عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

يُعد الأدب الصوفي واحدا من أكثر التجارب الأدبية والروحية عمقا في التراث العربي والإسلامي إذ لا يكتفي بتجميل اللغة أو استعراض البلاغة بل يسعى إلى تحويل الكلمة إلى جسر يصل بين الإنسان والمطلق وبين الظاهر والباطن وبين الجسد والروح. إنه أدب الرحلة الداخلية حيث يصبح النص سلوكا ويغدو المعنى تجربة معيشة لا فكرة مجردة. ومن هنا تنبع خصوصيته بوصفه أدبا يتجاوز حدود الزمان والمكان ليخاطب جوهر الإنسان في شوقه الدائم إلى الحقيقة والمحبة الإلهية.

نشأ الأدب الصوفي في سياق ديني وروحي اتسم بالزهد والبحث عن الصفاء الداخلي كرد فعل على مظاهر الترف والسلطة والانشغال بالمظاهر. غير أن هذا الزهد لم يكن انقطاعا عن العالم بقدر ما كان سعيا إلى إعادة ترتيب العلاقة معه عبر تطهير القلب وتحرير الروح من أثقال الأنا. ومع تطور التجربة الصوفية تحولت هذه الرؤية الروحية إلى خطاب أدبي ثري استخدم الشعر والنثر والرمز والحكاية للتعبير عن حالات وجدانية لا تستوعبها اللغة المباشرة.

المحبة الإلهية تشكل المحور المركزي في الأدب الصوفي فهي البداية والنهاية والغاية القصوى لكل سلوك روحي. الصوفي لا يعبد الله خوفا أو طمعا بل حبا وشوقا ولذلك جاءت لغته مشبعة بعاطفة عارمة تتخذ من مفردات العشق والهيام والسكر والفناء أدوات للتعبير. هذا التحول في اللغة من العبادة إلى العشق منح النص الصوفي طاقة شعرية عالية وجعل القارئ يعيش التجربة لا يكتفي بتلقيها. فحين يتحدث رابعة العدوية عن حب لا يشوبه رجاء ولا خوف فإنها تؤسس لثورة روحية عميقة تجعل العلاقة مع الإله علاقة قرب لا مسافة.

الرحلة الصوفية كما يصورها الأدب ليست مسارا سهلا أو خطيا بل دروب متعرجة مليئة بالمجاهدة والشك والاختبار. يبدأ السالك باليقظة ثم التوبة ثم المجاهدة لينتقل بين مقامات وأحوال تختلف من شخص إلى آخر. هذا المسار الروحي انعكس في النصوص الصوفية التي جاءت في كثير من الأحيان على شكل مناجاة أو اعتراف أو حوار داخلي. فاللغة هنا ليست وصفا للعالم الخارجي بل أداة لاكتشاف الداخل وكشف طبقاته الخفية.

الرمز يحتل مكانة جوهرية في الأدب الصوفي لأنه الوسيلة الوحيدة للتعبير عن تجارب تتجاوز العقل والمنطق. فالخمر ترمز إلى المعرفة الإلهية والسكر إلى الفناء في المحبوب والمرأة إلى الحقيقة المطلقة والسفر إلى السلوك الروحي. هذه الرموز ليست زخرفا بل ضرورة لأن التجربة الصوفية بطبيعتها عصية على القول المباشر. ومن هنا جاء الأدب الصوفي مفتوحا على التأويل متعدد الدلالات لا يُختزل في معنى واحد.

ويبرز الشعر بوصفه الشكل الأقدر على احتضان هذه التجربة لما يتمتع به من كثافة وإيقاع وقدرة على الإيحاء. في أشعار الحلاج وابن الفارض وجلال الدين الرومي تتجسد المحبة الإلهية في أبهى صورها حيث تختلط الذات بالمطلق ويذوب العاشق في المعشوق. هذه النصوص لا تخاطب العقل بقدر ما تخاطب القلب وتدعوه إلى المشاركة الوجدانية في التجربة. ولذلك ظل الشعر الصوفي حيا عبر القرون يتجاوز حدود الثقافة والدين ليصل إلى الإنسان بوصفه إنسانا.

أما النثر الصوفي فقد اتخذ أشكالا متعددة من الحكم والأقوال إلى الرسائل والسير الروحية. في كتب مثل إحياء علوم الدين للغزالي أو فتوحات ابن عربي نجد لغة تجمع بين العمق الفكري والإشراق الروحي. النثر الصوفي يسعى إلى تهذيب النفس وبناء الوعي الأخلاقي لكنه لا ينفصل عن البعد الجمالي إذ تتخلله صور واستعارات تجعل النص أقرب إلى التأمل الأدبي منه إلى الوعظ المباشر.

ما يميز الأدب الصوفي أيضا أنه أدب تجربة فردية لكنها ذات أفق كوني. فالصوفي ينطلق من ذاته ليصل إلى الإنسان المطلق ولذلك نجد في هذا الأدب انفتاحا على قيم التسامح والمحبة والسلام. المحبة الإلهية في التصوف لا تنفصل عن محبة الخلق لأن الجميع مظاهر للحقيقة الواحدة. هذه الرؤية الإنسانية جعلت الأدب الصوفي قادرا على الحوار مع ثقافات أخرى وأكسبته حضورا عالميا يتجلى في الاهتمام الواسع بأعمال الرومي وابن عربي وغيرهما.

في العصر الحديث أعيد اكتشاف الأدب الصوفي بوصفه ملاذا روحيا في عالم مضطرب تحكمه المادية والسرعة. كثير من الشعراء والكتاب المعاصرين استلهموا رموزه ورؤاه للتعبير عن قلق الإنسان الحديث واغترابه. فالتصوف لم يعد مجرد تجربة دينية خاصة بل أفقا إنسانيا يبحث عن المعنى في زمن فقدت فيه القيم الروحية حضورها المركزي.

إن الأدب الصوفي في جوهره دعوة إلى الرحلة نحو الداخل وإلى إعادة اكتشاف الإنسان في أنقى حالاته. إنه أدب لا يفرض إجابات جاهزة بل يفتح أبواب السؤال ويحث على السير. وفي زمن تشتد فيه الحاجة إلى خطاب يعيد التوازن بين المادة والروح يظل الأدب الصوفي واحدا من أكثر الأجناس الأدبية قدرة على ملامسة القلب وإضاءة دروب المحبة الإلهية بوصفها أسمى تجليات الوجود الإنساني.

ولتعميق النظر في الأدب الصوفي بوصفه رحلة روحية وجمالية لا بد من التوقف عند العلاقة المعقدة بين التجربة الصوفية واللغة. فالصوفي يدرك منذ البداية أن اللغة قاصرة عن احتواء ما يعيشه من حالات وجد وفناء واتحاد ولذلك يتعامل معها بوصفها أداة إشارة لا أداة تعريف. الكلمات في النص الصوفي لا تدل بقدر ما تلمّح ولا تشرح بقدر ما تفتح أفقا للذوق والمشاهدة. من هنا جاءت العبارات الصوفية محمّلة بالإيحاءات والانزياحات الدلالية التي تجعل القراءة فعلا مشاركا في التجربة لا مجرد تلقي سلبي.

هذا الوعي بحدود اللغة دفع كثيراً من المتصوفة إلى استخدام المفارقة والتناقض الظاهري مثل الجمع بين السكر والصحو أو الغياب والحضور أو الموت والحياة. هذه الثنائيات لا تعبّر عن ارتباك فكري بل عن عمق التجربة التي تتجاوز منطق العقل الثنائي. في الأدب الصوفي يصبح التناقض وسيلة لإيصال حقيقة لا يمكن القبض عليها بشكل مباشر. ولذلك كثيرا ما وُصفت نصوص الصوفية بالغموض في حين أن هذا الغموض هو انعكاس لطبيعة الموضوع لا لقصور في التعبير.

كما أن العلاقة بين الصوفي والزمن في الأدب الصوفي علاقة مختلفة عن التصور المألوف. فالزمن الخطي الذي يقوم على الماضي والحاضر والمستقبل يذوب في لحظة الكشف أو الحال حيث يتوقف الزمن وتتحقق المعاينة. هذا الإحساس بالزمن الروحي انعكس في النصوص التي جاءت غير خاضعة للتسلسل السردي التقليدي بل قائمة على الومضات واللحظات المكثفة. وكأن النص الصوفي يسعى إلى محاكاة التجربة نفسها في بنيته وشكله.

ولا يمكن إغفال البعد التربوي في الأدب الصوفي إذ لم يكن موجها للنخبة فقط بل لعب دورا في تهذيب العامة وتوجيههم نحو قيم أخلاقية وروحية سامية. الحكايات الرمزية والأمثال التي استخدمها المتصوفة مثل قصص الطير والسفر والبحث عن الكنز كانت وسيلة لتبسيط المعاني العميقة وجعلها قريبة من وجدان القارئ. وهنا تتجلى قدرة الأدب الصوفي على الجمع بين العمق والبساطة وبين الحكمة والجمال.

الأدب الصوفي أسهم أيضا في تشكيل الذائقة الجمالية العربية عبر تأثيره في الشعر والموسيقى والفنون البصرية. الإيقاع الداخلي للنصوص الصوفية واللغة المشحونة بالعاطفة أثّرا في الإنشاد والموسيقى الروحية كما ألهمت رموزه الفنون التشكيلية والزخرفية. هذا التداخل بين الأدب والفنون يعكس شمولية التجربة الصوفية التي لا تفصل بين الجمال والروح بل ترى فيهما وجهين لحقيقة واحدة.

وفي ضوء هذا كله يمكن النظر إلى الأدب الصوفي بوصفه ذاكرة روحية للأمة ومخزونا رمزيا لا ينضب. إنه أدب يذكّر الإنسان بعمقه المفقود وبقدرته على تجاوز السطح والضجيج نحو السكينة والمعنى. وفي زمن تتسارع فيه التحولات وتزداد فيه القطيعة مع الذات يظل الأدب الصوفي دعوة مفتوحة إلى الإصغاء للصوت الداخلي وإلى السير في دروب المحبة الإلهية لا بوصفها هروبا من العالم بل عودة أعمق إليه.

***

د. عصام البرّام

دراسة نقديّة موسّعة في البنية اللغوية والجمالية والفكرية لنصّ الشاعرة فوزية شاهين

ينتمي نصّ «خارجُ نطاقِ الطِّين» إلى ذلك النمط من الشعر العربي المعاصر الذي يسعى إلى تجاوز الإنشاد الوطني المباشر نحو بناء رؤية حضارية ـ وجودية تتخذ من الوطن فكرةً كونية لا جغرافيا فحسب. فالشاعرة لا تكتب مصر بوصفها أرضاً من طين، بل باعتبارها وعياً تاريخياً وروحاً رساليةً تتشابك فيها الأسطورة بالدين، والتاريخ بالهوية، والإنسان بالمعنى. ومن هنا يغدو النص مشروعاً تأويلياً مفتوحاً تتداخل فيه البلاغة الكلاسيكية مع الحسّ الحداثي، ويتحوّل الشعر إلى خطاب معرفي يزاوج بين الجمالي والفلسفي.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

1 ـ سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

يتميّز النص بسلامة لغوية واضحة تستند إلى معجم عربي فصيح مشبع بالإيحاءات التراثية، إذ تعتمد الشاعرة على تراكيب عربية أصيلة تقوم على الجملة الفعلية المتحركة والجملة الاسمية ذات النفس الإنشادي.

مثل قولها:

«نهرٌ من المعنى يشقّ ذهولنا»

الجملة هنا قائمة على استعارة حركية تجعل المعنى كياناً مادياً قادراً على الشقّ والغسل، وهو انزياح بلاغي يخرج اللغة من حدودها المعجمية إلى طاقتها التصويرية.

كما يظهر الإحكام التركيبي في انتظام العلاقات النحوية دون تعقيد أو غموض صناعي، فالقصيدة تعتمد اقتصاداً لغوياً دقيقاً؛ إذ لا نجد حشواً لفظياً بل كثافة دلالية.

الانزياح اللغوي حاضر بقوة عبر تحويل المجرد إلى محسوس:

الوعي يصبح وجهاً.

الزمن يرتدي.

الحجر يبوح.

وهذا ما يمنح النص طاقة تخييلية عالية.

2 ـ فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

تحقّق الشاعرة فوزية شاهين توازناً واضحاً بين اللفظ والمعنى؛ فلا تقع في زخرفية البلاغة التقليدية رغم حضور القافية الموحدة.

نلاحظ مثلاً:

«ليس التراب هو المقدّس إنما

وعيٌ يحيل الأرض وجه نضارة»

هنا تنتقل اللغة من المادي إلى المفهومي، فتقلب مفهوم القداسة من الأرض إلى الإنسان الواعي. التعبير موجز لكنه مشحون بحمولة فلسفية.

كما أن اختيار المفردات ينسجم مع موضوع النص:

١- الطور.

٢- طوى.

٣- النبوءة.

٤- الخلود.

وهي ألفاظ ذات أفق ديني وحضاري يعزز الرؤية المركزية للنص.

3 ـ الإيقاع والمعمار الصوتي:

القصيدة تعتمد نظام الشطرين مع قافية موحّدة (ـاره)، وهو اختيار صعب؛ لأن القافية الواحدة قد تتحول إلى عبء إن لم تُحسن إدارتها.

غير أن الشاعرة نجحت في:

تنويع البنية الصوتية داخل القافية.

تفادي الرتابة عبر اختلاف البناء التركيبي.

الموسيقى الداخلية تظهر في:

١- التكرار الدلالي (مصر ـ النيل ـ الضوء ـ الفجر).

٢- الجناس الصوتي (نضارة / حضارة / منارة).

كما أن الجرس الصوتي قائم على الحروف المجهورة ذات الامتداد (الراء والهاء والألف)، مما يمنح النص نبرة احتفالية قريبة من الإنشاد.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1 ـ البنية الفنية للنص:

القصيدة ليست سرداً زمنياً بل حركة تصاعدية تبدأ من الطين وتنتهي بالروح.

البنية تقوم على ثلاث مراحل:

١- نفي الطين بوصفه الأصل.

٢- استحضار التاريخ الديني.

٣- تثبيت الهوية الحضارية.

الشخصية المركزية ليست إنساناً بل «مصر» بوصفها كائناً حيّاً:

«لبس الزمان رداءها»

إنها أنسنة للوطن تجعل الزمن تابعاً له.

2 ـ الرؤية الفنية:

الرؤية هنا حضارية توحيدية؛ إذ تتعامل الشاعرة مع مصر باعتبارها ملتقى الرسالات.

فهي تستحضر:

١- تجربة موسى عند الطور.

٢- قصة يوسف الاقتصادية والسياسية.

٣- الضيافة الإبراهيمية عبر إبراهيم وسارة.

هذه الاستدعاءات لا تأتي بوصفها حكايات دينية بل باعتبارها طبقات رمزية تؤسس لفكرة «الأرض المختارة للمعنى».

3 ـ الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

الدهشة في النص لا تقوم على الغموض بل على إعادة تعريف المألوف.

فالقول:

«كل اللغات تموت في أعتابها»

ليس مبالغة وطنية بقدر ما هو إعلان رمزي عن مركزية اللغة العربية بوصفها حاملة الذاكرة.

الانزياح الأكبر يتمثل في تحويل الوطن إلى فكرة ميتافيزيقية.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1 ـ الموقف الفكري.

النص يطرح سؤالاً مركزياً:

هل القداسة في الأرض أم في الإنسان؟

وتجيب الشاعرة:

«وعي يحيل الأرض وجه نضارة».

إنها رؤية إنسانية أخلاقية تجعل البطولة مرتبطة بالفعل لا بالنسب.

2 ـ الأفق المعرفي

يتداخل في النص:

١- المرجع القرآني.

٢- التاريخ المصري.

٣- المخزون البلاغي العربي.

فذكر يوسف يربط مصر بفكرة العدالة الاقتصادية، وذكر الطور يحيل إلى الوحي.

3 ـ البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

العلاقات الثنائية واضحة:

١- الطين / الروح.

٢- الحجر / النبوءة.

٣- الزمن / الخلود.

الطين هنا رمز للمادة الأولى، بينما «الخارج» هو الوعي.

إذن العنوان نفسه تأويل فلسفي:

الخروج ليس جغرافياً بل معرفياً.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1 ـ سياق النص:

النص ينتمي إلى لحظة عربية تبحث عن هوية وسط التحولات السياسية والثقافية؛ لذلك يأتي استدعاء التاريخ بوصفه طاقة مقاومة للانكسار.

2 ـ تطوّر النوع الأدبي:

القصيدة تستثمر العمود الخليلي لكنها تكتب بروح حديثة؛ فهي أقرب إلى «القصيدة الفكرية» التي تجمع بين خطاب محمود درويش والإنشاد الكلاسيكي.

3 ـ ارتباط النص بالتراث

النص يستعيد:

١- القصيدة المدحية.

٢- الشعر الرسالي الإسلامي.

لكنه يحررها من البلاط السياسي إلى المجال الحضاري.

خامساً: الأسس النفسية:

1 ـ البنية الشعورية

النبرة العامة تجمع بين:

١- الاعتزاز.

٢- القلق الحضاري.

٣- الحنين.

الشاعرة تتحدث من موقع الابنة لا المؤرخة.

2 ـ تحليل الذات المتكلمة.

الذات هنا ذائبة في الجماعة:

«أنا من شربت النيل حتى صرته».

إنه اتحاد نفسي كامل بالوطن.

3 ـ النبرة النفسية.

تتراوح بين:

١- الاحتجاج على الطغاة.

٢- الطمأنينة الروحية.

وهو ما يمنح النص توازناً عاطفياً.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية:

النص خطاب مقاومة ثقافية ضد محاولات تفريغ الهوية.

فالقول:

«الأرض محض حجارة صمّاء إن لم يرو حرّ بالدماء دياره»

يحوّل الوطن إلى مسؤولية أخلاقية جماعية.

الشاعرة هنا فاعل اجتماعي لا مجرد مغنٍّ للذاكرة.

سابعاً: الأسس السيميائية:

الرموز الأساسية

١- النيل = الاستمرارية.

٢- الطور = الوحي.

٣- الفجر = التجدد.

الفضاء العمودي (السماء ـ الفجر ـ الضوء) يقابل الفضاء الأرضي (الطين ـ الحجر).

والصعود دائماً هو الحركة الغالبة.

ثامناً: الأسس المنهجية:

يمكن قراءة النص عبر:

١- المنهج الأسلوبي (البنية الصوتية).

٢- المنهج الرمزي.

٣- المنهج الهيرمينوطيقي.

والنص يسمح بهذه التعددية دون أن ينهار.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

النص يحتفي بثلاث قيم:

١- الإنسان الواعي.

٢- الحرية المرتبطة بالتضحية.

٣- الجمال بوصفه ذاكرة حضارية.

وهو نص مفتوح على التأويل؛ فمصر قد تكون:

١- وطناً.

٢- أو فكرة.

٣- أو روحاً إنسانية كبرى.

خلاصة نقدية:

«خارج نطاق الطين» ليست قصيدة وطنية بالمعنى التقليدي، بل بيان شعري حضاري يعيد تعريف الوطن بوصفه وعياً أخلاقياً وتاريخاً رسالياً. نجحت الشاعرة في الجمع بين اللغة الكلاسيكية المحكمة والرؤية الحداثية التأويلية، فخرج النص من حدود المديح إلى أفق الفلسفة الشعرية، حيث يصبح التاريخ مادة للمعنى، والإنسان شرطاً للقداسة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.......................

خارجُ نطاقِ الطٍّين

هِيَ لم تَكُنْ طِينًا وكفَّ عِمَارهْ

بَلْ هَمْسَةٌ باحت بها القِيثَارَهْ

*

نهرٌ مِنَ المَعنى يَشُقُّ ذُهولَنا

عِبَرًا ، لِيَغسِلَ عن يديه غُبَارَهْ

*

يَبْنِي مِنَ الضَّوْءِ القَدِيمِ جِلَالَها

وَيَصُبُّ فِي كَأسِ الخُلُودِ نُضَارَهْ

*

كَانَت مَدَارًا لِلسَّمَاءِ، وَمَن نَأَى

عَن طُورِهَا، زادَ الطَّرِيقُ عِثَارَهْ

*

(مِصرُ) التي لَبِسَ الزمانُ رداءَها

فَغدَتْ لِكُلِّ العابرين منارَهْ

*

عبروا، وظَلَّ النيلُ يَكتُبُ سِرَّهُ

فوقَ السحابِ لمن سَلا أسرارَهْ

*

وعلى القِبَابِ صَلاةُ ضوءٍ لم تَزَلْ

تَبني على سقفِ الزمانِ حَضارَهْ

*

ليسَ التُّرابُ هو المُقَدَّسُ إنَّما

وَعـيٌ يُحيلُ الأرضَ وجهَ نَضارَهْ

*

ما قِيمةُ الوعيِ الذي لا يَنتَمِي

 لِيَدٍ تَرُدُّ عَنِ الحِمَى أَخْطَارَهْ؟

*

فَالأرضُ مَحْضُ حِجَارةٍ صَمَّاءَ إنْ

لم يَروِ حُرٌّ بِالدِّمَاء ديارَهْ

*

حجرٌ يَبوحُ، ولحظةٌ مَسكونةٌ

بِسؤالِ مَنْ جعلَ الخُلودَ شِعارَهْ

*

ما كانَ سِرُّكِ في الحِجارةِ وحدَهـا

بلْ في نبيٍّ أرضُه مُختارهْ

*

هِيَ فِكرةٌ خَرَجَتْ مِنَ الصَّلصالِ كَيْ

تُهدي (لموسى) في الوجودِ قَرارَهْ

*

وَالطُّورُ يَشْهَدُ كَيْفَ كَلَّمَ رَبَّهُ

جهرًا ، وَأَوْدَعَ فِي (طوى) أذكارَه

*

(وَلِيُوسُفَ) الصِّدِّيقِ بَعْضُ حِكايَةٍ

في مصرَ.. حِينَ اسْتَنْطَقَتْ أَقْدَارَهْ

*

قَرَأَتْ خَزائِنُها نُبُوءَةَ قَلْبِهِ

فَأَزَاحَ عَنْ أُفُقِ المَدَى.. أَكْدَارَهْ

*

عَبَرَ السَّنَابِلَ جُوعُ كُلِّ مَدِينَةٍ

إِلَّا حِمَاها.. أَطْعَمَتْ زُوَّارَهْ

*

لا تَسألي التَّارِيخَ عَنْ أحداثِهِ

مِصرُ التي صَنَعَتْ له مِعيارَهْ

*

تَتَقادمُ الدُّنيا.. وأنتِ صَبِيَّةٌ

تُهدين (إبراهيمَ) نفحةَ (سارَه)

*

وَبِـ (مَارِيَا) نَسَبٌ تَعَالَى شَأْنُهُ

أَوْصَى النَّبِيُّ.. لتُكرِموا أصْهَارَهْ

*

فِي كُلِّ مِئذَنَةٍ نِداءٌ سامِقٌ

 اللهُ أكبرُ : يا حبيبُ أمارَهْ

*

وعلى بياضِ الفجرِ طلعٌ بَاسِقٌ

يَبني لِمَدِّ الرُّوحِ.. بَحْرَ طَهَارَهْ

*

لَمْ تستَلِفْ ضَوءًا، فَمِن أحشائِها

 وُلِدَ الـيَقينُ.. وشَكَّلَتْ أنوارَهْ

*

بحرٌ منَ الآمالِ يَجري خَلفَها

نيلٌ ويَنشُدُ عِندَها استِقرارَهْ

*

مِصرُ امتِدادُ الذَّاتِ في مِرآتِنا

وَجهٌ يُعِيدُ إلى الضَّميرِ وقارَهْ

*

لَوْ بَاعَ كُلُّ النَّاسِ نَبْضَ قُلُوبِهِمْ

مَا بَاعَ طِفْلٌ فِي حِمَاكِ جوارَهْ

*

أَسْرَيْتُ نَحْوَكِ وَالقَوَافِي رُحَّلٌ

فَرأيتُ نَبْضِيَ فِي ثَرَاكِ مدارَهْ

*

مَاذَا أَقُولُ وَفِي حُرُوفِيَ لَجَّةٌ

وَعَلَى الشِّفَاهِ المِلْحُ خَطَّ "مَسَارَهْ ؟؟

*

أَنَا مَنْ شَرِبْتُ النِّيلَ حَتَّى صِرْتُهُ

وَنَسَجْتُ مِنْ سَعَفِ النَّخِيلِ عبارَهْ

*

قَد حارَتِ الأفكارُ في مكنونِها

سِرٌّ.. وَلَم ينلِ الطُّغَاةُ حِصَارَهْ

*

بَلَدٌ إذا انكَسَرَ الزمانُ رَأيتَهُ

يَبني مِنَ الرَّحمِ العَظيمِ فَخَارَهْ

*

مِلحُ الحَوادثِ لم يُجَفِّفْ ماءها

باقٍ هو الطُّوفانُ.. يُوقدُ نَارَهْ

*

هِيَ جودَةُ المَعنى، ومرفأُ غُربَةٍ

لِمُسافِرٍ جعلَ المدى أسفارَهْ

*

فاقرأْ بها لغةَ السُّكونِ، فإنَّها

نَطَقَتْ، وليسَ لِمَا تقولُ إشارَهْ

*

يا مِصرُ، والتَّأويلُ طِفلٌ عابِثٌ

يَلهو، ويَجعلُ سِرَّكِ استِبصارَهْ

*

يَا مِصْرُ، تَتْعَبُ فِي مَدَاكِ عيوننا

وَالقلبُ يُلْقِي عِنْدَكِ اسْتِغْفَارَهْ

*

هِيَ بَرزخُ الأرواحِ.. كُـلُّ قَصيدةٍ

عَطشى، تَرومُ مِنَ المجازِ غِمارَهْ

*

كلُّ اللُّغاتِ تَموتُ في أعتابِها

وِيَظَلُّ همسُ الضادِ فيك مزارهْ

*

يا مِصرُ.. لو جَفَّ الكلامُ بِرِيـقِنـا

لبقيتِ في ثَغرِ البشير بشارَهْ

*

الفجرُ يطلعُ مِنْ مَسَامِ ترابِها

لا يَستعيرُ مِنَ السَّما أنوارَهْ

*

يا مِصرُ.. والتَّارِيخُ يقرأُ سِفْرَهُ

تبقين في وجه العدوٍّ شرارَهْ

*

فالنِّيـلُ يَمشي في العُروقِ كأنَّهُ

نبضٌ.. يُعيدُ لِمَنْ يموتُ نَهارَهْ

*

إنْ كانَ لِلأمجادِ في الدُّنيا فَمٌ

كانتْ حُروفُكِ صَوتَهُ وشِعارَهْ

*

كَمْ مُعتِمٍ مَرَّتْ خُيُولُ جُنُودِهِ

فَانْهَارَ، وَانْتَصَرَتْ " عيالُ الحَارَهْ"

***

فوزية شاهين

 

يُعَدُّ الأدبُ مِرآةً للثقافات والمُجتمعات، ويعكس في كثير مِن الأحيان صِراعَ الإنسان معَ التحوُّلات الكُبرى في مُحيطه الحضاري والاجتماعي. وفي هذا الإطار يَظهر الصِّراعُ الحضاري كموضوع مِحْوري في الأدب العربي والعالمي.

الروائي السوداني الطيب صالح (1929 - 2009)، والروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز (1927 - 2014)، كِلاهما تناول قضية الصِّراع الحضاري، والصِّدام بين القديم والحديث، كُلٌّ بأُسلوبه الخاص، ومَنظوره المُتميز.

عاش الطيب صالح تَجْرِبة الاحتكاك المُباشر بين الثقافة العربية والأفريقية التقليدية مِنْ جِهة، والتأثيرات الغربية الحديثة مِنْ جِهة أُخْرى، خاصَّة بعد فترة دراسته في جامعة الخرطوم، وعمله في الخارج. هذه الثنائية الثقافية شَكَّلَتْ خَلفيةً أساسيَّة لأعماله الأدبية، التي غالبًا ما تتناول التفاعلَ بين الإنسان التقليدي في مجتمعه المحلي والحداثةِ الغربية التي تجتاح المجتمعات، كما تتناول صِراع الهُوِيَّة والانتماء في مُواجهة الاستعمار الثقافي والمعرفة الغربية.

مِنْ جِهة أُخرى، نشأ ماركيز في مجتمع يَرزح تحت آثار الاستعمار الإسباني، وأزماتِ التحديث السياسي والاجتماعي في أمريكا اللاتينية. استخدمَ الواقعيةَ السِّحْرية كأداة أدبية لتسليط الضوء على صِراعات مُجتمعه، مُجَسِّدًا الصِّدام بين التقاليد والعصر الحديث، وبين الفقرِ والقُوَّة، وبين الفردِ والمُجتمع.

في أعمال الطيب صالح، يَظهر الصِّراعُ الحضاري غالبًا كَصِراع هُوِيَّة، حيث يَكُون البطلُ مُمَزَّقًا بين انتمائه إلى أرضه وَعُمْقِه الثقافي، وبين جاذبيةِ الحداثة الغربية التي تتجاوز حُدودَ المعرفةِ والسُّلطةِ.

أمَّا ماركيز، فَيُقَدِّم الصِّراعَ الحضاري كقضية تاريخية ومُجتمعية، وليس قصية شخصية فَحَسْب. ويَظهر الصراعُ في العُزلة التقليدية للمجتمع، وتتَّضح الضغوطُ الحديثة التي تَفْرضها التحوُّلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وهو يَستخدم السِّحْرَ والخيالَ لإظهار كيف أنَّ الصِّدام بين القديم والحديث لَيْسَ مُجرَّد صِراع فِكري، بَلْ هُوَ صِراع وجودي يُهدِّد استمراريةَ الثقافةِ نَفْسِها.

يَعتمد الطيب صالح على الواقعية النَّفْسية، والتحليلِ العميق للشخصيات، معَ لُغةٍ دقيقة وَسَلِسَة، تَحْمِل رَمزيةً ثقافية قوية، فَهُوَ يُعالج الصِّراعَ الحضاري مِنْ خِلال العلاقات الشخصية والوِجْدانية، مُستعينًا برمزية المكان ( مِثْل نهر النيل ) والزمانِ، ليعكس الانقسامَ الداخلي بين المَوْروث الثقافي والانفتاح على الآخَر.

بَينما يَستخدم ماركيز الواقعيةَ السِّحْرية، حيث تختلط الأحداثُ الواقعية بالخيال، ليعكس الصراعَ الحضاري على مُستوى المُجتمع بأكمله. وقوةُ ماركيز تكمن في تصويره للتحوُّلاتِ الكُبرى عبر الزمن، حيث تُصبح الشخصياتُ والأساطير جُزءًا من التاريخ الجَمَاعي، ولَيْسَ فقط تَجْرِبة فردية. هُنا يَكُون الصِّراعُ الحضاري شاملًا ومَلْحَمِيًّا، وليس شخصيًّا فقط.

يَتمحور صِراعُ الطيب صالح حول الهُوية والانتماء، حيث يُظهِر كيف أنَّ الإنسان في مُواجهة الحضارة الغربية الحديثة يعيش حالةً مِن الاغترابِ النَّفْسي والاجتماعي، مِمَّا يَجعله يُعيد النظرَ في جُذوره وقِيَمِه. وهذه الرُّؤية تَحْمِل نَقْدًا ضِمْنِيًّا للاستعمارِ الثقافي، معَ تسليط الضوء على أهمية الحِوار بين الثقافات دُون الانصهار الكامل.

أمَّا ماركيز، فَيتطرَّق إلى الحُرية الفردية والجَمَاعية والتاريخ والذاكرة، ويُظهِر كيف أنَّ الصِّراع الحضاري يُشكِّل جُزءًا مِن مصير المُجتمعات. السِّحْرُ في أعماله ليس هُروبًا من الواقع، بَلْ وسيلة لتكثيف الصراع الحضاري، وجَعْلِ القُرَّاء يُدرِكون تعقيدَ التغيُّرات الاجتماعية والسياسية، وتأثيرها على الفردِ والمُجتمع على حَد سَواء.

رَغْمَ أنَّ الكاتبَيْن يُعالجان الصِّراعَ الحضاري، إلا أنَّ هُناك فُروقات واضحة بينهما :

1_ الطيب صالح يُركِّز على الفردِ وانكساره أمام التحوُّلات الثقافية، معَ اهتمام بالبُعْدِ النَّفْسي والاجتماعي العميق.

2_ ماركيز يُركِّز على المُجتمعِ والتاريخ، ويَجعل الصراعَ الحضاري جُزءًا مِن النسيج الأُسطوري والتاريخي لأمريكا اللاتينية.

3_ أُسلوب الطيب صالح واقعي دقيق، بَينما أُسلوب ماركيز يَجمع بين الواقع والخَيالِ في تَكوين أدبي ساحر ومَلْحمي.

إنَّ دراسة الصِّراع الحضاري بين أعمال الطيب صالح وغابرييل غارسيا ماركيز تكشف عن أبعاد مُختلفة لتفاعل الإنسانِ مع التحوُّلاتِ التاريخية والثقافية. الطيب صالح يُقَدِّم الصراعَ كأزمة هُوِيَّة فردية ومُجتمعية في قلبِ العَالَمِ العربي والأفريقي، بَينما يُقَدِّم ماركيز الصراعَ كَمَلْحمة تاريخية واجتماعية في أمريكا اللاتينية، حيث تتشابك الأُسطورة والتاريخ والواقع.

في كِلا الحالتَيْن، يظلُّ الأدبُ مِرْآةً صادقة لِمُعاناةِ الإنسانِ أمام التغيُّرات والتحوُّلات، مُسَاهِمًا في تَعزيزِ فهم العلاقة المُعقَّدة بين الفردِ والمُجتمع، وبين التقليدِ والحداثة، وبين الشرقِ والغرب، وبين الحُلْمِ والواقع.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

من بلاغة الانزياح إلى أنفاس المعنى الخفي

ليس الشعرُ قولاً يُلقى على السمع، بل أثرٌ يتسرّب إلى الوعي من منافذ لا تُرى. إنّه اللغة حين تخرج من وظيفتها الإخبارية لتصبح حدثاً وجودياً، وحين تكفّ الكلمات عن أن تكون أوعيةً للمعنى لتغدو هي المعنى ذاته. ومن هنا يبدأ النقد الحقيقي للشعر؛ لا عند حدود الوزن والقافية، ولا عند زخرفة العبارة، بل عند اللحظة التي يحدث فيها الانزياح: تلك الحركة الدقيقة التي تبتعد بها اللغة عن مألوفها كي ترى العالم من زاوية أخرى.

فالبلاغة العربية القديمة، وإن لم تستعمل لفظ «الرمزية» بالمعنى الاصطلاحي الحديث، قد عرفت جوهرها مبكّراً. فحين تحدّث النقاد عن الاستعارة والمجاز والكناية، لم يكونوا يصفون مجرد محسناتٍ لفظية، بل كانوا يؤسّسون لوعيٍ بأنّ اللغة تمتلك طبقاتٍ خفيّة تتجاوز ظاهر القول. إنّ الاستعارة، في حقيقتها، ليست نقل كلمة من معناها إلى معنى آخر فحسب، بل هي انتقال الرؤية نفسها؛ إذ يصبح الشيء مرآةً لغيره، ويغدو العالم شبكة إحالاتٍ لا تنتهي.

لقد أدرك عبد القاهر الجرجاني في نظريته حول النظم أنّ جمال الشعر لا يقوم في المفردات منفردة، بل في العلاقات التي تنشأ بينها. وهذا الإدراك يكاد يكون النواة الأولى لما سيسمّيه النقد الحديث لاحقاً بالبنية الدلالية. فالمعنى عنده لا يُعطى مباشرة، بل يُستنبط من ترتيب الكلام، أي من المسافة بين الكلمات لا من الكلمات نفسها. وهذه المسافة هي عين الانزياح.

ومن هنا نستطيع القول إنّ البلاغة التراثية لم تكن بريئة من الرمز، بل كانت تمارسه تحت أسماء أخرى. فالكناية تفتح باب الاحتمال، والاستعارة تخلخل الهوية الصلبة للأشياء، والمجاز يحرّر اللغة من سجن المطابقة. إنّها جميعاً أدوات تجعل النص الشعري مجالاً للغموض المنتج، لا للالتباس العقيم.

غير أنّ الرمز، بوصفه مشروعاً جمالياً كاملاً، بلغ ذروته في الشعر الأوروبي الحديث، خاصة لدى شعراء فرنسا الذين تمرّدوا على الواقعية العقلانية، ورفضوا أن تكون القصيدة تقريراً عن العالم. فقد رأى شارل بودلير أنّ الكون غابة من الرموز، وأنّ الأشياء تتخاطب عبر إشاراتٍ سرية لا يسمعها إلا الحسّ الشاعري. وهكذا لم تعد القصيدة وصفاً للطبيعة، بل ترجمةً للذبذبات الخفية التي تربط الإنسان بالمطلق.

ثم جاء ستيفان مالارميه ليذهب أبعد من ذلك، إذ لم يعد الرمز عنده طريقاً إلى المعنى، بل بديلاً عنه. فالكلمة لا تشير إلى الشيء، بل تستبدله. والقصيدة ليست نافذة على الواقع، بل عالماً مستقلاً يخلق قوانينه الخاصة. هنا يصبح الغموض ضرورة جمالية؛ لأنّ الوضوح الكامل موتٌ للشعر، إذ لا يبقى للقارئ دورٌ سوى التلقي السلبي.

وفي التجربة السوريالية، بلغ الانزياح حدّ القطيعة مع العقل المراقب. فالصورة الشعرية لم تعد وليدة التأمل الواعي، بل انفجاراً لاشعورياً يندفع من الأعماق مثل حممٍ بركانية. لقد سعى أندريه بريتون إلى تحرير اللغة من رقابة المنطق، لأنّ الحقيقة — في نظره — تقيم في الحلم أكثر مما تقيم في اليقظة. وهكذا صار النصّ الشعري جسداً يتنفس من خاصرته، لا من رئتيه؛ أي من مناطقه الهامشية والمسكوت عنها.

غير أنّ هذا المسار الحديث لا ينفي جذوره العربية، بل يعيد اكتشافها. فالشاعر العربي القديم، حين شبّه الأطلال بالكائن الحي أو جعل الليل كائناً ذا إرادة، كان يمارس ضرباً من الرمز الوجودي دون أن يسمّيه. إنّ الغموض الذي نجده في بعض نصوص المتصوّفة، مثلاً، لا يقلّ كثافةً عن الرمزية الأوروبية؛ لأنّه يسعى إلى التعبير عمّا لا يمكن قوله مباشرة.

إنّ نقد الشعر، في ضوء ذلك، لا ينبغي أن يكتفي بتفكيك الصور أو تعداد الأساليب، بل أن يسأل: كيف يولد المعنى من الانحراف المقصود عن اللغة اليومية؟ وكيف يتحوّل الغموض إلى طاقة كشفٍ لا إلى حجاب؟ فالشعر العظيم لا يقدّم رسالةً جاهزة، بل يخلق مجالاً للتأويل. وكل قراءةٍ حقيقية هي إعادة كتابة للنص داخل وعي القارئ.

إنّ التلامح الرمزي ليس زينةً تُضاف إلى القصيدة، بل هو طريقة وجودها. فالرمز يسمح للمعنى بأن يعيش أكثر من حياة، وأن يظلّ مفتوحاً على الأزمنة القادمة. لذلك فإنّ النصّ الشعري لا يُستهلك؛ لأنّه لا يقول شيئاً واحداً. إنّه يشبه نبعاً تتغيّر مياهه باستمرار، بينما يظلّ اسمه ثابتاً.

ولعلّ أعظم ما يفعله الرمز أنّه يعيد إلى اللغة براءتها الأولى. فحين يسمّي الشاعر الأشياء من جديد، لا يصفها كما هي، بل كما يمكن أن تكون. عندئذٍ يصبح الشعر فعلاً معرفياً بقدر ما هو فعلٌ جمالي؛ لأنّه يحرّر الإنسان من أسر المألوف، ويفتح له أبواب الاحتمال.

وهكذا، فإنّ الانزياح ليس خروجاً عن اللغة، بل عودةٌ إلى جوهرها. والرمزية ليست غموضاً متعالياً، بل محاولة لإنقاذ المعنى من الابتذال. فالشعر — في نهاية المطاف — لا يتنفس من رئتَي البلاغة وحدهما، بل من خاصرة السرّ التي تجعل الكلمة أكثر حياةً من الواقع نفسه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

بين اللسانيات الحديثة وحكمة فقهاءِ العربية

إذا كانت اللسانيات الحديثة قد جعلت من العلاقة بين الصوت والمعنى موضوعاً للتحليل البنيويّ والعقليّ، فإنّ فقهاء اللغة العربية وأئمّة البيان سبقوا إلى إدراك هذا السرّ إدراكاً حدسياً عميقاً، حين تعاملوا مع الحرف لا بوصفه وعاءً شكلياً، بل كائناً دلالياً نابضاً. فاللغة عندهم لم تكن أصواتاً تُنطق فحسب، بل تجربةً شعوريةً تُسمَع قبل أن تُفهم.

