أقلام ثقافية

أقلام ثقافية

القصيدة الرائعة التي ألقاها الجواهري الكبير في حضرة الملك الأردني الحسين (أسعف فمي) كان لها وقعها المؤثر في نفوس الأردنيين ونفوس الكثير من العراقيين. أتذكر إنني طربت لها سماعاً وغبت فيها إعجاباً. وكنا إلتقينا أكثر من مرة في بيوت بعض الأصدقاء على (ريوك تشريب باقلاء مع كيمر ودبس) وكان طبق (الريوك) الأساسي هو تلك القصيدة الرائعة، يوم كان الفيديو هو سيد التسلية، قبل ان يزيحه الستلايت ويجعله جهازاً أرشيفياً.

في الأردن التي كنا نتردد عليها وقت الحصار، والتي كانت وظلت نافذة من النوافذ التي يتنفس منها العراقيون، كنت أينما ذهبت أستمع للقصيدة بصوت شاعرنا العملاق، في المقاهي وفي المطاعم والفنادق، وحتى أن الصوت كان يأتيك من نوافذ البيوت

(يا سيدي أسعف فمي ليقولا

في عيد مولدك الجميل جميلا)،

والجواهري الذي كان قد تعدى التسعين ربما بخمس سنوات كان يبدو بذاكرة متوهجة، وهو كما كانت عادته، يلقي قصائده بلا ورقة، وأما ذاكرته الوهاجة فكان يدخل عليها، في مرات قليلة جداً، حافظٌ اعتاد أن يقف خلفه فيذكره لو أنه نسي، وقد كان نسيانه نادراً حقاً.

لقد تركت القصيدة وقتها تساؤلاتٍ محيرة من قبل العديدين. قال أحدهم : الشعراء هم هكذا، ليس لهم مواقف مبدئية ثابتة، فلقد عرف عن الجواهري أنه كان من أشد أنصار الثورة على الملكية تلك التي قادها قاسم وعارف، وكان حينها شاعراً وسياسياً وصحفياً.

ولقد قتلت تلك الثورة العائلة المالكة، وهم أبناء عم الملك الحسين بن طلال، ولذا فإن وقوف الشاعر في حضرة الملك حسين كان يحتاج إلى أكثر من تفسير. البعض لم يتورع عن القول أن إغراء المادة كان وراء تلك الوقفة ناسياً أن الجواهري كان تجاوز التسعين بسنوات، وإنه خَبَر الحياة بطولها وعرضها قبل ان يختار دمشق كمسقط جثة ووداع روح، ولم يكن قد ظل في عمره ما يغريه على طمع في مالٍ زائد أو مجدٍ مضاف، إضافة إلى أنه كان قد حظي في دمشق على كفايةٍ منحته الأمان، إذ كان رئيس سوريا آنذاك حافظ الأسد قد أكرمه بفيلا ليسكن فيها وراتب يعول عليه مما كفاه شر الحاجة التي ربما تدفعه إلى مدح الحكام. ولربما كان الملك حسين هو آخر من قد يفكر فيه الجواهري لو كان فكر بمن يلجأ إليه، إذ كان بينه وبين الملكية الهاشمية ما يجعله يفكر الف مرة قبل ان يلجأ إلى موقف قد يأكل من تاريخه ذاك، ولم يكن الجواهري بحاجة إلى إدراك أن موقفه سيكون عوناً لخصومه الذين سيمنحهم بنفسه فرصة أن يتهموه بالتذبذب والتقلب وحتى الانتهازية وسيَهُونُ عليه الكثيرُ إن هم ظنوا أن الجواهري قد غاب عن وعيه، وهو ما كان قد غاب، أو ان الفاقة كانت قد مسخته فإرتضى أن يحرق أخضر تاريخه بيابسه.

غير أن حسم الحيرة قد تجلى حينها بأمرين، أولهما أن الجواهري لم يقبل ما عرضه عليه الملك حسين حينما طلب منه قبول مكرمته بدارٍ ومرتبٍ لم يكن صغيراً، وقد أكد موقفه الرافض هذا على أنه لم يكن بالأصل قد مدح الملك من باب الطمع. ولم يكن معقولا أن يلجأ الجواهري إلى الحسين وهو كان يعيش برعاية الأسد الذي كان بينه وبين الملك الأردني خصومة شديدة مما يجعله يفقد امتيازه الدمشقي الذي لا أعتقد أنه كان مستعداً أن يفقده. ولعل هذا وذاك، وربما غيرهما، ما يجعل الموقف بحاجة إلى تفسير يتجاوز سطحيات الأحكام وتقليدية الشروح وعموميات التوضيح.

ولقد اكتشفت بعدها أن القصيدة كلها، ما عدا بيتها الأول، لم تكن جديدة، إذ كان الجواهري قد ألقاها قبل منتصف القرن الماضي بأكثر من عقد من السنين في حضرة عبدالإله، الوصي على العرش الملكي العراقي، أما المناسبة فكانت الاحتفال بعيد مولد هذا الأخير. وهذه الرواية كان كتبها المرحوم عبد المجيد القيسي الذي شغل حينها منصباً رفيعاً في تشريفات القصر الملكي. ففي كتابه الذي ألفه دفاعاً عن الوصي وعن نوري السعيد والعائلة المالكة، والذي حمل فيه على خصومهم وخاصة السيد رشيد عالي الكيلاني وقادة ثورة مايس، العقداء الأربعة، جاء القيسي بهذه القصيدة نصاً. وهذا الكتاب كان صدر قبل ان يقوم الجواهري بإلقائها أمام الملك الأردني مما ينفي إمكانية أن يكون القيسي قد نقلها عمداً زيادة في تشويه مواقف الجواهري الذي كان قد سكنه الغيض منه بعدما تحول هذا الأخير من محب للملكية العراقية إلى نصير لإعدائها، متهماً إياه بالتقلب والنفاق.

ولعلي أظن أن السيد القيسي كان أخطأ التوصيف حينما أراد أن يذكر الجواهري بمواقفه المتناقضة من النظام الملكي بين ضد وتأييد فيؤكد من خلال ذلك على انتهازية الجواهري وتذبذبه، فالجواهري لم يكن قد تغير بين ليلة وضحاها وإنما خلال فترة كانت حفلت بكل ما يجعل النقلة من موقع التأييد إلى موقع المعارضة أمراً لا يصعب تفسيره. وستدلنا مقارنة من هذا النوع كيف يصير من الظلم والاجحاف ميلنا إلى استعمال مساطرنا الخاصة في تحديد درجة انحراف الآخرين عن خطوطنا المستقيمة دون أن نحاول دراسة التحولات، التي يمكن حين العودة إليها، أن تضبط أحكامنا في مساحة الموضوعية التي لا تسلبها المشاع والأخلاقيات المطلقة قدرتها على ان تنجب الموقف الذاتي المرتهن بلحظته.

ثم أن علينا أن نتجرد من انحيازاتنا الفئوية أو همومنا الشخصية حين نقترب من دراسة هذه المواقف، لا لإنصاف من نحكم عليه وإنما لغرض أن نلتزم بقواعد البحث الرصين. ولعل امتحان قدرتنا على ذلك الالتزام إنما تعبر عن نفسها حينما نقترب من قضايا الخصوم قبل أن تعبر عن ذلك حين الحديث عن النفس أو الأخوة أو الأصدقاء، فالتاريخ الحقيقي، إن أريد له أن يُكتب بأدوات البحث العلمي الأخلاقي الرصين، يفرض علينا أن نبتعد به عن عين الود أوالرضا أو عين الانحيازات المسبقة والاسقاطات الفئوية أو الشخصية لأن ذلك سيسلم سفينتنا إلى قبطان لا يتقن فن مقارعة الأمواج الصاخبة. وما أكثر صخب الأمواج في بحارنا المكتظة بأسماك القرش و الحيتان المفترسة.

ولعلي لا أحمل تفسيراً للموقف الذي ارد الجواهري ان يسجله في عودته إلى إلقاء ذات القصيدة التي كان ألقاها في حضرة الوصي عبدالإله سوى ذلك الذي يقول أن شاعرنا العظيم كان أراد أن يُعَّبر، وهو على أبواب موتٍ قريب، من خلال وقفته أمام الملك الحسين بن طلال عن رؤيته الخاصة للملكية العراقية من خلال تفحص لما جرى بعد انهيارها.

غير ذلك اسمحوا لي أن أقول أن كل ما كان يحيط بالجواهري وقت إلقاء القصيدة، وكل ما كان لديه حينها من مال وجاه، كان يُمَّكِنه على عبور موقف كذاك، ولولا أنه آمن أن عليه دَيْناً أراد أن يرده لَما حشر نفسه في موقف مستفز لخصومه ومُحَّير لمحبيه.

ولست الآن بصدد التبشير بما يكون الجواهري قد آمن به في مسك ختام رحلته المبدعة الطويلة، لكني بكل تأكيد بصددالدعوة إلى التمعن الدقيق بموقفه. وقضيتي هنا لا تستهدف الدفاع عن الشاعر العملاق شخصياً ولا عن التجربة الملكية في العراق، وإنما تستهدف إيصال فكرة الموقف لا التفصيلة. سواء أخطأ الجواهري سياسيا حينها أم أصاب، يوم عاد عن تراثه الضد للملكية، فإن ما علينا أن نتعظ به هو شجاعة نقد الذات. ويوم يَقدِم رجل كالجواهري على العودة عن تاريخ طويل سجل فيه كل ما يحمل العداوة والبغضاء للملكية الهاشمية في العراق فلا بد أن يكون موقفه الجديد ذاك تعبيراً مجرداً عن قناعة أخلاقية وسياسية كان وصل إليها بعد رحلة عمر كان حافلاً بالعواصف والحرائق، وقد تكون تلك قناعة خاصة به، لكن ما يخصنا منها هو جانبها الموقفي الصحيح.

***

جعفر المظفر

تأمل في الكوميديا الالهية

وجود المرء غابة لا تؤتمن

فيها من الاهواء وحش يفتتن،

في الصدر الف ذئب كامن

وخنزير شهوة لا يستكن،

فاحذر نفسك كل حين

فيها الصلاح وفيها الفتن.

المصدر: مولانا جلال الدين البلخي الرومي، المثنوي

المعنوي، الدفتر الثاني. ترجمة من الفارسية.2449 William Blake

لا ينظر الرومي الى الانسان بوصفه جوهرا اخلاقيا مستقرا، بل باعتباره حيزا للصراع. فالوجود الانساني عنده ليس طريقا مستقيما، بل غابة كثيفة متداخلة، يسهل الضياع في مسالكها. في هذه الغابة تعيش قوى متناقضة؛ ذئاب ترمز الى العنف والافتراس، وخنازير تشير الى الشهوة والانغماس. ومع ذلك، لا يخلو هذا الوجود من الصلاح والخير. التحذير هنا ليس من الشر الخارجي، بل من التراخي امام تعقيد الداخل. فالرومي لا يدعو الى قتل الذئاب، بل الى معرفتها، ولا الى انكار الغابة، بل الى اليقظة داخلها.

تقدم لوحة وليام بليك مشهد الافتتاح الشهير من الكوميديا الالهية لدانتي، حيث يصور الشاعر تائها في غابة مظلمة تمثل الضلال الوجودي، يحاول تسلق تل تشرق عليه الشمس رمز الخلاص، لكن طريقه تعترضه ثلاثة وحوش. الفهد يرمز الى الشهوة والملذات الدنيوية، والاسد يرمز الى الكبرياء والعنف، والذئبة ترمز الى الجشع والطمع الذي لا يشبع. في الافق تظهر هيئة نورانية، يمكن قراءتها بوصفها تجسيدا للنعمة الالهية، وهي الحالة الروحية التي ستتجلى لاحقا في صورة بياتريس، ملهمة دانتي ومصدر نداء الخلاص. وقد ارسلت هذه النعمة الشاعر الروماني فيرجيل في مشاهد اخرى.

فيرجيل رمز العقل والحكمة الانسانية، ارسل ليقود دانتي في رحلته عبر العوالم الثلاثة.

ما يميز قراءة بليك لهذا المشهد ان الوحوش لا تبدو مرعبة بالقدر المتوقع. وليس ذلك لعجز في التصوير، بل لاختيار واع، فبليك بخلاف دانتي لا يجعل الجحيم مكانا نهائيا، بل حالة داخلية. الصراع هنا لا يدور بين الانسان والشيطان، بل بين الانسان ونفسه. هذا المشهد البليكي يعيدنا الى غابة الرومي ذاتها، حيث الوحوش الداخلية والنداء العلوي يتجليان في آن. وليام بليك، احد ابرز شعراء ورسامي المدرسة الرومانسية في انجلترا، ينتمي الى حركة فنية وادبية ظهرت كرد فعل على عقلانية عصر التنوير وجفاف الثورة الصناعية. رفع الرومانسيون قيمة الخيال والعاطفة والروحانية، وراى بليك ان العالم المادي ليس سوى انعكاس للعالم الروحي، وان الخيال هو بوابة الحقيقة المطلقة. وكانت رؤاه منذ طفولته مصدر الهامه الفني والفكري.

يقول ابو حامد الغزالي في كتابه احياء علوم الدين، في باب شرح عجائب القلب، ان النفس الانسانية مجمع صفات متضادة، وان تهذيبها لا يكون بالغائها بل بتربيتها. ويقول في معنى كلامه: ان من لم يعرف جنود نفسه لم يعرف طريق تزكيتها. فالغزالي يرى ان معرفة هذه القوى الداخلية شرط اساسي للسير في طريق التزكية، وان الصراع الداخلي ليس عائقا، بل هو ميدان العمل الروحي الحقيقي.

اما محيي الدين ابن عربي فيذهب ابعد من ذلك في فصوص الحكم، اذ يرى ان الانسان مرآة جامعة، يظهر فيها الحق والخلق معا، وان الصراع ليس خطأ في التكوين، بل شرطه. فالكمال لا يتحقق بالسلام الداخلي الساذج، بل بالقدرة على حمل التناقض دون انكار. يقول ابن عربي: "فان الحق تجلى لآدم في مرآة اسمه الجامع، فخلق الانسان على صورته، فكان هو العين الجامعة للحضرات كلها". فالانسان عنده هو البرزخ الجامع بين النور والظلمة، وبين الملائكي والحيواني، وهذا الجمع هو سر خلقه.

هنا نعود الى الرومي، لا بوصفه واعظا، بل شاهدا على هذه الحقيقة الوجودية. الغابة لا تغادر، والذئاب لا تختفي، لكن الانسان مدعو الى الا يسلم القيادة لاي منها. الرومي، وبليك، والغزالي، وابن عربي، جميعهم يلتقون عند فكرة واحدة: الانسان ليس معركة تحسم، بل معركة تدار. وإذا كان الصراع هو بنية الوجود الانساني لا عرضا فيه، فهل يكون الخلاص في الانتصار على النفس، ام في ان تصغي الى الغابة دون ان تتحول الى احد وحوشها؟!!!!

***

د. احمد عابر

لم يكن دخولي إلى بغداد عام 2003 مجرّد عبورٍ حدودي من الكويت إلى العراق، بل كان عبوراً بين زمنين. ثمانيةٌ وعشرون عاماً فصلت بين مغادرتي الأولى وعودتي تلك، بين دخولي مشياً على الأقدام عبر جبال كردستان عام 1981، ودخولي هذه المرة في موكبٍ من الأسئلة الثقيلة والدهشة المرّة. كان الطريق القديم طريق خوفٍ وأمل، أما الجديد فكان طريق ارتباكٍ وحنينٍ وانكسار.

في تلك الليلة الأولى، نمتُ في بيتٍ خشبيٍّ صغير داخل باحة القصر الجمهوري، كأنني ضيفٌ مؤقت على ذاكرةٍ أوسع من قدرتي على الاحتمال. وفي صباح اليوم التالي، انتقلتُ إلى فندق الرشيد في المنطقة الخضراء؛ اسمٌ فخمٌ يختزن زمناً آخر، لكن محيطه كان يوحي بأن الفخامة صارت قشرةً رقيقة فوق واقعٍ مضطرب.

لم يكن يفصل الفندق عن مقر عملي في قصر المؤتمرات سوى شارعٍ واحد، غير أنّ الشارع لم يكن عادياً؛ كان ممرّاً لاحتلالٍ كامل. جنودٌ أجانب بأحذيتهم الثقيلة وخوذهم الخاكية، بنادقهم مشرعة، وأعينهم حذرة. كنتُ أعبر بينهم كمن يعبر في حلمٍ لا يدري إن كان سيستيقظ منه أم سيظلّ عالقاً في تفاصيله.

الحرارة لاهبة، والشمس قاسية، وبغداد - دار السلام - بدت كأنها تئن تحت طبقاتٍ من الرمال.

كنتُ أفتّش في وجوه الناس عن أثر المدينة التي عرفتها. رأيتُ حزناً صامتاً، وغضباً مكتوماً، وحنيناً عجيباً إلى ماضٍ لا يعود. النوستالجيا لم تكن كلمةً مستوردة، بل حالةً يومية تتسلل من نظرات العابرين ومن ارتباك خطواتهم. ولا أعرف شعباً يحمل وطنه في صوته كما يفعل العراقيون؛ كأن العراق ليس أرضاً فحسب، بل ذاكرةً تسكن الحنجرة.

