عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

لو كان الامر بهذه البساطة. لو كان هناك ببساطة اناس اشرار في مكان ما يرتكبون اعمالا شريرة بخبث وكان يكفي فقط فصلهم عنا وتدميرهم.. لكن الخط الذي يفصل بين الخير والشر يمر عبر قلب كل انسان. ومن هو الذي يستطيع ان يدمر جزءا من قلبه؟... الكسندر سولجينتسين – ارخبيل غولاغ2547 ahmad

تحمل هذه الكلمات ثقلا فلسفيا عميقا ينعكس بصورة مدهشة في اجواء لوحة ايفان ايفازوفسكي الليلية. فقول سولجينتسين يذكرنا بان الشر ليس شيئا خارجيا يمكن عزله بسهولة عن العالم، بل هو صراع داخلي يسكن قلب الانسان نفسه. هذا التوتر بين النور والظلمة يبدو حاضرا بوضوح في اللوحة. فالبحر يغرق في ظلام كثيف، بينما يشق ضوء القمر طريقه عبر الغيوم ليترك خيطا فضيا فوق سطح الماء.

كأن اللوحة تقدم استعارة بصرية لفكرة سولجينتسين: داخل العتمة العميقة يظل هناك ضوء خافت، تماما كما يظل في قلب الانسان احتمال الخير حتى في لحظات الظلمة. القارب الصغير في قلب المشهد ليس مجرد عنصر بصري في لوحة بحرية، بل يكاد يكون صورة مكثفة للانسان نفسه: كائن هش يبحر في ظلمة لا يعرف حدودها، ويتحرك بصمت بين امكانية النور واحتمال الغرق في العتمة.

من الناحية البصرية تقوم اللوحة على تباين قوي بين الضوء والظلال. يحتل القمر مركز السماء تقريبا، محاطا بكتل كثيفة من الغيوم الداكنة التي تبدو كأنها تتحرك ببطء حوله. ومن هذا المركز المضيء ينساب الضوء ليعكس نفسه فوق سطح البحر في خط لامع يمتد نحو الافق، كأنه طريق فضي مفتوح وسط العتمة.

الامواج تبدو هادئة في ظاهرها، لكنها مفعمة بالحياة، تلتقط انعكاسات الضوء في ومضات متناثرة فوق الماء. وفي قلب هذا الامتداد الهائل يظهر قارب شراعي صغير يكاد يضيع بين البحر والسماء.

هنا تتجلى عبقرية ايفازوفسكي في خلق احساس بالمسافة والحجم، حيث يبدو العالم الطبيعي واسعا ومهيبا بينما يظل حضور الانسان دقيقا وهشا. تنتقل عين المشاهد من القمر الى انعكاسه على الماء ثم الى القارب الصغير، فتتشكل بذلك قصة صامتة عن العزلة وعن انسان يقف وحيدا امام اتساع الطبيعة وغموضها.

ولد ايفان ايفازوفسكي عام ١٨١٧ وكان واحدا من اعظم رسامي البحر في القرن التاسع عشر. نشا في مدينة فيودوسيا على ساحل البحر الاسود، ولذلك ظل البحر طوال حياته المصدر الاكبر لالهامه الفني. ينتمي ايفازوفسكي الى تقاليد المدرسة الرومانسية في الفن الاوروبي، وهي مدرسة سعت الى تصوير عظمة الطبيعة وقدرتها على اثارة رهبة وتأمل عميقين في نفس الانسان. وقد اشتهر بقدرته الاستثنائية على رسم الضوء، خصوصا ضوء القمر والفجر، حتى بدا البحر في كثير من اعماله كأنه كائن حي يتنفس ويتحرك.

ولم يكن البحر في لوحاته مجرد منظر طبيعي، بل فضاء رمزيا يعكس الحالة النفسية والروحية للانسان امام اتساع العالم وقوة الطبيعة وما يثيره ذلك من شعور بالرهبة والتأمل.

ومن زاوية اخرى نجد ان هذه الازدواجية بين النور والظلمة تاخذ بعدا اكثر عمقا عند محيي الدين بن عربي. فالعلاقة بين الخير والشر، او بين النور والظلمة، ليست عنده علاقة ثنائية بسيطة ينتصر فيها احد الطرفين على الاخر، بل هي علاقة جدلية معقدة تشكل نسيج الوجود نفسه.

ففي رؤيته يصبح الخلق برزخا بين النور والظلمة، اي مجالا تتداخل فيه المعاني وتتقاطع فيه المستويات. فالكائنات ليست خيرا خالصا ولا شرا خالصا، بل تحمل في باطنها منظورا الهيا خفيا وفي ظاهرها منظورا ماديا محدودا. وكما ينعكس ضوء القمر في لوحة ايفازوفسكي على سطح البحر ليخلق مساحات من النور وسط العتمة، كذلك قلب الانسان هو ذلك البرزخ الذي يتوسط بين النور الالهي وظلمة المادة.

ويصل هذا المعنى عند ابن عربي الى ذروته في رمزية ما سماه بعض الشراح النور الاسود، حيث يكون الحضور الالهي شديدا الى درجة يبدو معها محتجبا خلف ظلمة، فيتجلى كضوء لا تدركه الابصار بسهولة. هنا لا تصبح الظلمة مجرد غياب للنور، بل وجها اخر لحضور اعمق لا تستطيع الحواس المحدودة ان تحيط به.

وفي سياق معاصر يقدم الصديق و المفكر العراقي عبدالجبار الرفاعي قراءة اخرى لهذا الصراع الاخلاقي الداخلي. فهو يرى ان مشكلة الانسان المعاصر ليست في وجود قوى شريرة خارجة عنه فحسب، بل في اغترابه عن ذاته وعن هويته الانسانية.

فالانسان الذي لا يعرف نفسه ولا يعي اعماقه يصبح اكثر استعدادا لان يتحول الى اداة للشر دون ان يدرك ذلك. ومن هذا المنظور لا يمر الخط الفاصل بين الخير والشر عبر العالم الخارجي فقط، بل عبر درجة وعي الانسان بذاته.

فالانسان الذي يمتلك وعيا عميقا بكرامته الانسانية وبقيم العدالة والمحبة يكون اكثر قدرة على مقاومة الظلمة الكامنة فيه.

اما الانسان المغترب عن ذاته فيصبح اكثر عرضة لتضخم الانا التي تبرر كل شيء باسم حقيقة مطلقة يتوهم امتلاكها. وفي ضوء هذا المعنى يمكن النظر مرة اخرى الى القارب الصغير في لوحة ايفازوفسكي بوصفه رمزا للانسان الذي يحاول، وسط بحر مظلم واسع، ان يحافظ على بوصلته الاخلاقية وهو يمضي في رحلة لا يعرف نهايتها.

وهكذا تعود بنا الفكرة الى حيث بدات، الى عبارة الكسندر سولجينتسين التي تقول ان الخط الذي يفصل بين الخير والشر لا يمر عبر الدول ولا عبر الطبقات ولا عبر الاحزاب ، بل عبر قلب كل انسان.

ففي النهاية، سواء عبر ضوء القمر المنعكس على البحر في لوحة ايفازوفسكي، او عبر مفهوم البرزخ عند ابن عربي، او عبر نقد الاغتراب عند الرفاعي، يبقى السؤال موجها الى كل واحد منا:

هل نحن مستعدون لان نواجه ذلك الجزء من قلوبنا الذي قد يكون مظلما؟

وهل يمكن للانسان ان يعيش هذا التوتر بين النور والظلمة دون ان يحاول انكار احدهما؟

وربما لهذا تبدو تلك السفينة الصغيرة في قلب اللوحة مألوفة لنا جميعا، لانها صورة مكثفة لرحلة الانسان نفسه وهو يبحر بصمت في بحر الوجود، باحثا عن ضوء قد يكون في الافق، وقد يكون في اعماق قلبه.

***

د. احمد عابر

 

(في النهاية تفنى الحضارات لأنها تستمع إلى سياسييها لا إلى شعرائها).. يوناس ميكاس

هذا القول لا يقرأ بوصفه حكمة مجردة بل كتشخيص دقيق للحظة تاريخية يتراجع فيها الصوت الداخلي للانسان امام ضجيج السلطة. حين يغيب الخيال النقدي الذي يحمله الشعراء، اصحاب الفكر والفنانون يصبح الواقع محكوما بمنطق واحد هو القوة. لا يعود الانسان قادرا على رؤية نفسه او مساءلة افعاله بل يتحول الى اداة داخل حركة اعنف منه. في هذه الحالة لا تنهار الحضارات فجأة بل تتآكل تدريجيا من الداخل حين تفقد قدرتها على الاصغاء الى ما هو ابعد من السياسة والسلطة.2553 ahmad

لوحة الثاني من مايو ١٨٠٨ المعروفة ايضا باسم هجوم المماليك لا تقدم مشهدا يمكن قراءته بسهولة بل تضع المشاهد داخل قلب اضطراب بصري متواصل. لا يوجد مركز واضح للتركيز ولا نقطة استقرار للعين. التكوين مبني على حركة دائرية مضطربة تدفع النظر من طرف الى اخر من دون توقف. الخيول في قلب المشهد ليست مجرد عناصر بل محاور طاقة عنيفة تدفع الكتلة البشرية الى التفكك. اجسادها مشدودة عضليا في وضعيات متناقضة بين الهجوم والذعر ما يخلق توترا بصريا ينعكس على كامل اللوحة.

اللون يلعب دورا اساسيا في هذا الاضطراب. لا يوجد توازن لوني مريح بل صدام بين الالوان الترابية الداكنة والاحمر القاني الذي يظهر في بقع الدم والملابس. هذا الاحمر لا يعمل كعنصر جمالي بل كاشارة صادمة تقطع استمرارية المشهد وتعيد توجيه العين نحو العنف. الضوء بدوره غير مستقر فلا يأتي من مصدر واضح بل يتوزع بشكل غير متجانس على الوجوه والاجساد مما يعطي احساسا بان المشهد يحدث في حالة اضطراب زمني ايضا وليس فقط مكاني.

الحركة داخل اللوحة ليست خطية بل متكسرة. كل شخصية تبدو وكأنها تتحرك في اتجاه مختلف مما يلغي اي احساس بالتنظيم او القيادة. حتى المواجهة بين الطرفين لا تظهر كصراع واضح بين قوتين بل كتشابك فوضوي حيث تختلط الاجساد ولا يمكن التمييز بسهولة بين المعتدي والضحية. هذا التداخل البصري لا ينقل حدثا فقط بل يكشف عن لحظة يفقد فيها العنف اي معنى منظم ويصبح تجربة عمياء تتجاوز الافراد.

الوجوه في اللوحة ليست بطولية ولا مثالية بل متعبة ومشدودة بين الخوف والغضب. بعضها يصرخ وبعضها يحدق بفراغ وبعضها يكاد يختفي داخل الكتلة البشرية. هذا التعدد في التعبيرات لا يقدم سردا موحدا بل حالة نفسية جماعية حيث يفقد الفرد حدوده داخل الحشد. حتى الاجساد الساقطة في المقدمة لا تعامل كضحايا منفصلين بل كامتداد طبيعي للفوضى العامة.

من الناحية التركيبية تهيمن الخطوط القطرية على المشهد. السيوف وحركة الخيول والاجساد ترسم شبكة من الاتجاهات المائلة التي تدفع العين باستمرار الى الانزلاق. لا توجد خطوط مستقرة تمنح المشهد توازنا بل كل شيء في حالة ميل دائم وكأن العالم نفسه فقد مركزه. بهذا المعنى لا تقدم اللوحة معركة بل انهيارا بصريا لفكرة النظام نفسها.

اذا تجاوزنا القراءة البصرية البحتة يمكن النظر الى هذا المشهد من زاوية روحية اعمق. من منظور ابن عربي تبدو اللوحة كتجلي لخيال فقد اتصاله بالمصدر الذي يمنحه المعنى.

العالم هنا لا يخلو من الصور بل يفيض بها لكنه يفتقد النور الذي يجمعها. تتكاثر الاجساد والحركات لكن من دون مركز يوحدها. في هذا الغياب تتحول الافعال الى اشكال منفصلة لا تشير الى حقيقة اعمق.

ما نراه ليس مجرد عنف بل تشتت في الرؤية نفسها حيث يفقد الانسان قدرته على ادراك الكل ويغرق في الجزئيات المتصادمة.

اما في السياق الشعري فإن هذا الانفجار البصري يجد صداه في تصور لوركا الشاعر الغجري الاسباني، لما سماه الديوين.

لوركا يرى في اعماق الثقافة طاقة مظلمة قادرة على الخلق حين تمر عبر الفن لكنها تتحول الى قوة مدمرة حين تنفصل عنه.

في لوحة غويا تظهر هذه الطاقة من دون وسيط جمالي. اللون الاحمر لا يتحول الى استعارة بل يبقى جرحا مفتوحا. الوجوه لا تغني بل تصرخ. بهذا المعنى لا نرى حضورا للديوين بوصفه قوة ابداع بل انحرافه حين يفقد علاقته بالشعر.

في هذا المستوى تصبح اللوحة تجربة حسية وفكرية في آن واحد. المشاهد لا يقف خارجها بل يجد نفسه داخل اضطرابها. ما تقدمه ليس فقط تصويرا لانتفاضة بل تشريحا للحظة تنتصر فيها القوة على المعنى.

هنا تعود عبارة يوناس ميكاس لا بوصفها تأملا نظريا بل كحقيقة مرئية. حين تصغي الحضارات الى القوة وحدها تفقد قدرتها على التوازن ويصبح العنف لغتها الوحيدة.

 والسؤال الذي يبقى ليس عن الماضي بل عن الحاضر الذي نعيشه نحن ونحن نعيد الاصغاء ذاته.

***

د احمد عابر

 

تجدر الإشارة إلى أن العنوان يعكس جوهر الفكرة والمضمون الذي يحتويه النص، ولذلك يكون العنوان هو بوابة النص الإبداعي، والمدخل الى فضائه. فالعنوان هو أول ما يلفت انتباه القارئ إلى النص الإبداعي، بما ينبغي أن يعكسه من جوهر فكرة النص، والمضمون الذي يحتويه.

ولذلك يتطلب ان يحرص الكاتب على اختيار عنوان نصه، مقالا كان، او شعرا، او سردا، او غير ذلك من الكتابات، بعناية فائقة، ليكون معبرا، وجذابًا، ومثيرًا للإهتمام، في اوساط القراء، والمهتمين بالمطالعة.

وهكذا تأتي أهمية العنوان باعتباره جزءا أساسيا من هيكل النص الإبداعي، حيث يعكس تجليات المضمون الذي يحتويه النص، مما يتطلب أن يكون جذابا، ومثيرًا للإهتمام، بحيث يجذب القارئ للمسارعة إلى قراءة النص، والتفاعل مع مضمونه بشغف.

ولاريب أن اختيار عنوان جيد للنص، يتطلب من الكاتب مراعاة أن يكون العنوان واضحًا، ومفهومًا، وأن يكون جذابًا، ومثيرًا للإهتمام، ويعكس في الوقت نفسه، جوهر فكرة، ومضمون محتويات النص.

وبما ان العناوبن تاخذ اشكالا متنوعة، فالعنوان الوصفي منها، يعكس جوهر فكرة ومضمون النص، في حين ان العنوان الاستفهامي، يأخذ شكل تساؤل يجذب القارئ للمبادرة الى قراءة النص.

***

نايف عبوش

كلما أتى شهر مارس، وتحديدًا في الثالث عشر منه، يتذكر عشاق الشعر العربي أن شاعرًا عظيمًا قد ولد في ذلك اليوم من عام ١٩٤١ في قرية البروة بالجليل. ومثل كل عام، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة لماذا نظل نقرأ محمود درويش، رغم رحيله منذ ما يقرب من عقدين، ومع ذلك لا تغيب قصائده عن ألسنتنا ولا تغادر رفوف مكتباتنا؟

الإجابة ليست معقدة كما قد يتخيل البعض. نحن نقرأ محمود درويش لأن أسئلته ما زالت حية. نعم، بهذه البساطة. أسئلته عن الوطن، عن الهوية، عن المنفى، عن الحب، عن الموت، كلها أسئلة نطرحها نحن أيضًا كل يوم، وكلها أسئلة لم نجد لها إجابات شافية بعد.

درويش لم يكن مجرد شاعر يكتب قصائد جميلة نرددها في المناسبات. كان حالة ثقافية متكاملة، وكان صوتًا استثنائيًا لقضية عربية كبرى، لكنه بطريقة ما استطاع أن يجعل من هذه القضية الخاصة قضية إنسانية عامة. هو لا يتحدث عن الفلسطيني فقط، بل يتحدث عن كل إنسان له أرض يخاف عليها، وله ذكريات يتمسك بها، وله حلم في العودة ولو كان مستحيلاً.

سؤال الهوية

من أكثر الأسئلة إلحاحًا في عالمنا المعاصر هو سؤال الهوية. في زمن العولمة، وفي زمن الانفتاح الثقافي الكبير، وفي زمن الهجرات واللجوء والتشرد، صار الإنسان أكثر حيرة من أي وقت مضى من أنا بالضبط؟ إلى أين أنتمي؟ ما الذي يميزني عن غيري؟

هذه الأسئلة بالضبط هي ما طرحها محمود درويش في قصائده عبر سنوات إبداعه الطويلة. في قصيدته الأشهر "سجل أنا عربي"، لم يكن يرفع شعارًا سياسيًا فقط، بل كان يبحث عن ذاته في عالم يحاول اختزاله في أرقام وتصنيفات. عندما يقول "أنا عربي.. وأنا اسم بلا لقب"، إنه يصرخ في وجه كل من حاولوا تجريده من إنسانيته، لكنه في الوقت نفسه يعبر عن حالة إنسانية عامة، حالة من يشعر أن هويته مسلوبة أو مشوهة في عيون الآخرين.

في زمننا هذا، حيث تتصاعد خطابات الكراهية والعنصرية في العالم، وحيث تزداد الأسئلة حول الانتماء والمواطنة والاختلاف، نجد في محمود درويش ملاذًا فكريًا وحالة استثنائية. إنه الشاعر الذي استطاع أن يقول كلمته في وجه الظلم دون أن يتحول إلى خطيب سياسي جاف، واستطاع أن يتغنى بالحياة والحب والجمال دون أن يتخلى عن قضيته الكبرى. وهذا التوازن الصعب هو ما يميزه عن كثير من شعراء المناسبات.

المنفى وطن بديل!

نقرأ محمود درويش اليوم لأن المنفى لم ينتهِ. للأسف الشديد، لا يزال الملايين من البشر في عالمنا يعيشون حالة التشرد واللجوء والبحث عن وطن آمن. ولا يزال الفلسطينيون أنفسهم، الذين كان درويش صوتهم الشعري الأول، يعانون من الاحتلال والتهجير والشتات.

لكن محمود درويش في شعره لم يقتصر على منفى الجغرافيا فقط. لقد عاش وعلمنا أن نعيش منفى أعمق وأقسى؛ منفى الإنسان داخل وطنه، منفى المبدع داخل مجتمعه الذي لا يفهمه دائمًا، منفى العاشق داخل علاقته التي لا تكتمل، منفى الإنسان داخل جسده الذي يمرض ويهرم.

في قصيدته الجميلة "أحن إلى خبز أمي"، يتحول الحنين إلى وطن مفقود إلى حنين أوسع وأشمل، حنين إلى الطفولة، إلى البراءة، إلى الدفء العائلي، إلى ذلك الشعور بالأمان الذي نفقده جميعًا كلما تقدم بنا العمر. هذه القصيدة التي يحفظها الصغار والكبار على حد سواء ليست فقط عن فلسطين، بل هي عن كل بيت دافئ، عن كل أم حنون، عن كل ذكريات جميلة نحملها في قلوبنا أينما ذهبنا.

يقول درويش في هذه القصيدة الخالدة:

"أحن إلى خبز أمي

وقهوة أمي

ولمسة أمي

وتكبر في الطفولة

يومًا على صدر يوم

وأعشق عمري لأني

إذا مت،

أخجل من دمع أمي!"

هذا هو سر درويش الحقيقي: قدرته الفائقة على تحويل القضية السياسية إلى قضية إنسانية، وتحويل الهم الوطني إلى هم وجداني، وتحويل الحجر البارد إلى نبض دافئ.

الشعر والكلمات العادية

نقرأ محمود درويش لأنه يمنحنا لغة جديدة نعبر بها عما نعجز عن التعبير عنه. في زمن السرعة، زمن التغريدات المقتضبة، زمن الصور الجاهزة، زمن "السوشيال ميديا" الذي يختزل المشاعر في أيقونات وإيموجيات، نفتقر بشدة إلى اللغة العميقة التي تستوعب تعقيد مشاعرنا. درويش هو من يمدنا بهذه اللغة.

خذوا مثلاً قصيدته الرائعة "على هذه الأرض ما يستحق الحياة". كم مرة سمعتموها في الأفراح والأتراح؟ كم مرة نشرها أصدقاؤكم على فيسبوك في لحظات الفرح الغامر أو الحزن العميق؟ لأن هذه القصيدة ببساطة تلتقط ذلك الشعور المتناقض الذي ينتابنا عندما نرى جمال الحياة وسط كل هذا القبح الذي نعيشه.

