عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

في أعمال الرسام السويدي راگنار پرشون

يمكن مشاهدة أعمال الرسام راگنار پرشون (1905-1993) على قاعة متحف الإقليم في مدينة يونشوبنگ السويدية. الرسام يعتبر أحد أبرز رسامي سمولاند (الإقليم الصغير) السويدي. حيث نشأ في مزرعة خوفيك على ضفاف بحيرة بولمن، وبدأ برسم الناس والبيئة المحيطة والأماكن منذ صغره. بعد سنوات قليلة قضاها في مهنة كعامل بناء ، قرر التفرغ للرسم، رغم عدم استقرار وضعه المادي بقى يمارس هذه المهنة طوال حياته. كانت أولى محاولاته في الرسم باستخدام بقايا طلاء المنازل على ستارة دوارة مشدودة. أسلوبه الفني:

رسم رومانسي تعبيري بالألوان. تعرّف على مجموعة هالمستاد، وتأثر لاحقًا بالانطباعية الفرنسية بما في ذلك جان باتيست كاميل كورو أثناء دراسته في باريس في المدرسة الإسكندنافية للرسم عام 1933، ومشاركته في العديد من المعارض، ومسيرة فنية طويلة ظلّت فيها الحياة اليومية في سمولاند نقطة انطلاق مهمة. شكّلت دراسته في مدرسة الرسم الإسكندنافية في باريس عام 1933 جزءاً هاماً من تطوره الفني. هناك، تعرّف على الفن الأوروبي وتأثر، من بين أمور أخرى، باهتمام المدرسة الانطباعية بالضوء. كما أبدى اهتماماً بالمناظر الطبيعية الغنائية للفنان جان باتيست كاميل كورو (1796-1875). لكنه لم يختار إتباع أي اتجاه فني محدد. بل كان يستقي انطباعاته دون أن يتقيد بأسلوب معين. وقد كان ينتقد الفنانين الذين يضطرون لاتباع "مذاهب" فنيةً مختلفة. وكما قال هو نفسه:

"لا أعتقد أنه يجب عليك الاعتماد على هذا. أهم شيء هو الالتزام الداخلي، بغض النظر عن الأسلوب."3355 tawiq

في وقت كان فيه العديد من الفنانين يبحثون عن تعبيرات جديدة، تمسك هو بالإنسان والبيئة والتجربة بالنسبة له، لم يكن من المهم ما إذا كان بالإمكان وضع اللوحة ضمن فئة تاريخية فنية معينة. المهم هو أن تنبض بالحياة. وقد صاغ ذلك على النحو التالي:

"أحد المعايير هو أنه لم يمت، وأنك تشعر بشيء تجاهه."

تطورت لوحاته من تعبير أكثر قتامه وواقعية إلى لوحات أكثر إشراقًا وغنى بالألوان.

اكتسب اللون أهمية متزايدة في كل من المكان والجو.  في الأعمال المبكرة، كانت الدرجات اللونية غالبًا ما تكون داكنة. لاحقًا، أصبح تدرج الألوان أفتح، مع استخدام ألوان الباستيل الناعمة ومساحة أكبر للضوء. نادرًا ما يكون الضوء قاسيًا أو مباشرًا، بل هو ضوء ناعم متلألئ يغمر الأشخاص والأماكن، ويضفي على المشاهد عمقًا هادئًا. غالبًا ما تحمل اللوحات تجربة حياة كاملة مُختزلة في مشهد بسيط. قد يحمل رجل عجوز آثار حياة عمل طويلة. بينما يحمل صبي صغير يقود دراجة هوائية مع فتاة في الإطار في آنٍ واحد الحركة والقرب والتطلع إلى المستقبل. وبهذه الطريقة، تصبح المواقف اليومية حاملةً لقصص أوسع. رسم عالمًا كان يتغير. من خلال لوحاته، تبقى الناس والبيئات والعادات:

ليس كسجلات فوتوغرافية، بل كذكريات شخصية لمكان وزمان.3356 tawiq

من مواضيعه المفضلةً صوّر الحياة الشعبية لعامة الناس في سمولاند، ومزادات المزارع، وحلبات الرقص، ومناظر من مدينة باريس. كان الفنان يتنقل بحرية بين الرسم والزخارف والتأثيرات الفنية. وفي زيارته لمتحف اللوفر تعرف إلى أعمال كبار الرسامين وتأثر بهم خاصة المدرسة الانطباعية من الرسامين اللذين تركو جدران مشغلهم وتوجهوا إلى البيئة لنقل الواقع ويمكن مشاهدة تأثير امثال الرسام مونيه في اختيار الالوان وعدم إظهار الوجوه بالمقارنة مع لوحاته الأولى وقد تأثر بمعاصريه لكنه لم يرغب في أن يتقيد بالموضة الفنية.

كان الأهم بالنسبة له أن تحمل اللوحة رسالة ويوثق حياة الناس على طبيعتها ولذا بقى طول حياته حتى مماته يعيش في مدينته الريفية. يُشكّل الناس المحور الأساسي في لوحات الرسام لكنه يُحبّذ رسم المناظر الطبيعية لذاتها، بل كما قال هو نفسه: "

"لا، لا أُحبّذ رسم المناظر الطبيعية فحسب، بل أُريدها أن تحمل مضمونًا آخر. فالناس يُثيرون اهتمامي نفسيًا أيضًا."3357 tawiq

إنّ الناس وحياتهم البسيطة هم من يُضفون على المناظر الطبيعية مضمونها. في هذا، يبرز الفرق جليًا بين لوحاته وبين النسخ الواقعية البحتة. فالمواضيع مستوحاة من الواقع، لكن الصورة تتشكل بفعل الذاكرة والتجربة. ويمكن تبسيط الشكل وتغيير اللون دون فقدان جوهر القصة. لقد كان ريف سمولاند بالمزارع وبالبيوت الريفية وقاعات الرقص والمقاهي مواضيع لوحاته وقد وثق بأمانة تلك الحقبة التاريخية في حياة السويد قبل عصر الحديث والاختراعات التقنية فقلما نجد هناك آثارا إلا بعض الدراجات الهوائية وأعتقد هناك لوحة فيها قطار لكن هناك عربات تجرّها الخيول، ومزادات ريفية، وأسواق للخيول، وعمل يدوي، واستراحة منتصف النهار، وعرسان وعرسان، وأطفال، وعمال، وكبار السن. .

اليوم أعماله معروضة بين متاحف أخرى، متحف مودينا، ومتحف مقاطعة يونشوبينگ، ومتحف كالمار للفنون، ومتحف گوتنبرگ للفنون. تُباع أعماله غالبًا من خلال دور المزادات مثل استوكهولم أوكتيونسفيرك/بارنيبيز.

***

د. توفيق رفيق آلتونچي - مملكة السويد

2026

إبراهيم ناجي(1898م-1953م) شاعر مصري غني عن التعريف، اشتهر ب"شاعر الأطلال" والأطلال هو عنوان القصيدة التي تغنت بها السيدة أم كلثوم وسار بذكرها الركبان.

كان إبراهيم ناجي طبيبا واشتغل بالأدب، وأصدر مجلة باسم (حكيم البيت)، نهل من الأدب العربي ومن الأدب الغربي معا، وكان مفتونا بالكاتب الإنجليزي شارلز ديكنز وتأثر به كثيرا، وهو صغير جدا حفظ ديوان الشريف الرضي كله، وبدأ يقول الشعر على منواله ـ منوال شعر الشريف الرضي ـ، وكان لوظيفته كطبيب دور في تنقله بين مدن مصرية عدة، وقد ترجم مجموعة من الأعمال لأدباء غربيين مثل بودلير، وكان وكيلا لجمعية أبولو.

تعرض ناجي لنقد عنيف من طرف طه حسين والعقاد بسبب أن ناجي قد ارتبط بجماعة أبولو وكان يرأسها الشاعر الكبير أحمد شوقي الذي لم يكن في وئام مع الرجلين، وفيما بعد سافر إلى لندن وهناك تعرض لحادثة سير من طرف سيارة، حيث بقيت الحادثة منقوشه في ذهنه إلى يوم مماته.

قلنا إن ناجي تنقل كطبيب في عدة مدن مصرية، ولما عاد إلى القاهرة موطنه الأصلي كان يمر على ديار أحبابه وأصدقائه فيراها وقد تغيرت حالها ولم تعد كما كانت من قبل، فنظم في ذلك قصيدة بعنوان "العودة" قال منها:

هـــذه الــكعبة كــنا طــائفيها

والــمــصلين صــباحَ مــساء

كم سجدنا وعبدنا الحسن فيها

كــيف بالله رجــعنا غــرباء؟

دار حــبي وأحــلامي لــقيتنا

فــي جمود مثلما تلقى الجديد

أنــكرتنا وهي إن كانت رأتنا

يــضحك النور إلينا من بعيد

أصدر ناجي أول دوانينه بعنوان (وراء الغمام)، وذلك أن الشاعر كان يرى في الغمام ستارا يحجب الرؤية عن الأعين فلا ترى ما وراءه أي ترى واقع الحال، فمثلا تلك الراقصة التي نراها تلهو وتمرح، بينما هي في الواقع تخفي لمأساة تعيشها، يقول في قصيدة"قلب راقصة":

هاتي حديثَ السقمِ والوصبِ

وصِــفي حــقارةَ هــذه الدنيا

إنــي رأيــتُ أساكِ عن كثبِ

ولــمستُ كَــربَكِ نابضًا حي

لا تكتمي في الصدرِ أسرارا

وتــحدثي كــيف الأسى شاءَ

أنــا لا أرى إثــمًا ولا عارا

لــكــن أرى امــرأةً وبــأساء

ويقول عن نفسه:

سموت ودق إحساسي

وجــزت عوالم البشر

نــسيت إســاءة الناس

غــفرت خطيئة البشر

بعد صدور ديوان "وراء الغمام"تشاء الأقدار أن يذهب إلى لندن فتقع في يده هناك بعض الصحف المصرية، وفيها يجد نقاشا وانتقادا حول الديوان وقيمته الشعرية، وإذا به يجد أن أحد أصدقائه المصفقين له يستغصر شأنه وشأن شعره، مع أنه كان يتوقع أن يلقى ديوانه من التقدير والإجلال ما يسجله في لوح المجد ويخلده مع الخالدين.كما وجد كلمة من طه حسين تركت في نفسه أثرا سيئا، فكان يردد:

هي محنة وزمـان ضِيقْ

وتمخضت عن لا صديقْ

ومع أن جماعة أبولو دافعت عنه في مجلتها، كما دافعت عنه مجلات أخرى فإن ذلك لم يسرِّ عنه.وحين عاد من لندن وما زالت ساقه تعاني من جراء حادثة السير التي وقعت له هناك، وأشرفت به الباخرة لتي كانت تحمله على شواطئ مصر قال:

هتفتُ وقد بدت مصر لعيني

رفــاقي تلك مصر يا رفاقي

أتدفعني وقد هاضت جناحي

وتــجذبني وقــد شدت وثاقي

خرجت من الديار أجر همي

وعدت إلى الديار أجر ساقي

إلا أنه لما عاد إلى مصر تغيرت نظرته للحياة ولم يعد كما كان سابقا يؤمن بقيمة الصداقة ولا حتى بقيمة الشعر.

وولقد عاش ناجي في الحياة وهو لا يعرف الهجاء ولم يتعاطه يوما، لكن لما وجد أن أحد أصدقائه تنكر له قال يهجوه خاتما لأبياته بما قاله يوليوس قيصر لصديقه الخائن بروتس"حتى أنت يا بروتس" وتمنى له الموت:

أيــها الحي وما ضر

ر الورى لو كنت متا

أو شــعر ذاك لا بــل

حــجر يــنحت نــحتا

تــلقم الــناس وترمي

هــم بــه فــوقا وتحتا

صحت من يأسي لما

بركيك الشعر صحتا

آه يــا قــاتل يــا سف

فــاك حتى أنت حتى

أقسم إبراهيم ناجي بعد الذي لاقاه من جحود وتعنيف أن لا يقول الشعر أبدا، حتى قام طه حسين وحرضه على قرض الشعر، عندها انحلت عقدة ناجي النفسية وعاد إلى الشعر وإلى أصدقائه. وأثر مرور هذه المحنة على ناجي يراها القارئ ماثلة في ديوانه الثاني"ليالي القاهرة"، ولكن المحنة الكبيرة هي التي عندما اتهمه الحاقدون عليه والمناوئون له بأنه غير منتج، وتم إخراجه من الوظيفةوهو في سن الخامس والخمسين من العمر حيث صدم ماليا ونفسيا.وصار يحيا على معاش محدود، وقد توالت عليه المصائب فاشتد عليه داء السكري وبرحت به ذات الرئة حتى انطفأت شمعة حياته.وبذلك كان الذي كان يتوقعه:

حان الوداع ففيم تنتظر؟

نزل الستار وأقفر العمر

رحم الله إبراهيم ناجي، فقد كان شاعرا كبيرا لا يغض من قدره غاض ولا يشينه في الأعين شائن، فقد عاش في الشعر و للشعر ومات وهو شاعر.

نعوذ بك اللهم من كيد الكائدين وحسد الحاسدين.

***

مصطفى معروفي

برحيل الفنانة التشكيلية البحرينية بلقيس فخرو، في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2026، عن عمر ناهز 76 عاماً، يفقد المشهد الثقافي البحريني واحدة من أبرز التجارب الفنية التي واكبت تحولات الحركة التشكيلية الحديثة في المملكة، وأسهمت في إثرائها على مدى يقارب نصف قرن. غير أن رحيلها لا يعني غيابها؛ فالفنان الحقيقي يترك وراءه ما هو أبقى من الحضور، ويظل أثره حاضراً في أعماله وأفكاره وفي ذاكرة الأجيال التي عرفته.

ولدت فخرو عام 1950، ونشأ اهتمامها بالفن في وقت مبكر، قبل أن تأخذ شغفها إلى مسار أكاديمي واسع. درست الفلسفة وعلم النفس في لبنان، ثم انتقلت إلى الولايات المتحدة، حيث درست الفنون الجميلة وتاريخ الفن وتخرجت عام 1975. وعادت في العام نفسه إلى البحرين، لتسجل عام 1976 أول حضور لها في معرض البحرين السنوي للفنون التشكيلية، بلوحة انطباعية نالت عنها جائزة تقديرية.

لكن تجربتها لم تتوقف عند الانطباعية، ولم تستقر على أسلوب واحد. فقد مرت بمراحل فنية متعددة، انتقلت خلالها من الواقعية والانطباعية إلى التعبيرية، ثم وجدت في التجريد المساحة الأكثر رحابة للتعبير عن رؤيتها الخاصة. وكان هذا الانتقال بحثاً عن جوهر الأشياء لا عن أشكالها الظاهرة، وعن الإحساس الكامن خلف الصورة أكثر من الصورة نفسها.

ومن هنا جاء مفهومها الشهير «الموسيقى البصرية». كانت فخرو ترى أن اللوحة التجريدية تشبه الموسيقى؛ لا تحتاج دائماً إلى تفسير مباشر، بل تُستقبل بالإحساس، ويختلف وقعها من متلقٍ إلى آخر تبعاً لثقافته وذاكرته وحالته النفسية. ولذلك لم تكن لوحتها مغلقة على معنى واحد، بل مساحة مفتوحة يشارك المشاهد في اكتشافها وتأويلها.

في أعمالها، تداخلت الكتلة والفراغ، والظل والضوء، واللون والتكوين، فأصبح الفراغ عنصراً حياً داخل اللوحة، لا مساحة خالية منها. وكانت الألوان تميل في كثير من أعمالها إلى الهدوء والسكون، فيما تتوزع الكتل على نحو يترك للمشاهد فرصة لاستعادة صور ومشاعر من ذاكرته الخاصة.

وكانت البحرين حاضرة في تجربتها بوصفها مكاناً وذاكرة وهوية. لم تتعامل معها كموضوع بصري مباشر، وإنما أعادت صياغة العمارة والبيئة والتفاصيل المحلية في لغة تجريدية تستفيد من المدارس الفنية الحديثة، من دون أن تفقد صلتها بجذورها البحرينية والعربية.

ولم تكن فخرو فنانة تكتفي باللوحة؛ فقد كانت كاتبة وناقدة وباحثة ومحاضرة ومدرّسة للفنون. نشرت قراءات ودراسات في الفن التشكيلي، وأسهمت في توثيق الحركة الفنية البحرينية، كما شاركت في أنشطة جمعية البحرين للفنون التشكيلية، وكانت عضواً في مجلس إدارتها بين عامي 1996 و2000.

وعلى امتداد مسيرتها، شاركت في معارض وملتقيات عربية ودولية، بينها بينالي بغداد وبيناليات دول مجلس التعاون، ونالت السعفة الذهبية في بينالي الكويت، وجائزة الدانة الكبرى في معرض البحرين السنوي عامي 1999 و2002. كما وصلت أعمالها إلى عدد من المتاحف والمؤسسات الفنية في البحرين والعالم العربي وخارجه.

واللافت أنها ظلت حاضرة في المشهد الثقافي حتى عامها الأخير، إذ شاركت في أبريل/نيسان 2026 في جلسة بجامعة البحرين حول «جدلية التشخيص والتجريد»، لتتحدث إلى طلبة الفن عن تجربتها ومسيرتها الطويلة.

برحيل بلقيس فخرو، لا يغيب اسم فنانة فحسب، بل يطوى فصل من فصول التجربة التشكيلية البحرينية. لكنها تركت ما هو أبقى من السيرة: لوحات تبحث عن روح المكان، وألواناً تختزن الذاكرة، وتجربة تؤكد أن الفن لا يكتفي برؤية العالم، بل يعيد اكتشافه من الداخل.

لقد جعلت فخرو من اللون لغة، ومن الفراغ صمتاً دالاً، ومن اللوحة جسراً بين الذاكرة والإنسان والمكان. ولذلك سيبقى حضورها ممتداً في ذاكرة الفن البحريني، وستظل تجربتها شاهدة على فنانة لم تبحث عن صورة الواقع، بقدر ما بحثت عن روحه.

***

رمزي ميركاني

ناجي ظاهر يستعيد ذاكرة الأدب الفلسطيني 

"وجوه في الذاكرة" للكاتب ناجي ظاهر: هو كتاب في السيرة الغيرية والذاتية" للمؤلف ناجي ظاهر الصادر عن دار الحديث للإعلام والطباعة والنشر... عمل أدبي وسِيَري يندرج ضمن أدب السيرة التوثيقية والغيرية.

يركّز الكتاب على توثيق المشهد الأدبي والثقافي الفلسطيني داخل الخط الأخضر "أراضي 48" من خلال استرجاع محطات ومواقف وشخصيات أدبية وفكرية تركت أثرًا بارزًا في الذاكرة الجمعية...

ويمثّل كتاب "وجوه في الذاكرة" استعادة توثيقية وانطباعية لمسيرة عدد من رموز الأدب والنقد والفكر الفلسطيني.... ويتجاوز المؤلف ناجي ظاهر في هذا العمل فيمزج بين السيرة الذاتية وعلاقته الشخصية بالحراك الثقافي والسيرة الغيرية، مستعرضًا التحوّلات الثقافية والمعارك الأدبية، والهموم الوطنية والمؤسساتية التي عاشها المبدع الفلسطيني تحت ظروف تاريخية وسياقية صعبة.

وأما أبرز المحاور والشخصيات الواردة في الكتاب فكانت كالتالي:

حسين فاعور وعنفوان البدايات والإصرار المؤسسي: "عبقرية الأيام الأخيرة"

يستعرض المؤلف مسيرة الشاعر والروائي حسين فاعور 1950–2021، وانقطاعه الطويل عن الساحة الأدبية نحو عقدين بسبب نضاله الميداني للحصول على الاعتراف الرسمي بقريته "الحسينية"...

التجربة الروائية: يبرز المؤلف الأهمية الفنية لروايات فاعور المتأخرة مثل: "صاحب الجبل" و"نادية" و"دخان في كروم الله"، مشيرًا إلى استخدامه الرمزية والسخرية وعوالم المخيال الأدبي مثل: هجوم القطط على الأبقار كرمز للمقاومة وصون الذاكرة.

حبيب بولس وتأصيل النقد الجمالي: "حبيب الكل"

الريادة النقدية: يسلّط الضوء على الناقد والأكاديمي حبيب بولس 1948–2012، ودوره في نقل الحركة النقدية المحلية من النقد الأيديولوجي الشكلي إلى النقد الجمالي الفني الذي يركّز على القيمة الجمالية للنص دون إغفال الهوية.

التوثيق السردي: إبراز جهده الموسوعي الاستثنائي في إصدار أنطولوجيا القصة القصيرة العربية الفلسطينية في البلاد في طبعتها الأولى 1987 وتوسيعها لاحقًا لتبصم على تاريخ السرد الفلسطيني....

ميشيل حدّاد وشرعية قصيدة النثر: "رحلة في الأغوار البعيدة"

الريادة والتأسيس: يعتبر ميشيل حدّاد 1919–1996 رائد قصيدة النثر في الداخل الفلسطيني منذ أواسط الستينيات، متأثرًا بمجلة "شعر" اللبنانية، وبدعم من الأديب طه محمد علي.

المساجلات الأدبية: ويؤرّخ الكتاب للسجالات الأدبية والنقدية المحتدمة حول قبول "قصيدة النثر" بوصفها وافدًا حداثيًّا، مقابل التمسّك بالموروث الخليلي والنثر الفني القديم.

حنّا إبراهيم وتجسير السيرة بالواقع: "الحياة كقصة"

الأصالة والتنوّع: تناول تجربة الكاتب والشاعر والسياسي التقدّمي حنّا إبراهيم، وتنقّلاته الميدانية من حجّار ومحقّق إلى كاتب وسياق سياسي وإداري...

أدب السيرة الذاتية: الالتفات إلى سيرته الذاتية "ذكريات شاب لم يتغرّب"، والجزء الثاني "شجرة المعرفة" والتي يصنّفها الكاتب ضمن أفضل السير الذاتية الفلسطينية والعربية لعمقها وشفافيتها في تصوير معاناة الفقر والنضال.

محمد أمين بشر والتوثيق الأثري المكاني: "عشق الأماكن"

حراسة الذاكرة: التوقّف عند تجربة الباحث محمد أمين بشر 1941–2025، ابن قرية صفّورية المهجّرة.

الصمود التوثيقي: العمل الميداني الدقيق في دائرة الآثار، وإصدار كتب توثيقية عن القرى المهجّرة والمأهولة مثل: "صفّورية وعيلوط" للحفاظ على الذاكرة التاريخية والجغرافية ضد المحو.

جورج نجيب خليل وجماليات الإيقاع: "كنار الجليل"

العروض والسليقة: استعراض مسيرة الشاعر جورج نجيب خليل 1931–2001 وإصداره أول ديوان شعري بعد عام 1948 "ورد وقتاد" عام 1954.

الدفاع عن الشاعرية: الإشارة إلى النقاشات الفكرية والجمالية حول مفهوم الشعر ووظيفته في التعبير عن الواقع المتخيّل والمشاعر الإنسانية.

محمد حمزة غنايم والترجمة كجسر ثقافي: "أيام برفقة الغرائبي"

الترجمة المتبادلة: تناول التجربة الغزيرة للشاعر والترجمان محمد حمزة غنايم 1957–2004 في نقل الأدب الفلسطيني إلى العبرية  مثل: أعمال محمود درويش، والأدب والفكر العبري/الإسرائيلي إلى العربية "الزمن الأصفر" "العاشق" لتفكيك الآخر وفهمه.

سلمان ناطور ومقامات السخرية والفلسفة: "صديقي المثقّف المعروفي"

الموقفية والاستقلالية: تسليط الضوء على سلمان ناطور 1949–2016، وروافضه المبدئية كالخدمة الإجبارية وحرصه على الاستقلالية الفكرية للكاتب....

السرد الشفاهي والسخرية السوداء: جمعه للذاكرة الشفوية الفلسطينية، "وما نسينا"، وتوظيف السخرية السوداء والعمق الفلسفي المتأثر بميلان كونديرا.

عفيف صالح سالم وشَرَك السياسة: "جناية السياسة.. هذه المرة"

الصراع بين الأدب والحزبية: رصد تجربة عفيف سالم 1947–2011، الذي استهلكته السياسة والحزبية الصحفية على حساب مشروعه الأدبي والسردي "سواعد الرجال" "الخمس العجاف"....

عمر حمّودة الزعبي والشعر الغاضب: "عاشق حقيقي من فلسطين"

المواجهة والوضوح: تقديم صورة الشاعر عمر الزعبي 1932–2010، بكونه صوتًا حازمًا يرفض المواربة... ويمزج بين السخط الاجتماعي والموقف الشجاع المباشر.

خاتمة وقيمة علمية...

يشكّل كتاب "وجوه في الذاكرة" مرجعًا أدبيًّا وتاريخيًّا يستند إلى الشهادة الحيّة والانطباع النقدي المعاش... وتأتي قيمته الأكاديمية والثقافية في:

توثيق حركة الأدب الفلسطيني في الداخل: التأكيد على الاستماته الثقافية وحفظ الهوية العربية في وجه السياسات والمحو.

تاريخ السجالات الفنية: رصد التحوّلات الأسلوبية من الشعر العمودي إلى النثر... ومن النقد الأيديولوجي إلى الجمالي....

الوفاء للأدباء المنسيين: إعادة إحياء النتاج الفكري والجمالي لأعلام تركوا أثرًا عميقًا في المشهد الثقافي الفلسطيني...

***

ايمان مصاروة 

كانت بيوتُنا في طفولتنَا الأولى تمارسُ طقساً أسبوعياً يُشبهُ العيدَ، لكنهُ عيدُ الأشياءِ الصامتةِ، إذ كنَّا نجمعُ الأحذيةَ التعبةَ من تحتِ الأسِرّةِ وخلفِ الأبوابِ، تلكَ التي خاضت معنَا معاركَ الركضِ في الزواريبِ وقفزت فوقَ الحصى، لِنُعدَّها لرحلةِ "الإحياءِ" الكبرى عندَ الإسكافيِّ. بالنسبةِ لقلبي الصغيرِ كانت تلكَ السلةُ الممتلئةُ بالأحذيةِ أسراراً تنتظرُ العودةَ إلى الحياةِ، وكان الإسكافي في عينيَّ البريئتينِ ساحراً أسطورياً مقيماً في دكانِهِ الضيقِ، يتكئُ على سندانِهِ الحديديِّ كأنهُ ملكٌ يجلسُ على عرشِ الترميمِ.

أتذكرهُ جيداً…كانَ رجلاً وقوراً، تخطُّ الجبهةُ منهُ حكاياتِ الزمنِ، وتستقرُّ على أنفهِ نظارةٌ طبيةٌ ذاتُ إطارٍ سميكٍ تنزلقُ قليلاً كلما انحنى على حذاءٍ، ليرفعَها بإبهامِهِ المضمخِ برائحةِ الصمغِ والعرقِ الشريفِ.

كانت عينايَ الصغيرتانِ تتسعانِ بذهولٍ وأنا أرقبُ بنظراتٍ مبهورةٍ كيفَ يمتلئُ فمهُ بالمساميرِ الصغيرةِ، يمسكُها بشفتيهِ دونَ أن تبتلعَها كلمةٌ واحدةٌ، ليلتقطَها بمهارةٍ خاطفةٍ ويطرقَها بمطرقتِهِ فوقَ الكعبِ بنقرٍ موزونٍ يُشبهُ إيقاعَ موسيقِيٍّ بارعٍ.

وكانَ يسعدهُ شغفي البادي في عينيَّ، فيحبُّ أن يمازحني ليطردَ الصمتَ، فينظرُ إليَّ بنظرةٍ دافئةٍ من فوقِ عدستيهِ، ويمتدحُ ذكائي ونباهتي وأنا أسألهُ عن سرِّ كلِّ أداةٍ، ثم يلتفتُ إلى ضفائري المشدودةِ بعنايةٍ، ويقولُ لي بضحكةٍ مجعدةٍ تحسُّ فيها حنانَ الجدِّ: "ما أطولَ هذهِ الضفائرَ يا غدير! إنها متينةٌ وطويلةٌ إلى حدٍّ يصلحُ لأنْ نجعلَ منها خيوطاً متينةً نُخيّطُ بها أصلبَ النعالِ!"، فأدُسُّ رأسي في ثياب أمي خجلاً ومرحاً، وأنا أتحسسُ ضفائري متسائلةً ببراءةِ الأطفالِ عما إذا كانت شعيراتي قادرةً حقاً على شدِّ الأحذيةِ كما تفعلُ خيوطهُ المشموعةُ.

منذُ ذلكَ الحينِ علمتني تلكَ اللحظاتُ فلسفةً مبكرةً بأنَّ كلَّ ما انكسرَ في هويتنَا أو أقدامِنَا يمكنُ إصلاحهُ إذا وُجدت اليدُ الصادقةُ التي تعرفُ سرَّ التماسكِ.

فالأحذيةُ بصمات تحكي تاريخَ الرحيلِ، ووثائقَ تؤرخُ الشقاءَ والعزةَ.

وفي عمقِ هذا التاريخِ المطويِّ على غرزِ الخيوطِ ورائحةِ المطاطِ والشمعِ يقفُ الإسكافيُّ شخصيةً مركزيةً في المخيلةِ العربيةِ؛ فهو صانعُ الخطى ومرمّم الانكساراتِ.

ولعلَّ أبرزَ ما يحضرُ في الذاكرةِ العربيةِ الموثوقةِ عند استحضارِ الإسكافيِّ ذلكَ الخبرُ الشهيرُ المشهودُ في معاجمِ الأمثالِ حينما اجتمعَ الدهاءُ بالإسكافةِ في قصةِ "حُنينٍ الإسكافيِّ" في الحيرةِ. تروي الرواياتُ التراثيةُ أنَّ أعرابياً ساومَ حنيناً في خفينِ حتى أغضبهُ، فلما ارتحلَ الأعرابيُّ على بعيرهِ سبقهُ حنينٌ فألقى أحدَ الخفينِ في الطريقِ، ثم ألقى الآخرَ في موضعٍ أبعدَ.

فلما مرَّ الأعرابيُّ بالخفِّ الأولِ قالَ: "ما أشبههُ بخفِّ حنينٍ! ولو كانا اثنينِ لأخذتهُما"، ومضى.

فلما رأى الخفَّ الثانيَ ندمَ، وعادَ ليأخذَ الأولَ بعدَ أن عقلَ بعيرَهُ، فانتهزَ حنينٌ الفرصةَ وسرقَ البعيرَ بما عليهِ.

فعادَ الأعرابيُّ إلى قومهِ ليسَ معهُ سوى الخفينِ، فقالوا: "بمَ جئتَ من سفرِكَ؟" قالَ: "جئتُكُم بخفيَّ حنينٍ".

فكانت قصّة حنين الطريفة دلالةً نفسيةً ثقافيةً عميقةً تكشفُ عن طبيعةِ هذهِ المهنةِ؛ فالإسكافيُّ ليسَ مجردَ عاملٍ يدويٍّ، فهو شخصٌ يمتلكُ فراسةً بالغةً في النفسِ البشريةِ، ويعرفُ مناطقَ الضعفِ والقوةِ في خطواتِ الناسِ.

