عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

قالَتْ،

هذَا اللَّيْلُ يَأْكُلُ مِنْ خَاصِرَتِي،

كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ آخِرَ أَوْرَاقِ الخَرِيفِ.

لَا رَغِيفَ لِي،

سِوَى الجُوعِ المُعَلَّقِ عَلَى مِسْمَارِ الرُّوحِ.

أُنْصِتُ إِلَى خُطُوَاتِ العَتَمَةِ، وَهِيَ تَجُرُّ أَذْيَالَهَا فِي مَمَرَّاتِ القَلْبِ،

فَأَرَى الظِّلَالَ تَتَنَاسَلُ مِنْ ظِلٍّ إِلَى ظِلٍّ، كَقَبِيلَة مِنَ الأَسْئِلَةِ ضَلَّتْ طَرِيقَ اليَقِينِ.

حَوْلِي ذِئَابٌ شَبِقَةٌ،

تَدُورُ كَالكَوَاكِبِ حَوْلَ خَطِيئَةٍ قَدِيمَةٍ،

تَشُمُّ رَائِحَةَ الخَوْفِ فِي أَكْمَامِ اللَّيْلِ،

وَتَغْرِسُ أَنْيَابَهَا فِي جِهَاتِ الصَّمْتِ.

ولَا رَفِيقَ لِي.

لَا أَحَدَ يُرَتِّبُ الفَوْضَى فِي عُيُونِي،

وَلَا أَحَدَ يَجْمَعُ شَظَايَا النُّجُومِ المُتَنَاثِرَةِ عَلَى أَرْصِفَةِ انْتِظَارِي.

وَحْدَهَا الخَطِيئَةُ المُرَّةُ تَنهش جسدي .

تُقَدِّمُ لِي كَأْسَهَا المُعْتِمَةَ، وَتَقُولُ، اشْرَبِي مِنْ هَذَا الأَسَى،

فَإِنَّ الطُّرُقَ الطَّوِيلَةَ لَا تُنْبِتُ غَيْرَ الأَشْوَاكِ.

فَأَبْتَسِمُ لَهَا، مُعْرِضَةٌ،

كَغَرِيقٍ يُحَيِّي مَوْجَتَهُ الأَخِيرَةَ، وَأَمْضِي...

***

مجيدة محمدي - تونس

في مكةَ كانَ الضُّحى يتوضّأُ بأجنحةِ الحمام، وكانتِ الكعبةُ تفتحُ قلبَها لخطواتِ الأنبياءِ العائدينَ من التعبِ الطويلْ.

*

وقفَ الحسينُ كأنَّ المجرةَ استقامتْ في هيئةِ رجل، وكأنَّ اللهَ حينَ أرادَ أن يكتبَ معنى الكرامةِ ألقى حروفَهُ في دمهِ النبيلْ.

*

قالَ:

«مَنْ كانَ باذلًا فينا مُهجتَهُ فَلْيَرحلْ معنا…»

*

فارتجفتْ نجومُ السماواتِ السبع، وشهقتِ الريحُ كأنها تسمعُ لأولِ مرةٍ صوتَ الحقيقةِ وهيَ تعبرُ حافيةً فوقَ سكاكينِ الأرضْ.

*

كانَ يعرفُ أنَّ الطريقَ إلى العراقِ ليسَ طريقًا، بلْ سلّمٌ من الجراحِ يصعدُ عليهِ الضوءُ نحوَ اللهْ.

*

وكانَ يعرفُ أنَّ المدنَ التي تُبايعُ الطغيانَ تُطفئُ في عيونِ أطفالِها آخرَ قنديلٍ للرحمةْ، وأنَّ السكوتَ حينَ ينامُ في أفواهِ الرجالِ تستيقظُ في البلادِ مقابرُ لا تنتهي.

*

لذلكَ شدَّ على قلبهِ كما يشدُّ النبيُّ على آخرِ آيةٍ قبلَ الرحيلْ، ومضى…

*

وكانَ الرملُ يكتبُ خلفَ خيلهِ سيرةَ الدمِ الطاهرِ على صفحاتِ الأزلْ.

*

يا ابنَ فاطمة، أيُّ نهرٍ هذا الذي حملتَهُ في ضلوعكَ حتى صارَ العطشُ أكثرَ قداسةً من الماء؟! أيُّ شمسٍ كانتْ تنامُ في عينيكَ حتى احترقتْ بكَ كلُّ عروشِ الظلام؟!

*

كنتَ تمشي فتنحني الأزمنةُ القديمةُ كي تمرَّ روحُكَ، وكانتِ الملائكةُ تتبعُ وقعَ خُطاكَ كما تتبعُ القصيدةُ موسيقى قلبِ شاعرٍ مُصلوبٍ على الحنينْ.

*

في تلكَ اللحظةِ لم يكنِ الحسينُ رجلًا يخرجُ من مكةَ إلى العراق، بلْ كانَ الكونُ كلُّهُ يغادرُ خوفَهُ القديمْ.

*

وكانَ التاريخُ يخلعُ تاجَ الملوكِ ليضعَهُ على رأسِ شهيدٍ يحملُ اللهَ في نبضهِ الأخيرْ.

*

مضى الحسينُ…

*

وخلفَهُ كانتِ الأرضُ تتعلمُ للمرةِ الأولى كيفَ يكونُ الوقوفُ بوجهِ الطغيانِ صلاةً كونيةً لا ينطفئُ أذانُها إلى يومِ القيامةْ.

***

بقلم : كريم عبد الله - بغداد / العراق

من ديوان: مجرةُ الحسين: من كربلاءَ إلى أبديّةِ النور

يتَلظّىٰ فيكَ الجِلدْ

مشدوداً ..

فوقَ صَليبِ الحُمّى

عظْمُكَ كالسَعفِ وقد أفْلتَهُ الصَقْر

عيناكَ كشَمسٍ يَبلعُها الليل

ممدوداً ..

في مِحرابِ الحَجْر

كبناءٍ مُنهَدّ

تسمَعُ ..

لا تفهَم ..

فتشقَّ بوَهنْ

كلّ ستائرَ عَينَيكْ

لترى فوقكَ ظلّا أبيضَ ..

يُدنيكْ

وفَماً أحمَرَ يُلقي فيكْ

لا تفزعْ

تُطفئُ رَوْعَكَ باللمَساتْ

تَحمِلُ نبضَكَ في يَدِها

وتذيبُ سعارَ الصمتِ بأنفاسِ الوَردْ

تدنو ..

تحنو..

تُدخِلُ أنفكَ بين وِهاد

تتَرقرَقُ طيّعَةً من غيرِ عَناء

نَزَلتْ عشتارُ اليكْ

لا تدري من أيّ سماءْ

ستُحيلُ جَحيمَكَ برْدْ

انظرْ..

يَهمَدُ رجْفُك كالطفلِ وقد أَمِنَ النَهد

تتَمنّىٰ لو أنّ لسانَكَ يَقوىٰ

آهٍ ..

ألّا تخفَتَ في فَمكِ الكلِماتُ

وتهوىٰ

أن تسألَ عن إسمْ

عن رقَمٍ من عَشرةِ آهاتْ

تحفَظُهُ كالعَهدْ

يفتحُ في الجهةِ الأخرى

لكَ بوّابةَ حُضْن

تبْغىٰ ..

لو أنّكَ في غيرِ مكان

والليلَ بلا لَونْ

لتعودَ اليها ..

تتَذرّعُ بالشُكر ..

يا للعُذر

أوَ لا تعرِفُ هذا العُمْر

يعرِجُ في غيرِ زمان

***

د. عادل الحنظل

......................

* كتبت هذه القصيدة بعد خروجي من غرفة العناية المركزة في مدينة يوتيبوري- السويد

من اوراقي القديمة

***

ذا مشرط في جبهتي

يدمي طيور فكرتي

*

ذي بومة غريبة

قد ارهبت يمامتي

*

لكنما ذي فكرتي

بهية كقصتي

*

ورايتي خفاقة

ناصعة كمهجتي

*

وصرخة في جبهتي

تحمي طيور فكرتي

*

في اضلعي قد اضرمت

اثارها ما بليت

*

ذئابها تكالبت

اسنانها ما كسرت

*

في مهجتي تغلغلت   

جروحها ما ضمدت

*

لكنما ذي اضلعي

بالجلنار ازهرت

***

سالم الياس مدالو

بغداد – 1992

 

قصص قصيرة جداً

- الجمال وحده لا يكفي..

التفت الى الخلف وهو في المقهى.. ثم حدق في اللآشيء وعاد الى فنجانه يرتشف منه رشفة أغمض بعدها عينيه، وحين فتحها ألتقت بعينين سوداويتين واسعتين وأهداب سوداء طويلة وحاجبان أسودان مقوسان حادان كالسيف وأنف صغير وفم ارجواني شهي في وجه أبيض مستدير ينساب على وجنتين شعر كستنائي على رقبة بيضاء طويلة وقامتها تبدو هيفاء سامقة باسقة..

ظل يحدق فيها كلوحة جمال الاهيه، حتى التقت العينان، فأدركت خجلا وتوارت خلف فنجان قهوتها، إلا ان التحديقة الثاقبة هذه ظلت محفورة في ذاكرتها تطاردها في كل رمشة عين، رغم انها حاولت نزعها ولكن دون جدوى..

أدرك ان الجمال شيء والأخلاق شئ آخر.. كما ادرك انه من الصعب إفتراض أن الجمال هو الاخلاق التي هي مصدر القيم بما فيها الجمال ذاته.

 **

قال:

اصطدمت صدفة بأمرأة سمراء قبيحة بشكل لا يطاق وسقطت كتبي على الارض.. فبادرت هي مسرعة الى جمعها وتقديمها إلي مع ابتسامة بريئة فارقة رغم قبح وجهها وبشاعته.. وجه أسود يميل الى الإخضرار وانف افطس ومنخران عميقان وعينان غائرتان تحيطهما هالتان سوداوتان يلاحظ من خلالها لون ابيض بارق عند الإلتفاتة وشعر كثيف أشعث والجمال مفقود تماما ولكنها أبدت روحا غاية في الجمال والإندهاش والبهجة.. وحين ذهبت، اختفى الشكل وظل جمال الروح ماثلا في اعماق الذاكرة..

***

د. جودت صالح

12/ 6 /2026  

حَنانـيْكِ طـالَ الــدَّلالُ

فَحَسْبُكِ هَذا الجَمالُ

وسُبحانَ مَنْ قد بَراكِ

أَبَـعْـدَ الكمال كمـالُ !

فَتِيهِي بِعُجْبِ الحِسَان

كمَا جَال ذاكَ الغَزالُ

وزيدِي شُموخَ الجَلال

فَـما طـاوَلتْكِ الجِبالُ

فحتّى شديدُ الصُّـخُور

تَرَقْـرقَ مـنـهُ الـزُّلالُ

وصارَ يُروّي الفَـيافِي

ثِـمـارٌ لــهَا واِنْـثِـيَــالُ

حَنـانـيْك جُودي بلَمْح

وحـتّـى بِحَـرفٍ يُـقـالُ

وإمّا دعـاكِ الـغُــرور

حَـذاري فذاكَ الوَبـالُ

فإنّـي أبِــيٌّ عَــصِـيٌّ

أحِـبُّ الـتَـحدّي أنَــالُ

إذا كنـتِ نجمًا فَـإنّي

وفَـوقَ النّـجُـوم هِـلالُ !

***

سُوف عبيد  تونس

 

في آخر لحظة

الدنيا المقهورة بالصمت بدت تتشكل من جديد

هل رايتَ عنكبوتا يغار من اوتار القيثار

وامرأة بساقين من جذع النخيل

لا شي

سوى أنَّ القيثار لملم نفسه واقتحم الخيوط مثل ذبابة طائشة

وكانت المرأةُ المرآةُ - يراها الاخرون فلامنكو بساقين من جذع النخيل-

كانت تتخذ من رقصة الاثنين

وشاحا لها

فتدور وتتسع تنورتها الحمراء

الخضراء

الزرقاء

تظل تدور

وتنورتها تتسع بفكّ يفترس الفضاء

لا تتعب

بل

تتلوَّنُ في كلّ الدورات

ولا يتعب معها القيثار أو العنكبوت

سوى أنَّهما لم يصمتا

وإن كانا

من دون خيوط وأوتار

***

د. قصي الشيخ عسكر

يُرَصِّفُ اللّيلُ كؤوسَهُ على أجنحة الْموْج وفي الْمَطَرْ.