وأنا أتنقل في الشوارع، شعرتُ أن بغداد لم تُهزم مرةً واحدة، بل هُزمت مراراً: في كل حربٍ مرت عليها، وفي كل حصار، وفي كل غزو. عمارات مثقوبة بالرصاص، وأعمدة متآكلة، وإشارات ضوئية لا يلتفت إليها أحد، وسيارات تعاند الأرصفة، وآليات عسكرية تشق الطريق ببطءٍ ثقيل. الزحام كبير، لكن الوحدة أكبر. والضجيج عالٍ، لكن الصمت في الداخل أشد.ّ

كنتُ أتساءل: متى تعود بغداد إلى وعدها الأول؟ متى تصير مدينةً للحياة لا مسرحاً للنجاة؟ متى يتحرر اسمها من صور الدبابات ليعود مقروناً بالعلم والشعر والنهر؟

-2-

بعدها زرت بغداد مرتين. المرة الأولى في تشرين الثاني عام 2023 لحفل توقيع كتابي "إيفين.. حفرٌ في الذاكرة" الصادر (عن داري الرواق وأهوار للنشر والتوزيع). والثانية في شباط 2026 لحفل توقيع كتابي "غيمري.. كدّتُ أصبح إماماً" الصادر (عن دار المدى للإعلام والثقافة والفنون). وفي كلتيهما دخلت بغداد وبيدي كتاب لا حقيبة قلق.

غير أن الدخول الأخير كان دخولاً إلى قلبٍ نابض، لا إلى منطقة محصنة. ففي المتنبي، شعرتُ أن بغداد ما زالت تتنفس. الكتب مصطفّة، والباعة ينادون، والقرّاء يتجادلون، والوجوه تحمل فضولاً حيّاً. هناك، تحت ظلال الأبنية القديمة، بدا لي أن الثقافة ليست ترفاً، بل مقاومة. أن تبيع كتاباً في بغداد، هو أن تزرع شجرةً في أرضٍ عرفت الحرائق.

وأنا أوقع كتابي في المتنبي، كنتُ أرى في الوجوه المشرقة شغفاً لا ينطفئ رغم كل شيء، فأدركتُ أن بغداد  التي يزدحم فيها الناس حول كتاب، لا يمكن أن تموت. فيها شيءٌ من دجلة؛ قد يعكر ماؤه، وقد يفيض أو ينحسر، لكنه لا يتوقف عن الجريان. غير أن الجريان وحده لا يكفي. فالنهر يحتاج إلى ضفتين تحميانه، كما تحتاج المدينة إلى وعيٍ يحرسها.

في المتنبي حيث يتجدد النبض، لا تشعر أنك في شارع، بل في فكرة. الكتب ممدودة كأذرع مفتوحة، والقرّاء ينتقلون بين العناوين كما ينتقل النحل بين الأزهار. هناك، شعرتُ أن بغداد ما زالت تحتفظ بقلبها الثقافي، حتى لو تكسرّ جسدها العمراني. وأنا أغادر المتنبي في مساء التوقيع، شعرتُ أنني لم أوقع كتاباً فحسب، بل أوقعت شهادة حب لمدينة أعرف عيوبها كما أعرف فضائلها. مدينة خانتها السياسة، وأرهقتها الحروب، لكنها ما زالت قادرة على أن تدهشنا.

في أزقة بغداد، تذكرتُ أن هذه المدينة لم تكن يوماً هامشاً في التاريخ، بل كانت متنه. منذ أن أسسها أبو جعفر المنصور لتكون "مدينة السلام"، وهي تحاول أن تبرّر اسمها أمام العواصف. هنا، في زمنٍ بعيد، كان بيت الحكمة؛ هنا تُرجمت الفلسفات، ونُقلت علوم اليونان، وصيغت أسئلة جديدة للوجود. هنا، كان العالم يأتي لا ليغزو، بل ليتعلم.

لكن المفارقة اليوم موجعة. فبين بغداد التي كانت مركز إشعاعٍ حضاري، وبغداد التي تكافح لتوفير كهرباءٍ مستقرة ومياهٍ نقية، مسافةٌ لا تُقاس بالكيلومترات، بل بالرؤية. المدينة تبدو وكأنها ترتدي ثوبين في آنٍ واحد:

ثوب الماضي المطرّز بالمآذن والكنائس والقباب والنقوش، وثوب الحاضر المرقّع بالفوضى العمرانية والإهمال.

نعم، ثمة محاولات تجميل: في شارع الرشيد تُرمّم بعض الأبنية، ويُستعاد بغض الذاكرة، وتُعاد الحياة إلى شرفاتٍ كانت شاهدة على زمن ملكّي أنيق. تُشيّد مولات حديثة، وتعلو عمارات زجاجية، وتزدحم الطرق بمشاريع متفرقة. لكن المدينة ليست واجهات، المدينة روح. بغداد لا تحتاج إلى مزيدٍ من الإسمنت بقدر ما تحتاج إلى رؤية. لا تحتاج إلى أبراجٍ أعلى، بل إلى جذورٍ أعمق. لا تحتاج إلى ضوءٍ عابر، بل إلى مشروعٍ طويل النفس يعيد وصل ما انقطع بين الأمس واليوم.

وإذا خرجتَ قليلًا نحو عمق التاريخ العراقي، بدا السؤال أكبر. في آثار بابل، حيث مشت مواكب نبوخذنصر الثاني، يقف الحجر شاهداً على مجدٍ عظيم، لكنه يفتقد الرعاية التي تليق به. وفي زقورة عقرقوف، تقف الزقورة وحيدةً كراهبةُ طينٍ تصلي للزمن كي لا ينساها. المشكلة ليست في تهدّم جدار، بل في تصدّع المعنى. فحين تفقد الأمة علاقتها بتاريخها، يصبح المستقبل مشروعاً مؤجَّلاً.

في كل مرة أكون في بغداد، أشعر أنني لا أمشي على أرضٍ فحسب، بل أمشي فوق طبقاتٍ من التاريخ، كأن كل حجرٍ فيها يخفي حكاية، وكل زقاقٍ يهمس باسم شاعرٍ أو خليفةٍ أو عالم. كانت المدينة يوماً عاصمة الدنيا، ومركز إشعاعٍ حضاري لا تغيب عنه الشمس، يوم أسّسها أبو جعفر المنصور لتكون "مدينة السلام"، فإذا بها تصير مدينة العلم والفلسفة والترجمة، وملتقى الشرق والغرب. على ضفاف دجلة، كانت المآذن تتعانق مع القباب، والأسواق تضج بالحياة، والكتب تُباع كما تُباع الأرغفة.

لكن بغداد اليوم، حين تتأملها بعينٍ حزينة، ترى مفارقةً موجعة بين الأمس واليوم. ترى آثار الجمال والحضارة شاخصةً كأطلالُ مجدٍ بعيد، بينما تتكدس حولها تشوهات الحاضر: شوارع مكتظة، وبنايات بلا روح، وفوضى عمرانية، وبنية تحتية تئن تحت ثقل الإهمال وسوء التخطيط.

الخراب ليس في الواجهات وحدها، بل في العمق؛ في شبكات الماء والمجاري، في الكهرباء، في التخطيط الحضري، في غياب رؤية تحفظ الهوية قبل أن تستنسخ نماذج بلا جذور. ليس الخراب في تهدم الحجر فحسب، بل في غياب الوعي. فالأمم التي لا تصون ذاكرتها، تفرط في مستقبلها. وما يبدو إهمالاً عابراً، قد يتحول مع الزمن إلى طمس متعمد للهوية، أو إلى قطيعة مع تاريخ كان يوماً مصدر فخر واعتزاز.

بغداد لا تحتاج إلى مولٍ جديد بقدر ما تحتاج إلى رؤيةٍ تحترم روحها. لا تحتاج إلى أبراجٍ زجاجية بقدر ما تحتاج إلى ترميم بيوتها التراثية، وإحياء أزقتها، وصيانة آثارها، وتعليم أبنائها أن هذه المدينة ليست مجرد عاصمة، بل فكرة حضارية.

ستبقى بغداد، رغم كل شيء، مدينةً عصيّة على الموت. فيها شيءٌ من دجلة؛ قد يتكدّر ماؤه، لكنه لا يتوقف عن الجريان. غير أن الجريان وحده لا يكفي. فإما أن نستعيد ألق الماضي بعقلٍ معاصر ومسؤوليةٍ تاريخية، وإما أن نظل نرثي مدينةً كانت يوماً قلب العالم… وأصبحت اليوم تبحث عن قلبها.

***

جورج منصور

في أواخر القرن التاسع عشر، وتحديدا سنة 1866، تقدم العالِم والموظف السامي الياباني هيسوكا ميجيما Hisoka Maegima باقتراح للتخلي عن الرقوم الصينية المستخدمة في اليابان منذ ألف عام. وعبّر عن إدانته للكتابة الصينية بالقول" إن الصين امبراطورية ذات كثافة سكانية ومساحة شاسعة، ومع ذلك مازال شعبها بربريا، ومازال يعاني الإذلال على يد القوى الغربية. ويكمن سبب ضعفها الحقيقي في كتابتها الرسومية الفكرية، فهي تشكل عقبة أمام التعليم الشامل لشعب الصين".

 تأثر الإصلاحيون داخل الصين بالموقف الياباني، فدعوا للتخلي عن تلك العلامات الخطية المقدسة، باعتبارها سببا للهزائم التاريخية. كتب الموظف السامي في التربية لدى حكومة سلالة ال"كينغ" زهانغ هيلينغ قائلا:" إن كتابتنا تشكل حاجزا بين الأشياء والعقل، مثل القفل العصي الذي لا يكون فتحه في متناول جميع الناس، وعلى سبيل المقارنة فإن البلدان التي تستخدم الكتابة السهلة، تنعم بتقدم محقق على بلدنا، كتقدم التلغراف على البريد الذي يستخدم حصانا".

تعد الكتابة الصينية أقدم نظام للكتاب يستخدمه ربع سكان العالم منذ أربعة آلاف سنة حتى اليوم. وخلال هذا العمر الطويل لم يشهد سوى تعديلات طفيفة لم تؤثر على جوهره الفعلي. أما البداية الحقيقية لهذا النمط من الكتابة فمن الصعب تأكيدها، لأن أقدم ما عُثر عليه، ابتداء من سنة 1898 حتى حفريات مقاطعة هينان سنة 1928، هو كتابات منقوشة على ألواح برونزية، وعظام حيوانات، وأوعية وأواني كانت تستخدم للتنجيم خلال الفترة الممتدة بين القرنين الخامس عشر والثاني عشر قبل الميلاد.

تضمنت النقوش المبكرة رسوما حسية بخط قديم يدعى "غو-فين"، لكن بعد اختراع ريشة الكتابة ظهر نموذج الكتابة النظامي العادي حوالي سنة 400 ميلادية، والذي حافظ الصينيون على طابعه العام حتى بعد اختراع الطباعة.

ويعد هذا النموذج من الكتابات الصعبة، نظرا لأشكاله التي تعد بالآلاف؛ فالكتابة الصينية تستعمل حرفا أو رسما واحدا لكل كلمة، لذا يحتاج القارئ العادي لأن يعرف ثلاثة آلاف رسم منها لقراءة النصوص العادية، بينما تحتوي القواميس والمصادر المرجعية على أزيد من أربعين حرفا إذا أضيفت الألفاظ النادرة. إلا أنها تحقق فائدة عملية في بلد تبلغ لهجاته المحلية حوالي مئة، بشكل يجعل التفاهم الشفهي شبه مستحيل. فالكتابة تدون المفهوم بالرمز نفسه حتى وإن اختلف لفظه من لهجة إلى أخرى.

تقوم البنية الداخلية للكتابة الصينية على رسوم تُعبر عن مفاهيم، دون الارتباط بعلاقة صوتية. فالغابة يعبر عنها برسم شجرتين، وفعل "تحدث" برسم فم يخرج منه الزفير، وكلمة "وسط" برسم قرص وسهم، وهكذا. ثم تمت لاحقا إضافة رموز ذات عناصر صوتية تسمح باستخدام الرسوم للدلالة على مفاهيم مجردة.

تتميز الكتابة الصينية بخصائصها الفنية والأسلوبية، فالكلمات تشغل مربعات وهمية متساوية المساحة، ويتولى الخطاط ضغط اللمسات التي يتضمنها الحرف لتلائم الشكل المربع. وسرعان ما أصبحت خطوط الرسوم الأنيقة جزءا لا يتجزأ من التصوير الصيني، كما اندمجت مع مكونات الهندسة المعمارية، لتضفي على القصور والمعابد إحساسا فائقا بالمهابة والجلال.

أما اتجاه الكتابة فيسير من أعلى إلى أسفل في مربعات مرتبة فوق بعضها على شكل أعمدة متوازية. ويرجع سبب هذا النمط من الترتيب إلى شرائح قصب البامبو التي اعتمدها الصيني القديم لوحا للكتابة، والتي لا تتسع لأزيد من حرف واحد وطولها لا يتجاوز عشرين سنتيما.

قبل أن يكتشف الصينيون الورق استخدموا شرائط أعواد البامبو، ودروع السلاحف، وألواح الخشب. كما اعتمدوا الحرير لكونه لينا ومناسبا لتدوين النصوص الطويلة. وفي سنة 105 ميلادية اكتشف تساي لون طريقة أفضل وأرخص لإنتاج الورق، تعتمد على طحن لحاء الشجر، والخِرق البالية، وشباك الصيد القديمة، ثم تكوين عجينة يتم فرشها وتجفيفها للحصول على شرائح رقيقة ومتينة.

أما أدوات الكتابة فكان يُستعمل في الغالب قلم مصنوع من عود البامبو، إلى أن اكتشف الزعيم العسكري مينغ تين فرشاة " بي"، وهي فرشاة مصنوعة من وبر الجِمال، تُناسب الكتابة على الحرير والورق. فكان لاستخدامها أثر كبير على الخط الصيني الذي أصبح فنا حقيقيا.

إن الارتباط القوي للصيني بكتابته لم يمنعه من التعرف على نظم كتابة سهلة ومبسطة، لتجاوز التعقيدات التي تطرحها الكتابة الصينية، خاصة فيما يتعلق بترجمة الكلمات الأجنبية. لذا شهدت الصين منذ عدة قرون، محاولات للانتقال من نظام الكتابة بالكلمة، إلى الكتابة الصوتية ذات الطابع المقطعي.

في الفترة ما بين القرنين الخامس والسادس الميلادي، ظهرت منظومة "فان تسي" لقراءة أصوات الرموز النادرة. فكانت الكلمة تقسم إلى مقطعين على نحو شبيه بالكتابة المسمارية.

وفي سنة 1913 ميلادية تأثر الصينيون بالكتابة اللاتينية التي حملها أفراد البعثات المسيحية، فوضعوا منظومة مقطعية تعتمد رموزا في غاية البساطة، وأسموها " تشوين-تسيزيمو" أي الأبجدية الوطنية، وكان اتجاه الكتابة أفقيا، من اليسار إلى اليمين، كما هو الشأن في الكتابات الأوربية. لكن تلك الجهود لم تكلل بالنجاح المطلوب، لأن اعتماد كتابة جديدة يعني ببساطة انقطاع صلة الصيني المعاصر بتراث أسلافه.

إن السخط الذي عبّر عنه بعض المثقفين أواخر القرن التاسع عشر إزاء نظام الكتابة الصينية، ارتبط أساسا بنظرة الأوربيين المتعالية، ومحاولتهم ربط التقدم بمراجعة السياسة اللغوية للبلد. ومن الأفكار التي أثرت في المشهد الثقافي ما روج له الإرسالي الأمريكي آرثر سميث من أن نظام الكتابة للغة الصينية يسبب تشويشا في العقل، تماما مثلما تفضي حرارة الصين إلى القيلولة!

غير أن التكنولوجيا الحديثة ستحسم الموقف لصالح الرموز المهيبة، فالحاسوب اليوم أوجد حلا لنظام الكتابة على الشاشة، بل ذهب بعض المتحمسين إلى القول أنها أفضل من الحروف الأبجدية، لأنها تُعلّم اللغة بالصورة، وبالتالي فهي لغة جمالية مشبعة بالقيم الإنسانية. أما على مستوى التقنية الحديثة فهي تسمح بتكثيف جيد للمعلومات ونقل الرسائل.

في مؤلفه (قصة الحضارة) يدافع ويل ديورانت عن إحدى أهم خصائص الكتابة الصينية، وهي أنها سمحت للأمي بأن يقرأ الأدب الصيني الذي ظل يُكتب بهذه الحروف نحو ألفي سنة كاملة. وشكلت بذلك عاملا قويا للاحتفاظ بالثقافة الصينية، وتمسك أهلها بعاداتهم وتقاليدهم، فكانت من أجلّ الأعمال العقلية، وأعلاها شأنا.

