عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

دراسة لغوية في ثراء الدلالة واتساع الاستعمال

تُعَدُّ اللغة العربية من أكثر اللغات الإنسانية قدرةً على احتضان المعاني المتعددة في اللفظ الواحد، حتى ليغدو اللفظ حقلاً دلالياً واسعاً تتجاور فيه المعاني وتتفرع منه الدلالات بحسب السياق والمقام. ومن الأفعال التي تجلَّت فيها هذه الخصيصة اللغوية الفريدة الفعلُ «وَجَدَ»، إذ انتقل من الدلالة الحسية المباشرة إلى آفاق معرفية ونفسية ووجدانية وفلسفية رحبة، حتى صار من أكثر الأفعال العربية ثراءً في الاستعمال.

الأصل الدلالي للفعل «وجد»

تجمع كتب اللغة على أن أصل مادة (و ج د) يدور حول معنى الظفر بالشيء وإدراكه بعد طلب أو بحث. قال اللغويون: «وجدتُ الشيءَ» إذا أصبته بعد فقد أو بحث. ومن هذا المعنى الحسي الأول تفرعت سائر الدلالات الأخرى، وفق سنة التطور الدلالي التي تجعل المعنى المجرد امتداداً للمعنى المحسوس.

فالعثور على الشيء في العالم الخارجي انتقل إلى العثور على الحقيقة في عالم الفكر، ثم إلى العثور على الشعور في أعماق النفس، ومن هنا اتسعت دائرة الاستعمال حتى أصبحت كلمة واحدة قادرة على التعبير عن الإدراك والعلم والإحساس والمحبة والغنى والقدرة.

«وجد» بمعنى العُثور والإصابة

وهذا هو المعنى الأصلي والأكثر شيوعاً.

يقال:

وجد المسافرُ الطريقَ.

وجدت المرأةُ كتابَها.

وجد الباحثُ الوثيقةَ المفقودة.

وفي هذا الاستعمال يكون الفعل متعدياً إلى مفعول به يدل على الشيء المعثور عليه.

وقد رأى فقهاء اللغة أن هذا المعنى هو الأصل الذي تتفرع منه سائر المعاني الأخرى، لأن الوجدان في جوهره إصابةٌ وإدراك.

«وجد» بمعنى العلم والإدراك

من أوسع استعمالات الفعل في القرآن الكريم واللغة العربية مجيئه بمعنى العلم واليقين.

قال تعالى:

﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾.

أي علمه وأدرك حقيقة وجوده وسلطانه.

ويقال:

وجدتُ الأمرَ حقاً.

وجدتُ كلامَك صواباً.

وهنا لا يكون المقصود العثور المادي، بل الوصول إلى حكم عقلي أو نتيجة معرفية.

وقد عدَّ كثير من النحاة هذا الاستعمال قريباً من أفعال القلوب كـ: «علم» و«رأى» و«حسب».

«وجد» بمعنى الشعور والإحساس

ومن أرقى الدلالات العربية أن ينتقل الفعل من عالم الأشياء إلى عالم المشاعر.

فيقال:

وجدتُ ألماً.

وجدتُ راحةً.

وجدتُ في نفسي ضيقاً.

ومن هنا نشأ المصدر «الوِجدان» الذي أصبح يدل على الحياة الشعورية بأسرها.

فالإنسان لا يجد الأشياء فحسب، بل يجد ذاته أيضاً؛ أي يدرك أحوالها وأحاسيسها ومكنوناتها.

«الوَجْد» والمحبة والشوق

ومن أبدع ما أنتجته العربية اشتقاق الوَجْد للدلالة على الحب العميق والشوق الملتهب.

فالعرب تقول:

وجدَ المحبُّ بمحبوبه.

هو شديد الوجد بها.

وقد توسع المتصوفة في هذا الاستعمال حتى جعلوا «الوجد» حالةً روحيةً يتجاوز فيها القلب حدود الحس والعقل إلى شهود المعنى الإلهي.

وهكذا انتقلت الكلمة من العثور على الأشياء إلى العثور على المعاني، ومن إدراك الموجودات إلى معانقة اللامرئي في فضاء الروح.

«وجد» بمعنى الغنى واليسار

ومن استعمالات العرب قولهم:

وجد الرجلُ بعد فقر.

فلان ذو جدةٍ ووجود.

أي صار ذا مال ويسار.

ويرى اللغويون أن العلاقة بين هذا المعنى والأصل الدلالي تكمن في أن الغني كأنه وجد ما كان يفتقده من أسباب العيش.

موقف النحاة البصريين

نظر النحاة البصريون إلى الفعل «وجد» بحسب معناه وسياقه.

فإذا دلَّ على العلم والاعتقاد ألحقوه بأفعال القلوب الناصبة لمفعولين.

فيقال:

وجدتُ الصدقَ منجاةً.

وجدتُ العلمَ نوراً.

فـ«الصدق» مفعول أول، و«منجاةً» مفعول ثان.

واحتج البصريون بأن الفعل هنا يؤدي وظيفة «علم» و«رأى» القلبية، ولذلك يعمل عملها.

أما إذا دل على العثور الحسي فإنهم يجعلونه متعدياً إلى مفعول واحد فقط.

فيقال:

وجدتُ الكتابَ.

فالكتاب مفعول به واحد لا غير.

وهذا التفريق بين المعنيين يُعَدُّ من أدق ما قرره علماء البصرة في باب الأفعال المتعدية.

موقف النحاة الكوفيين

أما الكوفيون فكانوا أكثر ميلاً إلى التوسع في تفسير الظواهر اللغوية اعتماداً على السماع وكثرة الاستعمال.

وقد وافقوا البصريين في الجملة على أن «وجد» إذا جاءت بمعنى العلم نصبت مفعولين، لكنها عندهم أكثر مرونة من جهة التأويل؛ لأنهم كانوا يمنحون السياق سلطاناً أكبر في توجيه المعنى والإعراب.

ويرى بعض الكوفيين أن تعدد معاني الفعل الواحد ظاهرة أصيلة في العربية، وأن اختلاف العمل النحوي تابع لاختلاف الدلالة لا لاختلاف اللفظ نفسه.

«وجد» في نظر فقهاء اللغة

تناول فقهاء اللغة مادة «وجد» بوصفها مثالاً بارزاً على ظاهرة الاشتراك الدلالي واتساع المعنى.

فقد رأى علماء العربية أن هذه المادة تجمع حقولاً دلالية متباعدة ظاهرياً لكنها متصلة باطنياً:

الوجود ضد العدم.

الوجدان بمعنى الإدراك.

الوجد بمعنى الحب.

الوجود بمعنى الغنى.

الوجادة بمعنى الظفر بالشيء.

وهذا الترابط يكشف عبقرية العربية في بناء المعاني من جذر واحد تتشعب منه الدلالات كما تتشعب الأغصان من أصل الشجرة.

الفلسفة اللغوية للفعل «وجد»

لو تأملنا هذا الفعل لوجدناه يلخص رحلة الإنسان كلها.

فالإنسان يبدأ بالبحث عن الأشياء فيجدها، ثم يبحث عن المعرفة فيجدها، ثم يبحث عن ذاته فيجدها، ثم يبحث عن الحب فيجد الوجد، ثم يبحث عن الحقيقة الكبرى فيجد الوجود.

ولذلك لم يكن «وجد» فعلاً عادياً في العربية، بل كان مرآةً لعلاقة الإنسان بالعالم وبنفسه وبالمعنى الكامن خلف الظواهر.

خاتمة

إن الفعل «وجد» شاهد بليغ على سعة العربية وعمقها الدلالي؛ إذ اجتمعت فيه معاني الظفر والعلم والشعور والمحبة والغنى والقدرة، وتنوعت أحكامه النحوية تبعاً لتنوع دلالاته. وقد أدرك البصريون والكوفيون هذه الثروة اللغوية فبنوا عليها أحكامهم، بينما كشف فقهاء اللغة عن الروابط الخفية التي تشد هذه المعاني بعضها إلى بعض.

وهكذا يظل «وجد» أكثر من فعل لغوي؛ إنه قصة الإنسان في سعيه الدائم إلى الاكتشاف، فما الحياة إلا رحلة طويلة من البحث، وما المعرفة إلا صورة من صور الوجدان، وما الحكمة إلا أن يجد المرء نفسه قبل أن ينقضي العمر وهو ما يزال يبحث عنها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في رواية "مريمة" للكاتبة رضوى عاشور، لا تروي الحكاية سقوط مدينة فحسب، بل تروي سقوط عالم كامل داخل روح الإنسان. هنا لا تُقاس الهزيمة بعدد القلاع التي انهارت، بل بعدد الكلمات التي مُنعت من أن تُقال، وعدد الأسماء التي أُجبرت على أن ترتدي أقنعة غيرها.

مريمة ليست شخصية روائية فحسب؛ إنها صورة الإنسان حين يُحاصر من الخارج فلا يجد ملجأ إلا في داخله. امرأة تحمل ذاكرة شعب بأكمله، وتدرك أن أخطر أنواع الموت ليس موت الجسد، بل موت المعنى. لذلك تتمسك بما تبقى من اللغة والعادات والصلوات والذكريات، كما يتمسك الغريق بخشبة صغيرة وسط بحر هائج.

في هذا الجزء من الثلاثية تتحول الحياة إلى مقاومة صامتة. لم يعد السيف مجديًا، ولم تعد الجدران تحمي أحدًا، فصار الحفاظ على الذاكرة فعلًا من أفعال البطولة. كانت السلطة تريد أن تغيّر الوجوه، أما مريمة فكانت تحرس الأرواح. وكانت تدرك أن الإنسان إذا فقد ذاكرته فقد نفسه، وإن بقي حيًا بين الناس.

فلسفيًا، تطرح الرواية سؤالًا عميقًا: ما الذي يبقى من الإنسان عندما تُنتزع منه لغته ودينه وتاريخه؟ وهل يمكن للهوية أن تعيش في السر كما تعيش الجذور تحت التراب؟ وتأتي الإجابة عبر تفاصيل الحياة اليومية؛ فالأوطان لا تسكن الخرائط فقط، بل تسكن العادات الصغيرة، والأغاني القديمة، والحكايات التي تتناقلها الأجيال همسًا.

لقد جعلت رضوى عاشور من مريمة رمزًا للذاكرة المقاومة؛ ذاكرة تعرف أن النسيان هزيمة ثانية، وأن التشبث بالماضي ليس رجوعًا إلى الوراء، بل دفاعًا عن الحق في البقاء. ولهذا تبدو الرواية كأنها تأمل طويل في العلاقة بين الزمن والهوية، بين القهر والصمود، وبين الفناء الذي يهدد الجسد والبقاء الذي تصنعه الروح.

وفي النهاية، لا تغادر مريمة القارئ كشخصية من زمن الأندلس، بل كفكرة خالدة: أن الإنسان قد يخسر أرضه، وقد يخسر بيته، وقد يخسر أسماء الأشياء من حوله، لكنه يظل قادرًا على الانتصار ما دام يحتفظ في أعماقه بشعلة الذاكرة. فبعض الأوطان لا تُحمل على الأكتاف، بل تُحمل في القلب، وبعض الهجرات لا تكون من المكان، بل من الذات حين تنسى من تكون.

***

د. صابر الحميدي

 

يؤكد صديقنا ميلاد محمود ميلاد حضوره الشعري بإصداره الثاني - دارة الروح - الذي ظهر في أوج ربيع هذه السنة سنة 2026 بتقديم الشاعر معمر الماجري ومراجعته وبتصدير شاعري جدير بالتمعن والدرس مثلما كتب وحلل صديقنا عبد العزيز بن عبد الله نصوص الإهداءات لدى الروائيين التونسيين ونحن إذا تركنا العنوان وصورة وجه الديوان وقرأنا ما ورد في ظهر الغلاف تحت صورة الشاعر:

لست بشاعر بلاط

وإن علا شأنه

ولست شاعر جمع

أو صدى حانة

حر بفسيح ملكوت الشعر

أزهو به

صادح الصوت

لا تَسَعُني خانة

يمكن أن نجعله بمثابة الدستور الشعري الخاص بميلاد محمود ميلاد معبرا فيه عن رؤيته للشعر التي نجد فيها صدى أبي القاسم الشابي الذي قال من قبل:

شعري نفاثة صدري

إن جاش فيه شعوري

لا أنظم الشعر أرجو

به رضاء الأمير

بمدحة أو رثاء

تُهدى لرب السرير

حسبي إذا قلت شعرا

أن يرتضيه ضميري

- 2 -

إن ما أريد تأكيده في هذ السياق أن الشاعر ميلاد محمود ميلاد ينطلق من منجزات الشعر التونسي ليواصل المسيرة الشعرية التونسية المتميزة جيلا فجيلا والتي شهدت في بعض فتراتها موجات من شعر المدح والهجاء وذلك باستسهال طرق المواضيع المكررة الخالية من الابتكار فصارت القصائد نسخا متطابقة تقريبا وأضحى الشاعر فيها يتقمص دور المهرج حينا وجُبة الواعظ أحيانا أو متقلدا سيفا من خشب خطيبا في المنابر والمناسبات التي أمست كرنفالات ...!

- 3 -

عاد بنا الشاعر ميلاد محمود ميلاد في خضم اختلاط الحابل بالنابل إلى نبع صاف من عيون الشعر التونسي ألا وهو الشاعر - علي الحصري القيرواني - وذلك من خلال معارضته لقصيدة - يا ليل الصب متى غده - فحاول مجاراتها بما تيسر له مثلما حاول النسج على منوالها عشرات الشعراء في كل عصر ومصر فقاربها البعض واستعصت على البعض وبهذه المعارضة الجديدة يؤكد الشاعر أنها قصيدة أيقونة في ديوان الشعر العربي من ناحية ومن ناحية أخرى كأنه أراد قول إنه متجذر في تراثنا الشعري لكنه من ناحية أخرى نجده متحررا من البحور والتفعيلات والقوافي كما أشار الأستاذ معمر الماجري في تقديمه قائلا :

(أما أغلب القصائد فإنها خارج التصنيف ولا تخضع إلا لميزان صاحبها واختلاحات صدره وخصائص ذوقه)

ونحن نضيف أن الشعر أوسع من البحور والقوافي ومن الأساليب وأكبر من التصنيفات ولا تحده قوالب ونظريات كي يظل فضاء الابتكار والتجديد مفتوحا أمام الإبداع الجديد.. فالعبرة من مكابدة الكتابة ليست من أجل الجوائز والامتيازات والتكريمات والدعوات وغيرها... وإنما من أجل الإضافة والتميز ... لا غير !

- 4 -

أعتقد أن الشاعر الذي اِستوعب منجزات القصيدة العربية قديمها وحديثها واِطلع على إبداعات الأمم الأخرى واستفاد من الفنون يمكنه أن يضيف إلى مسيرته الشعرية وأرى أن قصائد عديدة للشاعر ميلاد محمود ميلاد تحمل بذرة شعرية واعدة يمكنها أن تصبح دوحة فيحاء... ومن سار على الدرب وصل.

***

بقلم: سُوف عبيد - تونس

 

في رواية غرناطة للكاتبة رضوى عاشور، لا تبدأ الحكاية يوم سقطت غرناطة، بل يوم ظنّ المنتصر أن السقوط قد اكتمل. فالهزيمة العسكرية كانت حدثًا عابرًا في الزمن، أمّا معركة الروح والهوية فكانت أطول وأشدّ قسوة.

تدور الرواية في السنوات التي تلت سقوط غرناطة سنة 1492م، حين وجد المسلمون أنفسهم غرباء في الأرض التي شيّدها آباؤهم. تتبع الكاتبة حياة أسرة أندلسية بسيطة، يتصدرها الورّاق أبو جعفر الذي يشهد إحراق الكتب العربية، فيدرك أن النار لا تلتهم الورق فقط، بل تحاول التهام الذاكرة نفسها. ومن هنا يبدأ الصراع الحقيقي: صراع البقاء الثقافي والإنساني في وجه محوٍ ممنهج للغة والدين والعادات.

يتنقل السرد بين أفراد الأسرة وأجيالها، كاشفًا كيف تسللت المأساة إلى تفاصيل الحياة اليومية. فالحب أصبح مهددًا، والعبادة تُمارس سرًا، والكلمات العربية تُهمس خوفًا من العقاب. ومع ذلك، يظل الناس متمسكين بما تبقى من ذواتهم، وكأنهم يقاومون النسيان أكثر مما يقاومون السلطة.

ليست غرناطة رواية عن الحروب الكبرى بقدر ما هي رواية عن الإنسان العادي الذي يحاول أن يعيش في زمنٍ يريد اقتلاعه من جذوره. وهي تكشف أن الاحتلال الحقيقي لا يبدأ بالسيطرة على الأرض، بل بمحاولة السيطرة على الذاكرة.

وفي جوهرها الفلسفي، تقول الرواية إن الأوطان لا تسقط دفعة واحدة؛ إنها تتآكل كلما فُقدت كلمة، أو أُحرقت صفحة، أو خاف إنسان من أن يكون نفسه. لكنّها تؤكد أيضًا أن الذاكرة قادرة على أن تكون شكلًا من أشكال المقاومة، وأن الشعوب قد تُهزم سياسيًا، لكنها تبقى حيّة ما دامت تحفظ حكايتها.

هكذا تبدو غرناطة مرثيةً لحضارةٍ آفلة، وفي الوقت نفسه نشيدًا للإنسان الذي يرفض أن يتحول إلى مجرد ظلٍّ لتاريخه، فيجعل من الذكرى وطنًا حين يُسلب منه الوطن.

***

بقلم د. صابر الحميدي

قلمي الذي أضناهُ جُرحُ مَقالِهِ

فهوى، ولكنْ لم يَمُتْ في حالِهِ

يُحيي العقولَ إذا استبدَّ ظلامُها

ويفكُّ دربَ النورِ من أغلالِهِ

قيل يومًا إنّ السيوف تصنع التاريخ غير أنّ الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان أن الأقلام هي التي ترويه وتحفظه من الضياع.

ولكن ماذا لو انتحر القلم؟ ماذا لو قرر أنْ يصمت بعدما أثقلته الخيبات، وأرهقته الأيدي التي استخدمته لتزييف الحقائق بدل إظهارها؟

في مساءٍ مكتظٍّ بالصمت، تمدّد القلم على حافة الورقة، وقد جفّ حبره وانطفأت في جوفه شرارة البوح.

لم يمت حقًّا، لكنه أعلن عصيانه على الكلمات.

سألته الأوراق بدهشة: أحقًّا ستنهي رحلتك؟

أحقًّا ستترك العقول نهبًا للفراغ؟

فلم يجب، إذ كان صمته أبلغ من ألف جواب.

غير أنّ انتحار القلم قد يكون بدايةً جديدة، فالأشياء العظيمة لا تموت، وإنما تنكفئ قليلًا؛ لتسترد قوتها.

أليس الليل نفسه يفسح الطريق للفجر؟ وأليست الأرض الجرداء تنبت بعد المطر حياةً لا تُحصى؟

كذلك القلم، قد يتوقف حينًا، لكنه لا يلبث أنْ يعود أشد لمعانًا وأعمق أثرًا.

إنّ القلم الذي ذاق مرارة الصمت يعرف قيمة الكلمة، والذي جُرح بالخداع يدرك معنى الصدق، لذلك فإنّ عودته ولادة ثانية.

وما أجمل أنْ ينهض القلم من رماد يأسه نهوض العنقاء من احتراقها!

عندها يصبح الحبر دمًا نابضًا بالحقيقة، وتغدو الكلمات جسورًا تعبر عليها الأمم نحو المعرفة.

ومن هنا أجادل كلّ مَن يظن أنّ انكسار القلم هزيمة نهائية، لتعلمْ يا هذا أنّ الهزيمة الحقيقية في رفض النهوض.

أما القلم الصادق فإنه كلما انكسر ازداد صلابة، وكلما صمت ازداد قوله تأثيرًا. فكيف يموت مَن كانت رسالته إحياء العقول؟

وكيف يفنى من كان سلاحه الفكر والنور؟

ولسان حال القلم يقول:

لا تجزع يا قلمي إنْ ضاقَ الدُّجى وتكسَّر، فالنورُ يولدُ من رمادٍ أحمر، ولا تحسبِ الصمتَ الطويلَ هزيمةً، فالبحرُ يزدادُ في المدى إذا أبحر.

فالقلم لا ينتحر إلا مجازًا، أما حقيقته فالبقاء.

قد ينكسر، قد يجف حبره، وقد يغيب صوته زمنًا، لكنه يعود دائمًا؛ لأنّ الفكرة الصادقة أقوى من الصمت، والكلمة الحرة لا تعرف الموت.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

لا شك أن الجمال لا يقتصر على المناظر الطبيعية الخلابة، وحسب، وانما يتجلى في كل التفاصيل التي تحيط بالإنسان، متى ما امتلك عيناً متأملة، ووجدانا نابضاً بالتطلع. فالحس المرهف، بمكنه ان يلتقط تلك التفاصيل الدقيقة، ويستشعر تجليات الجمال الكامنة في الأشياء، والمشاهد اليومية.

فأصحاب الحس المرهف يرون في إشراقة الصباح، رسالة أمل متجددة، ويجدون في خرير الماء موسيقى طبيعية، تنعش الروح، ويلمسون في ابتسامة طفل عذبة، صورة نقية للبراءة والصفاء. وهكذا تتحول الأشياء العادية، في وجدانهم إلى منابع للإلهام، والتأمل، لأنهم يمتلكون بحسهم المتوهج، قدرة على اختراق المظاهر السطحية، والنفاذ إلى اعماق الأشياء، واستكناه معانيها العميقة.