كما حفلَ التراثُ الإسلاميُّ بقصصِ الإسكافيينَ الصالحينَ الذينَ اقترنت مهنتهُم بالزهدِ والورعِ كأولئكَ الذينَ كانوا يكسبونَ قوتهُم من عرقِ جباهِهِم بينَ غرزةٍ وأخرى، ويرمونَ مثاقيلَ الدنيا جانباً، ويخيطونَ نعالَهُم زاهدينَ في بهرجِ السلاطينِ.

في الحارةِ العربيةِ القديمةِ، كما في أزقةِ المشرقِ والمغربِ وجنوبِ المتوسطِ لم يكن دكانُ الإسكافيِّ يقتصر على خيمةٍ أو حجرةٍ خشبيةٍ صغيرةٍ تضيقُ بصاحبِها، لقد كان صندوقَ أسرارِ الحيِّ.

كان الإسكافيُّ يقعدُ منحنياً عاماً بعدَ عامٍ حنوَّ الأبِ على أطفالهِ، يطأطئُ رأسهُ لترتفعَ رؤوسُ الآخرينَ كريمةً مرفوعةً لا يطؤُها حفاءٌ ولا يذلُّها عرجٌ.

وتتميزُ هذهِ الشخصيةُ بمزيجٍ فريدٍ من الصبرِ والعزيمةِ بأدواتها الحادة البسيطةٌ من إفريز صغير، ومقص يدوي، ومطرقة ثقيلة الرأسِ، وسندان حديدي، وبكرات من الخيوطِ المشموعةِ التي تقاومُ البللَ والزمنَ.

ويتعاملُ الإسكافيُّ في الغالبِ معَ الفقراءِ والبسطاءِ، أولئكَ الذينَ لا يمتلكونَ رفاهيةَ استبدالِ الأشياءِ كلما نالَها التلفُ، فهم يحملونَ نعالَهُم التعبةَ إليهِ كما يحملُ المريضُ جسدهُ إلى الطبيبِ، ويطلبونَ منهُ ترميمَ القَدَرِ الذي شقَّ الحذاءَ.

إنَّ فلسفةَ الإسكافيِّ تقومُ على الصمودِ وجبرِ الخاطرِ؛ فهو يعلمُ أنَّ هذا الحذاءَ المتآكلَ كانَ شاهداً على سعيِ حمالٍ، أو ركضِ طفلٍ نحوَ مدرستهِ، أو خطواتِ فلاحٍ في أرضهِ.

لذلكَ لم تكن صنيعتهُ مهنةً جافةً، فقد كانت فعلاً إنسانياً نبيلاً يعيدُ إحياءَ المواتِ، ويمنحُ الأشياءَ فرصةً ثانيةً للحياةِ.

وقد شكلت مهنةُ الإسكافيِّ حضوراً كثيفاً في التراثِ الشفهيِّ والأمثالِ الشعبيةِ العربيةِ، وهي أمثالٌ لم تأتِ من فراغٍ، فقد صاغتها التجربةُ الاجتماعيةُ عبرَ العصورِ.

ومن أشهرِ هذهِ الأمثالِ المتداولةِ في المشرقِ والمغربِ: "إسكافيٌّ والحفاءُ شيمتُهُ" أو "حافي يخدمُ على النعالِ".

تحملُ هذهِ الأمثالُ أبعاداً فلسفيةً ومفتاحيةً في فهمِ المزاجِ المجتمعيِّ، ومنها مفارقةُ الإيثارِ قسراً أو خياراً، فكيفَ لمن يصنعُ الحمايةَ للآخرينَ أن يكونَ هو المجردَ منها؟ إنها المفارقةُ الذاتيةُ التي تجسدُ حالةَ العاملِ المحرومِ الذي يبني القصورَ ويسكنُ الخيامَ، ويصنعُ الأحذيةَ ويمشي حافياً.

هذا إلى جانبِ رمزيةِ الكفافِ، فالإسكافيُّ في ثقافتِنا الشعبيةِ لم يكن يُنظرُ إليهِ على أنه صاحب ثروةٍ، فهو صاحب سترٍ، وتعبرُ أمثالُنا عن قناعتهِ وارتضائهِ بالقليلِ في مقابلِ المحافظةِ على كرامةِ الصنعةِ.

ولعلَّ أجملَ ما كُتبَ أدبياً في تعميقِ هذا البعدِ الإنسانيِّ للإسكافيِّ هو ما دوَّنهُ الأديبُ الفلسطينيُّ الكسيرُ جبرا إبراهيم جبرا في سيرتهِ الروائيةِ الخالدةِ "البئر الأولى" إذْ يستحضرُ جبرا ذاكرةَ طفولتهِ في بيت لحم، ويرسمُ ببراعةٍ أدبيةٍ أخاذةٍ صورةَ الإسكافيِّ، ذلكَ الحرفيَّ الذي كان في عينِ الطفلِ الأديبِ رمزا للصمودِ والإبداعِ العصاميِّ وسطَ العوزِ.

ويروي جبرا كيفَ كانت رؤيةُ الإسكافيِّ وهو يعملُ بمطرقتِهِ وأزاميله الصغارِ، ويدسُّ المساميرَ في فمهِ ليتناولَها واحداً تلو الآخرِ بسرعةٍ وإتقانٍ تثيرُ في نفسهِ دهشةً فلسفيةً مبكرةً عن معنى "خلقِ الشيءِ من اللاشيءِ"، وكيفَ تحولَ دكانُ الإسكافيِّ في حارتهِ إلى ملاذٍ إنسانيٍّ يفيضُ بالدفءِ والتكافلِ الاجتماعيِّ، حيثُ يُصلحُ الحذاء المتهرئ ليصونَ كرامةَ صاحبهِ الفقيرِ، ويُعيدُ لهُ قدرتهُ على المشيِ مرفوعَ الرأسِ في المأثورِ اليوميِّ.

ولم يغفل الأدبُ العربيُّ والعالميُّ عن خصوبةِ شخصيةِ الإسكافيِّ؛ فجعلَ منها رمزاً أدبياً وفلسفياً شاهقاً كما تجلى عندَ جبرا وغيرهِ.

ففي الأدبِ يتحولُ الإسكافيُّ من صانعٍ للجلدِ إلى مرهمٍ ومجملٍ للزمنِ، إنهُ حارسُ الخطى الذي يصلحُ ما أفسدهُ الرحيلُ.

وفي الروايةِ العربيةِ المعاصرةِ نجدُ الإسكافيَّ يبرزُ في بؤرةِ الهامشيينَ الذينَ يديرونَ العالمَ من الخلفِ، إذْ كان الأدباءُ يستحضرونَ دكانَ الإسكافيِّ ليكونَ مسرحاً للمحاوراتِ الفلسفيةِ عن الوجودِ، حيثُ تلتقي العبرةُ بالضحكِ، والفقرُ بالكبرياءِ.

كما جسدت بعضُ النصوصِ الشعريةِ يدَ الإسكافيِّ كيد ثائرة كالمحاريثِ، يد تعرفُ تضاريسَ الأرضِ كما تعرفُ تضاريسَ أقدامِ المساكينِ.

إنَّ الكتابةَ عن الإسكافيِّ في الأدبِ هي في الجوهرِ كتابةٌ عن فلسفةِ الأثرِ؛ فالحذاءُ القديمُ المكتوبُ عليهِ العرقُ والغبارُ يصبحُ عندَ الأديبِ نصاً بصرياً مقروءاً، والإسكافيُّ هو الناقدُ الذي يقرأُ حياةَ صاحبِ الحذاءِ من خلالِ درجةِ اهترائهِ من المنعطفاتِ أو المصاعبِ.

عندما أعودُ إلى أرشيفِ الذاكرةِ الذاتيةِ يحضرُ لديَّ مشهدُ الزيارةِ الأولى لدكانِ الإسكافيِّ في أزقةِ المدينةِ القديمةِ.

كنتُ طفلة تساقُ ببراءةٍ بينَ يدي أمي، نحملُ حذائي المدرسيَّ الأولَ الذي انفتحت شفتهُ الأماميةُ إثرَ ركضةٍ طائشةٍ في الحارةِ.

ما زلتُ أتذكرُ الرائحةَ التي لم أعرف لها نظيراً منذُ ذلكَ الحينِ، رائحةٌ هبّت من مزيجِ الجلدِ الطبيعيِّ المعتقِ، وصمغِ السيليسيونِ، وشمعِ العسلِ الذي يُسكنُ بهِ الخيطُ.

كان الإسكافيُّ يلتفُّ بمئزرٍ جلديٍّ أسودَ قد انمحت حدودهُ، يمسكُ المرفاضَ ويغرزهُ بهدوءٍ وثباتٍ كأنهُ يجري جراحةً دقيقةً لقلبٍ كسيرٍ.

لم يكن ذلكَ الحذاءُ الرخيصُ قطعة من المطاطِ، فقد كان جزءاً من هويتي وفرحي.

وعندما استلمتُهُ منهُ بعدَ دقائقَ مرمماً ومصقولاً بمادةٍ سوداءَ براقةٍ شعرتُ أني أعودُ بدرعٍ جديدٍ يسمحُ لي بمتابعةِ شغفِ العيشِ والركضِ بلا خوفٍ.

هكذا صارَ الإسكافيُّ في عينيَّ منذُ ذلكَ العهدِ ساحراً يجعلُ القديمَ جديداً، ويهبُ الأملَ للأشياءِ المائسةِ.

تقودُنا هذهِ الاستعاداتُ الوجدانيةُ والتاريخيةُ إلى موقفٍ حجاجيٍّ حاسمٍ نطرحهُ أمامَ المشهدِ الثقافيِّ المعاصرِ: هل الإسكافيُّ حرفيٍ ينقرضُ بفعلِ الزمنِ، أم أنهُ يمثلُ رمزاً لهويةٍ ثقافيةٍ وإنسانيةٍ تجبُ صيانتُها وتوثيقُها؟

إنَّ المناصرينَ للنمطِ الرأسماليِّ الحديثِ قد يرونَ في مهنةِ الإسكافيِّ حفرياتٍ زمنيةً صارت عبئاً على الاقتصادِ حيثُ الأحذيةُ الرخيصةُ التافهةُ التي تُصنعُ بالملايينِ لتُستهلكَ في أشهرٍ ثم تُرمى في سلالِ المهملاتِ.

هذا المنطقُ يستبدلُ فلسفةَ الترميمِ بثقافةِ الإلقاءِ والاستبدالِ.

لكننا نشهدُ اليومَ زيفَ هذهِ الحداثةِ العابرةِ، إذ إنَّ الاستغناءَ عن الإسكافيِّ هو في العمقِ استغناءٌ عن ثقافةِ الاحتفاظِ والتأملِ.

الإسكافيُّ من وجهة نظري هو الرادعُ الأخلاقيُّ لجشعِ الاستهلاكِ.

إنهُ الذي يقولُ لنا كلَّ يومٍ: إنَّ الأشياءَ التي رافقتنا تستحقُّ العناءَ، وأنَّ الذاكرةَ لا تُعوَّضُ بشراءِ المزيدِ.

إنَّ صيانةَ صورةِ الإسكافيِّ في المشهدِ الثقافيِّ العربيِّ، وتوثيقَ مهاراتهِ وأدواتهِ، وتسجيلَ حكاياهُ الشفهيةِ تُعدُّ مسؤوليةً أنثروبولوجيةً ومفصلاً هوياتياً.

إنهُ بقايا الزمنِ الأصيلِ الذي كان فيهِ المرءُ يحترمُ ما يمتلكهُ، ويرى في قطراتِ عرقِ الصانعِ جزءاً من كرامتهِ الشخصيةِ.

يبقى الإسكافيُّ شاهداً حياً على تاريخٍ يتسارعُ نحو المحوِ.

إنه مؤرخٌ للخطى التي مشت بها الأجيالُ على هذهِ الأرضِ المباركةِ.

إنَّ نداءَنا هذا هو دعوةٌ للالتفاتِ إلى هذهِ الكنوزِ البشريةِ قبلَ أن يطويَها النسيانُ.

فلنوثق أزقتَهُم، ولنستمع إلى حكاياهُم، ولنحفظ أدواتِهِم في متاحفِ التراثِ الشعبيِّ، فعندما نكرمُ الإسكافيَّ نحنُ في الحقيقةِ نكرمُ الصبرَ، ونحيي بريقَ الشرفِ في يدِ العاملِ البسيطِ الذي يعملُ بصمتٍ ليظلَّ العالمُ يمشي على أقدامٍ ثابتةٍ.

وكلما مررتُ اليوم بأحدِ أزقةِ المدينةِ القديمةِ، ولمحتُ دكاناً صغيراً تفوحُ منهُ رائحةُ الجلدِ المعتقِ وشمعِ النحالينَ تتوقفُ خطايَ رغماً عني، وألتفتُ بعفويةٍ لأبحثَ عن تلكَ المطرقةِ الصداحةِ والسندانِ الصادقِ.

تتراءى لي ضفائري القديمةُ، ويترددُ في مسامعي صوتُ الإسكافيِّ الشفيقِ وهو يمازحُ طفولتي.

أدركُ حينها أننا كنا دونَ أنْ ندري نُدربُ أرواحنَا على صيانةِ الوفاءِ للأشياءِ وللناسِ، كنا نتعلمُ كيفَ نثبتُ فوقَ الأرضِ، وكيفَ نواصلُ السيرَ دونَ أنْ يكسرَنا حفاءُ الزمنِ.

فسلامٌ على أسيادِ الترميمِ، وحراسِ الخطى، أُولئك الذين خَاطُوا انكساراتِ حاراتِنَا لنمشي نحنُ إلى الحياةِ بكرامةٍ وثباتٍ.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

تُعد رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) للكاتب السوداني (الطيب صالح) واحدة من أبرز الروايات العربية التي تناولت آثار الاستعمار، وصراع الهوية، والعلاقة المعقدة بين الشرق والغرب. ومن خلال أحداثها وشخصياتها، يكشف الكاتب التناقضات النفسية والاجتماعية التي يعيشها الإنسان عندما يجد نفسه بين ثقافتين مختلفتين.

العودة إلى الوطن وبداية الغموض

تبدأ الرواية بعودة الراوي إلى قريته السودانية بعد سبع سنوات قضاها في بريطانيا للدراسة. يعود محمّلًا بالمعرفة والأحلام، راغبًا في المشاركة في بناء وطنه، لكنه يكتشف أن في قريته رجلًا غامضًا يُدعى (مصطفى سعيد)، يعيش حياة هادئة بعيدًا عن الأنظار، ويخفي وراء مظهره البسيط ماضيًا مليئًا بالأسرار.

ومع مرور الوقت، يتعرف الراوي إلى حقيقة مصطفى، الذي تلقى تعليمه في السودان ثم انتقل إلى بريطانيا، حيث أصبح أستاذًا جامعيًا واقتصاديًا ناجحًا. غير أن نجاحه المهني لم يمنحه الاستقرار النفسي، إذ دخل في علاقات عاطفية معقدة مع نساء إنجليزيات، تحولت إلى صراعات انتهت بمآسٍ، أبرزها علاقته بـ(جين موريس)، التي قتلها ثم حوكم وسُجن بسبب جريمته.

مصطفى سعيد وصراع الشرق والغرب

تمثل شخصية (مصطفى سعيد) جوهر الرواية، فهو إنسان يحمل في داخله جراح التاريخ الاستعماري، ويحاول مواجهة المجتمع الغربي من خلال علاقاته العاطفية. ويبدو وكأنه يسعى إلى الانتقام من الغرب، لكنه في الحقيقة يصبح أسيرًا لصراعه معه.

ومن خلال تجربته، يوضح (الطيب صالح) أن الانتقام لا يحرر الإنسان بالضرورة من آثار الماضي، بل قد يدفعه إلى مزيد من العزلة والاضطراب. فمصطفى، رغم ثقافته وذكائه ونجاحه، يعجز عن بناء علاقات إنسانية مستقرة، وينتهي به الأمر إلى العودة إلى السودان محاولًا بدء حياة جديدة.

مأساة حسنة والظلم الاجتماعي

بعد عودته، يتزوج مصطفى من (حسنة بنت محمود)، ويعيش في قريته حياة تبدو هادئة، حتى يختفي في ظروف غامضة أثناء فيضان النيل، تاركًا الراوي مسؤولًا عن ولديه.

لكن مأساة أخرى تقع عندما يضغط المجتمع على حسنة للزواج من رجل مسن يُدعى (ود الريّس)، رغم رفضها. وبعد إجبارها على الزواج، ينتهي الأمر بمقتل ود الريّس على يد حسنة، ثم انتحارها.

تكشف هذه المأساة وجهًا آخر للقهر، يتمثل في الأعراف التي تحرم المرأة من حق اختيار حياتها. وهنا يلفت الكاتب النظر إلى أن الظلم لا يأتي من الخارج وحده، بل قد ينبع أيضًا من داخل المجتمع، حين تتحول التقاليد إلى أدوات للسيطرة على الأفراد.

الراوي وأزمة الانتماء

تتغير نظرة الراوي إلى قريته وإلى نفسه بعد هذه الأحداث. فقد عاد معتقدًا أن الوطن سيمنحه الطمأنينة، لكنه يجد نفسه أمام مجتمع مليء بالتناقضات، ويشعر بالعجز عن مواجهة الظلم الذي يراه حوله.

وفي النهاية، يجد الراوي نفسه في مياه النيل، مهددًا بالغرق، فيتردد بين الاستسلام والمقاومة، ثم يختار التمسك بالحياة ويصرخ طالبًا النجدة. وتبقى النهاية مفتوحة، تاركة للقارئ التفكير في مصيره وفي معنى الاختيار بين الموت والحياة.

الخلاصة

تتجاوز رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) حكاية الفرد لتطرح أسئلة عميقة عن الهوية والحرية والاستعمار والعلاقات الإنسانية. وتؤكد أن التحرر الحقيقي لا يتحقق بالانتقام من الآخر، ولا بمجرد العودة إلى الوطن، بل بمواجهة الماضي وفهم الذات واحترام حرية الإنسان.

ومن خلال مصير (مصطفى سعيد) ومأساة (حسنة بنت محمود)، يقدم (الطيب صالح) صورة لمجتمعين مختلفين، لكنهما يلتقيان في ما قد يشوبهما من صراعات وقهر. وتظل رسالة الرواية أن بناء مستقبل أفضل يتطلب تجاوز الكراهية، ومقاومة الظلم، والتمسك بالحياة والكرامة الإنسانية.

والرسالة الأعمق للرواية هي أن الإنسان لا يستطيع بناء مستقبل حر ما لم يواجه ماضيه بوعي، ويتحمل مسؤولية اختياراته، ويرفض تحويل الألم إلى انتقام أو تحويل التقاليد إلى وسيلة لقهر الآخرين. فالحياة الحقيقية لا تقوم على الانتصار على الآخر، بل على فهم الذات، واحترام حرية الإنسان، والقدرة على الاختيار بين الاستسلام والمقاومة.

***

رمزي ميركاني

كتب كريم الأسدي " حديقة الكلمات " بالألمانية وألقاها على الجمهور الألماني في " شفارتزشه فيلا " (schwarzsche Villa) وهي بناية جميلة وقديمة تقع في إحدى مناطق العاصمة الألمانية برلين. بُنَيت هذه الفيلا في أوائل القرن التاسع عشر ثم امتلكتها بلدية مدينة برلين عام 1961 وأصبحت مركزا ثقافيا لمنطقة (شتيكلتس) البرلينيية اعتبارا من الثالث من سبتمبر ـ أيلول عام 1995 وفيها قاعة لعرض الأعمال التشكيلية (كاليري) وقاعة مسرح وقاعة لعزف المقطوعات الموسيقية وآتيليية وورشة للتصوير وورشة للطباعة ومقهى ومطعم ويقام هنا سنويا ما معدله 350 نشاطا ثقافيا في السنة أي ما يعادل نشاطا واحد في كل يوم من مختلف النشاطات.

و الجميل في تقاليد القراءة في الـ (schwarzsche Villa) أن بمستطاع أي كان المشاركة وبشكل مفتوح ولكن على المشارك أن يحسب أنه سيكون، بنفس القدر، منفتحا للنقد من قبل جمهور خاص مؤهل ومتخصص. من أجل قراءة نص هنا ليس على الراغب سوى أن يسجل نفسه للقراءة قبل دقائق من بدءها فيعطى الفرصة لقراءة ما يشاء على أن يلتزم بالوقت. يجري ذلك بدون أي تمحيص أو تزكية مسبقة أو طلب لسيرة شخصية، وبهذا فإن المؤسسة الثقافية الألمانية ليس لديها الحق في أن تضع نفسها حكما على الإبداع، وما من وسيلة لديها لفصل الغث عن السمين سوى النقد المعلن أمام الجمهور، وبهذا التقليد فإن مؤسساتنا الثقافية العربية في الخارج و" الديمقراطية " جدا من التي تمحص القارئ من الرأس حتى أخمص القدمين وتمحص في ولاءه الفكري والسياسي قبل كل شيء، لديها الكثير مما تتعلمه من هذا المثال.

schwarzsche Villa

ولكن الجمهور الألماني الذي يسمع كل شيء هو في الوقت نفسه جمهورٌ صعبُ المراس قد يتعذر إرضاؤه لأسباب عديدة سنعرض لها، على أن من الجلي أن كريم الاسدي الذي يكتب بالألمانية نصوصا وأشعارا، عدا كتاباته باللغة الأم العربية، يتمتع بخصلة الإصرار والثقة بالنفس حتى أثمر قصائد لم يستطع حتى الناقد الدقيق والقاسي تجاهلها.

بهذه القصيدة التي يجد القارئ ترجمتها أعلاه، وكما رأيت كأحد الحاضرين، انتزع الشاعر الأسدي اعتراف الألمان بموهبته وبلغتهم نفسها. وكان الاسدي دائبَ الحضور الى قراءات الألمان الشعرية والنثرية وكانت نصوصٌ ألقاها بالألمانية قد أثارت هذا القدر أو ذاك من الجدال والأخذ والرد وخصوصا ما تتضمنه من صور شعرية لم تكن دائما متماشية مع الذهنية الالمانية وتريكيبتها الإبداعية. وتبدو المهمة امام المبدع المشتغل على المجال النثري والشعري مزدوجة التعقيد: القدرة اللغوية أولا ومن ثم انتقاء النص الأكثر ملائمة.

عدا ذلك تتجلى الصعوبة في التعامل مع الجمهور الأوربي في مناحِ عديدة، فالإبداع الأدبي المنطوق أو المقروء ليس كما هو عليه الحال مع الإبداع التشكيلي أو الموسيقي الذي يتعامل بلغة بصرية أو سمعية مشتركة، وإنما بواسطة الكلمة واللغة. بالرغم من إن الفنان التشكيلي غير الألماني وغير الأوربي مثلا يواجه صعوبات أيضا في تأسيس سمعته والاعتراف بموهبته.

و تعتبرُ اللغة الألمانية لغة صعبة ودقيقة وهي لغة ذاتُ خفايا يصعبُ على كثيرين حتى من الناطقين بها إدراكُ تعقيداتها، وعلى خلاف اللغة الإنكليزية التي لا يتأثر فيها شكلُ الكلمات بوضعها الإعرابي في الغالبِ الأعم، فإن اللغةَ الألمانية قريبةٌ من اللغة العربية. فالفاعل والمفعول به والمضاف إلية والاسم المجرور بحرف الجرِّ... الخ يتغاير كتابة ونطقا، بل إن المرءَ ليجدُ إن اللغة الألمانية تستجيبُ فتتغير مُراعية انسيابية اللفظ، ففيها مثلا ما يشبه نون الوقاية في اللغة العربية. وستكون دراسة مقارنة بين اللغتين موضوعا ربما في غاية الطرافة.

يبدو الألماني، لأول وهله، حساسا الى حد كبير لكتابة الآخرين بلغته بحكم تكوينه التاريخي وبحكم انطباع مبدأي إن اللغة الألمانية مستعصية بالمعني الإبداعي على غير الألمان ربما أكثر بكثير من المواطن الإنكليزي الذي ألفَ أن يكتبَ بلغته الكثيرون، هذا الانطباع هو انطباعٌ جمعيٌ سوسيولوجي ولكنه طبعا غير شامل. علينا أن لا ننسى أيضا أن عدمَ وجودِ تقاليد كولونيالية لألمانيا، كما هي عليه فرنسا وبريطانيا مثلا، قد ساهمَ في ظاهرة الندرة لكتّابٍ من هذا النوع. فالكتّابُ الإنكليز من أصول شرقية، هندية أو باكستانية، لم يحتاجوا حين أقاموا في إنكلترا مثلا الى تعلم اللغة الإنكليزية إذ كانوا يتكلمون ويكتبون بها في بلدانهم منذ الطفولة، وكذلك عليه الحال في بعض بلدان شمال أفريقيا بالنسبة للغة الفرنسية. هذه الصعوبات ينبغي أن تؤخذ بنظر الاعتبار في الجهد الإبداعي للكتاب الذين يكتبون بالألمانية من اللذين تشكل اللغة الألمانية لغتهم الثانية.

و لا تنحصر الصعوبة في التعامل مع المنجز الإبداعي بمعرفة اللغة نفسها وإنما أيضا في اختلاف العقلية أو الذهنية (Mentalität) الأوربية والألمانية المبنية على تطورها الحضاري الخاص، فما ألفناه من صورٍ شعريةٍ في الشعر العربي وخصوصا تلك التي تثير إعجاب القارئ العربي والتي هي انعكاس للبيئة العربية والذهنية العربية بكل خصوصياتها، قد لا تثير لدى القارئ الألماني نفس المشاعر ونفس التقييم، وقد راقبت كيف أن نصوصا رفيعة في الأدب العربي قد كانت باهتة لدى القارئ الألماني حتى لو تُرجمت بأفضل ما يمكن أن تكون عليه الترجمة، هذا يلقي على الكاتب أو المترجم مهمة إضافية هي مهمة الانتقاء الصائب.

***

حضرتُ العديدَ من جلساتِ القراءة هنا في الـ (schwarzsche Villa) وكانت هناك العشراتُ من القراءات التي أعقبها نقاش وتقييم من نقادٍ وشعراءٍ ومتذوقين وطلبةٍ دارسين في معاهد وكلياتِ الأدب، وقد قدّم كريمُ الأسدي أكثرَ من نصٍ وقصيدة في أكثر من مناسبة كانت هذه مميزة بينها وحازت على أعجابِ الحضور لخصائص يمكن أن يدركها القارئ تتجسد في كونِ القصيدة هي قصيدةٌ حداثية لم تجعل من الغموض والصعوبة لازمة لها، نجدها من جهة أخرى مثلت مزاوجة قليلة التحقق بين القواعد الجمالية للشعر الكلاسيكي وإعادة صياغتها بروح المعاصرة، فهذه القصيدة تمثل تجاوزا جدليا لبناء القصيدة القديمة دون نسف منجزاتها.

و بالرغم من الجو الرومانسي الطاغي إلا أن القصيدة هي قصيدةٌ رمزية شغلت فيها الصورة بكل ما فيها من قوة حيزا كبيرا وأدت وظيفة حاملِ دلالاتٍ ورموز. غنائيةُ القصيدةِ واسترسالها ترافق مع كونها مبنية بناءً محكماً ومرتبطة بلحمة درامية منذ مطلعِها حتى الخاتمة.

و منذ " هذه الحديقة تعود لي " والمقطع الذي يليها أثار كريمُ الأسدي " الاتهامات " لدى البعض بأنه ذو نرجسيةٍ طاغية، وبالرغم من أنني لا أنظر الى النرجسية باعتبارها احد المثالب لشاعرٍ وفنان، بل واعتبرها شرطا من شروط الإبداع، إلا أنني أرى أن هذا المقطع كان لا يمثل ميلا نرجسيا بحكم المضمون نفسه.

فالبيتُ والحديقة والنهرُ والصبايا والمحّار... الخ كلها تقعُ في حديقةِ الكلمات، كلماتِ الشاعر. ولكل شاعرٍ حديقتُه الخاصّة التي تعودُ له والتي لا تشابهُها حديقة أخرى، بل ينبغي أن لا تشابهها من بابٍ أولى. إن التشديدَ على صيغةِ التملك لا يمكن أن يستقيم في هذا السياق إلاّ بالتملكِ مطلقِ الخصوصية، إنه تملكٌ مشروعٌ محروسٌ من مالكِه ومن الوسط الإبداعي. فمعاييرُ النقد قد صاغت تعابيرَ تدعو إلى احترام الخصوصية واحترام التملك في الأسلوب واللغة وقد أدانت الاعتداء على الملكية الإبداعية بصيغة الإشارة الى الافتقار إلى الأصالة وإلى التفرد فمن اعتدى أسلوبيا على مملكة غيره، "حديقة كلمات غيره " وسرق من مملكته شيئا فانه (يُدان) على إنه غيرُ أصيلٍ ومكرر.

فلو تشابهت حدائقنا، حدائق كلماتنا، لما كان ثمة إبداع، ولكان ما نكتبُ نسخا مكررة. فله، له وحده تعود الحديقة ! ولم لا ؟ إنه يمتلك كل الحق في ذلك. فكريم الأسدي كما كل الشعراء يصنع عالمَه الخاصَّ في المكان الذي يقعُ فيه بيتُهُ في حديقةِ الكلمات.

في لحظة انتشاء متسام ٍيكتب الأسدي شاطبا الزمان والمكان

ما هو البدءُ، ما هو المنتهى، ما هو القديمُ، ما هو الجديد ؟!!

فالأشياء التي تتضمنها مملكة الكلمات ليست مكانا ولا زمانَ لها، فيها يتوقف كل شيء، فعالمه هو عالم الكلمات التي تُنشأ صورة خارجَ العالم، إنها هنا غيرُ مرئية إلا من قبله، أمّا من قبلنا فعبرَ قصيدتِه عنها فقط.

المزاوجة بين العربية والألمانية تتجلى هنا جزئيا عدا مواقع أخرى في التشابهِ بين كلمة ورقة التي ترجمناها عن كلمة (Blatt)و جمعُها (Bläter) بالألمانية، وهي مشابهة لدلالتها العربية في كونها مزدوجة المعني إذ تعني ورقة عادية ورقة كتابٍ أو دفتر وتعني في الوقتِ نفسِهِ ورقة الشجرة في صيغتي الجمع والمفرد.

ففي قوله:

بيتي يقعُ في حديقةِ الكلمات

هناك حيث كل ورقة شجرة

حيث كل صفٍ من الأشجار كتاب

يوجد مثلا أكثر من تداخل في الدلالات فـفي قوله " حيث كل ورقة شجرة " نجد أن " الورقة" هنا يتداخل فيها معنيان أحدهما وأكثرهما رجحانا أن كل ورقة من كتاب أو مخطوطة بإمكانها أن تكونَ من الثراءِ ما يوازي شجرة عظيمة البنيان، ومع ذلك بمقدور القارئ أن لا يجزأ الدلالات ويأخذها موحدة، فالورقة هنا ورقة كتاب أو مخطوطة ولكنها في الوقت نفسه ورقة الشجرة ولما كانت ورقة الشجرة تعادل شجرةً بذاتها أي تعادل حاملها الذي يحتوي على الآلاف من تكراراتها فإننا إزاء مفارقة (Paradox): الجزء يعادل الكل ويكرر ذاته بشكل لا نهائي بما يشبه النظر في مرآة خلفها مرآة.