يقول درويش:

"على هذه الأرض ما يستحق الحياة: تردد نيسان،

رائحة الخبز في الفجر،

آراء امرأة في الرجال،

كتابات أيسخلوس،

أول الحب،

عشب على حجر،

أم تقفون على شعري."

هذا المقطع يختصر فلسفة درويش في الحياة: الحياة تستحق أن تعاش رغم كل شيء. ليس تفاؤلاً أعمى يتجاهل الواقع، ولا تشاؤماً قاتلاً ينكر الجمال، بل نظرة متوازنة تحتضن المتناقضات: الحرب والحب معًا، الموت والحياة معًا، القهر والجمال معًا.

قصائده مرآة لكل منا

عندما سألت القراء عن أقرب قصائد درويش إلى قلوبهم، تنوعت الإجابات بشكل لافت. قال البعض "أحن إلى خبز أمي"، وقال آخرون "سجل أنا عربي"، وفضل ثالث "وتنسى كأنك لم تكن"، ورابع "عابرون"، وخامس "في البال أغنية"، وسادس "الجدارية"، وسابع "بيروت"، وأخيرًا "معظم ما كتبه محمود درويش يستحق القراءة مثلما على هذه الأرض ما يستحق الحياة".

هذا التنوع في الإجابات يكشف حقيقة مهمة، هي أن محمود درويش ليس شاعراً أحادي البعد. هو شاعر يستطيع كل قارئ أن يجد فيه ما يناسبه، ما يعبر عن مرحلته العمرية، ما يلامس تجربته الشخصية. "أحن إلى خبز أمي" تناسب لحظات الحنين، "سجل أنا عربي" تناسب لحظات التحدي والصمود، "الجدارية" تناسب لحظات التأمل العميق، "وتنسى كأنك لم تكن" تناسب لحظات المرارة والخيبة.

وهذا هو سر الخلود الأدبي، أن يكون النص قادراً على أن يعيش خارج سياقه الزمني، وأن يجد فيه كل جيل ما يعبر عنه، وأن يظل مفتوحاً على تأويلات متعددة.

بين المأخذ والإبداع

الموضوعية تقتضي أن نقول إن درويش لم يكن خالياً من المآخذ النقدية. بعض النقاد يرون أن مرحلته الأخيرة، رغم عمقها الفلسفي الكبير، افتقدت إلى تلك العفوية والحميمية المباشرة التي ميزت قصائده الأولى. كما أن بعض قصائده الطويلة مثل "الجدارية" قد تكون صعبة على القارئ العادي، وتحتاج إلى أكثر من قراءة وتأمل لفك شفراتها.

أيضاً، هناك من ينتقد درويش لأنه في مرحلة ما بعد اتفاق أوسلو، ابتعد قليلاً عن الهم المباشر للقضية الفلسطينية وانشغل بهموم إنسانية أوسع. البعض اعتبر هذا تطوراً طبيعياً لأي شاعر كبير، والبعض الآخر اعتبره تراجعاً عن دوره الوطني كناطق باسم المقاومة.

لكن الشيء المؤكد أن محمود درويش ظل طوال حياته صادقاً مع نفسه ومع تجربته الشعرية. لم يكرر نفسه، لم يرضَ بالسهل، لم يستسلم للشعارات الجاهزة. ظل يبحث، يجرب، يطور أدواته، يقلق نصوصه، حتى الرمق الأخير. وهذا هو الفرق بين الشاعر الحقيقي وصانع القصائد.

كلمة أخيرة

لماذا نقرأ محمود درويش اليوم؟ لأننا في أمس الحاجة إلى من يذكرنا أن القضية الفلسطينية ليست مجرد أرقام وإحصائيات وتقارير في الأمم المتحدة، بل هي قصص إنسانية حية، ومشاعر جياشة، وذكريات مؤلمة، وأحلام مؤجلة. نحتاج إلى من يحول الحجر البارد إلى قصيدة نابضة، والمفتاح الصدئ إلى رمز خالد، واللاجئ المنسي إلى إنسان له كرامة ووجه وقضية.

في النهاية، سيظل محمود درويش حاضراً في وجداننا ما دام هناك من يتذكر أن "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، وما دام هناك من يشعر أنه "عابر في كلام عابر"، وما دام هناك من يبحث عن وطن، أو عن هوية، أو عن لغة تعبر عما في داخله من مشاعر متدفقة.

كل عام وأنت يا محمود أيقونة الفلسطينيين، وضمير العرب، وصوت كل من لا صوت له. كل عام وأنت في قلوبنا ووجداننا، تماماً كما كنت دائمًا، وكما ستبقى دائمًا وأبدًا.

***

د. عبد السلام فاروق

 

آنذاك

بردت الشمس

وغابت البركة عن الأرض

وجف العشب في الصحارى

وجفت الأسماك في البحار

وصار التراب بعد ذلك

يرفض أن يحتضن موتاه

وكان الليل في جميع النوافذ الشاحبة

مثل تصور غامض

يتكاثف ويطغى باستمرار.

فروغ فرخزاد من قصيدة آيات ارضية-ترجمة من الفارسية2537 ahmad

بهذه الصور الشعرية الكثيفة ترسم فروغ فرخزاد مشهدا كونيا للفجيعة، حيث لا يقتصر الحزن على الإنسان وحده، بل يمتد إلى الطبيعة كلها، فتختل موازين العالم وتدخل الأرض في حداد عميق. هذه الرؤية الكونية للفاجعة تفتح بابا لفهم مأساة كربلاء بوصفها حدثا يتجاوز حدود التاريخ ليصبح تجربة إنسانية و روحية عميقة.

هذا الشعور ذاته يتجسد بصريا في لوحة "ليلة الغرباء" للفنان الإيراني محمود فرشجيان. فاللوحة لا تكتفي بتصوير واقعة تاريخية، بل تحول مأساة كربلاء إلى لغة تشكيلية تنبض بالحزن والرهبة والسمو الروحي في آن واحد.

تصور اللوحة ليلة الحادي عشر من محرم، حين بقيت نساء وأطفال آل البيت وحدهم في صحراء كربلاء بعد استشهاد الإمام الحسين وأصحابه.

في مركز اللوحة تتجمع مجموعة من النساء والأطفال في حالة من الذهول والفق. الوجوه مغطاة أو خافية، وكأن الفنان لا يريد تصوير أفراد بعينهم بقدر ما يريد التعبير عن حزن جماعي يتجاوز الأشخاص إلى معنى إنساني أوسع.

في أعلى المشهد تتصاعد النيران من الخيام المحترقة بلون برتقالي حاد، يتناقض مع الظلال الزرقاء والخضراء التي تغمر بقية اللوحة. هذا التباين اللوني لا يؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل يخلق توترا عاطفيا يعكس عمق المأساة. حتى الأشجار تبدو منحنية وكأن الطبيعة نفسها تشارك في هذا المأتم.

ومع ذلك فإن اللوحة لا تقتصر على تصوير الحزن وحده. ففي هيئة النساء شيء من الجلال والوقار، وفي الأيدي المرفوعة نحو السماء معنى الرجاء والدعاء. فالمشهد يجمع بين الألم والسمو في لحظة واحدة، بين الفاجعة الأرضية والالتفات نحو الغيب.

هذا البعد الروحي في اللوحة يقودنا إلى تأملات في طبيعة الحزن والذاكرة.

فقد ابن عربي معنى الحزن حين رأى أن الحزن لا يكون إلا على فائت، وأن الفائت لا يعود بعينه، لكنه يعود بمعناه كلما استدعته الذاكرة. وعندئذ يتجدد الشعور بالفقد في القلب، لا لأن الحدث عاد، بل لأن معناه عاد إلى الوجدان.

بهذا المعنى يمكن النظر إلى لوحة فرشجيان بوصفها استحضارا لجوهر تلك اللحظة التاريخية. فهي لا تعيد الحدث كما وقع، بل تستدعي روحه ومعناه الذي يتكرر في الذاكرة الجمعية كلما استعيدت المأساة. وهكذا يصبح الفن وسيلة لإحياء الفائت، لا بإعادته في الزمن، بل بجعله حاضرا في الشعور الإنساني.

كما أن حالة الحيرة التي تعقب الفقدان الكبير تظهر بوضوح في تكوين اللوحة. فالشخصيات تبدو وكأنها تبحث عن اتجاه: هل تتجه نحو السماء أم نحو الخيام المحترقة أم نحو الصحراء الممتدة حولها؟ هذه الحيرة الوجودية ليست مجرد ارتباك، بل هي لحظة من لحظات المواجهة العميقة مع الفقدان، حين يجد الإنسان نفسه واقفا بين الألم والإيمان.

ومن زاوية أخرى يمكن قراءة اللوحة في ضوء تأملات أبي حامد الغزالي في معنى الصبر. فقد رأى الغزالي أن الصبر الجميل لا يعني غياب الألم، بل يعني أن يبقى القلب متعلقا بالله حتى وهو يعيش مقتضى البشرية من الحزن والبكاء. فالبكاء ليس نقيض الصبر، بل أحد تعبيراته الإنسانية.

هذا المعنى يتجلى في اللوحة بوضوح. فالنساء يتوجعن، لكن المشهد لا يوحي بالانهيار. هناك شموخ خفي في الوقفة، وكرامة في الحزن نفسه. فالمأساة هنا ليست مجرد خسارة بشرية، بل تجربة روحية يتحول فيها الألم إلى طريق من طرق المعنى.

ومن هذا المنظور تتحول النيران المشتعلة في الخيام من رمز للدمار وحده إلى علامة على التحول. فكما يولد الضوء من قلب النار، يولد المعنى من قلب البلاء. وهكذا لا ترسم اللوحة الهزيمة، بل ترسم لحظة إنسانية يتجلى فيها الألم والرجاء في آن واحد.

وفي النهاية نعود إلى قصيدة فروغ فرخزاد التي صورت عالما بردت فيه الشمس وجفت الحياة. غير أن هذا الليل الكثيف لا يلغي إمكانية الفجر. وكذلك في لوحة فرشجيان، حيث يجتمع الدمع والرجاء في مشهد واحد: خيام محترقة، وأيد مرفوعة بالدعاء، ووجوه خافية تحمل حزنا يتجاوز الزمن.

وهكذا يلتقي الشعر والفن والتأمل ليقدموا قراءة متعددة الأبعاد لليلة الغرباء. فهي ليست مجرد ليلة من التاريخ، بل لحظة إنسانية عميقة يتجسد فيها الحزن والرجاء والحيرة والصبر، ويقف فيها الإنسان وحيدا أمام الفاجعة، لكنه يقف وهو يتجه بقلبه نحو عالم الغيب.

ويبقى بعد تأمل هذه اللوحة عدد من الأسئلة مفتوحا أمام القارئ:

هل يستدعي الفن ذكرى الألم فقط، أم أنه يحول تلك الذاكرة نفسها إلى معنى روحي يجعل الفاجعة طريقا إلى نور لا ينطفئ؟

وهل يعيد الفن تمثيل المأساة كما وقعت، أم أنه يكشف عن معناها العميق الذي لا يظهر في التاريخ وحده؟

ثم هل يمكن للذاكرة الجمالية أن تحول الحزن الإنساني إلى طاقة روحية تبقي المعنى حيا في وجدان الأجيال؟

***

د احمد عابر

 

لقد قرأ الموروث الإنساني بتراثه الديني وأبعاده الإجتماعية الابن الذكر بوصفه ركيزة الوجود والساعد الذي يشتد به العضد والإمتداد الذي يحمل الإسم والراية عبر الأجيال ولا يسعني وأنا المرأة المعرفية إلا أن أنحني تقديراً لهذا الحضور الذكوري الذي صاغ التاريخ بفروسيته وشجاعته وأقرّ بوجاهة هذا الإعتقاد الذي يرى في الولد مفتاحاً لغلق فجوات الحياة وتأمين مسالكها

 فاحترام هذا المقام لا أقوله مجرد مسايرة للمجتمع إنما هو اعتراف بتركيبة فطرية وقيمية جعلت من الرجل سنداً وكياناً لا يُنكر فضله

​لقد كان فضولي نحو الابن الذي لم أحمله إلا في خيالي نابعاً من هذا الإحترام العميق لرمزية الذكورة في وعينا الجمعي وكنتُ أتساءل بذات الشغف المعرفي:

كيف سيكون صدى صوت

الابن وهو يناديني أمي؟ وكيف ستبدو الحياة بوجود ذلك الفارس الصغير؟ لم يكن فضولاً نابعاً من شعور بالدونية بل كان تقديراً لنموذج إنساني أراه في كل شاب محترم أصادفه فأمنحه أمومتي الروحية وأرى فيه

/الابن الذي لم يولد/ كتحية صامتة لكل رجل شهم يبني ويرعى

​لكن وفي غمرة هذا التقدير للغير جاءت بناتي ليعلنّ عن معجزة الاكتفاء هنّ لم يأتين لمنافسة مقام الذكورة أو إلغاء ضرورته بل جئن ليثبتن أن الكمال قد يتجلى في صورٍ شتى.

 بناتي كنّ الأرض التي ثبتت عليها قدماي والسماء التي أظلت روحي بوفاء لا يشيخ لقد حوّلن الندم المفترض إلى حكمة حاضرة وعلمنني أن السند هو فعل حب قبل أن يكون نوع جنس

​إنني اليوم وبكل اتزان بين احترام العقيدة وتقدير الموروث أقف في منطقة التنوير الوجداني فلا أنا أنكرتُ حاجة المجتمع للرجل وحضور الذكر البهي في ثنايا حياتنا ولا أنا سمحتُ لغيابه في بيتي أن يكسر هيبة امتلائي

 لقد وجدتُ في بناتي الشمول الذي يغني عن التعداد وفي وفائهنّ الصدق الذي لا يحده زمن. ​أقولها وأنا ممتلئة بالرضا: لستُ امرأة فقدت غصناً.  أنا شجرةٌ أدركت أن جذورها في البنات تمنحها من الشموخ ما يضاهي الجبال.  أحترم كل أبٍ يفاخر بابنه وأقدر كل ابن بار بأمه. . لكني في محرابي الخاص أرتل صلاة الشكر على بناتي اللواتي جعلن من حياتي قصيدة كاملة لا نقص فيها ووجوداً يعلمني كل يوم أن الحب الصادق هو الابن الحقيقي الذي لا يرحل أبداً.

***

مرشدة جاويش

2004 من ذاكرة الورق

 

هناك…في الماضي الجميل يمشي رمضان في الأزقّة ببطء، ليحمل فانوسه القديم، ويطرق أبواب الذاكرة كلّ مساء. أجلس في مساء هذا اليوم فتتقدم صورة نمطيّة للحارة القديمة من عمق الذاكرة في مشهد عاد بعد غيابٍ طويل لأزقة تضيق بالحياة، ولبيوت تتقارب حتى يبدو جدارها كأنه كتف الجار، ولقلوب طيبة عاشت يومها وهي تعرف طريقها بين الأبواب كما تعرفه الخطوات.

عند الغروب كانت الشمس تميل فوق السطوح الحجرية، فينسكب الضوء في الزقاق مثل ذهبٍ دافئ، وتتصاعد الروائح من البيوت في وقتٍ واحد.

من رائحة خبز التنور، فشوربة العدس، إلى رائحة القرفة التي تلامس الحلوى، والقطايف التي تنضج في الزيت بصوتٍ صغير يشبه الهمس، فالحارة كلها تشبه مطبخاً واحداً، وكلّ من الجوع والفرح يقيمان في بيتٍ واحد.

آنذاك كان الأطفال يملأون الطريق بالحركة، وأقدامهم الصغيرة تضرب حجارة الزقاق بإيقاعٍ سريع، أمّا فوانيسهم فلا زالت تتمايل في الأيدي مثل نجومٍ هبطت لتلعب معهم حتى اليوم الأخير من أيام العيد.

تبدأ لعبة عند زاوية، وتمتد أخرى قرب بابٍ قديم، وما بين صيحة تعلن بداية المطاردة إلى صيحة تبسط نفوذها معلنة الختام، ثم ضحكات تفيض بها أرواحهم البريئة حتى تصل إلى النوافذ.

في تلك الساعة كانت الأبواب تتحرّك بحنوٍّ خاص، فتخرج يد بصحنٍ عامر، ويد تستقبله بامتنان.

في مشهدٍ عفوي يعبر طبق إلى بيت الجار، يتبعه طبق آخر، وتتنقل الأطعمة كما تتنقل معها رسائل سامية من الدعوات والتحيات.

ولك أنْ تلتقي طفلا صغيرا يحمل الصحن بكلّ وقار كأنه رسولٌ صغير في مهمةٍ عظيمة، وسرعان ما يعود بصحنٍ آخر يحمل نكهة بيتٍ مختلف.

وما هي إلا دقائق حتى يرتفع الأذان، فيتّسع الصمت لحظة، ويجلس الجميع حول المائدة.

والباكورة للتمرة الأولى التي تمر بين الأصابع، والماء البارد الذي يهبط في الحلق كنسمةٍ رقيقة بعد نهارٍ طويل.

في تلك اللحظة تبدو الحارة قلباً واحداً ينبض في صدور كثيرة، ويمضي الليل في دفءٍ خفيف.

وبعد صلاة التراويح يجتمع الناس حول شاشةٍ صغيرة، وتبدأ فوازير رمضان عند سؤال يوقظ الضحك والتخمين، والأطفال يلوحون بإجاباتهم كأنهم اكتشفوا سرّ العالم.

ومن بعيد تتسلل الابتهالات عبر الهواء بصوت رخيم ينساب فوق الأسطح، فيهدأ الزقاق وتلين روحه.

لكنّ الزمن يمضي…ويمضي معه كل شيء، فالأزقة اليوم تعرف صمتاً أطول، والفوانيس التي كانت تتأرجح في أيدي الأطفال صارت ذكرى أسيرة معلقة في زاوية القلب.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

قال المحبوب: "انا ذلك الترنج الذي لا يتسع له العالم" فاجابه العاشق: "انت أجمل من الترنج، ولكن لا يمكن الإمساك بك".

الخواجة الكرماني - من احدى غزلياته - مترجمة من الفارسية2531 ahmad

الترنج في الثقافة الفارسية ليس مجرد ثمرة الأترج، بل هو الشكل البيضوي أو اللوزي الذي يتوسط التصاميم الفنية، ولا سيما في زخارف المساجد و المراقد. هذا الشكل المركزي يمثل النقطة التي تتفرع منها الزخارف كلها، وكأن العالم ينتظم حول مركز واحد. وقد رأى بعض الباحثين المعاصرين فيه تعبيرا بصريا عن الحقيقة الإلهية حيث هي مركز الوجود الذي تنبثق منه الكثرة. حين يقول المحبوب "لا يتسع له العالم"، فهو يشير إلى جمال أو حقيقة تتجاوز كل الحدود المادية، ويجيبه العاشق بأن هذا الجمال المطلق لا يمكن امتلاكه، بل فقط التأمل فيه.

بعد قرون من هذا الغزل الفارسي، نجد الحب نفسه يتجسد بلغة بصرية في لوحة حب أبريل التي أنجزها الفنان الإنجليزي آرثر هيوز بين عامي ١٨٥٥ و١٨٥٦. تظهر في اللوحة فتاة جالسة في حديقة غنية بالخضرة والأوراق المتساقطة. للوهلة الأولى يبدو المشهد هادئا، لكن مع التأمل نكتشف أن عيني الفتاة تلمعان بالدموع. ثم يظهر تفصيل خفي: في الخلفية، يكاد حبيبها يختفي بين الأشجار، جالسا واضعا رأسه بين يديه، إذ يندمج لون ثيابه مع جذوع الأشجار حتى يكاد المشاهد لا يميزه لأول وهلة. والمثير أن كثيرا من المشاهدين قد ينظرون إلى اللوحة سنوات دون أن يلاحظوا هذا الرجل في الخلفية أو دموع الفتاة. كأن الفنان تعمد أن يجعل الحزن جزءا من المشهد الطبيعي، لا يظهر إلا لمن يتأمل طويلا.

تزدان اللوحة بعناصر رمزية بديعة: اللبلاب المتسلق ربما يرمز للحياة الأبدية، والورد يرمز للحب، بتلات الورد المتساقطة على الأرض توحي بنهاية الحب، وزهور الأرجوان ترمز لذكريات الشباب والحب الأول. هذه الرموز لا تكتفي بالظهور، بل تتفاعل مع بعضها: اللبلاب الدائم الخضرة يحيط بالورد المتساقط، وكأن الحياة لا تتوقف عند انتهاء الحب، والأرجوان البنفسجي يذكر بالذكريات الجميلة وسط مشهد الحزن. هكذا يمزج الفنان بين الأمل واليأس في إطار واحد. الفستان البنفسجي الذي ترتديه الفتاة يتوازن بدقة مع الخضرة المحيطة. لكن درجات الأخضر ليست متجانسة؛ فثمة أخضر داكن في الظل، وأخضر زاه حيث يلامسه الضوء، مما يخلق حوارا لونيا يعكس تعدد المشاعر الإنسانية في لحظة واحدة. هذا التوازن بين البنفسجي والخضرة يجعل المشاعر تبدو وكأنها تنتمي إلى الطبيعة نفسها. أما النموذج الذي رسمت منه الفتاة فهي تريفينا فورد، التي تزوجها هيوز عام ١٨٥٥، أي في العام نفسه الذي بدأ فيه رسم اللوحة. كان يرسم حبه الحقيقي وهو يتأمل لحظة ألمهما المشترك. هذه المعلومة الإنسانية تضفي على اللوحة بعدا آخر: إنها ليست مشهدا متخيلا، بل لحظة حقيقية من حياة الفنان، تحولت بفرشاته إلى أيقونة خالدة.