ولعل الشعر والأدب والفن ميادين رحبة، تتجلى فيها آثار الحس المرهف بوضوح، حيث يستطيع المبدع أن يحول مشاهد الحياة اليومية، من خلالها، إلى نتاجات نابضة بالجمال.

وتجدر الإشارة إلى أن مشاهدات تجليات الجمال، غالباً ما تنبع، من نقاء الوجدان، وشفافية الروح، حيث يتجلى وهج الحس المرهف، عندئذ، في إعادة اكتشاف العالم، وإضفاء المعنى على تفاصيله الصغيرة.

وهكذا تكمن تجليات الحس المرهف، في القدرة على استشراف ما وراء الأشياء، واكتشاف الجمال المختبئ في ثنايا تفاصيلها، بحيث يصبح الإنسان ذو الحس المرهف، أكثر قدرة على التفاعل الإيجابي مع معطيات الحياة.

وفي عصر تتسارع فيه إيقاعات الحياة، وتزدحم فيه الانشغالات، والهموم، يبدو الحس المرهف نسغ حياة، يعيد الوهج إلى الوجدان، ويمنح الإنسان فرصة التأمل، والتذوق، فالجمال ليس شعوراً عابراً، بل ومضة وجدانية، تسهم في تهذيب الذوق، وترسخ مشاعر الرضا، وتعمق جذور الانتماء إلى الحياة.

***

نايف عبوش

دراسة نحوية ودلالية في ضوء آراء البصريين والكوفيين

تُعَدُّ حروف الجر من أكثر الأدوات النحوية أثرًا في بناء المعنى العربي؛ فهي الجسور الدقيقة التي تصل بين أجزاء الكلام، وتُحدِّد العلاقات الدلالية بين الأسماء والأفعال، حتى غدت من أهم أبواب النحو التي تكشف عن عبقرية العربية في الاقتصاد اللفظي والإحكام التركيبي. غير أن النحاة لم يقفوا عند الحروف التي تؤدي معنى الجر على وجه الأصالة، بل تجاوزوا ذلك إلى دراسة ما سُمِّي بالحروف الزائدة والحروف الشبيهة بالزائدة، فدار حولها جدل طويل بين مدارس النحو والتفسير والبلاغة، وتباينت مواقف البصريين والكوفيين في تفسير وظائفها وأثرها في المعنى والإعراب.

أولاً: مفهوم حرف الجر الأصلي

حرف الجر الأصلي هو الذي يؤدي معنى جديدًا في التركيب، ولا يستقيم المقصود بدونه، ويحتاج إلى متعلَّق يرتبط به من فعل أو شبهه.

نحو:

١- سافرتُ إلى دمشق.

٢- مررتُ بزيدٍ.

٣- جلستُ في البيت.

فكل حرف من هذه الحروف أضاف معنى خاصاً؛ فـ«إلى» أفادت انتهاء الغاية، و«الباء» أفادت الإلصاق أو المصاحبة، و«في» أفادت الظرفية.

وقد أجمع البصريون والكوفيون على أن الأصل في حروف الجر أن تكون عاملةً معنىً وإعراباً معاً، وأن الجر فرع عن الدلالة التي يقتضيها الحرف.

ثانياً: مفهوم حرف الجر الزائد

لا يعني وصف الحرف بالزيادة أنه عبث لغوي أو فضلة يمكن الاستغناء عنها دون أثر، كما قد يتوهم بعض المبتدئين؛ فالزيادة عند النحاة مصطلح فني يراد به أن الحرف لم يأت لإحداث معنى نحوي جديد بين ركني الجملة، وإنما جيء به لتوكيد المعنى وتقويته أو لتحقيق غرض بلاغي.

قال علماء العربية: «الزيادة لا تعني انعدام الفائدة، وإنما تعني عدم الاحتياج إليها في أصل الإسناد».

فالاسم بعد الحرف الزائد يكون:

مجروراً لفظاً.

مرفوعاً أو منصوباً أو مجروراً محلًّا بحسب موقعه الأصلي في الجملة.

- موقف البصريين من الزيادة:

كان البصريون أكثر تحفظاً في إطلاق مصطلح الزيادة، ورأى كثير منهم أن الحرف الزائد لا يخلو من فائدة معنوية، وأن وصفه بالزيادة لا يعني خلوَّه من الدلالة.

وقد نُقل عن سيبويه وأتباعه أن الزيادة إنما تكون للتوكيد وتقوية الكلام، لا لإلغاء المعنى.

- موقف الكوفيين من الزيادة:

أما الكوفيون فكانوا أوسع مذهباً في إجازة الزيادة، وأكثر تساهلًا في عدِّ الحروف زائدةً، حتى إنهم أجازوا زيادة بعض الحروف في مواضع أنكرها البصريون.

ومن هنا كثرت في كتب الكوفيين الشواهد التي يُحكم فيها بالزيادة، بينما يميل البصريون إلى تأويل الحرف على معنى أصلي متى أمكن ذلك.

أشهر حروف الجر الزائدة

1- «مِنْ» الزائدة

تُعَدُّ أكثر الحروف وروداً في باب الزيادة.

شروط زيادتها عند جمهور النحاة

أن تُسبق بنفي أو شبهه.

أن يكون الاسم بعدها نكرة.

ومن أمثلتها:

﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ﴾

﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾

﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾

فكلمة «بشير» و«خالق» و«إله» مجرورة لفظاً بـ«من»، لكنها في الأصل مرفوعة أو بحسب موقعها الإعرابي.

ويرى البلاغيون أن «من» هنا أفادت استغراق أفراد الجنس كله، فكأن المعنى: ما جاءنا أيُّ بشيرٍ قط.

٢- الباء الزائدة

من أشهر مواضعها:

أ- في خبر «ليس»

قال تعالى:

﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾

وقال العرب:

«لستُ بمهملٍ واجبي».

فـ«كافٍ» و«مهملٍ» خبران لـ«ليس» مجروران لفظاً بالباء.

ب- في فاعل «كَفَى»

قال تعالى:

﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾

وقال:

﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾

فلفظ الجلالة فاعل في المعنى، مجرور في اللفظ.

ويرى النحاة أن دخول الباء هنا يفيد تعظيم الفاعل وتقوية الحكم.

٣- الكاف الزائدة:

وهي أقل الحروف وروداً.

ومن أشهر شواهدها قوله تعالى:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾

وقد اختلف العلماء في توجيه الآية:

- رأي البصريين:

ذهب كثير منهم إلى أن الكاف زائدة للتوكيد، والمعنى:

«ليس مثله شيء».

رأي آخر

ذهب بعض المفسرين واللغويين إلى أن الكاف ليست زائدة، بل جيء بها للمبالغة في نفي المماثلة، فيكون المعنى أبلغ من مجرد قولنا: «ليس مثله شيء».

وهذا الاتجاه ينسجم مع منهج كثير من العلماء الذين يتحرجون من إطلاق لفظ الزيادة على ألفاظ القرآن الكريم.

ثالثاً: حرف الجر الشبيه بالزائد

إذا كان الحرف الزائد لا يضيف معنىً جديدًا في أصل التركيب، فإن الحرف الشبيه بالزائد يختلف عنه؛ لأنه يفيد معنىً دلاليًا واضحاً، لكنه لا يحتاج إلى متعلَّق.

وأشهره بل يكاد يكون الوحيد:

«رُبَّ»

لماذا سميت شبيهة بالزائدة؟

لأنها:

لا تتعلق بفعل أو شبهه.

لكنها تؤدي معنىً خاصاً.

وتؤثر في الإعراب.

فهي تشبه الحرف الزائد من جهة عدم التعلق، وتخالفه من جهة إفادة المعنى.

دلالتها

اختلف النحاة فيها:

رأي البصريين

غلب على البصريين القول بأنها للتقليل.

مثل:

«رُبَّ رجلٍ كريمٍ لقيتُ.»

أي قليل من الرجال تتوافر فيهم هذه الصفة.

- رأي الكوفيين:

ذهب كثير منهم إلى أنها قد تكون للتقليل وقد تكون للتكثير بحسب السياق.

ومن شواهد التكثير قول الشاعر:

ربَّ يومٍ بكيتُ منه فلما

صرتُ في غيره بكيتُ عليه

فالمقصود هنا كثرة الأيام لا قلتها.

وهذا الرأي هو الذي استقر عليه أكثر المتأخرين؛ لأن الاستعمال العربي يشهد للأمرين معًا.

شروطها

تدخل على النكرات غالبًا.

تجر الاسم بعدها لفظًا.

لا تحتاج إلى متعلَّق.

نحو:

«رُبَّ أخٍ لم تلده أمك.»

فـ«أخٍ» اسم مجرور برب.

«رب» مع «ما» الكافة

إذا دخلت عليها «ما» كُفَّت عن العمل غالبًا.

مثل:

«ربما ينجح المجتهد.»

فدخلت حينئذ على الجملة الفعلية.

الفرق بين الحرف الأصلي والزائد والشبيه بالزائد

الحرف الأصلي: يفيد معنى جديدًا ويحتاج إلى متعلق، مثل: ذهبتُ إلى المدرسة.

الحرف الزائد: لا يفيد معنى إسناديًا جديدًا، وإنما يفيد التوكيد، ولا يحتاج إلى متعلق، مثل: ما جاءني من أحد.

الحرف الشبيه بالزائد: يفيد معنى خاصًا، ولا يحتاج إلى متعلق، مثل: ربَّ أخٍ وفيٍّ.

بين النحو والبلاغة: هل توجد زيادة حقيقية في العربية؟

هذه المسألة من أعمق المسائل التي ناقشها اللغويون والمفسرون.

فقد ذهب فريق من العلماء إلى أن وصف بعض الحروف بالزيادة اصطلاح نحوي محض، أما من جهة البلاغة فلا يوجد في القرآن ولا في فصيح الكلام ما هو خالٍ من الفائدة.

وكان من أشهر القائلين بذلك طائفة من المفسرين والبلاغيين الذين رأوا أن كل حرف في العربية يؤدي وظيفة معنوية أو إيقاعية أو تأكيدية، وأن «الزيادة» تعني زيادة في المبنى لخدمة المعنى، لا عبثًا ولا حشوًا.

ومن هنا اشتهرت القاعدة البلاغية:

«زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.»

خاتمة

تكشف دراسة حروف الجر الأصلية والزائدة والشبيهة بالزائدة عن دقة الصناعة النحوية العربية وعمق الصلة بين الإعراب والدلالة. فالحرف الأصلي يبني العلاقات المعنوية بين أجزاء الكلام، والحرف الزائد يقوي المعنى ويؤكده دون أن يغيّر أصل الإسناد، أما الحرف الشبيه بالزائد فيقف منزلةً بين المنزلتين؛ إذ يحمل دلالة خاصة مع استغنائه عن التعلّق. وقد أظهر الخلاف بين البصريين والكوفيين ثراء التراث النحوي العربي، حيث لم يكن اختلافهم تناقضًا بقدر ما كان تنوعًا في زوايا النظر إلى أسرار اللغة العربية، تلك اللغة التي جعلت من الحرف الواحد عالمًا من الدلالات والإيحاءات.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

روح المدينة في عمارة لونية

الفضاءات تتداخل بين الحروف والألوان التي تؤلف مبانيها منائر وقباب ترسل أنواراً واشعة. ثمة حوار خفي بين الغائب والحاضر، بين المنظور والمضمور، حوار ما بين التشكيل الروحي والأشياء. هذا ما فعله الفنان التشكيلي ضياء حسن في معرضه "مدن وآيات" الذي أقيم في قاعة أكد في بغداد 9 آيار 2026 بمحاولة منه في مزاوجة إيقاعين مختلفين، وعرضين بصريين، يبدع منهما تأليفاً تشكيلياً جديداً يحمل أكبر قدر من المجاز التناغمي، كما يتسم بقدر أعلى من التوازن الايقاعي. وهو بهذا يقف إلى جانب الفنانين الذين منحوا الحرف رمزيته وإيماءاته التشكيلية،

فارتفع بأعماله الفنية إلى آفاق الخيال ومطلق الموسيقى، ولم يقع في شباك التجريب والمعابثات الشكلية.

الفنان ضياء حسن مؤمن أشد الإيمان أن المرحلة الزمنيّة القصيرة التي تبلورت فيها معالم واضحة لأسلوب فن عربيّ ــ إسلاميّ ذي إشارات شاملة ومضامين جماليّة، على الرغم من تنوّع مصادر هذا الفن. كان فيها الحرف العربي واحداً من أبرز الإنجازات الحضارية التي قدّمها العرب والمسلمون للإنسانية، ليس بوصفه أداةً للتدوين والتوثيق فحسب، بل بوصفه نظاماً جماليّاً متكاملاً. وقد تحوّل عبر العصور إلى فضاءٍ إبداعي مفتوح أتاح للفنّان العربيّ أن يؤسس لنموذجه الجمالي معاييره وشروطه الفنية.

ومن هذا المنطلق اشتغل ضياء على ثيمة الحرف ليمنحه بعداً روحياً مضافاً، بوصفه وسيلة انتشار اللغة العربية ـ لغة القرآن ـ فحيثما تكون العمارة الإسلامية، في الشرق أو الغرب، تكون الآيات وفرائد الشعر، وصافيات الحكم، والكلمات، منازل تتجه صعداً إلى الأعلى، كأنها تدخل في مدارات من الألوان والأنوار الساطعة، إنها صورة الحروف بما تحمل من خصوصيّة جماليّة، وقدرة على التشكيل ــ بوصفه مظهراً مهماً في التراث ــ مثّل أداةً ووسيطاً، ومصدراً حيوياً أغنى تجربة ضياء في إعادة بناء هوية بصريّة تستند إلى الجذور من دون أن تتقاطع مع الحداثة. بحيث تتجمع العناصر والوحدات لتتآلف في عمل يحمل روح الفنان وأسلوبه الخاص.

في "مدن وآيات"، يقدّم الفنان التشكيلي ضياء حسن تجربة بصرية تتجاوز حدود الاشتغال الزخرفي أو الحروفي التقليدي، لتؤسس خطاباً تشكيلياً قائماً على استحضار روح المكان وتحويل الذاكرة المعمارية والطقسية إلى بنية لونية وتجريدية ذات أبعاد روحية وتأملية. فالمعرض لا ينشغل بإعادة إنتاج المدينة بوصفها صورة واقعية، بل يعمل على تفكيكها وإعادة تركيبها داخل فضاء بصري معاصر، تتحول فيه القباب والمنائر والأقواس والحروف إلى إشارات جمالية تتشابك مع اللون والإيقاع والهندسة في نظام بصري متماسك وعميق.

تبدو أعماله هنا وكأنها محاولة لاستعادة "روح المدينة" لا هيئتها الخارجية. فالمدينة في هذه اللوحات ليست مكاناً جغرافياً محدداً، وإنما كيان بصري ووجداني يتشكل من الذاكرة والطقوس والمخيال الجمعي. ولهذا تغيب التفاصيل الواقعية لتحل محلها اختزالات هندسية ومساحات لونية شفافة، تمنح المتلقي إحساساً بأنه أمام مدن متخيلة تنتمي إلى الذاكرة أكثر مما تنتمي إلى الواقع المباشر.

ومن خلال تأمل الأعمال، يمكن ملاحظة حضور بنية هندسية دقيقة تقوم على تقاطع الكتل والمساحات والمنحنيات، بما يكشف عن وعي أكاديمي واضح في تنظيم السطح التشكيلي. غير أنّ هذه الصرامة البنائية لا تتحول إلى جفاف بصري، لأن الفنان يوازنها بحس لوني مرهف يمنح اللوحة طاقة حيوية وانسياباً داخلياً. فالألوان هنا لا تُستخدم باعتبارها عناصر تزيينية، بل بوصفها مكوّنات روحية ونفسية قادرة على بناء المناخ التعبيري للعمل.

إن المتلقي أمام تجربة تعيد الاعتبار للون بوصفه لغة قائمة بذاتها. تتجاور داخل فضاء اللوحة في علاقات متناغمة، لتخلق إيقاعات بصرية ذات طابع احتفالي وتأملي في آن واحد. وهذا الوعي اللوني يمنح الأعمال قدرة واضحة على إنتاج "المتعة البصرية"، ليس بمعناها السطحي، بل بوصفها تماهياً حسياً وروحياً في فضاء اللوحة.

يشكّل الحرف العرب واحداً من أهم المرتكزات الجمالية في تجربة ضياء حسن. غير أن الفنان لا يتعامل مع الحرف باعتباره نصاً لغوياً قابلاً للقراءة، وإنما بوصفه شكلاً بصرياً يمتلك طاقة إيقاعية وتعبيرية عالية. فالحروف والآيات القرآنية تتحول داخل اللوحة إلى معمار بصري يحيط بالتكوين أو يتداخل معه، بحيث تغدو الكتابة جزءاً عضوياً من الجسد التشكيلي للعمل.

وفي بعض الأعمال، يقترب الحرف من وظيفة الطقس، إذ يتحول إلى فضاء تأملي يستدعي حضور المقدس من خلال اللون والانحناء والإيقاع. وهنا تتكشف قدرة الفنان على الإفادة من الإرث الجمالي للحروفية العربية الحديثة، دون الوقوع في أسر التكرار أو النقل المباشر. فهو لا يستعيد التراث بوصفه مادة جاهزة، بل يعيد إنتاجه ضمن رؤية معاصرة تنفتح على التجريد الهندسي والاختزال البنائي.

وتبرز في عدد من اللوحات مفردات معمارية توحي بالأضرحة والمنائر والقباب والنوافذ المقوسة، لكنها تظهر بصياغات مختزلة ومجردة، بما يجعلها أقرب إلى علامات بصرية أو "أصداء مكانية" تستحضر الذاكرة الروحية للمدن العراقية والعربية.

من هنا يمكن القول إن الفنان يشتغل على "جماليات الأثر"، أي أثر المكان في الوعي، لا على تمثيله الواقعي المباشر.

كما تكشف الأعمال عن اهتمام واضح بفكرة الإيقاع البصري. فالخطوط المقوسة، والتكوينات المتداخلة، والانتقالات اللونية الناعمة، كلها تعمل على خلق حركة داخلية تجعل اللوحة فضاءً نابضاً بالحياة. وهذه الحركة لا تأتي من ازدحام العناصر، بل من العلاقات الدقيقة بين الكتل والفراغات، وبين الشفافية والتعتيم، وبين الثبات والحركة.

من دون شك، لا يمكن لأزمنة الفنان أن توصف إلا بأنها سنوات الخلق والابداع، وإيداع الأمانات للأجيال الآتية، وضياء حسن، عبر مشروعه الفني، يتجاوز حالة السكون، إنه في حالة تدفق وانتقال واكتشاف، يعيش ويتنفس ضمن عالم إشراقي، في حدود جمالية خالصة الصفاء، في عمارة لونية مفتوحة على الدهشة.

***

د. جمال العتابي

 

دراسة في آراء البصريين والكوفيين وفقهاء اللغة

يُعَدُّ أسلوب المدح والذم من أرقى الأساليب التعبيرية في العربية؛ إذ يجمع بين قوة الحكم وجمال الإيجاز، ويمنح المتكلم قدرةً على تقويم الأشخاص والأفعال والأحوال بألفاظ قليلة ومعانٍ واسعة. وقد احتلَّ فعلا «نِعْمَ» و**«بِئْسَ»** مكانةً بارزة في كتب النحو واللغة والتفسير والبلاغة، لما ينطويان عليه من خصوصية صرفية ونحوية ودلالية.

ولم يكن اهتمام النحاة بهذين الفعلين ناشئاً من كونهما أداتي مدح وذم فحسب، بل لأنهما يمثلان نموذجاً فريداً للأفعال الجامدة التي خرجت عن المألوف في التصريف والاستعمال، حتى غدوا باباً مستقلاً من أبواب النحو العربي.

أولاً: معنى «نِعْمَ» و«بِئْسَ» في اللغة

اتفقت المعاجم العربية على أن «نِعْمَ» فعلٌ موضوع للمدح، وأن «بِئْسَ» فعلٌ موضوع للذم.

فيقال:

نِعْمَ الرجلُ الصادقُ.

نِعْمَ الخُلُقُ الوفاءُ.

بِئْسَ الخُلُقُ الكذبُ.

بِئْسَ الصديقُ الغادرُ.

فالمدح يتضمن الاستحسان والثناء، أما الذم فيتضمن الاستقباح واللوم.

وقد ورد الفعلان في القرآن الكريم كثيراً، ومن ذلك قوله تعالى:

﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾

وقوله تعالى:

﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾

مما يدل على فصاحتهما ورسوخهما في لسان العرب.

ثانياً: رأي البصريين

ذهب نحاة البصرة إلى أن «نِعْمَ» و«بِئْسَ» فعلان ماضيان جامدان لا يتصرفان.

ومن أشهر القائلين بذلك:

سيبويه.

المبرد.

الزجاج.

ابن السراج.

ويرى البصريون أن لهذين الفعلين فاعلاً لا بد منه، وأن المخصوص بالمدح أو الذم يأتي بعد ذلك.

مثال:

نِعْمَ الرجلُ خالدٌ.

بِئْسَ الخُلُقُ الكذبُ.