يرتقي الشاعرُ مصطحبا القارئَ، إن شاء، قمم الجبالِ ويتجول معه بين الوديان، وديانِ الزمان والمكان. من أين جاءَ الشاعرُ بهذهِ الجبال والوديان وقبلها البيتِ والأشجارِ والحديقة والصبايا المستحماتِ بضوء القمر ؟ المنجم هنا هو مملكة الكلمات فهذا هو العالم السهلُ الممتنع الذي يلخص، كما رأيتُ مرارا، إعجازَ الشعر. فهذه المملكة، مملكة الكلمات، متاحة لكل واحدٍ منا، أو لنقل إن عناصرَ صناعتِها متاحة لكلِ واحدٍ منا، ولكنها في الوقتِ نفسه أصعبُ من المستحيل، فالكلماتُ، التي هي أداة الشاعر لصناعة مملكته، هي نفسها أداتي وأداتك وأداةُ الآخرين في الكتابة والتعبير ولكنها لديه فقط تصنعُ الممالكَ والوديان والجبالَ وكلّ عناصر الجمال، يدُه السحرية هي التي تحول التراب الى تبرٍ في الوقت الذي يبقى في يدِ الآخرين ترابا ليس إلاّ.

كلَّ ليلةٍ ارتقي قِممَ الجبال وأتجولُ بين الوديان

جبالِ ووديانِ الزمان والمكان

***

منير العبيدي

***

.....................

حديقةُ الكلمات

ترجمها من الألمانية: منير العبيدي

بيتي يقعُ في حديقةِ الكلمات

هناك حيث كلُّ ورقة شجرة

حيث كل صفٍ من الأشجار كتاب

حيث كل (نجمة) في قطراتِ الندى تلتمع

حيث كل قطرةٍ نجمة،

وكل ورقةٍ مجرة

وكل شجرةٍ كون

*

هذه الحديقة تعودُ لي !

وليَ النهرُ الذي يتدفقُ عندَ الحديقة

و لي تعودُ الصبايا اللائي يسبحن في النهرِ عندَ اكتمالِ القمر

حينما الماءُ يتقاطرُ من أجسادهنّ العارية.

لي، لي وحدي يعودُ

المحّارُ على الشاطئِ

مملوءاً كان أم فارغا

وليَ البحرُ والبحيراتُ حيث انتهاء النهر.

*

كلَّ ليلةٍ ارتقي قِممَ الجبال وأتجولُ بين الوديان

جبالِ ووديانِ الزمان والمكان

*

حيثُ الموسيقى كعنصرٍ خامس

تُضفي كمالا على فتنةِ العناصر

تلك العناصرُ التي تزفُّ ليَ التهاني

وأزفُّ التهاني لها

حيث الزمانُ عقد لآلي يطوق جيدَ صبية.

*

ما هو البدءُ، ما هو المنتهى،

ما هو القديمُ، ما هو الجديد؟!!

حين تنصت الى الأصواتِ في حديقة الكلمات..

سوف تعرف ما هي الموسيقى

عندما تنصت لصوت الصبايا..

حينَ يكنّ في النهر سابحاتٍ، سوف تعرف ما هو الماء

حين تعايش الأشجارَ التي ترقصُ في محضِ عطرها

سوف تعرفُ ما هو الهواء

حين ترى انعكاسَ البدرِ على صفحة المياه

سوف تعرفُ ما هو الضوء

و حين تنامُ على العشب، سوف تعرفُ ما هي الأرض

*

إلا انك حين لا تعرف حديقة الكلمات

لن يكون بمستطاعكَ أن تعرف شيئا عن هذا العالم

***

كيف يُخلّد الجسد الراقص الحبَّ منذ الوهلة الأولى؟

قبل أن يتساءل الفكر الإنساني عن ماهية الفنون أو يضع لها حدوداً مفاهيمية، كان الجسد المتحرك هو اللغة الأولى التي تواصل بها الإنسان مع الوجود. ففي التاريخ الأنثروبولوجي المبكر للبشرية، لم يكن الرقص مجرد نشاطٍ استعراضي أو استجمامي، بل كان طقساً بَدئياً ومحورياً للتعبير عن الرهبة، والتضرع، والاحتفاء بالخصب، وتجسيد صراع الإنسان مع قوى الطبيعة والمجهول.

ولم يكن هذا التعبير الجسدي مجرد انعكاس للرهبة فحسب، بل كان أيضاً التجسيد الأسمى للحب والانجذاب النساني؛ حيث تتصل لغة الحركة بالاستجابة الفيزيولوجية العميقة للجسد، فتتفاعل طاقات التناغم والتواصل غير اللفظي. فالرقص في جوهره طاقة صهر وتوحيد، وتتحول فيه الانفعالات الوجدانية والعاطفية إلى إيقاعات حركية تجمع بين سحر العاطفة وحضور الجسد. كان الجسد الراقص في الكهوف والمجتمعات الأولى هو الأداة المباشرة لنقل المعنى وتخليد الميثولوجيا قبل ابتكار الكلمة والمدونة.

ومع تطور الإنسانية وانتقال الحركة الجسدية من فضاء الطقس البدائي إلى خشبات المسارح الحديثة، تحول الرقص إلى شكل فني قائم بذاته يتميز بخصائص تعبيرية وكوريوجرافية معقدة. غير أن هذا التحول الفني أثار جملة من الإشكاليات الفلسفية المعقدة، خاصة ضمن ما يُعرف بـ "أنطولوجيا الفن" (

 فعلى عكس الفنون البلاستيكية كالنحت أو الرسم التي تجد تحققها في مادة جامدة وثابتة عبر الزمن، يظل الرقص فناً زمنياً وزائلاً، يولد وينتهي في لحظة أدائه ذاتها. من هنا، فرضت على الفكر الفلسفي إشكاليتان جوهريتان: السؤال الأنطولوجي؛ ما الذي يحدد ماهية العمل الفني الراقص ويجعله متميزاً عن بصرية الحركة المسرحية أو العادية؟ وسؤال الهوية؛ ما هي الشروط والمحددات التي تضمن احتفاظ هذا العمل الراقص بهويته وبنائه الجوهري عندما يُعاد أداؤه في أزمنة وأمكنة متعددة وأجساد مختلفة؟

في ماهية العمل الراقص وتمايزه المفاهيمي

تُمثّل محاولة تعريف العمل الفني الراقص تحدياً مفهوماً بامتياز؛ إذ يتأرجح الرقص دائماً بين ماديّة الجسد وسرعة زوال الحركة في الزمن. وقد شهدت الفترة الممتدة من خمسينيات القرن العشرين إلى تسعينياته اهتماماً مكثفاً من باحثي وفلاسفة الفن لرسم الحدود الفاصلة بين الرقص والأشكال الأخرى من الحركة الإنسانية التي قد تظهر على خشبة المسرح.

فالجسد على المسرح قد يتحرك حركة وظيفية يومية كالمشي أو إزاحة غرض ما، وقد تؤدي إيماءة درامية تخدم نصاً أو حواراً مسرحياً، غير أن الحركة الراقصة تتجاوز هذه الغايات المباشرة؛ إذ لا تُطلب الحركة فيها كفعل أدائي آلي أو سردي مجرد، بل تكتسب قصدية جمالية فريدة تتشكل عبر تنظيم أبعاد الجسد في الفضاء والزمن وفق نسق إيقاعي وحمولة تعبيرية مكثفة. وهذا التمايز الجوهري يجعل الحركة الراقصة بنية كوريوجرافية مستقلة تتمتع بتركيب جمالي داخلي تكون فيه العلاقات المكانية والطاقية هي الأسلوب والغاية في آنٍ واحد.

وفي هذا السياق، تتجلى الخصوصية الأنطولوجية للعمل الراقص في أنه لا يستقر في كائن مادي ثابت كاللوحة أو المنحوتة، بل يتشكل بوصفه حدثاً زمنياً زائلاً يحضر عبر لحظة أدائه وتلاشيه المستمر. وهنا يبرز دور المشاهد بوصفه طرفاً أصيلاً في التكوين الأنطولوجي للرقص؛ فالجمهور لا يكتفي بالملاحظة المحايدة من بعيد، بل يتفاعل مع حركة الجسد الراقص تفاعلاً وجدانياً وجسدياً عميقاً. إن المشاهد، وعبر فعل النظر والاستغراق البصري، يستلهم روح الرقص ويندمج في طاقته التعبيرية، ليتحول هذا التلاشي الحركي من مجرد غياب زمني إلى أثر مفهومي وجمالي ينحفر في وعي الحاضرين ويمنح العمل الفني الراقص وجوده الحي على خشبة المسرح وفي مخيلة من يشاهده.

سؤال الهوية واشتراطات الاستمرار عبر العروض

إذا كانت ماهية الرقص تتحدد بوصفه حدثاً زمنياً زائلاً يتلاشى فور حدوثه، فإن ذلك يضعنا مباشرة أمام سؤال الهوية المعقد: كيف يتسنى لعمل فني راقص أن يحتفظ بهويته ذاتها ويُعرف بوصفه "العمل نفسه" عند إعادته في عروض متعددة، وعلى أخشبة مسارح مختلفة، وبأجساد راقصين متعدّدين؟

إن هذه الإشكالية تضع الرقص في موقع فريد ضمن فلسفة الفن؛ فبينما تحافظ اللوحة الزيتية أو القطعة النحتية على هويتها الفيزيائية الثابتة عبر الزمن، ويستند العمل الموسيقي إلى مدونة نوتة دقيقة تُحدد النغمات بدقة متناهية، يواجه الرقص تحدي نقل الحركة وتثبيتها دون خنق روحها الحية. إن احتفاظ العمل الراقص بهويته عبر التكرار يتطلب استيفاء مجموعة من الشروط البنائية والمفهومية التي تشكل جوهر البناء الكوريوجرافي.

يكمن الشرط الأول في الامتثال للنسق الحركي والإيقاعي الأساسي الذي وضعه مصمم الرقص (الكوريوجراف)، وهو الهيكل المفهومي الذي يحدد العلاقات المكانية، والتتابع الزمني، ومستويات الطاقة الجسدية. ورغم تطور أنظمة التدوين الحركي الحديثة، إلا أن نقل الهوية في الرقص ظل يعتمد بنسبة كبيرة على الشفهية والتجسيد المباشر؛ أي انتقال الشفرة الحركية من جسد راقص سابق إلى جسد راقص جديد عبر التدريب والمحاكاة التفاعلية.

وهنا تبرز ثنائية جوهرية بين "جوهر العمل" و"هامش التعبير الفردي"؛ إذ إن هوية العمل الفني الراقص لا تعني الميكانيكية الصارمة أو التطابق الآلي الميت بين عرض وآخر. فالرقص يستمد حياته من حضور الجسد الفردي للراقص وإحساسه اللحظي؛ ومن ثم فإن الهوية تظل محفوظة ما دامت التغيرات الثانوية — كالتباين الفردي بين الراقصين، أو التعديلات البسيطة في الإضاءة والأزياء — تحافظ على البنية الحركية والقصدية الجمالية للأصل. إن العمل الراقص يحتفظ بهويته ليس عبر الثبات المادي الصامد، بل عبر "الاستمرارية الديناميكية" التي تتيح للنص الحركي أن يُعاد بعثه في كل عرض جديد دون أن يفقد روحه الجوهرية.

الرقص بوصفه تجسيداً لكينونة الفن الوجودية

تأسيساً على ما سبق، يتبين أن التفكير في الرقص عبر مدخلي الأنطولوجيا والهوية يتجاوز مجرد التحديد النظري للأنواع الفنية، ليمس جوهر التجربة الإنسانية في التعبير والتواصل. إن الرقص، بصفته ابناً شرعياً للجسد ولللحظة الزائلة، يُعيد تعريف الفن لا بوصفه نتاجاً مادياً ثابتاً يُخزّن في المتاحف والمكتبات، بل بوصفه عملية وجودية حية تتجدد مع كل عرض ومع كل شهود جماهيري.

إن التوفيق بين سيولة الحركة ولحظيتها من جهة، وثبات الهوية الكوريوجرافية من جهة أخرى، يمنح الرقص مكاناً فريداً في فلسفة الفن. فهو الفن الذي ينساب في زمنيته، لكنه يترك أثره الخالد في مخيلة المشاهد وتجربته الوجدانية؛ حيث يلتقي الجسد الراقص بروح المتلقي في لحظة استغراق جمالي تتجاوز حدود اللفظ واللغة. وفي النهاية، يظل العمل الفني الراقص شاهداً على قدرة الإنسان الدائمة على تحويل الحركة العابرة إلى معنى أزلي، وعلى جعل الجسد جسراً بين الواقع الوجودي وآفاق الجمال المطلق.

***

ئاريان علي

لا خيار آخر في الدراما الكورية

استطاعت السينما الكورية خلال السنوات اﻷخيرة أن تفرض حضورها بتنوع مواضيعها وأساليبها مع اهتمام واضح بالقضايا الاجتماعية واﻹنسانية، كما تميزت السينما الكورية بتقديم قصص تحمل أبعادا نفسية عميقة إلى جانب أسلوب بصري مميز. وقد ساهم عدد من اﻷفلام والمخرجين الكوريين في المهرجانات الدولية إلى انتشار السينما، ووصولها إلى قاعدة عريضة من المشاهدين في انحاء العالم، واهتمام النقاد والمهتمين بهذا الفن. في عام 2025 قدم المخرج " بارك تشان ووك " لاخيار آخر " دراما سينمائية اجتماعية مثيرة عن الحياة الكورية الجنوبية المعاصرة، تبدأ بأزمة تتجاوز فقدان الراتب لموظف ما إلى تهديد مباشر لمكانته داخل أسرته وللحياة التي بناها طوال سنوات. الفيلم مأخوذ عن رواية "الفأس" للكاتب اﻷمريكي "دونالد وستليك" الفكرة تم نقلها إلى واقع كوري معاصر تتداخل فيه المنافسة الاقتصادية، والضغط المهني، والخوف من المستقبل."مان سو" مدير مصنع يتم الاستغناء عنه بصورة مفاجئة، فيبدأ رحلته البائسة للبحث عن وظيفة في سوق عمل لايبدو مستعدا لمنحه فرصة أخرى. لكن ما يجعل الفيلم مهما اجتماعيا هو أن البطالة هنا ليست مشكلة فردية فمان سو لديه زوجة وأطفال، والتزمات مالية، وحياة اعتاد عليها، لذلك يصبح فقدان الوظيفة تهديدا شاملا لحياة بكاملها، يمر الوقت ويتحول البحث عن العمل إلى هاجس يسيطر على حياته، ويصبح المنافسون على الوظائف باعتبارهم عقبات يجب التخلص منهم. وهنا يتحول الفيلم من دراما اجتماعية إلى كوميدياء سوداء. الحبكة الذي عرف به المخرج "بارك تشان ووك "توليفة الصراع الاقتصادي والاجتماعي والذي اختلف كثيرا عن أفلامه السابقة، وجمع بين اﻷثنين في قلب الحكاية بطريقة مألوفة. السؤال العريض الذي يقدمه الفيلم. ماذا يحدث للإنسان عندما يعلم بأن المجتمع لم يعد بحاجة إليه؟ الجانب النفسي وأثاره تبدو أكثر دراماتيكية، حين تصبح نظرة الزوجة واﻷولاد كل خشية الرجل الذي فقد وظيفته، يخشى حتى احترامه لنفسه. أن تصبح شخصا زائدا في سوق عمل لا يرحم الكبار أو من فقدوا وظائفهم. كل هذه التفاصيل يجعلك الفيلم تعيشها خطوة بخطوة مع "مان سو" حتى نصل إلى نقطة تحول مفصلية في سؤال اجتماعي قاس عبر فرضية أن يتحول اﻹنسان إلى عدو للآخرين. هذا السؤال هو المحرك اﻷساسي للأحداث، وهنا يستخدم "بارك تشان ووك " السخرية المرة " الكوميديا السوداء " مع العنف للتخفيف من مشاهد الصعبة، فالمواقف التي تبدو مضحكة في ظاهرها تخفي خلفها مأساة إنسانية. ففي تتبعنا لحياة "مان تسو "وقد قضى سنوات من عمره في وظيفة يعتقد أنها ستوفر له الاستقرار، فانهيار حياته، يمكن قراءته بوصفه انعكاسا للطبقة الوسطى حيث يرتبط العمل بمكانة اﻹنسان داخل أسرته. في إجابة الفيلم: من المسؤول عن اﻷزمة ؟، يرسم منظومة اقتصادية واجتماعية تحيط بكل الجوانب، من الموظف الذي يخشى الفصل، إلى الشركات التي تبحث عن خفض التكاليف، والعائلات التي تعتمد على راتب واحد من ذوي الدخل المحدود، وأولئك المتنافسون على الوظائف، كل ذلك تحت ضغط هذه التفاصيل مجتمعة، الخوف على فقدان الوظيفة، والقلق على اﻷسرة يجعل من الفيلم متجاوزا لحدوده الجغرافية، وفي قلب كل مشاهد يمكن أن يراه في كل مكان.      

والملاحظ وإن حمل الفيلم نبرة قاتمة إلا أنه تمتع بحس ساخر، جعل من تجربته مختلفة عن الدراما الاجتماعية التقليدية، حتى بالنسبة للمخرج نفسه، وهذه الموازنة بين الكوميديا والعناصر اﻹنسانية هو أسلوب " بارك تشان ووك " المفضل، وهو ماكشف أيضا عن جانب التحول في السينما الكورية بعد أن عرفت بأفلام الجريمة واﻹثارة. " لا خيار آخر " لا يستخدم فيه المخرج العنف لمجرد التشويق بل يحوله إلى نتيجة متطرفة للضغط الاقتصادي والنفسي، وأهمية العمل باعتباره جزءا من هوية اﻹنسان عن عالم يتحول فيه الزملاء إلى منافسين، والوظيفة من مصدر استقرار إلى مسألة حياة أو موت.. نخرج بعد مشاهدة أحداث الفيلم بفكرة غير مريحة أو هي مخيفة عن الخوف من فقدان العمل، والعلاقة المعقدة بين المال واﻷسرة والكرامة، أمام عالم يمكن أن يجد فيه كثير من الناس أنفسهم في المكان الذي وجد "مان سو " نفسه فيه بلا وظيفة، ولا يقين بشأن الغد تحت ضغط الحاجة إلى حماية اﻷسرة. بشكل عام يمكن قراءة فيلم " لا خيار آخر " باعتباره مرآة للقلق الاقتصادي الذي يعيشه اﻹنسان المعاصر مع الاحتفاظ بالخصوصية الثقافية والمجتمعية لكوريا الجنوبية.

***

عبد الحكيم كشاد

انطلق عرض الفيلم الوثائقي البريطاني "نازا" عبر مهرجان البندقية السينمائي الدولي في دورته الثالثة والثمانين، ليشهد مسرح العرض سابقة تاريخية وقف فيها الجمهور مصفقاً ومحتفياً لأكثر من خمس وعشرين  دقيقة متواصلة، معلناً بذلك ولادة وثيقة إدانة سياسية وأمنية وقانونية غير مسبوقة تلاحق قادة تل أبيب. والعمل، الذي أنتجته صحيفة الغارديان بالتعاون مع شركة "جيه دبليو فيلمز" وأخرجه السينمائيان الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل زور، يستوحي اسمه من مصطلح عسكري عبري يعني "الأضرار الجانبية"؛ وهو التعبير الرياضي الجاف الذي تستخدمه المؤسسة العسكرية للإشارة إلى حجم الخسائر البشرية المتوقعة بين المدنيين قبل الموافقة على أي ضربة جوية. ولم يعد هذا الشريط مجرد رصد لشهادات سرية قدمها أربعة وعشرون ضابطاً وجندياً من الاستخبارات والجيش، بل أضحى كاشفاً لآلية عمل أنظمة الاستهداف الرقمية، ومبيناً كيف تمنح الخوارزميات والذكاء الاصطناعي تفويضاً لإبادة عائلات بأكملها وتدمير أحياء سكنية بذريعة تصفية أهداف منخفضة الرتب داخل منازلهم ليلاً.

وتأسيساً على هذه المكاشفات الصادمة التي فجرها العرض العالمي، شكّل الفيلم زلزالاً عنيفاً هز الساحة الإسرائيلية الداخلية مسبباً شرخاً عميقاً في منظومة الحكم؛ فبينما يطالب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وجناحه اليميني بمحاكمة صناع العمل وفتح تحقيقات مع الأجهزة الأمنية بتهمة تسريب أسرار عسكرية والخيانة العظمى، اصطفت المنظمات الحقوقية وصناع السينما في الداخل للدفاع عن المخرجين محذرين من صعود الفاشية الثقافية وتكميم الأفواه، مما دفع الحكومة لسن تشريعات استثنائية أطلقت عليها "قوانين نازا" لمعاقبة وتغريم كل من يساهم في تشويه صورة الجنود في الخارج. ولم تتوقف هذه التداعيات عند الحدود المحلية، بل امتدت لتحدث صدمة وعي على الساحة الدولية أثبتت أن السردية الرسمية لتل أبيب لم تعد قادرة على احتكار الحقيقة، وهو ما غذى الحراك الشعبي للضغط على الحكومات الغربية بغية تقييد مبيعات السلاح. بيد أن السابقة القانونية الأهم التي يفجرها هذا الفيلم، والتي لم تتطرق لها المنصات الإعلامية بعد، تكمن في تفكيكه لمفهوم "مجرم الحرب" في العصر الرقمي؛ إذ تؤكد الشهادات أن نظام الذكاء الاصطناعي تم تزويده مسبقاً بـ "هامش خطأ مقبول" يتساهل مع تصفية المدنيين، مما يعني قانونياً أن المهندسين والمبرمجين وشركات التقنية التي صممت هذه البرمجيات عسكرياً، باتوا يواجهون اليوم شبح الملاحقة والمحاكمة أمام محكمة الجنايات الدولية كشركاء مباشرين في التسهيل العمد لجرائم الحرب وفقاً للمادة الخامسة والعشرين من نظام روما الأساسي. إن هذا الوعي الرياضي المسبق بالنتائج الدموية يجرّد الجنرالات من دفوع الجهل أو تلقي معلومات استخباراتية خاطئة، ويحول الفعل في القانون الدولي إلى قصد جنائي احتمالي معقد، وهي أعلى درجات الإدانة التي يستحيل النفاذ منها، ممهداً الطريق لاستخدام هذه الاعترافات كأدلة دامغة لتعميق العزلة الدبلوماسية والثقافية.

وانطلاقاً من هذه المعطيات، يتضح أن فيلم "نازا" لم يعد مجرد شريط سينمائي عابر شارك في محفل دولي، بل غدا نقطة تحول فارقة عرّت النزعة التكنولوجية المفرطة في الحروب الحديثة وبشاعة أتمتة الموت. ويتمثل الأثر الأكبر والمستقبلي لهذا العمل في أنه وضع "العقل الرقمي" وصنّاعه خلف قضبان المسؤولية الأخلاقية والقانونية، مجبراً المجتمع الدولي والأمم المتحدة على إعادة صياغة معاهدات ملزمة تحظر ترك قرارات الحياة والموت لآلات صماء، ليكون بمثابة الصرخة التي أثبتت للعالم أن الخوارزميات إذا ما جُرّدت من القيم الإنسانية، فلن تصنع جيوشاً ذكية، بل أدوات إبادة مشرعنة ستظل آثارها تلاحق مبرمجيها ومستخدميها لجيل كامل قادم .

***

بقلم صبيح الكعبي

لطالما كنت وفية لذكرياتي وفاءً يكاد يشبه اللعنة أكثر مما يشبه الفضيلة، لذلك كان ذلك الخيط الرفيع الذي يربطني بالآخرين أثمن عندي مما يبدو عليه. تلك الذكريات الصغيرة التي يهرب منها الجميع وتضيع بين زحام الأيام، والتي تتآكل أطرافها ببطء حتى تختفي دون أن يلاحظ أحد غيابها، لم تكن يومًا شيئًا يمكنني التفريط به بهذه السهولة. أراقب الناس وهم يمضون في حياتهم، يتركون وراءهم وجوهًا وأسماءً وأماكن كانت تعني لهم العالم بأسره في يوم ما، ثم يتابعون السير وكأن شيئًا لم يكن، بينما أبقى أنا عالقة عند التفاصيل، ألتقط ما سقط من ذاكرتهم وأحمله معي وكأنني آخر حارس لمقبرة مهجورة لم يعد يزورها أحد.

ربما لهذا السبب أشعر أن الحياة تسير بسرعة غير عادلة. فكلما ازدادت رتابتها وخلاها من المعنى، ازدادت قدرتها على التهام السنوات. تمر الأيام المتشابهة فوق بعضها كما تتراكم طبقات الغبار على الأثاث القديم، حتى نستيقظ فجأة لنجد أن أعمارًا كاملة قد انقضت بينما كنا منشغلين بأشياء لم تكن تستحق كل هذا الوقت الذي منحناه لها.

أعترف أنني شخص يشقى بعقله. لا أترك شعورًا يمر بي دون أن أفتحه وأفحصه كما يفحص الجرّاح عضوًا مستخرجًا من جسد مريض. أحلل الكلمات التي قيلت لي والكلمات التي لم تُقل، أفتش عن الدوافع المختبئة خلف الصمت، وأراقب التناقضات الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد. أرى الخيبة قبل أن تتحول إلى دموع، وألتقط الحب قبل أن يعترف به صاحبه لنفسه، وألاحظ الكراهية وهي تتسرب من بين الكلمات المهذبة كما يتسرب الدخان من تحت باب مغلق. لكن لكل قدرة ثمنًا، والعيش بهذا القدر من الانكشاف يشبه السير في العالم بلا جلد، حيث تصبح كل الأشياء حادة أكثر مما ينبغي، وكل خيبة أعمق مما تبدو عليه للآخرين.

والأغرب من ذلك أنني أنتبه لهذه التفاصيل الدقيقة التي لا أهمية عملية لها، بينما أفشل في أشياء يفترض أنها بديهية. قد أتذكر جملة قيلت لي قبل عشرة أعوام بالحرف الواحد، لكنني أضيع في طريق سلكته عشرات المرات. قد أتذكر نبرة صوت شخص في لحظة وداع، ولا أستطيع تذكر الاتجاه الذي جئت منه قبل دقائق. وكأن عقلي عقد صفقة غريبة مع نفسه؛ أن يحتفظ بما يؤلم وما يربطني بالبشر، ويترك ما عدا ذلك يتساقط في العتمة.

اليوم مثلاً كنت أقرأ عن الوجود، أو ربما كنت أبحث عن نفسي بين صفحاته. غرقت بين الفلاسفة كما يغرق شخص دخل متاهة بلا خيط يقوده إلى الخارج. كنت أتنقل بين سؤال الوجود والماهية، بين أولئك الذين يرون أن الإنسان يولد حاملاً غايته في داخله منذ البداية، وأولئك الذين يعتقدون أنه لا يملك أي معنى مسبق، وأنه يقضي عمره كله يصنع هويته بيديه. وفكرت، إن كانت الماهية تسبق الوجود حقًا، فهل كُتبت مصائرنا قبل أن نأتي إلى هذا العالم؟ هل كُتب على بعض الناس أن يشقوا منذ اللحظة الأولى، لا بسبب خطأ ارتكبوه بل لأن دورهم في هذه المسرحية كان مكتوبًا بهذه الطريقة؟ وهل كُتب على آخرين أن يتقلبوا بين النعم كما تتقلب الأوراق فوق سطح الماء، لا يعرفون شيئًا عن ثقل الأسئلة ولا مرارة الحرمان؟ أحيانًا أحسد الجاهلين أكثر مما أحسد الأغنياء، لأن الجهل يبدو لي في بعض اللحظات ترفًا يفوق المال نفسه. أن تنام دون أن يوقظك سؤال في منتصف الليل، أن تعيش دون أن تنظر إلى الهاوية كل يوم وتتساءل عن معنى الوقوف على حافتها، تلك نعمة لا يدركها إلا من حُرم منها.

لكن التفكير يقودني دائمًا إلى المكان نفسه، إلى الموت. ليس الموت بوصفه حدثًا بيولوجيًا ينتهي عنده الجسد، بل بوصفه السؤال الأكبر الذي يختبئ خلف كل الأسئلة الأخرى. وربما لهذا السبب لم أتجاوز بعد فقد ابنة عمي رحمها الله. الناس يقولون إن الزمن يشفي، لكنني لم أجد في الزمن طبيبًا يومًا. كل ما يفعله الزمن أنه يضيف طبقات جديدة من الحياة فوق الجرح حتى لا نراه باستمرار، أما الجرح نفسه فيبقى حيث هو، ينتظر لحظة ضعف صغيرة كي يذكرنا بأنه لم يرحل قط.

كانت موجودة. وما أقسى هذه الكلمة. كانت تضحك وتتحدث وتملأ الأماكن بحضورها، ثم فجأة أصبحت جزءًا من الماضي. اختفى الجسد والصوت والملامح الحية التي كانت تجعل وجودها حقيقة لا تحتاج إلى إثبات، ولم يبق سوى الذكريات. مجرد ذكريات. وكأن حياة كاملة، بكل ما احتوته من أفراح وأحزان وأسرار وأحلام، يمكن أن تنكمش في النهاية لتصبح بضعة صور محفوظة في هاتف قديم أو مجموعة مواقف يحتفظ بها من أحبوها.

لهذا أجد في النسيان خيانة لا أستطيع مسامحتها. لأن النسيان لا يكتفي بأخذ الذكرى، بل ينتزع آخر ما تبقى من وجود الإنسان. الموت يأخذ الجسد، أما النسيان فيأخذ الأثر. يأخذ الضحكة الأخيرة والجملة الأخيرة والنظرة الأخيرة، حتى يتحول من أحببناه إلى اسم نعرف أننا كنا نحبه يومًا ما دون أن نتذكر السبب. ولهذا يعذبني النسيان أكثر مما يريحني كما يظن الجميع، لأنه يبدو لي كالموت الثاني، الموت الذي يحدث عندما لا يعود هناك أحد يتذكر أنك كنت هنا أصلًا.

وربما لهذا السبب أواسي نفسي بفكرة غريبة؛ أن الأحبة الذين رحلوا قد انشغلوا أخيرًا بسعادتهم الخاصة، وأنهم تركوا وراءهم هذا العالم الباهت بكل أسئلته المرهقة ومصائره الغامضة، ومضوا نحو شيء أكثر رحمة. أحب أن أعتقد أنهم لا يقفون خلف حاجز ما يراقبوننا بحسرة، ولا يحملون معنا هذا الثقل نفسه، بل تحرروا منه بالكامل. وأن الحنين الذي يمزقنا هنا لا يصل إليهم هناك، لأنني لا أحتمل فكرة أن يكونوا ما زالوا يتألمون مثلنا.