يَرْشُفُ فاكِهَةَ قهوةٍ

على شواطئ الْقمَرْ.

ويحتسي عُصارَةَ الْفجرِ الّذي

ما شَهِقَ في الْقُرَى.

حتّى إذا الزّيتونُ ضجَّ ورغا،

تَرَنَّمَتْ صُحُفُهُ

بوَشْوَشَاتٍ عطرُها الْغزَلْ

" أُشْرِبْتُ ريحَكِ وما أنْجَدَني السَّمَرُ

يا أغنيةً في الْموْجِ أيْنَعَتْ.

مالي أراكِ في لحافي

ولك النّجومُ أوْرَقَتْ؟ "

*

تحتبِسُ الْبهجةُ في هسيسِ صمتها

وتسأل:

أفي كفّك يا ليلُ مَزَاهِرُ ونشوَةٌ؟

هَبْني نَسَجْتُ في سمائي

ياسَمينا نَبْضُهُ الْعِنَبُ

هل تُزْهِرُ في كفّك مُقْلَةُ الْقمَرْ؟

*

ها قد مضى نجمي

يُناجي زُرقَةَ الْفَنَنِ والْمدى

وأَمضِي في الدّروب دونما هدى.

فلا شجيُّ اللّحنِ

يُشْجِيني بِشَدْوِهِ

ولا حمّالَةُ الْقِرَبِ

يُدْني شَهَقاتِ الرّيح

من مراكبي.

*

وما بقايا الضّوْءِ تُنْجِدُ المرايا

وحَكايا النّخلِ

بَعْدُ ما توَشَّحَتْ بها الرُّبى.

وها هنا أكُفُّ وَقْواقٍ

غَدَتْ أوْشِحَةً يحُوكُها الْحَجَلْ.

وجِيدُ غَيْداءَ تَوَهّجَ

بكفِّ نَغَمٍ بَعْثَرَهُ الصّدى…

فمن تُراه يَسْتَكِفُّ الْبَحْرَ

لو رقصَ واشتكى؟

ومن تُراه يُبْهِجُ النّهرَ

إذا ما النّهرُ قد عبسَ واكتوى؟

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي- تونس

سَوامِقُ أمّةٍ شمَخَتْ بشعْبِ

وطافَتْ بينَ آفاقٍ برَكْبِ

*

بها المَلويَّةُ الفرهاءُ تَحْيا

منوّرةً مناجيةً لرَبِّ

*

بسامراءَ من ولهٍ تسامَتْ

وأغْنتْ فكرةً ورَعَتْ بحَدْبِ

*

تحدّثنا عنِ الأمْجادِ دوماً

وتسألنا كمأسورٍ بخَطبِ

*

فننظرُها وما نظرتْ إلينا

فتَرْمُقنا بإنْكارٍ وعُتْبِ

*

لأنّ الجيلَ مَقطوعُ اتْصالٍ

بجاهِرَةٍ بأعْماقٍ ودَرْبِ

*

كأنّ وجودَنا مَحْضُ احْتِرابٍ

يُمَزّقنا ويَرْمينا بخُرْبِ

*

فيُهلكنا بما صَنعتْ عُلانا

ويَجْعلنا بلا وَطنٍ وصُحْبِ

*

تَضاءلَ خيرُها والشرُّ يَطغى

ومَنهجُها لمَفسَدةٍ ونَهْبِ

*

وقادتُها على الأوْطانِ شؤمٌ

وأعداءٌ لها صاروا كعُصْبِ

*

أ هاماتُ الوجودِ بها انْكسارٌ

وتَخْشى مِنْ مُناداةٍ بعُرْبِ؟

*

تفتتِ الجُموعُ وما تواصَتْ

بإقْدامٍ وإبْداعٍ ووَثْبِ

*

أ كانَتْ أمّةً ذاتُ ارْتقاءٍ

تلوّى كلّها وسَعى بدأبِ

*

فصارتْ فوقَ هاماتِ التَعالي

تزعزعُ كوْنَها دوما بجَذبِ

*

ومَنْ عَرفَ الصُعودَ إلى سَماءٍ

سَيُدركُ أنّها تَحْيا بقلبِ

*

تَلوّتْ من مَحاسِنها وتاقتْ

لرائدةٍ وخالدةٍ بعُقبِ

*

حِكايةُ دولةٍ في كُنهِ صَرْحٍ

تُلخّصُها العِمارةُ دونَ كِذْبِ

*

وأنّ رقاءَها فيه لُغاتٌ

منوّعةٌ مُسَطّرةٌ بكتْبِ

*

وكلّ حَضارةٍ تَركتْ رموزا

لأجيالٍ تُباركُها بحُبِّ

*

ومنها تَستقي الأرضُ افْتنانا

وإيْمانا بعازمةٍ لوَهْبِ

*

أ فينا نبعُ إشراقٍ وفَخرٍ

ونَنأى عن مَواضِعنا بشَطبِ

*

لماذا جارتِ الدنيا عَلينا

تَصدِّعَ حالُنا فهوى لعَطبِ

*

تواكبتِ الخطوبُ على ثَرانا

بلا أملٍ ولا فرجٍ ورأبِ

*

وكلّ رشيدةٍ وقعتْ بفَخٍ

وعاقلةٍ بها نادتْ بشجبِ

*

هوَ البُطلانُ شرعٌ واعْتقادٌ

وسائسُها الذي يَسْعى لغَلبِ

*

وإنّ الليلَ قد بلغَ اكْتمالا

ويَمضي رغمَ داجيةٍ لوقبِ

*

ودين الله في الدنيا ابْتلاءٌ

فهلْ ذهبتْ بأديانٍ لعُصْبِ

*

وما فرحتْ بما ملكتْ فخابتْ

وشانتْ كلَّ رائعةٍ بنَحْبِ

*

كأنَّ الدمعَ منهلُها المُفدّى

وإنْ فرحتْ فمِنْ سأمٍ وعُجْبِ

*

أراها حالةً ذاتَ احْتضارٍ

وإنْ قُرنَتْ مواضيها برُجبِ

*

فما دامتْ شعوبٌ بانْحِدارٍ

ولا أممٌ إذا حُشِرَتْ بثقبِ

*

فهلْ صَعدتْ مَواكبُها لأوْجٍ

وهلْ نظرتْ لشاهقةٍ تُلبّي؟!!

*

رأيتُ مَنارةً في كَوْنِ إلاّ

تلألأ نورُها فيضاً بغيْبِ!!

*

فطافَ الروحُ هيَّاما بوجدٍ

يُعابقُ نفحةً صَدَحتْ بعذْبِ!!

*

وتشدو لحنَ أشواقٍ وتَوْقٍ

لخلاّقٍ على عُرُشٍ ورُتْبِ

*

هيَ الملويةُ الوثبى بخلقٍ

إلى أمَدٍ بآفاقٍ وسُحْبِ

*

كأنّ الروحَ مِهمازُ انْطلاقٍ

يُسامِقها التلوّي فوق صَعْبِ!!

*

بجاونِها تكاثفَ مُحْتواها

وتاقتْ فوقَ ذِرْوَتها لقُطَبِ

***

د. صادق السامرائي

​نعيش زمناً سريعاً غريباً، يتطور ويتجدد بصورة يومية، يرغمك على مجاراته وضرورة فهمه حتى تتعامل معه؛ فالأمس فيه ليس كاليوم ولا الغد.

​أولاده أهدوه عند بلوغه سن التقاعد هاتفاً حديثاً يرى من خلاله صورة المتصل، بعد أن شحّ منه البصر. لا يرغب في المكوث بالمنزل وسط صخب وضجيج الأحفاد، فلا أحد يمنحه بعضاً من أكسيد الفرح كي يشعر بإنسانيته. ضاقت به حجرات المنزل وكأنها تلفظه، كما لفظته شركة الورق التي عمل بها وأعطاها الكثير من جهده وعمره، في مقابل خطاب شكر تعلنه فيه بنهاية خدمته.

​دنيا تأخذ منحنيات مفاجئة لم يكن يوماً متأهباً لها، والغريب أن روحه ما زالت تنبض رغم تسرب الفرح من بين جنباته. اعتاد السير إلى اللامكان، "زحمة يا دنيا زحمة"؛ تذكر الأغنية الشعبية الشهيرة. الشوارع أصبحت أكثر توحشاً، ولا بد أن تكون منتبهاً أثناء السير، فالسيارات المسرعة لن تتوقف لعبورك الطريق.

​كيف لم ينتبه إلى هوان نفسه ولا موت روحه بغيابها؟ كانت تعرف طلباته دون أن يطلبها، تضبط البيت وتجعله نظيفاً دون ضوضاء ولعب الأطفال حتى موعد عودته من العمل.

​لكزته امرأة دون قصد، ليتها كانت قاصدة! لها جسم لاذ بالفرار بعد أن ألهب الشرر، وبقي عطر جسدها النضر مثل الفاكهة الشهية، استطاع جمعه وإخفاءه في جيب سرواله. وجد نفسه متلبساً بابتسامة مقتضبة، متسائلاً: كيف استطاع إخماد مشاعره عشرين عاماً؟

​لكمته الحياة وأفقدته الكثير من بهاء العيش في لعبة ماكرة، قام فيها بالدورين: الأب والأم. هذه الشمس لا تشرق من أجلك وحدك، لكنها تبهج كل البشر. كان أمامك منعطف الحنين، لكنك اخترت غيره؛ لم تستمتع بموسيقى البحر وتغريد الطيور، ولم تفتح نافذة القلب.

​كانت هناك امرأة شابة تجلس قبالته، متوهجة، ممتلئة حيوية وحباً للحياة، وهي تطل من نافذة الباص على غرائبية الحياة.

***

​ قصة قصيرة

بقلم: محمد محمود غدية - مصر

الريحُ ـ في أصلٍ لها ـ آهاتي

لكنَّ شمسَ الفجرِ مِن بَسماتي

*

للهِ لو تدرينَ بينَ أضالعي

كمْ صدَّ قلبي مِن سهامِ عداتي

*

ولأنني حُبُّ المنابعِ للربى

قلَّدتُ درَّ الماءِ روحَ نباتي

*

حتى بدا خَضِلاً تموجُ بِهِ الدنى

حُبَّاً، كأنَّ الحُبَّ مِن نخلاتي

*

بنتَ النخيلِ أما ترينَ قصائدي

كوناً من الأفلاكِ والنجماتِ

*

سارتْ بِها للوجدِ أفئدةُ الهوى

كيما توحِّدُ آخراً بالذاتِ

*

ذَوباً، فتلتئمُ الحدودُ عوالماً

سحريَّةَ الأنّاتِ والناياتِ

***

شعر: كريم الأسدي - العراق

6/6/2026

ما كنتُ أحسبُ أنَّ حُبَّكِ يولدُ

ليكونَ سجّاني اليه أقصدُ

*

لأعودَ بالبؤسِ القديمِ محمّلًا

بؤسَ الهوى بلواعجٍ تتجدّدُ

*

لله أشكو حالتي هي حالةٌ

يُرثى لها والحُبُّ عِبئي المُجْهِدُ

*

والحُبُّ ما ترك الخَيارَ لعاشقٍ

يومًا ليصحو أو لعينٍ ترقدُ

*

ها أنتِ جنبي ما ترنّم بلبلٌ

أو لاحَ في غَلسِ الليالي فرقدُ

*

وأقولُ هل تَدرينَ حاليَ عندما

أَمْضي لمحرابِ الهوى أتَعَبَدُ

*

لا شيء عندي غَير شخصكِ ماثلٌ

وعلى امتدادِ الشوقِ ليليَ أنشِدُ

*

وتصِبُّ أوجاعي الحنينُ زفيرُها

في بحرِ آمالٍ وقلبيَ مُجهدُ

*

با الله قولي يا مُنايَ الى مَتى

أحيا على حُلُمٍ عَسّيرٍ يُولَدُ

*

قولي فلستُ الى القلوبِ بقارئٍ

وعيونُكِ المَقْرُءُ فيها يُسْعدُ

*

فإلى مَ أبقى يا مُنايَ مُضَيّعًا

وعلى طريقكِ واقفًا أَترصّدُ

***

الحاج عطا يوسف منصور

العراق / الكوت

في صيف 1964

...............

