عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

1ـ ساعة الخيانة

كانت المهمةُ من ذلك الطرازِ الذي يُقاس فيه الخطأُ بثمن الروح، في زمنٍ أحالت فيه السلطةُ الكلمةَ العابرةَ إلى حبل مشنقة. فكيف بالكلمةِ التي تنبضُ بها المنشوراتُ المهربة بعيداً عن أعيُنِ الحزب الحاكم، وفي منأىً عن قبضةِ جواسيسه الذين بثهم النظامُ في كل نافذة ومقهى وعلى قارعة كل طريق؟

تتسربُ تلك الأوراقُ بين الأزقة والدروب المطمورةِ بالسكون في حذرٍ أليم، تتنقل كشرارةٍ تعبرُ فتيلها صعداً، آملةً الوصول إلى الأيادي التي تترقبها بعطش الصحراء لقطرة مطر، ولهفة الرضيع لأول قطرة حليب.

بيد أن التخفي والحذر لم يكونا كفيلين بوهب الأمان..

فقد يستحيلان بغتةً باباً يفضي إلى عالمٍ مغاير تماماً، تنقلبُ فيه النباهةُ إلى غفلةٍ طارئة، وتغدو الحذاقةُ فيه سهوةً تودي بحياة صاحبها إلى الظلمات.

ففي دروب العمل السري، تُقاس المسافات بعدد الشكوك المزروعة عند كل منعطف، وبثقل التوجّس من وجهٍ مقنّعٍ بابتسامة. وجهٍ يستطيع أن يقودك إلى حتفك لمجرد أن اشتبه في أن أفكارك تجاوزت حدود المسموح.

انتباهٌ مفرط، وصمتٌ في الأماكن العامة، وأعذارٌ جاهزة على اللسان، وعينان تراقبان الوجوه دون أن تلتقيا بها.

الناس يتصرفون كأن الجدران تسمع.

وأعمق من الاعتقال رعبٌ يفتك بالناس:

شعورٌ متواتر بأن كلمةً عابرة قد تنقلب تهمةً في فمٍ لا تعرفه.

الصداقة مشروطة والحب خطر، والشك هو الهواء الذي يُتنفس:

هل هذا الصديق مراقب؟

هل تلك التي تحاول التودد واشية؟

هكذا صار إشاعة الرعب والشك إسمنتًا يمسك بنية السلطة. ومع ذلك، ظلّت النجاة رهينة حسن ظنٍّ يضطرّ المرء أحيانًا إلى منحه لمن لا يستحقه، كأنه يبتاع قاربًا من ورق ويمضي به في بحرٍ هائج.

انطلقت السيارة تحمل المنشورات، تشقّ سكون المدينة الكثيف، سكونًا لا يكسره سوى أنين المحرك الرتيب ونظرات خاطفةً، قلقة، تتقاطع بين الركاب الثلاثة في ذلك الحيّز الضيق. كانت عينا نوري تتنقلان بين الوجوه، فقد علّمته سنوات التخفي أن أشد الضربات غورًا قد تخرج من المقعد المجاور، من رفيقٍ شاركه رغيف الفقر وعتمة الحلم، قبل أن يتجاوز كل المتاريس التي تفصل بين الصديق والجلاد.

انحرف شغب بالسيارة بغتةً عن المسار المرسوم في الخطة، مستديرًا نحو نقطة الانطلاق الأولى، مبررًا الأمر بأنه نسي غرضًا لا بد من استعادته. ركن نوري التبرير جانبًا، قابضًا على جمر قلقٍ وهسيس خوفٍ خفيّ ينذر بشرّ مستطير. تبلورت الأسئلة في ذهنه وتلاشت سريعًا قبل أن تجد لسانًا.

انشقّت العتمة امامهم، وانبثق من شقّها سيارة داكنة بلا أرقام، انحرفت حتى سدّت الطريق بعرضها، ثم سكنت. ترجل منها أربعة رجال، بلا عجلة، بلا التفاتة، يسيرون سير من يعرف أن الطريق قد انتهى قبل أن يبدأ، وأن أحدًا في هذه السيارة لن يفلت.

وبين شهيقٍ وزفير، صارت فوهات البنادق تحاصر الزجاج من كل جهة.

ثم انفلت من الخارج صوت خشن، ثابت حدّ اليقين، يخرج من حنجرة رجل لا ينتظر اعتراضًا:

"انزلوا... واحدًا تلو الآخر... وأيديكم فوق رؤوسكم."

خطا نوري إلى الخارج بتثاقل، يتعثّر في خطوته الأولى من ثقل الصدمة، فاقدًا الثقة بثبات الأرض تحته. حاول ردم الهوّة بين ذعره المكتوم وخطوته المتعثرة، خانته أنفاسه وهي تعلو وتهبط، لتكشّف عن توتره رغم محاولته الاستقرار. وقعت عينا أحد عناصر الأمن على سترته الخريفية الفضفاضة، كمن يعرف مسبقًا ما تخفيه، فجاء الأمر حادًا سريعًا:

 "انت... افتح السحّاب ببطء، وباعد الطرفين."

تصلّبت أنامله في تلك الهنيهة حتى كاد لا يشعر بها.

لطالما عاش نوري رفقة الموت، غير أن الذي جمّد الدم في عروقه الآن هو ذلك الثقل المخبأ تحت حزامه، ثقلٌ يعني خسارة آخر ثغرة للمناورة أو النجاة.

غدا الوقت أضيق من أنفاسه المتسارعة، وبدت المسافة القصيرة بين أصابعه المرتعشة وسحّاب السترة أثقل من أن يتحملها.

خلف الحزام كان يقبع مسدس آلي صغير، قطعة الحديد التي وضعها رفيقه علي بين يديه مساء أمس بإلحاح، احتياطًا مما قد يفاجئهما وحمايةً أخيرة فرضتها الظروف.

منذ تلك اللحظة استقرّ ملمسه المعدني على خاصرته كعبء ثقيل، طالما حدّثته نفسه بالتخلص منه قبل فوات الأوان، إذ طالما آمن أن الموقف والكلمة أجدى من حمل السلاح.

 كانت تلك المرحلة تعيد صياغة كل المفاهيم بقسوة، مرحلة تُحصي فيها السلطة الأنفاس وتراقب العقول، فيغدو حمل السلاح عبئًا يتجنبه المرء خشية أن تبتلعه أقبية العتمة إلى الأبد.

انصاع بعد تردد وجيز.

تحرّكت يده تحت نظرات متربصة خلف الزناد، وما إن انفرجت السترة حتى بان السلاح في مكمنه.

لم تمهله عيناه أن تطرفا، حتى انقضّت من خلفه يدان غليظتان أحكمتا القبض على معصميه بحركة أفقدته الاتيان بأي حركة للحظة، بينما انتزع أحدهم السلاح من حزامه. وفي اللحظة التالية هوت ضربة من عقب الرشاش على رأسه، فدار المدى من حوله، وترك جسده يترنّح مستندًا إلى حافة السيارة.

على مقربة منه كان صديقه علي يتلقى الضربات ذاتها، جامد النظرات، عاجزًا عن استيعاب هول الخديعة وسرعة السقوط.

أما شغب، فبقي خلف المقود ساكنًا سكونًا يثير الريبة. لم ترتسم على وجهه دهشة المباغَتين ولا فزع الضحايا، ناظرًا ببرود المخرج المسرحي الذي يحفظ تنفيذ الادوار عن ظهر قلب.

انقشع الضباب حينها عن بصيرة نوري، وتيقّن أن المشهد انما هو كمين مدبّر بعناية فائقة لا مجال للصدفة فيه، وبخيانة سبق فيها الإصرار كل خطوة.

التفت صوب علي، وهمس بصوت خافت يعلوه الخذلان:

"ألم أخبرك أن رهانك عليه خاسر منذ البدء؟ فلماذا لم تتأكد منه؟"

جاءت الكلمات حقيقةً صادمة لثقة قُتلت في موضعها.

كان شغب رفيق طفولة علي وموضع ثقته، وسليل عائلة شيوعية ضاربة في النضال، قدّمت للوطن أشخاصًا دفعوا حياتهم ثمنًا، وسنوات من التضحيات. ولأجل هذا التاريخ بالذات، غدا سقوطه في جانب السلطة والعمالة أشد إيلامًا على رفاقه من فوهات البنادق نفسها، وهو ما يدمر كل إمكانية للثقة، التي طالما التمس المرء في ظلها الأمان.

استعاد نوري في ذهنه تفاصيل الساعات القليلة الماضية:

مراقبة شغب المتكررة لعقارب ساعته، ذلك القلق الذي حاول دفنه تحت أحاديث مفتعلة، ارتباكه وإصراره المفاجئ على تغيير المسار والعودة.

غدت كل تلك الإشارات الآن خطوات مرتبة لتسهيل الاعتقال، وتيقّن أن شغب ضبط عودته لنقطة انطلاقهم لتتطابق مع ساعة الصفر المتفق عليها مع رجال الامن مقابل ضمان سلامته الشخصية والتخلص من الملاحقة والاعتقال.

في تلك الأثناء تنحّى أحد عناصر الأمن جانبًا. سحب جهاز اللاسلكي، متحدثًا برتابة من اعتاد رفع البلاغات السريعة:

"سيدي... تمت العملية وفق المخطط بنجاح تام... دون معوقات."

استقرت الجملة في مسامع نوري إعلانًا رسميًّا بانتهاء دورهم كأهدافٍ متحركة، وتأكيدًا أن كل تفصيلة منذ لحظة تشغيل المحرك كانت تتبع سيناريو جرى إعداده في دوائر الأمن.

لم تمر دقائق حتى توقفت سيارة أمن أخرى، ونزل منها عناصر إضافيون انتشروا بآلية عسكرية مدروسة، يتفحصون الممرات تحسبًا لعدوٍّ وهمي، بينما الضحايا أمامهم مكبّلون، لا يملكون سوى عيون مفزوعة.

بدأ الرجال تفتيش السيارة بدقة مستفزة بعد ان أمروا شغب بالترجل، وأُحكمت القيود الحديدية حول المعاصم..

في تلك اللحظة، وبعد ان استوعب نوري حقيقة ما آلت اليه الامور، غادر وعيه الساحة كاملًا، متجاوزًا ما ينتظره خلف الأبواب المؤصدة من استنطاقٍ وعذاب، ليطير قلبه نحو منزله.

مثُل أمامه وجه والده، العسكري المتقاعد الذي أقعدته جلطة قلبية في خريف عمره، مجبرًا على ترك البدلة العسكرية، مكتفيًا ببندقيتي صيدٍ قديمتين يحرسهما بعناية فائقة كشواهد مقدسة على أيام العزّ الغابرة والصولات الخوالي.

كان نوري يعرف، بحكم التجربة، أن العثور على أي قطعة سلاح، ولو كانت للصيد أو حتى خردة صدئة، في منزل متهمٍ بالسياسة كفيلٌ بتحويل لائحة الاتهام إلى حكم إعدامٍ مبرم.

تجاوز جزعه من فكرة موته الشخصي، وارتعدت أوصاله من تخيّل والده الشيخ المريض يُساق بذلٍّ إلى مصيرٍ مظلم، عقابًا على إنجاب ابنٍ اختار طريق التمرد.

ثم تدافعت إلى ذهنه هواجس أخرى، أصبحت أثقل على صدره من حد السلاح: ذلك الشغف القديم بالرسم، رأس لينين بلحيته الذي كان يخطّه بدقة متناهية على حواف كتبه ودفاتره المدرسية حتى غدا بمثابة شفرته المحببة، ووصل الأمر إلى دفاتر شقيقته الصغرى في مرحلتها الابتدائية، تلك الدفاتر التي تقابل فيها الوجه الملتحي المطبوع بضحكاتٍ طفولية بريئة.

رأى بوضوح كيف ستتحول تلك الخطوط البريئة، في نظر المحققين، إلى براهين إعدام تنطق بما يعجز عنه السلاح القابع الآن في سيارة الأمن.

ابتهل في سرّه، بكل ما تبقى في روحه من رمق، أن يكون نبأ اعتقالهم قد تسرّب إلى البيت عبر الأثير قبل وصول طلائع المداهمة، ليمنح الشيخ العجوز فرصة واحدة، ولو ضئيلة، لمحو كل أثرٍ قد يقود رقاب العائلة إلى المقصلة.

أنهى الجلادون استغراقه في التفكير سريعًا حين انهالت الركلات وأعقاب البنادق على كل جزء من أجسادهم، وعُصبت الأعين بقطعٍ من القماش الداكن، ثم دُفعوا بعنفٍ إلى جوف سيارة الأمن. ومع الحركة الأولى للعجلات، بدأت جغرافيا المدينة وأصواتها المألوفة تضمحل شيئًا فشيئًا في غياهب المجهول، بينما شقّت السيارة طريقها مسرعةً نحو مديرية أمن السليمانية، ذلك المكان حيث تُختم آمال البشر بسواد الموت أو يعودون أشباحًا لا تشبه نفسها

***

2 ـ البيت الذي اقتحمه الرعب

كانت السجون العراقية، في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، أضيقَ من أن تحتمل ما حُشر فيها من أرواح، وعجزت عن إخفاء ما يجري داخلها من أهوال.

عشرات الآلاف من المعارضين للسلطة الدكتاتورية، من شيوعيين وإسلاميين ومستقلين وغيرهم، زُجّ بهم خلف أبواب حديدية أوصدها القمع في وجه كل رأي يجرؤ على المخالفة. كما بلغت الخصومة السياسية في تلك المرحلة حدّ اقتلاع الخصم من جذوره.

توالت النكبات على الحزب الشيوعي متلاحقةً كصواعق الخريف، فما إن انفرط عقد التحالف مع الحزب الحاكم، حتى انفتحت أبواب أجهزة الأمن على مصاريعها، وتتابعت موجاتُ الاعتقال وأحكامُ الإعدام لتعصف بزهوةِ القيادات والكوادر. وأمام هذا الموت المتصدّر لكل درب، بزغ خيار الكفاح المسلح كآخر الملاذات. تدفقت مفارز الأنصار في أودية كردستان وجبالها، تُذكي جذوة حلمٍ قديم بالتغيير.

وفي الجهة المقابلة، جاءت العمليات المسلحة التي أعلن حزب الدعوة الإسلامي مسؤوليته عنها ضد رجال السلطة، وفي مقدّمتها محاولة اغتيال نائب رئيس الوزراء آنذاك، ذرائع إضافية لتشديد القمع، حتى أُعدم مؤسس الحزب وعدد كبير من أعضائه، وتحولت المشانق في الساحات العامة إلى وسيلة لإرهاب الشارع وترهيب كل من يفكر في المعارضة.

أصبح الخوف روتينًا حين خيم الرعب على تفاصيل الحياة اليومية في الشوارع والبيوت والمدارس وفي كل المؤسسات، حتى صار الناس يترددون قبل التفوه بأي كلمة.

 صور القائد كانت حاضرة في كل مكان. عيناه تتعقبك أينما كنت، حتى في غرف النوم والمرافق. عاش العراقيون زمنًا يُحسب فيه الكتمان والصمت أول شرط للنجاة. ولكن، حتى الصمت يمكن ان يكون موضع شك وتهمة ان لم يُفسر بشكل صحيح.