أعلم أنني أقترب أحيانًا من مناطق يعتبرها كثيرون خطرة أو محرمة، لكنني كنت دائمًا أترك عقلي ينجرف نحو حافة الهاوية قبل أن أستدركه في اللحظة الأخيرة. أنظر إلى الفراغ طويلًا، لا لأنني أبحث عن السقوط، بل لأنني أبحث عن إجابة. ثم أعود كل مرة خالية الوفاض، ومع ذلك لا أتوقف عن العودة. ربما لأن بعض الأسئلة لا نطرحها أملاً في العثور على جواب، بل لأننا لا نملك خيارًا آخر سوى طرحها. وربما لأن الإنسان لا يعيش باليقين وحده، بل يعيش أيضًا بتلك الحيرة التي ترفض أن تغادره مهما حاول الهرب منها. ولعل كل هذا التفكير، وكل هذا التشبث العنيد بالوجوه والأسماء واللحظات التي ابتلعها الزمن، ليس سوى محاولة يائسة لإقناع نفسي أن الذكرى يمكن أن تكون شكلًا من أشكال مقاومة الفناء، وأن الذين عبروا حياتنا ذات يوم لا يختفون تمامًا ما دمنا نحمل شيئًا منهم في داخلنا، مهما كان ذلك الشيء هشًا وعابرًا مثل ذكرى.

***

لمى ابوالنجا - أديبة وكاتبة من السعودية

(نبذة مختصرة)

آن كارسون شاعرة، وكاتبة مقالات، ومترجمة، وأستاذة جامعية كندية، اشتهرت بنهجها المبتكر في الشعر وارتباطها العميق بالأدب اليوناني القديم. وُلدت في تورونتو في 21 يونيو 1950، ونمت لديها في مرحلة مبكرة فتنة بسير القديسين تحولت لاحقاً إلى الشخصيات اليونانية الكلاسيكية. بدأت رحلة كارسون الأكاديمية في الدراسات الكلاسيكية بجامعة تورونتو، حيث نالت درجتي البكالوريوس والماجستير وتابعت رسالة الدكتوراه عن سافو. ويستكشف كتابها الأول، إيروس المُرّ الحلو (1986)، ثيمة الإيروس في الشعر اليوناني.

غالباً ما تمزج أعمال كارسون بين التجارب الشخصية والإشارات التاريخية، مع أعمال بارزة تعكس علاقات الأسرة وحياتها الخاصة، بما في ذلك قصائدها الطويلة المشهدية في مجموعة ماء سهل (1995). ولها أكثر من عشرين كتاباً منشوراً، وتشمل أعمالها البارزة سيرة ذاتية للأحمر (1998) وأوريستيا (2009)، واللذان يعرضان مزيجها الفريد من الترجمات والأعمال الأصلية. وطوال مسيرتها المهنية، حصلت على العديد من الجوائز المرموقة، بما في ذلك جائزة الحاكم العام الكندية للشعر باللغة الإنجليزية وجائزة جريفين للشعر. وتُدرس كارسون حالياً في جامعة ميشيجان وتواصل كونها شخصية بارزة في الأدب المعاصر، معترفاً بإسهاماتها في كل من الشعر ودراسة الثقافة اليونانية القديمة.

وُلدت آن كارسون في تورونتو في 21 يونيو 1950. ونشأت في عدة بلدات صغيرة في أونتاريو، حيث كان يعمل والدها مصرفياً. وكفتاة كاثوليكية صغيرة، كانت مسحورة بكتاب سير القديسين (The Lives of the Saints)، وهو سرد متعدد المجلدات لحياة القديسين الكاثوليك، ولكنها حولت اهتمامها في سن المراهقة إلى شخصيات من الأدب اليوناني الكلاسيكي. بدأت كارسون دراستها للغة اليونانية القديمة مع مدرس للغة اللاتينية من مدرستها الثانوية في هاملتون بأونتاريو. وتابعت دراسة اللاتينية واليونانية في جامعة تورونتو، وخلال سنوات مرحلتها الجامعية الأولى، التحقت أيضاً بمدرسة الفنون التجارية. وبعد حصولها على درجة البكالوريوس، بقيت في تورونتو لإنجاز متطلبات درجة الماجستير في الدراسات الكلاسيكية عام 1975. وحصلت على دبلوم في الدراسات الكلاسيكية من جامعة سانت أندروز في اسكتلندا قبل أن تعود إلى تورونتو لتكتب رسالة الدكتوراه الخاصة بها عن سافو عام 1981. وقد وضعت هذه الدراسة الأساس لكتابها الأول، إيروس المُرّ الحلو: مقال (1986)، وهو دراسة لمفهوم الإيروس في الشعر اليوناني.

وفي حين تؤكد كارسون أن أعمالها ليست سيرة ذاتية بحتة، إلا أن مفردات وأحداذ زواجها الذي استمر ثماني سنوات وانتهى عام 1980 تظهر في قصائدها السردية الطويلة. ففي قصيدة "أنثروبولوجيا الماء" من مجموعة ماء سهل (1995)، وفي "مقال الزجاج"، تصور بأسلوب مؤثر التراجع العقلي والجسدي لوالدها الذي كان يعاني من مرض ألزهايمر. كما أُهدت مجموعة ماء سهل إلى بن سونينبرج، المؤسس والرئيس التحريري للمجلة الأدبية جراند ستريت، والذي كان يعاني من التصلب المتعدد. التقت كارسون بسونينبرج في نيويورك عام 1987، وكان حماسه لشعرها دوراً حيوياً في قرارها باحتراف الكتابة. أما مجموعتها الصادرة عام 2001 بعنوان رجال في ساعات الفراغ، والتي أُدرجت في القائمة القصيرة لجائزة تي. إس. إليوت للشعر، فتختتم بتحية ذاتية السيرة لوالدتها مارجريت، التي توفيت أثناء كتابة كارسون للكتاب.

يُعد الرسم وسيلة تعبير مهمة أخرى بالنسبة لكارسون. وقبل نشر كتابها الصغير الأول حادثات قصيرة (1992)، ركزت على شغفها بالفنون البصرية. وكان شعرها على مدار عشرين عاماً يُكتب في الأساس كجزء من مساعي الفنون المختلطة. فقَصائد حادثات قصيرة، على سبيل المثال، كانت مخصصة في الأصل لتكون تعليقات توضيحية لسلسلة من الرسومات. ومع ذلك، ونظراً للاهتمام المتزايد بشعرها، قامت بنشر القصائد وحدها. وصرحت كارسون بأنها تفكر في الكتابة على أنها فن الكولاج. وتحتوي روايتها الشعرية سيرة ذاتية للأحمر: رواية شعرية (1998) على أقسام متميزة: مقال عن الشاعر اليوناني ستيسيخوروس، ومقاطع مترجمة من ملحمة جيريونييس لستيسيخوروس، وتتابع غنائي مؤسس على جيريونييس، وقصيدة توبة (palinode)، ومقابلة ساخرة، وملحقين.

إن الكثير من أعمال كارسون المنشورة، التي تبلغ أكثر من عشرين كتاباً ، إما أن تشير إلى    الأدب اليوناني القديم أو تعتبر ترجمة مباشرة له. على سبيل المثال، كتابها أوريستيا (2009) هو ترجمة لمسرحيات أجاممنون لإسخيلوس، وإلكترا لسوفوكليس، وأوريستيس يوريبيديس. ويُعد كتابها الصادر عام 2003 بعنوان ريد دوك تكملة لـ سيرة ذاتية للأحمر وقد حاز على جائزة جريفين للشعر لعام 2014. ونشرت كارسون كتاب فلوت (Float) في عام 2016، حيث جربت طريقة تقديم الكتاب، الذي جاء في علبة تحتوي على اثنين وعشرين كتيباً منفصلاً. وفي عام 2020، مُنحت كارسون جائزة الحاكم العام للشعر المكتوب بالإنجليزية. وفي العام نفسه، تلقت أيضاً جائزة أميرة أستورياس للأدب. وفي عام 2021، فازت بجائزة PEN/Nabokov للإنجاز في الأدب الدولي. وعُينت كارسون كاتبة دولية لدى الجمعية الملكية للآداب في عام 2022، ثم نُصبت رئيسة فخرية للرابطة الكلاسيكية في عام 2023. وفي عام 2024، نشرت كارسون مجموعة الشعر والنثر تحت عنوان :  نورما الخاطئة، والتي نالت اعترافاً كمرشحة نهائية في فئة الشعر لجائزة الكتاب الوطني.

تُدرس كارسون الدراسات الكلاسيكية والأدب المقارن في جامعة ميشيجان وسبق لها التدريس في جامعة كالجاري، وجامعة برينستون، وجامعة إيموري، وجامعة مكغيل. وعملت محاضرة ضيفة في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وكلية الفنون والحرف في كاليفورنيا. ومن بين تكريماتها وجوائزها جائزة لانان (1996)، وجائزة بوشكارت (1997)، وزمالة جوجنهايم (1998)، وزمالة ماكارثر (2000)، وتعيينها عضواً في وسام كندا (2005)، وجائزة بن للترجمة الشعرية (2010). وفي حين نالت استحساناً كشاعرة، تؤكد كارسون أن دراسة الثقافة اليونانية القديمة هي عمل حياتها الأساسي. وفي عام 2022، مُنحت كارسون الجنسية الايسلندية.

وفي عام 2025، حازت كارسون على جائزة زبيجنيف هربرت الدولية للأدب، وهي اعتراف عالمي كبيراً بالإنجاز الأدبي يعكس العمق الفني والاشتباك الفلسفي. وفي العام نفسه، سُميت كارسون متلقية لجائزة هادادا للإنجاز مدى الحياة من مجلة ا باريس ريفيو، تكريماً لإسهاماتها المبتكرة في الشعر والشكل الأدبي. واليوم تفوز آن كارسون بجائزة نوبل  في الأدب لعام 2026 "عن أعمالها الجريئة والمبتكرة التي استطاعت عبرها خلق حوارٍ مرحٍ مع التراث الكلاسيكي كما خلقت أشكالاً جديدة للأدب المعاصر"، وفقاً لبيان الأكاديمية السويدية.

*** 

إعداد: د. محمد غنيم

للأستاذ سلام السماوي

في روايته أنسجة الوجع، يأخذنا الأديب والروائي سلام السماوي، العراقي الأصل والمقيم في مدينة ملبورن الأسترالية، في رحلة تتشابك فيها خيوط الفقر والحرب والغربة والفقد، لتنسج حكاية إنسان يبحث عن موطئ قدم في عالم تضيق فيه الأوطان وتتسع المنافي

تقع الرواية في 101 صفحة، ويسبق أحداثها مدخل تأملي يمتد على صفحات عدة، يستحضر فيه الكاتب أسئلة الوجود والطبيعة والإنسان والوطن، وكأنه يمهّد للقارئ الطريق نحو وجع لا ينحصر في تجربة فردية، بل يتجاوزها إلى الذاكرة الإنسانية وما تختزنه من انكسارات

ومن خلال الصفحات التي قرأتُها، تستوقفني قدرة الكاتب على الانتقال من الوجع العام إلى التفاصيل الإنسانية الصغيرة، حيث يتحوّل الفقر من حالة اجتماعية إلى محنة تمتحن الحب والكرامة، وتغدو الغربة اقتلاعًا لا تعوّضه وفرة العيش

. وتبرز المرأة في المشاهد الروائية بوصفها شريكة في الاحتمال، تحمل أعباء الحياة وتواجه قسوة الظروف، فيما تتسلل الحرب إلى مصائر الشخصيات، تاركةً آثارها في البيوت والأجساد والذاكرة

. ولعلّ أكثر ما يلفتني في هذا العمل أن الوطن لا يحضر باعتباره مساحة جغرافية فحسب، بل بوصفه كيانًا روحيًا، تتشبث به الشخصيات حتى وهي تستعد لمغادرته

أما اللغة، فتتأرجح بين السرد المباشر والتأمل الوجداني، وتكشف عن نزعة شعرية واضحة لدى الكاتب، وإن كان المدخل الفلسفي المطوّل يؤخر الدخول إلى الأحداث، ويمنح العمل إيقاعًا تأمليًا قبل انطلاق حكايته

. أنسجة الوجع عنوان موفّق لما توحي به هذه الصفحات؛ فالوجع هنا ليس جرحًا منفردًا، بل خيوط متداخلة من الحرمان والحب والاقتلاع، تتشكّل منها ملامح حياة كاملة

.وما بين الوطن الذي يضيق بأبنائه والمنفى الذي لا يستطيع أن يعيد إليهم طفولتهم، تظلّ الذاكرة آخر ما يملكه الإنسان حين يفقد الجهات

***

سوزان عون

 

ليست الكتابة مجرد رصٍّ للكلمات أو تدوينٍ للأفكار، بل هي كما وصفها الأديب الجزائري (مرزاق بقطاش): «قفزة في الظلام». هذا الظلام الذي يكتنف عقل المبدع قبل ولادة النص، يتطلب أحياناً تمائم خاصة أو سلوكيات غريبة لتبديد عتمته. إن عالم الأدباء العباقرة مليء بالغرائب التي قد تبدو للرجل العادي نوعاً من الهذيان أو مساً من الجنون، لكنها بالنسبة للمبدع هي الجسر الضروري للعبور من الواقع الرتيب إلى فضاء الوجدان الخالص.

العزلة القسرية والتحرر من قيود الثياب

ولعل أحد أشهر هذه الطقوس ما كان يمارسه الروائي الفرنسي الكبير (فيكتور هوغو)، فلكي يضمن عدم مغادرة منزله والانشغال بالحياة الاجتماعية أثناء كتابة "أحدب نوتردام"، كان يأمر خادمه بإخفاء ملابسه تماماً، ليجد نفسه مضطراً للبقاء عارياً أو ملتحفاً بشال بسيط، محاصراً بين جدران غرفته ومحبراً لوضع اللمسات الأخيرة على روائعه. لم يكن هوغو الوحيد في هذا المضمار، فقد شاركه (د. هـ. لورانس) هذا الطقس، حيث كان لا يجد إلهامه إلا وهو في حالة عري تام، كأنما يتخفف من أعباء الحضارة ليتحد مع فطرته الأدبية.

الموت كمنبع للحياة: التوابيت والتفاح الفاسد

في جانب أكثر سوداوية، نجد الكاتبة (إديث سيتويل)، التي كانت تشحذ خيالها بالاستلقاء داخل تابوت مفتوح قبل البدء في الكتابة، وكأنها تستحضر رهبة الموت لتمنح نصوصها حياة أبدية. أما الشاعر الألماني (فريدريش شيلر)، فقد كان يحتفظ بتفاح متعفن في درج مكتبه؛ إذ كان يدعي أن رائحة العفن القوية هي التي تحفز طاقته الإبداعية وتدفعه للغوص في أتون الفكرة. هذه الروائح والأجواء الجنائزية لم تكن ترفاً، بل كانت ضرورة بيولوجية ونفسية لاستنهاض شياطين الكتابة لديهم.

هندسة الجسد والمكان: الكتابة بالمقلوب ووقوفاً

تعد وضعية الجسد أثناء الكتابة طقساً مقدساً لدى البعض؛ فالروائي الأمريكي (دان براون) يعتمد "العلاج بالمقلوب"، حيث يعلق قدميه ويتدلى برأسه إلى الأسفل لاستجماع أفكاره، معتبراً أن هذه الوضعية تساعده على كسر الجمود الفكري ورؤية العالم من زوايا مغايرة. وبالمقابل، نجد (إرنست همينغواي وجيمس جويس وألبير كامو) يشتركون في طقس "الكتابة واقفاً"، بل إن (همينغواي) كان ينتعل حذاءً أكبر من مقاسه ليضيف لمسة من التوتر الجسدي المحفز. أما (مارك توين ونابوكوف)، فقد فضلا السرير كمهد للإبداع، حيث كان (نابوكوف) يدون أفكاره على بطاقات صغيرة يضعها تحت وسادته حتى لا تضيع منه فكرة في منامه.

الماء.. رفيق الجريمة والإلهام

رائدة أدب الجريمة (أجاثا كريستي) كانت ترفض المكاتب الفخمة، وتفضل غمر جسدها في حوض الاستحمام (البانيو) لساعات، تتناول التفاح وتفكر في حبكاتها المعقدة؛ فالماء بالنسبة لها كان يغسل الواقع ليظهر مكانه مسرح الجريمة بوضوح. أما (جيمس جويس)، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، إذ لم يكن يكتب إلا على متن سفينة تجنح أو تشرف على الغرق، وكان يدفع المال للقباطنة ليضعوه في تلك الحالة النفسية المتوترة التي تسبق الكارثة، ليستخرج من رحم الخطر أعمق نصوصه.

كيمياء التركيز: القهوة والألوان والحيوانات

لا يمكن الحديث عن طقوس الكتابة دون ذكر "ماراثونات القهوة"؛ فـ(أونوريه دي بلزاك وفولتير) كانا يستهلكان كميات جنونية تصل إلى 50 فنجاناً يومياً للحفاظ على يقظة ذهنية متقدة. وبجانب الكيمياء، هناك اللون؛ إذ كان (ألكسندر دوماس الابن) يخصص لكل جنس أدبي لوناً (الأزرق للرواية، الوردي للمقالات، والأصفر للشعر). أما (إدغار آلان بو)، فكان لا يكتب إلا وقطته تستقر على كتفه، وكأنها وسيط روحي ينقل له الكلمات من عالم مجهول.

الغرابة السريالية: قفص فيرجينيا وولف

ربما يكون أغرب ما ذُكر هو ما نُسب للكاتبة (فيرجينيا وولف)، التي قيل إنها لم تكن تكتب إلا وأمامها قفص فيه رجل يتوسل إليها للخروج، وهي تقابله بالرفض الصارم لتفرغ شحناتها النفسية وهواجسها في ورقها. وسواء كانت هذه الرواية دقيقة أو مبالغاً فيها، فإنها تعكس الحالة النفسية المعقدة التي يمر بها المبدع، حيث يصبح العالم الخارجي مجرد أداة لخدمة النص الداخلي.

خاتمة: جنون المبدع أم ذكاؤه؟

إن هذه الطقوس، من مواجهة الحائط لدى (فرانسين بروس)، إلى الصمت المطبق في غرفة فندق خالية لدى (مايا أنجيلو)، تؤكد أن عملية الإبداع ليست سلوكاً منطقياً. إنها حالة من اللاوعي المنظم تخرج المبدع من سجن الواقع لتقذفه في فضاء الخيال. قد يصدم القارئ العادي حين يسمع عن كاتب يغسل قلمه بالماء كـ(عبد الرحمن الظاهر)، أو آخر يكتب وهو يرتدي ملابس الميكانيكي كـ(ماركيز)، لكن الحقيقة تظل أن هذه الغرابة هي الثمن الذي يدفعه العباقرة مقابل تلك "القفزة في الظلام" التي تأتي إلينا بنتاج أدبي يخلد أسماءهم ويغير وجه التاريخ. فخلف كل نص عظيم، ثمة طقس غريب، وربما قليل من الجنون الجميل.

***

رمزي ميركاني

الضيم: الظلم والقهر

أبو تمام (188 - 231) هجرية، شاعر من سوريا من قرية جاسم، له تصانيف عديدة، وأكثر الظن إكتشفه المأمون، الذي تولى الخلافة للفترة (198 - 218) هجرية، وقربه المعتصم (218 - 227) هجرية،  فرافقه منذ أن أصبح خليفة حتى وفاته، وبقي في عهد الواثق (227 - 232) هجرية، الذي توفى بعد أبي تمام بستة أشهر، وربما يكون البحتري قد أوشى به، فتقرر إبعاده من بلاط الخلافة إلى الموصل بذريعة تولي بريدها، ومضى فيها أقل من سنتين، وربما يكون قد مات كمدا من شدة ما أصابه من إذلال وهوان، ونكران جميل، فهو الذي قرّب البحتري وأدخله بلاط الخلفاء لكنه إستحوذ على الخلفاء وأبعد أي منافس له، ولهذا فهو أثرى شاعر في تأريخ الأمة، لكثرة ما ناله من الخلفاء في سامراء التي لم يغادرها إلا بعد أن إنتهى دورها كعاصمة سنة (279) هجرية.

يتحدثون عن أبي تمام وكأنه لم ينشد أروع قصائده في سامراء، ولم يلازم المعتصم في سرائه وضرائه، ولم يعش سنوات إبداعه الأصيل فيها.

فالحديث عن أبي تمام يكون مقرونا بالموصل التي توفى فيها وله تمثال، وأقيم مهرجان أو أكثر بإسمه على ترابها.

ومن الصعب فهم وتفسير هذا التجاهل لأبي تمام في مدينة سامراء، وكيف أنها تخلو من أي ذكر له؟!!

أشهر قصائده أنشدها في سامراء، ولو يحكى أنه كان يستخدم شخصا لقراءة قصائده لضعف إدائه الإنشادي لأسباب غير واضحة.

فقصيدته التي مطلعها "السيف أصدق أنباءً من الكتب...." على الأرجح أنشدت في سامراء.

أمضيت مراحل دراستي من الإبتدائية حتى الإعدادية في سامراء، ولم أتعرف على شعرائها وتأريخها ودورها في مسيرة الدولة العباسية، فما كانت هناك حصص دراسية تعرّفنا بالمدينة، ولا ما يشير إلى مكانتها الحضارية، ما نعرفه هو الملوية والقبة الذهبية، ولا إلمام بما يتصل بهما.

لا أستطيع تفسير هذا الإغماط القاسي لدور مدينة في صناعة التأريخ الإنساني، فهل أن التغفيل مقصود والتجهيل مبرمج لأسباب مجهولة، أو خفية؟

لماذا يُنتزع منها أبو تمام والبحتري وإبن المعتز وعلي بن الجهم، وتُقدم على أنها كومة أطلال خاوية على عروشها؟

أنارتْ أمّةً وسَعَتْ لمَجْدِ

وضاعَتْ بينَ مُضْطربٍ بعَهْدِ

بها فوضى أصابَتْ مُرتقاها

قيادَتُها غدتْ رهناً بجُندِ

تَناثرَ عِقدُها في وَحْلِ آهٍ

يُغيّبُها ويَغمُرها بجُحْدِ

***

د. صادق السامرائي

لا أعرف كم كان عمري تماما حين بدأت ذاكرتي تحتفظ بصورة جدي لأبي توفيق آغا رحمه الله. لكنني كلما عدت إلى طفولتي رأيته كما لو أنه ما زال قادما من آخر الطريق طويل القامة، قوي البنية حنطيَّ اللون، جميل المحيّا مرتديا زيه التركماني الذي لم أعهده بغيره الصاية والزبون والجمداني.

كنت صغيرة جدا لأعرف مقدار ثقافته أو لأفهم الأحاديث التي كان يخوضها مع الكبار لكنني كبرت وأنا أسمع الناس يقولون إنه كان مثقفا، حاضر البديهة حسن المحاورة كان يعرف كيف يتحدث وكيف يصغي وله حضور يليق برجل عرف الحياة وخبر الناس

أما أنا، فلم تكن ثقافته تعنيني يومها بقدر ما كانت تعنيني خطواته حين تقترب من بيتنا.

كان جدي يسكن في بيت قريب من بيتنا، ويعيش بمفرده

 لم يكن وحيدا بقدر ما كان مستقلا. كان من أولئك الرجال الذين لا يحبون أن يكونوا عبئًا على أحد، حتى على أبنائهم. يذهب إلى السوق بنفسه، يشتري حاجاته يطبخ طعامه ويدبّر شؤون بيته وكان أبي رحمه الله، يرسل إليه أحيانًا من يساعده في تنظيف المنزل بالأجرة، لكن جدي ظل، ما استطاع قائما بأموره بنفسه.

وكان صاحب بساتين زيتون.

ربما لهذا ارتبطت صورته في ذاكرتي بالخضرة والتراب والعصافير ورائحة الأشياء البسيطة التي لا نعرف قيمتها إلا حين تصبح ذكرى.

كل عصر، أو بين يوم وآخر، كان يأتي إلى بيتنا مشيًا على قدميه وكنت بصفتي أصغر العنقود، صاحبة نصيب خاص من دلاله

كان يحمل لي سلّة صغيرة جميلة من الخوص، مستديرة ولها ذراع للحمل، ويملؤها بالمصاصات والحلوى وقطع الشوكولاتة التي كنا نسميها آنذاك «شكرات»، وبالحامض حلو الذي كنت أحبه. وأحيانا كان يأتي بالسلة مليئة بالبيض.

وللبيض حكاية بيني وبينه

كان يلاطفني ويناديني

- ريرو، حين تكبرين وتتخرجين، مَن ستتزوجين؟

فأجيبه بلا تردد

- بائع البيض

فيضحك ويسألني

- ولماذا بائع البيض؟

فأقول بمنطق طفلة لا ترى في الدنيا ما يستحق التعقيد

- لأنك ستكبر يا جدو وتغادر وأنا أحب البيض

كان يضحك ثم ينظر إليّ ويقول كلمته التي ما زلت أسمع نبرتها حتى اليوم

- بركم

وكانت «بركم» كلمة تركمانية يصفني بها؛ تلك الطفلة كثيرة الحركة والفضول، التي تتطلع لما لما حولها وتسأل عن كل شيء، ولا تخلو من المشاغبة.

ويبدو أنني كنت أستحق اللقب فعلا فما إن ينتهي من الإجابة عن سؤال حتى أكون قد أعددت له سؤالا آخر.

وحين كنت أقول له:

- ستكبر يا جدو وتغادر…

كان يضحك ويعيد

- بركم

لم أكن أعرف يومها أنني استخدمت، بعفوية طفلة، كلمة أكبر من عمري

تغادر.

كنت أقولها وكأن الرحيل أمر بعيد، شيء يحدث في زمن لا أعرفه، وربما كنت أظن أن الكبار يظلون كبارا إلى الأبد.

وكان يسألني أيضا:

- وماذا ستصبحين عندما تكبرين؟

وهنا كنت أكثر جدية. لم أتردد

- سأصبح محامية يا جدو.

وكان يشجعني ويفرح بإجابتي.

ومرت السنوات وكبرت الطفلة، وكان من غرائب الحياة وجمالها أنني درست القانون فعلا

لم يكن جدي هناك ليراني، لكن سؤاله بقي.

وربما بعض الأمنيات لا يحتاج أصحابها إلى أن يعيشوا حتى يروا تحققها؛ يكفي أنهم وضعوا بذرتها ذات يوم في قلب طفل

وكان لجدي نوع آخر من الهدايا لا يباع في السوق.

كان يأتي لي بفراخ البلابل الصغيرة التي يجدها بين أشجار الزيتون، فأفرح بها وأتوهم أنني سأربيها بنفسي والحقيقة أن أخي الأكبر مني كان يتولى المهمة عني، أما أنا فكان يكفيني أن أقول بفخر

- هذه عصافيري… جدي أحضرها لي.

ثم جاء ذلك اليوم

ولا تزال بدايته عالقة في ذاكرتي على هيئة صوت

طرقٌ شديد على الباب

لم يكن طرقا عاديا. كان سريعا، قويا، مرتبكا، كأن اليد التي تضرب الباب تريد أن تدخل بالخبر قبل أن يُفتح لها

فتح أبي رحمه الله الباب

لا أذكر الكلمات كلها، لكنني أذكر معناها

توفيق آغا مات

مات جدي

أسرع أبي إليه وبدأ البيت يمتلئ بحركة لا تفهمها طفلة وبوجوه تغيرت فجأة، وبأصوات الجيران والأصدقاء وهم يتساءلون بدهشة

- كيف مات توفيق آغا؟

- لقد رأيناه أمس مساءً في*( سوق القورية).. كان قويا

- كيف يموت بهذه السرعة؟

أما أنا فكنت أسمعهم وأفكر بمنطق مختلف تمامًا

وكان سؤال صغير يدور في رأسي:

ولماذا لا يموت؟

ما العلاقة بين أن يكون الناس قد رأوه بالأمس في سوق القورية وعمر ناهي التسعين وبين أن يموت اليوم؟

هل الذي رأيناه أمس يجب أن ينتظر سنة مثلا حتى يموت؟

وهل قوي البنية لا يموت؟

وهل هناك مدة ينبغي أن تفصل بين آخر مرة نرى فيها الإنسان حيًا وبين موته؟

كانت تلك، ربما، أول مواجهة حقيقية لي مع فكرة الموت

لم أكن أخافه بقدر ما كنت أستغربه

كيف يكون الإنسان بالأمس في السوق، يمشي بين الناس، يشتري ويتحدث ويحيّي هذا وذاك، ثم يصبح في اليوم التالي حديثا عنه؟

كيف يتحول الإنسان بهذه السرعة من شخص نقول له

- أين كنت؟

إلى شخص نسأل عنه:

- أين ذهب؟

وبعد أن انتهت مراسم العزاء وهدأت حركة الناس، ظل سؤال واحد يلاحق أبي

كنت أذهب إليه وأسأله

- … أين ذهب جدي؟

ثم أعود

- وأين يذهب الأموات؟

كان أبي، رحمه الله، يحاول أن يجيب بما يستطيع أن يفهمه قلب طفلة، ويذكرني بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ

ثم يقول لي

- نحن ضيوف في هذه الدنيا.

كنت أسمع العبارة ولا أفهمها تماما.

ضيوف؟

إذا كنا ضيوفا، فأين بيتنا الحقيقي؟

ولماذا نأتي إذا كان علينا أن نغادر؟

ولماذا نحب الناس إلى هذا الحد، ثم يأتي يوم لا يعودون فيه من الطريق؟

ولماذا لا يحمل الراحل معه الأشياء الصغيرة التي جعلتنا نحبه؟

سلّة الخوص مثلا افراخ البلابل

ضحكته.

وطريقته في قول

(بركم)

مرت أعوام كثيرة كبرتُ ودرست القانون كما قلت له يوما، وتغيرت المدن والبيوت والوجوه وغاب أبي هو الآخر رحمه الله ذلك الذي كان يحاول أن يشرح لطفلة معنى الموت فأصبح هو أيضا واحدا ممن أسأل عنهم السؤال القديم نفسه

أين ذهب؟

وعرفت مع العمر شيئا لم أكن أعرفه آنذاك.

نعم، نحن ضيوف

لكن بعض الضيوف حين يغادرون يتركون في المكان أشياء لا تستطيع المغادرة معهم

ترك جدي توفيق آغا صورته في ذاكرتي رجلا طويلا، قوي البنية جميل المحيا، يمشي من بيته إلى بيتنا بثيابه التركمانية، وبخطوات رجل اعتاد الاعتماد على نفسه

ترك بساتين الزيتون

ترك فراخ البلابل

ترك سلّة الخوص المستدير

ترك سوق القورية شاهدا على مساء أخير رآه فيه الناس يمشي بينهم، من غير أن يعرف أحد أن الغد سيجعلهم يتساءلون في دهشة

- كيف مات؟ لقد رأيناه بالأمس!

وترك ضحكته حين أخبرته أنني سأتزوج بائع البيض.

وترك سؤالا

- ماذا ستصبحين عندما تكبرين يا ريرو؟

كبرت يا جدي

ولم أتزوج بائع البيض

لكنني أصبحت خريجة قانون كما قلت لك.

أما البيض فما زلت أحبه

وكلما عدت بذاكرتي إلى تلك الطفلة التي كانت تنتظر سلّتك عند الباب أفهم شيئا لم أكن أفهمه حين سألت أبي

أين ذهب جدي؟

ربما لا يذهب الذين نحبهم بعيدا كما نتصور.

بعضهم يبقى فينا على هيئة حكاية.

وبعضهم يصبح رائحة زيتون.

