عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

أقلام ثقافية

المقدمة: لا يمكن الحديث عن الشعر العربي الحديث دون المرور باسم صلاح عبد الصبور، الشاعر الذي جمع بين الحداثة الفنية والعمق الإنساني، وجعل من قصيدته مرآة للوجدان العربي. لقد امتد تأثيره في مسار الشعر الحر، حيث نقل اللغة الشعرية من قيود التقليد إلى فضاءات أرحب تعبّر عن نبض الإنسان في مواجهة الحياة، وتجسّد آماله وآلامه في كلمات حية تبقى خالدة. في هذا المقال نسلّط الضوء على حياته، شعره، وأهم أعماله الأدبية التي جعلت منه علامة فارقة في الأدب العربي.

نبذة عن حياته

وُلد صلاح عبد الصبور في ٣ مايو ١٩٣١ بمدينة الزقازيق بمصر، ونشأ في أسرة تقدّر العلم والثقافة، ما مكّنه من صقل موهبته الشعرية منذ الصغر. التحق بكلية الآداب في جامعة القاهرة وتخرج في قسم اللغة العربية عام ١٩٥١، وهو ما أسّس خلفية ثقافية غنية ساعدته على المزج بين التراث العربي والاتجاهات الحديثة.

بدأ مسيرته المهنية كمدرس للغة العربية، ثم انتقل إلى العمل الصحفي والأدبي، فعمل محررًا في مجلات مثل روز اليوسف وصباح الخير، ومحررًا أدبيًا في صحيفة الأهرام. فيما بعد تقلّد مناصب ثقافية مرموقة شملت نائب وزير الثقافة ورئيس الهيئة العامة للكتاب، حتى وافته المنية في ١٤ أغسطس ١٩٨١.

التجديد الشعري والهم الإنساني

يُعد ديوان الناس في بلادي أحد أهم أعماله، إذ يُعدّ نقطة البداية الحقيقية للشعر الحر في مصر، محرّرًا القصيدة من قيود الوزن والقافية التقليدية، وموفّرًا مجالًا واسعًا للتعبير عن صراع الإنسان وهمومه اليومية.

من أبرز ما يميّز شعره دمج الحس الوطني بالبعد الإنساني العميق، وجعل القضايا الفردية جزءًا من التجربة الجماعية، كما تظهر قدرته على تحويل الألم إلى لغة فنية تعبّر عن أمل الإنسان وتجدده. ومن شعره نقرأ

"نموت حتى نولد في الغد…

بلا موعد… بلا عنوان…

نموت حتى نعود أطفالًا

نرى النور في بزوغ الصبح"

تظهر هذه الكلمات الفلسفة الإنسانية في شعر عبد الصبور، حيث الموت ليس نهاية، بل بداية لتجدد الحياة.

"جنوب يا جنوب…

لوعة الوجدان

حكاية كل من عشقك

قبل أن يرى النور…"

هذه الأبيات تجسّد الانتماء للوطن والروح الجماعية التي تحاكي وجدان الشعب المصري، بما يعكس قدرة الشاعر على المزج بين الفردي والجماعي في نص شعري واحد.

"على أرض تشتهي المطر

وعلى قلب يشتهي الأمل…

يبقى الرجل واقفًا

يغني لليل…"

رمزية هذه الكلمات تُظهر الإنسان في مواجهة قسوة الحياة، مع الحفاظ على الأمل والصمود.

المسرح والكتابة النقدية

إلى جانب الشعر، كتب صلاح عبد الصبور نصوصًا مسرحية هامة مثل مأساة الحلاج، ليلى والمجنون، الأميرة تنتظر، وبعد أن يموت الملك، حيث مزج بين الشعر والدراما ليعالج موضوعات إنسانية وفلسفية.

كما أسهم في النقد الأدبي، وكتب مقالات تناولت الفن والشعر واللغة، مؤكدًا على أهمية الشعر كمرآة للواقع والوجدان.

الإنسان في شعره

من أبرز ما يُذكر في نقد شعر عبد الصبور، أنه لعب دورًا مركزيًا في تقديم الشعر كصوت للإنسان العادي الذي يعيش في عالم يتبدّل بلا رحمة، ويقدّم نصوصه عمقًا انسانيًا يناقش الأسئلة الكبرى حول الحياة، والوجود، والحرية، والمعنى.

كان عبد الصبور يرى أنّ الشعر هو التعبير الأصدق عن الذات وعمق الوجدان، وأن على الشاعر أن يقترب من واقع الإنسان نفسه، فيفرّق بين الحزن كحالة نفسية والوجع كدافع لخلق معنى جديد.

الخاتمة

يبقى صلاح عبد الصبور شاعرًا خالدًا في الأدب العربي، لأنه لم يكتفِ بجماليات اللغة، بل جعل من الشعر تجربة حياة، يصوغ من خلالها وجدان الإنسان وهمومه، ويجعل من الألم والأمل لغة مشتركة تعكس وجود الإنسان في عالم متغير. لقد أحدث عبد الصبور نقلة نوعية في الشعر العربي، فكان الصوت الذي جمع بين الحداثة، الإنسانية، والعمق الفلسفي، ليصبح مرجعًا حقيقيًا لكل من يبحث عن الشعر الذي يلامس الروح ويثير الفكر في الوقت ذاته.

***

بقلم: وفاء محمد يونس

اعادني نبأ الرحيل الابدي الاخير للشاعر العربي اللبناني الجنوبي، المتميز الياس لحود، يوم السبت، التاسع عشر من نيسان العام الماضي ٢٠٢٥، إلى أكثر مما لا يقل عن نصف القرن من الزمان، وذكرني باللحظات الأولى التي وصل فيها عدد من مجموعاته الشعرية الحداثية الهادرة، لا سيما عندما اوصلها إلى أيدينا، اقصد الصديق الشاعر سيمون عيلوطي امد الله في عمره وانا كاتب هذه السطور، الشاعر الكاتب الراحل الصديق ادمون شحادة، إبان عمله في إدارة مكتبته الحديثة في الناصرة. وما زلت اتذكر جيدا، وقد زاد في ثراء تلك الفترة الشعرية المحددة، تعرفنا على شاعر مبدع اخر هو محمد علي شمس الدين، الذي يعتبر ايضا، من شعراء الجنوب اللبناني المبدعين، ومعروف أن لحود واحد من أبرزهم.

كان أكثر ما جذبنا وشدنا إلى هذين الشاعرين، اولا وقبل كل شيء، ذلك الدفق الموسيقي الشعري، الذي حمل الينا آنذاك، تلك المقولة التي طالما ترددت على السنة العديد من النقاد والشعراء، ومفادها أن الشعر ما هو إلا دفق موسيقي، يحتضن التجربة الإنسانية الرؤيوية لصاحبها، ويقدمها في حالتها تلك إلى قارئ، تعود على الانجذاب إلى ايقاعات موسيقية، نعتها جبران خليل جبران في مواكبه الجميلة، بصفة سر الوجود، أما الكاتب جان ماري جويو، فقد أكد في كتابه الجميل عن" مسائل الفن المعاصر"، على أهمية تلك الخلفية الرؤيوية الموسيقية في الحالة الإبداعية الشعرية.  أو كينوتها المبهرة الساحرة.

لقد دفعتنا تلك التجربة الشعرية الفريدة، بعد تعرفنا على الشاعرين المذكورين، الشاعر الفقيد خاصة، لأن نبحث عن أشعاره، ولأن نقراها ونطلع عليها، لا سيما في تلك المجلة الأدبية التي أسسها الياس لحود،( اقصد مجلة "كتابات معاصرة")، مكرسا اياها لتشجيع المتحول الحداثوي في عالم الشعر العربي المعاصر، فقرأناها بمزيد من الاهتمام، وكان ما يلفت كاتب هذه السطور في تجربة لحود تحديدا، هو ذلك التصاعد المضطرد بانتظام فيها، فصاحبها لا يكرر نفسه ولا ينشر، الا في القليل النادر، ما سبق وتردد من اسعاره في الماضي، تجلى ذلك في كل قصيدة جديدة له، بالضبط مثلما تجلى في مجموعاتها المتتالية، ابتداء من مجموعته الاولى فصاعدا، حتى الأخيرة. لن اذكر مجموعاتها الشعرية، واكتفي بالقول إنها سبق واصدرت، قبل أكثر من عقد من الزمان، في أربعة مجلدات. ما عدا هذا فيما بتعلق بالإنتاج الغزير لشاعرنا الراحل بإمكاني احالة الاخوة القراء على الشبكة الإلكترونية العنكبوتية "غوغل" ، ففيها عنها ما يزيد عن الغاية ويفيض.

من المعروف المشهور عن الشاعر الياس لحود، أنه نشأ في كنف والد يعمل ميكانيكيا، إلا أنه يقرض الشعر المحكي خاصة، ويهوى العزف الموسيقى. هذه النشأة دفعت صاحبها الطفل لان يقبل على كتابة الشعر وهو لما يزل في العاشرة من عمره، وهو ما دل في أهم ما دل عليه أن "الديك الفصيح من البيضة يصيح" ، كما يقول المثل السائر. لقد صدرت مجموعة الياس لحود الشعرية الاولى عندما كان في العشرين من عمره، أما في السادسة والعشرين فقد حصل على اللقب الجامعي الاول في اللغة العربية وآدابها، وهو ما أهله لأن يعمل في مجالين ثقافيين عامين، أحدهما التربية والتعليم، والآخر التحرير الثقافي الادبي، في العديد من المجلات، خاصة مجلته المذكورة آنفا "كتابات معاصرة".

تقول السيرة الأدبية لإلياس لحود، أنه كتب الشعر في مختلف اجناسه وانواعه، وذلك ابتداء من القصيدة العمودية، العربية الاصيلة، مرورا بالقصيدة المحكية، وقد أصدر في مجالها اربع مجموعات، انتهاء بالقصيدة التفعيلية، (من تفعيلة) ، على طريقة المدرسة العراقية لدى الشاعرين بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وسواهما من الشعراء.. وقد كتب قصيدة النثر ايضا. ولعلي اشير هنا إلى أن كتابة شاعرنا لقصيدة التفعيلة، كان أكثر ما جذبنا، في فترة تعرفنا الاول على إبداعه الشعري المتدفق. وقد صرح شاعرنا الراحل، في أكثر من مناسبة وكتابة أيضا، أنه حرص في كل ما كتبه من انواع، أجناس وضروب شعرية، على العمق الإبداعي الذي انبهر به منذ بدايته الأولى مع الابداع الشعري.

كل هذا قربنا أكثر فأكثر من شاعرنا المبدع الراحل، وكان اكثر ما شدنا إليه، هو تلك الهموم التي تجلت في مواقفه وإبداعاته الشعرية، في مقدمتها القضايا العربية وهمومها المتتابعة، وفي صلبها القضية الفلسطينية ومعاناة أهلها الجارحة.

***

ناجي ظاهر

......................

* الياس لحود ولد في بلدة مرج عيون اللبنانية الجنوبية عام ١٩٤٢. تأثر بالاجواء المتوترة حوله وتفاعل معها عاكسا إياها بمقدرة فنية ملموسة، فيما كتبه ونشره من أعمال شعرية استحقت الاهتمام بجدارة. ورحل يوم الأحد ٢٩-٤-٢٠٢٥. مخلفا وراءه إرثا أدبيا شعريا واسعا. وذكرا يستحق البقاء والخلود.

التحوّل: في صباح أحد الأيام، قبل بضعة أجيال، استيقظتُ وقررتُ أن أختبر نفسي. قلتُ لنفسي: ستكونين امرأةً ورجلاً، سمكةً وحشرةً وطائراً، جبلاً وحبة رمل.

"كيف تدفن والدك في قصيدة. توسكيتس. "لا حاجة للصفات"، هكذا قالت الكاتبة الرومانية المقيمة في برشلونة في بداية كتابها. شعرٌ خالٍ من الزخرفة، يليق بالواقع ولكنه يتحدى الواقع من خلال الخيال، لأن الخيال - الحلم، الشعر - قادر على خلق عالم أكثر واقعية "لإضفاء معنى على ما لا يُفسَّر".

كورينا شاعرة ومترجمة وروائية، وُلدت في رومانيا، ترانسيلفانيا، وتعيش الآن في إسبانيا، كاتالونيا. حائزة على جائزة توسكيتس لعام 2024 التقيتها هنا في السويد قبل سنوات 2020 في مدينة يونشوبنك في مهرجان الشعر العالمي ودعوتها إلى البيت حيث تحدثنا طويلا عن الأدب وذكرياتنا عن رومانيا. ولدت الشاعرة عام (1973)  في مدينة فجاراش. وتعمل مُدرسةً للغة الإنجليزية في إحدى المدارس الثانوية في كاتالونيا. كان ظهورها الأدبي الأول في مجلة تريبيونا الأدبية عام 1996، ونُشرت أعمالها بانتظام في مجلة إكينوكس الأدبية. في عام 2016، نشرت ديوانها الشعري الأول بالإسبانية بعنوان "ألف موت وموت واحد" Mil y una muerte، عن دار نشر لا غاروا.

قادت ورش عمل شعرية في مدرسة الكتابة الإبداعية "لابوراتوري دي ليتر" في برشلونة وعن دار نشر "إديتورا سكولا أرديليانا" في طبعة ثنائية من الديوان اللغة بعنوان "ميل وونا مويرتيس/ أو مي شي أونا دي مورتي" (2018). تبع ذلك كتاب "Intermitencias/ Intermittente Sabina Editorial" (2018)، و بنسخته الرومانية، من إصدار دار النشر "Editura Şcoala Ardeleană". وفي عام 2019، نُشر ت كتاب "Temprana eternidad/ An early eternity" في كولومبيا، والذي يضم، بالإضافة إلى مختارات من قصائدها المنشورة سابقًا، قصائد أخرى لم تُنشر من قبل. أما أحدث كتبها باللغة الإسبانية فهو "Desde dónde amar/ From Where We Can Love" (Pre-textos، 2021). وفي اللغة الكاتالونية، نشرت ديوان "La mà que tremola/ The Trembling Hand" (Cafè Central، 2020). )

قامت بترجمة مؤلفين رومانيين إلى الكتالونية والإسبانية، مثل مارين سوريسكو (جائزة كافال فيرد رافيل جاومي لترجمة الشعر، 2013، وجائزة مارين سوريسكو، 2014)، ولوسيان بلاجا، وآنا بلانديانا (جائزة جوردي دومينيك لترجمة الشعر، 2015)، وأنجيلا مارينيسكو، ودينو فلاماند، وإيوان إس. بوب، بيك أدريان، جيلو نعوم، نورمان مانيا. قامت بترجمة الشاعرة الأمريكية ماري أوليفر من الإنجليزية إلى الكاتالونية (جائزة Nollegiu ، 2018)، وترجمت L’arquitectura de la llum/ عمارة الضوء للشاعر الكاتالوني أنتوني كلابيس Editura Şcoala Ardeleană، 2021 إلى الرومانية. هي مؤلفة مختارات من الشعر الكاتالوني المعاصر "الساعة غير المؤذية" (كولومبيا، ٢٠٢١). وقد نُشرت أعمالها في العديد من مختارات الشعر والطبعات التذكارية (سيسيليا ميريلس، جوان بروسا، أليخاندرا بيزارنيك). تُرجمت بعض قصائدها إلى التشيكية، والصربية، والإيطالية، والإنجليزية، والسويدية، والفرنسية، والبرتغالية، والعربية، والبنغالية، والتركية، والعبرية.

ترنيمة الفراغ

 أغمض عينيك وابحث عن الوجه في الذاكرة، حيث يختفي الاسم، كما لو كنت تُشيّد عمودًا لا نهائيًا من الفراغ، منحوتًا في الغياب، من هواء ثقيل يُحرّك صمتك. لا تحصر نفسك في المكان الذي كنت فيه يومًا ما، ولا تتظاهر بفهم، أو ربما فهم، أن الموت الأبدي هو ميلاد، وأن الرحيل وجود عابر في الآخرين، حتمًا، بلا رجعة. قبل الفراغ، الفراغ، وبعد

تقول الشاعرة كارينا؛

" انه غالبًا ما تحتل القصائد مكانة ضئيلة في الصحف، بل تكاد تكون غير مرئية. فبين صفحات كثيرة مخصصة للشؤون الجارية والقصص والمقالات، تظهر دواوين الشعر بشكل محدود، وغالبًا ما تُهمّش في زاوية مهمشة." ثم تعاود القول؛ "لذا، يسعدني جدًا كشاعره أن أرى صحيفة "لا فانغوارديا" ‏ La  Vanguardia  تُخصص صفحة كاملة لمختارات شعرية بمناسبة عيد القديس جوردي، من روائع الأدب الكلاسيكي إلى قصائد النذور. ويسعدني أن أكون جزءًا من هذه المختارات إلى جانب شعراء مثل ألفارو فالفيردي، وهوجو موخيكا، وخوان ماركيز، وماريان مور، وريلكه، وسيزار بافيزي، ومارغريت أتوود، وجورج لويس بورخيس، وفيرا جيمفاريت. أي مجموعة من الأصوات التي تتجاوز اللغات والعصور، وتُحدد معنى قراءة الشعر اليوم."

***

د. توفيق رفيق آلتونچي

.............................

للمزيد حول الشاعرة؛

‏#corinaoproaepoet #tusquetspoesía #santjordi #poesiaenespañol

https://www.facebook.com/share/18H7xKU5L2/?mibextid=wwXIfr

Corina Oproae

Corina Oproae. 6 271 gillar · 227 pratar om detta. La casa limón (Tusquets 2024) Mil y una muertes, Intermitencias, La mà que tremola, Desde dónde amar.

مُهْدَاةٌ إِلَى: د. ف.

أخبرنا أبو ذَرّ النَّابلسيّ المُلَقَّبُ بـ "زِفْت الطِّين، الموبوء بعشق فلسطين، والمبغض للعسكر والسَّلَاطين" فِي كتابِهِ المفقودِ "خريرُ نُورِ الشُّرُوقِ وعَبِيرُ نَارِ البُرُوقِ" أنَّ أحَدَ النُّسَّاكِ عَثَرَ عَلَى رُسُومِ مَدِينَةٍ طَافِحَةٍ بالمَوْتِ والضَّبَابِ، فَظَلَّ يَتَلَمَّسُ طَرِيقَهُ وَسطَ آياتِ الخَرَابِ، تَتَرَصَّدُهُ ظلالُ الصَّبَّارِ الظَّمْأَى ويُبَاغِتُهُ صَرِيفُ صُوًى مِن العظامِ البالية، مُتَوَجِّسًا يُصِيخُ إلى أنينِ الرِّيحِ الثَّكْلَى فِي صُدُورِ الطُّلولِ الخالية، حَتَّى وَقَعَتْ عَيْنَاهُ عَلَى رُقْعَةٍ مِنَ الجِلْدِ المُهْتَرِئ النَّحِيلِ، فَانْحَنَى لِيُوقِظَهَا بِأَنَامِلِهِ الوَاجِفَةِ مِنْ سُبَاتِهَا الطَّوِيلِ.

وبَيْنَمَا هُوَ ينفضُ عَنْهَا غُبَارَ أَقْدَامِ السِّنِين وأَوْضَارِ النِّسْيَانِ المَهِين، لَاحَتْ لَهُ بَيْنَ غُضُونِ وَجْهِ الرُّقْعَةِ نُقُوشٌ لَا تَكَادُ تَبِين: حُرُوفٌ عَجْمَاءُ عَلَى صِرَاطِ العَدَمِ حَائِرَةٌ، لَهَا أَجْسَادٌ عَجْفَاءُ تَقْتَاتُ عَلَيْهَا نُدُوبٌ كأفواهِ الطَّوَاغِيتِ غَائِرَةٌ. أَقْذَتْ عَيْنَيهِ حَبَّاتٌ مِنَ رِّمَالٍ لاذِعَةٍ عَنْ اِفْتِضَاضِ بَكَارَةِ المَرْقٌومِ وَازِعَةٍ؛ فَأَطْبَقَهُمَا لُحَيْظَةً تُعَادِلُ خَفْقَةُ قَلْبِ الفَأرِ المَذْعُورِ، وَحِينَ فَتَحَهُمَا رَأَى نَفْسَهُ وَاقِفًا فِي صَوْمَعَتِهِ والجُدْرَانُ مِنْ حَوْلِهِ كخذروفِ الوَلِيدِ تَدُورُ وَلَهَا هَزِيمٌ كَأَجِيجِ التَّنُّورِ، اِنْقَبَضَتْ أَصَابِعُ يَدِهِ اليُسْرَى تَطْلُبُ مَا تَتَوَكَّأُ عَلَيْهِ لِتَقِيهِ مَغَبَّةِ السُّقُوطِ، فَبَاغَتَهَا دِفءُ الرَّقِّ المَخْطُوطِ مُبَاغَتَةَ الكَلَالِيبِ لِمَنْ يُجْفَلُ عَلَى شَفِيرِ جُهَنَّمَ.

وَمَا لَبَثَ أَنْ رَجَمَ الجِدَارَ القَصِيَّ بالرَّقِّ العَجِيبِ وقَدْ بَزَغَ ذُهُولُهُ وَنَمَا، كَأنَّهُ ظَنَّهُ ذَيْلَ عقربٍ جسيمٍ يَحُوكُ بِشَوْكَتِهِ كَفَنًا لَافِحًا أو يَدَ مُسْتَبِدٍّ رَجِيمٍ اِفْتَجَأَهُ فِي سَمَادِيرِ كَابُوسٍ مُصَافِحًا.

مَكَثَ النَّاسِكُ فِي صومعته حَبِيسَ فِرَاشِهِ، لا تُفَارِقُهُ الحُمَّى المُطْبِقَةُ هُنَيْهَةً وَجِيزَةً وكَأنَّهَا حَيَّاتُ الجَحِيمِ السِّغَابُ، أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ تَنْتَهِشُ الظًّلْمَةُ لَحْمَ رُوحِهِ بِمَخَالِبَ تَرْشَحُ رُعْبًا قَدْ أَحْكَمَ شَحْذَهَا الاكتئابُ. ظَلَّ يَهْذِي بِصَوتٍ مَحْمُومٍ، يُبَعْثِرُ نُتَفًا مِمَّا وَقَعَ لَهُ مِنْ خَطْبٍ مَشْئُومٍ: تارةً يَجْهَرُ ثَائِرًا بِصِيَاحٍ يُمَازِجُهُ أَنِينُ لَذَّةٍ مُرِيبٌ وتَارَةً أُخْرَى يُغَمْغِمُ خَائِرًا بِحَشْرَجَةٍ شَوْهَاءَ كَأَنَّ أَنْفَاسَهُ مَشَاقِصُ ولِسَانَهُ وَدَجٌ شَخِيبٌ.

سَرْعَانَ مَا مَاتَ، وسَرْعَانَ مَا اِسْتَحَالَ لُغْزًا عُضَالًا دَامَ ثَلَاثَةَ أَعْوَامٍ وبِضْعَةَ شهورٍ، ولَمْ يَبْقَ مِنَ القِصَّةِ إلَّا أصَداءُ هُذَاءٍ سَلَخَتْهُ الأَلْسِنَةُ مَنْ إِهَابِ البَرِيقِ ونُسْخَةٌ قِيَلَ إنَّ أَحَدَ تَلَامِيذِ النَّاسِكِ المَعْتُوهِ قَدْ خَطَّهَا نَقْلًا عَنْ الرَّقِّ المَشْبُوهِ قَبْلَ أَنْ تَخْتَطِفَهُ الغَيْبَةُ إلَى قَعْرِ العَدَمِ السَّحِيقِ.

قَدْ أَثْبَتُ هُنَا مَا فِي النُّسْخَةِ المَظْنُونَةِ مِنْ حُوْشِيِّ السُّطُورِ وقَدْ أَرْدَفْتُهَا بِتَرْجَمَةٍ سَقِيمَةٍ لا إخَالُهَا تَصْلُحُ عَلَى البَرْزَخِ العَاثُورِ نَعْلًا يُمَكِّنُ صَاحِبَهُ مِنَ العُبُورِ إِلَى إدراكِ غَايَتِهَا واستجلاءِ بُهْمَتِهَا والتَّبَرُّؤِ مِنْ مَعَرَّةِ عُجْمَتِهَا.

1. النَصُّ الرَّابِضُ عَلَى النِّصْفِ السُّفْلِيِّ مِنْ ظَهْرِ النُّسْخَةِ المَزْعُومَةِ:

آب‌ها در آتش گریزان آسمان می‌خندند

شن‌ها در سکوت خروشان زندان می‌خزند

سنگ‌ها در قلب سرگردان انسان می‌رقصند

گل‌ها در چشمان ستمگر خدایان می‌پوسند

(التَّرْجَمَةُ السَّقِيمَةُ المُهَلْهَلةُ)

في نَارِ السَّمَاءِ المُرَاوِغَةِ يَضْحَكُ المَاءُ

فِي سُكُونِ السِّجْنِ الهَادِرِ يَزْحَفُ الهَبَاءُ

فِي قَلْبِ الإنْسَانِ السَّادِرِ تَرْقُصُ الأَحْجَارُ

فِي أَعْيُنِ الآلهةِ المُسْتَبِدَّةِ تَذْبُلُ الأَزْهَارُ

2. النَّصُ الرَّابِضُ عَلَى وَجْهِ النُّسْخَةِ المَزْعُومَةِ والنِّصْفِ العُلْوِيِّ مِنْ ظَهْرِهَا:

سایه‌ام همچون برگ‌های پاییزی در دریاچه‌های سرخِ ردپاهای در حال مرگ فرو می‌افتد، در حالی که رویایم زیر شلاق‌های باد دیوانه فریاد می‌زند.

تکه‌هایی از تاریکی خفقان‌آور را دیدم که با ترس زخم‌هایم را لمس کردند تا پروانه‌های مستی شوند که عطرشان، مانند لرزش نوک سینه‌ای گلگون میان لب‌های عاشقی گمشده، می‌خواند.

در رحم گورم، سرودهای مقدس و جاودان کودکانی را می‌شنیدم که بر فراز ویرانه‌های جهانی ناامید و مسموم از خشم و دروغ، بازی می‌کردند.

بچه ها این طرف و آن طرف می پریدند تا طناب را از دور گردنم باز کنند و فراموش نکردند که مار قهوه ای تیره فلج را ببوسند، اما فراموش کردند که مرا ببخشند.

آنها آن را تکه تکه کردند تا برای عروسک‌های پر سر و صدا و بی‌خواب خود تاب درست کنند، قبل از اینکه بتوانم از مرگ برگردم، آنها به خواب رفتند و مرا تنها گذاشتند.

نوک انگشتانم دسته‌ای کبوترند که بر ران‌های الهه‌ام فرود می‌آیند تا قطرات شبنم را از گلبرگ‌های سوسن بی‌نهایت باشکوهش بلیسند.

ناگهان متوجه شدم صدایی ندارم که از کرم‌های توی قبر بپرسم دست‌هایم کجا هستند؟

از همه خدایان دعا کردم که زبانم را به من برگردانند، اما کم‌کم متوجه شدم که خدایان خشمگین، مانند کرم‌های توی قبرم، گوش ندارند.

آیا ممکن است کرم‌های ناشنوا تنها گوش‌های خدایان باشند؟

الهه من، چرا مرا رها کردی؟ حتی صلیب‌ها هم از من خسته شده‌اند و مرا با صلیب خودشان اشتباه می‌گیرند. کی برمی‌گردی؟ رحم کن به این صلیب‌ها که احشای چوبی‌شان از میخ‌های ملال سخت آسیب دیده‌اند.

استخوان‌هایم، همچون شاخه‌های برهنه، امید دارند که زیر لطافت اشک‌های بهاری تو شکوفا شوند. چرا حروف نام من، خارهای سخت و نفرین‌شده‌ای شده‌اند که در گلوی جلاد رحمان فرو رفته‌اند؟

(التَّرْجَمَةُ السَّقِيمَةُ المُهَلْهَلَةُ)

يَتَنَاثَرُ ظِلِّي كَأَوْرَاقِ الخَرِيفِ فِي البُحَيْرَاتِ القَانِيَةِ لِبَصَمَاتِ أَقْدَامِ المُحْتَضَرِينَ، بَيْنَمَا يَصْرُخُ حُلْمِي أَلَمًا تَحْتَ سِيَاطِ الرِّيَاحِ المَسْعُورةِ.

لَقَدْ رَأَيْتُ شَظَايا الظَّلامِ الخَانِقِ تَلْمِسُ جُرُوحِي بِرِعْدَةٍ كَي تَصِيرَ فَرَاشَاتٍ ثَمِلَةً يَفُوحُ مِنْ أَجْنِحَتِهَا عِطْرٌ كَرَجْفَةِ حَلَمَةٍ وَرْدِيَّةٍ بَيْنَ شَفَتَيّ عَاشِقٍ غَائِبٍ، عِطْرٌ يَصْدَحُ بالغِنَاءِ.

فِي رَحِمِ القَبْرِ سَمِعْتُ الأَطْفَالَ يُرَدِدُونَ أَغَانِيهِم الأَبَدِيَّةَ المُقَدَّسَةَ وهُمْ يَلْهُونَ فَوقَ أَنْقَاضِ عَالَمٍ يَائِسٍ مَسْمُومٍ بالسُّخْطِ والكَذِبِ.

تَقَافَزَ الأَطفَالُ هُنَا وهُنَاكَ كَي يَفُكُّوا حَبْلَ المشنقةِ عَنْ عُنُقِي: لمْ يَنْسَوا أَنْ يُقَبِّلُوا الأَفْعَى الكَسِيحةُ ذَاتَ اللَّونِ البُّنِّيّ الغَامِقِ، لَكِنَّهُمْ نَسَوا أَنْ يُسَامِحُونِي.

مَزَّقُوَهَا إِرْبًا إِرْبًا لِيَصْنَعُوا أَرَاجِيحَ للدُّمَى الصَّاخِبَةِ المُؤَرَّقَةِ، وقَبْلَ أَنْ أَعُودَ مِنَ المَوْتِ، غَلَبَهُمُ النُّعَاسَ وتَرَكُونِي وَحِيدًا.

