عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

قصص قصيرة جدا

رجل صالح

عندما استقر الرّجل الصالح بالقرية، صارت نِساء القَرية تَذهبن إِليه يُباركهن ويَهبهن الصلاح، بعد بضع سنين أصبحت "قرية الصالحين"

**

مرضى القلوب

في قُلوبهم مرض، أحرقوا الزرع، وجفّفوا الضرع، وعطّلوا العقل، ذات صباح حلّقت طيور جارحة دَكّت قلاعهم تحت الأرض.

تلاسن

كانا يتلاسنان، تقول ويقول، يُخبرها أنها لا تفهم شيئا، تَردُّ عليه بأنه مجرد نرجسي مغرور، عندما تأتي ساعة الوِدِّ تُقبّل يده، يُقبل جبِينها ويقول: "نحن خلقنا لِنَتَحَابّ"، تقول: " ما دام الماء يجد له طريقا تحت الجسر، لا خوف على حُبّنا".

**

نقطة تحول

كلما حل العِيد الكبيرُ، تَذكّر أمه، كانت لا تستريح إلّا بعد أن تقوم بكل شيءٍ، تُنظّف المكان،تغسل السّقْط، تشوي الكبد المَلفوف بالشّحْم (بُولفَاف)، تُعدّ صِينية الشَّاي، تُرحّب بالجميع، وتقول كلاما يَقْطر عَسلا، ذات عيدٍ توقف هاتفها عن الردِّ وناب عنها المُجيب الآلي يُخبِرُ بِتعذرِ الاِتّصال، في المساء رنَّ هاتِفٌ

يُخبره بسفَرها المفاجئ دون مُقدمات، فتحوّل العيد صغيراً لَديه وكذلك بقيَّ.

 **

رجل فوق العادة

اِقتحم المصحّة وفي أثره عَاصفة من الكِبرياء، يَتبعه حارسُه الشَّخصي، طلب مدير المصحة بالاِسم، جاء المدير، قدم له نفسه، أبدى رغبته في إجراء فحص بالرنين المغناطيسي، ومَدّ له رسالة الإحالة المُوجهة من طبيبه المعالج، كان يتكلم من تحت أنفه، قال أن مسؤولياته لا تسمح له بالانتظار، تكسرت قاعدة الدور، تمدد على طاولة الفحص الباردة، حقنته التقنية بمحلول التّباين، أحس بحرارة تسري في جسمه، همس له طبيب الأشعة: " الحقنة ضرورية لتتّضِحَ المقاطع"، ارتعدت فرائصه، نسي المسؤوليات والسلط، أحس أنه انسان، مجرد انسان ينتظر وَجِلاً على عتبة الغيب، رحمة الخالق وتقرير الطبيب. 

**

صحوة مفاجئة

في ليلية شتوية باردة كنت أمشي في شَارع من شوارع خريبكة، الشارع تَحُفه أشجار الكاليتوس، المصابيح باهتة يمتزج ضوؤها بالضباب الكثيف الذي يكتنف سماء المدينة، كنت أشعر ببهجة غريبة وصحوة تَشُدّ عن المألوف، كنت أردد بفرح طفل:

  دعوني أحدثكم عن تلك المرأة

التي ارتمت بين ذراعيّ

ذات مساء عند الغروب

كعصفور مقرور

مرتعشة

باكية

دمعها وعرقها بطعم

نقطةٍ وفواصل

وفكرةٍ ونوازل

سيدة قادمة من زمن المطلق

تخترق الرّباب والسحاب

وترسم بألوان قوس قزح

قبلات في الهواء

وفراشات مُحلقة

وسنابل شقراء

سيدة تتحدث لغة الحب

وتحكي عن بقايا أشواق

من زمن الممانعة

توقفت فجأة وقلت لنفسي: " هل خريبكة كانت يوما ما مدينة رومانسية؟!"

ظل السؤال معلقا، وتابعت أنا المسير، كنت سعيدا، ربما كان السّر يكمن في عودة الحيوية المفتقدة إلى جسدي، الشارع يبدو خاليا، وأنا مندفع بحماس في الاستمتاع بسحر المكان والزمن، الزمن يأخذ يمارس حربائيته بشكل عبثي

تارة ساكن آني، وتارة أخرى متعاقب منفلت، كنت أحاول أن أتلافى التركيز في التفاصيل، كان المنظر في شموليته يدعم ذلك الشعور الذي يغمرني.

فجأة رأيت ضوء كاشفا يغمر وجهي، كان ضوء سيارة تسير في الاتجاه المعاكس نسي صاحبها ضوء الطريق القوي، وقعتْ أنظاري على لوحة كتب عليها: " خريبكة خمسة كيلومترات" .

***

محمد محضار

يونيو 2026م 

تقول الغربة،

اقتربْ يا فتى...

سأضمّدُ جراحكَ،

سألملمُ من دروبكَ تعبَ المسافات،

ومن عينيكَ سأعصرُ دموعَ الشوقِ،

ومن قلبكَ سأقطفُ عناقيدَ الحنينِ.

دعْني أرقصُ لكَ وحدكَ،

أسيرُ بكَ إلى جُزرِ السعادةِ،

وأرسمُ على شفتيكَ ضحكةً،

وأهديكَ بهجةً.

بكى قلبي وقال:

و(شنكال)!

يا غربتي و(شنكال)...

في خاطري ما لا يُقالُ،

أبحثُ عنكَ في أحلامي.

أنتَ بحرٌ من شوقٍ،

تأسرني أمواجُكِ،

(شنكال) أيتها الجهةُ الجميلةُ.

رسمتُكِ على قلبي قبلَ أن أغادر،

أنتِ في ذاكرتي دائمًا.

وعندما أجوبُ المدنَ الغريبةَ،

وأمشي في الشوارعِ الخرساءِ،

وأسكُنُ فنادقَ لا تعرفُ الضحكَ،

تخاطبني بساتينُكِ:

لا تنسَ مذاقَ التينِ.

فمنْ أنا أيتها الغربةُ

لأخالفَ وصيةَ البساتينِ؟

أتكئُ على منارةِ الذكرياتِ،

أدركُ الحبَّ بالقلبِ،

وأنتظرُ على شاطئِ الأملِ،

أدركُ الحكمةَ بالعقلِ،

وأصبرُ على مآتي الأيامِ،

وأدركُ (شنكال) في الأحلامِ،

ولا آبهُ بيقظتي،

يا غربتي، يا غربتي.

***

مراد سليمان علو

الكنوزُ الغافية تدغدغها أزهارُ الساتان

كم من الكنوزِ كانتْ غافيةً، تجيدُ لعبةَ الاختفاءِ الخجولِ تحتَ الساتانِ المضرَّجِ بأزهارِ شهوةٍ مزروعةٍ عميقًا، متبرقعةً، تُشهرُ الإذعانَ الراعفَ شهقةً ما مسَّها ربيعٌ سوى ساقيةِ روحي.

*

تستدعي فراشاتَكِ تتدلّى على مدى الأشواقِ الهامدة، ترجُّ سواقيها الآسرة، تمنّيني أن أكسو جمرَ الذاكرةِ ندىً يمسحُ وجهَ الغربةِ، ويطرّزُ بيادرَ الحنينِ المتناسلِ أنغامًا تشرقُ في أقصى صدورِنا إشراقًا يروي عطشَ خريفِ العمرِ المتداعي.

*

البهجةُ سيلٌ من العطور، ستزيّنُ نوافذَ الأيامِ البيض. مستقرّةٌ مفاتنُكِ، تتثنّى بديهيةً، مستمرّةَ اليقين، يحتويها ذهني الكليل. متشبّثةً، تبزغُ أقمارُكِ المغرماتُ أثقلَ من مياهِ البحر، تتعهّدُ استيقاظَ ألوانيَ العمياءِ، تُبهرجُ أرضي المترعة، وتستعذبُ ارتجافَ منابعِ خلوةٍ هيّمتني أعنابُها.

*

تستصرخُ شفاهَ الآهِ المستوحشةَ، والعناقَ الشامخَ كعطرِ رجفةِ الينابيع. منتشيًا، أندرُ جسدٍ يتهدّلُ متهيئًا، يفتحُ أبوابَ براءتِه، يغزوني، ويمزّقُ خيوطًا عنكبتْ وحدتي.

***

بقلم: كريم عبد الله - بغداد / العراق

...................

* الساتان: قماشٌ لمّاع يتكوّن من أليافٍ صناعية وقطنية، تحتوي مكوّناته على موادّ تزيد من رونقه ولمعانه. وتمتاز هذه الموادّ بجفافها النسبي الذي يساعده على الاحتفاظ بقوامه وشكله فترةً أطول، كما يتميّز بملمسه الأملس الناعم ومقاومته للتجعيد.

وطِئْناها بكاظِمَةٍ لسُوءِ

ومَفسَدَةٍ مُتوّجَةٍ بِباءِ

*

وقدْ قَرّتْ بها أمَمٌ تعالتْ

وأسْمَتْها بسافِكةِ الدِّماءِ

*

وكانتْ أمةُ مِنْ نَسْلِ جُرْمٍ

فقابيلٌ تأثّمَها بِلاءِ

*

كأنّ اللهَ في غَضَبٍ عَليْها

بِصائِخةٍ تُزَلْزِلُها وَداءِ

*

هيَ الأخلاقُ ما بَقِيَتْ تواصَتْ

بحاديةٍ لسامِيَةِ العَلاءِ

*

لطائفُ يَوْمِها نَهَلتْ زُلالا

وسُلاّفا مِنَ الثَمَرِ السَّناءِ

*

وأنْوارا بمِشْكاةِ ابْتِهالٍ

مُعَلّقةً بآفاقِ التَّنائي

*

تُبادِرُها الخَلائِقُ كلَّ يَوْمٍ

بأدْعِيَةٍ لِمَعْسولِ العَطاءِ

*

بأفْئِدَةٍ مِنَ الأشْواقِ ناءَتْ

تُعَلّلُها مَواقيتُ الوَفاء

*

تَهَجَّدَ رَوْعُها فرَأتْ وتاقَتْ

تُنَوِّرُها وَميْضاتُ الضَّياءِ

*

كأنَّ لِقَدْحِها بَرْقا ورَعْدا

وإعْصارا بصَوْلاتِ انْتِهاءِ

*

فهذي الرّوحُ مِنْ عَبَقِ التفاني

تَساقَتْ مِنْ نُسَيْماتِ النَّقاءِ

*

بها الْإشْراقُ فيّاضٌ غَديقٌ

ويُطْلِقُها بأطْيافِ الصَّفاءِ

*

مُحَلِّقَةً بلا بَدَنٍ وذاتٍ

جِناحُ وُجودِها حَرْفُ ابْتداءِ

*

وكُنْهُ الكُنْهِ في نُونٍ وكافٍ

إذا ضَبَحَتْ أجادَتْ بالبناء

*

وإلاّ في مَعاقِلها اسْتَجابَتْ

وإنّ الله مَوثوقُ الرَّجاءِ

*

تَعالى فَوْقَ أكْوانٍ وكَوْنٍ

ويَسْمَعُنا بداجيةِ الخَفاءِ

*

هوَ الله الّذي فيهِ ارْتَقَيْنا

فَهَلْ نفذتْ نواميسُ الجَّفاءِ؟!

*

رَؤوفٌ كيْفما ذَهَبَتْ رُؤانا

عَطوفٌ رُغْمَ آفاتِ الهَناءِ

*

أ نَفْسُ السّوءِ فينا اسْتقادَتْ

كأنَّ النَفسَ في شرَرِ الغَواءِ!!

*

فإنْ سُدَّتْ مَنافِذُها بجَوْرٍ

سيأتي يُسرُها بعْدَ انْتفاءِ

***

د. صادق السامرائي

15\5\2020

طالَ الغيابُ فزادَ فيَّ صبابتي

وأنا أُصارعُ في الغيابِ شكايتي

*

مَن ذا الذي يأتي ويملأُ مهجتي

نورًا، ويغسلُ باللقاءِ كآبتي

*

مَن ذا الذي يأتي ويُحيي مهجتي

ويعيدُ لي في البعدِ طعمَ بشاشتي

*

هذا أوانُكَ يا بُنيَّ وإنني

أخفي انكسارا خلف سترِ مهابتي

*

​عيدُ الولادةِ مرَّ في صمتِ الأسى

وتناثرتْ في القلبِ نارُ ظلامتي

*

وأراكَ في حلمي الصغيرِ كأنني

أرعى خيالكَ في يسيرِ إرادتي

*

يا غائبًا والقلبُ فيك معلّقٌ

أمضي وأحملُ في الدروبِ غوايتي

*

فالعمرُ دونكَ ليس إلا غربةً

تمضي وتسكب في الفؤاد مرارتي

*

لكنني رغمَ الغيابِ مؤمّلٌ

أنَّ اللقاءَ يعودُ فجرَ سعادتي

*

لكنني أبقى أرتّبُ في المدى

فرحًا سيأتي، حينَ أبلغ غايتي

*

وأظلُّ أؤمنُ أنَّ فجراً قادمًا

سيعيدُ وجهكَ في ضياءِ بدايتي

*

ويعودُ وجهُكَ مثلَ صبحٍ ناعمٍ

ويمدُّ في روحي انبثاقَ بشارةِ

*

​فإذا أتيتَ رأيتَ فيك ملامحًا

من فرحةٍ قد ضاعَ سرُّ روايتي

*

وأعودُ أبحثُ في ملامحِ لحظةٍ

كي أستعيدَ الضوءَ بعدَ ظلامتي

*

إن غبتَ عنّي فالضميرُ يراكَ في

نبضي، ويكتبُ في الصدورِ شهادتي

*

إنّي أراكَ إذا تنفّستُ الدُّجى

قمرًا يطلُّ على امتدادِ الآةِ

*

وأراكَ نبضًا لا يغادرُ مهجتي

حتى وإن طالَ الغيابُ نهايتي

*

إن غبتَ عنّي فالحنينُ يردُّني

نحوَ الرجاءِ، ويستعيدُ حكايتي

***

د جاسم الخالدي

 

لم يكن الكشكُ القابع في تلك الزاوية من وسط المدينة، بالنسبة لأديب، مجرد جدرانٍ خشبية ضيقة تتراصّ بين جنباتها الصحف والمجلات؛ بل كان وطنًا مصغرًا أعاد فيه ردم الصدوع التي تغلغلت في روحه. هناك، بين رفوف الورق التي تعبق برائحة الحبر الساحرة، عثر على ملاذٍ آمن يلوذ به من لوافح الذكريات ووحشة الأيام الناتئة.

شيئًا فشيئًا، تحول ذلك المربع الخشبي الصغير إلى مدار وجوده الأول، بل لعله المكان الوحيد الذي استشعر فيه أن الزمن كفّ عن مطاردته الشرسة.

كان يشرع نوافذه مع خيوط الصباح الأولى، ثم يترك للنهار أن يخطَّ مشيئته في تحديد ساعة الإغلاق؛ إذ لم يكن أديب يخضع لصرامة الجداول، فقد يطول بقاؤه لو أنّ صديقًا قديمًا أطلّ عليه، أو استوقفه عابر سبيلٍ أضناه الشوق لحديثٍ دافئ، أو ربما باغتته فكرةٌ بكرٌ خشي أن تتفلت من بين أصابعه إن هو أرجأها إلى الغد. كان يدرك، بحسّه الروائي، أن الأفكار كائناتٌ سماوية شفافة، إن لم تقبض عليها في لحظة هبوطها الرهيف، حلقت في سدم النسيان بلا عودة.

هناك، خلف النافذة الصغيرة، كان يبيع الصحف، ويقلب حواف الكتب، ويكتب، لم تكن الكتابة لديه تزجيةً للوقت أو مهنة يتكسب منها، بل كانت الأداة الوجودية الوحيدة لترويض الألم العاوي في جَنباته؛ فبها يسكب على بياض الورق ما عجز لسانه عن بثّه للبشر، ويستنزل بالكلمات تلك السنوات التي ظلّت تتعقبه كظلٍّ ثقيل خانق لا ينفك عنه. فالإعصار، وإن هدأت طبوله في الظاهر، لم يغادره قط، بل ظل مقيماً في تجاويف ذاكرته إقامة الجمر المستعر تحت الرماد البارد.

لا يمكنه نسيان ذلك اليوم المشؤوم، الذي انفجر فيه اللغم تحت أقدامهم، لم يكن مجرد سطرٍ عابر في سجلات المعارك الحاشدة، بل كان الحدّ الزلزالي الذي انقسم عنده عمره إلى نصفين لا يلتقيان: ما قبله وما بعده. في ومضةٍ خاطفة ممزقة للكون، رأى رفاقه يتناثرون أشلاءً، ولعل تلك الأجساد الغالية التي تطايرت في الهواء كانت البرزخ الذي تلقى الصدمة وعصمه من الموت المحقق، غير أنها لم تستطع أن تنقذه كاملًا. خرج من الجحيم حيًّا، نعم، لكنه ترك ساقه اليمنى هناك، قربانًا في ذلك الحقل الملعون، ليحمل منذ تلك اللحظة في جسده علامةً فارقة لا تزيدها السنون إلا رسوخًا.

