يصونُ حَياءً ويفْنَى صَلاةْ!

*

وأشهى عيونِ المدينةِ

تٍلك التي إِنْ رَمَتْ

أَسْقَطَتْ مملكاتْ!

***

محمد ثابت السَّمَيْعي

 

(إلى جليل خزعل)

ربما نحنُ الوَحيدَان اللذان انتهيا

في هذه العزلة بعدَ الطوفان

وعدانا، كلّهم قد رحلوا

في ذاتِ ألواحٍ ودُسْرٍ لبلاد الغرباء

أنتظرنا أنْ تدورَ الأرضُ بالمقلوب

أو أنْ يخرجَ المُنقذُ من صَدْعِ الزمان

بيدَ أنَّ المدَّ ما انزاحَ

ولم يستجلِبِ المُنقذَ ترتيلُ صلاةٍ ودعاء

**

نحنُ مُتنا مثلما الفينيقُ مرّاتٍ

وعُدنا من جديدٍ

لنزيدَ الحِملَ حِملاً

كلما نمنا بنا استيقظتِ الذكرى

ومنها بدأ الجُرحُ المُدمّى بالعُواء

من حَصارٍ لحصار قد هربنا،

وعلى أكتافنا نزحف ما زلنا

هروباً من حصارٍ قادمٍ

أو بعد أن خضنا مع الدنيا حروباً خاسِراتٍ

وهَرَبنا

ربما نخسَرُ كي نهربَ

من حربٍ ضروسٍ مع أجرام الفضاء

**

هل نَسَونا؟

أم تُرى قد مُحِيتْ ذاكرتانا؟

لم تعد أصواتُنا تُسمعُ في هذا الفراغ

فلماذا لم تزل أفواهنا مفتوحة؟

ولماذا لا نُعينُ القُفلَ أنْ يكبتَ فيها

رغبةَ السكّيرَ ليلاً بالغناء؟

لم تعد تُبصرنا أعينُ من نؤثرهم حتى على أنفسنا

هل هو الحبُّ الذي أمحَلَ؟

أم أنَّ الذي ماتَ بنا

غطّى على أحداقنا

فغدونا نُبصرُ الروضَ حُطاماً وخُواء

سقطةٌ موجعةٌ أنْ تَسمعَ الأبعَدَ والأدنى إليك

بينما هم عبثاً يُصغوا لِتَصخَابِ جراحِكْ

وإذا ما أبصروا في ثوبكَ النيرانَ

غذّاها بأحطابٍ

لكي تُنضجَ من لحمكَ للأغرابِ أسياخَ الشِواء

**

إنقضت أعمارنا في غفوةٍ

لكننا حين صحونا

كانت الأعوامُ قد طاحتْ كما الأوراقُ من أشجارها

ووجدنا أننا في ساعةٍ شِخنا قروناً

وبأنّا قد ركِبنا في قِطارٍ

عبثاً يرجعُ يوماً للوراء

ألدمُ النابضُ ما عادتْ لهُ نقراتُ طبلٍ

والتصاويرُ التي تضحكُ، أو نضحكُ فيها

بَهُتَتْ مثلَ وجوهِ الضاحكين

بينما الضحْكاتُ فيها اعتُصِرَتْ في قبضةِ النسيان

حتى لم تعُد في سُحُبِ العُمرِ بنا قطرةُ ماء

***

شعر: ليث الصندوق

بعد أن حوّل مدينته إلى مهرجان مفتوح للعاشقات، لم يعد الرجل يعرف أين تنتهي النساء اللواتي عرفهن وأين تبدأ النساء اللواتي اخترعهن. كانت له عدة كاملة تليق بعاشق محترف: نظارات سوداء للتحديق من خلفها دون أن يُكتشف، وصحف مثقوبة بعناية تسمح له بمراقبة المقهى المقابل، ومنظار صغير للشواطئ، وآخر أكبر للأيام التي يكون فيها البحر كريمًا بالنساء. وكان يحمل هذه الأدوات بجدية عالم آثار يبحث عن حضارة مفقودة، مع فارق بسيط هو أنه كان يبحث عن امرأة ترتدي مايوهًا.

كان يرى امرأة من نافذة الترام فتبتسم، فيعود إلى البيت مقتنعًا بأنها قضت الليل كله تنتظره. وكانت أخرى تترك مظلتها في المقهى، فيفسر الأمر على أنه حيلة كي تعود في اليوم التالي. وثالثة تسأله عن اسم الشارع، فيخبر أصدقاءه أنها لم تكن تريد معرفة الشارع، وإنما كانت تريد معرفة الطريق إليه. وهكذا أخذت مدينته، في روايته، شكل معرض دائم للحب، كل شارع فيه موعد مؤجل، وكل مقهى كمين، وكل امرأة مصادفة تنتظر أن تتحول إلى فصل في سيرته.

وذات مساء خرج من السينما، وكان الثلج ينزل بهدوء، فرأى امرأة تقف عند المدخل وتنظر إلى ساعتها. نظر إليها، فنظرت إليه، ثم عادت إلى الساعة. قال في سره: «الموعد تأخر». بقي واقفًا تحت الثلج حتى جاءت سيارة أجرة، فركبت المرأة وغادرت. التفت إلى صديقه وقال: «كانت تنتظرني». قال صديقه: «ربما كانت تنتظر سيارة الأجرة». أجابه: «أنت دائمًا تفسد الجانب الشعري من الوقائع».

