قراءات نقدية

قراءات نقدية

"يشتغل فاغنر بلا توقف"، هكذا تكتب مرار وتكرارا في يومياتها كوسيما فاغنر (زوجة مؤلف الدراما الموسيقية الألماني رتشارد فاغنر). أما فاغنر نفسه فقد مات في سنة 1883. وبعده بسنة، تحديدا في صيف 1884، كان نيتشه يقضي أيامه في موناكو بإيطاليا. عندما استمع الأديب نيتشه لأول مرة إلى مقدمة أوبرا " بارسيفال"(1882) التي ألفها فاغنر، انطفأ وجه الموسيقي الفرنسي بيزه أمما أعين نيتشه، تأثرا بتلك المقدمة. أخيرا، عاد نيتشه إلى ساحر الشمال فاغنر، بعد أن انقطعت صداقتهما. لقد تركت هذه الصداقة المفقودة، بينهما لسنوات، علامة لا تمحى. إن العودة هي بمثابة اعتذار الجنوب المضيئ والمبهج على فترة طويلة من العداوة: العودة ببراعة إلى الضباب وإلى عالم المدن الباروكية. يمكن القول: إن النصوص المتأخرة للأديب نيتشه لا تترك أي مجال للشك حول عودته الغرامية إلى صديقه فاغنر.

هذه الفقرة المقتطفة، بتصرفات توضيحية، من كتاب: " دموع نيتشه"، تشغل أسفل وأعلى الصفحتين 104 و105. والحال أنه قد قطع قراءتي لها مقطع فيديو، يمكن القول: ليس من تقارب بين عنوان "دموع نيتشه" وحكاية هذا المقطع سوى تقرير عن حالة نفي الحياة في قرية تموت عطشا ومع ارتفاع الحرارة في الوقت الذي تنتعش فيه التفاهات في كل مكان. هي مفارقة، ليست غريبة كما هو سائد، بل هي تذهب إلى حد أنها مبتذلة.

و لو أن " دموع نيتشه"، إذا ما فسرت في نطاق أدبه، على أنها دموع فرح وابتهاج ومرح وإقبال على الحياة، ودموع تفاؤل بامتياز قل نظيره في الأدب الرومانسي، إلا أن هذا العنوان كان بالإمكان أن يرد في أية مناسبة دراماتيكية غير تلك التي سَمعت في مقطع الفيديو: أصوات قنينات خالية، وأوعية فارغة وصهاريج خاوية، بل غائبة. إنه يَرد، زيادة على ذلك، مع مشهد في نفس المقطع، شاهدت فيه: رجلا يدفع عربة يدوية، كان جنديا خدم وطنه قبل أكثر من ثمانية وأربعين عاما. وقد وجد نفسه اليوم بدون قطرة ماء يرتوي منها ويستحم بها.

وبقدر ما بدا المنظر مرعبا، لمحت أضواء خافتة من بعيد وراء ضباب غبار تربة هفة لا يقل عطشها عن عطش سكان القرية. ذلك، أن هذا الانحدار نحو جفاف مباغث، ليس عاديا ولهذا كان مؤلما، رغم أنه أعلن بإصرار منذ سنوات حلوله. كل ما في الأمر، أن الاستغاثة العجائبية والواقعية، في آن معا، من سيدة كانت متجهة إلى عين القرية لتتزوَّد بالماء، قادتني إلى تلمس حال ذلك الجندي المتقاعد، كان هو نفسه يتعطش، وبإصرار وبتدرج يدفع عربته اليدوية التي تصدر عجلتها صريرا قويا مميزا إذا ما حُمّلت، وصريرا خفيفا إذا ما لم تحمّل بالقدر الكافي من أوعية المياه. وهكذا قادتني إليه " دموع نيتشه" بما هي دموع حسرة !

إن جندينا في هذا الفيديو جندي بلا سمات، يدفع عربته اليدوية، التي رتب فيها القوارير والأوعية، في اتجاه منهل المياه، لا لكي ينال إعجاب نساء القرية، ولا لكي ينفجر لغم تحت أقدامه. في ما مضى لم يكن عطشانا، إلا إذا قلنا: اشرأب عنقه في وسط حشد مستغربا، لكي يرى كيف يمتد البطيخ الأحمر والأفوكا. وبالتالي، أن نعتبر وجوده ووجود الجميع في تلك القرية مجرد وجود عن طريق خطأ مخبري فأصبح داء مُزمنا لا يقتل بقدر ما يضعف طاقتهم شيئا فشيئا، خاصة الفاصل بين خروج المُسْتعمِر ونشر الفيديو حول المُستعمِر الجديد.

تنم بعض الحركات على براءة الجندي، وأن لا علاقة له من قريب أو من بعيد بهذه البغثة، لا يسيء استخدام مرتبته، يعقد راحة يده بهدوء، صادق حتى في ابتسامته، دفعاته لعربته دفعات شابة عادية بما فيه الكفاية، متقاعدا دون سجايا سوى سمة حب الحياة. زيادة على هذا، إن مقطع الفيديو يقدمه تاجرا بسيطا للتوابل، أي أن وضعية العربة تتحول في أشكال كلها غريزة حياة. وفي الواقع، وحسب تعهد من مجهول، ينتظر على أحر من جمر أن يصل إلى " ثروة" أخرى، " ثروة" ما بعد العربة، ستكون ناقلة صغيرة الحجم لنقل الأثواب والملابس والأغراض المستعملة تصلح سلعةً. إلا أن الحقيقة المرة أن جندينا من جبلة جنودنا عامة، ليس في وسعهم أن يستبدلوا قديما بجديد. وهكذا، ليس في وسعه أن يَعد العربة اليدوية نيشانا: أن يَعدها بركن في منزله، ويحيلها إلى التقاعد ويمنحها فاصلا. ورغم أن الجندي نفسه قد يحلم بحياة رغيدة ما بعد عربته اليدوية، كصنابير مياه وأنابيب بالمئات في كل المنازل تغنيه مشقة جلب المياه كل يوم، فإنه قد لا يرتوي إلا " بدموع نيتشه" مع كل الذين لم يرتووا في تلك القرية.

قد نتفق معا أن التكنولوجيا، كالعربة اليدوية وكالتعديل الجيني لتوفير الغذاء، قد أضفت على الطبيعة صفة الأدواتية وأحالتها إلى مجرد وسائل، وأنها انقلبت إلى عائق أمام التحرر، حيث تحوّل الانسان نفسه فيها إلى أداة، إلا أن حياة ما قبل العربة اليدوية حياةٌ قد تستحق " دموع نيتشه".

***

محمد العفو

(صيف 2023)

 

أولاً- بنية العنوان: الملفت في عنوان الكتاب هو العنوان الثاني، الذي يقع تحت العنوان الرئيس (مراوغة حلم)، يدلّ عادةً على جنس الكتاب، الجنس الأدبي الذي كتب تحته مضمون الكتاب. نقرأ في العناوين الفرعية مثلاً: رواية، قصص، شعر، قصص قصيرة جداً، قصص وجيزة... إلخ، وغيرها من العناوين الفرعية التي تشير إلى الجنس الأدبي؛ لكنها المرة الأولى التي يُعنون فيها كتاب بهذا العنوان الملفت: (ثلاثيات)، منقطعة عن الإضافة، أو النعت، أو أي تتمّة تعطي إشارة ما إلى جنسٍ أدبي من الأجناس الأدبية المعروفة؛ فهل أصبحت الثلاثيات جنساً أدبيّاً معروفاً ومكتفياً بذاته؟

أول من كتب القصص القصيرة جداً على شكل ثلاثيات هو الأديب الدكتور حامد حجي، ودرج على منواله العديد من الكتاب، ولعلّ أكثر من أجادت توظيف الثلاثيات هي الأديبة لين هاجر الأشعل، إلى حدّ تأليف كتاب كامل من هذه الثلاثيات.

الملاحظة الثانية: هل القصة القصيرة جداً، أو القصة الوجيزة تحتاج إلى ثنائيات، أو ثلاثيات تساند بعضها بعضاً لتعميق المعنى وإيصال المضمون للمتلقي؟

ألا تكفي قصة وجيزة واحدة كتبت بأسلوب فني رفيع، وبتكثيف شديد يشحن الكلمات بالدلالات، بعنوان وقفلة مناسبة، ألا تكفي لتعطي لأيّ موضوع معناه الكامل، وعمقه المطلوب للوصول إلى الهدف والقصد من النص؟

أم هي زوايا موشور ثلاثية ترى الموضوع من جميع جهاته لتوسيع المعنى وتأكيد الهدف؟

وأخيراً، عنوان ثلاثيات يذكّرنا بعنو ان (رباعيات) أحد دواوين الشاعر صلاح جاهين، وهو الذي اشتهر برباعياته الشعرية.

 ثانياً- البنية المعمارية للكتاب:

اختارت الكاتبة لين هاجر الأشعل أن تبني مجموعتها القصصية الوجيزة، أو ثلاثياتها، كما شاءت أن تعنون كتابها، إلى ثلاثة فصول، وكل فصل له عنوان خاص، يتألف من نصوص تنضوي تحت هذا العنوان، بحيث تكمل الفصول بعضها لتكتمل الصورة الشاملة للإنسان؛ هذه الفصول جاءت بالترتيب التالي:

الفصل الأول- أفراد.

الفصل الثاني- مجتمعات.

الفصل الثالث- أوطان.

الفصل الرابع- وطن أخير.

وابتدأت كل ثلاثية بومضةٍ قصصية، هي عبارة عن جملتين تختصر مضمون الثلاثية، وتمثل الهدف والقصد منها؛ بحيث أصبح للكتاب بنيةٌ معمارية متماسكة ومتناسقة جمالياً، قبل الولوج إلى النصوص، وجمالياتها اللغوية والأدبية.

بعض هذه الومضات جاءت جميلة ومكتملة الشروط، مثل الومضة التالية، عبارة عن طباق ومفارقة بين شطريها:

"الانعكاس

تصاعدت الشعارات، انخفضت الرايات".

أو الموضة التالية، التي احتوت على تورية جميلة وخطيرة:

"إرهاب

ضعف إسلامهم، كثر تكبيرهم"

أو جناس بين الشطرين، مثل:

"لجوء

تسلّقت الهوى، رأسها هوى".

كذلك:

"إقلاع

لحق ركب الثراء، داس أهل الثرى".

لكنّ، من ناحيةٍ أخرى، هذه التقنية المتبعة في البناء الشكلي لنصوص الكتاب جعلت الكاتبة أحياناً تلزم نفسها بما لا يلزم، فجاءت الومضات أقلّ جودةً، وبعضها خالياً من أيّ أدبيّة، سواء بالبلاغة أو المفارقة. نأخذ مثالاً على ذلك الومضة التالية:

"تحرّش

أغواها، صدّته".

أو

"فكر الزعيم

استدرجهم إلى الوراء، أمسوا أسوأ الورى".

ثالثاً- البنية الداخلية للنصوص، البنية البلاغية:

من مراجعتي لنصوص المجموعة لفت نظري أنّ القفلة، في معظم النصوص، هي حامل النص، وتكاد تكون عماد النص كله، وبقية عناصر النص هي تمهيد الطريق للوصول إلى القفلة، فجاءت القفلات متنوعة الأسلوب، بين القفلة البلاغية الموحية، كقفلة النص التالي:

"بسرعة البرق تجمعوا حولها، حاولت آسية جاهدةً فكّ تلافيف الحبل... قرروا قطعه ليرقد المولود في سكون وسلام؛ بنفس وحيد أطلق الكائن الهشّ صيحتين...".

أو قفلة مباغتة صادمة، اعتمدت على الأنسنة لتختزل من خلالها حالةً إنسانيةً عميقة التأثير، مثل نص (جدب):

"احتضنتها، قبّلتها، دسّت حلمتها في فمها... انتظرت أن يجود الثدي بقطرة لبأ؛ تفاجأت الدمية بإدرار دموع."

أو القفلة البلاغية، التي اعتمدت فيها على الكناية التي تشير من بعيد بأسلوبٍ أدبيٍّ جميل، مثل القفلة في نص (وهم):

"مرّت بقربه مبتسمةً، تسلّل رحيقها إلى ثناياه... تعقّب الزهرة، توصّل إلى منبتها، ما إن جمع شجاعته ليطلبها، صدّته الأشواك؛ تلطّخت أحلامه بالأحمر".

نلاحظ أيضاً كمية البلاغة في النصّ كله، يكاد يكون كله تشبيهات بليغة واستعارات ... بالإضافة إلى القفلة البليغة.

مثل هذه النصوص ذات البنية البلاغية العالية نذكر نص (لحن أسطوري):

"قاومت روحاهما جاهدتين، حتى أبطل عشقهما سمّاً زعافاً؛ عزفت قيثارة الجنة أنغام ولعهما... نفث فيهما القصيد حباً سرمدياً؛ فيما ضخّم الحسد رؤوس الأحياء...".

أو القفلة الشاعرية المحمّلة بالدلالات والإيحاءات الكثيرة، في نصّ (انتظار) على سبيل المثال:

"رفعت عينيها الحالمتين إلى السماء تتأمل أشكال السحب الصامتة، كانت تقترب من ناظريها على عجل ، حالت دموعها دون وجهه ودونها!".

ونجد القفلة المشهدية، تصوّر الحالة لتعطي للنص أبعاده وتفتح ، من خلال القفلة، حكايات مماثلة مطمورة في ذاكرتنا عن الوفاء والإخلاص، ونقيضهما، الجحود والنكران. نجد تلك المشهدية في نص (والشيء من مأتاه):

"رأت "سان برنار" كلبها شاخ ولم يعد قادراً على حمايتها، طردته. في زحمة سوق الكلاب منشغلة باقتناء جرو جديد، دنا منها شاب فكان على بعد قاب قوسين أو أدنى، مدّ يده لحقيبتها، إثر عضّةٍ من الخلف، أغمي على اللص".

رابعاً- بنية النصوص:

استفادت الكاتبة، كما أسلفنا، من طاقة البلاغة في التكثيف، تركيز الجملة لتوسيع الدلالة، واستفادت أيضاً من الرموز، دون غموضٍ أو إغراق في التشفير وفك الشفرات، بل لتعميق الدلالة، ولتستفيد من دلالة الرمز وتجييره لصالح النص، بهدف الوصول إلى دلالة محدّدة تسعى إليها الكاتبة للوصول إلى قصدها بأقصر الطرق وأجملها. من تلك الرموز، الرموز الأسطورية، والفلسفية، أو حتى المشاهير...

ورأينا أيضاً كيف استفادت من التناصّ، فطوّعت طاقته الأسلوبية من ناجيتين:

أولاً- من حيث تحسين جمالية النص، ورفع سويّته الفنية

ثانياً- وكذلك للاستفادة من طاقة التناص الدلالية في تكثيف النص وتركيزه.

في قصة (مستحيل)، بنت الكاتبة نصها على مارد المصباح، في تناصّ ٍ مع قصة علاء الدين الشهيرة ، إحدى قصص ألف ليلة وليلة، بحيث جاءت القفلة مفارقة تجعل حتى مارد المصباح يعجز عن تلبية أمنية بطلة النص التي تبدو بسيطة في بلاد الله الواسعة، عدا بلاد العرب.

"انبلج أمامها مارد المصباح، طالبها بثلاث أمنيات، حداها أمل، أشرق وجهها ونطقت:

الأولى- أن أتساوى مع الرجل.

الثانية- ألّا يحكم عليّ المجتمع من خلال مشيتي.

الثالثة- أن أصير مالكة قراراتي.

جحظت عينا الجنّي، فرّ مردّداً: "كم عسير عليّ هذا الأمر! لن أعاود التردد على بلاد العرب...!".

وفي قصة (طعم جديد) تأتي القفلة توريةً ذكية:

"بنخوة عصفور يفرّ من القفص، يتسابق التلاميذ للتجمهر حول عربة بائع الحلوى".

حين انتشاء كلّ مراهق؛ يغادر مروّجها على متن طائرته الخاصة وفي حوزته محاصيل القنّب".

ونجد أكثر من تناصّ مع القرآن الكريم، كما في نصّ (انفصام): "قد تبين الرشد من الغي".

ونص (شهاب آفل): "أنقض ظهري التأليف".

وفي نص (محاسبة) النص الأخير في المجموعة، نجد تناصاً قرآنياً آخر: "هل يستوي الأعمى والبصير؟"، هو قفلة النص، وقفلة المجموعة كلها.

أخيراً

كانت هذه نظرة سريعة إلى مجموعة ثلاثيات الكاتبة لين هاجر الأشعل (مراوغة حلم)، عرّجنا فيها على البنية الشكلية للكتاب، وجوانب من البنية اللغوية والبلاغية للنصوص، رأينا فيها أنّ الكاتبة اشتغلت بشكل جيد على البنية المعمارية لمحتويات الكتاب، وترتيب النصوص، وكذلك اهتمامها بالبلاغة والتناصّ في إغناء البنية الدلالية للنصوص، والاعتناء بشكل خاص بالقفلات، التي جاءت متنوعة، حملت معنى النص، وقصد الكاتبة.

***

منذر فالح الغزالي

بون 20/01/2024

 

في خضم الوثائق التاريخية الغزيرة التي توثق لمعركة بوكافر الشهيرة ضد المستعمر الفرنسي تسلل الروائي المغربي سعيد بودبوز من بياضات الأحداث ليعيد نسج وقائعها في أسلوب سردي مكتمل، تتخللها قصة حب جميلة راقية يتداخل فيها الحب بالحرب بحيث لا يصبح للواحد معنى بدون الآخر

سعيد بودبوز كاتب مغربي من مواليد 1980 يكتب في الرواية والقصة القصيرة والمسرح والنقد، وفاز بجوائز مهمة منها: "جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي" (المرتبة الثالثة) عن مجموعة قصصية بعنوان "ثور وثورة" سنة 2017 وجائزة "الهيئة العربية للمسرح" (المرتبة الثانية) عن نصه المسرحي "الحفّارون وقادة الهرب" سنة 2020.

رواية "أنثى بوكافر" تصنف في أدب المقاومة، تروي أحداث ووقائع مقاومة قبائل أيت عطا في الجنوب الشرقي للمغرب للاحتلال الفرنسي بكل قساوته وإغراءاته وحيله وعدته وعتاده وقياداته المحنكة في الحرب من أجل إذلال وإبادة المقاومين وإخضاعهم لسيطرته، وهي معارك تقدر بالثلاثين معركة يشهد لها القادة العسكريون الفرنسيون قبل الأهالي الذين لم يكن في حسبانهم التوثيق الإعلامي لها.

والكاتب سعيد بودبوز افتتح على هامش البدء روايته مستفيدا من مرجع تاريخي بعنوان "التاريخ السياسي للمغرب الكبير" لعبد الكريم الفيلالي، بذكر نصب تذكاري بناه الفرنسيون على طريق جبل صاغرو تمجيدا لسقوط أبطالهم وقادتهم الفرنسيين في معارك بوكافر، وذكر شهادات تعظم من صمود المقاومة التي لم يشهد لها مثيل، بل تمنى أحد القادة منهم لو كان من المقاومين شاعرا يخلد ملاحم هذه المقاومة البطولية، ولعل سعيد بودبوز يكون قد انبثق من المستقبل بعد مرور 90 سنة على معارك بوكافر ليحيك تفاصيلها من جديد في حلة سردية حية محافظا على التهاب القناعات، وصلابة التضحية، والتحمل الخارق للظروف التي طوق فيها المستعمر المنطقة من جهات أربعة، وحنو قمة بوكافر على حماية أهاليها بخنادقها ومغاراتها وحفرها وأحجارها.

أما وقد قرن الكاتب عنوان الرواية بأنثى فليس من باب تخصيص امرأة بعينها، وإلا كان العنوان "عدجو" بوكافر، إنما القصد هو مساهمة النساء العطاويات في المعركة، صعدن الجبل وامتطين قمة بوكافر، ومددن يد العون للمقاومين في كل تفاصيل المعركة، وسجلن أسماءهن في سجل الشهداء، وعلى رأسهن عدجو بطلة الرواية والتي جعل منها الكاتب الأنثى الفائقة الجمال، والواعية بمخاطر ما ينتظر منها من تدريب متواصل على ركوب الخيل، وتصويب الرصاص والمشاركة في الإدلاء برأيها في خطط الحرب والإبداع فيها، بل والمواكبة أيضا في تتبع أخبار الحرب في جهات بعيدة من المغرب، والإصرار على عدم مغادرة الجبل لعدم اقتناعها بالاستسلام ولو بشروط أدلاها المقاومون على القيادة العسكرية الفرنسية، وتفضيل الشهادة على الاستسلام.

والكاتب بودبوز بحسه الإبداعي الوارف، وسلاسة لغته الفياضة تمكن من حبك قصة حب شاعرية تجمع بين عدجو ولحسن من اللقاء الأول إلى فترة الخطوبة والزواج والإنجاب، وهي قصة تسري في ثنايا السرد الحكائي، لا يخبو أجيجها حتى في أحلك المواقف، في التدريب والقصف والتخطيط لرد الهجمات إلى حين الشهادة، بل حب المراهقة الأولى الذي جمع بين عدجو وإسماعيل له أيضا امتداد وبريق استثمر فيما بعد لفائدة الحرب حيث غير مفعوله إسماعيل المفرنس من موقف خيانة الوطن إلى الشهادة في سبيله. ويكون الكاتب هنا قد جعل من الحب والحرب والدفاع عن الوطن مادة منصهرة لا يمكن الفصل بين عناصرها.

***

بقلم: نجية مختاري - رئيسة شبكة القراءة.

تعد بنية النص الشعر من أعقد النصوص لاقترانها بالإيقاع والدلالة إضافة إلى الكم الشعوري الذي تختزله أبيات النص، إذن هي خطوط ثلاث ما تلبث التوافق والانسجام حتى تتسع وتعدد لتصبح عوالما مختلفة يقتات بعضها من بعض لصنع لحمة عصيّة تتحدى متلقيها قراءة، وهو ما يدفعه للتحليل والتأويل خصوصا إذ كان الرمز أحد مرتكزات النص الشعري.

لذا حاولنا تسليط الضوء على النص الشعري المعنون  "بشفاه فنجان "  للشاعر رياض ابراهيم الدليمي وهو نص عمد على تغير المسار النصي القائمة على الخطية الرتيبة ،المتوقعة النهاية إلى مسار مختلف يتجاوز متعة القراءة ليقترن بالتحليل والتأويل، خصوصا وقد كسر يقين المتلقي في توقعه إذ رفع سقف أفق التوقع بغية صنع انزياح  جمالي مختلف الرؤى حسب ما يرى ياوس

وإذا كان العنوان هو العتبة النصية التي يلج من خلالها الناقد للنص  بغية تحليله فإنّ العنوان في هذه القصيدة هو سمة رامزة  بعثرت يقين المتلقي لما احتوته من دلالات مختلفة  " شفاه فنجان " هو العنوان الذي اختاره الشاعر رياض الدليمي لقصيدته ،وهو عنوان يحيل ويرمزا للبداية إذا ما عتبرنا أنّ أول ما نتناوله فنجان قهوة ويعتبر وجها من وجوه التأمل إذا ما اقترن  بالتفرد  والوحدة رفقة شاربه، كما يعد صورة رمزية لإرث ثقافي عربي لأنّ فنجان القهوة هو وجه للكرم وللضيافة والتودد إذا ما أخذ الصورة الجماعية للأفراد ، كما يعتبر فضاء للانتظار والترقب إذا ما قترن بالصورة الثنائية لشخصين.

إذن هي دلالة مختلفة لوجه واحد لم تتحدد ملامحه  إلا مع أول أسطر من هذه القصيدة،في حين أن المتأمل  للمفرد الثانية من العنوان  وتحديدا لفظة "شفاه" سيرتاب في هذا المزيج الرمزي ويطرح  تساؤلات عديد ،أولها ماذا ستقول هذه الشفاه ؟ وماذا بعد شربها لهذه القهوة ؟ وهل يمكن أن تكون شفاه الفنجان هي نبض لهذا النص؟ أم أنها إيحاء رمزي لا يتعدى عتبة  العنوان؟

إنّ هذه  الاحتمالات أو التساؤلات ما تلبث أن تتلاشى من ذهن المتلقي،لأنّ الشاعر بعثر حيثيات المكان أمام المتلقي وركز على صنع التقاطعات الزمنية في فضاء تتزاحم فيه مكونات الحدث، ليتضح أنّ الترقب والتذكر. وجهان له بين لحظة الحاضر التي سرعان ماتتحول إلى نقطة تحول واستشراف لأحداث تنسج تفاصيلها في تخوم ذاكرة متقدة تمد بمكونات فضائها المتخيل لتمتزج بجغرافية المقهى ليصنعا مشهد الوقفة الحكائية " جلسنا معا بلا موعد .. على طاولة الوقت أتذكر " هنا تتعطل حركية السرد للقاء طرفين أحدهما امرأة صامتة متأملة تتوقف عند حدود أصابعها حركية الحدث، وطرف يسعى جاهد لتحويل جغرافية المقهى الجامدة  إلى محفز للذاكرة كي يتجاوز خطيّة الحاضر الصامت ويفتح أفقا لزمنه النفسي لأنّه العاشق لهذه المرأة المرتاب في صمتها تمثيلا من القصيدة  قوله "لا أفهم نظرات عيونها الخضر ..لا أفهم  نظرات عيونها الخضر..وأنا حائر ماذا أقول ؟.."  هنا تتحول الحيرة إلى نافذه للتلقي مؤكدة أنّ هذا اللقاء هو الأول  بينهما، لذا فمفردات الحوار المباشر بداية مغيبة لذا نجد أنّ المونولوج الداخلي قد حلّ محلها مؤثثا لحظة اللقاء.

إنّ المتأمل لحركية الزمن في هذا النص سيلاحظ أنّها تأرجحت بين اللحظة الماضية واللحظة الحاضرة  فكلاهما ساهم في صنع الزمن النفسي لأن استحضار الفصول كالشتاء مثلا والجلوس بلا موعد على طاولة الانتظار، يعد بمثابة استباق تمهيدي خصوصا وأنّه استباق  يقدم معلومات غير يقينية قابلة للتحقق أو عدمه، وعليه فطاولة التذكر المفرغة تماما إلاّ من الفنجانين. عملت على توثيق هذا الاستباق الزمني كما عملت على  إلغاء جزئيات المكان الجغرافي " المقهى "

إنّ الفنجان وقهوته المتقطعة بين الفينة والأخرى على شفاه الشخصيتن  تعد رسما أوليّا لخطوط الزمن الفيزيائي الذي تحول فيما بعد إلى زمن تأملي يصور كلا الطرفين المتأملين والمتكلمين صمتا على طاولة هذا اللقاء تمثيل قوله" ربما اجتمعنا ..على الطاولة الوحيدة الفارغة من العشاق" هنا تتحول الطاولة  إلى فضاء للبوح  الصامت،لأنّ المتأمل للنص سيسمع  خلجات قلب الشاعر وهي تخفق ويسمع منولوجه الداخلي بوحا وخوفا  وصراخ.

وبناء على ذلك  تغيب ثنائية الزمن الفيزيائي والمكان الجغرافي وذلك لحضور الزمن النفسي الذي استدعى بدوره المكان الابداعي، لصنع فضاء موازي للفضاء المادي، فكانت اللوحة المعلقة على الجدار نافذة تغطي فراغات المكان الجغرافي ،لذا فإشارة هذا العاشق للوحة المعلقة يعد انتقالا فنيّا منح  فرصة للزمن التأملي ونقل ما وراء اللحظة الحاضرة إلى الزمن  الابداعي تمثيلا قوله " خيط سريّ .. بدأ يمتد يناديني للثرثرة ..والتودد إصبعي يشير للوحة علقت على الجدار .."

في مكان متخيل تؤثثه الطبيعة من موج وسماء ترتحل كلا الشخصيتين انتقالا ذهنيا متحررا من قيد اللحظة الراهنة ومن جغرافية جامدة جمعت جغرافية المكان وجغرافية الجسد لتنتقل روح كلا العاشقين إلى فضاء لوحة  صورت جمال البحر والسّماء كما صورت جمال حصان  تتلاطم أمواج البحر بين حوافره وهنا نلاحظ أنّ  الشاعر قد ابتعد عن الخطابية المباشرة وركز على قوة الإيحاء  تحديدا حين يطلب العاشق الرقص مع هذه المرأة  رفقة أسراب النورس وكأنّه بذلك يمنحها أجنحة النورس لتحلق وترقص بل ليجعل منها روحه المحلقة  لتتلاشى الخطوط المؤطرة  اللوحة فتتسع أمامنا ليولد المكان الرمز،خصوصا وأنّ هذه المرأة المعشوقة قد باركت طلبه  حين قالت "دعنا نفترش الموج نرقص على اشتداد صراخ البحر .."

وما إن تستجيب لنداءات روحه حتى تتلاشى تفاصيل المكان الرمز لأنّ الشاعر وظف تقنية الخلاصة للتسريع في حركية هذا المشهد . فيعود للحظة المقهى الأولى  حضور المتعب  من التنقل وهنا تنساب خطوط الأمكنة المتخيلة وتنتفض اللحظة الفيزيائية لتشد زوايا المكان الحقيقي فتستفيق شخوص المكان لتعلن انسحابها مع آخر رشفة من الفنجان. وبدل  أن تنهى هذا اللقاء بموعد جديد تنهيه بهروب من نوع آخر في قوله " يلفنا نعاس الجنون سوف لن أسأل". وهو هروب واستسلام  كلي للزمن المفتوح.

***

بقلم الدكتورة  سعدية بن يحي

 جامعة زيان عاشور بالجلفة

صدرت رواية زواج بالجبل، للأستاذ محمد عياشين سنة 2022 م، في طبعتها الأولى عن دار حمدة للنشر والتوزيع ببوقادير، ولاية الشلف الجزائريّة. توزعت على 128 صفحة، مدعّمة بمجموعة من الرسوم الرصاصيّة الموحيّة.

تدور أحداث رواية "زواج بالجبل" للروائي والسيناريست محمد عياشين في مناطق الريف الونشريسي وجباله الممتدة من البليدة و مليانة إلى تسيمسيلت والظهرة، أما حيّزها الزماني، فقد استغرق فترة الثورة التحريرية وما بعد الاستقلال والحرية ومحنة العشريّة السوداء.

استمدّ الروائي والسيناريست محمد عياشين أحداثها، كما صرح في ديباجتها من الواقع المرّ الذي عاشته منطقته (سهل الأصنام (الشلف) أثناء الثورة التحريرية، فهي رواية قال عنها صاحبها في مقدّمة لها: " رواية زواج بالجبل قصة في مجملها واقعية، جرت بين أحضان الونشريس والأصنام (الشلف حاليا) والبليدة وإن تغيّرت فيها بعض الأسماء أو بعض الأماكن. فهي جزء من معاناة الشعب الجزائري إبّان الاستعمار الفرنسي فإلى بعد الاستقلال ثم العشريّة السوداء، حتى يدرك أخي الطالب (ة) معنى الاستعمار ومخلّفاته " ص 3. فجاءت روايته مرآة عاكسة، بصدق، لبيئته الطبيعيّة والاجتماعية آنذاك. وهي بيئة سيطر فيها المحتلون الفرنسيّون وأذنابهم من الحركى على الساكنة الريفيّة، وأذاقوها مرارة البؤس والحرمان والجوع والأمراض القاتلة والفتّاكة.

و لأنّ العنوان هو عتبة النص، ومفتاحه، فقد اختار الكاتب عنوان "زواج بالجبل"، للدلالة على تمازج الثورة بالحب. وبين الثورة والحبّ، تكامل وتماثل، فإنّ الثورة هي عشق للحريّة توق ومحبة لها. أما الحبّ، فهو كيمياء كل حركة ثوريّة نبيلة، زادها التضحيّة، وغايتها العيش الكريم في كنف العزّة والسؤدد.

لقد كانت خاتمة الرواية، صورة مشبعة بالتفاؤل، رامزة وموحيّة لجزائر النور و الحب والتغيير، والتي افتكت حريّتها واسترجعت استقلالها وهويّتها بأزيز الرصاص والقصاص، وشلالات من الدماء التي ارتوى بها قلب الثرى.

صورة المرأة الريفيّة في الرواية: عكست أحداث الرواية دور المرأة الريفيّة البطلة في دحر الغازي الفرنسي، وتحقيق النصر والحريّة. فها هي الشخصيات النسائية (خيرة المرشوقية، فاطمة المكرازية، مريم الدرقاوية، الطبيبة بختة، (بختوتة المليانية)، يمثلن قلب الثورة ويؤدين دورهنّ في المقاومة والجهاد بمختلف الوسائل.

لقد كان الريف الجزائري ملجأ للثوار والمجاهدين، وكانت مظاهر الطبيعة ؛ من جبال وفجاج ووديان وشعاب الحصن الحصين لهم. وكانت الجبال، بالخصوص، معقلا للمجاهدين، وقتهم من بطش الغزاة، ومن قنابل طائراته (الصفراء) وقذائف مدافعه الغادرة. وقامت المرأة الريفية الفحلة بدورها في استمرار الثورة إلى غاية تحقيق النصر المبين. كانت تحيك وتخيط للمجاهدين قشاشيبهم ورايات الوطن، تطحن وتخبز وتطعم المجاهدين وتخفيهم في مخابيء سريّة، وتوصل لهم مؤونة الغذاء والسلاح.

المرأة في رواية زواج بالجبل لمحمد عياشين زوجة وأم وفلاحة وزند معين لزوجها وعين حارسة ومجاهدة ومقاومة للمحتل الفرنسي الغازي. تؤدي دورا أكثر من الرجل، بل إنّ ما تقوم به من أشغال، لا يجعلها في مرتبة نصف المجتمع ، بل أكثر. لقد تجاوزت النظرة التقليدية للمرأة، وأنجزت ما عجز عنه الرجل. لم تعد آلة نسل وعجن وطبخ وكنس فقط.

جاء على لسان الروائي في وصف خيرة المرشوقية : " حان وقت الحلول. خيرة المرشوقية لا يمكن لها أن تترك أرضها بورا، قد تعودت على حرث وحصاد قطعتين منفصلتين بسفح جبل الونشريس لزرعهما شعيرا تقتات منهما وعلف الحمار والمعزة " ص 30

و هاهي المرأة الجزائرية الريفية تكتب بأناملها وإرادتها وإيمانها ووطنيتها ودهائها ملحمة النصر والحرية ، وتساهم في دحر المحتل الفرنسي.

" قدور لطرش يحفر كازمة بمعية زوجته فاطمة المكرازية، وجدتي مريم الدرقاوية تحرس ساحة البيت وطرقها من هضبة سيدي عبد الرحمان. فاطمة المكرازية أعدت سعفة قديمة مملوءة بزبل البقر وضعتها بجانب الدار. السعفة الثانية تراب نقي ينثرانه على حقل زرع مجاور للبيت. تبادل بين الزوجين في غدو ورواح تحت حراسة مشدّدة، ثلاثة أسابيع والحذر مطلوب لدى العائلة إلى أن انتهت الأشغال به.." ص 28.

إنّ ما قامت به فاطمة المكرازية وخيرة المرشوقية ومريم الدرقاوية لدليل على القوة الفلاذية للمرأة الجزائرية، في زمن المحن والمصائب والجوائح. لقد وقفت إلى جانب أخيها الرجل في قلب معركة التحرير. وبفضلها تحقّق النصر .

" أمّا فاطمة المكرازية، كانت هي الأخرى داهية وكثيرة الحيل في هذا المقام، أغلقت فوهة مدخل الكازمة بلوحة خشنة، وأفرشت حصيرا باليا عليها، ووضعت فوقه صندوقا خشبيّا مفلس القفل، بداخله برنوس زوجها وجبة نساء قديمة وفولارة (خمار) وقنينة عطر فارغة وحبيبات من الكافور، غطت الصندوق بعطاء قديم، عليه بول أولادها، كل أسبوع تذري عليها قليلا من الفلفل الأسود والأحمر مسحوقين خوفا من الكلاب المدربة للجيش الفرنسي على شمّ رائحة الفلاقة " ص 29.

يصف لنا الروائي جانبا من شجاعة خيرة المرشوقية وتحديها للمحتل الفرنسي واعتزازها بهويتها: " نعم أنا خيرة المرشوقية بنت أحمد بم محمد من أشراف الجزائر حسبا ونسبا.. " ص 45.

أجل، هي نسخة من بطلات الجزائر أثناء المقاومة الشعبية الباسلة وسليلتهن، لالة فاطمة نسومر. وغيرها من البطلات المجهولات والمنسيات في مسيرة المقاومة الشعبيّة الباسلة.

تقول خيرة المرشوقية متحسرة " صرنا تحت حكم الرعاة، البارحة متسوّلون واليوم في الحرير يتنعّمون " ص 45.

و رغم أشكال القهر والأميّة والاستعباد التي مارسها المحتل الفرنسي على الشعب الجزائري، وحصاره الشديد للريف أثناء الثورة التحريرية، فقد استطاعت المرأة الريفيّة المقاومة أن تؤدي دورا بطوليا، عجز عنه بعض الرجال. فكانت خير معين للرجل في السلم والحرب.

وما قامت به بختوتة المليانية، القادمة من مدينة (مليانة) العريقة، دليل على تلاحم المجتمع الجزائري، بريفه وحضره. فكان عهل الريف خدم لأهل الحضر، والعكس. كما قال الأمير عبد القادر: الناس للناس من بدو وحضر.. بعضهم لبعضهم خدم وإن لم يدروا.

لم يعتمد الروائي محمد عياشين في مجرى أحداث روايته على فرديّة البطل، وإن كانت شخصية خيرة المرشوقية هي الطاغية على الأحداث، وتقمّصت دور البطولة. لكن شخصيات النساء الأخريات (فاطمة المكرازية، الممرضة بختة المليانية، مريم الدرقاوية..)، وإن كانت شخصيات ثانوية، لكنها حاسمة في أدوارها.

الحوار في الرواية: إذا كان عنصر السرد في الرواية هو أساسها والحامل لأحداثها، فإنّ عنصر الحوار يمنح الرواية زخما من التفاعلات تعمّق الصراع الدرامي بين الشخصيات ن وتبرز ملامح الشخصيات ومشاعرها وتوجّهاتها الإيديولوجيّة، بل وتجسّد السلوكات اللاشعوريّة إلى العلن بوساطة الإسقاط أو الفلتات اللسانية. إنّ ما يعطي للرواية حيويتها الفنيّة وعبقريّتها التميّز، هو نمط الحوار المنسجم مع روح البيئة (الزمان والمكان). وهذا ما نلمسه في رواية (زواج بالجبل) للروائي والسيناريست محمد عياشين. فقد كان الحوار بين شخصيات روايته مفعما بالحيوية، ومعبّرا عن الجوانب السيكولوجيّة لكل شخصيّة. ولنتأمّل هذا المقطع من الحوار الذي دار بين الحركي وخيرة المرشوقية ص 40 / 41:

- (خيرة المرشوقية): يا أعداء الله سرقتم قشّابة سيدكم، الدار قلّبتم عاليها عن سافلها.

- (الحركي): امشي معنا يا خبيثة، توكلي (تطعمين) الفلاّقة ؟

- (خيرة المرشوقية): ابعد وجهك يا جرو فرنسا.

- (الحركي): عشر خبزات في فوطة تحت الجفنة قرب الكانون، هي لأمّك يا ستّوتة (شيطانة).

- (خيرة المرشوقية): تلك وعدة (صدقة) نخرجوها أول سكّة حرث (بداية الحرث)

- (الحركي): تأكلها الذئاب، تعيشين مع ولد واحد وسط الغابة، وتقولين السكة الأولى. أين روينة صالح ميمون ؟ أو نسيت عادات جدودك ؟

- (خيرة المرشوقية): لا يوجد لي قمح لأصنعها.

- (الحركي): امشي قدّامي يا جرثومة.

يجسّد هذا الحوار الواقعي جدّا، صورة واضحة لمعاناة المرأة الريفيّة أثناء الثورة التحريرية من ظلم الحركى (الخونة)، وجبروت المحتل الغاصب الذي سلّط عليها القهر والفقر والعوز والحرمان، وجرّدها من إنسانيتها، فهي في نظره جرثومة وشيطانة. ولكن رغم كلّ ذلك القهر الجسدي والنفسي، لم تتأخر عن دورها في إطعام المجاهدين، رغم الخصاصة. فكانت تؤثر على نفسها وأبنائها، وتطعم المجاهدين من أجل استرجاع الحريّة والاستقلال، ولم تثنها أساليب القهر الاستعماري عن دورها الجهادي.

لقد جابهت المرأة الجزائرية مختلف أساليب البربريّة الفرنسيّة الصليبية. معنوية، من خلال نعتها بألفاظ بذيئة ومشينة (ستّوتة { شيطانة }، جرثومة، خبيثة، ذئبة) وسياسة التجهيل، وماديّة (الجوع والبرد والأمراض الفتاكة، والسكن البدائي ونزع الأراضي الخصبة، والحصار في المحتشدات الشائكة بغرض عزلها عن المجاهدين). كما جاء على لسان الجدة مريم الدرقاوية، وهي تواجه العسكري الفرنسي : " لم يبق فينا إلا هذا الثوب الممزق الذي يسترنا، جوّعتمونا ن شردتمونا، قتلتم رجالنا ونساءنا " ص 55.

لكنّها لم تستسلم أمام الطاغوت الفرنسي الاستعماري وأعوانه من الحركى، جراء فرنسا (ابعد وجهك يا جرو فرنسا.).

و في المقطع التالي يرسم لنا الروائي محمد عياشين صورة أخرى لبسالة المرأة الريفيّة وشجاعتها وروحها المقاومة. من خلال شخصية الجدّة مريم وخيرة المرشوقية: " جدتي مريم تحرس البيت، رشاقة خيرة المرشوقيّة أسرع بكثير من قدور لطرش، اعتمادها على النفس، علّمها الحرث والمنجل والفأس والشاقور، إضافة إلى أشغال البيت، استخرجتا القمح من المطمورة، فغسلاه وجفّفاه على طاجين، تحته نار دافئة فإلى الرحى . لم تمض ساعة ونصف حتى كان الدقيق جاهزا، وضعاه في كيس وأخفياه في ضروة غير بعيدة من البيت " ص 55.

امتاز الحوار في رواية " زواج بالجبل " للروائي محمد عياشين، بالإيجاز اللفظي المفضي إلى الغرض في مواضع عديدة ، وقد مزج فيه الروائي بين اللغة المحليّة المحكيّة (الحكي الشعبي المحلي)، وهي اللغة اليوميّة لساكنة الرقعة الجغرافيّة التي داوت فيها أحداث الرواية (من المتيجة إلى جبال الظهرة والونشريس). وما ميّز هذه اللغة الحواريّة، هو بساطتها وسلاستها وعمقها التعبيري وأدائها المباشر وانسجامها مع الجوّ النفسي لشخصيات الرواية. وهي لغة مباشرة وسليلة بيئة أحداث الرواية و أقرب إلى فنّ السيناريو السينمائي والمسرحي .

سيميّائية الشخصيات النسائيّة :

أبرز شخصيات رواية " زواج بالجبل " للروائي محمد عياشين، شخصيّة، خيرة المرشوقيّة، وهي الشخصيّة الرئيسة (البطلة) في الرواية . وعندما نتفحّص ملامح هذه الشخصيّة النسائيّة، من جوانبها النفسيّة والبدنيّة والعقليّة، نخلص إلى صورة امرأة ثوريّة ومجاهدة وقويّة وومؤمنة بقضيّتها التحرّريّة وشجاعة وحكيمة وصامدة ومتحدّية، لم ترهبها آلة القمع الفرنسي ، رغم فظاعتها وبشاعتها. فقد جمعت خيرة المرشوقيّة بين قوة الإيمان بقضيّة وطنها المحتل وحبّ التضحية بالنفس والنفيس. وتيقنت أن الجهاد لنيل الحريّة والكرامة والاستقلال لا تعني الرجل دون المرأة، بل هي مسؤولية مشتركة. إنّ خيرة المرشوقيّة امرأة تامة العقل والدين. امرأة في خلقها البيولوجي، لكنّها تحمل كل معاني الرجولة الحقّة ، لا تنطبق عليها مقولة " النساء ناقصات عقل ودين ". فهي خير، ألف مرّة، من ذلك الحركي، ومن الذكور المتقاعسين، والواقفين على الحياد دون انتماء." ما رفعت رأسها في عين رجل سوى زوجها. امرأة متوسطة العود.. " ص 43.

تقول نفسها بنبرة افتخار واعتزاز وهي تواجه الباحث العسكري عندما يسألها: " أنت خيرة المرشوقيّة ؟ " ص 44.

" نعم، أنا خيرة المرشوقية بنت أحمد بن محمد من أشراف الجزائر حسبا ونسبا... " ص 45.

" تركت خيرة المرشوقية رضيعها أمام الكانون، وهبّت تركض في اتجاه جبل الموت. هكذا يسمّى، لأنّه حصد الكثير بسبب صيد النحل والضرابين. قدماها تقطران دما، لم تنتبه للأشواك ولا للأحجار السكنية التي سنتها الطبيعة سنا قاطعا منذ عقود.. بعد ساعة طوي صعودها وهبوطها وتسلّقها لتقف على جثة صامتة كستها الدماء بين شجرة عرعار وصخرة في شقّها عصا حديدية (العتلة) " ص 13.

مريم الدرقاوية: تتّسم شخصيّة الجدّة مريم بالشجاعة والقوّة والاندفاع. فهي امرأة تغالب نوائب الدهر، وتجاهد بكل قواها البدنيّة والنفسيّة والعقليّة. إنّ أميّتها لم تعقها عن أداء دورها في محيطها الاجتماعي كأم وجدّة ومجاهدة. يوميّاتها، كلّها، تنم عن روح المقاومة والصمود والتحدّي. " جدتي مريم الدرقاوية تصحبنا إلى مرعى المسخوطة. تحيطه شرقا وغربا غابات كثيفة وفي أسفله وادي بورورو." ص 24. " وصيتها الوحيدة ألا نقترب منها أو ندخل الغابة، ستتركنا بعد قليل وتعود إلى البيت. كنّا نراقبها من بعيد، تضع أثقال الحمل وتشحن الشواري حطبا في بضع دقائق وتعود مع دربنا. الاستغراب والشكوك يراودني عسى الشكوى وما في طيات الشواري للجنون مقابل حزمات من الحطب. جدّتي تتعامل مع الجنون. أتذكر حين مرضت خالتي أحضرت طالبا (راقيا)، قرأ عليها سورا من القرآن وأورادا من الأدعية، حينها شُفيت " ص 24 / 25.

فاطمة المكرازية: امرأة من خيرة حرائر الجزائر، مجاهدة شجاعة، لم ترهبها آلات التعذيب والقهر، نسخة من رفيقاتها، خيرة المرشوقية ومريم الدرقاوية . " أمّا فاطمة المكرازية، كانت هي الأخرى داهيّة وكثيرة الحيل في هذا المقام، أغلقت فوهة مدخل الكازمة بلوحة خشنة، وأفرشت حصيرا باليا عليها، ووضعت فوقه صندوقا خشبيا مفلس القفل بداخله برنوس زوجها وجبّة نساء قديمة وفولارة (خمار) وقنينة عطر فارغة وحبيبات من الكافور، غطت الصندوق بغطاء قديم عليه بول أولادها، كل أسبوع تذري عليها قليلا من الفلفل الأسود والأحمر مسحوقين خوفا من الكلاب المدرّبة للجيش الفرنسي على شمّ رائحة الفلاقة " ص 29.

لقد نسجت المرأة الجزائرية الأصيلة ملحمة الجهاد في الأرياف والقرى والمدن. وسجّل التاريخ بطولتها وصمودها ودورها الريادي في نيل الحرية والاستقلال. وقد ملأت أخبار جميلات الجزائر الآفاق، وتحوّلت بطولتهنّ إلى ملاحم ينشدها الثوار ويترنّم بها الأحرار وتتردّد على ألسنة الكبار والصغار في كل مكان. ولولاها ما كانت الثورة لتصمد وتستمر وتحقّق النصر المبين.

" فاطمة المكرازية تزيل لوحة باب الكازمة، يستخرج مسطاش أربعة وعشرون بندقية صيد وعدد كبير من الخراطيش وآلة راقنة وأغطية متنوعة الحجم والشكل، فتشحن في شاحنة إلى جبال الونشريس بللو (الأزهريّة حاليا) " ص 100.

بختوتة المليانية: شابة جمعت بين الحبّ العذري و المواطنة والتضحيّة . أحبّت وطنها، فوهبته نفسها. فطم عشقها للثورة في سنّ مبكّرة، و أينع وعيها الثوري . مارست مهنة التمريض في أحضان الجبال والفجاج والشعاب. تحدّت الشدائد والمصاعب. آمنت بأنّ النصر آت لا ريب فيه، مهما امتدّت ليالي الاحتلال الغاشم ، ومهما طالت وحشيته واقترفت أياديه الآثمة المجازر والجرائم الفظيعة.

قدّمها الروائي محمد عياشين كشخصيّة مخضرمة . عاشت أطوارا من الثورة، وشهدت فرحة الاستقلال وشاركت في أعراس الحريّة.ن التي كانت طرفا في صنعها. فكانت مثال المرأة الواقعيّة و الرمزية ، التي عكست صورة المرأة الجزائريّة الفحلة، الكريمة، العاشقة بعقلها قبل قلبها.

" لم تبخل طبيبتنا في تطبيب أهل القرية، لرجالها ونسائها وأطفالها في قبوسة جدّتي مريم الدرقاويّة (القابوسة غرفة صغيرة توقد فيها النار شتاء)، كل من دخل غرفتها ترحّم عليها وعلى جدّي قويدر، كأنّهما أحياء بينهم، ذكرياتهما، سخاؤهما " ص 107.

" لم ينقص من عزيمة بختوتة المليانية شيئا أمام صور وذكريات بطلها الشهيد، النمس، بل تفانت في تربية أبنائها وإتقان عملها. ابنها الأكبر (منور) حلمها قد تحقق صار مهندسا معماريا مصمم العمارات والقصور والجسور والمصانع.. " ص 128.

لغة الرواية: ما يلفت انتباه القاريء لرواية زواج بالجبل للروائي والسيناريست محمد عياشين، هو مزجه بين الفصحى واللغة المحكيّة (العاميّة) المستمدّة من البيئة المحليّة في بناء عنصر الحوار، أيّ اعتمد لغة وسطى . ممّا أضفى على الأسلوب السمة الواقعيّة، والتشويق. إنّ المتأمل للغة الحوار يدرك دوره العميق في تجسيد الانتماء الوطني، وإظهار الوجه الحقيقي للاستعمار الفرنسي. لقد عكست طبيعة اللغة هويّة المنطقة التي كانت مسرحا للأحداث، كما عبّرت بصدق عن التفاعلات السيكولوجيّة في علاقة الشعب الجزائري بالمستعمر الفرنسي وأذنابه. فإذا كانت المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العام والخاص – كما أشار إليه الجاحظ – فإنّ بناء الأسلوب، هو جزء من عبقريّة الكاتب والقاص والروائي والشاعر، بل إنّ الأسلوب (الألفاظ والجمل)، هو الذي يكسب صاحبه التميّز والعبقريّة، ويمنح المعاني والأفكار الحركة والفاعليّة. (قواطن – الدالية – التويزة – عتروس – الخنز – البتيتة – الكنوري – ربي جابك عندي – سليقاني – بعثوك أسيادك – صاحب الفيرمة – كيفكيف – الكازمة – هر،هر - فلاقة – الله لا تربحك – ستّوتة – ديقاج – الخنونة –الجدارمية – مرآة الهند - المطمورة – الخاوة.... الخ "

اعتمد الروائي على الجمل القصيرة والأسلوب المباشر واللغة المحليّة، المحكيّة، فكان أسلوبها أقرب إلى أسلوب السيناريو. ولعل، مردّ ذلك راجع إلى كون الروائي محمد عياشين يعتبر من كتاب السيناريو. لهذا السبب كتب روايته " زواج بالجبل " في قالب السيناريو، وطغت النظرة الواقعيّة على عالم الخيال الفنّي.

و خلاصة القول، إنّ صورة المرأة في رواية " زواج بالجبل " للروائي والسيناريست محمد عياشين، تجاوزت عتبة النمطيّة المتعارف عليها في الثقافة العربيّة، وارتقت بالمراة إلى درجة السمو الروحي والاجتماعي. هي امرأة ثائرة وقويّة وواعيّة، جمعت بين واجبها المنزلي - كزوجة أو أمّ أو جدّة أو عمّة أو خالة - ورسالتها الجهاديّة. الرجال الأبطال، حملت السلاح وخاضت المعارك الحربيّة إلى جانب الرجل، وخاضت معركة البناء بعد الاستقلال دون تردّد . المرأة عند الروائي والسيناريست محمد عياشين، ليست آلة للجنس والنسل والطحين والطهي والغسل فقط ، وليست ناقصة عقل ودين، وليست وسيلة إغواء للرجل، بل هي إنسانة حرّة ومسؤولة. فقد تحرّرت من القيود الاجتماعية والعادات الباليّة والنظرة الدونيّة والتهميش والإقصاء . لقد فاقت أعمالها اعمال رجال كثيرين في الحرب والسلم. وهذا ما عبّرت عنه الناقدة العراقية نسرين ابراهيم الشمري في مفال لها بعنوان (صورة المرأة في شعر يحي السماوي) بقولها : " نرى أن السماوي تعامل مع المرأة من خلال الدور الذي تشغله، إذ تجلّت لما حرّة طليقة، مشاركة للرجل في ساحات القتال، ثائرة لا ترضى الخنوع، ما يعني أنّها كانت تعود بفائدة نفعية للمجتمع، وبدت كذلك مربيّة ومؤسسة لجيل، تساهم في تكوين بنية المجتمع، وهذا ما يؤكد أنّ المرأة نصف المجتمع وهي عضو فعّال في تكوينه. "1.

يمكن إدراج هذه الرواية " زواج بالجبل " من حيث التكوين، ضمن سلسلة الروايات التاريخية العربيّة، كروايات جورجي زيدان، وروايات صبحي فحماوي، و غيرهما.

***

بقلم الناقد والروائي: علي فضيل العربي – الجزائر

.....................

هامش:

(1) مقال، صورة المرأة في شعر يحي السماوي، للأستاذة الناقدة نسرين ابراهيم الشمري – صحيفة المثقف / 23 تموز / يوليو 2023.

مقاربةٌ تمهيديّة

من البديهي القول: إنّ عمليّتي التّأويل والإدراك لا يتوقّف نشاطهما إطلاقاً – باعتبارهما من آليّات الوعي الضّروريّة للفهم – عند ممارسة جملة من الاشتغالات حال مواجهة المُتلقّي للثّقافة وكُلّ نتاجاتها، لا سيّما اللّغويّة، وبالأخصّ النّصّ الشّعريّ الذي يزيد من حِدَّة التّأويل والإدراك، كما لو أنّه قد تمَّت كتابته حتّى يكون مسرحاً للتّأويل وتلقّي المعنى، حيث يعثر التّأويل على ضالّته في هذا النّوع من النّصوص اللّغويّة.

ومن البديهيّ أيضاً، أنّ نصوص الشّاعرة ريما آل كلزليّ تَحطّ رحالها في هذه المساحة تحديداً، لتكون نصوصاً تستدعي التّأويل، لتقودك إلى طرقاتٍ لم يسلكها أحد في تجاربهم الشّعريّة التي تهتمّ بالحبّ والوعي.

