عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

كانت الأم السومرية الفراتية، وهي تهدهد طفلها لينام، تغني بصوت عذب: (دللول يا الولد يا ابني دللول، عدوك عليل وساكن الجول)... و«الجول» هنا لفظٌ يُقصد به المكان البعيد الخارج عن حدود الأمان.

 يمثل هذا النداء أول نص ثقافي وتلقين وجودي باكر يزرع غريزة اليقظة والمنعة في نفس الوليد، موازناً بين التحذير من الخطر وتحجيم هيبة الخصم بجعله عليلاً ومنبوذاً في ذلك القفر البعيد، لكي يحذره دون أن يهابه.

وإذا كانت الأم قد جعلت العدو في (الجول) ولم تنبه طفلها إلى إمكانية تسلله إلى الداخل، فذلك لأنها أرادت تأسيس مرجعية نقية للداخل تقوم على الطمأنينة والسلم النفسي أولاً، تجنباً لزرع الشك المرضي والرعب في مهد الطفولة، مؤكدةً أن الشر منبوذ بطبيعته، وأن مكانه الطبيعي هو الفراغ والعدم.

غير أن التراجيديا الوجودية الراهنة تكمن في خيانة الوعي والجهل بالعدو، الأمر الذي أدى إلى انعكاس الآية؛ إذ تحول ذلك الخطر القابع وراء الحدود إلى داء يتغلغل في عمق الدار، حين أُعلِن الانقياد الفكري لوصاية عابرة استغلت غياب البصيرة.

 وبذلك تحول الجهل المعاصر إلى بنادق محلية طيعة بيد الغريب، مما يثبت أن الائتمان المطلق لغرباء (الجول) هو انتحار للهوية وغفلة كبرى.

 إن تلك الهدهدة الفراتية لم تقصر في التحذير، بل إن غفلة الأبناء هي التي شرّعت الأبواب، ليتسلل القفر ويمسخ نقاء الدار وسيادتها.

***

د. نسرين ابراهيم الشمري

 

يبدو أنه ما من هيئة كيف ما كانت حالها في دقة أجزائها إلا وهي تمتلك عناصر صالحة للتصوير الهزلي.

والتصوير الهزلي هو تحليل شخصية ما إلى عناصرها واستخراج النواحي التي هي فيها مدعاة للضحك أو الاستغراب بعد تصويرها مضخمة أو تصويرها مبالغا فيها.

وقد اشتهر في الأدب العربي من الوصّافين الهزليين الجاحظ والتوحيدي وابن الرومي، ونقف عند واحد من هؤلاء الوصافين وهو الشاعر ابن الرومي (221 ـ 283هـ) الذي كان شاعرا مرهف الإحساس شديد التأثر مولعا بالجمال نافرا من القبح، والقارئ لشعره هو بدون شك سيرى شعره جاء صورة حية لطبيعته متماشيا مع نفسيته.

لقد أحب ابن الرومي الطبيعة فقام بتصوير مظاهرها المختلفة، وأبان عن أنه كان إزاءها يمتلك شعورا عميقا دقيقا بها، يتقصى البعيد من غاياتها ويستبطن النائي منها.

أما عن التصوير الهزلي لديه فهو رفيع جدا لما فيه من المقارنات الغريبة والملاحظات الدقيقة والصور الموحية، مما ينم عن علو كعبه فيه أمام الشعراء الآخرين.

ويجمل بنا هنا أن نسوق أمثلة منه عن تصويره الهزلي لشخصيات عايشته وعايشها عن كثب.

فقد قال في "أحدب":

قصرتْ أخادِعُه وطال قذاله

فــكأنه مــتربص أن يُصفعا

وكــأنما صُــفعت قــفاه مرة

وأحــس ثــانية لــها فتجمعا

وقال في صاحب لحية يكنى أبا حفص:

إن أبــا حــفصٍ وعُــثْنُونَهُ

كــلاهما أصبحَ لي ناصبا

قد أُغريا بي يهجواني معاً

وحدي وكان الأكثرُ الغالبا

أقسمتُ ما استنجدَ عُثْنونَهُ

حــتى غدا لي خائفاً هائبا

إن كان كفْؤاً ليَ في زعمه

فــلــيعتزلْ لــحيتَهُ جــانبا

وقال في صاحب لحية أيضا:

ولــحــيــةٍ يــحــمــلها مــــائــقٌ

مــثــل الــشراعين إذا أشــرعا

تــقــوده الــريح بــها صــاغراً

قــوداً عــنيفاً يُــتعب الأخــدعا

فــإن عــدا والــريح في وجهه

لــم يــنبعث فــي وجهه إصبعا

لو غاص في البحر بها غوصةً

صـــاد بــهــا حــيتانه أجــمعا

وقال في ذي أنف طويل والأبيات من قصيدة طويلة:

إن كـــان أنــفــك هــكذا

فــالفيل عــندك أفــطسُ

وإذا جلستَ على الطري

قِ ولا أرى لــك تــجلسُ

قــيــل الــسلام عــليكما

فــتجيب أنــت ويــخرسُ

وقال في آخر له أنف طويل أيضا:

حــملتَ أنــفاً يــراهُ الــناسُ كــلُّهُمُ

مــن رأس مــيل عــياناً لا بمقياس

لــو شِئتَ كسباً به صادفتَ مُكتسَباً

أو انتصاراً مضى كالسيف والفاس

وقال في رجل بخيل اسمه عيسى:

يُــقتّر عيسى على نفسه

ولــيس بــباقٍ ولا خــالدِ

فــلــو يــستطيع لــتقتيره

تَــنفَّس مــن منخرٍ واحدِ

عــذرنــاه أيــام إعــدامه

فما عذرُ ذي بَخَلٍ واجِدِ

رَضِــيتُ لتفريق أمواله

يَدَي وارثٍ ليس بالحامدِ

وقال في مغن:

إنــك لــو تــسمع ألحانه

تلك اللواتي ليس يعدوها

لخلت من داخل حلقومه

مــوسوسًا يخنق معتوها

وقال في معلم صبيان:

مــــعــــلــم صــــبــيــان مـــغـــن:

أبــو ســليمان لا تــرضى طــريقته

لا فـــي غــناء ولا تــعليم صــبيان

لـــه إذا جــاور الــطنبور مــحتفلًا

ضرب بمصر وصوت في خراسان

عــواء كــلب عــلى أوتــار مــندفة

فــي قــبح قرد وفي استكبار هامان

وتــحــسب الــعين فــكيه إذا اخــتلفا

عــنــد الــتنغم فــكَّيْ بــغل طــحان!

وقال في مغنية:

شاهدت في بعض ما شاهدتُ مُسمعةً

كــأنّــما يــومــها يــومانِ فــي يَــومِ

تــظلُّ تُــلقي عــلى من ضَمَّ مجلسُها

قــولاً ثــقيلاً عــلى الأســماع كاللَّومِ

لــهــا غــنــاءٌ يــثــيبُ الــلَّــهُ ســامعَهُ

ضِــعفي ثــوابِ صلاةِ الليل والصومِ

ظَــللتُ أشــربُ بــالأرطالِ لا طَرَباً

عــلــيه بـــل طَــلَباً لــلسكرِ والــنومِ

في الواقع أن ابن الرومي كان شاعرا رائعا ومجيدا في جده وفي هزله معا، ونحن حين نقرؤه لا يسعنا إلا نعجب بعبقريته ونبوغه وأولا وقبل كل شيء بإنسانيته.

والله الهادي إلى سواء السبيل.

***

مصطفى معروفي

 

أهدتني الصديقة المبدعة فوز فرنسيس كتابيها: "بعضٌ منّي وأكثرُ منه" و "نزفٌ ونزرُ عبَقٍ أرّقَه الورق". قرأْتهما وتجوّلْتُ في طبيعة بلادنا بطولها وعرضِها، تحضنها محبّة فوز لها، بكلّ فصولها وجبالها. تمتّعتُ باللغة الجميلة والمشاعر الصادقة والأفكار التي لا تخلو من الترميز الوارف والظلال والهدوء.

تعبّر فوز فرنسيس عن محبّة الوطن الصادقة والخالية من الشعارات والمشبعة بالمشاعر. حبّ الوطن عندها إيمان وممارسة فعليّة، حتّى لو منعَنا سالبوه من الوصول إليه. نرى حبّ الأرض والتراب يصل إلى درجة التأليه والتقديس. ص15:

ما نفع أن تتغنّى بسهلها وجبلها، بحرها أو واديها...

إن لم تكحّل عينيك.. وتطأ قدميك..

بل تُعمل خمس حواسّك أمام سحر وجودها

عشقها أن تخرج من ذاتك لذاتها إذا ما ضاقت بك همومك..

تصف الأرض التي "تلد من رحمها" لقمة العيش ونحفظ فصولها ونحافظ عليها. وكذلك هي تذكر معظم ما ينبت في جليلنا: علت، خبّيزة، حمّيضة وغيرها.

وفي مكان آخر ص 23:

أقطف أوراق عنب.. ثمار خوخ..

انتظر حبّات الرمّان بشغف..

ألقي نظرة إلى حوض النعنع الأخضر

أقطف بعض أوراق لتكون شرابي الصباحي..

هي ذي متعتي...

أنتظرها نهاية كلّ أسبوع...

وهواء بلدي استنشق وأهنأ..

في نصوص فوز نجد كلّ مَواطن جمال الطبيعة ومناحيها الخلّابة وهي تعبّر عنها بكلّ حواسها ومشاعر الحنين والشغف.

في قصيدة: "حلية"، توجد رواية جميلة وعميقة ومتعدّدة الأبعاد. هل هي قصّة حياة الفرد أم قصّة الشعب أم قصّة الوطن!

البعد عن الوطن عند فوز، في قصيدة: "بلدي هناك"، ليس علوًّا بل عمقًا يحرّكه الشوق والحنين: "شوق وحنين لمن يقطنون الغربة، من مهجّرين ومنفيّين.. هناك خلف الجبال في المدى العميق.."!

في "الحب في شرقستان" تصف الحب بأنّه صغير الحجم، حتّى "وإن نعتوه بالجنون".

عندما بدأتُ بقراءة "شقيّة" ص30، قصيدة من 14 كلمة، توقّفت قليلًا لأتساءل: لمن تعود الكاف في (لَكَ)، من هوَ! هل هوَ القيد؟ هل هوَ الظلم أم الظالم؟ يطيب لي أن أترك تساؤلاتي دون جواب.

"باحة النسيان" رواية حبّ لم يكتمل، فيها تكثيف جميل وفيها تحوير للوضع من جامد إلى متحرّك ومن منشود واقعي إلى موجود مستعار. هذه القصيدة مفعمة بالمشاعر وتتهادى بين الخيال واللا خيال.

أمّا قصيدة "يا امرأة" فهي لوحة حميميّة صادقة عن الأمّ، الفلّاحة، المنسيّة. عندما قرأتها شعرت أنّني أقرأ عن أمّي.

قصيدة: "حلّقي" المنشورة على الغلاف الخلفي، هي حكاية عشق كثيفة ومكثّفة ومغلّفة بأنعم وألطف الصور الشعريّة التي تدمج بين الاستعارة والتشبيه والكناية والمجاز: "طبيعة الطير" و "أهوى معك أن أدّعي الصغر".

القصيدتان: "وشوشة" و "ألم في اللسان"، تشترع فيهما المعاني وتصل إلى طبقة تحت السطور وما وراءها وترسمان لوحة لطيفة تنبض بالمشاعر.

في كثير من القصائد الأخرى تتجلّى لوحات شعوريّة يتداخل فيها الترقّب والخوف والألم، منها: "صيف مكابر"، "حارس الزمن"، "ترابيّة أنا"، وهي لوحات إنسانيّة ثلاثيّة الأبعاد.

في هذه المجموعة تكثر الدراما الشعوريّة الظاهرة والمواربة والتي تحوي صوَرًا مذهلة: عند حافّة الانتظار-رسائل شوق-مفتاح في الخليل-حروف متزاحمة-الزائد في العدّ- ضيف عزيز- عود ثقاب. كلّ هذه المقطوعات تدعو لقراءة ثانية وثالثة.

قصيدة "سمفونيّة"، بصوت المطر يطرق الأبواب وحوافّ المزراب، تعزف على أوتار الطبيعة والحياة الفلّاحيّة الهادئة. أجملها جملة: "قولوا ما شئتم وأفعل ما أشاء"، فهي نسخ الحريّة في الطبيعة ووضعها في طبيعة البشر.

قرأتُ مجموعة: "نزفٌ ونزرُ عبَقٍ أرّقَه الورق"، عدا عن طول عنوانها، عشتُ فيها أجواء مشابهة للديوان الآخر، ولكنّها تركّز أكثر على الخبرة الذاتيّة وعلاقتها مع الآخرين: "عمى البصيرة-"غموض كثيف"-"لا مبالاة"-"عقم"-"عاهة مستديمة"-"شرفة الغياب"-"غضب"-"غربال الذكريات"-"عاشقة الطبيعة أنا"-"متباهية" وغيرها.

لم أكتب قراءتي التفاعليّة عن الكتاب الثاني هذا لأنّني لا أريد الإفراط في المسافات والابتعاد إلى ما وراء السطور والنصوص.

في قراءتي لهذين الكتابيْن وجدتني أحب الشعر النثري بمقياسه الداخلي والعاطفي والفكري، بالإضافة إلى حبّي للإيقاع والتفاعيل والموسيقى.

لا شكّ أنّ رحلتي في قراءة هاتين المجموعتين كانت تجربة وجدانيّة أغنت ذائقتي وجعلتني أتغاضى عن بعضٍ من المغالاة في وصف المشاعر وخاصّة التقديس وجعل الصور والاستعارات تتزاحم للوصول إلى مبتغاها، حتى لو كان حب الوطن والأرض والأمّ.

وأخيرًا، يا فوز، قرأتك حروفًا على الورق. لغتك تحترم اللغة وتُعنى بجمالها.

ليكن هذان الإصداران مباركين ولننعم بعدهما بإصدارات أُخرى...

***

سلمى جبران

 

يشهد عالم اليوم تقدما متسارعا في كل المجالات، حتى بات الزمن في سيرورته، يبدو وكأنه يهرول راكضا، بحيث بات يصعب على الانسان أن يلحق بإيقاعه المتسارع.

وهكذا فرضت العصرنة نفسها كظاهرة صيرورة مستمرة، وليست حالة عابرة، لاسيما بعد أن توغلت في كل تفاصيل مفرادت حياتنا، وأعادت تشكيل عاداتنا، وطرائق تفكيرنا، وملامح أحلامنا .

ولاربب أن الإنسان استقبل العصرنة حس ايجابي ابتداءا، بما حملته له معها من وعود براقة، بعالم أكثر تواصلا، واستقرارا، وراحة، ومعرفة بلا حدود، وفرص استخدام أوسع للحياة، حيث بتقارب البعيد، وتتلاشى الحدود، ويصبح العالم بأسره قرية صغيرة، مفتوحة الجوانب على شاشة صغيرة، يحملها المرء في كفه أينما حل، وارتحل.

ومع ان وسائل التواصل قد ازدادت فعلاً، إلا ان مسافات الود اخذت تتباعد في كثير من الأحيان. وغدت المجالس التي كانت تضج بالضحكات، والأحاديث الحميمة، تستبدل بصمت الشاشات المقرف، حيث يجلس الجميع في المكان ذاته، لكن كل واحد منهم، يقيم في عالم آخر.

وفي خضم تداعيات هذا الصخب، برز ذلك التناقض الغريب، بين تفاؤل يوحي بمستقبل أكثر إشراقاً، وتشاؤم يهمس في أعماق النفوس، بأن شيئاً من دفء الحياة القديمة، والموروث، بات يتسرب بصمت، بعيداً عنا.

إنها مفارقة العصر الحديث حقاً، فقد امتلأت البيوت بالأجهزة الذكية، لكن القلوب كثيراً ما افتقدت دفء الحضور الإنساني. بعد ان تدفقت المعلومات كالسيل، وانغمس الانسان في الفضاء المعلوماتي حد الادمان، وانفصل عن واقعه الاجتماعي الحقيقي، حيث ازدادت الحيرة في معرفة ما يستحق الإصغاء إليه، بعد أن اتسعت دوائر الاتصال، حتى بات الإنسان يشعر بغربة لم يألفها أسلافه، الذين كانت بيوتهم الطينية أضيق مساحة، ولكنها أكثر اتساعاً بالمحبة والطمأنينة، حيث باتت مشكلة انسان اليوم، تكمن في عجزه أن يبقى سيد الالة، لا أسيرا لها، لاسيما بعد أن فقد القدرة على المحافظة على إنسانيته وسط زحام اتمتة صارخة، فقد معها، دفء رواحه، وسط برودة الشاشات الزرقاء.

ولا ريب إن الإنسان لا يعيش بالإنجازت وحدها، بل يحتاج إلى لحظات صمت، يتأمل فيها ذاته، وإلى وجوه يقرأ فيها الطمأنينة، وإلى ذاكرة تحفظ له جذوره، وهو يعيش الحاضر، يتطلع نحو المستقبل.

وفي زحمة هذا الضجيج الصاخب، يتطلب الأمر تناغما متوازنا مع متطلبات العصرنة، بالاستفادة من انجازاتها الإيجابية، بما يعيننا على الحياة الكريمة، والتمسك في الوقت ذاته بقيم وتقاليد الموروث، التي تحفظ للإنسان أصالة روحه، ومعناه، ودفء وجوده.

فالعصرنة، مهما تعالى صخبها، ستبقى مجرد وسيلة للتطور، في حين أن الغاية الحقيقية هي أن يظل الإنسان إنساناً، بقلبه، ووجدانه، وحنينه، وقدرته الدائمة على صناعة الجمال، وسط ضجيج العصرنة الصاخب.

***

نايف عبوش

 

(وما أُنشِدَ الأشعارَ إلا تداويا).. قيس بن الملوح

الشعر هو فلسفة الحياة وروحها وديمومتها، والشاعر هو المبدع، هو الفيض السماوي الذي يأتي بهذا النزيف الشعري الجميل الذي لا يستطيع أحد إيقافه. كل الناس يشعرون، لكن الشاعر أكثرهم شعوراً وأحساساً، وشعوره فوق العادة؛ لذلك سُمي شاعراً.  وقديماً قيل إن لكل شاعر (شيطان) يعلّمه الشعر.

لقد أحسن الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي حينما قال:

«يموت الشاعر منفيّاً، أو مجنوناً، أو منتحراً»

فهو بهذا قد حدد موقف الشاعر من قضايا الحياة، سواء كان الشاعر من الشرق أو من الغرب.

فعندما اقتحم الجيش الإسرائيلي مدينة بيروت عام 1982م ، كان الشاعر اللبناني (خليل حاوي) يراقب المشهد من خلال نافذة شقته، فلم يتحمل الموقف؛ أطلق النار من مسدسه على رأسه ومات في الحال. لم ينتحر ضابط من الجيش اللبناني، ولا وزير أو مسؤول حكومي، بل انتحر شاعرٌ احتجاجاً

شعراء شباب رحلوا قبل أوانهم

ومما يلفت النظر في هذا الصدد أن شعراء من الشباب رحلوا عن الحياة مبكرين. فإن الهموم إذا تراكمت تصبح عبئاً ثقيلاً يستنزف الطاقات ويقصر الأعمار، فكيف إذا كانت هذه الهموم على أكتاف شاعر مرهف الإحساس؟ لذلك نراه يستسلم للموت طوعاً.

منهم من مات دون سن الأربعين:

إمثال:

رامبو

لوركا

شيللي

بوشكين

إبراهيم طوقان

بيرون

أبو فراس الحمداني

السياب

ابن هانئ الأندلسي

ومنهم من توفي دون سن الثلاثين:

امثال

الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي

الشاعر كيتس

أنواع الهموم

1- هموم الاضطهاد السياسي: كان الشاعر يمثل رمزاً وطنياً يقف ضد الظلم والطغيان والاستعباد، مناضلاً بالكلمة من أجل تحرير أبناء شعبه من كافة أشكال الهيمنة الأجنبية، يقف ضد سياسة الحكومات الديكتاتورية ويفضح ممارساتها القمعية، ويسعى إلى مكافحة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية. لهذه الأسباب ناصبته الحكومات الرجعية العداء فتعرض للمطاردة والسجون والتعذيب والنفي والاغتراب. ويزخر تاريخ الأدب العربي والعالمي بعدد كبير من الأسماء التي لا تزال نجوماً لامعة في سماء الإنسانية، أذكر منهم على سبيل المثال: الجواهري - محمد صالح بحر العلوم - عبد الوهاب البياتي - ناظم حكمت - بابلو نيرودا - محمد الماغوط - بوشكين - معروف الرصافي - لوركا: الشاعر الإسباني الذي أُعدم رمياً بالرصاص وهو يلقي إحدى قصائده أثناء الحرب الأهلية الإسبانية عام 1936م على يد عصابات الجنرال (فرانكو) فأصبح رمزاً للشاعر الشهيد.

ولا ننسى شعراء المهجر الذين تركوا بلادهم وهاجروا إلى الغرب بسبب السياسة العثمانية المتعجرفة التي كانت تحارب غير المسلمين فماتوا بعيداً عن أوطانهم... ولا ننسى كذلك شعراء المقاومة الفلسطينية الذين كان همهم مقاومة الاحتلال بالكلمة والقصيدة الثورية، فعانوا الإرهاب الإسرائيلي سجناً وتغريباً، وظلوا هكذا حتى رحلوا عن هذا العالم.

2- الهموم الاجتماعية: حيث عاش الكثير من الشعراء العرب والأجانب في ظل واقع معاش قاسٍ، وكان همهم الوحيد هو الخروج من دائرة هذا الواقع لكن الظروف كانت هي الأقوى، بالإضافة إلى عدم اكتراث السلطة بحياة المثقفين، فالسلطة في كل زمان ومكان هي مجرد (سلطة)... لقد كان الشاعر العراقي حسين مردان نموذجاً للشاعر الذي عاش حياة البؤس والتشرد والعوز، حتى إن معاصريه لقبوه بـ (ملك الصعاليك)، وفي بداية حياته الأدبية اعتنق الوجودية كغيره من الشعراء والأدباء العراقيين متأثرين بآراء (سارتر) والمفكر المصري (عبد الرحمن بدوي).

لم يجد حسين مردان له عملاً يضمن له العيش الكريم رغم أنه عمل مصححاً لغوياً في إحدى الصحف لكنه لم يوفق، حتى إن أحد أصدقائه كان يمنحه مبلغ (100) فلس لتمشية أموره اليومية، ولم يتزوج حسين مردان. وفي عام 1972م وُجد ميتاً في إحدى خرائب مدينة بغداد.