بعد ذلك بدأ يصدر أسطورته إلى المدن الأخرى. دخل فندقًا ذات ليلة، فناولته موظفة الاستقبال جواز سفره، ثم أعطته المفتاح وقالت: «الغرفة 214». نظر إلى المفتاح، ثم إلى الموظفة، ثم عاد إلى صديقه وقال: «عرفتني». قال صديقه: «إنها الغرفة التي حجزتها». فرد عليه: «كان يمكن أن تعطيني 215». ومنذ تلك اللحظة أصبحت موظفة الاستقبال، في روايته، أول امرأة في تلك المدينة تخفي ارتباكها خلف مهنة الاستقبال.

وذات صيف وقف على شاطئ مزدحم بمنظاره، ثم أعلن بعد عودته أن ثلاث نساء تبادلن النظرات بسببه، وأن رابعة سقطت في الماء من شدة التأثر. ولما سأله صديقه كيف عرف أنها سقطت بسببه، أجاب: «كانت تنظر نحوي قبل أن تغرق». وفي مناسبة أخرى أشعل سيجارته أمام امرأة في محطة قطار، فسعلت وابتعدت خطوتين. قال: «أربكتها». وبعد شهر صارت القصة أن المرأة وقعت في حبه من الطريقة التي أشعل بها سيجارته.

أما أعظم حكاياته فكانت عن سفينة سياحية تعرضت لحادث في البحر. كان، بحسب روايته، واقفًا على الشاطئ حين لمح امرأة تصارع الأمواج. خلع معطفه، ورمى نفسه في الماء، وأنقذها بعد معركة كادت تستمر حتى الغروب. وحين استعادت أنفاسها، نظرت إليه وقالت إنها لن تنسى الرجل الذي أنقذ حياتها. ظل يروي الحكاية سنوات، وفي كل مرة كان البحر يصبح أكثر هياجًا، والسفينة أكبر، والأمواج أعلى، والمرأة أجمل، أما هو فكان يقترب شيئًا فشيئًا من مرتبة أبطال الميثولوجيا.

سأله صديقه ذات مرة: «وأين كانت تسكن؟»

قال: «في مدينة جميلة مطلة على بركان».

صمت الصديق قليلًا ثم قال: «بركان؟»

قال الرجل: «نعم».

«وهل كان البركان نشطًا؟»

ابتسم العاشق ابتسامة رجل لا يرضى بأن تفسد الجغرافيا عليه قصة حب.

قال: «كان في ذلك شيء من الرومانسية».

ومنذ ذلك الحين صار البركان نفسه جزءًا من أسطورته؛ كان يقول إن المرأة كانت تنظر إلى البركان كل صباح وتتذكر الرجل الذي أنقذها من البحر، وإن المدينة كلها كانت تعرف قصته، وإن الدخان المتصاعد من الجبل لم يكن سوى إشارة من الطبيعة إلى قوة الحب.

بعد أن اتسعت الحكايات أكثر مما تحتمل مدينة واحدة، بدأ الرجل يعتقد أن النساء في المدن البعيدة يتناقلن خبره كما يتناقل الناس أخبار المطر. كانت تصله رسائل من مدن لم يزرها قط، واحدة تبدأ بعبارة «أعرف أنك ستأتي»، وأخرى تنتهي بعنوان فندق، وثالثة لا تحتوي إلا على اسم مدينة. وكان يقرأها بوقار رجل أتعبته الشهرة، ثم يقول للنادل: «يبدو أنني تأخرت كثيرًا عن موعدي».

وكان يقع في الحب بسرعة لا تليق برجل يدّعي كل هذه الخبرة؛ أحيانًا قبل أن يعرف اسم المرأة، وأحيانًا قبل أن يسمع صوتها، وفي الحالات الاستثنائية كان يقع في الحب قبل أن يراها. دخل ذات مساء مقهى، فنهضت امرأة وغادرت فورًا. تابعها بعينيه وقال لصديقه: «لقد تأثرت». قال الصديق: «ربما كانت ذاهبة إلى بيتها». أجابه: «الحب له طرق غامضة».

ومع السنوات صار لكل مصادفة عنده تاريخ، ولكل ابتسامة قصة، ولكل خطأ عاطفة، ولكل امرأة لم تلتفت إليه سبب عميق يمنعها من إظهار مشاعرها. حتى النساء اللواتي لم يرينه قط دخلن سيرته بطريقة ما؛ واحدة احتفظت بمنديل لأن الرجل مر بالقرب منها في الشتاء، وأخرى كتبت قصيدة عنه دون أن تعرف اسمه، وثالثة رفضت الزواج لأنها كانت تنتظر عودته، ورابعة سمّت قطها باسمه، وخامسة لم تفعل شيئًا على الإطلاق، فكان ذلك أكثر ما أثار حيرته، لأنها، في رأيه، كانت تخفي شيئًا.

وفي أحد الأيام عاد إلى مدينته. سار في الشوارع التي صنع منها أسطورته، مر بالسينما، ودخل المقهى، وجلس إلى الطاولة نفسها. كانت الثلوج تتساقط، والنساء يعبرن الشارع في معاطف طويلة، والمدينة مشغولة بمواعيدها الحقيقية. انتظر امرأة تلتفت، ونادلة ترتبك، ورسالة مجهولة تصل، أو حتى سيجارة تحتاج إلى نار. مرت عشر دقائق، ثم عشرون، ولم يحدث شيء. طلب قهوته، فأحضرتها النادلة دون ابتسامة. أشعل سيجارته وحده.