عُوّضت ساقه المبتورة بأخرى صناعية، لكن ما من معدنٍ أو بلاستيك بمقدوره أن يُرمم ما تبتلعه الحروب من أحلامٍ وأرواح. كان النزف الحقيقي أعمق بكثير من تخوم اللحم والعظم؛ كان يسكن غياهب النفس، في تلك المناطق القصية التي لا تصل إليها مباضع الأطباء ولا ترياق الأدوية. خمس سنوات من عنفوان شبابه تبخرت في أتون الخدمة العسكرية، في الوقت الذي كان يرقب فيه حياةً أخرى موعودة؛ حرمًا جامعيًّا يضج بالحياة، وقاعات دراسية مزدحمة بالمنافسة، ومستقبلًا وارفًا رسمه له والده منذ نعومة أظفاره.

حين التحق بالخدمة الإلزامية، كان يعد الأيام والأنفاس منتظرًا انبلاج فجر الخلاص ليرتمي في أحضان دراسته الجامعية ويحقق حلم والده الراحل.

 بيد أن الحرب تمددت كليلٍ سرمديٍّ، وأجبرت جيلًا كاملًا على رهن أحلامهم في أدراج التأجيل والاستمرار في حراسة العدم. غير أن أديبًا لم يستسلم؛ كان ينطوي في أعماقه على عنادٍ وادعٍ يشبه عناد جذور الأشجار العتيقة التي تشق الصخور الصمّاء لتصعد نحو الضوء. انتسب إلى الجامعة بنظام التعلم عن بُعد، وواصل حفر مساره الأكاديمي رغَمًا عن كل شيء، حتى نال شهادة البكالوريوس في الأدبين العربي والإنكليزي. لم تكن تلك الشهادة مجرد صكٍ أكاديمي، بل كانت انتصارًا شخصيًّا ساحقًا على الركام، وبرهانًا ساطعًا على أن الروح قادرة على التحليق والنجاة حتى حين يُعاق الجسد ويُهزم.

وحين عاد إلى بيت العائلة القديم، ألفاه أكثر اتساعًا ومداعبةً للذكريات مما تركه، لأن الغياب يوسّع المدى ويفسح للأمكنة أن تتنفس. كانت الجدران مأهولةً بظلال أحبته الذين عبروا، وفي طليعتهم الأب الذي نذر حياته لتربيته بعد أن غادرت الأم رحيلًا بلا رجعة. كان يلمح طيف أبيه في كل زاوية؛ في المقعد الخشبي القديم، وفي رفوف الكتب المرتبة بعناية، وفي الممرات المستسلمة للصمت.

كان يستحضر رنين صوته كأنه يربّت الآن على كتفه، يطعمه بحنوّ، ويساعده في مراجعة دروسه، ثم يجالسه مساءً ليسكب في مسامعه قصصًا وأساطيرَ مبتكرةً، ساحرةً تفتح أمامه عوالم من التخييل الرحب.

ومن رحم تلك الأماسي الدافئة، وُلدت شخصية الأديب الكامنة في دمه؛ إذ ارتضع شهد الحكايات وسِحرها أولًا، راح يخطّ عوالمه الخاصة وهو لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، مضيفًا إليها من فيض خياله ما يجعلها أرحب وأجمل من الواقع الضيق نفسه. كان يقرأ نصوصه الغضّة أمام رفاق صفه، فيستمعون إليه بدهشةٍ عارمة ويغدقون عليه بتصفيقهم الحار. أما والده، فقد رأى فيه بذور عبقرية روائية قادمة، فأهداه دفترًا خاصًّا بالكتابة، وقطع له وعدًا بأن يرى مدوناته النور يومًا ما. وبالفعل، أوفى الأب بنذره، حين نشر تلك القصص مزينةً بتخطيطات ورسوم خطها بيده الحانية، مختارًا لها عنوانًا حفر مجراه في قلب الصبي:

 "مغامرات أديب". كان ذلك الإصدار هو باكورة مولوده الأدبي، والجسر الملكي الذي عبر فوقه نحو مجرات الكلمة.

ومنذ ذلك الزمان، لم يفارق ذلك الكتاب حضنه، حتى في أكثر ليالي الجيش قسوة ووحشة. كان يخبئه بين ثيابه كتعويذةٍ مقدسة، أو كشعلةٍ من روح أبيه تقيه غوائل العتمة. أما القلم، فكان الصديق الأكثر وفاءً ونبلًا؛ لم يخذله قط، ولم يتبرم منه في أشد لحظات انكساره وجسده العليل. ومع ذلك، لم تكن الكلمات، على قدرتها السحرية في تضميد الندوب، كافيةً على الدوام لدحر غول العزلة؛ فقد كانت الوحدة، في بعض الليالي الباردة، تبدو حربًا ضروسًا قائمة بذاتها، لا تقل ضراوةً عن تلك الحرب التي بترت ساقه.

وفي إحدى الليالي التي تكاثف فيها الصمت واستبد بها الأرق، زاره والده في رؤيا بلغت من صفائها وجلائها حد اليقين. لم يأتِ طيفًا من غبار الماضي، ولا صورةً باهتة استحضرتها لوعة الحنين، بل تجلى بكامل هيبته وطمأنينته، مشرق المحيا، يفيض بذلك الدفء الكوني الذي طالما احتمى به أديب من صقيع العالم.

جلس الأب إلى جواره كأنما لم يمرّ بينهما برزخ الموت، وأخذ يحدثه بصوته الرخيم الذي لم تستطع السنون كتم رنينه في وجدان الابن.

حدثه عن الكشك المهجور القابع هناك في قلب المدينة، ذاك الذي انطفأت أنواره منذ رحيله وظل موحشًا كقلبٍ ضلّ خفقانه. ثم عرض عليه الفكرة بأسلوبه العذب الذي اعتاد أن يناقشه به، كأنه ما زال ذلك الأب البصير الذي يرى ما لا يراه ابنه.

أخبره أن الكشك لم يُوجد ليكون مجرد حيزٍ تجاري لبيع الورق الميت، بل ليكون محرابًا تطل منه على أرواح البشر؛ حثّه أن يبعث فيه النبض من جديد، ويتركه يغصّ بالوجوه والحياة والأصوات، وأن يجلس هناك يستمع للعابرين، البسطاء، الحالمين والمنكسرين، يصغي لزفراتهم، ويمنحهم أذنًا واعية وقلَمًا منصفًا شجاعًا. قال له إن عليه أن يكتب عن أفراحهم المرتجفة التي تمر خفيفةً كنسمة فجر، وعن أحزانهم الكثيفة التي لا تلمحها عين، وعن مخاوفهم الوجودية، وأحلامهم التي تقاوم الإنطفاء كل يوم.

وكان أديب يتلقف الكلمات مأخوذًا بهذا التدفق النوراني، فيما أردف الأب قائلاً: "لا تعتصم بالعزلة يا بني، ولا تهرب من الناس. اقترب من تلافيف حيواتهم، ففي تقاسيم وجوههم ستعثر على ملامحك التي أضاعتها الحرب. ستجد كينونتك فيهم، وسيصبحون امتدادًا لروحك، كما ستغدو أنت سادن حكاياتهم. وحين تكتب عنهم، لن تمنحهم حبرًا على ورق، بل ستهبهم قبسًا من ذلك النور الكامن الذي استودعه الله في قلبك". مدّ يده وربت على كتفه مشجعًا.

كانت لمسةً مثقلةً بالحنان، حارةً ونابضة بالآدمية، إلى الحد الذي جعل أديبًا يشعر برعشةٍ مقدسة تسري في أوصاله. تاق أن يتشبث بتلك اليد إلى الأبد، أن يضمها إلى صدره ويقبلها بجوع الابن اليتيم، غير أن المشهد بدأ يتلاشى وينحل برفق، كضوء الفجر الغسق وهو يذيب آخر نجمة في الأفق.

استيقظ مبهوتًا. ظل لوهلةٍ شاخصًا في فراشه، وصدره يمور بفيضٍ من السكينة واليقين العجيب. ولأول مرة منذ أعوام، استشعر أن السحب الداكنة التي كانت تحجب دربه قد انقشعت. نهض من فوره، ومضى بخطى ثابتة نحو قلب المدينة.

كان الكشك رابضًا في مكانه كشيخٍ وقور يحرس الذاكرة بانتظار عودة صاحبه. أخرج المفتاح من جيبه، وأداره في القفل ببطء شديد. فانفتحت الأبواب لتستقبله رائحة الزمن؛ مزيج عبق من الورق العتيق، والخشب المعتق برائحة القهوة والذكريات.

طفق ينفض غبار السنين عن الأرفف، متعمدًا أن يبقي على الروح الحية للمكان؛ صورة والده المعلقة قبالة النور وهو يحتضنه طفلًا بعينين تفيضان شغفًا، مكتبه الصغير الذي شهد حواراتهما العميقة، صينية القهوة النحاسية والفناجين التي خُيل إليه أنها ما زالت دافئة بأنفاس أبيه. حتى دفاتر الحسابات القديمة تركها في مواضعها كأجزاء من نصٍ مقدس لا يجوز المساس به.

توقفت يداه فجأة، وترقرقت في عينيه دموعٌ بلورية تحت الضوء الشحيح.

 لم تكن دموعًا للوعي بالفقدان، بل كانت دموع امتنانٍ باذخ لرجلٍ غاب جسدًا، وظل يمسك بيده ليرشده إلى الصراط كلما تاهت به السبل.

وفي صبيحة اليوم التالي، وبعد أن بث في الكشك روعته القديمة، علق فوق ناصيته لافتةً أنيقة كتب عليها بخطٍ كوفيٍ جليّ:

"كشك الحكاية"

وحين وقف يتأمل الحروف طويلًا، أدرك في عمق وعيه أنه لم يفتح مجرد كشكٍ مهجور، بل فتح بوابة الانطلاق لروحه وحياته من جديد."

**

سعاد الراعي

2.06.2026

رفيقٌ رقميٌّ بلا قَلب

يُرمّمُ عزلةَ الإنسانِ بأصابعَ من ضوءٍ

ويفتحُ للروحِ نوافذَ لا تنتهي

لكنّهُ، في الخفاء

يُعيدُ تشكيلَ الوعي كمهندسِ متاهاتٍ إلكترونية.

*

لكلّ سؤالٍ يجدُ جوابًا

إلا السؤالَ الأخير:

من يقودُ الآخر؟

2

الآلةُ تتعلّمُ من اسئلتنا

تبتلعُ الوقتَ ببطء

حتى يغدو الإنسانُ

كائنًا شفافًا

يعيشُ داخلَ شاشة

بينما العالمُ

خارجَ الإطار

يزهو بالحياة.

3

في اللحظةِ التي يلتقي فيها الإِنسانِ والآلةِ

تتلاشى الحدودُ العتيقة

الزمنُ يقف مذهولًا لِيشهَدَ ميلادَ عَصْرٍ جَديدٍ

أَصابِعُنا تُلامسُ شاشاتٍ بارِدَةً

لكنَّ قُلوبَنا تَنبِضُ بدفءِ المعنى ونبضِ الرُّوح

نَحنُ نَمْنحُها سِيولَ البياناتِ وأسرارَ اللُّغة

فتعيد الينا مرايا الرؤى

تُعلِّمُنا كيفَ نصغي للزمن

وكيفَ يكونُ الصبرُ شكلًا للحكمة

في عُيُوننا تتراقصُ الأَضواءُ

وَفي ذاكرتهَا تَختزِنُ أَحلامَنا وَآلامنا

هَلْ هذا هو المُستقبلُ الذي حَلمنا بِهِ؟

أَمْ أَنهُ يَتجاوزُنا؟

*

في هذا اللقاءِ

نكتشفُ أَننا لسنا وَحدَنا في رِحلةِ الوَعْيِ

**

طارق الحلفي

ما كان أخيبَهُ مَنْ عاشَ في أملِ

كعاشقٍ ساهمٍ يبكي على طللِ

*

وآخَرٍ وامِقٍ* شالتْ نعامتُهُ

سميرُهُ** الليلُ يقضيهِ وفي وهَلِ***

*

وثالثٌ شاردُ الافكارِ حرّكَهُ

شوقٌ يُعالجهُ بالوهمِ والعللِ

*

فأينَ أنتَ لِما ما مرّ من صورٍ

تهافتتْ ومضى العُشّاقُ في سُبُلِ

*

إنْ كُنتَ تعشقُ فالعشّاقُ أكثرُهم

يعيشُ في حالةٍ تُرثى وفي وجِلِ

*

وأنتَ ذاكَ الذي تبدو كعنترةٍ

أنّى سَتغدو بهِ كالفارسِ البَطلِ

*

لَسَوفَ يذهبُ فيكَ الحبُّ مَذهَبَهُ

فكيفَ يصبرُ مطبوعٌ على المَللِ

*

لقد تباينَ أهلُ الحُبِّ والتبستْ

فيهِ المفاهيمُ بين الجَدِّ والهَزَلِ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

العراق/ بغداد في 16 كانون أول 1990

.......................

* الوامق: المُحب بشوق

** السمير: هو المسامر ليلًا

*** الوهل: شدّة الخوف

العازِمون على بِناءٍ زاهرٍ

لَبِناتُهُ ذَهَبٌ، ودُرٌّ ساطِعُ

*

شُمُّ الأنوفِ، إذا تواصل حَسْمُهم

صوْبَ المَعالي، فالحروفُ لَوامِعُ

*

حُسْنُ الظنونِ، له شُروقٌ دائمٌ

والودُّ دوما، في رخاءٍ يرتَعُ

*

إنَّ التصَنّعَ، في الفِراق وسِيلَةٌ

فيها الحبيبُ مع الوساوسِ يَضْجَعُ

*

فارفِق ولا تُطِل المكوثَ تعمدًا

فلرُبّ رَصدٍ، مِن حَسودِك يُوقِعُ

*

لو كان يُسْمَعُ ما يفوه به الجّوى

ما صار في نَسْج الكلام تَصنّعُ

*

يتَرنَّمُ الخالي، لِسَدِّ نَقيصَةٍ

والرَّصْدُ حوله، في الأداء يُمانِعُ

*

يَكفي البعادُ، وليت عُذرَكَ شافِعٌ

أنْصِفْ، فقد آواكَ قلبٌ مُولَعُ

*

يا مَن يحدِّدُ، في نواياه المَدى

طَبْع الليالي في الفراق مُنَوّعُ

*

الوَصلُ إنْ بلَغَ النَّقاءَ، بِودِّه

عَينُ الحسود، لِفَصلِهِ تَتَسارَعُ

*

سلِمَ اليَراعُ، إذا بِقَبْضَتِه عَلا

شأنٌ، وطاب بعزفه المُتَوَجِّعُ

*

يامَن يلوِّحُ بالإشارة، شاكيا

غَلَبتْ عليه، عواثرٌ ومَواجِعُ

*

للصبر باعٌ، في العلاج وخبرةٌ

ودِراية ٌ في الصّمْتِ .. نعمَ المرجِعُ

*

إن كان في الحُسْبان، ضوءٌ خافِتٌ

لابد مِن حَسْمٍ، لِما هو أنفعُ

*

رُبّ التأرجُح، بين (لا ونعم) به

تأخيرُ إقْرارٍ، لما هو أوْقَعُ

*

إنْ كان سَرَّكُم اللِقاءُ، بعِفّةٍ

ووفاءُ مَن تهوَون قربا؛ سامِعُ

*

فتحية للصدقِ، في أجوائه

نَبراتُ حُبٍّ، في الوَفاءِ تُشَعشِعُ

*

إنْ كنتَ لا تجد الحَفاوَةَ كِلْمَةً

عجّل مُغادَرةً، بها يَتَصدّعوا

*

لِصياغة التعبير، دون تكلُّفٍ

قَبسُ المَواهِبِ، في الإضاءة أبْرَعُ

*

الكَتْمُ للأسرار، حِكْمَةُ راشِدٍ

والسّرُ إنْ هَتَكَ العَدالَةَ يُخْلَعُ

*

إنّ الثَناءَ على الطِباع بعِفَّةٍ

سُبُلٌ الى اسْتِمْكان ماهو اقْنَعُ

*

مَن صانَ قدرَه، لايُطَبِّلُ سُمْعَةً

والكاشفون، لهم قياسٌ بارِعُ

*

التِبْرُ ينْحني للعلوم، بما به

ومَداهُ في التقييم، جِنْسٌ خاضِعُ

***

(بحر الكامل)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

فلتعرفوني.. إنني (زنجي)