***

حميد بن خيبش

............................

إحالات:

- ويل ديورانت: قصة الحضارة. المجلد الرابع

- يوهانس فريدريش: تاريخ الكتابة

- آن شينغ: الفكر في الصين اليوم

«يا عبد قف بين يدي وحدك لا بعلم ولا بعمل ولا برؤية…»

محمد بن عبد الجبار النفري

كتاب المواقف والمخاطبات (المخاطبة الاولى)

بهذا النداء العاري يبدأ النفري لا بوصف ولا بشرح بل بايقاف الانسان في موضع لا يملك فيه سندا. الوقوف هنا ليس مكانا بل حالة تجرد من المعرفة بوصفها ضمانا ومن العمل بوصفه نجاة ومن الرؤية بوصفها طمأنينة. هذا الافق هو مفتاح النظر الى لوحة طوف الميدوزا لا باعتبارها حادثة بحرية بل باعتبارها موقفا بالمعنى النفري للكلمة. النظر الى النفري يقودنا اولا الى مدينته نفر (نيبور) عاصمة العبادة في ارض الرافدين حيث تداخل المقدس بالحياة اليومية وحيث تعلم الانسان منذ اقدم العصور ان يقف امام قوى اكبر منه، الالهة، الطبيعة، و المصير. من تلك الارض التي عرفت اول التقاويم الزراعية واقدم النصوص الطقسية خرج صوت النفري لا ليبني نسقا بل ليكسره بشرحه المواقف. كأن المدينة التي تعلمت الحساب والقياس انجبت رجلا قال حين تتسع الرؤية تضيق العبارة.2434 Tudor

وعلى مسافة قرون وجغرافيا يقف طوف خشبي فوق بحر لا يعد بشيء. رسم تيودور جيريكو هذه اللوحة في مطلع القرن التاسع عشر مستلهما حادثة غرق الفرقاطة الفرنسية ميدوزا سنة ١٨١٦، حين ترك اكثر من مئة انسان على طوف بدائي مات معظمهم جوعا وعطشا واقتتالا. لكن جيريكو لم يختر لحظة الغرق ولا لحظة النجاة بل اختار اللحظة الاشد قسوة لحظة رؤية السفينة في الافق دون يقين. هنا لا بطولة مكتملة ولا خلاص مضمون بل اجساد مرهقة تتراوح بين الاستسلام والالتزام الاخير بالفعل.

المشهد مشدود بين هرمين هرم الموت في المقدمة حيث الاجساد الساكنة وهرم الرجاء في الاعلى حيث ذراع مرفوعة نحو الافق. غير ان الرجاء هنا ليس وعدا بل احتمال. الطبيعة نفسها غير متعاطفة شمس حارقة بحر مضطرب سماء خانقة. كأن الكون يقول ببرود افعلوا ما شئتم فالنتيجة ليست في ايديكم.

من هذا الموضع يمكن استدعاء قول ابي حامد الغزالي «اعلم ان مفتاح معرفة الله تعالى هو معرفة النفس». على الطوف تنتزع النفس من كل زينة اجتماعية لا القاب ولا ادوار ولا اخلاق مؤطرة سلفا. يبقى الانسان مع نفسه عاريا في مواجهة سؤال بسيط ومفزع هل اتحرك ام اترك نفسي للموت. هنا تتحقق معرفة النفس لا بالتأمل الهادئ بل بالانكشاف القاسي. ليست المعرفة نظرا بل تجربة حدية يكتشف فيها الانسان ما الذي يبقى منه حين تسقط الضمانات. العمل هنا لا يقاس بنتيجته بل بنيته فالفعل لا يؤدى طلبا لثمرة بل استجابة لضرورة داخلية.

ثم يأتي صوت محيي الدين بن عربي بقوله «الصمت على قسمين صمت باللسان وصمت بالقلب». في اللوحة تتجاور هذه الاصناف من الصمت صمت الموتى حيث سكت الجسد والقلب وصمت الاحياء المرهقين حيث سكت اللسان وبقي القلب معلقا بالافق وصمت ثالث اعمق صمت الانتظار حيث يتجرد الفعل من الكلام ويصير الجسد نفسه دعاء ممدودا نحو البعيد. هذا الصمت ليس فراغا بل امتلاء لا تحتمله العبارة.

اما الجنيد البغدادي فيختصر حال هؤلاء بقوله «الصبر تجرع المرارة من غير تعبيس». لا شيء في اللوحة يوحي بالرضا ولا شيء فيها يدعي السكينة. ومع ذلك لا نرى استسلاما كاملا. الاجساد المنهكة ما زالت تتماسك والذراع المرفوعة لا تزال ترتجف لا لانها واثقة بل لانها ترفض ان تكون ساكنة. هذا هو الصبر الجنيدي لا تزييف للالم ولا ادعاء للطمأنينة بل احتمال المرارة دون انكارها.

غير ان هذه القراءة لا ينبغي ان تنقي المعاناة اكثر مما تحتمل. الفعل بلا ضمان ليس بطولة رومانسية دائما.

هنا تكمن انسانية المشهد ليس كل من لوح نجا وليس كل من صبر احتمل حتى النهاية. اللوحة لا تعد بالخلاص لكنها تشهد على لحظة التزام اخيرة بالفعل حتى حين يصبح الفعل نفسه عبئا.

وهكذا نعود الى النفري لا بوصفه خاتمة بل بوصفه اطارا كاملا للتجربة. اولئك الواقفون على الطوف هم صورة بصرية لقوله «قف بين يدي وحدك». وحدك بلا علم ينقذك وبلا عمل يعصمك وبلا رؤية تطمئنك.

***

د. احمد عابر

 

بين الآلية الصماء في الأداء وغياب العاطفة الجياشة

بات الذكاء الإصطناعي اليوم، قادرا على أداء مهام معقدة، تتطلب ذكاء بشريا لادائها، ولكنه مع ذلك، ظل يفتقر في ادائه، رغم سرعته، ودقته، إلى العاطفة الجياشة، والحس المرهف، الذي تتسم بهما الأعمال المناظرة، التي يقوم بادائها الإنسان.

فمن المعلوم أن الذكاء الإصطناعي يعتمد في ادائه الٱلي، على التغذية بالخوارزميات، والبيانات، في انظمته الحاسوبية، مما يجعله يفتقر في أداء مهامه، الى الشعور بالعواطف، والحس المرهف، كما هو الحال عند الإنسان.

ومع أن هذا الغياب للعاطفة، يمكن أن يكون ميزة للذكاء الإصطناعي، في بعض المجالات، مثل اتخاذ القرارات الصعبة، التي تتطلب التعامل مع البيانات الكبيرة، او القرارات الحدية، التي تتطلب موضوعية عالية، إلا أنها مع ذلك، تظل نقصا معيبا، في المجالات التي تتطلب فهما عاطفيا، وحسا وجدانيا، ومشاعر جياشة، مثل العلاقات الإنسانية، أو الإبداع الأدبي، والنتاج الفني.

وهكذا يكون الذكاء الإصطناعي بافتقاره الى خاصية الحس، والعاطفة، ٱلية صماء، حيث أنه يعمل وفق قواعد وبرامجيات محددة، تفتقر إلى خاصية التفكير الإبداعي، والحس الوجداني، مما يجعل نتاجاته الفنية والادبية، صماء، وٱلية مهما بدت جذابة.

وإذا ما كان ينتظر من الذكاء الإصطناعي أن يكون قادرًا على التعلم، والتكيف مع التغييرات، لتحقيق التوازن، بين غياب العاطفة الجياشة، والٱلية الصماء في الأداء، حيث ربما يمكن أن يتحقق ذلك، من خلال تطوير خوارزميات أكثر تعقيدًا، وتكاملًا، مع العلوم الإنسانية، في قادم الايام، إلا إنه ربما يظل عاجزا عن امتلاك الحس، ويظل يفتقر في نتاجاته العامة، الى العاطفة الجياشة.

***

نايف عبوش

يعتمد الرسام الأرجنتيني كلاوديو تناگلي في إنتاجه الإبداعي الفني على المواد المعادة استعمالها والتي تتوفر في الطبيعة من أقمشة وحتى قصاصات منً ورق الصحف القدية والصور القديمة في ايجاد مواضيع يربط بين الطبيعة واللون ويمزجها في ألوان بديعة كأنه يكتب الشعر.

التقيت به صدفة حيث كنت وصديقي رافاييل في زيارة إلى أرياف مدينة ملقا وهي منطقةً جبلية وعرة تفصل بين مدينة ملقا وغرناطة على الطرف الاخر من سلسلة جبال سيرانادا الشاهقة لكنها غابة خضراء بما طاب ولد من فواكه وأعناب وحمضيات واللوز الأندلسي الطيب المذاق.

وصنا هذه القرية لنحتسي القهوة في الكافيتريا الوحيدة المفتوحة في هذا اليوم الشبه الربيعي البديع وتحت شمسها الساطعة . ونحن نتجول في مركز القرية راعني وجود العديد من الأعمال الفنية من لوحات وتماثيل ونصب. ونحن في نزهتنا تلك فاذا برجل ذو شعر مجعد ابيض يتقدم الينا وكل وجهه رسم عليها ابتسامة واسعة ويتحدث الينا سائلا اهتمامنا بالتقاط الصور لتلك التماثيل.2426 clodis

ثم اصطحبنا إلى معرضه الشخصي في رحلةً خيالية والذي يقام في قاعة جميلة والظاهر ان البناية مركز ثقافي للشباب المسماة قاعة عرض مركز الفنون والتنمية في مدينة ألماشار الجبلية . تجول معنا في قاعة المعرض حيث لوحاته الجميلة التي تدخل البهجة والسرور إلى ارواح مشاهديها. هذه الرحلة الخيالية عبر ألوان وتفاصيلها الدقيقة نراه مع مجموعة من الأعمال الفنية كبيرة الحجم وأشياء عملية، كالأثاث، مصنوعة بجمالية فنية من مواد معاد تدويرها. تحدثنا طويلا مع اني لا افهم بالكامل الإسبانية لكني تمكنت فهم كلامه من سياق الحديث الذي دار حول القرية ونشاطها الثقافي وكونها قرية اشتهرت بتجفيف العنب (الزبيب) .

 تدوير المواد ظاهرة بدأت مع تكدس الكثير من القمامةً بعد السبعينات حيث بات كل منتج ذو غلاف بلاستيكي مما أدى إلى تلوث البيئة المحيط والأنهار والبحيرات وصولا إلى البحار. بدأ بذلك حركة شعبية في اوربا متمثلة بأصدقاء البيئة وكانت ألمانيا سباقة حتى لتأسيس حزب سياسي سمي بحزب الخضر. التلوث البيئي أدى إلى التفكير في إنتاج بضائع ومنتجات صديقة للبيئة ويمكن تدويرها بسهولة اي ترجع الى البيئة كما كانت دون اي تاثير كيماوي او سموم. هذه الحركة الشعبية نراه كذلك في الفنون وهنا ياتي دور الرسام الأرجنتيني كلاوديو في استخدام تلك المواد كمادة أولية لمواضيعي في لوحاته الجميلة.

وُلد الرسام في روساريو، الأرجنتين، عام ١٩٦٦، ويقيم في في مدينة ملقا، الأندلس منذ عام ١٩٨٧. تلقى تدريبه الفني في ورش عمل العديد من الرسامين، ويحمل شهادة في الهندسة الصناعية. وهو حاليًا عضو في الفريق الفني لشركة "سيبتيمو بيكسل" للإنتاج السمعي البصري، حيث يُطوّر أعماله الإبداعية.

تقرء في مقدمة تعريفه للمعرض ما يلي؛ "من بين الاتجاهات والتقنيات والتخصصات المختلفة التي تشكل النطاق الواسع للفن المعاصر، نجد أحد أهم مظاهره، ربما لأننا لا نشير فقط إلى الجودة الجمالية، ولكن إلى إعادة صياغة المعنى النفعي للأشياء والمواد التي يحولها كلاوديو تيناجليا إلى وسائل تعبيره. في بحثه الدائم عن الجمال، يركز الفنان نظره على الأشياء والأدوات اليومية التي يعيد تدويرها وتحويلها، وبالتالي يبني لغة فنية منفصلة عن الواقع"

ان إنسان المجتمعات المعاصرة يحتاج إلى الوقوف والتأمل علىً مجمل الحوادث البيئية في زحمة انشغاله بأمور الحياتية من العمل والسعي من اجل لقمة العيش والإرهاق المستمر والإجهاد في العمل.

تلك اللحظات التأملية يقدمها لنا الرسام كلاوديو وكانّه يدعونا ان ننسى كل ما حولنا كي نتأمل ما يحصل في بيئة المحيط. لكن استخدامه لألوان الطبيعة يعطي انطباعاً بأننا نتجول حالمين في غابة ساحرة من الألوان.

***

توفيق رفيق آلتونچي - الأندلس

....................

* للمزيد حول الرسام راجع صفحته على الانستغرام ؛

@CLAUDIOTENAGLIA66

حين تدنو خطى الشّتاء، وتخلع السّماء وقارها الأزرق؛ لتكتسي برداء من الغيم المكتنز بالوعود، يولد في قلبي شعورٌ عتيق، يشبه حنين المسافر لبوصلته الضّائعة، فالشّتاء هو طقسٌ روحيّ، وحالة من الاسترجاع الوجدانيّ، تعيد ترتيب شتات النّفس أمام صرير الرّيح وجبروت المطر.

تأمّلوا معي ذلك المشهد؛ حيث يتواطأ العالم الخارجيّ في ثورةٍ عارمة من الصّقيع، وتئنّ الرّياح خلف النّوافذ، وتلوذ أنت بملاذك الآمن.

هناك.. في تلك الزّاوية الدّافئة، حيث ينسج الضّوء الخافت خيوطا من السّكينة، تشعر بأنّك في قلب الوجود وحصنه المنيع. هي لحظة التباين الوجوديّ الفاتنة؛ فكلّما ازداد الخارج قسوة، زاد في الدّاخل منسوب الطّمأنينة، وكأنّ البرد مرآةٌ نصقل بها معنى الأمان.

إنّ لصوت المطر حين يقرع زجاج النّوافذ إيقاعا فريدا؛ فهو الضّجيج الورديّ الّذي يغسل ضوضاء الأفكار، ويهدّئ من روع العقل القلق، هو لغة كونيّة تخاطب فينا غريزة الاستقرار، وتعيدنا إلى الرّحم الأوّل حيث الدّفء المطلق والسّكينة الّتي لا يقطعها صخب.

بالنّسبة لي، في هطول المطر نوع من العزلة الاختياريّة المقدّسة؛ فهو العذر الّذي تمنحنا إيّاه الطّبيعة لنكفّ عن الرّكض خلف ترهات الحياة، لنجلس وجها لوجه أمام ذواتنا، محاطين بدثارٍ من الصّوف وفنجان من الألفة.

هذا العشق هو احتفاءٌ بمفهوم اللّحظة الصّغيرة، إذ يُستخرَج الجمال من سكون المنزل وعطر الشّتاء المعتّق.

إنّك حين تعشق الدّفء المنزليّ وسط عواصف الخارج، تمارس طقسا من طقوس الاستشفاء، حيث يصبح البيت وطنا صغيرا، وتصبح الحرارة المنبعثة من زواياه صلاةً صامتة في محراب الهدوء.

يا له من ترفٍ باذخ، أن تكون في قلب العاصفة وتكتفي بعذوبة صوتها، هو انتصار صامت للإنسان على الطّبيعة، والحوار الأجمل بين قلب يبحث عن السّلم، وفصل يضجّ بالصّخب، فالشّتاء هو الموسم الّذي تنبت فيه الأرواح في الدّاخل، حين تجفّ الأشجار في الخارج، ليبقى المنزل هو القصيدة الّتي لا تنتهي قوافيها.

في هذه اللّحظات الّتي يهطل فيها المطر بغزارة، تصبح الكتابة عندي فعلا شبيها بالصّلاة؛ فمع كلّ قطرة تقرع زجاجي، تولد فكرة كانت غافية في أعماقي. هذا الدّفء المحفوف بزمهرير الخارج يصهر الجليد عن لسان قلمي، فأجد حروفي تنساب بسلاسة، وكأنّ الرّيح في عصفها تكنس غبار التّشتّت عن عقلي، تاركةً لي صفاءً ذهنيّا خالصا. وفي عقر سكينتي، تتحوّل الورقة البيضاء إلى ميدانٍ لترميم ذاتي، وتغدو الأبجديّة وسيلتي الأرقى لتجسيد ذلك الإحساس الّذي أشعر به، فأكتب ما تفيض به روحي من صدق الشّعور والرّؤية.

هذه المتعة الّتي تنتابني وأنا أخطّ كلماتي في كنف هذا الطّقس الجميل تفوق الوصف؛ فهي مزيج من شعور المنتصر الّذي استأنس بالوحدة، والمبدع الّذي وجد في صخب العاصفة إيقاعا لقصيدته.