وعندما نجري أيّة مقاربة تحليليّة عن تجربة الشّاعرة ريما آل كلزلي ونحاول البحث في بنية القصائد التي كَتَبَتها، فإنّنا أمام تجربة غاية في التّميُّز والإكتناز، ترتكز على أرضيّةٍ معرفيّة رصينة وبجماليّةٍ خصبة، استطاعت أن تنمو وتزدهر ضمن مَديات كثيرة، وتنماز بنسيجها اللّغويّ المتماسك والأخّاذ، مما مَكَّنها أن تكون جديرة بحياكة خيوط قصائدها بهذا الثّراء الفاتن والفائض بالصّور الرّائعة من وجدانها إلى النَّصّ.

دأبت قصائد ريما آل كلزلي على التّمازج النّقّيّ بين تجديد التّمثّلات الواعية التي تجعل من الشِّعر قوّة تعبيريّة عن اشتغالات جَمَّة في هموم الوطن والحبّ من جهةٍ، والثّقة بإمكانيّة المفردة على تنضيج الجمال واتّخاذه منطلقاً للقصيدة وتطلّعاتها الخصبة.

  فها هي هنا تطرح تساؤلاً شفيفاً وغاية في الجمال والبلاغة:

(مَن أنت؟

من أي ّزمن ٍعبرت؟

الوجوهُ تتعدّد، وحدكَ بلا شبيه

مرّةً أراك أسطورة.. ومرّةً عاشقاً

يقطع ُبحوري في سفن ِالمُحال..

أيها الحالمُ

يا تلك الرّصاصة التي انتزعتني

من غفوتي).

هكذا تمكَّنت ريما آل كلزلي من أن تكون قصائدها غَنيَّة وضاجَّة بالمعنى في جانبيها الموضوعيّ والجماليّ، مع التّأكيد – ببراعة الشّاعر الحاذق – على قوّة الإيقاعات الصّياغيّة والمعبَّئة بميكانزمات صوريّة خلّابة، لا تبتعد كثيراً عن أداء الموسيقى الشّعريّة المتوارثة.3279 ربما الكلزلي

جماليّة الأسلوب عند ريما آل كلزلي

إنّ للشّعر أساليبه العديدة والبليغة، وله أيضاً الكثير من المؤثّرات الهامّة في تنضيج الرّؤى الشّعريّة للنّصوص، لا سيّما المعاصرة منها، خصوصاً عندما ترتكز على قوّتها الدّلاليّة المتأتية من إتّقان الأساليب وتنوّعها واكتنازها الجماليّ بالآليّات الفنّيّة الحديثة فيما يتعلّق بالتّراكيب والصّياغات والأسلوبيّة.

والأسلوب في الكتابة، له القيمة العُليا والمهمّة في فكِّ شفرات شاعريّة النّصّ لأيّة نتاجات أدبيّة، وهذه الشّاعريّة لا تتأتّى إلّا عِبر جمال الأسلوب وروعته، وهذا يدلُّ على أنّ قيمة الكلمات على المستوى الفنّيّ لا تتأطّر إلّا في السّياق الذي تأتي من خلاله، أيّ أنّ الشّاعريّة في النّصّ المكتوب، ليست كامنة في بنية الكلمات ذاتها، بقدر ارتباطها بما سبقها وما سيليها من عناصر أسهمت في تركيب النّصّ وهندسته، بمعنى آخر أنّ الشّاعريّة تكون في رسم التّعبير وآليّة البناء التي جاء من خلالها، وليست فقط من خلال المضمون أو المعنى الذي يبثّه النّصّ على مستوى نسقه.

وما تَقدّم، نجده في أجلى مصاديقه يتوافر في نصوص الشّاعرة ريما آل كلزلي، ففي أسلوبها عند كتابة النّصّ الشّعريّ خاصّتها، نرى أن للكلمات موسيقاها الخاصّة، والمستقلّة عن المعنى، حيث تُبدع كثيراً في أسلوبها وتحرص على انتظام تعابيره، من خلال وضع كلمات نصوصها في قوالب فنّيّة مبتكرة وجديدة غاية في الجمال، لتمكّن من منح كلماتها البريق والتّوهّج الشّعريّ الأخّاذ.

 تقول في أحد نصوصها:

(ذات يوم حقّيقيّ كامل التّفاصيل

سأجلس على العرشِ

وأشدو مع ذئابكَ للقمر

ثمّ أبحث ُفي نار أضَعتُ فيها شفاهي).

إنّ اللّغة الشّعريّة التي تكتب بها ريما آل كلزلي قصائدها، لا تعتمد الوصف الظّاهريّ للأشياء، ولا تُكرّر المعاني بذات الحَرفيّة، حتّى تبدو وكأنّها عَصيّة على الرّكاكة والاستسهال ولم تقتصر على نقل الوقائع بشكلها البسيط، أيّ أنّها تؤمن – إيماناً شاعراً – أنّ هذا لا يُمكن أن يكون من مهام الشّعر الخالد.

إن ريما آل كلزلي تؤمن بأنّ الشّعر لا بدّ أن يكون قادراً على تغيير ملامح الواقع وتغيير مساراته وزعزعة استقراره، يقول في إحدى قصائده:

في نَصّ (برعم فكرة) تقول:

(اسمح لي أكتبكَ

بيتاً لا حدود له..

تتوحّد الرّؤى حوله

لا تاريخ َيحكمهُ ولا جواز َيعبره)

بهذا الوهج الإبداعيّ تنتقل بنا ريما آل كلزلي إلى واحدةٍ من قمم الجمال الصّوريّ، لتؤكِّد أنّ استفزاز ذائقة المُتلقّي لا يمكن تحقيقها إلّا من خلال الإبداع في صياغة النّصّ، وتعقّب اللّغة في تراكيبها التّعبيريّة أثناء نسج الصّورة الشّعريّة، لتُميط اللّثام عن شاعريّة سامقة وفَذّة، ومتفرّدة في روعتها وجمال أسلوبها وعمقها على المستوى الفنّيّ والموضوعيّ، فضلاً عن الإحساس المرهف العالي.

وفي نَصٍّ بعنوان (لحنٌ مُلتهب) تقول:

(أريد الحُبّ أغنيةً أتلوها كالصّلوات

أريدُ الرّيح يقظة في قعر السّبات

أريدُ اللّيل حقيبةَ حُبّ في أقاصي السديم

كُلّما حَدَّثني صمتك عن أسرار النجوم

دع الشفاه تحكي بلغة الاقحوان

حكايات لم يرويها الخيال

يا أيّها المعنى تَحرّك بين صخوري

وانتفض).

لقد تمكَّنت ريما آل كلزلي من إبداع نصوصاً حقيقيّةً، تماهت بصورةٍ رائعةٍ ومتبادلة مع محيطها، كما أنّها تعاطت مع معطيات اللّغة الشّعريّة تعاطياً تصاعد فيه أفق التّعبير وجمال التّصوير ضمن السّياقات الواعية للنّصّ، فهي القائلة في نَصّ (عُزلة):

(تُداوينا العزلة ُ

في كلّ مرة ٍ يسقط ُمن السلالِ حلم ٌ

***

كنجمةٍ في السّماء

تختفي كلّما ابتعدَتْ

هكذا اعتزلتك!

***

أبحث ُفيك َعن آثاري

انتماءاتي

وصورٍ قالوا: تشبهني)

بمثل هذه النّصوص الواعية تُثبت ريما آل كلزلي بأنّ الشّاعر الذي لا يمتلك غير موهبته، لا يُمكن أن يكون مبدعاً متفوّقاً، إذا لا بدّ من وعيه بالثّقافة وإدراكه للواقع، واستعداده فنّيّاً للتّعاطي مع ابتكار الصّورة الجماليّة للنّصّ.

دهشة الاستهلال في قصائد ريما آل كلزلي

ما أعنيه بـ(دهشة الاستهلال) هنا، هي الكلمات المفتاحيّة التي تبدأ بها الشّاعرة قصائدها، من حيث قوّة بنائها وفاعلية تأثيرها، وعمق إيحائها، حيث تُبدع كثيراً في هندسة تشكيل النّسق لكلمات القصيدة، وتثوير إيقاعاتها النَّغَميّة، التي تتماشى مع الاسترسال الشّعريّ وديناميكيّته البنائيّة.

لقد أدركت ريما آل كلزلي - بوصفها ممن يكتبون النّصّ الواعي -، أنّ إتّقان كتابة الاستهلال بشكلٍ برّاقٍ ومدهشٍ ومبتكر، هو مما يُحفّز المُتلقّي ويجذبه إلى عمق فضاء النّصّ وبنيته، كون ذلك سيجعله – أيّ النّصّ – وهجاً يوحي بالجمال والدهشة والتّأثير، ولا بدّ في ذلك أن يكون الاستهلال مُباغتاً إلى حدٍّ ما. وللوقوف على ذلك وبيانه، نأخذ هذه الأبيات المفتاحيّة من بعض قصائده.

ففي نَصّ (لقاءٌ بلا قدر) تستهلّ بقول:

(يامن ادّعيتَ التّصوّفَ

وشبّهت َ قصائدي

بزوبعةٍ أو إعصار

ما كان حبي معصية ً

والذنوبُ لا تتجلى في وضح النهار؟)

وفي نَصّ (هاجس) تقول:

(أرجوك لا تحبّني

لأنّي، وبعصفٍ كُلّي

عليك أنهمر)

وفي نَصّ (فراديس السّراب) تستهلّ:

(كُلّما قرأتكَ أكثر

تطفو على وجهي علاماتُ الدهشة!

وتغوصُ في أعماقي شروحات الرّسائل المُقدّسة)

وهكذا، مع هذه الكلمات المفتاحيّة للنّصوص، تُباغت ريما آل كلزلي المُتلقّي بدهشةِ المعنى وبراعة الأسلوب وسحره وشفّافيّته، فضلاً عن الكمّ الهائل من العاطفة والأحاسيس التي تبثّها المفردة، مع التّأكيد على أنّ جمال الكلمات المفتاحيّة في قصائدها لا ينفصل أبداً عن النّسق العامّ للقصائد حتّى نهاياتها، أيّ أنّ المتلقّي سيظلّ طائراً على جناحي الدّهشة والجمال حتى اكتمال آخر القصيدة، وعلى هذا جاءت كُلّ نصوص ريما آل كلزلي.

جمال الخاتمة في قصائد ريما آل كلزلي

(جمال الخاتمة) الذي أعنيه هنا، هو جمال الكلمات الأخيرة للنّصوص أو الأبيات الأخيرة التي تنتهي بها القصائد، كونها تكشف عن خلاصة الرّؤية والإحساس العالي الذي يودّ إيصاله الشّاعر في نهاية رحلة قصيدته، وتكمن روعة الخاتمة بقدر إثارتها للمتلقّي، الذي سيبقى أثر الجمال والعمق المتوفّر في القصيدة عالقاً في ذهنيّته على المستويين، الموضوعيّ والفنّيّ.

الشّاعرة ريما آل كلزلي كانت مُدركة لأهمّيّة وجماليّة الخاتمة للقصائد التي تكتبها، من كونها تترك الإيحاءات والمَدّ الدلاليّ والأثر الإيقاعيّ وخلاصة الصّور لدى المُتلقّي، ونلأخذ بعض الأمثلة على ذلك من نصوصها.

في نصّ (اعترافات) تختم:

(أنتَ قوّتي في التواصل

انثر ْقمحكَ على رَحى ودّي

نطربُ معاً

إلى جَعْجَعة الحنين).

وفي نَصّ (ولادة) تختم بـ:

(ومثل شموس ِالفجر ِما زلتَ تتشكّل

كالرّبيع الفتي

فيما أنا عصفور

أُغرّد في ضوءك).

وفي نَصّ (غربة روح) تختم بـ:

(أيا ذنباً أشركته قلبي

أيا حبّاً رجوت الله

أن لا يكون مغفورا).

نلاحظ بجلاءٍ مع هذه الكلمات الختاميّة في قصائد الشّاعرة ريما آل كلزلي روعة النّهايات وقوّة بلاغتها ودقّة المعنى فيها، من خلال اكتمال النّسيج اللّغويّ والهندسة الصّوريّة والإمتلاء الموضوعيّ للنّصّ، وهذا ما يُظهر تَمكّن الشّاعرة من أدواتها، ودرايتها التّامّة بمناطق اشتغالها من حيث ربط النّسق الشّعريّ وتكامله على وتيرةٍ واحدة، مكتنزة وناضجة من دون أيّ ترهّلٍ أو تراجع في بنائها وسحرها.

من يقرأ قصائد الشّاعرة ريما آل كلزلي من بداياتها حتّى نهاياتها، يتذوّق جمال المفردة وعذوبة المعنى ودقّة وبلاغة السّبك الشّعريّ الذي يشدّ أواصر بناء القصيدة ضمن أنساق إبداعيّة متراصّة ومموسقة.

التّجديد في نصوص ريما آل كلزلي:

تمتلك الشّاعرة ريما آل كلزلي الشّيء الكثير من الأدوات الفنّيّة العالية التي مَكَّنتها من كتابة قصائدها بهذا النّسق الجماليّ الرّائع على اختلاف الأشكال والأوزان البنائيّة، فهي قادرة على ابتكار اللوحات الضّاجّة بالدّلالات الرّصينة والتّعابير السّامقة، وكأنّها تحرص دائماً على تزويد المُتلقّي بمخزونٍ شعوريّ كبير، يقفز على الاحتمالات، ويحثّه للولوج في فضاءاتٍ جديدة، تقود إلى بناء مَجَسّات الجمال التي تتميّز بالوعي والاتّقاد من جهة، ومن جهةٍ أخرى تسبر أغوار الذّائقة وتتمكّن منها.

إنّ قصائد ريما آل كلزلي تشتغل على محاولة استنطاق الأشياء، وتوطيد الأواصر معها، للوصول إلى معانٍ إنسانيّة وجماليّة سامية، تنسجم والتّأثير الكبير الذي يُمكن أن تتركه الكلمة على المُتلقّي. كما أنّها اشتغلت أيضاً على ترجمة الهمّ الإنساني في تساؤلاتٍ ومعالجاتٍ رائعة، بعيداً عن سياقات التّسطيح والرّتابة.

الشّاعرة ريما آل كلزلي تؤمن بأنّ المُتلقّي له أن يُسهم في تحريك القصيدة واستنطاقها، مع تباين المستوى المعرفيّ بين متلقٍّ وآخر، لذا فإنّها حافظت على إبقاء آصرة جماليّة مع من يتعاطى نصوصها في جميع ما تكتب، وتمتاز بذات الأسلوب التّجديديّ/ الجماليّ، والذي جعل من نصوصها مُتاحة للجميع على مستوى التّلقّي والتّفاعل، وهذا ما لا يستطيعه إلّا النُّدرة من الشّعراء.

***

علاء البغداديّ

كاتبٌ وباحثٌ من العراق

 

واسيني الأعرج في:

"مَيّ، ليالي إيزيس كوبيا، ثلاثمائة ليلة وليلة في جحيم العصفوريّة"

رواية تكشفُ عن المَخفي في علاقة مي زيادة والرّجال الذين أحاطوا بها

***

ميّ زيادة، الأيقونة التي لا تُمحى من الذّاكرة، التي كلّما بَعُد الزّمنُ بها عادت لتستحوذ على مَحاور الدّواوين الأدبيّة والثّقافيّة، تعود للمرّة الكم؟..من جديد بعد إصدار الكاتب الروائي واسيني الأعرج روايته "مي، ليالي إيزيس كوبيا، ثلاثمائة ليلة وليلة في جحيم العصفوريّة"(دار الآداب بيروت والأهلية عمان).

واليوم أعود للسؤال نفسه: إلى أيّ مدى كانت علاقة ميّ زيادة بزوّار صالونها الأدبي من الأدباء الكبار؟ وكيف تعامل معها هؤلاء الزّوّار الذين سرعان ما انفضّوا عنها بعدما أقفلتْ صالونَها، ورحلت إلى لبنان حيث زَجّ بها ابنُ عمّها في العصفوريّة؟

الروائي واسيني الأعرج يجعل من علاقتها بهؤلاء الأدباء ثيمة مهمّة في روايته المستوحاة والمعتمِدة على سيرة ميّ زيادة في "ليالي العصفوريّة". ويتّخذ الموقفَ المُساند لمي في غضبها على هؤلاء الأدباء واستنكارها لمواقفهم التي وقفوها منها. حتى تكاد في بعض المواقف تجده طَرَفا حادّا وقاسيا ومُتشدّدا في حديثه عنهم، واهتمّ، كما يّدعي بغير حق، الكاتب والشاعر المصري شريف الشافعي"أنْ لا يُظهرهم كفطاحل وقامات في الثقافة العربية بقدر ما ظهروا كمتنافسين في عشق ميّ زيادة ومُتخاذلين عن نَجدتها في محنتها". (جريدة المدن الألكترونية 14.3.2019)

أدباء وأعلام في صالون ميّ زيادة

جذب صالون مي زيادة الأدبيّ الذي افتتحته عام 1912 في مدينة القاهرة معظم الشخصيّات البارزة على السّاحات الثقافيّة والأدبيّة والفكريّة في مصر. وقد تنافس البعضٌ منهم في مدحه وتودّده لميّ، فقد لقّبها ولي الدين يكن بملكة دولة الإلهام، وخليل مطران بفريدة العصر، ومصطفى صادق الرافعي بسيّدة القلم، وشكيب أرسلان بنادرة الدّهر، ويعقوب صرّوف بالدّرّة اليتيمة، والأب أنسطاس الكرملي بحلية الزمان، وشبلي الملاط بنابغة بلادي، ومصطفى عبد الرازق بأميرة النهضة الشرقيّة، وفارس الخوري بأميرة البيان، وعبد الوهاب عزام بالنابغة الأدبية.

هكذا وجدت مي زيادة نفسها فتاة في أواسط العشرينات من عمرها، أوّل فتاة تلتحق بالجامعة المصرية، عزباء، جميلة، مثقفة، تُجيد عدّة لغات، تكتب بالعربية والفرنسية، ممتلئة أنوثة وحيويّة، بسمتها لا تُفارق وجهها، كلماتها النّاعمة الجميلة الجاذبة المثيرة مثل "حبيبي" تشدّ كلا منهم إليها. ولا غرابة أنْ يقع البعض منهم في حبّها في ذلك الزمن الذي كان محظورا على المرأة العمل خارج البيت أو المشاركة في المجالات الثقافية والاجتماعية والسياسية وغيرها. ولم نعرف إلّا القليلات في مصر من اللواتي كسَرن قيود العادات والتّقاليد والمفاهيم الدينيّة المتشدّدة، وخُضن عراكَ الحياة. وقد يكون سببُ نجاح ميّ في كسرها لكلّ الموانع ثقافتُها الواسعة، وكونُها مسيحيّة لبنانية، ومثقفة يدعمُها والدُها الياس زيادة صاحبُ جريدة المحروسة بعلاقاته الواسعة مع رجال الثقافة والأدب.

تقف الكاتبة غادة السمّان في مقدمتها لكتاب جوزيف زيدان عن ميّ زيادة على "المعاناة التي عاشتها مي من الالتباس في موقف زوّار صالونها الأدبي بين جمال ميّ الكاتبة وجمال أبجديّتها، وبين حضورها الأنثويّ وقدراتها الإبداعيّة. ففي معظم مدائح بعض (زبائن) صالونها لها يتجلّى التّخلّي عنها "كفنّان ندّ" تحت ستار تمجيد أنوثتها وجمالها وحضورها الآسر"(ص9).

وتستشهد بنقد عباس محمود العقاد لأدب ميّ في قوله "اقرأ كتابة الآنسة مي لا تجد فيها ما يغضبك. ليكن لك رأيك في أسلوب الكتابة أو نمط التفكير أو صيغة التّعبير، فما من كاتب إلّا وللناس في أسلوبه وتفكيره وصيغ تعبيره آراء لا تتّفق. أمّا الإنسان في ميّ ذلك الكائن الشاعر الكامن وراء الكاتب منها والمفكر والمعبّر- فلا يسع الآراء المتفرّقة إلّا أنْ تتّفق فيه وتُصافحه مصافحة السلام والكرامة" (المقدمة ص8). وتُعلّق غادة السمان على كلام العقاد هذا بقولها "إنّه عاملها فيه مثل مضيفة حسناء في طائرة الإبداع، لا واحدة من ربابنة التّحليق.

ويصف سلامة موسى مي بقوله "هي ربعة مستديرة الوجه زجاء الحاجبين وطفاء الأهداب، دعجاء العينين، يتألّق الذكاءُ في بريقهما؟ يجلّل وجهها الجميل شعر جثل أسحم، وتلعب أبدا على شفتيها ابتسامة الخفر.. ولعلّ زجج حواجبها ووطف أهدابها أعلق الأشياء بذاكرة مَن يراها. وعلى الرّغم من سعة اطلاعها واستثارتها لا تزال أبعد النساء عن الاسترجال وأشدّهنّ أنثويّة .. كثيرة التّواضع والاستكانة".

أمّا إسماعيل صبري فعبّر عن شعوره تجاه مي وصالونها الأدبي بقوله:

إنْ لم أمتّع بميّ ناظريَّ غدا

أنكرتُ صُبْحَك يا يومَ الثلاثاء

ويقول جوزيف زيدان في كتابه عن مي "جلّ مَن كتبوا عن مي لم ينسوا أنّها امرأة، فتناولوها من هذا المنطلق دون حَرَج ناظرين إلى أنوثتها على حساب فكرها، كاتبين عنها كلاما لم يكن ليدور في خلد أحد أنْ يكتب مثله لو كان المتناوَل رجلا. وعلى الرغم من إطلاق شتّى الأوصاف الرّفيعة عليها بقيت ميّ في نظر المؤسّسة الأدبيّة الرّجاليّة امرأة حتّى أطراف أصابعها يصحّ أن تُعامَل وتُقَوّم كأيّة امرأة. فسلامة موسى يُقرّرُ " لم تكن ميّ جميلة ولكنّها كانت "حلوة". ويصفها فتحي رضوان بعد لقائه الأول بها " لها عينان ضيّقتان تبدوان للنُّظّار كأنّ بهما أثَرا من رَمَدٍ قديم، فليس فيهما شيء من الجمال. أمّا ميّ نفسها فممتلئة غير مترهّلة، وأظنّها أقرب إلى القِصَرِ من الطول. وصوتُ ميّ تشوبه رنّة حزن لا أدري إذا كانت طبيعيّة أم مصطنعة، وهي تقطع عباراتها، وكأنّها تُلحّنها وتُوقّعها كأغنية". واتّهمها الدكتور منصور فهمي باللعوبيّة. وحتى هدى شعراوي زعيمة حركة تحرير المرأة في مصر آنذاك تقول: لم تكن ميّ على وسامتها ووضاحة وجهها جميلة بالمعنى الصّحيح للجمال. (ص17-18)

ميّ مَحطّ اهتمام ورَغَبات الجميع

ظلّت مَيّ زيادة مركزَ اهتمام ومَحطّ رغبات معظم زوّار صالونها على اختلاف اهتماماتهم الأدبية والفكرية والثقافيّة والسياسية والفلسفيّة والاجتماعيّة، يسعون إليها مُكتفين بترحابها الجميل وكلامها الرقيق واهتمامها الكبير وبلقاء مشاهير الأعلام من ذوي المكانة، كلّ في مّجاله. ويعترف طه حسين أنّه أُخِذَ بصوتها ونَبَرات إيقاعها يوم سمعها في حفل تكريم الشاعر خليل مطران بقوله في مذكراته "لم يرض الفتى عن شيء ممّا سمع إلّا صوتا واحدا سمعه فاضطرب له اضطرابا شديدا وأرِقَ له ليلته تلك. كان الصوت نحيلا ضئيلا، وكان عذبا رائقا وكان لا يبلغ السّمع حتى ينفذ منه في خفّة إلى القلب فيفعل به الأفاعيل" (مذكرات طه حسين دار الآداب 1967 ص45-46) وسَعِدَ طه حسين يوم حقّق له أستاذه أحمد لطفي السيّد رغبته في لقاء مَي زيادة، وزيارة صالونها الأدبي. (مذكرات طه حسين ص47).

وتجاوزت رغباتُ البعض التّوقّفَ عند حدود اللقاءات الأسبوعيّة الثقافية والأدبيّة والفكريّة التي يُشارك فيها في صالونها، وخدعته خيالاتُه الوهميّة إلى نسج علاقة حبّ معها. ويقول عامر العقاد في كتابه "لمحات من حياة العقاد المجهولة – دار الكتاب العربي 1968 ص186"، "كان روّاد صالونها جميعا يحرصون على إرضاء صاحبته.. بل كان كلّ منهم يخلو إلى نفسه بعد انفضاض النّدوة فيتمثّل تلك النّظرات الحلوة وذلك الحديث العذب والجمال الفتّان فيترجم ذلك كلّه إلى قصيدة غزل أو رسالة يبعث بها بالبريد.". وكان لعلاقاتها واحتفائها الممَيَّز بالبعض أنْ كثُرت الهمسات والتّلميحات وتناثرت القصص لتنسج قصصَ حبّ بين هذا أو ذاك وميّ زيادة.

ويقول الكاتب عبد اللطيف شرارة في دراسة له عن ميّ زيادة "كان من نشاطها الاجتماعي أنْ زُجّ بها في مآزق عاطفيّة لا نعرف مدى ما في الروايات والأحاديث التي تنوقلت حولها من صحّة، إذ كانت تُلاقي عطفا خاصّا من لطفي السيّد، وتسري همسات خافتة حول علاقتها بمصطفى صادق الرافعي وطاهر الطناحي."(مي زيادة- دار صادر بيروت 1965 ص65).

ووصلت النّزاعات حول قلب ميّ بالبعض إلى التّلاسُن والاتّهامات والتّشابك، فتُسارع مَيّ لتهدئة الأفئدة وإرضاء الجميع بكلامها المعسول وخفّة دمها ورشاقتها. حتى أنّها رضيت بأن تُبعد ما بين مصطفى صادق الرافعي وعبّاس محمود العقّاد، حيث وصل الخلاف بينهما حَدَّ الشّتائم، فخصّصت للعقاد يوم الأحد تُجالسه فيه وحده بينما يلتقي الآخرون كلّ يوم ثلاثاء.

وتكاد أغلب المراجع تتّفق على أنّ ميّ زيادة كانت تتأرجح في عواطفها بين مصطفى صادق الرافعي الذي خصّص لها كتابيه "أوراق الورد" و "رسائل الأحزان" ومحمود عبّاس العقاد. وهي تشير إلى ذلك بقولها: "إنّ معركة "على السفود" بين العقاد والرافعي لم تكن ثقافيّة، وأدبيّة بالمعنى الدّقيق للكلمة. في عمقها كانت نار الغيرة تشتعل بينهما بسببي. الرافعي كان يراني أني أعاشر شخصا يكره المرأة، وأنّ كلّ ما فيها هو غير صحيح، وأنّه لا يحترمني، وأنّه يحكي في المجالس أنّي نعجته الشّهيّة، وعشيقته. وكان العقاد، حتى بدون أن أبدي رأيي فيما يفعله، ينتفض بقوّة. أعرف غيرته الكبيرة من كلّ المنافسين له أدبيّا، بالخصوص جبران. كان يسخر كثيرا من الرافعي مثل طفل حقود: ماذا عشقتِ في رجل أصمّ أبكم ومعتوه، وربّما مجنون أيضا. لم أكن أملك وسيلة للدّفاع عنه إلّا الصّمت. كل ما كان يكتبه الرافعي، كان العقّاد يأتيني به ناقما: ها هو معتوهك يهينك مرّة أخرى أمام الجميع، وأنتِ تجدين له كلّ سُبل التّسامح؟ (ص183-184) وتعترف مي بأنّها كانت على علاقة خاصّة بالعقاد، وقد خصّصت له يوم الأحد لتُجالسه وحده "كان العقاد حبيبي، رغم خلافاتنا الخاصّة. كان مأزوما من جبران وغير جبران. ولم يكن لديّ أيّ حلّ له. كان من الصّعب عليه أنْ يراني امرأة خارج السّيطرة. خارج سربه النّسويّ السّرّي الذي أعرفه. منحته يوما خاصّا به. بنا. الأحد، لأنّه كان يتضايق من يوم الثلاثاء المُخصّص للصّالون. لم أكن مُهيّأة للنّوم معه، وهذا خياري. كان يغضب كطفل صغير. أحاول أنْ أقنعه أنّ جسدي ليس ملكي، لدرجة أنْ يئس من يأسي ومنّي. هو يريد أنثى شهيّة بعد فلم جميل نراه معا في الفانوس السّحري، وبيت مُعطّر مُهيّأ للحظة قد لا تتكرّر أبدا، فيُفاجأ بامرأة تفعل معه كلّ شيء إلّا أنْ تنام في حضنه. حظّه وضعه في كفي مثقّفة لا تنفعه كثيرا في الفراش، تكاد تكون هو، رجل بجسد امرأة تفكّر. شبيهتُه في كلّ شيء، حتى في غيرتها وعنادها (ص172).

وتعترف ميّ بحبّ العقاد لها وحبّها له "العقاد الذي تحوّل مثل عاصفة دخان كان يحبّني. كتبتُ له في رسالة: "حسبي أنْ أقول لكأنّ ما تشعرُ به نحوي هو نفس ما شعرتُ به نحوكَ، منذ أوّل رسالة كتبتُها إليكَ. بل خشيتُ أنْ أفاتحك بشعوري نحوك منذ زمن بعيد، منذ أوّل مرّة رأيتك فيها، الحياء منعني، والآن عرفتُ شعورك" (الرواية ص173). وتقول مي عن حبّها للعقاد: "العقّاد الذي عشقته وقاسمته ما أخفيتُه عن الآخرين. كان نموذجي في الاستماتة من أجل الحقّ، لم يُخِفْه السّجن أو الغَطرسة. (ص171).

ويروي عامر العقاد قصّة الحب بين العقاد ومي زيادة حيث بدأت بتلك المغازلة اللطيفة التي قام بها معظم زوّار صالونها الأدبيّ، وكان يكتب لها الرسائل ويرسلها فتتجاهل وصولها وقراءتها إذا ألمح لها بها في جلوسه إليها في الصالون. لكن الحبّ زاد وبان بتخصيصها له يوما منفردا عن باقي الحضور، وأنّها كانت تُبادله الرسائل إذا ما سافر إلى بلدته أسوان، وتلتقيه وتذهب معه لحضور أفلام سينمائيّة. وقد اعترف العقاد بحبّه لمي عندما سأله طاهر الطناحي عن ذلك فقال: لقد أحببتُ في حياتي مرّتين: سارة ومي. ويروي العقاد في روايته "سارة" قصة حبّه المُتداخل لمي زيادة ولفتاة باسم سارة، (رواية سارة، دار الكتاب، بيروت. ط 2، 1969ص161-162).

حبّ ميّ الكبير، كما يعترف جميع مَن تناول سيرتها، كان لجبران خليل جبران، الذي هربت إليه لتجدَ عنده الأملَ وتجسيدَ الحلم الذي انتظرته. "لم يكن جبران حبيبي الذي أسرتني كتاباته، كان أمانيّ وحائطي اللغوي."(ص110) وحبُّها هذا جعل كلّ الذين أحبّوها يتضايقون من جبران، ويُضمرون له الضّغينة لأنّه سرقها منهم.

وتذكر ميّ في أكثر من مناسبة حبّ البعض لها مثل: "أنطون الجميل الذي شعرتُ يوما بأنّه سيموت من دوني(الروايةص248)، وسلامة موسى الذي أحببته كثيرا وكنتُ وراء توظيفه في جريدة الوالد. (الروايةص251) وأمين الريحاني الذي كنت أعرف أنّه حبيبي الذي عاد من أمريكا فقط ليرعاني بقلبه وكلّ حواسّه. هذا الرّجل في هذا العالم الضَّحل نادر، لكنّه موجود. وهو الذي اعتقد أنّ حبّي لجبران ما أبعدَني عنه، ولم يُدرك أنّ لا أحد يُمكنه أن يُبعد آخر عن أحد".(الرواية ص203-204). وتذكر أنّ لطفي السيّد قد وقع في حبّها: "العقاد، سلامة موسى، لطفي السيّد أصيبوا بخيبة كبيرة لأنّهم لم يجدوا المرأة التي تَنافسوا عليها في السّرّ والعَلَن". (الرواية ص248) وطاهر الطناحي الذي ناشد ميّ وقد سمع بما لحِقَ بها في لبنان بقوله:

عودي إلى مصر مثل الشمس ساطعة تزجين ضيّك آيات وعرفانا

كم قد ْحَزنّا لبُعد طال موعده وكم حسَدنا على الأيّام لبنانا (الرواية ص242)

انفضاض المُحبّين والأصدقاء وقت الحاجة إليهم

اعتقدت ميّ زيادة أنّ هذا الحبّ الذي أحاطها به كلّ مَن عرفها وتواصَل معها من كبار الأدباء والمفكرين والسياسيين وغيرهم، لن يضعُفَ أو يختفي في يوم من الأيّام. لكنّ المصائب التي توالت عليها بموت والدها وثم والدتها وبعدهما موت جبران، جعلها تُحسّ بانهيار عالمها الرّوحاني والنّفسي والاجتماعي، وأنّ لا شيء بقي من أجل أنْ تعيش له في هذه الحياة، فأخذت تنزوي داخل نفسها بأنْ أقفلت صالونَها الأدبي وانقطعت عن لقاء زوّاره.

وتصف سلمى الكزبري ما حلّ بمي بعد موت جبران "لقد صدع موت جبران ميّاً جسما وروحا. ولمّا استبد بها الحزن والاكتئاب أصيبَت بانهيار عصبيّ، تبعه انهيار في صحّتها، فاعتزلت الناس، وأصبحت عرضة للوساوس والأوهام، وغدت امرأة مفجوعة، بل خيالا لامرأة هدّتها الأحزان وحطّمتها الصّدمات. ففي عام 1935 بعثت إلى قريبها في بيروت الدكتور جوزيف زيادة برسالة مؤثّرة وصفت آلامَها، وتردّي صحّتها، وطلبت منه المجيء إلى مصر لإنقاذها ممّا كانت تُعانيه، مُعربة عن رغبتها في العودة إلى لبنان." (مقدمة كتاب الشعلة الزرقاء ص24).

هذه السنوات التي آثرت فيها الوحدة بعيدا عن كلّ إنسان مع ما انتشرت حولها من إشاعات عن تَردّي حالتها الصحيّة والنفسيّة، أبْعَدَ زُوّارها وعشّاقها عنها، ومع الأيّام انصرف كلّ منهم لهمومه ومَشاغل الحياة، حتى إذا ما جاء ابنُ عمّها، ورحل بها إلى لبنان عام 1936، كانت قد توارت عن اهتمام العديد، والقليل منهم حاول أن يُبقيها ذكرى جميلة يستعيدُها كلّما لفحَه الهوى، وجاءه طيفُها مُذكّرا ومُؤنّبا ولائما.

اعتقدت ميّ أنّ خلاصَها من حالتها المأساويّة سيكون بالعودة إلى بلدها لبنان وأهلها. لكنّها وجدت نفسها ضحيّة لمؤامرة دنيئة أوقعها فيها مَن اعتقدته منقذها وحبيبها العائد، ابن عمّها الدكتور جوزيف زيادة حيث اتّهمها بالجنون، وزجّ بها في العصفوريّة بعد أن تنازلت له عن كلّ ما تملك. ورفضت ميّ المؤامرة وطالبت بإطلاق سراحها، وعندما أدركت استحالة ذلك أملت أنْ يقوم عشّاقُها وأصدقاؤها ومحبّوها الذين أحاطوا بها في صالونها الأدبيّ في القاهرة، بما لهم من سطوة وقوّة وتأثير، بنجدتها. لكنّ رجاءها خاب، ولم يهتم أيّ منهم بحالتها أو السّؤال عنها. ولم تتقبّل ذلك وأطلقت صرخات استنكارها وعتابها وغضبها بألم وحزن "لماذا تخلّى عنّي الجميعُ بهذه السّرعة الغريبة، وكأنّي لم أكن؟" (ص108)

وتشكو من عقوق أصدقائها "حتى أصدقائي تخلّوا عني، وبدل أنْ يُدافعوا عنّي، راحوا يُكيلون لي التّهم القاسية، وجعلوا من كآبتي مادّتهم لذبحي. كنتُ مأدبتهم المفضّلة في جلساتهم الواسعة." وبألم تقول: "خيرة أصدقائي ولّوا وجوههم عنّي صوبَ الفراغ. كنتُ أحسب حسابهم، لكنّهم تخلّوا عنّي". وتتساءل "ماذا لو أثار طه حسين زوبعة، وهو سيّدها وقادر عليها؟ ماذا لو كتب عنّي شيئا صغيرا، سطرين لا أكثر، حبّا في هذه الصّداقة؟ ماذا لو كان العقاد وفيّا لحبّ نبت كبيرا، قبل أن يموت بسرعة". وبغضب تقول "كيف تجرّأ العقاد أنْ يرميني بسهولة؟ ألم يكن حبيبي، رغم خلافاتنا الخاصّة"(ص172) ماذا لو ركض نحوي من القاهرة إلى بيروت، ألم أكن حبيبته التي ألهمته بكتاب، ومنحته ما لم أمنحه لأحد غيره، وضمّني إليه، كما تعوّد أن يفعل معي كلّما عدتُ من سفرة، أو جاءني من قريته حيث يهربُ دائما؟ (ص183) "وماذا لو انتفض لطفي السيّد الذي كنتُ أعرفُ إخلاصَه وقلبَه الجميل؟" وتتساءل "لماذا صمت الرّجل الذي علّمني الكثير، يقول لي إنّه جُنّ بي، مصطفى صادق الرّافعي؟" "ثم ماذا لو سأل عنّي سلامة موسى؟ ألم يُعلن لي عن حبّه عشرات المرّات". (ص184). "أيعقل أن يكونوا كلّهم مثل بعض؟ كيف استسلموا لصحافة كاذبة وهم أعرف الناس أنّي لم أكن مجنونة؟"(ص118-120).

وتستغرب من تصرّف أمين الرّيحاني قائلة: "أمين الرّيحاني.. أوّل مَن انتظرتُ أن يقف بجانبي، لكنّه غاب كما غابوا جميعا. صدّق القَتَلةَ بلا تعب (ص171). "لم يُدافع عنّي أحد؟ كان الجبنُ سيّدَ كلّ شيء. لماذا؟ هل فعلتُ شيئا مشينا ليقتلني هذا الشرق الأليم الذي دافعتُ عنه بكلّ حواسي؟ لا أحد قال كلمة واحدة"(ص197)

انتقام مَيّ من الذين تخلّوا عنها

بعد إطلاق سراحها وخروجها من العصفورية وعودتها إلى مصر قرأت ميّ ما كُتبَ في الصحف عنها من قِبَل أصدقائها ومُحبّيها فيما مضى. فقرّرت أن تُغلقَ باب بيتها في وجههم. رفضَتْ استقبال أنطوان الجميل الذي حسّسها دائما بأنّها جزء منه وساكنة في عينيه، لكنّه غدر بها وتخلّى عنها(ص248). وغضبت جدا بعد قراءتها ما قاله طه حسين: "أقسَمَ برأس كلّ أساتذته العظام وعلماء النّفس أنّه رآني غير طبيعيّة، وأنّي أسير حثيثا نحو الجنون لأنّ أزمة نفسيّة كبيرة جرّتها إلى العصفوريّة" (ص252)، فرفَضَتْ استقباله وجرَحته وأهانَته في حديثها الهاتفيّ معه عندما اتّصل بها(ص261-263).

لكنّها تعترف بعدم استطاعتها ردّ العقاد وسلامة موسى ولطفي السّيّد. لكنهم عندما زاروها أصيبوا بخيبة كبيرة لأنّهم لم يجدوا المرأة التي تنافسوا عليها في السّر والعَلن. (ص248).

وفوجئت بما صرّح به العقّاد وسلامة موسى بعد زيارتهما لها، وجرح قلبَها وقسَمه إلى نصفَين، وتساءلت: "لماذا قال سلامة موسى ما قال "كانت صورة مي في ذهني عندما ذهبنا لزيارتها، لا تزال صورة الفتاة الجميلة الحلوة التي تضحك في تدلّل، وتتحدّث في تأنٍّ. فخرجَتْ لنا امرأة مهدمة كأنّها في السبعين، قد اكتسى رأسها بشيب أبيض، مشعّث..إلخ. "هل كان العقاد مُجبرا أن يُفبرك كذبة ضدّي ليُخفيَ بؤسَه معي؟". (الرواية 251). وتنتقد العقاد على تصرّفه، "فهو من القليلين الذين استقبلتهم في بيتي الجديد الفقير، لكنّه لم يحسب لذلك أيّ حساب. شرب قهوة عندي في وقت لم أفتح للآخرين لا باب بيتي، ولا باب قلبي، أعتقد أنّه حقد عليّ عندما أرادني في فراشه وتمنعتُ، لم أجد في العقاد هشاشة العاشق، ولكن ملمسا من حجر وصوّان. لم يتخطّ الأفكار التي نبتَ عليها. الكتابة هشاشة دائمة، لكنّها أيضا صنعَة الإحساس فيها قد يكون محدودا. لا أشعر أبدا أنّي أخطأته يوم تركتُه، فهو في النهاية رجلٌ شرقيّ لن يتغيّر، وإذا تغيّرَ فسيكون ذلك بصعوبة كبيرة ولكنّه في أوّل هزّة، بدل أنْ يُراجعَ نفسَه، يعود إلى اللحظة الأولى التي تظنّ أنّه تَخطّاها. وأتساءل أحيانا إذا لم يظلّ الأنسان العربي مثبتا في عُقَد المراهقة حتى الموت. كلُّ مَن ابتسمْتُ لهم حوّلوا الابتسامةَ إلى إعْلان حُبّ. تَصحّر في عُمق الإنسان العربي. وحشتُه الأساسيّة امرأة لم يحسم معها حساباته الحياتيّة. هناك عَطش ذكوري تَحمّلتُه بكل ثقله". (الرواية ص250)

وتُعلّق ميّ على تصرّفهم وما قالوه مُشفقة عليهم "محنتي ليست تَرَفا بائسا. هي محنة المثقّف العربي في أوهامه المَرضيّة، الذي استقرّ على ازدواجيّة مَقيتة، ستُرافقه إلى قبره بعد أن قَبِل بها واستكان لها"(ص249). وتستعيدُ أيّامَ علاقاتها بزوّار صالونها في القاهرة، وكيف كانوا يصغُرون في عينيها كلّ يوم "لقد عشتُ بين عشرات الرّجال الذين اشتهوني دفعة واحدة. رجال كانوا بصدد صناعة عالم جديد، كلّما اقتربتُ منهم صغُرَ الكثيرُ منهم. اكتشفتُ وأنا بينهم في الصّالون، أنّ هذا العالم الجديد الذي كانوا يُبشّرون به ليلا نهارا، محكوم عليه بالموت اختناقا، اليوم أو غدا أو بعد مائة سنة، ما دامت المرأة لا سلطان لها فيه، ولا تشترك في صناعته. تمنيتُ أنْ أصرخَ بقوّة حتى تتقطّعَ أحبالي الصّوتيّة: أيّها الرّجل، لقد أذللتني، فكنتَ ذليلا. حرّرني تكُن حرّا. لكنّه لم يسمع إلّا لأنانيّته ولحَداثة صنَعَها على مَقاسه". (الرواية ص116-117).

وتقول "منذ البداية أدركتُ أنّ صراعي سيكون كبيرا مع رجال شاخوا قبل أنْ يكتبوا. وُلدوا مُخَرَّبي الأدمغة في غمار حَداثة أكبر منهم لأنّهم رفضوا كسرَ كلّ مُعوّقاتهم الدّاخليّة. كلّهم بلا استثناء، صُنّاع الحَداثة، كلّما تعلّق الأمرُ بامرأة مَزّقت الشّرنقةَ مقابل ثمن غال دفعته من أعصابها وراحتها، أخرَجوا سكاكينهم. أزمة الحَداثة العربيّة امرأة. هزيمة الخروج من التّخلّف امرأة أيضا." (الرواية ص167) وكأنّي بها تتنبّأ بما سيكون، وقد صدَقتْ. "كنتُ أشتهي أنْ أنتميَ لرجل واحد أمنحُه كلّي ولا أترك لنفسي شيئا، ولكنْ لا أحدا منهم كان يُحبّني كما اشتهيتُ. سأموتُ وسيفتح كلّ منهم علبتَه السّريّة، ليجعلَ من الحبّة قبّة، من صباح الخير إعلان عن قصّة حبّ، ومن اللمسة حبّا مجنونا على سرير اللذّة". (الرواية ص200-201).

واسيني الأعرج يكشف المستور

انشغال كلّ مَن تناول حياة ميّ زيادة وما عانته من ظلم أقاربها، وخاصّة ابن عمّها الدكتور جوزيف زيادة، وبحبّ ميّ لجبران وحبّه لها رغم البُعد الجغرافي بينهما. هذا الانشغال حجبَ عن عيون كلّ المهتمّين بها، وأبعدهم عن الالتفات إلى ما سبّبَ لها رُوّاد صالونها، أصحاب الأسماء الكبيرة في عالم الأدب والفكر والسياسة من ألم روحي ونفسيّ، حتى جاء الرّوائي الدكتور واسيني الأعرج بروايته "ميّ، ليالي إيزيس كوبيا، ثلاثمائة ليلة وليلة في جحيم العصفوريّة" المستوحاة من مذكرات ميّ زيادة "ليالي العصفورية" التي اجتهد في البحث والتّنقيب عنها حتى وجدَها ولملم صفحاتها، ووقف على التصرّفات السيئّة التي قام بها كبارُ الرّموز الذين نعتزّ بهم في عالم الأدب والفكر والمعرفة، فكشف المستور، وأثار حملات صحافيّة، منها الشّاكرة له عمله، ومنها المستنكرة فعلته والمُشكّكة بصدقه وأمانته في ما روى. وحتى أكون على يقين تحدّثتُ مع الروائي واسيني الأعرج وسألتُه عن مدى دقّة ومصداقيّة ما روى، فأكّد لي أنّها صحيحة مائة بالمائة ولم يزد أيّ حرف عليها

قد يستغرب الكثيرون تصرّفَ أصحاب الأسماء الكبار رُوّاد صالون ميّ زيادة، لوقوع معظمهم في حبّ ميّ، أو للمشاحنات والخلافات التي كانت تشتدّ وتحتدَ فيما بينهم حول ميّ، أو للقصص الوهميّة التي نسجَها بعضُهم أو للسّلوكيّات المشينة التي قام بها البعض منهم، ولجحودهم وتنكّرهم للتي أسعدتهم وأفرحتهم واستقبلتهم في صالونها.

ولكنّنا إذا عُدنا إلى تلك السّنوات منَ الثلث الأوّل من القرن التاسع عشر حيث كانت المرأة سَجينة بيتها، مُقيّدة بالعادات والتّقاليد والمفاهيم الدينيّة الصّعبة، لا خروج لها من البيت إلّا بمرافقة أحد أفراد أسرتها، والأفضل من الذّكور، محرومة من العلم والحريّة والتّعبير عن رأيها حتى في تقرير مَصيرها، تعيش في مجتمع ذكوريّ يفرض مفاهيمَه وآراءه ويتحكّم بها، وإذا ما برزت إحدى الفتيات وتمرّدت وشقّت عصا الطاعة وانطلقت تُنشد الحريّة، يُسارعون إلى إخماد صوتها إمّا بالقتل، وإذا لم ينجحوا، فبإلصاق كلّ القصص المسيئة الفاضحة الكاذبة بها.

في مجتمع كهذا جاءت ميّ زيادة، المولودة لأسرة مسيحيّة في مدينة الناصرة في فلسطين والتي عاشت وكبرت في لبنان حيث اكتسبت، على مَدار سنوات قضَتها في مدارس الأديرة، العلمَ والمعرفة واتقانَ اللغات العديدة. جاءت إلى القاهرة برفقة والدها الياس زيادة، صاحب جريدة "المحروسة" المنفتح على عالم الثقافة والأدب، وافتتحت بموافقته صالونَها الأدبيّ كلّ يوم ثلاثاء لاستقبال كبار رجال الفكر والأدب والسّياسة على غرار صالونات فرنسا، تستقبلهم بالتّرحاب والبَسمة والكلمة اللطيفة، وتُحاورهم في مختلف مواضيع الفكر والثقافة والأدب، وتكتب مثلهم في الصحف وتنشر الكتب، فيعود كلّ منهم من صالونها مبهورا بها، مأخوذا بلطفها وبسمتها وكلمتها الهامسة، فيعتقدُ واهما، أنّها تخُصّه بها وحده، فيسقط صريعَ هواها، ويكتب لها القصيدة أو الرّسالة، ويرسلها لها أو يقرأها يوم يلتقيها، فتبتسم ولا تُعَلّق، فيزيد وهمُه، ويزداد تعلّقُه وتكثرُ قصصُه. وإذا ما استنكر أحدٌ فعلَتهم، وهم أصحاب الأسماء الكبيرة، كلّ في مَجاله، ومنهم مَن فاته قطارُ العمر أو له زوجة وأولاد، ولا يليق به أنْ يقع في حبّ فتاة صغيرة في أوّل تفتّحها على دروب الحياة، يُسارع عبّاس محمود العقاد ليُدافع ويُفسّر ويشرح بقوله: "إنّ عواطف الإنسان خالدة فيه. وحتى الشيخوخة ربّما أعانت بأكثر ممّا يُعين الشّباب، إذ تهدأ فيها ثورة العواطف المستعرة التي تُبلبلُ النّفوس، وأيضا فإنّها تُعمّقُ التجربة وتُعمّق الفهمَ للحياة الإنسانيّة وما يدور في قلب المحبّ من مَشاعر"(عامر العقاد. لمحات من حياة العقّاد المجهولة ص249)

أخيرا

أقول شكرا للرّوائي واسيني الأعرج الذي كشف لنا عن مذكرات مي زيادة "ليالي العصفورية" التي ظلّت مجهولة لسنوات. وقدّ أبدع في تقديمها بلغته الجميلة وأسلوبه الأخّاذ فجعلنا نعيش مع ميّ. نتعاطف معها، ونغضب غضبها. نحزن حزنها، ونرثي معها واقعا سيئا مُهشّما عاشته وكانت ضحيّته.

***

د. نبيه القاسم - الرامة / فلسطين

 

عرضت مسرحية (ثورة) ضمن فعاليات مهرجان المسرح العربي الذي أقامته الهيئة العربية للمسرح بالتعاون مع وزارة الثقافة العراقية ونقابة الفنانين العراقيين ـ الدورة الرابعة عشر ـ بغداد ـ الساعة الخامسة من عصر يوم الخميس 11/1/2024 / المسرح الوطني. قدم العرض (المسرح الجهوي سيدي بلعباس / الجزائر).

النص: يوسف ميلة / هشام بوسهلة.

مُعد عن روايتي (الجثة المطوقة) و(الأجداد يزدادون شراسة) للكاتب ياسين.

تصميم العرض: عبد القادر جريو.

اخراج: عبد الاله مربوح.

تمثيل: نوال بن عيسى، جناتي سعاد، عبد الإله مربوح، عبد الله جلاب، أحمد بن خال، ابو بكر الصديق، سهلي احمد.

(الثورة تحدث نتيجة الاستبداد والطغيان، ولكنها نفسها حبلى بالطغيان) (ويليام جودون).3263 مسرحية الثورة

بُنيت فكرة العرض على وصية كبار رجال الثورة للشباب المنتفض الثائر في حمل الرسالة والاستمرار في المقاومة، فكرة رصينة قوية متينة، محكمة الصنع، تتحدث عن الثورة وما بعد الثورة وتسلط الضوء على اقتسام الغنائم والزعامة والحصول على موقع في السلطة، ثورة لا مكان محدد لها، ولا زمان، الثورة فيها فكرة وفيها مصالح وزعامات ومناصب، ثورة أقرب إلى التاريخ، اقرب الى التوثيق، أفضت بها حوارات قوية البناء، واضحة الدلالة، إلا في بعض المشاهد ادغمت اللغة بلهجة جزائرية صعبة الفهم على غير جمهور المغرب العربي.

ثورة تجسدت فيها المأساة الانسانية عبر نحيب وبكاء وكلمات مؤثرة على لسان شخصية (نجمة) المتلألئة التي حطت على الأرض المعطاء، هي النقاء والطهر كما في ملبسها، لتمثل الأرض الصلبة، إنها الحبيبة التي اوقعت بحبها (الاخضر) حامل الراية التي ـ تسلمها من (كبلوت) الثائر الكبير، الذي قدم وصاياه (للأخضر) للدفاع عن الجياع، عن الفقراء، عن الضعفاء، لتكون حبيبة (الاخضر) الذي نأى بنفسه عن المطامع فهو لا يريد شيئاً لنفسه، هو العاشق الوارث الذي ترشح ليكون حامل رسالة المقاومة والنضال والدفاع عن الوطن ضد العدو المستعمر بمساعدة بقية الثوار الشباب من ابناء البلد ـ مشهد جسد بلغة اقرب الى الشعر، دغدغت مشاعر المتلقي، وحفزت انفعالاته، استعادت ذكراه لماسي الحبيب (الاب، الاخ، الزوج، جميع من فقدوا) ذكرته بالإعدامات والاغتيالات بعد كل الثورات، و(ثورة الجزائر) ككل الثورات التي مرت على جميع بقاع الأرض.3264 مسرحية الثورة

ثمة احالة الى التراث العربي في مشهد ذر الماء من الإناء على الأرض عند الباب، حين تودع النساء احبابها، وهي دلالة رمزية تعني تمني العودة.

جسد العرض ممثلين على درجة عالية من الاحتراف من فرقة (للمسرح الجهوي الجزائري)، كان جميع الممثلين بلا استثناء وبتفاوت بسيط لاحدهم على الاخر في بعض المشاهد، فهم جميعاً امتلكوا الاحساس والمشاعر الجياشة، وقوة التركيز والمطاولة في الاداء، ادوا ادوارهم بجدارة عالية، تلبسوا بالشخصيات، وامتلكوا القدرة والقابلية في الولوج الى التحليل النفسي للشخصيات، وبات ذلك واضحاً من خلال الهيئة/ الشكل الخارجي، فهم امتلكوا مفتاح الشخصية وساروا بها للتواصل مع المتلقي بانسيابية عالية من الاحساس بالصدق والاتقان في عملهم طوال عرض المسرحية، الممثل استطاع ان يسطر افكاره في الدور من خلال التخيل الواسع الذي امتلكه، ولا ننسى دور ومساعدة قائد العرض المخرج (عبد الاله مربوح) الذي اشتغل كثيراً على الشخصيات ليوصل رسالته من خلالهم، فالمخرج عًولً كثيراً على المهارات الفنية والتعبيرية، بالطرف الاخر ارتكز الممثل على موهبته وحسن استخدام ادواته، بالصوت المعبر والنطق السليم والتمكن من ضبط مخارج الحروف، والحركة الانسيابية والمرونة العالية لأجسادهم، ظهر هذا جلياً من خلال الانفعالات والمشاعر المصاحبة للصوت والجسد، كان الجانب الجمالي اساس تكاملية العرض وتألقه، فهم (مجموعة من الشباب الثوار في فضاء تاريخي غير محدد، كل واحد منهم يريد لنفسه نصيباً من السمعة وحتى الزعامة مما سيؤدي بهم الى مأساة تتكرر في كل ثورة) فالممثل وظف نفسه للدور بشعور واحساس عالي نابع من فهمه للهدف النبيل للمسرحية، لذا اتحف العرض بأداء تمثيلي اوقظ الحياة الداخلية للشخصية، امتلك التكنيك العالي، وبذا ايقظ واجج وحفز مشاعر المتلقي، فجاء عرض (ثورة) يعج بالجمال واللياقة والدقة والانضباط العاليين من خلال رشاقة الاداء الواضحة على محياهم. سار العرض بوتيرة اداء متنامية للوصول الى الذروة عبر ايقاعات العرض التي عزفت على وتر المشاعر الانسانية. فهي (ثورة) جاءت برسالة لكل الشعوب التي مرت عليها الحروب والثورات نظرة الى ماضي ومستقبل الشعوب.3265 مسرحية الثورة

جاءت أزياء الشخصيات بتصاميم والوان تحمل عبق الماضي وثرائه، وفيها الكثير من الحاضر، فدلالة الألوان ورمزيتها في زي (نجمة) المتشحة بقماش ابيض اللون ذا دلالة وحالة يتوافق معها اللون وتأثيره السايكوفيزيائي، فهو النقاء، والخلود، والطهر، والبراءة، والصحة، هو لون خفيف متحرك، وهذا انعكس على أداء الشخصية بٍعدها الحبيبة والوطن والأرض.

