أقلام ثقافية

أقلام ثقافية

الإبداع إنثيالات عفوية ذاتية، تولدها الموهبة الفطرية، بالتفاعل مع الحس المرهف، والمشاعر المتوهجة للكاتب. وهكذا يكون النتاج بهذا الوصف، معطى إنسانيا اصيلا، وحقاً ذاتيا محضا لمبدعه، وينسب اليه.

وتجدر الإشارة الى ان الإبداع الذاتي، يجسد أصالة الذات الابداعية للنتاج، ومن ثم فهو انعكاس لروح الفنان، وحس الكاتب، وتجربة فريدة له، تنبض بالحضور الشخصي في الساحة الادبية والثقافية، شعرًا كان، ام قصة، ام رواية، ام لوحة فنية، حيث يحمل العمل الإبداعي بصمة مبدعه، ويعكس رؤيته، ويجسد تجاربه، وأحاسيسه المرهفة، ومشاعره المتوهجة، مادام ينبع من داخل وجدان ذات المبدع، وهو ما يجعله نتاجا أصيلًا بحتا.

على أن الإبداع شانه شان غيره من المجالات، طالته الكثير من التداعيات، التي افرزتها حركة التطور العلمية، والتقنية، في كل مجالات الحياة المعاصرة. فلم يعد الإبداع في عصر الثورة الرقمية الراهنة، مقتصرا على القلم، او الريشة، او اللوحة فقط، بل امتد ليشمل ابداعا ٱليا ذكيا إصطناعيا، في عالم افتراضي، بفضاء مفتوح في كل الاتجاهات، ويتجاوز كل الحدود، والقيود. فقد بات الذكاء الاصطناعي مصدرا زاخرا، وشريكا مهما، في إنتاج المعارف، والاداب، وغيرها من النِتاجات الثقافية، والعلمية، والتقنية.

ولا ريب أن المشهد الثقافي المعاصر، قد شابه الكثير من التغيرت، بظهور الذكاء الاصطناعي، حيث صار بإمكان الألة، إنتاج نصوص، ولوحات فنية، تشبه ما يصنعه البشر، بعد أن اصبحت تعتمد تطبيقات تحليل بيانات ضخمة، تستلهم الأنماط المتاحة من النتاجات، لتقوم بتوليد محتوى رقمي جديد، وبشكل سريع، بغض النظر عن التداعيات التي يتركها هذا المحتوى، على هوية وأصالة وعراقة النتاجات الابداعية التقليدية.

و السؤال المطروح، هل يظل هذا النتاج في ضوء ما افرزته الثورة الرقمية المعاصرة من تداعيات، تعبيرًا صادقا عن إنثيالات الذات الابداعية للكاتب، أم انه سيكون مجرد إنشاء ٱلي، باستخدام الذكاء الإصطناعي، بعد أن غدا الذكاء الإصطناعي، تطبيقا رقميا متاحا للاستخدام، بلا حدود.

وهكذا نجد ان النِتاج الثقافي اليوم يقف في مفترق طرق، فالذكاء الاصطناعي يفتح آفاقًا بلا حدود لإنشاء النصوص، والنتاجات ٱليا، لكنه يستعصي عليه، مع ذلك، ان يحل محل الإبداع الذاتي، المفعم بالحس المرهف، والمشاعر الانسانية المتوهجة .فالذكاء الاصطناعي، قد يولّد نصوصا تبدو جميلة، ولكنه يفتقر للقدرة على تذوقها، والشعور بجمالياتها.

ومع كل الإيجابيات التي يطرحها الذكاء الإصطناعي في توسيع الأفاق، وطرح النتاجات الفنية، والادبية، لتكون في تناول جمهور المتلقين، والمستخدمين،

والسرعة في إنتاجها، وتسويقها، الا انه يحمل مخاطر النسخ والتقليد، بالإنشاء، او بالإستلال، وما يترتب على ذلك من فقدان للأصالة، وتلاشي التميز، وغياب الخصوصية الفردية.

وهكذا يظل الذكاء الاصطناعي مجرد ناقل للنتاج، بأسلوب رقمي وحسب، لا مبتكرا له حتى وان نظم قصيدة مثلاً، اذ ما قيمة الإبداع، بدون حس مرهف، ومشاعر بشرية حية، لاسيما وان الادب الإبداعي، والفنون الجميلة، ليست مجرد معالجة بيانات ٱلية، بل تجربة إنسانية حية، بكل ابعادها الحسية، والمعنوية .

***

نايف عبوش

في يوم الجمعة الرابع عشر من الشهر الجاري نوفمبر التقيت في غالسكو الكاتب الاسكتلندي الكبير جيمس كيلمان، وهو أول كاتب إسكتلندي يفوز بجائزة البوكر اإلانكليزية وقد كان ذلك قبل عشرين عاما أو أكثر، تحدثنا عن أمور عامة وبدا لي دمث الخلق طيب القلب، قال لي إن عائلته من شمال اسكتلندا وأن بلاده كانت مفتوحة للأجانب وخيل إلي أنه يفخر بالفايكنج وطبيعة اسكتلندا التي ّ مرت بفترات مثيرة  فالذي يقرأ التاريخ يدرك أن جزيرة بريطانيا لم تخضع ألى أي احتلال سوى احتالال الفايكنج حيث نجد بعض أسماء الشوارع في بريطانيا تحمل أسماء اسكندنافية، وكذلك حضورهم في نوتنغهام بخاصة المنطقة المعروفة الآن بـ Lace market

الجدير ذكره أن السيد كيلمان مهتم بالشأن الكردي وله مؤلف في ذلك كما أن له موقفا نبيلا من القضية الفلسطينية.

بلغت السيد كيلمان تحيات صديقه الناقد االأديب الكبير الدكتور صالح الرزوق، وكان في جعبتي ستة أسئلة كتبتها على ورقة وقدمتها إليه إذ لا يعقل أن يجيب على أسئلتي خلال جلسة صداقة استمرت لمدة أربعين دقيقة، معتذرا له انّي للمرة الأولى أكتب على ورقة والحق كما اعترفت أشعر مع الورق والقلم باغتراب وكآبة بعد أن استهلكني التعامل مع الكومبيوتر، فأنساني حقّ الكتابة على الورق. في الوقت نفسه أهديته نسخة من روايتي باإلنكليزية (كورونا) وأھداني مؤلفه (The story of the stone)2166 qusay

وقد قمت بترجمة القطعة التي جعل عنوانها عنوانا للكتاب لما تحمله من دلائل روحية عميقة وفكر صوفي بعيد الغور:

قصة الحجر

أمرر هذا الحجر في جميع أنحاء الغرفة

تأكد من أن الجميع هنا يحملون الحجر

لا يمكن ألحد أن يمرره كما لو كان بعيد المنال

نعم في يدك اليسرى

إمسكه كما أفعل

كما أستعرض

الآن في قبضة يدك اليسرى

على راحة يدكم

كيف يبدو الحجر وأنت تغلق يدك عليه؟

هل تشعر به؟

ويدك اليمنى هكذا تظهر اللحظة

سواء أكان العمل مفاجئا أم لا

أنظر كيف تعمل

عندما يصل الحجر إلى أعماق يدك

سأواصل قصة الحجر

في الوقت نفسه سأقول لك

إنّ الحجر من صنفنا نحن البشر

تامل

هذا الحجر ترعرع معنا نحن البشر.

 

من هي ماري كوري؟

ماري كوري عالمة فيزياء وكيمياء بولندية الأصل، فرنسية الجنسية، وهي شخصية علمية، تميزت بذكائها وإنسانيتها، ومثابرتها، وسطع نجمها في زمن شهد بداية دخول النساء مجال البحث والإكتشاف العلمي، حيث إشتهرت في الأوساط العلمية بإكتشافاتها، وأجرت أعمالاً بحثية رائدة في مجال الفيزياء، والنشاط الإشعاعي، والكيمياء، وهي أول إمرأة تحصل على جائزة نوبل، وتعتبر الوحيدة التي تحصل عليها مرتين، وفي مجالين مختلفين هما (الفيزياء والكيمياء)، وهي أول إمرأة تحصل على رتبة الأستاذية في جامعة باريس، حيث كانت ماري كوري من أهم العلماء في القرن العشرين، وقد تركت إِرثاً علمياً كبيراً من بعدها.

قصة نجاح من المعاناة الى جائزتي نوبل

في عام 1903م، حصلت ماري كوري على جائزة نوبل في الفيزياء مُشاركةً مع زوجها العالم بيير كوري، وإكتشفت مع زوجها عنصرين هما الراديوم، والبولونيوم، الذي أطلقت عليه هذا الإسم نسبة الى بلدها الأصل بولونيا، كما حصلت على جائزة نوبل ثانية في الكيمياء بمفردها في عام 1911م.

تعتبر ماري كوري من بين العلماء الذين كان لهم تأثير على تاريخ العلوم وتطور الحضارة الإنسانية، وقد مهدت الطريق لمساهمة النساء بشكل فعّال أكثر في مجال العلوم، من إنجازاتها وضع نظرية للنشاط الإشعاعي، وإليها يُنسب مصطلح (النشاط الإشعاعي)، كما إبتكرت تقنيات لفصل النظائر المشعة، وتحت إشرافها أُجريت أول الدراسات لمعالجة الأورام بإستخدام النظائر المشعة، كما أسست معهد (كوري)، في باريس وفي وارسو، كما ساهمت في تأسيس اول مركز للعلاج الإشعاعي، وساهمت في إكتشاف عناصر كيميائية جديدة (الراديوم والبولونيوم)، وطورت ماري كوري الإستخدام العملي لأشعة إكس في مجال الطب العلاجي، والذي تم إستخدامه فيما بعد في علاج الأورام السرطانية، وكانت من العلماء الذين يشجعون على الدراسة والبحث والإكتشاف لأهداف نبيلة، وتطوير معارف الإنسان حول الطبيعة لخدمة البشرية، وقد ساهمت إكتشافاتها في تطوير الأجهزة الطبية، مثل الأشعة السينية التي تستخدم اليوم في المستشفيات، وبعد سنين قضتها في الملاحظة والتجريب في المختبرات، إنهار جسدها بسبب تعرضها للإشعاع لسنوات مما أدى الى وفاتها في عام 1934م، تاركةً خلفها إرثاً كبيراً من الإنجازات، والإكتشافات العلمية، وجائزتي نوبل في الفيزياء والكيمياء.

تأثير تجارب ماري كوري وإكتشافاتها في المجال العلمي

إستفاد العالم والمجال العلمي كثيراً من تجارب ماري كوري، حيث كانت تجاربها تشكل ثورة علمية في ذلك الوقت، وقد أدت تجاربها الى العديد من الإبتكارات والإكتشافات العلمية من بعدها،على سبيل المثال: تطوير العلاج بالإشعاع، وتطوير الطاقة النووية، وتطوير الأجهزة الطبية، كما ساهمت إكتشافتها في فهم أفضل للطبيعة، وتأثيراتها الإيجابية والسلبية على الإنسان.

تأثير ماري كوري على فلسفة العلم والأخلاق العلمية

 كان لإكتشافات ماري كوري في الفيزياء والكيمياء تأثير كبير على فلسفة العلم والأخلاق العلمية، والأخلاق البيئية أيضاً، حيث أدى إكتشاف ماري كوري للإشعاع الى إعادة النظر في العلاقة بين فلسفة العلم والأخلاق، والى إدراك العالم ضرورة وجود معايير أخلاقية لبيان حدود العلم وقدراته، وصلاحياته، والمعايير الأخلاقية التي يجب أن يلتزم بها المخترعون والعلماء في إستخدام الإختراعات العلمية، وضرورة تكريسها لتكون فقط في خدمة البشر ولا تؤدي الى الإضرار بالإنسان والبيئة التي يعيش فيها، مع ضرورة مراعاة المعايير الأخلاقية في الأبحاث والتجارب العلمية، فعلى سبيل المثال إن إستخدام الإشعاع يمكن أن يكون له تأثيرات إيجابية، ولكن سوء أستخدامه له أيضاً تأثيرات سلبية على الإنسان والبيئة التي يعيش فيها، وهذا يطرح العديد من الأسئلة الأخلاقية حول حدود العلم ومسؤولية العلماء والفلاسفة الأخلاقية في حماية الإنسان والبيئة، و يبرز دور الفلسفة في في هذا المجال من خلال ضرورة وضع معايير أخلاقية صارمة تراعي حقوق الإنسان والحيوان، وتضمن حماية البيئة من أي مخاطر بيئية محتملة قد تصاحب الإكتشافات العلمية والبيولوجية. 

***

شيماء هماوندي

منذُ فترةٍ طويلة، وقلمي في عالمٍ آخر غير العالم الذي كنتُ أراه فيه؛ قلمٌ مُلقى جثمانًا، وبيضُ الصحائفِ من حولِهِ أكفانٌ. روحُه في برزخِ فكري حائمة، والذي ينتظرُ المبعَث هو تلك النفسُ البعيدة المدفونة تحت أنفسٍ فيني لا تُحصى..

أنتظرُ مُناديًا يُنادي من مكانٍ قريب، لعلَّ النداء يأتي من القلبِ بصوتِ الضمير، لعلَّ الله يُزَلزِلُ النفسَ فتُخْرِجُ أثقالَ الروحِ المكنونة. لعليّ أهرعُ وأخرج من أجداثِ اللاوعي التي دفَنَت مطلقَ وعيي، لعليّ أُحْشَرُ إلى نورِ الحقِ والحقيقة..

لعلَّ الله يجمع شتاتي في يومٍ يُكْتَبُ لقلمي أن يحيا مُخَلَّدًا، فيُبْعَثَ القلمُ من مرقدِه إلى جنةٍ أُزْلِفَتْ له من نقطةِ أصلِ خلقي التي لا يعلمها سوى الله..

وأما الجحيمُ المُسَعَّرَةُ في كفِّي من أثرِ مُجافاتها لذلك القلم، فقد انطفأتْ إن عاد القلمُ حيًا، وكانت أرضًا أورثها الله لي من بعد غُربتي واستضعافي فيني أنا، تلك قبضةُ الطين وقطعةُ الأرضِ الصغيرة..

لعلّي انتظر حدَوث كل ذلك، بينما هو قد حدَث بالفعل منذُ أن بدأتُ أكتبُ أولى كلماتي هذه. تحقَّقَ الأمرُ في وقتٍ لحظيٍّ من الماضي البعيد، وقامت قيامةُ القلم وعاد حيًا من أول كلمة كتبتها في قولي هذا، ولكني لم أدرك الأمر، لإن مسألة الوعي في عمق النفس المجردة حيث اللامكان واللازمان لا يمكن فهمه وترجمته الى العالم الزمكاني لذا يأخذ الوعي والإدراك رحلة طويلة داخل النفس على الرغم من ان الحقائق كامنة في النفس منذ الأزل، كما هو حال وعيي المرهون بقيامة القلم، حيث يُظهِر النص في بدايته حالي ككاتبة مجافية للكتابة منذ أمدٍ وهي تشكو حال انقطاع تدوينها ثم ينتهي بها المطاف الى حال فيلسوفة تبحث في المجرد المطلق حتى من الشيئية وصولا الى المعنوية.. لتتوصل بعدها الى تساؤل:

هل حقًا وعي الكاتب وإبداعه مرهون بقيامة القلم؟ أم إن القلم مرهون بقيامة الوعي لديه؟

الحقيقة إن كل ما يكتبه القلم كلمات مشفرة في الوعي والوعي الخَفي (المسمى باللاوعي) وكذلك الوعي المطلق وهي طبقة بعيدة جدًا يصعب الوصول لها وربما مُحال، ولا يمكن أن يتم فك التشفير للمعاني الموجودة في طبقات الوعي الا بتأثير الزمان والمكان على وعي الكاتب فتظهر معاني النفس الإنسانية المشفرة بشكل نص صريح، هذا الذي يجعل القلم يموت لفترة طويلة منتظرًا مرور الزمن على الوعي الحي، ليبقى القلم بعد قيامته يستمد حياته من حياة ذلك الوعي الخالد.

***

بقلم: مها سعد فاضل

 

بين يدي مجموعة قصصية او بالأحرى ميتا سرد يحمل عنوان (امرأة على الشاطئ المقابل) يجذبك منذ الوهلة الاولى بغلافه المميز الأنيق لمؤلفه الكاتب الأردني الشاب (محمد عبد الله المجالي) يضم بين دفتيه مائة وثمانون نصا سرديا مكثفا. نقتبس ــ بادئ ذي بدء ــ النص  التالي: "بعض الجمال لا يخبو ابدا.. هو يتعتق فقط.. يصبح فاخرا.. يكون اكثر هدوءا واقل تهورا.. يزداد في تألقه.. وفي كل سنة تمضي تتضح فخامته.. الجمال بعد الأربعين يكون سحره متغلغلا ويقينيا.. لايمكن ان تتركه بعدما اعتقدت به.. هو حب لا ردّة عنه.. ناضج وفيه دفء كثير".. نص (بعد الأربعين) ص 94

في المجموعة قدر كبير من المغايرة في كل تفصيل.. فالمؤلف المجالي يهدي الكتاب الى: "النقاط الثلاثة.. التي استخدمها كفواصل بين جملي..و ففي هذا الفراغ الأكثر ارباكا.. الكثير من الكلمات التي عنيتها ولم اكتبها".. الاهداء  ص 5

تنضوي المجموعة الى شكل من اشكال التقنيات البنيوية او ما يسمى بالميتا سرد وهو تقنية أدبية تتضمن قصة تتحدث عن نفسها وتنشغل ببنيتها الفنية، حيث يُستخدم السرد في العمل الأدبي ليناقش طبيعته وأسلوبه في السرد. إنه يجعل القارئ يدرك أن القصة ما هي إلا بناء فني، ويدعوه للمشاركة في عملية التفكير حول كيفية إنتاج المعنى: " عادة يكون الأكثر حديثا عن الفرح... هو الأكثر حزنا فقد اخبرتني احداهن يوما: انه حتى بائعة الورد تشتهي ان يهديها احدهم وردة"..                  بائعة الورد، ص 176

ومن خصائص الميتا سرد توفر عنصر (الوعي الذاتي) حيث يكون النص مدركا لعملية انشائه. هنا يكون النص مدركًا لعملية إنشائه، وينشغل بـِ "كيفية" سرد القصة بدلاً من مجرد سرد الأحداث: "احيانا اكتب نصا عاما.. اتناول فيه مسألة انسانية تعنينا جميعا... يغلفها الحزن بطريقة ما.. قد اتحدث عن حالة اشتياق لن يطفئه لقاء ابدا...".. نص لا يصلح للجميع، ص 58

اما الخصيصة الثانية من خصائص الميتا سرد فهي التركيز على البنية: حيث يُسلط الضوء على بنية العمل الأدبي، ويُشير إلى أن القصة ليست بالضرورة انعكاسًا مباشرًا للواقع: "أتؤمنون بالرسائل العابرة للزمن؟.. يكتبها احدهم في ماض بعيد.. لتتخطى السنوات الطويلة والأشخاص".. رسائل عابرة للزمن، ص160

التداخل مع المرويات الأخرى: قد يتداخل مع مرويات أخرى مثل الأساطير أو التاريخ لخلق نصوص موازية داخل العمل الأساسي.ان إشراك القارئ: يجعل القارئ مشاركًا فعالًا في بناء المعنى من خلال جعله واعيًا بالعملية السردية: "اعتاد ان يراسل غادة السمان ويشي لها ما في قلبه خلسة... كان يظن انها سره...".. رسالة الى غسان كنفاني ص 163

ويطغى الجانب التأملي على نصوص المجموعة متخذا شكل اعترافات وفترات بوح ذي طابع وجداني وفلسفي في آن معا: "انه لعمل عظيم ان تحتفظ بقواك العقلية... ان تستطيع مقاومة كل الأشياء التي تقودك الى الجنون في هذا العالم البائس".. عمل بطولي ص 181

منجز سردي لنصوص حرص كاتبها ان تنهمر كشلالات صامتة ضمن اسلوب يعتمد صياغات معتنى في بنائها.

وتتبقى ملاحظة صغيرة تتعلق بترجمة عنوان العمل (امرأة على الشاطئ المقابل) الى:

 (A Woman On The Other Side)

وأرى شخصيا تحريا لمزيد من الدقة ان يترجم العنوان الى: (A Woman On The Other Shore) او

A Woman On The Opposite Shore

الكتاب صدر عن دار (امواج) 2019

كتاب يستحق القراءة.

***

قراءة: محمد سهيل احمد

لاريب ان جماليات النص الإبداعي تكمن في قدرة النص على تحريك المشاعر، وفتح أفاق التخيل عند المتلقي، بحيث يدخل في حوار وجداني مع النص، وبحس مرهف يغوص بعمق في تفاصيله، وليس مجرد قراءة سطحية عابرة.

وبذلك يعيش المتلقي بتفاعله الايجابي مع النص الإبداعي، تجربة وجدانية فريدة، تجمع بين المبدع، والمتلقي، في رحلة مشتركة، من التأمل المتألق، والإحساس المتوهج.

ولاريب ان النص الإبداعي، شعرًا كان، أو قصة، أو رواية، لا يمكن له ان يعيش اثره، وياخذ مفعوله الساحر، في التاثير، إلا بوجود قارئ، يتنفس فيه وهج روح النص، ويعيد تشكيل دلالاته.

فالنص الإبداعي عندما يلامس مشاعر المتلقي، فإنه يوقظ في مخياله ذكريات، وأحلامًا، وأوجاعا، يشعر القارئ من خلالها، بوقع الحنين، حيث يغمره الوصف الأدبي بعالم من الصور المتعددة، والتي تعيد في ذاكرته إحياء لحظات اجتماعية، وتسترجع ذكريات شجية.

وتجدر الإشارة الى ان اللغة، والرمزية، والدلالات المتعددة التي يزخر بها النص الإبداعي، تفتح للقاريء أبوابا واسعة للتأويل حسب رؤيته، لاسيما وأن للغة الشعرية أبعادا خيالية، وٱفاقا ذوفية، تجعل المتلقي شريكا في بناء المعنى، وتذيب الحدود بين الواقع والخيال.

ويبقى للأماكن في النصوص الابداعية، وهجها المتوقد، اذ تتحول إلى كائنات حية، تثير شجنا عارما وحنينا ملحا، حيث يتوهج التفاعل الوجداني عندئذ، ليحس المتلقي نفسه، جزءا من عناصر المكان، فيعيش كل تفاصيله، ويشعر بحقيقة ملمسه.

وهكذا يصبح المتلقي شريكا في الإبداع، من خلال تأويله الشخصي للنص، ليظل لكل قارئ مبنى معناه الخاص، ويظل النص مفتوحا للتأويل، بحيث يجد المتلقي جديدا، في كل قراءة تالية له للنص، ما دام تفاعله معه يقوم على مشاركة وجدانية، يطرح فيها أسئلته، ليفيض عليها النص، بإجابات جديدة، غير متوقعة

***

نايف عبوش

منذ أول نبضة للوعي، كان الصوت الخطوة الأولى للخروج من صمت الذات والنبضة التي تهدهد الروح والمحيط معًا. منه انفجر الغناء ومنه ارتفع ترتيل النصوص المقدّسة، كنبضين ينبعان من ينبوع واحد، أحدهما يلامس الأرض يتمايل على صدى الدنيا والآخر يحلّق في ضوء السماء إلى اتساع الكون الخفي حيث تتلاقى الروح والوجود في لحظة صمت تسبق الكلام. النغم كان أسبق من الحرف يجمع الخائفين كما تجمع الغيوم قطراتها ويلفّ الجماعة بدفء خفي ككف تربّت على كتف الليل تهدئه قبل أن يرحل.

وكذلك صوت الأم كان المعزوفة الاولى وربابة الحياة وهي تردد بنغمة كونية حين تهدئ طفلها: نم.. نم يا ولدي.. فالصباح رباح. هناك يولد أول اتصال بين القلب والروح ودرس مبكر بأن للصوت قدرة على الطمأنينة والشفاء وأن كل صوت يحمل العالم بداخله، كحفيف الأشجار، وهمس المطر، وخفق النجوم في الظلام.

وحين تعجز الكلمات عن حمل ما يتدفق في صدر الانسان ينفتح الغناء والشعر على نافذة أثير متجدد يحرّر الصدى المحبوس ويشعر الإنسان بأنه حاضر كنجمة تخترق العتمة. وعندما تتآلف النفس مع نغم القلب يخفت ضجيج الفكر ويعود الداخل إلى انسجام رقيق كتموج الماء حول قطرة تهوي.. كنداء يشبه المطر.. المطر.. كحزن يبحث عن مأواه في الأغنية فيستكين ويستعيد الوجدان توازنه.

أما الترتيل، فيتمايل على المقام ذاته لكنه يرتقي بالنية والمعنى والمقام. الكلمات فيه جسور نحو الطمأنينة والمكان يتحول إلى حضرة والروح تتلقى الصوت كما تتلقى الأرض أول مطر بعد طول يباب. هناك يمتزج السكون بخشوع دافئ ويشعر الإنسان بأنه أقرب إلى نور لا يُرى وأن الصوت يُحسّ في العظم والدمع والتنهد، في حضرة عميقة تتجاوز الجسد وتمس الجوهر.

هكذا يظل الصوت مرآة تجمع التراب بالروح، والغناء حين يُرتَّل بخشوع داخلي يصبح جسراً خفيًا بين النفس والسماء صدى للروح في عُمق الكون. كالمطر الذي يسقي الأرض كما تسقي الأم قلب طفلها وكالحزن الذي يجد مأواه في أغنية فتتحول الدموع إلى أمل. وهكذا يُذَكَّر الإنسان بأنه حي ممتد في العالم وما يتجاوزه.. في مدى أرحب وأعمق وأكثر إنصاتا لسرّ الوجود.

***

حميد علي القحطاني

"إن إحدى آخر المعاقل التي لا يزال الناس يستطيعون الالتقاء فيها وتبادل الحديث هي المدرسة. سيغلقون المدرسة!"