أنَامِلِي سِرْبُ حَمَامٍ يَحُطُّ عَلَى فَخْذَي إلهتي لِيَلْعَقَ قَطَراتِ النَّدَى التي تُرَصِّعُ بَتلاتِ زَنْبَقَتِهَا المُتْرَعَةِ بجَمَالٍ جَلِيلٍ يُعْجِزُ الدَّهْرَ ولَا تُحِيطُ بِهِ الآبَادُ.

لَكِنِّي بَغْتَةً أَدْرَكْتُ أَنِّي لَا صَوْتَ لِي كَي أَسْألَ دِيدَانَ قَبْرِي: أَين يَدَاي؟

صَلَّيتُ إلى جَمِيعِ الآلهةِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُعِيدُوا لِي لِسَانِي، لَكِنِّي شَرَعْتُ أُدْرِكُ أَنَّ الآلهةَ الغَاضِبَةَ كَدِيدَانِ القَبْرِ لَيْسَ لَهَا آذان.

أَيُعْقَلُ أَنْ تَكونَ الدِّيدَانُ الصَّمَّاءُ هِي الآذان الوحيدة للآلهةِ؟

إلهتي، لِمَا تَرَكْتِنِي؟ الصُّلْبَانُ قَدْ مَلَّتْ مِنِّي، حَتَّى صَارَتْ تَرَانِي صَلِيبًا لَهَا. مَتَى تَعُودِين؟ اِرْحَمِي هذه الصُّلْبَانَ التي أَثْخَنَتْ مَسَامِيرُ السَّأَمِ أَحْشَاءَهَا الخَشَبِيَّةَ.

عِظَامِي كَالأَغْصَانِ العَارِيةِ تشتاقُ إلى أَنْ تُزْهِرُ تَحْتَ لَمَساتِ حَنَانِ دُمُوعِكِ الرَّبِيعِيَّةِ، فِلِمَ اِسْتَحَالتْ حُرُوفُ اسمي أَشْوَاكًا قَاسِيَةً لَعِينَةً اِنْغَرَسَتْ فِي حَلْقِ جَلَّادِي الرَّحِيم رَحْمَةً مُطْلَقة؟

***

أنطونيوس نبيل

 

أسماء ليس لنا إلا ألفاظها

أما معانيها فليست تعرف

معروف الرصافي

تأتي هذه الأبيات كمدخل مؤلم لفهم المآسي الإنسانية التي تتجاوز قدرة اللغة على الاحتواء. فالكلمات مهما بلغت فصاحتها، تظل قاصرة أمام تجارب الألم العميقة؛ إذ تتحول المفاهيم الكبرى كـ"النزوح"، "الفقد"، و"النجاة" إلى ألفاظ مجردة لا تعكس الثقل الحقيقي لما يعيشه الإنسان في لحظة الانكسار.

ومن هنا يصبح الفن – لا اللغة – الوسيلة الأصدق لنقل تلك المعاني. لوحة "أوركون" هي واحدة من هذه اللحظات التي تنفلت من قيود التعبير اللغوي لترى وتحس أكثر مما تقال.2655 ahmad

تمثل لوحة "أوركون" للفنان القيرغيزي دانيار جولدوشبيكوف مرثية بصرية لواحدة من أكثر الفصول مأساوية في تاريخ آسيا الوسطى. حيث يعاد استحضار نزوح الشعب القيرغيزي عام ١٩١٦ عبر جبال تيان شان.

في قلب اللوحة تحتضن امرأة طفلها وسط الثلوج، في صورة تختزل الألم الإنساني في اصعب صوره.

الأم هنا ليست عنصر بصري فقط بل رمز للأنسانية باعمق جروحها، والطفل هو براءة تلقى في محرقة القسوة البشرية.

أما الأجساد الساقطة حولها فهي ليست مجرد عناصر درامية، بل علامات صامتة على الثمن الباهظ للبقاء في ظل احلام الامبراطوريات و رجالها و المصفقين لها .

في الخلف تمتد قافلة بشرية لا تنتهي، لتؤكد أن المأساة لم تكن فردية بل جماعية، وأن الألم كان ممتدا بامتداد الأفق.

تهيمن على اللوحة ألوان باردة يغلب عليها الأبيض والرمادي، ما يخلق إحساسا بالجمود والفراغ.

الثلج لا يستخدم كخلفية فحسب بل كعنصر ضاغط يبتلع الأجساد ويكتم الأصوات.

تتوزع الشخصيات بين السكون والحركة: في المقدمة سكون الموت أو الإنهاك؛ وفي الخلف حركة بطيئة لقافلة تسير نحو المجهول.

هذا التباين يخلق توترا بصريا يعكس صراع الحياة والموت.

تفاصيل الملابس الثقيلة والانحناءات الجسدية والوجوه المنكسرة؛ كلها تشير إلى مقاومة الإنسان في وجه بيئة لا ترحم و بشر لا يرحمون.

كما أن التلاشي التدريجي للأشكال في الضباب يمنح اللوحة بعدا زمنيا وكأن المشهد يمتد خارج حدود اللحظة.

وهنا تستدعي هذه الصورة، بكل ما فيها من عزلة وصمت ما عبر عنه دوستويفسكي على لسان أحد أبطاله حين قال:

"لم أطلب يداً تمسح دموع الفزع ولم أوقظ أحدا ليعانقني كي أهدأ... لقد عشت أسوأ اللحظات بمفردي."

 يتحول هذا الاعتراف في سياق لوحة "أوركون" من مونولوج داخلي إلى حالة بصرية.

فالأم الجاثية لا تلتفت باحثة عن معين وملامحها المطمورة بالبرد لا تحمل رجاء المساعدة.

يضاعف الفنان هذا الإحساس بالعزلة عبر تكوين يطوق الشخصية بمساحات شاسعة من البياض فلا يظهر في محيطها القريب سوى السكون أو الأجساد الهامدة.

بهذا تصبح اللوحة تجسيدا لقدر مجابه وحيدا.

 ليس فقط لأن من حولها قد سقطوا بل لأن حجم الكارثة يفوق طاقة الكلمات أو إيماءات المواساة.

وعلى الجانب الآخر من المشهد، حيث تمتد القافلة البشرية كخط متعرج يخترق بياض الثلج يمكننا أن نستعين بكلمات فيكتور هوغو لنقترب من فهم ما يجري:

 "بعض الأفكار صلوات! هناك لحظات تكون فيها النفس جاثية على ركبتيها مهما كان وضع الجسد."

في لوحة "أوركون" نلاحظ فعلا هذا التطابق بين هيئة الجسد وهيئة الروح. فأجساد النازحين المثقلة بالبرد والجوع تمضي إلى الأمام منحنية تحت وطأة الطبيعة لكن وضعية هذا الانحناء تتجاوز كونها مجرد تعب عضلي لتصبح أقرب إلى هيئة المتضرع.

لقد حول جولدوشبيكوف المسيرة الجماعية إلى ما يشبه طقسا صامتا. كل شخص في القافلة البعيدة رغم حركته الظاهرية يبدو في حالة ركوع داخلي.

التلاشي التدريجي للأشكال في ضباب الأفق لا ينفي وجودهم، بل يمنحهم حضورا يتجاوز اللحظة التاريخية المحددة. هنا لا تطلب النفوس الخلاص من عدو مرئي بل تتجه بصمتها نحو كون صامت.

ينتمي دانيار جولدوشبيكوف إلى تيار فني يجمع بين الواقعية التعبيرية واستلهام الذاكرة التاريخية. لا يكتفي بنقل الحدث كما هو، بل يعيد تشكيله من خلال حس إنساني عميق يجعل من اللوحة تجربة شعورية لا مجرد توثيق بصري.

تتسم أعماله بالتركيز على الإنسان في لحظات الانكسار مع استخدام مدروس للضوء واللون لإبراز الحالة النفسية. يمكن القول إن فنه يقف عند تقاطع بين التوثيق والتأمل حيث تتحول اللوحة إلى مساحة للتفكير في التاريخ لا مجرد استعادته. إن "أوركون" ليست فقط عملا فنيا بل حقا اللوحة موقف أخلاقي من الذاكرة ومحاولة لإعطاء صوت لمن صمتوا و فقدوا بين الثلج.

نعود إلى معروف الرصافي الذي بدأنا به:

أسماء ليس لنا إلا ألفاظها

أما معانيها فليست تعرف.

 تقف لوحة "أوركون" شاهدا على صدق هذه الرؤية الشعرية. فمهما أمعنا في وصف النزوح و الفقد تظل هذه الألفاظ قاصرة عن ملامسة جوهر ذلك الرضيع الذي تيبست أطرافه في حضن أمه أو تلك الأنفاس الأخيرة التي اختلطت بذرات الثلج. الفن هنا لا ينقل المعنى فحسب بل يمنحه نبضا ويجعلنا شركاء في الوجع لا مجرد متفرجين على مشهد.

بعد هذه الرحلة في تفاصيل الوجع البصري يبقى السؤال معلقا:

هل نكتفي بترديد الأسماء المجردة للمآسي، أم أن نظرة صادقة إلى لوحة مثل "أوركون" قد تعيد للكلمات ما فقدته من ثقل المعنى؟

***

د احمد عابر

 

في لحظة ما من القراءة، يكتشف القارئ أنه لم يعد يسير فوق أرض صلبة، بل داخل ممرات متشابكة، تتفرع دون إنذار، وتعود لتلتقي أو لتفترق في صمتٍ مريب. هناك يتحول النص إلى متاهة تُعاش. متاهة لا جدران لها سوى اللغة، ولا أبواب سوى التأويل، ولا مخرج مضمون سوى ما يصنعه القارئ بنفسه..

لقد غيّر السرد المعاصر موقع القارئ من متلقٍّ إيجابي إلى كائن تائه، يجرّب ويخمن ويضلّ الطريق. لم يعد النص الروائي يقدّم نفسه باعتباره عالماً مغلقاً متماسكاً، بل كفضاء مفتوح، تتقاطع فيه الأزمنة، وتتناسل فيه الأصوات، وتتشظى فيه الذوات. في هذا السياق، تصبح القراءة تجربة قلق، حيث لا يقود الخيط دائماً إلى الخروج، بل قد يلتف حول عنق المعنى نفسه..

في المتاهة الروائية، يُعاد ترتيب الزمن خارج منطقه المألوف. الماضي لا يأتي بعد الحاضر، بل قد يسبقه أو يتداخل معه، وقد يُروى الحدث الواحد من زوايا متعددة، فتتعدد الحقيقة أو تتبخر. هنا، لا يملك القارئ يقيناً واحداً، بل يعيش داخل احتمالات، كل منها يبدو مقنعاً بقدر ما هو قابل للانهيار. إن الزمن في هذه النصوص ليس خطاً، بل شبكة، وكل عقدة فيها تُفضي إلى تأويل مختلف.

أما الشخصية، فليست أقل تيهاً من القارئ. إنها كائن متشظٍ، فاقد للثبات، تتنازعه هويات متعددة، ويصعب الإمساك بجوهره. قد يكون الراوي نفسه موضع شك، وقد يتحول إلى قناع يخفي أكثر مما يكشف. وهنا، يُدفع القارئ إلى التساؤل: من يتكلم؟ ومن يروي؟ وهل ما يُقال حقيقة أم بناء متخيَّل يتقن لعبة الإيهام؟

تتعقد المتاهة أكثر حين يصبح النص واعياً بذاته، يلتفت إلى كونه نصاً، ويكشف آلياته، ويشكك في سلطته. في هذا المستوى، لا يعود السرد مجرد تمثيل للعالم، بل مساءلة له، ولأدوات تمثيله. ينهار الجدار بين الكاتب والنص والقارئ، وتُفتح لعبة مرايا لا تنتهي. القارئ هنا لا يقرأ فقط، بل يُقرأ أيضاً، إذ يجد نفسه داخل شبكة من الإشارات التي تستدعي خبرته وثقافته وحدوده.

ولعل من أبرز ما يميز هذه المتاهات الروائية أنها لا تمنح لذة سهلة، بل لذة مؤجلة، تتشكل عبر الجهد والتعثر وإعادة القراءة. إنها نصوص تقاوم الاستهلاك السريع، وتطالب قارئها بالصبر واليقظة. قد يشعر القارئ بالضياع، بل بالإحباط أحياناً، لكنه ضياع منتج، لأنه يفتح أفقاً جديداً للفهم، ويحرر القراءة من سكونها.

غير أن هذا التيه ليس غاية في ذاته، بل هو استراتيجية جمالية ومعرفية. فالمتاهة الروائية تعكس تعقيد العالم المعاصر، حيث لم تعد الحقائق بسيطة، ولا الهويات مستقرة، ولا السرديات الكبرى قادرة على احتواء التجربة الإنسانية. إن تيه القارئ هو صدى لتيه الإنسان في واقع متشظٍ، متعدد، ومربك.

وهكذا، حين يتيه القارئ، لا يكون قد فشل في القراءة، بل يكون قد دخلها حقاً. لأن القراءة، في أعمق مستوياتها، ليست بحثاً عن مخرج، بل إقامة داخل المتاهة، والقبول بأن المعنى ليس نقطة وصول، بل رحلة لا تنتهي.

***

حسن لمين - كاتب مغربي

 

سيرة مبدع من المجر الكبير

في جنوب العراق، حيث تتنفس الأرض عبق التاريخ وتنساب الحكايات على ضفاف الأهوار، تتكوّن ملامح شخصياتٍ جمعت بين العقل والإبداع، بين الدقة العلمية وروح الفن. ومن بين هذه الأسماء يبرز المهندس والخطاط علي محمد علي إبراهيم الجبير، بوصفه نموذجاً لإنسانٍ استطاع أن يخطّ مسيرته بمدادين: مداد الهندسة، ومداد الحرف العربي الأصيل.

وُلد الجبير  في قضاء المجر الكبير، ونشأ في بيئةٍ تفيض ببساطة الجنوب وعمقه الثقافي. اختار طريق العلم، فحصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة، ليبدأ مسيرته المهنية التي توّجها بمنصب رئيس مهندسين أقدم في شركة نفط ميسان، حيث أثبت كفاءةً عاليةً في مجاله، جامعاً بين الخبرة والانضباط والدقة.2653 ali aljobar

لكن روح الجبير لم تكتفِ بلغة الأرقام والمعادلات، بل انجذبت إلى عالمٍ آخر لا يقلّ جمالاً ودقة، هو عالم الخط العربي والزخرفة الإسلامية. هناك، وجد ذاته الحقيقية، فصقل موهبته حتى نال إجازة في الخط العربي من الخطاط الكبير نبيل الشريفي، وهي شهادة لا تُمنح إلا لمن بلغ درجةً متقدمة من الإتقان.

انخرط في الوسط الثقافي والفني، فكان عضواً في جمعية الخط العربي، والمركز الثقافي للخط العربي، إضافة إلى عضويته في اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، مما يعكس تعدد اهتماماته وعمق حضوره في المشهدين الفني والأدبي. وقد شارك في العديد من المعارض والمهرجانات، مقدّماً أعمالاً تحمل بصمته الخاصة، حيث تتجلى في لوحاته روح الحرف العربي وجمالياته المتوارثة.

لم يتوقف عطاؤه عند حدود اللوحة، بل امتد إلى البحث والكتابة، فكتب في تاريخ الخط العربي وأنواعه، مساهماً في توثيق هذا الفن العريق ونقله للأجيال. كما خطّ بيده جزء عمّ وجزء تبارك بخط النسخ، في تجربةٍ تجمع بين العبادة والفن، وهو اليوم مستمر في مشروعه الكبير: كتابة القرآن الكريم كاملاً بخط يده، في عملٍ يحتاج إلى صبرٍ طويل وإخلاصٍ نادر.

أما في مجال الأدب، فقد أظهر الجبير وجهاً آخر من إبداعه، فأصدر مجموعتين قصصيتين هما "الجسر" و**"دموع النمل"**، حيث عبّر فيهما عن رؤيته الإنسانية وتجربته الحياتية بأسلوبٍ سرديٍّ مميز. ولا يزال عطاؤه متواصلاً، إذ يعمل على إصدار مجموعة قصصية جديدة بعنوان "خمسة + واحد"، إلى جانب ديوانٍ شعريٍّ قيد الإعداد.

إن سيرة علي محمد علي إبراهيم الجبير ليست مجرد مسارٍ مهني أو فني، بل هي حكاية إنسانٍ آمن بأن الإبداع لا تحدّه حدود التخصص، وأن الحرف يمكن أن يكون بقدر المعادلة دقةً وجمالاً. هو واحد من أولئك الذين ينسجون من شغفهم طريقاً، ويتركون في كل خطوة أثراً… فكان بحقّ جسراً بين العلم والفن، وبين الحاضر وأصالة التراث.

***

خليل الحلي

تناقلت وكالات الانباء ووسائل الإعلام المنتشرة في جميع أنحاء العالم، يوم الأحد الثالث عشر من نيسان العام الماضي ٢٠٢٥، خبر وفاة الكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا، الحاصل على جائزة نوبل للأدب عام ٢٠١٠ ،وذلك بعد أن نعته عائلته في اليوم ذاته، وقد تلا نعيه هذا العشرات والمئات من الأخبار التي نقلت نعي رؤساء دول، سياسيين ورجالات ادب، وذلك ضمن إشارة واضحة لأهمية هذا الكاتب الادبية، وتركته التي تمثلت في أكثر من ثلاثين كتابا، وقف في طليعتها انتاجه الروائي، ذلك الإنتاج الذي قدمه خلال عمره المديد، الذي قارب التسعين عاما. ومما تردد بعد رحيل هذا الكاتب الذي يعتبر من أهم كتاب عصرنا، أنه كاتب جاد.. قد تختلف معه في هذا الرأي أو ذاك، إلا أنك لا تمتلك الا ان تحترمه وتحترم ما تركه من إرث ادبي، تغلغل إلى أعماق النفس الإنسانية، ضمن إطار متخيل أسسه صاحبه على معاينات شخصية وتجارب انتصبت في صلبها صورة الكاتب العصري الحداثي، الذي يلامس جل قضايا العصري ببراعة واقتدار.

تعود علاقتي الأدبية بماريو فارغاس يوسا (٢٨ آذار ١٩٣٦- ١٣ نيسان ٢٠٢٥)، إلى نحو العقدين من الزمن وقد لفتني وآثار اهتمامي، بعد قراءة العديد من أعماله الروائية والأدبية عامة، أنه قدم بحياته وإنتاجه صورة للكاتب العصري، ابن هذا الزمان ورفيق قضاياه الحارقة والملحة، مدركا تمام الإدراك للعملية الإبداعية الادبية، وهو ما دل عليه انتاج الادبي الروائي اولا، وإنتاجه الادبي ممثلا في المقالة الأدبية الرصينة ثانيا.

سأحاول فيما يلي تقديم صورة عامة لعلاقتي الأدبية به، ولن التزم بالترتيب الزمني، الكرونولوجي، لهذه العلاقة، وذلك لمقتضيات الكتابة الأدبية ذات الترتيب المنهجي أو المنطقي كما اراها. من هكذا منطلق سأشير اولا إلى كتاباته الأدبية العامة، وسوف أتوقف قليلا عند كتابه "رسائل إلى روائي شاب"، هذا الكتاب الذي تحدث فيه عن أهم ما تتطلبه الكتابة الروائية، سواء من ناحية الايقاع الروائي والشخصيات أو من ناحية أهمية الشكل ممثلا بالحبكة، وهي التتابع المنطقة للأحداث، أو من ناحية التناول العام للقضايا الهامة في المجتمع، لكن بأسلوب يذكر بمقولة الكاتب الأمريكي ارنست همنجواي، صاحب رواية الشيخ والبحر، عن أهمية أن يتعامل الكاتب، اثناء كتابته عمله الروائي على اعتبار أن ثلثيه يقومان تحت الماء، في حين لا يرى القارئ الا الثلث البارز فوق الماء، بالضبط كما يحدث في الحياة اليومية المعيشة خلال تعاملنا نحن بني البشر فيما بيننا. قراءة هذا الكتاب شجعت على قراءة كتب اخرى. في السياق ذاته برز من بينها كتاب، طرح فيه السؤال المثير حول السبب الذي يدفعنا لقراءة الادب والروايات. لن أتوقف أكثر عند هذا الكتاب واقترح على من يريد أن يتعمق في قراءة ما خلفه كاتبنا المبدع من أعمال أدبية انطباعية صرف، أن يبحث عنها ليقرأها، فهي تستحق المتابعة والقراءة، وبإمكاني القول إن من يقرأها يربح الكثير، ويدخل في ابسط الحالات إلى عالم يوسا المستحق، فاهما، واعيا ومدركا، وهذه لعمري هي متطلبات القراءة الأساسية والجادة.

قراءتي هذه لنثريات ماريو فارغاس يوسا، كانت الاولى، بعدها قرأت عددا غير قليل من رواياته منها امتداح الخالة ودفاتر دون ريغوبيرتو. بما أنني اكتب هنا مقالة وداعية لهذا الكاتب واريد لها أن تعرف من لا يعرفه به، فإنني اكتفي فيما يلي بالتوقف السريع عند ثلاث من رواياته، لم اكتف بقراءتها فقط، وانما اقترحت أيضا، على اكثر من صديق اديب أو متأدب قراءتها.

ضمن الترتيب غير الزمني المذكور آنفا، اتحدث فيما يلي عن روايته الكبيرة حفلة التيس، فهذه الرواية تتحدث عن شخصية الحاكم الطاغية، وتتمحور حول شخصية دكتاتور جمهورية الدومينيكان رفائيل تروخيو، الذي تم اغتياله عام ١٩٦١، وتتوزع أحداثها على ثلاثة محاور، كل من أصحابه وشخوصه، يرى ذلك الديكتاتور من زاويته الخاصة به. كما هو معروف فإن موضوع الديكتاتور شغل حيزا خاصة فيما خلفه كتاب أمريكا اللاتينية، ابتداء من رواية السيد الرئيس للكاتب الغواتمالي ميجيل استورياس، انتهاء برواية الأنا الأعلى للكاتب اوجينو روا باستوس، التي تدور حول شخصية الديكتاتور السياسي خوسيه دي فرانتا الذي حكم الارغوي، في المنتصف الاول من القرن التاسع عشر، مرورا برواية خريف البطريرك للكاتب الكولومبي جابريل غارسيا ماركيز، التي تدور حول دكتاتور طاغية عجوز متخيل استقى ماركيز مواصفاته من أكثر من طاغية من طغاة جمهوريات الكاريبي. 

الرواية الثانية التي وددت التوقف عندها هي البطل المتكتم، وهي رواية تتعرض لموضوع، بات هاما وملحا مع ظهور مجموعات المافيا الاجرامية، العنيفة القتالة، هو موضوع الخاوة، واذكر بالمناسبة أنني كنت قد أعدت مؤخرا، قراءة هذه الرواية، وبادرت الى كتابة مقال تعريفي بها، نشر قبل رحيل صاحبها يوسا، بعدد قليل من الايام. هذه الرواية، تدور حول رجل اعمال، اجتهد فتمكن من الانتقال من سائق شاحنة متواضع الحال إلى صاحب شركة نقليات ناجحة. هذه الرواية أيضا تتوزع على ثلاثة محاور، يتنقل مبتدعها يوسا، فيما بينها بمهارة وبراعة لافتين، وينتهي كعادته بالربط فيما بينها بيسر وسلاسة كاتب متمرس، بإمكان من يريد التوسع في القراءة عن هذه الرواية، قراءة ما كتبته عنها في هذه الصفحة قبل فترة وجيزة.

الرواية الثالثة والأخيرة التي أود التوقف عندها، هي رواية الفردوس على الناصية الاخرى.  هذه الرواية تطرح السؤال عن كينونة اليوتوبيا/ العالم المثالي أو الفردوس، اهو في المساواة ام في المجتمع البدائي، وخلال المحاولة الدائبة للإجابة على هذا السؤال، يلتقي القارئ وجها لوجه بالمدعوة فلورا تريستان، التي كرست حياتها لإنصاف المرأة والانتصار لقضيتها في الوجود والمساواة، وفي المقابل يلتقي قارئ الرواية بالفنان التشكيلي بول غوغان صاحب لوحات تاهيتي المعروف لكل محبي الفنون التشكيلية في شتى بقاع العالم، وبحثه الدائب عن الحياة البدائية في جزيرة تاهيتي. في هذه الرواية الفاتنة يتألق يوسا في ابتكار عالمه المتخيل، ويكاد قارئها يلتقي بشخوصها، خاصة غوغان كما تخيله مؤلفها، اقول يكاد يلتقي به شخصيا وان يلمسه بالعين واليد. ولعل يوسا بهذا يحقق افضل ما يطمح إليه الكاتب الروائي، وفق الرؤية الخاصة للكاتب الانجليزي البارز دي. اتش. لورنس. صاحبة الرواية ذائعة الصيت عشيق الليدي تشاترلي.

في المجمل يمكننا القول، أن ماريو فارغاس يوسا، تمكن باقتدار وبراعة نادرين، من خلق عوالم متخيلة قريبة من عالمنا، بكل ما مار فيه من أحداث ووقائع، وذلك برؤية فنية رفيعة المستوى.. رؤية تعتمد الوعي والسرد العميق الراقي، وهو ما أهل رواياته مجتمعة تقريبا، لأن تتحول بيسر وسهولة، إلى افلام سينمائية رائعة يشاهدها الناس في شتى بقاع العالم، بالضبط كما فعل القراء، على اختلاف انتماءاتهم وطبائعهم..

***

ناجي ظاهر

حين يطل علينا الربيع ببهائه الساحر، فإنه لا يأتي مجرد فصل عابر بين شتاء قارس، وصيف لاهب، بل يحضر بوصفه حالة وجدانية متوهجة، تلامس اعماق الروح، قبل أن تلامس معالم الطبيعة، وتوقظ في وجدان الإنسان حسه المرهف، الذي طالما ظل كامنا، تحت وطأة البرد، وعكرة الطقس، قبل حلول فصل الربيع.

وهكذا يظل الربيع بوهجه الساحر، ذلك الفصل الزاهر، الذي يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان ومعالم محيطه، ويمنح الأشياء ألقا جديدا، حتى تبدو له، وكأنها قد خلقت من جديد.

ففي فصل الربيع، تتبدل ملامح الأرض، فتكتسي ربوعها بحلة خضراء يانعة، وتتفتح الأزهار بألوانها الزاهية، ناشرة عطرها الزاهي، نسيما هادئا، ينشر عبق الحياة، في كل الأرجاء.

ولاريب إن هذا التحول المدهش في معالم الطبيعة، ليس مجرد مشهد جمالي، وحسب، بل هو ومضة صرخة تدعو إلى التأمل، وإعادة اكتشاف التفاصيل الصغيرة في عوالم محيطنا، والتي غالبا ما تغيب عن اهتماماتنا في خضم زحمة الأيام.

ولعل الحس المرهف، يجد في الربيع، فضاءه الأرحب، حيث تتضاعف قدرة الإنسان على التفاعل، والتلقي، ليصبح أكثر انتباها لزقوفة العصافير، وأكثر تأثرا بحفيف أوراق الشجر، وأكثر انشدادا لعبق الزهور، وارحب تقبلا لضوء الشمس اللطيف، وهو يتسلل عبر اغصان النباتات، حيث لا تعود الطبيعة مجرد فضاء واسع للحياة، بل تتحول إلى شريك حميم في مشاركة تفاعلات التجربة الشعورية.

وفي هكذا أجواء خلابة، تتوهج المشاعر الإنسانية، ويزدهر الحس المرهف، حيث يميل القلب إلى النقاء، وينثال الحس وجدا انفعاليا، مكتضا بمشاعر الحب، ليعيد الإنسان من خلاله، ترتيب وضع ذاته، ويمنح نفسه فرصة إضافية، للبدء من جديد.

وهكذا يوقظ الربيع في النفس، نزعة الإبداع، فيجد الأديب في تفاصيل مرئياته، مادة خصبة للبوح، والابداع، ويستلهم من ألوانه وإيقاعاته، صوراً نابضة بالحياة، حيث الإبداع، بطبيعته، يحتاج بيئة متوهجة، تتسم بالتجدد والانفتاح، وهو ما يتيحه فصل الربيع بسخاء، لاسيما وأن سحر الربيع يكمن في قدرته على إحياء ما قد خمد في الوجدان من حس، ويبعث الأمل في النفوس، حتى في أحلك اللحظات، ليذكرنا بأن التغير ممكن، وأن الجمال قد يولد من رحم الكرب، وأن لكل شتاء نهاية، مهما طال امده.

ويظل الربيع بهذا الوهج المتالق، مرآة للحس المرهف، يعكس أدق الانفعالات وأجملها، ويمنح الإنسان فرصة ذهبية، يصغي من خلالها، إلى هواجس ذاته، ويعيد اكتشاف عوالمه، برؤية جديدة، أكثر صفاء، واوسع دهشة.

***

نايف عبوش

يجمع قراء كتاب" الضوء الازرق" بحق، في مقدمتهم الشاعر محمود درويش في تظهيره الثري للكتاب، على أنه يضم نصا يستعصي على التأطير، ففيه من الرواية ومن السيرة الذاتية، بالضبط كما فيه من التأملات الصوفية، والمشاهد المتناثرة، تناثر الندي على بتلات الورد، كما يقول مؤلف الكتاب ذاته، في احدى صفحاته الجزلة الثرية. ويرى كاتب هذه السطور أنه هذا الكتاب ينتمي إلى الكتابة التجريبية، بمفهومها المسرحي، بمعنى أنها تتوجه إلى القارئ الخاص، ذلك القارئ الذي يغريه التفكر الجاد، ويجذبه سحر البيان العصي المتحدي أو البيان الساحر.

