عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

هل سيأتي يومٌ تضيع فيه آخر ملامح وجهك بين رحيل الأيام، وتختلط بملامح الآخرين، يا صديقي؟ تلك البقايا التي ما زالت في قعر حنين ذاكرتي، ولحن أغنية تشارك عزلتي، ورسائل كتبتها وأطعمتها لهيب الشموع... لا شيء منك يعادل لحظةً نبض فيها الفؤاد بدفئك بين الضلوع. أنا التي أبقتك حيًّا في روحها، رغم أنها تمضي كل يوم مثقلةً بما تركته الحياة في قلبها، تحمل ذاكرتها كما يحمل المسافر حقيبةً امتلأت بأشياء لا يستطيع تركها خلفه. أتعلّم، هل تعلم؟ أريد الرحيل إلى مكانٍ لا يعرفني فيه أحد، مكانٍ لا يسألني من أكون، ولا يفتّش في عينيّ عن حكاياتٍ أخفيتها طويلًا. أريد لحظةً هادئة أعود فيها إلى نفسي، أتخلص فيها من كل ما أصابني وأرهقني، وأنفض عن ذاكرتي غبار ما مررت به من جراح. أحتاج مكانًا بعيدًا وهادئًا، أستجمع فيه شتات روحي، وأرمم ما تبقى من أحلامي، ثم أعود لأكمل المسير في هذه الحياة المتعبة بقلبٍ أقل خوفًا، وذاكرةٍ أقل ازدحامًا. أريد أيامًا مختلفة، خالية من الأوجاع التي لا يراها أحد، أريد وحدتي، وكتبي، وفنجان قهوتي، وصباحًا لا يحمل لي سوى السكينة. لم أعد أحتمل سخافة هذا العالم، ولا كل ما يحدث حولي، فثمة أشياء كثيرة أتعبت القلب حتى أصبح الصمت أرحم من الكلام. ومع ذلك... ما زال عندي أملٌ بعيد المنال، أن أصل يومًا إلى شارعنا... إلى شارع الضباب، ذلك المكان الذي لم يغادرني رغم أنني غادرته منذ طفولتي أتخيلني هناك، أمشي في الطريق الذي حفظ خطواتنا، وأرفع عيني إلى الأماكن التي خبأت شيئًا من حكايتنا، ثم أنادي اسمك في داخلي، لعل خوفي يهدأ، ولعل المسافة بين الماضي والحاضر تتوقف للحظة عن إيلامي. لكنني أعود إلى واقعي، وأفيق من الحلم من جديد... فلا الحلم استطاع أن يحتويني، ولا الواقع استطاع أن يطفئ حنيني إليك. تركتُ في عالم الذكرى شيئًا مني، وعدتُ إلى واقعي أحمل ما تبقى من هدوئي، لكن ذكراك لم تتركني أعود وحدي. تلاحقني في الطرقات، في رائحة القهوة، في أغنيةٍ عابرة، في كتابٍ أقلب صفحاته، وفي مساءٍ يشبه مساءاتٍ قديمة. وكلما خطوت خطوةً إلى الأمام، وجدتُ أمام عيني ملامحك... وكأن الذاكرة لا تعرف طريقًا للنسيان. ربما لا أريد أن أنساك تمامًا، ربما كل ما أريده أن أتذكر دون أن أتألم، أن أمرّ على اسمك في ذاكرتي كما يمر المسافر على مدينةٍ أحبها، ينظر إليها طويلًا، ثم يكمل طريقه. فبعض الأشخاص لا يغادروننا حين يرحلون، بل يتحولون إلى أثرٍ يسكن الروح، إلى حكايةٍ لا تنتهي، وإلى مكانٍ بعيدٍ نعود إليه كلما اشتقنا إلى نسخةٍ قديمة من أنفسنا. وأنت... ربما لم تعد في واقعي، لكن شيئًا منك ما زال يسكن ذاكرتي، وكلما ظننت أنني ابتعدت عنك، اكتشفت أن بعض المسافات لا تُقاس بالخطوات... بل بما يظل في القلب بعد أن ينتهي كل شيء. 

***

ذكرى البياتي

 

جاء انعزال الشاعر والناقد الياباني الكبير (ماساوكا شيكي) (1867 - 1902) في منزله المتواضع بطوكيو خلال السنوات السبع الأخيرة من عمره القصير كمآل محتوم، ومصير لا مفر منه، بعد أن تطور مرض السل الرئوي والعظمي لديه (داء بوت)، مستفحلا في جسده الهزيل المنهوك الذي غدا كالشبح الشاحب، سارقا منه عافيته وملامحه، فألزمه السرير لبقية عمره، وجعل من حركته محدودة ومحصورة في مكان نومه الضيق، معانيا من شتى الآلام الحادة جراء التنخم والدمامل وقروح الفراش وغيرها، وتحيط به نظرات الرعب والقلق لمن حوله بسبب العدوى المنتقلة عبر الهواء بسبب السعال والعطس والبصق والتنخم والتحدث وغيرها. ولكن رغم ذلك، كانت فترة بقاء شيكي في معزله الإجباري هذا الأكثر إنتاجا وإبداعا (1)، وقاد خلالها ثورة التجديد الجذرية للهايكو والتانكا بأسلوب مستوحى من الواقع، ومبتكرا لمبدأ الشاسي الذي تولى تلاميذه وأتباعه نشره وتطويره من بعده، ليتحول إلى تيار سائد ومؤثر على نحو عميق وجلي، وفقا ل (إيتشيكاوا سايشوه وهيرواكي ساتو ودونالد كين) وغيرهم من البحاث والنقاد. وقد وصف الأخير حالة شيكي كما يلي و(إن شغف ماساوكا شيكي الشديد بالكتابة قد أتاح له الاستمرار فيها، والإسهاب أيضا، رغم ما كابده من آلام مبرحة تحت تأثير داء السل الخطير الذي ألم به).

 لقد انتقل شيكي إلى هذا المنزل المستأجر (شيكي آن) (2) الواقع في منطقة (نيغيشي) على بعد ألف متر فقط من تلال (أوينو) الساحرة بتاريخ 1 شباط 1894 (3). مما أتاح له فرصة الفوز برؤية جمال تلك التلال بين الحين والآخر من خلال شبابيك غرفته المطلة عليها، وكانت منزلقة مطعمة بالزجاج، ركبت لغرفته عام 1899، بناء على اقتراح تلميذه الوفي (كيوشي تاكاهاما) (1874 - 1959)، وهدية من بقية الأصدقاء والتلاميذ، ليتسنى له النظر إلى تلك التلال الآسرة والزاخرة بالحياة، وهو في وضع الاستلقاء، مع الاستمتاع بضوء الشمس الدافىء الذي كان بأمس الحاجة إليه، ومشاهدة حديقته الصغيرة المزروعة بنبات الليف المعرش أمام شباكه مباشرة وزهور عرف الديك وزهرة الجرس الصينية وزهرة الصباح ووردة المسك. وقد انعكس ذلك ايجابيا على حياة شيكي، وساهم في تحريك سواكن فؤاده وتفجير ينابيع إبداعه.

و إليكم ثلاث قصائد هايكو وتانكا مترجمة عن الإنكليزية، ألفها شيكي حول تلال أوينو التي كانت تذكره بالأيام الخوالي، حينما كان خلالها معافى وقادرا على التنقل والتجول فيها وفي محيطها بحرية تامة، مستلهما منها قصائد الهايكو والتانكا الرائعة ولوحاته المائية ورسوماته لبعض مظاهر الطبيعة الآسرة المحيطة به، وممارسة لعبة البيسبول المفضلة لديه بشغف كبير (4)، كلاقط (المركز المفضل لديه) ورام (بيده اليسرى) منذ عام 1888 وحتى عام 1891 تقريبا، وهي الفترة التي كان فيها طالبا في المدرسة التحضيرية للجامعية (دايغاكو يوبيمون) وجامعة طوكيو الإمبراطورية، وله صورة شهيرة بزي لاعب البيسبول تعود لعام 1890، وفقا لبيانات ووثائق (متحف وقاعة مشاهير البيسبول اليابانية) المؤسس في عام 1959، والذي أضيف اسم شيكي إلى سجلاته عام 2002 تكريما له، للجهود التي بذلها وقتها في نشر هذه اللعبة في اليابان، وفي صياغة بعض المصطلحات المتعلقة بها باللغة اليابانية لأول مرة و

(1)

أمطار شهر أيار

و تلال أوينو

لقد ضجرت من رؤيتها

***

(2)

و أنا طريح الفراش

أزحت ستائر الشبابيك الواقية من المطر

و شمس الصباح تطل

على غابة اوينو

بينما أنعم ببهجة هذا اليوم الحسن

***

(3)

جنينتي ذات الثلاث أقدام

تتساقط فيها أوراق الشجر

الآتية من أوينو

 وصف شيكي جنينته هنا على أنها بمساحة (ثلاث أقدام) كتعبير مجازي، وقصد بها ال (شاكو)، و(القدم اليابانية - الشاكو) تساوي (30.3 سم) تقريبا وثلاث أقدام تساوي نحو (91 سم) أي (0.91 م). وكانت المساحة الممكن رؤيتها من قبل شيكي، وهو طريح الفراش، ومن خلال اللوح الزجاجي الذي بإزاء سريره في غرفتة ال (روكوجو) (5) (6).. الجنينة الصغيرة التي كانت تشهد سنويا تغير المواسم، وتستقبل أوراق الشجر الخريفية المتساقطة والمتلونة بألوان زاهية (ظاهرة كويو)، والآتية بفعل الريح من تلال أوينو الزاخرة بالخيزران الأسود (كوروجيكو) وأشجار الأرز وأزهار البرقوق (أومي) والكرز (ساكورا) واللوتس وطيور الدخل، فأتاحت له تناغما وثيقا مع الطبيعة الفسيحة الملهمة التي أحبها كثيرا، ووظفها في أسلوب الشاسي الذي ابتكره، ومنحته شعورا بالاندماج مع العالم الخارجي الذي اشتاق إليه، وما عاد قادرا على الخروج إليه، وهو في معزله الإجباري بمساحة (6) حصائر تاتامي، وهكذا اختصرت هذه الجنينة الصغيرة الحياة بأسرها في عينيه (7).

***

بنيامين يوخنا دانيال

...........................

(1) - سمي هذا المنزل المتواضع معزلا أو معتكفا، أو صومعة وهي التسمية التي أطلقها عليه ماساوكا شيكي نفسه في شباط 1894. وقدم (دونالد كين - شمس الشتاء تشرق في الداخل وحياة ماساوكا شيكي 2013) و(جانين بيشمان - ماساوكا شيكي وحياته وأعماله 1982) و(فوكوموتو إيتشيرو - سيرة ماساوكا شيكي ولو تبقى قلبي في هذا العالم 2021) و(كوبوتا ماسافومي - ماساوكا شيكي 1986)، كل بدوره، وصفا وافيا للأمر وعن تفاصيل حياة شيكي خلال مدة إشغاله له.

(2) - استأجر ماساوكا شيكي هذا المنزل ببدل ايجار شهري مقداره (6.5) ين. وقد انتقلت ملكيته وإدارته عام 1925 من أسرة (مايدا) المالكة الأصلية إلى والدته (ياي) وأخته الصغرى (ريتسو) بعد موته، وذلك بفضل ومساعدة تلاميذه وأتباعه الذين نظموا حملة مكثفة ونشطة لجمع الأموال الضرورية لذلك من التبرعات ونشر وبيع أعمال أستاذهم الموقر.

(3) - دمر المنزل المعروف باسم (شيكيان) بتاريخ 14 نيسان 1946 جراء غارة جوية أمريكية إبان الحرب العالمية الثانية، وتولى تلميذ شيكي (سوكوتسو ساموكاوا) (1875 - 1954) وغيره مهمة إعادة البناء عام 1950. وقد تم توسيع مساحته لتبلغ (405،6) م 2، وصنف كموقع تاريخي محلي تابع لحكومة بلدية طوكيو الكبرى عام 1952. ويدار في الوقت الحالي من قبل (مؤسسة الحفاظ على شيكيان ذات النفع العام) التي شهدت النور بتاريخ 18 تموز 1928، ومديرتها الحالية هي شاعرة التانكا المعروفة (ناوكو سايتو) المحاضرة المتفرغة في دورة التانكا التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية ومنسقة اختيار مجلة (ميراي) للتانكا.

(4) - تم تسمية الملعب الذي كان يمارس فيه شيكي البيسبول في تلال أوينو رسميا باسم (ملعب ماساوكا شيكي التذكاري للبيسبول) بتاريخ 21 تموز 2006 بمناسبة مرور 130 عاما على افتتاح حديقة أوينو.

(5) - روكوجو والغرفة اليابانية التقليدية (واشيتسو) التي تبلغ مساحتها (10) أمتار مربعة تقريبا، أي (6) حصائر تاتامي، مادة الأرضيات اليابانية التقليدية.

(6) - لماساوكا شيكي أعمال نثرية وقصائد هايكو وتانكا حول البيبان والنوافذ الزجاجية التي ركب بعضها في غرفته، ومنها تلك الواردة في كتاب (السحابة الزجاجية) المترجم إلى اللغة الإنكليزية من قبل الشاعرة والمترجمة الامريكية المعروفة (آبي رايدر - هوث)، والصادر عن (دار نشر أغلي دكلينغ 2024).

(7) - قدم شيكي وصفا تفصيليا ودقيقا لجنينته الصغيرة والعزيزة على قلبه في عدة أعمال، ومنها عمله النثري (سجل الحديقة الصغيرة، شو- إن نو كي) المكتوب بأسلوب (الشاسي)، والمنشور لأول مرة عام 1898 في مجلة (هوتوتوغيسو)، ويعد من أدب فراش المرض. وقد استفتحه قائلا (لدي جنينة صغيرة مساحتها عشرون تسوبو، تقع جنوب منزلي، وهي محاطة بأشجار أرز أوينو). وقد تطرقت إليه (أ. د. جانين بيشمان) الاستاذة الفخرية في جامعة دايتو بونكا اليابانية في كتابها القيم (ماساوكا شيكي وحياته وأعماله، شركة تشينغ وتسوي، ط 2، 2002).

أقرّ بدايةً أنني قارئ نهم ولا أملّ من خير جليس في الانام، بل إنني سعيت طوال الوقت، وأسعى وسوف اسعى، للبحث عن كتاب جديد اقرأه فيضيف إلي ويجعل من ذاته قرينًا لأعز مكان في الدنى. وأذكر بكثير مِن المحبّة أنني أميل إلى قراءة الروايات، لما تُضيفه إلىّ من مشاعر، ولما تجود به علي من تجارب، أعتقد أننا مجتمعين نحتاج إليها وإلى مُعايشتها مُعايشة الصديق لصديقه والوليف لوليفه العزيز الغالي. لقد قرأت في بدايات حياتي ووعي الأول العشرات وربّما المئات من الروايات وقد واصلت قراءتي هذه حتى بات بإمكاني القول، إنك من الأفضل أن تسألني، إذا اردت بالطبع، لمن لم تقرأ من الروائيين المعروفين في شتى اللغات وشتى أصقاع العالم.

منذ قراءتي الرواية الأولى، مُختصرةً أو كاملة، انشددتُ إلى قراءة الروايات، وكان أكثر ما شدُّني ويجذبُني بقوة، اكاد أقول تُشبه السحر، هو التجرِبة الإنسانية التي تضمّنها ما قرأته من الروايات، وأفصّل فأقول: إننا عادة ما نلتقي في الروايات بشخصيات نعرف أنها مُتخيّلة، لكننا نعرف إلى جانب هذا، أنها كاملة متكاملة وأن هناك خيالًا خصبًا قام بتشكيلها وتقديمها بكلّ ما تحتويه من نبض وحياة. وذلك خلافًا للشخصيات التي نلتقي بها في الحياة اليومية المعيشة، ولا نعرف مهما حاولنا، أن نتعرّف عليها تمام التعرُّف، كما يحصل معنا، في الشخصيات التي يبرع الروائي الماهر في تكوينها وتشكيلها بحيث تبات حيّةً، نابضةً ضاجّةً بالحياة، بالأفكار والرؤى والامنيات. لإيضاح هذا أقول لكم اقرأوا ثلاثية نجيب محفوظ، ستلتقون سي السيد وأولاده وكأنما هُم من أولئك الناس الذين يمكنكم أن تتوقعوا وربّما أن تجزموا بإمكانية أن يكونوا من اصدقائكم المقربين. اقرأوا أيضًا رواية الجريمة والعقاب لدوستويفسكي، لتتعرّفوا إلى شخصيتها البارزة ممثلة براسكولنيكوف وسونيا، اقرأوا إضافة إلى هذا رواية الياطر لحنا مينة كي تتصادقوا مع بطلها الهُمام زكريا المرسنلي. إن مَن يتعرّف على هاته الشخصيات لا يمكنه أن ينساها وتبقى حاضرة في ذهنه كلّما واجهته مُشكلة مشابهة لما واجهوه من مشاكل، أو امرأة استعصت عليه، مثل الراعية شكيبة في الرواية، وتوصّل معها الى النهاية المرضية.

الأسباب لقراءتنا الروايات كثيرة بالطبع، فنحن امام الدفق الروائي الحيّ، والمفترض أولا وقبل كلّ شيء، ندرك أن هناك أسبابًا أقوى مِن سواها وأكثر جذبًا، يقف في طليعة هذه الأسباب، بالنسبة لي بالطبع، ما تُدخله الروايةُ إليّ مِن أحاسيس إنسانية ترهّف من شخصيتي وتجعلني اكثر حنوًّا على اخواني وأخواتي تحديدًا من بني البشر، توضيحا لهذا أتوجه الى الرواية البارزة آنا كارينينا للكاتب الروسي ليو تولستوي، أو إلى رواية أخرى تتقاطع معها هي مدام بوفاري للكاتب الفرنسي جوستاف فلوبير، أو رواية خضراء كالمستنقعات للكاتب السوري هاني الراهب، ففي كلّ مِن هاته الروايات نلتقي بشخصيات نسائية تبحث عن ذاتها، وتبذُل كلّ جُهد ممكن لأن تحقّق ذاتَها، فتُقيم العلاقة بهذا الشكل او ذاك، بشخصية تروق لها، غير أنها ما تلبث أن تكتشف خطأها المُميت، فلا يكون أمامها سوى وضع حدّ لمعاناتها، وباستثناء شخصية رواية هاني الراهب، التي التزمت إلى حدٍّ ما بمُعطيات الحياة العربية، فإننا نلتقي بشخصيتي روايتي تولستوي وفلوبير، لقاءً إشكاليا مِن طِرازٍ مُدهش، طِرازٍ نِسويّ يبحث عن ذاته موقظًا العالم وواضعا تجربته القاتلة المُعبّرة والمؤثرة بين يديه. هذا النوع من الروايات ومثله كثير في الآداب الأجنبية، يؤدي خدمة جليلة لإنسانيتنا، وأنا لا أعتقد أن يُمكن لقارئ أن يطّلع على تفاصيل ما حدث في هاته الروايات وأمثالها لا سيما فيما يتعلق بالمرأة، ويبقى كما هو. إنها روايات تُساهم في إحداث تغيّرات وتبدّلات جذرية في ذهنية من يقرأها ويطّلع عليها. وأنا خير مثال، فقد جعلت مني إنسانا مُتصالحًا مع نفسي ولا أحكم على الأخريات غيابيا، بل لا أبالغ إذا ما قلت إنني كثيرًا ما أرى في وجه امرأة مظلومة وجهَ انا كاريننا أو مدام بوفاري.

مِن أسباب قراءتي الروايات، وهي وفيرة، أود أن أتوقّف عند سبب أراه غايةً في الأهمية، يتمثّل في الاعتراف بالآخر، ورؤيته على اعتبار أنه إنسان مثل كلّ الناس ولا يختلف عنهم، إنه مثلك ومثلي، ويحقُّ له أن يعيش مثله في ذلك مثل غيره، وهنا أتذكّر عددًا من الروايات منها زهرة العمر لتوفيق الحكيم، اديب لطه حسين ، الحي اللاتيني لسهيل ادريس وموسم الهجرة الى الشمال للطيب صالح، إننا في كلّ هاته الروايات نلتقي شخصياتٍ تعيشُ حالة اللقاء بالآخر المُختلف، وتُحاول إيجاد الآصرة التي يمكن أن تربط ما بينهما، وذلك عبر إثارة السؤال، فالأدب كما تثبت التجارب، يُثير الأسئلة ولا يُقدّمُ الأجوبةَ بصورة عامّة، ولعلّي لا استطرد كثيرًا إذا ما عقّبت على هذا قائلًا إن السؤال عادة ما يكون واحدًا في حين أن الجواب يختلف من قارئ لآخر. في كلّ الأحوال تطرح هاته الروايات التي تطرق أبواب الآخر بقوة، مسألة التعايش معه والاعتراف به، بقوة تجعلنا نفكّر أكثر مِن مرّة في كيفية سلبيتنا تجاه الآخر المختلف ضمن محاولة لجعلها إيجابية، إنسانية وذات أفق أوسع مما كنّا عليه قبل قراءتنا هذه الاعمال الروائية.

إن قراءة الروايات، ولا نشمل بهذا، كلّ ما يُكتب مِن أعمال روائية، فهناك في العالم الروائي الزاخر، ما هو حقيقيّ وانساني، وفي المقابل يوجد هناك ما هو زائف ولا يستحق ان نقرأه. إذا اتفقنا على هذا، يمكننا القول إن قراءتنا الروايات تغني في المجمل تجربتنا الحياتية، وتضعُنا في مواجهة شخصيات افتراضية مُتخيّلة لكنها حافله بالحياة، نابضة بها، إن قراءتنا الروايات تُرقّق نظرتنا إلى الحياة وتدفعنا إلى احترام الآخر وتقديره، ناهيك عن أنها تفيدنا عبر تعمّقها في تقديمها التجربة الإنسانية عبر التسلية والفائدة.

***

ناجي ظاهر

سامحني... لم أكن أعلم أنها آخر مرة

قبل أن تبدأ القراءة، تذكّر شخصاً تحبه. شخصاً تستطيع الآن أن تتصل به، أن تسمع صوته، أن تخبره أنك اشتقت إليه. تذكّره جيداً، ثم تخيّل للحظة أن هذه الفرصة انتهت، إلى الأبد.

تخيّل أن هاتفه سيرنّ للمرة الأخيرة، وأن صورته ستبقى كما هي، بينما يمضي العالم كله من حولها. تخيّل أن هناك كلمة واحدة فقط كانت تفصل بينك وبين راحة قلبك، لكنك لم تقلها. عناقاً واحداً أخّرته. رسالة واحدة ظننت أن إرسالها يمكن أن ينتظر حتى الغد. ثم جاء الموت أسرع من الغد.

بعض النصوص لا تُقرأ بالعينين، بل بالجروح القديمة. وهذا النص واحد منها. لأنه لا يتحدث عن الموت فقط، بل عن تلك الطعنة التي تأتي بعده. عن الكلمات التي ماتت في حناجرنا، وعن الأبواب التي كان يجب أن نطرقها فلم نفعل، وعن الأشخاص الذين رحلوا وهم يظنون أننا لا نشتاق إليهم كما كانوا يشتاقون إلينا.

وربما، بين هذه السطور، ستجد وجهاً غاب منذ سنوات وما زلت تبحث عنه في الزحام، وصوتاً ما زال يزورك في منتصف الليل، ودمعةً أخفيتها طويلاً حتى أقنعت نفسك أنك تجاوزت الفقد، ثم اكتشفت أن بعض الأحزان لا تُشفى أبداً، بل تتعلّم فقط كيف تسكن القلب دون أن تُحدث ضجيجاً.

فإن شعرت وأنت تقرأ أن صدرك يضيق، وأن عينيك تلمعان بالدموع، فلا تحاول المقاومة، لأن هذا النص ليس عن الذين رحلوا فقط، بل عن الجزء الذي أخذوه معهم من أرواحنا حين رحلوا. وعن ذلك الندم الثقيل الذي يبقى جالساً إلى جوارنا طوال العمر، يهمس لنا كل ليلة: "لو كنت أعلم أنها آخر مرة".

الذين أخذوا معهم نصف أرواحنا

لا شيء يُحطم الإنسان مثل فكرة أن هناك أشخاصاً ماتوا وهم ينتظرون منا شيئاً صغيراً جداً. مكالمة، رسالة، حضناً دافئاً. ربما كلمة: "سامحني". أو كلمة: "أحبك". أو حتى سؤالاً عابراً: "كيف حالك؟" ثم ماتوا. ومات معهم كل شيء.