لقد لمح الخليل بن أحمد الفراهيدي هذه العلاقة حين أسّس معجمه الصوتيّ على مخارج الحروف، مبتدئاً بحرف العين لأنّه الأعمق خروجاً من الحلق. لم يكن ذلك ترتيباً اعتباطياً، بل رؤية ترى أنّ الصوت أصلُ البناء، وأنّ معرفة موضعه في الجسد مفتاحُ فهم حركته في المعنى. فاللغة تبدأ من الجسد قبل أن تستقرّ في الذهن.

ثم جاء سيبويه فحوّل الصوت إلى نظامٍ علميّ دقيق، حين درس صفات الحروف وتقارُبها وتباعدها، وأدرك أنّ المخارج المتجاورة تُنتج ظواهر الإبدال والإدغام؛ أي أنّ اللغة نفسها تميل إلى الاقتصاد الصوتيّ، فتقرّب بين ما تقاربت طبيعته. وهذا الميل الصوتيّ ليس آلياً، بل يعكس نزوع العقل إلى الانسجام والسهولة، وهو ما يجعل القرب الصوتيّ جسراً إلى القرب الدلالي.

أما ابن جني فقد بلغ بهذه الفكرة ذروتها حين تحدّث عن «إمساس الألفاظ أشباه المعاني»، وهي عبارة تكاد تختصر علم الرمزية الصوتية كلّه قبل قرون من نشوء المصطلح الحديث. فقد لاحظ أنّ العرب تميل إلى الأصوات الشديدة في التعبير عن القسوة والاصطدام، وإلى الأصوات اللينة في التعبير عن الرقة والانسياب. فالفرق بين «قضم» و«خضم» عنده ليس صوتياً فقط، بل حسّيٌّ أيضاً؛ إذ جعلوا القاف لما هو صلب، والخاء لما هو رخو. هنا يصبح الصوت صورةً مصغّرةً للتجربة الإنسانية.

ولم يكن البلاغيون بعيدين عن هذا الوعي؛ إذ رأى عبد القاهر الجرجاني أنّ المعنى لا يقيم في المفردة وحدها، بل في النظم؛ أي في العلاقة بين الكلمات كما تتآلف الأصوات في اللحن. فالتقديم والتأخير، واختيار الحرف دون غيره، ليسا زينةً أسلوبية بل هندسة دلالية. الكلمة عنده تشبه نغمةً موسيقية، فإذا تغيّر موضعها تغيّر الأثر النفسيّ كله.

ولعلّ ابن فارس قد اقترب من الفكرة البنيوية حين ردّ المفردات إلى أصولٍ معنوية مشتركة، فلاحظ أنّ تقارب الأبنية الصوتية يقود غالباً إلى اشتراكٍ دلاليّ. فالجذر عنده ليس مجرد اشتقاقٍ صرفيّ، بل نواة معنى تتشعّب عنها الكلمات كما تتشعّب الأغصان من أصلٍ واحد.

وإذا انتقلنا إلى الأدباء والفلاسفة، وجدنا أنّ الحسّ اللغويّ لديهم لم يكن أقلّ عمقاً. فقد رأى الجاحظ أنّ البيان هو مطابقة اللفظ للمعنى، وأنّ اللفظ القلق يفسد المعنى ولو كان صحيحاً. فالكلمة التي تثقل على اللسان تثقل على النفس أيضاً، لأنّ الإيقاع جزءٌ من الفهم.

وفي الفلسفة، يلتقي هذا التصوّر مع رؤية أبو حيان التوحيدي الذي جعل اللغة مرآة العقل، معتبراً أنّ فساد العبارة دليل اضطراب الفكرة. فالتباعد بين الحروف ليس خللاً صوتياً فحسب، بل علامة انفصال بين الفكر وتجربته الإنسانية.

أما الشعراء فقد مارسوا هذا العلم دون أن يسمّوه. فالقصيدة العربية الكبرى تقوم على اختيار الحروف قبل اختيار الأفكار. وليس غريباً أن نجد الأصوات المهموسة في لحظات الحزن، والأصوات المجهورة في مواطن الفخر والحماسة؛ لأنّ الشاعر يدرك intuitively أن الأذن باب القلب.

إنّ اجتماع اللسانيات الحديثة مع فقه اللغة العربية يكشف حقيقةً واحدة: الصوت ليس تابعاً للمعنى، بل شريكٌ في تكوينه. فحين نقرّب بين الأصوات نقرّب بين التجارب الإنسانية ذاتها، وحين نباعد بينها نخلق مسافاتٍ جديدة في الإدراك. اللغة إذن ليست نظاماً محايداً، بل ذاكرة حسّية وفكرية، تتحوّل فيها الحروف إلى جسورٍ بين العقل والعالم.

وهكذا يبدو أنّ علماء الغرب حين صاغوا نظرياتهم العلمية إنما أعادوا اكتشاف حدسٍ قديمٍ عرفته العربية مبكّراً: أن الحرف ليس صوتاً فقط، بل أثرُ معنى يمشي في الهواء.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

لذة وقلق: وأنا أقرأ قصائد الديوان الشعري «النوم على سرير الله»، بدا لي أن السرير؛ «سرير الله» هو علامة سيميائية كبرى تتقابل والعلامة السيميائية الصغرى «سرير الناس»، في الاختلاف التناظري يتوالد المعنى وفق مسارات القصائد، هل هي أمكنة السماء تتقابل وأمكنة الأرض من منظور الذات الشاعرة لتؤسس لدينامية حوارية شعرية جديدة تخدش المعنى وتُقشِّره قصيدة قصيدة.

إنتاجية شعرية: تكتيك طفل مُحبّ

صدر مؤخرا عن دار الدّراويش للنشر والترجمة بجمهورية بلغاريا الديوان الشعري «النوم على سرير الله» في طبعته الأولى، 2026، للشاعر المغربي «المصطفى حناني»*  المقيم ببلجيكا، وجاءت هذه الإنتاجية الإبداعية الشعرية في ثمان وثلاثين قصيدةً رامت تمثيل فنّ المخاطبة الشعرية المعاصرة للظرفية الاجتماعية العالمية الآنية وأيضا الظرفية المحلية المغربية، باعتبار أن الشّذرة الشعرية عند الشاعر أفضت إلى إنطاق الذات الشاعرة والناقدة في الوقت ذاته، هذه الذات التي أخذتنا في جولة داخل بعض المدن المغربية من خلال ضمير القصيدة وهو ضمير نقد النقد السوسيو-ثقافي، باعتبار أن المدينة «نصّاً مُركبا» (رولان بارث)، ليستضيح لنا الشاعر عن فضاءات كل من (مازاغان، آسفي، مراكش وموغادور)؛ في قصيدة «هنا المازاغان»، يقول:

«حيث نحت البرتغاليون القدامى أيامنا القادمة

الوقت الحاتل داخل جيوب الفقراء..» (ص، 26).

في قصيدة «آسفي»، يقول:

«في آسفي آسف قديم

يحمله قطار الفوسوفور الشاحب

(...) تحيا مواجع الحياة..» (ص، 27-28).

أيضا، في قصيدة «في الموغادور»، يُقاوِم الشاعر طفولته ليستحضر الذاكرة العادية، ويُقلّب في تحوّلات رمزية المدينة:

«في الموغادور تذكرتني نوارس الله

(...) ومن الجدران القديمة فقر واقف» (ص، 29).

حبّ الأمكنة عطر يستذكره الشاعر كلّما أحسّ بالعطش وحضرته الرغبة في الارتواء من حبّ الوطن، إنها محاورة الظمأ وشدّة الحنين الطفولي المشبع بالماء الأمومي للوطن، هل فقدنا ماء وطننا؟ أم هي كتابة تقابل الفراغ بالعطش لتعيد شيئا إلى المعنىالشعري، يقول في أول قصيدة:

"لم يسألني الفراغ

ولا غيره

لماذا تعود إلي...؟" (ص، 5).

في البدء يكشف لنا الشاعر عن حيرة عودته إلى حقل الكتابة الشعرية بعد إصداره للديوان الأوّل الموسوم ب: «آخر رقصات الطين» عن دار النشر سليكي أخوين، طنجة، 2021. وهي عودة تحمل قلق السؤال والتجديد في القصيدة الشعرية الحديثة ارتباطا بالحداثة لا بالزمنية التاريخية الآنية أي أنها تستمد قوتها من ماضي التجديد الشعري المنبثق من المشرق العربي وخصوصا العراق مع كل من الملائكة نازك وبدر شاكر السياب مرورا بالتطور والتبلور الحداثي مع أمل دنقل ومحمود درويش وأدونيس وأحمد المجاطي وشعراء من أقطار مختلفة، إذن هي الحداثة الشعرية أعتقد أنها قول تحديث في حقل سياسات المجتمعات التي أفقدتها الهزائم والحركات الاستعمارية قوتها وتوهجها، والقصيدة هنا هي محكي ظلال الله في مقابل ظلال الشيطان، وعليه الصراع داخل القصائد يتخذ شكل الحقيقة الورقية.

القصيدة الشعرية والحق في الحياة

مَسرَح الشاعر قصائده في علاقة بالبحث عن مُقوّم الماء، وهو بحث عن الحياة، في قصيدة «ذاكرة الظمإ» حيث تتمثل القصيدة عند الشاعر صوت المدينة المغربية الجريح صيفها/ شدّة حرّها مجازيا، وهي القصيدة التي تنظر وتصف وتصنّف الفضاء المديني صيفا، حيث تحضر كل مدينة باعتبارها علامات دالّة على شكل حياة تحوّل من الحسن إلى الأسوأ، وأن :«الصيف أسد الفصول/ والمطر معجزة يرتلها الغياب» (ص، 38). ومن منظور الشاعر، إن الظمأ هو اللا-حياة إنه شكل موت آخر، حيث إن الماء في القصيدة يغيب ليحضر «العطش السياسي» وهو شكل ظمأ أفسد الفضاءات الحميمية التي ذكرها الشاعر، وخصوصا فضاء «قصر الشوق» بواحاته التي تقاوم الموت بكبرياء النخل وصمود الراعي الذي شرّده شح المرعى/ شح تدبير الفضاء وسمّ السياسة المجالية التي أفضت إلى عقم شجرة الطلح، فهل هو إذن عقم «سرير الناس» الذي قطع مع استمرارية الحياة داخل المدينة المغربية في اختلاف جغرافيتها وهُوياتها، هي خمسة  فضاءات مغربية أفضت إلى تمثيل حيوات متشابهة تشكو الحرمان والفقر وبهذا تموت المدينة على سرير الناس وتستعيد ذاكرتها وتاريخها على سرير الله، فالشاعر يُصوّر الأمكنة بسخرية قاتمة وكأنها ركاما عمرانيا إسمنتيا فقدت روحها وكذلك فقدت القيم الإنسانية التي كانت تتشبع بها، هذه الأمكنة هي: (مراكش وسلا والرباط وفاس وقصر السوق (الرشيدية)، وتحضر مدينة الرباط من خلال رمزية «أسوار شالة» و «باب الحد» باعتبارها فضاءً للاحتجاج وصوت من ظلمتهم السياسة الفاسدة و«مكر قطط الخريف» وكأن الشاعر يؤسس القصيدة على قانون المقارنة الواقعية بين المدينة المغربية والمدينة الغربية المضمرة داخل القصيدة حيث أبقى الشاعر على تمثيل المدينة المغربية وحدها بشكليها العريق والحديث أي المدينة التي أنتجتها سياقات الاستعمار الفرنسي والغزو البرتغالي، وأن العلامة «القطط» تؤشر على التشرّد خارج مركزية الأمكنة، بمعنى اللا-نظام داخل النسق المديني والنسق القروي وخصوصا فضاء الواحات.

شعرية السرير: طفلٌ شاعِرٌ، شاعِرٌ طِفلٌ

بدءا من عتبة العنوان «النوم على سرير الله» يتبادر إلى الذهن شكل الاستعارات الجديدة التي تنفصل عن الاستعارات القديمة وعن الخرافة والفانتستيك والشعرية المُحبطة التي تستسلم إلى أطلال الذات، وجراحات اللا-قيمة الحياتية؛ في المقام الأوّل يتخذ العنوان التحاما قويا بالقصيدة الموسومة بنفس العنوان، حيث تنصهر جميع العلامات المادية في علامة واحدة وهي: "استحضار غياب روح البلد" وكأننا أمام غياب "الطفل"، يستبين الشاعر هذه الروح الغائبة وهي ظلال تُلهِم القصائد صدقية القول حين تحضر الأم والأب نكون أمام شفافية الاستعارات، يقول:

«أتعرفين يا أمّي!

حين كبرنا

كبر الليل معنا

وغابت شمس الصباحات

(..) يطرد الحلم من عيوننا». (ص، 13-14).

وفي قصيدة «مات أبي» (ص، 49)، يقول:

«مات أبي

ولم يعرف أحد منّا أين دُفن عشقه للوطن؟»

يصوّر الشاعر روايتين لموت الأب، الرواية الأولى يقول إنها رصاصة أصابت صدره في صباح خريفي، والرواية الثانية تقول، إنه مات شهيدا يدافع عن تراب وطنه، إذن هل هي قطط الخريف من أطلقت الرصاصة أم أن العدو كان متفوقا وهنا تقول الحكاية التاريخية أن العدوّ كان ضعيفا وأن أحصنة المغاربة كانت تعشق عطر البارود وتُحبّ نسائم أعلى قمم الجبال، تتناسل الرواية لتفضي إلى قول الشاعر: «مات أبي ولم يدر أنه مات» (ص،49). هل علامات الموت انقلبت إلى نوم في حضن سماء الله بعيدا عن سرير الناس؟ أم هي القصيدة اختزلت القضية العربية في صورة الأب، حيث إن الشاعر استحضر في بعض قصائده القضية الفلسطينية.

 في روح الأب/ روح الأرض:

النوم هنا هو نوم طويل استحضره الشاعر ليوقظ لدى القارئ الذاكرة المثقلة بالإحباطات والجهل وتمظهرات الحياة المزيّفة ومكر السياسة الجاهلة بقوانين التدبير والتسيير الجيد، أيضا القصائد تتوالد بفعل قوّة الذاكرة الحسيّة مرة ومرات أخرى من خلال ذاكرة الفضاءات التي وقف عليها الشاعر وهي فضاءات مُدمجة ضمن فضاء شامل وهو المغرب حيث تحضر الفضاءات الغربية الأوروبية لتمنح للقصيدة قوة المقارنة، باعتبار أن الذات تقيم بهذه الفضاءات أكثر من ربع قرن من الزمن، وهي إقامة دفعت بالاستعارات الجديدة أن تتخذ شكل حرية نسبية وقول خطاب مَحبّة مُوّجه للقارئ باعتبار أن القصيدة هي نقدا لواقع مثقل بالأحزان، في المقام الثاني بعدما تتزيّن بالجمالية الحداثية وهي «شعرية موت الرومانسية وانبعاث شعرية الموت»، البوح المقلق والمُزعج الذي يدفع باللغة إلى استيضاح الأخطاء وترهين الخوف بسبب محو الأمنيات والأحلام وملاحقات الذئاب. إن الخوف هو خوف طفولة، الشاعر استدعى زمنية الطفل الذي كان، وهنا يحضر ضمير الديوان أو ضمير «السرير» كعلامة دالّة على الفتوحات الاستعارية الحديثة للقصائد في مُجملها، كلّ سرير فهو ذلك الضمير الحيّ للأسرار التي نلتقيها نهارا بعدما كان ليل الشاعر منصهرا في الحياة الداخلية والخارجية واحتراق اللغة داخل اللغة وأيضا احتراق الجسد داخل الجسد واحتراق الطفولة داخل القصيدة لينبعث شاعر جديدٌ ويولد وعي تاريخي جديد.

المنفعة الشعرية الحديثة:

المنفعة هي مواضيع-قيمة طرحها الشاعر ضمن كونية مُصغرة تستضيح العلاقات العدوانية ارتكازا على الملفوظات الجيهية (شمال/ شرق/ جنوب/ غرب) حيث تتناسل القصائد وفق سخرية سياسية واقعية، لكن تحملها لغة راقية لتكشف لنا عن لغة ماكِرة وهي لعبة الخبث السياسي. وقد لعبت السخرية الشعرية دروا وظيفيا في ترهين حالات الفضاءات الممزقة مثل: هنا المزاغان/ آسفي/ مراكش/ موغادور/ فاس.. وفلسطين، يقول في قصيدته «أغنيتان للظلال الحمراء»:

«... لا تموت العزة

هنا غزة تتدوّر جوعا ولا تأكل من ثدييها

أبدا

يا أولاد القحبة أين منكم البشر؟» (ص، 34).

أيضا المنفعة طرحها الديوان وفق قصائد تكشف حالات الظلال باعتبار أن الظل معنى يحمل التأويل للذات الصانعة للظل/ الطفل، هنا يحضر ضوء الصدمة السريرية وكأن متخيل السرير يصنع وميضا أو برقا يتجه من الأعلى نحو الأسفل، فالشاعر العالِم بأسرار من وُلِدوا ومن ماتوا ومن دفنوا ومن لم يُدفنوا.. ومن هاجروا ومن رحلوا ومن كذبوا شعرا ومن صدقوا شعرهم، هي الظلال تتكرر أمامنا لتمثيل مشاهد جريئة في رحلة حياة القصيدة الورقية، وهنا الجرأة هي جرأة لغة تتسلل في هدوء فكري لتكشف حيوات ظلال في علاقة بتاريخ المجتمع المغربي.

الظلال جليد ورقي يشترط مغامرة نقدية علنية جريئة لتلج بقوّة عوالم الذوات والفضاءات الممزقة داخل هذا التاريخ، إنه احتراق الكاتب والقارئ معا ليتشكل الجليد لغة واضحة صافية.

كبرياء السرير:

نقول أرض الله، دنيا الناس، أرض الناس، سرير الله، سرير الناس؛ تتغير العلامات فتتغير الدلالات، الشاعر هنا أسلم الكتابة للضمير الحيّ ليُفَصِّلَ تَفصيلاً في الأحاسيس والانفعالات وفق حالات التوّتر والشدة والامتداد في الزمن والذاكرة، إن الضمير الحيّ يبتعد عن سرير الناس بمعنى هو ابتعاد عن كلام الناس ولو أنه كلام مقفى موزون له إيقاع موسيقي لكن لا يرقى لدرجة كلام الضمير الحيّ الذي هو كلام سرير الله، والنوم هنا ما إن تنتهي كل قصيدة من قصائد الديوان يحضر الاستقاظ ولو للحظة، وهي حالة الصحو والعودة العادية المؤقتة، ثم تعود حالة النوم وهي أحلام القصيدة الواقعية ذات الفكر المنفعي. سرير لا يصنع الحياة الجيّدة فهو سرير مُزوّر ومزيّف وعاهر بالمعنى التام للأخلاقية الإنتاجية الإبداعية، السرير الجيّد هو أمكنة الغزوات والحروب العادِلة إنه مجاز أمكنة أبطال اللغة الواضحة، أو كما يقول المثل المغربي: تولدنا فوق الخيل نموتو فوق الخيل، أي تولدنا  فوق سرير الله نموتو فوق سرير الله. القصيدة سرير الخيل الجامحة، القصيدة سرير العقل والقلب، القصيدة في ديوان النوم على سرير الله هي سرّ ضمير الشاعر المصطفى حناني.

إجمالا، رام الشاعر تجديد حبّه للهوية والأرض والإنسان المغربي والأمكنة بأسلوب مقلوب حيث النوم هو صحو واستفاقة طفل، طفل الله، أيضا القصائد هي يقظة لغة تمنح للروح الطفولية فسحة تمثيل أثر حقيقة، ومن منظور الظلال المتماسكة داخل القصائد فالشاعر يُمسرِح أشكال حيوات تتقاسم الفضاء المغربي في علاقة بحياة الآخر الغربي وكأن القصيدة إيديولوجية بريئة تحاور العقلين معاً العقل المغربي والآخر الأوروربي، وهذا ما يستدعي آلية التأويل للإمساك ببعض من المعنى الذي يشترط استحضار التاريخي في المقام الأوّل، إن النوم على سرير الله هي مطالبة بإعادة قراءة تاريخنا وتسريع طرائق إصلاح مواضيع-قيمة على هذه الأرض المغربية وعليه فالبدايات هي منح الإصلاح للطفل أولا وحفظ حياته من ملاحاقات الذئاب، يقول الشاعر في اقتباس متناغم مع الموروث الشعبي المغربي ليستضيح حالات خيانات الأرض وكيف أن مأساة موت الطفل هي مأساة جميع أطفال البسطاء الفقراء المحبّين بإخلاص أرضهم التي خذلتهم من خلال نسج علاقات سرية لا-عادلة اقتصاديا وسياسيا وتعليميا، أيضا خذلهم الشّعر المزيّف، يقول اقتباسا:

«ميلودة فينْ كُنتي قولِ لي فينْ دَرتِ لوليد

لحبيبة كِسْرا لِك كيفْ دَرْتِ حتى نْسيتي سعيد...؟»

وكأننا أمام نداء استعاري يستحضر الأرض –الحبيبة- وكيف لهذا الوطن أن ينسى أبناءه/ أطفاله الذين قال فيهم الشاعر: «فقراء هذا الوطن، أيتام عراة حفاة... شرّدتهم شعارات الزيف في نواميس الساسة» (ص، 50). ميلودة هي الأرض هي القصيدة التي تقول الحقيقة وتبحث عن ماء كتابة الحياة الجيّدة.

***

فؤاد بنبشينة

دكتوراه في الأدب، جامعة محمد الخامس بالرباط- المغرب.

..........................

* المصطفى حناني، شاعر مغربي من مواليد 1969، حاصل على إجازة في اللغة العربية وآدابها، تخصص أدب عربي حديث، من جامعة المولى إسماعيل بمكناس سنة 1992، مقيم حاليا ببلجيكا في إطار البعثة التعليمية المغربية بالمهجر.

تنهض قصيدة: (أسير الشعر) للشاعر د. وليد العرفي (الفائزة بجائزة القوافي الذهبية باختيار حاكم الشارقة سمو الأمير: د. سلطان بن محمد القاسمي)، على تجربة وجدانية عميقة تتقاطع فيها الذات الشاعرة مع اللغة، والذاكرة، والجرح الإنساني، لتصوغ نصاً يراوح بين التأمل الفلسفي والبوح الشعري، ويستند إلى نبرة ذاتية عالية تفيض بالأسى والحنين والوعي بوطأة التجربة. ومن خلال قراءة نقدية تتكئ على تحليل البنية الدلالية والصورية والإيقاعية، يمكن الوقوف عند أبرز السمات الفنية التي شكّلت ملامح النص، وجعلته أقرب إلى سيرة شعرية تتحدث بلسان شاعر يرى في الشعر قدراً لا مهرب منه.

تبدأ القصيدة بسؤال استنكاري مشحون بالدهشة:

"هل تسأل الريح عمّا موج البحرا؟

وتسأل النار عمّا أوقد الجمرا؟"

وهذا الاستهلال يشي منذ اللحظة الأولى بطبيعة النص القائم على المفارقة البلاغية، إذ يُحيل الشاعر إلى أشياء لا تُسأل عن أفعالها، لأنها جزء من طبيعتها. فالريح لا تُسأل عن هيجان البحر، والنار لا تُسأل عن اشتعال الجمر. وبهذا التقديم الرمزي، يُمهّد الشاعر للحديث عن الشعر بوصفه قوة فطرية داخله، لا يستطيع الانفصال عنها، كما لا تستطيع الريح أن تتوقف عن الحركة. إن هذا المدخل البلاغي يفتح الباب أمام رؤية فلسفية مفادها أن الشعر ليس اختياراً، بل هي قدر محتوم.

تتجلى الذات الشاعرة في البيت التالي بوصفها معذّبة بإيقاعها الداخلي

"يا حادي الشعر في إيقاع قافيتي

تبكي التفاعيل في ميزانها عسرا"

وهنا تظهر معاناة الخلق الشعري، إذ تتحول القافية إلى كائن حيّ، وتصبح التفاعيل كأنها تبكي، في إشارة إلى صعوبة الإمساك بالإيقاع وترويض اللغة. إن الشاعر لا يقدم صورة رومانسية سهلة عن الكتابة، بل يكشف عن توترها الداخلي، وعن الألم الملازم لعملية التشكيل الفني. وهذه النظرة تجعل من الشعر معركة يومية بين الشاعر واللغة، لا مجرد لحظة إلهام عابرة. وفي قوله:

"كأنني لم أكن رسّام لوحتها

ولم ألوّن حروفي من رؤى حبراً"

يبرز الإحساس بالاغتراب عن الذات، إذ يشعر الشاعر، وكأنه لم يشارك في صنع تجربته، الشاعر كأن الحروف تُكتب من تلقاء نفسها. وهذه الصورة تُعمّق فكرة (الأسر) حيث يبدو فيبدو الشاعر أسيراً لما يكتب، لا مالكاً له.

إن العلاقة بين الشاعر ونصه هنا علاقة مزدوجة؛ فهو صانع اللوحة، لكنه في الوقت ذاته يشعر بأنه مجرد أداة في يد قوة أكبر.

تتكرر في النص صور الانكسار والسقوط والتعب، كما في قوله:

"فكم هززتُ بجذع الحزن نخْلتها

فاسَّاقط الحرف من أغصانها شعرا"

فالحزن هنا يتحول إلى نخلة، والحروف إلى ثمر يتساقط. وهذه الصورة المركبة تنتمي إلى الحقل الرمزي الذي يجعل من الألم مصدر إنتاج شعري. فالشاعر لا يكتب إلا عندما يهزّ جذع الحزن، ولا يسقط الحرف إلا عندما يشتد الألم. إن هذه الاستعارة تكشف عن رؤية ترى في المعاناة الشرط الأساس للكتابة، وتربط بين الألم والإبداع برباط عضوي.

النص في رسم مسار ذاتي طويل مليء بالتعب والتجربة:يتابع

"وكم صعدتُ على درجاتها ولداً

وكم هبطتُ وليداً في الهوى عشرا"

إن هذا التناوب بين الصعود والهبوط يعكس حركة الحياة ذاتها، حيث لا استقرار ولا ثبات. فالشاعر يصعد طفلاً ويهبط وليداً، في صورة توحي بتجدّد التجربة رغم قسوتها. وكأن الشاعر يولد في كل مرة من جديد، لكنه يحمل معه إرثاً من الخيبات.

ومن أبرز ملامح القصيدة حضور المكان بوصفه ذاكرة وجرحاً في آن، كما في قوله:

لتنتشي كلماتي في مواضعها

تختال واحدةً إذ تزدهى أخرى:

فهنا تتحول الكلمات إلى كائنات تتحرك وتتنفّس وتختال، وكأن اللغة نفسها تمتلك حياة مستقلة. وهذه الصورة تدل على عمق العلاقة بين الشاعر وكلماته، فهي ليست مجرد أدوات، بل كائنات تشاركه تجربته وتعبّر عنه.

ويصل النص إلى ذروة وجدانية حين يقول:

"وما خطوتُ على آثار من سبقوا

إلا عبور طواف ذلك المسرى"

في هذا البيت يتجلّى الإحساس بالانتماء إلى سلسلة إنسانية ممتدة، فالشاعر لا يسير وحده، بل يتبع آثار من سبقوه، لكنه يفعل ذلك بطريقته الخاصة. وهذا البعد التأملي يجعل من القصيدة نوعاً من الاعتراف بأن التجربة الشعرية جزء من تاريخ إنساني طويل.

ويتعمّق النص أكثر في البعد الفلسفي حين يقول:

"وما عرفتُ سوى الآلام فلسفةً

وكيف من جرّحه في الروح أن يبرأ؟"

هنا تتحول الآلام إلى فلسفة، ويصبح الجرح شرطاً للوعي. فالشاعر لا يرى في الألم مجرد حالة عابرة، بل يراه مصدراً للفهم والتأمل. وهذا الموقف يعكس رؤية وجودية ترى أن المعرفة الحقيقية لا تأتي إلا من المعاناة.

ويستمر الخطاب في رصد العلاقة بين الحلم والواقع، إذ يقول:

"أرتّق الحلم بالآمال بارقةً   علّ التفرّق بين الناس لا يُدرى"

إن الحلم هنا هو الملاذ الأخير، وهو الضوء الذي يحاول الشاعر أن يتمسك به في مواجهة قسوة الحياة. وهذه النزعة التفاؤلية الخافتة تمنح النص توازناً بين الألم والأمل.

وفي القسم الأخير من القصيدة، تتصاعد نبرة الاعتراف، ويبدو الشاعر كمن يراجع مسيرته:

"فما الكلام بمجدٍ في علا نية

ولا الضمير يراضٍ سرّا"

إن هذه النظرة النقدية للغة نفسها تشير إلى وعي الشاعر بحدود القول، فالكلمات مهما بلغت قوتها لا تستطيع أن تشفي الجرح كاملاً. وهذه المفارقة تعمّق فكرة الأسر، فالشاعر محكوم بالكلام، لكنه يدرك عجزه.

وتختتم القصيدة بنبرة حميمية تقول:

"يا شعر ما زلت رغم الألم تسكنني

ومن عجيبي أني أعشق الأسرا"

وهنا تتكثف فكرة النص كلها في هذا الاعتراف النهائي. فالشاعر يدرك أنه أسير الشعر، لكنه يحب هذا الأسر. إنها علاقة متناقضة تجمع بين الألم واللذة، بين القيد والحرية. فالشعر هو سجنه وملاذه في آن واحد.

ومن الناحية الفنية، تتسم القصيدة بوحدة شعورية واضحة، إذ تدور حول محور واحد هو تجربة الشاعر مع الكتابة والحياة. كما تعتمد على لغة شفافة تميل إلى الرمز دون أن تغرق في الغموض، وتستند إلى صور مركبة تنبع من الطبيعة والذاكرة والوجدان. أما الإيقاع، فيتسم بالتماسك والانسجام مع الحالة النفسية، حيث تتناغم الموسيقى الداخلية مع المعاني المتوترة.

كما أن تكرار أدوات الاستفهام والنداء يمنح النص طابعاً حوارياً، وكأن الشاعر يخاطب ذاته أو الشعر نفسه، في محاولة لفهم سرّ هذه العلاقة المعقدة. وهذا الأسلوب يعزز البعد التأملي للنص، ويجعله أقرب إلى مناجاة داخلية ممتدة.

في المجمل، تكشف قصيدة "أسير الشعر" عن تجربة إنسانية ناضجة، تتداخل فيها الذات الفردية مع همّ وجودي أوسع. وهي قصيدة لا تكتفي بوصف الألم، بل تحوّله إلى مادة فنية، وتعيد صياغته في صور موحية تجعل القارئ شريكاً في التجربة. إنها نص يقوم على صدق العاطفة، وعمق التأمل، وقدرة اللغة على احتضان الوجع وتحويله إلى جمال. ومن هنا يمكن القول إن الشاعر نجح في تقديم نص يعبّر عن مأزق الشاعر المعاصر، الذي يجد نفسه أسيراً للكلمة، لكنه لا يملك إلا أن يحب هذا الأسر ويواصل الكتابة.

***

بقلم: وفاء محمد يونس

جدليّةُ «المعنى» و«معنى المعنى» في عبقريّة العربية

ليست اللغة العربية مخزناً للألفاظ بقدر ما هي هندسةٌ للوعي، ولا تُقاس قيمتها بعدد مفرداتها فحسب، بل بقدرتها العجيبة على أن تجعل اللفظة الواحدة باباً إلى عوالم متعددة. ومن هنا نشأ التمييز الدقيق بين المعنى بوصفه الدلالة المباشرة التي تدركها الحواس، ومعنى المعنى بوصفه الأفق التأويلي الذي يتولد من المجاز والاستعارة والتصوير البلاغي، حيث يغدو الكلام أكثر مما يقول، ويصير الصمت نفسه جزءاً من البيان.

لقد أدرك فقهاء اللغة والنحو والبلاغة منذ وقت مبكر أنّ الكلمة لا تُستنفد عند حدودها المعجمية، وأنّ النص الحقيقي يبدأ حين تتجاوز العبارة ظاهرها إلى إشعاعها الدلالي.

أولاً: المعنى بين الإشارة والعبارة

المعنى في صورته الأولى هو ما يدلّ عليه اللفظ مباشرة؛ فإذا قيل: طلع القمر، فالدلالة الحرفية واضحة لا التباس فيها. غير أنّ العربية لا تكتفي بهذا المستوى، لأنّ العقل العربي — شعراً ونثراً وقرآناً — كان يبحث دائماً عن الطبقة الثانية من الإدراك.

فحين يقول الشاعر:

طلع القمر في وجهها.

لم يعد القمر جرماً سماوياً، بل صار رمزاً للجمال والاكتمال والنور الداخلي. هنا يولد «معنى المعنى». إنه انتقال من الواقع إلى التخيل، ومن التقرير إلى الإيحاء.

ثانياً: عبد القاهر الجرجاني واكتشاف العمق الدلالي

بلغ هذا المفهوم ذروته النظرية عند الإمام البلاغي الكبير عبد القاهر الجرجاني الذي جعل البلاغة قائمة على النظم لا على المفردة المفردة. فقد رأى أنّ المعنى الأول لا قيمة له إذا لم ينتظم في علاقة تُنتج دلالة ثانية.

فالقول:

"رأيت أسداً."

قد يكون خبراً عادياً.

أما:

"رأيت أسداً يخطب في الناس."

فإن الذهن ينتقل فوراً إلى الشجاعة والفصاحة والهيبة.

الأسد هنا ليس الحيوان، بل ما وراء الحيوان.

وهذا هو «معنى المعنى»؛ أي أن يصل المتلقي إلى مقصد المتكلم عبر طريق غير مباشر.

ثالثاً: النحاة وبناء المعنى قبل البلاغيين

ولم يكن البلاغيون وحدهم من وعى هذه الحقيقة؛ فالنحاة أنفسهم أسّسوا لها دون أن يسمّوها بهذا الاسم.

فالإمام سيبويه حين جعل السماع أصلاً والقياس تابعاً له، إنما أقرّ بأنّ الاستعمال البشري أوسع من القاعدة، وأنّ العرب قد تختار تركيباً لأنه أبلغ في الإيحاء لا لأنه الأيسر قياساً.

وكذلك فعل اللغوي العبقري ابن جني حين رأى أنّ اللغة فعلٌ عقليّ قبل أن تكون أصواتاً، وأنّ العدول عن القياس أحياناً حكمةٌ دلالية لا خطأ.

فالانحراف المقصود عن الأصل قد يكون الطريق الأقصر إلى المعنى الأعمق.

رابعاً: المجاز بوصفه اقتصاداً في الفكر

المجاز ليس ترفاً بلاغياً، بل اقتصادٌ معرفي.

فاللغة تختصر تجربة كاملة في صورة واحدة.

حين يقول العربي:

"اشتعل الرأس شيباً."

فهو لا يصف لون الشعر فقط، بل يستدعي الزمن والقلق والتجربة والانتظار.

جملة قصيرة تحمل عمراً كاملاً.

ولهذا كان البيان العربي يميل إلى التصوير؛ لأن الصورة تسمح بتعدد القراءة.

وهو ما فهمه الأديب الموسوعي الجاحظ حين جعل البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال، لا مجرد زخرفة لفظية. فالكلمة عنده تنجح حين تصيب النفس قبل الأذن.

خامساً: علماء الصرف ودلالة البنية

حتى الصرف — الذي يبدو علماً تقنياً — شارك في صناعة «معنى المعنى».

فالفارق بين:

قاتل.

قتّال.

مقتول.

ليس صرفياً فحسب، بل نفسياً أيضاً.

فزيادة الحرف زيادة في المعنى.

والوزن الصرفي يلمّح أحياناً إلى الكثرة أو المبالغة أو الاستمرار، فتتحول البنية إلى موقفٍ شعوري.

ولهذا قال علماء العربية إن الأبنية قوالب للمعاني، لأن الصوت نفسه يحمل دلالة.

سادساً: القارئ شريك في إنتاج المعنى

لا يولد «معنى المعنى» من الكاتب وحده، بل من القارئ أيضاً.

فقراء اللغة — من الأدباء والمتذوقين — هم الذين يوسّعون النص بقراءاتهم.

إن القارئ الذي يقف عند ظاهر العبارة يرى خبراً.

أما القارئ الذي يمتلك حساسية التأويل فيرى عالماً.

ولهذا تختلف قراءة النص الواحد باختلاف الثقافات والخبرات.

فالمعنى ثابت نسبياً، أما «معنى المعنى» فحيّ متجدّد.

سابعاً: العربية لغة الاحتمال الجميل

إن أعظم ما منح العربية قدرتها على البقاء هو هذا التوازن بين الضبط والانفتاح.

النحو يحرس المعنى من الفوضى.

والبلاغة تحرسه من الجمود.

فلو اقتصرت اللغة على المعنى المباشر لصارت تقارير.

ولو غرقت في الإيحاء وحده لصارت غموضاً.

بين الاثنين تولد العبقرية.

خاتمة: اللغة حين تصبح رؤيةً للعالم

إن «معنى المعنى» ليس مجرد مصطلح بلاغي، بل هو إعلان أن الإنسان لا يعيش بالوقائع وحدها، بل بتأويلها. فالكلمة العربية تشبه مرآةً ذات طبقتين: ترى فيها الشيء كما هو، ثم تراه كما يمكن أن يكون.

وهكذا ظلّت العربية — عبر فقهائها ونحاتها وبلاغييها وقرّائها — لغةً لا تكتفي بأن تُسمّي العالم، بل تعيد خلقه؛ لأنّ المعنى فيها بداية الطريق، أمّا «معنى المعنى» فهو أفقه المفتوح على احتمالات الروح والعقل معاً.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

صدرت رواية قواعد العشق الأربعون عام 2009 للكاتبة التركية البريطانية إليف شافاق باللغة الإنجليزية بعنوان The Forty Rules of Love، ثم تُرجمت إلى العربية، فكان لها في الفضاء الثقافي العربي وقعٌ خاص، إذ لامست وترًا روحيًا ظل طويلًا مهملًا في زحام السرديات المادية المعاصرة.

تعتبر هذه الرواية مشروعًا سرديًّا متكاملًا يستدعي التراث الصوفي ليعيد صياغته في أفقٍ إنسانيٍّ كوني، جامعًا بين التاريخي والآني، وبين التجربة الروحية والقلق الوجودي للإنسان الحديث.

تنهض الرواية على بنيةٍ مزدوجةٍ محكّمَة، تقوم على تقنية "الرواية داخل الرواية"، حيث يتجاور خطّان سرديّان يتبادلان الضوء والظلال.

 في الخط المعاصر، نتابع حياة إيلا روبنشتاين، ربّة المنزل الأمريكية التي استهلكها الروتين الأسري، وأفرغتها سنوات الزواج البارد من شغفها الأول بالحياة. تبدو كصورةً للإنسان المعاصر وقد انطفأت جذوته الداخلية، يعيش في انتظامٍ ظاهريٍّ يخفي خواءً روحيًا عميقًا. لكن حين تُكلَّف بقراءة مخطوطًا روائيًّا بعنوان «الكفر الحلو» لكاتب يُدعى عزيز زاهارا، تكون هذه القراءة شرارة التحوّل في مسار حياتها.

أما الخط الثاني فيعود بنا إلى القرن الثالث عشر، إلى قونية، حيث تتشكّل واحدة من أكثر العلاقات الروحية أثرًا في تاريخ التصوف الإسلامي:

العلاقة بين الشاعر والفقيه جلال الدين الرومي، ورفيقه العارف المتوهّج شمس التبريزي.

لا تقدّم شافاق هذه العلاقة بوصفها واقعة تاريخية جامدة، بل باعتبارها لحظة انفجار روحي أعادت تشكيل الرومي، فنقلته من مقام العالم المدرّس إلى أفق العاشق المتبتّل في حضرة المطلق.

بهذا التوازي السردي، لا تكون الرواية حكايتين منفصلتين، بل نسيجًا واحدًا تتعالق خيوطه في العمق. فالمخطوط الذي تقرؤه إيلا يتحوّل إلى مرآةٍ ترى فيها تشقّقات روحها، كما كان شمس مرآةً للرومي كشف له ما كان كامناً فيه من شوقٍ إلهيٍّ مكبوت. القراءة هنا ليست فعلًا معرفيًا فحسب، بل تجربة وجودية؛ إذ تغدو الكلمات جسورًا تعبر عليها الذات نحو ذاتها الأعمق.