في ذلك المناخ المشحون، تشكّل وعي نوري، ابن السليمانية، الطالب في المعهد الصناعي، الذي يبدو هادئ الطبع بملامحه الجبلية القاسية، مع حذر واضح تنم عنه نظراته اليقظة. أسرته في الماركسية أسئلتها عن قضايا العدالة وحقوق الفئات الكادحة الفقيرة. فقد كان يبحث عن معنى أوسع للحياة، عن تغيير حقيقي يستوعب الجميع دون ادعاء بطولة. وحين تعرّف إلى أحد أعضاء الحزب الشيوعي، وجد نفسه يقترب من ذلك العالم خطوة إثر أخرى، حتى أضحى العمل السري جزءًا من نسيج أيامه، باندفاع شاب يراهن على التغيير، رغم ادراكه لكلفة هذا الطريق.

بعد ساعات طويلة من التعذيب والتحقيق المتواصل، وقد أعيت رجال الامن محاولاتهم انتزاع اعترافه بتوكيد على انتمائه الحزبي، أو دفعه إلى التعاون معهم، قرروا اقتياده إلى منزله لتفتيشه.

كانت عيناه معصوبتين بأحكام، لكنه استدل على الاتجاه من حركة السيارة وحفظه لتفاصيل الحارة، فعرف أنهم يتجهون لبيته. تضاعف خوفه على عائلته المهددة بسبب وجودهم معه.

اندفع رجال الأمن إلى الداخل بهمجية واضحة، ودوّى صراخهم في أرجاء المنزل، وارتسم الذعر على كل وجه فيه. وقف والده، الشيخ الذي أثقل المرض قلبه منذ سنوات يتوسل، فلم يجد استعطافه أي استجابة.

راحوا يقلّبون المنزل رأسًا على عقب، فلم تسلم الخزائن ولا الفرش ولا الكتب، ولا حتى علب أعواد الثقاب وأغلفة السجائر، في تفتيش انتقامي لا يراعي حرمة.

كان نوري يتابع المشهد بقلبٍ يكاد يتوقف، تجول حواسه وسط الفوضى باحثة عن بندقيتي الصيد اللتين طالما أقلقتاه، عارفًا أن وجودهما كفيل بتحويل التهمة إلى كارثة. غير أن والده، رغم ارتباكه، كان قد سبقهم إلى إخفائهما بحكمة العسكري القديم الذي لم تفارقه خبرته يومًا، فنجتا من التفتيش، ونجا معهما أمل في تفادي التهمة الكبرى.

غير أن المداهمة كشفت أمرًا لم يحسبوا حسابه، إذ لم يتوقع الأب أن ولع ابنه برسم رأس لينين على أغلفة كتبه ودفاتره سيغدو يومًا دليل اتهام قاطع. 

مدّ أحد رجال الأمن يده الى حقيبة صغيرة، فانتزع منها دفترًا مدرسيًا، ثم آخر، ثم ثالثًا، فإذا بالرأس ذاته يتكرر على الصفحات، كأنه ختمٌ لا يُمحى، حتى على دفاتر شقيقته الصغرى نريمان، ذات الأعوام الستة، ظهر ذلك الرسم، وهي التي لم تكن تعرف عن ذلك الوجه سوى أنه رسم كرره أخوها في كراساتها.

رفع الضابط أحد الدفاتر في وجه نوري متسائلًا بنبرة من ظفر بصيده:

"ما هذا؟؟"

فأجابه بثبات وتماسك، رغم ارتباكه المكتوم:

"هذه دفاتر متداولة... لا تحمل دليلًا على شيء."

لم يقتنع الضابط ولم يكترث لكلامه، ومضى نحو نريمان مباشرة.

انتزعوا الطفلة من حضن أبيها الذي لجأت إليه بعد أن هالها ما حل بأخيها، وانزواء أمها ونُواحها وسط عنف مباغت لم تعرف له مثيلًا من قبل.

صرخت نريمان مذعورة، وانفجرت بالبكاء، وهي تمد يديها الصغيرتين محاولة العودة إلى صدر أبيها.

في تلك اللحظة انهار الأب انهيارًا لم يعرفه أحد فيه من قبل، خرّ على ركبتيه يقبّل أحذية الرجال، يتوسل إليهم أن يتركوا الصغيرة، وأن يأخذوه هو بدلًا منها، وبدلًا من ابنه إن شاؤوا.

لم يجد توسله من الرجال سوى الركلات والشتائم، وانهالت عليه الضربات حتى هوى على الأرض فاقد الوعي، ودمه يسيل على البلاط، بينما ظلت صرخات نريمان تتعالى فوق كل صوت آخر في الغرفة.

أفلتت الطفلة من قبضة أحد الرجال، وعادت تجري إليه، جلست قرب رأسه، ومسحت بيدها الصغيرة سيل الدم عن جبهته، وسط صراخ الأم وذهول الجميع.

أما نوري، وهو يُجرّ بعنف إلى خارج المنزل، مقيّد اليدين، فقد أدرك أن عجزه عن حماية والده كان أشد إيلامًا من الأغلال التي تطوق معصميه. وظل صوت أحد رجال الأمن يلاحقه من خلفه بوعيدٍ صارم:

"سنعلّقك في حبل المشنقة... ولن ينجدك أحد."

كان ينظر إلى يديه المقيدتين، وإلى ما حلّ بعائلته في تلك الساعة، ويشعر أن كلفة خياراته السياسية دفعتها عائلته، التي وجدت نفسها في مواجهة البطش من دون أن تختار هذا الطريق يومًا.

***

سعاد الراعي

الفصل الأول من رواية رأس لينين

............................

اجواء ولادة الرواية

 شهادة في كامب الأنصار،

في الهزيع الأخير من ليلةٍ حزيرانية دافئة، وعلى هامش الأمسية الختامية لتجمع الأنصار في هولنداـ 2026، كانت الجبال تهبّ بحكاياتها من جديد.

هناك، حيث اعتاد رفاق السلاح القدامى مذ وصولهم الى الكامب، التسلل عبر صمت الليل لاستعادة سنوات وأيام النضال في ربوع كردستان وجبالها.

تتعاقب الحكايات بحنينها تباعًا كما تتعاقب الأكفّ على نارٍ لا يُراد لها أن تنطفئ. كنتُ قد أصغيتُ إلى بعضها بشغف. وحين جاوز الليل منتصفه بساعة استسلمتُ للنوم تاركةً زوجي وسط صحبه القدامى. غير أن نداءً مباغتاً منه أيقظني بعد منتصف الليل، كان الرفاق ينادونني لأشهد ولادة شهادةٍ استثنائية يرويها أحد الأنصار عن سنوات اعتقاله في زنازين الموت. حملتُ أوراقي وقلمي، ومضيتُ برفقته نحو الحلقة.

تحت الأضواء الخافتة، التقيتُ بحشدٍ غفير فاق توقعاتي، فتسلل إليّ حرجٌ شفيف دفعني إلى الانكفاء في اول زاويةٍ واجهتني، خشية إرباك الاجواء السائدة أو قطع خيط السرد. غير أن طلب الرفاق وإصرارهم على الانتقال إلى الخط الأول كي لا يفوتني نبضٌ من قصة النصير "عماد نوري". فانتقلت الى جواره.

وفي تلك الزاوية ووسط تلك الأجواء الرفاقية الاليفة، وُلدت مسودة السطور الأولى لهذه الرواية، ومن ثناياها لمعت في ذهني تسميتها، فأعلنت في الحال انها ستحمل:

"رأس لينين".

أرجأتُ مشاريعي الكتابية كافة، وانكفأتُ على إعداد خطة السرد والنبش في أسرار المرحلة. جُبتُ المصادر والوثائق التي ترفد هذا الأثر الإنساني، وكان في مقدمتها الكتاب الوثائقي المرجعي للأستاذ والزميل صباح كنجي "دهاليز الموت"، الذي أهداني نسخة منه بود كريم ليكون ركيزةً وثائقية. أضفتُ إليها خزين قراءاتي الممتدة في أدب السجون والوثائق والشهادات الحية، لتخرج هذه الرواية مشبعةً بلحم الواقع ودمه، ووفيةً لأصحابها.

كُلما أقبلَ عازفُ الريح..

وميقات العزلة النُحاسية،

أزهرتْ في القلبِ ذِكراك.

يا قَدَراً رَسَمهُ الإلهُ في خُطُوطِ يَدي،

كأنَّكَ تِشرينُ حِينَ يَجيءُ بِلا مَوعِدٍ..

يَطرُقُ الأبوَابَ بِنُعاسِ غَيمَةٍ بَيضَاء.

مَطَرٌ.. ورِياحٌ.. وشوقٌ يفيض،

فَانُوسُ عِطرِكَ ما زالَ يُضيءُ وَسطَ عُتمَةِ الحَكَايا،

أتلمسُ طيفك في انحناءات الغيم،

أفتّش عنك في زوايا الوقت،

في ورقة خريفٍ هربت من غصنها..

لعلها تحملُ صوتكَ النديّ،

أسمعُ نداءك الدافئ يُرتل اسمي،

فيُشرق تشرينُ في دمي من جديد.

ويكتبنا حكاية حُب عذبة..

لا تشيخ.

***

ذكرى لعيبي

مِن لَسعَةِ الغَدرِ

كُلَّمَا أنفَقُوا أجسَادهُم..

عَلَى إِطفَاءِ النَّارِ

فِي الغَابةِ.،

*

احتَرَقُوا.

فَفَسَّرَتها الرِّيحُ ؛

إِنَّهُ صُرَاخُ الرَّمَادِ

عِندَما تَزئَر

*

وَكَأَنَّ للحطَّابينَ

خِيَار الطَّرِيدِ،..

*

يُنَازِعُ بِبَحَّةِ صَوتهِ،..

قَسوَةَ الْفَأْسِ العَنيد،

*

إِذَا عَادُوا،

لِلدَّارِ فَارغِينَ الْوِدَادِ،

نِهايَتهُم أَكدَاس رِقَابٍ..

*

ستَشرَحُ للقَادمِ..

بَلَاغَةَ المَنْظَرِ.

***

خضير الحسَّاني

 

(أَوْصَى بِكِ اللَّهُ مَا أَوْصَتْ بِكِ الصُّحُفُ)

حَتّى الشَّرَائِعُ يَا أُمَّاهُ تَعْتَرِفُ

*

إِنِّي أُحَاوِلُ أَنْ أُحْيِيكِ فِي لُغَتِي

(وَالشِّعْرُ يَدْنُو بِخَوْفٍ ثُمَّ يَنْصَرِفُ)

*

(مَا قُلْتُ وَاللَّهِ يَا أُمِّي بِقَافِيَةٍ)

فَالْحُسْنُ يَعْجِزُ عَنْ وَصْفٍ وَمَا أَلِفُوا

*

فِي مَوْقِفِ الْعِشْقِ وَالْإِكْبَارِ مُنْصَرِفٌ

(إِلَّا وَكَانَ مَقَامًا فَوْقَ مَا أَصِفُ)

*

(يَخْضَرُّ حَقْلُ حُرُوفِي حِينَ يَحْمِلُهَا)

إِنْ مَرَّ طَيْفُهَا فِي أُفقٍ لَهُ شَغَفُ

*

رِفْدًا مِنَ الْحُبِّ وَالْإِحْسَانِ يَغْمُرُنِي

(غَيْمٌ لِأُمِّي عَلَيْهِ الطِّيبُ يُقْتَطَفُ)

*

(وَالْأُمُّ مَدْرَسَةٌ قَالُوا وَقُلْتُ بِهَا)

لُغَةُ الْحَنَانِ وَعِطْرُ الْبَوْحِ يَعْتَرِفُ

*

يَسْمُو بِهَا كُلُّ مَعْنًى لِلْوَفَاءِ صَفَا

(كُلُّ الْمَدَارِسِ سَاحَاتٌ لَهَا تَقِفُ)

*

(هَا جِئْتُ بِالشِّعْرِ أُدْنِيهَا لِقَافِيَتِي)

حَتّى يُطِلُّ سَنَاءٌ مِنْهَا يَنْكَشِفُ

*

تَسْرِي مَلَامِحُهَا فِي الْعَيْنِ بَاهِرَةً

(كَأَنَّمَا الْأُمُّ فِي اللَّاوَصْفِ تَتَّصِفُ)

*

(إِنْ قُلْتُ فِي الْأُمِّ شِعْرًا قَامَ مُعْتَذِرًا)

فَالْحُسْنُ أَوْسَعُ مِنْ لَفْظٍ وَمَا رَصَفُوا

*

عَجَزَ الْبَيَانُ وَضَاقَ الْحَرْفُ فِي لُغَتِي

(هَا قَدْ أَتَيْتُ أَمَامَ الجَمْعِ اعْتَرٍفُ)

*****

بقلم: سليمان بن تملّيست

الجمهوريّة التونسيّة

أوما تزالين في حيرة

بعد نبشك رمس الأيام الغاديات

كشمس أشرقت خلف تلٍّ

فاجأه الانهيار؟

كاشفة عري الحلم

الذي يعاني غيبوبة حظوظه

ولم يعد بإمكانه الانبهار

حين دفعهُ الدهر لإضاعة البوصلة

طغتْ مفاتنك المتفجّرة

كبركان أمام وجهي

لا أظنّ

أن المقاومة في الهرب

قد تنجو بي إلى الطرف الآخر

والاعتراف بالقبل المؤجلات

تسليمٌ

ينهي ضمئي المترتّب

والقصيدة تقف وراء نافذتك

ناقرة هامسة

طالبة قرباً وظلا

وترياق طغيانك

أحتسي قهوة رفضه كل صباح

ستكتشفين الرجاحة في لجّة الحيرة

والنفور من الواقع

وصحوة روحك

وذلك بعد حُضن دافء

سيغدو الرماد حبراً

بعد الاحتراقِ

سيكتب قصة هائمين على وجه الحاجة

الملحة للاحتواء

تعصف بهما رياح الفراغ

يا نجمتي المتلألئة في سماء أخرى

تصل إليها النظرات، وتغيب فيها النجوم

وتتضرّع لها أكفّ الوصال

أيتها السارقة للانتباه في وضح الجمال

تأتلف الأفكار

كأسراب من سمك السردين في عرض المحيط الأطلسي

تفضّها الشكوك كلَّ مساءٍ

..وأنك سحابة حبلى بألف قصيدة

أخيّم تحت ظلها

بدأتْ تنهمر بغيث الحرف

فتملّكي شأن قلبي أيتها الطاغية

برأفة الفقراء، وكبرياء المنتصرين.

***

سفيان عرب شنگالي

ما إن نجتمع نحن النساء حتى ينفتح الحديث عن الشيطان، الشيطان ليس بقرون حمراء، ولا بذيل طويل ولا بأظافر معقوفة كما تصوره الأفلام السينمائية وازياء الهلوين، إنه إنسان عادي، بسترة وبنطلون أسمه الرجل.

قالت الأولى:

- لم اتزوج عن حب ولا عن علاقة عاطفية عاصفة كبقية الكنديات. كنتُ ابنة مهاجر هولندي قدم في باخرة قديمة لقاء اجر زهيد، ولاني كنُتُ محبة لركوب الخيل، صادف اثناء ممارستي هذه الهواية وجولتي المعتادة في براري كندا، أن اجتزتُ الطريق العام في طريق عودتي الى المنزل، واذا بسيارة تستوقفني، ويسألني الرجل الذي يقودها، والذي كان برفقته شخص اخر عن اسمي وعائلتي ومن اكون، مدعياً ان أسمهُ بوب، كذلك اسم الذي بصحبته.

في اليوم التالي أخبرتني صديقتي في المدرسة.

- بوب ينوي التقدم لخطبتك.