تخيل رجلاً عجوزاً يجلس في مساء بارد، ينظر كل دقيقة إلى باب بيته معتقداً أن ابنه سيأتي اليوم. يفكر: ربما تأخر في العمل. ربما ازدحم الطريق. ربما سينقر الجرس بعد قليل.

فيرتب كلماته في رأسه. يجهز ابتسامة اشتاق إليها شهوراً. ويجلس منتظراً، ثم يموت قبل أن يُفتح الباب. بينما الابن كان يظن أن هناك وقتاً كافياً للزيارة.

دائماً نعتقد أن هناك وقتًاً وهذه هي الكذبة الكبرى. نعتقد أن أمهاتنا سيبقين هنا عاماً آخر. وأن آباءنا سيعيشون حتى نحقق أحلامنا. وأن أصدقاءنا سيظلون يجيبون على هواتفهم.

وأن الذين نحبهم يمكن تأجيل الحديث معهم إلى الغد. لكن الغد وحش مفترس. يأكل ملايين الأمنيات كل يوم.

كم مؤلم أن تفتح هاتف شخص مات فتجد آخر رسالة منه لم ترد عليها. رسالة عادية جداً: "اتصل بي عندما تكون متفرغًااً ثم لا تتصل. ثم يموت. وتبقى تلك الجملة في الهاتف سنوات. كأنها قبر صغير مضيء. وكلما رأيتها تشعر أن قلبك يُسحق مرة أخرى.

لأن الموت مؤلم، لكن الندم أشد. الموت يأخذ الأحباء، أما الندم فيبقى مع الأحياء.

هناك أشخاص يعيشون عشرين سنة بعد فقدان أحبائهم، لكنهم في الحقيقة لم ينجوا من آخر مرة رأوهم فيها. ما زالوا عالقين هناك: في ذلك الباب، في ذلك المستشفى، في ذلك الرصيف، في تلك الدقيقة، في تلك النظرة. ما زال جزء منهم راكعاً في الماضي يبكي.

أتعرف ما الشيء الأكثر فظاعة؟ أن الميت لا يعلم حجم الكارثة التي تركها خلفه.

الأم التي رحلت لا تعرف أن ابنتها ما زالت تبكي كلما رأت ثوباً يشبه ثيابها.

والأب الذي مات لا يعرف أن ابنه ما زال يبحث عن صوته بين التسجيلات القديمة.

والصديق الذي غاب لا يعرف أن أحدهم ما زال يكتب له الرسائل في رأسه كل ليلة.

لا أحد يخبر الموتى أن هناك أناساً مات نصفهم يوم رحلوا. وأن النصف الآخر يواصل التنفس فقط. فقط يتنفس، لا أكثر.

لا أحد يخبرك أنها المرة الأخيرة عندما تحدث، آخر مرة ضحكت فيها مع شخص أحببته، لم تكن تعلم أنها الأخيرة. آخر مرة سمعت صوته، آخر رسالة قرأتها منه، آخر عناق، آخر لقاء، آخر نظرة عابرة ظننت أنها ستتكرر ألف مرة.

نحن نعيش حياتنا وكأن كل شيء سيبقى كما هو، وكأن الأشخاص الذين نحبهم خالدون في أيامنا، وكأن الأبواب التي نغلقها اليوم سنفتحها غداً بسهولة.

لكن الحياة لا تعطي إنذاراً أخيراً. في يوم ما، ستتذكر حديثاً عادياً جداً، وستبكي. ستتذكر ضحكة لم تمنحها اهتماماً، وكلمة وداع قلتها على عجل، ومكالمة أنهيتها لأنك كنت مشغولاً، وستكتشف بعد فوات الأوان أنها كانت آخر مرة.

أقسى ما في "آخر مرة" أنها لا تبدو مختلفة عن كل المرات السابقة.

لا موسيقى حزينة ترافقها، ولا إشارات تحذير، ولا صوت يخبرك أن تمهل قليلاً، أن تنظر أكثر، أن تعانق أطول، أن تقول أحبك مرة إضافية.

فجأة يصبح كل شيء ذكرى. ويصبح الشخص الذي كان يملأ أيامك مجرد صورة، وصوت محفوظ في قلبك، وحنين لا يجد طريقاً للعودة. ثم تقضي العمر كله تتمنى دقيقة واحدة فقط، دقيقة واحدة لتعود إلى تلك "الآخر مرة" التي لم تعرف أنها الأخيرة.

لتطيل الحديث قليلاً، لتؤجل الرحيل قليلاً، لتقول ما سكتّ عنه، لتحتضن من فقدته بقوة أكبر. لكن الزمن لا يعود، ويبقى في القلب وجع صغير اسمه: "لو كنت أعلم أنها آخر مرة، لما غادرت بهذه السرعة.

بعض الناس لا يكسرهم الفراق، بل تكسرهم فكرة أنهم لم يعرفوا أن ذلك اللقاء كان الأخير.

إن فكرة "آخر مرة" مرعبة لأننا لا نلاحظها أبداً. آخر مرة سمعت فيها صوت أمك، آخر مرة قبّلت فيها يد أبيك، آخر مرة ضحك فيها أخوك أمامك، آخر مرة سمعت صديقك يقول اسمك.

انتهت، وانقضت، وابتلعتها السنوات، ولم يخبرك أحد أنها الأخيرة.

ولهذا السبب، عندما يتذكر الناس موت أحبائهم، فهم لا يبكون لحظة الوفاة فقط، بل يبكون كل اللحظات التي سبقتها. يبكون المكالمة التي لم يردوا عليها، والزيارة التي أجلوها، والاعتذار الذي تأخروا فيه، والحضن الذي بخلوا به، والكلمات التي ظلت حبيسة صدورهم حتى أصبحت بلا فائدة.

ثم يأتي الليل، ذلك الليل اللعين. حين ينام العالم كله، ويستيقظ الغياب، فتجلس وحدك، تحدق في صورة لا تتحرك.

وتدرك فجأة أن الشخص الموجود فيها لن يشيخ أبداً، لن يتصل أبداً، لن يطرق الباب أبداً، لن يضحك أبداً، لن يعود أبداً، وعندها، لا تبكي لأنك فقدته فقط، بل لأنك عرفت متأخراً جداً، أن تلك المرة التي استعجلت فيها الوداع، وتلك اللحظة التي قلت فيها: "سأراه لاحقاً" كانت هي "لاحقاً" الأخيرة في حياتك كلها.

الأبواب التي أغلقتها الحياة إلى الأبد

أوجع ما في الحياة أن كل شيء جميل ينتهي في لحظة عادية جداً، دون أن يخبرك أنها اللحظة الأخيرة. فآخر مرة لا تطرق الباب قبل أن تأتي. لا ترسل رسالة تحذير، لا تترك لك فرصة للاستعداد. تمر بين أيامك بهدوء، متنكرة في ثوب يوم عادي، ثم تختفي إلى الأبد. وتمضي السنوات بعد ذلك وأنت تحاول عبثاً أن تعود إليها.

آخر مرة رأيت فيها أبي يبتسم، آخر مرة قبلت فيها يد أمي، آخر مرة جلست فيها مع صديق ظننت أنه سيبقى العمر كله بقربك، آخر مرة سمعت صوت شخص كنت تظن أن الحياة لا يمكن أن تمضي يوماً واحداً بدونه، كلها كانت مرات عادية جداً.

لم يكن هناك ما يوحي بأنها النهاية. كنت تؤجل الكلام، وتؤجل الحب، وتؤجل الاعتذار، وتؤجل العناق. كنت تظن أن الغد موجود دائماً، لكن الغد أحياناً لا يأتي. وفجأة تصبح كل الطرق التي كانت تؤدي إلى شخص ما، مغلقة.

كل الرسائل التي كنت تستطيع إرسالها، بلا عنوان. كل الكلمات التي احتفظت بها، بلا مستمع. كل الحب الذي أخفيته، بلا قلب يصل إليه.

ثم تبدأ رحلة الندم الطويلة، رحلة البحث داخل الذاكرة عن أدق التفاصيل.

عن نبرة الصوت، عن ملامح الوجه، عن الضحكة التي لم تنتبه إليها، عن النظرة التي مرت سريعاً، عن آخر كلمة قيلت، عن آخر وداع.

وتكتشف أن الإنسان لا يتذكر اللحظات الكبيرة كما يتذكر الأشياء الصغيرة. يتذكر كوب القهوة الذي شربه معه، المقعد الذي جلسا عليه، الطريق الذي سارا فيه معاً، يتذكر ضحكة عابرة، ومزحة سخيفة، وجملة لم يكن لها أي معنى وقتها.

ثم تصبح هذه الأشياء البسيطة أثمن من كنوز الأرض كلها. لأنها كل ما تبقى، كل ما تبقى من شخص لن يعود. وما أقسى أن تدرك بعد سنوات أنك كنت تعيش أجمل أيام عمرك دون أن تعرف.

كنت تتذمر من الأيام وهي النعيم نفسه. كنت تشتكي من الزحام بينما هناك من يتمنى دقيقة واحدة فقط من تلك الأيام. دقيقة واحدة، ستون ثانية فقط، ليجلس مجدداً مع من فقد، ليسمع صوته. ليقول له: "انتظر قليلاً... لا ترحل الآن."

لكن الحياة لا تسمع التوسلات المتأخرة، فالقطارات التي تغادر لا تعود، والأعمار التي تمضي لا تلتفت خلفها، والأشخاص الذين أخذتهم الأقدار لا يفتحون الأبواب مرة أخرى.

وفي ليالٍ كثيرة، بينما ينام الجميع، يبقى الإنسان مستيقظاً مع ذاكرته، يتأمل صوراً قديمة، يقرأ رسائل قديمة، يستمع إلى تسجيلات قديمة، ويبكي على أشياء لم يكن يظن يوماً أنها ستجعله يبكي.

يبكي لأنه لم يحتضنهم أكثر، لأنه لم يتحدث معهم أكثر، لأنه انشغل عنهم بأشياء نسيها هو نفسه، بينما هم رحلوا وبقي وجع رحيلهم.

ويبقى سؤال واحد يطارده حتى آخر العمر: ماذا لو كنت أعلم؟ ماذا لو كنت أعلم أن تلك الضحكة هي الأخيرة؟ وأن ذلك اللقاء هو الأخير؟ وأن ذلك الباب الذي أغلقته خلفي لن أفتحه مرة أخرى أبداً؟ ماذا لو كنت أعلم أنني أنظر إلى وجهه للمرة الأخيرة؟

هل كنت سأرحل بهذه السرعة؟ هل كنت سأكتفي بهذا الكلام؟ هل كنت سأتركه يذهب دون عناق أطول؟ دون كلمة أحبك؟ دون اعتذار؟ دون أن أخبره كم كان يعني لي؟

لكن الحقيقة الموجعة، أننا لا نعرف أبداً أنها "آخر مرة" إلا بعد أن تصبح ذكرى، وبعد أن يصبح الوصول مستحيلاً، وبعد أن تمتلئ قلوبنا بتلك الأمنيات التي لا يمكن تحقيقها.

لهذا لا تبكِ فقط على من فقدتهم، ابكِ على كل الكلمات التي لم تقلها لهم، ابكِ على كل العناق الذي أجلته، ابكِ على كل مرة قلت فيها: "لاحقاً". فقد يكون "لاحقاً" هو الكلمة التي اخترعها الندم قبل أن يولد.

وفي نهاية العمر، لن يحطم قلبك ما فعلته، بل ما لم تفعله، وما لم تقله، ومن لم تعانقه، ومن لم تخبره أنك تحبه.

لأن أصعب حقيقة في هذه الحياة كلها هي أن الإنسان يستطيع أن يتحمل الفراق، لكنه لا يستطيع أن يتحمل فكرة أن آخر لقاء قد مرّ بالفعل، وأنه لم يكن يعلم أنه الأخير.

قبر صغير مضيء في شاشة هاتف

أحياناً لا يكون القبر تحت التراب، بل في شاشة هاتف تضيء في منتصف الليل. رسالة قديمة من إنسان رحل، بضع كلمات عادية جداً، لكنها تكفي اليوم لتمزيق قلبك ألف مرة، لأن صاحبها لم يعد موجوداً ليقرأ ردّك الذي تأخر كثيراً.

تفتح المحادثة فتشعر وكأنك تزور ميتاً بصمت؛ تتأمل آخر ما كتبه، وتدرك أن بينك وبينه الآن مسافة لا تقاس بالكيلومترات ولا بالسنوات، بل بشيءٍ أكثر قسوة، اسمُه: "فات الأوان".

هناك أشخاص لم نودعهم حقاً، خرجوا من يوم عادي، ثم تحولوا إلى حنينٍ أبدي يسكن القلب حتى آخر نبضة.

حين قلت له "إلى اللقاء" في آخر مرة لم تعرف أن اللقاء لن يأتي أبداً، لهذا أبكي. لا أبكي لأنك رحلت فقط، بل لأنني لم أعرف أنك راحل، أبكي لأنني لو عرفت لاحتضنتك أكثر، ولنظرت إلى وجهك أكثر، ولسمعت حديثك حتى آخر كلمة، ولأخبرتك كم أحببت وجودك في حياتي، وكم سيصبح العالم بارداً وموحشاً بعد غيابك.

لكنني لم أفعل. تركت اللحظة تمر، وتركت العمر يمر معها، وبقيت أنا هنا، أحمل عقوبة أبدية اسمها: "لو كنت أعلم أنها آخر مرة".

فبعض الأحزان لا تأتي من الفقد نفسه، بل من اللحظة التي ندرك فيها متأخرين أن أجمل لقاء في حياتنا انتهى، وأننا غادرناه بعجلة، بينما كان هو الوداع الأخير إلى الأبد.

وفي النهاية، لا يبقى من الإنسان إلا ما منحه للذين أحبهم. أما الكلمات التي أخفاها، والاعتذارات التي أجّلها، والعناق الذي بخل به، فتتحول إلى أشواكٍ تسكن روحه ما بقي حيّاً.

سيأتي يوم تفتح فيه صورة قديمة، فتتوقف أنفاسك للحظة، لأن الوجوه التي فيها لم تعد هنا، ولأنك ستتذكر فجأة أنك كنت تستطيع أن تقول أكثر، وأن تبقى أكثر، وأن تحب أكثر، لكنك لم تفعل. حينها لن يؤلمك أنهم رحلوا فقط، بل سيقتلك أنك لم تُدرك أنهم كانوا يودّعونك في كل مرة رأيتهم فيها. وما أقسى أن يحمل الإنسان في قلبه جنازةً لا تنتهي، وأن يعيش بقية عمره وهو يطرق أبواباً أغلقتها الأقدار، وينادي أسماءً لا يجيبه منها أحد.

فإن كان هناك شخص تحبه ما زال على قيد الحياة، فلا تؤجل شيئاً. اتصل به الآن، اكتب له الآن، احتضنه الآن. لأن بعض القبور لا تُدفن تحت التراب... بل تُدفن في كلمةٍ لم تُقل، ورسالةٍ لم تُرسل، ووداعٍ مرَّ مسرعاً، ثم ظلّ صاحبه يبكيه حتى آخر العمر.

سامحني، لم أكن أعلم أنها كانت آخر مرة.

***

الدكتور حسن العاصي

أكاديمي وكاتب فلسطيني

يشكّل كتاب "نافذتي تطلّ على" للدّكتور خالد تركي، الصّادر في طبعته الأولى في مئتين وتسعين صفحةً من القطع الكبير، وثيقةً تجمع بين الشّغف بالقراءة والحرص على توثيق الذّاكرة الجمعيّة.

يضمّ هذا العمل الّذي صمّمه شربل الياس ولوحة غلافه للدّكتورة ربى خالد داوود، باقةً من المقالات الّتي صاغها الكاتب عن مؤلّفاتٍ متنوّعةٍ، تابعها واستعرضها، مُتَّبِعًا نمطًا موحّدًا في العناوين، يبدأ كلّ منها بعبارة "نافذتي تطلّ على" يتلوها اسم العمل المدروس، كما يُفرِد قسمًا خاصًّا يجمع المقالات الّتي كُتِبَت عن إصداراته بأقلام كتّابٍ آخرين (الصّفحات 251–286) ومنهم: محمود شقير، رشيد عبد الرّحمن النّجاب، نضال الحايك، ماجد خمرة، إسكندر عمل وسميح أحمد يونس، وبذلك يقدّم العمل نموذجًا للتّبادل الثّقافيّ بين الكاتب ومحيطه الأدبيّ.

في هذا الكتاب، يحظى الأديب محمود شقير بحضورٍ بارزٍ عبر مقالين. في المقال الأوّل المعنون: "نافذتي تطلّ على قراءاتٍ في بعض تجلّيات السّيرة الفلسطينيّة" (ص 9)، يتناول الكاتب سيرته النّضاليّة والأدبيّة بمناسبة إشهار كتابه في نادي حيفا الثّقافيّ، إذ يستعرض محطّات فارقة من حياته، انطلاقًا من مسقط رأسه في القدس، مرورًا بنشاطه السّياسيّ وما تحمَّله من إبعادٍ خارج الوطن، وصولاً إلى ثباته وعودته، وبين السّطور تبرز المركزيّة الرّوحيّة والوطنيّة لمدينة القدس في أدب شقير، وكيف اتّخذ من حاراتها وأزقّتها وسيلة لتأكيد هوية الأرض ومواجهة المقولات المضلّلة، ونشر قيم التّعدّديّة والتّعايش الدّينيّ والإنسانيّ. كما تظهر التّقاطعات الفكريّة الّتي تجمع بين تركي وشقير في حرصهما على توثيق سِيَر القادة والمناضلين لحماية الذّاكرة، مع الإشادةِ باهتمام شقير بأدب الأسرى والرّسائل، وتقديره لرمزيّة المرأة ودورها في الكفاح، وإسهاماته الغزيرة في أدب الأطفال والقصّة والرّواية.

أمّا المقال الثّاني المتّصل بشقير فهو "نافذتي تطلّ على رواية منزل الذّكريات" (ص 22) الصّادرة عام 2024، إذ يبرز الكاتب تشابك معاناة الشّعب الفلسطينيّ تحت الاحتلال مع الظّلم الاجتماعيّ المتمثّل في الفساد والعنف والتّطرّف.

يتتبّع المقال رحلة البطل "محمّد الأصغر" الّذي يفقد زوجته ويقع ضحيّة ابتزاز، ويتقاطع مع أدبيّات عالميّة كروائع كواباتا وماركيز، مع استحضارٍ رمزيٍّ لشخصيات مثل سيمون بوليفار، مؤكّدًا الحتميّة التّاريخيّة لزوال الاحتلال وانبثاق فجر الحرّيّة والكرامة، ومقدّرًا صمود المقدسيّين وتمسّكهم بأرضهم.

يقف الدّكتور تركي عند رواية "رحلة إلى ذات امرأة" لصباح بشير (ص 59)، مستعرضًا أحداثها الّتي تدور في مدينة القدس إبّان الانتفاضة الأولى، إذ يتداخل الهمّ الوطنيّ بالهمّ الاجتماعيّ، ويرصد هذا العرض محطّات الفقد والنّضال؛ بدءًا من استشهاد "خالد" وصمود أمّه الأرملة، وصولاً إلى المعاناة المركّبة الّتي عاشتها البطلة "حنان" بسبب قسوة المجتمع الذّكوريّ، والنّظرة القاصرة للمرأة، مع إبراز قوة الصّداقة والدّعم الأبويّ اللّذين شكّلا سندًا لها، فيسلّط الضّوء على أبعاد القضيّة النّسويّة الّتي ناقشتها الرّواية، مؤكّدًا أنّ حرّيّة المجتمع وتطوّره ينبعان من إنصاف المرأة، وتثقيفها، ونيلها حقوقها ومساواتها بالرّجل. ويتابع مسار البطلة بين انكسارات الغربة ومأساة فقد الزّوج، وصولاً إلى قرارها الشّجاع بالعودة إلى الوطن، والانتصار لذاتها واستقلالها الفكريّ.

يتّجه الكاتب بعد ذلك إلى أدب البحر والتّوثيق التّراثيّ من خلال قراءة وجدانيّة وتأمّلية يقدّمها (ص 78) لكتاب رفيقه وزميل دراسته المحامي فؤاد نقّارة، رئيس ومؤسّس نادي حيفا الثّقافيّ، والموسوم بـ "صيّاد.. سمكة وصنّارة". يبدأ قراءته بالحديث عن أواصر الصّداقة الّتي تجمعه بنقّارة منذ مقاعد الدّراسة في الكلّيّة العربيّة الأرثوذكسيّة بحيفا، ثمّ ينقلنا إلى إهداء الكتاب ومحتواه الّذي يعكس عشق البحر وجماليّات الصّيد الموروثة عن والد المؤلّف، مظهرًا قدرة نقّارة على دمج المعرفة البحريّة الموثّقة بالصّور والطّوابع البريديّة مع اللّمسة الإنسانيّة، مستحضرًا الأسماء الشّعبيّة للأسماك ودلالاتها المحلّيّة، وذكريات الصّيد على شواطئ حيفا وعكّا والطّنطورة، مبرزًا البعد التّوثيقيّ والبيئيّ للعمل من خلال مزج أدبيّات البحر بخبرات الصّيد، والذّكريات الشّخصيّة لتركي الّتي تقاطعت مع فصول الكتاب، بدءًا من حكايات الصّيّادين ومبالغاتهم المحبّبة، وصولاً إلى الطّرائف والرّموز الأدبيّة والمصطلحات الشّعبيّة، ممتدحًا الجهود الميدانيّة الّتي بذلها نقّارة لتقديم هذا المرجع الشّامل، الصّادر بالتّعاون بين نادي حيفا الثّقافيّ ودار الشّامل للنّشر والتّوزيع.

أمّا في قراءته لرواية "ممرّات هشّة" للكاتب عاطف أبو سيف (ص 159)، الّتي تجسّد العلاقات المبتورة بالمسارات الهشّة للإنسان تحت ظروف النّكبة، فيتعامل معها كوثيقة إنسانيّة تسرد شؤون الفقد والذّاكرة واللّجوء، وتناقش جدليّة الحياة والموت والمصير الفلسطينيّ.

تتّسع صفحات الكتاب لتشمل قراءات أخرى في أعمال متنوّعة، منها رواية "محنة المهبولين" لباسم خندقجي (ص33)، والكتاب التّوثيقيّ لنادي حيفا الثّقافيّ "رحلة من العطاء" (ص85) الذي يوثّق نشاط النّادي ودوره وفعاليّاته لعام 2022م، إلى جانب مقالات تناول فيها تركي روايات "أسير الثّلج" (ص231) و"الخرّوبة" (ص242)، وروايات أخرى ومجموعات قصصيّة وكتبًا توثيقيّة مختلفة.

بذلك، يقدّم الدكتور خالد في هذا العمل شهادة عمليّة على شغفه بالقراءة، ومتابعته الواعية للأنشطة الثّقافيّة والأدبيّة، واهتمامه بالدّفاع عن الأثر الأدبيّ وتوثيق المسيرة الجمعيّة؛ ليكون كتابه إضافة متوازنة وخطوة تحسب له في تقدير الكلمة.

***

صباح بشير

 

في طباعة أنيقة أصدرت الدكتورة سناء جاء بالله - مقامات الداخل - عن دار بابل للنشر بتونس في نحو 175 صفحة من الحجم المتوسط وبمقدمة للدكتور الجزائري أحمد بو داود والكتاب جاء إهداء لوالدتها موشحا بقولها: إلى والدتي التي علمتني كيف أجعل من الكلمات نهرا أغتسل فيه من تعب الحياة وأجد بين حروفه سلامي ونجاتي.

فالكتاب إذن اِغتسال لتجديد الشوق إلى الحياة وتوق إلى السلام والخلاص وقد ورد تحت عنوان - مقامات الداخل - عنوان ثان هو : حين يصبح التأمل طريقا إلى البدايات الممكنة.3277 sana

وإذا تأملنا العنوان وجدنا فيه معاني الترقي في غياهب النفس وأعماق الذات بما يشبه توالي المقامات الصوفية أو درجات -  كتاب منطق الطير - لفريد الدين العطار وقد تضمن الكتاب مقالات ضمن النقد الاِجتماعي والأدبي وفيه كذلك ضلال خفية لسيرة ذاتية وخفايا المعاناة الاِجتماعية وتشبه بعض المقالات  -أدب اليوميات - كما في حديثها عن معاناة جائحة الكوفيد عافانا وعافاكم الله .