تمنح تقنية "الرواية داخل الرواية" النصَّ بعدًا تأويليًا ثريًا؛ فالقارئ لا يكتفي بتتبّع الأحداث، بل يُستدرج إلى مساءلة نفسه. التاريخ، في هذا السياق، ليس زمنًا منقضيًا، بل طاقةً روحية قابلة للاستدعاء، كأن الماضي يسكن الحاضر في طبقاتٍ خفية، ينتظر لحظة انكشاف. وبهذا تكرّس شافاق مفهوم "الرواية المزدوجة" بوصفها فضاءً فنيًا يسمح بتداخل الأزمنة دون افتعال، ويجعل من الحوار بين القرون حوارًا بين حالتين إنسانيتين متشابهتين في جوهر القلق والبحث.

المحور الفلسفي للرواية هو "العشق" في معناه الصوفي؛ ذلك العشق الذي لا يقتصر على علاقةٍ بشرية، بل يتجاوزها إلى أفقٍ كونيٍّ رحب.

"القواعد الأربعون" التي يبثّها شمس ليست وصايا وعظية بقدر ما هي شذرات تجربة، نُسجت من معاناةٍ واحتراقٍ داخلي. العشق، في هذا المنظور، ليس انفعالًا عابرًا، بل طريق معرفة؛ هو الوسيلة التي يذوب بها الإنسان في المطلق، متحرّرًا من أثقال الأنا، ومن قيود الصورة الاجتماعية.

تستلهم شافاق روح التصوف الإسلامي في جوهره القائم على المحبة والتسامح والانفتاح. فشمس لا يدعو إلى هدم الشريعة، بل إلى إحياء القلب.. لا يسعى إلى تقويض الدين، بل إلى تحريره من قسوته الشكلية حين ينفصل عن جوهره الرحماني. العشق عنده فعلُ تحوّلٍ جذري، يهدم التصورات الجامدة ليعيد بناء الذات على أسسٍ من الصفاء والصدق. ومن هنا تغدو الرواية مساءلةً عميقةً للتدين الشكلي، ودعوةً إلى استعادة البعد الإنساني في العلاقة مع الله والناس.

في ضوء هذه الفلسفة، تلامس الرواية قضايا معاصرة بجرأةٍ هادئة:

التعصب، الخوف من المختلف، أزمة الهوية، اغتراب الإنسان في عالمٍ يقدّس المادة وينسى الروح. إيلا، التي تنتمي إلى سياقٍ ثقافيٍّ مختلف، تجد في تعاليم شمس ما يوقظها من سباتها. والرومي، الذي كان أسير مكانته العلمية والاجتماعية، يجد في صحبة شمس انعتاقًا من قوالب المعرفة الجامدة. كلاهما يختبر اهتزازًا وجوديًا يفضي إلى ميلادٍ جديد.

هذا التوازي لا يقوم على تشابهٍ سطحيّ، بل على وحدة التجربة الإنسانية: البحث عن المعنى.

إن الإنسان، مهما تغيّرت الأزمنة وتبدّلت الجغرافيا، يظل كائنًا قلقًا، تتنازعه الرغبة في الطمأنينة والخوف من التغيير.

وهنا تتجلّى براعة شافاق في جعل الرواية التاريخية مرآةً للراهن، وفي إضفاء طابعٍ كونيٍّ على تجربةٍ صوفيةٍ محلية المنشأ.

يمكن ان نحيل انتماء الرواية، إلى فضاء الرواية التاريخية الروحية، وتتقاطع مع الرواية الفلسفية، بل وتستعير من تقنيات "الميتاسرد" حين تعي ذاتها بوصفها نصًا داخل نص.

 تعدد الأصوات السردية، وتناوب الشخصيات على رواية الأحداث، يمنح النص طابعًا بوليفونيًا/ متعدد الأصوات مما يثري الرؤية، ويكسر أحادية المنظور.

كل شخصية تروي جزءًا من الحقيقة، وكأن الحقيقة الكاملة لا تُدرك إلا من خلال تضافر الأصوات.

ومن أبرز ما تطرحه الرواية إعادة قراءة العلاقة بين الرومي وشمس بوصفها علاقة تحوّلٍ روحي عميق، لا مجرد صداقةٍ عابرة. كما تكشف الصراع بين الروحانية الحية والمؤسسة الدينية الجامدة، وتؤكد أن الحب يتجاوز الهويات الضيقة والانتماءات الجامدة. التغيير، كما توحي الرواية، لا يبدأ من الخارج، بل من ثورةٍ صامتةٍ في الداخل.. من لحظة صدقٍ يعترف فيها الإنسان بظمئه.

أما مصير شمس المأساوي، فيجسّد ثمن الاختلاف في مجتمعٍ يخشى كل ما يهدّد استقراره الظاهري. فالمجتمع، في كثير من الأحيان، يعادي من يوقظه من سباته، ويقاوم من يكشف له زيف طمأنينته. وهنا تبرز الرواية بوصفها دفاعًا عن المختلف، وعن حرية الروح في أن تبحث عن طريقها الخاص.

تكمن قوة العمل أيضًا في قدرته على تحويل التصوف " الذي قد يبدو فلسفةً عصيّةً على التلقي " إلى تجربة إنسانية ملموسة. إيلا تمثل "الموت النفسي" تحت وطأة الواجبات والتوقعات الاجتماعية، وشمس يمثل الشرارة التي تحرق القوالب لتفسح المجال للحياة. دخوله حياة الرومي، ثم حضوره غير المباشر في حياة إيلا، يكرّس مبدأ عظيم الدلالة، الا وهو، أن التحوّل لا يأتي دون ألم، وأن الولادة الجديدة تقتضي احتراقًا.

لم تنجح «القواعد الأربعون» لأنها قدّمت نصائح دينية، بل لأنها صاغت دستورًا روحيًا يتجاوز الأديان والمذاهب. من بين أفكارها المركزية:

أن الآخرين مرايا نرى فيها ما يختبئ في أعماقنا، وأن التسليم ليس خنوعًا بل ثقةٌ عميقة في حكمة الوجود، وأن اللحظة الحاضرة هي المجال الوحيد الممكن للحياة. هذه الأفكار، على بساطتها الظاهرية، تمسّ حاجةً إنسانيةً أصيلة إلى السكينة والمعنى.

تتقاطع شافاق بإسلوبها السردي مع التراث الصوفي في لغته الرمزية، ومع تقاليد الرواية الغربية الحديثة في تقنياتها السردية. انها تجمع بين بساطة العبارة وشفافيتها، وبين كثافة الرمز ودلالته. كما انها توظّف العناصر الأربعة " الماء، النار، الريح، الأرض " بوصفها استعارات لمراحل التحوّل الروحي، في انسجامٍ بنائي يشي بوعيٍ فنيٍّ متماسك.

صحيح أن بعض النقاد رأوا في الطابع الوعظي لبعض "القواعد" مسحةً تقريرية قد تخفف من كثافة الفن، غير أن هذا الوضوح نفسه كان أحد أسرار انتشار الرواية، إذ جعلها قريبةً من القارئ العادي دون أن تفقد عمقها الدلالي.

 لقد استطاعت شافاق أن توازن " إلى حدٍّ بعيد " بين الرسالة الجمالية والرسالة الإنسانية.

في زمنٍ تتفاقم فيه الاستقطابات الثقافية والدينية، وتتعالى فيه أصوات الإقصاء، تكتسب مثل هذه الأعمال قيمةً مضاعفة. فهي تذكّر بأن الدين، في جوهره، محبة، وأن الاختلاف لا ينفي القاسم الإنساني المشترك. وفي عالمٍ يركض بلا هوادة، تعيد الرواية الاعتبار إلى التأني الروحي، وإلى الإصغاء للصوت الداخلي.

ليست "قواعد العشق الأربعون" حكايةً عن صوفيين مضوا، بل هي دعوةٌ مفتوحةٌ إلى أن يفتّش كل إنسانٍ عن "شمسه" الخاصة.. تلك اللحظة أو العلاقة أو التجربة التي توقظه من غفلته، وتعيده إلى ذاته. ومن هنا تتجاوز الرواية حدود المتعة الجمالية لتغدو فعل وعيٍ ومحرّك تحوّل، ورسالة عشقٍ في عالمٍ يتعطّش إلى معنى أعمق للحياة.

بهذا النفس الإنساني المتدفق، وبالرؤية المنفتحة على التراث والحداثة معًا، تثبت إليف شافاق أن الرواية قادرةٌ على أن تكون جسرًا بين الشرق والغرب، بين الماضي والحاضر، بين العقل والقلب.. وأن الأدب، حين يتصل بجذوة التجربة الصادقة، يغدو طاقةً روحيةً تُنير عتمة الإنسان وتدلّه على طريقه.

**

سعاد الراعي

اللاجئ الشرقي وصدمته في الغرب

ما الذي سيكون عليه موقف طالب اللجوء في الغرب ليثبت مصداقيته في التواصل مع من يختلف عنه دينيا وثقافيا، طالما أمسى الشك بمصداقيته من قبل الآخر مسبقا، وليس من السهل زحزحته أو تغييره؟ تفرض هذه التجربة أسئلة صادمة لروافد ثقافته التي تعوَّد على أن لا يضعها تحت المساءلة، باعتبارها شأنا طبيعيا، مثل الهواء والماء والشمس.

رواية «+15» للكاتب العراقي المغترب في فنلندا ياسين غالب، تتصدى في بنية خطابها الفني لمسألة اغتراب اللاجئ المسلم، وما يواجهه من تحديات تضع كينونته الإنسانية على المحك، خاصة أن ثقافته بكل سطوتها، تشكلت في بيئة تتقاطع معطياتها، في كثير من المواضع القيمية، أخلاقيا واجتماعيا عن بيئة اللجوء.

مشهدية سينمائية

يتقدم السرد في رواية «+ 15 «مستعينا بلغة ليِّنة تملك قوتها الإيحائية في استبطان دواخل الشخصيات، ما يجعلها تمسك بالصورة والصوت معا، كما لو أننا نتابع تفاصيل مشهد سينمائي واقعي، التقطته عدسة كاميرا بالغة الحساسية:» اقتربتُ من النافذة، وأخرجت يدي للخارج، لمستُ أولى قطرات المطر المتساقطة، أفركُها بإصبعي، كصبي يكتشف مَنيَّهُ.. الماءُ هو الماء.. شاهدت الباص يمر في الشارع العام رسَم قوسين مائيين جانبيين في الهواء، عندما مرَّ ببركةِ ماءٍ صغيرة كوَّنتها قطرات المطر، كانت قد تجمعت من الليلة الماضية، مع صوت تشششش فعلت بعض السيارات».

سياق الزمن

يتوزع المتن الحكائي على ستة فصول، يتحرر فيها سياق الزمن السردي من مساره الأفقي إلى حركة دائرية، لينتج شكلا جماليا فضفاضا، مكَّن المؤلف من تقطيع الزمن إلى فصول، بما أتاح له تتبع قصص عدد من طالبي اللجوء، الذين عبروا من تركيا إلى اليونان ومن ثم إلى النمسا وألمانيا والنرويج وفنلندا عام 2015. فقد حاول سرمد اللاجئ العراقي الذي عمل صحافيا في بلده قبل أن يهرب منه، الحفاظ على شغفه بالكتابة أثناء وجوده في»الكمب» فما كان منه إلاّ أن يصغي لقصص اللاجئين، لتكون مادة روايته المقبلة، مبتدأ بزملائه العراقيين الثلاثة الذين يشاطرونه الغرفة رقم»155» سعد، لطيف، مروان، إضافة إلى خامسهم اللاجئ الأفغاني أمير.

ما بعد القص

بنية النص قائمة على تقنيات سرد ما بعد القص»الميتافكشن»حيث تتشكل الرواية من نصٍ أوَّل يضم في داخله نصَّا ثانيا، وهذا يعني أننا أمام مؤلفَين، الأول: غالب ياسين المؤلف الحقيقي للرواية، والثاني: سرمد الطاهر المؤلف الافتراضي للنص الثاني داخل النص الأول، بهذه الحبكة سنقف عند بنية سردية مركبة من طبقات يتناوب فيها على سرد الأحداث إلى جانب المؤلف الحقيقي والافتراضي، الشخصيات الرئيسية «لطيف، مروان، سعد، ليلى، أمير». ويشكل سرمد لوحده شخصية ثنائية من حيث الدور السردي الذي يلعبه، فبالإضافة إلى كونه المؤلف الضمني/السارد للأحداث في نَّص الرواية الثاني، فهو يمثل شخصية محورية في نَص الرواية الأول.

محنة الاغتراب

ابتداء من أول سطور الصفحة الأولى في الفصل الأول سنقف أمام شخصية لطيف الذي كان في المرحلة الأخيرة من دراسته للطب، قبل أن يغادر العراق، ليعبِّر عمَّا يدور في داخله، كاشفا عن إشكالية علاقته الاغترابية مع الزمكانية، بينما يكون جالسا في المترو صباحا، قاصدا الوصول إلى مكان عمله في العاصمة الفنلندية هلسنكي. فبدت حالته النفسية على درجة عالية من التوتر، تعكس حالة غضب شديد تسيطر عليه، إزاء ما يصدر من ردود أفعال لامبالاية من قبل ركاب المترو المنطلق بسرعة كبيرة، كما لو أنها إيحاء بسرعة جريان الزمن الخارجي، ومعادل موضوعي لبطء حركته داخل شخصية سرمد:» لِمَ تتباعدون عنّي؟ أنا لست خطرا، أنا أضعف من أن أؤذي فراشة، أنا هولوغرام «.

تعيش الشخصية المسلمة اللاجئة في أوروبا أزمة حقيقية مع ذاتها، تضعها أمام مفترق طرق، إما أن تختار القطيعة مع الآخر والانزواء إلى الداخل، أو أن تطَوي الماضي بمحمولاته وقداسته وتنخراط بحاضر يتقاطع مع الماضي، وقد شكلت هذه الفكرة متن خطاب الرواية

فانتازيا سردية

بناء السرد قائم على تعددية الأصوات الساردة بصيغة ضمير المتكلم، اعتمادا على الشخصيات الست الرئيسية «لطيف، سعد، أمير الأفغاني، مروان، ليلى، سرمد»وكل فصل من الفصول الستة تنفرد فيه إحداها، لتسرد من وجهة نظرها أحداثا مرت بها في سفر رحلة اللجوء، والفصل السادس والأخير يتولى سرمد المؤلف الضمني، سرد حكايته، باعتبارها حكاية الآخرين وعنهم في آن، بذلك تكتمل دائرة السرد.كما أن هناك مساحة سردية لشخصيات ثانوية، مثل فيصل الكويتي، هانو الرجل الفنلدني العجوز وحِصَانيه «تيو وورها».

وبنقلة فانتازية يعمد المؤلف الضمني إلى أن يشارك الحصانين في لعبة السرد نيابة عن صاحبهما العجوز من بعد أن يموت في دار المسنين، وكان لطيف يتولى رعايته متطوعا، ليسرد الحصانان ماشهده العجوز مع عائلته من احداث اثناء الحرب العالمية الثانية عندما كان طفلا، وعلى لسانهما تتعرى جرائم مخيفة ارتكبها الجيش السوفييتي في فنلندا بحق المدنيين، حتى أنهم أوشكوا على طبخ العجوز هانو عندما كان طفلا لسد جوعهم.

هذه النقلة السردية الفانتازية في بنية النص الضمني تستمد منطقية حضورها من تعاطي لطيف للحشيش السويدي، فتنفلت ذاكرته من أسرها، لتنطلق خيالاته حرّة من قيود المنطق، فتختلط الوقائع بما هو متخيل، ولنقف أمام مقاربة فنية تفضح وحشية الحرب، سواء في فنلندا تحت سلطة الجيش الأحمر السوفييتي، أو في مدينة الفلوجة العراقية التي جاء منها لطيف هاربا بعد أن سيطر عليها تنظيم «داعش».

دائرية الزمن السردي

يتحرك الزمن السردي متنقلا بين مستويات زمنية متراكبة ومتداخلة أحيانا، فينسل منها الحاضر إلى الماضي، ومن ثم يعود بنا السرد إلى الزمن الحاضر في حركة متوالية سريعة لا تتوقف، كما لو أننا نتابع تقطيعا مونتاجيا سينمائيا، يتدفق بسرعة وحيوية، فالسرد يأتي ضمن مسار دائري، قوامه مجموعة أصوات تتناوب على نسجه، وتتسع هذه الدائرة لتشمل حتى الحصانين تيو وورها، وعلى ذلك فإن المؤلف قد وسّع من فضاء السرد ليجنح إلى بنية فانتازية، ليكون لهذه البنية التخييلية بكل جنوحها دور في صياغة المبنى الدلالي للسرد.

أزمة الشخصيات

تعيش الشخصية المسلمة اللاجئة في أوروبا أزمة حقيقية مع ذاتها، تضعها أمام مفترق طرق، إما أن تختار القطيعة مع الآخر والانزواء إلى الداخل، أو أن تطَوي الماضي بمحمولاته وقداسته وتنخراط بحاضر يتقاطع مع الماضي، وقد شكلت هذه الفكرة متن خطاب الرواية، وتم التعبير عنها بشكل صارخ في شخصية»مروان»الذي لم يتردد في أن يبيع جسده لنساء مسنات ومثليين، ما أن وطأت قدماه مدينة هلسنكي، فالمهم بالنسبة له أن لا يعود إلى بغداد، وأن يقدم قصة قوية يقنع بها اللجنة بمصداقية خوفه على حياته من خطر الاستهداف بالقتل، إذا ما تم رفض طلب لجوئه وأُعيدَ إلى بلده، ومثله أيضا «ليلى»المتزوجة من»أكثم»إذ لا تتردد في أن تقيم علاقة عاطفية مع الباحث الاجتماعي الفنلندي»فيلبي»لأجل أن تحصل على الإقامة، مع انها تزوجت عن حب، رغم فارق المستوى التعليمي بينهما، فهي تحمل شهادة بكالوريوس من كلية الآداب وتكتب القصة والشعر، بينما زوجها لا يحمل شهادة جامعية، فتتعرض علاقتها في مجتمع اللجوء إلى هزات قوية، ولأسباب تافهة، وتكتشف عبر علاقتها مع فيلبي معنى الحب ومعنى أن ترتبط برجل مدى الحياة، فتستيقظ الأنثى المسحوقة بفحولة وشهوانية الرجل في داخلها، وتدرك أنها ليست أكثر من موضوع جنسي للزوج ساعة يكون سعيدا أو تعيسا، ولانَّ الغرب يدعم المرأة في حقوقها، تبدأ تمرينها على التمرد.

نهايات بائسة

العديد من اللاجئين يفشل في العثورعلى وسائل مشروعة تدعم بقاءه في بلد اللجوء، فينتهي إلى نهايات بائسة مثلا «شياو»الكردي يتحول إلى بائع مخدرات، ومهاجر أفغاني يحرق نفسه داخل غرفته في»الكمب»ويكون الانتحار أيضا خيار العراقي»لطيف»، ولم يكن مصير»سرمد» أفضل حالا من بقية الشخصيات رغم أنه أكبرهم سنا وأكثرهم ثقافة ولكن مقتل شقيقه الأصغر برصاص القوات الأمنية العراقية أثناء مشاركته في التظاهرات، يدفعه إلى اتخاذ قرار سريع بالعودة إلى العراق، خاصة بعد أن طاله اليأس من الحصول على الإقامة، ورغم أن بطاقة الإقامة تصله بعد قرار الرجوع، إلا أن نهاية الرواية تبقى مفتوحة، فلا نعرف إن كان سيعود أم سيبقى؟

الجسد هنا والروح هناك

أزمة الشخصيات الرئيسة تكمن في أن أجسادهم فقط تعيش في بلد اللجوء، بينما أرواحهم تقيم هناك، في الصحارى التي جاؤوا منها، العراق وأفغانستان والكويت(فيصل كويتي من شريحة البدون)ورغم أن أوطانهم ضاقت بهم، وحاصرتهم بالخوف والموت وانعدام الأمل، إلاَّ أنها مازالت تفرض سطوتها على مشاعرهم وأفكارهم وأنماط عيشهم.ولا تنتهي رحلة شقاء الشخصيات حتى بعد أن يصل بها المطاف إلى الملاذ الآمن، بل تتضاعف مشاعر ارتباطهم العاطفي بالمكان الذي هربوا منه، وتنمو في الروح لتصبح هاجسا يلازمهم، كلما هربوا منها، حتى روائح الأشياء من ثياب وتراب وحقول وأزهار تبقى عالقة في الذاكرة، فرائحة الحشيشة التي يتعاطاها أمير تذكره برائحة عظام أجداده في أفغانستان. ويبقى مشتتا بين إحساسه بضياع كرامته ورجولته عند عجوز فنلندية، تستغل حاجته للمال والأمان والدفء فتغتصبه، فما بين بحثه عن أخبار تطمئنه على شقيقه الأصغر بعد أن اعتقلته عناصر طالبان، وخشيته من أن يبيعونه لأحد زعماء القبائل ليستمتع به، لا نجد فرقا بين مصيره ومصير شقيقه لأن كلاهما مغتصب. والغربة هنا مثلما هي هناك، وإذا ما كانت في الأوطان أشد قسوة، فالاندماج أيضا ليس هيِّناً، ولن يتحقق بمجرد أن يقرر اللاجئ، إنما يحتاج إلى مكاشفةِ ذاته لذاته لتنهار الحواجز التي تعزلها عن نفسه وعن الآخر، وهذا ما بدت عليه شخصية «لطيف»عندما انخرط في العمل التطوعي في دار رعاية المسنين لمدة عام كامل، ومع ذلك كان يشعر باغتراب حاد ناجم عن انزواء الآخرين في عوالمهم الذاتية، وما كان يلمحه من مشاعر الارتياب على وجوه السكان الأصليين تجاه المهاجرين خاصة القادمين من الشرق، ليكتشف أن الكثير من الغربيين لا فرق بينهم وبين الشرقيين، فهم أيضا لديهم قناعات متوارثة يغلب عليها اللامنطق، تجعلهم يدورون في مكان واحد مثل الشرقيين.

يأتي عنوان الرواية»+15 «بمثابة تحذير لمن هم دون هذا السن بان يتجنبوا قراءتها، لانها اقتربت كثيرا من عوالم المثليين، ولامست في لغتها جوانب من أسرار حياتهم الجنسية.

***

كتب: مروان الدليمي

اليهودي شايلوك أنموذجاً

يعد تاريخ الأدب العالمي مجساً مهماً في كشف التحولات التي تطرأ في السياسة وغيرها من المجالات التي تستخدمها السلطة في تحقيق مآربها على المستوى التاريخي؛ كون أنّ الأدب يعد من صور الكشف الحقيقية للمتغيرات العالمية، كونه يرصدها ويبين متغيراتها على مر التاريخ. لذا، فإن في حقيقة تحول أي ظاهرة من ظواهر الحياة الإنسانية، وخاصة التي لها جذور تاريخية بعيدة راكزة في الوعي الجمعي السلبي، والتي تتحول فيما بعد إلى ظاهرة أخرى لها تأثير في العالم ونظامه، تثير هذه التحولات علامات استفهام حول هذه التغيرات التي حصلت مع أي ظاهرة على مر التاريخ.

ومن خلال دراسة بعض الصور التي وثّقها الأدب المسرحي بصورة خاصة، والمنظومات الأخرى من علم الاجتماع وعلم النفس وحتى الأخلاق في القرون السابقة، يتم الكشف عن طبيعة المنظومات الإنسانية المختلفة وما لها من دلالات تبيّن طبيعة السلوكيات في السابق، والتغيرات التي حصلت على مستوى الأنظمة في العالم بصورة عامة، وفي الجزئيات المطبقة في أنظمة الشرق الأوسط بصورة خاصة في الوقت الحاضر.

إنَّ من بين هذه الصور التي تمت فيها عملية التحول هي شخصية المنبوذ المهمش في كثير من القرون والعقود، وما ساقته لنا هذه الدلالات التاريخية من تصورات لواقعه فيما سبق، وبين ما هو عليه الآن، ومنها الشخصية اليهودية المؤثرة اليوم في صناعة الحدث من خلال تشكيل النظام العالمي الجديد، وما يخفيه هذا التحول من سيطرة في تكوين الوعي على مستوى الأنظمة السياسية، وخاصة عند بعض من سار في أفق هذه الشخصية وسياساتها المختلفة.

ومما لا شك فيه أن ما قُدّم من خلال الأدب والفن في القرون الماضية خير شاهد على أن هذه الشخصية كانت تعيش في تهميش عالمي وفي حالة من العزلة على المستويين الأوروبي والعالمي، مما جعلها تظهر بشكل علني في أهم مسرحية تناولت مثل هكذا شخصية، وهي مسرحية (تاجر البندقية) التي ألّفها الكاتب المسرحي الشهير (وليم شكسبير)، معطية دلالة واضحة لطبيعة هذه الشخصية التي مثلت المجتمع اليهودي آنذاك، كونه مجتمعاً يقبع في درجات متأخرة في السلم البشري في النظام العالمي القديم.

في هذا الجزء سنناقش هذا التحول الذي يعد من أولويات التغير في النظام العالمي الجديد، وخاصة بعد انحسار الإمبراطوريات الاستعمارية السابقة، وظهور دول عظمى حاولت أن ترسم شكل النظام العالمي الجديد. وهذه الشخصية هي من أساسيات الظهور في هذا النظام الجديد بمظهر مختلف عما سبق لها، وهي التي تصنع الحدث الجديد بشكل معكوس لصورتها السابقة. ولكن لماذا أصبح التحول في هذه الشخصية واضحاً بعدما كانت متراجعة فكرياً وإنسانياً؟ وكيف استطاع هذا التغيير أن يمحو الصورة السابقة كما هي في مسرحية (شكسبير) التي ستكون جزءاً مهماً في حديثنا عن هذه الشخصية؟

يرى (شكسبير) في هذه المسرحية أن (شايلوك) -الشخصية اليهودية التي تسكن مدينة البندقية- هي شخصية تعمل على مبدأ السيطرة على التجار المسيحيين من خلال إقراض التجار في هذه المدينة بمال الربا وبشكل جشع، كما تصور المسرحية الحدث، مما يجعل قلوب تجار البندقية وأهلها في غضب وازدراء دائم لهذه الشخصية، وخاصة الشاب الذي يدعى (أنطونيو). وهذه العداوة والبغضاء تزداد بين الطرفين (شايلوك وأنطونيو) عندما يلتقيان في السوق وتصدر من الشاب كلمات فيها تأنيب لـ(شايلوك) اليهودي ومنها: "كافر، وكلب، وسفاح". وهذه الكلمات يعيدها اليهودي عندما يريد الشاب أن يقترض المال منه بعد ظروف يمر بها (أنطونيو). وتدور الأحداث في المسرحية وتتضح صورة اليهودي (شايلوك) بكل طباعها كما يصورها (شكسبير)، وتنتهي الأحداث بانتصار الشاب الذي تحكم له المحكمة بعدم قطع رطل من لحمه، كون ذلك يتعارض مع ما كُتب في الصك الخاص بالاقتراض دون أن تراق قطرة دم واحدة؛ إذ إن إراقة الدم تعرض (شايلوك) إلى مصادرة ماله وممتلكاته بحكم قانون مدينة البندقية (1). هذه الأحداث تبيّن حقيقة الشخصية اليهودية في أوروبا في القرون الماضية، ونحن نحاول في هذا الفصل أن نتحقق من طبيعة هذه الشخصية ومدى مصداقيتها على الشخصيات اليهودية في السابق.

إنَّ هذه الشخصية في مسرحية (تاجر البندقية) التي قُدمت مرات عديدة في المسارح الغربية، وخاصة في أوروبا وبالأخص في بريطانيا العظمى أيام (شكسبير)، كانت صورة طبيعية لهذه الشخصية وواقعها المصور. ثم إن هذه الشخصية وما تعانيه في السابق من انعزال وشراسة في التعامل مع كل من يحاول الاقتراب منها والمحافظة على كيانها، هي في الأصل تعاني من كونها منبوذة في المجتمعات بسبب ما تضمره تجاه الآخرين من أفعال توحي بطبيعتها. وما وصلت إليه الحالة النفسية لهذه الشخصية تتبين طبيعته من خلال تعاملها مع الوسط المحيط بها في دول أوروبا، التي تتمتع بأنها صاحبة الامتياز في النظرة الثقافية وما حملته فيما بعد من تطور علمي غزت من خلاله العالم وسيطرت على دول كثيرة.

لكن هذه الشخصية بقيت على حالها، بل زادت في عزلتها بسبب العزل الذي مارسته على نفسها عن المحيط الاجتماعي من غير أبناء جلدتها. وعلى الرغم من أن عدد اليهود كان قليلاً مقارنة بعدد سكان أوروبا، لكن هذا العدد القليل كان له الأثر الاجتماعي الذي جعل أشهر كتاب أوروبا والعالم يتناولهم ويجعل من طباعهم وتعاملهم حدثه الرئيس في المسرحية؛ كون (شكسبير) وغيره من المتمعنين في هذه الشخصيات، رغم قلتها، وجدوا لها أثراً واضحاً في التأثير على كشف حقيقة وطباع الأفراد والجماعات، ونقل الطريقة التي يفكرون بها، وبيان مجالهم العاطفي الذي يميزهم من خلال السلوك الواضح والمعبر عن غيرهم. هذه الأفكار العاطفية لها الأثر في تكوين شخصياتهم، وكذلك الطباع والسلوكيات التي تميزهم على الرغم من أنّها "تكون هذه النسبة المئوية من عدد السكان، الصغيرة نسبياً، أكبر من أن يعوض خطرها سائر السكان المحسوبين أسوياء. فحالتهم العقلية هي الجماعة الهائجة جميعاً، تحكمهم أفكار عاطفية وشوارد رغبية (Wish fantasies) في حالة من (الاستحواذ الجمعي) (Collective Possession)" (2). وهذه الصفات التي تشير إلى شواردهم الرغبية ساعدتهم في استخدام طرق ووسائل وأساليب للحصول على امتيازات معينة في المجتمعات التي يسكنون بها حتى وإن كانت بطرق غير سليمة، وهذا ما يدلل على التحولات التي حصلت لديهم، وكانت هذه الوسائل التي كشفها الأدب الشكسبيري مقدمات لما سيكون عليه مستقبلاً سلوك هذه الشخصية في تحولها نحو السيطرة الاقتصادية ومن ثم السياسية.

إنَّ طبيعة المدن اليهودية التي كانت مركزاً لتجمع اليهود في أوروبا، كانت تتصف بمواصفات تدل على إشكالية هذه الشخصية وصيغتها النفسية التي كانت تحاول أن تبين عكسه. ففي مسرحية (تاجر البندقية)، كانت شخصية (شايلوك) تبين أنها في ظاهرها غنية تلعب على وتر المال والربا، ولكنها كانت في داخلها شخصية مرابية وفيها الكثير من الانتهازية، وهي أيضاً شخصية تعاني داخلياً من هذه النظرة التي أوجدتها هي كنوع من الدفاع. وفي الوقت نفسه، كانت المدينة اليهودية التي يجتمع فيها اليهود تعاني أيضاً من القضية ذاتها، أي من الخراب الداخلي، ولكنها كانت تحاط بأسوار وتنعزل عن الآخرين رغم بؤسها من الداخل.

وهذه الأحوال الداخلية للمدينة اليهودية في أوروبا يقدمها لنا الأديب اليهودي (شالوم عليخم) من خلال هذا التصور، إذ يعطينا مثالاً عن إحدى المدن اليهودية، وهي مدينة (كاسر يلفسكي)، التي يصورها بالآتي: "المدينة في حد ذاتها خليط من البيوت الخشبية التي تضاربت حول مكان السوق عند سفح التل... وكاسر يلفسكي مكتظة كاكتظاظ الأحياء القذرة، وهي في الحقيقة حي قذر.. شوارعه ملتوية كمناقشات التلمود، ملتوية على شكل علامة استفهام، وتخرج منها حوارٍ وأزقّة وزرائب خلفية. وأغنى اليهود فيها يمكن أن يكون في إحدى صور أربع: غني أو فقير أو بائع متجول أو صانع، والشتتل (*) عادة ما يكون مستقلاً أو منفصلاً حضارياً وعرفياً عن البيئة المحيطة به" (3). هذه الصفات تبين طبيعة هذه الشخصية حتى وهي في الداخل، وأهم ما يميزها هو الانفصال الحضاري عن المحيط الذي يعيش فيه اليهود في أوروبا وغيرها من المناطق.

لقد تميزت الشخصية اليهودية في أوروبا سابقاً بصفات ثابتة تدلل على أن النظرة إليها هي نظرة حقيقية وليست نظرة متخيلة، أو فيها جانب من التجني. فالأدب الشكسبيري في نص مسرحية (تاجر البندقية) اختار هذه الصفات للدلالة على حقيقتها وتطابقها مع الشخصية اليهودية؛ فهي شخصية تأتي في الدرجات الدنيا في أوروبا لأسباب جعلتها تقع في هذا المجال التصنيفي في البعد السوسيولوجي والتاريخي في هذه المنطقة التي كانت حاضرة العالم، والتي لا يسمح لغير الأوروبي أن يتصدر المشهد الحضاري، وخاصة فيما يتميز به هذا الأوروبي دينياً عن الشخصية اليهودية. ورغم قدم المجتمعات اليهودية في أوروبا، إلا أنها تتميز بالمجالات الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية عن الآخرين؛ لذا كان من السهولة أن يتميز الشخص اليهودي عن الأوروبي، وخاصة المسيحي، في القارة العجوز.

قدم (شكسبير) صفات عديدة توضح طبيعة هذه الشخصية، فعمل على صياغة بعض من هذه الملامح من خلال المشاهد التي تبرز كل صفة، بين الجشع والحقد والحسد ومحاولة استخدام الدين لتبرير أعماله في الحصول على المال والسيطرة على الآخرين ووضع شروط مذلّة عليهم. يسوق (شكسبير) صفة الحسد والحرص الشديد على المال في المنظر الثالث من خلال حوار (شايلوك) مع (بسانيو)، ويصور الحوار هذه الصفات على لسان (شايلوك) نفسه:

"شايلوك: لا، لا، لا، لا، ما عنيته بقولي إنه كفيل جيد، هو أن أُفهمك أنه موثوق به، ولكن أمواله موضع الحدس والتخمين. فله سفينة تيمم شطر (طرابلس)، وأخرى صوب (الهند)، وفضلاً عن ذلك علمت في (الريالتو) أن له سفينة ثالثة في مياه (المكسيك)، ورابعة تتجه صوب (إنجلترا) كما سمعت عن سفن أخرى له متفرقة في البحار" (4).

ويتناول (شكسبير) صفة الحرص الشديد على الأموال على لسان (شايلوك) الذي يصف أموال الكفيل بالطائلة وأن سفنه تملأ البحار، لكنه لا يعتقد بأنها تضمن له أمواله التي يريد أن يعطيها؛ لأن الحرص الشديد لديه يقدم أحداثاً يعتقد بأنها تقضي على أموال الكفيل في البحار، ويوضحها من خلال الحوار الآتي:

"شايلوك: ... بيد أن السفن ليست إلا خشباً، وما الملاحون إلا بشراً، وثمة جرذان في البر وجرذان في البحر، ولصوص البر ولصوص البحر، وأعني بهؤلاء القراصنة" (5).

ويعتقد (شايلوك) أن هذه الأحداث قد تطيح بأموال الكفيل، وهذا ما يوضح حرصه الشديد على الأموال. كما يتناول (شكسبير) صفات أخرى تعبر عن طبيعة تلك الفترة، ومنها صفة انعدام المشاعر والحقد والكراهية الدينية التي يتبناها اليهودي ضد الديانة الأخرى في أوروبا وعدم احترامه لخصوصية الآخر الدينية، ويسوق هذه الصفة أيضاً في الحوار الآتي:

"شايلوك: نعم، لأشم رائحة الخنزير، ولأطعم من اللحم الذي جعله نبيكم الناصري للشيطان سكناً؟ لا.. إني أشتري منكم وأبيع لكم وأتحدث معكم، وأسير معكم، بيد أني لن آكل معكم أو أشرب أو أصلي معكم" (6).

هذه الصفة تجعل من الشخصية اليهودية قليلة الاحترام للآخرين في تعاملها معهم. ينتقل بعدها لصفة مرتبطة باستخدام الدين من أجل الحصول على المال من خلال التعامل بالربا، وفي الحوار الذي يدور بين (شايلوك) و(أنطونيو) يحاول الأخير تبيان تزوير (شايلوك) لكلام الأنبياء من أجل الوصول إلى مآربه، وكما يوضحه (أنطونيو) في حواره:

"أنطونيو: لقد كانت هذه يا سيدي صفقة عقدها (يعقوب) نظير خدمته، وإنها لشيء فوق قواه هو، هيأتها له العناية الإلهية. أو هل ضربت هذا المثال لكي تقول إن الربا حق؟ (...) استمع إلى هذا القول يا (بسانيو): إن في وسع هذا الشيطان أن يستشهد بالكتاب المقدس تأييداً لمآربه. وإنَّ نفساً شريرة تسرد الشواهد المقدسة شبيهة بشرير ذي وجه مبتسم، أو كأنها تفاحة جميلة المنظر ولكن متعفنة في الصميم. ألا ما أجمل الطلاء الخارجي للزور والبهتان!" (7).

هذه النفس اليهودية الشريرة التي تستخدم كل شيء للوصول إلى مآربها، حتى التزوير وتغيير المعاني الدينية لجعل الربا حلالاً، تجعل صاحبها يتصف بالقبح الداخلي والأناقة الزائفة والكلام المعسول الذي يغلف الباطل بكلمات الحق. وهذه الصفات تجعل من الشخصية قاسية وفاقدة للرحمة، وهو ما يسوقه (شكسبير) في حوار (أنطونيو):

"أنطونيو: أرجوك أن تتذكر أنك تناقش اليهودي. إنه لأسهل عليك أن تتوجه إلى الشاطئ لتأمر ماء المحيط أن يخفض من ارتفاعه، أو في وسعك أن تسأل الذئب لمَ أبكى النعجة بافتراس صغيرها، بل وفي مقدورك أيضاً أن تمنع أشجار الصنوبر الجبلية من تحريك أغصانها العالية... إذا كان في وسعك أن تفعل كل شيء مهما صعب، فإن في وسعك تليين قلب اليهودي الذي لا نظير له في قسوته" (8).

ونلاحظ أن (شكسبير) على لسان (أنطونيو) لم يقل "شايلوك" بل جعل الصفة عامة لكل يهودي من خلال تكرار الكلمة. كما يسوق صفة انعدام الرحمة، وفي الحوار الآتي يحاول (بورشيا) طلبها من (شايلوك):

"بورشيا: إذن فمن واجب اليهودي أن يكون رحيماً. شايلوك: وما الذي يلزمني بذلك؟ قل لي. بورشيا: إن الرحمة لا يلزم بها الناس إلزاماً وإنما هي كالمطر الرقيق يهطل من السماء على ما تحته... شايلوك: لتقع تبعة أعمالي على أم رأسي! إنني متمسك بالقانون ومصر على توقيع العقوبة..." (9).

بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ الشخصية اليهودية التقليدية تتصف بصفات سلبية نابعة من ذاتها وتعاني في ذهنيتها من تصورات داخلية متمظهرة في سلوكها الخارجي، ومنها:

- عقدة التناقض بين الشعور بالاستعلاء والشعور بالدونية والاضطهاد.

- عقدة الانعزال عن البشر المتولدة من النظرتين معاً: الاستعلاء من جهة، والدونية في نظر الآخرين من جهة أخرى.

- تضخم الأنا من خلال التصورات المشتقة من بعض النصوص التي اعتبرت اليهود شعب الله المختار، والتي تعمقت فيما بعد من خلال ما تشكل في (التلمود) (*) اليهودي (10).

***

أ. د. محمد كريم الساعدي

........................

الهوامش:

1.  ينظر: المقدمة النثرية، وليم شكسبير: (تاجر البندقية)، تعريب: دائرة التعريب بالمركز الدولي للصحافة، جونيه: المركز الدولي للصحافة والنشر والتوزيع، ب.ت، ص 5، ص 16.

2.  كارل غوستاف يونغ: (التنقيب في أغوار النفس)، ترجمة: نهاد خياط، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1996، ص 11.

3.  الشتتل: كلمة ييديشية تعني (المدينة الصغيرة)، وهو تجمع سكاني يهودي تتراوح أعداده بين ألف وعشرين ألفاً، وكانت الحياة تتمحور فيه حول المعبد والسوق. المصدر: د. رشاد عبدالله الشامي: (الشخصية اليهودية الإسرائيلية والروح العدوانية)، الكويت: عالم المعرفة، 1986، ص 12-13.

4.  د. رشاد عبدالله الشامي: المصدر نفسه، ص 13.

5.  وليم شكسبير: المصدر نفسه، ص 37-38.

6.  المصدر نفسه، ص 38.

7.  المصدر نفسه، ص 38.