وحين خرج من المقهى، سمع صوت امرأة خلفه: «عفوًا، هل تعرف أين تقع محطة الحافلات؟» استدار ببطء، وعدّل ياقة معطفه، ونظر إليها بثقة رجل عاد إليه مجده. قالت المرأة: «أبحث عن المحطة». أشار إليها إلى الطريق، فشكرته ومضت. بقي واقفًا لحظة، يتابعها بعينيه، ثم ابتسم ابتسامة العاشق الذي وجد أخيرًا تفسيرًا لما حدث وقال: «كانت مرتبكة».

***

بولص آدم

قريتي

في أيادي الجبال تنام

تزغرد فيها الرياح

وترقص شجوا حروف المياه

فيسكت رجع القوافي إلى أن تميس

ضفائرها الغلْبُ بالسفن الماخرات التي

لا يطال الكلام...

حفيف

وزنبقة تستعيد صدى

لنهار قديم

ونخلٌ رشيق القوام يصلي

لآلهة الفرح العائليّ

على فمه قريتي تتمطى

تعب رحيق سواقي الضحى

لا تنام

إلى صدرها الرحب

حيث المنابع ترفل في الانتشاء

وتفهق بالتبر

تأوي طيور القطا

واليمام.​

***

مصطفى معروفي

 

لا تُخطّط لتلك المساءات،

خلف ارتجافِ قلبكَ الفتيّ

وارتعاشةِ هواكَ.

ثَمّةَ ما يُقال عن الحب،

وما يُدرَسُ بطريقةِ العارفين عن هوسٍ عذريٍّ حلوِ المذاق.

جاهزًا لالتقاطِ أيِّ لحظةٍ عابرة،

بشذى عطرِها الموسميّ.

كُنْ كما تريد،

لا كما يريدُ من تحبّ.

بطوقِ نجاتِكَ المعشوشب تحيا،

وجناحاك متاحان لرفرفةِ السنونو....

***

رجاء الغانمي - العراق

أتيتُ اليكَ فـي وضـــــــحِ النهـــــارِ

وبـي شـــوقٌ قديــــــمٌ للبحــــــــــار

*

سألـــتُ الناسَ قـــالــــوا أنتَ نهــرٌ

وظنّـي أنَّ بحـــراً في انتظــــاري

*

أتاجـــــة أيّها النهــــــرُ المُعافـــى

سأروي قصتـــــي لكَ باختصـــارِ

*

غريـبٌ ها هنـــا جســـداً وإنّـــــي

غـريبُ الروحِ فــي أهلـي وداري

*

تنكّــــرَ أخوتي لـــي غيــرَ أنّــــــي

حفظـتُ مودتــــي رغم انكسـاري

*

فحالي حــــــالُ يوسفَ في صبـاهُ

مررتُ كذاكَ فــي أقسى اختبــــارِ

*

وحــالُ الرافديــــنِ شبيـــهُ حالــي

فدجلـــةُ والفــراتُ الـى انحســــارِ

*

حقــــولٌ أمسِ قـــد أينعنَ خضْـراً

أراهـا اليـــوم أشبـــهَ بالصحاري

*

ريــاضٌ ظامئــاتٌ كـــــم تمنّــــتْ

لو انَّ المــــــاءَ يُحمـــلُ بالجــرارِ

*

تمنّــتْ نيـــلَ شييءٍ مُستحيـــــــلٍ

عصـــــيٌّ مثــــل أحـــلامِ الصغارِ

*

ولكــــنْ ربّمـــا الأقـــــدارُ يومـــاً

تُحيـــــلُ الانكســـارَ الـــــى اقتدارِ

***

جميل حسين الساعدي - لشبونة

17/8/2026

..........................

* هذه القصيدة كتبتها هذا العام اثناء زيارتي للشبونة عاصمة البرتغال وقد ذهبت الى النهر الطويل العريض (تاجة) وكنت أعتقد انني ذاهب الى البحر، فكانت هذه القصيدة التي أوحت لي بها تلك الزيارة

* نهر تاجة هو اطول نهر في شبه الجزيرة الأيبيرية، ويجري في دولتي اسبانيا والبرتغال الى ان يصل الى المحيط الاطلسي ويبلغ طوله 1038 كيلومترا.

أما الحافز الذي دفعني الى كتابة هذه القصيدة فهو عظمة النهر الذي ظننته بحرا، الى أن أخبرني شخص برتغالي كان جالسا على صخرة قريبة من الصخرة التي كنت أجلس عليها بأنّ هذا هو نهر وليس بحرا. كنت وقتها أتأمل في الأمواج فتذكرت دجلة والفرات حينما كنت في العراق هذا العام في شهر مايس وكيف ان المياه انحسرت كثيرا فشرعت بكتابة هذه القصيدة في الحقيقة بدأت بالبيتين التاليين

غريبٌ ها هنــــا جســـداً وإنّي *** غريــبُ الروح فـي أهلي وداري

تنكّــــرَ أخوتي لي غيرَ أنّـــي *** حفظــتُ مودتــي رغمَ انكســاري

فالتفت اليّ الشخص الجالس جنبي سائلا أتتكلمُ مع الله..؟ فضحكت قائلا: لا أنا اتحدث مع البحر شعرا قال لي انه نهر وليس بحرا، ثم ترجمت له البيتين الى اللغة البرتغالية وهذه هي ترجمة البيتين:

Um estranho de corpo aqui, e um espirito entre os meus e no meu próprio lar.