كتاب "السبورة السوداء" ثمرة تعاون بين صحفيين بلجيكيين، يعرضان من خلاله صورة لما يمكن أن يصير إليه التعليم إذا ما تمكن التجار من الهيمنة على الأنظمة التربوية، وتحويلها إلى مشاريع مربحة على حساب إنسانية وحرية الأجيال المقبلة.

 يتعلق الأمر بكل من جيرار دوسيليس، الصحفي والناشط اليساري الذي أنتج عددا من البرامج الإذاعية والتقارير والأفلام الوثائقية لإذاعةRTBF، كما له مؤلفات عديدة في مجالات التعليم والإعلام والعلاقات بين الشمال والجنوب.

أما نيكو هيرت فهو كاتب وأستاذ محاضر، يعمل باحثا في الجمعية البلجيكية "نداء من أجل مدرسة ديموقراطية"(Aped)، وتركز أبحاثه الرئيسية على أوجه الفصل العنصري في المدارس وتسليع التعليم.

سخّر المؤلفان الكتاب لشرح ما تنوي أن تفعله بنا طبقة الأثرياء، تلك الطبقة المنتشية بالمال والسلطة، والتي تريد أن تسرق منا الرأس بعد أن سلبتنا أذرعنا وسواعدنا. يتعلق الأمر ب "إلدورادو" جديد، يعتزم صيادو الثروات الاستحواذ عليه، وتوجيهه ليخدم مصالح الرأسمال العالمي. إنه التعليم الذي تُبذل جهود حثيثة لتحويله إلى سوق واعد.

في هذا الكتيب يسلط المؤلفان الضوء على بعض التقارير والمذكرات التي أصدرتها منظمات دولية، مع إطناب في التحليل والرصد دون تقديم بدائل أو حلول. وهي نقطة تضاعف من قيمة الكتاب، إذا لا يتوقع منه تقديم حلول سحرية لأزمة نظمنا التعليمية، والتي هي أزمة شائكة ومعقدة، كما لا يتوقع منه تقديم بدائل لمقاومة مشروع خوصصة التعليم الزاحف، لأن الحلول لا يمكن ابتداعها إلا ذاتيا، ووفق طموحات ومتطلبات كل شعب.

مع تطور تكنولوجيا الاتصال أصبحت المعلومة سلعة، وبالتالي فتوظيف التكنولوجيا الجديدة في التعليم ليس بتلك البراءة التي يتم الترويج لها، وهو ما تخفيه العبارات والمفاهيم التي يروج لها الأثرياء ووسائل الإعلام؛ فمشروع "مدرسة الغد" على سبيل المثال ليس سوى النسخة الأوربية لإصلاح التعليم من وجهة نظر السماسرة.

في أواخر القرن التاسع عشر أطلق العالم الرأسمالي موجة كبرى لاستعمار البلدان الأخرى بهدف الخروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة لسنة 1873. وهي الحملة التي مكّنته من وضع يده على ثمانين بالمئة من السوق العالمي لترويج منتجاته. أما مع بداية الثمانينات فقد اكتشف خبراؤه في المنظمات الدولية، من قبيل صندوق النقد والبنك الدولي والمفوضية الأوروبية، منجمين ماليين لا يتطلبان احتلالا بقوة السلاح: المصادر المالية للدول، والخدمات العمومية.

 وبما أن التعليم يندرج ضمن الخدمات العمومية التي تنص دساتير بلدان العالم على تقديمها لشعوبها بشكل مجاني، أو شبه مجاني في أغلب الأحوال، فقد صار اليوم هدفا مركزيا للرأسمال الخاص، باعتباره سوقا كونية واعدة تدر أرباحا طائلة، وهذا يعني أن التعليم الذي تقدمه المدرسة العمومية، سيشكل عائقا لابد من تفويته أو تخريبه إن لزم الأمر.

 في تقريرها الذي تبنته في السابع من مارس سنة 1990، أعلنت المفوضية الأوربية بشكل سافر أن التعليم يجب أن يصبح صناعة تبيع منتوجاتها (الدروس) في سوق تحكمها قوانين العرض والطلب.

وفي تقرير آخر صادر عن نفس الجهة في نونبر 1991 بعنوان" مذكرة حول التعليم المفتوح وعن بعد في الاتحاد الأوروبي" جرى الحديث عن الجاذبية التي يحققها التعليم عن بعد، وإسهامه في تحسين المردودية ودعم التنافسية.

أما تقرير " أوروبا ومجتمع المعلومة الكوكبية" والذي صدر في 26 ماي 1994 فقد دعا صراحة إلى تشجيع العمل عن بعد، من خلال توفير ملايين فرص الشغل، وما يعنيه ذلك من خلق سوق للتعليم عن بعد. إلا أن إرساء مثل هذه السوق يقتضي الضغط على الحكومات لتقليص ميزانيات التعليم العمومي، وجعله غير مجد، لتتجه أعداد هائلة من الطلبة بشكل طبيعي إلى التعليم الخاص.

وفي فبراير 1995 أعلنت مجموعة السبعة من بروكسيل بوقاحة: " إن التعليم يجب أن يعتبر بمثابة خدمة موجهة لعالم الاقتصاد.. إننا نطلق صيحة فزع، فالنظم التربوية لا تتلاءم بما يكفي من السرعة مع الثورة التكنولوجية".

 لقد خلقت التكنولوجيا لأول مرة سوقا تجاريا عالميا بقطاع التعليم، يؤمّن خدمات متنوعة، ويقترح برامج تعليمية في بلدان أخرى دون أن يضطر الطلبة لمغادرة مواطنهم، وهو ما ستكون له مضاعفات خطيرة على بنية نظام التعليم والتكوين على المستوى العالمي. إن الهدف هو خلق نظام واسع وتجاري للتعليم عن بعد على هامش شبكات التعليم العمومي والذي يكتفي في الغالب بتعليم أساسي مكمل. وتبعا للتخفيضات الكبيرة في ميزانية التعليم جرى تعميم التعليم عن بعد، ففقدت الجامعات غالبية أساتذتها وطلابها، وتركزت أهم نشاطاتها على إجراء بحوث لصالح أصحاب المصانع والشركات.

في النهاية سيبيعون دروسا في الديموقراطية، يقول المؤلفان، تلك التي يحكم فيها الأثرياء مختبئين خلف ساسة انتخبوهم. ديموقراطية ترفع السلاح بلا رحمة في وجه الشعب حين يثور، وذلك باسم النظام، نظام الأثرياء.. إنهم يريدون أن نتعلم ما هو صالح لهم.

تؤكد كل حكومات العالم في أدبياتها الرسمية على أن المدرسة تسعى لتحقيق أربع وظائف:

 فهي توفر حظوظا متساوية لكل الشباب لتصحيح اللامساواة الاجتماعية.

وتسمح لكل شخص بأن يطور كل إمكاناته إلى الحد الأقصى، ويفتق مواهبه الفنية وحسه العملي.

وتُمكّن كل الشباب من الحصول على عمل، من خلال ملاءمة جيدة بين التعليم وحاجات المؤسسات.

وتروم تنشئة مواطنين أحرار ومسؤولين. يحترمون الديموقراطية والقيم التي تأسست عليها بلادهم.

لكن ما يجري تحقيقه على ارض الواقع غير ذلك، فالمدرسة في البلدان الرأسمالية المصنعة تقسّم الأطفال حسب أصولهم الاجتماعية. وبينما يبدو الطريق ممهدا لأبناء الفئات المحظوظة نحو الجامعات المرموقة، فإن المنحدرين من عائلات شعبية يتم توجيههم في أحسن الأحوال إلى المعاهد التقنية. إن الوظيفة الحقيقية للمدرسة هي السماح لمجتمعنا الذي يهيمن عليه المال بالتماسك، كي يتمكن حفنة الأثرياء من إدارته وحكمه، باستبعاد أية اعتبارات إنسانية أو اجتماعية تعيق مطلبهم الأول: الربح!

 حتى زمن غير بعيد كان الموقف الاستعماري إزاء مسألة التعليم واضحا، ويتمثل في الإبقاء على جهل وتخلف البلدان التي كان ينهب ثرواتها ومقدرات شعوبها. ما الذي جرى إذن حتى يسارع خبراؤه وساسته الزمن لخلق ما أسموه "مجتمع المعرفة"؟

 وما الغاية الحقيقية وراء عقد مئات الندوات والمؤتمرات التي تقترح إصلاحات شاملة لنظم التعليم في تلك البلدان؟

يُبدي المؤلفان قناعة واضحة بأن العولمة الثقافية التي يتأهب الجميع لمقاومتها ليست سوى سقف إيديولوجي لمشروع تجاري بالأساس؛ مشروع سوق كونية للتعليم الخاص، توفر ملايين المستهلكين للدروس/السلع، وللأجهزة والوسائط الحاملة لها، وللمعلومات المصنعة والمستهلكة عن بعد.

***

حميد بن خيبش

عاش الكاتب السارد الروائي الصحفي العربي المصري، حياة قصيرة، لكنها حافلة بالعطاء، عامرة بالإنتاجات المُهمة الغزيرة، وتُعتبر قصة حياته اشبه ما تكون برواية كتبها القدر، واخرجتها مُعجزة، وقفت وراءها تحدّيات كبيرة ومواجهات شخصية، تدُل على عظمة متأصلة، وقُدرة خارقة تجلت فيما بعد، في العديد من الاعمال القصصية الروائية التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، وكونت بالتالي حكاية يمكن روايتها بافتخار واعتزاز لإنسان كاتب أراد ان يكون فكان.

الكاتب أمين يوسف غُراب (31 اذار عام 1912/ 27 كانون الأول عام 1970)، ولد في قرية المحلة، بعدها انتقل برفقة اسرته للاقامة في قرية دمنهور، المصرية، وكانت ولادته لعائلة موسرة. أبوه كان يعمل في التجارة، لهذا تركه يعيش طفولته وينعم بها، بعيدًا عن المقاعد الدراسة، وهو بهذا لم يجلس على مقاعد الدراسة، ولا عاما واحدًا، وكما يحدث في القصص، عندما تجاوز عمر الابن امين، الخامسة عشرة بقليل، أفلس الوالد وتوفي تاركًا ابنه وعائلته دون مُعيل او مموّل، الامر الذي دفع الابن، أمين، للعمل مساعدًا لسائق قطار(عطشجي). وعندما قاربَ عمرُ هذا الابن السابعة عشرة، صادف أن رآه نائب دمنهور وهو يمارس ذلك العمل الصعب الشاق، وتذكر أن والده التاجر المعروف في حينها، كان واحدًا من داعميه ومؤيديه السياسيين، فاقترح عليه أن ينتقل للعمل في مكتبة دمنهور العامة، عاملَ نظافة وصيانة فيها. كونه لم يتعلّم القراءة والكتابة!!.

 ابتدأ أمين العمل في المكتبة عاملًا بسيطًا، إلى أن وقعت له حادثة ستغيّر حياته تغييرًا جذريًا، وسوف تضعه في مُواجهة مع نفسه. تمثلت تلك الحادثة في أن إحدى رائدات المكتبة، طلبت منه أن يُعيرها، أو يناولها، كتاب الأيام للكاتب الشهير طه حسين، فما كان منه إلا أن ناولها كتابًا آخرَ، كونه لا يعرف القراءة والكتابة، فسخرت منه تلك الرائدة، قائلة له كيف تعمل في مكتبة وانت لا تعرف القراءة؟.. أثّرَ ما قالته تلك الرائدة في الفتى أمين، فما كان منه إلا أن توجّه إلى مُعلّم يقوم بتعليم الطلاب عبر دروس خصوصية، وطلب منه أن يعلّمه القراءة والكتابة.

 بعد عام واحد فقط، من الدراسة المُركّزة.. المُكثّفة كان أمين، قد تمكّن من اللغة العربية قراءةً وكتابةً، وشرع في قراءة أمهات الكتب، في المستويين الاجنبي والعربي. بعد قراءات دائبة ومتواصلة، استمرت مدة ثلاث سنوات، شرع أمين يوسف غُراب، في العشرين من عمره، في الكتابة السرّدية، وكان أن قرأ في تلك الفترة عن مسابقة في كتابة القصة القصيرة، أعلنت عنها مجلة روز اليوسف المنتشرة شديدة الانتشار، فتقدّم إليها بإحدى قصصه، ليفوز بالجائزة الأولى في تلك المسابقة، وليبتدئ بالتالي رحلته مع الكتابة حتى أيامه الأخيرة.

يتبين مما توفّر عن كاتبنا من معلومات، أنه أرسل إحدى مجموعاته القصصية الأولى، إلى الكاتب طه حسين، المُكنى بلقب عميد الادب العربي، مُقترحًا عليه قراءتها، وفوجئ بعد فترة وجيزة، بسائق سيارة يطرقُ بابَه ويطلب منه مُرافقته للقاء بالعميد. خلال ذلك اللقاء الذي سيجعله كاتبا مرموقا منذ البداية، أعرب العميد عن إعجابه بالكاتب الشاب، وأخبره انه سيقوم باقتراح نشرها ضمن سلسلة مرموقة، كما سيطلب من مُترجم فرنسيّ أن يقوم بترجمتها إلى الفرنسية، ولم ينسَ العميد أن يقول له، في ذلك اللقاء، انه يكتب القصة باقتدار واحترافية واضحين.

بإمكان مَن يطّلع على ما أنتجه كاتبُنا خلال عمره الادبي الوجيز نسبيًا، أقل مِن ثلاثة عقود من الزمان، سواء في مجال الكتابة السردية-قصة قصيرة ورواية، أو الكتابة السينمائية التي أبدع فيها أيّما ابداع، نقول بإمكانه التأكد مما قاله العميد لكاتبنا الشاب، فهو كاتبٌ مُقتدرٌ يُقدّم سرديته، ضمن حَبكة مُحكمة، قوية جدًا وتحبس الانفاس، مُطعّمة بمعرفة مُتعمّقة للنفس البشرية، في شتى حالاتها ووضعياتها، سواء كانت قوةً أو ضعفًا، وبإمكانه أيضًا، مُلاحظة أن كاتبنا يدير سرّديته بخبرة ودراية، لا تقلّ براعةً وابداعًا عن تلك التي اتصف بها كبار الكتّاب في العالم. فهو يُقدّم ويؤخّر في الاحداث، ويشدُّ قارئه منذ السطر الأول حتى الكلمة الأخيرة، ومَن يقرأ أيًا من اعماله الروائية أو القصصية، أو حتى يشاهدها مُقدّمةً على الشاشة السينمائية، يتأكد تمام التأكد مما نقوله ونذهب إليه.

أنتج كاتبُنا خلال عمره الادبي، العشرات مِن الروايات، لعلّ أشهرها شباب امرأة وسنوات الحب، والمجموعات القصصية اللافتة، منها الساعة تدق العاشرة و ثم لا شيء، كما قام بالتعامل مع الفن السابع، فكتب سيناريوهات العديد من الأفلام التي تربّت على مشاهدتها وتعشقتها الأجيال، ومما عُرف عنه تلك الغزارة في الإنتاج، ويقول المتوفّر عنه من معلومات، في هذا السياق، إنه كان يضع في بعض الأعوام، في أوائل الستينيات تحديدًا، السيناريوهات لفلمين أو ثلاثة في العام الواحد. وبإمكان من يُودّ التوسّع في المزيد من المعرفة عن كاتبنا، التوجّه إلى شبكة البحث العنكبوتية الالكترونية العالمية جوجل، ليرى إلى أي عطاء ثريّ وسخيّ قدّم هذا الكاتب.

صفوة القول إن حياة وكفاح هذا الكاتب، يُقدّمان نموذجًا مُعبّرًا عن الإرادة والتحدي، ويُمكن أن يكون بوجوده اللافت، قدوةً ومثالًا لمن يسلك طريق الابداع الادبي، السردي خاصة، علمًا أنه عملَ في الصحافة أيضا وقدم إنجازات ملموسة فيها، وحصل عام 1964 على جائزة الدولة التقديرية لقاء عطائه السرديّ الرائع.. في الرواية عامة والقصة القصيرة خاصة.

***

ناجي ظاهر

لاريب أن تحديث الموروث الثقافي بكافة اشكاله الأدبية والفنية وغيرها، بقصد مواكبة التطورات الكبيرة، والتغيرات الجذرية، التي بات يشهدها عالمنا المعاصر، اصبحت من بين ضرورات تنمية الوعي الجمعي، بعمق اثار تلك التطورات، بين ضرورات التجديد، ومتطلبات الحفاظ على اصالة هوية الموروث الثقافي للمجتمع، لضمان تحقيق ثقافة عصرية حية، تواكب تلك التطورات، وتتفاعل مع معطيات الحداثة بوعي، وكفاءة، وتتواصل باعتداد مع المتراكم من الموروث الثقافي والاجتماعي في نفس الوقت.

وغني عن البيان أن عصرنة الثقافة بما هي عملية تحديث، تستدعيها ضرورات تطوير الثقافة السائدة، بقصد مواكبة كل تلك التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية، التي يشهدها عالم اليوم في مختلف مجالات الحياة، تظل حاجة ضرورية، لضمان بقاء ثقافة الموروث حية، وقادرة على مواكبة التطور، وتجاوز تحديات المسخ والتشويه والضياع، بالانبهار، والتصاغر، والإستكانة.

ولاشك أن التجديد الثقافي يتطلب تعزيز الابتكارت، الفنية، ودعم الإبداعات الادبية والثقافية، بما يساهم في تطوير الحس الاجتماعي الثقافي الجمعي، ويرتقي بجودة مخرجاته الأدبية والمعرفية. كما يتطلب ان يكون الابتكار الهادف، والإبداع المتجدد، مستدامًا، ومتواصلا مع القيم والتقاليد الاجتماعية المتراكمة، لتامين الوصول إلى تحديث ثقافي، يعزز اصالة الهوية الثقافية، ويتفادى تداعيات المسخ والتشويه، بالعزل، والقطيعة .

كما أن التجديد الثقافي يتطلب الحفاظ على هوية المتراكم من الموروث الثقافي، في اطار أي توجهات تسعى لعصرنة الثقافة، وتطوير ٱفاق المعرفة، وذلك من خلال دمج القيم والتقاليد السائدة، مع ماهو ايجابي ومفيد، من معطيات التطور والحداثة.

ولاريب أن تحديث المتراكم من المعرفة، يواجه تحديات كبيرة، تتجسد في كيفية الحفاظ على الموروث من المسخ والتشويه، واستلاب اصالة

الهوية الثقافية، الامر الذي يتطلب التعامل مع متطلبات التحديث بوعي تام لنتائج تداعيات مثل تلك التحديات.

كما ينبغي الانتباه في الوقت نفسه، إلى مفاعيل، وتأثيرات العامل الخارجي، في عملية التحديث المطلوبة، فالثقافات الخارجية، في واقع حال ثقافي مفتوح في كل الاتجاهات على كل الثقافات والمعارف، بعد ان أصبح العالم قرية واحدة، بمفاعيل الثورة الرقمية، يمكن أن يكون له تداعيات لاحصر لها على الثقافة العامة المحلية، وهو ما قد يؤدي إلى المس باصالة الهوية، ومسخها .

ولابد من الإشارة إلى ان الحرص على ترادف الاجيال، وتعزيز الحوار الثقافي بينهم، سيضمن سلاسة فهم مشترك للضرورات والتحديات، التي ستواجه أي مسعى جاد للتحديث، وذلك من خلال إرساء تعليم هادف، وتثقيف سليم، واعتداد مقتدر بالموروث، الأمر الذي سيضمن تعزيز الوعي الجمعي المشترك، بأهمية الحفاظ على أصالة الهوية الثقافية، والحرص على مواكبة التطورات الحديثة في نفس الوقت.

***

نايف عبوش

من مُسوغات مَفْسدةَ يومياتي والتي تزيدني ألما، حين سألتني ذاكرتي بصيغة الاستنكار ونبرة من الغباء الحكيم: في أي يوم نحن يا هذا؟ ابتسمت دون قهقهة من التنبيه باسم إشارة دال على العاقل. وأنا أقلب بالترتيب الحسابي عقارب موازين ذاكرتي المشوشة، والتي قد تكون بحق قد أتلفت بوصلة الاتجاهات الأربعة، وباتت بوابة السماء النافذة الباقية للدعاء والرضا بالأمن والأمان.

لم أفكر بذات التخمين عند محاولات الإجابات المنمقة والمُرصعة ببيان وتبيين الجاحظ (كتاب الحيوان)، بل بقيت عند رحبة الارتجال العشوائي، أتناول كلامي بالعفوية والطلاقة اللفظية (المحاسن والأضداد/ الجاحظ)، وحتى بلا مكملات من علم الكلام البليغ. كنت حينها لا أرغب في أن أتقيد بحدود شائكة في عدم العودة لذاتي الطيعة بالعرفان!!! لم تكن إجابتي عن ذاك السؤال (في أي يوم نحن يا هذا؟) موضع إفادة تامة ونحن في زمن الذكاء الاصطناعي، بل قلت بنباهة الأحمق الغافل عن الأمكنة والأزمنة: نحن في يوم البداية، وكفانا خيرا من شر السفسطة المريبة في الغيبيات!!!

 منطق طغاة الوقت لا حدود له شائكة لجرجرتك نحو مهالك التفكير، قبل تنشيط ذاتك العليا بالبرهان، لكني كنت لحظتها قد تعلمت مقاييس الفوز بحسابات مسافات التأني والتروي، عندما كنت قد كسبت خبرة فيزيائية: كيف أَخْبِرُ ثنايا تفكير عدوي بالاستقصاء قبل النيل منه بالرد العقلاني؟ كيف أقاوم تلك النفس الأمارة بالسوء؟ فقد كنت أؤمن أن العدو الذي يعرف خبايا المستقبل (المهدي المنجرة) لا يمكن أن يخسر الحرب، رغم خسرانه للمعركة الأولى!!!

 مرات عديدة في حلمي الواقف أركب صهوة الحصان الناري طيرانا، والذي علمني أسس الثقة والحماس والعناد، وعند نهاية حلمي مع صديقي الحصان الناري يخاطبني دائما:" امض بثقة صوب أحلامك!!! لا تضع من أزمات الماضي عقبات تصدم حاضرك ومستقبلك!!!

 أبتسم عند تذكري هويتي المتفحمة من كثرة الأحداث، و أفزع بشراهة موغلة في نارية سنة من حياتي، ولما لا التشفي من داء ذاكرتي اليقظة من بؤرة البلاهة المستديمة. كنت حينها لا أزال أُرتق العلاقة بين ذكرياتي الماضية، وذاكرتي في الحاضر المُشكل بالارتباك والتدني الموضوعي، لكي يتسنى لي التذكر ولو بصدق حين أُمسي عنيدا وأنانيا (من أنا؟). ومن شدة التعب قد آوي إلى فراشي الممتد أرضا، وأنا أحتسب أنِّي أضعت يوما من حياتي الفانية والمنهكة.

في حديث مُنعش، وبالمنبهات التنشيطية مع الأنا (العليا)، قالت ذاكرتي: "لا تسرع (يا أنا) في خطى الهرولة والجري نحو خط النهايات، فالنهاية السعيدة لا تكون إلا عند قصص الحكايات الشعبية (ألف ليلة وليلة). نعم، وبحق فبئس يومي وكتاباتي !!! فقد يؤلمني أننا نعيش حياة منفصلة بالتمام عن الحياة الحقيقة المعتدلة، ونحن دائما نبدأ في التفكير المريح في النهايات، أكثر مما نوثق أسس وزينة للبدايات. تذكرت اليوم ولأول مرة، أن الحصان الناري قد علمي حكمة طيعة: " بأن الخروج من دائرة تفكير الصندوق، أصعب بكثير من العودة نحو نفس الهوة، فلا يمكن أن تسبح في النهر مرتين !!!"

 في فيلم فتى الأدغال (ماوكلي الكارتوني)، تعلمت البساطة من حياة الغابة وقوة الغاب، والفتك المتكرر الباحث عن الحياة لا الموت. تعلمت أن كل ما في الغابة يسقط فريسة الموت نتيجة السرعة المفرطة في الخوف والفزع المتردي. تعلمت كذلك أن التسرع في اتخاذ القرارات المربكة يحتمل الخطأ المزدوج والموت الحتمي!!! من شدة المضادات غير السوية بالاعتراف، حين رفعت قبعتي للذئاب، والتي أحسنت تربية (ماوكلي) رغم أنها ذئاب من الغابة التي لا تؤمن بالخير!!! حينها قلت: "لا يمكنك (يا أنا) إيقاف عقارب الساعة في الماضي، والبكاء على الأطلال المهشمة، والحبيبة التي تسللت ليلا من فراشك هروبا، تاركة على لوح المرآة بأحمر الشفاه عبارة (أحبك وجعي) !!!ورحلت في صبح النفعية والانتهازية بعيدا عن مجابهة الحياة كما هي... "

ليلتها رأيت القمر يُشكل إبداعا فنيا مع الغيوم الداكنة المتقطعة. فرحت من تلك الأشكال المتموجة بالتغيير، وحتى المخيفة منها، ومن نوعية رسومات حيوانات الظل البيضاء والتي لا تؤدي. وآلمني رؤية إنس التحكم في رقاب العباد بالنياشين المرتخية، يزبد رعدا وبرقا بحرق المعارضين ويحمي الفاسدين!!!

ليلتها كنت في كل مرة أُحس بالخوف، وأتراجع الخطى وراء من رسم الدب الأسود، لكني أبيتُ أن أسقط أرضا للتمويه والتخفي في عدة مرات، مادام الغول الفتاك يربح النزال عند الفرار الواقفة بالصراعات، و يزيد حتى هو من سرعته في ركض الصيد التغذي اليومي، ونيل الغنيمة غير المتخفية، وهذا ما تعلم كثيف من فطرة (ماوكلي الكارتوني) فتى الأدغال في العيش والمقاومة.

