عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

أقلام ثقافية

مقال مذاع من محطة BBC / القسم العربي عام 1997

يعتبر الروائي العراقي المغترب قصي الشيخ عسكر من الروائيين القلائل، الذين كتبوا روائيا عن شخوص عربية تعيش في الغربة، معالجا تفاعلاتهم النفسية والثقافية في البيئة الغريبة الجديدة أي أنّ هذه الشخوص لا ترتد إلى ماضيها وكأنها تريد أن تسترجعه {وكان من الأوائل الذين فعلوا ذلك، يحيى حقّي، وتوفيق الحكيم، والطيب صالح}.

غير أنّ قصي الشيخ عسكر يخرج لنا هذه المرّة بثلاث روايات، لا تدور حوادثها بأوروبا حسب، ولكنها روايات من الخيال العلمي حسب قول المؤلف{ولابدّ أنّه أدرك أنّها ليست روايات علمية كما هي معروفة في البلدان المتقدمة، لذا قال روايات من الخيال العلمي}.

عناوين الروايات الثلاث: التجربة، النفق، الموتى يزحفون.نتعرف في رواية التجربة، منذ الأسطر الأولى على شخص اسمه"بيترسون"وهو مهندس ميكانيكي يتعامل مع الآلات من السابعة صباحا حتى الثالثة بعد الظهر كأنّ حياته تشكو من جفاف قاتل وصخب في العمل، وصخب في الخارج مصدره الناس والسيارات والقطارات،، وبسبب من هذه الحياة الجافة الخالية من الأحلام أصيب بكآبة شديدة هدّت جسده القويّ عندئذ لجأ إلى طبيب نصحه بالهرب من الحضارة والانعزال عن الآلة تماما، وذلك باللجوء إلى مدينة منعزلة أقامتها مجموعة من العلماء والأطباء، كتجربة أولى لا أثر للحضارة فيه.إنها مدينة عصور وسطى"مصابيحها تنار بالزيت، ووسائل النقل فيها عربات تجرها الخيول.كل شيء فيها مصمم وفق طراز العصور الوسطى {والأغرب من ذلك أنّ الطيران المدني والعسكري منع من التحليق فوق أجوائها}وفي هذه المدينة أيضا مُنِع المذياع والتلفزيون والتدخين، كما مُنِعت البندورة والبطاطا على اعتبار أنّ اكتشافهما حدث بعد عصر النهضة.

في هذه المدينة القروسطيّة يتعرف بيترسون أول ما يتعرف على جارته نادين وتزداد أواصر الصداقة بينهما يوما بعد يوم إلى أن يتزوجا ولكنها تعترف له بالتدخين وهو ممنوع في هذه المدينة، وأكثر من ذلك أنّها كانت تعمل في التهريب أي التعامل مع القرن العشرين، فتطرد من القرون الوسطى.الغريب في هذه القصة أن شخوص الرواية يتحدثون عن المستقبل وكأنّه ماض سحيق مروا به.وهذا هو ابتكار قصي الشيخ عسكر بالضبط وهو ابتكار طريف للغاية .جعل شخوصه يعيشون المستقبل أي القرن العشرين، وحين أرجعهم إلى القرون الوسطى، أصبح المستقبل الذي كانوا يعيشونه ماضيا بعيدا.

أما الرواية الثانية فهي بعنوان "الموتى يزحفون"وفيها يخترع عالم يدعى بدوان هيكلا عظميا عن طريق جهاز خاص يستجيب لأوامر الإنسان فيساعد في الطبخ وتنظيف المنزل، وحتى تنظيف الشوارع .إنه مستعد لكل خدمة غير أنّ وزير الصناعات الحربية وجدها فرصة لاستغلال هذه الهياكل العظمية في حربه مع دولة مجاورة كبيرة كانت قد احتلت مساحات واسعة من بلده الصغير، فكان له ذلك وبالفعل قامت تلك الهياكل بتدمير البلد المجاور، ولكن بعد هذا الانتصار تبين أنّ ثمة فيروسا دخل في الكومبيوتر فغير في سلوك الهياكل العظمية حيث راحت تدمر أبناء البلد الذي أنتجها.

الرواية الثالثة هي رواية "التجربة" حيث أعلن طبيب ألماني عن تجربة جديدة تُجرى على الإنسان مباشرة، وسيُدفع لمن تُجرى عليه التجربة، خمسون ألف دولار، في حالة الوفاة.لم يتقدم إلى هذه التجربة سوى شخص لبناني شاب يدعى عبد الله، كان قد هرب من أتون الحرب الأهلية بلبنان، ونظرا لعوز أمه وأختيه بلبنان وافق على قبول عرض الطبيب .التجربة الجديدة لا تعدو أكثر من زرع خلايا جديدة في المخ، وبات الشاب اللبناني يتكلم عشر لغات بطلاقة تامة. ولكن ماهي إلا أيام واكتشف أن الخلايا الجديدة قضت على خلايا لغته الأم. وهكذا نسي اللغة العربيّة، فوجد نفسه عاجزا عن فهم رسائل أمّه، وعاجزا عن الكتابة إليها باللغة العربيّة التي لا تعرف سواها، فما كان من الطبيب إلا أن نصحه بتعلم اللغة العربية من جديد.

مهما يكن من أمر، فمن الصعوبة قبول هذه الروايات على أنها روايات علمية بالمعنى الدقيق للمصطلح، ولكنها أقرب ماتكون إلى روايات فنتازية توسلت العلم ليس إلا.

ملاحظة مهمة:

الحقيقة في منتصف ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي لم يكن هناك انتشار واسع للكومبيوتر ولم تستخدمه دور النشر بل كانوا يصفون الحروف وكثرا ما يحدث خطأ، فالصديق عبد الرحمن النعيمي رحمه الله صاحب دار الكنوز أبقى في الداخل عبارة (روايات خيال علمي) وحدث في الغلاف خطأ وهو (روايات علميّة) كنت وقتها في كوبنهاغن وزرت دمشق ولبنان بعد سنة من طبع الكتاب وفوجئت أن على الغلاف عبارة (روايات علمية).

الكتاب طبع في بيروت، دار الكنوز عام 1995.

 

ثمّ تعود، فتدخلُ الغرفةَ بخطىً تحملُ أثرَ اليومِ كاملًا، لتضع على الأرضِ خريطةَ ما مرّ بك من لحظات.

يتّكىء الضوءُ على الجدرانِ بهدوءٍ ذهبيّ، وتواصل الساعةُ تدويرَ الزمنِ بإصرارٍ بارد، بينما أنتَ تعيدُ ترتيبَ حضورك داخل المكان.

تقتربُ من مكتبك، فيتقدّمُ القلمُ أمامك ككائنٍ نهمٍ ينتظرُ إشارةَ البدء.

هو يعرف أنك جئتَ محمّلًا بما تبقّى من نفسك، ويتهيّأ لالتقاطه سطرًا سطرًا.

تجلسُ على الكرسي، فينكمشُ العالمُ حولك ليصيرَ مساحةً صغيرةً بينك وبين الورق.

تلامسُ الأصابعُ سطحَ الطاولة، وتستعيدُ حرارةَ النهارِ الذي انسكبَ بين المهامِ والطرقاتِ والوجوه، ثم تهبطُ على القلمِ ببطءٍ محسوب، وتختارُ لحظةَ الولادةِ من جديد.

تبدأُ الكتابةُ بحركة خافتة، ثم تتسعُ شيئًا فشيئًا كنبعٍ يشقُّ صخرَ الصمتِ ويصعدُ إلى الضوء.

تنزلقُ الكلماتُ على الصفحةِ مثل خطواتٍ واثقةٍ تعبرُ جسرًا بين التعبِ واليقين.

لا زالت تنزلقُ بين ما تكدّسَ في الداخلِ وما يبحثُ عن مخرجٍ إلى العلن.

كلُّ حرفٍ يحملُ جزءًا من اليوم، وكلُّ جملةٍ تعيدُ تشكيلَ ملامحِك التي تشظّت في الزحام.

سرعان ما يتحول القلمُ إلى ذاكرةٍ تتحرك، فنبضٍ يُدوّنُ ما عجزَ عنه الصدرُ طوال الساعات.

تتسعُ اللحظةُ أكثر، ويمتزجُ الورقُ بالزمن، ثمّ يستقرُّ المساءُ داخلَ السطور.

يصبح المكتبُ ميناءً صغيرًا ترسو فيه السفنُ التي عادت من رحلاتٍ طويلة محمّلةً بما جرى، وما تراكم، وما تشكّل في صمت.

وفي اللحظة التي يكتملُ فيها السطرُ الأخير يتخذُ الهواءُ شكلهُ الجديد، وتستقرُّ الروحُ على هيئةِ كتابةٍ تمشي في الداخل، لتصيرَ أنتَ النصَّ الذي وُلدَ منك، والقلمُ الذي حملك من البداية حتى النهاية.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

صديقي سالم علي الشيخ و"قدّح المشمش"

مهما امتد بنا العمر لن نجد أصدقاء بنقاوة وبطيبة رفاق الطفولة، زملاء الدراسة الابتدائية، وخاصة إذا استمرت تلك الصداقة إلى أن تبلغ من الكبر عتيا. ومن بين تلك الصداقات الكثيرة والجميلة أتذكر صديقي سالم الشيخ علي من أيام مدرسة سنجار الثانية الأبتدائية.

 بالتأكيد هناك العديدون، فهم كالملائكة يتشابهون في الأخلاق الحميدة، والخصال الرائعة، والطيبة، والكرم، ولكن هذه الليلة هي ليلة العزيز سالم.

وكان الزمان في سبعينيات القرن الماضي حين التلفزيون الأبيض والأسود هو الترفيه الوحيد في مدن بعيدة في خاصرة العالم، مثل مدينة سنجار.

كنا نجتمع أيام الجمع صباحا في جايخانة العم نادرو التي كانت لصق دكان أبي. نشرب حامضا بعشرة فلوس بالتمام والكمال وننتظر افتتاح التلفزيون في العاشرة صباحا، ومن ثم تبدأ فترتنا البهيجة، فترة برامج الأطفال، وبعدها منوعات الأغاني وكانوا يشتلون في قلبها دوما أغنية أو ربما أغنيتين هندية، وتكون غالبا من أغاني الأفلام لأمير السينما الهندية شامي كابور، وللأسطورة راج كابور. وغالبا ما تكون أغنية (كتبنا وما كتبنا) لفيروز حاضرة، وأغنية أخرى لسعدون جابر، وطبعا أكثر من أغنية مصرية، وإن سنح الوقت أغنية خليجية، وهكذا نمت لدينا ذائقة موسيقية شعبية مخلوطة بالشجن الهندي والشرقي العربي مع الغربي والخليجي، فكان واحدنا منذ الصغر يتنفس فنا، وذوقا فنيا.

وكما لا يخفى، التلفزيون كان من الكماليات في ذلك الزمن، لا يقتنيه الجميع. أتذكر في محلة بربروش المعروض كبدها أبدا للشمس السنجارية العامرة، كان بيت صديقي سالم من البيوت القليلة التي تسمع فيها صوت التلفزيون في المساء، حيت يضعونه في الحوش أيام الصيف ويبدأ زحف الجيران، الكبار قبل الصغار.

في بعض الأيام وخاصة أيام الخميس عندما ينتهي دوامنا ونخرج من مدرستنا المقدسة ـ سنجار الثانية ـ كنت أقول لسالم هل ستأتي إلى الجايخانة غدا صباحا، فيقول لي:

"لا سأتفرج على التلفزيون في البيت، نحن أيضا لدينا تلفزيون وسنستمع إلى سعدون جابر وهو يغني (قدّح المشمش). ويهز رأسه وكأنه يقدح بهجة وفخرا.

كذلك في سبعينات القرن الماضي كان حضور الفن المصري طاغيا في التلفزيون العراقي، وكان فلم الجمعة العصر، وبالتحديد الساعة الرابعة عصرا، وهو توقيت بدء الحفلة العصرية في جميع دور سينمات الموصل أيضا. كنا نرقص طربا إن كان الفلم من بطولة فريد شوقي، لأنه بطل الفلم وسيشبع العصابة ضربا.

ربما أغاني سعدون جابر وعبد الحليم حافظ وحدها كانت تغرينا بالحفظ وإعادة دندنتها، فهي التي كانت تمهد لطريق إنتظار المراهقة عند الخروج من الابتدائية. وكانت أغاني عبد الحليم أكثر شهوة فهي عادة ما تكون مع الجميلات: زبيدة ثروت، أو لبنى عبد العزيز، أو نادية لطفي ومريم فخر الدين وصباح.. الخ من جمال مصر ـ أم الدنيا ـ وكنا ننتظر فلم الساعة الرابعة من أيام الجمع لنقارن بين بعض اللقطات في الأغنيات وما يحدث بعدها في الفلم، وكنا نتحسر بعدم عرض أفلام سعدون جابر، هكذا كنا نظن، إن لسعدون جابر أيضا أفلام مثل عبد الحليم حافظ ولكن لا يعرضوها ولا نعلم السبب، وكان الخيال يأخذنا بعيدا.

ذاك زمن لم يعد بالإمكان استعادة شيء منه غير الذكرى فالدنيا تغيرت، ويمكن مشاهدة ما نرغب فيه الآن بضغطة زر، وكذلك الأصدقاء تفرقوا في البلدان، ومن حسن الحظ صديقي سالم موجود أيضا في ألمانيا إلا إنه في مدينة بعيدة نسبيا وكلما اشتقنا للسؤال عن بعضنا نتواصل عن طريق بعض المنصات الاجتماعية.

في أيام الصيف كنا نجتمع المساء قرب المنارة ونجلس على الرصيف بانتظار العم مجيد الجايجي ليخرج لنا بالتلفزيون، ونتفرج من بعيد على فترة برنامج الأطفال، بعد الساعة السادسة مساء، كنا نستأنس كثيرا وإن تفقد أحدنا الصديق سالم شيخ علي، يسارع بقيتنا بالقول:

يابة، عندهم تلفزيون في البيت، ولهذا لم يكن سالم يتسكع معنا كثيرا في الشوارع والبساتين. قدح المشمش يا سالم، وكذلك التين، وأكثر غصن قدح هو غصن الشوق.

***

مراد سليمان علو

 

إلى معلّمتي ناجية العمرّي

قبل أن أقرأ عناقيد الغضب وعن الفئران والرّجال، قبل أن تجرؤ خطاي على وطء نورمان، أوكلاهوما، لأدرّس في جامعة أوكلاهوما سنة 2014، قد بدأت أعيش عناقيدي الخاصّة من الغضب، قبل أن أعرف أن الطّرق قد تتصلّب حتى تغدو قدرا، وأن الغبار قد يصير ميراثا عائليا، وأن طفلا قد يربّى في كنف الرّحيل قبل أن يتعلّم المعنى الكامل للمغادرة. ومع ذلك، لم يكن الغبار كلّ شيء، ولا الغضب الكلمة الأخيرة؛ فقد كان، تحت هذا الرّكام كلّه، ما يلمع خافتا من رحمة، وما يحفظ القلب من الانطفاء التّام. وبالنّسبة إليّ، كان ذلك الضّوء المبكّر يتجلّى، من حيث لا أدري يومها، في طيبة معلّمتي ناجية العمرّي، رحمها الله.

ولدت في قابس، في جنوب تونس، في جغرافيا معلّقة بين الغبار والبحر والذّاكرة والتّهميش. لم يكن الطّريق 66 طريقي، ومع ذلك فأنا أعرفه: ذلك الأسى الإسفلتي الطّويل للمنبوذين، وللعنيدين، وللفقراء، وللذين لا عودة لهم. في قابس، كان ينبغي للبحر أن يفوح بالملح والرّحمة، لكنه كان في كثير من الأحيان يحمل نفس السّم. وكان المجمّع الكيميائي الوحشي قد بدأ عنفه البطيء، يلطّخ الهواء والماء والضّوء ذاته. لم يكن التّلوّث هناك فكرة مجرّدة؛ لقد كان يدخل الرّئتين، ويستقرّ على النّوافذ، ويختلط بالغبار، ويعلّمنا باكرا أن الرّيح نفسها يمكن أن تصادر. وسوف يتساءل ابن خالتي سفيان بن عون، رئيس فرع قابس لاتحاد الكتّاب التونسيين، يوما، في واحدة من قصصه القصيرة الديستوبية الموحشة: من أين يأتي هذا الغبار؟ولم يكن السّؤال أدبيا فحسب. كان الغبار يأتي من الطّرق، نعم، من الجنوب المهمّل، من تشقّقات البيوت والذّاكرة، ولكنه كان يأتي أيضا من الجرح الكيميائي في قابس ذاتها، من البحر المصاب، ومن الأرض المنهكة، ومن دولة كانت قد قرّرت منذ زمن بعيد أن بعض المدن أكثر قابلية للتّضحية من سواها.

نشأت بين امرأتين حملتا من الأعباء أكثر مما كان ينبغي لهما أن تحتملّا. أمّي، وهي مطلّقة، كانت تمشي في الحياة بكرامة مجروحة، كأنها أجبرت على أن تبدأ من جديد قبل أن يسمح لها أصلا أن تتم حياتها الأولى. وجدّتي، وهي أرملة، كانت تجمع ما تبقّى وتصوغ من الصّبر حرفة يومية. وبينهما تربّيت، لا في ظلال الوفرة، بل في يقظة دائمة، وفي حنان حدّته الضّرورة، ولم تخل قسوته أحيانا، ذلك الحنان الملتبس الذي يمتزج فيه الحبّ بالألم، كما في عالم أبناء وعشّاق. لقد تكفّلتا بي قبل أن ألتقي أبي حتى، كأن أول إرثي لم يكن النّسب بل الغياب. قبل الأب جاء فراغ الأب؛ قبل الاسم جاء الانتظار؛ وقبل كل حكاية عن الأصل، جاءت معرفة أن نساء هجرهن اليقين كنّ يبنين المأوى الهش الذي سأعيش فيه. كانت أيديهما وطني الأول. وكان تعبهما أول درس لي في التّاريخ.

لم تكن قابس، إذن، مجرّد مدينة. كانت كفاحا من أجل التّنفّس، وعالما أموميا من القوّة الجريحة، ومكانا بدا فيه البحر والغبار كأنهما يتنازعان حقهما فينا. لقد علّمني الجنوب أن الجمال والأذى يمكن أن يسكنا الشّارع نفسه. كانت أشجار النّخيل، وهواء الملح، وألفة الجيرة القديمة لا تزال قائمة، لكن الإهمال والفقر والمعرفة المرّة بأن أفق المرء قد سعّر بثمن بخس لدى قوى بعيدة، كانت قائمة أيضا. ومن الجنوب كنّا ننظر إلى تونس العاصمة، لا ببراءة، بل بحاجة. كانت العاصمة تبدو لنا لا مدينة فحسب، بل إذنا وحكما ونجاة مضفورة معا.

وهكذا استقللت القطار شمالا. كان ذلك القطار طريقي الأول 66، وإن كان لا يحمل شيئا من أسطورة الطّريق الأميركية. لم يكن مغامرة، بل ضرورة. كان تمريني الحديدي الأول على الاغتراب. ومع كل ميل كان الجنوب يتراجع، من غير أن يتركني. كنت أحمل قابس في لكنتي، وفي صمتي، وفي تلك الطّبقة الخفيّة من الغبار التي لا يزيلها اغتسال. وكان الرّحيل إلى تونس العاصمة تمرينا مبكّرا على انشطار الذّات: أن تطلب مستقبلا في المركز نفسه الذي عاش طويلا على إهمال الأطراف. وكان القطار يشق طريقه عبر الحر والحجر والبلدات المتناثرة، ويمرّ بصفاقس، المدينة التي كنت أعرف أن أبي كان يقيم فيها، من غير أن أعرف عنه أكثر من ذلك. وحتى ذلك المرور الخاطف كان يزيد الغياب كثافة، كأن القطار لا يقرّبني منه بقدر ما يعلّمني، باكرا، كيف يمكن للقرب أن يظل بعيدا. وكنت أشعر، حتى في ذلك الحين، بأن كل وصول يحمل في أحشائه جنين رحيل آخر.

علّمتني تونس كيف يمكن لبلد أن ينفي أبناءه من غير أن يختم لهم جوازا. يمكن للمرء أن يعيش في العاصمة، ومع ذلك يظل ابن الهامش، ويظل الجنوب عالقا بحذائه، وبحروفه الصّوتية، وبخجله وكبريائه. وفي تونس تعلّمت أن الارتقاء الاجتماعي اسم آخر للتّرجمة، وأن التّرجمة اسم آخر للخسارة الجزئية. يترك المرء البيت، ثم الحي، ثم المدينة، ثم الوطن، وكل رحيل يطالب برسوم تجبى من الذّاكرة. ومع ذلك ظل الطفل الذي في داخلي هناك في قابس: مع أمّه المطلّقة، وجدّته الأرملة، وأبيه الذي لم يكن قد حضر بعد، ورئتَيه المملوءتين بالغبار والأسئلة غير المنطوقة.

ثم جاءت نيويورك. قبل ما يقرب من سبعة وعشرين عاما بلغتها، أو لعلها هي التي ابتلعت خطاي منذ اللّحظة الأولى. جئتها لأن حلمي كان، في جوهره، حلم المغادرة: أن أغادر فحسب، أن أخرج من الضّيق إلى ضيق آخر أكثر اتساعا. أما العودة أو عدم العودة، فلم تكن يوما هي السّؤال. لم يكن السّؤال إلا كيف أرحل، وكيف أواصل الرّحيل. لم أصل إلى نيويورك بقدر ما دخلت في آلتها. ابتلعتني في سرعتها، وفي معدن شتائها، وفي شهيتها التي لا تنام. وإذا كانت قابس قد علّمتني معنى الجرح، وكانت تونس قد علّمتني معنى المنفى الدّاخلي، فإن نيويورك أتقنت الدّرس بجعل الحركة قانونا. هناك لا يسألك أحد أين تشكّلت وحدتك؛ إنما يسألونك فقط: هل تستطيع أن تواكب الإيقاع؟ ومع ذلك، تحت هدير المترو والأبراج، كنت أسمع سككا أخرى: القطار من الجنوب إلى العاصمة، والأصوات المنزلية القديمة لامرأتين تبقيان ثلاثة صغار على قيد الحياة، والنّفس المسموم لقابس، وسؤال الغبار، والسّؤال المعلّق عن أب لم أكن قد التقيت به بعد.

ألّا تعود، ليس إعلانا واحدا يقال دفعة واحدة. إنه تراكم بطيء للمسافات. ترحل أولا. ثم تعود على فترات أقل. ثم يبدأ الذين كانوا يجعلون العودة ممكنة في التّلاشي. ثم تتغيّر الشّوارع، وتتبدّل البيوت، ويتكاثر الموتى، وتصبح الذّاكرة أدق من الجغرافيا. وفي النّهاية يدرك المرء أن العودة ليست مستحيلة لأن الطّائرة لا تستطيع الهبوط، بل لأن الذّات التي غادرت، والمكان الذي ترك وراءها، كليهما قد تعرّضا لمراجعة لا رجعة فيها. الطفل الذي كان في قابس لم يعد موجودا إلا بوصفه راسبا في الرّجل، وقابس نفسها، الملوّثة، المهمّلة، المحبوبة، تواصل من بعيد أن تتهم وتحتضن في آن.

ولذلك نعم، عناقيد الغضب. ونعم، الطّريق 66. لا لأن أوكلاهوما هي قابس، ولا لأن كاليفورنيا هي نيويورك، بل لأن فقراء كل الخرائط يعرفون شيئا عن الطّرق التي لا تعد بالخلاص. لكل عصر قوافله من المقتلعين، ومهاجروه الدّاخليون، وأبناؤه القادمون من الهامش صوب مراكز لا تكترث، وأطفاله الذين تربّيهم النّساء فيما يحجب التّاريخ الأب والدّولة والمستقبل. لقد جئت من جنوب تونس إلى العاصمة، ومن العاصمة إلى نيويورك، وأنا أحمل لا الطّموح وحده، بل أيضا ما حملته معي: الهواء الكيميائي، وحزن البيت، وجلَد الأمومة، وحماية الجدّة، والوجع الأول لحياة بدأت ناقصة.

وما تزال قابس تقيم في داخلي: لا بحرها ونخيلها فقط، بل شاطئها المسموم، وغبارها، وكدح نسائها، ووصول الأب المؤجّل، والجرح القديم الكامن في أن تتشكّل على أيدي أولئك اللواتي لم يكن العالم ينتظر منهن سوى الاحتمال. وما يزال سؤال ابن خالتي يلاحقني: من أين يأتي الغبار؟ إنه يأتي من المصانع، ومن التّخلّي، ومن القطارات، ومن الرّحيلات، ومن تكسّر البنى العائلية، ومن احتقار الدّولة الطّويل للجنوب، ومن الذّاكرة نفسها وهي تحتك بالمسافة. يأتي من كل ما ترسّب علينا، ومن كل ما حملناه معنا.

وهكذا يواصل الطّريق امتداده في داخلي، قاسيا ومضيئا. قابس خلفي، وتونس أمامي، ونيويورك أبعد منّي، ولا عودة حقيقية إلى أي مكان. ليس ثمّة إلا هذا الطّريق الدّاخلي الطّويل، طريق الإدراك المتأخّر، وأنا أتيقّن، شيئا فشيئا، أنّني ربحت أشياء كثيرة وأنا أخسر، في الآن نفسه، كل ما كان يصنع ذلك الكائن الذي كنت أريد أن أكونه. ومع ذلك، رغم الغبار، ورغم عناقيد الغضب التي ظلّت تظلّل طفولتي في حيّنا المتواضع بباب بحر في قابس، ما تزال بعض الوجوه تنجو من الخراب، وتبقى كأنها آخر ما يربطني ببراءة بعيدة. ان طفلًا بريئًا، يتراوح عمره بين الخامسة والسادسة، يتعثّر في أسئلته عن أبيه، ويتلعثم وهو يحاول أن يبوح للمعلّمات والمعلّمين بسرّ غيابه، غير أنّ ذلك البوح الصغير قلّما وجد أذنًا تُصغي أو قلبًا يكترث، سوى "آنيستي" ناجية العمري، رحمها الله، التي غمرته بلطفها وحنانها، لأنّ بعض الغياب يفوق احتمال الطفولة نفسها، ولا سيّما حين تجد القلوب الصغيرة نفسها محاطة بأناسٍ قساة. كانت تشتري لي "آنيستي" ناجية  قطع البسكويت من حانوت عمّي التوهامي، وتصغي إلى أسئلتي الصّغيرة في رفق ومحبة، حتى إذا بلغنا محل والدها، عمّ الحسين، كانت  تناولني شطر كسكروت. وما زلت أحن إلى رائحته ومذاقه، كأن في تلك اللّقمة البسيطة ما تبقّى من طفولة كاملة.

وقبل أيام أخبرتني أمّي برحيل "آنيستي" ناجية بعد أن اختطفها السّرطان. غير أن رحيلها لم ينتزع طيبتها منّي، بل بقيت في داخلي أثرا خفيّا ومضيئا. وما أزال أراها، قبل سبع وأربعين سنة، توصلني إلى باب الكنيسة في حومتنا. وما أزال أستعيد تلك التّفاصيل الآن، من مكتبي في جامعة فرجينيا، على بعد آلاف الأميال ومئات آلاف السّاعات، كأن الزّمن لم يمض تماما، وكأن الطفل الذي كنته ما يزال حيّا في داخلي، تحرسه تلك اللّمسة الأولى من الرّحمة. وكأن كل ما عبرته من غبار ومنفى وفقد لم يكن، في سرّه البعيد، إلا طريقا طويلا إلى تلك اللّمسة الأولى. لذلك، كلّما استعدت وجهها، أدركت أن ما أنقذني حقا لم يكن سوى هذا: عناقيد الرّحمة.

***

نزار فاروق هِرْمَاسْ - جامعة فيرجينيا

.....................

* عناقيد الغضب (The Grapes of Wrath) وعن الفئران والرّجال (Of Mice and Men)، لجون شتاينبك (John Steinbeck).

  *أبناء وعشّاق (Sons and Lovers)، لد. هـ. لورنس (D. H. Lawrence).

*سفيان بن عون، من أين يأتي الغبار؟: قصص، تونس، 2001.

قصيدة "شـآم يا ذا السيف" نموذجًا

مقدمة: يُعدّ الشاعر اللبناني سعيد عقل من أبرز الشعراء الذين أثروا في الشعر العربي الحديث، من خلال لغة صادقة حافلة بالمعاني، وصور بلاغية قوية تُجدّد العلاقة بين الكلمة والوجدان. في نصّه “شـآم يا ذا السيف” تتجلّى هذه الصور في تعبير عن مكانة دمشق في التاريخ، وعن المشاعر الحضارية والإنسانية التي تفيض بها كلمات الشاعر.