القصيدةُ هي ألأولى نظمتُها بعد خروجي مِن التوقيف في 12 شباط 1964 وتُهمتي [شيوعي] وكانتْ القصيدة لأوّل فتاةٍ خفق لها قلبي سُفّرتْ وعائلتها الى ايران بداية السبعينات وهذا المنهج مخططٌ وضعه حزب البعث لتغير ديمُوغرافية المنطقة الوسطى والجنوب التي هي مناطق الوجود الشيعي في العراق لتقليص عددهم. ومن المفارقات أن خالها كان يلعب معي الشطرنج ولا أعرف بذلك إلّا بعد التسفير أخبرني بهذا أحد الاصدقاء.

قِدِّيسَةٌ تُصَلِّي فِي مِحْرَابِ النَّارِ،

وَالعالم يَرْجُمُهَا بِصَمْتِهِ.

كُلَّمَا ارْتَفَعَ مِنْ جَسَدِهَا دُخَانٌ،

انْخَفَضَ فِي الأَرْضِ مِيزَانُ الإِنْسَان.

كُلَّمَا تَنَاثَرَتْ مِنْ أَضْلَاعِهَا شَظِيَّةٌ،

تَكَسَّرَ فِي السَّمَاءِ نَجْمُ الضَّمِيرِ.

*

غَزَّةُ... الَّتِي تَقِفُ بَيْنَ نَارٍ وَنَارٍ، كَشَجَرَةٍ وَحِيدَةٍ فِي آخِرِ الصّدى،

القِدِّيسَةُ الَّتِي كَفَرَ بِهَا العَالَمُ!

*

لَمْ يُصَدِّقُوا دَمْعَتَهَا،

لَمْ يُصَدِّقُوا دَمَهَا،

وَلَمْ يُصَدِّقُوا أَطْفَالَهَا...

*

وَالعَالَمُ... التِّمْثَالُ الأعَمَى،

يَتَرَاجَعُ القَهْقَرَى...

إِلَى بِئْرِ العَارِ...

***

مجيدة محمدي

منذ انتقالي إلى مدينة (ب) لكي أسكن قريباً من الشركة التي بدأت العمل فيها، اعتدت أن أخرج في الأمسيات أتمشى، أو أجلس على مقعد من المقاعد المنتشرة على كورنيش نهر الراين، أفكر في الحياة وتصاريفها التي أوصلتني إلى هذه البلاد، أراقب الغابات الكثيفة على سفوح الحبال، والقصور الأثرية التي تختبئ بين أشجارها، تثير أبراجها الشاهقة في مخيلتي قصص الأميرات والفرسان والجنيات التي قرأتها في طفولتي. 

أكثر ما لفت انتباهي في الأسابيع الأولى هو النساء المسنات اللائي يركضن أو يقدن الدراجات، وعدد الكلاب التي تقودها السيدات بلطفٍ وصبر، حتى بتّ أعرف وجوهاً بعينها تتكرّر في كلّ مساء، وبدأنا نتبادل التحية، كأننا جيران، أو نسكن في شارعٍ واحد.

من تلك الوجوه، السيدة (ف). كانت في السبعين أو قريباً من ذلك، تمشي بخطواتٍ وئيدةٍ منتظمة، بأثواب أنيقة فاخرة، تجرّ، بسلسلةٍ لامعة، كلباً ضخماً بشعرٍ أبيض ناعمٍ يغطي عينيه الذابلتين الناعستين على الدوام.

"أنا مثلك من أصولٍ مهاجرة"، قالت لي ذات يوم بعد أن لفتت ملامحي العربية انتباهها. "والداي من أصولٍ إيطالية"، أضافت وهي تجد حديثاً تثرثر به، كعادة العجائز والنساء المتقاعدات اللواتي يجدن متعة في الحديث مع أي فردٍ يصادفنه، في موقف الباص، أو على مقعدٍ في قطار، أو على كورنيش الراين.

ذات مساء، بينما كنت أجلس على أحد المقاعد، أراقب الغيوم التي تجري في السماء، والجبال التي تكسوها الغابات في الضفة المقابلة، أو أتأمل الوجوه التي تمرّ أمامي، مرّت السيدة (ف) تجرّ كلبها العجوز، وكان الكلب يمشي بتثاقلٍ حذر. كانت ترتدي ثوباً من قماشٍ بلون المشمش، وفي عنقها سلسلةٌ ذهبية بحجر عقيق، آثار الجمال لا تزال واضحةً على وجهها الأبيض، شعرها الكستنائي مصبوغ بعناية لا تخفى.

جلستْ على المقعد المجاور، وكلبها الضخم يتشمّم العشب كأنه لا يثق بالأرض التي يقف عليها. اقترب مني، وراح يشمّ قدمي وساقي. أصابني الخوف، فرفعت قدمي وانكمشت على مقعدي.

"لا يعضّ. لا تخف إنه حبّوب"، قالت المرأة وهي ترى خوفي، وانفرجت على شفتيها ابتسامةٌ مترفّعة، وراحت تمسّد فروه الناعم الطويل، وتداعب عنقه بلطفٍ مثل طفلٍ مدلّل. لاحظتُ أنها لا ترفع بصرها عنه، أو تنقل عينيها بيني وبين كلبها الحبيب، والكلب يغمض عينيه مستسلماً للمساتها التي اعتاد عليها كما يبدو، ويمدّ لسانه الأحمر..

"ريجي" قالت، تعرّفني على الكلب. "اسم إيطالي، يعني الملك!"، أكملت دون أن أسألها، وفي صوتها نبرة من يعلن لقباً نبيلاً.

"اسم جميل" رددتُ بآلية.

"من  سلالةٍ أصيلة، أبوه شارك في مسابقات أوروبية، وحصل على جائزة في إحدى المسابقات... زوجي أحضره لي من سويسرا، دفع ثمنه ثروة!"، قالت بزهوٍّ، وابتسمت ابتسامةً عابرة، ثم أردفت، كأنها تبرّر لنفسها: "كان يحبني كثيراً"

"كان؟ رحمه الله!"، قلت في نفسي.

نظرت إليّ بعينيها الرماديتين كأنها قرأت أفكاري، وأكملت: "هكذا كنت أعتقد!"

شعرتُ أنّ في كلماتها شيئاً لا تقصده، أو تقصده لكنها لا تريد أن تقوله، وعادت يدها تداعب فرو كلبها الكثيف، وأنا أراقب سفينةً تعبر أمامنا، والنهر تحتها يجري ببطء.

فجأة، حدث ما لم أتوقعه؛ دون مقدّمات نهض الكلب على قوائمه، وعيناه الزرقاوان لمعتا كأنهما الزجاج، زمجر واندفع نحوي وهو يقفز قفزاتٍ ثقيلةً، يمدّ لسانه الأحمر، يلعق وجهي ولهاثه ملأ منخريّ. تدحرجت قارورة الماء التي كانت بجانبي، وأحسست بخوفٍ ممزوجٍ بالقرف، لا أدري، أأدفعه عن وجهي، أم أحتمي منه، أم أترك مقعدي وأمضي؟

نهضت السيدة مسرعةً، شدّت السلسلة المذهبة، وسحبته إليها وهي تهمس له كلماتٍ لا أفهمها. كانت تمسّد صدره، وتقبّل رأسه كأنها تعتذر منه؛ كأنما هو الضحية، وأنا لست سوى خيالٍ لا يستحقّ التفاتة.

" آسفة… آسفة جداً… لا تخف أنا هنا".  كانت تحدّث كلبها بتوترٍ وشفقةٍ عميقة، ولم تعرني أدنى اهتمام إلا بعد أن هدأ الكلب تماماً، نظرت بعينين معتذرتين، ويدها تشدّ على السلسلة بحذر وإحكام.

"آسفة"، قالت لي، ثم وجّهت عينيها نحوي وأردفت: "ريجي لا يؤذي، لكنه يخاف من الغرباء"

- لا بأس. لم يؤذني.

- أنت محظوظ… زوجي لم يكن محظوظاً مثلك.

تنهّدتْ ونظرتْ إلى النهر نظرة عميقة وطويلة، كأنها تستعيد ذكرياتٍ قديمةً مضى عليها سنين، أو لعلها تفكر هل تقول ما ستقوله، أم تمرّر الكلمة وتتركها معلقة… "زوجي، هانز، كان ألمانيا أصيلاً، من عائلة فون بيرغمان النبيلة. حين هاجر والدي من إيطاليا، كان عمري اثنتي عشرة سنة، اشتغل في مزرعة عائلة فون بيرغمان، أمي عملت في المطبخ، وأنا أساعدها. كان منزل العائلة كبيراً، وكانت العائلة كبيرة. هانز عمل كثيراً، مثل كلّ الألمان؛ أضاف ثروة إلى ثروة العائلة. كان يحبّ أرضه أكثر من أي شيء، يعرف كلّ شجرة فيها، يمضي إليها كلّ صباح، قبل أن يستيقظ أحد".

نظرتُ إلى يدها، كانت تتحرّك آلياً على ظهر ريجي. أكملت حديثها، بهدوء، كأنها تقرأ رسالة قديمة لا تخصّها: " كان عمري خمس عشرة سنة حين رآني في الفناء. كنت أحمل سلة الغسيل."

نهضت عن مقعدها، اقتربت من درابزين الكورنيش، والراين يجري في مسيره الأبدي. قالت: "بعد ثلاث سنوات تزوجنا، أمه لم تبارك زواجنا إلا بعد سنةٍ كاملة، لكنّ هانز لم يكترث. أحبني... نعم. هذا حقيقي. أسكنني في البيت الكبير، وعلمني كيف أختار الثياب، وكيف أتكلم مع ضيوفه، وكيف... في بيت فون بيرغمان تعلمت أصول السلوك الأرستقراطي، وتفوّقت بها.". توقّفت، وأخذت نفساً عميقاً بتمهّل... "كنت تلميذته المجتهدة"

كانت كلماتها تخرج باردة، بلا أي شعور، كأنها تحكي قصة إنسانٍ لا يمتّ إليها بصلة، وكان الكلب يراقب بعينيه الناعستين الكسولتين، يلهث بصمت، ولسانه يتدلى من بين أسنانه: "ترك عمل المزرعة لأبي. أراد أن يعوّضني عن سنوات البدايات الصعبة، عرف حبّي للكلاب، فاشترى لي (ريجي)، سافر خصيصاً إلى سويسرا، ليفاجئني به في علبةٍ حمراء في عيد ميلادي"

هبّت نسمة باردة، وتمايلت أغصان شجرة قريبة، ونهض الكلب بتثاقل، وهي تسرد، ولا تكترث لشيء: "كنت سعيدة جداً بكلبي، لكنّ السعادة… السعادة، أحياناً، دودةٌ ناعمةٌ تنخر الشجرة من داخلها"، استأنفت حديثها دون أن تلتفت نحوي، كانت كأنها تحدّث نفسها، أو تستعيد ذكرياتها بصوتٍ مسموع: "صرت لا أخرج إلا مع ريجي، لا أنام إلا بقربه، لا أهتمّ بأحدٍ سواه. أحببته، وتعلّقت به"، قالت بنبرةٍ لا تبدي أيً شعور خجلٍ أو اعتذار، بل كحقيقةٍ باردة، وأنا كنت أنظر إلى الكلب الذي فتح عيناً واحدة، وأقعى على قائمتيه الأماميتين.