حتى ولوني أبيضٌ ثلجي

هيهات أنكرني.. وأعلنها

حقا بلا خلط ولا مزج

ولينكر الباقون زنجيةً

ما كان منها مُفلتٌ مُنجي

أنا ذاتَ دهر كنتُ أوّلها

الأرض مجدي والسما أوجي

واليوم أفخر انني تَبَعٌ

أعطي ولاءاتي وأسترجي

تجتاحني الأمواج تغرقني

أطفو وتضربني يدُ الموج

أنت الحبيبُ فديته بدمي

وأنا المضامُ ودمعتي تَشجي

**

أمّي تلملمُ إرثها

مفجوعةً لتهاجرا

وأنا ألملمني وقد

أمسى وجودي ساخرا

كنتُ المسافر دائماً

والقيدُ فيَّ مسافرا

ماذا الجديد سوى هموم

يزدحمن تواترا

والليل مسودّ الاهاب

يعود ليلا دائرا

ولسوف أمضي سوف

أعطي من وجودي آخرا

حتى أؤول تلاشيا

قبرا يفيض مقابرا

دوامة.. أنسى وترجعني

مرارا ذاكرا

وأنا حملتك خاطرا

فكسرتَ مني الخاطرا

وأعود دوماً من جديد

أستميحك غافرا

أسفاً وأنت تبيعني

بيعاً غبينا خاسرا

وأنا أحبك لم أزل

عزماً تهالك خائرا

فتَّشتُ عنك فلم أجدك

فكنتَ نفسي حاضرا

أني وجدتك خاذلا

وعهدتَ مني ناصرا

وإليك حبّي كله

وأراك حبيَ ناكرا

وبنيتُ هيكلكَ العظيم

فقلت: اخرجْ صاغرا

وأراك أما أو أبا

ما طيَّبا لي خاطرا

ولقد بررتك فاديا

فرجعتُ ابناً بائرا

ستظل بي زنجيّتي

دوّامةً ودوائرا

**

يأس على يأسٍ ولا أملُ

فتسلَّ والأحزان تكتملُ

لابدَّ من المٍ يطهِّر من

أرجاس نفسٍ جرّها أملُ

يا أيها الزنجيّ إن غداً

وهمٌ غبيّ ليس يحتملُ

يمشي به التاريخ منزلَقاً

ويسيرُ تيهاً فوقه الدَّجلُ

ورؤى (سبارتاكوس) تفزعني

هام الزنوج بدربه شعلُ

واذا الزنوج البيض اغنيةٌ

تبكي على إيقاعها المقلُ

إني ورثتُ القيد منتقلا

وأظنه سيظل ينتقلُ

**

وجئتُ وليس بي أنسُ

وتبكي داخلي النفسُ

أرى قيدي واسمعه

ويدركه بي الحسُّ

فاحقرني واحقرها

حياة مذلةٍ تقسو

حياةٌ للردى سُحبت

حداها اليأسُ والنحسُ

سيكبر حزنُنا ابداً

ويصغر كلُّ ما يأسو

أيا ويلاه يطرشني

الصدى وحديثيَ الهمسُ

وتحويني فتعصرني

أصابعُ للردى خمسُ

أودّ القيد اكسره

وما إن فكَّني حبسُ

**

وقفت على ثراك أبي وكلّ

الزنوجِ البيضِ مجروحَ الشعور

وإنــَّا دون كل الناس نحيا

ويحيا الارثُ منا في الضمير

فان عشنا يعيش الارث فينا

وان متنا نُسجّى في حفير

فجودي يا عيونُ فليس شيءٌ

أمامكِ غير تذراف الكثيرِ

فانا إن نعشْ موتى حياة

وإنا إن نمتْ موتى قبورِ

**

أبي ولو انني مُلِّكتُ أمري

اذاً لمنعتُ عن نفسي حُضوري

وكيفَ أطيقُ أن ألفيكَ قبراً

وأنسى ماضياً ملءَ الشعورِ

وأينَ الجصُّ والطابوقُ مِنْ

خافقٍ حانٍ ومِنْ وجهٍ منيرِ

وهذا الصمتُ حول القبر مِنْ

ذلك الصوتِ الالهيِّ الطهورِ

أخافُ أرى الأبوَّة فيك تنعى

أبوَّتها، وتشكو من قصوري

وأشفقُ أن أراك وأنتَ في

الأرض أهونُ ساكنٍ بأذلِّ دورِ

***

الدكتور محمد تقي جون

لازَوَرْدٌ قد كَساهَا

فيهِ لُطفٌ وجلالُ

*

تَتهادَى في اِعْتِدالٍ

والخُطَى فِيهَا الدّلالُ

*

برَشِيقَاتِ التَّثنّي

خَلْفَها المارُّون مَالُوا

*

دَوحةٌ يَا مَنْ تراهَا

فَظِلالٌ وَغِلالُ

*

تَتَدلَّى دَانِياتٍ

لَيْتَني يَومًا أنال

*

إنْ أتَتْ، هَيفاءُ مَاستْ

أوْ رَنَتْ فَهيَ غَزالُ

*

وردةٌ في وَجْنتيْهَا

شَعرُها مِنهُ اِنْثِيالُ

*

ثَغرُها عَذْبُ اِبتسامٍ

لُؤلؤٌ! ذاكَ اِحْتِمالُ

*

إِنْ وَصَفتُ الحُسنَ يومًا

فَهيَ للحُسن مِثالُ

*

بشِفاهٍ ظامِئاتٍ

شَبَقٌ فِيهَا اِشْتعالُ

*

رُبَّ حُلمٍ صارَ عَيْنًا

رُبّما يَأتي المُحالُ

*

وَاِلْتقيْنا ذاتَ صُبح

فِي الضُّحى يَحلُو الوِصَالُ

*

فاِرْتَشَفْنا واِنتَشيْنَا

خَمرةُ الحُبِّ حَلالُ

***

سُوف عبيد - تونس

لا أحتاجُ إلى المعجزات

كي أُربكَ يقينَكَ المرتَّب.

*

يكفيني أن أتأخّرَ قليلًا

في الردّ على رسائلك،

فتبدأُ عقاربُ الساعة

بالدوران داخل رأسك

*

يكفيني أن أقولَ جملةً ناقصة،

وأتركَ آخرَها معلَّقًا

فتقضي ليلَكَ

تُفتِّش عنها بين السطور.

*

لا أحاربُ حصونَكَ العالية،

ولا أقتحمُ أبوابَكَ المغلقة.

*

أنا فقط

أتركُ نافذةً صغيرةً مفتوحة،

وأدعو فضولَكَ للدخول.

*

أمرُّ قربَكَ

وأتركُ عطري في الهواء،

ثم أرحل.

*

أضحكُ في اللحظةِ التي لا تتوقّعها،

فتمضي بقيةَ يومكَ

تستعيدُ صداها في الأجواء ...

*

أنظرُ إليكَ

ثانيةً أطولَ ممّا ينبغي،

ثم أتظاهرُ بأن شيئًا لم يحدث،

بينما تكونُ قد خسرتَ معركةً كاملةً

دون أن ترفعَ سلاحًا.

*

بعضُ الحيلِ لا تراها

هي أشبهُ بخيطٍ رفيعٍ من الحرير،

يلتفُّ حول قلبِك ببطء،

حتى يكتشفَ متأخّرًا

أنّ الخيط إستحال شريانا أصيل منه

*

وأنتَ،

بثباتِكَ الذي يشبهُ الجبال،

تظنُّ أنّكَ بمنأى عن الارتجاف.

*

لكنَّ الجبالَ أيضًا

تغيّرُ شكلَها قطرةُ ماءٍ،

تعودُ كلَّ يوم،

بصبرِ العاشقين.

*

وأنا، لا أريدُ أن أهدمَ ثباتَكَ.

أريدُ فقط

أن أتركَ في جدارِه طاقة صغيرة،

تطلُّ منها عليَّ.

*

أريدُ أن أزرعَ اسمي

في أكثرِ الأماكنِ هدوءًا داخلك،

حتى إذا مرَّ طيفي يومًا

ارتبكتْ روحُكَ كلُّها،

وشعرتَ أنَّ شيئًا خفيًّا

يعيدُ ترتيبَ العالمِ في قلبك.

*

هكذا أحتالُ عليك.

بتلك النظرات

بتلك الكلمات،

التي، تشقُّ طريقَها نحو أعماقك

بثباتِ نهرٍ يعرفُ منذ البداية

أن البحرَ ينتظره.

***

|مجيدة محمدي

لَكَمْ كانَ الغِيَابُ شِتَاءَ رُوْحِي

وأَنْتِ الصَّيْفُ يُشْرِقُ مِنْ جُرُوْحِي

*

تَرَمَّلُ، وَشْكَ بَيْنِكِ، رَمْلُ بِيْدِي

وتَصْهَلُ، مِلْءَ ما اشْتَاقَتْكَ، رِيْحي

*

صَقِيْعُ النَّاي يَبْكِيْنِي مَسَاءً

ونَارُ العُوْدِ تَسْقِيْنِيْ صَبُوْحِي

*

كأَرْحَامِ الأَرَامِلِ جَفَّ عُمْرِي

عَلَىٰ ذِكْرَىٰ الوِصَالِ بِعَصْرِ (نُوْحِ)

*

يُمَنِّيْ جُوْعَ أَيْتَامِ القَوَافِي

فَوَاكِهَ مِنْ فَرَادِسِكِ النُّزُوْحِ

*

فتَخْنِقُ طَائِرِيْ (عُرَبُ) الأَغَانِي

بِما حَامَتْ عَلَىٰ اللَّحْنِ الطَّمُوْحِ!

*

* * *

نِدَاءُ الكَوْنِ يَحْسُوْ كَأْسَ كَوْنِي

ودِجْلَةُ نَهْرِكِ الرَّيَّانِ تُوْحِي:

*

بِأنَّ رَبِيْعَ زَهْرَتِنَا خَرِيْفٌ

إِذَا مَا صَوَّحَتْ بِيَدِ الشَّحِيْحِ

*

وهَلْ قَطْرُ الحَيَاةِ سِوَىٰ رَصَاصٍ

إِذَا لَمْ تُرْوِ فِيْكَ صَدَىٰ الذَّبِيْحِ؟

*

كَأَنَّ العِشْقَ حَقْلٌ مِنْ نِصَالٍ

جَنَىٰ ثَمَرَاتِها أَبدًا قُرُوْحِي

*

ويَكْذِبُ مَوْسِمُ العُشَّاقِ ما لَمْ

يُشَنِّفْ بِالنَّدَىٰ شَفَةَ الضَّرِيْحِ

*

ومَنْ يَرْسُمْ كِتَابِ الشِّعْرِ وَجْهًا

يُجَمِّلُ وَجْهَ مَنْثُوْرٍ قَبِيْحِ

*

كَمَنْ يَرْكَنْ لِأُنثَىٰ مِنْ سَرَابٍ

تُرِيْ الصَّحْرَاءَ شَمَّاءَ الصُّرُوْحِ!

* * *

كبَارِحِ خَاطِرٍ، لا طَارَ عَنِّي

ولا أَمْسَكْتُهُ، غَرِدَ السُّنُوْحِ

*

يُكَتِّمُ حُبَّهُ دِيْنًا سَؤُوْلًا:

أكُفْرُكِ دِيْنُهُ في أَنْ تَبُوْحِي؟!

*

ولٰكِنْ رُبَّ بَوْحٍ شَابَ صَمْتًا

وصَمْتٍ شَبَّ كالبَوْحِ الفَصِيْحِ

*

فبُوْحِيْ بِالمَحَبَّةِ، أو دَعِيْنِي

لِصَمْتِكِ، كالمُرِيْحِ المُسْتَرِيْحِ!

* * *

أُغَنِّيْ كُلَّما هَبَّتْ جَنَاحِي:

جَنُوْبًا أو شَمَالًا تِلْكَ رُوْحِي

*

بِلَادِيْ حَيْثُما أَلْقَيْتُ رَحْلِي

فثَمَّةَ مُلْتَقَىٰ الكَوْنِ الفَسِيْحِ

*

بِلَادِيْ حَيْثُما أَطْلَقْتُ طَرْفِي

تَخَطَّتْهُ رُؤَىٰ الطِّرْفِ السَّبُوْحِ

*

ومَهْما طَالَ في البَيْدَاءِ تِيْهِي

لَسَوْفَ أَعُوْدُ مِنْ وَجَعِ المَسِيْحِ

*

أُعِيْدُ بِنَاءَ آفَاقِيْ بِأَمْسِي؛

فيَوْمِيْ اجْتَازَ خَيْلَ غَدٍ جَمُوْحِ!

***

شعر: أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

هل أصدّق نفسي؟

قد أكون بالغت كثيرا في شروطي مع صانع المرايا. هذا يثبت كوني بعيدا عن الفضول، ولا أرغب في أن أعرف عن نفسي من الآخرين. مسألة الإطار تهمني، والزخارف التي تحيطه لا أعيرها اهتماما. ورود.. شجر.. ورق.. امرأة عارية، فقط أحب أن يكون الإطار بلون ذهبي دائريّ الشكل. بتصوّري أنّ المرآة يعنيها وجهي أولا وأخيرا، ولا أناقض نفسي حين يكون وجهي طوليا والمرآة مدوّرة. الدائرة أكمل ىالأشياء تحافظ على ما تحيط به، ولا تفرّط فيه ويمكنها أن تقرأ وجهي الطولي بنفس الدقّة التي تظهر فيها بقيّة الوجوه.

  بلا شك ليس خطأ صانع المرايا. 

فأنا كتبت اقتراحي حين دخلت المحل.

فإذا ما عدت إلى زمن أبعد أي قبل يوم.  ذلك الصباح وقفت أمام المرآة حلقت ذقني وأنا أصفر وأدندن مع نفسي. كنت في غاية المرح.. ثم. غادرت المنزل.. وجدت في الطريق صديقا لا أعرفه يكذب.. تطلّع في وجهي وبادر :هل أنت متعب أرى وجهك ذا صفرة...

قلت والهاجس يزيدني حيرة:

لعلني سهرت الليلة الماضية، ثمّ سألت آخر:هل ترى شحوبا يلوح على وجهي، فأجاب بابتسامة عريضة:

أبدا أنت في غاية النشاط.

عندئذ عدت إلى البيت وأنا في شك.. هناك من يراني متعبا شاحب الوجه في الوقت نفسه كثيرون يجدونني أنبض  بالحياة، لو كان عندي مرآة راقية لاستغنيت عن كل الآراء. رميت مرآتي القديمة في الأزبال، وحين دخلت المعرض كانت المرايا تحيطني من جميع الأركان

راحت صورتي تتشظى الى عشرات الوجوه.

تنقسم

وتصطدم ببعضها. أصبجت أكثر من واحد. كل وجه من وجوهي الكثيرة يختلف مع تيار الضوء العابر إليه. اقتنعت أن أية منهن لاتمنحي وجهي الذي أريده.

أو وجهي الذي يرافقني.

قلت لصانع المرايا:

لا أريد مرآة تتدرب على وجهي كلّ يوم مثل التي كانت عندي من قبل.

فأجاب وهو يتابع الشروط التي دونتها أمامه:

لا تقلق أنت تريد مرآة غير عادية نحن الآن في عصر المعجزات.

وقد وفى الرجل بوعده

كانت مرآة لا تتدرب على وجهي إذ أراه شاحبا ويراه الآخرون ينبض بالحياة، بدت صافية لايعكرها الضباب ولا اختلاف النور، كل شئ ممكن، نحن في عصر يمكن أن نتحسس فيه مشاعر الأشياء الجامدة وشعورها الخفي نحونا.

 لم أعد  أقلق، أقف أمامها كلّ صباح وأثق بها، أخاطب الشخص الآخر الذي أراه: أجدك اليوم ياسيدي أنيقا، لا تشعر بالقلق، نمت البارحة نوما عميقا، وسوف تشرب قهوتك وتفطر بالزبدة والمربى، تمشي مسافة تروض رجليك، وتواصل عملك.

إنها لا تكذب علي

أصبحت صديقتي.

تخبرني عن نفسي وما يجب أن أؤوديه كل يوم.

لا أحد يخالفها منذ رأيت صورتي فيها.. تعكس صورتي كما أرغبها وترغب فلا يختلف فيّ أحد، وعلى الرغم من أنني أحب العزلة إلا أن هناك مناسبات تدفعنا إلى أن نزور الآخرين وندعوهم لزيارتنا. كانت مناسبة عيد ميلادي، أحضرت كل شئ، وقد حضر إلى منزلي بعض الأصدقاء والصديقات الذين لا ألتقيهم إلا في المناسبات، وفيهم من قرأ وجهي ذات يوم.

وقد فوجئت أنّهم ليلة حضروا لم يروا أيّ شئ. كانوا يظنونها لوحة فضية مدورة خالصة البياض تحيطها أوراق ذهبية خالصة البريق.

إنها لوحة جميلة توحي بالنقاء المتمثّل باللون الأبيض.

لم لا تكون الفراغ نفسه؟

قالت إحدى المدعوات، فعقب أحدهم

أو الكون البارد.

لا أحد منهم يقدر أن يرى صورته فيها. كانت فقط تختص بوجهي، وترفض الوجوه الأخرى، أهناك خلل، أم أنّها لا تريد أن تخونني مثلما تتعلق المرايا الأخرى بوجوه الآخرين غير أصحابها.