فـ«الرجل» و«الخُلُق» فاعلان مرفوعان، أما «خالد» و«الكذب» فهما المخصوصان بالمدح والذم.

ويرى البصريون أن المقصود من هذا التركيب هو تعميم الحكم أولاً ثم تخصيصه.

فالمتكلم يبدأ بالحكم على الجنس ثم يحدد المقصود منه.

ثالثاً: رأي الكوفيين

أما الكوفيون فكانوا أكثر مرونة في تفسير الظواهر اللغوية.

ومن أعلامهم:

الكسائي.

الفراء.

ثعلب.

وقد رأى بعضهم أن «نِعْمَ» و«بِئْسَ» يقتربان في بعض استعمالاتهما من الأسماء أو الأدوات التي تؤدي وظيفة المدح والذم، وإن ظل الرأي الغالب عندهم اعتبارهما فعلين.

كما توسع الكوفيون في قبول الأساليب المسموعة عن العرب، ولو خالفت بعض القواعد التي وضعها البصريون.

ومن أمثلة ذلك قولهم:

نعم رجلاً زيدٌ.

وبئس غلاماً فلانٌ.

حيث أجازوا وجوهاً إعرابية أوسع مما أجازه البصريون اعتماداً على السماع.

رابعاً: موقف فقهاء اللغة

أما فقهاء اللغة وأهل المعاجم فقد نظروا إلى «نِعْمَ» و«بِئْسَ» من حيث الدلالة والاستعمال.

فذكروا أن:

«نِعْمَ» تفيد بلوغ الممدوح غاية الكمال في الصفة المذكورة.

«بِئْسَ» تفيد بلوغ المذموم غاية النقص في الصفة المنسوبة إليه.

فإذا قيل:

«نِعْمَ القائدُ»

فالمعنى ليس مجرد الثناء، بل الإشادة بكمال صفات القيادة.

وإذا قيل:

«بِئْسَ الحاكمُ الظالمُ»

فالمعنى يتجاوز مجرد النقد إلى الإدانة الأخلاقية الكاملة.

خامساً: أحكام فاعل «نِعْمَ» و«بِئْسَ»

ذكر النحاة أن فاعلهما يأتي على ثلاثة أوجه:

١- معرفاً بأل

نِعْمَ الرجلُ الأمينُ.

بِئْسَ الخُلُقُ الخيانةُ.

٢- مضافاً إلى معرفة

نِعْمَ صاحبُ القومِ زيدٌ.

بِئْسَ صاحبُ السوءِ المنافقُ.

٣- ضميراً مفسَّراً بتمييز

نِعْمَ رجلاً خالدٌ.

بِئْسَ خلقاً الكذبُ.

سادساً: المخصوص بالمدح والذم

المخصوص هو الاسم الذي يُراد مدحه أو ذمه حقيقةً.

فنقول:

نِعْمَ الرجلُ عمرٌ.

بِئْسَ الصديقُ الغادرُ.

فـ«عمر» و«الغادر» هما المقصودان بالحكم.

وقد يُحذف المخصوص إذا دلّ عليه السياق.

مثل:

سُئلت عن رجل كريم فقلت: نعم الرجلُ.

أي نعم الرجل هو.

سابعاً: القيمة البلاغية لأسلوب المدح والذم

يمتاز هذا الأسلوب بعدة خصائص:

١- الإيجاز

فكلمة واحدة تؤدي معنى الثناء أو الذم كاملاً.

٢- القوة

لأن الحكم يأتي مباشراً وحاسماً.

٣- العموم ثم التخصيص

وهو من أساليب البلاغة العربية الرفيعة.

٤- التأثير النفسي

إذ يرسخ الحكم في ذهن السامع بصورة أقوى من الوصف العادي.

أمثلة تطبيقية

في العلم

نِعْمَ العالمُ من جمع بين المعرفة والتواضع.

بِئْسَ العالمُ من جعل علمه سلماً للغرور.

في الأخلاق

نِعْمَ الخُلُقُ الصدقُ.

بِئْسَ الخُلُقُ الكذبُ.

في الإدارة

نِعْمَ القائدُ من قدّم المصلحة العامة.

بِئْسَ القائدُ من استبدَّ برأيه.

في التربية

نِعْمَ المربّي من ربّى قبل أن يعلّم.

بِئْسَ المربّي من أكثر الوعظ وقلَّ عمله.

خاتمة:

يشكّل باب «نِعْمَ وبِئْسَ» نموذجاً بديعاً لتداخل النحو بالبلاغة والدلالة في العربية. فقد نظر البصريون إليه بمنظار الصناعة النحوية الدقيقة، بينما وسّع الكوفيون دائرة السماع والاستعمال، وأبرز فقهاء اللغة قيمته الدلالية والتعبيرية. ومن خلال هذا الأسلوب تتجلّى قدرة العربية على الجمع بين الإيجاز والإحكام، وبين جمال العبارة وعمق المعنى، حتى غدا المدح والذم في هذين الفعلين من أبلغ ما ورثته العربية من أساليب التقويم والتعبير.

***

بقلم: عماد خالد رحمة  برلين

فَلَشَ شوقي مسلماني "أوراق العزلة"، عيونٌ كثيرة حاصرته، مدَّ يدَه الى المشهد وأخذَه على مهل، في المشهد مفردات أحلام يتّقن صياغتها فوق جسد أبيض، حتى إذا أكمل ما يريد أخذ نفسًا عميقًا: صار للنصّ أجنحة تحمله الى حيث يليق. نصّه نبْض المشاعر والأحاسيس وهويّة، وملامح حضوره الشعري المعبّر عنه في إشارات هي لمع برق من يلتقطها ينوعد بمطر لؤلؤي. التكثيف في الصور سمة أساس في هذه المجموعة الشعريّة والعبور الى المتلقّي مع شيء من الأحلام والظلال المتناثرة كما حبيبات الندى في حديقة الصباح: "أُكملُ دورةَ عمري/ لأفتح نافذة على البحر/ وأسابق الريح". وفي ما يلي من مجموعة "أوراق العزلة":

(دخان)   

لم تقلْ كلمة بعد

ليستْ لكَ خطوة

لا غيمة تظلّلُك

لا يتبعُك غزال، لاحظْ

كلّ الأسماء التي تعرفها

تلمع وتختفي

تظلّ وحدكَ في الليل

تراقب أسماء تهوي

إلى غبارِها الكوني

**

لاحظْ:

كلّ عمرك سيجارة

أدقّ مِنْ إبرة، يحرقها عابر.

**

(مدنٌ)    

سأعبّئ في عينَيّ مدناً

تنهضُ مِنْ حرائقِها وتصهل

*

سأصافح الذين هزمتُهم

والذين هزموني والذين سيضحكون

*

مِنْ كلّ حانة سأقطف صخباً

ضحكةً، وردةً، كأساً صغيرة

*

وغيركِ

سأعانق في الليل

مرتعِشاً لاكتشافات المرتحل

في المدنِ الحقيقيّة.

**

(غبار)   

كلّما فتحتُ عينيّ

اصطفّوا أكثر مِنْ عشرة حولي

يشبهونني جميعاً لكنّهم أكثر نحولاً

إسمك؟ "شوقي"، إسمك؟ "شوقي" 

*

في هذه الغرفة الدوّارة أجلسُ في الوسط

تحاصرُني عيونٌ كثيرة ووجوه صارمة

*

لستُ لصّاً، لستم قطّاع طرق

أملكُ وحدتي وحصاركم

هذا الفراغ في يدي

*

مشيتُ كلّ الطريق

أحملُ ذكريات على عجل

لم ألتفت إلى الوراء، لم أبكِ

فقط تباطأَ قلبي

*

وجوهُكم ميّتة

صفائحُ رصاص

سنواتُ غبار.

*

(موتى)   

هكذا 

على كرسيّ الإنتظار

لا أفارق كرسيّ

وفي الجهةِ المقابلةِ رأسي

وجهي، أنفي، ساقاي الطويلتان

**

ساعة ومشيت

أيضاً

على كرسيّ الإنتظار

في الجهةِ المقابلةِ رؤوسٌ 

عيونٌ، دوائر

**

موتى

عينان مغمضتان

كرسيّ، وريح تصفق الأبواب.

***

جوزف أبي ضاهر 

شهدت القصيدة الشعبية، خلال النصف الثاني من القرن الماضي، تحولًا كبيرًا على مستوى الشكل والمضمون، وكان أبرز ملامح هذا التحول هو الانتقال من نمط الشطرين «الشطر والعجز» إلى فضاء أكثر حرية في التعبير، والدخول بخطى واثقة إلى مملكة الحداثة. وعلى الرغم من ظهور وتبلور تيار جديد عُرف بـ«تيار الحداثة والتجديد» في بنية القصيدة الشعبية، وتأثيره في ساحة الشعر الشعبي العراقي، والذي حمل لواءه الشاعر الكبير مظفر النواب، وسارت على خطاه أسماء شعرية مهمة أسهمت بشكل كبير في تعزيز مكانة القصيدة الحديثة في مشهد الشعر الشعبي، إلا أن القصيدة الكلاسيكية ظلت حاضرة في الساحة، ولها جمهورها الواسع، من خلال استمرار شعرائها بالكتابة في أجناسها المختلفة، مع الإقرار بأن لكل من المدرستين ـ الكلاسيكية والحديثة ـ نتاجًا متباينًا من ناحية الجودة، وفخامة اللغة، وقوة الصورة الشعرية ودلالتها. ويعزز هذا القول أن كمًّا كبيرًا من الشعر الشعبي الكلاسيكي بقي خالدًا في ذاكرة الأجيال، متمثلًا في أشعار الحاج زاير والملا منفي عبد العباس وغيرهما، ممن انطوت أشعارهم على مزايا، من بينها بلاغة التعبير، والمهارة في اقتناص الصورة، والبناء الفني الرصين.

مؤخرًا أهداني الشاعر «علي تايه»، وهو من شعراء الجيل المتأخر في الكتابة، مجموعته الشعرية «شموع وكناطر»، التي ضمت أكثر من خمس وعشرين قصيدة تنتمي إلى المدرسة الكلاسيكية، وتنوعت قصائدها في أغراضها وبحورها وأوزانها. ومن أبرز ملامح هذه القصائد أنها جاءت محمّلة بالوجع الممزوج بالعناد والكبرياء، ويظهر ذلك في أكثر قصائد المجموعة، حيث يبوح بهمّه وشكواه وعناده في قصيدة «مرايه طبعي»، التي يُظهر فيها عزة نفسه ورفضه للخنوع والذل:

هذا حالي، لا تملكت الرخيص.. ولا كلت للدوني عالي

راضي أعيش أمنازع ويه الروج كشاية.. ولا منّة الجالي

طبعي مستاحش مثل نجمة صبح عاشت غريبة

حالمه بطاري الليالي

ويستمد الشاعر هذا الكبرياء والاعتداد بالنفس من إرثه الحضاري، الذي يمزج فيه الخاص بالعام، كما هو ظاهر في قصيدته «الوطن فكرة»، التي يتباهى فيها بعراقيته، ويجد في الوطن فكرةً علمته المحبة والعفة والتصالح مع النفس، وكل السجايا الخيّرة التي ترفع من قدر الإنسان، ويعلن عن ذلك بفخر وثقة:

طولي نخله، وطعمي هور ومايي دجله

وخيري سنبل راضع امن الكاع دهله

ترابي ممزوج بألف كون وحضارات ومسله

عزمي فالات الرميثة الشبعت الصوجر مذله

انته يا أعرق حضاره انكتبت وأعظم مسله

انته يا دنية محبه وكبرياء الكون كله

"علي تايه" شاعر يكتب ببساطة متناهية، لا تحتاج إلى قارئ حصيف يمتلك عمقًا معرفيًا وثقافة واسعة لفك شفرات دلالات قصيدته، إنما قصائده تكشف عن نفسها دون تستر بالرموز والأقنعة ويكشف عن هذه البساطة في قصيدة «وطن الجياع» حيث يتفجر الشاعر غضبًا وحزنًا على ما آل إليه حال البلاد من فقر وما تتعرض له من ظلم الحكام وسطوتهم على مقدرات الشعب، إذ يتحملون مسؤولية ما تعرضت له البلاد من خراب وتراجع. وبألم وغصة يبث شكواه من الواقع الذي آلت إليه أحوال الوطن:

علامك يا وطن ويه الظلم موعود.. مشه ظالم اجاك النوب ألف ظالم

يوميه اعله كاعك ينولد جلاد.. وبمحراب صبحك ينذبح عالم

اسمعك تفتخر عمرك سبع تالاف.. وجبت أول حضاره وحرف للوادم

عمي اخذ الحضارة.. الناس خبزه تريد

شتفيده الحضاره بالكهف نايم

ومع كل الإحباط والخراب الذي أحاط بالشاعر، وشدة همجية الطغاة، إلا أنه يظل متشبثًا بالأمل، بعيدًا عن اليأس والتشاؤم، ومؤمنًا بالتغيير وحتمية انتصار الحقيقة، ويتجسد هذا التفاؤل في قصيدة "حلم "

أفرض انباكت حقيقه.. تبقه بمتون الدفاتر

يموت طاغي، يموت حاكم.. بس أبد ميموت شاعر

تطغه ظلمه، يطول ليل.. يبقه دوم الحلم عامر

وفي قصائده الغزلية، وهي كثيرة في المجموعة، يحاول الشاعر أن يُقحم الحكمة في عتابه للحبيب المتمرد:

مو كلتلك ضحك المناجل جذب.. بسنونهن موت السنابل تره

وكتلك الذيب الي يعاشر جدي.. أول وتالي يباوع المنحره

باجر أكيد اتعض أصبعك ندم.. كبالك تطيح الأقنعه وبالسره

وعندما يتعب الشاعر من معاكسات أيامه، ويقف على أطلال سنواته الآفلة، يتدفق سيل أحلامه البريئة التي تأخذه إلى الماضي الفقير، حيث البساطة وطيبة القلوب والصداقات النقية. كل هذه الأحلام تهمس بها قصيدة "ورقة بيضة ":

أرد أعيشن نشوة أحلام الزغر.. والطيب والحب والتفاؤل

بيّه حنيه لصريفتنه الكصبها.. الهورنا الموال داخل

الخبزة أمي الجنه من ريحتها نشبع.. من على التنور ماكل

وبالعودة إلى القصائد الوطنية، يتغنى الشاعر بالوطن بطريقة تنم عن انتماء صادق وعاطفة جياشة، جسد هذه المشاعر في قصيدة "سر الخلود":

ردت أرسمك شفتك أكبر من مجره.. وكون ما تحويك لوحه

وردت أكتبك كل حرف.. يم هيبتك يزغر ومسحه

انته يا أعرق حضاره.. انكتبت وأعظم مسله

انته يا دنية محبة.. وكبرياء الكون كله

إن المجموعة الشعرية «شموع وكناطر» تمثل صهيل مهرة أصيلة في مرعى سادت فيه الأصوات النشاز، كما أن أشعارها تمثل تجربة طيبة تطمح إلى أن تجد لها مكانًا لائقًا في ساحة الشعر الشعبي العراقي، وهي تمتلك مشروعية ومؤهلات هذا الطموح .

***

ثامر الحاج أمين

أثر الحرف في تغيير الوظيفة النحوية بين آراء البصريين والكوفيين

تُعَدُّ ظاهرة الكافّة والمكفوفة من أدقّ الظواهر النحوية في العربية، وأجلاها دلالةً على مرونة هذه اللغة العجيبة وقدرتها على تحويل الوظائف الإعرابية للأدوات والحروف دون أن تفقد انسجامها التركيبي أو جمالها البياني. وقد شغلت هذه الظاهرة أذهان النحاة واللغويين منذ نشأة الدرس النحوي، لما يترتب عليها من تغيّر في العمل والإعراب والاختصاص، حتى أصبحت باباً مستقلاً في كتب النحو واللغة.

والمقصود بـ ما الكافّة تلك "الما" التي تدخل على بعض الحروف أو الأفعال فتمنعها من أداء عملها الأصلي، أما الحرف أو الفعل الذي مُنع من العمل بسبب دخولها عليه فيسمى المكفوف.

الكافّة مع إنّ وأخواتها

من أشهر مواضع الكفّ دخول "ما" على الحروف المشبهة بالفعل، وهي: إنّ، وأنّ، وكأنّ، ولكنّ، وليت، ولعلّ.

فالأصل أن تعمل هذه الحروف النصب في الاسم والرفع في الخبر، فنقول:

إنَّ زيداً قائمٌ.

فـ"إنَّ" حرف مشبّه بالفعل ينصب الاسم ويرفع الخبر:

زيداً: اسم إنّ منصوب.

قائمٌ: خبر إنّ مرفوع.

وقد استدل النحاة على اختصاص "إنّ" بالجملة الاسمية بأنها لا تدخل إلا على المبتدأ والخبر.

لكن إذا دخلت عليها "ما" الكافّة بطل عملها واختصاصها، فأصبحت صالحة للدخول على الجمل الاسمية والفعلية معاً.

فنقول:

إنما زيدٌ قائمٌ.

فـ"إنما" كافة ومكفوفة، و"زيدٌ" مبتدأ مرفوع، و"قائمٌ" خبر مرفوع.

وكذلك قوله تعالى:

﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.

ففي قوله: إنما يوحى إليّ دخلت "إنما" على جملة فعلية، ولو بقيت "إنّ" عاملة لما جاز ذلك؛ لأن عملها يقتضي الدخول على الجملة الاسمية.

وفي قوله:

إنما إلهكم إلهٌ واحدٌ

فـ"إلهُكم" مبتدأ مرفوع، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، و"إلهٌ" خبر المبتدأ، لأن "إنّ" كُفَّت عن العمل بـ"ما".

الكافّة مع حروف الجر

ولا يقتصر أثر "ما" على الحروف المشبهة بالفعل، بل يتعداه إلى بعض حروف الجر، فتمنعها من الاختصاص بالأسماء.

ومن أشهر ذلك:

ربما

الأصل أن "ربَّ" حرف جر يفيد التقليل أو التكثير، نحو:

ربَّ رجلٍ كريمٍ لقيتُ.

فلما دخلت عليها "ما" الكافّة قيل:

ربما ينجح المجتهد.

فكُفَّت "ربَّ" عن الجر، وأصبحت تدخل على الجملة الفعلية.

ومن الشواهد القرآنية:

﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.

كما

الأصل أن الكاف حرف جر، نحو:

أنتَ كالبدرِ.

فلما اتصلت بها "ما" الكافّة في بعض المواضع اتسع استعمالها، وصارت تؤدي وظائف تركيبية أرحب من مجرد الجر.

وقد أشار النحاة إلى أن "ما" هنا أزالت عن الحرف شيئاً من اختصاصه بالأسماء، فأتاحت له الاتصال بتراكيب أوسع.

الكافّة مع الأفعال

ومن لطائف العربية أن "ما" لا تكف الحروف وحدها، بل قد تلحق بعض الأفعال فتغيّر مجال استعمالها.

فنقول:

قلَّما ينجح الكسول.

طالما انتظرنا الفرج.

كثرما نصح الحكماء أقوامهم.

فالفعل "قلَّ" في الأصل فعل ماضٍ يعمل الرفع في الفاعل، فنقول:

قلَّ المطرُ.

فـ"المطرُ" فاعل مرفوع.

لكن حين اتصلت به "ما" في قولنا:

قلَّما ينجح الكسول.

تحول التركيب إلى أداة تفيد الندرة والقلة، وصار الفعل مكفوفاً عن دلالته الأصلية المباشرة، واتجه التركيب كله إلى معنى جديد.

وكذلك:

طالما انتظرنا النصر.

فالأصل:

طال الانتظارُ.

لكن "ما" أكسبت التركيب معنى الاستمرار والتكرار.

موقف النحاة البصريين

ذهب نحاة البصرة، وفي مقدمتهم سيبويه والمبرّد وابن السراج، إلى أن "ما" في هذه المواضع حرف كفّ وزيادة، وأن وظيفتها الأساسية هي تعطيل العامل عن عمله.

فهم يرون أن:

إنما = إنّ مكفوفة بما.

ربما = ربّ مكفوفة بما.

قلما = فعل مكفوف بما.

ويؤكد البصريون أن أثر "ما" لا يقتصر على إبطال العمل، بل يتعداه إلى رفع الاختصاص، ولذلك جاز بعد "إنما" وقوع الجملة الفعلية والجملة الاسمية.

موقف النحاة الكوفيين

أما الكوفيون، وعلى رأسهم الكسائي والفراء، فقد كانوا أكثر توسعاً في تفسير الظاهرة.

فقد رأى بعضهم أن "ما" ليست دائماً زائدة محضة، بل قد تحمل دلالة معنوية تؤثر في التركيب، وأن الحكم بالكف ليس مطرداً في جميع المواضع.

ولذلك أجازوا في بعض التراكيب أوجهاً إعرابية لا يجيزها البصريون، ورأوا أن الاستعمال العربي المسموع هو الحاكم الأول في هذه القضايا.

رأي فقهاء اللغة

أما فقهاء اللغة وأهل البيان فقد نظروا إلى "ما" الكافّة من زاوية دلالية وأسلوبية، فرأوا أنها ليست مجرد أداة نحوية جامدة، بل وسيلة لتوسيع آفاق التعبير.

فـ"إنما" مثلاً تؤدي وظيفة القصر والحصر:

إنما العلمُ نورٌ.

أي: ما العلم إلا نور.