القصيدة ذات بنية تصويرية متشابكة تحمل في طياتها استعارات ورموزًا وتجسيدات تجعل من اللغة الشعرية وسيلة للحضور الوجداني في النص، لا مجرد لفظ جميل. ومن أساليب الصورة نذكر: يبدأ النص بحضور قوي لرمز دمشق:

"شـآمُ يا ذا السَّـيفُ لم يَغبْ

يا كَلامَ المجدِ في الكُتُبِ"

ومن الصور التي اكتسبت الأسلوب البلاغي قوله شام يا ذا السيف، حيث يربط الشاعر بين دمشق والقوة، ويجعل السيف رمزًا للمجد والحسم. ويحوّل المجد إلى "كلام في الكتب"، أي إلى أثر واضح في صفحات التاريخ.

يستخدم سعيد عقل التضادّ بين قبل وبعد في البيت التالي:

"قبلَكِ التاريخُ في ظُلمَةٍ

بعدَكِ استولى على الشُّهُبِ"

هذا التضادّ البلاغي يضع دمشق في موقع التغيير، تجعل منها نقطة تحوّل بين الظلمة والسطوع، بين السكون والإشعاع.

وفي أماكن أخرى من القصيدة تتجلّى التجسيدات عندما يخبّئ الشاعر في قلبه “ربيعًا” يحمل رمزية الحياة المتجددة:

"لي ربيـعٌ فيـكِ خبَّأتُهُ

مِـلءَ دُنيا قلبـيَ التّعِـبِ"

فـ"الربيع" هنا لا يعني الموسمية فقط، بل التجدّد والأمل والكينونة الجميلة التي يحتفظ بها القلب، رغم التعب والمرارة.

ويستمر المشهد الشعري في توظيف الصورة الحسية عبر عناصر الطبيعة:

"يومَ عَينَاها بِسـاطُ السَّما

والرِّمَاحُ السُّودُ في الهُدُبِ"

في هذا البيت تتحوّل السماء إلى بساط بساطة وألفة، بينما تتحوّل الرماح السوداء في الهُدُب إلى صورة حركة وقوة وتحدٍّ، في مشهد استعاري يجمع بين الرقة والحزم.

البيت الذي يلي ذلك يستخدم التشبيه مع أداة “كـ” عندما يتخيّل الشاعر النجوم كأنها لعِبه:

"أنا في ظِـلِّكَ يا هُدبَـها

أحسُبُ الأنجُـمَ في لُعَبي"

فالنجوم هنا تُشبه لعبة الشاعر، مما يضفي انسيابية في المشاعر، وشعورًا بالانفتاح على الكون والفضاء.

الصور البلاغية في النص ودورها في التعبير

يهتم سعيد عقل في هذا النص بتوظيف الصور البلاغية لتثبيت دمشق كرمز حضاري خالد في الوجدان. ومن الصور التي اكتسبت الأسلوب البلاغي قوله شام يا ذا السيف، أو قوله كلام المجد في الكتب للإيحاء بأن دمشق محفوظة في التاريخ ومجده.

هذه الصور البلاغية تجعل من النص ليس مجرد وصف، بل تجربة وجدانية وشاعرية تتخطّى الكلمات إلى المعنى العميق.

يستخدم الشاعر التضادّ بين عنصرين (الظلام والضوء، قبل وبعد) كأسلوب بلاغي يقوّي فكرة التغيير والتحوّل الذي تمثّله شام في التاريخ والثقافة.

التجسيد يتجلّى في تصوير “الربيع في القلب” ككيان حي قادر على النمو، وليس فقط كفصل من فصول السنة، وجعل السماء بساطًا يجعل الكون حاضرًا في النص بصورة تخاطب الحواس.

كما نجد التشبيه في تصور النجوم كأنها “لعب”، مما يربط بين الإنسان والكون بحميمية، ويُعبّر عن قدرة الشعر على توظيف الخيال في علاقة بين الذات والمكان.

الصورة البلاغية ودورها في العمق الشعري

تكمن قوة القصيدة في توظيف اللغة والصورة البلاغية ليس فقط لوصف المكان، بل لإضفاء طابع حضاري وفلسفي على النص، يجعل القارئ لا يرى المكان فحسب، بل يشعر به، ويحمله في وجدانه.

اللغة هنا ليست مجرد أداة تجميل، بل وسيلة رؤية تربط بين التاريخ والوجدان، وتمكّن الشاعر من نقل حضور دمشق في المشهد الشعري بوصفها مركزًا حضاريًا، وكيانًا نابضًا يعيش في ذاكرة الأمة.

خاتمة

في قصيدة “شـآم يا ذا السيف” يتجلّى براعة سعيد عقل في توظيف الصور البلاغية—كالأسلوب البلاغي في الصور، التضادّ، التجسيد، التشبيه—لتقديم نص يتميّز بقدرة عالية على الجمع بين المعنى والوجدان، بين المكان والرمز، بين التاريخ والخيال الشعري.

تتحوّل الصورة البلاغية في هذا النص إلى بُنية فكرية وجمالية واحدة، تجعل من اللغة مساحة تتجاوز الوصف إلى تجربة معيشة للنص، والمكان، والهوية، فتمنح القارئ فرصة ليقرأ تاريخ شام وروحها، لا فقط كموقع جغرافي، بل كعنوان خالد للمجد في الوجدان العربي.

***

بقلم: وفاء محمد يونس

 

في صباحٍ كُتِب له أنْ يكون مختلفًا تسلّل الضوء على استحياء من بين ستائر الذاكرة. استيقظتُ على ارتجافةٍ مألوفة في القلب عندما انسكبت ترانيم فيروز في الأرجاء تتقدّمها “وا حبيبي” كأنها تُنادي شيئًا قديمًا فيَّ، شيئًا يعرف الطريق إلى بيتنا الذي لم يعد كما كان، لكنه لا يزال حيًّا في داخلي.

هو صباح جمعة يتزامن مع الفصح المجيد في بيت لحم، المدينة التي لا تشبه سواها، والتي كلما ابتعدتُ عن قلبها اقتربت مني أكثر.

ولكم أنْ تتخيّلوا معي كيف لساعة نومٍ قصيرة بعد الفجر أنْ تكون كفيلة لتعيد ترتيب الزمن، فتتشابك خيوطه، ويتحوّل الحاضر إلى بوابةٍ واسعة نحو الطفولة.

كانت أرضُ البئر في الربيع أشبهَ برقعةٍ حيّةٍ من الحلم تمتدّ كسجادةٍ خضراء مفروشةٍ بعنايةٍ إلهية، تتخلّلها شقائق النعمان بلونها القاني، لتتناثر كقطرات دمٍ نبيل على صدر العشب، وتجاورها أزهار الخبيزة، والأقحوان في تناغمٍ بريّ لا يعرف الترتيب لكنه يفيض جمالًا.

تنهضُ رائحة التراب المبتلّ بعد مطرٍ خفيف، وتتصاعد كصلاة تمتزج بعطر الأعشاب البرية التي كنا ندوسها برفق، ونحرّر عبيرها دون قصد.

وفي قلب تلك الأرض تنتصب أشجار اللوزيات كحارساتٍ بيض، أغصانها مكسوّة بزهورٍ ناصعة تميل إلى الوردي الخفيف مثل غيوم هبطت لتستريح بيننا.

إذا هبّت نسمة تناثرت بتلاتها في الهواء، فتبدو كثلجٍ رقيقٍ يتساقط في غير أوانه، ليعلّق الزمن لوهلةٍ قصيرة، ويجعلنا نركض تحتها ضاحكين، فلا زلنا نحاول الإمساك بما لا يُمسك.

وكانت الأرض رغم انفتاحها مزنّرة بسورٍ عتيقٍ من حجارةٍ مهندسةٍ بيد فنان، شاحبة اللون محفورةٍ بآثار الزمن.

لا زالت تلك الحجارة المتراكمة أفقيًّا وعموديًّا تصنع الدهشة، وتحفظ أسرار من مرّوا قبلنا، وتحدّد للعالم حدود هذا الفردوس الصغير، لتذكّرنا دائمًا من أين يبدأ الحنين.

هناك في أرض البئر في رأس فطيس كانت الأرض تعرف أسماءنا جيّدا في ذاكرة معتّقة أنّى لها أنْ تتسرّب من غربال السنين، ولا زالت تدعونا لنخطو عليها بخفّة من لم يثقل قلبه بعد.

كنا نصحو باكرًا أنا وأخوتي وأخواتي دون الحاجة لضبط منبّه الساعة، فالربيع يوقظنا لنلهو معه قليلا قبل أنْ ترهقه أقدام المشاة.

يتنفس الصباح وسرعان ما نخرج مهرولين، ونحن نحمل في عيوننا دهشة اليوم، فنطوف بين الأعشاب والندى، ونلاحق الألوان قبل أنْ تذوب في الشمس.

كنتُ أنا وأختي التي تكبرني بسنتين نختار شقائق النعمان بعناية كأننا ننتقي أسرارًا صغيرة من الأرض، ونضمّها إلى قلبينا خشية أنْ تشي بها رياح الغدر.

لطالما عرفنا بمكر الطفولة أنّ لونها وعدٌ بشيء سيحدث لاحقًا.

أما إخوتي الذكور فكانوا ينشغلون بمهمةٍ لا تقل قداسة وهي مراقبة دجاجاتنا البلدية بترقّبٍ طفوليّ لولادة الإفطار من البيض، فالمعجزة يمكن أنْ تحدث في أي لحظة.

وفي الداخل كانت الفاطمة سيّدة التفاصيل، وصانعة الدهشة التي تُحضّر ذاكرة للإفطار، فتضع شقائق النعمان في إناءٍ يغلي، لينسكب لونها القرمزي في الماء، فتعصر الربيع في مطبخها الخشبي، وترسم لوحة استثنائية من الفرح لعائلتها.

وفي إناءٍ آخر تختلط قشور البصل بحبيبات الشاي، لتنسج ألوانًا أعمق، وأكثر غموضًا، فتحكي قصة الليل في قلب النهار.

وما هي إلا دقائق حتى تصطفّ الصحون مزدانةً ببيضٍ ملوّن لا يشبه أي شيءٍ آخر.

نجتمع حول صحن البئر، ونضحك، ونتباهى بالألوان، ونتقاسم الفرح خبزًا ساخنًا.

يا لها من أيام رغم نقصانها إلّا أنّها كانت الأجمل بلا منافس؛ لأنها كانت ملكًا لنا وحدنا.

أدرك اليوم وأنا أستيقظ على ترانيم تعبر الزمن أنّ بعض الذكريات تعود لتؤلمنا كثيرا، وتحيينا قليلا.

لا ينتهي الصباح إنما يتوارى في القلب مثل ترنيمةٍ لم تُكمل لحنها بعد.

أعترف الآن أنّ أرض البئر كانت زمنًا نقيًا خبّأ نفسه فينا، ولا ينتظر سوى لحظة انكسارٍ أو شوقٍ ليعود.

وأنّ تلك البيوض الملوّنة كانت دروسًا مبكّرة في أنّ للحياة وجوهًا كثيرة، وأنّ البهجة تُصنع أحيانًا من أبسط ما تمنحنا الأرض.

اليوم لا أبحث عن تلك الأيام لأستعيدها، أنا فقط أريد أنْ أفهم كيف نجت في داخلي كلّ هذا الوقت، وكيف لم تبهت ألوانها، ولم تجفّ ضحكاتنا على حوافها. ربما لأنّ الأماكن التي تُحبّنا حقًا لا تغادرنا أبدًا، فهي تتحوّل إلى جزءٍ من نسيجنا نعود إليها كلما ضاقت بنا الطرق.

وإنْ كان للحنين صوت فسيظلّ يشبه تلك الترانيم التي أيقظتني، وإنْ كان للذاكرة شكل فسيظلّ بيضةً ملوّنة نكسرها برفق، فنجد في داخلها طفولةً لم تكبر.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

تدور معارك طاحنة، وتقنيات حديثة في التقاط الصور، وسلاح متطور يهشم من يجابهه، لا أعرف كيف أني أتقنت استخدام كل تلك الأسلحة، أرشق كل من يغيظني بعدد محدود من الطلقات، ليس خوفاً من نقص في الذخيرة، فعددها لا متناهي، بعدها أرمي سلاحي ليجابهني أشد الناس كرهاً لي، القتل بالسلاح لا يُشفي الغليل، اليُد أشد فتكاً في الحُلم، نعم الحُلم.

لم أمسك سلاح سوى ذاك السلاح المائي الذي أغيظ به من يكره الماء، فهو سلاح فعال في الشتاء ومُنعش في الصيف، الحُلم يزودني بتقنيات لا تخطر في بالِ أحد، حتى في بالِ السينما، طيران وركض وشعرّ، وقتال وفانتازيا متقنة، لكن الذاكرة لا تحتفظ إلا بلمحات، نحن في الحلم شعراء أكثر من بودلير، ومقاتلين بواسل، أذكر كازنتزاكي وهو يعتقد مثلي (أن في رؤوسنا سينما صوتية كتلك الأفلام الناطقة).

اللمسة الجمالية في الحلم، هي عالم موازي، وما يصنعه الأديب في خلقِ عوالم موازية، يدل على شيئين لا ثالث لهما: أما أن الواقع الصادم لا يرتقي إلى مستوى الطموحات فنخلق عالماً أقل ساكنية، أو أن العالم جيد لكننا لا نؤكد ذاتنا من خلاله، وفي كلتا الحالتين نحن لا ننتمي إلى هذا العالم. وفي رأي كولن ولسن أن" كل ما يفعله الكاتب في صورة ما تأكيد للذات"، ومتى ما لم يؤكد ذاته التجئ إلى الحلمِ، لأن عملية الكتابة تبلغ من التعقيد حداً يجعلها مقصورة على فئةِ دون أخرى، الحُلم أسهل، فضاء مفتوح ولعب حر، المخيلة تجعلك دائماً بطلاً لا كومبارس.

في كتاب التاريخ المفروض لهنري لورنس يذكر في بدايات الكتاب بأن (التاريخ لم يعد حصراً على المؤرخ فالسينما أصبحت تحمل جزءاً منها) بمعنى أن المؤرخ ليس هو المُنتج الوحيد للسرد التاريخي وأن الحقيقة أصبحت خاضعة للتأويل أكثر، بعد أن أصبحت مرئية لأنها لم تعد لغة علمية بحته بل أنها تمر عبر وسيط جمالي مما يؤكد أن الحقيقة لم تعد تمثل الحدث ذاته بل تأويلاً بصرياً له.

الخطورة تكمن في أن السينما تمنح احساساً بالواقعية على الرغم من اصطناعها، وهو ما سماه جان بودريار بمصطلح فوق الواقع، الذي يبين من خلاله وجود مسافة بين الواقع ورموزه " المصطنع ليس إطلاقاً هو ما يخفي الواقع- بل إن الواقع هو الذي يخفي عدم وجود واقع، المصطنع حقيقي". السينما في بعض كثير وما يخص (التاريخي منها) على وجه الخصوص، تعدم العلاقة الثنائية بين الدال والمدلول، لتبقي الرمز فقط، بمعنى آخر الرمز يطرد الواقع، أذ صار الرمز نفسه هو الواقع.

أعطت الكامرة شكلاً صورياً للأحداث التي كانت تُرى من عدة زوايا فردية مضيفة عليها وسائل الخيال الفردي في تخيل شكل الاحداث التاريخية، فبدلاً من رؤى متعددة استناداً على المكتوب، صار للحقيقة شكلاً واحداً(مصطنعا) تحكمه سردية إيديولوجية تعرض الحقيقة كما تريد، فالحقيقة تُستلهمْ من لغةِ السينما. ويذكر جون سكانلان في كتابه الذاكرة بأن التاريخ يثبت أن الأفكار والخواطر عوملت أغلب الظن معاملة التصورّ، وغالباً ما قورن العقل بوسط للتمثيل البصري، بل إن بيرجسون اقترح أن نوجه انتباهنا إلى العالم كما الكاميرا، فنلتقط صوراً سريعة لواقع في حال تدفق مستمر. هذا ما يجعلنا نقرأ بأن الإدراك والذاكرة يبدآن في التصوير الفوتوغرافي، مما يجعل من السينما وسيطاً بصرياً عن انتقال التاريخ من كونه سرداً تأويلياً إلى كونه بناء تخييلياً قادراً على إنتاج ذاكرة بديلة وأن كانت (مصطنعة) بحسب بودريار.

أنا أرى أن الاحلام أوحت للسينما، فكانت هي المادة الأولى، لكن الأخيرة(السينما) بدأت وسيلة مهمة لنقل الحقائق أو تزيينها.

فعلى حد تعبير فريدريش كتلر(لم تعد الروح فجأة ذاكرة على هيئة ألواح كتابة أو كتب، كما وصفها أفلاطون، بل تطورت فنياً، وتحولت إلى فلم سينمائي) إنني أرى أن السينما حلمُ متقن، عالمُ يبتكر حلولاً تغطي عجزاً عينياً، كالأحلام لكنها أقل حرية وأكثر منطقية، محكومة بالزمن والمسافة والحركة.

وفي محاضرةٍ جيل دولوز بعنوان (ما هو فعل الإبداع؟)، يُعرّج على الحلم، لأجد أن كلّ ما فكرتُ به شخصياً قد قيل حتى قبل ولادتي؛ إذ يرى أن الحلم يخص، قبل كل شيء، من لا يحلمون، لأنه بمجرد أن يحلم الآخر، يظهر خطر ما. إن حلمَ الآخر حلم مفترس، قد يؤدي إلى التهامنا.

فالحلمُ رغبة مرعبةٌ في القوة، وكل منا هو، بشكلٍ أو بآخر، ضحية لأحلام الآخرين، حتى وإن كانت أكثرُ البنات لطفاً؛ لأنها ملتهمة بشعة، لا عن طريق روحها، بل عن طريق حلمها.

احذروا أحلامَ الآخرين، لأنكم إن انسقتم وراءها فسوف تُدمّرون.

***

علي حبيب بيرماني

تركت الجماعة المسلمة الأولى أرض الحجاز بعد أن توطدت دعائم الإسلام، لتبدأ رحلة فتوحات إلى شتى بقاع الأرض، ولتستوعب تأثيرات فنية وثقافية كان لها دور بارز في تشكيل الحضارة الإسلامية.

وعلى ذكر التأثيرات الفنية فإن عددا من الآيات القرآنية التي حوتها صدور المؤمنين، تناولت المظهر الجمالي باعتباره شاهدا على بديع صنع الله في الكون وإتقانه. وكشف النبي صلى الله عليه وسلم في عدد من أحاديثه قولا وفعلا، عن ذوق راق ينمي الإحساس بالجمال، ويدعو للاستمتاع بالطيبات التي أخرج الله لعباده. ومصنفات الحديث تزخر بأخبار عن حبه للسواك والطيب، وتوجيهاته بشأن اللباس والمسكن. فكان صلى الله عليه وسلم يجمع بين تحرير الإنسان الجاهلي من دنس الشرك وخشونة الهيئة والمظهر، ليكون المسلم عنوانا لطهارة الظاهر والباطن.

فهم المسلمون هذا المعنى فاشتدت عنايتهم بالجمال في كل تفاصيل حياتهم. وتأثروا بفنونه التي عاينوها في البلدان الأخرى، ومنها فن إنشاء البساتين والولع بعالم الزهور والورود. وكان التعبير عنه بأساليب شتى، تجمع بين تقدير الزهور كتجلّ للنعم الإلهية، ومصدر للتسبيح الدائم الذي دلّ عليه قوله تعالى:

 {يسبح لله ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم} -الجمعة:1- وبين توظيفها في تعبيرات مبتكرة، تضفي لمسة الإبداع على العطاء الإسلامي.

أقبل الخلفاء والأمراء على إنشاء البساتين الرائعة وتخطيطها، متأثرين بما شاهدوه أو وُصف لهم في حدائق فارس وغيرها. وتجلت عنايتهم في جلب الأزهار النفيسة، وتطوير زراعتها، واستخراج أصناف جديدة حكى عنها بعض الكتاب والمؤرخين، كالورد الذي رآه القاضي أبو علي التنوخي في البصرة، نصفه أحمر قاني الحمرة، ونصفه الآخر أبيض ناصع البياض، وبينهما خط كأنه مقسوم بالقلم. ويسوق المقريزي في كتابه(الخطط) نموذجا لهذا الولع ممثلا في الأمير خمارويه، الذي عدّه بعض المستشرقين أكبر منشئي البساتين. ويصف أحد بساتينه بالقول:

" وحُمل إليه كل صنف من الشجر المطعم العجيب وأنواع الورد، وزرع فيه الزعفران، وغرس فيه من الريحان المزروع على نقوش معمولة وكتابات مكتوبة يتعاهدها البستاني بالمقراض، حتى لا تزيد ورقة على ورقة؛ وزرع فيه النيلوفر الأحمر والأزرق والأصفر والجنوي العجيب؛ وأهدي إليه من خراسان كل أصل عجيب."   

انتقل ولع الحكام بالزهور والبساتين إلى عموم الناس، ليحدث حالة ثقافية وجمالية فريدة. وانضافت أسماء الزهور والورود إلى مفردات التخاطب اليومي التي كانت حتى وقت قريب منحصرة في أصناف الجواهر وأنواع الطيب. فشاع ذكر الورد، والنرجس، والأقحوان، والكافور، والبنفسج، وشقائق النعمان، والبهار، والياسمين، والخيريّ، والنوّار، والشقيق، والنيلوفر، والسوسن وغيرها. وتنبه الشعراء إلى هذا الافتتان فتنافسوا في وصف جمال الزهور، وتصويرها بالكلمات، وأحدثوا من المعاني ما يضاهي لوحات الرسامين في عصر النهضة الأوربية. فهذا الياسمين كأنه كواكب في السماء تبيَض، وشقائق النعمان في الروض أكاليل عقيق على رؤوس زنوج، أما النرجس فأنامل فضة يحملن كاسات الذهب.

وأتاحت أنواع الزهور للخطاطين أن ينفخوا الحياة في الحرف ويحولوه من جماد إلى نبات، كما قال الخطاط كامل البابا، فتحولت الخطوط العربية إلى أيقونات في عالم الزخرفة والنحت، وحمل بعضها اسم الزهرة التي تماهى مع أوراقها كالخط الريحاني.

ولم يسلم الخشب بدوره من هذا التأثير فظهر فن الأرابيسك الذي يعتمد نظام تزيينات قائم على الزهور والنباتات المختلفة، ويكسر بذلك جمود الخشب. فأحدث هذا المزج ثورة في عالم الأثاث والمعمار الخاص بالمساجد وقصور السلاطين، حتى أن بعض حكام الدولة العثمانية كانوا يستقدمون فناني الأرابيسك من مصر ويمنعونهم من العودة إلى بلادهم بعد الانتهاء من عملهم، فشهد التاريخ ما سمي لاحقا ب"الأسر الفني"!

وبما أن لكل تعلق وافتتان آثارهما الجانبية، فإن محبة الزهور، أو الأرباح المتحصلة من بيعها وترويجها، دفعت لاحقا إلى وضع أحاديث باطلة تزكي بعض أنواعها، وتأمر بشمه وتقديره.

ففي فضل النرجس وضعوا حديث:" شموا النرجس ولو في اليوم مرة، ولو في الشهر مرة، ولو في السنة مرة، ولو في الدهر مرة، فإن في القلب حبة من الجنون والجذام و البرص لا يقطعها إلا شم النرجس".

وفي فضل الورد حلقوا عاليا ليجعلوا له نصيبا من حادثة الإسراء والمعراج، فوضعوا حديث:

"الورد الأبيض خلق من عرقي ليلة المعراج، وخلق الورد الأحمر من عرق جبريل عليه السلام، وخلق الورد الأصفر من عرق البراق". وزادوا عليه "من أراد أن يشم رائحتي فليشتم رائحة الورد".

وأما دهن البنفسج ففضله على سائر الأدهان كفضل الإسلام على سائر الأديان، وفي رواية أخرى كفضل النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق، بارد في الصيف، حار في الشتاء! وهذه الأحاديث التي ردها ابن الجوزي في كتابه (الموضوعات) تؤكد أن التعاطي مع عالم الزهور والورود بلغ شأوا عاليا تمرد فيه حتى على الخطوط الحمراء.

وفي عالم التأليف خلّد المسلم قائمة بأنواع الزهور حين اختارها عناوين لكتبه، سواء في ذلك المصنفات الأدبية والتاريخية، وحتى الدينية. فذاعت في الساحة الثقافية أسماء من قبيل: "رياض الصالحين"، و"بستان العارفين"، و"زهر الأكم"، و" أزهار الرياض"، و"ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا"، و" زهرة الآس في بناء فاس", و"الريحان والريعان" وغيرها.    

لكن يظل أبلغ تأثر بعالم الزهور أن يجعل لها المسلم نصيبا داخل أسرته، فيتخذ لمولودته اسما يُوثق صلته بآيات الجمال الرباني، وتتردد في أرجاء بيته: نرجس، وريحانة، ووردة، وسوسن، وزهرة، ونوارة، ونسرين، وياسمين، والعشرات من ألفاظ الدلال وعبارات المودة التي تسكن لها النفوس، وتوثَّق بها الأواصر.

كان للإحساس الجمالي إذن حضوره الآكد في الحياة الإسلامية، ولم تنشأ أبدا خصومة بين تعاليم الدين وطلب الزينة والجمال. ويبقى أشد ما يثير غيظ المتشككين والمتربصين بهذا الدين أن شريعته رسمت حدودا دقيقة بين المباح والإباحي، وهيأت للمسلم مجال حركة واسعة داخل حقل الجمال، لتسمو نفسه بالمعاني بدل أن تنجر إلى حضيض الشهوات.

أبدت المستشرقة الألمانية آنا ماري شيمل دهشتها أمام المئات من الزهور والنباتات التي تزين حيطان الجوامع في تركيا. واستوقفها الحرص العجيب الذي أبداه الصانع المسلم لتحويل تلك الكائنات الفانية إلى لوحات ونقوش خالدة، فعبّرت عن الامتنان الذي يجيش في كل صدر لهذا العطاء بقولها:

"عندما ينظر المؤمن إلى هذه الرسوم بعد الفراغ من صلاته، يتذكر الجنات التي وعدها الله الذين آمنوا. وما أسعد صاحب صنعة تُذكر الإنسان أن للمتقين عند ربهم جنات نعيم".

***   

حميد بن خيبش

  

استذكار مرهف وحضور دائم

ثمة لحظات في حياة كل انسان لا تمضي، وإن غابت في ظاهر الزمن، فهي تظل متقدة في ألاعماق كجمرٍ وديع مستتر تحت رماد ركام الزمن، يتوهج بهجة، أو ألماً، أو كليهما معاً كلما لامسته نفحات الذاكرة.

تلك هي ومضات اللحظة الوجدانية الماضية، التي لا تقاس بطول بعدها الزمني، بل بعمق أثرها في الذاكرة، وامتداد حضورها في أعماق الذات.

فلاشك أن الماضي، ليس زمناً انقضى وحسب، بل هو حس وجداني، يعاود الظهور بتجلياته المتجددة، كلما استدعته الذاكرة، ولذلك تظل بعض اللحظات حيّة، نابضة، كأنها تحدث الآن.

وهكذا تظل تلك الومضات الوجدانية، تحمل بتجلياتها حسا مرهفاً، فتتسلل إلى الوجدان دون استئذان، لتسقر في اعماقه،  ما دامت تنبع من تفاعل متوهج بين الذاكرة والعاطفة، فهي لم تصطنع، بل تشكلت في ومضة لحظة، تماهى فيها الإنسان مع ذاته، ومع العالم من حوله.

ولعل هذه الومضات، تصبح ملاذاً عاطفيا داخلياً، في خضم تداعيات حياة متسارعة يستعيد الإنسان من خلالها توازنه، ويرمم بها ما تهشم فيه من معنويات، لتكون تلك الومضات أشبه بجذور خفية، تربطه بذاته الأولى، لتمنحه شعوراً باستمرارية وجوده، رغم تبدّل المعطيات، والظروف، وتغير الاحوال. ولذلك نجد أن كل إنسان يحمل في داخله، أرشيفاً وجدانيّاً خاصاً به، يضم تلك اللحظات، التي صنعت شيئاً من ملامحه النفسية، والإنسانية.

ولعل أن استذكار الماضي ليس هروباً من تداعيات الحاضر بالضرورة، بل قد يكون فعلاً واعياً، ومقصودا، لإعادة قراءة الذات، لاسيما عندما تستعاد تلك اللحظات بوعي، حيث يتحول الاستذكار من مجرد حنين، إلى فعل تأملي، يمنح الحاضر عمقاً إضافياً، ويعطيه معنى خاصا.