يندرج هذا الكتاب إذن ضمن نوع نادر من الأدب أسسه الجاحظ الذي يعرف الأدب بأنه - الأخذ من كل شيء بطرف - لأن الدكتورة سناء جاء بالله اِرتقت في مقاماتها الداخلية من الوجدان إلى الفكر ومن الوصف إلى النقد ومن الخاص إلى العام ومن الوطن إلى العالم وقد تسنى لها هذا التنوع وهذا الإلمام في أسلوب لغوي على قدر كبير من البلاغة والإتقان وقد ساعدها في هذا تكوينها الأدبي العميق وإختصاصها العلمي الدقيق .

***

سُوف عبيد - تونس

 

يعرف عن (ناتسومي سوسيكي) (1867 - 1916) بأنه الأب الروحي والعمود الفقري للرواية اليابانية الحديثة، والأكثر تأثيرا في الأجيال اللاحقة من الروائيين، وفقا للكثير من النقاد والبحاث، ومنهم (ريونوسوكي أكوتاغاوا، سوزوكي ميكيتشي، وتويوشيما يوشيو) من (صالون الخميس) (1)، و(هاروكي موراكامي، أوسامو دازاي، وكينزابورو أوي) وغيرهم.

و لكنه أيضا شاعر مجيد غزير الإنتاج، أبدع في تنظيم قصائد الكانشي، باستخدام اللغة الصينية الكلاسيكية ومقاطع الكانجي، وقد تبادلها بغزارة من خلال المراسلات الشهيرة مع صديقه المقرب الشاعر والناقد الكبير (ماساوكا شيكي) لمدة (13) سنة تقريبا، لتعكس جانبا من أشهر وأعمق الصداقات الأدبية في تاريخ الأدب الياباني الحديث. كما ألف (سوسيكي) قصائد الهايكو الرائعة أيضا، وبتشجيع من صديقه (شيكي)، متأثرا بالمبدأ الذي استحدثه الأخير، والمعروف ب (الشاسي - الرسم من الطبيعة). ولم تقتصر علاقة سوسيكي الأدبية على شيكي، بل شملت أيضا (تاكاهاما كيوشي، شيجيو إيوانامي) وغيرهما.

أما علاقة ناتسومي سوسيكي بالروائية والقاصة والشاعرة الجميلة الذكية (أوتسوكا كوسوكو) (1875 - 1910) المنحدرة من أسرة رفيعة (كان والدها رئيسا لمحكمة الاستئناف) ، والمناهضة للحرب (2)، فقد كانت متميزة، وشكلت محطة فريدة في المشهد الأدبي السائد في اليابان آنذاك. وشملت قيام سوسيكي بارشادها وتقديم النصائح الأدبية والفنية لها في كتابة الشعر والرواية إلى جانب (نوبوتسونا ساساكي) (1872 - 1963) الذي فعل المثل تقريبا، وتزكيتها ومساعدتها في النشر، وبخاصة في جريدة (طوكيو أساهي شيمبون) التي كان يعمل فيها محررا أدبيا ورئيسا للقسم الأدبي، وذلك بعد استقالته كمحاضر للأدب الإنكليزي في جامعة طوكيو الإمبراطورية عام 1907، مع تشجيعها معنويا ونفسيا من خلال مراسلات متبادلة فيما بينهما، لم تكن خالية من مشاعر الإعجاب المتبادلة والدفينة (3).

 وتشير بعض المصادر التاريخية إلى الهامها غير المباشر لبطلات رواياته الشهيرة، مثل البطلة (فوجيو) في رواية (الخشخاش 1907) التي كانت بذات المواصفات، وان وصفه لها كان نابعا من مشاعر الحب والاعجاب الذي كتمه في قلبه تجاه كوسوكو لطبيعته الخجولة والمنطوية وفقا ل (أوداجيما هونيو)، وأيضا (زوجة الأستاذ كوشامي) في رواية (أنا قطة 1905)، و(مينيكو ساتومي) في رواية (سانشيرو 1908)، و(نامي) في رواية (وسادة من عشب 1906). وقد عرفن هؤلاء البطلات أحيانا ب (نموذج المرأة اللغز) أو (المرأة العصرية) وفقا للناقد والروائي والمترجم (هاروكي موراكامي)، و(كايوكي تاكاغاي) الباحثة والأستاذة بجامعة مدريد المستقلة في دراساتها المعمقة بخصوص الوعي الجندري في أدب سوسيكي.

كما تسبب موت أوتسوكا كوسوكو المفاجىء بمرض السل عن عمر يناهز (36) عاما في صدمة نفسية لسوسيكي، مع تعميق نبرة التشاؤمية والسوداوية والشعور بالوحدة والعزلة والندم في أعماله الأدبية الأخيرة. وقد ألف في تأبينها قصيدة هايكو متميزة، تعد من روائع شعر التأبين الياباني، كما تحدث في كتابه (من داخل بوابة الزجاج 1915) عن هذا الجانب قبل عام واحد فقط من وفاته، ووصفها فيه كأديبة بارعة، وامرأة تتمتع بكاريزما لافتة. وجاء في قصيدة التأبين تلك:

انثروا كل الأقاحي

التي لديكم

داخل هذا التابوت (4)

كتب سوسيكي هذه القصيدة وفقا لعدة مصادر في 11 أو 14 تشرين الثاني 1910، لما كان على فراش المرض، جراء اصابته بقرحة المعدة الحادة، الأمر الذي حال دون حضوره جنازة كوسوكو، أو توديعها كما يجب، بسبب العزلة الطبية والغيبوبة المؤقتة التي دخل فيها، إذ لم يعلم بوفاتها إلا بعد ايام، ومن خلال الأخبار المنشورة في الصحف. وقد ورد القصيدة في مذكراته (أشياء أتذكرها) المنشورة في حلقات خلال (1910 - 1911) في صحيفة (أساهي شيمبون)، وترجمت لعدة لغات وتحت عدة عناوين، ومنها اللغة الإنكليزية من قبل (إيريك لوفغرين، ريتشارد بليت، سويكو شيغيماتسو) وغيرهم.

علما دخل ناتسومي سوسيكي في غيبوبة خلال شهر آب 1910، متأرجحا بين الهلاك والنجاة، لما كان يعالج في منتجع ينابيع (شوزينجي - شيزوكا). وقد شغل الموضوع الرأي العام، وتم تناوله في الإعلام على نحو واسع، ليشكل بعدها نقطة تحول جذرية في حياة سوسيكي ومسيرته الأدبية المعطاء، فألف (حتى اعتدال الربيع وما بعده 1912، المسافر 1912 - 1913 ، كوكورو أشياء أتذكرها 1914) متأثرا به. وقد أطلق مصطلح (أزمة شوزينجي) على تجربة سوسيكي المريرة هذه.

***

بنيامين يوخنا دانيال

.....................

(1) صالون الخميس (سوسيكي سانيو): الملتقى الأدبي الذي كان يترأسه سوسيكي في منزلة بمنطقة (واسيدا - ميناميتشو - طوكيو) كل يوم خميس، ومنذ عام 1906 وحتى وفاته.

(2) كتبت كوسوكو قصيدة مناهضة للحرب بعنوان (زيارة المعبد مائة مرة)، مستمدة فكرتها من طقس ديني تقليدي يسمى (القيام بمائة زيارة للمعبد)، ونشرتها خلال الحرب الروسية اليابانية في مجلة (الشمس - تايو) عام 1905. 

(3) كانت (أوتسوكا كوسوكو) زوجة (أوتسوكا ياسوجي) (1869 - 1931) أول أستاذ لعلم الجمال (الإستطيقا) بجامعة طوكيو الإمبراطورية، والصديق المقرب لسوسيكي الذي جمعته به علاقة معقدة ومحرجة، هددت دوما أواصر الصداقة المتينة بينهما، بسبب هذه المرأة الجميلة والموهوبة التي كانت (الحب الأبدي، أو غير المستقر لسوسيكي) وفقا للبروفيسور والمترجم الأمريكي (د. جون ناثان) في كتابه (سوسيكي: أعظم روائي في اليابان الحديثة) الصادر عن دار نشر جامعة كولومبيا 2018. وأيضا الباحثة (جونكو هيغاسا) التي رأت في كوسوكو (الحب السري العذري لسوسيكي، أو المادونا الأبدية في حياته)، وذلك من خلال سلسلة المقالات والدراسات التحليلية والنقدية المعمقة التي تناولت فيها أعمال سوسيكي على نحو دقيق، ومنها (أوتسوكا كوسوكو في أعمال سوسيكي 2018) و(القراءة العميقة للفصل السادس من رواية سانشيرو لسوسيكي 2017).

(4) تحمل القصيدة طابعا رثائيا حزينا، تجمع بين الأقاحي (كيكو) (رمز الجمال والنقاء والبراءة وطول العمر) والتابوت (كانوكي) (رمز الموت والنهاية الأليمة). علما توضع زهور الأقحوان داخل تابوت المتوفى كتقليد معمول به في الجنازات اليابانية التقليدية تكريما له، وهي تغمر الأرجاء في اليابان خلال شهر تشرين الثاني الذي توفيت فيه المحبوبة كوسوكو.

منذ أنْ رحلَ ساعي البريد لا توجد رسالة صادقة

صباح هذا اليوم الأيلولي أتراجعُ بعقارب الساعة عقوداً إلى الخلف، لأجدني طفلةً في الصف الثامن تسير في الأزقة الضيقة والمحتشدة بالحكايات لمخيم عايدة للاجئين في بيت لحم.

كانت تفاصيل البيوت والأرض المبتلة صيف شتاء ترسم لوحة زاهية عندما التقيتُ بعرّابتي، تلك المعلمة القادمة من بريطانيا لتدرّسنا اللغة الإنجليزية والموسيقى في المدرسة التابعة لوكالة الغوث.

بدت آنذاك في خيالي الطفولي كائناً من عالم ساحر، إذْ كنت أتأمل شعرها الذهبي الذي تلتقط قطرات الندى أطرافه، وابتسامتها الدافئة التي تتناغم مع النغمات التي تعزفها لنا.

أذكر يوم دعوتُها بشغف طفولي لتتناول الغداء في بيتنا القديم بحي "رأس أفطيس" في شارع آبار النبي داود في قلب مدينة بيت لحم حيث اختلطت رائحة أطباقنا الدافئة برائحة الحجارة العتيقة والورد الجوري المزروع على العتبات.

رافقتُها يومها بصحبة صديقتي في جولة بين أزقة بيت لحم التاريخية، ونحن نطأ الصخر العتيق بقفزات طفوليّة حتى ولجنا عتمة كنيسة المهد الساطعة. هناك أضأنا معاً شموع الأحلام، ونظرنا إلى ألسنة اللهب الصغيرة وهي تعكس في عيوننا طهر تلك الأيام.

انتهى الصيف ورحلت عرّابتي تاركة لي وعداً موثقاً بالحبر، وبعد أشهر امتدّت عامًا كريتا من الانتظار الشغوف أقبل ساعي البريد بدراجته الصدئة ليُسلمني مظروفاً جوياً كُتب عليه بخط اليد "By air mail" مزدانا بالطابع الملكي المعهود.

رفعتُ الرسالة نحو أنفي، فاستنشقتُ رائحة الورق المعتق والحبر الإنجليزي الفاخر ممتزجة برذاذ المطر، وقرأتُ سطور بطاقتها المطوية بعناية:

‏"Dear Ghadeer, Hi, I hope you are all well. Happy new year and may it be a peaceful one. I hope you're studying hard as I want to come back to the West Bank next summer - so I'm sure your English is even more perfect now! I'm celebrating Christmas with my family and it's very cold here. How is life for you, good hope? I'm afraid my Arabic hasn't improved, my wish to return has got much greater, so hope to see you in the new year. All my love, Ruth xx"

احتضنتُ الورقة ولهثت نفسي في مونولوج يفيض حنيناً: كيف لقطعة ورقٍ أنْ تحمل هذا القدر من النبض؟

لقد كانت روحا محلّقة بيضاء من غير سوء عبرت القارات لترسو في كفي.

اليوم وبعد اثنين وثلاثين عاماً فتحتُ صندوقي الخشبي القديم أمام بناتي، واستخرجتُ منه كنوزي الدفينة المكونة من المغلف الأبيض العتيق بإنشائه الدقيق، والبطاقة المطوية، والشهادة الحمراء المزركشة الصادرة عن المؤسسة التعليمية (UNIPAL)، والشاهدة على دورة اللغة الإنجليزية لصيف عام 1995.

تحلّقت بناتي حولي بأعينٍ متسعة بالدهشة يلمسن بأناملهنّ الناعمة أطراف الورق المعتّق والأختام المذهّبة. ناديتُهنّ وأنا أعرض عليهنّ هذه الذاكرة الحية، وأقفز بها عبر الزمن لأقول: تقدّمن يا بناتي وانظرن... أعودُ اليوم إلى صديقتي وعرّابتي "روث" عبر هذه السطور، لأُريَكنَّ كيف كان الصدق يُكتب بتمهل ودفء.

هاتفكنّ يبعث مئات النصوص في ثانية لكنها تتطاير وتتلاشى بلا أثر، أما هذه البطاقة وهذا المغلف وتلك الشهادة الحمراء فقد استغرقت عاما لتصل، لكنّ صدقها عاش أكثر من ثلاثة عقود وما زال ينبض في أيدينا.

ومع إغلاق غطاء الصندوق الخشبيّ انبعث في عتمة الغرفة صريرٌ حادٌّ لأنين زمنٍ كاملٍ يلفظ أنفاسه الأخيرة.

في تلك اللحظة بالذات انثال في صدري يقينٌ صادمٌ وموجع، وأدركتُ المضمون الحقيقيّ والعميق لتلك العبارة التي طالما تردّدت في داخلي: منذ أنْ رحل ساعي البريد لم تعد هناك رسالةٌ صادقة.

لقد غابت خطى ذلك الرجل النبيل في أزقة النسيان المعتمة، واختفت معه طقوسُ الشوقِ اللذيذة لتستحيلَ مشاعرُ العالم إلى أضواء شاشاتٍ باردة تضخُّ حروفاً مجردةً من الروح والحرارة.

غير أنّ رسالة "روث" أبت أنْ تخضع لقوانين الفناء.

كانت تقفُ الساعةَ بين يديّ مثل حارسٍ عتيقٍ يقاوم اندثار الذاكرة على تخوم التاريخ شاهدةً أخيرةً ومجيدة على عصرٍ كان فيه الصدقُ أمانةً مقدسةً تُحمَل على الكاهل، ويُختَمُ بنبض القلب قبل حبر الطوابع، ويُورَّث للأبناء كأغلى تعويذةٍ روحيةٍ يخبئها الزمانُ بين طياته.

***

غدير حميدان الزبون

فلسطين

أقول في إحدى قصائدي العمودية وأنا أتحدث عن الشاعر ـ الشاعر بوصفه إنسانا وواحدا من الناس ـ مخاطبا إياه هكذا:

آهِ لــو أنــصف الــزمان لــحرٍّ

كــنتَ أولــى بــأرفع الدرجاتِ

يــا أخــا الإلــهام الرقيقِ لتسلمْ

إنك الضوء في دجى الحالكاتِ

معروف الرصافي (1875 - 1945م) شاعر عراقي معروف، وهو من أوائل الشعراء الذين عرفتهم عن طريق المدرسة بقصيدته الشهيرة "الأرملة المرضعة" التي يقول في بدايتها:

لــقــيتها لــيتني مــا كــنت الــقاها

تــمشي وقد أثقل الأملاق ممشاها

أثــوابــها رثّـــةٌ والــرجل حــافية

والــدمع تــذرفه فــي الخدّ عيناها

بــكت من الفقر فاحمرّت مدامعها

واصفرّ كالورس من جوع محيّاها

ونحن في المدرسة كنا نحفظ الأبيات المقررة علينا منها، ونرددها أحيانا في مرح ظاهر مع أن القصيدة يخيم عليها جو الحزن والأسى.

معروف الرصافي كان يعيش في وقت من الأوقات العوز والفاقة، وهو ما أشار إليه الأديب العراقي السيد مهدي القزاز في أحد أعداد مجلة "الأديب"البيروتية، فروى أن الرصافي صار يتوكأ على عصا من جريد النخل ،ويحدث أن قرأ المقال شخص كان يعيش في بغداد واسمه مظهر الشاوي ،فيقول الشاوي بأن شعر رأسه وقف واقشعر جلده ،وخجل من أن يعجز العراق عن إعاشة شاعر واحد من أبنائه في قيمة ومستوى الرصافي علما وشعرا وثقافة، المهم في الأمر هو أن أحدهم ويسمى مظهر الشاوي طلب شراء ثلاث كسوات عربية للرصافي وأن تصنع له عصا من الآبنوس مفضض ومطعّمة بالذهب ويكتب عليها:

هدية الشاوي لصديقه الرصافي

وخصص له راتبا شهريا ما دام على قيد الحياة، ولكن الرصافي مات ومظهر الشاوي في المعتقل.

وقد نظم الرصافي قصيدة مدح في الشاوي، والمدح لا عيب فيه إن كان صادقا لا تصنع فيه ولا نفاق، يقول الرصافي:

أمــظهر قــد أخرستني إذ شــملتني

بــعاطفة قــد ضــاق عنها التصور

عــلى حين كان الناس شتى قلوبهم

وكــــل لــــكــل كـــاره مــتــنكر

فــأطــلقت بــالإحسان حــرا مــقيدا

بــــه يــتــرامى جَـــده الــمــتعثر

فـــوالله لا أدري وإنـــي لــحــائر

بـــأي لــســان نــاطق لــك أشــكرُ

ســأشكرك الــشكر الذي أنت أهله

وإن كان شكري عن نوالك يقصر

وأجعل قرص الشمس عند طلوعها

عــلامــة شــكر كــل يــوم يــكرر

إذا ذر قــرص الشمس كل صبيحة

تــلا قــرنَها شــكر كوجهك مزهرُ

وقال في الحلة التي أهداها له:

أهــديت لــي حــلة غيظ الحسود بها

لأنــهــا تــحفة مــن أنــفس الــتحفِ

فــرحت أرفــل فــيها وهْــي ضافيةٌ

وأنــت ترفل في ضافٍ من الشرفِ

وصــار عــيشي بــما أوليتني رغدا

وكان من قبل رهن البؤس والشظَفِ

وقال في العصا:

أنـــا شــيخ وذي عــصاي َفــتيّةْ

قــد أتــتني مــن مــظهرٍ لي هديةْ

صــاغة الــصابئين قــد ألــبسوها

حــلــيةً ذات صــنــعة عــبــقريّةْ

وشــحــوهــا مــنــظــهرٍ بــكــلامٍ

مــعــرب عـــن مـــودة أخــوية

هي تحكي عصا ابن عمرانَ قدْرا

فــلــذا رأســهــا كـــرأس الــحيةْ

فــســأمشي بــهــا ســويــا قــويــا

بــعــدما كــنــت مــاشيا كــالحنيّةْ

وســتــبقى الــذكرى بــها لإخــاءٍ

مّــــوثــق بــالــوشــائج الأدبــيــة

شـــرف قـــد أفــاد فــيه إخــائي

لــكــريم مـــن أســـرة حــميرية

رحم الله معروف الرصافي، شربنا الشعر من يديه عذبا زلالا وتشربناه محبة وشغفا، وما تزال الأجيال واحدا تلو الآخر تهب إلى نبعه تروي ظمأها مرارا وتكرارا.

اللهم أعنا وكن لنا وليا ونصيرا.

***

مصطفى معروفي

...........................

على الهامش:

ونحن في مرحلة الدراسة الثانوية كنا في غرفة ومعنا الصديق وزير الثقافة السابق حسن عبيابة الذي كان يدرس معي آنذاك في نفس المستوى وفي نفس الحجرة، وحدث أن سألني أحد الإخوة الطلاب الخليجيين الجامعيين وكان محبا للشعر عن اسمي الكامل فقلت له اسمي الكامل هو:

مصطفى معروفي

فقال على الفور وما زلت أتذكر ذلك وبالحرف:

لا تخافي لا تخـــافي

إنه معروفْ الرصافي

 

بين زمان «أقحوان منتصف الليل» ومكان «مدينة تسكنني»

إذا كان المكان هو الذاكرة حين تتخذ شكلًا، فإن الزمان هو الذاكرة حين تتحرر من المكان.

وبين روايتي «مدينة تسكنني» و«أقحوان منتصف الليل» يبدو أنني كنت أكتب، دون أن أنتبه، عن الشيء نفسه من جهتين مختلفتين: مرةً عن مكانٍ يسكن الإنسان، ومرةً عن زمانٍ يسكنه الإنسان.

في «مدينة تسكنني» لم تكن المدينة جغرافيا فحسب؛ كانت كائنًا حيًا، ذاكرةً تمشي معي، وبيتًا لا تنتهي حدوده عند آخر شارع فيه. المدينة هناك لا تُغادر عندما يغادرها الجسد، لأن بعض الأمكنة لا تسكن الخرائط، بل تسكن القلب. وقد كتبتُ أن بعض المدن تتحول إلى «نبض سري» يرافقنا كلما ظننا أننا غادرناها.

أما في «أقحوان منتصف الليل»، فقد انتقلتُ من سؤال أين؟ إلى سؤال متى؟

لكنني لم أتعامل مع الليل بوصفه عقربًا في ساعة، بل بوصفه حالةً من حالات الروح. قلتُ إن الليل لم يكن زمانًا بالمعنى البسيط، بل حالة، وإن الصمت لم يكن فراغًا، بل امتلاءً بأصوات لم تُقَل.

وهنا تلتقي الروايتان.

«مدينة تسكنني» هي مكانٌ يتحول إلى زمن، و«أقحوان منتصف الليل» هو زمنٌ يتحول إلى مكان.

فالمدينة تحفظ طفولتنا، وأصوات الذين أحببناهم، ورائحة البيوت، وظلال الأشجار، وملامح الشوارع التي تغيرت بينما بقيت صورتها فينا كما هي. إنها لا تحفظ المكان فقط، بل تحفظ الوقت الذي عشناه فيه.

والليل، في المقابل، يفعل الشيء ذاته.

حين يأتي منتصف الليل، لا يعود الليل مجرد ساعات تمتد بين مساء وصباح؛ يصبح غرفةً داخلية، ندخلها وحدنا، ونلتقي فيها بما أخفيناه عن النهار. لذلك كان الأقحوان قادرًا على أن يزهر في الظلام؛ لأن بعض الجمال لا يحتاج إلى الضوء كي يولد، بل يحتاج إلى العتمة كي يُرى.

ولعل الفرق بين الروايتين هو أنني في «مدينة تسكنني» كنت أبحث عن الذات في المكان، بينما كنت في «أقحوان منتصف الليل» أبحث عن الذات في الزمن.

في الأولى أسأل:

ماذا فعلت بنا الأمكنة التي أحببناها؟

وفي الثانية أسأل:

ماذا تفعل بنا الأزمنة التي عبرناها؟

لكن السؤالين يلتقيان في نهاية الطريق:

من نحن بعد أن يترك المكان أثره فينا، ويترك الزمن ندبته؟

فالمدينة تشبه الذاكرة؛ كلما ابتعدنا عنها ازدادت حضورًا.

والليل يشبه الذاكرة أيضًا؛ كلما خفتت أصوات العالم من حولنا، ارتفعت أصواتنا الداخلية.

ولهذا ربما لم تكن المصادفة بريئة حين التقت في مكتبتي روايةٌ اسمها «مدينة تسكنني» بروايةٍ اسمها «أقحوان منتصف الليل».

واحدة تقول:

أنا المكان الذي بقي فيك.

والأخرى تقول:

أنا الزمن الذي بقي منك.

وبينهما يقف الإنسان، ذلك الكائن الغريب الذي لا يعيش في المكان وحده، ولا في الزمن وحده، بل يعيش في المسافة السرية بينهما؛ في الذكرى.

فالطفولة مكان، لكنها أيضًا زمن.

والحنين زمن، لكنه يحتاج إلى مكان كي يتجسد.

والحب مكان نسكنه، حتى لو لم يكن له عنوان.

والفقد زمن نعيش فيه، حتى لو توقفت الساعة.

لهذا أشعر اليوم أن الروايتين ليستا كتابين منفصلين بقدر ما هما فصلان من سؤال واحد.