 في ليلة القمر القريب من الأرض السفلية، يموت الشر ليلتها وراء السد العتيد (الإسكندر الأكبر)، ولم يقدر لا (يَاجُوجُ) ولا (مَاجُوجُ) من نقب قطرة حديد ذي القرنين. فقد كانت لعنة الحقيقة ليلتها قد بات بادية، وبلا ماكياجات، إنه يوم نهاية التخمين والتفكير في أي يوم نحن فيه ؟ مادامت الأيام تتناسخ بالثبات، ونحن بالتحول المنطقي مع سنن الحياة نتغير بالإلزامية. يوم البداية كنت أؤمن فيه بالقطعية المطلقة، أن من كان يضع الأقنعة البلهاء ليلتها، قد يماثل في الأسطورة الوُحوش الآدمية من أكلة لحوم البشر في يوم الاستيقاظ الثاني. 

***

محسن الأكرمين

 

أنوار مهرجان القاهرة السينمائي الدولي تعود، كالمواسم السابقة، تحمل ذاكرة الأضواء الأولى. منذ أن وطئت قدما الأخوين لوميير شاطئ الإسكندرية عام 1896، والمشروع السينمائي المصري ينسج غطاء رقيقا فوق وجه الوقت. لم يكن الفيلم مجرد صور تتحرك، بل كان نقشا جديدا على جدار الزمن، امتدادا لنقوش المعابد. كان سجلا لنبض الشارع، ووجه المرء العادي، وحكايته التي لا تموت.

في البداية، كان الأبيض والأسود. كان صوت يخرج من صمت الصور. "زينب" عام 1930، كانت كالنفس الأول. ثم جاء محمد كريم وكمال سليم، فأرسي قاعدة لغة سينمائية بسيطة كالطفولة، عميقة كالنهر. لغة تحكي صراع الإنسان المصري مع الواقع، مع الحب، مع الحلم.

ثم، في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، انفجر العصر الذهبي. تحول استوديو مصر إلى مصنع للنجوم، إلى ورشة كبرى للحلم. "دعاء الكروان"، "الناصر صلاح الدين"، "باب الحديد"، "الأرض". كانت أفلاما تنسج نبرة سينمائية عربية مستقلة، تجمع بين الرومانسية والواقعية والتحليل الاجتماعي. كانت سينما تبني وعيا، وتؤسس لذائقة.

توطدت العلاقة بين الفن والدولة. السينما صارت ذراعا من أذرع الوعي الوطني. من "رد قلبي" الذي وثق روح ثورة 1952، إلى "شيء من الخوف" الذي اقترب من نقد السلطة بحذر البصير. كانت السينما تصنع الذاكرة، وتعيد تشكيل الواقع.

في السبعينيات والثمانينيات، برز جيل جديد. جاء محمد خان بواقعيته الحسية، ليعيد قراءة الإنسان المصري في زمن المدن المتغيرة. وجاء داوود عبد السيد، لينسج عالما إنسانيا شفيفا، يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمدينة والقدر. وجاء وحيد حامد، ليفكك بشجاعة السردية الإخوانية المتطرفة. أما النجوم، فاتن حمامة، عمر الشريف، سعاد حسني، شادية، محمود مرسي، أحمد زكي، محمود عبد العزيز، عادل إمام... صارت وجوههم جزءا من ذاكرة الأمة، وروحها الثقافي. تجاوزوا الشاشة إلى المخيال الجمعي.

لم تكتف السينما المصرية بصنع الأفلام. صنعت بصمة. مدرسة سينمائية عربية شاملة، بلهجتها الخاصة في السرد والإخراج والتصوير والتمثيل. "العزيمة"، "المومياء"... لم تكن أعمالا خالدة فحسب، بل مرايا عميقة شرحت البنية الاجتماعية والسياسية، وكشفت ما تحت السطح.

كانت السينما، وما تزال، أحد أهم أدوات تشريح الوعي الجمعي في مصر. تفصح، توثق، تفتح أبواب الأسئلة. تقترب من الفقر، والطبقية، والبيروقراطية، والهوية، والمرأة، والمدينة، والدولة. تحدثت عن الظلم الاجتماعي في "الأرض"، وعن الاغتراب في "الكيت كات". كانت تخوض معركة الإدراك.

ومثلما واجهت قضايا المجتمع، واجهت الظاهرة الإرهابية بشجاعة. منذ التسعينيات، دخل الفن إلى الساحة ضد التطرف. "الإرهابي"، "الإرهاب والكباب"، "دم الغزال". أفلام قرأت العقل المتشدد، فكتكت العلاقة بين القهر والإرهاب، كشفت عن جذور الظاهرة في الفقر والحرمان.

لم تسلم السينما من أزمات إنتاجية قاسية. نقص التمويل، ارتفاع تكاليف المعدات، تقلص دور الاستوديوهات، هجرة الكفاءات، غياب نظام توزيع عادل. ومع ذلك ظلت صامدة، تصنع أفلامها بإصرار.

اليوم، وأمام تحديات العصر الرقمي ومنافسة المنصات، تحتاج الصناعة إلى خطة وطنية حديثة. صندوق مستدام للتمويل، تحديث الاستوديوهات، سياسة توزيع منصفة، دعم التحول الرقمي عبر منصات عرض محلية قوية.

ستظل السينما المصرية، بما حملته من ذاكرة ورموز وأحلام، هوليوود الشرق. صانعة النجوم، صاحبة الإنتاج المتنوع. البلد الذي لا تنطفئ شاشات عرضه. كتابها ونجومها أصحاب خيال لا ينضب. وروح تعرف أن الفن قوة ناعمة قوية، تحرس العقل، وتفتح الطريق أمام المبدعين.

كأنها النيل، يجري بصمت، حاملا حكايات القرون.

بين ضفتي الزمان، تستمر الحكاية..

كأنما النيل نفسه يرويها.. هذه الحكاية التي لا تنتهي. فبين الأضواء والظلال، بين الصمت والضجيج، تستمر السينما المصرية في نسج خيوطها الذهبية. كل فيلم جديد هو حلقة في سلسلة ممتدة، كل مخرج هو حامل لشعلة أولئك الرواد.

نحن الآن على حافة الهاوية، أو على عتبة النهضة – لا نعرف بالضبط. المنصات العالمية تتدفق كالسيل، تقدم بدائل سريعة، تستهلك الوقت كالنار تأكل الهشيم. لكن السينما المصرية تقف كالطود الأشم، تعرف أن جذورها أعمق من أن تقتلعها عواصف العولمة.

إنها تشبه نخلة صامدة في وسط العاصفة، تميل لكنها لا تنكسر. المخرجون الجدد اليوم، من أمير رمسيس ومراد عبد الواحد إلى أحمد عبد الله ومريم أبو عوف، يحملون نفس الروح التي حملها كمال سليم ويوسف شاهين، لكن بلغة العصر. هم يستخدمون أدوات العصر الرقمي ليحكوا حكايات أبدية.

ما يميز السينما المصرية أنها لم تكن أبدا مجرد مرآة عاكسة، بل كانت حوارا مستمرا مع الذات الجمعية. كل فيلم هو سؤال وجودي: من نحن؟ إلى أين نسير؟ ماذا بقي منا وماذا تغير؟

في "حسن ومرقص وكوهين" كان السؤال عن الدين والتدين، في "شيء من الخوف" كان السؤال عن السلطة والحرية، في "الأرض" كان السؤال عن العدالة والكرامة. الأسئلة نفسها تتجدد بأجيالها، والإجابات تتعدد بتنوع الرؤى.

لعل أعظم ما قدمته السينما المصرية هو هذا النسيج الاجتماعي المتماسك الذي نسجته عبر العقود. كانت دائما فضاء للقاء بين الطبقات، بين المثقف والعامل، بين الحاكم والمحكوم. في دور السينما، تحت الظلام الجميل، تذوب الفوارق ويتحول الجمهور إلى كائن واحد، يضحك معا، يبكي معا، يغضب معا. هذا هو السر في بقائها رغم كل العواصف. إنها فن الشعب، يحمل همومه وأحلامه، يعبر عن آلامه وآماله.

اليوم، ونحن ندخل عصر الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي، تبرز أسئلة مصيرية: كيف ستحافظ السينما المصرية على هويتها في هذا الفضاء الرقمي الواسع؟ كيف ستواصل دورها التنويري في زمن التدفق المعلوماتي؟

الإجابة تكمن في الجوهر لا في الشكل. فما دامت تحمل رسالة إنسانية، وما دامت تتحدث بلغة القلب، فلن تجد صعوبة في اختراق كل الحواجز. التقنيات تتغير، لكن الحكايات تبقى. الشاشات تتبدل، لكن المشاعر لا تتبدل.

نور لا ينطفئ

ستبقى السينما المصرية كالفانوس السحري، ينير دروب الأحلام، يضيء زوايا النفس، يكشف عن الحقائق. هي النور الذي لا ينطفئ، والكلمة التي لا تموت، والذاكرة التي لا تنسى.

في كل مرة تشتعل فيها أنوار مهرجان القاهرة، يذكرنا ذلك بأن الحكاية مستمرة، وأن الروح الإبداعية لم تنضب، وأن الأمل لا يزال ينبض في قلب الأمة. السينما المصرية ليست مجرد أفلام نعرضها، بل هي هوية نحملها، وتراث نحمله، ورسالة نؤديها للعالم. هي الوردة التي تتفتح في قلب الصحراء، تذكرنا بأن الجمال أقوى من كل شيء، وأن الفن أبقى من كل شيء.

***

عبد السلام فاروق

يُعد مؤيد الراوي أحد أبرز الشعراء العراقيين في ستينيات القرن الماضي، وانتمى إلى ما عُرف بـ"جماعة كركوك". عمل في مجال الصحافة، واعتُبِر أحد رموز التجديد في الشعر العراقي الحديث. من بين مجموعاته الشعرية: "احتمالات الوضوح" و"الممالك"، وآخرها "سرد المفرد" التي صدرت قبل يومين فقط من رحيله عن دار "الجمل."

لم يكن بيت مؤيد الراوي يبتعد عن بيتنا في حي "عرفة" بكركوك سوى خطوات معدودة. كانت تلك الأزقة الحجرية والأرصفة المرتبة بإعتناء تختزن في مسامّها روائح الفحم والخبز والدهشة. وكان مؤيد، بشعره الكثيف القاتم السواد ونظارته الداكنة، يمرّ من أمام بيتنا بخطواتٍ متأنية، كأنه يمشي في حقل من الأفكار لا في شارع ضيّق من شوارع المدينة.

كنت صغيراً يومها، لكن صورته ما زالت معلّقة في الذاكرة كلوحةٍ عتيقةٍ في صدر غرفةٍ لا يزورها الضوء إلا نادراً. كان يدخل بيتنا أحياناً، فيتحدث مع أخي الكبير "ناصر" بلغة عربية فصيحة، ممزوجة بنبرةٍ بغدادية رخيمة، بينما كان يخاطب والدتي بالتركية أو بالتركمانية الدارجة، لغة الحياة اليومية في كركوك، وأحياناً بالآشورية. كان يجيد الانتقال بين اللغات كما ينتقل الشاعر بين الصور، بلا تكلّف ولا ارتباك.

وفي بعض الأحيان، كان يلتحق به "جان دمو"، ذلك الكائن المتمرّد الذي لا يعرف معنى للنظام. كان بيته ملاصقاً لبيتنا، لا يفصل بينهما سوى جدار من الطابوق الأحمر. أتذكّره وهو يطرق بابنا في أوقاتٍ غير متوقعة، وكان كثيراً ما يبصق على الأرض أو في الهواء، أينما كان وبلا تردد. وهذا ما كان يغيض والدتي فتثور لتوبخه. لكنه كان يبتسم ابتسامة جانبية غامضة، ويقول لي بصوته الخفيض:

"هلو جورج، خلصت السكائر… روح جيبلي علبة من الكانتين". والكانتين كان مجمعاً تجارياً نظيفاً، يتوفر فيه كل ما يحتاجه الناس.

كنت أركض بحماس لأشتري له السجائر، كأنني أشارك في طقسٍ سريّ من طقوس الشعراء الكبار الذين يسكنون بيننا ولا نعرف قدرهم بعد.

كنت أدرك، وأنا مازلت طفلاً، أن مؤيد الراوي ليس رجلًا عادياً. كان شاعراً وصحفياً وخطّاطاً ورسّاماً، كل هذه المواهب اجتمعت فيه. أذكر أنني زرت بيته ذات مرة برفقة شقيقه الأصغر "فؤاد". وما إن فتح باب غرفته حتى داهمني غبار الدخان، كان كثيفاً كالضباب، لدرجة أنني شعرت بالغثيان. وما إن خطوت إلى الداخل حتى أحاطت بي الألوان من كل صوب: لوحات تملأ الجدران، وخطوط عربية تمتدّ كأنهارٍ من حبر أسود.

وسط تلك الفوضى من الكتب واللوحات والرماد، كانت هناك لوحة "بورتريه" لفتاةٍ آشورية جميلة، تسكن قريباً منه. قيل لنا إنه كان يحبها بصمت، وأنه رسمها مراتٍ عديدة ليحفظ وجهها من شبح النسيان.

كان مؤيد يدخّن سيكارته بشراهةٍ تأملية، يشعلها كما يشعل قصيدة، ثم يدخنها حتى منتصفها فقط، وكأنه لا يريد أن يستهلك جمرها تماماً، ثم يطفئها ويلويها بين أصابعه ويرميها جانباً. كنت أراقب هذه الحركة فأشعر أنها ليست عابرة، بل جزء من طقس يومي لمصالحة نفسه مع عالمٍ لا يرحم.

مضت سنونٌ طوال لم أره فيها، حتى جاء اللقاء في برلين ليكسر تلك الحلقة. هناك، في بيته- مرسمه، وجدت عالمه ماثلًا أمامي: جدرانٌ تحمل لوحاتٍ تتنفس فناً، وألوانٌ تعانق بساطة الأثاث في أرجاء الغرفة. إلى جانبه، كانت تقف زوجته الصحفية فخرية صالح، شريكة دربه. لقد نال الزمن من جسده النحيل حتى أوشك على الانحناء، لكن نظراته كانت المعجزة؛ ظلت كنجمين متألقين، يشعان ذكاءً قديماً وحنيناً لا يعرف الزوال.

 تحدثنا مطولاً عن كركوك، عن الشعر، وعن الرحيل الذي لا ينتهي. بعد فترة قصيرة، تسلّل المرض إليه، وشلّ حركته شيئاً فشيئاً، ثم خمد صوته كما كانت تخمد سيجارته في آخر الليل.

في شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي مرت عشر سنوات على رحيل مؤيد الراوي عن 76 عاماً في برلين.  لكن روحه ما تزال معلّقة في تلك الأزقة القديمة في كركوك، عالقة بين دخان سجائره وألوان لوحاته وصدى لغاته المتعددة.

  اتسمت لغته الشعرية بغموض ظاهر، غير أن بنائه اللغوي تميز بالشفافية والاعتماد على الرمزية من خلال استخدام المحسنات البديعية. وفي ديوانه "سرد المفرد" نقرأ:

الأشياءُ كثيرةٌ

تولدُ الأشياءُ

دوامةٌ يديرُها طبعُ إلهٍ

مَنْسوخةٌ تَمضغُ الأشياءَ

تَغزِلُ من الغيابِ شيَّاكَ

تَضيعُ فيها وتُسجَن

تحرسُها الكواسجُ

لا مقصَّ تُقطَعُ به الخُيوطُ

فتمضي بنا نحو القاعِ

تنحني الكتفُ وتصنعُ الألغازَ

ننشغلُ بها وتَطرُقُنا كَثْرَةُ الرموزِ

سلامٌ لروحك أيها الراوي، ولأيامٍ كنا نعبرها ببطءٍ، كأنها هي نفسها تخاف من أن تنتهي.

***

جورج منصور

لا ريب أن الحنين إلى الماضي بما هو شعور عاطفي، وهاجس وجداني، يخالج وجدان الكثير من ذوي العواطف الجياشة، والمشاعر المتوقدة، بما يثيره في المزاج من انعكاسات، في اللحظة، وما يؤججه في دواخلهم، من وجدانيات متوقدة..

 ويجسد الحنين إلى الماضي شعورا بالاشتياق إلى زمن مضى، زاخرا بكل تلك الذكريات السالفة، ولاسيما ما يتعلق منها، بمرحلة الطفولة، والشباب، وما تتركه من النفس من وجدانيات متوقدة.

ولعل الحنين إلى الماضي هو ما يؤجج وجدانيات الخيال، باستذكار تلك الذكريات الجميلة، التي عشنا تفاصيلها بسعادة يوم ما، وهو ما يعزز شعورا عارما بالسعادة والرضا.

ومع كل نلك المشاعر الجياشة التي يغمرنا بها الحنين إلى الماضي، فانه لا يعدم إثارة شعور بالأسى، وربما الندم، على بعض ما فات، تانيبا للذات، حيث فاتها استغلاله، والتفاعل معه على النحو الذي كان ينبغي أن يكون.

واذا ما جاء البكاء على الأطلال تعبيرا عن الحنين إلى الماضي سلبيا، نتيجة للفقدان، أو نتيجة للشعور بالفشل، أو الإحباط في حينه، فانه سيكون عندئذ بكاء طلليا سلبيا، يستولد معه، شعورا بالحزن، والاكتئاب، ويعكر المزاج، ويحد من وهج عيش الحاضر، والتطلع المتائل للمستقبل.

ولاريب أن توهج الحس المرهف تعبيرا عن الاشتياق، بالحنين إلى الماضي بايجابية، يمكن أن يأتي باستذكار أحداث سعيدة، تعزز شعورا بالغبطة والرضا، وتترك اثرها، في الوقت نفسه، على تقدير قيمة جماليات الحياة الحالية، التي نعيشها.

وإذا ما كان الحنين إلى الماضي يؤدي إلى شعور بالأسى والاكتئاب، فان تغيير هذا الشعور إلى مشاعر إيجابية، يتطلب استذكار أحداث حلوة، واسترجاع الذكريات السعيدة، لتكون ومضات سعادة الحاضر، الممتد إلى افاق المستقبل.

وهكذا يأتي الحنين إلى الماضي، بكاء على الأطلال، أو توهج حس مرهف، متناغما، على حسب كيفية التفاعل الوجداني مع هذا الشعور في اللحظة.

***

نايف عبوش

يغلب على الظن أن الكاتب الشاب، وحتى مَن قطع شوطًا بعيدًا في مساحة الكتابة الأدبية، عادةً ما يطرح السؤال التالي: كيف يكون التخييل؟.. كيف أكتب قصة أو رواية أو سرديةً ذات قيمة وحضور.. ولعلّ ما يُوقع هذا الكاتب في مثل هكذا إشكالية، هو ما مرّ به خلال فتراته الدراسية، عندما كان مُعلّم اللغة يطلب منه أن يكتب موضوع إنشاء يُضمّنه شيئًا من قُدراته اللغوية التعبيرية، وهو ما يدفعه بالتالي إلى العلوق في دائرة التعبير الادبي أولًا ودائرة الذاتية المُفرطة ثانيًا. مِن تجارب كثيرة عبر التجوّل في حدائق التخييل الادبي، قراءةً وكتابةً، بإمكاني أن أدلي بدلوي في الإجابة على هذا السؤال المُحيّر.

* الابتعاد عن الذات: ضمن مُحاولتنا اقتحام عالم التخييل الادبي، يُطلبُ منّا أن نبتعد عن ذاتنا.. كيف يُمكن لنا أن نقوم بمثل هكذا فعل، ومعرف في الآن ذاته، أن الكتابة التخييلية، السردية بصورة خاصة، ما هي إلا وُجهة نظر يُدلي بها صاحبُها مُنطلقًا أو مُقلعًا في عالم التخييل؟.. في الإجابة على هذا السؤال، يُمكننا القول إن الكاتب مهما ابتعد عن ذاته إنما يقترب منها.. كيف يكون هذا؟... إنه يكون بانطلاقه التلقائي في عوالم متخيّلة، تُقرّبُه مِن ذاته وتُبعدُه عنها في نفس الوقت. مِن هكذا مُنطلق نقول إذا أردت أن تبتني عالمًا مِنَ التخييل الادبي، ابتعد عن ذاتك وابحر في مسارب هذا العالم.. عندها سيتم لك بناء عالم مِن التخييل. دون أن تنسى نفسك، بل بتأكيدك لها ولوجودها. ما أقوله يذكر بما قالته الكاتبة الامريكية نانسي كريس في كتابها عن فن كتابة الرواية وهو: إنس نفسك وابدأ كتابة كتابة روايتك.

* بناء عالم من التخييل: كيف يمكن لك أن تبتني عالمًا مِنَ التخييل الادبي؟.. كيف تبدأ كتابة نصّك القصصي أو الروائي؟.. في الاجابة البسيطة المتواضعة يُمكننا القول: ابدأ الكتابة مُنطلقًا مِن رؤية أو إحساس ما. إبحث عن الكلمة الأولى أو الجملة الأولى وانطلق، كما كان ماركيز يفعل، فالكلمة الأولى في الرواية هي الكلمة الأهم، وعندما تجدها كما يقول/ ماركيز، يُمكنك الانطلاق في عالم التخييل. لكاتبة أخرى هي ايزابيل اللندي رأي آخر في بدء الدخول إلى عالم التخييل، يقول هذا الرأي، الجُملة الأولى تفتح أبوابًا مُغلّقةً لعالمٍ فسيحٍ واسعٍ ومُترامي الأطراف.. هو عالم التخييل. أما الكاتبةُ الامريكية البارزة مارجريت اتوود، فإنها تُقدّم رأيًا آخر، تقول إنها عندما تشرع في التفكير بعالم التخييل، تشعر بأن عالمًا كاملًا مُتكاملًا ينهالُ بشخوصه ورؤاه على ذهنها. فتكون البداية. أما بيرسي لبوك صاحب الكتاب الاول وأكاد أقول الأخير في عالم الكتابة الروائية، فإنه لا يبتعد كثيرًا عمّا سبق وأردناه، وهو أن الكتابة التخييلية الروائية تبدأ مِن مَشهدٍ مُعبّر وبانورامي لما سيأتي بعده.. ثم تنفتح مغاليقُ عالمٍ كاملٍ مُتكامل.. وهذا يدفعُنا للانتقال إلى المحور الثالث مِن محاور التخييل الادبي.

* النمو الداخلي للنص السردي: بعد أن تتوفّر لدينا القُدرةُ على الابتعاد عن الذات، وبعد دخولنا أو ابتدئنا عالمًا مِنَ التخييل الادبي الروائي، نكون قد هيأنا الإمكانيات كلّها للشروع في الكتابة والاقلاع في عوالمها الفسيحة. لكن كيف يتمّ هذا؟.. تختلف إجابات الكُتاّب فيما يتعلّق بهذا المحور الهامّ مِن محاور الكتابة التخييلية، فمنهم مَن يرى أننا بإمكاننا أن نبتدئ الكتابة مُنطلقين مِن نُقطة النهاية- نجيب محفوظ وجنكيز ايتماتوف مثلا_، ومنهم مَن يرى غيرَ هذا، كأن نضع الصفات المُميّزة لكلّ من شخصيات ومرتكزات تخييلنا، وينطبق هذا أيضًا، على الكاتبين المذكورين آنفًا، غير أن جميع مَن مارسوا الكتابة التخييلية، أفادوا برأي ورؤية واحدة، تتمثّل في الآتي، وهو ان نواصل نسياننا لأنفسنا وندع العالم التخييلي ينمو ويتطوّر وفقَ مُعطياتهِ الخاصة به، ويتمّ هذا بالحَبكة السردية، بمعنى التسلسل المنطقي للأحداث، كما يرى فورستر في كتابه الهام جدًا عن فن كتابة القصة الموسوم بعنوان اركان القصة.

عالمُ التخييل الادبي بهذا، واسع جدًا، ومِن الصعب الإحاطةُ بمُختلف أبعاده وأطرافه، في عُجالةٍ سريعةٍ جدًا مثل هذه، غير أن الولوج اليه يعتمد، كما في كلّ عمل كبير، على القُدرة مُمثلةً في التدرب والمران، وعلى الشغف الذي لا بُدّ مِنهُ لإنجاز ما يستحق الاهتمام ويبقى.

***

ناجي ظاهر

........................

* من كتابي الصادر مؤخرا "قراءات ومراجعات- نظرات في التجربة الأدبية".

 

في وادي الرافدين، حيث وُلدت أولى الحروف على ألواح الطين السومرية، لم تكن المرأة مجرد ظلٍ في التاريخ، بل كانت حارسة الحكمة، الأمينة على سر البقاء، وذاكرة الأرضوإذا كان الماضي قد نقش حضورها في الطين، فإن الحاضر يعيد رسم هذه الأسطورة في صورة المرأة العراقية المعاصرة، التي لم تحمل الحكمة في لوح، بل في صلابة ظهرها وفيض عطائها، هي ليست مجرد امرأة، بل هي الوتد الذي يشد خيمة العراق في وجه الرياح العاتية، ويمنعها من الانهيار.  

بداية الحكاية

(من ضلع أعوج إلى وتد ثاب)

حكاية صمودها تبدأ من الجوع، لكنها لم ترضَ أن يكون الجوع هزيمة، هي الأم التي شدّت بطنها الخاوي، لكنها أصرّت أن تُرضع أبناءها الكرامة قبل الحليب. غرست فيهم بذور الشجاعة، وأورثتهم أنفةً لا تنكسر أمام الموت، لأن الحياة بلا كرامة ليست حياة، كانت مدرسة قائمة بذاتها، تخرّج منها رجال لا يحنون رؤوسهم إلا لله وللوطن.  

وحين غاب الزوج شهيدًا، لم تنهَر ولم تستسلم، تحولت من ضلع أعوج إلى وتد ثابت يشدّ الخيمة المهددة بالانهيار، وقفت مكانه، وأمسكت بأركان البيت بيديها. وعندما جاء دور الأبناء، قدّمتهم للوطن، لا كخسارة، بل كتتويج لما زرعته فيهم. دماؤهم سقت الأرض التي نمشي عليها اليوم، فكانت هي أم الشهيد، التي تفوح منها رائحة البارود والعطر في آن واحد.  