وهكذا نجد إن ومضة اللحظة الوجدانية، يمكن أن تمنح الحياة معنى ممتداً، فهي لا تعيش في الماضي وحده، بل تتجدد في كل مرة تستحضر فيها، لتغدو حاضرة، تعيد تشكيل المشاعر، وتلوّن النظر للأشياء، ليصبح الماضي ليس زمناً منتهياً، بل حضوراً دائماً، يسكن اعماق الوجدان، ويتمظهر كلما برزت الحاجة إليه، مادام الإنسان بحسه المرهف، ليس أبن اللحظة الراهنة فقط، بل أبن تلك الومضات التي مرت، وتركَت فيه أثرها، لا باعتبارها ذكرى عابرة، بل كجزءٍ حي من كينونته، ترافقه بصمتٍ، ودفء، في رحلة قطار الحياة.

***

نايف عبوش

ما يميز كل روح شاعرة هو إصرارها على أن تنبض بالجمال، لمواجهة القبح المتزايد حولها؛ إدراكا منها بأن الشعر يُلهم الأمل، ويعين على احتمال الواقع حين يصير عبئا ثقيلا. إنها الروح التي ترشدنا إلى الاسترخاء والتمهل، لمّا يتسارع كل شيء من حولنا. وفي هذا التمهل عودة إلى اللحظة الحاضرة، وعلاج لضغوط الحياة اليومية.

الجميل في الشعر، يقول أحمد دحبور، أن يكون معافى روحيا، ينحاز للهواء والجمال والفرح؛ بمعنى أن للشعر غائية وهدفا ما، بخلاف من ينفون غائيته ويسترخون للتعابير الجاهزة. إنه ببساطة حضور الشاعر في العالم، ليكشف بحساسيته الأكذوبة، وليصير أخف وزنا.

كل روح شاعرة تسعى إلى تفسير خبايا النفس الإنسانية. دعامتها في هذه الرحلة هي كل معنى يعبّر عن أدق المشاعر، وكل صورة تتردد بقوة في المخيلة لتغوص في أعمق حقائق الحياة، وتمنح القلب ما يصبو إليه من شجاعة وأمل، وحب للحياة.

إن الشاعر الحق هو الذي يجعل القارئ يشعر بما يشعر به هو نفسه. يقول فكتور هوغو في مقدمة كتابه (تأملات):"عندما أتحدث عن نفسي فأنا أتحدث عنك". وبذلك يمنح قيمة كونية لضمير المتكلم، مثلما يحرك في القارئ حس التعاطف حين يرشده إلى ألمه، وحزنه، وأشواقه.

بإمكان الروح الشاعرة أن تتبنى قضية. أن تنفث في الكلمات قوة لتحدي العالم القائم. بإمكانها أن تدين وتنتقد آفات المجتمع ورذائله، لكن قضيتها ليست بالأساس اجتماعية، وإنما معرفية، بمعنى ماذا نريد أن نقول؟

إن القضية، يقول المنصف المزغني، هي التي تمنح القصيدة بناءها، وبدونها يصبح الشعر هلوسة، وغموضا يكتنف القارئ للهروب من مواجهة الفكرة؛ تماما كالسائل الأسود الذي يقذفه الأخطبوط ليُعمي المتربصين به.

تتطلع الروح الشاعرة إلى لغتها الخاصة، والتي تحقق أصالتها النفسية في توليد المعنى من تجارب الحياة الفريدة. وهو ما يُلزمها بأن تنحت لغة تتحمل الإفضاء، لتنقل المعنى الجديد بألفاظ مألوفة، كالنهر الذي عليه أن يحفر مجراه ثم لا يلبث أن يهدأ؛ ذلك أن في ثنايا كل قصيدة يكمن ما يسميه عبد الله البردوني بالسر الشعري، أي الرحم الذي تكورت بداخله أنفاس الشاعر وتباريحه. وهي برأيه خمسة مصادر: استبداه الكون، ونضج التجربة، وطول المراس، وطول الغوص في الكائنات، وامتلاك عنان اللغة.

كي يتفتق المعنى الجديد من المشهد أو اللحظة المفارقة، فإن الروح الشاعرة بحاجة إلى استنفار ملكاتها لكشف اللامتوقع في الصورة المألوفة، لكن باللغة وحدها، دون الحاجة إلى قناع أو أسطورة. يقدم البردوني مثالا بالشاعر ابن خفاجة الذي عبّر عن اضطراب نفسه واضطراب عصره، حين شبّه ما يحدث بين الغصون وخرير المياه بالجدال والاقتتال. وهو معنى لم يسبقه إليه أحد، في قوله:

وألقى عصاه حيث تلعب بالحصى

جنوب وتلهو بالغصون شمال

*

فكأنما    بين    الغصون    تنازع

وكأنما    بين    المياه   جدال

لا تخلو الروح الشاعرة من حس ديني، يوثّق لهفتها لكشف أسرار الحياة. وهي في طرقها لأبواب المعابد، إنما تسعى لنقل ما يتجاوز الكلمات، إدراكا منها للتناغم بين الكون الشاسع وعالمنا الداخلي. كتبت مدام دي ستايل قائلة: " يجب أن يكون الشعر مرآة أرضية للإلهي، وأن يعكس من خلال الألوان والأصوات والإيقاعات جمال الكون."

استوحى الإغريق بواكير شعرهم من ربات الإلهام بوصفها، أي القصائد، جسرا بين الإنسان والعالم، سواء العالم الخارجي للكون والطبيعة، أو العالم الداخلي لعواطف القلب. وكانت القصائد في تمجيدها للآلهة والرجال الأبطال، تنهل من أصولها الدينية بدرجات متفاوتة من التميز والوضوح.

رغم الإشادة بالعظمة البشرية وإنجازات الإنسان وانتصاراته، إلا أن هناك حقيقة يقررها الشعراء منذ بندار، مفادها أن كل إنجاز إنساني هو إنجاز كائن هش مقدّر له الموت. تكفي لحظة واحدة لتغيير مصيرنا، بينما النور الإلهي قادر على تليين أيامنا. لذا يمنح بندار للشاعر مكانة مقدسة، تأكيدا منه بأن الإلهي هو منبع الجمال الشعري:

"أيها الإله الأعلى،

يا من تبسط سلطانك على أوليمبيا

كن رحيما بأغانيّ

دائما يا أبي"

تدرك الروح الشاعرة جيدا أن موسيقى الكلمات المتأصلة في إيقاع العبارة الشعرية، سواء كانت بيتا أو مقطعا، تحرر فينا ألفة فطرية مع كائن فريد، بدونه يفقد كل شيء معناه في هذا العالم. وهذا التوق إلى الألوهية الآسرة هو ما يجعل من تلقي القول الشعري حساسية تولد في قلب كل إنسان، حتى وإن لم يمتلك ذوقا رفيعا.

تستوقفنا الروح الشاعرة لنستعيد شيئا من إدراكنا لحقيقة العالم. ففي صخب الحياة العصرية، ولفرط لهاثنا اليومي لجمع الأشياء وتكديسها، كفّ العالم عن مخاطبتنا، وصرنا بحاجة لمن يُنبهنا إلى حمرة وردة، ويكشف رسالتها التي تشهد على علاقة مميزة بين الإنسان والطبيعة. إن مهمة الشاعر هي تذكيرنا بالعالم في وحدته، وتحريرنا من عبء مادته بأشكالها المتعددة.

الشعر لحظات آمنة تسكن قلوب الناس، يقول أحمد بلحاج آية وارهام، ومنطقة النقاء التي يلتجئون إليها بعد أن تلوث العالم وتشوه الحلم فيه. ولا يستحق أن يوصف شاعرا إلا من نذر روحه للجوهر الأسمى، وفضّل فقدان رأسه على أن ينحني أمام أولئك الذين يجدّون في سكّ دماغ الإنسان، كما تُسكّ النقود.

***

حميد بن خيبش

يعتقد

حسَنُ النيّة

أنّ الخيرَ

ينزل لا يصعد.

*

المُدرِكُ

يتهيّب أن يكون

في موضع شبهة

ولا يتصالح

مع كلّ ما يُنتِجُ القهرَ.

*

نصفُ الوجه تيهٌ آخر،

النسيانُ ذاكرةٌ أصليّة.

-

كلُّ احتمالٍ

هو مِن احتمالاتِ الصدفة

لكي لا يكون المللُ أكثر.

*

في أيّ طابق

نافورةُ السمّ؟.

*

أسمعُ نبضَ الصخورِ الصمّاء ـ

الرجلُ الشجاعُ   امرأةٌ شجاعة.

*

الظلامُ

ليس قليلاً،

الظلامُ

مترامي الأطراف.

*

النظام

هو هذا التشظّي

وتلك الأحياء

والأزقّة الموحلة!.

*

ما للنسِرِ يحلّقُ عالياً

حتى بالكاد بعدُ يُرى؟

قالت طيورٌ لبعضها البعض،

وهي لا تدري أنّه محلِّق عالياً

لكي يراها جماعةً وينقضَّ على المفرد.

*

سترى

بعقلِك الصاحي

ما لا تراهُ الآن،

ستضحك أو ستبكي،

الفراغ كثير.

*

الحصار

أم أنا الدائرة؟.

*

باطلة ـ تجيزُ التفاوتَ الطبقيّ ـ

كلُّ شريعة تجيز التفاوت بين الجنسين.

*

جعلوا

كلاً منّا

يلاكمُ كلاً منّا.

*

العنوانُ يؤكّد فيما ينفي،

يأخذ بيد رأسي إلى محلٍّ آخر.

*

أين هو المجدوعُ الأنف؟

أين هو المُحاطُ بالعويل؟.

*

قد يمزّقهم

مصّاصُ الدماء

لكنّهم سيغرزون أظافرَهم

بوجهه.

*

في العَقدِ الأوّل من القرنِ الحادي والعشرين

رجعوا إلى سيرتهم في جنوبِ لبنان ـ 2006،

وبعد أقلّ من سنتين رجعوا إلى سيرتهم في غزّة ـ

إنّهم يقتلون أهلك، يفلّتون عليهم الوحوش ـ

وهو في الغضبِ الأكثر يُفكِّر إذا سرٌّ يستتر

خلف احتفاءِ البعض بأعيادِ الميلادِ ورأسِ السنة

بالزينةِ والمفرقعات التي تفتن الجميع خصوصاً الأطفال

واحتفاء البعض بإعلانِ الحربِ على غزّة؟

كميّاتُ الرصاص المصبوبِ على غزّة لا تقل،

إنّها بكميّة النازيّة في النازيين الجدد.

كيف كلُّ جورج حبش، كلُّ أبي علي مصطفى،

كلُّ غسّان كنفاني، كلّ محمود درويش،

كلّ سميح القاسم، أدوارد سعيد، إميل حبيبي،

ناجي العلي، غيفار" غزّة، الكلّ،

كلّ أبطال غزّة،

كلّ أبطال فلسطين، وتنزف غزّة؟.

*

أرى بعينين مكسورتين

ليكونَ دورانٌ آخر وآخر.

*

جرادة

بحجمِ إنسانٍ بالغ

تقف مستقيمة على ساقين.

*

الذي يوحِّد بين متباعدَين

هو ملتقى روافدِ الجهاتِ،

هو الإنسانُ الإنسان.

*

وكثيراً يُقالُ أخيراً

ما كان يجب أن يُقالَ أوّلاً.

***

شوقي مسلماني

تمهيد: يأتي الفيلم التلفزي “مامات”، الذي بثته القناة الثانية 2M، في شهر رمضان ضمن سياق درامي مغربي يسعى إلى ملامسة القضايا الاجتماعية العميقة بلغة بسيطة ومؤثرة. هذا العمل، الذي أخرجه محمد علي المجبود وسيناريو وحوار بشرى مالك، لا يكتفي بسرد حكاية شخصية، بل يتحول إلى مرآة تعكس واقع الهامش المغربي، حيث تتقاطع الهشاشة مع الإرادة، ويتجاور الحرمان مع الحلم.

1- الحكاية: من الهامش إلى مركز الفعل

يروي الفيلم قصة “مامات”، امرأة في السبعين من عمرها تعيش في دوار مهمّش يعاني من العطش وغياب أبسط شروط العيش الكريم. ورغم ثقل السن وقسوة الظروف، تقرر هذه المرأة أن تعود إلى مقاعد الدراسة لمحاربة أميتها. غير أن هذا القرار البسيط يتحول تدريجيًا إلى فعل مقاومة، وإلى مشروع جماعي للدفاع عن حق القرية في الماء والتعليم.

إن الحكاية، في ظاهرها، فردية؛ لكنها في عمقها جماعية، إذ تختزل معاناة فئة واسعة من النساء القرويات اللواتي تم تهميشهن تاريخيًا. وهنا ينجح الفيلم في الانتقال من الخاص إلى العام، ومن الشخصي إلى الرمزي.

2- البعد الاجتماعي: سؤال الكرامة

يطرح الفيلم قضيتين محوريتين: الأمية والعطش، وهما ليسا مجرد موضوعين عابرين، بل هما دلالتان على اختلالات بنيوية في المجتمع. فالأمية هنا ليست فقط غياب القدرة على القراءة، بل هي شكل من أشكال الإقصاء الاجتماعي، بينما يمثل العطش صورة مكثفة لمعاناة التهميش المجالي.

وتتحول “مامات” إلى صوت احتجاجي هادئ، لا يعتمد على الصراخ، بل على الفعل. إنها تجسد ما يمكن تسميته بـ”بطولة يومية”، حيث يصبح التعلم فعلًا تحرريًا، وتتحول المعرفة إلى أداة تغيير.

3- البناء الدرامي: بساطة مشحونة بالدلالة

يعتمد الفيلم على بناء درامي بسيط، يخلو من التعقيد، لكنه مشحون بالدلالات. فالشخصية الرئيسية تُرسم بملامح واقعية: امرأة عادية، بلا نفوذ ولا سلطة، لكنها تمتلك إرادة استثنائية.

هذه البساطة ليست ضعفًا، بل هي اختيار جمالي ينسجم مع طبيعة الموضوع. فالفيلم لا يسعى إلى الإبهار البصري، بل إلى التأثير الوجداني، وهو ما ينسجم مع تقاليد الدراما الاجتماعية المغربية التي تراهن على القرب من المتلقي.

4- أداء الممثلين: صدق التعبير

عرف الفيلم مشاركة نخبة من الممثلين المغاربة، من بينهم راوية، منال الصديقي، وزينب الإسماعيلي، الذين قدموا أداءً يتسم بالواقعية والصدق.

وقد ساهم هذا الأداء في جعل الشخصيات قريبة من المتلقي، بحيث يشعر المشاهد أنه أمام وجوه مألوفة من الحياة اليومية، لا أمام شخصيات مصطنعة.

5- الرؤية الفنية: حين يصبح الأمل ممكناً

من أبرز ما يميز الفيلم هو رسالته الإنسانية العميقة: “التعلم لا عمر له”. فـ”مامات” لا تمثل فقط امرأة تقاوم الأمية، بل تجسد فكرة أن التغيير ممكن مهما كانت الظروف.

كما أن الفيلم يطرح سؤالًا ضمنيًا حول دور الفرد في إحداث التحول داخل المجتمع، مؤكدًا أن المبادرات الصغيرة قد تكون بداية لتحولات كبرى.

6- ضمن سياق الإنتاج التلفزي المغربي

يندرج “مامات” ضمن توجه القناة الثانية 2M نحو تعزيز الإنتاج الوطني، خاصة خلال المناسبات الكبرى مثل شهر رمضان، حيث تراهن القناة على أعمال درامية تعكس الواقع المغربي وتلامس قضاياه الاجتماعية.

وهذا يعكس رغبة واضحة في جعل التلفزيون فضاءً للنقاش المجتمعي، وليس مجرد وسيلة للترفيه.

خاتمة

يمكن القول إن فيلم “مامات” ليس مجرد عمل تلفزيوني عابر، بل هو نص بصري يحمل رؤية إنسانية عميقة، ويطرح أسئلة جوهرية حول الكرامة، والحق في التعلم، والعدالة المجالية. إنه فيلم يشتغل على الهامش ليعيده إلى مركز الاهتمام، ويمنح صوتًا لمن لا صوت لهم.

وبهذا المعنى، ينجح “مامات” في أن يكون أكثر من قصة؛ إنه شهادة فنية على قدرة الإنسان، مهما كان بسيطًا، على أن يصنع الفرق.

***

حسن لمين

- "النوارس مجرد كائنات تقتات على القمامة.. ومعظم الطيور كذلك. احصلوا على بنادق.. واقضوا عليها من على وجه الأرض.

- هذا يكاد يكون مستحيلا.

- ولم لا؟

- لأن هناك ٨،٦٥٠ نوعا من الطيور في العالم اليوم. ويُقدَّر أن ٥,٧٥٠,٠٠٠،٠٠٠ طائر يعيشون في الولايات المتحدة وحدها. أما عبر قارات العالم الخمس.. فقد يتجاوز العدد ١٠٠ مليار طائر.

- إذا فليقض عليها جميعا..".

المصدر:

فيلم الطيور للمخرج الانجيليزي هيتشكوك، ١٩٦٣.Snyders, Frans; A Concert of Birds (I); National Trust, Petworth House; http://www.artuk.org/artworks/a-concert-of-birds-i-219706

يضع هذا الحوار الإنسان في مواجهة مباشرة مع وهم السيطرة على الطبيعة، حيث تتحول ملاحظة عابرة إلى كشف وجودي حاد، والأرقام التي تسردها السيدة بندي في الفيلم لا تعمل كمعطيات علمية فحسب بل كأداة تفكيك لوهم التفوق البشري.

إذ تكشف عن عالم يفوق الإنسان عددا وانتشارا وتعقيدا، وفي لحظة واحدة ينتقل الإنسان من وهم انه مركز المشهد إلى مكان آخر.

هنا لمن يتأمل ويعقل يتبدد اندفاع البائع المتجول أمام اتساع حقيقة لا يمكن احتواؤها أو إخضاعها، وكأن الطبيعة نفسها تفرض منطقها الصامت على كل خطاب متسرع ومتوحش.

في لوحة حفلة الطيور للفنان الفلمنكي فرانز سنايدرز التي أنجزت في القرن السابع عشر الميلادي، يتخذ هذا الاتساع شكلا مختلفا لا كتهديد بل كتناغم.

تتجمع الطيور في مشهد كثيف يبدو للوهلة الأولى فوضويا لكنه سرعان ما يكشف عن نظام داخلي دقيق، حيث تتوزع الألوان والحركات في توازن محسوب وتتصدر البومة المشهد كأنها تنظم هذا التعدد في إيقاع صامت.

لا صراع هنا بل اجتماع، ولا خوف بل حضور مشترك. وكأن الكثرة التي أرعبت الإنسان في حوار هتشكوك تتحول هنا إلى لغة بصرية يحتفى بها لا تحارب ولا حاجة ان تقاوم.

كان سنايدرز من أبرز رسامي فلاندر في عصره، تميز بقدرته الفائقة على تصوير الحيوان والطبيعة الصامتة بواقعية نابضة.

وارتبط اسمه بأسماء كبرى مثل روبنس، وكان كثيرا ما يشارك في إنجاز الأعمال عبر إضافة عناصر الطبيعة والحيوان.

 هذا منح لوحاته طابعا حيويا يتجاوز الزخرفة إلى حضور شبه حي، حيث لا تكون الكائنات مجرد موضوع للرسم بل كيانا يمتلك ثقله الخاص داخل التكوين.

ينتمي هذا العمل إلى المدرسة الفلمنكية الباروكية التي ازدهرت في سياق تحولات دينية وسياسية عميقة في أوروبا، واتسمت بالحيوية والدراما والاهتمام بالتفاصيل والسعي إلى إثارة الحواس.

لم تعد الطبيعة خلفية صامتة بل موضوعا مركزيا يستكشف ويحتفى به، وأصبح تنوع الكائنات انعكاسا لاتساع العالم وتعقيده في زمن كانت فيه الاكتشافات والتجارة تعيد رسم حدود المعرفة.

يمكن إضافة بعد آخر مختلف من تحليل اللوحة وهنا نستعير من جلال الدين الرومي.

 زار الرومي مدينة حلب في احظى اسفاره بحثا عن شمس التبريزي.

هناك وجد أن غالبية أهلها من الشيعة الذين كانوا يحيون ذكرى عاشوراء بحزن شديد، فتأثر بهذا المشهد وكتب قصيدة في رثاء شهداء كربلاء ضمن ديوانه. ومنها هذه الأبيات المترجمة من الفارسية إلى العربية:

 أين أنتم أيتها الأرواح العاشقة الخفيفة

التي هي أطير من الطيور في الهواء،

أنتم في ذلك البحر

 الذي هذا العالم مجرد زبده

فازدادوا معرفة لبعض الوقت،

زبدة البحر هي صور العالم

فتجاوز الزبدة إن كنت من أهل الصفاء.

من هذه الزاوية يمكن قراءة لوحة حفلة الطيور لا كمشهد بهيج بل كتأمل صامت.

حيث وجوه الطيور وألوانها هي صور العالم أي زبد البحر. وبناء على دعوة الرومي لتجاوز الزبد، فاللوحة تحث الناظر على ألا يقف عند جمال الطيور الظاهري بل أن يخترقه نحو معنى أعمق عن الحق والحقيقة.

حتى البومة التي تقود المشهد يمكن تأويلها هنا كرمز للصبر على المصيبة أو كمرآة تعكس دهشة الروح أمام تنوع الخلق ورحيله.

وتتعمق هذه القراءة عند استحضار فريد الدين العطار في منطق الطير، حيث يصف الهدهد للطيور الطريق إلى السيمرغ عبر سبعة أودية: وادي الطلب، ووادي العشق، ووادي المعرفة، ووادي الاستغناء، ووادي التوحيد، ووادي الحيرة، ووادي الفقر والفناء.

وهذا يساعد على فهم اللوحة أكثر لأن الطيور فيها ليست عابثة أو متقاتلة كما في فيلم هتشكوك، بل تبدو حاجة سائرة في مرحلة من هذه المراحل، ربما وادي الحيرة حيث تكثر الأصوات وتتشابك الألوان ولا يظهر المقصد بوضوح، أو ربما هي الطيور التي بلغت وادي الفقر والفناء فتجمعت لتودع شكلها المادي، مثلما بحث الرومي عن شمس التبريزي في حلب فوجد بدلا من ذلك مشهد احياء عاشوراء، فتصبح اللوحة مرآة لرحلة الروح لا مجرد تسجيل طبيعي.

وعند العودة إلى حوار هتشكوك، يظهر البائع المتجول والمتمسك بفكرة الإبادة، وكأنه يرفض الاعتراف بأن هذا العالم بكل كثافته وتعدده ليس عدوا يمكن القضاء عليه بل نظاما قائما بذاته لا يختزل في منطق السيطرة.

 وهذا التعنت الإنساني يتناقض تماما مع الانسجام في لوحة سنايدرز ومع السعي الروحي في منطق العطار.

كل هذا يذكرنا بأن النظرة الأداتية للطبيعة هي التي تنتج العنف بينما النظرة التأملية تنتج شعر الرومي وجمال اللوحة. وبين خوف السينما وانسجام اللوحة ورمزية الرومي ورحلة العطار، تتشكل شبكة من المعاني المتقاطعة تدفعنا إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالعالم.

واخيرا هل الكثرة التي نراها حولنا هي فوضى ينبغي إخضاعها كما يريد البائع المتجول، أم أنها نظام خفي يدعونا إلى التأمل كما توحي لوحة سنايدرز.

أم أنها مجرد طريق يقودنا إلى ما هو أبعد من العالم نفسه حيث يصبح التعدد انعكاسا لوحدة أعمق؟

***

د احمد عابر

 

تعد آلهة إنانا واحدة من أقدم الرموز الأنثوية في تاريخ البشرية، بل تمثل أول تجل واضح لفكرة الحب والجمال والخصب في الوعي الإنساني القديم. غير أن هذه الأنوثة المتألقة لم تنعم بالاستقرار، إذ تحولت مبكراً إلى ضحية لتحولات عميقة في بنية المجتمعات الأولى، فيما يمكن تسميته بـ(الانقلاب الذكوري) على الألوهة المؤنثة، وهو المفهوم الذي تناوله الدكتور خزعل الماجدي في كتابه (إنانا والإنقلاب الذكوري.. السردية الأسطورية والثقافية لآلهة الحب والجنس والجمال)، بوصفه مفتاحاً لفهم تحولات صورة الأنثى في التاريخ الأسطوري.

أولاً: الجذور – من الإلهة الأم إلى إنانا

يرى خزعل الماجدي أن إنانا ليست بداية الحكاية، بل امتداد لفكرة أقدم تعود إلى (لآلهة الأم) في عصور ما قبل التاريخ، حيث كانت الأنثى تمثل مركز الكون ومصدر الحياة. وقد انعكست هذه الرؤية في رمزية الألوهة المرتبطة بالأرض والخصب والاستمرار.

مع التحولات الاجتماعية وظهور المجتمعات الزراعية المنظمة، بدأ التوازن يميل تدريجياً نحو السلطة الذكورية، لتظهر إنانا كمرحلة انتقالية تحمل في داخلها هذا التوتر: آلهة حب من جهة، وكيان يخضع تدريجياً لصراعات السلطة من جهة أخرى.2616 almajedi

ثانياً: الانقلاب الذكوري وتهميش الألوهة المؤنثة

يؤكد خزعل الماجدي أن صعود الإله إنانا يمثل لحظة مفصلية في هذا التحول، حيث انتقل مركز القوة من الأرض (الأنثى) إلى السماء (الذكر).

في هذا السياق، تغدو إنانا النموذج الأوضح لهذا الانقلاب؛ إذ تحولت من كيان مكتفٍ بذاته إلى كيان يبحث عن الاعتراف داخل منظومة ذكورية مهيمنة، وهو ما يعكس بداية تهميش الألوهة المؤنثة وإعادة تشكيلها.

ثالثاً: الحب بوصفه مأساة – إنانا وديموزي

تحتل علاقة إنانا بديموزي موقعاً محورياً في تحليل خزعل الماجدي، إذ لا يراها مجرد قصة حب، بل تمثيلاً لصراع عميق بين الحياة والموت، وبين العاطفة والسلطة.

إن نزول إنانا إلى العالم السفلي وتجريدها من قواها يرمز، وفق هذا المنظور، إلى تفكيك الأنوثة نفسها، بينما تمثل التضحية بديموزي تعبيراً عن منطق قاسٍ أصبح يحكم العلاقة بين الحب والوجود.

رابعاً: التحول الأُسطوري – من إنانا إلى عشتار

يشير خزعل الماجدي إلى أن المرحلة الأكدية شهدت تحولاً حاسماً في شخصية إنانا، حيث تم دمجها مع عشتار، لتتحول من إلهة حب إلى إلهة حرب ودمار.

لم يعد جمالها رمزاً للخصب، بل ارتبط بالإغواء والفتك، وأصبح الحب وجهاً آخر للعنف. هذا التحول يعكس إعادة تشكيل صورة المرأة في المخيال الجمعي، من خالقة للحياة إلى قوة مدمرة.

ويبلغ هذا التحول ذروته في صور لاحقة مثل الآلهة عناة، حيث تتجلى الأنثى بوصفها قوة تدمير صريحة، وهو ما يؤكد المسار التصاعدي لتشويه الألوهة المؤنثة.

خامساً: التلاشي – ذوبان الألوهة المؤنثة

ضمن هذا المسار، يبين خزعل الماجدي أن إنانا لم تختفِ فجأة، بل ذابت تدريجياً في إلاهات أُخريات، وفقدت هويتها الأصلية. وهذا التلاشي يعكس مصير الأنوثة في ظل هيمنة النظام الذكوري، حيث لم يعد لها وجود مستقل، بل أصبحت جزءاً من منظومة أوسع تتحكم بها قوى أخرى.

الخاتمة: إنانا بوصفها سردية الإنسان

إن قصة إنانا، كما يقدمها خزعل الماجدي، ليست مجرد أسطورة، بل هي سردية عميقة لتحولات الإنسان نفسه:

-  صعود الأنوثة في بدايات الحضارة،

-  انكسارها تحت وطأة التحولات الاجتماعية،

-  إعادة تشكيلها بما يخدم النظام الذكوري.

إنها حكاية الحب حين يقهر، والجمال حين يشوه، والأنوثة حين تعاد صياغتها قسراً. ولذلك، فإن دراسة إنانا لا تعني استعادة ماضٍ أسطوري فحسب، بل قراءة في تاريخ الإنسان، في صراعه بين القوة والحنان، بين الهيمنة والتوازن، وبين الذكر والأنثى.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

حكاية الطفولة الفلسطينية في يوم الطفل الفلسطيني

لن أنسى تلك الأيام التي كنت أخطو فيها بيدي الصغيرة بين كفوف إخوتي وأخواتي، وأعبرُ من قلب مدينة بيت لحم نحو مخيم عايدة الصمود، إذْ تقودنا الطرقات الضيقة إلى مدرسة وكالة الغوث.