كنتُ في الرابعة عشر من عمري، وهو رجل ناضج.

قلتُ:

- من هو بوب

قالت:

- صاحب السيارة التي اعترضت طريقك يوم أمس

لكن صاحب السيارة، وكذلك صديقه، كان يدعى بوب!

امي وبسبب الفقر كمهاجرين جدد، دفعتني الى القبول، ولم بكن يهم ايهما يكون بوب!3305 niranأما الاخرى وكانت أكبرهن سناً، وقد تجاوزت السبعين، فكانت تتذكر أول رجل احبته، وأول مرة أستقلت فيها دراجة بخارية مع شخص اجنبي عندما كانت في أنكلترا، وتتذكر أول قبلة تلقتها في نادِ للشباب، لكنها لا تتذكر ولو لمرة واحدة حب زوجها لها أو مغازلته أياها.

 الاخيرة، سحبت نفسها بصعوبة وكانت من يوغسلافيا قائلة:

- زوجي كندي، وليس من بلدي يوغسلافيا قبل التقسيم. بعدَ هذهِ الرحلة الطويلة التي قضيتها معه، افتقدتهُ مرة ليسَ في فراش الزوجية. بحثتُ عنه في جميع الغرف، واخيراً وجدته يغفو على الأريكة في صالة الدار، وكان التلفاز يبث نشرة السي أن ان الإخبارية. وما إن حاولت إغلاق التلفاز حتى نهرني بلغة آمرة:

- أنا استمع اتركيني وحدي، رجاءً

ومن يومها أصبحت الأريكة سريره المعتاد الذي ينام عليه.

أجابت الأولى، الهولندية:

- حقيقة لم احتمل تصرفاته وسيطرته عليَ، وكما تعلمون، فهو أكبر مني سناً ويستطيع أن يوجه الحياة بالطريقة التي يريدها دون ان يقيم أي اعتبار لحياتنا المشتركة. ضقتُ به ذرعاً ومن تصرفاته، وكنتُ اتحجج بشخيره، حتى انتهى به الحال الى النوم في صالة الدار على الأريكة.

قالت اليوغسلافية:

حقدتُ عليه منذُ أن هجر فراش الزوجية إلى ألاريكة، وفي أحد الأيام، خرج وهو مخمورا لشراء زجاجة فودكا، اتصلت بالشرطة فوراً وقلتُ لهم:

زوجي يقود السيارة وهو سكران.

ربتت الثانية على كتف الأولى وقالت:

خير ما فعلتِ! افضل درس في حياته، كي يتعلم كيف يتعامل مع المرأة.

أجابت اليوغسلافية:

لكن بوب يحبك!

ردت الهولندية:

- لكنه متسلط وهو يستحق النوم على الأريكة.

لم تخبرنا الإنكليزية فيما اذا كان زوجها ينام على الأريكة أم لا. ربما لا تتذكر اين ينام: فالزهايمر جعلها مشغولة بتذكر أول قبلة حصلت عليها لكنها اجابت:

- الرجال بلُهاء، لا يفهمون احتياجات المرأة، وكان لابد من معاقبته، كيف يقود المركبة وهو تحت تأثير المسكر

أما الرابعة وكانت عراقية، فارادت التدخل في حديث الشخصيات من امام الحاسوب فقالت: لم أعرف الحب الحقيقي إلا بعد الزواج و كنتُ اقوم بخدمته وألبي جميع احتياجاته، لكنه اخيراً و وبدون سابق انذار ولا اعرف كيف ولا متى، قرر النوم على الأريكة امام التلفاز لمتابعة القنوات العربية.

***

نيران العبيدي كندا

اكتوبر 2 / 2026

ليسَ غيرُ الصمتِ من منجىً

فما دامَ صَهيرُ الرفضِ في أعماقنا يُعجَنُ بالدمّ

لكي يوهِمنا أنّ خلايانا تُضيء

سوفَ نبقى أبداً نصرخُ من أفواهنا

فإذا ما سُمِّرَتْ نصرخُ من آذاننا

أو من تجاويف العظامْ

ولقد يتّخذُ البعضُ له من فمه بيتاً

فيأوي – ناشِداً دِفئاً - إليهِ

وينامْ

بيدَ أنّ الموتَ قد يربضُ في أفواهكم

محتمياً خلفَ متاريس ضروسٍ ونيوب

عندما يؤذنُ بالرمي على أعدائِهِ

يَفتحُ نيرانَ الكلامْ

**

بَرِّدوا أفواهَكُم بالثلج

كي لا تُصهَرَ الأسنانُ في نار الصُراخ

أكتموا آهاتِكُم في مِرجَل الأضلاع

أنّ الحاكِمَ المرعوبَ قد يجلدُ حتى لِسنَهُ

عندما يخرجُ ذاكَ اللِّسنُ للنُزهةِ في جُنح الظلامْ

سَمِّروا أفواهَكم بالقفل والمِزلاجِ

أو فلتجعلوا منها شِراكاً للذباب

أجّروها شُقَقاً مفروشَةً

وادَّعوا

أنّ المواليدَ الذين استلموا العُهدة من أشياخِهم

خُلِقوا من دونما ألسنةٍ

فالألسُنُ الغَضّةُ مثلُ الشَعرِ والأظفار تُجتزُّ إذا طالتْ

وقد تُقلعُ بالكُلّابِ عندَ الإتهامْ

وإذا أعيتْكُمُ الحيلةُ في ترويضِها

فابتروها قِطعاً مُشبِعةً

واطعموا منها الكِلابَ السائبات

علّها تَخجلُ أن تنبحَ ليلاً

فتناموا بسلامْ

***

شعر: ليث الصندوق

ثنائيات كتبتها على فترات

***

ربُّ القوافي وربُّ العشقِ يُلهمُني

أنْ أقطفَ النارَ منْ خديكِ يُلهبُني

*

كوني سلاماً، وكوني في الهوى بَـرَداً

فالشّوقُ يعصرُني، والحُلْمُ يُضنيني

**

يا راشفاً، ارتشِفْ مِنْ كأسِكَ الباقي

حتى الثُّمالةِ، فالإشراقُ في الباقي

*

العمرُ ما قد طوى من عَسْفِ نازفةٍ

فالْطفْ بقلبِكَ مِنْ ماضٍ ومِنْ باقي

**

قلْ للّذي يبتغي أنْ يرتدي العِشقا

نقِّي فـؤادَكَ، إنَّ العشقَ ما يَنقى

*

العشـقُ ليـسَ رداءً يُرتَدى، يُلـقَى،

العشقُ في الدَّمِ يجري نابضاً يبقى

**

يا فؤادي، ما الذي تروي إذا

طـفـحَ الـكيـلُ بـمـاذا و إذا!

*

شرِبَ الدَّهرُ سنيني ومضى

وأقـامَ الحَـدَّ للعـمـرِ انقضى

**

خمرةُ الحرفِ وكاساتُ ارتشافي

قطفـوا قلبي و نبْضاتِ شِغافي

*

حلَّقَ الطَّيرُ بآفاقِ جفوني

بجناحٍ مِنْ يقيني واغترافي

**

إجْتمعَ الأرنبُ والثّعلبُ والذّؤبانُ

فوقّـعوا وثيقةً في طيِّها ثعبانُ

*

فقالَتِ الثَّورةُ: ما خجلْـتُمُ!

إنّي أنا الأعينُ والْبركـانُ

**

مرَّ البَغِيُّ على حقـدٍ يُعاقـرُهُ

ومرَّ ثائرُنا بالحبِّ في الوطنِ

*

ذاكَ الوليدُ أتى منْ غورِ داجيةٍ

وذا شروقٌ بهيُّ الثَّوبِ والبدنِ

**

غنِّيْ لِلَيْلاكَ عنْ قربٍ وعنْ بُعدِ

كعاشقٍ غارقٍ في الشَّوقِ والسُّهدِ

*

سألْتُ شِعريَ : كيفَ الْحُبُّ نوصِلُهُ

أجابَ: صُغْني، فإنّي الواصِلُ الوَردي

**

زمنُ التَّفاهةِ والسَّفالةِ والفسادِ

قارونُ أينَ ومثلُهُ ذاتُ العِمادِ!

*

حمقى يسودونَ العوالمَ، قادةً

مِنْ مافياتِ العصرِ قَتْلاً في العِبادِ

***

عبد الستار نورعلي

كيف لنا أن لا نحب هذه البلاد،

أيها السائح الغريب

نحن من مدينة ترابية، صفراء

تعفر وجوهنا، وقلوبنا،

صباحاً، مساءً

ولا نسأم ...

التراب يدخل في تركيبة عظامنا،

يزكم انوفنا،

ويثقل رموشنا، كل ريح ...

ولا نسأم ...

نخمر خبزنا " بالعجاج"

ونطهوه على "طاجين" فخاري

من الطين المحروق ...

أو كسرة "ملة "

بين رمل ورمل،

ولا نسأم ...

الوان بيوتنا ترابية متدرجة ....

اللون الأغمق، صعر، خده طويلا ...

للريح ...

فصرتَ لا تميزه من التراب ...

فكيف لنا ان لا نحب هذه البلاد ....

فنحن "أبناء الطين المجفف بالحب"

***

مجيدة محمدي

لم أكن هكذا.

كنت أرى في وجه الإنسان إنسانا،

وفي الغريب أخا،

وأفتح الباب قبل أن يطرق.

لكنكم نظرتم إلي،

فلم تروا وجهي.

رأيتم ما خفتم منه،

رأيتموني عدوا،

فصرت كما أردتم.

رأيتموني غريبا في دياركم،

وأنا الغريب أصالة

في داري التي احتللتموها،

وسلبتموها مني... .

فلما لم يعد لي

إلا اسمي،

عدت إليه.

عدت إلى قومي،

إلى ظلي الوحيد على الجدار،

إلى الاسم الذي بقي لي

حين سقطت عني كل الأسماء.

لا تلوموني

إن اعتززت بعرقي،

وأغلقت الباب الذي كان مفتوحا،

وصرت أرى في كل وجه خطرا.

أنتم زرعتم في داخلي الغربة،

وأنا سقيتها

حتى أثمرت.

علمتموني الكراهية،

فحملتها إلى سواكم،

ولم أسأل نفسي:

من سواكم؟

وهكذا،

لم تعد الكراهية تبحث عن صاحبها،

بل صرت أنا صاحبها.

هذه الأرض احتلت مرتين:

مرة منكم،

ومرة مني.

مرة حين انتزعتموها من أصحابها،

ومرة حين انتزعت الكراهية

ما تبقى منها في داخلي.

وإذا نطقت الجبال بالعنصرية،

فأنتم من نزعتم منها

لغة الحب.

أنا ما صنعتم...

لكنني لست بريئا

من دم المرآة

التي كسرتها أيديكم.

حملت شظاياها،

ومضيت بها.

وحين ظننت أنني أحمل ما تبقى مني،

اكتشفت أنني

كنت أصنع منها سكينا.

***

د. جوتيار تمر - اقليم كوردستان

30-9-2026

جِئْتُ إِلَى الدُّنْيَا،

وَكَانَ الْغِيَابُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى الْبَيْتِ.

*

وُضِعَ فِي يَدِي اسْمٌ،

كَأَنَّهُ بَقِيَّةُ صَوْتٍ

عَبَرَ مِنْ هُنَا وَلَمْ يَعُدْ.

*

قِيلَ لِي:

أَنْتَ سُلَيْمَانُ.

*

وَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ

أَنَّ لِلْأَسْمَاءِ ذَاكِرَةً،

وَأَنَّ بَعْضَهَا يَحْمِلُ

مَنْ غَابَ قَبْلَ أَنْ نَعْرِفَهُ.

*

كُنْتُ أَكْبُرُ،

وَالِاسْمُ يَكْبُرُ فِيَّ،

كَمَا يَكْبُرُ ظِلٌّ

لَا نَرَى صَاحِبَهُ.

*

وَكَانَتْ لَهُ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ،

وَجْهٌ ثَابِتٌ

فِي زَمَنٍ لَا يَثْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ.

*

كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهَا طَوِيلًا،

وَلَا أَعْرِفُ:

أَكُنْتُ أَبْحَثُ فِي وَجْهِهِ عَنِّي،

أَمْ كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْهُ فِيَّ؟

*

أَمَّا أُمِّي،

فَكَانَتْ تَمْشِي بَيْنَ يَدَيْنِ:

يَدٌ تُرَبِّي،

وَيَدٌ تَسْتُرُ الْفَرَاغَ.

*

لَمْ تَكُنْ تَمْلَأُ مَكَانَ أَحَدٍ،

كَانَتْ تَصْنَعُ لِي مِنَ الْغِيَابِ

مَكَانًا لِلْحَيَاةِ.

*

وَتَتْرُكُ لِلزَّمَنِ

مَهَمَّةَ التَّسْمِيَةِ.

*

مَرَّتِ السِّنُونَ،

وَصَارَ الْغِيَابُ أَلْفَةً،

وَصَارَ الِاسْمُ جُزْءًا مِنِّي،

حَتَّى لَمْ أَعُدْ أَعْرِفُ:

أَأَحْمِلُ اسْمَهُ،

أَمْ أَنَّ اسْمَهُ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُنِي؟

*

وَعَرَفْتُ، مُتَأَخِّرًا،

أَنَّ بَعْضَ الْغِيَابِ

لَا يُغَادِرُ الْبَيْتَ،

بَلْ يَنْتَقِلُ إِلَى أَعْمَقِ مَا فِينَا.

*

وَأَنَّ الْإِنْسَانَ

قَدْ يَقْضِي عُمْرَهُ

لَا لِيَعْرِفَ مَنْ كَانَ،

بَلْ لِيَفْهَمَ مَنْ أَصْبَحَ

بَعْدَ أَنْ غَابَ.

*

لِذَلِكَ،

حِينَ أَقُولُ: أَنَا سُلَيْمَانُ،

لَا أَنْطِقُ اسْمًا فَقَطْ؛

أَنَا أَلْمَسُ أَثَرًا

مَا زَالَ دَافِئًا

رَغْمَ كُلِّ هَذَا الْبُعْدِ.

*

وَرُبَّمَا لَمْ أَكُنْ،

مُنْذُ الْبِدَايَةِ،

إِلَّا ذَلِكَ الطِّفْلَ

الَّذِي وُلِدَ بَعْدَ أَنْ رَحَلَ أَبُوهُ،

فَجَاءَهُ مِنْهُ اسْمٌ،

وَبَقِيَتْ لَهُ أُمٌّ

تَكْفِيهِ عَنِ الْغِيَابِ

وَلَا تُلْغِيهِ.

***

بقلم: سليمان بن تملّيست - تونس

جربة في 2026/09/29

ليتني حدَّقتُ في عينيها،

وقرأتُ ما كان يُقرأ عليها كلَّ يوم.

أهيَ التي أورثتني كلَّ هذا؟

صباها الملفوفُ بشفتين باردتين،

قال كذلك،

واسترسلَ بالنسيان.

لعلَّه في الغدِ يتذكَّرُ

ويأخذني معه،

نخطُّ على جانبي زماننا المؤقَّت

حيلةً صغيرةً

تُعيدنا إلى ما مضى.

زهرةٌ برّيةٌ

تُلقي على قلبي،

وتومئُ بأطرافها الخمس.

لا بأس،

دعها تخونني.

وانتقلْ إلى ما بعد ذلك،

حيثُ آخرُ طوفانٍ

يجدُ فيه الحجرُ مجراه.

لا سرٌّ يطاوعه،

ولا مصبٌّ طوعَ أمره.