و"ربما" تضفي على الكلام معنى الاحتمال أو التقليل أو التكثير بحسب السياق.

أما "قلما" و"طالما" و"كثرما" فتمنح العبارة قوةً دلالية واختصاراً بيانياً لا يتحققان بالصياغات المطولة.

خاتمة

إن ظاهرة الكافّة والمكفوفة تمثل نموذجاً بديعاً لعبقرية العربية؛ إذ يتحول حرف صغير هو "ما" إلى قوة نحوية قادرة على تعطيل العمل، وإزالة الاختصاص، وتوسيع دوائر الاستعمال، وإغناء المعنى البلاغي. وقد اختلف البصريون والكوفيون في تفسير دقائقها، غير أنهم أجمعوا على أنها شاهد ناصع على مرونة العربية وثرائها، وأنها تكشف عن التفاعل الخلاق بين البنية النحوية والدلالة البيانية، حيث لا يكون الحرف مجرد صوت عابر، بل أداة فاعلة في تشكيل المعنى وصناعة الجمال اللغوي.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

دراسة نحوية ودلالية في ضوء آراء البصريين والكوفيين

تُعَدُّ اللغة العربية من أكثر اللغات ثراءً في أدواتها التعبيرية، إذ تتجاوز الكلمة فيها حدود الدلالة المعجمية المباشرة لتغدو أداةً لصناعة المعنى وبناء المقاصد البلاغية والنحوية معاً. ومن هذه الأدوات التي استوقفت النحاة والبلاغيين واللغويين قديماً وحديثاً أداة «كم»؛ لما تنطوي عليه من طاقة دلالية واسعة تجمع بين السؤال والإخبار، وبين طلب المعرفة والإفصاح عن الكثرة أو القلة.

وقد أفاض علماء العربية في بحثها وتحليل وظائفها، فتناولها البصريون والكوفيون وفقهاء اللغة من زوايا متعددة، تتصل بالإعراب والدلالة والتركيب والبلاغة، حتى أصبحت «كم» نموذجاً بارزاً للتفاعل بين النحو والمعنى في اللسان العربي.

«كم» في أصلها اللغوي

يرى اللغويون أن «كم» اسمٌ موضوعٌ للدلالة على العدد المبهم، فهي لا تحدد مقداراً بعينه، وإنما تشير إلى عدد مجهول يحتاج إلى تفسير أو بيان.

قال ابن فارس في مقاييس اللغة: إن مادتها تدور حول معنى المقدار والعدد، ومنها جاء الاستفهام عن الكمّية، أي عن مقدار الشيء وعدده.

ومن هنا كانت «كم» أداةً ذات طبيعة عددية، غير أن السياق هو الذي يحدد وظيفتها: أهي للاستفهام أم للإخبار.

أولاً: «كم» الاستفهامية

هي التي يُستفهَم بها عن عدد مجهول يراد العلم به.

فنقول:

كم كتاباً قرأتَ؟

كم يوماً أقمتَ؟

كم طالباً حضر الدرس؟

فالغاية هنا طلب معرفة العدد.

رأي البصريين:

ذهب نحاة البصرة، وفي مقدمتهم سيبويه والمبرّد والزجاج، إلى أن تمييز «كم» الاستفهامية يكون في الأصل منصوباً؛ لأنها تشبه الأعداد المركبة التي تحتاج إلى مفسِّر يرفع إبهامها.

ومن أمثلتهم:

كم رجلاً رأيتَ؟

كم كتاباً اشتريتَ؟

فـ«رجلاً» و«كتاباً» تمييزان منصوبان.

ويرى البصريون أن النصب هو الأصل، أما الجر بـ«من» فأسلوب فرعي نحو:

كم من رجلٍ لقيتَ؟

حيث دخلت «من» على التمييز فجرّته لفظاً.

رأي الكوفيين:

أما الكوفيون، وعلى رأسهم الكسائي والفراء، فقد توسعوا في أحكام التمييز، وأجازوا بعض الاستعمالات التي ضيقها البصريون، وعدّوا الجر بعد «كم» أكثر شيوعاً في بعض لهجات العرب.

واستدلوا بالسماع الكثير من كلام العرب الذي ورد فيه التمييز مجروراً بواسطة «من».

وقد كان منهج الكوفيين عموماً أقرب إلى الاحتجاج بالمنقول من كلام العرب، بينما كان البصريون أكثر ميلاً إلى التقعيد والقياس.

ثانياً: «كم» الخبرية

وهي التي يُراد بها الإخبار عن كثرة الشيء أو قلته دون طلب جواب.

نقول:

كم عالمٍ أفاد البشرية!

كم مدينةٍ زرتُ!

كم كتابٍ قرأتُ في شبابي!

فالمتكلم لا يسأل عن العدد، بل يخبر عن كثرته.

موقف البصريين من «كم» الخبرية

يرى البصريون أن تمييز «كم» الخبرية يكون مجروراً بالإضافة أو بـ«من» الزائدة.

مثل:

كم رجلٍ قابلتُ.

كم من عالمٍ أفاد الناس.

والسر في ذلك أن «كم» الخبرية عندهم أقرب إلى أسماء الكثرة، ولذلك يجيء التمييز بعدها مجروراً.

وقد شبّهها بعضهم بالمضاف، فجعلوا ما بعدها بمنزلة المضاف إليه.

موقف الكوفيين

وافق الكوفيون البصريين في أكثر أحكام «كم» الخبرية، غير أنهم كانوا أكثر مرونة في توجيه بعض الشواهد الشعرية التي خرجت عن المشهور.

فإذا ورد نصب التمييز في بعض الأشعار حملوه على الضرورة الشعرية أو على لهجة من لهجات العرب.

ومن هنا تظهر السمة العامة للمدرسة الكوفية في اتساعها للرواية واحتفائها بالسماع.

الفرق بين «كم» الاستفهامية و«كم» الخبرية

تقوم بينهما فروق دقيقة تمثل جوهر المسألة النحوية والدلالية.

وجه المقارنة

كم الاستفهامية

كم الخبرية

المعنى

السؤال عن العدد

الإخبار عن الكثرة

الجواب

تحتاج إلى جواب

لا تحتاج إلى جواب

التمييز

منصوب غالباً

مجرور غالباً

النبرة

استفهامية

خبرية تعجبية

مثال تطبيقي

كم كتاباً قرأتَ؟

سؤال ينتظر جواباً.

كم كتابٍ قرأتُ!

إخبار يفيد كثرة القراءة.

فالكلمة ذاتها بقيت كما هي، لكن اختلاف المقصد غيّر الإعراب والدلالة معاً.

«كم» في القرآن الكريم

وردت «كم» الخبرية في مواضع كثيرة من القرآن الكريم للدلالة على التكثير والاعتبار.

قال تعالى:

﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾.

فالمعنى: تركوا جناتٍ وعيوناً كثيرة.

وقال تعالى:

﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾.

فـ«كم» هنا خبرية تفيد التكثير والتنبيه إلى سنن التاريخ ومصائر الأمم.

أما الاستفهامية فقد وردت في سياقات السؤال والتقرير، كما في قوله تعالى:

﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾.

«كم» في الرؤية البلاغية

لم يقف البلاغيون عند حدود الإعراب، بل تجاوزوا ذلك إلى استكشاف أثر «كم» في صناعة المعنى.

فـ«كم» الخبرية ليست مجرد أداة عدد، بل هي أداة تصوير وتكثيف شعوري.

حين يقول الشاعر:

كم ليلةٍ سهرتُ في شوقٍ إليكِ

فهو لا يريد إحصاء الليالي، بل يريد تصوير طول المعاناة وامتداد الحنين.

وكذلك قول المتنبي:

وكم ذا بمصر من المضحكاتِ

ولكنه ضحكٌ كالبكاءِ

فـ«كم» هنا تحولت إلى أداة نقد اجتماعي وسياسي، تحمل في طياتها معنى السخرية والأسى معاً.

رؤية فقهاء اللغة

يرى فقهاء اللغة أن «كم» تمثل نموذجاً فريداً لما يسمى الاقتصاد اللغوي؛ إذ تؤدي بكلمة واحدة وظائف متعددة:

الاستفهام.

التكثير.

التعجب.

التهويل.

التحقير أحياناً بحسب السياق.

وهذا من أسرار العربية التي تجعل الأداة الواحدة قادرة على حمل شبكة واسعة من الدلالات دون أن تفقد وضوحها أو جمالها.

خاتمة

إن دراسة «كم» تكشف عن عمق الفكر اللغوي العربي ودقته؛ فهذه الأداة الصغيرة ظاهراً تختزن وراءها منظومة كاملة من الأحكام النحوية والدلالية والبلاغية. وقد أظهر البصريون ميلهم إلى إحكام القواعد والقياس، بينما اتجه الكوفيون إلى توسيع دائرة الاحتجاج بالسماع والرواية، فأسهم الفريقان معاً في بناء صرح النحو العربي.

وهكذا تظل «كم» شاهداً على أن العربية ليست لغة ألفاظ فحسب، بل لغة معانٍ تتشكل فيها الدلالة من تآزر النحو والسياق والبلاغة، حتى تغدو الأداة الواحدة عالماً لغوياً قائماً بذاته، يفيض ثراءً ودقةً وجمالاً.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في الحقيقة أننا مهما عدلنا عن الحديث عن الحب، وأهملنا النقاش فيه، وعزفنا عن تبادل المشاعر، وطوينا صفحته وغفلنا عنه، لا بد أن نسمع قصة عاشق من هنا، ومبتلى بالحب من بعيد أو قريب، ويعاود فكرنا البت فيه، وفي وزنه الثقيل على ناقديه، والخفيف كالطير على الواقع في شباكه، حتى إنه لا يشعر أحيانًا بمساوئه إن وُجدت؛ لأن كفة الحسنى هي الراجحة فيه.

ما عنيته من تلك المقدمة القصيرة أن أطلعكم على ما يجري في خاطري منذ زمن بعيد جدًا، وأنا في حيرة؛ فالجميع يمتدح أن نكون "اجتماعيين" لتسود روح المحبة والألفة والسلام، لكننا أبدًا لم نتفق يومًا على رأي واحد، وأحسب أن تعدد الآراء طبيعي، فإن الباري تعالى لم يخلقنا بذات الشكل، فلابد إذن أن يختلف الفكر والتفكير، وإن كنا نعيش تحت سقف واحد فهذا جميل، ولكن أليس من الجميل أيضًا أن يكون اختلاف الآراء عندنا محلَّ قبولٍ واحترام؟

ربما من يقرأ الآن يقول: نعم، وما الضير في ذلك؟ أن نكون إخوة جميعًا ترعانا المحبة، وإن اختلفت سبلنا!

لكن حقًا، الكلام شيء، والفعل شيء آخر، وإن كانت الكلمة اللطيفة ثمينة، فإنها ترتفع قيمتها عندما يُجللها الموقف، والسلوك الحسن النابع من صدق القلب في نطقه ومنطقه.

نعود لمقصدنا الأصلي، وهو موضوع (الحب) بين الرجل والمرأة، وما لتلك العلاقة من أهمية كبرى، ما زال يعيشها أغلبنا في عزلة، يتوق لأن يجربها بنفسه ويعيش تلك المشاعر ويأنس بها، ولكن بعيدًا عن مرأى الأنظار، فإنه يرى أن ما يراه المجتمع حرامٌ فهو حرام، كأن لسان حاله يقول: أرى ما تراه لا ما أرى أنا بعقلي.

أليس الله قد أوصى في القرآن بإعمال عقولنا؟ فلماذا إذن لا تزال تُوأد وهي حية، ولا نستخدمها؟

أتساءل: ما حجم الأضرار التي أوقعنا أنفسنا فيها؟ ألم يخلقنا الله من المحبة، وأراد للحب أن يُحب ويُحبّ؟

أليس الحب من الحاجات النفسية الضرورية؟ وأعلم أنه لا بد أن يكون في محله وللشخص الصحيح، ولكن أليس الله قد أعطانا حرية الاختيار؟

فلماذا إذن لا يُفسح المجال للنقاش الجاد والحاد في موضوع اختيار من نحب (الزوج) بأنفسنا، والتشديد على أهمية أن يكون الاختيار والسعي الأكبر من حق الشاب أو الفتاة دون ضغط من أي طرف آخر؟

وهذا لا يعني ألا نأخذ المشورة، فما خاب من استشار، ولكن كل القصد أن يكون الإنسان هو الباحث الأول عن شريك حياته.

لا مجرد متلقٍ خاضع لما يُفرض عليه باسم العادة أو المجتمع.

***

نجمه آل درويش

 

دراسة لغوية ونحوية في ضوء آراء البصريين والكوفيين

تُعَدُّ (أل) من أشهر الأدوات الداخلة على الأسماء في العربية، وهي أداة ذات وظائف دلالية ونحوية دقيقة، تتجاوز مجرد التعريف إلى الإسهام في بناء المعنى وتحديد المقصود من الكلام. وقد أفاض النحاة واللغويون في بيان أحكامها وأنواعها، حتى أصبحت من أكثر أبواب النحو اتصالًا بعلم الدلالة والبلاغة والتفسير.

وقد ذهب جمهور النحاة، وفي مقدمتهم علماء المدرستين البصرية والكوفية، إلى أن (أل) ليست على مرتبة واحدة في الاستعمال، بل تتنوع بحسب المقاصد والسياقات، ومن أشهر أنواعها: أل العهدية، وأل الجنسية، وأل الاستغراقية.

أولًا: أل العهدية

هي التي تدخل على الاسم للدلالة على شيء معلوم ومعهود بين المتكلم والمخاطب، بحيث ينصرف الذهن إليه عند ذكره دون غيره.

وقد سمّاها النحاة أل العهد لأنها تشير إلى معهود سابق، سواء أكان معهودًا في الذهن أم في الذكر أم في الحضور.

1- العهد الذهني

وهو أن يكون الاسم معروفًا في الأذهان دون أن يسبق له ذكر في الكلام.

فإذا قيل:

«قال الرسول»

انصرف الذهن مباشرة إلى رسول الله محمد بن عبد الله؛ لأن هذا الاسم معهود في الذهن الإسلامي، ولا يحتاج إلى قرينة لفظية تسبقه.

وكذلك إذا قيل:

«جاء المدير»

في مؤسسة معينة، فإن السامعين يفهمون المدير المعروف لديهم، لا أي مدير آخر.

وقد أشار سيبويه إلى أن التعريف قد يكون مستندًا إلى علمٍ سابق في ذهن المخاطب، فيكفي ذلك لتعيين المراد.

2- العهد الذكري

وهو أن يُذكَر الاسم أولًا نكرة، ثم يُعاد معرفًا بـ(أل).

ومن أبلغ أمثلته قوله تعالى:

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾.

فقد وردت كلمة «مصباح» أولًا نكرة، ثم أعيدت معرفة بـ(أل)، فكانت أل للعهد الذكري؛ لأن المقصود هو المصباح المذكور سابقًا.

ويرى البصريون أن هذا النوع من أقوى أنواع التعريف؛ لأن المرجع اللفظي حاضر في الكلام نفسه، بينما يجيز الكوفيون التوسع في هذا الباب حتى في المواضع التي يضعف فيها العهد اللفظي إذا دل عليه السياق.

3- العهد الحضوري

وهو أن يكون المشار إليه حاضرًا وقت الكلام.

كقولك لمن أمامك:

«أكرم الضيف»

وأنت تشير إلى شخص حاضر.

فالضيف هنا معلوم بالمشاهدة لا بالذكر السابق.

ثانيًا: أل الجنسية

هي التي تدخل على أسماء الأجناس للدلالة على حقيقة الجنس وماهيته، دون قصد فرد معين من أفراده.

فإذا قلنا:

«الأسد أقوى من الثعلب»

فليس المقصود أسدًا بعينه ولا ثعلبًا بعينه، وإنما المراد أن جنس الأسد أقوى من جنس الثعلب.

وكذلك قولنا:

«الذهب معدن نفيس»

فالمراد حقيقة الذهب وجنسه.

وقد عدّ البصريون هذا النوع من أوسع أبواب الدلالة؛ لأنه يتناول الماهية المجردة، بينما رأى بعض الكوفيين أن الفرق بين الجنسية والاستغراقية قد يضيق أحيانًا تبعًا للسياق.

ويقول علماء الدلالة إن أل الجنسية تجعل الاسم دالًّا على الحقيقة الذهنية للجنس، لا على أفراده المتعددة.

ومن أمثلتها أيضًا:

الإنسان كائن اجتماعي.

الحصان حيوان نبيل.

النخلة شجرة مباركة.

فالحديث هنا عن طبيعة الجنس وخصائصه العامة.

ثالثًا: أل الاستغراقية

هي التي تدل على شمول جميع أفراد الجنس واستغراقها دون استثناء.

وتُسمّى أيضًا أل الشمول؛ لأنها تعمّ كل ما يندرج تحت الاسم.

ومن أمثلتها قوله تعالى:

﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾.

فالمراد جميع الخلق، لا بعضهم.

وكذلك قوله تعالى:

﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾.

فالمراد جميع الناس؛ ولذلك استُثني بعد ذلك أهل الإيمان والعمل الصالح.

ومن شواهدها أيضًا:

«أكرم العلماء»

إذا أريد جميع العلماء.

وقد ذكر ابن هشام الأنصاري أن من علامات أل الاستغراقية صحة حلول كلمة «كل» محلها، فإذا استقام المعنى كان ذلك دليلًا على الاستغراق.

فنقول:

الإنسان فانٍ = كل إنسان فانٍ.

الخلق لله = كل الخلق لله.

موقف البصريين والكوفيين من أنواع (أل)

تميّز البصريون بالدقة المنهجية في التفريق بين أنواع (أل)، فجعلوا لكل نوع ضوابط دلالية محددة، وأكدوا ضرورة التمييز بين العهد والجنس والاستغراق بحسب السياق.

أما الكوفيون فكانوا أكثر ميلًا إلى التوسع في التأويل، ويرون أن السياق هو الحاكم الأكبر في تحديد وظيفة (أل)، ولذلك قد تتداخل عندهم بعض الحدود الفاصلة بين الجنسية والاستغراقية.

ويرى المبرد أن المعنى هو الأساس في تمييز الأنواع، بينما يؤكد الفراء أهمية القرائن والسياق في توجيه الدلالة.

الخاتمة

إنَّ (أل) ليست مجرد أداة تعريف تُلحق بالأسماء، بل هي أداة دلالية رفيعة تكشف عن دقائق المعنى ومقاصد المتكلم. فهي تارةً تُحيل إلى معلومٍ معهود في الذهن أو الذكر أو الحضور، فتكون عهدية، وتارةً تدل على حقيقة الجنس وماهيته فتكون جنسية، وتارةً تستغرق جميع الأفراد فتكون استغراقية. ومن هنا تتجلّى عبقرية العربية في قدرتها على توظيف حرفين صغيرين لصناعة فروق معنوية واسعة، تجعل من النحو علمًا للمعنى قبل أن يكون علمًا للإعراب، وتجعل من الدلالة روحًا تسري في بنية اللغة فتمنحها الدقة والثراء والبيان.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

حين يقرأ القارئ نفسه في العتمة

حين فتحتُ صفحات روايتي “أقحوان منتصف الليل” للمرة الأولى والصادرة عن دار عين حورس-مصر، لم أكن قارئًا بالمعنى البسيط للكلمة، بل كنتُ كمن يضع يده على جرحٍ قديمٍ في ذاكرةٍ لا يعرف متى بدأ نزفها. كان الليلُ في تلك اللحظة ليس زمانًا، بل حالة؛ وكان الصمتُ ليس فراغًا، بل امتلاءً خفيًّا بأصواتٍ لا تُقال.

لم أقرأ الرواية، بل دخلتُها كما يُدخل المسافر مدينةً لا خرائط لها. كل جملة كانت نافذة تُفتح على احتمال، وكل مشهد كان مرآةً لا تعكس ما أمامها، بل ما في الداخل الذي لم يُسمَّ بعد. شعرتُ أن الأقحوان لم يكن زهرةً فحسب، بل استعارةً لشيءٍ يتفتح في الظلام كي يثبت أن الجمال لا يحتاج الضوء دائمًا، بل يحتاج جرأة الظهور.

في منتصف الليل، حيث تتساوى الأشياء وتفقد أسماءها الدقيقة، كانت الرواية تُعيد ترتيب العالم بهدوءٍ قاسٍ. لا تشرح، لا تبرّر، بل تترك الأسئلة واقفةً على عتبة الفهم، كأنها تقول إن المعرفة ليست إجابة، بل ارتباكٌ راقٍ يتقن الإصغاء.

كنتُ كلما تقدّمتُ في القراءة، أشعر أنني أبتعد عن القارئ الذي كنتُه في البداية. شيئًا ما يتبدّل: اللغة لم تعد وسيلة، بل كائنًا حيًّا يتنفس في صدري. الشخصيات لم تعد حكايات، بل احتمالات لوجوهٍ ربما عشتُها دون أن أنتبه. وحتى الصمت بين السطور صار أكثر بلاغة من الكلام نفسه.

هناك لحظة خفية في الرواية، لا تُعلن عن نفسها، لكنها تغيّر اتجاه الإدراك. لحظة تشعر فيها أن الزمن لم يعد خطًا مستقيمًا، بل دائرة تُعيدك إلى نفسك من بابٍ مختلف. عندها فقط تدرك أن “أقحوان منتصف الليل” ليست رواية تُقرأ، بل تجربة تُعيد تشكيل القارئ ببطءٍ لا يُرى.

