عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

كان الضوء الشاحب يتسلل عبر النوافذ العريضة لقاعة الطعام ببطءٍ حزين، كأنّه يخشى إيقاظ ما خلّفته الليلة السالفة من توترٍ دفين. جلس الجميع حول الطاولات في صمتٍ ثقيل، لا يشبه السكينة بقدر ما يحاكي هدنةً مؤقتةً أعقبت عاصفةً لم تخمد نيرانُها تماماً.

كانت أصوات الملاعق واحتكاك الأكواب تتردد بخفوتٍ حذر وسط ذلك الفراغ البارد، فيما انزوت ندى تحتسي قهوتها بصمتٍ مجهد، تحاول واهمةً إقناع نفسها بأن ما جرى بالأمس قد خبا وهجه، أو أنه على الأقل نأى قليلاً عن صدرها المثقل. وبينما كانت غارقةً في لُجّة أفكارها، لمحت إحدى النساء تشير إليها بإلحاح كي تقترب.

نهضت بترددٍ أملته الروح، وفي داخلها إحساسٌ غامض بأن ما ينتظرها ليس سوى امتدادٍ رديء لملحمة الأمس. وحين انحنت قليلاً لتصغي إليها، قالت المرأة بصوتٍ هامس، كأنها تبث سماً زعافاً تخشى أن يشاركها الآخرون سماعه:

ـ رئيسةُ وزرائنا امرأةٌ ساقطةٌ ومُنحطة… هي ومن معها مَن فتح أبواب البلاد على مصراعيها لهؤلاء اللاجئين، وتسبب بكل هذه الكوارث التي خرّبت بنيان البلد.

تأملتها ندى لثوانٍ طويلة دون أن يرتسم على تقاطيع وجهها أي انفعالٍ واضح.

لم تُفاجأ هذه المرة، ولم يشعل جوفها ذلك الغضب العارم الذي اعتاد أن يستعر في داخلها كلما طرقت مسامعَها كلماتٌ من هذا الصنف، بل كان الأمر بالنسبة إليها بمثابة لحظة انكشافٍ أخيرةٍ وحاسمة. ابتسمت ابتسامةً قصيرةً واهية، تحمل إرهاق إنسانٍ زهد في محاولة تبرير ما لا يريد الآخر فهمه، ثم قالت بهدوءٍ صاعق:

ـ الآنَ فقط، وضَعْتِ يدَكِ على حقيقةٍ لا تشوبُها ريبة… وهي أن هذا العداء ليس رأياً عابراً أو خوفاً مؤقتاً، بل هو عَرَضٌ لمرضٍ أعمق بكثير، شيءٌ يسكن الجذور المتأصلة، ويتسرّب عبر التربية، والذاكرة، والدم. أشكركِ جزيلاً، لأنكِ اختصرتِ عليّ المسافات، ووفّرتِ على روحي عناء البحث عن إنصاف.

ابتعدت ندى خطوتين، لكنها تسمّرت في مكانها فجأة، إذ شعرت أن الكلمات التي غصّ بها حلقها لم تعد تقبل الارتداد إلى سجن الصمت. استدارت نحو المرأة من جديد، ثم تقدمت نحوها هذه المرة بكامل إرادتها، لتدافع عن هويتها المستباحة، ولتضع أمام عينيها مرآةً صقيلة ترى فيها قبحَ ما تنطق به. انحنت قليلاً نحوها، وهمست بنبرةٍ وادعةٍ أربكت المرأة وزعزعت ثباتها أكثر مما يفعل أي صراخ:

ـ هل تعلمين؟ ... ان أمثالكِ هم من لا ينتمون حقاً إلى هذا المجتمع، ولا إلى أي مجتمعٍ يدّعي التحضر. لأن الحضارة البشريّة لا تُقاس يوماً بلون البشرة، ولا بأصل الإنسان العرقي، بل بقدرته الفطرية على رؤية الآخر كإنسانٍ مساوٍ له في الوجود. أما لغة الكراهية المقيتة التي تتحدثين بها أنتِ وأشباهكِ، فهي المقبرة التي ينتهي بها المطاف دائماً في مزبلة التاريخ… والأدلة التاريخية شواهدُ حيةٌ على ما أقول، إن أردتِ يوماً الرجوع والتأكد.

بقيت المرأةُ واجمةً لا تحير جواباً، بينما عادت ندى إلى مقعدها بخطواتٍ وئيدة، وهي تشعر في أعماقها بهدوءٍ غريب وشفاف لم تختبره منذ زمنٍ بعيد.

 لقد كان ذلك الصفاء البارد والرفيع الذي يبلغه الإنسانُ حين ينفض يده تماماً، ويتوقف عن انتظار الفهم من أولئك الذين اختاروا العمى والجهالة طوعاً. كان هذا الإدراك، برغم قسوته، بوابةَ عبورها نحو التحرر والابتعاد عن منطق التبرير.

لم يكن انعزالُ ندى عن مجتمع المصحّة قراراً سهلاً، أو نزوةً عابرةً فرضتها بمحض رغبتها، بل كان بمثابة ردّ فعلٍ بطيء تشكّل في وجدانها تحت وطأة ما تجرعته من نظراتٍ شزرة ومواقفَ جارحة جعلتها أكثر تيقظاً وحذراً.

 كانت تشعر، كلما أُكرهت على الجلوس بينهم، أن على كاهلها عبء الدفاع عن مشروعية وجودها قبل أن تنطق بكلمة، وأن عليها تبرير اختلافها ولونها حتى في أبسط تفاصيل عيشها اليومي. لكل ذلك، بدأت تنسحب بوقارٍ وهدوء من ضجيجهم الآسن حمايةً وصوناً لما تبقّى من توازنها الداخلي الهش.

وغدت تمضي ساعة الصباح التي تلي وجبة الإفطار وحيدةً في أحضان الغابة المتاخمة للمصحّ، تسير بين الأشجار الباسقة الطويلة التي بدت لها، برغم وحشتها وعزلتها، أكثر رحمةً ورأفةً من الوجوه الكثيرة التي صادفتها في القاعات.

 كانت تحاول الائتلاف والاندماج مع ذلك الضوء المتسلل باستحياءٍ بين الأغصان، ورائحة التراب الرطب، وهدير الريح البارد الذي يلامس محيّاها وهي تعبر بين الجذوع الجافة، كأنها زفرات قديمة لا يريد أحدٌ من أهل الأرض سماعها.

في أثناء تجوالها اليومي ذاك، كانت كعادتها التي استحدثتها هنا، تتخلص خفيةً من حبوب العلاج الكيميائي التي أثقلت رشاقتها، وأربكت روحها الحرة أكثر مما خففت من وجعها. كانت تقذف بها بعيداً بين طيات الأعشاب البرية، فتنتبه إلى حركتها الطيورُ الصغيرة، تقترب منها بخفةٍ وحذر، تراقبها بفضولٍ بكرٍ بريء، ظنّاً منها أن ما تلقيه يدا هذه المرأة ليس سوى حباتِ طعامٍ شهي.

عندها، كانت ندى تطلق ضحكةً منثورة وحدها في المدى، ضحكة خفيفةً، صافية، تخرج من صدرها للمرة الأولى بعيداً عن غياهب التوتر وقاعات المصحّة المغلقة. ثم تنطلق مخيلتها إلى مساحات من الطفولة التي لم تمت في جوانحها تماماً، متسائلةً في سرها:

ـ ترى، ماذا لو ابتلعت هذه الطيور الفاتنة تلك العقاقير؟

هل ستنتشي وتُصاب بالسكينة وتغرد بصوتٍ أعلى شجواً؟

أم أنها ستغط في نومٍ عميق لأيام طوال فوق الأغصان؟

أو لعلّها ستستيقظ فجأة وقد تحولت بفضل السحر الطبي إلى مخلوقاتٍ أخرى؛ أكثر حزناً، أو أكثر حكمة وجودية؟

كانت تلك الأفكار الخيالية العابرة تمنحها لحظاتٍ نادرة من الخفة والتحليق، كأن خيالها وحده بات الدرع المتبقي القادر على إنقاذها من ثقل الواقع وبلادة التفاصيل.

ثم، بعد أن يهدأ رنينُ ضحكتها في المدى، كانت تطمئن نفسها بفكرةٍ بسيطةٍ وعميقة في آن: أن الطيور، وسائر الكائنات الحرة في الطبيعة، تعرف بفطرتها النقية ما ينفعها فتقترب منه مستبشرة، وتميز ما يؤذيها وينفث السم في جسدها فترفضه وتمضي في سمائها. وحين كانت تصل بنظرها إلى هذه القناعة، كانت تشعر بوخزةٍ خافتة تلسع قلبها، كأنها تسأل نفسها بصمتٍ موجع وعتابٍ مرير:

ـ لماذا يبدو الإنسان، برغم كل ما يدّعيه لنفسه من عقلٍ وحكمةٍ وفلسفة، أقل قدرةً من هذه الطيور الضئيلة على تمييز ما يجرح كرامته ويدمي روحه؟

***

سعاد الراعي

.........................

* الفصل السابع من رواية تحت الطبع

لأَشباحِ المدى أُعطي بعضَ صوتي

ولآخرِ نَوئي

تَشرُدُ الكواكبُ

فَأُلَملِمُ شظاياها

في كأسِ قَلبي

مَنْ

سيتنفَّسُ بقيَّةَ عدمي؟

ما زالَ حنيني عَلى نافِذَةٍ

نَسيت نُثارَ عُمْري

على أَطرافِها

لَعَلَّ مَوتي يَدورُ كالأَفلاكِ

ويُنْبئُ مجازاتِ القصيدةِ

بسُفوحِ وهجي

هَل تَعويذَةُ رَجعي

وساماً لِكَينونتي؟

أَم كانَتْ

تلكَ النُّجومُ الَّتي

تَرقُبُ بِحذَرٍ جنّازي؟

ها أَنا ذا

أرتِّلُ كالبرقِ رِياحي

وعلى مقرُبةٍ مِن هشيمِكَ

وعلى فَرَسِ الضُّحى

أَدُقُّ

ناقوسَ صَلبي

لَنْ أُسمِّيكَ

سِوى العائدِ

مِن

أَقاحي الكَلامِ

وَلَنْ

أُبْصرَ في ضَواحيكَ

إِلّا ما يَستحِمُّ

بِلُغتي العاليةِ

هل كانَ ما أُسمِّيهِ وِداداً

قابلاً للإحتراقِ؟

أَمْ كانَ

كأَناشيدِ الأَيائِلِ

تُحيطُهُ المياهُ المُعذَّبَةُ

مِن جهاتِهِ المُغلقةِ؟

هذِهِ عَصافيري

أُبشِّرُكَ:

لَنْ تُعْلِنَ دَفْني

بَلْ

سَتَسقُطُ فَوقَ الأَغاني

غَيثاً بِلَونِ

أَعْذَبِ مُخمَلٍ

للقصيدَةِ الَّتي

لَم أَكتُبها بَعِد

***

مرشدة جاويش

من مجموعتي هواجس الحنايا

2009

لم يكن في كلية الطب بموسكو طالب لا يعرف تاتيانا. كانت هادئة، رزينة، متفوقة في دراستها، وناشطة في الكومسومول. لم تكن من النوع الذي يلفت الأنظار بحضوره، ومع ذلك كانت الأنظار تتجه إليها. ربما لأن هدوءها لم يكن خجلاً، ولأنها كانت تعرف كيف تكون قريبة من الجميع من دون أن تسمح لأحد بأن يقترب منها أكثر مما تريد.

أما خالد، الطالب العراقي، فقد كان يراقبها بصمت. يفتش عنها بعينيه كلما دخل قاعة المحاضرات، ويشعر أن وجودها وحده يربك أفكاره. لم يكن ينقصه الإعجاب، بل الشجاعة الكافية ليحوّله إلى كلام

كانت أولى محاولاته بسيطة.

ذات صباح اشترى لها باقة ورد، دفع ثمنها من راتبه المتواضع، وانتظرها بعد انتهاء المحاضرات. وما إن قدمها إليها حتى سألته باستغراب:

- ما المناسبة؟

ارتبك، وخانه الجواب. اكتفى بابتسامة مرتبكة. أما هي فابتسمت ابتسامة قصيرة، ثم نزلت إلى الطابق الأرضي حيث المشجب، وقدمت الباقة إلى العاملة المسنة.