Os meus irmãos viraram-me as costas; ainda assim, mantive firme o meu afeto, apesar de estar despedasado

سَئِمَ الوقتُ انشغالَ الوقتِ دومًا بالتباهي

لم يُطِق منه الغرورُ

حينما أطفأ عمدًا كلَّ أضواءِ القصيدةْ

سحبَ الوقتُ المسدسْ

أطلقَ الوقتُ على الوقتِ رصاصةً

وانتحرْ..

2

جرتِ العادةُ للوقتِ بألا ينفدَ الوقتُ لديهْ

وتمطَّى بعدَ يومٍ متعبِ الساعاتِ مِن طولِ نهارْ

قد قضاهُ في شؤونِ الآخرينْ

غافلًا عَن موعدِ الحبِّ الذي أرجأهُ عامًا فعامًا

قَدرٌ يَعلوه تأويلُ النُبوءة

في غموضِ الانتظارْ

3

أبصرَ الوقتُ بأنَّ الوقتَ ينفدْ

رفأ الحيرةَ مِن جنحِ الغمامْ

قبلَ أن يكتبَ عن متسعِ الوقتِ حكايةً

لبراكينِ الحروبْ

4

رصفَ الوقتُ الطريقْ

بجزيلِ الأمنيّاتْ

وتمطَّى بخيالٍ

أشبهَ الشبهَ بأسرارِ نبيٍّ

هو لم يطرقْ حتى لحظةً

إنما أخبرنا دونَ حياءْ

بحصادٍ

مِن

مواويلِ

الحروبْ

5

طلبَ الوقتُ

مِنَ الشاعرِ

أنْ يكتبَ في الوقتِ قصيدةْ

فتدلَّى شعرهُ الأبيضُ أعناقَ سنابلْ

غمسَ الحرفَ بماءِ الاشتعالْ

وتملَّى في عيونِ الوقتِ وقتًا

شمَّرَ الوقتُ ذراعيهِ وغنَّى

لشذى وردِ القرنفلِ

في شبابيكِ الحقولْ

6

قلتُ للوقتِ: تهجَّى صوتَها بين الزهورْ

فهي مني فسحةُ الروحِ

وعِرقٌ وفضاءْ

هرولَ الوقتُ طويلًا

بينَ قلبي وشقاواتِ الطفولةْ

ضحكتْ عيناهُ مني

إذ أجُسُّ الأرضَ ظنًّا

أنني ألمسُ مِن أثركِ

طيبًا

وندىً

مِن

قدميكِ

7

صدأتْ أعمدةُ الوقتِ ولا زالتْ تضيءْ

دربنا

نحوَ

النهايةْ

8

لم أطقْ عجرفةَ الوقتِ

فقد طالت ذنوبُه

إذ يقولُ:

إنما الحبرُ سباتٌ للكلامْ

مضغَ الفحمَ وأفتى

بسلالاتِ الفناءْ

طأطأَ الحرفُ تواريخَ الكتابةِ

وقضى:

آنَ

الرحيلُ

9

حدقَ الوقتُ بمرآةِ الغرورْ

ورأى سحنَتَهُ بينَ العصورْ

دارَ أدوارًا كثيرةْ

دورةَ الموتِ الذي نجهلهُ

ودَوارَ الموتِ في هذا الزمانْ

عَجِلًا كانَ

وحافي القدمينْ

ماشيًا

بينَ

عناوين

الخرابْ

10

لبِسَ الوقتُ الوقارَ

وادَّعى:

نخلُ بلادي

مهجتي

قرةُ عيني

شربَ الماءَ المقدسَ

فتبدتْ عورتاهْ

11

لم يكنْ للوقتِ وقتٌ..

لفلفَ الأمرَ وغادرَ

ما اهتدينا لوجيبِ القلبِ حتى

هزَّنا الفجرُ على موتِ غزالةْ

بينَ أحداقِ الرجالْ

ونخيلِ المقبرةْ

12

قالَ لي الوقتُ زَمانًا

كلما

أدمَنتَ

في

الطَّرقِ

وَلجِتَ

**

طارق الحلفي

 

انطفأت الجهات دفعة واحدة..

الحديقة صحراء محاصرة بالسراب..

الأشجار واقفة.. لكنها لم تعد ترفع أغصانها نحو الضوء. خذلها الأمس.. فانحنت بصمت الأنبياء..

في قاع البئر.. وجدت الخلاص.

*

النهر.. الذي كان مزهوا بخريره..

صار يعانق الضفة الأخرى.. ولا يلتفت..

أدرك أن الوفاء.. يعيق مجراه..

فمضى.. كأن المرفأ لم يكن يوما موطنه.

*

كل شيء.. تعلم الغياب دفعة واحدة..

الشرفة نزعت رداء الانتظار..

لتحفظ برودة العابرين.

الفصول خلعت مواسمها..

وتركت للريح ما تبقى من الحكاية.

المصباح.. الذي كان يسهر حتى مواويل الفجر..

أطبق انواره .. حين طال انتظار خطوات

اضاعت طريق الإياب.

*

جمعتُ ما تناثر من الحكاية:

ضحكات تشبه الضوء..