تتسابق خطواتنا مع الصباح، وتتمايل حقائبنا الثقيلة مسرعة نحو سرّ الرحلة. يلمع في ذهني حلمٌ كبير يكبر معي.

إنها فلسطين التي لا تبرح مكانها في خيالي، ومفتاحٌ قديم يتدلّى في الذاكرة في حكايةٍ لم تكتمل لبيت جدي في قريتنا المالحة إحدى قرى القدس المهجّرة، وعلمٌ زاهٍ يرفرف في عينيّ قبل أن أراه في السماء.

أعيش عامي السادس مع بداية انتفاضة الحجارة، وأصغي لضجيجٍ يملأ المكان، ضجيجٍ يختلط فيه وقع الأقدام بنداءاتٍ عالية، فتتسارع نبضات القلب، وتتشبث يدي أكثر بيد أختي الأكبر مني.

أمضي نحو المدرسة وأنا أعبر حكايةً أكبر من عمري، أحمل في صدري خوفًا صغيرًا وحلمًا واسعًا، وأواصل الطريق بعينين مفتوحتين على درسٍ أول في الحياة، ليتشكل الوعي باكرًا، وتكبر الطفولة وهي تمسك بخيط الأمل.

تركضُ الخطى الصغيرة فوق ترابٍ يحفظ أسماء العابرين، وتفتحُ العيونُ دهشتها على سماءٍ تختزن حكاياتٍ أطول من العمر.

تنبضُ الأزقةُ بحركةٍ دافئة، وتتعالى ضحكاتٌ تشقّ طريقها بين تفاصيلٍ مشبعةٍ بالذاكرة.

تمضي الطفولةُ في فلسطين كرحلةٍ مكتوبةٍ بالحياة، رحلةٍ تتقاطع فيها البراءة مع التجربة، ويتحوّل فيها اللعبُ إلى لغةٍ تحمل معنى أعمق من مجرد لحظة عابرة.

تحملُ الذاكرةُ الأولى صورًا متداخلة ليدٍ صغيرة تمسك بحقيبةٍ أثقل من وزنها، وعينين تلتقطان تفاصيل المكان بحسٍّ يقظ، وقلبٍ يتعلّم قراءة الإشارات مبكرًا. تنمو الحكاياتُ داخل الأطفال كما تنمو الأشجار، وتمتد جذورها في الأرض، وتعلو أغصانها نحو الضوء.

تتناقلُ الأجيالُ سردياتٍ عن البيوت الأولى، وعن الطرقات التي عبرها الأجداد، وعن أصواتٍ ما زالت تعيش في الأغاني والهمسات.

يتشكّلُ الحاضرُ كلوحةٍ متحركة تعلوها أقلامٌ ترسم الوطن بألوانٍ زاهية، وألعابٌ تُبتكر من تفاصيل بسيطة، ووجوهٌ تتقن صناعة الفرح وسط زخم الأيام.

يتعلّم الطفل الفلسطيني مبكّرا على غير عادة أقرانه من أطفال العالم.

يتعلم كيف يوازن بين ما يراه وما يحلم به، فينسج من يومه حكايةً جديدة، ويمنح اللحظة معنى يستحق أن يُروى. تتحوّلُ الجدران إلى دفاتر، وتصبح الساحات مسارح لخيالٍ واسع، يبتكر من الممكن آفاقًا أبعد.

يمتدُّ المستقبلُ كأفقٍ مفتوح، يحمل في طياته وعودًا تنمو مع كل حلمٍ صغير. تتقدّم الخطواتُ بثبات، وتكبر الأمنيات مع كل تجربة، وتتشكل ملامح الغد في عيونٍ تعرف الطريق.

يكتبُ الأطفالُ فصولهم القادمة بإرادةٍ نابضة، ويمنحون الزمن اتجاهًا جديدًا، فتتلاقى الذاكرة مع الأمل، وتصبح الحكاية استمرارًا لحياةٍ تتجدد.

تزهرُ الطفولةُ في كل زاوية، وتولدُ الضحكاتُ من قلب التفاصيل، وتعلو الأصواتُ بأغنياتٍ تحمل روح المكان. تتجسدُ القدرة على النهوض في كل محاولة، وتُصاغ القوة من لحظاتٍ صغيرةٍ تتراكم حتى تصير معنى كبيرًا. يواصلُ الأطفالُ رسم ملامح أيامهم، ويصنعون من اللحظة مساحةً للحلم، ويحوّلون الذاكرة إلى جسرٍ يعبر نحو غدٍ يليق ببراءتهم.

في يوم الطفل الفلسطيني تتلألأ الحكاياتُ كنجومٍ قريبة، وتُروى القصصُ بصوتٍ يحمل دفء الأرض ونبضها. تتقدّم الكلماتُ لتحتفي بروحٍ تنبض بالحياة، وتستمرُّ الطفولةُ كقصةٍ تُكتب كل يوم، فيتجدد المعنى، ويكبر الأمل، وتبقى الذاكرة حيةً تحمل ملامح الطريق.

تتسلّلُ التفاصيلُ الدقيقة لتغني المشهد أكثر والمزيد من رائحة الخبز في الصباح والتي تُوقظ الحكايات، والعديد من خطوات الأطفال نحو مدارسهم لترسم إيقاع يومٍ جديد، وتستمر أصواتُ اللعب الشعبي في الحارات لتعيد ترتيب الفرح في القلب.

تتشكّلُ علاقةٌ عميقة بين الطفل والمكان، فيحفظُ الحجرُ ملامحه، وتحتضنُ الأشجارُ أسراره، وتُصبح الأرضُ رفيقةً يوميةً تُصغي لكل نبضة.

تتقدّمُ الذاكرةُ كمرآةٍ حية تعكس وجوهًا صغيرة تحمل ملامح الصبر والإصرار. ينمو الإدراكُ مع كل تجربة، وتتفتحُ الروح على معانٍ تتجاوز العمر، فتغدو الطفولة مساحةً للوعي المبكر، ومسارًا يختزن حكمةً تولد من قلب التجربة. تتعانقُ البراءة مع القوة، ويتحوّل الشعورُ إلى طاقةٍ تدفع نحو الاستمرار.

تنبثقُ الأحلامُ كطيورٍ تحلّق في فضاءٍ واسع، لترسم مساراتها فوق حدود الواقع، وتبحث عن أفقٍ يليق بصفائها. يخطّ الأطفالُ ملامح عالمهم الخاص، ويلوّنون دفاترهم بأمنياتٍ واضحة، ويصوغون من خيالهم حقولًا من الضوء. تتقدّمُ الرغبةُ في الحياة كنبضٍ دائم يوقظ فيهم القدرة على تخيّل غدٍ أجمل.

تترسّخُ القيمُ في وجدانهم عبر تفاصيل يومية تتمثّل في التعاون في اللعب، والمشاركة في الحلم، والقدرة على تحويل اللحظات الصغيرة إلى ذاكرةٍ كبيرة.

تتشكّلُ الهُويةُ من كلّ ذلك الوعي المبكّر كخيطٍ متين يربط بين الماضي والحاضر، ويمنح المستقبل جذورًا ثابتة.

يكبرُ الطفل وهو يحمل في داخله حكاية شعب، ويمنحها صوته وصورته وحلمه.

تتواصلُ الحكايةُ، وتكبرُ مع كل طفلٍ يضيف سطرًا جديدًا، وتستمرُّ الطفولةُ كقصيدةٍ مفتوحة، تتجدّد كلماتها مع كل صباح.

يشرقُ الأمل من بين التفاصيل، وتبقى الحياةُ حاضرةً بقوة، لتُعلن نفسها في عيون الأطفال، وتكتب عبرهم قصةً تستحق أنْ تُروى جيلاً بعد جيل.

أيها القارىءالواعي، لقد كان ذلك بقعةَ ضوءٍ تسلّلت من قلب الحكاية لتكشف ملامح شخصيةٍ بطوليةٍ تنبض تحت راية فلسطين.

هناك، إذْ يكبر المعنى في تفاصيلٍ صغيرة، ليتجلّى الطفل الفلسطيني، صغيرُ الحجم، عظيمُ الفِكر، واسعُ الحلم كأفقٍ لا ينتهي.

يمضي بخطاه الواثقة، ويحمل في عينيه حكاية وطن، وفي قلبه نبض قضية.

فارفَعوا له القبعاتِ إجلالًا، وامنحوه من الكلمات ما يليق بمقامه، فهو البداية التي تكتب المستقبل، وهو الحكاية التي تتجدّد، وهو الضوء الذي يقود الطريق.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

لاريب أن النتاج الأدبي هو أحد أبرز تجليات الوعي الإنساني، حيث يتفاعل الحس المرهف للمبدع مع التجربة الحياتية، وتتداخل فيه الموهبة الفطرية مع الخبرة المتراكمة.

وقد يبدو الإبداع الأدبي فعلاً لحظياً، تستولده تلك الومضة المتوهجة، التي تشتعل في ذهن الكاتب فينثال نصاً متفرداً، يحمل بصمة الكاتب الخاصة، ويعبر عن رؤيته للعالم، يمتلك الأديب الحقيقي حساً مرهفاً، وقدرة استثنائية على التقاط التفاصيل الدقيقة، التي يتمثلها في عوالمه في اللحظة، وتحويلها إلى صور لغوية نابضة بالحياة، الأمر الذي قد يدفع إلى الاعتقاد بأن النتاج الأدبي موهبة فطرية قبل كل شيء، ولا ديمكن تعلمها، بقدر ما يمكن صقلها.

ومع وجاهة مثل هذا التصور، فإنه لابد من الإلتفات إلى عنصر الخبرة، في تشكيل النتاج الأدبي، لاسيما وان النتاج الأدبي لا يتكون في فراغ، بل يتغذى من تراكم التجربة الإنسانية التي يمر بها الكاتب عبر مراحل حياته، اذ لاشك ان القراءة المستمرة، والاحتكاك بالنصوص، والتمرس في الكتابة، والانخراط في معالجة القضايا الاجتماعية، تفرز مخزوناً معرفياً، وجمالياً، يسهم في نضج التجربة الأدبية وتعميقها.

 فالكاتب، مهما بلغت موهبته الذاتية، فلاشك انه يظل بحاجة إلى زمنٍ طويل من التجربة، لكي يتمكن من أن يبلور بصمته الخاصة به، ويطوّر أدواته التعبيرية في وضع نصوصه، وتشكيل نتاجاته.

ومن هنا يمكن القول، إن الإبداع، والخبرة المتراكمة، هما عنصران متكاملان في تشكيل النتاج الأدبي. فالإبداع يمنح النص روحه، وحيويته، بينما تمنحه الخبرة الزاخرة، رصانته وتماسكه.

 فالإبداع الفطري دون خبرة، قد ينتج نصوصاً متوهجة حقاً، لكنها قد تكون سطحية، وغير ناضجة، في حين أن الخبرة دون إبداع، قد تفضي إلى نصوص متقنة تقنياً، وجذابة شكليا، لكنها باردة حسبا، وخالية من الوهج.

ولذلك تظل النتاجات الأدبية، التي تنجح في تحقيق التوازن بين العفوية، والوعي، وبين الانفعال، والتأمل، وبين الموهبة والتجربة، نتاجات ابداعية رصينة، لاسيما، وان الأدب في جوهره، ليس مجرد تعبير عن حس اللحظة، بقدر ما هو بناء متراكم، يتشكل وياخذ مدى جمالياته عبر الزمن، حيث يتزاوج فيه حس الذات الإبداعية، مع تجليات صور عوالم المبدع، ويتفاعل فيه خياله المتوهج، مع مرئيات واقعه.

وهكذا يظل النتاج الأدبي حصيلة تفاعل خلاق، بين الإبداع الفطري للكاتب، وبين خبرته المكتسبة، وبالتالي فانه فلا يمكن للأدب أن يزدهر بأحدهما دون الآخر، ليظل هذا التفاعل العضوي بينهما، هو السر الكامن، وراء النصوص الإبداعية، التي تلامس وجدان المتلقي بعمق، وتبقى راسخة في ذاكرته.

***

نايف عبوش

من أمتع أوقاتي وأكثرها صفاء وراحة نفسية، تلك التي أقضيها بين دفتي كتاب راقني، أو حين أتصفح المواقع، فأتعثر صدفة بنصوص مميزة لكتاب مشهورين كانوا أو مغمورين، تشدني إليها من الوهلة الأولى، فتوقظ فيَّ تلك القارئة من سباتها، لتسترد شيئا من نهمها وشغفها بالقراءة، كتّاب حين أقرأ لهم، أكاد أنسى تماما أني كاتبة، رغم مُكنتي على مجاراة نصوصهم تلك، وربما التفوق عليهم، إلا أنني أقرأ لهم باستمتاع وشغف كبيرين، وهذا ما أعتبره من سمات الكاتب الحقيقي، أي أن هذا الأخير يملك مقدرة جعل أقرانه من الكُتّاب قُرّاءً له، ربما القاسم المشترك بين أصحاب هذه الأقلام أن القارئ يذعن لهم طواعية، فيسترسل بالقراءة لهم دون كلل أو ملل، وكلما تنقل بين كلماتهم وسطورهم تلمّس صدقا كبيرا، وتلقائية لافتة، هم كُتّاب لا يلوون عنق اللغة ليستعرضوا عضلاتهم، ومكنتهم البلاغية، أو ليتفاخروا بسحر البيان والبنان، ولا يتفيقهون في كل حدث ومسألة لمجرد التواجد في بقعة الضوء، هذه الفئة من الكُتّاب لا يحاولون البتة تقليد أحد، ولا يسعون لأن يكونوا أشخاصا آخرين غير أنفسهم، ببساطة هم كتاب صادقون مع ذواتهم وأقلامهم، أصحاب بصمة متفردة ومميزة، تستشف ذلك وأنت تقرأ لهم، فيتبين لك فعليا أنك أمام كتّاب حقيقيين بأتم معنى الكلمة، حينما يكتبون هم يتنفسون الكتابة! لا يمارسونها بل يعيشونها ويعشقون تفاصيلها، حد التماهي مع نبضهم، حروفهم ليست مجرد مداد منثور، بل أجزاء من ذواتهم، وقبس من أرواحهم تقبع على الورق وتتخفى مابين السطور.

بالنسبة لي تلك الأقلام هي "علامة مسجلة" وفارقة في عالم الأدب، تستحق بجدارة الاحتفاء بها، كتّاب لا يتكلّفون الكتابة ولا يصطنعونها، بل يتماهون معها ويذوبون فيها وكأنما قد ولدوا كُتّابًا!

أعتقد أن الكتابة بالتحديد ليست حرفة أو مهنة يتعلمها المرء أو يسعى إليها، بل هي بصمة روح لا مجرد بوح أو حبر يسيل ليغزو بياض الورق!

أعتقد يقينا أن الكتابة ما وُجدت إلا لتجعلنا أرقى وأنقى عاطفيا، وأكثر وعيا وعمقا فكريا ومعرفيا، لا يمكنني إلا أن أرى الكتابة رسالة نبيلة، ذات تأثير بالغ على الكاتب وبيئته، وأداة فعالة للتغيير الإيجابي، كما أعتبرها مسؤولية كبيرة على عاتق الكاتب، فإما أن يكون أهلا لها أو يدعها لمن هو جدير بها.

أؤمن جدا أن الكتابة فعل تأثير، وصنعة الفاعلين والمؤثرين من أصحاب الفكر والثقافة، هي هبّة وعي وسط ضجيج الجهل وزحام السطحية والتفاهة، كما أنها فسحة للمشاعر الإنسانية، ومساحة فسيحة تحوي وتحتوي الإنسان بكُلّيته فكرا ووجدانا.

***

بقلمي: زينة لعجيمي -الجزائر

 

يا عاشقة الورد،

إن كنت على وعدي،

فحبيبك منتظر،

يا عاشقة الورد.

زكي ناصيف -ملحن و مغني و شاعر لبناني

في هذه الأبيات يخاطب الشاعر المحبوبة بلغة رقيقة تحمل شوقا وانتظارا طويلا. عاشقة الورد ليست فقط امرأة تحب الزهور بل رمز للجمال والحنان والطبيعة الصافية. الوعد هنا يوحي بعلاقة قائمة على الانتظار والامل وربما الغياب. الحبيب المنتظر يقف في حالة ترقب عاطفي هادئ لكنه عميق. كتب هذه الكلمات زكي ناصيف الذي جمع بين الشعر واللحن والصوت فقدم فنا صادقا نابعا من الوجدان اللبناني. كلمات بسيطة لكنها مشبعة بالمعنى وتعكس ارتباط الانسان بالطبيعة وبالحب النقي.2607 ahmad

تقدم اللوحة التي تحمل عنوان "قاطفة الورد" للفنان دانيال ريدجواي نايت، ورسمت في عام ١٨٨٢، مشهدا ريفيا هادئا، حيث تنحني فتاة شابة بين أزهار الحقل لتقطف الورد بعناية. الألوان زاهية خصوصا الأحمر الذي يسيطر على المشهد من خلال زهور الورد.

الضوء ناعم ينساب على الأرض والنباتات فيخلق جوا من السكينة. حركة الفتاة المنحنية توحي بالتواضع والاندماج مع الطبيعة وكأنها جزء منها لا كائنا منفصلا عنها. الخلفية تمتد إلى أفق مفتوح يضيف عمقا بصريا ويعزز إحساس الحرية والاتساع. المشهد كله يبدو لحظة عابرة لكنها مشبعة بالشاعرية.

يمكن قراءة هذه اللوحة من زاوية فكرية قريبة مما طرحه الكاتب هاشم الشملة حول فكرة الموقف والذاكرة. الفتاة هنا ليست فقط قاطفة للورد بل تمثل موقفا هادئا وصادقا من الحياة. انحناؤها ليس ضعفا بل اختيار للتواصل مع الأرض ومع الجمال البسيط.

وكما أن التاريخ لا ينسى المواقف الكبرى فإن هذه اللحظات الصغيرة أيضا تحمل قيمة خفية. قد لا يكتب عنها التاريخ لكنها تعبر عن صدق العلاقة بين الإنسان ومحيطه. الجمال هنا موقف صامت لكنه راسخ. وكما يقول الشملة فإن القيمة لا تضيع حتى لو لم توثق، فإن هذه اللوحة تحفظ لحظة من الصفاء الإنساني الذي يبقى أثره مهما تغيرت الروايات.

أما من زاوية فريد الدين العطار، فيمكن ربط مشهد قاطفة الورد بما كتبه في منطق الطير عن العشق. ترجم أحمد الصافي النجفي ذلك المعنى بقوله:

إن العشق نار هنا والعقل دخان،

فإذا أقبل العشق أسرع العقل هربان.

فالفتاة المنحنية في اللوحة لا تقطف الورد بعقل محسوب، بل بشغف صامت وكأنها تعبد الجمال. إنها تعيش نار العشق للأرض والزهور، بينما يتوارى العقل في الخلفية البعيدة الأفق. هذه النار ليست مدوية بل هادئة، لكنها تحرق كل ما عداها من حسابات باردة.

نعود إلى أبيات زكي ناصيف لنستنتج أن الحبيب المنتظر هو أيضا مثل تلك الفتاة، فهو منحنى بالانتظار كمنحنى قاطفة الورد. الغياب لم يقتل شوقه بل جعله أكثر اتصالا بالوعد. هو ينتظر ليس لأنه عاجز بل لأنه اختار أن يبقى وفيا كما اختارت الفتاة أن تبقى منحنية على الأرض رغم إمكانية الوقوف. العشق عنده ليس صراخا بل انتظار طويل، وليس بريق عيون بل انحناءة لا تكل.

وأخيرا، أليس في كل انحناءة لقطف وردة، أو في كل بيت شعر ما يكفي لإثبات أن العشق الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج؟

***

د احمد عابر

 

ـ الحديثُ

يكونُ بالخلاصاتِ مع الصديقِ

ويكونُ بالتفصيلِ المملِّ

مع الخصم.

*

ـ كلُّ كلامٍ،

وهذا الخسرانُ،

ألمٌ أكثر.

*

ـ فقدانُ

الثقةِ

موتٌ

آخر.

*

ـ الموتُ

هو أن يكفَّ المرءُ

عن الدهشة.

*

ـ لا إحكامَ

من دونِ ضحايا.

*

ـ من

يحكمُ

بالظنِّ

عدوّ.

*

ـ لا صيدَ أسهل

من صيدِ الكسالى.

*

ـ يقعُ الإنسانُ

حيثُ يفشلُ المجتمع.

*

ـ ليس كالثقافةِ

لتكونَ خنادق مواجهة.

*

ـ ليس مثلُ الفنِّ

لنداءاتِ الروح.

*

ـ الوجهُ

هو الإنسان.

*

ـ "الجمالُ

هو أن تنظرَ

لا أن تفتّشَ أو

تبحث".

*

ـ الرفيقُ

يمنحُكَ فرصةَ الإختلاءِ

مع نفسك.

*

ـ الفنّانُ

يقودُ العالَمَ

بأحلامِه.

*

ـ أسوأُ شعورٍ

هو الشعورُ الناتجُ

عن الإعتقادِ بفواتِ الآوان.

***

شوقي مسلماني

  أكان ميخائيل نعيمة سعيدا حقا أنه الآمن لسقف بيته الحديدي المستأثر المتنصل به عن مآسي البشرية حوله؟!

  فما دام محصنا من الطبيعة بأعاصيرها، ومن قيامتها الصاخبة متى خطر لها لا تستأذنه فهو المنجّى بفضل ما امتلك!

 أم أنها دعوة مبطنة لحكمة وسّعت السقف من منظور الجمود إلى اشتغال القلب؟!

 ليس وهو صاحب النظرة التأملية التي عافت القشر لتغوص في اللب، هناك حيث الألم مضاعف لمن عقل..

من منا يتذكر تلك الأبيات التي عُلّمها طفلا، ومن يستطيع أن يساعد شخصا مثلي في ترتيق ذاكرة تهدهده بين الأحداث، فتؤرقه، وتدميه؟!

 نصبُ الأمير الشامخ الذي حط عليه عصفور في طريقه إلى أرض أخرى حيث الدفء ضمن دورة الرحيل، استوقفته دموع تتساقط من عينيه الحجريتين المرصعتين بالزمرد، وعندما استفسر منه، أجاب:

 إني رأيت ما لم تره!

أتراها الرؤيا البصرية أم القلبية؟!

 هناك طفل تنهب جسده الحمى، وأمه الفقيرة لا تملك ثمنا لدوائه.. فرّق لحاله، وقال:

 كيف بإمكاني أن أساعده؟2600 aman

 قال:

 خذ زمردة عيني اليمنى، وضعها على طرف نافذته، ففعل..

 لكن دموع الأمير لم تتوقف!

 وماذا بعد يحزنك يا صديقي الأمير؟

 وأرى طالبا مسكينا يدرس على شمعة صغيرة، فخذ له جوهرة سيفي ليكتري مصباحا، فامتثل العصفور سريعا..

 وتوالى الحدث، وتأزم الصقيع، واكتست الأشجار بالثلج، وانكفأت رحلة الدفء..

 مر أناس بالقرب، فعثروا بعصفور تحجّر كقطعة ثلج، والتمثال الذي أحبوه خالي الوفاض، فاحتاروا لمن ينسبون المشاعر أقوى!

سقف بيتي حديد

ركن بيتي حجر

وإذا الفجر مات

والنهار انتحر

فانطفي يا نجوم

واحتجب يا قمر

من سراجي الضئيل

أستمد البصر

*

نعم..

هو السواد الذي ارتحل

وفي القلب الألق اشتعل

فهنيئا لمن به اكتحل

***

أمان السيد – كاتبة / أستراليا

 1-4-2026

(أيها الجالس في هذا البيت المليء بالنقوش والخيال، قم من هذا البيت وارتحل، وخذ متاعك، ولا تقل شيئا. قلت يا قلب تصرف كأب، اليس هذا من وصف الله، قال نعم، ولكن يا روح الاب، لا تقل شيئا)... جلال الدين الرومي من كتاب غزليات شمس، مترجم للعربية من الفارسية (ترجمة الكاتب)

ليست هذه الأبيات مجرد نداء شعري، بل صدمة روحية تهز الإنسان من سباته داخل عالم صنعه بنفسه. فبيت النقوش والخيال ليس مكانا ماديا، بل عالم الذكريات والتعلقات والأوهام التي نحمي بها أنفسنا من حقيقة الفقد والزوال.

الرومي هنا لا يدعو إلى الرحيل الجسدي، بل إلى خلع هذا العالم الداخلي الذي نقيم فيه أصنام الحنين. ثم يتجلى الصراع في مخاطبة القلب، حيث يبحث الإنسان عن رحمة تواسيه كرحمة الأب. لكن الجواب يأتي حاسما: نعم هذا من وصف الحق، ولكن الطريق إليه يمر بالصمت. صمت ليس ضعفا، بل مقام تسقط فيه الكلمات وتعجز اللغة عن حمل ثقل التجربة.2590 ahmad

تعكس لوحة "الكرسي المفضل للأب" للفنان البلجيكي شارل بوينيه، التي رسمها عام ١٨٧٥، هذا المعنى بصريا. نرى شابة تقف في غرفة داخلية مزينة بعناية، ترتدي ثوبا أبيض فاخرا مزينا بشرائط زرقاء، تنحني برأسها قليلا في وضع يوحي بالحزن والتأمل، أمام كرسي فارغ يحتل مركز المشهد. ضوء خافت يتسلل من نافذة غير مرئية، فيرسم ظلالا طويلة على السجاد المنسوج بدقة. ملمس القماش يبدو ثقيلا، وكأنه يحمل في ثناياه رطوبة الغياب. المشهد ساكن، وكأن الزمن توقف. لكن ماذا لو قرأنا هذه اللحظة بطرق مختلفة؟ هل الشابة تستسلم للحزن أم تتمرد عليه بصمتها؟ أو ربما هي معلقة بين الذاكرة والنسيان؟

ينتمي شارل بوينيه إلى المدرسة الأكاديمية الأوروبية في القرن التاسع عشر، حيث امتزجت الواقعية بالدقة التقنية العالية، مع نزعة عاطفية في تصوير المشاهد اليومية. عرف باهتمامه برسم البورتريه والمشاهد الداخلية التي تركز على الإنسان وعواطفه.

كانت أعماله تعكس ذوق الطبقة البرجوازية في ذلك العصر، مع اهتمام خاص بالتفاصيل الدقيقة للملابس والديكور. تحمل أعماله بعدا إنسانيا هادئا، لا تعتمد على الدراما الصاخبة، بل على لحظات التأمل الداخلي. وهذا ما يجعل هذه اللوحة نموذجا واضحا لمدرسته التي ترى في الحياة اليومية مسرحا للمشاعر العميقة.

لنقف قليلا عند الشابة نفسها. جسدها المنحني ورأسها المطأطئ: هل هو خضوع للحزن أم بداية وعي جديد؟

من زاوية ابن عطاء الله السكندري، يمكن قراءة هذا الوقوف باعتباره تجسيدا لحقيقة وجودية. فالحزن الذي يملأ الغرفة ليس استثناء، بل جزء من طبيعة الدنيا. يقول ابن عطاء: ما دمت في الدنيا فلا تستغرب وجود الأحزان. لكن الأهم هو ما تفعله بعد ذلك.

أليس وقوفها دون أن تجلس على الكرسي أو تزيحه دليلا على تحرر من التعلق؟

يقول السكندري:

أنت حر مما يئست منه، وأنت عبد لما ترجوه.

ثم يأتي قوله الأعمق:

أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك.

وقوفها الثابت قد يكون تجسيدا لهذا التسليم. لكن هل التسليم هو النهاية الوحيدة؟ ماذا لو كان وقوفها المجرد بداية تمرد صامت على فكرة الفقد نفسها؟

أما عند محيي الدين بن عربي، فالأشياء ليست كما تبدو. تأمل ايها القارئ الكرسي مرة أخرى: ليس فارغا بالكامل، فهو ممتلئ بالذاكرة، بالعادات، بصورة الجالس الذي لم يعد يجلس.

يقول ابن عربي: الفناء هو عدم رؤية الأشياء، والبقاء هو رؤية الحق في الأشياء.

هل يمكن أن تكون الشابة في لحظة فناء عن رؤية الكرسي كمجرد كرسي؟ ليس بالضرورة أن نصل فورا إلى الحضرة الإلهية. ربما هي فقط ترى الأب، أو ترى فراغا يصعب تسميته.

لكن ابن عربي يضيف:

ما من حزن إلا وهو مقدمة لفرج، وما من ظلمة إلا وهي تعلن عن قرب فجر.