وحين أغلقتُ الكتاب، لم أكن قد انتهيتُ منه. كنتُ فقط قد خرجتُ منه جسديًا، أما هو فبقي مفتوحًا في داخلي، يزهر كلما حلّ الليل، كأقحوانٍ يعرف أن الظلام ليس نهاية اللون، بل بدايته الأولى.

***

بقلم: د. صابر الحميدي

موهبة متوقدة وطاقة إبداعية زاخرة بالعطاء المتجدد

لاشك ان المتلقي حين يتأمل نتاجات الأديب المبدع ابراهيم المحجوب سيقف بإعجاب، أمام اقتداره، وتمكنه من الجمع بين صدق الإحساس، وعمق الرؤية، وجمال التعبير، ليأخذ مكانته الأدبية المتميزة في الساحة الثقافية والادبية المعاصرة، بوصفه ظاهرة إبداعية متوهجة، من خلال امتلاكه موهبة متقدة، وحساً مرهفاً، الامر الذي مكنه من التقاط أدق التفاصيل في مرئيات عوالمه، فضلاً عن طاقته الوجدانية الخلاقة، التي ظلت متوهجة بالعطاء المتجدد دون توقف.

وهكذا تمكن الأديب المبدع إبراهيم حسين محجوب من بناء تجربة إبداعية متميزة، عززها بثقافة واسعة، وخبرة حياتية زاخرة، انعكست بشكل واضح على جماليات نتاجاته الأدبية . فهو لا يكتب من فراغ، وانما ينطلق من معايشة حقيقية لواقع حال الناس اليومي، والتفاعل الوجداني مع همومهم، وهواجسهم، لتاتي نصوصه نابضة بالصدق، ومفعمة بحرارة الشعور، وملامسة لوجدان المتلقي، وسبر تجليات تأملاته العميقة.

 وتتجلى في تجربته الفريدة، لغة سلسة، وشاعرية عذبة، تجمع بين البساطة، والعمق، وخلوها من التكلف، والافتعال، ليكون النص مرهفا، وقريباً من مزاج القارئ، دون أن يفقد قيمته الفنية، والجمالية. ولاريب أن اقتداره على المواءمة بين الرصانة، والعفوية، تعد من أبرز سمات تجربة الأديب المبدع ابراهيم المحجوب، التي جعلت الأدب رسالة إنسانية، قبل أن يكون مجرد صناعة لغوية.

ويتجسد حسه المرهف جلياً في طريقته الخاصة، بتصوير المشاهد الإنسانية، والعاطفية، حيث يمنح التفاصيل الصغيرة نفحة حركية خاصة، ويحوّل اللحظات العابرة فيها، إلى لوحات شعورية مكتظة بالدلالات، والصور التعبيرية. فهو يمتلك قدرة فريدة على التفاعل مع الوجدانيات الداخلية، ليجعل نصوصه قريبة من الروح، وتنبض بالشجن حيناً، وبالأمل حيناً آخر، لتظل في كل الأحوال، معبرة عن المشاعر الإنسانية بكل صدق.

وإذا كانت الموهبة عنده هي معين الإبداع، فلا ريب أنه استطاع أن يحول هذه الموهبة، إلى مشروع متجدد العطاء، بالانفتاح على تجارب الحياة، حيث لم يتوقف عطاؤه عند حدود معينة، بل ظل متدفقاً، ومتجدداً، يفيض بانثيالات مستمرة، الأمر الذي منح تجربته الإبداعية، حيوية واضحة، وجعلها قادرة على مواكبة التحولات الوجدانية، التي يعيشها المجتمع.

وهكذا فإن الأديب المبدع إبراهيم المحجوب ليس مجرد كاتب عابر، أو اديب موسمي وحسب، وانما هو معايشة حية، لتجربة مكتظة بملامح الصدق، وزاخرة بالوفاء للكلمة الجميلة، حيث استطاع أن يرسخ حضوره الأدبي بجدارة، من خلال نتاجات ابداعية، تمنح الوجدان فسحة للتأمل، واستكشاف الجمال، وتوقظ في الوجدان تجليات التطلع.

وفي زمن تتسارع فيه تداعيات صخب الحياة، وتبهت فيه قيمة الكلمة، وابتذال المفردة أحياناً، يبقى المبدع إبراهيم المحجوب علامة مضيئة، تؤكد أن الإبداع الصادق قادر دائماً على المواكبة، والبقاء، والتأثير في الساحة الأدبية، بما هو موهبة زاخرة، وحس مرهف، وطاقة إبداعية متوقدة زاخرة بالعطاء المتجدد، لا تنطفئ جذوتها.

***

نايف عبوش

تتردد عبر العالم آلاف القصص عن الكتاب الذي أحدث فارقا في حياة قارئه، إما بتمهيد السبيل إلى فكرة، أو الإجابة المهدئة لتساؤل محير، أو ببساطة تقديم مفاتيح الحل لمشكلة قائمة. طبعا ليست هناك كتب بالتحديد تفعل ذلك، فقد يتعلق الأمر بكتاب دين، أو سيرة ذاتية، أو حتى قصة مستلهمة من الواقع الذي يفوق الخيال. لكن ما يهم في المسألة هو تمكنك من وضع اليد على الكتاب الذي قد يضاهي في سحره مصباحَ علاء الدين!

كانت أسرة ألبرت آينشتاين تستضيف كل خميس طالبَ طب فقير يدعى ماكس تالمي لتناول الغذاء. لاحظ الطالب أن الطفل آينشتاين لا يقرأ الكتب السطحية ولا يلعب مع أقرانه، فأهداه سلسلة كتب علمية من تأليف آرون بيرنشتاين، يعرض الجزء الأول منها لموضوع سرعة الضوء. وسيظهر بعد التجارب التي استخدمها آينشتاين أن تلك السلسلة شكلت الحافز الفكري لوضعه نظرية النسبية. وهو الأمر الذي صرح به آينشتاين لماكس حين لقيه بعد سنوات في نيويورك قائلا: "كتاب رائع حقا، لقد أحدث أثرا كبيرا في تطوري بالكامل."

 ترتب بعض الكتب لقاءات أشبه بالتي تحدث مع أشخاص مميزين، يقفون على المنعطف الحاد بين الحياة الراكدة والرتيبة، وبين التوهج والألق الذي يحرر ملَكات الإنسان ومواهبه. شيء من هذا القبيل حدث لبائع في دكان البقالة، وهو يفتش في القبو عما يرد به عن شبهات يثيرها طلاب إرسالية مسيحية. بين كومة من الصحف القديمة عثر الفتى على نسخة متعفنة من كتاب (إظهار الحق)، للعلّامة الشيخ رحمة الله الهندي.

بفضل هذا الكتاب تغيرت حياتي، يقول الفتى الذي طارت شهرته في آفاق العالم الإسلامي تحت اسم الشيخ أحمد ديدات، ولو لم أصادف هذا الكتاب ما كنت لأقوم بما أقوم به الآن، واعني بذلك التحدث إلى الناس عن الأديان من منطلق المقارنة بينها.

يتناول الكتاب طرقا فريدة في مناظرة المسيحيين، والتصدي للهجمة التنصيرية التي خاضتها بريطانيا، بعد أن ووجهت بمقاومة شرسة من لدن مسلمي الهند. كما تضمن فصول المناظرة التاريخية بين العلّامة رحمة الله والقس بافندر، رئيس البعثة التبشيرية بالهند. وفي جنوب إفريقيا، حيث يتكرر الموقف نفسه بعناصره أمام الشيخ ديدات، حدد الكتاب مسارا آخر لفتى البقالة، ليصبح علما من أعلام الدعوة في القرن العشرين.

إن الكتاب الذي يغير حياتك هو الذي تلمس من خلال سطوره، أن كاتبه أشبه باليد التي تمتد لتنتشل الغريق. في كلماته ذبذبات غير اعتيادية، وصدقٌ وحرارةٌ ينفذان إلى وجدانك، فتشعر أنك انتقلتَ بخفة ساحر إلى العالم الذي تحلم به، وإلى الوضع الذي تُطابق فيه خطواتك طريقها الصحيح.

في كتابه " أساتذتي" يُقربنا نجيب محفوظ من مفعول الكتاب الحافز حين يتحدث عن الأديب يحيى حقي قائلا: "لم أعرفه إلا من خلال (قنديل أم هاشم) حيث كنت متابعا لسلسلة (اقرأ) التي تصدرها دار المعارف. وكانت مفاجئة جدا لي لأني وجدت أدبا عذبا جدا وجميلا جدا، إلى درجة أستطيع أن أقول معها إن قنديل أم هاشم، والثلاث قصص الملحقة بها في هذه المجموعة القصصية القصيرة، "خيشت" في عقلي، وعشقت كاتبها على غير معرفة أو اتصال به."

ولعل من أمتع ما قد عاشه القارئ، في زمن لم يبلغ فيه التداول الورقي والإلكتروني ما بلغه اليوم، أن تهزه فقرة أو مقطع من كتاب، فيسعى للبحث عنه، والتودد لمن يملكه حتى يعيره إياه. وهي حال لم يُجربها أغلب قراء اليوم، نظرا لوفرة الإصدارات. ومما يُحكى في هذا الصدد أن عاِلما حكيما يُدعى ابن الإخشيد، بذل جهدا كبيرا للعثور على أحد مؤلفات الجاحظ، حتى أنه وقف ينادي في موسم الحج:" أيها الحجيج، رحم الله من دلنا على كتاب الفرق بين النبي والمتنبي لأبي عثمان الجاحظ على أي وجه كان."

وتعد تجربة السجن من الأمثلة الدالة على التغيير الذي تُحدثه الكتب في حياة قرائها، إذ تكون القراءة ملاذا من الوحشة والضيق وترقب الفرج. وفي العديد من المذكرات نلمس ذاك الإقرار الشفاف بفضل الكتاب الفلاني في تغيير البوصلة، وشحذ العزيمة، وإعادة النظر في التصورات والمسلمات. فحين سُجن الوزير السوداني أحمد سليمان أواخر الخمسينات، وكان وقتها مع الشيوعيين، لم يجد كتابا فطلب مصحفا ليقرأه. فكان للقرآن أثر بالغ في تحرره من غواية الشيوعية، على حد قوله، بعد أن كان ظلوما جهولا، ظالما لنفسه، وجاهلا بحقيقة الزفة التي كان يسير ضمن موكبها.

نفس التجربة عايشها مالكوم إكس، في تحوله من مجرم إلى مناضل، حين اضطرته ساعات الليل الطوال داخل زنزانته إلى القراءة تحت ضوء شاحب لمصباح في الردهة. وبفضل كتاب (تاريخ الحضارة) لويل ديورانت، و(الخطوط العريضة للتاريخ) ل هـ.ج. ويلز. تحرك وعيه النضالي بقوة وهو يتتبع تاريخ الامبراطوريات السوداء، وصراعاتها من أجل الحرية، وتبديد وهم تفوق الرجل الأبيض.

عندما بدأت أفهم ما أقرأه، يقول مالكوم، وانفتح لي ذاك العالم الجديد، بدأت بدوري ألتهم الكتب، وأستعير فوق ما يسمح به قانون المكتبة وأقرأ أكثره في الزنزانة. كان للكتابين أثرهما الكبير في انطلاقه، بعد الخروج من السجن، في مسيرة دعوية تعيد الروح لزنوج أمريكا.

تتخذ الكتب التي غيرت حياة كاتب، ما يشبه التصريح بالخلفية التي غذت سعيه الحثيث لإبداع نص مشابه. ورغم أنه قد يمارس ما يشبه المحو الظاهري لها، وعدم الإشارة إليها كمصادر لأدبه، إلا أن القارئ الذي ينحت مساربه العميقة داخل النص، قد يرصد التأثير الواضح للأسلاف الذين فجروا التوق إلى الكتابة.

بدت الكاتبة المجرية أغوتا كريستوف، سواء في أعمالها الأدبية أو في الحوارات التي أجرتها، حريصة على عدم الإشارة إلى الكتاب الذي انبثق عنه سعيها لقول شيء مختلف. لكن الفرادة التي ميزت أسلوبها الأدبي، ونزوعها الفطري إلى الكتابة بلغة ثانية، كطفل يتهجى الكلمات، حققا لإصداراتها مكانة دفعت النقاد والباحثين للحفر عميقا في جذور مسارها السردي، والبحث عن "السلف" الذي رص لها الممر إلى عالم الكتابة.

ثمة حضور طاغ لأدب فرانز كافكا في كتابات أغوتا؛ بل يذهب برتراند فيزاج، ناشر أعمالها الكاملة، إلى أنها الأخت الصغيرة لكافكا، والوحيدة التي تمثلت أدبه إلى درجة الاستغراق؛ لكن دون أن تتمثل موضوعاته بشكل مباشر. إن الغوص في رسائله وقصصه منح لأغوتا مفتاح الآلة التعبيرية التي ستعتمدها لاحقا، والتي ستواجه بها البيروقراطية، ونظام العمل البائس، وقوى الثبات التي تقوض الطبيعة البشرية.

حين ذهب الروائي الفرنسي مارسيل بروست في رحلة إلى جبال الألب، كان على موعد مع كتب ستعيد تشكيل عالمه القرائي، وتمنحه تلك الهبة الفذة التي جعلت من روايته "البحث عن الزمن المفقود" أشهر الأعمال الأدبية الفرنسية.

خلال تلك الرحلة تعلق بروست بكتابات الناقد الفني الإنجليزي جون رَسكِن. كانت الميزة العبقرية لرَسكِن تتمثل في عنايته الشديدة بالتفاصيل، وقدرته على تحريض أحاسيس قرائه بتحويل الانطباعات المشتركة إلى كلمات. ميزة العناية بالتفاصيل ستضفي على القراءة عند بروست بُعدا جديدا: كل قراءة هي بالأساس قراءة للذات، ومهمة الكتاب أن يصبح أداة بصرية تعين القارئ على أن يتبين مالم يكن ليُعايشه بنفسه لولا هذا الكتاب.

إنها الميزة التي جعلت بروست يندفع بوتيرة غير عادية لرسم حدود جديدة للقراءة: ينبغي أن نقرأ كتب الآخرين كي نعرف ما نُحس به، ونُنمي أفكارنا ولو عن طريق أفكار كاتب آخر؛ فالقراءة ليست تزجية للوقت أو إشباعا للفضول، بقدر ماهي محاولة لإعادة تشكيل الجانب الروحي فينا.

تشدد الكتب على أن دورها هو ملء الرفوف ودهاليز المكتبات العامة. تُقرأ بدافع الشغف، أو الإلزام المدرسي. وهي بكل تأكيد جزء لا يتجزأ من الحياة، كالأشجار والنجوم والروث، يقول هنري ميللر؛ إلا أن الكتب الحية هي تلك التي تعتصر التجربة الإنسانية بما يكفي لتحديث فيك التأثير اللازم.

***

حميد بن خيبش  

عندما يتحول الأكاديمي إلى مبدع

بعد الفجر شرعت في قراءة كتاب " اعترافات روائي ناشئ " لإمبرتو إيكو ترجمه سعيد بنكراد، من الصفحات الأولى يشدك هذا الكتاب لأن صاحبه امبرتو إيكو (5- يناير - 1932- 19-فبراير -2016) هو عالمً وفبلسوف وروائي وناقد ثقافي ومغلق سياسي واجتماعي، اشتهر بروايته " اسم الوردة عام 1980 التي ترجمت إلى لغات العالم ونالت شهرة واسعة، وهي لغز تاريخي يجمع بين السيميائية  في الخيال مع تحليل الكتاب المقدس والدراسات القروسطية والنظرية الأدبية،

يقول امبرتو إيكو في كتاب " اعترافات روائي ناشئ " ترجمة سعيد بنكراد :

" وسيكون من حق الناس أن يتساءلوا عن سر ذلك فقد ناهزت السابعة والسبعين من عمري ولكني اسارع إلى القول إني لم اكتب روايتي الاولى " اسم الوردة " إلا سنة 1980 وبذلك لم يتجاوز عمر ممارستي لكتابة الرواية ثمانية وعشرين سنة ولهذا السبب اعتبر نفسي روائيا ناشئا وبالتأكيد واعدا لم يكتب إلى حد الآن سوى خمس روايات وسيكتب الكثير منها في الخمسين سنة المقبلة فهذا الورش سيظل غير مكتمل ( وهو كذلك و إلا لما سمي ورشا ) ولكنني أتمنى أن اكون قد راكمت من الخبرات مايبيح لي قول شيء ما عن أسلوبي في الكتابة......" ص 15

فبعد مسار طويل في النقد والفلسفة والتنظير الثقافي وفي الخمسين من عمره يتحول هذا الأكاديمي إلى روائي فيكتب روايته الأولى " اسم الوردة " ويحقق بها نجاحا عالميا والإبداع الأدبي ليس له سن معين و ليس محظورا على الأكاديمي أن يتحول آلى روائي وسارد لأن كثيرا من القراء بل حتى النقاد أنفسهم يطلبون من الناقد ان يبقى في دائرة تخصصه و كأن الكتابة الإبداعية شعرا ورواية محرمة عليه، فكيف يجرؤ ان يدخل هذه المنطقة المحظورة وقد حدث مؤخرا من انتقد الأكاديمية الكبيرة "آمنة بلعلى" عندما كتبت مجموعتين شعريتين "تداركت قربك " و "دنا فتدلى " وقرأت بعض قصائد الديوانين فأبدعت فالتصوير الفني في شعرها بارز بقوة ولغتها الصوفية الأنيقة المؤثثة بالتجارب الروحية العميقة..

لا نحجر على المبدعين فلنترك التجارب الإبداعية تنضج على نار هادئة ولنحتفظ بآرائنا لأنفسنا إذا لم يطلب منا أحد ان نبدي راينا في عمله فلا نتدخل بالنقد السلبي الجارح الذي يتم عن حقد وتعال...

والأمر اللافت للنظر ايصا في مقولة أمبرتو إيكو هو ذلك التواضع الذي يصدر من الكبار دون عقدة نقص أو الاختفاء وراء الألقاب الكبيرة، دكتور، بروفيسور، فهو يصرح رغم بلوغه السابعة والسبعين من عمره والشهرة التي حققها أنه روائي ناشئ مبتدئ فتحربته الإبداعية لم تتجاوز الثمانية وعشرين سنة.. فلنتواضع ككتاب ولا نعتبر أنفسنا محور الكون و لنترك ممارسة الأستاذية على غيرنا بدعوى النقد الأدبي وهو الحقيقة " نكد أدبي " يمارسه ناكد أدبي..

***

*الكاتب شدري معمر علي - الجزائر

 

دلالاته بين النحو والبلاغة وآراء البصريين والكوفيين

يُعدّ حرفُ الباء من أكثر الحروف العربية ثراءً واتساعًا في المعنى، حتى غدا عند النحاة والبلاغيين ميدانًا رحبًا للاجتهاد والتأويل. فليس هو مجرّد حرف جرّ يؤدي وظيفةً نحويةً جامدة، بل كيانٌ دلاليّ مرن، تتعدد إشاراته بتعدّد السياقات، ويتحوّل من معنى الإلصاق الحسيّ إلى آفاق السببية والمصاحبة والاستعانة والقسم والتوكيد والملابسة وغيرها. ولهذا احتلّ مكانةً بارزة في كتب النحو والتفسير والبلاغة وأصول الفقه، لأن تغيّر دلالته قد يفضي إلى تغيّر المعنى الشرعي أو البلاغي أو العقلي للنص.

وقد اختلفت مدارس النحو العربية، ولا سيما البصرية والكوفية، في تفسير بعض معاني الباء وتوسيع وظائفها أو تضييقها، الأمر الذي يكشف عن عمق التفكير اللغوي العربي ودقّته الفلسفية في تحليل الحرف والمعنى.

أولًا: الباء عند النحاة البصريين والكوفيين

يرى البصريون — وعلى رأسهم سيبويه والمبرّد — أن الأصل في الباء هو الإلصاق، وما سواه من المعاني متفرّع عنه ومؤول إليه. فحين نقول:

أمسكتُ بيدِ الرجلِ

فالباء هنا تدلّ على اتصال شيء بشيء اتصالًا مباشرًا.

ثم توسّع الاستعمال حتى صار الإلصاق معنويًا، كقولهم:

تعلّقتُ بالأملِ

أي اتصل القلب بالأمل اتصالًا معنويًا.

أما الكوفيون — ومن أبرزهم الفرّاء والكسائي — فقد كانوا أكثر ميلًا إلى التوسّع الدلالي، فرأوا أن الباء قد تحمل معاني مستقلة بذاتها، لا يشترط ردّها دائمًا إلى أصل الإلصاق. ولذلك أجازوا في بعض المواضع أن تأتي الباء بمعنى:

“في”

أو “عن”

أو “مع”

أو “من”

بحسب مقتضى السياق.

وقد كان هذا الخلاف انعكاسًا لاختلاف المنهجين:

فالبصريون يميلون إلى القياس والتقعيد العقلي.

بينما يميل الكوفيون إلى التوسّع في السماع والاستعمال العربي.

ثانيًا: معاني الباء ودلالاتها في ضوء آراء العلماء

1. الباء للإلصاق

وهو المعنى الذي عدّه البصريون أصلَ الباب كله.

مثال:

مررتُ بزيدٍ أي التصق المرور بمكان وجوده.