رسائل لم تصل.. مواعيد ملغاة..

وأعمار قصيرة تمددت في لحظة شرود.

في صندوق صغير وضعتها..

أغلقته برفق من يخبئ بذورا سماوية..

حين أيقنت أن الأرض القفر ..

لن تنبت معجزة.. ولو أغرقها المطر حتى آخر الغيم.

*

منذ ذلك الحين.. كلما رأيتُ عصفورا تائها..

عرفتُ أن بعض الهجرات لا تفشل لأن الطريق طويل..

بل لأنها في منتصف التحليق...

تضيع جهة السماء.

كلما مرت بي غيمة تفوح منها رائحة الأمس..

أشيح بوجهي.. بحر الحنين يجيد إغراق اليقين.

*

لم تعد في الأفق نجمة تؤجل الغياب..

لم يبق.. سوى شجرة تخفي في جذعها دوائر العمر..

كلما مرت بها الريح.. تساقط منها..

شيء يشبه الربيع..

شيء يشبه الذكرى..

وشيء يشبه الفراغ.

*

اقف الآن على أطلال ما كان..

لا أحمل في قلبي وعدا..

لا أردد بين دعواتي اسما..

ولا أفتح في روحي نافذة

يتسلل منها الحنين متنكرا في هيئة نسمة.

*

ذبلت زهرة الصبير التي كانت تقاوم الفصول..

انطفأ آخر قنديل كان يعلم العتمة معنى الضوء.

لم يبق في براح الروح إلا درس مكتوب بحبر الفقد..

علمني أن بعض الناس لا يرحلون يوم يغادرون..

بل يرحلون حقا حين يطفئون الحلم..

يكسرون مرايا الضوء.. ويتركون القلب..

خرابا يحتله الصدى.

***

مالكة حبرشيد - المغرب

 

و أرى الصّبحَ دون عينيك ليلاً

دونما البدر والنّجوم إنكدارا

*

بعدما كنت لا أرى إذ أراكِ

قفرة البيد في رؤاك ازدهارا

*

لا أرى الشّوك في صحاراك شوكاً

بل أراه بعالمي الأزهارا

*

لا تغيبين.. كوني قربي كثيراً

مثلما الظّلّ لو مشيت نهارا

*

لا تروحين.. لو رحلتِ بعيداً

ربما الصَّبُ يفتديك انتحارا

*

كيف لي العيش.. دون معنى ومغْنى

و أنا الآن دون أنتِ إنكسارا..

*

عشتُ واللّهِ.. مُذْ رحلتِ ذويتُ

مثلما الورد.. مُذْ رأى الإعصارا

*

فانظري الحال.. لا أقول تعالي

كيف تأتين.. تلتقين احتضارا

*

لكيانٍ يموتُ.. شيخاً مسجّى

في سريرٍ عليه آنستُ نارا

*

يا ندى الصّبح.. يا شذاءً بنتنٍ

فاقدِ الذّوق.. لا يفي الإعطارا

*

ليت أستاف ما يضوع بثغرٍ

عنبريٍّ يفيض ليلاً نهارا

*

لو أوافيكِ من فمي ما انتظرتِ

سوف تجلين عن حياكِ الخمارا

*

بل تذوبين مثل ثلجٍ بمائي

ساخناً عشت مذ حمئتُ انتظارا

*

ذوبي كالثّلج.. أو كقطعة حلوى

بين أشداق من يفور استعارا

*

أنتِ كالثّلج.. دون دفءٍ سيبقى

و أنا الدٌّفءُ.. فاستميلي الجِرارا

*

و أملأي الرّوح من شرابي بكأسٍ

ليلكيٍّ يهم فيه السُّكارى

*

لوعة الحُبِّ أنْ يعيشَ البرايا

دونما الوصل في الحياة حيارى

*

و إلى الآن.. مُذْ ولدتُ وإنّي

أحبو مازلتُ.. قد رأيتُ انقبارا

*

ادفنوا الطّفل.. منذ عمرٍ ويحبو

دار في الأرض ألف حولٍ ودارا

*

كي يلاقي الحبيب.. حتى بحلمٍ

والحبيبُ الغريبُ في التّيه سارا

***

رعد الدخيلي

 

تتوق الأقدام للراحة

من سيخلع تلك البساطير الثقيلة؟

يد تعزف موسيقى،

أخرى ترسم،

ثالثة تكتب شعرًا،

واحدة انفصلت عن جسدها

*

بين الأيادي في جنون البورصة،

اختفت بعضها، تنجرف في غياهب النسيان.

لا تزال الأقدام تتوق للراحة.

من سيخلع تلك البساطير المنهكة؟

*

يلتفت طفل إلى أمه قائلا:

أنزلي تلك الموزة المتوهجة المعلقة عاليًا،

في ظلال هذا العالم، تتألق مضيئا في السماء -

تنساب شعاعها الذهبي بهدوء عبر النافذة،

لتهبط برفق على الورق حيث تولد هذه الكلمات..

***

سوران محمد

.....................

* بحسب المثل التركي الشهير، صوتت الأشجار لصالح الفأس.: "كانت الغابة تتقلص، لكن الأشجار استمرت في التصويت للفأس، لأن الفأس كان ذكيًا وأقنع الأشجار بأنه واحد منها لأن مقبضه مصنوع من الخشب".