الظلمة المحيطة باللوحة قد تكون ليست نهاية بل بداية. لكن السؤال: هل الفجر آت حتما؟ أم أن الظلمة قد تطول، وقد تتحول إلى سكن دائم؟

من جهة أخرى، يقدم عبد الجبار الرفاعي في كتابه "الظمأ الأنطلوجي" قراءة معاصرة. يشير إلى أن الإنسان المعاصر يعاني من عطش وجودي ناتج عن غياب المعنى والانقطاع عن الجذور. انظر إلى الغرفة من جديد: كل هذه التفاصيل المادية، الأثاث الفاخر، السجاد المنسق، الشرائط الزرقاء على الثوب الأبيض. أليست محاولة لملء فراغ؟

لكن الكرسي الفارغ يظل شاهدا على فجوة لا تسدها الأشياء. الشابة هنا ليست مجرد حزينة على فقد أبيها، بل هي في لحظة مواجهة مع سؤال الوجود ذاته: من أنا بعد رحيل من كان جزءا من هويتي؟ كيف أعيد تشكيل علاقتي بالعالم؟

الرفاعي لا يقدم إجابات جاهزة، بل يدعو إلى العيش في السؤال نفسه. وفي صمت الغرفة، وفي ثقل الضوء الذي لا يضيء كثيرا، تقف الشابة سؤالا مفتوحا لا يطلب جوابا.

بعد هذا، نعود إلى نقطة البداية: الرومي وأبياته. لكننا لم نعد كما كنا. كل هذه القراءات لم تقدم لنا إجابة واحدة، بل فتحت أمامنا أسئلة.

هل الرومي كان يدعونا حقا إلى تسليم خالص؟ أم كان يدعونا إلى مواجهة أوهامنا مهما كانت جميلة؟

"قم من هذا البيت وارتحل" قد تكون دعوة لتجاوز التفسيرات نفسها، لتجاوز هذا المقال، لتجاوز الكلمات. البيت المليء بالنقوش والخيال هو كل هذه المحاولات لشرح الفقد. لكن الحقيقة قد تكون أبسط: أن نقف كما تقف تلك الشابة، أمام ما نملكه و ما فقدناه، دون أن نحكم.

وربما أبعد من ذلك: أن لا شيء ينتظرنا، لا فجر ولا ظلمة، فقط وقوف.. ربما وقفة الشاهد و الشهيد..

ربما ايضا وقوف في غرفة، وامام كرسي فارغ، وصمت...كل ذلك لا يعني شيئا محددا ولا يحتاج ايضا إلى معنى محدد.

اخيرا هل يصبح الفقد يوما ما بابا للمعرفة أم يظل جرحا لا يندمل؟ وهل الصمت الذي نعيشه في مواجهة الغياب هو هزيمة أم هو أصدق لغة نملكها؟

***

د احمد عابر

 

تجدر الإشارة إلى أن الإبداع الأدبي الحقيقي، ينبثق عند ومضة تلك اللحظة، التي يلتقي فيها وجدان الكاتب، مع نبض الحياة في محيطه، حيث تنثال الكلمات، عندئذ، بوهج يخترق حالة السكون المخيمة عليه.

وهكذا تتوهج الكتابة، بماهي نتاج تفاعل رومانسية الكاتب، وحسه المرهف في اللحظة، لتصبح أكثر من مجرد عبارات مرصوفة ٱليا، مع بعضها، طالما كانت ومضة وجدانية عميقة، وانفعالا عاطفيا، يعكس رؤية الكاتب لعوالمه.

ولا ريب أن الرومانسية في الإبداع ليست مجرد الحديث عن الحب أو العاطفة، وانما هي القدرة على رؤية الجمال، حتى في التفاصيل الصغيرة لعوالم الكاتب، والتي قد تتجسد ساعتئذ، في ابتسامة عابرة، أو في غروبٍ اصيل يوم يلامس الأفق، أو حتى في لحظة صمت متأملة، ما دامت تعكس حالة نشوة، و دمشاعر عفوية جياشة، تجعل الكاتب يتذوق الجمال، ويشعر بأدق تفاصيله، التي تخرج من أعماق الوجدان، لتترجم عند ذاك، شعرا ابداعيا، وخواطر وجدانية عميقة، تجمع بين رقة المشاعر، وعمق الإحساس، الذي يضفي على الحياة طابعاً من النقاء النفسي، والابداع العاطفي، ويتجسد في صدق المشاعر، والحب الخالص، والوفاء التام.

وهكذا يعيد الكاتب الرومانسي تشكيل عوالم واقعه، ليجسدها بلغة حالمة، تمنح الأشياء روحا، لتحول ماهو مألوف منها إلى استثنائي، ما دام الكاتب لايقتصر في ما يكتبه، على ما يراه مجسما، وحسب، بل يسطر ما يحس به، وما يشعر به، في أعماق وجدانه، ليظل الحس المرهف عنده، تلك القدرة الفائقة على التقاط المشاعر الخفية، والإحساس بما يعجز الآخرون من غير المبدعين، عن ملاحظته.

 فالكاتب ذو الحس المرهف، لايمر على الأحداث مرورا عابرا، بل يغوص في أعماقها، ليلامس حقيقة جوهرها، ليتحفنا بنصوص، وسرديات ابداعية تنبض بكل صور الحياة.اذ ان الرومانسية بتفاعلها مع الحسّ المرهف، تفرز إبداعا متوهجا، زاخرا بدفء العاطفة، ليصل إلى القارئ دون استئذان، حيث تكون الكلمات جسور تواصل، وتصبح الكتابة رسالة إنسانية، قبل أن تكون فناً ٱليا مجردا، ومتكلفا..

وهكذا يبقى الإبداع المتوهج، انعكاسا صادقا لروح الكاتب، وفيض وجدانه، إذ كلما كان وجدانه أكثر نقاء، وحسه أكثر عمقا، كانت كتاباته أكثر قدرة على الحضور، والتأثير. فالإبداع ليس مجرد مهارة تكتسب بالممارسة وحسب، بل هو حس يعاش، ونور يتوهج في داخل الذات، قبل أن يسطر على الورق.

***

نايف عبوش

لا أعلم ما الذي يصيبني حين يكون كل شيء مُعدّاً لغزل حرفٍ لازورديّ، وحين تنقر الكلمات مداد قلمي مدفوعة بالتفاصيل الدقيقة، وكأنها بقعة ضوء تركت أثرها على ورقي، والتي تحيط بي كالطوق...

إنني أتعجب من الأشياء التي تملك حق مقاربتي، ولا تملك صك العبور بي إلى ما وراء الحبر! لا زلت أنتظر ذاك الهطول المدوي لقلمي، والذي حسبت أنه سيكون أحرفاً جارفة كتلك المياه الجارفة التي أعقبت نزيف غيم، وركام سحب...

حقاً إنني أتعجب حين أكون في ضيافة تقلبات كتابية، أصبح أكثر انكماشاً، وأعمق صمتاً، وكل هذا المطر والبرد والحنين يشتد في داخلي دون أن يحدث ما أسميه الوقع المدوي لقلمي...

إنني أجلس هنا على حافة ورق أبيض أصم أنتظر، ولا أعلم في الحقيقة ما الذي أنتظره؛ ربما كان انتظار مفردات تأتي على مشجب حقائب حرف لا سفر...

هذا الانحباس الحبري الذي أشلّ قلمي، وفي الخارج كل هذا السيل من جراء انقلاب طقس، وثوران نفس كأنها كاسحة ألغام، ولا يزال هذا الخمول الكتابي يطيح بكلماتي وبقايا شعور وحلم...

عندما أشرعت في الكتابة تخيلت أن تجرفني الكلمات كالنهر المتدفق يسرد كل الاهتزازات الحياتية التي مررت بها، ولكنني أجلس هنا كما ترى، خاوية المفردات اللغوية، بلا أسطر ممتلئة، كأنها بروش صحراوية، كأنني انعكاس سراب لا حرف.

***

مريم الشكيلية - سلطنة عمان

قراءة بلاغية أسلوبية في تشكيل المعنى

لم يعد الشعر الحديث مجرد تعبير لغوي أو بناء دلالي قائم على الصورة والرمز، بل غدا فضاءً تتداخل فيه المستويات الصوتية مع المعاني لتشكّل تجربة جمالية مركّبة. ويبرز شعر محمود درويش بوصفه أحد أهم النماذج التي أعادت تعريف العلاقة بين الصوت والمعنى، حيث تحوّل الإيقاع من عنصر تابع للوزن إلى بنية دلالية فاعلة تسهم في إنتاج المعنى وتوجيه التأويل.

لقد تجاوز درويش المفهوم التقليدي للموسيقى الشعرية، فلم يعد الوزن العروضي هو الحامل الوحيد للإيقاع، بل صار الصوت نفسه—بكل تجلياته من تكرار وتنغيم وصمت—جزءًا من نسيج الدلالة. وهذا ما يجعل قصيدته فضاءً سمعيًا بقدر ما هي فضاء لغوي.

في هذا السياق، يمكن النظر إلى الصوت في شعره بوصفه طاقة تعبيرية تحمل الانفعال وتُنتج المعنى، وهو ما يلتقي مع تصورات رومان ياكوبسون حول الوظيفة الشعرية، حيث يتركز الخطاب على ذاته، ومع تأويلات بول ريكور التي ترى في النص فائضًا دلاليًا مفتوحًا على قراءات متعددة.

من أبرز الظواهر الصوتية التي تتجلى في شعر درويش ظاهرة التكرار، التي تتحول من مجرد إعادة لفظية إلى بنية إيقاعية تحمل دلالة. ففي قوله:

“على هذه الأرض ما يستحق الحياة”

يتحوّل التكرار إلى إيقاع تصاعدي يرسّخ المعنى ويمنحه طابعًا إنشاديًا جماعيًا، كأن الصوت هنا لا يعبّر عن ذات فردية بل عن ذاكرة جمعية تبحث عن الثبات والاستمرار.

كما يظهر التناغم الصوتي بوضوح في مقاطع الحنين، مثل:

“وأحنّ إلى خبز أمي / وقهوة أمي”

حيث يتكرر الصوت الأنفي (الميم والنون) ليخلق إحساسًا بالدفء والحميمية. هنا لا يكون الصوت مجرد وسيلة نقل، بل يتحول إلى تجربة حسية تستدعي الذاكرة وتعيد تشكيلها.

أما في نصوص أخرى، فيلجأ درويش إلى تفكيك الإيقاع التقليدي، كما في قوله:

“سجّل! / أنا عربي”

حيث تتسم العبارة بالقصر والحدة، ويؤدي الوقف دورًا أساسيًا في خلق صدمة صوتية تفتح المجال لتأويلات متعددة. الإيقاع هنا ليس زخرفًا، بل تعبير عن توتر وجودي وسياسي مكثف.

وفي مقابل هذا التوتر، نجد نماذج من الموسيقى الداخلية الهادئة، مثل:

“ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا”

حيث يتحقق الانسجام عبر تآلف الحروف وامتداد الحركات الصوتية، مما يخلق إيقاعًا يوحي بالأمل والاستمرارية. وكأن الزمن نفسه يتمدد داخل العبارة.

ولا يقل الصمت أهمية عن الصوت في تجربة درويش؛ فالوقفات والفجوات النصية تشكّل جزءًا من البنية الإيقاعية، حيث يُنتج الصمت فراغًا دلاليًا يدعو القارئ إلى المشاركة في بناء المعنى. إن الصوت عنده ليس حضورًا فقط، بل حضور وغياب في آنٍ واحد.

وعند تأمل هذه الظواهر في ضوء التجربة الشعرية الأوسع، يمكن القول إن الصوت في شعر درويش يتحول إلى تمثيل للهوية، إذ يصبح الإيقاع أثرًا للذاكرة الفلسطينية، وتغدو القصيدة مساحة يتداخل فيها الذاتي والجماعي.

وإذا قارنا هذه التجربة مع شعراء آخرين، نجد أن نزار قباني يميل إلى بساطة موسيقية وتكرار مباشر يخدم العاطفة، بينما يتجه أدونيس إلى تفكيك الصوت وإنتاج غموض تجريدي. أما درويش، فيحقق توازنًا لافتًا بين الإيقاع والتركيب، حيث يوظّف الصوت لخدمة المعنى دون أن يفقده كثافته الجمالية.

في المحصلة، يكشف التأمل في الظواهر الصوتية في شعر محمود درويش عن وعي جمالي عميق، يجعل من الصوت أداة مقاومة بقدر ما هو أداة تعبير. فقصيدته لا تُقرأ فقط، بل تُسمع وتُحسّ، وتظل مفتوحة على تأويلات متعددة بفضل هذا الغنى الصوتي.

إن دراسة الصوت في هذا الشعر لا تُضيء جانبًا شكليًا فحسب، بل تكشف عن جوهر التجربة الشعرية ذاتها، حيث يتداخل الإيقاع مع الهوية، ويتحوّل الحرف إلى أثر حيّ للذاكرة والوجود.

***

بقلم: ربى رباعي – الأردن

"لا تخش الذين يقتلون الجسد، ولكن اخش الذين يقتلون الروح"... من رواية البوساء ل فيكتور هوغو

بهذه الكلمات يضع فيكتور هوغو على لسان الاسقف ميرييل في رواية البؤساء خلاصة رؤية اخلاقية عميقة، تميز بين نوعين من القوة: قوة تنال من الجسد فتفنيه، وقوة تنال من الروح فتطمس معناها. ليست الاولى هي الاخطر، لان الموت الجسدي قدر كل حي، اما الثانية فهي التي تصيب جوهر الانسان، فتفقده القدرة على الحب والرحمة والعدل.

بهذا المعنى يعيد ميرييل تعريف الخوف، فلا ينبغي ان نخاف من نهاية الحياة، بل من انطفاء المعنى داخلها. فالقتل الحقيقي ليس انهاء الجسد، بل اخماد الانسانية في الانسان، سواء في نفسه او في غيره. وهنا يصبح الخوف معيارا اخلاقيا: ان تخشى ان تتحول الى قاتل للروح، لا ان تكون ضحية للموت.

في لوحة الثالث من مايو ١٨٠٨ للرسام فرانسيسكو غويا، يتجسد هذا المعنى في صورة بصرية صادمة. يقف رجل في مركز المشهد، مرتديا قميصا ابيض وبنطالا اصفر، رافعا ذراعيه في هيئة تستدعي الصليب. امامه صف من الجنود الفرنسيين، متراصين في انتظام صارم، يوجهون بنادقهم نحوه. يضيء فانوس موضوع على الارض المشهد من الاسفل، فيكشف الجسد الممدد للرجل ويجعله بؤرة الضوء، بينما تغرق الخلفية في ظلام كثيف.

حول الرجل جثث من سبقوه، ووجوه مذعورة، واجساد تنحني او تتوارى. وعلى النقيض، تبدو وجوه الجنود غائبة، مخفية خلف البنادق، كأنهم ليسوا افرادا بل آلة واحدة. تتكرر البنادق في خط صارم، في ايقاع ميكانيكي يوحي بان العنف هنا ليس فعلا انسانيا، بل اجراء مجردا من الشعور.

هذا التباين ليس بصريا فحسب، بل اخلاقي ايضا. فالضحايا افراد، لكل منهم خوفه وملامحه، اما الجنود فهم كتلة بلا وجوه، بلا فردية، وبلا تردد. وهنا تتجلى مفارقة عميقة: من يطلق النار يبدو اقل حضورا انسانيا ممن يقتل.

رسم غويا هذه اللوحة بين عامي ١٨١٤-١٨١٥، بعد احداث الانتفاضة الاسبانية ضد قوات نابليون بونابرت. ففي الثاني من مايو ١٨٠٨ اندلعت المقاومة الشعبية في مدريد، وقمعت بعنف، ثم اعدم في اليوم التالي عشرات المدنيين بالرصاص خارج المدينة. لكن غويا لا يرسم حدثا تاريخيا بوصفه انتصارا او هزيمة، بل يقدمه كتجربة انسانية مكثفة، لحظة ينكشف فيها العنف في صورته العارية، لا كفعل حرب بل كفعل قتل منظم منزوع الرحمة. لذلك لم تكن اللوحة خطابا وطنيا تقليديا، بل شهادة اخلاقية ربما كانت صادمة الى درجة انها لم تعرض في حياته.

في قراءة اعمق يمكن ان نجد صدى لهذا المشهد في قول محيي الدين بن عربي: القتل ليس في قتل الجسد، انما القتل في قتل المعرفة بالله، فمن عرف الله لم يضره قتل الجسد.

هذا القول لا ينفي الموت، بل يعيد تعريفه. فالجسد فان على كل حال، اما المعرفة او الوعي او المعنى فهي ما يمنح الانسان قيمته. من هذا المنظور يبدو الرجل في اللوحة مختلفا عن الآخرين، ليس لانه لا يواجه الموت، بل لانه يواجهه دون ان يفقد ذاته. وقوفه، ذراعاه الممدودتان، نظرته الثابتة، كلها تشير الى حالة من التسليم، لا للخوف بل لمعنى يتجاوز الجسد.

وفي السياق نفسه يكتب عبد الجبار الرفاعي: الانسان ليس جسدا يحيا ثم يموت، بل هو معنى يسكن الجسد، فاذا مات المعنى مات الانسان وان ظل الجسد نابضا.

بهذا الفهم يتحول الرجل في اللوحة من ضحية الى رمز. لم يعد فردا بعينه، بل تجسيدا لمعنى يقف امام العنف ولا ينكسر. ان ما يقتل امامنا هو الجسد، اما ما يتشكل في الوعي فهو شيء اخر: معنى لا يخضع للبندقية.

عند هذه النقطة تعود عبارة ميرييل في رواية البوساء ل فيكتور هوغو لتصبح مفتاح القراءة. ليس الخوف من الموت هو ما يهيمن على المشهد، بل سؤال اعمق: من الذي يقتل حقا؟ الرجل الذي يقف امام البنادق، رغم ضعفه، يحتفظ بانسانيته كاملة.

اما الجنود، وهم يمارسون القتل باسم النظام والطاعة، فيبدون وقد فقدوا شيئا من انسانيتهم. وجوههم الغائبة، اندماجهم في آلة القتل، خضوعهم لايقاع واحد، كل ذلك يوحي بانهم، وهم يقتلون الجسد، يقتلون في انفسهم القدرة على الرحمة. وهنا تنقلب المعادلة: الضحية يحتفظ بروحه، والقاتل يفقد شيئا منها.

في النهاية لا تقدم اللوحة جوابا حاسما، بل تتركنا امام مفارقة مفتوحة: اي قوة ابقى، قوة السلاح ام قوة المعنى؟ من المنتصر، من يبقى حيا ام من يبقى حاضرا في الذاكرة والمعنى؟ قد تكون هذه لحظة اعدام، لكنها تبدو ايضا لحظة ولادة، ولادة معنى لا يمكن قتله.

وهنا يتجلى الدرس الاخلاقي العميق الذي يجمع بين غويا وهوغو وابن عربي والرفاعي: ليس اخطر ما يمكن ان يحدث للانسان ان يموت، بل ان يفقد روحه وهو حي.

***

د احمد عابر

...................

المصادر

١. اللوحة: فارنسشكو غويا، زيت على قماش، 268 × 347 سم. مدريد، متحف البرادو الوطني (Museo Nacional del Prado).

٢. فيكتور هوغو، البؤساء، ترجمة منير البعلبكي، بيروت: دار العلم للملايين، ٢٠٠٩، ص ١٢٤.

٣. ابن عربي، محيي الدين. الفتوحات المكية. تحقيق عثمان يحيى. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٧٢. الجزء الثالث، الباب الحادي والثلاثون بعد المائة (في معرفة حقيقة الموت وما يظهر منه في النشأة الدنياوية)، ص ٤٦٨.

٤. الرفاعي، عبد الجبار. دروب المعنى: في الفلسفة والدين والحداثة. بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، ٢٠١٨، ص ١٢٤.

لاشك ان النص الإبداعي يعكس انثيالات وجدانية حرة للكاتب، تنبض بالحياة، متجاوزة بذلك، المألوف من حدود اللغة التقليدية، لتتناغم مع أعماق الشعور الإنساني للمبدع.

وهكذا نجد أن النص الإبداعي ليس مجرد كلمات ترصف بجانب بعضها البعض، بل هو حالة وجدانية مرهفة، تنبثق من ومضة تلك اللحظة، التي يلتقطها الكاتب بحسه المرهف،  ليعيد تشكيلها في صورة أدبية، نابضة بكل تجليات حسه الوجدانية في اللحظة.

ولعل وهج النص الإبداعي يكمن في قدرته على التقاط ومضة اللحظة، والتفاعل الحسي المرهف معها، حيث تتحول عند صاحب المزاج المبدع، إلى تجربة وجدانية متوهجة، قد تتجسد بنظرة تأمل، أو لحظة صمت، أو حس خفي .

وهكذا يظهر دور الحس المرهف للمبدع، الذي يمكنه من الغوص في تفاصيل هذه التجربة الوجدانية، واستخلاص جماليات التجليات الكامنة في اعماقها.

وتجدر الإشارة إلى أن الإبداع لا يتقيد بنمط محدد من النتاج الأدبي، بل يتجلّى في أساليب متنوعة، مع تفرد بالرؤية. فقد يكون النص الإبداعي قصيدة، أو قد يأتي بشكل خاطرة، أو قصة قصيرة، أو حتى عبارة مختصرة تحمل بين كلماتها فيضا من المعاني البليغة.

وتبقى العفوية والتلقائية في ابداع النص، مهما كان بسيطا، عنصرا جذابا في شد المتلقي إلى النص، والوصول إلى اعماقه، في حين يفقد النص المتكلف تأثيره، وسحره، مهما بلغ من التعقيد، والتصنع.

وتظل لغة الكاتب في النص الابداعي أداة مهمة في تشكيله، وبنائه.، فاقتدار الكاتب في انتقاء مفرداته بعناية، والتوظيف البليغ للمفردة، يمنحها وهجا متالقا، حيث تتحول الكلمات إلى صور مكتضة بالدلالات التعبيرية، وإلى مشاعر تتفاعل مع حس القارئ بسلاسة. وكلما كان الكاتب متناغما مع إحساسه الحقيقي، استطاع أن يستولد نصا ابداعيا يلامس قلوب المتلقين بشغف، ويترك أثره البالغ في اعماق وجدانهم.

وهكذا يظل النص الإبداعي انعكاسا صادقا لنبض المبدع، وترجمة للحظات حسه العابرة، باعتباره فن الإصغاء إلى تجليات الداخل، والتعبير عن الخارج بلغة تنبض بالحياة، حيث تتحول ومظة اللحظة، إلى تجليات إبداعية، ويصبح الحس العابر، المتناغم معها أثرا خالدا.

***

نايف عبوش

يُعدّ بدر شاكر السياب أحد أبرز شعراء التجديد في الشعر العربي الحديث، فقد أحدث تحولاً في الشكل الإيقاعي للقصيدة وفي بعدها الدلالي، وكان للرمز دور محوري في تجربته الشعرية. استخدم السياب الرموز للتعبير عن تجربته الشخصية، كما وظفها للتعبير عن هموم الإنسان والوطن والطبيعة.

يمكن تقسيم رموزه إلى نوعين: رموز خاصة تنبع من حياته الشخصية، ورموز عامة تعكس الوطن والمجتمع. وغالباً ما تتداخل هذه الرموز لتكوّن شبكة دلالية ثرية.

الرموز الخاصة

المطر: أبرز الرموز الخاصة في قصيدة أنشودة المطر، حيث يمثل الحياة والانبعاث بعد الجفاف:

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحر

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

عيناكِ حين تبسمان تورق الكروم

وترقص الأضواء كالأقمار في نهر

مطر… مطر… مطر…

القرية والنهر: جيكور، قريته، رمز للطفولة والهوية، فيما يمثل نهر بويب ذاكرة الطفولة وحنين الماضي:

بويب… بويب

أجراسُ برجٍ ضاع في قرارة البحر

الحب المبكر: تركت تجربة الحب الأولى مع زميلته وفيقة أثرها في شعره، وتعكس قصيدته هل كان حباً خيبة التجربة العاطفية:

أكان حباً؟

أم خيالاً مرَّ في عينيكِ

ثم مضى…

كأن لم يكن؟

الرموز العامة

الوطن: العراق رمز للمعاناة والحنين في قصيدته غريب على الخليج:

الريح تصرخ بي: عراق

والموج يعول بي: عراق، عراق

ليس سوى عراق

الدين والأسطورة: المسيح رمز للألم والتضحية والخلاص في قصيدته المسيح بعد الصلب:

بعد الصليب سمعتُ صوتك في الظلام

فنهضتُ… والجرحُ القديم

يفيض في قلبي دماً

يظهر جلياً أن الرموز عند السياب تمزج بين الخاص والعام، بين التجربة الشخصية والوطنية، وبين الواقع والأسطورة، ما يمنح شعره عمقاً دلالياً وجمالياً، ويؤكد مكانته كأحد أبرز شعراء التجديد في الشعر العربي الحديث.

***

بقلم: وفاء محمد يونس

في مساءٍ ثقيلٍ من مساءات الحرب الكئيبة على حدود الحنين جلسَ فلسطينيان يفصل بينهما وطنٌ واحد.

قال ابنُ القدس: "نحن هنا نحرسُ الذاكرة كي لا تموت"، فأجابه ابن المنفى: "ونحن هناك نحملها كي لا تُنسى".

صمتا لحظة لعلّ السكوت يُتمّ ما عجزت عنه الكلمات، ثم قالا معًا: "الطريقُ إلينا لا بدّ أنْ يعود".

ومن بين هذا اليقين انبثقت كلمات ابن القدس سيفا لا ينكسر فأنشد يقول:

سنعودُ والأيّامُ تفتحُ صدرَها

وردًا نديًّا عابقًا وقرنفلًا

سنعودُ والدربُ القديمُ زقاقُه

يحيا بنا ويقولُ: أهلًا بالعُلا

وتفيضُ من شُرُفاتِ بيتٍ غائبٍ

أسماءُ مَن أحبَبْنَ عطرًا مُرسَلا

يا قلبُ كُنْ وترًا يُقاومُ صمتَهُ

فالجرحُ إنْ غنّى يصيرُ مُجلجلا

لا تنثنِ فالليلةُ السوداءُ ما

كانتْ سوى جسرٍ يُهيّئُ موصلا

سنعودُ والريحُ التي نَفَتِ المدى

ستعودُ تُنصتُ في خطانا مُقبِلا

سنعودُ والوقتُ المُشرَّدُ بيننا

سيعودُ طفلًا في الحكايا مُهلّلًا

فهناكَ خلفَ التلّ يُحفَظُ سرُّنا

والقِبلةُ الأولى تُضيءُ المنزلا

فيها الوجوهُ الطيّباتُ كأنّها

دعواتُ أمٍّ في المسا متبتّلة

فانهضْ فإنّ الأرضَ تنتظرُ الخطى

والمستحيلُ إذا دعونا أقبلا

وتعالَ هذا الحلمُ ليس مؤجّلًا

ما دام فينا الشوقُ يحيا مُبجّلاً

قال ابن المنفى: "لقد اتّحدت حكايتنا تحت سماءين مختلفتين، وكبرنا على مفاتيح لا تفتح إلا الذاكرة.

ردّ ابنُ القدس: "ونحن نحرس الأبواب كي لا تُغلق".

ضحكا بحزنٍ يعرفه الفلسطينيون جيدًا، ثم همس أحدهما: "هل تراها قريبة؟" فأجابه الآخر بثبات: "ليست قريبة فقط، إنّها آتية لا محالة".

وما هي إلّا دقائق معدودات حتى أنشد ابن المنفى قائلا:

وتفيضُ في دربِ اللقاءِ سنابلُ

سنعودُ والذكرى عناقٌ مهطلُ

سنعودُ والبيتُ العتيقُ كأنّهُ

قلبٌ يُنادينا وفيه تواصُلُ

وتلوحُ من شُرفاتِه ضحكاتُنا

وترفُّ حولَ وجوهِنا وتؤمّلُ

يا قلبُ صبرًا إنّ وعدَ ليوثِنا

فجرٌ وفي أفقِ الرجوعِ شمائلُ

كم غيمةٍ عبَرَت سماءَ ديارِنا

ثم انثنت والروحُ منها تُقاتلُ

سنعودُ والأحلامُ تُورِقُ مُرّةً

في كلّ دربٍ ضاع فيه السائلُ

سنعودُ والأنفاسُ تكتبُ اسمَنا

نغمًا عليه من الشجونِ سلاسلُ

فهناكَ عند السهل قمحُ بلادِنا

والنهرُ يهمسُ والربوعُ جداولُ

سنعودُ والقدسُ الجريحُ يشدّنا

نحو الديارِ وفي المدى نتكاملُ

هيّا بنا فالشوقُ يدعونا معًا

والدربُ من دفءِ اللقا يتهلّلُ

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

من وحي قلمه خطّ الأديب مصطفى الرافعي سطورا حول دلالات العيد بين الأمس واليوم، متسائلا عما حدث ليفقد العيد رسائله الواحدة تلو الأخرى، ويتحول إلى مناسبة لتجديد الثياب، وتجديد الفراغ، وزيادة ابتسامة منافقة على حد قوله!