لا نمشي،

لا ننام،

معلَّقانِ، أنا وهو،

كنسمتينِ خفيفتينِ

إن ضاقت بنا الأرض....

***

رجاء الغانمي - العراق

من عينه قفزت دمعة إلى فنجان الْقهوة الْموضوع أمامه على جذع زيتونة متفحّم وسط الرّكام.

امتدّت يده لتخترق الْبخار الْمتصاعد من الْفنجان، تسمّرت عيناه في الْمدى، وامتطى صهوة النّغم…

ورقة غار سمراء رآها تطير من فنجانه ملتفّة ببخار الْقهوة وقد استقرّت دمعته على حوافها الْمنكمشة.

تدفّقت إلى مسمعه وشوشات تتزاحم في شرفات الْبخار الْمتصاعد بين يديه:

- قد حالَ وجهك الْمُغبرّ بيني و بين الْبُنّ، قالت، فأيُّ قَدَرٍ أنتِ؟

- أنا الْعُصارة الْمنكّهة بطعم عرقه، ردّت السّمراء، و ما نسيت ضجيج الطُّرق ولا أصغيْت لغير الْأُفق.

ولا أزال وإنْ هشّ كفّي أحفظ رائحة يديه مذ سرَتْ في التّربة الّتي ضمّت بذرة أمّي الْأولى في أعلى الْهضبة.

ولا أزال أقرأ بصماته على مدارج الْقمر، وما نسيت ومضات عينيه حين كان يتطلّع إلى وجهي الْغضّ مسندا ظهره إلى جذع أمّي.

أنا قَدَرُ قهوته، وقد وهبت الْبنّ عهدي بئلاّ يُدركَه لهيب ملحك مهما جفّ وجهي وهشّ كفّي.

- فإلى أين تمضين بي أيّتها السّمراء؟

- إلى الْأفق الْمخضرّ حيث الْمذاقاتُ الْأُخَرُ، لعلّك…

أطبق جفنيه يستلهم نفحةً من طيب ما فارقت

نبضه.

عادت به الذّكرى إلى حديث أسرّه الْجدّ إليه لمّا أطبق الْمساء فكّيْه على الْقرية:

-كنّا، قال الْجدّ، كلّما داهمنا الْغبار نغتسل بعصارة الْغار فتيْنع بين ضلوعنا غابات السّدر

ويتمدّدُ الشّيح والصّبّار في الْمدى…

هو لم يسأل جدّه حينها عن مقاصد حديثه، وإنّما اكتفى بإغماض عينيه ليتسنّى له السّفر على أجنحة أنفاسه إلى حيث أكاليل الْغار

وروائح الشّيح وأنغام الصّبّار…

حملق في قهوته ولا يزال بخارها يهمس للرّكام.

ابتسم. مدّ يده إلى الْفنجان ليرفعه عن جذع الزيتونة الْمتفحّم، غير أنّ قطعة من جناح

وقعت على زنده…

أحصى قِطَعَ الْفنجان الّذي كاد يقترب من شفتيه.

ألقى نظرة إلى الْجذع الّذي يجلس إليه فألهب الدّخان عينيه…

رفع قطعة الْجناح الّتي أتلفت قهوته، شبك أصابعه.

إنّها قطعة من جناحِ حَجَلٍ…

أطرق زمنا لم يُحصه…

وما رفع رأسه إلاّ على صفيرٍ يضجّ حواليه، ورحيق الْخزامى يتنفّس على شفتيه…

***

(قصّة قصيرة)

بقلمي: هادية السالمي دجبّي

إذا ما قَلِقنَ يزدنَ اخضرارا

ومن نونِهِنَّ يُضِئْنَ المدارا

*

وفي الصوت حزنٌ يطولُ مداهُ

ويوقظُ في القلبِ شيئاً توارى

*

وحينَ انتهى الصوتُ ظلَّتْ يداها

بهاتفها، تستعيدُ الحوارا

*

كأنَّ الكلامَ الذي لم تقُلْهُ

أتى من وراءِ السكوتِ اعتذارا

*

فقلتُ: اطمئنّي، فإنَّ القلوبَ

إذا خافتِ الحبَّ صارتْ نهارا

*

وفي صوتِها رجعُ عهدٍ قديمٍ

يمرُّ على القلبِ شِعراً مُعارا

*

سلامٌ عليها، إذا ما تناءتْ

تظلُّ بقلبي، وإن غابَ دارا

*

سلامٌ عليها، وفي صوتِها

بقايا حنينٍ يطيلُ السُّرارا

*

إذا ما شدَتْ، استعادَ المساءُ

حديثاً قديماً، ووجهاً أنارا

*

وإن صمتتْ، نلت من صمتها

كلاما يمرُّ على القلبِ حارا

*

أقولُ لها: هل أُلاقيكِ يومًا

فقد طالَ شوقي، وطُلْتُ اصطبارا

*

فتضحكُ، ثمَّ تذوبُ كأنّي

رأيتُ ابتسامَتَها بي منارا

*

وتخفضُ نظرتها، في حياءٍ

ومن وجنتيها الهلال استنارا

*

فأهمسُ: هل نلتقي بعدَ هذا

طريقَ انتظارٍ أضاعَ النهارا؟

*

تقولُ: سيأتي زمانٌ قريبٌ

إذا شاءَ ربُّ الهوى أنْ نُدارا

*

فأبقى أعدُّ خُطاها بقلبي

وأرعى من الوعدِ ما لا يدارى

*

وأعلمُ أنَّ المسافاتِ مهما

تطاولَ ليلٌ بها، لن تُوارى

*

فإنْ كانَ بيني وبينكِ بُعدٌ

فحبُّكِ في مهجتي لن يُججارى

***

د. جاسم الخالدي - واسط

23 – 9 - 2026م

أتصور أحيانا أن القول

على شفتي يتموج حتى يصبح

حجرا منكوش الوجه

لقد أتأمله ساعة أدخل

أو

ساعة أخرج

أعبره

لكن لست أسافر

يا أصحابي

اللحظةَ أنا مندهش

أسحب الزمن الراكد خلفي

حيث هواجسه تترى

أتفطن

فأراني كالقطعة من ظمإ تقتات على

الحر اللاصف يتجول بين

أقاليم عظامي

وهمهمة الليل سجت

أركض منفردا حتى ينفجر الصبح

ويأخذ بيدي

ما ثَم مدى يهمس لي

كي أتأبطه...

بعد التطواف بشرنقة البعد

رأيت قرنفلة صاحية عند الباب

تبوح بأسرار الحقل إلى أص يتوسد

خاصرة العتبةْ.​

***

مصطفى معروفي

 

سِـجِـلّاتُ الأكـاشـي

إلى مِـشْـكـاتِـهـا يَـهْـفـو فَـراشـي

وحـيـداً فـي دَيامـيـسِ ارتِـعـاشي

*

عـلى أوراقِ سِـدْرةِ مُـنْـتَـهـاهـا

كـأنَّ المَتْـنَ سُـطِّـرَ والحَـواشي

*

هَـداهِـدُهـا كَـمـا أُمَـراءِ سِـرٍّ

عـلى نَـقْـشٍ هـنـالِـكَ أو نِـقـاشِ

*

رُفـوفٌ أو كـأنَّ بِـحِـبْـرِ ضـوْءٍ

شَـرَعْـتُ

ومـا قـرأتُ سـوى انـدهـاشي

*

أنـا لـبْـلابُ تَـوْقٍ لـيْـسَ إلّا

فَـأنّى نَـحْـوَ سِـدْرَتِـهـا

اعـتِـراشـي ؟

*

وأدري لا سـبـيـلَ سـوى

إذا مـا

أُزِيـحَ عـن الـبَـصـيـرةِ كُـلُّ غـاشِ

*

أيَـسْـطَـعُ فـيَّ مـصـبـاحُ الـتَـجَـلّي

وتُـفْـتَحُ لـي

(سِـجـلّاتُ الأَكـاشي)