وبعضهم صوت ضحكة قديمة. وبعضهم يبقى كلمة لا تحتاج حتى إلى ترجمة؛ لأننا لا نتذكر معناها بقدر ما نتذكر الصوت الذي كان ينطقها

وأنت يا جدي كلما فتحتُ بابا قديما في الذاكرة أراك قادمًا من آخر الطريق تحمل سلّة الخوص الصغيرة وفيها الحلوى والبيض وربما فرخ بلبل صغير من بساتين الزيتون

تسألني:

- ماذا ستصبحين عندما تكبرين؟

وأجيبك من طفولتي:

- محامية يا جدو.

ثم أسألك عشرين سؤالا آخر فتضحك وتهز رأسك وتقول

- بركم!

فأعرف الآن، بعد كل هذه السنين أن بعض الناس يموتون مرة واحدة فقط…

أما في الذاكرة فيظلون عائدين من آخر الطريق.

***

رائدة جرجيس

.......................

* سوق القورية سوق معروف في كركوك

استهجنت كثيرا صمت قلمي، وضِقت به ذَرعًا بعد تلك الكارثة، كوني لم أخلُص إلى مخرج، من الحبسة اللعينة التي نالت منه حينها، وأنا من اعتادت استثارة نبضه في غضون دقائق معدودة، الأفكار ذاتها تراودني كلما هممت بالكتابة عن حرائق الجزائر، أواخر صائفة العام الجاري.

مقتنعة أن سرديات الكارثة وتبعاتها، ستظل قاصرة وعاجزة عن محاكاتها.

 أيّ نص عبقري، ذاك الذي سيكون على مقاس هول الفاجعة!

تيقنت أن كل حروفي التي سوف تنبت وسط الرماد، حتما ستولد خرساء! فسلّمت بعبثية المحاولات.

نيران متوحشة غير معهودة تقفز بغرابة، ومن خلف الشاشات تقذف جمرا يكوي القلوب، ويشل مراكز الإدراك والشعور لدى المرء حد التبلد، لدرجة اعتقاده أنه يشاهد فيلم رعب خيالي!

ألسنة لهب عملاقة، تزحف بسرعة جنونية في شتّى الاتجاهات، لتمحو كل ملامح الحياة وبهجتها، وتشوه جميع معالم الجمال.

مشاهد مرعبة تذكر بيوم الفزع الأكبر، الكل يهرول لا يدري إلى أين، ينشد النجاة فحسب!

لحظات قليلة وحاسمة، كفيلة أن ينتهي فيها كل شيء حرفيا! لتتبين بعدها ضآلة وقصر هذه الحياة.

سمعت تكبيرات وتسابيح مدوية، تتعالى من الحناجر والمآذن تقشعر لها الأفئدة، وتضرعا شديدا لرب البريات.

شاهدت قلوب آباء وأمهات تحترق على فلذات أكبادهم، حين صاروا وجبة سهلة لنيران لاتشبع مهما التهمت. فراغ بحجم الكون ابتلعني، حين تسللت لقلبي برودة جدران بيوت، وُسم سكانها باليُتم جرّاء الكارثة.

لا يمكنني نسيان تلك الصرخات والاستغاثات التي اهتزت لها الآفاق، يستحيل أن أنسى نظرات الأطفال الوجلة وعيونهم المغرورقة بالدموع، ولا البهائم المفزوعة، كيف أنسى تلك البقرات المذعورات، وهن يهِمن على وجوههن في الطرقات، ينقّبن عن شيء يؤكل وسط الرماد والخراب، نظراتها المنكسرة تلك، تغلغلت بذاكرتي وهي ترمقنا من وراء الكاميرات، اقشعر لها قلبي وارتجف، كأنها تعاتبنا وتصرخ: ما الخطب؟ ما أنتم صانعون بنا أيها البشر!.

تُرى كيف تُكتب غصة ذلك الطفل الصغير، حينما داهمت بسمتَه المرتجفة عبارةُ "أريد البكاء"!،ثم فرّ مرتعدا يواري دمعته، عبارةٌ شقّت سمعي قالها لصحفي، يسأله عن آثار الكارثة التي سرقت فرحته. فلْتبكِ ياصغيري دونما خجل، من لم يبكِ في موطن كهذا، قطعا لا يسمى إنسانا.

شاهدت خلف الشاشات ما لا يكتب ولا يروى...

رأيت قلوبا تتشقق وتتفتت، حيوات، ذكريات، وأحلاما تدفن تحت أكوام الرماد.

رأيت الجانب المظلم من الحياة، وشكلها بعد الفناء!

رأيت قلوبا غلفها الصقيع، بعد أن مزق الألم نياطها، فغدت بكماء.

هالني منظر وطن بأكمله، أُلقيَ به في فوهة بركانِ مكيدة يغلي.

تُرى كيف عساي أصوغ تفاصيل مأساة بحجم السماء، بكى فيها الحزن وأعلن سواد الحداد!

لغة الضاد بسحر بيانها وقوة بلاغتها، لا تسعفني لصياغة قصص اللهب تلك، ولا مشاعري أثناءها وبعدها...

حرائق رهيبة، امتد لهيبها لقلبي وقلمي، لقد وضعتني وجها لوجه مع الكتابة، فجعلتني ألمس عجزها وقصورها في ساحة المشاعر الإنسانية وجنبات الروح.

ما جدوى أن يكون أحدنا كاتبا، وهو يجهل كيف يُكتب مذاق الغصة وخنقة الشهقة، لا يجيد صياغة الدمعات الحارقة، ولا أنّات القلوب النازفة!

 تأملت أطلال الرماد والدمار كثيرا..

 ثمة مواجع، تجعلنا ندرك أننا لم نعرف قَبلاً كيف يكون الحزن ولا طعم البكاء!

لطالما تساءلت عن مدى كفاءة وكفاية الكتابة في زمن الفواجع!

أما الآن لا ريب، حتما لا مداد يفي بالغرض، فبعض الآلام تصنيفها يتعدى رتبة الأحزان، ولا يكفيها رثاء، تتجاوز حدود الشعور والإدراك، تلك بالذات أمامها... تنهزم الكتابة وترفع الراية البيضاء.

***

بقلمي: زينة لعجيمي - الجزائر

 

الأجوف اليائي والأجوف الواوي حين يسكن حرف العلة قلبَ الكلمة

اللغة العربية هي بنية محكمة تتعانق فيها الدلالة مع الصيغة، ويتجاور فيها الثبات والتحوّل في علاقة تكشف عن عبقرية الاشتقاق ودقة الميزان الصرفي. ومن المواضع التي تتجلّى فيها هذه الخصوصية ظاهرة (الفعل الأجوف)، ذلك الفعل الذي يتوسّط حرفُ العلة بنيته، فيتعرّض للتحوّل بالحذف أو القلب أو التغيّر الحركي، من غير أن يفقد هويته الصرفية أو ينقطع عن جذره الدلالي.

١-  ما الفعل الأجوف؟

الفعل الأجوف هو كل فعل ثلاثيّ مجرّد كانت عينه، أي حرفه الثاني الأصلي، حرفَ علة: الواو أو الياء. وسُمّي أجوف لأن حرف العلة يقع في وسط بنيته، فكأن في جوفه موضعاً يقبل التغيّر وفق قواعد التصريف.

وينقسم الأجوف، بحسب أصل حرف العلة، إلى نوعين:

- (أجوف واوي): مثل قال، وصام، ونام، وخاف.

- (أجوف يائي): مثل باع، وسار، وبات، وعاش.

ولا يُكتفى في تحديد الأصل بالنظر إلى صورة الفعل الماضي وحدها؛ لأن الألف الظاهرة فيه قد تكون منقلبة عن واو أو ياء، ويُستعان على معرفة أصلها بالمضارع أو المصدر أو المشتقات، مع الرجوع إلى المعجم عند الحاجة.

فالألف في (قال) أصلها واو، بدليل «يقول» و«قول»، والألف في «باع» أصلها ياء، بدليل «يبيع» و«بيع». وهكذا تكشف الصيغ المتعاقبة عن أصل قد تخفيه الصورة الظاهرة.

٢- سؤال هام. لماذا تتغيّر صورة الفعل الأجوف؟

تخضع الأفعال المعتلّة لقواعد صرفية تجعل بعض حروفها تتغيّر تبعًا للحركات والبنية الزمنية والصيغة الاشتقاقية. ففي (قال) و(باع) نرى الألف في الماضي، بينما تظهر الواو في (يقول)، والياء في (يبيع). وليس هذا اختلافاً اعتباطيّاً، بل تحوّل تحكمه قوانين صوتية وصرفية مستقرة.

ومن هنا ينبغي التمييز بين "الجذر الصرفي" ، الذي يحمل الأصول الحرفية للكلمة، و"الصورة اللفظية" التي يظهر عليها الفعل في سياق الاستعمال. فالجذر في «قال» هو ق ـ و ـ ل، وفي «باع» هو ب ـ ي ـ ع، أما الألف فصورة ناتجة من الإعلال بالقلب.

وهذه الظاهرة مثال واضح على الإعلال، وهو تغيير يطرأ على حرف العلة بقلبه أو حذفه أو تسكينه، وفق شروط صرفية محددة.

٣- وزن الفعل الأجوف

الميزان الصرفي أداة للكشف عن بنية الكلمة، وأصولها، وما طرأ عليها من زيادة أو حذف أو إعلال. وعند وزن الفعل الأجوف، نردّ حرف العلة إلى أصله حيث يقتضي التحليل الصرفي ذلك، ولا نزن الألف المنقلبة بوصفها حرفًا أصليًّا مستقلًّا عن الواو أو الياء.

وعليه:

- "قال":  أصلها قَوَلَ، ووزنها "فَعَلَ".

- "باع:" أصلها بَيَعَ، ووزنها "فَعَلَ" .

- "راح": أصلها رَوَحَ، ووزنها "فَعَلَ".

- "سار":  أصلها سَيَرَ، ووزنها "فَعَلَ".

- "نام":  أصلها نَوِمَ، ووزنها "فَعِلَ: .

- "خاف":  أصلها خَوِفَ، ووزنها "فَعِلَ" .

والتنبيه هنا ضروري: لا يجوز تعميم وزن واحد على جميع الأفعال لمجرّد اشتراكها في صورة الألف الوسطى؛ إذ تختلف الأفعال في أبوابها الصرفية وحركاتها الأصلية. كما أن ردّ الألف إلى أصلها لا يُبنى على التخمين، بل على التصريف والمعجم والقواعد المقررة.

٤- الأجوف في التصريف

تتضح خصائص الفعل الأجوف عند انتقاله من صيغة إلى أخرى. ففي الماضي نقول: قال، وباع؛ وفي المضارع: يقول، ويبيع. وعند إسناد الفعل إلى بعض الضمائر، تتغيّر بنيته وفق أحكام الإعلال.

فنقول:(قالَ الرجلُ)، و(قُلْتُ)، و(يقولُ). ونقول: (باعَ التاجرُ)، و(بِعْتُ)، و(يبيعُ). ونلاحظ أن الألف في الماضي قد تختفي عند الإسناد إلى تاء الفاعل، وتظهر حركة تناسب البنية الجديدة.

وفي الأمر من الأجوف الواوي نقول: (قُلْ)، ومن الأجوف اليائي: (بِعْ). ويُردّ الفعل هنا إلى صيغة أقصر، تتوافق مع أحكام بناء الأمر من المضارع المجزوم، مع مراعاة ما يطرأ على حرف العلة من حذف أو تغيير.

وهكذا لا يتعلّم الدارس الأجوف بحفظ قائمة من الكلمات فحسب، بل بفهم العلاقة بين الماضي والمضارع والأمر، وبين الجذر والصيغة، وبين الأصل الصرفي والصورة المستعملة.

٥- الفعل الأجوف بين البصريين والكوفيين

لم يكن علم الصرف منفصلًا عن الجدل اللغوي الذي عرفته المدرستان البصرية والكوفية، فقد اختلف النحاة في مسائل متعددة تتصل بالتعليل والقياس والسماع وتفسير الظواهر اللغوية. غير أن دراسة الفعل الأجوف تستند، في أصولها التعليمية، إلى مبادئ مشتركة، أهمها اعتبار الحروف الأصلية، والتمييز بين الأصل الصرفي والصورة المنطوقة، والاستعانة بالتصريف لمعرفة ما خفي من بنية الكلمة.

ولا يصحّ أن تُنسب إلى إحدى المدرستين قاعدة مخصوصة في الأجوف من غير توثيق؛ فالأمانة العلمية تقتضي التمييز بين القواعد المستقرة في علم الصرف وبين المسائل التي دار فيها خلاف حقيقي بين العلماء.

في جوف الكلمة سرّ التحوّل

إن الفعل الأجوف يعلّمنا أن ظاهر الكلمة ليس دائماً مرآة كاملة لأصلها؛ فقد تتبدّل صورة الحرف، ويبقى الجذر محتفظاً بهويته، وتتحوّل الحركة، فيما تظلّ العلاقات الصرفية قادرة على كشف البنية العميقة.

وفي هذا تكمن إحدى مزايا العربية: أنها لا تترك التحوّل للفوضى، بل تضبطه بقوانين، ولا تجعل اختلاف الصور انقطاعاً عن الأصل، بل تجعله دليلاً على ثراء النظام الاشتقاقي. فبين (قال) و(يقول)، وبين (باع) و(يبيع)، رحلةٌ قصيرة في اللفظ، عميقة في الدلالة، تكشف أن الحرف قد يتغيّر في صورته، من غير أن تضيع هويته في ميزان اللغة.

إن فهم الفعل الأجوف ليس تمريناً مدرسيّاً عابراً، بل مدخل إلى فهم الصرف العربي بوصفه علماً يقرأ ما وراء اللفظ، ويستخرج من التحوّل قانوناً، ومن اختلاف الصيغ وحدةً، ومن ظاهر الكلمة تاريخها الداخلي.

***

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

عاد المطر، وعاد معه الحنين ينهش ما تبقّى من ذكريات مضت؛ تارةً يراقص شرفتي بحباته المتساقطة، وتارةً يراقص أشواقي على رائحة قهوتي ودفء كتابي.

أوقفتُ خطواتي وأفكاري قليلًا، كأنني أبحث عن استراحة من تعب السنين، وجلستُ مع ذكراك، أرتشف فنجان قهوتي وأستمع إلى أغنية وردة: «أحبك فوق ما تتصور»، فأشعر أن بعض الأغاني لا تُسمع فحسب، بل تعيد إلينا أشخاصًا وأزمنةً ظننا أننا تجاوزناها.

الطريق في حياتي أصبح معتمًا من دونك، ومع ذلك ما زلت أبحث عن الضوء، ولو كان خافتًا، بين زوايا العمر؛ لعلني أعثر على طريقٍ يقودني إلى الفرح من جديد.

فقرارات القدر التي صنعتني، والانعطافات التي غيّرت مسار حياتي، والأبواب التي أُغلقت في وجهي، كلّها محَت أحلامًا انتظرتها طويلًا، حتى نضجت تلك الأحلام على نار الخيبات. ومع ذلك، بقيت أمانيّ معلقة في مكان ما من روحي، لم أفرّط بها رغم كل الخذلان.

أنا تلك العيون التي رأت أكثر مما ينبغي، والقلب الذي شعر أكثر مما يحتمل، والروح التي تعلّمت أن تخفي تعبها خلف ابتسامة هادئة. لكنني، رغم كل شيء، لم أفقد شغفي بالحياة، ولم أنطفئ. ولم أسمح للألم أن يقتلع ذكراك من داخلي؛ فبعض الذكريات لا نحتفظ بها لأننا عاجزون عن النسيان، بل لأنها أصبحت جزءًا من حكايتنا، ومن المرأة التي صرنا إليها.

فأنا الطفلة التي كبرت بأحلامها، وبقي في داخلها شيء من ضحكاتها القديمة، تحب اللعب والفرح واللحظات الهادئة، لكنها تعلّمت أيضًا أن تحمل مسؤولياتها بجدية، وأن تصنع لنفسها أملًا، ثم تمضي خلفه بشغف، حتى وإن كان الطريق طويلًا.

ما زالت تفاصيل الجمال الصغيرة تُفرحني؛ فنجان قهوتي ذات الأصل اليمني، الذي ألهمني كثيرًا من الأفكار، وكتاب قديم أفتحه بين حين وآخر، فأجد بين صفحاته عالمًا كاملًا يشبهني، وأجد في الصمت الذي يحيط بي لحظةً أستطيع فيها أن أبتعد عن ضجيج الحياة.

ولعل أجمل ما تعلّمته أن الحياة لا تمنحنا دائمًا ما نريد، لكنها تترك لنا دائمًا نافذةً صغيرة نحو الأمل. وقد يكون المطر الذي نظنه حزنًا، هو في الحقيقة غَسلٌ هادئ لما أثقل أرواحنا، وقد تكون الذكرى التي تؤلمنا أحيانًا، هي ذاتها التي تذكّرنا أننا عشنا يومًا بكل ذلك الحب.

لذلك، حين يعود المطر، سأتركه يطرق شرفتي كما يشاء، وسأدع الحنين يعبر دون أن أخاف منه. سأشعل فنجان قهوتي ــ كما أحب أن أقول ــ وأفتح كتابي، وأصغي إلى الأغنية التي تحمل شيئًا منك.

ثم أبتسم…

ليس لأن الطريق أصبح واضحًا، ولا لأن الغياب انتهى، بل لأنني ما زلت هنا؛ أحمل ما مضى دون أن أعيش فيه، وأحفظ الذكرى دون أن أسمح لها أن توقفني، وأؤمن أن الله، بعد كل هذه الانعطافات، ما زال يخفي في الطريق شيئًا جميلًا لم أصل إليه بعد.

فربما لم تكن كل الخيبات نهاية الحكاية…

ربما كانت فقط الطريق الذي كان عليّ أن أعبره لأصل إلى نفسي.

***

ذكرى البياتي

 

سحر لحظات الوعي الجمالي العراقي

تدخل ميّ مظفر عالم الفن التشكيلي من موقع الكاتبة التي خبرت السرد، والناقدة التي عاشت هذا الوسط وعرفت أسراره وأسئلته وتحولاته. في. كتابها الصادر عام 2026 "حديث البدايات مع الرسامين العراقيين الأوائل".

لعل "البدايات" في العنوان هي المفتاح الأول للكتاب. فالمقصود ليس بدايات الأشخاص وحدهم: متى رسموا؟ ومن علّمهم؟ وكيف دخلوا محترف الفن؟ بل بدايات وعي جمالي عراقي كان يبحث عن صورته الخاصة وسط تحولات اجتماعية وثقافية وسياسية متلاحقة. لذلك تتحول الشهادة الفردية في الكتاب، من حيث لا تبدو كذلك للوهلة الأولى، إلى جزء من سيرة جماعية.

ومي مظفر مؤهلة لهذه المهمة على نحو خاص. فهي قاصة وروائية وناقدة تشكيلية، أي إنها تقرأ اللوحة، وفي ذاكرتها خبرة اللغة والسرد وبناء الشخصية والتقاط التفصيل. هنا تكمن إحدى ميزات الكتاب الأساسية.

تقول ميّ في مقدمتها: أن الفنان والمصمم والمصور ناظم رمزي اقترح عليها آنذاك أن تجري مقابلة مع الفنان الكبير شاكر حسن آل سعيد لتوثيق سيرته الفنية، تمهيداً لإجراء مقابلات لاحقة مع أوائل الفنانين العراقيين الذين أسهموا في وضع أسس الحركة التشكيلية الحديثة.

كانت الفكرة كبيرة بالنسبة إلى كاتبة لم تكن قد خاضت مثل هذه المهمة من قبل. تقول إنها ترددت في البداية، وشعرت بأنها أمام مسؤولية لم تكن مهيأة لها في تلك المرحلة. لكن ما بدّد ترددها أن آل سعيد نفسه اختار أن تتحاور معه. وكانت تلك الثقة، على ما يبدو، هي الدفعة الأولى التي نقلت المشروع من الاقتراح إلى التنفيذ.3313 may

غادر ناظم رمزي العراق ليستقر في إنكلترا، فتوقف المشروع برمته. وهنا لا يبدو التوقف مجرد واقعة شخصية، بل يكاد يلخّص جانباً من تاريخ الثقافة العراقية نفسها، حيث انقطعت مشاريع كثيرة بسبب الرحيل والمنفى وتبدّل الأمكنة والظروف.

لكن الفكرة لم تمت..

من هنا يمكن قراءة الكتاب اليوم بوصفه عملاً يقع في منطقة خصبة بين النقد والسيرة الشفوية والتاريخ الثقافي. وهذه المنطقة هي التي تمنحه خصوصيته، حتى لوحة الغلاف للفنان زيد محمد صالح زكي تبدو منسجمة مع هذه الروح.

تبدو مي مظفر فيه قد أصغت جيداً، ثم حفظت أصوات الفنانين بالكلمات والصور. وبعد مرور الزمن نكتشف أن ما حفظته ليس حديثاً عن الماضي، إنما هو محاولة لرصد التجارب الإبداعية الرائدة، واستعادة للأيام والأحلام والذكريات، كما هي في الوقت نفسه، واحدة من صفحات الفن العراقي، وقد أدركها الغياب، من طول ما بعدت عنا ونأت، إنها الحروف الأولى والألوان والخطوط وسحر اللحظات السعيدة.. وهي التواريخ والصور الجميلة لماضٍ توقظه ميّ بلمسات تغري بالعودة دائماً إلى تلك البدايات. التي تعود إلى عام 1976.

استكملت مي مظفر مهمتها. من خلال الفنان عيسى حنا، اصطحبها لزيارة الفنانين الرواد، بدءاً بالفنان سعاد سليم، ثم الفنان الكبير حافظ الدروبي. وتصف نتيجة اللقاء مع عيسى حنا نفسه بعبارة شديدة الدلالة: كان الحديث معه "خير محفز للذاكرة والذكريات"، حتى بلغ ذروة استعادة ما بقي في ذاكرته المتقدة.

كان، كما تصفه مي، واحداً من المراجع المهمة لنشأة الحركة الفنية الحديثة في العراق، فضلاً عن كونه زميل الفنان الرائد جواد سليم منذ الدراسة الابتدائية، ثم عضواً في جماعة الرواد التي تأسست سنة 1950 برئاسة فائق حسن.

لكن أهمية عيسى حنا لم تكن في الرسم وحده. بل كان مصوراً بارعاً يمتلك أرشيفاً غنياً، وهو ما جعل صداقته ومعرفته بالجيل الأول معيناً مهماً لإعادة المشروع إلى الحياة.

في فصل المقابلات نلتقي: مديحة عمر، شاكر حسن آل سعيد، وخلدون الحصري. ليست هذه الأسماء متجاورة مصادفة إنها تمثل مسارات مختلفة في تاريخ الحداثة الفنية العراقية، ومن خلالها يصبح الكتاب أشبه بشاشة عرض تنطلق الأصوات منها تباعاً، وكل صوت يحمل معه تصوراً مختلفاً للفن والعالم.

لعل الحديث مع شاكر حسن آل سعيد يحتل موقعاً لافتاً في هذا السياق، لأنه من أكثر الفنانين العراقيين اشتغالاً بالفكر والتنظير.

أما حافظ الدروبي فيستحضر زمناً آخر من أزمنة الرسم العراقي، زمن المدينة والمقهى والشارع والحركة اليومية، فيما تحضر مديحة عمر بوصفها واحدة من التجارب المبكرة التي تنبهت إلى الطاقة التشكيلية الكامنة في الحرف العربي، قبل أن تتحول الحروفية إلى تيار واسع في الفن العربي الحديث. وهكذا لا يقدم الكتاب سلسلة أسماء، بل شبكة من الاتجاهات التي صنعت تعددية المشهد العراقي.

ثم نقرأ عن مشكلة الرسم العراقي المعاصر، عند محمود صبري، وعن الفن العراقي المعاصر في بيروت، لجبرا إبراهيم جبرا، وعن أزمة الفنان العراقي المعاصر، وتأملات في معرض الرواد، وقراءات في تجربة شاكر حسن آل سعيد، وحواراً لوضاح فارس مع كاظم حيدر. فضلاً عن مقالات تتصل بالفن والشعر والتصوير.

ثم حملتها المصادفات والأسفار إلى أصوات أخرى. في عمّان أجرت مقابلة مع خلدون الحصري، الناقد الفني والمخرج المثقف، الذي كان قريباً من جواد سليم منذ الطفولة ويمتلك مجموعة كبيرة من أعماله. وفي عمّان أيضاً التقت الفنانة مديحة عمر، فكانت فرصة نادرة لتسجيل شهادتها.

إن "حديث البدايات" هو، في جوهره، حديث ضد النسيان. لتقول لنا إن تاريخ الفن لا تصنعه اللوحات وحدها، بل تصنعه أيضاً الحكايات التي بقيت وراءها، والصداقات التي أحاطت بها، والأسئلة التي وُجّهت إلى أصحابها في الوقت المناسب.

لعل أكثر ما يمنح حوارات ميّ مظفّر حيويةً وصدقاً أنها كانت عفوية، صادقة، جرت في أجواء حميمية، كان فيها حضور رافع الناصري، وهو الفنان العارف بتاريخ الحركة التشكيلية وأجيالها، يثري الحديث بمداخلاته وأسئلته ويعيد الذاكرة أحياناً إلى تفصيل نسيه المتحدث أو كاد. غير أن القيمة الاستثنائية لهذه الحوارات تكمن، في تقديري، في التلقائية التي تركت الفنانين يتحدثون باللهجة العراقية الدارجة. فالعامية هنا ليست تنازلاً عن فصاحة الكتابة، وإنما أمانة للذاكرة.

عادوا بنا إلى بغداد في العقود الأولى من القرن العشرين إلى أحيائها القديمة وأزقتها، وبيوتها، وأهلها. إلى زمن لم يكن الرسم فيه قد استقر بعد، بوصفه معرفة لها مؤسساتها ومعلموها وأدواتها المتاحة. كانوا أطفالاً يريدون أن يرسموا قبل أن يعرفوا تماماً ما الرسم، ويبحثون عن وسائله في بيئة لم تكن قد وفّرت لهم ما سيصبح لاحقاً من بديهيات.

***

جمال العتّابي

 

BLENDING

النحت في اللغة هو صياغة كلمة من كلمتين أو أكثر لتشمل دلالتها الجديدة دلالات ما أخذ منه أو أوسع

وما يهمنا هنا هو (النحت الفعلي) الذي يورد بعض اللغويين العرب الفعلين (فرقع) من (فرق + فقع) و(بعثر) من (بعث + عثر) كمثالين واضحين لهما.

في سياق عملي على تأليف (معجم الأفعال الرباعية في اللغة العراقية المحكية) وهو توسيع لفصل من فصول كتابي الموسوم (لسان العراق-قوالب اللغة العراقية المحكية) الصادر في بغداد عن (دار أوراق) سنة 2025 جلب انتباهي ورود العديد من الأفعال الرباعية العراقية المنحوتة وبنسبة لا تقل عن 10% مما أنجزته حتى الآن أي حوالي 20 فعلا منحوتا من أصل 200 فعل عراقي أنجزتها حتى الآن من المعجم الجاري تأليفه ولهذا قررت أن أفرد له هذا المقال لأنه في تقديري كشف جديد ومهم يحتاج للنشر وتعريف المهتمين من اللغويين باللغتين العربية الفصحى وبنتها العراقية المحكية وكذلك القرّاء المتذوقين والجمهور العزيز الذي يتداول هذه الأفعال دون معرفة أصولها.

ورد في معجمنا ما يأتي من الأفعال المنحوتة بعد إنجازنا حروف (الألف، الباء، التاء، الثاء، الحاء، الخاء) من المعجم فقط:

1. بحرث: بحث + حرث

2. بربق: بربر + بقبق

3. بركس: برك + ركس

4. بطنج: بطن + بنج

5. تلفس: تلف + فسس

6. ثحرب: ثرب + حرب

7. ثغبر: ثغى + بربر

8. جرذم: جذم + جرم

9. جفرد: جرد + فرد

10. جلفط: جلف + جلط

11. ﭼبّر منحوت من ﭼبّ + جرّ

12. ﭼلبك فعل منحوت من جلب + شبك

13. حرفص فعل منحوت من حرص + حفص

14. حرقص أو حقرص فعل عراقي منحوت من حرق + رقص

15. حنفش فعل منحوت من حنش + نفش

16. خربج فعل منحوت من خرب + خرج

17. خربط فعل منحوت من خرب + خبط

18. خرخش فعل منحوت من خرّ + خشَّ

19. خنصر فعل منحوت خصر + نصر

20. خنفس فعل منحوت من خنس + فسس

ولغرض التعمق أكثر بهذه الظاهرة المتميزة في اللغة العراقية المحكية سنحاول تحليل الحالة من خلال عدة محاور

أولا: خلو العربية الفصحى من الأفعال المنحوتة

إن خلوّ العربية الفصحى – أو شبه خلوّها – من ظاهرة نحت الأفعال، مقابل حضورها الواضح في اللغة العراقية المحكية، لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل هو نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل اللغوية والتاريخية والتداولية.

فمن جهة أولى، تمثل العربية الفصحى لغةً معيارية ذات قواعد صارمة وثابتة خضعت عبر تاريخها لعملية تنقيح وانتقاء واستقرّت مفرداتها وتراكيبها ضمن إطار مرجعي مضبوط، رسّخه النص القرآني والشعر الجاهلي، ثم ثبّته عمل النحاة واللغويين. وقد أدى ذلك إلى نوع مما نستطيع أن نسميه (التجميد الوظيفي) لبعض الإمكانيات الاشتقاقية، ومنها نحت الأفعال، إذ لم يُفسح المجال لتطوّرها خارج القياس المعتمد.

في المقابل، تمثل اللغة العراقية المحكية نظامًا لغويًا حيًا غير مُقنَّن، يتطور بحرية تبعًا لحاجات الاستعمال اليومي، ولا يخضع لرقابة معيارية. وهذا ما أتاح لها الاحتفاظ بقدرة اللغة الطبيعية على الابتكار، ومن ضمنها توليد أفعال جديدة عبر النحت.

ومن جهة ثانية، فإن النحت في العربية الفصحى ليس غائبًا كليًا، لكنه اقتصر في الغالب على الأسماء (مثل: بسملة، حوقلة)، بينما لم يُسمح له بالامتداد إلى مجال الأفعال، الذي اعتُبر أكثر انضباطًا وخضوعًا للقياس. وبذلك، فإن أي محاولة لدمج فعلين في بنية واحدة كانت ستُعد خارجة عن النظام، ومن ثم تُهمَل أو تُرفض.

ويضاف إلى ذلك أن النظام الصرفي في الفصحى يتميز بثراء كبير في الأوزان والاشتقاقات (الثلاثي، الرباعي، والمزيد)، مما يوفّر بدائل تعبيرية متعددة تغني عن الحاجة إلى النحت. فبدل دمج فعلين في صيغة واحدة، تميل الفصحى إلى استخدام أوزان مزيدة أو تراكيب وصفية لتحقيق المعنى المطلوب، وهو ما يعكس ميلها إلى التفصيل لا الاختزال.

أما على المستوى التداولي، فإن الفصحى بوصفها لغة بيان تميل إلى الوضوح والتفكيك، في حين أن اللغة العراقية المحكية، بوصفها لغة تفاعل يومي، تميل إلى السرعة والتكثيف والشحنة التعبيرية. ومن هنا، يظهر النحت كآلية فعالة لاختزال جملة كاملة في فعل واحد مكثّف الدلالة.