ويذهب سيبويه إلى أن جميع استعمالات الباء يمكن ردّها إلى صورة من صور الإلصاق، سواء أكان حسيًا أم معنويًا.

2. الباء للاستعانة

وتفيد الوسيلة التي يتحقق بها الفعل.

مثال:

كتبتُ بالقلمِ

ضربتُ بالسيفِ

ويرى كثير من فقهاء اللغة أن هذا المعنى متولد من الإلصاق؛ لأن الآلة تكون ملتصقة بالفعل أثناء وقوعه.

ومن القرآن الكريم:

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾

أي مستعينًا باسم الله.

3. الباء للسببية

أي الدلالة على العلّة والسبب.

مثال:

هلكَ بظلمه

نجحَ باجتهاده

وقد أفاض علماء التفسير في هذا المعنى، لأن الباء السببية تكثر في النص القرآني، كقوله تعالى:

﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾

أي بسبب ظلمهم.

4. الباء للمصاحبة

أي بمعنى “مع”.

مثال:

خرج الأميرُ بجنده أي مع جنده.

وقد أجاز الكوفيون استقلال هذا المعنى، بينما حاول البصريون إرجاعه إلى معنى الإلصاق أو الملابسة.

5. الباء للظرفية

أي بمعنى “في”.

مثال:

التقينا بالمدينة أي في المدينة.

ومن القرآن:

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ﴾

أي في بدر.

وقد توسّع الكوفيون في إثبات هذا المعنى، في حين رآه بعض البصريين مجازًا لا أصلًا مستقلًا.

6. الباء للقسم

وتدخل على المقسم به.

مثال:

باللهِ لأفعلنّ الحقَّ

وهي من أقوى أدوات القسم في العربية، لأنها تحمل معنى الالتصاق المعنوي بعظمة المقسَم به وهيبته.

7. الباء للتعدية

أي نقل الفعل من اللزوم إلى التعدي.

مثال:

ذهبَ اللهُ بنورهم

فالفعل “ذهب” لازم، فلما دخلت الباء صار متعديًا.

وقد اعتبرها النحاة من الأدوات المؤثرة في البنية الدلالية للفعل.

8. الباء للمقابلة والعوض

مثال:

اشتريتُ الكتابَ بدينار أي مقابل دينار.

وهو معنى يرتبط بالمبادلة والتكافؤ.

9. الباء للتبعيض

وهو من أكثر المواضع خلافًا بين الفقهاء والنحاة.

في قوله تعالى:

﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾

ذهب بعض العلماء إلى أن الباء للتبعيض، أي مسح بعض الرأس، بينما رأى آخرون أنها للإلصاق.

ومن هنا نشأ خلاف فقهي في مقدار المسح في الوضوء.

10. الباء الزائدة

وتأتي لتوكيد المعنى وتقويته.

مثال:

كفى باللهِ شهيدًا

ليس زيدٌ بقائم

وقد ناقش النحاة مفهوم “الزيادة”، لأن الحرف في العربية — عند المحققين — لا يكون بلا فائدة، بل تكون زيادته لغاية بلاغية أو توكيدية.

ثالثًا: الباء في فقه اللغة والبلاغة

نظر فقهاء اللغة والبلاغيون إلى الباء بوصفها حرفًا يولّد الإيحاء النفسي والدلالي.

فالفرق بين:

أمسكتُ يدَه و

أمسكتُ بيدِه

أن الثانية توحي بمزيد من التعلّق والتمسّك والاتصال الحسي والنفسي.

وقد رأى البلاغيون أن الحروف ليست أدوات ثانوية، بل عناصر حيّة في صناعة المعنى. ولهذا كان علماء البيان يتأملون أسرار الحروف كما يتأملون أسرار الألفاظ الكبرى.

ويقول بعض فقهاء اللغة إن العربية بلغت ذروة الدقة حين جعلت الحرف الواحد قادرًا على حمل شبكة معقدة من العلاقات النفسية والعقلية والبلاغية.

خاتمة

إنّ حرف الباء في العربية شاهدٌ على عبقرية هذه اللغة وقدرتها على تكثيف المعنى في أصغر الوحدات اللغوية. فقد تحوّل هذا الحرف من أداة جرّ بسيطة إلى فضاءٍ دلاليّ واسع، تتقاطع فيه النحو والبلاغة والتفسير وأصول الفقه. كما كشف اختلاف البصريين والكوفيين في تفسيره عن حيوية الفكر اللغوي العربي وعمق منهجه في تحليل العلاقة بين اللفظ والمعنى.

وهكذا تبدو العربية لغةً لا تُهمل الحرف الصغير، لأن الحرف فيها قد يفتح أبوابًا واسعة من الفهم والتأويل والجمال.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

أسرار الدلالة وجمال الوظيفة بين النحو والبيان القرآني

تُعَدُّ الحروف في اللغة العربية أعصابَ المعنى الدقيقة، فهي ليست أصواتاً عابرة أو أدواتٍ شكلية تُستعمل لملء الفراغ التركيبي، بل كياناتٌ دلالية قادرة على نقل الفكر من طبقةٍ إلى أخرى، وعلى توجيه المعنى توجيهاً فلسفياً وبلاغياً ونحوياً في آنٍ معاً. ومن بين هذه الحروف تتجلّى “اللام” بوصفها أحد أكثر الحروف العربية ثراءً واتساعاً في الوظيفة والدلالة، حتى غدت في نظر النحاة والبلاغيين مفتاحاً لفهم كثيرٍ من أسرار النص القرآني وبنية الخطاب العربي.

فاللام ليست حرفاً واحد المعنى، بل عالمٌ نحويّ متشعّب، تتداخل فيه أغراض التوكيد والتعليل والقسم والاختصاص والعاقبة والاستغاثة، حتى تبدو وكأنّها مرآةٌ لحيوية العربية ومرونتها التعبيرية. ولهذا قال عبد القاهر الجرجاني إنّ جمال العربية لا يكمن في المفردات منفصلة، بل في “النظم”، أي في العلاقات الدقيقة بين الكلمات والحروف، حيث يصبح الحرف الواحد قادراً على صناعة الفارق بين المعنى الظاهر والمعنى العميق.

لقد توقّف النحاة البصريون والكوفيون طويلاً عند “اللام”، واختلفوا في بعض وظائفها وتأويلاتها، لأنّهم أدركوا أنّ الحرف في العربية ليس مجرّد أداة نحوية، بل عنصرٌ فلسفيّ في بناء الدلالة. فمدرسة البصرة، التي اتّسمت بالنزعة العقلية والقياس الصارم، سعت إلى تقعيد وظائف اللام ضمن أنظمة دقيقة تضبط الاستعمال، بينما اتّجه الكوفيون إلى التوسّع في السماع والاحتجاج بما ورد في كلام العرب، ولو خالف بعض القياسات المنطقية.

ومن أشهر أنواعها لام الابتداء أو لام التوكيد، الداخلة على المبتدأ لتقوية الحكم وتثبيته في ذهن المتلقّي، كما في قوله تعالى:

﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾.

وقد رأى سيبويه أنّ هذه اللام تؤدي وظيفةً نفسية قبل أن تكون نحوية، إذ تُلقي في الكلام نبرةً من اليقين والحسم، وتجعل الخبر أكثر رسوخاً في الإدراك.

ثم تأتي اللام المزحلقة، وهي من ألطف الظواهر النحوية في العربية؛ لأنّها انتقلت من صدر الجملة إلى الخبر بعد دخول “إنَّ”، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾.

وقد سمّاها النحاة “مزحلقة” لأنّها زُحْلِقت من مكانها الأصلي. ورأى الزمخشري أنّ في هذا الانتقال بُعداً بلاغياً يوازن بين أدوات التوكيد حتى لا يثقل صدر الكلام باجتماع المؤكّدات.

أما لام القسم فهي من أكثر أنواع اللام قوةً في الإيقاع النفسي، إذ ترتبط بالقَسَم وما يحمله من توكيد وتعظيم، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.

وقد عدّها ابن هشام من الأدوات التي تُضفي على الجملة جلالاً خاصاً، لأنّها تربط المعنى بإرادةٍ مؤكَّدة لا تقبل التردّد.

وفي المقابل تظهر لام الأمر بوصفها أداةً تحمل معنى التوجيه والتكليف، نحو قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾.

وهي عند البصريين لامٌ جازمة للفعل المضارع، بينما وسّع بعض الكوفيين استعمالاتها في الشعر والخطابة، محتجّين بالسماع العربي القديم.

ومن أعمق أنواعها دلالةً لام التعليل، التي تربط الأفعال بغاياتها وأسبابها، كقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾.

فهذه اللام تكشف البنية العقلية للعربية؛ إذ تجعل الفعل متجهاً نحو غايةٍ مقصودة، وهو ما ينسجم مع التصور الفلسفي القائل إنّ اللغة العربية لغةُ عللٍ ومقاصد، لا لغةُ أحداثٍ معزولة.

أما لام الجحود، الداخلة بعد كونٍ منفيّ، كما في قوله تعالى:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾،

فقد رأى فيها النحاة أقصى درجات النفي والتنزّه، حتى قال ابن مالك إنّها “أبلغ في الامتناع من النفي المجرّد”، لأنها لا تنفي الفعل فقط، بل تنفي إمكان وقوعه من الأساس.

وتتجلّى عبقرية العربية في لام العاقبة أو الصيرورة، كما في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.

فآل فرعون لم يلتقطوا موسى لهذا الغرض، لكنّ النتيجة النهائية آلت إلى ذلك. وقد رأى الفراء الكوفي أنّ هذه اللام تكشف قدرة العربية على التعبير عن المفارقة القدرية بين القصد والنتيجة.

ثم تأتي لام الجر، وهي من أكثر الحروف التصاقاً بالبنية اليومية للغة، إذ تفيد الملكية أو الاختصاص أو الاستحقاق، كقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.

وقد ناقش النحاة علاقتها بالمعاني الفلسفية للملكية والانتماء، لأنّ الإضافة في العربية ليست دائماً مادية، بل قد تكون معنوية وروحية أيضاً.

ولم يغفل فقهاء اللغة والبلاغيون عن الأبعاد الجمالية لهذه الحروف، فالجرجاني يرى أنّ الحرف قد يحمل من البلاغة ما لا تحمله جملةٌ كاملة، لأنّ المعنى الحقيقي يولد من العلاقات الدقيقة بين أجزاء الكلام. ولهذا فإنّ إعجاز القرآن لم يكن في الألفاظ وحدها، بل في التناسق العجيب بين الحروف والمعاني والإيقاع.

إنّ التأمل في أنواع اللام يكشف أنّ العربية ليست لغةً جامدة، بل كائنٌ حيّ ينبض بالمنطق والجمال والوعي الفلسفي. فالحرف فيها ليس تابعاً للكلمة، بل شريكٌ في إنتاج الدلالة وصناعة الأثر النفسي. ومن هنا نفهم لماذا تعامل النحاة مع الحروف بعنايةٍ تكاد تُشبه عناية الفلاسفة بالمفاهيم الكبرى؛ لأنّهم أدركوا أنّ فساد الحرف قد يفسد المعنى، وأنّ انحراف الدلالة يبدأ أحياناً من حركةٍ صغيرة أو أداةٍ مهملة.

وهكذا تبقى “اللام” مثالاً ناصعاً على عبقرية العربية واتساعها، فهي حرفٌ صغير في مبناه، عظيمٌ في معناه، تتجلّى فيه قدرة اللغة العربية على الجمع بين الدقة العقلية والثراء البلاغي والعمق الروحي، حتى غدت الحروف نفسها في القرآن جزءاً من معجزة البيان، لا مجرد أدواتٍ للربط أو الإعراب.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

لبّيكَ ما هبّتِ الأرواحُ خاشعةً

وما ترنّمَ بالتوحيدِ مُغتنِمُ

***

أقبلَ موسمُ الحجِّ فأشرقتِ الأرواحُ بعدَ ذبول، وارتفعتِ الأكفُّ إلى السماءِ برجاءِ القَبول، وتجرّدتِ القلوبُ من أثقالِ الدنيا تجرّد المُحرِمُ من مخيطِ الثياب، فلا فخرَ إلّا بالتقوى، ولا رفعة إلّا بحُسنِ المتاب. تمضي الجموعُ إلى البيتِ العتيق بقلوبٍ يملؤها الشوقُ العميق، تردّدُ التلبيةَ بخشوعٍ وانكسار، فتُعلنُ الأرواحُ عهدَ الوفاءِ للغفّار.

وفي تلكَ المشاهدِ العظيمة يحضرُ ذِكرُ محمد صلى الله عليه وسلم، النبيِّ الكريم، والرؤوفِ الرحيم، الذي أضاءَ اللهُ بهِ ظلماتِ الجاهليّة، وجعلَ من خُلُقِهِ آيةً ربّانيّة.

كانَ إذا تكلّمَ أصغتِ القلوب، وإذا تبسّمَ تبدّدَت الكروب، جمعَ الهيبةَ والرحمة، والقوّةَ والحِكمة، فكانَ للأمّةِ أبًا عطوفًا، وللمؤمنينَ سراجًا معروفًا.

وفي عرفات تسيلُ الدموعُ سائلة، والقلوبُ إلى الرحمنِ مائلة، فيتردّدُ صدى حَجّةِ الوداع، يومَ وقفَ الحبيبُ بينَ الجموعِ كالبدر ينير المكان، يوصي بالعدلِ والإحسان، وينهى عن الظلمِ والطغيان.

هناكَ أكملَ الرسالة، وأدّى الأمانة، وتركَ للأمّةِ نورًا لا يخبو، وهدًى لا يذبلُ ولا يَغفو.

فيا طوبى لقلبٍ ذابَ شوقًا في رحابِ الحرمين، واغتسلَ من ذنوبِه بدموعِ الخاشعين، ويا سعادةَ من سارَ على نهجِ النبيِّ الأمين، مقتديًا بخُلُقِهِ المتين، مردّدًا مع الجموعِ في خشوعٍ ويقين: لبّيكَ اللهمَّ لبّيك، لبّيكَ لا شريكَ لكَ لبّيك، إنَّ الحمدَ والنِّعمةَ لكَ والمُلك، لا شريكَ لك.

أنتَ الشفيعُ، وأنتَ النورُ نتبعُهُ

إذا تكاثفتِ الآثامُ والظُّلَمُ

*

وفي مِنىً ترتقي الأرواحُ خاشعةً

كأنّها حولَ بابِ العفوِ تزدحمُ

*

والسعيُ يروي حكاياتِ اليقينِ كما

مشى الهداةُ وفي خطوِ الهُدى شِيَمُ

*

حتى إذا لاحَ فجرُ العيدِ مبتهجًا

فاضتْ دموعُ رجاءٍ ملؤها الكَرَمُ

*

بيضُ الثيابِ كأنَّ الناسَ قد وقفوا

يومَ الحسابِ فلا جاهٌ ولا خَدَمُ

*

لبّيكَ اللهمَّ لبّيكَ يا أمَلًا

بهِ القلوبُ إلى الغفرانِ تعتصمُ

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

سعادة القطرة هي أن تموت في النهر.

أبو حامد الغزالي في كتاب كيمياء السعادة

في هذه العبارة تبدو النهاية نوعا من الاكتمال فالقطرة لا تبلغ حقيقتها وهي منفصلة، بل حين تتخلى عن حدودها الضيقة وتذوب في الكل.

غير أن لوحة "مرقد السجناء" لفاسيلي فيريشاغين والمحفوظة اليوم في متحف بروكلين، تبدو كأنها الوجه المظلم لهذه الحكمة نفسها. هنا أيضا تموت القطرات في النهر لكن النهر اتساع أبيض بارد يبتلع البشر بلا ذاكرة وبلا رحمة. الفناء لدى الغزالي امتلاء وانعتاق أما الفناء تحت الجليد فربما محض عذاب. الفرق بينهما هو شاسع و مرعب.

رسم فيريشاغين هذه اللوحة بين عامي ١٨٧٨ و ١٨٧٩ بعد الحرب الروسية العثمانية لا كرسام المنتصرين بل كشاهد على ما تفعله الحروب بالأجساد حين تنتهي الضوضاء و تسكت البنادق و المدافع. لم يرسم المعركة بل ما يليها. ذلك السكون الذي يأتي بعد استنفاذ الكراهية لكل طاقتها. لا يوجد مركز بطولي في المشهد. لا جنرال يرفع سيفه ولا علم يرفرف عاليا في السماء. سجناء أتراك متكدسون تحت عاصفة ثلجية هائلة و جثث بدأت تتصلب تحت بياض الثلج. جنود روس يقفون في الخلفية كظلال بلا ملامح وعربة حرب محطمة تغوص عجلاتها في الثلج كأنها هيكل حيوان نفق منذ زمن.2803 fasyli

ما يجعل اللوحة مرعبة ليس ما تعرضه فحسب بل الطريقة التي تعرضه بها. لا صراخ ولا انفجار ولا عنف مباشر. الرعب هنا أكثر برودة وأكثر نضجا.

رعب يأتي من الإحساس بأن العالم نفسه أصبح غير مكترث بالبشر. الثلج يتساقط بالكثافة نفسها على الأحياء والجثث على السجين والحارس و لا يفرق بين الحديد واللحم. عزيزي القارئ/القارئة ....انظر إلى الجسد المكوم في أقصى يمين المقدمة ثمة كتلة بشرية لم يعد بإمكانك أن تحدد أين ينتهي معطفه وأين يبدأ الثلج و كأن البياض بدأ يبتلع حدود الجسد نفسه عائدا به إلى مادة أولى بلا اسم. حتى الوجوه تكاد تختفي. لا أحد يمتلك فرديته كاملة هنا. الجميع يتحولون إلى كتل بشرية مهددة بالذوبان داخل العاصفة. هذا البياض الطاغي ليس مجرد خلفية للمشهد بل هو الشخصية الحقيقية في اللوحة حضور هائل يمحو الفوارق الأخيرة بين البشر تحت قانون واحد هو الاختفاء البطيء.

في روايته الشهيرة (الحرب والسلام) يصف تولستوي اقتراب الموت باعتباره انطفاء العالم الحسي ذاته: لحظة واحدة، ولن أرى بعدها ضوء الشمس هذا، وذلك الماء، وذلك الوادي الجبلي أبدا.

في لوحة فيريشاغين يبدو هذا الإدراك وقد تحول إلى مناخ كامل. لا شمس هنا، ولا ماء، ولا أفق واضح. العالم كله تقلص إلى درجات من الأبيض والرمادي. حتى السجناء الذين ما زالوا أحياء والمحنيون داخل معاطفهم لا ينظرون نحو شيء؛ أعينهم مطأطأة نحو الأرض التي ستصير قريبا قبرهم المفتوح على وجهية البسيطة. الحياة هنا لا تسلب دفعة واحدة بل تتآكل ببطء كما يتآكل الضوء عند الغروب الشتوي.

أما لو استعنا ب إرنست همنغواي و الذي عرف الحرب عن قرب أيضا، لعله يساعدنا على فهم الدافع الوحشي الكامن خلف هذا المشهد حين يقول: لا صيد يضاهي صيد الإنسان، وأولئك الذين طاردوا رجالا مسلحين طويلا بما يكفي وأحبوا ذلك لا يهتمون بأي شيء آخر بعدها.

الجنود الروس الواقفون في خلفية اللوحة هم هؤلاء الصيادون المنهكون. ليسوا منتصرين بقدر ما هم ظلال داكنة، إنهم فاقدو الملامح، تحولوا هم أيضا إلى أدوات داخل آلة صيد كبرى. بنادقهم المرفوعة تكاد تكون التفصيلة الوحيدة التي تميزهم بصريا عن ضحاياهم. لكن الثلج الذي يغطي كل شيء يبدو وكأنه يهمس بأن الصياد والطريدة سيلتقيان في النهاية تحت الكفن الأبيض نفسه.

وهنا تكمن عبثية الحرب التي اختزلها برتراند راسل في جملة واحدة مقتضبة: الحرب لا تحدد من هو على حق، بل تحدد فقط من تبقى.

لوحة مرقد السجناء هي ترجمة بصرية لهذه الجملة. ففي نهاية المطاف لا نرى أعلاما أو انتصارات بل نرى ببساطة من تبقى.

مجموعة من الحراس المتجمدين يقفون فوق أكوام من البشر الذين يتحولون بهدوء إلى جثث. الثلج لا يميز بين "محق" و"مبطل". إنه يساوي الجميع محولا الجثث والحراس والعربة الحربية إلى طبقات أثرية من خراب واحد.

بالعودة إلى عبارة الغزالي تبدو المأساة الحقيقية أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش دون أن يذوب في شيء أكبر منه. لكنه كثيرا ما يخطئ النهر الذي يختاره. مرة يذوب في الحق ومرة في الإمبراطورية. مرة في الحب ومرات عديدة في الكراهية. والمشكلة أن الأنهار التي يصنعها البشر لأنفسهم غالبا ما تنتهي إلى الثلج. في "مرقد السجناء" لا يوجد وعد بالخلاص ولا معنى أخلاقي مريح يمنحه الموت.

اللوحة لا تعظ ولا تصرخ ولا تدين. إنها أكثر قسوة من ذلك. إنها تكتفي بأن تريك ماذا يحدث للإنسان حين يتحول إلى مادة داخل طاحونة التاريخ.