مؤلف هذا الكتاب الخاص والمميز في أدبنا العربي الفلسطيني، هو الكاتب والشاعر الراحل حسين البرغوثي( ١٩٥٤-٢٠٠٢) ،ابن قرية كوبر قضاء رام الله، وقد تلقى دراسته الأكاديمية العليا في هنغاري والولايات المتحدة الامريكية، وعندما عاد إلى ارض الوطن عمل محاضرا للأدب في جامعة بير زيت، تضم تركته الأدبية ١٤ عملا تتوزع على السرد، النقد الادبي ، وله فيه كتاب هام جدا عن "أزمة شعرنا المحلي"، التراث الشعبي والتوثيق. وقد كان كما يشهد كتابه هذا/ الضوء الازرق، وكما سبق وشهد مجايلوه ومعاصره، منهم الشاعر الوطني فوزي البكري.. الذي اعتز طوال الوقت بلقب صعلوك القدس، يشهد هؤلاء على أنه كان شعلة متقدة من الثقافة، المعرفة وثراء الاطلاع.

ضمن معاينة متأملة لعنوان هذا الكتاب، نقول إن الضوء الازرق، وفق تعريفه العلمي ايضا، هو ضوء عالي الطاقة ويشبه الأشعة السينية، القادرة بعينها المتمكنة على معاينة الاشياء ورؤية ما وراءها، من هكذا منطلق يمكن للقارئ المتمعن، ملاحظة أن الضوء الازرق يرافق صفحات الكتاب وأحداثه متتالية التداعي، ابتداء من مفتتحه حتى منتهاه. فالكاتب يصول ويجول برفقة هذا الضوء، ويذهب بداية إلى حكاية زرقاء اليمامة المشهورة في تراثنا العربي، متنقلا من حكاية الطائر الازرق، إلى اخرى وتالية مثل مرحلة الابداع الفني التشكيلي/ المرحلة الزرقاء في حياة الفنان الاسباني الشهير  بابلوبيكاسو، وكأنما هو يحاول أن يوجد آصرة توصل ما بين اشتاته ومتناثراته رابطة ما بينها، ضمن رغبة واضحة في إقناع القارئ بأنه لا يقرأ معميات ومبهمات، يؤكد هذا الفصل الثاني الذي يختلف عن الاول، ففي حين يقوم الفصل الاول على التداعي الحر، فإن الفصلين المتبقيين، الثاني والثالث يقتربان من السرد واضح الرؤى والمعالم، لكن دون التنازل عن السرد المتتالي المختلط نوعا ما بشيء من التداعي المغري والمقرب إلى نفسية المؤلف وثقافته المتعمقة الواسعة، عربيا واجنبيا، كما يتضح من هذا الكتاب ذاته أيضا.

من الصعب جدا تقديم مختصر مفيد لهذا الكتاب الخاص، غير أنه ليس من الصعب التوقف عند شخصيات تكرر ذكرها واراد لها المؤلف أن تشاركه في تقديم أفكاره ورؤاه المخصوصين، فشخصيات مثل " دون"، "سوزان" و "بري"، تلك الشخصيات التي يهدي المؤلف كتابه في صفحة الكتاب الأخيرة اليهم، تبدو بتعقلها وجنونها حينا وباستاذيتها وعقلانيتها حينا اخر، طاغية على الأجواء العامة للكتاب.. ومن الصعب العصي نسيانها. أما على مستوى الاحداث، فهناك في الكتاب مواقف واحداث لا يمكن أن تنسى ايضا، واعتقد انها يمكن أن تشكل مادة دسمة لفيلم روائي من طراز رفيع في حال توفر كاتب سيناريو، دراماتورج،  مؤيد  للقضية الفلسطينية اولا ومتمكن من هواها ثانيا. من المشاهد التعبيرية البارز ة في هذا الكتاب، الذي نفضل أن ننعته بصفة النص الادبي، على طريقة الكاتبة المصرية اعتدال عثمان، فاذا ما كان هذا الكتاب قد استعصى على التجنيس الادبي، فبإمكاننا أن نطلق عليه صفة النص المذكورة بكل يسر وسهولة. اقول من المشاهد البارزة في هذا الكتاب مشهد وداع الكاتب، أو الراوي لوالده وهو مسجى تمهيدا لغيابه الاخير وعدم اقتراب ابنه منه، رهبة وخشية من الموت. الماثل أمامه. فهذه الرهبة تذكر كاتب هذه السطور بما شعر به من رهبة الموت خلال وقوفه قريبا من جثامين الكثيرين من اعزائه الراحلين، من بينهم والداه وشقيقاه، فان هذه الوقفة المرتعبة تشبه وقفة بطل رواية "الجبل السحري"، للكاتب الألماني توماس مان، خلال توديعه الاخير لإنسان عزيز جدا عليه. واذا كان هذا الموقف يضج بالرهبة، فهناك في الكتاب، مشاهد أخرى تحفل بالسخرية السوداء مثل ذلك المشهد الذي يستعرض فيه لقاءه الاول إبان طفولته الأولى في بيروت بالمصعد، فهو يرى بعين الطفل المصعد الذي يقل مستقليه إلى شققهم  متعددة الأدوار، مجرد خزانة، وهو عندما يرى إحدى ساكنات العمارة " ام مروان، تستقل ذلك المصعد، ليعود إلى حيث هو يقف منتظرا، ناقلا فتاة صغيرة يراها حسين الطفل بعينه المحدودة..، يعتقد أن تلك الخزانة/ المصعد، ما هي إلا خزانة سحرية تحول الشيخ إلى طفل والطفل إلى شيخ. هذا التعبير مجازي أردت أن اجسد بواسطته رؤية الكاتب. أن ذلك الطفل، حسين البرئ الذكي، ما يلبث أن يكتشف حقيقية المصعد فيهتدي إلى زر إيقافه وتشغيله، فيمارس الامرين، متنقلا بينهما، وهارعا الى من علقوا، أو علقهم هو ذاته في المصعد لينقذهم، وليجود عليه بعض منهم ببعض من الاكراميات.

المشاهد التي يحفل بها هذا الكتاب العصي على القراءة إلى حد ما.. كثيرة، وليس من المستحب ولا المطلوب أن نتحدث عنها مجتمعة، بيد أنه من المفضل في رأينا أن نشير إلى واحد من المشاهد خفيفة الدم وذات المعنى العميق، ذلك المشهد يتمحور حول ارتباط الكاتب أو الرواي بالفتاة الأمريكية سوزان، تلك الفتاة / المرأة، التي ترفض أن تكون خادمة له كما تهتف به، فيضطر، خلافا لكل ما تربى عليه والفه في قريته البعيدة هناك في الضفة الغربية، إلى أن يقتسم معها طاولة القهوة أو الطعام، كل منهما، هما الاثنين، يقوم بتنظيف نصف الطاولة المستعمل من قبله والقريب منه!!.

تبرز في الكتاب إضافة واغناء له ولما تضمنه من سرد أو سرديات، تلك النقاشات الفلسفية التأملية الدالة على فعالية الضوء الازرق، تلك الفعالية الخارقة في قوتها وتبصرها، بين مؤلف الكتاب أو راويه، وبين ذلك العاقل المجنون المدعو بيري، الذي يفضل التشرد على الاستقرار، ربما بهدف الوصول إلى أعماق الحس الإنساني، ممثلا بحسه الذاتي للحياة. أما الجمل التي يتوقف عندها المؤلف،  مثل جملة جبران خليل جبران القائلة؛" أن الإنسان يقاس  إلا بإنجازاته لا بما بتوق إليه" (ص ٩٥)، أو  مقولة هيراقليطس: "إن كثرة المعلومات لا لا تؤدي إلى الفهم". أو مقولته "أن اللوجوس خزان يتسع"- لكل شيء ( ص ١٠٧)، أقول إن مثل هكذا جمل واقوال، انما تضيف إلى هذا الكتاب الخاص والمميز.. قيمة أخرى   فائضة.

***

ناجي ظاهر

ماري إلياس زيادة (1941-1886)، أو "مي زيادة"، أو الذات القلقة والحائرة بين مسميات عديدة، تبعا للأحوال والظروف. وقبل ذلك: قلب موزع بين بلدان شتى، ينتسب إليها دون أن يستشعر معنى الوطن، وينافح عنه كما يفعل كل كتاب العالم!

تعد مي زيادة في طليعة الأديبات العربيات اللواتي مهرن حضورهن المبكر في الساحة الأدبية، وحررن فعل الكتابة من قبضة القلم الذكوري الذي اختار دوما الكتابة عنهن أو إليهن، دون التفكير في منحهن حق تلطيخ ثيابهن بالحبر وألوان الصباغة!

وهي في الآن ذاته تعبير عن النبوغ المبكر والإصرار على تحقيق الندية في عالم الكتابة، وتصفح نفس المرأة فيما تصف به ذاتها، وليس فيما يرويه عنها الكاتبون كما أوردت في إحدى مقالاتها. ورغم أن عددا من الكتاب انبروا لتوثيق أعمالها، ودراسة إنتاجها الأدبي والفكري بغية تكريمها على نحو لائق، إلا أن التعاطف مع مَي، خاصة بعد محنتها الشهيرة حين اتهمت بالجنون، وتم الحجر عليها ووضعها في مستشفى للأمراض العقلية، أضفى على هذه الكتابات سمة المرافعة، وبيان الإدانة للظروف والأحوال، وثلة الأدباء الذين فتنهم حضورها الآسر وتحررها على غير ما ألفوه في عادات الشر. فغاب التقييم الأدبي والاشتغال النقدي على ما خطته أناملها في مجالات أدبية متنوعة، من قصة، وخاطرة، وشعر، ورسائل وترجمات وغيرها، ليحل محله الثناء على حضورها الآسر ورقتها، وكونها ظاهرة ثقافية بامتياز في ذلك العصر.

إن التجربة الأدبية لمي زيادة تتيح إقامة حوار من نوع خاص مع قلم أبى الانصياع للتمييز الثقافي والاجتماعي، ودافع عن النشاط الإبداعي للمرأة وحقها في تطوير أفقها النظري والجمالي، أمام الهيمنة الإيديولوجية الذكورية.

 ورغم أن لهذه التجربة محطات عديدة أهلت مَي للتموقع خارج "النص"، إلا أن ثلاثا منها هي الأبرز، برأيي المتواضع، في إضفاء الخصوصية على كتابات مَي، حتى داخل ما اصطلح عليه بالأدب النسائي. هذه المحطات هي: مدارس الراهبات، والصالون الأدبي، وعلاقتها المتفردة بجبران خليل جبران!

مدارس الراهبات

 في مدارس الراهبات التي استوعبت طفولة مَي، تولد ذاك التبتل العميق الموسوم بالحزن الطاغي، والقلق المستمر، والتماس السعادة فيما وراء الحجب. وترسخ في كيانها الهش ألم الوحدة والفراق الذي لازمها حتى فارقت الحياة. فما من سطر في خواطر مَي ورسائلها، إلا وتتردد بين ثنايا مفرداته وصوره التعبيرية نغمة الحزن.

لذا ليس من المغالاة القول بأن أجواء الدير وحزم الراهبات، قد حفرا أخاديد عميقة في التكوين النفسي، وخلفا ميولات سوداوية، أفصحت عنها مَي في سنوات مبكرة من تجربتها الأدبية. تقول في (السوانح)1:

" عجوز، أنا أتراني أصل إلى ذلك العمر؟ وكيف يكون المرء عجوزا؟ كيف يشعر عندئذ؟ وكيف يفكر؟ يُخيل إلي أني سأرحل قبل ذلك، وأن الموت سيحملني غضة الشباب فيطير بي إلى حيث تسبح الملائكة، وتنبت الأزهار ناضرة. أشتاق إلى الموت في هذه الأيام، ذلك لأني لا أفهم الحياة التي يقول مرشدنا الروحي إنها مشكلة المشكلات.."

" وانتشر شذا البخور في فضاء المعبد؟ عندئذ جثوت على سريري وطلبت الموت لا جبنا ولا ضعفا، بل شوقا إلى السماء الزرقاء حيث الطهر والنقاوة والجمال والكمال. إلهي، إلهي! متى أصير فاضلة وأحتمل صابرة كتوما؟ كم ذا أغبط معلماتي! فبينهن من تثير إعجابي ولا سيما ن.و. ولا شك أنها جاهدت كثيرا للتغلب على نفسها.."

 ملاذ مَي الوحيد في فضاء الدير، كان المنجزَ الأدبي للحركة الرومانسية التي أولت عناية مميزة للشغف العميق بالطبيعة، وتأثيراتها الروحية على الحياة . فقرأت لألفريد دي موسيه، ولامارتين، وجورج صاند، ومدام دوستايل، وفيكتور هوغو وغيرهم. وساعدها نبوغها المبكر وانفتاحها على الثقافة الأوربية للقيام بخطوة أدبية جريئة، تمثلت في ترجمة (الحب الألماني) للروائي الشهير فريدريخ ماكس مولر، لكن تحت عنوان يجلله غشاء الحزن والكآبة اللذين لم يفارقاها وهو (ابتسامات ودموع).

لنستمع إلى مي وهي تعقب على أديب تساءل: أهي ناقلة ماكس مولر إلى العربية أم هو ناقلها إلى الألمانية؟

" في هذه الكلمة التي تخال تملقا للوهلة الأولى، حقيقة أولية هي كل قوة الكاتب الوجداني، الذي إنما نحكم له بالتفوق لأنه أحسن التعبير، ليس عما يشعر به هو الكاتب، بل عما نشعر به نحن القراء. وكيف لا نحكم له بذلك وهو الغريب الجاهل أسرار قلوبنا، قد اطلع على خفايانا وبسطها لنا وللعالمين. وكتاب (ابتسامات ودموع) من هذا القبيل آية سحر وبراعة، لا يقصر على الوصف، بل هو مهبط الوحي للنفوس الحساسة" (2).

بعد انتقالها إلى مصر ستنخرط مَي في الحراك الأدبي والفكري، وسيتفتح وعيها على بوادر الحركة النسائية، لتنخرط في هموم المرأة الشرقية وشواغلها، مؤجلة حديث الألم والوحدة والهموم إلى حين!

الصالون الأدبي

مرحلة الصالون الأدبي الذي استمر لما يناهز عقدين، هي مرحلة فارقة في حياة مَي، وتجربة حفزت ملكتها، وثوّرت إمكانياتها وطاقاتها الإبداعية، لتخلق حيزها الخاص وسط عمالقة الفكر والأدب، من رواد صالون الثلاثاء الشهير.

لم تكن الفكرة بحد ذاتها مبدعة، لأن للصالون الأدبي جذورا تمتد في التاريخ حتى العصر الجاهلي؛ لكن شخصية مَي المتفردة، واحتفاءها بأنوثة ممزوجة بكبرياء الأدب، إضافة إلى تزامن انتقالها لمصر مع التشكلات الأولى للحركة النسائية؛ كل تلك العوامل أثمرت نجاحا لصالون مَي لم يُقيض لمثله أن يحظى به.

يقول الدكتور محمد خالد غازي: " في أيام الثلاثاء كان يزدحم الصالون، فتُناقش الكتب الجديدة، والقصائد الحديثة، والحملات الصحفية. وكان أنطون الجميل أفوه خطباء الشباب يحلل قضايا الساعة.. وتندمج مَي في شتى الأحاديث، بما توحيه روحها الوثابة من الأفكار المبتكرة.. فتصفق لها وتمدحها تلك الجوقة، ومنها أولئك الذين حملوا لمصر صولجان الأدب. فأبصرت مَي بهؤلاء الرجال الذين كرموها، أملا كبيرا لمستقبل المرأة الشرقية المضمون في حياتها الاجتماعية ومؤازرتها للرجل." (3)

ولم يكن من اليسير أن تجتمع قامات أدبية وفكرية وسياسية، كالعقاد وأحمد لطفي السيد وأحمد شوقي وطه حسين والرافعي، لولا خصائص ذاتية امتازت بها مَي، وفي مقدمتها الحنكة البالغة في التأليف بين أمزجة وتيارات وآراء متباينة، حد الخصومة في مجلس واحد. مما أتاح لصالونها أن يستمر قرابة خمس وعشرين سنة!

كان رجال الصالونات، كما أسماهم إبراهيم المازني، يسرفون في التودد إليها، ومجاملتها على نحو أفضى لنسج قصص حب عديدة. إلا أن مَي زيادة، وبغير قليل من الجهد والمثابرة، تمكنت من تسخير كل هذا الإعجاب لرصف ممرها الخاص إلى المجد الأدبي. ولعل أهم ما أنتجته في هذه الفترة هو الدراسات الأدبية والنقدية، التي همت تشكيلة من رائدات اليقظة النسوية، كعائشة تيمور، وباحثة البادية، ووردة اليازجي وغيرهن. وما يلاحظه المتصفح لهذه الأعمال، هو حرص مي الشديد على توجيه بوادر الحركة النسوية الإصلاحية، لتكون دعوة للتحرر من ظلم المجتمع، دون أن يفضي الأمر إلى انفلات أو تقليد ممجوج للغرب:

" في مصر تشتعل شرارة الحياة، وإلا فماذا يعني وقوفي بينكم أيها السادة، وماذا يعني سكوتكم الجميل المملوء إصغاء تاما وتشجيعا قويا وتفكيرا عميقا؟ أتكلم الآن بحرقة كأني صوت المرأة الصامت منذ أجيال، وتستمعون إلي بإشفاق كأنكم نفس الرجل المشتتة منذ ابتداء الدهور.

النفس الكبيرة المبعثرة تستجمع قواها للإصغاء، والصوت الخافت الذي لم يتعود إلا همس الطاعة وتمتمة التمرد المبهم، يرتفع الآن آتيا من بعيد، من عمق أعماق الدهور السوداء، من أقصى أقاصي الخليقة العجيبة، آتيا من القبور، من البحار، من عناصر الحياة جميعا صارخا: أيها الرجل! لقد أذللتني فكنت ذليلا. حررني لتكون حرا، حررني لتحرر الإنسانية!" (4)

اضطر الموت بعض رواد الصالون للكف عن حضوره. وانفضت عنه البقية في ظل تغيرات اجتماعية عميقة، أفرزت بدائل أخرى كالمقاهي، وضجت الشوارع والجامعات بالفتيات، فلم يعد للمرأة ألق الحضور في المشهد العام. كل هذه العوامل وضعت حدا للمحطة الثانية في تجربة مَي، بعد أن بذلت زهرة شبابها في السعي لإثبات الذات، وتحقيق المكانة الأدبية، لتبدأ فصلا جديدا من سيرة المحن والنكبات، لا يصحبها خلاله سوى قلم أودعته همومها وأناتها.

جبران.. أو الحب العابر للمحيطات!  

لا شك أنها أغرب قصة حب على الإطلاق، أعني تلك العلاقة المتوترة والمتفردة التي جمعت بين مَي زيادة وجبران خليل جبران، واستمرت تسعة عشر عاما، تتقلب بين جمر الرسائل، دون أن يعزم أحدهما الأمر ويطوي المسافات للقاء محبوبه، وإخماد لهيب الشوق! تجربة عجيبة وحّدت بين صوتين أدبيين بالغي الذاتية والشجن، فخلدت رسائل طافحة بالمشاعر الإنسانية العميقة.

ما من دارس لتجربة مَي الأدبية، إلا وتوقف عند علاقتها بجبران خليل جبران توقفا مثيرا، سعى من خلاله إلى تأكيد حب متبادل بين الطرفين أو إنكاره. فمن توقف عند قراءة تحليلية للرسائل المتبادلة بينهما، أكد وجود مشاعر فياضة، وأحاسيس ملتهبة تكشف عنها عبارات صريحة لا تحتمل أي تأويل. ومن توقف عند العلاقات الغرامية لجبران بنساء أخريات، وحضور مَي الزائد عن اللزوم في كتابات بعض رواد صالونها، كالعقاد والرافعي وولي الدين يكَن، ينفي وجود علاقة حب، وأن ما حوته الرسائل لم يكن سوى محاورات ممتعة بين قلمين بالغي الحساسية، والكشف المتقد عما تختلج به كل نفس إنسانية!

 لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو عن دور جبران في توجيه المسار الإبداعي لمَي، وحفز ملكاتها الأدبية لتنطلق أبعد مما كانت تسمح به ظروف المشرق آنذاك!

لما أنهت مَي زيادة قراءة قصة (مرتا البانية) لجبران عام 1912، كتبت إليه خطابا تنتقد فيه القصة، وتحدثه عن نشاطها الأدبي وعن ديوانها ( أزاهير حلم) الذي كتبته بالفرنسية. ولم تكن على ثقة بأن جبران، وهو الأديب المشهور، سيحفل برسالة قلم ناشئ؛ إلا أنها فوجئت بخطاب يشجعها فيه على مراسلته، ويرفقه بنسخة مهداة من روايته الجديدة (الأجنحة المتكسرة).

تلك كانت بداية التقارب بين قلمين وحدتهما الرغبة في الانطلاق، والتحرر من قيود المجتمع وإن اختلفا في الدرجة. فروح جبران متوثبة، وقلمه يحطم كل الأغلال؛ أما روح مَي فتقيم اعتبارا للواجب، وتتمرد لكن دون أن تتخلص من ثوب الراهبة! بيد أن هذه المحاورات الطريفة التي دامت عقدين من الزمن، لم تقف عند حدود البوح والمكاشفة، وسرد تفاصيل المعيش اليومي، بقدر ما انطوت على تقييم متبادل للمنجز الأدبي.

في رسائل جبران إلى مَي، والتي نشرتها الباحثة الأستاذة سلمى الحفار الكزبري تحت عنوان (الشعلة الزرقاء)، تتضح رغبة جبران في حفز مَي على تجاوز نمط الكتابة المألوف في المشرق، لارتياد عوالم تعبيرية ورؤيوية ذات نزعة إنسانية متحررة. وهذه الرغبة ترد صريحة في بعض الرسائل، وتبدو متوارية في الطاقة التصويرية المدهشة التي كشفت عنها ريشته السحرية. نقرأ على سبيل المثال، تقييمه لمقالات مي المنشورة بمجلة المقتطف خلال فترة الحرب العالمية الأولى، والتي فرضت توقف المراسلة بينهما:

 " إن مقالاتك هذه تبين سحر مواهبك، وغزارة اطلاعك، وملاحة ذوقك في الانتقاء والانتخاب والترتيب. وعلاوة على ذلك فهي تبين بصورة جلية اختباراتك النفسية الخاصة، وعندي أن الاختبار أو الاقتناع النفسي فوق كل علم وكل عمل. وهذا ما يجعل مباحثك من أفضل ما جاء من نوعها في اللغة العربية. لكن لي سؤال أستأذنك بطرحه لديك وهو هذا: ألا يجيء يوم يا ترى تنصرف فيه مواهبك السامية من البحث في مآتي الأيام، إلى إظهار أسرار نفسك واختباراتها الخاصة، ومخبآها النبيلة؟

 أ فليس الابتداع أبقى من البحث في المبدعين؟ ألا ترين أن نظم قصيدة أو نثرها أفضل من رسالة في الشعر والشعراء؟ إني كواحد من المعجبين بك أفضل أن أقرأ لك قصيدة في ابتسامة أبي الهول مثلا، من أن أقرأ لك رسالة في تاريخ الفنون المصرية، وكيفية تدرجها من عهد إلى عهد، ومن دولة إلى دولة، لأن بنظمك قصيدة في ابتسامة أبي الهول تهبينني شيئا نفسيا ذاتيا، أما بكتابتك رسالة في تاريخ الفنون المصرية فإنك تدلينني على شيء عمومي عقلي." (5) إنها دعوة صريحة للكتابة الإبداعية التي تكشف عن المزاج الفني لصاحبه، وتوقظ فيه ما أسماه جبران في رسالة لاحقة بالعنصر الشفاف الذي يفارق عالم المعنى:

" أنت-أنت التي تعيشين في عالم المعنى، تعلمين أن العنصر الشفاف فينا يتنحى عن جميع أعمالنا، ويبتعد حتى عن أجمل ميولنا البيانية وأنبل رغائبنا الفنية. فهو وإن جاور الشاعرية فينا لا ينظم ذاته نشيدا غنائيا، ولا يضع خفاياه في الخطوط والألوان.."(6).

وحين قرأ جبران مقالة مَي عن الرسوم المرفقة بروايته (المجنون)، حرص على استفزاز ملكاتها التعبيرية، وحثها على ارتياد عالم التشكيل، بما تملكه من رهافة حس وشعور فني عميق، ينفخ الروح في التصاوير وقطع الرخام.

وهنا ينكشف سر تعلق مَي بجبران، فبخلاف رواد الصالون الذين أغرقوها ثناء ومجاملات لا تخلو أحيانا من زيف، تمكن جبران من الغوص في أعماق نفسها، ووضع يده على مفاتيح حيرتها. فلم يُثن على مواهبها التعبيرية فحسب، بل كان يقاسمها في رسائله التالية عشقه للرسم، وانطباعاته عن المعارض التي ارتادها، واللوحات التي هزت أعماقه وشحذت مخيلته، والفنانين الذين أغنوا بصيرته:

" إن ما جاء في مقالتك التي نشرت في "المحروسة" عن رسوم المجنون، لأكبر دليل على شعور فني عميق وفكرة خاصة دقيقة، وبصيرة نقادة ترى ما لا يراه غير القليل من الناس "(7).

وتضمنت رسالة بتاريخ 17 كانون الثاني 1924 ثلاث بطاقات بريدية، تمثل رسوما بريشة الرسام الفرنسي دي شافان الذي يصفه جبران بأنه أكبر مصوري القرن التاسع عشر، لأنه أبسطهم قلبا، وأبسطهم فكرا، وأبسطهم تعبيرا.

وفي رسالة بتاريخ 6 شباط 1925 يبعث ببطاقة بريدية تمثل القديسة (آن)، مرفقة بانطباعات عن القوة السحرية التي تتسرب إلى روحه كلما وقف أمام لوحات دافنشي.

وفي أخرى بتاريخ 28 آذار 1925 يبدي إعجابه بلوحات مانتينغا الشاذة التي تشبه القصائد الغنائية.

بل ويحرص في إحدى رسائله على تخليد علاقته الفريدة بمَي برسم يمثل يدا تحمل شعلة زرقاء!   

إن أثر جبران في التجربة الأدبية لمَي أبلغ من الحفر بين ثنايا السطور عن تصريح بالحب الجسدي، أو تلويح بالرغبة المكبوتة. فقد وجدت مَي من يستوعب تمردها، ويبدد حيرتها أمام شرق يغالي في فصل المرأة عن النوع الإنساني الذي يحصره في الرجل، كما عبرت في إحدى سوانحها.

كان جبران ابن البلد الذي قاسمها الحنين إلى لبنان، ومسحة الحزن التي تخلفها أجواء الدير وتربية الراهبات، والتوق إلى كل ما هو إنساني خارج الحدود والعوائد والقيود المصطنعة.

وكان جبران أيضا عزاءها الوحيد بعد أن تقدم بها السن، وانصرف عن مجلسها من كانوا لا يكفون عن بث لواعج الشوق والسهاد، وامتداح النبوغ الأنثوي في صحراء الذكورة!

وبرحيل جبران رحلت مَي!

 نعم، بقي الجسد يكابد الغربة والأسى، ومكائد الأهل وجفاء المقربين بضع سنين. لكن الروح حلقت مع جبران إلى ما وراء الأفق الأزرق، حيث لا تتوقف الأناشيد الغنائية، وحيث الأصوات الربانية تتموج في الغلاف الأثيري حتى نهاية الزمن.

***

حميد بن خيبش

.......................

1-وداد سكاكيني: مي زيادة في حياتها وآثارها. دار المعارف. القاهرة 1969.ص29

2- مي زيادة: ابتسامات ودموع. مؤسسة نوفل. بيروت 198. ص 14

3- د. خالد محمد غازي: مي زيادة، سيرة حياتها وأدبها. وكالة الصحافة العربية. مصر 2010. ص 84

4- سيمون عواد: من أدب مي زيادة. دار عواد للطباعة والنشر .1981. ص49

5- سلمى الحفار الكزبري ود. سهيل بشروني: الشعلة الزرقاء. بيروت 1984.ص32

6- الشعلة الزرقاء: ص 53

7- نفس المرجع: ص 45.

مقال مذاع من محطة BBC / القسم العربي عام 1997

يعتبر الروائي العراقي المغترب قصي الشيخ عسكر من الروائيين القلائل، الذين كتبوا روائيا عن شخوص عربية تعيش في الغربة، معالجا تفاعلاتهم النفسية والثقافية في البيئة الغريبة الجديدة أي أنّ هذه الشخوص لا ترتد إلى ماضيها وكأنها تريد أن تسترجعه {وكان من الأوائل الذين فعلوا ذلك، يحيى حقّي، وتوفيق الحكيم، والطيب صالح}.

غير أنّ قصي الشيخ عسكر يخرج لنا هذه المرّة بثلاث روايات، لا تدور حوادثها بأوروبا حسب، ولكنها روايات من الخيال العلمي حسب قول المؤلف{ولابدّ أنّه أدرك أنّها ليست روايات علمية كما هي معروفة في البلدان المتقدمة، لذا قال روايات من الخيال العلمي}.

عناوين الروايات الثلاث: التجربة، النفق، الموتى يزحفون.نتعرف في رواية التجربة، منذ الأسطر الأولى على شخص اسمه"بيترسون"وهو مهندس ميكانيكي يتعامل مع الآلات من السابعة صباحا حتى الثالثة بعد الظهر كأنّ حياته تشكو من جفاف قاتل وصخب في العمل، وصخب في الخارج مصدره الناس والسيارات والقطارات،، وبسبب من هذه الحياة الجافة الخالية من الأحلام أصيب بكآبة شديدة هدّت جسده القويّ عندئذ لجأ إلى طبيب نصحه بالهرب من الحضارة والانعزال عن الآلة تماما، وذلك باللجوء إلى مدينة منعزلة أقامتها مجموعة من العلماء والأطباء، كتجربة أولى لا أثر للحضارة فيه.إنها مدينة عصور وسطى"مصابيحها تنار بالزيت، ووسائل النقل فيها عربات تجرها الخيول.كل شيء فيها مصمم وفق طراز العصور الوسطى {والأغرب من ذلك أنّ الطيران المدني والعسكري منع من التحليق فوق أجوائها}وفي هذه المدينة أيضا مُنِع المذياع والتلفزيون والتدخين، كما مُنِعت البندورة والبطاطا على اعتبار أنّ اكتشافهما حدث بعد عصر النهضة.