**

زواجِـلُ سـاعـي الـبـريـد

هـذا بَـريـدُ زَواجِـلِ الـجُـزُرِ

في أرْخَبـيـلِ تَـلاطُـمِ الـقَـدَرِ

*

مِـنّـي إلَـيَّ رَسـائِـلـي فَـهُـنـا

لا أرْخَـبـيـلَ سِـوايَ يـا فِـكَـري

*

بِـزوارقٍ زرقاءَ هـائِـمـةٍ

كالـفُـلْـكِ في الـطـوفـانِ والـنُـذُرِ

*

بِـحِـسابِـهـا مَـدّاً وجَـزْرَ رؤىً

وعُـبـورِهـا غـيْـمـاً بِـلا مَـطَـرِ

*

بِـصـوابِـهـا الـنِـسْـبِـيِّ تَـرْفَـعُـهُ

كالـمُـطْـلَـقِ الـظَنّيْ فـي الـسِـيَـرِ

*

بِـ مـتى، وكـيْـفَ وهـلْ مُـراوَدةً

والـقَــدِّ مِـنْ قُـبُـلٍ ومِـن دُبُـرِ

*

سـاعـي بَـريـدٍ وَهْـوَ يَـقـرأُ مـا

يَـسْـعـى بِـهِ بِـمَـعِـيّـةِ الـقَـمَـرِ

**

سُـؤالُ الـلا جـواب

سـؤالُـكَ لا جـوابَ ولا.. ولـكِـنْ

بِـهِ في الـبـالِ حُـرِّكَ كُـلُّ سـاكِـنْ

*

ومِـنـهُ تَـفَـرَّعَــتْ أغـصـانُ أنّـى

وكَـيْـفَ: يَـمـدُّهـا الـبَـنّـاءُ فـادِنْ

*

وتَـسألُ عـازِفـاً عـن كُـلِّ سَـلْـوى

ونايُـكَ في نـسـيـمِ السـرِّ طـاعِـنْ

*

سـؤالُـكَ وردة الـمـلَـكـوتِ يـا مـا

تَـمـادى الـنَـحْـلُ

فـي عَـسَـلِ الـكَـمـائِـنْ

*

مَـجَـرّاتٌ ــ سـؤالُـكَ ــ فـي اشـتِـبـاكٍ

سـؤالُ مُـجَـذِّفٍ

فـي

لُـجِّ

بـاطِـنْ

*

وفـيـهِ جـمـيـعُ مـا

مـا لـيْـسَ فـيهِ

سوى قَـمَـرٍ طـوالَ الـلـيـلِ ظـاعِـنْ

*

سـؤالُـك

أمْ عُـقـابٌ طـارَ حـتّـى

تَـلاشَـى تَـحـتَـهُ ضـوءُ الـمـدائِـنْ

**

تـأجـيـل

أجَّـلْـتُ مَـطْـلَـعَـهـا إلى الأسـحـارِ

حـتّـى يُـغـادِرَ سادسُ الـسُـهّـــارِ

*

ثـانـيـهُـمُ والـكـأسُ قِـبْـلَـتُـهُ مَـضـى

مُـتَـوَضِّـئـاً بِـمَـعِـيّـةِ الأطـهـارِ

*

الـثـالِـثُ انـثـالَـتْ رُؤاهُ بَـنَـفْـسَـجـاً

كـالـجـرْحِ خـالَـطَ زُرْقَـةَ الأوزارِ

*

الـرابِـعُ الـقُـطْـبُ الـذي تَـحْـلـيـقُـهُ

في رَقْـصـةِ الأذْكـارِ حَـتّى الـبـاري

*

الـخـامِـسُ الأعـمـى ولـكـنْ نـايُـهُ

فـي الـلـيـلِ قـائِـدُ جَـوْقـةِ الأقـمـارِ

*

الـسـادسُ الـكَـتّـامُ كَـتْـمـاً عـاطِـراً

مـا مَـرّةً قـد بـاحَ بِـالأسـرارِ

*

أبـهـى صُـروحِ تَـرَفّـعِ الـمـعْـمـاري

مـا قـد أشـاحَ عـن الـخـرابِ الـجـاري

**

وغـابَ ولَـم يَـعُـدْ

أَيـا رَنْـثـى، أيـا رَيّـا خُـذانـي

فَـعـنـدَكـمـا مَـقـامـي الـكَـوْثَـراني

*

نَـعَـمْ صـبْـري جـمـيـلٌ، ذاكَ أنّـي

أنـا صُـبّـارُ صـاحـبَـتَـيْ زَمـانـي

*

أنـا نـايٌ لِـمَـنْ غـابَـتْ ولـكـنْ

لِـمَـنْ حـضـرَتْ فَـغـابـةُ خـيـْزرانِ

*

أرَيّـا قَـد بَـدَتْ بِـقـمـيـصِ رَنْـثـى

أرَنـثـى

*

أمْ أمـامي الإثـنَـتـانِ؟

فَـكَـالـرُمّـانَـتـيْـنِ بِـلا اخـتِـلافٍ

عـلى غُـصْـنٍ تَـكَـرّمَ

فَـهْـوَ حـانِ

*

وبِـالـراءَيْـنِ مِـن رَنْـثـى ورَيّـا

تَـمـايَـسَـتـا مـعـاً قَـوْسَـيْ كَـمـانِ

*

عـزَفـتُ وغـنَّـتـا: (يـا لـيْـلُ) حـتّـى

وغـابَ وَلَـمْ يَـعُــدْ جـيـمُ الـفُـلانـي

**

أللا جـوابُ قـصـيـدةٌ قَـمَـروتُ

لا شيءَ

لـوْلا سِـرُّهُ الـمَـلَـكـوتُ

إلّا الـسُـدى واللـيسَ والـظَـلَـمـوتُ

*

مـا قَـبْـلَـهُ

لا قَـبْـلَ إلّا واوهُ

والـتـاءُ، فَـهْـوَ تَـداهُــرٌ أزَلـوتُ

*

إنَّ الـسـؤالَ يَـلِي الـسـؤالَ

كَـمـا الـصَـدى

والّلا جـوابَ قَـصـيـدَةٌ قَـمَـروتُ

*

الّـلـوحُ مَـحْـفـوظٌ تَـقـولُ خُـطـوطُـهُ

والـحِـبْـرُ والآيـاتُ والـقَـلَـمـوتُ

*

والـسِـرُّ وهْـوَ مُـوارِبٌ

عِـرفـانُـهُ

لِـمُـكـاتِـمٍ

والـعـاذِلُ الـعَـلَـنـوتُ

*

بِـالـسِـرِّ إنْ بـاحـوا

فَـتـلْـكَ خـيـانَـةٌ

والـتَـرْجَـمـاتُ لِـشِـعْـرِهِ طَـعَـنـوتُ

*

هُـوَ مَـنْ وتَـعْـلَـمُ

مُـذْ فُـتِـنْـتَ بِـنَـحْـتِـهِ

هَـيْـهـاتَ يُـنْـحَـتُ ذلـكَ الـجَـبَـروتُ

**

مقـايـضة

ألا إنّ الـوانـاً

عـلى وشْـكِ أنْ تُـمْـحَـقْ

بِـمـا قـد عـلـيـهـا رانَ

فـانـطـفـأَ الـرَوْنَـقْ

*

سـدولُ لُـعـابِ الـعـنـكـبوتِ: شِـبـاكُـهُ

كَـغَـزْلٍ مِـن الأضـغـاثِ في

قَـبْـوِكَ الـزوْرَقْ

*

ورائـحـةٌ عَـطـنـاءُ نزَّ سـُـبـاتُـهـا

عـلى كُـلِّ مـاضٍ نـامَ

أو هـا هُـنـا اسـتَـغْـرَقْ

*

حِـبـالٌ ــ ثَـعـابـيـنٌ، فَـنـارٌ ــ لُـوَيْـحَـةٌ

وذيْـلُ عـروسِ الـبَـحْـرِ والـبَـحـرُ

في مُـلْـصَـقْ

*

مُـحـالٌ دخـولُ الـشـمـسِ

فـالـقَـبْـوُ ضَـيِّـقٌ

ومـا في يـَـدٍ عَـجْـفـاءَ

مِـن حـِـيـلَـةٍ أضـيَـقْ

*

لِـماذا تَـجـوسُ الآنَ قَـبْـواً

تُـنـيـرُهُ

بِـقـدّاحـةٍ

إذْ كـدْتَ أو كـادَ

أنْ يُـحْـرَق؟

*

وتَـخـرجُ

كـانَ الـبـحْـرُ يَـلْـفُـظُ جُـثَّـةً

كَـمُـنْـتَـظِـرٍ تُـعـطـيـهِ عـنْـبَـرَهُ الأزرقْ

***

جمال مصطفى

عِنْدَمَا قَالُوا لَهُمْ

لَا تَقُولُوا

كُلَّ مَا تَسْمَعُهُ آذَانُكُمْ

سَكَتُوا،

طَالَ كَثِيرًا صَمْتُهُمْ

لَمْ يُقُولُوا

كَيْفَ غَطَّاهُمْ وُجُومٌ وذُهُولُ

أَو تَوَارَى خَلْفَهُمْ

أَمَلٌ مُضْطَرِبٌ

وحَنِينٌ خَائِبٌ

وَكَلَامٌ هَامِسُ اَلْوَقْعِ خَجُولُ

= 2 =

بَعْدَ حِينٍ سَمِعُوا قَرْعَ طُبُولْ

وَهُتَافَاتٍ تَقُولْ

سُوف نَأْتِي كَلّنَا

حُلْمُنَا يَسْطَعُ فِي آفَاقِنَا

وَنْرَى أَوقَاتَنَا

تَنْثُرُ اَلْبَهْجَةَ فِيمَا بَيْنَنَا

سُوف نَأْتِي، وَاَلصَّدَى يَتْبَعُنَا

**

مَرَّ يَوْمَانِ وَمَا زَالَ اَلصَّدَى

مُبْهَماً، يأتِي حَزِيناً مُجْهَدَا

حِينَهَا قَالُوا لَهُمْ

مَرّةً أُخْرَى

اِسْمَعُونَا كُلَّكُمْ

بَلْوِرُوا أَفكارُكُمْ

وَحَّدُوا أَصْوَاتَكُمْ

وَحَدَوْهَا اَلْآنَ،

لَا، لَيْسَ غَدَا

قَبْلَ أَنْ يَقْتَحِمَ اَلبَابَ اَلرَّدَى

**

لَمْ يَجِيؤوا أَبَدَا

لَمْ يَجِيءْ غَيْر اَلصَّدَى

وَاخْتَفَتْ أَوْجُهُهُمْ

***

شعر: خالد الحلّي

 

أكثر من تمنيتُ مراسلتها، وأيضًا آخر من توقعت أن تحقق لي تلك الأمنية البعيدة على مدى سنوات سبقت مسار ارتحالي الطويل. قرأتُ ما كتبتْ عبر الماسنجر عدة مرات، وكأني أتوقع في كل مرة التنبه إلى كلمة غفلت عنها نظراتي المتلهفة إلى إطلالة حبيبتي برفقة صديقاتها في الجمعية الثقافية التي كنت أشارك فيها بإلقاء نصوصي الشعرية على مسامع الحضور، لم أميز من بينهم سوى وجه يسبح في أنغام القصائد الغزلية، يكسبها نغمًا شجيًا يظل يتردد في أذنيّ طويلًا يستحضر ملامحها أمامي بصورة جلية لا تفارقني فيما أبدأ بكتابة نص جديد أشعر أنها تصغي إليه كلمةً تلو الأخرى حتى أنتهي من كتابة أحرف عشقي لها، تحفزني أن أهمس لها بكلمات حب لم تدونها أناملي بعد، فقد وهبتني روحها المتجلية في إشراق عينيها معنى جديدًا لكل شيء، حتى لِما خلفته الحرب التي صبت نيران غضبها في أنحاء البلاد، وكأنها تحيل الأنقاض التي ظلت متكومة لفترة طويلة في الطرقات والميادين إلى لوحةٍ جديدة مغايرة لكل ما ألفنا عبر وسائل الإعلام المحلية الموَجهة وشديدة الامتثال للأوامر الصارمة، والإذاعات الأجنبية التي تخبر العالم أننا صرنا على  حافة الحياة.

بالنسبة لي صارت هي الحياة ذاتها التي لا أريد أن أحيا سواها، خاصةً بعد أن تسربت كلماتي إلى قلبها وعقلها معًا، وهذا ما كنت أرجوه منذ أن رايتها أول مرة، فالحب لديّ كلمات منتظمة، ضمن وزن وقافية لا ترضى أي زيادة ولا نقصان. كانت تستغرب تشبيهي في البداية وتعرب عن عدم فهمها لِما أريد قوله، فأخبرتها أني ببساطة، وبكل عمق معانِ الكلمات لديّ، أعشقها ولا أريد أن يخالجني ولو مجرد خاطر عابر أن هناك ما يمكن أن يضطرني إلى فقدانها يومًا، ولا أدري لحد الآن كيف أمكنني احتمال غيابها عن ناظريّ عمرًا من التيه ووجع الحسرات، وكيف سمح قلبها أن تكون لرجلٍ غيري فيما كنت أمضي أشهر محنتي بين جدران معتقل تكوي سياطه أجنحة كلماتي المتمردة على قمع كل سلطة تريد تجريدنا من حلم القصيدة في أوقات السِلم والحرب، مع أني لم أشأ سوى لملمة ركام كل حرب عصفت بالبلاد كي يكون صرح حرية وسلام ينأى بنا عن مخالب وعربدة حرب جديدة تحرم الحبيبات من أحبائهن وتتركهن متلفعات بالحزن والسواد، ذات السواد الذي خلفته الحرائق في فضاء مدننا ومبانيها وبهجة أعمار لم تكتفِ من براءة اللعب ولا صفاء الضحكات الطفولية بعد.

***

كنتُ لديهم مثلما وصفتني مراتٍ ومرات، أغدق في الرومانسية الحالمة، والحلم في بلادنا هوَس لا بد من التعافي منه إن رغبتُ ولو ببعض الحياة حتى تلفني الغربة بين طياتها بعيدًا عن سوح الوطن المستباح، مثلما استباحتك مقدرة رجل آخر على الزواج، فصرتِ أرض فحولته ودنيا أهوائه في أي وقت يشاء سلطان شهواته، فقط كي تحظي بالاستقرار وفرحة التباهي أمام صديقاتك، متصيِّدات الفرص في بلادٍ يشقيها البحث عن منفذ نجاة، دون أن تعثر على سوح أمان، فكنتِ بمثابة مخلفات حرب نزفت الكثير من دم الشهداء، وراح يتغنى بها مرتزقة الشعارات التي تبرأتُ منها تباعًا، دون أن أستطيع التبرؤ من حبٍ تغزلت به أروح قصائدي المنسية.

اعذريني على تبجح الوصف وفظاظة كلمات آخر قصيدة كتبتها، قررتُ بعد هجر الشعرـ مثلما هجرت البلاد وحكايات الحب معًا، إلا أني قررت غزو دنيا العديد من النساء، أجمل النساء، وأشهى النساء، لكنكِ بقيت الامرأة التي لم يخالطها سحر أي أنثى مرقت في حياتي، أو قررتُ أن أستعيض بها عن كل مغامرة ترسو بي نحو شواطئ الوحشة من جديد، وحشة ظلت تغور في نفسي عامًا تلو الآخر ونزوة حب إثر أخرى، لكنها لم تستطع أن تغشى شيئًا من ملامح طيفك داخلي، وبعد كل هذا، وسلسلة الأشواق المتراكمة داخلي تسألينني إن كنتُ أتذكرك!

يا لسخف السؤال، ويا لشقاوة سخريتك من حب احتوى عمر قصائدي التي عاودت كتابتها وأبى ترنح غربتي أن أدونها ولو ضمن ورقة صغيرة سرعان ما أنسى أين وضعتها في لا مبالاة، كما لو أني أخشى مصادرة كلماتي وحريتي من جديد، وإن كانت قصيدة عشق وتوق أبى أن يغادرني شهقة عناق تفقد إثارتها سريعًا وتتبدد حميميتها ما دامت لا تسكن عبق شفتيكِ، دون أن يخطر لي أني يمكن أن ألتقيكِ كما زهت الأحرف في ناظريّ مليًا بلا أن تراودني الرغبة بحجب ناظريّ عن رسالتك الممهورة بحمرة قلب صغير يرسم أمامي أطيافًا جديدة لم تشهدها فترة عشقنا الأولى، كما لو أني عدت إلى ذلك المراهق لدى كتابة أولى خواطره في آخر صفحات دفاتره المدرسية قبل أن تنتظم جمله المرتبكة في أبيات من الشعر الحر، والمحاكي قصائد أكبر الشعراء في بداياته، ولمّا تحدثنا في مكالمة فيديو شعرت أني أحتضنك بحرارة تتمرد على قيود المكان والزمان التي تشل جلستي أمام شاشة الموبايل، ولا بد أنكِ أدركت هوس جنوني بفتنتك المهيمنة على حواسي رغم جسارة العقود المتسلطة على ملامح وجه كل منا، رغم خبث الشيب المتذبذب في خصل شعري كيفما شاء، ورغم أن جزءًا مني ومنكِ ظل هناك، في بلادٍ لم تستطع لملمة حكايات العشاق المبعثرة في كل صَوب.

***

أخبرتني أنها آتية إلى مرفأ غربتي في مهمة عمل تستغرق عدة أيام، كما لو أن الشركة التي بدأتْ العمل فيها منذ سنوات، مرت عليها بمثابة عمر بأكمله بعيدًا عن سوح الوطن، أوفدتها لرؤيتي بالتحديد، كي تكمل لي سرد سلسلة الخيبات التي ألقتها نحو، مثل حمامة حلقت طويلًا في عصف الريح، يطوي جنحيها الوهن ويدرك قلبها وجع القنوط تحت وطأة ما عاشت مع زوج سرعان ما ملَّ أحضانها وراح يبحث عن أخريات ممن خلفتهن الحروب بكارى، يتقنَّ لما جنى من أرض النكبات مع كل دمارٍ جديد تخلفه الحروب، ولولا وجود أبناء لكان رماها مثل ثيابٍ قديمة لا يريد أن تثقل حقائبه عند السفر نحو بلد اللجوء الذي فرَ إليه بعد تغير وجه السياسة في بلادنا، بينما راودها شعور غريب أنها يمكن أن تلتقيني ذات محطة سفر من التي اعتاد اجتيازها المغتربون مهما جابت أقدارهم أنحاء الأرض.

لم تلبس عليه ثوب الحداد عندما شهقت فرحة وفاته بين أحضان إحدى العاهرات المتصيِّدات جيوب من ارتحلوا عن بلادهم بما اكتنزوا من غنائم الحروب، دون أن يخطر في بالهنَّ أن مغامرات الحروب الجديدة قد أتت على جُل ما استنزف من نكبات بلاده، وبينما راحت تعد لبداية جديدة عثرت على عاشقها القديم كي تبصر في لمعة عينيه زهو شبابها الآفل.

بعد أسبوع عشق أمضيناه معًا، صار كلٌ منا خلاله مرآة لشتات الآخر، تمزع عمره بين شقاء الغربة التي استوطنتنا، والتي صيَرتنا غرباء عن بعضنا في سوح فراشٍ واحد، رحلت عني من جديد، دون إلقاء سلام الوداع، ودون أن أخبرها أنها لم تعد لديّ إلا بمثابة آخر قصيدة من قصائدي المنسية، قد أتمتم كلماتها في نوبة حنين، ثم لا تلبث أن تتهاوى كلماتها في ذبالة أول كأس خمرٍ أرتشفه في ليالِ الجمود الذي احتواني منذ زمنٍ يبدو لي جد بعيد، كي تبقى ذكرى باهتة تأخذ بالتضاؤل رويدًا رويدا، تؤكد لي أن بعضًا مني لم يبرح سوح المعتقل بعد، رغم إعلان براءتي مما تبقى لديَ من ذلك العاشق والشاعر الذي كان يتغنى بحبيبته وبلاده، قبل أن تلقينا الدنيا في مهب الاغتراب.

***

أحمد غانم عبد الجليل - كاتب عراقي

21 ـ 1 ـ 2025

لو لم أدخل الأرض بصورة إنسان، ماذا كان سيحدث لسيرتي؟ ربما لم تكن لي سيرة أصلاً. الأسد يموت فلا تتذكره الغابة، والقط يختفي ويبقى الزقاق كما كان، والطائر يسقط ولا يحتفظ الهواء باسمه. الإنسان وحده يترك وراءه صورة وملابس واسماً أطول من عمره.

عند حافة البحيرة رأيت ثلاث زهرات لوتس خرجت من الطين ووقفت فوق الماء. ثلاث إنشات فقط. بدت لي تلك المسافة أكبر من عمر كامل.

لو عدت بعد موتي، لا أريد يديّ ولا وجهي ولا ذلك الاسم الذي حملته طويلاً حتى بدأ يحملني. يكفيني جناح لا يعرف إلى أين يذهب، أو زهرة لا تعرف النهاية.

أفكر بالموت أحياناً كمكان يخلع فيه الجسد أحماله، وتخفت فيه الذاكرة قليلاً. ثم تأتي يد لا أعرف يد مَن، تلتقط شيئاً صغيراً بقي منا، وتضعه في مكان آخر. ربما في الماء.

كنت أراقب اللوتس حين تحركت إحداها نحوي. لم تكن هناك ريح. اقتربت قليلاً، وكدت أقول إنها تعرفني، لكنني خفت من الفكرة. الزهور لا تعرف أسماءنا. ربما تعرف شيئاً أقدم من الاسم.

نزعت حذائي وأدخلت قدمي في البحيرة. كان الماء بارداً، كأنه يحتفظ بليل قديم. وفي لحظة شعرت أنني لم آتِ إلى الأرض من اليابسة.

أغمضت عيني. اختفى وجهي أولاً، ثم أصابعي، ثم جسدي كله. بقي شيء صغير يصعب تسميته. سقط في الماء وغاب.

حين فتحت عيني لم أكن رجلاً. كنت صاعداً من الطين، ساقاً رفيعة، ورقة، بتلة، ضوءاً أبيض عند حافته ورد خفيف. كنت زهرة لوتس.

وعلى الضفة كان رجل يشبهني، حافي القدمين، ينظر إليّ كأنه يحاول أن يتذكر شيئاً ضاع منه منذ لحظة.

كنت فوق الماء ثلاث إنشات فقط.

***

 فؤاد ميرزا البغدادي

 

لم يتغير في داخله أيّ شيء،

سوى شهقات دوّنت مشاعرها على أيقونة جسر..

وتطايرت أنفاسها على وقع استغراق لذيذ..

لتعزف لحناً دون سُلَّم موسيقى.

منذ ذلك اللقاء.

وعلى شوق سرمدي بدأ يأخذ جرعته من الذكرى..

كمُدمنٍ على الحروف،

ليشرح طَعم موعده الأول مع امرأة ما زال يستنشق عطرها..