في «مدينة تسكنني» كتبتُ عن مكانٍ لم أستطع مغادرته.

وفي «أقحوان منتصف الليل» كتبتُ عن زمنٍ لم أستطع الخروج منه.

وفي الحالتين كنت أكتب عن الإنسان حين يصبح أسيرًا لما أحب.

فالمدينة التي أحببناها لا تنتهي عند حدودها.

والليل الذي عبرناه لا ينتهي عند الفجر.

كلاهما يترك شيئًا منه فينا.

وربما لهذا، حين أغلقتُ «أقحوان منتصف الليل»، شعرت أنني لم أنتهِ منها؛ خرجتُ من الكتاب جسديًا، لكنها بقيت مفتوحةً في داخلي، تزهر كلما حلّ الليل.

وكذلك «مدينة تسكنني»...

لم أغادرها يومًا.

لأن بعض المدن لا نعود إليها...

هي التي تعود إلينا.

وبين مدينةٍ تسكنني، وأقحوانةٍ تزهر في منتصف الليل، أكتشف أنني لم أكن أكتب عن المكان والزمان بقدر ما كنت أكتب عن الإنسان الذي يصنع من كليهما وطنًا لذاكرته.

***

صابر الحميدي

 

توقف القلم بين أصابعه، والتفت نحوي بجسده المنهك وعينيه المتسعتين من أثر فنجان القهوة الثالث.

كان يقلّب ورقة كتب عليها بخط مضطرب خططاً لإنقاذ غده متسائلاً بنبرة يكسوها الذعر:

ـ ألا تلاحظين أنّ الوقت يهرب؟

يجب أنْ أستيقظ، وأسبق الجميع، وحدها القهوة تمنحني السيطرة.

إنّ ضربات قلبي المتسارعة هي شغفٌ بالحياة!

ابتسمتُ ببطء، وأنا أضع كأس الشاي الدافئة بين كفيّ تاركة بخارها العقيقي يتصاعد هادئاً بيننا.

نظرتُ إلى يده المرتجفة وقلت:

ـ أنت لا تسبق أحداً يا صديقي…القهوة توهمك بالسيطرة لتشاهد كابوسك بدقة أطول وبأبعاده الثلاثيّة.

أنت تطفئ حريق الأرق بسكب الوقود على رأسك.

أنت في الحقيقة مجرد كائن مرتعد الفرائص، تحركك ثلاث ملاعق من البودرة المرة لتجري في ساقية اللانهائية.

كيف لك أنْ تعيد حساباتك الخاسرة وتفكر في أخطاء ارتكبتها عام 2012.

تسمّر في مكانه، ونظر إلى الفنجان الأسود بين يديه وكأنه يكتشف عبثه لأول مرة، ثم سأل بذهول:

ـ وماذا تفعلين أنت في هذا الليل إذن؟

ارتشفتُ قطرةً من الشاي، وركبتُ موجة السكون وراء النافذة، ثم أجبته بنبرة خفيضة:

ـ أمارس البصيرة… ألا تعرف بأنّ العالم انتهى منذ الغروب، وأنت لن تنقذه الليلة.

الشاي يخبرك بهذه الحقيقة الحافية، ويمنحك شرف الضحك على السباق قبل أنْ تنام ببطء، فهو لا يعدك بالمعجزات، ولا يدعي أنه سيجعلك مديراً تنفيذياً بحلول الصباح.

إنه فقط يخبرك بالحقيقة الحافية بأنّ اليوم انتهى، وأنت لم تنقذ العالم، وهذا أمر رائع جداً.

أمّا أنت أيها القارىء إذا انتصف ليلك وبدأ قلقك الفردي إما أن تختار البصيرة، أو أن تصرّ على السير في ضلالك القهوجي الجميل مثلي.

***

غدير حميدان الزبون

فلسطين

أعادت إليّ مذكرات حنون مجيد (حجر صغير) السنوات الأولى لعلاقتنا التي تمتد إلى ثمانينيات القرن الماضي، يوم كان بيننا ما هو أعمق من الصداقة: رفقة عمر ومعنى إنساني لا يقاس بالسنوات. كان الأدب نافذتنا، نحلم بعالم أكثر عدلاً وجمالاً، بوطن يولد فيه الأطفال بغبطة وفرح، بلا حروب.

كانت مكتبة حنون تطل على شارع فسيح على مقربة من منزله، على بُعد خطوات، بمثابة ملاذ أمين يجمعنا نحن الأصدقاء: عجيل نعيم الياسري، عبد الإله الحسني، وآخرين من كتاب وأدباء، يتوافدون على المكتبة الصغيرة بين الحين والآخر، صارت المكتبة بيتاً ثانياً لنا، نتحاور فيها، نتبادل الكتب، تلك الزاوية من المكتبة التي نستريح فيها، كانت لنا وطناً وسط اتساع الحرائق، هناك نلتقي، نتحاور، نقرأ، نسمع الأخبار، نضحك، نحزن، وحين يشعر المكان بالملل منا، أو يضيق بأنفاسنا، نعبر الشارع إلى منزل حنون، هناك نكمل الحديث وتتجدد الجلسة. هكذا كانت الرفقة الصادقة قادرة على مقاومة الزمن الصعب، وحنون المهووس بالصداقات، كان يمتلك القدرة من بيننا أن يبعث الحرارة فيها، كلما خفتت، أو خبا وهجها.

من هنا، من تلك الذكريات، بدأت قراءتي لمذكرات حنون مجيد "حجر صغير"، الصادرة عن اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين عام 2025، لا بوصفها سيرة ذاتية فحسب، بل شهادة إنسانٍ عاش في قلب العاصفة، وظلّ يكتب كما يعيش: بصدقٍ، وهدوءٍ، وإيمانٍ بأن الأدب هو الشكل الأرقى للمقاومة.

كانت السنوات ثقال، لكأن البلاد مدفن لما طوته الحروب، في سنوات الحصار كانت الأفواه تمضغ الحصى والغبار، الجوع تفصّد في الضلع، دقّ أسياخاً في الجلد أورثت أطفالنا قرحاً، ونقصاً في الهيموغلوبين.

اعتدت إطلالة حنون مجيد الصباحية في تلك السنوات، كان يدخل عليّ محمّلاً ببعض كتب مكتبته، يحملها في حقيبة تنوء من حملها كتفاه الواهنتان، كمن يقتطع بصمت بعضاً من سنوات عمره،في مكتبي الصغير بشارع المتنبي. يفرشها برفق على طاولة من حديد، ويختار بعض العناوين، ثم يروح في عمق الشارع بحياء شديد، يتلفت بحذر، خشية أن تراه الكتب وهي تغادر مكانها إلى غير رجعة. ليعرضها على رصيف الشارع للبيع، ثم يترك البقية عندي لليوم التالي.

حنون مجبر على ذلك، كانت إحدى وسائله للعيش، ليأكل ويواصل الحياة بكرامة في زمن لا يرحم؟ كان المكتب يتحوّل، في تلك الأيام، إلى ملتقى أصدقاء ومثقفين، نثرثر، نشرب الشاي، ونتبادل الكتب المستنسخة سرّاً، نمرّرها من يدٍ إلى أخرى، وكم من مرةٍ عرّضتنا تلك اللقاءات إلى مضايقات السلطة، والشعور الدائم بالخطر والتهديد بسبب ممارساتها القمعية. لكن اللقاءات تلك كانت تمنحنا شعوراً بالحرية لا يوازيه شيء.

يتحدث حنون عن تلك السنوات بألم: لم تكن الخسارة في بيع الكتب، أنك بعت شيئاً من متاعك، أو من ممتلكاتك، ولا لأن المبيع منه شيء حي ناجيته وناجاك، وصار ابنك أو أخاك أو حتى سيدك، إنما حين تغدو بائع كتب، ستنتزع هويتك يوماً أو أياماً نحو هوية أخرى، قد تكون كريهة إلى نفسك، لأن فيها مساومة، وفيها حلفان، وفيها كذب وبهتان، ثم ها أنت تعرض نفسك أمام الأنظار أحمرها وأخضرها، وقد تلوذ حياءً أو خجلاً من بعضها، ثم أنك لا بد جعت كثيراً لكي تبيع كتبك، ثم لتسد شديد جوعك ستختار الكتب السمينة: مقدمة ابن خلدون، البداية والنهاية، المفصل في تاريخ العرب.. وغيرها الكثير على شاكلتها.

في هذا الكتاب، يقدّم حنون مجيد سيرةً تستعيد تفاصيل عمرٍ طويلٍ من التحوّلات، منذ طفولته في العمارة، إلى رحلته نحو بغداد، مروراً بمراحل التعليم والنضال والسجن والعمل الثقافي. في كل فصل من فصوله ثمة دهشةٌ وصدمةٌ ومفارقة، وثمة إنسانٌ يلتقط المعنى من أكثر التجارب قسوة.

من الهجرة إلى العمارة إلى الوشاية اللاحقة، ومن مدرسة المهدية إلى ثورة 14 تموز 1958، ومن الاعتقال والسجن إلى تجربة السفر إلى الخارج، ثم إلى اكتشاف التنظيم الحزبي، وتدهور الوضع السياسي والأمني ـ يكتب مجيد سيرته كمن يعيد ترتيب حجارة الذاكرة واحدةً بعد أخرى، في مواجهة النسيان.

في فصول أخرى، يتحدث عن مسؤولياته الجديدة: محرّراً للثقافة في الصحف العراقية، مسؤولاً عن سلسلة "الموسوعة الصغيرة، ثم أميناً عاماً لاتحاد الأدباء والكتّاب في العراق، وهي مواقع تؤكد اتساع تجربته وصلابته الأخلاقية، ووعيه بأن الثقافة موقف قبل أن تكون مهنة. لا يخلو الكتاب من لقطاتٍ إنسانية مؤثرة: إصابته بالسكري والكوفيد، الاحتفاء به عند بلوغه الثمانين، واستقباله جثمان الشاعر مظفر النواب، ثم الموقف الفارق حين رفض مقابلة صدام حسين، في لحظةٍ تختصر كلّ ما يمثّله هذا الكاتب من نزاهة واستقلالٍ وشجاعةٍ أدبيةٍ نادرة.

كتب حنون مجيد مذكراته "حجر صغير" بتفصيل إنساني جميل وبلغة السارد المحترف، لغة عذبة بلا تكلّف، هادئة، مكثفة، مدهشة بلا افتعال، تتدفق كما تتدفق الحياة في روح من عاشها بالصدق كلّه، وعاد يرويها بالحنين كلّه. عنوان المذكرات يلخّص الفلسفة الداخلية للكتاب: الحجر رمزٌ للصبر والمقاومة، لكنه أيضاً أثرٌ من روحٍ لم تُكسر، محفوظ في موضع القلب، شاهداً على ما كان. كلّ حجرٍ في سيرة حنون مجيد هو حكاية، وكلّ حكايةٍ شهادة على قدرة الإنسان على البقاء مخلصاً لذاته، وسط عواصف السياسة وتقلبات المصير.

لم يكتب مجيد لنفسه فقط، بل كتبنا جميعاً، نحن أبناء ذلك الجيل الذي امتلأ بالتحديات والأحلام والخسارات، كتب حنون كما عاش بشجاعة وصدق التجربة، بعين لا تزال ترى في الكتابة خلاصاً وفي الصداقة مأوى.

دوّن حنون سيرته بوعي روائيٍّ لا يخضع للتسلسل الزمني الصارم، بل اعتمد على تداعي الذاكرة. فالزمن عنده ليس خطّاً مستقيماً، بل دائرة تتداخل فيها الأصوات والوجوه، ليغدو النص أكثر قرباً من الرواية في حيويته وتنوّعه.

في النهاية، "حجر صغير" ليست سيرة ذاتية، بل سيرة وطنٍ يُروى بصوت إنسان لم يتخلَّ عن إيمانه بالحياة، بهذا العمل، يثبت حنون مجيد مرة أخرى أن الكتابة ليست ترفاً، بل ضرورة ووجود..

***

د. جمال العتّابي

أصبحت أعيش الغربة داخل الديار، وتكسو أيامي ظلمة الليل وأنا في وضح النهار.

تجمّدت مشاعري، وارتجف جسدي من بردٍ لا علاقة له بفصول السنة، فقدتُ الاحتواء والأمان منذ أن ابتعدتَ، وكأن شيئًا في داخلي ظلّ واقفًا عند آخر لحظة جمعتنا، لا يعرف كيف يمضي بعدها.

أبحث بين زوايا العمر عن ذكرياتنا، لا لأعيد الماضي، فقد أدركتُ أن بعض الأشياء إذا رحلت لا تعود كما كانت، وإنما أبحث عنها كي أسرق منها لحظات لا تُنسى؛ لحظات يصمت فيها كل جدال، ويتوارى كل عتاب مرير، ولا يبقى سوى ذلك الشعور الذي كان يجعل للحياة مذاقًا آخر.

أشتاق إلى تلك اللحظات التي مرّت في ذاكرتي سريعًا، لكنها تركت خلفها صورًا تأبى أن تغيب.

صورًا لا تستأذن حين تأتي، ولا ترحل حين نطلب منها الرحيل؛ يكفي أن يمر طيف، أو أسمع نغمة، أو أشم عطرًا يشبه زمنًا مضى، حتى تفتح الذاكرة أبوابها دفعة واحدة.

وأنا الآن لا أبحث عن الكثير…

كل ما أريده لحظة هدوء، وهدنة طويلة مع نفسي والحياة، وصمتٌ يكتم ضجيج اشتياق الروح، ووسادة سلام تسند أحلامي المتعبة.

أريد نغمة هادئة تغمرني بالسكينة، وسحابة عابرة تغسل ما تراكم في داخلي، أو عزلة أستطيع فيها أن أعيد حساباتي بعيدًا عن ضجيج الآخرين.

أريد أن أنصت لصوت العقل والقلب معًا، لعلني أصل إلى تلك المساحة الصغيرة من السلام التي فقدتها منذ زمن.

فالذكرى والأمل يحتاجان أحيانًا إلى خلوة طويلة، خلوة لا نهرب فيها من الحياة، بل نعود فيها إلى أنفسنا؛ نرتب فوضى أرواحنا، ونضع كل وجع في مكانه، ونترك ما لا نستطيع تغييره لإرادة الله.

تعلمت أن بعض الغياب لا يُشفى بالنسيان، وإنما نتعلم كيف نحمله دون أن ينكسر بنا الطريق.

وتعلمت أن الإنسان قد يبتعد عن مكان، وعن شخص، وعن زمن، لكنه لا يستطيع أن يبتعد بسهولة عما تركه ذلك المكان أو الشخص أو الزمن في قلبه.

أما أنت…

فما زلتَ تأتي إليّ بطريقة غريبة.

كلما شربت قهوتي، أراك في فنجاني.

أراك بين دوائرها، في بخارها المتصاعد، وفي مرارتها التي تشبه بعض الذكريات؛ مرةً توقظ الحنين، ومرةً تمنحني شيئًا من الدفء.

ومنذ أن عرفتُ أن للقهوة قدرة عجيبة على استحضار وجوه الغائبين، ازددتُ عشقًا لها.

يقولون إن القهوة تجلب وجوه الغائبين…

ولعلني لم أدمن القهوة وحدها، بل أدمنت ذلك الشعور الذي تمنحني إياه حين أجلس معها وحيدة؛ فأترك للفنجان أن يحتفظ بما لا أستطيع قوله، وللذاكرة أن تحضر دون موعد، وللحنين أن يجلس قبالتي كضيف قديم.

وربما لهذا أحببت القهوة…

لأنها لا تسألني لماذا أشتاق، ولا تلومني حين أتذكر، ولا تطلب مني أن أنسى.

تكتفي بأن تكون هناك…

وأكتفي أنا بأن أراقب فنجاني، وأبتسم لذلك الغائب الذي ما زال، رغم المسافات، يعرف طريقه إلى قلبي.

***

ذكرى البياتي

أمسكتُ قلمي هذا المساء وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة مؤرّخا للثالث عشر من أيلول، وعلى سيرة أيلول كتبت: يأتي أيلول فتتحوّل أحزاننا إلى غيمة...وسرعان ما انفتح في الذاكرة بابٌ قديم، بابٌ كنتُ أظنّ أنّ السنوات أغلقتْه إلى الأبد.

خرجتُ منه طفلةً تركض حافيةً في ممرات البيت، يطاردها ضحكُ الصباح، وتتعلّق في ضفائرها رائحةُ الخبز الساخن، وعلى كفّيها غبارُ الحكايات التي كبرت معها.

كان أيلول في طفولتي موعدًا سريًا مع الفراشات لكنني لم أكن أعرف وأنا أركض خلف فراشةٍ في باحة الطفولة أنّ بعض الفراشات لا تُمسك، وأنّ بعض الذين يلوّحون لنا عند عتبة العمر لا يعودون، لذلك كلما جاء أيلول سمعتُ وقعَ طفلةٍ قديمة تركض في داخلي باحثة عن الفراشات والضحكات.

كبرت ولا زال أيلول يعرف طريقه إلى قلبي، فأنتظره كلّ عام ليأتي دون أنْ يستأذن، فيفتح نوافذ الذاكرة واحدةً واحدة، وينثر على عتبات البيوت رائحة التين الناضج، ويترك في الهواء شيئًا من برودة لا تكفي لإطفاء حرارة الصيف، لكنها تكفي لإيقاظ ما نام طويلًا في تجاويف الروح.

وفي كلّ مرة يأتي فيها أيلول كانت أمي تقول: سيأتي المطر هذه المرة.

كنت أبتسم، ولا أجيب، فأنا أعرف أنّ أمي لم تكن تتحدث عن المطر.

في ذلك الأيلول البعيد كنت طفلة لا أعرف من الفقد إلا اسمه، وكانت عمتي المريم تقف عند الباب حاملة حقيبة بنية صغيرة، تشدّ أزرار ثوبها بشموخ، ولا زالت حريصة على وضع أحمر الشفاه رغم أنينها، بينما كانت أمي تراقبها بصمت يشبه صمت القدس المثقلة بأحاديث المساء.

قلت لها: إلى أين؟

انحنت حتى صار وجهها بمحاذاة وجهي، ومسحت على رأسي وقالت: إلى مكان قريب.

ومتى تعودين؟

ترددت قليلًا، ثم ابتسمت، وكانت تلك الابتسامة أول كذبة جميلة تعلمتها من الحياة: عندما ينتهي أيلول.

ركضت خلفها حتى آخر الزقاق ولا زلت أرمقها بعيني، فكانت تمشي بتثاقل على غير هداية، وأنا أعدّ خطواتها: واحد...اثنان...ثلاثة...ثم اختفت عند المنعطف.

لم أكن آنذاك بالحدس الذي يجعلني أعرف أنّ بعض المنعطفات لا تعيد إلينا الذين يذهبون منها.

مرت السنوات...كبرتُ...وكبر الغياب معي.

تزوّجت ذاكرتي من الحنين، وأنجبت عشرات الأسئلة.

يا تُرى أين ذهبت عمّتي؟ ولماذا لم تعد؟

وهل كانت تعرف أنها لن تعود؟

وهل يستطيع الإنسان أنْ يشعر في اللحظة التي يغادر فيها بأنّ الطريق الذي أمامه سيصير أطول من العمر؟

كنت أطرح الأسئلة على أمي، فتشيح بوجهها نحو النافذة.

وكانت النافذة تعرف أكثر منا جميعًا.

في أحد الأيام، قلت لها: أمي، لماذا قلتِ دائمًا إنها ستعود؟

أجابت: لأنّ الأطفال يحتاجون إلى وعد كي لا يخافوا من الليل.

ثم سكتت، فرأيت في صمتها عمّتي للمرة الأولى كما رأتها هي: شابّة جميلة لكنّها تحمل خوفها في صدرها، وتمشي بهدوء كي لا توقظ خوفنا.

كبرتُ أكثر، وصرت أعمل في المدرسة التي كانت أمي تحدّثني عنها وأنا صغيرة.

وفي صباح أيلولي آخر بينما كنت أكتب التاريخ على السبورة، سألتني إحدى الطالبات: معلمتي، لماذا تحبون أيلول؟

توقفت يدي، وحدقت في الكلمة المكتوبة أمامي عشرات المرات: أيلول… وفجأة صارت الكلمة بابًا.

فتحت الباب بكامل وعيي، فخرجت منه طفلة صغيرة تركض في زقاق قديم، وراء امرأة تحمل حقيبة بنية.

خرجت عمتي مريم، وخرجت جدتي الفاطمة، وخرج عمي الخليل، وخرجت أمي الفاطمة، وخرج البيت، فخرجت رائحة الخبز، وخرج صوت مذياع قديم يعلن أخبارًا بعيدة، ثمّ خرجت أغنية كانت أمي ترددها وهي تخبز.

خرج كل شيء ظننت أنّ الزمن دفنه.

هل كان الماضي ينتظر أيلول كي يعود؟

في تلك الليلة عدت إلى بيت أمي، فوجدتها جالسة قرب النافذة تفرز حبات التين.

قلت: أمي، هل تتذكرين آخر أيلول؟

ضحكت، وقالت: أي أيلول؟

قلت: أيلول الذي ذهبت فيه عمتي.

وضعت حبة التين في طبق صغير، وقالت: لا يا بنتي، عمّتك لم تذهب في أيلول.

لكنك قلتِ إنها ستعود عندما ينتهي أيلول.

رفعت عينيها إليّ، وكان في عينيها شيء لم أفهمه إلا بعد سنوات.

قالت: كنت أخشى أن أقول لك الحقيقة.

وأين الحقيقة؟

أشارت إلى صدرها: هنا، ثم أضافت: بعض الناس لا يعودون إلينا بأجسادهم يا بنتي، لكنهم يعودون بأشياء أخرى.

أشياء أخرى! مثل ماذا؟

ابتسمت وقالت: مثل المطر.

في تلك اللحظة أغلقت السماء بابها الأزرق فهطل المطر.

قفزت مثل أرنب وأنا أصرخ: يا إلهي أول مطر في أيلول.

وقفتُ أمام النافذة، فكانت السماء رمادية، والشارع يلمع، وأوراق الأشجار ترتجف تحت الماء.

وفجأة تذكرت أسطورة قديمة كانت جدتي تحكيها لنا بأنّ الآلهة عندما تعجز عن إعادة الموتى إلى الأرض ترسلهم غيومًا، كي يستطيعوا العودة دون أن يخيفوا أحدًا.

ضحكت يومها من الحكاية، أما الآن، فقد صدقتها رغم كفري بالأساطير، لأنّ القلب الذي يعجز عن احتمال الحقيقة يصنع لها جناحين.

قلت لأمي: ربما عمتي هناك.

سألتني باستغراب: أين؟

رفعتُ يدي نحو السماء وقلت: في الغيمة.

نظرت إليّ طويلًا، ثم قالت: ربما كانت تنتظر أيلول مثلك.

ومنذ ذلك اليوم صرت أرى الأشياء بطريقة مختلفة، فيخيّل لي أنّ كلّ إنسان يحمل في داخله أوديسة صغيرة لرحلة طويلة بين شواطئ الفقد ومرافئ العودة، وأننا مثل أولئك الأبطال الذين صنعتهم الملاحم نعود محملين بالندوب، نعم...لكننا نعود.

ولم تكن عمتي وحدها بطلة حكايتي... فأمي بطلة الملحمة السرية التي لم يكتبها أحد.

كانت امرأة صامدة أمام سنوات طويلة، ربّت أبناءها بيد، وأمسكت بغياب الأحباب باليد الأخرى.

في صباح اليوم التالي أخبرتني أمي أنها وجدت صندوق عمتي القديم.

كان الصندوق خشبيًا، مغبرًا، مختبئًا في أعلى الخزانة.

فتحناه، فوجدنا صورًا، ورسائل، وساعة متوقفة، ومنديلًا أبيض، وقلم شفاه أحمر.

وفي قاع الصندوق وجدت ورقة صغيرة...فتحتها...كان خط عمتي.

قرأت: إذا طال غيابي، فلا تجعلوا الحزن بيتكم.

توقفت، وارتجفت أصابعي.

تابعت: افتحوا النوافذ كلما جاء أيلول، واتركوا للسماء مكانًا.

لم أستطع أنْ أكمل.

بكيت، وبكت أمي، وللمرة الأولى كان أشبه بالمطر.

في تلك الليلة خرجت إلى فناء البيت، فكانت السماء مملوءة بالغيوم.