اما (ماريان) ذات الرداء الاحمر مثلت المستعمر، أدت الشخصية بحرفية عالية وجمالية استعانت ببعض حواراتها بـــ (اللغة الفرنسية) جاء اللون الأحمر الطاغي على هيئتها ، دلالة لون ثقيل، دافئ، ينم عن القدرة، والنعيم، والاستحقاق، والجدارة، هكذا جاءت دلالة ورمزية زيها، وبالتالي دفع هذا بالشخصية ان تكون الطاغية والمستعمر والعدو، استعانت (ماريان) بقطعة اكسسوار (مروحة يدوية) بلون احمر باتت دلالتها ورمزيتها باستخدامها بشكل دقيق وواعي ومؤثر واضح كنسق علامي بارز. فالأزياء كتصميم جاءت بلا هوية، لا زمان لها، ولا مكان محدد.

أما المنظر فقد كان بسيط في شكله وعميق في مضمونه، تجسد في تكوين جمالي وسط وسط المسرح، تشكيل ضخم ذو بوابتين أراد من خلاله مصمم العرض (عبد القادر جريو) ايصال رسالته الى المتلقي مبطنة بالدلالات والإشارات والرموز والمعاني من خلال الأنساق العلامية، تمكن من صناعة تعبيرات مسرحية مشهديه غايتها خلق المتعة البصرية، فهو تارة مُصلى وأخرى تعاملت معه (نجمة) ليكون مرآة تحاكي نفسها وتلومها وكأنها السبب في سحب البساط من تحت عباءة (الاخضر) واغوائه لأن يكون حبيبها الذي لا مصلحة له، ولا طمع في السلطة والحصول على المغانم، واخرى مقصلة او مكان اعدام (الاخضر) وتعليقه فيه، واخرى مكان دخول المستعمر المتمثل بـشخصية (ماريان) ثم اخيراً اصبحت باباً لخروج الطغاة والاعداء وطردهم منه. 

أفاد المخرج من ذلك التصميم ومن حرفية الممثلين التي جاءت بمستوى عالي صوتاً وجسداً باعتبارها الفاعل الأساسي للتجسيد الفعلي لرؤية الإخراج وإيصال رسالة العرض، مع الاشارة الى ان المخرج استخدم المقاطع الموسيقية المؤثرة ذات المسحة المحلية الشعبية الجزائرية رافقت بعض المشاهد المسرحية في تسليط الضوء على تاريخ وحياة الشعب.

رسالة العرض (حدثت ثورة... ماذا بعد؟ الثوار يتقاسمون السلطة ليكونوا... ؟) ان ما قُدمَ من مشاهد مسرحية ذات بُعد جمالي ودلالي عالي لم يكسر افق توقع المتلقي في ما تؤول اليه الثورات وما بعدها من الصراع على مغانم الثورة إثر توالي الحروب ووجود المستعمر في واحدة أو أكثر من الدول التي تعرضت للثورات والحروب، سلطت المسرحية الضوء على تاريخ وحضارة الشعوب التي تعرضت الى الحروب والثورات.

***

د. فاتن الربيعي

 

"اخشي أن تتخلي إحدانا مع مرور السنوات عن محبة الناس. في مرحلة الشباب، يكون نثر العواطف جزءا من كون إحدانا شابة، اللعب بالعاطفة مائة في المائة،والتوسع بها إلى اللانهاية. توزعها إحدانا يميناً وشمالا ببراءة ومن دون انتقائية.و مع مرور السنوات، نبدأ بانسجام أكثر رهافة، وتكون النتيجة أن نبقى منفردين جانبا. في حالتي، صار نظري أكثر ارتياباً، أكثر تحقيقاً، وصارت هاتان العينان أنفسهما تنظران إلى الآخرين بمزيد من الريبة فالأشخاص أكثر حماقة مما يبدو عليهم، وأشد إزعاجا بعضهم أكثر عجرفة، وآخرون أكثر حسداً، الوفاء ليس كاملا على الأطلاق، التقدم في السن يعني ادراك العيوب بصورة أكبر. يبدأ الناس بإشعاركِ بالضجر. أخشى أن أحب في كل مرة أقل. أفكر احيانا في أن هذا هو احد أسباب عزلة المسنين : يعتقد بان المسنين متوحدون لأن لا أحد يحبهم، ربما يكونون متوحدين لأنهم هم أنفسهم لا يحبون احدا لم أعد أكاد أخوض في محادثة بلا هدف، ليس لدي وقت للأحاديث المجانية." ― مارثيلا سيرانو - عشر نساء

الكاتبَة التشيلية مارثيلا سيرانو تكسر صمت النساء كخطوة أساسية وإسعافية ليتجاوزن مفهوم الأنوثة الضيق الذي يصر المجتمع على تكبيلهن به.“عشر نساء” رواية بديعة أسرتني للكاتبة التشيلية مارثيلا سيرانو المولودة سنة 1951 وتعتبر من أهم كاتبات القارة الأميركية الجنوبية.ثمة عبارة أحب أن أبدأ بها وردت في رواية عشر نساء هي: “عندما تقرأ هذه الرواية كأنك تحدق في عيون كل نساء العالم”.بطريقة جذابة وبحيلة روائية طريفة جمعت الكاتبة تسع نساء لا يعرفن بعضهن وكل منهن تنتمي لقومية معينة وبلد مختلف وتركت كل امرأة تحكي قصة حياتها وتجول في أعماقها بحرية وشفافية، أما المرأة العاشرة فهي معالجة نفسية سردت شهادتها أيضا وجمعت شهادات النساء التسع. ويمكن قراءة الرواية بدون ترتيب واختيار المرأة التي نريد معرفة قصتها، إذ يمكن اعتبار الرواية أشبه بقصص قصيرة تحكي كل قصه حياة امرأة، لكن ما يجمع هؤلاء النسوة واحد وهو أنهن كن مدفونات في الصمت وخائفات من التعبير عن أنفسهن.

تتحدث هذه الرواية عن تسع نساء لكل واحد منهن حكاية  نقطت التقائهن عند المرأة العاشرة  وهي معالجتهن النفسية ناتاشا والتي مثلهن لها حكاية تثقل كاهلها، تؤمن ناتاشا أن سرد حكاية كل شخصية امام الأخريات هي أول خطوة للتحرر من هذا الثقل ِ.

فرانيسكا, مهندسة ومتزوجة لديها ابنتان حياتها مستقرة ,حملها الثقيل يتمثل في سؤال لم تجد الاجابة عليه ,هل تحبني امي ام تكرهني,هل هجرتني لانها لا تحبني ؟!! تسرد فرانيسكا حكايتها امام باقي النساء محاولة اعادة قراءت حياتها علها تجد اجابة او علها طرحت السؤال الذي ارقها بطريقة خاطئة.

مانية اجمل النساء دخلت عالم التمثيل معتمدة على جمالها مضى العمر وكبرت وغزا وجهها التجاعيد التفت فايقنت ان قطار العمر قد سبقها وجعلها وحيدة بلا ولد ولاعائلة ولا رفيق.السؤال الذي ارقها هل خسرت جوهر الحياة عندما رفضت ان يكون لي ابناء؟!!

ليلى الفلسطينية الأصل صحافيه ذهبت لفلسطين فتعرضت للإغتصاب من قبل جنود اسرائيلين،انجبت ابناً اسمته أحمد، سؤالها الذي يؤرقها هل ستحب احمد يوماً  الذي يمثل نتاج تجربة مؤلمة بالنسبة لها ؟

أصبحت مدمنة كحول كي تخفف ألم روحها والمهانة التي تعرضت لها، وبدأت تكذب كثيرا من غير أن تلاحظ ذلك، وتشعر أنها أشبه بجرح كبير تداعبه وتقبله والغضب الكامن يغلي في أعماقها لأنها لم تبح بمأساتها، ولأنها دفنت معاناتها في الصمت، وصارت تعتمد على تغذية قدرة النسيان عندها، لكنها مع الزمن اكتشفت أنه لا بد من ملامسة القاع حتى تنجلي الحقيقة، فالحقيقة كالحق تحررنا من عبودية الألم ومن ذل الصمت. بشجاعة تبوح ليلى بقصتها بعد صراع داخلي عنيف، وهي بذلك لا تختلف عن لويسا المسيحية التي عانت من اضطهاد الكنيسة الكاثوليكية والتي تقول عنها بأن الكنيسة الكاثوليكية اخترعت الجحيم كي يظل الفقراء هادئين ويفكروا أن هناك أشياء أسوأ من هذه الحياة.

تقول لويسا: الصمت يقتل، لويسا امرأة من الريف احبت كارلوس العامل والناشط في مجال حقوق العمال، تزوجته وانجبت ابناءاً منه، في عهد العسكرتاريه  اعتقلوا كارلوس من بيته، وانتظرت لويسا 30 عاماً لتعرف مصيره لم تجد اسمه ضمن المعتقلين او المفقودين،سؤالها الذي يؤرقها اين كارلوس وماذا حدث له ؟

سنوات وسنوات وأنا صامته، راح الصمت يشكل عقدة داخلي، وكل شيء يصير قاتما.أهمية الرواية أنها تبين خطورة الصمت الذي تعيش فيه المرأة وتربي عليه الفتيات كما لو أنه أحد مقومات الأنوثة، الصمت يقتل والصمت قبر، والصمت مرض دفين ولا مجال للشفاء منه إلا بالكلام، بالبوح العميق، بالتجول في غرف الروح الباطنية بجرأة وشجاعة وبقراءة الذاكرة المختزنة في تلافيف الدماغ.

اما سوزي فتشعر انها عاطفية ببلاهه,وبان الالم ياتيها من الخارج ويندس في اعماقها ,وهي مولعة باءساءة الكلام عن نفسها وتتحدث عن ماسأة وهي تشعر انها على حافة االبكاء دوما وتشعر انها باسواء حال وتقول بانها عاشت بمفاهيم وساوس اخلاقية لاطائل منها,وكان جيلها في الكلام متيبسا جدا وتتسال : هل اللغة كفن؟ولكن ضربات الحياة علمتها كيف تكبر وتقوى الى ان تقول عبارتها : لست وحيدة حين اكون وحدي ,لان المجتمع يشعر المرأة الوحيدة بانها معاقة او ناقصة.

خوانا أم عزباء تعمل في محل للتجميل تعتني بوالدتها التي كانت ايضاً اما عزباء،خوانا لديها ابنة واحدة اسمها سوزي،الم خوانا هي ابنتها،التي اصيبت فجأة بالاكتئاب وترغب في الانتحار، يضل سؤال خوانا الذي يؤرقها ماذا لو كان تعاملي معها افضل مما كان ماذا لو كان وضعي المالي افضل من هذا ماذا لو....؟

سيمونا مناظلة يسارية  من عائلة ثرية ،احبت اوكتافيو واحبها لكن اكتافيو كان مدمناً على الكُرة وهجرته  لأجل ذلك قررت ان تغير حياتها بعد ان بلغت الخمسين  اشترت شقة في مدينة ساحلية  وقضت اغلب ايامها في الكتابة سؤالها هل ستندم يوماً على التخلي على الزوج؟ هل ستشعر بالوحدة؟.

أندريا ممثلة تلفزيونية شهيرة..تملك كل شيء لكنها تشعر بغيظ كبير كأنها ترغب في الهروب من حياتها وتاريخها من شهرتها و زواجها، ترغب في الغيش في مكان صامت لا تسمع فيه الا نفسها، تحاول اندريا ان تأخذ قسطاً من الراحة في صحراء أتاكاما تكتشف انها تريد الارتباط مع ارض لها تاريخ،تعيش صراعاً بين مغادرة بلادها او العودة إلى زوجها وبناتها..ترغب في البدء من جديد؟.

آنا روسا شابة كاثولكية متدينة،تتعرض للتحرش من قبل جدها، تصارح والدتها فتتجاهلها،يضل السؤال الذي يؤرقها لماذا لم يدافع عنها احد  هل ما يحدث لها بسبب خطيئة  هل يكرهها الرب ضل السؤال يؤرقها،حتى سألت  جدها وهو على فراش الموت بعد وفاة والديها في حادث سير، لماذا لم تحمني امي عني ؟فأجابها لأنني فعلت معها الشيء نفسه.

ناتاشا هي اخر النساء لم تحكي قصتها بل سمحت لصديقتها ان تسردها لباقي النساء، ناتاشا  معالجة نفسية ولدت في بيلا روسيا لأبوين يهوديين اضطرا للهرب من المحارق النازية الى امريكا الجنوبية، كان لوالدها رودي علاقة قبل الزواج مع امرأة ارستقراطية اسمها مارلين حملت منه وانجبت بنت اسمتها حنه، تكتشف ناتاشا هذه الحكاية وعمرها 30 عاماً تقضي حياتها في البحث عن اختها  لتجدها بعد مرور عقود في فيتنام امراة عجوز وضعيفة على حافة الموت، السؤال الذي يؤرقها ماذا لو لم يحصل أي من ذلك لا حروب ولا فرار من الوطن ؟

الرواية تطرح الكثير من الأسئلة تجمع اغلب النساء الخوف الدائم من الوحدة من ضياع حياتهن دون ان يعشنها بالشكل الصحيح.

بنهاية المطاف ندرك وتدرك النساء خاصة أن كسر أغلال الصمت هو المحرر الوحيد من الدونية والوحدة وعدم الأمان والخوف والشك والنظرة السلبية للحياة وعدم القدرة على الفرح، وبأن كسر صمت النساء هو الوسيلة الوحيدة لمعرفتهن كإنسان أولا “وأنثى ثانيا”، كي يكون هناك تكافؤا “وتوازنا” في العلاقة مع الرجل، وفي الرواية دعوة غير مباشرة للرجل كي يحترم إنسانية المرأة وألا يختزلها بمجرد جسد أو رحم، فهي إنسانه مساوية له بالقيمة الإنسانية ولو اختلفا فيزيولوجيا. حين تبوح المرأة عن معاناتها وتكسر الصمت فإنها تحقق إنسانيتها وتتغلب على أعصابها وحزنها وتصبح فاعلة ومعطاءة وسعيدة. تحث الكاتبة النساء على شجاعة المواجهة وأن يتجاوزن رعب القفزة الأولى نحو حرية التعبير.عشر نساء رواية نسوية راقية بامتياز وتتمتع بجاذبية آسرة في الأسلوب.

جدير بالذكر أن الكاتبة مارثيلا سيرانو ولدت في تشيلي واهتمت بالفنون البصرية ونشرت روايتها الأولي "أحببنا كثيرا عام 1991م ولاقت رواجا وحازت على عدة جوائز، وتعد من أبرز الكاتبات في أمريكا اللاتينية.

***

هديل عادل كمال

لم تكن الروائية التركية الأصل أليف شافاك، معروفة كثيراً عند القراء العرب، إلّا بعد ترجمة روايتها " قواعد العشق الأربعون" إلى اللغة العربية. ففي هذه الرواية تلعب المُخَّيلة دوراً مهماً في استحضار الشخصيات والمدن التاريخية، وفي إضفاء روح الاثارة والمتعة والدهشة التي تجذب ملايين القراء المعاصرين المتشوقين لحكايات الروح والحب والعشق وسط هذا التصحر الروحي الذي يسود عالمنا المعاصر.

ومن أجل أن تستحضر شافاك قواعد العشق كما وردت عند المتصوف جلال الدين الرومي وحكايته مع مرشده الروحي شمس الدين التبريزي الذي انتهى نهاية غريبة مختفياً في بئرٍ عميقة بمدينة قونية وسط الاناضول أيام حكم الروم السلاجقة في القرن السابع الهجري، فإنها تبتكر حكاية حب معاصرة بين إيلا روبنشتاين وهي أستاذة وناقدة جامعية أميركية يهودية متزوجة ولها أولاد، لكنها تعيش حياة زوجية تعيسة بلا روح، وبين كاتب شاب مسلم يدعى عزيز أنجز كتاباً عن لقاء الرومي والتبريزي أرسلته لها الجامعة المتعاقدة معها لتقوم بمراجعته، لكنها تكتشف أثناء قراءة الكتاب، وكأنه يحاكي حالتها ومعاناتها مع الحب والحياة، فتقرر مراسلة عزيز عبر البريد الإلكتروني، وبمرور الأيام وتعدد المراسلات يحدث الشغف والانجذاب بينهما، فتقرر أن تهاجر إليه سعياً وراء قصة حب يمكن أن تغير حياتها الجافة الرتيبة. ومثل أي قصة حب، لابد لها من نهاية مأساوية لكي تكتمل أركانها، تسعى إيلا وراء عزيز بعد أن علمت بمرضه الخطير، وتغامر بترك اسرتها والسفر عبر البحار إلى قونية حيث تلتقي حبيبها وهو على فراش المرض، وهناك قرب ضريح جلال الدين الرومي تودعه الوداع الأخير. حيث تنتهي الرواية التي جرت أحداثها التاريخية والمُتخيلة بين ولاية ماساتشوستس الأميركية وسمرقند وبغداد وقونية.

في هذه الحكاية المعاصرة التي نَسجها خيالها الخصب، تعرض أليف شافاك قواعد العشق كما استقتها من مراجعها الصوفيّة، ومن الرومي ومرشده الروحي، وصاغتها في رواية جلبت لها شهرة واسعة ، مع أنها ليست من أفضل رواياتها، التي ترجم معظمها محمد درويش المترجم العراقي الكبير، وكان آخر ما تَرجم لها قبل أن يودع الحياة في التاسع من تموز الماضي روايتها " 10 دقائق و 38 ثانية في هذا العالم الغريب".

ومن هذا العالم الغريب، تستقي شافاك أحداث رواياتها، مستندة إلى شخصيات مختلفة عرقياً وثقافياً ودينياً، لتقول في النهاية ان ما يجمع البشر هو دين الحب، فالحب هو الذي يغيرنا " وما من أحد يسعى وراء الحب إلّا وينضج أثناء رحلته، فما أن تبدأ رحلة البحث عن الحب، حتى تبدأ تتغير من الداخل والخارج ".

بعض الروايات تلهمك، وبعضها يحفزك لتقوم برحلة إلى قونية، مثلما قادتني  الرواية إلى هناك قبل سنوات، بحثاً عن خطى إيلا وعزيز، والحب الساكن في الجوانح بين الظن والخيال .

***

د. طه جزاع – كاتب وأكاديمي - العراق

 

رؤية نقدية في مسرح الشارع (3)

إنَّ ظاهرة مسرح الشارع هي ظاهرة قديمة حسب طريقة أداء العرض المسرحي والأمكنة التي يتم العرض فيها، فكل العروض التي قدمت سابقاً في الحضارات القديمة من الممكن أن تنتمي إلى مسرح الشارع من حيث أنها أقيمت خارج حدود وجدران مكان ما، وهذا يجعل الانتماء إلى هكذا نوع من المسرح قابل للتصديق على الرغم من أن هذه التسمية، أي مسرح الشارع، لم تطلق سابقاً بنفس الماهية التي تطلق على مسرح الشارع في هذا اليوم، والاختلاف الحاصل على التسمية أصلاً، لكن توجد بعض التحديدات التي تجعل مما قدم في اليونان ينتمي الى مسرح الشارع، وكما جاء في المعجم المسرحي بأن: " ظاهرة مسرح الشارع ظاهرة قديمة لأن عروض الممثل اليوناني ثيسبس Thespis (525 – 456 ق.م ) في القرن السادس ق.م التي سبقت مرحلة المسابقات التراجيدية كانت تتم في الشوارع خارج المعبد "(1). أي أن ما كان يقدمه (ثيسبس) من الممكن أن ينسب إلى مسرح الشارع، وهذه هي البداية الأولى لمسرح الشارع، وهي تشير إلى الآتي:

1. إنَّ ما قدمه (ثيسبس) هو أقدم من المسابقات التراجيدية، وبالتالي هذا الشكل المسرحي هو أقدم من الشكل المسرحي الذي يقدم في داخل الأماكن المخصصة التي ولدت فيها التراجيديا، ويكون مسرح الشارع أقدم ظاهرة مسرحية من المسرح التقليدي الذي وجد في الحضارة اليونانية، وكلاهما ينتميان إلى نفس الحضارة لكن مسرح الشارع وبداياته هي أقدم من المسرح التقليدي.

2. إنَّ أنطلاق مسرح الشارع من خارج بنايات المعابد يدل على أن الظاهرة المسرحية منتمية إلى فعل درامي قبل أن تنتمي إلى فعل طقسي ديني كما هو متداول في الكتب المختصة في مجال المسرح التي تذكر أن نشأت المسرح نشأة دينية بحته، بغض النظر عن الموضوع الذي يقدمه (ثيسبس) لكنه كان يقدمه خارج المؤسسة الدينية وليس في داخلها.

3. إنَّ ظاهرة المسرح لا يمكن حصرها في مكان محدد كما هو في المسرح التقليدي، بل يمكن أن تقام في أي مكان معين سواء شارع أو غيره، وهذا يشير الى أن ظاهرة المسرح ذاتها هي ظاهرة لا يمكن أن تحدد في بيئة معينة،بل هي تصلح لكل البيئات، وهذا ما تشير إليه بدايات هذه الظاهرة أصلاً.

إنَّ هذه الظاهرة المسرحية التي كانت تقدم في الشارع أستمرت في حضارة أخرى وهي الحضارة الرومانية أخذت من الشكل المسرحي المقدم في الشارع نمطاً لها من الحضارة اليونانية من خلال تقديم فعاليات أدائية مسرحية في الشوارع الخاصة في روما وغيرها من المدن،إذ كانت مجموعة من: "الممثلين الإيمائيين والممثلين الجوالين Jongleurs في الحضارة الرومانية"(2) كانت تقدم الأفعال الفنية التي تمثل صور درامية من مسرح الشارع في تلك الحقبة الزمنية. وهذا يدل على أن العروض المقدمة خارج الأسوار والتي أستمرت في الحضارة الرومانية، تدل على أن هذا الشكل من العروض كان شائعاً وأستمر في حضارتين مختلفتين ثقافياً.

أما في المجال الديني المسيحي فأولاً إنَّ الجانب الديني حرم المسرح في بداية الأمر عادة مرة أخرى ليجعل من المسرح أداة من الأدوات المهمة في نشر الطقس الديني الكنسي من خلال تقديم العديد من القصص المرتبطة بالمجال الديني المسيحي، أي أن بعد الرفض الذي أبدته الكنيسة في بداية الأمر بضرورة إبعاد المسرح من المجتمع الذي كانت تحكمه التعاليم المسيحية ليتحول الأمر فيما بعد إلى أمر رسمي يصدر من الكنيسة ذاتها من خلال ما قام به البابا (أوربان الرابع) الذي "أصدر فرماناً علم 1264 بالاحتفال بعيد تجسيد المسيح، أو ما يسمى (عيد القربان)، لكي يتم الاحتفال به في كل أنحاء أوروبا من شهر مايو إلى شهر يونية، وأدى هذا إلى ظهور أول أداء تمثيلي لعدة سلاسل من مسرحيات الأسرار أو المعجزات ( والتي مازلنا نستطيع مشاهتها في مدينة يورك) "(3)، هذه التقاليد الأحتفالية التي أستمرت لقرون عديدة في الدول التي تعتنق الديني المسيحي.

إنَّ القصة التي تروى عن أدخال الكنيسة للمسرح بدأت في بادئ الأمر في الداخل الكنسي، أي في باحات الكنائس، وذلك من خلال توظيف بعض القصص البسيطة التي تروي جانب من القصة المرتبطة بالمسيح (عليه السلام)، ويرى المشتغلون في مجال المسرح بأن هذه العملية بدأت في " القرن العاشر، دخلت على طقوس قداس الفصح الكنيسة مسرحية صغيرة من أربعة سطور تصور قيامة المسيح في أبسط صورة درامية ممكنة. والظاهر أن المسرحية الصغيرة أحرزت نجاحاً، فسرعان ما حليت طقوس القداس في عيد الميلاد وفي غيره من الأعياد المقدسة بشيء من التمثيل. ولما تجمعت هذه المسرحيات الصغيرة أُخرجت من الكنيسة فنظمت في مجموعات تعرف بأسم حلقات الأسرار، وكانت هذه المسرحيات مستمدة كلها من الكتاب المقدس " (4) لتجعل الجانب الطقسي أكثر تشويقاً من خلال توظيف بعض القصص المسرحية،أو بعض الأداءات التمثيلية التي تشارك الطقس الديني في داخل الكنيسة وخارجها، مما يجعل التواصل مع الجمهور أكثر حرية في خارج الكنيسة من داخلها، كون أن المجال الخاص بالالتزام بالطقس الديني يفرض على المشاركين في مجال المسرح عدم الحرية في الإبداع،أي أن الارتباط بالممارسات الدينية ستكون محدودة، لهذا السبب فإنها بدأت بشكل بسيط في الداخل لكنها تطورت في خارج الكنيسة وتحولت إلى حلقات مسرحية أكثر تطوراً من الداخل الكنسي.

من ناحية ثانية جعلت شكل المسرح يتغير من ممارسة مسرحية بسيطة الى ممارسة مسرحية أوسع وأكثر نضوجاً في فعلها الدرامي، والبعض يرى بأن مسرحية الشارع إعادة الماضي لهذا الشكل الدرامي الذي كان قائماً عند اليونان والرومان،أي أن "مسرحيات الأسرار، هذه في الحقيقة قد حولت قصة الإنجيل إلى نوع من المواكب الوثنية، حيث صورت خلق شخصيتي (أدم) و(حواء) حتى يوم القيامة. وكانت هذه العروض عادة ما تقدم في الهواء الطلق، على منصات أو عربات تجوب المدينة، وتتوقف في أماكن مختلفة "(5). وهذه الأفعال المسرحية جعلت إشكالية حلّيت المسرح من عدمه ترجع مرة أخرى بين القائمين على الجانب الديني المسيحي، هذه القضية خلّفت صراع فكري مرة أخرى عن الجدوى التي يكون فيها المسرح جزءاً من الدعوة إلى المسيحية من جهة، ويكون جزءاً من الفعل الطقسي الداعي إلى الترويج للكنيسة خارج الكنيسة ذاتها من جهة أخرى، ومن جهة ثالثة يرى أصحاب الموقف المتشدد من أن هذا العمل ليس من أصل طبيعة الطقس الديني، بل هو مضاف لهذا الطقس، مما يجعل المسرح ذات البعد الوثني في التجوال في الشوارع - حسب ما كان يقدم في الحضارة الرومانية - يشوه المجال الديني المسيحي، ومن ثم سيكون هذا الواقع " الذي أدى الى خروج مسرحيات الأسرار في القرون الوسطى، من الكنيسة الى الشارع، مثار جدل. فبعض المسؤولين عن الكنيسة كانوا يرمون الى أهداف دينية وراء تقديمها، بينما أراد البعض الآخر تحريم وتجريم ومنع هذه المسرحيات وكأنها أعمال شريرة، في حين أنها كانت بمثابة فرصة يغتنمها العامة للاحتفال والابتهاج بقدرة العناية الالهية، وهي تتجلى في الزمن والتاريخ بطريقة يفهمونها " (6)، وهذا الفهم لهذه الطريقة التي أصبحت مثاراً للجدل جعلت من سمة الاحتفال في الشارع يقع في ثلاثة أبعاد مهمة لمفهوم مسرح الشارع وهي:

1. يعمق هذا الفعل المسرحي لمفهوم مسرح الشارع على المستوى الفني لدى العاملين في المجال المسرحي ضمن هذا الاحتفال.

2. ويعمق هذا الفعل المسرحي المفهوم الثقافي لدى الجمهور المشارك لهذه الظاهرة الفنية ذات البعد الديني، كونها مباحة ومشرّعة من قبل رجال الدين، وفيها فعل احتفالي يشترك فيه المؤمن بالطقس الديني المسيحي من جهة والداعي الى قضية الترفيه والمتعة من جهة أخرى.

3. ويعمق هذا الفعل المسرحي المجال الديني ويطور من الطقس بطريقة أكثر مشاركة لدى القائمين والداعمين من القساوسة لهذه الممارسة في بعدها الاحتفالي الديني.

إنَّ التطور الحاصل في هذا الفعل الدرامي في المجال الديني والذي أخذ من الشارع مكاناً لقيامه، وأصبح من المرجعيات التاريخية لمفهوم مسرح الشارع، قد تطور بشكل متسارع كونه مرتبط بالمجال الديني الذي يشرعّن للمشاركين في الفعل الدرامي لأفعالهم الأدائية، وهو ما كان محرّم في السابق، كون التحريم كان يحرّم ويجرّم أصل الفعل المسرحي، وأصبح مع مرور الوقت مباحاً للمشاركة، وفي مجال آخر جعل الجمهور يقبل على هذه المشاركة من خلال المشاهدة والتفاعل معها بشكل كبير؛ هذان العاملان جعلا مسرح الشارع الكنسي إن صح التعبير يتطور ويأخذ أكثر وقتاً في مجال التقديم، أي من قصة مسرحية ذات أربعة مقاطع إلى قصة مسرحية تحوي ألاف الأسطر التي تُقدَم بشكل درامي في الشارع لتشمل أكثر القصص الدينية وأطولها تقديماً للجمهور على شكل دورات مسرحية، ومن ثم " تتعامل الدورات المسرحية هذه مع قصتين دينيتين أساسيتين على نحو حديثي ؛ من الخلق الى يوم الحساب وغالباً ما تندرج بها حياة السيد المسيح من عيد البشارة الى النشور. ومن الدورات المسرحية الإنجليزية المتبقية: يورك، تشستر، ويكفيك،كوفنتري، وتشمل كل منهن على (10000)(14000) سطر تستغرق من يوم الى ثلاثة أيام لعرضها، بينما تتجاوز بعض الفرنسيات (50000) سطر تستغرق أكثر من شهر لعرضها" (7)، هذه الدورات المسرحية هي من أطول المسرحيات ذات البعد الديني التي تقدم في الشارع، ومن ثم تكون المشاركة هي الأوسع حضوراً، والأطول في الوقت في الدراما الدينية المرتبطة بطريقة وأسلوب مسرح الشارع.

أما في أماكن أخرى من أوروبا كانت تقام مسرحيات دينية أخرى تتناول مواضيع تقدم في شوارع المدن، وهذه المسرحيات " هي مسرحيات دينية رمزية كانت تقدم في إسبانيا أو البرتغال بمناسبة عيد الرب، وتعالج مواضيع أخلاقية ولاهوتية (القربان المقدس،السر المقدس والأفخارستيا). وكانت العروض تقدم على عربات وكانت فيه هزليات ورقصات تخالط القصة المقدسة، وكان يجذب الجمهور الشعبي، واستمرت هذه المسرحيات طيلة القرون الوسطى، وعرف أوجها في العصر الذهبي الى أن منعت سنة 1765"(8) وتسمى هذه المسرحيات (التمثيلية الدينية في عيد الرب). ومن الملاحظ أن هذه المسرحيات قد خلطت بين الديني والدنيوي في مسرح الشارع،أي بين القصة الرمزية بطابعها الديني والأخلاقي، وبين الرقصات والهزليات التي كانت تقدم في نفس هذه القصة، وهذا يشير إلى أن عملية جذب الجمهور وكسر الجمود الذي كان يرافق تكرار هذه المسرحيات الدينية أن لا يقع بالملل، فكان على العاملين في هذا النوع من الدراما إضافة مجالاً درامياً آخر يكون مجالاً للجمهور المتواجد أن يتفاعل حسياً بشكل مباشر من خلال نشر الفرح والابتسامة في داخل هذا الاحتفال الديني.

إنَّ مسرحيات الشارع التي كانت تقدم في تلك الفترة، وأهم القصص المستقاة من الكتب المقدسة في المسيحية هي قصص كثيرة تتناول موضوعات مختلفة تشمل تقريباً كل الأحداث المروية في داخل الدين المسيحي،إذ " كانت الأحداث الإنجيلية التي منها هذه المسرحيات مكرسة بتنوع وكانت على نحو عام تشتمل على قصص (آدم وحواء) و(قابيل وهابيل) و(نوح) و(أبراهيم) و(أسحاق) و(يعقوب) و(بشارة المسيح) و(تمجيد السيدة مريم المجدلية) و(الرحلة الى مصر) و(التعميد) و(الإغواء) و(المعجزات) و(الخيانة) و(صلب المسيح) و(النشور) و(عذاب الجحيم) و(صعود المسيح الى السماء) " (9)، وكل هذه القصص جعلت من الجمهور لا يقع في الملل نتيجة التكرار على مستوى القصة الواحدة، بل أن التنوع في القصص والأحداث يجعل من الموضوع أكثر ثراءً، كون المشاهدة لا تقع في مجال واحد، بل في مجالات وأحداث متعددة، بالإضافة إلى الطابع الديني الذي هو في حد ذاته يجعل الجمهور أكثر تواصلاً مع العمل المسرحي. أما طرق العرض في الشارع التي كانت تقدم بها المسرحيات في تلك الفترة فقد "كانت تعرض الدورات المسرحية على خشبات مسرح ثابتة، إلا أن العديد منها كان يستخدم عربات العروض المسرحية (Pageant-Wagons) مثلما يحدث بمواكب أعياد المرفع (carnival) وثلاثاء المرفع حديثاً ؛ وكانت ترعى مسرحيات من قبل نقابات خاصة (اتحادات مهنية)" (10)، تجعل من الفعل المسرحي أكثر احترافي، وليس بشكل عشوائي.إنَّ طبيعة النوعين من العروض سواء أكانت تقدم على خشبات مسرح ثابتة، أو من خلال التجوال في شوارع المدن، فهما يقدمان في الأماكن المفتوحة التي تنتمي لمسرح الشارع.

***

أ. د. محمد كريم الساعدي

.....................

الهوامش

1. الدكتورة ماري الياس والدكتورة حنان قصاب حسين: المعجم المسرحي، بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، ب، ت، ص 268.

2. المصدر نفسه، ص 268.

3. ألان ماكدونالد، ستيفن ستيكلي، فيليب هوثورن: مسرح الشارع / الأداء التمثيلي خارج المسارح، ترجمة: عبد الغني داود، أحمد عبد الفتاح، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999.ص12.

4. فرانك م. هوايتنج: المدخل الى الفنون المسرحية، ترجمة: كامل يوسف، الدكتور رمزي مصطفى، بدر الديب، دريني خشبة، محمود السباع، القاهرة: دار المعرفة، ب، ت، ص 42.

5. ألان ماكدونالد، ستيفن ستيكلي، فيليب هوثورن: المصدر نفسه، ص12.

6. المصدر نفسه،ص12.

7. جون لينارد، ماري لوكهارست: المرجع في فن الدراما، ترجمة: محمد رفعت يونس، القاهرة: المشروع القومي للترجمة، 2006، ص113.

8. باتريس بافي: معجم المسرح، ترجمة: ميشال ف. خطَّار، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2015.ص96.

9. جون لينارد، ماري لوكهارست: المصدر نفسه، ص113.

10. المصدر نفسه، ص113.

 

ضمن فعاليات مهرجان المسرح العربي الذي أقامته الهيئة العربية للمسرح بالتعاون مع وزارة الثقافة العراقية ونقابة الفنانين  - الدورة الرابعة عشر - بغداد، عرضت مسرحية بيت ابو عبدالله يوم السبت ١٣/ ١/ ٢٠٢٤ الساعة الرابعة بعد الظهر في مسرح الرشيد. 

تأليف  وإخراج أنس عبد الصمد.

تمثيل: محمد عمر - ماجد درندش - ثريا بوغانمي - أنس عبد الصمد، ومجموعة من الممثلين. العرض من إنتاج دائرة السينما والمسرح.3231 مسرحية بيت ابو عبد الله

بداية العرض امتحنت صبر المتلقي وبقاءه مصغيا ببط شديد وصمت مهيب، انها خطوة مهمة لتأمل مكونات بيت ابو عبدالله والدخول اليه بهدوء، فلا وجود للضربة الاولى التي تمسك بالمتلقي وتكتم أنفاسه، الضربة الاولى هنا تدعو المتلقي للتأمل في الآتي الذي افتتح بصدمة انتهاك خصوصية الإنسان في مكان لا يتقبل الفرد السوي أن يُشاهَد فعله فيه، ولا أن يُشاهِد هو فعل الآخر/ين فيه، لأن (المرافق الصحية) مكان يقضي الفرد حاجته فيه ولا يقبل القسمة على اثنين، وتتكرر الحالة مرتين من قبل شخصيتين، وفي هذا فضح صادم استهلّ به العرض. 

الفئران تحاصر بيت ابو عبدالله صوتيا منذ البداية حتى النهاية، وبحضورها كوجود عياني مصور على الجدران بكثافة، ولم يكتف الإخراج بصورة عارض البيانات (داتاشو) للفئران وحركتها، بل أظهر الفئران بهيئة شخصيات متعددة ارتدت السواد وتحركت على أربع أرجل حينا وعلى اثنين أحيانا اخرى، الفئران تمشي على الجدران وعلى الارض انها منتشرة في كل مكان، لأن أفراد عائلة أبو عبدالله سمحوا لها بالتسلل الى البيت بسبب عزلتهم عن بعضهم، ودون أن يشعروا بوجود الفأر الكبير الذي اقتحم البيت منذ البداية عندما تسلق الجدران، ما الذي جاء بالفئران؟ (جاءت الفئران، تسلقت الجدران، نهشت الإنسان) قالب الجبن موجود على مائدة طعام عائلة ابو عبدالله، والفئران تحب الجبنة. حدث هذا كله تحت رقابة عين كبيرة بحجم السايك الخلفي للمسرح تبدو حينا وتختفي حينا آخر، انها عين ترى كل شيء ولا تراها الشخصيات.3232 مسرحية بيت ابو عبد الله

تحركت الجدران وانفتحت في بداية العرض وتم إنشاء تكوين البيت، ثم زحفت الجدران لتضيق على ساكني البيت وتبتلعهم، ولكنهم خرجوا من بينها من جديد بقوة إرادتهم، مما استدعى حضور الطبيب لمعالجة الموقف بحقنة نشطت الشخصيات وعادت لفعل جديد آخر.

لم تعش الشخصيات بسلام ووئام، كانوا منعزلين عن بعضهم رغم انهم يعيشون مع بعضهم، يتآكلهم هَمٌ وتوتر يجعلهم غارقين في كآبة مفرطة، حتى لم يعرفوا الضحك ولا الابتسام ليس طيلة الخمسين دقيقة من زمن العرض وحسب، بل طيلة حياتهم، وما يميزهم هو أنهم متشبثون بالحياة، يبدو انهم وُجِدوا هكذا منذ زمن.

تصاعد إيقاع العرض إلى إحدى ذرواته وصولا إلى صوت إطلاق الرصاص، وسقوط الشخصيات الثلاث كجثث هامدة، ولكنهم ينهضون ويبدأون من جديد بفعل جديد.

لم تنطق الشخصيات بكلمة واحدة، فقد أوقفت لغة الحوار العادي، الشخصيات لا تمتلك لغة مشتركة، وتم إعلاء الفعل والايماءة والحركة ولغة مفردات المنظر ومنها: الغسالة - الحبال المتدلية - مقعد التواليت - منضدة الطعام - - الكراسي الثلاثة - آلة الچلو - كيس الملاكمة - الوسائد الثلاثة - المايكروفونات الثلاثة - والجدران وهي الكتلة الضخمة التي تفككها أيادي مجهولة وتحركها بتكوينات عديدة منها (ثلاث جدران متباعدة، تشكل ثلاث خطوط متوازية، تصطف متلاصقة بخط مستقيم، اثنان منها يشكلان زاوية منفرجة ثم حادة ثم تنطبق الجدران على الشخصيات حتى تبتلعها وتختفي داخلها، كانت هذه المفردات فاعلة وحاضرة وجميعها متحركة بفعل الجرذان وفاعلية الشخصيات، لا شيء ساكن وثابت، حتى بوابة خشبة المسرح الخلفية فتحت وألقت بضوء الخارج بوجه المتلقي ولكنها سرعان ما سدت بأحد الجدران، استبدلت لغة الكلام بلغة شعر مكونات الفضاء المسرحي والحركة والايماءة وحركة الممثل والجدران والفئران وكل شيء، بالتداخل مع صوت التأوهات وصرخات الألم واللهاث والتصريح للإعلام أمام المايكروفون بلغة مبهمة، أما الموسيقى والمؤثرات الصوتية التي كانت السيادة فيها لصوت (صرير الفئران) فقد أصبح معتادا بسبب مرافقته لفعل العرض منذ البداية، ولم يتم الانتباه للموسيقى بصورة منفردة لأنها كانت على درجة من الانسجام مع فعل الشخصيات وتكوينات المنظر.

لم تكتفِ الاضاءة بوظيفتها التقليدية بجعل الرؤية ميسرة، والإسهام بإنشاء الجو النفسي العام، بل تعدت إلى تكوين علامات بحسب التحولات المشهدية وكانت العلامة البارزة صورة الخطين المتقاطعين (x) أو (+)3234 مسرحية بيت ابو عبد الله

صورة الشخصيات بالأزياء اليومية العادية وسلوكهم الغارق في الطبيعية (استخدام المرافق الصحية والتقيؤ) لغرض تقديم صورة (الإنسان الذي تُقتحم كينونته ويُضيق عليه، ليتسرب الملل إليه، ويُقهر وتُنتهك كرامته ليصبح بلا ملامح أو هوية) اذ لم يحدد المخرج من هو عبد الله ولا ابو عبدالله ولا ام عبدالله، وأوحى بأن الجميع (الشخصيات والمتلقي) يعيش في بيت ابو عبدالله.

ينتمي العرض إلى اتجاهات قوّضت مسارات الحكاية واستبعدت الفعل التصاعدي نحو الذروة ثم الحل، ولا يبني الحدث المحوري ولا حتى بنية واضحة للشخصيات وأبعادها، إنه عرض يفكك القيم الدراماتيكية ويعيد تركيبها على وفق جدلية عرض مسرحي أكثر منها فكرة مركزية، انها جدلية الثيم المتعددة التي تعيشها وتخضع لها الشخصيات في البيت الذي تزحف جدرانه على ساكنيه الآن، قدم العرض حالات شعورية معدية للمتلقي أكثر منها افكار، خرج المتلقي من العرض محملا بطاقة شعورية ناتجة عن عبء تعرضه لجملة من الصدمات التي تلقاها من كل شيء، من مفردات العرض الكثيرة وكل مفردة أفضت إلى علامة ينبغي أن تصل إلى وعي المتلقي ليمتلك دلالتها ويربطها بما سبقها وما يلحقها من دلالة العلامات وهكذا، لقد وصل العرض باضطراد العلامات وكثافتها وسرعة ارسالها - ربما - لحد لم يتمكن المتلقي من اللحاق بدلالاتها، فصارت عبارة عن شحنات مشاعر وانفعالات.3233 مسرحية بيت ابو عبد الله

قال العرض لتقاليد الدراما الأرسطية وما بعد الأرسطية: اذهبي بعيدا، لنؤسس لما بعد الدراما، أو يمكن أن تندرج تحت مصطلح (ما فوق الدراما) وهو أسلوب اختص بالتأسيس له عدد من المخرجين في العالم، ومنهم (انس عبد الصمد) وقد يشكل هذا الأسلوب مرحلة - ربما - لم يألفها المتلقي العادي - وقد ينفر منها عدد من المعنيين بالدراما المسرحية ويرجمها بفيض من كلمات النقد التقييمي دون الذهاب إلى النقد القائم على التحليل - ولكن حالما تصبح تيارا واضح الأسس سيتم تقبله والإقبال عليه بشغف التحليل النقدي لمجمل شفراتها، دون التخلي عن عناصر الدراما الأصيلة، والروائع الكلاسيكية والتقليدية التي كانت ولا زالت قيمة معرفية ومرجعية لكل ما جاء بعدها.

قال أنس عبد الصمد -الذي استأثر بالإمساك بثلاث تفاحات بيد واحدة - التأليف والإخراج والتمثيل - قال مع فريقه:  لنؤسس روائع على تماس مع حياة المتلقي المعاصر، الذي يعيش معنا الآن، من خلال شخصيات غير مستقدمة من عمق التاريخ، أو مستعارة من بيئات اخرى، ولنبني شخصيات حية تمت صناعة وجودها الدرامي اليوم، لإيصال دلالة مفادها: أن هذه الشخصيات تعيش معك في هذه البيئة، وقد تكون أنت واحدا منها أيها المتلقي، وما هذه إلا حقيقة نكشفها أمامك، ولسنا معنيين بوضع الحلول والمعالجات، انسجاما مع التحديد النهائي لهدف الفن الذي وضعه (هيغل) بقوله: " إذا كنا نريد أن نعزو إلى الفن هدفا نهائيا، فإنه لا يمكن أن يكون سوى هدف كشف الحقيقة، وتمثيل ما يجيش في النفس البشرية تمثيلا عينيا ومشخصا. وهذا الهدف مشترك بينه وبين التاريخ، الدين"(1) وهذا ما تم البوح به بقوة وقسوة من قبل فرقة مسرح المستحيل، عندما أمتعت المتلقي بجدلية (الإنسان/ العائلة قبالة الفئران والعناكب) وجعلت ذاته -أي المتلقي- تنصهر في العرض لأنه وجد شيئا من ذاته ماثلا أمامه- لينتهي العرض بعد أن بثَّ دهشة شعورية وصدمات نفسية وعَمِلَ على ترسيخ تساؤلات.

***

د. حبيب ظاهر حبيب

.........................

- هيغل: المدخل إلى علم الجمال – فكرة الجمال، ترجمة: جورج طرابيشي، بيروت، دار الطليعة للطباعة والنشر، ط3، 1998، ص100.

تجاوزت رواية العبور على طائرة من ورق للكاتبة زينب السعود الرواية التقليدية ذات الصوت الواحد لتنضم إلى الروايات البوليفونية ذات الأصوات المتعددة والتي كان دويستوفيسكي أول صناعها وتمثل ذلك في روايته "الجريمة والعقاب". ويقوم هذا النوع من الروايات على تعدد الأصوات والشخصيات والمواقف والنتيجة تحرر العناصر المذكورة من سلطة الراوي المطلق، ما يمنح شخوص العمل التي تتصارع فيما بينها فكريا، الاستقلالية في التعبير عن مواقفها ورؤاها وتصوراتها حتى لو كانت مخالفة لرأي الكاتب.

ومن مقومات الخطاب البوليفوني ،التعددية في الأطروحة الفكرية. بمعنى أن الرواية البوليفونية تتضمن تعددا في الأطروحات الفكرية. فكل شخصية تقدم فكرتها وتعرض أطروحتها ،ما يعني أن الفكرة أهم من الشخصية لأنها هي التي تحدد مصير الشخصية.

"كنت في الرابعة عشرة من عمري عندما عرفت للمرة الأولى أنني لست أنا" ص١٤٩

عبارة وردت على لسان أمجاد الشخصية المثيرة للجدل في الرواية حتى في نظر نفسها الممزقة بين هويتين جنسيتين فالمظهر أنثى والحقيقة ذكر . هذا الوضع الذي يجعل أمجاد تعاني الضياع في مجتمع لا يرحم يجعلها تقدم على فكرة العلاج أثناء دراستها في إحدى الجامعات في أوكرانيا لتأتي الحرب وتقطع علاجها وتعيدها إلى عمان لتكمل ضياعها بسبب أفكار عمتها أميرة ورفضها لقرار أمجاد علاج نفسها وإجراء العملية التي ستساعدها في تحديد هويتها الجنسية. في الوقت الذي يجب أن تتصل فكرة أمجاد بوعي آخر يشاركها وعيها ،معبرة عن ذلك بالكلمة لتصبح حقيقة تطبق على أرض الواقع يأتي رفض العمة ليميت الفكرة مؤقتا، غير أنها في نهاية صفحات الرواية تحضى بدعم من الدكتور عبد السلام والذي امتلك فكرة إبعاد أمجاد حفاظا على نفسية ابنته هتاف.ففي ص٢٣٤ تتجلى فكرة الإبعاد على لسان الدكتور عبد السلام عندما يخبر أميرة (ما الذي يجبرني أنا أن أتحمل وجود

ابنة أخيك في حياة ابنتي من جديد؟ تعرفين ماذا يمكن أن يحصل لابنتي هتاف إذا عرفت أن أمجاد عامر التي كانت يوما صديقة مقربة ل....) وهنا تكون فكرته اتصلت بفكرة أمجاد بصرف النظر عن أهداف الدكتور.  ما كانت نتيجته انتصار أمجاد. ويتجلى هذا ص٢٧٤ فعلى لسان إلياس لهتاف (أمجاد حصلت على قبول لدراسة الماجستير في جامعة غازي عنتاب في تركيا).

كما ويعتبر تعدد الشخصيات أو تعدد الأصوات من مقومات الخطاب البوليفوني. وقد احتوت رواية السعود على مجموعة من الشخصيات والأصوات تصارعت فيما بينها فكريا وأيديولوجيا وبالتالي امتلكت كل واحدة منها أنماطا من الوعي من خلال الإدلاء بآرائها الخاصة والسعي لتحقيق مرادها. وقد تعددت أنماط الوعي في الرواية فهناك الوعي الإيجابي والسلبي والممكن. فمثلا الدكتور عبد السلام مع أنه إنسان مثقف وأستاذ جامعة إلا أن خوفه على ابنته هتاف جعله يتصرف بسلبية تجاه أمجاد الذكر فأبعدها/ ه في المرة الأولى عن جامعتها وتخصصها في الطب إلى جامعة أخرى لدراسة الهندسة الاقتصادية،ما زاد من تأزم الوضع النفسي لأمجاد. ويتضح هذا على لسان أمجاد للدكتور إلياس ص٢٢٣(إذا كنت تراني أنثى، فلماذا أبعدتني عن جامعتي؟) وكان إلياس ينفذ سلبية الدكتور عبد السلام وهنا يكون قد تشارك الوعي السلبي معه.

وفي ص٢٣٦ بدلا من أن يعمل الدكتور على الوقوف مع مشكلة أمجاد أمام المجتمع كان وعيه سلبيا عندما أخذ يشرح لأميرة وضع ابنة أخيها مع المجتمع. وهذا الوعي السلبي الذي تقاسمه الدكتور عبد السلام أيضا مع شخصية زياد الطالب الفاشل والذي أصبح موظفا بيده الأختام التي تتحكم بالناجحين في المجتمعات أدى إلى تفاقم مشاكل الشخصيات أمثال أمجاد الناجحة دراسيا وزادها كرها للمجتمع وحقدا عليه. ذلك أن زيادا كان مطلعا على مشكلة أمجاد عن طريق الدكتور الذي راجعته أمجاد للتأكد من جنسها (أنثى في المظهر ولكنها في الحقيقة ذكر) على لسان الدكتور ص١٥٤ وهنا تقول أمجاد (بحلقة زياد في تلك اللحظة لا أنساها، نظرة الهزء الصفيقة التي جعلت شفته تذهب ناحية أذنه اليمنى طعنتني في ذلك المكان من القلب).

كما تجلى الوعي السلبي عندما رسم الدكتور عبد السلام مستقبل ابنته هتاف عندما قرر عنها أن تدخل كلية الطب وهي غير راغبة.

كما وردت شخصيات أخرى تمتلك وعيا سلبيا  لا يسعنا ذكرها جميعا. وبالمقابل هناك من امتلك الوعي الإيجابي ولكن ما يهمنا أكثر هو نوع آخر ظهر في شخصية أمجاد وهتاف وهو الوعي الممكن من حيث تصوراته المستقبلية الإيجابية المبنية على تغيير الواقع واستبداله بواقع أفضل ففي ص٢٧٩ تنتصر هتاف بتغيير تخصصها والانتقال إلى دراسة التخصص الذي ترى نفسها به فعلى لسان الدكتور عبد السلام لابنته (اجتهدي ،دراسة الأدب ليست سهلة). ومن المقومات الأخرى التي زخرت بها العبور على طائرة من ورق التعدد اللغوي والأسلوبي. فأي رواية من مثل هذا النوع تقوم على هذا التعدد كي تثبت حواريتها وذلك من خلال طرح الشخصيات لمنظوراتها الأيديولوجية والفكرية ،فاللغة هي أساس قيام الرواية. والخطاب الذي يصدر عن المتلفظ ليس واحدا ،فلكل واحد لغته الخاصة. ومن أنواع التعدد الأسلوبي التي حضرت في هذا العمل،الأسلبة مثل إدخال كلمات أجنبية على بعض الجمل فعلى سبيل المثال كلمة (ترانزيت) ص١١٧ على لسان إلياس (هذه العادة رافقتني دائما في كل مطار أنزل فيه منذ أن ألفت السفر والنزول في محطات "الترانزيت " المختلفة).

كما وردت أنواع أخرى للتعدد الأسلوبي مثل المحاكاة الساخرة (الباروديا) وقد تجلى مثل هذا النوع في عدة مواقف نذكر منها ما جاء على لسان زياد للدكتور إلياس ص٥٣ (هل يعقل أن تكون ابنة الدكتور العظيم من مرتادي العيادات النفسية؟).

وفي أماكن أخرى تجلى التناص مثل ما جاء ص١٠٩ حينما اقتبست الكاتبة بيتا من قصيدة للمتنبى أجرته على لسان إلياس (تتحلق الآثار عن أصحابها...حينا ويدركها الفناء وتتبع).

كما استطعنا التقاط نوع آخر وهو اللغة الشعرية. حيث لا بد للمتلقي لرواية السعود أن يلاحظ أن شخصيات العمل تنتمي جلها إلى طبقة مثقفة ومتعلمة ،لذلك نجد بعض الحضور لهذه اللغة ويتضح هذا على لسان هتاف ص١٢٥ (الوحيد الذي لامس ما في قلبي من صدوع وهزني تماما لتتعكر الرواسب في داخلي من جديد كما ترج اليد زجاجة دواء لتمتزج مكوناتها وجزيئاتها) ومن الطبيعي أن نجد مثل هذه الشاعرية ذلك لأن هتاف أحبت الدكتور الياس ،زميل الحرب كما كانت تسميه أحيانا.

أما لغة الحوار فتعتبر عنصرا مهما في بناء العمل الروائي من حيث أنه يكشف الشخصية الروائية ويساعد المتلقي على تمثلها بمعنى أن هذا العنصر يساعد على معرفة المواصفات التي تحملها الشخصية.

ومن الحوارات التي حضرت بكثافة الحوارات الخارجية والحوارات الداخلية وهذه لا تخفى على أحد. أما النوع الذي أود ذكر مثال عليه فهو نوع آخر وهو الصمت في الحوار وقد تجلى مثل هذا النوع ص٧٩ على لسان الدكتور إلياس (وقفت وجها لوجه أمام الدكتور عبد السلام الذي كان ينظر باتجاه غرفتها ،ظهرت في عينيه نظرة إعجاب دون أن ينطق بكلمة واحدة) وقد تكرر مثل هذا الحوار في غير مكان في الرواية لا يسعنا التطرق لها جميعا. كما حضرت لغة الجسد بكثافة في رواية السعود.