كان آرثر هيوز أحد الفنانين المرتبطين بجماعة "الإخوة ما قبل الرفائيليين" التي ظهرت في بريطانيا عام ١٨٤٨. سعى هؤلاء الفنانون إلى العودة إلى أساليب الرسم التي سبقت عصر رفائيل، أي فن القرن الخامس عشر الإيطالي، الذي رأوا فيه صدقا وبساطة واهتماما بالتفاصيل الطبيعية.

هذا المشهد الإنساني المؤثر يذكرنا بما يقول ابن عربي في فتوحاته المكية متأملا طبيعة العشق:

"العِشْقُ هو والشَّوْقُ أنت.. ابتداءُ العِشْقِ الشَّوْقُ، وانتهاءُ الشَّوْقِ العِشْقُ.. فافهم ذلك".

ويضيف في موضع آخر:

"كل حب يكون معه طلب، لا يعول عليه... كل شوقٍ يسكن باللقاء، لا يعول عليه".

هذه الرؤية العميقة تضع الحب في مرتبة تتجاوز مجرد العلاقة العاطفية؛ فالحب الذي يسكن باللقاء ويهدأ بالوصول ليس حبا حقيقيا عند أرباب هذا المقام. بل الحب هو حالة وجودية لا تطلب الامتلاك ولا تسكن إلى اللقاء، بل تبقى في حالة شوق دائم. في اللوحة، الفتاة وحبيبها يعيشان لحظة الفراق والألم، لكن هذا الألم نفسه هو دليل على أن حبهما لم يسكن بعد، ولم يتحول إلى طلب أو امتلاك.

ومن زاوية أخرى، نجد في تراث إخوان الصفا تأملات عميقة في المحبة بوصفها مبدأ كونيا. فقد جاء في رسائلهم أن غايتهم هي "التظافر والسعي إلى سعادة النفس عن طريق العلوم التي تطهر النفس".

وهم يرون أن المحبة تسري في الوجود كله، وأن الفضائل الفلسفية والروحية ترقى بالإنسان إلى مرتبة أقرب إلى الكمال الإلهي. في اللوحة، الحب لا يظهر فقط في الشابين، بل يسري في الطبيعة كلها. النباتات هنا ليست مجرد خلفية، بل هي مشاركة في الحدث: اللبلاب المتسلق يعانق جذوع الأشجار كما يعانق الحب القلوب، والورد المتساقط يشارك الفتاة حزنها، والألوان المتناغمة تعكس انسجام الوجود كله تحت سقف الحب.2530 ahmadاما الصديق والمفكر عبد الجبار الرفاعي، فيتناول في كتابه "الدين والاغتراب الميتافيزيقي" فكرة الحب بوصفه تجربة وجودية تتجاوز المألوف. يذهب الرفاعي إلى أن الحب الصادق يحمل طابعا مقدسا، حيث يختبر الإنسان فيه نوعا من التجاوز للذات، ويلمس حضورا لا يمكن اختزاله في المادة.

الفتاة في اللوحة، بدموعها الخفيفة وحبيبها المتخفي خلف الأشجار، تعيش هذا التجلي للحب حتى في لحظة الألم والفراق. الألم هنا ليس نقصا في الحب، بل هو دليل على عمقه وصدقه.

نعود إلى الخواجة كرماني:

"انا ذلك الترنج الذي لا يتسع له العالم"،

"انت اجمل من الترنج، ولكن لا يمكن الامساك بك".

المحبوب هنا يقول إنه ذلك الترنج، لكنه اكبر من ان تتسع له الدنيا. إنه الجمال المطلق الذي لا يحد.

والعاشق يعترف بان هذا الجمال اجمل من اي شكل مرسوم، لكنه مع ذلك لا يمكن الامساك به او تملكه.

هذه هي مفارقة الحب الأسمى: حضوره اقوى من اي حضور، لكنه يفلت من كل محاولة للتملك.

هنا يتكشف التشبيه البصري الأعمق: فكما ان الترنج يتوسط  وتتفرع منه الزخارف، فإن الفتاة تتوسط التكوين البصري للوحة، والطبيعة من حولها - بأشجارها وأوراقها وزهورها - تشبه الزخارف المتفرعة من المركز.

هي مركز هذا العالم المصغر، وكل ما يحيط بها انما هو امتداد لحضورها. لكن اللوحة، مثل الترنج، لا تقدم لنا حبا يمكن الامساك به، بل حبا يمكن التأمل فيه فقط.

الفتاة تبكي، والحبيب يختبئ خلف الأشجار، والورد يتساقط، لكن اللوحة لا تنقل اليأس. بل تنقل جمالية حتى في الحزن نفسه، وكأن الالم هنا ليس نهاية الحب، بل هو جزء من حضوره. الحب الذي يظهر في دموع الفتاة هو الحب نفسه الذي يسري في الطبيعة، والذي يتجلى في الترنج الذي لا يتسع له العالم. ربما كان الفنان يرسم اكثر من مجرد لحظة شجار عابر.

ربما كان يرسم تلك الحقيقة التي أشار إليها الخواجة كرماني من قبل: أن الجمال الحقيقي - سواء كان جمال المحبوب أو جمال الحب نفسه - لا يمكن الإمساك به أو تملكه. يمكن فقط التأمل فيه، كما نتأمل الترنج في وسط الزخارف، وكما نتأمل الفتاة في وسط اللوحة، وكما تتأمل الزخارف مركزها دون أن تطمح لأن تحل محله.

وربما يتساءل البعض اذا كان الحب الذي لا يمسك به هو وحده الذي يستحق أن نسميه حبا، فهل يعني ذلك أن كل حب نمسك به يتحول إلى شيء آخر؟ وهل يبقى لنا من الحب الحقيقي إلا صور نتأملها، وأبيات نرددها، وألوان تتحدث إلينا عبر الزمن، ونحن ندور حول مركز لا نبلغه أبدا؟!!!

***

د احمد عابر

 

برحيل الكاتبة العراقية لطيفة الدليمي في الثامن من مارس 2026 في عمّان، يطوى فصل مهم من فصول السرد العربي المعاصر. فقد كانت هذه الكاتبة واحدة من الأصوات الهادئة والعميقة التي أسهمت، على امتداد عقود طويلة، في بناء رؤية سردية تتجاوز حدود الحكاية إلى فضاءات الفكر والتأمل الفلسفي. إن خسارة الثقافة العربية لاسم مثل لطيفة الدليمي ليست مجرد فقدان كاتبة مبدعة، بل فقدان تجربة إنسانية وفكرية نادرة جعلت من الأدب وسيلة لفهم العالم ومساءلة مصائر الإنسان في زمن التحولات الكبرى.

وُلدت لطيفة الدليمي سنة 1939 في العراق، ونشأت في بيئة ثقافية جعلتها مبكراً تميل إلى القراءة والكتابة. وقد درست اللغة العربية في جامعة بغداد، وهو ما أتاح لها التكوين المعرفي الذي سيغذي لاحقاً مشروعها الأدبي. ومنذ بداياتها في ستينيات القرن الماضي، اختارت الدليمي أن تنتمي إلى تيار أدبي ينظر إلى الكتابة بوصفها فعلاً معرفياً، لا مجرد نشاط جمالي. ولذلك جاءت أعمالها الأولى محمّلة بأسئلة الإنسان والوجود، وبحساسية اجتماعية واضحة تجاه التحولات التي عاشها المجتمع العراقي والعربي.

تميّزت تجربة الدليمي السردية بقدرتها على المزج بين الحكاية والتأمل الفكري. فالرواية عندها ليست مجرد بناء تخييلي، بل فضاء لتقاطع الأسئلة الكبرى المتعلقة بالهوية والحرية والذاكرة. لقد كانت تدرك أن السرد يستطيع أن يكون شكلاً من أشكال التفكير، وأن الرواية يمكن أن تتحول إلى مختبر لاختبار الأفكار والرؤى حول الإنسان والعالم.

ومن أبرز ما يلفت الانتباه في أعمالها هو انشغالها الدائم بالإنسان في لحظة القلق الوجودي. فشخصياتها غالباً ما تعيش على تخوم التحولات التاريخية، محاصرة بأسئلة المعنى والهوية. ولعل هذا ما جعل نصوصها تبدو أقرب إلى تأملات عميقة في المصير الإنساني، حيث يتجاور الخاص والعام، ويتداخل الفردي مع الجماعي. لقد كتبت عن الحروب، وعن الاغتراب، وعن ذاكرة المدن التي أنهكتها الصراعات، لكنها في الوقت نفسه كتبت عن الأمل الكامن في قدرة الإنسان على إعادة بناء ذاته.

ومن بين المحاور الأساسية في مشروعها الأدبي حضور المرأة بوصفها ذاتاً فاعلة لا مجرد موضوع سردي. لقد سعت الدليمي إلى إعادة صياغة صورة المرأة في الأدب العربي، فابتعدت عن القوالب التقليدية التي تختزلها في دور اجتماعي ضيق، وفتحت أمامها أفقاً إنسانياً وفكرياً أرحب. فالمرأة في نصوصها كائن مفكر، يتأمل العالم ويقاوم القيود الاجتماعية والثقافية التي تحاول تحديد مصيره.

ويظهر هذا التوجه بوضوح في عدد من أعمالها الروائية والقصصية، من بينها رواية عالم النساء الوحيدات التي تُعد من أبرز نصوصها، حيث قدمت فيها رؤية سردية عميقة لعالم النساء في سياقات اجتماعية معقدة. كما أصدرت مجموعات قصصية عديدة مثل ممر إلى أحزان الرجال و"موسيقى صوفية"، وهي نصوص كشفت عن حساسية لغوية خاصة وعن قدرة على التقاط التفاصيل الإنسانية الدقيقة.

ولم تقتصر مساهمة الدليمي على الإبداع السردي فحسب، بل امتدت إلى مجال الترجمة والعمل الثقافي. فقد نقلت إلى العربية عدداً من الأعمال الفكرية والعلمية، وكتبت مقالات في الثقافة والفكر، الأمر الذي منح تجربتها أفقاً معرفياً واسعاً. لقد كانت تؤمن بأن الكاتب لا ينبغي أن ينعزل داخل حدود النص، بل أن يكون منخرطاً في الحوار الثقافي الأوسع.

أما على مستوى الأسلوب، فقد عُرفت الدليمي بلغة شفافة تميل إلى التأمل الهادئ أكثر من ميلها إلى الصخب البلاغي. فالسرد عندها يقوم على بناء تدريجي للعالم الروائي، حيث تتشكل الشخصيات عبر التفاصيل الدقيقة، وتنبثق الأفكار من داخل التجربة الحياتية للشخصيات. وقد منحها هذا الأسلوب قدرة على خلق نصوص تتسم بالعمق الإنساني، دون أن تفقد جاذبيتها الجمالية.

إن قراءة تجربة لطيفة الدليمي تكشف عن مشروع أدبي متكامل، يقوم على الإيمان بأن الأدب قادر على توسيع أفق الوعي الإنساني. فالرواية بالنسبة إليها ليست مجرد وسيلة للتسلية، بل وسيلة للتفكير في العالم، ولفهم التحولات التي يعيشها الإنسان في العصر الحديث. ولذلك فإن نصوصها لا تنفصل عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالحرب والمنفى والهوية والذاكرة.

واليوم، بعد رحيلها، يبدو واضحاً أن إرثها الأدبي سيظل جزءاً من الذاكرة الثقافية العربية. فالكتّاب الحقيقيون لا يغيبون تماماً، لأن نصوصهم تظل قادرة على الحياة في وعي القراء وفي ذاكرة الأدب. ومن خلال أعمالها العديدة، ستبقى لطيفة الدليمي حاضرة كواحدة من الكاتبات اللواتي وسّعن أفق السرد العربي، وفتحْن أمامه مسارات جديدة تجمع بين الجمال والمعرفة.

لقد رحلت الكاتبة، لكن عالمها السردي ما يزال مفتوحاً، يدعو القرّاء إلى الدخول إليه واكتشاف تلك الأسئلة العميقة التي ظلت ترافق كتابتها: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على إنسانيته وسط الخراب؟ وكيف يستطيع الأدب أن يكون شاهداً على الألم، وفي الوقت نفسه حارساً للأمل؟

بهذه الأسئلة نفسها سيظل اسم لطيفة الدليمي حيّاً في تاريخ الأدب العربي، بوصفها كاتبة جعلت من السرد طريقاً لفهم الإنسان والدفاع عن كرامته.

***

حسن لمين - كاتب مغربي

 

برحيل لطفية الدليمي يخسر الأدب العراقي صوتاً نادراً ويترجل صوتٌ أدبيٌّ مميّز من قافلة الثقافة العراقية، صوتٌ ظلّ لسنوات طويلة يكتب بهدوء العارفين وعمق الباحثين عن المعنى. لم تكن الدليمي مجرد قاصة أو روائية، بل كانت مشروعاً ثقافياً متكاملاً، تمزج في كتابتها بين حساسية الأدب وفضاء المعرفة، فتفتح أمام القارئ نوافذ واسعة على العلم والفلسفة والإنسان.

عرفها القرّاء كاتبةً تمتلك لغة شفيفة وقدرة نادرة على تحويل التفاصيل اليومية إلى أسئلة كبرى عن الوجود والحرية والوعي. وفي أعمالها كانت المدن العراقية تمرّ كظلالٍ حنونة، وكانت المرأة حاضرةً بصوتها العميق وتجربتها الإنسانية الغنية، بعيداً عن الضجيج، قريبةً من جوهر الحياة. لقد كتبت عن الإنسان وهو يواجه قلق العصر، وعن المعرفة بوصفها طريقاً للخلاص من العتمة.

امتازت تجربتها الأدبية بخصوصية واضحة؛ فهي من القلائل الذين أدخلوا العلم والفكر العلمي إلى السرد الأدبي العربي بهذا القدر من الرهافة والوعي. كانت تؤمن أن الأدب لا ينفصل عن أسئلة الكون الكبرى، وأن الكاتب ليس مجرد راوٍ للحكايات، بل شاهدٌ على عصره، وحارسٌ للمعنى في زمن الاضطراب.

ومع رحيلها يخسر الأدب العراقي والعربي قامةً ثقافيةً وضميراً إبداعياً ظلّ وفيًّا للكلمة النزيهة. غير أن الكتّاب الحقيقيين لا يغيبون تماماً؛ فهم يتركون في كتبهم حياةً أخرى، تمتد في ذاكرة القرّاء وتواصل الحوار مع الأجيال الجديدة.

ستبقى لطفية الدليمي حاضرة في قصصها ورواياتها ومقالاتها، وفي تلك الروح المعرفية التي بثّتها في نصوصها، حيث يمتزج الجمال بالتأمل، والسرد بالفكر، والحلم بالمعرفة.

رحلت الجسد، لكن الكلمة التي كتبتها ستظل حيّة، تمضي من قارئ إلى قارئ، ومن زمن إلى زمن، شاهدةً على أن الأدب الصادق لا يشيخ ولا يختفي.

سلامٌ لروحها،

وسلامٌ للكلمات التي تركتها لنا ضوءاً في دروب القراءة والمعرفة، وللكلمات التي ستظل تمشي بيننا، حتى بعد أن غابت صاحبتها.

***

جورج منصور

لماذا لا ينضجُ المعنى إلا على حوافّ الفقد؟ ولماذا لا نُبصرُ بهاء الأشياء إلا وهي تُنتزعُ من جذورِ أرواحنا؟ هو ذاك السؤالُ السيزيفيُّ الذي يحرثُ وجودنا كلما داهَمَنا مساءٌ منتحبٌ لا يتركُ لنا إلا صدى خيباتنا

لمن نبكي الآن؟ والوجودُ خلفنا يتبخر والأشياءُ التي ظننّاها أبديةً تفرُّ من بين أصابعنا كالسراب

​أذكرُ تلك اللحظة في المشفى حين كنا نحيطُ بسريره كأشجارٍ يابسةٍ ضربها الإعصار كنتُ متكتلةً على نفسي منزويةً في ركنِ ذهولي أحاولُ أن أسترقَ من صدرهِ نفساً واحداً يطردُ فكرةَ الرحيل

 في ذلك الضيق زحفت إليّ الذكرياتُ كأشباحٍ تعاتبني استحضرتُ أوجاعهُ الصامتة التي كان يغلفها بهيبةِ كبريائه وحين نطق الطبيبُ بحكمِ الإعدام: (لقد غادر الحياة)

 لم تكن مجرد جملة إنما كانت فأساً هشّمَ مرآةَ كوني

 في تلك اللحظةِ الرهيبة فرغت الغرفةُ من ركامها البشريّ رغم ازدحامِ إخوتي حولي سقطتُ في ثقبٍ أسود من الغربة وجدتُني وحيدةً تماماً وسط الزحام

 أدركتُ حينها أن الامتياز الذي كنتُ أرتديهِ كدرعٍ ليحميني في وحدتي انهار مع أولِ صرخةِ غياب

​يا الله! كم استبدَّ بي الزهو حين ضربتُ بنصحهِ عُرضَ الحائط! ظننتُ في لحظةِ طيشٍ وجودي أن الثباتَ صفةُ الدنيا وأن الجدارَ الذي أستندُ إليه منذُ وعيتُ على الأرض سيظلُّ شامخاً بوقارهِ ودِفئه وعذاباتهِ التي كانت تفيضُ حُبّاً مبطناً

 لم أتوقع أن ينكسر ذاك الجبروتُ بلمحةِ بصر

كنتُ أمارسُ تجاهلاً مقدساً للحقيقة حتى هوى السقفُ فوق رأسي مع صعود روحه إلى السماء

كان صوتهُ في مكالماته الأخيرة يأتيني الآن كأجراسٍ جنائزية تخترقُ صمتَ الغرفةِ لتعذبني بما أضعته

كنتُ حينها غارقةً في كتبي أطاردُ أحلامي الجامعية في بلاد الغربة بينما كان هو يطاردُ طيفي بكلماتٍ لم أدرك أنفاسها الأخيرة إلاّ الآن:

(​لا تتركي الغربةَ تسرقُ ملامحكِ)

​(هل يكفيكِ ما معكِ من مال؟)

(متى تعودينَ لتضيئي الديار؟)

​(متى تزفينَ إليّ فرحةَ زواجكِ؟

​كنتُ حينها أُتقنُ فنَّ الهروب أراوغُ الحوار وأتجاهلُ نبض الخوف في نبرته

 واليوم وأنا محاصرةٌ بين أربعةِ جدرانٍ باردة أجدُ عواطفي مشلولةً تماماً أمام جلالِ الموت أتساءلُ والحرقةُ تأكلُ حنجرتي:

لماذا لا نقدّسُ أشجارنا العظيمة إلا حين تجتثها الريح؟

​يأتي السؤالُ كالعلقم لزجاً كطعمِ الفقد..

​ألملم شتات روحي لكنني أقتفي أثرهُ في كل خطوة

لماذا ؟ غيبه الموت ؟

 يأتي السؤال مراً مستنكراً الحقيقة

 ألملمُ نفسي وأتماهى مابين حزْني و رائحة الموْت

وأحملُ نصائحهُ كتميمةٍ أخيرة

 وأمضي أتَرحَّم

***

مرشدة جاويش

 

وُلد الباحث والناقد ثامر الحاج أمين سنة 1955م في مدينة الديوانية، تلك المدينة التي نهضت على ضفاف الفرات محمولةً على نغمة “الحسجة” الفراتية، وأنجبت أجيالاً من الشعراء الشعبيين الذين صاغوا وجدان الجنوب العراقي وأهدوه موسيقاه العميقة ولهجته المتفردة. في هذه البيئة المشبعة بالشعر والإنشاد، تشكلت ملامح وعيه الأولى، فكانت الديوانية أكثر من مدينة ولادة ؛ كانت رحمًا ثقافيًا صاغ حساسيته الأدبية ووجه شغفه المبكر نحو الكلمة.

أكمل دراسته الأولية فيها، ثم انتقل إلى كلية القانون ليتخرج محاميًا ناجحًا، جامعًا بين صرامة النص القانوني ورهافة النص الأدبي، في تزاوج نادر بين العقل التحليلي والروح الشاعرة. غير أن القانون لم يكن سوى أحد مساراته، أما مساره الأصيل فظل الأدب، حيث كان منذ صباه مولعًا بالشعر، نهمًا للقراءة، يلتهم الكتب التهامًا، حتى نمت ملكاته الأدبية واتسعت رؤيته النقدية. وما إن بلغ ريعان الشباب حتى بدأ يكتب، ليجد طريقه سريعًا إلى النشر، ويغدو واحدًا من الأسماء الحاضرة في المشهد الثقافي العراقي بفضل قدراته الأدبية ونشاطه المتواصل، أصبح عضوًا في اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، ثم انتُخب رئيسًا لاتحاد الأدباء والكتاب في الديوانية لدورتين متتاليتين، وهو منصب لم يكن مجرد موقع إداري، بل منصة ثقافية مارس من خلالها دوره التنويري، وأسهم في تحريك الحياة الأدبية في مدينته، وتعزيز حضورها في المشهد الثقافي العراقي العام. وكان حضوره مائزًا في المحافل والمهرجانات والأنشطة الثقافية داخل الديوانية وخارجها، حيث عُرف بحيويته الفكرية وقدرته على إدارة الحوار الثقافي بروح منفتحة ومسؤولة.