رفعت رأسي وقلت: عمتي، هل كنت تعرفين أنّ أيلول سيعيدك إلينا؟

لم يجبني أحد، لكنّ الريح مرت على وجهي، وشعرت بشيء يشبه يدًا تربت على كتفي.

تذكرت هوميروس، وتذكرت أوديسيوس، وتذكرت كلّ الذين عادوا من البحار بعد أنْ ظن الناس أنهم صاروا حكايات، تذكرت كل تلك الملاحم التي ينتصر فيها الإنسان على حزنه.

مرت أعوام أخرى، وصرت أنا أمًا.

وفي خامس أيلول بعد ولادة ابنتي الكبرى أخذتها إلى النافذة.

كانت صغيرة لا تعرف شيئًا عن الغياب، ولا عن عمتي التي صارت صورة، ولا عن أمّ كانت تنتظر، ولا عن طفلة كانت تركض وراء حقيبة بنية.

وضعت يدها الصغيرة في يدي.

قلت لها: انظري يا صغيرتي.

نَظَرت إلى السماء، فرأت غيمة بيضاء تعبر ببطء.

سألتني: ماذا يوجد في الغيمة؟

ابتسمتُ، ولم أخبرها أنّ فيها عمرًا كاملًا من الحنين.

قلت: ربما فيها شخص يحبنا.

ضحكَت، ثم مدّت يدها نحو السماء.

الآن فهمت ما كانت أمي تقصده، فالحزن لا يختفي...إنه يتغير.

كان بالأمس حجرًا في القلب، ثم ارتفع أخيرًا غيمة.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

بقلم: ماثيو ليبمان

ترجمة د. محمد حسين النجم

***

" أبي " قال هاري .

"ممممممممممم" اجاب ابوه.

"ابي، ما السؤال؟"

" ما تسالني الان."

" نعم، اعلم انني اسئلك سؤالا، ولكن ليس هذا السؤال الذي اسئلك اياه "

"ليس السؤال الذي تسالني اياه؟، يبدو اننا في حلقة مفرغة، مثل ابوت وكاستيلو*. مَن الاول؟

" ابي !! "

" ماذا؟ "

" انا جاد. ما السؤال؟ "

" لماذا تريد ان تعرف؟ "

" ابي ! هذا خارج الموضوع. ما الفرق الذي يصنعه لماذا اريد ان اعرف. انا فقط اريد ان اعرف."

" انت دائما تسالني لماذا. لماذا لا استطيع ان اسئل لماذا؟"

" ابي، كل الذي سالته هو مسالة بسيطة، فلماذا تلف وتدور. كل ما اريد ان اجده هو: ما الذي يحدث حين نسال سؤالا؟ "

" اعتقد اجبتك "

" كيف اجبتني؟ انك لم تجبني. انك فقط سالتني جملة اسئلة "

" لا ينبغي لي ان اسأل عددا من الاسئلة ان كنت لا اعرف الا بعض اجاباتها."

" وربما حين اعرف ما هي الاسئلة، سوف لا اكثر من الاسئلة."

" ربما، حتى لو عرفت ماهي، تستمر بالسؤال اكثر "

"ابي !!"

"مممممممممم "

" لا ازال احاول ان اعرف "

"ما السؤال، او ماذا يحدث حين نسال سؤالا "

بدا هاري منزعجا. هز والده كتفه وقال: " حسنا، في البداية سالتني عن امر واحد، بعدها سالتني عن امر اخر. كيف يمكنني ان اساعدك وانت لا تستقر على امر واحد؟ "

" حسنا، ما الذي يحدث حين نسال سؤالا؟ "

السيد سوتلماير زم شفتيه وفكر مليا. " كيف تشعر حين تسال سؤالا؟ "

" بارباك."

" وكيف تشعر حين تجلس الى مائدة الطعام؟ "

" بالجوع. اها فهمت ما قلت. انك تعني، عندما نجوع نبحث بشكل طبيعي عن شئ ناكله، وحين نُربك، نبحث بشكل طبيعي عن الاجوبة."

" اذن البحث عن الاجوبة امر طبيعي مثله مثل البحث عن الطعام "

تمدد هاري بجانب كرسي والده. " ربما الامر هكذا، لكن الا يعني هذا ان سؤال الاسئلة هو يشبه البحث عن اجوبة؟ "

هز السيد ستوتلماير راسه " انا لم اقل هذا. "

" اذن ما السؤال؟ "

" هاري، انت مثل الذبابة المريضة، تستمر تطن مثلها "

ضحك هاري. " ربما الذبابة ليست مريضة على الاطلاق، ربما هي فقط تريد ان تسالك عن امر ما. او ربما لديها مشكلة ". بعدها تسائل: "هل هذا ما اخبرتني عنه، باننا نسال الاسئلة عندما تواجهنا مشاكل؟ "

" هل نملك صعوبات، ام الصعوبات تملكنا؟ "

"اوه يا ابي، بحق الله، هل ستكون جادا؟"

" انا جاد "

" حسنا، ما العلاقة بين السؤال والمشكلة؟ "

" ما العلاقة بين جبل الثلج وقمته؟ "

" قمة الجبل الثلجي هو ما يمكننا رؤيته، الباقي منه تحت الماء "

" الا يمكن ان سؤالك هو قمة المشكلة ليس الا؟ "

" السؤال ملكي، اما الصعوبة فليست كذلك؟ "

" لا "

" اذن لمن هي؟ "

" ليست لاحد. انظر، اذا ما خرجت من المدرسة ولم تك متاكدا من ما ستفعله لاحقا، ستكون عندها مرتبكا وتبدأ بطرح الاسئلة. ولكن اذا كانت هناك " بطالة "، فهذه مشكلة، وهي ليست مشكلتك فقط. ولهذا قلت انك لا تملكها بل هي التي تتملكك "

" اذن السبب الذي يدفعني للسؤال ليس الحصول على الاجوبة بقدر ماهو السعي لمعرفة المشكلة؟ "

السيد ستوتلماير سمح لنفسه بابتسامة باهتة، واومأ بالموافقة.

" اذن ابي " واصل هاري القول " اذا كان تحت كل سؤال مشكلة، هل هذا يعني ان تحت كل عبارة مشكلة؟ "

لم يجب والده. انتظر هاري، ثم اضاف " ولهذا السبب، الا يعني هذا ان هناك شيئا ما تحت كل مشكلة؟ "

اجاب والده " هذه هي المعضلة ".

****

......................

* ابوت وكاستيلو: فلم امريكي حكايته تشبه المعضلة التي نرددها: من الاول الدجاجة ام البيضة.

في هذا المساء يمدّ أيلول يده الباردة قليلًا إلى نافذتي، تسلّل من الشقّ الضيّق عطرُ ترابٍ مبتلّ، يبدو أنّ المطر القديم لم يغادر المكان تمامًا، وكأنّ الأرض خبّأت رائحته في قلبها لتستعيده كلما اشتاق الإنسان إلى شيء لا يعرف له اسمًا.

كان المساء بلونٍ بنفسجيّ خافت، تتكئ أطرافه على زرقةٍ بعيدة، فيما كانت شمسٌ نحيلة تنسحب من وراء التلال تاركةً على زجاج النافذة خيطًا ذهبيًا أخيرًا.

وقفتُ أمام الشباك طويلًا، وسألتُ نفسي، ثم سألتك أنت أيها القارئ: يا تُرى ماذا كان يخطر في بال مخترع الشباك عندما اخترعه؟

أكان يريد للبيت أن يتنفّس؟ أم كان يعرف قبلنا جميعًا أنّ الإنسان لا يستطيع أنْ يعيش داخل جدارٍ مغلق مهما كان دافئًا؟

لعلّه كان عاشقًا للحرية، فاخترع منفذًا صغيرًا كي لا يتحول المكان إلى سجن. ولعلّه كان عاشقًا للضوء، فأدرك أنّ عتمة الغرفة لا تُهزم بمصباح، وإنما بشقٍّ صغير تسمح منه الشمس أنْ تقول للظلام: لستَ قَدَرًا.

وربما كان عاشقًا للشمس، وللقمر، وللنجوم، وللمطر، وربما كان عاشقًا للعشق نفسه، فأراد أنْ يترك للغائب مكانًا كي يجيء، وللعابر فرصة كي يلوّح، وللسماء نافذة كي تنظر إلينا.

ألم يكن محمود درويش يعرف شيئًا من هذا عندما جعل من النافذة مسافةً بين المنفى والوطن، وبين ما نراه وما نحلم أنْ نراه؟ وألم تكن فيروز عندما تغني في الصباح والمساء تفتح لنا شباكًا في الروح؟ لذلك لا أظن أنّ الشباك اختراع هندسي محض، فأنا أراه فكرةً فلسفية سبقت الحجر، وإعلانًا مبكرًا بأنّ الإنسان مهما أحاط نفسه بالجدران سيظل محتاجًا إلى منفذٍ صغير نحو العالم.

ولأنك تقرأني الآن دعني أقول لك شيئًا: ربما لم يخترع الإنسان الشباك كي يرى الخارج، وإنما كي يتأكد أنّ الخارج ما زال موجودًا.

وهذه هي حُجّتي، فنحن نفتح النوافذ لأنّ أرواحنا تضيق عندما لا تجد احتمالًا آخر.

انظر إلى الشباك جيدًا سترى نصفه بيتًا يحميك، ونصفه طريقًا يحرّضك على الرحيل، إنّ نصفه أمان، ونصفه سؤال. ولهذا كان غسان كنفاني يعرف أنّ الفلسطيني لا يحتاج إلى بابٍ واسع كي يحلم بالعودة، يكفيه أحيانًا شباكٌ صغير يرى منه جهةً تشبه البلاد.

ولنفس السبب ظل ناجي العلي يرسم حنظلة واقفًا بظهره إلى العالم، ويكأنّ ظهره صار شباكًا مفتوحًا على فلسطين، فالصمت يمكن أنْ يكون أبلغ من كل الكلام.

وفي هذا المساء تتداخل رائحة القهوة مع رائحة المطر، ويصير لون السماء شبيهًا بصفحةٍ قديمة من دفتر درويش، و تبدو نجمةٌ وحيدة فوق المدينة كأنها أغنية لفيروز تأخرت قليلًا عن موعدها، ولا زلت أفكّر لعل مخترع الشباك لم يكن مهندسًا أصلًا، لعلّه كان شاعرًا، أو عاشقًا، أو سجينًا، أو إنسانًا اكتشف مبكرًا أنّ الحرية تبدأ من فتحةٍ صغيرة في جدارٍ كبير.

فقل لي أيها القارئ: ماذا كنت ستخترع لو كنت مكانه؟ بابًا للخروج؟ أم شباكًا يكفي لأنْ تدخل منه الشمس؟

أما أنا، ففي هذا المساء لا أريد أكثر من نافذةٍ مفتوحة على جهةٍ لا أعرفها، لعلّ المطر يدخل منها، أو يمرّ وجهٌ أحببناه، أو تصل أغنيةٌ من صوت فيروز، أو يطلّ درويش من جهة الغياب، أو يمرّ كنفاني حاملًا سؤالًا لم يُجب عنه بعد، ويقف ناجي العلي عند حافتها صامتًا، ليقول لنا دون أنْ يقول: كلّ جدارٍ يحتاج إلى شباك، وكلّ قلبٍ يحتاج إلى جهةٍ مفتوحة على الحرية.

***

غدير حميدان الزبون

فلسطين 🇵🇸

كل عطش يبحث عن بئر.. وليس كل بئر ماء.

هناك عطشٌ لا ترويه الأنهار، ولا تستطيع أن تبلله قطرة، لأنه يسكن في مكان أعمق من الجسد؛ في تلك المنطقة الخفية من الروح، حيث يقف الإنسان وحيداً أمام نفسه، ويسأل السؤال الذي لا يجرؤ على قوله بصوت مرتفع:

ماذا ينقصني؟

قد يكون حولك ألف وجه، ومع ذلك تشعر أنك وحيد.

وقد تنام في بيت دافئ، وقلبك يرتجف من بردٍ لا تعرف له نافذة.

وقد تعيش في مدينة ممتلئة بالناس، ثم تكتشف أن أكثر ما يؤلمك هو غياب وجه واحد.

نحن لا نعطش دائماً إلى الماء.

أحياناً نعطش إلى يدٍ تربت على أكتافنا دون أن تسألنا لماذا تعبنا.

نعطش إلى صوتٍ يقول: «أنا هنا»، في زمنٍ أصبح فيه الغياب أكثر وفاءً من الحضور.

نعطش إلى وطنٍ لا نضطر إلى شرحه لأحد.

إلى امرأةٍ لا تجعلنا نشعر أننا في امتحان دائم للحب.

إلى أمٍّ نعود إليها مهما كبرنا، لأن الإنسان مهما طال به العمر يبقى في داخله طفلٌ يبحث عن حضنٍ أول.

ولعل أقسى أنواع العطش أن تكون ممتلئاً بالكلام، ولا تجد من يفهم صمتك.

***

صابر الحميدي

طفل.. طفل بحجم قطرة طل شقت سبيلها على خد الحياة، ريحانة قطفت قبل أن تورق.. وتركت الفراشات يتامى !

عمر أشبه برؤيا قبل آذان الفجر.. انطوى في ثمانين متراً من عتمة الأرض! أيها القدر: ما المسافة بين الضحكة والرحيل؟ هل فعلا قد لا تتجاوز خطوة كخطوة أيوب؟ وأن الفرح قد يُطوى تماماً كما تطوي ريح الخريف ورقة تشردت عن أخواتها في فيافي الأرض؟

يا جبا ابتلع البراءة! لو كنت تدري ما قساوة المشهد لردمت نفسك على نفسك قبل تلك الخطوة اللعينة التي غفل عنها أيوب.. امتدت إلى ثمانين مترا.. "أخياه عذرا خبزك لا زال تحت إبطي.. إن عدت بالشويهات مساء.. أحضن أمي ونم.. وتذكرني.. خبزك ما زال تحت إبطي.. !

 وأيدي آهالي القرية التي حفرت الصبر بالحديد، صارعت الزمن بأظافر الأمل! أربعة أيام كانت دهراً سحيقا ، دعوات الأمهات والرجال والصبيان.. أدرع ممتدة الى كبد السماء كاغصان اشجار عارية.. عل طفلا يعود إلى أمه!

أيوب قد رحل.. رحل وحيداً.. لا.. لا ليس وحيدا شيعه دفء الحكايات وصوت أمه وذمعة أبيه الذي لم تفارق ذاكرته حتى في عتمة الجب.. !

هو الآن حيث لا آبار، ولا ظلام، ولا انتظار.. طائر الجنة!

وبقي الصدى.. صدى صبي أسمر الوجه، يمضي في المساء بلفافة الخبز الدافئة، باسماً، نحو أبدية لا تعرف القاع.. !

وداعا أيوب!

***

الداودي الخالدي/المغرب

 

عبر الكتب الأكثر مبيعاً في التاريخ

منذ أن تعلم الإنسان تدوين أفكاره، ظل الكتاب هو الوعاء الأوفى لحضارته، والنافذة التي يطل منها على عوالم لم يزرها، وأزمنة لم يعشها. إن البحث عن الكتب الأكثر مبيعاً ليس مجرد بحث في لغة الأرقام والإحصائيات، بل هو غوص في وجدان الشعوب وتتبع لاهتمامات العقل البشري وتطور ذائقته الأدبية والفكرية عبر القرون.

الركائز الروحية: السيادة للكتب الدينية

تصدرت الكتب الدينية قائمة المبيعات والانتشار تاريخياً، فهي لم تكن مجرد كتب للقراءة، بل دساتير حياة ومنطلقات عقائدية لملايين البشر. يتربع [الإنجيل] على قمة الهرم التاريخي بأكثر من 5 مليارات نسخة، تلاه [القرآن الكريم] الذي تجاوز حاجز الـ 3 مليارات نسخة. هذه الأرقام الضخمة تعكس الدور المحوري للدين في تشكيل الهوية الإنسانية وتوجيه السلوك البشري عبر العصور.

عصر الرواية: الخيال الذي حكم العالم

بعيداً عن الكتب السماوية، نجد أن الأدب الروائي قد استأثر بحصة الأسد من شغف القراء. وتعتبر رواية (دون كيخوتة) للإسباني ميغيل دي ثيربانتس ظاهرة استثنائية، حيث تُقدر مبيعاتها بنحو 500 مليون نسخة، وهي الرواية التي سخرت من أوهام الفروسية لترسخ مفهوم الرواية الحديثة.

وفي سياق متصل بالواقعية الاجتماعية والتاريخية، تأتي رواية (قصة مدينتين) لتشارلز ديكنز، التي بيعت منها 200 مليون نسخة. لم تكن مجرد سرد لأحداث الثورة الفرنسية، بل كانت صرخة ضد القمع والظلم الاجتماعي، مما جعلها المادة الأدبية الأكثر تدريساً في المدارس العالمية، وخصوصاً في الولايات المتحدة.

عوالم الفانتازيا والأسطورة

أثبتت المبيعات أن الإنسان يميل غريزياً إلى الهروب نحو العوالم الخيالية. وهنا تبرز عبقرية ج.ر.ر تولكين في ملحمته (سيد الخواتم) التي تجاوزت مبيعاتها 150 مليون نسخة، وروايته الأخرى (الهوبيت) التي تخطت 100 مليون نسخة. هذه الأعمال لم تكن قصصاً عابرة، بل كانت بناءً متكاملاً للغات وثقافات وأجناس خيالية، ألهمت السينما وأجيالاً من الكُتاب. ولا يمكننا إغفال ظاهرة (هاري بوتر) للكاتبة ج.ك رولينج، حيث حقق الجزء الأول (حجر الفيلسوف) 120 مليون نسخة، بينما تجاوزت السلسلة كاملة 500 مليون نسخة، مما أعاد الاعتبار لأدب الطفل والناشئة في العصر الحديث.

الفلسفة، الغموض، والروحانيات

تنوعت اهتمامات القراء لتشمل الفلسفة الرمزية كما في (الأمير الصغير) لأنطوان دو سانت أكزوبيري 140 مليون نسخة، التي قدمت حكماً عميقة على لسان طفل من كوكب آخر. وفي عالم الجريمة والغموض، تألقت أجاثا كريستي بروايتها (ثم لم يبق أحد) التي بيعت منها 100 مليون نسخة، لتثبت أن الإثارة الذهنية مطلب دائم للقارئ.

أما في العصر الحديث، فقد استطاع دان براون برواية (شفرة دافنشي) 80 مليون نسخة أن يمزج بين الفن والتاريخ والمؤامرة، بينما لمس باولو كويلو شغاف الروح في روايته (الخيميائي) 65 مليون نسخة التي تدعو لاتباع الأحلام. ومن الشرق، فرضت الرواية الصينية الكلاسيكية (حلم الغرفة الحمراء) نفسها كواحدة من أكثر الكتب مبيعاً بـ 100 مليون نسخة، موثقةً حياة المجتمع الصيني بدقة متناهية.

لماذا نقرأ هذه الكتب؟

إن القاسم المشترك بين هذه العناوين، رغم اختلاف مشاربها من (الحرب والسلام) لتولستوي إلى (الجمال الأسود) لآن سويل، هو قدرتها على ملامسة جوهر التجربة الإنسانية. سواء كان ذلك عبر معالجة قضايا المراهقة كما في (الحارس في حقل الشوفان)، أو عبر تقديم مغامرات ملحمية في أدغال أفريقيا كما في رواية (هي) لهنري رايدر.

في الختام، إن هذه القائمة ليست مجرد أرقام تجارية، بل هي خريطة تدلنا على ما يشغل بال البشرية: البحث عن العدالة، الهروب إلى الخيال، فهم الذات، والبحث عن المعنى. ويبقى القارئ هو الحكم الأول والأخير، فهو الذي يمنح الكتاب حياته واستمراريته، ليظل الكتاب، مهما تطورت التكنولوجيا، هو الصديق الذي لا يمل، والكنز الذي لا ينضب.

***

رمزي ميركاني

من سواحل البحر الأبيض المتوسط الدافئة إلى خط القطب الشمالي. لم اعد اعرف المرات التي كتبت فيها وانا أطوف سابحا في الطائرة على السحب البيضاء وأشاهد المدن كانّها مصابيح تزين الثرى. الأجمل هنا وأنت جالس في الطائرة تراقب في هذا الصباح وترى في الأفق خطا برتقاليا يتحول إلى حمرة دقيقة بدقيقة إيذانا بشروق الشمس، التي اعشقها لتنير المعمورة إيذانا بولادة يوم جديد.

إيلاف صيف ٢٠٢٦ انتهى واترك الأندلس على أمل العودة في الشتاء القادم وعلى عادتي كل عام.الصعوبة في السفر تحدث مع إجراءات السفر بصورة عامة ولكن مواطني الاتحاد الأوربي لا يعانون الكثير من تلك الإجراءات. أعاني صعوبة في السفريات التي أقوم بها في الصباح الباكر لأني أحب النوم في الصباحي. السلوك البشري في السفر يختلف كثيرا عن الحالة الطبيعية والعديدين يعيشون في حالة توتر وغضب وآخرون يفقدون السيطرة على حركاتهم ويتشتت أفكارهم.

ان أجمل ما في مدن الأندلس انك تعيش مع التاريخ جنبا إلى جنب مع مظاهر الحياة العصرية فكل مدنها متاحف طبيعية بأحيائها التاريخية القديمة ودور العبادة والقصور والحصن التي تركها المسلمون في فترة حكمهم للبلاد خلال اكثر من ثمانية قرون. الجميل بان رغم المآسي التي مرت على البلاد إلا ان معظم تلك الآثار لا تزال شاخصة في قصور امثال القصر الحمراء في غرناطة وقصر المعتمد بن العباد في أشبيلية والجامع الأموي الكبير في قرطبة وأماكن آثارية كثيرة. زيارتي هذا الصيف كانت حافلة بزيارة العديد من المدن والقصبات القريبة من مكان اقامتي في مدينة ملقا وهنا اود ان انقل للقارئ الكريم بعض ما شاهدته في تلكً الأماكن وانا أتنزه مع اخي الذي رافقني هذا العام فنحن أصدقاء ودرسنا وسكنا معا في الجامعة ولدينا العديد من الذكريات المشتركة وهذا أضاف نكهة مختلفة لهذا اللقاء. المدينة التي اود ان أتحدث لكمً عنها تسمى ستي نيل وهي قريبة نوعا ما عن مدينة ملقا وتقع في إقليم الأندلس والطريق معبد وجميل جدا مليء بالأشجار والغابات الفواكه وخاصة أشجار الزيتون والتي تشتهر بها الأندلس.3229 tawfiq

"لم يكن العيش على الحدود التي تفصل مملكة بني نصر عن مملكة قشتالة بالأمر الهين على مدينة ستي نيل، الذي كان مثالاً للمقاومة والنضال عبر تاريخه.

لقد عشتُ تلك الحقبة. ثلاثة أشهرٍ حاسمةٍ في عام ١٤٨٤، ما قبل المعركة، وأثناءها، وما بعدها، تلك المعركة التي أسقطت مدينة سيتًىً نيل المنيعة. كانت المدافع وقذائف الهاون تضرب المدينة، إلى جانب اثني عشر ألف رجلٍ مسلح في مواجهة ألف روحٍ بالكاد تتمسك بإيمانها. فقدتُ جزءًا من حياتي، أيامًا، ودَمَى الزمن جراح قلبي. ألقيتُ الحبل الذي أنهى الحصار. كنتُ مسيحيًا ذات يوم، كنتُ موريًا ذات يوم، واليوم أتجول بلا هدفٍ في عالمٍ مختلف. لم يكن ذلك ليحدث."3230 tawfiq

بيدرو رامالو، بطل رواية "Setenil 1484"

مدينة تعيش سكانها في بيوت نحتت في الصخر، معجزة الإنسان أندلسي ومن عصر الموحدين. وتأتي أصل التسمية حسب إحدى الروايات من اللاتينية (Septem nihil) أي "سبع مرات لا"، وتردد أنها تعبير عن 7 محاولات فاشلة للجيوش المسيحية لاقتحامها في العصر الإسلامي قبل سقوطها النهائي لاحقا. أما "بودوجاس" فجاءت لاحقة للاسم بسبب مزارع الكروم وإنتاج الخمور والتي تشتهر بها المنطقة في العصر المسيحي.