- تفضلي... هذه لك

تجمدت المرأة لحظة، ثم قالت وقد اغرورقت عيناها بالدموع:

- هذه أول مرة، منذ بدأت العمل هنا قبل خمس سنوات، يهديني فيها أحد باقة ورد

ثم احتضنت تانيا وقبلتها بحرارة وهي تردد كلمات الشكر.

وقف خالد يراقب المشهد بصمت. كان يتوقع أن يشعر بالخيبة، لكنه شعر بشيء مختلف؛ كأن الهدية لم تضع، بل وجدت طريقها إلى قلب آخر كان أحوج إليها. يومها فقط بدأ يدرك أن الأشياء لا تصل دائماً إلى حيث نقصد.

ومضى أكثر من أسبوع قبل أن يحاول مرة أخرى.

لحق بها في الممر بعد إحدى المحاضرات.

- تانيا... هل تقبلين أن أدعوك إلى مطعم شرقي لتناول الغداء ذات يوم؟

نظرت إليه مبتسمة.

- وما المناسبة؟

تردد قليلاً، ثم قال:

- لا أعرف... أردت فقط أن أجلس معك

ابتسمت وقالت بهدوء:

- ولماذا تبدد راتبك الشحيح في المطاعم الغالية؟ إذا كان لديك ما تريد قوله، فقله هنا... أنا مصغية.

ألقى نظرة على الممر المكتظ بالطلبة، ثم هز رأسه

- ليس هنا

ابتسمت ابتسامة خفيفة، ومضت

وانقضت أيام أخرى.

وفي ظهيرة يوم بارد، كان خالد يقف في بهو الكلية قرب المشجب حين رآها تتسلم معطفها وقبعتها استعداداً للمغادرة. أراد مساعدتها على ارتداء المعطف . قالت:

-  لا داعي أنا بنفسي. انتظر حتى ارتدت معطفها، ثم تقدم إليها.

– هل تسمحين أن أمشي معك قليلاً؟

تأملته لحظة، ثم أومأت موافقة.

خرجا معاً إلى الشارع. كانت الثلوج تتساقط في هدوء، والريح الباردة تلسع الوجوه، فشدت تانيا قبعتها الصوفية على أذنيها، ولم يبق من وجهها سوى عينيها العسليتين.

قالت وهي تسرع الخطى:

– أنا على عجلة من أمري. أمي تنتظرني على الغداء

ابتسم خالد ابتسامة متوترة.

- لن أؤخرك

سارا صامتين بضع خطوات، ثم قال:

- منذ أسابيع وأنا أبحث عن فرصة لأتكلم معك

والتفتت إليها، ثم أشار إلى مقهى صغير عند الزاوية.

- فلنجلس دقائق

جلسا في مقهى شبه خالٍ. طلبت تانيا كوباً من الشاي، وطلب خالد القهوة، وما إن ابتعدت النادلة حتى خيم بينهما صمت قصير.

قالت وهي تنظر إليه مباشرة:

- تفضل... أنا أسمعك.

تنفس خالد بعمق.

- أنا أحبك يا تانيا

لم تبدُ عليها الدهشة، بل سألته بهدوء:

- وماذا تعرف عني حتى تقول هذا؟

- أعرف أنك متفوقة... وناشطة في الكومسومول

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

- وهل يكفي هذا للحب؟

ساد الصمت.

أدرك خالد فجأة أنه لا يعرف عنها شيئاً تقريباً. لم يكن يعرف ماذا تقرأ، ولا ماذا تحب، ولا كيف تفكر، ولا حتى ما الذي يضحكها أو يحزنها. شعر للمرة الأولى أنه لم يقع في حب إنسانة، بل في حب صورة رسمها لها في خياله.

قال محاولاً إنقاذ الموقف:

- في ملامحك شيء من الشرق

قالت:

- أمي أرمينية، وأبي روسي

ثم أضافت، بعد لحظة صمت:

- ومع ذلك... أنت لا تعرف عني شيئاً

ارتدت قفازيها ونهضت

- نحن نلتقي في الكلية كل يوم، ويمكننا أن نتحدث هناك

تنهد خالد.

– لكنك دائماً محاطة بالأصدقاء والصديقات

ابتسمت ابتسامة ودودة.

- وأنت أيضاً صديق

وبقي خالد لحظات أمام كوب القهوة الذي لم يشرب منه إلا القليل.

لم يكن الرفض هو ما أوجعه. كان السؤال..

بعد ذلك بدأت تتجنب اللقاءات الطويلة معه، واكتفت إذا التقيا في أحد الممرات بتحية عابرة وابتسامة مهذبة. فهم خالد الرسالة، فلم يحاول أن يفرض حضوره عليها.

مر الشتاء، وحل الربيع ببطء. لم يعد يقف في الممرات مترقباً مرورها كما كان يفعل في الأسابيع الأولى، بل صار يقضي ساعات أطول في المكتبة، ويشارك زملاءه في حلقات النقاش، واكتشف أن الحياة الجامعية أوسع بكثير من انتظار فتاة عند باب قاعة المحاضرات. ومع ذلك، كانت صورتها تعود إليه بين حين وآخر، لا بوصفها حلماً بعيداً، بل سؤالاً لم يجد له جواباً.

وكلما تذكر حديثهما في المقهى، استعاد سؤالها: "وماذا تعرف عني؟" كان السؤال يلاحقه أكثر مما يلاحقه رفضها. أخذ يراجع نفسه، فاكتشف أنه لم يحاول يوماً أن يعرفها حقاً؛ لم يسألها عن كتبها المفضلة، ولا عن الموسيقى التي تحبها، ولا عن أسرتها أو أحلامها. كان قد أحب الصورة التي صنعها خياله، لا الإنسانة التي كانت تمشي كل صباح في ممرات الكلية. وعندما أدرك ذلك، خفتت مرارة الخيبة، وحل محلها فضول صادق لفهم الناس قبل إطلاق الأحكام عليهم أو التعلق بهم.

ذات يوم، كان خالد يجلس مع زميله الروسي إيفان في مقصف الكلية.

قال إيفان وهو يقلب صفحات مجلة

- إذا أردت أن تكسب إعجاب فتاة روسية جادة، فتحدث معها عن الأدب الروسي

ابتسم خالد هذه المرة، ولم يأخذ النصيحة بالحماسة نفسها التي كان سيأخذها بها قبل أشهر، لكنه قرر أن يبدأ أخيراً بقراءة الأدب الروسي، لا ليبهر تانيا، بل لأنه شعر أنه يعرف روسيا من شوارعها وجامعتها أكثر مما يعرفها من كتبها.

وفي أحد أيام الربيع، لمح تانيا جالسة على مصطبة في حديقة الكلية، تقرأ كتاباً.

اقترب منها.

– مرحباً يا تانيا... كيف حالك؟

- بخير

جلس إلى جانبها وقال:

"  - بدأت مؤخراً قراءة رواية "آنا كارينينا

أغلقت الكتاب على إصبعها ونظرت إليه باهتمام

- حقاً؟ وما رأيك فيها؟

ثم قالت عن ظهر قلب:

"كل الأسر السعيدة تتشابه، أما كل أسرة شقية فلها شقاؤها الخاص"

- ابتسم خالد في شيء من الحرج، وقال بصراحة:

– لم أصل بعد إلى هذه الصفحة... ما زلت في الفصول الأولى

نظرت إليه لحظة، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة لم يستطع أن يفسر معناها.

قالت:

- إذن واصل القراءة... ليس من أجلي، بل لأن الرواية تستحق

ثم حملت كتابها، وألقت عليه تحية قصيرة، ومضت.

ظل خالد يتابعها بنظره حتى غابت عن الأنظار. ولم يشعر هذه المرة بالخيبة، ولا بالحاجة إلى اللحاق بها. فتح الرواية من جديد، وبدأ يقرأ. وبعد صفحات قليلة، أدرك للمرة الأولى أن تانيا، مثل الكتاب الذي يستحق أن يُقرأ، لا تكشف نفسها دفعة واحدة. لم يكن يعرفها من اللقاء الأول، ولا من الكلمات التي قالتها عن نفسها، بل من التفاصيل الصغيرة التي كانت تكشفها مع مرور الوقت؛ من مواقفها، ومن صمتها، ومن الأشياء التي كانت تخفيها أكثر مما تُظهرها. وكلما ظن أنه عرف تانيا، ظهرت له فيها صفحة جديدة لم يكن قد قرأها من قبل.

***

جودت هوشيار

........................

ملاحظة: تانيا هي الصيغة المختصرة الشائعة من تاتيانا، وتُستعمل في الحديث اليومي بين الزملاء والأصدقاء والأقارب.

عَـيْـنَـاكِ آخِـــرُ مَـعْـقِـلٍ لِـدِفَـاعِـي

مِـنْ بَـعْدِمَا سَقَطَتْ جَمِيعُ قِلَاعِي

*

فَـمِنَ الـمُحَالِ بِـأَنْ أُغَـادِرَ خَـنْدَقِي

وَالـقَلْبُ يَنْبِضُ فِي حِمَى أَضْلَاعِي

*

أَمْـسَى الـتَّرَاجُعُ عَـنْهُمَا لَـوْ خُطْوَةً

يَـعْنِي الـبِدَايَةَ فِـي طَرِيقِ ضَيَاعِي

*

تَــتَــقَـاذَفُ الأَمْــــوَاجُ آخِــــرَ زَوْرَقٍ

أَمْـسَى بِـعُمْقِ الـبَحْرِ دُونَ شِـرَاعِ

*

أهفو إلَيْكِ وفي الحشاشةِ رَعْشَةٌ

كَـفَـرِيـسَةٍ دخـلـت بـوكـرِ أفـاعـي

*

عَـيْـنَـاكِ آخِـــرُ مَــرْفَـإٍ لِـسَـفِـينَتِي

وَسِـوَاهُـمَا الـقُـرْصَانُ تَـحْـتَ قِـنَاعِ

*

وَيَـظَلُّ طَـيْفُكِ فِـي دَمِـي مُتَوَهِّجًا

لـيَذُوبَ هَـمْسًا فِي حُرُوفِ يَرَاعِي

*

يَــا مَــنْ مَـنَحْتِ قَـصِيدَتِي أَلْـوَانَهَا

وَغَـدَوْتِ نَـبْضَ الحَرْفِ فِي إِبْدَاعِي

*

يَـا زَهْـرَةً نَبَتَتْ عَلَى صَخْرِ الأَسَى

فَـغَـدَتْ رَبِـيـعَ الـرُّوحِ فِـي الأَصْـقَاعِ

*

أَمْـضِي وَحَـوْلِي أَلْـفُ سَـيْفٍ حَـائِرٍ

لَــكِــنَّ عَــزْمِــي ثَــابِــتُ الإِيــقَـاعِ

*

مَـا عَـادَ لِـي وَطَـنٌ سِـوَاكِ فَـإِنَّنِي

أَمْــضِـي إِلَــيْـكِ بِـلَـهْـفَةِ الـمُـلـتَاعِ

*

يَـا مَـنْ زَرَعْـتِ الـحُبَّ فِـي أَعْمَاقِنَا

فَـغَـدَا هَـوَاكِ مُـعَشْعِشًا بِـنُخَاعِي

*

مَــا كَــانَ حُـبُّـكِ وَهْـمَ طَـيْفٍ عَـابِرٍ

بَــلْ نَـبْـضَةً وُلِــدَتْ مِـنَ الأَوجَــاعِ

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

في هذا الزمنِ الغريب، حيثُ صارتِ الوجوهُ تُصنعُ بلمسةِ زر، وحيثُ دخلَ الذكاءُ الاصطناعيُّ إلى مرايا البشر، فأعادَ تشكيلَ الملامح، ومزجَ الحقيقةَ بالوهم، حتى صارَ الوجهُ لا يعرفُ هل هو صورةُ صاحبهِ أم قناعٌ صاغتهُ خوارزمياتُ الخيال.

*

رأيتُ وجوهًا كثيرةً تخلّتْ عن دفئها، ارتدتْ جمالًا مصطنعًا، ونظراتٍ لم تعرفها العيون، وشفاهًا لم تنطقْ يومًا بالحبِّ أو الحزن.