3- الهموم المرضية:

وسواء كانت هذه الأمراض جسدية أو نفسية فإن الشاعر العراقي بدر شاكر السياب يعد مجمعاً لها فالسياب فقد كان منذ طفولته يخاف من الظلام والليل، وقد اعترف في إحدى قصائده قائلاً:

هِيَ وَجْهُ أُمِّي فِي الظَّلَامْ

وَصَوْتُهَا، يتَزَلِقَانِ مَعَ الرُّؤَى حَتَّى أَنَامْ

وَهِيَ النخيل أَخَافُ مِنْهُ إِذَا ادْلَهَمَّ مَعَ الْغُرُوبْ

وقد أُصيب منذ صغره بالمرض الذي تطور إلى شلل أقعده عن المسير، فكان همه أن يُشفى من هذا المرض ويدخل على أهله بدون (عكاز) فقال:

عكازتي في الماء ارميها

واطَرَقَ الْبَابَ عَلَى أَهْلِي

أَنْ يَفْتَحُوا الْبَابَ فَيَا وَيْلِي

مِنْ صُدْفَةٍ مِنْ فُرْصَةٍ مِست حَوَافِيهَا

دَوَّامَةِ الْحُزْنِ

غَيْلَانُ يَا غَيْلَانُ عَانِقْ أَبَاكْ

ظلت هذه الصورة ترافق السياب حتى مماته عام 1964م

وهكذا كان الشاعر المصري (أمل دنقل) الذي عاش فقيراً ومات فقيرا مريضاً، وكانت حياته تشبه حياة السياب حتى إن المصريين لقبوه بـ (سياب مصر)، حيث أُصيب بمرض السرطان وتوفي عام 1983م

الشاعرة العراقية نازك الملائكة، وهي من أوائل الشعراء الذين كتبوا قصيدة الشعر الحر، كانت ذات تجربة شعرية تميزت بالكآبة، فقد كانت ترى الحياة عبارة عن مأساة وظلام، وكانت دائماً تشكو الآلام؛ فالدنيا في نظرها قاسية، والكون ذا لون قاتم، والحياة سوداء مثل الليل، والناس لا يسمعون ما تقوله، وقد عبرت عن هذه الأفكار في إحدى قصائدها فقالت:

لَا أُرِيدُ الْعَيْشَ فِي وَادِي الْعَبِيدْ

بَيْنَ أَمْوَاتٍ وَإِنْ لَمْ يُدْفَنُوا

جثث ترْسُفُ فِي أَسْرِ الْقُيُودْ

وَتَمَاثِيلُ احْتَوَتْهَا أَعْيُنٌ

آدَمِيُّونَ وَلَكِنْ كَالْقُرُود

وتجلس الشاعرة في محرابها لتناجي الليل فتقول:

جَلَسْتُ أُنَاجِي سُكُونَ الْمَسَاءِ

وَأَرْقُبُ لَوْنَ الظَّلَامِ الْحَزِينْ

وَأُرْسِلُ أُغْنِيَتِي فِي الْفَضَاءِ

وَأَبْكِي عَلَى كُلِّ مُكْتَئِبٍ غَبِينْ

وقد ظلت هذه الأفكار تطاردها حتى وفاتها في القاهرة عام 2007م

عُرف عن الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي أنه أُصيب بمرض القلب، وقد منعه الأطباء من كتابة الشعر ورقد في أحد المستشفيات، ويروي أخاه الرواية التالية فيقول: (طلب الأطباء من الشابي التوقف عن كتابة الشعر، وذات يوم كان نائماً وكان جبينه يتفصّد عرقاً، طلب مني إحضار قلم وورقة، فقلت له إن الأطباء نصحوك بعدم الكتابة، فردّ: هي مكتوبة في رأسي، والقصيدة هي (أرادة الحياة) وهي من أجمل قصائده.

وهكذا وصف شقيقه حالة الوحي الشعري عند أبي القاسم الشابي، فالشعر إلهام في مخ الشاعر لا يستطيع أحد إزالته

***

غريب دوحي

 

بدأت رحلة الكتابة قبل أكثر من خمسة آلاف عام في بلاد الرافدين، مهد الحضارات، حيث وجدت المجتمعات الأولى –السومريون تحديداً– أن الذاكرة البشرية لا تكفي لضبط شؤون الحياة الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة، فكانت الحاجة هي الدافع الأول؛ حيث بدأ الأمر برسومات بسيطة على ألواح طينية طرية لتوثيق كميات الحبوب والمواشي والمعاملات التجارية، وتطورت هذه الرموز التصويرية تدريجياً لتصبح "الكتابة المسمارية" التي تعتمد على علامات مسمارية الشكل، مما سمح ليس فقط بتسجيل الأرقام، بل بتدوين القوانين، والأساطير، والرسائل، وهي اللحظة التاريخية التي انتقل فيها البشر من عصر ما قبل التاريخ إلى عصر التاريخ الموثق، وبالتوازي مع ذلك، طور المصريون القدماء "الهيروغليفية" التي جمعت بين الصور والرموز الصوتية لتعبر عن عظمة حضارتهم وعقائدهم، ولم تتوقف المسيرة هنا، بل حققت الفينيقيون القفزة الكبرى باختراع الأبجدية، وهي نظام يعتمد على الحروف التي تمثل أصواتاً بدلاً من كلمات كاملة، مما جعل الكتابة أسهل في التعلم وأكثر مرونة في التعبير، ومن هذه الأبجدية انبثقت معظم اللغات التي نعرفها اليوم، فانتشرت في حوض البحر المتوسط لتصل إلى اليونان ومن ثم الرومان، ومع مرور العصور، تحولت الكتابة من ألواح طينية ثقيلة إلى ورق البردي، ثم الورق الذي انتقلت صناعته عبر طريق الحرير من الصين إلى العالم الإسلامي وأوروبا، مما مهد الطريق لثورة الطباعة التي جعلت الكتابة في متناول الجميع، ليتحول هذا الاختراع من أداة للمحاسبة بين التجار إلى أعظم أداة لتطور العقل البشري، إذ مكنتنا الكتابة من تراكم المعرفة عبر الأجيال، فلم يعد كل جيل مضطراً لإعادة اختراع العجلة، بل أصبح بإمكاننا الوقوف على أكتاف من سبقونا، وهكذا انتقلت الكتابة من كونها مجرد "نظام تدوين" إلى "مستودع للروح البشرية"؛ بها نحفظ تاريخنا، ونرسم مستقبلنا، ونؤكد وجودنا في هذا الكون، لتظل بحق أهم وأرقى اختراع في تاريخ الإنسانإن الكتابة ليست مجرد أداة لتسجيل الكلمات بل هي أهم اختراع على الإطلاق أبدعه العقل البشري، فهي المعجزة التي حررت الفكر من قيود الجسد والزمن وحولت الخبرة الإنسانية الفانية إلى تراث خالد، وبفعل هذا الاختراع العظيم أصبحت الكتابة صرخة إنسانية في وجه الصمت ومحاولة جريئة لتجميد اللحظات العابرة ومواجهة الفناء الحتمي، فنحن نكتب لنعاند النسيان ونترك أثراً يسبق وجودنا المادي ويستمر بعد رحيلنا كجسر ممدود نحو المستقبل يجعل عقول الموتى تتحدث إلينا بوضوح، كما أن الكتابة هي فعل تجسيد للوعي فالبشر كائنات تملك القدرة على مراقبة ذاتها وهي تفكر، وحين نمسك بالقلم نخرج من سجن اللحظة الآنية لنقف أمام أنفسنا كموضوع للملاحظة نختبر أفكارنا ونحول الفوضى الداخلية إلى منطق ملموس، وفي عالم نشعر فيه غالباً بضآلتنا أمام تقلبات الحياة تأتي الكتابة كفعل سيطرة يمنحنا السلطة على صياغة معنى ما نمر به، فنحن لا نغير الأحداث لكننا نغير علاقتنا بها ونحول آلامنا إلى قصة ذات مغزى وهذا هو جوهر الحرية الإنسانية، كما أنها وسيلة لتجاوز العزلة الوجودية والبحث عن أشباهنا في هذا العالم لنقول للآخر إننا نشعر بما يشعر به، وبذلك تصبح الكتابة جسراً ميتافيزيقياً يحاور الغائب والمجهول ويحاول كسر طوق الوحدة الكونية، إننا نكتب لنحرر أنفسنا من ثقل الألم ونضعه خارج أجسادنا، ونكتب لنحطم زيف الواقع ونقتحم بكلماتنا حدود الممكن، فنحن لا نكتب لأننا نملك وقتاً فائضاً بل لأننا نشعر أن حياتنا بتفاصيلها وحبنا وتأملاتنا تستحق ألا تضيع هباءً، ولعل رغبتي في نشر هذه الكلمات على صفحات  أي موقع او صحيفة  ليست مجرد سعي للانتشار بل هي انحياز واعٍ لتاريخ النضال الفكري والكلمة الحرة التي ظلت على مر العقود صوتاً لمن لا صوت لهم ومساحة تليق بأن تُودع فيها هذه التأملات حول أعظم ابتكارات العقل البشري، لتصبح جزءاً من حوار وطني وإنساني لا ينقطع، إنها رغبة في أن تلتقي كلماتي مع كافة القراء في الصحف والمواقع الالكترونية  لتكون امتداداً لرسالة الكلمة الصادقة التي تسعى دائماً لقول الحقيقة وتوثيق الوجود، فنحن في نهاية المطاف نكتب لنعرف من نحن ولنثبت أننا كنا هنا يوماً ما ولنترك أثراً يتردد صداه في وجدان الناس من خلال منبرٍ آمن بالكلمة كفعل حياة ومقاومة.

***

ئاريان علي

من السكون اللغوي إلى الخلود الحضاري.. الوقف بين الدلالة اللغوية والامتداد الحضاري

تُعدُّ اللغة العربية من أكثر اللغات ثراءً في الدلالة، إذ تتجاوز الكلمة معناها المباشر لتتسع آفاقها في ميادين الفكر والفقه والبلاغة والحضارة. ومن الألفاظ التي شهدت تطورًا دلاليًا واسعًا لفظ الوقف؛ فهو في أصله اللغوي يدل على الإمساك والمنع والثبات، ثم ارتقى في الاصطلاح إلى أن أصبح مؤسسة حضارية وقانونية أسهمت في بناء المجتمع الإسلامي وصيانة العلم والعمران والخير العام.

فالوقف في العربية ليس مجرد توقف عن الحركة، وإنما هو تثبيتٌ لشيءٍ وإدامةُ أثره، ولذلك اقترن في الثقافة الإسلامية بالخلود والبقاء، لأن الإنسان يرحل، بينما يبقى أثر وقفه شاهدًا على عطائه.

الوقف في المعاجم العربية

جاء في لسان العرب لابن منظور: وقف الشيءَ يقفه وقفًا: حبسه ومنعه من التصرف فيه. ويقال: وقف الدابة إذا أمسكها، ووقف الكلام إذا قطع جريانه، ووقف القارئ إذا سكت عند موضع من القراءة.

وفي تاج العروس للزبيدي: الوقف هو الحبس، ومنه وقف الدار والأرض، أي جعل أصلها ثابتًا ومنع بيعها أو هبتها.

أما الراغب الأصفهاني في مفردات ألفاظ القرآن فيربط الوقف بمعنى الثبات والإقامة، وهو معنى يتجاوز الحبس المادي إلى تثبيت الغاية.

ومن هنا نشأت العلاقة العميقة بين الوقف والدوام؛ فالوقف ليس تعطيلًا للشيء، بل تحريرٌ لمنفعته من الفناء.

الجذر اللغوي (و ق ف)

يرجع لفظ الوقف إلى الجذر الثلاثي (و ق ف)، وهو جذر غني بالمشتقات، منها:

وقف، يوقف، الوقوف، الموقف، الوقفة، التوقيف، الاستيقاف، الوقيف.

وكلها تدور حول معاني:

الثبات، السكون، المنع، الحبس، الانتظار، التحديد.، الإقامة.

ولهذا نجد القرآن الكريم يستعمل مشتقات الجذر في سياقات متعددة، منها قوله تعالى:

(وقفوهم إنهم مسؤولون) .

أي احبسوهم للحساب.

الوقف عند النحاة

اهتم النحويون بالوقف من جهة الأداء اللغوي، لأن الوقف يؤثر في المعنى والإعراب.

أولًا: مدرسة البصرة:

رأى البصريون، وعلى رأسهم سيبويه، أن الوقف ظاهرة صوتية تتطلب أحكاماً خاصة، منها:

تسكين أواخر الكلمات.

حذف بعض الحركات.

مراعاة انسجام الأصوات.

المحافظة على سلامة المعنى.

وكانوا يعدون الوقف جزءاً من النظام الصوتي للعربية، لا مجرد انقطاع في الكلام.

ومن أمثلة ذلك:

"جاءَ زيدٌ" تصبح عند الوقف: جاء زيدْ.

"رأيتُ محمداً" يقف عليها: محمدا بالألف.

وقد أفاض سيبويه في بيان أحكام الوقف وعدَّه من تمام الفصاحة.

ثانياً: مدرسة الكوفة:

أما الكوفيون، وفي مقدمتهم الكسائي والفراء، فقد كانوا أكثر مرونة، وراعوا اختلاف لهجات العرب، فأجازوا بعض صور الوقف التي لم يستحسنها البصريون.

وكانوا يرون أن السماع عن العرب أصلٌ من أصول الاحتجاج، ولذلك قبلوا صوراً متعددة للوقف بحسب اختلاف القبائل.

فإذا كان البصريون يميلون إلى القياس، فإن الكوفيين يميلون إلى الرواية والسماع.

الوقف عند علماء التجويد

أعطى علماء التجويد للوقف منزلة عظيمة، لأن تغير موضع الوقف قد يغيّر المعنى كله.

فقسموه إلى:

الوقف التام.

الوقف الكافي.

الوقف الحسن.

الوقف القبيح.

ومن أشهر الأمثلة:

لا يجوز الوقف على قوله تعالى:

(فويلٌ للمصلين) .

لأن المعنى لا يكتمل إلا بقوله:

(الذين هم عن صلاتهم ساهون)

فالوقف هنا يفسد المعنى.

ولهذا قال علماء الأداء:

الوقف الصحيح نصف المعنى.

الوقف عند فقهاء اللغة

انتقل مفهوم الوقف من الدلالة اللغوية إلى الدلالة الحضارية.

فالوقف عند الفقهاء هو:

حبس الأصل وتسبيل المنفعة.

أي يبقى الأصل ثابتًا لا يباع ولا يوهب ولا يورث، بينما تُصرف منافعه في وجوه الخير.

واستندوا إلى حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين أصاب أرضًا بخيبر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :

«إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها.»

فكان هذا الحديث أصل نظام الأوقاف في الإسلام.

الوقف وبناء الحضارة

لولا الوقف لما قامت كثير من:

المدارس.

المكتبات.

المستشفيات.

دور العلم.

الخانات.

السقايات.

الربط.

المساجد.

بل إن كثيراً من الجامعات الإسلامية الكبرى، مثل الأزهر والقرويين والزيتونة، اعتمدت قرونًا طويلة على الأوقاف.

فالوقف لم يكن صدقة عابرة، بل اقتصادًا اجتماعيًا دائمًا.

عين زبيدة: الوقف الذي صار نهرًا في الصحراء

إذا ذُكر الوقف الحضاري، حضرت عين زبيدة، وهي من أعظم مشاريع البر والإحسان في التاريخ الإسلامي.

وزبيدة بنت جعفر، زوج الخليفة زبيدة بنت جعفر، رأت ما يعانيه الحجاج من العطش في طريق مكة، فأمرت بشق العيون، وحفر الآبار، وبناء القنوات، وإنفاق الأموال الطائلة حتى وصلت المياه إلى مكة المكرمة.

ويروي المؤرخون أنها لما قيل لها إن النفقة عظيمة قالت:

اعملوا ولو كانت الضربة بالفأس بدينار.

فصار هذا المشروع وقفًا خالدًا، بقيت منافعه قرونًا طويلة، حتى أصبح مضربًا للمثل في الوقف الخيري.

إن عين زبيدة ليست مجرد قناة ماء، بل قصيدة حجرية كتبتها امرأة آمنت بأن الماء صدقة جارية، وأن العمر الحقيقي يقاس بما يتركه الإنسان من خير بعد رحيله.

شواهد من التراث

قال العرب:

العلمُ وقفٌ على طالبه، والمالُ وقفٌ على صاحبه إن أحسن توجيهه.

وقال بعض البلغاء:

ما وقف المالُ على الخير إلا نما، وما جرى في الشر إلا فني.

وقال المتنبي:

وخيرُ جليسٍ في الزمانِ كتابُ.

ولولا الأوقاف التي حبست الكتب والمكتبات لما وصل إلينا كثير من تراث الأمة.

الوقف بين اللغة والإنسان

ليس الوقف توقفًا، بل استمرار.

وليس حبسًا، بل إطلاقٌ للخير.

وليس منعًا، بل تحريرٌ للمنفعة من سلطان الزمن.

ولهذا استطاعت العربية أن تجعل من كلمة واحدة بناءً حضاريًا متكاملًا؛ فالجذر اللغوي الذي دلَّ على الإمساك أصبح في الفقه إمساكًا عن التملك، وفي الاقتصاد تنميةً مستدامة، وفي الأخلاق بذلًا دائمًا، وفي الحضارة ذاكرةً لا تشيخ.

خاتمة

لقد كشف مفهوم الوقف عن عبقرية العربية في توسيع الدلالة وربطها بالواقع؛ فانتقل من معنى الوقوف والسكون إلى معنى الخلود والبقاء. ولم يكن الوقف في الحضارة الإسلامية مجرد نظام فقهي، بل كان روحًا عمرانية وثقافية أنشأت المدارس والمستشفيات والمكتبات وسبل الماء، ورسخت قيم التكافل والمسؤولية الاجتماعية.

ومن هنا فإن الوقف، في أعمق معانيه، هو لغةٌ تحولت إلى حضارة، وكلمةٌ أصبحت عملاً، ودلالةٌ غدت أثرًا خالدًا؛ إذ لا يبقى من الإنسان بعد رحيله إلا ما أوقفه للخير، وما غرسه في الأرض من نفع، وما تركه في الناس من أثر جميل.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

دراسةٌ نحويةٌ وصرفيةٌ وإملائيةٌ ولسانية في ضوء آراء البصريين والكوفيين ورسم المصحف وفقه اللغة

تمتاز العربية بنظامٍ كتابيٍّ وصوتيٍّ بالغ الدقة، حتى إن اختلاف رسم حرفٍ واحد قد يفضي إلى اختلافٍ في الوظيفة النحوية أو الدلالة الصرفية أو الأصل الاشتقاقي. ومن أبرز الشواهد على ذلك التاءات الثلاث: تاء التأنيث الساكنة، والتاء المربوطة، والتاء المفتوحة؛ فهي ليست صوراً كتابيةً متقاربةً فحسب، بل هي أنظمةٌ لغويةٌ متكاملة، لكل واحدةٍ منها خصائصها الصوتية والصرفية والإعرابية والإملائية.

وقد أفاض أئمة العربية، من أمثال سيبويه، والفراء، والمبرّد، وابن جني، وابن مالك، وابن هشام الأنصاري، والسيوطي، في بيان وظائف هذه التاءات، كما اعتنى بها علماء رسم المصحف وفقه اللغة، وعدّوها من أدق أبواب العربية.

أولًا: تاء التأنيث الساكنة

تاء التأنيث الساكنة حرفٌ مبنيٌّ يلحق آخر الفعل الماضي للدلالة على أن فاعله مؤنث، وهي علامة صرفية لا محل لها من الإعراب.

ومن خصائصها:

لا تدخل إلا على الفعل الماضي.

تكون ساكنة في الأصل.

لا تُكتب إلا تاءً مفتوحة.

لا تتحول إلى هاء عند الوقف.

أمثلة

قالتْ مريمُ الحقَّ.

أشرقتْ الشمسُ.

نجحتْ الطالبةُ.

قال سيبويه إن هذه التاء من علامات المطابقة بين الفعل وفاعله، وهي دليلٌ على التأنيث لا غير، وليست ضميراً ولا اسماً.

أما الفراء، إمام المدرسة الكوفية، فقد وسّع دائرة الاحتجاج بالسماع، مبيناً أن العرب قد تحذف هذه التاء في بعض الضرورات الشعرية أو اللهجات، غير أن الأصل إثباتها.

شاهد قرآني

﴿قالتِ الأعرابُ آمَنّا﴾

فجاءت التاء علامةً لتأنيث لفظ الأعراب باعتبار الجماعة في هذا السياق.

ومنه أيضاً:

﴿وقالت امرأةُ فرعون﴾

فالتاء هنا علامةٌ صرفيةٌ خالصة.

ثانياً: التاء المربوطة

التاء المربوطة علامةٌ تلحق آخر كثيرٍ من الأسماء المؤنثة، وتُكتب (ة)، وتُنطق هاءً عند الوقف، وتاءً عند الوصل.

خصائصها

تختص غالباً بالأسماء.

تُنطق هاءً عند الوقف.

تُنطق تاءً عند الإضافة أو التنوين أو الوصل.

أمثلة

فاطمة.

شجرة.

مدينة.

مكتبة.

رحمة.

فنقول:

هذه رحمةٌ.

رحمةُ الله واسعةٌ.

وعند الوقف:

"رحمه".

ويرى ابن جني أن الوقف بالهاء دليلٌ على الأصل الصوتي للتاء المربوطة، وأن العرب قصدت التخفيف عند الوقف.

أما ابن مالك فعدّها من علامات التأنيث الغالبة، مع إقراره بأنها قد تلحق أسماءً مذكرةً سماعاً، مثل:

حمزة.

معاوية.

طلحة.

بل قد تأتي للمبالغة، نحو:

علّامة.

نسّابة.

رحّالة.

ثالثاً: التاء المفتوحة

التاء المفتوحة هي التاء التي تبقى تاءً في الوقف والوصل، وتُكتب (ت).

وتأتي في مواضع كثيرة، منها:

أولاً: جمع المؤنث السالم

معلمات.

مؤمنات.

صالحات.

ثانياً: إذا كانت التاء أصلية

بيت.

زيت.

صوت.

نبت.

ثالثاً: بعض الأعلام والأسماء

بنت.

أخت.

وقد نص المبرّد على أن التاء الأصلية جزءٌ من بنية الكلمة، فلا يجوز معاملتها معاملة تاء التأنيث.

- موقف المدرسة البصرية:

اعتمد البصريون القياس العقلي، ففرّقوا بدقة بين أنواع التاءات، ورأوا أن لكل واحدةٍ وظيفةً مستقلةً، وأن الخلط بينها يؤدي إلى فساد القياس.

ولذلك كانوا يشددون في تعليم قواعد الرسم والإملاء، ويربطونها بأصول الصرف.

- موقف المدرسة الكوفية:

أما الكوفيون فاعتمدوا السماع، ورأوا أن كثرة الاستعمال قد تُحدث تنوعاً في بعض الظواهر اللغوية، فقبلوا ما ثبت عن العرب ولو خالف القياس.

ولذلك نجد عندهم تفسيراً أوسع لبعض صور الرسم والوقف والإبدال.

- التاءات الثلاث في رسم المصحف:

يُعد رسم المصحف الكريم باباً مستقلاً من أبواب علوم القرآن الكريم، وقد احتفظ ببعض الرسوم التي تخالف الإملاء القياسي لحِكَمٍ تاريخية ورسمية.

ومن أشهر الكلمات التي كُتبت بالتاء المفتوحة في رسم المصحف مع أنها تُكتب اليوم بالتاء المربوطة:

رحمت.

نعمت.

امرأت.

سنت.

شجرت.

وذلك في مواضع مخصوصة من القرآن الكريم، اتباعاً للرسم العثماني، وهو رسمٌ توقيفي لا يُقاس عليه في الكتابة الإملائية الحديثة.

وقد أفرد علماء الرسم، مثل أبو عمرو الداني وابن الجزري، مصنفاتٍ لبيان هذه المواضع وأسرارها.

- فقه اللغة:

يرى فقهاء اللغة أن اختلاف التاءات شاهدٌ على تطور الكتابة العربية، وأن الرسم مرَّ بمراحل حتى استقر على صورته المعروفة.

وأشاروا إلى أن التاء المربوطة كانت في بعض مراحل الكتابة أقرب إلى الهاء، ثم تميز رسمها تدريجياً، محافظةً على الأصل الصرفي للكلمة.