"زوجي كان يغار". قالت فجأة، التفتت إلي وأكّدت وهي تهزّ برأسها هزاتٍ بطيئة: "هل تتعجّب؟ رجلٌ يغار من كلب!  قال لي مرة: أنت تحبين ريجي أكثر مما تحبينني. قلت له: ريجي لا يخذلني"

ابتسمت ابتسامة خاطفة، وتابعت كأنها لم تبتسم: "منذ تلك الكلمة، اختلفت حياتنا، صار الصمت بيننا يسود بشكلٍ أطول".

 رحت أفكّر: كيف يفعل المرء ما بوسعه، ليقدّم للمرأة التي يحب، كل ما تحبّ. تخيّلت عمق ألمه وهو يسمعها تقول إنّ الكلب، كلبه هو، الذي سافر إلى سويسرا، ودفع ثروةً ليشتريه لها، "لا يخذلني"، ولم يسمعها تقولها له قطُّ؛ لكني لم أعلّق بشيء. الغريب يمكنه أن يراقب، أن يدرك؛ لكن، لا يحكم.

نهضتُ عن مقعدي، اقتربتُ منها، واستندتُ على الدرابزين بجانبها، وريجي وقف خلفنا، يلهث ولسانه متدلٍ، لم تتوقّف عن الكلام، كأنها لا تشعر بوجودي: "ذات يوم، انقضّ ريجي عليه، كما انقضّ عليك قبل قليل، عضّه في رجله، صرخ الزوج ودفعه بركلةٍ عنيفةٍ كسرت ساقه"، ثمّ صمتت من جديد. كانت عيناها تحدّقان في الأعالي، فوق قمة الجبل، أو السحاب الذي بدأ يتجمّع في السماء الرمادية، أو في الفراغ. "حملتُ ريجي إلى مشفى الكلاب، سجّلتُ محضراً ضدّ زوجي، اتّهمته بالعنف. المحامي قال إنّ القضية سهلة، الكلاب لها حقوق أيضاً. طلبت الطلاق، وحصلت على المنزل، وجزءاً من ثروته"

لأول مرة، منذ بدأت الحديث، التقت عيناها بعينيّ مباشرةً؛ كانتا رماديتين، باردتين، كأنها تنظر من خلف زجاجٍ سميك. باغتتني كأنما تذكّرت فجأة: "أتدري؟ هو أيضاً هاجر". خفضت صوتها، وأزاحت عينيها عني، وقالت بما يشبه البوح: "بعد صدور الحكم، ترك مزرعته وقريته، وغادر البلد كلها إلى أرضٍ بعيدة، إلى كندا. يوم وقّعنا الاتفاق نظر إليّ طويلاً، وقال: استوليت على بيت عائلتي بحكم القانون؛ لكن المفتاح... أنا الذي وضعت المفتاح في يدك، منذ البداية". 

صمتت صمتاًطويلاً؛ لم يكن صمتاً عادياً، كان الصمت الذي يُسكِت المشاعرَ وليس الكلمات، لم أدرِ حينها، هل كانت تنظر إلى النهر، أم أنها دخلت في شرودٍ عميق، كلّ ما أعرفه أنّ أصابعها ضغطت على سلسلة الكلب بقوة، ولم تعد تنتبه لوجودي.

الشمس بدأت تغيب خلف الجبل المقابل. سحبتِ الكلب من سلسلته اللامعة، ومشت بخطواتها المتّئدة، والكلب يلهث خلفها، وذيله يهتزّ، لا يدري أنه كان سبباً في مأساة أحد.

لا أدري كم مكثتُ بعدها، رحت أراقب أضواء المدن تنعكس ملوّنةً على صفحة الماء في الضفة المقابلة، أفكّر بالكلب، والمفتاح، وبالرحل النبيل، زوج هذه السيدة الذي لا أعرفه.

على الطريق، زوجان شابان يدفعان عربة طفل، وغير بعيدٍ، قرب عمود النور، رجلٌ عجوزٌ يضع جريدته في جيب جاكيته ويتهيأ للمغادرة.  أشجار الغابات مثل أشباح فوق الجبال، والقمر يطلّ من بين الغيوم مثل عين كلبٍ جائع،

***

قصة بقلم: منذر فالح الغزالي

بون: 20.05.2026

في زاوية نائية من الغابة المنسية، يذوي بيت خشبي قديم تحت سياط الطقس، حتى يضمحلّ في سكون الكون. الأشجار العالية التي كانت يومًا ما شامخة، تحولت إلى حُرّاس منهكين، يابسة لا تقاوم، تحيط بالمكان كأطياف زمن مضى. أوراق الخريف الميتة تناثرت على الأرض، كأنها شواهد صامتة على اندثار الحياة.

إلى جانب البيت، شاحنة بيك أب صدئة، تحتضر بلا جدوى، جماد فقد وظيفته، يشارك الأوراق موتها البطيء. المشهد كله يشي بالفناء، كأن الطبيعة والجماد اتفقا على إعلان النهاية.

لكن وسط هذا الخراب، كان هناك كلب ضال، يتجول في العدم، يبحث عن شيء لا يعرفه. لم يكن يسمع صدًى ولا حفيفًا، ومع ذلك كان يشعر أنه يتنفس. أنفاسه الخفية بدت وكأنها إعلان أن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت مستمرة.

وفي قلب المشهد، تعتصم شجرة الأم، بجذورها في عمق الثرى، تحفظ ما تبقى من ذاكرة تقاوم النسيان، شاهدة على أن الفناء لا يكتمل أبدًا ما دامت هناك أنفاس تتردد في فضاء الغابة.

لم يكن الكلب يبحث عن طعام أو مأوى؛ كان يقتفي أثر الحياة التي ظن الجميع أنها غادرت. وعندما زفر نفساً طويلاً بجانب البيت المتهدم، انحنى له الغبار إجلالاً. ففي تلك اللحظة، تنفّس الصمت.

***

كفاح الزهاوي

أحنُّ إليك…

إلى لحظةٍ من حنوِّ انهمارك،

وصدقِ انتظارك.

أحنُّ إلى لحظةٍ لن تجيء،

أرِقُّ لذكرِ تجاعيدك الناعمة.

أحنُّ إليك…

وكنت امل سماع الحكايا القديمة

تكرِّرها…

وأنت تعيد حكاياك القديمة

وأدفع عمري لأسمع

بعض حكاياك، أبي.

*

ويا لو لمحتُك في لحظةٍ عابرة،

أتعلم أني انتظرتك تجيء

برفقة طير يتيه…

كما حدَّثتني الروايات

عليك السلام، أبي،

عليك حنوُّ الله، أبي،

وبي بعض شوقٍ

لأمسح شرايينك الظاهرة.

أحنُّ…

لأني أموت ببطءٍ مساء الخريف،

لأن الرياح تجوب البيوت،

وتبكي مع أشجارنا العانسات،

وتمضي بصوتٍ حزينٍ يتيه

كطفلٍ صغير

إذا حان لون المغيب.

نموت كثيرًا،

لأن الأماني تراوغ خطوط يدينا،

نحاول ألَّا نستفيق.

أبي…

أيها الترابيُّ الحقيقة،

لقد كنا صغارًا،

نحطم كل أواني الغرابة،

ونجمع ألوان كل الوجوه

لنرسم غابة.

وكنا ننام على أسطح البيت

بصيفٍ فقير،

نحدِّد بعض النجوم بخدِّ السماء،

ونلصقها بأسماء من نحب.

هناك…

كان علينا عبور المحيطات،

ونحت المعاني،

وفهم انتظار المدى بنافذةٍ واحدة.

أمرَّ عليك طريق البرازخ،

وقد كنت تطيل السؤال لذاك الطريق،

فأرسم من التأويل فخًّا

لكي لا تخف، مثل كل الراحلين.

أحنُّ لصمتك في كل حين.

أبي…

مللت البقاء على صورةٍ لن تعود،

مللت الحداد ورسم القيود،

فكل الذين يطيرون إلى الله لا يرجعون،

وكل الذين يمرون مثل ضوء الغروب،

يتيهون عند انتصاف الغروب الأخير.

ولم يأتنا من يقول:

تعالوا،

سيُكشف عندها ما يكون.

تعالوا…

لفهم كل الذي ترغبون.

وكنا نخاف من الذاهبين.

أحنُّ…

فمرَّ عليَّ بجنح الفراشة،

بتحريك سعف النخيل،

بصوت اليمام

***

د. رحيم الساعدي

على قدرِ ما أُعطيتَ من عقلٍ ارْتجيْ

وليسَ علىْ قدرِ الهوى والتوهّمِ

لكيلا يعيدَ النّاسُ فيكَ شماتةً:

غشيمٌ خفيفٌ فاقدُ الفَهمِ والدّمِ

لكيلا تسبَّ الحظّ مع كلِّ نكسةٍ

وحظُّ امرئٍ في عقلهِ بالتعلّمِ

وقدْ ملّ من أمثالك الظُّلمُ كلُّه

و رُبَّ ظلومٍ كسبُهُ بالتظلّمِ

وما نكسةُ الأوطانِ إلا صعودُكمْ

لتقْضوا عليها بالفَنا والتشرذمِ

وما رفعةُ الأوطانِ إلا زوالُكمْ

فيبقىْ لها إذ ذاكَ ذو العقْلِ لا العَمِيْ

فهيّا انقضُوا .. يسترجعِ الكونُ نورَهُ

بأولي عقولٍ في السّما مثلِ أنجُمِ

أخٌ لعميدٍ حالمٌ بإدارةٍ

ورُبْعُ لسانٍ حاضرٌ للتكلّمِ

ولصٌ طليقٌ عائدٌ لوزارةٍ

وعبدٌ وضيعٌ قادمٌ للتزعّمِ

وعالِمُ رقصٍ لابسٌ لإمامةٍ

وكأسٌ برأسٍ فُرِّغَتْ للتعمّمِ

ورسمُ شهيدِ الأرضِ أضحى جريمةً

وصوتُ السّما فيه غنىً للترحّمِ

***

أسامة محمد صالح زامل

نُبدِّلُ أثواباً كثيراً وإننا

سنُلبَسُ ثوباً لا يُبدِّلُهُ الزمنْ

*

إذا كانَ غسلُ الثوبِ يمحو عيوبَه

فكيف بعيبٍ كان في باطنِ البدنْ

*

تفاخرَ أقوامٌ بمالٍ وإنني

تفاخرتُ بالأشعارِ في كلِّ مُرتهَنْ

*

أرى كلَّ شيءٍ قد يُباعُ ويُشترى

سوى الحبِّ إنَّ الحبَّ ليسَ لهُ ثمنْ

*

غيومٌ على شكلِ الحصانِ بذي السَّما

وخيطُ طيورٍ حولَها يشبهُ الرسنْ

*

وشعبٌ خَنوعٌ قد أحبَّ طُغاتَه

لذا كلَّ يومٍ عاكفونَ على وثنْ

*

وُلدنا بأرضٍ لم تكن باختيارِنا

وقالوا لنا هذي البلادُ هيَ الوطنْ

*

أمَسْقَطُ رأسِ المرءِ حَدُّ حياتِهِ

ألا ليتني طيرٌ على ذلكَ الفَنَنْ

*

إذا الشعبُ لم يبدأْ من العقلِ ثورةً

سيبقى رهينَ الأمسِ والجهلِ والفتنْ

*

سلامٌ على الحدباءِ خيرِ مدينةٍ

وطُوبى لمن فيها هنالكَ قد سكنْ

*

سيُصبحُ والأنسامُ تأتيهِ بالندى

ويطردُ حسنُ الليلِ عن جفنِهِ الوسنْ

*

هيَ الوردُ في عين الألى يعشقونها

هيَ الشوكُ في عينِ الحسودِ ومن طعنْ

*

ودجلةُ ماءً كان قبلَ دخولِها

وخمراً بها قد صارَ يجري على وهَنْ

*

هنا إبنُ جِنِّيْ علّمَ الغصنَ مَنطِقاً

ويا ويلَ هذا الغصنِ لو مرّةً لحَنْ

*

أجلْ تَلحَنُ الأغصانُ عند خريفِها

وأغصانُنا خضراءُ لا تعرِفُ الحَزَنْ

***

د. عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

ساعتي

ساعتي

نسيتها في بطن خنزير بريّ جريح

متهالكة

أو

مكسورة

فوق الجدران هي الساعات الأخرى

تسبح فيها

أسماك عمياء قيل انقرضتْ

قبلما يلج الحوت بساعات الرمل

2

بصري

ويح التلال البعيدة إذا ارتدّ إليها بصري

بعدها

لا تستطيع أن تستعيد الماء من وجع الغيوم

وويل لبصري

إذا تطاول

أو

تناهى

3

أعارب

تجلّى في الأعارب كلّ رجس

فقد أنفت طباعهمُ الكلاب

*

فما غير الذباب لهم طعام

ومن بول البعير لهم شراب

*

وهل عثر النفاق بغير قوم

فآخاهم وقد شهد الكتاب

*

تخطّوا في النجاسة كلّ حدّ

فلا ماءٌ يُطَهِّرُ أو تراب

***

قصي الشيخ عسكر

.....................