.وهو بمثابة استعارة قوية للاختيارات المدمرة للذات

...................

Who did the trees vote for?

The feet long for rest. 

Who will remove those heavy Combat Boots?

A hand strums music,

Another sketches,

Another writes poetry,

one has broken away from its source. 

*

Among the  hands in stock exchange frenzy,

Some have vanished, drifting into oblivion. 

The feet still yearn for relief. 

Who will take off those weary Combat Boots? 

*

A child turns to his mother and says,

"Bring down that glowing banana hanging high,

shimmering like a beacon in the sky." 

In the shadows of this world, its golden ray 

streams softly through the window,

landing gently on the paper where these words are born.

............

* According to the famous proverb, the trees voted for the axe, the axe was clever and convinced the trees that because his handle was made of wood, he was one of them, it serves as a powerful metaphor for self-destructive choices.

..................

درەختەكان دەنگیان بە كێ دا؟

پێیەكان پێویستیان بە پشووە

كێ ئەو پۆستاڵانە دادەكەنێ؟

دەستێك مۆسیقا دەژەنێ

دەستێك وێنە دەنەخشێنێ

دەستێك شیعر دەنووسێ

دەستێك لە لاشەكەی جیابووەتەوە

*

دەستەكان لە ناو قەرەباڵغی بۆرسەكانا

 ون بوون

پێیەكان پێویستیان بە پشووە

كێ ئەو پۆستاڵانە دادەكەنێ؟

*

مناڵێك داوا لە دایكی دەكا

ئەو مۆزە ڕووناكەی بۆ داگرێ

كە لە ناوەندی ئاسمانا داگیرساوەو

لەتاریكی ئەم سەر زەویەدا

تیشكەكەی لە پەنجەرەكەوە

دەكەوێتە سەر كاغەزی ئەم شیعرە..

قالتْ: رأيتُكَ مشغولًا بأبياتي

والشِّعرُ عندكَ موصولٌ بآهاتي

*

ما بالُ بيتِكَ لا معنىً يُساندُهُ

كالطيرِ في الأفقِ مقصوصِ الجناحاتِ

*

أرى قوافيكَ قد أُرعِشنَ عن هزلٍ

والبيتُ عندكَ مثخونُ الجراحاتِ

*

قلتُ: اعذريني، فبوحُ الحبِّ أكتمُهُ

وعنكِ في ذا الهوى أُخفي عذاباتي

*

شطري وحيدٌ، فلا عجزٌ يُتمِّمُهُ

والبحرُ عنديَ مقرونٌ بحسْراتي

*

أُساهرُ الليلَ، لا حرفٌ يُرافقني

والصبحُ في وجلٍ يمحو كتاباتي

*

قولي: أحبُّكَ، تأتي شمسُنا بغَدٍ

تُعانقُ البدرَ رقصًا بين نجماتِ

*

هذي حروفي، بخيطِ الشمسِ مغزلُها

علّي أُذيبُ بها ثلجَ الغياباتِ

*

بوحي بعطرٍ لأبياتي على خجلٍ

ليسطعَ الحرفُ في عمقِ اضطراباتي

*

لا تسألي، وجلًا، كيف اللقاءُ بنا

فالحلمُ يمحو بنا بُعدَ المسافاتِ

*

إلى لقاءٍ به نشدو قصائدَنا

نُحيي مواضيَ فيضٍ للملذّاتِ

*

نرجو العناقَ هوًى من بعد غربتِنا

عسى العناقُ يُزيلُ اليأسَ من ذاتي

*

أرتِّلُ الحبَّ كالآياتِ أكتبُهُ

وأحملُ الوجدَ في أبهى ابتهالاتي

*

أنا يمينُ الهوى، فاقسمْ بعِشرتِنا

أن تجعلَ الحبَّ نورًا للغدِ الآتي

***

فوز حمزة

أهدي قصيدتي لأخي وشاعري الاستاذ عبد الستار نور علي

جوابًا على قصيدته المهداة الى الأخ الشاعر  الدكتور مصطفى علي

الـمنـشورة في صحيفة المثقف في 11 أيلول 2026

*** 

نحن بشر

إنّ الشيوعيْ مثلما تدري بشرْ

فسلوكهم متفاوتٌ وطباعهم لم تُختبرْ

*

ولقد خَبِرتَ كما خَبَرتُ زمانهم

بقـيادةٍ عاشتْ غرورًا وبـطـرْ

*

وأنـا كما قد كنتَ منهم واحدًا

عاينتهمْ فسلوكهمْ حـمـل الوضرْ

*

أمّا عن الفكرِ الذي نادوا به

هو كـذبةٌ مـمن تعاطى وسـكرْ

*

هو إبـنُ حاخامٍ يهـودي أصلُهُ

في فكرهِ لا يـسـتقـيمُ مع الـفِكرْ

*

أو ما ترى دولًا تـبنتْ فكرَهُ

عادتْ بخـيـبتها لِإصلاحِ الضررْ

*

واراكَ انسانًا نبيلًا واضحًا

فأعدْ بـفكرٍ فـاسدٍ بعض الـنظرْ

*

انّ الـبلاءَ إذا تـحـجر فـكرُنا

ومـسار دنـيانا دروسٌ وعِـبَـرْ

*

وأعـودُ في قـولي لأذكرَ حـكمةً

إنّ الـنـبـيهَ بغـيرهِ مَـنْ اعـتبـرْ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / كوبنهاجن

الاحد في 19 أيلول 2026

خارج بيوت (سيباي) الطينية، يُطلُّ تلٌّ كبيرٌ تكسوه الرمال الناعمة.