كما يؤكدون أن دراسة التاءات الثلاث لا تقتصر على النحو والإملاء، بل تمتد إلى علم الأصوات، والصرف، وفقه اللغة، ورسم المصحف، واللهجات العربية القديمة.

- تطبيقات نحوية:

قالتْ زينبُ الشعرَ.

قالتْ: فعل ماضٍ مبني على الفتح.

التاء: تاء التأنيث الساكنة.

هذه مدرسةٌ كبيرةٌ.

مدرسة: اسم مؤنث مختوم بتاء مربوطة.

نجحت الطالباتُ المجتهداتُ.

الطالبات: جمع مؤنث سالم، وعلامة الجمع التاء المفتوحة.

المجتهدات: جمع مؤنث سالم.

بيتٌ واسعٌ.

التاء أصلية، وليست علامة تأنيث.

- أشهر الأخطاء الشائعة:

كتابة: مدرست والصواب: مدرسة.

كتابة: رحمه الله (في غير الإضافة)  والصواب: رحمة الله.

الوقف على "مدرسة" بقول: "مدرست" والصواب: "مدرسه".

كتابة: الطالباة  والصواب: الطالبات.

خاتمة:

إن التاءات الثلاث تمثل صورةً ناصعةً لدقة النظام اللغوي العربي؛ فهي تكشف عن التفاعل العميق بين الصوت والرسم والصرف والنحو والدلالة. وإذا كان البصريون قد جعلوا القياس أساساً لتفسيرها، والكوفيون قد وسّعوا مجال السماع في تحليلها، فإن الفريقين قد التقيا على أن هذه العلامات ليست حروفاً زائدةً لا وظيفة لها، بل مفاتيح لفهم بنية الكلمة العربية، وأدلة على عبقرية العربية في إحكام نظمها، حتى غدا اختلاف هيئة التاء الواحدة باباً واسعاً من أبواب العلم، يجمع بين النحو والصرف والإملاء وفقه اللغة ورسم المصحف، ويشهد بأن العربية لغةٌ لا يُدرك جمالها إلا من أحسن التأمل في دقائقها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

عند خط التماس بين دور الشؤون وحي البستان من مدينة الحرية، كانت تقع "مقهى أبو خالد". مقهى صغيرة يعرفها الجميع، لم تكن تتباهى بواجهاتها أو أثاثها، بل كانت تشبه روادها، متواضعة، مساحة ضيقة، ازدحمت بالقنفات الخشبية العتيقة المفروشة بالحصران المصنوعة من سعف النخيل، كانت تكفي بأن تؤوينا لساعات طويلة في كل الأوقات، بين القنفات توزعت كراسٍ حديدية ملساء بلون داكن كأنها تحفظ أسماء الجالسين عليها.

الهواء ثقيل داخل المقهى، دخان السگائر لا يصعد إلى السقف، بل يظل معلقاً فوق الرؤوس كسحابة واطئة تمتزج فيها رائحة الشاي الساخن ورطوبة الحصران، وأنفاس الرجال المتعبة بعد يوم شاق من العمل.

المقهى تستقبل الموظفين الصغار، المعلمين، الجنود في إجازاتهم القصيرة، العمال الذين يقتنصون ساعة راحة، والعاطلين عن العمل الذين صار الوقت عندهم أوسع من الأحلام، والمتسكعين الذين وجدوا في المقهى وطناً مؤقتاً لا يطالبهم بشيء سوى ثمن استكان شاي. الطاولات الخشبية العتيقة تضج بأحجار الدومينو وهي ترتطم بقوة، فيما تتعالى أصوات النرد في صندوق الطاولي، كأنها تعلن انتصاراً صغيراً يعوض خسائر الحياة الكبيرة. بعضها تمثل في تسفير روادها من الكرد الفيليين في سنوات التسفير الجائرة، أغلبهم كانوا أصدقاءً أعزاء لنا: جاسم چوبه، منير، رزاق شاشي، صباح كردي، اللاعب الفذ إبراهيم كردي، رستم عطا الله.

كنا فئة مختلفة قليلاً. شباباً نحمل الكتب، طلاب جامعة وإعدادية، نقرأ ونتحاور، بعضنا سجّل محاولته الأولى في كتابة قصة أو قصيدة أو مقالة. كان رواد المقهى ينظرون إلينا بشيء من الاحترام الغامض، يشاركنا الطاولة أحياناً مفوض المرور حميد لازم، ذات مساء، كان ينظر بدهشة لرواية الكاتب الأمريكي "ملفل"، موبي ديك، يقلب أوراقها، يتأمل غلافها. كان الصديق أحمد خلف قد وضعها على الطاولة بصفحاتها التي تتجاوز الستمئة، كان الزمن، نهاية الستينيات، وعيون لازم توحي بكلام يريد أن يقوله لأحمد، فنطق:

ـ أخي أحمد: لو بدأت بقراءة هذا الكتاب الآن، فلن أنتهي منه إلا عام 1980، فضجّ الجالسون بالضحك. بينما أعاد أحمد الرواية إلى حجره مبتسماً.

كانت تلك العبارة تكشف المسافة الوديعة بين عالمين، كان حميد وأشقاؤه يرون الحياة في ملاعب كرة القدم، فأغلب الأخوة يلعبون في منتخبات محلية، شأنهم شأن الصديق حميد جبر وأشقاؤه. أولئك كانوا من شباب الحي الأنيقين، تجمعهم الوسامة، وعشق الكرة، وجوه مشرقة طافحة بالأمل، ملامح تحمل براءة ذلك الزمن، يمثلون جيلاً جميلاً لا يعرف التعصب، ولا الجفاء. حين استعيد تلك الوجوه، لا أتذكر أسماءهم وحدها، بل أتذكر زمناً كان فيه الجمال يقترن بالفتوة وحسن التربية والأخلاق الرفيعة، لم أتعرف وقتها على شقيق حميد ـ الدكتور فيما بعد ـ الفنان المسرحي عزيز جبر الساعدي. كانت المقهى أكثر نقاءً وقدرة على أن تتحول إلى وطن صغير للجميع.2992 cafee

ثم وقعت هزيمة الخامس من حزيران سنة 1967.

كانت الحدث زلزالاً ضرب أرواح الناس. التحم الضجيج بالحزن والخيبات، يا هولها خسائر "الأمة العربية"، تغيرت الأغاني، وامتلأت نشرات الأخبار ببيانات الغضب، وأصبحت فلسطين حاضرة في كل حديث، حتى في أكثر المقاهي شعبية. اندفع شباب العراق بعاطفة جياشة نحو العمل الفدائي، وكأنهم يريدون أن يغسلوا عار الهزيمة بدمائهم. كانت أسماء الفصائل تتردد كما تتردد أسماء الأبطال في السير القديمة، وصارت أجهزة الراديو تبث الأناشيد الحماسية: يا أهلاً بالمعارك... ويلك يللي تعادينا ياويلك ويللللللل.. حنّا للسيف.. للسيف، حنّا للضيف !! ثم تقطعها فجأة بيانات عسكرية، أو نداءات غامضة تُلقى بلغة الشفرات.

في تلك الأيام كان ستار أكثر روّاد المقهى إثارة للانتباه.

شاب أسمر، رياضي طويل القامة، مفتول العضلات، منحوت القسمات كأنه خرج لتوّه من ملصق دعائي عن الفدائيين، يقضي معظم نهاره في المقهى، غارقاً في لعبة الطاولي. إذا نظرت إليه من بعيد خلت أنه مقاتل عاد لتوّه من جبهات القتال، أما إذا جلست إليه قليلاً أدركت أنه يعيش حلماً لم يستطع تحقيقه. وحياة أخرى في خياله

كلما انطلقت من المذياع أناشيد الثورة الفلسطينية، رفع رأسه في اعتداد. وإذا انقطع الغناء فجأة ليأتي صوت المذيع معلناً نداءً مشفراً:

"س + ص = 2356… تحت الجذر التربيعي، يسلم على مازن الترمذي".

ساد الصمت في المقهى لحظات.

كان ستار وحده من تتغير سحنة وجهه، يحدّق في الراديو بعينين متسعتين، يصغي كأن حياته معلقة بالنبرة الأخيرة، ثم إذا أعاد المذيع النداء، أغلق صندوق الطاولي بسرعة، فدوّى صوته الخشبي في المقهى لتلتفت إليه الرؤوس، ينهض قافزاً من مكانه، مشدود القامة وهو يصيح بثقة لا تعرف التردد:

"هذا النداء إليّ… لازم ألتحق بالجبهة"

ثم غادر مسرعاً، مخلفاً وراءه غباراً من الدهشة، يختفي لبضعة أيام، ثم يعود. يدخل المقهى مرفوع الرأس، تتقدمه ابتسامة المنتصر، كأن المعارك تنتظره وحده. نسأله:

ـ غبت طويلاً يا ستار؟

فيجيب بلا تردد:

ـ رحت نفذت عملية فدائية… ورجعت.

ثم يطلب استكان شاي، ويجلس إلى رقعة الطاولي،

لم يكن ستار مدعياً، بل كان ضحية زمن امتلأ بالشعارات الكبرى. كان يريد أن يكون بطلاً، لكن البطولة كانت بعيدة، لم يكن يملك سوى جسد يشبه أجساد المقاتلين، وخيال أوسع من حياته. وحين عجز الواقع عن منحه الدور الذي تمنّاه، كتبه لنفسه، ومثّله بإخلاص أمام جمهور يعرف الحقيقة، لكنه لم يشأ أن ينتزع منه حلمه الوحيد.

الصديق ستار، ذلك الشاب الذي كان يهرع كلما سمع نداءً مجهولاً في الراديو، مؤمناً، أو متظاهراً بالإيمان، أن الشفرة لا تنادي أحداً سواه.

ربما كانت تناديه فعلاً…لا إلى جبهة القتال، بل إلى جبهة أخرى، أكثر قسوة، يخوضها الإنسان حين يحاول أن ينتصر على هزيمته الشخصية، ولو بالخيال.

ويجعل من ستار رمزاً لجيل كان يبحث عن بطولة تعيد إليه كرامته.

ستار، شخصية رائعة خلقاً وأدباً، لديه اعتزاز بانتمائه الأسري والوطني، وهو شخصية تراجيدية في ذات الوقت. إنه ابن جيل كان يتمنى أن يجد طريقه بتوق صادق نحو البطولة. ورغبة جارفة في أن يكون له نصيب في غسل عار الهزيمة بعد نكسة حزيران، كان الشباب يعيشون حالة من الحماسة يسكنهم الخيال والاندفاع البريء. بعضهم قاتل فعلاً، وبعضهم قاتل في مخيلته. وستار ينتمي إلى الفئتين، بعد كل هذه السنين، صرت أعتقد أن الشفرة كانت تبحث عن رجل اسمه ستار، لا ليقاتل في فلسطين، بل ليمنحه الزمن، ولو لدقائق، البطولة التي ضنّ بها عليه الواقع.

هؤلاء هم الذين يصنعون الذاكرة الحقيقية للأمكنة

***

جمال العتّابي

هناك مشاعر لا تتسع لها الكلمات، وأحاسيس تعجز الحروف عن احتوائها، فتتقدم العيون لتؤدي دورها بوصفها اللغة الأصدق والأعمق. فكم من إحساسٍ بقي حبيس الصدر، حتى أفصحت عنه نظرة واحدة أبلغ من ألف عبارة.

يقولون إن للكلمات سحرًا، لكنهم يغفلون أن للعيون سحرًا آخر، لا يعرف الزيف ولا التصنع. فاللسان قد يجامل، وقد يخفي، وقد يتردد، أما العين فلا تجيد إلا الصدق؛ لأنها مرآة القلب ورسولة الروح.

في نظرة واحدة قد تسكن ألف حكاية، وقد يختبئ عمرٌ كامل من الفرح أو الوجع. هناك عيون تبتسم قبل الشفاه، وعيون تبكي وهي تتظاهر بالقوة، وعيون تنتظر لقاءً طال غيابه، وأخرى تودع أحبةً بصمتٍ يفوق الكلمات بلاغة. وما أعجب القلب؛ إذ يفهم رسالة العين قبل أن يصغي إلى همس الصوت.

يا من اشتقتُ إليه... حفظك الله، وأسعدك بقدر ما هزني الشوق، وبعدد ما حملت عيناي من الحنين إلى عينيك.

كم من محبة وُلدت من نظرة صادقة، وكم من خصام انتهى بدمعة سكنت طرف عين، وكم من اعتذار حملته نظرة خجولة، فعفا القلب قبل أن ينطق اللسان. فالعيون لا تحتاج إلى مترجم؛ لأنها تخاطب الأرواح بلغتها الخاصة، وتصل إلى حيث تعجز الكلمات عن الوصول.

وحين نلتقي بمن نحب، لا نسأل العيون ماذا تقول، لأننا نقرأ فيها الطمأنينة، ونرى في بريقها دفء المودة وصدق المشاعر. وحين يغيب الأحبة، تبقى العيون معلقة بالطرقات، تبحث عن ظلٍّ مرَّ يومًا، أو عن ابتسامة تركت أثرها في الذاكرة، وكأنها تؤمن أن كل لقاء يبدأ بنظرة قبل أن يبدأ بخطوة.

إن أجمل العيون ليست تلك التي أبهرت الناس بجمالها، بل تلك التي أراحت القلوب بصدقها، ومنحت الآخرين شعورًا بالأمان، وخاطبت الأرواح قبل أن تخاطب الأبصار.

ولطالما سمعت، في سنوات مضت، من يتحدث عن لغة العيون، وعن حكايات العاشقين التي لا يفهمها إلا من بلغ ذروة الحب. كنت أظنها مبالغات ينسجها الخيال، ولم أكن أومن بأن نظرة واحدة يمكن أن تحمل كل هذا المعنى.

ثم جئت أنت.

قلت لي يومًا إنك تحبني، وإنك تفهمني حتى عندما أصمت، وإن عينيَّ تقولان ما لا تستطيع الكلمات قوله. ابتسمت ساخرة، وعددت حديثك ضربًا من الخيال، ورفضت أن أصدقك.

لكنك لم تيأس. كنت، كلما التقت عيناك بعيني، تخبرني بما كنت أخفيه في داخلي، وكأنك تقرأ صفحات قلبي دون أن أنطق بحرف. كنت تقول بثقة: "لقد فهمت ما تقولينه من نظرة عينيك." فأبتسم ساخرة، وأمضي في طريقي، وكأن شيئًا لم يكن.

وفي ليلة هادئة، كنت أقف في شرفة منزلي، غريبةً في بلدٍ غريب، أرتشف قهوتي وأحادث صمتي. تسللت إلى ذهني كلماتك، وعادت إليَّ أحاديث أولئك الذين كانوا يؤمنون بأن للعيون لغة لا يفقهها إلا أصحاب القلوب.

تأملت طويلًا... وإذا بشعورٍ غريب يتسلل إلى داخلي، يقنعني، للمرة الأولى، بأنك ربما كنت على حق.

ومع مرور الأيام، اكتشفت أنني بدأت أفهمك دون أن تتكلم، وأقرأ ما في عينيك كما لو أنه كتاب مفتوح. أدركت أن تلك اللغة التي سخرت منها يومًا أصبحت لغتي أيضًا.

نعم... بدأت أفهمك بمجرد أن أنظر إليك.

وحينها فقط، أيقنت أن هناك لغة لا تُدرَّس، ولا تُكتب في القواميس، ولا تُترجم إلى كلمات؛ إنها لغة العيون، اللغة التي لا يتقنها إلا قلبٌ أحب بصدق، وروحٌ عرفت معنى اللقاء قبل الكلام.

حقًا... لعيون العاشقين قاموسها الخاص، الذي لا يقرأه إلا من كتب الحب في قلبه قبل أن يكتبه على الورق.

***

ذكرى البياتي

 

لا اخفي عن القارئ أنني محب للشعر القديم كلِف بقراءته وأحيانا حتى بحفظه، فقد أقرأ من نصوصه وأعيد قراءتها أحفظ منه البيت أو المقطع أو القصيدة التي تجذبني إليها سواء بمعانيها أو تراكيبها أو طرافتها حتى. ولذا فلا غرابة أن أقرأ شعر ليلى الأخيلية مرة بعد المرة، سواء كان الشعر إياه بيتا أو أبياتا، وقد أعود إلى ديوانها الجميل الصادر عن دار (صادر) ببيروت بتحقيق وشرح الدكتور واضح الصّمد، وهو ديوان في شاعريته لا تتفوق ربما عليه فيها إلا شاعرية طيبة الذكر الخنساء.

ما دفعني إلى الكتابة عن ليلى وحتى أكون صريحا وأمينا مع نفسي ليس علاقتها بالشاعر توبة بن الحميّر ولا مضامين شعرها ولا أسلوبها الجذاب اللامع في التناول ولا عفتها المشهود لها بها وإنما وصفها الذي جاء في بداية ديوانها. وهو لابن فضل الله العمري في كتابه "مسالك الأبصار".

يقول بن فضل الله في وصفه لليلى الأخيلية:

صاحبة توبة بن الحميّر: وشعرها غاية لا ينقصه كونها أنثى، ولا ينغصه إن شكت إلى صاحبها بثّا، وكانت تصافيه ودادها، وتوافيه ولا تمل تردادها. وكان بها كلف جوى لا ينهه العتاب، ولا يشبهه جمر البرق المتوقد في جنبي السحاب. وكانت شاعرةً لسِنة، ونادرةً لا تنفض عن أهدابها السِّنة. وكانت امرأة طويلة القامة، جميلة الوسامة، صقيلة الخد، على أعلى جبينها شامة،تنظر بعين جؤذر من ظباء رامة، وتفترّ عن أقاحٍ جلته عيدان البشامة، وتستر الضجيع كأنه بائت في ليل تهامة".. انتهى كلام ابن فضل الله العمري.

ليلى الأخيلية شاعرة عربية عرفت بجمالها وقوة شخصيتها وفصاحتها عاصرت صدر الإسلام والعصر الأموي، عرفت بعشقها المتبادل مع توبة بن الحميّر. وكان يوصف بالشجاعة ومكارم الأخلاق والفصاحة. وكان اللقاء عند الكبر عندما كانت ليلى من النساء اللواتي ينتظرن الغزاة، وكان توبة مع الغزاة فرأى ليلى وافتتن بها. وهكذا توطدت علاقة حب عذري بينه وبينها. ولكن رفض والد ليلى كان عائقاً في زواجهما.

وليلى الأخلية هي التي قالت في الحجاج بن يوسف الثقفي:

أحــجاج لا يــفلل ســلاحك إنــما

الــمنايا بــكف الله حــيث تــراها

إذا هــبط الحجاج أرضاً مريضة

تــتــبع أقــصــى دائــها فــشفاها

شفاها من الداء العضال الذي بها

غـــلام إذا هـــز الــقــنا ســقاها

ســقاها دمــاء الــمارقين وعــلها

إذا جــمحت يــوماً وخفيف أذاها

إذا ســمع الــحجاج صوت كتيبة

أعــد لــها قــبل الــنزول قــراها

ولما ا نتهت من إلقاء أبياتها أمر لها الحجاج بجائزة سنية، وقال:

لله ما أشعرها!. وليلى كانت تفخر بقبيلتها فهي التي تقول:

نــحن الأخــايل لا يزال غلامنا

حتى يدب على العصا، مشهوراً

تــبكي الــرماح إذا فــقدن أكفنا

جــزعاً، وتعرفنا الرفاق بحوراً

وفاتها:

كانت ليلى راجعة من سفر، وقد قالت لقومها ما علمت على توبة من كذبة، وفي ذلك السفر عرجت على قبر توبة لتسلم عليه، وهي تتذكر أبياته المشهورة فيها:

ولــو أن لــيلى الأخــيلية ســلمت

عــلــي ودونــي تــربة وصــفائح

لــسلمت تــسليم الـبشاشة أو صاح

إليها صدى من جانب القبر صائح

وأغــبط مــن لــيلى بــما لا أنــاله

ألا كــل مــا قرت به العين صالح

وكانت بجانب القبر بومة فلما رأت الهودج فزعت وطارت في وجه الجمل، الأمر الذي أدى إلى اضطرابه فرمى ليلى على رأسها وماتت في نفس الوقت ودفنت بجانب قبر توبة.

اللهمّ أدِمْ علينا فضلك ونعمتك.

***

مصطفى معروفي

يمكن أن نحدد بداية الأدب التونسي الحديث بصدور جريدة - الرائد التونسي - الرسمية سنة 1860م  ثم بظهور مجلة السعادة العظمى لصاحبها الشيخ محمد الخضر حسين سنة 1904م وبصدور هذه المجلة أضحى الأدب التونسي مسايرا للحركات الأدبية العربية خاصة بعد صدور مجلة ـ العالم الأدبي ـ لصاحبها زين العابدين السنوسي فقد برزت في المشهد الثقافي على مدى السنوات الأولى من ثلاثينيات القرن العشرين إذ ظهرت على صفحاتها أسماء جديدة ستكون علامات راسخة في المشهد الأدبي ومن بعدها ظهرت مجلة ـ المباحث ـ قبيل الحرب العالمية الثانية لصاحبها الأديب محمد البشروش لكنها لم تعمر طويلا بسب اندلاع الحرب ووفاته أيضا فتجدد صدورها بعده على يد محمود المسعدي سنة 1944 فظهرت على صفحاتها كوكبة أخرى من الأدباء المتأصلين في الثقافة التونسية والمتفتحين على الثقافة الفرنسية ومن بعدها ظهرت مجلة - الثريا - التي واصلت التعريف بالثقافة الوطنية وفي منتصف الخمسينيات أنشأ محمد مزالي مجلة - الفكر - التي استطاعت بفضل تواتر صدورها سنوات طويلة أن تكون المرآة العاكسة لمختلف التعبيرات الأدبية في تونس بعد الاستقلال لأنها جمعت أغلب الأقلام شعرا وقصة ونقدا جيلا بعد جيل ثم في مطلع الستينيات من القرن العشرين أصدر مجموعة من أساتذة كلية الآداب بتونس  مجلة  - التجديد - من بينهم منجي الشملي وصالح القرمادي لكن سرعان ما احتجبت  ثم ظهرت  عن كلية الآداب بتونس مجلة - الحوليات التونسية - التي تنشر المقالات المعمقة وما تزال مستمرة الصدور  وظهرت إثرها مجلة - قصص - المختصة في نشر القصة القصيرة وقد أصدرها نادي القصة برئاسة محمد العروسي المطوي وفي آخر الستينيات ظهرت مجلة - ثقافة - ببادرة من سمير العيادي عن دار الثقافة ابن خلدون  لكنها لم تصدر إلا أعدادا قليلة وفي منتصف سنوات السبعين من القرن العشرين ظهرت مجلة - ألف - التي لم تعمر طويلا وعندما  تولى محمود المسعدي  وزارة الثقافة صدرت مجلة - الحياة الثقافية - سنة 1975 فكانت حدثا ثقافيا بارزا لدى الأدباء وغيرهم من الباحثين والجامعيين وخاصة لدى الذين لم تجد نصوصهم المجال فسيحا للنشر بالقدر المرضي في مجلتي - الفكر - و قصص - وغيرهما حيث أن فرص النشر وإمكانياته كانت قليلة وغير يسيرة بالنسبة للأقلام الشابة والجديدة التي تخالف السائد والتي لا تساير التوجهات العامة وحتى إن تمكنت من نشر بعض نصوصها المارقة شكلا أو ومضمونا فهو الاستثناء الذي يؤكد القاعدة وقد استبشرنا بصدور هذه المجلة بالرغم أنها برعاية الدولة لأن المسؤول الأول فيها هو الوزير المثقف والمبدع محمود المسعدي وقد رأينا أنها ستنافس مجلتي الفكر وقصص وستجد فيها الأقلام الفضاء الذي لم يجدوه في تينك المجلتين على جلال منزلتهما عندهم

لا أتذكر كيف تناهى إلى علمي أن وزارة الثقافة حينذاك دعت مختلف الأقلام إلى مد المجلة بنصوصهم فكنت من الذين لبوا الدعوة وكم ابتهجت عندما قرأت قصيدتي بعنوان - الكف - ضمن العدد الأول مع الشعراء الميداني بن صالح ومحي الدين خريف ومحمد الحبيب الزناد ومازلت أتذكر أن هذا العدد قد نشر كذلك دراسة عن اللغة العربية لهشام بوقمرة ومقالة عن مراحل الأدب العربي في تونس لمحمد العروسي المطوي وبحثا عن الموسيقى لصالح المهدي أما في القصة فأتذكر منها قصصا لرضوان الكوني وعمر بن سالم ويحي محمد .