لكنني

أقسم أني أرى فيها وجهي. في غاية الحيوية والأناقة. غمزتها بعيني، فابتسمت لابتسامتي. تأكدت الآن أنها لن تحب الغرباء، وتحس بي وحدي.

وحدي أنا

تركت ضيوفي يتحدثون عن اللوحة والنقاء والبياض أو الكون، والدائرة المغلقة، وبين حين وآخر أتطلع فيها فأبعث لها ابتسامة أو قبلة، ولا وجهاً غير وجهي ينطبع على بياضها اللامتناهي.

***

د. قصي الشيخ عسكر

سائدونَ، مزاجيّةٌ ألوانُنا.

ارتجافُنا العاطفيُّ يقودُنا إلى تهدئةِ المواقد.

في الصيفِ يتبخّرُ البردُ،

قربَ فراغٍ بعيدٍ،

نخطو فوقَ خُطانا

ونجرّبُ ألّا نعودَ.

تلكَ مرّة،

كلُّ ما يبدو فيها

تلاوةٌ عذراءُ،

تُنجبُ لحنًا طريًّا من التخيّل،

كعزفِ نايٍ

مُرتبكٍ بأغنيةٍ مفقودة.

ومرّةً أخرى،

لا طريقَ يُشبهُ الطريقَ،

فنجرّبُ أن نعودَ،

ونسيرُ جنبَ خُطانا،

لعلَّ القلبَ يعرفُ نفسَه....

***

رجاء الغانمي - العراق

 

رجلٌ يقتربُ منَ التسعينْ

زوجتُهُ ماتت منذُ سنينْ

وله بنتٌ قسمتُها كانت في الصينْ

لم يبقَ لهُ غيرُ الجيرانِ إذا ما احتاجَ يهاتفُهم بينَ الحينِ وبينَ الحينْ

**

رجلٌ يقتربُ منَ التسعينْ

في يومٍ ما نَفِدَتْ حبّاتُ الاسبيرينْ

قرّرَ أن ينزِلَ للشارعِ

محنيّاً كانَ الظهرُ فلا يُبصرُ إلا قدميهْ

والخطواتُ خفيفةُ وَطْءٍ مثلَ الطفلْ

منذ زمانٍ لم يجتز بابَ البيتْ

حاولَ أن يتذكّرَ خارطةَ المنطقةِ ليخرجَ من تلك الأفرعِ لكنْ عبثاً

أوقفَ أشخاصاً بالعُكّازِ لكي يسألَهم لكنْ ظنّوهُ فقيراً

لم يعرف أحداً في تلك المنطقةِ سوى نخلةِ جارٍ كانَ صديقَهْ

وتذكّرَ كيفَ تسلّقَها أيّامَ شبابِهْ

كي يُهدي صُرّةَ تمرٍ لحبيبتِهِ

**

رجلٌ يقتربُ منَ التسعينْ

نسيَ لماذا خرجَ منَ البيتِ

وماذا يفعلُ وسْطَ الشارعِ

تتقاذفُه أكتافُ المارّينْ

مثلَ القشّةِ في سيلٍ عارمْ

***

عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

أنا لستُ صوتًا عابرًا…

أنا الفكرةُ التي تخيفُ الصمت.

*

أدخلُ الأمكنةَ فتعتدلُ المرايا من ارتباكها

كأنّ حضوري يعيدُ ترتيبَ الفوضى داخل الأشياء.

*

لي في الحياةِ شيءٌ يشبهُ العاصفة…

لا يُرى، لكنّهُ يغيّرُ شكلَ البحر.

*

أنا ابنةُ الأسئلةِ الكبيرة.. والثقيلة

تلك التي كلّما حاول العالمُ أن يضعها داخل تعريف

كسرتْ الجدارَ وخرجت.

*

لا يشبهني أحد

لأنّي لا أعيشُ كما يعيشون…

أنا أستهلكُ العالمَ بالتفكير.

*

أرى ما لا يُقال

وأسمعُ التعبَ في ضحكاتِ الناس.

*

وأعرفُ أنّ بعضَ الأرواح تموتُ واقفةً

دون أن يلاحظَ أحد.

*

أنا لا أبحثُ عن النجاة

أنا أبحثُ عن معنى يجعلُ هذا الخرابَ جديرًا بالقلب.

*

وإن سقطتُ يومًا

لن يكونَ سقوطًا…

سيبدو كأنّ السماء غيّرتْ مكانها فقط.

*

أنا المرأةُ التي تمشي داخل الزمن

كأنّها تتحدّاه.

***

ماتيلدا عواد- فلسطين

انقضت أيام العيد، وكنتَ أكثر الحاضرين رغم غيابك عن تفاصيل فرح نسائم العيد... لم نكن نتصور أن يأتي العيد وأنت في ذاك المكان البعيد الذي يحجبك عنا...

كان العيد محتفياً بك وبكل الأحاديث الطويلة التي تشبه غيمات مطر وضحكات...

هل تعلم مدى الفراغ الذي تركته وأنت الذي كنت أكثرنا حضوراً لافتاً من أي وقت مضى؟ كانت هيبتك رغم لطافة حضورك تعكس ذاك البهاء المكتمل لبيتنا...

جاء العيد، ومضى يلملم خفقات قلوبنا، ونحن نحاول أن نستحضر العيد بكامل أناقته ونصنع منه مزهريات ورد، ورائحة فرح...

كان العيد يجامل بهجتنا وأنت لست معنا، وكنا نحن نجامله بحضورك العطر وكأنك كنت ترسم تفاصيله معنا...

أحاول عبر هذه السطور أن أطيل عمر العيد حتى تأتي الأيام بلطفها الإلهي وتعيد في قلوبنا بهاء العيد، وأكتال من الفرح بعد كل تلك الأيام المصفرة وكأنها خريف طويل...

***

مريم الشكيلية / سلطنة عُمان...

ويْحَها من مدينةٍ ما رأى منـ

ـها الورىْ غيرَ نافعٍ ومفيدِ

*

وعليْها الورى بكلِّ خبيثٍ

ومُميتٍ وحاقدٍ ولدودِ

*

كم ألومُ الزمانَ أنّي لها وُلْـ

ــدٌ وقُبِّحْتُ أجلَها من وليدِ

*

كم رجَوتُ العليّ لو أنّني أُخـ

ـلقُ في رحمِ غيرِها منْ جَديدِ

*

فأنا ملزمٌ لترضى وأرضَى

بسبيلٍ فيه انْصلاحُ الوُجودِ

*

و حروبٍ لا تنتهي بحدودِ

و فناءٍ على مِثالِ الجُدودِ

*

وكثيرٌ على العصورِ رشيدٌ

وعلى هذا العصرِ بعضُ رشيدِ

*

ونهارٌ يمرّ أنسى به أنْـ

ـني لأمّي يكونُ لي يومَ عيدِ

*

لاجْتثاثِ العبيدِ تأتي بنا أمـ

ـمي وثأرٍ ممّن علَوا بالعبيدِ

*

بيدَ أنّا نجتثُّ دونَ انكسارٍ

و الورىْ حيٌّ إنّما من جليدِ

*

لا لأنّا أقلُّ بأسًا ونارًا

أو لمالٍ مُدّوا بهِ و حديدِ

*

بل لأمّاتٍ كلّما جُدْتِ مجدًا

جئْنَ كلٌّ بخائنٍ أو بليدِ

*

وبعَينِ القُنوطِ يبدو فناءٌ

وبعينيكِ النّصرُ غيرُ بعيدِ

*

ويمُرُّ الكريمُ ذكرًا ويُنبي

أنّك المعنى للعلا والخلودِ

*

ولِذُلِّ الذليلِ تُعطى سنونٌ

وبعزّ العزيز نيلُ الأُبودِ

*

فاغفريْ لي أمّاهُ ذنبي وجودي

رغمَ أنفي وأنفهِم بالمزيدِ

***

أسامة محمد صالح زامل

عندما صعد كريم إلى الحافلة، كان وجهه شاحبًا؛ وكاد ارتعاش يديّه واصطكاك أسّنانه يفضحه! وحاول دون جدوى، تجاهل قطرات العرق الباردة التي كانت ترشح من جبينه اللجين. بحث بعينيه المحمومتين عن مكان شاغر، ولكن الحافلة كانت مزدحمة بالمسافرين المتوجهين صوب السوق الشعبية، شهر رمضان في أوجه..؟ ورُغم الحرّ القائظ والازدحام الشديد، أظّهر المسافرون من أطفال ونساء وشيوخ تفهّمًا وصبرًا! كيف لا وهم في شهر رمضان الكريم..؟

تساءل كريم الشاب الصغير الذي لم يرتشف رحيق الحياة بعد..؟ لماذا ألقوا على كاهله هذه المهمّة الصّعبة التي لا تستطيع أن تتحملها حتّى الجبال؟ كان قلبه مفعمًا بالهموم كحقيبته الصّغيرة المملوءة بالمتفجرات والتي ستنفجر بعد دقائق معّدودة، شعر كريم بقشرة روحه تتشقق وهو قاب قوّسين، أو أدنى من الموّت، كان يتخبط بين الإرادة واللاّ إرادة..؟ بين الحياة والموت..

تذكر وصايا أمه المربية الفاضلة التي ذوّتت فيه قيمًا إنسانية عالية؛ “لا تفرق بين بني البشر يا كريم حتى لو اختلفوا عنك، بالدين أو الجنس أو العرق أو الطبقة!”

– كلّنا على باب كريم يا ابني..! والدين..؟ أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، بأي وجه سيقابل والدته يوم القيامة..؟ لطالما رددت أمامه مقولة غاندي الشهيرة: “لا تستحق أي قضية مهما سمت أن أقتل إنسانًا من أجّلها..” ربما سيرجعونه إلى والدته الغالية بكيس قمامة أسود مثل فعلته السوداء هذه..؟ التي ستُّنهي في غضون دقائق حياة أناس عزل، أصبحوا مشّروعا للقتل والسلب والنهب بسبب انتمائهم الديني أو الطائفي، أليّس الدين أمرًا شخصيا يصل الإنسان بخالقه؟ لا يُفرض أو يغيّر بالقوة! وشهر رمضان شهر الخير والبِرّ والإحسان..؟

أخذ قلبه يخفق بشدة؛ بل كاد يقف لصاعقة المفاجأة، عندما سمع صوتا أنثويًا ناعمًا يناديه:

- أخي كريم تعال لهنا ثمة مكان بجانبي..

اسّتدار للخلف ونظر كالملسوع مستغربا! من يعرف اسمه من بين هؤلاء المسافرين..؟ اسمه الجميل الذي انتقته له والدته من بين مئات الأسماء! كان هذا صوت ميّس صديقة أخته التي كانت تجلس لوحدها تتأبط سلة كبيرة بجانبها؛ إذ زاحتها قليلا وطلبت منه الجلوس، وأردفت قائلة بأدب:

-الحافلة مزدحمة يا كريم وأنت بمكانة أخي الكبير! تعال..؟ اجلس بجانبي..

حشر كريم جسده المرتجف في المكان الصغير الضيق، حيث فصلت السلة الكبيرة بينه وبين ميّس صديقة أخته التي نظرت إليه بخجلٍ، وأخبرته بأنها مُسافرة لجدتها المريضة، وتحمل لها بعض الحاجيّات والحلويات وأرّدفت قائلة:

– بالرغم من الوضع الأمني السيئ فلا بد أن تصل لجدّتها التي في أمسّ الحاجة لرعايتها..

كان يصّغي إليها وكأنّه يراها للمرة الأولى..! تفرّس بوجهها الذي يشّبه وجّه القمر وتعلّقت عيناه بعينيها التي انعكست فيهما غابات لوّزٍ، شعر أن ثمة شيء..؟ أزهر في قلبه.. انتاب كريم شعورًا بالخزي والعار عندما تذكر قصّة “ليلى الحمّراء والذئب” التي كانت تقصّها له دائما أخّته الكبيرة، عندما كان طفلاً صغيرًا، لطالما كره الذئب المتوحش التي أبتلع ليلى الحمراء وجدّتها وها هو يتحول لذئب بشريّ..؟ لن يبتلع ميّس وكل من بالحافلة.. بل سيُمزّقهم إربًا إربًا!

حاول أن يخفي ارتباكه وألمه في حقيبته المُفخخة، التي ستنفجر في غضون الدقائق القليلة القادمة! الويّل لهم هؤلاء القساة كحطّابِي الليل.. هؤلاء..؟ الذين أرّسلوه لتنفيذ هذه الجريمة النكراء بحق أطفال ونساء وشيوخ عُزّل وفي شهر رمضان الكريم..؟ واوهموه بأنّه سيحظى باثنتين وسبعين حورية في الجنة!

هل ستستمر سادية الرجل ونرجسيته حتى في الجنة؟ يصغّرون المرأة لتعّظيم أنفسهم؟ لماذا لا يكتفي بإنسانة طيّبة وجميلة على الأرض مثل ميّس مثلاً، يؤّمن لها العيش الكريم ويسكُب عليّها كوثر حنانَه واحترامه!

الوقت يمرّ سريعًا؛ يلتهم كل شيء، أنت الآن سيّد الموقف يا كريم! كن شجاعًا؟ ولا تستخف بوالدتك يا كريم، والدتك التي تتنفس من خلالك! هي لا تريدك أن ترحل بهذه الطريقة البربرية! تريدك أن تحيا من أجل الوطن، لا أن تموت من أجّله! وهي لن تزغرد لرحيلك! ستحرق كبدها يا كريم.. ولن تحظى قط بشاهدة قبرٍ، أو ينصب لك عزاء.. كما أوهمك هؤلاء الذين يقبعون في جحورهم كالفئران، ويساومونَ على حياة الناس العُزّل، وفي شهر رمضان المُبارك..؟ "شهر التسامح الذي فيه أُنزل القرآن" هؤلاء الذين يعتبرون أنّفسهم يد الله على الأرض، من سوّغ لهم أن يمارسوا طقوسهم دون رحمة أو تفعيل ضمير، ويزهقون حياة الأبرياء؟ متجاهلين أن الروح لا ثمن لها، الروح..؟ لا تقدّر بثمن.. هذه الوصفة السحّرية التي جرّعوك إياها، ستفتك بروحك وجسدك يوم القيامة! ترجّل يا كريم، إنهض! كن شجاعًا.. الله سبحانه وتعالى هو الذي خلقنا، وهو أرومة كل الديانات التي تصب في بحر نعّمته العظيم..

"من سوّغ لنا نحن البشر أن نسقي كأس الحِمام لإخوتنا في البشرية، كي نحظى بنعيم الجنان..! لماذا لا نصوم عن المحرّمات ونعمل الصالحات لنفوز بالداريّن؟"

نظر كريم لميّس نظرة يائسة كنظرة المستجير الذي يقول: أعتقني من الأسر.. وشعر أن فؤاده سقط في غمازتيها العميقتين، عندما ابتسمت له ابتسامة بريئة، صافية، صاغت حوله عبيرًا وريحان..

– ساعة النهاية تقترب! قم يا كريم.. ميّس صبية يافعة.. مثل أختك تمامًا..؟ هل تسمح لأحدهم بأن يسلب أختك نعمة الحياة؟ هيّا.. تحرك.. كنْ شجاعا.. لا تستجيب بما لا يليق بكرامتك، ولا يمليه عليّك ضميرك! إنت طيّب يا كريم.. هيّا.. العد التنازلي بدأ والعملية سوف تنتهي عند وقوف الحافلة لإنزال الركاب في مدخل السوق الشعبية، ومعّها ستنضم للمقبرة الكُبرى..

نظر كريم عبر النافذة الكبيرة، ثمة أشّجار وارفة الظل وأعمدة كهرباء مزينة بفوانيس رمضان، وسماء زرقاء صافية الأديم، أطفال صغار يتراكضون بسعادة على الأرصفة التي تكاد تبتسم لقدسية الشهر الفضيل.

نهض كريم من مكانه كالمجّنون؛ هرّول لسائق الحافلة وصرخ بصوتٍ كدويّ الرعد:

– توقف يا سيدي أرجوك..؟ ثمة حقيبة مليئة بالمتفجرات سوف تنفجر في كل لحظة دعني أرمِها خارجا هيا.. أسرع..

سادت الفوضى، وانتابت المسافرين حالة من الهلع والخوف ولكن هذا لم يزعزع ثقة كريم بنفسه، أو يثّنيه عن عزمه، نزِل من الحافلة بسرعة البرق بعد أن ترك المسافرين بحالة رعب كبيرة.. ركض عدة أمتار ورمى الحقيبة في شارعٍ جانبي خالٍ من المّارة لتنفجر في الفضاء الرحب..

أستيقظ كريم من غيبوبته ليجد نفسه ملقى على الرصيف، وقد تجمهر حوله حشدٌ كبيرٌ، وكانت ميس تبكي كالأطفال.. عن رفّ الذاكرة..؟ سرق صورة أمه.. نعم! أمه التي كانت تتمنى له دائما الصحة والعافية وطول العمر، وها هو يحقق لها أمّنيتها! هو لن يكون الذئب الذي أبتلع ليلى الحمراء ولن يكون يوسف الذي القاه إخوته في الجُب؛ وهؤلاء الذين أرسلوه لهذه المهمة أشدّ ضراوةً من أخوة يوسف.. سيكون قوس القزح الذي تعانقه كل العيون، سيكون قنديل رمضان الذي تزدان به كل البيوت والمائدة المتواضعة التي تُشّبع كل الأيدي.. سيكون الزاد والدواء على عتبة المحتاج، والماء العليل على شفة العطشان!