وحين يطيل المرء النظر، يبدأ الثلج وكأنه لا يغطي الجثث وحدها إنما يغطي فكرة التقدم نفسها. تلك الفكرة التي أقنعت البشر طويلا بأن الحضارة تسير إلى الأمام بينما كانت المقابر تكبر بصمت تحت أقدامهم. ولهذا تبقى اللوحة رغم كل ثلجها... مشتعلة بأسئلة لا تبرد.

 كم قطرة بشرية يجب أن تموت في أنهار الحروب التي نصنعها قبل أن ندرك أن النهر الحقيقي الذي نبحث عنه ليس نهر العدم، بل نهر الحياة المشتركة؟

***

د احمد عابر

 

جدلُ الحرفِ بينَ النحوِ والرسمِ ودلالةِ المعنى

ليستِ اللغةُ العربيةُ مجرّدَ وسيلةِ تواصلٍ عابرة، بل هي كائنٌ حيٌّ يتنفّسُ في أصواتِ الحروفِ، ويتجلّى في هندسةِ المعنى، حتى ليغدو اختلافُ حرفٍ واحدٍ باباً من أبوابِ التأويلِ والمعرفة. ومن دقائقِ العربيةِ التي حيّرتِ الكتّابَ والمتعلّمين، وأثارتْ جدلَ النحاةِ واللغويين، مسألةُ كتابةِ «إذن» بالنون، و«إذاً» بالتنوين أو بالألف. أهما لفظٌ واحدٌ اختلفَ رسمُه؟ أم هما أداتانِ متباينتانِ في الوظيفةِ والدلالة؟

إنّ الوقوفَ عند هذه المسألة ليس تمرينًا إملائيًا فحسب، بل هو غوصٌ في فلسفةِ العربيةِ ذاتها؛ تلك اللغةِ التي رأتْ في الرسمِ امتداداً للمعنى، وفي الإعرابِ موسيقى للفكر. ولذلك قال عبد القاهر الجرجاني إنّ «النظمَ هو توخّي معاني النحو»، أي إنّ سرَّ البلاغةِ ليس في الكلمةِ منفصلةً، بل في علائقها ووظائفها. ومن هنا نفهمُ لماذا اهتمّ النحاةُ بحرفٍ صغيرٍ مثل «إذن»، لأنّ الحرفَ في العربيةِ قد يُقيمُ معنىً أو يهدمُه.

أولًا: «إذن» الناصبةُ للفعل المضارع

«إذن» حرفُ جوابٍ وجزاءٍ واستقبال، ينصبُ الفعلَ المضارعَ بشروطٍ مخصوصة. تقول:

سأزورُك غداً.

فتجيب:

إذن أُكرمَكَ.

فـ«أكرمَ» فعلٌ مضارعٌ منصوبٌ بـ«إذن».

وقد اشترطَ النحاةُ لعملِها شروطاً، منها:

أن تكونَ في صدرِ الجملة.

أن يكونَ الفعلُ بعدها دالّاً على الاستقبال.

ألّا يفصلَ بينها وبين الفعلِ فاصلٌ غيرُ القسمِ أو النداءِ أو «لا» النافية.

وهذه الشروطُ تدلُّ على دقّةِ العقلِ النحويِّ العربيِّ، إذ لم يكنْ النحاةُ يضعونَ القواعدَ عبثاً، بل كانوا يستقرئونَ منطقَ العربِ في كلامِهم. وقد رأى نحاةُ البصرة، وفي مقدّمتهم سيبويه، أنّ «إذن» تعملُ عملَ «أنْ» المضمرة، ولذلك نصبتِ المضارع. أمّا الكوفيون، وعلى رأسهم الكسائي، فقد وسّعوا في أحكامِها وأجازوا بعضَ ما منعه البصريون.

وكان الخلافُ بين المدرستينِ البصريةِ والكوفيّةِ انعكاساً لرؤيتينِ في فهمِ اللغة:

فالبصريون يميلونَ إلى القياسِ والصرامةِ المنطقية.

والكوفيون أكثرُ اعتماداً على السماعِ وتنوّعِ الاستعمال.

ثانياً: لماذا تُكتبُ «إذن» أحياناً «إذاً»؟

هنا تبدأُ رحلةُ الرسمِ الإملائيِّ، حيثُ يختلطُ الصوتُ بالخطِّ.

الأصلُ التاريخيُّ عند جمهورِ النحاةِ واللغويين أن تُكتبَ الكلمةُ بالنون: «إذن». وهذا ما رجّحه كثيرٌ من أئمةِ اللغة، لأنّ النونَ أصليةٌ في الكلمة وليست تنويناً.

غيرَ أنّ بعضَ الكتّابِ كتبها «إذاً» بالألف، توهّماً أنّ النونَ تنوينُ نصب، كما في:

شكراً

حقّاً

فعلاً

فانتشرتِ الكتابةُ بالألفِ في العصورِ المتأخرة، ثم شاعَ استعمالُها الصحفيُّ والأدبيُّ.

وقد وقفَ مجمعُ اللغةِ العربيةِ عند هذه المسألة، فرأى أنّ الرسمَ الأصحَّ هو «إذن» بالنون، لأنّها حرفٌ مستقلٌّ لا تنوينَ فيه. أمّا «إذاً» فكتابةٌ جائزةٌ شاعتْ اصطلاحاً لا قياسًاً.

وهذا يُظهرُ كيف أنّ اللغةَ ليستْ جامدةً، بل تتفاعلُ مع الاستعمالِ الاجتماعيِّ والثقافيِّ. فاللغةُ، كما يرى ابن جني، «أصواتٌ يُعبّرُ بها كلُّ قومٍ عن أغراضهم»، أي إنّ الاستعمالَ جزءٌ من حياةِ اللغةِ، لا يمكنُ فصلُه عن قواعدِها.

ثالثاً: الفرقُ بين «إذا» و«إذن»

ينبغي ألّا نخلطَ بين «إذا» الشرطيةِ أو الظرفيةِ، وبين «إذن» الجوابية.

١. إذا

اسمٌ يدلُّ غالباً على الزمانِ المستقبل، مثل:

إذا جاءَ الشتاءُ هاجَ الحنين.

وهي هنا ظرفٌ لما يُستقبلُ من الزمان.

٢. إذن

حرفُ جوابٍ وجزاء، مثل:

سأجتهدُ.

إذن تنجحَ.

فالفرقُ بينهما فرقٌ بين الظرفِ والحرف، وبين الشرطِ والجواب، وبين الزمنِ والتعليل.

رابعاً: البعدُ الفلسفيُّ للحرفِ في العربية

لقد أدركَ فلاسفةُ اللغةِ أنّ الحروفَ ليستْ فراغاً صوتيّاً، بل مفاتيحُ للرؤيةِ والتفكير. ولهذا قال الفارابي إنّ اللغةَ مرآةُ العقل، بينما رأى ابن رشد أنّ فسادَ العبارةِ يؤدّي إلى فسادِ التصوّر.

ولذلك لم يكنِ النحوُ العربيُّ ترفاً علميّاً، بل محاولةً لحمايةِ المعنى من الانهيار. فحينَ يضطربُ الحرفُ يضطربُ الفكر، وحينَ تتشوّشُ العلاقاتُ النحويةُ تتشوّشُ الرؤيةُ للعالم.

ومن هنا نفهمُ لماذا قاتلَ النحاةُ دفاعاً عن الضبطِ والإعرابِ والرسمِ؛ لأنّ اللغةَ عندهم كانتْ نظاماً للعقلِ والحضارة، لا مجرّدَ ألفاظٍ عابرة.

خامساً: الرأيُ الراجحُ في الكتابة

الأفصحُ والأدقُّ لغوياً أن تُكتب:

«إذن» بالنون.

لأنّ النونَ حرفٌ أصيلٌ فيها، لا تنوينٌ عارض.

أمّا «إذاً» بالألف، فكتابةٌ شاعَ استعمالُها حديثاً، وهي مقبولةٌ عند بعضِ المعاصرين، لكنّها ليستِ الاختيارَ الأقوى من جهةِ التحقيقِ اللغويِّ.

خاتمة:

إنّ الفرقَ بين «إذن» و«إذاً» ليسَ مجرّدَ مسألةٍ إملائيةٍ صغيرة، بل شاهدٌ على عبقريةِ العربيةِ التي جعلتْ من الحرفِ عالَماً كاملاً من الدلالةِ والنظام. فالحرفُ في العربيةِ ليس ظلّاً للكلام، بل روحُه الخفيّة.

ولعلّ أجملَ ما يُقالُ في هذا الباب، ما أشارَ إليه الجاحظ حين رأى أنّ البيانَ ليسَ في كثرةِ الكلام، بل في إصابةِ المعنى بأدقِّ صورة. وهكذا تبقى العربيةُ لغةً ترى في النقطةِ معنى، وفي الحركةِ موسيقى، وفي الحرفِ تاريخَ أمّةٍ كاملة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

ثمة اماكن لا نغادرها مهما ابتعدت بنا الطرق، لانها ببساطة لم تكن يوما خارجنا.. اماكن تتسلل الى ارواحنا بهدوء، ثم تستقر فيها كجزء من تكويننا الداخلي، فنحملها معنا اينما ذهبنا، كما تحمل الاشجار رائحة الارض الاولى في اعماق جذورها.

وبيت الاب ليس مجرد مكان نتذكره حين يمر الحنين عابرا، بل هو الذاكرة حين تتحول الى وطن، وهو الطفولة حين تتجسد في جدران، وهو القلب الاول الذي تعلمنا داخله معنى الامان والحب والانتماء.

كلما تقدم بنا العمر، ادركنا ان البيوت ليست سقوفا وابوابا ونوافذ فحسب، بل ارواح خفية تحفظ ضحكاتنا، وتخبئ دموعنا، وتعرف ارتجافة قلوبنا الاولى.

ولهذا حين نعود الى بيوت الطفولة، لا نعود اليها وحدها، بل نعود الى انفسنا القديمة، الى ذلك الكائن البريء الذي كان يرى العالم بعينين ممتلئتين بالدهشة.

بيت ابي...

ذلك البيت الذي لم يكن واسعا بالضرورة، لكنه كان يتسع لقلوبنا جميعا.. كان يشبه قصيدة قديمة لا يبهت معناها مهما مرت عليها السنون، وكانت تفاصيله الصغيرة اكثر دفئا من مدن كاملة.

وكان يشبه حضن ام في ليلة شتاء طويلة، دافئا الى حد البكاء.

يشبه نهرا صغيرا كلما ابتعدنا عنه ازداد عطشنا اليه.

يشبه ضوء المغيب حين ينسكب على الجدران القديمة بحزن جميل

يشبه مركبا خشبيا قديما، تتعبه الامواج لكنه لا يغرق ابدا.

هناك، كانت الحياة بسيطة الى حد القداسة، رائحة الخشب العتيق، فناجين الشاي الساخنة، تكعيبة العنب التي تعرش فوق الذاكرة، شجرة الياسمين التي كانت تنثر البياض على ارواحنا قبل ان تنثره على الجدران.

ما اعجب البيوت التي يسكنها الحب...

انها لا تموت ابدا.

تبقى حية حتى وان اغلقت ابوابها، لان الحب يترك اثره على الاشياء كما يترك المطر رائحته على التراب.

كنت اشعر دائما ان جدران بيت ابي تحفظ اصواتنا، وان النوافذ تعرف وجوهنا، وان الممرات القديمة مازالت تنتظر وقع خطواتنا الصغيرة.

في بيت ابي تعلمت ان الطمأنينة ليست كلمة، بل شعور يشبه الضوء حين ينساب بهدوء في اخر النهار.

وهناك ايضا عرفت ان الانسان لا ينتمي الى المكان لانه عاش فيه فقط، بل لانه ترك جزءا من روحه عالقا بين زواياه.

لهذا كلما مررت بذلك البيت العتيق، اشعر ان قلبي يركض نحوه كطفل عاد اخيرا من غربة طويلة.

احن الى ذلك البيت كما يحن العابر الى وطنه الاول.

احن الى النعناع والريحان، الى رائحة البرتقال حين يمتزج بصوت المساء، الى طنين النحل ورفرفة الفراشات، الى الاريكة القديمة التي كانت تحمل احاديث العائلة ودفء الايام.

احن الى زمن لم يكن مثاليا، لكنه كان نقيا... نقيا الى الحد الذي يجعل ذكراه تؤلمنا كلما تذكرناه.

لقد سكنت بيوتا كثيرة، وتجولت في مدن عديدة، ورأيت وجوها لا تحصى، لكن شيئا في داخلي ظل واقفا هناك... في بيت ابي.

كأن روحي لم تغادره تماما، وكأن طفولتي مازالت تجلس في الحوش تحت شجرة الياسمين، تنتظرني كلما ارهقني العالم.

بيت ابي لم يكن منزلا فقط، بل كان فلسفة كاملة للحياة.

كانت ابوابه المفتوحة تعلمنا معنى الكرم، وكانت نوافذه المشرعة تقول لنا ان الحرية اجمل من الخوف، وان البيت الحقيقي هو الذي يمنح الروح اجنحتها، لا الذي يحاصرها بالجدران.

لهذا اؤمن ان بعض البيوت لا تهدم ابدا، حتى وان اختفت من الوجود.

تبقى قائمة في اعماقنا كالمعابد القديمة، يضيئها الحنين كلما اظلمت ارواحنا.

بعض الأماكن أكثر إنسانية من البشر. تمنحنا دفئا لا تفسير له، تزيل عن القلب وحشة الأيام، وتسكب فينا سلاما عميقا يشبه الاعتراف. هي ليست جدرانا ولا نوافذ، بل صدور خلقت لتحتوي تعبنا، وتقول لنا بصمتها: ما زلت أعرفك… وما زلت أحفظ أثر خطواتك.. هذا هو بيت ابي

لقد سكنت بيوتا كثيرة، وتجولت في مدن عديدة، ورأيت وجوها لا تحصى، لكن شيئا في داخلي ظل واقفا هناك... في بيت ابي.

كل البيوت تشيد من طين وحجر،

الا بيت ابي...

فقد بني من دفء القلب، ولذلك سيظل خالدا في الذاكرة، عصيا على النسيان.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

الحرف الذي يسكن بين الغياب والحضور

ليست اللغة العربية مجرّد نظامٍ صوتيٍّ أو معجمٍ للدلالة، بل هي كائنٌ حضاريٌّ حيّ، تختبئ في تفاصيله الدقيقة أسرارُ التاريخ والروح والجمال. ومن أعجب ما في هذا الكيان اللغوي أنّ بعض علاماته الصغيرة تحمل من العمق ما لا تحمله كتبٌ بأكملها. ومن هذه العلامات “الألف الخنجرية”، تلك الألف الدقيقة التي تبدو في ظاهرها إشارةً خطيّةً هامشية، لكنها في حقيقتها شاهدٌ على عبقرية العربية في الجمع بين الصوت والرسم والذاكرة.

إنّ الألف الخنجرية ليست حرفاً كاملاً بالمعنى الإملائي، ولا حركةً عابرة بالمعنى الصوتي، بل هي منطقةٌ وسطى بين الحضور والغياب؛ تُنطق ولا تُكتب كتابةً مكتملة، وتظهر أثرًا فوق الحرف كأنها ظلٌّ صوتيٌّ لذاكرةٍ لغوية قديمة. ولهذا سُمّيت “خنجرية”، لأنّها تشبه خنجرًا دقيقًا مغروسًا في جسد الكلمة، يوقظ فيها امتداد الصوت دون أن يتحوّل إلى حرفٍ مستقل.

ولعلّ هذا البعد الرمزي يجعل الألف الخنجرية أقرب إلى مفهوم “الأثر” عند جاك دريدا؛ فهي ليست حضورًا كاملًا ولا غيابًا كاملًا، بل بقايا حضورٍ تشير إلى شيءٍ غير مكتمل في الكتابة، لكنه حيٌّ في النطق والوعي. إنّها أثرُ الصوت داخل الرسم، أو ذاكرة الحرف الذي غاب شكله وبقي صداه.

الألف الخنجرية بين الصوت والرسم

في اللغة العربية تنشأ علاقةٌ دقيقة بين المنطوق والمكتوب، غير أنّ هذه العلاقة ليست دائمًا علاقة تطابقٍ ميكانيكي. فالعرب القدماء لم ينظروا إلى الكتابة بوصفها نسخًا فوتوغرافيًا للصوت، بل باعتبارها نظامًا ثقافيًا وجماليًا يحمل أثر التاريخ والاستعمال.

ولهذا نجد كلمات مثل:

هٰذا، هٰذه، ذٰلك، الرَّحمٰن، أُولٰئك.

تُلفظ بألف مدٍّ واضحة، لكنّ الألف لا تُرسم ألفًا قائمة، بل تُختصر في هذه العلامة الصغيرة: “ٰ”.

وهنا تتجلّى عبقرية العربية؛ إذ استطاعت أن تحتفظ بالصوت دون أن تتخلّى عن الرسم التاريخي للكلمة. وكأنّ الألف الخنجرية تمارس نوعًا من الاقتصاد الجمالي في الكتابة؛ فهي تقول الكثير بأقلّ مساحةٍ ممكنة، وتدلّ على الامتداد الصوتي دون أن تثقل بنية الكلمة.

وقد أشار علماء الرسم والقراءات، مثل أبو عمرو الداني وابن الجزري، إلى أنّ الرسم العثماني للمصحف لا يقوم على قواعد الإملاء الحديثة وحدها، بل يستند إلى حكمةٍ صوتية وتاريخية وتوقيفية، هدفها الحفاظ على الأداء القرآني كما تلقّاه المسلمون الأوائل.

الألف الخنجرية والرسم العثماني

في المصحف الشريف، تتحوّل الألف الخنجرية من مجرد علامة إملائية إلى جزءٍ من القداسة الجمالية للنص القرآني. فهي تظهر في كلمات مثل:

الرَّحمٰن، الصَّلٰوة، الزَّكٰوة.

وهنا لا يعود الرسم مجرد شكلٍ بصري، بل يصبح ذاكرةً حضارية تحفظ إيقاع التلاوة وروح الأداء. ولهذا حافظ المسلمون على الرسم العثماني رغم تطوّر قواعد الإملاء، لأنّ القرآن ليس نصًا لغويًا فحسب، بل نصٌّ صوتيٌّ وجماليٌّ وتعبّديٌّ في آنٍ معًا.

لقد فهم علماء العربية أنّ حذف الألف من الرسم لا يعني غيابها من الكيان الصوتي للكلمة. فالحرف قد يغيب شكلًا ويبقى أثرًا، كما قد يغيب الجسد ويبقى المعنى. ومن هنا يمكن النظر إلى الألف الخنجرية بوصفها تجسيدًا لفلسفة الحضور المستتر في الثقافة العربية.

البعد الجمالي للألف الخنجرية

ليست الألف الخنجرية مجرّد ضرورةٍ تقنية، بل تمتلك جمالًا بصريًا وموسيقيًا خاصًا. ففي الخط العربي تبدو هذه العلامة كأنها ومضةٌ دقيقة فوق الحرف، أو نَفَسٌ خفيٌّ يعلو الكلمة دون أن يثقلها. وهي تمنح الكتابة العربية مرونةً إيقاعية تجعل الحرف يتحوّل إلى كائنٍ حيّ، لا إلى رمزٍ جامد.

وقد أدرك كبار الخطاطين أنّ جمال العربية لا يكمن في الحروف وحدها، بل في الفراغات والعلامات والامتدادات الدقيقة التي تمنح النص موسيقاه البصرية. ولهذا تبدو الألف الخنجرية أقرب إلى “الهمسة التشكيلية” داخل الجملة.

ولو تأملناها من زاويةٍ أدبية، لوجدنا أنّها تشبه الإنسان العربي نفسه: حضورٌ ناقص في الظاهر، لكنه ممتلئٌ بالمعنى في العمق. فهي حرفٌ غير مكتمل الرسم، لكنه كامل الأثر. وكأنّ اللغة هنا تقول إنّ القيمة ليست دائمًا فيما يظهر، بل فيما يتركه الأثر الخفيّ في الوعي.

الحرف بوصفه ذاكرة حضارية

لقد تحدّث عبد القاهر الجرجاني عن أنّ جمال اللغة لا يقوم على الألفاظ منفصلةً، بل على العلاقات الدقيقة التي تربط بينها. والألف الخنجرية مثالٌ بديع على ذلك؛ فهي علاقة بين المنطوق والمكتوب، بين الحذف والإثبات، بين الاقتصاد الشكلي والامتلاء الصوتي.

ومن هنا، فإنّ دراسة الألف الخنجرية ليست درسًا إملائيًا محدودًا، بل نافذةٌ على فلسفة العربية نفسها؛ تلك اللغة التي استطاعت أن تجعل من أصغر علامةٍ فيها حاملًا للمعنى والجمال والتاريخ.

إنّ الألف الخنجرية تذكّرنا بأنّ الحروف ليست مجرد أدوات كتابة، بل كائناتٌ ثقافية تختزن روح الأمة وتجربتها الجمالية. فكما يحمل الشعر ذاكرة الشعوب، تحمل العلامات الصغيرة ذاكرة اللغة. وربما لهذا السبب بقيت العربية حيّةً عبر القرون؛ لأنها لغة لا تهمل حتى الظلال الخفية للحروف.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في العشرين من أيار 2026، لم يكن المهرجان الثالث لكلية الفنون الجميلة في جامعة دهوك مجرد فعالية جامعية اكاديمية عابرة، ولا مناسبة احتفالية من تلك التي تمر سريعا ثم تنسى، بل كان يوما استثنائيا استعاد فيه الفن هيبته، واستعاد فيه الحضور دهشته، واستعادت فيه الجامعة شيئا من روحها الجمالية حين تتفتح على الإبداع، وتمنح طاقات شبابها فرصة أن تقول كلمتها بصدق وجرأة ووعي.