بدأ مسيرته الأدبية في مطلع السبعينيات بكتابة القصة القصيرة، ونشر عددًا من نصوصه في الصحف العراقية الصادرة آنذاك، قبل أن يتجه تدريجيًا إلى الدراسات النقدية والمقالات الفكرية. وقد نُشرت كتاباته في طيف واسع من الصحف والمجلات العراقية والعربية، من بينها:(الصباح، الزمان، طريق الشعب، المؤتمر، الدستور، الحقيقة، البينة الجديدة، الصباح الجديد، بغداد، الاتحاد، الشرارة، القدس العربي، القبس الكويتية، مجلة الثقافة الجديدة، مجلة التراث الشعبي)، وهذا الانتشار الواسع يؤشر إلى حضوره المؤثر، وإلى الثقة التي نالتها كتاباته من المؤسسات الثقافية والإعلامية.

عُرف ثامر الحاج أمين بين زملائه بعلاقته الحميمة بالوسط الثقافي، وبروح المودة والتواصل التي نسج بها شبكة واسعة من الصداقات الأدبية داخل مدينته وخارجها، كما تميز بقدرته على اختيار الموضوعات “البِكر”، المثيرة للاهتمام، تلك التي لم تُستنفد نقديًا، فكان نصه غالبًا يحمل طزاجة السؤال وحرارة الاكتشاف. ولهذا غطّت مقالاته مساحات واسعة من الصحف والمجلات، وارتبط اسمه بالبحث الجاد والتنقيب الدؤوب في المنجز الإبداعي العراقي، غير أن دوره الأبرز يتجلى في وفائه النادر لزملائه الراحلين، إذ لم يكتفِ بالرثاء العابر، بل انشغل بجمع نتاجهم، وتوثيق تجاربهم، وكتابة الدراسات عنهم، حتى غدا بحق مؤرخًا أدبيًا غير معلن لمدينة الديوانية. ولولا جهوده في الجمع والتوثيق، لضاع الكثير من نتاج شعرائها وكتابها، كما ضاع غيره في غبار الإهمال والنسيان. لقد تصدى لمهمة شاقة: إنقاذ الذاكرة الثقافية من التآكل، وحماية التراث الإبداعي المحلي من الضياع.

أما إصداراته، فهي تشكل خريطة واضحة لاهتماماته النقدية والإنسانية، ومرآةً لتحولاته الفكرية والجمالية:

ساهم عام 2008 في إعداد ومراجعة وطبع المجموعة الشعرية الكاملة للشاعر العراقي الراحل كزار حنتوش، في عمل توثيقي بالغ الأهمية.

وفي العام نفسه أعد وقدم ديوان الشاعر صاحب الضويري الموسوم " كتابات على جدار الزمن ".

عام 2011 صدر له عن دار تموز في دمشق كتاب «نهارات مشمسة»، الذي ضم قراءات في عدد من التجارب الإبداعية.

وفي عام 2015 صدر له عن دار كانون كتاب «ما يمكث في القلب»، وهو سياحة عميقة في فضاءات إبداعية مختلفة.

عام 2020 صدر له ضمن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق كتاب «سيرة وجع عراقي»، متناولًا محطات من التجربة الحياتية والإبداعية للشاعر الراحل علي الشباني، في عمل يجمع بين النقد والسيرة والوفاء الإنساني.

عام 2021 صدر له عن دار نيبور كتاب «مرايا الطين»، الذي ضم إضاءات نقدية في نصوص إبداعية متعددة.

عام 2023 صدر له ضمن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق كتاب «قطاف ما بعد الموسم»، جامعًا مقالات سياسية واجتماعية وأدبية.

عام 2024 صدر له عن دار رؤى للطباعة والنشر كتاب «التحليق في سماء ممطرة»، وهو مجموعة مقالات نقدية تعكس نضج رؤيته التحليلية.

وفي عام 2025 صدر له عن دار رؤى أيضًا كتاب «البقاء على قيد المهزلة»، الذي يمثل تأملات عميقة في واقع سريالي يختلط فيه العبث بالألم.

ولا يزال ثامر الحاج أمين يواصل عطاؤه الإبداعي، من خلال النشر المنتظم في الصحف، والمشاركة في النشاطات الثقافية، والحضور الدائم في المشهد الأدبي، مؤكدًا أن الكتابة لديه ليست مهنة عابرة، بل قدرٌ ثقافي، ورسالة وفاء للكلمة، وحراسة مستمرة لذاكرة العراق الثقافية.

إنه باختصار: كاتبٌ يمسك بالقلم كما يمسك المؤرخ بالمخطوطة، ناقدٌ يقرأ النص بعين المحبة قبل عين التحليل، وباحثٌ يدرك أن ضياع التراث يبدأ حين نصمت عنه.

***

محمد علي محيي الدين

اثار الباب المغلق دائما شجوني واحزاني، وطالما وقفت امامه في هذه اللحظة العصيبة او تلك، وانا اتساءل: ما الذي حصل واين ولى واختفى من كانوا هنا، وراء هذا الباب وفي داخل البيت؟.. لقد توقفت امام الباب المغلق عددا كبيرا من المرات، بعضها مر وانستني اياه المشاغل والايام، وبعضها الاخر ترسخ في الذاكرة واعترف انه بات جزءا عصيا على النسيان لا يفارقني الا ليعود فارضا نفسه على، ومشددا انه وجد يوجد ولسان حاله يردد: لن ارحل كما رحلوا.

قصصي الاولى مع الباب المغلق ابتدأت منذ تفتح وعيي على الحياة، وكانت اولى تلك الحكايات قصة احد امراء الف ليلة ولية، عندما تزوج من امرأة احبها كثيرا وعندما دخلت قصره توقفت قبالة سبعة ابواب وتساءلت عن وجود تلك الابواب، فابتسم زوجها الامير وقال لها: هنا ستمكثين معظم وقتك.. في غيابي، ثم قال لها انه بإمكانها ان تفتح الابواب الستة متى تشاء، اما الباب السابع فقد طلب منها الا تفتحه. ما ان غادر الامير قصره حتى اخذت زوجته الطرية الجديدة بالتفكير في الباب السابع، وكما هو متوقع.. ما ان غادر زوجها حتى بادرت الى فتح ذلك الباب لتبدا سلسلة من الالام والاحزان والمعانيات.

اما قصصي مع الباب المغلق فاعتقد ان اولاها كانت، عندما عدت من الحارة الى بيتنا الغافي بين الاشجار الظليلة الدافئة.. وانا لما اتجاوز الثالثة او الرابعة من العمر، ووجدت باب البيت مغلقا، فحاولت ان افتحه الا انني لم اتمكن، فنمت قريبا منه، وعندما عادت فوجئت بي نائما هناك، فحملتني ووضعتني في سريري الخشبي لترافقني تلك الحادثة طوال ايام العمر.

قصة اخرى وقعت لي ما الباب المغلق، وتركت اثارا لا تُمّحى ولا تقدر على محوها الايام، كانت يوم توجهت الى شقة زوجين شابين قريبين جدا، بعد ان سمعت من اخرين ان الزوج غادر بيته الى المجهول، بعد ان طلبت منه زوجته المغادرة. طرقت يومها باب الشقة.. بقي صامتا غارق في هدأته.. اعدت الطرق فواصل سكوته ولم يرد.. فما كان مني الا ان دخلت في حالة باكية من الصمت، وحملت نفسي وفي قلبي غابة من الاسئلة عن الخسارة والفقد.

ذروة توقفاتي امام الباب المغلق وحكاياتي معه، كانت يوم كتبت قصتي الباب المغلق، نشرت في مجموعتي القصصية " ظل على السطح"، هذه القصة تحكي عن شخص نبذته زوجته، فراح يبحت عن طريقة تعيده اليها والى بيته الدافئ الحنون. حاول طرق العديد من الابواب، بما فيها ابواب من يعنيهم الامر، الا انه لم يتمكن لان كلا منهم مستغرق في بابه المغلق، فما كان منه الا ان انطلق في الشارع الطويل.. المفضي الى الباب المغلق.. بابه.

الباب المغلق له مكانة محزنة حافلة بالاسى في قلبي، بالضبط مثلما كان له في قلوب الكثيرين ممن اعرفهم ولا اعرفهم من اهل القول والكلام، اذكر منهم هنا شاعرتنا الراحلة فدوى طوقان ابنة مدينة نابلس، ومجموعتها الشعرية" امام الباب المغلق"، والالماني بورشرت صاحب مسرحية امام الباب المغلق، والشاعر المرحوم ميشيل حداد ابن بلدتي الذي كرس قصيدة او مجموعة شعرية نثرية كاملة لـ" السيد المغلق"، اما السيدة فيروز فقد فجرت مكامن احزان الكثيرين وهي تدق على الباب المغلق وتردد بحرقة: دقيت دقيت وايدي تخلعوا وقنديلكن سهران ليش ما بتفتحوا؟

رحم الله الشاعر الصديق الراحل عدوان ماجد، الذي انصرف عن قول الشعر بعد محاولات قليلة، عندما هتف في احدى قصائده:" افتحوا الابواب قلبي لا يحب الباب مغلق"، فقد لامس حفاف احزان الباب المغلق الحافلة بمشاعر الفقد والاسى.. بالضبط مثلما لامستها وعشتها.

***

ناجي ظاهر

في المرة السادسة لا يعود السير هناك تكرارًا، وإنما يتحول إلى طقس مقدّس. نعم، لا تتعجب من وصفي، هو طقسٌ يشبه أنْ تدخل في كتاب يعرفك أكثر مما تعرفه، وأنْ يفتح لك شارع النبي دانيال صفحته الليلية بلا فهرس. كان الليل الإسكندراني يهبط ببطء كشيخ متعب يفرش عباءته الزرقاء على الأرصفة.

شارع النبي دانيال لمن لم يزر أمّ الدنيا ما هو إلّا سطر طويل من جملة مصرية لا تنتهي لأصوات تتقاطع، وروائح تتخاصم، وأقدام تتصالح، وذاكرة تمشي بلا عكاز.

المارة يمشون كما لو أنهم خرجوا لتوّهم من رواية جماعية شخصياتها تثير الجدل، طالبٌ نحيل يحمل حقيبة أكبر من أحلامه، وسيدةٌ تجرّ كيس خضار وكأنها تجرّ يومها كله، وشابٌ آخر يضحك في هاتفه ضحكة عالية مبالغًا فيها، ضحكة من يعرف أنّ الغد لا يستحق الهم، ورجلٌ يبيع المناديل الورقية، ينادي بصوت مبحوح:

"خد يا بيه… الدنيا بتعيّط".

الباعة المتجولون كانوا أوركسترا الشارع، هذا يطرق على عربة الفول كإيقاع بدائي، وذاك يصرخ: "حمص الشام سخن… يسخّن القلب قبل الجيب"، وعجوز تبيع سبحًا ومسابح، تقول لك بعينين لامعتين: "دي مش سبحة… دي صبر متكوّر".

روائح الذرة المشوية، والقهوة المحروقة، والعرق الإنساني النبيل، كلها تمتزج فالشارع قرّر أنْ يكون جسدًا واحدًا، يتنفس بك.

دخلتُ مكتبات عتبات الطريق، وهناك بين رفوف تعرف كيف تُغريك دون أنْ تلمسك، التقيتُ يوسف زيدان مرتين: مرة على الغلاف، ومرة في المرآة الداخلية التي يفتحها كتابه. اشتريت كتابين، لأنني أعرف أنّ هذا الشارع لا يسمح لك بالخروج خفيفًا.

ثم رأيته. الرجل السبعيني، واقفٌ أمام ميزان القبان البلدي، واقف كآخر عمود من أعمدة معبد قديم لم ينهَر بعد. الميزان صدئ قليلًا، لكنّ وقفته مستقيمة، وعيناه لا تزالان تعرفان الفرق بين الوزن الحقيقي ووزن الهمّ.

قلت له:

— "نِجرب؟"

ابتسم ابتسامة من يعرف النتيجة قبل السؤال:

— "جرّبي… الميزان ما بيكدبش، اللي بيكدب هو العمر".

وقفت.

أخذ مقاس طولي كأنه يقيس تاريخي، وسجّل وزني كأنه يسجّل اعترافًا.

ثم دون أنْ أطلب بدأ الحوار.

كان واسع الثقافة على نحوٍ مفاجئ،

يعرف عن التغذية أكثر مما يعرفه أطباء اليوتيوب، ويتحدث عن الخبز الأبيض كأنه خطيئة صغرى، وعن السكر كصديق يضحك في وجهك ويطعنك لاحقًا.

كتب لي برنامج تغذية على ورقة صغيرة بقلم أزرق، وبقليلٍ قليل من الجنيهات. قال وهو يناولني الورقة:

— "ما تظلميش صحتك… دي عاشرتك العمر كله".

ضحكت ضحكة فيها شيء من البكاء، لأنّ الحكمة أحيانًا تأتيك من رجل يقف أمام ميزان على ناصية الطريق.

كانت الحياة حولنا تستمر بلا انتظار، طفلٌ يركض خلف بالون، وشابان يتجادلان حول فريق كرة، وامرأة تنادي على ابنها كمن ينادي على الزمن: "يا واد!"

والشارع، شارع النبي دانيال كان يراقبنا جميعًا، عارفًا أنّ هذه الليلة ستُعاد، لكنْ لن تكون هي نفسها أبدًا.

خرجتُ في يدي كتابان، وفي جيبي ورقة تغذية، وفي صدري ضحكة سوداء مضحكة مبكية…تمامًا كالحياة هنا، وهناك.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

في مغامرة طريفة ذات يوم مع قارئة الفنجان المغربية، فقد تأبطت الجُهد المرهق والمتعب على استقراء طالعي الخفي، والذي اعتبرته منذ البداية التنجيم أنه يبدو منكسرا ومقهورا، وحتى أنها عبرت عنه بأنه:" تالف عن حياة ويعيش الارتباك الخاضع. عملت منجمتي بكل جُهد قُدرتها وبمشقة عسر على فك جزء من ذاكرتي المحجوبة ببيان إظهار الحقيقة وتبيين التوضيح. لكنها تكمدت موضع الصدمة تلوى الأخرى، وعاشت لحظات من الفشل المتكرر في الكشف عن تجليات أوجاعي الموحلة في الحزن الشديد.

حينها أقرت بالبوح الطيع، كفاف محاولاتها، وأن موجات وذبذبات ألمي عليها من الحراس الشداد الغلاظ لا رحمة لهم في معاودة حك شفرات الألم بالاستدامة، وغلق تموضعات تسربات ألمي بأقفال وسلاسل أسرى العبودية، والتي قد تُماثل الحاجز الحديدي الذي أقامه ذو القرنين في مواجهة ياجوج  وماجوج.

لكنها أعادت الكرة ثانية، ولم تيأس تلك المنجمة من الكشف والذي باتت يُفتت آليات أحداث الماضي، ويَنكى هربا من تقشير الجروح، وفشل ضبط عقارب ما يحدث في الحاضر والمستقبل. أحسست أنها لم تستلم بتاتا وإعلان عوزها السرمدي (من لا بداية له لا نهاية له) في فك ولو جزء بسيط من الطلاسم المستعصة لذاكرتي المحجوبة، والتي قد تماثل توهيمات قوة القبة الحديدية !!!

في جلستها المنتصبة الأعين في اتجاه هامة رأسي المائلة يسارا، برهنت منجمتي أنها قادرة على فتح طالع ذاكرتي المحجوبة، ولو حتى بالمعاودة وترك الفشل يقع بين الحين والآخر. ابتسمت ابتسامة المستسلم، ثم تجهمت بالثواني نفسها وقالت: " أيها السيد لم تتعلم الألم من مقررات الدراسة في المدرسة العمومية... لم تتعلم الألم من ممارسة الظلم والحكرة على الآخرين، بل امتلكت الألم وترسخ في ذاكرتك الصامتة من خلال تجاربك البينية والذاتية، ومن خلال السياقات الاجتماعية التي تكابد وجع الفقد، وتداوم على منازلة النكسات. أيها السيد لن تستطيع نفض غبار تقادم الوجع عن هوامشها القصية، ولكنك تستطيع أن تصنع متنفسا لسد الألم والتوتر النفسي الهائج".

لم أكن أحفل بتعابيرها، وآرائها الرنانة عن ذاكرتي المحجوبة فكل ما قالته منجمتي كان فضفاضا ويليق لكل التشابهات بالتعميم. نعم قد نتشابه جميعا في حمل لبنات شديدة من وضعيات مشكلة، فالألم يتوزع دائما بيننا وبغير التساوي والانصاف، ومن خلال تجربة ترتبط بالمشاعر الشخصية. لكنها انتفضت مرة أخرى وقالت: "ألمك يا سيدي يكون حادا ومستمرا حين فقدت الدعامة الإنسانية بالفقد الفجائي... وضيعت المشاعر المتجددة من حولك، وتبيت تعيش الوحدة في عمرك الحاضر لا في ذات المستقبل. ألمك يا سيدي يكون باهتا ومتقطعا حين تكتم الوجع بالضغط عبر مساحات شاسعة من ذاكرتك المحجوبة، وتصنع ابتسامة مفبركة للإلهاء".

أحسست أنها لم تلحق بالتمام بحل أقفال ذاكرتي المحجوبة، وإنما استطاعت معرفة منغصات حياتي والتي لم أستطع يوما من وضع كيس أمان للوقاية من صدماتها المتكررة، حينها سحبت جسمي المتهاوي من أمام عيونها المتسلطة، وانسحبت أجر خيبة ألمي في ذاكرتي المحجوبة.

***

محسن الأكرمين

(اجعل بينك وبين العلم فرقا من المعرفة والا اجتذبك. العلم بابي والمعرفة بوابي واليقين طريقي الذي لا يصل سالك الا منه. من علامات اليقين الثبات ومن علامات الثبات الامن في الروع)... محمد بن عبد الجبار النفري

في هذه العبارات المكثفة يضع النفري فرقا دقيقا بين العلم والمعرفة. فالعلم كلمات تقال وتكتب وتسمع، اما المعرفة فهي ما يسكن القلب ويتحول الى حضور داخلي يثبت الانسان ويمنحه الطمأنينة. غير ان هذه الثنائية ليست بسيطة كما تبدو، فالنفري نفسه يحذر: ان لم تجعل بينك وبين العلم فرقا من المعرفة اجتذبك. اي ان العلم قد يكون خطرا اذا ووجه بلا واسطة، وقد يصبح جفافا وقسوة ان لم يسبقه او يصاحبه ذوق قلبي. هذه الفكرة عن انتقال الحكمة من الكلمات الى القلب تتجسد بصمت في لوحة "قصة قبل النوم" للفنان الالماني ادولف ايبرله، حيث تتحول القراءة من مجرد فعل تعليمي الى لحظة حميمية تنتقل فيها المعرفة من جيل الى جيل. لكن ما الذي يحدث بالضبط في هذه اللحظة؟ وكيف يمكن لانوار المتصوفة والمفكرين المختلفة ان تكشف طبقاتها الخفية؟2482 Adolf Eberle

تصور اللوحة امرأة مسنة تجلس قرب سرير طفلة صغيرة وقد انحنت قليلا وهي تقرأ من كتاب تمسكه بيديها. الطفلة مستلقية بهدوء وقد استسلمت للنوم او تكاد، بينما تتكئ على وسادة بيضاء. الضوء الخافت الذي يغمر المشهد يمنح الغرفة دفئا خاصا. لكن مصدر هذا الضوء غير مرئي: لا مصباح ظاهر ولا شمعة. النور ينساب من الجهة اليسرى العليا ليسقط على وجه الطفلة اولا ثم على الكتاب في يد الجدة. الكتاب نفسه ليس مضيئا بذاته، بل هو يعكس الضوء القادم من خارج اللوحة. هذا التفصيل الدقيق يحمل دلالة: النور ليس منبثقا من الكتاب، بل هو خارج عنه، لكن الكتاب يتوسط وصوله الى الطفلة. الجدة لا تنظر الى الطفلة ولا تنظر الى الكتاب فقط؛ عيناها شاخصتان في الفراغ بينهما، وكأنها ترى الحكاية بعين الخيال او تستشعر حضورا ثالثا غير مرئي. وضعية الجسدين ايضا تحكي: الطفلة افقية منبسطة، مستسلمة، اما الجدة فعمودية منتصبة، يقظة حارسة. في هذا التكوين، تصبح القراءة طقسا لا مجرد نقل معلومات.