*

كلُّ النساءِ تقريبًا أصبحنَ أسيراتِ المرايا الجديدة، يبحثنَ عن صورةٍ مثالية لا تشبهُ أرواحهنّ، ويطاردنَ وجهًا آخر صنعتهُ الآلاتُ وأضاعتهُ القلوب.

*

إلّا أنتِ… بقي وجهُكِ نقيًّا، كصفحةِ ماءٍ لم تلمسها يدُ العاصفة، كأنّكِ آخرُ إنسانةٍ تدافعُ عن جمالِ الحقيقة في زمنٍ انتصرَ فيهِ التزييف.

*

لم تحتاجي إلى خوارزميةٍ لتصبحي أجمل، ولا إلى مرآةٍ ذكية لتخبرَ العالمَ من أنتِ؛ ففي ملامحكِ كانت تسكنُ حكايةُ الروح، وكان الصدقُ أجملَ زينة. وجهُكِ ليسَ صورةً قابلةً للتعديل، بل قصيدةٌ كتبتها الحياةُ بيدها الأولى، ولم تجرؤْ عليها أصابعُ المصممين.

*

حينَ تداهمني المحن، وحينَ يصبحُ العالمُ معرضًا للوجوهِ المستعارة، أبحثُ عنكِ… لا لأرى جمالًا فقط، بل لأتأكدَ أنَّ الإنسانَ ما زالَ قادرًا أن يبقى إنسانًا.

*

أنتِ قبلتي حين تضيعُ الجهات، وفجري حين يطولُ الليل، والوجهُ الوحيدُ الذي لا يحتاجُ إلى تحديثٍ لأنه مكتملٌ بالنور.

*

فليصنعِ الذكاءُ الاصطناعيُّ آلافَ الوجوه، وليمنحِ المرايا ملايينَ الأقنعة… سيبقى وجهُكِ وحدهُ ذلكَ الوجهَ القديمَ الجميل، الذي حينَ أنظرُ إليهِ أعرفُ أنَّ الحقيقةَ ما زالتْ تمشي بيننا.

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

قصص قصيرة جدا  

أغنية هندية

في حدود ضيقة وزمن منفلت، تحرك الشوق في ذاكرته، فانطلق يبحث عن تواريخ متوارية وحطام سنين عابرة، اهتزت جوارحه لنغمات أغنية هندية انفلتت صدفة على شاشة هاتفه الذكي، الأغنية أحيت وقائع قد مرت به تشهد أن دموع الهنود ورقصاتهم فجرت في وجدانه عواطف متنامية.

**

بقايا المهانة

بالكاد يكسب قوت يومه، عندما يعود إلى مسكنه الوضيع بسطح عمارة متهالكة، يجد زوجته قد عادت ببقايا طعام وكسر خبز، ودراهم معدودات نظير عملها الشاق في البيوت، يتبادلان النظرات البائسة، تجف الكلمات في حلقيهما، يأكلان بقايا المهانة، يمسحان الكآبة بكأس شاي بالنعناع الأخضر، وفجأة يدخلان في نوبة ضحك، يقول الزوج: الهم إذا زاد  "گيْضَحّك"

**

ترتيبات

سرقته تفاصيل الحياة، ارتقى بهدوء إلى القمة، ونزل دون مقدمات إلى نقطة الصفر مع هامش من الرحمة، اكتشف عالما جديدا، وترتيبات غير مرتقبة، وطالته التَّجاوزات التي مارسها على الآخرين وهو يلبس إيهاب القوة. ذاق مرارة الضعف فَكَرِه نفسه وَكَرِه الضُّعفاء.

**

نقطة إلى السطر

عندما التقاها كانت قد قطعت أطوارا من عمرها: عمل، زواج، طلاق،

توتر، صراع، انبلاج.  كان يصغرها سِنّاً، لكنه أحبها بجنون.  اعترضوا، وقالو:

“طرقت الباب الخطأ” .

لم يكترث قال: إن الحياة أكبر سِنّاً مِنا جميعا، دعوني أعيش الساعة، ولها

مدبر حكيم.

***

محمد محضار - المغرب

(الى الصديق الشاعر الفلسطينيّ طارق عون الله)

***

1. حين التفتتِ الْوردةُ:

حين التفتَتِ الوردةُ

كانَ طفلُ النَّارِ

قد احترقتْ أصابعُهُ،

لم يكنِ القاطفُ

غيرَ لهبِ الدَّمِ، خاثراً

في بقايا القارورةِ الَّتي

سرقتْها ريحُهُمْ

منْ حديقةِ الدَّار المحترقةِ.

*

حين التفتتِ الوردةُ

لم تجدْ غيرَ الرَّمادِ

وأصابعَ ملقاةٍ

على قارعةِ الوَهْمِ

في البيتِ العتيقِ الَّذي

جدرانُهُ منَ الطِّين الحُرِّي

متصدِّعاً

منذ أنْ اختفى طفلُ القريةِ،

والوردُ

منْ عتبةِ الحُلُمِ المؤجَّل

حتى يومِ ينهضونَ

منْ رمادِ الحديقةِ الخلفيةِ....؟

*

حين التفتتِ الوردةُ

كانتِ النَّارُ قد أتَتْ

على الأصابعِ المُمتدَّةِ

حتى....

آخرِ الحديقةِ....

**

2. بيانُ النّار:

هذا بيانُ النّار/الفكرة:

أنا النّارُ الّتي ابتلعتْ الطُّفولةَ،

يومَ عاشتْ...

وتعيشُ...

في أُتونِها البراءةُ،

والحُلُمُ المؤجَّلُ

حتى يومِ القيامةِ..

منَ الرُّقاد.

*

العنقاءُ تنهضُ....

منْ وسطِ الرُّكام،

ورمادِ أجنحتها المحترِقةِ،

ثُمَّ تحترقُ....

ثمَّ تنهضُ....

في متواليةٍ مُفخَّخةٍ

بفكرةٍ تتفجَّرُ

كلَّما نهضتْ بها طفولةٌ..

من النَّارِ/ الفكرةِ الأزلية.

*

أشعرُ بحريقِكَ يصلُني،

أيُّها الطَّائرُ المُحلِّقُ

من خلالِ لهيبِ الكلماتِ،

وجمرةِ الأحاسيسِ،

والفكرةِ المؤجَّلة..

ثانيةً....

وثالثةً....،

خارجةً منَ "الأخدودْ

النَّارِ ذاتِ الوَقودْ"

ونحنُ عليها شهودْ...

شهودُنا...

لا شهودُهُم...

المزوِّرون؟!

***

عبد الستار نورعلي

حزيران 2026

كان اقتراحَ غيمةٍ في آخر الشتاء

مزرعةَ الهَيل ذ نونُ

نعناعَنا البريَّ.. زورقَ النجاة

يقفزُ من فوق سياج المدرسة

كما تغادرُ القطاة

شراكها

يعود حين سنونوٌ يعود

إلى سقوف دارنا

يصرخُ مثل ارميا في برية الشتات

ذ نون ُ ساهرٌ (بمقهى غانمٍ ٍ) يسيلُ من جبينه الفرات

بحثتُ في ذ نوننا كي التقي ذ نون

فانكسرَ السُّبات

فقد يكون صاحبي خروجنا المنسيّ من بوابةِ السبات

ذ نون يأتي كي يراك بين درسين وفرصة

ذ نون يأتي عبر مهرجان ذلك الربيع في ثيابه تزغردُ (الغابات)

ذ نون عَبر سرير عاشقٍ يحاورُ النايات

*

ذ نونُ أغنى من رغيفٍ يابس

من دكةٍ في مسجدٍ

ذ نونُ اعلى من دُخَان سجارةٍ لاحقه العشاق

ذ نون انقى من حوارنا اليوميّ أحلى من زقاق

لفّ خطوتيّ في (محلة العرب)

ذ نون ما يمرّ في بال جميلٍ عن بثينة

ذ نونُ في المقهى يحاورهُ ذ نون

هل هذه الموصل ُ أم اكذوبة ُ؟

من أين تأتي الطائراتُ يا ذ نون؟

تقصف شكل العاطفة

فنم قليلاً صاحبي

ونم لكي ننام في سريرنا الممدود ليلاً فوق سطح العاصفة

*

أبحثُ عن ذنونَ في شوارعِ الروضةِ

أو قربَ دكّان علي جركز..

أو قرب بيتِ مُصطفى الحبّار

*

يذهبُ ذ نونُ ولا تأتي القصيدة

ذ نونُ في المقهى.. على الرصيف

يغيبُ في الجريدة

يَعدّ طعنات الوطن

مَن سلّم الموصل ذ نونُ؟

وفتّحَ الأبواب للأغراب

كي يُعلي شُرودَه؟

ذ نونُ لم يبق رغيفٌ واحدٌ في بيتنا

والعدوُّ خلفَ البابِ فلتردع حشودَه

*

هذا هو الموت الرشيديُّ الذي يأتي من الطائرة المسيّرة

وكان ذ نون يتأمل الرصيف من مقهى وكان صاحبي مقاتلاً في الفاو

ظل سنينا في موضع من طين

كان نبيّاً يغطي جرحه اليقطين

ذنون في نهاية المقهى الرشيديّ الحزين

تذكّر الحرب التي تخوضنا

تذكر الموت الذي نخوضه

فأشعل السجارة

*

كل المقاهي اقفلت ابوابها

والحارس الليلي يأتي من نهاية الزقاق

والطائرات أرسلت جحيمها اليوميّ

فوق رأس أهلنا في الجانب المنكوب

الطائرات أرسلت سمها العبري ّ.. ذ نون هناك صامدٌ أمام باب صفنا

يرتبّ الغروب

كي تعود قطةُ إلى صغارها

الطائراتُ حاصرت ذ نوننا المنسي ّوالصامد

ذ نوننا الواحد

ذ نوننا القادم من جسرنا العتيق

ذ نوننا الصديق

والبسيطُ والجميل ........

كلّ المقاهي اقفلت ابوابها

يا ربّ سونامي

وربّ كلّ أمة ٍ منكوبة ٍ

الطائرات اتت من آخر البحار

وسقفنا مثقوب

وعمرنا مثقوب

*

ذ نونُ صحونا البعيد

ونصرنا في الجانب الأيسر

جمّارنا البصريُّ ذ نونُ

نشيدُنا النثري ّوالقدسيّ

وشكّنا الذي يفوحُ من عباءة السؤال

دشداشةُ العيد التي نعبُّ من جيوبها مُلبّسأً وهال

رسالةُ العشق التي نكتبها لكي تحبّنا نوال

*

عرفتُ ذ نون إذا السماء زغردت غيومها بكى

ذ نون يأتي عندما صيفنا يعود بسلّة العنب

وصامتٌ إذا جرحتهُ كزهرةٍ من لوز

الطائرات خلف بابنا تقصف حتى حبّة الاسبرين

ذ نون لا يحبّ امريكا

لأنها تحرمُه التدخين والمشيَ في الليل

وتمنع الرغيف عن أولاد جاره

الطائراتُ تقصف الأشياء والأسماء والذكرى

ذ نونُ يجري باتجاه النهر في أثوابه أحزان أسواق العراق

والطائرات تقصف النهرا

والشطّ الذي ادمنهُ ذ نون

يا ربّ سيبتمبرٍ فلتوقف حديد الجوّ

ولتحفظ العمرا

وشتلةَ الطماطم التي زرعتُها بآخر البستان

ذ نونُ لا يحبُّ أمريكا التي أضاعت الإنسان

*

وكانَ ذ نون على مشارف الأهوار

والأعداءُ أعداءُ

وكان حفرُ الباطنِ البعيد يأخذُ شكلَ خوذةٍ

لم يكترث ذ نون بالأعداء

كانت تطيرُ تحت جلده منارةُ الحدباء

ذ نون كان مؤمناً بهذه العبارة:

قطاتنا لا تخطيءُ العشّ اذا حاصرها الليل

فكّر ذ نون ُ من الذي يعكّر الهواء

كان الذي يهمُّ ذ نون معارك الأيسر

وداعشُ التي تموء مثل قطة ٍعمياء

يا صاحبي الذي رأيته في الفاو سدّدْ لكي تنظّفَ الهواء

وكي يعود بيتنا مضاء

*

هذا هو الايسرُ يا صديقي

هذا هو الايمن يا ذنون

يا طالعاً من خضرة الزيتون

يا طعم رغيفنا المحزون

مهجّرٌ عاد لكي يمدَّ خيمة ً جديدة

لو يكبرُ الحزن لكي تأتي القصيدة

لو خنجرٌ تابَ فلم يمشِ على هدْي العقيدة

زرعتُ قلبي حول صمتك الجميلِ وردةً وحيدة

فاثبتْ هنا ذ نون

رشاشُك الشخصيُّ في الساحل الأيمن فرصةٌ أخيرة

لكي نسيرَ خطوةً نحو النجاة

ظهري الى الحائط لا تمش ولا تهذِ ولا تبكِ

فقد تمرُّ الطائرات

واثبت هنا لكي نرى حديد جسرنا العتيق

لكي نصادق النوارس التي تلتقط ُ الفُتات

ونشربَ الشايَ الذي ندمنه ُ في ساحة الميدان

*

اقولُ للأعداء شكراً للقذائف التي تهبُّ من جنونكم تجاه سقفنا وحوشنا

تجاه صحن حسائنا

تجاه بابنا الذي يثقبه الشتاء

أقول للأعداء شكراً إننا نموت تحت سقوط حائطٍ

تحت تكسّر الهواء والعواء والبكاء

هذا هو الأيمن لم أجد سوى الحجارة البيضاء

تسقط في شوارع (الدواسة)

لا سينما تفتحُ في الليل

لا حمامةٌ بيضاء

تحطّ في منارة الشيخ فتحي

وقربَ (سدّة ٍ) هناك كنتُ بانتظار امرأة يدعونها هديل

وما أتت هديل

فليأت ذنون اذن وبعده بشّار

فراشةً قادمة ًمن آخر النهار

لا الجامع النوريّ اذّن في العيد

لكي يغادر التتار

اقول للأعداء هل تعششون في هوائنا

وفي رغيفنا اليوميّ هل

تعسكرون دائما ً في ضحكة الصغار؟

***

أحمد شهاب

أَيا مَنْ بِكَفِّ الْغمامِ أَقَمْتِ

 ومُذْ أَمَدٍ ما أَتَيْتِ.

 ومُذّاكَ

ما ضحِكَ الْجُلّنارُ

 وما بسِمَ الْأُقحُوانُ

 وظَلَّ يُسائِلُني عنكِ الترابُ .

*

فَأيُّ النُّبُوءاتِ تُنجِدُني

 والْمرايا تُغَبِّشُها وَشْوَشاتُ السّرابِ؟

*

 وهذا الْيَمامُ

تُرَوِّعُهُ قَهْقَهاتُ الذّئابِ.

 وهذي النَّوارسُ

ما صَخِبَتْ

مُذْ تَمَدَّدَ في الْبحرِ ليلٌ،

 ونامت على صدره أجْنُحُ الذّارياتِ.

*

 وإنّي شَجَتْني الطّحالبُ تَمْتَدُّ نَشْوَى.

 وهاجَ فؤادي

ربيعٌ بِأَندَلُسٍ

 وجلالٌ

 وذكرى مُطوَّقَةٍ في الْجنانِ

 ومَرْوَى.

*

 وإنّي على وجهِ أمّي سَطَّرْتُ وَشْمًا،

فما باح للظّامئينَ

بِأَمْوَاهِيَ الرّاوِياتِ،

ولا هُمْ به جعَلُوا للزّياتينِ صَرْحًا

لِتُومِضَ بين النُّجومِ.

**

فيا مَن تَقَدَسَ وَجْهُكِ!

إنِّيَ آلَيْتُ أَلاَّ أُحَدِّثَ كَأسي

 ووَجْهُ الْغُروبِ يُصَدِّعُ كَعْبِي.

 وإنِّي تَسَوَّرْتُ سُورَ الْغَمامِ

لَأبْسُطَ كفِّي إِليكِ.

*

إليكِ مُعَتَّقَ خَمْرِي

 ومُهْجَةَ نفسي.

خُذي نَشْوَةَ الْكأسِ مِنِّي

 وكوني على وجهِ أمّي

قصيدهْ.

فَإنَّكِ مِنْ قبْلُ

كنتِ لِقابيلَ

وَمْضَةَ سلْوَى.

**

شَجاني نَشيجُك - ردَّتْ -

يُها الْكَرَوانُ الَّذي

بِالْهُيامِ شَدا

في الدِّيارِ وأفْضَى.

أتاني حديثُكَ مِن لُجَجِ الظَّلامِ

نداءً ونَجْوَى،

 ولَستُ رَضِيتُ بكَفِّ الْغمامِ

يَغُمُّ سَنايَ،

يُلَثِّمُني

فَيُغَيِّبُني عنْ صَلاتي.

 وإنّي وَإنْ غَيَّبَتْني طِباقُ الْغَمامِ،

بَقِيتُ أُرَجِّي

حَفِيفَ الرِّياحِ

 وبَوْحَ شُعَيْبِ…

***

بقلمي: هادية السّالمي دجبّي - تونس

النافورة التي توقّفت عند الساعة السابعة

رائحة رذاذ الماء

الحمامات التسع التي هبَطت توّاً

الجرو السعيد

الشمس التي ستغيب بعد ساعتين

نصف القمر المضيء

نصفُه الآخر

ملامحك وآفاقك الشاسعة

أشجار الكستناء التي خلفك

الأوردة الخضراء في يدك

يدك البيضاء الصافية

ها أنا ذا أثق بالوقت

بالريح

بالضوء

بجلستك الهادئة المليئة بك تماماً

قد أكون مخطئاً

لكن الاتّجاه البعيد هو الذي أقصده

أريد أن يتم العثور عليَّ

2

طيور الحمام

الرجل الذي يجمع قناني البلاستيك الفارغة

الكلب الذي معه

محطّة القطار

القطار الذي وصل في الخامسة والنصف

الشمس التي ستغيب بعد ثلاث ساعات ونصف

نصف الكلام

الثلاثاء الذي صار كل شيء فيه متوتّراً

لم أعد أثق بالوقت

برائحة الغسق

بالنادل

بالنادل الآخر

بالريح التي تحرّك شرشف الطاولة

بالطاولة التي تحتها أربعة أقدام متقابلة

اثنتان غاضبتان واثنتان قلقتان

بالضوء الذي بدا خاوِياً

أخيراً..

كالغريب الذي يحمل رأسه

‏تركتُ الأفق يتكسر يتداعى ويعيد تشكيل نفسه

أمسكتُ بالهواء لأتذكَّر نفسي

وضعتُ الحلم فوق شجرة

أعطيتُ القصيدة غابةً ونهراً

اجترحتُ المصبّ

وقبلّتُ روحي في وجه البحيرة

***

فارس مطر

برلين 9.8.2026

كان الباب هناك منذ أن عرف الناس الطريق. يمرون أمامه كل يوم، يلمحونه ثم يمضون. في طفولتهم كانوا يسألونك إلى أين يؤدي؟

وكان الكبار يجيبون، دون أن يكترثوا لك لا أحد يعرف.

ومع الوقت، تعلّم الصغار أن يتوقفوا عن السؤال. فقد صار الباب جزءًا من المألوف، مثل الأشياء التي ترافق الإنسان طويلًا حتى ينساها. كان بعض العابرين يقتربون منه، يضعون أيديهم على المقبض، ثم يتراجعون.

ذات مساء، عاد رجل مسن إلى المكان. تذكر أنه مر من هنا أول مرة وهو في العشرين. يومها كان يحمل حلمًا لم يمنحه وقتًا، فألقى نظرة سريعة إلى الباب ثم مضى، وهو يظن أن الطريق أمامه أطول مما كان. وظلّ يؤجل فتحه عامًا بعد عام.

وحين عاد إليه، وقف أمامه طويلًا. بقيت يده معلقة فوق المقبض لحظة، كأنها تستعيد أعوامًا من التردد، ثم دفعه ببطء.

فتح الباب. و لم يجد الا امتداد الطريق. كان الطريق نفسه... ذلك الذي ظل يراه طوال عمره، دون أن يجرؤ على رؤيته من هذه الجهة. ظل الرجل واقفًا يتأمل طويلًا. أطال النظر إلى الطريق الذي عبره، ثم إلى ما بقي منه. جلس عند العتبة، ولأول مرة لم يشعر بالخوف. شعر فقط بالتأخر. وفي الصباح، مر العابرون. وجدوا الرجل جالسًا هناك، والباب مفتوحًا.

سألوهك

 ماذا يوجد خلفه؟

رفع رأسه، وقال:

 ما كان أمامي طوال الوقت.

مضى العابرون.

وبقي الباب مفتوحًا.

***

قصة قصيرة

مامند محمدقادر - كاتب وشاعر عراقي كوردي

 

في منتصف طريقها إلى اكتمال العطر ...

اختنقت "آهة" الاوركيد

كان الأمر اشبه بسقوط حرّ من حكاية شاهقة

كانت "الخيبة "كعادتها حقيرة ..

تتابّط حذاءها ..

تتسلّل وراء غلالات الحبّ

على عجل تلقي دلْوها البارد على حكاية دافئة مازالت تنسج غطاءها الصّوفيّ

تتهيّأ لدوجمبر

فتذكي جمر المدفأة...

ها أنا الآن ..

اكاد أشمّ .. رائحة الحطب ..

رائحة الحطب الّذي يحترق..

أكاد اشتمّ

رائحة الحكاية ..!

***

حياة بن تمنصورت - تونس

 

النَّهَارُ لَا يَأْتِينِي بِكَ،

وَالرِّيحُ لَا تُخْبِرُ عَنْكَ،

وَالْوَقْتُ بَنْدُولٌ

بَيْنَنَا.

*

مَرَّةً إِلَى الْأَعْلَى،

نَلْمَسُ سَحَابَ اللَّذَّةِ،

وَنَمْتَطِيهِ،

أَوْ يَمْتَطِينَا.

*

وَمَرَّةً إِلَى الْأَسْفَلْ،

نَنَامُ عَلَى أَنْفُسِنَا

مِنَ الضَّجَرْ.

*

فِي اللَّيْلِ،

نَتَحَدَّثُ بِاللَّمْسْ؛

أَعْصِرُ تَيِّنَكَ حَدَّ اللُّزُوجَةْ،

وَتَعْصِرِينَ عَنَاقِيدِيَ السُّمْرَ

الْمُدَلَّاةْ.

*

لِهَذَا،

نَرْتَدِي اللَّيْلَ كُلَّ مَرَّةْ،

وَنَهْرُبُ مِنْ شَمْسِ النَّهَارْ.

*

لَا أَرْغَبُ بِالْعَلَانِيَةِ مَعَكَ؛

فَالسِّرُّ لُعْبَةْ،

تُجِيدُهَا كُلُّ الْآلِهَةْ،

وَتَسْتَعْمِلُهَا

لِتُطِيلَ نَضَارَتَهَا وَعُمْرَهَا.

*

أَرْغَبُ بِالْعَتْمَةِ الشَّهِيَّةْ،

لِنَنْصَهِرَ مَرَّةً

فِي كُلِّ سَرِيرْ.

*

أَكْفُرُ بِالسَّتَائِرْ

وَزُجَاجِ النَّوَافِذْ؛

قَدْ يَشِي بِالسِّرْ،

فَتَمُوتُ قُدْسِيَّةُ الْقُبْلَةْ

وَمَا بَعْدَهَا.

***

ياسين غالب

2026-هلسنكي

فرّقتم الدّينَ حتّى صارَ أديانا

والماءُ في نُهْرِكُم ينسابُ ألوانا

فرّقتمُ البيتَ حتّى انهارَ أركانا

والأصلَ حتّى تمارى الخلقُ إن كانا

حتّى غدتْ أرضُكمْ للموتِ وجهتَهُ

ودوركُم للبُكا واللّطمِ عنوانا

يمرُّ شيطانُ جنٍّ في شوارعِكُم

فلا ترى عينُه في الخيرِ إنسانا

فيحمدُ اللهَ أن أنشاهُ من لهبٍ

وسِرُّهُ: آهِ لو لم أعْصِ ديّانا

حكّمتمُ الغربَ فيما كانَ بينكُمُ

كأنّ خالِقَكمْ لم يُوحِ قرآنا

وبعدما كنتمُ الأسيادَ فوقَهمُ

بتّم تنادون دودَ الأرضِ: "مولانا"

***

أسامة محمد صالح زامل

 

ثمة عطر سيدة يضيء شرايين خطاياك،

تكتبك قصيدة بنشوة عاشق،

ضع عصبيتك جانباً

ومزاميرك القصيرة،

واكتب خصرها المزنر بزهور الجبال برومانسية حزيران،

اكتب عن موسيقى نهديها،

دع شفتيها تغرر بك بعفوية الصبي المراهق

وعصبيته.