لقد بدا هذا المهرجان، في يومه الأول، كأنه مساحة واسعة تتجاور فيها الفنون من غير تنازع، وتتآلف فيها الأصوات والأنغام، والحركة والصورة، واللون والإيقاع، في مشهد يشي بأن الجمال لا يولد من عنصر واحد، بل من تآزر العناصر حين تدخل في حوار حي ومتكامل؛ وفي قاعة المؤتمرات بجامعة دهوك، حيث احتشدت الأنظار والقلوب، لم يكن ما جرى مجرد عروض متفرقة، بل كان بناء فنيا متماسكا، تتداخل فيه الكلمات الرسمية، بالموسيقى وبالاصوات الفلكورية والتراثية الكوردية العريقة، ويتكئ فيه المسرح والتشكيل على حس بصري يفتح أمام المتلقي أبواب التأمل والإعجاب.

وكان العرض الموسيقي الأول، من دون مبالغة، أبرز لحظات المهرجان وأكثرها رسوخا في الذاكرة؛ فقد جاء منظما على نحو لافت، سواء من حيث الأزياء التي أضفت على المشهد أناقة مدروسة، أو من حيث الآلات التي بدت موزعة بوعي وتنسيق، أو من حيث العزف الجماعي المتقن الذي قدمه طلبة المرحلتين الأولى والثانية في قسم الموسيقى؛ وقد حمل هذا الأداء في طياته ما هو أبعد من مجرد الإتقان التقني؛ إذ بدا وكأنه إعلان صريح عن حضور موهبة شابة تعرف كيف تصغي إلى بعضها بعضا، وكيف تتحول من أفراد إلى فرقة، ومن أصوات متجاورة إلى وحدة موسيقية نابضة بالحياة.

ورغم ما شاب هندسة الصوت من بعض الخلل التقني، فإن ذلك لم يكن كافيا ليحجب الوهج العام للعرض، ولا ليطفئ أثره في نفوس الحاضرين؛ فثمة عروض تتعثر تقنيا لكنها تظل قادرة على النفاذ إلى الوجدان، لأن قوتها الحقيقية لا تأتي من الكمال الظاهري، بل من الصدق الداخلي والانسجام الفني. وهكذا بدا الأداء الموسيقي أقوى من عثرته التقنية، وأقدر على تجاوزها بفضل جمال التشكيل الجماعي، وتماسك الإيقاع، والثقة التي حملها الطلبة وهم يقفون على الخشبة كأنهم يعلنون، بهدوء وثبات، أن الفن الحقيقي يستطيع أن يعلو على العوائق حين يكون موهوبا ومخلصا ومدروسا.

أما العرض المسرحي الذي قدم في قاعة الكلية، فقد جاء بروح مختلفة، وبجرأة لا تخطئها العين، ولا تنكرها الذاكرة؛ لقد بدا المسرح هنا وكأنه يفتح صفحة جديدة، لا يكتفي بإعادة ما سبق، بل يغامر في مسالك أخرى، ويختبر إمكانات تعبيرية أكثر تحررا من القوالب الجاهزة؛ ومن خلال هذا العرض، بدا واضحا أن طلبة قسم المسرح لا يملكون الرغبة في الأداء فحسب، بل يملكون أيضا الشجاعة على مساءلة الشكل، وإعادة تشكيله، وفتح أفق مغاير لما عرفته المهرجانات السابقة؛ وكانت هذه الجرأة في حد ذاتها مكسبا مهما؛ لأنها أكدت أن المسرح في كلية الفنون الجميلة ليس تمرينا تعليميا فقط، بل تجربة حية تتطلع إلى التكوين، وإلى ابتكار لغة خاصة بها، وإلى تخطي حدود المألوف نحو أفق أوسع وأكثر خصوبة.

وفي المعرض التشكيلي، بدت الطاقات الشابة كأنها تخرج من صمتها لتعلن حضورها الواثق. فقد حملت اللوحات والأعمال الغرافيكية أفكارا مبتكرة، وأضاءت على قدرات إبداعية حقيقية لا تزال في طور النمو، لكنها تنبئ منذ الآن بمستقبل فني واعد؛ كانت الأعمال المعروضة أكثر من مجرد ألوان وخطوط وتكوينات؛ كانت محاولات جادة لطرح أسئلة بصرية، وتقديم رؤى تحمل بصمة أصحابها، وتكشف عن استعدادهم لخلق الجديد بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج ما هو قائم؛ ومن هنا جاء المعرض التشكيلي بوصفه أحد أهم وجوه المهرجان، لأنه لم يكتف بإظهار المهارة، بل أظهر أيضا الخيال، والحس، والقدرة على تحويل الفكرة إلى أثر بصري حي.

ولعل ما منح هذا المهرجان في يومه الاول قيمته الحقيقية أنه لم يكن مجرد مناسبة منظمة بإتقان، بل كان شاهدا على طاقات شابة تتشكل أمام أعيننا، وتتعلم كيف تحول المعرفة إلى جمال، والموهبة إلى إنجاز، والدرس الأكاديمي إلى لحظة إبداعية كاملة؛ لقد بدا واضحا أن كلية الفنون الجميلة في جامعة دهوك تمتلك، في طلبتها وأقسامها، إمكانات أصيلة قادرة على خلق الأثر، وصناعة التميز، وفتح نوافذ جديدة على الفن بوصفه فعلا إنسانيا راقيا، لا مجرد ممارسة تقنية أو أداء موسمي.

إن المهرجان في يومه الأول قدم صورة مشرقة عن الجيل الفني الصاعد، وأكد أن الإعداد المحكم، والتنظيم المبهر، والانضباط في التفاصيل، ليست عناصر شكلية ثانوية، بل هي جزء من احترام الفن ذاته؛ ومن خلال هذا التآلف بين الموسيقى والمسرح والتشكيل، تشكلت لحظة جمالية نادرة، حملت معها وعدا بأن القادم سيكون أجمل، وأن هذه الطاقات الشابة قادرة على أن تواصل طريقها بثقة، وأن تضيف للمشهد الثقافي في دهوك، وفي الجامعة على وجه الخصوص، لونا جديدا من ألوان الحياة والإبداع.

***

د. جوتيار تمر - اقليم كوردستان

دهشةُ اللغة وانبثاقُ المعنى بين النحو والبلاغة

ليست اللغة العربية مجرّد نظامٍ من القواعد الجامدة، بل هي كائن حيّ ينبض بالإيقاع والدلالة والانفعال. وما الحروف والأدوات فيها إلا مفاتيح دقيقة لتحريك الزمن والمعنى والشعور. ومن بين هذه الأدوات تتجلّى «إذا» بوصفها إحدى أكثر البنى اللغوية ثراءً وإثارة؛ فهي ليست أداة زمنية فحسب، بل أفق دلالي تتقاطع فيه المفاجأة بالترقّب، والانكشاف بالدهشة، والزمن بالنفس.

وقد أدرك النحاة والبلاغيون منذ القديم أنّ «إذا» ليست نمطاً واحداً، بل تتعدّد وظائفها بتعدّد السياقات، حتى غدت في العربية فضاءً تركيبياً ودلالياً شديد العمق. ولهذا ميّزوا بين «إذا» الشرطية، و«إذا» الظرفية، و«إذا» الفجائية، ولكلّ منها روحها النحوية وطاقتها البلاغية.

أولاً: أنواع «إذا» في العربية

١- إذا الشرطية:

وهي أشهر أنواع «إذا»، وتأتي ظرفاً لما يُستقبل من الزمان متضمّنة معنى الشرط، كقولنا:

إذا اجتهدتَ نجحتَ.

فهي هنا تربط بين فعلين: فعل الشرط وجوابه، وتدلّ على توقّع حدوث الأمر في المستقبل. وقد رأى النحاة أنّها تمتاز عن «إنْ» الشرطية بأنّها تُستخدم غالباً فيما يُرجَّح وقوعه، بينما تُستخدم «إنْ» فيما يُشكّ في حدوثه.

وقد أشار إلى ذلك إمام النحاة سيبويه، حين فرّق بين أدوات الشرط من حيث قوّة التوقّع الزمني والدلالي.

٢- إذا الظرفية:

وتأتي ظرفاً زمانياً محضاً، دون معنى الشرط، نحو:

أزورك إذا طلعت الشمس.

فهي هنا تحدّد الزمن فقط، ولا تفيد التعليق الشرطي.

٣- إذا الفجائية:

وهي موضوعنا الأشدّ إثارة وجمالاً، لأنها ليست أداةً للزمن وحده، بل أداة للدهشة والانبثاق المفاجئ.

نقول:

خرجتُ فإذا الأسدُ أمامي.

أو:

فتحتُ الباب فإذا المطرُ يهطل بغزارة.

إنّ «إذا» هنا لا تدلّ على شرط، ولا تعمل عمل الظروف الزمنية المعتادة، بل تفجّر الحدث تفجيراً مباغتاً، كأنّ اللغة نفسها تتعثّر بالدهشة.

«إذا» الفجائية: طبيعتها النحوية

اتفق جمهور النحاة على أنّ «إذا» الفجائية حرفٌ يفيد المفاجأة، ويأتي غالباً في أثناء الكلام، لا في بدايته، ويقع بعده مبتدأ وخبر أو ما أصله مبتدأ وخبر.

فنقول:

خرجتُ فإذا الطريقُ مزدحمٌ.

فالتركيب بعد «إذا» يتألّف من مبتدأ وخبر:

الطريقُ: مبتدأ

مزدحمٌ: خبر

وقد تأتي الجملة فعلية مؤوّلة باسمية، مثل:

خرجتُ فإذا الناسُ يركضون.

أي: فإذا الناسُ راكضون.

ولهذا قال كثير من النحاة إنّ «إذا» الفجائية تختصّ بالدخول على الجمل الاسمية، أو ما يؤول إليها.

رأي النحاة البصريين

ذهب نحاة البصرة، وفي مقدّمتهم سيبويه والمبرّد وابن السراج، إلى أنّ «إذا» الفجائية حرفٌ لا محلّ له من الإعراب، يفيد المفاجأة والانقطاع المفاجئ في السياق الزمني.

وقد أكّدوا أنّها ليست ظرفاً زمانياً حقيقياً، لأنّها لا تدلّ على زمن محدّد، بل على حدوث الأمر بغتةً.

وكان سيبويه شديد الدقة في ربط البنية النحوية بالأثر الدلالي؛ إذ رأى أنّ العرب لم تستخدم «إذا» الفجائية عبثاً، بل لتصوير انتقال النفس من حالة توقّع إلى حالة صدمة أو انكشاف مفاجئ.

ولهذا فإنّ «إذا» الفجائية عند البصريين تحمل وظيفة نفسية إلى جانب وظيفتها النحوية، فهي أداة لتحويل السرد إلى مشهد حيّ نابض بالمفاجأة.

رأي النحاة الكوفيين:

أما نحاة الكوفة، فقد وسّعوا النظر في «إذا» الفجائية، ورأى بعضهم أنّها قد تحمل معنى الظرفية أيضاً، وأنّ دلالتها الزمنية لم تنفصل تماماً عن أصلها الظرفي.

وكان الكوفيون أكثر مرونة من البصريين في التعامل مع الحدود الصارمة بين الحرف والظرف، ولذلك أجاز بعضهم تأويلها ظرفاً للمفاجأة.

لكنّهم اتفقوا مع البصريين في أمر أساسي، وهو أنّ «إذا» الفجائية لا تدخل عادة إلا بعد كلام يهيّئ للمفاجأة، وأنّ ما بعدها يكون جملة اسمية أو في تأويلها.

وهذا الخلاف بين المدرستين ليس مجرد جدل نحوي، بل يكشف عن رؤيتين للغة:

رؤية بصريّة تميل إلى الصرامة المنطقية والتقعيد، ورؤية كوفية أكثر التصاقاً بالسماع والمرونة الاستعمالية.

«إذا» الفجائية بين النحو والبلاغة

لم يتوقف أمر «إذا» عند حدود النحو، بل تجاوزها إلى البلاغة والشعر. فقد أدرك البلاغيون أنّ هذه الأداة تمتلك طاقة تصويرية هائلة، لأنها تُحدث في النصّ ما يشبه الصدمة الجمالية.

ولهذا أكثر الشعراء من استخدامها، لأنها تنقل القارئ من حالة إلى أخرى دفعةً واحدة.

يقول المتنبي:

وَأَقبَلتُ زَحفاً عَلى الرُكبَتَينِ

فَكانَت إِذا الأَرضُ مِنّي السَماءُ

فهنا تنقل «إذا» الإحساس بالتحوّل المفاجئ والانقلاب الوجودي.

أما الجاحظ، فقد رأى أنّ سرّ العربية يكمن في هذه الأدوات الصغيرة التي تبدو هامشية لكنها تتحكم في حركة المعنى وإيقاع الفكر. فاللغة عنده ليست ألفاظاً فقط، بل طرائق في بناء الإدراك.

وقد تنبّه عبد القاهر الجرجاني في «دلائل الإعجاز» إلى أنّ جمال التركيب العربي لا يقوم على المفردات منفصلة، بل على العلاقات الدقيقة بين الأدوات والسياقات، ومن هنا تتجلّى قيمة «إذا» الفجائية بوصفها أداة لصناعة التوتّر والانكشاف.

البعد النفسي لـ«إذا» الفجائية

إنّ «إذا» الفجائية ليست مجرّد أداة نحوية، بل هي تمثيل لغوي للحظة الإدهاش الإنساني. إنها النقطة التي ينكسر فيها توقّع العقل، فيقف الوعي فجأة أمام ما لم يكن ينتظره.

ولهذا تبدو قريبة من طبيعة الحياة نفسها؛ فالكثير من التحوّلات الكبرى تأتي «إذا» فجائية:

إذا الموت، إذا الحب، إذا الخيانة، إذا الحقيقة.

إنّها أداة تعبّر عن هشاشة الإنسان أمام المباغتة الوجودية.

ولعلّ هذا ما جعل الشعراء ينجذبون إليها، لأنها تختصر دراما المفاجأة في حرفين فقط.

خاتمة:

تكشف «إذا» الفجائية عن عبقرية العربية بوصفها لغة لا تفصل بين النحو والنفس، ولا بين التركيب والانفعال. فهي أداة صغيرة في مبناها، عظيمة في أثرها، استطاعت أن تحوّل المفاجأة الإنسانية إلى بنية لغوية دقيقة.

وقد اختلف البصريون والكوفيون في تصنيفها، بين حرفٍ وظرف، لكنّهم اتفقوا جميعاً على أنّها أداة استثنائية في النسيج العربي، لأنها لا تصف الحدث فقط، بل تصنع وقعه النفسي في المتلقي.

وهكذا تثبت العربية مرةً أخرى أنّ أسرارها لا تكمن في ضخامة المفردات، بل في تلك الأدوات الدقيقة التي تمنح الكلام روحه الخفية، وتجعل اللغة قادرة على تمثيل أدقّ ارتجافات النفس البشرية.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

شكل: صياغة العمل الفني وبناؤه اللفظي، هيئته

الشاعر المفكر أدونيس يطرح الكثير من الأفكار الإبداعية التنويرية النادرة وأتابعه دائما، وهذا لا يعني الإقتناع بكل ما يطرحه، وأروع ما فيه أنه يثير أسئلة تريد أجوبة معاصرة. ومن طروحاته كما فهمتها أن القصيدة تصنع شكلها، فلكل قصيدة شكل تنفرد به، ولا قيمة لها إذا تشبثت بمعنى الشعر وفقا لمنطلقات الفراهيدي العروضية.

سأقترب من الموضوع بأفكار ربما تبدو متناثرة!!

نعم لكل إبداع شكله، كما لكل مخلوق شكله، لكن الجوهر الأساسي واحد.

فنظام الخلق واحد وإن تعددت الأشكال، ولا يوجد مخلوق في الكون يشذ عن الجوهر الأساسي للخلق.

البشر مؤلف من أعضاء وأجهزة متفاعلة مع بعضها لتقدم لنا إنسانا بدم ولحم وعظم وروح.

لكن هل وجدت شخصا يشبه آخر بالتمام والكمال، حتى في توائم البيضة الواحدة، وهذا ينطبق على جميع الموجودات الكونبة جامدة وحية.

كل شيئ في الكون لبناته من العناصر الموجودة في الجدول الدوري لمندليف؟

إذا إفترضنا الإبداع نشاط خلق سائب فلن يدوم لأنه يناقض نواميس الأكوان، التي فيها كل شيئ موجود بحسبان ونظام دقيق البنيان، حتى أبسط حشرة لها جهازها التنفسي والهضمي وترى وتسمع وفي رأسها دماغ يوجهها

نعم الحشرات لها أشكالها لكن مفردات خلقها راسخة وذات أساس متين، فالنظام الذي يتوطننا ذاته موجود في الحشرة.

فكيف لنا الإعتداء على نواميس كون إنفجاري دوّار؟

الوجود محتوى والأشكال فيه تحصيل حاصل، وليست هدفا بذاته، فالفكرة هي الجوهر، ولكل عصر أفكاره وتحدياته، ومن الأصلح أن نناقش فكرة القصيدة لا شكلها، فالشكل قد يهين المحتوى.

الإبداع مولود من رحم الدوران، وينتفي بدونه، لأن كل شيئ سيموت لو توقفت الأرض عن حركتها الدورانية لبضعة ساعات.

قد يتساءل القارئ، ما علاقة ما تقول بالشكل الإبداعي، والحقيقة الغائبة أن الوجود بأسره كيان واحد، ويرتكز على منطلقات ثابتة تشترك فيها كافة المخلوقات، وأي إنحراف يعني الإنتهاء، لأن الموجود لكي يبقى عليه أن يتوافق مع المنظومة الكونية الدائبة الدوران.

تخطيط القلب السليم متشابه في جميع البشر، لكن أشكالهم مختلفة.

الفراهيدي لم يخترع علم العروض وإنما إكتشفه، وهو تعبير عن نبضات الأعماق البشرية، فكل عضو أو جهاز في أبداننا له إيقاعه المنتظم، وأي إضطراب فيه يتسبب بتداعيات خطيرة، فلو إضطربت ضربات القلب وتغيرت معالم تخطيطه، لأنذرنا بوجود أزمة ما.

إن الدعوة للتحرر من الإيقاع التعبيري المنتظم عما في دواخلنا، أشبه بالمناداة بإيقاف نبض القلوب.

إن نبضات الأعضاء البشرية متناسقة ومنسجمة، وهي التي أوجدت علم العروض، والفراهيدي أخرجه من خلف أستاره، وبينه لنا بوضوح.

فما قيمة أي نص شعري إذا تحرر من إيقاع دواخلنا النابضة بالحياة، والمنسجمة مع هارمونية الكون الفسيح المتسع؟

ربما علينا مراجعة مفاهيم الحداثة وإدراك أنها تولد من رحم الأصيل، ولا يمكنها أن تعيش دخيلة كالأدغال في مرج جميل.

واحدٌ أصلُ وجودٍ واحدُ

نَبْضُهُ فينا مُقيمٌ خالدُ

كُلّنا أبْناءُ قدْحٍ المُنتهى

فوقَ عرشٍ وعُروشٍ يَصْعدُ

جوهرٌ يَرقى وشكلٌ قد أتى

مُطلقاً يَسْعى فيُبْلى الجاحِدُ

***

د. صادق السامرائي

تهبّ علينا في قابل الأيام نسمات مباركة تعيد تحرير أرواحنا المثقلة... إن النفوس العطشى تنتظر كرنفالاً روحانياً هذه الأيام لتُسقى من نهر الدعوات التي تهطل كرذاذ مطر لتعلَق بضفاف المشاعر المقدسة...

خلال هذه الأيام النورانية، وكأننا على موعد مع السكينة الآتية من البقعة المباركة؛ هناك حيث تلك التهاليل وعمق التكبيرات التي يتردد صداها النوراني إلى أقصى حدود الكون...

في هذه الأيام نشعر وكأننا محاطون برداء من اللطف الإلهي ونحن نتأهب لاستقبال أيام وساعات ممتلئة بالكثير من التفاصيل الروحانية، وكأن الأشهر الحرم هدايا لقلوبنا التي تغوص في تعقيدات الحياة الدنيوية...

أشعر وأنا الآن أخطّ هذه السطور كأنني أسير عبر ممر يصعد بي نحو سماوات زمردية تتخطى حدودنا البشرية المحدودة...

كما إنني أشعر ككائن ضعيف تفيض من حدقاته أدمعٌ، وكأن كل هذه السكينة تجعلني أطفو فوق سطح الحياة بأسرها...

هذه الأيام تدخلنا في محراب مقدس لنخلع عند بابه كل التفاصيل الحياتية التي شغلتنا على مدار الساعة، ولتُعيد ضبط دقائق أرواحنا، وكأنها تضرب موعداً مع الكمال......

إن الأيام المشرعة للسكينة تجذبك بسحرها الازوردي بروحانية تتوغل إلى أعماقك دون سابق إنذار أو استئذان كأنها سحابة رحمة واسعة تحيط بنا جميعاً تجعلنا ننكمش بلطف على أنفسنا لنستقبل هذه الرحمات...

***

مريم الشكيلية - سلطنة عمان

في المثقف اليوم