الكتابة في حضرة الشّتاء هي خلقٌ من نوع آخر ، حيث تتنفّس الأفكار تحت الغطاء الصّوفيّ، وتنمو الصّور البيانيّة كما تنمو الأزهار في الرّبيع؛ فأتوحّد مع قلمي لأخلّد هذه الدّهشة الحسيّة، جاعلةً من المطر ملهما أبديّا لي، وقدرةً خاصّة لاستحضار الجمال من قسوة الشّتاء، فأستبدل صوت الرّيح بترانيم القلم.

بذات الرّوح الّتي تستشعر الأمان خلف الجدران وتسكب الحروف حرارةً في ليل البرد، نرسل الأماني عاليا؛ لعلّها تلامس أطراف تلك الخيام الباردة، حاملة معها أصدق الرّجاء بالسّكينة والسّلام.

ليت هذا المطر الّذي يطرق الوجود يتحوّل إلى غيثٍ يغسل الأوجاع، ويمرّ سلاما رقيقا على الأجساد المتعبة، ليبعث فيها دفئا معنويّا لا تملكه المدافئ، ويمنح الأرواح أمانا عصيّا لا تهزّه الرّيح مهما عصفت.

هي دعوةٌ لأن يشرق النّور في تلك الزّوايا المنسية، ولأن تظلّ خيوط الأمل دثارا لا يبلّله الصّقيع، وسياجا يحمي الأحلام من قسوة الشّتاء.

***

صباح بشير

 

(لمحات جمالية في بنية النص الشعري)

في كتابه الجديد (لمحات جمالية في بنية النص الشعري) بطبعته الأولى لعام ٢٠٢٦، الصادر عن دار سومر للطباعة والنشر، في الشرقاط، محافظة صلاح الدين، العراق، يعتمد الاستاذ الدكتور ابراهيم دراسة نقدية تطبيقية، لقصائد مختارة، لعدد من الشعراء المعاصرين، في ١٥٧ صفحة، بمقدمة، وتمهيد، وقائمة بالمصادر العربية، والاجنبية.

ويأتي الكتاب دراسة متخصصة متأنية، لتلك النماذج من القصائد المختارة، لعدد من الشعراء المعاصرين، تتناول الشعرية في تلك القصائد، والألسنية، والصور البلاغية، التي ارتكزت عليها تلك القصائد، في بناء نصوصها، كما يقول المؤلف في مقدمة الكتاب.

لقد ابدع الكاتب حقاً، عندما تناول النصوص بالنقد العلمي، والغوص المهني، في مفردات بنية القصائد موضوعة بحث الكتاب، وما تضمنته من صور، ورموز، ودلالات بلاغية .

وفي هذا الإصدار الابداعي، غاص الكاتب بمهنيته الأكاديمية المتمكنة، في عمق محتويات تلك القصائد، نظما، وتوظيفا للمفردة، وبشكل يشد القاريء للإعجاب بمنهجية تناوله المقتدرة، والتفاعل مع هذه الاسلوبية الرصينة، في النقد الأدبي للنصوص الشعرية.

ولعل الكتاب بمنهجيته المهنية الجميلة، يلفت الإنتباه إلى أهمية النقد الادبي في توكيد اصالة النصوص الشعرية، وبلاغة مضامينها، للحفاظ على هوية الشعر، واللغة، من المسخ، والتشويه، بتداعيات العصرنة الصاخبة بجوانبها السلبية، والتاسيس لعملية ترادف جادة، بين رعيل الشعراء الأوائل، والاجيال المعاصرة، تقوم على التواصل الأدبي، والإستلهام الواعي، في النظم الابداعي، والقريض الرصين، وليس مجرد النسخ، الذي يقتل روح الإبداع، او المسخ، الذي يشوه جماليات النصوص.

ولاريب أن تأليف هذا الكتاب، بهذه المنهجية العلمية٫ سياخذ مكانه في الساحة الادبية، والثقافية، بجدارة، ليكون مرجعا للباحثين، والدارسين، والنقاد، وليسد فراغا لمثل هذا النوع من الدراسات الجادة.

***

نايف عبوش

قراءة في لوحة «العذراء المباركة» لدانتي غابرييل روسيتي

يخطئ من يظن أن الشوق حالة طارئة يولدها الغياب، أو أن الحب ينتهي حين يضع الموت حدا للعلاقة بين العاشقين. فالشوق، في أعمق تجلياته، لا ينشأ من الفقد بل من المعرفة، ولا يظهر إلا بعد أن يكون الوصل قد تحقق على مستوى يتجاوز الحس والزمن. من هنا يمكن قراءة لوحة دانتي غابرييل روسيتي «العذراء المباركة» ليس بوصفها مشهدا رومانسيا حزينا، بل بوصفها تأملا بصريا في مفارقة قديمة: كيف يمكن للنعيم أن يتجاور مع الألم، بل أن يتغذى عليه.

أنجز روسيتي لوحته في أواخر القرن التاسع عشر، في سياق فني كان يبحث عن الروح وسط عالم آخذ في التصنيع والتشييء. لكن اللوحة، على الرغم من انتمائها التاريخي الواضح، تفتح سؤالًا يتجاوز زمنها: هل الخلاص حالة خالية من التوتر، أم أنه وعي حاد به؟2423 ahmad

تنقسم اللوحة ظاهريا إلى عالمين: علوي وسفلي، سماوي وأرضي. غير أن هذه القسمة تخادع النظر. فالعذراء المباركة، المتكئة على شرفة من ذهب في السماء، لا تبدو غارقة في نعيم مكتمل. نظرتها ليست نظرة من وصل واستراح، بل نظرة شاهد يرى أكثر مما يحتمل. إنها لا تقف بين عالمين، بل في ذروة وحدة موجعة: وحدة تعرف فيها أن الحب لم يفقد، لكنه لم يستكمل بعد في صورته النهائية.

هنا يصبح الشوق ليس دليلا على النقص، بل أثرا للزيادة. وهو المعنى الذي عبر عنه محيي الدين بن عربي حين قلب العلاقة المألوفة بين العذاب والنعيم، قائلًا إن ما نسميه عذابا إنما هو قشر يخفي في داخله لبا من العذوبة. فالألم في التجربة الروحية ليس نقيض الرحمة، بل حارسها. القشر لا يلغى، لأنه صائن لما تحته. بهذا المعنى، فإن شوق العذراء في اللوحة ليس اعتراضا على النعيم، بل دليل عليه. إنها لا تتألم لأنها محرومة من الحب، بل لأنها واعية لاستمراره خارج مقاييس الزمن الأرضي.

أما الوجوه الملائكية الثلاثة التي تتوسط اللوحة، فليست عناصر عزاء بالمعنى البسيط، بل مرايا لثلاثة مستويات من الإدراك: إدراك النعيم، إدراك الفقد، وإدراك السؤال المفتوح الذي لا يغلق. إنها تمثيل بصري لحالة الوعي المنقسم على نفسه، حيث تتداخل الخبرة الإنسانية بين الخير والشر، الرغبة والخوف، الوصل والفراق. وهي الحالة نفسها التي يرى فيها أبو حامد الغزالي شرطا للتطهير.

فالغزالي لا يفهم الشر والخير كخيارين منفصلين، بل كعجين واحد لا يفصل إلا بالنار. إما نار الندم أو نار الهلاك. والندم هنا ليس شعورًا أخلاقيًا عابرا، بل احتراق معرفي: لحظة يرى فيها الإنسان ذاته دون أقنعة. في ضوء هذا الفهم، يمكن قراءة المسافة بين السماء والأرض في لوحة روسيتي كنار صامتة، نار لا تحرق الجسد بل تصفي المعنى.

العاشق الأرضي الممدد في أسفل اللوحة ليس ضحية الفقد، بل متدرب على الوعي. استلقاؤه على الأرض ليس سقوطا، بل تواضع وجودي، طور من التهيئة يتحول فيه الألم من صدمة إلى طريق. فالألم الذي لا يقود إلى تحول هو عذاب، أما الألم الذي يعيد توجيه القلب فهو رحمة متخفية.

بهذا كله، لا تعود «العذراء المباركة» لوحة عن الحب المستحيل، بل عن الحب الذي لم يكتمل شكله الزمني بعد. العذاب الذي نراه ليس علامة لعنة، بل دليل حياة. وهو ما يجعل اللوحة، على الرغم من عمرها، شديدة المعاصرة في زمن يسعى إلى تخدير الألم بدلا من فهمه.

تذكرنا هذه اللوحة، كما تذكرنا نصوص ابن عربي والغزالي، بأن بعض أنواع النار ليست عقابا، بل تطهيرا. وأن الشوق حين يبلغ ذروته لا يناقض النعيم، بل يكشف عمقه. فالعذراء المباركة ليست مباركة لأنها بلا ألم، بل لأنها لم تحاول النجاة منه.

***

د. احمد عابر

تأمل في الخوف بوصفه يقظة اخلاقية

(هكذا، فان الخوف من الخطر اكثر ارهاقا بعشرة الاف مرة من الخطر نفسه عندما يبدو للعيان؛ ونجد ان عبء القلق اكبر، بكثير، من الشر الذي نقلق بشأنه)... دانيال ديفو، روبنسون كروزو

ليس الخطر هو ما ينهك الانسان اولا، بل توقعه. فالشر، حين يتجسد امام العين، يصير محدودا، قابلا للمواجهة، واما الخوف حين يسكن الداخل فانه يتسع ويتضاعف ويتحول الى عبء ثقيل يسبق الحدث وربما لا يحتاج اليه اصلا. وليس هذا الخوف حالة استثنائية مرتبطة بالمواقف القصوى فحسب، بل هو اكثر اشكال المعاناة الانسانية شيوعا في الحياة اليومية، حيث ننهك انفسنا بما قد يحدث اكثر مما ننهك بما يحدث فعلا. بهذا التمييز الدقيق بين الخطر الموضوعي والخوف الذاتي، يمكننا ان نقترب من لوحة "المهد" لبيرت موريسو، ليس بوصفها مشهدا عاطفيا عن الامومة، بل بوصفها تاملا بصريا عميقا في القلق الانساني، وفي الكيفية التي يمكن للخوف فيها، حين ينبع من الحب، ان يتحول من عبء نفسي الى يقظة اخلاقية.2413 ahmad

تنتمي اللوحة الى المدرسة الانطباعية، غير انها تمثل جانبها الاكثر صمتا وتاملا، بعيدا عن انشغالها المعتاد بالضوء والمناظر المفتوحة. فبيرت موريسو، احدى ابرز رائدات هذه المدرسة، لم تنظر الى المشاهد الداخلية، ولا الى عالم المرأة والامومة، بوصفها موضوعات وجدانية عابرة، بل بوصفها حالات وجودية مكتملة، مشحونة باسئلة دقيقة عن الحضور والهشاشة والمسؤولية. في اللوحة نرى امرأة شابة تجلس الى جانب مهد طفل نائم، يفصل بينهما ستار شفاف من قماش رقيق. الضوء لا يسطع في الغرفة، بل ينساب بهدوء، كانه يتجنب ايقاظ الطفل او زعزعة هذا التوازن الدقيق بين السكينة والترقب. لا خطر ظاهرا في المشهد: الطفل نائم في سلام، المكان هادئ، وكل شيء يوحي بالامان. ومع ذلك، فان مركز الثقل في اللوحة ليس الطفل، بل نظرة الام. وجهها لا يحمل خوفا صريحا ولا انفعالا ظاهرا، بل انتباها مشدودا، يقظة ساكنة، كانها تصغي الى صمت الغرفة، او تترقب ما قد يختبئ خلف هذا الستار الشفاف. يدها تستند بهدوء على حافة المهد، قريبة من الستار لكنها لا تمسكه بقلق. الجسد كله يحضر، لكنه يحضر بيقظة لا تسترخي، وكان الام في حالة استعداد صامت لا يظهر منه سوى هذه النظرة التي تجمع بين الحضور والانتظار.

هنا يتجلى ما يصفه عبد الجبار الرفاعي حين يقول ان الوجه هو "نافذة الدخول الاولى الى الانسان"، ومفتاح اكتشاف شيء من اللامرئي فيه. وجه الام في اللوحة لا يصرح بما في الداخل، لكنه يحمله بصمت. انه وجه لا يكشف السر، بل يدل عليه. ومن خلال هذه النظرة نقرأ اكثر مما نرى: نقرأ القلق والترقب والمسؤولية، ونقرأ خوفا لم يتحول بعد الى رعب. فالوجه، في هذا المعنى، ليس مرآة تعكس الانفعال فحسب، بل بوابة اخلاقية ندخل منها الى عالم غير معلن، عالم الحذر الذي لا يزال في طور التكوين. هنا يتجلى عنوان هذا التامل: الخوف الذي لا يعلن. وجه الام لا يصرخ، لكنه لا يسكت ايضا؛ انه يحمل الخوف كما تحمل الغيمة المطر، دون ان تمطره بعد.

وحين ننتقل من مستوى الرؤية الى مستوى المعنى، يتبين ان هذا الخوف لا يشبه الخوف الذي يشل او يدمر، بل يقترب مما يصفه ابو حامد الغزالي حين يجعل الخوف شرطا للحذر، لا نقيضا للطمأنينة. فالخوف، في تصوره، بذرة في القلب، وثمرتها اليقظة في الجوارح. وهذا ما نراه هنا: الام لا تهرب، لا تصرخ، لا تظهر هلعا. جسدها لا يسترخي تماما، جلستها غير منحلّة، يدها قريبة من المهد، وكان الجسد نفسه يشارك في هذا الانتباه الصامت. الخطر غير موجود، لكن مجرد امكانية الخطر كافية لتوليد هذا النوع من الحضور الاخلاقي. هنا يتحول الخوف الى طاقة رعاية، الى استعداد يسبق الضرر ويدفعه، لا الى عبء نفسي يثقل الروح. انه الخوف الذي يجعل الانسان يقظا لا مذعورا، حاضرا لا منهزما.

اما الستار الشفاف الذي يفصل الام عن الطفل، فليس تفصيلا جماليا عابرا، بل هو جوهر اللوحة ودلالتها الاعمق. انه حجاب لا يخفي تماما ولا يكشف تماما، حجاب يقيم المسافة الضرورية بين الرؤية والاطمئنان. وهنا يلتقي المعنى الصوفي بالتصوير الانطباعي على نحو لافت. فابن عربي يميز بين الخوف من العذاب والخوف من الحجاب، والخوف في هذه اللوحة ليس خوفا من اذى منظور، بل مما قد لا يرى: من الانقطاع، من الغياب، من ان يتسلل شيء عبر هذا الحجاب الرقيق. الام لا تخاف مما تراه، بل مما قد لا تراه. انها تخاف من الغياب، من ان ينام الطفل ولا يستيقظ، من ان تفيق هي على فراغ. هذا الخوف ليس له اسم، وليس له خطر محدد يواجهه. انه الخوف من الحجاب: الخوف من ان ينقطع الاتصال، لا ان ينقطع الامان. وهذا ارقى اشكال الخوف، لانه خوف يولد من الحب لا من التهديد. انها تخاف لانها تحب، ولان الفقد ممكن، ولان الحياة، مهما بدت امنة، لا تعطى بلا هشاشة. في هذا الخوف من الحجاب، لا تخاف الام على الطفل فقط، بل تخاف عليه من العالم، ومن الغياب، ومن الزمن نفسه، وكانها تدرك، دون تنظير، ان الحجاب ليس قماشا فحسب، بل شرط الوجود الانساني كله.

وحين نعود في النهاية الى قول دانيال ديفو، يتضح ان اللوحة لا تناقضه، بل تجسده بهدوء بالغ. فالخوف هنا بالفعل اكبر من الخطر، لا لانه وهمي او مرضي، بل لانه انساني. الخطر قد لا ياتي ابدا، لكن القلق موجود لان الحب موجود. في المهد لا نرى كارثة، لكننا نرى الاستعداد لها. لا نرى الخوف وحشا مفترسا، بل يقظة اخلاقية، ووقوفا صامتا عند عتبة الحياة. هكذا لا تصور اللوحة الخوف ضعفا، بل تعيد تعريفه: الخوف الحقيقي، الخوف الذي لا يعلن، ليس رعبا من خطر قادم، بل هو الوجه الاخر للحب، ويقظة الروح على هشاشة من تحب. انه، باختصار، الشاهد الاصدق على اننا احياء.

***

د. احمد عابر

 

بين الرقابة العائلية والرقابة الحكومية

يُعَدُّ مسلسل "لام شمسية" من الأعمال الدرامية الرمضانية التي أثارت الجدل بسبب معالجته لقضية التحرش الجنسي بالقاصرين. ورغم محاولته تسليط الضوء على هذه الظاهرة بأسلوب درامي، فإنه أخفق في تحقيق التوازن بين الواقعية الفنية والالتزام بالحقائق القانونية، مما أضعف مصداقيته وجعله يبدو كاريكاتيريًا في بعض الأحيان.تدخلت الرقابة المصرية وقامت بتعديل الحلقات الأخيرة التي تناولت موضوع زنا المحارم، حيث تم حذف مشهد تحرش الأب بابنته، بالإضافة إلى حذف مشهد التحرش الذي قام به "وسام"، كما تم تعديل مشهد تحرش آخر ظهر في لقطة فلاش باك لشخصية "نيللي".