بعد أن قدّمت الغالي والنفيس، رفضت أن تُركن إلى زاوية النسيان، عادت لتكمل الرسالة، لتربي الأحفاد، وتضيء لهم الطريقتجدها في السوق تحت الشمس، أو عند فرن الطين، أو في غرفة صغيرة تخيط لتوفر لقمة العيشهي الأرملة، هي المفجوعة، لكنها أيضًا الجدّة التي جبرت خواطر أحفادها، وأعطتهم الدفء الذي حُرموا منه.  هذه المرأة التي عبرت الحقب الثلاثة، متكئة على عصا صبرها، هي الأسطورة العراقية الحيّة التي لم نُنصفها بعد.... الوتد الذي شدّ البيت وشدّ الوطنتستحق أن يُرفع لها تمثال من الاعتراف والإنصاف، لا من الحجر.....

فلننظر بعمق إلى هذا الوتد، لنفهم أن صمود العراق واستمرار خيمته في وجه العواصف، ما هو إلا انعكاس لصلابة قلبها وسرّ حكمتها .... (حارسة الحكمة...اكملت معنى التضحية حين جعلته اكبر من الانتماء الضيق ....)

إنها بحق حارسة الحكمة... لم تسأل يومًا عن اتجاه المعركة، ولم تُجزّئ الوطن إلى أبناء الجنوب وابناء الغرب، ولم تُفرّق بين مذهب وآخر، ترى العراق بيتًا واحدًا، وخيمة واحدة، وأبناءً يذودون عنه جميعًا.

يُقال عنها إنها ناقصة عقل، وهي التي حملت العقل كله في قلبها، كيف تُنقص وهي التي أكملت المعنى حين جعلت التضحية أكبر من الانتماء الضيق؟

إن الاعتداد بها ليس مجرد واجب أخلاقي، بل هو اعتراف بعمق الحكمة التي جسّدتها

فهي التي علّمتنا أن الكرامة لا تُجزّأ، وأن التضحية لا تُقاس بالانتماء، بل بالوفاء للأرض

هي التي جعلت من دموعها نهرًا من الكبرياء، ومن صبرها جدارًا يحمي البيت، ومن حكايتها درسًا للأجيال القادمة.

الاعتداد بها هو أن نرفعها إلى مقامها الحقيقي: مقام الوتد الذي شدّ الخيمة، مقام حارسة الحكمة التي لم تكتب على ألواح الطين فقط، بل كتبت على وجوه أبنائها وعلى ذاكرة الوطن كله.

***

د. نسرين إبراهيم الشمري

 

ميلاد دوستويفسكي ليس مجرد ميلاد كاتب، بل ميلاد وعي جديد بالإنسان.

في مثل هذا اليوم لم تولد فيودوريا واحدة في سان بطرسبورغ، بل ولد عالم كامل من العتمة والنور، من الجنون والعقل، من الإيمان والشك، من الخطيئة والتوبة. دوستويفسكي لم يكن يسكن مدينة، بل كانت الروح الإنسانية هي موطنه الوحيد.

دوستويفسكي لم يكن يكتب الرواية كما يكتب الآخرون، بل كان يحفر في لحم الوعي الإنساني، يعري النفس من أقنعتها، ويتركها تواجه حقيقتها العارية.

كلما كتب، كانت الكلمات تتصبب منه كما يتصبب الدم من جرح مفتوح، لذلك تشعر أن كل جملة فيه نزفت لا كتبت، وأن كل شخصية خرجت من رحم الألم لا من خيال المؤلف.

لم يكن يكتب عن البشر، بل كان يكتب الإنسان نفسه، في لحظة ضعفه القصوى، حين تتجرد النفس من أقنعتها وتواجه الله والقدر والضمير.

في رواياته لا تروى القصص بل تقام محاكم، محاكم للنية، للضمير، وللروح التي تتأرجح بين الخير والشر.

في الجريمة والعقاب يدان الإنسان قبل أن يدان الفعل.

في الأخوة كارامازوف يسائل الإيمان نفسه: هل الله فينا أم نحن من اخترعناه لننجو من العبث؟

وفي الأبله يحاول البراءة أن تعيش وسط غابة من الذئاب، لتنهزم لا لأنها ضعيفة، بل لأن النقاء لا يُحتمل في عالم فاسد.

دوستويفسكي لم يعطنا روايات نقرأها، بل مرايا نصاب بالذعر حين ننظر إليها.

فهو لا يمنح قارئه متعة القراءة، بل يلقيه في تجربة الوعي، في مواجهة ذاته التي كان يهرب منها.

كل قارئ له يخرج من نصه مبللا بندوب داخلية، وكأنه عاش محاكمة تخصه هو لا بطله.

كان يعرف أن الإنسان مخلوق هش، يعيش بين خطيئتين: تلك التي يرتكبها، وتلك التي يخشاها.

مر قرنان، وما زالت كلماته تسير على الأرض كأنها لم تكتب بعد.

كأن كل زمن يحتاج دوستويفسكيه الخاص ليذكره أن الوعي لعنة، وأن الخلاص ليس في الطهر، بل في الصدق مع الذات.

مر قرنان وما زال صوته يتردد، لا في الكتب فحسب، بل في ضمائر كل من جرب أن يسأل: لماذا نعيش؟ ولماذا نتألم؟

دوستويفسكي لا يموت، لأنه كتب عن الإنسان، والإنسان لا يزال يتأرجح بين خلاص موعود وسقوط لا ينتهي

ميلاد سعيد أيها العبقري الخالد، يا من جعلت من الحبر سكينا، ومن الأدب مرآة تعري العالم من زيفه، وما زالت كلماته تمشي بيننا ببطء وثبات، كأنها ولدت اليوم.

ذلك لأن دوستويفسكي كتب عن الإنسان، والإنسان لم يتغير؛ ما زال يبحث عن معنى الخلاص وسط صراعاته الداخلية، وما زال يخاف أن ينظر في مرآته الحقيقية.

إن ميلاد دوستويفسكي هو ميلاد الأدب كوعي وجودي، لا كفنٍ للتسلية. فهو الذي جعل من الرواية فلسفة، ومن الألم طريقا إلى الفهم، ومن الوجع وسيلة لاكتشاف الله في داخل الإنسان. وعلمنا أن أعظم رحلة هي تلك التي نقوم بها نحو أعماق ذواتنا.. يالله كيف له أن يمزج كل هذا في إطار محبوك ويسقطه داخل دفتي رواية.

اتعلمون سان بطرسبورغ… المدينة التي أحلم بزيارتها، لا لأتأمل مبانيها فقط، بل لأتتبع فيها خطوات دوستويفسكي وزملائه، أولئك الذين جعلوا من شوارعها الباردة دفاتر للفكر، ومن أزقتها الضيقة مسارحَ لصراع الروح والعقل.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

الرجال يدخلون قلوب النساء

كما يدخل جيش إلى مدينة نائمة

يرسمون أعلاما

ثم يرحلون من دون تلوينها.

**

القصيدة الاولى من ديوان قادم:

"أرفع قميص العالم لأرى أين يخبئون الشمس"

**

يبدو النص كذرة حسية ذات شحنة دلالية تتردد بين اختيارين: إما أن تكون انشطارية أو اندماجية، وفي كلتا الحالتين، تؤدي إلى تشظ قد يعيد ترتيب الكون الثنائي، المكون من ذكر وأنثى. تشظ، تذيعه بصوت مرتفع تلك الصورة التي تفاجئنا بها الشاعرة، بتشبيهها "دخول الرجال قلوب النساء"، ب"جيش يدخل إلى مدينة نائمة". فالصورة، التي تتشكل من صورتين، بقدر ما تجعل من الأولى: "قلوب النساء"، مكانا للحب والهدوء والارتياح والطمأنينة، بل والحياة بصفة عامة، لأن النبض/القلب هو الحياة، بقدر ما تخرق هذه القاعدة، بصورة ثانية، حيث يصبح الرجال "كجيش يدخل مدينة نائمة". وبحضور الجيش، تُفتقد الحياة. فتتراءى لنا "ر" لتقسم ظهر هذا الحب الذي يرمز إليه القلب. فبحرفه الأول "ح" المنطوق على مستوى الحنجرة، بفضل تسرب قليل من هواء الرئتين نحو الخارج، يجعلنا "الحب"، نتلذذ من عذوبة الانتشاء به، ونحن داخل القلب. ثم، هذا التسرب سرعان ما تنغلق عليه الأبواب لحماية ذلك الإحساس الداخلي، حيث تأتي: "ب"، وتسد الشفتين، خاصة وأنهما تنغلقان بقوة تفيدها تلك الشدة التي تبدو كتاج فوق "بّ". وهكذا يكون التتويج بين عنصري الكون الثنائي.  وهذا ما يمكن استخلاصه من "دخول القلب".

لكن لهذه الكلمة التي تستقر بالقلب، سحر آخر. بإمكانها أن تشعل فتيلا لا تخمد ناره. تحرق الأخضر واليابس. بدخول حرف "راء" حيث يصبح الحب....حربا. هكذا نجد ثنائية: حب/حرب. داخل القلب. تحشر الراء أنفها، وتشعل النار في الحب. كم من حرب اشتعلت بالحب، وكم من حب نما على بقايا حرب!! فالتاريخ حافل بمغامرات هاتين الكلمتين. يكفي التذكير ب: "هلين وحرب طروادة". وهذا دليل آخر على أن نسبة الاعتباطية حينما يتعلق الأمر بسحر الكلمة، ضئيلة جدا. فاستحضار الجيش إذن جعلنا نخرج من المتداول بفضل هذا النوع من اللعب بالكلمات، لعب ممتع لدرجة أنه يصبح ضرورة ملحة لاكتشاف ما تخبئ لنا الكلمات من دهشة، كما هو الحال هنا مع هذا النص/الذرة، نص كمومي بامتياز.

لكن سرعان ما تنمحي فكرة الحرب. فدخول الجيش لهذه المدينة النائمة، تم بعملية مسالمة، والحرب التي اعتقدناها، لم تتم. لكن أفضت هذه العملية المسالمة إلى استيلاء على المدينة، أي على القلوب، وهو ما ترمز إليه "الأعلام المرسومة" التي ترمز إلى الامتلاك. إلا أن هذا الاستيلاء، يبدو وكانه رمزي فقط؛ لأنه من جهة بقيت الأعلام بدون تلوين، ما يعني أنها حافظت على لونها الأصلي، والذي لن يكون إلا أبيضا، ما يدلنا على أن هناك استسلام، ما دامت المغادرة أو إخلاء المدينة من قبل الجيوش واردة في النص: "ثم يرحلون من دون تلوينها".

فالنص يبدو وكأنه ذرة فعلا، لا يمكن القبض عليه بشكل نهائي، مادام التضاد يؤطره، فيلعب على أعصاب المتلقي بهذه الانزياحات التي تؤدي إلى انزلاقات: قلوب النساء = مدينة نائمة، الرجال = جيوش. فننتظر نشوب الحرب. فإذا بهم يرسمون أعلاما من غير تلوين، فيرحلون.

فنتساءل في الأخير: ما مصير المدينة/ قلوب النساء؟ وما مصير الرجال/ الجيوش؟ فهل الرحلة بلا رجعة؟ ماذا يمكن لنا أن نستشف من هذه النهاية المفاجئة؟ عن أي احتمالات يمكن لنا الحديث؟ هل هو خطاب نسواني؟ يثير تلك الرغبة "الأمازونية" التي تحدثت عنها الأساطير، خاصة الميثولوجيا الإغريقية. أي الحلم بمملكة الأمازونيات المحاربات عن كرامتهن وخصوصيتهن. وفي هذه الحالة ربما نشهد تفاعلا انشطاريا. أم هي دعوة إلى السلم والاندماج في كون واحد ذي قطبين منسجمين وليس متنافرين؟ وهي حالة التفاعل الاندماجي، وهو ما يبدو جليا من رمزية الأعلام غير الملونة، بل ويمكن القول، غير المتلونة، لتحافظ على اللون الأبيض، رمز السلام والاستسلام الثنائي. فمن جهة فالمدينة نائمة، وهو استسلام من قبل قلوب النساء، ومن جهة أخرى فالجيوش راحلة من غير تلوين الأعلام المرسومة، وهو استسلام من قبل الرجال.

وهكذا تنسجم عناصر النص/الذرة، فيحدث الالتئام والوئام.

***

محمد  العرجوني

........................

* عن صفحة الشاعرة: فيس بوك

لاريب ان للحس المرهف وقعه الساحر في الإلهام والإبداع، ولاسيما في تفاعله الوجداني مع جماليات ربوع المكان.

فالعاطفة المتوهجة، والمشاعر الرقيقة، تشعل في الوجدان ومضة الحس المرهف في االحظة، وتستفز استجابته العاطفية لها، باساليب ملهمة، وإبداعية .

 وغالبا ما يكون الأشخاص الذين يمتلكون حسًا مرهفًا، وعاطفة جياشة، أكثر استشعارا، لعناصر جماليات الأشياء، واسرع استجابة لوهجها، والتفاعل الوجداني معها، لتاتي انثيالاتهم في التعبير عن ذلك الحس المرهف في اللحظة، بصور، واشكال متعددة.

ويظل للتفاعل الوجداني مع ربوع المكان تأثيره الساحر في حس وعواطف الإنسان المرهف، فأماكن النشأة، ومرابع الصبا، التي نقضي فيها وقتنا، لها وقعها في الايحاء، والتاثير على المشاعر، واثارة الحس المرهف، للتفاعل وجدانيا، مع ايحاءات بيئة المكان، وجعلها تبدو أكثر جمالًا، واشد توهجا.

ولعل التأمل العميق، والتطلع المتفائل، يستفزان الحس المرهف، ويجعلان الوجدان أكثر استجابة للعواطف الوجدانية، والمشاعر الرقيقة، في استكشاف جماليات ربوع المكان، شطٱنا كانت، ام براري، ام غابات، ام وديان، ام مرتفعات.. ومن ثم تحفيز الشروع بالتفاعل معها، بايقاع متناغم بعمق، مع ايحاءاتها.

ومع تسلل تلك الجماليات إلى أعماق الوجدان، لتسكنه ذكريات جاهزة للإسترجاع عند الحاجة، لإنعاش الذاكرة المتوترة، والمثقلة بتداعيات واقع الحال في حينه، فقد يلجأ الكثير من المبدعين، لتوثيق انثيالات في اللحظة، بهيئة نصوص شعرية، او سرديات إبداعية، او لوحات فنية، او اغاني ترفيهية، لتكون وسيلة التعبير الحي عن ابتهاج الحس المرهف، وتفاعلاته الشجية مع ربوع المكان.

***

نايف عبوش

في أمسية ثقافية حاشدة، أقامها منتدى الرافدين للثقافة والفنون بالولايات المتحدة الأمريكية، تخللتها فقرات موسيقية تأملية ومداخلة نقدية قدمها الشاعر والناقد العراقي ناصر الحجاج عبر الفيديو، قدّمت الشاعرة العراقية دنيا ميخائيل قصائد من ديوانها الجديد "ألواح: أسرار الطين"، بحضور القنصل العام للعراق في ديترويت محمد حسن سعيد محمد.

لا يقتصر استلهام ميخائيل للرموز السومرية المنقوشة على ألواح الطين على مجرد استعادة الأثر التاريخي، بل يتجاوزه إلى إحياء هذه الرموز كأنساق دلالية حية، تعبّر عن صراع الإنسان المعاصر الوجودي والاجتماعي. فما كان يوماً رموزاً للخصب والماء والنور والآلهة في الفكر السومري، يتحول في نصوصها إلى إشارات نابضة بقضايا الإنسان اليوم: اغتراباً، وانكساراً، وبحثاً عن العدالة، واستعادة للمعنى في عالمٍ أنهكته الضياع.

هكذا ينشأ خطابها الشعري من تفاعل جدلي بين الذاكرة والأسطورة والواقع، ليكون النص فضاءً رحباً لوعي حضاري مزدوج: وعي بالماضي كمنبع للهوية، ووعي بالحاضر كامتداد متأزم لهذه الجذور. فاستدعاء الرموز السومرية لا يهدف إلى إحياء الأسطورة فحسب، بل إلى تحويلها إلى أداة نقدية تستشرف مستقبل الإنسان العراقي في ضوء إرثه الحضاري.

ولم تكتفِ ميخائيل بالكتابة فقط، بل أضافت بعداً بصرياً لقصائدها برسوماتها الشخصية، مما جعل العمل لوحة فنية متكاملة تجمع بين الكلمة والصورة. وقد حظي الديوان باهتمام دولي، توج بتبني اليونسكو أحد نصوصه - "ليكن الحب هو النظام العالمي الجديد" - ملصقاً رسمياً لقيمته الإنسانية العميقة.

فكرة "الحب كنظام عالمي" قد تبدو مثالية في عالم تحكمه المصالح والسلطة، لكنها تظل نقداً لاذعاً لواقع يفتقد لإنسانيته. فالحب لن يصبح نظاماً إلا بإعادة بناء الوعي الإنساني على أسس العدالة والاحترام، وإلا سيظل مجرد شعار عاطفي أعجز من أن يغير واقعاً قائماً على الخوف والطمع.

في أحد نصوص الديوان، الذي يضم عشرة ألواح يحتوي كل منها على 24 قصيدة قصيرة، تكتب ميخائيل: "الأشجار مثلنا تلجأ إلى جذورها وقت المخاطر". كأنها تقدم حكمة وجودية: في زمن الضياع، تكون النجاة بالعودة إلى الأصول، لا بالارتحال. فالنمو الحقيقي لا يكون إلا بالاتكاء على ما يثبتنا، كما تفعل الأشجار بجذورها.

وتواصل الشاعرة تأملاتها: "الأيام المكسورة لا تُصلَح كما تُصلَح الأشياء". فالأيام ليست مادة قابلة للإصلاح، بل نسيج معقد من اللحظات والمشاعر. لا نملك إصلاحها، لكننا نملك الوعي لتأمل انكسارنا، والقدرة على المضي رغم الجرح. فالكسر جزء من مسار الحياة، والتأقلم معه هو تحويل الألم إلى بصيرة، والخسارة إلى درس.

تكتب ميخائيل مستذكرة حكاية جدها الذي شبه زوجته بالتمرة: "حلوة لكن نواتها قوية". التمرة ليست مجرد ثمرة، بل ذاكرة الضوء حين يسقط على جسد الأرض، في هذه الاستعارة يتجلى توازن الوجود: حلاوة في المظهر، وقوة في الجوهر. وكما التمرة، تكون الحياة: رقة لا تتعارض مع صلابتها.

ولم يكن الجد يبكي عند النخلة الميتة شجرةً فقط، بل كان يبكي انكسار عالمه بفقدان زوجته. فالنخلة كانت مرآة لحبيبته، وظلها في حياته. بموتها، انطفأ آخر ضوء من زمن كان للحنين فيه مذاق التمر. بكى الحياة حين تفقد طعمها، والذاكرة حين تتحول إلى نواة صلبة لا تُكسر.

دنيا ميخائيل شاعرة عراقية تقيم في أمريكا، أصدرت عدد من الدواوين الشعرية حصلت عليها جوائز عالمية. أما  روايتها "وشم الطائر" فقد وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة (البوكر). وعن ديوانها الأخير" ألواح: أسرار الطين"، كتبت صحيفة كريستيان ساينز مونيتر: "مزج رائع بين الشعر والرسم بقلم شاعرة هي الأبرز بين شعراء هذا العصر".

***

جورج منصور

 

لاريب ان للذكريات ومضات شجية، ومؤثرة، حتى وان تكن الحياة قد استلبت منها الكثير، وتركتنا نتعايش مع بقايا أحلام صبا قد ولى، وذكريات شباب قد انقضى، لتحقننا بشيء من السعادة الوجدانية المؤقتة، كلما ارهقتنا ارهاصات الحياة.

على أن ذكريات أحلام الصبا والشباب التي تبعثرت بمرور الزمن، تظل كما كانت يومًا ما، متوهجة بالأمل، وزاخرة بالتطلع، بعد ان خفت بريقها، في ركام زحمة تداعيات حياة صاخبة، لتبقى عالقة في المخيلة، حيث استقرت في أعماق الوجدان، عصية على النسيان، بمرور الزمان.

هكذا اذن تظل الذكريات حية، وحاضرة بوهجها الدائم، وتأبى التلاشي، لنسترجع من خلالها، صور واقع حال شباب مضى، عشناه بكل تداعياته، السعيدة منها، والشجية.

وفي فضاء حياة صاخبة، مثقلة بالهموم، تبدو تلك الأحلام والذكريات طيفا من همسات عوالم الذات، حيث تمنحنا الأحلام شيئا من الأمل، وتغذينا الذكريات، بجرعة من التطلع، حتى وان بدت الحياة قاسية أحيانًا، لتظل مع ذلك جميلة، وزاخرة بالتجليات، في نفس الوقت.

هكذا نسترجع شريط الذكريات، فنستمتع بأحلام الصبا، وذكريات الشباب، على نحو بهيج، يزرع في نفوسنا حس التفاؤل بتحقيق سعادة أفضل، حتى وان عشناها عابرة، في مخيلة مجردة، وهو ما يحفزنا لنعيش الحياة، ونتفاعل مع افرازات تداعياتها، لتكون لنا معها ذكريات جديدة.

***

نايف عبوش

 

"ماذا تُسمون الحب الحر؟ لا يوجد حب آخر."

بقلم: بريندا واينابل

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم

***

في أواخر حياة والت ويتمان، كان الكاتب هوراس تراوبل يزوره كثيرًا في منزله في كامدن، نيوجيرسي، ودوّن محادثاتهما حول الصداقة، العائلة، الحرب الأهلية، الأدب، ومواضيع أخرى، منتجًا آلاف الصفحات من النصوص في المجمل. في كتاب "والت ويتمان يتحدث"، تقدم المحررة بريندا واينأبل مختارات من محادثاتهما، بما في ذلك هذه المقتطفات حول الجنس.

ملعونة الكتب المُنقَّحة! أقول ملعونةً هي! إن أقذر كتاب في العالم هو الكتاب المُنقَّح!

الجنسُ يمثّلُ علمَ خطرٍ لمعظم الناس. يحتاج الأمرُ بعضَ الوقت حتى يعتادوا عليَّ، ولكن إذا أصرَّ الناسُ على المعايشة فسيشعرون في النهاية بالراحة التامة في وجودي. قصائد "أبناء آدم" بريئةٌ جداً: لن تهدَّ أركانَ بيت. كان هنا رجلٌ في ذات يوم  سألني: "ألا تشعر بالندم بشكل عام لأنك كتبت قصائد الجنس؟" فأجبته بسؤال آخر: "ألا تشعر بالندم بشكل عام لأنني والت ويتمان؟"

كل هذا الخوف من الفحش، وكل هذه الضجة حول الطهارة والجنس والنظام الاجتماعي، وتيار "كومستوك" بشكل خاص وعام، هو أمرٌ قذر - قذرٌ إلى حد لا يجوز معه أي تفاوض. كلما صادفتُه أتذكر ما قاله [هاينريش] هاينه لامرأة عبرت له عن شكها حيال الجسد: "سيدتي، ألسنا جميعًا عراةً تحت ثيابنا؟"

لقد وصلنا في حضارتنا المزعومة (والتي ليست بحضارة على الإطلاق) إلى درجة نخشى فيها مواجهة الجسد وقضاياه - عندما ننكمش أمام حقائق حياتنا الجسدية: عندما نُحيل وظائف الرجل والمرأة، وجنسهما، وشغفهما، ورغباتهما الطبيعية الضرورية، إلى شيء يجب إبقاؤه في الظلام والكذب عليه، بدلاً من الإعلان عنه والتباهي به.

الجسد عنيد: يتوق إلى الأجساد الحاضرة: له تماسكاته الخاصة - يمكننا القول إن له تطلعاته فضلاً عن رغباته.

الفحش؟ فاحش؟ أوه! هل يُعدُّ مشرط الجرَّاح فاحشًا؟ يمكن القول بأن أحدهما فاحش بقدر الآخر. هذا تصويرٌ للحياة كما هي، قطعٌ يصل إلى العظم. إنه ليس كتابًا لطيفًا: إنه مرعب، مرعب في حقيقته وقوته التصويرية.

كان هناك أحد رؤساء الأقسام في واشنطن أكنَّ كرهًا شديدًا لكلمة "ذَكَري" - وأصدر أوامرً بعدم استخدامها في أي من الوثائق الصادرة عن ذلك القسم. شعرت بفضول كبير حيال ذلك، وسألته ذات مرة كيف نشأت هذه النفورة (وكانت نفورة ذَكَرِيَّة!). فقال إنه يكره الكلمة - لأنها تستحضر في ذهنه صورًا لكل ما هو قذر، مقرف، وخسيس. كان ذلك مثيرًا للسخرية. فقلت له: "ألم يخطر ببالك أن الخطأ يكمن فيك وليس في الكلمة؟ أنا أستخدم هذه الكلمة - وأحبها - ولا تستحضر في ذهني أبدًا تلك الصور التي تتحدث عنها." لكنه كان عنيدًا - وقال فقط: "حسنًا - بغض النظر: أنا لا أريدها! أنا أكره هذه الكلمة!" ومع ذلك كان رجلاً قوي الشخصية، ويؤدي عمله بشكل جيد، وكان سليمًا ومعقولاً من جميع النواحي الاعتيادية.

كثيرًا ما أقول لنفسي بشأن بكلمة "Calamus" *- ربما تعني أكثر أو أقل مما اعتقدته - ربما تعني شيئًا مختلفًا: ربما لا أعرف معناها الحقيقي - بل ربما لم أعرفه أبدًا.

أي تعبير عن المودة بين الرجال - أي تعبير: دائمًا ما يُساء الحكم عليه: يتسرع الناس باستنتاجاتهم عنه: إنهم يجهلون كل شيء، ولا يوجد شيء خفي ليعرفوه؛ لا شيء إلا ما يمكن معرفته بوضوح: ومع ذلك يهزون رؤوسهم الحكيمة - يلتقون، يتناقلون الإشاعات، يولدون الافتراءات: إنهم يعرفون ما لا يمكن معرفته - ويرون ما لا ينبغي رؤيته: فيثقون ببعضهم، ويخبرون "الحقيقة المروعة": رجالٌ كالعجائز، ونساءٌ كالشيوخ، والمتخمّصون، وشهود الزور - وكل حثالة الكاذبين والحُمقى.