تغرر بك بطيبة "الكوجرية"

وتعصر شهوتك البيضاء في بداية الصيف

ايها المتوجس

نسيت ان تقول لك

اعتني بطواويسي،

أدجنها كما يدجن الناي احزان الرعيان.

***

* الشاعر كيفهات أسعد

شاعر كردي مقيم في السويد له اربع مجموعات شعرية منشورة

عضو اتحاد الكتاب

في عين الليل الموحش

أغرس سهما

أشرق إشراقة لؤلؤة ساطعة اللحم

تجوس خلال اليم

وأمرق وعلا منتشيا في الغابة

ذات الوجه الشرقيّ

مروق سهام الغربة في

أحشاء البلد النائيّ

أدس كياني في قاعات البلياردو

أبحث عن دفء عسليٍّ يتهادى

في الليل

لكي في مشجبه ذي العينين الواسعتين

أعلق ضحكي المضفور بإحكام

بحبال الرغبة

أنا لا أملك لي إلا أن أمسك

خيط الماء

لأصعد أورقة الجسد بحيث

أخط على الصدر مراثي الزمن الآتي

يتسنم أجنحة الموسيقى

وهو يعاقر كأس الوطن ويقرأ

ألواح الطين الأولى الواحدَ تلو الآخر.

***

مصطفى معروفي

أنا أيضًا أشبهُكم،

وُلِدتُ بالهلاهلِ مثلَكم،

وكبرتُ مع الدموعِ كما كبرتُم،

لكنَّني... أحيا على الذكرى.

(2)

حجولُ الجبلِ هاجرتْ…

سنونواتُ القريةِ ابتعدتْ،

ولكن، الشمسُ شاهدةٌ لا تغيبُ.

لا نَسأَمُ من النظرِ إلى بعضِنا…

جبلُ شنكالَ، وأنا.

(3)

أطلبُ السماحَ عمَّا فعلتُه…

أطلبُ السماحَ من شرفدين، من الإسكينية، من سيباي، من شنكال، ومن جبلِ شنكال،

فهم بالتأكيدَ يعرفونَ لماذا تركتُهم وحيدين!

وهربت إلى مدن الثلج.

(4)

كلُّ ما نُحبُّهُ يتغيَّرُ:

القُرى، المزارات، وشنكال.

أيه، إن منْ يجتاحُهُ الفرمانُ يتغيَّرُ..

حتى القُرى، المزاراتُ، وشنكال…

ونحنُ.

(5)

طفولتِي التي كانت في الإسكينية العُلْيا،

بقيت هناك، ضاعت في بساتينِ القَرية،

حتى عندما طُرِدتُ من وطني بقيت طفولتِي هناك،

تتسكَّعُ على حافاتِ البيادر، تغطس في الجدول..

وتتسلَّقُ الجبل.

(6)

مكتوب في حكايات قرى شنكال الطينية الأولى، إنكِ الإسكينية العليا بجمال بيوتها البيضاء، وبساتينها..

وجاء في أخبار قرية الإسكينية إنكِ كنت العاشقة التي تقود الدبكة في البيادر..

ومذكور في نصوص العشق إنكِ أنتِ ليلاي.

تلك الفتاة التي كنت أتسلل إلى سطح منزلهم لأقابلها كل مساء

تلك التي كتبت سيرتها في حكايات قرى شنكال الطينية.

***

مراد سليمان علو

قصيدة هايبونية

في صباح يوم ربيعي مشمس

استيقظت من نومي اغتسلت

وابتسمت لشعاع الشمس الداخل

كزائر عزيز عبر نافذة غرفتي ثم ارتيت ملابسي الرياضية

وخرجت كان عطر الازاهير العذب يملا رئتي

تنفست تنفسا وحسب ايقاع اربع توان شهيق

وثانيتين حبس النفس وست ثوان زفير

كان صباحا عذبا رائعا رائعا

فمضيت صوب الغابة

وفي طريقي ابتسم لي عندليب غريد

وانا اسير قرب حديقة غناء

تسالت كيف حالك ايها العندليب الجميل

اجابني العندليب الغريد

لا باس لاباس وقد تعترض حياتي اليومية

بعض المنغصات

كنعيق بومة او نعيب غراب

واحيانا وفي بعض الليالي وانا نائم

يوقظني عواء بنت اوى او ثعلب

فابقى يقظا الى الصباح وهذا اشد ما

يؤذيني ويؤلمني قلت له اترغب ان تبني

عشك بامان في قلبي

اطلق العندليب الجميل تغريدة فرح ملونة

مرفرفا بجناحيه الرماديين ثم اجاب نعم

نعم بكل تاكيد نط من غصن الى غصن ومن ثم

دخل قلبي  وغنينا معا

اغنيات البرق

الريح

والمطر

واغنيات الفراشات والنحلات الجميلات

في مروج الحياة

***

سالم الياس مدالو

تَـرمـي يَـواقـيـتَـهـا

فـي الـيَــمِّ

... كـانَ ضُـحـى

لَـيْـلاً ومـا إنْ صَـحَـتْ

حَـتّـى مَـضـى شَـبَـحـا

*

قُـرْصـانُ غـافِـيَـةٍ

فـي كَـوْثَـلٍ ــ ذَهَــبٍ

رُبّـانُ قـافِـيَـةٍ

يـا طـالَـمـا جَـنَـحـا

*

عـنْ هَـدْيِ بـوْصَـلـةٍ فُـصْـحـى

إلـى جُـزُرٍ

عَـذْراءَ تِـنّـيـنُـهـا

مـا مَـرَّةً مَـزَحـا

*

الـصـاعِـدونَ عـلى الأسـوارِ

مـا رَجـعــوا

وكـيـفَ يَـرجـعُ مَـنْ أصـغـى

أو الـتَـمَـحـا؟

*

كَـمـا تُـطِـلُّ أبـاريـقٌ

عـلى قَـدَرٍ

فِـي الـغَـيْـبِ

تَـحْـسـبُـهُ

مِـن تَـحْـتِـهـا قَـدَحـا

*

فـاضَ الـمَـجـازُ مُـريـداً

شـيْـخُـهُ مَـدَدٌ

واشّـابَـكَـتْ فـيـهِ

سُـبْـحـانـاتُـهُ جُـنَـحـا

*

حَـدَّ انـفـلاقِ الـنـوايـا

فـي مَـدارِ رؤىً

قَـبْـلَ الـمـحـاقِ بِـعـرْجـونِ

الـذي اقـتَـرَحـا

*

أنْ تَـصـطـفـي مـا أرادَتْ

مِـن جـواهِـرِهِ

إلّا بِـرُمّـانـةِ الـيـاقـوتِ

مـا سَـمـحـا

*

إذْ يَـرجـمُ الـغـيْـبُ غَـيْـبـاً

لـيـسَ بَـيْـنَـهُـمـا

سـوى تَـقـاذُفِ مـا يَـحْـلـو غَــداً

بَـلَـحـا

*

ومـا تَـخـاطَـرَ

مِـن إيـقـاعِ سـابِـحَـةٍ

فـي بـالِ مَـنْ ظَـنَّ

فـي إيـقـاعِـهـا سـبَـحـا

هَـمّـتْ بِـقـسْـطـاسِـهـا الأعـلى

وَهَــمَّ بِـهـا

ولا يَـزالانِ

لا كَـفَّـتْ ولا رجَـحـا

*

كـأنَّ مِـنـهـا عـلى أمـواجِـهِ

زَبَـداً

كـأنَّ مـنـه عـلى

أقـواسِـهـا قُـزَحـا

*

هـل تـلْـكَ ذاكَ

أمْ الـمـعـنـى عـنـادِلُـهُ

تَـطـغـى عـلـيـهِ إذا مـا فَـجْـرُهُ

صَـدَحـا

*

شيءٌ يَـظـلُّ مِـن الّـلا شيءِ

فـيـهِ صـدىً

يَـجـري ودافِـعُـهُ يَـبـدو كَـمَـنْ

كَـبَـحـا

*

مـجْـرى الـسـؤالِ الـذي امـتَـدَّتْ

رَوافِـدُهُ

فـي

عُـمْـقِ أدغـالِ ــ لَـمْ يُـغْــلِـقْ ولا فَـتَـحـا ــ

*

بَـرْقٌ يُـعـانِـقُـهـا خَـطْـفـاً فَـتـأخـذُهُ

مِـنـهـا الـدَيـامِـيسُ

مـا شـاءَ الـذي مَـنَـحـا

*

قَـلْـبُ الـرمـادِ رمـادِيٌّ

مـتى ظـعـنـتْ

قـبـيـلـةُ الـسِـرِّ ! حـتّـى الـكـلـبُ

مـا نَـبـحـا

*

لَـمّـا يُـضِئْ زيـتُـهـا

زيـتـونـةٌ أُمِـرَتْ

بـل كـادَ لـكِـنّـهُ

عـن (كـادَ) تـيـكَ

نَـحـا

*

نَـحْـوَ اغـتِـرازِ فـتـيـلٍ

هـكـذا بَـدأتْ

وهـكـذا خَـمَّـنَ الـمَـغْـروزُ

كَـمْ رزَحـا

*

فـي جُـبِّ أحـوالـِـهِ حـتّـى

إذا رضعـتْ

تـلْـكَ الـذُبـالَـةُ

شَـبَّ الـحَـدْسُ واجـتَـرَحـا

*

عَـرْشـاً عـلى الـمـاءِ

قـال الـسـومَـرِيُّ: هـنـا

لا بَـيْـتَ كـالـفُـلْـكِ

إنَّ الـمـاءَ قـد طَــفَـحـا

*

مـا أنـفَـكَّ يَـسْـري

سَـرى مـاءً

مَـفـازَتُـهُ

سـرْحـانُ سـيـرَتِـهـا والـلـيْـلُ مـا بـرحـا

*

يَـعْـوي عـلـى الـبـدْرِ

مَـغـسـولاً بِـفـضّـتِـهِ

فـالـعـيْـنُ ذي

ذئـبُـهـا مِـن وحـشْـةٍ

سَـرِحـا

*

وأنَّ سـابِـحَـةً أسـرى بِـهـا أرِقٌ

كَـمْ خَـطَّ مِـن طُـرُقٍ

فـي رَمْـلِـهـا ومَـحـا

*

فـي كُـلِّ خـافـيَـةٍ

مِـن تَـحْـتِ بـادِيَـةٍ

بِـئْـرُ الـسـرابِ

ومَـلْأى دَلْـوُ مَـنْ مَـتَـحــا

*

جـاءَ الأُجـاجِـيُّ مِـن بـحْـرِ الـفـلاةِ

لِـكـيْ

يـذوبَ

فـي عـذْبِـهـا إنْ كـوزُهـا نَـضـحـا

*

غـامَ الـغـطـاءُ

وكـانـتْ (سَـوْفَ) عـارِيَـةً

مِـثْـلَ الـبَـداهَـةِ غَـطّـاهـا الـذي

شَـرحـا

*

هُـنـا، هُـنـاكَ: فُـوَيْـقَ الـنـونِ

جَـمْـرَتُـهُ

وكُـلُّ مَـنْ َ حـامَ

مِـنْ حَـوْلِ الـتي لُـفِـحـا

*

كـأنَّ ضـنْـكـاءَ

إذ جُـنَّـتْ مُـقَـهْـقِـهَـةً

تَـقـولُ : وحْـدي هـنـا

مَـنْ تُـبْـدِعُ الـفُــسَـحـا

*

أتـى عـلـيـهـا

مِـن الـدَهْـرِ الـذي ذكَـرتْ

حـيـنٌ

وكـان كـمـا شَـقَّـتْـهُ مُـفْـتَـتَـحـا

*

يُـفْـضـي إلـى ... بَـغـتَـةً

أفْـضـى إلـى

ـ ـ ـ ـ

ظُـلَـمٌ

مـا عـادَ مِـن خَـلْـفِـهـا ضـوءٌ

ولا رَشـحـا

*

إلّا

قــنـاديـلَ تُـسْـقـى مِـن مُـخَـيِّـلَـةٍ

إلّا

تـآويـلَ

خـيْـطُ الـفَـجْـرِ مـا اتَّـضَـحـا

*

الـحَـقُّ

مَـنْ لَــمْ تَـرَ الـمـرآةُ صـورَتَـهُ

والـريْـبُ في مَـن رأى واعـتَــمَّ

واتَّـشَـحـا

*

قـافـا حـقـيـقـتِـهِ

لا يَـسْـنَـحـانِ مَـعـاً

أسـخـى بَـوارِقِـهِ قـافٌ

إذا سَـنَـحـا

***

جمال مصطفى

2014

جـمـال مـصـطـفـى

قصّة لمحة

يوم كانت السماء تنطق عن الآلهة

تنقلت إلهة الحب بين اكثر من إله

الصغار والكبار

ولم يكن أيٌّ من الآلهة ليشك فيها أن تخونه

كانت تعبث بهم جميعا

وهم غافلون

وعندما ظهرت على الإلهة الجليلة بوادر الحمل

طرقت باب كلّ إله

انفردت به

وصارحته بما كان

وهل يرغب في أن ينسب حملها له؟

فراود الخجل كلّ واحد منهم

كل إله طلب منها ان تحفظ السر

لكن إلهة الحب طلبت ان تلتقيهم مجتمعين عند كبير الآلهة

عندئذ صرخت بصوت اهتزت له السحب والكواكب:

ياكبير الآلهة الم نلتقي في ساعة لطف؟

ياإله الحرب الم يجمعنا فراش واحد؟

يا اله الشفق اتذكر ليلتنا الحمراء

ياإله الفن

يا..

يا..

واحدا واحدا

خاطبتهم

ثم القت عليهم سوطها:

ابن من منكم هو؟

رفع الآلهة رؤوسهم.. احتدوا في النقاش وانفعلوا كادوا يدخلون في عراك شديد مرير

 كان كل إله يدعيه ولايدعيه

يقرّ وينكر

في النهاية رفع كبير الاهة يده فتوقف الجميع . صمت لحظة وقال

مادام الامر كذلك أرتأي ان نخلق كوكبا ندعوه الارض يعيش عليه المولود الجديد سوف يكون بعيدا عنكم لا يقدر الوصول اليكم ولا تلمسونه إلا في أحلامه!

***

قصي الشيخ عسكر

المنافي البخيلةُ لا تعشقُ الأسخياءَ لذا كنتَ فيها وحيداً ومغترباً أبديا..

المنافي اللئيمةُ لا تعشقُ الكرماءَ وتبحثُ عن صحبِها اللؤماءِ ولا ترتجي أنْ يكونوا لها أبدَ الدهرِ خلّانَها الأوفياءَ ولكنْ يؤدونَ أدوارَهمْ ثمَّ ينصرفونْ ..

في المنافي المريبةِ سوف ترى انَّ ابنَ المدينةِ يتبعُ سيدَهُ، وترى انَّ ضيفَ المدينةِ يتبعُ سيدَهُ، وأنتَ تحاولُ ان تتأملَ حُرَّاً وتعشقَ حُرَّاً وتكتبَ حُرَّاً بلا سيدٍ كي تكونْ..

اذا كانَ أسيادُهم نفسَهم ستكونُ لغاتُ الاشارةِ واسطةً في العيونِ ومِنْ غمزةٍ يفهمونْ.

وأنتَ ـ وانْ كنتَ تفهمُ ـ تبقى وحيداً ومغترباً أبديا ..

***

شعر: كريم الأسدي – العراق

1/8/2026

كان آخرُ لقاءٍ لنا يشبهُ صلاةً بلا قبلة، ودعاءً يعرفُ قبلَ أن يُرفعَ أنَّ السماءَ لن تجيب.

*

التقينا خارجَ الزمن... هناكَ حيثُ لا ساعاتٍ تُطاردُ أعمارَنا، ولا قطاراتُ الغيابِ تجرُّ خلفها حقائبَ الراحلين.

*

كنا معًا فقط... كأنَّ العالمَ كلهُ نسيَ طريقهُ إلينا، وكأنَّ القدرَ، للحظةٍ عابرة، أغلقَ كتابهُ وتركنا بينَ السطور.

*

لكنَّ الواقعَ كان ينتظرنا عندَ بابِ المطار، واقفًا بوجهه البارد، يحملُ تذكرةَ الفراقِ ويبتسمُ بلا رحمة.

*

رأيتكِ يومها تجرّينَ خطواتكِ بصعوبة، كأنَّ الأرضَ تمسكُ قدميكِ وتقولُ لكِ: لا ترحلي...

*

كانت حقيبتكِ الصغيرةُ تختبئُ بينَ يديكِ لكنني كنتُ أعرفُ أنها كانت أثقلَ من الجبال. ففيها لم تضعي ثيابَ السفر، بل وضعتِ أعمارَنا الصغيرة، ضحكاتِ الصباحاتِ التي لن تعود، دفءَ الليالي التي نامَ فيها الحزنُ بعيدًا، ورسائلَ لم نكتبها لأنَّ عيونَنا كانت تعرفُ القراءة. كنتِ تحشرينَ ذكرياتِنا بينَ ثنايا الحقيبة، كأنكِ تخافينَ أن يسقطَ منها شيءٌ من قلبكِ.

*

أما أنا... فكنتُ أحملكِ بينَ ذراعيَّ كما يحملُ الغريقُ آخرَ خشبةٍ من سفينتهِ المحطمة. كنتُ أحتضنكِ بيأسٍ عظيم، بيأسِ رجلٍ يعرفُ أنَّ هذه الذراعينِ ستعودانِ بعد لحظاتٍ فارغتينِ من معجزةِ وجودكِ. كنتُ أريدُ أن أقولَ لكِ: ابقي... لكنَّ صوتي ماتَ في صدري، فبعضُ الأحزانِ أكبرُ من الكلمات، وبعضُ الرحيلِ لا يملكُ الإنسانُ أمامهُ إلا أن ينحني.

*

كانت حقيبتي بجانبي... تلك الحقيبةُ التي رتبتِها بيديكِ في الليلةِ الأخيرة، حين كنتِ تضعينَ أغراضي وأنتِ لا تعرفينَ أنكِ تضعينَ معها آخرَ نبضةٍ من طفولتي. بقي فيها عطرُ أصابعكِ، بقي دفءُ يديكِ، بقيتْ لمسةٌ صغيرةٌ منكِ تقاومُ السفرَ والغياب. حتى الملابسُ هناك كانت تعرفُ أنكِ رحلتِ.

**

ثم جاء النداء... ذلك الصوتُ الباردُ في المطار الذي لا يعرفُ شيئًا عن القلوب. نادى اسمكِ... فشعرتُ أنَّ نصفَ روحي غادرَ قبلَ أن تتحركَ الطائرة. ونادى اسمي... فشعرتُ أنني ذاهبٌ إلى مكانٍ لا يوجدُ فيه أنتِ.

*

مشيتِ نحوَ طريقكِ، ومشيتُ نحوَ طريقي. يا لقسوةِ الحياة... حتى الأقدامُ التي اعتادتْ أن تمشي معًا، تعلمتْ في لحظةٍ واحدة كيف تفترق. أنتِ ذهبتِ نحوَ الشرق، وأنا ذهبتُ نحوَ جهةٍ أخرى، وبيننا بقيَ المطارُ مثلَ جرحٍ مفتوحٍ لا ينام.

*

كانت طائرتانِ تنتظرانِنا... طائرتكِ أخذتْ صوتكِ، وضَحكتكِ، وظلَّكِ الذي كان يسكنُ عيني. وطائرتي حملتني بعيدًا عن المكانِ الوحيد الذي كنتُ أشعرُ فيه أنني حيّ.

**

حين ارتفعتْ طائرتكِ... لم أرَ جناحينِ يصعدانِ إلى السماء، بل رأيتُ قلبي معلّقًا في نافذةٍ صغيرة، ينظرُ إليَّ ولا يستطيعُ العودة.

**

ومنذُ ذلك اليوم... كلُّ مطارٍ أراهُ أبحثُ فيه عنكِ. كلُّ حقيبةٍ تمرُّ أمامي توقظُ رائحةَ أصابعكِ. كلُّ امرأةٍ ترتبُ شعرها تعيدُ إلى ذاكرتي يديكِ وهما ترتبانِ فوضى أيامي.

لقد غادرتِ... لكنَّ الغيابَ لم يأخذكِ مني. لقد ترككِ في داخلي جرحًا جميلاً، ينزفُ كلما تذكرتُ أنَّ بعضَ الذين نحبهم لا يرحلونَ بعيدًا... بل يسكنونَ المسافةَ بينَ نبضةٍ ونبضة.

*

وما زلتُ، إلى اليوم... أقفُ في ذلك المطارِ القديم، أحملُ حقيبتي، وأنتظرُ طائرةً لن تأتي، لأنني أعرفُ... أنَّ آخرَ رحلةٍ لنا لم تكنْ إلى مدينةٍ أخرى، كانتْ إلى الذكرى... وكان اسمُها: الذكرى الأخيرة في المطار.

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

كان الرجل واقفاً في الغرفة،

كأن الجدران نسيت أن تفصله عنها.

لا يدخلها حقاً ولا يغادرها

يرتدي قميصاً أصفر. قالت له بهدوء: جميل. لكن الكلمة لم تجد سطحاً تهبط عليه وظلّت معلّقة، كلونٍ لا يعرف لأيِّ ضوءٍ ينتمي.

لم يكن القميص مكويّاً كان مسترخياً عند الشكلومتوتراً عند المعنى، كأن اللون حُمِّل ما لا يطيق.

تقدّمت خطوة. لم ترَ شيئاً بعينه، بل زيادةً لا تعرف سببها كأن الجسد يستعين بالشكل ليستر نقصاً لا اسم له.

لم تخف الدهشة وحدها حضرت.

حاول الرجل أن يُشغّل ما لديه حرّك، ضغط، وأعاد المحاولة، كمن ينتظر من شيءٍ أن يفعل ما لم يُخلق له. ثم نهض، وجاء بآلةٍ لا اسم واضحاً لها تشبه لابتوباً، أو جهازاً صغيراً، أو اختراعاً لا وظيفة مؤكدة له شغّلها.

اندفع هواءٌ بارد، باردٌ بما يكفي ليملأ الفراغ، لا ليغيّر شيئاً.

عندها لم تعد تنظر إليه بل إلى المشهد كله. انسحبت بهدوء. لم تُصلح القميص، ولم تُجادل اللون، ولم تبحث عن اسمٍ لما رأت. خرجت وهي تعرف: أن ما يتعطّل في الداخل لا تصلحه الريح.

يُترك.. ليتعلّم بردَه بنفسه.

*** 

رائدة جرجيس

رِهَـانُ الـحَـقِّ والـمَـالِ ابْـتِـلَاءُ

بِـمَـنْزِلَـةِ الـرَّجَـاءِ ولَا رَجَــاءُ

**

- يَقُولُ (الجَاهِـلِيُّ): أَمُوْتُ أَشْوَىٰ

مِنَ الأَغْـلَالِ؛ فَالـحَبْسُ الفَـنَـاءُ

لِأَنَّ الـمَوْتَ وَمْضٌ في سَحَـابٍ

وحَـبْسُ الـمَرْءِ مَضْغٌ وارْتِـغَـاءُ

فأَيُّ القَـاتِلَـيْنِ أَمَـضُّ فَـتْـكًـا؟

وأَنْـكَىٰ في ذَوِيْ القَتْلَـىٰ، تَـشَاءُ؟

وإِطْـفَـاءُ الحَـيَـاةِ بِـغَـيْـرِ حَـقٍّ

لِـحَـقِّ الحَـيِّ فـي الحَـقِّ انْطِـفَـاءُ

ولٰكِـنْ أَهْـوَنُ النَّـارَيْـنِ نَـارٌ

تَـمُـرُّ بِـهَا، وأَهْـوَلُـهَـا الثَّـوَاءُ!