في هذه المدينة القروسطيّة يتعرف بيترسون أول ما يتعرف على جارته نادين وتزداد أواصر الصداقة بينهما يوما بعد يوم إلى أن يتزوجا ولكنها تعترف له بالتدخين وهو ممنوع في هذه المدينة، وأكثر من ذلك أنّها كانت تعمل في التهريب أي التعامل مع القرن العشرين، فتطرد من القرون الوسطى.الغريب في هذه القصة أن شخوص الرواية يتحدثون عن المستقبل وكأنّه ماض سحيق مروا به.وهذا هو ابتكار قصي الشيخ عسكر بالضبط وهو ابتكار طريف للغاية .جعل شخوصه يعيشون المستقبل أي القرن العشرين، وحين أرجعهم إلى القرون الوسطى، أصبح المستقبل الذي كانوا يعيشونه ماضيا بعيدا.

أما الرواية الثانية فهي بعنوان "الموتى يزحفون"وفيها يخترع عالم يدعى بدوان هيكلا عظميا عن طريق جهاز خاص يستجيب لأوامر الإنسان فيساعد في الطبخ وتنظيف المنزل، وحتى تنظيف الشوارع .إنه مستعد لكل خدمة غير أنّ وزير الصناعات الحربية وجدها فرصة لاستغلال هذه الهياكل العظمية في حربه مع دولة مجاورة كبيرة كانت قد احتلت مساحات واسعة من بلده الصغير، فكان له ذلك وبالفعل قامت تلك الهياكل بتدمير البلد المجاور، ولكن بعد هذا الانتصار تبين أنّ ثمة فيروسا دخل في الكومبيوتر فغير في سلوك الهياكل العظمية حيث راحت تدمر أبناء البلد الذي أنتجها.

الرواية الثالثة هي رواية "التجربة" حيث أعلن طبيب ألماني عن تجربة جديدة تُجرى على الإنسان مباشرة، وسيُدفع لمن تُجرى عليه التجربة، خمسون ألف دولار، في حالة الوفاة.لم يتقدم إلى هذه التجربة سوى شخص لبناني شاب يدعى عبد الله، كان قد هرب من أتون الحرب الأهلية بلبنان، ونظرا لعوز أمه وأختيه بلبنان وافق على قبول عرض الطبيب .التجربة الجديدة لا تعدو أكثر من زرع خلايا جديدة في المخ، وبات الشاب اللبناني يتكلم عشر لغات بطلاقة تامة. ولكن ماهي إلا أيام واكتشف أن الخلايا الجديدة قضت على خلايا لغته الأم. وهكذا نسي اللغة العربيّة، فوجد نفسه عاجزا عن فهم رسائل أمّه، وعاجزا عن الكتابة إليها باللغة العربيّة التي لا تعرف سواها، فما كان من الطبيب إلا أن نصحه بتعلم اللغة العربية من جديد.

مهما يكن من أمر، فمن الصعوبة قبول هذه الروايات على أنها روايات علمية بالمعنى الدقيق للمصطلح، ولكنها أقرب ماتكون إلى روايات فنتازية توسلت العلم ليس إلا.

ملاحظة مهمة:

الحقيقة في منتصف ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي لم يكن هناك انتشار واسع للكومبيوتر ولم تستخدمه دور النشر بل كانوا يصفون الحروف وكثرا ما يحدث خطأ، فالصديق عبد الرحمن النعيمي رحمه الله صاحب دار الكنوز أبقى في الداخل عبارة (روايات خيال علمي) وحدث في الغلاف خطأ وهو (روايات علميّة) كنت وقتها في كوبنهاغن وزرت دمشق ولبنان بعد سنة من طبع الكتاب وفوجئت أن على الغلاف عبارة (روايات علمية).

الكتاب طبع في بيروت، دار الكنوز عام 1995.

 

ثمّ تعود، فتدخلُ الغرفةَ بخطىً تحملُ أثرَ اليومِ كاملًا، لتضع على الأرضِ خريطةَ ما مرّ بك من لحظات.

يتّكىء الضوءُ على الجدرانِ بهدوءٍ ذهبيّ، وتواصل الساعةُ تدويرَ الزمنِ بإصرارٍ بارد، بينما أنتَ تعيدُ ترتيبَ حضورك داخل المكان.

تقتربُ من مكتبك، فيتقدّمُ القلمُ أمامك ككائنٍ نهمٍ ينتظرُ إشارةَ البدء.

هو يعرف أنك جئتَ محمّلًا بما تبقّى من نفسك، ويتهيّأ لالتقاطه سطرًا سطرًا.

تجلسُ على الكرسي، فينكمشُ العالمُ حولك ليصيرَ مساحةً صغيرةً بينك وبين الورق.

تلامسُ الأصابعُ سطحَ الطاولة، وتستعيدُ حرارةَ النهارِ الذي انسكبَ بين المهامِ والطرقاتِ والوجوه، ثم تهبطُ على القلمِ ببطءٍ محسوب، وتختارُ لحظةَ الولادةِ من جديد.

تبدأُ الكتابةُ بحركة خافتة، ثم تتسعُ شيئًا فشيئًا كنبعٍ يشقُّ صخرَ الصمتِ ويصعدُ إلى الضوء.

تنزلقُ الكلماتُ على الصفحةِ مثل خطواتٍ واثقةٍ تعبرُ جسرًا بين التعبِ واليقين.

لا زالت تنزلقُ بين ما تكدّسَ في الداخلِ وما يبحثُ عن مخرجٍ إلى العلن.

كلُّ حرفٍ يحملُ جزءًا من اليوم، وكلُّ جملةٍ تعيدُ تشكيلَ ملامحِك التي تشظّت في الزحام.

سرعان ما يتحول القلمُ إلى ذاكرةٍ تتحرك، فنبضٍ يُدوّنُ ما عجزَ عنه الصدرُ طوال الساعات.

تتسعُ اللحظةُ أكثر، ويمتزجُ الورقُ بالزمن، ثمّ يستقرُّ المساءُ داخلَ السطور.

يصبح المكتبُ ميناءً صغيرًا ترسو فيه السفنُ التي عادت من رحلاتٍ طويلة محمّلةً بما جرى، وما تراكم، وما تشكّل في صمت.

وفي اللحظة التي يكتملُ فيها السطرُ الأخير يتخذُ الهواءُ شكلهُ الجديد، وتستقرُّ الروحُ على هيئةِ كتابةٍ تمشي في الداخل، لتصيرَ أنتَ النصَّ الذي وُلدَ منك، والقلمُ الذي حملك من البداية حتى النهاية.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

صديقي سالم علي الشيخ و"قدّح المشمش"

مهما امتد بنا العمر لن نجد أصدقاء بنقاوة وبطيبة رفاق الطفولة، زملاء الدراسة الابتدائية، وخاصة إذا استمرت تلك الصداقة إلى أن تبلغ من الكبر عتيا. ومن بين تلك الصداقات الكثيرة والجميلة أتذكر صديقي سالم الشيخ علي من أيام مدرسة سنجار الثانية الأبتدائية.

 بالتأكيد هناك العديدون، فهم كالملائكة يتشابهون في الأخلاق الحميدة، والخصال الرائعة، والطيبة، والكرم، ولكن هذه الليلة هي ليلة العزيز سالم.

وكان الزمان في سبعينيات القرن الماضي حين التلفزيون الأبيض والأسود هو الترفيه الوحيد في مدن بعيدة في خاصرة العالم، مثل مدينة سنجار.

كنا نجتمع أيام الجمع صباحا في جايخانة العم نادرو التي كانت لصق دكان أبي. نشرب حامضا بعشرة فلوس بالتمام والكمال وننتظر افتتاح التلفزيون في العاشرة صباحا، ومن ثم تبدأ فترتنا البهيجة، فترة برامج الأطفال، وبعدها منوعات الأغاني وكانوا يشتلون في قلبها دوما أغنية أو ربما أغنيتين هندية، وتكون غالبا من أغاني الأفلام لأمير السينما الهندية شامي كابور، وللأسطورة راج كابور. وغالبا ما تكون أغنية (كتبنا وما كتبنا) لفيروز حاضرة، وأغنية أخرى لسعدون جابر، وطبعا أكثر من أغنية مصرية، وإن سنح الوقت أغنية خليجية، وهكذا نمت لدينا ذائقة موسيقية شعبية مخلوطة بالشجن الهندي والشرقي العربي مع الغربي والخليجي، فكان واحدنا منذ الصغر يتنفس فنا، وذوقا فنيا.

وكما لا يخفى، التلفزيون كان من الكماليات في ذلك الزمن، لا يقتنيه الجميع. أتذكر في محلة بربروش المعروض كبدها أبدا للشمس السنجارية العامرة، كان بيت صديقي سالم من البيوت القليلة التي تسمع فيها صوت التلفزيون في المساء، حيت يضعونه في الحوش أيام الصيف ويبدأ زحف الجيران، الكبار قبل الصغار.

في بعض الأيام وخاصة أيام الخميس عندما ينتهي دوامنا ونخرج من مدرستنا المقدسة ـ سنجار الثانية ـ كنت أقول لسالم هل ستأتي إلى الجايخانة غدا صباحا، فيقول لي:

"لا سأتفرج على التلفزيون في البيت، نحن أيضا لدينا تلفزيون وسنستمع إلى سعدون جابر وهو يغني (قدّح المشمش). ويهز رأسه وكأنه يقدح بهجة وفخرا.

كذلك في سبعينات القرن الماضي كان حضور الفن المصري طاغيا في التلفزيون العراقي، وكان فلم الجمعة العصر، وبالتحديد الساعة الرابعة عصرا، وهو توقيت بدء الحفلة العصرية في جميع دور سينمات الموصل أيضا. كنا نرقص طربا إن كان الفلم من بطولة فريد شوقي، لأنه بطل الفلم وسيشبع العصابة ضربا.

ربما أغاني سعدون جابر وعبد الحليم حافظ وحدها كانت تغرينا بالحفظ وإعادة دندنتها، فهي التي كانت تمهد لطريق إنتظار المراهقة عند الخروج من الابتدائية. وكانت أغاني عبد الحليم أكثر شهوة فهي عادة ما تكون مع الجميلات: زبيدة ثروت، أو لبنى عبد العزيز، أو نادية لطفي ومريم فخر الدين وصباح.. الخ من جمال مصر ـ أم الدنيا ـ وكنا ننتظر فلم الساعة الرابعة من أيام الجمع لنقارن بين بعض اللقطات في الأغنيات وما يحدث بعدها في الفلم، وكنا نتحسر بعدم عرض أفلام سعدون جابر، هكذا كنا نظن، إن لسعدون جابر أيضا أفلام مثل عبد الحليم حافظ ولكن لا يعرضوها ولا نعلم السبب، وكان الخيال يأخذنا بعيدا.

ذاك زمن لم يعد بالإمكان استعادة شيء منه غير الذكرى فالدنيا تغيرت، ويمكن مشاهدة ما نرغب فيه الآن بضغطة زر، وكذلك الأصدقاء تفرقوا في البلدان، ومن حسن الحظ صديقي سالم موجود أيضا في ألمانيا إلا إنه في مدينة بعيدة نسبيا وكلما اشتقنا للسؤال عن بعضنا نتواصل عن طريق بعض المنصات الاجتماعية.

في أيام الصيف كنا نجتمع المساء قرب المنارة ونجلس على الرصيف بانتظار العم مجيد الجايجي ليخرج لنا بالتلفزيون، ونتفرج من بعيد على فترة برنامج الأطفال، بعد الساعة السادسة مساء، كنا نستأنس كثيرا وإن تفقد أحدنا الصديق سالم شيخ علي، يسارع بقيتنا بالقول:

يابة، عندهم تلفزيون في البيت، ولهذا لم يكن سالم يتسكع معنا كثيرا في الشوارع والبساتين. قدح المشمش يا سالم، وكذلك التين، وأكثر غصن قدح هو غصن الشوق.

***

مراد سليمان علو

 

إلى معلّمتي ناجية العمرّي

قبل أن أقرأ عناقيد الغضب وعن الفئران والرّجال، قبل أن تجرؤ خطاي على وطء نورمان، أوكلاهوما، لأدرّس في جامعة أوكلاهوما سنة 2014، قد بدأت أعيش عناقيدي الخاصّة من الغضب، قبل أن أعرف أن الطّرق قد تتصلّب حتى تغدو قدرا، وأن الغبار قد يصير ميراثا عائليا، وأن طفلا قد يربّى في كنف الرّحيل قبل أن يتعلّم المعنى الكامل للمغادرة. ومع ذلك، لم يكن الغبار كلّ شيء، ولا الغضب الكلمة الأخيرة؛ فقد كان، تحت هذا الرّكام كلّه، ما يلمع خافتا من رحمة، وما يحفظ القلب من الانطفاء التّام. وبالنّسبة إليّ، كان ذلك الضّوء المبكّر يتجلّى، من حيث لا أدري يومها، في طيبة معلّمتي ناجية العمرّي، رحمها الله.

ولدت في قابس، في جنوب تونس، في جغرافيا معلّقة بين الغبار والبحر والذّاكرة والتّهميش. لم يكن الطّريق 66 طريقي، ومع ذلك فأنا أعرفه: ذلك الأسى الإسفلتي الطّويل للمنبوذين، وللعنيدين، وللفقراء، وللذين لا عودة لهم. في قابس، كان ينبغي للبحر أن يفوح بالملح والرّحمة، لكنه كان في كثير من الأحيان يحمل نفس السّم. وكان المجمّع الكيميائي الوحشي قد بدأ عنفه البطيء، يلطّخ الهواء والماء والضّوء ذاته. لم يكن التّلوّث هناك فكرة مجرّدة؛ لقد كان يدخل الرّئتين، ويستقرّ على النّوافذ، ويختلط بالغبار، ويعلّمنا باكرا أن الرّيح نفسها يمكن أن تصادر. وسوف يتساءل ابن خالتي سفيان بن عون، رئيس فرع قابس لاتحاد الكتّاب التونسيين، يوما، في واحدة من قصصه القصيرة الديستوبية الموحشة: من أين يأتي هذا الغبار؟ولم يكن السّؤال أدبيا فحسب. كان الغبار يأتي من الطّرق، نعم، من الجنوب المهمّل، من تشقّقات البيوت والذّاكرة، ولكنه كان يأتي أيضا من الجرح الكيميائي في قابس ذاتها، من البحر المصاب، ومن الأرض المنهكة، ومن دولة كانت قد قرّرت منذ زمن بعيد أن بعض المدن أكثر قابلية للتّضحية من سواها.

نشأت بين امرأتين حملتا من الأعباء أكثر مما كان ينبغي لهما أن تحتملّا. أمّي، وهي مطلّقة، كانت تمشي في الحياة بكرامة مجروحة، كأنها أجبرت على أن تبدأ من جديد قبل أن يسمح لها أصلا أن تتم حياتها الأولى. وجدّتي، وهي أرملة، كانت تجمع ما تبقّى وتصوغ من الصّبر حرفة يومية. وبينهما تربّيت، لا في ظلال الوفرة، بل في يقظة دائمة، وفي حنان حدّته الضّرورة، ولم تخل قسوته أحيانا، ذلك الحنان الملتبس الذي يمتزج فيه الحبّ بالألم، كما في عالم أبناء وعشّاق. لقد تكفّلتا بي قبل أن ألتقي أبي حتى، كأن أول إرثي لم يكن النّسب بل الغياب. قبل الأب جاء فراغ الأب؛ قبل الاسم جاء الانتظار؛ وقبل كل حكاية عن الأصل، جاءت معرفة أن نساء هجرهن اليقين كنّ يبنين المأوى الهش الذي سأعيش فيه. كانت أيديهما وطني الأول. وكان تعبهما أول درس لي في التّاريخ.

لم تكن قابس، إذن، مجرّد مدينة. كانت كفاحا من أجل التّنفّس، وعالما أموميا من القوّة الجريحة، ومكانا بدا فيه البحر والغبار كأنهما يتنازعان حقهما فينا. لقد علّمني الجنوب أن الجمال والأذى يمكن أن يسكنا الشّارع نفسه. كانت أشجار النّخيل، وهواء الملح، وألفة الجيرة القديمة لا تزال قائمة، لكن الإهمال والفقر والمعرفة المرّة بأن أفق المرء قد سعّر بثمن بخس لدى قوى بعيدة، كانت قائمة أيضا. ومن الجنوب كنّا ننظر إلى تونس العاصمة، لا ببراءة، بل بحاجة. كانت العاصمة تبدو لنا لا مدينة فحسب، بل إذنا وحكما ونجاة مضفورة معا.

وهكذا استقللت القطار شمالا. كان ذلك القطار طريقي الأول 66، وإن كان لا يحمل شيئا من أسطورة الطّريق الأميركية. لم يكن مغامرة، بل ضرورة. كان تمريني الحديدي الأول على الاغتراب. ومع كل ميل كان الجنوب يتراجع، من غير أن يتركني. كنت أحمل قابس في لكنتي، وفي صمتي، وفي تلك الطّبقة الخفيّة من الغبار التي لا يزيلها اغتسال. وكان الرّحيل إلى تونس العاصمة تمرينا مبكّرا على انشطار الذّات: أن تطلب مستقبلا في المركز نفسه الذي عاش طويلا على إهمال الأطراف. وكان القطار يشق طريقه عبر الحر والحجر والبلدات المتناثرة، ويمرّ بصفاقس، المدينة التي كنت أعرف أن أبي كان يقيم فيها، من غير أن أعرف عنه أكثر من ذلك. وحتى ذلك المرور الخاطف كان يزيد الغياب كثافة، كأن القطار لا يقرّبني منه بقدر ما يعلّمني، باكرا، كيف يمكن للقرب أن يظل بعيدا. وكنت أشعر، حتى في ذلك الحين، بأن كل وصول يحمل في أحشائه جنين رحيل آخر.

علّمتني تونس كيف يمكن لبلد أن ينفي أبناءه من غير أن يختم لهم جوازا. يمكن للمرء أن يعيش في العاصمة، ومع ذلك يظل ابن الهامش، ويظل الجنوب عالقا بحذائه، وبحروفه الصّوتية، وبخجله وكبريائه. وفي تونس تعلّمت أن الارتقاء الاجتماعي اسم آخر للتّرجمة، وأن التّرجمة اسم آخر للخسارة الجزئية. يترك المرء البيت، ثم الحي، ثم المدينة، ثم الوطن، وكل رحيل يطالب برسوم تجبى من الذّاكرة. ومع ذلك ظل الطفل الذي في داخلي هناك في قابس: مع أمّه المطلّقة، وجدّته الأرملة، وأبيه الذي لم يكن قد حضر بعد، ورئتَيه المملوءتين بالغبار والأسئلة غير المنطوقة.

ثم جاءت نيويورك. قبل ما يقرب من سبعة وعشرين عاما بلغتها، أو لعلها هي التي ابتلعت خطاي منذ اللّحظة الأولى. جئتها لأن حلمي كان، في جوهره، حلم المغادرة: أن أغادر فحسب، أن أخرج من الضّيق إلى ضيق آخر أكثر اتساعا. أما العودة أو عدم العودة، فلم تكن يوما هي السّؤال. لم يكن السّؤال إلا كيف أرحل، وكيف أواصل الرّحيل. لم أصل إلى نيويورك بقدر ما دخلت في آلتها. ابتلعتني في سرعتها، وفي معدن شتائها، وفي شهيتها التي لا تنام. وإذا كانت قابس قد علّمتني معنى الجرح، وكانت تونس قد علّمتني معنى المنفى الدّاخلي، فإن نيويورك أتقنت الدّرس بجعل الحركة قانونا. هناك لا يسألك أحد أين تشكّلت وحدتك؛ إنما يسألونك فقط: هل تستطيع أن تواكب الإيقاع؟ ومع ذلك، تحت هدير المترو والأبراج، كنت أسمع سككا أخرى: القطار من الجنوب إلى العاصمة، والأصوات المنزلية القديمة لامرأتين تبقيان ثلاثة صغار على قيد الحياة، والنّفس المسموم لقابس، وسؤال الغبار، والسّؤال المعلّق عن أب لم أكن قد التقيت به بعد.

ألّا تعود، ليس إعلانا واحدا يقال دفعة واحدة. إنه تراكم بطيء للمسافات. ترحل أولا. ثم تعود على فترات أقل. ثم يبدأ الذين كانوا يجعلون العودة ممكنة في التّلاشي. ثم تتغيّر الشّوارع، وتتبدّل البيوت، ويتكاثر الموتى، وتصبح الذّاكرة أدق من الجغرافيا. وفي النّهاية يدرك المرء أن العودة ليست مستحيلة لأن الطّائرة لا تستطيع الهبوط، بل لأن الذّات التي غادرت، والمكان الذي ترك وراءها، كليهما قد تعرّضا لمراجعة لا رجعة فيها. الطفل الذي كان في قابس لم يعد موجودا إلا بوصفه راسبا في الرّجل، وقابس نفسها، الملوّثة، المهمّلة، المحبوبة، تواصل من بعيد أن تتهم وتحتضن في آن.

ولذلك نعم، عناقيد الغضب. ونعم، الطّريق 66. لا لأن أوكلاهوما هي قابس، ولا لأن كاليفورنيا هي نيويورك، بل لأن فقراء كل الخرائط يعرفون شيئا عن الطّرق التي لا تعد بالخلاص. لكل عصر قوافله من المقتلعين، ومهاجروه الدّاخليون، وأبناؤه القادمون من الهامش صوب مراكز لا تكترث، وأطفاله الذين تربّيهم النّساء فيما يحجب التّاريخ الأب والدّولة والمستقبل. لقد جئت من جنوب تونس إلى العاصمة، ومن العاصمة إلى نيويورك، وأنا أحمل لا الطّموح وحده، بل أيضا ما حملته معي: الهواء الكيميائي، وحزن البيت، وجلَد الأمومة، وحماية الجدّة، والوجع الأول لحياة بدأت ناقصة.

وما تزال قابس تقيم في داخلي: لا بحرها ونخيلها فقط، بل شاطئها المسموم، وغبارها، وكدح نسائها، ووصول الأب المؤجّل، والجرح القديم الكامن في أن تتشكّل على أيدي أولئك اللواتي لم يكن العالم ينتظر منهن سوى الاحتمال. وما يزال سؤال ابن خالتي يلاحقني: من أين يأتي الغبار؟ إنه يأتي من المصانع، ومن التّخلّي، ومن القطارات، ومن الرّحيلات، ومن تكسّر البنى العائلية، ومن احتقار الدّولة الطّويل للجنوب، ومن الذّاكرة نفسها وهي تحتك بالمسافة. يأتي من كل ما ترسّب علينا، ومن كل ما حملناه معنا.

وهكذا يواصل الطّريق امتداده في داخلي، قاسيا ومضيئا. قابس خلفي، وتونس أمامي، ونيويورك أبعد منّي، ولا عودة حقيقية إلى أي مكان. ليس ثمّة إلا هذا الطّريق الدّاخلي الطّويل، طريق الإدراك المتأخّر، وأنا أتيقّن، شيئا فشيئا، أنّني ربحت أشياء كثيرة وأنا أخسر، في الآن نفسه، كل ما كان يصنع ذلك الكائن الذي كنت أريد أن أكونه. ومع ذلك، رغم الغبار، ورغم عناقيد الغضب التي ظلّت تظلّل طفولتي في حيّنا المتواضع بباب بحر في قابس، ما تزال بعض الوجوه تنجو من الخراب، وتبقى كأنها آخر ما يربطني ببراءة بعيدة. ان طفلًا بريئًا، يتراوح عمره بين الخامسة والسادسة، يتعثّر في أسئلته عن أبيه، ويتلعثم وهو يحاول أن يبوح للمعلّمات والمعلّمين بسرّ غيابه، غير أنّ ذلك البوح الصغير قلّما وجد أذنًا تُصغي أو قلبًا يكترث، سوى "آنيستي" ناجية العمري، رحمها الله، التي غمرته بلطفها وحنانها، لأنّ بعض الغياب يفوق احتمال الطفولة نفسها، ولا سيّما حين تجد القلوب الصغيرة نفسها محاطة بأناسٍ قساة. كانت تشتري لي "آنيستي" ناجية  قطع البسكويت من حانوت عمّي التوهامي، وتصغي إلى أسئلتي الصّغيرة في رفق ومحبة، حتى إذا بلغنا محل والدها، عمّ الحسين، كانت  تناولني شطر كسكروت. وما زلت أحن إلى رائحته ومذاقه، كأن في تلك اللّقمة البسيطة ما تبقّى من طفولة كاملة.

وقبل أيام أخبرتني أمّي برحيل "آنيستي" ناجية بعد أن اختطفها السّرطان. غير أن رحيلها لم ينتزع طيبتها منّي، بل بقيت في داخلي أثرا خفيّا ومضيئا. وما أزال أراها، قبل سبع وأربعين سنة، توصلني إلى باب الكنيسة في حومتنا. وما أزال أستعيد تلك التّفاصيل الآن، من مكتبي في جامعة فرجينيا، على بعد آلاف الأميال ومئات آلاف السّاعات، كأن الزّمن لم يمض تماما، وكأن الطفل الذي كنته ما يزال حيّا في داخلي، تحرسه تلك اللّمسة الأولى من الرّحمة. وكأن كل ما عبرته من غبار ومنفى وفقد لم يكن، في سرّه البعيد، إلا طريقا طويلا إلى تلك اللّمسة الأولى. لذلك، كلّما استعدت وجهها، أدركت أن ما أنقذني حقا لم يكن سوى هذا: عناقيد الرّحمة.

***

نزار فاروق هِرْمَاسْ - جامعة فيرجينيا

.....................

* عناقيد الغضب (The Grapes of Wrath) وعن الفئران والرّجال (Of Mice and Men)، لجون شتاينبك (John Steinbeck).

  *أبناء وعشّاق (Sons and Lovers)، لد. هـ. لورنس (D. H. Lawrence).

*سفيان بن عون، من أين يأتي الغبار؟: قصص، تونس، 2001.

قصيدة "شـآم يا ذا السيف" نموذجًا

مقدمة: يُعدّ الشاعر اللبناني سعيد عقل من أبرز الشعراء الذين أثروا في الشعر العربي الحديث، من خلال لغة صادقة حافلة بالمعاني، وصور بلاغية قوية تُجدّد العلاقة بين الكلمة والوجدان. في نصّه “شـآم يا ذا السيف” تتجلّى هذه الصور في تعبير عن مكانة دمشق في التاريخ، وعن المشاعر الحضارية والإنسانية التي تفيض بها كلمات الشاعر.

القصيدة ذات بنية تصويرية متشابكة تحمل في طياتها استعارات ورموزًا وتجسيدات تجعل من اللغة الشعرية وسيلة للحضور الوجداني في النص، لا مجرد لفظ جميل. ومن أساليب الصورة نذكر: يبدأ النص بحضور قوي لرمز دمشق:

"شـآمُ يا ذا السَّـيفُ لم يَغبْ

يا كَلامَ المجدِ في الكُتُبِ"

ومن الصور التي اكتسبت الأسلوب البلاغي قوله شام يا ذا السيف، حيث يربط الشاعر بين دمشق والقوة، ويجعل السيف رمزًا للمجد والحسم. ويحوّل المجد إلى "كلام في الكتب"، أي إلى أثر واضح في صفحات التاريخ.

يستخدم سعيد عقل التضادّ بين قبل وبعد في البيت التالي:

"قبلَكِ التاريخُ في ظُلمَةٍ

بعدَكِ استولى على الشُّهُبِ"

هذا التضادّ البلاغي يضع دمشق في موقع التغيير، تجعل منها نقطة تحوّل بين الظلمة والسطوع، بين السكون والإشعاع.

وفي أماكن أخرى من القصيدة تتجلّى التجسيدات عندما يخبّئ الشاعر في قلبه “ربيعًا” يحمل رمزية الحياة المتجددة:

"لي ربيـعٌ فيـكِ خبَّأتُهُ

مِـلءَ دُنيا قلبـيَ التّعِـبِ"

فـ"الربيع" هنا لا يعني الموسمية فقط، بل التجدّد والأمل والكينونة الجميلة التي يحتفظ بها القلب، رغم التعب والمرارة.

ويستمر المشهد الشعري في توظيف الصورة الحسية عبر عناصر الطبيعة:

"يومَ عَينَاها بِسـاطُ السَّما

والرِّمَاحُ السُّودُ في الهُدُبِ"

في هذا البيت تتحوّل السماء إلى بساط بساطة وألفة، بينما تتحوّل الرماح السوداء في الهُدُب إلى صورة حركة وقوة وتحدٍّ، في مشهد استعاري يجمع بين الرقة والحزم.

البيت الذي يلي ذلك يستخدم التشبيه مع أداة “كـ” عندما يتخيّل الشاعر النجوم كأنها لعِبه:

"أنا في ظِـلِّكَ يا هُدبَـها

أحسُبُ الأنجُـمَ في لُعَبي"

فالنجوم هنا تُشبه لعبة الشاعر، مما يضفي انسيابية في المشاعر، وشعورًا بالانفتاح على الكون والفضاء.

الصور البلاغية في النص ودورها في التعبير

يهتم سعيد عقل في هذا النص بتوظيف الصور البلاغية لتثبيت دمشق كرمز حضاري خالد في الوجدان. ومن الصور التي اكتسبت الأسلوب البلاغي قوله شام يا ذا السيف، أو قوله كلام المجد في الكتب للإيحاء بأن دمشق محفوظة في التاريخ ومجده.