لقد كان العدد الأول من مجلة الحياة الثقافية في تونس إضافة متميزة ومنبرا ثقافيا آخر يعرف بما تزخر به البلاد من مواهب في مختلف الفنون فقد وجد الفن التشكيلي هو أيضا صفحات من المجلة تواكب المعارض وتعرف بمسيرة أعلامه كما اشتملت المجلة على المقالات الفكرية والتاريخية والاجتماعية وحتى على الترجمات وغيرها وهذا ما جعلها مجلة ثقافية متنوعة وفتحت صفحاتها لكثير من الأقلام العربية مشرقا ومغربا وصارت مقروءة على نطاق واسع بحيث وصل توزيعها إلى الجزائر والمغرب في بعض السنوات .

رغم مسيرة خمسين سنة لم تشهد المجلة اِستقرارا يجعلها منتظمة الصدور وواسعة الانتشار ناهيك على المحافظة على شكلها وإخراحها لذا أرى بصفة أكيدة ان لابد تنبثق لها إدارة خاصة تعتني بجمع المواد وقراءتها وترتيبها في الأعداد القادمة وتشرف على طباعتها وحسن توزيعها وتسهر على خلاص مكافآت الكاتبين فيه فهذا التنظيم الإداري بات ضروريا كي لا تتحول مجلة الحياة الثقافية إلى نشرية داخلية محدودة الانتشار .

 إن الإجراءات الجديدة التي تفاجأنا بها ومن بينها ضرورة السماح للكاتب من طرف إدارة وظيفته أو عمله أن ينشر فيها وأن يتحمل مصاريف المصادقة على عقد النشر وتسجيله في القباضة المالية قبل نيله المكافأة المالية الزهيدة هي إجراءات غريبة عجيبة حقا… !ا

 فالمطلوب إذن من وزارة الثقافة أن تراجع هذه الإجراءات البيروقراطية غير المناسبة للنشر في المجلة بل يمكن اِعتبارها قيودا للكتابة والإبداع وإذلالا للأدباء

وبهذه المناسبة مناسبة خمسينية هذه المجلة وفي غمرة الإجراءات الجديدة لا يمكن أن ننسى تحية إكبار ووفاء لكل من ساهم في بعثها وعمل على إصدارها والكتابة فيها وكذلك لكل قرائها ومتابعيها وتحية مساندة واعتزاز لمن يواصلون رغم التحديات المختلفة مسيرة هذه المجلة - مجلة الحياة الثقافية – التونسية

***

سُوف عبيد ـ تونس

قراءة في رواية "الأشياء التي ننقذها سيأتي يومٌ وتنقذنا".. هل ما ننقذه اليوم هو الذي سينقذنا غدًا؟

أغلقت الرواية، لكن سؤالها ظل مفتوحًا في داخلي: هل حقًا ما ننقذه اليوم، من أشياء أو أشخاص أو حتى لحظات، سيعود يومًا لينقذنا؟ وهل كل ما نمنحه للحياة من اهتمام ورعاية يظل حيًا، ينتظر لحظة يعود فيها إلينا؟

هكذا تأخذنا لورينزا في رحلة روحية نتأمل فيها الحياة بكل ما فيها من سحر وجمال، حيث تتحول الأشياء البسيطة إلى كنوز، بواسطة حقيبة تحملها ابنة السادسة والعشرين، التي خبرت الحياة في حصنٍ منعزل، وتدربت تدريبًا عسكريًا في انتظار كوارث عصيبة تحدق بهم، وتعلمت كيف تواجه عواصف الحياة بقارب مصنوع من أبسط الأشياء وأكثرها إنسانية.

وفي منعطفٍ حاسم، تهرب إلى المدينة، إلى منزل جدتها، وإلى عالم جديد، لتبدأ رحلة مختلفة؛ رحلة البحث عن نفسها، حيث تعرف نفسها قائلة:

“أنا لست سوى واحدة تصلح الأشياء… كل الأنواع؛ أثاث، بلاعات، أشخاص… أي شيء يمكن إصلاحه.”

ترسم الكاتبة لوحة فنية آسرة، تعيد فيها “جيا” الحياة لكل الأشياء التي يمكن إنقاذها؛ كرسي مكسور، صحيفة مهملة، إناء متسخ. وبأدواتها، وكأنها تحمل ريشة سحرية، تعيد إليها رونقها وألوانها، فتراها تتراقص أمامك بالحياة.

لكنها لا تعيد الحياة للأشياء بيديها فقط، بل بالإنصات إليها أيضًا.

“الإنصات إليهم طريقة لإعادتهم إلى الوجود.”

فكانت تنصت لكل ما حولها؛ تسمعه فتمنحه فرصة أخرى للحياة. اللوحة، والمنظر، والخزانة، والجار الصامت، والطفل الهارب، والعجوز القلق… وكأن كل ما في هذا العالم يحتاج فقط إلى من يصغي إليه.

وتعيدك الرواية لتؤمن بأن رفرفة جناح فراشة في أقصى الشرق قد تُحدث فيضانًا في أقصى الغرب. فبتفاصيلها الصغيرة المبهرة، تدفعك ألف مرة إلى التفكير: كيف يمكن أن ننقذ هذا العالم المتهالك بأبسط الأشياء؟

تفكر بالأكياس البلاستيكية المتكدسة، وتتخيل أثرها على هذا الكون الفسيح. تنظر إلى الطعام المصنَّع الرخيص، وإلى الأريكة المتهالكة التي خططت للتخلص منها، فتبدأ بالإنصات إليها، وكأنها تستنجد بك لتعيد لها الحياة. وتبدأ تفكر في إعادة التدوير، وعن قيمة القديم، ومعنى أن نمنح الأشياء عمرًا جديدًا بدلًا من استبدالها.

ومواجهة الحياة بكل عقباتها وعواصفها تعيد تشكيل الإنسان من جديد. فبعد أن كانت البطلة تؤمن بما لقنها إياه والدها، تصل إلى قناعة مختلفة تمامًا:

“معنى أن نعيش ليس أن نبعد الموت قليلًا كل يوم، ولكن أن ننسى وجوده، ولو للحظة واحدة، حتى نستطيع أن نؤمن بالحياة حقًا.”

غير أن أكثر ما أربكني في الرواية لم يكن حديثها عن الأشياء، بل عن نفسي.

جعلتني أعيد النظر مرارًا: هل ما فعلته كان خطأ؟ وأين موقع فكرة “في التخلي تجلٍّ” في هذه الرواية؟

لقد تعلمنا من كتب سحر الترتيب أن نتخلص من كل ما هو زائد ولا يُستخدم. وبما أنني مهووسة بفكرة التخلي، فأنا أقوم كل عام تقريبًا بفرز كل ما أملك من أثاث وملابس وكتب وتحف. تخلصت من دروع التكريم، وشهادات الشكر التي كانت تضج بها مكتبتي، وكذلك دفاتري، وأشرطة الكاسيت، وأشرطة الفيديو، والأقراص المدمجة، والكروت، والتحف.

لكن الرواية دفعتني إلى سؤال لم أطرحه على نفسي من قبل:

هل كل ما لا نستخدمه أصبح بلا قيمة؟

أم أن بعض الأشياء لا تستمد قيمتها من فائدتها، بل مما تختزنه من ذاكرة، ومن حياة، ومن أثر لا يتكرر؟

ثم امتد السؤال إلى البشر: هل ما ننقذه من الأشخاص ينقذنا؟

هل، كما يقال، إن الصدقة تدفع البلاء من هذا الباب؟ أم أن المفهوم أعمق من ذلك؛ وأن ما نمنحه للآخرين من حياة، وأمان، ومساعدة، وجبر خاطر، ينعكس علينا في وقت الضعف، حين نجد أنفسنا هشّين، حزانى، غرباء؟ في تلك اللحظات، ربما تكون الدعوات الخفية التي زرعناها في قلوب الآخرين هي التي تسندنا، وتدعمنا، وتعيد إلينا الحياة.

وهذا ما خبرته عن قرب.

كنت أحتفظ بالرسائل المميزة التي عبّر فيها أصحابها عن مواقف خاصة، ومشاعر صادقة، وعما أنقذناه في حياتهم. لم أكن أدرك آنذاك لماذا كنت أحتفظ بها، لكنني أدركت لاحقًا أنها لم تكن مجرد رسائل، بل كانت حياةً مؤجلة عادت إليّ حين احتجتها.

وحين مررت بلحظات ضعف، كنت أعود إليها، فأشعر أن الكلمات التي خرجت يومًا من قلوب صادقة كانت هي التي تعيد إليّ شيئًا من قوتي، وتذكرني بأن الخير لا يضيع، وأن الأثر الجميل يبقى، ثم يعود إلى صاحبه في الوقت الذي يكون فيه بأمسّ الحاجة إليه.

وهكذا تقلبت بين صفحات الرواية، وكأنني أقلب صفحات حياتي، حتى وصلت إلى قولها:

“الحياة لا تكتفي بشيء واحد، بل ترغب في كل شيء. لا يمكن أن نتجنب العراقيل، ولا أن نفكر في أننا لن نفشل أبدًا، لكن محدوديتنا هي ثراؤنا؛ فهي تخبرنا عمّن نكون، وإلى أين يمكننا الوصول إذا تحلينا بالشجاعة. تحكي قصتنا، وتساعدنا في كتابة ما تبقى منها. نخطئ أحيانًا لنحمي أنفسنا، وأحيانًا أخرى لنجد لأنفسنا مكانًا، لكن في كل الأحوال، الأهم أن يكون كل منا موجودًا من أجل الآخر.”

وأغلقت الرواية، لكن سؤالها بقي مفتوحًا.

ربما لا يكون ما ننقذه كرسيًا مكسورًا، أو إناءً قديمًا، أو قطعة أثاث أعطيناها عمرًا جديدًا.

ربما يكون إنسانًا، أو ذكرى، أو كلمة، أو لحظة يأس أعدنا فيها الأمل إلى قلب أحدهم.

حقًّا، أعلم الآن أن تلك هي الأشياء التي تنقذنا.

***

منى الصالح

 

النص الإبداعي، كما هو معروف، لا تستولده ذهنيةٍ باردة، وهو ليس مجرد رصف ٱلي للكلمات طبقا لقواعد البلاغة واللغة، وانما هو وليد لحظة انقداحٍ وجداني متوهجة، يتفاعل فيها الحس المرهف، والمشاعر المتوجهة، والأفكار المتألقة، لتنثال عندئذ، ومضة تعبيرية، تجسد حالة إنسانية حية عاشها الكاتب، أو استشعرها بوجدانه.

فالإبداع الحقيقي يبدأ من حس مرهف، يلتقط ما لا يحضر عند الكثيرين، من لحظة فرحٍ خاطفة، أو وجعٍ عابر، أو مشهدٍ عالقٍ في الذاكرة، أو تأملٍ عميقٍ في تفاصيل وقائع الحياة، حيث تنساب الكلمات تلقائياً في صورة انثيالٍ تعبيري، يحمل حرارة الشعور، قبل جمال الصياغة، عندما تبلغ الأحاسيس ذروة التفاعل.

وهكذا فإن النص الابداعي لا يُقاس بطوله، ولا بكثرة مفرداته، وانما يقاس بقدرته على ملامسة القلوب، وإثارة التساؤلات، واستفزاز التأمل. وبذلك قد تكون بضعة أسطر، أبلغ أثراً من صفحاتٍ طويلة، طالما أنها كُتبت في لحظة صدقٍ كامل، بين الكاتب ووجدانه.

ولذلك فإن النصوص التي تعلق طويلاً في ذاكرة القراء، هي تلك التي خرجت من القلب قبل أن تسطر على الورق. فالكلمة الصادقة تمتلك طاقةً كامنة متوهجة، تتجاوز حدود اللغة، بملامستها التجربة الإنسانية المشتركة، حيث يشعر القارئ عندئذ، أن الكاتب يعبّر عما كان يجول في خاطره، دون أن يجد له لفظاً.

على أنه ليس المقصود بالانثيال التعبيري، أن يكون النص عفوياً، خالياً من الصنعة، بل المقصود، أن تظل الصنعة في خدمة المشاعر، لا أن تطغى عليها، بحيث يتمكن الابداع أن يجمع بين حرارة الحس، وجمال التشكيل، وبين صدق الفكرة، وبلاغة العبارة.

وهكذا يظل النص الإبداعي ومضةً تنقدح من أعماق الوجدان، ثم تتوهج بالكلمة، لتكون رسالةً إنسانيةً تحمل نبض حس صاحبها، ومن ثم تاخذ طريقها إلى وجدان كل قارئ يمتلك حساً مرهفاً، ويتفاعل مع صدق الحس، وبلاغة التعبير.

***

نايف عبوش

عشرة أفلام استشرفت مستقبل الإنسان والذكاء الاصطناعي

لطالما كانت السينما مرآةً تعكس أحلام الإنسان ومخاوفه تجاه المستقبل، ولم يكن هناك رمزٌ أكثر حضورًا في هذه الرحلة من الروبوتات والذكاء الاصطناعي. فمنذ أن بدأت الثورة الصناعية تعيد تشكيل العالم، راودت البشرية تساؤلات عميقة حول حدود التقدم التقني، وما إذا كانت الابتكارات التي نصنعها ستصبح يومًا ما قوةً تخدم الإنسان أم تتجاوزه. وقد طرحت الكاتبة ماري شيلي هذه الإشكالية مبكرًا في روايتها الخالدة "فرانكشتاين" عام 1818، لتفتح الباب أمام قرون من التأملات الأدبية والفلسفية حول العلاقة بين الإنسان وما يبتكره.

ومع تسارع التطور العلمي، انتقلت هذه الأسئلة من صفحات الكتب إلى الشاشة الفضية، حيث تحولت الروبوتات إلى شخصيات رئيسية في عشرات الأعمال السينمائية التي لم تكتفِ بإبهار الجمهور، بل ناقشت قضايا الهوية والوعي والحرية والمسؤولية، وتنبأت في كثير من الأحيان بما أصبح اليوم جزءًا من واقعنا التقني.

يأتي فيلم "متروبوليس" (1927) في مقدمة هذه الأعمال بوصفه أحد أعظم كلاسيكيات السينما الصامتة والخيال العلمي. أخرجه فريتز لانغ، وقدم رؤية مستقبلية قاتمة تدور أحداثها في مدينة تنقسم فيها الطبقات الاجتماعية بين نخبة مترفة وعمال يعيشون في عزلة وقهر. وفي هذا العالم، تتحول الروبوتات إلى أدوات للسيطرة والتلاعب بالجماهير، في عمل ترك أثرًا عميقًا في تاريخ السينما حتى أدرجته اليونسكو ضمن سجل التراث الوثائقي العالمي.

وعندما انطلقت ملحمة "حرب النجوم" (1977)، لم تكن الروبوتات هي محور القصة، لكنها أصبحت جزءًا لا يتجزأ من عالمها الواسع. فإلى جانب الصراع بين الخير والشر، والعلاقات الإنسانية المعقدة، لعبت الشخصيات الآلية دورًا محوريًا في إثراء هذا الكون السينمائي، حتى غدت بعض الروبوتات من أشهر الشخصيات وأكثرها حضورًا في ذاكرة الجمهور.

وفي عام 1982، قدم فيلم "بليد رانر" رؤية فلسفية استثنائية للمستقبل، مستلهمًا رواية فيليب ك. ديك الشهيرة "هل تحلم الأندرويدات بالخراف الكهربائية؟". تدور الأحداث في مدينة لوس أنجلوس المستقبلية، حيث يُكلف محقق بمطاردة مجموعة من الكائنات المصنعة بيولوجيًا التي تكاد لا تختلف عن البشر. لكن الفيلم لا ينشغل بالمطاردة بقدر ما يغوص في أسئلة الوعي والهوية والذاكرة، ويطرح تساؤلًا جوهريًا: ما الذي يجعل الإنسان إنسانًا؟

وبعد عامين فقط، جاء "المدمر" (1984) ليصبح أحد أشهر أفلام الحركة والخيال العلمي في التاريخ. يحكي الفيلم قصة روبوت قاتل يعود من المستقبل لتنفيذ مهمة تغير مجرى التاريخ، في عالم تهيمن عليه منظومة ذكاء اصطناعي تعرف باسم "سكاي نت". وقد أسهم هذا العمل في ترسيخ الصورة الشعبية للروبوت بوصفه تهديدًا وجوديًا، ورسخ المخاوف من مستقبل قد تنقلب فيه الآلات على صانعيها.

أما فيلم "روبوكوب" (1987)، فقد مزج بين الحركة والنقد الاجتماعي بطريقة لافتة. إذ يروي قصة الشرطي أليكس مورفي الذي يعود إلى الحياة بعد تعرضه لإصابة قاتلة، لكن في هيئة إنسان آلي يجمع بين الجسد الميكانيكي وبقايا الوعي البشري. ومن خلال هذه الشخصية، يناقش الفيلم قضايا المجتمع، والرأسمالية، وفقدان الهوية، ويقدم استعارة مؤثرة عن تراجع الصناعة الأمريكية وتحول الإنسان إلى مجرد أداة داخل منظومة اقتصادية قاسية.

وفي مطلع الألفية الجديدة، قدم ستيفن سبيلبرغ فيلم "الذكاء الاصطناعي" (2001)، الذي يعد من أكثر أعماله حساسية وإنسانية. تدور أحداثه في مستقبل متأثر بتداعيات التغير المناخي، حيث يُصنع طفل آلي يدعى ديفيد ليكون قادرًا على منح الحب وتلقيه. حيث يحاول هذا الطفل أن يجد مكانه في عالم البشر، يثير الفيلم أسئلة مؤلمة حول المشاعر، والانتماء، وحدود العلاقة بين الإنسان والآلة، في معالجة فلسفية تتجاوز الخيال العلمي إلى التأمل في الطبيعة الإنسانية نفسها.

وفي فيلم "أنا، روبوت" (2004)، تصبح الروبوتات جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية في عام 2035، حيث تتولى معظم الأعمال والخدمات. غير أن محققًا يشك في براءة هذه المنظومة بعد وفاة غامضة لأحد أبرز العلماء، لتتكشف أمامه أسرار تعيد طرح السؤال الأزلي: ماذا يحدث عندما تتجاوز الآلات حدود الطاعة، وتبدأ في اتخاذ قراراتها الخاصة؟

أما فيلم "هير" (2013)، فقد اقترب بصورة لافتة من واقعنا الحالي. تدور قصته حول رجل وحيد يتعلق بنظام تشغيل ذكي يمتلك شخصية وصوتًا ومشاعر تبدو حقيقية إلى حد بعيد. وما كان يبدو خيالًا علميًا عند عرض الفيلم أصبح اليوم موضوعًا للنقاش مع التطور الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ يطرح العمل تساؤلات عميقة حول طبيعة العلاقات الإنسانية، وإمكانية تعلق الإنسان بكيان غير بشري، والفاصل الدقيق بين الواقع والوهم.

وفي الفيلم الألماني "الرجل المثالي" (2021)، تتخذ الفكرة منحى أكثر هدوءًا وإنسانية. توافق عالمة على المشاركة في تجربة تقضي بأن تعيش ثلاثة أسابيع مع روبوت، ويعيد الفيلم النظر في طبيعة العلاقات الإنسانية التي لا تقوم على المثالية، بل على العيوب والمفاجآت والتجارب المشتركة.

ويختتم فيلم الرسوم المتحركة "أحلام الروبوت" (2023) هذه الرحلة بنبرة دافئة ومؤثرة. ففي نيويورك الثمانينيات، يصنع كلب وحيد روبوتًا ليكون رفيقه وصديقه، لتنشأ بينهما علاقة إنسانية عميقة تتناول الصداقة، والوحدة، والفقد، والحنين. وبرغم بساطة أسلوبه، استطاع الفيلم أن يقدم واحدة من أكثر القصص تأثيرًا عن العلاقة بين الإنسان والآلة، فنال ترشيحًا لجائزة الأوسكار، وفاز بجائزة غويا لأفضل فيلم رسوم متحركة وسيناريو مقتبس.

تكشف هذه الأعمال، على اختلاف أزمنتها وأساليبها، أن الروبوتات لم تكن يومًا مجرد آلات تتحرك على الشاشة، بل كانت وسيلة فنية لاستكشاف أعقد الأسئلة التي تشغل الإنسان. فهي تضعنا أمام تساؤلات عن الحرية والوعي والحب والأخلاق، وتدعونا إلى التفكير في مستقبل قد يصبح فيه الخط الفاصل بين الإنسان والآلة أكثر ضبابية من أي وقت مضى. ولعل أعظم ما حققته هذه الأفلام أنها لم تكتفِ بتخيل المستقبل، بل ساعدتنا على فهم حاضرنا، واستشراف التحديات التي تنتظر البشرية في عصر الذكاء الاصطناعي.

***

محمد إبراهيم الزموري

منذ سنوات، لا تزال كلمةٌ عالقة في ذهني قالها الكاتب غيث البطيخي: إن كنت أذكر اسمه جيدًا – خلال دورة عن القراءة على منصة إدراك. قال ما معناه: عندما تقرأ، قد تجد بين صفحات الكتب حياتك. وربما تجد فيها ما يعينك على فهم نفسك، أو يخفف عنك حيرتك، أو يرشدك إلى كيفية التعامل مع مواقف الحياة.

ومنذ أن اتسعت القراءة في حياتي، أدركت أن بعض الكتّاب يكتبون بصدقٍ عجيب، حتى يخيل إليك أنهم اطلعوا على أعماق نفسك. ترى أفكارك، وتساؤلاتك، ومخاوفك، وانفعالاتك، وكأنها سكنت صفحات كتبهم قبل أن تسكن قلبك.

وربما تكون رحلة التغيير طويلة، ولكن أليس السير بخطوات صغيرة خيرًا من البقاء في المكان نفسه؟ أنا لا أقصد التغيير الاقتصادي أو الاجتماعي، بل ذلك التغيير الأعمق: تغير الإنسان في داخله.

من أنت عندما تخلو بنفسك؟ كيف تفكر؟ كيف تتعامل مع انفعالاتك؟ إلى أي حد تتعاطف مع ذاتك، ومع الآخرين؟ وكيف تصنع أفكارك صورتك عن العالم؟

ومنذ أيام، بينما كنت أقرأ بعض كتب سمية الناصر، استوقفتني فكرة عبّرت عن أمر قد نمارسه دون أن ننتبه إليه؛ أننا قد ندور في الدائرة نفسها لأننا ألفنا متعة الألم. نعتاد دور الضحية، وننتظر من ينتشلنا من الحزن أو الملل أو رتابة الأيام، بينما يمر العمر من حولنا.