**

ورَاهَنَـهُ (مُحَامِيْ الحَبْسِ)، صَبْرًا

عَلَىٰ حَـبْسٍ، وإِنْ طَـالَ العَـنَـاءُ:

- حَيَاةٌ فـي جَحِـيْمٍ لِـيْ حَيَـاةٌ،

ومَـوْتٌ فـي النَّـعِيْمِ لِـيَ امِّـحَاءُ!

**

- فصَاحَ (الجَاهِـلِيُّ): عَدِمْتُ مَالِـي،

فَلَا، وأَبِيْكَ... رُحْ، هٰذا افْتِرَاءُ!

أَمَوْتُ الفَـرْدِ، مَوْفُـوْرًا عَزِيْـزًا،

ودَعْـسُ الجَمْعِ في فَـرْدٍ، سَوَاءُ؟!

ومَـا الأَغْـلَالُ إلَّا كَـاغْـتِـيَـالٍ،

وإِنْ يُـرْجَىٰ بِـغَـيْـهَـبِـهَا الفِدَاءُ؟

فخُذْ قَصْرِي، ومَا مَلَكَتْ يَمِيْـنِـي،

ثَـكِلْـتُكَ، إِنْ تُطِقْهَا، يَا لَـفَـاءُ!

**

فتَمَّتْ صَفْقَـةُ الـمَغْـبُـوْنِ عَصْرًا

وأَعْلَنَ عَنْ رِهَانِـهِمَـا العِـشَاءُ

وأُوْدِعَ مُجْتَـبَىٰ الأَغْـلَالِ سِجْـنًا،

وبَـاتَ (الجَـاهِـلِيُّ) لَـهُ رُغَــاءُ:

- أَهَنْتَ العُمْرَ، يَا مَغْرُوْرُ؛ فَاهْنَأْ

بِـمَا غَـزَلَتْ يَـدَاكَ، ولا عَـزَاءُ!

**

وبَـيْـنَا (الجَاهِـلِيُّ) يَـدُوْرُ عُجْـبًا

بِصَفْـقَـتِـهِ، يَـطِـيْرُ بِـهِ انْـتِـشَاءُ

تَـرَدَّىٰ مِنْ أَعَالِـيْ القَـصْرِ مَـيْـتًا،

وصَـاحِـبُـهُ تَـرَدَّاهُ الـثَّـرَاءُ!

**

وغَـادَرَ مُوْدَعُ الأَغْـلَالِ سِجْـنًا

وبَـاتَ قَـرِيْـرَ عَـيْنٍ لَا يُـسَـاءُ

وأَجْرَىٰ إِرْثَ مَا اسْتَـثْـرَىٰ رِهَانًا

عَلَىٰ مَنْ كَانَ مَسْجُوْنًا؛ فَبَاؤُوا

إِلَىٰ أَهْلِـيْـهِمُ صُبْـحًا صِبَـاحًا

كَأَنْ لَـمْ يُسْجَنُوا يَوْمًا، وفَاؤُوا

إِلَىٰ الحَقِّ القَرَاحِ، وصَفْوِ حُبٍّ،

إِذَا مَا أَظْلَمَ الـمَسْرَىٰ أَضَاؤُوا!

**

ورُبَّ غَدٍ أَتَـىٰ مِنْ غَيْرِ وَعْـدٍ

بِـمَا لَا يُـشْتَـهَىٰ فِيْـهِ الـغَـدَاءُ

ورُبَّ غَدٍ أَتَـىٰ مِنْ غَيْرِ وَعْـدٍ

بِـمَا لَا يُـشْتَـهَىٰ فِيْـهِ الـمَـسَاءُ!

**

فَـلَا تَـعْـجَـلْ؛ فَـإِنَّ اللهَ أَدْرَىٰ

بِـمَا رَسَمَتْ يَدَاهُ لِـمَنْ يَـشَاءُ!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

.............................

(1)  مستوحاة من قِصَّة «الرِّهان»، للكاتب الروسي (أنطون بافلوفيتش تشيخـوف، -1904).

أبحث عنك في الخطى المفارقه

يقودها إلى لاشئ، لا مكان

وهم الانتظار والحضور والغياب

"صلاح عبد الصبور "

1

خِلسةً أُعرِّي ضوْءَكِ مِنِّي،

أَشُمُّ هُمومَ شهوتِكِ الآنْ،

ينهدُّ فيكِ سُهومُ اللَّمسِ،

ويصيرُ جَفْني شطَّ رُؤاكِ

2

وقبَ الأحاسيسَ نوتُ* الشَّذا،

وأُصيخُ للَّفْحِ، نبضي يهيمُ،

أَستلُّ من فروةِ البوحِ روحًا،

يهوي كطلٍّ نحيلِ الظِّلِّ

3

مَنْ هزَّ شالًا على رَفرَفٍ؟

مَنْ صيَّرَ الثَّغرَ وحيًا يهُمُّ؟

أَطفأْتِ شكلَ دُجى لمسِنا،

فسقى الدُّخانُ كؤُوسَكِ مِنِّي

4

يا وهجَ حوَّاءِ في نَفْسِها،

سالَ النَّدى فارتعدتُ وُجودًا،

ها أَنتِ، حينَ دعوتِ انتِزاعي،

تُداوينَ جُرحي بِلفحِ الحنينِ

5

أَرسُمُ وَجْهَكِ كالبتلةِ،

تتدلَّى بينَ نهديْكِ الآنْ،

هلْ تَسلُبينَني  صلاتي؟ لقدْ

نادى الضِّياءُ أَصيلَ العُيونِ

6

صُبحي بريقُ عُيونِكِ، يهوي

فوقَ النَّسيمِ ويرفعُ روحي،

نايُ المَلاماتِ يبكي ويجري

في وترِ الجُرحِ بِما يستطيعُ

7

ترقُصُ رِيشةُ أَهدابي،

وتطيرُ بلابِلُ نبضي مِنْكِ،

فلا تُفسِدِي للسَّمعِ نبرتهُ،

دَعِيهِ يَرُومُ بَقَاءَ المُقَامِ

8

حَلَماتُ نغمٍ كمِنقارِ طيرٍ،

تستفزِزُ لحظي وتوقِظُ دمِّي،

من أَيِّ دِينٍ؟ من أَيِّ نبضٍ؟

قلبي لجُوؤُكِ.. وَجْهٌ يتيمُ

9

لا شيْءَ يُطفئُ هذا اللَّظى،

أَشتعِلُ الآنَ.. دعيني أَفورُ،

اسكُبي نبذةَ نبيذٍ عليَّ،

فقدْ شبِعَ القلبُ نارًا.. نارًا

10

ضمينةُ الرَّحمةِ اسقيني،

هذا ظمئي لا يُطفِئُهُ دِينٌ،

فِجاجُ غُروبي طويلةٌ،

والنَّزغُ يخُرُّ بِجنْبي ويوقِدُ روحي

(وقفة)

[أَشعلَ نيرونُ نارَ رُوميَّتي،

شُحُّ همسٍ..

شطُّ الجُفونِ..

وبقيتُ أَرى بِالعينِ الَّتي

خلقَ اللهُ في الأُولَى

*

أَهيَ ليلةٌ،

وأَمضي،

أَحمِلُ صليبي،

أُعاوِدُ صُعودي نحوَ الجُلجُثةِ..

قولي: آمينْ..

قولي: آمينْ

*

سلي "أَسترَ" عَنِ اليهودِ..

كُلُّنا أَبناءُ تُرابٍ،

والطِّينُ لا يصلُحُ بِلا ماءٍ]

الكودا

أَنتِ تُوقِدينَ في جُرحي صوتًا،

وترُشِّينَ نارًا على نبضِ نبضي،

ما زِلْتُ أُولِعُ..

ما زِلْتُ أَهوَى،

وجميعُ جُروحي تهتِفُ:

هاتي

***

سعد محمد مهدي غلام

.....................

هامش:

نُوْتُ: هي إلهة السماء المصرية القديمة، و تلقب ملكة السماء، وتُرسَم كامرأة مقوسة مرصعة بالنجوم تمد جسدها فوق الأرض.

 

أنا الذي عبرتُ الحدودَ

على شفراتِ قوسِ قزحٍ مُنكسر

أركضُ بلا أقدامٍ

أطاردُ ظلاً يُغنّي في أذنِ جرسٍ أصمّ

سمكة تُلقي بزعانفِها في فمِ ساعةٍ

لم أدرِ أنَّ الحزنَ قبّةٌ من شمع

تُطوى كسجادةٍ

مع من حالفه الحظ بالخروج من السباق.

*

تحاملتُ على نفسي وأعلنتُ العصيانَ

مِثل تمثالٍ يرفضُ أن ينكسر

أو ساعةٍ تُلقي بأرقامِها

مع أن قلبي كرةٌ من أسلاكٍ شائكة.

تتملّكني رغبةٌ عنكبوتٍ

ينسجُ من عينيهِ صحراء

تُطيرُ على أجنحةِ البحر

أعبرُ بها الوهادَ

أحلق في رئةِ السماءٍ

أغرقُ في بركةِ أصواتٍ

تُشبهُ أظافرَ القمر

أصمتُ أمامَ ألسنةٍ تُلوّحُ بأيدٍ مقطوعةٍ .

*

أرمقُ الحياةَ بعينٍ تُشبهُ مرآةً تُبكي زجاجَها

أعرّي الآمالَ كشجرةٍ تُمطرُ أغصانا

أشطبُ اللافتاتِ بأظافرَ من ورقٍ أسود

أحرقُ النبوءاتِ في شوارعَ لها رائحة فاسدة .

*

أكتب بروح أتعبها الأمل

وجسد تحمله ثياب تُعانقُ الجِلد .

*

حذائي كفٌّ مُغبرةٌ

أطردُ عنهُ فرحاً من نافذةٍ مخضبة بالانتظار

أظلُّ وحيداً

أكتبُ إلى رحمِ الرحيلِ المُذاب.

2

أُعيدُ ترتيبَ وجهي

كما تُرتِّقُ الأرملةُ قميصَ ميتٍ

أخلعُ ملامحي

وأرتدي صوتَ من سقطوا سهواً من دفاترِ الضوء.

*

أحشو فراغي بصدًى يتأتأُ من فمِ الغياب

أجرُّني بخيطٍ من دخان

كأنني أمنيةٌ عالقةٌ

في درجٍ لا يُفتحُ إلا بالعطش.

*

أغمسُ أصابعي في حبرٍ متخثّر

وأكتبُ لا لأشفى

بل لأتذكّر أنني ما زلتُ أنزف.

كلُّ كلمةٍ جدارٌ

وكلُّ فاصلةٍ صفعةٌ

وكلُّ سطرٍ جثةٌ

أحنّطُها على عجل

ثم أبتسم.

*

أتسلّقُ جدارَ الوقت

بأظافرَ هشّة

وفي قلبي جُرحٌ يتثاءب

كلما فكّرتُ بالنجاة.

*

في عيوني خريطةٌ تُمزّقها الرياح

وأنا أتابعُ طيرانَ غربانِ الحنين

أينما ذهبت

يسبقني ظلّي

ينامُ على عتبَةِ حبرٍ مُتّقد

ويصحو على صوتِ مفاتيحٍ ضائعة.

*

أكتبُ

كأنني آخرُ الناجين من زلزالِ الأمل

وأمامَ بابٍ لا يُفضي إلى شيء

أنتظرُ...

أن ينضجَ الصمت

وأحملَه بين كفّي

كوصيّةٍ غير مكتوبة.

3

في داخلي نايٌ

كُسرتْ نغمتُه الأخيرة

وما زال يعزفُ صمتًا

يشبه نباحًا في فجرٍ أعمى.

*

أفتحُ صدري لريحٍ

تُربّتُ على كتفي كأمٍّ نسيت أسماء أولادها

أمشي بخطى تُشبه صلاةً

لم تكتملْ.

*

كلُّ شجرةٍ في ذاكرتي

تحمل اسمًا

دفنته في قصيدةٍ لم أكتبها بعد

وكلُّ حريقٍ

مرآةٌ أطلُّ منها على وجهٍ لا يشبهني.