إشكالية الواقعية القانونية في الحكم على المتحرش

يتمحور المسلسل حول شخصية "وسام الألفي"، التي يجسدها الممثل محمد شاهين، والمتهم بالتحرش بالطفل "يوسف"، الذي يؤدي دوره علي البيلي. ووفقًا لسياق المسلسل، تم الحكم على وسام بالسجن المؤبد بناءً على شهادات الطفل ووالده "طارق" (أحمد السعدني)، إضافة إلى حكم المحكمة الذي نص على أن المتحرش قام بلمس الأعضاء التناسلية للطفل وإغوائه بلمس أعضائه هو الآخر.

إلا أن هذا الحكم لا يتوافق مع القانون المصري، حيث إن القانون يميز بين التحرش الجنسي وهتك العرض والاغتصاب، ولكل جريمة منها عقوبة مختلفة. فوفقًا للمادة 306 مكرر (ب) من قانون العقوبات، فإن التحرش الجنسي بطفل يُعاقب عليه بالسجن لمدة لا تقل عن سبع سنوات إذا لم يتضمن استعمال القوة أو التهديد. أما هتك العرض، كما ورد في المادة 268، فيُعاقب عليه بالسجن المشدد من 7 إلى 15 سنة، ويصل إلى السجن المؤبد إذا كان الطفل أقل من 12 عامًا. في المقابل، فإن الاغتصاب، وهو الجريمة التي تستوجب السجن المؤبد أو الإعدام، يتطلب إثبات المواقعة الجنسية الكاملة.

لذا، فإن الحكم الذي صدر ضد "وسام" في المسلسل غير منطقي، حيث تم وصف الجريمة على أنها تحرش وليس هتك عرض أو اغتصاب، ومع ذلك تم إصدار حكم بالسجن المؤبد، وهو ما يخالف القواعد القانونية المصرية.

هل خضعت الكاتبة مريم نعوم للرقابة المجتمعية؟

السؤال الأبرز هنا: لماذا تجنبت كاتبة المسلسل، مريم نعوم، الإشارة إلى المواقعة الجنسية رغم أنها العقوبة التي تبرر الحكم بالسجن المؤبد؟ هل كان ذلك خوفًا من الرقابة الحكومية أم من الرقابة المجتمعية؟

يبدو أن المسلسل حاول الموازنة بين تقديم قضية حساسة وتجنب الصدام مع المجتمع، لذا اكتفى بالإشارة إلى التحرش دون الخوض في تفاصيل أشد صدمة للجمهور. ولكن هذا التحفظ جعل الحبكة تفقد مصداقيتها القانونية، مما أدى إلى شعور المشاهدين بأن المسلسل يفتقد للواقعية.ومن المشكلات الأخرى التي وقع فيها المسلسل هي نمذجة الشخصيات، حيث تم تقديم شخصية المتحرش "وسام الألفي" بطريقة نمطية جعلته يظهر كشرير خالص دون أي تعقيد نفسي أو بعد إنساني، وهو ما أضعف تأثير العمل. كذلك، فإن نهاية المسلسل كانت متوقعة إلى حد كبير، حيث حصل المتحرش على العقوبة القصوى رغم عدم ملاءمة الأدلة للحكم، مما جعل الأحداث تبدو غير منطقية.

التأثير النفسي على الممثل الطفل علي البيلي

إحدى النقاط الجدلية الأخرى هي التأثير النفسي على الطفل الممثل علي البيلي، الذي أدى دور الضحية. فتقديم طفل في مشاهد مرتبطة بالتحرش قد يعرّضه لآثار نفسية سلبية لاحقًا، حتى وإن تم توفير دعم نفسي أثناء التصوير.

في علم النفس، هناك مفهوم يُعرف باسم "تأثير الفاكهة المحرمة" (Forbidden Fruit Effect)، والذي يشير إلى أن الأطفال يميلون إلى تجربة الأمور التي يتم تسليط الضوء عليها كشيء ممنوع أو خطير. فإذا تم توعية الطفل بمفهوم التحرش قبل أن يكون مؤهلًا لفهمه بشكل كافٍ، قد يؤدي ذلك إلى إثارة فضوله بطريقة غير مرغوبة، مما قد يدفعه إلى تجربة ما سمع عنه.

وبالتالي، فإن تقديم طفل في مثل هذه الأدوار قد يكون له تأثير سلبي عليه، سواء من خلال التجربة المباشرة أو من خلال فهمه المشوه للمواقف الاجتماعية.

رغم أن "لام شمسية" حاول تقديم قضية شديدة الأهمية، إلا أنه فشل في تحقيق التوازن بين الواقعية القانونية والمعالجة الدرامية، مما أضعف تأثيره وجعله عرضة للانتقادات. فقد أخطأ في تقديم الحقائق القانونية، ونمذج الشخصيات بشكل سطحي، ولم يأخذ في الاعتبار التأثير النفسي على الطفل الممثل. وكان من الأفضل أن يعالج المسلسل القضية بجرأة أكبر، أو أن يلتزم بالحقائق القانونية بدقة، لضمان تقديم عمل درامي أكثر تأثيرًا ومصداقية.

***

ياسين غالب

 

ما هو وضع القصة القصيرة اليوم.. هذه القصة التي ادخلت لكثيرين من كتابها إلى ديوان الخلود الادبي الإنساني في العديد من اللغات، وسجلت لهم بالتالي انجازات معروفة لدى القراء المتابعين في شتى بقاع العالم، هؤلاء القراء الذين يعرفون تمام المعرفة هذه القصة وإعلامها المجلين امثال الأمريكي ادجار الان بو والفرنسي جي دي موباسان وقبل هذين وبعدهما الروسي المبرز انطون تشيخوف. أما في أدبنا العربي فإن هذا القارئ يعرف العديد من أصحاب الأسماء التي سطرت أعظم القصص وافضل الإبداعات القصصية لدى كتاب أذكر منهم المصري يحيى حقي صاحب البوسطجي وقنديل ام هاشم. السوري زكريا تامر صاحب صهيل الجواد الابيض. وقبل هذا وذاك المصري المبرز يوسف ادريس صاحب المجموعة القصصية المميزة بيت من لحم.

حقا ما هو وضع هذا النوع الأدبي الذي استولى على اهتمام القراء والنقاد على حد سواء، فخصص له الناقد الانجليزي فرانك اوكونور واحدا من الفضل المؤلفات وأقصد به كتابه المميز الصوت المنفرد. كما خصص له العديد من النقاد والدارسين في العديد من اللغات، الوفير من الدراسات والابحاث، اكتفي لوفرتها بذكر بعض منها مثل كتاب في القصة العربية المصرية للناقد البارز شكري محمد عياد وقبله الكتاب المرجع عن فن القصة القصيرة للدكتور رشاد رشيد، ولا بأس من أن نشير إلى الكتاب الجميل عن فن القصة للفلسطيني/ السوري محمد يوسف نجم. فهو كتاب جيد جدا، وتم تدريسه في العديد من الجامعات.... باستحقاق وجدارة.

بالعودة إلى السؤال المطروح انفا، نقول ضمن محاولة محبة للإجابة عليه، أنه لا شك في أن هذا الفن الجميل، عانى منذ فترة وما زال يعاني، الأمر الذي دفع أكثر من ناقد ومتخصص لنعي القصة القصيرة متسائلا هل ماتت هذه القصة؟ بل انه وجد هناك من نعى موت القصة وفق الطريقة الكتابية التشيخوفية، نسبة إلى الروسي انطون تشيخوف الآنف ذكره. إن ما دفع هؤلاء المنذرين بوفاة القصة القصيرة بهذا الشكل أو ذاك، أسسوا كما تبدى من كتاباتهم وكما قال الواقع ذاته، رأيهم هذا على عدة أسباب نحاول فيما يلي الإشارة إلى أبرزها وسوف نتبعها برأينا في هذه الإشكالية الأدبية التي الحت وما زالت، على الكثيرين لا سيما من أمثالي أنا المفتون بالقصة القصيرة وفي كتابتها أيضا.

- يمكننا الإشارة بكثير من الثقة, أن انصراف جل الكتاب ممن يعرفون وممن لا يعرفون، الى تيار كتابة الرواية، هو واحد من أبرز الأسباب لوضع القصة القصيرة ضمن خانة التساؤلات عن موتها، أو اضمحلال وضعها على الاقل، وربما الادق، ساهم تعزيز هذا السبب واشتداد الحاحه في انصرف العديد من كتاب القصة القصيرة عن كتابتها والتحاقهم بركب كاتبيها، وكأنما القصة القصيرة هي الصفوف الدنيا في مدرسة الكتابة  والرواية هي الصفوف العليا، كما عبر أحد النقاد المهتمين بالأمر، وقد تعزز هذا السبب أكثر عندما انضم العديد من الشعراء إلى كتاب الرواية متنازلين بطيب خاطر عن مواصلة دروب الكتابة الشعرية الرائعة.

- سبب آخر ساهم في التأثير على موقع القصة القصيرة في ديوان النثر العربي تحديدا، هو ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، هذه الوسائل التي فتحت المجال واسعا أمام من يعرف ومن لا يعرف على حد سواء، لأن يكتبوا القصة القصيرة جدا، إضافة إلى القصة الومضة وما إلى هذه الأنواع القصصية المتسمة بالقصر. لقد اثر هذا كله على راهن القصة القصيرة، فبتنا نستمع إلى اراء كان من المفترض أن تكون جادة تزعم أنها باتت تنصرف عن قراءة ألمادة أو القصة القصيرة بالأحرى لطولها!!. وقد أثار حفيظتي أن هناك من انجرف في تيار كتابة القصة الومضة، معتقدا أن اجتزاءه مقطعا من قصة قصيرة سبق وقام بنشرها، يمكن اعتباره قصة قصيرة جدا او ومضة، سمها ما شئت، لكن لا تظلم القصة القصيرة أكثر د، ولا تضف إلى عاذليها المزيد.

- هناك سبب اخر تسبب في وضع القصة القصيرة في خانة التساؤلات والكتابات المنذرة، وحتى الناعية، هو تلك الفوضى العامة الطامة التي لحقت بكتابة القصة القصير، وقد تمثلت هذه الفوضى في انضمام العشرات من الكتاب، بين قوسين، إلى ركب كتاب القصة القصيرة، خاصة في فترات ازدهارها، السابقة لهيمنة الرواية وتحلب الأرياق، بحق وبدون حق على كتاباتها والانضمام إلى كتابها باية حال ودون الالتفات إلى أهمية التمكن من الصنعة وقبلها توفر الموهبة التي لا يمكن لأي من الكتاب تقديم ما يمكث ويبقى في الأرض دونها. هكذا ظهر كتاب غير متمكنين من كتابة القصة القصيرة، كتبوا ونشروا الوفير من الحكايات، ومعروف أنه يوجد هناك فارق كبير بين القصة القصيرة والحكاية، ففي حين يفترض أن تمتلك القصة الناجحة حبكة جيدة، وتعني الحبكة في أبسط مفاهيمها التطور المنطقي والعمودي للأحداث القصصية، فإن الحكاية تتنازل بشكل عام عن الحبكة، فتتحول بالتالي إلى سردية قصصية بفتح القاف، وهذه تعني القصة المحددة بقيمة معينة أو مثال اخلاقي، لا علاقة له بجماليات/ استطيقيات فن القصة القصيرة، وقد تسبب هذا كله بوضع القصة القصيرة، في خانة التساؤلات كما سلف القول.

الان نود الشروع في الاجابة عن السؤال المحوري الذي تبرعنا بإثارته حول وضعية القصة القصيرة وزعم الكثير من الأصوات أنها ماتت أو تلفظ حاليا ومنذ فترة أنفاسها الأخيرة، وما إلى هذه من الاسئلة المطروحة، فنقول إجابة عن سؤال القصة القصيرة والرواية، أن كلا من هذين النوعين الادبيين تعايشا معا وجنبا إلى جنب، عبر المئات الماضيات من السنين وأنه بإمكانهما مواصلة هذا التعايش. أما فيما يتعلق بكينونة القصة القصيرة وموقعها من الرواية، فيمكننا القول إن القصة  القصيرة الناجحة تحديدا، لا تقل أهمية عن الرواية الناجحة ايضا، يؤكد هذا قلة القصص القصيرة الجيدة والمستحقة في العديد من اللغات وفي لغتنا العربية تحديدا، فإذا ما كان يكتب حسب تقديرات معروفة، في فترة سابقة في عالمنا العربي خلال الشهر الواحد عدد يتجاوز المئات من القصص القصيرة، فبإمكاننا طرح السؤال عن ذلك العدد القليل جدا مما يبقى من هذا الكم الهائل من الكتابات القصصية القصيرة، ولعلنا لا نبتعد كثيرا اذا ما تساءلنا كم من القصصية التي تنال اعجاب القراء لهذا الكاتب المعروف، حتى من بين اعلام هذه القصة، فإننا سنفاجأ بعددها القليل. فيما يتعلق بما ذكرناه عن الفوضى التي حصلت في كتابة القصة القصيرة وانضمام الارقام المريعة من الكتاب إلى قوائم كتابها منتهجين كتابة الحكايات ومدعين انها قصص قصيرة، وهو ما دفع الكثيرين للانصراف عن قراءة القصة القصيرة، بالضبط كما حدث مع القراء عندما فرضت عليهم نماذج سيئة وغير جديرة مما أطلق عليه قصيدة النثر، نقول إن انصراف الكثير من القراء عن القصة القصيرة للسبب المذكور، لا يعني أن القصة القصيرة في أزمة اولا، وأن مثل هكذا اسباب للتساؤلات عن مصير القصة القصيرة، كانت وسوف تبقى مطروحة، ما دامت هناك فوضى في كتابة هذه القصة، وهذا كله لا يعني بالحتم أن القصة القصيرة تعاني في وضعيتها الراهنة من ازمة، الأمر الذي يدفعنا إلى القول إن القصة القصيرة بخير، ويكفي أن نشير إلى أن الكاتبة الكندية أليس مونرو، حصلت قبل أعوام على جائزة نوبل الادبية، لقاء عطائها المشهود له في مجال كتابة القصة القصيرة.

***

ناجي ظاهر

One Battle After Another

في فيلمه الجديد One Battle After Another، يقدّم المخرج بول توماس أندرسون أول تعاون له مع ليوناردو دي كابريو، في عمل يتجاوز حدود الحبكة التقليدية ليغوص في أسئلة وجودية حول الثورة، الهوية، والسلطة. لا يكتفي الفيلم بسرد قصة مطاردات وهروب، بل يتحوّل إلى مجاز طويل ومعقّد عن التاريخ الذي يعيد نفسه، والبطولة التي تذوب في خيبات الواقع.يجسّد دي كابريو شخصية بوب فيرغسون، المحارب السابق الذي يعيش على هامش مدينة نسيته أو اختارت أن تتناسى نضاله. فقد زوجته، وتحوّل من رمزٍ ثوري إلى رجلٍ مكسور، يطارده خصمه القديم لوكجاج (شون بن)، الذي لا يمثل فردًا بل منظومة قمعية خرجت من رحم الثورة نفسها.في حوارٍ عميق مع شخصية سينسي (بنيسيو ديل تورو)، يقول بوب بمرارة:

"أنا لم أهرب من الثورة... الثورة هي التي جاءت ورائي."

يكبر الصراع النفسي داخل بوب بين فكرة تبرير العنف الذي كان ضروريًا في الماضي، وبين الندم الذي ينهشه في الحاضر. يتأرجح بين غريزة البقاء وخيبة المحارب الذي لم يبقَ من معركته إلا الأطلال. خيار صعب، تصبح فيه ابنته ذات الستة عشر عامًا عنصرًا حاسمًا في معادلته الداخلية. في المقابل، بينما يتحول بوب فيرغسون إلى بطلٍ فقد إيمانه، تظهر بيرفيديا (تيانا تايلور) كصوتٍ من جيلٍ جديد لا يقدّس المثاليات، بل يتبنّى ثوريةً براغماتية بلا أوهام. تتهكم من فكرة الأمومة قائلة:"لستُ هنا لأصنع حليبًا للطفل."

تمثّل بيرفيديا تحوّل الخطاب الثوري من المثالية إلى الضرورة. وحين تقتل أحد المتعاونين، تقول: "هذا ليس النقاء.. هذا الضرورة."

تتكرّر رمزية فكرة "الثورة التي تأكل أبناءها" حين يتم تصفية العناصر السرية من الداخل، في مشهدٍ يعكس كيف تتحوّل الثورة إلى أداة قمعٍ حين تفقد بوصلتها الأخلاقية. شخصية لوكجاج تُبنى وتُعاد عبر الفلاش باك، والمرايا، والأحلام. ليس مجرد خصم، بل تجسيد للتاريخ حين يُترك دون محاسبة. هو العدو الذي يردد خطبًا من كتابات بوب نفسه، وكأن أيديولوجيا الرجل ارتدت عليه، ليصبح آلة التاريخ التي لا تموت.