هذه الصور البلاغية تجعل من النص ليس مجرد وصف، بل تجربة وجدانية وشاعرية تتخطّى الكلمات إلى المعنى العميق.

يستخدم الشاعر التضادّ بين عنصرين (الظلام والضوء، قبل وبعد) كأسلوب بلاغي يقوّي فكرة التغيير والتحوّل الذي تمثّله شام في التاريخ والثقافة.

التجسيد يتجلّى في تصوير “الربيع في القلب” ككيان حي قادر على النمو، وليس فقط كفصل من فصول السنة، وجعل السماء بساطًا يجعل الكون حاضرًا في النص بصورة تخاطب الحواس.

كما نجد التشبيه في تصور النجوم كأنها “لعب”، مما يربط بين الإنسان والكون بحميمية، ويُعبّر عن قدرة الشعر على توظيف الخيال في علاقة بين الذات والمكان.

الصورة البلاغية ودورها في العمق الشعري

تكمن قوة القصيدة في توظيف اللغة والصورة البلاغية ليس فقط لوصف المكان، بل لإضفاء طابع حضاري وفلسفي على النص، يجعل القارئ لا يرى المكان فحسب، بل يشعر به، ويحمله في وجدانه.

اللغة هنا ليست مجرد أداة تجميل، بل وسيلة رؤية تربط بين التاريخ والوجدان، وتمكّن الشاعر من نقل حضور دمشق في المشهد الشعري بوصفها مركزًا حضاريًا، وكيانًا نابضًا يعيش في ذاكرة الأمة.

خاتمة

في قصيدة “شـآم يا ذا السيف” يتجلّى براعة سعيد عقل في توظيف الصور البلاغية—كالأسلوب البلاغي في الصور، التضادّ، التجسيد، التشبيه—لتقديم نص يتميّز بقدرة عالية على الجمع بين المعنى والوجدان، بين المكان والرمز، بين التاريخ والخيال الشعري.

تتحوّل الصورة البلاغية في هذا النص إلى بُنية فكرية وجمالية واحدة، تجعل من اللغة مساحة تتجاوز الوصف إلى تجربة معيشة للنص، والمكان، والهوية، فتمنح القارئ فرصة ليقرأ تاريخ شام وروحها، لا فقط كموقع جغرافي، بل كعنوان خالد للمجد في الوجدان العربي.

***

بقلم: وفاء محمد يونس

 

في صباحٍ كُتِب له أنْ يكون مختلفًا تسلّل الضوء على استحياء من بين ستائر الذاكرة. استيقظتُ على ارتجافةٍ مألوفة في القلب عندما انسكبت ترانيم فيروز في الأرجاء تتقدّمها “وا حبيبي” كأنها تُنادي شيئًا قديمًا فيَّ، شيئًا يعرف الطريق إلى بيتنا الذي لم يعد كما كان، لكنه لا يزال حيًّا في داخلي.

هو صباح جمعة يتزامن مع الفصح المجيد في بيت لحم، المدينة التي لا تشبه سواها، والتي كلما ابتعدتُ عن قلبها اقتربت مني أكثر.

ولكم أنْ تتخيّلوا معي كيف لساعة نومٍ قصيرة بعد الفجر أنْ تكون كفيلة لتعيد ترتيب الزمن، فتتشابك خيوطه، ويتحوّل الحاضر إلى بوابةٍ واسعة نحو الطفولة.

كانت أرضُ البئر في الربيع أشبهَ برقعةٍ حيّةٍ من الحلم تمتدّ كسجادةٍ خضراء مفروشةٍ بعنايةٍ إلهية، تتخلّلها شقائق النعمان بلونها القاني، لتتناثر كقطرات دمٍ نبيل على صدر العشب، وتجاورها أزهار الخبيزة، والأقحوان في تناغمٍ بريّ لا يعرف الترتيب لكنه يفيض جمالًا.

تنهضُ رائحة التراب المبتلّ بعد مطرٍ خفيف، وتتصاعد كصلاة تمتزج بعطر الأعشاب البرية التي كنا ندوسها برفق، ونحرّر عبيرها دون قصد.

وفي قلب تلك الأرض تنتصب أشجار اللوزيات كحارساتٍ بيض، أغصانها مكسوّة بزهورٍ ناصعة تميل إلى الوردي الخفيف مثل غيوم هبطت لتستريح بيننا.

إذا هبّت نسمة تناثرت بتلاتها في الهواء، فتبدو كثلجٍ رقيقٍ يتساقط في غير أوانه، ليعلّق الزمن لوهلةٍ قصيرة، ويجعلنا نركض تحتها ضاحكين، فلا زلنا نحاول الإمساك بما لا يُمسك.

وكانت الأرض رغم انفتاحها مزنّرة بسورٍ عتيقٍ من حجارةٍ مهندسةٍ بيد فنان، شاحبة اللون محفورةٍ بآثار الزمن.

لا زالت تلك الحجارة المتراكمة أفقيًّا وعموديًّا تصنع الدهشة، وتحفظ أسرار من مرّوا قبلنا، وتحدّد للعالم حدود هذا الفردوس الصغير، لتذكّرنا دائمًا من أين يبدأ الحنين.

هناك في أرض البئر في رأس فطيس كانت الأرض تعرف أسماءنا جيّدا في ذاكرة معتّقة أنّى لها أنْ تتسرّب من غربال السنين، ولا زالت تدعونا لنخطو عليها بخفّة من لم يثقل قلبه بعد.

كنا نصحو باكرًا أنا وأخوتي وأخواتي دون الحاجة لضبط منبّه الساعة، فالربيع يوقظنا لنلهو معه قليلا قبل أنْ ترهقه أقدام المشاة.

يتنفس الصباح وسرعان ما نخرج مهرولين، ونحن نحمل في عيوننا دهشة اليوم، فنطوف بين الأعشاب والندى، ونلاحق الألوان قبل أنْ تذوب في الشمس.

كنتُ أنا وأختي التي تكبرني بسنتين نختار شقائق النعمان بعناية كأننا ننتقي أسرارًا صغيرة من الأرض، ونضمّها إلى قلبينا خشية أنْ تشي بها رياح الغدر.

لطالما عرفنا بمكر الطفولة أنّ لونها وعدٌ بشيء سيحدث لاحقًا.

أما إخوتي الذكور فكانوا ينشغلون بمهمةٍ لا تقل قداسة وهي مراقبة دجاجاتنا البلدية بترقّبٍ طفوليّ لولادة الإفطار من البيض، فالمعجزة يمكن أنْ تحدث في أي لحظة.

وفي الداخل كانت الفاطمة سيّدة التفاصيل، وصانعة الدهشة التي تُحضّر ذاكرة للإفطار، فتضع شقائق النعمان في إناءٍ يغلي، لينسكب لونها القرمزي في الماء، فتعصر الربيع في مطبخها الخشبي، وترسم لوحة استثنائية من الفرح لعائلتها.

وفي إناءٍ آخر تختلط قشور البصل بحبيبات الشاي، لتنسج ألوانًا أعمق، وأكثر غموضًا، فتحكي قصة الليل في قلب النهار.

وما هي إلا دقائق حتى تصطفّ الصحون مزدانةً ببيضٍ ملوّن لا يشبه أي شيءٍ آخر.

نجتمع حول صحن البئر، ونضحك، ونتباهى بالألوان، ونتقاسم الفرح خبزًا ساخنًا.

يا لها من أيام رغم نقصانها إلّا أنّها كانت الأجمل بلا منافس؛ لأنها كانت ملكًا لنا وحدنا.

أدرك اليوم وأنا أستيقظ على ترانيم تعبر الزمن أنّ بعض الذكريات تعود لتؤلمنا كثيرا، وتحيينا قليلا.

لا ينتهي الصباح إنما يتوارى في القلب مثل ترنيمةٍ لم تُكمل لحنها بعد.

أعترف الآن أنّ أرض البئر كانت زمنًا نقيًا خبّأ نفسه فينا، ولا ينتظر سوى لحظة انكسارٍ أو شوقٍ ليعود.

وأنّ تلك البيوض الملوّنة كانت دروسًا مبكّرة في أنّ للحياة وجوهًا كثيرة، وأنّ البهجة تُصنع أحيانًا من أبسط ما تمنحنا الأرض.

اليوم لا أبحث عن تلك الأيام لأستعيدها، أنا فقط أريد أنْ أفهم كيف نجت في داخلي كلّ هذا الوقت، وكيف لم تبهت ألوانها، ولم تجفّ ضحكاتنا على حوافها. ربما لأنّ الأماكن التي تُحبّنا حقًا لا تغادرنا أبدًا، فهي تتحوّل إلى جزءٍ من نسيجنا نعود إليها كلما ضاقت بنا الطرق.

وإنْ كان للحنين صوت فسيظلّ يشبه تلك الترانيم التي أيقظتني، وإنْ كان للذاكرة شكل فسيظلّ بيضةً ملوّنة نكسرها برفق، فنجد في داخلها طفولةً لم تكبر.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

تدور معارك طاحنة، وتقنيات حديثة في التقاط الصور، وسلاح متطور يهشم من يجابهه، لا أعرف كيف أني أتقنت استخدام كل تلك الأسلحة، أرشق كل من يغيظني بعدد محدود من الطلقات، ليس خوفاً من نقص في الذخيرة، فعددها لا متناهي، بعدها أرمي سلاحي ليجابهني أشد الناس كرهاً لي، القتل بالسلاح لا يُشفي الغليل، اليُد أشد فتكاً في الحُلم، نعم الحُلم.

لم أمسك سلاح سوى ذاك السلاح المائي الذي أغيظ به من يكره الماء، فهو سلاح فعال في الشتاء ومُنعش في الصيف، الحُلم يزودني بتقنيات لا تخطر في بالِ أحد، حتى في بالِ السينما، طيران وركض وشعرّ، وقتال وفانتازيا متقنة، لكن الذاكرة لا تحتفظ إلا بلمحات، نحن في الحلم شعراء أكثر من بودلير، ومقاتلين بواسل، أذكر كازنتزاكي وهو يعتقد مثلي (أن في رؤوسنا سينما صوتية كتلك الأفلام الناطقة).

اللمسة الجمالية في الحلم، هي عالم موازي، وما يصنعه الأديب في خلقِ عوالم موازية، يدل على شيئين لا ثالث لهما: أما أن الواقع الصادم لا يرتقي إلى مستوى الطموحات فنخلق عالماً أقل ساكنية، أو أن العالم جيد لكننا لا نؤكد ذاتنا من خلاله، وفي كلتا الحالتين نحن لا ننتمي إلى هذا العالم. وفي رأي كولن ولسن أن" كل ما يفعله الكاتب في صورة ما تأكيد للذات"، ومتى ما لم يؤكد ذاته التجئ إلى الحلمِ، لأن عملية الكتابة تبلغ من التعقيد حداً يجعلها مقصورة على فئةِ دون أخرى، الحُلم أسهل، فضاء مفتوح ولعب حر، المخيلة تجعلك دائماً بطلاً لا كومبارس.

في كتاب التاريخ المفروض لهنري لورنس يذكر في بدايات الكتاب بأن (التاريخ لم يعد حصراً على المؤرخ فالسينما أصبحت تحمل جزءاً منها) بمعنى أن المؤرخ ليس هو المُنتج الوحيد للسرد التاريخي وأن الحقيقة أصبحت خاضعة للتأويل أكثر، بعد أن أصبحت مرئية لأنها لم تعد لغة علمية بحته بل أنها تمر عبر وسيط جمالي مما يؤكد أن الحقيقة لم تعد تمثل الحدث ذاته بل تأويلاً بصرياً له.

الخطورة تكمن في أن السينما تمنح احساساً بالواقعية على الرغم من اصطناعها، وهو ما سماه جان بودريار بمصطلح فوق الواقع، الذي يبين من خلاله وجود مسافة بين الواقع ورموزه " المصطنع ليس إطلاقاً هو ما يخفي الواقع- بل إن الواقع هو الذي يخفي عدم وجود واقع، المصطنع حقيقي". السينما في بعض كثير وما يخص (التاريخي منها) على وجه الخصوص، تعدم العلاقة الثنائية بين الدال والمدلول، لتبقي الرمز فقط، بمعنى آخر الرمز يطرد الواقع، أذ صار الرمز نفسه هو الواقع.

أعطت الكامرة شكلاً صورياً للأحداث التي كانت تُرى من عدة زوايا فردية مضيفة عليها وسائل الخيال الفردي في تخيل شكل الاحداث التاريخية، فبدلاً من رؤى متعددة استناداً على المكتوب، صار للحقيقة شكلاً واحداً(مصطنعا) تحكمه سردية إيديولوجية تعرض الحقيقة كما تريد، فالحقيقة تُستلهمْ من لغةِ السينما. ويذكر جون سكانلان في كتابه الذاكرة بأن التاريخ يثبت أن الأفكار والخواطر عوملت أغلب الظن معاملة التصورّ، وغالباً ما قورن العقل بوسط للتمثيل البصري، بل إن بيرجسون اقترح أن نوجه انتباهنا إلى العالم كما الكاميرا، فنلتقط صوراً سريعة لواقع في حال تدفق مستمر. هذا ما يجعلنا نقرأ بأن الإدراك والذاكرة يبدآن في التصوير الفوتوغرافي، مما يجعل من السينما وسيطاً بصرياً عن انتقال التاريخ من كونه سرداً تأويلياً إلى كونه بناء تخييلياً قادراً على إنتاج ذاكرة بديلة وأن كانت (مصطنعة) بحسب بودريار.

أنا أرى أن الاحلام أوحت للسينما، فكانت هي المادة الأولى، لكن الأخيرة(السينما) بدأت وسيلة مهمة لنقل الحقائق أو تزيينها.

فعلى حد تعبير فريدريش كتلر(لم تعد الروح فجأة ذاكرة على هيئة ألواح كتابة أو كتب، كما وصفها أفلاطون، بل تطورت فنياً، وتحولت إلى فلم سينمائي) إنني أرى أن السينما حلمُ متقن، عالمُ يبتكر حلولاً تغطي عجزاً عينياً، كالأحلام لكنها أقل حرية وأكثر منطقية، محكومة بالزمن والمسافة والحركة.

وفي محاضرةٍ جيل دولوز بعنوان (ما هو فعل الإبداع؟)، يُعرّج على الحلم، لأجد أن كلّ ما فكرتُ به شخصياً قد قيل حتى قبل ولادتي؛ إذ يرى أن الحلم يخص، قبل كل شيء، من لا يحلمون، لأنه بمجرد أن يحلم الآخر، يظهر خطر ما. إن حلمَ الآخر حلم مفترس، قد يؤدي إلى التهامنا.

فالحلمُ رغبة مرعبةٌ في القوة، وكل منا هو، بشكلٍ أو بآخر، ضحية لأحلام الآخرين، حتى وإن كانت أكثرُ البنات لطفاً؛ لأنها ملتهمة بشعة، لا عن طريق روحها، بل عن طريق حلمها.

احذروا أحلامَ الآخرين، لأنكم إن انسقتم وراءها فسوف تُدمّرون.

***

علي حبيب بيرماني

تركت الجماعة المسلمة الأولى أرض الحجاز بعد أن توطدت دعائم الإسلام، لتبدأ رحلة فتوحات إلى شتى بقاع الأرض، ولتستوعب تأثيرات فنية وثقافية كان لها دور بارز في تشكيل الحضارة الإسلامية.

وعلى ذكر التأثيرات الفنية فإن عددا من الآيات القرآنية التي حوتها صدور المؤمنين، تناولت المظهر الجمالي باعتباره شاهدا على بديع صنع الله في الكون وإتقانه. وكشف النبي صلى الله عليه وسلم في عدد من أحاديثه قولا وفعلا، عن ذوق راق ينمي الإحساس بالجمال، ويدعو للاستمتاع بالطيبات التي أخرج الله لعباده. ومصنفات الحديث تزخر بأخبار عن حبه للسواك والطيب، وتوجيهاته بشأن اللباس والمسكن. فكان صلى الله عليه وسلم يجمع بين تحرير الإنسان الجاهلي من دنس الشرك وخشونة الهيئة والمظهر، ليكون المسلم عنوانا لطهارة الظاهر والباطن.

فهم المسلمون هذا المعنى فاشتدت عنايتهم بالجمال في كل تفاصيل حياتهم. وتأثروا بفنونه التي عاينوها في البلدان الأخرى، ومنها فن إنشاء البساتين والولع بعالم الزهور والورود. وكان التعبير عنه بأساليب شتى، تجمع بين تقدير الزهور كتجلّ للنعم الإلهية، ومصدر للتسبيح الدائم الذي دلّ عليه قوله تعالى:

 {يسبح لله ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم} -الجمعة:1- وبين توظيفها في تعبيرات مبتكرة، تضفي لمسة الإبداع على العطاء الإسلامي.

أقبل الخلفاء والأمراء على إنشاء البساتين الرائعة وتخطيطها، متأثرين بما شاهدوه أو وُصف لهم في حدائق فارس وغيرها. وتجلت عنايتهم في جلب الأزهار النفيسة، وتطوير زراعتها، واستخراج أصناف جديدة حكى عنها بعض الكتاب والمؤرخين، كالورد الذي رآه القاضي أبو علي التنوخي في البصرة، نصفه أحمر قاني الحمرة، ونصفه الآخر أبيض ناصع البياض، وبينهما خط كأنه مقسوم بالقلم. ويسوق المقريزي في كتابه(الخطط) نموذجا لهذا الولع ممثلا في الأمير خمارويه، الذي عدّه بعض المستشرقين أكبر منشئي البساتين. ويصف أحد بساتينه بالقول:

" وحُمل إليه كل صنف من الشجر المطعم العجيب وأنواع الورد، وزرع فيه الزعفران، وغرس فيه من الريحان المزروع على نقوش معمولة وكتابات مكتوبة يتعاهدها البستاني بالمقراض، حتى لا تزيد ورقة على ورقة؛ وزرع فيه النيلوفر الأحمر والأزرق والأصفر والجنوي العجيب؛ وأهدي إليه من خراسان كل أصل عجيب."   

انتقل ولع الحكام بالزهور والبساتين إلى عموم الناس، ليحدث حالة ثقافية وجمالية فريدة. وانضافت أسماء الزهور والورود إلى مفردات التخاطب اليومي التي كانت حتى وقت قريب منحصرة في أصناف الجواهر وأنواع الطيب. فشاع ذكر الورد، والنرجس، والأقحوان، والكافور، والبنفسج، وشقائق النعمان، والبهار، والياسمين، والخيريّ، والنوّار، والشقيق، والنيلوفر، والسوسن وغيرها. وتنبه الشعراء إلى هذا الافتتان فتنافسوا في وصف جمال الزهور، وتصويرها بالكلمات، وأحدثوا من المعاني ما يضاهي لوحات الرسامين في عصر النهضة الأوربية. فهذا الياسمين كأنه كواكب في السماء تبيَض، وشقائق النعمان في الروض أكاليل عقيق على رؤوس زنوج، أما النرجس فأنامل فضة يحملن كاسات الذهب.

وأتاحت أنواع الزهور للخطاطين أن ينفخوا الحياة في الحرف ويحولوه من جماد إلى نبات، كما قال الخطاط كامل البابا، فتحولت الخطوط العربية إلى أيقونات في عالم الزخرفة والنحت، وحمل بعضها اسم الزهرة التي تماهى مع أوراقها كالخط الريحاني.

ولم يسلم الخشب بدوره من هذا التأثير فظهر فن الأرابيسك الذي يعتمد نظام تزيينات قائم على الزهور والنباتات المختلفة، ويكسر بذلك جمود الخشب. فأحدث هذا المزج ثورة في عالم الأثاث والمعمار الخاص بالمساجد وقصور السلاطين، حتى أن بعض حكام الدولة العثمانية كانوا يستقدمون فناني الأرابيسك من مصر ويمنعونهم من العودة إلى بلادهم بعد الانتهاء من عملهم، فشهد التاريخ ما سمي لاحقا ب"الأسر الفني"!

وبما أن لكل تعلق وافتتان آثارهما الجانبية، فإن محبة الزهور، أو الأرباح المتحصلة من بيعها وترويجها، دفعت لاحقا إلى وضع أحاديث باطلة تزكي بعض أنواعها، وتأمر بشمه وتقديره.

ففي فضل النرجس وضعوا حديث:" شموا النرجس ولو في اليوم مرة، ولو في الشهر مرة، ولو في السنة مرة، ولو في الدهر مرة، فإن في القلب حبة من الجنون والجذام و البرص لا يقطعها إلا شم النرجس".

وفي فضل الورد حلقوا عاليا ليجعلوا له نصيبا من حادثة الإسراء والمعراج، فوضعوا حديث:

"الورد الأبيض خلق من عرقي ليلة المعراج، وخلق الورد الأحمر من عرق جبريل عليه السلام، وخلق الورد الأصفر من عرق البراق". وزادوا عليه "من أراد أن يشم رائحتي فليشتم رائحة الورد".

وأما دهن البنفسج ففضله على سائر الأدهان كفضل الإسلام على سائر الأديان، وفي رواية أخرى كفضل النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق، بارد في الصيف، حار في الشتاء! وهذه الأحاديث التي ردها ابن الجوزي في كتابه (الموضوعات) تؤكد أن التعاطي مع عالم الزهور والورود بلغ شأوا عاليا تمرد فيه حتى على الخطوط الحمراء.

وفي عالم التأليف خلّد المسلم قائمة بأنواع الزهور حين اختارها عناوين لكتبه، سواء في ذلك المصنفات الأدبية والتاريخية، وحتى الدينية. فذاعت في الساحة الثقافية أسماء من قبيل: "رياض الصالحين"، و"بستان العارفين"، و"زهر الأكم"، و" أزهار الرياض"، و"ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا"، و" زهرة الآس في بناء فاس", و"الريحان والريعان" وغيرها.    

لكن يظل أبلغ تأثر بعالم الزهور أن يجعل لها المسلم نصيبا داخل أسرته، فيتخذ لمولودته اسما يُوثق صلته بآيات الجمال الرباني، وتتردد في أرجاء بيته: نرجس، وريحانة، ووردة، وسوسن، وزهرة، ونوارة، ونسرين، وياسمين، والعشرات من ألفاظ الدلال وعبارات المودة التي تسكن لها النفوس، وتوثَّق بها الأواصر.

كان للإحساس الجمالي إذن حضوره الآكد في الحياة الإسلامية، ولم تنشأ أبدا خصومة بين تعاليم الدين وطلب الزينة والجمال. ويبقى أشد ما يثير غيظ المتشككين والمتربصين بهذا الدين أن شريعته رسمت حدودا دقيقة بين المباح والإباحي، وهيأت للمسلم مجال حركة واسعة داخل حقل الجمال، لتسمو نفسه بالمعاني بدل أن تنجر إلى حضيض الشهوات.

أبدت المستشرقة الألمانية آنا ماري شيمل دهشتها أمام المئات من الزهور والنباتات التي تزين حيطان الجوامع في تركيا. واستوقفها الحرص العجيب الذي أبداه الصانع المسلم لتحويل تلك الكائنات الفانية إلى لوحات ونقوش خالدة، فعبّرت عن الامتنان الذي يجيش في كل صدر لهذا العطاء بقولها:

"عندما ينظر المؤمن إلى هذه الرسوم بعد الفراغ من صلاته، يتذكر الجنات التي وعدها الله الذين آمنوا. وما أسعد صاحب صنعة تُذكر الإنسان أن للمتقين عند ربهم جنات نعيم".

***   

حميد بن خيبش

  

استذكار مرهف وحضور دائم

ثمة لحظات في حياة كل انسان لا تمضي، وإن غابت في ظاهر الزمن، فهي تظل متقدة في ألاعماق كجمرٍ وديع مستتر تحت رماد ركام الزمن، يتوهج بهجة، أو ألماً، أو كليهما معاً كلما لامسته نفحات الذاكرة.

تلك هي ومضات اللحظة الوجدانية الماضية، التي لا تقاس بطول بعدها الزمني، بل بعمق أثرها في الذاكرة، وامتداد حضورها في أعماق الذات.

فلاشك أن الماضي، ليس زمناً انقضى وحسب، بل هو حس وجداني، يعاود الظهور بتجلياته المتجددة، كلما استدعته الذاكرة، ولذلك تظل بعض اللحظات حيّة، نابضة، كأنها تحدث الآن.

وهكذا تظل تلك الومضات الوجدانية، تحمل بتجلياتها حسا مرهفاً، فتتسلل إلى الوجدان دون استئذان، لتسقر في اعماقه،  ما دامت تنبع من تفاعل متوهج بين الذاكرة والعاطفة، فهي لم تصطنع، بل تشكلت في ومضة لحظة، تماهى فيها الإنسان مع ذاته، ومع العالم من حوله.

ولعل هذه الومضات، تصبح ملاذاً عاطفيا داخلياً، في خضم تداعيات حياة متسارعة يستعيد الإنسان من خلالها توازنه، ويرمم بها ما تهشم فيه من معنويات، لتكون تلك الومضات أشبه بجذور خفية، تربطه بذاته الأولى، لتمنحه شعوراً باستمرارية وجوده، رغم تبدّل المعطيات، والظروف، وتغير الاحوال. ولذلك نجد أن كل إنسان يحمل في داخله، أرشيفاً وجدانيّاً خاصاً به، يضم تلك اللحظات، التي صنعت شيئاً من ملامحه النفسية، والإنسانية.

ولعل أن استذكار الماضي ليس هروباً من تداعيات الحاضر بالضرورة، بل قد يكون فعلاً واعياً، ومقصودا، لإعادة قراءة الذات، لاسيما عندما تستعاد تلك اللحظات بوعي، حيث يتحول الاستذكار من مجرد حنين، إلى فعل تأملي، يمنح الحاضر عمقاً إضافياً، ويعطيه معنى خاصا.

وهكذا نجد إن ومضة اللحظة الوجدانية، يمكن أن تمنح الحياة معنى ممتداً، فهي لا تعيش في الماضي وحده، بل تتجدد في كل مرة تستحضر فيها، لتغدو حاضرة، تعيد تشكيل المشاعر، وتلوّن النظر للأشياء، ليصبح الماضي ليس زمناً منتهياً، بل حضوراً دائماً، يسكن اعماق الوجدان، ويتمظهر كلما برزت الحاجة إليه، مادام الإنسان بحسه المرهف، ليس أبن اللحظة الراهنة فقط، بل أبن تلك الومضات التي مرت، وتركَت فيه أثرها، لا باعتبارها ذكرى عابرة، بل كجزءٍ حي من كينونته، ترافقه بصمتٍ، ودفء، في رحلة قطار الحياة.

***

نايف عبوش

ما يميز كل روح شاعرة هو إصرارها على أن تنبض بالجمال، لمواجهة القبح المتزايد حولها؛ إدراكا منها بأن الشعر يُلهم الأمل، ويعين على احتمال الواقع حين يصير عبئا ثقيلا. إنها الروح التي ترشدنا إلى الاسترخاء والتمهل، لمّا يتسارع كل شيء من حولنا. وفي هذا التمهل عودة إلى اللحظة الحاضرة، وعلاج لضغوط الحياة اليومية.

الجميل في الشعر، يقول أحمد دحبور، أن يكون معافى روحيا، ينحاز للهواء والجمال والفرح؛ بمعنى أن للشعر غائية وهدفا ما، بخلاف من ينفون غائيته ويسترخون للتعابير الجاهزة. إنه ببساطة حضور الشاعر في العالم، ليكشف بحساسيته الأكذوبة، وليصير أخف وزنا.

كل روح شاعرة تسعى إلى تفسير خبايا النفس الإنسانية. دعامتها في هذه الرحلة هي كل معنى يعبّر عن أدق المشاعر، وكل صورة تتردد بقوة في المخيلة لتغوص في أعمق حقائق الحياة، وتمنح القلب ما يصبو إليه من شجاعة وأمل، وحب للحياة.

إن الشاعر الحق هو الذي يجعل القارئ يشعر بما يشعر به هو نفسه. يقول فكتور هوغو في مقدمة كتابه (تأملات):"عندما أتحدث عن نفسي فأنا أتحدث عنك". وبذلك يمنح قيمة كونية لضمير المتكلم، مثلما يحرك في القارئ حس التعاطف حين يرشده إلى ألمه، وحزنه، وأشواقه.

بإمكان الروح الشاعرة أن تتبنى قضية. أن تنفث في الكلمات قوة لتحدي العالم القائم. بإمكانها أن تدين وتنتقد آفات المجتمع ورذائله، لكن قضيتها ليست بالأساس اجتماعية، وإنما معرفية، بمعنى ماذا نريد أن نقول؟

إن القضية، يقول المنصف المزغني، هي التي تمنح القصيدة بناءها، وبدونها يصبح الشعر هلوسة، وغموضا يكتنف القارئ للهروب من مواجهة الفكرة؛ تماما كالسائل الأسود الذي يقذفه الأخطبوط ليُعمي المتربصين به.

تتطلع الروح الشاعرة إلى لغتها الخاصة، والتي تحقق أصالتها النفسية في توليد المعنى من تجارب الحياة الفريدة. وهو ما يُلزمها بأن تنحت لغة تتحمل الإفضاء، لتنقل المعنى الجديد بألفاظ مألوفة، كالنهر الذي عليه أن يحفر مجراه ثم لا يلبث أن يهدأ؛ ذلك أن في ثنايا كل قصيدة يكمن ما يسميه عبد الله البردوني بالسر الشعري، أي الرحم الذي تكورت بداخله أنفاس الشاعر وتباريحه. وهي برأيه خمسة مصادر: استبداه الكون، ونضج التجربة، وطول المراس، وطول الغوص في الكائنات، وامتلاك عنان اللغة.