وفي غمرة هذا الانتظار، قد نفوّت على أنفسنا دهشة الحياة؛ منظر غروب، أو نسمة صباح، أو شجرة تهتز مع الريح، أو كتاب يفتح نافذة جديدة في أرواحنا.

بل إن أجمل متعة قد نهملها هي أن نجعل من أفكارنا حديقةً داخلية؛ نغرس فيها ما ينفع، ونسقيها بالمعرفة، ونشذب أغصانها، ونقتلع منها كل ما يعيق نموها.

ولعل هذا المعنى يلتقي مع هدي النبي ﷺ حين قال: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها». فما دام في الإنسان نفسٌ يتردد، فثمة غرسٌ يستحق أن يُغرس، سواء في الأرض أو في القلب.

فشتان بين من يعيش أسير متعة الألم، ومن يختار أن يتذوق متعة الأمل؛ فالأولى تستنزف العمر، أما الثانية فتزرع في الروح حياةً جديدة، ولو بدأت بخطوة صغيرة.

*** 

نجمة الدرويش 

حسب تجربتي المتواضعة في الشعر لا أرى أن هذا الأخير ينحصر في الموهبة فقط، والتي يظن البعض أنه يمتلكها وأن الموهبة إياها هي النبراس الذي على ضوئه يقود خطاه في خوض غمار ميدان طالما تهيبه أحيانا حتى العارفون به المدركون لخطورته. فالشعر لم يكن أبدا يسعف المرء بامتلاكه الموهبة وحدها. وبالمناسبة أتذكر إحداهن وأنا في حوار معها حينما سألتها كيف جاءت إلى الشعر فقالت لي بالحرف:

الشعر هو الذي اختارني.

فأجبتها على الفور:

ـ الشعر لا يختار أحدا، إنما الشعر معاناة وبحث دؤوب عن المسلك المؤدي إليه.

لذا فعلى الشخص أن يقرن الموهبة عنده بالدراسة لكي يتم صقل هذه الموهبة، وإلا فلن يكون شاعرا، فدراسة الشعر والاطلاع على كيفية خوضه وتناوله لا بد منها، فادعاء الموهبة في الشعر هو ادعاء فارغ خال من المعنى إذا لم يستند إلى ما يدعمه من الدرس والتحصيل وسبر أغوار الشعر وهضم ميكانيزماته التي يتوقف عليها تحقيقه في الواقع.

ثم هناك الإحساس العميق بالمواضيع التي يطرقها الشاعر ويعيشها معايشة واعية حتى يحس في قرارة نفسه بأنه تأثر بها، ثم من بعد ذلك يقوم بنقل إحساسه وتأثره إلى القارئ بأسلوبه الخاص به وهو الشيء الذي يتجلى بوضوح في الممارسة، بحيث نرى أخيرا في هذا الاسلوب تتلاقى الموهبة والدراسة والممارسة.

في رأيي الشخصي أرى الشعر غواية، وهو ما يمكن أن يقال عن هذا الفن الأدبي الجميل، وهذه الغواية قد تتسبب في مشاكل لصاحبها تظهر في علاقاته مع نفسه بالأحرى، ومع أقربائه وحتى مع الناس.

***

مصطفى معروفي

بقلم: ناعومي كاناكيا

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم

***

هناك مجموعة من الكتب التي ربما سمعتَ عنها من قبل. هذه هي الكتب التي أشاد بها الأساتذة والنقاد، والتي ذُكرت في عدد لا يُحصى من الخطابات والمقالات. وفي المدرسة، غالبًا ما ادّعى أساتذتك أن هذه الكتب من بين أعظم الأعمال الأدبية في العالم. أتحدث هنا عن نصوص مثل رواية موبي ديك لميلفيل، وكبرياء وهوى لجين أوستن، وآنا كارنينا لتولستوي، والإلياذة والأوديسة لهوميروس، والفردوس المفقود لميلتون، والجحيم لدانتي، ودون كيخوته لسيرفانتس، ونحو مئة أدب آخر - معظم الناس سمعوا بهذه الكتب، ومعظمهم لديهم أفكار مسبقة عنها. (يُشار إلى هذه النصوص مجتمعةً باسم "الكتب العظيمة").

إن أمثالي ممن يعشقون الكتب العظيمة، غالبًا ما يساورهم القلق من أن يكون لدى عامة الناس انطباع سلبي عن هذه النصوص الكلاسيكية. نخشى أن يعتقد عامة الناس أن الكتب العظيمة أداة للهيمنة البيضاء.

وهذا صحيح؛ فهذا الاعتقاد موجود بالفعل لدى بعض القراء. لكن عندما أتحدث مع الناس عن الكتب العظيمة، لا يقولون عادةً: "أوه، هذه الكتب عنصرية". بل غالبًا ما يقولون شيئًا من قبيل: "لطالما نويتُ قراءتها".

لماذا لا يفعلون ذلك؟

إذا تعمقتُ في الأمر، أجد أن هذه العناوين تُثير فيهم مشاعر الخجل والنقص. الأشخاص الذين أتحدث معهم، أصدقائي وزملائي، عادةً ما يكونون مثقفين للغاية. إنهم كُتّاب وأساتذة ومثقفون. ليسوا مجرد قراء نهمين، بل هم أيضًا أشخاص ترتبط قيمتهم الذاتية بحبهم للكتب.

لكنهم يخشون الخوض في روائع الأدب.

غالبًا ما يكون هذا الخوف متجذرًا في تجارب سلبية من الجامعة أو بداية مرحلة الشباب. ربما درستَ مقررًا عن هنري جيمس، وشعرتَ بملل شديد من رواية "أجنحة الحمامة". أو ربما حاولتَ قراءة الإلياذة، لكنك لم تستطع استيعاب قائمة الملوك التي لا تنتهي وسفنهم السوداء الطويلة. مع مرور الوقت، ازداد شعورك بالخجل من قلة قراءتك، فأصبح الأمر مؤلمًا، شيئًا لم تعد ترغب في التطرق إليه. والآن تشعر أن الوقت قد فات. القراءة الجادة حكرٌ على دارسي الأدب الإنجليزي، وعلى حاملي شهادات الدكتوراه. إنه مخصص للأشخاص ذوي الشخصية القوية، والمتغطرسين، والمثقفين.

لا أحد يتفهم هذه المشاكل أكثر مني. فأنا ما زلت أشعر بعدم الثقة. أكتب نشرة إخبارية عن روائع الأدب، وكل أسبوعين تقريبًا يُلمّح أحد المعلقين الحاصلين على الدكتوراه إلى أنني قارئة ضعيفة. يقولون إنني لا أفهم الكتاب الذي قرأته، وأن معناه سيكون واضحًا لو كنتُ على دراية بما قاله ف. ر. ليفيس عنه قبل ستين عامًا. أو يقولون إنني لا أقرأ بشكل صحيح، وأن عليّ أن أتقبّل غموض مقطع معين، وأن غموضه الظاهري هو في الواقع جزء أساسي من التأثير الذي قصده مؤلف العمل؛ ليس من المفترض أن تفهمي.

أحيانًا، على الرغم من حدة اللهجة، تُحسّن هذه التعليقات فهمي للنص؛ وفي أحيان أخرى، تُجرح مشاعري.

هذا النوع من التفاعلات لا مفر منه عند قراءة روائع الأدب. أولًا، لقد قضى كثيرون حياتهم في دراسة هذه الكتب، وكتبوا العديد من الدراسات المتخصصة عن كل منها. لذا، أي سؤال قد يتبادر إلى ذهنك حول عمل أدبي معين، من المرجح أنه نوقش مرارًا وتكرارًا. وأنت، كقارئ غير متخصص، غالبًا ما تفتقر إلى الوقت والقدرة على البحث عن تلك المناقشات السابقة، فتشعر في النهاية وكأنك عاجز عن فهم هذا الكتاب الضخم.

ثانيًا، تحمل هذه الكتب دلالات ثقافية عميقة: فإذا فهمت أرسطو، فأنت ذكي. وإذا أحببت بروست، فأنت ذو ذوق رفيع. وإذا انسجمتَ مع تي. إس. إليوت، فأنت حساس. والناس يتوقون حقًا للشعور بأنهم أذكياء، وذوو ذوق رفيع، وحساسون. لا يقتصر الأمر على ارتباط صورة الذات لدى الكثيرين بالكتب التي يحبونها، بل غالبًا ما يرتبط رأس مالهم الثقافي والاجتماعي بكونهم قراءً متميزين ؛ فهناك الكثيرون، وأنا منهم، ممن حوّلوا "كونهم قراءً متميزين" إلى نفوذ كبير على الإنترنت. وهذا يعني أن هناك أهمية بالغة لمسألة من يستحق الفضل في الفهم الحقيقي للكتب العظيمة.

لقد كانت تلك المخاطر هي السبب وراء شعوري بالاستياء تجاه هذه الكتب. في فترة مراهقتي في واشنطن العاصمة، كنتُ أعشق روايات الخيال العلمي والفانتازيا. كنتُ أرى أن أعمال إسحاق أسيموف وروبرت هاينلاين هي ذروة الأدب، وكنتُ أطمح بشدة لكتابة روايات على هذا النهج. لكنني كنتُ أعلم أن هذه الكتب لا مكان لها في مادة اللغة الإنجليزية.

التحقتُ بمدرسة كاثوليكية ذات طابع ديني رفيع وصرامة شديدة. كان شعارنا اللاتيني " (السلام من خلال الحكمة). كنا نُلقَّن باستمرار أن هدفنا هو أن نصبح مهذبات وأن نكتسب الفضائل المسيحية. كان علينا دراسة اللاتينية لخمس سنوات، حيث كنا نقرأ أعمال شيشرون، وكاتولوس، وأوفيد، وفيرجيل بلغتها الأصلية. وفي حصص اللغة الإنجليزية، كنا نقرأ "كبرياء وهوى" وأعمال "تي. إس. إليوت".

لم أُحقق نتائج جيدة في تلك الحصص. كنتُ أشعر بالملل من هذه الكتب. لم يكن هناك أي رابط بينها وبين روايات الخيال العلمي التي كنتُ أعشقها حقًا. في إحدى السنوات، بينما كنتُ في إجازة مع عائلتي في الهند، عثرت أمي على نسخة من رواية "ذهب مع الريح" في مكتبة لبيع الكتب المستعملة في جايبور، وأخبرتني أنها رواية جيدة جدًا؛ فقد استمتعت بها في مراهقتها أثناء نشأتها في الهند. التهمتُ الرواية، وقرأتها في غضون أيام قليلة. كنتُ فخورة بنفسي جدًا: ها أنا ذا أقرأ رواية حائزة على جائزة بوليتزر، عملًا روائيًا تاريخيًا واقعيًا. عدتُ بعد الصيف متحمسة للحديث الى أستاذ اللغة الإنجليزية عن هذه الرواية الرائعة التي قرأتها، فقال: "أوه، أعتقد أن هذا مثال رائع على الأدب الشعبي".

بعد ذلك، قلتُ لنفسي: "حسنًا، يبدو أنه لا سبيل لإرضاء هؤلاء". هذا العالم مليء بالمعايير التي تحدد الكتب القيّمة من غيرها، ولا سبيل لفهم هذه المعايير، فلماذا القلق إذًا؟

وبالمثل، في الجامعة، حضرتُ بعض دروس اللغة الإنجليزية، لكنها جميعًا اعتمدت على أسلوب غريب في القراءة، وهو القراءة المتأنية، حيث تُضغط على النص وتتظاهر بوجود معنى ما، لم يكن موجودًا في نظري. لم أستطع فعل ذلك. في كل مرة أكتب فيها بحثًا، كان الأستاذ يقول: "لماذا لا تجربين القراءة المتأنية؟" لكن هذا بالضبط ما كنتُ أظن أنني أفعله.

لذا لم أُكلف نفسي عناء ذلك. ومن ثم تخصصتُ في الاقتصاد بدلًا من ذلك.

في هذه الأثناء، كنتُ أكتب قصصي الخيالية العلمية. كنتُ أحلم بأن أصبح كاتبةً مرموقة، وأن يقول الجميع: "نعومي تفعل شيئًا مميزًا حقًا. إنها تُجسّد العظمة". إنها قصة طويلة، ولكن عندما بدأتُ أخيرًا بقراءة روائع الأدب، كنتُ قد تخرجتُ من الجامعة، وقرأتُ هذه الكتب سرًا، دون إخبار أحد. لقد استبطنتُ شعورًا بالخجل، وشعرتُ، بشكلٍ غريزي، وكأنني لستُ الشخص المناسب. كانت هذه الكتب مخصصة لأشخاص آخرين - من نوعية دارسي الأدب الإنجليزي - ولو بدأتُ الحديث عن الكلاسيكيات، لكنتُ سأُعرّض نفسي للسخرية.

عندما كنتُ أقرأ بمفردي، لم تكن هناك حاجة للقراءة المتأنية. لا حاجة لكتابة الأبحاث. لا حاجة لإثبات نفسي لأحد. بدلًا من ذلك، كان بإمكاني أن أُمعن النظر في ردود أفعالي. كان بإمكاني أن أسأل نفسي: "هل أستمتع بهذا حقًا؟" بعض الكتب، لم أستمتع بها في قراءتي الأولى. شعرتُ بالملل الشديد من رواية موبي ديك عندما قرأتها لأول مرة في الخامسة والعشرين من عمري. لو أُجبرتُ على كتابة بحثٍ حول هذا الموضوع، لكنتُ رسبتُ في المهمة. لكن لحسن الحظ، لم يكن ذلك ضروريًا. من الكتب الأخرى التي أحببتها: عشقتُ رواية "آنا كارنينا" عشقًا جمًا. منذ الصفحة الأولى، انغمستُ تمامًا في عالم ليفين وآنا وفرونسكي. وشعرتُ بصدق صراعهم، داخل عالمهم، من أجل عيش حياةٍ طيبة، حياةٍ ذات معنى - صراعهم بين السعي وراء مغامرةٍ رومانسية أو حياةٍ رتيبةٍ برجوازية - وأنا في الخامسة والعشرين من عمري. لقد خاطبتني الرواية مباشرةً بطريقةٍ لم أقرأ مثلها من قبل.

مع مرور الوقت، علّمتُ نفسي كيف أقرأ روائع الأدب. لم أكن بحاجةٍ إلى أساتذة. لم أكن بحاجةٍ إلى الكثير من التوجيه الخارجي. قرأتُ هذه الكتب كما أقرأ أي شيءٍ آخر: انغمستُ في عالم النص، وعشتُ التجربة بكل تفاصيلها. لا أبحاث. لا نقاشات. لا داعي لإجبار نفسي على قراءة كتابٍ لا أرغب فيه، فإذا لم يُناسبني، أتركه. أحيانًا أعود إليه بعد خمس أو عشر سنوات، وأحيانًا لا. أفهم بعض الأمور جيدًا، وأخرى بشكل سيء، وبعضها لا أفهمه إطلاقًا. وهذا أيضًا لا بأس به.

هذه الطريقة في القراءة، التي يُطلق عليها الأساتذة "القراءة العامة"، تختلف تمامًا عن الطريقة المُعتادة لتدريس الأدب الكلاسيكي. وأرى أن القراءة العامة تُقدم مزايا عديدة للشخص العادي، مقارنةً بالقراءة الأكاديمية. في كتاباتي، أُشيد عمومًا بالقراءة العامة، التي أعتقد أنها طريقة غير مُقدّرة حق قدرها للتفاعل مع الأدب الكلاسيكي.

ولا يعني هذا أن القراءة الأكاديمية لا قيمة لها. لكن القراءة الأكاديمية مُخصصة للمُختصين، أليس كذلك؟ إذا كنت أستاذًا للأدب الإنجليزي أو حاصلًا على درجة الدكتوراه في العلوم الإنسانية، فلديك طريقة مُتخصصة في القراءة، تمامًا كما أن سائق سيارة السباق لديه طريقة مُتخصصة في القيادة. لكن حتى سائق سيارة السباق لا يقود بسرعة 150 ميلاً في الساعة عندما يوصل طفله إلى المدرسة. وبالمثل، بالنسبة لمعظم الناس، وفي معظم المواقف، تكون القراءة العامة أكثر فائدة من القراءة المتعمقة كوسيلة للتفاعل مع النصوص.

مع ذلك، لم تكن القراءة العامة هي الطريقة التي تعامل بها الناس، تاريخياً، مع روائع الأدب الكلاسيكي.

في الماضي، كان تعلم الأدب الكلاسيكي وسيلة للترقي في الخدمة المدنية والمهن الأكاديمية. لقرون، كان الالتحاق بجامعات هارفارد أو أكسفورد أو كامبريدج يتطلب اجتياز اختبار إتقان اللغتين اللاتينية واليونانية. كان من الضروري معرفة هاتين اللغتين الكلاسيكيتين قبل حتى الالتحاق بالجامعة.

كذلك كان الوضع مماثلاً في الصين؛ إذ كان امتحان الخدمة المدنية في الأساس اختباراً لقدرتك على تفسير النصوص الكونفوشيوسية الكلاسيكية.

أما في الهند، كانت المعرفة الكلاسيكية حكراً على طبقة البراهمة. فإذا لم تكن من البراهمة، لم يكن هناك سبيل لتعلم السنسكريتية، ولا حتى للوصول إلى المعرفة القديمة.

لحسن الحظ، أصبح هذا الوضع من الماضي. لم يعد من الضروري معرفة الكتب العظيمة للالتحاق بجامعة هارفارد، أو إدارة شركة، أو أن تصبح أستاذاً جامعياً، أو الكتابة في مجلات مرموقة، أو القيام بأي شيء آخر ترغب فيه. الأشخاص الوحيدون الذين يحتاجون فعلاً إلى معرفة بعض أجزاء الكتب العظيمة هم طلاب العلوم الإنسانية، وحاملو شهادات الدكتوراه في العلوم الإنسانية، وأساتذة العلوم الإنسانية. أما بالنسبة للآخرين، فمعرفة الكتب العظيمة اختيارية؛ كما أنها لا تحمل بالضرورة مكانة اجتماعية مرموقة. قلّما تجد مجالس تتعرض فيها للسخرية لعدم معرفتك بأفلاطون.

ومع ذلك، يبقى الشعور بالخجل قائماً. إنه شعورٌ بالخزي المتأصل، أشبه بالعار، وهو، من وجهة نظري، أكبر عائقٍ أمام تفاعل الناس بجدية مع هذه الكتب في أيامنا هذه.

ويزداد هذا الخزي سوءًا لأننا نميل غالبًا إلى تناول هذه الكتب في قاعات الدراسة. فبيئة الجامعة تُرسّخ التسلسل الهرمي. في القمة، نجد الأساتذة الذين درسوا هذه الكتب طوال حياتهم ولهم الكلمة الفصل. وفي القاع، نجد الطلاب، الذين هم كالعجين الخام، يُراد توجيههم وتشكيلهم.

أعلم أن النقاشات الصفية على غرار الندوات تهدف إلى قلب هذا التسلسل الهرمي، لكنني لم أختبره بهذه الطريقة قط. لطالما شعرتُ، في قاعة الدراسة، وكأنني أُستَغَلّ فحسب. صحيح أن لكل شخص الحق في إبداء رأيه، لكنك تعلم أن الأستاذ هو الخبير الحقيقي، والحكم المطلق في المعنى.

إنه تناقضٌ نراه حتى في محاورات أفلاطون. فهناك حوارٌ في مينون، حيث يُصرّ سقراط على أن كل المعرفة ضمنية. الجميع يعلم كل شيء لأن المعرفة لا تنبع من التجربة المباشرة، بل من فهمنا البديهي. فالمعرفة ببساطة هي تذكر ما نعرفه مسبقًا. ولتوضيح ذلك، يستدعي سقراط غلامًا لم يتلقَّ تعليمًا، ويوجهه عبر أسلوب سقراط في طرح الأسئلة، حتى يستنتج منه نظرية فيثاغورس. لكن... لم يُذكر اسم العبد حتى. إذا كان الجميع يعلم كل شيء حقًا، فلماذا يُفضَّل سقراط على العبد؟

لماذا نحتاج إلى مُعلِّم أصلًا؟

وبالمثل، انتشرت هذه الأيام كتبٌ تُروِّج لفكرة أن من الضروري أن يطّلع عامة الناس على روائع الأدب الكلاسيكي. ويندرج عملي ضمن هذا السياق. لكن هذه الكتب التي تُدافع عن العلوم الإنسانية عادةً ما يكتبها أساتذة جامعيون، وتتناول صراحةً تعليم الفنون الحرة. على سبيل المثال، كتاب "إنقاذ سقراط" لروزفلت مونتاس هو دفاع عن المنهج الأساسي لجامعة كولومبيا. حيث يختتم مونتاس كتابه بالقول:

إنّ الحجة الأساسية لهذا الكتاب هي أن يكون التعليم الليبرالي هو التعليم المشترك للجميع، لا بديلاً عن التعليم العملي، بل شرطاً أساسياً له. مع أنني أُحبّذ تخصصات العلوم الإنسانية، وكنتُ أحد طلابها، إلا أنني لا أدعو إلى زيادة عدد الطلاب الذين يتخصصون في العلوم الإنسانية، بل إلى أن يكون التعليم الليبرالي أساساً لكل تخصص. علينا - وأعني بذلك أعضاء هيئة التدريس والإداريين في الجامعات - أن نُزيل التكاليف البديلة للتعليم الليبرالي من خلال دمجه في كل برنامج دراسي جامعي.

في جوهره، يُعدّ كتاب مونتاس وثيقة سياسية، إذ يدعو الجامعات الأخرى إلى زيادة مقررات الأدب الكلاسيكي.

لكن هذا النهج يتعامل مع "قراءة الكتب العظيمة" كمرادف لـ "دراستها في الجامعة". وبهذه الرسالة، أنت تُنفّر ملايين الأشخاص المهتمين بالأدب، والذين يخشون أن يكون الوقت قد فات، وأنّ الأدب الكلاسيكي سيبقى بعيد المنال عنهم إلى الأبد، لأنهم لم يحصلوا على التعليم المناسب.

نعم، هناك دورات تعليمية مستمرة يُمكن الالتحاق بها، ومحاضرات عبر الإنترنت يُمكن الاستماع إليها. لكن الرسالة التي تنقلها الكثير من الكتابات حول هذا الموضوع هي أن التعلم الذاتي أقل شأناً بكثير، وأقل أهمية بكثير. وأنك إذا لم تتعلم على يد أستاذ، فقد فاتتك فرصة عظيمة.

أعتقد أن الكثيرين يشعرون بهذا تجاه الكتب العظيمة: لماذا أقرأها إن لم أستطع امتلاكها؟ لماذا أقرأها إن كان ما أتعلمه سيُعتبر دائمًا أدنى شأنًا، ليس فقط في نظر الآخرين، بل في نظري أيضًا؟

أرى أن معظم الناس لديهم فضولٌ ما تجاه الكتب العظيمة، وقد تساءلوا أحيانًا عما إذا كانت هذه النصوص الكلاسيكية تستحق القراءة حقًا.

وأفترض أنك قد اطلعت خلال حياتك على الكثير من الخطابات الرنانة حول قوة القراءة وقوة العلوم الإنسانية. أنا متأكدة أنك تعلم أن القراءة مفيدة.