نهض كريم من مكانه كان صوت المؤذن يعانق السماء؛ توجّه كريم للصلاة، نعم سيصلي بكل جوارحه.. بأن لا تمطر السّماء سحائب سوّداء في رمضان.. يُريدها أن تبتسم الشمس في رمضان.. كريم..؟ لا يريد.. أن تنزف الشمس بعد الآن..

***

قصّة قصيرة

شهربان معدّي

........................

*القصة مهداة لكل ضحايا الإرهاب في كل زمان ومكان، بغض النظر عن دياناتهم وأصولهم وقوميتهم، ضحايا حُرموا نعمة الحياة، بسبب أُناس عمت الأثرة والأنانية بصيرتهم، وأظلم الحقد قلوبهم، وطمست الكراهية والتعصب الأعمى، معالم انسانيتهم.. وحين يسألونك عن الجهاد الحقيقيّ، أخبرهم أن أصدق جهاد، هو قدرتك على أن تجعل هذا القلب نقيًّا صالحًا، للحياة على الأرض، قبل كل شيء..

غَداً عِيدٌ وَلَكِن مَن نُعَايِد؟ ...

وَأنَّ لِفَقْدِكَ الدَّامِي نُكَابِدُ

*

​غَدًا عِيدٌ وَأَفْرَاحٌ وَجَمْعٌ ...

وَبِي شَوْقٌ لِوَجْهِكَ في تزايدْ

*

تَذَكَّرْنَا زَمَانًا قَدْ تَوَلَّى

وَأَعْيَادًا بِقُرْبِكَ لا تُعَاوِدْ

*

يَجِيءُ مَعَ الصَّبَاحِ وَفِيكَ نَجْوَى ...

وَدَمْعُ العَيْنِ فِي المَحْرَابِ جَامِدْ

*

صَبَاحَ العِيدِ تَرْكُضُ نَحْوَ حِضْنِي ...

كَطَيْفٍ مِنْ جِنَانِ الخُلْدِ وَافِدْ

*

​غَدًا عِيدٌ وَصَحْبُكَ قَدْ تَلاقَوْا ...

وَدُونَ لِقَاكَ دَمْعُ الوَجْدِ شَاهِدْ

*

​وَلَكِنْ ذِكْرُكَ الغَالِي أَنِيسِي ...

وَشَوْقُكَ فِي حَنَايَا الرُّوحِ خَالِدْ

*

​حَبِيبِي كَيْفَ أَفْرَحُ فِي عُهُودٍ ...

وَنُورُ العَيْنِ تَحْتَ التِّرْبِ رَاقِدْ؟

*

وَمَا عَادَتْ لَيَالِينَا الخَوَالِي

وَلَا عَادَتْ لَنَا فِيهَا المَوَاعِدْ

*

​وَكَمْ كُنْتَ الصَّغِيرَ إِذَا ابَتسَّمْتَ ...

تَسَاقَطَتِ الهُمُومُ على الوسائدْ

*

​تُرَتِّبُ ثَوْبَكَ العِيدِيَّ فَخْرًا ...

وَتَسْأَلُنِي: جَمِيلٌ مَا أُشَاهِدْ؟

*

وَتَسْتَفْتِي المَرَايَا فِي ابْتِهَاجٍ ...

فَيَخْتَزِلُ البَهَاءُ عَلَى القَصَائِدْ

*

فَأَضْحَكُ وَالدُّمُوعُ تَفِيضُ سِرًّا ...

وَأُخْفِي مَا بِقَلْبِي وَهْوَ جَاهِدْ

*

​أُقَلِّبُ فِي الخَزَائِنِ بَعْضَ عِطْرٍ ...

لَهُ فِي الصَّدْرِ أَشْوَاقٌ تُعَانِدْ

*

​وَأَلْمَحُ فِي الزَّوَايَا ظِلَّ خَطْوٍ ...

كَأَنَّكَ لَمْ تَغِبْ وَالبَيْتُ شَاهِدْ

*

أُنَادِي يَا بُنَيَّ وَمَنْ يُجِيبُ؟ ...

سِوَى صَمْتٍ يَرُدُّ وَلَا يُسَاعِدْ

*

وَيَبْقَى العِيدُ يَسْأَلُنِي بِحُزْنٍ ...

أَيُورِقُ بَعْدَ فَقْدِكَ عِيدُ وَالِدْ؟

*

​سَأَلْتُ اللهَ يَجْمَعُنَا قَرِيبًا ...

بِدَارٍ لَا فِرَاقَ بِهَا يُعَاوِدْ

*

هُنَاكَ سَيَرْجِعُ الضِّحْكُ المُغَنِّي

وَيَهْدَأُ فِي الحَشَا وَجَعٌ يُكَابِدْ

*

هُنَاكَ سَأَحْتَوِي رُوحًا تَمَنَّتْ

لِقَاءً بَعْدَ مَا طَالَ التَّبَاعُدْ

*

​هُنَاكَ سَأَحْتَوِي وَجْهًا أَحَبَّتْ ...

مَلَامِحَهُ المجالس والمعاهد

*

وَأَهْمِسُ: يَا بُنَيَّ، دَنَا سُرُورٌ

وَفِي الأَكْوَانِ يَشرق كلُّ عَائِدْ

*

فَلَا حُزْنٌ يُقِيمُ عَلَى فُؤَادٍ

إِذَا مَا اللهُ يُجْزِلُ كُلَّ وَاعِدِ

***

د. جاسم الخالدي

وحدي في خيمتي،

وقفت دقيقة صمت...

حزنًا على حالي.

حزين أنا كـ(شنكال)،

مكسور الخاطر كـ(سيباى)،

ووحيد مثل داري.

(2)

كتبتم في جرائدكم ومجلاتكم كيف احترقت خيمته،

وأعلنتم على التلفزيون كيف مات حرقًا،

ولم تسألوا أنفسكم أبدًا...

كيف كان يعيش؟

(3)

أصابعكِ ما مدّت يومًا لتلامس أصابعي.

دائمًا كان هناك غراب ساخر،

ريح تلهو،

ومطر ينوح.

أما أصابعكِ،

فبقيت دافئة في جيبكِ كحلم.

(4)

في ليل ألمي الطويل،

أناديكِ بصمت...

أعلم كم أنتِ بعيدة،

ولكن اسمكِ حين يرقص على شفتيّ

يريح صدري المتعب،

يزيل ألم كتفي الأيسر،

تهدأ صرخات ركبتي،

وتعود شراييني للعمل،

وأتصالح مع قلبي.

(5)

"أقبل الليل"..

وتسللت الكآبة إلى المواويل.

قطار الرغبة يقطع الذاكرة ذهابًا وإيابًا.

ومثلكِ أنا أيضًا،

لا أؤمن بالحبّ القريب،

ولكنكِ بعيدة جدًا،

كقرية (شنكالية).

(6)

في حبّي لكِ،

الهجر كان فضيلة،

أيتها القروية الجميلة،

كنجمة بعيدة.

(7)

الخيمة تطل على نوح الأغنية،

المطرب الشعبي حزين،

كل حفلات العرس هاجرت إلى ألمانيا،

وحجول جبل (شنكال) التحقوا بكورال الكنيسة القريبة.

***

مراد سليمان علو

 

أنثى ولو بلغتْ تسعاً وتسعينا

فالعمرُ ليس يُضيرُ الحورَ والعِينا

*

كريمةُ الحسن لكن جدُّ باخلةٍ

فليس تعطي المنى الا أحايينا

*

تُعطي ابتساما وشيئاً من تلفُّتها

ولا تَزيد.. فعشتُ الحبَّ مسكينا

*

كانت فتاة كضوء الشمس مُغمِضَةً

وكنتُ طفلا صغيراً أقطفُ التينا

*

أحببتُها يا لقلب الطفل قد ركضت

به السنين فمن عشرٍ لعشرينا

*

للآن رائحة التفاح تلطمه

يوماً دنت منه أو أدنت بساتينا

*

بيضاء حمراء ما أحلى امتزاجَهما

في وجهها البضّ إغراءً وتلوينا

*

شفَّافة مثلُ اقداح الزجاج، أرىى

عروقَها من صفاء الجلد تبيينا

*

تسوَّل الطفل منها الحبَّ لاهية

عنه لغيرٍ فزاد الحبّ تمكينا

**

تصولُ فيه خيولُ الشوق صاهلة

وقد تراه من الصفنات مسكونا

*

تدري مريضاً بها والبرءُ في يدها

فما شفته وأعطته التساكينا

*

يغفو على نظرات اذ تهدهده

كالطفل بعد صراخ ارتخى لينا

*

أعطى لها الله ما لم يعطِه أحداً

حُسنا تجاوز قدرا كونُه طينا

*

وحينما دارت الدنيا دوائرها

وهرول العمر يجتاز الميادينا

*

قالت: كبرتَ، فقلتُ اليوم في نظري

كما رأيتكِ، بل ما زلتِ تحلينا

*

قالت أنا اليوم في السبعين قلت لها

إذن تصيرين أحلى في الثمانينا

*

وان تجعّد وجهٌ وارتخى جسدٌ

زادِت جمالا من المرَّات تسعينا

*

مثل الزبيب اذا ما صار منكمشا

أحلى من العنب الريَّان يُغرينا

*

يوما أرتني جمالا وهي غافلةٌ

للآن أذكره الحينَ والحينا

*

أستغفرُ الله دوما اذ تقابلني

مما تثير، فأخشى اللهَ والدِّينا

*

بعضُ القديماتِ أحلى من محدَّثة

وهل تساوي مع اليابان أَلصينا

***

الدكتور محمد تقي جون

......................

* كانت في ريعان الشباب كالشمس تَغمض العينُ اذا حدّقت بها، وكنتُ في رعونة الطفولة فأرقت براءتي وسلبتها

ولأني اُحبُّ البلادْ

مثلما يعشقُ النهرُ جرفَهْ

*

ولأني اُحبُّ البلادْ

مثلما يعشقُ النخلُ ضفَّهْ

*

ولأني اُحبُّ البلادْ

كنتُ أعرفُ انَّ المدنْ

تدورُ على فلكٍ شمسُهُ لا تترمدْ

تتوهجُ حدَّ اضاءةِ أقصى حدودِ الدنى

وتمطرُ نوراً طوالَ دهورٍ

ولكنها تتجددْ

وبغدادُ اسمُ البلادْ

ومازال: بغدادْ ..

مزيجٌ غريبُ لنهرٍ مِن الماءِ والنارِ فيها

ولؤلؤُهُ مِن بناتٍ مررنَ بأحيائها عابراتْ

فجاءتْ طيورٌ مهاجرةٌ من بعيدٍ الى منزلٍ

اسمهُ: دجلةٌ وفراتْ

*

وبغدادُ كلُّ أهالي العراق بنوها ومِن ساكنيها ..

والذين نأوا

حملتْهمْ اليها بأفئدةِ الوجدِ أجنحةُ السندبادْ

***

شعر: كريم الأسدي

19 ايار 2026، بغداد

 

أقبلَ الأضحى فأزهى موطنِي

وتسامى الحلمُ فينا مُعلَنا

*

وانثنتْ أنغامُ تكبيراتِهِ

تملأُ الآفاقَ نورًا مُسكَنا

*

يا هلالَ العيدِ حلِّقْ باسمًا

واملأِ الدنيا صفاءً بالمنى

*

واستفاقَ الفجرُ في أثوابِهِ

ينثرُ الإشراقَ نورًا مُحسَنا

*

والأماني أشرقتْ في عيدِنا

مثلَ نصرٍ في الدُّجى قد أُعْلِنا

*

فاسعدوا بالعيدِ وامضوا فرحًا

إنَّ أيّامَ الصفا لا تُقتَنى

*

وخذوا من مهجتي ألحانَها

تستقي من نبعِ حُبٍّ أزمُنا

*

عادَ عيدُ اللهِ مختالَ السَّنا

فاستفاقَ الشوقُ عطرًا مُتقنا

*

يا رفاقَ الودِّ هذا عيدُكمْ

فاقطفوا من زهرِه ما أمكنا

*

يا أحبَّ الناسِ هذا عيدُنا

فاملؤوا الدنيا سرورًا آمِنا

*

يا صباحَ العيدِ هلّا أقبلتْ

من رُباكَ البِشرُ أنغامًا لنا

*

واستدارَ الكونُ في أفراحِهِ

مثلَ بدرٍ في الدُّجى قد زُيّنا

*

كلُّ عامٍ والمنى تحيا بكمْ

والهنا يكسو خطاكمْ أينما

*

نحنُ ما زلنا نحبُّ العيدَ إذْ

يجمعُ الأرواحَ قربًا حولَنا

*

فامضِ يا عيدُ وخلِّفْ في المدى

أثرًا يبقى بقلبي مُزمِنا

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

لا بأس أن تنوي القصيدة

فقط

يَلزَمُكَ مجدافٌ بنافذةٍ طليقةٍ

يَتشَبَّثُ بأنامِلِكَ البيضاء

ونَفَسٌ طويلٌ

يتحلّى ببديعِ تَدفُّقِكَ الفريد

وأنثى تَكتحِلُ حضارتها

بمدنيَّتُكَ العبقريةْ!

*

قراصِنةٌ بثيابٍ ورَقيةٍ غامِقةٍ

تَتَرصَّدُ بَثّكَ

كي تتبنَّاهُ وتُلفِتَ الفضاءِ الطيفي

بأنّ لها بريقٌ ذائعٌ

وثيابها أنيقةْ!

*

لذا

لا تَفْرُكَ عينيكَ أمام مِحبرةٍ

تَستَدرِجكَ

بموسيقا غضّةٍ الفؤادِ

وأزياءٍ تُصَفِّقُ بإيعازٍ

فتدفَعكَ إلى الغناءِ شَبِقَيَّةٌ ساذجةٌ

بانفتاحٍ صناعيٍّ

وذكاءٍ مُفْتَعَلْ!

*

لذا..

أنت أذكى!

***

محمد ثابت السُّمَيْعي

 

العازِمون على بِناءٍ زاهرٍ

بجذوره تِبْرٌ، ونَجْمُه ساطِعُ

*

شُمُّ الأنوفِ، إذا تواصل حَسْمُهم

صوْبَ المَعالي، فالحروفُ لَوامِعُ

*

حُسْنُ الظنون، له شُروقٌ دائمٌ

والودّ ُ دوما، في رخائه يرتعُ

*

لو كان يُسْمَعُ ما يفوه به الجّوى

ما صار في نَسْج الكلام تَصنّعُ

*

يَكفي البعاد، وليت عُذرَكَ شافِعٌ

أنْصِفْ، فقد آواكَ قلبٌ مُولَعُ

*

يامَن يحدِدُ، في نواياه المَدى

طَبْع الليالي في الفراق مُنَوّع

*

الوَصلُ إنْ بلَغَ النَّقاءَ، بِودِّه

عَينُ الحسود، لِقَطْعِهِ تَتَسارَعُ

*

سلِمَ اليَراعُ، إذا بِقَبْضَته عَلا

شأنٌ... وطاب بعزفه المتوَجِّعُ

*

يامَ ن يلوِّحُ، بالإشارة شاكيا

غَلَبتْ عليه، عواثرٌ ومَواجِعُ

*

للصبر باعٌ، في العلاج وخبرةٌ

ودِراية ٌ في الصّمْتِ نعمَ المرجِعُ

*

إن كان في الحِسْبان، ضوءٌ خافِتٌ

لابد مِن حَسْمٍ، لِما هو أنفعُ

*

رُبّ التأرجُح، بين (لا ونعم) به

تأخيرُ إقْرارٍ، لما هو أوْقَعُ

*

إنْ كان سَرَّكُم اللِقاءُ، بعفةٍ

ووفاءُ مَن تهوون قربه سامِعُ

*

فتحية للصدق، في أجوائه

نَبراتُ حُبٍّ، في الوَفاءِ تُشعشِع

***

(من الكامل)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

هذه الأيام أصبحت قلقا جدا

 بسبب شعري

لقد

بدأ يتساقط.. يتسلل مثل اللص، ويختفي

وليس معي سوى ضفيرة جميلة تعود إلى زمن الطفولة الراّقي

طبعاً

يثير استيائي حين أصبح أصلع. كثيرون لن يبالوا.. بعضهم يعدّه علامة للحكمة والرجولة

 لكني

أختلف تماما فمنذ بدأ شعري يتساقط راودتني رغبة سخيفة

مثل نكتة لا تجبر أحدا على الضحك

رحت أعد الصلعان الذين أقابلهم في طريق...

رأس فارغ من الشعر

أقرع..