ملاحظة: الغريب في هذه النصوص أنّها هجمت عليّ دفعة واحدة على تباينها في الموضوع.

ما قبل الجهات

ما بعد الجهات....

***

نحوكَ تُقرِّرُ الصدفةُ وجهتَها.

لم أقلْ إنني جزءٌ من المهمة،

كي أنقادَ إليكَ،

على القمحِ أن ينمو على خاصرتي،

كما اشتعالِ المواقد.

خجلًا من صبيةٍ صغارٍ،

تذوبُ روحي،

فأُلملمُ أطرافَها، وأقول:

أين الطريق؟

الصحوُ مُخيِّمٌ على عيني،

وأنا لا أرى:

عظمَكَ، جلدَكَ،

ودمَكَ المطليَّ بتقلباتِ مزاجِكَ،

وحتى خاتمَكَ الفضيَّ، حين ابتلعه البحر،

لم أجده في جوفِ سمكة.

ما بيني وبينكَ سعةُ عالمين،

ما قبلَ الوراءِ واحدٌ،

وما بعدَ الأمامِ آخرُ.

لم أقل:

عالمٌ مضى،

وعالمٌ آتٍ،

يوخزُ الحنينُ بإبرةِ وجعٍ.

فما بين الحروفِ تأويلٌ،

وثمّةَ صدفة.

***

رجاء الغانمي - العراق

لقرىً ناطحتْ ناطحاتِ السحابِ

هيَ ماءٌ، وهنَّ محضُ سرابِ

*

هيَ نورٌ وروحُه سرمديٌ

جوهريٌ، وهنَّ كذبُ ضبابِ

*

أنكرَ العالمُ الشحيحُ سناها

وهوَ بابٌ لألفِ بابٍ وبابِ

*

صِفةُ الذائدينَ عنها صخورٌ

بِقلوبٍ بِها ينابيعُ آبِ

*

تركتْهمْ شهامةُ العرْبِ حتى

جفلَ الباحثونَ في الانسابِ

*

وهمُ الفاعلونَ أفصحَ فعلٍ

عرفتْهُ فصاحةُ الاِعرابِ

*

أيُّهمْ كانَ بالعروبةِ أحرى

أ خفيفٌ أمْ راسخٌ في الصعابِ

*

واجهَ العالَمَ المُزوَّرَ فذَّاً

و أصيلاً مِن طهرِ أزكى الترابِ؟!!

***

شعر: كريم الأسدي

31 ايار 2026 ـ العراق

ما زال مبلغَ همِّنا الصُّغرى

رغمَ الذي أبدتْ لنا الكُبرى

*

رغمَ الفناءِ نجيبُ فانيةً

ونصدُّ عن أبديّةِ الأُخرى

*

نرتاحُ للدّنيا وكم نكثتْ

ونموتُ من أمّ الوفا ذُعرا

*

ما زالَ في الدّنيا بنا أملٌ

وكأنّها ستبعّدُ القبرا

*

والقبرُ تحتَ عيونِنا وعمىً

فيها بهِ مُدَّ الصّبا عُمرا

*

وكأننا لم نعرف العُسرى

معها ولم نيأسْ من اليُسرى

*

وكأننا لم نشربِ المُرّا

معها ولم نتقاسمِ الصّبرا

***

أسامة محمد صالح زامل

هناك،

تتجذّر ظلالٌ

تشبه الذئاب،

رابضة

خارج تخوم الوعي،

تترصّد لحظة الانقضاض

كلّما اسودّت سماء الكلمات،

وغاصت الأقلام

في سباتٍ سحيقٍ

بلا أحلام

*

عينٌ كهرمانيّة

تراقب من وراء،

تقتفي أثر الكلمات

وما إن تلتفت إليها

حتى ينطفئ وهجها

عينٌ بلا جفون،

عينٌ

لا تعرف الإغماض

*

إنّه الحطّاب

بعد منتصف الليل

ينحت في جمجمة الشعر،

ويطرق عصب القصيدة،

مثل رصاصةٍ

تتربّص بك

في مطلع سطرٍ جديد

*

من ينقذ الشعر

من هذه النيران

المشتعلة في عتمة الكهوف؟

من يمنحه مأوى

من العواصف العمياء،

ويذود عنه

دون كيشوتات الشوارع،

وإذلال العواطف،

وفزع الكلمات؟

*

صوتٌ يجلجلُ بين السطور:

هنا ليس موطنَ الكلماتِ حين تستريح،

ولا ظلالَ المعاني حين تلجأ إلى السكون.

هنا قلبُ اللامكانِ إذا أقفر،

ووحشةُ الفراغِ إذا استبدّت.

دخيلٌ على الشعرِ والشعراءِ،

كأنّ اللغةَ مرّت من هنا ذاتَ حلمٍ ثم مضت،

ولم تلتفت وراءها أبدا.

***

سوران محمد

......................

A Cursed City

There,

certain shadows linger—

shadows that resemble wolves,

beyond the borders of consciousness.

They stand ready to strike

whenever the sky of words grows dark

and pens sink

into a deep, dreamless sleep.

*

An amber eye

watches from behind,

following the footprints of words.

The moment you turn,

its gleam fades.

An eye without eyelids—

an eye that cannot close.

*

It is a woodcutter

after midnight,

carving into the mind of poetry,

like the bullet

that awaits you

at the opening of a new line.

*

Who will save poetry

from all these fires

burning in the darkness of caves?

Who will grant it refuge

from blind storms,

and shield it

from the Don Quixotes of the streets,

from the humiliation of feeling,

and the terror of words?

*

A voice echoes between the lines:

where words find no shelter

and meanings dissolve into silence.

Here, emptiness prevails;

poetry and poets are strangers.

language drifted through like a dream

and vanished without a glance behind.

................

شاری نەفرینی

هەندێك سێبەر

وەک هی  گورگن

لەودیو سنوورەکانی هۆشەوە

خۆیان مەڵاس داوە بۆ پەلاماردان

ئەو ساتانەی ئاسمانی پەیڤ

تاریک دەبێ و

خامە دەنوێ

*

چاوێکی پرتەقاڵی

هەمیشە وا

دوای هەنگاوی وشەکان دەکەوێ

کە ئاوڕ دەدەیەوە

بریسکانەوەی نامێنێ

چاوێکی بێ پێڵو

کە هەرگیز نانوقێ

*

دوای نیوەی شەو

دارکونکەرەیە

دەنوك لە مێشكی شیعر دەدا

وەکو ئەوەی

گوللـەیەك چاوەڕوانت کا

لە دێرێکی چۆڵدا

*

کێ شیعر ڕزگاردەکا؟

لەم هەموو ئاگرە

کە سەرچاوەیان تاریکایی ئەشکەوتە،

کێ پەناگایەکی ئارامی پێ دەبەخشێ و

لە گەردەلولە کوێرەکان

دەیپارێزێ؟

لە دۆن کیشوەتەکانی سەر ڕێ،

سووکایەتی بە هەستەکان،

چاوسوورکرنەوە لە دیدگاکان...

*

دەنگێ:

ئێرە شوێنێکی هەڵەیە

نەدەبوو پەیڤ

بۆ ساتێکیش تیایدا بنوێ،

شوێنێ لە دڵی ناشوێندا،

بە شیعرو شاعیر

نامۆ بێ..

***

لا زلت أتقلب بنومة القيلولة، أصحو قليلا ثم تسحبني اغفاءة أخرى دون إرادتي، أ هو حلم أم حقيقة لا أدري.

أم انها لعنة كابوس أتعبت روحي وطحنت انسانيتي ووأدت أحلامي وحجبت الشمس عني..

رأيت رجالا كأنهم ضباب الفجر الكثيف الذي يجعل الصدر ضيقا حرجا، نحن خلقنا من أديم الأرض لكني لا أمتلك معلومة أكيدة عنهم ممن خلقوا.

يؤلمني انهم تتبعوا خطواتي، مرتبكة حركاتهم تتهادى نواياهم بين روحية الصادق والكاذب.

لا أدري هل ألجأ اليهم أو أنهزم وأختبئ في بيتي الآيل للسقوط، لكني لا أفضل الهروب والتخلي عن أحلامي..

كانوا يتقنون صناعة الكلمات أكثر من صناعة الواقع، يزرعون العسل على أطراف السنتهم، ويخفون الشوك في أعماقهم، فاذا تكلموا صدقهم السامع ولكني لم أجد سوى سراب من الوعود..

لا أفهم اسرار مكائدهم، ولم أجرب بعد خيانة الذات، لذلك هربت. في طرق متعرجة وفوق حافات حادة زلقة حتى كدت ان أواجه الموت المحتوم.

الا اني وجدت فئة من الناس قد أحاطوا بهم، بإجلال ووقار وهم أنفسهم ممن صفقوا ورقصوا لمن سبقهم

أحتج الشعراء في قصائدهم والكتاب في رواياتهم. ولكنهم لا يقرأون ما نكتب..

كانوا يمنحون الناس بركاتهم ووعودهم بزراعة النخيل وسوف يمنحونهم بعضا من ضفائر الشمس الفضية والناس فاغرة أفواههم دهشة واعجابا، وربما تخيلوا داخل جماجمهم قصورا وآمالا عريضة. والنخل ينتظر حتى أصابه اليأس وملّ من وعودهم الكاذبة.

قالت النخلة الأولى وهي تساقط سعفها بحزن: اما زلت تنتظرين خطاهم.؟ لقد تناسوا ظلّنا وجف الماء في عروقنا منذ ان رحلتْ قلوبهم قبل أجسادهم.

تنهدتْ النخلة الثانية ومالت مع الريح وقالت: كنت أظنهم اذا ضاقت بهم الدنيا سيعودون الينا. نحن من حفظ اسرارهم تحت القمر وغطين طفولتهم بالرطب والحنين.

قالت الأولى بمرارة: انهم يمرون من بعيد كالغرباء، كأن تعبنا الطويل لم يكن، وحتى الطيور هجرتنا لأن يد العناية قد غابت.

قالت الثانية: البارحة سمعت النخلات يتهامسن يقلن ان الوفاء مات في قلوبهم وان الأرض تبكي عطشا منذ خانها الفرات. فسكتتا قليلا. وكانت الريح تمشط سعفهما اليابس، كأنها تواسي نخيلا خذله أصحابه.

والرجال يغطون بنوم عميق ويحلمون احلاما وردية لان عطش النخيل لا يعنيهم بشيء.

أصابنا شعور بالتوجس منهم ولكن زاد تشبثنا بكبريائنا المعهود منذ بدء الحضارة.

جلسنا فوق أعشاب خضر ندية وأمامنا تنساب موجات الفرات المتخاذلة. واتفقنا.