يستخدم الفيلم التكرار كأداة سردية ومجاز سياسي: مشهد القطار يعيد تسلسلًا من الماضي، وسلاح قديم يعود للواجهة، في إشارة إلى أن الماضي لا يموت... بل يعيد نفسه ما لم يُفكّك جذريًا. في مقارنة ميتاسردية جريئة، يطرح الفيلم سؤالًا:

هل بوب هو النسخة الجادة من "الدود" مثله جيف بريدجزفي فلم  The Big Lebowski؟ إنتاج: 1998.

الدود يرفض الانخراط السياسي ويفلت من العبث بسخرية، بينما بوب انخرط حتى النهاية وخسر كل شيء، بما في ذلك إيمانه بقضيته. شخصية “الدود” و بوب تمثّيل عملي للرفض الهادئ للعالم المنهك والانزواء، وسخريه من فكرة البطولة نفسها ودعوة مفتوحة لتقدّيس اللامبالاة والعدمية بمعناها الحياتي لاالفلسفي. لكن ماذا لو أن كليهما وُضع في الثورة خطأً؟

هل تتشكّل الهوية الثورية بالصدفة، أو بتشابه الأسماء كما في Lebowski؟

يتماهى الجواب في السرد السينمائي الممتد بلا خيوط مادية  تمسك من "الدود" إلى بوب: مفارقة الهوية الثورية. فـThe Big Lebowski يسخر من البطولة المصطنعة، بينما One Battle After Another يعيد للأخطاء التافهة معناها المأساوي، ويحوّل الهويات المربكة إلى أقدار دامية.

قد يكون بوب ببساطة "الدود" بعد عقدين من الجراح. وقد تكون الثورة كلها محاولة عبثية لإضفاء معنى على فوضى لا معنى لها.

هنا تكمن عبثية الصراع: حين يولد العدو من داخلك.  ينتهي الفيلم نهاية مفتوحة، بلا خلاص.

تختفي بيرفيديا، أو تتحوّل روحها الثورية إلى نسخةٍ أصغر منها — ابنة بوب — مع خيطٍ من التعقّل والمغامرة المحسوبة هذه المرة.

يُهزم لوكجاج ويتشوّه من الخارج قبل أن تُشوَى جثته بعد تخديره، في بعدٍ رمزي للتطهير بالنار، خاصة أنه تلاعب بالجينات وأنجب من امرأةٍ سوداء. لكن لا بناء جديدًا في الأفق، فقط بوب على الشاطئ، ينظر إلى المستقبل عبر الموبايل الذي يستخدمه لأول مرة.

لا يوجد نصر هنا. فقط إدراك الذات والفوز بها ... وخوف من تكرار المأساة.

الحذر، بمعناه الجديد القديم، والقلق على ابنته المتمرّدة.

***

بقلم: ياسين غالب

 

كلما أحب الانسان اكثر اتسع قلبه للحب اكثر، فالقلب لا يعيش الا بالحب، كما تعيش السمكة في الماء.

- الفيلسوف عبد الجبار الرفاعي

- المصدر: حوار خاص مع الکاتب

بهذه العبارة الوجودية الهادئة يفتح عبدالجبار الرفاعي افقا مختلفا لفهم الحب. الحب هنا ليس ملكية ولا عقدا مغلقا بين اثنين، بل حالة حياة. القلب لا يستهلك الحب حين يمنحه، بل يتسع به. كما ان السمكة لا تختار الماء بل تحيا فيه، كذلك القلب لا يختار الحب بل يقوم به. واذا كان الحب بهذه الطبيعة، فهو ليس شيئا نأخذه من الاخر، بل فضاء نكبر فيه معا، من دون ان يضيق او ينقص.

في لوحة التي رسمها رينيه ماغريت عام ۱۹۲۸، يتجسد هذا المعنى بصريا. رجل وامرأة يقتربان حد التلاصق، لكن قماشا ابيض يغطي رأسيهما بالكامل، فيخفي الوجوه ويمحو الملامح. ومع ذلك لا يشعر الناظر بالانفصال، بل بقرب اعمق من الرؤية. القماش لا يمنع اللقاء، بل يعيد تعريفه. نحن قريبون لاننا لا نحتاج ان نرى كل شيء. الحب هنا لا يقوم على الكشف الكامل، بل على الثقة وعلى قبول الغموض.2410 love

توجد نسخة شهيرة من اللوحة في متحف الفن الحديث في نيويورك واخرى في المعرض الوطني الاسترالي في كانبيرا. هذا التعدد لا يبدو تفصيلا عابرا، بل يعيدنا الى فكرة المرايا. الصورة تتكرر كاملة غير منقوصة، كما يتكرر الحب حين يتوزع. كل مرة يظهر كاملا، لا ينقص من ذاته شيئا، ولا يسحب من غيره.

رينيه ماغريت، الرسام البلجيكي واحد اهم رموز السريالية، لم يكن معنياً بالحلم بقدر ما كان معنيا بالفكرة. اعماله لا تهرب من الواقع، بل تزعزع بداهته. الصورة عنده سؤال، لا جوابا. والسريالية هنا ليست غرابة شكلية، بل محاولة لرؤية ما وراء المألوف. في لوحة العشاق، يصبح الحجاب وسيلة كشف. الحب قد يكون اصدق حين لا نملك، واعمق حين لا نحيط.

يتسع معنى اللوحة اكثر حين نقرأها على ضوء ما يقوله ابن عربي: "وما في الموجودات الا محب ومحبوب، حتى السالب والموجب وهما قوام الوجود، حتى ذرات الطبيعة، انما يمسكها الحب ان تزول او تحول، ولولا تعشق النفس للجسم ما تم وجودهما، ولولا حب المعاني للكلمات ما امتزجا ولا عرفا."

الحب هنا ليس شعورا نفسيا، بل قانون وجود. كل شيء قائم به ومتعلق به. الذرات، المعاني، الكلمات، النفس والجسد، كلها لا تجتمع الا بفعل الحب. بهذا المعنى، لا يعود الحجاب في لوحة ماغريت علامة نقص، بل اشارة الى ان العلاقة الحقيقية لا تحتاج الى كشف تام. الحب لا يرى فقط، بل يمسك الوجود من التفكك.

ويزداد هذا المعنى صفاءا مع ابيات لابو مدين التلمساني حيث يقول شيخ الشيوخ:

تملكتموا عقلي وطرفي ومسمعي

وروحي واحشائي وكلي باجمعي

ومن عجب اني احن اليهم

واسأل شوقا عنهم وهم معي

هذه الابيات تكشف مفارقة الحب العميقة.

كيف نشتاق الى من هم معنا، وكيف نسأل عن من يسكنون فينا. في لوحة العشاق، لا يرى العاشقان بعضهما، ومع ذلك هما متلاصقان. القماش لا يفصل، بل يؤكد ان القرب الحقيقي ليس قرب نظر، بل قرب وجود. حضور يسكن الاعماق لا الملامح.

هنا نعود مرة اخرى الى عبارة عبدالجبار الرفاعي الاولى، كأنها مفتاح التأمل في هذه اللوحة. كلما أحب الانسان اكثر اتسع قلبه للحب اكثر.

لوحة العشاق لا تقول شيئا خارج هذا المعنى، بل تراه. القماش الابيض الذي يحجب الوجوه لا يضيق العلاقة، بل يوسعها.

فالحب هنا لا يعيش بالرؤية ولا بالامتلاك، بل بالاتساع. القلب الذي لا يعيش الا بالحب يشبه هذين الجسدين المتقاربين، لا يحتاجان ان يريا كي يكونا معا. كما تعيش السمكة في الماء من دون ان تساله، يعيش القلب في الحب من دون ان يحوزه. هكذا تصبح لوحة العشاق ترجمة بصرية لهذه العبارات وشهادة على ان الحب حين يكون بعدا وجوديا لا ينقص حين يخفى، ولا يضيق حين يتسع، بل يكتمل كما هو، كاملا في كل مرة.

***

د. احمد عابر

 

حضيري أبو عزيز الشاب القادم من ريف الشطرة، موهبة فريدة في الغناء منذ أيام صباه، صوت ريفي جنوبي ممتلئ عذوبة في الأداء واللحن، اختلف عن زملائه من مغنّي هذا اللون، كان يتطلع نحو التجدد، فامتلك جسارة ابن المدينة ليسافر إلى بلاد الشام، غنّى هناك، ومثّل في أفلام بزي مدني.

   حضيري ابو عزيز حالة فنية شديدة الخصوصية في الغناء العراقي. فهو مطرب ريفي الجذور، لكنه حاول أن ينقل صوته من الفضاء القروي إلى أفق المدينة: غير أن هذا التحول الشكلي لم يُلغِ البنية النفسية العميقة التي تشكّل وعيه الغنائي، بل جعلها أكثر توتراً، وأكثر انكشافاً.

أغنية "أحميّد" تمثل ذروة هذا التوتر، لأنها لا تُغنّى بوصفها سرداً غزلياً، بل تُبنى كـ "حوار" نفسي صراعي بين عاشق ومحبوبه، بين ذات مهووسة وذات تحاول الانفلات.

العاشق: يطارد، يتوعد، يقسم، يبالغ، ويحوّل الحب إلى فعل امتلاك.

- الحبيب ينسحب خائفاً. خوفاً من “العاذل” و”الأهل” و”الفضيحة”.

نحن أمام دينامية نفسية قهرية:

كلما ابتعد الحبيب ازداد إصرار ابو عزيز ملوحاً بالعنف..

العنف الرمزي

والتهديد بوصفه تعويضاً عن العجز متوعداً (احميّد): آنه لك وانت لي.

يلجأ حضيري إلى التهديد الخيالي بوصفه تعويضاً عن فقدان السيطرة.

في «أحميد» تتخذ هذه الآلية أشكالاً أسطورية:

    گتله لون بين السما والأرض

اطّير

اصعدلك منو اليعترض؟

گال إذا حبل الوصل ينگرض

گتله أشدّه وحگ الفرض خمسه العباد

واوصل لغايتي حميد يا مصايب الله

   يتحول الحب من رغبة في اللقاء إلى هاجس مطاردة، ومن وعد بالعشق إلى تهديد مبطّن بالاستحواذ ؛

گلي إذا طبيت ارض الفلا

گتله أشگ بطن الارض بقنبلة

وانزل عليك ولا هاب البلا

وألزمك من ياختك لو تنجمع كل الملا متخلصك من إيدي

متخلصك وتفل حسبتي

حميد لو موش انته؟

هنا تتصاعد السادية العاطفية، ابو عزيز يمسك برقبة الحبيب يشدد الخناق، فلا خلاص يمكن ان ينقذ الحبيب المسكين من قبضة حضيري.

گلي إذا صرت طير وطرت

گتله اصعد لجوف السما لو طرت

گلي إذا سمچه أصير وغرت

گتله اغور وياك لو ابحرت

هذا العشق القهري يختلط فيه الحب بالخوف، والغيرة، الرغبة بالعدوان، وم ثم التوسل ليس امام الحبيب سوى السؤال وهو غير مصدق: گلي صدگ هذا الحچي بداعتي؟

 هنا تكتمل المفارقة النفسية

مع كل التهديدات الخارقة التي يطلقها العاشق – وتصاعد الخيال العنيف، تراجع الأمان الداخلي. ليخاطب قلبه:

"يگلبي بيمن بعد تأمن يا ويلي يا خايب"

نكتشف أن كل تلك التهديدات لم تمنحه يقيناً، بل استنزفته.

فالعاشق الذي توعد، ينتهي إلى ذاتٍ تشكّ في أبسط ما تملك.

ابو عزيز يستعير اجنحة الحلم، معلقاً بين أرض لا تجيب، وسماء تسأل: حميد إنت لو موش انته؟ تنغلق أمامه السبل كلها.

حضيري:

لا يحجبك جدار نحو الآفاق تنادي:

على درب اليمرون أريد اگعد وانادي

من يخفف عنك حرقة الشوق ويبعث فيك السلوى؟ غير صنوك داخل حسن يشاركك النواح في ثنائية لعاشقين معذبين: يحضيري بطل النوح شالت هديه !

***

د. جمال العتابي

يقول غابرييل غارسيا ماركيز في رواية "الحب في زمن الكوليرا": إن الإنسان لا يولد مرة واحدة يوم تضعه أمه، بل تلزمه الحياة أن يعيد ولادة نفسه مرارا.

بهذا المعنى يمكن فهم داود الذي نراه اليوم، بعد خمسة قرون من نحت ميكيلانجلو، وفي استحضار جديد يقدمه نادي حكيم. ليس داود المنتصر، ولا داود الجسد المثالي، بل داود في لحظة المخاض الأبدي: لحظة أن يلد الإنسان نفسه بنفسه، قبل أن يعرف إلى أين سيقوده مصيره.

ما يفعله حكيم جريء ودقيق في آن. فهو، بصفته جراحا يعرف الجسد من الداخل، ونحاتا يعرف كيف ينقذ الشكل من مادته، لا يعيد إنتاج داود، بل يعيد تفكيكه. يجرده من الجسد، لا ليلغي القوة، بل ليكثفها في موضعها الأصلي: الرأس، الوعي، اللحظة التي تسبق الفعل. ثم يضع هذا الرأس فوق الماء، لا على أرض ثابتة، ولا في ساحة معركة، بل على سطح متحرك، عاكس، بلا قرار.2400 ahmad

وهنا يبدأ التأمل....

الرأس العائم فوق الماء ليس صورة جمالية فقط، بل سؤال وجودي. الماء مرآة، لكنه أيضا هاوية. هو الحياة في سيولتها، واللايقين في عمقها، والعدم في صمتها. داود لم يعد واقفا بثبات، بل حاضرا في فضاء معلق، حيث لا يحمل الجسد وزنه، ولا تضمن الأرض توازنه. كأن حكيم يقول: في اللحظات الفاصلة، لا نحتاج إلى الجسد كله، بل إلى الوعي فقط. إلى تلك الحقيقة الدقيقة التي تعرف الإنسان لا بعضلاته، بل بإدراكه.

هنا يلتقي العمل مع ما رآه أبو حامد الغزالي في الإنسان: أن جوهره ليس الجسد، بل تلك اللطيفة العارفة التي تدرك وتحاسب وتخاطب. داود فوق الماء ليس جسدا بلا رأس، بل رأس صار إنسانا كاملا، حضورا مجردا من كل حماية زائفة: لا درع، لا سلاح، ولا أرض تحت القدمين. فقط وعي كامل في مواجهة المجهول. وهذا الوعي هو عين القوة.

أما محيي الدين ابن عربي، فقد رأى الإنسان الكامل بوصفه نقطة توازن بين العوالم، لا غالبا ولا مغلوبا، بل شاهدا وحافظا للمعنى. داود، في هذه اللحظة، لا يحفظ العالم بقوته، بل بوجوده الواعي، بحضوره في البرزخ: بين الفعل وإمكانه، بين الحياة والموت، بين اليقين والاحتمال.

وهنا تتضح المسافة بين ميكيلانجلو وحكيم. ميكيلانجلو، حين نحت داود، تعمد ألا ينحته مع رأس جالوت. لم يختر لحظة النصر، كما فعل من سبقه، بل لحظة ما قبلها. جسده مشدود، عضلاته متوترة، نظرته مشحوذة نحو عدو لم يظهر بعد. إنه داود الاستعداد البدني، حيث الجسد هو ساحة التوتر. أما حكيم، فاختار لحظة أعمق. لم يعد الجسد هو الساحة، بل العقل. لم تعد العضلات هي مركز القوة، بل الوعي الصافي. الرأس وحده، فوق الماء، يقول إن المعركة الحقيقية تبدأ قبل الحجر، وقبل الجبهة، وقبل الدم.

والماء هنا ليس خلفية، بل معنى. إنه برزخ بين الوجود والعدم. داود لا يقف، بل يطفو. لا يثبت، بل يتمايل مع تيار الحياة. وهذا التمايل ليس ضعفا، بل اعتراف صريح بأن الإنسان لا يملك النتائج، بل يملك فقط حضوره في اللحظة. وهنا يلتقي داود مع عبارة ماركيز: أن نسمح لأنفسنا أن نتأرجح، وأن نعيد ولادة ذواتنا، لأن الحياة لا تمنحنا يقينا ثابتا.

العري في العملين يأخذ هنا معنى مختلفا. عري داود عند ميكيلانجلو هو اكتمال الجسد الإنساني. أما عند حكيم، فالعري أعمق: غياب الجسد نفسه. كأن الرأس العائم يقول: في النهاية، هذا ما يبقى منك. وعيك. حضورك. كل ما عدا ذلك قابل للغرق.

داود، في هذه الاستعادة، لا يسأل: هل سينتصر؟ بل: هل سيبقى حاضرا؟ هل سيحفظ المعنى قبل أن يتحول إلى فعل؟ هل سيشهد على نفسه في لحظة الاختبار؟

وهنا تتكثف الفكرة التي يشد بها هذا النص خيطه الأساسي: أن الاستعداد أعمق من النصر، وأن الوقوف أمام الاحتمال أكثر كشفا من الغلبة، وأن اللحظة التي تسبق الفعل تحمل من المعنى ما لا تحمله النتيجة أبدا.