هناك، غديرٌ قديمٌ نائمٌ أسفلَ التلِّ، يمتلئ بمياهِ الأمطارِ الموسمية.

في الصيف، يتراقصُ سطحُ الماءِ الصافي مع الرياحِ الغربية.

في صغري...

كنتُ أقتربُ من الغديرِ، دونَ وعيٍ، كنتُ أغمسُ قدميَ الصغيرةَ فيه.

أندهشُ من اقترابِ كائناتٍ لا أعرفُ أسماءَها،

كنتُ أشعرُ بأنني يجبُ أن أعانقَها.

وما إن أضعَ قدميَ الثانيةَ بجانبِ الأولى، كانت تلكَ الكائناتُ العجيبةُ تتراجعُ، ويتموّجُ سطحُ الماء.

أضعُ الخوفَ والخيالَ جانبًا، وأمدُّ يديَ بهدوءٍ في الماء،

وأردُّ على تحيّتهم، ثم أمضي مبتعدًا عن الغدير.

لكنَّ صوتَ تموّجِ الماءِ يبقى يلاحقني، وكأنَّ الغديرَ يهمسُ لي بأسراره،

أسرارٍ لا أفهمُها، لكنها تستقرُّ في أعماقي كأنَّها نبضُ الحياة.

ألتفتُ مرةً أخيرةً نحوَ التلِّ، وأتساءلُ:

هل ستظلُّ المياهُ تنتظرُ قدميَّ الصغيرتين؟

أم أنَّ الكائناتِ العجيبةَ ستجدُ زائرًا جديدًا يعانقُها ويفهمُ لغتَها؟

الريحُ تهبُّ بهدوء، تحملُ معها سلامَ التلِّ والغدير،

وأنا، كما كنتُ دائمًا، أظلُّ أحملُ ذكرى الماءِ..

وقلبًا يشتاقُ لدهشةِ البيوتِ الطينيةِ الأولى.

***

مراد سليمان علو

اهداء: الى صديقي نهرِ الراين

 اذْ أخبروني بِجفافِه

***

أيُّها الراينُ الأخضرُ الحلو

كيفَ انتهيتَ الى يابسهْ

وأنتَ اخضرارُ السهوبِ

وعارفُ أسرارِ نبضِ القلوبْ

تناجيكَ وقتَ الغروبِ

وقَبلَ الغروبِ

وبَعدَ الغروبْ

*

لَم أزلْ أذكرُ غابتَكَ المستطيلةَ صحراءَ خضراءْ

تُرى كيفَ أصبحتَ مَحْلاً

وقدْ أودعَ الشِعرَ في ضفتيكَ فتىً شاعرٌ مِنْ جنوبِ العراقْ

وكانتْ دموعُكَ كوناً مِن الماءِ اِذْ كنتَ تسمعُهُ فتُراقْ

كنتَ لي ايُّها الخِلُّ أصداءَ دجلهْ

وكنتَ النجيَّ اذا ما أتانيَ صوتُ الفراتْ

غريبٌ عجيبٌ كلامُكَ يأتي اليَّ بأفصحِ اشكالِهِ العربيهْ

وحين ترافقني امرأةٌ علَّمتْني لغةَ الراينِ الأجنبيهْ

تغافلُها ثم تقرأُ شِعراً جميلاً فتمشي على الماءِ فيهِ بثينهْ

ويصدحُ فيَّ الجميلُ جميلْ

يقولون جفَّتْ مياهُكَ..

قلتُ مِن المستحيلْ

فقدْ كنتُ اسكبُ في قلبِكَ المستهامِ فراتاً ودجلهْ

كيْ تنامَ

وكيْ لا تنامْ ..

وكيْ يعبرَ مرتحلاً مِن نخيلِ الفراتينِ فجراً

الى شجرِ الزيزفونِ على ضفتيكَ اليمامْ

***

شعر: كريم الأسدي

.........................

ملاحظة: كتبتُ هذه القصيدة في اليوم الحادي عشر من ايلول 2026 بعد مسيرات على كورنيش النيل الجميل في القاهرة، ولأنَّ الأنهار اخوة تذكَّرتُ نهر الراين الذي سامرني في غربتي، وحيث اُخبرتُ بجفافه.