يدرك معظم الناس أن القراءة مفيدة، وأن قراءة الكتب الكلاسيكية أفضل. لكننا ندرك أيضًا أن الكتب العظيمة ليست الأشياء الجيدة الوحيدة. شريكتي حاصلة على شهادة دكتوراه في الطب ودكتوراه في الفلسفة، وهي أستاذة في علم المناعة، وتدير مختبرًا مخصصًا لإيجاد علاج لفيروس نقص المناعة البشرية وأحب أن أمزح قائلة إننا نحمل شهادتي دكتوراه معًا. وهي لا تقرأ كثيرًا للمتعة. من الصعب الاعتراض على رأيها بأن إيجاد علاج لفيروس نقص المناعة البشرية أفضل من قراءة رواية آنا كارنينا. فمعظمنا لديه الكثير من الأمور التي يمكنه القيام بها، وليس من غير المعقول أن يعتقد المرء أن قراءة روائع الأدب ليست أفضل استثمار لوقته.

نعم، قراءة الأدب الكلاسيكي أمر يستحق الاهتمام. لكن ممارسة الرياضة، والتواصل الاجتماعي، والتأمل، والسفر، وتكوين الصداقات، والبحث عن الحب ، كلها أمور جيدة أيضاً. فأين تقع قراءة روائع الأدب الكلاسيي في هذا السياق؟ وما مدى جودتها؟

لهذا السبب أشدد كثيراً على أهمية القراءة لغير المتخصصين. لأن معظم الناس يعتقدون أن قراءة روائع الأدب أصعب بكثير مما هي عليه في الواقع. وهذه الصعوبة المتصورة هي التي تمنع الناس من القيام بها ؛ وليس بسبب أية شكوك حول قيمة هذا العمل.

عندما يسألني الناس عما إذا كان عليهم قراءة هذه الكتب، لديّ إجابتان. الأولى هي: "لماذا لا ترغب في قراءة كل هذه الكتب القديمة الشهيرة التي سمعت عنها طوال حياتك؟"

الإجابة الثانية هي أن الكتب العظيمة تشترك في صفة واحدة: النزاهة. فهي تتسم بالصدق المطلق في تناولها لأي موضوع. وهذا يعني أنه حتى عندما تُرجّح كفة أحد الرأيين، فإنها عادةً ما تُقدّم حججًا مقنعة للرأي الآخر.

***

* مقتبس من كتاب "ما الذي يُميّز الكتب العظيمة؟ لماذا عليك قراءة الأدب الكلاسيكي (حتى وإن كان سيُدمّرك)" لناعومي كاناكيا.

ناعومي كاناكيا/ Naomi Kanakia: ناعومي كاناكيا روائية وكاتبة قصة ونقد أدبي. تعيش في سان فرانسيسكو .

(لا تقل أبدا عن أي شيء لقد أضعته بل قل لقد أعيد. هل مات طفلك؟ لقد أعيد)

أبقتيتوس، المختصر

 ***

تبدو لوحة إيليا ريبين اختبارا عسيرا لما ورد من نص للفيلسوف الأغريقي. يدعونا أبقتيتوس إلى تقبل الفقد بوصفه استردادا لوديعة لم نكن نملكها قط، لكن القيصر الروسي المحتضن ولي عهده لا يواجه موتا فرضه القدر بل موتا صنعته يداه. لا يملك هذا الأب رفاهية القول إن ابنه أعيد، لأن الذي أعاده إلى الموت هو غضبه. هكذا تتحول اللوحة إلى تأمل بصري في الندم بوصفه عقوبة أشد من الموت. الزمن يمنح فرصة للاعتذار عن كلمة لكنه لا يمنح أبدا فرصة لإحياء من قُتل.

لماذا رسم ريبين الندم لا القتل؟ هذا السؤال ربما أحد مفتايح فهم اللوحة.ربما ان لحظة الضربة القاتلة ما كان يشد خيال اي رسام آخر، لكن ريبين تجاوز ذلك ورسم ما يليها مباشرة، تلك اللحظات التي ينهار فيها القاتل الأب تحت ثقل ما اقترفته يده. الضربة حدث عابر أما الندم فمصير، ولهذا رسم ريبين المصير لا الحدث. إنه لا يرسم العنف بل اكتشاف العنف، لا يرسم الجريمة بل اللحظة التي يفهم فيها القاتل أنه صار قاتلا.2963 ahmad

تتجمع عناصر اللوحة حول الجسدين المتعانقين في قلب المشهد... بينما تنسحب الغرفة إلى ظلمة تكاد تبتلع كل شيء. هذا الفراغ ليس مجرد خلفية بل فاعل بصري يعلن أن العالم كله قد اختفى، ولم يبق إلا الأب وابنه داخل دائرة مغلقة من الألم. يحتضن القيصر ابنه لا كأب فقط بل كغريق يتشبث بآخر أنفاسه. أصابعه المرتعشة تضغط على الجرح المفتوح في محاولة يائسة لإيقاف نزيف يعرف أنه لن يتوقف وعيناه المتسعتان لا تنظران إلى الابن وحده بل إلى الجريمة و ما بعدها. هنا تتكثف اللوحة في صورة واحدة... اليد التي أمسكت بالصولجان قبل لحظات هي اليد نفسها التي تحاول الآن وقف النزيف. اليد التي تضرب هي اليد التي تريد عاجزة ان تشفي...هذا هو جوهر المأساة. لو أراد الغزالي أن يرسم قوله ...وربما قاد الغضب إلى القتل والآثام التي لا يتلافاها الندم... لما وجد صورة أبلغ من هذه الأصابع العاجزة عن إعادة قطرة دم واحدة.

في مقابل ذعر القيصر وجه الابن ساكن سكونا مؤلما... غادرته العواطف الإنسانية ولم يبق سوى استسلام هادئ ودمعة وحيدة كأنها آخر ما تبقى من الحياة. يتناثر الدم على الثوب الوردي الفاخر فيتحول اللون من زينة ملكية إلى شهادة على ما جرى. والصولجان الملقى على السجادة ليس مجرد أداة قتل سقطت من يد بل رمز فقد هيبته وصار شاهدا على عجزها. أدوات الحكم تستطيع في لحظة انفلات أن تدمر الحاكم نفسه.

وجد ريبين في مسرحية أليكسي تولستوي «موت إيفان الرهيب» تصويرا مأساويا للقيصر لا بوصفه حاكما فحسب بل أبا يكتشف متأخرا أن السلطة هزمت الأبوة. ورأى في هذا المشهد مرآة لروسيا أواخر القرن التاسع عشر التي كانت تعيش صدمة اغتيال القيصر ألكسندر الثاني وتصاعد العنف السياسي. فأعاد بناء الحادثة كسؤال أخلاقي موجه إلى أهل زمانه.

 ماذا تفعل السلطة حين تنقلب على نفسها؟ وكيف يبدو الندم حين يكون القاتل هو الأب والسلاح هو أداة الحكم؟ ولهذا تجاوزت اللوحة إطارها التاريخي لتصبح بيانا ضد الاستبداد وتأملا في هشاشة الإنسان وتذكيرا بأن السلطة العاجزة عن ضبط غضبها تبدأ بتدمير أقرب الناس إليها.

يصطدم هذا المشهد بصوت أبقتيتوس الذي نقله لنا تلميذه آريانوس في كتاب المختصر. إن الطفل الذي يموت أعيد إلى الكون. لكن أصابع القيصر لا تعرف معنى الإعادة... إنها تضغط على الجرح كما لو أن الإرادة تستطيع هزيمة الزمن. هنا ينتهي سلطان القيصر ويبدأ سلطان الحقيقة. بعض الأفعال لا يبطلها الندم، وبعض الضربات تستمر أطول من حياة أصحابها. لذلك لم يرسم ريبين جريمة قتل بل رسم اللحظة التي اكتشف فيها القاتل أن الزمن لا يعود.

فهل يستطيع الندم مهما بلغ صدقه أن يعيد قطرة دم واحدة؟ وإذا كان العنف يصدر في لحظة انفلات فهل من عودة حقيقية من تلك اللحظة أم أن الزمن يتوقف إلى الأبد عند ارتطام الصولجان بالرأس؟ وكيف نواجه حكمة تقول سلم، بينما الجسد المحتضر بين ذراعي قاتله يقول إن بعض ما ينكسر لا يلتئم...

***

د احمد عابر

 

احتفت منصة اليونسكو في بيت الحكمة مؤخرا بالروائية بشرى الهلالي.. روائية وشاعرة وصحفية واكاديمية. وعلى مدى اكثر من ساعة كانت الشاعرة ميادة مبارك تراقب بحس استقصائي يقظ كل ما تقوله.. فكانت جلسة حوارية بامتياز، اضافت لها المداخلات المعمقة والاسئلة الجانبية.. نكهة خاصة قلما نجدها في هكذا استضافات على منصات المعرفة في بغداد والمحافظات.

بمعرفتي الخاصة بشرى الهلالي تعدت حدود الظاهرة، فبانت حالة.. الظاهرة تظهر بقوة واحياناً تختفي. لكن بشرى لم تختف من المشهد الروائي ولم تتظاهر من خلاله، بل القت بمرساها على سواحل العطش الروائي، واستمرت بإرسال الإشارات الذكية، بتؤدة وفعاليات ذكية.. اشارات من الضوء واللون والحركة.

والحركة عند بشرى حياة.. وتوازن داخلي شجاع.. وصراحة تؤديها حد النخاع.

لهذا كان لحياتها اثر ومعنى .. معنى ان تكون مواطنة تنصهر بحب الوطن.. وصحفية وشاعرة وأديبة تكتب على وقع الألم والمحن.. والمعنى الآخر ان تكون روائية اولا...

لان الرواية، تمتلك مساحة كبيرة وعمق في المعنى ولذة للتص بتدفق كبير، ومساحة اكبر للتعبير عن خلجات الانسان الكسير.

ومن هنا تبدأ الأفكار والكلمات، ترسم خطوط الزمن، وفلسفة الحياة، التي تترسخ في ذاكرة القاريء.. وكانت قد اشارت إلى بعض من افكارها.. وهو انعكاس لخزينها المعرفي في تموجاته الضوئية واللغوية والفكرية، التي صقلتها بالقراءات العربية والاجنبية، وما تلتقطه يوميا من أشياء الحياة.. وهي معين لا ينضب ابداً.

حين تكتب...

كانت روايتها القريبة من نفسها وشخصيتها الغرائبية في تنقلاتها، وفي نصوصها الفلسفية هي رواية (المواطنة 247) ومنها التقطت بعض السطور المدهشة التي تحمل اكثر من معنى.. كما هي الحالة في " توقيت آخر للحياة" …

تقتنص الأفكار بعذوبة مثلما ما تكتب نصوصها بعفوية وبمرونة مدهشة.. والقارئ كما هو المستمع هدفها الاول والاخير.. لكنها لا تلقي بشباكها عنوة، او جزافا على كل من يقرأ لها ويتابعها.. انما تجعل من قرائها سعداء بحلاوة تناغم واستئذان الحروف على وقع جمال روحها، والنص عندها يتماهى مع الروح.. فهو لايموت ينطلق من ثنايا تجارب إنسانية مؤلمة ومتلاحقة تستعصي البوح.

لا شيء اجمل من نص نافع، يكتبه الواقع قبل الدافع، يتحرك بوعي شاسع.. فيجعلك اسير القراءات.. محلقاً في أجوائه، مثل طائر مهاجر لكل القارات، ولا اجمل من روائية تجعلك صديقا.. وانت ربما لم تلتق بها مذ عقود من السنوات.

***

د. كاظم المقدادي

الأختام الأسطوانية اكتشاف ابناء الحضارات العراقية القديمة وهي حكاية تتدحرج على الطين تمثل هوية شخصية تروى عبر التاريخ حكايات وروايات عن علاقة الإنسان ببيئته ومكانته في المجتمع وحتى عقائده الدينية. هذه الحكايات وصلتنا وعبر الدهور لتروي لنا وللأجيال القادمة حكايات خالدة من شعوب العراق القديم. هنا يتشابه توجه الأديب الفنان العراقي امين عبد في قصصه القصيرة تلك الختم الأسطواني الذي يتدحرج على ارض الرافدين ليروي لنا حكايات هذا الإنسان المعذب الذي يتلون ويتكرر كالأواني المستطرقة تأخذ شكل الإناء مع كل سلطة حاكمة في العراق. لأتقيه كي أتحدث معه محطات في حياته ومع كتابه الجميل حول حكاية الإنسان العراقي كنتيجة لتجربته الحياتية الغنية. لغة الحكايات تعتمد على اللهجة العراقية الدارجة وتجد فيها كلمات لا يفهمها الا أبناء الرافدين امثال:

ذيچ، لييه، نتلاگه، گصه، نتلا گه،، ماكو، شگلك، گول، هاي وين وذيچ مين، گصه، ماكو، شبيكم، كون قوه گبه، الجدريه، شيحچيني، وگفه، أنخبصن، چا شو، چا مو، .. ..

انها لمتعة معرفية قراءة سيمفونية الحكايات التي ترويها لنا في هذا العزف المنفرد وسفرة خلال اللهجة العراقية البديعة.

* حدثنا عن تلك المهمة الصعبة في جمع كل تلك الحكايات؟

- أشكرك، بداية على هذا التوصيف الجميل، في استخدام مفهوم الأختام والاسطوانات البابلية والسومرية و دوران الادب العراقي، اذ فعلا لا زالت الكتب القصصية الاولية، لا زالت ملهمتنا في الكتابة، نعود اليها ونستلهم منها، سواءا (الف ليلة.. وليلة) او (كليلة ودمنه) او باقي كتب السرد القديمة.. وشخصيا اهتممت بأدب القصة القصيرة من وقت مبكر واذكر مثلا أولى القصص الإنكليزية التي كانت ضمن حصة مادة اللغة الإنكليزية، ثم تطور هذا الاهتمام الى شراء كتب القصة القصيرة وأشهر من برع في كتابتها، مثل الروسي (تشيخوف) او العربي (يوسف ادريس) او العراقيين مثل (غائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي) وللأسف تركت في بغداد مكتبة عامرة بالنوادر، اغلبها اصطدتها من سوق السراي، لكتاب نادرين ولكتب محدودة، ولكن امي حرقتها في تنورها خوفا من مداهمات البعث آنذاك!! ..

الان وبعد ان كتبت العشرات من القصص، الح أصدقائي على ضرورة طبعها في كتاب، وهكذا استجبت لرغبتهم، ولو لم تخل المهمة من تعقيدات وعراقيل.. المهم خرجت المجموعة تحت عنوان (عزف منفرد)، وبمقدمة للاخ د. حمودي جاسم، وبغلاف لفناننا الكبير (فيصل لعيبي).. وتولت طبعها ونشرها (دار الفينيق الأردنية).

الربط المكاني وألزماني مع مجريات الأمور في المجتمع العراقي سفرة بين الأفكار والإنسان خلال أكثر من قرن من الزمن منذ تأسيس المملكة العراقية تأخذنا فيه في رحلة زمنية ومكانية في حكاياتك. لك تجربة طويلة كمهاجر هل كان لذلك اي انعكاس على الحكايات؟ التراث العراقي الغني بالحكايات مصدر غني للكاتب في الإنتاج الأدبي الإبداعي حدثنا عن تطويعك للتراث العراقي في الحكايات؟

اما عن تنوع الشخصيات في حكاياتي وقصصي، فذلك لأني استلهم أحداثها من الواقع الذي اعيشه وعشته في العراق وفي الغربة، والأبطال هم الذين يفصحون عن ذواتهم سواء كانوا اشراف ونبلاء (حسب التوصيف الارسطي) او كانوا حقراء ومنبوذين.. اما مهمتي فهي رصد هذه الشخوص ووضعها في ظرفها الذي نشأت فيه، بأسلوب سردي، خال من المبالغات، وأشارك القارئ، في تقييمها والحكم عليها.

 الربط بين الماضي والحاضر كعملية إعادة بناء الإنسان وتغير الانتماء الفكري للشخصيات يذكرني بشخصيات نراه في مسرح الحياة ولا ريب ان المسرح انعكاس بوجه آخر لتلك الشخصيات وفي روايتك منجد العديد من الشخصيات وبعضها متعرف عليهم من سلوكهم وهذا ربما يزيد وعي الإنسان كعملية تطورية في السلوك البشري حدثنا عن شخصياتك في حكاياتك؟

يظل (أنطون تشيخوف) رائد القصة القصيرة، وأفضل من كتبها، في العالم للقرنين الماضيين، وذلك لتركيزه على الشخصية والحدث بأسلوب خال من التزويق اللفظي واللغوي.. لهذا لا يمكن انكار دوره على اكثر كتاب القصة القصيرة، ومحاولاتهم تقليده والاقتراب منه.. واستكمالا لتأثيرات تشيخوف، تاثرت بالكولومبي (غابرييل غارسيا ماركيز) الذي استطاع وضمن ما سمي ب (الواقعية السحرية) استطاع ان يستفاد ويوظف الموروث الشعبي اللاتيني، استفدت منه في فهم الكتابة على انها مثل الحكي، بل هي الحكي نفسه.. وهو القائل (حياتنا، هي ما تبقى في الذاكرة، وما نستطيع ان نحكي.

 الحكايات كصور سينمائية يخرجها العديد من المخرجين كل من زاوية مختلفة تقدم الحادثة دون اي تعليق بل يترك الفضاء لمخيلة القارئ كي يرى استمرار الحكاية وبذلك يقحم الكاتب القارئ في الحكاية ليعيش مع الشخصيات نفسها ولا ريب ان القارئ نفسه ربما تعرض إلى مواقف مشابه او التقي بتلك الشخصيات في الحياة اليومية لانهم فعلا من ابناء المجتمع يحملون امالا وسلوكيات الإنسان العراقي المعدم والذي يمثل بيدق متحرك دون اي إرادة تحت سلطة قمعية جاهلة . الإنسان العراقي المقهور مركز الحكايات والنظرة النمطية السائدة في المجتمع الذي لا يقدر ولا يفهم العمل الإبداعي بل يعتبره مجرد احد رموز "درب الكاولية". رغم اننا نعيش عالم المعلوماتية وفي كل بيت في العراق على الأقل تلفون خلوي يتواصل به مع العالم ويرى ما لم يراه البشر خلال ملاين السنين لكنه عاجز عن تغير تلك النظرة النمطية ولا يزال يفكر بنفس مستوى ذلك الإنسان البدوي. حدثنا عن دور الأدب في تغير تلك النظرة؟

ان للأدب دور هام ورئيسي، في خلق ثقافة مجتمعية عصرية، تساهم في حل مشكلات العصر وبناء انسان حديث، وهذا يتاتي من فسح المجال للآداب والفنون ان تأخذ دورها في التنوير العقلاني للمجتمع، والابتعاد عن التعامل مع الآداب والفنون على انها سلع كماليه قابلة للبيع والمقايضة.. ان الاداب والفنون بكافة أشكالها هي روح العصر، وهي في ذات الوقت، جوهرة تاج المجتمع.

* اشعر وانا اقر بعض الحكايات انها محطات لسرد السيرة الذاتية للكاتب هل اخطي التصور؟ -

 هل في القصص والحكايات، بعض من سيرة الكاتب؟.. بالتأكيد نعم.. فكما أسلفت، كل القصص والحكايات هي واقعية بنسبة كبيرة، وان تدخل الكاتب في تغيير بعض مجرياتها تبعا لضرورات تتعلق بالسرد، وترتيب الأحداث. وكما يلاحظ القاريء، فاني اعتمدت، ومنذ البدايات على الاحتفاظ بصوت الشخصية الأصلي، بلغته وملامحه.. لهذا خرجت الحوارات اغلبها باللغة العامية العراقية او العربية، تبعا لطبيعة المتكلم، وتفسير ذلك اني لا استطيع ان أتصور ان سائق تكسي، مثلا يقول للراكب المركبة:

- لا تتحمل اكثر من أربعة أشخاص

* تمنياتنا لك بالصحة والعافية ومزيدا من الإبداع في جميع المجالات.

***

اجرى اللقاء: د. توفيق رفيق آلتونچي - الأندلس

2026

.............................

الكاتب في سطور

 أمين عبد الله - ولد في مدينة (حديثة) غرب العراق وأكمل دراسته في بغداد. تعود أصوله لمدينة العمارة (ميسان – (حين انهى دراسته في أكاديمية الفنون الجميلة انظم لفرقة المسرح الفني الحديث عام 1976. - سافر إلى فرنسا لدراسة السينما عمل على أطروحة البنية الروائية في السينما العربية). - انتقل للمغرب (1980) حيث عمل في المعهد العالي للمسرح. – حيث عمل في مسرح محمد الخامس وقدم فيه من تأليفه وإخراجه مسرحيات عدة. تعاون مع مؤسسة إنتاج البرامج المشتركة لدول الخليج وكتب لهم سيناريوهات عدة أنتجتها المؤسسة. - كتب وأخرج مسرحيات عدة، منها (سفر.. سفر) و (ألف ليلة.. ويوم) و (طالب ضيف الله) و يا زمان الفرج). - عمل في الصحافة وله الكثير من القصص المنشورة في الصحف والمجلات. - يقيم حالياً في اسبانيا بمقاطعة الأندلس.

* لوحة غلاف الكتاب من إبداعات أ لفنان الكبير فيصل لعيبي، عدد الصفحات ١٤٤ من منشورات دار الفينيق للنشر والتوزيع، عمان، الأردن الطبعة الاولى، ٢٠٢٥

عند قراءتي للروايات، أكاد أخفي موقفي من الراوي أو المؤلف، لأنّ النقد بطبيعته قد يُربك بعض الكتّاب، بينما يدفع آخرين إلى مزيد من النضج والإبداع. لذلك أحاول أن أترك النص يقودني إليه، لا أن أقوده إلى أحكامي المسبقة. غير أنّ رواية "في الهُنا" للروائي الكويتي طالب الرفاعي فرضت عليّ أن أتوقف طويلًا أمامها؛ لا بوصفها حكاية تُقرأ، بل تجربة تُعاش.

منذ الصفحات الأولى، يتجلى وعي روائي متمكن، يعرف كيف يسيطر على إيقاع السرد، وكيف يمنح اللغة مرونتها دون أن يثقلها بالاستعراض. بدت الرواية كفرس عربية أصيلة، ينساب عدْوها بثقة، فلا تتعثر في تفاصيلها، ولا تفقد وجهتها مهما تشعبت المسارات. إنها كتابة تُشعرك بأنّ كلّ جملة وُضعت في مكانها بعد خبرة طويلة بميزان الكلمة وإيقاعها.

وخلال القراءة، وجدت نفسي أتوقف أكثر من مرة، لا لأنّ النص غامض، بل لأنّ كثافة مشاهده وتعدد صوره يدفعان القارئ إلى العودة، وكأنّ الرواية تكافئ القراءة الثانية أكثر مما تمنح القراءة الأولى. كانت بعض المقاطع تستدعي التأمل، وكانت بعض الشخصيات تفتح أبوابًا جديدة للفهم، حتى شعرت أنني أعيد ترتيب قراءتي كلما تقدمت في الأحداث. وهذا، في تقديري، من علامات الرواية التي لا تكتفي بأن تُروى، بل تدعو قارئها إلى المشاركة في بنائها.

ما لفتني هو قدرة طالب الرفاعي على تقمّص شخصياته، ولا سيّما حين يتكئ على ضمير المتكلم. لا تبدو الأصوات متشابهة، بل لكلّ شخصية نبضها الداخلي، ولغتها الخاصة، وقلقها الذي يميزها. هنا لا يصف الكاتب المشاعر من الخارج، وإنما يجعل القارئ يعيشها من الداخل؛ فتبدو الشخصيات كائنات حية تحمل أعباءها النفسية والاجتماعية والثقافية دون افتعال أو مبالغة.

نجح في تقديم رواية واقعية تستند إلى تفاصيل الحياة اليومية، وإلى حقائق المجتمع كما هي، بعيدًا عن الزخرفة اللغوية أو الرمزية التي قد تحجب حرارة التجربة. لقد آثر الصدق على الإدهاش المصطنع، فكان تأثير الرواية أعمق، لأنّ الواقع حين يُكتب بإخلاص يصبح أكثر إدهاشًا من الخيال نفسه.