تنتمي اللوحة الى تيار الواقعية الذي ازدهر في اوروبا في القرن التاسع عشر. رسمها ادولف ايبرله (١٨٤٣-١٩١٤) وهو فنان الماني اشتهر بتصوير الحياة اليومية في بافاريا والتيرول. لم يكن ايبرله فيلسوفا ولا متصوفا، لكنه ابن بيئة كاثوليكية شعبية حيث كانت القراءة العائلية المسائية، خاصة من الكتاب المقدس او قصص القديسين، طقسا يوميا ينقل الايمان والعاطفة معا. هذا السياق التاريخي يضيف بعدا: اللوحة تختزن ذاكرة دينية شعبية، ليست نخبوية، بل هي اقرب الى ما يسميه علماء الانثروبولوجيا "التدين الممارس". في هذا المناخ، تصبح الجدة كاهنة البيت الصغيرة، والكتاب مذبحا مصغرا، والطفلة متلقية للبركة لا للمعلومات فقط.

هذا المشهد يضيء بطريقة جديدة قول النفري: "اجعل بينك وبين العلم فرقا من المعرفة". الجدة هنا هي هذا "الفرق". هي التي تحول الكتاب (العلم) الى دفء (معرفة). لولا وجودها، لكان الكتاب مجرد اوراق، ولاجتذب العلم الطفلة الى عالم التجريد قبل اوانها. لكن وجود الجسد الحاضر، والصوت الحنون، والدفء المنبعث من القرب، كل ذلك يحمي الطفلة من جفاف العلم ويجعلها تتذوق المعرفة قبل ان تفهمها.

واذا انتقلنا الى محيي الدين بن عربي نجد تصنيفا دقيقا للعلوم يمكن ان يضيء اللوحة من زاوية اخرى. يقسم ابن عربي العلوم الى ثلاثة انواع: علم العقل، وهو علم النظر والدليل والبرهان؛ وعلم الاحوال، وهو علم الذوق والمشاهدة الذي لا يدرك بالعقل وحده بل بالكشف؛ وعلم الاسرار، وهو العلم اللدني الذي يهبه الله لمن يشاء من عباده بلا واسطة. في اللوحة، تمثل الجدة "علم العقل" بالمعنى الايجابي: هي تحمل الكتاب وتعرف ما فيه. لكن الطفلة لا تتلقى "علم العقل" مباشرة، بل تتلقى "علم الاحوال" عبر الذوق: تذوق دفء الصوت، والامان، والحضور. و"علم الاسرار" هو ذلك النور الخفي الذي يغمر المشهد ويجعله خارج الزمن. لاحظ ان ابن عربي يقول: "العلم نتيجة المعرفة" ، اي ان المعرفة القلبية هي الاصل والعلم النظري ثمرة لها. وفي اللوحة، الطفلة ستنمو لتصبح عالمة يوما ما، لكن اصل علمها سيكون هذه اللحظة الحضورية التي تذوقت فيها المعرفة قبل ان تتعلم.

لكن الفرق بين ابن عربي والغزالي دقيق هنا. ابو حامد الغزالي يهتم اكثر بفكرة "النور" الذي يقذفه الله في القلب بعد تطهيره. في "المنقذ من الضلال" يصف تجربته مع الشك واليقين، ويقرر ان اليقين الحقيقي ليس نقاشا عقليا ولا حسيا، بل هو نور يقذف في القلب. هذا النور هو الذي نراه في اللوحة منعكسا على وجه الطفلة. لكن الغزالي يؤكد ان هذا النور يحتاج الى استعداد: "بصفاء التقوى وكمال الزهادة يصير العبد راسخا في العلم". الطفلة هنا ليست تقية ولا زاهدة، لكنها نقية بفطرتها، وهو استعداد اخر. الغزالي يضيف بعدا اخلاقيا: المعرفة ليست مجرد ادراك، بل هي فضيلة وتحول وجودي. والطفلة تتحول في اعماقها: ستكبر وهي تحمل احساسا بالامن والثقة في العالم، وهذا هو التحول الوجودي الذي يعنيه الغزالي.

هنا يلتقي المشهد مع المفكر العراقي المعاصر عبد الجبار الرفاعي بشكل لافت. الرفاعي، المتخصص في الفلسفة وعلوم الدين وأحد مؤسسي علم الكلام الجديد، يقدم قراءة نقدية للتجربة الدينية التقليدية قد تفسر لنا لماذا تحتاج الطفلة الى هذه الوساطة الحضورية. يصف الرفاعي تجربة مريرة عاشها في دراسته الدينية، تجسد بدقة تحذير النفري من خطر العلم بلا معرفة. يقول واصفا دراسة الفقه والكلام التقليديين: "يُورِث الفقهُ والكلامُ التقليديّ نفسَ دارسه نوعًا من الجمود والجفاف المعنوي وضياع الروح... إذ أصابني ضمورٌ روحيّ وضياعٌ أفقدَنِي طلاوةَ الإيمان، فكنتُ أقف في صلاتي أستدعي الخشوع، فلا تأتيني إلا العَبْرَةُ بعد العَبْرَة على ما وصلتْ إليه نفسي" . هذا هو الاجتذاب بعينه: ان يجذبك العلم الى نفسه فتضيع الروح وتجف.

ولكي نفهم الخلاص من هذه الورطة، نعود الى الرفاعي حيث يتحدث عن "الظمأ الأنطولوجي" الذي لا يروى الا بالاتصال الحي بالمقدس . في اللوحة، الطفلة تعاني ظمأ وجوديا هي لا تدري به: ظمأ الى الامن، والى الحضور، والى المعنى. الجدة لا تروي هذا الظمأ بالمعلومات، بل بالحضور. الرفاعي يقدم مفتاحا مهما: "ما وجدتُ الله إلا في نفسي، وما رأيتُه حقًّا إلا عندما رأيتُني حقًّا... عندما نتَّصل به بهذه الصورة في أنفُسِنا؛ ندرك عن طريق تجربته واختباره أنّه إلهُ العالَمين حقًّا وصدقًا، وأنّه رحمان تتَّسع رحمتُه كلَّ شيء" . الطفلة في اللوحة تتصل بالمعنى من خلال اتصالها بنفسها اولا: جسدها المستسلم، وروعها المطمئن، وحضورها الكامل في اللحظة. هي لا تتعلم عن الرحمة، بل تذوقها. ثم من خلال هذا الذوق، تبدأ رحلتها لاكتشاف العالم. ويقول الرفاعي في عبارة يمكن ان تكون تعليقا على اللوحة: "اكتشافُ العالم يبدأ باكتشاف الذات. وعيُ العالم يبدأ بوعي الذات... حب الله والانسان والعالم يبدأ بحب الذات" .

وهكذا، حين يتحدث الرفاعي عن "إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين" ، فانه لا يعني شيئا مجردا، بل يعني تحديدا ما يحدث في هذه اللوحة: ان يصير الدين مصدر رحمة وحضور لا مصدر جفاف ونقاشات عقيمة. ان يعود الى "ابعاده المعنوية والعقلانية والجمالية والرمزية" . الجدة هنا تمثل هذا الإنقاذ العملي: تنقل الدين كحضور ورحمة، لا كنصوص جامدة.

لكن هذه الاقتباسات المتعددة تثير سؤالا: هل يمكن التمييز بدقة بين "الذوق" عند ابن عربي و"النور" عند الغزالي و"الظمأ الأنطولوجي" و"النزعة الإنسانية" عند الرفاعي؟ في اللوحة، الطفلة تمتلك هذه العناصر كلها. الذوق يتجلى في تلقيها الحسي للصوت والدفء. النور يتجلى في الضوء الساقط على وجهها. الظمأ الأنطولوجي هو ما يرويه هذا الحضور. والنزعة الإنسانية هي ان تصبح العلاقة بين الجسدين هي وسيلة تلقي المعنى. المفاهيم تتكامل لا تتناقض، وكل مفكر يضيء جانبا مختلفا من المشهد نفسه.

وهنا تبرز قوة النفري الذي يجمعها كلها في كلماته الموجزة. النفري لا يتكلم عن ذوق او نور او ظمأ كمراحل منفصلة، بل يتكلم عن "الفرق" الذي يحفظ المسافة الآمنة بين الانسان والعلم. هذا الفرق هو ما توفره الجدة. ونتيجة هذا الفرق هو "الثبات" و"الامن في الروع". والطفلة في اللوحة هي مثال الثبات: جسدها ثابت في سريرها، لا يتململ، وروعها آمن مطمئن. النوم هنا ليس مجرد نوم، بل هو صورة اليقين.

لكن هل هذه المعرفة القلبية قادرة على الصمود عندما تكبر الطفلة وتواجه صخب الحياة وجفاف المناهج الدراسية، وربما "الجمود والجفاف المعنوي" الذي تحدث عنه الرفاعي؟ هذا سؤال تطرحه اللوحة ولا تجيب عنه. ربما يكون الجواب في استمرارية الطقس: ستعيد الطفلة الكبرة يوما ما قراءة القصص لحفيدتها، وتنقل ما تلقت. وهكذا تبقى المعرفة حية بالتداول لا بالحفظ. لكن السؤال يظل مفتوحا: في عصر يسود فيه العلم التقني ويتراجع فيه الحضور العائلي، هل يمكن ان تحل المعرفة القلبية محل العلم الجاف ام انها تضيع؟ النفري لا يجيب، لكنه يحذر: "الا اجتذبك العلم". الاجتذاب هنا قد يعني السحب الى منطقة الخطر حيث العلم بلا معرفة.

وهكذا تظل اللوحة تتحدى المشاهد: ماذا ترى في وجه الطفلة؟ نعاسا عاديا ام يقينا باطنيا؟ وماذا في نظرة الجدة؟ قراءة حرفية ام مشاهدة قلبية؟ الاجابة تتوقف على درجة المعرفة لدى الرائي. وكما يقول ابن عربي: "لكل ذائق ما يذوق". واللوحة تصبح مرآة لحال من يتأملها. ربما هذا هو سر الفن الحقيقي: ان يظل مفتوحا على كل هذه القراءات، دون ان يستنفده قول واحد.

***

د. احمد عابر

 

قال لي: النية نيتان: نية تطلب بها ما عندي، ونية اطلب بها ما عندك. فاذا تركت لك الاولى رايت نفسك، واذا تركت لك الثانية رايتني.

بهذا القول الحاد المباشر يدخلنا النفري في سر العلاقة بين العبد وخالقه، بين ما يضمره القلب وما يظهره الفعل. واذا وقفنا امام لوحة "نية" للفنانة الكندية من اصول عراقية احلام محمد، نشعر اننا ازاء تجسيد بصري لهذا الموقف. فالعمل لا يكتفي بتقديم صورة لوجه انساني، بل يفتح مساحة للتامل في المعنى الباطن للفعل الانساني، حيث تصبح النية جوهر التجربة. وتبدو تجربة الفنانة هنا متشكلة بين ثقافتين، اذ تستحضر اللغة العربية ورمزيتها الروحية داخل بناء بصري حديث تشكل في سياق الفن المعاصر في المهجر.

احلام محمد تنتمي الى جيل من الفنانين الذين يعيشون بين ذاكرة المكان الاول وافق المكان الجديد. حضور اللغة العربية في اعمالها لا يبدو مجرد عنصر زخرفي، بل يحمل وظيفة رمزية وثقافية، كأنه محاولة لاعادة وصل الصورة البصرية بتراث لغوي وروحي عميق. في هذا المعنى تبدو لوحتها "نية" اقرب الى مساحة حوار بين الهوية والذاكرة، بين الحساسية التشكيلية المعاصرة والحمولة الروحية التي تختزنها الكلمات العربية.2476 ahmad

في اللوحة يظهر الوجه بشكل غير مكتمل. تبرز العينان والانف والشفاه بوضوح، بينما تختفي حدود الراس وتذوب في الفراغ المحيط. هذا الاختزال في الملامح يمنح العمل طابعا معاصرا، ويجعل الفراغ جزءا اساسيا من التكوين لا مجرد خلفية. فالوجه هنا لا يرسم ككتلة مغلقة، بل كاشارة الى حضور يتولد تدريجيا من داخل المساحة اللونية. كأن الفنانة تتعمد ترك الهوية مفتوحة على التأويل، فلا تقدم لنا صورة مكتملة بقدر ما تقدم اثرا انسانيا يتشكل من الداخل.

الخلفية الزرقاء الهادئة تحتل معظم مساحة اللوحة، وتشكل حقلا بصريا واسعا يحيط بالملامح القليلة الظاهرة. هذا اللون يمنح العمل حالة من السكون والتامل، ويخلق تباينا واضحا مع دفء الوان البشرة. كما ان اتساع المساحة الزرقاء يعمق احساس العزلة والتركيز، فالعين لا تجد ما تتشبث به سوى هذه الملامح القليلة والكلمة المكتوبة في الاعلى: "نية". ومن الناحية التشكيلية يعمل اللون هنا كحامل للمعنى، اذ يتحول الفراغ اللوني الى فضاء بصري يبرز فكرة النية باعتبارها امرا خفيا لا يرى بالعين.

العينان مرسومتان بعناية اكبر من بقية الملامح، وكأنهما مركز الثقل البصري في العمل. النظرة هادئة لكنها يقظة، وتبدو معلقة بين الداخل والخارج. في تقاليد الرسم البورتريهي غالبا ما تشكل العينان نقطة الاتصال بين المشاهد والشخصية المرسومة، لكنهما هنا تكتسبان بعدا اخر، اذ تتحولان الى اشارة الى البصيرة لا مجرد الابصار. لذلك تبدو بقية الملامح اقل حضورا، وكأن الفنانة تريد ان تشير الى ان الرؤية الحقيقية لا تنبع من اكتمال الشكل الخارجي بل من الاستعداد الداخلي.

يقول محيي الدين بن عربي: الاعيان الثابتة في علم الله لا تظهر في الوجود الا بحسب استعدادها. هذا القول يضيء لنا معنى عدم اكتمال الوجه في اللوحة. فالوجه هنا ليس صورة نهائية، بل حالة في طور التشكل، مرآة للاستعداد القلبي الذي يتجدد بتجدد النية. الهوية ليست شيئا جامدا نولد به، بل هي حصيلة ما ننويه وما نقصده. ويمكن قراءة هذا المعنى ايضا في طريقة توزيع الملامح داخل الفراغ، حيث تبدو العناصر الاساسية للوجه حاضرة لكنها غير محاطة بحدود واضحة، وكأنها تخرج من الفراغ ثم تعود اليه.

كلمة "نية" المكتوبة في اعلى اللوحة تضيف بعدا مفاهيميا واضحا. فهي ليست مجرد عنوان، بل عنصر تشكيلي يشارك في بناء التكوين. موقع الكلمة فوق الوجه يجعلها اقرب الى فكرة او مركز معنوي يعلو الشخصية ويؤطرها. بهذا المعنى يصبح النص جزءا من الصورة، ويعمل الخط العربي كجسر بين البعد الثقافي والبعد البصري. هنا يتقاطع التراث اللغوي مع حساسية الفن المعاصر، حيث تتحول الكلمة الى شكل بصري يحمل دلالة روحية.

اما الامام الغزالي فيميز بين معنيين للنية: الاول هو القصد المصاحب للعمل، والثاني هو الباعث او الدافع الخفي. ويقول ان تحقيق صدق النية ليس بالامر الهين، فكثيرا ما يتصور الانسان ان دوافعه لله ثم يكتشف انها كانت للهوى او الدنيا. هذا التمييز يمكن ان يقرأ ايضا في التوتر البصري داخل اللوحة، بين وضوح بعض الملامح وغموض بعضها الاخر.

وفي افق معاصر لقراءة هذه الثنائية، يشير عبدالجبار الرفاعي في مشروعه لتجديد علم الكلام الى ان التجربة الدينية لا تنفصل عن التجربة الانسانية، وان البحث عن الله يمر عبر تعميق الوعي بالانسان. من هذا المنظور يمكن ان يقرا الفراغ الازرق في اللوحة كمساحة وجودية مفتوحة، تعكس عطش الانسان الدائم الى المعنى، ذلك الظمأ الداخلي الذي يدفعه الى مراجعة قصده والبحث عن صدق نيته.

نعود الى النفري لنختم حيث بدا المقال. قال لي: النية نيتان: نية تطلب بها ما عندي، ونية اطلب بها ما عندك. في اللوحة تبدو العينان كأنهما تتجهان نحو الكلمة المكتوبة في الاعلى، نحو مركز المعنى. لكن الخلفية الزرقاء الواسعة تحيط بالوجه من كل جانب، وكأنها فضاء اكبر يحتضن هذا الحوار بين الانسان وربه. اللوحة برمتها تشبه وقفة تامل قبل الفعل، لحظة صمت يراجع فيها الانسان قصده قبل ان يتحول الى عمل. في هذه اللحظة يخف حضور الشكل الخارجي، وتظهر اهمية السر الداخلي. وهنا تذكرنا احلام محمد من خلال عملها بان الانسان ليس وجهه فقط، بل هو ايضا نيته، ذلك السر الخفي الذي يشكل حقيقته العميقة.

***

د احمد عابر

 

يحفر الكاتب الاسباني سانتياغو بوستيغيو، ضمن كتابه "دماء الكتب- تاريخ الادب المنسي"، في مناطق أدبية محببة وتهم القارئ المثابر، ويذهب إلى ما وراء العديد من الكتب والأحداث الأدبية المؤثرة، مركزا في كتابته المميزة هذه، على بعدين أحدهما البعد السردي الذي يعتمد نبرة خاصة، سرية مشوقة، والأخرى التنقل بين الأزمان السردية من فترة إلى أخرى، وذلك عبر توظيفه العناوين التي تأخذ القارئ بسلاسة متنقلة به، ومصطحبة إياه  من فترة إلى أخرى، ومن زمان الى اخر.

مؤلف الكتاب سانتياغو بوستيغيو كاتب اسباني، من مواليد عام ١٩٦٧ ، عرف باهتماماته بتاريخ الادب المنسي الحافل بالكثير من الإثارة، وهو مؤلف العديد من الكتب التي تعزف على هذا الوتر المحدد. من مؤلفاته" أنا روما" و"حياة الكتب السرية"، القريب جدا في موضوعه من كتاب "دماء الكتب" الذي نتحدث عنه. اهتمت "دار مسكلياني" التونسية، بمؤلفات هذا الكاتب، وصدر عنها عدد منها مترجما إلى العربية، ترجم الكتاب موضوع قراءتنا عبد اللطيف البازعي وصدر قبل سنتين.

يفتتح المؤلف كتابه بحديث يظهر فيه أمران، أحدهما وفاء التلميذ لأستاذه ودور الادب في إحقاق الحق وإحلال العدالة، ويتحدث عن الشاعر اليوناني القديم فلشينيو ارسيا، وعن إقامته في روما، كما يتحدث عن مكيدة حاكها له بعض من اخصامه وعاذليه، هدفت إلى طرده من المدينة، وتصدي تلميذه الخطيب المفوه سيشرون للدفاع عنه، مفحما الادعاء، ومقنعا الحكام بأن الشاعر قد رفع من شأن روما في العديد من أشعاره ، ما يدفع بالمحكمة إلى منحه الاقامة، متأثرة بدفاع التلميذ عن استاذه ومقتنعة بشكل أو بآخر، أن العدالة تقتضي منها إصدار أمر يبقي الشاعر في البلاد. في سياق متصل يتطرق المؤلف إلى مصادفات تكاد تكون من عالم آخر، تسببت في ظهور كتاب "الانياذة" للشاعر الروماني فيرجل، الذي جاء بعد العملين الخالدين "الالياذة" و" الاوديسة" للشاعر اليوناني تلخالد هوميروس بردح مديد من الزمن، واضاف إلى هذين الكتابين الملحميين.

من الفصول المثيرة في الكتاب فصل يتحدث عن الرواية  الخالدة الموسومة بعنوان "دراكولا" مصاص الدماء، للكاتب الايرلندي برام ستوكر. تلك الرواية التي تدور أحداثها الدموية الرهيبة في رومانيا، التي يكاد الكاتب لا يعرفها ولم تطأ قدماه أرضها، الا في القليل النادر وربما لم تفعل بالمرة. أما كلمة دراكولا فإنها تعني الشيطان، علما أن أحداثها تدور خلال الاحتلال العثماني لرومانيا، والطريف ان المؤلف يرى في هذه الرواية واحدة من أبرز روايات الرعب في العالم لافتا النظر إلى أنها تشكل استمرارا حيا لكتابات الكاتب الأمريكي البارز ادغار الان بو، تلك الكتابات التي أسست لرواية الرعب والرواية البوليسية أيضا. ومن الطريف أن المؤلف يضمن كتابه هذا فصلا خاصا، عن تلك النهاية المؤسفة التي انتهت إليها حياة رائد القصة البوليسية ورواية الرعب في الادب الحديث.

لفتني في هذا الكتاب المبدع فصلان أحدهما عن تفاصيل التفاصيل في المبارزة التي قتل فيها الشاعر الروسي العظيم الكسندر بوشكين على يد ضابط فرنسي، والآخر عن اختفاء او مقتل كاتبة الرواية البوليسية اغاثا كريستي. في الكتابة عن بوشكين يطلعنا المؤلف على أدق التفاصيل، ومما يفاجأ به القارئ المتابع المطلع، أن تلك المبارزة التي انهت حياة واحد من أهم الكتاب والشعراء الروس على مر العصور وتعاقب الازمان، لم تكن الاولى، ومعروف أن بوشكين طلب مبارزة ذلك الضابط الفرنسي، الذي يكشف المؤلف عن اسمه اول مرة، بعد زمن من عدم معرفة الكثيرين له، وهو جورج دانتس. أما سبب تلك المبارزة فقد تمثلت في ملاحقة ذلك الضابط الفرنسي الغزلية لزوجة بوشكين التي اعتبرت من فاتنات المجتمع الروسي في تلك الفترة.