بالقرب من هذه المدينة هناك مدينة اخرى تسمى روندا. قال فيها الشاعر ابو البقاء الراوندي؛

لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا مَا تَمَّ نُقْصَانُ

فَلَا يُغَرَّ بِطِيبِ العَيْشِ إنْسَانُ

*

هِيَ الأمُورُ كَمَا شَاهَدْتُهَا دُوَلٌ

مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ سَاءتْهُ أزْمَانُ

*

وهذهِ الدارُ لا تُبْقي على أحدٍ

ولا يدومُ على حالٍ لها شانُ3231 tawfiq

هذه هي مدينة فوق الجبل رواندا انها مدينةً الشاعر ابو البقاء الراوندي والذي بدات بأبياته هذه المادة. المدينة بأكملها فوق قمةً جبل ويمكن مشاهدة الوادي من الجسر الذي يربط طرفي المدينة وفيها حديقة غناء جميلة جدا زارها الكاتب الشهير ارنست همانغواي وصاحب الشيخ والبحر ولمن تدق الأجراس أحب المدينة وخلد بتمثال تذكاري له لتقديره الكبير لتاريخ المدينة. سأكتب تقريرا مفصلا عن مدن الأندلس لاحقا واكتفي بهذه المدينتين في مادتي هذا.

بعد ايام يتمكن المواطن السويدي من إدلاء بصوته في الانتخابات النيابية واختيار الحزب الذي يود ان يترجم برنامجه الانتخابي إلى واقع ومع الموجة القومية السلبية والتي تجتاح أوربا اليوم لا ارى الكثير من الضوء في نهاية النفق.

هنا يعلن كابتن الطائرة بقرب هبوط الطائرة وان درجة الحرارة لا تتعدى ٢٤ درجة مئوية واهلا بكم في الوطن.

***

د. توفيق رفيق آلتونچي

من على متن طائرة الخطوط الملكية النرويجية

٢٠٢٦

في ذاك الكافيه الذي دخلته للمرة الأولى، كان ثمة شيءٌ ما يجذبني إليه دون أن أعرف السبب... وحين دخلته، شعرت أن روحي قد سكنت فجأة، بينما كانت دقات قلبي تتسارع وكأنها تستقبل شيئًا تعرفه قبل أن تراه.

كنت بالقرب من ضفاف النيل، وحينها هدأت دقات قلبي شيئًا فشيئًا، وطربت روحي مع أغنية «دارت الأيام» لسيدة الغناء العربي، وكأن الأغنية كانت تعرف شيئًا عن تلك اللحظة أكثر مني.

وفي خضم ذلك الهدوء، سمعت صوتًا جعل الفضول يأمر عيناي أن تبحثا عن عينيك.

كان في كلماتك نبرة الصعيد، وفي حضورك شيء من الهيبة التي تُهاب، فاستيقظت في ذاكرتي صورة قديمة...

أنتَ من كنتَ معي في ساحة المطار!

لحظة صغيرة، ربما لم تكن تعني لك شيئًا، لكنها بالنسبة لي كانت بداية حكاية لم أكن أعرف أنها ستأخذ كل هذا المكان في ذاكرتي.

بدأت قصتي معك بنظرة وكلمة بسيطة، ثم تحولت مع الأيام إلى مشاعر عميقة.

في البداية كانت النظرات والكلمات بيننا عابرة؛ كلمتين أو ثلاثًا، لا شيء معقد، ولا شيء يوحي بأن خلفها حكاية طويلة. كان كل شيء عابرًا في أرواحنا، حديثًا يتنقل بيننا كالريح، يأتي ثم يمضي دون أن نلتفت إليه.

لكنني لم أكن أعرف أن تلك الكلمات الصغيرة كانت بذورًا ستنبت في داخلي يومًا بعد يوم، وأنها ستكبر بشكل يفوق ما كنت أتوقع.

كان كل شيء يبدو بسيطًا في البداية، لكن مع مرور الوقت بدأت تلك النظرات والكلمات تتحول إلى مشاعر أعمق... مشاعر كانت تملأ قلبي شيئًا فشيئًا، حتى أصبحت جزءًا مني، جزءًا لا أستطيع تجاهله، ولا أعرف كيف أهرب منه.

ولعل الغريب في الحكايات الجميلة أنها لا تخبرنا متى تبدأ، ولا متى تصبح شيئًا يسكننا.

فربما تبدأ بنظرة لا نلقي لها بالًا، وبكلمة عابرة لا نحفظها، ثم نجد أنفسنا بعد زمن نبحث عن تلك النظرة، ونستعيد تلك الكلمة، ونسأل بصمت: كيف استطاعت لحظة صغيرة أن تكبر فينا إلى هذا الحد؟

تعالَ أنا وأنتَ نخترع أبجدية جديدة...

أبجدية لا يعرفها سوانا، نكتب فيها ما عجزت الكلمات القديمة عن قوله، فيها أزفُّ إليك اشتياقي، وأغلف بها حنيني الدائم لعينيك وللنيل.

أبجدية أرتل فيها أحرف اسمك، وأعطرها بمياه النيل، كما لو أنني أتصفح كتابًا مقدسًا؛ كلما مررت باسمك بين صفحاته، غمرني شعور بالطمأنينة، وكأنه لحنٌ من ألحان عبد الوهاب، يأتي من بعيد فيوقظ في الروح شيئًا نام طويلًا.

لقد ضاقت الأحرف والكلمات في أسفل حنجرتي، وتعثرت اللغة على عتبات البوح...

أما من لغة أجد فيها ما تعثر به اللسان؟

أما من كلمة تستطيع أن تحمل كل هذا الحنين دون أن تسقط من ثقل الشعور؟

وكلماتي... أما من قصيدة تُكتب وتُبعث إليك، ولو حملت بين أبياتها قليلًا من اشتياق قلبي؟

أما من رشفة أمل ألتقيها بالقرب منك، فأخبر النيل أنني ما زلت أبحث بين موجه وهدوئه عن لحظة تجمعني بك؟

فأنا، رغم المسافات، ما زلت أترك شيئًا مني هناك...

على ضفاف النيل.

هناك حيث بدأت الحكاية بنظرة، وكلمة، وصوتٍ جاء من بعيد...

وهناك حيث ما زالت روحي، كلما سمعت أغنية، أو مرّ طيف النيل في ذاكرتي، تعود إلى تلك اللحظة الأولى، وكأن الزمن لم يمضِ.

وما زلتُ هائمةً على ضفاف النيل، لا أبحث عن شيء سوى لقياك...

لعلّ النيل يعرف الطريق إليك، ولعلّ الموج يحمل إليك يومًا رسالةً كتبتها روحي قبل أن تكتبها يداي.

***

ذكرى البياتي

في السنوات الأخيرة من عمري، بعد أن تجاوزت الستين ونيف، بدأت أستيقظ قبل شروق الشمس كما لو أن جسدي ما زال يتذكر موعدا قديما لم يعد له صاحب.

أفتح عيني في الظلام، فأرى السقف أولا، ثم أسمع الصمت وهو يتحرك في الغرفة.

كان الصباح في السابق يعني شيئا. يعني أن أنهض، أغسل وجهي، أعد الشاي، وأجلس إلى الطاولة لأكتب.

أما الآن، فقد صار الصباح يصل إلي، ولا أعرف ماذا أفعل به. أبقى مستلقيا. ساعة. ثم ساعتين. وأحيانا أكثر. أنظر إلى رفوف الكتب المقابلة للسرير، فأشعر أنها تنظر إلي أيضا. صفوف طويلة من الكتب التي جمعتها طوال سنوات عمري، بعضها اشتريته بحماس، وبعضها وصل إلي مصادفة، وبعضها كنت أعتقد أنني سأحتاج إليه يوما ما. ذلك اليوم الذي لم يأت.

أحيانا أتخيل أن أنهض فجأة، أفتح باب الغرفة، أحمل الكتب كلها إلى مرآب البيت، أسكب عليها النفط، وأشعل فيها النار. فأرى الدخان يتصاعد من بين الصفحات.

ويعجبني، في تلك اللحظة المتخيلة، أن أرى الكلمات وهي تتحول إلى رماد. لكنني لم أكن أعرف: هل كنت أريد إحراق الكتب، أم إحراق السنوات التي قضيتها وأنا أعتقد أن الكتابة والقراءة يمكن أن تنقذا شيئا؟.

قبل يومين، فعلت شيئا أقل بطولة من الحريق وأكثر قسوة منه.

نهضت. وقفت أمام الرف الأول، ومددت يدي إلى كتاب. تصفحته . ثم أعدته.

أمسكت بآخر. لم أتذكر لماذا احتفظت به. سحبته. ثم آخر. ثم آخر.

بدأت الكتب تسقط على الأرض، الواحد بعد الآخر، والغبار يتصاعد منها مثل أرواح صغيرة أفزعتها اليقظة بعد نوم طويل.

لم أهتم بالغبار. كنت أريد أن أرى الرفوف وهي تخف. كان هناك نوع من الحساب يجري أمامي. هذا الكتاب لا ضرورة له. وهذا أيضا. أما هذا، فقد انتهى دوره منذ زمن. وهذا لم يكن له دور أصلا.

بعد قليل، صار على الأرض كومة كبيرة. وحين رفعت رأسي، رأيت الفراغ الذي تركته الكتب على الرفوف.

شعرت بشيء غريب. تنفست. للمرة الأولى منذ زمن، شعرت أن الهواء يدخل إلى صدري من دون أن يصطدم بشيء.

جلست على الأرض.

أخذت كتابا من الكومة.

مزقت غلافه.

ثم مزقت الصفحة الأولى.

ثم الثانية.

وجدت الأمر أسهل مما توقعت. كانت الصفحات تتمزق بصوت خافت، صوت يشبه احتكاك ورقة بشيء ميت. واصلت حتى صار الكتاب كتلة من القصاصات البيضاء.

لم أكن أمزق الكتاب لأنه رديء، بالضرورة. كنت أمزقه لأنه، في نظري، لم يعد يستحق أن يصل إلى يد أخرى. كانت تلك هي الفكرة التي لم أستطع التخلص منها. لا أريد لهذا الكتاب أن يجد قارئا آخر. لا أريد لشخص، بعد سنوات، أن يفتحه، فيظن أن بين صفحاته شيئا يستحق البقاء.

ربما كنت أتصرف كحارس غاضب لمكتبة انتهى زمنها.

وربما كنت أعاقب الكتب لأنها بقيت، بينما تغير صاحبها.

مزقت أكثر من خمسين كتابا.

وضعتها في كيسين من النايلون. خرجت بهما إلى حاوية النفايات خارج البيت.

كان الصباح قد أصبح أكثر وضوحا. رأيت رجلا يمر في الشارع، فخفضت رأسي قليلا، كأنني أخفي شيئا. لم يكن هناك ما أخفيه. مجرد كتب ممزقة.

في اليوم التالي فعلت الشيء نفسه.

وفي اليوم الثالث أيضا.

وبعدها بدأت الغرفة تتغير. لم تتغير الجدران، ولم تتسع النافذة، ولم يتحرك السرير من مكانه، لكنني شعرت بأنها أصبحت أكبر. كان هناك فراغ جديد. فراغ يمكن التنفس فيه. الرفوف نفسها بدت أخف. والهواء أنقى. ومع ذلك، لم يتغير شيء في الصباح. كنت ما زلت أستيقظ قبل الشمس. وما زلت أحدق في السقف. وما زلت لا أرغب في الكتابة.

اكتشفت أنني لم أكن أكره الكتب. كنت أكره ما تذكرني به. كل كتاب كان يحمل معه نسخة قديمة مني؛ الرجل الذي كان يعتقد أن عليه أن يقرأ، وأن يكتب، وأن يترك وراءه شيئا. الرجل الذي كان ينهض باكرا لأنه يخشى أن يضيع عليه يوم كامل من الكتابة. أما الآن، فقد صرت أخشى شيئا آخر:أن يبدأ اليوم.

ومع ذلك، بين فترة وأخرى، يحدث أمر لا أفهمه. أمد يدي إلى القلم. أكتب جملة. ثم جملة أخرى. فأشعر، فجأة، بأن شيئا ما يتحرك في داخلي، شيئا صغيرا، يكاد لا يرى، لكنه موجود. أواصل الكتابة قليلا. وعندما أتوقف، أشعر براحة لا أستطيع تفسيرها. كأنني، لبضع دقائق، كنت شخصا آخر. ولأنني لا أعرف كيف أشكر ذلك الشخص، أذهب إلى المطبخ. أملأ إبريق الشاي بالماء من الصنبور. أضعه على الطباخ. أشعل النار. ثم أنتظر.

أراقب الماء وهو يبدأ بالارتجاف داخل الإبريق. وأفكر، للمرة الأولى في ذلك الصباح، أنني ربما لم أكن أمزق الكتب كي أتخلص من الكتابة. ربما كنت أمزقها لكي أجد بينها، في مكان ما، كتابا واحدا لم أكتبه بعد.

***

مروان ياسين الدليمي

ظلٌت أمٌه في كل عيد إضحى تجمع له من الأقرباء سبعة ألسن ليأكلها على بركة اللّه مع الأمل أن تحُلَّ الألسن السّبعة عُقدة لسانه ولكن وبعد أن عادت أعياد عديدة ثم مضت ولا جديدٌ اِستسلمت الأمّ إلى القضاء والقدر يائسة حينا راجية أحيانا فما نفعت تلك الألسن السّبعة لسانَ ولدِها الوكواكِ بشيء

(2)

في حيّ الغُبار والشّمس وعلى مشارف صحراء الجنوب يُخبّئ الولد لسانه الثقيل عن الناس فلا يشارك في الكلام بينهم بل كان يكتفي بالبسمة مرة وبإشارة الرأس مرّة وبضرب الرِّجْل على الأرض تعبيرًا عن المكان القريب او برفع اليد إلى الأمام مشيرا بإصبعه كناية عن المكان البعيد... هكذا تعلم الولد الصّمت والإنصات واِستغنى بقليل الكلام اليسير عن كثيره العسير وآمن بالطّبع أن البلاغة في الإيجاز فتجنّب ـ والحمد الله ـ الثرثرة ورُبّ ضارّة نافعة

(3)

وكان ذلك اليومُ العظيم وما أدراك ما ذلك اليومُ ! يومُ الدّخول إلى المدرسة فزاد لسانُ الولد ثِقَلا على ثِقَل وها هو يُزَحزحُه في فمه بين فكّيه يَمنةً ويَسرةً وأسفل وأعلى فلا يَقدر على الرٌاء والظاء والدّال وقد يسُدّ لسانه عليه الهواء إن هو حاول في الحلق إخراج القاف من الأعماق أمّا عندما تهُمّ به الباءُ أو التاء أو الفاءُ فإنّ الدّنيا تنسَدُّ عليه وما أدراك ما التأتأة التي يعقبها البكاءُ يُطفئ به جمرةً في القلب

(4)

الولدُ الذي جلس في الشّمس

ونام في المغارات

مازال يجلس فى الصّمت

يقف في القلق

يُراقب جدرانا مُشقّقة

وحوافر مفلّلة

وفوارس مُثخنة

وهوادج ...بلا زغردة

فالولد حزين حزين

جفّت بسمتهُ

كالطّين

(5)

معَ سيلان أعوام العمر بالصّبر والعذاب وبالمُجاهدة صارت الأبجدية سَلِسَلة على لسانه ...نعم إنٌ سيزيف أوصل هذه المرّة الصّخرة إلى القمّة ولم تتدحرج كالعادة نحو السّفح فجَرى الكلامُ على لسانه طَيّعا يدعُوه فيستجيب له ولكنّه اليومَ حينما يسقط حرفٌ من نصّه أو حينما تحتجب جريدة من الجرائد أو حينما يُمنع كتاب من الكتب فإن تلك الحالة القديمة تعود إليه فيثقل لسانه كما كان وتتعسّر الحروف وتضطرب في كلامه حتى يكاد يختنق فيتأكّد أنّه ليس وحده الذي لم يستطيع إبلاغ صوته ....نعم ليس وحدَه الوكواك !؟

***

سُوف عبيد - تونس

لا أتذكر متى بدأت علاقتي مع القلم، فمنذ وعيت وهو رفيق رحلتي. في المرحلة المتوسطة، أتذكر أن التعبير كان من أقرب المواد إلى قلبي، رغم ميولي العلمية التي كانت تتيه بين الأرقام، وتنغمس في قوانين الفيزياء، ولا تشعر بالوقت وهي تحلل وتستنبط. وكنت، حين تواجهني معادلة مستعصية، أظل ألاحقها ليالي وأيامًا حتى أصل إلى حل يرضيني، أو إلى تحليل مقنع لعقلية فتاة في صباها، معتدة بذكائها وشغفها للعلم.

لكنني كنت أجد في التعبير شيئًا آخر؛ كان يأخذني إلى متاهات المشاعر، فأغوص في الحدث أو الموقف حتى أستجلي ما وراءه، كباحث تأخذه الساعات في مختبره، يجرب ويكتشف المستور، أو كمبضع جراح دقيق يعرف أين يضع مشرطه حتى يصل إلى أصل الداء.

مرت الأعوام، وبقي القلم صديق مراهقتي، حافظ أسراري ومكنونات نفسي، وأسئلتي التي لم تكن تواتيها الشجاعة إلا حين أمسك به.

كنت امتلك كمية لا يستهان بها من الدفاتر التي تخلصت منها في كبري، وأنا صاحبة هوس بـ«في التخلي تجلّي». تلك التي تحتضن خواطري، والأحلام التي تعشش في مخيلتي، والقصص الكثيرة التي كنت أرجو أن أولد من بعدها روائية يُشار إليها بالبنان. ثم كبرت، ودرست القواعد والأدب  والنقد، وأصبحت بعض تلك المحاولات القديمة مثار سخريتي وحنيني في آن واحد.

أما التساؤلات، فلم أتخلص منها.

كبرت بها ومن خلالها رحلة قراءاتي، وتنقلت من كتاب إلى آخر بحثًا عن إجابة أو عن سؤال أكثر عمقًا. حينًا تشدني الكتب العقدية، وأحيانًا يأخذني السؤال إلى الفلسفة علني أجد راحتي، وتارة أرتمي بين أحضان الروايات العربية والعالمية.

وهكذا بقي القلم رفيقي الوفي، دون أن أفكر طويلًا في دوره، أو فيما كان يفعله بي طوال هذه الأعوام.

لم يكن القلم هواية أمارسها متى أشاء، ولا ترفًا فكريًا يأخذني إلى عالم الثقافة والفنون، بل كان يكبر معي، وتنضج تجربتي من خلاله.

لا أعلم ماذا يحدث لي حين أمسك القلم.

كل حرف يبدو حيًا، يتنفس أعماقي. تمتزج مادته بجروحي، وتتخلل آلامي وقفاته وحركاته، وكأن أعاصير تجتاح روحي، ثم تنكسر أمواجها المتلاطمة على شواطئه، مخلفة خدرًا لذيذًا وسكينة بحجم الكون.

قد يكون قاسيًا أحيانًا، يعري هشاشتي وضعفي اللذين أحاول مرارًا الاختباء منهما، لكنه يعيدني بعد ذلك أكثر تحررًا، وأكثر قدرة على النظر إلى ما يؤلمني دون أن أهرب منه.

ألجأ إليه حائرة، تائهة، وقد كسر الفقد ألف جدار وجدار كانت قوتي ومصدر إلهامي. وحين تبدأ الحروف في الانهمار منه، أشعر كما لو أن السماء تتخفف بالمطر من ثقل سحبها؛ ثم تصفو، فأستطيع أن أرى الحكاية بوضوح أكبر، وكأنها اكتملت فصولها.

ربما لهذا لم تعد الكتابة بالنسبة إليّ مجرد وسيلة للتعبير، بل أصبحت وسيلة للفهم، والتشافي .

وهنا تلتقي تجربتي الشخصية مع ما حاول علم النفس أن يفهمه منذ عقود.

فقد ارتبط اسم عالم النفس جيمس بينيبيكر بأبحاث واسعة حول الكتابة التعبيرية، التي تقوم على إتاحة المجال للفرد للكتابة عن تجاربه الصعبة ومشاعره وأفكاره المرتبطة بها. وقد أشارت بعض الدراسات إلى أن هذا النوع من الكتابة يمكن أن يساعد في معالجة التجربة والتخفيف من بعض مظاهر الضيق النفسي، وإن كانت النتائج البحثية ليست متطابقة، وتأثير الكتابة يختلف من شخص إلى آخر. 

والفكرة الأكثر أهمية ليست أن الكتابة تمحو الألم، وإنما قد تمنحنا مسافة عنه، وتساعدنا على فهمه، وإعادة النظر في معناه.

وهذا قريب مما يحدث في بعض ممارسات العلاج المعرفي السلوكي؛ إذ تُستخدم الكتابة لمراقبة الأفكار والمشاعر والمواقف، ثم فحصها وإعادة تقييمها بدل أن تبقى تدور في الذهن وكأنها حقائق مكتملة.

حين أكتب، أستطيع أن أسأل:

ماذا حدث فعلًا؟

ماذا شعرت؟

ماذا قلت لنفسي حين حدث ذلك؟

لماذا آذاني هذا الموقف إلى هذا الحد؟

وهل ما أعتقده الآن هو الحقيقة الوحيدة الممكنة؟

حين تصبح الأفكار مكتوبة أمامنا، قد يصبح من الأسهل مراقبتها بدل الانقياد لها.

ومن هنا ظهرت تطبيقات متعددة للكتابة في المجال النفسي، من اليوميات والتسجيل الذاتي إلى الكتابة التعبيرية الموجهة، حيث لا يكتفي الإنسان بسرد ما حدث، وإنما يحاول أن يقترب من تجربته بأسئلة أكثر عمقًا:

ما الشعور الذي سيطر عليّ؟

ما الذي كنت أحتاجه في تلك اللحظة؟

ما الذي أوصلني إلى هنا؟

كيف تعاملت مع ما حدث؟

وماذا يعني لي الآن؟

وهنا تصبح الكتابة شكلًا من أشكال الاستبطان وإعادة بناء المعنى.

فبعض التجارب المؤلمة لا تؤلمنا فقط بسبب ما حدث، وإنما بسبب المعنى الذي منحناه لما حدث.

قد لا نستطيع تغيير ماحدث، لكننا نستطيع أن نغير الطريقة التي نفهم بها علاقتنا به. والكتابة تمنحنا هذه المساحة التي نعيد فيها ترتيب التجربة، واكتشاف أشياء فيها لم نكن قادرين على رؤيتها ونحن في قلبها.

وربما لهذا أشعر أنني حين أكتب لا أفرغ ما بداخلي فقط، بل أتعرف إليه.

أحيانًا أكتب وأنا أظن أنني أعرف ما يؤلمني، ثم أكتشف أن الألم كان في مكان آخر.

وأحيانًا أبدأ الكتابة بحثًا عن إجابة، فأخرج منها بسؤال جديد، لكنه سؤال أعمق وأكثر صدقًا.

لهذا كانت الكتابة وما زالت، في تجربتي، واحدة من أكثر الوسائل التي أجد فيها قدرة على الاحتمال والفهم والتخفف.

لم تعلمني الكتابة أن أنسى الألم، بل أن أجد لغة أستطيع بها أن أحمل ما حدث، دون أن أظل أسيرة له.

وربما لا يكون الشفاء أن تختفي الحكاية من داخلنا، بل أن نستطيع روايتها ذات يوم دون أن تعود لتكسرنا.

***

منى الصالح

 

بين مذاهب النحاة وأسرار التعبير القرآني

«وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ»: حينُ اللغة حينَ تضيقُ المخارج

قال الله تعالى:

﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣].

تُعدّ عبارة ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ من التراكيب القرآنية التي اجتمع فيها جلال البيان ودقّة البناء النحوي وعمق الدلالة؛ إذ تختزل في كلمات قليلة معنى فوات الأوان وانسداد سبيل النجاة. وقد استوقفت كلمة «ولات» على وجه الخصوص أئمة العربية، فتعددت في إعرابها وتوجيهها آراء البصريين والكوفيين، وتباينت اجتهادات اللغويين في أصلها وعملها وما يليها من ألفاظ الزمان. ومن هنا تأتي هذه القراءة لتتتبع المسألة في ضوء أقوال النحاة وفقهاء اللغة، مع الوقوف على ما في التركيب القرآني من أسرار الحذف والإضمار والإيجاز، وكيف تتضافر الصناعة النحوية مع الدلالة لتجعل من العبارة القصيرة نصًّا بالغ الكثافة والجمال.