من عيد للفكرة العابدة إلى عيد للفكرة العابثة، ومن إثبات للوجود الروحي للأمة إلى اكتفاء بوجودها الحيواني، يتتبع الرافعي في مقالته عن (المعنى السياسي للعيد) خيوط الفارق المؤلم بين صورة العيد المبثوثة في ثنايا الكتاب والسنة، ومظاهره التي تشي بضعف الأمة وتفككها، وانتكاسها الحضاري.

ينفض الرافعي غبار الوهن عن الصورة الحية للعيد، كما صاغتها النفوس الحية في الزمن الأول، فيستشف منها ست رسائل تضفي عليه حضورا معنويا غير الذي نحياه اليوم.

أما الرسالة الأولى فهي أن العيد إظهار لوحدة الشعور والكلمة، وإثبات وجود الأمة وقدرتها على تغيير الأيام لا الثياب فقط.

والثانية فيها تذكير للأمة بأن روح الإخاء والجوار لا تُقيدها حدود مصطنعة، كأن العيد إطلاق لروح الأسرة الواحدة في الأمة بأسرها.

والثالثة فيها إظهار للذاتية النشيطة والمفعمة بالحياة والقوة، حيث يهتف العيد في الأمة: أخرجي يوم أفراحك كأنه يوم للنصر!

وأما الرابعة ففيها إبراز للكتلة الاجتماعية للأمة، واستقلالها عن الأجنبي في وجودها وصناعتها واقتصادها.

والخامسة تحيل على تلقين معاني البهجة للصغار والكبار، في ارتباطها بالصفات الإنسانية؛ إذ لا يكون الفرح والبهجة كذلك إلا حين يستمدان حضورهما من الألفة بين عموم الناس، ودفء الشعور الإنساني الصادق.

بينما الرسالة الأخيرة تدور حول تعليم الأمة كيف توجه بقوتها حركة الزمن، لتجعل من كل إنجاز عيدا يستحق أن يُحتفى به؛ فيكون ازدهار الاقتصاد، وتطور الصناعة، وحركة العلوم والفنون أعيادا تحقق النصر الذي لا يقل شأنا عن نظيره العسكري.

استعرض الرافعي جماليات العيد في إحاطته بالحياة العامة للمسلم، لكن دون أن يكشف عن سر التحول الذي طرأ عليها في الزمن المتأخر: هل يتعلق الأمر على سبيل المثال بغلبة الطابع الاحتفالي والعادات المستحدثة على الهدي النبوي؟ أم أن العيد تعرّض كغيره من المظاهر الإسلامية لغلبة المادة على المبدأ، والانسياق خلف تبريرات تنزع عنه شعاره الخاص؟

لما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وجد أن أهلها يحتفلون بعيدين من رواسب الجاهلية هما النيروز والمهرجان، فقال: " إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر"-رواه أبوداود وصححه الألباني-.

كان العيدان بمثابة تتويج لركنين عظيمين هما الصيام والحج. ويكشف الهدي النبوي عن تأطير لمظاهر الفرح والابتهاج بهدف تنقيتها من رواسب الشرك والوثنية؛ فوردت أحاديث تحث على التجمل في العيد، والتوسعة على العيال، والرخصة في الغناء والضرب بالدف واللهو المباح.

وبما أن العيد مظهر من مظاهر التعبير عن كيان الأمة وشخصيتها، واستقلالها الحضاري عن بقية الأمم، فلا شك أنه تأثر بما تتأثر به المظاهر الأخرى حين ينفرط العقد، وتتفكك أسباب الوحدة والتماسك الاجتماعي.

يكشف آدم ميتز عن سبب جوهري يتمثل في مواصلة المسيحيين الذين اعتنقوا الإسلام احتفالهم بالأعياد النصرانية في جانبها الترفيهي، وكيف أن الأديرة تحولت إلى مراكز جذب لطُلّاب اللهو من المسلمين. يقول في كتابه (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري):

"ولم يرض الذين دخلوا الإسلام من أهل تلك البلاد- مصر والعراق- أن يُحرموا من الاحتفال بهذه الأيام التي كانت تزدهي بها حياة آبائهم الوثنيين من قبل.. واشتركوا في الجانب الاجتماعي المسلّي من تلك الأعياد كما فعل آباؤهم من قبل.. وكانت أعياد القديسين في مختلف الأديرة أكثر الأعياد نصيبا من احتفال الناس"

ومن خلال استعراضه لما تضج به قصائد الشعراء آنذاك من ذكر أعياد النصارى، وأماكن اللهو وأشكاله، نتلمّس الانحراف الذي أصاب مظاهر التعبير عن الفرح، وكيف أن الأعياد الوثنية، كعيد النيروز والمهرجان بُعثت من جديد:

"وكان الناس يتهادون في المهرجان، كما يتهادون في النيروز. وكان القواد ورجال دار الخلافة تخلع عليهم فيه ملابس الشتاء؛ وكان العامة يغيرون فيه الفرش والآلات وكثيرا من الملابس. وكان هذا العيد يمتاز خاصة بأن الرعية يُهدون فيه إلى السلطان." 

لم يكن استجمام النفوس بعد موسمين للعبادة هما رمضان والحج منفصلا عن إظهار شعائر الدين؛ لذا كانت تعبيرات السلف الصالح تجمع بين الأمرين، من خلال تحقيق الأثر الإيماني والاجتماعي للعيد. وهكذا ارتبطت مقاصده لديهم بالفرح بتمام العبادة، وزيادة الإيمان، وصلة الأرحام، وتقوية وشائج القربى. بمعنى أن العيدين كانت لهما رسائل واضحة، دلّت عليها نصوص وأحكام ظلت، ولاتزال دون شك، تؤطر مقاصد الفرح والابتهاج، وتتويج مشقة التكليف بمنحة ربانية.

غير أن وتيرة الحياة اليومية في زمننا الحاضر، وتشبّع مجتمعاتنا بمنظور غربي لإيقاعي العمل والفراغ، عزّز من موقع الفرح والسرور على حساب المقصد الشرعي، وتأثر المسلم المعاصر بالتعبيرات التي يكتسيها العيد في مجتمعات غير إسلامية. يقول روجيه كايوا، الانثربولوجي والناقد الفرنسي، في كتابه (الإنسان والمقدس)

" لقد كان العيد ولايزال، أمس كما اليوم، يتمثل في الرقص والغناء، والتهافت على المأكول والمشروب. على المرء أن يُقبل على كل ما تلذّه نفسه وتشتهيه، وأن يعُبّ منه حتى التخمة والمرض. تلك هي سُنّة العيد."

وحديث كايوا هنا هو عن العيد الذي يقطع سير الحياة النظامية، حيث ينهمك الإنسان في أعماله اليومية، وتنضبط حياته بفعل قوائم من القوانين والمحظورات؛ ثم يأتي العيد ليتيح له فسحة من الإثارة والحماسة، بل وانتهاك المحظور إذا لزم الأمر!

عيد بهذه الصورة هيأ لماكينة الاقتصاد أن تسطو على تعبيراته، وأن توجّه الأفراد إلى مضاعفة نزعتهم الاستهلاكية في كل مناسبة، ليصبح الابتهاج والغبطة مقرونين بما يتم إنفاقه وتبديده من أموال، وبالتالي تعميق الشعور بالفوارق الاجتماعية بين أغنياء الأمة وفقرائها.

***

حميد بن خيبش

أيتها الشمس أُغربي عن وجهي وسنرى ماذا قد يحمله الغد من متغيرات؟  أُغربي بالأمر الإجباري من اليوم إلى الغد القريب، فالأيام قد تبيت مجرد تفكير صامت، غير قادرة على مجابهة طغيان النسيان. أُغربي يا شمس الأصيل حتى نفهم أن هذا الغد المستنير، هل سيحمل شمسا مُشرقة أم رذاذ مطر غيمة تائهة تمطر رعدا؟

من صبح هذا اليوم الشارق بشدة حمرة السماء، قررت أن أبحث عن منطقة الغروب، وذلك بكل غرابة وغباء وخارج طاقة ما نتصور، وهذا بطبع الحال ما يرفضه الواقع. قررت ألاّ أحكي عن جمالية شمس تغيب عنوة ثم تستنير في الزمن الصامت ثانية لتعاود كرة خط زمن النسيان. قررت إبقاء الصمت في منتهى مغيب العين الحمئة من مرقد الشمس، وفزعها من مكابدة اغتيال التاريخ الحزين بالرحمة.

 من الغد الغائب بالخفايا لن أفسد إيماني بالقدر والقضاء، بل سأنتصر للسماء دوما، وأتصور أن الشمس على شدة ضخامتها تنغــمر انغماسا مثل شظايا كرة النار في ماء العين الحمئة. لكن اليوم انتظروني، سأبيت أحكي لكم أن ذا القرنين توقف عند مُنتهى حد العين الحمئة، واكتفى برؤية الشمس تنغمس في أفول غروبها خلف تلك العين الضيقة سقوطا عن نظرة الناظر، والمنتظر عما يحدث يوم غد بالبشرية العاصية التي أفزعت أمانة السماء بحروبها.

 ثقة مصطنعة أخاف من هوامشها القصية بالتلف والفتنة، لكن يبقى المعنى الجديد للحياة عالق بذاكرتي ويفزعني، ويوقظني في بُكرة صبح ندي للبحث عن ذاك الغد الذي سأنساه عند غروب شمس يومه. سأظل أنظر إلى متسع سماء ولكل بدايات الغسق النابض، فمن السماء أنتصر وأفرح وأملأ خواء ذاتي بالكرامة والعدل والحق والإيمان بالقدر خيره وشره.

 في لحظات مهيبة، قد تنام نفسي متسكعة في الروحانيات، وفي انتظار شروق فجر صبح آخر، لحظتها قررت في هذا اليوم الموعود والذي بالطبع حتى هو سيداوم على تكرار سنن نسيان المسكوت عنه بالخروج من تفكير الصندوق والإيمان برتب التغيير. قررت علانية أن أصف لكم شمسي وهي تحمل ياء النسب المشددة، والناهضة من العين الحمئة بالانتشاء، أن أحكي لكم أن شمس لن ولا تغوص في غفوة نومها بالغطس في الماء البارد، ولم تكن يوما في كبد السماء مريضة بحمى ارتعاد البرد، ولن تنتظر لقاحات التطعيم. قررت أن أحكــــــــــــي لكم يا سادتي عن حلم الحياة بين مطر الغيمة النافض للحياة، وشمس الصفرة المائلة بتعب الحياة.

بعد يوم الغد الممكن بقدرة واجب الوجود، تعلمت من الشمس ألاَّ أمارس الدوران في حياة البحث عن مستوى الظل الباهت والمريح. تعلمت الثبات في موضعي منتصب القامة، وألا أرتج لزلازل الأرض السفلية. قررت البقاء وفيا لنقط انطلاقة البسمة وحلم المستقبل، حتى لا أسقط في فخ المفاجآت غير المريحة، فالسماء الفاتنة تبيت تنزع عنها زرقة يومها وتفتح تلك الأبواب لرياح غامضة قد لا تبدو لا شرقية ولا غربية.

تعلمت من الغيمة أنها تتمسك بالاحتفاظ بحرارة النشأة الأولى، وأنها حين تتقوى بالقدرة تصبح لا تحترم قوة الشمس الضخمة الحارقة، ومرات متكررة داومت الغيمة الوضيعة على أن تمارسها سلطة ثورة دموعها، وتحجب خيوط نور الشمس عن الأرض عنوة.

 تعلمت من تحول الغيمة الممطرة تشبيها لتــــــــــــك العيون التي كانت تبكي على صدري مطرا حارقا، وكانت ترى أن الماضي ينير الحياة من الخلف، والمستقبل لن يستقبلنا بالأحضان. تعلمت من أشعة الظل المتموج بالتقطيع، أن المستقبل لا يفتح بابه بالتسرع وعلى مصراعيه للكل بالتعميم والتبخيس، وأن ظلي الشامخ لا يتعب ولا ينحني أبدا، ومرات عديدة لا يساويني قياما في تصورات المساحة بين الذات والآخر، ولا حتى طولا في تفكير الواقع. عندها ترسخت بذاكرتي أن الركض ما هو إلا محاولات يائسة لإشعال نجمة تستمد نورها من الشمس في السماء الغائمة، لكن حلمي لا يستكين بالهدوء، بل يمد قلبه ليمسك الأمل حتى في الغد القادم بقدرة واجب الوجود.

كم أنت أيتها الشمس المفزعة بالانفجار الكوني بئيسة القوة!!! حين لا أراك مشاهدة وبدون ارتداد طرف العينين. وحين لا لا تسقطين غضبك بالاستبداد على الأرض الطيعة. كم أنت ضعيفة لمرات عديدة ومتكررة حين تحول بيننا غيمة منخفضة ضعيفة التكاثف، تبكي ماء على الأرض للإنبات. كم أنت أيتها الأرض الراضية المرضية تتحملين قسوة شمس الصحراء، وبلا مناجاة للسماء ولا اعتراض، ولا تمارسين دعاء الاستمطار الصناعي. كم أنت أيتها الأرض البريئة من الحروب والقتل، قد تعلمنا منك دفن الحياة من غراب قابيل وهابيل.

 كم أنت أيتها الأرض الآمنة، قد كنت عطوفة، حين سكن مروجك آدم وحواء بعد الخطيئة الكبــــــــــرى. كم كانت غيمة السماء مورقة أرضا بالاخضرار، ومتعسفة بحجب نجم الشمس كرها. كم أنت أيتها الأرض تحبين التسامح والتوافق وتنظرين للشمس أنها هي من أنشأ الغيمة الممطرة بالرذاذ الضعيف، وتتجاوزين ممارستها للجفاف حين تصوب أشعتها نحوك بالموت، وحين "تبكي الشجرات، ويبكي النرجس في الساحات".

أيتها الشمس أُغربـــــــي عن وجهي، ونرى ماذا قد يحمله الغد فهو مجرد زمن صامت بالتدفق؟  فمن حرارتك تُقرع أجراس "النهر المنسي في الأحلام". منك علّمتنا النملة درس الصبر، وتكرار محاولات التصويب والتعديل، وربح نجاحات الحروب والسلم. منك تعلمنا أن الغيمة تمر لزاما بقرب بلادي ومدينتي، وممكن أن تترك لنا دمعات بُخاخ مطر رقيق من البكاء. تعلمنا منك أن البذرة حين تموت في تراب الدفن، ثم تنبت نبتة شجرة برية لا شرقية ولا غربية، لكنها تسر الناظر وردا، ودما عند القطف الفوضوي.

***

محسن الأكرمين

كتب المذكرات السياسية للمسؤولين الامريكيين؛ تعكس جانبا مهما من السياسة او القرارات السياسية، والطريقة التي يتم فيها صناعة هذه القرارات في الغرف المظلمة التي لعبت دورا مؤثرا ومؤذيا وكارثيا، للكثير من شعوب ودول المعمورة؛ التي لعبتها هذه الشخصية موضوع المذكرات اي مذكراتها، وبالذات هذه الكتب، كتب المذكرات المعنية بهذه القراءة المتواضعة التي درج تقريبا كل النخب الامريكية سواء ما كان منهم على رأس الإدارة الامريكية او في الصفوف الأولى لهذه الإدارة او تلك الإدارة عندما يكونون خارج اللعبة السياسية بعد تقاعدهم. كتاب المعلن والخفي لدونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الامريكي الأسبق، في إدارة بوش الابن الذي لعب دورا رئيسا في دفع الإدارة الامريكية على غزو واحتلال العراق. في هذه المذكرات يفسر رامسفيلد في توطئة للتعريف بالعنوان الذي حمل مذكراته في جزئيين (القراءة ستتناول الجزء الاول..) او تسليط الضوء على العنوان العتبة لهذا الكتاب.. في الكثير من الاحيان يكتب رامسفيلد في هذه المقدمة، انقلها بالمعنى المحمول على سطورها: حين تلتقي بشخصية ما وهو هنا يقصد شخصية سياسية لها دورا مركزيا في وطنها او هي الشخصية المحورية والاساسية في تمشية وإدارة امور بلدها؛ ان ما يقال او ما تسمعه من هذه الشخصية او تلك الشخصية، لا تكون هي الحقيقة، بل انها، الحقيقة؛ تحت سطح هذا الكلام الذي تسمعه منها مع انها تقول او تحاول ان تكون براغماتية تقول ما تريد ان تسمعه منها، في حين انها لا تكشف ابدا عن خططها للمستقبل. وهنا عليك ان تفتش عن تلك الخطط بين ثنايا هذا القول او الاقوال وتضع خططك لمواجهة هذه التغييرات والتحولات عندما تحدث تكون انت قد استعدت لها حتى قبل ان تظهر او يكون في مقدورها ان تظهر للوجود في حركة استباقية وانقضاضيه على مشاريع الخصم او مشاريع الخصوم. من هذه المقدمة في امكان القاريء ان يفهم الآن ولو بعد كل هذه السنوات؛ ان رامسفيلد كان واحدا من مجموعة المحافظين الجدد؛ دك شيني، ريتشالد بيرل، بول وولفيتز، كما درج على الاشارة لهم في الاعلام في ذلك الوقت؛ في صياغة الاستراتيجية الامريكية التي تم تبنيها من هؤلاء الذين احاطوا بإدارة بوش الابن والتي كان محورها او المركز فيها هي الحروب الوقائية او الحروب الاستباقية والتي كان العراق، في حينها من ضحاياها، الدولة والشعب والتاريخ والحاضر والمستقبل على حد سواء. هذا لا يعني ابدا ان رؤساء الإدارات الامريكية هناك اختلاف فيما بينهم، بل ان ومن وجهة نظر كاتب هذه السطور المتواضعة؛ كلهم وجهان لعملة واحدة، فقط، الاختلاف هنا هو طريقة واسلوب الوصول او بلوغ الاهداف الامريكية التي تضمها بين سطورها الاستراتيجية الكونية الامريكية التي يجري تحدثيها حسب ضرورات التطورات الدولية في كل بقاع الارض، وتغييرات وتبدلات موازين القوى الدولية الكبرى التي تلعب بمصائر الشعوب، شعوب العالم الثالث خدمة لمصالحها في الحاضر والمستقبل. الكتاب فيه الكثير من الحشو الذي كان بإمكان كاتب هذه المذكرات الاستغناء عن ذكرها لأنها لم تضف اضافة ذات اهمية سياسية او حتى شخصية للكاتب. من خلال التمعن والفحص عند قراءة هذه المذكرات يكتشف القاريء لها ان كاتبها فيه او في شخصيته الكثير من تمكن الأنا النرجسية منه ربما على الرغم منه او هو ينجرف بدفع منها الى التفاصيل الصغيرة والتي لا تشكل اية اهمية تذكر في اثراء هذه المذكرات، بل انها شكلت محمولا ثقيلا عليها. يتدرج رامسفيلد من لاعب مصارعة التي كما يكتب عنها من انه قد فشل فيها. مما يدفعه الى التطوع في سلاح البحرية كضابط في البحرية الامريكية لكنه حتى في هذه لم يستطع الصعود بدرجاتها الى منصتها التي تفتح الطريق له الى مجتمع النخبة حيث خطط لما يريد ان يكون شخصية من شخصيات مجتمع النخبة الامريكية. يترك البحرية ليمارس نشاطا تجاريا عبر الشركات الامريكية او من خلالها حتى يصبح بعد حين من الزمن واحدا من اعمدة واستمرار وديمومة هذه الشركات والتي في اغلبها شركات امبريالية عابرة للحدود. يوضح عن هذه الفترة التي كان لها عليه؛ دورا كبيرا في صقل شخصيته كلاعب مهم في هذه الشركات التي فتحت له الطريق واسعا للترشح في انتخابات الكونجرس الامريكي الذي فاز فيه، في مقعد له فيه، في وقت مبكر من عمره. لقد اكتسب كما يكتب في هذه المذكرات خبرة كبيرة في السياسة والتي هي سياسة هذه الشركات في التسويق والابتكار وفتح الاسواق اي اسواق لها محليا وعلى صعيد العالم، هذه السياسة، سياسة هذه الشركات لا تختلف كثيرا عن السياسة العامة للولايات المتحدة الامريكية، بل ان سياسة الولايات المتحدة في العالم ما هي الا خدمة لمصالح الشركات الكبرى في تخادم مصلحي بين الاثنين، بل ان الاثنين هما واحد في المصالح والتنافع على حساب سيادة وامن شعوب العالم ودولهم. من مقعده في الكونجرس الامريكي يصعد الى السلطة التنفيذية كلاعب مهم في إدارتها. يشرف بتكليف من الرئيس نيكسون على مكتب جديد ومبتكر، مكتب الفرص الاقتصادية؛ في التقليل من مخاطر الفقر في امريكا. من هذا الموقع يصعد الى وزارة الدفاع في فترة إدارة فورد الذي كان نائبا لنيكسون الذي اجبر على الاستقالة اثر فضحية ووتر كيت المعروفة والشهيرة في منتصف سبعينيات القرن العشرين. في البداية عندما عرض عليه هذا التكليف رفضه بحجة؛ دوره المهم في إدارة شركة الادوية التي كانت على وشك الافلاس إلا انه كما يكتب عن مرحلة حياته هذه فيها؛ قام بدور مهم في انقاذها من الافلاس بل انها صارت في عهده، حين صار هو رئيسا تنفيذيا لإدارتها بتكليف من عائلة هذه الشركة. اكتسب خبرة واسعة وكبيرة في طريقة التغلب على وضعها الخطير والذي ينبأ بتفكيكها؛ لتكون شركة كبرى ومهمة او من اهم شركات الادوية الامريكية العابرة للحدود. يحاجج موفد الرئيس له، دك شيني، الذي عمل معه في مكتب الفرص الاقتصادية؛ من انه لا يمكنه ان يترك موقعه في هذه الشركة الذي يكسب فيه اموال لا يمكن ان يعوضها له راتبه في موقعه المقترح عليه هذا. من خلال قراءة هذا المقطع من المذكرات يكتشف القارئ؛ ان رامسفيلد يطمح ليكون عنصرا مهما في الإدارة الامريكية في اعماق قلبه، على الرغم من انه لا يصرح بهذه الرغبة في سطور الكتاب غير ان التمعن والتدقيق والقراءة المتأنية والتوقف باستمرار عند القراءة على كل ما فيها من معاني خفية تحت حروفها؛ تظهر هذه الرغبة ظهورا واضحا لا غبار يضبب هذه الرغبة. في البدء رفض، إنما لاحقا بعد ايام يقبل بها ليكون وزيرا للدفاع في إدارة فورد. عندما يترأس وزارة الدفاع يقوم بتقريب شاب اقل منه عمرا، موفد الرئيس له، دك شيني الذي يصفه بالذكي والنشط من خلال تجربته معه في مكتب الفرص الاقتصادية. يكتب هذا في كتاب مذكراته:- كنت قد تعرفت عليه في مكتب الفرص الاقتصادية، شابا ذكيا ونشطا. لاحقا تزداد علاقته مع شيني حتى صار اقرب الناس إليه. يتشاركان هما واعضاء اخرين من حزمة موظفي الوزارة سواء العسكريين او المدنيين في ضرورة واهمية تقليل نفقات الوزارة ومن بين هذه؛ تقليل التواجد العسكري في اوروبا وفي المانيا على وجه التحديد وفي كوريا الجنوبية، وفي اليابان على اعتبار ان هذه الدول اصبحت ثرية ولها الامكانية والقدرة في توفير عناصر وعوامل الدفاع عن نفسها. لكن هذه المقترحات تصطدم برؤية اخرى مختلفة وهي رؤية امريكا العميقة اي مؤسسات البحوث والدراسات الاستراتيجية؛ لذا تظل هذه الافكار محفوظة في ادراج المكاتب حتى مغادرة رامسفيلد وزارة الدفاع عندما انتهت ولاية فورد وحل محله... على هامش هذه الطروحات في تقليل نفقات وزارة الدفاع الامريكية التي تحيي في اذهان قارئها؛ طروحات الرئيس الامريكي الحالي، ترامب والتي قال فيها ان اوروبا ودول اخرى تعتمد على امريكا في الدفاع عنها في حين ان في مقدورها ان تساهم في جزء كبير من هذه النفقات والتي اعتبرها الكثير من الكتاب او الكثير من الكتابات بما فيها الكتاب او الكتابات الامريكية؛ ان سياسة ترامب هذه خروج عن المألوف او نمط العلاقة التي عرفت امريكا بها مع اوروبا والحلفاء الاخرين، في حين ان هذه الطروحات وكما اوضحتها هذه المذكرات هي ليست طروحات جديدة ابدا، بل انها طروحات قديمة انما لم يؤخذ بها بسبب موازين القوى الدولية في وقتها وبسبب الحرب الباردة بين القطبين الامريكي والسوفيتي، وخوفا من تغول السوفييت على حساب التغول الامريكي وما يرتبط بهما من مصالح اقتصادية وسياسية وثقافية وهيمنة ونفوذ، وتأكل جرف المصالح الامريكية لحساب زيادة سعة جرف مصالح السوفييت في زمنها. ان من يتصور او يصور او يظن ان ترامب جاء بجديد للسياسة الامريكية، فهو في هذا التصور او في هذه الرؤية يقع في خطأ، في التحليل السياسي للاستراتيجيات الامريكية ومنها الاستراتيجية الامريكية الحالية، الفرق فقط في السلوب والطريقة والتوقيت، والتصريح العلني المكشوف وهذا هو ما يقوم به ترامب الذي يتصرف ويمارس سياسته هو ونتنياهو كرئيسي عصابة اجرامية لا تقيم وزنا لكل القواعد والمعايير الدولية والقانون الدولي والانساني في زمن العصر الحالي الذي تلعب فيه القوة دورا اساسيا ومركزيا في ظل الغياب التام للمنظمة الدولية ومجلس امنها. ترامب في اخر تصريح له كما في كل تصريح سابق له:- السلام تصنعه القوة. اقول انه ليس سلام انه استسلام. نعود الى كتاب المذكرات هذا. يشير رامسفيلد في هذا الكتاب الى اهمية الاستعانة بالعلماء والخبراء في رسم السياسة الخارجية الامريكية وحماية الامن القومي الامريكي خارج حدود امريكا(المقصود هو مناطق النفوذ والهيمنة على مقدرات دول العالم الثالث، ونهب ثرواتها ومصادرة قراراتها الاقتصادية والسياسية وتحطيم قواعد سيادتها لصالح المصالح الامريكية غير المشروعة) بامتلاك كل ادوات الفتك بالطريقة التي تسبق ما يمتلكه خصوم التنافس على المصالح في جميع اركان المعمورة.  صفحات هذا الكتاب، كتاب المذكرات؛ تكتسب اهميتها في كشف الجوانب الخفية للعقلية الامريكية سواء عقلية رامسفيلد او اي عقلية اخرى من الذين يشرفون على السلطة التنفيذية في امريكا او من الذين هم في المؤسسات التشريعية او مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية، او من خبراء وعلماء التصنيع العسكري لشركات الصناعات العسكرية العملاقة، او كل الشركات الأخرى العابرة للحدود والجنسيات، والتي هي في عملها هذا، وبواسطة مكاتب البحوث التقنية او السياسية التابعة لها؛ كما الانوار التي من مهمها كشف المسارات المستقبلية لمسار السياسة الامريكية في الداخل الامريكي وفي فضاءات النفوذ الامريكية في كل بقاع الارض مع امتلاك ادوات تنفيذها على ارض الواقع. يدخل رامسفيلد عندما كان وزيرا للدفاع في إدارة فورد في جدل ونقاش مع طاقم الوزارة ومع الكونجرس حين دفع او قدم اعتماد مالي لصناعة دبابة اكس ام واحد والتي لاحقا والى الآن؛ عرفت بدبابة ابرامز والتي هي الى الآن في الخدمة. كان مخططها قد قدم من مجمع مصانع السلاح الامريكي. في الأخير يتمكن من اقناع الكونجرس في توفير الاعتمادات المالية لبرنامج هذه الدبابة في عام 1976. تحضرني الآن وانا اقدم هذه القراءة المتواضعة لكتاب مذكرات رامسفيلد هذا، السياسة الامريكية التي تنتهجها وتمارسها امريكا مع كل دول العالم وبالذات الحصري دول العالم الثالث: تشن الولايات حروب عدة سواء في الحصارات او في العقوبات الاقتصادية القاسية او في الغزو والاحتلال لمنع هذه الدولة او تلك الدولة من دول العالم الثالث من امتلاك ادوات حماية امن شعبها وسيادتها. عندما تريد وتعمل وتخطط دول ما من دول العالم الثالث وبالذات دول الوطن العربي وجوار هذا الوطن، ايران حصريا؛ ان تحمي سيادتها وقراراتها المستقلة سواء في الاقتصاد او في التجارة؛ بالتسلح سواء بالشراء او بالتوطين. تقوم امريكا بوضعها في خوانق مسيجة بالجدران العالية وبلا ابواب، وبلا نوافذ تخرج منها الى العالم او تطل من نوافذها لرؤية التطور في العالم، حتى تكون في اوضاع ليس امامها فيها؛ من خيارات الا خيارات محدودة جدا. هنا فهي اي هذه الدولة او تلك الدولة ليس امامها حسب الرؤية الامريكية وليس الواقع المتحرك خلف الجدران الامريكية فهذا له شكلا اخر يختلف كليا عن الرؤية الامريكية فهو مضاد لها في الحركة الدؤوبة؛ اما الامتناع عن امتلاك اسلحة بالشراء او بالتوطين وهي ضرورية لحماية امنها واستقلالها ليس الا، او ما عليها الا ان تواجه مصيرها اما بالحرب او باستخدام الحصارات او العقوبات الاقتصادية القاسية تمهيدا لتأليب شعبها عليها ومن ثم تاليا بعد حين من الزمن، اسقاطها او تحطيمها، كما يحدث الآن في ايران كما حدث سابقا قبل عقدين في غزو واحتلال العراق، وما حدث في ما سمي زورا وبهتانا بالربيع العربي من تدمير دول محورية في الوطن العربي. امريكا وغير امريكا من دول الغرب الجماعي ليس همهم هو اسقاط انظمة دكتاتورية ومستبدة ابدا، إنما كل خططها وهمها هو تدمير هذه الدول، دولة ومؤسسات. تتحدث المذكرات او يكتب رامسفيلد في المذكرات هذه؛ ما حدث من زلال في 11سبتمر ايلول من عام 2001 من مهاجمة برجي التجارة العالمية ومبنى وزارة الدفاع الامريكية. فقد اصيبت امريكا بصدمة هائلة لم تكن تعرفها خلال تاريخها ما بعد الحرب العالمية الثانية. عزمت امريكا مع كل العالم الذي ساندها ودعمها الا العراق وايران وكوريا الشمالية على الرد القوي على هذا الهجوم المباغت والغير متوقع. اتفق المسؤولون الامريكيون في الإدارة وفي الكونجرس على اهمية الرد الصاعق ليس على الارهابيين فقط، بل على الدول التي توفر لهم ملاذات امنة. حدد المسؤولون الامريكيون حركة طالبان وافغانستان ورئيسها ملا محمد عمر. في نقاشات لاحقة اضيف العراق الى  افغانستان من قبل بول وولفويتز نائب وزير الدفاع، نائب رامسفيلد. يطرح رامسفيلد على المجتمعين برئاسة الرئيس الامريكي بوش الابن اهمية اجتثاث الارهاب من جذوره الايدولوجية وليس القضاء علية كأشخاص فقط. يحدد المدارس الاسلامية في السعودية ومن المهم الضغط على السعودية لوقف هذه المدارس لأنها تزرع بذور الارهاب لجهة الايدولوجية الدينية، ولم يجر التطرق لناحية الجذر الايدو لوجي الديني في العراق. مع كل هذا ادرج العراق ضمن مع افغانستان للرد الامريكي المقبل. السؤال الآن وفي قراءة هذه المذكرات، اذا كان العراق ليس له علاقة بجذر الارهاب للجهة الدينية اذا كيف يمكن ان يضع ضمن قائمة الرد الامريكي المقبل. ان وضع العراق ضمن هذه القائمة ليس له علاقة ابدا ومن كل الجهات في الارهاب ومولدات الارهاب لا من قريب ولا من بعيد. هذا يقودنا الى ان استهداف العراق هو ليس القضاء على الارهاب إنما هو ضمن الاستراتيجية الكونية الامريكية في تغير خارطة الشرق الاوسط. اضاءة ضرورية في ختام هذه القراءة: ان الاستراتيجيات الامريكية لا يمكن تداولها في كل كتب المذكرات التي يكتبها المسؤولون الامريكيون بعد تقاعدهم؛ لأنهم ملزمون بعدم كشفها الا بعد ربما عشرات السنين حين لا يشكل الكشف عنها اي مخاطر على الامن القومي الامريكي كما يكتبون عن هذه المخاطر.. ما تفرضه الشفافية الامريكية في طرح الاستراتيجية الامريكية الى العلن ليطلع عليها الشعب الامريكي؛ هي الاستراتيجية الامريكية بخطوطها العامة والعريضة، خالية او ليس فيها؛ التفاصيل، الاهداف، الادوات. كتب المذكرات تتحدث عن الوسائل والاساليب والطرق التكتيكية التي تحقق على ارض الواقع هذه الاستراتيجية خطوة خطوة..