*

أنقرُ على الجدار

كأنني أُراودُ الليلَ عن صمته

أجمعُ غبارَ الشكّ

وأذرّه على جرحٍ نسي كيف يبرأ.

*

اللغةُ طينٌ أعجنهُ بأوجاعي

وأبني منهُ بيتًا ليس له باب

ولا سقف

ولا جدران

فقط نافذة تُطلُّ على حقلٍ من رؤوسٍ مبتورة.

*

أُمسكُ بالقلمِ

كمن يمسكُ بعقربٍ

ينزفُ من ذيله حروفًا

تشربُها أوراقي ببطءِ ميتٍ

أُقيم له طقسَ الكتابة.

*

أنا لستُ سوى ظلّ

يعبرُ من تحتِ الكلمات

باحثًا عن ملامحه

في وجوهٍ لا تعرف كيف تبكي.

4

أمشي على حوافِّ الذاكرة

كأنني أحرثُ رملًا بصوتي

تُحدّق فيّ الجهاتُ الأربع

ولا جهةَ تحتويني.

*

كلّما كتبتُ

انسلّت منّي طيورٌ بلا مناقير

تحمل رسائلَ لم يقرأها أحد

وتعود مثقلةً بخيبةٍ

تقطرُ من أجنحتها سطورٌ مبتورة.

*

أنامُ في فراشٍ من أسئلة

تتململُ تحتي الأحلامُ

كعُملةٍ سقطت بين الأرصفة

تُصفّرُ الريحُ حولها

ولا يلتقطها أحد.

*

وجهي كتابٌ مفتوح

نزعتُ عنه الغلاف

وبقيتُ أقرأني

كلّما أغمضتُ جفنيّ

أصفّقُ لذاكرتي

كأنها ممثلٌ فاشل

نسي دوره في منتصف العرض.

*

أُجرّ الصوت من حنجرته

وأُعلّقهُ على مشجبِ البوح

أرقبُ الكلماتِ وهي تتدلّى

كجثثٍ لا تجد ترابها.

*

أعيش في جملةٍ شرطيةٍ

معلّقةٍ بين "لو" و"لكن"

وفي قلبي

مدينةٌ بلا مداخل

كلّما حاولتُ الدخولَ

صادفتُني واقفًا على الباب

أرفضُ أن أفتح لنفسي.

*

ها أنا أصلُ

لا إلى نهاية

بل إلى حافةٍ أرقَّ من الورق

أقفُ هناك وألوّحُ لظلي

الذي سبقني إلى الغياب.

*

أُسدِلُ ستارةَ القلب

وأطفئُ قنديلَ الجُمل

لم يتبقَّ منّي سوى نفسٍ دافئ

عالِقٍ بين حبرٍ جاف

وصوتٍ لم يصرخْ بعد.

*

الكتابةُ لم تُشفِني

لكنها علّمتني

كيف أنجو بلا جناحين

وكيف أرمّمُ عُزلتي

بأبجديةٍ لا تُجيدُ الطمأنينة.

*

فإن سألوك عنّي، قل:

كان يكتبُ كمن يخلعُ جلدهُ

بحثًا عن وجهٍ

يليقُ بهذا الانطفاء.

***

مروان ياسين الدليمي

مِن أين أبدأُ يا شجوني

لأهلَّ بالدمعِ الهَتونِ

بالسِبطِ وهو مُضرّجٌ

أم بالعقيلةِ والضعونِ

أم بالسبايا العائدينَ

لكربلا في الأربعينِ

يحدو بهم أملُ اللقاءِ

مُخضّبًا بدمِ الشؤونِ*

بالحزن بالألم المريرِ

ليستقرّا في الجفونِ

لأرى العقيلةَ زينبًا

ألَقًا يُضيئُ مَدى السنينِ

ودمَ الحسينِ بكربلا

نهجًا تجلّى باليقينِ

هو ثورةُ الحقِّ المُبينِ

فسِرْ على النهجِ المُبينِ

وهو الصِراطُ المستقيمُ

لِمَنْ شرى دنيا بدينِ**

ودمُ الشهيدِ شهادةٌ

بالنور تُكتبُ في الجبينِ

أمّا الطغاةُ كما ترى

في مَوقفِ الذلِّ المُشينِ

منهم يزيدُ ابن الطليق

ينامُ بالركنِ الركينِ

دنياهُ كانتْ لُعقَةً

فيها انتهى أربُ اللعينِ

وغدا اللعينُ ابن اللعينِ

بلعنهِ بُرءَ الحزينِ

فعليهِ لعنةُ ربِّنا

ما رفَّ طيرٌ في الوكونِ

ذكراهمُ نتنًا تفوحُ

وأيُّ ذكرى للمَهين

فقبورهم هي شاهدٌ

ما بين أزبالٍ وطينِ

هُمْ عِبْرَةٌ تبقى لنا

ولكلِّ ذي لُبٍّ فَطينِ

وترى الحُسينَ بمجدهِ

يعلو ويسمو كلّ حينِ

لتظلَ ثورتَهُ لنا

مددًا وترسيخًا لدينِ

ولسوف تبقى كربلا

كربًا على أهل الضُغُونِ

وتكون حتفَ الناصبيِّ

وكلِّ ذي غَرَضٍ ودوني

هي كربلا وكفى بها

عِطرًا تفوحُ على السنين

للآنَ يخشاها العِدى

فهي المنونُ على المنونِ

هي كربلا تبقى إذًا

ماءَ العيونِ الى العيونِ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / فارا - الجمعة في 5 شباط 2010

....................

* بدم الشؤون: الدم الجاري مِن مجاري العيون

** شرى الدنيا: باع الدنيا

تُصَلّي قافِلَتي نحوَ قِبلَةٍ أُخرى

تُردّدُ كلما دَنَوت

أدعيةَ العُميان

لعَلّي أفتحُ باباً الى السَماء

لكنّني كالشَجرِ العاري

لا تَهُزّني الرياحُ..

للصَلاة

**

2

الجِسرُ الذي يًحمِلُني كلّ يوم

في يوتيبوري

لا تَجري تَحتَهُ طُفولَتي

كأنّما يمقُتُ آثاري

فأخلَعُ عن وجهيَ القِناع

لأبتَزَّ من يَعبُرون..

بسَحنَتي

**

3

غفَلتُ أن أُزَخرفَ السِنين

ببضعَةِ أسماء.. بضعةِ أيّام

فصِرتُ كالحَجَرِ الثَقيل

نسيَ الجِبالَ التي أنجَبَته

تركُلُهُ الريحُ.. والمَطَر

وأنتظِر.. أنتظِر

ركلةً أُخرى

**

4

ناصَفَتْني جَدّتي السَرير.. في العاشرة

لم يكُن عندَها زُجاجةُ عِطر

لكنّني.. كلّما شَرَطتُ ذاكرَتي

أشمُّها .. أشمُّني

وحينَ أغرَقَتْني ألسَبعون

ترَكتُ نصفَ الفِراش..

لها

**

5

للنَهرِ في بابِ سُليمانَ فَمٌ

غنّى للطينِ..

ولي

لم أعرفْ أن النَهرَ تعلّمَ الصَمت

منذُ نأَيتْ

فأغرَقَ قاربي..

بلا مياه

**

6

في عَتمَةِ الفَجر

تَصُكُّ يدي على قَلمٍ بَليد

وقِرطاسٍ طَوِيّ

وفي فَمي مَرارةُ الأرَق

أسعىٰ كحالمٍ عَنيد

أجري.. وتُنهِكُني

قصيدةٌ بَلهاء

**

7

أنتَ

حلَلتَ في السَبعين

دَسَستَ في عُمرِكَ مفتاحاً

لا يفتحُ الرَغَبات .. متى أرَدت

دَعهُ على جدارِ الذاكرة.. صَدِئً

واضحك كثيراً.. كثيرا

كبائعِ السِنين

**

8

غَسَلَتْ أمّي حافةَ الصَباح

بأوراقِ السِدر

لا زالَ بابُ سُليمان..

يقطُرُ بين أصابعِها

ليتَكَ لم تزَل ذلكَ الطِفل

الذي تطَهّرَ كلّ صَباح

بالسِدر

**

9

في زاويةِ الحان

أرقُبُ الخُدودَ الحُمر

والأعيَنَ التي تُخجِلُ الضِياء

حتى الهَواء

أحبِسُ عِطرَه

كأنّ بي رَيبَةً.. اذا يَمرُّ الهَواء..

يُنكِرُني

**

10

في ظِلّي..

أُذُنٌ ليسَت لي

كأنّني فارِسٌ من طين

أيبَسَتْهُ الشَمس

في بلَدٍ يَتَبتّلُ فيهِ الظِلّ

كلّ عام

مرّتين

***

د. عادل الحنظل

 

وراءَ الغيابِ المؤنثِ

حيثُ استوى

مَن يُلامسُ جمرَ الصليلِ

وماءَ الغرائبِ

في الأطهرَيْنِ

استوى كالقصيدةِ

كان شهابي

يُعيدُ إلى أغربِ التِّيهِ

حُزني

وشوقي القتيلَ

وما بين روحي

وبين النوارسِ

كان السؤالُ الطعينُ

يُعلِّقُ ناري

على حائطٍ للهديلِ

وكنتُ أنا

أمَّ وردِ الصفاتِ

وأرواحُ حدسِ اللغاتِ

أُبايعُ جُرحي

وأنفضُ عنِّي الذهولَ

وأرنو إلى زلَّاتِ اسمِكَ

كيفَ بطلقةِ ماءٍ رجيمٍ

تُميتُ المقدَّسَ

ثمَّ تصيرُ الجحيمَ البليغَ

لرجعِ المُدنَّسِ

كم مادَ ظلُّ المجرَّةِ

بالأرجوانِ الذي

في الهيامِ حبانا

وكم ضاقَ صدرُ البنفسجِ

في مقعدِ العمرِ

وهو وحيداً

يُرمِّمُ ما قد تهدَّمَ

بعدَ الأفولِ

فهل أنتَ

مَن كانتِ الأرضُ

أسطورةً في يدَيْهِ

ومن هالةِ السحرِ فيكَ

تغارُ عذارى الفصولِ

وهل أنتَ

مَن كان نصُّ الجنونِ

يَخِفُّ إليكَ

ويغفو على صدرِكَ المستحيلِ؟!

سأنجو أنا

حُجَّةَ العاشقاتِ

بقلبي

سأنجو بعرشِ البريقِ الذي

صار بدراً

يُشيرُ إلينا

وأنساكَ خلفي

سأنسى الذي

يُنفِقُ الآنَ أوقاتَهُ

بالتهامِ بياضِ الحرامِ

وأُغمِدُ في الرِّجسِ سيفي

***

مرشدة جاويش

الطبعة الأولى ٢٠١٠

ماء الضياء / دار نون بحلب

 

أْن نقفزَ من المُرجيحةِ

في السَّاعةِ الثّالثةِ والعشرين،

حينَ تَقرَعُ أجراسُ الذُّبول

آخرَ مواعيدِها

قبل الغيابْ،

علينا أنْ نتعرّى

عن آخر ورقةِ توت

خلفَ السِّتار

*

السِّتارُ غامقُ اللون

وعليهِ خربشاتُ عمرٍ

طويل

وأكاذيبِ الكتبِ

المُصطفَّةِ

في خزانة الألعابِ

النّارية

*

اليدُ الممتشقةُ أصابعَها

من خلفِ الحجاب

الحاجز

بين العينين

وبينَ لغةِ الأمّ

لم تقتطفْ

إلّا الفراغ

*

الأمُّ المرتديةُ

السَّوادَ،

ما بقيتْ

في وادي السَّواد،

بقيتْ واقفةً

في مكانِها

خلفَ القضبانِ

وبين قرعِ طبولِ الحرب،

ترتدي عباءةَ الظلّ

غيرِ الوارف

إلّا بمطحنة الكلماتِ..

السرِّيةِ

المتقاطعةِ

في شجرة التُّفاح

*

حين قضمْتُ

مع نفسي

تفاحةً

التهبَ لساني

باستفهامٍ..

مجازيٍّ:

لماذا...!

***

عبد الستار نورعلي

آب 2026

في نصوص اليوم