في هذه الآية القصيرة تتكاثف طبقاتٌ من العربية: النفي، والزمن، والحذف، والإضمار، والتقديم والتأخير، ودقّة الدلالة؛ حتى غدت عبارة «ولات حين مناص» واحدةً من أكثر التراكيب القرآنية إثارةً لاهتمام النحاة واللغويين.

فالمعنى الإجمالي: نادوا واستغاثوا، ولكن لم يكن ثمّة وقتٌ للفرار أو النجاة؛ فقد جاء الاستغاثة بعد فوات أوانها، وصار الزمن نفسه مغلقًا في وجوههم. وقد فُسِّر «مناص» بالمنجى والمفرّ، وأصلها من ناصَ يَنوصُ، أي فرَّ أو تأخّر، وقيل أيضًا: تقدّم؛ فهي من الألفاظ التي دارت في العربية على معانٍ متقابلة.

أولًا: ما «لات»؟

«لات» أداة نفي، وهي في أشهر مذاهب النحاة مشبّهة بـ«ليس»، غير أنها ليست مطلقة التصرف كـ«ليس»، بل ارتبط استعمالها ـ في مذهب سيبويه ـ بأسماء الزمان، ولا سيما «حين» وما جرى مجراها. والتاء فيها عند سيبويه زائدة، أُلحقت بـ«لا»، كما أُلحقت التاء في بعض الاستعمالات بـ«ثم» و«رب».

ومن هنا يصبح التركيب قريباً في بنيته من:

 ليس الحينُ حينَ مناصٍ.

لكن العربية حذفت أحد ركني التركيب، فجاءت العبارة القرآنية في غاية التكثيف:

 ولاتَ حينَ مناصٍ.

وهنا تبدأ روعة الحذف؛ لأن المتكلم لا يقول: ليس هذا حينَ مناص، وإنما يترك للسامع أن يستحضر المحذوف من سياق الكلام.

ثانياً: مذهب سيبويه والبصريين

يذهب سيبويه إلى أن «لات» محمولة على «ليس» في العمل والمعنى؛ لأنها أداة نفي، وأن اسمها مضمر في الآية، و«حين» خبرها منصوب.

وعلى هذا يكون التقدير:

 ولاتَ الحينُ حينَ مناصٍ.

أي:

ليس الحينُ حينَ مناصٍ.

وبعبارة أوضح: ليس هذا الوقت وقتَ فرارٍ أو نجاةٍ.

وهذا الوجه هو الأشهر في توجيه الآية؛ لأن القراءة المتواترة جاءت:

 ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾

بنصب «حين». وقد نقل عن سيبويه أيضًا أن العرب قد ترفع «حين»، لكنه عدّ الرفع قليلًا.

ويتميز مذهب سيبويه بدقة نحوية لافتة: فـ«لات» لا تعمل عمل «ليس» على إطلاقه، بل يضيق مجالها، فتتصل بالزمن، ولذلك كان من أمثلتها:

 ولاتَ حينَ مناصٍ.

ولاتَ أوانَ فرارٍ.

ولاتَ ساعةَ ندمٍ.

وقد أورد النحاة شواهد شعرية على هذا الاستعمال، منها:

 طَلَبُوا صُلْحَنا ولاتَ أوانٍ

فَأَجَبْنا أَنْ لَيْسَ حِينَ بَقَاءِ

وهو شاهد يبرز اقتران «لات» بالزمن.

ثالثاً: الكوفيون واتساع النظر في «لات»

أما المدرسة الكوفية فلم تتعامل مع المسألة على النحو نفسه الذي استقر عند البصريين؛ فقد نُقلت عن نحاة الكوفة أوجه متعددة في «لات»، من بينها القول بإمكان جرّ ما بعدها في بعض الاستعمالات، مع توجيهات مختلفة لطبيعة التاء ووظيفتها. وقد نقل الطبري عن بعض نحويي الكوفة أنهم أجازوا أن تُضاف «لات» وأن تُخفض بها في بعض الشواهد.

وهنا تظهر سمة مهمة من سمات الخلاف بين المدرستين:

البصريون يميلون إلى ضبط القاعدة وتقعيدها، والكوفيون أوسع احتفاءً بما ورد عن العرب من شواهد واستعمالات.

ولا يعني ذلك أن البصريين يرفضون السماع أو أن الكوفيين يهملون القياس؛ وإنما هو اختلاف في منهج بناء القاعدة النحوية وحدود الاحتجاج بالشاهد.

رابعاً: الأخفش يفتح باباً آخر

وتزداد المسألة ثراءً عند الأخفش؛ فقد نُقل عنه أكثر من توجيه، ومن ذلك أن «حين» يمكن أن تكون اسم «لات»، ويكون خبرها محذوفًا.

وعلى هذا يكون التقدير:

 ولاتَ حينَ مناصٍ لهم.

أي إن «حين» اسم، والخبر محذوف دلّ عليه السياق.

كما نُقل عنه وجه آخر يجعل «لات» مهملة، ويُقدَّر عامل آخر في «حين».

وهذا الاختلاف ليس مجرد تمرين إعرابي؛ إذ يكشف لنا أن النحاة كانوا يتعاملون مع النص العربي بوصفه بنية مفتوحة على احتمالات التقدير، ما دام المعنى والسماع يسمحان بذلك.

خامساً: هل «حين» اسم «لات» أم خبرها؟

هنا لبّ المسألة.

على مذهب سيبويه:

لاتَ: نافية تعمل عمل ليس.

اسمها: محذوف، تقديره «الحين».

حين: خبر «لات» منصوب.

مناص: مضاف إليه.

فيكون التقدير:

 ولاتَ الحينُ حينَ مناصٍ.

وعلى بعض أوجه الأخفش:

لات: عاملة.

حين: اسمها.

خبرها: محذوف، تقديره «كائنٌ» أو «حاصلٌ لهم» ونحو ذلك بحسب التوجيه.

وهناك وجه آخر يجعل «لات» غير عاملة، و«حين» مبتدأ، وخبره محذوف. وقد عرضت كتب إعراب القرآن هذه الأوجه وربطتها باختلاف النحاة والقراءات.

وهكذا تتحول كلمة واحدة ـ «حين» ـ من خبر إلى اسم، بحسب المدرسة النحوية والتوجيه الذي يتبناه المعرب.

سادساً: لماذا قال القرآن «ولات حين مناص»؟

هنا تنتقل المسألة من النحو إلى البلاغة.

لم يقل القرآن الكريم:

 فنادوا وليس حينَ مناص.

ولم يقل:

 فنادوا فلم يكن لهم حينٌ للمناص.

بل جاء التركيب مكثفاً:

 ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾

فإذا كان «حين» خبر «لات» واسمها محذوف، فإن الحذف نفسه يصنع إحساسًا بالعجلة والانقطاع.

لقد نادوا، لكن النداء جاء بعد انغلاق الزمن.

كأن اللغة نفسها تقول:

 كان يمكن أن يكون للمناص وقت، لكن ذلك الوقت مضى.

وهنا يصبح الزمن فاعلًا في المأساة.

ليس العجز في القوة وحدها؛ بل في فوات اللحظة.

فالإنسان قد يملك القوة، لكنه إذا فقد اللحظة فقد النجاة.

ومن هنا يمكن أن نفهم العمق البلاغي لعبارة:

 ولات حين مناص.

فهي لا تعني فقط: لا فرار الآن، وإنما تحمل معنى أعمق:

 لقد جاء النداء بعد انقضاء زمن الاستجابة.

سابعاً: «مناص» بين الفرار والتأخر

واللافت لغوياً أن «مناص» من مادة ن و ص، وقد ذكر اللغويون أن ناصَ يَنوصُ يأتي بمعنى فرَّ أو تأخر، ونُقل أيضاً معنى التقدم، ولذلك عُدّت المادة من الألفاظ التي احتملت معاني متقابلة بحسب السياق.

ومنها:

ناصَ عن الأمر: ابتعد عنه أو فرّ منه.

استناص: طلب المفرّ أو النجاة.

وعليه فإن:

 مناص يساوي مفرّ، مهرب، منجى.

فتكون الآية الكريمة:

 ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾

أي:

 ليس ذلك وقتَ فرارٍ ولا مهرب.

وهذا ينسجم تمامًا مع سياق الهلاك؛ فقد جاءهم النداء والاستغاثة حين انقطعت إمكانية الخلاص.

ثامناً: هل التاء في «لات» تاء التأنيث؟

هذه من المسائل الطريفة التي شغلت النحاة.

ذهب سيبويه إلى أن التاء زائدة في «لات»، وحُمِلت على ما ورد في العربية من زيادة التاء في بعض الأدوات، بينما رأى آخرون فيها وجوهًا أخرى متصلة بالتأنيث أو بالبنية الصوتية للكلمة.

ومن هنا جاءت مسألة الوقف:

هل يُوقف على:

 ولاتْ

ثم يُستأنف:

 حين مناص

أم تُوصل الكلمة بما بعدها؟

وقد نقلت المصادر أن سيبويه والفراء وابن كيسان والزجاج ذهبوا إلى الوقف على «ولات»، في حين نُقل عن الكسائي وجه الوقف بالهاء: «ولاه»، وهو خلاف يكشف مقدار العناية التي بذلها علماء العربية في ضبط الصوت والوقف والرسم والأداء.

تاسعاً: أمثلة تطبيقية

يمكن أن نتصور عمل «لات» في تراكيب عربية فصيحة على النحو الآتي:

١. ولاتَ حينَ ندمٍ

أي:

ليس الوقتُ وقتَ ندمٍ.

٢. ولاتَ ساعةَ فرارٍ

أي:

 ليست الساعةُ ساعةَ فرارٍ.

٣. ولاتَ أوانَ اعتذارٍ

أي:

 ليس هذا أوانَ الاعتذار.

٤. ولاتَ حينَ رجوعٍ

أي:

 ليس هذا الزمن زمنَ الرجوع.

وهذه الأمثلة تكشف خاصية «لات»: أنها لا تنفي مجرد وقوع الشيء، وإنما تنفي صلاحيّة الزمن له.

فحين تقول:

 ليس وقتُك وقتَ الرحيل

فأنت تنفي مناسبة الزمن للرحيل.

أما حين تقول:

 ولات حين رحيل

فإن في العبارة إيحاءً بأن الزمن نفسه قد أغلق أبوابه.

خاتمة: حينُ النحو يصبح فلسفةً للزمن

ليست «ولات حين مناص» مسألةً نحويةً عابرة، ولا مجرد خلاف بين البصريين والكوفيين حول عاملٍ محذوف أو اسمٍ مضمر؛ إنها نموذج بديع لكيف تستطيع العربية أن تحمل في تركيب صغير تاريخًا طويلًا من التفكير اللغوي.

فسيبويه يرى فيها أثر «ليس»، والأخفش يفتح لها بابًا آخر في الإعراب، والكوفيون يوسّعون دائرة السماع والتوجيه، واللغويون يتتبعون أصل «مناص»، والمفسرون يستخرجون من العبارة معنى الفوات وانغلاق أبواب النجاة.

لكن وراء كل هذه الدقائق النحوية يقف المعنى الأكبر:

أن للإنسان وقتًا يستطيع فيه أن يفرّ، ووقتًا يستطيع فيه أن يعتذر، ووقتًا يستطيع فيه أن يعود؛ فإذا انقضى الوقت، لم تعد كثرة النداء تصنع مخرجًا.

ولهذا جاءت العبارة القرآنية في غاية القصر:

 ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾

كأن العربية نفسها أغلقت بابها عند آخر كلمة.

فالـ«لات» تنفي، و«حين» يحدّد الزمن، و«مناص» يفتح معنى النجاة؛ ثم يأتي الحذف ليقول، بصمتٍ أبلغ من الكلام:

لقد انتهى الوقت.

وهنا تبلغ العربية واحدةً من أصفى لحظاتها: (حين يتحول الإعراب إلى معنى، ويتحول الحذف إلى دلالة، ويتحول الزمن من ظرفٍ في الجملة إلى قدرٍ لا فكاك منه).

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

جاء أيلول مرة أخرى هذا العام. جاء يجر معه طوفانا هادرا من الحنين، وأحرف الورق، والأبجديات المتلاطمة التي تضرب جدار الروح كأنها تقرع أجراس الكنائس.

 عاد أيلول مرة أخرى بدفء مطر كأنه يربت على أرض أحرقها لهيب حرائق الصيف والورق .

وأنا ما عدت أنا شيء ما تغير في ملامح أسطري، وأخشى أن أيلول بكل هيبته ورقة حضوره، وشعوره غير قادر على إطفاء حريق الأشهر الماضية كأن الصيف عقد قرانه على اهتزازات الحياة الواقعية، ولم يعد قادراً حتى على إخماد النيران التي تمددت على سفوح الورق .

عاد أيلول، وكنت أعد لك سطرا من فاكهة المفردات اللغوية المنعشة التي تعكس روح أيلول وخريف وحنين أيلول حتى أعيد توازن الحبر بعد تلك التصدعات التي أعقبت انحصار قلمي .

عندما تجرك عيناك إلى أسفل هذه السطور المتدحرجة ككرة جليد انصهرت وأحدثه إنهيار كتابي كتلك التي تحدث في أنحاء العالم بعد حدث فاصل يغير من حولك حتى طعم الفصول الخمسة، عندما تأخذك عيناك إلى العمق سوف تتنفس براعم المفردات المشرعة للحياة .

اعدك إنني سوف أخط لك فصلا جديدا من بهاء الكلمات، واجعلها كمزهريات ورد تليق بعبق أيلول. أعدك بأنني سوف أعيد كتابة كل الأشياء التي تجعلك تزهر بعد كل هذا الرماد البركاني، والكتابي للحياة المعتمة.

***

مريم الشكيلية - سلطنة عمان

قراءة نحوية في جدل البصريين والكوفيين

تبدو كلمة «الآن» في ظاهرها لفظةً زمنيةً مألوفة، تدل على اللحظة الحاضرة التي يقع فيها الفعل أو ينشأ فيها القول، غير أن هذا اللفظ البسيط يخفي وراءه مسألة نحوية ولغوية دقيقة، تكشف عن اختلاف منهجي عميق بين مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة في النظر إلى وظيفة «ألـ»، وإلى علاقة اللفظ بأصله الاشتقاقي، وإلى ما يجوز حمله على القياس وما يجوز حمله على السماع والضرورة الشعرية.

والسؤال الذي يستوقف اللغوي هنا: هل «الآن» اسم زمان جامد مستقل، أم أنه في أصله تركيب اشتقاقي دخلت عليه «أل»؟ وهل «أل» فيه للتعريف، أم أنها زائدة، أم أنها جزء من بنية اللفظ؟

وهذه المسألة تفتح باباً أوسع من مجرد إعراب كلمة؛ إذ تكشف عن اختلاف المدرستين في فهم طبيعة اللغة بين القياس والسماع، وبين الأصل والتحول، وبين ما تقتضيه الصناعة النحوية وما تحفظه العرب في كلامها.

أولاً: «الآن» من حيث أصلها اللغوي:

يرتبط لفظ «الآن» بالفعل «آنَ»، أي: حان وقته، أو جاء أوانه. تقول العرب:

 آنَ الرحيلُ.

أي: حان وقته.

وتقول:

 آنَ للغائب أن يعود.

أي حان له وقت العودة.

ومن هذا الباب يمكن ردُّ الدلالة الزمنية إلى معنى الحلول والحين والبلوغ إلى الوقت.

وقد قرن اللغويون بين «آن» و«حان» في الدلالة؛ فكلاهما يفيد بلوغ الوقت وحلوله. ومن هنا تأتي الصلة الاشتقاقية بين الآن وآنَ، وإن كانت المسألة في حقيقتها أوسع من مجرد القول إن «الآن» اسم فاعل أو مشتق مباشر من الفعل.

فالقول:

 الآنَ وقتُ الرحيل.

يحيل إلى زمن حاضر محدد، في حين أن:

 آنَ الرحيلُ.

يفيد أن زمن الرحيل قد حان.

وهنا يتحول الفعل من الدلالة على حدوث حلول الزمن إلى الاسم الدال على الزمن الحاضر نفسه.

ثانياً: «أل» في «الآن»؛ أهي للتعريف؟

هنا تبدأ المسألة النحوية الدقيقة.

فالأصل العام عند النحاة أن «أل» تدخل على الاسم لتعريفه، مثل:

 رجل - الرجل

كتاب - الكتاب

علم - العلم

غير أن دخول «أل» على بعض الألفاظ لا يجري دائماً على صورة التعريف الاسمي المعتادة.

وقد ذهب البصريون إلى عناية شديدة بأصل الكلمة وبنيتها الاشتقاقية، ولذلك نظروا إلى «أل» في بعض المواضع بوصفها ذات صلة بالبنية الأصلية للفظ، لا مجرد أداة تعريف يمكن فصلها عنه آلياً.

ومن هنا تظهر قيمة المثال الذي نحن بصدده: الآن.

فإذا حملنا «الآن» على أصلها المتصل بـ«آنَ»، فإن «أل» لا تبدو مجرد أداة طارئة أضيفت إلى اسم زمان مستقر، بل تصبح جزءاً من التحول الذي انتهى باللفظ إلى صورته المعروفة.

وهذه القضية نفسها هي التي تجعل بعض الأبنية العربية القديمة عصية على التفسير إذا عوملت «أل» فيها دائمًا باعتبارها مجرد علامة تعريف.

ثالثاً: القياس البصري وأصل الاشتقاق:

منهج البصريين يقوم في جانب كبير منه على القياس، وردّ الفروع إلى الأصول، وتعليل الظواهر اللغوية.

ولهذا كان المبرّد ومن سار في طريقته شديدي العناية بتفسير الظواهر من داخل نظام العربية، لا بمجرد إثبات ورودها في كلام العرب.

ومن القضايا المتصلة بهذا الباب أن «أل» قد تدخل على بعض المشتقات التي يكون معناها قريبًا من معنى «الذي».

فنقول:

 جاء الشاري.

أي:

 جاء الذي اشترى.

ونقول:

 مررت بالبائع.

أي:

 مررت بـالذي باع.

فـ«أل» هنا ليست مجرد علامة تعريف سطحية، وإنما يمكن أن تحمل معنى الموصول في بعض الاستعمالات، بحيث يصبح:

الشاري يساوي الذي اشترى

البائع يساوي الذي باع

الضارب يساوي الذي ضرب

وهذا من المواضع التي تكشف عن ثراء العربية في نقل الوظيفة النحوية من أداة مستقلة إلى بنية صرفية أو تركيبية.

رابعاً: «أل» والموصول عند الكوفيين:

أما الكوفيون، فقد كانوا أكثر اتساعاً في قبول المسموع والرواية، وأقل تشدداً في إخضاع جميع الظواهر للقياس البصري الصارم.

ومن ثم يمكن فهم بعض تأويلاتهم لـ«أل» في المشتقات على أنها تؤدي وظيفة تخفيفية أو اختصارية؛ إذ تغني عن الإتيان بالموصول وما بعده.

فبدل أن نقول:

 جاء الذي اشترى الكتاب.

يمكن أن نقول:

 جاء الشاري الكتابَ.

أي إن البنية الاسمية المشتقة قد تحمل في داخلها دلالةً موصوليةً يمكن أن تستغني بها العربية عن التركيب الأطول.

وهذا ينسجم مع طبيعة العربية في الإيجاز والحذف والتضمين.

خامساً: شاهد الفرزدق:

ومن الشواهد الشعرية المشهورة في هذا الباب قول الفرزدق:

ما أنتَ بالحَكَمِ التُرضى حُكومتُهُ

ولا الأصيلِ ولا ذي الرأيِ والجدلِ

والشاهد هنا في قوله:

 التُرضى حكومتُه

فـ«أل» في «التُرضى» تحمل معنى الموصول، والتقدير:

 الذي تُرضى حكومتُه.

فليست «أل» هنا مجرد تعريف لـ«التُرضى»، وإنما أدت وظيفة تركيبية يمكن أن تقارب وظيفة «الذي».

وهذا الشاهد يكشف عن حقيقة مهمة، وهي أن العربية لا تفصل دائمًا بين التعريف والموصولية فصلًا جامدًا؛ فقد تتداخل الوظائف بحسب البنية والسياق.

سادساً: هل «أل» في المشتق هي نفسها «أل» التعريف؟

هنا تتباين طرائق النحاة في التحليل.

فإذا قلنا:

 جاء الرجلُ.

فـ«أل» للتعريف.

أما إذا قلنا:

جاء الضاربُ زيدًا.

فيمكن أن يكون المعنى:

 جاء الذي ضرب زيدًا.

وهنا يصبح الاسم المشتق العامل أقرب إلى تركيب موصولي.

ومن ثم فإن:

 الضارب يساوي الذي ضرب

ليس مجرد استبدال لفظ بلفظ، وإنما هو انتقال من بنية موصولية إلى بنية اشتقاقية أكثر تكثيفًا.

وهذه الخاصية تكشف جانباً من عبقرية العربية؛ فهي قادرة على ضغط الجملة في كلمة واحدة دون أن تفقد العلاقة الدلالية بين الفعل والفاعل والمفعول.

سابعاً: بين البصريين والكوفيين: القياس والسماع

الخلاف بين البصريين والكوفيين في هذه المسائل لا ينبغي اختزاله في أن هؤلاء «يصححون» وأولئك «يخطئون»، فكلتا المدرستين أسهمت في بناء النظرية النحوية العربية.

البصريون أكثر ميلًا إلى:

القياس.

رد الفروع إلى الأصول.

ضبط القاعدة.

تقليل الشواذ.

تعليل الظاهرة.

أما الكوفيون فكانوا أوسع روايةً واستشهاداً، وأكثر قبولاً لما ورد عن العرب، ولا سيما في الشعر واللهجات.

ولهذا كان الشعر عند الكوفيين مجالًا واسعاً للاحتجاج، حتى يمكن صياغة الفرق بين المنهجين في عبارة موجزة:

 ما كان عند البصريين خروجاً يحتاج إلى تعليل، قد يكون عند الكوفيين شاهداً على اتساع العربية.

ولذلك فإن العبارة التي تشير إلى أن «الوزن عند الكوفيين كالقياس عند البصريين» يمكن فهمها في إطار اختلاف النظرة إلى الشعر: فالبنية الشعرية عند الكوفيين ليست أمرًا هامشيًا، بل عنصر مهم في تفسير بعض الظواهر اللغوية التي لا تستقيم إذا حُصرت في النثر المعياري وحده.

ثامناً: الضرورة الشعرية ليست كلام الطبع:

غير أن الاحتجاج بالشعر لا يعني أن كل ما يرد فيه يصبح قاعدة مطردة.

فهنا ينبغي التمييز بين:

لغة الطبع ولغة الضرورة.

فـ«لغة الطبع» هي ما جرى عليه لسان العربي من غير تكلف ولا اضطرار، أما «الضرورة الشعرية» فهي ما حمل الشاعر عليه الوزن أو القافية أو مقتضيات البناء الشعري.

ومن الخطأ أن نجعل الضرورة الشعرية أصلًا يقاس عليه في النثر.

فالشاعر قد يحذف، أو يزيد، أو يقدم، أو يؤخر، أو يصرف لفظًا على غير القياس المألوف، لأن البحر والقافية يفرضان عليه أحيانًا ما لا يفرضه الكلام المنثور.

وهنا تتضح قيمة عبارة:

ليس كل ما في الشعر كلامَ طبع، كما أن ليس كل ما خالف القياس خطأ.

فاللغة أوسع من القاعدة، والقاعدة محاولة لوصف اللغة لا سجنها.

تاسعاً: «أل» وشبه اسم الإشارة

ومن الملاحظات التي تنسب إلى الاتجاه الكوفي النظر إلى بعض الأدوات والبنى من حيث وظيفتها الإشارية أو الدلالية، لا من حيث صورتها الصرفية وحدها.

وهذا يفتح باباً مهماً لفهم «أل» في بعض الأبنية: فهي قد تتجاوز كونها علامة تعريف إلى وظيفة تحديدية تجعل الاسم معيناً في ذهن المتلقي.

فحين نقول:

 الآن

فنحن لا نشير إلى زمن مجهول، بل إلى زمن معين حاضر في مقام الكلام.

وكأن اللفظ يقول:

 هذا الوقت.

ومن هنا يمكن تقريب «الآن» من الوظيفة الإشارية في الاستعمال، وإن لم يكن ذلك معناه النحوي المباشر بالضرورة.

فاللغة لا تعمل في فراغ؛ إذ يتداخل فيها الزمان، والمقام، والإشارة، والتعيين، والتعريف.