فيما يتعلق بمقتل الكاتبة البوليسية اغاثا كريستي، يتحدث الكاتب عن اختفائها بعد خلاف مع زوجها، الأمر الذي يدفع الشرطة إلى اتهامه بقتلها وتجري التحقيقات معه، إلى أن تظهر الحقيقة عبر نزول الكاتبة المشهورة باسم مستعار في أحد الفنادق وتلقي الشرطة خبرا يفيد بذلك، الأمر الذي يفضي إلى حقيقة مفادها أن سفر الكاتبة، وفي المقابل سفر زوجها ذاك، إنما تم بغرض ابتعاد كل منهما عن الاخر، للبت في قرار البقاء معا أو الطلاق. الحالة تنتهي إلى طلاق اغاثا من زوجها الاول ارشيبالد كريستي وارتباطها فيما بعد بعالم الآثار ماكس مالوان، الذي ستصحبه إلى منطقة الشرق الاوسط، سوريا والعراق، ولتغتني كتاباتها التالية بأجواء جديدة وإضافية. ويذكر أن رواية "قطار الشرق السريع", تعتبر من أبرز روايات الكاتبة.

الكتاب يتطرق إلى العديد من الكتاب والشعراء المعروفين في شتى بقاع العالم، امثال الاسبانيين سرفانتس صاحب "دون كيخوتة"، وكالدرون صاحب "الحياة حلم". و فرناندو بسوا صاحب كتاب "اللاطمانينة'، وانجليزي ديفد هربرت لورانس صاحب الرواية الشهيرة "أبناء وعشاق" والايطالي كاتب الخيال العلمي اميليو سالغاري مؤلف رواية"زهرة القيامةـ عجائب الألفية الثالثة"، الذي وضع حدا لحياته في الثامنة والأربعين من عمره، تاركا وراءه أربعا وثمانين رواية تعتبر من عيون الادب الايطالي. أما سبب انتحار هذا الكاتب المهم فهو كما يفهم يتمثل في وضعه المالي الصعب. فالناشرون يقطفون ثمار كتابته معوضين إياه بالقليل مما لا يكاد يسد الرمق.

***

ناجي ظاهر

بسم الله مُنجي الصادقين، رافع المستضعفين، مدرك التائهين، راوي أفئدة المشتاقين، صريخ الملتاعين، مبير الظالمين، وقاصم الجبّارين. والحمد لله الذي انقادت الحقائق بأزمّتها إليه، وانكبّت الخلائق في تضرّعها عليه. وجود وجوده حساب، وسكون حركته اضطراب. أذلّ لنا مصاعب الأمور، وتولّانا عن قوارع الدهور، وزيّن بنا قفار الحقائق، وكفانا في دهمائنا فواجئ البوائق. حتّامَ تنساني يا ربّ، وتحجب وجهك عني، جاعلًا من أقاويلي وبالًا، ومن عقائدي ضلالًا، مصيّرًا نجواي هذه هربًا من اليقين، وفرارًا من كل انكسار ولين؟ فأنت القادر ونحن الضعفاء، أنت الواجد ونحن العدماء، أنت الراوي بعد الظماء، وأنت الغنيّ ونحن الفقراء. إلى متى تنساني يا الله؟ إلى متى أحمل الغصّة في نفسي، والحسرة في قلبي؟ حتّام تُطفئ شمعتي وتُلهب لوعتي، وتحجب من اختبارك فكرتي؟ سرّحني من قيد هذه الحال الكدِرة، ومن معاناة هذه الأحوال الوضِرة. فقد تقلقلت من التعذّر في تصديق قضائك، واضطربت من التسليم إلى جوهر ندائك. إلهي، قد توجّرت روحي بجمرات الحسرة، وتطلّعت إلى سيل رحمتك قطرةً قطرة. عطشت إليك روحي يا ربّ، ولهج بذكرك لساني، وانطوى من فراق نورك زماني. فأنت سِرَاجي عندما تشتدّ الظلمة حولي، وأنت في الضرّاء قوتي وحولي، منك المنجى والخلاص، فأنت المصبّر على رَوع الزمان الغاصّ. أنت الشافي من وباء فتنته وبساطها الشائك، وأنت المنجي من ظلمات المهالك. وإنما ألهج بذكرك عند القريب والبعيد، لتشفع لي ببذل المزيد. وإنما أُعذّب روحي بالظمأ إليك، حتى تملكها بالأنس معك. إلهي، ما ألذّ رضاك في قلوب العارفين، وما أوسع رحمتك على أفئدة الحائرين. جالت بي الخطى وما اهتديت إلى سنا رضاك، وتاه بي الجوى وما وجدت زلال هُداك. إلهي، جعلت الحيرة غلالةً بيني وبين نورك، وجعلت العجلة حائلةً بيني وبين فيوضك. قد انكسرتُ من ذنوبي، وأُرديتُ من نُدوبي، و تفرّطتُ من رباطة جأشي، وصدئتُ من غُلّة عطشي. فلا تحرمني من حبيبي، ولا تُضعني في محاولاتي وتجريبي. أدعوك سرًّا وجهارًا، أدعوك صامدًا ومنهارًا، أدعوك ليلًا ونهارًا. انصرف أهل الورد حين بلغوك، وانقضى فصل أهل الجزم حين درسوك، وأنا محجوب عنك بك، فارٌّ منك إليك. يا من أسكرني بحبّه، وحيّرني في ميادين قربه، أسألك نبعًا يفيض بما فاض به أوّل الخلق، وطمأنينةً لا عطشَ فيها بطلب الحقّ. يا من بَلا وبرأ، يا من ألوذ به وألجأ، يا من سقاني بالظمأ، قوّني وضعّفني، واروِ منّي وعطّشني، واسقني من رحيق رضاك، كما كرّمت أولياءك بالسقيا، ولا تجعل سَهوتي غايتي في الدنيا. اللهم لا تؤدّبنا بعقوبتك، ولا تُحيّرنا بقطع وصلك، ولا تُسرّحنا في ميادين شبعك، ولا تُفتنّا برحيق ابتلائك، ولا تُشغلنا بما ليس لنا. فلم أستطع، مع إقراري بابتلائك، صبرًا… وكيف أصبر على ما لم أُحط به خبرًا؟ يا ساكنًا في الكوامن، يا من لا تحويه الأماكن، يا من لا تفوته الأقدار، يا نابعًا بالقرار، يا من لا يفوته قرار، ولا تُدركه الأبصار. إليك أشكر رحمةً منك منقطعة، وعطشةً لقرب رحمتك متلوّعة. فمن ذا الذي ذاق حلو المحبّة وفرّ منها؟ ومن ذا الذي أدرك حقيقتك ولم يَرْوَ عنها؟ ومن ذا يعرف جوهر أسرارك ولا يتيه فيها؟ ومن ذا يتيه في صحراء حقيقتك ولم يجُل فيها ؟ فحيرتنا من هذا القول فلاة، ونحيبنا للوصل بأذنك صلاة، وهيامنا في تلقّيه معارف، بها يفتقر إلى القرب كلّ تائه خائف، ويدرك جوهر الحنين كلّ ملتاع وعارف. واصقل، يا ربّ، معرفتنا بالأفهام، فقد قيل إنّ من أحبّ الله فهم عنه. ولا تصرف عنّا وجهك، واجعلنا من أهل الحظوة عندك، واحفظنا، اللهم، بعينك الرحيمة، واسقِ حيرتنا من منابعك المقيمة.

" طاب لي خلعُ عذاري *** في هوى البدر التمام

بافتقاري وانكساري *** أرتجي نيل المرام

خمرةُ الأحباب تُجلى *** هيَ حِلٌّ لا حرام

من دموع العين تُملَى *** صانها البرّ السلام

في سماء الحُسن هلّت *** غادةٌ تسبي الأنام

ولسيف اللحظ سلّت *** قاطِعٌ تحت اللثام

يا عذولي لا تلمني *** ما على العاشق ملام

ادنُ مني واروِ عني *** أنا في العشق إمام "

***

أمين صباح كُبّة

.......................

* اشارة الى قوله تعالى (إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا)

* اشارة الى قول ابو الحسن الشاذلي( المحبّة أصل في الافهام فمن أحب الله فهم عنه)

* الأبيات لعبد الغني النابلسي

إلهي كيف أدعوك وأنا أنا، وكيف أقطع رجائي منك وأنت أنت؟!

 بهذا السؤال الحائر الذي لا جواب له إلا الوقوف بين يدي المسؤول، نقف أمام لوحة "الصلاة" في مسجد عمرو بن العاص التي أنجزها الرسام الفرنسي جان ليون جيروم عام ١٨٧١، وهي اللوحة الزيتية التي تقتنيها الآن متحف المتروبوليتان للفنون بنيويورك.

اللوحة ليست مجرد تسجيل معماري دقيق لأقدم مسجد في مصر وأفريقيا، بل هي نافذة على علاقة معقدة بين الشرق والغرب وبين المرئي والمقدس، رسمها فنان استشراقي لم يكن مجرد رحالة عابر، فقد سافر جيروم إلى مصر وبلاد الشام والأناضول بحثا عن مشاهد تنبض بـ"الشرق" الذي كان أوروبيو القرن التاسع عشر يتخيلونه، فكانت أسفاره صيداً بصريا للمشاهد التي تختزل الحياة الشرقية في لحظاتها الأكثر تعبيراً: الأسواق والحمامات وصحاري القوافل والمساجد. وهو في ذلك واقعي في تقنيته وأكاديمي دقيق في تفاصيله، يرسم كما لو أنه يوثق لكن عينه لم تكن محايدة، بل كانت تبحث عن النكهة والغرابة المألوفة وعن الشرق الذي يليق بلوحات المتاحف الأوروبية، وهنا تكمن المفارقة: هل يمكن لعين وافدة تبحث عن "الغرابة" أن ترى ما هو "مقدس"؟2474 Jean Léon Jérôme

نقف الآن أمام اللوحة، الأعمدة الرخامية تمتد في بهو المسجد الفسيح، آلاف القناديل المعلقة تضيء العتمة، والمصلون صفوف خاشعة، هنا يتوقف الزمن. لكن قبل أن نغوص في التفاصيل، نقف على هدي من فكر عبد الجبار الرفاعي، حيث يرى أن المسجد ليس جدرانا وقبابا فحسب، بل هو فضاء يخرج المؤمن من يوميته إلى أفق آخر، وأنه يمثل اللامكان واللازمان الذي يتجلى فيه القدسي. هذه الرؤية تضيء لنا زاوية الدخول إلى اللوحة: فالمساحة الداخلية التي صورها جيروم لا حدود لها تقريبا، والأعمدة تتكرر لتخلق إيقاعا بصريا يشبه التكبيرات، والضوء لا يدخل من نافذة واحدة محددة بل ينسرب من الأعلى من مكان لا تراه العين، وكأن النور الحقيقي ليس مما تصنعه الأيادي. والقداسة في هذا الفكر لا تقوم في الحجر بل في القصد، فحين يدخل المؤمن المسجد يدخل بقصد الصلاة، ونفس الحجر لولا النية لكان مجرد أثر سياحي. جيروم رسم الحجر بدقة متناهية، لكن هل استطاع أن يرسم النية؟ أم أن النية تبقى ذلك السر الذي لا تنقله الريشة؟

محمد بن عبد الجبار النفري في كتابه "المواقف والمخاطبات" يقدم لنا مفتاحا للتأمل. يقول النفري:  "يا عبد إذا قمت إلى الصلاة فاجعل كل شيء تحت قدميك".

في اللوحة، المصلون قد وضعوا نعالهم عند أعمدة المسجد، هذه التفصيلة الصغيرة التي قد تمر دون انتباه تتحول عند النفري إلى علامة على معنى أكبر: النعل المحسوس ما هو إلا صورة لما يجب أن يوضع تحت الأقدام من علائق الدنيا والأنا والرؤية ذاتها. حين يقوم العبد إلى الصلاة، يرفع قدميه عن كل ما سوى الله، ليس فقط عن التراب بل عن كل ما يشغل القلب. جيروم رسم النعال بدقة، لكنه رسمها كجزء من المشهد الإثنوغرافي، أما المؤمن فيراها إعلانا عن خلع الدنيا قبل خلع الحذاء.

ثم يقول النفري: "قل يا رب كيف وأنت معلم أوليائك".

هنا المفارقة الكبرى التي يفتتح بها المقال: كيف ندعوه وهو الذي علمنا الدعاء؟ كيف نطلب منه وهو الذي أقامنا في مقام الطلب؟ في اللوحة لا أحد يرفع يديه بخشوع ظاهر، الجميع في سكون واستسلام، وكأنهم يعيشون هذه الحيرة الصامتة: كيف نطلب وأنت من أقامنا في مقام الطلب؟ ربما لأن الدعاء الأعمق لا يكون برفع الأكف بل بطمأنينة القلب في محراب الحضور. المصلون في اللوحة جلوس، ليسوا في صلاة فريضة بل في تلاوة أو ذكر، وهذه إشارة إلى أن "الصلاة" في معناها الأوسع هي كل توجه يستغرق العبد، حتى لو كان جالسا ساكنا.

ويزيد النفري: "سواي لا يدوم فكيف يدوم به غناء".

في كل زاوية من اللوحة ثمة ما يشهد على الفناء: الأعمدة ستنهار وتعاد، القناديل ستنطفئ، الألوان ستبلى، الزمن سيبدل كل شيء، ويبقى وجهه. هذه العبارة النفرية تذكرنا بأن جيروم نفسه، واللوحة نفسها، وكل من فيها من مصلين، كلهم في حكم الفناء، وما يبقى هو الوجه الذي قصدته الصلاة.

يبقى السؤال الذي لا يمحوه الزمن: هل رأى جيروم ما وراء الأعمدة والقباب؟ أم أن عين المستشرق بقيت أسيرة ما تراه لا ما تلمحه البصيرة؟ وهل يمكن للوحة أن تنقل الصلاة، أم أن الصلاة تبقى ذلك السر الذي لا يراه إلا من كان في باطنها؟ في اللوحة ضوء متسلل من الأعلى، لكنه ضوء مرسوم بزيت وألوان. النور الحقيقي، كما يقول النفري، هو نور الحضرة الذي لا يراه إلا من طهر قلبه وجسمه. جيروم طهر تقنته وأخلص لرؤيته، لكن هل طهر قلبه لما يراه؟ لا جواب عندنا.

نختم كما بدأنا، بهذا الدعاء الذي يتردد في بعض المصادر عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام:

 "إلهي كيف أدعوك وأنا أنا، وكيف أقطع رجائي منك وأنت أنت؟!"، نبدأ بسؤال الحيرة وننتهي بسؤال الرؤية.

 اللوحة التي أرادت أن تحكي عن الشرق حكت عن الإنسان، عن وقوفه بين يدي خالقه، عن حيرته كيف يطلب وقد أوصله الطلب إلى باب المسؤول عنه، عن يقينه بأن الستر من الله هو الستر كله. وربما تكون الإجابة عند من صلى، لا عند من رسم، عند من وضع نعله تحت قدميه وقدم قلبه بين يدي ربه، لا عند من أتقن رسم النعال والقباب.

***

د احمد عابر

 

هذا النصب مقام في الساحةً المقابلة للمحطة الباصات والقطار المركزية في مدينة ملقا تعتبر جزءا مهما من تاريخ المدينة وأبنائها: تكون مجموعة تماثيل الإسكوتينكو مشهدًا يرأسه الوزير خوسيه غالفيز.

يظهر وهو جالسًا وصدره متقاطع مع شريط وسام الملك تشارلز الثاني. خوسيه دي غالفيز إي غاياردو (1720–1787) الماركيز الأول لسونورا، كان شخصية سياسية إسبانية بارزة ومحامياً شغل منصب المفتش العام في إسبانيا الجديدة (1764-1772) ثم عضواً في مجلس جزر الهند (1775-1787). لعب دوراً حيوياً في تنفيذ إصلاحات بوربون وتعزيز الإدارة الإسبانية في الأمريكتين. حيث قاد سياسات مركزية وإصلاحات اقتصادية وإدارية في المستعمرات الإسبانية

. يقف بجانبه اخيه القديس ميخائيل، قرينه، حاملاً ملفاً. زيه ليس سوى رداء أسود، كونه عضواً في الرهبنة الصغرى. كلاهما كانا عضوين دائمين في مجلس مدينة مالقا تقديراً لتفانيهما المستمر لمدينتهما و وطنهم.

أمام الشخصيتين ، يدير ظهره ، الشخصية في وضعية بدء مسيرة برناردو دي غالفيز

  23 يوليو 1746 - 30 نوفمبر 1786 يقف بيدٌ مضطربة، متشابكة، مع المرسوم الذي وقّعه جوست للتو: لتعيينه حاكمًا لمقاطعة لويزيانا الإسبانية وعقيدًا للفوج الثابت الذي يحمل الاسم نفسه، وعاصمته نيو أورليانز.

الذي كان قائد عسكريا ومسئولا حكوميا شغل منصب الحاكمً لمقاطعة لويزيانا وكوبا ثم أصبح نائبا لملك إسبانيا . اما الجنرال ماتياس كوريز، شوندور (1717 - 3 نوفمبر 1784 . فقد كان جنرالًا إسبانيًا ونقيبا عاما لغواتيمالا ونائب للملك تشكل هذه الوثيقة المقدسة، السياق الفكري لفصل بالغ الأهمية في تاريخ الأندلس . من نيو أورليانز، قام برناردو دي جيلدر بجمع المساعدة من إسبانيا إلى ثلاثين من الأغلونيين الأمريكيين. بينما كان والده ماتياس فينسيراتا يقاتل الإنجليز في غواتيمالا، كان بيرناردو ليبينفارا يقاتل البريطانيين على متن سفينة "ميسيسيبي موبايل" في بينساكولا. بالنظر إلى كل هذه الخدمات، منح كارليس الثالث بيماندي دي غالفيز لقب إيوندريك غولفر. ستثبت لاحقا بان هذه الأعمال الرائعة أنها كانت حاسمة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق الاستقلال في أمريكا. ماتيب، برناردو دي كالفيز يرهن كنائب الملك في نوتيفا إيفورا، في عواصم المكسيك. ألينين جا كوليسيا (بينيلسكابا دي سان فرناندو، ريبوسر ري سوس تيستوس2471 khaima

النحات خايمه فرناندس 

وُلد النحات خايمه فرناندس في مدينة مالقا، وقضى شبابه في بلدة لوس روبيوس، التابعة لبلدية رينكون دي لا فيكتوريا. عمل مصممًا داخليًا في النرويج، حيث درس أيضًا تقنيات النحت. لاحقًا، عمل في الولايات المتحدة الأمريكية على نحت تماثيل نصفية بناءً على طلبات خاصة. بصفته عضوًا في الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة في سان تيلمو، ابتكر بيمينتل أعمالًا فنية مميزة لمدينة مالقة، مثل تمثال "إل سيناشيرو" والحمار "بلاتيرو" في الحديقة، والذي التقطت على ظهره صورٌ لأجيال من سكان مالقا.

من بين أعمال الفنان البارزة الأخرى تمثال بيزناغيرو، وفتاة بينالمادينا، وطيور النورس في حديقة ريتيرو بمدريد، وطيور النورس المحلقة فوق قاعة إدواردو أوكون، ونصب الإلهة الفينيقية نوكتيلوكا على واجهة رينكون دي لا فيكتوريا البحرية، وتمثال جابيغوتي على ممشى لاريوس في توري ديل مار. وقد نال النحات العديد من التكريم والجوائز، منها الدرع الذهبي لمصيف فيليز مالقة عام 2007، وجائزة بيايو التي منحها مركز "إل سيناتشيرو" الثقافي للفلامنكو عام 2008، وجائزة فينيكي ستار عام 2008، ولقب "الابن بالتبني لرينكون دي لا فيكتوريا".

ويعتبر تمثال صياد السمك اليوم الأثر الأكثر رمزية لمدينة ملقا.

***

د. توفيق رفيق آلتونچي

 

منذ بدءٍ إلى دهورٍ،

المطلوبُ هو كسرُ القالبِ

إبداعاً في التقدّم.

*

منذ بدءٍ إلى دهورٍ،

التجديدُ ولو متفلِّتاً.

*

"الذي يُحبّ يجب

أن يُطلقَ سراح من يحبّ".

*

الذي يحبّ

هو الذي يُطلق سراح

من يحبّ.

*

نعم،

"من يحبّ

يطلق سراحَ

من يحبّ".

*

الوعي

هو في الدِقّة.

*

"الوعي

هو في دقّةِ

الملاحظة".

*

الوعي

هو في دِقّةِ

ملاحظةِ الفارق.

*

الطريق

كلّها عثرات،

امشها بحياء.

*

الحياة

ليست في

كمْ عدد المرّات

التي تعثّر فيها

بل هي في

كم عدد المرّات

التي تعلّمَ منها

وتجاوزَ.

*

"الحياة

ليست في

كم عدد المرّات

التي وقع فيها

بل هي في كم

عدد المرّات

التي وقف

فيها

على قدميه".

*

الحياة

هي أن تمسك بالرأسِ

الذي في الرأس.

*

الحياة

هي أن تقبضَ

على رؤوسٍ

في الرأس.