ان نمنح انفسنا بعضا من الوقت ونجد طريقة مثلى تخلصنا منهم الى الأبد.

مروا على مواسمنا كالغرباء. قطفوا تعب الأيادي وعلّقوا

أثمار النخيل في اعناقهم.

ثم تركونا حفاة الأرواح. نبحث بين التراب عن ظل حلم كان لنا، لم نكن فقراء لكنهم سرقوا دفء النخيل.

وأطفأوا آخر قنديل كان ينتظر العدالة..

شلّوا حركتنا تماما. تيقنا ساعتها ان الأمور قد ساءت ولا ندري لماذا غرقنا بحالة من ذهول. الا ان أقدامنا تشابكت مع جذور النخيل وتشبثت بها...

 لجأنا لهم مرغمين (كالمستجير من الرمضاء بالنار)..

لكنهم ببساطة تغافلوا وتناسوا وعودهم وتركوا

الجميع في حيص بيص وهنا سادت الفوضى.

فاستطالت أذرع سعف النخيل حتى غدت كأنها قضبان حديدية فرمينا آثار الغرباء في بئر عميق..

وبئرنا لا يشبه بئر يوسف!! لأننا بالتأكيد قطعنا طريق القوافل السيارة..

يا الهي كم أدهشني هذا الحلم. ولكن من هم هؤلاء الغرباء الذين رأيتهم في منامي.؟

أنا لا أعرفهم.!!!

***

قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو

منذُ عامٍ عزفَ اليأسُ نشيدهْ

وذوى زهرُ أمانيَّ الوليدهْ

*

فقصدتُ البحرَ أشكو ضجري

هاربا ً من سجنِ أيامي البليدهْ

*

وعلى الشاطئ كانتْ نجمة ٌ

في انتظاري هيَ في الحسنِ فريدهْ

*

حدثتني بحديثٍ ساحرٍ

وقعهُ أجملُ منْ أحلى قصيدهْ

*

ثمّ في العينينِ غابتْ نظرتي

فتراءت لي السماوات البعيدهْ

*

فإذا النجماتُ تحكي في أسىً

قصة ً عنْ نجمةٍ عاشت وحيدهْ

*

فارقتها من زمانٍ واختفتْ

قِيلَ عنها هيَ في الأرض شريدهْ

*

فجأة ً مرَّ سؤالٌ حائرٌ

بشفاهي كُنتُ أخشى أن أعيدهْ

*

قلتُ نجماتُ السما يا نجمتي

قدْ روتْ لي قصّة ًعنكِ فريدهْ

*

أصحيحٌ ما روتْ قالتْ بلى

هوَ عينُ الحقِّ .. أخبارٌ أكيدهْ

*

همتُ بالأرضِ وفارقتُ السما

وأنا في فطرتي جدُّ عنيده

*

فتجاهلتُ بأنّي نجمة ٌ

وتجلّيتُ بأشكالٍ عديدهْ

*

فلذا يا شاعري جئتُ هنا

علَّ أنْ تُحيي أمانيَّ قصيدهْ

*

ثمّ غابتْ لحظةَ عنْ وعيها

وأفاقتْ بعدها وهيَ سعيدهْ

*

أرسلتْ للبحرِ منها نظرة ً

ثمّ سارتْ بخطى نحوي وئيدهْ

*

همستْ لي أنتَ والبحرُ معا

فيكما أبصرُ دنيايَ الجديدهْ

*

قلتُ هذا البحرُ مثلي شاعرٌ

عاشقٌ مستلهمٌ منكِ نشيدهْ

***

جميل حسين الساعدي

تاريخ كتابة القصيدة السادس من حزيران 2026

أنا لا أرقصُ في أعراسِهم

فمزاميريَ مثلي

نَبَذَتْ مذ يومِ أنْ كانت غصوناً غضّةً طبعَ السرورْ

وغنائي الصامتُ الثاقِبُ

قد يكسرُ – إذ يخرج من صدريَ – ألواحَ الزجاج

لستُ سكيراً

ولا أبذرُ ما يَنزُرُ من مالي

لأشري للذي لم يذقِ الخمرةَ برميلَ خمورْ

لم يكن دربيَ دوماً مستقيماً

فقد اختنتُ طموحاتي وأحلاميَ مراتٍ

ولكن لم أخنْ يوماً شياطيني،

وما استبرأتُ من أخطائها

فهما بوصلتي

تهتُ إذن لو خنتها

وإلى آخر عمري لن أخونْ

ربما أمضي إلى بيتي،

فألفانيْ أخوضُ النهرَ حتى هامتي

ربما أعثرُ، أو أسقطُ

أو أحفرُ تحتَ الأرضِ بحثاً عن ملاذٍ

مَهربي من زَارعي الشَوكِ مَنوطٌ بحذاءٍ ثِقةٍ

يتحرّى بوفاءٍ لي طريقاً للخلاص

ويُنجينيَ من عَثْراتِهم

ولهُ أنفٌ وأذنٌ وعيونْ

آهِ كم تُتعبني نفسيْ التي أعجزُ عن ترويضها

حكمتي في العمر أن أنقذَ من نفسيَ نفسي

فهما خصمان لا يصطفيان

رضعا السُمَّ معاً

والمُرَّ

حتى قد أصيبا بالجنون

**

منذ أنْ غادرتُ هذا العالمَ المُعتمَ

واستوطنتُ صدري

جَسَدي شَفّ كصندوقِ زجاج

وخَطَايايَ غدتْ نَهباً لسُرّاقِ القبور

فَفَشَى أمْريَ في عَسكَرِ خِلّاني

وباعونيَ في سوقِ الخياناتِ بسِرْ

ربما أمريَ قد غُمّ عليهم

بيدَ أني لم أعدْ مُستَغرِباً

أن يَنبُتَ اليومَ على أجسادِهم ريشٌ

وأن يتّخذوا من صَلَعَاتِ الخَلقِ أعشاشاً

وأن يصبحَ مَنْ كان بأقفاصيْ يُغني فوقَ أكتافيَ نَسْرْ

بعضُهُم غَسَّلَ عن أثوابه ما لوّثتْهُ نَظَراتي

خوفَ أن يُعدى بأدواءِ الحنين

بعضهم عادَ إلى رَحمِ التي ماتتْ

لكي يدخلَ في طور الجنين

فإذا ما لُحْتُ عن بُعدٍ لهُ

ألقى بما يملِكُ للّصِّ

وألقى نفسَهُ مُستَنجِداً داخلَ قنينةِ حِبرْ

وعدا ذاكَ، أشاعتْ صُحُفُ العُميان

أني قد تلاشيتُ تماماً

مذ تراءَى وجْهُ شَيطانيَ لي

منعكِساً دوني على أمواهِ بئرْ

**

باردٌ هذا المطرْ

إنها تُمطرُ في قلبي

لماذا ابتلّتِ الأشجارُ؟

واربَدّ المدى

وخيولُ البرقِ ضجّتْ صَاهِلاتٍ في العراء

لم أعُدْ أحزنُ أنْ أمشي وحيداً

ألجِرارُ التيْ أخفيتُ بها صَحبي اللصوصَ

لم تعد تصلحُ للإخفاء إذ صارتْ بطوناً

ولها صارتْ مَشيماتٌ

وأرحامٌ

وحَيضٌ كالنساء

هكذا الدنيا إذا ما أقبلتْ

تهبُ الأعمى على جبهتهِ حَشْدَ عيونٍ

وحشوداً نُجلَ أخرى من عيونٍ للوراء

سوف تشتاقُ إلى أصداء صمتي نافذة

ثم تدعو صحبَها الأبوابَ والأقفالَ لي

فنقضّي يومنا نشربُ شاياً

ونُنقّي بالصدى الصامتِ

ما لوّثَهُ صخبُ السُكارى من هواء

لقد اعتدتُ على الوحدة

حتى صرتُ إذ أسري

أرى وجهيَ محفوراً على صخر المساء

فأنا أنشدُ من داخل صدري

ليس يعنيني إذا ما انطفأ العالمُ من حولي

فقلبي هو مصباحي

وأعماقي ضياء

***

شعر: ليث الصندوق

قــوافي الحُب اجراسٌ وعزْفٌ

مُــراســلة الصَدوق، بها بـَقاءُ

*

نــقاءُ الذكـرياتِ، لــه شـروقٌ

وطِيـبُ النبــْعِ، يَرْفـدُه النــقـاءُ

*

وللذِكْرى مع التــاريخ، ذِكْرى

محاسِــنُها: ضِــيــاءٌ واقـــتِــــداءُ

*

ووَجْه الصـدقِ، بَــدرٌ مُـسْـتَـنـيرٌ

مـــع الاقــمار تـؤنِــسُــه الســـماءُ

*

إذا استَخْــبَرْتَ احــداثَ الـليــالــي

فــاوثَــقـُـهــا، يُــتَــوِّجـُه الــوَفــاءُ

*

وكـــلُ نَـــبَاهـــةٍ، مَـدعــاة ُخــيْرٍ

إذا حُسْنُ الظــنونِ، بهــا انــتـقاءُ

*

(ومن طلبَ العُلا سَهِـرَ الليالي )

فــــلا مـالٌ يـــــدوم، ولا رَخاءُ

*

إذا هـَـبَّــتْ نــسائمُ، فــيهــا ودٌّ

فــاجــواء المــرور، لهــا انحِناءُ

*

ســـطورُ الودِّ، إنْ دَوّنْتَ فــيهــا

مَلامـِـح َعِــفّــة ٍ، هُــزِمَ الخَـفــاءُ

*

وللمــوهــوب افْــقٌ إنْ تَــحَــلّـى

بِعَــزْم ٍ، مِــنْ طبـيـعتِه المَضــاءُ

*

رويـدا رُبَّ بعــد الحَـــسْــم شــكٌ

يقول هــناك فـي المغزى افــتـراءُ

*

فــتَحـليلُ الأمور، بــنَـهـْج صَـبْـرٍ

ســلالــِمُ شــامِـخٌ فيــهــا الــبــناءُ

*

نَــقــاءُ الحُـبِ، عُــذْرِيٌ بغَــرْسٍ:

سـُـــلالـــتُـه الاصــالـةُ والـعَــلاءُ

*

( وما نَـيــلُ المَــطالـبِ بالتمـني)

فـــفي الإقـدام، للـعَــزْم احتــواءُ

*

إذا كان التــواضعُ، فـي سُــلـوكٍ

هي الأخلاقُ، نِــعمَ الإصطــفـاءُ

*

فإن رُمْــتَ الوصولَ الى المَعالي

فـعَــزْمُـك فـي نَــتائـجـه ارتــقـاءُ

*

وإنْ كـــان الـثّـــواءُ، بـِـلا انِيـسٍ

فــتَــجْســيدُ القريض، به ارتواءُ

***

( من الوافر)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

كلَّما انكَسَرَ العالمُ في يديَّ

خرجَ عليٌّ من شقوقِ المعنى

وأعادَ ترتيبَ الجهات.

أعبرُ هذا الزمنَ مثقوبًا بالأسئلة،

وخلفي يمشي عليٌّ

يرقِّعُ خرائطَ الروح.

أُطفئُ ضجيجَ العالمِ،

فأسمعُ خطى عليٍّ

تُرتِّبُ فوضى الذات.

***

في الجهاتِ التي أضاعَتْ بوصلةَ المعنى

كانَ عليٌّ

آخرَ الجهات.

كلَّما ارتفعتْ جدرانُ العالمِ

بينَ إنسانٍ وأخيهِ

كانَ عليٌّ

نافذةً تُفاجئُ الحجر.

كلَّما أوشكتِ الأرضُ

أن تنسى عدالتَها

كانَ عليٌّ

يصعدُ من شقوقِ الطين.

***

حين ضلَّتِ اللغةُ

طريقَها إلى العدالةِ

تركَ عليٌّ عباءتَهُ

على كتفِ القصيدةِ

ومضى...