حين يعيد نادي حكيم نحت داود، لا يعيد الرمز، بل يعيد السؤال: ماذا يعني أن تكون إنسانًا في لحظة الاختبار؟ لا في لحظة النصر، ولا في لحظة الهزيمة، بل في تلك المسافة الدقيقة بين ما أنت قادر عليه، وما لم تختبره بعد.

داود فوق الماء هو إنسان البرزخ. بين الرعي والملك، بين الحجر والجبهة، بين الخوف والإيمان، بين الجسد والروح. وفي هذه البرزخية تحديدًا يصبح الإنسان جديرا بالخلافة، لأن العالم لا يحتاج دائما إلى من ينتصر، بل يحتاج أولا إلى من يشهد.

ليس المهم أن نحمل رأس جالوت دليلا على الغلبة. المهم أن نقف، بكامل انتباهنا، دون أقنعة، ودون ضمانات. أن نلد أنفسنا في كل لحظة اختبار. وأن نطفو، مثل داود، فوق ماء اللايقين، ممسكين بيقين واحد فقط: أننا هنا، أننا حاضرون، وأن هذا الحضور، وحده، هو ما يجعل الإنسان إنسانا.

***

د. أحمد عابر

 

العزلة واليوتوبيا في مئة عام من العزلة

تُعَدّ مسألةُ الهوية من أكثر المفاهيم التباسًا في الدرس النقدي المعاصر؛ إذ لا يمكن تناولها بوصفها معطًى ثابتًا أو جوهرًا مكتملًا، بل باعتبارها سيرورةً متوترةً تنشأ في المسافة الفاصلة بين ما تتصوّره الذات عن اكتمالها، وما يتيحه لها العالم من إمكاناتٍ محدودة. ومن هذا المنظور، تغدو الرواية الفضاءَ الأخصب لتمثيل هذه السيرورة، لأنّها لا تُشيّد هويةً جاهزة، بل تُسرِّدُ أزمة تكوّنها، وتحوّل النقص إلى مادةٍ تخييليةٍ وإشكالٍ جماليّ.

في هذا الأفق النظري يمكن قراءة رواية مائة عام من العزلة للكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز بوصفها مختبرًا سرديًا كثيفًا لتجلّي الهوية بوصفها جدلًا دائمًا بين نقص العالم وتطلّع الذات إلى تجاوزه، وبين أصلٍ متخيَّل ويوتوبيا مؤجَّلة، وبين تصوّرٍ أخلاقيٍّ للحياة وتحقّقاتٍ تاريخيةٍ تخونه باستمرار.

أولًا: تأطير نظري – الهوية السردية بين الحبكة والأنطولوجيا

يذهب بول ريكور في كتابه الذات عينها كآخر إلى أنّ الهوية السردية تتأسّس عبر الحبكة، لأنّ الحبكة تُعيد تنظيم الزمن وتمنح الأفعال وحدةً قابلةً للفهم، وبذلك “توفّق بين الثابت والمتغيّر في الشخصية” (ريكور، 1990). غير أنّ الاقتصار على هذا التصوّر قد يُفضي إلى ردّ الهوية إلى انتظامٍ شكليٍّ في الزمن، في حين أنّ الرواية الحديثة – ومنها رواية ماركيز – تكشف أنّ المسألة أعمق من مجرد تماسك سردي؛ إنّها تتعلّق بوعيٍ أنطولوجيٍّ بالنقص، يتجاوز انتظام الأفعال إلى مساءلة إمكان المعنى ذاته.

فالهوية السردية ليست نتاج “كلٍّ” مُنجَز، بل نتاج توتّرٍ بين كُلٍّ متخيَّل وكُلٍّ متعذّر. إنّها، بتعبيرٍ تحليليّ، بناءٌ رمزيٌّ يتشكّل عبر نفي ما يتحقّق، لا عبر تثبيته. ومن هنا يتقدّم مفهوم العجز بوصفه مبدأً مولّدًا للسرد، لا عرضًا طارئًا عليه. فالعالم الروائي ليس مكتملًا، والذات لا تجد فيه استجابةً كافيةً لتطلّعاتها؛ لذلك تُنتج الحكاية بوصفها محاولةً لإعادة ترتيب ما تراه متشظيًا.

ثانيًا: ماكوندو – تأسيس العالم على هشاشة الأصل

تبدأ الرواية بمشهدٍ صار علامةً على التداخل بين الذاكرة والزمن: «بعد سنواتٍ طويلة، وأمام فرقة الإعدام، كان على الكولونيل أوريليانو بوينديا أن يتذكّر تلك الظهيرة البعيدة التي أخذه فيها أبوه ليتعرّف إلى الثلج».

هذه الجملة الافتتاحية تكثّف البنية الزمنية للرواية: المستقبل يستدعي الماضي، والذاكرة تُؤسّس الحاضر، والموت يظلّل التذكّر. فالزمن هنا ليس خطيًّا، بل دائريٌّ أو حلزونيٌّ، يلتفّ على نفسه ويعيد إنتاج مصائره. وهذا البناء الزمنيّ يُفكّكُ فكرة التقدّم، ويجعل الهوية أسيرةَ تكرارٍ لا فكاك منه.

إنّ قرية “ماكوندو” في بدايتها تبدو فردوسًا بدائيًا: «كان العالم حديث العهد بحيث كانت الأشياء تفتقر إلى أسماء، ولكي يُشار إليها كان لا بدّ من الإشارة إليها بالأصابع».

غير أنّ هذا “الأصل” ليس اكتمالًا، بل طفولةٌ ساذجةٌ سرعان ما تنفتح على التاريخ والعنف والاستغلال. فدخول شركة الموز الأجنبية – في تمثيلٍ واضحٍ لاستعمار اقتصاديّ – يُحوّل المكان إلى مسرحٍ لمجزرةٍ تُمحى من الذاكرة الجماعية، وكأنّ العالم يُعيد إنتاج نقصه عبر النسيان.

بهذا المعنى، الأصل في الرواية ليس نقطة ارتكازٍ صلبة، بل لحظةً عابرةً يُعاد استدعاؤها بوصفها صورةً عن اكتمالٍ لم يتحقّق قطّ. إنّه “مجازٌ للكلّ”، لا حضورًا فعليًا له.

ثالثًا: سلالة بوينديا – الهوية كتكرارٍ مأزوم

تتعاقب أجيال عائلة بوينديا، وتتكرّر الأسماء (خوسيه أركاديو، أوريليانو)، كما تتكرّر الصفات: النزوع إلى العزلة، الهوس، العشق المستحيل، الثورة العبثية. غير أنّ هذا التكرار لا يُنتج تراكمًا معرفيًا أو أخلاقيًا، بل يُفضي إلى إعادة إنتاج المصير ذاته.

الكولونيل أوريليانو بوينديا يخوض اثنتين وثلاثين حربًا أهلية، ويخسرها جميعًا. إنّ الفعل الثوريّ هنا يتأسّس على تصوّرٍ أخلاقيٍّ للعدالة، لكنّ تحقّقاته التاريخية تنقلب إلى عبثٍ وعزلة. في إحدى اللحظات يقول: «الحياة ليست ما عشناها، بل ما نتذكّره وكيف نتذكّره لنرويها».

هذا القول يختزل جوهر الهوية السردية: الحياة لا تُدرك في ذاتها، بل عبر تمثيلها؛ والتمثيل لا يستعيدها كما كانت، بل يعيد تشكيلها وفق منظورٍ متأخّرٍ، مشوبٍ بالخيبة. وهكذا تغدو الهوية نتاجًا لسردٍ يعيد بناء التجربة بعد انكسارها.

رابعًا: العزلة – البنية الأنطولوجية للوجود

العزلة في الرواية ليست سمةً نفسيةً طارئة، بل هي قدرٌ أنطولوجيّ. فكلّ شخصيةٍ تنسحب إلى عالمها الخاص: خوسيه أركاديو بوينديا يعتزل في مختبره محاولًا اكتشاف أسرار الكون.

أمارانتا تنغلق على عذريتها القاتلة.

أوريليانو الثاني يضيع في لذّاته الفارغة.

إنّ كلّ محاولةٍ لبلوغ معنى أو اكتمالٍ تنتهي إلى مزيدٍ من الانغلاق. وكأنّ الرواية تُجسّدُ مقولةً مفادها أنّ العالم لا يمنح الذات ما يكفي لتتطابق مع ذاتها؛ ومن ثمّ تتكاثر صور الانفصال، ويتحوّل العجز إلى هويةٍ جمعية.

خامسًا: المخطوطات والنهاية – انكشاف وهم التأسيس

في خاتمة الرواية، يكتشف أوريليانو الأخير أنّ تاريخ العائلة كان مكتوبًا في مخطوطاتٍ قديمة، وأنّ قراءته لها هي في الوقت نفسه تحقيقٌ لنهايته. تنتهي الرواية بإبادة ماكوندو: «لأنّ الأجناس المحكومة بمائة عام من العزلة لا تُمنح فرصةً ثانية على الأرض».

هذه النهاية لا تُغلق الحبكة فحسب، بل تُغلق وهم الإمكان ذاته. فالهوية التي سعت الأجيال إلى تأسيسها تتكشّف بوصفها أثرًا لنصٍّ سابقٍ عليها، وكأنّ الذات لم تكن سوى قارئٍ متأخّرٍ لمصيرٍ مكتوب.

وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: الذات التي ظنّت أنّها تُشيّد عالمها بالفعل، تكتشف أنّها جزءٌ من سردٍ مكتملٍ سلفًا. وبذلك تنقلب الحرية إلى وهمٍ سرديّ، ويغدو الاكتمال ضربًا من الاستحالة.

خاتمة تركيبية

تكشف مائة عام من العزلة أنّ الهوية السردية ليست بنيةً مكتملةً ولا جوهرًا قارًّا، بل حركةُ نفيٍ مستمرٍّ لما يتحقّق، ووعيٌ متزايدٌ بالفجوة بين التطلّع والواقع. إنّها نتاج جدلٍ لا يُحسم بين: أصلٍ متخيَّلٍ ويوتوبيا مؤجَّلة،

تصوّرٍ أخلاقيٍّ للعالم وتحقّقاتٍ تاريخيةٍ تخونه،

إرادةِ معنى وزمنٍ دائريٍّ يُعيد إنتاج العجز.

وعليه، فإنّ الرواية لا تُقدّم نموذجًا لهويةٍ ناجزة، بل تُشيّد جماليتها من تسريد الفشل ذاته، وتحويل الخيبة إلى شكلٍ رمزيٍّ كثيف. إنّها، في جوهرها، تأمّلٌ سرديٌّ في هشاشة الوجود، وفي استحالة أن تجد الذات نقطةَ ارتكازٍ قارّةً تضمن لها الاستمرار.

***

بقلمي: ربى رباعي - الاردن

.......................

مراجع وإحالات

ريكور، بول. الذات عينها كآخر، 1990.

ماركيز، غابرييل غارسيا. مائة عام من العزلة، ترجمة صالح علماني، دار المدى.

جورج لوكاش، نظرية الرواية.

ميخائيل باختين، الخيال الحواري.

تزفيتان تودوروف، شعرية النثر.

 

(لحظة بكاملها من السعادة.. رباه، هل تحتاج حياة إنسان إلى أكثر من هذا؟)... فيودور دوستويفسكي من رواية الليالي البيضاء

بهذه الجملة لا يصف دوستويفسكي حبًا مكتملًا، بل لحظة. لحظة وحيدة، مكتفية بذاتها، تكاد تغني عن عمر كامل. ليست وعدا بالمستقبل، ولا امتلاكا للآخر، بل حضورا مكثفا إلى حد أن الزمن نفسه يتقلص داخلها.

السعادة هنا لا تقاس بالاستمرار، بل بالكثافة. وكأن الحب، في أصفى حالاته، لا يطلب الدوام، بل الاكتمال. هذا المعنى يضع الحب خارج السرد الرومانسي التقليدي، ويقرّبه من تجربة وجودية مركزة: الحب ليس ما يمتد، بل ما يحدث. ليس مشروع حياة، بل لحظة يعاد فيها ترتيب المعنى.2397 love

لكن هذه اللحظة المكثفة، على صفائها، ليست بالضرورة متجانسة من الداخل. فحتى في أقصى حالات القرب، قد لا يعيش الطرفان الحب بالطريقة نفسها، أو بالإيقاع ذاته. قد يكون أحدهما أكثر انكشافا أو ترددا، بينما يكون الآخر أكثر هدوءا واكتفاء. وهذا الاختلاف لا يضعف اللحظة، بل يكشف طبيعتها الإنسانية:

الحب ليس تطابقًا كاملا، بل تلاقي حالتين غير متماثلتين في نقطة واحدة من الزمن.

هذا التفاوت الخفي يضيف بعدا آخر للحظة الامتلاء: فهي ليست فقط كثيفة، بل هشة أيضا. الكثافة لا تعني الدوام، والامتلاء لا يلغي قابلية الفقد، بل يجعلها أكثر حضورًا في الوعي، وإن لم تُنطق. من هنا، لا يكون الحب فعل امتلاك، بل حالة انتباه قصوى. ليس حركة نحو السيطرة، بل توقف مؤقت عن التشتت. ومع ذلك، ومن قلب هذه الكثافة، ينهض سؤال أخلاقي يتجاوز الرومانسية:

هل الحب احتكار؟.. وهل يحق للمحب أن يطلب من الآخر أن يحبه لا سواه؟.. في هذا السياق، يقدم عبد الجبار الرفاعي تفكيكا مهما لفكرة احتكار الحب، حين يشبهها باحتكار الخلاص يوم القيامة لدى بعض الأديان. فكما يختزل النجاة أحيانا في جماعة واحدة، يختزل الحب في شخص واحد بوصفه الممر الوحيد للمعنى. هذا الفهم، كما يشير الرفاعي، يتجاهل أن مراتب الحب تختلف شدة وضعفا، وتتنوع كيفياته. فالحب ليس كتلة صلبة تستحوذ، بل طيف واسع من العلاقات، لكل واحدة مقامها وحدودها.

غير أن هذا الطيف لا يلغي التوتر الذي يلتقطه المتصوفة بدقة. يقول محيي الدين ابن عربي في الفتوحات المكية: اعلم أن الحب لا يقبل الاشتراك، فلا يصح أن يحب المحب اثنين أصلًا، لأن القلب لا يسعهما.

عبارة صادمة في ظاهرها، لكنها لا تتعلق بعدد الأشخاص، بل بوحدة المعنى. فالقلب لا يحتمل محبوبين متنازعين، لكنه قد يتسع لوجوه متعددة لمعنى واحد. لذلك يستشهد ابن عربي ببيت ينسب إلى علي بن أبي طالب:

ملك الثلاث الأنسات عناني

وحللن من قلبي بكل مكان

ليبين أن التعدد ممكن حين يكون المعشوق واحدًا في جوهره.

أما أبو حامد الغزالي، فيذهب أبعد في ربط الحب بالانصراف الوجودي، حين يقول في إحياء علوم الدين:

من ذاق من خالص محبة الله تعالى شغله ذلك عن طلب الدنيا وأوحشه عن جميع البشر.

هنا يبلغ الحب ذروته بوصفه حالة إقصاء، لا إقصاءً أخلاقيًا للآخرين، بل انشغالًا كاملًا يمنع القلب من التوزّع.

الحب، حين يبلغ أقصاه، يعيد ترتيب العالم كله حول مركز واحد. لكن هذا الانشغال نفسه لا يخلو من توتر إنساني صامت.

فالحب حين يشتد، لا يكتفي بالتركيز، بل يحمل في داخله خوفًا خفيفًا من الفقد، لا يفسد اللحظة، بل يجعلها أكثر صدقا. هنا يتضح الفارق الدقيق بين نوعين من الاحتكار:

الاحتكار بوصفه أنانية وامتلاكا، والاحتكار بوصفه كثافة حضور وانتباه. العالم لا يلغى لأن المحب يكره سواه، بل لأنه، في لحظة الامتلاء، يصبح زائدا عن الحاجة.

هنا يلتقي دوستويفسكي مع ابن عربي والغزالي والرفاعي، رغم تباعد عصورهم: الحب ليس وعدا دائما ولا حقا مكتسبا، بل لحظة امتلاء. قد تكون لحظة واحدة، لكنها قادرة على أن تمنح الحياة معناها. المشكلة لا تبدأ حين نحب شخصا واحدا، بل حين نطالب أن يكون هذا الحب خلاصًا نهائيا، أو معيارا يقصي سائر أشكال القرب الأخرى. في هذا المسار، يصبح الحب اختبارا أخلاقيا دقيقًا:

هل نحب لأننا حاضرون؟ أم لأننا نريد أن نحتكر المعنى؟ وربما، كما قال دوستويفسكي، لا تحتاج حياة الإنسان إلى أكثر من لحظة واحدة من هذا الامتلاء، إذا كانت صادقة بما يكفي.