*

"العادةُ

هي أنّ الناسَ

لا يأخذون بالنصائح

التي يتلفّظون بها".

*

"هناك

أغنام وذئاب

وقد لا تراها

لكنّك تعرف الفارق.

أيّها المسافر

وقد أضعتَ طريقكَ

من سيتبرّع لرحلتِكَ

إلى محجّتِك البعيدة"؟.

*

الأملُ

يجعلُكَ تصدّق.

*

الأملُ

يجعلك ترى ماذا تريد.

*

كلُّ ثقافةٍ

هي بتاريخِ صلاحيّة.

*

"تغييرُ النّصوص

أم تغييرُ النفوس"؟.

*

"تغييرُ النفوس

أم تغييرُ النّصوص"؟.

*

الموتُ

هو أن تفقد

الصِلةَ بالواقع.

*

الموتُ

هو أن تؤجِّل

مُدرِكاً ماذا تعمل.

*

"المسؤول

عنِ الكبيرةِ

مسؤول

عنِ الصغيرة".

*

"الصعودُ

إلى حلبةِ الملاكمة

شيءٌ،

وأن تفوزَ بالمباراةِ

شيءٌ آخر تماماً".

*

حلمك

لا يراه أحدٌ

غيرك.

*

حلمُك

لن يراه أحد

غيرك.

*

الميْت

هو من مات الحلمُ

فيه.

*

رُقّي

من حمار

إلى بغل.

*

"علّمتْهُ العبوديّةُ كيف ينجو

ولكنّها لم تعلّمْه كيف يعيش".

*

"الإنسانُ لكي يطالَ

ولذا هي هذه السماء".

*

"مسِنٌّ

وأحلامُه "بيزنطة"!.

*

"عند كلّ عارض

متى ستكفّين عن قطعِ أنفاسِك؟.

ما كان يجب أن تعطي الثقة لأحد

من دون حراسة.

ما كان يجب أن تتركي يديكِ

أو أن تغمضي عينيكِ.

وليكن هذا درساً لكِ".

*

أو هي

رمْيةٌ في العماء.

***

شوقي مسلماني.

......................

- "كلّ ما هو بين مزدوجين صغيرين مترجم أو منقول، وغالباً بتصرّف".

(الأسئلة مبصرة والأجوبة عمياء)... أرسطو

كان الفيلسوف الاغريقي العريق سقراط، كما يصفه تلميذه النجيب، السائر في أثره وعلى خطاه، أفلاطون في جمهوريته المثلى تحديدا، اقول كان سقراط يصل إلى الحقيقة عبر طرح السؤال تلو السؤال، على محدثه، وذلك ضمن محاولة واعية لوضعه في حالة وصول إلى الحقيقة بأسلوب ذكي جدا وذاتي جدا، أما الكاتب الروماني المنبت، الفرنسي الهوى يوجين يونسكو صاحب المسرحية الرائعة" الجوع والعطش"( ترجمها إلى العربية الدكتور حمادة ابراهيم وصدرت ضمن سلسلة المسرح العالمي الكويتية)، فإنه يثير سؤال السؤال في كتابه المميز "ملاحظات وملاحظات مضادة"، بصورة خاصة، وذلك عندما يذهب إلى أن السؤال يكتسب أهمية لافتة في الكتابة الأدبية الإبداعية، كونه يعبر عن راي ورؤية في الآن ذاته، ناهيك عن أنه يشكل من ناحية ثانية حافزا مثاليا لتفكير الاخرين.

اذا اعتبرنا العملية النقدية نوعا آخر من العمل الابداعي، يكمله ولا يعيش على هامشه، كما رأى العديد من النقاد الافذاذ، منهم الناقد العربي المصري غالي شكري صاحب الكتاب اللامع "شعرنا الحديث.  إلى اين؟", فإنه يكون من المقبول والمرضي عنه إلى حد بعيد، أن يقف السؤال في صلب العملية النقدية، وان يتربع على عرشها، كما يتربع العاشق على عرش القلب، فيملكه، حسبما تقول اغنية "عندك شك بأيه" لسيد مكاوي، ولا يجد بعد ذلك داعيا لأن يفقد طمانينته ورضاه بحالته الغرامية. يعزز أهمية السؤال في الكتابة النقدية، أن السؤال في كل حالاته، عادة ما يكون واحدا، يتم طرحه من قبل الناقد بتمكن وعمق، في حين أن الجواب عادة ما يتعدد بتعدد القراء من ناحية، وربما يحتاج إلى أن تتوكل بتقديمه المؤسسات الثقافية الفاعلة والمعنية من ناحية اخرى.

أضف إلى هذا، أن الناقد المتبحر، عادة ما يكون متمكنا من طرح سؤاله، حينا بصيغة بلاغية، لا تحتاج إلى الرد وتتضمن الجواب في ثناياها، كما أنها قد توحي بالجواب في أعمق اعماقها، بمعنى أننا إذا ضمنا متابعتنا في نقد الحالة الشعرية، وتطرقنا عينيا، إلى ظاهرة نراها سلبية، مثل ظاهرة العربدة والصراخ في إلقاء البعض لما كتبوه وانتجوه في مجال القول الشعري ، فإنه يبات من المفروغ منه أننا طرحنا السؤال واصفين الداء ضمن محاولة لتقديم الجواب، أو الدواء الضمني، ممثلا في إيحائنا بأن المطلوب، هو ألا نعربد والا نصرخ وان نمنح بالتالي كل نأمة وحركة استحقاقها في جمالية المكتوب أولا  الملفوظ الشعري ثانيا.

في سياق متصل نقول، أما إذا انتقدنا الكتابة النسائية الشعرية، طارحين السؤال حول كينونتها النثرية بالمجمل، فإن الجواب المطلوب هو أن تقوم النساء، الشواعر المقصودات تحديدا، بالتخصيص وليس بالتعميم، بدراسة عروض الشعر العربي ممثلة في ستة عشر بحرا، وان يقمن بالإضافة إلى هذا بقراءة مكثفة للشعر العربي الجميل حتى يستقيم ويغتني القول الشعري لديهن.

السؤال بهكذا وضعية لا يمكن أخذه على اعتبار أنه تعميم، بقدر ما هو تخصيص عيني، في كينونته الذاتية وفي توجهه إلى حالة أو أكثر محددة، فجميعنا يعلم في العمق البعيد، ان الحديث اي حديث والسؤال النقدي اي سؤال، عادة ما يتمحور في قاعدة محددة ولا ينسى أن لكل قاعدة استثناء، بالضبط كما أنه توجد هناك لكل قاعدة تدرجاتها. بمعنى أن عملية العربدات والصرخات، لا يمكن مهما حاولنا وصفها، أن تكون بدرجة واحدة وإيقاع واحد.

ان العملية النقدية الأدبية بهذا، تسعى ضمنا، إلى تصويب ما هو معوج ويحتاج إلى شيء من التقويم في المسيرة الشعرية، وذلك عبر اكتفائها بطرحها السؤال البلاغي، الذي لا يحتاج إلى جواب، لأن هذا الأخير/ الجواب، يعتبر أحد جوانبه الخفية المطروحة ضمنه وفي داخله، من ناحية، وهو ما يعني في أغواره البعيدة السحيقة، أننا إنما نطرح السؤال أو الداء، في متابعتنا النقدية الأدبية، مضمنين إياه الدواء الذي يعتبر من بعض جوانبه دواء شافيا من وجهة نظرنا، وغير متغاضين عن أنه يوجد حق لكل قارئ لما كتبناه وطرحناه من أسئلة، في التفكير بحالته الخاصة، أنه يوجد لكل داء دواء، العثور عليه ليس مستحيلا، وان كل ما يتطلبه للعثور عليه، هو بذل المزيد من الجهد للفهم القويم، وربما فهم

***

ناجي ظاهر

 

النص الإبداعي هو انثيال وجداني خالص، مكتض بالحس المرهف، والمشاعر العاطفية الشجية، تعبيرا عن تجربة الإنسان الداخلية. فالنص الابداعي بهذه الاسلوبية التلقائية في التعبير، يعكس وهج عواطف الإنسان، والق وجدانه، في لحظة تفاعله مع محفزات الوجدان في حينه.

 وهكذا تظل عفوية انثيال النص الإبداعي، من بين أهم ملامح جماليات النص، حيث تتدفق الكلمات، والصور من العقل الباطن، دون قيود أو حدود، لتعكس الحقيقة الداخلية لذات الكاتب، في اللحظة، وهو يعبر عن تجربته الذاتية، بطريقة وجدانية، صادقة ومؤثرة.

وتجدر الإشارة الى ان النص الإبداعي، يمكن أن يكون في نفس الوقت، طقسيًا ومنظما، حيث يتم بناؤه، وتشكيله عندئذ، وفقًا لقواعد، وٱليات محددة، عند الكاتب.

ولاشك أن النصوص ذات المنشأ الطقسي، تعكس قدرة الكاتب على الإبداع والإبتكار، بما يمتلكه من حنكة، وخبرة متراكمة، وقدرة متمكنة، في الحبك، إضافة لموهبته، تعبيرا عن رؤيته لمراده، بطريقة منظمة، ومتماسكة، ومقصودة.

ولتحقيق التوازن بين العفوية والطقسية، في كتابة النصوص، فانه ينبغي على الكاتب أن يكون قادرًا على توظيف موهبته الإبداعية، في التعبير عن تجربته الداخلية، بطريقة صادقة، ومؤثرة، وان يكون قادرًا في الوقت نفسه، على بناء نص إبداعي منظم، ومتماسك، بتوظيف خبرته، ومهارته، بطريقة متمكنة، تجعل من النص الإبداعي الطقسي، نتاجا قويًا، ومؤثرًا في المتلقي.

***

نايف عبوش

رسم إدفارد مونش لوحة "الصرخة" أول مرة عام 1893، في هيئة جنينية، بقلم شمع على كرتون. ثم عاد إليها في العام نفسه، فصاغ النسخة الأشهر بتقنيات مختلطة من الزيت والتمبرا والباستيل، قبل أن يعيدها إلى الحياة مرتين أخريين، عامي 1895 و1910. وكأن الصرخة، منذ ولادتها، لم تكن حدثًا مكتملًا، بل نداءً يتكرر، ويتحوّل، ويصرّ على البقاء.

منذ أكثر من مئةٍ وثلاثين عامًا، لا تزال الصرخة تحدّق فينا. ليست لوحةً عتيقةً أنهكها الزمن، بل جرحًا مفتوحًا في الذاكرة الإنسانية.

رغم تهديد الرطوبة لألوانها، ورغم هشاشة الكرتون الذي احتضنها، ما زالت قادرة على الدهشة، لا لقيمتها الفنية وحدها، بل لأنها لم تكفّ يومًا عن قول ما نعجز نحن عن قوله.

بقوتها التعبيرية، وبألوانها المشبعة بالاختلال، وبالسر الذي لا ينفد من قراءته، تحوّلت الصرخة إلى رمز للإنسان الحديث: إنسان الوحدة، والقطيعة، وانكسار الانسجام مع الكون. لم يعد الحلم وسيطًا للواقع، بل صار الواقع نفسه كابوسًا يُعاش مباشرة، بلا حماية. الوجه في اللوحة لا يصرخ فقط؛ إنه يُلتهم من الألم، يذوب فيه. الزمن الداخلي يبتلع التاريخ والعلاقات، ويحوّل العالم إلى صدى داخلي خانق.

بلغة الصورة، يترجم مونش ألمًا كونيًا. ما نراه ليس فردًا، بل حالة وجودية. ولهذا لم تكن الصرخة حكرًا على الرسم وحده. ففي عام 1918، كتب فرانز روزنزفايغ نصه الصرخة، حيث تصبح الصرخة لحظة تصالح مأساوي بين الروح والجسد، «الصرخة التي تستدعي الأبدية والتفرّد»، تلك التي تكشف «الدراما العظمى بين الإنسان والعالم في مثلث الخلق». الصرخة هنا ليست صوتًا، بل حدثًا ميتافيزيقيًا.

هذا الصدى نجده أيضًا عند كيركغارد، حيث القلق هو نغمة العصر، وعند دوستويفسكي، حيث الإنسان يسير على حافة مرتفعة بين هاويتين: أنانية بلا حب، أو قداسة بلا أمل. وحتى عند نيتشه وسارتر، تتخذ الصرخة شكل الإحساس المأساوي بالحياة، ذلك الشعور بأن الواقع ذاته بات غير متوافق جذريًا مع إنسانيتنا.

في الفكر الحديث، لم يعد العالم مأوى، بل مسرح توتر دائم. عدم الانسجام لم يعد استثناءً، بل قاعدة.

عام 2021، وأثناء نقل الصرخة إلى المتحف الوطني النرويجي الجديد، كُشف سر صغير لكنه زلزل المعنى: نقشٌ خافت بقلم رصاص في الزاوية العليا للوحة عام 1893، يُنسب إلى مونش نفسه، يقول: «لا يمكن أن يكون قد رُسم إلا بواسطة مجنون».

بعد 130 عامًا، لا تزال كلمة مجنون تطالبنا بالمسؤولية. مسؤولية الصورة في زمن طغيان الصور. ومسؤولية ما يسميه إينزو بورغنا «الإيماءات المفقودة»: تلك الأفعال الصغيرة التي لم ننجزها، وكان يمكن لها أن تقول للآخر: أنا أراك. مصافحة، ابتسامة، عناق. في اللوحة، يمرّ أشخاص آخرون، غير مبالين. الصرخة تُطلق، لكن لا أحد يلتفت.

وهنا ينفتح تأويل جديد: مونش لا يرسم صرخته وحده، بل صرخة الجرحى والمهمّشين، صرخة المضطهدين، صرخة من تُركوا خارج السرد. الصرخة هي أيضًا صرخة المهجورين، أولئك الذين لم يجدوا من يسمع.

ربما حان الوقت أن نقف أمام هذه اللوحة من جديد، لا بعين الإنسان المتخم بخطابات الحداثة، بل بأذنٍ أكثر تواضعًا. أن نصغي إلى منظور الفقراء، والمنبوذين، والمجانين، والمضطهدين، الذين ما زالوا يسألون: إلى متى؟

تدعونا الصرخة إلى النظر في الحروب، والأوبئة، والهجر، والعنف، واستغلال الضعفاء، وفي كرامة الإنسان المهدورة. تدعونا إلى استعادة ذاكرة المظلومين، أولئك الذين مُحوا طويلًا من روايات المنتصرين. موضوع هذه القصة الأخرى هو كل ما «تُرك خلفه».

ولكي نروي هذه القصة، لا نحتاج أولًا إلى الكلمات، بل إلى الصمت. صمتٍ يشبه الوقوف أمام شواطئ كوترو، أو أمام جسد طفل مغطّى بالكفن في أي بقعة من هذا العالم.

هناك، فقط هناك، تبدأ الصرخة في أن تُسمَع.

***

محمد إبراهيم الزموري

(الرحمة لا العقل هي ما يجعل الانسان انسانا).. ليو تولستوي

في لوحة العودة للديار المرسومة سنة ١٩٣٦، لا نواجه حدثا دراميا ولا ذروة سردية، بل ما يشبه ما بعد الحكاية، حين تنتهي اللغة وتبقى الاجساد وحدها شاهدة. جندي عاد من الحرب، او لعل الحرب لم تغادره بعد، جاث على ركبتيه، مثقل، منكسر، وقد اسند راسه الى حضن امرأة لا تعرف، ولا تسمى، ولا تحدد هويتها. لا نعرف ان كانت اما، او اختا، او حبيبة، وربما هي كل ذلك معا. ما نعرفه فقط انها تستقبله بلا سؤال، وبلا دهشة، وبلا شرط.

اللوحة من اعمال الرسام الالماني هانز ادولف بوهلر، المنتمي الى تقاليد الواقعية الرمزية المتاخرة ذات الجذور الكلاسيكية، حيث تمنح الاجساد حضورها الكامل، وتقال الافكار عبر الايماءة لا عبر الخطابة. في مناخ فني الماني في ثلاثينيات القرن العشرين كان ميالا الى تمجيد القوة والانتصار، تأتي هذه اللوحة على هامش التيار الغالب، لا لتعارضه صراحة، بل لتلتفت الى ما يتجاهله، لحظة العودة حين يسقط القناع، وحين يعود الانسان لا كبطل، بل ككائن محتاج الى من يلتقطه.2462 ahmad

المرأة في اللوحة لا ترفع الجندي، ولا تعيده واقفا، ولا تعيده قويا. هي تفعل شيئا ادق واعمق، تسمح له ان يكون ضعيفا. يدها الموضوعة على راسه ليست اشارة سلطة، بل ايماءة معرفة قديمة، معرفة الجسد بالجسد، ومعرفة العناية التي لا تحتاج الى تفسير. هنا يمكن استحضار فكرة ايمانويل كانت عن كرامة الانسان بوصفه غاية في ذاته، لا وسيلة. فالجندي، وقد انتهت وظيفته الحربية، يستعيد قيمته لا لانه ادى دوره، بل لانه انسان يستحق الاحتواء. الكرامة هنا لا تمنح بالقوة، بل تستعاد حين يعترف بالهشاشة دون اذلال.

لكن اللوحة لا تتوقف عند الاخلاق العقلانية، بل تنفتح على افق اعمق، اقرب الى ما كان تولستوي يلتقطه في الحرب والسلام. اللحظة التي ينهار فيها العقل المنظم، وتتعطل الحسابات الكبرى، ويبقى شيء واحد صالحا للحياة، الرحمة. كل ما في الجندي يقول ان المنطق فشل، وان الحرب لم تترك له تفسيرا ولا معنى. وكل ما في المرأة يقول ان المعنى لا يصنع، بل يحتضن. الرحمة هنا ليست فضيلة مجردة، بل فعلا يوميا بسيطا، يحدث بلا اعلان، وبلا بطولة.

ومن هذا المعنى، يمكن قراءة اللوحة في افق انساني ديني بلا لاهوت، يلتقي مع ما يطرحه عبد الجبار الرفاعي، حين يرى ان الدين الحي هو الذي يداوي جراح الانسان، لا الذي يفسرها فقط. هذه المرأة لا تنطق باسم الله، ولا تحمل خطابا اخلاقيا، لكنها تفعل ما هو اسبق من كل خطاب، ترافق الالم. وكأن اللوحة تقول ان المعنى لا يولد من الالم نفسه، بل من الطريقة التي يستقبل بها هذا الالم حين يعود الى البيت.

وهنا تصبح العودة للديار عودة مختلفة عما توحي به الكلمات. الديار ليست مكانا، ولا وطنا سياسيا، ولا نهاية حرب، بل حضنا يسمح للانسان ان يضع راسه اخيرا دون ان يسال عما فشل فيه. الانوثة في اللوحة ليست رمزا سماويا، ولا استعارة لاهوتية، بل الذاكرة الاولى للامان، تلك التي يعرفها الجسد قبل ان يعرف اللغة. في هذا الاحتضان الصامت، تستعاد الانسانية لا بوصفها قوة، بل بوصفها قابلية للكسر، وقابلية للعناية. وربما لهذا السبب تبقى اللوحة حية، لانها لا تعد بالخلاص، بل تقول شيئا ابسط واصدق، ان الانسان حين يعود مكسورا، لا يحتاج الى تفسير، بل الى من يبقى.

***

د. احمد عابر

 

ما أجمل أن تقطن بين أحضان مدينة ذاكرتها تنام تهورا في شمس قيض، ولا تستيقظ إلا عند الاستحقاقات الانتخابية. دوما كانت ذاكرة المدينة تفيق مع الفزع الملازم، ومرات عديدة التلاشي مع مآسي الأحداث الطارئة. فما أسوأ!!! التذكر حين تُمْسي وقد تنام ذاكرة المدينة في سهو منسي، ونحن لا نزال نُشغل عقولنا بالتراخي الرخو حتى لا تموت المدينة بالحتمية والفجائية. إنها بحق الأحلام المبتورة، والتي تحمل كل مثيرات الأضواء الزائفة، وملونات فقاعات نصب الفخاخ المميتة.

يبق لنا بالجمع أن نستغرب من شيء واحد، أن مدينة طيعة منذ أن كان القدر سيدا في مسقط رأسي بين أسوارها الأميرية. ومهما كانت غرابة الاستدلالات بالذاكرة المفقودة للمدينة الطيعة موضع بديلا عن المدينة الفاضلة، فالأمل الضائع بات سيد الحديث ومنه كانت البدايات والختم الانتظاري.

منذ الزمن الماضي القريب كان جزء من الأحلام المبتورة للمدينة الطيعة، يسارع الوقت على نحو من التهور والفهلوة بالبحث عن المنقذ (المهدي المنتظر). وخلافا لمحطة (غودو) الأخيرة، فقد طال أمد الانتظار عن التنمية الموعودة، وعن عودة ابتسامة الحياة للمدينة. لكن الأدهى من ذلك كانت أحلام ذاكرتنا جميعا تلتصق بالماضي، وتصنع منه الرمزية (الذهبية)، وتلقي باللوم على الحاضر ( المصدي) الذي لم يقدر أن يصنع ولو جزء من الماضي القريب بالتشريف والذكر.