" كلاموس /  Calamus  " كلمة لاتينية - لكنها شائعة الاستخدام في الكتابة الإنجليزية القديمة. أحبها كثيرًا - وهي بالنسبة لي، وللمعاني التي أقصده، لا غنى عنها - الشمس تدور حولها، إنها عارضة من عوارض السفينة - ليست موجودة فقط في تلك السلسلة من القصائد، بل في جميع القصائد، تنتمي إلى الكل. إنها إحدى ولايات الولايات المتحدة - إنها الصفة التي تجعل الولايات كلاً متكاملاً - إنها الخيط الرفيع - لكن، أوه! إنه الخيط ذو المغزى! - الذي تربط به الأمة، كسلسلة من الرفاق؛ لا يمكن الاستغناء عنها أكثر مما يمكن الاستغناء عن السفينة بأكملها.

منذُ أن بدأتُ، لم أسمع سوى: "نقّحْ، نقّحْ، نقّح!" الكلُّ يريدُ حذفَ شيءٍ ما - هذا وذاك وذاك الآخر. لو قَبِلْتُ كلَّ الاقتراحات، لما تبقَّتْ ورقةٌ واحدةٌ من "أوراق العشب". ولو قَبِلْتُ واحدةً، فلمَ لا أقبلُها جميعًا؟ تنقيح، تنقيح، تنقيح! سمعتُ هذا حتى أصَمَّني. من الذي لم يقل "نقّح"؟ روزيتي قال نَقّح فاستَجَبْتُ. كان روزيتي صادقًا، وكنتُ أنا صادقًا - وكلانا ارتكبَ خطأً. هذا الأمرُ مُستَقْبَحٌ ودنيء - مجردُ طرحِ الفكرةِ إهانة. التنقيحُ هو اعتذار - نعم، استسلام - نعم، اعترافٌ بأنَّ شيئًا ما كان خاطئًا. إمرسون قال نَقّح فقلتُ: لا، لا. لقد عشتُ لأندمَ على موافقتي لروزيتي - لكنني لم أعشَ لأندمَ على رفضي لإمرسون. تنقيح، تنقيح، تنقيح - اعتذر، اعتذر - اركعْ على ركبتيك!

كان إمرسون قويًا جدًا في حديثه عن النقاد - خلال حديثه معي: قال: "يبدو أنني أحيرهم - أفضل أن أحيرهم على أن أعاديهم": وهو ما أعتقد أنه كان صحيحًا. أما أنا فأبدو أنني أغيظهم - أستفزهم: وأحيرهم أيضًا، لكنهم لا يدركون ذلك: كل ما يعرفونه هو أنني وضيع، فاحش، منحرف، زاني.

لا يمكن للعالم اليوم أن يتصوّرَ مرارةَ المشاعرِ التي كانت موجّهةً ضدي في تلك الأيام المبكّرة. لقد كنتُ في أعينهم وَغِدًا - فاحشًا: بل في الحقيقة، لقد كانت فحشيتي وشهوانيتي وكلُّ ما يتعلّق بذلك، هي الأساسُ الذي بنوا عليه اتّهاماتهم.

ماذا تسمون الحب الحر؟ لا يوجد نوع آخر من الحب، أليس كذلك؟ أما بالنسبة للخطوة التالية - من يعرف ما تعنيه؟ أنا متأكد من شيء واحد فقط: أننا لن نتراجع: وأن النساء سيهتممن بأمور الجنس - ويجعلنها ما يخترن: ولا شأن للرجل بها إلا بالامتثال.

أعتقد أن سويدنبرج كان محقًا عندما قال إن هناك صلة وثيقة - وثيقة جدًا - بين الحالة التي نسميها الوجدان الديني والرغبة في الجماع. أجد تأكيدًا لرأي سويدنبرغ في كل تجاربي. إنه اكتشاف فريد. كان بيرنز - صديق ويتير بيرنز - هو من قال في بيتين من أحد قصائده: "أفضل أن أتسبب في ميلاد واحد على أن أتسبب في موت عشرين!" وهذا سيكون مبدئي أنا أيضًا!

لطالما استمررنا في إيذاء الجسد لفترة طويلة لدرجة أن مهمة إعادة تأهيله تبدو هائلة إن لم تكن مستحيلة. سيأتي الوقت الذي تُعامَل فيه كل مسألة الجنس—الجماع، والإنجاب—بالاحترام الذي تستحقه. وبدلًا من أن تعني الخزي ويتم الاعتذار عنها، ستعني النقاء وسيتم تمجيدها.

المرأة التي أنكرت أفضل ما فيها - المرأة التي شوّهت رغبة الغريزة ، والجوع الجسدي المتلهف، والرغبة في ذلك الشيء الذي - على الرغم من أننا لا نسمح بالتحدث عنه بحرية - يظل أساس كل ما يجعل الحياة تستحق العناء ويمدد أفق الاكتشاف. الجنس: الجنس: الجنس: سواء كنت تغني، أو تصنع آلة، أو تذهب إلى القطب الشمالي، أو تحب والدتك، أو تبني منزلًا، أو تلمّع الأحذية، أو أي شيء-أي شيء على الإطلاق- فإنه الجنس، الجنس، الجنس: الجنس هو أصل كل شيء: الجنس-التقاء الرجال والنساء: الجنس: الجنس.

***

.......................

والت ويتمان يتحدث: أفكاره الأخيرة حول الحياة، والكتابة، والروحانية ووعد أمريكا كما رواها لهوراس ترابيل، من تحرير بريندا واينابل (مكتبة أمريكا).

الكاتبة: بريندا واينابل/ Brenda Wineapple: كاتبة ومحررة أمريكية مرموقة. وُلدت في بوسطن، ونشأت في شمال ماساتشوستس (على الحدود مع نيو هامبشاير)، وتعيش حاليًا في نيويورك. حصلت على العديد من الجوائز المرموقة منها جائزة الأدب من الأكاديمية الأمريكية للفنون والآداب، وجائزة بوشكارت، وزمالة جوجنهايم، وزمالة مجلس الجمعيات العلمية الأمريكية، وزمالتين من الهيئة الوطنية للعلوم الإنسانية، ومؤخرًا جائزة الباحثين العامين من الهيئة الوطنية للعلوم الإنسانية عن كتاب "المحاكمون". وهي أيضًا عضو منتخب في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم وجمعية المؤرخين الأمريكيين، وتساهم بانتظام في إصدارات كبرى مثل نيويورك تايمز بوك ريفيو وذا نيويورك ريفيو أوف بوكس ومجلة ذا نيشِن.

(في معرض الرسامة السويدية لوفيسا خولد)2101 lovisa

الجميل في المدن السويدية مجانية التعليم والثقافة هناك دوما مركز ثقافي في المدينة والأرياف وهناكً دوما العديد من المكتبات العامة ومكتبات في المدارس والمؤسسات التعليمية والجامعات وحتى في الأحياء وفي مدينة يونشوبنگ يمكن للمرء زيارة المكتبة المركزية في وسط المدينةً والبناية مجمع يعتبر مركز أ ثقافيا تجد فيه بالإضافة إلى المكتبة المركزية المتحف وهو عبارة عن متحف ومعرض للفن الحديث بالإضافة إلى متحف تاريخ المدينة وأرشيف المدينة وهذا ما ابدا به دوما حين اكتب حول الحياة الثقافية في هذه المدينة.

هذه البناية المحببة لي كل شيء فيه مجاني ومفتوح للجميع وكنت خلال ١٦ عاما عضوا في هيئة الثقافة في المدينة وكان بيت ABM تحت مسؤولية الهيئة. الهيئة الثقافية المنتخبة.  الهيئة التي تألفها أعضائها من ممثلين لجميع الأحزاب السياسية ويتم انتخابهم في الانتخابات النيابية العامة كل أربع سنوات ومعظمهم من أعضاء المجلس البلدي وأعضاء مجلس المحافظة و الموظفين.

في زيارتي اليوم إلى متحف المدينة سأحاول ان اعرض لكم مشاهداتي حول معرض الرسامة لوفيسا خولد تحت عنوان عوالم لامعة. اللوحات المعروضة لهذه الرسامة تدخل ضمن الأسلوب الحديث في الرسم (فن البوب) وهي حركة فنية حديثة ظهرت في منتصف القرن العشرين، تستمد إلهامها من الثقافة الشعبية والاستهلاكية مثل الإعلانات والقصص المصورة (الكوميكس)، وتتميز باستخدام الألوان الزاهية والصور الجاهزة في أعمالها. وكنت قد أشرت إلى هذا الأسلوب في الرسم في مادة سابقة على صفحات موقع ايلاف الالكتروني تجدون الرابط في نهاية هذه المادة.2100 lovisa

بيئة المجتمعات المفتوحة تتيح للفنانين والأدباء فسحة كبيرة للتعبير بحرية كاملة والإبداع في كافة المجالات اما المجتمعات المغلقة فهي تقف على طرف الحضارة ولا تتقدم قيد أنبل. تقول الرسامةً لوفيسا خولد:

"إنه ليس مجرد ملاحظة جمالية، بل هو استعارة لكيفية تجربتنا للناس والأشياء، وحتى لأنفسنا."

نشأت الرسامة لوفيسا في بريداريد بمقاطعة سمولاند (الاقليم الصغير)، السويدية ودرست في جامعة التصميم والحرف اليدوية HDK-Valand في مدينةً گوتنبورگ الساحليةً التي تقع في جنوب البلاد وتعمل حاليا كذلك هناك. نستكشف في أعمالها الفنية اسلوبا ساحرا في محاكاة الصور الفوتغرافية كما في لوحات الفنان الإيطالي روبرتو برناردي وتصل احيانا اللوحات إلى درجات عالية في الوضوع كانّها مجسمة ولا يمكن مشاهدة اي فروق مع الصورة الفوتغرافية. تأثر التعبير الفني للفنانة بتقنية الخداع البصري الفوتغرافي المميزة للوحات ليورجو إيدلمان، حيث أعاد إنتاج زخارف مثل الورق المُجعّد والمناديل والملابس بأسلوبٍ واقعيٍّ للغاية.

هذا السحر من سمات العصر الحديث وقد استخدمت البيئة المحيطة والملابس المصنوعة من النايلون في أعمالها حيث اللمعان والأناقة والتحكم البصري. وهذه اللوحات واقعية في مواضيعها ومن بيئة المحيط يمكن مشاهدة أعمالها  اليوم في ليليفالشز فارسالونغ، وگاليري باكلاند في مدينة گوتنبورگ ، ومعرض POM في ماريفريد، ومعرض Room57 في نيويورك، وأماكن اخرى. كما أنجزت العديد من إلاعمال الفنية لمؤسسة فاساكرونان، وإدارة النقل السويدية، ومسرح المدينة.

***

د. توفيق رفيق التونچي

السويد - 2025

.......................

https://elaph.com/Web/Culture/2008/5/333580.h

ثقافة الاعتدال والشفافية في الإبداع الإنساني

https://lovisa.dunked.com/

كأن إبريقنا والرَّاحُ في فمه

طيرٌ تناول ياقوتا بمنقار

كيف استطاع بشار بن برد أن يصف مثل هذا الوصف الدقيق، والبديع، وهو لم يرَ إبريقًا وراحًا وياقوتًا ومنقارًا قطّ في حياته إذ وُلد مكفوفًا؟.

للإجابة عن هذا السؤال لا بدّ أن نفرّق بين الذاكرة البصريّة والذاكرة المجرّدة، وأعني المجرّدة على إطلاقها الفلسفي، فالإنسان السليم (من جهة حوّاسه) يستطيع أن يصف ما يحتكّ به بحوّاسه عامّة، وببصره خاصّة، فهو ينتزع الماهيّات من الأعيان ثم يعيد تشكيلها بتصريفات ذهنيّة معتمدة على ذاكرته البصرية، أمّا المكفوف، فيشاكل بالأصل ويخالف بالفرع، فهو ينتزع الماهيّات المجرّدة لا على الأصلِ الأوّلِ، بل ينتزعُها بتجريدٍ محضٍ قائمٍ على المفاهيم العقليّة المجرّدة، ثُمّ يشكّل صورةً مجرّدةً مختلفةً تمامًا عن الصورة في ذهن المتلقّي البصير، فبشّار لم يكن منقطعًا عن المجتمع انقطاعًا تامًّا، ولو كان ذلك لعجز عن هذا الوصف، كما أنّه لو فقد حاسّة أخرى كالسّمعِ مثلًا، لعجز أيضا عن نقل هذا الوصف شعرًا بهذه الصورة الكاملة.

نتيجة هذا الاحتكاك، تكوّن عند بشّار خزين معرفي واسع، فهو يدرك بالإدراك المجرّد معنى الارتباط بالتحقّق، كما يدرك القيمة والأحجام بوصفها مفاهيم مجرّدة لا ترتبط بمصاديق عينيّة، وهنا تكمن عبقرية بشّار، وقوّة القياس العقليّ المجرّد لديه، ومرجع ذلك هو الحاجة التي تفاقمت عنده بغياب البصر، ولنجعل الصورة واضحة نفصّل الأمر في الخزين المعرفي على هذا النحو:

الخزين الأول: معرفي حسّي (السمع واللمس): فهو يعرف الألوان عامّة واللون الأحمر خاصّة، سماعًا كما يعرف الخمر والطائر، ويعرف طبيعة السائل من ملمسه، كما يدرك الأحجام والأشكال عبر اللمس أيضًا، ومن ذلك فم الإبريق ومنقار الطّائر وشكل الياقوت.

الخزين الثاني: انتزاعي عقليّ مجرّد: فهو يدرك القيمة والجمال والسقوط كمفاهيم مجرّدة.

القياس العقلي: بالخبرة الطويلة استطاع بشّار أن ينشئ جسرًا منطقيًّا ولغويًّا بين الأحمر والخمر، وبين الأحمر والياقوت، وبين القطرة والياقوتة بالشكل والحجم، وبين فم الإبريق ومنقار الطائر، كما أنّه استطاع أن يربط بين القطرة والياقوتة من جهة القيمة، فالقطرة الأخيرة ثمينة كما الياقوتة، وهو لا يدرك هذه القيمة بالملاحظة البصريّة يقينًا، ولكنَّه انتزعها من حديث الناس وتعظيمهم إياها.

التصور العقليّ المحض: النتيجة أنّ بشّار بن برد استطاع أن ينقل لنا صورة عقليّة مجرّدة، وهي مطابقة للواقع بدقّة.

في الحقيقة أنّ بشار بن برد لم يفهم أبدًا حقيقة اللون الأحمر ولا شكل القطرة، ولكنّه كان ينتزع المشهد عقليًّا هكذا: شيء ثمين سائل يُسمّونه الخمر، يطلقون عليه صفة اللون، واسم اللون: أحمر، وحقيقة هذا الشيء أنّه يُسكر من يتناوله، ويُوضع في شيء مجموعًا، وهذا الشيء يُسمّى إبريقًا، والطّائر كائن مثل الإنسان من حيث حيوانيّته، يطير، بمعنى أنّه يرتفع عن الأرض بوسيلة تُسمّى الأجنحة، وله منقار حادّ، ملمسه كملمس فم الإبريق، يتناول به الأشياء كما يتناول الإنسان الأشياء بأصابعه، والياقوتة شيء بيضاوي صغير يمكن تناوله باليد ولا يحتاج إلى مكان واسع ليستوعبه، وهذا هو الحجم الصغير، وهو ثمين وله أهميّة فالناس يبتاعونه بأشياء لا يفرّطون بها، كما يصفونها باللون الأحمر فهي تشبه الخمر، والقطرة هي آخر ما يبقى في الإبريق وسقطوها في الإناء أو في اليد يشعر بحجمها الصغير، ويكون المشهد مكتملا هكذا:

كائن له منقار يتناول في المنقار شيء اسمه ياقوتة حمراء يشبه بالقياس إبريقًا في فمه قطرة وهو آخر ما يسقط من السائل الملموس الذي يُسمّى خمرًا ولونه أحمر.

***

حيدر مجيد اليعقوبي

باحث ماجستير – جامعة الكوفة – كليّة الآداب

صدر في بغداد، عن دار مسامير للطباعة والنشر والتوزيع، قبل أشهر معدودة، كتاب (الرحلة.. معاناة وعناية سماوية) لمؤلفه الدكتور رياض فرنسيس. يتألف من فصلين. عنوان الفصل الأول: "بداية النهاية"، وعنوان الفصل الثاني: "مما يعلق في الذاكرة". يقع الكتاب في 173 صفحة من القطع المتوسط، ويضم ملحقاً للصور. ينتمي إلى أدب السيرة الذاتية، ويعالج ثيمات الفقد، والوجع، والقسوة، والصعوبات، والصبر، والقدرة على التحمّل، ثم الفرج والأمان.

 بعد أكثر من ثلاثة عقود، يشحن الكاتب ذاكرته ليكتب عن تجربته القاسية التي مرَّ بها مع عائلته في رحلة لم تشبه أي رحلة أخرى. كان ذلك في أعقاب انكسار قوات صدام حسين وانسحابها من الكويت عام 1991، ثم اندلاع الانتفاضة في مدن كردستان العراق في 5 أذار 1991 من العام نفسه، حين قرَّر مغادرة بلدته عنكاوا في رحلة غير طبيعية، بدأت بلحظات وداع قاسية، ملأى بالخوف والترقب، لحظات توقَّف فيها الزمن، وارتبكت فيها الكلمات، وتعثرَّت العيون وسط غيمة من القلق.

كان الخوف يتسلل إلى أعماقهم، ليس من الرحيل وحده، بل مما يحمله الغد من مجهول. ترقّب مشوب بالأسى، كأنهم يمشون على رؤوس أصابعهم، تتلاقى النظرات فتهمس بما تعجز عنه الألسن، ثم تنفلت فجأة.

لم يكن الوداع لحظة عابرة، بل اختزال مكثّف لذاكرة عائلية متجذرة في بلدة عنكاوا بأربيل، ممزوجة بخوف من النسيان، وقلق من أن يكون اللقاء القادم لا يشبه ما تخيّله الحنين. ومع إغلاق الأبواب، يبدأ صمت طويل، ويصبح كل ما بعد تلك اللحظة محاولة لتعلّم الحياة من جديد، من دون من كانوا يخشون وداعهم.

لم تكن رحلتهم عبوراً جغرافياً فحسب، بل عبوراً إلى حافة المجهول، حيث تشابكت الإرادة مع الخوف، وتنازعت أرواحهم بين التشبث بالأمل والاستعداد للفناء. لم يتوقّعوا في بدايتها أن تتحوّل الطريق إلى اختبار قاسٍ للبقاء. وجوههم كانت مرهقة، تحمل آثار الجوع والبرد والسهر، وخطواتهم متثاقلة.

الصعوبات التي واجهتها العائلة لم تكن مجرد عقبات، بل كوابيس تمشي معهم: تضاريس قاسية، شحّ في الماء، ندرة في الطعام، أمراض، وعواصف كانت تعصف بخيمتهم في معسكر للاجئين بتركيا، على ضفاف الزاب في منطقة  ديريجك، ثم في مخيم شمندلي، وبدا أن الموت يقترب منهم ويختبر صبرهم فرداً فرداً.

ومع ذلك، لم تخلُ تلك الرحلة من ومضات نور وأمل، ربما كانت نتيجة دعاء خالص اخترق السماء. ففي 26 نيسان من العام نفسه، رفعت العائلة أيديها المرتجفة نحو السماء، تتشبث بالحياة، تمشي عكس نبض الخوف.

في ذروة المحنة، حين أوصد الألم أبواب الأمل، وشارفت الأرواح على الاستسلام، بزغت المعجزة. فبينما كانت العائلة تتلمّس طريقها في دروب موحشة، وتستشعر الموت من كل الجهات، جاءت النجاة في لحظة لم يتوقّعها أحد.

كانت رحلة تفيض بالكثافة الدرامية، يمكن تسميتها "تراجيديا اللجوء والمنفى"، عنواناً لصراع الإنسان المقتلَع من جذوره، الباحث عن مأوى يقيه ليس فقط قسوة الطبيعة، بل سطوة نظام دكتاتوري أحرق الأخضر واليابس.

مرّت أيام العائلة ثقيلة، كأن الحياة تأبى أن تمضي. لكن شيئاً فشيئاً، ابتسمت السماء بلون أزرق ناعم ذات صباح، وبدأت بشائر الفرح تزحف ببطء نحو ربّ العائلة، التي قاومت وأصرّت، متمسكة بحلمها، متحلّية بالصبر، مؤمنة بالوصول إلى برّ الأمان.

إن تأليف الكاتب لهذه التجربة على هيئة سيرة ذاتية لم يكن مجرد تمرين في التذكّر، بل فعلٌ وجوديّ عميق، ذو دلالات شخصية وثقافية وإنسانية. فقد أعاد استرجاع محطات حياته، وتدوين لحظات الانكسار والتحوّل التي شكّلت شخصيته.

أسهمت هذه المذكرات في التخفيف من وطأة الذكريات، خصوصاً المؤلمة منها، وتمكّن الكاتب من تحويل الجراح إلى قصص ذات معنى، تعكس تجارب العائلة بما فيها من إخفاقات ونجاحات، تُعَدّ اليوم كنزًا من الخبرة الإنسانية.

في هذا الكتاب، يأخذنا الكاتب في رحلة شاقّة عبر الزمان والمكان، حيث تتقاطع الشخصيات والأحداث لتشكّل نسيجاً سردياً غنيّاً بالدلالات والمعاني.

(الرحلة.. معاناة وعناية سماوية) كتاب جدير بالقراءة، في زمن ندر فيه حضور الكتابة الجادّة ذات البعد الإنساني والمغزى العميق.

***

جورج منصور

كتبت الأديبة صباح بشير: لست أدّعي رتبة الشّاعرة، ولكن.. لي مع القريض محاولات خفيّة وجدانيّة تبقى أسيرة مدوّناتي الخاصّة، لا تغادر سِربَها إلى النّشر، لذلك.. أبقي على هذه المحاولات الشّعريّة طيَّ الكتمان؛ إذ أجد روحي تستفيض في النّثر ببيانٍ أبهى، وعمق أرسخ، وما هذا التّقدير لنتاجي النّثريّ إلّا إيمان راسخ بما يخطّه يراعي، لا غرورا، بل ثقة فيما أودعه من معانٍ.

ومع اعترافي بأنّني لست شاعرة، فإنّني أهديكم هذه النّفحة من القوافي، الّتي لم تُكتَب إلّا بعد أن تجسّدت في روحي صدقا باذخا، وامتلاءً وجدانيّا خالصا، وإحساسا متأصّلا وشعورا مفعما.

هي نفحة لامست جوهر روحي، فاستحالت قرارا بالنّشر، وبكلّ رجاء، آمل أن تجد في قلوبكم مقاما لائقا، وأن تلامس ذائقتكم الرّفيعة.

"وداعٌ على رمالِ تشرين"

حُروفي ما تهنَّتْ من وصالٍ

وسهدي في الدُّجى خلٌّ سميرُ

أَقَمنَا اللَّيلَ وَالْأَفكَارُ تَقضِي

وَمَا وَافَى ضِيَا شَمسٍ بَشِيرُ

ولم يبرح خيالي عصف بُعْدٍ

وَفِي عَيْنَيَّ دَمعٌ يستجيرُ

وَلَم يلطِف بِقَولٍ مَن هَوَيْنا

عَلَى شَطٍّ شَجَا عِشْقٌ مَرِيرُ

وَظِلُّ الموجِ أرهقنا وداعًا

لِأَحْرُفِنَا، وَتِشْرِينٌ قَدِيرُ

بِصَدرِ الصَّبِّ ألْحانٌ تُرَوَّى

وفي نَبْضِ الهوى جمرٌ خَطِيرُ

لَقَدْ مَسَّت عُروقَ الرُّوح ذكْرى

لدى هبَّاتها قَلبِي أَسِيرُ

أنا كَلِمٌ أَجوبُ تُخومَ روحٍ

يُرَدِّدُ نبرَهُ سِرٌّ كَسِيرُ

يقيني وَحْدتي قدرٌ مُطاعٌ

وَإِنَّ الانسِحَابَ هُوَ المَصِيرُ.

مدخل عام لقراءة النصّ:

النص الذي بين أيدينا يُمثِّل تجربة وجدانية متأملة، تتقاطع فيها الذات الأنثوية مع فضاء الحنين والوداع، في تفاعل بين الشعر والنثر، وبين الوعي بالكتابة والوعي بالذات. تقول الكاتبة في مقدمتها إنها لا تدّعي الشعر، لكنها تكتب بدافع وجدانيّ صادق، وهذا الوعي المسبق بالكتابة يجعل النص منفتحًا على النقد الحديث من مداخل متعددة (التفكيكية، البنيوية، الأسلوبية، النسوية، الجمالية..)

من الناحية البنيويية، يُلاحظ في القصيدة:

البنية الإيقاعية: التزام الوزن والقافية يوحي بانضباط موسيقي يوازن بين الوجدان والانفعال. القافية الموحدة (ـيرُ) تمنح النص نغمة حزينة متكرّرة تتماشى مع موضوع الوداع والانكسار.

الإيقاع الداخلي (تكرار الأصوات الرخوة: س، ش، ر) يعمّق الإحساس بالحنين والانسياب.

المعجم الشعري: يتكوّن المعجم من حقول دلالية متجانسة: (الليل، البعد، الدمع، الشط، الموج، الوداع، تشرين)، وهي ألفاظ تلتقي جميعها في دائرة الحزن والانفصال والزمن الخريفي، أي زمن الأفول.

البنية الدلالية: القصيدة تنبني على ثنائية مركزية: الوصل/الانفصال، الحضور/الغياب، الأمل/القدر.