8.  المصدر نفسه، ص 40.

9.  المصدر نفسه، ص 102.

10. المصدر نفسه، ص 106-107.

11. التلمود: التراث الشفهي اليهودي الذي يضم اجتهادات الحاخامات في تفسير الدين. ينظر: د. رشاد عبدالله الشامي: المصدر السابق، ص 20-21.

12. ينظر: د. رشاد عبدالله الشامي: المصدر نفسه، ص 26-30.

بعد انحسار النصوص الأجنبية عن مسارح بغداد منذ فترة غير قصيرة، يعود المخرج (محمد حسين حبيب) إلى تناول نص مسرحية سبق وان قدمها قبل أربعين عاما في مهرجان منتدى المسرح / الدورة الثالثة 10- 20/ آذار 1986، وكنتُ مشاركا في المهرجان وحضرت العرض، انها مسرحية (أهمس في أذني السليمة) تأليف وليم هانلي، وعرضت في (منتدى المسرح) في شارع الرشيد، يومي الاثنين والثلاثاء ١٦- ١٧/ ٢/ ٢٠٢٦ الساعة السادسة مساء

تشارلي ينتظر ماكس، يأتي ماكس، يسأله تشارلي: هل جئت به؟ لا يعرف المتلقي ما الذي جاء به ماكس إلا في النصف الثاني من زمن العرض تقريبا، وليعرف أن العجوزين تشارلي وماكس يعيشان مأساة منذ أن وجدوا أنفسهم زائدين عن الوجود في الحياة، لذا طلب تشارلي من ماكس ان يقتله بالمسدس الذي جاء به ثم ينتحر. فكان المتلقي بانتظار اجابة السؤال: متى تنتهي حياتهم القاتمة وكيف ستتم عملية القتل والانتحار.

(أن المشردين والفقراء والساكنين في دور المسنين والذين يشعرون بأن لا ضرورة لهم، عليهم أن يبحثوا عن شيء لجعل حياتهم أكثر إشراقا.) هذا ما سعى المخرج إلى تبنيه وتقديمه للمتلقي بصورة جلية لا لبس ولا غموض فيها.2416 habib

تضامن الإخراج مع النص في زرع أحداث وانسيابية بناء الشخصيات مثل زرع شفرة المسدس والسعي للموت، وشفرة فاكهة الرمان والدافع للحياة، شفرة الكراسي وحركتها في مساحة الحلبة. وكانت البلاغة حاضرة في سلوك الشخصيات والحوار عندما تذوق (تشارلي) فاكهة الرمان لأول مرة في حياته، انه يعاني من الحرمان لدرجة انه لا يعرف فاكهة الرمان لا من حيث الطعم ولا حتى كيف تؤكل… وعندما يصر ماكس على قتل تشارلي ويشهر المسدس مرات عدة في وجهه، تشارلي يقول لماكس دعنا نعيش لنأكل رمانة اخرى. وكأن الرمانة تشكل حافر للحياة، وبارقة أمل لبداية جديدة.

سار الإيقاع إلى منتصف زمن العرض تقريبا برتابة ناتجة عن سببين: السبب الأول: تقديم المعلومات عن تاريخ الشخصيات والتعريف بأسمائهم (ماكس وتشارلي) وانهم يريدون العيش من اجل اي شيء ينتظرهم او مكان يأويهم او أحد يحبهم وليس في دار مسنين بائس، وأن (تشارلي) ضعيف النظر ومصاب بـداء (ألزهايمر). السمات المشتركة بينهما هي إنهما عجوزين، ضحايا ماض ملوث وقاسي. اكتشف ماكس ان امه امرأة زانية مع الكثيرين، وقد همس لابوه بذلك، ولكن الأب الطيب الذي يمتلك أذن سليمة واحدة، عجّز عن إيقاف زنا الام في المخزن، الذي وَلَدَ عقدة نفسية لدى (ماكس) جعلته مضربا عن الزواج، رغم حبه لان يكون لديه أولاد، لدرجة انه يخترع وجودهم ويدعي أنهم يكتبون له رسائل. أما تشارلي كان فقد يتعاطى المخدرات ويتسول.

لا يوجد صراع فعلي بين الشخصيات بقدر ما يكون الصراع (داخليا) مع ذواتهم ومع المسدس (فكرة الموت) الذي عمل المخرج على تشويق المتلقي زمنا طويلا حتى تم كشف المسدس والمراد فعله.

السبب الثاني: إشكالية المنظر أو موقع الأحداث التي كانت في المتنزه/ الحديقة العامة، بحسب وصف المؤلف، وما جاء في على لسان الشخصيتان في  الحوار، في حين كان المنظر الماثل أمام المتلقي هو حلبة مصارعة، وكانت بنية الشخصيات وأبعادها وسلوكها يتسم بالواقعية، وكانت قريبة من وجدان المتلقي إلى حد كبير، وأثارت التعاطف معها، ولكن بيئة الحدث (حلبة المصارعة) أخذت بعدا رمزيا وفتحت  العرض على تأويل غير متسق مع صورة الشخصيات الواقعية المرسومة بعناية فائقة، خصوصا مع حالة التقمص في إداء الشخصيات وعدم وجود صراع فعلي بين الشخصيتين، إذ أن الصراع كان مع حالة اليأس المسيطرة على الشخصيتين، وإذا ذهب التحليل الى أن (تشارلي وماكس) يعيشان في بيئة مصارعة، فهذا يتنافى مع الوصف الذي يقولونه في الحوار (حديقة عامة أو منتزه) وحالة الصداقة الجميلة بينهما.2417 habib

ورغم الحالة السوداوية للعرض، إلا أن روح الكوميديا كانت حاضرة في أداء الشخصيات والتي أظهرت تمكن الممثلين (أحمد عباس ومحمد حسين حبيب) من تقديم مختلف الحالات الشعورية والتماهي مع طبيعة الشخصيات غير المستقرة نفسيا.

يمكن تصنيف العرض ضمن نوع (الديودراما) القائمة على الحوار بامتياز، رغم وجود صوتين خارجيين اضافة إلى شخصيتي (تشارلي وماكس) إذ منح صوت المرأة (شذى سالم) والطفل (أحمد بشير) زخما عاطفيا للعرض وليس تصعيدا دراميا.

اكتفى مخرج الديودراما (محمد حسين حبيب) بالتأكيد على الصورة السمعية التي قدمت الفكرة بانسيابية وعمق، عبر إلقاء حوار اتسم بالوضوح التام واللغة العربية السليمة - مع الإشارة إلى ندرة وجود إداء مسرحي تتسم بهذه الصفة - وتناغمت الأصوات والإلقاء مع حركة الممثلين، ولم يذهب الإخراج كما جرت العادة في الكثير من العروض إلى التأكيد على الصورة البصرية أو ما يسمى بــ (سيادة المرئيات على المسموعات) حتى وإن لم تحتمل معطيات النص ذلك مما يخلق تشويشا على عملية التلقي. مع وجود لحظات كثيرة احتاجت إلى دعم الجو النفسي بالموسيقى والمؤثرات مثل: (ترقب: اظهار المسدس واشهاره) (مشاعر تشارلي تجاه حبيبته) وان رصد مثل هذه الحالات تحتاج أن يجلس المخرج أمام الممثلين في الصالة أكثر مما أن يكون المخرج ممثل على المسرح. إلا أن المخرج (محمد حسين حبيب) في تقديمه للعرض الثاني والثلاثين في مسيرته الاخراجية آثر أن يكون ممثلا ومخرجا لهذا العرض الذي حرك المشاعر وحفز الأفكار تجاه كبار السن بأسلوب ملؤه الجمال طوال خمس وخمسون دقيقة.

***

ا. د. حبيب ظاهر

قراءة في أزمة الذات في ادب نجيب محفوظ ومحمود المسعدي

مقدمة: لم يعد مفهوم الهزيمة في الأدب العربي الحديث محصورًا في دلالته السياسية أو العسكرية، بل اتّخذ أبعادًا أعمق، تمسّ بنية الوعي، وتكشف تصدّع العلاقة بين الذات والعالم. فالهزيمة، منذ منتصف القرن العشرين، غدت حالة وجودية مركّبة، يتداخل فيها التاريخي بالثقافي، والجماعي بالذاتي، ما جعل الأدب أحد أبرز الحقول التي استوعبت هذا التحوّل، لا بوصفه انعكاسًا مباشرًا للواقع، بل باعتباره فعلًا تأويليًا يعيد صياغة الخسارة في لغة، وصورة، وبنية سردية.

في هذا السياق، تبرز أعمال نجيب محفوظ ومحمود المسعدي بوصفها نماذج دالّة على تحوّل الهزيمة من حدث خارجي إلى أزمة داخلية. فمحفوظ، في الشحّاذ وسلسلة رواياته التأملية، ينقل الصراع إلى داخل الذات الحديثة، حيث يصبح الانكسار فقدانًا للمعنى قبل أن يكون سقوطًا سياسيًا. أما المسعدي، في السد وحدّث أبو هريرة قال…، فيؤسّس لخطاب أدبي فلسفي يرى الهزيمة قدرًا أنطولوجيًا للإنسان في صراعه مع المطلق، والطبيعة، والوجود.

تهدف هذه الدراسة إلى تحليل تمثّلات الهزيمة والانكسار في الأدب العربي الحديث، من خلال مقاربة نموذجين سرديين مختلفين في اللغة والسياق، متقاطعين في الجوهر: أزمة الذات، وقلق المعنى، واستحالة الاكتمال.

أولًا: الهزيمة بوصفها أزمة ذات في الأدب العربي الحديث

أسهمت التحوّلات السياسية والفكرية التي عرفها العالم العربي في تفكيك التصوّرات الكلاسيكية للذات، فبرز في الأدب نموذج الإنسان الممزّق بين وعيه النقدي وعجزه الوجودي. ولم تعد الهزيمة تُصوَّر بوصفها هزيمة جماعية فقط، بل كشرخ داخلي، يتجسّد في القلق، والضياع، والبحث العبثي عن المعنى.

هذا التحوّل يجعل من الذات مركزًا للسرد، ويحوّل الأدب إلى مختبر لفحص الهزيمة في مستوياتها النفسية والفكرية، وهو ما يتجلّى بوضوح في روايات نجيب محفوظ ومحمود المسعدي.

ثانيًا: نجيب محفوظ والهزيمة الداخلية للذات الحديثة

تُعدّ رواية الشحّاذ (1965) من أبرز النصوص التي عالجت الهزيمة بوصفها فراغًا وجوديًا. فالبطل، عمر الحمزاوي، ليس مهزومًا اجتماعيًا أو اقتصاديًا، بل مثقف ناجح، غير أنّه يعاني خواءً داخليًا، وفقدانًا للغرض، ما يجعله شحّاذًا للمعنى لا للحياة.

الهزيمة هنا ليست سقوطًا خارجيًا، بل عجز الذات عن التحقّق، وعن التوفيق بين الفكر والفعل. ويستمر هذا الهاجس في روايات محفوظ الأخرى مثل الطريق وثرثرة فوق النيل، حيث تتجلّى الهزيمة في صورة العبث، والانفصال عن الواقع، والانكفاء إلى اللامبالاة.

يعتمد محفوظ سردًا نفسيًا وتأمليًا، يجعل من الشخصية فضاءً لتجلّي الانكسار، ومن المدينة الحديثة مسرحًا للضياع، وبذلك تتحوّل الرواية إلى نقد عميق للوعي العربي الحديث، الذي امتلك المعرفة، لكنه فقد البوصلة.

ثالثًا: محمود المسعدي والهزيمة بوصفها قدرًا وجوديًا

على خلاف محفوظ، لا ينطلق محمود المسعدي من واقع اجتماعي مباشر، بل يؤسّس نصوصه على بعدٍ فلسفي وتجريدي. ففي السد، تتجلّى الهزيمة في صراع الإنسان مع الطبيعة، وفي وهم السيطرة على المصير. فالسدّ، بوصفه رمزًا، يتحوّل إلى تعبير عن طموح الإنسان المطلق، وعن حتمية سقوطه أمام قوانين الوجود.

أما في حدّث أبو هريرة قال…، فتتخذ الهزيمة شكل قلق وجودي عميق، حيث يعيش البطل صراعًا بين الجسد والروح، وبين الرغبة والمعرفة. هنا، لا تكون الهزيمة نتيجة حدث، بل نتيجة وعي الإنسان بمحدوديته، وباستحالة الإمساك بالحقيقة الكاملة.

لغة المسعدي المكثّفة، المشبعة بالبعد الفلسفي والتراثي، تجعل من الانكسار تجربة معرفية، لا مجرّد مأساة نفسية، وتمنح الهزيمة بُعدًا كونيًا يتجاوز السياق العربي المحلي.

رابعًا: من الانكسار إلى مساءلة المعنى

على الرغم من اختلاف السياق والأسلوب، يلتقي محفوظ والمسعدي في جعل الهزيمة مدخلًا لمساءلة المعنى. فالهزيمة، في نصوصهما، ليست نهاية، بل لحظة وعي حاد، تكشف زيف اليقينيات السابقة، وتضع الإنسان أمام أسئلته العارية.

وهكذا، يتحوّل الأدب من رصد للانكسار إلى فعل نقدي، يعيد التفكير في علاقة الإنسان بذاته وبالعالم، ويمنح الهزيمة وظيفة معرفية وجمالية في آن واحد.

الخاتمة

تبيّن هذه القراءة أنّ تمثّلات الهزيمة والانكسار في الأدب العربي الحديث تتجاوز بعدها التاريخي، لتغدو تعبيرًا عن أزمة وجودية عميقة. ففي روايات نجيب محفوظ، تتجلّى الهزيمة في فراغ الذات الحديثة، وعجزها عن التوفيق بين الوعي والفعل. أما عند محمود المسعدي، فتتخذ الهزيمة بعدًا أنطولوجيًا، يكشف حدود الإنسان في مواجهته للمطلق والوجود.

لقد أسهم هذا التناول في تحويل الأدب العربي الحديث إلى فضاء للتأمّل النقدي، لا في أسباب الهزيمة فحسب، بل في معناها الإنساني العميق. ومن ثمّ، يمكن القول إن الأدب، وإن كتب من موقع الانكسار، ظلّ قادرًا على إنتاج وعي جديد، يجعل من الهزيمة لحظة كشف، لا مجرّد سقوط.

***

مجيدة محمدي - تونس

........................

المراجع

نجيب محفوظ، الشحّاذ، دار الشروق، القاهرة.

نجيب محفوظ، ثرثرة فوق النيل، دار الشروق، القاهرة.

نجيب محفوظ، الطريق، دار الشروق، القاهرة.

محمود المسعدي، السد، الدار التونسية للنشر.

محمود المسعدي، حدّث أبو هريرة قال…، الدار التونسية للنشر.

فيصل درّاج، الرواية وتأويل التاريخ، المركز الثقافي العربي.

صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص، عالم المعرفة.

عبد الله العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة، المركز الثقافي العربي.

إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ترجمة: كمال أبو ديب

تتشكل قصص "كاتب الديوان" للكاتب والقص الجزائري خليل حشلاف من عناصر وموضوعات سردية تتوزع بين ضوابط القص وأدواته المعروفة من حوار ووصف وأحداث وشخصيات وموضوعات تنزاح عن طابعها المألوف في انتهاجها لنمط ينأى عن طابعها الشائع حيث يخترق سلطة تسيير ورسم الوقائع التي يتحكم القاص في تحديد مسارها، وسير مجرياتها، فضلا عن تضمين مدونة القص عناصر مختلفة من قبيل السؤال، والكتابة، والتحول عطفا على ما هو أسطوري غيبي، وأنسنة لكائنات كالذباب، والورود، والأشجار، في تقاطع مع أشخاص من صنف المجانين، وما طبع بعض سياقات السرد من نزعة وجودية بأبعاد عقدية غيبية.

وبما أن المجموعة صنفت ضمن القصص القصيرة فقد تضمنت عناصر القصة المعروفة من حوار خارجي حينا: " ـ ماذا ألم بالمدينة؟ / قال الأول: / ـ رجل طارئ / قال الثاني: / ـ حراسنا قبضوا على كاتب الديوان متلبسا بالخيانة " ص21، وداخلي أحيانا: " وهمست في خبيئتي: إن رحاب بيتي قد ضاقت... " ص39، ووصف: " كان خداها برتقاليتين ونهداها رمانتين وجسدها الأبيض قطعة لحم مضرمة في الزيت ومداواة بالعشب ومضمخة بالكوثر.. " ص9، وشخوص مثل الملك، وكاتب الديوان، وإبراهيم، وأحمد بن واوة (المجنون)، والكتبي، ومقداد، و(محمد ع)، وفي تكريس للطابع العجائبي داخل المجموعة تم توظيف الذبابة، والوردة في نسق منظومة الشخوص كما في نص " نوابض السريرالحديدي "، وما أضفاه عليهم الكاتب من أنسنة، بالإضافة إلى الأحداث التي تميز بعضها بخاصيات غرائبية. وهناك عناصر وردت ضمن ثنايا المجموعة ساهمت في خلخلة نمطية السرد، وتكسير إيقاع خطيته، مثل عنصر الكتابة كما نقرا في نص " ظمأ": " أأكتب ما لم يكتب؟ أأكتب وما أنا بكاتب؟ " ص15، في الصدع برغبة ضمنية، عبر السؤال، عن اجتراح فعل كتابة مختلفة مع نفي صفة الكاتب عن المتكلم، وهو ما يثبت في الآن ذاته ولعه بالكتابة وافتتانه بتضميخ بياض الورقة، وترجمة ما تعج به دواخله، وما يجول بذهنه على بياض الصفحة، بل نَهَجَ مسلكا مغايرا في وضع نهاية مختلفة يتركها، ويوكل أمرها لكاتب آخر: " بادهته حيرة في أن يكتب قصته بنهاية أخرى... ومضى يجرب ما تخيله، ويترك نهاية قصته لكاتب آخر... " ص18، وهو نهج مختلف عن المواضعات والضوابط المتبعة في كتابة القصة التي يملك الكاتب سلطة تحديد نهايتها دون تكليف غيره بذلك. وعنصر التحول الذي طال يد الراوي ليحولها إلى قطعة جليدية يتوسطها قلم كما جاء في قصة " نسر بلا أجنحة ": " وشعرت أن يدي استحالت إلى قطعة جليدية في وسطها قلم..." ص10، وتحول القصاصة التي هي عبارة عن كتلة صغيرة إلى بركة بعد أن رشحت وفاضت لتملأ الغرفة بماء عكر: " القصاصة كتلة مائية صغيرة، فاضت، تحولت إلى بركة، ساحت على الغرفة بماء عكر... " ص10، والجانب الأسطوري الذي تمثل في ولي الله الصالح، والذي يتردد على ضريحه كل من يرغب في النهل من حياض علمه وصلاحه: " يا ولي الله الصالح: ها قد جئتك أشد أزارك الأخضر، وأرش قبرك بعطر الفقراء الرخيص... أدعوك أن تعلمني سر علمك، وجوهر صلاحك... " ص 14، إلا أن الموقف ما يفتأ يتغير أمام عدم استجابة الولي المدفون بالقبر وتجاوبه مع طلب الزائر لضريحه: " هذا الصخر لا يجيب.. " ص14، إلا أن موقف الأم ظل ثابتا رهين عقيدة راسخة بقدرة ولي الله الصالح على الاستجابة لدعاء وطلب زائريه: " وأمي تداوم الزيارة وعندما نسام من بكائها نسألها الخروج، فتعود راضية البال مطمئنة.. " ص14، فتتأسس مفارقة قطباها الثقة والاعتقاد الراسخ بالولي، والانغماس في قراءة الكتب، والاهتمام بما هو ثقافي معرفي، وما ينجم عنه من غياب الاعتبار والتقدير لرجل الثقافة: " إن هذا الرجل مهيب وملهم في جذب الناس، فساسهم من حيث لا يعلمون، كان بيده شفاؤهم أو موتهم وها أنا الرجل المحاط بأرفف الكتب لا جمل ولا ناقة.. " ص14. وتضمنت قصص المجموعة كذلك مشاهد خبل وجنون في قصة " عسس الليل "، والتي تحكي عن شخص لم يتمدد على الأرض لمدة خمس سنوات، ولا يتناول الطعام لأيام كثيرة، وتصدر عنه همهمات مبهمة. تسكن عينيه حالة زوغان، ويرى وكأنه يتربص بشيء ما ويرصده، هيئته على قدر كبير من النتانة كما تصوره بعض مقاطع القصة: " إذ له إلى تلك الليلة خمس سنوات لم يضع جنبه على الأرض ويمكث أياما عديدة لا يأكل... كان يكثر من الهمهمات من الصباح حتى الغروب... ففي قعر عينيه تيهان لا حد له وكان وقوفه ركضا وراء شيء لا يحيد عنه، تراه وأرجله المفلطحة والأظافر التي تخشبت من الأوساخ، يعود وكأنه ظفر بشيء ما... " ص37، و الانتقال لمتابعة ظهور مجنون آخر هو أحمد بن واوة، إلا أن ما توقعه الراوي من حدوث خصام أو شجار بينهما لم يحصل: " إلى أن جاء أحمد بن واوة ـ مجنون مثله ـ... التقت عيناهما وظل يحدقان ببعضهما حتى إني انتظرت حدوث شيء تخيلت معركة بين المهبلين بالأيدي والعصي... " ص37، فانقطع الخيط الرابط بين أحمد بن واوة والراوي، وسار كل في طريقه ومن ثمة تم تعليق فصول الرواية: " أردت أن أقول له شيئا، أي شيء، لكنني وجدت فمي معلقا كأنه مخيطا بقفل، ورأيته يخالفني الطريق... شعرت وكأنني أريد أن أذهب وراءه، لكن رجلاي قادتني بعيدا إلى تذكرة قديمة... تمنيت لو أني أشاهد الرواية كاملة ويتم السماع التام." ص38. وقد كان حضور العنصر الغرائبي بارزا في ثنايا الأضمومة حيث يتم أنسنة الأشجار من خلال الإحساس بقدرتها على الكلام: " ساعتها شاهدت أشجارا ينظرن في استنكار وتعجب أن كل شجرة تقول: يا عبد الله تأدب مع الله... " 8. أو ما حدث للقاص مع الكتاب الذي حلق إلى أعلى وشرعت أوراقه في الانفجار: " أخرجت كتاب الجيب، وضغطت عليه بقوة، هويت بكل جسدي إلى الأرض، ارتفعت قليلا، وأثناء ذلك رميت الكتاب بعزم... ارتفع الكتاب إلى الأعلى وفجأة سمعت أوراقه النافرة محدثة انفجارا أو دويا... " ص14، في تصوير لمشهد سريالي عجيب. ولم تخل نصوص المجموعة كذلك من نفحة رومانسية نوعت في أساليبها التعبيرية لتكسير إيقاع السرد وخطيته كما في قصة " ظمأ ": " وكتفتح الوردة الندية تقرأ شفتاها كلمات القصيد ورحيق صوتها يدور في أفلاك الغرفة... " ص16، مستطردا: " كانت الشمس تترك تحياتها على السماء أشكالا وألوانا قزحية... " ص17، ماتحا من معجم رومانسي تختزله عناصر من صلب الطبيعة كالورد، والرحيق، والشمس، والألوان القزحية لتشكيل لوحة تنضح نضارة وبهاء. وكان السؤال أيضا، عبر امتداداته وتعالقاته، حاضرا في العديد من قصص المجموعة، ويبرز ذلك من أول نص " نسر بلا أجنحة ": " فالأسئلة نشرت خواطري في صحاري كلما توغلت فيها شعرت بضحالتها... " ص7، فتظل معلقة على أفق تحكمه المستجدات والصدف: " وظلت الأسئلة معلقة !. " ص9، لتمتد إلى مواضيع كالكتابة: " وسارق النار يسائل نفسه: أأكتب ما لم يكتب؟ أأكتب وما أنا بكاتب؟... " ص 15، بطرح استشكالات الكتابة، وما تنطلق منه من خلفيات، وما تستشرفه من أبعاد ومرامي نابعة من صلب كنهها وجوهرها. وتطرق كذلك للنزعة الوجودية ومدى علاقتها بموضوع الموت والحياة: " أليس في كل موت حياة، وفي حياة موت؟! " ص17، وما يوحدهما أو يفرقهما من مفارقات وتجاذبات. والطابع الرومانسي وصياغته على شكل سؤال: " هل أدلك على شيء يعطر الألوان بأجنحة الموسيقى؟ " ص27، داخل أشكال تعبيرية يؤثثها الحلم والخيال. والتشكيلي في استحضار للفنان العبقري فان غوغ: " من يرسم فان غوغ غيره؟ " ص27. وأيضا الجانب الغيبي في انفتاح على عالم الجن: " هل هو جن يريد أن يلعب معنا؟!" ص31، ككائن غيبي تنسج حوله حكايات غريبة. كما كانت هناك إشارات لما يعيشه المجتمع من أعطاب تدفع بفئة من أفراده إلى الارتماء في أحضان الرذائل والموبقات: " قررت أني ضحية مجتمع تعفنت أعرافه وأعراقه، هذا ما قد يبرر معاقرتي للخمر وممارسة الشهوات... " ص 8، وينتقل بعدها القاص إلى ما هو قومي عربي في تصوير لما يعيشه العراق من أوضاع قائمة على الفساد والقمع والاستغلال من طرف طغمة تكتم أنفاس الأفراد لتنفرد بالحكم والسلطة: " أبناءنا ببغداد تداءمت عليهم أذناب الغدر، والغفل منهم يتحدثون عن انتخابات تعددت فيها الأنهار، يا لحزن شعوبنا ما زالوا ينامون على أخبار موت أطفالهم وينهضون على صناديق تثقل كاهلهم بإذاعة رأيهم والرأي المخادع، فأصبحوا لا يحركون نأمة وكلما حاولوا نفض التراب، نجح الملوك إلى رميهم بقناة مسيلة للكرامة وقد جمح الجنرالات على ضعفائها كأنهم الناقة الجرباء.. " ص42، في كشف وفضح لما يعيشه المواطن العراقي من استبداد وتسلط من قبل الحكام الذين يعيثون الفساد، ويكرسون منطق الاستفراد، في تسيير شؤون البلاد والعباد.

ف " كاتب الديوان " قصص تجمع بين أدوات القصة الأساسية متوسلة بمواضيع وعناصر في تجريب ُمخْتلِف لشكل سردي يروم التجديد والتغيير بما يفتحه من آفاق مغايرة لطرائق قراءة تتغيا الاكتشاف والاستشراف.

***

عبد النبي بزاز

.......................

* كاتب الديوان (قصص) خليل حشلاف، إصدار طوى للثقافة والنشر والإعلام ـ لندن 2012.

 

ليس النقد الأدبي فعلاً تابعاً للنص، ولا وظيفةً شارحةً لما استغلق من عباراته، بل هو ـ في جوهره العميق ـ إعادةُ خلقٍ معرفيٍّ للنص داخل أفقٍ أوسع من لغته الظاهرة. فالناقد الحقّ لا يقف عند حدود التذوّق أو الانطباع، بل يمتلك عبقرية التركيب اللغوي التي تمكّنه من تحويل القراءة إلى فعلٍ تأويليٍّ مركّب، يجمع بين الحسّ اللغوي والبصيرة الفلسفية، وبين علم الدلالة وسياقات الاجتماع والثقافة.

إن اللغة ليست مادّةً محايدة؛ إنها نظامُ علاقاتٍ وتاريخُ وعيٍ متراكم. ومن هنا كان على الناقد أن يمتلك قدرةً فائقة على افتِحاص النص المنقود؛ أي تفكيك طبقاته الصوتية والتركيبية والدلالية، والانتقال من ظاهر القول إلى باطنه، ومن العلامة إلى مقصدها، ومن الأسلوب إلى بنيته المعرفية. فالنص الأدبي لا يُقرأ في مفرداته، بل في توتّراته الداخلية، وفي صمته بقدر ما يُقرأ في نطقه.

وقد أدرك البلاغيون العرب هذه الحقيقة مبكراً حين ربطوا المعنى بالنظم، فأسّسوا لنقدٍ لغويٍّ عميق بلغ ذروته عند عبد القاهر الجرجاني الذي رأى أن جمال النص لا يكمن في المفردات منفردة، بل في العلاقات التي تنتظمها داخل السياق. فالنظم عنده ليس ترتيباً لفظياً فحسب، بل هندسة عقلية تتجاور فيها الدلالة والنحو والبلاغة. وهنا تتجلّى عبقرية الناقد: أن يرى العلاقات الخفية التي لا يراها القارئ العابر.

غير أنّ النقد الحديث لم يقف عند حدود البلاغة؛ إذ توسّع ليصبح مجالاً تلتقي فيه أطراف العلوم والفلسفة. فالناقد المعاصر مطالب بأن يجمع ما أخذ من علوم الإنسان المختلفة تأثّراً وتأثيراً وتجاذباً وإمداداً واستمداداً؛ من اللسانيات إلى علم النفس، ومن التاريخ إلى الأنثروبولوجيا. وقد أسهمت البنيوية وما بعدها في توسيع هذا الأفق، حين تعاملت مع النص بوصفه شبكةً من العلامات لا مرآةً للواقع فحسب، كما نجد عند

رولان بارت الذي نقل مركز الثقل من المؤلف إلى اللغة ذاتها، وجعل القراءة فعلاً إنتاجياً لا استهلاكياً.

لكن هذا الاتساع المعرفي لا يستقيم دون الاستناد إلى علم الكلام بوصفه علماً كلياً أكبر؛ إذ إن جوهره قائم على الجدل العقلي وبناء الحجّة وتحليل المفاهيم الكلّية. فالكلاميون لم يناقشوا النصوص الدينية وحدها، بل أسّسوا لمنهجٍ في النظر يقوم على مساءلة المعنى وإقامة البرهان وموازنة الظاهر بالباطن. ومن هنا يتأثّر علم المقاصد بهذا المنهج تأثيراً عميقاً؛ إذ ينتقل من الجزئي إلى الكلي، ومن الفرع إلى الأصل.

وعلم المقاصد ـ في بعده المعرفي ـ لا يقتصر على التشريع، بل يمكن توظيفه نقدياً لفهم النص الأدبي؛ لأنه يبحث عن الغاية الكامنة وراء البنية. فالناقد حين يتتبّع مشاوير النص إنما يسأل: إلى أي أفقٍ يتجه المعنى؟ وما الذي يريد النص قوله عبر ما لا يقوله صراحة؟ وهنا يتكامل الباطني والظاهر، إذ يصبح الأسلوب جسراً بين المقصد الخفي والبنية المعلنة.

وقد مارس بعض النقاد العرب هذا الوعي المركّب، كما عند طه حسين الذي جعل النقد بحثاً في التاريخ الاجتماعي للعقل العربي، لا مجرد تقويمٍ للأساليب. فالنص عنده ابنُ بيئته، واللغة انعكاس لتحوّل المجتمع. وكذلك نجد في النقد الفلسفي الغربي أثراً واضحاً لتحليل الخطاب بوصفه ممارسة سلطة ومعرفة، كما بيّن ميشيل فوكالت حين ربط اللغة بأنظمة التفكير التي تنتجها المؤسسات والثقافات.

وإذا عدنا إلى الجذور الأولى للنقد، وجدنا أن الفلسفة نفسها قد وضعت أسسه حين جعلت المحاكاة والتمثيل أساس الحكم الجمالي، كما في تنظير أرسطو الذي نظر إلى الأدب باعتباره بنيةً ذات قوانين داخلية يمكن تحليلها عقلياً. ومنذ ذلك الحين، ظلّ النقد يتحرك بين قطبين: قطب الجمال وقطب الحقيقة.

أما المذاهب النقدية، على اختلافها، فهي محاولات للإجابة عن سؤال واحد: أين يقيم المعنى؟ فالواقعية تبحث عنه في المجتمع، والرومانسية في الذات، والبنيوية في اللغة، والتفكيكية في الاختلاف والانزياح. غير أن الناقد المتمكّن لا يستعبد نفسه لمذهبٍ واحد؛ بل يجعل المذاهب أدواتٍ لا قيوداً، يستنطق بها النص وفق مقتضى حاله.

ومن هنا تبرز ضرورة حثّ الأديب على تتبّع حالة الازدهار اللغوي وبنيانه؛ لأن اللغة كائنٌ اجتماعيٌّ حيّ، لا زخرفٌ معزول. فالكاتب الذي لا يفهم بنية ثقافة المجتمع الذي يعيش فيه يكتب خارج الزمن، ويصنع نصوصاً بلا جذور. غير أنّ هذا الفهم لا يعني الوقوع في أسر العامية أو الابتذال، كما لا يبرّر الانزلاق إلى لغةٍ مقعّرة متكلّفة أو محدّبة متعالية على القارئ؛ لأن البلاغة الحقيقية هي اقتصاد التعبير لا تضخّمه، وشفافية المعنى لا غموضه المصطنع.

إن الناقد ـ في نهاية المطاف ـ هو مهندسُ المعنى؛ يجمع بين عقل المتكلّم، وبصيرة المقاصدي، وحسّ اللغوي، وجرأة الفيلسوف. فإذا امتلك عبقرية التركيب، صار النقد ضرباً من الحكمة العملية؛ يضيء النص، ويكشف المجتمع، ويعيد إلى اللغة قدرتها الأولى: أن تكون بيتاً للفكر لا متحفاً للألفاظ.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في تَقَدُّمِ المذكَّرِ وتأخُّرِ المؤنَّث بين العلامةِ والدلالة

لم يكن النحاةُ العربُ الأوائلُ يُقيمون أحكامَهم على المصـادفة أو على أذواقٍ لغويةٍ عابرة، بل كانوا يستنطقون البنية العميقة للسان العربي، باحثين عن قوانينه الخفيّة التي تُنظّم العلاقة بين اللفظ والمعنى، وبين الصورة الصوتية والوظيفة الدلالية. ومن هنا جاء قولهم إنَّ المذكَّرَ مُقدَّمٌ على المؤنَّث؛ لا من باب المفاضلة القيمية أو الاجتماعية كما قد يتوهّم قارئ العصر، بل من باب البناء الصرفي والمنطق اللغوي الذي يقوم على فكرة الأصل والفرع.

فاللغة — في نظرهم — اقتصادٌ في العلامة، وميلٌ دائمٌ إلى الأخفّ والأبسط. وما لا يحتاج إلى علامةٍ فهو أقرب إلى الأصل؛ لأن الأصل سابقٌ في الوجود الذهني، سابقٌ في التداول، وسابقٌ في الاستعمال. ولذلك لم يحتج المذكَّر في العربية إلى علامةٍ تُعرِّفه؛ إذ يكفي اللفظ في صورته المجرّدة ليؤدّي معناه، بينما احتاج التأنيث إلى قرينةٍ ظاهرةٍ تُخرجه من حياد الأصل إلى خصوص الفرع، فجاءت التاء المربوطة، والألف المقصورة، والألف الممدودة، وغيرها من العلامات الدالة على التحوّل البنيوي.

إنَّ العلامة في التصوّر النحوي العربي ليست زينةً صوتية، بل أثرٌ دلاليٌّ يدل على انتقالٍ من حالةٍ إلى أخرى. فإذا كان التذكير هو الصيغة الخالية من العلامة، فإن التأنيث يُعدّ إضافةً بنيوية تستدعي دليلاً لفظياً، تماماً كما تحتاج الفروع في الشجرة إلى امتداداتٍ جديدة، بينما يبقى الجذر كامناً بأنسجته الأولى.

وقد عبّر إمام الصناعة النحوية سيبويه عن هذا المنهج بوضوح حين قرّر أنَّ الأصل في الأشياء النكرة، ثم يطرأ التعريف بعد ذلك. وهذه الفكرة ليست مسألة نحوية جزئية، بل رؤية معرفية كاملة؛ فالنكرة تمثّل الانفتاح والإمكان، بينما التعريف يقيّد المعنى ويخصّصه. وكأن اللغة تبدأ من العموم لتبلغ الخصوص، ومن الإطلاق لتصل إلى التعيين.

وقد بسط هذا التصور في مصنّفه العظيم الكتاب حين جعل القواعد اللغوية قائمة على مبدأ الحركة من الأبسط إلى الأعقد، ومن الخالي من العلامة إلى الموسوم بها. فكما أن النكرة أصلٌ والتعريف فرع، كذلك التذكير أصلٌ والتأنيث فرع من جهة البنية الصرفية.

غير أن هذا الحكم لا يعني أن التأنيث أقلّ حضوراً في الدلالة أو أضعف قدرةً في التعبير؛ فاللغة العربية نفسها تؤنّث أعظم المعاني: الأرض، والحياة، والروح، والشمس، واللغة ذاتها. وهذا يكشف أن مفهوم الأصل والفرع عند النحاة مفهومٌ شكليٌّ بنيويّ لا تقويميٌّ قيميّ. إنّه حكمٌ في الاقتصاد الصرفي لا في منزلة المعنى.

فاللغة — كما فهمها القدماء — تميل إلى الحذف ما استطاعت، وتستبقي العلامة حين تقتضي الحاجة تمييزاً أو رفعاً للّبس. ومن هنا كان التأنيث محتاجاً إلى إشارةٍ صوتيةٍ لأن المتكلّم يريد أن يعلن انتقال الاسم من حياد الأصل إلى خصوص الصفة. إن العلامة إذن إعلانٌ لغويّ عن اختلافٍ مقصود.

ولعلّ عبقرية العربية تظهر في أنها لا تجعل الأصل جامداً، بل قابلاً للتحوّل. فالمذكّر قد يُؤنّث مجازاً، والمؤنّث قد يُعامل معاملة المذكّر في بعض الاستعمالات، مما يدل على أن اللغة ليست قانوناً ميكانيكياً، بل نظاماً حيّاً يوازن بين القياس والسماع، وبين المنطق والاستعمال.

إن فكرة الأصل والفرع التي صاغها سيبويه لم تكن مجرد تنظير نحوي، بل محاولة لفهم كيف يفكّر الإنسان باللغة: يبدأ من المجرّد قبل المحدّد، ومن العام قبل الخاص، ومن الصمت قبل العلامة. وهكذا يصبح التذكير والتأنيث مثالاً على فلسفةٍ أعمق في العربية؛ فلسفة ترى أن العلامة ليست إلا أثراً للمعنى حين يريد أن يُعلن اختلافه.

فاللغة في نهاية المطاف لا تُقدّم المذكّر لأنه أقوى، ولا تؤخّر المؤنّث لأنه أضعف، بل لأنها تسير وفق قانونٍ داخليٍّ قوامه: أن ما استقرّ في الأصل استغنى عن العلامة، وما خرج عنه احتاج إلى دليلٍ يدلّ عليه. وفي هذا تكمن دقّة العقل اللغوي العربي الذي لم يفصل بين الاقتصاد الصوتي والوعي الدلالي، فجعل من النحو علماً لفهم التفكير قبل أن يكون علماً لضبط الإعراب.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

جاءت تسمية فترة (نارا) (710 – 794 م) نسبة إلى مدينة (نارا) التي كانت   أول عاصمة دائمة لليابان، وبتصميم شبكي متميز وأبنية إدارية فخمة وقصر إمبراطوري على غرار المدن الصينية الكبيرة، مثل لويانغ وتشانغآن (مدينة السلام) عاصمة أسرة (تانغ) التي أتخذت نموذجا لبناء هذه العاصمة. وتعتبر حقبة مهمة في تاريخ البلاد، وينظر إليها على انها فترة النفوذ الصيني البين، لتأثر ثقافتها به بشدة من حيث الفنون والأزياء والتصميم الحضري والدين حيث أصبحت البوذية دينا للدولة والأدب الذي انتقل من كونه تراثا شفويا إلى فن مدون تحت وطأة التأثير الصيني، فتم بذلك إرساء دعائم الأدب الياباني الكلاسيكي.

و جرى التركيز خلال هذه الفترة على التدوين التاريخي والديني بهدف توثيق التاريخ الأسطوري والنسبي للحكم الإمبراطوري الذي يعود إلى سنة 660 ميلادية عندما أسس الإمبراطور الإنسي الأول (جينمو) حفيد إلهة الشمس (أماتيراسو) هذه السلالة وفقا للأسطورة، مع تقصي أصول الشعب الياباني العريق. فشهد ولادة ال (كوجيكي – وقائع الأشياء القديمة) أقدم سجل تاريخي وأسطوري عام (712 م) المكتوب بلغة صينية كلاسيكية ممزوجة باللغة اليابانية القديمة، وهو بمثابة السجل التاريخي الذي جمعت فيه مختلف الأساطير اليابانية وأنواع الموسيقى والأغنيات الشعبية المنتشرة في كافة أنحاء البلاد، ومن أشكالها (شوميو، غاغاكو، كاجورا، دينغاكو). وأيضا كتاب (نيهون شوكي – سجلات اليابان) (720 م) الذي هو بمثابة سجل تاريخي مستفيض كتب باللغة الصينية الكلاسيكية ويعتبر ثاني أقدم كتب معروفة في التاريخ الياباني بعد ال (كوجيكي)، مع تجميع أول مختارات شعرية بالغة الأهمية في كتاب (مان يوشو – مجموعة العشرة آلاف ورقة أو مجموعة الأوراق الكثيرة) (حوالي 759 م) التي تمثل أقدم كتاب شعري ياباني صمد أمام اختبار الزمن، وأعظم مجموعة شعرية تعود لتلك الفترة، وتمثل بذلك جوهر الثقافة اليابانية المبكرة، مظهرة على نحو جلي التأثيرات المحلية والصينية على حد سواء، وهي مكتوبة بنظام كتابة معقد قديم معروف باسم (مانيوغانا)، حيث أستخدمت الحروف الصينية لتمثل الأصوات اليابانية، ليصار بعدها إلى تطوير هذا النظام إلى الشكل المبكر من الأبجدية الصوتية (كانا).