التشكيك بكل النيات الحسنة، اختلط مورده بذاكرة مدينة اليقظة بالنميمة السياسية، وتم تعويم رؤية الفساد على وجه تربها. فكل الوعود الجميلة التي واعدونا بها، باتت حتى هي من الاستدلالات الفاسدة، ولم يبق لنا من صحتها غير الدعاء وراء الإمام وقول: (آمين)!!! فحين قال: اللهم امحق الفاسدين، نقول جماعة وراءه: (آمين)، يقول: اللهم شتت شملهم، نقول: (آمين). يقول: اللهم احرق أموالهم، وحاسبهم حساب الحكامة بمحاكم المالية، نقول: (آمين)، ونحن نعلم علم اليقين أن صدقات الفاسدين تحميهم من دعاء الإمام!!!

كل ضروب التشويش وتعطيل التنمية بمدينة الذاكرة المنسية، تعطل عيوننا من الإبصار في الأفق الجميل المبتسم. ولم يبق لدينا غير الحق الوحيد في استرجاع الثقة في قدرتنا على إقرار عقاب الصناديق الانتخابية (2026). لم يبق لدينا غير المشاركة وليس المقاطعة البئيسة السلبية التي تجعل من صغير القاسم الانتخابي يتسيد المشهد السياسي العقيم، ويماثل في خرجاته (دُونْ كِيشُوتْ) المعارض.

حقيقة غير مراوغة بفنية (سفسطائي)، أن ذاكرة المدينة لا تطيق فهم الكليات الواجبة للتغيير، واستدلالات البدائل، بل فهمنا في حدود ظل ذواتنا في الغروب الباهت، يقف عند الحقائق السهلة المختلطة بفساد الاستدلال والتبعية الموغلة في لحظات الانبطاح، والهرولة نحو الاقتيات من فتات بقايا الريع (الحلال) للأسياد.

ذاكرة مدينة تُنتج الحذلقة في النزق(والنزوقية)، في ظل غياب أسس ما ذكر في دستور المملكة من الكلمات دالة ومليحة (الحكامة/ الديمقراطية/ التشاركية/ العدالة/ حق الدولة/ العدالة الاجتماعية/ الرفاه/ المناصفة/ الكرامة/ العدالة المجالية...). فحين تغيب الأخلاق والقيم عن السياسة، نكون نتفحص الانتقاد الثنائي (الأغلبية والمعارضة) في فكر سياسي عبثي، ونحن نعلم أنها تلاسنات مغرضة ومفبركة لدغدغة المشاعر اللينة الصامتة، ويمكن أن يصبح المعارض بالأمس أبكما وغبي الفهم حين يتربع على كرسي الأغلبية متسيدا !!!

هي مسألة ذاكرة مدينة تتصيد العجب في بحيرة مستنقع لا سمك تنموي فيها ذي جودة. ومن حمية استحضار الذاكرة المنسية حتى ولو بالجزئية لا الكلية، أن نحارب الاستدلالات المغرضة بمدينة العجائب، حتى لا يصاب الجميع بداء النسيان ونكوص الثقة في المستقبل، والتقادم الذي يريد تحنيط حتى الأسوار والقصبات، ويبخس كل رؤية تحديث للتمكين الحضاري.

***

محسن الأكرمين

كتب أحدهم ما مفاده انك قد تقرأ مئة كتاب، وقد تمر على كل ما فيها باهتمام كبير، متوقفا عند كل حرف وحركة، الا أنك قد تكتشف فجأة نسيانك كل تلك الكتب التي قرأتها، وقد تنسى كل ما تضمنته ايضا، سوى انك ستكتشف انك بت إنسانا غير ذلك الذي كان قبل قراءة كل تلك الكتب. أورد هذا كله واستشهد به مجتمعا في القراءة وفائدتها الآنية وبعيدة المدى في نفسية وكينونة من يمارسها.. مقضيا الساعات الطوال برفقة الكتب وبين يديها، فالقراءة في عمقها الانساني تعني الكثير وقد تنبه اديبنا العربي العريق ابو عثمان بن عمر بن بحر المكنى بالجاحظ، لجحوظ في عينيه، أن القراءة هي عقل غيرك يضاف إلى عقلك، في حين ردد العشرات، منهم الكاتب العربي المصري البارز عباس محمود العقاد، ما سبق ولحق، ما ردده العديدون من الكتاب والمفكرين، وهو أن القراءة هي زاد يطيل العمر ويثريه كونها تجربة تضيف إلى تجربتنا وعمرا يضاف إلى اعمارنا.

اقول هذا وانا افكر في نوادي القراء القائمة في العديد من بلداتنا ومدننا العربية، غاضا النظر عن انها جاءت كالعادة تقليدا، لكن لا باس به، لنواد سبق واقيمت في شتى التجمعات المتحضرة في العالم ولدى ابناء العم اسحق في بلادنا تحديدا، ومتفكرا فيها وفيما قدمته وتقدمه بين الحين والآخر، من متابعة حافلة بالمحبة والتقدير للكتاب ولكل من يهتم به، سواء بصورة شخصية أو بصورة عامة عبر ما نشرته وسائل الإعلام عن هذه النوادي المباركة في كل الاحوال، بإمكاني تسجيل الملاحظات التالية.

الملاحظة الاولى: أن هذه النوادي كما عرفنا والفنا، تنشط بصورة موسمية، وهي عادة ما تقيم نقاشا حول هذا الكتاب أو ذاك، في فترات متباعدة، ويخيل لي أن كلا من نشاطاتها، إنما يقوم بعد تحمس، من حماس، أحد اعضائها، اثر قراءته كتابا ما فيقوم باقتراح مناقشته في ناديه وإذا ما لاقى اقتراحه القبول تم اقتناء الكتاب المقصود، تلاه توزيعه على أعضاء النادي وعقدت بالتالي الجلسة، ليكتب عنها خبر يتم نشره في وسائل الإعلام الإلكترونية أو وسائل التواصل الاجتماعي، مسجلا إنجازا للنادي الذي يدور الحديث حوله، ولتتلو نشر ذلك الخبر حالة من البيات، بانتظار مديد لاقتراح اخر لمناقشة كتاب جديد. هكذا نلاحظ، وارجو ان أكون مخطئا في ملاحظتي هذه، أن تلك النوادي، خاصة في المكتبات العامة أو بين ظهرانينا في التجمعات المعنية، بدلا من أن تعمل بصورة مكثفة ومركزة، كما يفترض، تتحول الى العمل بصورة متقطعة، وتفتقد إلى الحماس المطلوب للمواصلة الهامة جدا والمحببة فيما يتعلق بحالة القراءة والكتابة.

الملاحظة الثانية: أن هذه النوادي، بدلا من أن تهتم بالعمق في عملها، تلجأ إلى السطحية، بمعنى أنها تنتظر الاقتراحات من أصحاب الكتب الصادرة مؤخرا، وليت الأمر يتوقف في قبولها هذا الاقتراح على تقديمه، ذلك أن الأمر يتجاوزه إلى مدى، أكاد اصفه بأنه مكروه، وهو أنني أنا مدير النادي، اذا ما كنت من أصدقاء الكاتب صاحب الاقتراح، وافقت على اقتراحه أو طلبه فورا ودون تردد، أما إذا لم أكن كذلك، أعني من اصدقائه، فإن الأمر يختلف، ذلك أن الاقتراح سيرفض إما بسبب أننا جمدنا نشاطنا حاليا، واما أننا سندرس الأمر، وقد ندخل اقتراحك في برنامجنا للسنة القادمة. اقول هذا انطلاقا من تجربة شخصية، فقد تلقيت مثل هكذا ردين، كل على انفراد بالطبع، على اقتراح وضع كتاب جديد لي ضمن نشاطات وفعاليات ناديين في منطقة إقامتي الناصرة، وتلقيت الرد ذاته ، وفي الوقت نفسه قام هذان الناديان، أو أحدهما بالحتم، بمناقشة كتاب لكاتب واصل ويتقن فن العلاقات العامة. لماذا اقول هذا؟.. أنني أقوله للفت النظر ولمعالجة الأمر بهدف إيجاد الدواء للداء القتال.. لا اكثر.

الملاحظة الثالثة: أن هذه النوادي عملت، عندما ركبها شيطان الرغبة أو الهوس حينا، وعندما تقبلت هذا الاقتراح أو ذاك حينا اخر، بطريقة لا تختلف عن طريقة بقية المؤسسات الثقافية في بلادنا تحديدا، في مقدمة هذه الطريقة، انتظار الاقتراح يأتي من الخارج، واضعة ذاتها بذلك في خانة رد الفعل البدائي، وعدم المبادرة المتحضرة، بمعنى الفعل المرغوب به والمحبب، ولي تجربة مرة بطعم الحنظل بهذا الصدد. هذه التجربة حصلت على النحو التالي: اقترح علي صديق متأدب شاب ذات لقاء مرافقته إلى مؤسسة ثقافية تحتضن ناديا للقراء، بهدف اهدائها كتابه الجديد الصادر مؤخرا. ما إن تناولت مديرة المؤسسة الكتاب حتى اقترحت عليه جلسة اخرى، لوضع الكتاب ضمن برنامج نادي القراء، بعد ذلك جرى حديث حول الحراك الادبي الثقافي في البلاد. وعندما سألتني تلك المديرة، عن رأيي، رددت عليها قائلا، إن ما حصل في ذلك اللقاء لم يعجبني وآثار حفيظتي، المديرة فوجئت وعادت تسألني عن السبب، فاجبتها بمنتهى الوضوح، أن اقتراحها مناقشة كتاب صدر مؤخرا هو أمر مبارك، بغض النظر عن أنها لم تقرأه بعد، بعد ذلك جرى نقاش، ودي معها، اطمئنوا لست عنيفا، الخصه بكلمات قلائل فأقول إن ما حصل لم يرق لي لأنه ليس من المطلوب من الكاتب صاحب الكتاب الصادر حديثا ان يتوجه إلى المؤسسة الثقافية أو نادي القراء، ليتم اقتراح مناقشة كتابه في النادي، وان الأفضل أن يقوم أحد أعضاء النادي بقراءة ما يتم إصداره من كتب جديدة ومستحقة بالطبع ، وان يقترح بالتالي ما هو جدير بالوضع ضمن أعمال ناديه القرائي لتتم مناقشته، أما أن يذل الكاتب نفسه ويزور المؤسسة المعنية أو نادي القراء وفي نفسه أن يقوم هذا الأخير بوضع كتابه ضمن أعمال النادي، وان تصل الرسالة المشفرة بالتالي، فتقترح الإدارة الاهتمام بكتابه، فإن هذا يدل على واحد من امرين، أما أن النادي ما هو إلا ناد التفاخر واتمام واجب مؤسساتي، يخدم في العادة جهة اجتماعية او سياسية، وإما أنه مصاب بحالة نوم وبيات، وهو ما لا يليق في كلا الحالتين.

كي لا افهم خطا اقول.. إنني اعرف ان عمل نادي القراء، اي نادي، يحتاج إلى بذل الكثير من النصب أو التعب والجهد، ويكفي أن أشير إلى ما يحتاج إليه لمناقشة قرائية واحدة، توضيحا لما اقوله، فالنادي يحتاج اولا إلى شراء عدد من نسخ الكتاب يوازي عدد أعضائه الراغبين في المشاركة، بعدها يحتاج إلى توزيع الكتاب عليهم، يليه قراءة الكتاب في وقت محدد، يقينا انني اعرف هذا كله، غير أن ما قصدته من ابداء ملاحظاتي الانفة، هو ما بعد هذه الامور الشكلية الضرورية والهامة.. أنه يصب في خانة عمل النادي ذاته وليس خارجه.  . أما الهدف من هذه الكتابة وما تضمنته من ملاحظات، فإنه يأتي من محبة كبيرة لحياتنا الأدبية الثقافية عامة.. اولا وثانيا وثالثا.. فهيا الى العمل.

***

ناجي ظاهر

شاهدتُ فيلمَ (Out of Africa 1985) مرتينِ، كانت المرةُ الأولى بعيدةً بُعدَ عَقْدٍ من عُمري الجارِي، وأظنُّ حافزَها اسم الممثّلة ميريل ستريب (١٩٤٩ـ ) يشاركُها دَوْرَ البطلِ الممثّلُ روبرت رَدفورد (١٩٣٦- ٢٠٢٥م)، ومَنْ لهُ فِي السينما نَظرٌ فاحِصٌ وذوقٌ دقيقٌ لا يدعُ فيلمًا لهذينِ المُبَرّزينِ في إتقانِ الأَداءِ و براعَة التمثيل، فكيفَ وهذا الفِيلم يقومُ على قِصّةِ الرُّوائيّة الدنماركيّة كارين بلكسِن (١٨٨٥- ١٩٦٢م) وترسّمِ حياتِها بمآلاتِها وأَسقامِها كلِّها، وسَرْدِها عن تجربتِها؛ وقد جسّدتْها ستريب أروع تجسيدٍ ! والمرةُ الأخرى، وَقَعَتْ قبل أيامٍ، إذ نِعمةُ العُطلِ في البلدِ العزيز حثّتْنِي على تمحيصِ أوراقٍ كثيرة مُستقرّةٍ على المكتبِ، بينها قائمةُ الكتبِ المطلوبة ـ أي التي لم أجدْها بَعدُ ـ وهذا العنوان بالإنكليزيّة مكتوبٌ أمامه: آملُ الحصولَ عليه، لَكن أينَ؟ وَلِكي أدفعَ يأسَي من سوقِ الكُتب حيث باعَةُ الأطعمةِ وجوّالةُ التصوير وزوّاقو الورقِ يزعقونَ وينعقونَ وينشرونَ ويسمّون ما يفعلونه ثقافةً وإنشاء محتوى، ولِكَي أربأَ على مشَقّة شَحْنِ هذا الكتاب إليّ من موقعِ تسوّقٍ صينيّ .. شَرَعتُ بمشاهدتِهِ يُترعُني عِنادٌ عجيبٌ معَ نفسي على تحمّل مشاهِد كَبَوات الأقدارِ بالبَشرِ!! ولمّا تمكّن منّي ما نابَ كارين، فجسدُها عليلٌ وعلاجُه بالزّرنيخ، ومزرعةُ البُنّ حُلمها الذي بددتْهُ النّار في خِصابِ كينيا، وعشيقُها قد اقتنصتْهُ المنيّةُ لمّا قرَّ على الزّواجِ بها غِبَّ وحدةٍ وضَياع وكرِّ ارتحالٍ؛ جعلتُ أقرِّعُ نفسي على مطاوعتِها لهمومٍ قصّيّةٍ عَنها غالبًا ما تتصيّدها باصرتي السينمائيّة على أنّ نجواي وراء هذا التصيّد هي الهروب من الأدبِ والاستكفاء من القراءةِ! وإذ يُختتمُ الفيلمُ بِلَقْطَاتٍ قد أَتى لـ: كارين ما لا تريدُ من الحياةِ؛ قَدَحَتْ خِزانتي العصبيّةُ جملةً من المعرّيِّ المتوفّى سنة ٤٤٩ هجريّة: فَتضحكُ الأقدارُ، ولزوم ما لا يلزمُ ليسَ في رفٍّ عالٍ من المكتبةِ بحيث لا تتصفحّ يدايَ الجزء الثاني، وتلتمسُ عيناي " ضَحِكَ الأقدار " في الصحيفة ٦١٠ ـ طبعة دار طلاس بشرحِ نديم عَدِي:

يا إنسَ ! كَمْ يَرِدُ الحياةَ مَعاشِرٌ

ويكونُ مِن تَلَفٍ لَهم إصـدارُ

*

أَ تَرومُ مِنْ زَمنٍ وفاءً مُرْضِيًا

إنَّ الزّمـــانَ كَأهلِهِ غَدّار ُ

*

تَقِفونَ والفَلَكُ المُسخّرُ دائـرٌ

وتُقدِّرونَ فَتَضْحَكُ الأقـدارُ

وكارين إنسانٌ أقبلَ على الحياةِ، رَغمَ ما يعتريه من خذلانٍ ونَصَبٍ ثُم يدبِرُ عنها، وبين إقبالِه وإدبارِهِ أملٌ خادعٌ، وزعمٌ باطِلٌ أنّ سيطالُ منها ما ابتغى ويغنمُ بما دبّر وتقحّمَ .

***

د. سَحَر شُبّر

تعدو الأيام بالتباع ونَحن نُغير أقنعة وجوهنا بتغير السياق والمواقف الحياتية، وفي هذا التراكم أشعر أحيانا أن وجهي ليس لي ولا أمتلكه بتاتا، بل هو مُغلق ومُغلَّف من ركد التعب والهروب من الخوف. حقيقة مطلقة بالإدراك الوصفي، أن الوجوه تتنوع بتنوع شظايا المرايا المتناثرة من بعض الأحداث، فقد يكون يوما وجهي مكدودا ومنكسرا بالندوب العارية، ومرات أخرى قليلة تجد وجهي طافحا بالحياة، مزهرا بالحلم والأمل.

من ثورة وجهي على ذاتي الآنية أنه يحب الصمت، ومرات أخرى عديدة يخالفني في نسب الصمت، والصوم عن الثرثرة والكلام المباح. لكني في صميم عمق تفكيري، كنت أؤمن بلغة الصمت المكتملة والإنتشاء من ملامح وجهي العاقل، وحينها كنت لا أحاول معاكسة وجهي بالثرثرة الفوضوية.

نعم سياسة تنوع الوجوه تُلاحقنا جميعا بين الحقيقة وظن السوء، ولما لا القناعة بالعري العاطفي البئيس. حين ذاك كان وجهي يلاحقني بالمساءلة والمحاسبة العصية، وقد أبيت لحظتها أستمع إلى أصوات ذاتية مخيفة، وترعبني أشد رهبة حين تساءلني بالاستنكار الذي يمحو وجودي وكياني وعالمي، لكني أترزن ولا أثور على ملامح وجهي، وبحق المكاشفة فقد لا أمتلك وفرة من الشجاعة كي أضع حدا لاستبداد وجهي الظالم والماكر.

في معرفة النزر القليل من فكر الوجودية، تعرفت أنها تضع الفرد في مواجهة ذاته أولا وبعدها العالم ثانيا. كنت أشك خيفة من وجهي الصامت في أن أقع تحت ضغطه وأمارس ملامح الاستبداد على عالمي ووحدة محيطي، من تم كنت أرتكز قناعة من حكمة لغة الصمت المكتملة في الوجود النوعي.

من مستملحات وجهي الغافلة، حين دعاني بصمت التمهل وإطالة عمق الرؤية في الممكنات، حينها أحسست أن وجهي يلاحقني بالرج حتى في تفكيري الخامل. كنت ذكيا لحظتها، حين تقشفت في كلامي لكي أماثله، وجعلت من وجهي يلازم الصمت بالابتسامة، ويلعب على لغة الانصات، وهو يستعير علامات تعجب نبض الغباء.

في صمت وجهي المستديم، رأيته يبحث عن وجه آخر كي يكون أنيسا له. لحظتها مارست عقلانية البرودة الظاهرية، وتقمص جمالية الهدوء الرتيب بالتأني، إنها بحق تجربة من نوايا الجسد الماكر والنفس الأمارة بالسوء والتي كانت تستفزني طواعية، وتترقب: هل حقا سأطلق الصمت بحضور أنيس وجهي الآخر في المرآة أم لا؟

طيلة عمري الصامت، يظل ملمح وجهي يفضحني ببقايا الثرثرة المتسربة بالأنانية. عندها لم أرغب في أن أكون شخصا آخر معاديا لذاتي ووجودي المتواضع. لم أرغب في أن أكون مرئيا تحت ضياء الكشف الإكلينيكي، بل وددت أن أكون مرئيا من داخل ذاتي فقط، وهو ربح صعب الكسب والامتلاك. وفي هذا الاختبار الأخير، لم أكن حرا في اختياراتي، بل حاولت بكل جهد من تأسيس سد يقطع الشعور بالوحدة والاستماع إلى أنين الصمت الداخلي، وقياس الضغط النفسي الذي لا يقاس بآلة.

في صمت وجهي صنعت بالرغبة وجها محايدا عن الوجوه الأخرى المتداولة بالتقسيط والجملة، والتي غالبا ما تتكدس خلف أقنعة الرياء والبلاهة وحتى التفاهة. هي تجربة تُعاش بالمقايسة والمعاينة الحقيقية، وليست من روايات الخيال والأزلية. لم أحارب يوما وجهي بالتضاد وهو سعيد بتمثل الصمت، أو حتى وهو يقف عند حافة الانكسار. قد أفرح برهة، حينما أستنتج أن الصمت أكثر دلالة من الكلام البليغ والفصيح والدارجي، لكن وجهي العاطفي والإنساني يفضحني بعريه المباح على رفض الصمت كلغة متكاملة.

في مساءلة وجهي المحايد تحت طائلة الصمت والمنزوع الذاكرة والهوية، كنت أحتاج أن أقوم قومة الهارب من ذاتي وزماني ومكاني وعشيرتي، والفرار بتحدي حدود تموضعات، وبلا أقنعة تمويه من حياة الصمت، حتى ولو كانت الخلفية تُزهر بالسعادة والرفاه. ومن بداية هروبي تعلمت صدق صمت وجهي، حتى ولو كانت كل الوجوه تلمع بالبلاهة وسياسة التفاهة التي تحارب البرودة الصامتة والذكية.

***

محسن الأكرمين

في المثقف اليوم