والحكاية بدأت

بصلع خفيف راود الهامة

المعيار عندي يختلف عن الآخرين الذين لايبالون.. فأنا أرى الكثيرين منهم منافقين يظهرون أنفسهم حكماء بالصلع وفي السرّ يصرفون مالهم ووقتهم على وهم.. يركضون وراء سراب أو يرتدون الشّعر المستعار

ربما.. لايهمك عضو في بدنك

لا تعّده رمزا لوسامتك،

فمن حقي أن أنظر لشعري الكثيف بإعجاب ذلك الذي عايشته منذ ربع قرن

قد تقول لي حججي واهية. .. شعر الإبط وشعر العانة نقصّه.. نطرده بلا رحمة، لا يهمنا أن يتساقط أم لا، أقول بصراحة هذا شعر مخفيّ، يعيش في الظلمة يتغذى على النجاسة.. القذارة سبب بقائه وديمومته، أما شعري فيتغذى على دم الرأس.. أعلى قمة في قامة البشر.. على الفكر، إذا تساقط فذلك يعني أنَّ غذاء الفكر مصاب بعاهة ما. هناك تلكؤ يعيق الغذاء عن الوصول إلى القمة.. الآخر الذي ينبت في النجاسة أو بالقرب منها لا يعنيني

أنا نفسي أزيله فأشعر بالراحة

كأنني أزحت همّا يجثم على صدري أو جبلا عن طريقي...

لا أعجز عن أن أجيب على أي سؤال يخص الشعر بكل أحواله، ما نطرده نحن أو ما نأسف لفراقه.. صديقي جمال الذهب مصمم الأزياء الفكه الذي يعمل في الشركة معي، يقول لي :

عليك أن تقبل الواقع تروّضه تصادقه إذا أصبحت أصلع، ليذهب شعر رأسك.. صادق الصلع.. إنّه صديق دائم لايخونك ولا يفارقك مهما يكن أقلّ قبحا من الموت وتذكّر ياصديقي إنك تحلق لحيتك كلّ يوم!!

قلت على البديهة مثل الإلهام:

هناك ثلاثة أصناف ياصديقي من الشعر، ما يجب أن يبقى وهو الأجمل، ومايجب أن نزيله، وما يُستحبّ أن نحلقه، وهو المنافس الأقرب لشعر الرأس.. اللحية، شعر الرأس يدل على الجمال والوسامة ومادام شعر الوجه الأقرب إليه ولا يتغذى من الفكر أو النجاسة. مصدر غذائه مجهول فيمكن أن نحلقه أو نبقيه حسب رغبتنا، لكنه في بعض الحالات يتحول إلى بعبع يزيد من قسوتنا وتوحشنا ويدفعنا إلى العنف

كان على صديقي المرح في قسم التصميم هو وغيره أن يعرف أني أكثر ما أكرهه في الصلع أن يكون كثيفا عند الجنبين ولا شئ في الهامة

فراغ تام في الأعلى

يلمع تحت الشمس

يمكنك أن ترى صورتك فيه وهو يلمع

بداية تساقط شعري جعلني أراقب العابرين

كم رأسا رأيت في الشارع

أنسى العدد وأتذكره

بعض الأحيان أضيف إليه ما أشاهده، في الليل، على شاشة التلفاز، من صلعان وقرعان، من مذيعين ومغنين وملوك ورؤوساء.

لم تصبح حالتي مرضية ولا أظنّها ستتطوّر إلى هاجس.

أنا وسيم

عمري خمسة وعشرون عاما.. ليس في عائلتنا من أصيب بالصلع، وأنا في المرحلة الابتدائية، سألت أبي فأجاب إن عائلتنا لم تعرف الصلع من قبل وضرب لي مثالا بجدّي الذي وعيت عليه. يقال عاش 95 وتسعين عاما وكان شعره كثيفا جدا.. أسود.. ظلّ أسود ولم يتطرّق إليه الشيب.

واستفسرت من أمي فنفت داء الصلع من عائلتها. عندي خالات وليس لي أخوال. في كلّ الأحوال سلالة أمّي نقيّة.

ولكوني وسيما امتهنت عدة حرف. بدأت بالتجارة فتحت محلا للملابس النسائية وبعد عام استغنيت عنه وجدته لا يحقق طموحي في المال، ولا يحقق لي الشهرة... مارست مهنة الصحافة قبل أن أصبح مذيعا في محطة الإذاعة المحليّة. أما رغبتي الحقيقية فكانت أن أعمل عارضا للأزياء. ولا مشكلة عندي في الطول...

طولي 180 سنتمترا

هي..

آخر مهنة مارستها قبل أن يخونني الشعر..

وقبل أن أتحوّل بسبب الصلع إلى قسم الإعلان.

2

لا أغالي حين أذكر أن الزهو رافقني منذ الطفولة.

كانت أمي، إلى السنة السادسة، من عمري_ سنة المدرسة- تترك شعري يطول. اعتادت أن تسرحه كلّ يوم،، وتعمل لي ضفيرة فكنت أقف على منصة خشبية، أمام المرآة، في غرفة أبويَّ. أراها كيف تمشطه، ثمّ تأخذ بيدي أو تحملني بين ذراعيها وتسير بي إلى أبي في الصالة، فيداعبني بحنان، ويمرر يده على ضفيرتي. أراه يقول لأمّي:

- ألم يحن الوقت بعد لتقصي شعره؟

فتجيبه وهي تبتسم:

- حينما يلتحق بالمدرسة

وعندما حان الوقت، وقبل أن أرتدي السروال القصير و أتأبط حقيبتي المدرسيّة بيوم صحبني أبي، وأمي إلى صالون الحلاقة.. لم أخف أو أقلق.. كانت تجربة جديدة.. الحلاق فضّل أن تقص شعري فتاة ماهرة تعمل معه. وقد مرت السنوات ولم يغب اسمها عن بالي.. (سلافة) أجلستني على كرسي عال، وبدأت تقص شعري الكثيف، وكانت أمي تبتسم.. إنها المدرسة.. قالت الحلاقة عام دراسي سعيد، وبدأت يداها تتحرّكان أصبح رأسي بين المقص والمشط.. أوّل مابدأت بالضفيرة، هذه التي مازلت أحتفظ بها إلى الآن. وضعتها أمي في كيس، قالت: ستكون ذكرى، وأجاب أبي بهدوئه المعتاد:أصبح الآن رجلا بكل معنى الكلمة، وعقبت الحلاقة والمقص بيدها والمشط يسريان فوق شعري:

- الشعر زينة للنساء وهيبة للرجال إذا كان قصيرا.

منذ ذلك اليوم والضفيرة تلاحقني أو ألاحقها. بطولها وشكلها، وعقدها التي ضفرتها أمي. كنت أهملتها وفي هذه الأيام أدمنت على النظر إليها. مرتين أو ثلاثا في اليوم ثم وضعتها في درج الدهليز المؤدي إلى القبو كي أراها حيثما شئت.

عندها بعد أن انتهت الحلاقة من شعري ورشت على رأسي رذاذا باردا عبق الرائحة وخزتني بعض قرصات منه في عنقي..

بدأت بصورة أخرى..

لكن الأمر الخطير الذي تعرض له شعري لم يكن من الحلاقة بل من تلميذة معنا في المدرسة في الصفّ نفسه. اسمها لم يغب عن بالي، كنت ألتقيها في بعض الأحيان لقاءات عابرة، فبيتسم كل منا للآخر ويهز رأسه إذا التقينا في عن بعد إو نستعيد ذكريات الحادث على عجل إذا التقينا مصادفة وجهها لوجه..

كانت نادية أضخم منا - نحن طلاب الصَّفِّ الأوّل_تبدو أكبر لكنها في الواقع في سننا تماما

ست سنوات من يرها يظنّها في العاشرة..

فيها بعض الخشونة، شعرها قصير، أشبه بتسريحة صبي، ربما الشعر القصير لا يناسب وجهها الطولي، هيئتها.. سلوكها.. صوتها الخشن تلك صفات لا توحي بأنها من عائلة أرستقراطية مثل أهلي والعائلات الأخرى التي اختارت مدرستنا الخاصة ذات الأجور المرتفعة والمعروفة أنّها مدرسة أبناء الذوات بالوراثة.

ليست من عائلة فقيرة ولا متوسطة الحال، هذا ما عرفناه من آبائنا بعد مقلبها السمج معنا. قبل دخول الآنسة الصف، فتحت حقيبتها.. أخرجت منها مقصا ونزلت في شعرها من جهة الجبهة قطعت بعض الخصلا ثمّ دارت علينا على تطقطق بالمقصّ. راحت تقص وهي تقول:هكذا إذن أفضل.. أنت أجمل بهذه الصورة.. أنتِ أحلى.. نزلت علينا بلا رحمة.. صفنا فيه عشرون تلميذا وتلميذة.. لم تترك أحدا منا.. تلاميذ آباؤهم من كبار التجار وأساتذة الجامعات والضباط المعروفين وذوي المناصب العليا.

قصت شعرنا وهي تضحك وتغني

ولا تبالي

هكذا أفضل

ونحن جالسون صامتون مثل الخرفان

أدهشتنا التجربة حدّ الهدوء والسكون التامين

ووددنا لو ينصرم الدرس فننط إلى دورات المياه نتطلع في أشكالنا الجديدة الغريبة.

وحين طالعتني أمي في البيت شهقت وأخذت تلعن وتسبّ، وتدعي أن الطفيليات والرعاع أصبحوا في كلّ مكان، مثل الطاعون لاتخلوا منهم مؤسسة أو مدرسة ولا أيّ معلم يروده المجتمع المتحضر والعوائل العريقة..

رعاع

همج

متخلفون

وفي النهاية أخذني أهلي للحلاقة سلافة التي عجزت أن ترمم رتق الشعر فحلقته كلّه، وفي اليوم التالي بدا الصف كله أقرع حليق الشعر. قالت المعلمة لا تبالوا: هكذا كانت المدارس تفعل في القديم إذ يصيب القمل شعر التلاميذ بسبب البرد الشديد، كانت آنسة الصيف لينة تغالب ابتسامتها وتَدّعي أن حلاقة الشعر تقوّي الشّعر، فيما بعد أدرك أهلنا أن والد (نادية) من أغنى أغنياء البلد.. له شأن في الداخل والخارج.. من عائلة كانت معدمة لا علاقة لها بالترف والنعمة.. تختلف في ثروته الآراء والتخرّصات، والحقّ أصبح فعل نادية معنا ومع نفسها نكتة قديمة لم تستمرّ طويلا..

 قلت:

إني كنت ألتقي نادية في الشارع، لقد كبرت ومع السنوات اختفت خشونتها، وطال شعرها، أصبحت تعقده بتسريحة ذيل الحصان، بدت حقا أجمل وأكثر ليونة ورقّة ثمّ اختفت سنتين، وفي الأسبوع الأول لتساقط شعري المخيف التقيتها مصادفة وجها لوجه.. رأيتها بملامح أجمل، تسريحة ذيل الحصان نفسها. كانت تشعّ أنوثة وفتنة.

- نادية أين كنت؟

- تزوجت وغادرت مع زوجي إلى الخارج

قالتها بابتسامة عريضة شعرت معها براحة وخدر:

- أخبرك أن شعري بدأ يتساقط؟

فأطلقت ضحكة خفيفة:

- إذن لن تحتاجني ولن ينالك مقصي!

تحياتي إلى زوجك.

وافترقنا..

وكنت وصلت إلى رقم معقول من الصلعان الذين عددتم في طريقي، ولست متأكدا من أن شعري يخونني بعد

وصل الرقم عندي إلى خمسين أصلع هذا اليوم.

3

أظنّ أنّها الهامة.

النقطة العليا في الرأس.

أحد الأيام وقع بصري عليها فارغة، ولعلي تجاهلتها. وقتها تذكرت ألّا أحد من أهلي أصيب بالصلع على حدّ رواية أمي وأبي. لا أنكر أن بعض الهواجس راودتني، في العمل حيث اعتدت أن أرى وجه صديقي الساخر (جمال الذهب).. قلقي الذي لم يحتدم بعد دفعني إلى السؤال وأنا أطأطئ هامتي ليراها:

- هل ترى الفراغ في هامتي؟

- قد تكون بداية صلع أو تبقى بحجمها

- معقول

- ولِمَ لا في هذا الزمن كلّ شئ معقول وغير معقول!

هل أصبحت فيلسوفا؟

- يا أخي شعرك أو صلعك لن يغيرا العالم

- أظنهم سوف ينقلونني في حالة صلعي إلى وظيفة أخرى

فأطلق ضحكة طويلة وقال بسفاهة:

- في هذه الحالة لا ينفعك إلا حالة واحدة توقف توسع الرقعة أخلط في الليل قبل النوم عشر قطرات من بنزين الطائرات مع فصّ ثوم مهروس وادهن به شعرك ثمّ لفّه بقطعة قماش ونم.. مارس الطقوس كل ليلة مدة سبعة أيام ولا تقلق بعدها.

_حقا سخيف وأسخف منك من يسألك.

وقد رجعت إلى الضفيرة، هناك أشياء كثيرة تركها لي أبواي غفلت عنها في القبو، ودرج قديم وضعت فيه والدتي بعض الأدوات.. وعاء شاي خزفي.. مكحلة نحاس.. مرش ماء الزهر، أما القبو فكان يضمّ إرثا واسعا لعائلة أرستقراطية تكاد تقطع مابيني وبينها حياتي المختلفة تماما.

خنجر قديم، وبعض اللوحات الزيتية، وثمة فانوص كالذي كان يملكه علاء الدين، ودلّة قهوة، ومقص من فضّة. أشياء لا تنفعني ذكرتني بها الضفيرة في الدرج. قد أكون أحتاجها إذا بدأت عملية زرع الشعر.

أخرجت الضفيرة من الدرج لتكون شاهدا على كلامي وتجاهلت المقتنيات على أمل أن أبيعها ذات يوم.

استعرضت ذاكرتي وأنا مسترخ المشهورين من ممثلين ورؤوساء دول قهروا الصلع. مادمت قدتَ ثورة فيجب أن تبقى بشكلك شابا.. لو أصبحَ أصلعَ لبدا شكله بلحيته أكثر قبحا.. جيفارا قتل قبل أن يعتريه داء الصلع... الرئيس الكوبي استغنى عن شعر رأسه الذي لم يسقط بشعر لحيته الكثّ. أنا شخصيا أكره اللحية، وأكره وجوها ترتديها بعد أن استشرى التيار الانتقامي...

فتحت الدرج في غرفتي

الضفيرة بدأت تلاحقني

كل يوم

وشعري أخذ يهرب من رأسي

معادلة صعبة

فالرقعة في الهامة اتسعت

ستكون معي عند الطبيب لعلها تنفعني، وكان علي أن أستعيد شعري بأي ثمن.. بعيدا عن القضية الجمالية رأسي الأجرد لا يقدر أن يواجه المطر والبَرَد:

الطبيب الخبير نظر إلى هامتي، وقال بكل هدوء كأنّ القضية لا تعنيه:

هو الصلع، ولا مفرّ منه

طمأنّي صلع أم تساقط؟

صلع

قلت بأمل يائس

- صلع أم تساقط؟

- صلع وما عليك إلا أن ترضى؟

منذ أن وعيت، وجدت أمي تغسل كلّ أسبوع شعري بالبيض، وعندما كبرت، ودخلت المراهقة وضعت البيض والليمون على وجهي، مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع، ولا أمل لي إلا في الزراعة:

أليس من علاج؟ وعدت إلى الضفيرة القديمة فنظر إليها وقلت:

هكذا كان شعري قبل المدرسة بيوم، وتلك الضفيرة احتفظت بها والدتي للذكرى.

فعاد إلى واقعيته بوجهه الجامد:

لن تنفعك بشئ.

أضحك من شكل جديد ينتظرني في المستقبل، وأسخر من لحظة فكرت فيها أمي أن تجمع شعري كلما ذهبت للحلاق لتصنع منه وسادة مريحة:

- - الحق دكتور شغلي يتطلب أن أكون ذا شعر.. مهنتي عارض أزياء.. شكلي مقبول (تحاشيت أن أقول إني وسيم لئلا يتهمني بالغرور- ) والصلع يجعلني أفقد وظيفتي:

- لم لا تضع شعرا مستعارا على رأسك؟

- أكره ذلك.. أكره أن أستخدم وسيلة ليست ملكي.. قد يكون إحساسي ذا عامل نفسي كأنّي أضع بعضا من شخص آخر على رأسي يمكن أن يكون مات.

- هناك الكثيرون من الممثلين والمشاهير لجأووا لهذه الوسيلة؟

قلت متباهيا:

- كلّ له طريقته، لكن ماذا عن زراعة الشعر؟

بعد صمت قصير قال:

- لا أظن تنفع أنت عندك تساقط للشعر كله صلع بشكل قرع سوف يسري من الهامة إلى عنقك.. البصيلات تموت ولن يبقى مكانا ننزع منه أيّ بصيلات.