و قد أرست هذه الأعمال على نحو راسخ وموفق الأساس للديانة الشنتوية الأصلية والهوية الوطنية لليابان، ولفترة (هييآن) الذهبية اللاحقة (794 – 1185 م) (1) التي تميزت بالتطور الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، مع صعود وبروز دور المرأة خلالها، وتطور شعر التانكا النسوي الياباني، ومن رائداتها (أونو نو كوماتشي، إيزومي شيكيبو، كوشيكيبو نو نايشي، إيسي نو مياسودورو، موراساكي شيكيبو، وشيكيشي) وغيرهن كثيرات.

و من أبرز شاعرات فترة (نارا) (أوتومو نو ساكانو نو إيراتسومي) (نحو 695 / 700 – 750 م). كانت سيدة نبيلة وشاعرة تانكا غزيرة الإنتاج من منتصف هذه الفترة. والدها (أوتومو نو ياسومارو) وامها (إيشيكاوا نو إيراتسومي). عرفت أيضا باسم (السيدة أوتومو من ساكانو)، أما كلمة (إيراتسومي) فتعني (الابنة الحبيبة، العذراء، السيدة الشابة). تزوجت أولا من الأمير (هوزومي) ابن الإمبراطور (تينمو) ((631 – 686) الذي توفي عام 715 لتتزوج بعدها من (فوجيوارا نو فوهيتو) (659 – 720) ثم من (أوتومو نو سوكونامارو).

لها (84) قصيدة موزعة بين سيدوكا وتشوكا وتانكا (من أشكال الواكا بالاضافة إلى كاتاوكا وبوسوكوسيكيكا) مدرجة في مختارات (مان يوشو) التي تعتبر أول مختارات رئيسية للشعر الياباني الكلاسيكي، وتقع في (20) مجلدا، وتضم (4516) قصيدة في مواضيع عدة (مرثية – بانكا، حب – سومونكا، متنوعة – زوكا). وهي بذلك أبرز شاعرة أنثى وردت أعمالها في هذه المختارات. قصائدها موجهة إلى بناتها وزوجها وحبيبها. وقد ترجمت لعدة لغات مثل الإنكليزية والفيتنامية والألمانية والعربية. ومن شعرها (مترجم عن الإنكليزية):

(1)

لكم هو مضطرب فؤادي

الذي يحاصره الشوق

فيصبح كالقارب المتأرجح

تخور قواي كلما تقدمت بي السن

و يغلب علي الوهن

***

(2)

يصعد المد

ليغمر الشاطىء الصخري

جالبا معه الأعشاب البحرية

التي نادرا ما تشاهد

و هي مطلوبة كثيرا

***

(3)

بينما أنظر

من خلال الحقل المؤدي إلى تاكيتا (2)

أسمع دوما

النداء الدائم لطيور الكركي

كذلك هو شوقي إليك (3)

***

(4)

لقد أودعت جوهرتي (4)

لدى أمين

الجواهر

و ليس لدينا يا وسادتي

إلا أن ننام معا

***

(5)

إن شتلة البرتقال

التي زرعناها في جنينتنا

تخليدا لحبنا

كان جديرا بها

رغم ندمنا على فعل ذلك

أما (غينمي تيمو) (660 / 661 – 721 م): فهي (أونونوسارا، أونونوساسارا)، شاعرة واكا يابانية من فترة نارا والإمبراطورة ال (43) لليابان حسب ترتيب الخلافة، اعتلت العرش سنة 687 ميلادية وحكمت لمدة (11) عاما، وهي ابنة الإمبراطور (تنجي تينو)(626 – 672) وأمها (أوتشي نو إيراتسومي). يشك في تفاصيل حياتها ويعتقد بأن معظمها أسطوري.

شجعت الشعراء والكتاب ورعت عدة مشاريع ثقافية ومنها كتاب (كوجيكي). كما أصدرت مرسوما ووجهت الإدارات في كافة أنحاء البلاد في عام 713 لجمع الأساطير المحلية والتقاليد الشفوية والمعلومات عن التربة والطقس والمنتجات الزراعية والصناعية المحلية المتميزة وأسماء الجبال والأنهار والسهول والخصائص الحيوانية والجيولوجية وغيرها في معاجم. لها ضريح شينتو تذكاري في نارا (ميساساغي). ومن قصائدها (مترجمة عن الإنكليزية):

تطير مرتحلة

طيورعزبة أسوكا (5)

فيتوارى مسكن راحة

سيدي

هذا ما أعتقده (6)

وهناك الشاعرة (أواتا نو جو) المعروفة بالأميرة (أواتا) (؟ - 764). لها قصيدة مدرجة في (مانيوشو).

و الشاعرة (هيجوري أوجي نو إيراتسومي) وكانت سيدة نبيلة من عشيرة مرموقة وذات نفوذ، ولا يعرف الكثير عن سيرتها الذاتية لقلة المصادر الموثوقة بهذا الجانب. لها (12) قصيدة مدرجة في المجلد (17) من (مانيوشو) بالتسلسلات (3931 – 3942)، وكانت مرسلة أساسا وعلى نحو متقطع إلى (أوتومو نو ياكاموتشي) لما كان حاكما لمقاطعة (إيتشو) لهذا الغرض. ومن هذه القصائد (مترجمة عن الإنكليزية):

ما من طريقة للتفكير بخصوصك

على وسادة من العشب

متى سترجع من رحلاتك

في أي يوم وأي شهر ؟

كل شيء يبدو غامضا ومحزنا

أما الشاعرة (ناكاتومي نو إيراتسومي) فكانت سيدة نبيلة من عشيرة (ناكاتومي – أوجي) المعروفة التي كانت تشرف على طقوس واحتفالات الشنتو في تلك الفترة، وقد تطورت لاحقا إلى عشيرة (فوجيوارا). تفاصيل حياتها قليلة أيضا، ويعزى ذلك لقلة السجلات التاريخية المتعلقة بالنساء آنذاك، ونظرا للطبيعة الأبوية للسجلات الرسمية، عاشت على الأكثر في (هيجيو – كيو) (نارا حاليا)، ولا يعرف تاريخ ولادتها أو وفاتها على نحو دقيق. لها خمس قصائد مدرجة في المجلد الرابع من (مانيوشو) وبالتسلسلات (675 – 679). ومن قصائدها (مترجمة عن الإنكليزية):

أحبك

بعمق الغور الصخري

للمحيط السحيق

سأحرص على زيارتك

إلى آخر الدهر

أما (كاسا نو إيراتسومي) فهي شاعرة تانكا يابانية بارزة من فترة (نارا) أيضا، ولا يعرف تاريخ ميلادها ووفاتها، ولا اسمها الحقيقي، ولكنها عرفت أيضا ب (السيدة كاسا). عاشت من بين عدة نساء حول السياسي والشاعر المعروف (أوتومو نو ياكاموتشي) (718 – 785) الذي عرف بعلاقاته النسائية العديدة، ودخلت معه في علاقة غرامية لم تدم. لها (29) قصيدة متبقية مدرجة في المختارات الشعرية المسماة (مانيوشو)، وهي قصائد وجهتها الشاعرة إلى اللورد (أوتومو). وقد تم الاشارة إليها في هذه المختارات باسم (أوشيكا) ابنة (كي نو شيكاهيتو) وزوجة (آكي نو أوكيمي). ألهمت شاعرات بعدها مثل (إيزومي شيكيبو) (976 – 1030) و(أونو نو كوماتشي) (حوالي 825 – 900). وردت قصائد لها في كتاب (شاعرات اليابان) للشاعر والمترجم والكاتب الأمريكي (كينيث ريكسروث) (1905 – 1982) والكاتبة والمترجمة اليابانية (إيكوكو أتسومي) الصادر عن دار نشر نيو دايريكشنس 2014. ومن شعرها (مترجم عن الإنكليزية):

(1)

في وحشة قلبي

أظنني على وشك الهلاك

كقطرة ندى باهتة

على عشب جنينتي المظللة

عند شروق الشمس

***

(2)

عندما يغشى الليل

يغمرني الحزن

فيتراءى لي شبحه

كأنه ينطق بالكلمات

التي كان يلفظ بها فيما مضى

***

(3)

أنتظرك مثل الحمامة البيضاء

التي تتنقل بين الصنوبرات

في توبا المحضنة بالجبال (7)

هل وقعت في حبائل هواك

على مدى هذه الأشهر الكثيرة ؟

***

(4)

تتحطم الأمواج

على المنحدرات الصخرية

لخليج إيسي (8)

و لذلك أخشى على سلامة

من أهواه

كما شهدت هذه الفترة المهمة من تاريخ اليابان ظهور العديد من الشعراء الذكور الكبار الذين هيمنوا على المشهد الشعري آنذاك، وتركوا بصمة لا تمحى في تاريخ الشعر الياباني، ومنهم: يامابي نو أكاهيتو (700 – 736) الذي وصف المناظر الطبيعية على نحو آسر ودقيق ، والسياسي والشاعر أوتومو نو ياكاموتشي (718 – 785) الذي يعتقد بأنه أول جامع مختارات شعرية ظهرت في التاريخ الياباني، ويامانوي نو أوكورا (660 – 733 ؟) الذي تناول في قصائده شؤون الطبقة الكادحة في المجتمع وأولئك الذين تصدوا للمحن وتكبدوا المعاناة ، والعالم والدبلوماسي والشاعر آبي نو ناكامارو (698 – 770) الذي يعكس شعره مزيجا فريدا من التأثيرات اليابانية والصينية في آن واحد ويعرف بتأملاته للطبيعة على نحو شيق، وأومي نو ميفوني (722 – 785)، وأسادا نو ياسو، وأونوشي نو تاموري، وتاكاهاشي نو موشيمارو المشهور بقصائد السفر والأساطير المحلية والحكايات الشعبية، و كادوبي نو إيواتاري، وأونو نو كونيكاتا، وإيغيو، وأوتومو نو تابيتو (665 – 731) الذي كتب شعر التشوكا بأسلوب غنائي أنيق، وسايكي نو أكامارو. ومن هؤلاء الشعراء أيضا: آبي نو كوجي، أسانو نو كاتوري (774 – 843)، فوجيوارا نو هاماناري (724 – 790)، هانيشي نو ميميتشي (هانيشي نو شيبيمارو)، كي نو إيراتسومي، ميبو نو أودامورو، سايكي نو أكامارو، شيكونو ميكو (؟ - 716).

***

بنيامين يوخنا دانيال

..............................

(1) – ينظر: دراستنا بعنوان (شعر التانكا النسوي الياباني خلال فترة هييآن: مقدمة قصيرة ونماذج)، صحيفة المثقف، عدد يوم 5 شباط / فبراير 2026.

(2) - تاكيتا: بلدة قليلة السكان، تقع حاليا في (أويتا). تزخر بالكثير من ينابيع المياه الطبيعية المعروفة منذ القدم ومنها تلك المستثمرة في السياحة والفندقة حاليا.

. قصيدة وجهتها الشاعرة إلى ابنتها الكبرى العذراء لما كانت في (تاكيتا)  (3) -

(4) - يعتقد بأن المقصود بالجوهرة هنا هو ابنتها التي أودعتها برعاية زوجها في نارا عند سفرها مضطرة لزيارة شقيقها.

(5) - أسوكا: العاصمة الإمبراطورية لليابان خلال فترة أسوكا. تزخر بالعديد من المعابد البوذية والآثار القديمة والمقابر الكبرى. شهدت الكثير من التحولات وعلى مختلف الأصعدة.

(6) - كتبتها عام 711 م عند الانتقال من قصر فوجيوارا إلى نارا. أما قصر فوجيوارا فيمثل بقايا أول عاصمة إمبراطورية مخططة بالكامل (فوجيوارا كيو)، وكان أول قصر إمبراطوري يمتلك سقفا من البلاط الطيني، وقد لعب دورا مهما في تخطيط العواصم اللاحقة مثل (هيجو – كيو) و(هيان كيو).

(7) - توبا: مدينة تابعة لمحافظة (ميه). تشتهر بمناظرها الطبيعية الخلابة وتراثها الثقافي الغني.

(8) - خليج إيسي: خليج واقع عند مصب أنهار (كيسو) في محافظة (ميه). وهو جزء من منطقة (إيسي – شيما) المعروفة بتنوعها البيئي واحتضانها أضرحة إيسي المقدسة.

- المصادر والمراجع:

1 - Hiroaki Sato، Japanese Women Poets. https: // thehaikufoundation. org

2 - History of Japanese Poetry. https: // fr.scribd.com

3 - History of Japan’s Literature: Nara Period. www.https: // scribd. com

4 - On Japanese literature of the Nara Period. https: // geniusjournales. org

5 - Otomo no Sakanoue no Iratsume. www. scilit. com

6 - Paula Doe، A Warbler’s Song in the Dusk، University California Press 1982

7 - Robert H. Brower & Earl Miner، Japanese Court Poetry، Stanford University Press 1961.

8 - Robert H. Brower & Earl Miner، Formative Elements in the Japanese Poetic Tradition. The Journal of Asian Studies. Vol. 16، No. 4 (Aug.، 1957).

9 - Sonia Coman، Nara period، an introduction. https: // smarthistory. org

في سؤال الفارق بين أدب المرأة وأدب الرجل

ليس أخطر على الأدب من الأحكام الجاهزة، ولا أخصب له من الأسئلة التي تُحرّره من التعميم. ومن بين هذه الأسئلة: هل يصحّ القول إن «أدب المرأة بؤرة أحاسيس، وأدب الرجل إعادة بناءٍ للعالم»؟ أهو توصيفٌ جماليٌّ لطبيعةٍ أسلوبية، أم هو امتدادٌ لثنائيةٍ ثقافيةٍ قديمة قسّمت الوجود بين العاطفة والعقل، الداخل والخارج، الخاص والعام؟

إنّ هذه العبارة، على كثافتها، تختزن تاريخاً طويلاً من التصوّرات عن الجندر والكتابة. غير أنّ النقد الحديث، منذ سيمون دو بوفوار،الفيلسوفة والكاتبة والمفكّرة الفرنسية الني قرّرت في كتابها «الجنس الآخر» أنّ «المرأة لا تولد امرأة بل تُصبح كذلك»، كشف أنّ الفروق المنسوبة إلى الطبيعة قد تكون في حقيقتها صنيعةَ بنيةٍ اجتماعيةٍ وثقافيةٍ. فإذا كانت الكتابة امتدادًا للخبرة، فإنّ اختلاف الشروط التاريخية يُنتج اختلافاً في الموضوعات والنبرات، لا بالضرورة اختلافاً في القدرة على «بناء العالم».

أولاً: أدب المرأة بوصفه استعادةً للصوت

حين نقول إن أدب المرأة «بؤرة أحاسيس»، فإننا نشير – غالباً – إلى كثافة الداخل فيه، إلى انشغاله بالذات، بالجسد، بالعاطفة، بالهشاشة، بالتجربة المعيشة في تفاصيلها الدقيقة. غير أنّ هذا التركيز على الداخل لم يكن خياراً جمالياً حرّاً دائماً، بل كان أحياناً نتيجة إقصاء المرأة عن المجال العام، كما نبّهت فرجينيا وولف في «غرفة تخص المرء وحده»، حين ربطت بين حرية الكتابة وامتلاك الفضاء والموارد.

لقد كان على المرأة أن تستعيد ذاتها أولاً قبل أن تعيد بناء العالم؛ أن تقول «أنا» في وجه سردياتٍ كبرى صاغها غيرها. ومن هنا تبدو كتابة كثير من الأديبات – من نوال السعداوي إلى أحلام مستغانمي – كتابةَ كشفٍ للباطن المسكوت عنه، لا لأن المرأة عاجزة عن رؤية العالم، بل لأنّ العالم ذاته كان يُرى من خارج تجربتها.

غير أنّ تحويل هذا المنحى إلى صفة جوهرية ثابتة («بؤرة أحاسيس») يُخفي أن الإحساس نفسه فعلُ معرفة. فالفلسفة الظاهراتية عند إدموند هوسرل، ثم عند مارتن هايدغر، أكّدت أنّ الوعي لا ينفصل عن الخبرة المعيشة. الإحساس ليس نقيض العقل، بل طريقٌ إليه. وعليه، فإن أدب المرأة – حين يكتب الجسد والحميمية – إنما يكتب العالم من زاويةٍ أخرى، لا أقلّ شمولاً.

ثانياً: أدب الرجل وإرادة البناء

أما القول إن أدب الرجل «يعيد بناء العالم»، فهو يستند إلى تقليدٍ طويل من السرديات الكبرى: الملاحم، الروايات التاريخية، الفلسفات الشاملة. منذ ليو تولستوي إلى نجيب محفوظ، نجد مشروعاً روائياً يسعى إلى تصوير المجتمع، وتحليل طبقاته، وإعادة تشكيل رؤيته للواقع. وهنا يبدو الرجل – تاريخياً – فاعلاً في المجال العام، ومن ثمّ انعكس ذلك في نصوصه التي تتجه إلى الخارج، إلى السياسة، إلى التاريخ، إلى الصراع الاجتماعي.

غير أنّ هذا «البناء» ليس حكراً على جنسٍ بعينه، بل هو نتيجة تموضعٍ اجتماعيٍّ مكّن الرجل – عبر قرون – من احتلال الفضاء العمومي. فلو توفرت للمرأة الشروط ذاتها، لأمكنها أن تبني عوالم روائية لا تقلّ اتساعاً، كما فعلت توني موريسون حين أعادت كتابة تاريخ العبودية من منظورٍ أنثويٍّ كونيّ.

ثالثاً: تفكيك الثنائية: الداخل والخارج

إنّ تقسيم الأدب إلى «أدب إحساس» و«أدب بناء» يعيد إنتاج ثنائيةٍ قديمة: المرأة/العاطفة، الرجل/العقل. غير أنّ الفكر التفكيكي عند جاك دريدا نبّه إلى خطورة هذه الثنائيات، لأنها لا تكتفي بالتمييز، بل تُقيم تراتبيةً خفية، تجعل أحد الطرفين أصلاً والآخر فرعاً.

في الحقيقة، كلّ كتابةٍ عظيمة هي بؤرة إحساس وإعادة بناء في آنٍ معاً. فـ«مدام بوفاري» عند غوستاف فلوبير ليست مجرد تحليلٍ اجتماعي، بل غوصٌ في العاطفة المأزومة. و«موسم الهجرة إلى الشمال» عند الطيب صالح ليست إعادة بناءٍ لعلاقة الشرق بالغرب فحسب، بل تشريحٌ لنفسٍ ممزّقة.

رابعاً: الجندر كزاوية نظر لا كقدر

الأدقّ أن نقول إنّ الاختلاف – إن وجد – هو اختلاف زاوية نظر، لا اختلاف جوهر. المرأة، بحكم خبرتها التاريخية، قد تميل إلى كشف الهامش، إلى تفكيك المسكوت عنه، إلى إعادة تعريف الجسد والهوية. والرجل، بحكم موقعه التاريخي، قد ينشغل بالبنى الكبرى والأنساق العامة. لكنّ هذه الميول ليست قوانين طبيعية، بل آثار تاريخ.

لقد أشار ميشيل فوكو إلى أنّ الخطاب يتشكّل ضمن شبكات السلطة. وإذا كان الخطاب الأدبي جزءاً من هذه الشبكات، فإنّ اختلافه يعكس موقع المتكلم داخلها. فالمرأة التي كانت موضوعاً للخطاب، حين تكتب، تُعيد ترتيب علاقات السلطة في اللغة ذاتها.

خامساً: نحو أفقٍ إنسانيٍّ جامع

إنّ الأدب، في جوهره، ليس ذكورياً ولا أنثوياً، بل إنساني. إنّه فعلُ مقاومةٍ للنسيان، ومحاولةٌ لإضفاء معنى على التجربة. قد تبدأ الكتابة من بؤرة إحساس، لكنها – إن كانت عظيمة – تنتهي بإعادة تشكيل العالم في وعي القارئ. وقد تبدأ من مشروع بناءٍ اجتماعي، لكنها لا تكتمل دون أن تمسّ شغاف القلب.

الفارق، إذن، ليس في القدرة على الإحساس أو البناء، بل في المسار الذي تسلكه التجربة نحو الكونية. والكتابة التي تبقى أسيرة جنسها، ذكراً كان أم أنثى، هي كتابةٌ لم تبرح حدود التجربة الفردية. أما الكتابة التي تُحوّل الإحساس إلى رؤية، والرؤية إلى أفقٍ إنسانيٍّ مشترك، فهي التي تستحق اسم الأدب.

خاتمة:

إنّ العبارة القائلة بأن «أدب المرأة بؤرة أحاسيس، وأدب الرجل إعادة بناء للعالم» تحمل شيئاً من الحقيقة التاريخية، لكنها لا تصمد أمام النقد الفلسفي والجمالي المعاصر. فكلّ أدبٍ أصيل يبدأ من الذات ليصل إلى العالم، أو من العالم ليعود إلى الذات. وفي اللحظة التي يلتقي فيها الإحساس بالبناء، يتجاوز النصّ حدوده الجندرية، ويصير مرآةً للإنسان في هشاشته وقوته، في عاطفته وعقله، في فرديته وكونيّته.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

دراسة سيميائية ذرائعية في نص «اليعربيات» للشاعر العراقي القدير فائز حداد

اليعربياتُ

أبعدَ مزايا خدّكِ المهموز بدمع الوردة

وعصف زفيري البارح الندى

يستأنف أنفكِ طلعا مستعارا ؟!

أبعدَ شفا حلمة التوبة..أستقيلُ عن زمزم عطرها؟

فيا لسؤدد السواد في تيجان الرغبات

كبدائل أثاث الحب.. نؤثثُ للهباء!!

آآآآآآآآآآآهٍ ..

لا بديل للعربياتِ المعرِّشات

كأنظمة القهر العربي

كحكومات النخل الطويلة

ولا بديل لجباهنا إلا قبلات الرصاص..

لكنَّ النخلَ يثمر في الفسائل القصيراتِ أحيانا !!

ربما.. وذات حياة لا تشبه الأحياء ..

سنلتقي بفؤاد طير على جنح ريح

تسقطنا مطرا يبلّل الفراشات بوحي الزهور

وفي آياتِ الشهد نحتمي برذاذ شفتين؛

سنقرأ شعرا لبعضنا وتبكينا القصائد

فما بيننا طفلٌ ستحملينه غدا ..

لم يبلغ الصلاة بوضوء النحل..

ولم نكترث إلى مافاتنا من نداء حروب الحب

لكنّها الحقيقة:

إننا نعشق الفردوس بخطى جهنم

ونقبّل بعضنا كخطيئة العشيرة ..

في رهاب الحلم فقط !!

فإِصْبَعك الذي استحال نهدا في رضاعة الجنون

أماتني بايماءة غيمة..

لاتزورني إلا بظمأ الأرض الماحلة

أكل الأزمنة تدولُ بزمان الحب .. ثم نزولُ؟؟

بلى..

وكالشعر لا ميقات مقدّس له في التخارج

فما تهاجس زمني بمكانية الخيال ..

وأنت ربّة اللحظة المحرجة

أخالها بكأس فارغة تملؤني ارتعاشا ..

لأرفع نخبي منتحرا بقبلتها العليا..

فما حجَّ رضابي بلسعتها ..

إلا فاغرا.. دون لعابها المميت !!

***

 مدخل منهجي رؤيوي

عتبة النص:

ينتمي نصّ (اليعربيات) إلى أفق شعري حداثوي يشتغل على تفكيك العلاقة بين الجسد والهوية وايضاً بين الإيروس والسلطة وبين الفردوس والرعب الجمعي

نلمس أن النص لا يتحرك في إطار غنائي بسيط،  لكنه يؤسس شبكة دلالية مركبة تُعيد ترتيب العلامات الثقافية العربية (النخل- زمزم- القهر- القبلة- الرصاص- الفردوس) ضمن نسق تصادمي يعيد مساءلة القيم المؤسسة للوعي الجمعي. و​تتجلى في نص (اليعربيات) بنية درامية قوامها (المفارقة) حين لا تقتصر القصيدة عند حدود التوصيف للحالة الوجدانية لكنها تذهب نحو تأسيس وعي معرفي يربط بين التاريخي (العروبة/ الحكومات/ النحل) وبين الذاتي (الرغبة/ القبلة/ الجسد) فالقصيدة ترفض السكون وتتبنى حداثة (قلقة) تشتبك مع الراهن بوصفه (قهراً)

 ومع الغيب كونه (وعداً مؤجلاً)

فنحن أمام نص يمارس (الخطيئة المعرفية) بوعيٍ تام ليعيد صياغة مفهوم الفداء بالحب في زمنٍ ماحل

 والمنهج المعتمد في هذه القراءة يقوم على  المقاربة السيميائية، أي تتبع العلامة وتحولاتها داخل النص.

 والنهج الذرائعي: الكشف عن وظيفة الخطاب وأثره التداولي في تشكيل موقف معرفي

 وعن المدخل الإبستمولوجي: في مساءلة طبيعة المعرفة التي ينتجها النص عن الحب والسلطة والهوية

 والاستدعاء الميثيولوجي: قراءة الرموز التراثية كونها حوامل سردية عميقة

وسنقرأ النص من خلال ذلك قراءة متسلسلة تشتغل على البنية النحوية والانزياح التركيبي ونسق الصور ووحدة الاشتغال الداخلي في أغلب السياقات

أولاً: العنوان بوصفه عتبة دلالية:

(اليعربيات)

حين نتجلى بالعنوان نراه جمع مؤنث سالم إنما لا يحيل إلى مجرد نساء منسوبات إلى يعرب لكن إلى هوية جمعية مؤنثة

 واختيار الجمع المؤنث يضع النص منذ البداية داخل فضاء:

أنثوي /  قومي / أسطوري

وهو اختيار يحمل توتراً: فالأنثى هنا لم تكن فرداً لكنها نظاماً ثقافياً.  فالجمع يشي بالاستغراق وكأن النص لا يخاطب امرأة بل بنية حضارية كاملة

 ثانياً: سيميائية (التوبة) وزمزم العطر (المقدس والمدنس)

لو أمعنا ​في السطر ( أبعدَ شفا حلمة التوبة.. أستقيلُ عن زمزم عطرها؟)

نلحظ أن النص يتحول نحو سيميائية (الارتداد)، فالناص يستخدم (زمزم) كعلامة ميثيولوجية للطهر لكنه يضعها في سياق (العطر) والجسد، مما يخلق إزاحة دلالية تجعل من الجسد مكاناً مقدساً للحج.  أما عن الفعل المضارع (أستقيل) فهو يشير إلى (الوعي الذي لا يهدأ)،  وهو رفض الشاعر للحلول الوسطى في الحب أو الانتماء والجسد. هنا إذاً تنبثق جدلية القداسة والجسد.

/ أستقيلُ عن زمزم عطرها؟/  كتوظيف بارع من قبل المبدع حين أخذ الاستقالة وهي فعل إداري استعمله في سياق مقدس (زمزم) ليحدث تصادم تداولي. فالقداسة تتحول إلى عطر والعطر يتحول إلى عبء. إذاً النص يعيد تعريف المقدس بعيداً عن الطهر إلى إغواء.

 ثالثاً: سوسيولوجيا النخل وأنظمة القهر (قراءة في المسكوت عنه):

و​ننتقل هنا إلى سطر مفصلي: (لا بديل للعربياتِ المعرِّشات.. كأنظمة القهر العربي.. كحكومات النخل الطويلة). فهنا ​الحيثية القواعدية: باستخدام (الكاف) للتشبيه، لم يعتمد عليها كحالة جمالية إنما هو تشبيه (إبستمولوجي) يربط الفيزيولوجيا (طول النخل) بالأيديولوجيا (ثبات الأنظمة). وحين نلجأ إلى ​التأويل: ف(المعرّشات) صفة تدل على الامتداد والتشابك، وهي صورة سيميائية للمرأة العربية التي تحمل إرث القهر كقَدَر لا فكاك منه.  أما (قبلات الرصاص) فهي الجملة التي تستلّين فيها مفردة (الرصاص) لتكون فاعلاً في فعل الحب مما يقلب موازين (الحقيقة الشعرية)، ويجعل الموت هو (المطهر) الوحيد للجباه.

 رابعاً: ميثيولوجيا (وضوء النحل) وطفولة المعنى:

لو أوغلنا ​في السطر (فما بيننا طفلٌ ستحملينه غدا ..

لم يبلغ الصلاة بوضوء النحل)

 نجد انزياحاً قواعدياً وسيمانتيكياً مذهلاً.  فالشاعر نراه يمنح (النحل) صفة (المُتوضّئ).  وهنا تبرز الحداثة بوصفها وعياً متجدداً. وإن استخدام (لم) الجازمة لنفي بلوغ (الصلاة) يشير إلى (براءة التجربة). فالطفل/ الحب الذي لم يتوضأ بـ (شهد النحل) هو حبٌّ عذريٌّ لم يدرك بعد دنس (نداء حروب الحب). صورة عميقة أبدعها شاعرنا وهذا يحسب له وهو المالك مفاتيح الادهاش.

 خامساً: سيمياء (رضاعة الجنون) والزمان الدوار

​يصل إلى ذروة النص في قوله: (فإِصْبَعك الذي استحال نهدا في رضاعة الجنون.. أماتني بايماءة غيمة). وهنا ​يتبلور الاستلال اللغوي في فعل (استحال) يعكس التحول الأنطولوجي من الجزء (الإصبع) إلى الكل (النهد/ الرضاعة). وهو ما نسميه في الدراسات الحديثة بـ( تراسل الحواس).

ولقد سعى الناص لفلسفة الزمن، حين تساءل (أكل الأزمنة تدولُ بزمان الحب.. ثم نزولُ؟).  فهو يضع (دالة النقص) (نزول) في مقابل (دالة الاستمرار) (تدول).  ليقرر أن الحب هو (الميقات المقدس) الوحيد الذي لا يخضع لقوانين الزمن الفيزيائي إنما لـ(مكانية الخيال)

 سابعاً: البنية النحوية والانزياح

إن النص يعتمد على: كثافة الاستفهام والجمل الاعتراضية وكثرة الإضافات (رضاعة الجنون- نداء حروب الحب). إن هذا التراكم الإضافي يولد شبكة تعلق دلالي أي ليست كلمة مستقلة بذاتها. فلعبت هنا الغائية المعنية من قبل الشاعر لإبراز السياق الادهاشي. كما أن استخدام الفعل المضارع (نلتقي- تسقطنا- نحتمي- نعشق) يمنح النص حيوية مستمرة ويجعل الزمن غير منغلق له ديمومته.

 ثامناً: الحقول الدلالية الكبرى:

 عندما نستقرئ النص تتبدى لنا امكانية استخراج أربعة حقول:

١/  حقل الجسد (خد- أنف- حلمة- إصبع- نهد- شفتين)

٢/  حقل القداسة (زمزم- آيات- الشهد- الصلاة)

٣/  حقل السلطة (القهر- حكومات- الرصاص)

٤/  حقل الطبيعة (نخل- طير- مطر- فراشات)

والنص لا يعزل هذه الحقول فهي خلطة لها تمازجيتها التي  يحدث من خلالها تداخل بين الجسد والمقدس، وبين الطبيعة والسياسة دون خلل بنيوي او اهتراء بالمعنى. أما عن البنية الكلية ووحدة النص، فرغم كثافة الصور في النص لكنه ليس مفككاً وهذا أيضاً يحسب لبراعة الناص فإن المحورية المركزية هي :

تحرير الهوية الأنثوية من سلطة التقديس الزائف ومن قهر البنية العمودية. فكل المقاطع تصب في هذا الجدل. من السؤال الأول عن (الطلع المستعار إلى الاعتراف الأخير بـ (اللعاب المميت).

وهناك خط سردي داخلي: من التشكيك - إلى الفضح - إلى الاعتراف - إلى الانخطاف.

وحين ندرك الخاتمة نقف على (سيميولوجيا النخب المنتحر)

​يختم الشاعر  بـ (لأرفع نخبي منتحرا بقبلتها العليا.. فما حجَّ رضابي بلسعتها.. إلا فاغرا). إذ ​يعود هنا النص لينهي رحلة (الحج) التي بدأت بزمزم لكنها تنتهي بـ(لسعة مميتة) (الرضاب) (المبتدأ المكنّى) يحجّ إلى (اللسعة) (الخبر الفاجع).

​إن اللغة في هذا النص هي (مختبر إبستمولوجي)، لقد طوعتِ القواعد (مثل الاستثناء بـ (إلا) في الخاتمة) لتقييد المعنى في لحظة (الدهشة المطلقة).

نص "اليعربيات" هو بنية احتمالية بامتياز استطاع الناص فيه من خلال (الضوء الخاطف) أن يشتبك مع (أنظمة القهر) و(رهاب الحلم) إن السيميائية المتوسعة في النص تكشف عن ذات شاعرة ترفض (الأثاث الجاهز) للحب وتفضل أن (تؤثث للهباء) شريطة أن يكون هذا الهباء أصيلاً ونابعاً من (وعي متقد) النص في وحدته العضوية يمثل (درساً نقدياً) في كيفية تحويل (الخطيئة) إلى (فردوس) عبر بوابة الحرف الرصين.  نصّ حداثوي عميق البنية يشتغل على تفكيك العلامة الثقافية العربية من داخلها ويعيد توزيع العلاقة بين الجسد والسلطة  وبين الحب والرعب.  وأيضاً الفردوس والعقاب. إن لغته هي اشتعال داخلي لكنها محكومة بانضباط نحوي واعٍ وانزياحات محسوبة غير مجانية. ووحدته نابعة من مركز توتري ثابت أبعد عن التكرار اللفظي.

هو نص يليق بمبدع كبير لأنه لا يبوح بكل شيء بل يترك فجوات تأويلية واسعة ويجبر المتلقي على المشاركة في إنتاج المعنى. نص متماسك في بنيته عميق في رموزه متوتر في لغته ومتماهٍ مع سؤال الهوية حتى آخر سطر.

بورك اليراع أيها القدير

***

 مرشدة جاويش

 

شهد الشعر العربي خلال القرن العشرين تحوّلات عميقة مست بنيته الجمالية ورؤيته للعالم وطرائق اشتغاله اللغوي وكان من أبرز هذه التحوّلات بروز القصيدة النثرية بوصفها شكلا إبداعيا إشكاليا أثار ولا يزال يثير جدلا واسعا بين النقاد والشعراء والقراء على حد سواء إذ بدت القصيدة النثرية منذ لحظة ظهورها وكأنها إعلان قطيعة مع أنساق راسخة في الوعي الشعري العربي ومساءلة جذرية لمفاهيم الوزن والقافية والبيت الشعري ومعايير الشعرية ذاتها ولم يكن هذا التحوّل وليد نزوة عابرة أو تقليد أعمى لتجارب غربية بقدر ما كان استجابة تاريخية وثقافية لتحولات أعمق مست الإنسان العربي ووعيه بذاته وبالعالم من حوله

لقد ارتبط الشعر العربي الكلاسيكي بمنظومة عروضية صارمة أسسها الخليل بن أحمد الفراهيدي وأصبحت عبر القرون معيارا أساسيا للحكم على شعرية النص وكانت القصيدة العمودية بنظام شطريها وقافيتها الموحدة بمثابة النموذج الأعلى للشعر وظلت هذه الهيمنة قائمة حتى بدايات العصر الحديث حين بدأت الأسئلة تتسلل إلى وعي الشعراء حول قدرة هذا الشكل التقليدي على التعبير عن تحولات العصر وعن التجارب الفردية الجديدة ومع ظهور حركة الشعر الحر في منتصف القرن العشرين حدث أول خرق واضح للنظام العروضي الصارم غير أن هذا الخرق ظل جزئيا إذ حافظ الشعر الحر على الإيقاع العروضي وإن بصيغ أكثر مرونة

أما القصيدة النثرية فقد ذهبت أبعد من ذلك إذ أعلنت تحررها الكامل من الوزن والقافية وراهنت على بناء شعري مختلف يقوم على تكثيف اللغة وخلق الإيقاع الداخلي وتوظيف الصورة والانزياح والدلالة المفتوحة وقد كان لهذا الشكل الجديد جذوره في الأدب الغربي خاصة في الشعر الفرنسي مع بودلير ورامبو ومالارميه غير أن انتقاله إلى السياق العربي لم يكن نقلا آليا بل جاء عبر تفاعل مع أسئلة محلية تتعلق بالهوية واللغة والحداثة والحرية الفنية

واجهت القصيدة النثرية منذ بداياتها رفضا حادا من أنصار الشعر التقليدي الذين رأوا فيها تهديدا لكيان الشعر العربي وخروجا على تراثه وذهب بعضهم إلى إنكار صفتها الشعرية تماما واعتبارها مجرد نثر فني أو خواطر لغوية لا ترقى إلى مستوى الشعر وكان الوزن في نظر هؤلاء هو الحد الفاصل بين الشعر والنثر ومن دونه يفقد النص هويته الشعرية غير أن هذا الموقف سرعان ما بدا قاصرا أمام التحولات الجمالية التي شهدها الأدب العالمي وأمام النصوص النثرية الشعرية التي استطاعت أن تخلق تأثيرا جماليا عميقا دون الاستناد إلى الوزن الخليلي

إن أحد أبرز تحولات القصيدة النثرية يتمثل في مفهوم الشكل ذاته فالشكل لم يعد قالبا جاهزا يسكب فيه المحتوى بل أصبح جزءا عضويا من التجربة الشعرية يتشكل معها ويتحول بتغيرها فالقصيدة النثرية نص مفتوح على احتمالات متعددة لا يخضع لقوانين مسبقة بقدر ما يخلق قوانينه الخاصة من داخل التجربة وهذا ما جعلها قادرة على استيعاب الهش واليومي والذاتي والقلق واللايقين وهي عناصر لم تكن تجد دائما مكانها في القصيدة التقليدية ذات النبرة الخطابية واليقين البلاغي

كما أن اللغة في القصيدة النثرية شهدت تحولا لافتا إذ لم تعد اللغة الفخمة والجزلة هي المعيار الوحيد للجمال الشعري بل ظهرت لغة أقرب إلى التداول اليومي لكنها مشحونة بطاقة إيحائية عالية وتقوم على المفارقة والانزياح وتفجير الدلالة من الداخل هذه اللغة لا تسعى إلى الإبهار البلاغي بقدر ما تسعى إلى ملامسة التجربة الإنسانية في تعقيدها وهشاشتها وتناقضاتها وقد أسهم هذا التحول في توسيع أفق الشعر وفتح المجال أمام أصوات جديدة وتجارب مهمشة كانت تجد صعوبة في التعبير عن نفسها ضمن الأشكال التقليدية

أما الإيقاع الذي طالما اعتبر جوهر الشعر فقد أعادت القصيدة النثرية تعريفه فلم يعد الإيقاع مقترنا بالبحور والأوزان بل أصبح إيقاعا داخليا ينبع من تكرار الصور وتوازي الجمل وتوتر الدلالة وتقطيع العبارة وتوظيف البياض والصمت داخل النص وهذا الإيقاع الخفي يتطلب قارئا مختلفا قادرا على الإصغاء إلى نبض النص لا إلى موسيقاه الظاهرة فقط وهو ما جعل تلقي القصيدة النثرية تحديا بحد ذاته يتطلب وعيا جماليا جديدا

لا يمكن الحديث عن القصيدة النثرية بمعزل عن سياقها الثقافي والسياسي فقد ارتبط هذا الشكل في كثير من التجارب بروح التمرد ورفض السلطة بكل أشكالها سواء كانت سلطة سياسية أو اجتماعية أو جمالية فالخروج عن الوزن والقافية كان في كثير من الأحيان تعبيرا رمزيا عن الرغبة في كسر القيود المفروضة على الفرد واللغة والخيال ولذلك وجدنا القصيدة النثرية مساحة خصبة للتعبير عن القلق الوجودي والاغتراب والأسئلة الكبرى المتعلقة بالحرية والمعنى والمصير

ومع ذلك فإن هذا الانفتاح الكبير لم يخل من مخاطر إذ أدى في بعض الأحيان إلى فوضى كتابية جعلت كل نص نثري يدعي صفة الشعر وهو ما أسهم في تشويش مفهوم القصيدة النثرية نفسها فغياب المعايير الصارمة لا يعني غياب المعايير الجمالية على الإطلاق فالقصيدة النثرية الناجحة ليست مجرد كلام مرسل بل هي بناء لغوي دقيق يقوم على رؤية شعرية واضحة وقدرة على خلق التوتر الجمالي وتكثيف المعنى وإلا تحولت إلى نثر عادي يفتقر إلى الخصوصية الشعرية

إن تحدي المعايير التقليدية لا يعني بالضرورة إلغاء التراث أو القطيعة معه بل يمكن النظر إلى القصيدة النثرية بوصفها امتدادا حيويا لهذا التراث من زاوية مختلفة فهي تستثمر طاقات اللغة العربية وإمكاناتها الإيقاعية والدلالية بطرائق جديدة وتعيد طرح سؤال الشعر في زمن متغير وهي بذلك تسهم في إبقاء الشعر حيا وقادرا على التفاعل مع تحولات الواقع والوعي

من هنا، يمكن القول إن القصيدة النثرية ليست مجرد شكل أدبي عابر بل هي تعبير عن تحوّل عميق في الحساسية الجمالية وفي علاقة الشاعر باللغة والعالم وقد نجحت عبر عقود من التجريب والجدل في فرض حضورها بوصفها أحد الأشكال المشروعة للشعر المعاصر رغم كل الاعتراضات ويبقى الحكم الحقيقي عليها مرهونا بجودة النصوص وقدرتها على لمس القارئ وإثارة أسئلته لأن الشعر في جوهره ليس وزنا ولا قافية بل رؤية وكثافة ودهشة متجددة

ويمكن توسيع النظر في تجربة القصيدة النثرية من خلال التوقف عند علاقتها بالقارئ وبفعل التلقي إذ لم تعد القصيدة النثرية تقدّم نفسها بوصفها نصا مغلقا يفرض دلالته الواحدة بل بوصفها فضاء تأويليا مفتوحا يدعو القارئ إلى المشاركة في إنتاج المعنى فالقارئ لم يعد متلقيا سلبيا يكتفي بتذوق الإيقاع أو متابعة الصور البلاغية بل أصبح شريكا في تفكيك النص وإعادة تركيبه والبحث عن خيوط المعنى المتناثرة بين السطور وهذا التحول في علاقة النص بالقارئ يعكس بدوره تحولا أعمق في مفهوم الإبداع ذاته حيث لم يعد الشعر فعلا فرديا خالصا بل عملية تواصل معقدة تقوم على التفاعل والتأويل والاختلاف

كما أسهمت القصيدة النثرية في إعادة تعريف صورة الشاعر فالشاعر لم يعد صوتا نبويا أو خطيبا يمتلك الحقيقة ويعلنها بل أصبح كائنا قلقا يطرح الأسئلة ويكشف هشاشته ويكتب من موقع الشك لا اليقين وهذا ما منح القصيدة النثرية صدقا إنسانيا خاصا جعلها أقرب إلى روح العصر الذي يتسم بتفكك المرجعيات الكبرى وتعدد الأصوات والرؤى وفي هذا السياق بدت القصيدة النثرية قادرة على التقاط التفاصيل الصغيرة والهامشية وتحويلها إلى مادة شعرية مكثفة وهو ما يعكس تحولا في سلّم القيم الجمالية حيث لم يعد البطولي والاحتفالي في الصدارة بل اليومي والعابر والمسكوت عنه

ولا يمكن إغفال دور المجلات الثقافية وحركات الترجمة في ترسيخ حضور القصيدة النثرية عربيا إذ وفرت هذه المنابر فضاءات للتجريب والنقاش وأسهمت في تعميق الوعي النظري بهذا الشكل الشعري كما ساعدت الترجمات على توسيع أفق الشعراء العرب وربط تجاربهم بسياقات إنسانية أوسع دون أن يفقدوا خصوصيتهم اللغوية والثقافية

إن الجدل حول القصيدة النثرية سيظل قائما ما دام الشعر نفسه فعلا متجددا يرفض الاستقرار غير أن هذا الجدل في حد ذاته علامة صحة وحيوية لأنه يدل على أن الشعر لا يزال يحتل موقعا مركزيا في الثقافة بوصفه مساحة للسؤال والتجريب وإعادة التفكير في اللغة والمعنى ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى القصيدة النثرية لا كبديل يلغي الأشكال الأخرى بل كإضافة نوعية تثري المشهد الشعري وتوسّع إمكاناته التعبيرية وتؤكد أن الشعر العربي قادر على التحول والتجدد دون أن يفقد روحه العميقة.