ومن المقومات الأخرى التي حضرت لتكمل مسار الرواية البوليفونية الفضاء الكرونوطي. حيث يتكون هذا الفضاء من الزمان والمكان ويشكلان معا فضاء واحدا. وقد جاءت وحدة الزمان والمكان في رواية العبور على طائرة من ورق متنوعة ومتسلسلة حيث تنوعت الأزمنة من ليل إلى نهار ثم ليل وهكذا، وتوزع هاذين الزمنين الذين ارتبطا بالمكان وخاصة المكان المغلق والمتمثل بكثافة في غرفة النوم ،غرفة المكتب وغيره من الأماكن المغلقة كون هذه الأماكن تعتبر أماكن خاصة يختلي بها الشخص وتشعره بالراحة والأمان والبعد عن الآخرين واسترجاع الجروح والآلام ،ونورد مثالا على ذلك ما جاء ص١٠ على لسان هتاف بعد عودتها من أوديسا (أجلت عيني وتمعنت في التفاصيل المحيطة بي ،خزانة ملابسي،ومكتبتي الصغيرة ،باب غرفتي الموصد بأمان،عقارب ساعة الحائط...تذكرت أحداث الأيام الماضية ،يا لها من أحداث! أيعقل أنني نجوت؟).

بقي القول أن رواية زينب السعود بالإضافة إلى كونها رواية بوليفونية فإنها خارجة من رحم المجتمع في وعيها للنسيج الاجتماعي القائم الذي لا يتقبل اختلاف الآخر. وزينب السعود طرحت مشكلة في هذا الجزء ربما سيكون طرح حلها في جزء قادم كونها تركت النهاية مفتوحة.

***

قراءة بديعة النعيمي

لو تفحّصنا التماثيل الإغريقية والرومانية لتكشّفت لنا العلامات الأولى للجمال بصورته الكاملة من حيث الدقة، والإناقة، والنسب الهندسية التي تقاس بها أعضاء الجسم الإنساني، وأخيراً المتعة التي تنبثق عن هذا الجمال عبر عين المشاهد. إنتقلت هذه المعايير الجمالية من فن النحت ومن هذه التماثيل العظيمة الى المسرح. فنجد في المسرح الإغريقي نحت للشخصيات الدرامية في النص المسرحي شديد الدقة من النواحي النفسية والعاطفية والإجتماعية والروحية. ولكن الوظائف الديناميكية للمسرح لا تسمح بالتوقف عند هذا النحت المتكامل والجميل للشخصيات الدرامية، لذلك كان يجب أن تُوضع هذه الشخصيات ضمن البيئات التي تضمن لها السير المنطقي والعقلاني في أحداث المسرحية. أي في إطار إيستاتيكي جمالي، وديالكتيكي ضمن معايير المخيال الجمعي للمجتمع، وللذائقة العامة السائدة آنذاك. إن هذه الأسس الجمالية ظلت سائدة ومهيمنة على المسرح على إمتداد قرون طويلة، وعبر تيارات فنية وأدبية مختلفة، ولم يهتز وجودها الى حين ظهور كوميديا ديللارتي Commedia dell'arte  وشخصياتها الكاريكاتورية المتمردة الغريبة، لتدفع بمعايير وأحكام الجمال الى جهة تبتعد عن الأحكام والحسابات الجمعية للمفهوم السائد للجمال.

ماهي الشروط التي تحمل الذائقة الجمعية للمجتمع على التوافق، مثلاً، على أن منظر شلاّل المياه وماحوله من زهور وأشجار نضِرة هو منظر جميل وممتع؟ ربما نجد أجوبة مختلفة لهذا النمط من الإشكاليات عند مختلف التيارات الفلسفية، حيث أن مثل هذه الأحكام الجمالية (أو "الأحكام التي تتعلق بالذائقة الفردية أو الجمعية") يجب أن يكون لها سمات مميزة وواضحة وأساسية، كما يذكر الفيلسوف الفرنسي إيمانويل كانط، أولها ما يُستنتج عنه من عدم الإهتمام، مما يعني أننا "نستمتع" بشيء ما، لأننا نحكم عليه بالجمال، في الوقت الذي كان يجب الحكم عليه "بالجمال" لأننا نجده ممتعاً. هذه الإشكالية هي جوهر "الجمال ونقيضه" في الطبيعة عامة، كما هي في الفن بتنوعه، وفي المسرح على وجه الخصوص، حيث إنه لا توجد خاصية موضوعية تجعل من شيء ما جميلاً أو عكس ذلك.

مع أن الفكر الفلسفي الجمالي الذي يقوده الفيلسوف كانط يرى أن حالتي "الشمولية والضرورة" في الحكم على الأشياء بمعايير الجمال هما في الواقع نتاج من سمات العقل البشري ويصف ذلك "بالفطرة السليمة". فيما يرى المنهج الفينومينولوجي (الظاهراتي) للفيلسوف الألماني أدمون هوسرل بأن الجمال يجب أن يكمن في "الموضوع" أو في "الشيء"، لذلك يجب ان يُنسب الجمال الى الموضوع وما يتعلق به من أنشطة ووظائف وسلوكيات. هاتان نظرتان أو تفسيران لمفهوم الجمال يتعارضان ظاهريا، على الأقل، ضمن ديناميكية الفكر الفلسفي، ولكنهما يلتقيان في الفن بتنوعه، وخاصة بالمسرح الذي تنشغل به هذه المقالة.

إن منهجية علم الجمال تندرج ضمن مجالات الفلسفة، التي في جوهرها البحث بطبيعة وأسس الجمال والمخيال، والركائز التي تستقيم عليها المعايير، والقيم، والأحكام التي تُشكّل الفن بتنوعه، والذائقة المُنتجة للمتعة. فالفلسفة تتفحص القيم الجمالية، التي غالبًا ما يتم التعبير عنها من خلال أحكام الذائقة، وتستكشف المفاهيم والمعايير المستخدمة لتفسير، وتقييم الأشكال المختلفة للفن والجمال. والمنهجية الجمالية تشتمل على مواضيع متعددة، ومختلفة، مثل الجمال بصورته المطلقة بسموها، والجمال النابع من الإحساس والتعبير، ومن العواطف، والجمال المنبثق عن الفرح والسعادة والسرور، كما هو الحال مع الجمال الشفيف النابع من الشجن، والجمال المتشكّل عبر الإدراك الحسي، والجمال الذي يُفيضه التشكيل بأنواعه، والتمثيل، والخيال، والإبداع وفق أحكام الذائقة الجمعية وحركة الزمان.

لذلك فمن الطبيعي أن تتقاطع جماليات الفن مع فلسفة الفن، إنما ما نشهده، مثلاً، من إنغماس المسرح الطليعي والحديث في كلا الحالتين، وفي ذات الوقت، يستوجب التأكيد بأن جماليات الفن وفلسفة الفن يشكلان حالتين متميزتين. فالفلسفة الجمالية تتعامل مع الأشياء بتمييز وإنحياز، أي مع "نوع معين ومحدد من القيمة"، في حين أن الفن، على إختلاف أنواعه، ليس سوى حالة خاصة من مجموع القيم يطبق عليها الشرط الجمالي. إضافة الى أن فلسفة الفن تبدأ بطرح أسئلة ذات أعماق وشروط مختلفة، لكنها لا تتداخل، الاّ جزئيًا فقط، مع الشرط الجمالي. أما التفكير والبحث المنهجي، الفني والجمالي، في المسرح، على سبيل المثال، فإنه يكسبه الآليات والأدوات اللازمة لترسيخ العلاقة بين الجماليات وفلسفة الفن، وإستنباط سمات جمالية تمييزية، خاصة به، تربط بين المعنى الدرامي من جانب، والفعل والمشهدية الجمالية من جانب آخر. 

ولكن عند الحديث عن الجمال والأحكام الخاصة به، يبرز السؤال المتعلق بكيفية إستحداث المعايير والأحكام الجمالية والتوافق عليها بشكل جمعيّ. تُشير الدراسات الجمالية الى معالجة البحوث العقلية ضمن مفاهيم الحدس الناتج عن التجربة الحسية الجمعية. حيث أن كل شيء مثير للاهتمام وأساسي في مبحث صوغ المفاهيم، أو في الإستسلام لهيمنة الحدس، له مبدأ أساسي يحكمه، وفقاً لتفسير كانط. ولكننا نجد بأن هذا المبدأ يؤكد على "القصدية" في جميع الظواهر فيما يتعلق بحكمنا على ما هو جميل. أي أن هذا يفترض، مسبقًا، أن كل شيء نختبره يمكن إخضاعه للقدرة التي نمتلكها (كمجتمع أو كأفراد) في تقنين معايير وشروط خاصة تتعلق بالحكم على الأشياء. ويتوضّح ذلك تماما في حالة الحكم على ما هو جميل. ويعود ذلك ببساطة الى أن "الجمال" يلفت الانتباه بشكل خاص إلى غرضيته. والمفارقة التي تستوجب الملاحظة هي أن الجمال ليس له مفهوم متاح للغرضية، لذلك لا يمكننا تطبيق مفهوم واحد على الجمال والأخذ به كنموذج نهائي وثابت. عوضاً عن ذلك، يُلزمنا الجمال على البحث وتجميع أو ربط المفاهيم المتنوعة للتوافق مع التغييرات الزمنية التي تلحق بالذائقة. وتجدر الإشارة هنا الى التأكيد بأن الجمال ليس بتجربة غريبة، ومقلقة، ومعادية للطبيعة والإنسان، بل على العكس، إنه مصدر لا ينضب للمتعة الإنسانية.

ولكن ما هو الجمال (Aesthetic) وما الذي يعنيه؟ بغض النظر عما توفره التيارات الفلسفية المختلفة من أجوبة صادمة، ومستحثه للتعمق والتفكير بمفهوم "الجمال"، غير أني أميل الى صوغ مفهوم الجمال، لأغراض هذه المقالة، بإعتباره:

"حاجة إنسانية مُفجّرة ومُحفّزة للخيال والإبداع، تُنتَجْ وفق معايير وشروط وضرورات الذائقة (الجمعية أو الفردية)، بخضوع تام الى حركتي الزمان ودينامية المجتمع، فهذه الشروط والمعايير قابلة للتمدد وللتغيير. والجمال، هنا، هو العربة أو الآلية التي يتنقل فيها الإبداع من المخيلة الى الواقع الحسّي".

لذلك فإن الجمال يتركز في ثلاثة مواقع أساسية: أولها الطبيعة وما تحمله من إختلافات في الجمال ونقيضه، يلي ذلك المخيال الإنساني الذي لا تحدّه آفاق، أي الإبداع والفن بعمومه والمسرح بشكل خاص، وأخيراً الفلسفة والفكر المتجدد. وللجمال تيارات متنوعة، تطورت عبر العصور من خلال تجارب الفنون، والبحث الفلسفي، والتغيّرات الزمنية التي تطرأ على الذائقة الجمعية، من بينها تيّار، مثل "السلوكية أو الكيفية" Mannerism الذي تميّز بالبحث عن الأناقة، ودقة التعبير، وتيار "الباروك"، وتيار "الكلاسيكية"، وتيار "الروكوكو"، وتيار "الكلاسيكية الجديدة" التي أحيت مبادئ الكلاسيكية ، كرد فعل على هزالة الروكوكو، ثم يلي ذلك تيار "الرومانسية"، وتيار "الواقعية"، وتيار "الطبيعية" التي تدفع الواقعية إلى أقصى حدودها، وتيار "الرمزية"، والتي تستخدم الصور والرموز للتعبير عن الحالة المزاجية والأحلام وأسرار النفس البشرية.

تلى تلك المراحل ظهور تيارات فنية وفكرية حديثة منفصلة عما سبقها، ويتضح ذلك بجلاء في المسرح (مع تأثيرات كبيرة لتلك التيارات في الفنون التشكيلية والشعر والرواية) مثل تيار مسرح "القسوة" لأنتونين آرتو، والتيار "الدادائي" الذي ولد من رحم العنف والقسوة التي تميزت بها الحرب العالمية الأولى ، ثم التيار "السوريالي" لأندريه برتون الذي تطور عن الدادائية، وعقب ذلك تيارات سُميت "بمسرح العبث والوجودي" لجان بول سارتر والبير كامو والذي تزامن مع التيار "البريختي" لبرتولت بريخت ثم "المسرح الطليعي" لصموئيل بيكيت وأونيسكو، ثم جاء عدد من التيارات المستحدثة من مبادئ وجماليات المسرح الطليعي التي أمتدت الي يومنا هذا.

هذه التيارات تعاملت مع تجارب جمالية مستحدثة، تتكامل أحياناً أو تعادي ما هو سائد من جماليات وأحكامها وحساباتها. حيث إن هذه التيارات شكلت حالة، ربما فريدة، في تاريخ الفن من حيث قوة وشدة الرفض والتمرد الكامن ضد ما سبق من تيارات. هذا التمرد الغاضب أبتدأه في المسرح الحديث وقاده أنتونين آرتو الذي إبتعد تماماً عن المعايير والاحكام الجمالية المتوافق عليها في الإجماع الاجتماعي، وحاول أن يستنبط جماليات أخرى، ولعلها من نوع خاص، جماليات تنحدر من أسفل السلّم الإيستتيكي، ويمكن تسميتها بالجمال الصادر أو المُشع عن القبح والقسوة والضجيج: أو ببساطة، إنه جمال القبح.

 وهنا تجدر الإشارة الي أهمية أن نتفهم بأن التمرد والرفض هنا لم يوجها فقط ضد التيارات الفنية التي سبقته بل كان بمثابة حركة إحتجاجية ضد الأخلاقيات والبروتوكول اللغوي والصيغ الأرستوقراطية والبرجوازية النبيلة التي كانت سائدة في المجتمع الفرنسي آنذاك. أي تمرد ضد، ما يمكن وصفه الآن، "بالآبارتايد" الاجتماعي. وهذا التمرد والرفض الذي إنسحب على المسرح جعل آرتو يستغني في مرحلة من مراحل حياته، والى حدّ كبير، عن مهام المؤلف المسرحي ويستعيض عنها بالرؤيا الاخراجية للعمل المسرحي. وبهذا فقد سعى آرتو الي إزالة المسافة الجمالية التقليدية بين المسرح والجمهور، مما جعل الأخير، أي الجمهور، على اتصال مباشر مع مخاطر الحياة اليومية من خلال تحويل المسرح إلى مكان يكون فيه المتفرج مكشوفًا على العنف والقسوة والصراخ، والبذائة، بدلاً من الحماية التي كانت توفرها له المسافة الجمالية، وبهذا يكون آرتو قد مارس رفضه، وغضبه، وصراخه، وتمرده بصورة قاسية وعنيفة، ليس فقط على خشبة المسرح، بل وعلى الجمهور أيضاً، بجماليات مناقضة للجمال بصورته المتوارثة وأستعاض عنها بجمال القبح.

لعل الأسلوب الذي كان يتبعه آرتو كان بمثابة النبع الذي يضمن له، كمخرج مسرحي، العناصر والمكونات الجمالية التي تنبثق عن الغضب والعنف والقسوة. جماليات تشّع من القبح الذي صار إمتداداً للتمرد الاجتماعي والفني. أي تمرد ورفض ما هو موجود وما هو سائد من جماليات تتوافق والطبقات الأرستوقراطية والبورجوازية النبيلة، هذا النمط من الإيستتيك لايزال قائماً في بعض الاعمال، وبعض المسارح، وربما يستمر الى سنوات أو عقود قادمة، طالما كان هناك إدراك واعي وعميق وعصري للمشاكل الاجتماعية المستعصية، وطالما كان في الصدور غضب عارم وثورة مكبوته، وطالما كان هناك رفض للأحكام والحسابات الجمالية للمخيلة الجمعية التي يتبناها الافراد والمجتمع، وطالما كان هناك إرادة ورغبة في التميّز عن الطبقات الأخرى في المجتمع. حيث أن كل ذلك يشكل تمردآً أخلاقياً وهذا بدوره يكّون الشروط الأساسية لتشكيل الجمال المنبثق عن القبح.

إن أي مشهد مسرحي يستدعي، وعلى عجالة، النظر في التحليل الجمالي والمعرفي (épistémique ) لمجمل مكونات الصورة المسرحية، ثم تفكيك هذه المكونات ومقارنتها بشكل منفرد مع المعايير والحسابات (الأحكام) الاجتماعية التي تشكل الذاكرة الجمعية لمفهوم الجمال. في حال تطابق التحليل المعرفي مع تلك المعايير الاجتماعية فإن الصيغ الجمالية ستكون بالمستوى الذي يطمح أو يستجيب له المخيال الجماعي، أما إذا أتت النتائج مناقضة للمعايير الاجتماعية فإن ذلك سينتج ماهو معاكس للجمال. وما يناقض الجمال قد يكون ماهو قليل الجمال أو بعبارة أوضح هو الجمال الذي يبرزه القبح. وفي المسرح فإن القبح يكون حالة جمالية شاذة تنتج عن:

أولاً: إسقاط المكونات الجمالية من المشهدية المسرحية والتي تتطابق والمعايير المعرفية للمخيال الجمعي الاجتماعي السائد.

ثانياً: كما تنتج عن القسسوة والعنف، والصراخ، والموسيقى الصاخبة المستفزة، وضعف أو قلة الإضاءة، أي العمل المسرحي الذي يدور معظمه في العتمة. مهما كان تبرير ذلك.

ثالثاً: وعن الإلتواءات الجسدية التي تعبر عن الآلام الفيزيائية والمادية القاسية التي يقوم بها الممثل والتي تخرج عن السياق الطبيعي للحركة الجسدية البشرية.

رابعاً: إقحام الرقص التعبيري والبهرجة الشديدة في المكونات المشهدية وتغييب المعنى المسرحي.

خامساً: إرغام خشبة المسرح على قبول وتبني مسرحة ما هو غير مسرحي، وما هو غير قابل للمسرحة، أي إسقاط السلالة الجمالية للمشهدية المسرحية وتشويه المعنى، ويدخل في هذا التصنيف ما سبق ذكره من الصراخ العالي، وأنماط من الموسيقى المنفرة للذائقة العامة للجمهور، والتناقض المُنفر للألوان سواء في الإضاءة، وفي الملابس أو في الديكور.

ومن المهم الإشارة الى أن " القبح" الجمالي (أو جمال القبح) في مكونات المشهد المسرحي له نوعان:

الأول هو "القبح المدجّن" الذي يمكن أن ينتج عنه مكونات جمالية تهادن المخيال الجماعي الاجتماعي لوصف الجمال، وينتج عن تمرد واعي وإدراك عميق لنبضات العصر، والرغبة الصادقة في جعل المسرح فاعلاً نشطاً في التغييرات الإيجابية للمجتمع.

الثاني هو "القبح الجمالي المجّاني" الذي يقع - نتيجة تمرد كبير، ولكن من غير وعي وإدراك عميق - في المحظور المعرفي والجمالي والأخلاقي للمخيال الاجتماعي، لذلك سيُواجه مقاومة الجمهور، لهذا النوع من التمرد المسرحي، بالرفض التام وربما العزوف عن المسرح.

ومع ذلك فإنه من الواضح بأن الجمال والقبح هما وجهان لعملة واحدة، خزانتها الأساسية تتكون من تراكم معايير الذائقة الجمعية. فالجمال بسموه المطلق، يرى القبح كإجراء تصحيحي ضروري يحفز على التقدير الأعمق لما هو جميل وممتع في الطبيعة وفي الأشياء عامة. إلاّ أن الجمال (ببهجته ومتعته) بالنسبة للقبح (الكامل ببشاعته) فهو كالفكر الفلسفي التنويري بالمقارنة مع الفكر الإحتكاري الفاشي الذي ينكر وجود أو حضور كل ما عداه.   

إن من المفيد أيضاً التساؤل كيف يكون إنعكاس مكونات الجمال (منفردة أو مجتمعة) على جمهور من مائة شخص مثلاً إذا كان العمل المسرحي يحمل بالفعل أساليب جمالية ضمن المعايير الجمعية للمجتمع، ووفق شروط ذائقته؟ أعتقد أنه من الصعب جداً القطع بهذا الموضوع، ومع ذلك سأجازف بالقول أن الجمهور بمجموعه سيتحسس ويتمتع بالمكونات الجامعة لجماليات العمل المسرحي مع أن هذا التعميم لا يمكن ان ينطبق على جميع أفراد الجمهور، بسبب وجود فوارق فردية في المعايير، والذائقة مما يُضيّق المجال في إستقبال الجمال كمعايير، وتصورات وذائقة مجتمعة و موحدة. والامر قد يزداد سوءاً إذا تفحصنا الجمهور كأفراد فقد نجد من يتحسس بالإغتراب الجمالي الذي ينكر علية المتعة في العمل المسرحي.

الآن هل يمكن إعتبار كل مايصدر من غضب، ورفض، وتمرد، وصراخ، بجماليات منبثقة عن القبح؟ الجواب سيكون بالنفي بشكل قطعي، لإن الغضب المتولد عن التمرد الواعي وحده القادر على ذلك، في حين نرى في المسارح العربية تجارب ينقصها الوعي بشكل مثير للتساؤل، كما تغيب عنها الثقافة الأولية، وهي ثقافة أن تفهم لمن تتوجه بعملك المسرحي. أضف الى ذلك أن العمل المسرحي، ذاته، يُعلب بحماليات لا علاقة لها بالنص او الرؤيا الإخراجية (الرؤيا هنا مُشار اليها تجاوزاً) مثل الرقص في غير محلّه، والحركات المسرحية البهلوانية غير المبررة، والموسيقي المنفصلة تماماً عن مكونات العمل المسرحي. هذا الغياب سواء في الوعي، أو في الثقافة، يتحول الى إشكالية أخلاقية، ثم الى أن يكون مصدر حقيقي للقبح المناقض تماما للجمال في الاعمال المسرحية التي تغلب عليها هذه السمات، في غالبية الدول العربية المنتجة للمسرح.     

خاتمة:

إن اكتشاف جمال القبح في المسرح هو شهادة على قوة الفن في التحدي والاستفزاز والإلهام. من خلال تبني ما هو غير تقليدي، ودفع حدود الجمال الى آفاق بعيدة، فإن المسرح لديه القدرة على تحويل أحكامنا وتصوراتنا عن الجمال الى فعل مباشر لتحدي الأعراف المجتمعية. يدعونا جمال القبح، بجميع أشكاله، إلى التشكيك في تصوراتنا، وتحيزاتنا، وأحكامنا المسبقة ، وتعزيز التعاطف والتفاهم. فمن خلال هذا الاستكشاف يستمر المسرح في التطور، ويظل قوة حيوية في المشهد الثقافي لدينا.

أخيراً، يجب أن لا ننسى أن المسرح العربي وريث جماليات المسرح العالمي في جميع صيغه الكلاسيكية أو الحداثية، وقد تبع كتّاب المسرح في مشرق ومغرب البلدان العربية هذا النموذج العالمي، وأسسوا لصيغ جمالية محلية سواء في الاعمال الجماهيرية الواسعة أم في الاعمال الحداثية والتجريبية. إنما ظهور أعمال مسرحية في بلدان عديدة وفي مهرجانات مختلفة لا ترتقي لإي من هذه الجماليات المذكورة، سمح بتوسيع الهوة بين المسرح والجمهور. هذه الأعمال المسرحية منطلقة، في أغلبها، من تمرّد ورفض محلّي، ولكن بثقافة واهية، وبقليل جداً من الإدراك والوعي، أو بإنعدامهما، وهما الشرطان الجوهريان لإعادة الجماليات الي المسرح الذي يطمح الى التمرد أو يمارسه. السبب الآخر لنزوع الجمهور عن هذا الشكل من المسرح هو القبح المتكامل على المسرح والطارد لأية ومضة جمالية. إن التمرد والتجريب حالتين هامتين للغاية في جميع مجالات الإبداع وخاصة في المسرح بشرط إحترام الجمهور. فالتكريم الوحيد الذي يمكننا تقديمه للحمهور، كما أكّد ذلك الكاتب المسرحي برتولت بريخت، هو معاملته على أنه في غاية الذكاء.

*** 

علي ماجد شبو

سأقول للعام القادم:

تعلّمت كثيرا

من زاد الصمت

*

من بلاغة النظر في عيون النار المتقدة.

*

سأقول للعام الجديد:

لي أجندة ثقيلة جدا

سفرة حالمة إلى أرض كتبتها

عواصم بالقلب تتأهّب لانتظاري.

سأقول له:

رسائل الله تنقذني …

أفرّ إلى وجهه

أقاوم برغبة أطول

ألا تكون نهاية العام نومة أخيرة

قبل توبة أخيرة.

صليحة نعيجة، من نص / حارسة الجمر

ابتداء من اسمها، تقوم الشاعرة صليحة نعيجة بإصلاح كلّ قطعة خشب تحملها في بسطة نار. أعتقد أنّ الليل والتأمّل الطويل في الظلام قد دفعها منذ كانت طفلة إلى إشعال النار كراهبة تريد انبعاث الإشراق من نفسها كي تتجلّى. فكان عليها إذن أن تحرس شعلتها، أن تكون حارسة الجمر.

الجمر لغة هو النار المتقدة. واحدته جمرة. وللجمرة عديد المعاني منها ظلمة آخر الليل التي يستتر فيها الهلال. وهذه هي المقاربة التي اعتمدها في قراءتي.

والجمرة هي أيضا القبيلة والجماعة والإخوة لأم والجمرة هي الحصاة ومنها جمرات المناسك.

كل هذه المفردات محتواة في الديوان كوحدة بذاتها تستعيدها الشاعرة لتربط بعضها ببعض لتكمل صورة واضحة للجمر التي تمثّلت أمام عينيها فراحت تمعن التحديق فيها لتشاهد عن كثب استواء صدرها المكوي بحرارته.

بوسع علم النفس الذي لجأت إلى مفرداته الشاعرة إدهاشنا كما اللغة من خلال ملاحظاته ومهارته في وضع المعنى والمعنى المضاد ليملك آليات تفسير الشعر . في العادة هناك خطوات ست لكن ليس عليّ عدها إنما يمكن للخطوة الأخيرة أن تعدّل الخطوة الأولى ووفقها يكون الجمر يعني الخشب.

في التحليل النفسي للنبات، الخشب هو الأصل . فلنختبر في ديوان الشاعرة مستوى تأويل علم النفس فنستشف من مسافة معيّنة أقصى ما يمكن الارتقاء إليه / القمّة. فكم هذا مثير!

الشاعرة تحاور السماء فنقرأ لها:

رسائل الله تنقذني

أفر إلى وجهه

أفرّ إلى ورع.

هاهي إذن جمرتها، من جمرات المناسك .

صورة نهائية رسمتها الشاعرة لتبرز امتلاكها للفضيلة وليس للكمال.

وتقول أيضا: أعود إلى مدينتي الفاضلة

أروي لأزقتها ما رأيت بالحلم.

كأنّ هذا الديوان كله بعاطفة واحدة هي عاطفة الأمومة. لا تفسح المكان لغيرها لأن الحارس يلزم مكانه يسهر كأم على سلامة ما يحرسه.

وقد جاء في الإهداء: إلى أمي وهي تراقب مخدتي على مدار العمر لأجل الشعر.

فهذا الربط بين الأم والمدينة الفاضلة على وجه شبه حضاري فتقول في نص أمي خيلاء الأزمنة/

بوجه امي تضاريس الأرض

ملامح قارة عجوز تمسك زمام الأمور

حفظا لحضارة عريقة.

فأي حضارة تقصدها الشاعرة، وأي مدينة فاضلة؟ وكل المدن بمستوى واحد إذا سوّى بينهن الحب؟

أهي الأندلس؟ التي تحرّكها في أغوار نفسها منذ البداية فتقول في نصها الافتتاحي للديوان/ للقلب أندلس تهذي وتبوح؟

أم هي وريثة الأندلس، مدينتها، قسنطينة؟

فقسنطينة هي الحواري القديمة، هي رحبة الصوف . هي " ديار عرب" التي كل لبنة فيها صُقلت في صقلية منذ عهد الأغالبة . الدولة العربية الأولى في افريقيا . فنسبت إليها ديار الطوب فقيل ديار عرب. أميرها الأخير أبو العباس عبد الله ترك القصور وسكن دار طوب. فصاريقال للتكريم " لو أجلستك على عرش لكان دار عرب".

رائحة قسنطينة هي رائحة ديار عرب، بسقوفها التي كانت من أغصان الدردار، والدردار يرمزللاستقامة ويشتق من اسمه لفظ " دار" . فهاهي الشاعرة تحفظ بمهارة سجّل التاريخ. حيث تقول:

أنا الطفلة العاشقة لصباحات رحبة الصوف

أنا أوّل المتعبين بحبها

بحب تلك الحواري والشعاب والجسور

أنا أوّل وآخر المتعبين.

إن المدينة موحشة بغيرديار عرب. إن حالها إذن يشبه خروج العرب من الأندلس.

تقول في نصها خوف الأجنبي/

تركت لك الديار، المدينة، الرفاق والجيران

فلماذا دونا عن جميع سكان المدينة

يحلو لك السطو على ممتلكات القلب البسيطة؟

*

فوبوس،

لماذا يحلو لك المعارك بالمدن الجميلة؟

*

وفي نص آخر تقول:

أنا العربي قتلت هنا

يوم دفنت احلام العروبة

قتلت هنا

هنا اصطلي بنار

لا تنتهي بوجد كل الوافدين لاقتناص اللحظة

هنا زرياب

هنا ابن حزم

هنا ابن رشد

وابن عربي.

فلنحيّ شاعرة لم تكن في ماضي الأندلس فيقال عجزت أندلس أن تنجب شاعرة بعد " ولّادة" حتى أنجبتها " سيرتا" .

فصليحة نعيجة تبدو كأنها ولّادة بنت المستكفي بعباءة الترحيب بالشعراء. فمن الشاعر الذي تخاطبه صليحة ولا يرد؟

كأن مهمة الشاعرة أن تقرأ شعرها بصوت مرتفع في شوارع المدينة خارج جدران البيوتات مبتكرة طريقتها هذه لتبيّن أن الساكن المثالي لهذه الديار،في فترة طفولته الأولى قد امتلك وحده صورة العش على الشجرة وحافظ عليه مثل طائر . يملك جناحين ليحلّق بعيدا لكنه لا يفارق. هاهنا الطبيعة تحفّز الأمومة للحنان اللانهائي.

فتقول:

كان الزقاق باردا إلى أن أتيت

وكانت " القالمية" (والدة الشاعرة) كأيّ مهرة جموح

تمنحني الحياة.

هاهنا الشاعرة تتراقص فوق اللهب/ فراش الأم / كفراشات الربيع

فتقول: لأمي متسّع من الوقت لتقول ما تعجز عنه القصيدة.

وأقول إن الشاعرة لا تتقدّم نحو مجمرتها بالعبارات الغرامية التي شكّلتها، لتضطجع للشاعر الذي كان يبكي من مأزم بين شدّة الرغبة وعدم الجرأة.

الشاعر المسكين الذي هو بمثل البئرالذي تقول عنه:

البئر مسكين

لا يعي قانون الجاذبية فيه/ إليه/ عنه

لا بئر في المدينة يسمع أنّاتهم بعد الآن.

هذا الشاعر الذي من وراء حصون عالية ينتهي السؤال عنه بانطفاء الجمر.

لكنّ طرطقة الجمر أكثر حدّة من السؤال .

تقول الشاعرة:

كان بودي أن أقيم لهم وليمة فاخرة

ودعوة أنيقة

ثمة سر أنوي البوح به

ولا تقوى الكمنجات على عزفه.

فيا لها من شاعرة تضاهي بجمرها أزهار بنات النار، تلك الأزهار التي تتعب نفسها لتعطي حامض الكبريت الواصل للتيار الكهربائي.

فلا بد للوصل بين الشاعرة وشاعرها من عذاب يشبه عذاب مازوش، فداخل نفسها تتمنى أن تصلح كلّ شيء بكلمة واحدة توحي بالدفء وهي كلمة جمر.

بلونه النحاسي في الشتاء يثير الغبطة

بشكله في البرودة الشديدة يحفّز الحب الدائم

الشاعرة بذكائها ومهارتها كأنها حفيدة لآل الأحمر تتألّق بلغة عظيمة عظمة ملكهم .

تملأها الموهبة لكنها تتعلّم وترى وتسمع وتمارس وتهيّئ تجاربها لأنتاج فكر شعري حيث القلب والعقل معا يسهمان في خلق القصيدة.

إنها امرأة عظيمة العاطفة تحث نفسها على الشعور بالألم مثل مازوش لتظلّ حريصة على اتّقاد نارها كعادة العربي الأصيل ليستقبل ضالّي الطريق .

إنّها الفانوس إذن والمصباح وابتسامة تعطي الطاقة للمشاعر الخامدة لتتألّق من جديد.

فشكرا لك أيتها الحارسة،

أهديتنا حرارة العناق فاشتدّ عزمنا على تحمّل العتاب.

***

قراءة الشاعرة إلهام بورابة

................

* الصورة للشاعرة صليحة نعيجة

 

النص السردي يمتلك براعة الصياغة والخيال الفني، في صياغة وخلق وتكوين  الحدث، في الغور في الأعماق في عتبات السردية للنص، في الاتجاه الواقعي، أو الواقعية الاتجاه  التي تملك  المغزى والمعنى والايحاء البليغ في دلالته، هو يدخل في سيكولوجية المرأة التي تبحث عن الأمل والحلم والحب وتشوقه، في مجتمع وتقاليده تقف بالضد  من المرأة، أو  في الاحرى  المجتمع الذكوري يعطي كل الحق للرجل، ويسلب كل الحقوق للمرأة، في سبيل ان تظل ظل الرجل، أو اسيرة رغباته وافعاله، أن يكون ولي امرها، والقائم على شؤونها وبرمجة رغباتها وسلوكها وطريقة حياتها وظروفها وأسلوب طريقة معيشتها . في مجتمع ينظر بشكل أحادي للرجل ويترك المرأة تغوص في الظلم والمشقة والمعاناة  . هذه بيانات النص السردي في المجموعة القصصية (معابر الدهشة) أن الاديبة (زهرة الظاهري) تحاول ان تغوص في الازمة الحياتية الظالمة للمرأة بشكل عام، وبشكل رصين بكشف الحقائق والوقائع في تداعيات الاجتماعية وتصدعها اليومية والمعيشية . في لغة سردية مشوقة وجذابة، بحيث تثير اهتمام القارئ وتترك اثراً في ذهنه من  التأمل والتفكير، وهو يتابع الاحداث الصادمة في النص السردي . واختارت الضمير المتكلم لقيادة دفة الأحداث وبرمجتها، وهي تحمل شحنات  من الانفعال والتعاطف في المشاعر في حسها ونبضها الانساني، وفي مخاطبة الآخر، مواد سردية من خامة الواقع الاجتماعي، في جمالية عتبات النص، الذي يحمل ثنائية قبل وبعد الحدث (ميتا سردية) في النص والشخصيات، التي تغوص في البؤس والمعاناة في حياتها اليومية، يمتلكها القلق والخوف من المجهول، لذلك نجدها محبطة في الخيبة ومنكسرة في التصدعات النفسية في القهر في الواقع الاجتماعي، الذي ينهال على المرأة في كومة اخفاقات لتشكل لها أزمة حياتية ونفسية من الانكسارات .

لنقتبس بعض القصص في إيجاز شديد:

1 - قصة العرافة:

للخروج من دائرة اليأس والإحباط في حياة المرأة المتكسرة نفسياً في مشاكلها اليومية، تلجئ الى العرافة، لكي تساعدها للخروج من النفق الحياتي المليء بالضباب، لكن العرافة نهج عملها الابتزاز والدجل والغوص أكثر فأكثر في المشكلة، حتى تخلق لها عقدة نفسية متشظية عند زبونتها، رغم المرأة دفعت المال و باعت أساورها الذهبية واقترضت المال الكثير،  دون أن تجد كوة أمل . حتى العرافة ضجرت منها بتذمر وأرادت أن تقطع صلتها والكف في المجيء اليها  لتقول لها في آخر لقاء (أتعبتني بشكواكِ  وتبرمكِ من كل ما حولكِ، لماذا لا تقتنعي بأن حظكِ من الدنيا سيء جداً، تصرفي في نظركِ تماماً على ان يكون قادم الأيام مواتياً لامزجتكِ الغريبة، أنسي أنكِ امرأة خلقت لغير البؤس، و تخففي من آفاقكِ الواهية) ص13 .

2  - قصة فلس:

من سخرية الأقدار ومهازلها الاجتماعية من الآباء في اختيار اسماء غريبة لابنائهم، تكون محل تندر واستهزاء وسخرية من الناس، وتكون هذه الاسماء الغريبة،  ثقيلة على صاحبها مثل أسم (فلس) رغم انه خريج جامعة، لكنة يشعر بالارتباك والتذمر من اسمه الغريب بين الناس، وترشده احدى الموظفات التي استغربت من  اسمه (فلس) واقترحت عليه الذهاب الى المحكمة في سبيل تغيير الاسم الى اسم مناسب، وبالفعل قدم طلب الى المحكمة بتغيير الاسم، نظر قاضي الى اسمه الغريب وقال متذمراً (- ابوك الامي الجاهل أسمه ابراهيم العريبي وانت الشاب خريج الجامعة أسمك فلس؟) ص27 . وتم تغيير اسمه الى أسم مجد ابراهيم العريبي .

3- قصة حمام الشفاء:

امرأة بائسة منكودة الحظ، كأنها خلقت للقهر الاجتماعي، ان تكون لعبة بغض وكراهية  من زوجة أبيها بعد وفاة أمها، أن تجبرها على الزواج من رجل يفوقها عشرين سنة ومعتوه كأنه من أهل الكهف، وضع مصير حياته بيد أمه، التي عجزت أن تجد امرأة واحدة تقبل بهذا المعتوه بالزواج، وكانت الام شريرة في تعاملها الخشن والقاسي، وكانت المسكينة في عذاب ومحنة، وكانت على الدوام آثار التعذيب الجسدي واضح في جسمها، من رضوض ودماء من الفم والأنف وبقع السياط على جسمها، وزادت معاناتها انها انجبت جنين معوق ومشوه بعد ولادة عسيرة، فلم تعد تتحمل المزيد من المعاناة، وفي ليلة كالحة هربت مع طفلها المعوق، ليستقر بها المقام . ان تشتغل في حمام النساء، وتحت رحمة صاحب الحمام وزجته العجوز في استغلالها بابشع صور من المعاملة القاسية، وبالتالي زوجة صاحبة الحمام دبرت  لها مكيدة بتهمة سرقة أساورها الذهبية الثمينة وجرجرتها الى المحكمة، لم يفلح بكائها ودموعها الحارقة بأنها بريئة من التهمة،وفي يوم قرار المحكمة طلبت من قاضي أن تكشف خفايا واسرار من الفضائح للزوج والزوجة، وخشية من كشف هذه الفضائح، سارعت العجوز البدينة الى سحب دعوة السرقة والتسامح عنها بحجة (المسامح كريم) .

4 - قصة كورونا:

الاب مناضل سياسي تعرض الى السجن والاعتقال بسبب مبادئه السياسية  السامية بالمثل العليا في سبيل الدفاع عن  المظلومين والمحرومين، وكان يملك الجرأة والعزم والارادة، فلم ينحنِ للمضايقات والاضطهاد وكان داخل السجن (يغني مع رفاقه سجناء الرأي، وللحرية والفلاحين والمقهورين وللذين  قضوا نحبهم تحت السياط وهم يهتفون بالقدس وفلسطين) ص51، وتحملت اعباء الحياة القاسية ابنته، لانه خرج من السجن فقير معدم، ولا يجد احداً يشفع له ويقدم العون لحالته  الرثة، وزاد الطين اكثر بوًساً تعرضه  بإصابة بـ الكورونا، ولم يستطع الذهاب الى المستشفى وشراء الدواء، لأن كل ما جمعته ابنته من المال كان شحيحاً لا يلبي الحاجة للعلاج والدواء . وتدهورت صحته اكثر، وابنته تفتش عن وسيلة نقله  الى المستشفى .

5 - قصة نور:

قصة مأساوية تمثل صرخة احتجاج وادانة للمجتمع وتقاليده الظالمة بحق المرأة، في ارتكاب جريمة قتل متعمدة،  للفتاة انجبت منذ سويعات قليلة  جنين غير شرعي، في عملية دهس وحشية مزقت جسم الفتاة الى اشلاء متناثرة، وبالصدفة كانت هناك امرأة شاهدت مشهد الجريمة بشكل كامل، هرعت اليها، وتطلعت الحاوية القمامة، وجدت هناك علبة بلاستكية، حين فتحت العلبة وجدت في داخلها،  جنين ملطخاً بالدماء، عارياً من الثياب، رغم البرد والمطر، وانطلقت بالجنين وقد لفته بعطفها صوب مركز الشرطة، تطلعت في وجه الجنين، كان نائماً كوجه ملاك بريء، ابتسمت له وهي تردد بحنان الأم (- نور سيكون أسمك نور، ستنيرين الدنيا بضيائكِ) ص109 .

***

جمعة عبدالله

 

عندما نطرق أبواب منطقة الأثر(1) النصّي، سنكون أمام اتجاهين، الاتجاه الحاضر للأثر النصّي (ومن الأثر بمعنى العلامة)، والاتجاه الغائب، فالنصّ الحاضر يكون متأثراً في حضوره ويحاور أدوات وعناصر النصّ الداخلية، جالباً التأثيرات والمؤثرات التي يمتاز بها حضوره، فيدخلنا معها من خلال التأثر وتحضير الأثر المنجز، وذلك لأنّ الآثار النصّية حول الذات الحقيقية تسبح كالنجوم في الفضاء، وكلّ نجمة تحمل أثراً فعلياً تتجانس مع أدوات النصّ الفعلية، مثلاً: أثر الحدث الذي يُرمى تلتقطه العين لتوظيفه في الذات العاملة، ولكن هناك الأثر الباقي الذي لا يلتقط، ولكن من الممكن جداً أن يكون مستهدفاً من أهداف المحسوس الذاتي، فهو الأثر اللامرئي الذي يتناوله الباث في منظور التماسك الدلالي الفعلي؛ فالمستوى الأول منظور تجريبي، والمستوى الثاني يقع ضمن التجريب الاندفاعي، لذلك سنتطرق إلى ثلاث مناطق في منظور الأثر والمأثور، منطقة الأثر في التجريب الأوّل، ومنطقة الأثر في التجريب الاندفاعي والمثير الجامع لحيثيات الأثر لكي يكون المتلقي أوّل من يدخل منطقة المأثور باعتبار أنّ هذه الرسالة موجهة له.

منطقة الأثر في التجريب الأوّل: إنّ سياق التجريب لا ينفصل عن سياق الأثر، وكلاهما يشكّلان منطقة ناضجة مهيأة لتلتقطها الذات، فهي القريبة منها، وعلى اتصال شمولي؛ لذلك عندما تنضج المعاني في الذات الحقيقية ينضج القسم الأعلى من النصّ المنظور، ويكون للعلامات اللغوية تحقيقات قائمة تتبعها العلاقات النحوية.

منطقة الأثر في التجريب الاندفاعي: يندفع الأثر بذاته من أجل ذاته، لذلك يتم توظيفه بشكل محدّد، وذلك بما يخصّ المعنى أوّلا وما يخصّ النصّ ثانياً، ويشكّل دالة حركية بين الدوال التي تتعلق في النصّ المكتوب، وبعض المتعلقات هي عبارة عن علامات وتبادلات دلالية من الممكن أن تحلّ الواحدة محلّ الأخرى. وتعد تجميع أثر الأشياء المتفاعلة صيغة من صيغ النصّ التي يبحث عنها لكي تكون مندمجة في المعنى، فالمعاني النصّية غير محدّدة لذلك تترقب المزيد في الاندماج النصّي.

منطقة المأثور: في هذه المنطقة بالذات لكونها مختلفة لذاتها، يكون الكاتب قد تجاوز الصعوبات الكتابية وراح يبحث عن التصوّرات ومخططاتها لكي يدمج البعد الكتابي بالفعل الآني، وهي قابلة للدمج والتفاعل من خلال العرفانية لدى الباث عندما يكون النضج مع الشخصيات (في الرواية) وعندما يكون فعل المتخيل قد أسّس مساحة يستطيع (الكاتب أو المؤلف) أن يتعامل من خلالها مع الخيال الخلاق بأبعاد ابتكارية أوّلاً وبالضغط على الذات الحقيقية لرسم ما تحويه محفظتها من أبعاد تخييلية – كتابية ثانياً.

وإذا أخذنا النصّ، فإنّه واحد من المأثورات الإنتاجية، فبدايته يراوغ بين الطول والقصر، وبين البقاء والنسف، فالنصّ التركيبي لا يختلف عن النصّ النهائي، فالأوّل في القول التشييدي التركيبي، والثاني قد تجاوز منطقة المأثور ويكون في المقام الإنتاجي.

السلطة النصّية

من خلال السلطة النصّية يظهر المثلث الإبداعي، فالنصّ المكتوب يتجاوز مرحلة عميقة من خلال مراحل عديدة تحدّدها الآليات النصّية من جهة ومميزات النصّ من جهة أخرى، فيكون للغة (هناك أنواع عديدة للغة ومنها مثلاً: اللغة السردية، اللغة الشعرية، اللغة الأدائية، اللغة الرمزية واللغة السريالية) تعدّدية فنّية من الممكن بواسطتها أن نحاجج جنس على جنسٍ آخر، أي (أنّ النصّ لا يكتفي بذاته أو حاضر في ذاته، كما يقول جوزيف ريدل)، أو أن تكون إمكانية الحوار الحِجاجي باعتبار أن محور الحجة الجانب الغامض في المعنى، ولكن هذا لا يسلب سلطته النصّية وذلك لنفوذ العلاقات النصّية من جهة، وعمل العناصر وانسجامها من جهة أخرى.

محور الحِجاج:

لا يختصّ مبدأ الحوار بجنس معيّن من أجناس الأدب، فهو شمولي – فنّي ويؤدّي إلى انسجامات نصّية، مثلا؛ الانسجام اللغوي؛ فاللغة السريالية تتزاوج مع اللغة الرمزية، واللغة الشعرية تغازل اللغة السردية، هذه الخصوصيات الحوارية والتزاوج الفنّي بين اللغات، يعتبر مفهوم القوّة (force) التي تتدخّل في الحوار الحجاجي، ذات دلائل حِجاجية.

من خلال المحور الحجاجي تقودنا التوجهات والاتجاهات إلى بنى ومعايير عديدة ومنها؛ المعيار الوظيفي والبنية اللغوية ومدى توظيفها كمعيار يضمن الربط الدلالي والربط الاستدلالي.

إنّ (الأصل في وسائل الحِجاجية الفلسفية الاستدلال أي الحِجة المنطقية، ولا قيمة للحجة الواقعية أي الدليل إلا في سياق الاستدلال"2")، إذن يكون الاستدلال المنطقي هو المهيمن على السياق الحِجاجي.

محور التسلط النصّي:

إنّ التحوّلات التي تجري في النصّ الوحدوي، هي تلك التحوّلات التي تتمّ من الطبيعة إلى الذات الحقيقية، فالمعاني التي نريدها، تبقى مرسّخة دون تفريط، مثلا التحوّلات الإشارية عندما نكون مع توظيف الأشياء، ستكون هذه الأشياء مصدر محاججة نصّي، وذلك؛ بما آلت لنا وتفضيل هذا الشيء على غيره، وبما تمّ من توظيف بعض الأشياء غير المرئية، ويكون التأويل سبباً من أسباب المحاججة السببية، وكذلك حدّة النصّ التأثيري، حيث يكون مؤطراً بالمؤثرات السياقية، والتي تعمل على جذب الآخر وإن كان عن بعد. وأهمّ السياقات التي تظهر؛ هو السياق الأسلوبي؛ فالقيمة الجمالية والبنى اللغوية التي تعتمد التركيب الجمالي، والاستعارات، والتشبيه، والتصوّرات منها الاستعارية ومنها الذهنية، كلّها تخصّ النصّ وسلطته التفرّدية.

جلّ ما يبحث عنه الكاتب – الشاعر؛ هو ذلك المتلقي النموذجي، حيث يعتبر النموذج الخاص الضمني، وفي الوقت نفسه، المساحة المؤطرة في تلقي الرسالة وحفظها، وقد قال ريفاتير عن مفهوم "القارئ النموذجي" (هو ذلك التفاوت الحاصل بين واقع النصّ الثابت واختلاف وتباين القراء في قراءته بفعل تطوّر السنن وما يحصل تعارض بينه وبين سنن النصّ، وفي جميع الحالات يكون الأسلوب غير واقع على النصّ، ولكنّه موجود في سياق تفاعل القارئ مع النصّ"3").

***

كتابة: علاء حمد

....................

المصادر:

1- قال ابن منظور: " الأَثر بقية الشيء والجمع آثار وأُثور ... والأَثْرُ مصدر قولك أَثَرْتُ الحديث آثُرُه إِذا ذكرته عن غيرك.

2- دروس في الحِجاج الفلسفي – ص 13 – إيمان سعد.

3- معايير تحليل الأسلوب – ص 7 – ميكائيل ريفاتير – ترجمة: د. حميد لحمداني

منذ أن نشر الكاتب الروسي يفغيني زامياتين روايته الديستوبية الموسومة «نحن» عام 1924 في نيويورك، صدرت عشرات الروايات على غرارها، التي تعبّر عما يجري في عالمنا اليوم، رغم أن أحداثها غالبا ما تقع في المستقبل، لعل أهمها «عالم جديد شجاع» (1932) لألدوس هكسلي و«1984» (1949) لجورج أورويل و«فهرنهايت 451» (1953) لراي برادبري، و«حكاية الخادمة» (1985) لمارغريت أتوود، و«الطريق» (2006) لكورماك مكارثي. وهي روايات تتناول العديد من التهديدات والكوارث التي ستواجه البشرية، سواء كانت طبيعية أو من صنع الإنسان، أو تغييرا قاسيا في النظام السياسي يفضي إلى الرقابة والاستبداد والشمولية، أو حربا عالمية. ما يجعلنا نفكر في كيفية منع وقوعها.

قبل أن يبدأ لينش بكتابة «أغنية النبي» الفائزة بجائزة البوكر لعام 2023، نشر فكرتها الرئيسية، التي تدور حول تنامي القوى اليمينية في أوروبا والحرب الأهلية في سوريا وأزمة اللاجئين في أوروبا. يقول لينش: «فكرت في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وفي ترامب والقوى التي تتجمع في الأفق: حزب الحرية في النمسا، الجبهة الوطنية في فرنسا، حزب الشعب في الدنمارك، الفجر الذهبي في اليونان، حركة جوبيك (الحق) في المجر، القانون والعدالة في بولندا، حزب الحرية في هولندا، والتحول التكتوني الذي يحدث في الديمقراطيات الغربية. فكرت أيضا في انهيار سوريا واستجابة الغرب الضعيفة لأزمة اللاجئين، أردت أن أفهم إلى أين قد يؤدي كل هذا. بدأت أتساءل كيف ستبدو أيرلندا مع حكومة شعبوية. وتساءلت أيضا كيف سيكون العيش في ديمقراطية تنجرف نحو الاستبداد. سألت نفسي، ما نوع القوة التي يمكن أن يتمتع بها الإنسان عندما يجد نفسه محاطا بمثل هذه القوى الهائلة؟ لقد تشكلت «أغنية النبي» كرواية ديستوبية تدور أحداثها في عصرنا». هل نجح لينش في تحويل أفكاره المعلنة إلى رواية مشوقة ناجحة؟ وما الجديد الذي أضافه إلى رصيد الرواية الديستوبية؟ وهل كانت «أغنية النبي» أفضل رواية ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر 2023، من حيث القيمة الفنية والجمالية، وعمق التعبير». تختلف «أغنية النبي» اختلافا كبيرا عن أعمال لينش الأخرى، التي هي في معظمها روايات تاريخية تدور أحداثها في الريف الأيرلندي. روايته الأولى «السماء الحمراء في الصباح» (2013)، تحكي قصة مزارع مستأجر يعيش في القرن التاسع عشر. تدور أحداث رواية «الثلج الأسود (2014) في عام 1945، وبطلها مربي ماشية. رواية «غريس» (2017) قصة أشقاء يحاولون النجاة من المجاعة في أيرلندا. وفي «على الجانب الآخر من البحر» (2019)، الشخصيات الرئيسية هم الصيادون الذين تقطعت بهم السبل خلال عاصفة في المحيط الهادئ. وفي جميعها التقى القارئ بأبطال خائبين يعانون في الحياة، لكن «أغنية النبي» تفوق كل ما كتبه لينش سابقا من حيث عمق التعبير، فهي تعكس بحيوية كبيرة، المخاوف الاجتماعية والسياسية في اللحظة الراهنة، وتتسم بالسرد الديناميكي والدرامي والعاطفي، عبر رؤية قاتمة ومؤلمة لبلد ينحدر نحو الهاوية، وصورة إنسانية عميقة لكفاح أمٍ للحفاظ على أسرتها.

الحبكة

بعد عامين من وصوله إلى السلطة، أصدر حزب التحالف الوطني في أيرلندا قانون سلطات الطوارئ «استجابة للأزمة المستمرة التي تواجه الدولة»، ما أعطى سلطات لا حدود لها على ما يبدو لمكتب الخدمات الوطنية التابع للشرطة، وهو في الحقيقة قوة شرطة سرية جديدة. بالنسبة لهذا المكتب، فإن الأشخاص الذين يمارسون الحقوق الدستورية، التي كانت في السابق أساسية للديمقراطية الليبرالية – الحق في الاحتجاج، على سبيل المثال – هم مثيرون للفتنة. لكن تركيز لينش لا ينصب على صعود حزب التحالف الوطني إلى السلطة، أو على الآليات الداخلية للدولة الاستبدادية، بل على التجربة القاسية المؤلمة لإحدى العائلات في دبلن، خلال انحراف الحكم في أيرلندا نحو النظام الشمولي..

السيدة إيليش ستاك عالمة في البيولوجيا من دبلن، وأم لأربعة أطفال، مشغولة بالعمل والأسرة ووالدها المسن، ولا تهتم كثيرا بالتقارير الإخبارية المثيرة للقلق بشكل متزايد، ثم يأتي الواقع المرير يطرق بابها: في أمسية مظلمة ورطبة في دبلن يصل ضابطان من الشرطة السرية المشكلة حديثا لاستجواب زوجها، لاري، حول عمله كزعيم نقابي، الذي اختفى مع العديد من زملائه والناشطين الآخرين، في دولة الفوضى، بعد اشتراكه في مسيرة تطالب بحقوق المعلمين. يريد أطفال إيليش المراهقون النزول إلى الشوارع والاشتراك في المسيرة الاحتجاجية – ولكن كل ما تريده إيليش هو إبقاؤهم مخفيين وآمنين. مع اندلاع الحرب الأهلية، وامتلاء شوارع دبلن بحواجز الطرق والقناصة، ظلت مجمدة في حالة من الإنكار.

يغرق لينش القراء في هذا الكابوس بجمله المتعرجة المليئة بالرهبة، ودون فواصل بين الفقرات، ولا يوفر لهم أي مساحة لالتقاط الأنفاس.. يحاكي أسلوب لينش تطور مواجهة إيليش انجراف بلادها إلى الحكم الشمولي والحرب الأهلية، ومع ما يجب عليها فعله للحفاظ على تماسك عائلتها. تتأرجح مشاعر إيليش بين الذعر والإنكار، بين الخضوع للأمر الواقع والرفض العنيد للانصياع لمنطق النظام، بغض النظر عن اختيارات إيليش، يستمر الرعب دون توقف، وهناك إحساس حقيقي بالأزمة والهلاك الوشيك طوال الوقت.