ولا يمكن إغفال أثر البيئة الحضارية لوادي الرافدين، التي اتسمت تاريخيًا بالتعدد اللغوي (سومرية، أكدية، آرامية وغيرها)، وهو ما ولّد ذهنية لغوية تميل إلى تركيب المعاني ودمجها. وغالبًا ما تنتج مثل هذه البيئات أنظمة لغوية خلاقة تتسم بالمرونة والقدرة على توليد صيغ جديدة.

كما أن العامل النفسي-اللغوي يلعب دورًا مهمًا، إذ يميل المتكلم العراقي في تواصله اليومي إلى التعبير الحسي والمبالغة والتكثيف، وهي خصائص يدعمها النحت الفعلي، لما يتيحه من إنتاج ألفاظ مشحونة دلاليًا في بنية مفردة واحدة موجزة.

وخلاصة القول، إن غياب ظاهرة نحت الأفعال في العربية الفصحى لا يدل على قصور في نظامها، بل هو نتيجة طبيعية لهيمنة القواعد اللغوية والمعيارية، في حين أن الكلام العراقي، بوصفه نظامًا حيًا، حافظ على قابلية اللغة الأصلية للابتكار، فطوّر آلية نحت فعلي تمكّنها من إنتاج أفعال رباعية مكثّفة الدلالة عبر دمج فعلين ثلاثيين، وهو ما يمكن اعتباره نظامًا اشتقاقيًا موازيًا للمستخدم في التراث الفصيح.

ثانيا: آلية النحت الفعلي في اللغة العراقية المحكية وشروطها: يتم عادة دمج فعلين للوصول للمعنى الجديد عن طريق آلية معقدة وبست خطوات:

1. اختيار فعلين فصيحين متكاملين دلاليًا: فعل ثلاثي + فعل ثلاثي

2. أحدهما غالبًا فعل حركة والثاني فعل تغيير حالة/موضع

3. حذف الزوائد والتضعيف لإنتاج معنى مستقل ليس مرادفا لأحد الفعلين الأصليين

4. دمج الجذرين في بنية رباعية واحدة

5. إخضاع الناتج للنظام الصوتي العراقي حسب المقتضى عن طريق أخذ عناصر من الفعلين

6. إنتاج فعل رباعي جديد بدلالة مركّزة ووظيفة أو معنى يحتاجه المتكلم ولا تؤديه الصيغتان الأصليتان منفردتين

ثالثا: في منهج اللغة العراقية المحكية

إن اللغة العراقية المحكية سارت شوطا طويلا في تطويع اللغة العربية الفصحى لاستخراج أفعال جديدة مركّزة على معانٍ مستحدثة وفي هذا المجال ومن الملاحظ أن العراقيين لا يفسدون الفصحى بل يعيدون هندستها دلاليا ويضغطون معنيين أو أكثر في فعل واحد وغالبا لأغراض محددة تكمن في السرعة التداولية أو التكثيف أو توصيف سلوك اجتماعي دقيق.

رابعا: هل هي مصادفة أو اعتباط لغوي: قطعا لا

لا شك أنها ليست حالة اعتباطية أو مصادفة لغوية بل أنه نتاج راقي متميز وهذا الاستنتاج مبرر ويمكن دعمه بثلاث حجج هي التكرار المنهجي الذي يكمن بوجود عشرات الأفعال المنحوتة، وجود أوزان مستقرة ومنسجمة صرفيا وتوفر الانتظام الدلالي من خلال معانٍ مركّبة لا لبس فيها ومن هنا يتضح أن النحت في اللغة العراقية المحكية هو نتيجة لملّكَة لغوية جمعية وهو آلية توليدية تستجيب لحاجة تعبيرية فعلية لدى المتكلم، وليس مجرد ظاهرة شكلية أو اختصارًا لفظيًا.

أما كيف ومتى وأين حصل هذا التوليف لكل فعل من هذه الأفعال فهو ما لا نستطيع التكهن به لأسباب معروفة للباحثين في أصول اللغات لكن النماذج نفسها تتحدث عن ظاهرة فريدة جدا وغريبة وممتعة وتوضح مجددا مدى سير العراقية المحكية في طريقها لتصبح لغة مستقلة.

نأمل أن نكون قد ألقينا الضوء على موضوع نحت الأفعال الرباعية في اللغة العراقية المحكية من خلال عشرين فعلا حيّا مستخدما يوميا وبعضها شائع جدا ونعدكم باستكمال البحث عند جمع أفعال رباعية منحوتة جديدة.

***

فهيم عيسى السليم

أوكلاند-نيوزيلاند

3 تشرين الأول 2026

لما انتبه ابن خلدون إلى كثرة علماء المسلمين وفقهائهم وأن غالبيتهم كانوا أعاجم، وأكثرهم من الفرس فهو في الحقيقة كان ينبه إلى أمر خطير جدا، وهو أن هؤلاء ربما لم يكن قصدهم بريئا تماما، وهو خدمة دين الإسلام وتعزيزه والدفاع عنه، وإنما ربما للدس عليه والكيد له، وهو ماحدث فعلا.والأمر نفسه هو ما حدث للشعر العربي، وخصوصا من طرف الموالي الذين تعلموا العربية وشعرها ونبغوا فيه، وبالتالي صاروا لنقمتهم على العرب يفسدون شعرهم ويدسون المثالب عليهم، وإنطاقهم بما لم ينطقوا به، وقد دون ذلك في كتب الرواة وتناقله الناس جيلا بعد جيل، ومما رواه هؤلاء قصة رجل من تنوخ بحي من بني عامر بن صعصعة، وهي قصة رواها المسعودي في كتابه الشهير "مروج الذهب"، أضعها أمام القارئ ليتأملها ويحكم عليها، يقول المسعودي:

"عن يزيد الرقاشي قال:

كان السفاح يعجبه مسامرة الرجال، وإني سمرت عنده ذات ليله، فقال يزيد أخبرني بأظرف ما سمعته من الأحاديث، فقلت يا أمير المؤمنين وإن كان في بني هاشم، قال ذلك أعجب إلي، فقلت: يا أمير المؤمنين نزل رجل من تنوخ بحي من بني عامر بن صعصعة فجعل لا يحط شيئا من متاعه إلا تمثل بهذا البيت:

لعمــــرك ما تبلى سرائــــــر عامر

من اللؤم ما دامت عليها جلودها

فخرجت إليه جارية من الحي فحادثته واّنسته وسألته حتى أنس بها. ثم قالت: ممن أنت متعت بك، قال رجل من عنزة. قالت: أتعرف الذي يقول:

ما كنت أخشى وإن كان الزمان لنا

زمان سوء بـــأن تغتــــــالني عنزة

فلست من وائل إن كنـــت ذا حذر

ممن يظل كما قـــد ضلت الخزرة

قال لا والله لست منهم قالت: ممن أنت، قال من تميم، فقالت: أتعرف الذي يقول:

تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا

ولوسلكت سبـــل المكـارم ضلتِ

ولو أن برغوثـــا على ظهر قملة

رأته (تميم) يـوم زحــف لولتِ

ذبحنا فسمينا فتم ذبيحنــــــــــا

وما ذبحت يوما (تميم) وسمّتِ

أرى الليل يجلوه النهــــار ولا أرى

عظام المخازي عن (تميم) تجلّتِ

فقال: لا ولله ما أنا منهم، فقالت: فمن أنت: قال من عجل. فقالت: أتعرف الذي يقول:

أرى الناس يعطون الجزيل وإنما

عطاء بني (عجل) ثلاث وأربعُ

إذا مات عجلـــــــيٌّ بأرض فإنما

يشق له منها ذراع وإصبــــــــــعُ

قال: لا ولله ما أنا من عجل بل رجل من بني يشكر فقالت: أتعرف الذي يقول:

إذا يشكريٌّ مس ثوبَك ثوبه

فلا تذكرنَّ الله حتى تَطهّرا

قال: لا والله ما أنا من يشكر بل من بني عبدالقيس قالت: أتعرف الذي يقول:

رأيت عبدالقيس لاقت ذلا

إذا أصابــــوا بصــلا وخَلا

باتوا يسلون النساء ســـلا

سلّ النبيط القصب المبتلا

قال: لا والله ما أنا من عبدالقيس بل من باهلة فقالت: أتعرف الذي يقول:

إذا ازدحم الرجال على المعالي

تنــــــحى الباهلي عن الزحـام

فلو كان الخليفة باهليــــــا

لقصَّر عــــن مساواة الكرام

وعرض الباهلي وإن توقى

عليه مثــل منديل الطعام

قال: لا والله ما أنا من باهلة بل رجل من فزارة فقالت: أتعرف الذي يقول:

لا تأمننّ فـــــزاريّا خلــوتّ به

على قلوصك واكتبها بأيسار

قال، لا والله ما أنا من فزارة بل رجل من ثفيف قالت: أتعرف الذي يقول:

أضــل الناسبــون أبا ثقيف

فما لــهــــم أب إلا الضـلالُ

خنازير الحشوش فقتِّلوها

فإن دماءهم لكــــــمُ حلال

قال: لا والله ما أنا من ثقيف بل من بني ثعلبة قالت: أتعرف الذي يقول:

وثعلبة بن قيس شر قوم

وألأمهم وأغــدرهم بجارِ

قال: لا والله ما أنا من ثعلبة بل رجل من غني قالت: أتعرف الذي يقول:

إذا غنوية ولدت غلاما

فبشرها بخياط مجيد

قال: لا والله ما أنا من غني بل رجل من بني مرة قالت: أتعرف الذي يقول:

إذا مرّيّة خضَبتْ يداها

فزوِّجْها ولا تأمن زناها

قال: لا والله ما أنا من بني مرة بل من بني ضبة فقالت: أتعرف الذي يقول:

لقد زرقت عيناك يابن مكَعبرٍ

كما كل ضبّيّ من اللؤم أزرق

قال: لا والله ما أنا من بني ضبة بل رجل من بجيلة قالت: أتعرف الذي يقول:

فما تدري بجيلةُ حين تُدعى

أقحطـــــــان أبوها أم نزار

قال: لا والله ما أنا من بجيلة بل رجل من الأزد قالت: أتعرف الذي يقول:

إذا أزديّةٌ ولدت غلاما

فبشرها بمــلّاح مجيد

قال: لا والله ما أنا من الأزد بل رجل من خزاعة قالت: أتعرف الذي يقول:

إذا افتخرت خزاعةُ في قديمٍ

وجدنا فخـرها شــربَ الخمورِ

وباعت كعبة الرحمن جهـــرا

بزق بئس مفتخر الفخـــــور

قال: لا والله ما أنا من خزاعة بل من سليم قالت: أتعرف الذي يقول:

فمال سليم شتت الله أمرها

تنيك بأيديها وتعبي أيورها

قال: لا والله ما أنا من سليم بل رجل من لقيط قالت: أتعرف الذي يقول:

لعمرك ما البحار ولا الفيافي

بأوسع من فقاح بني لقيط

لقيط شر من ركب المطايا

وأنذل من يدب على البسيط

قال: لا والله ما أنا من لقيط بل أنا رجل من كندة قالت: أتعرف الذي يقول:

إذا افتخـــر الكنديُّ

ذواللجسة والطرة

فالســــبخ وبالخف

وبالسدل وبالحفرة

فدع كنـــدة للسنج

فأعلى فخرها عرة

قال: لا والله ما أنا من كندة بل رجل من خثعم قالت: أتعرف الذي يقول:

وخثعم لو صفرت بها صفيرا

لطارت في البلاد مـع الجراد

قال: لا والله ما أنا من خثعم بل من طيئ قالت: أتعرف الذي يقول:

وما طيء إلا نبيط تجمعت

فقالت طيانا مرة فاستمرت

ولو أن حرقوصا يمد جناحه

على جبل من طيء إذا لاستظلت

قال: لا والله ما أنا منهم، ولكني رحل من مزينة، قالت: أتعرف الذي يقول:

وهل مزينة إلا من قبيلة

لا يرتجي كرم فيها ولا دين

قال: لا والله لست منهم، إنما رجل من النخع قالت: أتعرف الذي يقول:

إذا النخع اللئام عدوا جميعا

تأذي الناس من وفر الزحام

وما نسبوا إلى مجد كريــم

وما هم في الصميم من الكرام

قال: لا والله لست منهم بل رجل من أود، قالت: أتعرف الذي يقول:

إذا نزلت بأود في ديار همو

فاعلم بأنك منهم لست بالناجي

لا تركنن إلى كهل ولا حدث

فليس في القوم إلا كل عفاج

قال: لا والله ما أنا من أود، بل رجل من لخم قالت: أتعرف القائل:

إذا ما انتمى قوم لفخر قديمهم

تباعد فخر القوم من لخم أجمعا

قال: لا والله ما أنا من لخم، بل رجل من جذام، قالت: أما سمعت القائل:

إذا كأس المدام أدير يوما

لمكرمة تنحي عن جذام

قال: لا والله ما أنا من جذام قالت ممن أنت، ويلك أما تستحي أكثرت من الكذب. قال: أنا رجل من تنوخ وهو الحق، قالت أتعرف القائل:

إذا تنوخ قطعت منهلا

في طلب الغارات والثار

آبت بخزي من إله العلى

وشهرة في الأهل والجار

قال: لا والله ما أنا من تنوخ، قالت ممن أنت ثكلتك أمك. قال: رجل من حمير، قالت: أتعرف الذي يقول:

نبئت حميرَ تهجوني فقلت لهم

ما كنت أحسبهم كانوا ولا خلقوا

لأن حمير قوم لا نصاب لهم

كالعود في القاع لا ماء ولا ورَقُ

قال: لا والله ما أنا من حمير بل رجل من يحابر، قالت: أتعرف القائل:

ولو صر صـــــــــرار بأرض يحابر

لماتوا وأضحوا في التراب رميما

قال: لا والله ما أنا من يحابر بل رجل من قشير قالت: أتعرف القائل:

بني قشير قتلتم سيدكم

فاليوم لا فدية لكم ولا قود

قال: لا والله ما أنا من قشير بل من بني أمية، قالت: أتعرف القائل:

وهى من أمية بنيانها

فهان على الله فقدانها

وكانت أمية فيما مضى

جريء على الله سلطانها

فلا اّل حرب أطاعوا الرسول

ولم يتـــــق الله مــــروانها

قال: لا والله ما أنا من أمية بل رجل من بني هاشم، قالت: أتعرف الذي يقول:

بني هاشم عودوا إلى نخلاتكم

فقد صار هذا التمر صاعا بدرهم

فإن قلتموا رهط النبي محمد

فإن النصارى رهط عيسى بن مريم

قال: لا والله ما أنا منهم، بل من بني همدان، قالت: أتعرف الذي يقول:

إذا همدان دار يوم حرب

رحاها فوق هامات الرجال

رأيتموها يحثون المطايا

سراعا هاربين من القتال

قال: لا والله ما أنا منهم، بل رجل من قضاعة، قالت: أتعرف القائل:

لا يفخرنَّ قضاعيٌّ بأسرته

فليس من يمَنٍ محضا ولا مضرِ

مذبذبين فلا قحطانُ والدهم

وليس عدنانُ، خلُّوهم إلى سقرِ

قال: لا والله ما أنا منهم بل من بني شيبان، قالت: أتعرف الذي يقول:

شيبان قوم لهم عديد

وكلهم مقرف لئيم

ما فيهموا ماجد حسيب

ولا نجيب ولا كريم

قال: لا والله ما أنا منهم بل أنا من رجل بني نمير قالت ك أتعرف القائل:

فغض الطرف إنك من نمير

= فلا كعبا بلغت ولا كلابا

قال: لا والله لست منهم، بل من تغلب، قالت: أتعرف الذي يقول:

عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد

وبجبرائيل وكذبوا ميكالا

قال: لا والله ما أنا منهم، بل أنا من مجاشع، قالت: أتعرف القائل:

تبكي المغيبة من بنات مجاشع

ولها إذا غلمت نهيقُ حمار

قال: لا والله لست منهم، بل من كلب، قالت: أتعرف القائل:

فلا تقربن كلبا ولا باب دارها

فما يطمع الساري يرى ضوء نارها

قال: لا والله ما أنا لست منهم، بل رجل من تميم، قالت أتعرف القائل:

تيمية مثل أنف الفيل مقبلها

تهدي الرحى ببنان غير مخذوم

قال: لا والله لست منهم، بل رجل من جرم قالت: أتعرف القائل:

تمنيني سويق الكرم جرم

وما جرم وما ذاك السويق

فلما أنزل التحريم فيها

ولا غالوا به في يوم سوق

فلما أنزل التحريم فيها

إذا الجرمي منها لا يفيق

قال: لا والله لست من جرم بل رجل من سليم قالت أتعرف القائل:

إذا ما سليم جئتها لغدائها

رجعت كما قد جئت غرثان جائعا

قال: لا والله ما أنا من سليم وإنما أنا من الموالي، فقالت: أتعرف الذي يقول:

إلا من أراد الفحش واللوم والخنا

فعند الموالي الجيد والطرفان

قال: أخطأت نسبي ورب الكعبة، أنا من الخوز، قالت: أتعرف القائل:

لا بارك الله ربي فيكمو أبدا

يا معشر الخوز إن الخوز في النار

قال: لا والله ما أنا من الخوز، بل من أولاد حام قالت: أتعرف القائل:

فلا تنكحن أولاد حام فإنها

مشاويه وخلق الله حاشا بن أكوع

قال: لا والله لست منهم، بل أنا من أولاد الشيطان الرجيم، قالت: فلعنك الله ولعن أباك الشيطان معك، أتعرف الذي يقول

ألا يا عباد الله هذا عدوكم

وهذا عدو الله إبليس فاقتلوا

فقال لها: هذا مقام العائذ بك، قالت: قم فارحل خاسئا مذموما، وإذا نزلت بقوم فلا تنشد فيهم شعرا حتى تعرف من هم ولا تتعرض للمباحث عن مساويء الناس، فلكل قوم إحسان وإساءة، إلا رسول رب العالمين، ومن اختار الله على عباده وعصمه من خلقه. وأنت كما قال جرير للفرزدق ؟

وكنتَ إذا حللتَ بدار قوم

رحلتَ بخزيةٍ وتركْتَ عارا

فقال لها: والله لا أنشدت بيت شعر أبدا.

فقال السفاح، لئن كنتَ علمتَ هذا الخبر ونظمت فيمن ذكرت هذه الأشعار، فلقد أحسنت وأنت سيد الكاذبين، وإن كان الخبر صدقا فيما ذكرته محقا فإن هذه الجارية العامرية لمن أحضر الناس جوابا وأبصرهم بمثالب الناس ".

ونسأل الله سبحانه وتعالى السداد في القول والعمل.​

***

مصطفى معروفي

من اتساع الدلالة إلى تعيين المقصود

النكرة والمعرفة في العربية من صميم النظام الدلالي للغة، لذا فهي ليست مسألةً نحويةً محضة، ولا بابًا من أبواب الإعراب يُستوفى بحفظ التعريفات واستظهار التقسيمات؛ وإنما هما من صميم النظام الدلالي للغة، ومن الأدوات التي تتوسل بها العربية إلى ضبط علاقة اللفظ بالمرجع، وتحديد مقدار ما يريده المتكلم من المعنى: أيريد شيئًا مطلقًا غير معيّن، أم يريد ذاتًا أو معنىً قد استقرّ تعيينه في ذهنه أو في سياق الكلام؟

ومن هنا كان التمييز بين النكرة والمعرفة مدخلًا مهمًا لفهم دقة العربية في بناء المعنى؛ فقولنا: جاء رجلٌ يفتح باب الاحتمال على أفراد الجنس، أما قولنا: جاء الرجلُ فينقل السامع من فضاء الاحتمال إلى دائرة التعيين. وليس الفرق بين العبارتين في صورة اللفظ وحدها، بل في مقدار المعرفة التي يتيحها المتكلم للسامع عن المقصود.

أولًا: النكرة في تصور النحاة

عرف النحاة النكرة بأنها ما دلّ على شيء غير معيّن من أفراد جنسه، نحو: رجل، كتاب، شجرة، مدينة. فإذا قلت: رأيت رجلًا لم يتحدد في الكلام أيُّ رجل هو المراد؛ وإنما وقع اللفظ على واحد غير معيّن من جنس الرجال.

وقد جعل سيبويه التمييز بين المعرفة والنكرة قائمًا على معنى التعيين، فالمعرفة عنده ما دلّ على شيء بعينه، في حين تتسع النكرة لما لم يتعيّن. وهذا التصور يكشف أن النحو العربي القديم لم يكن ينظر إلى اللفظ منعزلًا عن وظيفته في الدلالة.

فالنكرة ليست بالضرورة مجهولة للمتكلم، وإنما قد تكون معلومة لديه، لكنه يتعمد عدم تعيينها للسامع. وهذه نقطة دقيقة؛ لأن عدم التعيين في اللفظ لا يستلزم عدم المعرفة في ذهن المتكلم.

حين يقول الشاعر:

مررتُ ببحرٍ لا تحدُّ ضفافَهُ

فكلمة بحر نكرة من حيث الصناعة، لكنها قد تكون محمّلة بدلالات رمزية واسعة؛ فقد يكون البحر بحرًا حقيقيًا، وقد يكون استعارةً للإنسان أو العلم أو الزمن. وهنا تتحول النكرة من مجرد عدم التعيين إلى طاقة إيحائية.

ثانياً: المعرفة وأنواعها

المعرفة في اصطلاح النحاة ما دلّ على معيّن. وقد اشتهرت عند جمهور النحويين أقسامها الستة:

١. الضمير: مثل أنا، أنت، هو، نحن.

٢. العَلَم: مثل محمد، دمشق، فلسطين.

٣. اسم الإشارة: مثل هذا، هذه، أولئك.

٤. الاسم الموصول: مثل الذي، التي، الذين.

٥. المعرّف بـ«أل»: مثل الرجل، الكتاب، الوطن.

٦. المضاف إلى معرفة: مثل كتابُ الطالب، بابُ البيت، أرضُ فلسطين.

ويضيف بعض النحاة في التفصيل ما يوضح مراتب التعريف وقوته، إذ ليست المعارف كلها على درجة واحدة من التعيين.

فالضمير في أنا أشد اتصالًا بمرجعه المقامي من اسم عام دخلت عليه «أل»، والعلم في محمد يعيّن مسمّاه بالوضع، واسم الإشارة في هذا يعتمد على المقام والسياق، أما الموصول فيحتاج إلى صلته لاستكمال تعيينه.

وهذا يعني أن التعريف ليس درجة واحدة، وإنما شبكة من وسائل الإحالة والتعيين.

ثالثاً: موقف البصريين والكوفيين

لم يكن الخلاف بين المدرستين البصرية والكوفية في باب النكرة والمعرفة خلافًا بسيطًا في تسمية الأشياء، بل اتصل بقضايا أعمق في تصور اللغة، وحدود القياس، وعلاقة الصناعة النحوية بالدلالة.

وقد غلب على المدرسة البصرية نزوعها إلى التقعيد والقياس وضبط الظواهر ضمن أنظمة كلية، بينما اتسمت المدرسة الكوفية بعناية أكبر بالسماع والرواية واتساع الاحتجاج بما ورد عن العرب، وإن كان من الخطأ تحويل هذا الفرق إلى قطيعة مطلقة؛ فكلا المدرستين استفاد من السماع والقياس، وإنما اختلفتا في مقدار الاعتماد عليهما وفي بعض الأصول والتفريعات.

ومن المسائل التي تظهر فيها عناية النحاة بالمعرفة والنكرة مسألة «أل»؛ فقد بحثوا: هل هي للتعريف، أم لها وظائف أخرى بحسب السياق؟ وهل التعريف الذي تحدثه تعريف جنسي أم عهدي أم استغراقي؟

وهنا تتسع المسألة من النحو إلى فقه اللغة؛ لأن قولنا:

جاء الرجلُ

قد يعني رجلًا معروفًا بين المتخاطبين، وهو العهد الذكري أو الذهني أو الحضوري بحسب السياق، وقد يراد به الجنس كله، كما في:

الرجلُ أقدرُ على تحمّل بعض المسؤوليات.

وقد يراد بالجمع الاستغراق، مثل:

إن الإنسانَ لفي خسر،

بحسب السياق والدلالة المقصودة.

وهذا يبيّن أن دخول «أل» على الاسم لا يؤدي وظيفة واحدة في جميع المقامات، بل تتعدد دلالاتها بتعدد السياقات.

رابعاً: النكرة والمعرفة عند فقهاء اللغة

ينظر فقهاء اللغة إلى الظاهرة من زاوية أوسع من حدود الإعراب؛ إذ يبحثون في الاستعمال، والسياق، وتطور الدلالة، والمقام، وعلاقة اللفظ بالمعنى.

فالنكرة قد تكون أبلغ من المعرفة حين يكون المقصود هو الإبهام أو التعظيم أو التهويل أو التكثير.

نقول:

جاء رجلٌ يسأل عنك.

فتبدو الجملة خبرية محايدة.

لكن إذا قلنا:

جاء رجلٌ لا يشبه الرجال.

فإن التنكير لم يعد مجرد عدم تعيين؛ لقد صار وسيلة لفتح أفق التوقع وإثارة انتباه المتلقي.

وقد تأتي النكرة للتعظيم:

ولَكَ في الحياةِ موقفٌ.

فـ«موقف» نكرة، لكن السياق قد يجعلها ذات دلالة عظيمة.

وقد تأتي للتهويل:

ورأيتُ أمرًا عظيمًا.

وقد تأتي للتكثير:

كم من كتابٍ قرأت!

وقد تأتي للتحقير بحسب المقام:

هذا أمرٌ تافه.

إذن لا يمكن فهم النكرة فهمًا مكتملًا إذا حُصرت في عبارة «ما شاع في جنسه»؛ لأن السياق قادر على أن يمنحها وظائف بلاغية تتجاوز أصلها النحوي.

خامساً: التعريف والتنكير بين النحو والبلاغة

أدرك البلاغيون أن اختيار المتكلم بين النكرة والمعرفة ليس اعتباطيًا، بل هو جزء من هندسة الخطاب.

فإذا كان المقام مقام التعيين جاء التعريف مناسباً:

جاء خالد.

أما إذا كان المقام مقام الإبهام المقصود فقد تكون النكرة أبلغ:

جاء رجلٌ يحمل خبراً غريباً.

إن السامع هنا لا يعرف الرجل، ولذلك يبقى ذهنه مشدودًا إلى ما سيأتي بعد ذلك.

ولهذا يرتبط التعريف والتنكير بما يسميه علماء البلاغة مقتضى الحال؛ فالعبارة البليغة ليست التي تستعمل المعرفة دائمًا، ولا التي تستكثر من التنكير، وإنما التي تختار الصورة التي تلائم المقام.

ومن أبدع ما في العربية أن المتكلم يستطيع أن ينقل الاسم من حالة إلى أخرى دون أن يتغير جوهره المعجمي:

رجل - الرجل - رجلٌ آخر - هذا الرجل - رجلُ زيدٍ.

كل انتقال هنا يغيّر مساحة المرجع ودرجة التعيين، ومن ثم يغيّر علاقة المتلقي بالمعنى.

سادساً: المعرفة ليست دائمًا أوضح من النكرة

قد يبدو لأول وهلة أن المعرفة أكثر وضوحًا من النكرة، لكن هذا الحكم يحتاج إلى شيء من الاحتراز.

فـ«هذا» معرفة، غير أن السامع لا يستطيع تعيين المشار إليه إذا لم يرَ ما يشير إليه المتكلم أو يعرف السياق.

و«الذي» معرفة، لكنه لا يكتمل تعيينه إلا بالصلة:

جاء الذي تحدثتُ عنه.

أما قولنا:

رأيتُ رجلًا.

فهو نكرة، لكنه قد يصبح معلوم المرجع من السياق السابق.

فإذا قلت:

دخل رجلٌ إلى القاعة، ثم جلس.

فإن رجلًا في الجملة الأولى نكرة، لكنه في الجملة الثانية يعود بوسيلة الإحالة إلى الشخص نفسه:

جلس الرجلُ.

وهنا يتحول الاسم من التنكير إلى التعريف بالعهد الذكري؛ لأن ما كان مجهول التعيين في بداية الخطاب أصبح معلومًا بعد ذكره.

وهذه الحركة بين النكرة والمعرفة تكشف أن اللغة ليست مجموعة قوالب جامدة، وإنما هي نظام متحرك لبناء المعرفة داخل الخطاب.

سابعاً: النكرة والمعرفة في القرآن الكريم

تتجلى دقة العربية بأعلى صورها في النص القرآني؛ إذ لا يأتي التنكير أو التعريف عبثًا، بل تتضافر البنية النحوية مع المقصد الدلالي والبلاغي.

ومن ذلك قوله تعالى:

﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾

فجاء رجل نكرة، بينما جاءت المدينة معرفة. وفي التنكير هنا مجال دلالي يختلف عن التعريف؛ فالرجل لم يُذكر باسمه، وإنما عُرّف بفعله وموقعه وموقفه.

وفي قوله تعالى:

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

يأتي التعريف في بنية الاسم بما يتناسب مع المقام العقدي والدلالي، حيث لا يتعلق الخطاب بشيء مبهم أو غير معين، بل بإحالة مخصوصة.

وهكذا يصبح النحو في النص القرآني جزءًا من المعمار الدلالي، لا مجرد صناعة إعرابية منفصلة عن المعنى.

ثامناً: لماذا نحتاج إلى التمييز بين النكرة والمعرفة؟

لأن الخطأ في فهمهما قد يقود إلى خطأ في فهم النص نفسه.

فالفرق بين:

«رأيتُ عالمًا»

و

«رأيتُ العالمَ»

ليس فرقًا شكلياً؛ الأولى تفيد فرداً غير معيّن من جنس العلماء، والثانية تفترض أن هناك عالمًا معينًا يمكن للمتلقي أن يهتدي إليه من السياق.

وكذلك الفرق بين:

«وطنٌ»

و

«الوطن»

قد يكون بالغ الأثر في الخطاب الأدبي والفكري. فالأولى تفتح المعنى على مفهوم عام، بينما الثانية قد تستحضر وطنًا معينًا معلومًا في وجدان المتلقي أو سياقه.

ومن هنا يتضح أن التعريف والتنكير من آليات بناء الرؤية، لا من زينة العبارة.

إن النكرة والمعرفة في العربية ليستا مجرد بابين محفوظين في كتب النحو، بل هما صورتان من صور التفكير باللغة: النكرة تترك الباب مفتوحًا على الاحتمال، والمعرفة تضيق بدائرة الاحتمال حتى تبلغ التعيين.

وقد أسهم النحاة البصريون والكوفيون، كلٌّ من زاويته، في بناء التصور العربي لهذه الثنائية، ثم جاء البلاغيون وفقهاء اللغة ليكشفوا أن الوظيفة الدلالية لا تستقر عند حدود التعريف النحوي؛ فالتنكير قد يكون للتعظيم أو التهويل أو التكثير أو الإبهام المقصود، والتعريف قد يكون للعهد أو الجنس أو الاستغراق، ولا يستبين المراد إلا بالنظر في السياق والمقام.