كي يتفتق المعنى الجديد من المشهد أو اللحظة المفارقة، فإن الروح الشاعرة بحاجة إلى استنفار ملكاتها لكشف اللامتوقع في الصورة المألوفة، لكن باللغة وحدها، دون الحاجة إلى قناع أو أسطورة. يقدم البردوني مثالا بالشاعر ابن خفاجة الذي عبّر عن اضطراب نفسه واضطراب عصره، حين شبّه ما يحدث بين الغصون وخرير المياه بالجدال والاقتتال. وهو معنى لم يسبقه إليه أحد، في قوله:

وألقى عصاه حيث تلعب بالحصى

جنوب وتلهو بالغصون شمال

*

فكأنما    بين    الغصون    تنازع

وكأنما    بين    المياه   جدال

لا تخلو الروح الشاعرة من حس ديني، يوثّق لهفتها لكشف أسرار الحياة. وهي في طرقها لأبواب المعابد، إنما تسعى لنقل ما يتجاوز الكلمات، إدراكا منها للتناغم بين الكون الشاسع وعالمنا الداخلي. كتبت مدام دي ستايل قائلة: " يجب أن يكون الشعر مرآة أرضية للإلهي، وأن يعكس من خلال الألوان والأصوات والإيقاعات جمال الكون."

استوحى الإغريق بواكير شعرهم من ربات الإلهام بوصفها، أي القصائد، جسرا بين الإنسان والعالم، سواء العالم الخارجي للكون والطبيعة، أو العالم الداخلي لعواطف القلب. وكانت القصائد في تمجيدها للآلهة والرجال الأبطال، تنهل من أصولها الدينية بدرجات متفاوتة من التميز والوضوح.

رغم الإشادة بالعظمة البشرية وإنجازات الإنسان وانتصاراته، إلا أن هناك حقيقة يقررها الشعراء منذ بندار، مفادها أن كل إنجاز إنساني هو إنجاز كائن هش مقدّر له الموت. تكفي لحظة واحدة لتغيير مصيرنا، بينما النور الإلهي قادر على تليين أيامنا. لذا يمنح بندار للشاعر مكانة مقدسة، تأكيدا منه بأن الإلهي هو منبع الجمال الشعري:

"أيها الإله الأعلى،

يا من تبسط سلطانك على أوليمبيا

كن رحيما بأغانيّ

دائما يا أبي"

تدرك الروح الشاعرة جيدا أن موسيقى الكلمات المتأصلة في إيقاع العبارة الشعرية، سواء كانت بيتا أو مقطعا، تحرر فينا ألفة فطرية مع كائن فريد، بدونه يفقد كل شيء معناه في هذا العالم. وهذا التوق إلى الألوهية الآسرة هو ما يجعل من تلقي القول الشعري حساسية تولد في قلب كل إنسان، حتى وإن لم يمتلك ذوقا رفيعا.

تستوقفنا الروح الشاعرة لنستعيد شيئا من إدراكنا لحقيقة العالم. ففي صخب الحياة العصرية، ولفرط لهاثنا اليومي لجمع الأشياء وتكديسها، كفّ العالم عن مخاطبتنا، وصرنا بحاجة لمن يُنبهنا إلى حمرة وردة، ويكشف رسالتها التي تشهد على علاقة مميزة بين الإنسان والطبيعة. إن مهمة الشاعر هي تذكيرنا بالعالم في وحدته، وتحريرنا من عبء مادته بأشكالها المتعددة.

الشعر لحظات آمنة تسكن قلوب الناس، يقول أحمد بلحاج آية وارهام، ومنطقة النقاء التي يلتجئون إليها بعد أن تلوث العالم وتشوه الحلم فيه. ولا يستحق أن يوصف شاعرا إلا من نذر روحه للجوهر الأسمى، وفضّل فقدان رأسه على أن ينحني أمام أولئك الذين يجدّون في سكّ دماغ الإنسان، كما تُسكّ النقود.

***

حميد بن خيبش

يعتقد

حسَنُ النيّة

أنّ الخيرَ

ينزل لا يصعد.

*

المُدرِكُ

يتهيّب أن يكون

في موضع شبهة

ولا يتصالح

مع كلّ ما يُنتِجُ القهرَ.

*

نصفُ الوجه تيهٌ آخر،

النسيانُ ذاكرةٌ أصليّة.

-

كلُّ احتمالٍ

هو مِن احتمالاتِ الصدفة

لكي لا يكون المللُ أكثر.

*

في أيّ طابق

نافورةُ السمّ؟.

*

أسمعُ نبضَ الصخورِ الصمّاء ـ

الرجلُ الشجاعُ   امرأةٌ شجاعة.

*

الظلامُ

ليس قليلاً،

الظلامُ

مترامي الأطراف.

*

النظام

هو هذا التشظّي

وتلك الأحياء

والأزقّة الموحلة!.

*

ما للنسِرِ يحلّقُ عالياً

حتى بالكاد بعدُ يُرى؟

قالت طيورٌ لبعضها البعض،

وهي لا تدري أنّه محلِّق عالياً

لكي يراها جماعةً وينقضَّ على المفرد.

*

سترى

بعقلِك الصاحي

ما لا تراهُ الآن،

ستضحك أو ستبكي،

الفراغ كثير.

*

الحصار

أم أنا الدائرة؟.

*

باطلة ـ تجيزُ التفاوتَ الطبقيّ ـ

كلُّ شريعة تجيز التفاوت بين الجنسين.

*

جعلوا

كلاً منّا

يلاكمُ كلاً منّا.

*

العنوانُ يؤكّد فيما ينفي،

يأخذ بيد رأسي إلى محلٍّ آخر.

*

أين هو المجدوعُ الأنف؟

أين هو المُحاطُ بالعويل؟.

*

قد يمزّقهم

مصّاصُ الدماء

لكنّهم سيغرزون أظافرَهم

بوجهه.

*

في العَقدِ الأوّل من القرنِ الحادي والعشرين

رجعوا إلى سيرتهم في جنوبِ لبنان ـ 2006،

وبعد أقلّ من سنتين رجعوا إلى سيرتهم في غزّة ـ

إنّهم يقتلون أهلك، يفلّتون عليهم الوحوش ـ

وهو في الغضبِ الأكثر يُفكِّر إذا سرٌّ يستتر

خلف احتفاءِ البعض بأعيادِ الميلادِ ورأسِ السنة

بالزينةِ والمفرقعات التي تفتن الجميع خصوصاً الأطفال

واحتفاء البعض بإعلانِ الحربِ على غزّة؟

كميّاتُ الرصاص المصبوبِ على غزّة لا تقل،

إنّها بكميّة النازيّة في النازيين الجدد.

كيف كلُّ جورج حبش، كلُّ أبي علي مصطفى،

كلُّ غسّان كنفاني، كلّ محمود درويش،

كلّ سميح القاسم، أدوارد سعيد، إميل حبيبي،

ناجي العلي، غيفار" غزّة، الكلّ،

كلّ أبطال غزّة،

كلّ أبطال فلسطين، وتنزف غزّة؟.

*

أرى بعينين مكسورتين

ليكونَ دورانٌ آخر وآخر.

*

جرادة

بحجمِ إنسانٍ بالغ

تقف مستقيمة على ساقين.

*

الذي يوحِّد بين متباعدَين

هو ملتقى روافدِ الجهاتِ،

هو الإنسانُ الإنسان.

*

وكثيراً يُقالُ أخيراً

ما كان يجب أن يُقالَ أوّلاً.

***

شوقي مسلماني

تمهيد: يأتي الفيلم التلفزي “مامات”، الذي بثته القناة الثانية 2M، في شهر رمضان ضمن سياق درامي مغربي يسعى إلى ملامسة القضايا الاجتماعية العميقة بلغة بسيطة ومؤثرة. هذا العمل، الذي أخرجه محمد علي المجبود وسيناريو وحوار بشرى مالك، لا يكتفي بسرد حكاية شخصية، بل يتحول إلى مرآة تعكس واقع الهامش المغربي، حيث تتقاطع الهشاشة مع الإرادة، ويتجاور الحرمان مع الحلم.

1- الحكاية: من الهامش إلى مركز الفعل

يروي الفيلم قصة “مامات”، امرأة في السبعين من عمرها تعيش في دوار مهمّش يعاني من العطش وغياب أبسط شروط العيش الكريم. ورغم ثقل السن وقسوة الظروف، تقرر هذه المرأة أن تعود إلى مقاعد الدراسة لمحاربة أميتها. غير أن هذا القرار البسيط يتحول تدريجيًا إلى فعل مقاومة، وإلى مشروع جماعي للدفاع عن حق القرية في الماء والتعليم.

إن الحكاية، في ظاهرها، فردية؛ لكنها في عمقها جماعية، إذ تختزل معاناة فئة واسعة من النساء القرويات اللواتي تم تهميشهن تاريخيًا. وهنا ينجح الفيلم في الانتقال من الخاص إلى العام، ومن الشخصي إلى الرمزي.

2- البعد الاجتماعي: سؤال الكرامة

يطرح الفيلم قضيتين محوريتين: الأمية والعطش، وهما ليسا مجرد موضوعين عابرين، بل هما دلالتان على اختلالات بنيوية في المجتمع. فالأمية هنا ليست فقط غياب القدرة على القراءة، بل هي شكل من أشكال الإقصاء الاجتماعي، بينما يمثل العطش صورة مكثفة لمعاناة التهميش المجالي.

وتتحول “مامات” إلى صوت احتجاجي هادئ، لا يعتمد على الصراخ، بل على الفعل. إنها تجسد ما يمكن تسميته بـ”بطولة يومية”، حيث يصبح التعلم فعلًا تحرريًا، وتتحول المعرفة إلى أداة تغيير.

3- البناء الدرامي: بساطة مشحونة بالدلالة

يعتمد الفيلم على بناء درامي بسيط، يخلو من التعقيد، لكنه مشحون بالدلالات. فالشخصية الرئيسية تُرسم بملامح واقعية: امرأة عادية، بلا نفوذ ولا سلطة، لكنها تمتلك إرادة استثنائية.

هذه البساطة ليست ضعفًا، بل هي اختيار جمالي ينسجم مع طبيعة الموضوع. فالفيلم لا يسعى إلى الإبهار البصري، بل إلى التأثير الوجداني، وهو ما ينسجم مع تقاليد الدراما الاجتماعية المغربية التي تراهن على القرب من المتلقي.

4- أداء الممثلين: صدق التعبير

عرف الفيلم مشاركة نخبة من الممثلين المغاربة، من بينهم راوية، منال الصديقي، وزينب الإسماعيلي، الذين قدموا أداءً يتسم بالواقعية والصدق.

وقد ساهم هذا الأداء في جعل الشخصيات قريبة من المتلقي، بحيث يشعر المشاهد أنه أمام وجوه مألوفة من الحياة اليومية، لا أمام شخصيات مصطنعة.

5- الرؤية الفنية: حين يصبح الأمل ممكناً

من أبرز ما يميز الفيلم هو رسالته الإنسانية العميقة: “التعلم لا عمر له”. فـ”مامات” لا تمثل فقط امرأة تقاوم الأمية، بل تجسد فكرة أن التغيير ممكن مهما كانت الظروف.

كما أن الفيلم يطرح سؤالًا ضمنيًا حول دور الفرد في إحداث التحول داخل المجتمع، مؤكدًا أن المبادرات الصغيرة قد تكون بداية لتحولات كبرى.

6- ضمن سياق الإنتاج التلفزي المغربي

يندرج “مامات” ضمن توجه القناة الثانية 2M نحو تعزيز الإنتاج الوطني، خاصة خلال المناسبات الكبرى مثل شهر رمضان، حيث تراهن القناة على أعمال درامية تعكس الواقع المغربي وتلامس قضاياه الاجتماعية.

وهذا يعكس رغبة واضحة في جعل التلفزيون فضاءً للنقاش المجتمعي، وليس مجرد وسيلة للترفيه.

خاتمة

يمكن القول إن فيلم “مامات” ليس مجرد عمل تلفزيوني عابر، بل هو نص بصري يحمل رؤية إنسانية عميقة، ويطرح أسئلة جوهرية حول الكرامة، والحق في التعلم، والعدالة المجالية. إنه فيلم يشتغل على الهامش ليعيده إلى مركز الاهتمام، ويمنح صوتًا لمن لا صوت لهم.

وبهذا المعنى، ينجح “مامات” في أن يكون أكثر من قصة؛ إنه شهادة فنية على قدرة الإنسان، مهما كان بسيطًا، على أن يصنع الفرق.

***

حسن لمين

- "النوارس مجرد كائنات تقتات على القمامة.. ومعظم الطيور كذلك. احصلوا على بنادق.. واقضوا عليها من على وجه الأرض.

- هذا يكاد يكون مستحيلا.

- ولم لا؟

- لأن هناك ٨،٦٥٠ نوعا من الطيور في العالم اليوم. ويُقدَّر أن ٥,٧٥٠,٠٠٠،٠٠٠ طائر يعيشون في الولايات المتحدة وحدها. أما عبر قارات العالم الخمس.. فقد يتجاوز العدد ١٠٠ مليار طائر.

- إذا فليقض عليها جميعا..".

المصدر:

فيلم الطيور للمخرج الانجيليزي هيتشكوك، ١٩٦٣.Snyders, Frans; A Concert of Birds (I); National Trust, Petworth House; http://www.artuk.org/artworks/a-concert-of-birds-i-219706

يضع هذا الحوار الإنسان في مواجهة مباشرة مع وهم السيطرة على الطبيعة، حيث تتحول ملاحظة عابرة إلى كشف وجودي حاد، والأرقام التي تسردها السيدة بندي في الفيلم لا تعمل كمعطيات علمية فحسب بل كأداة تفكيك لوهم التفوق البشري.

إذ تكشف عن عالم يفوق الإنسان عددا وانتشارا وتعقيدا، وفي لحظة واحدة ينتقل الإنسان من وهم انه مركز المشهد إلى مكان آخر.

هنا لمن يتأمل ويعقل يتبدد اندفاع البائع المتجول أمام اتساع حقيقة لا يمكن احتواؤها أو إخضاعها، وكأن الطبيعة نفسها تفرض منطقها الصامت على كل خطاب متسرع ومتوحش.

في لوحة حفلة الطيور للفنان الفلمنكي فرانز سنايدرز التي أنجزت في القرن السابع عشر الميلادي، يتخذ هذا الاتساع شكلا مختلفا لا كتهديد بل كتناغم.

تتجمع الطيور في مشهد كثيف يبدو للوهلة الأولى فوضويا لكنه سرعان ما يكشف عن نظام داخلي دقيق، حيث تتوزع الألوان والحركات في توازن محسوب وتتصدر البومة المشهد كأنها تنظم هذا التعدد في إيقاع صامت.

لا صراع هنا بل اجتماع، ولا خوف بل حضور مشترك. وكأن الكثرة التي أرعبت الإنسان في حوار هتشكوك تتحول هنا إلى لغة بصرية يحتفى بها لا تحارب ولا حاجة ان تقاوم.

كان سنايدرز من أبرز رسامي فلاندر في عصره، تميز بقدرته الفائقة على تصوير الحيوان والطبيعة الصامتة بواقعية نابضة.

وارتبط اسمه بأسماء كبرى مثل روبنس، وكان كثيرا ما يشارك في إنجاز الأعمال عبر إضافة عناصر الطبيعة والحيوان.

 هذا منح لوحاته طابعا حيويا يتجاوز الزخرفة إلى حضور شبه حي، حيث لا تكون الكائنات مجرد موضوع للرسم بل كيانا يمتلك ثقله الخاص داخل التكوين.

ينتمي هذا العمل إلى المدرسة الفلمنكية الباروكية التي ازدهرت في سياق تحولات دينية وسياسية عميقة في أوروبا، واتسمت بالحيوية والدراما والاهتمام بالتفاصيل والسعي إلى إثارة الحواس.

لم تعد الطبيعة خلفية صامتة بل موضوعا مركزيا يستكشف ويحتفى به، وأصبح تنوع الكائنات انعكاسا لاتساع العالم وتعقيده في زمن كانت فيه الاكتشافات والتجارة تعيد رسم حدود المعرفة.

يمكن إضافة بعد آخر مختلف من تحليل اللوحة وهنا نستعير من جلال الدين الرومي.

 زار الرومي مدينة حلب في احظى اسفاره بحثا عن شمس التبريزي.

هناك وجد أن غالبية أهلها من الشيعة الذين كانوا يحيون ذكرى عاشوراء بحزن شديد، فتأثر بهذا المشهد وكتب قصيدة في رثاء شهداء كربلاء ضمن ديوانه. ومنها هذه الأبيات المترجمة من الفارسية إلى العربية:

 أين أنتم أيتها الأرواح العاشقة الخفيفة

التي هي أطير من الطيور في الهواء،

أنتم في ذلك البحر

 الذي هذا العالم مجرد زبده

فازدادوا معرفة لبعض الوقت،

زبدة البحر هي صور العالم

فتجاوز الزبدة إن كنت من أهل الصفاء.

من هذه الزاوية يمكن قراءة لوحة حفلة الطيور لا كمشهد بهيج بل كتأمل صامت.

حيث وجوه الطيور وألوانها هي صور العالم أي زبد البحر. وبناء على دعوة الرومي لتجاوز الزبد، فاللوحة تحث الناظر على ألا يقف عند جمال الطيور الظاهري بل أن يخترقه نحو معنى أعمق عن الحق والحقيقة.

حتى البومة التي تقود المشهد يمكن تأويلها هنا كرمز للصبر على المصيبة أو كمرآة تعكس دهشة الروح أمام تنوع الخلق ورحيله.

وتتعمق هذه القراءة عند استحضار فريد الدين العطار في منطق الطير، حيث يصف الهدهد للطيور الطريق إلى السيمرغ عبر سبعة أودية: وادي الطلب، ووادي العشق، ووادي المعرفة، ووادي الاستغناء، ووادي التوحيد، ووادي الحيرة، ووادي الفقر والفناء.

وهذا يساعد على فهم اللوحة أكثر لأن الطيور فيها ليست عابثة أو متقاتلة كما في فيلم هتشكوك، بل تبدو حاجة سائرة في مرحلة من هذه المراحل، ربما وادي الحيرة حيث تكثر الأصوات وتتشابك الألوان ولا يظهر المقصد بوضوح، أو ربما هي الطيور التي بلغت وادي الفقر والفناء فتجمعت لتودع شكلها المادي، مثلما بحث الرومي عن شمس التبريزي في حلب فوجد بدلا من ذلك مشهد احياء عاشوراء، فتصبح اللوحة مرآة لرحلة الروح لا مجرد تسجيل طبيعي.

وعند العودة إلى حوار هتشكوك، يظهر البائع المتجول والمتمسك بفكرة الإبادة، وكأنه يرفض الاعتراف بأن هذا العالم بكل كثافته وتعدده ليس عدوا يمكن القضاء عليه بل نظاما قائما بذاته لا يختزل في منطق السيطرة.

 وهذا التعنت الإنساني يتناقض تماما مع الانسجام في لوحة سنايدرز ومع السعي الروحي في منطق العطار.

كل هذا يذكرنا بأن النظرة الأداتية للطبيعة هي التي تنتج العنف بينما النظرة التأملية تنتج شعر الرومي وجمال اللوحة. وبين خوف السينما وانسجام اللوحة ورمزية الرومي ورحلة العطار، تتشكل شبكة من المعاني المتقاطعة تدفعنا إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالعالم.

واخيرا هل الكثرة التي نراها حولنا هي فوضى ينبغي إخضاعها كما يريد البائع المتجول، أم أنها نظام خفي يدعونا إلى التأمل كما توحي لوحة سنايدرز.

أم أنها مجرد طريق يقودنا إلى ما هو أبعد من العالم نفسه حيث يصبح التعدد انعكاسا لوحدة أعمق؟

***

د احمد عابر

 

تعد آلهة إنانا واحدة من أقدم الرموز الأنثوية في تاريخ البشرية، بل تمثل أول تجل واضح لفكرة الحب والجمال والخصب في الوعي الإنساني القديم. غير أن هذه الأنوثة المتألقة لم تنعم بالاستقرار، إذ تحولت مبكراً إلى ضحية لتحولات عميقة في بنية المجتمعات الأولى، فيما يمكن تسميته بـ(الانقلاب الذكوري) على الألوهة المؤنثة، وهو المفهوم الذي تناوله الدكتور خزعل الماجدي في كتابه (إنانا والإنقلاب الذكوري.. السردية الأسطورية والثقافية لآلهة الحب والجنس والجمال)، بوصفه مفتاحاً لفهم تحولات صورة الأنثى في التاريخ الأسطوري.

أولاً: الجذور – من الإلهة الأم إلى إنانا

يرى خزعل الماجدي أن إنانا ليست بداية الحكاية، بل امتداد لفكرة أقدم تعود إلى (لآلهة الأم) في عصور ما قبل التاريخ، حيث كانت الأنثى تمثل مركز الكون ومصدر الحياة. وقد انعكست هذه الرؤية في رمزية الألوهة المرتبطة بالأرض والخصب والاستمرار.

مع التحولات الاجتماعية وظهور المجتمعات الزراعية المنظمة، بدأ التوازن يميل تدريجياً نحو السلطة الذكورية، لتظهر إنانا كمرحلة انتقالية تحمل في داخلها هذا التوتر: آلهة حب من جهة، وكيان يخضع تدريجياً لصراعات السلطة من جهة أخرى.2616 almajedi

ثانياً: الانقلاب الذكوري وتهميش الألوهة المؤنثة

يؤكد خزعل الماجدي أن صعود الإله إنانا يمثل لحظة مفصلية في هذا التحول، حيث انتقل مركز القوة من الأرض (الأنثى) إلى السماء (الذكر).

في هذا السياق، تغدو إنانا النموذج الأوضح لهذا الانقلاب؛ إذ تحولت من كيان مكتفٍ بذاته إلى كيان يبحث عن الاعتراف داخل منظومة ذكورية مهيمنة، وهو ما يعكس بداية تهميش الألوهة المؤنثة وإعادة تشكيلها.

ثالثاً: الحب بوصفه مأساة – إنانا وديموزي

تحتل علاقة إنانا بديموزي موقعاً محورياً في تحليل خزعل الماجدي، إذ لا يراها مجرد قصة حب، بل تمثيلاً لصراع عميق بين الحياة والموت، وبين العاطفة والسلطة.

إن نزول إنانا إلى العالم السفلي وتجريدها من قواها يرمز، وفق هذا المنظور، إلى تفكيك الأنوثة نفسها، بينما تمثل التضحية بديموزي تعبيراً عن منطق قاسٍ أصبح يحكم العلاقة بين الحب والوجود.

رابعاً: التحول الأُسطوري – من إنانا إلى عشتار

يشير خزعل الماجدي إلى أن المرحلة الأكدية شهدت تحولاً حاسماً في شخصية إنانا، حيث تم دمجها مع عشتار، لتتحول من إلهة حب إلى إلهة حرب ودمار.

لم يعد جمالها رمزاً للخصب، بل ارتبط بالإغواء والفتك، وأصبح الحب وجهاً آخر للعنف. هذا التحول يعكس إعادة تشكيل صورة المرأة في المخيال الجمعي، من خالقة للحياة إلى قوة مدمرة.

ويبلغ هذا التحول ذروته في صور لاحقة مثل الآلهة عناة، حيث تتجلى الأنثى بوصفها قوة تدمير صريحة، وهو ما يؤكد المسار التصاعدي لتشويه الألوهة المؤنثة.

خامساً: التلاشي – ذوبان الألوهة المؤنثة

ضمن هذا المسار، يبين خزعل الماجدي أن إنانا لم تختفِ فجأة، بل ذابت تدريجياً في إلاهات أُخريات، وفقدت هويتها الأصلية. وهذا التلاشي يعكس مصير الأنوثة في ظل هيمنة النظام الذكوري، حيث لم يعد لها وجود مستقل، بل أصبحت جزءاً من منظومة أوسع تتحكم بها قوى أخرى.

الخاتمة: إنانا بوصفها سردية الإنسان

إن قصة إنانا، كما يقدمها خزعل الماجدي، ليست مجرد أسطورة، بل هي سردية عميقة لتحولات الإنسان نفسه:

-  صعود الأنوثة في بدايات الحضارة،

-  انكسارها تحت وطأة التحولات الاجتماعية،

-  إعادة تشكيلها بما يخدم النظام الذكوري.

إنها حكاية الحب حين يقهر، والجمال حين يشوه، والأنوثة حين تعاد صياغتها قسراً. ولذلك، فإن دراسة إنانا لا تعني استعادة ماضٍ أسطوري فحسب، بل قراءة في تاريخ الإنسان، في صراعه بين القوة والحنان، بين الهيمنة والتوازن، وبين الذكر والأنثى.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

حكاية الطفولة الفلسطينية في يوم الطفل الفلسطيني

لن أنسى تلك الأيام التي كنت أخطو فيها بيدي الصغيرة بين كفوف إخوتي وأخواتي، وأعبرُ من قلب مدينة بيت لحم نحو مخيم عايدة الصمود، إذْ تقودنا الطرقات الضيقة إلى مدرسة وكالة الغوث.

تتسابق خطواتنا مع الصباح، وتتمايل حقائبنا الثقيلة مسرعة نحو سرّ الرحلة. يلمع في ذهني حلمٌ كبير يكبر معي.

إنها فلسطين التي لا تبرح مكانها في خيالي، ومفتاحٌ قديم يتدلّى في الذاكرة في حكايةٍ لم تكتمل لبيت جدي في قريتنا المالحة إحدى قرى القدس المهجّرة، وعلمٌ زاهٍ يرفرف في عينيّ قبل أن أراه في السماء.

أعيش عامي السادس مع بداية انتفاضة الحجارة، وأصغي لضجيجٍ يملأ المكان، ضجيجٍ يختلط فيه وقع الأقدام بنداءاتٍ عالية، فتتسارع نبضات القلب، وتتشبث يدي أكثر بيد أختي الأكبر مني.

أمضي نحو المدرسة وأنا أعبر حكايةً أكبر من عمري، أحمل في صدري خوفًا صغيرًا وحلمًا واسعًا، وأواصل الطريق بعينين مفتوحتين على درسٍ أول في الحياة، ليتشكل الوعي باكرًا، وتكبر الطفولة وهي تمسك بخيط الأمل.

تركضُ الخطى الصغيرة فوق ترابٍ يحفظ أسماء العابرين، وتفتحُ العيونُ دهشتها على سماءٍ تختزن حكاياتٍ أطول من العمر.

تنبضُ الأزقةُ بحركةٍ دافئة، وتتعالى ضحكاتٌ تشقّ طريقها بين تفاصيلٍ مشبعةٍ بالذاكرة.

تمضي الطفولةُ في فلسطين كرحلةٍ مكتوبةٍ بالحياة، رحلةٍ تتقاطع فيها البراءة مع التجربة، ويتحوّل فيها اللعبُ إلى لغةٍ تحمل معنى أعمق من مجرد لحظة عابرة.

تحملُ الذاكرةُ الأولى صورًا متداخلة ليدٍ صغيرة تمسك بحقيبةٍ أثقل من وزنها، وعينين تلتقطان تفاصيل المكان بحسٍّ يقظ، وقلبٍ يتعلّم قراءة الإشارات مبكرًا. تنمو الحكاياتُ داخل الأطفال كما تنمو الأشجار، وتمتد جذورها في الأرض، وتعلو أغصانها نحو الضوء.

تتناقلُ الأجيالُ سردياتٍ عن البيوت الأولى، وعن الطرقات التي عبرها الأجداد، وعن أصواتٍ ما زالت تعيش في الأغاني والهمسات.

يتشكّلُ الحاضرُ كلوحةٍ متحركة تعلوها أقلامٌ ترسم الوطن بألوانٍ زاهية، وألعابٌ تُبتكر من تفاصيل بسيطة، ووجوهٌ تتقن صناعة الفرح وسط زخم الأيام.

يتعلّم الطفل الفلسطيني مبكّرا على غير عادة أقرانه من أطفال العالم.

يتعلم كيف يوازن بين ما يراه وما يحلم به، فينسج من يومه حكايةً جديدة، ويمنح اللحظة معنى يستحق أن يُروى. تتحوّلُ الجدران إلى دفاتر، وتصبح الساحات مسارح لخيالٍ واسع، يبتكر من الممكن آفاقًا أبعد.

يمتدُّ المستقبلُ كأفقٍ مفتوح، يحمل في طياته وعودًا تنمو مع كل حلمٍ صغير. تتقدّم الخطواتُ بثبات، وتكبر الأمنيات مع كل تجربة، وتتشكل ملامح الغد في عيونٍ تعرف الطريق.

يكتبُ الأطفالُ فصولهم القادمة بإرادةٍ نابضة، ويمنحون الزمن اتجاهًا جديدًا، فتتلاقى الذاكرة مع الأمل، وتصبح الحكاية استمرارًا لحياةٍ تتجدد.

تزهرُ الطفولةُ في كل زاوية، وتولدُ الضحكاتُ من قلب التفاصيل، وتعلو الأصواتُ بأغنياتٍ تحمل روح المكان. تتجسدُ القدرة على النهوض في كل محاولة، وتُصاغ القوة من لحظاتٍ صغيرةٍ تتراكم حتى تصير معنى كبيرًا. يواصلُ الأطفالُ رسم ملامح أيامهم، ويصنعون من اللحظة مساحةً للحلم، ويحوّلون الذاكرة إلى جسرٍ يعبر نحو غدٍ يليق ببراءتهم.

في يوم الطفل الفلسطيني تتلألأ الحكاياتُ كنجومٍ قريبة، وتُروى القصصُ بصوتٍ يحمل دفء الأرض ونبضها. تتقدّم الكلماتُ لتحتفي بروحٍ تنبض بالحياة، وتستمرُّ الطفولةُ كقصةٍ تُكتب كل يوم، فيتجدد المعنى، ويكبر الأمل، وتبقى الذاكرة حيةً تحمل ملامح الطريق.

تتسلّلُ التفاصيلُ الدقيقة لتغني المشهد أكثر والمزيد من رائحة الخبز في الصباح والتي تُوقظ الحكايات، والعديد من خطوات الأطفال نحو مدارسهم لترسم إيقاع يومٍ جديد، وتستمر أصواتُ اللعب الشعبي في الحارات لتعيد ترتيب الفرح في القلب.