أيرلندا البائسة في رواية لينش تعكس واقع البلدان التي مزقتها الحرب: لجوء اللاجئين إلى البحر هربا من الاضطهاد على الأرض، وأعمال العنف في فلسطين وأوكرانيا وسوريا، وتجربة كل أولئك الذين فروا من تلك البلدان. إنها قصة سفك الدماء والألم، التي تفضح وحشية ردود أفعال السياسيين الغربيين تجاه أزمة اللاجئين. وحسب لينش، فإن أحد أهداف الرواية كان إيقاظ التعاطف لدى القارئ، الذي أخذ يعتاد على الأخبار الصادمة، وينظر إلى تقارير المعاناة والكوارث على أنها أمر عادي. تصبح الأخبار مملة، أكثر من كونها مرعبة، وتجعل الناس غير مبالين، وربما لهذا السبب فإن نهاية «أغنية النبي» بعيدة عن التفاؤل.

في بعض الأحيان، كانت قتامة الرواية التي لا هوادة فيها، تجعل قراءتها غير محتملة تقريبا، ومع ذلك، فإن صدقها يجعل القارئ يستمر في القراءة. هناك مقاطع في الرواية يتردد فيها صدى حملات القمع الوحشية، التي قامت بها الشرطة في عام 2020 على مسيرات «حياة السود مهمة»، ولغة الرئيس السابق دونالد ترامب الاستبدادية والمروعة بشكل متزايد. وتبدو بعض المشاهد المروعة كأنها مأخوذة من التقارير الحالية عن القصف الإسرائيلي الإجرامي على قطاع غزة وقتل المدنيين الأبرياء، ومن مآسي الغزو الروسي لأوكرانيا. لم يكن أي من هذه الأحداث قد وقع بعد، عندما بدأ لينش كتابة «أغنية النبي». وقال إنه كان يفكر آنذاك في «الاضطرابات في الديمقراطيات الغربية ومشكلة سوريا – انهيار دولة بأكملها، وحجم أزمة اللاجئين فيها، ولامبالاة الغرب». ومع ذلك، يؤكد لينش أن الرواية ليست سياسية بقدر ما هي «ميتافيزيقية»، وأنه شعر بأن «عمل الأدب الجاد يجب أن يكون بدلا من ذلك، الحزن على الأشياء التي لا نستطيع السيطرة عليها، والحزن على ما لا يمكن فهمه، والحزن على ما هو أبعد منا».

إيليش تركز على ما حدث لعائلتها وحياتها، بدلا من التركيز على ما حدث لبلادها، فهي تهتم في المقام الأول بالأعمال المنزلية والحياتية، مثل ملء الثلاجة بالحليب، ونقل الأطفال الأكبر سنا إلى المدرسة، وتهدئة لثة الطفل أثناء التسنين، حتى عندما يفرض النظام حظر التجول في دبلن، وتقصف الطائرات الحي الذي تعيش فيه، ويقوم البلطجية بتخريب سيارتها. في مرحلة ما، عندما كانت تنظف المطبخ بعمق حدث انفجار هز الأرض لذا اضطرت إلى التمسك بحوض المطبخ بكلتا يديها. يجب عليها اتخاذ قرارات مستحيلة لحماية عائلتها. في أحد المشاهد المؤلمة، تضطر إلى الركض عبر المنطقة الحرام لرؤية ابنها المصاب في المستشفى، معرضة لخطر الإعدام على يد القناصة، الذين يطلقون النار على المدنيين. إن مغادرة المنزل إلى حياة مجهولة خارج حدود أيرلندا هو خيار أصبح أكثر خطورة بالنسبة إلى إيليش، حيث يصر والدها سيمون، الذي يعاني من الخرف، على البقاء في المنزل». «إيليش» تسعى جاهدة لجعل والدها يفهم مدى خطورة الموقف، لكن عقله يتجول بين الماضي والحاضر، مستحضرا ذكريات كاذبة عن زوجته المتوفاة منذ فترة طويلة. أحيانا يكون مدركا لواقع الصراع، وعندما يكون كذلك، فهو حاد للغاية: «أنتِ يا إيليش تؤمنين بحقوق غير موجودة، الحقوق التي تتحدثين عنها لا يمكن التحقق منها، فهي محض خيال». يطلب منها أن تتركه وتذهب إلى كندا، أو إلى أي مكان آخر. شقيقتها التي تعيش في مدينة تورنتو الكندية تتوسل إليها عبر الهاتف القيام بمحاولة الهروب من أيرلندا، وتحذر إيليش بأن «التاريخ هو سجل صامت للأشخاص الذين لم يعرفوا متى يرحلون»، لأنه ليس من السهل معرفة متى يتوجب عليك الرحيل».

أسلوب لينش

أمضى لينش أربع سنوات صعبة طويلة، شملت زمن كوفيد، في كتابة رواية «أغنية النبي» التي تقع في 320 صفحة، وهو يتأنى في كتاباته، ويهيم بالصدق والوضوح، ويطلب حتمية اللفظ. أقتبس: «كتابة الرواية ليست عملا سهلا على أي حال. إنه بطيء. أنا كاتب ربما سأكون سعيدا بـ 200 كلمة في اليوم. إذا وصلت إلى 400، فسيبدو ذلك يوما رائعا. أنا بطيء. أنا مجتهد. أنا دقيق، أبحث عن إيقاعات عميقة، أبحث دائما عما تحت السطر، أبحث عن إحساس بالحتمية في الكتابة، وأعتقد أن الكتاب الحقيقي يشبه المعادلة التي يجب إثبات صحة السطر الأخير فيها من خلال كل ما سبقه، ولذا، بينما كنت أكتب، كنت أفكر: «هذا، بسبب هذا، وهذا بسبب هذا». وبالتالي فإن الحقيقة هي الضوء المرشد عبر الكتاب الذي لم أستطع الحيد عنه، أو أي شيء لا يبدو صادقا للقصة، وهو ما يعني الذهاب إلى بعض الأماكن المظلمة جدا بالطبع.

الرواية الأكثر جدارة بجائزة البوكر لعام 2023

ربما لعبت المصادفة دورا في ترجيح كفة رواية بول لينش على بقية الروايات المتنافسة ضمن القائمة القصيرة. ففي عشية الإعلان عن توزيع الجوائز في دبلن، هاجم رجل مجهول المارة بسكين. وأصيب خمسة أشخاص، من بينهم امرأة وثلاثة أطفال. وتم اعتقال المهاجم، لكن لم يتم الكشف عن اسمه. وبعد ساعات قليلة، بدأت الاضطرابات في المدينة، وخرج الناس إلى الشوارع وهم يرددون شعارات ضد المهاجرين، ووقعت اشتباكات بين المتظاهرين والشرطة. من الصعب تحديد مدى تأثير التظاهرات العفوية في دبلن على قرار لجنة التحكيم، على الرغم من أنه لا يمكن تجاهل الصدى المذهل لما تناوله لينش في «أغنية النبي». بطبيعة الحال، ليست هذه الحالة فحسب، ولكن واقع اليوم بشكل عام: الصراعات العسكرية، والشعبية المتزايدة للأفكار القومية، فضلا عن صعود الأنظمة الشمولية، التي تخدم كإطار لديستوبيا بول لينش. وهو نفسه يعترف بأن الأحداث المأساوية في السنوات الأخيرة، التي غيرت أوضاع العالم، أثرت في فكرة الرواية.

كان المنافس الرئيسي لبول لينش على جائزة البوكر لهذا العام، هو الكاتب الأيرلندي المعروف بول موراي وروايته الأخيرة «لدغة النحلة». وهي قصة ملحمية تمتد إلى ما يقرب من 650 صفحة. تبدو الأمور في الرواية مروعة للغاية بالنسبة لعائلة سيئة الحظ من بلدة أيرلندية صغيرة، والعلاقة الصعبة بين الآباء والأطفال، والنضال من أجل أن تكون شخصا جيدا عندما ينهار العالم.

عائلة بارنز في ورطة. وكالة بيع السيارات التي كان يعمل فيها رب الأسرة ديكي على وشك الانهيار، في أعقاب الركود والعديد من القرارات التجارية المشكوك فيها بشكل متزايد. يعتزل ديكي، ويقضي أيامه في الغابة، حيث يبني مخبأ مقاوما لنهاية العالم مع عامل ماهر. تبيع زوجته إيميلدا مجوهراتها على موقع» إيباي» بينما تبدو ابنتهما المراهقة كاسي، التي كانت في السابق الأولى على صفها، مصممة على الإفراط في الشرب خلال امتحاناتها النهائية. ابنهما بي جي يضع اللمسات الأخيرة لخطة الهروب من المنزل. أين حصل الخطأ؟ قصة عن تقلبات القدر، عن الحوادث (مثل نحلة تطير تحت طرحة العروس، أو الحفر على الطريق) التي تقلب الحياة رأسا على عقب، وتغير مسارها بشكل جذري. كل شخصية من شخصيات الرواية يسرد القصة من وجهة نظرها. يسمح التركيز على الأجيال المتعددة لموراي في تصوير الهوة الآخذة في الاتساع بين تجارب الآباء والأبناء، وما يتعلق بحياتهم الفردية، وكذلك أيرلندا التي عرفوها – وأيرلندا التي ظنوا أنهم يعرفونها. «لدغة النحلة» هي الرواية الأكثر إثارة للإعجاب بين روايات القائمة القصيرة للجائزة وتستحق الاهتمام في كثير من النواحي.

***

د. جودت هوشيار

 

قصيدة افتراق للأديب الشاعر حمودي عبد محسن تمثل قطعة أدبية تحمل في طياتها عمقًا شعريًا مدهشًا. تستكشف هذه القصيدة مشاعر قوية تتعلق بانفصال الحبيبين، حيث يصعب على القلب تحمل تلك الفجوة بين السماء والأرض. يبدع الشاعر في استخدام الصور الشعرية المتنوعة لنقل هذا الانفصال والتناقض العميق بين مفاهيم متناقضة مثل النور والظلام، والسلام والحروب، والحياة والموت. في هذا المقال، سنقوم بتحليل نقدي لبعض العناصر المميزة في هذه القصيدة، لفهم عمق معانيها وتأثيرها الشعري. في هذه القصيدة، نجد صورًا شعرية تعبيرية وقوية ترسم لنا مشهد انفصال الحبيبين بأسلوب مذهل. الصورة الأولى تصف انقسام الشاعر وحبيبته بشكل ملموس، حيث يصعد الشاعر نحو السماء على أجنحة عنقاء، بينما تنزل حبيبته إلى الأرض في ليلة ظلماء بمساعدة أجنحة شيطان. هذا التناقض يعكس حالة الأمل والتفاؤل التي يعيشها الشاعر مقابل تدهور وانكسار حبيبته. الصورة الثانية تجلب لنا منظرًا مائيًا مدهشًا، حيث تصف المياه وهي تُغسل العناصر المختلفة مثل الحجر والصخور والعشب الذابل وأوراق الخريف. هذا المشهد يعبر عن عملية التجديد والتطهير التي يمكن أن تحدث في الحياة والعلاقات. الصورة الثالثة تصف حبيبة الشاعر وكيف تبقى متصلة بالطبيعة والجمال من حولها. ترتسم صورة رومانسية لها وهي تنظر إلى الأعلى وتستمتع بضوء القمر، مما يعكس تفاؤلها ورغبتها في البحث عن الجمال في العالم. أما الصورة الأخيرة، فتكشف عن نهاية نهائية للعلاقة حيث يتجه الشاعر نحو السماء وحبيبته تنحدر إلى العالم السفلي، وهي تُشبه الآلهة عشتار في ليلة ظلماء، وهو رمز للمصير المأساوي الذي تلازم هذا الانفصال. تلك الصور تلقي الضوء على تفاصيل عميقة في نفوس الحبيبين وتجعل القصيدة أعمق وأقوى في تأثيرها. الشاعر يتقن استخدام التناوب بين العناصر المتناقضة في هذه القصيدة ببراعة. يبدأ النص بالتناوب بين النور والظلام، حيث يصعد الشاعر نحو السماء ويتحدث عن النور الذي "يضيء العالم"، مما يمثل الأمل والسعادة. بينما تهبط حبيبته إلى الأرض في "ليلة ظلماء"، مما يرمز إلى تدهور وانقسام العلاقة. يتناول الشاعر أيضًا التناوب بين السلام والحروب، حيث يصف السماء بأنها مليئة بالسلام والمحبة والعناق، بينما يشير إلى تحول حبيبته إلى الحروب والكره والنفاق. هذا التباين يظهر كيف يمكن للحب أن يتحول إلى صراع وتوتر. أما التناوب بين الحياة والموت، فهو واضح في النص حيث يصف الشاعر النور السماوي والأمل كرمز للحياة والتجدد، بينما يشير إلى الظلام والموت والهياكل العظمية كرمز للنهاية والفناء.

الشاعر يجمع بين العناصر المتناقضة في القصيدة، مما يخلق تشابكًا معقدًا للأفكار. يركز بشكل رئيسي على الانفصال بين الحبيبين دون أن يفترقا بالقلب، وهذا يُظهر تعقيد العلاقات الإنسانية والمشاعر المتضاربة التي يمكن أن تحدث فيها. يُظهر الشاعر في البداية انفصال الحبيبين، حيث يصعد الشاعر إلى السماء بينما تهبط حبيبته إلى الأرض، مما يشير إلى الانفصال الجغرافي والعاطفي بينهما. وعلى الرغم من هذا الانفصال، يظل الشاعر وحيدًا في رحلته نحو السماء، مما يعكس الوحدة الشخصية والروحية التي يجريها. يُظهر الشاعر تأثره العميق بالفراق والتباعد عن حبيبته، مشيرًا إلى الحب القوي الذي كان بينهما في السابق. وعلى الرغم من الانفصال الظاهر، يُظهر التشابك بين قلبيهما حيث يقول إن "لا شيء يقيدنا لبعض". هذا يشير إلى أن الحب لا يزال حاضرًا في قلب الشاعر رغم الانفصال المادي. أما فيما يتعلق بالزمن، يشير الشاعر إلى مرور "ألف عام" بعد الانفصال، ولكن يُظهر أيضًا التشابك بين الحب والثبات، حيث يشير إلى أنهما لم يفترقا بالقلب. يبقى الحب حاضرًا وثابتًا على الرغم من مرور الزمن الطويل. لغة القصيدة غنية ومعقدة، حيث يتقن الشاعر استخدام الكلمات والعبارات لنقل مشاعره وأفكاره بشكل قوي. يُظهر الشاعر مهارة في استخدام المجاز والرموز لزيادة عمق النص. يتناوب الشاعر بين الصور الجميلة والمظلمة لتمثيل التناقض في مشاعره وتجاربه. القصيدة تشتمل على صور غنية بالمعاني، مثل "السماء" و"الأرض"، والتي تمثل الفرق بين الحبيبين. يُستخدم "النور" و"الظلام" لتمييز بين الحالات المختلفة التي يمرون بها. يشير استخدام "العشب الذابل" و"أوراق الخريف الصفراء الحمراء" إلى التغيير والزمن الذي يمر بهما. الأسلوب في القصيدة معقد ومنظوم، حيث يتناوب الشاعر بين الصور والأفكار بشكل معقد لنقل التناقض والتعارض الذي يمر به. يمتزج بين الأمل والفراق، وبين الحب والموت، مما يخلق تشابكًا في الأفكار والمشاعر. الشاعر يستخدم المجازات والرموز بشكل مكثف، مثل "أجنحة العنقاء" و"أجنحة الشيطان"، لتمثيل التناقض بين الحب والفراق. كما يستخدم مصطلحات مثل الوحش الدماء" و"الهياكل العظمية" كرموز للموت والظلام. تلاحظ في القصيدة استخدامًا ممتعًا للتناوب بين الأصوات والأنماط الصوتية، مما يجعلها قابلة للسماع بشكل مؤثر. يستخدم الشاعر الصوت والإيقاع ببراعة لنقل العواطف وتعزيز تأثير القصيدة الشعري.

قصيدة "افتراق" تجربة شعرية مؤثرة تأخذ القارئ في رحلة من التفكير حول الحب والفراق، وكيف يمكن للأدب أن يلمس أوجاع القلب وينقلها بشكل رائع وفني.

***

زكية خيرهم

فيما يلي رؤيا مقارنة بين ملحمة جلجامش ومسرحية الكراسي للكاتب الطليعي يوجين أونيسكو. لعل ذلك يثير التساؤل، إندهاشاً أو إستنكاراً، كيف يمكن أن تنشأ رؤيا مشتركة لعملين من " صنفين أدبيين مختلفين" وفي زمنين متباعدين، بمسافة تقارب " خمسة آلاف عام من الزمان "، أي بين نقطة أساسية في بدء تاريخ الحضارة الإنسانية، وبين فاصل يرسم زمن إنحطاط هذه الحضارة. بل والتساؤل الأهم، هو لماذا هذه الرؤيا المشتركة؟ وفي قناعتي هناك عدة إجابات، منها البسيطة، ومنها الأكثر تعقيداً، لكني سأستل من هذه الإجابات، جواباً متشعبآً واحداً فقط: إن هذه الرؤيا المشتركة تتفحص الشريط الفكري والإنساني بين هذين الزمنيين، كما تتفحص القوة والبطش مقابل الخنوع والذل، تتفحص الأمل وعلاقة الصداقة المخلصة مقابل اللا أمل وخواء العلاقات الاجتماعية والإنسانية، تتفحص الوجود والبحث عن المعنى الكامن فيه، مقابل الضياع والتيه المقنّع بأوهام إجتماعية، تتفحص حقيقة الموت والذعر الذي ينتج الطموح الي الخلود، مقابل إستبدال البحث عن المعنى سواء في الحياة أو في الموت، والإصرار على الإنجاز المضلل. وأخيراً لأن الفكر الإنساني بجبروته وعظمته في الملحمة، ينتقل الى فكر سائل يُفضي الى جميع القنوات، فكر رخو للتعادل وللتعامل مع الحياة العصرية.

ملحمة جلجامش إستحدثت سلالة من التساؤلات الوجودية، ومن التعمق في مفاهيم الموت والخلود كما في اللا معنى والعبث عند البحث عن جدوى الحياة، هذه السلالة مشحونة بجماليات مربكة، ومحفزة على التردد، إنما هي تنخر في عمق الوجدان الإنساني. إنها إعلان عن خيبة عميقة تمتد العمر كله، وفشل للتصالح مع الحياة كتوجه وكمعنى، وإنكار لحالة الضياع والتيه الحقيقي المنغمس به كحياة.

تروي ملحمة جلجامش قصة الملك العظيم جلجامش الذي يشرع في البحث عن الخلود بعد وفاة صديقه الأقرب والأخلص "إنكيدو". طوال سرديات الملحمة، يصارع جلجامش مع موته، أي مع حتمية الموت. يبحث عن إجابات لأسئلته حول المعنى والغرض من الحياة، وبشكل موسع البحث عن معنى الوجود. تستكشف ملحمة جلجامش موضوعات مختلفة، بما في ذلك الطبيعة الإنسانية، والرغبة في الخلود، وحتمية الموت، والبحث عن المعنى والجوهر للحياة، وأهمية الصداقة الحقيقية. كما يقدم نظرة ثاقبة لمعتقدات وقيم وثقافة بلاد ما بين النهرين القديمة. أي الثقافة السائدة في العالم آنذاك. وعلى نحو مماثل، تدور سرديات مسرحية "الكراسي التي كتبها يوجين يونسكو، حول زوجين مسنين يدعوان مجموعة من النخب ومن الضيوف إلى منزلهما للاستماع إلى رسالة كتبها الزوج ومن المفترض أن تنقذ البشرية، وتجلب معنى لحياتهم الخالية. ولكن مع تقدم أحداث المسرحية، يصبح من الواضح أن الرسالة لا معنى لها، وتقرأ من قبل رجل أخرس بحيث لا تعكس أي معنى ولا تترك أي أثر، على الإطلاق، ولكنها تترك الشخصيات تتصارع مع عبثية وجودها.

كتبت ملحمة جلجامش على ألواح طينية بالخط المسماري واكتشفت في أنقاض مدن بلاد ما بين النهرين القديمة (أي العراق حاليا). وهي تسبق أعمالًا أدبية مشهورة أخرى، مثل ملاحم هوميروس، بعدة قرون. أثرت ملحمة جلجامش على الأعمال الفكرية والأدبية والأساطير اللاحقة، بما في ذلك قصة نوح والطوفان في الكتاب المقدس.

كان جلجامش خامس ملوك أوروك، ويُعتقد أنه حكم حوالي عام 2700 قبل الميلاد. وبحسب سرديات الملحمة، كان جلجامش ملكًا قويًا ومتغطرسًا يضطهد شعبه. انزعجت الآلهة من سلوكه، فخلقت إنكيدو، وهو رجل متوحش ويعيش في البراري، ليتحدى جلجامش ثم يصادقه. عندما تم إحضار إنكيدو إلى أوروك، تقاتل هو وجلجامش في البداية، ولكن سرعان ما أصبحا صديقين مقربين، فشرع الاثنان معًا في مغامرات مختلفة، بما في ذلك هزيمة هومبابا المتوحش، حارس غابة الأرز، ومصارعة وهزيمة الثور السماوي الذي أرسلته الإلهة عشتار. بعد وفاة إنكيدو، أصبح جلجامش مهووسًا بالخوف من فنائه. عازمًا على العثور على الحياة الأبدية، لذلك فقد شرع في رحلة للقاء أوتنابيشتيم، وهو الإنسان الوحيد الذي وصل إلى الخلود. فقد نجا أوتنابيشتيم من الطوفان العظيم، ومنحته الآلهة الحياة الأبدية. واجه جلجامش في رحلته العديد من التجارب وتعلم دروسًا مهمة عن الحياة والموت، وحالة الوجود الإنساني. فقد واجه العديد من المخلوقات الأسطورية، وعَبَر الجبال الغادرة، ونجا من مواجهات مع رجال أشداء، كما إنتصر على وحوش الغابة.

ا

ثم وصل جلجامش أخيرًا إلى أوتنابيشتيم، وعلم منه بأن الخلود لا يمكن تحقيقه. فقد أخبره أوتنابيشتيم بقصة الطوفان العظيم وأوضح له أن الآلهة منحته الحياة الأبدية كمكافأة له على النجاة من الكارثة. كما أوضح له أيضًا بأن الخلود لم يكن مخصصًا للبشر كما هو حال جلجامش. عاد جلجامش بعد ذلك إلى أوروك بخيبة أمل كبيرة، ولكن بحكمة أكبر. وعلى طول طريق العودة، أدرك أهمية أن يترك إرثاً دائماً من خلال أعماله وإنجازاته. لذلك فقد عقد العزم على بناء أسوار عظيمة حول مدينته أوروك لحمايتها، وليؤسس لسمعة له قادرة على تجاوز الزمن، أي أن تدوم من بعده. وهي صورة أخرى من صور الخلود المنشود. يقول جلجامش: "سأقيم اسمي حيث تُكتب أسماء المشاهير، وحيث لا يُكتب اسم أي إنسان، سأقيم نصبًا تذكاريًا للآلهة".

أما في مسرحية الكراسي فنلاحظ تزاحم شديد جراء تساقط مفاهيم البحث في جدوى معنى الحياة، كما تتساقط من خلال المنجز الفردي، الوهمي، الذي يؤمّن ديمومة للفرد في ذاكرة المجتمع، أي أن يكتب في صفحة، هامشية ما، من تاريخ البشرية، ضمن جهود السعي الى الخلود. هذا التساقط يغزو كل جوانب المسرح بمظلات من اللا جدوى والعبث، ثم يسير بسكة دائرية مغلقة من لغة تعادي اللغة المنطقية، وبسخرية شديدة الحزن، ممزوجة بهزال حاد وكوميديا غير مترابطة، لتجلس على كراسي المسرح الفارغة وتملأ الفضاء ضجيجا، وتوسلا واحتجاجاً واستسلامآً.

مسرحية الكراسي ليوجين أونيسكو كُتبت عام 1952. وهي تصور زوجين مسنين، يعيشان في عالم فارغ، وموحش وبلا معنى. تدور أحداث المسرحية في غرفة فارغة وواسعة، ثم تُملأ بالكراسي الفارغة، كتعبير رمزي على فراغ حياة الشخصيات. تُوصف سردية المسرحية محاولة الزوجين فهم وجودهما، المفرّغ من الجوهر، عبر ترتيب لقاء وهمي مع ضيوف وهميين. يجلسون على كراسي فارغة تملأ المكان تماماً، ويتخيلون أن ضيوفهم، غير المرئيين، حاضرون ويشغلون جميع الكراسي. ثم يبدأوا بالحديث والتفاعل مع هؤلاء الضيوف، غير المرئيين، مما يخلق عندهم وهمًا مؤقتاً بلحياة، وذلك بإعطائها المعنى المفقود. ومع ذلك، يتم تدمير هذا الوهم بسرعة عندما يبدأ الضيوف الوهميون في الجدال المتناقض وغير المسموع. وحين يصل الخطيب المفوّه، فعلياً، والذي أُُستأجر ليقرأ رسالة الرجل العجوز التي يمكن أن تنقذهما وتنقذ الإنسانية جمعاء، ولكن هنا يتضح بأن الخطيب أخرس. هذا الحدث يجعل الزوجان مدركان تماما بأن محاولتهما لإعطاء معنى لحياتهما هي محاولة عقيمة وعبثية، حيث إن الحياة فارغة من كل جوهر، ولا معنى لها، وأن أفعالهم لا أهمية لها.

"الكراسي" مسرحية تتحدى المعاني التقليدية للغة المألوفة والواقع، مسرحية مستفزة، وعميقة تستكشف موضوعات فردية، واجتماعية، وإنسانية كالوحدة، والشيخوخة، والموت، والروتين اليومي والاجتماعي، والمعنى المفقود للحياة. يستخدم أونيسكو أسلوب لغوي يُمزّق ما هو منطقي في اللغة، لذلك فإن الحوار غير المترابط، وغير المنطقي، والمتكرر يعكس انهيار التواصل وعدم قدرة اللغة على نقل المعنى الحقيقي. ثم يضيف مواقف ساخرة، وحزينة وكوميدية لكشف المستور عن عبثية الحياة البشرية، وعن عقم البحث عن معنى لحياة بلا جوهر. المسرحية أيضًا تقدم نقداً للمجتمع الحديث وللحالة الإنسانية الراهنة، فالناس تعيش حياة مدجنة بالروتين وبالرتابة التي تفرزها ضرورات الحياة اليومية، مما يجعل رغبتهم أكثر إلحاحاً في البحث عن معنى لوجودهم.

لنرى إذن ماهي الروابط الفكرية والفلسفية بين الملحمة والمسرحية؟ في جلجامش نجد ينابيع التفكير الفلسفي، التي أخصبت معظم التيارات الفلسفية، فيما أعقبها وعلى مدى التاريخ. فمحاولات جلجامش الإنغماس بالملذات الشخصية وخاصة التعامل مع رعيته بتعسف شديد، وبإستكبار، وبإستبداد، ولكنه كان أيضاً يقف بتحدي بطولي لقوى ذلك الزمان، وكان يأمل، عبر محاولاته الى فهم روابط الصداقة (مع أنكيدو) الإنسانية، ومحاولة إيجاد فهم معمق للحياة، وكذلك معنى لتفسير ظاهرة الموت، والتوق للانتصار عليه بالتمسك بالحياة أي بالخلود. كل هذه العناصر الفكرية صبت في الكراسي، بعد أن ترشحت، على مدى القرون، عبر تيارات فكرية وفلسفية، لتصوغ " الكراسي" أفكارها وفلسفتها مبنية على الإرث السابق، وعلى طبيعة الحياة البشرية المعاصرة، أي الممارسة الفعلية لفلسفة اللاجدوى في البحث عن " معنى " للحياة، وعن العبث في الاستمرار بحياة ليس لها من " جوهر "، ومعنى، ومن وجود دائم التشكك بكنهه، باحثا عن " ماهيته ".

دور الزمن في الملحمة والمسرحية

إن حركة مسار "الزمن" كمفهوم في ملحمة جلجامش وفي مسرحية "الكراسي" يأخذ مسارات متعددة ومختلفة. فكلاهما يستكشف مفهوم الزمن، بشكل عام، ولكنهما يسلكان طرق مختلفة لتلمس معاني الزمن. تؤكد الملحمة على حتمية انقضاء الزمن وفناء البشر، بينما تطرح المسرحية الزمن بإعتباره مفهوم دوري، وروتيني، لا معنى له في الوجود الإنساني، بل يُضيف تأكيداً على اللا جدوى التي تحكم الحياة والوجود بصورة عامة.

أولاً. لا شك أن الزمن كان عنصرًا دائماً وحاسمًا في كلا النصيين، مما يؤكد على الطبيعة الانتقالية والمؤقتة للوجود الإنساني. ففي "جلجامش"، تمتد رحلة البطل لفترة طويلة من الزمن وهو يسعى إلى الخلود، لكنه يدرك في الأخير أنه مهما استطالت الحياة فهي بالنهاية حياة محدودة، فالزمن هو تذكير دائم بالفناء وبحتمية الموت.

ثانياً. أما في "الكراسي"، فيكون للزمن دورًا مختلفًا، حيث تنتظر الشخصيات بفارغ الصبر وصول ضيوفهم غير المرئيين. ومع مرور الوقت، يزداد ترقبهم ويأسهم، مما يسلط الضوء على عبثية انتظار رسالة، يُفترض بأنها ذات معنى، ولكنها لا تأتي أبدًا. إن المسرحية كما الملحمة، تبرز الزمن كتأكيد على الطبيعة العابرة والمؤقتة للوجود الإنساني، وعبثية إضاعة الزمن في مساعي لا جدوى منها، بل هي مشروع لفقد الأمل.

ثالثاً.  يتسرب الزمن في ملحمة جلجامش كقوة جبارة لا يمكن السيطرة عليها أو الهروب منها. فبعد الرحلة الشاقة والطويلة، يعود جلجامش خائباً، حيث إن "الخلود" المنشود لا يمكن تحقيقه للبشر، وأن الموت أمر حتمي لا مفر منه. تطرح الملحمة حقيقة أن الزمن هو جانب ثابت، وغير قابل للتغيير، من الوجود الإنساني. لأنه بغض النظر عن مدى سلطة وقوة الشخص أو تصميمه، فإنه لا يمكنه الإفلات من تسرب الزمن ولا من الخاتمة النهائية لحياته.

رابعاً. في مسرحية "الكراسي"، يُطرح الزمن كمفهوم دوري مغلق، وروتيني ولا معنى له. فانتظار الزوجين لضيوف وهميين والتحدث اليهم بانتظار الخطيب الذي سيتلو رسالتهم التي ستنقذهم كما تنقذ البشرية، هو الشكل المثالي لعالم من الوهم. مما يرمز إلى عدم جدوى وجودهما. إن تكرار نفس الأحداث وعدم وجود أي نتيجة ذات معنى يوحي بأن الزمن عبارة عن دورة لا تنتهي ولا هدف لها ولا أهمية. إضافة الى إن تصرفات وهزالة الشخصيات، والسردية الدرامية والكوميدية الساخرة التي تتبناها المسرحية تؤكد على حقيقة أن الزمن لا معنى له في النهاية، وأن الحياة عبارة عن سلسلة من التجارب الزمنية الروتينية، والمتكررة والعقيمة.

التشابه بين جلجامش والكراسي

أولاً. على الرغم من الاختلافات في الشكل والأسلوب والسياق الثقافي، فإن "جلجامش" و"الكراسي" يتشاركان في أوجه تشابه موضوعية عميقة في استكشافهما للحالة الوجودية الإنسانية. يتعمق كلا العملين في البحث عن المعنى، وعزلة الوجود، ومسيرة الزمن التي لا هوادة فيها، والطبيعة العابرة والمؤقتة للوجود الإنساني. يقدم "جلجامش" انعكاسًا خالدًا لهذه المواضيع من خلال منظور إستثنائي يبرز في طيات هذه الملحمة القديمة.  بينما تقدم مسرحية "الكراسي" منظورًا أكثر حداثة، وعبثية حول نفس الاهتمامات التي تشغل الوجود الإنساني، وترصد الأسئلة الكبرى، ولكنها تهمل الأجوبة. إنهما معًا بمثابة شهادة على الطبيعة الدائمة للأسئلة الإنسانية الدائمة حول الحياة والموت، والبحث عن المعنى في عالم غير مؤكد. أسئلة ظلت تبحث عن أجوبة في الفلسفة وفي ثنايا التاريخ على مدى الزمان وبلا نتائج.

ثانياً. أحد أوجه التشابه الرئيسية بين جلجامش والكراسي هو استكشافهما لنوازع، أو لرغبة الإنسان في الخلود أو الانتصار على الموت. في ملحمة جلجامش، يسعى الملك جلجامش إلى الخلود كوسيلة للهروب من حتمية الموت. وهو يعتقد أنه من خلال تحقيق الخلود، يمكنه إيجاد المعنى، بل التمكن من جوهر الحياة. وبالمقابل، نجد في مسرحية الكراسي، بأن الزوجين المسنيّن يأملان بأن تجلب لهما الرسالة التي أعدّاها شيئاً من البقاء الدائم والشعور بالإنجاز. لا شك بأن كلا النصين يسلط الضوء على توق الإنسان إلى ما يتجاوز الطبيعة الدنيوية والعابرة للوجود الأرضي والإنساني.

ثالثاً. تشابه آخر بين العملين هو تعمقهما بفقدان "المعنى" والتوافق مع عبث المساعي البشرية. ففي الملحمة، يفشل سعي جلجامش إلى الخلود في نهاية الأمر، ويُجبر على مواجهة حقيقة موته. فمن الأفكار الفلسفية التي تثيرها الملحمة هو ما ذهبت اليه، إلى أنه بغض النظر عن مدى قوة الشخص أو إنجازه، فإن الموت جزء لا مفر منه من التجربة الإنسانية. وكذا الحال، في مسرحية الكراسي، فإن محاولات الزوج والزوجة المسنين، للعثور على المعنى والجوهر في الحياة من خلال الرسالة التي أعدوها، هي محاولات بلا جدوى، وعبثية، وعقيمة في نهاية الأمر.

رابعاً. تُسلط كلّ من "الكراسي" وملحمة جلجامش الضوء على العبث المتأصل في الوجود الإنساني. ففي مسرحية أونيسكو، يقضي الزوجان المسنان، (المعروفان باسم الرجل العجوز وزوجته سمير أميس)، حياتهما في عزلة، محاطين بكراسي فارغة ترمز إلى غياب التواصل الاجتماعي، وفقدان المعنى والجوهر. وبالمثل، يشرع جلجامش، بطل الملحمة، في رحلة بحث مجهولة، وغامضة، وغير مجدية عن الخلود بعد أن شهد وفاة صديقه الأقرب إنكيدو. يؤكد كلا النصين على الطبيعة العابرة، والمؤقتة، وخواء الحياة البشرية إنعكاساً لحتمية الموت.

خامساً. البحث عن الخلود، في سرديات الملحمة، كما في المسرحية، نجد الأبطال مدفوعين بالرغبة العارمة في نيل البقاء المؤكد والدائم أي الخلود. في "الكراسي"، يدعو الرجل العجوز وزوجته، جمهورًا وهميًا كبيرا، من نخبة المجتمع، ليشهدوا لحظاتهم الأخيرة، على أمل ترك إرث أبدي. وبالمثل، يسعى جلجامش إلى الخلود بعد تجربة فقدان صديقه، على أمل الهروب من حتمية الموت. ومع ذلك، فإن كلا العملين ينقلان في النهاية استحالة تحقيق الخلود، ويسلطان الضوء على عجز وحدود الوجود البشري.

سادساً. يكشف كلا النصين عن الموضوعات التي يمكن وصفها بالوجودية، وفق النظريات الفلسفية في القرن العشرين، بشكل واضح، من خلال عناصر مثل العبثية، واللاجدوى، والعدمية، وجوهر الوجود التي تسود أجواء الملحمة كما تسود المسرحية. تستخدم مسرحية أونيسكو الفكاهة، والسخرية، والهزال، والحوار غير المترابط، وغير المنطقي لنقل عبثية الوجود الإنساني. فالمحاولات الفاشلة التي تقوم بها الشخصيات للتواصل وإيجاد المعنى في عالم فوضوي تعكس عبثية الحياة نفسها. وبالمثل، تعكس ملحمة جلجامش عالمًا خاليًا من المعنى، حيث لا تستطيع حتى الآلهة تعطيل الموت ومنح الخلود. يسلط، هذا المنظور العدمي، الضوء على الأزمة الوجودية التي يواجها أبطال الملحمة والمسرحية على السواء.

سابعاً. في الوقت الذي كانت فيه "الكراسي" نتاج المسرح الطليعي والفلسفة العبثية في القرن العشرين، وعلى الرغم من الاختلافات الثقافية، والفكرية، والزمنية بين المسرحية والملحمة، نجد بأن كلا العملين يستخدم، في سياقاتهما وسرديتاهما، الوسائل الرمزية لنقل موضوعاتهما الوجودية. ففي "الكراسي"، ترمز الكراسي الفارغة إلى غياب المعنى والبحث العقيم عن الأهمية والجدوى، بالمقابل فإن البحث عن الخلود، في ملحمة جلجامش، يرمز إلى توق البشرية العميق إلى السمو والترفع عن الخوف من الفناء والموت.

ثامناً. ملامح الوجوه في ملحمة جلجامش تكاد لا تتغيّر فهي واضحة عند كل منعطف من الجبروت الى الحزن العميق ومنه الى التحدي والبحث عن الخلود، ثم ملامح الإقتناع والقبول بالأمر الواقع، والعودة الى مدينة أوروك. في حين يجد المرء كثير من الإرباك في قراءة ملامح الوجوه في شخصيتي الكراسي، فهي مزيج، يكاد لا يمكن فصله، من الطمأنينة والاستقرار الى التوتر والقلق، ومن البساطة والطيبة، ومن الغرور، ومن الغضب والخنوع ومن النرجسية والتفاخر الي التوسل. ولكن هذه الملامح بمجموعها سواء عند جلجامش أو عند شخصيات الكراسي تنتهي بملمح واحد صارخ في وضوحه، إنه الإستسلام التام.

تاسعاً. الاختيارات التي اتخذها الملك جلجامش، فيها من التشابه أكثر من التناقض، فمثلاً، عند دخوله فضاء الملحمة بالقوة والجبروت والطغيان والانفراد المطلق بالقرار الذي يخص رعيته المُهملة في أوروك يتشابه كثيراً مع بداية بناء هوية لشخصيتي الزوج والزوجة في مسرحية الكراسي حيث القلق، البادي على ملامح وتصرفات الزوج والمغلفة بلا مبالاة شفافة في حين إن هوية الزوجة كانت ترتسم بالطيبة، وبالإلحاح والثرثرة، ومحاولة طمأنة الزوج حيناً ومعاتبته في أحيان أخرى. هذه الخيارات، سواء في الملحمة أم في المسرحية، تدخل في دينامية من التحولات تعاكس غالباً ما ابتدأت منه، لكنها تنتهي بخيار واحد وهو قبول الموت.

عاشراً. التشابه في حالة العزلة الإنسانية، ففي الملحمة يعزل الملك جلجامش نفسه عن رعيته والآخرين عبر الغطرسة والانغماس في الذات، مما ينفر رعاياه ويخلق فجوة كبيرة في التواصل. لكنه يُدرك، بعد وفاة صديقه الأقرب أنكيدو، أهمية وقيمة التواصل الإنساني. إن موضوع الوحدة والعزلة الإنسانية، وكذلك قيمة، وفهم، وإدراك عمق الحاجة الى الصداقة والرفقة يشكل أحد أهم أعمدة السرد في الملحمة. أما في الكراسي فيتخذ موضوع الوحدة والعزلة ضخامة خاصة من خلال محاولات الشخصيات الفاشلة للتواصل مع ضيوفهم، الوهميين، وغير المرئيين. المسرحية تكشف بإن عزلة الشخصيات لم تكن جسدية ومادية فقط، بل كانت عزلة وجودية كذلك، حيث تتصارع الشخصيات مع عبثية الوجود المتمثل في عدم قدرتهم على إيصال رسالة تحمل معنى ينقذهم وينقذ العالم. تسلط المسرحية، عبر الكوميديا، والسخرية والهزال، الضوء على الانعزال البشري، وإنعدام المعنى المتأصل في الوجود الإنساني.

الاختلافات بين جلجامش والكراسي

أولا. على الرغم من أوجه التشابه المذكورة، هناك أيضًا اختلافات ملحوظة بين جلجامش والكراسي. أحد الاختلافات المهمة هي سياقاتهما الثقافية والتاريخية. فجلجامش نص ملحمي قديم من بلاد ما بين النهرين، يعود تاريخها الى الالفية الثالثة قبل الميلاد. في المقابل فأن الكراسي من الأدب المسرحي في القرن العشرين. تشكل السياقات الثقافية والتاريخية لهذين النصيّن جوهر ديمومتهما عبر الوسائل التي تستكشف بها الأسئلة المتعلقة بالوجود البشري. ففي حين تعكس ملحمة جلجامش وجهة النظر الفكرية السائدة في العالم آنذاك، ومعتقدات مجتمع بلاد ما بين النهرين القديم، نجد بأن مسرحية الكراسي، بمضامينها النهائية، تعكس معتقدات وسلوك المجتمع الحديث، وروح الفلسفة الوجودية السائدة في القرن العشرين.

ثانياً. البنية السردية في ملحمة جلجامش عبارة عن قصيدة شعرية سردية طويلة تتبع مغامرات البطل جلجامش، أما "الكراسي" فهي مسرحية حوارية من فصل واحد تركز على عبثية الوجود الإنساني كتبت بلغة معادية للغة اليومية أو اللغة المنطقية. يتسلسل منهج الملحمة على أساس بنية سردية أفقية ومترابطة، بينما تستخدم المسرحية نهجًا درامياً متجزئاً ومنفصلا، مراوغاً بين سرديات أفقية ودائرية مغلقة.

ثالثاً. المواضيع: يستكشف كلا العملين موضوعات ترتبط بشكل وثيق بالوجود البشري، ولكن بطرق مختلفة. تتعمق ملحمة جلجامش في العزلة الانسانية، وفي البحث عن الخلود وحتمية الموت ومعنى الحياة. إنما نجد بمقابل ذلك بأن "الكراسي" تبحث في الإحساس المرير بالاغتراب والوحدة، وبعبثية إنقطاع التواصل الإنساني، وفراغ الوجود البشري، وعبثية المساعي والاهداف الإنسانية.

رابعاً. الأسلوب والتقنيات، حيث تمت كتابة ملحمة جلجامش في أسلوب شعري، بإستخدام صورًا حية وعناصر أسطورية، وبمنطق تحكمه ضرورات الملحمة.  في المقابل، تتميز مسرحية "الكراسي"، باستخدام شخصيات شبه كاريكاتورية وبأسلوب السخرية والهزال واللغة غير المترابطة، وغير التقليدية متحديةً الأساليب المسرحية القائمة على مختلف أسس ومعايير الاستدلال. فالمنطق ينساب بشكل متعرج وغير مفهوم، وصادم أحياناً ولكنه يمتثل لضرورات العبث.

خامساً. الأهمية الفكرية والثقافية، حيث تعتبر ملحمة جلجامش واحدة من أقدم الأعمال الأدبية الباقية، وتوفر نظرة ثاقبة لثقافة ومعتقدات بلاد ما بين النهرين القديمة، أي نظرة لفكر وفلسفة ما كان عليه العالم القديم. وقد أثّرت هذه الملحمة على التقاليد الفكرية والأدبية اللاحقة، بل وأصبحت مرجعاً تاريخياً وفكرياً وأدبياً. بالمقابل يُعد مسرح أونيسكو الطليعي، بما في ذلك مسرحية "الكراسي"، جزءًا من الحركة المسرحية، أو الفنية والأدبية، الأوسع التي تحدّت المعايير المسرحية التقليدية الشائعة، ومهدت الطريق لأساليب تجريبية ومبتكرة للمسرح.

سادساً. في حين أن ملحمة جلجامش ومسرح أونيسكو الطليعي في "الكراسي" يستكشفان موضوعات وجودية، إلا أنهما يختلفان من حيث السياق التاريخي، والبنية السردية، والموضوعات، والأسلوب، والأهمية الثقافية. ومع ذلك، فإن كلاهما يساهم في النسيج الغني للتعبير الفني الإنساني ويقدم وجهات نظر فريدة حول الحالة الإنسانية.

مفهوم الموت

وهنا نحتاج الى وقفة قصيرة لاستكشاف مفهوم ومعنى "الموت" في الفلسفة عبر مراحل زمنية مختلفة منذ نشأة الفلسفات القديمة. فالموت ظاهرة كونية، أرضية، أثارت اهتمام الفلاسفة والمفكرين عبر التاريخ. لإن الموت يحفّز على طرح أسئلة عميقة حول طبيعة الوجود، ومعنى الحياة، والمصير النهائي للبشر. أستعرض هنا، ولكن بإختصار قاسي، بعض أهم هذه الرؤى بهدف التعمق، ولو قليلاً، في مفهوم ومعنى الموت في الفلسفة، وبعض النماذج من الأفكار والنظريات الفلسفية المختلفة التي طرحها المفكرون المؤثرون بين زمن ملحمة جلجامش وكتابة مسرحية الكراسي.

أولاً: الفلسفة الأبيقورية تعرّف الموت على أنه "انقطاعا تاماً عن الحياة"، أي أن الموت، وفق الفهم الشائع، هو توقف عناصر وحيوية وطاقة الحياة. فالموت مادياً يعني اللحظة التي تتوقف فيها، نهائياً، الوظائف الحيوية للفرد مثل التنفس ونشاط الدماغ. أي أن هذه الفلسفة (وفق أبيقور، في رسالة الى مينوسيوس) تعتبر أن الموت هو نهاية الوعي وانحلال الذات.

ثانياً: باعتبار الموت ليس شكلاً نهائياً للانقطاع التام عن الحياة، بل "كمرحلة انتقالية". لذا يرى بعض الفلاسفة أن الموت هو مجرد حالة انتقال مادي من وجود الى آخر. ويتجلّى ذلك بوضوح عند أفلاطون في حواره "فيدون" الذي يعكس نظريته في خلود النفس او الروح، فهو يرجح أن الموت هو حالة انفصال الروح عن الجسد. أي أن هذه النظرة لا ترى في الموت ذاته نهاية قطعية، بل بوابة نحو حياة أخرى في عالم آخر، أي ببساطة ان الموت هو انتقال الى شكل مختلف من الوجود.

ثالثاً: الموت بإعتباره "جوهر الحياة" وفق الفلسفة الوجودية، لا سيما عند الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر (في الوجود والعدم)، والفيلسوف الألماني مارتن هايدجر (في الوجود والزمن). فإن "مفهوم الموت" عند هذين الفيلسوفين هو جانب أساسي من الوجود الإنساني، وهو الذي يشكّل الطريقة التي يعيش بها الأفراد حياتهم. أي أن الوعي الخالص بفنائنا يمنح الحياة معناها وتحدّياتها، لإنه سيضعنا في مواجهة قاسية أمام وجودنا، ويُلزمنا على اتخاذ خيارات تتناسق مع ذواتنا الحقيقية.

رابعاً: أما في فلسفة العبث فإن الفيلسوف الفرنسي البير كامو (في أسطورة سيزيف) يرى الموت على أنه لغزاً بعيد المنال عن الفهم البشري. حيث إن الموت حالة عبثية لا يستطيع البشر فهمها أو حتى تبريرها بشكل تام. والسبب الجوهري بالنسبة لكامو، هو أن الرغبة الإنسانية للبحث عن معنىً واضح وصريح للحياة تتعارض جوهرياً، بل وتتناقض مع اللا معنى أو غياب المعنى المتأصل في جوهر مفهوم الموت. وبسبب هذا التناقض بين طموح البشر لعقلنة الموت وبين الافتقاد الصريح للمعنى تنشأ حالة من التوتر الوجودي تُفضي الى الإحساس بالعبث.

خامساً: الموت ليس بإعتباره مفهوماً مقتصراً على البحث الفلسفي، بل بإعتباره يتقاطع مع اعتبارات أخرى وعلى رأسها الاعتبار الأخلاقي. فمثلاً يناقش فلاسفة عدّة، من بينهم الفيلسوف الأمريكي توماس ناجل، حالة ما إذا كان الموت، بذاته، سيئاً أم جيداً بطبيعته.  فالموت، بالنسبة لتوماس ناجل، هو الحرمان من الخيرات المحتملة التي تمنحها الحياة، مما يجعل الموت ضرراً جوهرياً وخطيراً بالنسبة للبشر.  وهذا المفهوم، برمته، يتناقض مع بعض الفلاسفة الأوائل، مثل أبيقور، حيث إنه يرى بانه لا ينبغي الخوف من الموت، لأنه حالة من غياب الألم والمعاناة، أي الاستكانة الأبدية.

مفهوم الخلود

مفهوم الخلود، سواء في الملحمة أم في المسرحية، منبثق عن رغبة بشرية، لا تقاوم، لاختطاف الحياة وتملّكها مدى الدهر. يثير مفهوم الخلود أسئلة عميقة حول طبيعة الوجود، ومعنى الحياة، وحدود الفهم البشري. إنه يتحدى تصورنا للزمان وللوقت باعتباره تقدمًا ميتافيزيقياً، ويدعونا إلى التفكير في إمكانية وجود واقع يتجاوز تجربتنا الزمنية. إنما يبقى مفهوم الخلود عصيّاً، ويصعب فهمه بشكل كامل حيث أنه لا يزال يأسر الخيال البشري. سواء من خلال المعتقدات الدينية، أو التأملات الفلسفية، أو الاستكشافات العلمية، فإن فكرة الخلود تدعونا إلى التأمل في أسرار الوجود ومكانتنا في النسيج الكوني الواسع.

أولاً. بعد عرض الموضوع المركزي الذي انشغلت به الملحمة والمسرحية على السواء وأعني بذلك "الموت"، تأتي موضوعة الخلود لتكمل الوجه الآخر من المشروع الفكري الإنساني. فالخلود هو المفهوم الذي سحر البشر عبر جميع القرون. إنه يشير إلى حالة من الوجود اللانهائي، بما يتجاوز موانع الزمان والمكان. حيث إن فكرة الخلود ظلّت في صلب مختلف الأفكار والتقاليد الدينية والفلسفية، باعتبار أن كلّ من هذه الأفكار قدّم تفسيره وفهمه الخاص لهذا المفهوم العميق والشائك.

ثانياً. إن مفهوم "الخلود" أُستبدل في السياقات الدينية بمفهوم " الأبدية ". والخلاف بين المفهومين يُشير الى وجود حياة أخرى ووجود إله واحد له سلطات القرار المطلقة، حيث إن الأبدية مشروطة عند الديانة المسيحية للمؤمنين في السماء، وكذا الحال فيما يخص الدين الإسلامي حيث الجنة، وهي الحياة الأبدية، تُخصص للمؤمنين الصالحين. فالأبدية هي حالة من انقطاع الزمان وتأرجح المكان الذي ينتج وجودا سعيدا في حضرة الخالق، الله. هذا الوجود يكون محررا تماما من اشتراطات ومعاناة الحياة الأرضية، أي من قيود الزمان والمكان.

ثالثاً. هناك أيضاً بعض وجهات النظر الفلسفية التي ترى أن الخلود أو "الأبدية" حقيقة سرمدية وثابتة. من بين هذه الفلسفات ما كان يؤمن به الفيلسوف أفلاطون بوجود أشكال أو أفكار خالدة وأبدية كاملة لا تتغير. وتذهب هذه الفلسفة الى ما هو أبعد من ذلك، فتصور عناصر حياة الخلود على أنها هي الواقع الحقيقي، في حين أن العالم المحسوس المادي والذي نعيشه وندركه هو في الواقع انعكاس مشوّه ومحرّف عن هذه المُثُل الخالدة والأبدية.

رابعاً. من الملاحظ أن للفيلسوف فريدريش نيتشه مفهوم مخالف لما سبق من تفاسير، حيث يقول بإن الخلود هو اختراع بشري، الهدف منه التخلص والهروب من حقائق الوجود القاسية.  لذلك اعتقد نيتشه إن مفهوم الخلود، أو الأبدية، أو الحياة الأخرى الأبدية، أو السعي نحو عالم فوقي متعالي، هي ليست أكثر من تبريرات بشرية للعثور على المعنى المفقود في الحياة، وبلورة هدف سام وجوهر لوجود بلا معني في عالم  فوضوي لا يخضع لمقاييس العقل.

خامساً. لا بد من الإشارة الى أن النظرية النسبية لألبرت أينشتاين أعطت مفهوما آخر للخلود ضمن سياقات الزمن. فالزمان بالنسبة لأينشتاين ليس كتلة أو كيان مطلق وثابت. بل هو في الفضاء الواسع عبارة عن بُعد ديناميكي قابل للتأثر بالحركة وبالجاذبية، ولهذا، ووفق هذه النظرية، يمكن تمديد الزمن كما يمكن تحريكه، أي أن للزمن خصائص مطاطة قابلة على الالتواء، والتدوير مما يمنح الزمن إمكانية التشكل بأوجه مختلفة في مناطق مختلفة من هذا الكون الواسع.

لا شك بأنه سيكون من الصعب، وبهذا الاختصار وهذه العجالة، تحديد أهم الفلسفات، والمدارس الفكرية، التي انبثقت عبر التاريخ منذ زمن جلجامش حتى الآن، إذ تعددت هذه الفلسفات والحركات الفكرية المؤثرة التي شكلت تأملات وتفكير الإنسان وأثرت في طبيعة وتفكير المجتمعات عبر التاريخ. ومع ذلك، سأذكر، بإيجاز شديد، أبرزها والذي كان له انعكاسات مهمة ومؤثرة في الفكر والوجود الإنساني في مختلف المجتمعات، مع الأخذ بعين الاعتبار، أن هذه الأمثلة تقفز على التسلسل التاريخي للفكر الفلسفي، وهي مذكورة هنا كنماذج مختارة لعمق تأثيراتها الفكرية:

الفلسفة اليونانية القديمة، حيث كان لهذه الفلسفة، بما في ذلك أعمال سقراط، وأفلاطون، وأرسطو، تأثير عميق على مجمل مدارس الفلسفة. وتبقى أفكار هذه الفلسفة حية فيما يختص بالأخلاق، والميتافيزيقا، ونظرية المعرفة، وهي مصدر ثري للدراسة والبحث والمناقشة حتى اليوم. ثم يعقب ذلك فلسفة التنوير التي أنتجت، في القرنين السابع عشر والثامن عشر، مفكرين مؤثرين مثل رينيه ديكارت، وجون لوك، وإيمانويل كانط. وقد أنشأت أفكارهم، حول ماهية العقل والدفاع عن الفردية المطلقة او ضمن المجتمع، والبحث الجاد عن المعرفة، الأسس الصلبة للفكر الفلسفي الحديث. ثم تأتي الفلسفة الماركسية لتحاجي ما سبق. هذه الفلسفة التي تطورت بأفكار كارل ماركس وفريدريك إنجلز في القرن التاسع عشر، لتنجز نظرية اجتماعية وسياسية تركز على الصراع الطبقي في المجتمعات، ونقد النظام الرأسمالي. ومن المعلوم أنه كان لهذه الفلسفة تأثير هام وكبير على الفكر السياسي والاقتصادي، وعلى تشكيل الحركات التحررية والثورية، وتشكيل الحكومات في بلدان متعددة، وكذلك على الحركات الاجتماعية في جميع أنحاء العالم.

يلي ذلك الفلسفة الوجودية التي تطورت في القرنين التاسع عشر والعشرين، وهي تبحث وتستكشف طبيعة وجوهر الوجود الإنساني ومفاهيم الحرية ومعاني الفردية. وبذلك فقد تحدّى فلاسفة مثل سورين كيركجارد، وفريدريك نيتشه، وجان بول سارتر المعتقدات التقليدية السائدة، وشددوا على الأصالة في البحث والفكر، وعلى المسؤولية الشخصية في الاختيار وسلوك دروب الحياة. عقب ذلك ظهور فلسفة ما بعد الحداثة في منتصف القرن العشرين، وهي فلسفة وفكر اجتماعي يتحدى المفاهيم التقليدية للحقيقة المجردة، والسرديات الكبرى، ومفهوم الموضوعية بشكلها النسبي. وكان من أعمدة هذه الفلسفة مفكرين مثل ميشيل فوكو، وجاك دريدا، وجان فرانسوا ليوتار، حيث كان تأثيرهم بارز جدا في مجالات مختلفة، بما في ذلك الأدب، والفن والدراسات المجتمعية والثقافية.