ولعل أجمل ما تكشفه هذه المسألة أن العربية لا تنظر إلى الاسم بوصفه كلمة قائمة بذاتها، بل بوصفه كائنًا دلاليًا يتحرك داخل السياق؛ فقد يكون الاسم نكرة في لحظة، ثم يصبح معرفة في لحظة أخرى، وقد تكون المعرفة أقل وضوحًا من النكرة إذا غاب المقام، وقد تتحول النكرة نفسها إلى أداة بلاغية تفتح في ذهن القارئ فضاءً من الاحتمالات لا تستطيع المعرفة أن تفتحه.

وهنا تتجلى عبقرية العربية: إنها لا تسمّي الأشياء فحسب، بل تحدد مقدار حضورها في الذهن، ودرجة قربها من المعرفة، والمسافة التي ينبغي أن تبقى بينها وبين المتلقي.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

حرفٌ صغيرٌ يتّسع لفضاء المعنى

قد يبدو حرف الواو في العربية من أبسط حروفها صورةً وأقربها مأخذًا، غير أن هذه البساطة الظاهرة تخفي وراءها طاقة نحوية ودلالية واسعة. فهو حرف يتنقل بين وظائف متعددة، فيعطف، ويستأنف، ويصور الحال، ويؤدي القسم، ويفيد المصاحبة، وقد يكون ضميرًا أو علامة إعراب، بل إن بعض مواضعه كانت ميدانًا لخلاف النحاة والبلاغيين.

ومن هنا لا يجوز التعامل مع الواو بوصفها حرفًا واحد الوظيفة؛ إذ إن السياق هو الذي يمنحها هويتها النحوية والدلالية. والواو التي تجمع بين اسمين ليست بالضرورة هي الواو التي تسبق جملة الحال، والواو التي تدخل على المقسم به ليست هي الواو التي تدل على المصاحبة. إن الشكل واحد، لكن الوظيفة تتبدل، ويتبدل معها المعنى والإعراب.

أولًا: واو العطف... الجمع بلا ترتيب

واو العطف أشهر وظائف هذا الحرف وأوسعها استعمالًا. وهي تفيد إشراك المعطوف في الحكم الذي ثبت للمعطوف عليه، من غير أن تدل بذاتها على ترتيب أو تعقيب.

نقول:

جاء محمد وعلي.

فالجملة تثبت المجيء لمحمد وعلي، لكنها لا تخبرنا أيهما جاء أولًا. وهذه الخاصية هي التي تميز الواو عن الفاء و«ثم»؛ فالفاء تفيد الترتيب مع التعقيب، و«ثم» تفيد الترتيب مع التراخي، أما الواو فمجالها أوسع من ذلك.

ومن الشواهد القرآنية قوله تعالى:

﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ○ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾

فالواو في الموضعين تؤدي وظيفة القسم، لكن المثال يكشف في الوقت نفسه عن مرونة العربية في الجمع بين العناصر ضمن بناء واحد متماسك.

وفي قوله تعالى:

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾

تظهر الواو بوصفها أداة عطف تصل بين فعلين وأمرين، فتجمعهما في سياق تكليفي واحد.

وهنا تظهر قاعدة دقيقة: الواو لا تقتضي الترتيب، وإنما قد يُفهم الترتيب من السياق أو من قرينة أخرى.

ثانيًاً: واو الحال... حين يتحول الكلام إلى مشهد

من أرق وظائف الواو وظيفة الحال؛ إذ تدخل على الجملة التي تبين هيئة صاحبها وقت وقوع الفعل.

نقول:

عاد المسافر والشمس تغيب.

فالواو هنا ليست للعطف بين «المسافر» و«الشمس»، وإنما تربط الجملة الحالية بالفعل السابق، والمعنى: عاد المسافر في وقت كانت فيه الشمس تغيب.

ومن الشواهد القرآنية:

﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾

فالواو في نحو هذه التراكيب تفتح مساحة وصفية داخل الجملة، وتضيف إلى الحدث هيئةً مصاحبة له.

وتكمن أهمية واو الحال في أنها تجعل اللغة لا تكتفي بالإخبار عن الفعل، بل ترسم الظرف النفسي أو الزمني أو الحسي المصاحب له. ولهذا كان الفرق بين الجملة الخبرية والجملة الحالية فرقًا في بناء المشهد، لا في مجرد الإعراب.

ثالثًا: واو الاستئناف... انتقال لا انقطاع

قد تأتي الواو في أول جملة جديدة لتستأنف بها معنى آخر متصلًا بما سبق من جهة السياق، مستقلًا عنه من جهة الإعراب.

نقول:

انتهى اللقاء، والناس يغادرون القاعة.

فالجملة الثانية ليست معطوفة بالضرورة على الأولى من حيث الوظيفة التي يقتضيها الإعراب، وإنما جاءت مستأنفة لتضيف مشهدًا جديدًا إلى المشهد السابق.

ومن هنا يمكن النظر إلى واو الاستئناف بوصفها جسرًا بين الجمل؛ فهي لا تقطع الصلة بين المعاني، ولا تجعل الجملة الثانية جزءًا من البناء الإعرابي للجملة الأولى بالضرورة.

رابعًا: واو القسم... حين يتحول الحرف إلى عهدٍ بالتوكيد

من أشهر وظائف الواو أن تكون للقسم:

واللهِ لأقولن الحق.

فالواو حرف قسم وجر، و«الله» اسم مجرور بها، والقسم هنا يخرج الكلام من مجرد الإخبار إلى مقام التوكيد.

ومن الشواهد القرآنية الكثيرة:

﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾

و:

﴿وَالضُّحَى ○ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾

فالواو هنا ليست أداة وصل بين جملتين، وإنما تدخل على المقسم به وتمنحه موقعًا إعرابيًا مخصوصًا.

خامسًا: واو المعية... الفرق الدقيق بين «العطف» و«المصاحبة

من المواضع التي تكشف دقة العربية واو المعية.

نقول:

سرتُ والليلَ.

إذا أُريد: سرت مع الليل.

فالليل هنا ليس بالضرورة شريكًا في فعل السير؛ لأن الليل لا يسير، وإنما وقع السير مصاحبًا له. ولذلك يعرب الاسم بعد واو المعية مفعولًا معه إذا استوفت الجملة شروط ذلك.

أما في قولنا:

جاء محمد وعلي.

فـ«علي» معطوف على «محمد»، لأن كليهما يمكن أن يكون فاعلًا للمجيء.

ومن هنا قد يتشابه التركيب في الصورة، لكن يختلف المعنى والإعراب:

جاء محمد وعليٌّ.

العطف.

سرتُ والليلَ.

المعية.

وهذا من أجمل مواضع الدقة في النحو العربي؛ إذ يستطيع حرف واحد أن ينقل الاسم من باب إعرابي إلى باب آخر.

سادساً: الواو التي تكون ضميراً

ليست كل واو حرفًا مستقلًا؛ فقد تكون واو الجماعة، وهي ضمير متصل يدل على جماعة الذكور، نحو:

كتبوا، ذهبوا، قرؤوا، انتصروا.

فالواو في «كتبوا» ضمير مبني في محل رفع فاعل.

أما الألف التي تأتي بعدها في مثل «كتبوا» فليست ضميرًا، وإنما هي الألف الفارقة التي تكتب ولا تنطق؛ وذلك للتمييز بين واو الجماعة والواو الأصلية في بعض المواضع.

وهذا التفريق مهم؛ لأن الخط العربي نفسه يشارك في ضبط الوظيفة الصرفية والنحوية.

سابعًا: الواو علامة الرفع

تأتي الواو علامةً للرفع في مواضع معروفة، ومن أبرزها الأسماء الخمسة بشروطها، مثل:

جاء أبوك.

فـ«أبوك» فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو، وهو مضاف، والكاف مضاف إليه.

وتأتي الواو كذلك في جمع المذكر السالم، مثل:

جاء المعلمون.

فـ«المعلمون» فاعل مرفوع بالواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم.

وهنا تنتقل الواو من كونها أداة ربط إلى كونها علامة إعرابية تحمل وظيفة نحوية داخل الكلمة.

ثامناً: واو ربَّ

ومن الوظائف التي تناولها النحاة واو ربَّ، وهي الواو التي تدخل في بعض الأساليب على الاسم النكرة، ويكون الاسم بعدها مجرورًا بتقدير «ربَّ» عند من يذهب إلى هذا التحليل.

ومن الشواهد الشعرية المشهورة قول امرئ القيس:

وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله

عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي

فالواو في «وليل» موضع بحث نحوي وبلاغي، والليل هنا ليس مجرد عنصر في جملة خبرية، بل يدخل في بناء شعري كثيف تتداخل فيه الذاكرة والوصف والنفس.

وهذا يوضح كيف يمكن للدرس النحوي أن يلتقي بالدرس البلاغي؛ فالإعراب ليس نهاية المعنى، وإنما قد يكون مفتاحًا لفهم الحركة الداخلية للنص.

تاسعاً: واو الثمانية... بين القول النحوي والخلاف

من أكثر أبواب الواو إثارة للنقاش ما سمي واو الثمانية. فقد ذهب بعض العلماء إلى أن العرب قد تزيد الواو عند بلوغ العدد ثمانية، واستشهدوا بمواضع من القرآن الكريم، منها قوله تعالى:

﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾

غير أن هذا التفسير ليس قاعدة متفقًا عليها بين علماء العربية؛ فقد حمل آخرون الواو على العطف أو الاستئناف، ورأوا أن تخصيصها بالعدد ثمانية لا ينهض قاعدة مطردة في العربية.

وهنا ينبغي التفريق بين وجود مصطلح في كتب اللغة وبين كونه قاعدة عامة مطردة. فاللغة أوسع من أن تُختزل في تعليلات لا تسندها شواهد كافية.

عاشراً: الواو في بناء الخطاب

إذا تجاوزنا حدود الإعراب إلى مستوى النص، وجدنا أن الواو تؤدي وظيفة أعمق: إنها من أدوات تنظيم حركة الخطاب.

فهي قد تجمع، وقد تستأنف، وقد تصف، وقد تصل المشاهد، وقد تنقل المتلقي من فكرة إلى أخرى من غير قطيعة حادة.

ولذلك نجد حضورها كثيفًا في النصوص الأدبية؛ فالكاتب لا يستخدمها دائمًا لمجرد العطف النحوي، وإنما قد يستثمرها لإيقاع الجملة، ولتتابع الصور، ولإحداث تدفق سردي أو شعري.

وقد تبدو كثرة الواو في بعض النصوص تكرارًا شكليًا، لكنها عند القراءة المتأنية قد تكشف عن إيقاع داخلي يقوم على التتابع والتراكم.

الواو بين النحو والدلالة

تكمن قيمة الواو الحقيقية في أن وظيفتها لا تُفهم منعزلة عن السياق. فلا يكفي أن نرى الواو لكي نحكم بأنها عاطفة، ولا أن تأتي بين جملتين لكي نقول إنها استئنافية، ولا أن يأتي بعدها اسم لكي نقطع بأنه مفعول معه.

إن المعنى والسياق والعلاقة بين أجزاء الجملة هي التي تكشف الوظيفة.

وهذا يؤكد أن النحو العربي ليس علم علامات جامدة، وإنما علم علاقات. فالكلمة لا تستمد وظيفتها من ذاتها وحدها، وإنما من موقعها وعلاقتها بما يحيط بها.

حين يكون الحرف أكبر من حجمه

الواو واحدة من العلامات البارزة على عبقرية النظام اللغوي العربي؛ إذ يمكن لحرف واحد أن يحمل وظائف متباينة، وأن يغير علاقة الكلمات بعضها ببعض، وأن ينقل الجملة من العطف إلى الحال، ومن المشاركة إلى المصاحبة، ومن الخبر إلى القسم، ومن الجملة السابقة إلى استئناف معنى جديد.

ولذلك فإن دراسة الواو ليست بحثًا في حرف صغير من حروف الهجاء، بل هي دخول إلى قلب العربية نفسها؛ إلى ذلك النظام الدقيق الذي يجعل الموقع معنى، والحركة معنى، والسياق معنى، والحرف معنى.

فاللغة العظيمة لا تُقاس فقط بعدد مفرداتها، وإنما بقدرتها على صناعة الفروق الدقيقة. وفي العربية قد يكون الفرق بين معنى وآخر حرفًا واحدًا؛ بل قد يكون واوًا واحدة.

وهنا تكمن روعة العربية: أن أصغر عناصرها قد تفتح أوسع أبوابها، وأن الحرف الذي يبدو عابرًا على الصفحة قد يكون في الحقيقة مفتاحًا خفيًا لهندسة المعنى.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

جسّد الكاتب الفلسطيني رشاد أبو شاور في حياته ورحيلة المُفجع يوم السبت، الثامن والعشرين من أيلول ٢٠٢٤، حالةَ مُناضل وكاتب فلسطينيّ، حمل هموم شعبه، قضيته ومُعاناته اليومية، وتنقل بها، في كل مكان حلّ فيه وحطّ رحاله المُثقلة بالكثير مِن الآلام، الآمال والاحزان، وقام بالتالي بتسجيلها، وكأنما هو يُريد أن يُحافظ على ذاكرته وذاكرات قرائه من أبناء شعبه كي تبقى خضراء يانعة، وقد عُرف عنه أنه كان زاهدًا مُتعبّدًا في ملكوت قضيّته، لا يُهادن ولا يُجامل، وينتقد كلّ مَن يدنو مِن حُرمة قضيته  الاولى، قضية شعبه المُشرّد في شتى بقاع العالم، وحتى في بلاده ذاتها، ويلمس مَن يقرأ القليل مِن الكثير الذي وضعه هذا الكاتب المُلتزم أخلاقيًا وإنسانيًا، إلى أنه اتخذ مِن حياته الشخصية وسيرته الذاتية، محورًا لمُعظم ما كتب ونشر مِن روايات، قصص قصيرة، ويوميات، إذا لم يكن لها كلّها.

تمّت معرفتي الاولى بهذا الكاتب الشُجاع الجريء، قبل نحو رُبع القرن مِن الزمان، عندما قامت مؤسسة الاسوار-عكا، بإدارة الصديق العزيز الكاتب الشاعر يعقوب حجازي، بطباعة روايته النقدية، فيما أذكر البكاء على صدر الحبيبة، تلك الرواية التي أعلن فيها غضبه العارم وحُنقه اللاهب على كلّ مَن يُسيء، مِن وُجهة نظره بالطبع، إلى قضيته، سواء كان قريبًا أو بعيدًا، ولو بموقف أو تصريح. بعدها قرأت مجموعة قصصية له. في الفترات التالية، ربطتني به صداقة فيسبوكية، وقد بقيت افتراضية حتى يومه الأخير في الحياة، وعادة ما كنت أتابع باهتمام شديد ما يكتبه وينشره مِن آراء وأفكار، وأعمال أدبية قصيرة، وقد توقّفت طويلًا ومديدًا أمام كتاباته هذه مُتمعّنا مُتأمّلًا، لما لمسته فيها مِن إيمان ذاتيّ يرنو طوال الوقت لأن يتحوّل إلى إيمان جماعي، يتمثّل في إقناع كلّ مَن يُحبه ويرضى عنه، بأن يتبنى قضيته الشخصية، قضية شعبه، رجاءً وأملًا في أن تضحي هذه القضية، قضية الجميع. وقد تواصلتْ مُتابعاتي هذه له، إلى أن ابتدأت أرى إلى أصدقائه وأحبائه يتوافدون لزيارته في مشفاه القائم في العاصمة الأردنية عمّان، فشعرتُ أن شبح الموت قد اقترب منه كثيرًا، وطالما تمعّنت فيه وهو مُستلقٍ على فِراش المرض وحوله الرفاق كأنهم لهب تمنطق بالحديد، لا أخفي أن شيئًا مِن القلق قد استولى عليّ، وبقيت أتابعه باهتمام شديد، إلى أن جاء النبأ العظيم، ففزعتُ منه بآمالي إلى الكذب.

تنطوي برحيل هذا الكاتب الوطني التقدّمي، صفحةٌ مُشرقةٌ مَن صفحات إنساننا الفلسطيني من ناحية، وتجربة كاتب سكنه همُّ بلاده منذ اليوم الأول لتفتح وعيه المشرف الرشيد، حتى يومه الأخير من ناحية أخرى، وبإمكان مَن يُتابع المحطّات الكثيرة التي تنقّل عبرها من بلدته ذكرين، الواقعة في مِنطقة الخليل، والتحاقه بصفوف النضال الفلسطيني، وصولًا إلى بيروت، وخروجه منها مع مَن خرج بعد احداث عام 82، إضافة إلى مَن يُتابع المواقع الثقافية والسياسية التي تسنمها، مِن ناحية، ومن ناحية ثانية مَن يُتابع أي كلمة أو حرف مِن كتاباته الأدبية، ومنها رواياته في مقدمتها العشاق، وكتاباته عن ذكرياته، أقول بإمكان مَن يُتابعه في هذا كله، أن يُسجّل له بحروف مِن عرفان، أنه بقي أمينًا لمبادئه التي نشأ عليها، شب وشاخ، عمل في سبيلها وقضى من أجلها، أنه عاش هُموم شعبه مِن أعلى الراس حتى أخمص القدم كما يقال.

لقد دفعت مُعايشة كاتبنا الراحل هذه به إلى أتون الصراعات السياسية الضارية، ونحن إذا ما اتفقنا على أنه كتب أدب السيرة الذاتية، الذي، فرضته عليه ظروفه، وفرضها هو بالتالي على نفسه، إيمانًا وأملًا، فإننا سنرى أن كتاباته، خاصة ما تمكّنا مِن الوصول اليه وقراءته، إنما تراوح بين أمرين، أحدهما الهمّ الوطني، لا أقول السياسي فحسب، والآخر الهم الإبداعي. فيما يتعلّق بالأول، أتذكر ما قاله شاعرُ مثقف كبيرُ راحل من بلادي، عندما سألته لماذا كتب بمباشرة يمجّها الادب، فردّ عليّ قائلًا إنه لم يكن أمامه وأمام أبناء جيله مِن مفر، سوى الكتابة بذلك النوع من المباشرة، "فنحن لم نعش حياتنا اليومية العادية.. كما عاشها أبناء الشعوب الرافلة بأثواب السلام والناعمة بالهدوء والاستقرار"، أكد لي. أما فيما يتعلّق بالعملية الإبداعية ذاتها، فقد كتب راحلُنا الكريم مُلتصقًا بالسيرة الشخصية أولًا والسيرة العامة لأبناء شعبه ثانيًا، ماذا أريد أن أقول مِن وراء هذا؟.. أريد أن أقول بوضوح إنه قد أدخل، جرّاء مُعايشته اليومية لقضية شعبه، أكثر قليلًا مما اعتاد الكتّاب أن يُدخلوه مِن سيرهم الشخصية.. فيما يكتبونه وينشرونه. وهو الامر الذي قرّب الإنتاج الادبي بكلّ ما حفلَ بهِ مِن تنوّع إجناسي، مِن التجربة الذاتية والعامة في نفس الوقت، أما مِن النواحي الإبداعية، فقد حرص كاتبنُا على ابتداع عوالمه الأدبية بأكبر ما أمكنه مِن حرفية، غلفها حُبّ كبير للأرض والانسان.

أما عن الإنتاج الادبي الكمّي، فقد كتب فقيدُنا الغالي العديد مِن الروايات، والمجاميع القصصية، وكتب الذكريات، إضافة إلى الكثير.. الكثير مِن المقالات الأدبية والسياسية، وهو ما يؤكد، مرةً أخرى، أنه كان مَسكونًا بقضية شعبه، بالصورتين.. العامّة والخاصة، وها أنذا أحيل مَن يُريد التوسّع في الاطلاع على كتاباته الغزيرة، إلى شبكة البحث الالكترونية العنكبوتية جوجل، ففيها ما يكفي ويوفّي، مِن المعلومات العامّة والخاصة، التي حفلت بها العديد من الكتابات، في حياته وبعد رحيله، وإذا كان لي من كلمة أود أن أقولها الآن، فهي ان فقيدنا رحل عن عمر ناهز الثانية والثمانين من عمره المٌبارك، كما أنه خلّف وراءه نتاجًا أدبيًا حافلًا بالهُموم العامّة لشعبه والهُموم الشخصية التي ذاق لسع كرابيجها على جلده. لقد ولّى رشاد أبو شاور ماضيًا في الطريق النهائي لحياته، مخلّفًا وراءه مؤلفاته وذكرياته و..حُلمه الكبير.

***

ناجي ظاهر

 

أوتسوكا كوسوكو

شهد الأدب الياباني إبان الحرب الروسية اليابانية (8 شباط 1904 – 5 أيلول 1905) وفرة في النتاج الأدبي والفكري الذي صاغه أدباء وكتاب تلك الحقبة الحساسة والمهمة من تاريخ البلاد، ومن مجموعات فكرية وأيديولوجية مختلفة (1)، واجهت النزعة القومية الميليتارية المتطرفة المهيمنة آنذاك (2). ومنهم الشاعرة (يوسانو أكيكو) (1878 – 1942) مؤلفة قصيدة (أخي، أرجوك لا تمت)، والمؤرخ والروائي والمترجم والناشط الاشتراكي (ساكاي توشيهيكو) (1871 – 1933) الذي نشر العديد من المقالات والبيانات والترجمات الماركسية، والأديب الفيلسوف (كينجيرو توكوتومي – روكا) (1868 – 1927) صاحب رواية (طائر الوقواق 1898) وغيره، والمفكر والمبشر المسيحي (أوتشيمورا كانزو) (1861 – 1930) مؤسس حركة (اللاكنيسة – موكيوكاي شوغي) الذي نشر سلسلة من المقالات الصحفية الافتتاحية المنددة بالتحشد العسكري في صحيفة (تقرير الصباح الكامل - يوروزو تشوهو)، وأيضا دراساته في مجلة (دراسات الكتاب المقدس – سيشوه نو كينكيو).

و هناك أيضا (أوتسوكا كوسوكو) (1875 – 1910) الروائية والشاعرة والقاصة البارزة من عصر ميجي (1868 – 1912) التي جاهرت بمناهضة تلك الحرب الضروس أيضا، ودون خوف أو إخفاء، ولها مساهمة بارزة في الأدب الياباني المناهض للحرب، متمثلة في قصيدتها المشهورة (زيارة المعبد مائة مرة – أوهياكودو مودي) التي حظيت باهتمام واسع داخل البلاد وخارجها، بعد نشرها في مجلة (الشمس – تايو) الأدبية العامة الصادرة عن دار نشر (هاكوبونكان - طوكيو) في كانون الثاني 1905 بالتزامن مع الحرب الروسية اليابانية، ولتضعها في مصاف الشاعرة (يوسانو أكيكو) في هذا المضمار.

أما مضمون وأبعاد قصيدة (زيارة المعبد مائة مرة) لكوسوكو فيعكس المعاناة النفسية للنساء اليابانيات وخوفهن من فقدان أحبائهن: من أزواج وآباء، وأبناء وأحفاد، جراء تلك الحرب المهلكة التي تم خوضها من أجل إرساء السلطة وتوسيع النفوذ الياباني في منشوريا وكوريا، فتزور كل واحدة منهن المعبد مائة مرة متتالية بناء على طقس تعبدي تقليدي مرتبط بالديانة اليابانية القديمة (زيارة المائة مرة، أو- هياكودو مايري)، وبخاصة ديانة الشينتو والبوذية القديمة، لتصلي وتدعو من أجل عودة عزيزها إلى البيت سالما. مع الإعراب عن موقفهن الداعي للسلم وحبهن للحياة كبشر ورفض تمجيد الموت لأجل الإمبراطور (3). ونقدم أدناه ترجمة للقصيدة المذكورة عن اللغة الإنكليزية، وهي تفصح بشكل جلي عن الموقف الفكري للشاعرة (أوتسوكا كوسوكو)، وعن جانب مهم من سيرتها الذاتية الثرية.

(زيارة المعبد مائة مرة)

أتقدم خطوة

فيدور زوجي في خلدي

خطوتان أسيرهما

فأستحضر وطني في بالي

غير أن في الخطوة الثالثة

يستحوذ زوجي على تفكيري

مرة أخرى

فهل يحمل قلب المرأة ذنبا

أو يستحق العتاب؟

(بلاد الشمس المشرقة) المتألقة نورا (4)

وطن فريد

لا نظير له في الكون

والرجل الذي قطعت معه عهدا

واقترنت به

هو توأم روحي

وسندي الوحيد

وإذا سئلت في يوم من الأيام:

أيهما أرفع قدرا؟

وطني.. أم زوجي

فلن أعقب

بل سأكتفي بان أذرف دمعي

و سوف أيمم وجهي

شطر المعبد

لأقيم صلاتي

آه.. أفهل من تثريب؟

و قد انقسمت ردود الفعل في اليابان آنذاك حول (أوتسوكا كوسوكو) مؤلفة هذه القصيدة، بين مؤيد ومشجع لها من عامة الشعب والمثقفين الأحرار الذين وصفوها بأنها تعبر عن احتجاج عادل وصادق، نابع من القلب مباشرة، ليلامس شغاف القلب عفويا، وبين محارب ومنتقد لها من قبل الجمهور المحافظ المحرض على القتال والمناصر للحرب الدائرة على الجبهات.

و قد ترجمت القصيدة إلى اللغة الإنكليزية، ووردت ضمن مجموعات أنطولوجية وبحوث أكاديمية معنية بالأدب النسوي الياباني والأدب الياباني المناهض للحرب، المنجزة من قبل كبار الأساتذه والبحاث، مثل المترجم والباحث المعروف (هيرواكي ساتو) الذي أدرجها ضمن موسوعته (الشاعرات اليابانيات: أنطولوجيا) الواقعة في (592) صفحة والصادرة عن (روتليدج 2007)، وأيضا المؤرخة الأمريكية (أ. د. شارون سيفرز) المتخصصة في تاريخ اليابان والدراسات النسوية في جامعة ولاية كاليفورنيا – لونغ بيتش ومؤلفة كتاب (أزهار في الملح: بدايات الوعي النسوي في اليابان الحديثة) الصادر عن دار نشر جامعة ستانفورد 1983.

كما ترجمت القصيدة إلى اللغة الفرنسية، وغنتها (يومي نارا) (5) مغنية السوبرانو اليابانية الشهيرة المقيمة في فرنسا ضمن ألبوم بعنوان (ملحنات يابانيات عشن بكرامة في عهد ميجي، تايشو، وشوا) الصادرعام 2009 . علما تم تلحين القصيدة عام 1953 من قبل (يوشيدا تاكاكو) (1910 – 1956) التي ناهضت الحرب أيضا ولحنت كذلك قصيدة (أخي، أرجوك لا تمت) ل (يوسانو أكيكو) للموقف ذاته.

و ترجمت القصيدة إلى اللغة الصينية أيضا، وخضعت للبحث والدراسة من قبل الكاتب والباحث والمترجم المعروف (تشو زوؤرين) (1885 – 1967) ضمن مجموعة قصائد يابانية مناهضة للحرب. وينظر إليها أيضا كمثال على النزعة العسكرية التي كانت سائدة في اليابان وقتها وضمن ادب مقاومة الاستبداد (أدب الحرية). وترجمت كذلك إلى اللغة الألمانية، وكانت في دائرة اهتمام البحاث في الأدب المقارن والدراسات اليابانية - الالمانية.

علما كانت (أوتسوكا كوسوكو) متأثرة بالروائي والمترجم البارز (أوغاي موري) الذي ترجم الكثير من الأعمال الأدبية الألمانية المعروفة إلى اللغة اليابانية (6). وتكمن مظاهر هذا التأثير في بضع نقاط رئيسية، وهي:

أولا: التحول إلى كتابة شعر ال (شينتايشي – شعر الأسلوب الحديث) بدلا من الشعر التقليدي. وقد ظهر هذا النوع من الشعر في أوائل القرن التاسع عشر، وكان صدور كتاب (شينتايشي – شو، مختارات من القصائد على النمط الجديد 1882) الذي تضمن قصائد غربية مترجمة وأخرى يابانية مكتوبة بالأسلوب الجديد بمثابة المنطلق والحافز الأول لهذا النوع من الشعر في اليابان. وقد أسفر بعدها عن ظهور (الشعر الحر – جيو – شي).

ثانيا: الانتقال إلى أسلوب الرومانسية الغربية (رومان – شوجي) (7)، والابتعاد عن الأنماط الكلاسيكية والموروثة في الكتابة اليابانية.

ثالثا: تصاعد الرغبة في خوض تجارب كتابية جديدة في مجال القصة القصيرة والرواية بالإضافة إلى الشعر، تمخضت عن (يقترب الخريف من نهايته 1895، فصل البط الماندرين 1902، اللهب 1905، وغرفة الضيوف 1906) وغيرها من الأعمال الرائعة. علما نشر لها (أعمال أوتسوكا كوسوكو الكاملة – حرره إيشيزاكي وآخرون 2021).

***

بنيامين يوخنا دانيال

...........................

(1) – الاشتراكيون والأناركيون (اللاسلطويون)، المسيحيون السلميون، المثقفون الإنسانيون، والحركة الأدبية النسوية.

(2) – القومية الميليتارية: القومية العسكرية التي كانت أحد محركات ونتاجات الحرب الروسية اليابانية.

(3) – بلغت الخسائر البشرية الإجمالية لليابان جراء تلك الحرب (43،000 – 71،000) قتيلا تقريبا على الرغم من انتصارها التاريخي، بالاضافة إلى (146،000) جريح تقريبا. ناهيك عن الخسائر المادية الكبيرة.

(4) - أرض منشأة الشمس أو منبعها (نيهون، نيبون): تلقب اليابان ب (أرض الشمس المشرقة). وتعود رمزية الشمس فيها إلى (أماتيراسو) إلهة الشمس التي ينحدر منها أباطرة اليابان وفقا للأساطير.

(5) – يومي نارا: حائزة على الجائزة الكبرى في مسابقة الموسيقى الفرانكو – يابانية، وعلى جائزة الآداب والفنون في المسابقة الدولية لأداء الأغاني الفرنسية في باريس وغيرهما.

(6) – أما التأثير الأكبر على المسيرة الأدبية لكوسوكو فكان للروائي والشاعر الكبير (ناتسومي سوسيكي) (1867 – 1916)، ينظر: بنيامين يوخنا دانيال ، أقاح في التابوت.. مرثية سوسيكي لكوسوكو، (حانة الشعراء)، عدد يوم 20 / 9 / 2026.

(7) – ظهر في اليابان على نحو جلي خلال الفترة (1890 – 1900) جراء الانفتاح على الغرب. ومن رواده (كيتارو إيزومي المعروف بإيزومي كيوكا 1873 – 1939، هاروكي شيمازاكي المعروف بتوسون شيمازاكي 1872 – 1943، كيتامورا مونتارو المعروف بكيتامورا توكوكو 1868 – 1894، وأوغاي موري 1862 – 1922).

المقهى الصغير أشبه بوكر يورث الأحزان، الغبار ينتهك زواياه المعتمة بالدخان، ويستفز رواده الذين يتوسدون مساند التخوت الخشنة، مطلقين العنان لخيالاتهم، يتوافد عليها أولئك في أغلب الأوقات، من معلمي المدينة، وأصحاب الحرف والمهن، وأصحاب الحوانيت المتواضعة، وفلاحي القرى المجاورة أثناء النهار. أكلت السنوات أطراف التخوت المفروشة بـ"حصران" من سعف النخيل، بهت لونها، وتدلّت أطرافها. أما الجدران فقد نسيت بياضها منذ سنين، لم يعد أحد يتذكر لونها الأول.