***

أعبرُ هذا العصرَ

مستندًا إلى ظلِّ سيفٍ

تركه عليٌّ في الهواء.

وفي كلِّ مرّةٍ

يشيخُ فيها النهرُ

يستعيرُ من عليٍّ

شبابَهُ الأوّل.

***

لم يكنْ عليٌّ في التاريخِ؛

كانَ الفجوةَ

التي ما زالَ التاريخُ

يحاولُ ردمَها.

***

جاسم الخالدي

عدتُ مساءً إلى مدينة(ب) بعد غياب طويل، بحثا عن الطمأنينة والتّطهّر من تلك الدّماء العالقة بجسدي، في الطّريق الممتدة على بعد مئة ميل، لا بديل عن مواساة روحي المسحوقة، فمثلا، تمنيتُ لو تفقد سيارتي توازنها فتنقلب في إحدى المنعرجات، أو لو أصاب بالزهايمر، ليس هذا فقط، رحتُ أرسمُ الكثير من المخارج لمعضلتي، أعرف أنها مستحيلة، إذن فلا شيء غير الغناء والبكاء في آن.

استفقتُ من غيبوبتي على واقع سوداويّ وأنا أركن السّيارة قبالة ساحة الأُسود. بدتْ مدينتي شرسة، باردة، فوضوية بعماراتها الشّاهقة، لم يبق من بريقها الأول سوى هيمنة الضّوضاء وضجيج الباعة. ترجلتُ خطوات قليلة بلباسي التنكريّ، لم يلتفتْ إليّ أحد المارّة، هذا مشجع جدا، غدوت مهرجا بقبعتي الزرقاء وشواربي الاصطناعية. في النهاية (الزّيني) مجرد رقم مجهول في الزّحام، مع أني أحمل بطاقة مهنية ومسدسا وتاريخا طويلا من المجد، تؤلمني هذه النّهاية. لم تكن لي بدائل حقيقية بخصوص المبيت، لا أريد إحراج الأصدقاء أو ما تبقى من أفراد عائلتي في (ب). لم يبق لي سوى خيار فندق(النّجمة) حصرا، الواقع في شارع الاستقلال، طالما ارتبطت بدايتي المهنية به في سنوات الجمر، تقدمت نحو موظف الاستقبال، سألته عن وجود غرفة لشخص واحد، ردّ بتكشيرة:

-"موجودة يا سيدي"

منحته هوية مزوّرة، في الواقع لا أستعمل اسمي الحقيقي حتى في البيت لا أحد منهم يناديني باسمي.

دلفت إلى الغرفة(11)، كانت عادية، تضمّ سريرا خشبيّا وخزانة ومكتبا صغيرا، مطلّة على الشارع، وضعت أغراضي القليلة في الدولاب، سحبت رزمة أوراق بيضاء ومجموعة أقلام، لوازم أخرى تتعلق بالتّنكر.

بدأت تعاستي بمجرد سقوطي على السرير، شعرُتُ بثقل في يديّ وتخشبهما، رحت أستجلب الإغفاءة بأي شكل، أعرف أني سأعيش سلسلة من الكوابيس المتصلة، من الشّنق والتّقطيع والسّحل كما يحدث لي عادة بعد كلّ عملية قذرة، هذه ليست قذرة يا زينو، هي بشعة صحيح، لكنها ضرورية، أجل، أكثر من ضرورية.. نمتُ نوما متقطعا، كلما استيقظت أجد نفسي مرعوبا، أتمزّق من الداخل والخارج.

(2)

خرجت من الفندق صباحا، غمرتني فرحة قصيرة، مبهمة، كأن القضيّة قُيّدتْ ضد مجهول، ابتسمتُ في وجهي العابس الذي قابلني من واجهة زجاجية، بادلني الابتسامة. واصلتُ طريقي بدءا من ساحة الثّورة صعودا إلى الشّارع الخلفيّ المزدحم بصغار التّجار والعمال، أكشاك صغيرة، وبنايات كبيرة، في الجهة المقابلة مقهى(الرفقة)العريق، بينما قلبي انقبض بشدّة، أحسستُ أن أحدا يلاحقني، أينما وليتُ وجهي أرى طيفا ملفوفا بملاءة بيضاء بين المارة، يتعقب خطواتي بإصرار، اندفعتُ نحو المقهى غير مبال بالطّيف.

استطلعت المكان بالكامل قبل ولوجي تحسبا لأي طارئ، معارفي مثلا، وأنا في غنى عن لقائهم في هذا التوقيت غير الملائم للمشاحنات أو المجاملات أو التأنيب، لا أتحمّل كلماتهم السّمجة والثقيلة، وبإمكاني قولها للتو نيابة عنهم: أين أنت؟ لم تتكبر؟ لماذا اختفيت؟ بالتأكيد أغلبهم يتقولون عني أشياء فضيعة، لا علينا.

تغيّر مقهى (الرفقة) كثيرا، مرآة كبيرة معلقة على الجدار، لوحات فنية، أطباق الحلوى موضوعة فوق الكنتوار، كراسي خشبية، في الواقع كنا نريد هذا التحوّل التّدريجي نحو الانفتاح الجميل، من مجرد ركام إسمنتي إلى زاوية فن عجيبة، ملتقى يومي لفنانين فاشلين بضحالة أفكارهم، غاصّ بالزبائن، بعضهم منا والبعض الآخر محسوب على المعارضة، تستطع القول أنّه نوع من التّجمهر غير المصرّح به. في الغالب هذه الأماكن المغلقة نعتبرها بؤرا لإثارة القلاقل، سأفكر في الوضع لا محالة، وأعيد ترتيب أوراق الدّائرة، علمتني الحياة أن لا أثق في تقارير غير دقيقة وغير موضوعية.

جلست في الزّاوية القصّية، وحيدا، منسيا، ومخصيّا بالخوف، حتى النّادل الوضيع تجاهل دخولي. يستمع إلى ما يردّده لاعبو الورق. فتحتُ الجرائد بقلق، واحدة تلو أخرى، لا جديد يذكر، الزبائن يثرثرون، يتبادلون الشتائم بلغتهم الرّامزة، المشفّرة، الحادّة، الملتبسة، فجأة، رأيتُ الطّيف يتسلّل من النّافذة، توقفتُ عن القراءة، أخذتْ شكلا جديدا من التّمويه، أحدّق في وجه أنثوي قمحيّ، مغرٍ، تقتربْ، هي، لونجة...مستحيل؟ أعرف أنها مجرد تخيلات فضيعة، مع ذلك كنتُ مرعوبا، لا أعرف إن رآها الزبائن مثلما رأيتها؟

صرختُ في وجه النادل:

-"شاي..شاي...يا أنت"

في الواقع كنتُ أستغيث بالنّادل، في وقت كان فيه الطّيف قبالتي...هي لونجة.. غير معقول! تستفزني بحركات منسجمة، راقصة، لساني المتخشب يقول: كم هي رشيقة! قبل يومين فقط كانت لا شيء، تشبه برميلا، تتبعثر حينما أريد، وتنكمش حول نفسها حينما أريد. أخذتْ وقتها لتنفيذ خطّتها، وأنا بطلها الذّليل، القاتل، ثم تنهال علي السّيوف والخناجر، حتى الرّعاع يعرفون كيف يثأرون من جلاديهم، بالتأكيد فكّرتْ في السيناريو المثالي، حيث تعطي المساحة الكافية للجماهير من أجل الفرجة والتشفي في ديكتاتور غير عادل، لم يكن ذلك صحيحا، أنا مجرد ضابط صغير ينفّذ الأوامر، كنت عادلا وصارما، ووطنيا حتى النّخاع، إن شئتم سأنشر كل الوثائق التي تؤكد نزاهتي.. تبا لكم جميعا.. ماذا تفعلُ هنا وأنا خارج للتو احتفاءً بنهايتها؟

أعطت لي ظهرها الضّارب في السّمرة. كانت ترسم في الهواء، ترسم أنفي الطويل وجحوظ عيني في لحظاتها الأخيرة.. لعلّها ترسمني ميتا مسجى، غولا يلتهم نفسه في آخر المطاف، بخطوط كاريكاتورية، تأكدي أني سأفعلها ثانية. عدّلت من وضعيتها، ترمقني بابتسامة خلابة، كأنها تعطيني الانطباع بأنها متسامحة أو تناست الحدث برمته.. طلبت الشاي للمرة الثانية. تأخر النّادل، أو تعمّد من أجل إذلالي. أراقب الوضع بحياد، ورائي لاشيء يا أنت، سأعلمك لاحقا كيف تحترم الزبائن المهمين، تخيلوا معي لو يعرف هؤلاء أني(الزّيني)، سيتغير كلّ شيء في لمح البصر، تراهم يجيؤون، مثنى مثنى، هذا يكتب لي في قصاصة يطلب مساعدة ما، وذاك يطلب مني تدخلا من أجل أحد أفراد عائلته مرميا في السّجن، الشاعر ذاك نفسه الذي يقرأ قصائد أحمد مطر لن يتردد في كتابة قصيدة عصماء يتبجح ببطولاتي وأعمالي الجليلة، لكني سألتزم الصمت إلى حين.

يصل النادل أخيرا، يحدّق في قسمات وجهي. ثمّ يضع كاس شاي أمامي بتكاسل، وأنا أراقبها، ماذا يحدث؟ ماذا تريد مني؟ ألمْ تقتلها قبل يومين يا الزيني؟ نعم فعلتها ببرودة دم داخل شقتها، بالأحرى شقتي كوني أنا من كان يدفع أقساط التأجير نظير خدماتها كوْن لونجة بالرغم من أخطائها، فهي خدومة، هي ذراعي الأيمن، زرعتها في الجامعة المركزية منذ سنوات، لم تجرؤ يوما على مخالفة الأوامر، في نهاية كلّ أسبوع تكرمني بعطاياها اللّذيذة، أحيانا يتعكّر مزاجي بسبب شمّي لرائحة خيانة ما ملتصقة بجسدها، كنتُ أغفر لها تلك الزلات، لأني أيضا أخونها وأخون زوجتي وأخون نفسي كلما وجدت السبيل إلى ذلك.

تلك الليلة تسللتُ إلى شّقتها قبل مجيئها بقليل، تمددتُ على الكنبة، منحتني الظلمة فسحة لاستعادة شريط حياتي المعقّد، بلقائنا الأول في أزقة مدينتي، يومها لم تنجح في امتحان انتقاء أعوان الشرطة، خرجتْ من المركز غاضبة، كنت بالمرصاد، أحبُ هذا النّوع من المحطمّين نفسيا، لم تكن جميلة، ولا أنا، لم أكن من ذاك النّوع المرغوب فيه، قررتُ أن تكون لونجة لي، رفضتني مرارا، أغويتها وحاصرتها، لاحقتها كثيرا، قلت لها بصدق لستُ قادرا على مساعدتك لتظفري بمنصب عمل في سلك الشرطة، هذا حقيقي، كنت عونا بسيطا في الدائرة قبل أن أجد من يسندني في صعودي الصعب نحو القمة، صديقتي لم تعرف كم تعبت في مشواري لأصل إلى ما أنا فيه. لم تعرف كم ليلة بقيت فيها ساهرا أخطط للوصول إلى القمة. لم تكن تحبني، فقط كانت تساير جنوني، هوسي بجسدها المغزليّ، تستمع لهذياني شبه اليومي، في النهاية ليس لها سوى السير معي في طريق شبه مسدودة، إلى أن تمكنتُ من توظيفها كعميل، لا، لا، أحبذ هذا الوصف، ليست عميلة، هي موظفة أمن، بالإضافة إلى انتسابها إلى عمال الجامعة المركزية.