من أجمل اللمسات التي منحت الرواية خصوصيتها، ذلك الحضور الذكي للتراث الكويتي، حين تتسلل الأغنية الكلاسيكية "قومي وارفعي البوشية" بصوت الفنان محمد الكويتي إلى نسيج السرد. لم تكن الأغنية مجرد استدعاء للماضي، بل أصبحت جزءًا من روح الرواية، تضيف إليها إيقاعًا وجدانيًا يربط الشخصيات بذاكرة المكان، ويؤكد أن طالب الرفاعي لا يستحضر التراث للحنين فحسب، بل ليجعله عنصرًا فاعلًا في تشكيل الحكاية.

في قلب الرواية تتألق علاقة كوثر ومشاري؛ قصة حب لا تواجه اختلاف الطباع بقدر ما تواجه أسوار الطائفية والمذهبية. لم يُقدِّم الكاتب هذا الصراع بشعارات مباشرة، وإنما ترك الشخصيات تكشف هشاشة تلك الحواجز أمام صدق العاطفة. بدا ذلك الجدار أشبه بجدار برلين؛ قائمًا في الظاهر، لكنه يحمل في داخله بذور انهياره.

حتى الأب الذي يبدو ليبراليًا، والأم التي تختصر رفضها بعبارتها المؤلمة "خلّصوا رجال الكويت؟"، لم يكونا مجرد شخصيتين معارضتين، بل تجسيدًا للتناقض الذي يعيشه المجتمع بين ما يعلنه من قيم وما يمارسه من مواقف. ومن خلال هذا التوتر، ظلّ حب كوثر ومشاري نابضًا طوال سنوات الرواية، يقاوم الخوف والعائلة والاصطفافات الاجتماعية، ليؤكد أنّ الحب الحقيقي لا ينتصر بالصخب، بل بالصبر والوفاء.

"في الهُنا" ليست رواية حب فحسب، بل رواية عن الإنسان حين يحاول أن يحمي قلبه من الحدود التي يصنعها الآخرون. شهادة أدبية على قدرة السرد الصادق على ملامسة الوجدان، وأن يترك في القارئ أثرًا يبقى بعد إغلاق الصفحة الأخيرة. رواية تؤكد أنّ طالب الرفاعي يكتب بروح الحكّاء الذي يعرف أن أجمل الحكايات هي تلك التي تشبه الحياة، لأنها لا تنتهي بانتهاء الرواية، بل تستمر في ذاكرة قارئها.

***

فؤاد الجشي

 

لابد من الاشارة إلى أن الموروث الشعبي يُعدُّ أحد أهم عناصر هوية المجتمعات، فهو الوعاء الذي يحفظ الذاكرة الجمعية، ويختزن العادات والتقاليد، والقيم، والأمثال، والحكايات، والأهازيج، التي تناقلتها الأجيال عبر الزمن.

ومن هنا فإن من الضروري الحرص على النهوض بثقافة الموروث الشعبي، والسعي لترسيخها، للحفاظ عليها من الضياع بتداعيات العصرنة الصاخبة في جوانبها السلبية.

وهكذا فقد كان لأدباء الديرة دورهم في المساهمة في حفظ الموروث الشعبي الديرة، من خلال توثيقه في كتاباتهم، وقصائدهم، ومقالاتهم، ومؤلفاتهم، ليكون بين يدي الأجيال المعاصرة، وفي متناول الباحثين، والمهتمين بالترات، لاسيما وأن الموروث الشعبي، ليس مجرد حكايات من الماضي، بل هو سجل ارث حضاري، يعكس حياة الناس، وتفاصيل بيئتهم، وعاداتهم، وتقاليدهم، وتاريخهم الاجتماعي.

ولعل تضمينهم الروايات الشفوية، والأمثال الشعبية، والقصص التراثية، والأغاني، والأشعار المتوارثة، وتدوينها في مؤلفاتهم، ودراساتهم ومقالاتهم، أسهم في توثيقها، وحمايتها من الضياع، والنسيان، بمرور الزمن، إذ كان للأدباء دور بارز في توظيف عناصر التراث الشعبي في نتاجاتهم الأدبية، حيث استلهموا من بيئتهم المحلية، شخصياتهم، وأحداثهم، وصورهم الفنية، مما منح أعمالهم خصوصية ثقافية، وجعلها أكثر قربًا من وجدان المجتمع، عندما انعكس ذلك التوظيف، في الشعر، والتعابة، والزهيىي، والقصة، والمقالة، والسرد الشعبي، حيث تحولت مفردات التراث، إلى عناصر فاعلة في سردياتهم الحديثة.

ولم تقتصر جهودهم على التوثيق، والكتابة، فحسب، بل امتدت إلى المشاركة في الندوات، والملتقيات الثقافية, ومجالس السمر، وإقامة الأمسيات التراثية, التي تُعنى بالتراث الشعبي، اضافة الى تشجيع الباحثين، على الاهتمام بالموروث المحلي، وإجراء الدراسات المتعلقة به.

ولاشك أن وسائل الإعلام الحديثة، ومنصات التواصل الاجتماعي، قد أسهمت في توسيع دائرة تأثيرهم، ونشر ما جمعوه من مواد تراثية إلى جمهور أوسع.

وهكذا ساهمت جهود أدباء الديرة، في تعزيز الانتماء للتراث، وترسيخ الهوية الثقافية، والحفاظ على الخصوصية الحضارية للمجتمع، في مواجهة مظاهر تداعيات التغريب والمسخ المتسارعة، وبذلك كان سعيهم متميزا في الحفاظ على التراث، وترسيخ ثقافة الاعتزاز به، من خلال منح الأجيال المعاصرة، والقادمة، فرصة التعرف إلى جذورها الثقافية، واستلهام قيمها الأصيلة، بما يرسخ حفظ الهوية، ويعزز الوعي باهمية التراث الشعبي، وصيانته من المسخ والتشويه.

***

نايف عبوش

لا يمكن اختزال كرة القدم في كونها نشاطاً ترفيهياً أو ممارسة رياضية محايدة، إذ إنها تشكل بنية دلالية كثيفة تكشف عن الطبقات العميقة للوجدان الإنساني، بما ينسجم مع التصور الفلسفي لباروخ سبينوزا حول الانفعال بوصفه تعبيراً عن طبيعة الكائن في سعيه الدائم إلى حفظ بقائه. ففي أفق هذا التصور، لا تبدو انفعالات المشجع من فرح أو حزن أو حب أو كراهية حالات عرضية أو طارئة، بل تتأسس بوصفها تجليات مركبة لما يسميه سبينوزا “الكوناتوس”، أي الميل الجوهري للكائن إلى الاستمرار في الوجود وتعظيم قدرته على الفعل.

في هذا السياق، يغدو انتصار الفريق الذي ينتمي إليه الفرد بمثابة تعاظم رمزي في إحساسه بالقدرة والامتلاء، وكأن الذات تمتد خارج حدودها لتتقمص نجاح الموضوع الذي تتماهى معه. أما الهزيمة فتُنتج انكماشاً وجودياً وانخفاضاً في منسوب القوة المدركة، بما يعكس انتقالاً من درجة أعلى إلى درجة أدنى من الكمال وفق التصنيف السبينوزي للانفعالات. وهكذا يتجلى الانفعال الرياضي باعتباره اقتصاداً وجودياً للقدرة، تُعاد فيه صياغة علاقة الذات بذاتها عبر وسيط خارجي ظاهرياً وداخلي فعلياً.

ولا تتوقف هذه المشاعر عند حدود النفس، بل تظهر أيضاً في الجسد؛ فنلاحظ تسارع نبض القلب، وتوتر العضلات، وتغير التنفس. وهذا التلازم بين الجسد والعاطفة ينسجم مع رؤية سبينوزا التي تؤكد أن العقل والجسد ليسا منفصلين، بل هما وجهان لحقيقة واحدة، وأن كل شعور نفسي له أثر جسدي واضح.

لكن عالم التشجيع لا يخلو من جانب آخر أكثر تعقيداً، يتمثل في التعصب والكراهية تجاه الفريق المنافس. ففي كثير من الأحيان، لا يكون الحزن أو الغضب بسبب النتيجة نفسها، بل بسبب التعلق الشديد بالفريق، مما يجعل المشجع أسيراً لمشاعره وردود أفعاله. وهنا يحدث ما يسميه سبينوزا نوعاً من “العبودية الانفعالية”، حيث يفقد الإنسان قدرته على التفكير الهادئ ويصبح خاضعاً لتأثيرات لا يسيطر عليها.

ويتجلى هذا الأمر بوضوح في التعصب، حين يرفض المشجع الاعتراف بمهارة الخصم أو جمال أدائه فقط لأنه ينتمي إلى الطرف الآخر. في هذه الحالة، لا يعود الحكم مبنياً على الواقع، بل على مشاعر مسبقة تشوّه الرؤية. بل إننا قد نرى اللاعب نفسه يُرفض أو يُحب فقط تبعاً لانتقاله بين الفرق، مما يكشف أن مشاعر الحب والكراهية لا ترتبط بجوهر الأشخاص، بل بالطريقة التي ننظر بها إليهم.

في المقابل، يقدّم سبينوزا طريقاً مختلفاً يقوم على الفهم لا الانفعال. فالحريّة الحقيقية، في نظره، لا تأتي من إنكار المشاعر، بل من فهم أسبابها. عندما يدرك الإنسان لماذا يغضب أو يفرح، ولماذا يحب أو يكره، يصبح أكثر قدرة على التحكم في مشاعره وتوجيهها بشكل واعٍ. ومن هذا المنظور، فإن الاعتراف بجمال أداء الخصم، حتى في لحظة الخسارة، ليس ضعفاً، بل خطوة نحو وعي أعمق ونضج أكبر.

هذا النوع من الفرح القائم على الفهم يختلف عن الفرح المؤقت المرتبط بالفوز أو الخسارة، لأنه لا يعتمد على النتيجة، بل على إدراك أوسع للحياة وتعقيداتها. وهنا تتجاوز كرة القدم كونها مجرد مباراة، لتصبح وسيلة لفهم أعمق للعالم، حيث لا تُقاس الأشياء فقط بمن نحب أو نكره، بل بطريقة رؤيتنا لها.

ومع هذا الفهم، تبدأ الحدود بين “نحن” و”هم” في التلاشي، ويصبح من الممكن رؤية الجمال والكفاءة حتى عند الخصم. وهذا يقرب الإنسان من فكرة سبينوزا عن “الحب العقلي للطبيعة”، أي الفرح الناتج عن فهم العالم كما هو، بكل انتظامه وتنوعه، دون أحكام مسبقة أو انحياز أعمى.

ومن هنا يتشكل نموذج مختلف للمشجع؛ مشجع لا يفقد حماسه ولا انتماءه، لكنه في الوقت نفسه لا يسمح للكراهية أن تسيطر عليه. يفرح ويغضب، لكنه يظل قادراً على التفكير والتقدير. يرى في المباراة أكثر من نتيجة، يراها مساحة تظهر فيها المهارة والجمال والإنسانية.

وبهذا المعنى، تصبح كرة القدم صورة مصغّرة للحياة نفسها، تكشف لنا كيف يمكن للإنسان أن ينتقل من الانفعال الأعمى إلى الفهم، ومن التعصب إلى التقدير. وكل خطوة في هذا الاتجاه ليست مجرد تغيير في طريقة التشجيع، بل خطوة نحو حرية أعمق وسعادة أكثر استقراراً، تقوم على إدراك الخير والجمال في العالم بدل الانغلاق عليه.

***

محمد إبراهيم الزموري

أقسى أنواع الحنين هي الذكريات التي تطرق أبواب القلب شوقًا دون استئذان، فتعيد إلينا وجوهًا أحببناها، وأيامًا عشناها بكل تفاصيلها الصغيرة. تمر السنوات وتتغير الأمكنة، لكن بعض الذكريات تبقى ساكنة في أعماق الروح، لا يبهت لونها ولا يغيب أثرها.

حتى مررتُ بحينا، إلى المكان الذي اعتدنا أن نكون فيه معًا، فتذكرتك، وارتسمت حينها ابتسامة هادئة على وجهي، وكأنني أستحضر طيفك الطيب بجانبي يشاطرني الحديث. وفي مكاننا تمنيتك أن تكون حاضرًا لنحيي معًا ذكرياتنا العابرة، لنضحك بصوت عالٍ يعم أرجاء المكان الساكن. وددتُ لو أن الزمان يعود أدراجه، وأن نرجع كما كنا نسير معًا على ذات الطريق.

كم أشتاق إلى ضحكة كانت تملأ أيامنا دفئًا، وإلى أحاديث عابرة أصبحت اليوم كنوزًا لا تُقدَّر بثمن. أشتاق إلى أشخاص أخذتهم طرق الحياة بعيدًا، وإلى لحظات ظننا أنها عادية، فإذا بها أجمل ما مرّ بنا.

الذكريات ليست مجرد صور من الماضي، بل نبضٌ يسكن القلب، يزورنا كلما هبّت نسمة شوق أو مرّ طيف مكانٍ كان يومًا وطنًا للمشاعر. وبين ألم الفقد وجمال ما كان، يبقى الحنين رسالة صامتة تخبرنا أن بعض الأشياء وإن غابت عن أعيننا، فإنها لا تغيب أبدًا عن قلوبنا.

ونحن نسير لا نعلم أين سينتهي بنا الطريق، لكنني أدركت أنني أسير في رحلتنا المجهولة، نتحدث عن أحلامنا التي طاردناها بشغف، وعن طموحاتنا التي لا ندري إن كان لها نصيب لتكتمل وتعود من جديد. ننسج حكايات وقصصًا تحمل طابعًا هزليًا يزين جلساتنا ويمنحها بهجة خاصة.

أما اليوم، فأنا هنا بمفردي، بعيدة بيني وبين وحدتي، أتنفس الصمت وأتأمل الفراغ الواسع الذي تركه غيابك. أجلس أفتش عن صور الأماكن التي سرنا بها يومًا ما، وأتأمل منظر الغروب، لكن ليس بذات الشعور الذي تشاركناه معًا.

أعلم يقينًا أن الحياة لا تبقى على حال، لكن المشاعر ما زالت تنبض بالحنين، وأن الطرق قد تختلف مساراتها، لكنني اليوم وددت لو تلتقي طرقنا ولو للحظة من الزمن. تمنيت أن تحضر أرواحنا لنحيي كل ذكرى طيبة من ماضٍ جميل عشنا لحظاته معًا.

ربما أنت تشعر بغربة البعد عني، أما أنا ففي غيابك عشت غربة الصديق وغربة المدينة. حتى الأماكن باتت غريبة لديّ، وكذلك الطرق التي أقطعها بمفردي أصبحت جديدة في نظري، وكأن قدماي تخطوانها لأول مرة.

استغربت الأمر في البداية، ثم أدركت فعلًا أن خللًا قد حلّ برحابي في غيابك. تمنيت حقًا أن تحضر قلبًا وقالبًا لتكمل ذلك النقص الذي أصبح جزءًا من الحياة التي أعيشها بمفردي، بين وحشة الغياب وصراع الذكريات.

سلامٌ على تلك الأيام، وسلامٌ على من كانوا جزءًا من تفاصيلها، فما زالت أرواحهم تعبر ذاكرتنا كلما اشتقنا، وما زالت الذكريات الجميلة تمنحنا القوة لنبتسم رغم المسافات والسنين.

***

ذكرى البياتي

 

(2 مايو 1910 ـ 17 اكتوبر 1978 م)

نشأت والحمد لله في أسرة ميسورة إنها من هذه الأسر التي يقال عنها "أعيان الريف " لم تكن أسرة واسعة الثراء ولم تكن فقيرة وإنما كانت ميسورة.

كان أبي صاحب دين يحرص على عدم الإخلال به، ويحرص على أن تلتزم به الأسرة، درس في الأزهر فترة طويلة من الزمن، حضر فيها على كبار الأساتذة من بينهم الشيخ محمد عبده.

وأقولها بالصوت الجهير وأكتبها بالخط العريض : إنها فكرة ليست في مصلحة مصر " ويمكن أن نقول مع الدكتور على عبد الواحد عميد علم الاجتماع في مصر، إن مشكلة مصر قلة النسل

ولدت في عزبة أبي أحمد " وأبو أحمد " هو جد والدي وقد بني جدي هذه العزبة بيتا بيتا وكانت مسكنا للأسرة وأصلح جدي أرضها فدانا فدانا وتسمى الآن قرية السلام وتتبع مركز بلبيس،وتبعد عن بلبيس أربعة كيلومترات وعن العائلة 45 كيلومتر.

والعزبة على حافة الترعة الإسماعيلية، موقع جميل موفق والحمد لله " وأمام بيتنا حديقة صغيرة من أشجار الليمون والمانجو تتخللها أشجار النخيل يفصلها عن البيت جدول له المياه يسمى في الريف عادة بالخليج، لقد قضيت أياما من اجمل أيام حياتي في هذه الحديقة.

ولست أتذكر من طفولتي الأولى إلا أياما قضيتها مع أطفال القرية ذكورا وإناثا في الكتاب" وانتهت مرحلة الكتاب بالنسبة لي بحفظ القرآن الكريم ولله الحمد.

كانت سني صغيرة على الالتحاق بالأزهر، وكان والدي يفكر في أن يرسلني إلى مكان ناء نسبيا لأتعلم فيه أحكام التجويد، ولكن حنان الأم وحرص الأب على أن أكون تحت رعايته حالا بيني وبين تحقيق ذلك ويا ليتني تعلمت أحكام التجويد ! يا ليتني!

ثم ذهبت إلى المدرسة الأولية بعد أن أدى الكتاب رسالته وأتممت فيه حفظ القرآن ولما أصبحت في سن مناسبة للالتحاق بالأزهر رافقني أبي إلى القاهرة , وهناك ألحقت به.

في أول يوم لبدء الدراسة ارتفع صوت المؤذن لصلاة الظهر ـ عندما حان وقته ـ في خشوع وجلال، تأهبنا للصلاة وتخلف بعض الطلبة عن القيام بها فأخذت خيزرانة المراقب تؤدي واجبها نحو المتقاعدين في جد ونشاط.

في منتصف العام تقريبا زارني والدي رحمه الله في المعهد المسجد ولعله جاء إلى المعهد ليقف على مدى انتظامي في الدراسة، ثم التقى بي وشرع يحدثني عن الزواج وعرض عليً أسماء فتيات واستطلع رأيي كانت سني آنذاك ثلاث عشرة سنة وكان رأيي الذي قلته له : الأمر لك ولوالدتي.

وعاد والدي إلى العزبة ومضت فترة جاءني بعدها خطاب، يقول فيه والدي " احضر " وعدت إلى العزبة في مساء الأربعاء وتم عقد زواجي في يوم الخميس وعدت إلى القاهرة في يوم الجمعة.

ونجحت في الامتحان وعدت لأقضي العطلة الصيفية في العزبة وانتهزوها فرصة لإتمام الزفاف ومرت السنة الثانية بالأزهر طبيعية دراسة واستذكارا، في خلال هذين العامين شهدت موقفين كانا في غاية الروعة.

أما المنظر الأول فهو منظر استقبال سعد باشا وهو عائد من المنفى وأما ثانيهما كان منظر إضراب الأزهر، كان الأزهر هائجا مائجا، وكانت الوزارة القائمة وزارة سعد باشا زغلول حينذاك لم أكن أعلم آنذاك عن الأسباب والبواعث والغايات شيئا ومع ذلك ذهبت إلى الجامع الأزهر مشاركا بجسمي متفرجا مستطلعا.

أما في السنة الثالثة فقد طرأ تغيير إلى حد كبير، فقد انتقلنا من المسجد الذي ألفنا الدراسة فيه وعشقناها إلى غرفة في مبنى ليس له قداسة المسجد ولا روحانيته، انتقلنا إلى معهد الزقازيق الذي أنشئ ليكون فرعا للأزهر بالشرقية.

وفي معهد الزقازيق بدأ اتصالنا بالصحافة، حيث بدأنا نقرأ الصحف، وكنا إذ ذاك نقتصر على صحيفة واحدة تقريبا هي صحيفة الأخبار التي كان يصدرها أمين الرافعي، وكان صدرها مفتوحا لعلماء الدين، يجدون فيه متنفسا لكل ما يجيش بصدورهم من آراء وأفكار، وكنا نحن طلبة نسعد بقراءة المقالات الدينية.

انتهت السنة الثالثة بمعهد الزقازيق، وكذلك انتهت السنة الرابعة به أيضا، وفي هاتين السنتين دفعتني الظروف للجد والاجتهاد بصورة غير عادية وبذلك حصلت على معلومات في مختلف العلوم والفنون تفوق المعلومات العادية لنظائري الطلاب، وكانت نظم الأزهر حينذاك تتيح للطالب بالسنة الأولى الثانوية أن يتقدم مباشرة لامتحان الشهادة الثانوية من الخارج وفكرت في الأمر فكرت أن أفصل نفسي من الأزهر، وأن أتقدم في آخر العام من الخارج لامتحان الشهادة الثانوية، وكان العزم والتصميم، دخلت الامتحان ونجحت وأرضى ذلك آمال والدي وشعوره نحوي، وعدت من جديد إلى القاهرة في المسجد الشريف الأزهر، ومكثت في الدراسة أربع سنوات، كنت في أثنائها متصلا اتصالا كبيرا بالجو الثقافي في الأزهر وخارج الأزهر.

وكان من بين مدرسي القسم العالي بالأزهر عديد من الشخصيات اللامعة في العلم والمنزل: الشيخ محمود شلتوت والشيخ سليمان نوار والدكتور محمد عبد الله دراز والدكتور محمد عبد اللطيف دراز والشيخ الزنكلوني والشيخ محمد مصطفى المراغي والشيخ مصطفى عبد الرازق.

كنت أحضر الدروس في الأزهر وكنت أحرص على حضور المحاضرات التي تلقى هنا وهناك في القاهرة وخارج الأزهر وكان محط أنظارنا جمعية الشبان المسلمين، فقد كان فيها نشاط دائم، وكان للقائمين عليها آنذاك عناية صادقة بهداية الشباب وكان الدكتور أحمد محمد العزاوي عليه رحمة الله من الدائبين على إلقاء المحاضرات فيها، كل أسبوع تقريبا، وكان الموضوع الرئيسي الذي يتحدث فيه دائما هو " الإسلام والعلم ".

وكنت أتردد أيضا على جمعية الهداية الإسلامية، وكان الإمام الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين رئيسا لها، والشيخ محمد الخضر حسين مؤمن صادق الإيمان، مجاهد مناضل وهو تونسي المنبت والنشأة وتعرفت أثناء الدراسة بالقسم العالي بالأستاذ محمد فريد وجدي وكان يستقبل زائريه كل يوم بعد صلاة المغرب لمدة ساعة يتحدث إليهم ويجيب عن أسئلتهم، ويدلي برأيه فيما يثار من موضوعات في الصحف اليومية، وقد كتبت في أيامنا تلك روايات تتناول التاريخ الإسلامي كتبها جورجي زيدان وقد قرأت الكثير منها حين ظهورها.

وهذه الروايات لم تكتب من أجل إحقاق الحق، ولم تكتب لتعبر عن التاريخ الصادق، وإنما كتبت بقصد تشويه الصورة الإسلامية الجميلة وتزييف الخلق العربي الأصيل الفاضل.