مازالت تطالعني ملامح وجوه الفلاحين المعذّبة، وانطفاء عيونهم المحزونة، وأجسادهم المكدودة في توجعها الخفي، تفوح من ثيابهم رائحة الأرض والتبغ. يتقاطرون في ضحى الأيام وهم أول المتجهين إلى مقهى محمد المدهوش في الغازية، الإنسان المتواضع بطيبته وحسن استقباله لرواده.

لا تبعد المقهى سوى بضعة خطوات عن نهر الغرّاف، تحجزها عنها أشجار الصفصاف والدفلى، في أعلى جدار للمقهى، استقر (راديون) بماركة (سيرا)، على رفّ خشبي صغير، حصيناً منيعاً لا تناله سوى العيون، يعمل ببطارية سيارة، لم تعد طاقتها كافية لتشغيل محرّك سيارة الركاب الوحيدة في المدينة، فقدمها السائق هدية للمقهى.

الراديو الملفوف بشرشف أبيض، تطرّزت حواشيه بالدّانتيل، أحاله الدخان والغبار الى لون رمادي. الراديو، يغريني بالتأمل، هذا (الكائن) الغريب، كأنه مصيدة سحرية تقتنص أسرار هذا العالم، الذي لا سبيل لإدراك أبعاده، وأنا أصغي لما يصدر من أصوات وموسيقى وغناء، كأنها تنثال من خفايا الماضي.

عبر أماسٍ كثيرة بالنجوم، وتحت أضواء (اللوكس)، وخفقات خفافيش الليل، تجتمع ثلة من أبناء المدينة بعد العشاء، حيث لا تسمع إلا وقع أحذية النواطير السهارى المتعبين، والبيوت غارقة في صمت الدروب، كان الراديو حين تشتعل عينه الشذرية، يجعل أولئك الرجال يشعرون أن مدينتهم الصغيرة المنسية على ضفة النهر ليست بعيدة عن العالم. كان المقهى نافذتهم الوحيدة المفتوحة على البلاد البعيدة.

في هذه البقعة المنفصلة عن العالم، يناقش الحضور أزمة البحر الكاريبي، يتجادلون حول: من المنتصر الذي يكسب الرهان، الاتحاد السوفيتي بزعامة خروشوف، أم أمريكا بزعامة جون كندي؟؟ بعد أن تصاعدت وتيرة التهديدات بين القطبين فيما يعرف بأزمة الكاريبيي عام 1961 والصراع حول وجود الصواريخ السوفيتية في كوبا، التي تهدد الأمن العالمي حسب مزاعم الامريكان، بحرب عالمية ثالثة.

يحتدم النقاش فيتدخل الحانوتي رضا الأمين ليحسم المعركة قبل ان تقع، لصالح (سيلان ـ سيرلانكا الآن)، معتقداً ان هذه الدولة قادرة على ردع السوفييت، ظاناً انها دولة عظمى، ما دامت تسدّ حاجة السوق العالمية من الشاي، من دون أن يعرف موقعها ومساحتها وإمكاناتها البشرية والعسكرية. الأمين يومذاك كان رجلاً استثنائياً في أخباره، وأفكاره، وخيالاته، وطريقة عرضها. يترك في ذات أي من معارفه وأصفيائه أثراً من الآراء والمفردات الغريبة، كثيراً ما يطلق مصطلحاً يفاجئ به أبناء المدينة، يتداولوه، يتندرون بذكره، يتناقله حتى أبناءهم ويحفظوه.

سئل رضا ذات جلسة عن فطوره في الصباح، لم يتردد لحظة واحدة، فأجاب على الفور وبثقة:

ـ فطوري (برداغ* عصير اللوز). ساد صمت قصير، واكتفى، يحدّق في عيون امتلأت بالدهشة والأسئلة!

لنتخيل صدى هذه "القنبلة" التي فجّرها الأمين في مدينة، أغلب أهلها يفطرون بالكاد على الخبز والشاي! خرج الخبر أسرع من الريح، راح أبناء المدينة يتساءلون عن معنى "برداغ"، بينما أخذ الأطفال يتخيلون عصير اللوز شراباً سماوياً، لا يشربه إلا الملوك. ولمن يتتبع أصل هذه الخلطة العجيبة سيكتشف ان رضا عرفها او جرّبها فعلاً حينما كان عاملاً في السفن يجوب البحار.

في أواسط خمسينات القرن الماضي، يقرر أبي شراء راديو (سيرا) بسعر6 دنانير، شبيهة براديو المقهى، تعمل ببطارية جافة ماركة "BERK" يسدد ثمنهما بالأقساط الشهرية، كانت الأجواء أيام العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، لشعور منه بمتابعة الأخبار وأحداث المنطقة الملتهبة، يمضي باهتماماته السياسية بعيداً عن أجواء المقهى وروادها، وهو يشعّ بالامتلاء، مفعماً بالأمل، والقضية التي يؤمن بها، وهي غير قابلة للمراهنة ولا للاستبدال.

دخل الراديو لأول مرة في بيتنا، تشكلت عبره بواكير وعينا الأول، كنت ألتقط الدلالات النفسية والصوتية في هذا العالم الصغير المكتظ بالمعاني حد الانفجار، سمعت فيه لأول مرّة صوت المذيع المصري أحمد سعيد، ونشيد الله أكبر، وخطابات جمال عبد الناصر، لأول مرة أسمع (دار السيد مامونة) يرددها نوري السعيد، وأحاديث ابن الرافدين، ولازمة مروياته التي يبدأها بـ: هاي هيّه القصة تفضلوا اسمعوها، وأصوات المذيعين العراقيين المدّوية: محمد علي كريم، ناظم بطرس، عادل نورس، مال الله الخشّاب، موحان طاغي. و"هنا لندن" بصوت المذيع السوداني الفخم ماجد سرحان. وزملائه: حسن الكرمي، الروائي الطيب صالح، رشاد رمضان، أحمد كمال سرور، مديحة المدفعي..وغيرهم.

ولعل إذاعة الشرق الأدنى البريطانية التي تبث من قبرص تفخر بمذيعيها من جنسيات عربية، كشفت الإذاعة عن توجهاتها المعادية لمصر والشعوب العربية أثناء العدوان الثلاثي، آنذاك هجرها المذيعون العرب تضامناً مع مصر.

في الراديو تستحيل الأصوات إلى امتدادات معذبة، تنطق بها نفوس تقودنا إلى ينابيع الأحلام، أم كلثوم في حفلتها الشهرية في حدائق الأزبكية، أصوات حضيري أبو عزيز (بلبل الريف)، داخل حسن، زهور حسين، وحيدة خليل، سهام رفقي، وملك، أصوات تواصل الحنين كي لا يطيح بنا الحزن، المغنون يدعونا دائما إلى الامتثال الهادئ لحناجرهم، كي لا يتبدد ذلك السحر الذي ينتشر كالفرح في المسامع.

أشهد أن بي (مسٌ) من الراديو لم يُعالج، لا أجهزة التلفزيون أسعفتني، ولا التقنيات الحديثة جداً قدمت لي البديل، فهذا (الكائن) أودع فيّ عشقاً لا فكاك منه، يمتلك كل حواسي، تستيقظ من خلاله المدن والنداءات والتاريخ، كأني بمفتاحه الصغير أدخل الى العصر، ومازلت أذهب صوب الماضي البعيد، فصرت مضرباً للأمثال لما أقتنيه من عشرات (الراديونات)، بألوان وأحجام وأنواع نادرة، مع تصاعد أزمات الحروب، لا أكتفي بجهاز واحد، أستمع بهذا، وأسجل بالآخر في آن واحد، أسافر لبلدان العالم وبرفقتي جهاز للراديو، لا هدوء في الليل او سكون من دونه، وفي العودة معي جهاز جديد أشتريه ( قرض فرض).

انه لون من ألوان التعزية لمن يعاوده الحنين إلى تلك المرافىء الجميلة، التي أودعت في طفولتنا الأسئلة والحيرة، هو خيط سري يوصلني بالمكان، والزمان.

***

جمال العتّابي

................

* برداغ: كلمة أصولها تركية تعني القدح، أو الكأس..

أَسْرَارُ السَّبَائِكِ الْفَنِّيَّةِ لِلْحُبِّ

اختيار مقطع واحد من بين مئات روائع أم كلثوم العاطفية يبدو كمن يحاول اختيار نجمة واحدة من مجرة، لكن إذا بحثنا عن المقطع الذي يختزل "فلسفة العشق والوجد" بكثافة شعورية خارقة، فلا يمكن إلا أن نتوقف عند ملحمة "أطلال" من كلمات إبراهيم ناجي وألحان رياض السنباطي.

حين تقترب أم كلثوم من هذه الأبيات، لا تصبح مجرد مطربة تؤدي لحناً، بل تتحول إلى ناسكة في محراب الحب، خاصة في المقطع الخالد

يَا فُؤَادِي لَا تَسَلْ أَيْنَ الْهَوَى

كَانَ صَرْحاً مِنْ خَيَالٍ فَهَوَى

اسْقِنِي وَاشْرَبْ عَلَى أَطْلَالِهِ

وَارْوِ عَنِّي طَالَمَا الدَّمْعُ رَوَى

 كَيْفَ ذَاكَ الْحُبُّ أَمْسَى خَبَراً

وَحَدِيثاً عَاطِراً مِنْ حَدِيثِ الْكَرَى؟

إنه يصور أعلى درجات الحب؛ ليس فقط في لحظات نشوته ووصاله، بل في لحظة "الانهيار النبيل" حين يتحول الصرح العظيم إلى أطلال، ويبقى المحب وفياً لذكرياته، يرويها بالدمع. وأن الأداء الكلثومي المعجزة التمهيد الموسيقي للسنباطي مع إلقاء أم كلثوم لكلمة "فَهَوى" بصوت يقطر شجناً وحزناً أبدياً، يضع السامع أمام حالة وجدانية كاملة تكخص كل المعاني التي تحدثنا عنها في مقالك عن عظمة الحب والهج

مهندسو الكلمة.. من أحمد رامي وإبراهيم ناجي إلى صلاح جاهين

تفرّدت أم كلثوم طوال مسيرتها باختيار دقيق وذكي لمن يكتبون لها، فلم تكن الكلمات مجرد حروف تُلقى على عواهنها، بل كانت مواد بناء أساسية لصرح طربي شامخ تنوعت مدارسه ومشاربه. على رأس هذا الصرح وقف أحمد رامي، "شاعر الشباب" الذي كتب لها النصيب الأكبر بنحو 137 أغنية، ليشكل معها ثنائياً عذرياً أسطورياً يحاكي الحب في أصفى وأعمق تجلياته. وإلى جانبه، برز بيرم التونسي، شاعر الشعب والواقعية البسيطة الذي نقل الوجدان من صالونات النخبة إلى نبض الشارع والحارة المصرية.

ولم تقتصر القائمة على ذلك، بل امتدت لتشمل قامات شعرية وأدبية كبرى؛ فمن الطبيب والشاعر الرومانسي الكبير إبراهيم ناجي الذي غنت له قصيدته الخالدة "الغروب" (التي لحنها رياض السنباطي بعبقرية مطلقة)، إلى الشاعر محمود غنيم الذي أثرى مكتبتها بـ "الملك الضليل" بلغة فصحى تراثية رفيعة. كما حضر الجانب الروحي والديني بقوة عبر كلمات عبد الفتاح مصطفى الذي كتب العديد من الأناشيد والقصائد الدينية الخالدة، بينما وضع صلاح جاهين بصمته الوطنية المميزة في كلمات بعض الأعمال الخالدة مثل "الرئيس والعروبة".

وفي مراحل لاحقة، انضم إلى هذه الكوكبة عمالقة الجدد مثل السوري نزار قباني بجرأته وحداثته، ومرسي جميل عزيز، وعبد الوهاب محمد. كل شاعر من هؤلاء أتى من مدرسة ومدارس فكرية مختلفة تماماً، لكنهم جميعاً التقوا في محطة استثنائية واحدة: احترام النص، والوعي بقيمة الحنجرة التي ستؤديه، والقدرة على خلق حالة وجدانية متكاملة.

الرابط العضوي والمؤسسي.. وهل هم حقاً في "وادٍ واحد"؟

إن الرابط الأساسي الذي جمع هؤلاء الشعراء بأم كلثوم لم يكن مجرد علاقة "كاتب بملحن ومطرب"، بل كان مشروعاً ثقافياً وفنياً متكاملاً رعته أم كلثوم بذكائها الفطري وإدارتها الصارمة لفنها. لقد تمثل هذا الرابط في الارتقاء بالذائقة العامة عبر تقديم الفصحى والزجل الراقي في قالب يستميل وجدان الجمهور العريض لتُسمع القصيدة الفصحى الصعبة في المقاهي والبيوت البسيطة، يوازيه احترام مطلق للنص حيث لم تكن أم كلثوم تغني حرفاً واحداً لا تقتنع بدلالاته النفسية والدرامية، فضلاً عن تناغم طبقي وثقافي جعل شعراء مثل بيرم وأحمد رامي يشعرون بأن صوت كوكب الشرق هو الحامل الأمثل لمشروع الهوية الفنية المصرية والعربية في النصف الأول من القرن العشرين.

ولكن، حين نتأمل هذا النتاج الشعري، يبرز تساؤل جوهري حول ما إذا كانوا متشابهين ويمكن جمعهم في "وادٍ واحد" تحت لواء الحب والهجر. للوهلة الأولى، يبدو النتاج الشعري لأم كلثوم كأنه كتلة واحدة تدور في فلك الوجع العاطفي ولوعة الفراق والشوق والهجر، مما يولد انطباعاً بالتكرار والنمطية، غير أن نظرة فاحصة تكشف عن تباين جذري ومسافات شاسعة بينهم.

فنجد أحمد رامي يعبر عن مدرسة العذريّة والرومانسية الحالمة، إذ كان الرابط لديه مرآة لقصة حب شبه صامتة وأبدية متأثرة بعمر الخيام وشعر العذريين العرب حيث الحب عذاب نقي ومثالي والهجر حالة وجودية يعيش فيها المحب على أمل الوصال. وفي المقابل، يمثل بيرم التونسي مدرسة الواقعية الشعبية والحنين الدافئ؛ فعندما يكتب عن الهجر واللوعة مثل هو صحيح الهوى غلاب أو صالحني، فهو لا يتحدث عن صالونات الأرستقراطيين بل عن أزقة الحواري المصرية ولغة ابن البلد الحية بمرارة واقعها وبساطتها. وحين ننتقل إلى مراحل متأخرة مع نزار قباني وعبد الوهاب محمد، يختلف الأمر جذرياً عبر إدخال الحداثة، والعنفوان الأنثوي، والتسييس العاطفي والوطني، ولغة عاطفية أكثر مباشرة وعصرية تواكب جيلاً جديداً من المستمعين.

خلاصة القول: هم لا يمكن جمعهم في وادٍ واحد من الناحية الفنية والفكرية؛ فكل شاعر أتى من بيئة ومدرسة مختلفة تماماً بين الشعر الصوفي، والرومانسية الكلاسيكية، والواقعية الشعبية، والحداثة. لكن الجامع الوحيد الذي صبّهم في قالب يبدو متماوهاً هو سلطة أم كلثوم وقالب الأغنية الطويلة. فالطرب الأصيل الذي يمتد لساعة ونصف يحتاج درامياً إلى صراع عاطفي حاد يتدرج من النشوة واللقاء، إلى القلق والخصومة، ثم لوعة الهجر والفراق، وصولاً إلى العتاب والرجوع، وهذا الهيكل الدرامي الإلزامي هو الذي فرض هيمنة تلك التيمات وجعل الأقلام المختلفة تصب في نهر واحد ظاهرياً بينما كانت منابعها الفكرية متباينة أشد التباين.

أسطورة الحب الطويل وصورة "السبيكة الفنية" المتكاملة

تتأكد هذه الثنائية حين ندرك أن الحب لم يكن مجرد تيمة عابرة، بل كان النبض الأساسي الذي استند إليه قالب الأغنية الطويلة. فالمسرح الغنائي الطويل الذي يتجاوز الساعة ونصف للسلطنة كان يحتاج درامياً إلى صراع عاطفي حاد يتدرج من نشوة اللقاء والوصال، إلى قلق الخصومة، ثم لوعة الهجر والفراق، وصولاً إلى مرارة العتاب والرجوع؛ وهذا الهيكل الدرامي الإلزامي هو الذي فرض هيمنة مشاعر الشجو والهجر، وجعل الأقلام المختلفة تبدو كأنها تصب في نهر واحد ظاهرياً بينما كانت منابعها الفكرية متباينة أشد التباين.

وهذا ما قاد مباشرة إلى تشكيل "الصورة الجمعية" وتلك السبيكة الفنية الكيميائية الفريدة التي لا تقبل التجزئة؛ فلا يمكن لأغنية أم كلثوم أن تُختزل في كلم وحدها أو لحن منفرد، بل كانت بناءً متكاملاً يتشكل من صوتها المعجزة، وعمق كلمات الشعراء، وعبقرية أساطير التلحين كالسنباطي وعبد الوهاب وبليغ حمدي، وصولاً إلى تفاعل الجمهور الحي على المسرح. لقد كان المستمع يعيش طقساً وجدانياً متيقظاً، وغياب أي ضلع من أضلاع هذا المثلث كان سيؤدي حتماً إلى تداعي البناء وضياع العمل في زحام النسيان، لتظل هذه المنظومة هي السر الأبدي لخلود كوكب الشرق.

أسطورة الحب الطويل وصورة "السبيكة الفنية" المتكاملة

تتأكد هذه الثنائية حين ندرك أن الحب لم يكن مجرد تيمة عابرة، بل كان النبض الأساسي الذي استند إليه قالب الأغنية الطويلة. فالمسرح الغنائي الطويل الذي يتجاوز الساعة ونصف للسلطنة كان يحتاج درامياً إلى صراع عاطفي حاد يتدرج من نشوة اللقاء والوصال، إلى قلق الخصومة، ثم لوعة الهجر والفراق، وصولاً إلى مرارة العتاب والرجوع؛ وهذا الهيكل الدرامي الإلزامي هو الذي فرض هيمنة مشاعر الشجو والهجر، وجعل الأقلام المختلفة تبدو كأنها تصب في نهر واحد ظاهرياً بينما كانت منابعها الفكرية متباينة أشد التباين.

وهذا ما قاد مباشرة إلى تشكيل "الصورة الجمعية" وتلك السبيكة الفنية الكيميائية الفريدة التي لا تقبل التجزئة؛ فلا يمكن لأغنية أم كلثوم أن تُختزل في كلم وحدها أو لحن منفرد، بل كانت بناءً متكاملاً يتشكل من صوتها المعجزة، وعمق كلمات الشعراء، وعبقرية أساطير التلحين كالسنباطي وعبد الوهاب وبليغ حمدي، وصولاً إلى تفاعل الجمهور الحي على المسرح. لقد كان المستمع يعيش طقساً وجدانياً متيقظاً، وغياب أي ضلع من أضلاع هذا المثلث كان سيؤدي حتماً إلى تداعي البناء وضياع العمل في زحام النسيان، لتظل هذه المنظومة هي السر الأبدي لخلود كوكب الشرق

***

ئاريان علي

 

انشقّ ستر الدُّجى عن زفرة الشفق المُدمَّى، وسال كحل الليل في جمرة الأفق الثائر عندما طلعت شمس ذلك اليوم مثل مهند صقيل يفلج هامة الظلام ليستوي النهار على عرش من رماد الأسفار المفقودة.

تراءت المباني كأشباح قرون خلت منتظرة كفّ الملحمة كي تستلّ الحبر من جراح الوغى وتدون تاريخ ما احترق.

استقام شروق الشمس ليكشف عن رجل يجلس على طرف سريره تسكنه الهشاشة.

كان يهذي برأس أثقله الشيب المبكر، وعينين غائرتين تحيط بهما هالات داكنة تشبه آثاماً لم يرتكبها بعد.

اختُزل وجوده في حواسّ دقيقة تتغذى على الفاجعة، لتترامى على جانبي رأسه أذنان تتلقفان همس الانكسارات، وأصابع رفيعة ملوثة دائماً ببقع رمادية لا تزول.

ما إنْ مالت خيوط الشمس قليلا على جسد وجهه حتى شعر بشيء ينكسر في صدره على شكل حركة ارتجاج ثقيلة في أعمق قفصه الصدري.

وضع يده المرتجفة على صدره، ليكتشف التحول الفادح.

تحسّس بيده مكان قلبه ليصرخ من قحف رأسه: يا إلهي، ما الذي يحدث لي؟

لقد اختفى النبض الحيوي، واستُبدل قلبه بمحبرة نحاسية عتيقة سكب فيها غريبٌ حبراً أسود كثيفاً ولزجاً.

بدأت اللعنة يوم اتخذ قراره السّرّي الخاطئ بأنْ يصف المعارك، ويحلل الشغف، ويصوغ الرثاء.

شعر برائحة الحبر المُرّة تتصاعد مع كلّ نفَس، واستشعر ثقل السائل الأسود وهو يترسب في تجويف صدره متأهّبًا للتدفق عبر عروقه نحو أصابعه.

كان يعلم تماماً أنه لم يعد إنساناً يتنفس شهيقا وزفيرا، لقد تحوّل إلى مضخة للكلمات، وما عليه الآن سوى البحث عن الضحية الأولى التي سيكتبها هذا الصباح.

كان الثمن باهظاً وواضحاً منذ البداية، فلكي تكتب عن النيران عليك أنْ تحترق أولاً، ولكن بشرط ألا تصرخ.

فقط اجلس جانباً وسجّل ببرود سرعة اشتعال ثيابك.

جلس الرجل في المقهى أمام الطاولة الخشبية التي فقدت لونها من كثرة ما اتكأ عليها الخائبون.

انتظر قليلا، ثمّ جاء النادل يحمل قهوة رديئة، وسأله بنبرة آلية:

- كيف حالك اليوم؟

ابتسم الرجل ابتسامة صفراء، وتناول دفتراً صغيراً من جيبه، وسجل: النادل يسأل عن الحال وهو يرجو في سرّه أنْ أموت الآن كي لا يضطر لتنظيف الطاولة بعدي.

هذا هو المرض، لقد أصبح يرى الناس استعارات مكنية ومشاريع جمل مفيدة. عندما بكت المرأة التي كان يحبها في العام الماضي وهي تودعه إلى غير رجعة لم يبكِ معها، فقد كان مشغولاً بتأمل طريقة تساقط الكحل أسفل عينها اليسرى، وتفسير سقوط دموعها التي تشبه شتاءً سقط بالخطأ في أغسطس.

يبدو أنّه فقد القدرة على البكاء الحقيقي، وصار يملك بدلاً منه حصالة من التشبيهات.

لقد سرق مأساتها ليعيد بيعها لاحقاً في سطرين.

مرت سنوات وهو يقتات على الخسارات كلما سقطت مدينة، أو مات صديق، أو خاب أمل.

كان أقرانه ينوحون، بينما كان هو يهرع إلى قارورة الحبر كذباب يشمّ رائحة الجرح.

سرعان ما تحول من إنسان يخوض الحياة إلى طفيلي يتغذى على جثث المشاعر.

في ليلة باردة ألقى الرجل القلم جانباً، ونظر في المرآة، فلم يجد وجهه.

كلّ ما وجده هو ورقة بيضاء تجعدت أطرافها من كثرة المحو.

قرر أنْ يمارس فعل الحياة لمرة واحدة وأخيرة دون أنْ يكتب.

خرج إلى الشارع، وصرخ بأعلى صوته، وبكى، وحاول أنْ يحبّ، لكنه في كل لحظة انفعال كان هناك صوت في خلفية رأسه يهمس له: عد إلى الطاولة سريعا، فهذا الموقف يصلح لمقدمة الفصل الثالث.

أدرك الرجل القصاص الحقيقي للكلمات فهي تجعلك شاهداً على جنازتك الخاصة، وتدفعك لتقييم جودة النعش أثناء حملك فيه.

عاد إلى حجرته الضيقة، وجلس أمام الورقة، ثمّ ملأ السلسلة بالأحرف حتى جفت عروقه تماماً.

وعندما أفرغ آخر قطرة من الألم على الورق نظر إلى المرآة مجدداً، فلم يجد حتى الورقة البيضاء.

لقد أكلت الكلمات صاحبها، ولم يتبقَ في الحجرة سوى ثوب فارغ، وقلم ينقط حبراً على أرضية تشربت المأساة بابتسامة ونقطة سوداء.

***

غدير حميدان الزبون

فلسطين

المشهد الأول

وقال لي:

ـ لِنَمشِ جَنْبًا إلى جَنْبٍ، لا يهمُّني ما تُؤْمِنُ به، إلهاً كان أم حجرًا. فإن تراجعتَ خطوةً واحدة، فاضربْ، لا ترحم، ولا تتردَّد.

المشهد الثاني

رفعتُ رأسي بعد صمتٍ طويل، ونظرتُ إليه:

ـ لماذا نمشي؟ وما الذي يجمعنا، حتى إن تخلَّفتُ خطوةً أستحقُّ الضرب؟

سكتَ قليلًا، ثم قال بصوتٍ نقيٍّ لم يكن فيه أثرٌ لما سواه:

ـ لا يجمعنا دينٌ ولا حجر. لا يجمعنا إلا أنَّ المضيَّ قُدُمًا هو الحياة، وأنَّ الرجوع خطوةً خطوةً هو الموت الذي نؤجِّله. إن تخلَّفتَ، فقد تركتني أمشي وحيدًا، وأخبرتني بأنَّ ما بيننا ليس أهلًا لأن تُجاهد من أجله. والضرب ليس عنفًا؛ هو أن أوقظَك قبل أن تُغرقني معك. هو أن أُحبَّك بما يُنقذك، لا بما يُرضيك.

لم يُكمل كلامه حتى تغيَّرت نبرته. صار الصوت أثقلَ، مُردَّدًا، كأنَّه يتكلَّم عن نفسه من خلف حجاب:

ـ ولكنَّني لم أُربَّ على هذا. علَّموني أنَّ الرحمة فوق كل شيء. أنَّ مَن أحببتَه تحتمله، حتى لو توقَّف، حتى لو تراجع.

كيف أرفع يدي عليك وقد سمعتُ طول عمري: «لا تقسُ؛ الرحمة تجمع، والقسوة تُفرِّق»؟

هذا ليس ما أعرفه عن نفسي.

صمتنا معًا ونحن نتابع طائرَ الكُرْكي، يبدو حديثَ العهد بالسفر، حين يلتحق بجماعته ويأخذ مكانه في المثلث.

هكذا تطير لتقاسم عبء الرياح، وإذا تعب قائد السرب، تراجع إلى الخلف ليحلَّ محلَّه آخر

وهمسَ دون أن يلتفت إليَّ:

ـ ولكنَّ رحمةً تتركك تغرق ليست رحمة. وعنفًا لا يُنقذ أحدًا ليس إلا عنفًا.

أليس الحبُّ أن تحتمل، لا أن تُوقِع؟

أليست ضربةٌ تُوقظك أرحمَ من موت؟

ثم مالَ نحو السير، وقال بصوتٍ يضيع بين خطاه:

ـ لا نعرف بعدُ أيُّنا سيكون أولَ مَن يحمل المضرب، وأيُّنا ينتظر أن يُوقَظ.

تقدَّم خطوةً ولم يلتفت. وظللتُ أراقب المثلث في السماء؛ يتغيَّر شكله كلما تقدَّمت الطيور.

ولم أدرِ أيُّ المكانين أكثر أمانًا:

أن أكون في المقدِّمة، أم أن أكون مَن يُجبَر على اللحاق؟

المشهد الثالث

فجأةً ...

صار الاثنان واحدًا.

واختفى الواحد داخل غابة البشر.

لكنَّ الغابة لم تكن سريرًا للالتحام، بل كانت مفرمةً للوجوه. ذبُلت الجماعة في زحام القطيع وفوضى الدروب.

ومع أول منعطفٍ حادٍّ، تعثَّرت الخُطى، وانفصم الجسد الواحد بعنف؛ ليعود الاثنان إلى عهدهما القديم:

جسدٌ التفت إلى الخلف، يبحث عن مأوى للشكوى، وجسدٌ اندفع إلى الأمام بجنون ينهشه الخذلان.

وبينهما انقطعت حبال الهمس.

المشهد قبل الأخير.

كتبت بعض الجرائد في حقِّهما:

واحدٌ منهما ملأ الغابة بوجع الأنين، وكأنَّ الغابة في حاجةٍ إلى المزيد.

أمَّا الآخر، فبصوتٍ غاضب، كأنَّ فمَه فوهةُ بركان، وبعد صرخةٍ مديدة، قال:

ـ ألم أُحذِّرك من قهقهات الآخرين؟

طبعًا؛ لأنني أراك الغريق في يَمِّ الجبن ومهزلة الشكوى، فلا أُذنان لك تسمع بهما.

يا شريكي، للغابة منطقها الجديد؛ لا أحد يسمع لأحد.

يتخبَّطون في كل اتجاهٍ كآلاتٍ مصعوقة، تلتطم الوجوه بالوجوه في سعيٍ أعمى، ولا أحد يدري، في غمرة هذا الذهول، لِمَ الاندفاع وإلى أين المسير!

تحرَّك...

هل أجرُّك كطفلٍ أفسدوا تربيته؟

خنتَ العهد؛ كان عهدي أن أدفعك إلى الأمام، وأنت تجرُّني إلى هاويات المستنقع.

كانت هناك بومةٌ تعيش بين طيورٍ ألفت العتمة، واقتنعت بما يتركه الليل من فتات.

ذات يوم، حلَّقت بعيدًا عنهم، فرأت الشمس.

عادت إليهم، وقالت:

ـ هناك ضوءٌ في الخارج، وحياةٌ أوسع ممّا تظنون.

ضحكوا منها، واتهموها بالجنون والتشاؤم. قالوا إنَّ عينيها، اللتين اعتادتا الظلام، لم تعودا تريان الحقيقة. ثم طردوها بالحجارة.

لم تجادلهم.

عادت إلى السماء، ورأت الشمس مرةً أخرى، ثم هبطت بعيدًا عنهم.

صحيح:

«من خرج إلى الضوء، قد يعود غريبًا في عيون الذين ألفوا العتمة.»

المشهد الأخير

طُوِيَت الجرائد، وجفَّ الحبر، وبقيتُ وحدي أواجه الحقيقة العارية؛ لم يكن هناك غريمٌ أُعاتبه، ولا رفيقٌ خذلني في المسير.

لقد كنَّا واحدًا منذ البدء.

أنا هو البركان الثائر المندفع نحو اليقظة، وأنا ذاتي المستنقع الراكد الذي يشدُّني إلى القاع.

ولا أدري أيُّ شِقَّيَّ قد انتصر في النهاية:

أهو ذلك الطائرُ الذي يريد التحليق، أم هذا الماءُ الآسنُ الذي اختارَ الموتَ البطيء؟

فمَن منّا كان البومة؟

ومَن منّا ظلَّ متشبثًا بالعتمة؟

***

عبد الحق طوع

 

في المثقف اليوم