فالحقيقة الماثلة للأنعتاق ضحِلة جدّا في اِرواء رئتيه،

ظنوا بأنّه في مسٍّ مُتأخّر،

عندما كان يبتسم وعيناه الباكية تنصب شِباكها على ايقاع موج النهر..

لتصطاد لحظة باقية من أريج هواءها العليل،

كأنّه يُمشّط خصلات البوح

والكلمات تتكاثر من فمه كَسِرب طيور مهاجرة..

تركت صداها في جُملة واحدة حين قال:

دعوني أكتب عنها للمرة الأخيرة..

وحين بدأ يهذي بتعمُّقٍ أنيق ليقول كُلّ شيء،

تجمَّعت من حوله كُلّ الطيور التي كانت تؤدّي دورها في احياء طقوس زيارته المُقدسة..

حينذاك عرفوا بأنّه شاعر يكتبُ الشِّعرَ،

ليُطيل عُمرها بدُعاء لغوي

فغابَ في غرق مباح..

دون أن ينقذه أحد.

***

خضير الحسّاني / العراق

كان يكفي أن أفتح باب غرفتها حتى تمدّ ذراعيها نحوي، كأننا لم نلتقِ منذ أعوام، مع أننا ربما افترقنا قبل أيام فقط.

«لولو! عندي أخبار».

كانت تلك الجملة إعلانًا عن بدء أمسيتنا وأتوقع ماذا سيأتي بعدها. أعود من العمل، وأجلس بجوارها ومعنا كوبان من النسكافيه، فتبدأ بعرض الوقائع والتحليلات، وأبدأ أنا بهدم الاستنتاجات.

لم تكن أخبارها تخضع لأي ترتيب منطقي؛ كانت تقفز من حكاية إلى أخرى، ومن شخص إلى آخر، تطلب مني تحليلاً لكل فعل وردة فعل وتمنح التفاصيل الصغيرة أهمية لا تحتملها. كانت ترى الناس بعينين ورديتين، وتجد لكل تصرف تفسيرًا أعمق وألطف مما يستحق.

كانت بسيطة في أمنياتها. لم تطلب جاهًا ولا مالًا، ولم تكن تريد من العالم أكثر من حب لا ينضب. ولعلها لهذا كانت تغدق على الآخرين من الحب ما تمنّت أن يعود إليها يومًا.  

 رومانسية تتمسك بأوهام ديزني، وتنتظر أميرًا يمتطي حصانه الأبيض لينتشلها من قسوة عالم مادي، ومن حدّة استنتاجاتي وأحكامي القاسية.

لم أكن أؤمن بالأمراء ولا بالخيول البيضاء. كنت أرى أن الحياة، في مجملها، أقسى من أن تحقق الأحلام البريئة بلا ثمن. لكنها لم تكن تكفّ عن الحلم، حتى حين أحاول أن أريها ما لا تريد رؤيته.

ومع ذلك كانت تحب طريقتي في إفساد الحكايات.  

أصف لها ما حدث كما أراه، فتحتج، ثم تضحك، ثم تعود بعد دقائق لتدافع عن الشخص نفسه بحجة جديدة. وحين تنتهي أخبارها، أقول: «طيب، عندي أخبار أنا».

 نتبادل الأدوار. تصبح هي المدافعة عن احتمالات لا أراها، وتصرّ على أن بعض المشاعر لا يمكن اختزالها في تصرف عابر أو كلمة باردة. أحاول أن أقنعها بأننا أحيانًا نمنح الآخرين عمقًا لا يملكونه، وأن بعض العلاقات لا يبقيها حيّة سوى رغبتنا في ألّا تنتهي. لكنها كانت تجد دائمًا احتمالًا آخر، أكثر رحمةً وأشدّ إغراءً.

لم تكن خلافاتنا تقتصر على أخبار الناس. كانت تفسّر أحلامي وتعوّل على تحليلاتها الباراسيكولوجية بثقة من اطّلع على الغيب، وتخبرني أن ما رأيته سيتحقق لا محالة. أقول لها إن الأحلام مجرد نفايات فكرية وإسقاطات ذهنية لأمور فكرنا بها وأمنيات عميقة نريد تحقيقها، وإن العقل لا يكفّ عن اختراع الحكايات حتى ونحن نائمون. فتهزّ رأسها غير مقتنعة، وتبدأ في تفسير الحلم من جديد، كأن اعتراضي لم يكن سوى تفصيل أغفلته في المرة الأولى.

كنا نختلف كثيرًا، ونضحك أكثر.

كانت تقول لي إن الحديث معي بلسم لجراحها، لم أفكر يومًا في أنني كنت أحتاج إلى تلك الجلسات بالقدر نفسه. كنت أظن أنني أعود إلى غرفتها محمّلة بالأخبار، ولم أدرك أنني كنت أعود إليها لأخفف عن نفسي ثقلها.

لا أذكر متى كانت آخر مرة قلتُ لها «عندي أخبار». أتذكر فقط أن أخبارًا كثيرة حدثت بعدها، ولم أجد أين أذهب بها.

رحلت، ولم تتوقف الأخبار.

حدثت أشياء كنت أنتظر أن أحكيها لها. تغيّرت نظرتي إلى أشخاص أمضينا ساعات في تحليل تصرفاتهم، وتبدّلت مشاعر ظننت أنها ستبقى على حالها. أكاد أسمعها تدافع عن رأيها القديم، وأسمع نفسي أقاطعها قائلةً: «لا يا شوشو، اسمعيني هذه المرة غير».

لكنني لا أستطيع أن أفاجئها بخبر، أو أن تفاجئني بردّ.

كانت تقول إن حديثنا دواؤها للوحدة. أما أنا، فلم أعرف أنني فقدت دوائي إلا بعد رحيلها.

شعرت كأن أحدهم أمسك بزجاجة ذلك العلاج وألقى بها أرضًا، فتحطمت وتناثر زجاجها وتسرّب الدواء منها. أجثو على ركبتيّ وأحاول أن ألمّ ما تبقى قبل أن تبتلعه الأرض. ألتقطه وقد تلوث واختلط بشظايا الزجاج، وكلما حاولت ابتلاع رشفة منه جرحت أحشائي بألم صامت لا يُرى.

 صارت الذكريات التي ألجأ إليها طلبًا للعزاء: أجد فيها صوتها وضحكتها وحضنها، ثم أتذكر، في اللحظة نفسها، أنني لن أعود إلى غرفتها لأحكي لها ما حدث اليوم.

صرت أراها في أحلامي. تظهر بحماسها نفسه، وتقول لي، كأنها تصحّح سوء فهم بسيطًا:

«لولو، أنا موجودة».

كنت أفرح برؤيتها، ثم أقول لها: «لكنّك رحلتِ ».

فتردّ بإصرارها القديم: «هناك أمور في العالم لا يغيّرها المنطق».

أستيقظ وأنا أعرف ما كنت سأقوله لها لو استمر النقاش. أعرف كل الحجج التي كنت سأستعين بها لأثبت أن الأحلام لا تخبرنا بما سيحدث، ولا تعيد إلينا من فقدناهم.

لكنني هذه المرة فقط لا أريد أن أربح النقاش أريد للمنطق أن يخذلني ولو لمرة واحدة.

أريد أن أعود من العمل، وأفتح باب غرفتها، فتمدّ ذراعيها نحوي وتقول:

«لولو، عندي أخبار».

***

لمى ابوالنجا / أديبة وكاتبة من السعودية

 

في الليلِ

ناداني الكتابُ

وفتَّحَ الأبواب، قالَ:

"هيتَ لكْ"!

أسرعْتُ..

ملهوفاً إليهِ،

دخلْتُ فصلاً....

بعدَ فصلٍ....

بعدَ فصلٍ....

بعد.....

لم أجدْ..

،"فصلَ الخطابِ"؛

حتى أضعْتُ

وفي غيابي

بينَ طيَّاتِ الحسابِ

رقمَ السُّؤالِ،

رقم الجوابِ،

لكنَّ "مصباحَ ديوجينوسَ"

أهداني القرارَ،

وسلَّمَ

عنْ طيبِ خاطرِهِ

مفاتيحَ الجوابِ،

فنمْتُ....

والأبوابُ مُشرعَةٌ،

وفي أيدي الليالي..

كانَ رأسي (جَرَّةً)،

تسكبُ ماءَ العينِ

في كؤوسِ جُلَّاسي:

منَ الأقلامِ

والأوراقِ

والكلماتِ

عشّاقِ الشَّرابِ....

***

عبد الستار نورعلي

(الخميس 30 نيسان 2026)

صادِقُ الحَرفِ، في الصياغة تِبْرٌ

لامِعُ الوصف، والبيانُ رِداءُ

*

كلّما ناشَدَ القصيدُ جديداً

عزز الجهْدَ حوله الشعراءُ

**

جَذْوَةُ المَجدِ، حققّتها المَعالي

وثَناءُ الانصافِ، نعمَ الجزاءُ

*

ايها المحتفى بجهْده فَخْراً

نَكْهَةُ العِلمِ، في العَطاءِ سَناءُ

*

قَبْضَةُ الكَفِّ، لِلتَداخُلِ حَلٌّ

مقتضى الحال، شِدّةٌ ورخاءُ

*

هي للسيف، سُلطةٌ ٌ ونفوذ ٌ

ولِنسْخِ الحروفِ، نعمَ الأداءُ

*

يا وَسِيماً أوْدِعْ بقلبك َ حُسْنا

طِيبَةُ النفس والجمال ارتقاءُ

*

كلُّ مَن رامَ، في النفاق هياجَاً

يبتغي الاشْتهارَ، يَحدُوه داءُ

*

رُبَّ داعٍ، الى اللقاءِ بِغَمْز ٍ

إن خَشى الكَشفَ، فالجفونُ غِطاءُ

*

واذا الوَصلُ، قد كساه عفافٌ

فوِسامٌ، قد باركَتْه السماءُ

*

كلُّ عَزْم ٍ فيه التوكّلُ نَهْجٌ

صَوْبَ صَرْحِ التُقى، يُقامُ البِناءُ

*

والتّحايا، إنْ كان حُسنُ النوايا

في المضامين، فالمَسيرُ هَناءُ

*

والخُطى، كلّما الوقارُ كَساها

نَهْجُ جِيلٍ صَوْبَ العطاءِ مضاءُ

*

سيرة المصطفى، روافِدُ نورٍ

فهَنيئا ً لمن حباه الضياءُ

***

( من الخفيف)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

إلى أمي... في ذكرى الغياب

شمس قلبي وابتسامة أعزّ الأعزاء

***

يستلقي الزمنُ

كحصانٍ أضناهُ الركضُ

بين مراعي القرون،

ويضع رأسَهُ

على وسادةٍ من غبار المجرّات.

*

وأنتِ...

تنامين في الجهة الأخرى

من المعنى،

حيث لا تصل الساعات،

وحيث يصبح الغياب

نوعًا آخر من الحضور.

*

أدخلُ غرفتكِ

فلا أجدكِ.

أجدُ الكرسيَّ

يحفظُ انحناءةَ جسدكِ،

والنافذةَ

تفتحُ نصفَها للضوء

كي لا توقظَ غفوتكِ،

وفنجانَكِ القديم

يضع أُذنهُ على الطاولة

وينصتُ إلى خطاكِ

القادمة من جهةٍ لا تُرى.

*

صورتكِ

معلّقةٌ على الجدار،

لكنها لا تستقر.

*

كلما اقتربتُ منها

تحرّكتْ عيناكِ قليلاً،

فتسقط من أهدابهما

أوراقُ خريفٍ لم يأتِ بعد،

وتخرج النوارسُ

من إطار الصورة،

وتدور حول مصباح الذاكرة

كأنها تبحث عن شاطئٍ

ضاع من البحر.

*

أمدُّ يدي...*

فلا ألمسُ الصورة،

بل ألمسُ زمناً طريّاً،

يسيل بين أصابعي

كالماء.

*

تتساقط من كفّي

فراشاتٌ من طفولتي،

تفتح أجنحتها

على أسماءٍ قديمة،

وأسمعُ صوتكِ

يناديني من آخر الحديقة:

*

لا تتأخر...

*

فألتفتُ،

فلا أحد.

*

فقط شجرةٌ

كانت تعرفني قبل أن أعرف نفسي،

تمدُّ إليَّ غصناً،

وتضع في يدي

ثمرةً من ضوء.

*

أقول:

أمي؟

*

فتجيبُ الريح

بصوتكِ.

*

أمي؟

فيجيبُ الباب

بصوتكِ.

*

أمي؟

فيتسعُ الصمت

حتى يصير بيتاً.

*

وأفهمُ، متأخراً،

أن الذين نحبهم

لا يغادرون تمامًا؛

إنهم يغيّرون مكانهم فقط

داخل الأشياء.

*

في المسافة

بين عينيكِ

تنام مدنٌ كاملة،

وتعبر قطاراتٌ من نور،

وتهاجر مواسمُ لا أعرف أسماءها،

حاملةً حقائبَ صغيرة

ممتلئةً برائحة الخبز

وصوت الصباح

ويدٍ كانت تمسح عن جبيني

تعب النهار.

*

حتى الزمنُ

ذلك العجوزُ

المستندُ إلى عتبة الغياب،

حاول أن يمضي.

*

لكنه تعثرَ

بخصلةٍ من ضوئكِ،

فسقطتْ ساعته،

وتناثرت عقاربها

كالطيور.

*

ومنذ ذلك الحين

لم يعد يعرف

أيَّ يومٍ نحن.

*

صار كلُّ صباحٍ

يشبهكِ قليلاً،

وكلُّ مساءٍ

يبحث عن نافذةٍ

تطلُّ على وجهكِ.

*

أما صورتكِ...

فلم تعد صورة.

*

صارت باباً

يدخل منه الضوء

حين تضيقُ بي العتمة،

وصارت يدًا

لا أراها

لكنها تعرف

موضعَ قلبي حين يؤلمني.

*

وفي كل ليلة

أضع ساعة الرمل

قرب صورتكِ.

*

ينزل الرملُ...

حبةً...

حبةً...

*

وأنتظر أن يصل إلى القاع.

لكنه لا يصل.

*

كأن الزمنَ نفسه

يتوقف هناك،

في منتصف الغياب،

لأنه يعرف أن أمي

ما زالت نائمةً

في ساعة الرمل.

*

وأنا...

كلما حاولتُ إيقاظها،

أستيقظُ أنا.

فهل كان الغيابُ

هو الحلم؟

*

أم أنني، منذ رحيلكِ،

أعيشُ في الجهة الأخرى

من نومكِ؟

*

وفي الصباح...

حين فتحتُ النافذة،

كان الضوءُ جالسًا على الكرسيِّ

يبتسم.

*

وعرفتُ...

أن بعض الأمهات

لا يمتن.

*

إنهنّ فقط

يتركنَ أجسادهنَّ للأرض،

ويصعدنَ

ليديرنَ من مكانٍ خفيّ

فصولَ قلوبنا.

***

عماد خالد رحمة

مساء صيفي فراتي يغطي المدينة بعباءة سحرية... السماء صافية... بعض غيوم صغيرة بيضاء ذات أشكال وحواف غير منتظمة، تعبث بها رياح خفيفة لتشكل منها في كل لحظة أشكالاً غالباً ما يحدد دلالاتها الناظر إليها وفقاً لحالته النفسية...نجوم مشعة انتشرت في قبة السماء كأنها ثريا، ما يزيد من ألقها وجمالها اكتمال القمر الذي اتخذ من قبة السماء مركزاً له وراح يمدها بشحنة نور إضافية انعكست بهاءً على السماء والأرض معاً.