***

د. عصام البرّام

للدكتور أمين جياد – Ameen Giad

مقدمة منهجية:

مدخل رؤيوي إلى أفق القراءة:

إن قصيدة /جِنان البحر/تنهض على بنية تعبيرية مكثفة تخفي تحت ظاهرها اللغوي نظاماً دلالياً معقداً لذلك فهي تستدعي قارئاً لديه ذاك الفضول وعدم الإكتفاء باستقبال المعنى لكن إعادة إنتاجه عبر مسار تأويلي تراكمي يجمع بين الإشارة والوظيفية وبين الرمز والحركة

لذلك من هذا المنطلق تتخذ هذه الدراسة من النهج الذرائعي ومن المقاربة الإبستمولوجية ومن الأفق السيميائي مسارات تحليلية متكاملة تسعى إلى فهم كيف تنتج القصيدة معناها عبر فعلها اللغوي بعيداً عن محتواها الظاهري فحسب

إن القراءة هنا تجانب النص باعتباره وحدة مغلقة على ذاتها إنما تؤازره كبؤرة دلالية تتفعل داخل شبكة من العلاقات المتشابكة فنراها بين الذات والشيء

وبين المقدس والمخيف

وبين التثبيت والاحتراق

ومن ثم فإن المنهج المعتمد لم يكن ساعياً إلى استخراج / معنى نهائي/ لكنه يسعى إلى تتبع طرق تشكل المعنى داخل البنية اللغوية وكيف تمارس العلامات فعلها على المتلقي كونه شريكاً في الإنتاج أي إلغاء دوره كمستهلك فقط للرسالة.

أولاً: العنونة بوصفها عتبة دلالية حديثة:

نرى أن العنونة/ جِنان البحر/منذ توغلنا بمعناها هي تحمل توترها الدلالي الذي يؤسس منذ اللحظة الأولى لثنائية مفارقة: ف(الجنان) بما توحي به من الامتلاء والخصب والمأوى في مقابل (البحر) بما يستدعيه من اتساع وغموض ولا يقين.  فهذه المجاورة لم تكن توصيفية لكنها إنشائية فهي تنتج أفق توقع يضع القارئ أمام فكرة أن المأوى لا يوجد في الثبات إنما في الحركة وأن الخصب لا ينبت إلا من حافة الخطر.

ولو تمعنا من منظور سيميائي حديث فإن العنونة تعمل بمنزلتها ك/علامة كلية/ تختزل شبكة العلاقات اللاحقة في النص: (الحجر- الصدر- الجبل-البحر- الظلمات- الاحتراق)،  كلها عناصر تدور داخل فلك هذا التوتر الأولي بين الأمان والانكشاف.

ثانياً: الحجر بوصفه علامة وظيفية لا مادية:

إن /الحجر/ يحتل موقع العلامة المركزية في النص

فلم يكن توظيفه منطلقاً باعتباره شيئاً صامتاً فتوظيفه كان يعتمد على كونه فاعلاً دلالياً

فهو يتحرك بين وظائف متعددة:

الحجر المعلق على الصدر:

كما (اعلقها على صدري

لتنير روحي)

هنا يتحول إلى بوصلة داخلية علامة تنير /الروح/ أي أنه لا يشتغل في الخارج لكن ينغمس في الحيز الذاتي حيث يعاد تعريف القدسية من حيث هي تجربة وليست بميراث

الحجر على حافة الجبل:

في (وتلك الأحجارُ علىٰ حافةِ الجبلِ)

نلمس أنه يغدو عنصر تثبيت بعيداً عن الصلابة لأنه

/ يمسك/ الذات

فهنا ينقلب الفاعل والمفعول: الذات لا تمسك الحجر بل إن الحجر هو الذي يمسك الذات في إشارة كلية إلى أن الهوية تبنى من الخارج كما من الداخل

الحجر في أخاديد البحار:

(وتلك الأحجارُ بين أخاديد البحار)

وهنا يصير مصدر خوف ليس بسبب غيابه عن الضوء فالناص هنا كان يعني تأويله بقصدية عالية الرؤيا

فلقد أحاله لسببية أخرى وهي قابليته للتحول إلى نار فالعلامة هنا تراكم دلالاتها عبر الانتقال من الإنارة إلى التثبيت ومن ثم إلى الاحتراق

ففي هذا المسار لا يقدم النص الحجر كمسار للرمز الثابت إنما ضمن أفق / علامة ذرائعية/ تتغير وظيفتها بحسب موقعها في البنية وبحسب علاقتها بالذات المتكلمة

ثالثًا: الذات بوصفها حيزاً إبستمولوجياً:

نجد هنا أن جملة (هذه الأحجار المقدسة لي)

تفصح عن انتقال مركز القدسية من المجال العام إلى المجال الذاتي. إذ أن المعرفة هنا لا تستمد من سلطة خارجية بل من علاقة خاصة بين الذات والعلامة. وهذا الانتقال يؤسس لرؤية معرفية ترى أن المعنى لا يعطى لكنه ينتج عبر التجربة. فالذات في النص لم تكن متكلماً مهيمناً بقدر ماهي كائناً معرضاً للفعل: تمسك- تثبت- تخاف-

إنها ذات تعرف نفسها من خلال ما يمارس عليها لا فقط من خلال ما تمارسه وهو ما يضفي على النص بعده النقدي الذي يعيد مساءلة مفهوم السيطرة في العلاقة بين الإنسان والعالم.

رابعًا: الجبل والبحر: فضاءان وظيفيان غير طبيعيان

إذ أن الجبل والبحر يظهران  كـ(فضاءين دلاليين) في سياق لايتواكبان من خلاله كمعنين لمشاهد طبيعية ليحمل كل منهما وظيفة في بنية المعنى.

فالجبل: فضاء التثبيت والحد:

أي إنه المكان الذي تختبر فيه فكرة القمة باعتبارها حالة تماس دائم مع السقوط لا كمقام للانتصار.

البحر: فضاء السيولة والانمحاء والأخاديد التي تحتضن الحجر تحيل إلى عمق لا يرى إلى معرفة لا تنال إلا عبر الخوف. وبهذا إذاً يتحول الفضاء من إطار خارجي إلى عنصر بنائي في إنتاج الدلالة.

خامساً: الضوء والظلمات اقتصاد الرؤية في النص

تقابل بل تقارب القصيدة بين (الإنارة) و(الظلمات) بإطار يقدمهما كحالتين معرفيتين ونهج يبعدهما عن كونهما حالتين بصريتين. فالضوء هنا يحيل إلى الفهم إلى القابلية على التسمية بينما الظلمات تحيل إلى منطقة يتوقف فيها التحديد وتبدأ فيها التجربة المفتوحة. فالخوف من الحجر في الظلمات ليس خوفاً من الشيء ذاته إنما من احتمالية تحوله من قابليته لأن ينتج معنى جديداً خارج سيطرة الذات.

سادساً: الاحتراق بوصفه قمة الدورة الدلالية:

يختتم النص بمشهد الاحتراق بتوظيفه كذروة في مسار التحول ويبعده عن المعنى الحقيقي له ككينونة للنهاية فالعلامة التي بدأت بالإنارة مرت بالتثبيت، تنتهي إلى التدمير. هذا التسلسل لا يحمل طابعاً تشاؤمياً بقدر ما يجسد رؤية ترى أن كل معنى يحمل في داخله إمكانية نقضه.

إذاً فالاحتراق هنا ليس محواً هو إعادة ضبط لشروط القراءة بعده فالحجر لايعود هو ذاته ولا تعود الذات هي ذاتها

سابعاً: البنية اللغوية ووحدة النسق:

تتسم لغة الدكتور أمين في قصيدته بالاقتصاد والتركيز حيث لا تتمظهر المفردة بسياقتها كحشو إنما كعقدة في شبكة من العلاقات والتكرار البنائي لعبارة (وتلك الأحجار) لا يشتغل على مستوى الإيقاع فقط بل على مستوى التنظيم الدلالي إذ يقسم النص إلى مشاهد وظيفية تراكم المعنى تدريجياً

هذه الوحدة في النسق تعزز من إحساس المتلقي بأن النص يتحرك ككل واحد محايداً الإنطلاقة كمجموعة جمل متجاورة. لذلك نرى أن النص (جنان البحر) يقدم نصاً يشتغل على حافة التجربة حيث لا تقدم الدلالة ككيان لإجابة. لكنها تتبدى كدعوة إلى المشاركة في إنتاجها.

إن قوة القصيدة كانت تكمن في كثافة صورها ولكن تفوقت بقدرتها على بناء وحدة داخلية تجعل كل عنصر فيها مرتبطاً بغيره داخل دورة دلالية محكمة. فاللغة هنا لم تكن وسيلة نقل لكنها حيز اختبار تمارس فيه العلامات فعلها على الذات والمتلقي معاً ومن هذا المنظور يغدو النص كياناً حياً مفتوحاً على قراءات لا تنتهي لأنه يؤسس معناه في لحظة القراءة ذاتها وليس قبلها.

ولا تكتمل هذه القراءة إلا بالإشارة إلى الحضور الإبداعي للدكتورالشاعر والناقد باعتباره ذاتاً مزدوجة الوعي تمسك بالأداة المفهومية بصرامة الباحث وتفلتها في آن داخل أفق اللغة بصفتها كينونة حية تستنشق الإشارة والحدس معاً.

إن لغته الصوفية العميقة لا تشتغل على الترف البلاغي فقط إنما تنجاوزه باعتمادها على كشف المستور في بنية النص وعلى ملامسة ما يتوارى خلف العبارة من توتر معرفي وتجربة وجودية. فهو في مقاربته لا يقف عند تخوم الدلالة الظاهرة بل متخطياً بالنفاذ إلى طبقاتها السفلى بحيث تتجاور العلامة مع أثرها والمعنى مع احتماله ليعيد للقراءة طابعها الطقسي بكونها فعل مشاركة بعيدة عن فعل الاستهلاك. ومن هنا تغدو الرؤية الصوفية أداة معرفية تعيد ترتيب العلاقة بين القارئ والنص على أساس الكشف غير معتمدة على التفسير بحد ذاته، وعلى أساس المعايشة مغايرة للحكم فقط.

إن هذا التزاوج بين الحس الإبداعي والصرامة المنهجية يمنح القراءة عمقها الخاص ويجعل من اللغة جسراً بين التجربة والوعي وبين النص ومصيره التأويلي المفتوح في وحدة تكرس النقد بوصفه فعل معرفة وجمال على حد سواء أمام النص المتميز واللافت.

دكتور أمين جياد مبدع ونيف

***

انجاز مرشدة جاويش

 

للكاتب العراقي عصام الياسري

تأتي قصيدة «نشيدُ الصمتِ عند تخومِ الفجر» للكاتب العراقي عصام الياسري بوصفها نصاً تأملياً يتكئ على لحظةٍ حدّيةٍ بين العتمة والانكشاف، بين الليل بوصفه فضاءً للاختبار الداخلي، والفجر بوصفه أفقاً للانبعاث الروحي. إنها قصيدة تنتمي إلى الحساسية الشعرية الحديثة التي جعلت من التجربة الذاتية مركزاً للرؤية، ومن اللغة أداة كشفٍ لا مجرد وعاء تعبير.

لا يتعامل النص مع الصمت بوصفه فراغاً صوتياً، بل يرفعه إلى مقام الرمز الوجودي؛ فالصمت هنا معرفة، والوحدة رفيقة، والظلام شرطٌ لاكتشاف الضوء. ومن ثمّ، فإن القصيدة لا تُقرأ قراءةً سطحية تقتصر على صورها المباشرة، بل تستدعي مقاربة نقدية متعدّدة الأبعاد، تكشف بنيتها اللغوية، ومعمارها الإيقاعي، ورؤيتها الفكرية، وطبقاتها الرمزية والنفسية.

تهدف هذه الدراسة إلى تحليل النص ضمن منظومة نقدية شاملة، تبدأ من الأسس اللغوية والبلاغية، وتمرّ بالمرتكزات الجمالية والفنية، وصولاً إلى أفقه الفلسفي والإنساني، مع مراعاة السياق الثقافي والاجتماعي الذي يتخلّق فيه الخطاب الشعري. فالنص الشعري، في جوهره، ليس مجرد بناء لغوي، بل هو حدثٌ معرفيّ وجماليّ يعيد مساءلة الذات والعالم في آنٍ واحد.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

القصيدة مكتوبة بلغة فصيحة سليمة في مجملها، تعتمد الجملة الفعلية بوصفها بنيةً حركيةً («أتعلمُ»، «أتركُ»، «أرى»، «أصحو»، «اكتشفتُ»، «تعلمتُ»، «أصبحتُ»)؛ وهو اختيار ينسجم مع ثيمة التحوّل الداخلي. فالفعل هنا ليس حركية خارجية، بل حركة وعي.

التركيب يتّسم بالبساطة المشبعة بالدلالة؛ فلا نجد تعقيداً نحوياً متكلفاً، بل اقتصاداً تعبيرياً يقوم على:

الجمل المتوازنة.

الصور المركّبة («الحياة كغيمة تمرّ، تسافر»).

الإسناد المجازي («يهمس الأفق لي»).

غير أنّ بعض المواضع تقترب من الالتباس التركيبي، مثل:

«هو أنني كانتْ نفسي، والآنَ في غيابِ»

إذ يعتريها اضطراب في المطابقة الزمنية والنحوية، ويمكن عدّها انزياحاً تعبيرياً مقصوداً يعبّر عن تكسّر الهوية، أو موضعاً قابلاً للمراجعة الأسلوبية.

الانزياحات البلاغية واضحة في:

تشخيص الأفق.

تحويل الصمت إلى كيان مكتشف.

جعل الوحدة «رفيقة».

وهذه انزياحات تخدم المعنى ولا تفتعله.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

المعجم الشعري يتوزع بين:

١- معجم كوني: (الفجر، الليل، الأفق، الظلام، الضوء، الغيمة).

٢- معجم داخلي نفسي: (الصمت، الوحدة، القلب، الروح، الأحلام).

٣- معجم زمني: (جريان الزمان، الأيام التي كانت).

هذا التوازن يمنح النص وجاهة تعبيرية، إذ لا يطغى التجريد على الحسّ، ولا الحسّ على الفكرة. اللغة ملائمة للموضوع التأملي، بعيدة عن الزخرفة المفتعلة.

اللفظ في خدمة المعنى، لا يستعرض ذاته، ولا يغرق في الغموض المجاني.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي:

القصيدة تنتمي إلى فضاء الشعر الحر (قصيدة التفعيلة أو النثر الإيقاعي)، ولا تلتزم وزناً تقليدياً صارماً، لكنها تبني موسيقاها عبر:

التكرار البنائي («وفي…»، «ومع…»، «لقد…»).

التقابل الصوتي (الصمت/الصخب – الظلام/الضوء).

التوازي الإيقاعي في الجمل.

التكرار الداخلي لـ«الصمت» يخلق لازمة رمزية، فيتحول إلى محور دلالي وصوتي معاً.

الجرس الصوتي هادئ، يتجنّب الحروف الصاخبة، ويغلب عليه الانسياب، بما ينسجم مع ثيمة السكينة.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية؛

القصيدة تقوم على معمار تحوّلي:

١- بداية: تعلّم الصمت.

٢- وسط: مواجهة الوحدة والظلام.

٣- نهاية: المصالحة واستقبال الفجر.

الزمن دائري، يتحرك بين الليل والفجر، لكنه زمن نفسي لا كرونولوجي. لا شخصيات سوى «الذات»، لكنها ذات تتشظّى بين:

١- الماضي («الأيام التي كانت»).

٢- الحاضر الواعي.

٣- الغياب الداخلي.

2. الرؤية الفنية:

الرؤية قائمة على فلسفة المصالحة:

الوحدة ليست عدواً، بل رفيقة.

الظلام ليس نقيض الضوء، بل شرط اكتشافه.

الشكل (الهدوء الإيقاعي) منسجم مع المضمون (السلام الداخلي).

3. الطابع الإبداعي:

الدهشة لا تأتي من غرابة الصورة، بل من إعادة تأويل المألوف:

١- الصمت نشيد.

٢- الوحدة رفيقة.

٣- الظلام موطن الضوء.

هذا قلب دلالي يمنح النص طاقته الجمالية.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري.

النص يطرح سؤال الهوية:

١- من أنا عندما أسكت؟

٢- هل أنا صوت أم صمت؟

٣- هل الغياب فقد أم اكتمال؟

هنا يتقاطع النص مع أفق تأملي قريب من النزعات الوجودية، كما نجد عند مارتن هايدغر في حديثه عن «الإنصات للكينونة»، أو عند جلال الدين الرومي في فلسفة الصمت ككشف روحي.

2. الأفق المعرفي

يحمل النص أثرًا من:

١- التأمل الصوفي (الصمت بوصفه معرفة).

٢- الحسّ الوجودي (الإنسان ككائن في العبور).

٣- النزعة الحداثية في تحويل التجربة الداخلية إلى مركز العالم.

3. البنية العميقة (هيرمينوطيقيًا)

تحت السطح، النص يتحدث عن:

١- انمحاء الأنا القديمة.

٢- إعادة ميلاد الذات عند الفجر.

٣- تحوّل الصمت من غياب إلى حضور مكثّف.

الصمت هنا ليس سلباً، بل امتلاء.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص.

إذا قُرئ النص في سياق التجربة العراقية المعاصرة، حيث الاضطراب والقلق الجمعي، فإن الصمت قد يُفهم بوصفه انسحاباً تأملياً من صخب الواقع.

2. تطور النوع:

النص يقع ضمن مسار الشعر التأملي العربي الحديث، الذي بدأ مع رواد الحداثة مثل بدر شاكر السياب، لكنه هنا يتجه نحو التجريد الهادئ بدل الدراما الأسطورية.

3. علاقته بالتراث

يتفاعل مع:

١- تقليد الفجر في الشعر العربي (الفجر رمز الأمل).

٢- الرمز الصوفي للصمت.

٣- ثنائية الليل/النهار في الشعر القديم.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية.

النص يبدأ بقلق خفيف، لكنه ينتهي بسكينة.

الانفعال الأساسي: التصالح.

2. تحليل الذات:

الذات تمرّ بثلاث مراحل:

١- البحث.

٢- الضياع.

٣- الاكتشاف.

3. النبرة النفسية:

النبرة تأملية، لا احتجاجية، ولا مأساوية؛ إنها نبرة نضج.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

النص لا يصرّح بالواقع الاجتماعي، لكنه يقدّم نموذج المثقف الذي يختار التأمل بدل الضجيج.

الصمت هنا موقف وجودي، وربما احتجاج غير مباشر على صخب العالم.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز المركزية:

١- الفجر: الميلاد.

٢- الليل: التجربة.

٣- الصمت: المعرفة.

٤- الضوء: الحقيقة.

٥- الغيمة: العبور.

2. الشبكات التقابلية:

١- الصمت / الصخب

٢- الظلام / الضوء

٣- الحضور / الغياب

٤- الوحدة / الرفقة

هذه التقابلات تمنح النص بنيته العميقة.

ثامناً: الأسس المنهجية

الدراسة اعتمدت:

١- المنهج الأسلوبي.

٢- القراءة النفسية.

٣- المقاربة الهيرمينوطيقية.

٤- البعد السيميائي.

مع التركيز على النص ذاته، لا على السيرة الشخصية.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

النص يحتفي بقيمة:

١- السكينة.

٢- الحرية الداخلية.

٣- التصالح مع الذات.

وهو نص مفتوح التأويل، يمكن قراءته بوصفه:

١- تجربة صوفية.

٢- تأملاً وجودياً.

٣- بيانًا نفسيًا عن النضج.

خلاصة عامة:

«نشيدُ الصمتِ عند تخومِ الفجر» نصّ تأملي هادئ، يقوم على بنية تحوّلية من القلق إلى الصفاء، ويعتمد لغة شفيفة متوازنة، وصوراً غير صادمة لكنها عميقة.

إنه نصّ لا يصرخ، بل يهمس؛ لا يعلن الثورة، بل يعلن المصالحة.

وإذا كانت بعض المواضع قابلة للمراجعة الأسلوبية، فإن القيمة الكبرى للنص تكمن في صدقه الداخلي، وانسجامه بين الرؤية والتعبير، وقدرته على تحويل الصمت من فراغ إلى معنى.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.........................

نشيدُ الصمتِ عند تخومِ الفجر

بقلم: عصام الياسري

ومع كلِّ فجرٍ، أتعلمُ الصمتَ أكثرَ

وأتركُ نفسي في جريانِ الزمانِ

أرى الحياةَ كغيمةٍ تمرُّ، تسافرُ

فأظلُّ أسمعُ أنفاسَ الأحلامِ

وفي الليلِ، حينما يهمسُ الأفقُ لي

تتراءى الأيامُ التي كانتْ

أصحو على الهدوءِ، ولا أخافُ الوحدةَ

فأرى في الظلامِ ضوءًا ساطعًا كانَ

وما كانتْ وحدتي إلا رفيقةً

حملتني في أفقٍ لم أعهده

وفي الصمتِ، اكتشفتُ هدوءًا أعمقَ

من كلِّ صخبٍ مرَّ في العمرِ، وهدّه

لقد تعلمتُ أنني، في النهايةِ

صوتٌ من صمتٍ، وشيءٌ من سرابِ

أني في الحقيقةِ ما كنتُ أبحثُ عنه

هو أنني كانتْ نفسي، والآنَ في غيابِ

فصارتْ المسافةُ بينَ القلبِ والروحِ

محوًا لكلِّ فكرٍ كانَ عليَّ

وأصبحتُ حالي صمتًا يهتفُ ببساطةٍ

ويستقبلُ الفجرَ في أبسطِ المعاني

10 فبراير 2026

 

لطالما تساءلت لم لا نكتب رواية (بلا مشاكل) أي لا تبعث الغم في نفس القارئ. ماذا يعني هذا، وهل يمكن كتابة رواية بلا مشاكل؟ كيف سيكون شكل الرواية بلا مشاكل؟ ماذا ستعرض وماذا ستعالج، لكي تستوفي عناصر السرد واشتراطاته لتكون رواية وتستهوي القارئ وتشده لقراءتها؟ الإجابة ببساطة ستعرض للجانب الثاني من الحياة، جانب اللامشاكل! وهنا سيواجهنا السؤال: هل هناك وجه بلا مشاكل للحياة؟ أين يكون هذا الوجه، ما هي صفاته، ولمن يظلل بنعيمه أو من يعيش فيه؟ على أي أسس أو وفق أي اشتراطات يقوم؟ ما هو شكل الحياة فيه ووفق أي تضاريس يسير؟ حياة بلا مشاكل؟ ما طعمها يا ترى وبأي حواس ووعي سيتلقاها الإنسان؟ والأهم من كل هذا، هل ستحتاج حياة بلا مشاكل للرواية؟ عم ستكتب الرواية في دورة حياة بلا مشاكل؟ عن الجانب الثاني منها، كما أسلفنا.. نعم، ولكن ما شكل وصفات الجانب الذي بلا مشاكل من الحياة؟ والإجابة البديهية على هذا السؤال محكومة بسؤال (الجنحة) الفلسفية: ومن قال أو فرض أن الحياة يجب أن تكون بمشاكل لتكون حياة؟ لا أحد… نحن فقط نعمم وضع ما ألفنا.. إذن ما هو شكل الحياة في الجانب المشرق منها، الجانب الذي بلا مشاكل؟ الإجابة البدهية هي إنه بلا مشاكل! بلا مشاكل على الإطلاق أم بلا مشاكل من النوع الذي ألفنا؟ سنفترض أن السؤالين وجهان لعملة واحدة، بحكم أننا نعجز عن تصنيف ما نجهل، وعليه سنسلم أن الوجه الثاني من الحياة صافٍ ولا تكدره المشاكل. عم سنكتب في حياة بلا مشاكل إذن، لنخرج للمتلقي برواية ممتعة؟ ومن قال أن الرواية الممتعة يجب أن تكون عن مشاكل أو تعرض لها؟ ماذا تعرض الرواية إذن أو عم تكون، إن لم تعرض لإحدى مشاكل الإنسان في الحياة؟ الأديان اقترحت الجنة (كمكان للنعيم وخالي من أي شكل من أشكال التعب) كوجه ثانٍ لوجه مشاكل الحياة، وقد قبل أغلب البشر هذه الرؤية، رغم بساطتها، كتصور محدود السقف وبأفق ضيق، لكون أثره لا يتعدى عملية إشباع الغرائز. في حين يقترح التصور الفلسفي امتلاك كل ما هو أصيل وعصي على الفقد. ولكن ما هو الشيء أو الأشياء التي لا يمكن فقدها أو لا يجب أن تزول أو تتبدد؟ هو أو هي كل ما ينحصر بالجانب الاعتباري طبعاً ولا يحكمه زمننا الوجودي المرهونين له، أي هو كل ما يطفو بنا على الجوانب المادية - الغريزية، التي تمثل مشاكلنا التي نكتب الرواية (حالياً) من أجل عرضها والبحث عن حلول لها.

إذن هل كل الأمر يتعلق بزمننا الوجودي الذي نعيشه ونعيش عبر حسابه؟ وبعبارة أدق، هل هذا المقترح يتعلق بالتحرر من طوق وحصار الزمن الفيزيائي الذي يحكمنا أي يحكم وجودنا أو دورة حياتنا القصيرة؟

في أعماق كل منا صوت محتج ومتلهف يسعى للتحرر وكسر قيد زمننا الوجودي القصير الذي ولدنا تحت سقفه. وهذا مرده حس عميق وأصيل أن زمننا الذاتي (الزمن الذي تعيشه ذواتنا في الحياة) ضيق، مبتسر، وبسقف واطئ لا يسمح لنا برفع رؤوسنا إلى المدى الذي نصبو إليه. ومن نافلة القول أن نذكر أن أغلبنا يصبو بالفعل، وبحس عميق وكثيف، لكسر حدود زمنه الذاتي والتمدد في زمن أعمق و(أكبر)، يناسب حسه بأهميته، أي بأنه محور هذا العالم، على أقل تقدير، وليس مجرد ترس صغير قابل للعطب في أي لحظة، لأن أكثر ما يثير غضب الإنسان هو ألا تكون دورة ذاته ووجهتها بلا أهمية، بل وبالأهمية الأولى، فيي حسابات الحياة.

زمننا الذاتي (زمن كل ذات) غامض وملتبس، وكل همه أن يقنع كل منا (على حدة) بأنه فرصتنا المثالية والكافية، في حين أن كل جزء في تركيبنا الداخلي المعقد، لا (يفكر) ولا يسعى لغير كسر طوقه والتحرر من قيده لدخول عالم الزمن المفتوح الذي نملكه نحن ولا يملك دورة حياتنا، كما هو الأمر مع زمننا الوجودي الراهن الذي ينتهي بنا إلى الموت.

أي زمن إذن الذي يجب أن تكتب عنه الرواية وتكون فيه خالصة لمتعة القارئ؟ وهذا يسحبنا لسؤال هل ثمة زمن بلا مشاكل؟ متى يعيشه الإنسان؟

إنه زمن التحرر من كل ما هو حسي، أي زمن الحرية المطلقة التي يطفو عبرها الإنسان على كل ما هو غريزي وحسي.

والسؤال الآن هو.. وعم يمكن الكتابة حينها، أعني في زمن اللحظة صفر، أي اللحظة النقية وغير المحدودة؟

عن كل ما هو أصيل وعصي على الفقد، وبالتالي يليق بكبرياء الكيان الإنساني وحرمة ذاته الفردية.

هل يعني هذا أن نحصر الجهد الروائي في ما هو ثقافي (أي الزمن الثقافي، إذا جاز التعبير) ونهمل ما هو تاريخي، أي الزمن المعيشي أو اليومي؟

برأيي هذا ما وجدت الرواية لأجله، ببساطة لأنها أول ما كتبت فإنما كتبت (في أوربا) للمتعة وتبديد ثقل ليالي الشتاء الطويلة والقارسة البرودة.. الجلوس أمام نار موقد النار والاستغراق في قراءة ما ينسجه الخيال…. ومن لا خيال له فما هو بروائي! وعلى هذا الأساس ولدت المدارس النقدية الأوربية، من أجل ملاحقة وتحليل البناء الفني والإشاري للرواية، وليس للقبض على رسالتها ومحاكمتها على أهدافها.

وربما تهويمة الروائية الفرنسية، جورج ساند، تضيء لنا هذا الجانب، وملخصها (الإنسان طيب وشرير، لكنه أيضاُ شيء آخر…).. ما هو هذا الشيء الآخر؟

هذا ما يجب أن تقام وتكتب من أجله الرواية (شيء الإنسان الآخر…)… وربما هو بحثه عما لا يمكن فقده… مدفوعاً بحسه العميق بأصالته الذاتية وإنه محور الحياة الذي لا يجب فقده!

هل يجب أن يُفقد الإنسان؟

على الأقل لا إنسان يقول هذا وهو غير هرم وبصحة جيدة!

هل ثمة صوت (يقول، أي يفكر بعمق ويسأل) غير صوت الإنسان في هذا الوجود؟

أنا لم أسمع صوت ثانِ!

***

سامي البدري

القلقُ الوجودي لَيْسَ حالةً نَفْسية عابرة، بَلْ هو سُؤال الكائنِ حين يضعُ رأسَه على حَافةِ المَعنى، وينظر في هُوَّةِ الوجودِ دُون وسائط مُطمئنة. وفي الشِّعْرِ، يتحوَّل هذا القلقُ إلى لُغةٍ، ونَبْرَةٍ، وجسدٍ لُغوي يَرتجف وهو يُحاول تسميةَ مَا لا يُسَمَّى.

في هذا الأُفق، تلتقي تَجْرِبتان شِعْريتان مُتباعدتان جُغرافيًّا وثقافيًّا، لكنَّهما مُتجاورتان رُوحيًّا : تَجْرِبة الشاعرةِ السُّوريةِ سَنِيَّة صالح (1935- 1985)، وتَجْرِبة الشاعرةِ الأمريكية سيلفيا بلاث (1932 - 1963 انتحار). كِلْتاهُما كَتَبَتَا مِن قلبِ القلقِ، لا بِوَصْفِه فِكرةً فلسفية مُجرَّدة، بَلْ بِوَصْفِه مُعاناة يَومية، وجُرْحًا مَفتوحًا في الذات.

عِند سَنِيَّة صالح، يَنْبُع القلقُ مِن هَشاشةِ الكائنِ في عَالَمٍ عَرَبيٍّ مُضطرب، وشُعورٍ عميق بالاغترابِ داخل الجسدِ واللغةِ والمصير. هِيَ لا تكتب عَن القلق، بَلْ تَكتُب بِه، كأنَّ القصيدة نَفْسَها كائنٌ قَلِق، يتقدَّم ويتراجع. يَتلعثم أحيانًا، ويَصرخ أحيانًا أُخْرَى. وَشِعْرُها لا يبحثُ عَن خَلاصٍ نِهائي، بَلْ يكتفي بِتَعريةِ الجُرْح، والوُقوفِ طويلًا أمامَ الأسئلةِ الكُبرى : المَوْت، الوَحْدة، الحُب، الأُمُومة، الزمن الذي يَنهش الرُّوحَ بصمت.

أمَّا سيلفيا بلاث، فيتخذ القلقُ عِندها طابعًا أكثر حِدَّةً واندفاعًا أقرب إلى الانفجارِ الداخلي. قلقُها وُجودي لكنَّه أيضًا نَفْسي، يتشابك معَ الاكتئابِ والهُوِيَّةِ الأُنثويةِ والضغطِ الاجتماعي. قصيدتها لا تَمْشي على حافةِ الهاوية فقط، بَلْ تقفز أحيانًا داخلها مُحاوِلةً أن تفهم السقوطَ ذاتَه. الذاتُ عِندها ساحةُ صِراعٍ عنيف بين الرغبةِ في الحياةِ والرغبةِ في التلاشي، بين الصوتِ والرغبةِ في الصمتِ الأبدي.

يُشكِّل الجسدُ مِحْوَرًا أساسيًّا في تَجْرِبةِ الشاعرتَيْن. عِند سَنِيَّة صالح، الجسدُ كائنٌ مُتعَب، ومريض، ومُحاصَر بالانتظارِ والخَسارات.إنَّه جسدٌ أُنثوي يعيشُ القلقَ بصمتٍ نبيل، قَلَق لا يَصرخ كثيرًا،بَلْ يتآكل بِبُطْء. يَظهر الجسدُ بِوَصْفِه مَكانًا للألمِ والذاكرةِ، لا كَمَوضوع للزينةِ أو الاحتفاءِ، بَلْ كحقيقة ثقيلة لا مَهرَب مِنها.

في المُقابِل، يَتحوَّل جسدُ سيلفيا بلاث إلى ساحة مُواجَهة مُباشرة معَ العدم. جسدٌ يَتكلَّم، ويَحْتَج، وينكسر، ويُعاد تَركيبُه لُغويًّا بِقَسوة. القلقُ هُنا لَيْسَ ساكنًا، وإنَّما عنيف، يَضرب الجسدَ، ويُعيد تَعريفَه باعتباره شيئًا هَشًّا، وقابلًا للفَنَاءِ في كُلِّ لَحْظة.

تكتبُ سَنِيَّة صالح بِلُغَةٍ شفيفة ومُقتصدة، لكنَّها مشحونة بطاقةٍ داخلية عالية. لُغتها تُشبِه حَياةً مَكسورة، أو اعترافًا يُقَال بصوتٍ مُنخفض خَوْفًا مِن انكساره. القلقُ في لُغتها يَتجلَّى عَبْرَ الفَرَاغات، والمَيْلِ الواضحِ إلى التأمُّلِ الداخلي.

سيلفيا بلاث تلجأ إلى لُغةٍ صادمة، ومليئة بالصُّوَرِ الحادَّة، والاستعاراتِ القاسية. لُغَتُها لا تَخشى العُنْفَ الرمزي، ولا تَخجل مِنْ تَعريةِ الذاتِ حتى أقصى دَرَجَاتِ الهَشَاشة. القلقُ هُنا يُتَرْجَمُ إلى صُوَرٍ قوية، وإيقاعٍ مُتوتِّر، وقصيدةٍ تكادُ تَكُون صَرخةً وُجودية مُكتملة.

يَلتقي صَوْتَا الشاعرتَيْن عِند سُؤالِ الأُنوثة، لَيْسَ باعتباره هُوِيَّةً بيولوجية فَحَسْب، بَلْ أيضًا تَجْرِبة وُجودية مُركَّبة. سَنِيَّة صالح تعيشُ أُنوثتها في ظِلِّ مُجتمع يُثْقِلُها بالتوقعاتِ والقُيود، فَتتحوَّل الأُنوثةُ إلى عِبْءٍ وُجودي، وسُؤالٍ مُؤلِم عن الحُرِّيةِ والمَعنى. القلقُ هُنا مُرتبط بالإحساس بالاختناقِ داخل أدوارٍ جاهزة. وسيلفيا بلاث تَخوضُ صِراعًا عنيفًا معَ صُورةِ المرأة كما يَرسمها المُجتمعُ الغَرْبيُّ الحديث. وهذا التَّمَزُّقُ يُولِّد قَلَقًا مُضَاعَفًا، لا يَجِد مَخرجًا سهلًا، ويَتحوَّل إلى رَغبةٍ في مَحْوِ الذات، أوْ إعادةِ صِناعتها مِنَ الصِّفْر.

المَوْتُ حاضرٌ بقوة في تَجْرِبَتَي الشاعرتَيْن، لكنَّ حُضوره يَختلف في النَّبْرَةِ والوظيفة. عِند سَنِيَّة صالح، المَوْتُ ظِلٌّ بعيدٌ نِسْبِيًّا، يُستدعَى بِوَصفه نِهايةً مُحتمَلة، أوْ كحقيقةٍ صامتةٍ تُراقِب الحياةَ مِنَ الخَلْف. إنَّه جُزْءٌ مِنَ التأمُّلِ الوُجودي لا ذِرْوَة درامية. وَعِند سيلفيا بلاث، المَوْتُ يَكاد يَكُون شخصيةً مَركزية، وَحِوارًا مَفتوحًا، وهاجسًا دائمًا. القلقُ الوجودي هُنا يصلُ إلى ذِروته، حيث تُصبح الحياةُ سُؤالًا ثقيلًا، ويَغدو المَوْتُ إغراءً فلسفيًّا ونَفْسِيًّا في آنٍ معًا.