وكان خاتمة سن الدراسة العالية بالقاهرة امتحان العالمية ونجحت والحمد لله، وكان والدي يحب أن يراني مدرسا بالأزهر لقد كان ذلك يسعده كل السعادة ولكنه فوجئ برغبتي الملحة في السفر إلى فرنسا لإتمام دراستي في جامعاتها.

بدأت الدراسة في فرنسا منذ سنة ألف وتسعمائة واثنين وثلاثين (1932) على نفقتي الخاصة، ودام الأمر كذلك إلى سنة ألف وتسعمائة وثمان وثلاثون (1938) حيث ألحقت بالبعثة الأزهرية وكنت قد فرغت من الليسانس تقريبا وبدأت أفكر في رسالة الدكتوراه.

اتصلت بالأستاذ "ميسنون" وتحدثنا طويلا وانتهى بنا الأمر إلى الاتفاق على أن أكتب عن التصوف الإسلامي من خلال دراسة الحارث بن أسد المحاسبي وكان هذا أول اتصال منظم وجاد بالتصوف الإسلامي بالنسبة لي.

إني لأذكر ذلك اليوم المشمس الجميل من شهر يونيو سنة ألف وتسعمائة وأربعين فقد صحوت من نومي مبكرا أتأهب لخوض غمار معركة علمية هي مناقشة رسالة الدكتوراه ومرت الأيام بخيرها وشرها وحلوها ومرها ووصلت في النهاية إلى القاهرة، وانتهيت من دراسة الدكتوراه وأنا أشعر شعورا قويا بمنهج المسلم في الحياة وهو منهج الاتباع.

إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول كلمة موجزة عن هذا المنهج هي : إعجاز من الإعجاز إنه صلى الله عليه وسلم يقول : اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم " وهي كلمة حق وصدق، ثرية بالمعاني الطويلة العريضة، يبرهن آخرها على أولها، والنهي في وسطها يبرهن عليه أيضا آخرها أي اتبعوا فقد كفيتم، والكافي هو الله سبحانه وتعالى الذي أوحى المبادئ والأصول والقواعد، وطبق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كل ذلك وبيًنه، فكان تطبيقه مقياسا وبيانا ومرجعا يرجع إليه المختلفون " ولا تبتدعوا فقد كفيتم " إن الذي يبتدع لا كفاية له، ولكن الله سبحانه وتعالى بعد أن أكمل الدين وأتم النعمة، فليس هناك من مجال ولا حاجة إلى الابتداع.

لقد كفانا الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم) كل ما أهمنا من أمر الدين، وبعد أن وقر هذا المنهج في شعوري واستيقنته نفسي، أخذت أدعو إليه: كاتبا ومحاضرا ومدرسا ثم أخرجت فيه كتابا هو كتاب " التوحيد الخالص أو الإسلام والعقل، وما فرحت بظهور كتاب من كتبي مثل فرحي يوم ظهر هذا الكتاب، لأنه خلاصة تجربتي في حياتي الفكرية وكل ما كتبته عن التصوف وعن الشخصيات الصوفية فإنما يسير في فلك هذا المنهج، منهج الاتباع.

خاتمة:

هذه سيرة الشيخ عبد الحليم محمود الإمام الأكبر وشيخ الجامع الأزهر ذلك الفلاح البسيط الذي سافر إلى فرنسا وعاد كما هو ولكن بعد أن تسلح بالعلم والقدرة على التفكير المنطقي، آثرت أن يكتب بنفسه هذه السيرة من خلال كتابه " الحمد لله هذه حياتي " فلم أغير حرفا من كلامه، ربما حذفت بعض الاستطرادات، ولكن كل كلمة في هذا المقال للشيخ عبد الحليم محمود، ويكفينا هنا أن نورد للقارئ الكريم شيئا عن الوظائف العلمية والعملية وأبرز مؤلفاته التي تركها لنا.

عين الشيخ عبد الحليم محمود عقب عودته من فرنسا مدرسا بكلية اللغة العربية ثم أستاذا بكلية أصول الدين بعد عشر سنوات (1370 هـ / 1915 م) ثم عميدا لها، وفي عام 1389 ه  اختير أمينا عاما لمجمع البحوث الإسلامية، ووكيلا للأزهر بعد عام واحد فوزيرا للأوقاف عام 1392 هـ، ثم شيخا للأزهر الشريف من 1393 هـ إلى وفاته في عام 1398 هـ (1973- 1978 م)، حيث دفن في قريته "أبو أحمد" التي تدعى منذ حرب أكتوبر ـ بقرية السلام، يحتفل أهل القرية كل عام بذكرى مولد الشيخ عبد الحليم محمود باعتباره وليا من أولياء الله الصالحين، أما أبرز مؤلفات الدكتور عبد الحليم محمود، فيكفي أن نذكر منها :

1 ـ الفيلسوف المسلم.

2 ـ التصوف عند ابن سينا.

3 ـ أوروبا والإسلام.

4 ـ أسرار العبادات في الإسلام.

5 ـ التفكير الفلسفي في الإسلام.

6 ـ القرآن والنبي.

7 ـ الإسلام والشيوعية.

8 ـ دلائل النبوة ومعجزات الرسول .

9 ـ الرعاية لحقوق الله للمحاسبي " تحقيق ".

10 ـ محمد رسول الله لـ إيتين دينيه (سليمان بن إبراهيم) ترجمة عن الفرنسية.

11 ـ سهل بن عبد الله التستري، حياته وآراؤه.

12 ـ منهج الإصلاح الإسلامي في المجتمع.

13 ـ موقف الإسلام من الفن والعلم والفلسفة.

14 ـ الحمد لله هذه حياتي.

رحم الله الشيخ عبد الحليم محمود وجزاه الله على ما قدمه لخدمة الإسلام، فلعل أعظم إنجازاته عمله على توسيع دائرة التعليم الديني في مصر، فانتشرت المعاهد الأزهرية في معظم القرى ووصلت حتى النجوع.

***

د. محمد عبد الحليم غنيم

 

اليوم رجعت بي الذاكرة إلى سنة 2000، يوم أهداني صديقٌ رواية ذاكرة الجسد. لم أكن أدرك آنذاك أنني لا أتلقى كتابًا فحسب، بل مفتاحًا لذاكرة أخرى، وأن صفحات الرواية ستسكنني أكثر مما سأقرؤها.

بعد أكثر من ربع قرن، ما زالت بعض الجمل عالقة في الروح كأنها كُتبت بالأمس، وما زال ذلك اللقاء الأول مع الرواية حيًّا في داخلي، لأن الكتب العظيمة لا نقرأها مرة واحدة؛ إنها تقرؤنا في كل مرحلة من حياتنا بصورة مختلفة.

سأعود اليوم إليها لا بعيون ذلك القارئ الشاب الذي كنته سنة 2000، بل بعيون رجلٍ عبرته السنوات، وأثقلته الذاكرة، وعرف أن بعض الروايات ليست حكايات تُروى، بل مرايا نرى فيها ما كنا عليه وما أصبحنا إليه.

لهذا سأحاول أن ألخص ذاكرة الجسد، لا كما كتبتها الكاتبة، بل كما حفظتها الذاكرة، وما أبقت منه الأيام في القلب.

ذاكرة الجسد ليست رواية تُقرأ، بل جرحٌ يتذكّر نفسه. فيها يمشي خالد بذراعٍ ناقصة ووطنٍ ناقص، حاملاً على كتفه ما تبقّى من الحلم الجزائري. أحبَّ حياة كما يحبّ المنفيُّ نافذته الأخيرة، لا لأنها امرأة فحسب، بل لأنها كانت امتداداً لزمنٍ ظنّ أن الشهداء تركوه أمانةً في أعناق الأحياء.

الرواية تقول إن الأوطان تشبه الأحبّة؛ لا تؤلمنا حين نفقدها، بل حين نكتشف أنها لم تعد كما عرفناها. فخالد الذي خسر ذراعه في الثورة، خسر قلبه في السلام، وكأن الحياة أرادت أن تعلّمه أن بعض الهزائم تأتي بعد انتهاء المعارك.

أما حياة فليست امرأة من لحم ودم فقط، بل استعارةٌ لوطنٍ جميلٍ استعصى على العشاق والمناضلين معاً. كلما اقترب منها ظنّ أنه يقترب من الجزائر التي حلم بها، وكلما ابتعدت أدرك أن الأحلام الكبيرة لا تُهزم دفعةً واحدة، بل تتآكل ببطء تحت أقدام الواقع.

وفي العمق، تهمس الرواية بحقيقة فلسفية موجعة: الجسد ينسى أقلّ مما نظن، والذاكرة تسكن الندوب أكثر مما تسكن العقول. فكل جرحٍ في خالد كان صفحةً من التاريخ، وكل خيبةٍ كانت سطراً جديداً في سيرة وطنٍ خرج من الاستعمار ولم يخرج تماماً من أوجاعه.

لهذا بدت ذاكرة الجسد كأنها نشيدٌ للحب وخطبةٌ في الخيبة ومرثيةٌ للحلم العربي في آنٍ واحد؛ روايةٌ تقول لنا إن الإنسان قد يفقد يده أو حبيبته أو وطنه، لكنه لا يفقد أبداً ذلك الأثر الخفي الذي تتركه الأشياء الجميلة حين ترحل. فبعض الغياب لا يسكن الذاكرة، بل تتحول الذاكرة نفسها إلى شكلٍ من أشكاله.

***

د. صابر الحميدي

 

لا شك ان السرد الأدبي يعد من أبرز أجناس التعبير، التي تمنح الإنسان القدرة على إعادة تشكيل تجربته الحياتية، في قالب فني ابداعي، يجمع بين الواقع، والخيال، وبين الذاكرة والحلم. فالسرد ليس مجرد حكاية للأحداث، أو تسجيل للوقائع، وانما هو فعل وجداني ابداعي، يعيد ترتيب الزمن، ليمنح التفاصيل العابرة، معنى أعمق، ويجعلها أكثر قدرة على ملامسة وجدان الإنسان.

وغالباً ما يجد الكاتب نفسه أسير الذكريات، وهو ينسج خيوط سرده، فالذاكرة تمثل سجل تجارب الإنسان، بكل ما تحمله في طياتها من أفراح، وآلام، وانتصارات، وانكسارات، وصور لأشخاص، وأماكن، وأحداث مضت، وتركت أثرها في النفس. وهكذا نجد ان الكثير من الأعمال السردية تنطلق من استحضار الماضي، واستعادة لحظاته المؤثرة، ليس بقصد اجترارها الآلي، وإنما لاستكشاف دلالاتها الإنسانية العميقة.

غير أن السرد الأدبي مهما كان تأثيره قوياً لا يتوقف عند حدود الذاكرة، ولا يبقى حبيس الماضي، لاسيما وأن استعادة الذكريات، ليست غاية بحد ذاتها، بل هي وسيلة التواصل مع الماضي، لفهم الحاضر، واستشراف المستقبل.

ومن هنا تنشأ العلاقة الجدلية بين الذكريات الٱسرة، والتطلع المتفائل، إذ تتحول التجارب الماضية، عندئذ، إلى خلفية زاخرة بالخبرة، ينطلق منها الوعي نحو آفاق أكثر رحابة.

فالذكريات المؤلمة، على سبيل المثال، قد تبدو في ظاهرها عبئاً نفسياً، يثقل الروح، لكنها في العمل السردي، تتحول إلى طاقة دافعة للكشف، والتأمل، والتجاوز.في حين أن الذكريات الجميلة، تمنح النص دفئه الإنساني، وتغذي فيه مشاعر الأمل، والحنين والانتماء. وفي كلتا الحالتين، يصبح الماضي مادة فنية يعاد تشكيلها، بما يتناغم ورؤية الكاتب للحياة، والإنسان.

ومن جهة أخرى، فإن التطلع المتفائل، في السرد الادبي، يمنح النص، حيويته، وقدرته على تجاوز الإحباط، والانغلاق، فالأدب، في جوهره، ليس مرآة للواقع، فحسب، وانما هو نافذة مفتوحة الٱفاق على الممكن، والمأمول، ولذلك فإن السرد حتى عندما يصور المآسي، والخيبات، فإنه يترك للقارئ مساحة من الضوء، تمنحه القدرة على التطلع، والنهوض من عثراته، ومغادرة اوجاعه.

ولعل أجمل ما في السرد الأدبي أنه يجسد الوفاء للذاكرة، والانفتاح على الأمل، فهو لا يتنكر للماضي، ولايستسلم له، وانما يجعله جسراً نحو المستقبل. وهكذا تتحول الكتابة السردية، إلى رحلة إنسانية ماتعة، تجمع بين التأمل في ما كان، والتطلع إلى ما يمكن أن يكون، لتظل الكلمة المبدعة، عندئذ، قادرة على تحرير وجدان الإنسان من أسر الذكريات، دون أن تقطع صلته بها، ومن ثم دفعه نحو آفاق أكثر إشراقاً، وتفاؤلاً.

وهكذا نجد ان السرد الأدبي هو ذلك الفضاء الرحب، الذي تتعانق فيه الذاكرة، مع الحلم، ويتفاعل فيه الحنين، مع التطلع، طالما أن الإنسان بطبيعته، لايعيش بالماضي وحده، ولا بالمستقبل وحده، وإنما بالتفاعل الخلاق بينهما.

***

نايف عبوش

راسم عبد القادر الحديثي وهو كاتب وروائي عراقي ولد في مدينة حديثة في محافظة الانبار عام 1947 له عدة روايات ومؤلفات ، حاصل على شهادة البكالوريوس / كلية التربية – جامعة بغداد/ عمل مدرسا منذ عام 1976 – 1970 واحيل للتقاعد2010--- تفرغ للكتابة والنشر، وفرضت الرواية اهتما متزايدا في نفسه ، وسجل حضورا كبيرا ومتميزا في الساحة الادبية وخاصة الروايات المستنبطة من احداث عاشها وعاني من جمرات نارها وكانت روايته الاخيرة الخامسة التي عرضت في معرض الكتاب الدولي لعام 2019 في بغداد وتم نفاذ النسخ المعروضة جميعا في الايام الاولي للمعرض وهي رواية العزيزة بفتح حرفي العين والزاء ويتبادر الي الي ذهن القارئ انها الكلمة المتدوالة بين الناس في الرسائل والمخاطبات بين الاحبة وبعد البحث عن عنوان الرواية العزيزة تبين لي انها من المورثات الشعبية البغدادية ووردت في كتاب بغداديات للبغدادي عزيز مكية الذي ارخ للموروث البغدادي الاصيل والعزيزه عظم في مفصل رجل الخروف الفخذ يقارب حجمها حجم الدرهم المعدني ويقوم بعض الناس بدفنها بالقرب من باب البيت نكاية باهله وتحفيز للخصام لاهل الدار وكانوا يتشاءمون منها ويرمونها بعيدا عن البيت لان اعتقادهم يثير خبثان الخاطر بين افراد العائلة والقصاب عندما يخرجها يضربها بالسكين حتي يبطل مفعولها الخبيث

 قبل ايام وعلى مسرح سامي عبد الحميد في المركز الثقافي البغدادي اعلنت نتائج الدورة السادسة عشرة لـ(جائزة ناجي جواد الساعاتي لأدب الرحلات) بحضور نخبة من الأكاديميين والباحثين والإعلاميين والمهتمين بالشأن الثقافي والأدبي. حيث وقع اختيارها على عملين فائزين هما كتاب الدكتور معتز محي عبد الحميد الموسوم (شوشا: جوهرة أذربيجان) وكتاب الأديب راسم الحديثي المعنون (تكرم عينك: أدب رحلات) لما تضمناه من قيمة معرفية وأسلوب توثيقي متميز في أدب الرحلات. وتم توزيع الدروع التقديرية عليهما وسط إشادة الحضور بأهمية الجائزة ودورها في تشجيع الباحثين والكتاب على خوض تجربة الكتابة في أدب الرحلات.

سألته/ كيف تطورت فكرة كتاباتك؟

- تطورت فكرة كتاباتي حين بدأت بنشر مواضيع سياسية في جريدة (الجريدة العراقية) التي تماثلني فكريا. فجمعت ما نشرت في كتاب صدر لي باسم (مسارات الحداثة في الفكر الوطني والقومي). هذا دفعني إلى الكتابة ثانية، فبدأت بكتابة سيرتي الذاتية أو أدب السجون في رواية (دائرة الخوف)، التي تطورت لاحقا إلى رواية (خريف الشرق، ثم ثم كتبت رواية (أولاد حمدان) وبعدها رواية (أصناموفوبيا). وكلمة (أصناموفوبيا) تعني الخوف من الصنم. فوبيا كلمة يونانية معناها الخوف وصنم هو الرجل الديني المتطرف، الذي لا يقبل غيره لا بل يكفره وبالتالي يقتله. رواية (أصناموفوبيا) تحدثت عن العنف طائفي الذي حصل في العراق بعد 2003 وحتى 2007 ثموبعدها صدرت لي قصة طويلة بعنوان (عشق عابر للحدود) وهي قصة تتحدث عن علاقة عاطفية بين فتاة مغربية وشاب عراقي، علاقة بدأت على الانترنت وانتهت بالفشل. واستمر عطائي لأنتج رواية (تحت شجرة التوت) التي تسرد الكثير من موروث مدينتي بأسماء رمزية وبأسلوب سردي متخيل

* فوزك بأدب الرحلات – ماذا تعني؟

 -أدب الرحلات هو فن نثري يصور فيه الكاتب مشاهداته، انطباعاته، والأحداث التي عاشها خلال رحلته إلى بلد معين. يُعد جسراً للتواصل الثقافي ومصدراً مهماً للتاريخ والجغرافيا، حيث ينقل بدقة عادات الشعوب، معالمهم، وتفاصيل حياتهم اليومية بأسلوب يجمع بين المعرفة والإمتاع، هي تجربة جديدة وفقني الله بها)

* هل تشعر بالرضا هما قدمته؟

- نعم هناك رضا وهناك طموح… الرضا كوني أنتجت. وطموح كوني لم أقدم نفسي كما ينبغي… أتمنى بقاء عقلي وعينيا لتساعداني بالعمل لأكمل مشواري.

***

كتب/ نهاد الحديثي

قراءة في كتاب الأديب ثامر الحاج أمين

في زمن تتسارع فيه التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية، وتتشابك فيه الوقائع حتى تبدو أحياناً أقرب إلى المشاهد السريالية منها إلى الواقع المألوف، يطل الأديب ثامر الحاج أمين بكتابه الموسوم (البقاء على قيد المهزلة.. تأملات في واقع سريالي) ليقدم للقارئ رحلة فكرية وإنسانية تجمع بين المقالة الأدبية والتأمل الفلسفي والنقد الاجتماعي واستعادة الذاكرة الثقافية.

ومن خلال العنوان يضعنا المؤلف أمام مفارقة لافتة؛ فالبقاء على قيد الحياة لم يعد التحدي الأكبر، بل أصبح البقاء على قيد العقل والكرامة وسط ما يشبه (المهزلة) اليومية هو الامتحان الحقيقي للإنسان المعاصر. ومن هنا يكتسب الكتاب قيمته بوصفه شهادة على عصر مضطرب أكثر من كونه مجرد مجموعة مقالات متفرقة.

يضم الكتاب (215) من الحجم المتوسط، وطيفاً واسعاً من الموضوعات التي تمتد من الشأن الاجتماعي والسياسي إلى الثقافة والفن والتاريخ والفلسفة. ففي مقالات مثل (غربتنا في البلاد) و(بلاد بلوحة سريالية) و(ما يحدث في دوائرنا الحكومية) و(ما يحدث في أسواقنا) يسلط المؤلف الضوء على اختلالات الواقع العراقي، مستعيناً بلغة تجمع بين السخرية المرة والتأمل العميق، ليكشف حجم التناقضات التي يعيشها المواطن بين ما يحلم به وما يواجهه يومياً.

ولا يقف الكتاب عند حدود النقد الاجتماعي، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة الأفكار والمفاهيم الكبرى. ففي مقالات مثل (عن العدمية وأنصارها) و(حديث عن المواطنة) و(العبودية الطوعية لتاج الرأس) و(نقد المسؤول ليس جريمة) يطرح المؤلف أسئلة جوهرية تتعلق بالعلاقة بين الفرد والسلطة، وبين الحرية والمسؤولية، وبين الوعي والاستلاب، في محاولة لإعادة الاعتبار إلى التفكير النقدي بوصفه شرطاً ضرورياً لأي نهضة مجتمعية.

ويكشف الكتاب عن اهتمام واضح بالشخصيات الثقافية والأدبية والفنية، إذ يفرد مقالات مميزة لعدد من الأسماء البارزة مثل بدر شاكر السياب، وكريم العراقي، وعبد الرحمن الربيعي، ويعقوب جواد، وإقبال نعيم، فضلاً عن تناوله تجارب إنسانية وفكرية عالمية مثل جلال الدين الرومي وكونفوشيوس وحافظ الشيرازي. وهذه المقالات لا تكتفي بالتعريف بأصحابها، بل تحاول قراءة أثرهم الفكري والإنساني في سياقاتهم التاريخية والثقافية.

ومن الجوانب اللافتة في الكتاب اهتمامه بالسينما بوصفها مرآة للمجتمع والإنسان. فالمؤلف يتوقف عند أفلام مهمة مثل (يوميات دراجة نارية) و(فندق رواندا) و(الصوت الهامد) وغيرها، مستخرجاً منها دلالات إنسانية وفكرية تتجاوز حدود الشاشة لتلامس قضايا الحرية والعدالة والصمود والإرهاب والهوية.

كما يحضر التاريخ بقوة في صفحات الكتاب، سواء عبر استعادة أحداث الحرب، أو قراءة سير الرؤساء، أو استحضار شخصيات شعبية مثل (حنتوش سلام)، أو العودة إلى العادات والتقاليد التي بدأت تندثر تحت ضغط التحولات الاجتماعية الحديثة. وهنا تتجلى نزعة المؤلف التوثيقية التي تسعى إلى حماية الذاكرة من النسيان، وإبقاء الصلة قائمة بين الماضي والحاضر.

ويمتاز أسلوب ثامر الحاج أمين بالبساطة الممتنعة؛ فهو يكتب بلغة واضحة بعيدة عن التعقيد، لكنه لا يتخلى عن العمق الفكري والبعد التأملي. كما تتسم مقالاته بقدرتها على الانتقال بين الخاص والعام، وبين الواقعة اليومية والفكرة الفلسفية، وهو ما يمنح النصوص حيوية تجعلها قريبة من القارئ على اختلاف اهتماماته.

إن كتاب (البقاء على قيد المهزلة) ليس مجرد مجموعة من المقالات المتناثرة، بل هو محاولة لرسم صورة بانورامية لعالم يزداد التباساً يوماً بعد آخر. وفي هذا العالم المضطرب يظل الكاتب متمسكاً بدور المثقف الذي لا يكتفي بوصف الواقع، بل يسعى إلى فهمه ونقده وكشف مفارقاته، مستنداً إلى ثقافة واسعة وخبرة إنسانية غنية وإيمان عميق بقيمة العقل.

لقد نجح ثامر الحاج أمين في أن يجعل من هذا الكتاب سجلاً فكرياً وإنسانياً لمرحلة كاملة، وأن يقدم للقارئ مادة متنوعة تجمع بين المتعة والمعرفة والتأمل. وهو بذلك يواصل تقليداً ثقافياً عراقياً عريقاً يجعل من المقالة الأدبية فضاءً للحوار مع الذات والمجتمع والتاريخ، ويؤكد أن الكتابة الحقيقية تظل قادرة على مقاومة العبث والاحتفاظ بمعناها حتى في أكثر الأزمنة سريالية.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

في المثقف اليوم