فـ"وداع تشرين" ليس مجرد وداع شخصي، بل هو رمز لمرحلة زمنية من الذبول الداخلي، تمامًا كما يرمز تشرين إلى الخريف وانتهاء دورة الحياة

من ناحية الأسلوب:

الضمير الغالب: ضمير المتكلم (أنا) يهيمن على النص: أنا كَلِمٌ أجوب تُخومَ روحٍ، مما يعزز طابع الاعتراف والانكشاف الوجداني.

التشخيص (التجسيد): تحويل المعاني المجردة إلى كائنات حية: الليل يقضي، الدمع يستجير، الذكرى تمسّ عروق الروح؛ وهي أساليب تُشيع الحركة في النص وتكسر جمود الصورة.

التركيب: الجمل متوازنة، يغلب عليها الطابع التقريري الشاعري، أي أن الكاتبة تمزج بين وضوح النثر وإيقاع الشعر، وهذا يعبّر عن المرحلة الانتقالية بين النثرية والشعرية التي أشارت إليها في مقدمتها.

من منظور التحليل النفسي، القصيدة تعكس صراعًا داخليًا بين الرغبة في التواصل والخوف من الانكشاف.

 الدموع والليل والوداع رموز لانطواء الذات: تكرار ألفاظ "الوحدة، الانسحاب، المصير" يوحي بحالة من القبول الحزين للقدر العاطفي، وكأن الذات وجدت راحة في التسليم للألم.

قراءة نسوية: الخطاب الشعري هنا أنثويّ بامتياز، ليس من جهة الجنس البيولوجي للكاتبة، بل من جهة حساسية التعبير وعمق الشعور.

تتبدّى الذات الأنثوية الواعية بذاتها حين تقول في المقدمة:

"أجد روحي تستفيض في النثر ببيانٍ أبهى، وعمق أرسخ."

فهي لا تستسلم لمعيار الذكورة الشعري التقليدي الذي يحصر الإبداع في القريض، بل تعلن استقلالها الأدبي واختيارها للنثر كفضاء حرّ.

في القصيدة، تتجلّى الأنوثة الواعية بالوجع، لا بوصفها ضعفًا، بل طاقة تعبيرية سامية: "بِصَدرِ الصَّبِّ ألحانٌ تُرَوَّى / وفي نَبض الهوى جمرٌ خطير."

 قراءة التفكيكية:

من منظور التفكيك، يمكن ملاحظة أن النص ينقض نفسه من داخله:

الكاتبة تقول إنها ليست شاعرة، لكنها تكتب شعرًا ناضجًا في إيقاعه وصوره، مما يخلق تناقضًا مقصودًا يكشف وعيًا بالكتابة بوصفها "تجربة لا تُعرّف".

مفردة الوداع لا تعني النهاية المطلقة، بل تولد في داخلها إمكانات العودة، إذ "تشرين" الخريفي هو ذاته الذي يسبق "كانون" الشتاء، أي لحظة التجدد.

 التقييم الجمالي: تتجلى في النص لغة راقية وصور طافحة بالوجدان، مع حضور واضح للصدق العاطفي الذي يغلب على أي تكلّف لفظي.

الكاتبة تملك حسًّا لغويًا راقيًا وإدراكًا فنيًا لجوهر الشعر حتى وهي تزعم العكس.

قصيدتها تجمع بين الشفافية الوجدانية والدقة الموسيقية، وتُترجم إحساسًا خريفيًا شاملاً يجعل الوداع رمزا لحياةٍ تتكرر فيها الدورات بين اللقاء والانفصال.

 خلاصة نقدية: قصيدة "وداع على رمال تشرين"، هي نصّ حداثيّ في روحه، وإن اتّخذ الشكل الكلاسيكي في الوزن والقافية؛ فهو يجسّد تجربة أنثوية متأملة، متصالحة مع الألم، واعية بالذات والكتابة.

إنه نصّ يكتب الشعر من موقع الوعي لا الادّعاء، ويُبرز كيف يمكن للحسّ النثري أن يتجلّى في بنية شعرية متينة، في تزاوج جميل بين الصدق والعذوبة.

شكرا للأديبة صباح بشير على كلّ هذا الجمال.

***

الكاتب المغربيّ مرياني عبد المجيد

قادتني قدماي بعد تردد طويل إلى مدينة طنجة. دخلتها دخول المنتصرين. استقبلتني بطلعتها البهية. كان صباحا ساخنا يلفظ نيرانه الصيفية الحارة كبركان انفجر للتو. مرت لحظات، فامتزج الحر بأجواء خريفية. ترى الأجساد تتمايل في كل الاتجاهات كأوراق الخريف اقتلعها جنون الرياح ورماها تواجه مصيرها..

كانت الرياح تتجول بالمدينة كسيد من أسياد الزمن القديم. ترتاح روحك لها وتطمئن نفسك إلى هدوءها غير المرئي أمام ضجيج السيارات والأصوات البشرية. همت مع نفسي وقذفت بها وسط المدينة القديمة التي تتنفس ذكريات أناس مروا من هنا. مشيت طويلا دون أن أشعر بالتعب. كنت أترك الحرية لخطواتي. دخلت إلى زقاق مليء بالزمن، كثير الحركة. ارتميت بين أحضان آخر، تنام على جنباته ذكريات الأمس القريب. خلتها تكلمني تلك الأزقة، تهمس لي أنا لوحدي، رغم حملها لأمواج بشرية مختلفة الأجناس والأعمار والألوان. همسها جعلني أعيش حالة فرح نادرة. سرقتني تلك الذكريات الحلوة. استوطن الليل الأزقة الحبلى بالأصوات والأجساد. رميت جسدي المتهالك بأول مقهى صادفتني. طلبت كاس شاي بالنعناع. اهتزت روحي من الداخل دون استئذان وارتسمت على شفتاي ابتسامة غير إرادية وحقيقية. أخذت أراقب ما يجري حولي وكأنني ولدت من جديد. لمحت عيناي صدفة إشارة تدل على أنني أجلس في مقهى بالسوق الداخل. هذا السوق الذي طالما عشته وتخيلته مع قصص "محمد شكري". كنت كالطفلة يوم العيد التي تتلقى هديتها لأول مرة. ارتسمت ابتسامة أكبر على شفتاي وكادت أن تتحول إلى قهقهات تجلجل سكون أهل المقهى. تداركت نفسي وخبأت ابتسامتي بيدي وشكرت "محمد شكري". طلبت كأسا آخر بالنعناع، تلذذت أكثر ومع كل رشفة، كنت أسافر مع ذيول رائحته إلى أعماق طنجة. جلست طويلا أحتسي الشاي وأهيم مع نفسي خارج إطار الزمن. الجلوس بين أحضان هذه المقهى بالذات له طعم آخر. كيف كان شعور الآخرين؟ كنت أتمنى أن أعرف. أهل طنجة من عشاق الليل الجميل. يحبون السمر مع مدينتهم ذات الزمن الجميل. رغما عني تركت المقهى وتركت السوق الداخل. قمت أتحسس طريقي بين الأزقة الضيقة التي عشقتها. الظلام في طنجة لا يخيف ولا يدعو الناس إلى العودة إلى أوكارهم، ليلهم به صفاء وهمس وإبداع وراحة للنفس. تعيش ليلك وكأنك خلقت له وخلق لك. ليل يحنو عليك ويجعلك تمضي أحلى أيامك بين أحضانه. كم كنت أعيش هذا الإحساس وأنا ألتهم كتب "محمد شكري". لما وطأت قدماي أرض المدينة، كأنني كنت أعرفها جيدا. أكيد كنت يوما ما هنا وعدت من جديد. كنت على وشك العودة، لولا سماعي لصوت أمواج البحر وهي تتعارك فيما بينها للوصول إلى الشاطئ. "حرام أن أنام في ليل طنجة وليلها بالسهر يحلو". همست إلى روحي التي كانت تنط من الفرح والبهجة ولا تسأل عن العودة. مشيت كثيرا وسط الجموع التي كانت تتزايد كلما التفت إلى الوراء. لا أرى سوى رؤوسا تتجاذب أطراف الحديث والشكوى. امتلأ صدري بهواء البحر العليل ومدني بطاقة لا توصف. كاد الفجر أن يحل علينا ضيفا من جديد، أسرعت الخطى، ورفضت النظر إلى الوراء حتى لا يحن قلبي وأضعف عند أول لمسة صباحية. خرجت منها خروج المنهزمين. كان طلوع الشمس على الأبواب، تزاحم آخر ذيول الليل، وتستعد للبزوغ. انسل جسدي بين أشعتها المترددة كرضيع يحبو. أخذت طريق العودة. رفضت التفكير. دماغي عند نقطة الصفر. صمدت طويلا حتى خانتني روحي واشتاقت إلى قهوة طنجة وشاي طنجة وأزقة طنجة وليلها الأبدي. أحببت هذه الخيانة التي سكنت جراحي وأمدت في عمري للقاء آخر.

*** 

 أمينة شرادي

ظلال خجولة، طائرات ورقية تلامس حافة الهاوية

في شقٍّ ضيِّق بين عمارتين، حيث يتجمّع الغبار وتهمس الريح بحكاياتٍ قديمة، تتسرّب ظلال خجولة من الحائط.

 تأتي في الصباحات متثاقلة، وعند المساء تراها كفراشاتٍ ملوّنة تبحث عن ضوء.

هي وجوهٌ صغيرة أيدٍ ترتجف، عيونٌ تلمع كالبلورات تتوقف وسط الرصيف لتطلب لقمة أو ابتسامة.

حواراتهم بسيطة: اسمهم قصير، جوابهم أنيق كبلسمٍ يهبط على جرحك فجأة.... وأنت في الطرق، تجد نفسك تتريّث، تصغي، تدهشك براءتهم قبل أن تبتلعها المدينة بصمتٍ قاتل.

وفي قلب المدينة، خلف صخب الأضواء ولوحات الإعلانات، فتح ثقبٌ أسودٌ له مقعدٌ من فراغ.

 لا صوت له إلا امتصاصٌ بطيء: الفضاء الذي يختفي فيه الأطفال، الوقت الذي يلتهم الفرص، الأمل الذي يتقلّص مع كل يوم بلا مأوى ولا مدرسة.

 هذا الثقب ليس مجرد فراغ طبيعي؛ هو منظومة ممتصة: إهمالٌ مؤسسي، سوقٌ يستغلّ الضعف، صمتٌ اجتماعي يجعل من البكاء أمراً عادياً وتبريراً لللامبالاة.

الظلال الخجولة تمرّ من الشقّ الضيق، تحاول أن تمرّر نفسها عبر مساحات صغيرة؛ لكنها تلامس محيط الثقب في كل مرة.

تبدأ بلطف: قطعة خبز، سؤال عن الطريق، ابتسامة تستعيرها من المارة، ثم شيئاً فشيئاً، يتوسّع الثقب، يلتهم طاقات الطفولة، ويحوّل البلورات إلى شظايا. 

ثم تتحول إلى آلةٍ ذات حوافٍ حادة دفاعاً أو هروباً تجرح من حولها من دون أن تريد.

نحن أمام تتابع نذير:

 الطفل الذي كان يغنّي كلمة واحدة يتعلم أن يصمت، ثم يتعلم كيف يسرق وقتك بالشفقة، بعدها كيف يصبح وقوداً لسوقٍ منظمٍ يربح من كسر الطفولة......

الطفل الذي كان يطير طائراً فوق الأرصفة كبلسمٍ يهبط، يتحول إلى ظلٍ يُبتلع.

أيُّ مدينةٍ هذه التي تسمح لثقبٍ أسودٍ أن ينمو في أحشائها حتى يصبح قادراً على ابتلاع وجوهٍ بريئة؟

الوقوف ضروري الآن ليس كرمزٍ بل كعملٍ مادي. أن نضمّر هذا الثقب الأسود يعني أن نملأه بما ينقذه: مأوى، تسجيلٌ مدرسي، رعاية صحية ونفسية، وسجلّات حقيقة تُؤمّن للطفل اسماً في المجتمع. أن نضيء الشقّ المتسلّل منه الظلال الصغيرة يعني أن نفتح مساحاتٍ أوسع من التعاطف المنظم، لا التعاطف العابر. أن نضع لصيغة الحوارات البسيطة التي نمتلكها مع الأطفال قيمةً — فلا تظل مجرد لحظةٍ عابرة في زحمة اليوم.

لنعد إلى هذا المشهد المرئي: الطائر الذي يطير ويحطُّ على كتفك وأنت تتحدّث مع طفلٍ في الرصيف. تلك اللحظة هي كلّها فرصة لالتقاط اسمه، لتقديم مساعدة فورية، لكن أيضاً لتسجيله في مدرسة متنقلة، لربطه بمنظمة محلية، لوضعه تحت شبكة حمايةٍ تعيد له حضوره بوصفه مواطناً قادراً على التعلم والنمو. إنّ غياب البيت والمدرسة ليس مجرد نقصٍ في مادة؛ هو نقصٌ في الزمن الذي يمنح الطفل القدرة على الحلم.

نقطة التحوّل تكمن في القرار: هل نريد مدينة تحوّل ظلالها إلى وقودٍ للثقب، أم مدينةً تحوّل الثقب إلى فراغٍ يُملأ بالدفء؟ يمكن للسياسات أن تكون قاطعة: تسجيل فوري للأطفال المشردين، مدارس متنقلة تعمل بمرونة، مراكز ليلية آمنة، برامج إدماج أسرية وإعادة تأهيل. والمجتمع المدني يمكن أن يكون شرياناً: حملات إحصاء ميداني، شبكات مساعدة محلية، مبادرات توظيف مدني تحفظ كرامة الأطفال بدل أن تستغلهم.

لا نملك ترف الانتظار. كل يوم يبتلع فيه الثقب أسود وجهاً بريئاً يسرق من المدينة مستقبلها. الاستجابة لا تحتاج فقط إلى مشاعرٍ فورية، بل إلى بناءٍ مؤسسي مستدام: قوانين تحمي، مدارس تُفتح بلا شروط تعجيزية، ومراكز تجعل من العائد إلى البيت احتمالاً حقيقيًا.

في نهاية المشهد، لا بد من سؤالٍ مباشر: هل نريد أن نكتب تاريخ مدينتنا كحكاية عن ظلالٍ خجولة استطاع الثقب الأسود أن يبتلعها، أم كسردٍ آخر عن أناسٍ قرروا أن يضيئوا الشق وأن يستعيدوا الطائرات الورقية الصغيرة التي كانت ترفرف فوق أرصفة.......

***

د. نسرين ابراهيم الشمري

ماتزال جامعاتنا التونسية بمختلف كليات آدابها لا ذكر فيها للأدب الشعبي التونسي ضمن شهادة العربية والعجب أنها تولي الاهتمام والتمحيص والتدقيق في بيت من الشعر قاله أحد الأعراب في الربع الخالي أو أحد الإفرنج في حي من أحياء باريس ولا تهتم بوجدان الشعب الذي أنشأ تلك الجامعات والكليات بفضل تضحياته ونضالاته وبطولاته جيلا تلو جيل تلك التي نجد صداها في أغانيه وأمثاله وحكاياته وألغازه ونوادره وغيرها وتجري على ألسنتنا ضمن أحاديثنا اليومية لكن تلك الجامعات والكليات لم تعر اهتماما لهذا الرصيد الزاخر من الأدب فظل الأدب الشعبي على هامش الاهتمامات الأكاديمية وكي لا تلتبس الأمور أنا أعتبر أن اللغة العربية شاملة للفصيح منها وللدارج أيضا وهي تتواصل وتتطور حسب العصر والمكان ومناسبة القول وموضوع الكتابة ـ فالفصاحة فصاحات ـ كما قال أستاذنا محمد رشاد الحمزاوي .

اِنبرى منذ القرن العشرين جمهرة من الأدباء التونسيين للاهتمام بالأدب الشعبي نذكر منهم محمد عثمان الحشايشي في كتابه عن العادات والتقاليد التونسية والصادق الرزقي في كتابه عن الأغاني التونسية وكان للأديب محمد المرزوقي الاهتمام الأكبر بالشعر الشعبي وبغيره من المجالات الاجتماعية تاريخيا واجتماعيا ثم واصل نهجه الشاعر محي الدين خريف في دراسة الشعر الشعبي خاصة أما الأمثال فقد جمع الكثير منها الطاهر الخميري وسار على نهجه الهادي البالغ ومحمد المي وغيرهما وقد كتب بالعامية شعراء فطاحل في الفصحى منهم مصطفى خريف وجلال الدين النقاش فهذا يؤكد أنه لا تعارض بين العامية والفصحى فلكل مستوى من اللغة مجال ولكل من العامية والفصحى اِقتدار وبلاغة بل بينهما إيلاف وتداخل واِنسجام كما في سياق حوار القصة والرواية وفي كلمات الأغاني والمسرحيات والسيناريو .

من المهتمين بالأدب الشعبي الأستاذ الضاوي موسى الذي حقق ونشر لشعراء جهة - تطاوين - بالجنوب الشرقي التونسي منهم ضو لطرش والمحسن الجليدي وبورخيص الدغاري وعلي العرضاويوالأستاذ الضاوي موسى له إصدارات أخرى منها :- مجمع الأمثال الشعبية التونسية- قصائد من الذاكرة الشعبية- قصص الأمثال الشعبية التونسية-أسرار ترسيم الحدود التونسية الليبية- أضواء على الحركة اليوسفية بتطاوين- تراجم المبدعين في ولاية تطاوين- الجنوب التونسي- طرابلس الممنوعة وقد أصدر في الآونة الأخيرة تأليفا جديدا بعنوان - أغاني البُراش والرُباج - وهو كما ورد ضمن العنوان - مرآة تعكس الهوية الثقافية النسائية بمنطقة تطاوين -الكتاب ظهر في طبعة أنيقة واضحة السطور مع شكل الكلمات العامية وشرحها أحيانا وهذا ما جعل قراءة الأشعار الواردة فيه يسيرة وواضحة المعاني والأبعاد شعر - البراش - هو الذي تغنيه النساء وقد ذكر لنا الباحث الضاوي موسى تفاصيل الاستعداد لمناسبة هذا الغناء من الدعوة إليه إلى مواضيعة المتنوعة مستشهدا بمختارات منه وكذلك سار على هذا المنهج التوثيقي الدقيق مع شعر أو غناء الرباج فقد صار هذا الكتاب مصدرا زاخرا ومرجعا للاطلاع ولبحث مدونة الأدب الشعبي في الجنوب الشرقي التونسي خاصة فمن خلال مضمون الأغاني الواردة فيه يمكن دراسة الأحوال الاجتماعية والاقتصادية ناهيك عن النواحي النفسية بما فيها من معاناة وآمال وخيبات أيضا .

هذا الكتاب عمل توثيقي مهم وفيه بعض الإشارات إلى بعض العادات والوقائع النادرة مثل هروب الفتاة مع الشاب الذي رفضه فيعمد إلى الهروب بها وفي كثير من الأحيان بعلم أمها أو أحد الأقرباء ولكن لا يختلي بها وإنما يودعها لدى أحد الوجهاء أمانة حتى يتم التراضي مع أبيها وذويها وقد يكون الأمر حيلة من الوالدين للتخلص من خاطب قريب من العائلة. الكتاب ممتع حقا وهو إضافة متميزة لمكتبة الأدب الشعبي وفيه لمسة وفاء كما يبدو ذلك من ديباجة الإهداء.

***

سُوف عبيد

 

تفاجأت حينما انتهيت من الخمسين قصة، والتي شكلت قوام رواية (وادي الفراشات) لمؤلفها أزهر جرجيس، عندما وجدت ملاحظة في الصفحة 213 تقول: "النص نسج من الخيال، وأي تطابق أو تشابه في الأسماء والأحداث والأمكنة هو محض مصادفة غير مقصودة".

هكذا يقول المؤلف دفعة واحدة، في حين ظلَّ انغماسي شديداً وأنا أتابع أحداث الرواية، صغيرها وكبيرها، وهي تتحدث عن واقع عاشه الشعب العراقي، عندما كان العراقي يستيقظ كل صباح لا ليعيش، بل ليقاوم. يقاوم الجوع، والذل، والسوق السوداء، والدواء المفقود، والكهرباء المنطفئة، والماء الآسن. يقاوم خيبة وطنٍ صار فيه الحلم كماليات، وصار الرغيف هدفاً استراتيجياً.

في زمن الحصار، كانت الدينار يُعدّ بالأكياس لا بالقيم. وكان الموظف يُسحق من الصباح إلى المساء ليعود آخر الشهر بأجر لا يكفي لعلبة حليب مستورد، إن وُجدت. الكرامة كانت تُباع على الأرصفة، بالتقسيط، مقابل حفنة من الدولارات أو كيس طحين.

الناس كانت تبتكر طرق البقاء: تخبز من النخالة، وتغلي الشاي ثلاث مرات، وتخلط زيت السيارات بزيت الطهي، وتزرع النعناع في علب السمن الفارغة على الشرفات.

كان الدواء حلماً لا يأتي، والسرطان لا يُعالج، والأطفال يموتون في صمت، كأنهم أرقام في نشرةٍ أممية. الأم كانت تقايض خاتم زواجها بحليب لطفلها، والأب كان يهرب من نظرات صغاره حين يسألون: “ليش ما عدنا جبن"؟

ومع ذلك، وسط هذا الخراب، لم يمت العراقي. كان يضحك رغم الغصة، ويعزف على العود أغنية، ويكتب الشعر في دفتر باهت. كانت الحياة تمشي على عكازين، لكنها تمشي.

في بغداد، خلال سنوات الحصار القاسية في التسعينات، لم يكن غريباً أن ترى رجلاً خريج جامعة، بملامح مثقفة، عينان تترقرق فيهما خيبات كثيرة، يجلس خلف مقود سيارة تاكسي متهالكة تجوب شوارع المدينة المكتظة بالغبار والحواجز والأسى. هذا ما كان يفعله عزيز عواد بطل الرواية.

كان يؤرقه زيارة المقابر، حيث إليها ينتهي الجسد الذي أنهكه الزمن أو المرض أو الحرب، والتي يلفها الصمت، بيد انها تنطق لمن يحسن الإصغاء، وتشكّل أرشيفات للوجع. بينما مع تناسخ الأرواح تبدأ الرحلة من جديد.

كان عزيز، الذي قضى ثمانية عشر شهراً في الخدمة العسكرية بكركوك، والتي كانت إلزامية وتحولت إلى مصير مفتوح على كل الاحتمالات ويعود إلى بغداد ليعمل في أرشيف دائرة الفنون ثم يتركه لكون أن ما يتقاضاه منه شحيح جداً، يبدأ يومه سائقاً للتاكسي مع طلوع الشمس، لا لأن الزبائن يكثرون في الصباح، بل لأنه لا يستطيع النوم، فالهموم لا تترك له فسحة للراحة. يلبس قميصاً نظيفاً رغم اهترائه، ويحرص على تسريح شعره بدقة، كأنما يصرّ أن لا يخسر ما تبقى من كرامته. يركب سيارة خاله جبران القديمة، يدفعها بروحه قبل محركها، وينطلق بين الطرقات، يبحث عن رزق اليوم. وفي قصص كل زبون يرى انعكاساً لقصته أو ما تشبهها.

يحمل في سيارته كتاباً قديماً من مكتبة خاله جبران، ربما رواية أو كتاب في تخصصه، يقرؤه في لحظات الانتظار الطويلة عند محطات الوقود أو أمام المدارس. حين يسمع خطاباً حكومياً يتحدث عن صمود الشعب، يبتلع الغصة ويكتم ضحكة ساخرة. هو لا يريد الصمود، يريد فقط أن يعيش حياةً تليق بتعبه، بشهادته، بسنوات دراسته التي قضاها في أروقة الكلية على ضوء الشموع أحياناً.

كان أكثر ما يؤلم عزيز، هو عندما تركته زوجته تمارا لشظف العيش وفقدها طفلها البِكر سامر، ومن ثم فقد طفله سامر ثانية. وفيما كان هو لا يستطيع شراء حذاء جديد، أو علبة دواء لزوجته المريضة، كان يرفض أن يمدّ يده، أو أن يهاجر. ظل يقاوم بصمت، يقود التاكسي كما يقود قدره، بعينين مفتوحتين على المرارة، وبقلب يحلم بأن يتغير شيء.

وادي الفراشات رواية مكتوبة بلغة أنيقة، وفيها سردٌ مزدان بالكثير من عناصر التشويق، تشُّد القارئ ليتابع الأحداث الغزيرة، التي تأتيه الواحدة بعد الأخرى..

 وعندما أنتهت الرواية بصفحاتها ال 215، تمنيت أن لا تكون قد أنتهت. أردت أن أبقى مع عزيز وهو يقود سيارته في شوارع وأزقة بغداد، وقد ظل، بسيارته القديمة، جزءاً من ذاكرة المدينة، وحكاياتها الكثيرة التي لم تُكتب بعد.

***

جورج منصور

 

صاحب الظل الطويل والعيون السومرية

صوته يشبه هدير الفرات، مبحوحًا، مبلّلًا بنداءٍ قديم. لطالما كان ينادي الفراتية لتخبره بالوقت… كأنها الساعة التي يرى، والتي ينتظر منها أن تدله على بقايا الزمن الضائع.

يجلس قرب الباب، على ذلك الكرسي الذي بدا كأنه رجل كهل، هرم من ثقل ما حمله من صمت وذكريات، كأنه هو الآخر شاركنا أعمارنا، وحمل عنا ما لم نقدر على قوله.

أحيانًا يتوقف الزمن عن العد حين يثقل القلب بالانتظار، وهذا ما حدثنا عنه صاحب الظل الطويل، عن تلك اللحظات حين كان ينتظر عودة ابنه من ساحات القتال… والمفارقة أنه لم يعد ينتظر أحدًا بعد أن عاد ابنه في صندوقٍ محمول.

لم تعد الساعات تعنيه، كأن الزمن قد فقد معناه، وكأن طول الوقت أو قصره لم يعد يُحتمل، لأنه لم يعد هناك ما يملأ انتظاره.