هذه مجرد أمثلة قليلة وموجزة جداً، وهناك، بطبيعة الحال، العديد من الفلسفات والمدارس الفكرية المهمة الأخرى، التي شكلت التفكير البشري عبر التاريخ. قد تختلف أهمية كل فلسفة حسب وجهة نظر الفرد والسياق الذي يتم النظر فيه. ولكن هناك ايضاً أفكار وفلسفات ضاعت بين تلافيف التاريخ لأسباب عديدة ومختلفة وغالباً مجهولة. وهنا يجب التذكير بأن التاريخ البشري هو من إبتكر حالة فقدان الذاكرة (Amnesia) بين الحقب المختلفة. فالفجوات الضائعة في تسلسل تاريخ الفكر البشري كانت، دائماً، المُحفز على البحث عن تلك الحلقات المفقودة. لأن التاريخ كان دائماً تحت رحمة المتسلطين من الطغاة والجبابرة المتعسفين، ومن سطوة رجال الدين بكل ألوانهم، ومن سلطات المال، في خلق ظلال تخبئ الحقائق والوقائع، وتستولد أخرى على مقاس مصالحها.

وختاماً، لا شك أن ملحمة جلجامش بقيت علامة مفصلية في تاريخ البشرية. فقد كانت نبعاً ومصدراً لما تلاها من أفكار وفلسفات أثرت في تيارات ومدارس الفكر، كما في الشعر وفي الأدب والفن. فقد إستلهم جلجامش الحكمة الكبرى من رحلته الشاقة الطويلة، التي لم تتمخض سوى بخيبته في الحصول على الخلود، لذلك فقد حولّت الحكمة آماله من البحث عن الحياة الأبدية والخلود الى السعي نحو انجازات إنسانية عظيمة وملموسة، إنجازات قادرة أن تبقى في ذاكرة الناس فهي الطريق الى تخليده. حيث إن حكمة جلجامش الأساسية هي في إدراكه بأن ذاكرة الناس هي قلم التاريخ الراسخ الذي يكتب به صفحات البقاء. ولهذا فإن الملحمة، بلا شك، كانت مصدر الهام، وهي اليوم مرجع أساسي لفهم التاريخ، ولفهم المجتمعات والثقافات القديمة. واهم من ذلك كانت الملحمة، ربما اول عمل ادبي في التاريخ يتعرض الى النفس البشرية، ونوازعها ومآسيها في فهم الوجود والحياة.  تشكل هذه الملحمة مصدراً فذّاً، ولا غنى عنه لفهم الانسان كما عبرت عنه الأفكار والفلسفات عبر التاريخ.

بمقابل ذلك تقف مسرحية الكراسي لترسم أطراً فكرية، تبدو مشتتة وغير مترابطة وغير منطقية، للحياة العصرية من خلال القبض على اللحظات الأخيرة لعجوزين تدور حياتهما بحلقة لا نهائية من ملل يومي وروتين مستدام. يحاول العجوزان كسر هذه الحلقة الجهنمية عبر منجز يخرج عن المألوف، أي عن الروتين والحياة اليومية المملة. لكن ذلك لم يحصل، بل أنتج خيبة امل أخرى، تضاف إلى ما تراكم من خيبات لدى العجوزين. الكراسي وضعت التساؤلات الكبرى جانباً، وأستغنت عن الأجوبة، بأن دجّنت الإحساس بالعبث ليبدو عادياً، ومنطقياً، بل وضرورياً في الحياة اليومية. كذلك فإن أهمية المسرحية، ضمن التيار الطليعي في المسرح، والذي كان أونيسكو أحد أبز قادته، ساهمت في تأسيس صيغ جديدة لشكل ومحتوى المسرح ومنطق وسرديات المسرحية يبتعد ويتناقض في معظم الأحيان مع ما هو قائم من قواعد واشكال وصيغ تحكم قواعد الدراما المسرحية منذ قرون. الكراسي صورة حديثة لما عليه المجتمعات الحالية من انعزالية وفردية وغياب التواصل. انه نص كُتب بلغة مربكة، وبأسلوب يتظاهر بالبساطة والسذاجة، ولكنه نص يعبر بعمق عن الانكسارات الإنسانية بكل أشكالها، وإن كان مستتر تحت الهزل والكوميديا والحزن العميق.

***

علي ماجد شبو

النص:

وأَنا أَجلسُ القرفصاءَ على دكّةِ البنات

سألتني

من خاطَ ثوبَ صباك؟

أنا من أَنَّثت ضبابَ اللذةِ

حينَ تأججتْ ثورةُ الوردِ

كنتُ كبيرةً كبغداد

وصغيرةً كبعقوبة

كانَ طوفانُ الخجلِ

يضربُ سفينتي المهددةَ بالانقراضِ

والفراغاتُ من حولي ناضجة

*

كنتُ محاطةً بالأَصفارِ

والسوائلِ العارية

*

حيثُ لم تكنِ السماءُ سخيةً كما ادعيت ذاك العام

وشعراء بغداد كالساعات حينَ تتوقف على وقتٍ سيّال

*

كانتْ سنواتي الأثيرة

تمدُّ أعناقَها كناقةٍ جفَّ ضرعُها

*

نعم أرضعتني أمي الطهرَ والحنين

لكنني هرمتُ قبلَ أنْ اركض

*

أنا لستُ كالنساء

فستانُ صباي مطرزٌ بأوجاعِ الصمت

مخاطٌ بأبرةٍ غاضبة

*

لاعاصم اليومَ لفساتيني الممهورةِ بكركراتِ السنابلِ

وجدرانِ الدهشةْ

*

كانت أمي منشغلةً بالولد

وأنا أجلسُ القرفصاءَ

على دكَّةِ البناتْ

*

تُحرّكُ يدَها

وسبعَ عيونٍ

لدفنِ الحدقاتِ في مغارة

*

مازالتْ تسألُني عن حقيبتي

وأقلامِ الرصاص.

***

القراءة:

منذ قراءتي الأُولى لنص الشاعرة العراقية " رند الربيعي" والذي عنونته بـ " وأنا اجلس القرفصاء " والمنشور في مجموعتها الشعرية الموسومة " أُقشّرُ قصائدي فيكَ " فقد شعرتُ أنَّهُ نص محتشد بذكريات طفولية ونستلوجيا مُعتّقة وتفاصيل ماضوية منقوشة بقوة وشجن على جدران ذاكرة الشاعرة اليقظى والمتوهجة المشاعر والشاعرية. وكذلك لمستُ بأَنَّهُ نص أَنتجته مخيّلة مكتنزة بالرؤى والاخيلة وعين ثالثة مفتوحة ومراقِبَة ومصوّرة لمشاهد وتفاصيل هذا العالم الطفولي المُكتظ بشفرات خفيّة، توحي وتُشير  الى ان الشعر والشاعر.ة قادران على تأسيس وتكوين فردوس طفولي كي يستوطن ذاكرتيهما القويتين والعميقتين. وكذلك يعبق بذكرياتهما الطفولية الملآى بكل ماهو مدهش وجريء ومشاكس وسحري وحاشد بالاسرار التي يمكنهما استحضارها في اي وقت يريدان. ومما لا شك فيه ، فإنَّ هذه الاقانيم لايمكن ان تستحضرها  الا مخيلّة وذاكرة وعين شاعر..ة: راءٍ او رائية ؛وهذا ماكانت عليه عين ومخيلّة وذاكرة الشاعرة " رند الربيعي " التي لا اتردد في القول: ان نصها هذا قد غمرني بمتعة خاصة واستثنائية وباذخة اثناء قراءاتي المتعددة لهُ وفيه. ولهذا أَرى وأَشعر انه نص مهم لأنه مكتوب بدمع حار ودم موجع وموجوع حدَّ الصراخ والنزيف والشجن الثاقب. وكذلك فهو نص قد اخترق أعماقي بلا " فيزا " ولا جواز سفر.

وبطبيعة الحال فأنا كقارئ ومتلقٍ لن أَتردد في القول بكل صدق ووضوح وصراحة: إنَّ هذا النص هو من أَجمل ماقرأتُ للشاعرة من نصوص في السنوات الاخيرة. ويُمكنني أَنْ أُؤكد أن رأيي او انطباعي هذا متأتٍ من كوني واحداً من القراء والمتلقين الذين يهتمونَ بشكل خاص وعناية استثنائية بقراءة اغلب ماتكتبه وتنشره الشاعرة من نصوص في الصحف والمجلات العراقية والعربية سواءً كانت الورقية منها او الألكترونية. ولهذا السبب كنت انا اول من اطلق على " رند الربيعي " تسمية {نحلة الشعر المثابرة}.

ونتيجة لتلك المحاولات النصية الجادة فقد كنتُ وسأبقى أَعتبرها " شاعرة مثابرة حقاً " ؛ وكذلك أرى وأشعر انها منهمكة ومشغولة ومهمومة من أَجل تطوير موهبتها وطاقتها الشعرية، وكتابة كل مايُختزن في ذاكرتها ومخيلتها وروحها الطامحة للتحليق الى فضاءات الحرية والابداع والجمال والخلاص الحقيقي.

وأُريد القول أيضاً وبحدس عال وثقة شاسعة: انَّ الشاعرة "الربيعي" اذا ما ثابرت أَكثر وأكثر في اكتساب مهارات وخبرات شعرية ولغوية وأدائية في كتابة النص الشعري، فأنا واثق من انها ستتمكن من ايصال صوتها الشعري الى أبعد المديات الأدبية والثقافية سواءً في الداخل أَوفي الخارج.

 وكذلك لا يغيب عن بالي أَن أُذكّر الشاعرة " رند " بأَنَّ عليها أَن لاتنسى أنها شاعرة هايكو جيدة ؛ فيا حبّذا لو انها تعود وتهتم بكتابة نصوص هايكوية جديدة ، من أَجل ديمومة وتنوّع وتراكم وسطوع موهبتها وقدرتها الشعرية في المرحلة القادمة.

وعلى هامش هذه القراءة الذوقية ، أَودُّ أن احيي الشاعرة... وأرفع لها قبّعتي عالياً ؛ لأنها عراقية أولاً ، وموهوبة ثانياً ، وهي مشروع شاعرة حقيقية ثالثاً. وسوف يكون لها صوتها وحضورها المضيء في الحركة الشعرية العراقية والمشهود لها تاريخياً وابداعياً وجمالياً بالريادة والتميّز والفرادة الشعرية ؛ منذ ملحمة " جلجامش " التي هي أهم وأقدم وأروع ملحمة شعرية منذ فجر التاريخ ؛ مروراً بشعر العصور التالية وكذلك شعر وشعراء العصرين الاموي والعباسي ،ومن ثم شعر وشعراء العشرينيات والثلاثينيات والاربعينيات حتى ثورة الشعر الحديث التي فجّرها شعراؤنا الرواد {السيّاب والملائكة والبياتي والحيدري} ثم توهّجت شعلة شعرنا الحديث والمعاصر من خلال المنجز الشعري الرصين والكبير لشعراء حركة الريادة الثانية الذين يمكن البعض منهم مثل " سعدي يوسف ومحمود البريكان وحسين مردان ويوسف الصائغ ومظفّر النوّاب ولميعة عباس عمارة " وغيرهم ؛ وصولاً الى الحركات والتيارات والتجارب الشعرية الحداثوية لشعراء الستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي ؛ وحتى تجارب شعراء الالفية الثالثة التي ارى ان الشاعرة " رند الربيعي "هي واحدة من شاعراتها وشعرائها المهمات والمهمّين والمبدعات والمبدعين الذين يُبشّرون بمستقبل شعري عراقي وعربي مهم ومختلف ومغاير.

***

سعد جاسم

معْبد ديونيزوس: في كتابنا هذا نقصد عروض المهرجان الوطني ("الاحترافي") التي قدمت في الدورة 23 بمدينة " تطوان" إذ المؤسف بعد كل دورة، يغيب ما يسمى علماء المسرح في المغرب، لتحليل وقراءة العروض المسرحية المدرجة في كثير من المحطات والفضاءات، وفي بعض المهرجانات المسرحية، ذلك من أجل إثراء المشهد الإبداعي بالطروحات والأفكار الفنية والجمالية، كما كان في العقود السالفة (!) على أمل تقويم بعض الرؤى و المغالطات الفنية، والأخطاء الإخراجية والدلالية واللغوية... من لدن [الجمعيات المسرحية] رغم أن تلك الزمرة من هؤلاء "العلماء" دائما منوجدين في أغلب التظاهرات: يقدمون/ يسيرون/ يناقشون/ يتملقون/يمدحون/ يتهافتون على (...) مما يوحي بأن هنالك شيئا غير طبيعي في معْبد "ديونيزوس" والمفارقة الرهيبة، ففي المهرجان الوطني (23) وفي جل المهرجانات؟ كلما صادفت أحدهم؛ إلا ويدين ويستنكر ما شاهده البارحة من (عرض/ ما) طبعا في الكواليس ومن تحت إبطه؟ علما كيف يمكن أن يستقيم إبداعنا ومنتوجنا المسرحي/ الفني، في غياب التوجيه والإرشاد الأخوي، بعيدا عن المنبرية / الأستاذية. وفي انعدام النقد الفاعل والقراءة الفعَّالة والطموحة نحو أفق إشتغال أفضل؟ ومن زاوية المنطق، فأي عمل مسرحي هو عمليا مجهود إنساني، ومن الطبيعي أن يكون موصوفا بالقصور ومشوبا بخلل أو نقص (ما) أوضعف في جوانب فكرية أوفنية وأدائية، أو تركيبية، وبالتالي فالتحولات السريعة [الآن] تفرض بكل جدية تقلبات وتغيرات عميقة. في الأفكار والقضايا التي تواجه الفنان المسرحي، مما يدعو بداهة أن يكون "النقد" المنهجي/ الموضوعي / ملازما للعروض المسرحية، لتأهيل المسرح" حتى لا يستطيع "هيروسترات" إحْراق "معْبد ديونيزوس". ومن موقع آخر لكي يكتمل اغتناء أية تجربة من الداخل، لامناص من فعل خارجي، يكمن في المقاربات النقدية، وذلك بشكل تفاعلي بعيدا عن الجدلية.أو الركوب(الانتهازي) وخاصة نحن أمام اقتصاد [السوق] الذي لم يستطع لحد الآن مسرحنا المغربي (اختراقه) ! العائق منظور (الدعم المسرحي) الذي أفقد حيوية الانتشار وابتكار التسويق والمقاومة، ولاسيما أن المسرح هو بالأساس فعل مقاومة اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية وفنية. بعيدا عن المجاملات والرياء. تأكيدا بأنه ليس بنية للنفاق ولإرضاء الخواطر. بقدرما هُو بنية للمواجهة وتصدي الصعاب، وأبعد من هذا، إنه رسالة و رؤيا لطرح قضايا إنسانية وكونية؛ بطرق إبداعية،هاجسها الصدق والبحث الدؤوب، لكن (الدعم) عمق الهوة بين ما نريده من المسرح، وما لا نريده، وذلك بتزايد الرغبة في كسب المال بأيّ وسيلة كانت، مما يتم جدليا الخضوع لنزعات سلطوية وإخضاع الإبداع لما تريده بعض المؤسسات التي لا تكون غاياتها دائما نبيلة. وبعين مجردة للعروض المتبارية في (د/ 23) تتخندق في منطوق الناسخ والمنسوخ، سواء بقصد وترصد لعملية النسخ للمنسوخات أو بدون قصد. لأن عملية الناسخ والمنسوخ يعود لاختلاف الفهم وتقنية " النسخ "بين المخرجين / الدراماتوجيين وفي تحديد معنى النسخ (ضمنيا) أثناء الإشتغال هل هو النقل أم الإزالة.أو كما يفسره البعض بالتحويل والتخصيص، لتصور فني أو جمالي بدليل عمل مسرحي متأخر عنه. بحيث وبعين قرائية يمكن نستشف المنسوخ من الناسخ، أو من خلال ثقافة المشاهدة. وطبعا بالإمكان ان يكون الناسخ كالمنسوخ لافرق إن كان في سياق التجريب المسرحي؟ لكن نحن أمام مسرح " احترافي" كما يشاع. بمعنى له أرضيته الفنية والإبداعية التي تتجاوز منظور التجريب المسرحي. وبالتالي فالفرق (الإحدى عشر/11) المشاركة في المسابقة الرسمية. تشترك في عملية النسخ والمنسوخ، معتمدين على الترجيح بالقرائن. معتمدين على تناسخ في الخطاب اللغوي/ البصري، و توظيف تقنيات تكنولوجية / رقمية، مرورا بالاختيارات الجمالية وتناسخ التيمة. بدء ب:

الملصق:

يعد الملصق في فعاليته (الإعلانية/ الإخبارية/ التواصلية) إحدى العتبات التي تعبر عن تاريخ الفن، و مع تطور لغة الفنون الجمالية و المرئية، أضحى من أهم وسائل التواصل الحديثة والوسائط الأساس بين العَرض والمتلقي قبل مشاهدته، والمؤسف أننا لا ننتبه للملصق، ك[إبداع وجمالية ورؤيا]. ولم يدرك بعض أصحاب النقد [الفايسبوكي] بأنه إحدى ملحقات العَرض المسرحي، كالملابس(مثلا) قبل أن يكون كإعلان وعمل إبداعي صرف. فملصق (الآن) يتداخل فيه الرسم التوضيحي والغرافيك، مما لم يعُد هنالك فرق أو تمييز بينهم والطباعة، وبالتالي يلاحظ بأن "ملصقات" الفرق المشاركة. بأن هنالك تشابه من حيث الأبعاد وإبراز شخوص المسرحيات مثل ملصقات "الأفلام الأجنبية" باستثناء (الفاتورة/ لا فيكتوريا / اشاوشاون/ تكنزا) وكذا تناسخ الألوان، التي يغلب عليها(الأسود/ البني) على مساحة الملصق، مما يوحي بأن هنالك اختناقا مسلطا بطرق غير مباشرة على العَرض المسرحي، ربما يتهيآ هذا لمخيلتي. مما يحتاج الموضوع لدراسة سيكولوجية من جوانية العَرض، وارتباطه بالملصق، باستثناء (خلخال وغربال /اشاوشاون) إضافة: لترجمة العنوان عربي/ فرنسي (chute des roses / سقوط الورد)(إكستازيا / XTASY)(الفاتورة/ LAFACTURE)(ASTURAIAS)(اشاوشاون / ichawchawen) فهذا يؤشر[حَدسا]بأن هنالك توجيه (ما) وبناء على هذا: هل العروض ستقدم في مدينة " بوردو "الفرنسية؟ أم في تطوان المغربية؟ فهل طابع الملصقات ومصممها واحد؟ رغم تباعد المدن(شكليا)لأن أغلب المشاركين متمركزين في مدينتي(الرباط/ البيضاء)؟

اللغة:

 طبيعي أن أي عمل مسرحي؛ يرتكز على لغة إما منطوقة / لفظية أو إشارية أو بصرية، لكن الغريب، فكل العروض ركزت على (الدارجة) كقاعدة لغوية/ خطابية (الفاتورة/ خلخال غربال) باستثناء عرض (اشاوشاون) باللغة الريفية، وبدوره لم يسلم من الهجانة والرطانة اللغوية، بحيث كل العروض أمست تعجِّن وتخلِط بين الفصحى والفرنسية والدارجة والإسبانية والإيطالية والسوقية، ممكن أن أصف بأن جل [العروض] عبر الموضوع اللغوي/ اللسني، بأننا كنا أمام [جوطية لغوية] فاقت الهجانة والرطانة، فالسبب يكمن في إقصاء نصوص، لا تتلاءم لمن يرسم خرائط المستقبل للمسرح في المغرب، ولا تنسجم والتصورات الممنهجة للاستفادة من[الدعم/ الترويج] وبالتالي بكل بساطة نجد تداخلا بين الإقتباس / إعداد/ ترجمة التي تناهز( 54 في المئة) أما الكتابة مغربية (27.2) وكتابة جماعية (18.18) فهل هذه النسب المئوية، ستصنع اللحظة التاريخية للمسرح المغربي؟ علما أن المسرح الذي لا يكون نبضه على قضايا مجتمعه وإشكالياته، فلن يعيش أبدا(!!) هنا نتساءل قبل إنجاز مقاربات نقدية(لاحقة) فهل مسرحية "إكستازيا" روحها منبثقة من بين سطور رواية(إكستازيا" لعنة كاتب"): لنرسيان أبو ناب (أردنية) أم لا؟ ومسرحية(الفاتورة) هل هي منسوخة عن مسرحية (الراديو) التي قدمتها كلية الفنون الجميلة جامعة بابل (العِراق) للكاتب النجيري "كين تساروا ويوا " سنة 2021؟ أم هنالك إعداد من النص الأصلي؟ ولقد أثرت هاته الأسئلة السريعة تجاه العملين محاولة منا، لخلق جدل بين النفي والإثبات، إن كانت هنالك حمية للفعل المسرحي حقيقة (؟)

التيمة:

 بداهة فأغلب العروض كانت بمثابة سرد "جاف "لحكايات متنافرة ومواضيع باهتة تتقاطع مع العديد من الأعمال الميلودرامية، إذ بإمكان تلك العُروض أن نصنفها في التمثيلية الإذاعية، تجاوزا؛ لأن التمثيلية الإذاعية (هي) أرقى خطابا وإخراجا.

ففي الحبكة العامة نتلمس حضور[الحب/ الأسرة] كموضوع سطحي ومسطح، بعيدا عن روح "دراما الأسرة" كما وظفها "أبسن "أو "تشيخوف" أو" لوركا" أو" موريس ماترلنك" على سبيل المثال. والمثير بأن الموضوع (الحب / الحبكة) فيه مغالطات وهفوات سيكولوجية، وباثولوجيه، وقانونية. ولم يطرح كقضية من ضمن القضايا الإنسانية، إذ كنا أمام عرض يلغي أطروحة " دونية / استعباد / تشيؤ"[المرأة]أمام[الرجل] ليدخلك عرض آخر في عوالم "دونية / سلبية / ضعف" [الرجل]أمام[المرأة] ليتم نسخ تيمة [الجنس] بتوالي، خارج البعد الرومانسي / الشاعري لمفهوم[الحب] والسؤال الأهم، حتى في (د22) تم طرح موضوع المرأة / الرجل وصراعهما السيكولوجي/ الإيروتيكي، ليتم إلغاء أو تلافي أوجه صراع [الرجل / المرأة] و[الأسرة] مع البنيات الإدارية،البيروقراطية /السياسية /الفكرية /الاقتصادية. وهذا لتنميط الذوق وإسفافه، ارتباطا بمحاولة تغييب الوظيفة التثقيفية للفن الدرامي. وبعضهم يلوح بان أعمالهم هاته تندرج في سياق[مابعد الدراما] هل تحقق البعد الدرامي في تلك العُروض، حتى ننتقل إلى وهْم [مابعد الدراما]؟ ونوع من التحليل السريع؛ فهاته الأعمال غير بريئة بالمرة، بحيث يبدو أن هنالك توجّها مقصودا مع سبق الإصرار والترصد من أجل تمييع ما يمكن تمييعه من إبداع وثقافة فكرية/ بصرية، ارتباطا بمظاهر "المثلية " التي أمست تغزو أرضية الملعب، بكل وقاحة ! وتسريب مفهوم العلاقات الإرضائية ! وظهور العديد من الأدوية والأطباء على الفضاء الأزرق (الفايس بوك) في غفلة منك، ينصحونك بعلاج الضعف الجنسي وسرعة القذف ! ويقدمون لك خدمات ضد العجز، وعَدم القدرة على الانتصاب ! ففي سياق كل هاته الملابسات، فما ما دور علماء المسرح ببلادنا؟ ومايدور في سياج المسرح في المغرب؟

الملابس والإيقاع:

بدون تفاصيل، ما أهمية الزي في العَرض المسرحي، ودلالته الإيحائية للشخصية، وللشريحة الإجتماعية. فملابس العروض يغلب عليها الزي العصري، ذات "اللون الأسود" كأنها تعكس ما يحمله الملصق من قتامة، باستثناء (تكنزا/ خلخال اغربال) والعملين معا ركزا على ملابس تقليدية مختلفة الألوان، بخلاف (اشاوشاون/ الفاتورة) ركزا على ملابس تبدو "مسرحية" خارج نطاق الواقع. وما يبدو غرائبيا لباس "خنثوي" للموسيقي في(إكستازيا) ولباس شخصية الراوي / الحاوي ذو اللون الأصفر. الذي يحيل إلى (كاهن/ أسقف/ شيطان) ولباس الطبيب (سقوط الورد) الذي يحيل إلى مايسترو(أوبيرا) ولكن من زاوية النسخ ذكرنا بمسرحية(الدكتور فاوست) ل"كريستوفر مارلو" أو لشخصية "استروف" الطبيب الذي يحب البيئة في مسرحية (خال فانيا) ل"أنطوان تشيخوف"... هنا فالعروض تعطي فرصة للنقاش والتحليل في العديد من مكوناتها منها تناسخ الملابس، من مسرحيات سابقة عن هاته العٌروض، وسيأتي ذكرها إبان القراءات المفصلية. وبالتالي فالعديد من المسرحيات كان يغلب عليها التكرار والتكرار الممل، لفظيا /أدائيا مشهديا (إكستازيا/ استورياس/ طلوع الروح/ سقوط الورد/ التي قالت لا / اشاوشاون/) كمحاولة لتمطيط وقت العرض، وليس زمن الحبكة ! ناهينا عن الإيقاع المسرحي والأدائي، الرتيب والبطيء / الممل. بالنسبة للمتلقي(فطائر التفاح/ استكازيا /التي قالت لا / اشاوشاون استورياس/ طلوع الروح/ سقوط الورد/ وكان عرض(تكنزا) في بعض اللحظات ينزل إيقاعه لنصف درجة حرارة الفعل المسرحي. أما عرض(خلخال اغربال) فكان إيقاعها متفاعل مع أجواء (الحكاية /الحلقة)وإيقاع الطرب والأهازيج الهوارية، والعجيب أنها لم توظف كموسيقى مباشرة، كبعض العروض التي كان أغلب إيقاعها الموسيقي ضجيجا، ولم يتم توظيفها وتشكيلها كشخصية ضمن شخوص العمل؟ هذا إذا أضفنا ظاهرة التدخين المباشر بشرهة فوق الركح (التي قالت لا / سقوط الورد/ استورياس/ فهل ذاك التدخين: أضاف جمالية للشخصية وللعرض المسرحي عموما؟

المؤثرات البصرية:

أي مبدع كيفما كان مستواه الفني والمعرفي، هو مع التطور والتجديد، ومواكبة المتغيرات والبدائل، اللهم إن عدميا/ متحجرا/ متزمتا / ذاك شأنه. ولكن "نحن" علينا أن نؤمن ونشجع ونصفق، بأن هنالك انفجارا للطاقات الإبداعية، في المغرب وغيره. ساهمت فيها الثورة الرقمية ووسائطها، التي غيرت معالم التواصل والتفاعل الواقعي، لتفاعل إبداعي وفني افتراضي/ رقمني. لكن الإشكالية في عروض المهرجان وغيرها فيما سبق، تحاول وحاولت أن تكون في معمعان مجتمع الرقمنة وحضارة الذكاء الاصطناعي، مما اتخذت من آليات التكنلوجيا الجديدة مدخلا لتحقيق جمالية العرض، عبر)المؤثرات الخاصة/effets spéciaux ) باستعمال (الهولوجراف) الوافد للعالم الضوئي، وكأحد تطبيقات الليزر لإنتاج واقع افتراضي لمنح صور تخييليه، تخيلية مجسمة في ثلاثية الأبعاد(تكنزا/ استكازيا / طلوع الروح/ لا فيكتوريا /) والبعض استعمل تقنية "المابينغ بالفيديو"(هي قالت لا / سقوط الورد/ لا فيكتوريا /الفاتورة/) من أجل تحقيق صور بصرية تطعم وتقوي من العرض ومن الفضاء المسرحي معا، لكن المفارقة: بأن كل ما قدم فيه المنسوخ عن الناسخ، من خلال التأثير الوظيفي لتكنولوجيا المسرح، وخاصة لما قدمته الأعمال التونسية، ابتداء من سنة 2013 من خلال احتفالية ثلاثة الاف سنة حضارة! وإن سبقتهم تجربة مسرحية رقمية لسنة 2006 للمسرحي العراقي "حسين حبيب" بعنوان «مقهى بغداد» والبعض تأثر بالبالي الوطني الإنكليزي/ والذي له موقع إلكتروني (الآن) ! هناك من تأثر بمسرحية (تيتانيك التي عرضت سنة 1997) وهناك البرمجيات الإلكترونية التي سهلت توظيف المؤثرات والخدع في العَرض المسرحي.

 لكن المعضلة الفنية:أغلب الأعمال مارست الإبهار والإدهاش، فسقطت في منظور الشكلانية الفجة. لأن أهم شيء في المسرح هو جوهره الإنساني وقدسيته الخلاقة، متنافيا النزول للحضيض والرضوخ للابتذال والفهلوة، فمن باب المبالغة والابتذال في استعمال المؤثرات البصرية. تم تشويه الثالوث الرقمي في المسرح[المبدع/المتلقي/ الوسيط /(الفضاء الرقمي)] من هنا كان بالإمكان أن يناقش "علماء المسرح" الوضعية الحالية للعالم الافتراضي/ الرقمي. من خلال سؤالين جوهريين:

- هل المسرح في المغرب انخرط انخراطا شبه كلي في "المنظومة الرأسمالية" بكل ما تحمله من سمات كسلوك استهلاكي، تمظهر في إنتاجية العُروض المسرحية؟

- أم انخرط انخراطا شبه كلي في مجتمع معلوماتي تمثل فيه المعلومة كمصدر ومحرك أساس للإنتاج الإبداعي/ المسرحي؟

بدل مواضيع أمست شبه متجاوزة مثل محور[رهانات الاخراج المسرحي اليوم بالمغرب] وفي سياق هذا الموضوع سؤالي الجوهري، لكل من شارك في الجلسات: فما دور الدراماتورجي في المشهد المسرحي، الذي زحزح أنماط تفكير (الإخراج)؟

***

نجيب طلال

(الوطن ليس قطعة من الأرض ولا مجموعة من البشر.. الوطن هو المكان الذي تحفظ في كرامة الإنسان)... ليف تولستوي

عندما يكتب مثقف عراقي من بلد الرافدين مثل الروائي جمال العتابي، يذكرنا بملحمة جلجامش التاريخية لما فيها من سرد جميل، كما ورد في ترجمة طة باقر، لقد بدأت بقراءة رواية العتابي، منازل العطراني، استعدت مع نفسي فطاحل الرواية الروسية الذين لهم منزلة في الأدب العالمي ومنهم تولستوي في روايته الحرب والسلام، وكذلك أنطوان تشيخوف ومكسيم غوركي في روية (الأم) واستروفسكي في رواية و("الفولاذ سقيناه) وميخائيل شولوخوف (الأرض البكر حرثناها)، أضافة إلى روائيين عالمين مثل فكتور هيجو الفرنسي في روايته (البؤساء) والكاتب الكولومبي غابريل غارسياماركيز في روايته الم (شهورة (مئة عام من العزلة)، وهناك كتاب عراقيين سطروا بأقلامهم قصص في الواقعية الإجتماعية، جسدت رواياتهم لتاريخ، من أمثال ذنون أيوب وغائب طعمة فرمان وفائز الزبيدي ومحمود البياتي وغيرهم، سقت هذه الأمثلة لأقول أن الرواية تجسد لنا التاريخ بصفحاته من خلال شخصيات لعبت أدوارا كبيرة هنا وهناك، واليوم ومن خلال قراءتي لرواية الصديق جمال العتابي، يمكنني أن أضعه في خانة الروائيين العراقيين، أضافة إلى مساهماته النقدية العديدة .

رواية (منازل العطراني) تبني أحداث شخصيات التي لعبت أدوار مهمة، بلا أسماء صريحة، ولكنها تشير لتاريخهم ومعاناتهم، ونجد أنها واقعية في احداثها التاريخية، حيث تسلسل احداثها منذ ايام حكم عبد الكريم قاسم أي بعد ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958، وتتعرض لحياة مناضلين دخلوا السجون وذاقوا صفوف الاضطهاد، خصوصا بعد انقلاب الثامن من شباط 1963 الدموي، وبطل هذه الرواية هو شخصية محمد الخلف، البطل الذي هرب من السجن عند وقوع الانقلاب، وانتقل إلى ريف الكوت ليختفي في بيوت متعددة.

وعلى الرغم من تكتم الروائي عن ذكر بعض الأسماء الحقيقية، لكن المتابع لتاريخ العراق الحديث لهذه الفترة، يمكنه أن يستدل على تلك الشخصيات وأسمائها الواقعية الصريحة. وكان هاجس الخوف لدى عائلة بطل رواية محمد الخلف قائما في تنقلاته من مكان لآخر بسبب من أن الانقلابين أقاموا نقاط تفتيش في خارج المدن ولديهم اسماء المطلوبين للسلطة، فكتبت العتابي يقول [أحذر يا محمد أن تصدر عنك اية كلمة تكشف عن هويتك وانت بلا هوية تعريف إياك الكلام، في الصمت النجاة، أنه لغة التفاهم، ومملكة الإنسان السرية الداخلية، في بلدنا يقتل الصمت، ينتزعوه منك بالتعذيب،بقلع العيون والأظافر وبالاغتصاب]، وكان ذلك بمثابة مونولوج داخلي. وهنا نقرأ أن السجين الهارب إلى الحرية، عليه الالتزام بعدم كشف هويته من خلال كلمة يقولها، أضافة أن التحذير يأخذ صورة بالتعذيب القاسي والذي فعلا تم في التحقيق ويبشع الكاتب التعذيب الذي كان يتم في غياهب السجون التي فتحت أمام معتقلي الرأي .

و يذكر العتابي كيف كانت معاناة شخصية بطل الرواية محمد الخلف، فضلا عن اماله في الانتقال إلى برلمان وإنهاء الحكم العسكري، ولكن العكس ما حدث حيث زجت الحكومة بالسجون عدد غير قليل من المناضلين رفاق محمد الخلف، الذي كان يستمع إلى الراديو الشغال على البطارية في نشرة اخبارية محلية، الحكم عليه غيابيا، فقد فقد قرأ المذيع مجموعة قرارات في الفقرة الثالثة من النشرة جاء فيها:

1- حكم المجلس العرفي الأول غيابيا على (المجرم) محمد الخلف بالحبس الشديد لمدة 5 سنوات لهروبه من السجن.

 2- قرر المجلس غيابيا الحكم على (المجرم) محمد الخلف بالحبس لمدة سنة واحدة مع وقف التنفيذ لتحريضه المتظاهرين على مهاجمة مركز شرطة الغازية (النصر)، يوم 14 تموز 1959، مع غرامة نقدية قدرها الف دينار، ثم سفره ليلة وقوع الحادث إلى العاصمة لإبعاد الشبه عنه.

3- حكم المجلس على (المجرم) الهارب محمد الخلف غيابيا بثلاث سنوات سجن، لمشاركته التظاهرات المطالبة بوقف القتال في شمال العراق عام 1962، على الأجهزة الأمنية كافة تنفيذ الأحكام حال إلقاء القبض عليه، وتسليمه لأقرب مركز للشرطة].

وجدت أن الراوي يجسد في عائلة محمد الخلف معاناة الكثير من العوائل العراقية في تلك الحقبة الزمنية من تاريخ العراق، أي ما بعد ثورة الرابع عشر من تموز وحكم عبد الكريم قاسم مرورا بأنقلاب شباط الدموي وما بعد انقلاب الثامن عشر من تشرين بقيادة عبد السلام محمد عارف ومن استلام أخيه عبد الرحمن محمد عارف لرئاسة الجمهورية وحتى انقلاب 17 تموز 1968 واستلام البكر وصدام للسلطة وما رافقه من العفو عن السجناء السياسيين وإعادتهم إلى وضأئفهم بإستثناء العسكرين، وما بعدها قيام الجبهة الوطنية والقومية التقدمي1973-1978 وانهيارها وما رافق الانهيار من قتل وتعذيب للشيوعيين الذين بقوا في الوطن، والمقابر الجماعية، والحرب الإيرانية العراقية وجثث الشهداء، وغيرها من الحروب.

وعن الاضطهاد الداخلي وما رافقه في زمن الجبهة وبعد فرطها من قبل الحليف، نجد أن ام خالد كأي ام عراقية عانت من الاضطهاد وزيارات زوار الفجر إلى منازلهم، واخذ فلذات اكبدهن إلى المصير المجهول وتغيبهم واستشادهم .

يكتب الراوي في سرديته النص التالي عن دور ام خالد [يشعر خالد بالوحدة في وقت الغروب لدرجة لا يمكن احتمالها، خطفوا عامر، اختفت أخبار ضياء، إذ ذاك تلتقي عيناه بعينين متسائلتين من النافذة المقابلة يثب مذعورا : كنت أسهو مثل طائر لأيام عديدة لا انام، كانت أمي أقوى الآمال التي تشدني إلى الثبات، لم أكن أريد أن أرى أحدا أو اسمع صوتا، هاتفي ابي اتفقنا على اللقاء في المقهى، كنت أرى في وجهه بعد غياب علامات من الارتياح، كان ينظر إلى الأمام، ثمة شيء كالنور ينبثق من داخله، فيضطره إلى الابتسام، يفك أساريره؛ اخيرا أصبح معلوما لدي مكان ضياء].

وفي الرواية يسرد الراوي حول موقف بعض القوى اليسارية والانقسامات الدائرة، بما فيها في الحزب الواحد، تأثيرها على موقف اليسار من تنفيذ برنامجه النضالي والحفاظ على كوادره.

و أقول أن الشخصيات المناضلة في رواية جمال العتابي، تذكرني بما انشده الشاعر مهندل مهدي الصقور قائلا :

أتظن انك قد طمست هويتي/ ومحوت تاريخي ومعتقداتي

عبثا تحاول/ لافناء لثائر / أنا كالقيامة ذات يوم ات .

واناشد المثقفين المهتمين قراءة الرواية، لما فيها من سرد فني جميل لتاريخ العراق منذ الستينات في القرن الماضي على الاقل، علما بأنها من منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2023 .

***

محمد جواد فارس - طبيب وكاتب

 

كتب الكاتب الرِّوائي (جيلالي خلاص) على ظهر غلافها: (كتب بوجدرة بالفرنسية فأبدع، حتى اعتبره الكثير من النُّقاد من أكبر المجددين في الأدب الجزائري المعاصر (المكتوب بالفرنسية)، بيد أن جمهرة من النُّقاد ظَلُّوا واثقين أن قوة بوجدرة الإبداعية تكمن في إطّلاعه الواسع على التُّراث العربي ودرايته المتينة بأساليب اللغة العربية. ولا ريب أنهم لم يخطئوا. هذه روايته (التّفكك) الأولى التي يكتبها بالعربية مباشرة، فذّة، جريئة. ثورة في الأسلوب، قوة في الطّرح، وتفجيرٍ لواقعٍ طالما أرهب طَرّقه الكثيرين من مبدعينا. رواية (التّفكك) كاسرةَ جليدٍ أسطورية تشق كتلاً من الصّخر الأصم في بحر الصّحراء القاحلة التي تحاصر واقعنا المرير.)

(التفكك) هي أول رواية لرشيد بوجدرة كتبها باللغة العربية، النُّسخة التي بين يدي هي الطّبعة الثّانية الصّادرة عن الشّركة الوطنية للنشر والتّوزيع بالجزائر عام 1982. جاءت الرِّواية في حجم متوسط في مائتين وتسع وسبعين (279) صفحة موزعة على إحدى عشر (11) فصلاً دون عناوين فرعية ولا ترقيم، وقد اعتمدت في الفصلِ بينها على البياض الذي يفصل بين كُلّ فصل وآخر كالأتي: (ف 1 ص 05، ف 2 ص 21، ف 3 ص 47، ف 4 ص 71، ف 5 ص 97، ف 6 ص 125، ف 7 ص 151، ف 8 ص 177، ف 9 ص 203، ف 10 ص 229، ف 11 ص 257.).

(التّفكك) رواية تُقرأ (تحت تأثير خميرة الكلمات المتحطِّمة المفسوخة المشطّبة المتفكِّكة المتميّعة بحيث تبقى معانيها غامضة) ص 56. (فتختلط الأمور - بصفة تناوبية - والأماكن والأزمنة والإيماءات والحركات والعمليات والعهود..) (التّفكك) ص 57.

في سردية (التّفكك) (المرآة تتقشر وتفقد قصديرها أما الأيام فيغطيها قلح التّاريخ المتعشب.) ص 58.

حال قارئ (التّفكك) كحال مَن (استدرك ودخل في وجومه العادي، متربعاً لا يتحرك وكأنه الوتد المغروس في الأرض الثابتة.) ص 58.

الفضاء السّردي في (التّفكك) هو (عبارة عن متاهات ضخمة مُكتظّة بالرُّموز والإشارات والعلامات والتّخمات والشّواخص بتعرجاتها ومنعرجاتها وطياتها وشريحاتها وكأنها تنفلت وتتراكض من خلال شبكة دقيقة تشكلها الخطوط المتقاطعة والكسور المتصلة والفلق المتتابعة والسِّهام المتبرجة والرُّسوم المتكسرة، وكُلها أخذت طريقها الخاصة وكأنها مستغنية عن الأخرى، مستقلة تمام الاستقلال، رغم وجودها داخل بوتقة عامة من الرُّموز، إلى أن ينتهي به الأمر أخيراً إلى وضع اسم لها): (التّفكك)  ص 92.

في (التّفكك)، (يمكن البدء بالحكاية انطلاقاً من الوسط أو من النِّهاية، ثم الانتهاء منها انطلاقاً من أولها وهكذا كُلّ الطُّرُق تؤدي إلى عُمقِ الواقع والكتابة.) ص 109.

بين جملة البداية: (لم يكن ليحمل بطاقة تعريف ولا أي شيءٍ آخر يُعرِّف إلى هويته فكان يشعر بنوع من الخفة تصعد من جيوبه الخاوية متناسياً تلك الصُّورة الشّمسية التي كانت في جيبه. لا يحسب لها بالاً ولا حساباً وفجأةً..) ص 05، وجملة النِّهاية: (كان يقصر حديثه عن أصدقائه في الكفاح ورفقائه في الحزب وإخوانه في الثّورة ويبذل ما في استطاعته لإعطاء فكرة موضوعية عن التّاريخ وبلورتها..أما عن طفولته وعن حياته الخاصة فلم ينبس يوماً ببنت شفة، بل كان يكتب ويكتب.. وصريف القلم.) ص 279. يتمدد متن (التّفكك) في سرد لولبي دوراني للزمان والمكان والشخصيات.

* ملخص الرواية:

تدور أحداث الرِّواية حول شخصيتين مركزيتين هما (سالمة) من جهة و(الطّاهر الغمري) من جهة أخرى، (سالمة) فتاة في عمر الخامسة والعشرين تتذكر طفولتها وعلاقتها الحميمية مع أخيها الأكبر الذي خطفته المنية وترك في نفسها فراغاً رهيباً. ويحدث أن تدخل حياة (الطّاهر الغمري) كهل خاض العمل المسلح في الثّورة التّحريرية الجزائرية، ينتمي إلى الحزب الشّيوعي الجزائري، نشأ في بيئة ريفية، كان مُعلماً للقرآن ثم انخرط في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قبل أن يتركها وينخرط في الحزب الشّيوعي الجزائري. فَقَدَ أفراد عائلته في مجازر الثامن ماي 1945 التي ارتكبها الاحتلال الفرنسي في الجزائر. شارك في الثّورة التّحريرية رُفقة رفاقه الذين يشاركونه صورة فوتوغرافية هي كُلّ ما بقى له من الماضي الذي تقوقع فيه دون تطلع للمستقبل. مثل تقوقعه في بيته القصديري الذي ركنه في أعالي العاصمة اختباءً وهروباً من رفاق الحرب من الاتجاه الأخر الذين قَتَلوا رفاقه في تلك الصُّورة الواحد تلو الأخر ذبحاً وإعداماً ولم ينجو منهم إلاّ هو فاقداً لأي وثيقة تثبت هويته الشخصية. عاش على هامش المدينة مابين بيته القصديري وميناء المدينة وزيارات ضريح سيدي عبد الرّحمان الثّعالبي كل جُمُعة للتّزود بالشُّموع التي تُضيء ليلياته وروحه لكتابة تاريخ هذا الوطن خِلاف الشّكل الرّسمي الذي أخفى الكثير من الأخطاء والمذابح والانتقامات بين ثوار الأمس أثرياء اليوم. تدخل (سالمة) مع (الطّاهر الغمري) في جدل فلسفي تاريخي واعي حول ماهية التّاريخ، وماهية صناعته، وكتابته كتابةً صادقة دون تزييف للحقائق يُذهِبُ البريق، أو تكليف لما لا يُطيق فينكشف ويتصدّع الإناء وإن تعاقب الزّمن و(لا يستقيم الظِّلّ والعود أعوج).

وبالعودة إلى بدايات الرِّواية (التّفكك) نجدها تنفتح على شخص لا يحمل شيئاً في جيوبه الخاوية إلّا صورة شمسية شكلت الذّاكرة في هذه الرِّواية، فَتَذَكُر الحوادث الماضية كان باستنطاق هذه الصُّورة والوقوف على من هم مُصَوَرون فيها. (يحدق فيها برهة. أهو هو؟ أم لا. وهذا الذي بجانبه؟ وذاك الذي على يساره؟ فمن هما يا ترى؟ وأولئك من ورائه وكأن المُصَوِّر اِلتقطهم وقد أصابتهم نوبة من الضّحك لا يمكن كبتها فقطَّبُوا لها جَبَهَاتهم أمام الآلة فظهروا وكأنَّهُم مبهورون مشدوهون مذهولون ومعتوهون معاً وفي آنٍ واحد ثم يُعيدها بِسرعة إلى الجيب الأيسر من سترته الرّثّة فتُخلِّف في قلبه بصمة ذات الخطوط الملتوية ويشعر بخفة ووداعة لا مثيل لهما). (التّفكك) ص 6 ، ص 7. هذا الشّخص هو بطل الرِّواية (الطّاهر الغمري)، (وهو يجوب المدينة طولاً وعرضاً عاملاً على محو ماضيه خائفاً من حاضره، ضارباً مستقبله بتأشيرة اللامبالاة). ص 06. ويتجلى في التّداعي اعتزال (الطّاهر الغمري) العالم بما فيه ويقبع في بيته المنفرد المعزول والمشرف على المدينة وعلى الميناء، فكان القفز على الذِّكريات سبيله، قبل أن تدخل (سالمة) حياته فجأة وتحاول إخراجه من هذا العالم الدَّاخلي (ولا يعتم أن يرجع صاحبنا إلى بيته المنفرد المعزول والمشرف على المدينة وعلى الميناء وعلى السّيلان البشري المتدفق على قوافل السّيارات المنسابة على اختلاف أنواعها وطرازها..) ص 08. ومن ثم ينطلق (الطّاهر الغمري) كل مرة مسترسلاً من تلقاء نفسه في ماضيه الذي يريد إخفاءه عن الجميع وحتى على (سالمة) التي كثيراً ما كانت وراء استفزاز هذه الذِّكريات التي لا تتوقف. (أراد أيضاً ترك الذِّكريات المؤلمة جانباً ومذبحة ماي 1945 وبقر عائلته بكاملها بما فيها زوجته وابنتيه، فيتخلص أيضاً من شحابة الماضي ومن الهواجس الرّثّة والأحقاد البالية ومن غيرها من الأمور التي تعوّد على وتيرتها كالصُّورة التي أصبحت عبارة عن عقدة تربط أحشائه وتسيطر على تصوراته للتاريخ وعلى تصرفاته الفطرية أراد أن ينطلق نحو ميادين أفسح وأوسع وآفاق تنضج حياة وحيوية ومستقبلات مرصوصة بالغيب..) ص 243.

(أما سالمة فتشرف وهي في الخامسة والعشرين على تسيير المكتبة الوطنية وتدخن علبتين من السّجائر في اليوم وتُطالع العديد من الكتب والمجلات وتحمل في حقيبتها اليدوية صفيحة من أقراص منع الحمل وتعشق ثم تندم وتقطع العلاقة كلما شعرت بأن صاحبها بدأ يتعلق بها فتشمئز وتتركه لتوه من دون إنذار أو إرسال كلمة قصيرة لتبرير موقفها. ومنذ أن تعرفت على الطّاهر الغمري قطعت كل علاقاتها، وفقدت الصّديقات القليلات اللائي تعتز بهن، حُرّة طليقة، لا تعرف ماذا تفعل بحريتها، ترجع إلى البيت في ساعة متأخرة، لا تبالي بالصّعاليك الذين يجوبون الطُّرق..) ص 118. (سالمة تعيش بين مكتبتها في الخزانة العامة التي تشرف عليها بإحكام وضمير مهني نادر وبين دار الطّاهر الغمري القصديري ومنزل أبويها.) ص 168. (وتقضي أيامها بين العمل والعلاقتين اللتين كونتهما مع الطّاهر الغمري من جهة ومع أخيها لطيف من جهة أخرى تكتشفه وكأنه بعث عليه لتعويض تلك الرّزية التي لم يبرأ جرحها ولم تلتئم لحمتها وهي تعاني منها بصمود وسرية وكتمان منذ سنتها التّاسعة، أي منذ وفاة أخيها البكر..) ص 208.

وكان أن موت الأخ الأكبر لـ (سالمة) الذي كان يُحِبُّها ويحميها يجعلها تتذكر سن التّاسعة من عمرها إذ يوافق حدث وفاته فتسترسل في سرد الأحداث التي أحاطت بجنازته (لم أنس يوم الجنازة وإن كُنتُ لم أر شيئاً، مضغة من الانطباعات الموسيقية فقط، بين عويل وترتيل وجذام الباب الحديدي الذي لا ينقطع عن الصّرير على فردتيه وكأنه يئنُ تحت ضغط الألم، وتختلط الرّنات والتّرنيمات والموسيقى والصّدى في ذهني والمأتم مفتوح لِكُلِّ النّاس كباب الدّار، واخترق عتبته القضّ والقضيض ومن لا يُحِبُّهم أخي، لم أر أحداً أو حاجةً ولا يبقى من تلك الأيام سوى وتريات حزينة، وقد اُحتُجِزنا نحن الصِّغار في قعر البُستان. مهدي يتسلق شجرة التُّوت ويُحاول أن ينظر إلى داخل الدّار، لكنه لا يرى ما فيها.. تضحك سعيدة. تنظر إليّ لاستفزازي. تُريد أن أضحك معها ولكنها لا تُحرك ساكناً وأتجاهلها لا أعرف معنى الموت. ولكني أعلم أني فقدته نهائياً..) ص 41. وهكذا تسترسل في أحداث الجنازة وكيف عُزِلت في الحديقة مع سعيدة ومهدي إخوتها الصِّغار وقد أدركت يومها أنها فقدته دون عودة.

وبالعودة إلى جنازة أخيها في مكان أخر، نجدها (تترك المدرسة والجوائز والغوغاء والضجيج وتهرع إلى المنزل فتفتح على البق وتفرز الميت من الحي، وتبكي !.. وتتذكر يوم جنازة أخيها الأكبر.. فتعوي كالحيوان المجروح الباحث عن جيفة يستأصل منها استيهاماته.) ص 60.

أما بطل (التّفكك) (الطّاهر الغمري) فكان (يُدرِّس القُرآن ثم يُفلِّح الأرض البور، ثم ينخرط في جمعية العلماء، ثم يتركها ويدخل في الحزب، فيُرسله ليعمل بين الفلاحين الفقراء أمثاله ولبثِّ الدّعوة والقيام بالعمل السِّياسي.) ص 57. وتسأله (سالمة): (كيف لمدرس القرآن أن ينخرط في الحزب؟) ص 58. ويجيبها (الطّاهر الغمري): (أرفض أن أُتاجر بلغة القرآن.. يأتون بالدّجاج والسّمن والشّعير. قبلت في أول الأمر ثم شعرت بأعينهم تحن إلى عطياتهم. يموتون شرّاً ويُغدقون عليّ كُلّ ما لديهم. هذا هو الاستغلال بعينه! رفضتُ.. تركتُ القرية! انخرطت في جمعية العلماء والقرآن يسيل من مسام بشرتي مع العرق، تنضح الآيات من لحمي وأشكو من حالة الفلاحين الفقراء. يرفعون أيديهم سخطاً ثم الفاتحة.. وعسى أن.. أكره الاستغلال ولكن لا أفهم كيف يمكن التّخلص منه. قالوا. هذا كفر يا راجل.. تعقّل.. استغفر.. مسحتُ عن قلبي دموعي وبقيتُ حزيناً بينهم. الخطب والهتافات والتّراويح والتّسبيح وغلق.. لنبلاء القوم وبعض المشائخ ويبقى الشّعب أمام الباب يسترق السّمع للهاث.. وعويل الثيران يحرثونهن.. أركض.. أطوف البلاد.. أحوم في المدن.. أتعلم أسلوب الطّرق (الزّوافرية).. أُلقح بصمات إبهامي وأطبعها على رئتاي.. لا أنام. لا أجف. ألعن الشّيطان. لا أنام.) ص 65، ص 66. (وتعود سالمة إلى وشائجها: نابزني أبي بعد موت أخي: الطائشة!.. أستيقظ: أي حزب، يعني؟ لماذا لا يقول صراحةً؟ بقي يختفي وراء الأثير، وراء خيط الهاتف. ثم يقص الصِّلة..) ص 66. ثم وفي تداخل نصي، تنتقل سالمة للحديث عن علاقتها بأخيها الأكبر (كنتُ لا أفتح له الباب إلاّ بعد رناتٍ عديدة للجرس يلدغ بصداه جوَّ الدّار، ثم أختفي وراء الباب ويدق قلبي طبلاً وأنا كالنّجمة وراء الغيم داخل أزمنة التّفكير الخاسر، أخاف أن يُدخل ذراعه من خلال القضبان هو من خلف الباب وأنا من ورائه وبيننا سياج العشب والحديد المتقشِّر تحت وطأة الصّدأ والقلح.. ثم أفتح ويدخل، هزيع، برق، صقر. ينقضُ عليّ، يحملني على كتفيه. ثم كبرنا هو في شبابه، تاركاً من ورائه سنّ المراهقة، وأنا في بداية المراهقة تاركة أعوام الطُّفولة الصَّغيرة.) ص 66.