لا يُقْرَأ شِعْرُ سَنِيَّة صالح وسيلفيا بلاث بِوَصفه تعبيرًا ذاتيًّا فَحَسْب، بَلْ هُوَ أيضًا شهادة وجودية على هَشاشةِ الكائنِ في مُواجهةِ العَالَمِ والذاتِ والمصير. كِلْتاهُما جَعَلَتْ مِن القلقِ مادَّةً شِعْرية مَركزية، وَوَعْيًا حادًّا بالوُجودِ وحُدودِه القُصْوى، ولَيْسَ حالةً نَفْسية عابرة.

تَلْتقي الشاعرتان في إدراكهما العميقِ لاغترابِ الإنسانِ الحديثِ، وتَحويلِ التَّجْرِبَة الشخصية إلى سُؤالٍ كَوْني، وتفترقان في نَبْرَةِ المُواجَهة. سَنِيَّة صالح تُصْغي إلى القلقِ وتَحْتويه، بَينما سيلفيا بلاث تُهاجمه وتشتبك معه حتى الاحتراقِ.

بَيْنَ الهمسِ والصَّرخةِ، يَتشكَّل شِعْرُهما كَوَثيقةٍ إنسانية عالية الكُلْفَة، تُثْبِتُ أنَّ القلقَ الوُجودي أحدُ أشكالِ الوَعْي، يَنبُع مِنْ شُعورٍ دائم بالانفصال، انفصال المَرأةِ عن جسدها، والعَالَمِ الذي يفرض صَمْتَه الثقيل، ويتعامل معَ المَوْتِ كَحَقيقةٍ تَسْكُنُ الحياةَ ذَاتَها، وَلَيْسَ شيئًا خارجيًّا.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

الطفولة الأزلية

من خلال مشاهدتي للفلم في عرض خاص ضمن حدث مهرجان الفلم العربي في هلسنكي بنسخته الثانية للعام 2025، خرجت بهذا الانطباع النقدي للفلم ولمصدر فكرة الفلم. يقدّم الفيلم العراقي أناشيد آدم (عدي رشيد) والرواية الألمانية طبل الصفيح (غونتر غراس) نموذجًا متقاطعًا لشخصية استثنائية: طفل يرفض أن يكبر. في الحالتين، تلتقي رواية طبل الصفيح لغونتر غراس (1959) والفيلم العراقي أناشيد آدم لعدي رشيد (2025) عند فكرة محورية: الطفل الذي وقف خارج حركة الزمن، بينما تتحرك الأحداث من حوله، وينمو الكل ويشيخ ويموت، حتى الأوطان. هذه الثيمة تتحوّل في كلا العملين من حادثة غرائبية إلى أداة نقدية تكشف عن مأزق الفرد في مواجهة التاريخ الجماعي. يتحوّل توقف النمو من حادثة غريبة إلى رمز وجودي وتاريخي يكشف مأساة مجتمع بأكمله، والخوف من القادم بتغيراته الحادة القاطعة، في النسخة العراقية على الأقل. الرواية تسرد أحداث حياة أوسكار من منظور الطفولة، متتبعة تحولات عائلته والمجتمع المحيط، مع تصوير تأثير النازية على ألمانيا.

بينما كان سرد الفيلم أناشيد آدم بصيغة البالغين كالراوي العليم " المخرج هنا "في السرد الروائي. من خلال أفعاله الغريبة، يواجه أوسكار فساد المجتمع والسلطة، والحروب، والانقسامات الاجتماعية، ما يجعل طفولته رمزًا للرفض والاحتجاج الفردي.

يبدأ الفيلم العراقي في عام 1946، في العصر الملكي العراقي، ويتزامن مع الانقلابات في الخمسينيات ثم الستينيات، حيث يتجمد عمر آدم، حتى يصل بنا إلى زمننا الحالي مع اجتياح داعش غرب العراق وهروب الأهالي في 2015، مزامنة مع الموت الذي نرى ملامحه في كثير من المشاهد، والتي ظهرت بها الجثث منذ أول الفيلم حتى آخره، خاصة المشهد النهائي حين دفع آدم بجثة أخيه في قارب في النهار، حيث لا نهاية لجريان الزمن والماء، وحيث المجهول.

مثل دور أنكي الممثل الموهوب تحسين داحس، بينما مثل دور آدم الطفل عزام أحمد علي، بينما مثلت هدى شاهين دور إيمان "شابّة". ويعكس المخرج تغيرات الزمن بشكل مقنع على الشخصيات المرافقة: إخوة الطفل الذي لا يكبر، آدم وأنكي وعلي، ورفيقة طفولته إيمان. يسجل للفيلم نقاط عدة في الفريمات البصرية الفنية الممتعة، المضافة للمشاهدة، خاصة وأن البيئة الغربية الريفية والصحراوية تقدم خدمة مجانية في هذا الصدد للكاميرا. اللعب على الضوء والظل للدفع لفهم الجوانب النفسية كان موفقًا كذلك. مع هذا، فشل الفيلم في المحافظة على نسق واحد للهجة المناطقية، فجاءت بين البغدادية ولهجة أهل الغربية في خلطة غير متناسقة. التمثيل كان مقبولًا في فصول الفيلم، لكنه جاء فاتراً. كان كاست دور آدم غير موفق؛ كان تمثيله باردًا و"فلات " بلا مشاعر في سبعين بالمئة من الفيلم. مع هذا، كانت تجربة الفيلم جيدة، ينقصها الاختزال والتكثيف، وتقليل مدة زمن الفيلم، والتخلص من الكليشيهات السياسية التي دسّها المخرج في الحوارات، خاصة موضوعة مقتل عبد الكريم قاسم في 1963 ومناصرة الشارع الشيوعي له. و للدقة التاريخية والواقعية، فإن المناطق الغربية لم تكن متعاطفة مع قاسم، وكانت تميل للانقلابيين بحس قومي، وهو عكس ما تحدث به أحد الشخصيات المحورية في الفيلم. ولو كان الفيلم لا يستند لوقائع زمنية حصلت، فلماذا حشر المخرج هذا الحدث في الحوار؟

في أناشيد آدم، يولد التوقف عن النمو من خوف شخصي: الطفل آدم يرى جسد جده المسجّى فيغدو مشدودًا إلى أمنية ألا يشيخ. الأمنية تتحقق، لكن المجتمع يراها لعنة، فتغدو حياته استعارة عن العراق الذي لا يتجاوز جراحه ولا يشيخ ليكتسب الحكمة. أما في طبل الصفيح، فإن قرار أوسكار بالتوقف عند سن الثالثة كان فعل احتجاج سياسي وأخلاقي ضد عالم الكبار الملوّث بالنازية والزيف. يتماهى آدم الطفل في الفيلم مع أوسكار في الرواية، ولكن آدم أكثر ملائكية وسلبية؛ فلا هو يجيد الاعتناء بنفسه، ولا حتى يعرف لماذا يكبر الآخرون، بينما هو محبوس في جسد وعقل طفل. في مشهد على النهر، يحاول أنكي تعليم آدم مهارة شق بطن السمكة وتجهيزها للشوي، نرى مدى صعوبة هذا نفسيًا وجسديًا على الملائكي آدم. كلا العملين يستخدم الواقعية السحرية: آدم طفل عالق في الزمن، وأوسكار ككائن يملك قدرة صرخة تحطم الزجاج وطبلًا يحفظ طفولته. غير أن غاية الرمز تختلف؛ في الفيلم يشتبك مع ذاكرة العراق وتراجيدياته، بينما الرواية تفكك تورط المجتمع الألماني في النازية. بهذا المعنى، يتجاوز الطفلان فرديتهما ليصيرا مرآة تاريخية: آدم يمثل براءة العراق المعلقة في دائرة موت لا ينتهي، وأوسكار يجسد رفضًا لبلوغ مجتمعٍ غارق في خطيئة الماضي. إنهما إعلان مزدوج بأن الطفولة ليست ملاذًا، بل صرخة ضد الزمن والخراب.

***

كتب: ياسين غالب

ليست اللغة نظاماً من العلامات فحسب، بل هي أفقٌ تأويليٌّ يتخلّق فيه المعنى بين ظاهر اللفظ وباطن القصد. ومن هنا نشأت في التراث العربي إشكالياتٌ دقيقة تتصل بـ التأويل والتقدير والإضمار، وبما اصطلح عليه النحاة من العلل الثواني والثوالث والأقيسة البعيدة؛ وهي أدواتٌ منهجية أراد بها العلماء صونَ النظام اللغوي، غير أنّها – حين تتجاوز حدودها – قد تُفضي إلى تضخيم البناء النحوي على حساب إشراق الدلالة.

أولًا: التأويل بين ضرورة الفهم ومخاطر الإسقاط

التأويل في أصله فعلُ عودةٍ إلى المآل، أي إلى ما يؤول إليه المعنى في سياق الخطاب. وقد أدرك البلاغيون – من مثل عبد القاهر الجرجاني – أنّ المعنى لا يُنال من مفرداتٍ مفصولة، بل من نظمٍ يُنشئ العلاقات بينها. غير أنّ التأويل حين يغادر مقتضى السياق، ويتحوّل إلى محاولةٍ لإخضاع النصّ لقواعد مسبقة أو تصوّراتٍ معيارية صارمة، يغدو ضرباً من العنف المعرفي.

فكم من تركيبٍ عربيٍّ سليمٍ في استعماله، أُثقِل بتأويلاتٍ بعيدة، لا لشيء إلا لأنّه خالف قياساً مشهوراً أو قاعدةً مستقرّة. وهنا يتجلّى التوتر بين “اللغة كما تُستعمل” و“اللغة كما تُنظَّر”. إنّ الخطر لا يكمن في التأويل ذاته، بل في تحوّله من أداةٍ لفهم النص إلى أداةٍ لإعادة تشكيله وفق قوالب ذهنية جاهزة.

ثانياً: التقدير والإضمار: اقتصاد اللغة أم إسراف الصناعة؟

العربية لغةُ إيجازٍ واحتشاد، وفيها من الحذف ما يدلّ على ثقةٍ بالسياق وذكاءٍ في المتلقّي. غير أنّ النحاة – حرصاً على استكمال البناء الإعرابي – لجؤوا إلى التقدير والإضمار لسدّ ما رأوه فراغاً نحويّاً. فصار في كثيرٍ من المواضع “محذوفٌ واجب التقدير”، و“ضميرٌ مستترٌ تقديره هو”، و“فعلٌ محذوف دلّ عليه السياق”.

ولا ريب أنّ التقدير ضرورةٌ في بعض المواطن، غير أنّ الإفراط فيه يُفضي إلى مفارقةٍ لافتة: نصٌّ موجزٌ في ظاهره، متضخّمٌ في باطنه، إذ يتكاثر فيه المحذوف والمقدَّر حتى يكاد يُثقِل بنيته الدلالية. هنا يغدو السؤال مشروعاً: هل كلُّ سكوتٍ في اللغة نقصٌ ينبغي ملؤه؟ أم أنّ الصمت أحياناً جزءٌ من البنية، لا خللٌ فيها؟

لقد وعى بعض الأصوليين – ومنهم أبو إسحاق الشاطبي – أنّ المقاصد تُفهم من مجموع الخطاب لا من تفكيكه الجزئي، وأنّ التقدير ينبغي أن يُراعى فيه مقصد المتكلم وسياق الحال، لا مجرد تمام الصناعة الإعرابية.

ثالثاً: العلل الثواني والثوالث: من التفسير إلى التبرير

نشأت فكرة العلّة في النحو متأثرةً بالمنطق، وبلغت ذروتها عند ابن جني في بحثه عن “علل النحو”. فبعد العلّة الأولى (كالتخفيف أو الثقل)، ظهرت عللٌ ثانية وثالثة لتفسير الظواهر اللغوية تفسيراً عقليّاً منسجماً.

غير أنّ تضاعف العلل قد يحوّل التفسير إلى تبرير، ويجعل القاعدة أصلًا والنصّ فرعاً، بدل أن يكون الاستعمال هو الأصل والقاعدة وصفاً له. وهنا تنشأ فجوةٌ بين المنطوق اللغوي ونسقه النظري؛ إذ يُستدعى التعليل لا لفهم الظاهرة، بل لحمايتها من الاستثناء.

إنّ كلّ علّةٍ تتجاوز حدود الضرورة الوصفية، وتتحوّل إلى بناءٍ افتراضيٍّ مركّب، إنما تُعبّر عن رغبة العقل في النظام أكثر مما تعبّر عن طبيعة اللغة نفسها؛ فاللغة كائنٌ حيّ، لا يستجيب دائماً لمنطقٍ صوريٍّ صارم.

رابعاً: الأقيسة البعيدة وإشكالية التعميم

القياس في العربية أداةٌ لتوسيع القاعدة، غير أنّ القياس البعيد – حين يُلحق ما لا يشبه بما يشبهه في الظاهر فقط – قد يُنتج أحكاماً تُباعد بين النصّ وسليقة الاستعمال. وقد نبّه سيبويه إلى أهمية السماع، وجعل له المقام الأعلى، غير أنّ بعض المتأخرين غلّبوا القياس حتى ضاقوا بالشاهد القليل إذا خالف المشهور.

إنّ القياس البعيد يُفضي إلى مفارقةٍ معرفية: فهو يسعى إلى توسيع النظام، لكنه في الوقت نفسه يُقصي التنوع اللغوي، ويُحيل الظواهر الشاذة – التي قد تكون أثراً لتطورٍ حيّ – إلى أخطاء ينبغي تأويلها أو ردّها.

خامساً: بين العقل النحوي وأفق الدلالة

تكشف هذه الإشكاليات عن صراعٍ خفيٍّ بين عقلٍ معياريٍّ يسعى إلى الاتساق، ولغةٍ حيّةٍ تميل إلى الاقتصاد والانزياح. فكلّ تأويلٍ مفرط، وكلّ تقديرٍ متكلف، وكلّ علّةٍ متراكبة، وكلّ قياسٍ بعيد، إنما يدلّ على خوفٍ من الفوضى أكثر مما يدلّ على فهمٍ لروح اللغة.

ولعلّ المخرج يكمن في إعادة التوازن بين الوصف والتقعيد، وبين السماع والقياس، وبين ظاهر النصّ ومقاصده. فاللغة لا تُفهم بفرض اكتمالٍ منطقيٍّ عليها، بل بوعي سياقاتها التداولية، وبتحريرها من وهم الانسجام المطلق.

خاتمة: نحو نحوٍ تأويليٍّ جديد

إنّ الحاجة اليوم ماسّةٌ إلى نحوٍ تأويليٍّ يراعي البعد التداولي، ويُعيد الاعتبار للسياق والاستعمال، دون أن يُفرّط بصرامة المنهج. نحوٌ يعترف بأنّ الحذف قد يكون دلالةً، وأنّ الشذوذ قد يكون أثرَ حياة، وأنّ القاعدة وُضعت لتصف لا لتقهر.

فاللغة، في نهاية المطاف، ليست معادلةً منطقية، بل كائنٌ رمزيٌّ يتحرّك في التاريخ، ويتنفس في الوعي، ويقاوم كلّ محاولةٍ لتحويله إلى هندسةٍ مغلقة. ومن هنا فإنّ مشكلات التأويل والتقدير والعلل والأقيسة ليست عيوباً في التراث، بل علاماتٌ على حيوية العقل العربي، بشرط أن تُقرأ قراءةً نقديةً تُحرّرها من تضخّمها، وتعيدها إلى وظيفتها الأولى: خدمة المعنى لا السيطرة عليه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

لعلي بنساعود

تمثل مجموعة "لا شيء ينتهي بإسدال الستارة" للقاص المغربي علي بنساعود مرآة سيكولوجية تعكس تفكك واغتراب الذات الإنسانية في سياق اجتماعي مُحطّم، فهذه المجموعة التي تضم ثمان عشرة قصة لا تقدم قصصاً فردية معزولة فقط؛ بل تُجسّد حالة جماعية من الاغتراب والهذيان، حيث تتشابك مصائر الشخصيات في دوامة من العزلة، والعنف، والهروب المرضي من الواقع. ومقاربتنا النقدية لهذه القصص سترتكز على محاور رئيسة تكشف عن البنية السيكولوجية المشتركة التي تُوحّد هذه الشخصيات المُعذّبة. 

العزلة السيكولوجية والبحث عن بدائل التواصل

تُعدّ العزلة السيكولوجية هي اللعنة الأولى التي تُطارد شخصيات المجموعة القصصية، حيث تفشل العلاقات الإنسانية الحقيقية في توفير الدعم، ما يدفع الأفراد، خاصة الأطفال والنساء، إلى خلق عوالم بديلة للتعويض.

الفراغ العاطفي والهروب إلى كائنات غير بشرية:

تُجسّد قصة "ما خلف الباب" العزلة المبكرة للطفلة التي تعيش في إطار أسري يفتقر إلى التواصل العميق، حيث تفشل الطفلة في البوح لوالديها وأختها، الذين "لا يعرفون أي شيء" عن عالمها الداخلي؛ وبالتالي تلجأ إلى آلية تعويض عن هذا الحرمان التواصلي، بتحويل دميتها الخزفية "فلة" إلى كائن حي، أخت وصديقة حساسة، تجد فيها "بئر أسرارها" وملاذها للحصول على الطمأنينة والدفء، تقول الساردة الطفلة في هذا الصدد بكثير من الوثوقية المفترضة " كانت فُلَّتي، مثلي تماما، حساسة للغاية، تتفاعل معي في الأفراح والأحزان، فعندما أحزن، أسارع لعناقها، وبمجرد ما تطبطب علي، تطمئن نفسي، وأشعر بالارتياح، وكانت تفعل معي الشيء نفسه" ص 16؛ إن هذا التماهي المفرط مع الجماد ليس مجرد لعب، بل هو آلية دفاع سيكولوجية تُعوض عن النقص في الاعتراف والاحتواء العاطفي؛ ويصل هذا الهروب إلى ذروته، عندما يتجاوز التخيل حدود الواقع، فتظهر الهلاوس (أنفاس دافئة وقبلة من الدمية إلى صديقتها الطفلة)، و(نطق الدمية بخبر وفاة أم الطفلة)، لدرجة أن الطفلة تعتبر أمها هي أم للدمية، تهذي مصورة ذلك قائلة" وحين دنوتُ منها، جرتْ نحوي، وارتمتْ في حضني، معانقة إياي، باكية بصوت حقيقي مسموع، وتقول "ماتت ماما، حبيبتي، ماتت ماما، ماتت، ماتت..."، كاد يغمى علي، وأقع أرضا، لولا أنها سندتني" ص 19، إنه أمر يُشير إلى تدهور نفسي تام ناجم عن انهيار سيكولوجي وعاطفي تام.

الاغتراب الزوجي والخيانة:

ينتقل الاغتراب إلى العلاقات الزوجية في قصص أخرى، مؤكداً فشل الأسرة كنواة للدعم، ففي قصة "لوحي المحفوظ"، يتشارك الأبوان الشعور بالوحدة، حيث الأب يشتاق إلى طفولة أبنائه، والأم منشغلة بعوالمها المدنية، وفي غمرة هذا الاغتراب، يسترجع الزوج أيضا ماضي أبيه وأمه، حيث يكتشف من خلال خبر صاعق من شقيقته، حالة الاغتراب العاطفي التي عاشته أمه رغم كرم زوجها، إذ تبدأ المشكلة بخيانة أبيه لأمه عبر رسائل غرامية مع إحداهن استعار لها اسم المختار، والسبب أنه لم يكن يشعر بالسعادة معها، فما كان من السارد الابن  إلى أن يعود إلى مذكرات أمه، ليكتشف أيضا خيانتها لأبيه، من خلال ما كتبته " أعيش على الذكرى، من أجل ابني... منذ تزوجت، قبل سنتين تقريبا، قررت النسيان، قررت نسيان حبي الأول... لكنني، حتى اليوم، ما زلت أغالب نفسي... رغم كرم زوجي وأخلاقه العالية، لم يستطع أن يملأ الفراغ، خصوصا أنه مجرد عامل، لا ثقافة له ولا طموح... رضيعي نفسه لم يستطع أن يخلصني من هذه المشاعر والأحاسيس المترسخة لدي..." ص 73، نستنتج أن هذا الزواج قد قام على أسس اجتماعية غير متكافئة ولا عاطفية، نشأ عنه اغتراب متبادل تؤثر فيه اختيارات ومواقف وقناعات اجتماعية وثقافية متفاوتة أنشأت بيئة خصبة لـلخيانة، سواء خيانة الأب الجسدية أو خيانة الأم العاطفية، ليدفع بالسارد الابن والزوج أن يعيش العدم في ما تبقى له من حياة مع زوجة مشغولة أيضا، وهكذا تستمر دوامة الاغتراب الزوجي الذي قد ينفتح على خيانات جديدة محتملة.

وفي قصة "حين قررت أن أتعايش معها"، يتجسد الاغتراب في فقدان الساردة لذاكرتها وهويتها، تبدأ مشكلتها قائلة " بعد أبي، غابت أمي! وحين استيقظتُ ذات صباح، بحثت عني... وجدتني في غرفة، في بيت مع رجل!... بعد مدة، تعثرتُ بطفل..." ص105-106، لم يكن الرجل سوى زوجها الحاضر الغائب، والطفل ابنها الذي يعاني من مشكلات سلوكية ملء العناد واللامبالاة، فتحس بالخيبة والاغتراب الأسري سواء لضبط ابنها، أم إزاء مشاغل البيت المتعبة، أو أمام سلطة وتحكم حماتها في خياراتها وخروجها بحثا عن صديقات، أو أمام زوج غائب، ولكي تخرج من هذا الكابوس تفاجئنا بنهاية مضللة لحكايتها، حيث كانت مشاركة في خرجة رياضية للمشي، لتكتشف أن الجميع يبحث عن طفلة تائهة، لتقول: " تلكأتُ في الالتحاق، وحين وصلتُ، فوجئتُ برجل وامرأة عائدين بطفلة، يلوحان من بعيد، فخمنت أنهما أمي وأبي عائدان بي من ضياعي المزمن!" ص110، إنه تماه ذكي من الكاتب، ليشير إلى أن الساردة تتوق إلى خلاص من هذا الاغتراب الزوجي والأسري الثقيل، كي يعيدها إلى زمنها الطفولي الطهراني الأول رفقة أبويها حيث الطمأنينة والسكينة في أوثق علاقة إنسانية تفتقدها في أسرتها الجديدة.2395 ali bnsaed

2-  العنف كقوة مُحركة للانهيار النفسي

يُعدّ العنف، سواء كان جسدياً، أو لفظياً، أو سيكولوجياً، القوة المحرّكة التي تُفجّر الانهيارات النفسية والاجتماعية في المجموعة، وتلعب الذكورة دورا سلبيا في ترسيخ هذا العنف وتذويته نفسيا كأثر ثقيل على الأطفال والنساء بشكل خاص.

العنف الأسري والاستبداد الذكوري:

في قصة "واقترب الفرج"، يظهر الأب كشخصية استبدادية عنيفة، يمارس العنف الجسدي واللفظي بشكل ممنهج، واصمًا ابنته بأقذع الصفات، حيث تستنكر البنت ذلك قائلة " بمجرد أن وصلت إلى المنزل عائدة من المدرسة، دلق علي حاوية شتائم وكلمات بذيئة زاعما أنني، حين دخلت، لم أنظر إليه! أكره نفسي، كما أكرهه... لو أستطيع لغادرت هذا الخم البئيس..." ص51، فهذا العنف الممتد عليها في كل وقت، نهارا وليلا، قد ولد لدى الابنة الكراهية العميقة للأب (المجنون كما وصفته) وللذات وللواقع، ودفعها إلى محاولة إيذائه "فقد أخذتُ، يوما، سكينا، وكدتُ أبقر بطنه" ص51، وكم آذت نفسها محاولة الانتحار؛ فحتى الأم، بدورها، لم تسلم من هذا العنف الذكوري حيث يعنفها متى حاولت حماية ابنتها، وغدت ضحية صامتة له؛ لكن صمتها وطلبها من ابنتها أن تعتذر لأبيها، يُعتبَر تواطؤاً سيكولوجياً يزيد من عزلة الابنة التي أصبحت تبحث عن معادل عاطفي آخر لدى رجل آخر، لم يكن سوى فتى جميل يدرس معها، وقد وقعت في حبه، ليفضح أخوها أمرها من خلال صور نسيتها على حاسوبه ف"جاء غاضبا يسألني عن الشخص معي في الصور... ارتفع صراخنا، سمِعَنا والدي، ولما عرف الموضوع، صفعني، قائلا: الساقطة لا يمكنها أن تنجب إلا ساقطة مثلك... فررتُ منه، فتحت الباب، لحق بي ودفعني، فتدحرجتُ حتى أسفل السلم" ص53، فعلا لقد تدحرجت جراء العنف الأبوي والذكوري إلى مقام سفلي حيث تنوء معه كل انثى تبحث عن حب يحتويها ويكون لها سقفا واقيا يحميها من كل اغتراب أو تيه وضياع عاطفي شاذ.

أما قصة "عينان خابيتان"، فتعكس نوعاً مختلفاً من العنف الأسري، حيث يتحول الأب المتقاعد من الجندية، بسبب اضطراب ما بعد الصدمة، إلى كائن غريب بارد العواطف والمسؤولية، يمارس عنفاً سلبياً على زوجته وابنته، يتمثل في حساب ومراقبة كل شيء، والسخرية، والضرب، والتهديد بالطرد، وقد وصفت الزوجة حالته الشاذة بأنه " أصبح لا ينام، وإن نام، فنومه شجار وصراخ، أحيانا، أستيقظ، فأجده نائما يتشاجر مع آخرين، يتبادل معهم السب والضرب، فينهال علي ضربا وتعنيفا..." ص 66،  إنه نوع من الانتقام النفسي الذي يسقطه على أسرته، ومرد ذلك أنه عانى كثيرا حين كان مرابطا على الجبهة، وآخر معاناته أنه " أمضى أياما عصيبة محاصرا في خندق، قرب جثث متعفنة لمن سقط من زملائه، تنهشها الغربان، وأنه كلما نظر ناحيتها، كانت تهاجمه محاولة نقر عينيه الخابيتين..." ص 69، إن هذا النص يشير إلى بعض التداعيات السلبية التي تؤثر على المجندين الذين كابدوا ويلات وفظائع الحروب، الأمر الذي ينعكس نفسيا عليهم وعلى ذويهم، وهي معضلة تحتاج إلى مواكبة ودعم نفسي بعد العودة من الحرب، لكي يتمكنوا من إعادة إدماجهم ضمن العلاقات الاجتماعية والأسرية.

قمع المؤسسة التربوية والانتقام الرمزي:

يُمارس العنف في المدرسة أيضاً، كما في قصة "فجأة انقطع التيار" حيث المعلمة البديلة، بشخصيتها القمعية والمُتسلّطة، تُعامل تلميذة مجدة بوقاحة وتحدٍّ، محوّلة الفصل الدراسي إلى سجن قسري، لا تفاعل، لا أسئلة...، فقط القمع والسخرية والكراهية، فحتى حين تجيب التلميذة ببراعة، ودون تعثر، تشيح عنها المعلمة بنظرها، لتتساءل الطفلة في نفسها ببراءة ودهشة: " يا إلهي، ألهذه الدرجة تكرهني، تكره طفلة في عمر حفيدتها؟ ارتبكتُ فأخطأتُ في آخر جواب، استدارت نحوي قائلة: هذا مستواك! ونظرت إلى التلاميذ تحرضهم، فقهقهوا ساخرين مني... انفجرتُ باكية."76-77؛ وكرد فعل دفاعي على هذا العنف النفسي داخل فضاء تربوي، وعلى لسان مربية تعاني خللا ما، تلجأ الطفلة إلى الانتقام السحري، تصنع دمية شبيهة بالمعلمة البديئة، تنتف شعرها وتصفعها وترميها على الأرض، وتطعنها بالإبر والدبابيس، وتشعر بالسعادة والانتشاء، وبمحض الصدفة الغريبة يتحقق حلم التلميذة حيث تقول أنه " في اليوم الموالي، تأخرتْ المعلمة، فرحتُ، وفرحتُ أكثر، حين جاءت متأخرة تجر خطواتها، وانتشيتُ حين سمعتها تشكو لزميلتها من ألم في مفاصلها... وأنها لا تستطيع حمل جثتها!" ص79، إنه حلم بالانتقام المتخيل عبر هذا النوع من السحر الأسود التي تقرأ عنه أو تشاهده في أفلام الرعب، معتقدة بأنه سينجح كقناعة راسخة يكرسها غياب الرقابة الأبوية حول ما يطلع عليه النشء، فيترسخ في اللاوعي إيمانا وسلوكا وفعلا؛ ثم يتطور الأمر إلى طردها من المدرسة بسبب اتهام المعلمة لها أنها صاحبة رسم لصورة المعلمة على هيئة ساحرة شمطاء بملامح شريرة على السبورة، في حين يبقى الفاعل مجهولا في صفوف التلاميذ؛ فهذا العنف المُمارس على الطفلة يُحوّلها إلى مُعنِّفَة في عالمها الخيالي، وتنتهي بها الأمور إلى الانهيار النفسي ورؤية الهلاوس، وإلى زيارة طبيب نفسي لا يفتأ يحقنها بمحقن مهدئ، وهذا طبعا يؤكد تسبب البيئة القمعية في تحطم الذات جراء سلوك ناجم عن مربية يفترض فيها التوازن والحكمة والتبصر، مما يكشف عن مُعضلة تربوية وأخلاقية وقانونية وسيكولوجية تحتاج إلى إعادة نظر وتصويب.

الاستغلال في العلاقات العلاجية والحميمية:

تتجسد الصدمة النفسية في شكل استغلال مهني سُلطوي في قصة "هذا لست أنا"، حيث تنتهك المعالجة النفسية حدود المهنة باستغلال هشاشة المريض عاطفياً وجسدياً، حين " يتمدد على الأريكة صامتا، ينظر إليها، في وضع يشبه من هو في حالة تنويم مغناطيسي... شجعها صمته... اعترفت أنها تريده... قالت له كلمات جعلته يذوب... أثارت رغبته. بدت واثقة بنفسها... جلست جواره، لامسته بلطف، مدت يدها تفك أزراره ثم نزعت سترها..." ص 23، يكشف هذا المقطع حجم الهشاشة النفسية لكل من المريض والطبيبة النفسية، حيث انقلبت المعادلة إلى مرض نفسي تعاني منه الطبيبة (النفسية) جراء الحرمان العاطفي والجنسي ونداء الجسد، وانعدام المسؤولية المهنية وميثاقها، مما يُحوّل جلسة العلاج إلى تلاعب واستغلال ثم تخلٍ قسري في النهاية بعض قضاء الحاجة وتلبية الرغبة، وهذا ما يعمق من أزمة المريض النفسية؛ إنه نوع من الانقلاب القيمي والخلقي الذي أصاب المجتمع، فالطبيب والمريض كلاهما يعانيان من أمراض ناجمة عن أمراض اجتماعية انعكست على العلاقات المهنية.

3- الانهيار السيكولوجي وآليات الهروب المرضي

يُعدّ الانهيار النفسي نتيجة حتمية لكل أشكال العنف والعزلة. وتتراوح آليات الهروب بين الذهان، وفقدان الذاكرة، والهروب نحو الموت، وذلك من خلال ما يلي:

الشخوص بين الضغوطات والذهان:

في قصة "بعوض بلا طنين"، يُصوّر القاص حالة الذهان عند الأم بشكل متدرج ومقنع بعد أن عاشت البؤس وشظف العيش جراء عدة تجارب زواج فاشلة، وقد بدأت الحالة بهلاوس سمعية تقول عنها ابنتها الساردة " بدأتْ تَدَّعي أنها تسمع أصواتا أهمها صوت البعوض، حاولت أنا وزوجي أن نقنعها بأنه ليس هنالك أصوات ولا بعوض..." ص112، وتطور الأمر إلى هلاوس تخيلية غير صحيحة تخص بيت الجيران المقابل لهما، يفصلهما شارع عريض، ، حيث تخبر الأم ابنتها وزوجها بأن " الفتاة التي تسكن ذاك المنزل تبكي، طوال اليوم، حزنا على فراق أمها وأبيها... واليوم، جاء خالها ليأخذها، لكنها رفضت أن تذهب معه... تعالي، بنيتي، لنتدخل عسى الله يجعل لها مخرجا..." ص 113، في حين أن المنزل المذكور، لا يسكنه سوى أربعة إخوة ذكور فقط، ماتت أمهم منذ زمن؛ أو أن هذه الأم تلجأ إلى التحدث مع الموتى والتشاجر مع الأزواج السابقين. وتشتد الذروة عندما تكتشف الساردة بفعل ضغوطاتها وتناول بعض الأدوية أن الحديقة والغرفة التي كانت تبحث فيها عن أمها لم تكن هناك أصلاً، تقول " هذا الصباح، استيقظتُ متأخرة بفعل ما أتناوله من أدوية، ناديتُ أمي لأسلم عليها، لم ترد، لعلها في الحديقة، قلت، فتحتُ الباب، لم أجدها، لا هي ولا ما زرعته من ورود وأزهار، بل لم تكن هناك حديقة أصلا!" ص 115، يشير هذا المقطع إلى أن الهلاوس قد تسللت فعلا بالمحاكاة إلى وعي الساردة نفسها، كما إلينا كقراء، بفعل هذا التمويه النهائي للقصة، وذلك للتدليل على ذكاء سردي وذكاء النهاية والقفلة، حيث جعلَنا الكاتب بطريقة كافكاوية نصدق هذا الهذيان الأدبي العاكس لواقع مرير يعيش في دوامة من الهلاوس والهذيانات التي تنتقل بالعدوى.

الموت كخيار للتعامل مع الصدمة الوجودية:

تُثير قصة "رسوم عاطفية" قضية الموت الرحيم (أو الموت الاختياري) كهروب نهائي من المعاناة الجسدية والنفسية؛ فالصراع السيكولوجي والمهني الذي تعيشه الابنة الطبيبة يصور عمق الصدمة، حيث تصف موافقتها مكرهة على موت والدها ، فالهروب هنا هو هروب الأب عبر موت رحيم من "مرض عضال" و"معاناة تأبى أن تنتهي" حيث يصر على موقفه قائلا لابنته " حقنة كافية لأن تهدئني، تضع حدا لآلامي، وتنقلني إلى العالم الآخر بسلاسة، ودون أن أشعر" ص 135؛ كما أن ابنته كطبيبة تعيش رفقة عائلتها صدمة وجودية كبرى تحاول الهروب منها أيضا، لكن إصرار الأب ومحاولاته المتكررة للانتحار، تضعها في محك حقيقي، وهي الخبيرة بأحوال المرضى ومعاناتهم، وفي الأخير تستسلم لهذا القرار، لهذا الخيار حين " حقنه الطبيب بمنوم، بعدها بنصف ساعة، ناوله جرعة زائدة من "الباربتيورات"... ارتخى... دخل في سبات عمييييق... انتهى كل شيء" ص 139؛ لكن الصدمة تستمر بعد الموت في شكل لوم الذات والشعور بالندم يلازم الساردة بنتا وطبيبةً، رغم محاولتها إقناع نفسها بأنها فعلت صوابا لتحقق لأبيها الراحة والطمأنينة؛ فأحيانا يكون الموت الجسدي أفضل وسيلة نهائية وإجبارية لموت المعاناة والصدمات أيضا.

المراهق بين الوهم والواقع الحتمي:

في قصة "مجرى ولا ماء"، يظهر التظاهر بالانتحار كآلية للتعبير عن اليأس ولفت الانتباه في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث نرى أن خديجة المراهقة ذات الأربعة عشر ربيعا، بقوامها الطويل والرشيق، والتي كانت تحلم بأن تصبح مانكان كما أسرت لأستاذها ذات فصل، لم يكن هدفها هو الموت الحقيقي حين تناولت الحلوى المسممة بسم الفئران، بل "التظاهر بالإغماء" لاستجداء عاطفة حبيبها، وقد أسرت بذلك لإحدى زميلاتها بالقسم قائلة " سأتناول قليلا من سم الفئران، سيغمى علي، فأٌنقَل إلى المستشفى، ويتم إسعافي... ومن على السرير، سألتقط صور "سيلفي" أبعثها إلى هشام... فيعود ماؤه إلى مجراي!" ص 62؛ لكن النهاية انسدلت على أحلام خديجة ذات القوام الطويل والرشيق، ووقع الخبر الصاعق على أمها التي" انهارت حين جاءت إحدى الممرضات تعزيها، وتخبرها أن الطفلة لفظت أنفاسها الأخيرة..." 58؛ هذه الخطة المأساوية تكشف عن الهشاشة المفرطة للمراهقين، وعن أحلامهم وطموحاتهم التي تعيقها انتماءاتهم لأوساط شعبية وهامشية، لذلك يعتقدون، عبر اللجوء إلى عقدة التسامي والتعويض، أن الدراما والألم هما السبيل الوحيد للحصول على الاعتراف العاطفي المفقود، وعلى تحقيق الأماني مهما كانت، دون وعي أو مسؤولية من الوالدين حتى؛ فالقصة تدعو إلى ضرورة الانتباه ومراقبة سلوكات المراهقين، وتربيتهم على العيش تحت سقف اجتماعي كمعطى واقعي، والتعايش مع طموحاتهم بنفس المنطق.

ألية الكتابة والتدوين الأدبي والصحفي للتنفيس ومواجهة السلطة والفساد:

تُقدّم قصتا "ذات وجع" و"سيف ديموقليس" آليات الهروب من السأم والقنوط ومحاربة الفساد عبر التعبير الأدبي والتدوين الصحفي.

في القصة الأولى، تتماهى الساردة مع ضحية الاغتصاب في مخطوطة مجهولة عثرت عليها ضمن أغراضها، وتصف الإحساس بالطعن بخنجر الاغتصاب الذي تعرضت له فتاة، وكأنه واقع بها حين وقعت فريسة عنف جسدي بعد أن اقتادها وحشان آدميان (سائق سيارة أجرة وراكب شريك له) إلى مكان مهجور بين الأشجار، تقرأ لنا الساردة بعضا من هذه المخطوطة: "... فتح السائق صندوق السيارة، تكلف الثاني بجذبي من داخلها. حاولت المقاومة، لكن صفعة منه شلت حركتي... شد ضفيرتي، جذبني خارج السيارة. جثوت أصرخ، دفعني بقدمه، وقعت على قفاي، مزق فستاني، كتم أنفاسي... وغرز خنجره فيَّ..." ص 84، فغرز الخنجر إنما هو استعارة من الكاتب للاغتصاب، الذي تعرضت له الساردة يوما ما، وقد تكون المخطوطة خاصتها (عثرت عليها ضمن أغراضها)، تعود إليها لتستحضر هذه المأساة، تقرأها كوسيلة لتنفيس الصدمات المكبوتة عنها، وذلك يشير إلى تداخل ذكي عبر التعبير الأدبي وذكرى الاعتداء، تتذكرها لتنساها عبر تكرار البوح عبر تقنية وآلية تدوين المذكرات، فهذا هروب متكرر لا تدرك معناه حتى الساردة نفسها وهي تختم حكايتها قائلة: " يا إلهي، قلت في سري، أي نوع من الكتابة هذه التي متى قرأتَها، عثرتَ على نفسك متشظيا بين حروفها، ووجدت تجربتك مقطرة ترشح من ثناياها، حاملة أفكارك... مشاعرك... أحلامك... هلاوسك... رغم الألم والإحباط، أعيد قراءة المخطوطة، فيترسخ لدي الشعور بأنني بصدد مشاهدة إعادة تمثيل جريمة أنا ضحيتها..." ص86.