كانت تلك الليلة عسيرة، أتعرق كثيرا، أتقلب على الكنبة، ثمّ باغتتني وجوه قادتي الذين سأقابلهم في القريب العاجل، قد تتحوّل التّقارير المتراكمة فوق مكاتبهم إلى محاكمة تاريخية. أعرف كنت النقطة الأضعف في تلك المتاهة، من السهل التضحية بي، بدوري سأضحي بالأقرب إلي.. أخيرا وصلتْ، لم تتفاجأ بوجودي في الصّالة، كانت على استعداد للمضي قدما نحو حتفنا، كأنها تنتظر سفرنا نحو الجحيم، احتضنتني بقوة، قالت بهمس لذيذ:

-" أحبك"

أشكّ في قولها طبعا، هي فقط ضعيفة ومسالمة أمام جبروتي، قلت بحزن شديد:

-" أنا أيضا أحبك"

أضفتُ بيأس:

-"ثمة تغيير يدمّر حياتي يا عزيزتي، سيعصف بي قريبا"

قالت:

-"أعرف، حياتك على كفّ عفريت، أقدّر وضعك المزري"

-" يجب أن أضع حدا لهذه المهزلة، أشمّ رائحة خيانة كبيرة هزتني هزا، أشكّ في الجميع، أنت الأقرب إلى دائرة شكوكي"

قالت مندهشة:

-"أنا؟"

-" نعم، أنت، أنا من صنعك وانتشلك من القاع، أتذكرين مشوارك الوسخ ونذالتك؟"

لم تقلق أبدا، تتحرك في أرجاء الشقة بهدوء مريب، غير عابئة بكلماتي العارية، شغلتْ المسجلة العتيقة، موسيقى كلاسيكية تنبعث من الزاوية، أدارت وجهها صوبي، مبتسمة، قالت بخبث:

-"مع ذلك أحبك ولا أحبك يا زينو"

كلما رأيتها تذكرتُ أخطائي، ضحاياي. أخشى من عينيها السوداوين، مسألة التخلّص منها كان ضروريا ومنطقيا لكلينا. خلعت بلوزتها الوردية بمهل، كأنها تدعوني لتوغل في غاباتها المترامية الأطراف، عندما تريدك ستجعلك تنسى همومك، كانت تبتسم وتتغنج، اقتربت منها، كنتُ واثقا أنها الليلة الأخيرة، أريدها سخية بالماء والدّماء، وضعت يدي حول رقبتها، مداعبا ومغنيا لها مواويلي القديمة الممزوجة بالثرثرة والهذيان، قلت لها:

- " سأرسلك إلى الجحيم يا عزيزتي، أنت شريكتي المذنبة والعبء الثّقيل"

بدأت أضغط حول رقبتها الرقيقة، انتفضت صارخة:

-" أنت أيضا ستلحقني بعد لحظات، أريد أن نسافر معا بطريقة مبتكرة، أعرف أن لك طرقا مبدعة"

-"سأفعل بالتأكيد، أنت تستحقين ذلك"

-"اهدأ الآن أرجوك أنت تؤذيني بيديك، في النهاية لن تقدر على قتلي، لأنك جبان، ربما تفعلها لاحقا بمساعدة زبانتيك"

استمرت في استفزازي باصطناع ابتسامة صفراء:

-"أينما ذهبتَ ستجدني أمامك، خلفك.. تأكد من هذا"

بينما يداي تضغطان على رقبتها بلا رحمة.. تتأوّه، تحاول التّخلص من قبضتي، دون جدوى من محاولتها اليائسة.

نمت جنبها للحظات، كانت سعيدة في رقدتها، رغم الدمعة المنسابة في آخر لحظة. مرتاحا من كل مشاغلي ومشاكلي العاطفية والدسائس التي يمررها خصومي، ربما حلمت ليلا، قرأت قصتي مثلا منشورة في جريدة ما. غادرت الشقة بهدوء، لم ألتفت حيث تمددت، بلا ندم أو حسرة على ضياعي.

(3)

عدت إلى الفندق مسرعا، صعدت إلى غرفتي، تخلصت من ثيابي التنكرية، فجأة، رأيتها متكورة تحت الأغطية...تتثاءب. حاولتُ التراجع إلى الخلف، أخرجت مسدسي وأنا أصرخ في وجهها:

-"سأقتلك ثانية يا عاهرة"

أطلقت قهقهة طويلة، مزعجة، صوتها وصل إلى الشّارع، أسمعها تغني في الرواق، في الصالون، في السماء، أسمعها بوضوح تقول بضحكة متدفقة:

-"ألم اقل لك؟"

أصرخ، لا أحد سمعني، خرجت إلى رواق الفندق أجري وأصرخ:

-" من سمح لهذه العاهرة باقتحام غرفتي؟ ستدفعون الثمن يا كلاب"

حينها وصل عامل التنظيف، مندهشا من هلعي، من صراخي:

-"كيف سمحتم لتلك العاهرة الدخول إلى غرفتي؟"

اندهش من تصرفاتي، أطلّ برأسه نحو الداخل، عاد قائلا:

-"لا أحد يا سيدي.."

رافقني إلى الغرفة، ركبتاي ثقيلتان، بينما.. رنّ الهاتف الدّاخلي، حملتُ السماعة ببطء، بخوف سمعت صوت موظف الاستقبال:

-"ألو سيدي، امرأة في انتظارك هنا في قاعة الاستقبال"

-"امرأة؟"

-" أجل سيدي، تدعى لونجة، هي في انتظارك"

***

قصة قصيرة

جيلالي عمراني

في تلك الليلة لم يكن في البيت ما يؤكل. عرف أبو سعد ذلك منذ الظهيرة. فتح علبة الطحين فلم يجد سوى طبقة رقيقة من الغبار الأبيض في القاع. هز كيس الرز فسمع حبات قليلة تتدحرج داخله كحصى صغيرة ضلّت طريقها إلى بيت فقير. فتش الرفوف واحداً بعد آخر، فوجد نصف بصلة ذابلة، وعلبة شاي شبه فارغة، وبعض الملح.

أعاد كل شيء إلى مكانه بهدوء.

لم يفاجئه الأمر كثيراً. فقد تجاوز الستين منذ أعوام، وصار يعرف كيف تأتي الأيام الصعبة.

جلس قرب النافذة. في الخارج كانت الشمس تهبط ببطء فوق أسطح البيوت المتعبة. وفي الداخل كانت زوجته تحاول أن تخفي قلقها، بينما عاد ابنه الأكبر خالي اليدين. أما الأحفاد فكانوا يدورون في الغرف مثل عصافير صغيرة لا تعرف شيئاً عن حسابات الكبار.

سألته حفيدته زهراء:

ــ جدو... ماذا سنتعشى الليلة؟

نظر إليها طويلاً، ثم ابتسم وقال:

ــ الليلة عندنا عشاء خاص.

ضحكت الطفلة ومضت.

أما هو فبقي جالساً مكانه. كانت الأفلام تمر في ذاكرته مثل شريط طويل لا ينتهي. تذكر دور السينما القديمة التي كان يرتادها في شبابه. تذكر المقاعد الخشبية المهترئة، ورائحة السجائر، والضجيج قبل بدء العرض. تذكر تشارلي تشابلن في «حمى الذهب» وهو يأكل حذاءه بشهية رجل وجد أخيراً طعاماً حقيقياً. تذكر بود سبنسر وهو يلتهم أفخاذ الدجاج المشوية وقطع اللحم العملاقة في أفلام الويسترن سباغيتي، فيما يجلس ترنس هيل مقابله مبتسماً كأنه لا يعرف معنى الجوع. تذكر موائد فيسكونتي المترفة تحت الثريات الذهبية، وموائد الأفلام القديمة التي كانت تتصاعد منها أبخرة المحاشي، والولائم الإيطالية التي بدت له يوماً أكبر من أحلامه كلها. لم يكن يتذكر حبكات الأفلام دائماً، لكنه كان يتذكر الطعام. يتذكر البخار، ويتذكر الأرغفة، ويتذكر الوجوه وهي تأكل مطمئنة.

عندما حل المساء نهض فجأة، وارتدى قميصه النظيف الوحيد، ومشط شعره الأبيض بعناية. ثم وقف وسط الغرفة وقال بصوت احتفالي:

ــ أدعوكم جميعاً إلى... موعد على العشاء.

ابتسم. وحده كان يعرف أنه سرق العبارة من عنوان فيلم لمحمد خان شاهده قبل سنوات طويلة. مرت الصورة في رأسه سريعاً، ثم اختفت.

تبادل أفراد العائلة النظرات. لم يفهم أحد ما الذي يجري. لكنهم جلسوا حول المائدة. كانت الطاولة خالية. الصحون خالية. الأكواب خالية. حتى سلة الخبز كانت خالية.

جلس أبو سعد في صدر الطاولة كما يجلس مدير صالة فخمة يستقبل ضيوفه، ثم قال:

ــ نبدأ الليلة بالتشريب.

وأشار إلى صحن فارغ أمامه. أغمض عينيه قليلاً. كان يراه بالفعل. كان يرى المرق الذهبي يلمع. ويرى قطع اللحم الكبيرة. ويرى الخبز وقد تشرب النكهة حتى آخره.

التفت إلى حفيدته وقال:

ــ انتبهي يا زهراء... المرق ساخن.

نفخت الطفلة في الهواء فوراً، فانفجر الجميع بالضحك.

شعر أبو سعد أن شيئاً دافئاً يتحرك داخل صدره.

أكمل بثقة:

ــ وبعده دولمة على الطريقة البغدادية.

مد ابنه يده إلى صحنه الفارغ وقال:

ــ أريد ورق عنب أكثر.

رد أبو سعد بجدية كاملة:

ــ خذ ما تشاء. الليلة لا حساب عندنا.

ضحكت زوجة الابن وقالت:

ــ الرز ممتاز.

فأجابها:

ــ هذا رز لا يوجد مثله حتى في الفنادق الكبرى.

وأضاف طبقاً آخر، ثم طبقاً آخر، ثم سمكاً مسگوفاً جاء للتو من دجلة، ثم بامية باللحم، ثم قيمراً مع الخبز الحار رغم أن الوقت وقت عشاء.

وبدأت اللعبة تكبر.

الجدة اشتكت من كثرة الفلفل. والحفيدة طلبت قطعة سمك إضافية. والابن أعلن أن التشريب يستحق جائزة عالمية.

وبينما كانت الملاعق الوهمية تتحرك فوق الصحون الفارغة، كانت الضحكات تملأ الغرفة الصغيرة.

شيئاً فشيئاً تحول الفراغ إلى وليمة. وتحول الجوع إلى حكاية. وتحول العشاء إلى أمسية عائلية حقيقية.

حتى إن زهراء قالت في لحظة صدق كامل:

ــ جدو... هذا ألذ عشاء أكلته في حياتي.

كادت دمعة تفلت من عينيه، لكنه ضحك بدلاً من ذلك.

واستمر في تقديم أطباقه غير المرئية. كان يستعيرها كلها من ذاكرته، من أفلام شاهدها، ومن مطابخ عرفها، ومن أمه التي رحلت منذ زمن، ومن عراق قديم ما زال يسكنه أكثر مما يسكن البيت الذي يعيش فيه.

عندما انتهت الوليمة نهض الجميع بشعور غريب. لم يشبع أحد، لكن أحداً لم يبق جائعاً تماماً.

قبّلت زهراء جدها قبل أن تنام، وقالت:

ــ متى سنكرر هذا العشاء؟

ربت على شعرها وقال:

ــ قريباً.

ثم انطفأت الأنوار واحدة بعد أخرى. نام الأطفال ونام الكبار.

وبقي أبو سعد وحده أمام المائدة.

مد يده إلى أحد الصحون الفارغة. مرر إصبعه على حافته ببطء. كان نظيفاً إلى درجة مؤلمة.

رفع رأسه نحو الظلام. تذكر أمه، وتذكر أباه. وتذكر دور السينما التي أغلقت أبوابها. وتذكر الوجوه التي اختفت. ثم ابتسم وهمس كأنه يحدث نفسه:

ــ غداً سيكون عندنا عشاء حقيقي.

وبقيت الكلمات معلقة في هواء المطبخ. وحده كان يعرف أنها تشبه الدعاء أكثر مما تشبه الوعد.

***

بولص آدم

في نصوص اليوم