تتشكّلُ علاقةٌ عميقة بين الطفل والمكان، فيحفظُ الحجرُ ملامحه، وتحتضنُ الأشجارُ أسراره، وتُصبح الأرضُ رفيقةً يوميةً تُصغي لكل نبضة.

تتقدّمُ الذاكرةُ كمرآةٍ حية تعكس وجوهًا صغيرة تحمل ملامح الصبر والإصرار. ينمو الإدراكُ مع كل تجربة، وتتفتحُ الروح على معانٍ تتجاوز العمر، فتغدو الطفولة مساحةً للوعي المبكر، ومسارًا يختزن حكمةً تولد من قلب التجربة. تتعانقُ البراءة مع القوة، ويتحوّل الشعورُ إلى طاقةٍ تدفع نحو الاستمرار.

تنبثقُ الأحلامُ كطيورٍ تحلّق في فضاءٍ واسع، لترسم مساراتها فوق حدود الواقع، وتبحث عن أفقٍ يليق بصفائها. يخطّ الأطفالُ ملامح عالمهم الخاص، ويلوّنون دفاترهم بأمنياتٍ واضحة، ويصوغون من خيالهم حقولًا من الضوء. تتقدّمُ الرغبةُ في الحياة كنبضٍ دائم يوقظ فيهم القدرة على تخيّل غدٍ أجمل.

تترسّخُ القيمُ في وجدانهم عبر تفاصيل يومية تتمثّل في التعاون في اللعب، والمشاركة في الحلم، والقدرة على تحويل اللحظات الصغيرة إلى ذاكرةٍ كبيرة.

تتشكّلُ الهُويةُ من كلّ ذلك الوعي المبكّر كخيطٍ متين يربط بين الماضي والحاضر، ويمنح المستقبل جذورًا ثابتة.

يكبرُ الطفل وهو يحمل في داخله حكاية شعب، ويمنحها صوته وصورته وحلمه.

تتواصلُ الحكايةُ، وتكبرُ مع كل طفلٍ يضيف سطرًا جديدًا، وتستمرُّ الطفولةُ كقصيدةٍ مفتوحة، تتجدّد كلماتها مع كل صباح.

يشرقُ الأمل من بين التفاصيل، وتبقى الحياةُ حاضرةً بقوة، لتُعلن نفسها في عيون الأطفال، وتكتب عبرهم قصةً تستحق أنْ تُروى جيلاً بعد جيل.

أيها القارىءالواعي، لقد كان ذلك بقعةَ ضوءٍ تسلّلت من قلب الحكاية لتكشف ملامح شخصيةٍ بطوليةٍ تنبض تحت راية فلسطين.

هناك، إذْ يكبر المعنى في تفاصيلٍ صغيرة، ليتجلّى الطفل الفلسطيني، صغيرُ الحجم، عظيمُ الفِكر، واسعُ الحلم كأفقٍ لا ينتهي.

يمضي بخطاه الواثقة، ويحمل في عينيه حكاية وطن، وفي قلبه نبض قضية.

فارفَعوا له القبعاتِ إجلالًا، وامنحوه من الكلمات ما يليق بمقامه، فهو البداية التي تكتب المستقبل، وهو الحكاية التي تتجدّد، وهو الضوء الذي يقود الطريق.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

لاريب أن النتاج الأدبي هو أحد أبرز تجليات الوعي الإنساني، حيث يتفاعل الحس المرهف للمبدع مع التجربة الحياتية، وتتداخل فيه الموهبة الفطرية مع الخبرة المتراكمة.

وقد يبدو الإبداع الأدبي فعلاً لحظياً، تستولده تلك الومضة المتوهجة، التي تشتعل في ذهن الكاتب فينثال نصاً متفرداً، يحمل بصمة الكاتب الخاصة، ويعبر عن رؤيته للعالم، يمتلك الأديب الحقيقي حساً مرهفاً، وقدرة استثنائية على التقاط التفاصيل الدقيقة، التي يتمثلها في عوالمه في اللحظة، وتحويلها إلى صور لغوية نابضة بالحياة، الأمر الذي قد يدفع إلى الاعتقاد بأن النتاج الأدبي موهبة فطرية قبل كل شيء، ولا ديمكن تعلمها، بقدر ما يمكن صقلها.

ومع وجاهة مثل هذا التصور، فإنه لابد من الإلتفات إلى عنصر الخبرة، في تشكيل النتاج الأدبي، لاسيما وان النتاج الأدبي لا يتكون في فراغ، بل يتغذى من تراكم التجربة الإنسانية التي يمر بها الكاتب عبر مراحل حياته، اذ لاشك ان القراءة المستمرة، والاحتكاك بالنصوص، والتمرس في الكتابة، والانخراط في معالجة القضايا الاجتماعية، تفرز مخزوناً معرفياً، وجمالياً، يسهم في نضج التجربة الأدبية وتعميقها.

 فالكاتب، مهما بلغت موهبته الذاتية، فلاشك انه يظل بحاجة إلى زمنٍ طويل من التجربة، لكي يتمكن من أن يبلور بصمته الخاصة به، ويطوّر أدواته التعبيرية في وضع نصوصه، وتشكيل نتاجاته.

ومن هنا يمكن القول، إن الإبداع، والخبرة المتراكمة، هما عنصران متكاملان في تشكيل النتاج الأدبي. فالإبداع يمنح النص روحه، وحيويته، بينما تمنحه الخبرة الزاخرة، رصانته وتماسكه.

 فالإبداع الفطري دون خبرة، قد ينتج نصوصاً متوهجة حقاً، لكنها قد تكون سطحية، وغير ناضجة، في حين أن الخبرة دون إبداع، قد تفضي إلى نصوص متقنة تقنياً، وجذابة شكليا، لكنها باردة حسبا، وخالية من الوهج.

ولذلك تظل النتاجات الأدبية، التي تنجح في تحقيق التوازن بين العفوية، والوعي، وبين الانفعال، والتأمل، وبين الموهبة والتجربة، نتاجات ابداعية رصينة، لاسيما، وان الأدب في جوهره، ليس مجرد تعبير عن حس اللحظة، بقدر ما هو بناء متراكم، يتشكل وياخذ مدى جمالياته عبر الزمن، حيث يتزاوج فيه حس الذات الإبداعية، مع تجليات صور عوالم المبدع، ويتفاعل فيه خياله المتوهج، مع مرئيات واقعه.

وهكذا يظل النتاج الأدبي حصيلة تفاعل خلاق، بين الإبداع الفطري للكاتب، وبين خبرته المكتسبة، وبالتالي فانه فلا يمكن للأدب أن يزدهر بأحدهما دون الآخر، ليظل هذا التفاعل العضوي بينهما، هو السر الكامن، وراء النصوص الإبداعية، التي تلامس وجدان المتلقي بعمق، وتبقى راسخة في ذاكرته.

***

نايف عبوش

من أمتع أوقاتي وأكثرها صفاء وراحة نفسية، تلك التي أقضيها بين دفتي كتاب راقني، أو حين أتصفح المواقع، فأتعثر صدفة بنصوص مميزة لكتاب مشهورين كانوا أو مغمورين، تشدني إليها من الوهلة الأولى، فتوقظ فيَّ تلك القارئة من سباتها، لتسترد شيئا من نهمها وشغفها بالقراءة، كتّاب حين أقرأ لهم، أكاد أنسى تماما أني كاتبة، رغم مُكنتي على مجاراة نصوصهم تلك، وربما التفوق عليهم، إلا أنني أقرأ لهم باستمتاع وشغف كبيرين، وهذا ما أعتبره من سمات الكاتب الحقيقي، أي أن هذا الأخير يملك مقدرة جعل أقرانه من الكُتّاب قُرّاءً له، ربما القاسم المشترك بين أصحاب هذه الأقلام أن القارئ يذعن لهم طواعية، فيسترسل بالقراءة لهم دون كلل أو ملل، وكلما تنقل بين كلماتهم وسطورهم تلمّس صدقا كبيرا، وتلقائية لافتة، هم كُتّاب لا يلوون عنق اللغة ليستعرضوا عضلاتهم، ومكنتهم البلاغية، أو ليتفاخروا بسحر البيان والبنان، ولا يتفيقهون في كل حدث ومسألة لمجرد التواجد في بقعة الضوء، هذه الفئة من الكُتّاب لا يحاولون البتة تقليد أحد، ولا يسعون لأن يكونوا أشخاصا آخرين غير أنفسهم، ببساطة هم كتاب صادقون مع ذواتهم وأقلامهم، أصحاب بصمة متفردة ومميزة، تستشف ذلك وأنت تقرأ لهم، فيتبين لك فعليا أنك أمام كتّاب حقيقيين بأتم معنى الكلمة، حينما يكتبون هم يتنفسون الكتابة! لا يمارسونها بل يعيشونها ويعشقون تفاصيلها، حد التماهي مع نبضهم، حروفهم ليست مجرد مداد منثور، بل أجزاء من ذواتهم، وقبس من أرواحهم تقبع على الورق وتتخفى مابين السطور.

بالنسبة لي تلك الأقلام هي "علامة مسجلة" وفارقة في عالم الأدب، تستحق بجدارة الاحتفاء بها، كتّاب لا يتكلّفون الكتابة ولا يصطنعونها، بل يتماهون معها ويذوبون فيها وكأنما قد ولدوا كُتّابًا!

أعتقد أن الكتابة بالتحديد ليست حرفة أو مهنة يتعلمها المرء أو يسعى إليها، بل هي بصمة روح لا مجرد بوح أو حبر يسيل ليغزو بياض الورق!

أعتقد يقينا أن الكتابة ما وُجدت إلا لتجعلنا أرقى وأنقى عاطفيا، وأكثر وعيا وعمقا فكريا ومعرفيا، لا يمكنني إلا أن أرى الكتابة رسالة نبيلة، ذات تأثير بالغ على الكاتب وبيئته، وأداة فعالة للتغيير الإيجابي، كما أعتبرها مسؤولية كبيرة على عاتق الكاتب، فإما أن يكون أهلا لها أو يدعها لمن هو جدير بها.

أؤمن جدا أن الكتابة فعل تأثير، وصنعة الفاعلين والمؤثرين من أصحاب الفكر والثقافة، هي هبّة وعي وسط ضجيج الجهل وزحام السطحية والتفاهة، كما أنها فسحة للمشاعر الإنسانية، ومساحة فسيحة تحوي وتحتوي الإنسان بكُلّيته فكرا ووجدانا.

***

بقلمي: زينة لعجيمي -الجزائر

 

يا عاشقة الورد،

إن كنت على وعدي،

فحبيبك منتظر،

يا عاشقة الورد.

زكي ناصيف -ملحن و مغني و شاعر لبناني

في هذه الأبيات يخاطب الشاعر المحبوبة بلغة رقيقة تحمل شوقا وانتظارا طويلا. عاشقة الورد ليست فقط امرأة تحب الزهور بل رمز للجمال والحنان والطبيعة الصافية. الوعد هنا يوحي بعلاقة قائمة على الانتظار والامل وربما الغياب. الحبيب المنتظر يقف في حالة ترقب عاطفي هادئ لكنه عميق. كتب هذه الكلمات زكي ناصيف الذي جمع بين الشعر واللحن والصوت فقدم فنا صادقا نابعا من الوجدان اللبناني. كلمات بسيطة لكنها مشبعة بالمعنى وتعكس ارتباط الانسان بالطبيعة وبالحب النقي.2607 ahmad

تقدم اللوحة التي تحمل عنوان "قاطفة الورد" للفنان دانيال ريدجواي نايت، ورسمت في عام ١٨٨٢، مشهدا ريفيا هادئا، حيث تنحني فتاة شابة بين أزهار الحقل لتقطف الورد بعناية. الألوان زاهية خصوصا الأحمر الذي يسيطر على المشهد من خلال زهور الورد.

الضوء ناعم ينساب على الأرض والنباتات فيخلق جوا من السكينة. حركة الفتاة المنحنية توحي بالتواضع والاندماج مع الطبيعة وكأنها جزء منها لا كائنا منفصلا عنها. الخلفية تمتد إلى أفق مفتوح يضيف عمقا بصريا ويعزز إحساس الحرية والاتساع. المشهد كله يبدو لحظة عابرة لكنها مشبعة بالشاعرية.

يمكن قراءة هذه اللوحة من زاوية فكرية قريبة مما طرحه الكاتب هاشم الشملة حول فكرة الموقف والذاكرة. الفتاة هنا ليست فقط قاطفة للورد بل تمثل موقفا هادئا وصادقا من الحياة. انحناؤها ليس ضعفا بل اختيار للتواصل مع الأرض ومع الجمال البسيط.

وكما أن التاريخ لا ينسى المواقف الكبرى فإن هذه اللحظات الصغيرة أيضا تحمل قيمة خفية. قد لا يكتب عنها التاريخ لكنها تعبر عن صدق العلاقة بين الإنسان ومحيطه. الجمال هنا موقف صامت لكنه راسخ. وكما يقول الشملة فإن القيمة لا تضيع حتى لو لم توثق، فإن هذه اللوحة تحفظ لحظة من الصفاء الإنساني الذي يبقى أثره مهما تغيرت الروايات.

أما من زاوية فريد الدين العطار، فيمكن ربط مشهد قاطفة الورد بما كتبه في منطق الطير عن العشق. ترجم أحمد الصافي النجفي ذلك المعنى بقوله:

إن العشق نار هنا والعقل دخان،

فإذا أقبل العشق أسرع العقل هربان.

فالفتاة المنحنية في اللوحة لا تقطف الورد بعقل محسوب، بل بشغف صامت وكأنها تعبد الجمال. إنها تعيش نار العشق للأرض والزهور، بينما يتوارى العقل في الخلفية البعيدة الأفق. هذه النار ليست مدوية بل هادئة، لكنها تحرق كل ما عداها من حسابات باردة.

نعود إلى أبيات زكي ناصيف لنستنتج أن الحبيب المنتظر هو أيضا مثل تلك الفتاة، فهو منحنى بالانتظار كمنحنى قاطفة الورد. الغياب لم يقتل شوقه بل جعله أكثر اتصالا بالوعد. هو ينتظر ليس لأنه عاجز بل لأنه اختار أن يبقى وفيا كما اختارت الفتاة أن تبقى منحنية على الأرض رغم إمكانية الوقوف. العشق عنده ليس صراخا بل انتظار طويل، وليس بريق عيون بل انحناءة لا تكل.

وأخيرا، أليس في كل انحناءة لقطف وردة، أو في كل بيت شعر ما يكفي لإثبات أن العشق الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج؟

***

د احمد عابر

 

ـ الحديثُ

يكونُ بالخلاصاتِ مع الصديقِ

ويكونُ بالتفصيلِ المملِّ

مع الخصم.

*

ـ كلُّ كلامٍ،

وهذا الخسرانُ،

ألمٌ أكثر.

*

ـ فقدانُ

الثقةِ

موتٌ

آخر.

*

ـ الموتُ

هو أن يكفَّ المرءُ

عن الدهشة.

*

ـ لا إحكامَ

من دونِ ضحايا.

*

ـ من

يحكمُ

بالظنِّ

عدوّ.

*

ـ لا صيدَ أسهل

من صيدِ الكسالى.

*

ـ يقعُ الإنسانُ

حيثُ يفشلُ المجتمع.

*

ـ ليس كالثقافةِ

لتكونَ خنادق مواجهة.

*

ـ ليس مثلُ الفنِّ

لنداءاتِ الروح.

*

ـ الوجهُ

هو الإنسان.

*

ـ "الجمالُ

هو أن تنظرَ

لا أن تفتّشَ أو

تبحث".

*

ـ الرفيقُ

يمنحُكَ فرصةَ الإختلاءِ

مع نفسك.

*

ـ الفنّانُ

يقودُ العالَمَ

بأحلامِه.

*

ـ أسوأُ شعورٍ

هو الشعورُ الناتجُ

عن الإعتقادِ بفواتِ الآوان.

***

شوقي مسلماني

  أكان ميخائيل نعيمة سعيدا حقا أنه الآمن لسقف بيته الحديدي المستأثر المتنصل به عن مآسي البشرية حوله؟!

  فما دام محصنا من الطبيعة بأعاصيرها، ومن قيامتها الصاخبة متى خطر لها لا تستأذنه فهو المنجّى بفضل ما امتلك!

 أم أنها دعوة مبطنة لحكمة وسّعت السقف من منظور الجمود إلى اشتغال القلب؟!

 ليس وهو صاحب النظرة التأملية التي عافت القشر لتغوص في اللب، هناك حيث الألم مضاعف لمن عقل..

من منا يتذكر تلك الأبيات التي عُلّمها طفلا، ومن يستطيع أن يساعد شخصا مثلي في ترتيق ذاكرة تهدهده بين الأحداث، فتؤرقه، وتدميه؟!

 نصبُ الأمير الشامخ الذي حط عليه عصفور في طريقه إلى أرض أخرى حيث الدفء ضمن دورة الرحيل، استوقفته دموع تتساقط من عينيه الحجريتين المرصعتين بالزمرد، وعندما استفسر منه، أجاب:

 إني رأيت ما لم تره!

أتراها الرؤيا البصرية أم القلبية؟!

 هناك طفل تنهب جسده الحمى، وأمه الفقيرة لا تملك ثمنا لدوائه.. فرّق لحاله، وقال:

 كيف بإمكاني أن أساعده؟2600 aman

 قال:

 خذ زمردة عيني اليمنى، وضعها على طرف نافذته، ففعل..

 لكن دموع الأمير لم تتوقف!

 وماذا بعد يحزنك يا صديقي الأمير؟

 وأرى طالبا مسكينا يدرس على شمعة صغيرة، فخذ له جوهرة سيفي ليكتري مصباحا، فامتثل العصفور سريعا..

 وتوالى الحدث، وتأزم الصقيع، واكتست الأشجار بالثلج، وانكفأت رحلة الدفء..

 مر أناس بالقرب، فعثروا بعصفور تحجّر كقطعة ثلج، والتمثال الذي أحبوه خالي الوفاض، فاحتاروا لمن ينسبون المشاعر أقوى!

سقف بيتي حديد

ركن بيتي حجر

وإذا الفجر مات

والنهار انتحر

فانطفي يا نجوم

واحتجب يا قمر

من سراجي الضئيل

أستمد البصر

*

نعم..

هو السواد الذي ارتحل

وفي القلب الألق اشتعل

فهنيئا لمن به اكتحل

***

أمان السيد – كاتبة / أستراليا

 1-4-2026

(أيها الجالس في هذا البيت المليء بالنقوش والخيال، قم من هذا البيت وارتحل، وخذ متاعك، ولا تقل شيئا. قلت يا قلب تصرف كأب، اليس هذا من وصف الله، قال نعم، ولكن يا روح الاب، لا تقل شيئا)... جلال الدين الرومي من كتاب غزليات شمس، مترجم للعربية من الفارسية (ترجمة الكاتب)

ليست هذه الأبيات مجرد نداء شعري، بل صدمة روحية تهز الإنسان من سباته داخل عالم صنعه بنفسه. فبيت النقوش والخيال ليس مكانا ماديا، بل عالم الذكريات والتعلقات والأوهام التي نحمي بها أنفسنا من حقيقة الفقد والزوال.

الرومي هنا لا يدعو إلى الرحيل الجسدي، بل إلى خلع هذا العالم الداخلي الذي نقيم فيه أصنام الحنين. ثم يتجلى الصراع في مخاطبة القلب، حيث يبحث الإنسان عن رحمة تواسيه كرحمة الأب. لكن الجواب يأتي حاسما: نعم هذا من وصف الحق، ولكن الطريق إليه يمر بالصمت. صمت ليس ضعفا، بل مقام تسقط فيه الكلمات وتعجز اللغة عن حمل ثقل التجربة.2590 ahmad

تعكس لوحة "الكرسي المفضل للأب" للفنان البلجيكي شارل بوينيه، التي رسمها عام ١٨٧٥، هذا المعنى بصريا. نرى شابة تقف في غرفة داخلية مزينة بعناية، ترتدي ثوبا أبيض فاخرا مزينا بشرائط زرقاء، تنحني برأسها قليلا في وضع يوحي بالحزن والتأمل، أمام كرسي فارغ يحتل مركز المشهد. ضوء خافت يتسلل من نافذة غير مرئية، فيرسم ظلالا طويلة على السجاد المنسوج بدقة. ملمس القماش يبدو ثقيلا، وكأنه يحمل في ثناياه رطوبة الغياب. المشهد ساكن، وكأن الزمن توقف. لكن ماذا لو قرأنا هذه اللحظة بطرق مختلفة؟ هل الشابة تستسلم للحزن أم تتمرد عليه بصمتها؟ أو ربما هي معلقة بين الذاكرة والنسيان؟

ينتمي شارل بوينيه إلى المدرسة الأكاديمية الأوروبية في القرن التاسع عشر، حيث امتزجت الواقعية بالدقة التقنية العالية، مع نزعة عاطفية في تصوير المشاهد اليومية. عرف باهتمامه برسم البورتريه والمشاهد الداخلية التي تركز على الإنسان وعواطفه.

كانت أعماله تعكس ذوق الطبقة البرجوازية في ذلك العصر، مع اهتمام خاص بالتفاصيل الدقيقة للملابس والديكور. تحمل أعماله بعدا إنسانيا هادئا، لا تعتمد على الدراما الصاخبة، بل على لحظات التأمل الداخلي. وهذا ما يجعل هذه اللوحة نموذجا واضحا لمدرسته التي ترى في الحياة اليومية مسرحا للمشاعر العميقة.

لنقف قليلا عند الشابة نفسها. جسدها المنحني ورأسها المطأطئ: هل هو خضوع للحزن أم بداية وعي جديد؟

من زاوية ابن عطاء الله السكندري، يمكن قراءة هذا الوقوف باعتباره تجسيدا لحقيقة وجودية. فالحزن الذي يملأ الغرفة ليس استثناء، بل جزء من طبيعة الدنيا. يقول ابن عطاء: ما دمت في الدنيا فلا تستغرب وجود الأحزان. لكن الأهم هو ما تفعله بعد ذلك.

أليس وقوفها دون أن تجلس على الكرسي أو تزيحه دليلا على تحرر من التعلق؟

يقول السكندري:

أنت حر مما يئست منه، وأنت عبد لما ترجوه.

ثم يأتي قوله الأعمق:

أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك.

وقوفها الثابت قد يكون تجسيدا لهذا التسليم. لكن هل التسليم هو النهاية الوحيدة؟ ماذا لو كان وقوفها المجرد بداية تمرد صامت على فكرة الفقد نفسها؟

أما عند محيي الدين بن عربي، فالأشياء ليست كما تبدو. تأمل ايها القارئ الكرسي مرة أخرى: ليس فارغا بالكامل، فهو ممتلئ بالذاكرة، بالعادات، بصورة الجالس الذي لم يعد يجلس.

يقول ابن عربي: الفناء هو عدم رؤية الأشياء، والبقاء هو رؤية الحق في الأشياء.

هل يمكن أن تكون الشابة في لحظة فناء عن رؤية الكرسي كمجرد كرسي؟ ليس بالضرورة أن نصل فورا إلى الحضرة الإلهية. ربما هي فقط ترى الأب، أو ترى فراغا يصعب تسميته.

لكن ابن عربي يضيف:

ما من حزن إلا وهو مقدمة لفرج، وما من ظلمة إلا وهي تعلن عن قرب فجر.

الظلمة المحيطة باللوحة قد تكون ليست نهاية بل بداية. لكن السؤال: هل الفجر آت حتما؟ أم أن الظلمة قد تطول، وقد تتحول إلى سكن دائم؟

من جهة أخرى، يقدم عبد الجبار الرفاعي في كتابه "الظمأ الأنطلوجي" قراءة معاصرة. يشير إلى أن الإنسان المعاصر يعاني من عطش وجودي ناتج عن غياب المعنى والانقطاع عن الجذور. انظر إلى الغرفة من جديد: كل هذه التفاصيل المادية، الأثاث الفاخر، السجاد المنسق، الشرائط الزرقاء على الثوب الأبيض. أليست محاولة لملء فراغ؟

لكن الكرسي الفارغ يظل شاهدا على فجوة لا تسدها الأشياء. الشابة هنا ليست مجرد حزينة على فقد أبيها، بل هي في لحظة مواجهة مع سؤال الوجود ذاته: من أنا بعد رحيل من كان جزءا من هويتي؟ كيف أعيد تشكيل علاقتي بالعالم؟

الرفاعي لا يقدم إجابات جاهزة، بل يدعو إلى العيش في السؤال نفسه. وفي صمت الغرفة، وفي ثقل الضوء الذي لا يضيء كثيرا، تقف الشابة سؤالا مفتوحا لا يطلب جوابا.

بعد هذا، نعود إلى نقطة البداية: الرومي وأبياته. لكننا لم نعد كما كنا. كل هذه القراءات لم تقدم لنا إجابة واحدة، بل فتحت أمامنا أسئلة.

هل الرومي كان يدعونا حقا إلى تسليم خالص؟ أم كان يدعونا إلى مواجهة أوهامنا مهما كانت جميلة؟

"قم من هذا البيت وارتحل" قد تكون دعوة لتجاوز التفسيرات نفسها، لتجاوز هذا المقال، لتجاوز الكلمات. البيت المليء بالنقوش والخيال هو كل هذه المحاولات لشرح الفقد. لكن الحقيقة قد تكون أبسط: أن نقف كما تقف تلك الشابة، أمام ما نملكه و ما فقدناه، دون أن نحكم.

وربما أبعد من ذلك: أن لا شيء ينتظرنا، لا فجر ولا ظلمة، فقط وقوف.. ربما وقفة الشاهد و الشهيد..

ربما ايضا وقوف في غرفة، وامام كرسي فارغ، وصمت...كل ذلك لا يعني شيئا محددا ولا يحتاج ايضا إلى معنى محدد.

اخيرا هل يصبح الفقد يوما ما بابا للمعرفة أم يظل جرحا لا يندمل؟ وهل الصمت الذي نعيشه في مواجهة الغياب هو هزيمة أم هو أصدق لغة نملكها؟

***

د احمد عابر

 

تجدر الإشارة إلى أن الإبداع الأدبي الحقيقي، ينبثق عند ومضة تلك اللحظة، التي يلتقي فيها وجدان الكاتب، مع نبض الحياة في محيطه، حيث تنثال الكلمات، عندئذ، بوهج يخترق حالة السكون المخيمة عليه.

وهكذا تتوهج الكتابة، بماهي نتاج تفاعل رومانسية الكاتب، وحسه المرهف في اللحظة، لتصبح أكثر من مجرد عبارات مرصوفة ٱليا، مع بعضها، طالما كانت ومضة وجدانية عميقة، وانفعالا عاطفيا، يعكس رؤية الكاتب لعوالمه.

ولا ريب أن الرومانسية في الإبداع ليست مجرد الحديث عن الحب أو العاطفة، وانما هي القدرة على رؤية الجمال، حتى في التفاصيل الصغيرة لعوالم الكاتب، والتي قد تتجسد ساعتئذ، في ابتسامة عابرة، أو في غروبٍ اصيل يوم يلامس الأفق، أو حتى في لحظة صمت متأملة، ما دامت تعكس حالة نشوة، و دمشاعر عفوية جياشة، تجعل الكاتب يتذوق الجمال، ويشعر بأدق تفاصيله، التي تخرج من أعماق الوجدان، لتترجم عند ذاك، شعرا ابداعيا، وخواطر وجدانية عميقة، تجمع بين رقة المشاعر، وعمق الإحساس، الذي يضفي على الحياة طابعاً من النقاء النفسي، والابداع العاطفي، ويتجسد في صدق المشاعر، والحب الخالص، والوفاء التام.

وهكذا يعيد الكاتب الرومانسي تشكيل عوالم واقعه، ليجسدها بلغة حالمة، تمنح الأشياء روحا، لتحول ماهو مألوف منها إلى استثنائي، ما دام الكاتب لايقتصر في ما يكتبه، على ما يراه مجسما، وحسب، بل يسطر ما يحس به، وما يشعر به، في أعماق وجدانه، ليظل الحس المرهف عنده، تلك القدرة الفائقة على التقاط المشاعر الخفية، والإحساس بما يعجز الآخرون من غير المبدعين، عن ملاحظته.

 فالكاتب ذو الحس المرهف، لايمر على الأحداث مرورا عابرا، بل يغوص في أعماقها، ليلامس حقيقة جوهرها، ليتحفنا بنصوص، وسرديات ابداعية تنبض بكل صور الحياة.اذ ان الرومانسية بتفاعلها مع الحسّ المرهف، تفرز إبداعا متوهجا، زاخرا بدفء العاطفة، ليصل إلى القارئ دون استئذان، حيث تكون الكلمات جسور تواصل، وتصبح الكتابة رسالة إنسانية، قبل أن تكون فناً ٱليا مجردا، ومتكلفا..

وهكذا يبقى الإبداع المتوهج، انعكاسا صادقا لروح الكاتب، وفيض وجدانه، إذ كلما كان وجدانه أكثر نقاء، وحسه أكثر عمقا، كانت كتاباته أكثر قدرة على الحضور، والتأثير. فالإبداع ليس مجرد مهارة تكتسب بالممارسة وحسب، بل هو حس يعاش، ونور يتوهج في داخل الذات، قبل أن يسطر على الورق.

***

نايف عبوش

لا أعلم ما الذي يصيبني حين يكون كل شيء مُعدّاً لغزل حرفٍ لازورديّ، وحين تنقر الكلمات مداد قلمي مدفوعة بالتفاصيل الدقيقة، وكأنها بقعة ضوء تركت أثرها على ورقي، والتي تحيط بي كالطوق...

إنني أتعجب من الأشياء التي تملك حق مقاربتي، ولا تملك صك العبور بي إلى ما وراء الحبر! لا زلت أنتظر ذاك الهطول المدوي لقلمي، والذي حسبت أنه سيكون أحرفاً جارفة كتلك المياه الجارفة التي أعقبت نزيف غيم، وركام سحب...