أما في قصة "سيف ديموقليس"، فيواجه الصحفي المعارض، المتخصص في الصحافة الاستقصائية، اتهامًا بالسرقة كرد فعل على نبشه لأعشاش دبابير السلطة والفساد، حيث تحاول السلطة، بعد محاولات عديدة لثنيه عن توجهه الصحفي، أن تصادر بعض محجوزاته ونصوصه الأدبية التي تتحدث عن هوسه بسرقة أي شيء مهما كان متواضعا، وهي عادة أدمن عليها منذ طفولته ويتمه وعيشه مع جدته إلى أن كبر، أشياء عادية يجمعها أنى كان، يقول السارد في إحدى تدويناته الأدبية التي صادرتها المحكمة واعتبرتها صك اعتراف واثبات على السرقة: " وحين تجمعت لدي كمية كبيرة من هذه المواد، استغللتها في تزيين بورتريهات نسائية كنت رسمتها على جدران غرفتي... وما تبقى من ألوان رسمت به ألوية حمراء تحفها المطارق والمناجل وتحملها الجموع... وتحتها كتبت: يا مزاليط العالم، لن تتحدوا أبدا." ص 128، فهذه التدوينة المصادرة (التي أحدثت صراعا بين ممثل النيابة العامة ودفاع المتهم حول طبيعة النص هل هو سيرة حقيقية أم خيال؟)، تسلّط الضوء على محاولة السلطة لـتشويه الذات وتصفية المعارضة عبر سلاح الوصم النفسي والجنائي، وعلى طبيعة الشخصية التي تعيش هوسا نفسيا يجمع بين انتماء إيديولوجي سياسي معارض قرينته المطارق والمناجل والألوية الحمراء، وبين الإدمان على السرقة لأشياء الآخرين ليشكل بها عالمه المشتهى الأثير والمفترض، وذلك ما يشير إلى عيش الشخصية في فصام بين واقعين، واقع مريض بالهلاوس، وواقع فاسد بالسلطة، مما يدفعه عبر التعبير الأدبي إلى إشهار"سيف ديموقليس" للتهديد بالانتقام والنبش في عش دبابير السلطة والفساد دون إدراك عاقبة أن تلدغه كما نبهه محامي دفاعه في نهاية القصة.

ختاما، تؤكد مجموعة "لا شيء ينتهي بإسدال الستارة" أن الشخصيات فيها مُحاصَرة في دائرة مغلقة من العذاب والمعاناة النفسية والجسدية، إذ العزلة تولّد العنف، والعنف يُفجّر الانهيار النفسي، والانهيار يقود إلى آليات هروب مَرَضية تُعيد الفرد إلى واقع أكثر مرارة، فهذا البؤس السيكولوجي ينبع أساساً من فشل العلاقات الإنسانية الحقيقية، حيث تُعاني الشخصيات من العزلة الناتجة عن الوصاية والاستغلال، فتجد في الهروب الذهاني، أو التماهي مع الجماد، أو أحلام اليقظة، أو حتى التخطيط الانتقامي (السحر الأسود)، أو اللجوء إلى الانتحار الحقيقي أو التظاهر به... سبيلاً وحيداً للنجاة والخلاص.

هكذا نجد القاص على بنساعود قد برز في براعة رسم المشاهد الداخلية لشخصياته السردية، مصورا كيف تتداخل الهلوسة بالواقع، ويتحول الحلم إلى صدمة، لتبقى الشخصيات "صخرة في الوحل" لا تستطيع أن تكمل رحلتها نحو قمة الجبل، مُعلنة أن الستارة قد تُسدل في نهاية كل قصة؛ لكنها لا تنسدل أبدا على مستوى الذات والعذاب الداخلي والصراع النفسي والاجتماعي.

***

سعيد السوقايلي - كاتب وناقد مغربي

.............................

* المجموعة القصصية "لا شيء ينتهي بإسدال الستارة" للقاص المغربي علي بنساعود 2025، مطبعة وراقة بلال بفاس – المغرب.

 

ليست العربيةُ لغةَ ألفاظٍ تُرصُّ اعتباطاً، ولا نظامَ علاماتٍ محايداً يفصل بين الصوت والمعنى فصلاً آليّاً، بل هي — كما تنبّه الأوائل — شبكةُ تواشجٍ دقيقٍ بين الجرس والدلالة، بين المخارج والظلال النفسية، حتى ليغدو الحرفُ في بعض المواضع نواةَ معنى، أو على الأقلّ مُلوِّنَه الخفيّ.

لقد وقف ابن جني في كتابه الخصائص طويلاً عند ما سمّاه «إمساس الألفاظ أشباه المعاني»، فقرّر أن بين الأصوات وما تدلّ عليه من معانٍ مناسبةً ليست عرضيّة. وهو لا يدّعي تطابقاً مطلقاً، بل «مناسبة» تُستشفّ من كثرة الاستعمال؛ فالصاد — مثلًا — في «صَرّ، صَكّ، صَليل» تُشعر بالصلابة والحدّة، والراء المكرّرة في «زَرْزَرَ، خَرْخَرَ» توحي بالاهتزاز والاضطراب. إنّه يلمح إلى ما يُعرف في اللسانيات الحديثة بـ«الرمزية الصوتية»، لكن في أفقٍ عربيٍّ مبكّرٍ يستند إلى الذوق اللغويّ والاستقراء.

ولم يكن سيبويه بعيداً عن هذا الحسّ، وإن كان مشروعه نحويّاً بالأساس؛ فقد عُني بتحديد المخارج والصفات، لأنّ انتظام النظام النحويّ مشروطٌ بسلامة النظام الصوتيّ. فتمييزُ الشدّة من الرخاوة، والجهر من الهمس، والاستعلاء من الاستفال، ليس ترفاً صوتيّاً، بل هو جزءٌ من هندسة المعنى. فالفعل «قَطَعَ» — مثلًا — بحروفه المجهورة الشديدة يُحاكي فعلَ القطع في حدّته، بخلاف «قَطَفَ» حيث الرخاوة أخفّ أثرًا.

ثم جاء عبد القاهر الجرجاني ليعمّق الرؤية من زاوية «النظم»، فبيّن أن المعنى لا يقوم في المفردات منفصلة، بل في علاقاتها الصوتية والتركيبية. فاختيار حرفٍ دون آخر ليس اختياراً معجميّاً فحسب، بل هو قرارٌ إيقاعيٌّ دلاليّ. إنّ قولنا: «همس» غير «جهر»، لا من جهة المعجم فقط، بل من جهة الجرس الذي يهمس فعلًا أو يجهر.

أولًا: في البنية الصوتية وأثرها الدلالي:

تنقسم الأصوات العربية بحسب المخارج والصفات، وهذه الصفات ذات أثر إيحائي:

الأصوات الشديدة (كالباء، الدال، الطاء) توحي بالانفجار والقوّة.

الأصوات الرخوة (كالسين، الفاء، الهاء) توحي بالامتداد واللين.

أصوات الاستعلاء (القاف، الصاد، الطاء، الظاء) تمنح اللفظ ثقلًا وهيبة.

الأصوات المجهورة تضفي حضوراً وامتلاءً، بخلاف المهموسة التي تميل إلى الخفوت.

من هنا نفهم كيف تتجاور الدلالة المعجمية والدلالة الصوتية في ألفاظٍ مثل: «غليان» حيث الغين واللام المطبقتان تُشعران بالغور والاضطراب، و«سكون» حيث السين والكاف والنون أصواتٌ رخوة أو متوسطة تعكس هدوءاً وانسحاباً.

ثانياً: في الصرف والاشتقاق بوصفه هندسةً صوتيةً للمعنى

الصرف العربي ليس آليةً لإنتاج الكلمات فحسب، بل هو نظامُ توزيعٍ للصوت على المعنى. فالزيادة في المبنى زيادةٌ في المعنى، كما تقرّر القاعدة. غير أنّ هذه الزيادة ذات بُعدٍ صوتيّ أيضاً؛ فالتضعيف في «كسّر» يضاعف الأثر السمعيّ كما يضاعف الفعل، وصيغة «فعّال» بكثافة حرف العين المشدّد توحي بالتكرار والمبالغة.

ولمّا تحدّث تمام حسان عن «القرائن» في الدلالة، نبّه إلى أنّ الصوت قرينةٌ أولى لا يجوز إغفالها؛ فالنظام اللغويّ عنده شبكةٌ من المستويات (صوتي، صرفي، نحوي، دلالي)، وكلّ مستوى يسند الآخر.

ثالثاً: في النحو وعلاقته بالإيقاع الصوتي

النحو العربيّ — في جوهره — تنظيمٌ للعلاقات بين الكلمات، لكنّ هذا التنظيم مشروطٌ بانسجامٍ صوتيّ. فالرفع والنصب والجرّ ليست حركاتٍ اعتباطية، بل هي — في أصلها — إشاراتٌ سمعية تحدّد الوظيفة. والحركة القصيرة (الفتحة والضمة والكسرة) تُعدّل إيقاع الجملة، فتمنحها خفّةً أو ثقلًا.

وقد رأى بعض الدارسين المعاصرين، متأثرين باللسانيات البنيوية، أنّ العلاقة بين الصوت والمعنى اعتباطية، على نحو ما ذهب إليه فرديناند دي سوسير في حديثه عن «اعتباطية العلامة». غير أنّ العربية — بما راكمته من اشتقاقٍ وجذريةٍ صوتية — تقدّم نموذجًا تُخفَّف فيه هذه الاعتباطية بظاهرة «الرمزية الصوتية» والاستقرار الاشتقاقي.

رابعاً: بين الفطرة والاصطلاح

إنّ السؤال الجوهريّ: هل دلالة الصوت طبيعية أم اصطلاحية؟

الأقرب أنّها منطقةُ تداخل: فالأصل اصطلاحيّ، لكنّ الحسّ الإنسانيّ يربط بعض الأصوات بإيحاءاتٍ نفسية. فحرف القاف — لشدّته وقلقلته — يميل إلى تصوير القوّة (قهر، قضم، قصف)، وحرف الهاء — لهمسه — يلازم معاني الخفّة والأنين (همس، هدهد، هفيف).

وهذا لا يعني قانوناً صارماً، بل «ميلًا دلاليّاً» يتعزّز بالاستعمال.

خاتمة: الحرف ككائنٍ دلاليّ

إنّ الحرف العربيّ ليس مجرّد عنصرٍ صوتيّ، بل هو كائنٌ دلاليٌّ صغير، يسهم في تشكيل الظلّ المعنويّ للكلمة. ومن يتأمّل العربية يجدها قد شيّدت بنيانها على هذا التآلف بين الجرس والمعنى، حتى غدا الاشتقاقُ موسيقى، وغدت الجملةُ إيقاعاَ نحويّاً.

وهكذا فإنّ دراسة دلالة الأصوات في العربية ليست ترفاً بلاغيّاً، بل مدخلٌ إلى فهم عبقرية النظام اللغويّ العربيّ، حيث يتجاور الصوت والمعنى كما يتجاور الجسد والروح، لا ينفصل أحدهما عن الآخر إلا انفصالَ الحياة عن نبضها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

تنساب أعمال الأديب حسن حميد كأنهار من الشّجن، تتدفّق في مجرى السّرد بفيض من الرّؤى الفلسفيّة والجماليّة، وترتكز على لغة طيّعة رصينة، تزاوج بين المأساة والحلم؛ لتغدو كفضاء تتصارع فيه قيَم الحقّ والجمال مع وطأة الشّتات والظّلم.

لقد برع د. حميد في تطويع الأحداث وتحويلها إلى نصّ إبداعيّ نابض، لتطلّ الأرض من بين سطوره أيقونة خالدة، ويتحوّل الاغتراب في نصوصه إلى طاقة خلّاقة تعيد صياغة الوجود الإنسانيّ بأكمله.

يبقى في كلّ عمل يخطّه حارسا للذّاكرة، متجاوزا في توظيفه لتقنيَّة "الميتاسرد" حدود الحكاية التّقليديّة نحو أفق وعي السّرد بذاته؛ فينتقل إلى القراءة الواعية بآليات بناء النّصّ، يستنطقه ليرتدّ إلى كينونته الواصفة، فيتوقّف عن النّظر إلى الأحداث ويعود للنّظر إلى ماهيَّته كعمل أدبيّ. الكاتب هنا لا يكتفي بإخبارنا "ماذا حدث"، بل يجعل الرّواية تتحدّث عن "كيف تكتب".

د. حميد روائيّ حداثّي، يمنح القارئ دور الشّريك في هندسة البناء السّرديّ، محطّما بذلك حدّة الإيهام بالواقع؛ ليضفي على أعماله أبعادا فلسفيّة ونقديّة، تضع العمليّة الإبداعيّة تحت مجهر التّأمّل. ويأتي البوح الذّاتيّ في أعماله ليمنحها نبضها الوجدانيّ، إذ يمزج المتخيَّل السّرديّ بمرارة التّجربة الشّخصيّة، محوّلا العمل إلى وثيقة إنسانيّة تخاطب المتلقّي، في حين يبرز الخيال الرّمزيّ؛ كأداة لتقويض الرّتابة الواقعيّة، ووسيلة لإعادة صياغة الواقع ضمن إطار يفتح الآفاق بعمق أمام مساءلة قضايا الوجود.

تعدّ هذه المناورة السّرديّة في مجملها نهجا واعيا، محقّقة غاية فنّيّة تمسّ جوهر العمليّة الإبداعيّة، وتعيد صياغة العلاقة بين المؤلّف والقارئ والنّصّ. كما يخلق في نصوصه بيئة قادرة على توليد أنساق تتبدّى حينا وتتوارى حينا آخر، ليصير السّرد مرآة صادقة لهويّة الفلسطينيّ وارتباطه بالأرض.

يتعانق في محرابه الموت بالانبعاث، وتستحيل الجغرافيا إلى فضاء طوبائيّ، تذوب فيه حدود الحكاية بفعل التّكوين؛ فتشرق شخوصه ساكبة على حكاياها مسحة تراجيديّة، تعيد بعث السّيرة الفلسطينيّة وتجسيدها في منازلها التّاريخيّة الأولى.

من هنا، يتّضح في آفاق أعماله تناغم فنّيّ ينسحب على سائر نتاجه، إذ يستند في رَويِه إلى التّكثيف السّرديّ وحصر الضّوء في بؤرة الموضوع؛ لينصهر هذا الإيجاز الفنّيّ في بوتقة الالتزام، حيث يستبدّ به الهمّ الوطنيّ، فينكبّ على تصوير حالنا وأحوالنا ونقل نبضنا الاجتماعيّ. وإذ يحسب له هذا الالتصاق الوجدانيّ بحياة البسطاء والمحرومين، فهو يكتب بعين المنحاز لقضاياهم، مخلصا لروح المكان وتفاصيله؛ ينتقي أبطاله من قلب الموقف الإيجابيّ، ملتقطا عفويتهم؛ لينقلنا بذلك إلى رحاب التّجربة الحيّة.

كما تشيع في نصوصه إيماءات تنضح بالحنين، وترسم ملامح الفجيعة في مرافئ الغربة، لكنّها تظلّ متمسّكة بحتميّة الصّمود.

لقد قرأت مجموعة من رواياته واستجليت ما انطوت عليه من أسرار، سأقوم هنا بعرض شذرات من بعضها؛ وذلك بإيجاز مكثّف، مستحضرة جوهرها بكلمات قلائل.

في روايته "جسر بنات يعقوب"، يستعيد المأساة الفلسطينيّة من بوّابة التّاريخ، يستحضر أحداثا ويعيد صياغتها عبر بناء روائيّ خاصّ، يشيّد من خلاله ملامح المكان، بدءا من عتبة العنوان، وصولا إلى التّذييلات والاعترافات والحواشي الّتي تصطفّ كفواتح معرفيّة تجذب القارئ، وتشي بأبعاد سياسيّة ودينيّة واجتماعيّة.

يتأرجّح عنوان هذا العمل في أطيافه بين التّاريخ والسّياسة، وهو ما يلقي بظلاله على الجوهر الوجوديّ لأبطال العمل المحوريين، أمّا الأحداث، فتحبس في داخلها زفرات الوجع المترنّح فوق جسر الضّياع؛ لتصبح شاهدة على مأساة أمّة وفجيعة وطن، في تمازج يجمع بين غابر الأيّام وحاضرها، وبين الممكن والمستحيل.

على ذات النّهج الانبعاثيّ، تنبثق رواية "الكراكي"، لتبرز بناء سرديّا يجمع بين الخيال والواقع والموروث الشّعبيّ، متّخذة من بحيرة طبريا مدارا أسطوريّا يضجّ بالحياة، فيخلق الكاتب من الحروف أجنحة تحلّق بالقارئ نحو آفاق شاعريّة رحبة، وتتماهى الشّخوص الأثيريّة مع أمكنتها في وحدة صوفيّة تفيض بالوداد.

هو نصّ يرتفع فوق النمطيّة، وكأنّه قصيدة نثر مطوّلة تعزف ألحانها على أوتار الطّبيعة؛ تنبعث الرّوح فيها من نبض الأرض المقدّسة وطهر ابن مريم، فتغدو الحكاية صمودا في وجه العواصف الّتي يبثّها الغرباء خلف حواجزهم.

أبطالها تمثّلات لنفس إنسانيّة تسمو بآلامها؛ فالحبّ فيها غاية وجرح مقدّس، يمنح الوجود معناه دون ارتهان لنهايات تقليديّة، هي صرخة حقّ وبناء لغويّ يجمع بين نور التّراب وعبق الأرض.

أمّا اتّخاذ "الكراكي" عنوانا لهذا النّصّ، فينمّ عن بصيرة نافذة؛ فهذا الطّائر المهاجر برحلته السّرمديّة بين الصّقيع والدّفء، يجسّد حال الفلسطينيّ المهجّر الّذي يحمل وطنه في قلبه أينما ارتحل، وهو استعارة سيميائيّة موحيّة؛ فهذه الطّيور تملك غريزة العودة إلى ديارها؛ وكأنّها تعلن ارتباطها الأزليّ بالمكان. وعلى ضفاف بحيّرة طبريّا، حيث تحطّ لتتعمّد بطهر الأرض، تتردّد أصداء حنين الكاتب الّذي ظلّ يسكنه الوطن نصّا وروحا، واهبا لغته القدرة على استشفاف تفاصيل لم ترها عيناه، صائغا من شتات النّفيّ والغربة وطنا من الورق، يحرسه الوفاء ويسكنه اليقين.

تنبني هذه الرّواية على لَبِنات سرديّة تنتظم كحبّات العقد، لكلّ منها كيّنونتها المستقلّة، بيد أنّها تندمج في سياق كلّيّ يعكس تمكّن الكاتب. هي رواية تسمو بالخيال إلى أبعد الآفاق، وتبقي الجذور ضاربة في ثرى الحقيقة المرّة، وهي أيضا مرثيّة للحبّ والضّياع؛ فالحكايات الّتي سطّرتها تلتفّ بوشاح الحزن، وتفضي نهاياتها إلى فواجع تقرع شغاف القلب.

نجد في فضائها كينونة بنائيّة تُوَظَّف فيها تقنيات الرَّويِّ المعاصر في تجريبها واستنطاقها للتّاريخ؛ كأداة لإدراك أغوار الذّاكرة، وممرّات عبوريّة نحو رموز مشحونة بالدّلالات؛ يتحوّل فيها الصّندوق والمخطوط العتيق والجدّ إلى بنىً خلّاقة، لتكون مراجع نفسيّة للوجود في مواجهة الغياب، فتبرز الذّاكرة الجمعيّة بوصفها طاقة دافقة، موثَّقة في سجلّات يتوارثها الأحفاد عن الأجداد، في مشهد يجعل من اللّعبة السّرديّة خيارا مقصودا لتدوين التّاريخ.

كما تبرز الهويّة وتتجسّد في الإشارات الغائرة في جغرافيا المكان وأصوات الرّواة وسيرة الجدّ، ممّا يكرّس التّلازم بين الرّؤيا والواقع، ويجعل من هذا التّلاحم ميثاقا اتّخذه الرّوائيّ ركيزة لتوثيق شهادته، ويأتي استحضار المكان هنا كشهادة حيّة، فتصبح المرويّات ركيزة تمثّل جوهر البطولة في الصّراع بين البقاء والتّغييب، تسطّر الألم ليكون صنوَا لمعاناة شعبنا، وتصويرا لملحمة تضحيته.

أمّا اختيار الرّوائيّ للبيئة المسيحيّة والعالم الكنائسيّ؛ فيطرح أسئلة حول التّقاطع بين سيرة العذاب الفلسطينيّ والآلام الكبرى؛ فالهويّة الفلسطينيّة بوتقة تصهر الآلام المشتركة وتعيد صياغتها من ألم محلّيّ إلى مقام الفداء الإنسانيّ الشّامل، متجاوزة حدود الطّائفة والمعتقد ومستقرّة في روح القضية. لقد جعل الكاتب من الشّخوص المسيحيّة رموزا للالتصاق الأبديّ بتراب الوطن، حيث تتعانق ترانيم الصّمود مع أنين الأرض، مؤكّدة أنّ المسمار الّذي أدمى كفّ المسيح هو ذاته الّذي يغرسه المنفى في خاصرة اللّاجئ.

بهذا التّلاحم، يجتمع الفلسطينيون على اختلاف عقائدهم، في بوتقة الوجع الواحد؛ فلا فرق بين من يحمل مفتاح العودة في جيبه أو من ينقش الصّليب على معصمه، فكلاهما يقرأ في كتاب الأرض ذاته، ويواجه الرّيح بالصّدر عاريا.

إنّ الرّواية بهذا الطّرح، تعلي من شأن المواطنة الرّوحيّة الّتي تجعل من الوطن قبلة للقلوب؛ فالمعاناة ليست حكرا على طائفة معيّنة، بل هي قدر جمعي يحيل أصوات المآذن وأجراس الكنائس إلى إيقاع واحد.

وأثناء التّشكيل السّرديّ يستخدم الكاتب السّيمياء والرّموز المكثّفة، يستنطق بالتّحفيز اللّفظيّ دلالات نفسيّة تثري النّصّ، ممّا يعكس حالة التّشتت الذّهنيّ الّذي يعيشه الإنسان المأزوم. أمّا توظيف الاستدراك والهامش فيعد مناورة ذكيّة لجذب القارئ، ومنح الكاتب حضورا فاعلا في نسيج العمل، بحيث يُقوِّم ويضيف إلى فضائه الرّوائيّ أفقا مفتوحا، يحاكي في ذلك السّيرة الفلسطينيّة ذاتها في امتدادها وعنفوانها.

في ختامها، تشرق رواية "الكراكي" ميثاقا وجدانيّا يربط الكلمة بالثّرى؛ فما الهجرة في ثناياها إلّا استراحة محارب، وما الفجيعة الّتي عصفت بأبطالها إلّا ضريبة القداسة الّتي ما زالت تدفع.

من وحي هذا النّشيد الخالد للأرض، نلج إلى عوالم أخرى حيث تتجلّى رواية "مدينة الله"، يمتزج فيها السّرد بالتّصوير وتتآلف في جنباتها مشاعر إنسانيّة صيغت بعنفوان الوَجع، تتزاحم فيها الأحاسيس أمام تعدّد المسارات الرّوائيّة واكتظاظ الشّخوص في دوّامة من الألم، الّذي لا تكاد تنفلت منه حتّى تعود إليه من جديد.

هي مزيج من الأحلام والإشارات والذّكريات والنّداءات المتوالية الّتي تخلق حالة من الازدحام الهادئ، والضّجيج الصّامت الّذي يبسط هيّمنته على كلّ التّفاصيل. وبِنَفَسٍ أدبيّ يستلهم نسق الرّسائل، وبناء نصّيّ يتّسم بالانسجام، جُعِل المكان بطلا مطلقا، بتاريخه وحاضره.

لقد أطلق الكاتب العنان لخياله، فنثر مشاهد حيّة شكّلت ملحمة أدبيّة حضرت فيها مدينة القدس كقبلة للرّوح، تتعانق فيها قداسة السّماء مع أنين الحدث، وتذوب عند عتباتها حدود الزّمان؛ لتبقى عروس التّاريخ وسيّدة الأرض.

يمضي بنا الرّاوي نحو عالم يتماهى فيه اليقين بالخيال، حيث تنطق البيوت بأسرارها وتفيض الدّروب بحكايا الغائبين والحاضرين، وهناك.. تتعانق أنفاس البخور والنّعناع مع عبق الرّيحان والعنبر، لتؤلّف أغنية تتصاعد من عراقة أسوار القدس وأزقّتها العتيقة.

نال هذا العمل قسطا وافرا من القراءات النّقديّة الّتي انبرت تستجلي كنه تلك المقدرة الإبداعيّة، الّتي خوّلت الرّوائيّ رسم ملامح جغرافيّة لم تطأها قدماه ولم ترها عيناه، بل استنطق تضاريسها عبر مشاهداته وقراءاته ومرويّات الشّتات، وما سمعه أو أبصره عبر شاشة التّلفاز؛ ليضعنا أمام نصّ يقتفي فيه أثر الواقع، ويحتمي بذاكرة "زمكانية" تمور بالتّناقضات، مشتبكا بالأرض الّتي تَشَرَّب حبّها غيّبا، فجاء سرده صدى لمكان لم يزره، وبيئة لم يختبر تفاصيلها.

لقد ألقى هذا البعد بظلاله على نسيج العمل، حيث غزل الخيال رداءً سابغا من الصّور الّتي احتضنت النّصّ، وكأنّ المسافة الفاصلة بين الكاتب ووطنه الأمّ قد استًحضِرت بكثافة شعوريّة غيبيّة، جعلت من التّخييل والشّطح الفنّيّ أداة لرأب صدع الغياب، إذ لم تكن تلك المشاهد والقصص المستقاة من الذّاكرة الجمعيّة قيّدا كبّل حواسّه، بل غدت -برأينا- ميّزة إبداعيّة، أثبتت أنّ للمبدع سطوة على ابتكار العوالم النّصيّة وصياغة الأحداث، وهو ما أحكمه الكاتب من خلال حبكة متماسكة لم تترك ثغرة للتّشتّت، فأثبت أنّ الرّواية هي جسر ضوئيّ، تمدّه الرّوح حين يعجز الجسد عن العبور، لتستحيل غربته إبداعا، جاعلا من جراح المنسيّين وحكايات العابرين في الظّلّ وثائق للخلود، مقدّما نموذجا لأدب المستضعفين الّذي يبعث الضّوء من شقوق الانكسار، كنبضة تستوطن أوردة الحروف؛ لتعيد الاعتبار لمن سقطت أسماؤهم من ذاكرة الزّمن.

في رواية "الجرجماني"، ينهض د. حميد على بنية نصيّة قوامها شخصيّة محوريّة متفرّدة، تخطّ رسائل أحاديّة الوجهة. هذه الرّسائل تكتنز بالأحداث والشّخوص، وتتواتر فيها الوقائع بيسر وإحكام. وتحاشيا للانحباس في فضاء البطل الواحد، استدعى الكاتب شخوصا ثانويّة حضرت في ثنايا مكاتيبه، فمنحت العمل شمولا ودفعت به نحو آفاق نمو متصاعدة، متجلّية في لغة أنيقة.

بطل الرّواية كائن مضطرب، مسكون بجنون العظمة والفصام، نشأ يتيما في كنف عمّه وزوجته اللّذين لم يبخلا عليه بفيض عطائهما، إلّا أنّ مرارة الطّفولة والمراهقة جعلتا من ذاكرته الانفعاليّة لا تلتقط إلّا ندوب الحرمان واليتم، فأنبتت في وجدانه نزعة عدوانيّة. ومع تقلّده زمام السّلطة وتربّعه على عرش القوّة في بلاده، استحال ذكاؤه نصلا للبطش، ونضبت من قلبه الرّحمة؛ فأحاط كيانه بحكم ديكتاتوريّ مطلق، وكمّم أفواه شعبه، منقلبا على من أحبّهم وأحبّوه.

في ظلّ مشاعره المضطربة، سعى لردم الفراغ الموحش في أعماقه، لينتهي به المطاف مستبيحا دماء نسائه وعشيقاته وعمّه وزوجته وأبنائهما، متذرّعا بخشية الفضيحة، فهم شهود عيان على ضعف ماضيه الغابر، معتقدا أنّه معذور في دفع الأذى عن كبريائه!

وفي محاكاة أدبيّة لأسطورة "جلجامش وأنكيدو"، يعيد الكاتب صياغة تلك الثّنائيّة عبر علاقة البطل بصديقه المتخيّل، فكما غرق "جلجامش" قديما في عزلته وبطشه، عاش الجرجماني وحيدا مفزوعا، فابتكر في مخيّلته شخصيّة الصّديق الّذي يكاتبه ويعترف له بما تقترف يداه، وفي لحظات الانكسار المرّة، كان يستبدّ به شعور طاغ بالفراغ والوحشة، ليهجر عالم الأحياء إلى سكينة المقابر، يناجي الموتى ويبثّ أوجاعه بين القبور، باحثا عن أنيس في رحاب الفناء.

معروفٌ أنّ الشّخصيّة السّايكوباتيّة والنّرجسيّة، تتّسم بانفصال وجدانيّ حادّ، حيث تتوارى خلف قناع من الكياسة والذّكاء، بينما تضمر تبلّدا في المشاعر وعجزا عن التّعاطف، فهي شخصيّة تقتات على التّلاعب بمشاعر الآخرين، تسعى لإشباع رغباتها ومصالحها، متسلّحة بقدرة فائقة على تزييف الحقائق؛ للوصول إلى الاستحواذ والسّيطرة على الآخرين.

في هذا المنجز الرّوائّي، يُفَصِّل أديبنا أغوار النّفس البشريّة، مستنطقا خفاياها عبر طرح يتّسم بالعمق والكثافة، إذ يبثّ بين ثنايا النّصّ إيحاءات تفكّك أسرار واقعنا في أبعاده الاجتماعيّة والسّياسية.

هي رواية تتغلغل في دهاليز الذّات لتكشف عن عوالمها المظلمة، مكرّسة بذلك حضورها كأثر أدبيّ ينتمي إلى أدب الرّواية النّفسيّة، فهي تشرح تشظّي الأنا وضياع البوصلة الأخلاقيّة. وهنا، يصبح التّحليل النّفسيّ أداة للنّقد الوجوديّ، ويمتزج صراع الدّاخل بانهيار الخارج.

وبعد، تتبدّى لنا أعمال الأديب حسن حميد كمشروع حضاريّ وإنسانيّ، تؤكّد أنّ الإبداع الحقيقيّ هو ذاك النّبع السّرمديّ، الّذي كلّما استقيَ منه تفجّر بالرّؤى والدّهشة، يغزل خيوطا متينة تصل بين أنين الأرض المكلومة وترانيم الذّات في أبعادها الوجدانيّة. وهو في نتاجه يطوف بنا في رحاب القداسة، مستنطقا جلال الرّوح، سابرا أغوار النّفوس المثقلة بأزماتها الوجوديّة، كاشفا عن تلك المسافة الفاصلة بين النّور والظّلمة، مانحا الصّمت صوتا، ومحوّلا وجع شعبنا إلى ملحمة إنسانيّة كبرى تخاطب الوجدان.

***

صباح بشير

......................

- ورقة مقدّمة إلى نادي حيفا الثّقافيّ/ 12.02.2026

 

مدخل في رؤية معنى الكلام في الديوان الشعري "سباعيات" للشاعر جمال مصطفى

يتميز في طريقته الشعرية في الابتكار، الشكل الشعري المختلف في اسلوب عرضه في صياغته الحديثة، في براعة الابتكار الخلاق والمبدع، لكي يكون نهج أو شكل شعري خاص به، في التناول والطرح، وفي الأسلوب التكوين والبناء الهندسي في البنية الشعرية ذاتها، ومنها السباعيات، التي تتميز بالتكثيف والتركيز في عرض كمال الصورة الشعرية، في التعبير والرؤية والخيال والفكرة الدالة، لتكون محملة في المعنى والمغزى والرمز، ليجعل القارئ في حالة الشد في العبارة الشعرية، بما يملك من معرفة وثقافة واسعة في مجال الأدب والشعر بحوره واوزانه، ان تتوهج في جمالية اللغة والبلاغة، يترنم بها في موسيقى الشعر، في التناغم والترنم في الإيقاع الموسيقي الشفاف في انسيابية كجريان مياه الانهار الهادئة، ان تكون باذخة بالصور والمعنى والايحاء، لذلك اعتقد انه سكب كل قريحته وخبرته في هذه التجربة ال (سباعيات) لذلك جاءت مكتنزة بالشعور المرهف والمعنى العميق في جدلية المفاهيم الموروثة في كل مسمياتها في، الحضارة والتاريخ والدين والتراث الشعبي، اي ما يخص مفردات الوجود، الإنسان والطبيعة، يضعها في مجهر التساؤل والسؤال، لكي يلهب احساس القارئ بالتفكير والتأمل، على ضفاف استغلال وتوظيف العقل والمنطق ان يشحن قريحته، لذا جاءت سباعياته محملة ب التأويلات المتنوعة من شمالها الى يمينها، في (سباعيات) هي بمثابة بانوراما الكلام والمنطق، هي اشبه بالالواح التراثية أو الدينية أو الحضارية، لكنها لا ترتقي الى شكل تعاطي الملحمة، لان كل لوح أو لوحة سباعية مختصة بحدث او فهم أو ادراك معين، يقصده من هذه ال (سباعيات / عددها 113) صيغت بتأني وروية في جدلية الكلام والمنطق والشعور. كأنه يجادل أو يحاور المقابل، حتى لا يغرقه في التهويمات، سواء من الحقائق أو من الخيال، الدخول في هذه ال (سباعيات) رغم شفافية لغتها وإيقاعها الموسيقي، لكنها تتطلب التوغل والتمعن في المعنى في العبارة الشعرية، التي جاءت بصيغة الابتكار في الشكل والمعنى، نتلمس بوضوح بأن هناك صراع قائم، كأنه أزلي بين بين قوى الخير وقوى الشر، بين العقل المتحرر ونقيضه العقل المنغلق، بين الشك واليقين، هذا التنابز الحاد، هو منْ يملك ناصية سراج ضوء الكلام ولسانه، أوعكسه، كالفرق بين الماء والنار، الاول يروي الظمأن، والثاني يحرق كل شيء، ولا يترك سوى الرماد، من هذه الجدلية تأتي هذه ال (سباعيات). والجدير بالذكر، ان بطل هذه السباعيات هو الشاعر نفسه، وتأكيداً على ذلك بعض السباعيات تخص سيرته الحياتية الطفولة والصبا، وكذلك مرحلة متقدمة من العمر، كأب يرسل رسالة الى ابنه في سباعية، أو يخاطب ذات الجمعية بصفة العطار، ويقصد عطار الكلام والقافية، يصب نبضات شعوره، أو صراعه في الادراك والفهم، وعشقه الملتهب بقافية الشعر الحديث.140 jamal mustafa

- الدخول في مفاتيح السباعيات، في الرؤية والفكرة والخيال ومنطق الكلام ونقيضه:

فكرة الجدل والصراع القائم، بين قوة الفكرة وقوة العبارة وانظلقها الحر ونقيضها، العبارة الشعرية في هذه السباعيات، تحلق وتخترق كل الحواجز، في انفتاح ذهنية العقل والمنطق، بالضد من انغلاق العقل وظلامه بالكوابيس في حبر القلم، أي لديه نوعين من الاقلام، قلم يجاري الحقيقة والمنطق ويكتب بريش الطواويس، وقلم نقيض هذه الاشياء الجميلة، هي مجادلة بين قوة الحكمة والمنطق، وبين ننقيضهما، ويستشهد في هذه المقارنة، بشخصية (ادريس) وبين شخصية الابالسة التي يلبس قناعها البعض، الاول اي قلم بريش الطواويس، يحمل طمغة المعرفة بكل جوانبها والاخر يحرفها عن جادة الصواب، شخصية ادريس، نبي الحكمة والمعرفة في افقها الواسع، موجودة في الحضارات القديمة: العراقية والمصرية والاغريقية، نفس الشخصية لكن باسماء مختلفة.

إدريسُ أودَعها سجْنَ القراطيس ِ

وقبْلَهُ حُرّة ً بيْنَ الأباليس ِ

*

شمْطاءُ لكنَّها بكْرٌ وطلْسمُها

ساقٍ يُمالِىءُ أكوابَ الكوابيس ِ

*

مخطوطة ٌ، حِبْرُها السريُّ يفضحُها

كأنَّ أقلامَها ريشُ الطواويس ِ

*

ليلاً تَجيءُ إذا شاءتْ وهودَجُها

كي تَنْطلي وانطلَتْ يا حاديَ العِيسِ

*

وهكذا دَيْدَنُ الناعورِ أمْسِ غداً

إذ يَجْمعُ النيرُ أعناقَ الجواميسِ

سباعية رقم 3.

- جدلية الله، أو بالاحرى جدلية الخالق والمخلوق، وكيف ينظر احدهما للاخر

في الفهم والادراك، وعمق التفكير بمخلوقات الله، وحال الكون والوجود، منْ يرى ان الله عنوان كل الجمال، وعنوان الالباب للعقول المستنيرة، والتي تفهم الحق، وليس للعقول المغلقة صعبة المراس، لا تفهم سوى القشور، لا تنفع بل تضر الناس والوجود، والاخر يرى عرشه ضباب، لذا فأن الخالق هو ماء لكل ماء في حضوره وغيابه، ان بابه مفتوحة لكل سؤال لا ينتهي، وكل جواب لا ينتهي، فهو الفاعل والمفعول.

الله ُ: لبلاب كُل توقِ

معرش، عرشهُ اللبابُ

*

اللهُ: يا ماء كلِ ماءٍ

اللهُ: لمْ يخدعُ السرابُ

*

اللهُ: في سرهِ وحضورٌ

اللهُ: في جهرهِ غيابُ

*

الله ُ: يا فاعلاً مفعولاً

ومطلقاً، قلبهُ ضبابُ

*

اللهُ: يا شعرَ كل نثرٍ

تألهَ السافلُ الترابُ

*

اللهُ مفتاح كل بابٍ

الله ما أدى اليهِ بابُ

*

اللهُ: لا ينتهي السؤالُ

اللهُ: لا ينتهي السؤالٌ

 سباعية رقم 8

- الساعة الرملية، لها وقت محدد في حساب الوقت وينتهي بالعكس تبدأ في عد الوقت من جديد، لكن حساب وقتها يكون عسيراً في الليالي حينما تشتد هواجس القلق، وتبدأ عد الساعات بدون عقارب، كأنها تبدو اطول من وقتها، لذا تشتد الظنون حين يكون الرمل فوقها، او يكون الرمل تحتها، كأنها في جمهورية السعالي تتبدل وتتلون. يصاحبها الخيبة والعقدة النفسية، في هذا الساحر (الساعة الرملية) ينقلب من الشيء الى ضده.

في ساعتي الرملِيّةِ، الليالي

تَنْهالُ والرُبْعُ المَليءُ خالي

*

هنا عَزيفُ الجِنِّ: قالَ إنْسٌ

والرمْلُ جمْهوريّةُ السَعالي

*

كَمْ ضَبَّةٍ في ساعتي وَضَبٍّ

وموجةُ الكثيبِ في انهيالِ

سباعية رقم 42

- جدلية العمر بين التعقل والجنون. بين النار وزهرة الزيزفون، بين الجماح الهائج وعاشق الفنون، بين الصحراء واللواحة، بين الاقتراض والتسديد قافية الديون، بين التسرع والصبر الملهف، هذه سحابة العمر وغيومه، لكن يبقى جسراً لا يصدأ، ويحذر من عبوره.

أعوذُ مِن التَعَقّلِ بالجنونِ

فيا ناري ارتَعي في زَيْزفوني

*

ويا قطعانَ ثيراني أَغِيري

على كُوخي المُعَشَّقِ بالفنونِ

*

ويا صحرائِيَ الكُبرى استَبِدّي

بواحاتي ولا تَذَري غصونِي

*

أنا لَمْ اقتَرِضْ لكنْ حريصٌ

على التَسديدِ قافيتي دُيونِي

*

وعندي أنّني مِن زنْزَلَخْتٍ

ولِي صَبْرٌ على وَعْلِي الحَرُونِ

*

ولِي مَلْويَّةٌ أَنْدَسُّ فيها

أنا بَزّاقُها، إلّا قروني

*

أنا جِسْرٌ  تَصَدّأَ  مِن حديدٍ

يَئِنُّ مُحَذِّراً: لا تَعْبروني 

سباعية رقم 67.

- ابو نؤاس: شخصية جدلية يتقاسمها، الكأس والغلمان والعبادة، هذه جنته العسلية، بين الحسناء والكأس حتى أذان الفجر، يسهو عن صلاته وجناته، ويطير بنار قافيته في انغماسه،

تَوضَّأَ بالمُدامِ أبو نُواسِ

ونِيّتُهُ: الصلاةُ بُعَيْدَ كاسِ

*

سأقرَبُها يَقولُ قُبَيْلَ سُكْرٍ

فَلَمّا زلْتُ صاحيةً حَواسي

*

نصومُ نَهارَنا عن كُلِّ لَحْمٍ

وبالصهباءِ نُفْطِرُ في الأماسي

*

ومَزّاءٍ مِن الزيتونِ حَسْبي،

وصاحبتي مِن التينِ الخُلاسي

*

بِنا سَهَرٌ يطولُ يطولُ حتّى

أَذانِ الفجْرِ يا غَبَشَ النُعاسِ

*

جنانُ: مليكةُ العَسَلِ المُقَفّى

غَفَتْ سَكْرى على البيتِ السُداسي

*

سَهَوتُ عن الصَلاةِ وعن جناني

وطالَ بنارِ قافيتي انغماسي

 سباعية رقم 92

***

جمعة عبد الله

....................

* سباعيات، جمال مصطفى، مجموعة شعرية، إصدار مؤسسة المثقف ودار العارف، 2026م.

في المثقف اليوم