لطالما تساءلت: أي فيزياء يحمل هذا الزمن؟

هل هناك قانون لم تكتشفه العلوم بعد؟

قانون تتحكم به الطاقات الخفية، السلبية منها والإيجابية، فيبطئ الزمن أو يسرّعه حسب ما نشعر به؟

ربما لم تكتمل الفيزياء بعد، لأنها لم تدرس بعد ذلك الزمن الذي تقيسه القلوب، لا الساعات.

ركضت الأحداث، ثم هدأت، ثم ركدت.. ركدت، كما لو أن الدنيا توقفت أخيرًا لتأخذ نفسًا عميقًا بعد كل ما مضى، لتسمح لنا بأن نلتقط لحظاتنا، ونهمس لأشباحنا القديمة:

ها نحن هنا، ما زلنا نحملك معنا..

ما زلنا نذكر..

ما زال الفرات يشهد علينا..

لا اعلم لماذا؟!

كلما فتحنا الصندوق، تسرّبت الذكريات كلحظات شجاعة وبطولة وألم دفين.. نستذكرها لا لنحزن فقط، بل لنفهم من كنّا، وكيف كنّا نعيش في زمن لا يشبه هذا الزمن..

***

د. نسرين ابراهيم الشمري

تروي قصة الفتى النبيل للكاتبة البريطاني/ الامريكية فرنسيس هوجست بيرنت، حكاية فتى أمريكي، ينتقل للعيش في كنف جده النبيل البريطاني، وتوحي بأسلوب سلس وناعم، ما أحدثه ذلك الطفل الأمريكي، مِن تحوّلات إيجابية لدى كلّ مَن عرفه، ابتداءً من أصدقائه الفُقراء الامريكيين، انتهاءً بجدّه الايرل، أو النبيل البريطاني، الغنيّ الفظّ الغليظ القلب، الشحيح نوعًا ما، وما تركه ذلك التأثير، من سمات إيجابية، من الحفيد على الجدّ، وكأنما الكاتبة تُريد أن تقيّم العلاقة بين الثقافتين الامريكية والبريطانية، مائلة للأولى المُنفتحة، ومُنتقدةً الثانية المُحافظة أو المُغلقة الى حدٍّ ما، وذلك عبر أهمية التواصل بينهما.

مُؤلفة الرواية ولدت في إنجلترا واضطرها الفقر للهجرة مع أهلها إلى أمريكا، ولم تبدأ الكتابة للأطفال خاصة، إلا بعد أن ارتبطت برجل طبيب يدعى سوان بيرنت، كما ورد في تظهير الراية، وقد نُشرت روايتها هذه، مُسلسلة في مجلة تدعى سانت نيكولاس بين عامي 1885 و1886، ولم تصدر في كتاب إلا بعد سنتين من نشرها الأول، وقد بيع منها حوالي عشرة الاف نُسخة في الاسبوع الأول لصدورها.

لا غرو في هذا، فالروية تحكي قصةً مُثيرةً لطفل أمريكي في السابعة من عمره، ربّته أمّه على النُبل والأخلاق الحميدة، وطالما شجّعته قائلة له: تحلّ بالطيبة والشجاعة والعطف والصدق دومًا يا عزيزي، وعندئذ لن تؤذي أحدًا طوال حياتك، بل قد تُساعد الكثيرين ممن هم بحاجة للمُساعدة، هكذا قد تساهم في أن يضحي العالم الكبير أفضل مما هو عليه. هذا التوجّه مِن الام لابنها، يحفزه على فعل الخير، ويمنحه بالتالي نفسية ملأى بالبراءة والعفوية، ليس السذاجة بأية حال، الامر الذي يجعله أشبه ما يكون بنقطة ضوء في ليل المُحيطين به، في البداية في بيئته البريطانية الفقيرة، وفيما بعد في بيئة جدّه الأمريكي الفظ الغليظ.

تبدأ الرواية عندما يفد مُحامي جدّ الطفل سدريك، وهذا هو اسمه، ليخبر أمه الارملة، أن جدّه المريض يُريد أن يأخذه ليعيش معه وإلى جانبه، بغرض اعداده لإدارة ورثته الكبيرة مُستقبلًا، ويكون أن يُخبر هذا المحامي الولدة، أن الجدّ لا يستلطفها، وأنها لهذا، لن تقيم معه برفقة ابنها وإنما ستقيم في بيت آخر، يُهيئه لها الجد الغني، ويُقدّم المحامي مبلغًا مِن المال للطفل بناء على توجيه خاص من الجدّ، فلا يكون مِن الطفل.. سيدريك، إلا أن يقوم بتوزيع ذلك المبلغ على المحتاجين ممن هُم حوله، وبينهم امرأة فقيرة، وماسح احذية وصاحب بقالة. إنه يوزّع هذه المبلغ حينًا بالدعم وآخر عبر هدية.

الابن وامه ينتقلان إلى بريطانيا، وهناك يُفتن الجدّ رويدًا رويدًا بحفيده الطفل النبيل وبأخلاقه العالية الداعمة لكلّ محتاج ومظلوم، ويُفتن أكثر عندما يتوجّه الطفل إلى اليه، عبر رؤيته الإيجابية للجميع، فجدُّه كما يعرضه خلال مواجهته لهذه المشكلة أو تلك، يُسرّ بأن حفيده يحمل فكرةً إيجابية عنه، وهي عكس ما هو عليه في الواقع، ويستجيب بالتالي لتقديم كلّ ما يطلبه الحفيد، ضمنًا أو تصريحًا، وتتطوّر هذه العلاقة الرائعة، وذات الطلاوة أكثر فأكثر، لا سيّما عندما يطلب الطفل مِن جدّه.. المريض بالنُقرُس، أن يُرافقه في طلعاته للتنزه مُمتطيًا متن مُهر، فيستجيب الجد..  وهكذا يحدث تغيّر أكبر في حياته وفي واقعه المُنفّر للجميع، إنه والحالةُ هذه يكتشف قُدرة العطاء التي تُميّز الإنسان الإيجابي، وهو هنا حفيدُه البهي الرائع.. فيندفع معها..

التصرّفات الرائعة للطفل النبيل تُسهّل عليه كلّ ما يُريد ويودّ، ويكون أن يتعرّف الجدّ على الام، بعد أن تعرّفت عليها اخته وأحبتها للُطفها، رقّتها وانسانيتها الفيّاضة، التي انعكست إيجابيًا على ابنها سدريك الطفل النبيل، فلا يكون منه إلا أن يطلب منها أن تأتي للإقامة إلى جانب ابنها وجانبه في قصره الفاره، بيد أن هذا كلّه لا يدوم، كما يحدث في القصص والحكايات، وتأتي المُشكلة، على شكل امرأة أمريكية.. تدّعي أن ابنها هو الوريث الحقيقي، وليس الطفل سدريك، الامر الذي يُعقّد الأمور أكثر فأكثر، فلا يكون مِن الطفل إلا أن يكتب إلى أصدقائه مِن الفقراء ومحدودي الدخل الأمريكيين، مُخبرًا إياهم بأنه لن يكون اللورد المرتقب والمتوقّع، وهُنا يهُب اصدقاؤه، هبّة رجل واحد، غير ناسين كرمه، لطفه وانسانيته في تعامله معهم، ويكتشف ماسح الاحذية، الذي سبق للطفل سدرك أن ساعده ماليًا، أن تلك المرأة ما هي إلا مُدّعية ولا علاقة لها بالعائلة النبيلة، الامر الذي يُعيد الأمور إلى نصابِها الحقيقي، منتصرة للطفل النبيل.

الرواية بهذا، تُشير إلى العلاقة بين الشعبين البريطاني والامريكي، وقد عبّر عن هذا كلّه رئيس الوزراء البريطاني، في حينها وليم اورت غلادستون، قائلًا إنه سيكون لهذه الرواية أعظم الأثر، في إحداث تغيير حقيقي وجوهري، في المشاعر المُتبادلة بين الشعبين البريطاني والامريكي.

***

ناجي ظاهر

...........................

* قامت بترجمة الرواية إلى العربية الكاتبة بُثينة إبراهيم، وصدرت عام 2019 ضمن منشورات تكوين في دولة الكويت.

 

حيرتني الحياة بحدود ارتباك الملل ونحن نعيشها منفصلة عن حقيقة التفكير في علة وجودية الحياة بذاتها المتغيرة، فالخروج من الفردوس الرحب قد يكون أصعب من الدخول إلى جنة خلد الراحة.

حيرتني كل النهايات السعيدة، والتي تتقلد براعة في قصص الخيال حين لم تنته بعد بالحقيقة، ولن تنتهي بمساءلة الواقع. حيرني تفكير العدو المفترض/ الغائب في الزمن والمكان والذي يعرف رؤى المستقبل باستراق من سمع الذكاء الاصطناعي، ويصبح لا يخسر معركة الحاضر مهما كانت حدتها ومدتها!!

حيرني تفكير الإنسان الفطري والذي ينطلق من النهاية ليفكر في البدايات والتي باتت من الماضي السحيق، إنه بحق يشابه لعبة سقوط الحوت في مياه البحر اللَّجِّ.

حيرني القوم حين يقولون: امض بثقة نحو أحلامك!! لكن أحلام الكوابيس تُكسر العظام الهشة، وتشتت الاتجاهات وكل علامات التشوير نحو جودة الحياة والسعادة.

حيرتني دموعي حين تتهاوى على الأرض بلا ألم، وتسقي أشواك الماضي التي تستيقظ من غفوتها بالأنياب المفترسة، فتزيد دمعاتي بالفيض وبكاء قنابل الاستمطار.

حيرتني الأفراح البهية، والمصطنعة بابتسامات سمجة رقيقة، وقد باتت لا تفرحني وهي تحمل (ماكياجات) التردي والتفاهة والبذخ والترف، بل أضحت تضايقني وتقض مضجعي، فهل بات تفكري يثقلني بملازمة وجعي الداخلي.

حيرتني ضائقة نفسي وألمها المسترجع بتعداد الذكريات، والتي بات تلازمني من شدة فرطي ونكسي من أن الحياة تعيسة، ولا تستوجب المغامرة بالسباحة ضد التيار.

حيرتني تلك القضايا التي تزعجني بالفتنة وبالتصنع، وأنا أداوم مشاهدتها بالتأمل وحتى بالنقد الفاضح، وكأني كدت أمارس لعبة ببغاء قرصان بحري يردد (آمين) وهو ينعش ذاكرة فرط القسوة.

حيرتني آلامي حين أستكين إلى سماعها وهي تغرد لغة البؤس والتردي بين ماض وحاضر ومستقبل، وألازم مداواتها بمسكنات لحظية فتخبو وتنام بالشدة، ثم تستيقظ لتنغيص ما بقي من يومي وحياتي.

حيرتني الشعور بالبكاء والوجع، وأنا أمام لحظات من المتعة والسعادة، فأدفن رأسي بالغرس الرمزي في التراب لأستعيد ملمحي الأول وبلا غبار ردم من عنق النعامة!!

حيرتني حياتي كليا حين أصير يوما مكبلا وكسيح الحركة، وبلا أجنحة وافدة للفرار من سجنها الطوعي المفتوح الأبواب وبلا حراس أمن، لكني أفشل حين أقاوم اليأس بالقتل السلبي، حينها أنتفض عن واقع يسيطر على مشاعري واحتياجاتي بالهرب نحو ذاك المستقبل وما يخفيه من مطبات.

***

محسن الأكرمين

الشاعرة المبدعة أسمهان اليعقوبي من الأصوات الشعرية المتميزة، التي شكلت حضورا متوهجا، في الساحة الادبية المغاربية بشكل خاص، وفي الساحة العربية بشكل عام، حيث استطاعت أن تعبر عن مشاعرها الوجدانية بطريقة مؤثرة.

ففي قصيدتها (صمت المسافات)، تظهر تجليات وجدها في أبهى صورها، حيث يمتزج الصمت عندها، بالشوق الى النور، لترتضيه خليلا لها:

أسافر في صمت المسافات نغمة

وأشتاق نورا أرتضيه خليلا

وهي بهذا الإنثيال الوجداني المرهف، تتسامى فوق كل مرئيات قيود واقعها، لترسم سبيل رقيها في درب النجوم:

فيحملني نبض الرؤى

لأرسم في درب النّجوم سبيلا

وهكذا تتميز إنثيالات اليعقوبي بوجدانية عميقة الحس، وشعرية إبداعية متوهجة، وهي تعبر عن مشاعرها بكل صدق، وشفافية.

كما نجدها تتغنى في قصيدتها المذكورة، بذلك النزيل الذي استوطن اشواقها، حيث تقول:

سأعبر نحو النّور أحمل دهشتي

وفي بحر أشواقي أراك نزيلا

وهي إذ تعبر بذلك عن اصرارها في تجاوز كل قيود الحال، التي تعيق تحقيق احلامها، حيث ترمز إلى الأمل ومستقبل حلمها المشرق، ليصبح هديلا هادرا في ثغر صباحاتها المنبلجة.

وأسكب في أحلام نفسي نشيدها

فيصبح في ثغر الصّباح هديلا

و في عشقها الحرية والإنعتاق، اذ تعبر عن رفضها للقيود السائدة التي تقيّد انسيابية ابداعاتها، نجدها تتغنى بهما في قصيدتها المذكورة، رغم كل قساوة الظروف التي تحيط بحركتها، حيث تقول:

أمشي على جمرٍ، أذوب صبابة

أرتّب في صدر الحنين فصولا

وبهذه الاسلوبية المتألقة تعبر الاديبة المبدعة اليعقوبي، عن رغبتها في تجاوز القيود، التي تعيق تجلي وجدانياتها، حيث ترمز إلى ذوبان أعماقها الداخلية صبابة، وهي ترتب في صدر حنينها الفصول:

أمشي على جمرٍ، أذوب صبابة

أرتّب في صدر الحنين فصولا

ومن كل ما تقدم من معطيات، يمكن القول ان لغة اليعقوبي في التعبير عن وجدانياتها، ومشاعرها المرهفة، تتميز بالجمال، والتوهج، وهي تستخدم الصور الشعرية، والاستعارات الادبية بشكل متمكن حقا، في نظمها الرائع، حيث تقول:

فيسكنني صوت النّدى متهجّدا

ويكتبني في الحلم روحا جميلا

وفي حين ترمز الأماني إلى الأمل، فان المستقبل المشرق يرمز إلى الروح الجميلة، في تعبيرها عن مشاعرها الجياشة، وحسها المرهف، باستخدام الصور الشعرية، والاستعارات الإيحائية.

وتأتي تجليات الوجد في شعر أسمهان اليعقوبي، تعبيرا عن مشاعرها المرهفة، وآمالها المتطلعة، بطريقة مؤثرة وجذابة، وهي تجسد رغبتها في التحرر، والانعتاق من القيود الاجتماعية والثقافية، باستخدام لغة شاعرية رائعة وجميلة.

***

نايف عبوش

أن تكتب الذات سيرتها، يعني أن تفتح أبواب الذاكرة على مصراعيها، لا لتستسلم لما كان، بل لتعيد بناء المعنى من ركام التجربة. فالسيرة ليست مجرّد سجلٍّ لحياةٍ مضت، بل هي فعل وعيٍ بالوجود، وممارسة لتحرير الذاكرة من صمتها الطويل. إنها رحلة في المرايا المتقابلة، حيث تتواجه الذات مع نفسها، وتتحاور مع الآخر، وتعيد قراءة العالم من موقعها الخاص.

في الكتابة السيريّة، ينكشف الإنسان أمام ذاته أولًا، فيمتحن صدقه مع ماضيه، ويعيد النظر في جراحه وانتصاراته.. في هشاشاته وصلابته. حيث تتحول الكتابة إلى ممارسة للحرية، وإلى إعلانٍ رمزيٍّ عن حق الإنسان في أن يقول: هذا أنا كما اراني، وهذا تاريخي كما أراه.

الكتابة الذاتية بهذا المعنى ليست تمرينًا في السرد، بل فعل وجودٍ ومقاومة. فهي تضع الذاكرة في مواجهة النسيان، وتستحضر ما أرادت الأعراف طمسه، لتعيده إلى فضاء الضوء من خلال اللغة. وكل من يكتب ذاته، إنما يشارك الاخرين في كتابة الذاكرة الجمعية، لأن التجربة الفردية لا تنفصل عن سياقها الاجتماعي والثقافي. فحين تبوح امرأةٌ مثلاً بما اختزنته حياتها من ألمٍ ومقاومة، فإنها لا تروي حكايتها فحسب، بل تكتب أيضًا تاريخًا موازياً لزمنٍ حاول قمعها وتغييب صوتها.

في المجتمعات التي تثقلها التقاليد وتقيّد حرية البوح، تغدو السيرة الذاتية فعل تمرّدٍ رمزي، ومجالًا لمواجهةٍ صامتة بين الذات والنظام الأبوي. فالفعل الكتابي هنا تحرّرٌ من سلطة الصورة الجاهزة، ومن هيمنة الصمت المفروض.

والمرأة الكاتبة، حين تكتب سيرتها، فإنها تكتبها بمدادٍ من الوعي والجرأة؛ تفكّك الخطاب الذي صاغها كما يشاء، وتعيد بناء ذاتها بمعاييرها الخاصة، لا كما أرادها الآخرون. إن فعل الكتابة لديها ليس مجرّد سردٍ لتجربة شخصية، بل تفكيكٌ لبنية القهر، ومحاولةٌ لترميم الفوضى الداخلية في أفق معنى جديد للذات.

وقد أدركتُ كالكثير من الكاتبات العربيات هذا البعد التحرري في كتابة السيرة. ففدوى طوقان، في رحلة جبلية، رحلة صعبة، لم تكتب فقط سيرة امرأةٍ تبحث عن ذاتها، بل سيرة وطنٍ يحاول استعادة حريته. كان صوتها الشعري والمقاوم امتدادًا لذاكرتها التي رفضت الصمت. كتبت عن القهر الاجتماعي كما كتبت عن الاحتلال، فغدت سيرتها نصًا مزدوجًا للمقاومة: مقاومة القيد الداخلي ومقاومة الخارج الاستعماري. وقد أثار نصها جدلاً واسعًا بين الإعجاب والرفض، لكنه كرّسها رمزًا للبوح الذي يتحدى الرقابة، وللكلمة التي تتجاوز حدود "الحياء الاجتماعي" إلى أفق الحرية الإنسانية.

أما مي زيادة، فتمثل نموذجًا آخر لكتابة الذات بوصفها فعل وعيٍ فكريٍّ ومأساة إنسانية. لم تكتب سيرة مكتملة، لكنها تركت رسائل ومقالات شكّلت ملامح سيرتها الفكرية والوجدانية. كانت امرأةً في قلب المعركة بين الوعي الذكوري والأنوثة المفكّرة، صوتًا جريئًا في زمنٍ لم يكن يحتمل جرأة المرأة المثقفة. واجهت الوحدة والخذلان حين تراجع عنها من كان يحتفي بها، فصارت سيرتها، كما وردت في رسائلها إلى جبران، مرآةً لمأساة الفكر حين يُحاصَر بجدار المجتمع. لقد كُتبت سيرتها في الذاكرة الثقافية أكثر مما كُتبت على الورق، لتغدو شاهدًا على ثمن الوعي في زمنٍ يخاف من المرأة الواعية.

أما رضوى عاشور، فقد قدّمت في أثقل من رضوى مثالًا فريدًا للسيرة المقاومة. لم تكن سيرتها مجرّد استعادةٍ لحياتها الشخصية، بل مشروعًا للوعي الجمعي، تتقاطع فيه الذات مع الوطن، والأنوثة مع النضال السياسي. في كتابتها، تتجسد الذاكرة بوصفها مقاومةً للخذلان، وساحةً يتجاور فيها الألم الشخصي مع الحلم الجماعي. لم تكن تكتب لتتذكّر فقط، بل لتؤكد أن الكتابة نفسها فعل نضالٍ ضد الفناء. لقد أعادت تعريف السيرة الذاتية بوصفها نصًّا يواجه السلطة بالصدق، والمرض بالأمل، والموت بالكلمة.

وفي السياق ذاته، نجد غادة السمان تمثل الوجه العاطفي المتمرّد للسيرة الذاتية. كتاباتها في رسائل حب لم تكن مجرّد بوحٍ شخصي، بل تمرينٌ على حرية الروح في مواجهة القيود. كانت عاطفتها سلاحًا جماليًا، وموقفًا ضد النفاق الاجتماعي. تعرّضت لهجومٍ شديد من المحافظين الذين رأوا في كتابتها تجاوزًا "لحدود الأدب"، لكنها في الواقع كانت تمارس أكثر أشكال الصدق شجاعةً، إذ حوّلت تجربتها العاطفية إلى مرآةٍ للإنسان في لحظاته القصوى من الضعف والكرامة.

وإذا اتجهنا إلى التجارب الغربية، نجد فرجينيا وولف في غرفة تخص المرء وحده قد جعلت من الكتابة فعلًا فلسفيًا للتحرر الفكري. لم تكن سيرتها الذاتية بمعناها التقليدي، لكنها كانت إعلانًا صريحًا عن حق المرأة في أن تكتب وتفكر وتعيش بوعيها الخاص. كتبت عن معاناتها النفسية بوصفها جزءًا من عبقريتها، وعن الكتابة كفضاءٍ للخلاص من القهر الذكوري. ومع أنها وُوجهت في مجتمعها بالاستخفاف والتشكيك، فإن نصها أصبح حجر الأساس للوعي النسوي الحديث.

أما سيمون دي بوفوار، فقد حوّلت سيرتها في مذكرات فتاة مطيعة إلى مشروع فلسفي كامل، جعل من التجربة الفردية مادةً للتفكير الوجودي. في سردها لحياتها الأولى، واجهت السلطة الأبوية والدينية بوعيٍ نقديٍّ صارم، وأعلنت تمردها على كل ما يُقيّد حرية العقل والأنوثة. كانت سيرتها صدامًا فكريًا مع المجتمع الفرنسي المحافظ، لكنها غدت لاحقًا أيقونةً للمرأة التي تفكر وتكتب وتعيد تعريف ذاتها بالوعي لا بالتقليد.

إن هذه التجارب، على اختلاف بيئاتها، تكشف أن كتابة السيرة الذاتية النسوية كانت دائمًا فعلًا مزدوجًا: فعل بوحٍ ومقاومة، ووعيٍ وحرية. فالمجتمع كثيرًا ما يستقبل هذه الكتابات بمزيجٍ من الإعجاب والريبة. وحين تكون الكاتبة امرأة، يزداد التوجّس حدةً، لأن البوح الأنثوي يُنظر إليه بوصفه خروجًا عن النظام الرمزي للأبوة. يُحتفى بالكاتب الرجل على أنه جريء وصادق، فيما تُتّهم الكاتبة بأنها متهوّرة أو تبحث عن شهرة. غير أن ما يُعدّ "فضيحة" في زمنه، يتحوّل مع الزمن إلى شهادةٍ على الشجاعة الأدبية، وإلى وثيقةٍ إنسانية عن كسر الصمت.

لقد أثبتت السيرة الذاتية النسوية أن العاطفة ليست نقيض العقل، بل وجهه الأكثر حرارةً وصدقًا. فالعاطفة في هذا السياق ليست ضعفًا، بل طاقة إبداعية تُعيد للكتابة حرارتها الإنسانية، وتجعل من التجربة الشخصية مساحةً لتجلي الوعي الجمعي. والمرأة حين تكتب سيرتها، فإنها لا توثّق ماضيها فحسب، بل تُعيد تعريف البطولة والكرامة من منظورٍ داخليٍّ إنسانيٍّ عميق، يجعل من الصمود فعلًا بطوليًا، ومن الكتابة أداة للشفاء والمصالحة مع الذات.

إن السيرة الذاتية، في جوهرها، هي فعل وجوديٌّ وجماليٌّ يعيد للإنسان صوته ومكانه في العالم. هي مساحة مواجهة بين الذات والعالم، بين ما يُقال في العلن وما يُخفيه الصمت. وحين تكتبها امرأة، فإنها تتحول من مجرد جنسٍ أدبي إلى صرخة حرية، ونداء ذاكرة، وموقفٍ من الوجود ذاته. فكل سيرةٍ تُكتب في زمن القهر هي إعلان حياةٍ جديدة، وانتصار رمزي على النسيان. ومن ثمّ، تبقى كتابة الذات في صورتها الإنسانية من أسمى أشكال التعبير الإنساني، لأنها لا تكتفي بسرد الحياة، بل تخلقها من جديد، وتمنحها معناها.

**

سعاد الراعي

2025.10.19 درسدن

......................

المراجع

* طوقان، فدوى. رحلة جبلية، رحلة صعبة. دار الشروق، عمّان، 1985.

* عاشور، رضوى. أثقل من رضوى. دار الشروق، القاهرة، 2013.

* زيادة، مي. رسائل مي إلى جبران. دار نوفل، بيروت، 1999.

 * السمان، غادة. رسائل حب. دار الطليعة، بيروت، 1987.

* دي بوفوار، سيمون. مذكرات فتاة مطيعة. ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، 1980.

* وولف، فرجينيا. غرفة تخص المرء وحده. ترجمة لطيفة الزيات، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1994.

النموذج السويدي

الجميل في المدن السويدية مجانية التعليم والثقافة هناك دوما مركز ثقافي في المدينة والأرياف وهناكً دوما العديد من المكتبات العامة ومكتبات في المدارس والمؤسسات التعليمية والجامعات وحتى في الأحياء وفي مدينة يونشوبنگ يمكن للمرء زيارة المكتبة المركزية في وسط المدينةً والبناية مجمع يعتبر مركز أ ثقافيا تجد فيه بالإضافة إلى المكتبة المركزية المتحف وهو عبارة عن متحف للفن الحديث بالإضافة إلى متحف تاريخ المدينة وأرشيف المدينة.