حقاً إنني أتعجب حين أكون في ضيافة تقلبات كتابية، أصبح أكثر انكماشاً، وأعمق صمتاً، وكل هذا المطر والبرد والحنين يشتد في داخلي دون أن يحدث ما أسميه الوقع المدوي لقلمي...

إنني أجلس هنا على حافة ورق أبيض أصم أنتظر، ولا أعلم في الحقيقة ما الذي أنتظره؛ ربما كان انتظار مفردات تأتي على مشجب حقائب حرف لا سفر...

هذا الانحباس الحبري الذي أشلّ قلمي، وفي الخارج كل هذا السيل من جراء انقلاب طقس، وثوران نفس كأنها كاسحة ألغام، ولا يزال هذا الخمول الكتابي يطيح بكلماتي وبقايا شعور وحلم...

عندما أشرعت في الكتابة تخيلت أن تجرفني الكلمات كالنهر المتدفق يسرد كل الاهتزازات الحياتية التي مررت بها، ولكنني أجلس هنا كما ترى، خاوية المفردات اللغوية، بلا أسطر ممتلئة، كأنها بروش صحراوية، كأنني انعكاس سراب لا حرف.

***

مريم الشكيلية - سلطنة عمان

قراءة بلاغية أسلوبية في تشكيل المعنى

لم يعد الشعر الحديث مجرد تعبير لغوي أو بناء دلالي قائم على الصورة والرمز، بل غدا فضاءً تتداخل فيه المستويات الصوتية مع المعاني لتشكّل تجربة جمالية مركّبة. ويبرز شعر محمود درويش بوصفه أحد أهم النماذج التي أعادت تعريف العلاقة بين الصوت والمعنى، حيث تحوّل الإيقاع من عنصر تابع للوزن إلى بنية دلالية فاعلة تسهم في إنتاج المعنى وتوجيه التأويل.

لقد تجاوز درويش المفهوم التقليدي للموسيقى الشعرية، فلم يعد الوزن العروضي هو الحامل الوحيد للإيقاع، بل صار الصوت نفسه—بكل تجلياته من تكرار وتنغيم وصمت—جزءًا من نسيج الدلالة. وهذا ما يجعل قصيدته فضاءً سمعيًا بقدر ما هي فضاء لغوي.

في هذا السياق، يمكن النظر إلى الصوت في شعره بوصفه طاقة تعبيرية تحمل الانفعال وتُنتج المعنى، وهو ما يلتقي مع تصورات رومان ياكوبسون حول الوظيفة الشعرية، حيث يتركز الخطاب على ذاته، ومع تأويلات بول ريكور التي ترى في النص فائضًا دلاليًا مفتوحًا على قراءات متعددة.

من أبرز الظواهر الصوتية التي تتجلى في شعر درويش ظاهرة التكرار، التي تتحول من مجرد إعادة لفظية إلى بنية إيقاعية تحمل دلالة. ففي قوله:

“على هذه الأرض ما يستحق الحياة”

يتحوّل التكرار إلى إيقاع تصاعدي يرسّخ المعنى ويمنحه طابعًا إنشاديًا جماعيًا، كأن الصوت هنا لا يعبّر عن ذات فردية بل عن ذاكرة جمعية تبحث عن الثبات والاستمرار.

كما يظهر التناغم الصوتي بوضوح في مقاطع الحنين، مثل:

“وأحنّ إلى خبز أمي / وقهوة أمي”

حيث يتكرر الصوت الأنفي (الميم والنون) ليخلق إحساسًا بالدفء والحميمية. هنا لا يكون الصوت مجرد وسيلة نقل، بل يتحول إلى تجربة حسية تستدعي الذاكرة وتعيد تشكيلها.

أما في نصوص أخرى، فيلجأ درويش إلى تفكيك الإيقاع التقليدي، كما في قوله:

“سجّل! / أنا عربي”

حيث تتسم العبارة بالقصر والحدة، ويؤدي الوقف دورًا أساسيًا في خلق صدمة صوتية تفتح المجال لتأويلات متعددة. الإيقاع هنا ليس زخرفًا، بل تعبير عن توتر وجودي وسياسي مكثف.

وفي مقابل هذا التوتر، نجد نماذج من الموسيقى الداخلية الهادئة، مثل:

“ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا”

حيث يتحقق الانسجام عبر تآلف الحروف وامتداد الحركات الصوتية، مما يخلق إيقاعًا يوحي بالأمل والاستمرارية. وكأن الزمن نفسه يتمدد داخل العبارة.

ولا يقل الصمت أهمية عن الصوت في تجربة درويش؛ فالوقفات والفجوات النصية تشكّل جزءًا من البنية الإيقاعية، حيث يُنتج الصمت فراغًا دلاليًا يدعو القارئ إلى المشاركة في بناء المعنى. إن الصوت عنده ليس حضورًا فقط، بل حضور وغياب في آنٍ واحد.

وعند تأمل هذه الظواهر في ضوء التجربة الشعرية الأوسع، يمكن القول إن الصوت في شعر درويش يتحول إلى تمثيل للهوية، إذ يصبح الإيقاع أثرًا للذاكرة الفلسطينية، وتغدو القصيدة مساحة يتداخل فيها الذاتي والجماعي.

وإذا قارنا هذه التجربة مع شعراء آخرين، نجد أن نزار قباني يميل إلى بساطة موسيقية وتكرار مباشر يخدم العاطفة، بينما يتجه أدونيس إلى تفكيك الصوت وإنتاج غموض تجريدي. أما درويش، فيحقق توازنًا لافتًا بين الإيقاع والتركيب، حيث يوظّف الصوت لخدمة المعنى دون أن يفقده كثافته الجمالية.

في المحصلة، يكشف التأمل في الظواهر الصوتية في شعر محمود درويش عن وعي جمالي عميق، يجعل من الصوت أداة مقاومة بقدر ما هو أداة تعبير. فقصيدته لا تُقرأ فقط، بل تُسمع وتُحسّ، وتظل مفتوحة على تأويلات متعددة بفضل هذا الغنى الصوتي.

إن دراسة الصوت في هذا الشعر لا تُضيء جانبًا شكليًا فحسب، بل تكشف عن جوهر التجربة الشعرية ذاتها، حيث يتداخل الإيقاع مع الهوية، ويتحوّل الحرف إلى أثر حيّ للذاكرة والوجود.

***

بقلم: ربى رباعي – الأردن

"لا تخش الذين يقتلون الجسد، ولكن اخش الذين يقتلون الروح"... من رواية البوساء ل فيكتور هوغو

بهذه الكلمات يضع فيكتور هوغو على لسان الاسقف ميرييل في رواية البؤساء خلاصة رؤية اخلاقية عميقة، تميز بين نوعين من القوة: قوة تنال من الجسد فتفنيه، وقوة تنال من الروح فتطمس معناها. ليست الاولى هي الاخطر، لان الموت الجسدي قدر كل حي، اما الثانية فهي التي تصيب جوهر الانسان، فتفقده القدرة على الحب والرحمة والعدل.

بهذا المعنى يعيد ميرييل تعريف الخوف، فلا ينبغي ان نخاف من نهاية الحياة، بل من انطفاء المعنى داخلها. فالقتل الحقيقي ليس انهاء الجسد، بل اخماد الانسانية في الانسان، سواء في نفسه او في غيره. وهنا يصبح الخوف معيارا اخلاقيا: ان تخشى ان تتحول الى قاتل للروح، لا ان تكون ضحية للموت.

في لوحة الثالث من مايو ١٨٠٨ للرسام فرانسيسكو غويا، يتجسد هذا المعنى في صورة بصرية صادمة. يقف رجل في مركز المشهد، مرتديا قميصا ابيض وبنطالا اصفر، رافعا ذراعيه في هيئة تستدعي الصليب. امامه صف من الجنود الفرنسيين، متراصين في انتظام صارم، يوجهون بنادقهم نحوه. يضيء فانوس موضوع على الارض المشهد من الاسفل، فيكشف الجسد الممدد للرجل ويجعله بؤرة الضوء، بينما تغرق الخلفية في ظلام كثيف.

حول الرجل جثث من سبقوه، ووجوه مذعورة، واجساد تنحني او تتوارى. وعلى النقيض، تبدو وجوه الجنود غائبة، مخفية خلف البنادق، كأنهم ليسوا افرادا بل آلة واحدة. تتكرر البنادق في خط صارم، في ايقاع ميكانيكي يوحي بان العنف هنا ليس فعلا انسانيا، بل اجراء مجردا من الشعور.

هذا التباين ليس بصريا فحسب، بل اخلاقي ايضا. فالضحايا افراد، لكل منهم خوفه وملامحه، اما الجنود فهم كتلة بلا وجوه، بلا فردية، وبلا تردد. وهنا تتجلى مفارقة عميقة: من يطلق النار يبدو اقل حضورا انسانيا ممن يقتل.

رسم غويا هذه اللوحة بين عامي ١٨١٤-١٨١٥، بعد احداث الانتفاضة الاسبانية ضد قوات نابليون بونابرت. ففي الثاني من مايو ١٨٠٨ اندلعت المقاومة الشعبية في مدريد، وقمعت بعنف، ثم اعدم في اليوم التالي عشرات المدنيين بالرصاص خارج المدينة. لكن غويا لا يرسم حدثا تاريخيا بوصفه انتصارا او هزيمة، بل يقدمه كتجربة انسانية مكثفة، لحظة ينكشف فيها العنف في صورته العارية، لا كفعل حرب بل كفعل قتل منظم منزوع الرحمة. لذلك لم تكن اللوحة خطابا وطنيا تقليديا، بل شهادة اخلاقية ربما كانت صادمة الى درجة انها لم تعرض في حياته.

في قراءة اعمق يمكن ان نجد صدى لهذا المشهد في قول محيي الدين بن عربي: القتل ليس في قتل الجسد، انما القتل في قتل المعرفة بالله، فمن عرف الله لم يضره قتل الجسد.

هذا القول لا ينفي الموت، بل يعيد تعريفه. فالجسد فان على كل حال، اما المعرفة او الوعي او المعنى فهي ما يمنح الانسان قيمته. من هذا المنظور يبدو الرجل في اللوحة مختلفا عن الآخرين، ليس لانه لا يواجه الموت، بل لانه يواجهه دون ان يفقد ذاته. وقوفه، ذراعاه الممدودتان، نظرته الثابتة، كلها تشير الى حالة من التسليم، لا للخوف بل لمعنى يتجاوز الجسد.

وفي السياق نفسه يكتب عبد الجبار الرفاعي: الانسان ليس جسدا يحيا ثم يموت، بل هو معنى يسكن الجسد، فاذا مات المعنى مات الانسان وان ظل الجسد نابضا.

بهذا الفهم يتحول الرجل في اللوحة من ضحية الى رمز. لم يعد فردا بعينه، بل تجسيدا لمعنى يقف امام العنف ولا ينكسر. ان ما يقتل امامنا هو الجسد، اما ما يتشكل في الوعي فهو شيء اخر: معنى لا يخضع للبندقية.

عند هذه النقطة تعود عبارة ميرييل في رواية البوساء ل فيكتور هوغو لتصبح مفتاح القراءة. ليس الخوف من الموت هو ما يهيمن على المشهد، بل سؤال اعمق: من الذي يقتل حقا؟ الرجل الذي يقف امام البنادق، رغم ضعفه، يحتفظ بانسانيته كاملة.

اما الجنود، وهم يمارسون القتل باسم النظام والطاعة، فيبدون وقد فقدوا شيئا من انسانيتهم. وجوههم الغائبة، اندماجهم في آلة القتل، خضوعهم لايقاع واحد، كل ذلك يوحي بانهم، وهم يقتلون الجسد، يقتلون في انفسهم القدرة على الرحمة. وهنا تنقلب المعادلة: الضحية يحتفظ بروحه، والقاتل يفقد شيئا منها.

في النهاية لا تقدم اللوحة جوابا حاسما، بل تتركنا امام مفارقة مفتوحة: اي قوة ابقى، قوة السلاح ام قوة المعنى؟ من المنتصر، من يبقى حيا ام من يبقى حاضرا في الذاكرة والمعنى؟ قد تكون هذه لحظة اعدام، لكنها تبدو ايضا لحظة ولادة، ولادة معنى لا يمكن قتله.

وهنا يتجلى الدرس الاخلاقي العميق الذي يجمع بين غويا وهوغو وابن عربي والرفاعي: ليس اخطر ما يمكن ان يحدث للانسان ان يموت، بل ان يفقد روحه وهو حي.

***

د احمد عابر

...................

المصادر

١. اللوحة: فارنسشكو غويا، زيت على قماش، 268 × 347 سم. مدريد، متحف البرادو الوطني (Museo Nacional del Prado).

٢. فيكتور هوغو، البؤساء، ترجمة منير البعلبكي، بيروت: دار العلم للملايين، ٢٠٠٩، ص ١٢٤.

٣. ابن عربي، محيي الدين. الفتوحات المكية. تحقيق عثمان يحيى. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٧٢. الجزء الثالث، الباب الحادي والثلاثون بعد المائة (في معرفة حقيقة الموت وما يظهر منه في النشأة الدنياوية)، ص ٤٦٨.

٤. الرفاعي، عبد الجبار. دروب المعنى: في الفلسفة والدين والحداثة. بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، ٢٠١٨، ص ١٢٤.

لاشك ان النص الإبداعي يعكس انثيالات وجدانية حرة للكاتب، تنبض بالحياة، متجاوزة بذلك، المألوف من حدود اللغة التقليدية، لتتناغم مع أعماق الشعور الإنساني للمبدع.

وهكذا نجد أن النص الإبداعي ليس مجرد كلمات ترصف بجانب بعضها البعض، بل هو حالة وجدانية مرهفة، تنبثق من ومضة تلك اللحظة، التي يلتقطها الكاتب بحسه المرهف،  ليعيد تشكيلها في صورة أدبية، نابضة بكل تجليات حسه الوجدانية في اللحظة.

ولعل وهج النص الإبداعي يكمن في قدرته على التقاط ومضة اللحظة، والتفاعل الحسي المرهف معها، حيث تتحول عند صاحب المزاج المبدع، إلى تجربة وجدانية متوهجة، قد تتجسد بنظرة تأمل، أو لحظة صمت، أو حس خفي .

وهكذا يظهر دور الحس المرهف للمبدع، الذي يمكنه من الغوص في تفاصيل هذه التجربة الوجدانية، واستخلاص جماليات التجليات الكامنة في اعماقها.

وتجدر الإشارة إلى أن الإبداع لا يتقيد بنمط محدد من النتاج الأدبي، بل يتجلّى في أساليب متنوعة، مع تفرد بالرؤية. فقد يكون النص الإبداعي قصيدة، أو قد يأتي بشكل خاطرة، أو قصة قصيرة، أو حتى عبارة مختصرة تحمل بين كلماتها فيضا من المعاني البليغة.

وتبقى العفوية والتلقائية في ابداع النص، مهما كان بسيطا، عنصرا جذابا في شد المتلقي إلى النص، والوصول إلى اعماقه، في حين يفقد النص المتكلف تأثيره، وسحره، مهما بلغ من التعقيد، والتصنع.

وتظل لغة الكاتب في النص الابداعي أداة مهمة في تشكيله، وبنائه.، فاقتدار الكاتب في انتقاء مفرداته بعناية، والتوظيف البليغ للمفردة، يمنحها وهجا متالقا، حيث تتحول الكلمات إلى صور مكتضة بالدلالات التعبيرية، وإلى مشاعر تتفاعل مع حس القارئ بسلاسة. وكلما كان الكاتب متناغما مع إحساسه الحقيقي، استطاع أن يستولد نصا ابداعيا يلامس قلوب المتلقين بشغف، ويترك أثره البالغ في اعماق وجدانهم.

وهكذا يظل النص الإبداعي انعكاسا صادقا لنبض المبدع، وترجمة للحظات حسه العابرة، باعتباره فن الإصغاء إلى تجليات الداخل، والتعبير عن الخارج بلغة تنبض بالحياة، حيث تتحول ومظة اللحظة، إلى تجليات إبداعية، ويصبح الحس العابر، المتناغم معها أثرا خالدا.

***

نايف عبوش

يُعدّ بدر شاكر السياب أحد أبرز شعراء التجديد في الشعر العربي الحديث، فقد أحدث تحولاً في الشكل الإيقاعي للقصيدة وفي بعدها الدلالي، وكان للرمز دور محوري في تجربته الشعرية. استخدم السياب الرموز للتعبير عن تجربته الشخصية، كما وظفها للتعبير عن هموم الإنسان والوطن والطبيعة.

يمكن تقسيم رموزه إلى نوعين: رموز خاصة تنبع من حياته الشخصية، ورموز عامة تعكس الوطن والمجتمع. وغالباً ما تتداخل هذه الرموز لتكوّن شبكة دلالية ثرية.

الرموز الخاصة

المطر: أبرز الرموز الخاصة في قصيدة أنشودة المطر، حيث يمثل الحياة والانبعاث بعد الجفاف:

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحر

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

عيناكِ حين تبسمان تورق الكروم

وترقص الأضواء كالأقمار في نهر

مطر… مطر… مطر…

القرية والنهر: جيكور، قريته، رمز للطفولة والهوية، فيما يمثل نهر بويب ذاكرة الطفولة وحنين الماضي:

بويب… بويب

أجراسُ برجٍ ضاع في قرارة البحر

الحب المبكر: تركت تجربة الحب الأولى مع زميلته وفيقة أثرها في شعره، وتعكس قصيدته هل كان حباً خيبة التجربة العاطفية:

أكان حباً؟

أم خيالاً مرَّ في عينيكِ

ثم مضى…

كأن لم يكن؟

الرموز العامة

الوطن: العراق رمز للمعاناة والحنين في قصيدته غريب على الخليج:

الريح تصرخ بي: عراق

والموج يعول بي: عراق، عراق

ليس سوى عراق

الدين والأسطورة: المسيح رمز للألم والتضحية والخلاص في قصيدته المسيح بعد الصلب:

بعد الصليب سمعتُ صوتك في الظلام

فنهضتُ… والجرحُ القديم

يفيض في قلبي دماً

يظهر جلياً أن الرموز عند السياب تمزج بين الخاص والعام، بين التجربة الشخصية والوطنية، وبين الواقع والأسطورة، ما يمنح شعره عمقاً دلالياً وجمالياً، ويؤكد مكانته كأحد أبرز شعراء التجديد في الشعر العربي الحديث.

***

بقلم: وفاء محمد يونس

في مساءٍ ثقيلٍ من مساءات الحرب الكئيبة على حدود الحنين جلسَ فلسطينيان يفصل بينهما وطنٌ واحد.

قال ابنُ القدس: "نحن هنا نحرسُ الذاكرة كي لا تموت"، فأجابه ابن المنفى: "ونحن هناك نحملها كي لا تُنسى".

صمتا لحظة لعلّ السكوت يُتمّ ما عجزت عنه الكلمات، ثم قالا معًا: "الطريقُ إلينا لا بدّ أنْ يعود".

ومن بين هذا اليقين انبثقت كلمات ابن القدس سيفا لا ينكسر فأنشد يقول:

سنعودُ والأيّامُ تفتحُ صدرَها

وردًا نديًّا عابقًا وقرنفلًا

سنعودُ والدربُ القديمُ زقاقُه

يحيا بنا ويقولُ: أهلًا بالعُلا

وتفيضُ من شُرُفاتِ بيتٍ غائبٍ

أسماءُ مَن أحبَبْنَ عطرًا مُرسَلا

يا قلبُ كُنْ وترًا يُقاومُ صمتَهُ

فالجرحُ إنْ غنّى يصيرُ مُجلجلا

لا تنثنِ فالليلةُ السوداءُ ما

كانتْ سوى جسرٍ يُهيّئُ موصلا

سنعودُ والريحُ التي نَفَتِ المدى

ستعودُ تُنصتُ في خطانا مُقبِلا

سنعودُ والوقتُ المُشرَّدُ بيننا

سيعودُ طفلًا في الحكايا مُهلّلًا

فهناكَ خلفَ التلّ يُحفَظُ سرُّنا

والقِبلةُ الأولى تُضيءُ المنزلا

فيها الوجوهُ الطيّباتُ كأنّها

دعواتُ أمٍّ في المسا متبتّلة

فانهضْ فإنّ الأرضَ تنتظرُ الخطى

والمستحيلُ إذا دعونا أقبلا

وتعالَ هذا الحلمُ ليس مؤجّلًا

ما دام فينا الشوقُ يحيا مُبجّلاً

قال ابن المنفى: "لقد اتّحدت حكايتنا تحت سماءين مختلفتين، وكبرنا على مفاتيح لا تفتح إلا الذاكرة.

ردّ ابنُ القدس: "ونحن نحرس الأبواب كي لا تُغلق".

ضحكا بحزنٍ يعرفه الفلسطينيون جيدًا، ثم همس أحدهما: "هل تراها قريبة؟" فأجابه الآخر بثبات: "ليست قريبة فقط، إنّها آتية لا محالة".

وما هي إلّا دقائق معدودات حتى أنشد ابن المنفى قائلا:

وتفيضُ في دربِ اللقاءِ سنابلُ

سنعودُ والذكرى عناقٌ مهطلُ

سنعودُ والبيتُ العتيقُ كأنّهُ

قلبٌ يُنادينا وفيه تواصُلُ

وتلوحُ من شُرفاتِه ضحكاتُنا

وترفُّ حولَ وجوهِنا وتؤمّلُ

يا قلبُ صبرًا إنّ وعدَ ليوثِنا

فجرٌ وفي أفقِ الرجوعِ شمائلُ

كم غيمةٍ عبَرَت سماءَ ديارِنا

ثم انثنت والروحُ منها تُقاتلُ

سنعودُ والأحلامُ تُورِقُ مُرّةً

في كلّ دربٍ ضاع فيه السائلُ

سنعودُ والأنفاسُ تكتبُ اسمَنا

نغمًا عليه من الشجونِ سلاسلُ

فهناكَ عند السهل قمحُ بلادِنا

والنهرُ يهمسُ والربوعُ جداولُ

سنعودُ والقدسُ الجريحُ يشدّنا

نحو الديارِ وفي المدى نتكاملُ

هيّا بنا فالشوقُ يدعونا معًا

والدربُ من دفءِ اللقا يتهلّلُ

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

من وحي قلمه خطّ الأديب مصطفى الرافعي سطورا حول دلالات العيد بين الأمس واليوم، متسائلا عما حدث ليفقد العيد رسائله الواحدة تلو الأخرى، ويتحول إلى مناسبة لتجديد الثياب، وتجديد الفراغ، وزيادة ابتسامة منافقة على حد قوله!

من عيد للفكرة العابدة إلى عيد للفكرة العابثة، ومن إثبات للوجود الروحي للأمة إلى اكتفاء بوجودها الحيواني، يتتبع الرافعي في مقالته عن (المعنى السياسي للعيد) خيوط الفارق المؤلم بين صورة العيد المبثوثة في ثنايا الكتاب والسنة، ومظاهره التي تشي بضعف الأمة وتفككها، وانتكاسها الحضاري.

ينفض الرافعي غبار الوهن عن الصورة الحية للعيد، كما صاغتها النفوس الحية في الزمن الأول، فيستشف منها ست رسائل تضفي عليه حضورا معنويا غير الذي نحياه اليوم.

أما الرسالة الأولى فهي أن العيد إظهار لوحدة الشعور والكلمة، وإثبات وجود الأمة وقدرتها على تغيير الأيام لا الثياب فقط.

والثانية فيها تذكير للأمة بأن روح الإخاء والجوار لا تُقيدها حدود مصطنعة، كأن العيد إطلاق لروح الأسرة الواحدة في الأمة بأسرها.

والثالثة فيها إظهار للذاتية النشيطة والمفعمة بالحياة والقوة، حيث يهتف العيد في الأمة: أخرجي يوم أفراحك كأنه يوم للنصر!

وأما الرابعة ففيها إبراز للكتلة الاجتماعية للأمة، واستقلالها عن الأجنبي في وجودها وصناعتها واقتصادها.

والخامسة تحيل على تلقين معاني البهجة للصغار والكبار، في ارتباطها بالصفات الإنسانية؛ إذ لا يكون الفرح والبهجة كذلك إلا حين يستمدان حضورهما من الألفة بين عموم الناس، ودفء الشعور الإنساني الصادق.

بينما الرسالة الأخيرة تدور حول تعليم الأمة كيف توجه بقوتها حركة الزمن، لتجعل من كل إنجاز عيدا يستحق أن يُحتفى به؛ فيكون ازدهار الاقتصاد، وتطور الصناعة، وحركة العلوم والفنون أعيادا تحقق النصر الذي لا يقل شأنا عن نظيره العسكري.

استعرض الرافعي جماليات العيد في إحاطته بالحياة العامة للمسلم، لكن دون أن يكشف عن سر التحول الذي طرأ عليها في الزمن المتأخر: هل يتعلق الأمر على سبيل المثال بغلبة الطابع الاحتفالي والعادات المستحدثة على الهدي النبوي؟ أم أن العيد تعرّض كغيره من المظاهر الإسلامية لغلبة المادة على المبدأ، والانسياق خلف تبريرات تنزع عنه شعاره الخاص؟

لما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وجد أن أهلها يحتفلون بعيدين من رواسب الجاهلية هما النيروز والمهرجان، فقال: " إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر"-رواه أبوداود وصححه الألباني-.

كان العيدان بمثابة تتويج لركنين عظيمين هما الصيام والحج. ويكشف الهدي النبوي عن تأطير لمظاهر الفرح والابتهاج بهدف تنقيتها من رواسب الشرك والوثنية؛ فوردت أحاديث تحث على التجمل في العيد، والتوسعة على العيال، والرخصة في الغناء والضرب بالدف واللهو المباح.

وبما أن العيد مظهر من مظاهر التعبير عن كيان الأمة وشخصيتها، واستقلالها الحضاري عن بقية الأمم، فلا شك أنه تأثر بما تتأثر به المظاهر الأخرى حين ينفرط العقد، وتتفكك أسباب الوحدة والتماسك الاجتماعي.

يكشف آدم ميتز عن سبب جوهري يتمثل في مواصلة المسيحيين الذين اعتنقوا الإسلام احتفالهم بالأعياد النصرانية في جانبها الترفيهي، وكيف أن الأديرة تحولت إلى مراكز جذب لطُلّاب اللهو من المسلمين. يقول في كتابه (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري):

"ولم يرض الذين دخلوا الإسلام من أهل تلك البلاد- مصر والعراق- أن يُحرموا من الاحتفال بهذه الأيام التي كانت تزدهي بها حياة آبائهم الوثنيين من قبل.. واشتركوا في الجانب الاجتماعي المسلّي من تلك الأعياد كما فعل آباؤهم من قبل.. وكانت أعياد القديسين في مختلف الأديرة أكثر الأعياد نصيبا من احتفال الناس"

ومن خلال استعراضه لما تضج به قصائد الشعراء آنذاك من ذكر أعياد النصارى، وأماكن اللهو وأشكاله، نتلمّس الانحراف الذي أصاب مظاهر التعبير عن الفرح، وكيف أن الأعياد الوثنية، كعيد النيروز والمهرجان بُعثت من جديد:

"وكان الناس يتهادون في المهرجان، كما يتهادون في النيروز. وكان القواد ورجال دار الخلافة تخلع عليهم فيه ملابس الشتاء؛ وكان العامة يغيرون فيه الفرش والآلات وكثيرا من الملابس. وكان هذا العيد يمتاز خاصة بأن الرعية يُهدون فيه إلى السلطان." 

لم يكن استجمام النفوس بعد موسمين للعبادة هما رمضان والحج منفصلا عن إظهار شعائر الدين؛ لذا كانت تعبيرات السلف الصالح تجمع بين الأمرين، من خلال تحقيق الأثر الإيماني والاجتماعي للعيد. وهكذا ارتبطت مقاصده لديهم بالفرح بتمام العبادة، وزيادة الإيمان، وصلة الأرحام، وتقوية وشائج القربى. بمعنى أن العيدين كانت لهما رسائل واضحة، دلّت عليها نصوص وأحكام ظلت، ولاتزال دون شك، تؤطر مقاصد الفرح والابتهاج، وتتويج مشقة التكليف بمنحة ربانية.

غير أن وتيرة الحياة اليومية في زمننا الحاضر، وتشبّع مجتمعاتنا بمنظور غربي لإيقاعي العمل والفراغ، عزّز من موقع الفرح والسرور على حساب المقصد الشرعي، وتأثر المسلم المعاصر بالتعبيرات التي يكتسيها العيد في مجتمعات غير إسلامية. يقول روجيه كايوا، الانثربولوجي والناقد الفرنسي، في كتابه (الإنسان والمقدس)

" لقد كان العيد ولايزال، أمس كما اليوم، يتمثل في الرقص والغناء، والتهافت على المأكول والمشروب. على المرء أن يُقبل على كل ما تلذّه نفسه وتشتهيه، وأن يعُبّ منه حتى التخمة والمرض. تلك هي سُنّة العيد."

وحديث كايوا هنا هو عن العيد الذي يقطع سير الحياة النظامية، حيث ينهمك الإنسان في أعماله اليومية، وتنضبط حياته بفعل قوائم من القوانين والمحظورات؛ ثم يأتي العيد ليتيح له فسحة من الإثارة والحماسة، بل وانتهاك المحظور إذا لزم الأمر!

عيد بهذه الصورة هيأ لماكينة الاقتصاد أن تسطو على تعبيراته، وأن توجّه الأفراد إلى مضاعفة نزعتهم الاستهلاكية في كل مناسبة، ليصبح الابتهاج والغبطة مقرونين بما يتم إنفاقه وتبديده من أموال، وبالتالي تعميق الشعور بالفوارق الاجتماعية بين أغنياء الأمة وفقرائها.

***

حميد بن خيبش