غَريبٌ في بلادِ الإغْترابِ

بعيدٌ عن مُجالسةِ الصِحابِ

*

مَضى زمنٌ بهِ الأيّامُ راقتْ

نُبادلُها طموحاتَ الشبابِ

*

وقد دارتْ وألقتْ مُحْتواها

وأوْجَعتِ الخوافقَ بالخيابِ

*

إليها كيفَ عُدنا من جديدٍ

تُطاردُنا عَقابيلُ الغيابِ

*

مَلأنا كأسَنا سُلاّفَ نورٍ

وألقينا مَواعِظَ للترابِ

*

قليلٌ فاعلٌ والكُثرُ قالوا

وإنَّ طريقَها رهنُ الذهابِ

*

يُعربدُ صامتٌ وبها تَوارى

يُجالسُ هدأةً بنتَ اضْطرابِ

*

تَعانقَ سوؤها والشرُّ يَطغى

وكلّ قويةٍ صارتْ تُحابي

*

مَعالمُ ذاتها بَلغتْ ذُراها

مُعلقةً بداهيةِ المَآبِ

*

عقودٌ من تَجَهُمها أماتتْ

وفرّقتِ الأحبّةَ بالصِعابِ

*

مُعللتي بنورٍ بعدَ نارٍ

رمادُ الذاتِ في قاعِ الجوابِ

*

سألتُ الكونَ عن زمنٍ أليفٍ

فأوْهَمني بمِهْمازِ الصوابِ

*

بأمْرٍ عاجلٍ رغِبتْ نفوسٌ

كأنَّ الصبرَ من بُدَعِ الكتابِ

*

خوافقُ وَجْدنا حنّتْ لماضٍ

تزيّنهُ الرغائبُ بالعِصابِ

*

مَتاهاتٌ بها عَثَرتْ خُطانا

مَشيناها على ظهرِ السَرابِ

*

شوارعُها دموعٌ مِنْ دماءٍ

تعبّدُها أعاجيبُ الريابِ

*

سَمِعْتُ لشدْوها صوتٌ نَحيبٌ

يُذكّرنا بواعيةِ انْتكابِ

*

هيَ الأحلامُ خائبةُ المَزايا

تطيرُ بنا مُعانقةَ الضبابِ

*

نِيامٌ كلنا في خدرِ أدْري

ويَقظتُنا بإبْلاسِ التصابي

*

فهلْ نفعتْ تمائمُ مُنطوانا

إذا حانَ الوداعُ بلا عِتابِ

*

بَذلنا العمْرَ في وادٍ سحيقٍ

ستطمرهُ العواضلُ بالعِقابِ

*

فلستُ بقاضمٍ صخراً حديداً

ولا بمُصارعٍ بعُلى الهضابِ

*

نبيضُ القلبِ في وطنٍ عَزيزٍ

حَملناهُ بأفئدةِ ارْتقابِ

*

بُذِرنا في ترابٍ لا يُضاهى

به الأجدادُ مشروعُ انْتسابِ

*

قصيرٌ ليلنا إنّا رَقدنا

فكانَ لصُبْحِنا صَخبُ احْترابِ

*

سَلامَتنا بهاعَجبٌ فريدٌ

فكلّ مَسيرةٍ ذاتُ ارْتكابِ

*

كذا الأيامُ تفعلُ ما لديْها

وتَختمُها براعيةِ ارْتعابِ

*

بلوْعةِ شوقِها سَعيٌّ تَواصى

يُذكّرها بمَرْعودِ السَحابِ

*

تَطامرَ بدْؤها بختامِ سِفْرٍ

يوافيها بألوانِ الوَصابِ

*

تواءَمتِ الخلائقُ في رُباها

وفيها نارُ ملحَمةِ العِقابِ

*

عَداواتٌ بلا سَببٍ صَريحٍ

تؤجّجها مَراسيمُ اكْتسابِ

*

بها الأيّامُ تحدونا لحَتفٍ

وترسِمُنا على وجهِ الشِعابِ

*

فكنْ فيها كما شاءتْ خُطاها

فلا أملٌ بدائرةِ انْعطابِ

*

خطونا فوقَ مقبرةِ البرايا

ونَحفرُ قبرَنا حينَ اقْترابِ

*

أحاديثٌ مُفبركةٌ بوهمٍ

تؤمّلنا بواسعةِ الثوابِ

*

ذئابٌ في عَدالتها عَفافٌ

وإمْعانٌ بحاميةِ انْتهابِ

*

سَلونا كلّ مُنطلقٍ جَميلٍ

ودُمنا في مُجالسةِ الكَوابي

*

تأديكة الدجاجة حينَ صاحتْ

لأنّ ديوكَها ذاتُ اكْتئابِ

*

برايا من ثرى زمنٍ خصيمٍ

تواكبَ مَوجُها بينَ الروابي

*

تُعللنا بأضْواءٍ لروحٍ

مُصدّحةٍ بها نحوَ انْجيابِ

*

تماسكَ جوهرٌ برؤى مُغيثٍ

يُبشرُنا بمعسولِ الشرابِ

*

سَبقنا ظلنا والموتُ أدْنى

يُباغتنا بمَهروعِ الرِكابِ

*

لقيتُ كلومَها في بحرِ جَهْلٍ

يُغرّقنا بأمْواجِ انغلابِ!!

*

عَجائبنا مِن الإعْجابِ هانتْ

تُدثرها طواميرُ انْسحابِ

*

خشيلٌ عاصفٌ فينا بقيلٌ

يُبشّرُنا بسَحْبانِ الخطابِ

*

مَضى عمرُ ابْتلاءٍ في عناءٍ

وكانَ حصادُنا ضدّ المَتابِ

*

فهلْ بلغتْ رؤانا مُنتهاها

وهلْ ولّى زمانُ الإنقلابِ؟

*

تدجّنتِ الخَطايا والرزايا

ودامَ فسادُها دونَ احْتِسابِ

*

تُواعدُنا روافدها بنَهرٍ

عظيمِ الماءِ في زهوِ الثيابِ

*

أ مغلوبٌ بها أضْحى وصياً

كغالبهِ الذي قبلَ انْسرابِ

*

أ ضاعَ العمرُ في بُهتٍ ووهمٍ

كموؤودٍ بأحْجية التغابي؟!!

*

د. صادق السامرائي

في نصوص اليوم