هذه البناية المحببة لي كل شيء فيه مجاني ومفتوح للجميع وكنت خلال ١٦ عاما عضوا في هيئة الثقافة في المدينة وكان بيت ABM تحت مسؤولية الهيئة. الهيئة الثقافية الذي يتألف أعضائها من ممثلين لجميع الأحزاب السياسية ويتم انتخابهم في الانتخابات النيابية العامة كل أربع سنوات ومعظمهم من أعضاء المجلس البلدي وأعضاء مجلس المحافظة و موظفين.2057 tawfik

في زيارتي اليوم إلى متحف المدينة سأحاول ان اعرض مشاهداتي والمعلومات القيمة حول استوديوهات التصوير والمصورين وتاريخ ألصورالفوتغرافية واهميتها في المجتمعات. في هذا السياق أتذكر احد أصدقائي المصور فاضل الذي كان له استديو تصوير في شارع الجمهورية قرب سينما صلاح الدين في أواخر الخمسينات في مدينة كركوك استوديو الإخاء (قارداشلق) وكان معلما للتربية الفنية وهو الأخ الأصغر لأستاذي ناظم في المدرسة الابتدائية في مدينة التون كوبري الذي داومت فيه العام الأول في المدرسة ابتدائية للبنين . اما المصور الشمسي فكان يقف في الساحات القريبة من الدوائر الرسمية خاصة بالقرب من القشله حيث دائرة النفوس (الجنسية) ومقابل بناية مصرف الرافدين بين جسر الطبقچلي والشهداء . لكن نوعية الصور في الاستديو (كهربائي) كان أفضل نوعية وأوضح بكثير وكل ذلك كان أسود وابيض. للمزيد راجع الإشارات في نهاية المادة.

اما في بغداد فكان استوديوهات الشهيرة في شارع الرشيد مشهورة ك استوديو أرشاك الأرمني (يعتبر الأرمن الرواد في هذا المجال)  واستوديو آخر اعتقد كان استديو بابل (المصور الأرمني جان) مختص بصور رؤساء الجمهورية. ناهيك عن ذلك كان هناك في معظم الأحياء استوديوهات تصوير وخاصة في البتاوين وشارع السعدون والكرادة الحي الذي كنا نسكن فيه. اعتقد كان هناك استديو في منطقة أرخيته وآخر في بوليسخانة . تذكرت كل ذلك وانا أتجول بين المعروضات اليوم في متحفً مدينة يونشوبنگ المكنى ب أورشليم السويد .2058 tawfik

وتحت عنوان فجر التصوير الفوتوغرافي للصور الشخصية معرض عن المصورين الأوائل في المقاطعة والتي تستمر للفترة ما بين 27 سبتمبر 2025 - 11 يناير 2026 ضم المعرض مجموعات خاصة بمتحف مقاطعة يونشوبنگ بعضًا من أقدم صور البورتريه للأشخاص في المقاطعة. يمتد تاريخ الفن الفوتوغرافي من منتصف القرن التاسع عشر ومع اكتشاف الكاميرا إلى القرن العشرين. اليوم كل واحد يحمل معه تلفونه الخلوي (موبايل) ويصور ما يشاء.

الجميل ان في هذه المدينة كانت النسوة كذلك تمارسن مهنة التصوير. خلال القرن التاسع عشر، كانت معظم المهن حكرًا على الرجال، لكن التصوير الفوتوغرافي أتاح فرصًا جديدة للنساء. أدارت العديد منهن استوديوهات دائمة خاصة بهن، ومن ألأوائل في السويد: السيدة أمالي موتاندر، التي افتتحت استوديو في مدينة هالمستاد عام ١٨٤٨، وبريتا صوفيا هيسيليوس، التي افتتحت استوديوها في مدينة كارلستاد عام ١٨٥٣. يحتوي أرشيف الصور على آلاف الصور من أولى استوديوهات التصوير الفوتوغرافي في المقاطعة. العديد من صور المعرض متاحة كذلك للمشاهدةً على موقع . digitaltmuseum.s

يضم متحف مقاطعة يونشوبينگ مجموعة كبيرة من ٣٠ ألف صورة وسلبية. ومجموعة المتحف من صور البورتريه للشخصيات التاريخية وتضم مجموعات متحف المقاطعة كنزًا صغيرًا في حجمه ولكنه فريد من نوعه يعود إلى السنوات الاولى لنشأة التصوير الفوتوغرافي ويمكن مشاهدة: 18 صورة بورتريه التُقطت بأقدم التقنيات، من أواخر أربعينيات القرن التاسع عشر إلى أوائل الستينيات. كما نرى صور علىً صفيحة نحاسية مطلية بالفضة وتحتوي المجموعة على 11 صورة داغريوتايب، وهي تقنية يُرسم فيها الشكل على صفيحة نحاسية مطلية بالفضة ممزوجة بالزئبق. ربما تكون هذه أقدم صورة فوتوغرافية في متحف مقاطعة يونشوبينگ. صورة داغريوتايب التُقطت على الأرجح عام 1848 على يد الملازم سي. بي. إف. ويكستروم. نجد هناكً كذلكً مجموعة صغيرة من خمس صور من نوع أمبروتيب. وهي تقنية تصوير فوتوغرافي مبكرة من خمسينيات القرن التاسع عشر، حيث تتكون الصورة من صورة سلبية زجاجية مطلية بالكولوديون. الخلفية السوداء تُبرز صورة إيجابية. تتضمن المجموعة صورة كالوتيب، وهي صورة فوتوغرافية مبكرة طُوّرت من صورة سلبية. كان البريطاني ويليام هنري فوكس تالبوت هو من طوّر تقنية الكالوتيب. تنافس هو ولويس داجير على من سيبتكر أول صورة فوتوغرافية دائمة. مثّل اختراع تالبوت خطوةً مهمةً في هذا التطور، لكن سرعان ما استُبدل بتقنياتٍ أحدث.

خلال ستينيات القرن التاسع عشر، انتهى عصر المصورين المتجولين، وأُنشئت استوديوهات تصوير دائمة.

 هنا ستلتقي ببعض من أسسوا أعمالهم في مدينة يونشوبينگ.احر اهم المصورين اللذين وثقوا بيئة المدينة وانسانها والحياة اليومية خو المصور غوستاف أندرسون الذي وُلد عام ١٨٩٨ في مقاطعة فاستر. لم يكن لديه استوديو خاص، ولم يكن مصورًا محترفًا بالمعنى الحرفي للكلمة. بل التقط صورًا لأشخاص التقاهم في شوارع المدينة خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي. تُصوّر صوره الحياة اليومية لسكان مدينة يونشوبينغ في منازلهم وأماكن عملهم وحياتهم العامة. يُمكنكم كذلك مشاهدة بضعة آلاف من صور للمصورغوستاف على موقع digitaltmuseum.se.

***

د. توفيق رفيق التونچي - السويد

2025

......................

إشارات

https://kitabat.com/%D9%81%D9%8A-%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9-%D8%B3%D9%8A%D9%82%D8%A7-%D9%88%D9%81%D8%B1%D9%8A%D8%B4-%D8%A7%D8%B4%D9%87%D8%B1-%D9%85%D8%B5%D9%88%D8%B1%D9%8A-%D9%83%D8%B1%D9%83%D9%88%D9%83/?fbclid=IwdGRjcANRsclleHRuA2FlbQIxMQABHquIlNvsI7KtEk6RN0-KTgBHSNVJKt6Sen3E6l27kkR1VNlRos1GhnI66uAg_aem_l5cZUvbWPAFFI0TJV9sJZw https://www.facebook.com/share/p/17M9JAAr9y/?mibextid=wwXIfr https://www.algardenia.com/maqalat/59359-2023-07-08-09-23-27.html ‏Källa: Facebook مذكرات المصور (جان) صاحب ستوديو بابل للتصوير.. يقع في شارع الرشيد - Facebook

(الضوء خافت على قاعة واسعة. صمت ممتد. أبواب خفية تفتح ببطء).

يدخل الظل، يتوارى إلى جانب مجموعة ظلال، كأنه يختفي بينهم، كظل كاهن ضائع.

 يجلس في زاوية القاعة، والظلال الأخرى تنكسر بين الحين والآخر على الجدار، تتحرك ببطء، كأنها تعكس صمت المكان وانكسار الروح.

(صمت طويل. أصوات خافتة كصدى خطوات أو همسات بعيدة تتردد بلا مصدر واضح. الظلال تتحرك ببطء، أحيانًا تتجمع، أحيانًا تتباعد، كأنها تبحث عن شيء مفقود).

القاعة، المعبد، كل شيء فارغ من الحياة… بلا خطيب… بلا صدى… بلا صوت يقودها.

الضوء ينكسر على الظل، والظلال تحوم حوله. شعور الغياب والخذلان يخيم على القاعة.

الهاتف يرن بعيدًا...

      صوت عالٍ من خلف القاعة......

                ضحكات، محادثات حية…

                             الظل يتحرك قليلًا نحو الضوء.........

ثم ......

يعود إلى زاويته صامتًا.

      الضوء يخف تدريجيًا، .......

              الظلال تتلاشى على الجدران.......،

ويبقى الظل وحده في صمت القاعة، ككاهن بلا معبد، والملاذ الحقيقي بعيد، يختبئ في زاوية لم تبلغه أقدام أحد.

(دار المسنين… وجودها محرّم، كما تحرم المحرمات في الأراضي المقدسة؛ مكان لا ينبغي أن يكون، لأنها تشيخ الأرواح بلا رعاية، وتنسف واجب الأبناء تجاه آبائهم).

***

د. نسرين ابراهيم الشمري

في دينامية الاحتقار تتفنن عبقرية الموضوع وهو يمارس على الذات الجمعية ساديتَه المرَضية في صلفٍ غريب، لا نجد له تفسيراً إلا في شرطين: الأول هو شرط الغياب، والثاني هو شرط الحضور.

من يمارس الغياب؟ سؤال أو مساءلة، لا فرق، ما دام الأمر يتعلق بمجهول يحرص كل الحرص الطمعي على الغياب باسم الحضور في كينونتنا المبهمة التي باعت في سابق الأزمان بعضاً منها (باعتْ صوتاً، مثلاً)؛ وهو سؤال لا مشروعٌ، لأن شرعيته تتعلق أساساً بالإخلاص لنسغ هذا الذي بعناهُ سابقاً آبقاً.

كيف يتمّ تحويل المدى القُزحي إلى ضبابٍ يتشكل شوارعَ طويلةً لمَدينة بلا مدنِيّة، ولمدنيةٍ تغتسل كل صباح بماء الشعارات التي لا تمسحُ أدنى درن؟

كيف تصنع هذه الآلة الغائبة\الحاضرةُ  في تجلِّينا القطيعي حفرياتها الموبقة والآثمة في ظل زغاريد نساء التعليم وفي ظل فروسية رجال التعليم المقلّمة الحوافر؟

ها المشهد الآن جَهِيلٌ، على الصيغة المشبّهة باسم الفاعل حيث لا فاعل إلا الآلة الموصوفة أعلاهُ…

والمشهد كما وُصفَ، جهيلٌ لا يحتاج إلى تشخيص ما دام التشخيص ذاته يربأ بذاته أن يصعد منابر التحليل…

ولأن ذلك كذلك، طغت الآلة الغائبة\الحاضرةُ وتجبّرت في سيمياء صمتنا العجيب، والمستكين إلى شيءٍ يشبه الدّعَةَ المسترخية على أرائك التسويف التي تعجّ بها مقررات المنابر الوتيرة الصانعة لغدٍ لا يشبه غد أطفالنا، ولا ينتمي إلى براءاتهم المغتصبة حتّى الآن... لغدٍ لا يزداد إلا تركيبا وتعقيدا واستغلاقا.

ولأنها تتسم بهشاشة المفاصل فإن هذه الآلة تتغوّل، ممسكة بآليات شِعارِ"المحبّة" لا فلسفة "المحبّة" تستنبتها أينما حلّت وارتحلتْ، ضاربةً على أوتار هذا الموسوم برجل التعليم الحساسة، تقدّم له العصا بكف والجزرة بأخرى، في تلوين لا تنتبه له الإرادة التي تمّ تغييبها بشتى الوسائل ومنها على سبيل المثال الواخز لا على سبيل الحصر الأوخز، صبيبُ المذكرات والوصايا والتوجيهات والتعليمات النازلة مثل وابل لا يترك لهذا الرجل نفَساً واحدا يستجمع فيه قواه فضلا عن قدرٍ يختاره هو بذاته وينحشر فيه باسم ترقيع ما هو غير قابل للترقيع، وأقصد انخراط هذا الرجل في سديم السّاعات الإضافية التي لا تضيف إلى أجنداته الإنسانية إلا مزيداً من التعب والنصب والحركة الاحتقارية السارية في نسغ الإنسان عندما يغيب عنه الإنسان.

من هنا تغوّل الآلة، سائبةً متسيبة في أرض بلا حامٍ ولا حارس؛ لأن الحامي والحارس استساغ قبضة المراتع والمرابع الخاصة التي تستحلب ضرعه في غير مقاومة.

والحديث هنا قد يطول كلما لامسنا بعضاً من شرخٍ في جسد هذا المبنى المارد، الذي نسميه التعليم وما هو بمارد؛ لأن صرحه تسوّس، بفعل هذه الآلة المُحبّة البائعة للهوى والهواء والهوى (من هوى أي سقط).

من يمارس إذن لعبة الحضور؟ نسأل، حتى نخلص لنسق الحكاية التي أطّرتنا داخل شرطين، هما، الغياب والحضور…؟

حضورُ من؟…

الأمر هنا مُمَأْسس وغير قابل للطعن ما دامت الآلة الهشّة قد حملناها على أكتافنا وبوّأناها منابر أعلى في قمّة ذواتنا ونصّبناها تصنع بدلنا في تمثيلية "ديمقراطية" كلّ أحلامنا وطموحاتنا وتطلعاتنا. فما مارستْ إلا تعطيلنا، في مقابل الدفع بأحلامها إلى آفاق الحضور الفعلي في تغييب لكل ذاتٍ كانت تصنع، في نيّاتٍ ساذجة، مستقبل هذه الآلة.

من هنا الحضور الفعلي لكلّ أشكال التتويج إلا تتويج العرق الحلال باهظ الثمن… ويتم تتويج كل أضرب اللعب والضحك على الأذقان والتسويف والديماغوجية والتحذلق بالشعارات والبهارات الملذذة لطعام آسنٍ لا يشبهنا. ينضاف إلى ذلك "إعلامٌ" نسي أنه إعلامٌ وغرّد خارج سربنا وطبّل بعيدا عن عرسنا..

إذن من يحضرُ؟ ومن يغيب؟…

سؤال أو مساءلة لا تهمنا الإجابة عنهما بقدر ما يهمنا هذا الاحتقار الذي خرج من حالة سلوكية بمرجعية شعبية إلى دينامية بمرجعية شعبويّة تتبناها الآلة الموصوفة أعلاه ولا تني تتفنّن في تذويقنا كل أنماط هذه الاحتقارية (المُمَكْيَجَة )، تطير مع أول مسحَة ولو من كفّ طفل يتعلم أبجديات المسح والكتابة على سبّورة هذا الوطن، الذي نعتبرهُ المدرسة الجليلة التي حالَ لونها واسْتحال، بفعل من أرادوها سبّورةً بلا طباشير وسبّورةً بلا تباشير.

 ***

نورالدين حنيف أبوشامة\ المغرب

إنّ ولوج رياض الكتب لهو رحلة سامية، تحلّق بالرّوح في فضاءات رحبة، وتشبع العقل بشتّى أنواع الحكمة والبصيرة، إنّه صعود بالنّفس إلى أوج المعرفة الفسيحة، وبساتين الجمال البهيّة الّتي لا تذبل.

فأن تكون رفيقا للكتاب يعني أن تسير في دروب النّور وقد أضاءت حروفه أيّامك، تتّخذه مرجعا وموردا، وتخلق منه أجنحة تحلّق بها في عالم مفتوح، تطلّ منها على نوافذ الكون، وتسافر في رحلة الفكر إلى ما وراء المعنى، مطلقا سراح الهديِّ في روحك، ومنعتقا من أسر الفكر وقيوده، تنسدل على كتفيّك نسائم الرّضا والسّرور، تنتعش روحك ويرتوي فكرك، وتتجلّى أمام عينيك أسرار الوجود، وكأنّك قد أوتيت مفاتيح الغيب، تفتح بها كلّ باب موصد، وتبصر كلّ خفي، لتغدو أنت القارئ والمقروء، في وحدة فريدة مع الكون وما فيه؛ فعلى جناحيّ الكتاب تحلّق المعاني، وبين دفتيّه تتفتّح أزاهير الحياة، تقلب الصّفحات فتسفر الكلمات عن وجوه بهيّة، وكأنّ الكتاب روح ناطقة، تترجم صمت الوجود إلى بوح مبين.

هو الكتاب إذن.. ذلك الفلك الذّهبيّ الّذي يُنَجّي الغارقين في لجج الجهل، نحمله على أكتاف الرّوح؛ لتبزغ شمس العقل في سمائنا، وإذ نتّخذ من حروفه وسائد، نرى أحلامنا تحلّق نحو النّجوم، وتزهر في أعماقنا دهشة لا تذوي.

نقرأ.. فيعرفنا القرطاس والقلم، والخيل واللّيل مرحّبة، تتسابق بنا لنبلغ فجرنا الجديد. وحينئذ، تستيقظ البصيرة على وهج البيان، فنمعن فيه عشقا وتعمّقا حتّى تصدح حناجرنا بالنّشيد، كأنّنا ناي يشدو بألحان الرّوح، ثمّ يصحو الوعي على سحر البيان وروعة الإنشاد.

فيا أيّها الوافد إلى عالم الكتاب، توقّف لحظة بين ورقتين؛ لتصير شجرة، وإن لاح لك حكماء يتلذّذون بالصّمت ويمجّدون أوراق الكتب، فاعلم أنّك أوشكت على الوصول، فما من شيء يشدّك نحو النّور غير الكتاب، وما من باب يفضي إلى الحقائق سواه.

أيّها السّاعي وراء المعنى، لقد تربّع الأوّلون على عرش التّاريخ، وخطّوا بأياديهم دروب النّجاة على صفحاته الخالدة، ثمّ أودعوها رياح الأزمان لتبحر بها إلى حيث يشاء القدر، فإن رامت روحك أن تعانق وهج النّور، فما عليك إلّا أن تفتح كتابا. عندئذ، سيتّضح لك أنّ النّداء الخفيّ الّذي يصدح في أعماقك، ليس سوى صدىً لما تسمعه روحك كلّما قلبت صفحة وطويت أخرى. وصفحة بعد صفحة، تزهر النّفس وتغدو أكثر عمقا، تشرق شمس اليقين في فؤادك، وتأخذ الأفكار والكلمات دلالاتها البعيدة، تنساب في أعماق روحك، وتسطع كنصلٍ يتلألأ تحت وهج الحقيقة، فتغدو أكثر وضوحا، وتكتسب الرّؤية صورتها الأصفى والأنقى وقد عرَفَت سبيلها، إذ لا حاجز يحول بينها وبين صفاء الرّؤى، فالنّور نقيّ بسيط، والأبواب المغلقة تتهاوى أمام سحره وكماله.

***

صباح بشير

 

سلسلة "المشغل التفاعلي" لمبادرة حملة ثقافة المحبّة والسلام

- التفاعل الكتابي في القطاع الحكومي العراقي: نهج مبتكر لحملة المحبّة والسلام

"هذا المقال جزء من سلسلة مقالات تهدف إلى التوثيق الإعلامي لمبادرة حملة ثقافة المحبة والسلام".

حين تقدّمتُ إلى مدير عام دار الكتب والوثائق الوطنية العراقية، في تشرين الثاني 2024، بفكرة إطلاق مبادرة حملة ثقافة المحبّة والسلام بالتعاون بين الدار، ومجلّة سماء الأمير الإلكترونية الرقمية التي أسّستها وأرأس تحريرها، تحت شعار «بالمحبة نبني العراق»، كان الهدف نشر قيم المحبّة والسلام، وتعزيز التسامح والتعايش، واحترام التنوع الثقافي، ومكافحة خطاب الكراهية في بلدنا، لتكون رسالة واضحة نحو مجتمع أكثر وحدة وازدهاراً، وكي نقطع الطريق على من يبثّون سمومهم في مختلف مفاصل الحياة في المجتمع الواقعي والفضاء الرقمي، وقد تمكّنوا من التأثير في بعض الضعفاء والمأزومين، ليجعلوا منهم جسوراً لزعزعة أمن المجتمع وإشاعة التفرقة بين المواطنين. من هنا جاءت أهمية أن نواجه هذه الهجمة الصفراء من الكراهية، لنعمل على إفشال مخططات هؤلاء من خلال إشاعة روح المحبّة.

كانت الخطة المبدئية إطلاق الحملة بصيغة مقالات وعبارات وملصقات ولوحات تُنشر عبر منصّات التواصل الاجتماعي أولاً، ومن ثم استحداث منصّة رقمية في الموقع الإلكتروني الرسمي للدار، في شباط 2025، لتكون أول منصّة إعلامية ثقافية رقمية رسمية في العراق، تجمع بين الإبداع البشري ونتاج الذكاء الاصطناعي في الكتابة والتحليل والفنون.

وجاء التنفيذ وفق الخطة. وكما يُقال: ابدأ العمل ونفّذه، ومن ثم طوّره وأنت في الطريق.

قرّرتُ تطوير المبادرة في آب 2025، لتعمل بشكل تفاعلي يجمع بين النشر الإعلامي الإلكتروني والفعاليات الواقعية الميدانية مع الجمهور، لتكون مساحة حيّة للتعلّم والإبداع والتفاعل الثقافي والإبداعي والمشاركة المجتمعية لجميع العراقيين.

وشمل الجانب التفاعلي إقامة فعاليات مع الجمهور كالقصص الملهمة، و«المحبّة والسلام من زاوية الاختصاص»، و«قصاصات محبّة»، و«هاشتاك تفاعل الناس مع الحملة»، و«المشغل التفاعلي الحضوري» مع الموظفين وغيرهم، وهذا هو موضوعنا هنا.

تقوم فكرة سلسلة المشاغل التي بدأت بتنفيذها في أيلول 2025 على إقامة مشغل لكل قسم أو شعبة في دار الكتب والوثائق كتجربة أولى، ويشمل تقديم محاضرة تمهيدية قصيرة عن أهمية إشاعة وتعزيز ثقافة المحبّة والسلام في بيئة العمل، تُفتح بعدها أبواب النقاش والتعبير بالكتابة، بمعنى إشراك الموظفين المشاركين في كتابة مساهمات موجزة تعبّر عن آرائهم ورؤاهم، ونشر تلك المساهمات لاحقاً ضمن مخرجات النشاط وأخبار المشغل إعلامياً، بما يعزّز انخراطهم الإيجابي في ترسيخ قيم التسامح، والتآخي، والتعايش، واحترام التنوع الثقافي، ومكافحة خطاب الكراهية في المجتمع الواقعي والافتراضي.

ويهدف هذا النشاط إلى إشراك موظفي الدار في صناعة خطاب إيجابي وبنّاء، انسجاماً مع رسالة الدار في خدمة المجتمع، ودعماً للجهود الوطنية في نشر ثقافة المحبّة والسلام، والمساهمة في بناء العراق بالمحبّة.

أمّا المشاغل التفاعلية المخصّصة للجمهور العام، فتُقام للمهتمّين في مكتبة الأجيال التابعة للدار من فنّانين وخطّاطين وموهوبين وزوار المكتبة، وكذلك للهواة من القرّاء الصغار، فضلاً عن استقطاب الجمهور عبر مشاغل افتراضية تُقام من خلال صفحاتنا على شبكات التواصل الاجتماعي، إلى جانب إقامة مشاغل لموظفين في مؤسسات أخرى.

أقمنا منذ الرابع عشر من أيلول 2025 حتى يوم الثالث عشر من تشرين الأول 2025 ستة مشاغل لكل من شعبة التخطيط والمتابعة، والمركز الوطني للوثائق، وقسم الدوريات في المكتبة الوطنية، ومكتبة الأجيال التي شملت المشغلين اللذين أقمتهما فيها فنانو المرسم وخطّاطو مؤسسة ابن البواب للفنون الإسلامية ومعاونات مدرسة ابتدائية، وشعبة العلاقات والإعلام، وما زلنا مستمرين في إقامة المشاغل التي تتناول بيئة العمل مع الأخذ بعين الاعتبار نوع عمل كل قسم أو شعبة.

الملفت للنظر هو إقبال موظفي دار الكتب والوثائق على المشاغل وتفاعلهم النشط معها عبر نقاشاتهم ومساهماتهم الكتابية، في تجربة هي الأولى من نوعها رسمياً. ففي العادة تُقام ورش عمل يقتصر المشاركون فيها على النقاش والحوار الشفهي، لكن التفاعل بالكتابة في هذه المشاغل أسلوب جديد يميّز الحملة، ويتيح للمشاركين التعبير عن آرائهم بشكل أكثر دقة وعمق. وقد حظي هذا التفاعل بإشادة المشاركين ومتابعي صفحات دار الكتب والوثائق ومجلّة سماء الأمير في فيس بوك وشبكات التواصل الاجتماعي الأخرى.

ويمكن القول إنّ تطبيق أسلوب التفاعل الكتابي في مبادرة حملة ثقافة المحبّة والسلام يُعد مبتكراً في سياق القطاع الحكومي العراقي. هذا التوجه يُظهر تجديداً في أساليب العمل المؤسسي ويُسهم في تعزيز قيم التسامح والتعايش بين الموظفين.

وسنتوقف لاحقاً عند آرائهم بشكل علمي عبر استبيان يُوزّع بينهم، لنخرج بنتائج وتوصيات عملية هادفة للوقوف على أثر الحملة والمشاغل ونتائجها وتطويرها مستقبلاً.

وإلى أن نتوقف معكم عند فعالية أخرى من فعاليات الحملة، سنواصل أعمال المشغل، لنقيم لاحقاً معرضاً لنتاجات المشاركين، وسنستمر بتطوير الفعليات والمنشورات كلما وجدنا أهمية وموجباً لذلك، لأننا نطمح للأفضل من أجل مجتمع يرفل بالجمال، فالمحبّة والسلام حياة.

***

اسماء محمد مصطفى

في المثقف اليوم