الكتاب من اصدارات دار الرافدين العراقية، يقع في 443صفحة من القطع الكبير. ترجمة إيمان معروف. قراءة الكتاب مهمة لمعرفة او للوقوف على دهاليز السياسة الامريكية في الذي يخص منطقتنا العربية وجوارها.

***

مزهر جبر الساعدي

 

كان اليوم الأول لعيد الفطر، ومن الصباح كانت المدينة تغلي بالفرح والزحام. شوارع مدينة الموصل ممتلئة بالناس، وأبرز فعالية لنا كانت الذهاب إلى السينما. شباك التذاكر أمام كل دار عرض يشهد جمهرة زحام، ضحكات وأصوات مختلطة وتنافس الفوز بتذكرة، كأن المدينة نفسها تتشارك نفس الحماس.

بعد الظهر، اجتمعنا عند زاوية الشارع، وكل واحد يحكي عن الفيلم الذي شاهده. عبد الأمير، كالعادة، كان أشدنا حماسًا. قال إنه شاهد فيلم ٥١ يا زمن. ثم أضاف وهو يضحك: "واحد وخمسين يازمن… ٥١ يازمن!" لم يكتفِ بسرد أحداث الفيلم، بل بدأ يمثل كل الشخصيات: يتحرك مثل الباشا القديم، ثم يغني بصوت فاتن ابنته، فجأة يفرد ذراعيه ويقلد طيران الطائرة، وفاتن في داخلها تصل إلى المغرب، تتعرف على إلياس الذي يقنعها بالعمل كمطربة في إحدى الملاهي الليلية قبل أن تلتقي بالمنقذ محمود.

كان يصرخ أحيانًا، يضحك، ويتألم، وكأن الشاشة قد اختفت وأصبح هو الفيلم نفسه!

كنا نضحك ونصفق، مستمتعين بعرضه الخاص، الذي جعل من كل منا مشاهد في قاعة السينما. عبد الأمير لم يكن يعرف أننا سنكتشف الحقيقة المدهشة: الفيلم المصري الذي أثار حماسه لم يكن ٥١ يا زمن كما ظن، بل "آه يا ليل يا زمن"، إنتاج 1977، إخراج علي رضا، وبطولة وردة، رشدي أباظة، عادل أدهم، يوسف شعبان، سمير غانم، سهير الباروني، ونظيم شعراوي.

حين أدركنا هذا، ضحكنا حتى آلام بطوننا، وضحك عبد الأمير بنفسه، وهو يكرر الحركات التي كان قد أداها، وكأن كل تمثيلاته المبالغ فيها لم تذهب سدى، بل أصبحت جزءًا من تلك الذكرى الغريبة والممتعة.

في ذلك اليوم، لم تكن السينما مجرد شاشة وأفلام، بل كانت فضاءً للدهشة والمفاجآت، ولحظات لا تُنسى تُخزَّن في الذاكرة، كأنها قطعة من عيد الفطر نفسه، مليئة بالحياة والدهشة والبهجة المشتركة. عبد الأمير، بطاقته الكوميدية وحبه للفيلم، حول كل لقطة درامية إلى مسرح صغير في قلوبنا، وأصبحت ذكرياته مع الفيلم تتناغم مع زحام المدينة وضحكاتنا، كما لو أن الماضي والحاضر قد اجتمعا في شارع واحد.

***

بولص آدم

أيها الإنسان، أو ما تبقّى منه.. ذلك الذي لم يحسم أمره بعد.. أكتب إليك من مسافة لا تُقاس بالخطوات، مسافة بين ما نعرفه وما نتجاهله، بين ما نقوله وما نؤجله إلى حينٍ لا يأتي..لا أعرف أين تقف الآن، ولا أي طريقٍ اخترت، لكنني أعرف أنك، مثلي، مررت يومًا بالقرب من شيءٍ كان يمكن أن يكون بيتًا.. ولم تمكث.

أكتب إليك لأذكّرك بشيءٍ يبدو بسيطًا، مع أنه أثقل مما نظن: أن هناك بيتًا ما يزال قائمًا على حافة المضيق.. لا يسقط، ولا يُبنى من جديد، فقط ينتظر.

ليس بيتًا من حجر، ولا من ذاكرة خالصة.. شيء بين الاثنين، يشبه ما نتركه خلفنا ونحن نظن أننا مضينا.

ربما مررت به دون أن تنتبه، وأنت تفكر في “الردع” و“السيطرة”. ربما وقفت عنده لحظة، ثم أقنعت نفسك أن الطريق أهم. وربما، وهذا هو الاحتمال الأثقل، أنك تعرفه جيدًا.. وتتفادى النظر نحوه.

لا أكتب لأطلب منك العودة. فالعودة فكرة سهلة في الكلام، ثقيلة في الواقع. أكتب فقط لأقول إن ذلك البيت لم يكن وهمًا، وأن الحافة التي وقفت عليها يومًا لم تختفِ كما ظننت.

هناك دائمًا مضيق ما.. جهةٌ تقود إلى الضفة الأخرى، وجهة تبقيك حيث أنت، وبيت صغير يقف بينهما، لا يفرض عليك شيئًا.. فقط يذكّرك بأن ما لم يُحسم لا يختفي، بل يظل معلقًا، ينتظر لحظةً أخرى.

وما يبدو في حياة الفرد ترددًا صامتًا، يظهر في حياة العالم على هيئة أكثر قسوة. الأماكن التي نعبرها داخليًا دون قرار، تعود في الخارج كأقدار عامة.. كخراب لا يخص أحدًا بعينه، لأنه يمر بالجميع.

وفي مكانٍ آخر من هذا العالم، ربما لا يبعد كثيرًا عن ذلك المضيق الذي تتجاهله، تُفتح خرائط جديدة للحرب كل يوم. مدن تُذكر كأرقام، وأسماء تُختصر إلى عناوين عاجلة، وأصوات تتحدث عن “نصر” و“هزيمة” كأنها كلمات يمكن أن تُقال دون أن ترتجف.

كأن بعضهم لم يعد يكتفي بعبور المضيق.. يريد أن يشعله.

وأن النار قد تعجّل عودة غائب، أو تُخرج مخلّصًا من زمنٍ مؤجل، وفي طقوس الانتظار هذه.. هناك من يستعجل قيامة المسيح، وهناك من ينتظر عودة المهدي المنتظر.

صار المضيق فكرة..

فكرة تقول إن العالم لا يكتمل إلا إذا ضاق، ولا ينفتح إلا إذا احترق، وأن ما يُغلق من ممرات، وما يُشعل من حروب، ليس سوى وجهٍ آخر لفكرة الخلاص والانتظار.

انتظارٌ يُخطئ الطريق كل مرة، ويترك خلفه مزيدًا من الخراب.

في ليلةٍ لا تختلف عن غيرها، يهتز الزجاج فجأة، يفتح طفل عينيه دون أن يفهم، وتضع أم يدها على صدره.. كأنها تحاول أن تُبقي شيئًا في مكانه، ثم يعود كل شيء إلى صمته، ويُستأنف الحديث في اليوم التالي عن “الوضع” و“التوازن” و“الخيارات”.

ولأن الخراب لا يأتي دفعة واحدة، فإن ما يجري هناك لا ينفصل عما يجري هنا.. في تلك المنطقة الصامتة من الضمير، حيث يتأجل النظر، ويتأجل الموقف، ويتأجل الاعتراف بأن العالم ينزلق ببطء.. ونحن نتأقلم.

“الناس هناك أيضًا، مثلك، مرّوا ذات يوم بالقرب من بيوتٍ على حافة مضايقهم الخاصة.. ثم مضوا، وتركوا شيئًا صغيرًا خلفهم”

ذلك الشيء الصغير لا يمر كما نظنه، خفيفًا بلا أثر. يبقى.. كمعرفة مؤجلة، كصوت خافت، يذكّر بأن ما نتجاوزه لا يختفي، بل يعود في صورة لا يمكن تجاهلها.

ما الذي يحدث الآن في هذه المنطقة المرهقة من العالم؟ مدن كانت تُعرَف بأسمائها صارت تُعرَف بعدد قتلاها. أحياء كاملة تُختصر إلى شريط عاجل أسفل الشاشة. أطفال ينامون على أصوات لا يعرفون أسماءها بعد، مع أنهم سيكبرون وهم يحملونها في أجسادهم مثل ذاكرةٍ عصبية لا تهدأ. رجال يتحدثون عن “السيادة” و“الأمن” و“المصالح العليا” بلغة باردة، كأن الكلمات لا تترك وراءها أشلاء، وكأن الخرائط لا تمر فوق قلوب الناس.

وفي هذه اللحظة تحديدًا، يتكشف ما هو أبعد من الحرب نفسها.. لغة كاملة تُبنى كي تجعل ما لا يُحتمل قابلاً للمرور، وعالم يتعلم، بهدوء، كيف يرى.. ولا يرتجف.

أيها الإنسان، لعل المأساة ليست في أن الحرب تقع فقط، في أن البشر يتعلمون سريعًا أن يعتادوها.. في البداية يرتجفون، ثم يشاهدون، ثم يشرحون، ثم يختلفون حول الأرقام، ثم يتوزعون إلى معسكرات، كل معسكر يحمل آلامه الخاصة ويُحسن الصمت عن آلام الآخرين.

هكذا لا تقتل الحرب أجساد الناس وحدها، تقتل أيضًا قدرتهم على الارتجاف الطويل.

ولعل هذا هو المعنى الأشد وجعًا في صورة البيت القائم على حافة المضيق. فهو لا يقف عند حدود البيت، ولا عند حدود اللغة.. إنه ما تبقى من ضمير العالم، وهو يقف بين جهتين: جهة تعرف، وجهة تمضي كأنها لا ترى.

ربما، أيها الإنسان، ليست المشكلة في الحروب وحدها.. ربما في تلك اللحظة الصغيرة التي مررنا فيها جميعًا بالقرب من “بيت على حافة المضيق”.. ولم نتوقف.

لهذا لا أقول لك أن تنقذ العالم، ولا أطلب بطولة كبرى. أقول شيئًا أقل بريقًا، وأكثر صعوبة: لا تفقد تلك الرعشة الأولى.

إذا مررت يومًا بالقرب من ذلك البيت مرة أخرى.. لا تمضِ سريعًا هذه المرة.

قف.

لا تنظر إلى البيت وحده.. انظر إلى نفسك وأنت تتردد، إلى ذلك الصوت الذي كدت تُسكته، إلى ذلك الجزء الذي لم تعترض عليه.. ولم توافق.

في لحظات كهذه، لا يُسأل الإنسان عمّا يستطيع تغييره في العالم.. يُسأل عمّا تبقّى منه.

هناك، على حافة المضيق، لا ينتظرك البيت وحده. ينتظرك ما تبقّى منك.. ذلك الذي لم يحسم أمره بعد، ولم يقرر إن كان ما يحدث يعنيه.. أم لا.

وإن مضيت هذه المرة أيضًا، فلن تخسر البيت..

ستخسر ذلك الجزء منك الذي كان يمكن أن يبقى إنسانًا.

***

إبراهيم برسي

باِعتزاز كبير واِبتهاج فيّاض يسعدني أن أكون من المساهمين في تكريم الصّديق الشّاعر الكبير البشير المشرقي فهي مناسبة لإيلائه ما هو جدير به من اِحتفاء وتكريم لأنه من المساهمين باِستمرار في مسيرة الشعر التونسي منذ أكثر من نصف قرن وإنّ هذه المبادرة التكريمية لأعلامنا التونسيين في الأدب أعتبرها ردّ اِعتبار للأبعاد الثقافية التي كادت أن تُطمس ويجرفها تيّار المنافع الماديّة العاجلة الرّبح والشّاعر البشير المشرقي من أولئك الذين آمنوا بقيمة الكلمة في صدقها وجمالها وتأثيرها فعكف على رعايتها والكلف بها عشرات السنين وما دواوينه المتوالية الصّدور وإصراره على نشر قصائده في مختلف المنابر إلا دليل على شغفه بمتعة الإبداع..

الشاعر البشير المشرقي ليس شاعرا فحسب وإنما هو صاحب نظرية في الشعر أيضا وهي لئن بدت واضحة السّمات في شعره فإنه قرأ من خلالها بعض النصوص الشعرية التي عكف على تقديمها والتعريف بها وللشّاعر كذلك كتابات صحافية ومساهمات إذاعية في برامج الإذاعة الوطنية أمّا البُعد الآخر الذي لا يقلّ أهمية في شخصية الشاعر فهو مسيرته التربوية سواء في التدريس أو في تسيير بعض المعاهد ولعلّ المرحلةَ الأهمّ في حياته الثقافية تتمثّل في إشرافه على مدى أكثر من عشرين سنة على نشاط الحركة الثقافية في ولاية بنزرت حتى أضحت قِبلة المثقفين والمبدعين من تونس وخارجها وقد أصدر البشير المشرقي المجموعات الشعرية التالية :

ـ في البحث عن مقر

ـ نوافير .. وتشدو همسات الى الزمن الهارب

ـ أحبتي. . والليل . . والوطن

ـ على نقر المطر . . والذكريات

ـ توقعات الربيع الخامس

ـ السندباد والقمر الوحيد

ـ كتاب الفصول

ـ تحليق خارج حدود الحلم

ـ أقمار في ليالي الحنين

ـ فسيفساء الظل والألوان

ـ وكذلك مجموعة شعرية بالاشتراك ـ الرياح اللواقح ـ

بالإضافة إلى عديد القصائد الأخرى المنشورة في مختلف الصحف والمجلات والأنطولوجيات سواء في تونس أو خارجها فعسى أن تكون هذه المناسبة حافزا كي يجمع ما نشر وما لم ينشر من شعره ضمن ديوان كامل شامل يكون تتويجا لأعماله الشعرية .

البشير المشرقي من شعراء تونس الذين ظهروا وبرزوا في الثلث الأخيرمن القرن العشرين وقد شهدت هذه الفترة تحوّلات كبيرة على المستوى الثقافي إذ نشأت حركات في شتى الفنون ترنو إلى الجديد محاولةً فتح آفاق غيرِ مألوفة سواء في المسرح والموسيقى والرّسم والسينما أو في القصة والرواية والنقد والشّعر الذي شهد على مدى تلك السنوات حركات متنوعة المنطلقات ومختلفة التجارب والرّؤى أنتجت مدوّنة شعرية زاخرة وثريّة لذلك نجد صدى هذه الحركات في كتابات البشير المشرقي النقدية معبّرا عن نظرته للشعر التي بيّنها في خضمّ تلك الحركات فيُحدّده قائلا ضمن مقالة ـ أغراض الشعر التونسي الحديث ـ بمجلة الفكر أكتوبر 1978حيث يقول :

ــ كنت وما زلت أعتقد أن الشعر الخالص هو ذاك الذي ينفذ إلى القلوب والنفوس بواسطة مجموعة من الأدوات التي بدونها لا يكون الشعر شعرا ولكون للكلمة الشعرية الحيّز الجدير بها على خارطة التعبير الفنّي ومن هذه الأدوات كما لا يخفى عنصر الموسيقى الموحية التي تساعد على تقبّل ما يصبو إليه الشاعر من تعبير عاطفي إلى جانب التزامه العناية بالصورة الشعرية التي يعمل جاهدا على أن تكون في مستوى الجمالية التي تتطلبها حقيقة العمل الفنّي وليس عتصر الموسيقى او الإيقاع الشعري من خصائص الشعر العربي دون سواه بل نجده يحتلّ مكانة قصوى في كل عمل شعري مهما كانت اللغة التي أُخرج بها إلى الوجود ولعل الشاعر الفرنسي ـ بول فرلان ـ قد عبّر عن ذلك أحسن تعبير عندما قال في إحدى قصائده ـ إن الشعر موسيقى... وموسيقى قبل كل شيء.

فالشاعر البشير المشرقي يرى أنّ الشعر لا يكون إلا بتلازم الموسيقى والصّورة 

ونحن عندما نستعرض حتى عناوين قصائده نلاحظ أن غمامة من الأسى تخيّم على أغلب كلماتها وهذه بعض من تلك العناوين:

عيونك باقية وأنا راحل ـ للريح مواجعها ولقلبي البوح ـ اليوم لا تبكي الرياح على دمي ـ بكائية الوجد ـ من أغاني سيزيف المهزوم ـ ويرحل مثل النورس ظلي ـ ما تيسّر من أبجدية العشق والأحزان ـ مقدّمات للشتاء القادم

فجذور شجن البشير المشرقي تبدو قديمة لعلها من زمن الطفولة ونمت مع مكابدته، ذلك أن مِسحة الأسى وظلال الشجون في شعر البشير المشرقي يمكن أن نعتبرها اِمتدادا لمنجزات الرومنطيقية العربية بما في قصائده من اِحتفاء واضح بعناصر الطبيعة التي جاءت منثالة في أغلب صوره الشعرية ونجدها أيضا في بعض قصائده ضاربة الجذور في مُتون الشعر الأندلسي كما لدى اِبن زيدون واِبن خفاجة ولا شكّ أنّ البيئة التي نشأ فيها الشاعر والتي عاش فيها أيضا لها الأثر الواضح في شعره فربوع بنزرت ذات طبيعة غنّاء جمعت بين المروج وبساتينها وبين السواحل وخلجانها المنداحة بين الحقول والغابات وعند سفوح الجبال وكثبان الرّمال فالشاعر مِلء عينيه طبيعةٌ متنوّعة بشتى عناصرها التي لا تكاد تخلو منها قصيدة من قصائده

ولئن وردت أغلب قصائد الشاعر على شكل البحور الشعرية في إيقاع التفعيلة وترجيعة القافية فإن اِنتصاره إلى هذا الشكل لم يمنعه من التصرف أحيانا في نسق التفعيلات وتداخلها في القصيدة الواحدة بل قد يخرج عن النسق العروضي أيضا ويكتب أحيانا القصيدة الوجيزة أو الومضة وهذا يؤكد قدرته على الكتابة في مختلف الأشكال الشعرية.

***

سُوف عبيد – تونس

...........................

- هذه مساهمة في تكريم الشاعر التونسي البشير المشرقي بمنتدى - التنوير - الذي يشرف عليه الأستاذ الباحث - محمد المي - بمدينة الثقافة بتونس مساء الأربعاء 20 مارس 2024

أمي.. كما تكتبها ذكرى". أنا ذكرى.. وقد أكون اسماً، لكنكِ أنتِ المعنى، وأكون كلمة، لكنكِ أنتِ الحكاية التي لا تنتهي.

أمي.. حين ينادونني باسمي، أبتسم، لأنني أعلم أن خلف كل حرفٍ مني قلباً عظيماً اسمه "أنتِ".

أنا ذكرى.. لكن أجمل ذكرياتي أنتِ، وأحنّ لحظاتي تبدأ من يديكِ، وتنتهي عند دعائكِ الذي يرافقني أينما ذهبت.

أمي.. أتعلمين، يا أمي؟ ما زلت أُحدّثك كما كنتِ هنا.. أُخبرك عن تعبي في نهاية كل يوم، عن الوحدة التي لا يمحوها ضوء، ولا يُبدّدها جمع. أُخبرك عن الأشخاص الذين مرّوا، والذين لم يُشبهوا حضنك أبدًا.

علّمتِني يا امي أن أكون قوية، لكنني أمامكِ أعود طفلة تبحث عن حضنكِ لتطمئن. رحلتِ.. لكن صوتك لم يرحل. ما زال يدور في أرجاء روحي في دعائك القديم، في رائحتك العالقة بملابسي، في نبرتك حين تقولين: "ربي يحميك."

كل الأشياء التي لم أقلها لكِ حين كنتِ قريبة.. أحاول قولها الآن، لكن الهواء لا يحملها إليك، والدموع لا تُترجم ما بداخلي يا امي

وفي عيدكِ.. أكتب اسمي بفخر، لأنني أحمله منكِ، وأحمل في قلبي حباً لا يكفيه عمرٌ كامل.

أمي.. كنتِ السند حين مال كل شيء، والدفء حين بردت الدنيا، واليوم، لا أعلم كيف أدفئ قلبي بعد غيابك.

أدعوكِ كل ليلة.. لا لتعودي، لأنني أعرف أن الجنة قد اختارتك، بل لأراكِ في المنام.. للحظة، لثوانٍ،  كي اتحدث معكي ولشيءٍ يُطفئ نار الاشتياق بداخلي.

أمي إن كانت الدنيا تكتب أسماءنا، فأنا أريد أن أُكتب دائماً: "ذكرى.. ابنة قلب أمها"

***

ذكرى البياتي

 

لو كان الامر بهذه البساطة. لو كان هناك ببساطة اناس اشرار في مكان ما يرتكبون اعمالا شريرة بخبث وكان يكفي فقط فصلهم عنا وتدميرهم.. لكن الخط الذي يفصل بين الخير والشر يمر عبر قلب كل انسان. ومن هو الذي يستطيع ان يدمر جزءا من قلبه؟... الكسندر سولجينتسين – ارخبيل غولاغ2547 ahmad

تحمل هذه الكلمات ثقلا فلسفيا عميقا ينعكس بصورة مدهشة في اجواء لوحة ايفان ايفازوفسكي الليلية. فقول سولجينتسين يذكرنا بان الشر ليس شيئا خارجيا يمكن عزله بسهولة عن العالم، بل هو صراع داخلي يسكن قلب الانسان نفسه. هذا التوتر بين النور والظلمة يبدو حاضرا بوضوح في اللوحة. فالبحر يغرق في ظلام كثيف، بينما يشق ضوء القمر طريقه عبر الغيوم ليترك خيطا فضيا فوق سطح الماء.

كأن اللوحة تقدم استعارة بصرية لفكرة سولجينتسين: داخل العتمة العميقة يظل هناك ضوء خافت، تماما كما يظل في قلب الانسان احتمال الخير حتى في لحظات الظلمة. القارب الصغير في قلب المشهد ليس مجرد عنصر بصري في لوحة بحرية، بل يكاد يكون صورة مكثفة للانسان نفسه: كائن هش يبحر في ظلمة لا يعرف حدودها، ويتحرك بصمت بين امكانية النور واحتمال الغرق في العتمة.

من الناحية البصرية تقوم اللوحة على تباين قوي بين الضوء والظلال. يحتل القمر مركز السماء تقريبا، محاطا بكتل كثيفة من الغيوم الداكنة التي تبدو كأنها تتحرك ببطء حوله. ومن هذا المركز المضيء ينساب الضوء ليعكس نفسه فوق سطح البحر في خط لامع يمتد نحو الافق، كأنه طريق فضي مفتوح وسط العتمة.

الامواج تبدو هادئة في ظاهرها، لكنها مفعمة بالحياة، تلتقط انعكاسات الضوء في ومضات متناثرة فوق الماء. وفي قلب هذا الامتداد الهائل يظهر قارب شراعي صغير يكاد يضيع بين البحر والسماء.

هنا تتجلى عبقرية ايفازوفسكي في خلق احساس بالمسافة والحجم، حيث يبدو العالم الطبيعي واسعا ومهيبا بينما يظل حضور الانسان دقيقا وهشا. تنتقل عين المشاهد من القمر الى انعكاسه على الماء ثم الى القارب الصغير، فتتشكل بذلك قصة صامتة عن العزلة وعن انسان يقف وحيدا امام اتساع الطبيعة وغموضها.

ولد ايفان ايفازوفسكي عام ١٨١٧ وكان واحدا من اعظم رسامي البحر في القرن التاسع عشر. نشا في مدينة فيودوسيا على ساحل البحر الاسود، ولذلك ظل البحر طوال حياته المصدر الاكبر لالهامه الفني. ينتمي ايفازوفسكي الى تقاليد المدرسة الرومانسية في الفن الاوروبي، وهي مدرسة سعت الى تصوير عظمة الطبيعة وقدرتها على اثارة رهبة وتأمل عميقين في نفس الانسان. وقد اشتهر بقدرته الاستثنائية على رسم الضوء، خصوصا ضوء القمر والفجر، حتى بدا البحر في كثير من اعماله كأنه كائن حي يتنفس ويتحرك.