ثم تصف (سالمة) بدقة متناهية الغرفة القصديرية التي يعيش فيها (الطّاهر الغمري)، الغرفة التي استحوذت على النِّسبة الأغلب للنّص الرِّوائي، واستوعبت المجال المكاني في سردية (التّفكك)، (كانت نواة الغرفة القصديرية تحوي سريراً صغيراً، ومنضدة من الخشب القديم يُقضقض طوال الليل، وضع عليها كأس من الماء لا يجف أبداً، ووردة صفراء مزروعة زرعاً في حفرة صغيرة تتوسط المائدة المرقوشة ببق الأعوام وبموسٍ حافية نحتت جملة لا تخلو من الغرابة، لِيَضُمنِي ظِلَّهُمْ ! كما وضِعت عليها كراسات ومقلمة وعلبة من المعدن تحتوي على صمغ بين الوردي والصّدأ وكتب قديمة وصفراء، ثم موقد نسي حتى لونه يحمل غلاية مبعجة بأورام الأصفار والتِّرحال ومسخمة بطلاء بلاد السُّودان الأبدي، ثم لوحة قرآنية مزخرفة ومكتوبة {تبّت يدا أبي لهب..} عُلِّقتْ على أحد الجدران المشبوة بمسمار ناتئ وكأنه مصمم على الدّوام طيلة قرون عديدة، ثم أيقنة من الأواني الأشياء تزحف شتاتاً وسط الحجرة الصّغيرة حيث يبعثرها ويتركها بدون موضوعية، فتتشرب كُلّ يوم مزيداً من القلح والدّردى والسّحالة، تزحف كالبزاق تاركة ورائها آثاراً مشكوكاً فيها يُلطِّخها زنجار الأعوام المالحة وهي تُكركر من ورائها الثّواني شَذرة شَذرة، فتترك صاحب المكان يشتط في كتابته على أوراق المصائب والأزرار فلا ينبس بكلمة ولا ينبض بحركة، وباستثناء صريف القلم على الورق يجري حثيثاً فإنه يحوم على الحُجرة صمت رهيب صمت ما بعد التّاريخ.) ص 71. ثم نتابع بعض ما يشغل (الطّاهر الغمري) في غرفته تلك (يكتب الرّجُل ليلياته ويندم على استعمال الورق، ومن حين إلى آخر ينظر إلى اللّوحة المعلقة على الحائط المطلية بغضار الماضي، فتتصاعد إلى منخريه رائحة المستنقعات المُعشوشبة المحاطة بسياج من القصب، إذ يذكر أنه اعتاد وهو يُدرِّس القُرآن، الذّهاب مرة في الأسبوع إلى بُحيرة ملحية ليقص أحسن القصب ويبحث عن عشبة خاصة تُعطي للصّمغ كثافته ولزقته، ويكتب ويده كالكمّاشة العظيمة تضغط على قلم القصب ولا ينقطع عن الكتابة إلاّ لتنجيره بموسٍ صغيرة وكأنه بستاني يزبر الأشجار بجدّيةٍ وحماس ودِقّة وإتقان.. لا يُبالي ويزاول كتاباته، يُطوِّقُ إطار الكراس بخطه القرآني، يغترف التّاريخ اغترافاً يكتب حول المشاكل التي عاشها والمشاكل التي يعيشها، يمزج بين الأمس واليوم، في بعض الحالات، يعبر بلا جسرٍ نحو المستقبل..) ص 72. (يُكرِّس وقته في تدّبيج هذه اللّيلات مِن خلال جولاته عبر البِلاد نَاجَ نفسه بعد أن اغتيل الآخرون وتدّبيجها مِن خلال تجواله عبر المدينة والميناء المكتظّ بالسِّلع والبضائع والبقر المستورد.) ص 73. (ويحدث أن تدخل سالمة بيته القصديري ذات مساء وهو نائم بعد أن غيل صبرها ويأكلها حُبّ الإطلاع وقد جاهدت عبثاً في تملك على شعورها الذي كان يرميها رمياً نحو علبة القصدير الموضوعة هكذا على الرّبوة الخالية، لا حركة فيها ولا حسّ، فيستيقظ ويجدها جالسة وراء المنضدة على كرسيه الأعرج وكأنها لم تفارقه أبداً، يخالها إحدى ابنتيه حليمة أو جميلة (يامنة / ياسمينة) ثم يهرع نحو ثيابه يلبسها وهو يرتعد من فرط الخوف وتأثير المفاجأة. أما هي فتنظر إليه بكل براءة. وبعد أن ينتهي من ارتداء ملابسه، يقبع أمامها لا يدري ما يفعل ويشعر بأنه لا زال عاري العورة وهو حليق الجمجمة فيحاول تغطيتها بشاش قديم لم يعد يعتمر به منذ زمن طويل، منذ أن هرب وهم يترصدون أسماله كداء الحفر الذي ينقط معدته ببراغي الآلام والضغينة. لكنه لا يكره أحدا. يكتب إذن (يا لك من مدرس غريب؟ علّمت القرآن واستعملت الفلقة وضربت ضرباً مبرحاً على مثل دأب معلمي القرآن الآخرين.. ثم تترك الكُتّاب وتنخرط في جمعية العلماء!) ويكتب دون مسودة ودون أدنى تشطيب، وغمره وهو على هذه الحال نوع من الغبطة، حتى تدخل عليه سالمة وفي يدها دجاجة مربوءة شمطاء، تُطلق سراحها قبل أن تجلس على الكرسي الفريد وهو جالس على فراشه والمنضدة أمامه حيث الكُرّاس مفتوحٌ كقلبٍ مشرّح إلى شطرين  والوردة مزروعة في سُرّتِها العادية لا تفتقر إلى الماء والكتب مبعثرة على السّرير وتحت المائدة. يُغلقُ كُرّاسه بسرعة، وتعربد الدّجاجة على السّاحة. لا يفهم وسالمة تضحك وتقول: (كُلّ الدّواجن حلال إلّا الخنزير!) ويبقى باهتاً خامداً ومبهوراً، وسالمة ترقبه في رجاء بريء وعفوي فتحسّ بشيء من الشّفقة عليه وهي تراه من وراء منضدته يمضغ أحلام التِّرحال والعبور والتّنقل يوم كان لا يعرف للاستقرار معنى وقد كان يذهب من مشتةٍ إلى مشتة ومن دوارٍ إلى دوار ومن قريةٍ إلى قرية، وعلايته على ظهره تتأرجح وقد ربطها بخيط اللامبالاة..) ص 73. ص 74. (وسالمة تضحك.. والدّجاجة تهدُّ الأرض وتمخرها جيئةً وذهاباً، طولاً وعرضاً، فتسود سريرة الطّاهر الغمري وهو يُعاني من صخب الدّجاجة ومن ضحك الفتاة معاً، لا يعرف كيف يفعل وماذا يفعل فيغلق دفتره، يتأبطه وينهض خارجاً نحو الباب بينما تبقى هي جالسة والدّجاجة من حولها مقرقأة النقنقة هي الأخرى. ينحدر نحو المدينة ونحو الميناء في وجه النّهار وكُرّاسه تحت إبطه كأنه سبيكة ذهبية لا سعر لها ولا معيار.. وفهم أن هروبه هذا كلما جاءت سالمة بشطحة جنونية، إنما يرمي إلى تحاشيها، وهو في الواقع يود لو يبقى قريباً من هذه البشرة الزّنبقية ومن هاتين العينين الخضراوين، ومن رنة صوتها قد غمرته بلة وبحة وعذوبة وموج وسمك ونرد وشبق قد خلى جسمه منذ زمن طويل، رغم عشيات يوم الجمعة التي قضاها في زاوية سيدي عبد الرّحمان حيث تَعَوَدَ الذّهاب لشمِّ رائحة الأُنوثة وسرقة الشّمع الذي لا يصلح لأي شيء إلى أن يذوب من فرط الحرارة في الصّيف، على الضّريح، وعلى الضّريح تتراكم القرابين والشُّموع والنُّقود والأقمشة والزّرابي، لا يعرف ما هو مصيرها ولمن تُعطى.) ص 74. (يريد الرُّجوع إلى البيت، يخاف قوقآت الدّجاجة ويخاف من العطر المنبثق من بشرتها. هي سالمة. بنيتي! لا يمكن.. يسمعها ترد عليه: عم الطّاهر. لكنه يحلم. (أضرب خمسة!) لم يعد له مكانٌ يستقر فيه ولا مأوى يركن إليه ما عدا الزّريبة التي بناها للبقر..) ص 75. يصف الطّاهر الغمري جمال وتمرد سالمة (إنها جميلة. بل أكثر، إنها آية في الجمال. بشرتها زنبقية وعيناها خضراوان ورائحتها عنبرية ولكن فضيلتها الأساسية كامنة في قوة طاقاتها المتمردية. تعمل في الخزانة الوطنية. تعيش بين الكتب.. تهزأ بي لكنها تُحِبُّني.. (عم الطّاهر) تقولها وفي صوتها نبرة استهزاء..) ص77. يُحاور نفسه وكراسه تحت إبطه. (مدرس قرآن بسيط. بطاقة هويتي عبارة عن صورة. فقط. أحملها كدرعٍ يصونني أو حرزٍ يقيني من شرِّ النّاس ومن السّاسة.) ص 78. وتستطرد سالمة (أخاف الانفجار وهو آتٍ عما قريب. عيل صبري. أنا أُحِبُّه وهو لا يُحِبُّني. إنه يشتم رائحة الأنوثة وكفى.لا يحمد الله فهو مُلحد. لا يُثرثر في هذا الموضوع. كيف أنتَ مُلحد؟ لقد علّمتَ القُرآن. وبعد؟ يغضب عليّ يثور. يهيج.. ويقول كفى بنيتي..) ص 79. (انخرط الطّاهر الغمري في جمعية العلماء سنة 1945 ولم يبق فيها إلّا مدة عامين. ثُم انسحب ولم يعد يطيق سماع قهقهة المشايخ عندما يقول أن الفلاحين الفقراء يفتقرون إلى الأرض الخصبة. تعبت أيديهم وتعبت شفرة المحراث البالي بين أذرعهم. أخذ الشّك يدب في جفنيه وهو يسعل ويسعل. اتقِ الله يا رجُل! ارتبك، خشخش ويسعل مرةً أخرى. لم يقُل الفحشاء ولم يدمن على أي مكروه، بل هو يُرتل القُرآن ويؤذن بباب المسجد. لا منارة له ولا صومعة ولا مضخمات الصّوت، كبلال. بين الرّبِّ وبين السّماء. يرفض كُلّ وساطة. وتفاقم سُلّه وعسف الاستعمار. واحتشد الفلاحون فنظّمهم هو وابتعد عن المدن. قفل راجعاً يبثُّ الدّعوة فيهم. أتاه الحزب. قال أُصلي. قالوا ولو لا؟. انخرط في الحزب سنة 1947.. هذا ليس ديانة، إنما حزب.. دخل المعمعة بسلاح آخر ولم يقهقه أحد يوم راح يُطالب بأرضٍ خصبة لِكُلِّ فلاح. استقر في القرية هناك على رأس الجبل. وأصبح الجبل عرينه ومأواه وملجأه ومكان عمله.. وهو في تجوال مستمر لا انقطاع له. تعرف عليه الفلاحون وأخذوا يسترقون السّمع إلى سُعاله. يعرفون من بعيد أنه آتٍ وسُعاله يموج الأثير فيقولون: سي الطّاهر جاء يزورنا اليوم.. فيحضر عند دشرة وكأنه شيخ تفسخ جلده وأخاديد الجوع رسمت بصماتها على وجهه. ترك الكُتّاب وجمعية العلماء وجاء إلى الحزب.. يشرح ولا يترك الضّباب يتراكم في جماجمهم رغم السُّلّ الذي يسمه بميسمه ويُثقل عليه وزره وقد تقرمط وتزنج وراح يقرأ كتب التّاريخ وكتب النّظريات الفلسفية فلا يسفسف عليه أحد.. وأخذ يلتهم الكُتُب ليعرف ما حدث في العهود البعيدة أيضاً ما في وراء الجُدران من أسرار تتعاقب داخل عقلية الفلاحين الذين يموتون فاقةً ووباءً وتعذيباً وكدّاً.) ص 80. ص 81.

سالمة (تتذكر الصُّورة والرّجُل الذي يتوسطها. تقول: المسكين، لم يبق إلاّ هو. ماتوا كُلّهم وكُلّ واحد على طريقته الخاصة، إلاّ هو نجا من الموت أو أفلت منهم وهو على شعر شفرة منها، يهرب ويأخذ في عبور البلاد واكتساحها شرقاً وغرباً بحراً وصحراء، يختفي عند الفلاحين الفقراء أمثاله وينظم العمليات معهم وينصب الكمائن ويعود مكراراً، من عرينٍ إلى عرين ومن رأس جبل إلى رأس جبل... وقد تعلم كُلّ المنعطفات وكُلّ المنعرجات وسلك كُلّ الطُّرُق المختصرة والدروس الوعرة، ماحياً كُلّ سفسة، ضارباً سهمه في صميم الموضوع فيقاوم ويقاتل ريثما.) ص 83. (بعدما اعتصم في الجبل بسلاحه رفقة سيدي أحمد وأبو علي والألماني والحكيم والآخرين. المقهقهين على الصُّورة الذين يفتعلون الضّحك أمام عدسة المُصوِّر.) ص 90.

(لم يكن يحمل معه بطاقة تعريف ولا شيئاً آخر فيشعر بنوعٍ من الخِفة تصعد من جيوبه الخاوية وهو يتناسى تلك الصُّورة الشّمسية ولا يحسب لها حساباً وفجأةً تسقط أمامه حمامة سمينة تسترق حركة بطيئة فينسى الصُّورة التي لا يحمل سواها ويتساءل عن الصُّورة؟ ماتوا كُلّهم حتى آخرهم، مَن قال أن الألماني مات في فراشه؟ إنها أسطورة! لقد مات مذبوحاً! مات ويا لها من ميتة! والآن وقد أخذت تشك في أقواله ومزاعمه، آثر الصّمت! ويتركها تتلو الأحداث السِّياسية كأنما الأمر يتعلق بقراءة أدبيات حزبية أو روايات تاريخية شُوِّهَتْ كُلّ أحداثها عن قصد.. ) ص 97. (وكلما ازدادت سالمة تمسكاً بتلك الفترة التي عاشها هو وصوَّرها بشخوص لا يفتأ يتحدث عنها: 1945، 1954، 1962، 1965، 1978، كلما انزلقت من عصر إلى آخر وحاولت تحديد وجهة الزمن والفضاء،.. فتضيع وتتيه وتدوخ وتشحذ نفسها في آنٍ واحد، لكنه سرعان ما يعود فيتحدث عن الصُّورة بعد أن رفض حتى ذكرها مدة طويلة من الزّمن، ويتحدث عن الأشخاص الماثلين فيها،.. وهو عاجزٌ كُلّ العجز عن التّخلص من ذكرياته،.. وقد قُدر له أن ينجو من الموت هو لوحده، فيتوغل في عزلةٍ مقيتة تزيدها سالمة حدةً ومرارة، فتأتي عليه وتقتحم أيامه تلك التي كان نظمها تنظيماً وسطرها تسطيراً،.. يتقوقع ويضم الصُّورة بين ذراعيه ويبقى على هذه الحالة أياماً كاملة شاخصاً بعينيه إلى سقف الكوخ..) ص 98. (وهو تحت الكابوس مثلوماً للتاريخ أو اقتصاراً عليه وعلى ما فيه من مجازر وحروب وإبادات على أنواعها، فيتذكر السّنة الملعونة، 1945، يوم دخل الجنود إلى كوخه في غيابه وقتلوا كُلّ أفراد عائلته بما فيهم زوجته وابنتيه الصّغيرتين..) ص 99.

تجادله سالمة وتفكك هويته التي لم يبق منها إلاّ تلك الصُّورة التي يحملها معه ولا يكاد يتخلى عنها فهي شخصيته وذاكرته: (أراك تتجول في الطُّرُقات لا تحمل بطاقة هوية ولا أية ورقة مطبوعة بخاتم الحاكم ولا تحمل إلاّ صورة رثّة قرضها العثّ ولا تحمل إلاّ خفقان قلبك.. لماذا تحملهم هؤلاء في الصُّورة وقد ماتوا كُلّهم، فكأنك بحملك إياهم تقتلهم ثانية وثالثة، فسيد أحمد أُحرِق حيّاً بدون أن ينبس بحرفٍ واحد يفرج به كربه، لقد مقتهم واحتقرهم.. لقد مات اللّحام أيضاً، بوعلي بوطالب مات باهتاً والضوء الأزرق يتلوع في صنع قنبلة زمنية في ورشته ولكن وجوده على الصُّورة فما معناه؟ كان يأتي إلى الجبل من حينٍ لآخر لتصليح آلات الإرسال والاستقبال، أما الحكيم فقد مات، هو أيضاً، مات مذبوحاً بسكينٍ حافية، والألماني؟ ماذا عنه؟ ما هي قصته؟ هل مات في فراشه أم مات مقاتلاً وماذا عن وجوده في الصُّورة؟ لم يكن ألمانياً بل لقب هكذا لكونه أشقر الشَّعر، أبيض البشرة، أزرق العينين، طويل القامة وقد أُسِر في ألمانيا أثناء الحرب لعالمية الثانية وقد كان يُحارب في صفوف الجيش الفرنسي، أرغموه على التّجنيد في الجيش الفرنسي فتعلم الألمانية وقرأ كُتُباً كثيرة. لا لم يمت في فراشه! لقد مات مذبوحاً بموسٍ حادة قاطعة.) ص 108، ص 109.

تأخذ الصُّورة، صورة المقاتلين الخمسة حيّزاً زمانياً ومكانياً من (التّفكك)، تسرد سالمة: (فهمت كُلّ شيء عن الأشخاص الموجودين على الصُّورة وعرفت عنهم الكثير. كان عملي يُساعدني على جمع الوثائق والبيانات والبراهين والمعلومات. دونت حياة كُلّ واحد منهم، فتحت ملفات أربعة وملأتها بالأوراق والملاحظات والوثائق: أولاً: بوعلي طالب. ثانياً: أحمد اينال الملقب بسيد أحمد. ثالثاً: الدكتور كنيون الملقب بالحكيم. رابعاً: محمد بودربالة الملقب بالألماني. يبقى ملفه هو فارغاً. ملف الخامس: الطّاهر الغمري. كانوا كُلهم أعضاء اللجنة المركزية. كانت اهتماماتي تدور حول الثُّلاثي المتكون من بوعلي بوطالب (عامل) وأحمد اينال (مثقف) والطّاهر الغمري (فلاح فقير). مثل رائع لتحالف الطبقات التي فهمت أن الثّورة شيء حتمي وطبيعي لا يكون إلاّ لصالحها.) ص 172.

يسكت ثم يسكت الطّاهر الغمري، ثم يأخذ في الحديث ثانيةً ويستطرق: (يبقى أننا كافحنا وتمردنا وأخذنا السِّلاح، قاتلنا، صنعنا القنابل، نظمنا شبكات المقاومة المسلحة في المدن، كان من بيننا المسلمون المسيحيون اليهود الملحدون.. لنا أبطال أُعدم البعض منهم رمياً بالرصاص وأنزلوا المقصلة على رؤوس البعض.. أتينا بكميات هائلة من السِّلاح.. نصبنا الكمائن.. دفعنا ضريبية الدّم.. صحيح ترك البعض صفوفنا، خانوا والخونة في كُلِّ مكان وفي كُلِّ الثّورات.. في الأول كنا نخاف وشاية الفلاحين الفقراء أكثر من قوة الجيش الفرنسي وبطشه..ذبحنا الكلاب وبعض الأئمة.. أعدمنا بعض الفلاحين الفقراء هذه هي الثّورة.. يُزنى فيها.. يُخان فيها، يُذبح فيها..كان لنا نقائص.. لا أنكر هذا.. لكن المُهم: دفعنا جزية الدّم وضريبة الالتزام. لا يمكن تجاهل الظُّروف التّاريخية..) ص 148. ثم يُضيف: (ننطلق فجأةً نلهث في ظِلِّ المقابر حيث ندفن من سقط منا وبين أيدينا ونُطلق الرّصاص ونرش العدو رشاً ونترك جروحنا الحيّة المتفتحة تُغطيها النّدبات العميقة ولا يبقى لنا إلاّ شق ضيق نملأه احتضارا ونحشوه نزعاً ونعمره كرباً وكرزاً، فتتحول آنذاك كل الثّلمات الدّقيقة إلى هاويات لا قعر لها جنونية المنطلق والمنطق تبرق داخل أذهاننا بوميض مستميت، لا هدنة فيه ولا هوادة.) ص 154. (مات العديد من المقاتلين ليس برصاص العدو، بل بسكاكين الثُّوار أنفسهم، هم أنفسهم وحتى في بعض الأحيان بأيديهم.. منهم من مات مذبوحاً ومنهم من مات مخنوقاً ومنهم من مات رمياً بالرّصاص وكلها تصفيات حسابات.) ص 160. وكان قد (فقد كُلّ الأوراق الرّسمية ولم يحتفظ إلاّ بتلك الصُّورة التي لا تفارقه منذ أن هرب وهو مسجل في قائمة الاغتيالات السّوداء.) ص 193.

ويُجادلها محاولاً إقناعها (أين أنتِ والتّاريخ وما ذُقنا من عذابات التّعاسة والتّشريد والمشي على الأقدام أشهراً وأعواماً! قلتُ لكِ التّاريخ لا يصنعه أحد كالعشب ينبت ولا تراه ينبت ولا كيف ينمو.. قالوا لا بطل غير الشّعب.. كُلّ ذلك استفزاز! دعاية! تصفية حسابات وخوف من الموتى.. الشّعب بلا طليعة لا شيء هذه هي الحقيقة..) ص 178. (في أماكن أخرى كان التّاريخ يفتقد إلى الوضوح وازدهرت المدن السُّفلى وتكاثرت، متجاهلة الدّم وموقع المسالخ. كذلك الأمر في هذا الوطن وفي هذه المدينة بالذّات حيث رمم الطّاهر الغمري عرينه على ربوة تشرف على الميناء وأخذ يكتب التّاريخ بكُلِّ نزاهةٍ وشجاعة، يُعطي للذّاتية قيمتها وللموضوعية نصيبها وينتهي به الأمر إلى التّفجر وهو يُعاني من سلِّ الرئتين واختفاء االرِّفاق وقلّة المصادر وتحذر الشُّهود، فيكفر ويجلجل ويقول أن التّاريخ لا يصنعه أحد لأننا لا نراه ينسج خيوطه إنه كالشّرنق يتكوم تدريجياً وهو كالعشب لا نراه ينبت. لكن الرّجُل مُصر على كتابة التّاريخ، يريد أن يترك شهادة عن موقف فئة من الشّعب وعن أعمال رِفاقه الذين ماتوا وطُوِّقُوا بكتانِ النّسيان. في كُلِّ مكانٍ يفتقر التّاريخ إلى الوضوح والظِّلُّ لا يكفي ليحفظ الأحياء من تُجار الموت وطحلب العتمة والظُّلمات.) ص 182. وأما سالمة (هي الأخرى لقد فكرت أكثر من مرة في معنى التّاريخ واتفقت أكثر من مرة على أنه مصيدة ومصفاة وأنه قرح لا يكف أبداً عن التّعفن.) ص 185.

جدلية التّاريخ تؤسس علاقة الشخصيتين المحوريتين في سردية (التّفكك) سالمة والطّاهر الغمري إذ (كانت العلاقة تتمتن بينهما حتى ذلك العهد الذي جاء فيه يفاجئها أن التّاريخ لا يصنعه أحد وكالعشب لا يزرعه أحد. فتدهش في أول الأمر وتظن أنه يمزح، لكن الرّجُل يُصرُّ ويعيد الكرّة ويغضب، فتقاطعه وهي على يقين من أن التّاريخ تصنعه البشرية من شعوب وأُمم وأفراد وهو كذلك عبارة عن تطاحن مستميت بين المغلوب والغالب وبين المقهور والقاهر وبين المُستَغَل والمُستَغِل..) ص 185. (وهكذا وصل إلى هذه النتيجة أن التّاريخ لا يصنعه الرِّجال كما قيل له وكما قرأه في الكتب، وإنما هو أيضاً نتيجة ردود الأفعال والإستثارات.) ص 193.

وفي صورة أخرى ينتقد الرَّاوي على لسان الطّاهر الغمري الثُّوار الانتهازيين بعد الاستقلال الذين نسوا وتناسوا المبادئ الثّورية التي قامت عليها الثّورة التّحريرية وانغمسوا في وحل الماديات الباذخة على حساب الشّعب البائس (لقد راح أثرياء الثّورة يُخزنون ثرواتهم داخل صوف المطارح التي ينامون عليها ويحتالون ويتضخمون. جُعنا طويلاً والآن قتلتنا التُّخمة والسُّكر والمذلّة وأصبح أبو نواس مجرد علامة بيرة رديئة.) ص 190.

(أصبح الطّاهر الغمري يُعاني من عواقب معركة مميتة تدور رحاها بين طيات جسمه الهزيل وتتلخص في تواجد نزعتين متناقضتين: الأولى تحمل حُبّاً لا حدود له والثّانية جُبناً لا يستطيع التّفوق عليه وهو الذي اشتهر سابقاً بشجاعته وبطشه وانتهى به الأمر إلى أن انتصر على خوفٍ غير معقول، كان مصدره سالمة ثُمّ سالمة. فكانت الزّوبعة التي أنهكت قواه وتركته على شاطئ الأوراق البيضاء، محكوماً عليه بأن يملأها قبل أن يملأ القيح رئتيه، فيموت من غير أن يفهم مسيرته الشّخصية، وبداخله الشّك فيدمدم ويبصق ويصفر كالأفعى ويهيج ويغضب ويكتب، يكتب، لا يأكل ولا يشرب ولا يغتسل ولا يُغير ثوبه.. وهو أن لحيته طالت إلى حد غير معقول ورائحته أصبحت كريهة لا تُطاق وعيناه ضعفت قوتهما فيشعر أنه يتدلج في الظُّلمات حتى أنه أصبح لا يلم إلماماً كاملاً باختراعه الجديد حول التّاريخ..) ص 193.

(وأخيراً تأتي سالمة. تُزيح الغُبار وبيوت العنكبوت وتوبخه وتأمره بالذّهاب إلى الحَمَّام وإلى الحلاق وتُعِيره مالاً لشراء ثيابٍ جديدة من السُّوق السوداء.. بينما هو منصرف إلى المدينة تَفتح الباب على مصراعيه وتُخرِج كُلّ الأثاث وتُنظف أرضية الحجرة.. ثُم تُرتب البيت من جديد.. وما أسرع ما شعرت بالنّدم يغمرها تجاه الرّجُل المسكين الذي تركته لحاله وهذيانه وعماه لمجرد جملة قالها حول التّاريخ ما كانت لتقتنع وتتناقض ربما وما تعلمته في المدرسة السِّياسية اليومية ومِن خلال الكُتُب..) ص 195. (يرجع عم الطّاهر بعد ساعات. فيلمع وجهه الأملس مِن فرط الحكِّ والدّلك، استبدل ثيابه القذرة بأخرى تكاد تكون أنيقة، سرح شعره بطريقة جديدة. لقد تغير تماماً. لقد صغر وشبّ وربح هكذا عشر سنوات. يترك ابتسامة خجولة تموت على فمه.) ص 199. ص 200. وتقترح عليه سالمة برغبة (أنتزوج عم الطّاهر؟ يلتفت نحوي.. يضحك.. يُقهقه.. بنيتي.. لا تمزحي.. وأنا متزوج.. أعني.. أرمل. يضحك وتمر عليه سحابة الحزن والكآبة وكأنه تركها في الحمّام مع الأوساخ والقذارة تتزحلق نحو البالوعات تحملها ‘إلى البحر ومِن هناك إلى السّماء مِن حيثُ تُمطر مطراً فاتراً.. عينا الكآبة مِن جديد.) ص 200.

(تغير الطّاهر الغمري. لم يعد نفس الرّجُل. أصبح منزله نظيفاً وقد ألصق الصُّورة التي ما كانت لِتُفارق جيب سترته الأيسر ولا يحمل سواها، على الجِدار المقابل، بعد أن طلى الحُجرة بالجير الأبيض وغير موضع الأثاث والأشياء، بين عشية وضحاها.. حتّى إذا ما عادت قطنته على هواها. وأخذ، وكأنه ألمّتْ به حُمّى سالمة المُعدية وحركتها العصبية وضوضاؤها المعتادة أخذ يرصف الكُتُب ويُصفصف الأواني ويحك الغلاية المبعجة ويُزيل عنها سناج الأعوام السّوداء وسخام البلبلة الذّهنية.. ويُنظم الفضاء الشّحيح بكُلِّ مهارة ودقة ويوزع المكان بلا حرج ولا مبالاة غير مبالٍ بحدود المساحة، ويفتح نافذة في الحائط حيث كان الرّسم الوهمي الذي سقطتْ في شبوهته سالمة لأول وهلة، فاتسعت الحجرة وتبلور جوها وتشفف مناخها وكأن جدرانها قد أُزيحت مِن مكانها العادي وَوُضِعتْ بِضعة أمتار أبعد مما كانت عليه، لتوسيعها وتجميلها وتفخيمها. وكأن الطّاهر الغمري قام بهذه التّغيرات الجذرية وأشرف عليها رغبة منه في أن يكون له مكان مناسب لاستقلال سالمة وقد أفزعه غيابها، فقرر أن يُرتب البيت بطريقة محكمة فَيُبَوِّب ذِهنه بكيفية دقيقة ويتجنب إذاك بينه وبينها كُلّ الحزازات وسوء التّفاهم، تأهباً منه للتّراجع تدريجياً وبِكُلِّ أناة في ما صدمها به في تحديد التّاريخ.. وعاد إلى كتاباته بعد أن فرغ مِن قلب الأوضاع وتغيير المجاري العادية للأمور.. وهو ينظر مِن حين إلى آخر إلى الصُّورة المُعلقة على الحائط نظرة تعبِّر عن عرفان بالجميل نهائي وغير مشروط وأبدي وكأنه يُطالب رفاقه الذين ماتوا كُلّهُم أن يغفروا له زلّته وهو يعترف الآن وقد عاد إلى حاله الطبيعي وبدأ يمحو الذِّكريات المحمومة، أن الكلام تجاوز مفهومه للتّاريخ (التّاريخ لا يصنعه أحد، إنه كالعُشُب لا نراه ينبت ساعة ينبت..) بل وإعادة النّظر أيضاً في أجزاء حياته وتفاصيل معاشه وكيفية عزلته. وهو يعلم أن عليه الآن ترميم الأحداث مِن جديد وأن يُشكلها بطريقة أخرى وأن يتصورها ببرودة دمّ وأن ينفض عنه غبار الموت والانتحار والزّولان والخوف وأن يستخلص مِن كوابيس الدّم والأمعاء والمجاري المسدودة بروث التّاريخ وأزبال البشرية وجنون الإنسانية. فهم حتمية مراجعة كُلّ النّتائج التي توصل إليها واستعمال تلك القُدرة الخارقة التي يمتلكها الإنسان على النّسيان وقد تعنّت منذ هروبه عبر الجبال والأودية والفيافي والقُرى وحتّى المُدن وقد علم أنه حُكِم عليه بالموتِ ذبحاً لأنه يعتزّ بعقيدته فالّتزم النّزاهة مع نفسه، فاعتزم على الرّفض والحقد والتّمرد ليس فقط على مَن خانوا ثقته والعشرة والمصير المشترك بل وعلى شقاء الإنسان عامة وعلى تلك الحتمية الكريهة التي تَفرِض عليه أن يُمارس الشّرّ فينتقم ويحقد.) ص 216. ص 217. ص 218. (قرر أن يترك على الهامش مشكل تحديد التّاريخ، حتى يُناقشها في الأمر بتعقلٍ وسكينة، ثُم يتخذ قراراً نهائياً بالنِّسبة لهذه المسألة التي أصبحت رُمانة الشِّقاق بينه وبينها ويحدث أن كُلّ ما في الأمر أنه مجرد سوء تفاهم وكيفية طرح المشاكل وإشكال لِساني لا أكثر ولا أقل.. ويتساءل وهو يكتب عن الأسباب التي تضغط على المرء فتجبره على الكتابة وعلى سرد الأحداث وعلى التّكلم لنفسه وللنّاس عن مسائل تكاد تكون تافهة خاصة وأنها لا تهم في الحقيقة أحداً، ولكنها ضرورية يفتقر إليها كُلّ مجتمع بحيث أنه ما لم تتوفر له فَقَدَ شخصيته وجذوره معها.. يتساءل ويُحاول تركيب الأحداث مِن جديد (كُلّ الأحداث التي عاشها منذ شهر ماي 1945) ويحاول العثور على معادلات لفظية تواكبها وتعبِّر عنها بوضوح ورزانة وأوزار، وهو لا يرضى أن يترك ما فعله مدة خمسة وثلاثين عاماً ولو أثراً بسيطاً ويموت هكذا كما ينفذ الحلم في النّوم ويهترئ في اليقظة، ينساه المرء ولا يتذكر منه متى يذكر إلاّ القليل القليل..) ص 219. (لكنه.. لم يتراجع بِصفة نهائية عن فكرته حول التّاريخ، إنما يترك الباب مفتوحاً للنِّقاش والإمكانيات حُبلى بالافتراضات والمفاهيم محشوة بالتّفاصيل. ) ص 220. (هل يستقيم العود والظِّلُّ أعوج؟ لا. طبعاً لا.. لكن التّاريخ يصنعه الرِّجال بعملهم وكدِّهم ونضالهم ودمائهم وأعمالهم وأيديهم.. وإلاّ فاستقامة الظِّلِّ تُصبح قهرية وحتمية ويستقيم العود إذاك ويُصبح الخطُّ باستقامته واضحاً. فأين الوضوح ونحن نرى الشُّعوب المقهورة تمشي وتتحسس طريقها بعصيها البيضاء، على غير هُدى، فلا تعرف أين الخطّ الواصل وأين وضوحه؟) ص 229.

وها هي سالمة (تعود في يومٍ مِن الأيام إلى الطّاهر الغمري فتجدهُ ميتاً ومضرجاً بدمه الذي تقيأه مِن فمه وقد تهرأت رئتاه نهائياً. لقد كان يعلم هو بذلك وأبى أن يُعالجه أحد بعد أن عالجه الحكيم فلا يريد طبيباً غيره يُعالجه.. ولكن ما الحيلة وقد مات الحكيم منذ زمنٍ طويل كما مات بوعلي طالب وسيد أحمد ومليون شخص آخر..) ص 265. (تأتي – سالمة - فتجده سابحاً في دمه.. ((مات عم الطّاهر)).. مات وترك لها يومياته وليلياته.. وها هي الآن مكبة عليها تقرأها وتعيد قرأتها. وترك لها.. وترك لها.. وترك لها ذكرياته التي تَمُت كُلّها إلى الصِّراع القائم بين الفقراء والأغنياء، بين المُستَغِلين والمُستَغَلين..) ص 267. (وقَبِلَ بالتوصل معها إلى حلٍّ وسط حول تحديد التّاريخ وكثيراً ما كان قد صدمها بتصريحاته الاستفزازية يوم كان يذهب إلى أن التّاريخ لا يُصنع بل أنه كالطُّحلب لا ينبته أحد.. وقد كان يغضب مِن رفضها ومِن عدم موافقتها أقواله فكان يعتمد المُغالاة في الرّأي فيذهب إلى أن التّاريخ مخرأة..) ص 268. (ويموت عم الطّاهر ويترك لها يومياته ولا يوصيها بشيء ولا يترك لها أية وصية..) ص 268. (لقد عاش وكأن حياته كُلّها ما كانت سوى هذه الأوراق المتراكمة التي قضى في كتابتها الليالي تلو الأخرى، محاولاً حشو فجوة التّاريخ الهائلة وذلك ليس بقطن الصّمت وسبيخ النّسيان وصوف الخفية وكتان الكذب والتّزوير، بل بفيض من الجرأة ومن تفاصيل الأمواج المتعاقبة فتكون أنهاراً وبحاراً وطوفاناً ويتّضح هكذا التّاريخ على ما فيه مِن شحنة الرُّموز والألغاز المتراكمة بين طياتها، وتبقى الأسئلة مطروحة ونقاط الاستفهام قائمة تجرح الورق وتحرقه.) ص 269. (ألم يلعب هذا الرّجُل في حياتها دور الأب والعشيق والرّائد والثّوري ذاك الذي أبى أن يخون قضية وأن يجحد بصديق، فترك نفسه يتآكله سرطان السُّلّ وفاءً منه للحكيم الذي عالجه في أيامه وينال منه الموت وقد كان وفياً للأفكار التي كان يحملها في صدره فلم يرض التّراجع عنها.) ص 273. تلك كانت النِّهاية وهكذا كان الأمر.

* نقاط على هامش قراءة رواية (التّفكك) لرشيد بوجدرة:

- تشير الرِّواية إلى صراع الأجيال، يتجسد ذلك في الاختلاف الجذري في مفهوم التّاريخ بين سالمة التي تمثل جيل الاستقلال والطّاهر الغمري الذي يمثل جيل الثّورة وما قبل الثّورة في الجزائر. الطّاهر الغمري الذي يؤمن بنظرية الصُّدفة في التّاريخ، وبأن التّاريخ يصنع نفسه بنفسه دون تدخل يد الإنسان فيه. بينما سالمة تؤمن بأن الإنسان هو الذي يصنع تاريخه.

- تمتاز رواية (التّفكك) بأنّها رواية إيديولوجية بامتياز، إذ تظهر فيها إيديولوجية الكاتب رشيد بوجدرة التي تتجذر في جسد النّص تطغى على المتن. فالفكر الأيديولوجي للكاتب يتضح عبر (التّفكك) كصراع واضح بين الرّأسمالية والبرجوازية من جهة والشُّيوعية من جهة أخرى فالطّاهر الغمري يحتاط من سالمة ويظن (أنها من البرجوازية الصّغيرة، الصّغيرة، الصّغيرة، لكن أعلم أنها قصرية الرّأسمالية.) ص 116. بل وتتعمق هذه النّظرة الإيديولوجية بشكل لافت تجاه الدِّين من خلال صورة الطّاهر الغمري حين كان معلماً للقرآن. فكثيراً ما ترددت الآيات القرآنية بشكل أو بآخر لكن بما يوحي بالاستهزاء وخاصة سورة المسد. فالرِّواية تكشف عن نظرة غير موضوعية للدِّين، فتكتفي بطرح الشّخصية الدِّينية كنموذج متواطئ، ولا تقدم صورة مقابلة تطرح بديلاً إيجابياً يمكن تقبله أو الرِّضى عنه. والواضح كذلك أن الكاتب له موقف سلبي تجاه الأصولية (الشّعب بلا طليعة لا شيء والطّليعة بلا شعب صفر مثقوب.) ص 189. (هل هذا رمز الأصولية؟ الشّعب بلا طليعة.. الأصولية ضربت أطنابها وتوغلت فينا وحتى الفقراء يظنُّون أن لهم قسمة ونصيباً فيها.) ص 190.

إن الوظيفة الإيديولوجية هي السِّمة التي تطغى على عمل الرَّاوي في (التّفكك) خاصة فيما له علاقة بالمعتقد من خلال توظيف بعض الرُّموز الدِّينية بشكل يقترب من التّهكم (أين الطّليعة وأين الشّعب؟ لا جسر بينهما بل هناك هاوية. الإقطاع العربي الإسلامي كان خلاقاً مبدعاً، مغامراً، متاجراً، أما الآن فأصبح حذراً، لا يوظف أمواله إلاّ فيما لا يُغني، ويترك للدولة الأوزار الأخرى. قتلتنا المقاولة والمقاولون والدّجالة والدّجالون.. أين الشّعب وأين الطّليعة؟ الحزب ليس في المستوى والمرحلة دقيقة. هرع النّاس إلى المساجد وسئموا الوقوف أمام دكاكين التّهريب وحوانيت السّلب وأروقة الزُّور والغِشّ. الطّليعة ليست في المستوى.) ص 191. وفي مقطع واضح يحمل دلالة إيديولوجية تجاه الدِّين بتهكم: (غصّت المساجد بالتّائهين في القرن العشرين. وأُمورنا تُدبر بعيداً عنا ونحن هزلى وصدورنا ضيّقة ومسلولة. أصواتنا بحة رهيفة لا يسمعها أحد ولم تفلح إلاّ في تشييد المآذن على شكل صواريخ تفتقر للطّاقة النّووية لتقلع نحو القمر والنّجوم والكواكب.) ص 191.

- رواية (التّفكك) تقوم على وجود شخصيتين بطلتين هما الطّاهر الغمري وسالمة، فكلاهما كشف عن حقيقته، وكلاهما جرى الكلام عنه ورويت قصته. لقد كانت شخصية الطّاهر الغمري وسالمة الصّوتان المسموعان في رواية (التّفكك) وتكشفت لنا تدريجياً بمرور الحوادث والأحداث أما باقي الشّخصيات المذكورة في الرِّواية فكانت ثابتة لم تقدم الكثير للرواية. لقد استخدم رشيد بوجدرة الأسلوب الحُرّ المباشر في روايته التّفكك ليمنح شخصياته حرّية التّعبير والإفصاح عما في داخلها.

- جاء إختيار رشيد بوجدرة لأسماء بطلي روايته (التّفكك) (الطّاهر الغمري وسالمة) يحمل رمزية ودلالة تأويلية، فـ (الطّاهر) رمز لطُهر الرّجُل الذي قاتل الاستعمار الفرنسي، وعدم انغماسه في مكاسب ما بعد الثّورة كثمنٍ لنضاله وكفاحه لتحرير الجزائر مثلما قد فعل الكثير من المجاهدين الذين حازوا امتيازات مادية ومالية ونفعية ميّزتهم عن بقية المواطنين البُسطاء. و(الغُمري) في الجزائر هو اسم ذكر الحَمَام الذي يعيش في أعالي الأشجار قرب الماء - كحال بطل الرِّواية الذي يعيش في أعالي العاصمة قرب الميناء - والذي يُحلِّق عالياً مرتحلاً في الأجواء - كما كان الحال مع البطل - ليستقطب أُنثاه المميزة دون غيرها من الحَمَائِم. وكأن الكاتب يريد أن يرسل بمعنى يخص بطله ويُمكن إسقاطه على من هم أمثاله في الجزائر المستقلة، وهو أنه لن تكون طاهراً إلاّ إذا حلقت عالياً فالقاع قد طمّ. أما اسم الفتاة (سالمة) ففيه دلالة ورمزية على السِّلم والمُسَالِمَة التي يمكنها التّعايش والمعايشة مع أفراد عائلتها ومحيطها رغم اختلاف طباعهم ومشاربهم وأفكارهم وحيواتهم. كما أن اسم (سالمة) فيه إشارة رمزية إلى الجزائر المُستقلة الرّاغبة في التّعايش مع محيطها الإقليمي والدُّولي في سِلم وسلام.

- تقوم رواية (التّفكك) على المونولوج الدّاخلي في غياب حوار صريح وواضح بين شّخصياتها. حيث يتقمص الكاتب وعي الشّخصيات بأسلوب المونولوج المروي، ويعرضه بضمير الغائب دون أن يقطع الخيط السّردي، وفيه يتوارى زمن القصة وزمن الكتابة وهو يقترب من أسلوب المونولوج الدَّاخلي، حيث تقدم الشّخصية وعيها بنفسها لحظة بلحظة بحيث لا يشعر القارئ بالرَّاوي.

- سلك رشيد بوجدرة مسلكاً مختلفاً في الإبداع السّردي إشارته الأولى الكتابة دون حدود خارج سلطة الرّقابة  الفنية والسِّياسية والدِّينية. فهو يحاور في جرأة كبيرة كل المحرمات والمقدسات التي كرستها الكتابة المنحنية. فرواية (التّفكك)غارقة في اللامسموح به في) الجنس والدِّين والسِّياسة(.

- الكتابة السّردية عند رشيد بوجدرة تتميز بأنها كتابة عقوق وانحراف عن الطُّرق المعهودة، فهي كتابة تمرد على تاريخ الكتابة العربية إنها كتابة السُّفلي (الجسد) لكشف العلوي (الفكر). إن التّعامل مع كتابات رشيد بوجدرة مخاطرة لأنه يقدم أساليب قد لا تتلاءم مع ذائقة القارئ العربي الذي ظلّ إلى وقت قريب سجين نمط كتابي معين.

- تتكون رواية (التّفكك) لرشيد بوجدرة من الحكايات الدّائرية اللّولبية التي تخلق عند القارئ في تطورها ودورانها الذّاتي انطباعاً بكابوسية الانزلاق والانغماس والغرق في خثارة البطل وشقائه.

- من أهم ما ركزت عليه رواية (التّفكك) في جل فصولها هو عنصر تكسير خطية السّرد، إن قارئ هذه الرِّواية يحسّ بالخلط والتِّكرار واللّف والدّوران في نقطة واحدة أو العودة فجأة إلى نقطة انطلاق سبق الإشارة إليها. يقول الرَّاوي على لسان سالمة: (اسمع، يمكن البدء بالحكاية انطلاقاً من الوسط أو من النهاية ثم الانتهاء، منها انطلاقاً من أولها وهكذا كل الطُّرق تؤدي إلى عمق الواقع والكتابة.) ص 109.

- يعتمد البناء الزّمني في رواية (التفكك) على الدّيمومة باعتبارها زمناً نفسياً وتياراً متدفقاً يكشف عن أعماق الشّخصية من الدّاخل. كما أن اعتمادها على الذّاكرة يجعل الماضي فيها يظهر غير منتظم وغير مرتب. وهذا ما يعرف بالبناء المتشظي للزمن، حيث يفقد المتلقي القدرة على جمع خيوط النّص أثناء القراءة، وربما يحتاج إلى قراءة ثانية تجعله قادراً على استجماع هذه الخيوط ونسجها. تقول سالمة: (جاءتني تلك الأيام والأسابيع التي إذا قستها بالثّواني والدّقائق وتعاقبها المطرد، كانت تومض لي بهشاشة العالم ولوعته، فبدأت أشعر أن الأيام السّابقة التهمت نصف حياتي وأضافت ألف عام على قدر عمري إلى حياتي، لقد أصبح كل موقف تحدياً وكل ساعة محنة، كل يوم أصبح قرحاً.) ص 177.

- يبدو أن الكاتب رشيد بوجدرة في رواية (التّفكك) يريد الكشف عن بعض الأمور التي جرت أثناء الثّورة التّحريرية خاصة التّصفيات الجسدية التي لاحقت حتى  بعض من صعد الجبال لأجل تحرير البلاد، يخاطب الطّاهر الغمري سالمة (دعيني وخرافاتك وموت أخيك وهلوسة عمتك فاطمة ودروشة أبيك وزواج أخواتك وورشة الخياطة وموقف حميد بالنسبة للإشاعات التي يتناقلها الحي حول حياتك الشّخصية وموسيقى ماهلر وأغاني المواخير.. دعيني.. أقول أنهم ذبحوا الكثير منا وخططوا لاغتيال.. فهربت.. لا أُصدق.. إلى يومنا هذا لا أُريد أن أثق في أحد.. ) ص 186. كما ينتقد الظّواهر الجديدة التي طفت على سطح البلاد بعد الاستقلال من أثرياء الثّورة (لقد راح أثرياء الثّورة يُخزنون ثرواتهم داخل صوف المطارح التي ينامون عليها ويحتالون ويتضخمون. جُعنا طويلاً والآن قتلتنا التُّخمة والسُّكر والمذلّة.) ص 190.

- تواتر تكراري للعبارة اللازمة (هل يستقيم الظِلّ والعود أعوج) في العديد من صفحات رواية (التّفكك) يعطيها بُعداً رمزياً يتجه تأويله إلى كُلِّ ما يتعلق بالثّورة وما بعد الثّورة.

- في (التّفكك) نجد رشيد بوجدرة يعتني باللّفظة التي تؤدي وظيفتها في السِّياق الرِّوائي داخل الفضاء الزّماني والمكاني، وهذا ما يُعطي لخطابه السَّردي متانة فنّية. فهو يمتاز بثروة أسلوبية ولغوية في كتاباته، حيث نجد الجمل تمتاز بمعجمها الفصيح. كما أن رشيد بوجدرة لا يكتب للقارئ العادي بل يكتب للنُّخبة والقارئ الذي يبذل جهداً في عملية القراءة لهذا فهو يستعين بلغة حوشية مليئة بالألفاظ الغريبة القليلة التّداول في الأدب الحديث.

- ما لم يعجبني في رواية (التّفكك) لرشيد بوجدرة، هو استعماله لبعض الألفاظ القبيحة الفاحشة التي يتعفف القارئ عن سماعها أو قرأتها. أنا شخصياً أضطر إلى استعمال القلم الأسود لمحوي كلمات الفُحش في الرواية.

* اقتباسات من رواية (التّفكك) لرشيد بوجدرة:

- (سوقي كسدت منذ زمن طويل وأنا لا أعلم أن العالم تغير. لم أتغير. أنا الوتد الثّابت.. العالم تغير وامتلأ بضوضاء العظام البشرية تتبعه أينما ذهب وأينما صد.) ص 75.

- (دهاليز التّاريخ وأروقته الحالكة دهاليز لا حدّ لها ولا منطق والتّاريخ يدور ولم ينته بعد من الدّوران يدور حول معطياته نفسها التي لا تتغير.) ص 88.

-  (التّاريخ ليس مادة آلية ركبت على مبادئ عالية رسامية فقط بل هو يهتم أيضاً بالأشياء التي تظهر تافهة.. هذا هو التّاريخ.. بلا زخرفة ولا تأمثل ولا تجميل.) ص 94.

- (لقد جرفت البلاد تلك الغزوة التي كانت قد تمت ذات صباح 1830 فتجعل من البلاد منفىً رهيباً سوف يحفل بالجرائم والمجازر والتّخريبات والحرائق والتّجويع والتّقتيل والتّمسيخ على أنواعها فيسجل فيه أصحاب تلك الغزوة جميع الأسباب التّاريخية والقوانين العلمية التي كان لا بُد منها لتغيير وجه البلاد ومحو ذاكرتها وخصي شخصيتها.) ص 101.

- (هل التّاريخ عبارة عن خرقة تستخدم لتشرب هدر حيض الإنسانية وهذيانها؟ أليس التّاريخ شيئاً آخر لا يمكن تحديده بدقة وانضباط وصرامة.) ص 103.

- (الكِتابة عبارة عن آنية مستطرفة.. كُلّ جزءٍ يصب في الآخر حتى يملأ العَالَمَ بِضجةٍ لا مثيل لها، الكِتابة تفتح كُلّ الأبواب لذا تكتب.) ص 109.

- (يا لرهبة الصّمت ويا لصريف القلم وهو يخدش الورق فيخيل إليه وكأنه يكتب بريشة حديدية، صريف القلم هو أحمل موسيقى يعرفها، والكِتابة سياج مطاطي يلولب العزلة ويقولبها حسب حسب الوتيرة التي يختارها.) ص 136.

- (العَلَم ليس بخُرقة وإنما رمز يُمكن فكّه وحله والبحث عما وراءه.) ص 159.

- (والآن. تضخمت المدن وكادت تموت تحت شحمتها وسمنتها والأرض المخضبة بالدِّماء لا تستغل كما يجب وتنبت المساجد كالفطور ويزنى في الدِّين وتكتظ الشّوارع بالانتهازيين وتكثر الرّشوة..) ص 160.

- (التّاريخ قاطرة خارقة للزمن والفضاء، التّاريخ يُصنع بالدّم والوحل.. لكنه يُصنع، الإنسان يصنعه والمجموعات والأمم والشُّعوب تُصنفه.) ص 165.

- (قالوا لا بطل غير الشّعب.. كل ذلك استفزاز. دعاية. تصفية حسابات وخوف من الموتى. الشّعب بلا طليعة لا شيء هذه هي الحقيقة..) ص 178.

- (والتّاريخ يشهد أننا رجعنا إلى الوراء حضرياً. تقهقرنا ولم نتبع لا الكتب القديمة ولا الكلمات الرّثّة ولا الأفكار المسبقة ولا حتى أحذيتنا المثقوبة. لم يبق لنا إلاّ العنتريات وحتى الرّباب مات، قتلته الطّقطوقة الشّرقية والغربية. لا بد من نكش التّاريخ من جذوره..) ص 180.

- (غابت الشّمس منذ أيام وألعق أنا شعور الوحدة وما زال أخي الميت واقفاً على أجفاني وكأنه على عتبة الدّار وشعره أسيل وقد صقله المطر وفي عينيه مياه الموت الرّاكدة تعوم والصُّداع لا يُفارقني..) ص 181.

- (في كُلِّ مكانٍ يفتقر التّاريخ إلى الوضوح والظِّلُّ لا يكفي ليحفظ الأحياء من تُجار الموت وطحلب العتمة والظُّلمات.) ص 182.

- (الشّعب بلا طليعة لا شيء والطّليعة بلا شعب صفر مثقوب.) ص 189.

- (لقد راح أثرياء الثّورة يُخزنون ثرواتهم داخل صوف المطارح التي ينامون عليها ويحتالون ويتضخمون. جُعنا طويلاً والآن قتلتنا التُّخمة والسُّكر والمذلّة.) ص 190.

- (لا الشّعب بطل ولا الطّليعة بطلة ولا رجُل واحد يقدر وحده على قلب الأوضاع واقتحام الواقع. هذا الجيل يفقد صبره بسرعة والتّاريخ لا يُعد بالأعوام ولا بالقرون. الإنسانية كُلّها مازالت تحبو، فما بالك بِنا؟ تنقصنا الجرأة وينقصنا الذّكاء وينقصنا الخيال وتنقصنا النّزاهة.) ص 191.

- (السِّياسة نوع من المخدر لا يمكن لمن يمارسها عن نزاهة وإخلاص من تركها هكذا.. يمكنه التّخلي عنها مدة زمنية بسبب أزمة شخصية أو استيلاء ذاتي أو حتى معطيات موضوعية أخرى..) ص 196.

- (اللغة اقتصاد وسياسة. كلّ طبقة تصنف اللغات حسب مصالحها.) ص 197.

- (العنجهية يُمكن تحديدها في إصرار المرء على متابعة وحي الموهبة وغموضها مهما كلفه ذلك من عناء ومشقة.) ص 203.

- (كأن أمه كانت بالمرصاد وراء الباب، تتجسس أنفاسه وشخيره، وفور توقفها، هرعت إليه حاملة طبق الفطور مرصعاً بفنجان القهوة تُضيف إليها حباتٌ قليلة من القرنفل وصحناً فيه فطائر تسبح في عسل الأمومة والحنان، وكأن رائحة القرنفل تزيد بهجة الصّباح عُمقاً وشفافية فيحتسي وهو يشرب القهوة بها الكون كله ورونقه وسطوعه وسناه، فيقبِّل أُمه تقبيلاً شيقاً ويُداعبها ويمازحها ويمرر يده تحت ذقنها حيث البشرة رخوة وطرية وقطيفية النسيج) ص 205.

- (رفضاً من الجنين أن يقطع صِلة الرّحم فيُلفظ هكذا في الفضاء البشري فيتيه على وجه الأرض ويكبر ويشيخ ويموت فيما تروح المشاكل الحياتية والعائلية والاقتصادية تلاحقه حتى فراش الموت، وأوقات القلق والسَّأم والغثيان، تُطارده حتّى سرير الاحتضار والغيبوبة العضوية، وقد علم - قبل خروجه من دهليز أمه الدَّافئ الفاتر الطّري الهشّ - أن حياته سوف تكون لا محالة ومَهما فعل وما قام به من أعمال جدِّية وثرية ومبدعة وبطولية، فشلاً ذريعاً، كَكُلِّ حياة وكُلِّ ممات.) ص 206.

- (عندها نزعة تيمية بالورق وبكُلِّ ما هو مصنوع منه.) ص 207.

- (الشّاعر – والقُرآن يشهد على ذلك – هو الشّخص الذي لا يملك البراءة فقط بل ويُمارسها تلقائياً وفي حياته اليومية، فهو رجُلُ التّجلي، لأنه قادرٌ على استعمال وعيِّه ووضوحه وتعبئة كُلّ طاقاه الإبداعية في ملاحقة القضاء والقدر وحتمية التّاريخ عبر فيافي المخيلة، وهو يشعر بأنه قادرٌ على الخلق لأنه يعلم علم الحدس واليقين أنه غير قادر على ترويض وتليين حوافي العالم وحواشي الكون وتخوم الأشياء.) ص 211.