وحدها "إيلاف" كانت في الحديقة جالسة على مقعد هزاز تدفع مقدمته بضغط قدميها السابلتين حتى نهايته، وبضغط كفيها أيضاً الممسكتين بمقدمة ساعدي الكرسي، حيث كان الكرسي يتحرك بها نحو الأمام والخلف وكأنها في مرجوحة... دفعت برأسها قليلاً إلى الوراء حتى لا مس مسند الكرسي الخلفي، بينما عيناها كانتا تجولان دون استقرار في أجواء حديقة منزلها التي ساهمت كثيراً في تنسيقها وزراعة ورودها وأشجار فاكهتها، فعلى اليسار منها اصطفت أشجار من البرتقال والليمون محاذية لسياج الحديقة من جهة الشارع الرئيس الذي تطل عليه هذه الحديقة، وعلى يمينها وخلفها حيث تقع غرف المنزل، انتظمت مجموعة أشجار من الورود على ارتفاعات مختلفة، راح بعضها يلامس نوافذ الغرف المطلة على الحديقة، أما في وسط الحديقة حيث كانت تجلس إيلاف، فقد اصطفت عدّة شجيرات من الورد الجوري والقرنفل والياسمين، أحاطت تماماً بالمكان، عدا ممر صغير شكل مدخلاً له، تعلوها شجرة مجنونة بلون بنفسجي من الجهة اليمنى، تقابلها من الجهة اليسرى للمكان عنبة عرشت فروعهما على أعمدت وضعت خصيصاً لهذا الغرض، حيث شكلت هذه الفروع بمجموع تآلفها قبة جميلة، أضفى عليها جمالاً إضافياً وجود بحرة صغيرة تتوسطها نافورة مياه يندلق منها الماء على شكل بركان خفيف اختلطت مياهها بإنارة قوس قزح خافته راحت تتغير ألوانه بالتناوب وتنعكس بهدوء وروعة على مساحات المكان... نسمات باردة رطبة وندية تشبعت بعبق الورود ورطوبة حرارة الصيف كانت تلف أجواء الحديقة بكاملها، وتنساب بغنج ورفق وحنان تداعب وجه إيلاف بتقاسيمه الجميلة المتناسقة، وتنفث في روحها شعوراً بحب الحياة وهي تنتظر قدوم زائرها الذي طالما تلهفت للقائه.

على الموعد تماماً... الساعة الثامنة مساءً، دق جرس المنزل. نهضت إيلاف مسرعة باتجاه الباب... كان هو... "ربيع".. استقبلته بحرارة. أغلقت الباب برشاقة وهدوء بعد دخوله، وسارت أمامه بخطى وئيدة باتجاه البحرة، حيث كان هناك إضافة إلى الكرسي الهزاز، كنبة تتسع لأكثر من شخص، وكرسيان من البلاستيك، لكل منهما مسندان، تقابلا على طرفي البحرة. خيرته بالجلوس، فاختار أحد الكراسي البلاستيكية، بينما هي جلست على الكرسي الثاني بمواجهته.. ارتبكت قليلاً وشعرت بشيء من الرهبة التي رافقها خفقان ووجيب في قلبها أحس به "ربيع" عندما نظر بعينين فاحصتين إلى قسمات وجهها الملائكي المتناسق، محاولاً استقراء تأثير زيارته عليها. لذلك حاول بسرعة إخراجها من حالة ارتباكها فبادرها الحديث قائلاً:

- آمل أن لا تكون زيارتي قد أربكتك، أو حالت دون ما كنت مخططه له من أعمال في هذا الوقت؟.

ردت عليه بصوت ناعم ملائكي، لم يخلو رنينه الشجي من إربك وتوتر، بعد أن سوت خمارها الذي كشف عن غرة شعرها القمحي الناعم:

- لا على العكس تماماً، لقد أفرغت يومي بكامله لهذه الزيارة الميمونة. لقد سافر أهلي جميعاً إلى بلدنا في الغربة، وبقيت وحيدة بسبب امتحاناتي الجامعية.

- وهل ستبقين هنا بعد انتهاء الامتحان، أم ستلحقين بهم؟.

- لا طبعاً، سألحق بهم بعد انتهاء الامتحان، وسنقضي في بلدنا العطلة الصيفيّة ونعود سويّة مع افتتاح المدارس في العام الجديد.

أجال بنظره متفحصاً حديقة المنزل، وعاد ينظر في عينيها الخضراوين الناعستين كحلم طفولة، ناشئاً:

- حديقة منزلكم رائعة، من أشرف على تخطيطها أو.... هندستها؟.

افتر عن ثغرها الجميل المسيج بشفتين ورديتين ممتلئتين ابتسامة خلابة تبين من خلالها بياض مقدمة أسنانها العلويّة الناصعة، في الوقت الذي أسبلت فيه جفنيها المنتهيين بأهداب طويلة كادت أن تلامس مقلتيها وقالت:

- في الحقيقة لقد كان لأبي وأمي دور في الإشراف على ترتيبها، ولكن لا أخفيك سراً – صمتت فترة قصيرة وهي تجوب بنظرها حول الحديقة،- ثم تابعت حديثها لقد ساهمت كثيراً في هندستها، والتفتت مرة أخرى إلى اليمين وأشارت بيدها الغضة الناعمة المنتهية بأصابع عاجية طويلة إلى الورود المجاورة لغرف المنزل، وإلى شجرة المجنونة، وإنارة البحرة، وتابعت كل ذلك أشرفت أنا على زراعته وترتيبه.

ابتسم "ربيع"، وأخذ يبدي إعجابه بذوقها الرفيع، وفجأة، وبينما هو ينظر في عينيها الواسعتين الخلابتين الناعستين، شعر بسحر خاص قد فاض منهما وراح ينفذ إلى أعماق روحه، ليكبل تفكيره وأحاسيسه، ويفقده القدرة على التركيز معها في الحديث، إلا أنه تدارك موقفه وتمالك نفسه، وأخذ يتعوذ من الشيطان في داخله، وسألها دون تفكير للخلاص من تأثير سحرها عليه:

- إحكي لي عن نفسك يا نسمة؟.

أدهشها سؤاله، وردت بإرباك وخجل:

- عن ماذا تريد أن تحكي نسمة لك؟.

- أي شيء. أريد أن أتعرف عليك أكثر.

- حسناً. أنا فتاة في الواحدة والعشرين من عمري. وطالبة في كلية الحقوق سنة ثانية كما تعلم. وأنا البنت الكبيرة لأهلي. أتمنى أن أنهي دراستي الجامعية وأكون محامية في المستقبل...

وبينما هي تحكي له عن نفسها كان يتابع بشغف وحس مرهف كل ما تقوله... كان يتابع حركات يديها البضتين الناعمتين، وشفتيها، وبريق عينيها اللتين تشعان بسحر خاص نفاذ.. مثلما كان يتابع وبطرب رنين صوتها الشجي الذي كان مقدمة إعجابه بها، والدخول إلى متاهة عالمها العاجي الساحر.

وقفت فجأة عن متابعة حديثها، وحدقت نحوه باندهاش قائلة:

- إيه.. أين أنت يادكتور؟. أين سرحت؟، يبدو انك رحت لعالم آخر.!.

أفاق ربيع من ذهوله على رنين صوتها، وشخصت عيناه باتجاه عينيها وهو صامت لا حراك فيه، بينما راح يحدث نفسه: (لا.. لا... أنا هنا معك يا ملاكي.. لم أبرح المكان، ولكن عينيك وسحر صوتك نقلاني إلى عالم الدهشة والجنون !!).

- قلي أين سرحت؟. – قالت له مبتسمة، وهي تعرف سر شروده وذهوله ولكن أرادت فقط أن تعيده من ذهوله.

- كنت معك صدقيني.

- أعرف أنك كنت معي ولكن أين؟.

صمت برهة وهو ينظر بتمعن إلى نافورة الماء وألوانها القوس قزحية المتبدلة باستمرار وقال:

- أنت فتاة جميلة لذلك سأسميك نسمة، وطريقة حديثك أو تعبيرك عن نفسك تسحر بالضرورة من يسمع لك. وأنا سُحرت فلا تلوميني!.

أدارت وجهها قليلاً باتجاه اليسار وقد احمرا خديها ووجنتيها خجلاً، وقالت بصوت خافت بعد أن أسبلت جفنيها إلى الأسفل: أنت تبالغ وتريد مجاملتي. قال:

- لا والله لا أجامل.

- طيب ما هو الذي سحرك فيّ؟.

نظر إلى عينيها من جديد بتمعن وكأنه يقرأ فيهما ما يعتلج في داخلهما من لهفة لسماع ما سيقول، ثم أنشأ:

- أولاً صوتك... هل سمعت يوماً صوتك يا نسمة؟. إن في صوتك حنين أنثوي قدسي، لا يفجر عواطف سامعيه وحسب، بل ويسحرهم أيضاً ليتركهم يعيشون عوالم من متاهات الحب والحنين والرغبة الجامحة في امتلاكك وتحويل ما تشين به إلى لغة حب لكل العاشقين.

ردت على ما قاله بغنج.. الله الله بدأنا نقول الشعر!.

- أنا لا أتكلم بعواطفي يا "نسمة" وإنما أتحدث بما أحس به، وهذه مشكلتي.

- حسناً شكراً لعواطفك يا دكتور، وهذا شعور نبيل أعتز به... على العموم دعنا نشرب شيئا، لقد أخذنا الحديث ونسينا نفسينا..

- قلي الآن ما ذا تشرب؟.

- قهوة وسط إذا سمحت.

ذهبت إلى المنزل ثم عادت بعد فترة وهي تحمل صينية، عليها ركوة قهوة وفنجانان. وضعت فنجانه على سور البحرة أمامه، بينما وضعت الآخر أمامها بعد أن صبت بهما القهوة... دار حديث طويل بينهما عن قضايا الجامعة والمجتمع وعن إخوتها وأخواتها.. نظر إلى ساعته فجأة فوجدها تقارب العاشرة مساءً... التفت إليها قائلاً وفي نفسه أشياء كثيرة يريد قولها لها، لكن الوقت تأخر:

هل تسمح لي آنستي الجميلة بالانصراف؟.

ردت عليه باستحياء وفي نفسها أن يبقى فترة أطول، لكنها شعرت بأن الوقت تأخر ولا بد له أن يغادر:

- إبق قليلاً.

- لا لقد أخذنا الوقت ولم نشعر به، ويجب أن أغادر، وأعدك أن أكرر الزيارة إذا وافقت.

- على الرحب والسعة، وأنا بانتظار هذه الزيارة. هناك قضايا كثيرة لم نتحدث عنها في هذه الزيارة، لا بد أن نتحدث عنها مستقبلاً

- أكيد سنتحدث كثيراً، وعن أشياء كثيرة، فالحديث معك يا نسمة له سحره وعالمه الآخر.

ضحكت، من كل قلبها بصوت منخفض، وهي تنظر إليه بعينين ساهمتين، نفذ سحرهما من جديد إلى أعماق روحه، فما كان منه إلا أن أمسك يديها بكلتا يديه ورفعهما إلى الأعلى، وراح يقبلهما بشغف وحنان وهو يحس بطراوتهما وندى مساماتهما الشذي... ارتعشت نسمة قليلاً، وتورد خداها الصافيين خجلاً كمرآة ساحرة... أحست بارتخاء أعصابها، وبنشوة لم تقو على إخفائها. كاد أن يفضحها تسارع أنفاسها الذي وصل إلى درجة اللهاث... حاولت سحب يديها من يديه برفق. تمسك بهما قليلاً.. قبلهما ثانية ثم تركهما... راح كلاهما ينظران في عيني بعضهما بشغف... رغبة جامحة من الحب والعاطفة الجياشة كادت أن تخرج إلى السطح، إلا أنهما سارعا سويّة إلى كبتها ودفنها بحزن في أعماقهما...أدار جسمه باتجاه الباب. سار وهو يقول لها بصوت رخو متقطع :

- تصب.. حين... على خير.

سارت وراءه تودعه حتى باب الحديقة، وعند الوداع لم يتمالك نفسه... أمسك رأسها برفق وقبل جبينها ثم عبر الباب مسرعاً إلى الخارج دون أن يلتفت إليها.

في اليوم الثاني انسحبت إيلاف من الامتحان في المادة الأخيرة... بحثت عنه في الجامعة قبل أن تغادرها.. لم تجده.. شاهدها من نافذة قاعة الامتحان المطلة على فضاء الجامعة الخارجي وهي تغادر.. فكر طويلاً في موعده اللاحق معها.. شعر بأن هناك شيئا يشبه صحوة الضمير بدأ يقلقه.. فسأل نفسه ماذا تريد منها يا ربيع؟!..هي طالبتك أولاً.. وهي شابة أو طفلة وجدت فيك ملاذا روحياً لها لم تجده في أسرتها، وأنت متزوج ولديك أولاد وفي خريف العمر.. راحت تحركها عواطفها نحوك فلا تستغل عواطفها لنزوة عابرة.. والأهم أنت مؤتمن على طلابك وطالباتك فكيف تخون الأمانة؟ أسئلة كثيرة بدأت تطرح عليه وكأنها شكلت عنده صحوة ضمير، فقرر أخير أن لا يذهب للموعد الذي اتفقا وعليه، بل وسيخرج من عالمها كلياً.

***

قصة قصيرة

د. عدنان عويّد

لم ينجروا صُلبانَهم

كانوا على عجلٍ

مخافةَ أنْ يهُبَّ الميّتونَ من القبور

صلبوا المسيحَ وصَحبَهُ الأبرارَ أحياءً

على أبراجِ نفطٍ

كانتْ عيونُ ذئابِهم تعوي

وتنبُشُ في الجحور

ونيوبُها تعدو

وتبحثُ في القلوبِ الطاهراتِ من الخطايا

عن مسيحٍ فرّ من أشداقِها

مرّتْ قرونٌ

والدِما هي ذاتُها النفطُ المُدخَّرُ في الصخور

هذا هو السِرُّ الذي

قد فضّهُ الثوارُ والجلادُ

واقتتلوا عليه:

من يحتسي الدمَ

قد يظنُّ النفطَ صِنفاً من خمور

**

أمشي على الطرق التي همْ أرهقوها بالعُواء

أعدو بلا قدمين

إذ أني نسيتُهما ورائي

أعدو

وتعدو خلفيَ البُقعُ المضيئة

بقعٌ يشعُّ ضياؤها الدامي عطور

كم من مسيحٍ يا تُرى قد داسَها؟

فغدتْ إذا سِرنا عليها

نسمعُ الدمَ تحتَنا

يغلي كما تغلي القدور

***

شعر: ليث الصندوق

.................

* كاور باغي: هي منطقة لبساتين الزيتون في أطراف مدينة كركوك وقعت فيها المجزرة التي اقترفتها قوات الشرطة بتاريخ 12 تموز من عام 1946 عندما فتحت النيران على عمال شركة النفط IPC المضربين احتجاجاً على تجاهل الشركة لحقوقهم الإنسانية . وهي أول انتفاضة عمالية منظمة في تاريخ الحركة العمالية العراقية، وكان من نتائجها استقالة وزارة أرشد العمري في 16 تشرين الأول 1946

كانت الساعة الرملية تشير إلى زمان الكفّ عن الدوران عندما وقف العم الحكيم ينفض الغبار الرمادي عن زجاج خزانة خشبية عتيقة تستقر في أقصى العتمة من متحف مدينته القديمة.