ولم يكن البحر في لوحاته مجرد منظر طبيعي، بل فضاء رمزيا يعكس الحالة النفسية والروحية للانسان امام اتساع العالم وقوة الطبيعة وما يثيره ذلك من شعور بالرهبة والتأمل.

ومن زاوية اخرى نجد ان هذه الازدواجية بين النور والظلمة تاخذ بعدا اكثر عمقا عند محيي الدين بن عربي. فالعلاقة بين الخير والشر، او بين النور والظلمة، ليست عنده علاقة ثنائية بسيطة ينتصر فيها احد الطرفين على الاخر، بل هي علاقة جدلية معقدة تشكل نسيج الوجود نفسه.

ففي رؤيته يصبح الخلق برزخا بين النور والظلمة، اي مجالا تتداخل فيه المعاني وتتقاطع فيه المستويات. فالكائنات ليست خيرا خالصا ولا شرا خالصا، بل تحمل في باطنها منظورا الهيا خفيا وفي ظاهرها منظورا ماديا محدودا. وكما ينعكس ضوء القمر في لوحة ايفازوفسكي على سطح البحر ليخلق مساحات من النور وسط العتمة، كذلك قلب الانسان هو ذلك البرزخ الذي يتوسط بين النور الالهي وظلمة المادة.

ويصل هذا المعنى عند ابن عربي الى ذروته في رمزية ما سماه بعض الشراح النور الاسود، حيث يكون الحضور الالهي شديدا الى درجة يبدو معها محتجبا خلف ظلمة، فيتجلى كضوء لا تدركه الابصار بسهولة. هنا لا تصبح الظلمة مجرد غياب للنور، بل وجها اخر لحضور اعمق لا تستطيع الحواس المحدودة ان تحيط به.

وفي سياق معاصر يقدم الصديق و المفكر العراقي عبدالجبار الرفاعي قراءة اخرى لهذا الصراع الاخلاقي الداخلي. فهو يرى ان مشكلة الانسان المعاصر ليست في وجود قوى شريرة خارجة عنه فحسب، بل في اغترابه عن ذاته وعن هويته الانسانية.

فالانسان الذي لا يعرف نفسه ولا يعي اعماقه يصبح اكثر استعدادا لان يتحول الى اداة للشر دون ان يدرك ذلك. ومن هذا المنظور لا يمر الخط الفاصل بين الخير والشر عبر العالم الخارجي فقط، بل عبر درجة وعي الانسان بذاته.

فالانسان الذي يمتلك وعيا عميقا بكرامته الانسانية وبقيم العدالة والمحبة يكون اكثر قدرة على مقاومة الظلمة الكامنة فيه.

اما الانسان المغترب عن ذاته فيصبح اكثر عرضة لتضخم الانا التي تبرر كل شيء باسم حقيقة مطلقة يتوهم امتلاكها. وفي ضوء هذا المعنى يمكن النظر مرة اخرى الى القارب الصغير في لوحة ايفازوفسكي بوصفه رمزا للانسان الذي يحاول، وسط بحر مظلم واسع، ان يحافظ على بوصلته الاخلاقية وهو يمضي في رحلة لا يعرف نهايتها.

وهكذا تعود بنا الفكرة الى حيث بدات، الى عبارة الكسندر سولجينتسين التي تقول ان الخط الذي يفصل بين الخير والشر لا يمر عبر الدول ولا عبر الطبقات ولا عبر الاحزاب ، بل عبر قلب كل انسان.

ففي النهاية، سواء عبر ضوء القمر المنعكس على البحر في لوحة ايفازوفسكي، او عبر مفهوم البرزخ عند ابن عربي، او عبر نقد الاغتراب عند الرفاعي، يبقى السؤال موجها الى كل واحد منا:

هل نحن مستعدون لان نواجه ذلك الجزء من قلوبنا الذي قد يكون مظلما؟

وهل يمكن للانسان ان يعيش هذا التوتر بين النور والظلمة دون ان يحاول انكار احدهما؟

وربما لهذا تبدو تلك السفينة الصغيرة في قلب اللوحة مألوفة لنا جميعا، لانها صورة مكثفة لرحلة الانسان نفسه وهو يبحر بصمت في بحر الوجود، باحثا عن ضوء قد يكون في الافق، وقد يكون في اعماق قلبه.

***

د. احمد عابر

 

(في النهاية تفنى الحضارات لأنها تستمع إلى سياسييها لا إلى شعرائها).. يوناس ميكاس

هذا القول لا يقرأ بوصفه حكمة مجردة بل كتشخيص دقيق للحظة تاريخية يتراجع فيها الصوت الداخلي للانسان امام ضجيج السلطة. حين يغيب الخيال النقدي الذي يحمله الشعراء، اصحاب الفكر والفنانون يصبح الواقع محكوما بمنطق واحد هو القوة. لا يعود الانسان قادرا على رؤية نفسه او مساءلة افعاله بل يتحول الى اداة داخل حركة اعنف منه. في هذه الحالة لا تنهار الحضارات فجأة بل تتآكل تدريجيا من الداخل حين تفقد قدرتها على الاصغاء الى ما هو ابعد من السياسة والسلطة.2553 ahmad

لوحة الثاني من مايو ١٨٠٨ المعروفة ايضا باسم هجوم المماليك لا تقدم مشهدا يمكن قراءته بسهولة بل تضع المشاهد داخل قلب اضطراب بصري متواصل. لا يوجد مركز واضح للتركيز ولا نقطة استقرار للعين. التكوين مبني على حركة دائرية مضطربة تدفع النظر من طرف الى اخر من دون توقف. الخيول في قلب المشهد ليست مجرد عناصر بل محاور طاقة عنيفة تدفع الكتلة البشرية الى التفكك. اجسادها مشدودة عضليا في وضعيات متناقضة بين الهجوم والذعر ما يخلق توترا بصريا ينعكس على كامل اللوحة.

اللون يلعب دورا اساسيا في هذا الاضطراب. لا يوجد توازن لوني مريح بل صدام بين الالوان الترابية الداكنة والاحمر القاني الذي يظهر في بقع الدم والملابس. هذا الاحمر لا يعمل كعنصر جمالي بل كاشارة صادمة تقطع استمرارية المشهد وتعيد توجيه العين نحو العنف. الضوء بدوره غير مستقر فلا يأتي من مصدر واضح بل يتوزع بشكل غير متجانس على الوجوه والاجساد مما يعطي احساسا بان المشهد يحدث في حالة اضطراب زمني ايضا وليس فقط مكاني.

الحركة داخل اللوحة ليست خطية بل متكسرة. كل شخصية تبدو وكأنها تتحرك في اتجاه مختلف مما يلغي اي احساس بالتنظيم او القيادة. حتى المواجهة بين الطرفين لا تظهر كصراع واضح بين قوتين بل كتشابك فوضوي حيث تختلط الاجساد ولا يمكن التمييز بسهولة بين المعتدي والضحية. هذا التداخل البصري لا ينقل حدثا فقط بل يكشف عن لحظة يفقد فيها العنف اي معنى منظم ويصبح تجربة عمياء تتجاوز الافراد.

الوجوه في اللوحة ليست بطولية ولا مثالية بل متعبة ومشدودة بين الخوف والغضب. بعضها يصرخ وبعضها يحدق بفراغ وبعضها يكاد يختفي داخل الكتلة البشرية. هذا التعدد في التعبيرات لا يقدم سردا موحدا بل حالة نفسية جماعية حيث يفقد الفرد حدوده داخل الحشد. حتى الاجساد الساقطة في المقدمة لا تعامل كضحايا منفصلين بل كامتداد طبيعي للفوضى العامة.

من الناحية التركيبية تهيمن الخطوط القطرية على المشهد. السيوف وحركة الخيول والاجساد ترسم شبكة من الاتجاهات المائلة التي تدفع العين باستمرار الى الانزلاق. لا توجد خطوط مستقرة تمنح المشهد توازنا بل كل شيء في حالة ميل دائم وكأن العالم نفسه فقد مركزه. بهذا المعنى لا تقدم اللوحة معركة بل انهيارا بصريا لفكرة النظام نفسها.

اذا تجاوزنا القراءة البصرية البحتة يمكن النظر الى هذا المشهد من زاوية روحية اعمق. من منظور ابن عربي تبدو اللوحة كتجلي لخيال فقد اتصاله بالمصدر الذي يمنحه المعنى.

العالم هنا لا يخلو من الصور بل يفيض بها لكنه يفتقد النور الذي يجمعها. تتكاثر الاجساد والحركات لكن من دون مركز يوحدها. في هذا الغياب تتحول الافعال الى اشكال منفصلة لا تشير الى حقيقة اعمق.

ما نراه ليس مجرد عنف بل تشتت في الرؤية نفسها حيث يفقد الانسان قدرته على ادراك الكل ويغرق في الجزئيات المتصادمة.

اما في السياق الشعري فإن هذا الانفجار البصري يجد صداه في تصور لوركا الشاعر الغجري الاسباني، لما سماه الديوين.

لوركا يرى في اعماق الثقافة طاقة مظلمة قادرة على الخلق حين تمر عبر الفن لكنها تتحول الى قوة مدمرة حين تنفصل عنه.

في لوحة غويا تظهر هذه الطاقة من دون وسيط جمالي. اللون الاحمر لا يتحول الى استعارة بل يبقى جرحا مفتوحا. الوجوه لا تغني بل تصرخ. بهذا المعنى لا نرى حضورا للديوين بوصفه قوة ابداع بل انحرافه حين يفقد علاقته بالشعر.

في هذا المستوى تصبح اللوحة تجربة حسية وفكرية في آن واحد. المشاهد لا يقف خارجها بل يجد نفسه داخل اضطرابها. ما تقدمه ليس فقط تصويرا لانتفاضة بل تشريحا للحظة تنتصر فيها القوة على المعنى.

هنا تعود عبارة يوناس ميكاس لا بوصفها تأملا نظريا بل كحقيقة مرئية. حين تصغي الحضارات الى القوة وحدها تفقد قدرتها على التوازن ويصبح العنف لغتها الوحيدة.

 والسؤال الذي يبقى ليس عن الماضي بل عن الحاضر الذي نعيشه نحن ونحن نعيد الاصغاء ذاته.

***

د احمد عابر

 

تجدر الإشارة إلى أن العنوان يعكس جوهر الفكرة والمضمون الذي يحتويه النص، ولذلك يكون العنوان هو بوابة النص الإبداعي، والمدخل الى فضائه. فالعنوان هو أول ما يلفت انتباه القارئ إلى النص الإبداعي، بما ينبغي أن يعكسه من جوهر فكرة النص، والمضمون الذي يحتويه.

ولذلك يتطلب ان يحرص الكاتب على اختيار عنوان نصه، مقالا كان، او شعرا، او سردا، او غير ذلك من الكتابات، بعناية فائقة، ليكون معبرا، وجذابًا، ومثيرًا للإهتمام، في اوساط القراء، والمهتمين بالمطالعة.

وهكذا تأتي أهمية العنوان باعتباره جزءا أساسيا من هيكل النص الإبداعي، حيث يعكس تجليات المضمون الذي يحتويه النص، مما يتطلب أن يكون جذابا، ومثيرًا للإهتمام، بحيث يجذب القارئ للمسارعة إلى قراءة النص، والتفاعل مع مضمونه بشغف.

ولاريب أن اختيار عنوان جيد للنص، يتطلب من الكاتب مراعاة أن يكون العنوان واضحًا، ومفهومًا، وأن يكون جذابًا، ومثيرًا للإهتمام، ويعكس في الوقت نفسه، جوهر فكرة، ومضمون محتويات النص.

وبما ان العناوبن تاخذ اشكالا متنوعة، فالعنوان الوصفي منها، يعكس جوهر فكرة ومضمون النص، في حين ان العنوان الاستفهامي، يأخذ شكل تساؤل يجذب القارئ للمبادرة الى قراءة النص.

***

نايف عبوش

كلما أتى شهر مارس، وتحديدًا في الثالث عشر منه، يتذكر عشاق الشعر العربي أن شاعرًا عظيمًا قد ولد في ذلك اليوم من عام ١٩٤١ في قرية البروة بالجليل. ومثل كل عام، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة لماذا نظل نقرأ محمود درويش، رغم رحيله منذ ما يقرب من عقدين، ومع ذلك لا تغيب قصائده عن ألسنتنا ولا تغادر رفوف مكتباتنا؟

الإجابة ليست معقدة كما قد يتخيل البعض. نحن نقرأ محمود درويش لأن أسئلته ما زالت حية. نعم، بهذه البساطة. أسئلته عن الوطن، عن الهوية، عن المنفى، عن الحب، عن الموت، كلها أسئلة نطرحها نحن أيضًا كل يوم، وكلها أسئلة لم نجد لها إجابات شافية بعد.

درويش لم يكن مجرد شاعر يكتب قصائد جميلة نرددها في المناسبات. كان حالة ثقافية متكاملة، وكان صوتًا استثنائيًا لقضية عربية كبرى، لكنه بطريقة ما استطاع أن يجعل من هذه القضية الخاصة قضية إنسانية عامة. هو لا يتحدث عن الفلسطيني فقط، بل يتحدث عن كل إنسان له أرض يخاف عليها، وله ذكريات يتمسك بها، وله حلم في العودة ولو كان مستحيلاً.

سؤال الهوية

من أكثر الأسئلة إلحاحًا في عالمنا المعاصر هو سؤال الهوية. في زمن العولمة، وفي زمن الانفتاح الثقافي الكبير، وفي زمن الهجرات واللجوء والتشرد، صار الإنسان أكثر حيرة من أي وقت مضى من أنا بالضبط؟ إلى أين أنتمي؟ ما الذي يميزني عن غيري؟

هذه الأسئلة بالضبط هي ما طرحها محمود درويش في قصائده عبر سنوات إبداعه الطويلة. في قصيدته الأشهر "سجل أنا عربي"، لم يكن يرفع شعارًا سياسيًا فقط، بل كان يبحث عن ذاته في عالم يحاول اختزاله في أرقام وتصنيفات. عندما يقول "أنا عربي.. وأنا اسم بلا لقب"، إنه يصرخ في وجه كل من حاولوا تجريده من إنسانيته، لكنه في الوقت نفسه يعبر عن حالة إنسانية عامة، حالة من يشعر أن هويته مسلوبة أو مشوهة في عيون الآخرين.

في زمننا هذا، حيث تتصاعد خطابات الكراهية والعنصرية في العالم، وحيث تزداد الأسئلة حول الانتماء والمواطنة والاختلاف، نجد في محمود درويش ملاذًا فكريًا وحالة استثنائية. إنه الشاعر الذي استطاع أن يقول كلمته في وجه الظلم دون أن يتحول إلى خطيب سياسي جاف، واستطاع أن يتغنى بالحياة والحب والجمال دون أن يتخلى عن قضيته الكبرى. وهذا التوازن الصعب هو ما يميزه عن كثير من شعراء المناسبات.

المنفى وطن بديل!

نقرأ محمود درويش اليوم لأن المنفى لم ينتهِ. للأسف الشديد، لا يزال الملايين من البشر في عالمنا يعيشون حالة التشرد واللجوء والبحث عن وطن آمن. ولا يزال الفلسطينيون أنفسهم، الذين كان درويش صوتهم الشعري الأول، يعانون من الاحتلال والتهجير والشتات.

لكن محمود درويش في شعره لم يقتصر على منفى الجغرافيا فقط. لقد عاش وعلمنا أن نعيش منفى أعمق وأقسى؛ منفى الإنسان داخل وطنه، منفى المبدع داخل مجتمعه الذي لا يفهمه دائمًا، منفى العاشق داخل علاقته التي لا تكتمل، منفى الإنسان داخل جسده الذي يمرض ويهرم.

في قصيدته الجميلة "أحن إلى خبز أمي"، يتحول الحنين إلى وطن مفقود إلى حنين أوسع وأشمل، حنين إلى الطفولة، إلى البراءة، إلى الدفء العائلي، إلى ذلك الشعور بالأمان الذي نفقده جميعًا كلما تقدم بنا العمر. هذه القصيدة التي يحفظها الصغار والكبار على حد سواء ليست فقط عن فلسطين، بل هي عن كل بيت دافئ، عن كل أم حنون، عن كل ذكريات جميلة نحملها في قلوبنا أينما ذهبنا.

يقول درويش في هذه القصيدة الخالدة:

"أحن إلى خبز أمي

وقهوة أمي

ولمسة أمي

وتكبر في الطفولة

يومًا على صدر يوم

وأعشق عمري لأني

إذا مت،

أخجل من دمع أمي!"

هذا هو سر درويش الحقيقي: قدرته الفائقة على تحويل القضية السياسية إلى قضية إنسانية، وتحويل الهم الوطني إلى هم وجداني، وتحويل الحجر البارد إلى نبض دافئ.

الشعر والكلمات العادية

نقرأ محمود درويش لأنه يمنحنا لغة جديدة نعبر بها عما نعجز عن التعبير عنه. في زمن السرعة، زمن التغريدات المقتضبة، زمن الصور الجاهزة، زمن "السوشيال ميديا" الذي يختزل المشاعر في أيقونات وإيموجيات، نفتقر بشدة إلى اللغة العميقة التي تستوعب تعقيد مشاعرنا. درويش هو من يمدنا بهذه اللغة.

خذوا مثلاً قصيدته الرائعة "على هذه الأرض ما يستحق الحياة". كم مرة سمعتموها في الأفراح والأتراح؟ كم مرة نشرها أصدقاؤكم على فيسبوك في لحظات الفرح الغامر أو الحزن العميق؟ لأن هذه القصيدة ببساطة تلتقط ذلك الشعور المتناقض الذي ينتابنا عندما نرى جمال الحياة وسط كل هذا القبح الذي نعيشه.

يقول درويش:

"على هذه الأرض ما يستحق الحياة: تردد نيسان،

رائحة الخبز في الفجر،

آراء امرأة في الرجال،

كتابات أيسخلوس،

أول الحب،

عشب على حجر،

أم تقفون على شعري."

هذا المقطع يختصر فلسفة درويش في الحياة: الحياة تستحق أن تعاش رغم كل شيء. ليس تفاؤلاً أعمى يتجاهل الواقع، ولا تشاؤماً قاتلاً ينكر الجمال، بل نظرة متوازنة تحتضن المتناقضات: الحرب والحب معًا، الموت والحياة معًا، القهر والجمال معًا.

قصائده مرآة لكل منا

عندما سألت القراء عن أقرب قصائد درويش إلى قلوبهم، تنوعت الإجابات بشكل لافت. قال البعض "أحن إلى خبز أمي"، وقال آخرون "سجل أنا عربي"، وفضل ثالث "وتنسى كأنك لم تكن"، ورابع "عابرون"، وخامس "في البال أغنية"، وسادس "الجدارية"، وسابع "بيروت"، وأخيرًا "معظم ما كتبه محمود درويش يستحق القراءة مثلما على هذه الأرض ما يستحق الحياة".

هذا التنوع في الإجابات يكشف حقيقة مهمة، هي أن محمود درويش ليس شاعراً أحادي البعد. هو شاعر يستطيع كل قارئ أن يجد فيه ما يناسبه، ما يعبر عن مرحلته العمرية، ما يلامس تجربته الشخصية. "أحن إلى خبز أمي" تناسب لحظات الحنين، "سجل أنا عربي" تناسب لحظات التحدي والصمود، "الجدارية" تناسب لحظات التأمل العميق، "وتنسى كأنك لم تكن" تناسب لحظات المرارة والخيبة.

وهذا هو سر الخلود الأدبي، أن يكون النص قادراً على أن يعيش خارج سياقه الزمني، وأن يجد فيه كل جيل ما يعبر عنه، وأن يظل مفتوحاً على تأويلات متعددة.

بين المأخذ والإبداع

الموضوعية تقتضي أن نقول إن درويش لم يكن خالياً من المآخذ النقدية. بعض النقاد يرون أن مرحلته الأخيرة، رغم عمقها الفلسفي الكبير، افتقدت إلى تلك العفوية والحميمية المباشرة التي ميزت قصائده الأولى. كما أن بعض قصائده الطويلة مثل "الجدارية" قد تكون صعبة على القارئ العادي، وتحتاج إلى أكثر من قراءة وتأمل لفك شفراتها.

أيضاً، هناك من ينتقد درويش لأنه في مرحلة ما بعد اتفاق أوسلو، ابتعد قليلاً عن الهم المباشر للقضية الفلسطينية وانشغل بهموم إنسانية أوسع. البعض اعتبر هذا تطوراً طبيعياً لأي شاعر كبير، والبعض الآخر اعتبره تراجعاً عن دوره الوطني كناطق باسم المقاومة.

لكن الشيء المؤكد أن محمود درويش ظل طوال حياته صادقاً مع نفسه ومع تجربته الشعرية. لم يكرر نفسه، لم يرضَ بالسهل، لم يستسلم للشعارات الجاهزة. ظل يبحث، يجرب، يطور أدواته، يقلق نصوصه، حتى الرمق الأخير. وهذا هو الفرق بين الشاعر الحقيقي وصانع القصائد.

كلمة أخيرة

لماذا نقرأ محمود درويش اليوم؟ لأننا في أمس الحاجة إلى من يذكرنا أن القضية الفلسطينية ليست مجرد أرقام وإحصائيات وتقارير في الأمم المتحدة، بل هي قصص إنسانية حية، ومشاعر جياشة، وذكريات مؤلمة، وأحلام مؤجلة. نحتاج إلى من يحول الحجر البارد إلى قصيدة نابضة، والمفتاح الصدئ إلى رمز خالد، واللاجئ المنسي إلى إنسان له كرامة ووجه وقضية.

في النهاية، سيظل محمود درويش حاضراً في وجداننا ما دام هناك من يتذكر أن "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، وما دام هناك من يشعر أنه "عابر في كلام عابر"، وما دام هناك من يبحث عن وطن، أو عن هوية، أو عن لغة تعبر عما في داخله من مشاعر متدفقة.

كل عام وأنت يا محمود أيقونة الفلسطينيين، وضمير العرب، وصوت كل من لا صوت له. كل عام وأنت في قلوبنا ووجداننا، تماماً كما كنت دائمًا، وكما ستبقى دائمًا وأبدًا.

***

د. عبد السلام فاروق

 

آنذاك

بردت الشمس

وغابت البركة عن الأرض

وجف العشب في الصحارى

وجفت الأسماك في البحار

وصار التراب بعد ذلك

يرفض أن يحتضن موتاه

وكان الليل في جميع النوافذ الشاحبة

مثل تصور غامض

يتكاثف ويطغى باستمرار.

فروغ فرخزاد من قصيدة آيات ارضية-ترجمة من الفارسية2537 ahmad

بهذه الصور الشعرية الكثيفة ترسم فروغ فرخزاد مشهدا كونيا للفجيعة، حيث لا يقتصر الحزن على الإنسان وحده، بل يمتد إلى الطبيعة كلها، فتختل موازين العالم وتدخل الأرض في حداد عميق. هذه الرؤية الكونية للفاجعة تفتح بابا لفهم مأساة كربلاء بوصفها حدثا يتجاوز حدود التاريخ ليصبح تجربة إنسانية و روحية عميقة.

هذا الشعور ذاته يتجسد بصريا في لوحة "ليلة الغرباء" للفنان الإيراني محمود فرشجيان. فاللوحة لا تكتفي بتصوير واقعة تاريخية، بل تحول مأساة كربلاء إلى لغة تشكيلية تنبض بالحزن والرهبة والسمو الروحي في آن واحد.

تصور اللوحة ليلة الحادي عشر من محرم، حين بقيت نساء وأطفال آل البيت وحدهم في صحراء كربلاء بعد استشهاد الإمام الحسين وأصحابه.

في مركز اللوحة تتجمع مجموعة من النساء والأطفال في حالة من الذهول والفق. الوجوه مغطاة أو خافية، وكأن الفنان لا يريد تصوير أفراد بعينهم بقدر ما يريد التعبير عن حزن جماعي يتجاوز الأشخاص إلى معنى إنساني أوسع.

في أعلى المشهد تتصاعد النيران من الخيام المحترقة بلون برتقالي حاد، يتناقض مع الظلال الزرقاء والخضراء التي تغمر بقية اللوحة. هذا التباين اللوني لا يؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل يخلق توترا عاطفيا يعكس عمق المأساة. حتى الأشجار تبدو منحنية وكأن الطبيعة نفسها تشارك في هذا المأتم.

ومع ذلك فإن اللوحة لا تقتصر على تصوير الحزن وحده. ففي هيئة النساء شيء من الجلال والوقار، وفي الأيدي المرفوعة نحو السماء معنى الرجاء والدعاء. فالمشهد يجمع بين الألم والسمو في لحظة واحدة، بين الفاجعة الأرضية والالتفات نحو الغيب.

هذا البعد الروحي في اللوحة يقودنا إلى تأملات في طبيعة الحزن والذاكرة.

فقد ابن عربي معنى الحزن حين رأى أن الحزن لا يكون إلا على فائت، وأن الفائت لا يعود بعينه، لكنه يعود بمعناه كلما استدعته الذاكرة. وعندئذ يتجدد الشعور بالفقد في القلب، لا لأن الحدث عاد، بل لأن معناه عاد إلى الوجدان.

بهذا المعنى يمكن النظر إلى لوحة فرشجيان بوصفها استحضارا لجوهر تلك اللحظة التاريخية. فهي لا تعيد الحدث كما وقع، بل تستدعي روحه ومعناه الذي يتكرر في الذاكرة الجمعية كلما استعيدت المأساة. وهكذا يصبح الفن وسيلة لإحياء الفائت، لا بإعادته في الزمن، بل بجعله حاضرا في الشعور الإنساني.

كما أن حالة الحيرة التي تعقب الفقدان الكبير تظهر بوضوح في تكوين اللوحة. فالشخصيات تبدو وكأنها تبحث عن اتجاه: هل تتجه نحو السماء أم نحو الخيام المحترقة أم نحو الصحراء الممتدة حولها؟ هذه الحيرة الوجودية ليست مجرد ارتباك، بل هي لحظة من لحظات المواجهة العميقة مع الفقدان، حين يجد الإنسان نفسه واقفا بين الألم والإيمان.

ومن زاوية أخرى يمكن قراءة اللوحة في ضوء تأملات أبي حامد الغزالي في معنى الصبر. فقد رأى الغزالي أن الصبر الجميل لا يعني غياب الألم، بل يعني أن يبقى القلب متعلقا بالله حتى وهو يعيش مقتضى البشرية من الحزن والبكاء. فالبكاء ليس نقيض الصبر، بل أحد تعبيراته الإنسانية.

هذا المعنى يتجلى في اللوحة بوضوح. فالنساء يتوجعن، لكن المشهد لا يوحي بالانهيار. هناك شموخ خفي في الوقفة، وكرامة في الحزن نفسه. فالمأساة هنا ليست مجرد خسارة بشرية، بل تجربة روحية يتحول فيها الألم إلى طريق من طرق المعنى.

ومن هذا المنظور تتحول النيران المشتعلة في الخيام من رمز للدمار وحده إلى علامة على التحول. فكما يولد الضوء من قلب النار، يولد المعنى من قلب البلاء. وهكذا لا ترسم اللوحة الهزيمة، بل ترسم لحظة إنسانية يتجلى فيها الألم والرجاء في آن واحد.

وفي النهاية نعود إلى قصيدة فروغ فرخزاد التي صورت عالما بردت فيه الشمس وجفت الحياة. غير أن هذا الليل الكثيف لا يلغي إمكانية الفجر. وكذلك في لوحة فرشجيان، حيث يجتمع الدمع والرجاء في مشهد واحد: خيام محترقة، وأيد مرفوعة بالدعاء، ووجوه خافية تحمل حزنا يتجاوز الزمن.

وهكذا يلتقي الشعر والفن والتأمل ليقدموا قراءة متعددة الأبعاد لليلة الغرباء. فهي ليست مجرد ليلة من التاريخ، بل لحظة إنسانية عميقة يتجسد فيها الحزن والرجاء والحيرة والصبر، ويقف فيها الإنسان وحيدا أمام الفاجعة، لكنه يقف وهو يتجه بقلبه نحو عالم الغيب.

ويبقى بعد تأمل هذه اللوحة عدد من الأسئلة مفتوحا أمام القارئ:

هل يستدعي الفن ذكرى الألم فقط، أم أنه يحول تلك الذاكرة نفسها إلى معنى روحي يجعل الفاجعة طريقا إلى نور لا ينطفئ؟

وهل يعيد الفن تمثيل المأساة كما وقعت، أم أنه يكشف عن معناها العميق الذي لا يظهر في التاريخ وحده؟

ثم هل يمكن للذاكرة الجمالية أن تحول الحزن الإنساني إلى طاقة روحية تبقي المعنى حيا في وجدان الأجيال؟

***

د احمد عابر