- (يتساءل عن معنى الكتابة ومغزاها وعن أهدافها وواعزها وسببيتها ومبرراتها فيقول في قرارة نفسه: لعلّ الأحداث والوقائع والحوادث تأخذ في الوجود بطريقة ذاتية ومستقلّة عمّن يعيشونها وما أن تُصنف في قالب الكلمات وتبوب في إطار الجمل وتصاغ في لحمة الأسلوب والاستطراد والبنية الكلامية والهيكلة اللسانية.. حتى تسلك طريقها بنفسها فلا تحتاج وقد رصفت كلمة كلمة، وسطراً سطراً، ودونتْ كُتُباً كُتُباً، إلى شهادة شاهد عامة ولا إلى شهادته.. فتستغني هكذا عن كُلِّ مساندة بشرية ودعامة إنسانية وكُلّ المشاحب مهما كانت نوعيتها ومهما كان مصدرها..) ص 220.

- (للتاريخ مجرى وتياراً جارفاً، يهزُّ الطّبقات كُلّها عند الإعصار ويُحطم الحواجز كُلّها عند الحاجة وعند الضّرورة.) ص 220.

- (الكتابة بإمكانها تصريف الخوف البشري وتفريغ الأفكار الثّابتة المتراكمة في جُبِّ كُلِّ إنسان.) ص 221.

- (هل يستقيم الظِّل والعود أعوج؟ لا، طبعاً لا.. لكن التّاريخ يصنعه الرِّجال بعملهم وكدهم ونضالهم ودمائهم وأعمالهم وأيديهم.. وإلاّ فاستقامة الظِّل تصبح قهرية وحتمية ويستقيم العود إذاك ويُصبح الخط باستقامته واضحاً، فأين الوضوح ونحن نرى الشُّعوب المقهورة تمشي وتتحسس طريقها بعصيها البيضاء على غير هدى، فلا تعرف أين الخط الواصل وأين وضوحه؟.) ص 229.

- (هل الأشخاص يصنعون التّاريخ بأيديهم أم هو التّاريخ يصنع الأشخاص بحذافيرهم؟ فالمسألة لا تتعلق بإشكالية فلسفية بل الأمر منوط بالمصير الحياتي..) ص 230.

- (الفقير يُصوت بفخرٍ واعتزاز يوم الانتخابات، اعتقاداً منه أنه أن له دوراً يلعبه ولو مرة.. ولا يتركه يفلت من يديه وهو يعلم علم اليقين أن الانتخابات في وطنه لا تتجاوز الشّكليات وهي مجرد تمظهر بالدِّيمقراطية.. هنا نجد التّاريخ.. وكل الشُّعوب في هذا الميدان سواسية.. إن التّاريخ لا يُصنع وكالحزاز لا نراه ينمو.. التّاريخ مبني على تناقض أساسي. لا نفهمه إلاّ بعد مروره.. ولا يمكن استيعابه على الفور..) ص 232.

- (ماذا يفعل المعذبون؟ إنهم بأمس الحاجة إلى الطّليعة. وهيهات أن تعرف الطّليعة الفقر أو الجوع.. في الأمر أيضاً تناقص فادح. ما العمل؟ وماذا يمكن للطليعة أن تعمل؟ هي بأمس الحاجة إلى من يحركها ويدعمها ويشهر السِّلاح بأيديها.. الكادحون لا يفقهون من السياسة شيئاً وإن فهموا فعن حدس مستتر في تلافيف أجسامهم الهزيلة، فيهومون على وجوههم سكارى في فجاج الأرض يسبحون في الأجواء بقوة خيالهم وفكاهتهم النّاضجة وعبقريتهم الفذّة ويأتي الزِّلزال..) ص 233.

- (التّاريخ مزيج من الصّدفة والإرادة البشرية.) ص 234.

- (ولا أحد يعرف أين المفتاح وحتى لا يعرف أين الباب.. كلنا مسؤول عن هذه الحالة وحتى الأموات مسؤولون.. هل من محاسبة تجري للأموات يوماً؟ لنفتح ملف التّاريخ والتّواريخ كُلّها متشابهة بطبيعة الحال. مسكين المثقف في بلادنا ومسكين الواعي.. يتلوع ويعجز هو أيضاً بدوره. أين البوصلة؟ أين الخرائط البحرية؟ أين المناخاتّ؟ أين الرُّزنامات؟ هل نحن محكوم علينا بالضّيق مدى الأزمان..) ص 241.

- (التّاريخ هو عبارة عن سيل جارف متواصل لا يتوقف عن الدوران ولا يكف عن السَّير واللّف بل يمضي في سيلانه فيمر في أروقة العَالَم وفي دهاليز الأشخاص وتعرجاتها الدّاخلية حيث يمطر في القلوب مطراً فاتراً رزازاً.) ص 270.

- (تأتي التّجاعيد الرّخوة فتغطي وجوه أولئك الذين يدّعون بأنهم يصنعون التّاريخ فيما التّاريخ صانعهم، التّاريخ بما فيه من أحداث وحوادث وصدفة وحتميات، ناهيك عمّا في الحُكم من متاهات وما تحمل السُّلطة من إغراءات فيتعلمون مذاق العُزّلة المُرّة ووحشة الوحدة وانطواءها على نفسها مما يُغذي عنجهيتهم وما فيهم من جموح إلى العظمة والفخفخة والغطّرسة المشحونة بالجنون، وما أن يَرمِي بهم الـتّاريخ في مزابل النّسيان حتى يتسارع النّاس إليهم ولا يتورع الأعداء والأصدقاء على السّواء عن الانتقام منهم مظهرين ما كانوا عليه من علّات وعيوب وآفات ونقائص وقد كانوا في الأمس ينزلون أحكامهم تنزيلاً فتهبط كالصّاعقة من السّماء ذاهبة بكُلّ خلق ووجود.) ص 270.

- (لقد حسبوا أنفسهم - صانعوا التّاريخ أولئك – خالدين ملهمين أو مبعوثين  لبثِّ رسالة ما والمناداة بها ويذهب بهم الأمر إلى النِّهاية فيعتبرون أنفسهم من جبلة الرُّسُل وما بُعثُوا إلاّ لإنقاذ الإنسانية جمعاء فيتباهون وينتفخون ولا يجعلون لغرورهم حداً فيما يمضي التّاريخ ويقف لهم بالمرصاد يترقبهم على أرصفة المستقبل ويحطمهم شر تحطيم ويغطيهم مأموروهم بغطاء الفناء وبطبقات كثيفة من دخان النّسيان الأزرق فتكون عاقبتهم عاقبة مَن ظنُّوا أنفسهم خالدين لا أثر لموت فيهم  ولا للمرض أو الخطأ وهم عن ذلك واقون وإذا بالتّاريخ يترصدهم فيغرقهم في أوحال بولهم وغائطهم في دمهم ودموعهم. يا لها من سقطة رهيبة.. إنها سقطة من حسبوا أنفسهم على كُلِّ شيءٍ قادرين  وعلى استقامة الظِّلِّ على هواهم وكما يشاؤون عازمين يقررون وهم في الحقيقة معوجون يقررون تكييف معدن التّاريخ على هويتهم وهم إلى تحديد هويتهم مفتقرون..) ص 271.

- (قاطرة التّاريخ تخرق فيافي العقائد وتفتت الآراء وتبعثر الاعتقادات.) ص 273.

- (يرصد ما يقع تحت أنظاره من ظاهرات اجتماعية تَمُت إلى النِّساء بِصِلة، لكي يفهم من خلال ما يلاحظه في وضعية المرأة اليومية ما هي وضعية البلاد وكأن تصرفات المرأة إنما تعكس المآسي التي يعيشها الوطن على اختلاف أنواعها.) ص 279.

***

أ. السعيد بوشلالق

..............

* رشيد بوجدرة: روائي جزائري ذو توجه يساري ماركسي، يكتب باللغتين الفرنسية والعربية، ولد في عين البيضاء في 05 سبتمبر 1941. له العديد من الرِّويات، منها: ألف عام وعام من الحنين. التطليق. الإنكار. الحلزون العنيد. المرث. الرعن. معركة الزُّقاق. ضربة جزاء. تيميمون. التفكك..

 

محمد المحسن"القصيدة تكتب شاعرها" (موريس بلانشو)

“طقطقة كعب “إبحار في سراديب الذات، ومصباح في زجاجة من الأرق والألم، والقلق، والسؤال، إنّه ايغال في -الغرام النبيل-لا يملأه إلا الفضاء، وهو أيضا بحث عن دفء الرغبة في ظل سكون، وصمت، رهيبين يقلان صخب الرعشة والحلم..

تطلّ علينا هذه النفس المتشظية والهادرة من عتبة هذه القصيدة، وعتبتها عنوانها، وعنوانها يؤجج الإحساس فينا- بشوق صاخب لأب رحيم- يهجع خلف الشغاف..

إنّ صيغة عنوان هذه القراءة النقدية لقصيدة هادية آمنة مستوحاة في جوهرها ممّا تتأسّس علي تلك النصوص الشعرية من مرجعيات كتابة وأسئلة متن ومستويات كلام تُسهم مجتمعة في تشكيل الكون الشعري وتحديد المفيد من سماته الفكرية وخصائصه الجمالية.. فالذاكرة حاضرة بكثافة في تشكيل مُجمل نصوص الشاعرة التونسية هادية آمنة.. نصوص تستعيد الذاكرة أفق خلاص من حرائق الراهن، ترتحل عبرها إلى زمن ماض يبدو أرحم وأرحب.. هي ذاكرة فرد: الذات الشاعر، وهي ذاكرة جمع: مجتمعة، وهي ذاكرة الإنسان: الإنسانية فالشعر خطاب يتجاوز حدود الذات الضيّقة، ليعبّر عن هموم الجماعة قبل أن يصوغ أوجاع الإنسان في المطلق.. ويبقى الشعر رسما بالحروف والكلمات.. ينفتح على الرسم التشكيلي فيستعير بعض ألوانه وأشكاله ورؤاه الجمالية تشكيلا بصريا للكتابة الشعرية على بياض ورقة الكتابة.. بعد أن تداعت الحدود بين الفنون فتداخلت التخوم..

تتثاءب الحروف.. وتتململ الكلمات كي تتشكّل ابداعا شعريا يلامس نرجس القلب، وذلك في شكل فضاءات دالة على ما يشكل هذا العمل الشعري من عوالم إبداع.. يتقاطع فيها وَجِدُ العشق بوجَع الحصار…

تتعدد المداخل إلى النص الشعري المعاصر وتتنوع، بحكم أنّه يبقى قابلا لأكثر من صورة تأويل، ومنفتحا على أكثر من شكل احتمال للمُمكن والتوقع للكامن.. فمدار الإبداع عامة والشعر منه خاصة، بحث يسكنه الإرتحال إلى المجهول من الآفاق، والقصي من جماليات الكتابة ودلالات الفكر.. توقا لتحقيق المغايرة للسائد الشعري..

وتبدو ملامسة تخوم الكون الشعري الذي تنحته نصوص الشاعرة التونسية هادية آمنة مدعاة للتأمّل عبر عناوينها: طقطقة كعب”، بإعتبار أنّ مثل هذا العنوان قد يختزل مُجمل العلامات الدالة على أسئلة متنه الشعري وجماليات صياغتها.. فالعنوان، رغم ما يشي به-بعده المجازي-، إلاّ أنّه يُضمر كتابة دلالية تجعل منه أحد المفاتيح الأساس لفتح مغالق النّص الشعري، والكشف عمّا تبطنه من دلائل لا تخلو من علامات غموض وتعتيم، وتتوسّل به من أدوات كتابة سحرية، تبقى دوما متغيرة، ومتحوّلة من تجربة إلى أخرى، وحتى من نص إلى آخر داخل التجربة الشعرية الواحدة.. فجوهر الإبداع تجاوز ينبغي دوما أن يدرك المدى الذي لا يُدرك، للكائن من الأشكال، والراهن من أسئلة الشعر..

أما المتن الشعري الذي ترسم معالمه نصوص هذا العمل الإبداعي وتحدّد المفيد من سماته الفكرية والجمالية في آن، فإنّه يقوم على تيمتين أساسيتين تشكّلان محوري القول الشعري، وهما الوفاء للأب الراحل وعطر الأنوثة، محوران يتنوّع حضورهما داخل القصيدة، إذ تأخذ علاقتهما أشكال التوازي أو التحاور أو التقاطع.. وقد وزّعت الشاعرة-ببراعة واقتدار-قصيدتها المدهشة بينهما..

للشاعرة التونسية هادية آمنة قدرة على استبطان اللغة وتشكيلها بحيث تعطي أقصى طاقتها في الدلالة على ما تريده وكأنما قد ألينت لها العربية .. واللغة ليست صماء بكماء إلا حال استخدامها من قبل أصم أبكم أعمى فساعتها تجدها جامدة ..

وتظهر اللغة أسرارها حال الاجتماع والبناء إذ اللفظ في ذاته مجرد أداة ولا يظهر مكنونه ومعناه بغير اجتماع لذا كان اللفظ في مبني بحيث يكون لبنة من لبنات هذا البناء غيره في معجم ..

ولنرى معا مدى توفيق الشاعرة وقدرتها على جعل الحرف يبوح بمكنونه وسره بين يديها :  قول الشاعرة :  بكعبها العالي جاءته تُطقطق

بمساحيق الغواية وجهها يغرق

بالعطور الباريسية أعطافها تعبق

براءة المكر من عيونها تُدهق

قبلات الورود على خدودها تُشرق

فاتنة في حبّها الكثير يغرق

على نخبها طهر السلسبيل يُهرق

بيادر الرياحين من مجالها تعبق

حروف الأبجديّة بالكاد تنطق

حرف الراء بلكنة عسل

غاء تُطلق

ينظر إليها الزيتونيّ و يضحك

شهد فيها ضياء سناها

وهام أبوها بطلق هواها

ظرف القطط في رسم خطاها

هويدتي

أخاف عليك مجون السنون

وعبث الدنيا فأنتِ فُتون

طوّقتِ العيون وأنتِ صغيرة

فكيف الحال إن صرتِ كبيرة ؟

سكبتُ فيك من روحي شِعري

منهل للحرف في لحظة التجلّي

علقتِ خواطري أمانة

احكيها

ترانيم شوق على أهداب قصيدة

غّنيها

من الجدير –في هذه القراءة المتعجلة-أن نتبيّن معالم البنية الصوتية للتشكيل اللغوي في هذه القصيدة في محاولة لربط هذه المعالم بما لها من دور في إنجاز التجربة، وفي تحقيق قدرتها التأثيرية، فالملامح الصوتية التي تحدّد الشعر قادرة على بناء طبقة جمالية مستقلة (1)، والبنية الصوتية للشعر ليست بنية تزينية، تضيف بعضا من الإيقاع، أو الوزن إلى الخطاب النثري ليتشكّل من هذا الخليط قصيدة من الشعر، بل هي بنية مضادة لمفهوم البناء الصوتي في الخطاب النثري، تنفر منه، وتبتعد عنه بمقدار تباعد غايات كل منهما، وهذا يعني أنّ إرتباط الشعر بالموسيقى إرتباط تلاحمي عضوي موظّف، فبالأصوات يستطيع الشاعر أن يبدع جوّا موسيقيا خاصا يشيع دلالة معينة، واللافت أنّ هذه الآلية الصوتية غدت في نظر النقاد مرتكزا من مرتكزات الخطاب في الشعر العربي الحديث، وهذا المرتكز يقوم على معنى القصيدة الذي غالبا ما يثيره بناء الكلمات كأصوات أكثر ما يثيره بناء الكلمات كمعان(2)..

وإذا كان الأمر كذلك فليس بوسع الدارس أن يتجاهل ظاهرة أسلوبية لافتة ساهمت في إنجاز جمالية التجربة عند الشاعرة هادية آمنة كما ساهمت في تحديد معالم رؤاها وهذه الظاهرة هي تعويلها على المدود أو الصوائت الطوال، وهو ما يلمسه المرء في الخطاب الشعري على مستوى المفردة، وعلى مستوى التركيب، إذ تتجلى هذه الظاهرة الصوتية في هيمنة مفردات حافلات بالمدود الطوال على هذا الخطاب، وذلك من قبيل: هواها-خطاها-سناها-.. إلخ

ومن هنا، يبدو واضحا أنّ التعويل على الصوائت الطوال ظاهرة أسلوبية صبغت الخطاب الشعري عند هادية آمنة التي حمّلت هذه الصوائت عميق أحاسيسها وانفعالاتها مما يجعل خطابها في كثير من الأحيان قائما على ما يسميه جان كوهن بالكلمة الصرخة، ويذكر أنّ العلاقة وثيقة بين الصُّراخ والشعر، فالصراخ حالة هيولية من حالات الشعر، وفي ذلك يقول جان كوهن: ”الشعر يتميّز عن الصّراخ، لأنّ الصراخ يستخدم جسدنا على النحو الذي أعطتنا إيّاه الطبيعة، أما القصيدة فتستخدم اللغة، إنّ الشعر يستخدم المسند الذي تستخدمه اللغة غير الشعرية، إنّه يقول كما تقول: إنّ الأشياء كبيرة أو صغيرة…حارة أو باردة لكنّه يصنع من كلّ واحد من هذه الألفاظ الكلمة الصرخة، إنّ الشعر ذو جوهر تعجبي”(3)

على سبيل الخاتمة:

قد لا أبالغ إذا قلت أنّي لست من الذين يتناولون القصائد الشعرية بأنامل الرّحمة ويفتحون أقلامهم أبواقا لمناصرة كلّ من ادّعى كتابة الشعر، إلاّ أنّي وجدت نفسي في تناغم خلاّق مع هذه القصيدة التي فيها كثير من التعبيرية وقليل من المباشرة والتجريد تغري متلقيها بجسور التواصل معها، مما يشجع على المزيد من التفاعل، ومعاودة القراءة والقول، فكان ما كان في هذه الصفحات من مقاربة سعت إلى الكشف عن بعض جماليات هذه القصيدة مربوطة بالبنية اللغوية التي عبّرت عنها..

والسؤال الذي ينبت على حواشي الواقع:

هل لامست كلمات الشاعرة شيئا ما في دواخلنا وحركت بحور شوق لأبائنا ساكن فينا ؟ وهل هزت وتراً ما من مشاعرنا وألهبت حماسنا لأخذ زمام المبادرة لصياغة قصيدة تهدى لأب حنون كان بالأمس وسادة ريش لنا حين يداهمنا السقوط.. ؟

ويظل الجواب.. عاريا.. حافيا.. ينخر شفيف الروح..

 

محمد المحس- ناقد تونسي

.............................

الهوامش:

1-اللغة العليا ص: 116جون كوبن.. ترجمة أحمد درويش.. ط2 القاهرة 2000

2-البنيات الأسلوبية في لغة الشعر العربي الحديث ص: 38-ط-الإسكندرية 19903-اللغة العليا-ذُكٍر سابقا-ص: 74

3-اللغة العليا-ذُكٍر سابقا-ص: 74..

 

قصي الشيخ عسكرتمهيد: الدكتور علي القاسمي لغويّ وباحث متمرس وأديب يتعامل مع الكلمة بإحساس مرهف وخيال عميق أضف إلى ذلك كونه يجيد عدة لغات حيث اطلع من خلال الدراسة الأكاديمية على الأدبين الإنكليزي والفرنسي، واستوعب عبر المطالعة والبحث النظريات والتيارات الأوروبية الأجبية والفلسفيّة ممّا ترك ذلك أثرا إيحابيا على ماكتبه من بحوث وماصجر عنه من إبداع أدبيّ.

وكان من حسن حظّي أن أطّلع على كتابه الأخير الذي يختوي عدة قصص منها قصة <الآنسة جميلة> التي نشرها في إحدى الصحف الألترونيّة فلفتت نظري فكتبت عنها ثلاث مقالات نشرتها في الصحيفة نفسها.

والحق إنّي أدركت بعد قراءتي لقصة <الآنسة جميلة> والقصص المنشورة معها في هذا الكتاب أنّ الدكتور القاسميّ أبدع فنّا جديدا يمكن أن نطلق عليه <قصص السيرة> إلّا إني في هذا البحث لم أعالج حميع موضوعات قصص الكتاب بل تناولت جانبا منها ألا وهو موضوع الاغتراب آمل أن يدرس مجالاتها الجمالية والفكرية النقاد والأدباء ويوفوها جقها من البجث والتحليل.

تعريف الاغتراب:

الاغتراب: alienation، في اللغة الإنكليزية مشتقّ من اللغة اللاتينيّة وهو نفسه اعتمدته الفرنسية، ويعني تجريد الفرد من ممتلكاته وبيئته [i] والمعنى ذاته نجده في قاموس الهجين الدنماركي[ii] أمّا في اللغة العربيّة فالاغتراب مشتقّ من الفعل أو المصدر <غرب> ومعناه غاب وبعد[iii] أو غاب وبعد واسودّ وجهه وغمض وخفي[iv] وإذا انتقلنا من المعنى اللغوي إلى المصطلح نجد أنّ الغربة تعني اصطلاحا العجز والاستسلام والهراء وفقدان المعنى [v].

وعلى الرغم من المعنى السلبيّ الذي تتضمنه كلمة اغتراب وغربة في اللغة العربيّة إلّا أنّ هناك معنى إيجابيا ورثناه عن تراثنا الشرقي القديم بصفة عامة والعربي الإسلامي على الأخصّ، ففي الفكر الشرقيّ الروحيّ نطالع قول النبيّ يعقوب <ايّام سني غربتي مائة وثلاثون سنة قليلة وردية كانت أيام سني حياتي ولم تبلغ إلى أيام سني حياة آبائي في أيام غربتهم>[vi] إنه يحد حياة اغتراب آبائه الطويلة مدى إيجابيا لأنّ الاغتراب بنظره يحمل الإنسان بعيدا عن كدر الدنيا فيجعل حياته قريبة من الصفو والتأمّل، ولنا عبرة أيضا في التراث الإسلاميّ حيث الحديث النبوي الذي يؤكد المعنى الإيجابيّ للاغتراب <بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا طوبى للغرباء>[vii]

على وفق المفهومين السلبي والإيجابي المذكورين آنفا سندرس في الصفحات التالية مفهوم الاغتراب وفلسفته في قصص السيرة عند الأديب الدكتور علي القاسمي حسب العنوانات التالية:

1 - السرد الوصفي

2- شخصيات الاغتراب

3- الحيوانات والطيور

4 - أدوات الاغتراب

السرد

يستند السرد الاغترابي عند القاسمي إما إلى الاستناد للتاريخ بتفصيلات مهمة تنقل القارئ من لحظة الحاضر إلى الماضي فيضعنا في اللحظة التاريخية كما لو كنا نحن الذين نعيشها عبر معايشتنا لأهل ذلك الزمان في قصة الآنسة حميلة نقرأ النص الآتي الذي اقتطعناه من قصة الآنسة حميلة:مدينة شفشاون التي تُلقَّب بـ &quot;الجوهرة الزرقاء لروعة طبيعتها الجبلية الخلابة، تأسَّست سنة 1472 لإيواء مسلمي الأندلس الذين طردهم الإسبان، فحملوا شيئاً من ثقافتهم الأندلسية معهم إلى البلدان المغاربية التي لجأوا إليها. ولم يكُن أولئك اللاجئون من أصول مغاربية إسلامية فحسب، بل تعود أصول معظمهم كذلك إلى جميع أصقاع الإمبراطورية الرومانية النصرانية القديمة. وقد أسلموا إبّان الحكم الإسلامي المتسامح لإسبانيا الذي دام ما يقرب من ثمانية قرون. وعندما أمشي في أزقة شفشاون، أرى الأطفال بعيونٍ خضرٍ وزرق وشهلٍ وسودٍ وبنيةٍ وعسليةٍ، وبشعرهم الأسود والبني والبني الدافئ والأشقر والأشقر الذهبي وغيرها من الألوان. وقد تحوّلت هذه المدينة إلى قلعة لمقاومة الاستعمار الأوربي في القرن السادس عشر وما بعده. ويمتزج جمالُ أهلِها بشموخِ التحدي والإباء.

فالقاص بهذا الوصف جعلنا نعيش أجواء الماضي كأننا ضمن المجموعة التي طردها الأسبان وهو وصف دقيق استند إلى ثقافتين واسعتين ثقافة أدبية وتاريخيّة.

وهناك أيضا وصف الطبيعة الساكنة والمتحركة الذي يزيد قصص السيرة حيوية ويبعدها عن الرتابة والملل.قصة الصديقة الفرنسية:

وأخيراً وصلنا جبل سان ميشيل وهو جزيرة صغيرة تبعد حوالي كيلومتر واحد عن ساحل منطقة النورماندي في الشمال الغربي من باريس. وترتفع هذه الجزيرة التي على شكل جبل من صخور الغرانيت حوالي 80 متراً عن سطح البحر. وخلال القرون الوسطى بُني عليها ديرٌ وحديقة يعدان من روائع العمارة القروسطية. ونشأت حول الدير قرية سياحية تكثر فيها الفنادق والمطاعم.

أو أن يستند الوصف الاغترابي عنده إلى وصف المكان الحالي الذي نجده غامضا بنظرنا ولا نعرف كيف نتعامل معه وربما نتردد في التعامل معه حتى نكتشف سرّه .نقرأ في قصة ذكرى:

تردَّدتُ وهلةً قبل أَنْ أجتاز عَتبةَ الدار بِوَجَلٍ، لأُلفي نفسي في جُنينةٍ واسعة لم تُشذّب نباتاتُها منذ مدَّةٍ طويلة، فَنَمَتْ أعشابُها وتشابكتْ شجيراتُها مكوِّنةً عدَّة أجمات، فاستحال العثور على كُرتي. وأخذتُ أفتِّش عنها بين الأعشاب وخلف جذوع الأشجار بإحدى عينَيَّ، في حين ظلَّتْ عيني الأخرى ملتصقةً بالمرأة تراقبها وتُحصي حركاتها.

وفي طرفِ الجُنينة القريب من باب الدار الداخلي أُقيمتْ طاولةٌ مغطّاةٌ بغطاءٍ حريريٍّ مزخرفٍ تحيط بها أربعة كراسٍ، وعليها إبريق شاي وعددٌ من الفناجين وقالب حلوى كبير.

وجلستِ السيدة إلى المائدة، وقد صبّتْ لنفسها فنجانَ شاي، ولكنَّها لا ترتشفه، وأمامها قطعة حلوى في صحن صغير، ولكنَّها لم تأكل منها.

الوصف آنفا لحديقة امرأة تعيش وحدها في عزلة عن الناس ولم تكن هي التي اختارت العلة أو الغربة تلك بل المجتمع الذي ظنها جنية وتحاشاها لنجد فيما بعد أن الرعب الذي عشناه هو في الحقيقة وهم زرعناه في نفوسنا لأسباب متباينة منها نفسية واجتماعية وسواهما من التأويلات الأخرى.

إنّ الوصف الاغترابي في قصص السيرة عند القاسمي قد يهاجر في الزمان فيتداخل بالحاضر أو أن يتناول المكان والمكان يمكن أن يتوزّع بالشكل التالي:

1- المكان المحلي مكان ولادة الشاعر على وفق ماوصفه في إحدى قصصه لمدرسته ومعلميه وورفاقه الصغار ونهر بلدته والناس المحيطين به.

2- المكان العربي وهو العراق ولبنان وبعض الدول الىآسيوية وأوروبا وأمريكا وأفريقيا بخاصة المغرب والحق إن القاسمي سافر إلى كثير من البلدان فالتقطت عينه المتأملة الخبيرة كثيرا من المشاهد فهو رسام بالوصف نقل لنا في قصصه مشاهد عالمية كثيرة لطبيعة تلك البلدان مثل نهر السين في فرنسا وغابة بولونيا والقلاع والحصون الأثرية والمعالم الحديثة وأناس تلك البلدان وعاداتهم وتقاليدهم وطرق تعاملهم.

إنّ وصف الشاعر في قصصه يتعزز للاستناد إلى موضوع الاغتراب باختيارات دينيّة وأدبية وفلسفية منها:

أولا: الاستشهاد بالقرآن الكريم ومافيه من قصص يعززبها الكاتب أسلوبه ونفسية شخوصه:

وفي اللحظة نفسها، تمثَّلَ لي أبي وهو يفسِّر لي سورة يوسف في القرآن. يعقوب يحبّ كثيراً أصغر أولاده، يوسف. إخوة يوسف يغارون منه، لأنهّ يحرمهم من حبّ أبيهم، أو هكذا يتوهّمون. يتآمرون على يوسف. يأخذونه معهم إلى البادية للَّعب، على الرغم من اعتراض أبيهم. يذهبون به بعيداً عن القرية. يلقونه في بئرٍ للتخلُّص منه.

إذن سيتأكَّد لأبي أنَّني أغرقتُ أخي حسن عمداً. قد لا يفعل شيئاً، تماماً مثل يعقوب. ولكنَّ قلبه سيظلُّ حزيناً مكلوماً، ولا مكان لي فيه.

ثانيا: الاستناد إلى الشعر العربي القديم والحديث:

قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا

وهو في هذا الموضع يبين منزلة المعلم عند التلاميذ والمحتمع في ذلك الزمان.

ثالثا: الاقتباس من النصوص الإنكليزية أو الفرنسية ليجعلنا نعيش أجواءها من خلال ترجمته القصة رقم 8 أستاذتي الدكتورة سيرين ديلي:

في مجرى الذكريات، وقفَ أخي ينتظرني، ويداهُ مملوءتانِ بالتوت:

أختاه! هذه حبّاتُ جسدي، خُذيها وكُليها!"

رابعا: الهوامش التي يستعين بها الكاتب لتوضيح فكرة أو استطراد أو استدراك وهو أسلوب تستخدمه القصة والرواية الحديثة واستخدمته في روايتي التوثيقية قصة عائلة فنحن نحتاح الهوامش حين ناحدث عن وقائع وتواريخ مما يضفي على القصص أو الرواية بعدا فنيا وجماليا مؤثرين.

خامسا: إيراد بعض المصطلحات والعبارات الأحنبية كما هي في لغتها الأصلية وبالحرف اللاتيني إما لانتفاء معادل عربي لها أو قصد أن يحعلنا الكاتب نعيش أجواء قصصه وعوالمها.

سادسا: الحكمة والأمثال مثل المثل المشهور : لِكلِّ فتاةٍ خاطبٌ، ولِكلِ مرعى طالبٌ".[viii]

وكلّ ذلك جاء بإطار عبرت عنه الألوان فاكتمل بها، ولو تتبعنا قضية السرد المذكورة آنفا لوجدنا أنها اتخذت بعدا فلسفيا في الاغتراب بشقيه السلبي والإيجابي لأن الالوان تحمل مدلولات عالمية وفق ثقافات الشعوب وأديانها فقد أصبحت الالوان شعارا للأجناس وفق رأي دارون[ix] حسب الألوان:

الأبيض: رمز السلام باقة ورد من الطلاب بيضاء للأستاذة المهاحرة إلى لبنان قصة رقم 8 أستاذتي الدكتورة.

الأبيض للنقاء والزينة بنت الحيران التي كانت ترتدي فستانا أبيض قصة وفاء، وقصة غزال يستجير بفلاح رقم 5 مرتجيا ثوبه الأبيض.

العنف: السلاح الأبيض قصة الجرس الأول.

السواج: الحزن والكآبة:

اصطدم بصري بحسم متلفع بالسواد قصة الذكرى رقم3

الشؤم: سرب من البط البري تتقدمه بطة كبيرة قاتمة اللون كالبجعة السوداء[x]

الازرق: قصة رقم 8

باقة ورد من عصافير الجنة الزرقاء التي ترمز إلى الفرح.

الأصفر: الخوف

قصة السباح أصبح وجهي أكثر اصفرارا.

ولا نفغل أيضا ورود الألوان في وصف الطبيعة وحمال الآثار التي حفلت بها قصصه وحاءت ضمن الوصف في السرد في مواضع كثيرة.

الشخصية المغتربة

تعبّر عن شخصية البطل في قصص السيرة عند القاسميّ الضمائر التالية:

ضمير المتكلم: الأنا

الغائب: هو هي

التداخل بين ضمير المتكلم والغائب.

أن تكون أنت القاص عن نفسك سواء في قصص السيرة أم غيرها يعني أن عينك تراقب وتدور وأنك تصبح حرا من قيود الصنعة والمباشر إن القص بضمير الأنا يعطيك مساحة أكبر في التعبير عن نفسك ومساحة أوسع في الوصف والشمولية، وابطال قصص القاسمي في ضمير الأنا ينضوون على وفق القائمة الآتية:

أبطال أطفال صغار أو صبيان

أبطال كبار مثل البطل الحامعي أو الموظف.

في الأبطال الصغار نجد المؤلف يتحدث في بعض القصص عن طفولته فيرسم صورة ناصعة لبطل مغترب إيحابي صغير بطل يتغلب على الخوف الذي اختلقه المحتمع وعاش فيه فلم يجرؤ أحد من الكبار على اقتحامه أما البطل الصغير <الأنا> فيصبح مكتشفا ينهي عقدة المحتمع تلك كأنه يقول لنا نحن حيل المستقبل نحن أصحاب العلم والمعرفة ونحن المكتشفون.إنّ الطفل البطل في القصة هو تجديد لحياة المجتمع وتصجيج لمعتقداته فقد فكّ حلقة العزلة عن امرأة ظلمها المجتمع الذي يظنها ساجرة أو حنية بينما تعيش هي على ذكريات الماضي وصور تختفظ بها لأحبة فقدتهز.إنها تعيش اغترابا سلبيا واقتحام الطفل لبيتها بصورة جريئة على وفق القانون كونه طرق الباب بصبر بعد أن نفد صبره ولم يحاول أن يقفز أو يتسلل إلى البيت فقد دخل عالما جديدا بحياة اغترابية إيجابية حصل منها على معرفة جديدة.البطل بضمير الأنا يصف ما اكتشفه في قصة الذكرى:

ووضعتْ يدَها على رأسي برفق، وقبّلتْ وجنتي بحنان، وأَوصدتْ الباب خلفي في تُؤدة.

وفي الزقاق، شاهدني أَحدُ الرفاق من الأطفال، وأنا أخرج من دارها، فقال لي بدهشة:

ـ هل رأيت الجِنِّيّة؟!

أجبتهُ باقتضاب:

ـ إنَّها على غير ما كنّا نظنّ.

ومضيتُ إلى منزلي بصمت.

فلماذا لا يكون دخول البيت الغامض لنا هو قراءة تاريخنا الذي فهمناه خطأ وما الطفل إلا رمز للجيل الجديد الذي عليه أن يبر أغوار الماضي ليعرف الحقيقة ويدرك نفسه جيدا؟

أما البطل الطفل الثاني فتجسده قصة <السباح> البطل يتحجث بضمير الأنا وشخصية الغائب هو موازية له من حيث الأهميّة البطل عمره أثنا عشر عاما وأخوه ستة أعوام الكبير سباح ماهر يروم أن يعلّم أخاه الصغير السباحة فيغتنم فرصة سفر الاب في شغل ليقنع أمه أن تسمح له باصطحاب أخيه إلى النهر، وهنا يبدو لنا زمن مستقطع هو زمن السفر الاغترابي للأب الذي يستغله البطل من أجل فعل يظنه منفعة أو خيرا يذهب مع أخيه إلى النهر ومن المدهش أنه يمارس تمرين أخيه فيغفل عنه دقائق ولم يعد يراه أما الأخ ذو الأعوام الستة قيغط غطة طويلة.هنا لدينا زمن اغترابي قصير يستغله الشخص الثاني في القصة يريد أن يصادق الماء فيبقى داخله أطول فترة ممكنة إلى درجة أنّه يظنّ نفسه غرق.وهنا نصل إلى ذروة الاغتراب الإيجابي الصغير البرئ يتطهر يمنحه أخوه درهما شرط الا يقول للأمّ أنّه غرق لكن من خلال الحوار الآتي نجد أن الطفل يرفض أي عرض مقابل أن ينكر الحقيقة:

ولكي أبرهن له على صدق وعدي. أخرجتُ آخر درهم لدي ودسَستُه في يده، قائلاً له وأنا أفتح باب المنزل:

ـ على شرط أن لا تُخبِر أُمّك ولا أختك بتلك الغطسة.

ما إنْ دخلنا المنزل، واستقبلتنا أُمنا باسِمةً فرِحةً بعودتنا، حتّى صرخ حسن بأعلى صوته قائلاً:

ـ ماما، أنا غرقتُ في النهر. أتعرفين؟ أنا غرقتُ.

عند ذلك أمسى وجهي أكثرَ اصفراراً، وقلتُ لأُمّي بعينيْن مُنكسرتَيْن وبنبرةِ اعتذار:

ـ صدّقيني، يا أُمّي، أنَّني قرَّرتُ إذا غرق حسن، فإنَّني سأُغرِق نفسي معه، ولن أعود إليك.

قالت أمّي:

ـ يا لِخيبتي! يا لِلذَّكاء! لكي تنكبني بولدَيَّ كليهما، بدلاً من ولدٍ واحد.

إن ّ صبيّا بعمر 12 سنة يفكر بالإقدام على الموت فيما لو حدث مكروه لأخيه بسببه وهو تفكير بمسألة عظيمة لأنّ الموت لا يخص البشر وحدهم بل ايشمل المخلوقات كلها[xi] وقد ورد التفكير في سره ومعناه منذ ملحمة جلجامش مرورا بالعهد القديم أو كما يقول النصّ الدنماركي إن حهود الأطباء تنحصر فقط في تأجيله لكنّ بطل القصة يختصره في لحظات فلو مات أخوه لانتحر غرقا هو موقف اغترابي سلبي أمّا الزمن القصير جدا الذي مارسه الصغير تحت الماء فهو بالتأكيد أقلّ من دقيقة، وهو زمن الاغتراب الإيجابي حين اختفى الصغير في النهر تلك اللحظات التي تداخلت بطفولته فانطبعت بسلوكه وتقدمت به خطوة أخرى نحو الرجولة.أي مايشبه غيبة النبي يوسف في الجب التي توافقت مع نبؤته فتغلبت على اغتراب إخوته السلبيّ وتجدر الإشارة إلى أن التبي يوسف الذي مارس العلاقة مع الماء في الخب هو الشخصيّة الأولى في القصة أما الصغير الذي مارس الغوص في الماء فهو الشخصية الثانية.

إنّ فلسفة الموت في قصص الأخوة تتخذ في أغلب الأحيان وحهة اغترابية سلبيّة سواء أكانوا أكثر من أخ أم أخوين فمنذ قتل ثابيل أخاه هابيل احهت بنا القصص نحو التناقض، فيما بعج ظهر أخوة يوسف، وفي الآداب الأوروبية نقرأ الكتب ونسمع الموسيقى عن أخوة الدم وهي قصة عن أخوين يولدان في عائلة فقيرة تتبنى أحدهما عائلة غنية والآخر يبقى مع أمه يعيش فقيرا فيتحرف وأخيرا يتنافسان على حب افتاة فيقتل الأخ أخاه[xii] وقد اسنوعبت السينما العربية الفكرة ذاتها فقدمتها في أكثر من شريط، أما القاسمي الذي استوعب درس الأخوين فإنه نآى بهما عن العنف وجعلهما ينسجمان باغتراب آخر إيحابي لايتحكّم فيه الموت بل خاطر الموت البعيد فيما لو أخفق الأخ الصغير في تحربته الجديدة ولم يخفق لكنه انتقل إلى حالة أخرى من الوعي والتطهير.

وتتمثل شخصية الأنا والهو أي المتكلم والغائب في قصة < لقد سقاني القهوة> في انسجام تام فتبدو الشخصيتان على اختلاف من الناحية الفكرية.الابن واقعي لايؤمن بالأحلام ونتائحها كونه متعلما ذا ثقافة والأب يؤمن الأحلام والغيبيات إنه ليس شخصية سلبية تمارس الاغتراب وتتخذه نهحا سلبيا فتنحو به منحى التشاؤم بل الهو شخصية تتخذ من الحلم وهو اغتراب زمني داخلي منهحا للتفاؤل

" لا تخَفْ، يا ولدي، فقد رأيتُ حُلُماً الليلةَ البارحة. رأيتُ نفسي واقفاً أمام لوحة الإعلانات في مدرستكَ، وقد علّقوا عليها قائمةً بأسماء الناجحين، واسمكَ الأوََّل في القائمة."

تهلّلَ وجهُ أُمّي بالفرح، وارتفعتْ أصوات أخوتي بالتهنئة، إذ كانت لهم ثقةٌ مطلقةٌ بأقوال والدي وأفعاله. أمّا أنا فقد أخذتُ قوله على سبيل الشفقة عليَّ، والتسكين والطمأنة لي، لئلا تسوء صحّتي بسبب القلق والتوجُّس.

وقد تطالعنا شخصية الغائبة مع الأنا في منهج اغترابي يتحول من السلب إلى الإيجاب مثل شخصية جميلة التي تخطئ عن عمد لكنها تصحح خطأها فتتعايش مع الموسيقى الأندلسية والموسيقى الأندلسية موضوع اغترابي قوّمت به البطلة مسارها فاندمجت بعالمه، وهناك البطلة في قصة< > التي حملت في فترة الخطبة ونخلى عنها خطيبها كونها فقيرة في القصة انتقل البطل من اغتراب إيجابي إذ كان يحاول العمل والسعي في المجتمع الجديد وعندما تحقق له ماأراد تخلى عن خطيبته الفقيرة ولم يشفع لها أنها حامل منه فبدت خلال كفاحها المسنمر أنها تعايش في محتمعها اغترابا إيجابيا على الرغم مما مرت به من مأساة.

وقد نحج في قصة من قصصه شخصيّة موازية في موقفها الإيجابي من شخصية تاريخية مثل قصة <غزال يستجير بفلاح> وتعنى القصة بغزال طارده إبان احتلال الإنكليز للعراق ضابط إنكليزي فلجأ إلى خيمة بدوي فمنع الضابط الإنكليزي من أن يقتل الغزال وحدثت مشادة بينهما فقتل البدوي الضابط وتذكّرنا هذه القصة الحقيقة التي عايشها أشخاص معاصرون للسارد بشخصيّة مجير الجراد الذي ضرب المثل به <أحمى من مجير الجراد> وهو مدلج بن سويد الطائي الذي طارد قوم سرب جراد فحط على خيمته وحين جاء الصيادون ليلتقطوه قال لهم لقد استجار بي وستتحول الشمس ‘لى ناحيته بعد ساعة فإذا طار وابتعد عن خيمتي لكم الحق في صيده[xiii] وللموازنة بين القديم والحديث نقول إنّ الشخصية الجاهليّة لم تعش حالة الاغتراب لكن الشخصية المعاصرة وعت العادة القديمة في حماية الحار ومارست الجفاع عن النفس ثم قُدِّمت إلى المحاكمة وعاشت اغترابا حقيقيا بعد المحاكمة لتواحه بعج سنوات الاغتراب الحكم بالموت من جديد.

علينا أن ندرك إذن أن هانك شخصية رئيسية بضمير الأنا الذي إما يكون بطلا أو مراقبا ساردا للحدث وشخصية الهو التي تكون إما سلبية أو شخصية شريرة مثل الضابط الإنكليزي أو شخصية سلبية مثل شخصية مزيد العلوان في قصة <حسناء وأختاها> القصة رقم 12 حيث يمارس كريم وهو شخصية ثانوية اغترابا إيجابيا في بداية قدومه إلى المغرب ثم يتخلى عن كل ذلك ويوغل في اغتراب سلبي بعد أن يصبح ذال مال، ومن الشخصيات السلبية الرئيسية مثل شخصية جانيت الباريسية التي يكتشف البطل أنها رغبت في عرضه الصداقة للانتقام من حبيبها والحبيب السابق نفسه يمارس اغترابا سلبيا حين يتخلى عنها ويصادق عربية لبنانية وينتبه البطل في النهاية لكل ذلك فيرفض أن تذهب معه إلى شقته<القصة رقم 13> الخيانة والانتقام.

في قصة الشخصيّات تبقى إشارة مهمة إلا وهي إن بعض الشخصيات التي تحدث عنها السارد بضمير الغائب المؤنّث<هي>قج لا تكون تمارس اغترابا إيحابيا أو سلبيا بل هي شخصيات مهاجرة تركت أوروبا للعمل في الشرق مثل السيدة سيرليان دولي ومادموزيل كوليت حيث تعمل الأولى أستاذة للغة الإنكليزية في الجامعة الأمريكية ببيروت والأخرى لها في العاصمة اللبنانية محل وكلتلهما مهاحرتان وللثانية تاريخ عريق في الأدب والفكر ورثته من حدها الكاتب المشهور وقد عادت بعد هجرتها إلى باريس وتوفيت هناك.

الأدوات

هناك رموز للطبيعة المتحركة مثل الطيور والحيوانات والطبيعة الحية الساكنة كالنبات استخدمها الكاتب لتعزيز قصص السيرة ومنحها افقا فلسفيا واغترابيا من هذه الأدوات:

البط:

أعطى الكاتب الشخصيّة الثانية في قصة<وفاء> الرقم 2 فهي توازي بطل القصة الطفل الذي يتعلق ببطة اشتراها له أبوه فأصبحت صديقة التي تودعه حين يذهب إلى المدرسة وتنتظره حين يعودـأ أود الإشارة إلى أن البط على وفق التصوّر العالمي يرمز إذا ما ظهر في الحلم إلى التفاؤل ابطة التي تمشي أو تطير فإن خبرا يصل إليك بالبريد والبط الذي يسبج يشير إلى حالة صحية حيدة وعلامة على أنك تتغلب على مناوئيك[xiv] والبط في قصة السيرة وفاء يحقق لللبطل سعادته على حساب اغترابه هو ذلك الاغتراب الذي لا نحس به إلا في النهاية فالبط يسبح ويطير ويتعايش مع البطل الطفل لكنه في الأخير يطير مبتعدا حين يرى سربا من طيور البطل مهاحرة في السماء فيلتحق بها عندئذ نشعر أنه كان يعاني من اغتراب نفسي بل هو اغتراب إيجابيّ كونه أضفى على البطل الصغير سعادة غير متناهية.قصة البط تذكرني بشريط سينمائي شاهدته في كوبنهاغن عام 1989 يحكي قصة شاب يربي حيوانا يسمى ثعلب الماء

Otter

لا أتذكر اسم الشريط ولا تفاصيل القصة غير أن مابقي منها في ملامحي أن ثعلب الماء يترك البطل الشاب حالما يرى ثالب الماء في النهر فينضمّ إليها وقد تلخص ما نحن بصدده القصة القديمة الطبع غلب التطبّع.

الغزال

تأخذنا قصة غزال يستجير بفلاح إلى قدسية الغزال في فكرنا العربي القديم لارتباط الغزال بمسألة العبادة فقد كانت الشمس تسمى عند العرب بالغزالة، والغزالة كانت موحودة على ظهر الكعبة، ويقال إنّ الحارث بن عمرو جد الشاعر امرئ الفيس طارد غزالة فصادها وأكل منها فمات.وحدث أن هلكت أمة من الامم لأنها لأنها طاردت غزالة لحأت إلى الكعبة فرمتها بسهم[xv]

إن الحيوان نفسه حين يمارس الهرب إلى مكان مقدس يمارس اغترابا إيحابيا لحماية نفسه فالكعبة تؤوي الحيوان وخيمة الفلاح أو البدوي تؤوي الطائر إن المادة أو الأداة هي بنظر البنيويين واحدة وإن تغيرت المسميات.

القهوة

بالرجوع إلى تراثنا العربي حقبة ما قبل الإسلام التي أطلقنا عليها العصر الجاهليّ نحج أن كلمة قهوة تعني الخمر ورد في المعاجم اللغويّة :قهوة من قهو وهو فعل يجل على الخصب ورجل قاه كثير الخصب وسميت الخمرة بالقهوة لأنها تغني شاربها عن الطعام والخمرة ما أسكر من عصير العنب [xvi] يقول الأعشى في معلقته الشهيرة

وفتية كسيوف الهند قد علموا أن هالك كل من يحفى ةينتعل

نازعتهم قضب الريحان متكئا وقهوة مزة راووقها خضل[xvii]

ويمكن أيضا في عصر متأخ مراحعة ديواني أبي نواس وابن المعتز في التغزل بالقهوة الخمرة، ويبدو أن القهوة بمفهومها المعاصر تتخذ موضعين في قصصه الأول ذكرها بصفتها عادة يتناولها المرء في المقهى أو عند الصباح وفي أوقات معينة أو تقديمها للضيوف، بصفتها علامة ترحيب ولكونها تدل على الراحة وحبة لها نحده يترحم لنا قصيدة في القهوة لشاعر فرنسي قصة الصجيقة الفرنسية رقم14

صبَّ القهوة

في الفنجان،

وصبَّ الحليبَ

في فنجان القهوة،

ووضع السكر

في القهوة بالحليب،

وبالملعقة الصغيرة

خلطها..

شربَ القهوة بالحليب،

وحط الفنجان

والموضع الآخر علاقة القهوة بالأصالة والمستقبل فقد أصبحت القهوة مرادفة لكلمة عربي نقول القهوة العربية أو القومية التركية كما يصفها الغرب بكلمة قهوة تركية على الرغم من أنها قدمت إلى البلاد العربية من أثيوبيا في القرن 16 وجخلت إنكلترة في القرن 17 عبر الرحالة الذين كانوا يصفون ذلك الشراب الذي يتناوله المسلمون في مقاهيهم[xviii]، وقد خصص الكاتب عنوانا لقصة من قصص السيرة هي قصة لقد سقاني القهوة فحاءت تعبر عن الأصالة العربية والمستقبل معا.لقد قلنا إن معنى القهوة القلب من السلب إلى الإيحاب فالكلمة التي كانت تدل على معنى سلبيا يجعلنا نغترب معنه الإسلام فحاءت مادة أخرى غير الخمرة حعلناها تحمل معنى الخمرة[xix] فدلت على الخير في القصة البطل الشاب ينهي دراسته الثانوية لكنه شارك في مظاهرات تشحب بعض سلبيات الحكومة وخشي ألا تمنحه الدائرة الأمنية نصريحا بالدخول إلى الجامعة فيصحب أباه معه إلى تلك الدائرة وفي بابها يلتقيهما رجل يسقي القهوة ويختفي وعندما يدخلان يسألان عنه فينكر الموظفون أن هناك شخصا بهذه المواصفات يعمل معهم ويحصلان على التصريح.لقد قرأت القهوة مستقبل ذلك الشاب الذي أصبح فيما بعد

يحتل مركزا مهما ورحلا مشهورا.والعحيب أن القهوة الغريبة عنا المنبهة أساسا مسحا فعل القهوة الخمر فأصبجت تدل على أصالتنا ومستقبلنا.

على وفق هذا المنظور كان من المفروض أن تسير الحياة برمزها الإنساني القهوة نحو الممارسة للاغتراب الإيجابي لكن هناك بعض المظاهر التي تشذّ عن القاعدة فقج كان السارد يتناول القهوة في مقهى فيصل مع الشاعر اللبناني المرموق خليل حاوي الذي انتحر فيما بعد بسبب غزو إسرائيل للبنان وأثر هذا التغرب والاغتراب السلبي في نفس القاص قصة رقم 8 أستاذني الدكتورة سيرلين ديلي.

النهر

النهر يمثل الطبيعة الحيوية المتحركة وفي فلسفة اليونان ورد أنك لا تدخل النهر الواحد مرتين لأن مياها جديدة تجري من حولك أبدا[xx] بإمكاننا أن نبدل كلمة النهر فنضع مكانها البحيرة أو البئر على وفق رأي البنيويين الذي يرون أن الكلمة المرادف يمكن أن تحل بصفتها بديلا يؤدي المعنى نفسه[xxi] واللافت للنظر أن الكاتب في قصص السيرة تحدث عن نهر بلدته في قصتين من قصصه هما الدرس الأول وقصة وفاء بصفة النهر تطهيرا ووسيلة معرفة لاغتراب إيحابي جديد، إن النهر أو الماء بلا شك وسيلة تطهير في كل الثقافات والأديان[xxii]، في التطهير يمثل النهر غرق الأخ ورحوعه إلى الحياة وهو اغتراب إيجابي.قصة السباح.

المعرفة: الأب يصطاد السمك من النهر ويعيده إليه والسمك يرتبط بالمعرفة قصة وفاء، وفي قصة الصديقة الفرنسية نجد الكتب حنب النهر:

 

وبعد درس يوم الأربعاء، اختارت جولييت أن نسير إلى الضفة اليسرى لنهر السين التي لا تبعد كثيراً عن السوربون، وذلك لنعبر إلى الضفة اليمنى ونجلس في أحد المقاهي في ساحة كاتدرائية نوتردام دي باريس. وفيما كنا نسير مستمتعين بمنظر النهر الذي كانت تمخر فيه أنواع مختلفة من القوراب والسفن، توقفتْ عند أحد أكشاك بيع الكتب القديمة المنتشرة على الضفة اليسرى من النهر، وسألت صاحب الكشك عن الطبعة الأولى لديوان " كلمات " للشاعر جاك بريفير، فأخرج الرجل الكتاب واقتنته جولييت.

الكرة:

وردت الكرة في قصة ذكرى وهي الأداة الوحيدة التي سقطت في منزل المرأة المعتزلة التي يظنها الأطفال جنية ونظن أن الكرة ترمز هنا إلى اغتراب العالم وحهلنا بالآخرين الذين يمارسون غربة إيجابية مقابل اغترابنا السلبي عنهم.

 

د. قصي الشيخ عسكر

..............................

[i] Etymology on line dictionary(alienation)

[ii] Fremmed ord I danske

[iii] ابن منظور لسان العرب، مادة غرب

[iv] الفيروزآبادي، المثلث المختلف المعنى، منشورات جامعة سبها، 1988، مادة غرب ص 287

[v] الفلاحي، الدكتور علي إبراهيم، الاغتراب في الشعر العربيّ في القرن السادس الهجريّ، ط 1، 2013 عمان الأردن، ص15.

[vi] تكوين 47\9

[vii] صحيح مسلم، رقم الحديث، 2145، ابن ماجة 3986، بحار الأنوار 52\191.

[viii] لسان العرب مادة رعي

[ix] Faber Birren، the symbolism of color، Citadel press1988 p7.

[x] يراجع كتاب الدكتور حسين سرمك، رسالة وجودنا الخطيرة، 2020 ص 34، كذلك قصي الشيخ عسكر رواية رسالة.

[xi]Bent A.Koch، Den sidste Fjende، København، 1969.p14، 59

[xii]Blood brothers، Willy Russel، Samuel French، London، 1985

[xiii] راجع بصدد القصّة : الميداني، مجمع الأمثال، المثل أحمى من مجير الجراد

[xiv] Edwin Raphael، The complete book of dreams، foulsham، Great Britain p120

[xv] راحع كتابنا معجم الاساطير والحكايات الخرافية الجاهلية نشر دار الوراق عمان الأردن، 2014، مادة غزال، غزال الكعبة

إضافة إلى كتب التراث مثل الأغاني معحم مقاييس اللغة مادة عفر، جيوان حسان بن ثابت ص26 – 30.

[xvi] لسان العرب مادتي قهوة وخمرة

[xvii] الشنقيطي، شرح المعلقات العشر، حققه محمد عبد القادر الفاضلي، بيروت المكتبة العصرية، 1426 للهحرة 2095 م، ص207-208

[xviii]Phil Withington، Puplic and Private Pleasures، history today، vol70، Issue6June2020، p16-17

[xix] المنقلب والمتحول من الكلمات مخطوط مادة قهوة

[xx] د جعفر آال ياسين، فلاسفة يونانيون، طبيروت، 1972 ص18

[xxi] D.W Fokkema، theores of literature in the tweneeth century، 197926.

[xxii] فيليب سيرنج، الرموز، ترحمة عبد الهادي عباس، دار أمل، جمشق، 1992، ص353

 

 

في المثقف اليوم