عاشراً: أمثلة تطبيقية

لننظر إلى الفروق الآتية:

١. الفعل «آن»

 آنَ أوانُ الرحيل.

أي: حان وقت الرحيل.

٢. اسم الزمان «الآن»

 سأبدأ الآن.

أي: في هذا الوقت الحاضر.

٣. اسم الفاعل

 جاء البائعُ.

أي: جاء الذي باع.

٤. الصفة المشتقة ذات الدلالة الموصولية

 أكرمتُ الضاربَ زيداً.

أي:

أكرمتُ الذي ضرب زيدًا.

٥. «أل» الموصولة في الشاهد الشعري

 التُرضى حكومتُه

أي:

 الذي تُرضى حكومتُه.

وهنا نرى كيف يمكن لبنية واحدة أن تضغط تركيبًا موصوليًا كاملًا.

خاتمة: العربية بين القياس وذاكرة الاستعمال

إن قضية «الآن» و«أل» ليست مسألة جزئية في أبواب النحو، وإنما هي نافذة على فلسفة العربية نفسها. فالعربية لغة تحفظ أصولها، لكنها لا تتجمد عندها؛ وتستعمل القياس، لكنها لا تستغني عن السماع؛ وتحتكم إلى القاعدة، لكنها تترك للشعر واللهجات والتطور الدلالي مساحات واسعة للحركة.

ومن هنا كان اختلاف البصريين والكوفيين اختلافًا في منهج النظر إلى اللغة بقدر ما هو اختلاف في تفسير ظاهرة بعينها.

فالبصري يسأل:

 ما الأصل الذي يمكن أن نرد إليه هذا الاستعمال؟

والكوفي يسأل، في كثير من المواضع:

 كيف قالت العرب؟ وهل ثبت ذلك في كلامها؟

وبين السؤالين تشكل علم النحو العربي.

أما «الآن»، تلك الكلمة الصغيرة التي نحملها في كل جملة عن الزمن الحاضر، فتظل شاهدًا بديعًا على أن الكلمة العربية ليست جسدًا صوتيًا جامدًا؛ إنها تاريخٌ مختصر للاشتقاق، وذاكرةٌ للسماع، وحركةٌ بين الفعل والاسم، وبين الحضور والإشارة، وبين القياس وما تحفظه العربية من أسرارها القديمة.

وفي ذلك كله تتجلى إحدى خصائص العربية الكبرى: أن الكلمة قد تكون أصغر وحدة في الجملة، لكنها تحمل في أعماقها تاريخًا نحويًا وصرفيًا ودلاليًا بأكمله.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

الارتجال أو فن هو مهارة إذا كانت لدى الشاعر كانت عنوانا على تمكنه واتقاد قريحته وهي تكون دليلا على انقياد اللغة عنده وعلى تطويع القول الشعري والدلالة على التحكم في زمامه، ونحن كقراء للشعر لا نخفي إعجابنا ببعض الشعر الذي قيل على البديهة وكان مرتجلا ثم دوّن لما فيه من فائدة مضمونا أوجمالا أو هما معا.

من الارتجال نذكر أن أبا نواس كان في جماعة فقال لهم أجيزوا قولي:

عذُب الماء وطابا

فقال أبو العتاهية من فوره وكان حاضرا:

حبذا الماء شرابا

ومن الشعراء الذين عرفوا بديهيتهم وعلو كعبهم في الارتجال الشاعر العراقي عبد المحسن الكاظمي والعقاد الذي نظم قصيدة في ذكرى حافظ إبراهيم وهو في القطار في مدة أقل من نصف ساعة وهي القصيدة التي يقول فيها:

لم تكن حصتي من الحفل نظما

لا ولا قــلــتــه بوعـــد مــديــنا

وعدد أبيات هذه القصيدة أكثر من ثلاثين بيتا.

ومن الذين اشتهروا بالارتجال أبو تمام، حيث يروى أنه قال في أحد ممدوحيه من الأمراء:

إقدام عمرو في سماحة حاتم

في حلم أحنف في ذكاء إياس

فقال له أحد الحاضرين ـ والمظنون أنه الكندي الفيلسوف ـ:

شبهت الأمير بمن هم دونه من العرب.

فقال أبو تمام على البديهة:

لا تنكروا ضربي له من دونه

مثلا شرودا في الندى والباس

فالله قــد ضــرب الأقل لنوره

مــثلا مــن المشكاة والنبراسِ

وقد عرف المتنبي بالبديهة والارتجال كما عرف إبراهيم ناجي بهما في عصرنا الحاضر.

ومن الارتجال الذي حفظه لنا التاريخ في الشعر قصيدة الفرزدق في زين العابدين بن الحسين بن علي وهي التي نحن لحد الآن ما زلنا نحفظها عن ظهر قلب منذ أيام الدراسة، وذلك أن الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك كان يطوف بالبيت وأراد استلام الحجر الأسود فلم يستطع لكثرة الزحام فنصبوا له منبرا وجلس عليه ينظر للناس، فإذا بزين العابدين أقبل وأخذ يطوف بالبيت وأراد استلام الحجر الأسود فتنحى له الناس، فقال رجل شامي:

من هذا الذي تنحى له الناس؟

فقال هشام:

لا أعرفه.

فقال الفرزدق وكان حاضرا:

أنا أعرفه.

فقال الرجل الشامي:

من هو يا أبا فراس ؟ وأبو فراس كنية الفرزدق.

فأجابه الفرزدق على البديهة:

هَــذا الَّذي تَعرِفُ البَطحاءُ وَطأَتَهُ

وَالــبَيتُ يَــعرِفُهُ وَالــحِلُّ وَالحَرَمُ

هَــذا اِبــنُ خَــيرِ عِــبادِ اللَهِ كُلِّهِمُ

هَــذا الــتَقِيُّ الــنَقِيُّ الطاهِرُ العَلَمُ

هَــذا اِبــنُ فاطِمَةٍ إِن كُنتَ جاهِلَهُ

بِــجَــدِّهِ أَنــبِياءُ الــلَهِ قَــد خُــتِموا

وَلَــيسَ قَــولُكَ مَــن هَذا بِضائِرِهِ

العُربُ تَعرِفُ مَن أَنكَرتَ وَالعَجَمُ

كِــلتا يَــدَيهِ غِــياثٌ عَــمَّ نَــفعُهُما

يُــستَوكَفانِ وَلا يَــعروهُما عَــدَمُ

سَــهلُ الــخَليقَةِ لا تُخشى بَوادِرُهُ

يَــزينُهُ اِثنانِ حُسنُ الخَلقِ وَالشِيَمُ

حَــمّالُ أَثــقالِ أَقــوامٍ إِذا اِفتُدِحوا

حُــلوُ الــشَمائِلِ تَــحلو عِــندَهُ نَعَمُ

مــا قــالَ لا قَــطُّ إِلّا فــي تَشَهُّدِهِ

لَـــولا الــتَشَهُّدُ كــانَت لاءَهُ نَــعَمُ

عَــمَّ الــبَرِيَّةَ بِالإِحسانِ فَاِنقَشَعَت

عَــنها الغَياهِبُ وَالإِملاقُ وَالعَدَمُ

إِذا رَأَتـــهُ قُــرَيــشٌ قــالَ قــائِلُها

إِلــى مَــكارِمِ هَــذا يَــنتَهي الكَرَمُ

يُغضي حَياءً وَيُغضى مِن مَهابَتِهِ

فَــمــا يُــكَــلَّمُ إِلّا حــيــنَ يَــبــتَسِمُ

بِــكَــفِّهِ خَــيــزُرانٌ ريــحُهُ عَــبِقٌ

مِــن كَفِّ أَروَعَ في عِرنينِهِ شَمَمُ

يَــكــادُ يُــمسِكُهُ عِــرفانَ راحَــتِهِ

رُكــنُ الــحَطيمِ إِذا ما جاءَ يَستَلِمُ

الــلَــهُ شَــرَّفَــهُ قِــدْمــاً وَعَــظَّــمَهُ

جَــرى بِــذاكَ لَــهُ في لَوحِهِ القَلَمُ

وبالله التوفيق ومنه نطلب المدد، كل المدد.

***

مصطفى معروفي

تشريح العاطفة بين وهم المثالية وقسوة الواقع

نافذة العشق على قماشة التصوير

حين نتأمل لوحة "القبلة" (The Kiss) للرسام النمساوي الشهير غوستاف كليمت، نجد أنفسنا أمام عالم تتهاوى فيه حدود الواقع لصالح اندماج روحي وجسدي مطلق؛ فالحبيبان غارقان في فضاء ذهبي خالص، ينعزلان عن العالم الخارجي ليعيشا ذروة الاتحاد والوجد، بينما تتناثر الألوان والزخارف الهندسية لتحيط بهما كشرنقة أمان مقدسة. إن هذه اللوحة الخالدة وأمثالها من روائع الفن العالمي لا تقتصر على نقل ملامح وجهين محبين، بل تقدم تجسيداً بصرياً حياً لمعنى "الحب" كحالة من الخلاص والاندماج الأبدي. من هنا، يبرز السؤال العميق: كيف استطاع الفنانون عبر التاريخ القبض على هذه اللحظة الخاطفة وتحويلها إلى مادة مرئية؟ وكيف نجحت فرشاة الرسام وعلم نفس الصورة في تحويل الصباغ والألوان إلى لغة تنبض بالعاطفة الخالصة؟ هذا ما سنكشفه عبر المحاور التالية.

تاريخ تعبير الحب لدى الرسامين.  من هو رسام الحب عبر العصور؟

منذ أن خط الإنسان أوائل رسومه على صخور الكهوف وحتى ظهور المدارس الفنية الكبرى، ظل الحب الهاجس الأكبر والمحرك الخفي للإبداع البشري. فعلى عكس السائد بأن الفن البدائي اقتصر على توثيق الصيد والطقوس المرعبة، تشهد جدران بعض الكهوف، مثل كهوف بيوتش في فرنسا أو مغارات الارتس في إسبانيا، على محاولات الإنسان الأول لتخليد عواطف التكاثر والارتباط الجماعي؛ فقد كان الحب في بداياته الأولى مرتبطاً بالبقاء وبالأمومة المقدسة، إذ لم يكن رسم الأجساد الملتفة والخصائص الأنجبتية البارزة مجرد تسجيل واقعي، بل كان تعبيراً سحرياً عن الرغبة في الاستمرار والالتقاء بالآخر لمواجهة قسوة الطبيعة.

ولم يلبث هذا التعبير أن ارتقى مع الحضارات الكبرى، ففي الحضارة المصرية القديمة، لم يُنظر إلى الحب باعتباره نزوة عابرة، بل كقوة كونية ممتدة حتى في العالم الآخر؛ وعلى جدران المعابد ومقابر دير المدينة، نجد تصويراً فريداً لعلاقة الحب الزوجي والعائلي، حيث تُظهر النقوش الفرعونية الملوك والملكات، مثل إخناتون ونفرتيتي، في وضعيات حميمة وغير مسبوقة في تاريخ العالم القديم، متقاربين بالأجساد، متبادلي النظرات الحانية، وتمسك الأيدي بعلامة "العنخ" رمز الحياة. لقد استطاع الرسام الفرعوني أن يدمج بين مهابة الطقوس الدينية ودفء العاطفة الإنسانية، معتبراً أن الحب هو الجسر الذي يعبر به الإنسان نحو الخلود.

ومع قدوم لوحات المستشرقين في القرنين التاسع عشر والعشرين، اتخذ التعبير عن الحب شكلاً آخر يمتزج بالغرائبية والشغف المكاني؛ فقد حاول فنانون استشرقوا الشرق، مثل جان ليون جيروم أو أوجين ديلاكروا وإن تفاوتت رؤاهم، البحث عن العاطفة في فضاءات الحريم والأسواق الشعبية والواحات الصحراوية. وعلى الرغم من أن بعض هذه الأعمال حملت شيئاً من التخيل الاستعماري أو المبالغة الرومانسية، إلا أنها نجحت في التعبير عن "الحب الممنوع" أو العشق المشحون بالغموض والترقب خلف الحجاب والستائر الخشبية المزخرفة، مما أضاف بُعداً بصرياً جديداً يكشف كيف يرى الغرب عاطفة الجسد والروح في الشرق الساحر.

هذا التطور التاريخي العريق مهد الطريق لظهور عمالقة النهضة؛ ففي عصر ليوناردو دا فنشي، تحول الحب إلى حالة من السمو الروحي والغموض البصري المتوازن، بينما تحرر في العصر الحديث مع فينسنت فان كوخ ليصبح طاقة وجودية ملتهبة ترفض القيود الأكاديمية. إن تاريخ الفن التشكيلي، بهذا المعنى، ليس سوى سجل متصل لمحاولات الإنسان المستميتة لانتزاع عاطفة الحب من تجريدها الفكري، ووضعها حية ونابضة على حجر الكهف، وجدار المبرم، وقماشة اللوحة.

لمسات الفرشاة: هل تمكن الرسامون من تجسيد الحب مادياً؟

إن "لمسة الفرشاة" ليست مجرد أداة تقنية لتوزيع الألوان على مسطح قماشي، بل هي النبض الخفي للفنان، والأثر المادي الملموس الذي يحول الصباغ الجامد إلى عاطفة تنبض بالحياة. وحين نتساءل عما إذا كان الرسامون قد نجحوا في تجسيد "الحب" أو الارتباط الإنساني مادياً، فإن الإجابة تتشكل عبر تنويعات هائلة تعكس صراع الإنسان مع مشاعره عبر التاريخ

ليوناردو دافنشي: مادية الضوء والشفافية (السفوماتو) عند دافنشي، لا نجد قبلات صارخة أو أجساداً ملتحمة، بل تجسيداً عميقاً للحنان والترابط البشري من خلال إذابة الخطوط الحادة. بتقنية "السفوماتو"، تتحول طبقات الزيت الشفافة إلى ما يشبه الأنفاس البشرية المتداخلة. تتجلى مادية العاطفة هنا في نعومة البشرة وتدرجاتها الخفية، كأن الحب كيان سائل يتدفق في ملامح الوجه دون صخب، فيلامس الروح قبل الجسد.

سالفادور دالي: مادية الرغبة المنصهرة واللاوعي في قطب نقي ومضاد، يقدم سريالي العصر سالفادور دالي مقاربة صادمة للجانب النفسي والمادي للرغبة. الحب والعاطفة هنا ليسا قالبين مثاليين، بل هما خاضعان للزمن، والتحلل، وأعماق اللاوعي الفرويدي. تنصهر الأجساد وتتداخل بطريقة تعكس رغبة الإنسان الدفينة في كشف أسرار الآخر، لتصبح المادية الفنية هنا طوبوغرافيا سريالية تحول المشاعر الداخلية إلى كتل بصرية ملموسة ومثيرة للتأمل.

فان جوخ: مادية الضربات الخشنة والثورة العاطفية لا أحد جعل من لمسة الفرشاة صرخة حب واشتياق مثل فان جوخ. في كتل الألوان البارزة والثخينة (Impasto)، لم تكن الفرشاة مجرد أداة تلوين، بل شحنة طاقة مضلعة وثقيلة؛ فاللون يلتوي، ويبرز عن سطح اللوحة ليعلن أن المشاعر العميقة أثقل من أن تحتويه القواعد. الحب هنا ليس نظرة ناعمة، بل حريق مادي تلمس آثاره البارزة بأصابعك من خلال نسيج اللوحة الخشن والنابض بالألم والشغف.

أوتو ديكس: مادية الواقع المجرح وصدمة التاريخ ومع دخول القرن العشرين وجحيم الحرب العالمية الأولى، جاء الرسام الألماني أوتو ديكس ليحطم أي أسطورة رومانسية للحب. في ظل الخنادق ودمار ما بعد الحرب، لم تعد العاطفة ترفاً مثالياً، بل أصبحت تشبثاً بشرياً هشاًّ بالبقاء. استخدم ديكس ضربات فرشاة حادة، وقاسية، وغير مهادنة، لنقل الوجوه والأجساد بأقصى درجات الواقعية المجردة. هنا، تكتسب مادية الوجع الإنساني حضوراً طاغياً، حيث يحمل جسد الإنسان، حتى في لحظات قربه وحميميته، ندوب التاريخ والإنهاك والواقع القاسي.

هكذا، يتكشف لنا أن مادية الحب في الفن لم تكن قط قالباً واحداً؛ بل تراوحت بين شفافية الروح عند دافنشي، وسريالية الرغبة عند دالي، وثورة الضربات عند فان جوخ، وصولاً إلى قسوة الواقع وحقائقه العارية عند أوتو ديك

قراءة الجو العام والتعابير.  دراسة لغة الرسومات من خلال علم نفس الصورة 

هل يمكن للوحة أن تُقرأ بالكامل من خلال النظر إلى جوها العام وتعابيرها؟ هنا يتدخل "علم نفس الصورة" (Visual Psychology) ليؤكد أن العقل البشري يمتلك قدرة فطرية على قراءة الشفرات العاطفية البصرية دون الحاجة لكلمات. فعندما نقف أمام لوحة تنبض بالحب، فإننا لا نرى ألواناً مجردة، بل نستجيب لاسترخاء خطوط الوجه، وتوزيع الظلال، وانحناءة الأجساد التي تثير في الدماغ إفراز هرمونات الألفة والتعاطف. إن علم النفس يثبت أن "الجو العام" للوحة (الذي يجمع بين الإضاءة والإيقاع اللوني) يخلق حالة من العدوى الشعورية؛ فاللون الداكن الحار عند فان كوخ يعكس لوعة الفراق والتعلق، بينما يعكس غموض دا فنشي سحر الانجذاب الصامت. بهذا تُصبح اللوحة نصاً نفسياً مفتوحاً، يقرأه المتلقي بوجدانه قبل عينيه، ليجد في تفاصيلها مرآة لمشاعره الدفين

***

ئاريان علي

منذ أن خطّ الإنسان الأول هواجسه على جدران الكهوف، لم يكن الحيوان مجرد طريدة أو وسيلة بقاء، بل كان الشريك الأقدم والمرافق الأول في رحلة الوعي. ومع تطور الكلمة وانتقالها من الشفاهية إلى التدوين، استحال الحيوان في صفحات الأدب إلى "قناع" يرتديه الكاتب لقول ما لا يُقال، و"مرآة" تعكس أعطاب النفس البشرية وهشاشتها. إن حضور الحيوان في السرد العالمي والعربي ليس مجرد استعارة جمالية، بل هو استراتيجية فكرية وفلسفية تهدف إلى سبر أغوار الذات ومساءلة السلطة وتفكيك تعقيدات الحياة.

دوافع التوظيف: ما وراء القناع

تتعدد الدوافع الكامنة وراء استحضار الحيوان في النص الأدبي، وأن هذا الاستدعاء يتجاوز المرافقة الواقعية ليشمل دلالات نفسية واجتماعية عميقة. لعل أبرز هذه الدوافع هو تفادي الرقابة، سواء كانت سياسية أو اجتماعية؛ فمن خلال لسان الحيوان، استطاع الأدباء تمرير رسائل نقدية لاذعة للسلطة دون صدام مباشر. ففي عالم (كليلة ودمنة)، كانت الحكايات وسيلة الفيلسوف (بيدبا) لتقديم نصائح سياسية وأخلاقية للملك (دبلشيم)، وفي (مزرعة الحيوان) لجورج أورويل، تحولت الخنازير والخيول إلى تجسيد حي لمسار الثورات حين تنحرف نحو الاستبداد، حيث يمثل الخنزير (سنوبول) ورفاقه تحولات السلطة من الحلم إلى الكابوس.

إلى جانب البعد السياسي، يبرز البعد الرمزي السيكولوجي؛ فالكلب في الأدب قد يرمز للوفاء كما في (أرغوس) في ملحمة الأوديسة، أو للعبودية والخنوع في سياقات أخرى. أما القطة فتجسد الغموض والأنوثة، بينما تظل الطيور رمزاً أبدياً للتحرر أو الاغتراب. وفي رواية (المسخ) لكافكا، لم تكن الحشرة العملاقة إلا أداة وجودية كبرى للتعبير عن العزلة والموت المعنوي للإنسان المعاصر.

شرط الإقناع وجماليات السرد

لا ينجح توظيف الحيوان في الأدب إلا إذا كان مبرراً سردياً، فالحيوان لا يُضاف للزينة، بل يجب أن يكون فاعلاً ومتحركاً في الأحداث، وجزءاً لا يتجزأ من بيئة الرواية. هذا التوازن بين الحضور الرمزي والدور الوظيفي هو ما يمنح العمل الأدبي قيمته. ففي رواية (العجوز والبحر) لهمنغواي، لم تكن السمكة مجرد صيد، بل كانت تجسيداً للصراع الأزلي بين الإنسان وقدره، وبين الإرادة وقسوة الطبيعة. وفي رواية (حياة باي)، يمثل النمر (ريتشارد باركر) الصراع الداخلي بين الخوف والإيمان، مما يجعل الحيوان شريكاً في تشكيل الرؤية الفلسفية للعمل.

من التراث العربي إلى الأدب العالمي

يزخر التراث العربي بمؤلفات جعلت من الحيوان محوراً لها، وعلى رأسها كتاب (الحيوان) للجاحظ، الذي لم يكن مجرد موسوعة علمية، بل كان عملاً أدبياً فلسفياً يربط بين سلوك الحيوان ونفسية الإنسان. ويشير الأدب القديم إلى أن العرب أطلقوا مئات الأسماء على الأسد والجمل والجواد، مما يعكس تلاحماً وجودياً مع هذه الكائنات. توفيق الحكيم في كتابه (حماري قال لي)، الذي يضم مجموعة من المقالات الفلسفية والاجتماعية الساخرة، يتخذ فيها من شخصية الحمار رمزاً للتأمل والحكمة وبث الآراء النقدية؛ حيث يعتمد توفيق الحكيم على أسلوب الحوار التخيلي والفلسفي مع حماره. وحتى في (ألف ليلة وليلة)، كان تحول البشر إلى حيوانات وسيلة لاستكشاف الجوانب المظلمة والمخفية في النفس البشرية.

أما في الأدب الحديث، فقد استمر هذا الشغف؛ فيحيى الطاهر عبد الله في (حكاية على لسان كلب) استخدم الكلب (محظوظ) لينتقد التنكر للأصول والطبقية الاجتماعية. وفي الأدب العالمي، نجد (نورس جوناثان ليفنجستون) لريتشارد باخ، الذي حلق بعيداً عن السرب ليبحث عن السمو والكمال، متجاوزاً حدود الغريزة نحو آفاق الفكر.

عالم الطفولة والبرية الصامتة

يمثل أدب الأطفال المساحة الأرحب لبطولة الحيوان؛ فشخصيات مثل (ويني الدبدوب) و(دب بادينغتون) و(شبكة شارلوت)، ليست مجرد حكايات للتسلية، بل هي قنوات لغرس قيم الصداقة، والتضحية، وقبول الاختلاف. إن الحيوان في قصص الأطفال يتحدث بلغة الطيبة والبساطة التي يفتقدها عالم الكبار.

وفي المقابل، هناك جانب البرية الصامتة التي تجسدها أعمال جاك لندن مثل (نداء البرية)، حيث الصراع بين قيود الحضارة وغريزة الحرية. أو الجانب المرعب الذي يمثله القرش في (الفك المفترس)، حيث يواجه الإنسان قوى الطبيعة التي لا يمكن السيطرة عليها، مما يذكره بضآلته أمام جبروت الكون.

الخاتمة: الحيوان كمرآة للروح

إن الأدب الذي يتخذ من الحيوان بطلاً ليس أدباً حيوانياً بالمعنى الضيق، بل هو أدب إنساني بامتياز. إنه محاولة لكسر الحدود بين اللغة والغريزة، ولإيجاد صوت لتلك الأسئلة التي يعجز الإنسان عن قولها بلسانه المباشر. من وفاء الكلب (أرغوس) إلى فلسفة الكلب (إنزو)، ومن حكمة (أصلان) في نارنيا إلى تمرد (سنوبول) في المزرعة، يظل الحيوان في الأدب وسيلة لاكتشاف ذواتنا. إن الحكايات هي الجسر الذي يتجاوز الحدود، ومع كل حرف، تصبح الخطوط الفاصلة بيننا وبين شركائنا في الخلق أكثر ضبابية، ليتجلى جوهر التجربة الحياتية الواحدة في تنوعها المدهش. إننا نقرأ عن الحيوانات لنفهم، في نهاية المطاف، معنى أن نكون بشراً.

*** 

رمزي ميركاني

في المثقف اليوم