أذكرُ ذلك التاريخ جيدا في أواخر عام 1987، وهو البدايات الأولى للانتفاضة الأولى إذْ كان الهواء يتشبع برائحة الدخان والحيطة في "شارع آبار النبي داود"، القريب من كنيسة المهد في بيت لحم، وتحديداً عند ذلك المنعطف الضيق المؤدي إلى بيت "العم خليل"، والذي يبعد عن بيتنا بضع خطوات.

كنت طفلة في السادسة من عمري، أرتدي مريولي المدرسي الكحلي بشريطه الأبيض وأنا في الصف الأول الابتدائي. كانت ملامحي تتأرجح بين براءة الطفولة ودهشة الخوف، أحمل حقيبتي الملونة الثقيلة على ظهري الصغير، ويداي المرتجفتان تغوصان في جيب معطفي الصوفي.

بينما كان "العم خليل" رجلاً كنعاني الروح، لكنه ينضح بأناقة مأخوذة من طراز المثقفين الإنجليز، نحيل القامة وشامخ الهامة كأشجار السرو الممتدة نحو السماء.

كان يرتدي بدلة رسمية متناسقة القَطْع، تطوّق عنقه لفحة صوفية أنيقة تقيه برد كانون، ويضع على رأسه قبعة كلاسيكية تكتمل بها مهابته.

ذقنه حليقة بعناية فائقة، وعيناه تلمعان خلف نظارة طبية ذات إطار دقيق. ينبعث منه دائماً عطر فاخر يسبق خطواته في الأزقة، ويمشي بخطى ثابته متكئاً على عصا خشبية صقيلة، بينما تطوّق أنامله الناعمة سبحة مصنوعة من خشب الزيتون العتيق لا تفارقه أبداً.

توقفت أمام "مفتاح حديدي ثقيل وسراج كيروسين عتيق احتفظ بهما داخل خزانته الزجاجية في متحف بيته.

رمقني بعينيه المتسللتين من أسفل نظارته قائلا: بعض التفاصيل، يا بنيتي، أرواح نستضيفها…بعض التفاصيل... مكانها المتحف.

هكذا أهمس لنفسي اليوم، وأنا أسترجع شريط طفولتي.

مع لمسة أناملي للزجاج، انمحت جدران المتحف، وانزاحت سُتر الحاضر، وهبت رياح كانون الأول من عام 1987 لينحسر المشهد في شارع آبار النبي داود.

كان بيت العم خليل يشبه حصناً دافئاً وسط الخوف، باب خشبي عريض مصنوع من شجر الزيتون العتيق، وفناء سميك الحجارة يفوح دائماً برائحة القهوة بالهيل، والميرمية المغلية، وخشب البلوط المشتعل في الكانون.

عندما اشتدت أحداث الانتفاضة خفتُ كثيراً، فقد كان طريق مدرستنا يمرّ بقبر راحيل، وكان الرعب يترصد بنا هناك كأنه "الغولة" الخرافية التي تحاول إخافتنا لمنعنا من الوصول إلى مقاعد الدراسة. شققتُ الشارع ركضاً وأنا أتمسك بحكايا العم خليل حتى شعرتُ بأمانٍ يسري في جسدي وخفقان لطيف في قلبي.

خُيّل لي لحظتها أنّ العم خليل يجلس على بساط سحري ويطير فوقي…ابتسم بصوت دافئ وقال: أتذكرين يا بنيتي حكاية 'الشاطر حسن' وكيف هزم الخوف بشجاعته؟ و'جبينة' التي حافظت على اسمها وكرامتها رغم كلّ الصعاب؟ حتى 'نص نصيص' الصغير، ألم ينتصر على الغولة لأنه كان ذكياً ولبيباً؟ الخوف الذي شعرت به قرب قبر راحيل اليوم هو مثل غولة الحكايات يحاول أنْ يخيفك لتتركي مدرستك، لكنك ذكية وقوية مثل أبطال قصصنا.

رفع العم خليل المفتاح العتيق وقال بثقة: الغولة تهرب عندما نفتح كتبنا ونقرأ، لأنّ العلم هو سيفنا السحري الذي لا يُهزم.

سلاحكِ يا صغيرتي في هذا الطريق الخائف هو قلمكِ وكراسكِ، وتراثنا الجميل هو درعكِ.

تعلّمي، واحفظي حكايات أجدادكِ، فالذي يصرّ على الذهاب لمدرسته ويتمسك بأرضه هو الشاطر الحقيقي الذي سينتصر في النهاية.

وفي تلك اللحظة، كان سراج الكيروسين يرسل أطيافاً ذهبية على وجهي، استفقت من رحلة الاسترجاع على صوت صرير الأبواب الخارجية، تنهدت، ثم مسحت دمعة زجاجية كادت تهوي على إطار الخزانة.

عاد المفتاح والسراج قطعتين صامتتين خلف زجاج صقيل، يجاورهما دفتر الصف الأول المهترئ، وحجر أملس، ومريول كحلي قديم طالته غبار السنين.

الآن عرفت، نعم، لقد فككت السّر.

إنه السر الأعظم لبعض التفاصيل، والتي تصبح كلّ التفاصيل؛ لأنّ مكانها المتحف.

***

غدير حميدان الزبون

فلسطين

فتحت عينيها الْمتورّمتين على صوت يهنّئها بالسّلامة وكفّ تلامس جبينها الْملتهب..

إنّها هي! - قالت بصوت متلعثم - ذات الرّائحة.

خانتها يداها حين حاولت أن تشدّ على صدغيها..

سالت من عينها دمعة ثمّ دمعة..

بيديه مسح دمعتها وهو يقول:

- نسرين! لا تجهدي نفسك. ستكونين بخير.

صرخت:

- في كفّك ذات الرّائحة الّتي كانت تحبس أنفاسي وأنا أجوب شوارع المدينة برفقة أبي..

حقنها بمهدّئ. ثقل جفنها. أغمضت عينيها

والدّمع ظلّ ينساب على وسادتها..

أرادت أنْ تتكلّم غير أنّ لسانها ما أنجدها

فاستسلمت كرها لشريط أحداث تتزاحم

في ذاكرتها..

كانت سياط الْهجيرة تلفّ الْأعناق حين سحبها

والدها من حضن أمّها وسار بها إلى خارج الدّار أملا في تغيير مزاجها بعد أنْ عجزت

أمّها عن تهدئتها لمّا هرولت من غرفتها

إلى الْمطبخ وهي تصيح:

- أمّي! احترق الطّعام. رائحة الْقدّيد الْمحروق

تخنقني.

ضمّتها أمّها إلى صدرها وهي تربّت على كتفيها قائلة:

ومن أين لنا بالْقدّيد يا نسرين؟ إنّنا لم نجتمع على مرق منذ زمن. ثمّ إنّنا لم نوقد نارا

في الْمطبخ منذ الْأمس.

- ولكنّني أختنق برائحة الْقدّيد الْمحروق

 يا أمّي!

- كفى هلوسةً نسرين! اشربي ماء.

- وهل يطفئ الْماء رائحة الْقدّيد الْمحروق

 يا أمّي؟

- آه يا نسرين! كم أوجعنى كلام جارتنا قبل يومين وهي تخبرني أنّك طرقت بابها لتنبّهيها

إلى احتراق الْخبز في مطبخها وهي لا تملك

طحينا لتخبزه.

- ولكنّني شممت يومها رائحة الْخبز الْمحروق

وأنا أمرّ بجانب مطبخها و..

قاطعتها وهي تضمّها بشدّة إلى صدرها وتبلّل بفيض الدموع قميصها :

- كفّي نسرين عن الْهذيان. عودي

 إلى فراشك وخذي قسطا من الرّاحة.

- أيّ راحة يا أمّي وأنا أكاد ألفظ أنفاسي؟

رائحة الْقدّيد الْمحروق كَلاَليبُ تنغرس

في حنجرتي ..

سارا في شوارع الْمدينة زمنا.. كان يحدّثها

عن شدّة الْحرّ والْحاجة إلى الْبحر ولطف نسيمه، وكانت في كلّ مرّة تتوقّف عند منعطف وتسأله:

أبي! هل تشمّ رائحة الشواء؟ إنّه شواء متفحّم.

وفي كلّ مرّة يبتسم لها ويضمّها إلى صدره

ويخبرها أنّهما يقتربان من الْبحر وأنّها ستملأ

رئتيها بنسيمه وسيُبهجها صوت الْموج..

وفيما هو يحدّثها عن الْبحر والْموج ورفرفة

النّوارس يشتدّ عليها الصّداع، تثقل خطوتها

وتهوي من بين يديه..

فجأة، يرتجّ جسمها، تشخص عيناها،

تحملق في الْغرفة، تشدّ على صدغيها وتصرخ:

- أما منْ نافذة؟

تمتدّ إليها ذات الْكفّ، تربّتُ على صدرها.

والصّوت ذاته يطرق سمعها:

- اهدئي نسرين! ستكونين بخير. لقد ثبّتنا لك جِهازَ فَلْتَرةٍ للرّوائح في منطقة الْجيوب الْأنفية

ولن تزعجك الرّوائح بعد الْيوم.

ردّت وهي تشدّ على صدرها:

- ولكنّ رائحة اللّحم الْمتفحّم تملأ الْغرفة

 وتحبس أنفاسي. تخنقني كفّك الْممتدّة إليّ

ومنها تفوح رائحة اللّحم الْمتفحّم، حتّى أنّني

أرى دخانه يتسرّب من بين أصابعك

ومن تحت أظافرك، يملأ الْفضاء ويدمى

أعيني..

***

(قصّة قصيرة)

بقلمي: هادية السالمي دجبي

* البستان...

سألَ البستانُ: أينَ الماءُ!

قلتُ:

في النَّهرِ الذي هاجرَ

في الأحلام.

فارتدَّ الجوابْ

في بريقٍ مِنْ سرابْ.

**

* أضغاث أحلام...

أبغدادُ،

على منكبيكِ الجراحُ الغزيرةْ

ومكرُ العشيرةْ

وحلمُ القوافلْ.

*

بغدادُ، يا مدينةً مِنْ لظىْ

أضغاثِ أحلامٍ بليلٍ طويلْ

*

سرَتْ عليكِ الخيلُ ذبّاحةً،

لا ترتوي غزواً بشَرٍّ وبيلْ

**

* الحمد لله...

الحمدُ للهِ، إنِّيْ بعدُ في سفري

بينَ الحروفِ فما لي غيرَها قدرُ

*

ستٌّ مضينَ منَ الأحقابِ عاشقتي*

أقلاميَ الخُضرُ والأشعارُ والسَّهرُ

*

فلا حبيبَ كمثلِ الحرفِ يعشقُنا

ولا سميرَ سواهُ حينَ ننكدِرُ

**

* الصخرة...

الصَّخرُ فيما يحملُ المَوجودُ

ألماً يُريقُ فؤادُهُ الموجودُ

*

أنا إنْ أجبتُكَ ما استطعْتُ تحمُّلاً

ما قد يقولُ فؤاديَ المعمودُ

*

سرُّ الوجودِ جراحُنا ونزيفُنا

وكؤوسُها بينَ الشِّفاهِ تزيدُ

*

لا سُكرَ يحسُنُ أنْ نميطَ لثامَهُ

فالأمنُ في  خطواتنا مفقودُ

*

حتى الثُّمالةِ يُستباحُ طريقُنا

والبابُ في جدرانِنا مسدودُ

**

* العصفور...

(الغاوونَ...) النازفونَ..

يتباهونَ كالطَّواويسِ،

إلّا أنتَ،

فما زلْتَ ذاكَ العصفورَ

الصَّغيرَ

في القفصِ الصَّدريِّ

لأمٍّ رؤومٍ نزفَتْ..

حتى آخرِ قطرةِ..

حبٍّ....

**

* الزمان...

سُئِلَ الْجمالُ عنِ الزَّمانِ وفِعلِهِ

فأجابَ مكلومَ الْفؤادِ الْمُتعَبِ

*

"غابَ الْجميلُ فما لهُ مِنْ عودةٍ

وأتى الْقبيحُ فما لهُ مِنْ مَهْربِ"**

***

عبد الستار نورعلي

..................

* ستٌّ: إشارة الى أكثر من ستين عاماً (منذ 1964) وانا أكتب في الصحفِ والمجلات الورقية والرقمية العراقية والعربية، ومازلتُ.

** تضمين من قول الشاعر صالح عبد القدوس:

ذهبَ الشبابُ فما لهُ مِنْ عودةٍ

وأتى المشيبُ فأينَ منهُ المَهربُ

"عيناك يا بغداد منذ طفولتي

شمسان نائمتان في أهدابي

لا تنكري وجهي فأنت حبيبتي

وورود مائدتي وكأس شرابي"

"نزار قباني "

"بغداد (موال بغداد)"

المجموعة الشاعرية الكاملة

***

تَهتدي في الليلِ عينايَ لريشٍ يتوهّجْ فأرى الصمتَ يمامًا مِن ضياءٍ...

يتنسّكْ.

يا اقترابًا يُسرفُ النورُ على كفّيكِ عشقًا كيف لي أن أستعيدَ الرُّوحَ لو ماتتْ على دفءِ شِفاهكْ؟

يا بنفسجْ يا شذى دجلةَ يمشي فوق جرحٍ لا ينامْ وترى بغدادُ أعمارًا تلوحُ ثم تمضي لا تعودْ.

كلّما صاحَ المدى، في دمي يجري النخيلْ وأرى في صوتكِ المعجونِ بالرملِ انهزامًا...

وولادةً

كم تبقّى من ظلالي حين يُخفي الليلُ وجهي؟

كنتُ طفلًا يستعيرُ الضوءَ من عينَيْكِ كي يمضي لنهرٍ ما ارتوى منه سِوايْ.

حين مرّتْ أزهرتْ نافذةُ الريحِ وكان الليلُ يرنو لارتجافٍ من حريرٍ في خُطاها

يا ربيعًا يستريحُ الكونُ فيهْ كلّما أوشك أن يُطفئَ قنديلَ الفصولِ

في كواكبْ تتدلّى من جدار الوقتِ غيمٌ كان يحكي صوتَكِ الأوّلَ همسًا حين يُذكي الماءُ نارَ لوعتي

كلُّ وعدٍ مرّ من فوقِ انكساراتي يصيرُ الآنَ برقًا في يقينكْ... ثم

يمضي

**

كودا

كلّما أطفأتُ جرحي عادَ من عينَيْكِ نهرٌ واستفاقَ الضوءُ في صمتِ الرخامْ.

***

د. سعد محمد مهدي غلام

.................

هامش

* روفان: من الجذر (ر و ف)، وأصل دلالته في لسان العرب: رافَ رَوْفًا: سَكَنَ ، لا من الرأفة كما يُوهم تقارب الرسم. ويُطلق شعبيًا لقبًا على حمام الحرم المكي، منسوبًا في الموروث إلى نهرٍ في الجنة، أو إلى الحمام الذي آوى الغار زمن الهجرة - نسبةٌ لا سند لها في معجمٍ ولا نصٍّ ثابت، بل أُلبِسها الاسمُ من خارجها.

وهذا ما استعارته القصيدة: سكونٌ منسوبٌ لا أصيل، وطيرٌ يحمل اسمًا لم يخترْه لنفسه. فليقرأ القارئ في هذا الالتباس، وفي مجاورته لرخام بغداد، ما شاء أن يقرأ وفق مايراه.

في نصوص اليوم