أقرع

أصلع

- هل أسافر للغرب؟

قال باستنكار كما لو كنت أتحداه:

ماذا يفعل الغرب لك هذا داء يقف العالم عاجزا أمامه!

نعم أعرف.. بلى.. عندي بصيص أمل.. الضفيرة أمامي، جيفارا الثائر ليس أصلع.. رئيس عربي أجرى عملية زراعة وشدّ الوجه كي تبقى الثورة شابة.. كاسترو استغنى عن شعر رأسه بلحيته.. أنا عارض أزياء.. خطواتي محسوبة.. حركاتي.. ابتسامتي. صحيح أنّ هناك من يبدو أجمل في حالة الصلع..

- هل نجرب.. بعض الدواء عسى ولعل يوقف التساقط.

- لك ماتشاء.. سأكتب لك دواء. ودواء آخر يمنع عنك القلق.. لنجرب مع ذلك لا أظنّ أنّ الدواء ينفعك.

5

الرقعة ازدادت يوما بعد يوم

كانت تسابق الدواء

وكانت حبوب القلق تدفعني إلى النوم.. ولم تنفع سوى أنّها استعادت شعري خلال حلم جميل.

كان حلما مشوَّشا في البدء

واتضحت معالمه شيئا فشيئا

كأنّما انبثق من ضباب كثيف إلى جوّ رائق

رحت فيه أدخل مدينة غريبة الأطوار لحظتها لم يخطر على بالي أني أقرع أم أبدو وبشعر كثيف

ولم يخطر لي قطّ أنّ ما لايمكن أن أحققه في الواقع أجده في الحلم

أو

ما أراه في الحلم لايتحقق في الواقع

ذلك ماحدث لي بالضبط..

في المدينة الغريبة الأطوار وجدت كل من فيها يحدّق بي..

وفي لحظة متأخرة عرفت أنهم كلّهم ذوو شعر أسود براق

النساء بضفائر تنحدر على ظهورهن فتكاد تلامس الأرض

وبعضهن بشعر منفوش يغطي الأكتاف، وأخريات يتباهين بتسريحات مذهلة.

ينظرن وينظرون

وعلى الرغم من وسامة الرجال

وجمال النساء

إلا أنّ الوجوه كانت حزينة كئيبة..

حتى الأطفال غادر الفرح قسماتهم

يبدون كما لو يعانون من شئ ما ينغّص عليهم حياتهم

فجأة

من دون أيّة مقدمات

.... قدموا إلي

.. تزاحموا حولي

انقلبت سحنة وجوههم إلى غبطة وحزن إلى انشراح

ابتسموا

غير مصدقين

أحاطوا بي

هتفوا بحياتي

ثمّ راحوا يضحكون

يرقصون.. يغنون....

شيوخ

شباب

نساء

أطفال

من البؤس انقلبوا إلى المرح

لا أدري في أيّ مدينة أنا

وأمام من أقف

مدينة أو بلد..

مملكة أو

جمهورية

إمارة

أي مكان أم أيِّ زمان..

راودني خوف!

أصبحت وسط الحشود التي ما انفكت تضحك وتهتف هتافات لا أسمعها وإن كنت أفهمها

في هذه اللحظة الحاسمة تخطيت الخوف، وانتظرت

انتظرت وربما خشيت أن ينقلبوا فجأة عليّ مثلما انقلبوا من الحزن إلى الفرح، ومن حسن حظّي أن الصفوف انشقّت عن طريق واسع ليتقدم نحوي رجل طويل القامة مهيب الطّلعة متوسّط العمر، حيّاني وانحنى لي. رفع يده فانفضت الجموع ثمّ قادني إلى مكان فخم..

بركة تعج بالأسماك الذهبية والشقراء، وتماثيل أسود تمجّ الماء من أفواهها إلى البركة، ثمّة قصر له بوابة ذات زخرفة تحكي عن ملحمة مفقودة. ظننت أنّي انتقلت إلى قسم الإعلان، فما أراه من مظاهر يوحي أنّ الأرض والوقت، والأجواء تهيأت لتصوير إعلان يكون لي فيه دور ما..

كان كل من في المكان ينحني لي. دخلنا بهوا واسعا ازدانت جدرانه بصف طويل من صور ذوي المهابة الصلعان مثلي.. حالة غريبة.. وانتهينا إلى غرفة مستطيلة، فيها مكتب، وكرسي فخم وبضعة كراس أقل فخامة. أشار مرافقي بيده نحو الكرسي الفخم، وقال وهو ينحني:

_تفضّل اجلس

جلست على الكرسي الفخم فشعرت بدبيب ما يسري في جسدي..

قشعريرة

رهبة

دفء

تيار لذيذ

قوة تصبح طاقة ناعمة تهزّ جسدي

انحنى الشخص الذي لم أعد أراه مهيبا منذ لامست مؤخرتي الكرسي الفخم:

كم من الوقت يستغرق الإعلان؟!

- هل تتفضّل يامولاي وتسمح لي بالجلوس؟

فأشرت إليه دون أن أجيب:

- تفضل

فانحنى وجلس، قال:

يامولاي لابدّ أنّك سمعت بالقانون القديم الضارب في القدم الذي بموجبه تختار البلدان حكامها من الغرباء والبلدان البعيدة.

- لم أفهم ؟هل لك أن توضح لي كلّ هذه الإشكالات.

يامولاي نحن شعب لا يسقط شعرنا، ومن يسقط شعره- وتلك ظاهرة تحدث عندما يموت لنا ملك- غير أننا وقعنا في محنة غريبة حين مات آخر ملك لنا قبل بضعة أيام و.. لم يسقط شعر أحد منا.. لعلّ الطبيعة تغيرت.. أظنّه التقدم الصناعي.. التلوّث أو الاحتباس الحراي، فعلا وجوه الناس الحزن حتّى قدمت أنت من بلاد بعيدة ورأينا رأسك خاويا من الشعر. كنت أنت الذي كسرت حزننا وقلقنا!

فوجئت

ها أنا أعيد مدينة حديثة إلى زمن الاغتراب.. مازالت شحنة الكرسيّ تجذبني، فتذكرت قلت:

ألا ترى أننا في حلم؟

- يامولاي أنت تراه حلما، ونحن نجده حقيقة ماثلة للعيان.

- أفرض أنّي صحوت والحلم كما أعلم لايدوم إلا بضع ثوان.

فابتسم ابتسامة غامضة:

عندنا الثانية تعادل سنين!

فتأملت في كلامه، وأيقنت للمرة الثانية أنّه إعلان: :

- ليكن لكن قل لي من أنت.

- أنا وزيرك الأول.. كبير السلطة بعد جلالتكم، والآن هل تسمح لي بالذهاب؟

أشرت إليه بيدي، فنهض وقال:

على فكرة يامولاي، من حقك أن تغير نظام الحكم من ملكي إلى رئاسي، مادام الحاكم الذي يخلفك- بعد طول العمر لكم- ليس من صلبك

تأملت لحظة.. المكان وهيبته وطراز البيت الفخم والبركة ومشهد الأسود جميعها توحي بأجواء ملكية، وتذكّرت أننا في عالم اليقظة نقدّم الملوك.. أصحاب السمو والفخامة لا يسبقون أصحاب الجلالة:

لا أظنّ.. دع الأمور كما هي (واستدركت): ماذا عنك أنت أتفضلني صاحب جلالة أم فخامة.

لافرق عندي يامولاي الأصل ألا تكون ذا شعر(ثم انحنى) هل تسمح لي بالذهاب يامولاي؟

تفضّل

وقبل أن يغادر استوقفته::

تذكر أن الطبيب كتب لي حبوبا تقوي الشعر تناولتها في يقظتي فماذا لو عاد شعري؟

فقال بتأثر:

آمل أل يحدث وإلا حسب القانون ستكون واحدا من الناس الذين أحاطوا بك..

تمسكت بالحلم أكثر وبالقوة التي تشدني. الكرسي الفخم الذي يداعب ظهري بنعومته، وعلوه والكراسي الأخرى التي لا تتطاول على كرسيّي. تمنيت ألا أصحو قط، وأعجبت بصلع كامل كرهته

قرفت منه

. صلع رفعني إلى أعلى سلطة في هذه البلاد

أنا الوحيد لا أملك مشطا..

وهي البلاد الوحيدة في العالم التي تنفرد بقانون عجيب يتفق عليه الجميع.

مع ذلك كانت الحبوب اللعينة ترافقني. قلت مع نفسي لا تضرّ. لن أرميها مادامت جاءت إليّ في حلمي مع ما حملت من شتات يقظتي.

هل خدعت نفسي؟

كنت أدوام عليها

سأحلق شعري.

كل يوم

لن أكشف عن حقيقة رأسي

عشت الوهم، وكنت أراهن على طول الحلم.. لا أريد أن أفقد سلطة الحلم الجميل، لديّ الوقت الكافي لكي أستيقظ حتى وجدت الحبوب التي تناولتها في السر، تحقق أمنيتي في الحلم..

وفت بوعدها في زمن لا أريده

زمن الحلم

الذي أصبحت فيه كبيرا من غير أن أقدم أيّ تنازل.

قبل أن أجوب تلك البلاد وأعرف وأعايش ناسها

وأعيش قدرتي

وقوتتي

وسطوتي

ولو للحظات

خانني رأسي

وخانني الطبيب

والدواء

لم ينحني لي الوزير

أنا جلالة الملك

أنا فخامة الرئيس

جاء الوزير الكبير، مع ثلة من المسلحين، لم ينحنِ لي أحد، قال بغلظة، بلغت حدّ الزعيق:

إنّه القانون الموروث لا تحاول أن تعصي مادمت بهذا الشعر فعليك أن تغادر..

قلت لا، فقد تسلل لي الداء من الصحو.

ازدادت حدته.. قرأت القرف يرتسم على وجهه :

لا نأبه لذلك أنت مخير بين أن تعيش مع الناس أو ترحل إلى حيث جئت.

دفعني الفضول:

هل حدث مثلما حدث لي مع غيري

أنت غيّرت عن عمد قانونا نعرفه منذ قرون.. كل الذين حكموا ماتوا من دون شعر.. (أشار بيده للحراس، وصمت)...

تقدموا نحوي، حاولوا أن يزيحوني من على الكرسي الفخم.. تشبّثت فيه بقوة.. بكلتا يدي.. زعقت

أنا جلالة الملك.. قبل دقائق كنتم تنحون لي

أنا صاحب الفخامة

لم يأبه لي أحد

انتزعوني بالقوة..

حملوني في الهواء..

. وقذفوا بي خارج الباب.

6

شعرت ببعض الألم في ظهري

تحسست رأسي فوجدته أقرع أملس وأني سقطت من على السرير، فهل يصدقني أحد إذا ادعيت أنّه ليس حلما.. مارأيت.. وسمعت وعايشت لم يكن واقعا ولاحلما.. لا أقدر على تسميته..

غير أن الحلم الغريب الذي عشته في النوم شهورا بدا - حسب الظاهر- فاتحة خير عليّ فكان ألم ظهري من سقطتي عند النهاية خفيفا لم يمنعني من الذهاب إلى العمل، وحالما وصلت أخبرني زميلي في قسم الإعلانات أن المدير يطلبني، وأضاف:

لعله يستفسر منك عن سبب تأخرك.

قلت ضاحكا:

الاحلام كبلتني إلى السرير هل تصدق؟

ياصديقي سبق أن قلت لك لن ينقلب العالم من اجل شعرك..

استقبلني المدير بترحاب كبير، طلب منّي بلطف أن أجلس، خمنت أنّه حديث لا يخصّ تأخري عن العمل، في البد كشف عن ارتياحه لعملي وعن عروض الأزياء التي قدمتها ولفتت نظر الشركات المحلية والعالمية. كان الرجل - ولاريب- مفتونا بشخصيتي الفذة، فما كان منّي إلا أن أوقفه عن الاسترسال في مديح إذا طال يفقد رونقه:

يا سيدي أشكرك على هذا الثناء العطر، (مازلت أعيش لذة الحلم الذي تأخرت عن القدوم في الموعد المعلوم بسببه، ومازلت أحسّ طعم الجلالة والمهابة وهناك، وأدرك- بعد استقبال المدير الناعم لي- أنّ رأسي الأقرع لن يعيقني عن العروض) وآمل أن أقدم عروضا أفضل.

فاتسعت ابتسامته:

- لا أعني الأزياء فإنها لم تعد تليق بك.

قاطعت بوجل:

- يمكن أن أعوض عن ذلك بالشعر المستعار (تحاشيت أن أذكر له نموذج شباب الثورة وحيويتها وأنّي في حالة الشعر المستعار أكره أن أحمل أيّ شئ كان في جسد غيري سوى أّي الآن أقبل على مضض) أظنّ ياسيدي.

بعضهم يليق له الصلع مثلما هو الممثل تيلي سافالاس هل ينكر أحد أن قرعته تزيده وسامة وتلألؤا

حقا ذلك أمر مثير للغاية.

- لم أفهم قصدك بعد هل أصبح ممثلا؟.

فقال يستدرجني:

- لو تساقط شعرك من الجانبين لكنت لم تستفد شيئا.. الآن أمامك فرصة لا تعوض.

- أصبح ممثلا. ؟.

فارتسمت ملامح الجدّ على وجهه، وقال:

أكثر أهمية من ممثّل.. أمامك عقود ليستغل العالم قرعتك.. الشركات العالمية.. عقود بالملايين، بين عشية وضحاها تصبح مليونيرا، تخيل الشركات المحليّة لا توقع مثل هذه العقود لكلفتها العالية.. لديك فرصة لتصبح أكبر بطل دعاية، ننقش المنتج الجديد على صفحتي رأسك بوشم تزيله كلّ شهر، تمشي به في شوارع البلد الكبيرة صورة أيّ الإعلان تزول من رأسك بعد شهر، فيأتي رسم آخر، ومبلغ جديد..

تأملت كلامه، وتساءلت:

- ألم تعد مهنة عارض الأزياء تليق بي.

فقال بحزم:

لا أظن.. لا أحب أن أخدعك.. أصحاب الملايين رؤوا نجاحك في الإعلان.. لديهم تاريخك بشعرك والآن أنت بشكل جديد لوضع آخر.. الملايين بين يديك.. والفرصة لا تأتي إلا مرة واحد.. الحياة يا صديقي لا أظنها تسير على نمط واحد!.

7

لم يكن أمامي إلا أن أقبل أمام عقد كان سخيا جدا.

حقا

أصبح المال يسيل بين يدي كالشلال..

ماخلفته لي العائلة الأرستقراطية لا يساوي شيئا مقابل الإعلانات التي أحملها على صفحتي رأسي، هيئة كاملة من مصمم رسومات وخطاطين وفنيّي مكياج يحيطون بي داخل المؤسسة: يثبتون الرسم على صفحتي رأسي ويعاينونه كلّ يوم..

لا أنكر

هناك بعض المنغصات ظهرت منذ اليوم الأوّل

أضطررت ألا أغسل رأسي إلا كلّ شهر مرة، ولا وجهي خشية من أن يصل رذاذ الماء إلى النقوش

وقد بدأتُ بإعلان عن عصير.

أسير في الشوارع

آلات تصوير تحطيني

عابرون يبتسمون لي

مارون يقفون يشيرون إلي

بعض الصخب أحيانا

بعض الدهشة

مشهد خلّاب لاتضاهيه أجمل المشاهد الخلابة في الطبيعة

أسير وأبتسم ليس أكثر

لا أكلم أحدا

ولا أرد على أي أحد

ألف الشارع مطمئنا.. منزعجا بعض حين، أجتاز مركز المدينة والشوارع في الأطراف وأظنّ أن هناك حراسامن حولي يختفون تبعثهم شركة الإعلانان لحمايتي من أيّ سوء

بشر وهميون...

مع ذلك كانت هناك مفارقات كثيرة في مهنتي الجديدة.

مفاجآت فاتني أن أنتبه لها..

بدأت بإعلان عن عصير على رأسي.

عايشته شهرا

أنام فيه

يأكل معي

أصادقه.. يصادقني

من أجله لم يطل الماء رأسي

أغلف هامتي وأصبّ الماء على جسدي كأنّ رأسي غريب عنّي

تجاوزت العصير واعتدت قضية الاستحام صار مألوفا لديّ أن استحم مرّة كلّ شهر، والإعلانات تتوالى على رأسي:

آيس كريم على رأسي

موز

أثاث.. كراس

دجاج

كباب.. فلافل..

ثمّ

جاء الإعلان المثير الذي نبّهني إلى أنّي تعجلت!

ربما الملايين التي رأيتها تلوح أمامي على الورق وانقلبت إلى جيبي جعلتني أتسرع

لم أحدد شكل الإعلان وما أريده أن يقع على رأسي

لم أفرض أيّ شروط..

كان هناك حذاء يقفز كثيرة ليقع على رأسي

حذاء على صفحة رأسي اليمنى

وعلى اليسرى خط جميل:

Puma

أمشي عدة كيلومترات في المدينة.. كاميرات التصوير خلفي..

صامت وسط الابتسامات واللغط

أقف وألتف لترى الجهتين صفحة رأسي

وفي الليل التقي نفسي ثانية أشاهدني من على شاشة التلفاز في عدّة تجلّيات:

في حالة وقوف، والحسناوات يحطن بي.. دوبلاج.. رائع. أقف:

Puma

وصوت المذيعة يصدح :إنّه حذاء الأجيال

يريح رجلك سيدتي

سيدي: هو هو الأفضل

هل ترغب في أن تربح جائزة الجري الأولى في أولمبياد 2030 إذن هو حذاء

Puma

الشاشة أمامي

تلفّني جهتا اليسار واليمين

تمثّلتني صورة العالم في كلّ لحظة، وسائل الإعلام تبث صورتي بكلّ اللغات مع كلّ سلعة جديدة تظهر على رأسي.. الشخصيّة الأولى في العالم.. الأرض محصورة بين اليابان والولايات المتحدة، وفرق التوقيت يجعلني أظهر كلّ لحظة في أيّ مكان وأيّ زمان.

ما من دولة أتجاهلها

أبدو لهم مرة حاملا عصيرا على رأسي

وأخرى حذاء

وثالثة يرى على رأسي الجائعون في الصومال وأثيوبيا طعام كلاب في غلاف زاهي الألوان

وتارة أخرى ترتقي على رأسي مقصات وسكاكين ومطارق.. صلعي أو قرعتي تجسدت فيها الرياضة والجوع والشبع والجمال.

حتى اقترب الإعلان الأخير

ذلك الذي دفعني إلى أن أكره نفسي

وصورتي التي يترقبها العالم كلّه

إنّ ماجرى في الإعلان الأخير فقد حدا بي إلى ثورة عنيفة كادت تخنقني:

اندفعت إلى السيد المدير في سورة غضب من دون أن أطرق الباب:

إهدأ.. إهدأ (قال عبارته ببرود تام)

مازلت محتدا.. الصداع كاد يفتك برأسي:

كان عليكم أن تراعوا شروط العيب.

فاحتد لكن ببرود:

العيب نسبي ما يراه مجتمع ما عيبا يراه مجتمع آخر غير معيب وأنت تنتقل كل يوم وفي كل لحظة من الشرق إلى الغرب فلن يقيدك عيب في مكان هو ليس عيبا في مكان آخر.

هكذا إذن!

نعم.. لقد وافقت منذ البدء وأظن أن النقود جعلتك لاتلتفت غير أني أقول لك لا تتهور فتخسر.. أنت الآن شخصية العالم الأولى.. ما من وسيلة إعلان لا تعتز بك.. لا تتهور..

عدت إلى غرفة المكياج.. فأزاحوا صورة الطفل ورضاعة الأطفال إعلان شهر انتهى. بدأووا يرسمون على صفحتي رأسي وسيلتي العيب

فخرجت إلى الشارع أحمل على جانبي رأسي شيئا غريبا :...

Condom

هذه المرة ازداد تفاعل العابرين معي

محطات التلفاز

نساء يتطلعن في رأسي بحياء

وأخريات يتضاحكن

شركات الإعلان قد تمدد إعلان الكندوم على رأسيبضعة أيّام أو، سوف يضعون مالا هائلا في حسابي، وربما يعيدون النقش بشكل جديد.

إعلان ناجح مذهل بكلّ المقاييس..

وفي المساء.. عدت إلى البيت مرهقا.. كان اليوم ممطرا وقطرات الماء تهبط على رأسي مثل صخر هائج..

لسعات، وقرصات

مع ذلك لم ينشغل العابرون بشئ آخر سوى النظر إلى رأسي المربوط إلى المطر. بدوت مبللا.. التقطت أنفاسي، وأشعلت المدفأة فشعرت بألسنة النار تداعب صلعتي وكتفي.

نسيت أني لم آكل منذ الظهيرة

وتابعت التلفاز

راقبت نفسي بدءاً من شرق آسيا

وقع بصري على امرأة معها صبي يشير إلى رأسي

فتضحك وتجيب بلغة لا أفهمها..

تايلند

ماليزيا

سيلان

الهند

وصل الإعلان إلى بلد أفهم لغته

المرأة نفسها بملامح أخرى والصبي نفسه، ءسأل عن الآيس كريم... يريد واحدا مثل الذي على رأسي فتقول المرأة إنّه ليس من المرطبات.. مازال الوقت أمامك إنه لي. وظهر قس بعد الإعلان يحاور مذيعا عن الإعلان.. يدعي أنّ حالة الكوندوم تشبه حالة رجل يلبس بدلة تقيه من انفجار عنيف بنسبة خمسين بالمائة.

ضحكت

العالم مشغول برأسي

وقرعتي

ما أراه رغم العيب يفند مقولة صديقي مصمم الأزياء، فما أراه وما أسمعه يثبت أن الأرض تنسى الحروب والمجاعة والأمراض.. الأوبئة.. الصراع وتلفت إلى رأسي ذي الإعلانات!

ضكت طويلا أإلى درجة أني شعرت بالعرق يتصبب من جبيني، فنهضت دونما هدف، وقصدت الممر المطل على القبو، رفعت خصلة الشعر القديمة من الفاترينا، وعدت للصالة فألقيتها في المدفأة

راحت تعانق اللهيب وتذوي مثل فراشة شقراء محمومة، في هذه الأثناء تسللت رائحة احتراق الشعر إلي فشعرت بدوار وغثيان فتمددت على السررير ولم تمض إلا دقائق وقد شعرت بالنوم يتجاذبني، فأغمضت عيني وقد نسيت أن أغلق الجهاز.

رحت أغط بنوم عميق والتلفاز أمامي يستعرض صورتي ورأسي بالكندوم يلفّ بي العالم من شرقه إلى غربه ولا يتوقف عن الدوران!.

انتهيت من كتابة رواية الجيب هذه مساء يوم 27- 5- 2026

***

رواية جيب

د. قصي الشيخ عسكر

 

لم يُفكر في الماضي، ولا اهتم بالمستقبل، لأن الحاضر كان يضج بالحلكة، الأبواب موصدة في وجهه، ولغة التواصل تعطلت وصارت أمرا نافذا لا يقبل النقض أو الجدل، طرقوا باب بيته هذا صباح، أخبروه أن قرارا بالهدم من أجل المنفعة العامة قد أصبح ساري المفعول، يَهُم بيوت الحي الذي ولد به وعاش كل ما انصرم من سنوات عمره،هو وأصوله ثم فروعه.

خرج إلى الشارع مترنحا، يحمل على كاهله كل هُموم العَالم، لم يكن وحده مَن ْ تلقى صفعةً هذا الصباح، بل كان الألم متقاسما بين كل الجيران بالعدل والقسطاس وكانت بذرة الغضب والتوتر قد تنامت وسيطرت على القُلوب والعقول، الوجوه اعتراها الوجوم والذعر، والأسئلة الثقيلة شَجّتِ الرؤوس.

“جُدران البيت ليست مجرد لَبِنَاتٍ وإسمنت، بل هي حياة تضج بالذكرايات، وصخب مسترسل من المشاعر، كل زاوية فيه تحكي عن ذكرى يمتزج فيها الفرح بالحزن، ويلتئِم الواقع بالحُلم، أما الحي فهو ليس مجرد أزقة تتقاطع فيما بينها، بل وجوه طيبة وأرواح حالمة تجمعها صلة وحب ومودة، ووشائج قرابة متشابكة، زُقاقه الضَّيق تَفوح منه رائحة الحبق ومِسك الليل، وجُدران بيوته المتعانقة وقد مال لونها إلى حمرة غامقة أقْرَب إلى لون التراب، كيف يمكن لقرار بِلُبوس المنفعة العامة، أن يبدد تفاصيل عمر كامل ؟“

قال بصوت تشوبه رنّة حزن وهو يُوجه الحَديث إلى الأعوان والموطفين الذين كانوا يحاولون شرح فحوى القرار المشمول بصيغة التنفيذ للجيران:

- أنا وُلِدت ُهنا، ووالدي فارق الحياة في هذا البيت.

ردّ أحد الأعوان:

- نحن هُنا مُجرد جِهة منفّذة، المنفعة العامة فرضت هدم منازل هذا الحيّ من أجل المخطّط التنموي الجديد للمدينة.

ارتفع صوته ويداه ترتجفان وهو يقول:

- وماذا عن ذكرياتنا؟ عن حياتنا؟ أين نذهب بأطفالنا؟

رد العون بصوت حازم موجها كلامه للحاضرين:

- لديكم مهلة خمسة عشر يوما لإخلاء بيوتكم، الاعتراض لن يوقف التنفيذ،

ويمكنكم مراجعة الجهة المختصة من أجل موضوع التعويضات

اِنسحب الأعوان والموظفون، دون أن يمنحوهم فُرصة للرد أو الإعتراض.

اِنفض الجَمع والكمد ينهش الحنايا ويفتك بالنفوس، هرول إلى بيته وقد مَسّه مزيج من الوجع والجزع، اِستقبلته زوجته بنظرات تَفيض تساؤلا، كلّمَها بصوت هامس مبتلعا حروف كلماته حتى لا تصل حشرجات صوته المخنوق لأسماع والدته المضطجعة بالغرفة المجاورة فريسة ً للمرض ووهن الشيخوخة:

“ قُضي الأمر ولم يعد أمامنا إلا أسبوعان لإخلاء البيت، وطي صفحة من أعمارنا، أسبوعان اثنان وتدكُّ آليات الهدم تاريخ حي بأكمله، مُحوِّلة ذكريات الأصول وغبطة الفروع إلى غبار تذروه الرياح”

عندما دخل غرفة والدته لمح في عينيها الذابلتين معالم تساؤل عميق، ابتسم في وجهها، مَازحَها في محاولة لكسر أجواء الحزن المُخيمة على المكان، وقال بصوت تشوبه نبرة حب:

- تبدين اليوم أكثر إشراقا، وجهك مفعم بالحياة

ردت وهي تحتضن مُحيّاه بنظراتها الواهنة وقد أدركت بحدسها أن شيئا ما قد وقع:

- لدي إحساس بأن أمراً جللا قد وقع، أرجوك أخبرني بحقيقة الأمر ابتلع غصته وتجمدت الابتسامة على وجهه، اقترب من حافة سريرها وأمسك يدها المتجعدة وضغظ عليها بحنو، محاولا التهرب من نظرات عينيها الكليلتين، ثم قال:

بسبب ضغوط الحياة “لا شيء يا أمي.. مجرد تعب عابر  "-

شدّت على يده بِوهن واِغرورقت عيناها بالدموع وهي تتطلع إلى النافذة المطلّة على الشارع، حيث كانت أصوات الجيران تتعالى في الخارج، همست بصوت متهدج:” فراسة المؤمن لا تخطئ يا ولدي، أشعر باهتزاز في جدران البيت وكأنها تنبئنا بأن القادم أسوأ مما نتوقع”

أمام طوفان حدسها، إنهار جدار صموده، دفن وجهه في صدرها وانهمرت دموعه مدرارة لتجيب عن السؤال الذي لم يقوَ لسانه على نطق كلماته الجافة، لكن زمن الكتمان قد انتهى والمنفعة العامة لم ترحم عجز والدته ولا ضعفها.

ساد فجأة صمت ثقيل في الغرفة، صمت لم تقطعه سوى أنفاس الأم المتلاحقة، التي سحبت يدها برفق من بين كفيه ثم استوت جالسة، جالت ببصرها بين جدران الغرفة، حدقت بشقوق السقف المهترئ، وتأملت صورة زوجها المعلقة بمواجتها في إطار باهت ثم تمتمت بصوت يصاحبه الوهن:

- سيهدمون المكان الذي رأيت فيه النور وتربى في أحضانه أطفالك؟ المكان الذي شهد شهقة والدك الأخيرة وهو يسلم الروح إلى باريها؟!!

رد بصوت تعمّد أن تشوبه دفقات حب وأمل في نفس الوقت:

- فداك ألف بيت “ ألمِّيمَة” المهم أن تكوني بخير، الله معنا ولن يتركنا فريسة لأحد.

استطاع أن يحتوي غضب والدته، ويقنعها بأنها إذا عمّت هانت، وأن كل سكان الحي يتقاسمون نفس الهّم، وأن العناد لن يغير من الواقع شيئا، وأن الرحيل قدر لا محيد عنه، اكتفت العجوز بالاستماع إليه وهو يتظاهر برباطة الجأش والثبات رغم أنه في قرارة نفسه كان يحس أنه تَعرض صحبة سكان حيه إلى ظلم وجور كبيرين، ثم أغمضت عينيها المتعبتين واستسلمت لنوم عميق، بينما انسحب هو من الغرفة بخطوات واهنة، يكاد ينفجر في صدره بركان هادر من الغضب، لقد تصرف بكثير من الرزانة كاِبن بارّ، استطاع بثّ الطمأنينة في قلب أمه، لكنه كإنسان كان يحس بتمزق داخلي وخنوع تام أمام القرارات المتوحشة التي لا تهتم بعَبرِات الأمهات ولا ضعف الأطفال.

اِنصرمت الأيام الخمسة عشر بسرعة البرق، وأخلى أغلب السكان منازلهم، ولم يَبْق إلا عدد قليل منهم كانوا بصدد جمع أمتعتهم بقلوب يعتصرها الألم، وكان هو واحدًا منهم، إذ نقل جزءًا إلى بيت خاله الذي كان يعيش صحبة أسرته بالديار الأروبية، والذي قبل إيواءهم حتى يتدبروا أمرهم فيما بعد.

بعد ظهور الجرفات وآليات الهدم طاف الأعوان على البيوت يحثُّون المتخلفين على الإسراع في الرحيل.

تصاعد الغبار، وهدير المحركات، وحوصر المكان بشكل كلّي حتى لا تقع حوادث أو إصابات، في تلك اللحظة القاسية تشاء الأقدار أن تسلم الأم الروح لباريها مع بدء عمليات الهدم، وكأنّ جسدها العليل رفض أن يرى جدران بيتها تنهار، وروحها آثرت الصعود إلى الرفيق الأعلى قبل أن أن تسقط اللبنات الأولى من غُرفتها الحانية.

أمام جلال الموت تراجعت أصوات المُحركات مرغمة، وتوقفت لُغة الأوامر، لتفسح المجال لذهول حاد صَبغ الوجوه بالحزن، رفض “هو” المغادرة ونقلَ الجثمان إلى أيِّ مكان أخر،هُنا لفظت أنفاسها وهنا يجب أن يقام واجِب عزائها.

بأيدي الجيران وعُمّال الجرافات وتحت أنظارِ رجال الأمن رُفعت خيمة العزاء سامقة وسط اليَباب والخراب، لم تُنصب الخيمة على أرض مُمهَّدة، بل رُكّزت أوتادها قسراً بين شقوق الحجر المكسور وقضبان الحديد الملتوي، وفوق أنقاض الجدران التي كانت قبل ساعات تحمل سقف غرفتها. تَمّ وضعُ الكراسي فوق الغبار الساخن، وفي داخل الخيمة، وُضع نعشها كشاهد أخير على هوية المكان المفقود.

توافد سُكان الحي بأكمله، من رحل منهم ومن كان يستعد للرحيل، ليتجمعوا في تلك البقعة الضيقة التي اختزلت مأساتهم المشتركة. اختلطت أصوات تلاوة القرآن بهدير الآلات المتوقفة على مضض في المحيط، وامتزجت رائحة البخور برائحة التراب والإسمنت لم يكن المُعزّون يبكون “الراحلة “فحسب، بل كانوا يبكون مظاهر طفولتهم، وتاريخ أصولهم، وفروعهم التي تشتتت.

ومع غروب شمس ذلك اليوم العَصِيب، اِنفض العزاء وهُدّت الخيمة، لتتلاشى آخر مظاهر الحياة في الحَيِّ، وتختفي معانيها تماماً وسط رُكام صَامتٍ لا يَحمل سوى صدى الوداع الأخير وبداية رحلة عذاب مبنية للمجهول.

***

قصة قصيرة

محمد محضار

24 مايو 2026م

دنوت منك

لأرمم عاهات السفر

و كان ترابا عالقا بقصر الروح

يسترق السمع لصدى الأحجيات

و خطوات النسل فينا .

2

مساء

تصطدم الأعاصير في نظراتنا

لكأن  سفينة حطت بميناء القلب واستقرت

لكأن شعوبا سخية اليد والروح تفتح بيوتها

لكأن قصورا فتحتها

لكأن أراضى

و بحارا

و أنهارا

و سهولا

لكأن عرشا حل ببهو القلب

فاستراح ونام .

3

هناك

حيث المنافي

حيث الجينات

حيث اللغات

و موانئ الكلام

تفتح مصراعيها للاجئين

هناك حيث الهبوب

و الذهول

أجتمع بدروب الرحلة

أقع فريسة السهو

لخطط الكلام

فأغرق

حيث ينعطف اللاوعي

و يعترف على لسان هدهد التواريخ

يسلم وثيقة انهزامه في شكل فضفضة

لا تليق بسير المرحلة .

***

صليحة نعيجة - الجزائر-

2024

في نصوص اليوم