***

د. أحمد عابر

 

لاريب أن الذكاء الإصطناعي اصبح اليوم، أداة فعالة للإبداع، في مختلف المجالات، لما يتمتع به من تقنيات متقدمة في تطبيقاته، وما تتميز به خوارزمياته المتطورة من امكانات هائلة في التغذية.

ولذلك بات الأمر يتطلب الانتباه الى ضرورة استخدامه بحكمة متناهية، لكي لا يستلب الحس المرهف في النتاج الإبداعي، فيتحول إلى نص ٱلي جاف، خال من المشاعر والعواطف الوجدانية، التي تميز النتاج الابداعي للكاتب، الذي ينبغي عليه أن يحافظ على نقاء الحس المرهف في نتاجه، ويحرص على التعبير عن أفكاره، ومشاعره الوجدانية، بطريقة مؤثرة.

وتجدر الإشارة الى انه أصبح بإمكان الآلات، إنتاج نصوص، وموسيقى، وفنون، بصورة مذهلة، ومدهشة، في ظل ثورة اتمتة المعلومات، وعصر الذكاء الإصطناعي، وبصورة قد تقترب شكلا، وتعببرا، من النتاج الادبي للكاتب، حتى بات السؤال الذي يطرح نفسه بالحاح، كيف نحافظ على الحس المرهف، والنفحات الوجدانية في النتاج الإبداعي، من الإستلاب، والمسخ؟ لاسيما وان الحس المرهف، يعد كما هو معروف، من بين ابرز ما يميز الإبداع البشري من سمات عن النتاج الآلي، فالحس المرهف هو جوهر الإبداع، الذي يمنح الكاتب، القدرة على التعبير، عن مشاعره، وأفكاره بطريقة مؤثرة، حيث ان الحس المرهف، هو ما يجعل العمل الإبداعي، يلامس القلب، ويبقى في الذاكرة.

ومع ان الذكاء الإصطناعي يمكن أن يكون أداة قوية للإبداع، إلا انه يمكن أن يسلب الحس المرهف، إذا لم يستخدم بحكمة، لاسيما وأن الآلات اصبح بامكانها إنتاج نصوص، وموسيقى، وفنون، بسرعة، وبدقة، ولكنها تظل تفتقر إلى الحس المرهف، الذي يميز الإبداع البشري عن غيره من النتاجات.

ولكي نحافظ على نقاء الحس المرهف من الاستلاب، والمسخ، فان استخدام الذكاء الإصطناعي، ينبغي أن ينحصر في حدود كونه أداة لإنتاج أفكار جديدة، وحسب، دون السماح له بسلب الحس المرهف للنتاج.

***

نايف عبوش

الحقيقة أنني لم أكن أعرف الدكتور سعيد السريحي شخصياً. لا أدري لماذا يشعر المرء بالحاجة إلى توثيق هذه المقدمة بهذا الشكل، وكأنه يعتذر عن شيء. ربما لأننا تعودنا ألا نكتب عن أحد إلا إذا جلسنا معه على مقهى، أو تبادلنا أطراف الحديث في مؤتمر، أو كانت لدينا صورة تجمعنا به في مكان ما. ربما لأن ثقافتنا العربية تحب الشهادة الحية أكثر مما تحب القراءة المتأنية.

لكن الحقيقة الأخرى هي أنني قرأت له. وهذا في النهاية هو السبيل الوحيد الذي يجعل كاتباً ميتاً قادراً على مصافحة كاتب حي. القراءة. هي الجسر الوحيد الذي لا تهدمه الوفاة.

***

«الحياة خارج الأقواس».

هذا العنوان وحده كان كافياً.

تذكرت وأنا أقرأ السيرة التي كتبها، تلك المقولة التي لا أعرف إن كان قالها هو أم قالها غيره، لكنها عالقة في ذهني: «لا تكتب سيرتك الذاتية لتعترف، بل لتفهم». وهكذا كان. لم يكتب الراحل الدكتور سعيد السريحي سيرته كما يكتبها غيره، لم يجمع التواريخ ويصف الأمكنة ويعدد الأسماء. كان يحفر في نفسه كما يحفر عالم آثار في تل قديم، لا يبحث عن القطع الأثرية المصقولة، بل عن الكسرات التي تروي حكاية أعمق.

هذا هو الاختلاف الجوهري.

هذا النوع من الكتابة لا يشبه السيرة الذاتية التقليدية. إنه أقرب إلى التشريح، لكن بأدوات جراح لا يخشى الدم. كنت تقرأ الفصل فتتوقف لحظة، تضع الكتاب جانباً، وتتساءل: هل يقول عني هذا أيضاً؟.

لا أدري لماذا يشعر القارئ أحياناً بأن الكاتب يتسلل إلى رأسه ليلاً. ربما لأن التجربة الإنسانية، رغم تنوعها، تشترك في نقاط التماس ذاتها: الخوف من الفشل، الهاجس بالزمن الضائع، الوحشة وسط الزحام، والشك الدائم في أننا جميعاً نؤدي دوراً لا نرغب فيه.

(السريحي) تجرأ وكتب عن ذلك. خرج من تحت الأقواس المذهبية والمنهجية والاجتماعية، ووقف في العراء. والعراء مكان مرعب.

***

ثم «حجاب العادة».

عنوان يستفزك منذ الغلاف.

الرجل لا يكتب عن الكرم كفضيلة بديهية. هذا ممل. هذا ما يفعله خطباء الجمعة وأعمدة المجلات النسائية. (السريحي) يطرح السؤال الأكثر خطورة من الذي قرر أن هذا كرم وذاك بخل؟ كيف تحولت العادات إلى أخلاق، ثم تحولت الأخلاق إلى مسلمات، ثم تحولت المسلمات إلى سجن؟

الحقيقة أنه كان يمتلك تلك العين السينمائية التي ترى ما لا يراه الآخرون. عندما ينظر إلى مشهد عادي- ضيوف يصلون، مضيف يجهز القهوة، مجاملات تتطاير في الهواء - كان يرى طبقات من الخطاب المطوي. يرى السلطة وهي تختبئ خلف الكرم، يرى التراتبية الاجتماعية تحت مسمى «تقدير الضيف»، يرى الرقابة الذاتية التي تمارسها الجماعة على الفرد عبر مدح فضيلة العطاء.

هذا النوع من القراءة لا يدرس في الجامعات.

يمكنك أن تدرس طالباً عشرين عاماً قواعد النقد ومناهج التحليل، لكنك لا تستطيع أن تمنحه هذه النظرة. إما أن تكون لديه، وإما أن تظل كتاباته صحيحة نحوياً وميتة روحياً.

(السريحي) كانت لديه.

***

«غواية الاسم: سيرة القهوة وخطاب التحريم».

الحقيقة المؤكدة هي أننا نمر على مئات الأشياء يومياً دون أن نراها.

تمر القهوة في أيدينا صباحاً ومساء، نتجرعها في الاجتماعات المملة، نقدمها للضيوف بآلية تخلو من التفكير، نفرح بفناجينها المزخرفة، نشتم رائحتها فنستيقظ. لكن (السريحي) نظر إلى فنجان القهوة فرأى فيه عالماً.

كان مهتماً بالخطاب. بالتحريم والإباحة. بالتسمية والسلطة.

ليس مهماً أن تختلف مع تفاصيل تحليله. المهم أنك بعد أن تقرأه، لن تنظر إلى القهوة بالطريقة ذاتها. وربما، وهذا هو الأهم، لن تنظر إلى أي شيء بالطريقة ذاتها. هذه هي المعضلة الحقيقية مع كتاب كهذا: يفسدون عليك متعة الاستهلاك الساذج. يضعون في رأسك أسئلة لا تنام.

***

ثم هنالك الجرأة.

نتحدث كثيراً عن الجرأة في الثقافة العربية. كل أسبوع نكتشف كاتباً جريئاً، وكل شهر ندفن كاتباً قالوا عنه إنه تجرأ أكثر مما ينبغي. لكن جرأة (السريحي) كانت من طراز خاص؛ ليست جرأة الصوت العالي ولا الصادم المجاني. إنها جرأة الرجل الذي يقرر أن يفكر بصوت مسموع، في مجتمع لا يحبذ أن يفكر أحد بصوت مسموع.

هذه الجرأة كلفته.

لا أحد يكتب «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث» في التسعينيات ثم يجد الطريق مفروشاً بالورود. لا أحد يفكك خطاب «الصحوة» ويكتب «كي لا نصحو ثانية» ثم يتوقع أن يصفق له الجميع. لكن المثير للاهتمام - وهو ما يبدو واضحاً لمن يتتبع سيرته - أنه لم يكن مهتماً كثيراً بالتصفيق. كانت لديه هذه العادة السيئة، يكتب ما يعتقده، لا ما يضمن له مقعداً في الصف الأول.

***

هذه هي المفارقة، أليس كذلك؟

نحن في الوسط الثقافي نمارس لعبة غريبة. نتباكى على فقدان الجرأة، ونبكي على من رحلوا، ونكتب مقالات التأبين الباكية، لكننا في حياتنا اليومية - وقبل رحيلهم - كنا ننظر إليهم بارتياب. نضعهم تحت المجهر. نبحث في سيرهم الذاتية عن هفوة، في كتاباتهم عن زلة، في مواقفهم عن تناقض.

(السريحي) لم يسلم من ذلك.

وبرحيله، اكتشفنا فجأة أننا فقدنا شخصاً لم نكن نحسن قراءته وهو حي.

***

الحقيقة التي أحاول الوصول إليها، بعد هذه الرحلة القصيرة في مشروعه، هي أن (سعيد السريحي) كان يمثل نموذجاً نادراً، مثقف يرفض أن يكون ديكوراً !.

في ثقافتنا كثير من الديكورات. لوحات جميلة معلقة على الحائط، لا تؤثر في حرارة الغرفة ولا في هوائها. كتاب يصدرون كتباً، يحضرون مؤتمرات، يظهرون في شاشات، يلتقطون صوراً مع الوزراء، ثم يرحلون وكأنهم لم يكونوا.

(السريحي) لم يكن ديكوراً.

كان - باستعارتي الخاصة - «ناراً تحت الرماد» . قد لا تراها مباشرة، قد تظن أن الرماد هو كل شيء، لكنك إذا اقتربت كفاية، وضعت يدك فوقه، شعرت بحرارته.

***

لا أعرف إن كان (سعيد السريحي) سعيداً حقاً.

العنوان الفرعي لسيرته يقول إنها «سيرة غير ذاتية للمدعو سعيد». كلمة «المدعو» تحمل شيئاً من السخرية المريرة، من المسافة التي يضعها الكاتب بينه وبين اسمه. من لا يشعر باغترابه عن هويته لا يكتب هكذا.

ربما لم يكن سعيداً.

لكن السؤال الذي يلح علي، وأنا أكتب هذه الكلمات في ليلة من ليالي فبراير 2026، ليس هل كان سعيداً؟، بل هل كان يستحق العناء؟.

والإجابة، ببساطة، هي نعم.

كل كتاب تركه، كل سطر كتبه، كل محاضرة ألقاها، كل طالب علمه كيف يشك في البديهيات، كل قارئ فتح عينيه على عالم غير الذي كان يراه، كل هذا كان يستحق العناء.

***

يقولون إن الإنسان يموت مرتين.

الأولى حين يتوقف قلبه عن النبض.

والثانية حين يتوقف الناس عن قراءته.

(السريحي) لا يزال على قيد الحياة. أمسكت بأحد كتبه قبل أيام، كان موضوعاً على رف لم أفتحه منذ سنة. فتحت العشوائية، وبدأت أقرأ. بعد دقائق، وجدت نفسي أحدثه: «حسناً يا دكتور، هذه النقطة لا أوافقك عليها».

هذا هو الخلود الوحيد الذي يستحق الذكر.

***

قبل أن أنهي هذه الكلمات، أتذكر شيئاً قاله الروائي أحمد خالد توفيق - وهو الآخر رحل تاركاً فراغاً لا يملأه أحد - عن الموت والكتابة. لا أتذكر النص حرفياً، لكن الفكرة كانت: أننا نكتب لأننا لا نستطيع أن نعيش مرتين، فنحن نفعل ذلك على الورق.

(سعيد السريحي) عاش أكثر من مرة.

عاش في المملكة العربية السعودية حيث درس وعلم وأبدع، وعاش في القاهرة حيث ناقش وشكك وحاور، ويعيش الآن في كل مكتبة تضم كتبه، في كل قارئ يفتح «الحياة خارج الأقواس» لأول مرة، في كل باحث يعود إلى «غواية الاسم» ليستخرج منه دلالة جديدة.

ربما هذا هو ما تبقى لنا في النهاية.

ليس الموت هو النهاية، بل النسيان. و(السريحي)، بجدارة، لن ينسه أحد.

***

د. عبد السلام فاروق

رسم هذه اللوحة الفنان الفرنسي ويليام ادولف بوغيرو عام 1888، وهو احد ابرز رموز الرسم الاكاديمي الفرنسي في القرن التاسع عشر، المعروف بمعالجته الهادئة للموضوعات الانسانية الوجودية. لا يندفع بوغيرو نحو الدراما الصاخبة، بل يتوقف عند لحظة ما بعدها، عند الصمت الذي يعقب الفاجعة، حيث يبدأ المعنى في التشكل.

ليست كل بداية ولادة، فبعض البدايات كانت جرحا. هكذا يمكن قراءة لوحة اول الحزن، لا بوصفها مشهدا تاريخيا بعيدا، بل بوصفها لحظة تاسيسية في وعي الانسان بنفسه وبحدوده.

في هذه اللوحة لا نرى الجريمة، بل ما بعدها. لا يد الفاعل، بل جسد الضحية. لا لحظة الفعل، بل زمن العاقبة. الزمن الذي يواجه فيه الانسان، للمرة الاولى، ما لم يكن في حسابه: الموت، والفقد، والعجز، والندم الذي لا يعيد شيئا، ولا يعيد ما كان كما كان.

الاب جالس، يحتضن جسد ابنه لا بقوة، بل بتردد. كأن الذراعين فقدتا معناهما. الابوة، التي كانت اسما للقوة والحماية، لم تعد قادرة على الفعل. والام تنحني في صمت. لا صراخ ولا احتجاج، بل دهشة موجعة امام عالم خرج فجاة عن انتظامه الاول، وامام حقيقة لم تكن معروفة من قبل: ان بعض الاشياء، حين تقع، لا يمكن اصلاحها.

هذه ليست لوحة عن الموت فقط، بل عن انهيار وهم السيطرة. الخطا هنا ليس مجرد فعل عنيف، بل الاعتقاد بان الفعل يمكن التحكم بمصيره. منذ هذه اللحظة ينتقل المشهد من اطار الحدث الى اطار التجربة الانسانية العامة. لا تعود الاسئلة اسئلة ادانة او تبرير، بل اسئلة وعي، وعاقبة، وتحول داخلي. هنا تظهر الحرية، لا كقدرة على الاختيار فحسب، بل كمسؤولية عما يترتب عليه.

بوغيرو لا يضخم الماساة. باسلوبه الاكاديمي الهادئ، يجعل الاجساد مصقولة، والضوء محسوبا، والجمال متقنا. غير ان هذا الاتقان لا يخفف الحزن، بل يضاعفه. كأن اللوحة تقول: حتى في اعلى درجات النظام، يبقى الموت فوضويا، عصيا على التهذيب.

هذا هو اول الحزن، لانه اول مرة يدرك فيها الانسان انه ليس مركز الحكاية. هنا، في هذا المشهد الصامت، يحتل جسد صغير اللوحة كلها، اثقل من التاريخ ذاته. لا بوصفه موتا فقط، بل بوصفه علامة على اللاعودة.

هنا لا يكون الندم دمعة عابرة، بل تحولا داخليا عميقا. وفي هذا المعنى يعرّف ابو حامد الغزالي الندم، في احياء علوم الدين (كتاب التوبة)، بانه توجع القلب عند شعوره بفوات المحبوب، ويذكر ان علامته طول الحسرة والحزن، وانسكاب الدمع، وطول البكاء والفكر. فالندم الحقيقي ليس مشهدا عاطفيا، بل حالة وعي تستقر في القلب وتغير علاقة الانسان بفعله ومعناه.

في حياتنا اليومية نعيش هذا المعنى بصور اخرى. نتصرف احيانا كما لو ان كل شيء قابل للاصلاح، وكأن الاعتذار يعيد الزمن، وكأن النية الطيبة تمحو الاثر. غير ان التجربة تعلمنا ان بعض الافعال، حين تترك اثرها، لا يمكن محوه، بل يمكن فقط تحمله. وهنا، بالضبط، تخرج اللوحة من اطارها الفني الى الحياة، وتتحول الى مرآة لتجاربنا اليومية مع الخطا، والفقد، والنتائج التي لا يمكن التراجع عنها.

اللوحة لا تمنح عزاء جاهزا، ولا تعد بخلاص سريع. لا نور في الافق، ولا وعد مباشرا. فقط انسان يكتشف ثقل الفعل. ولهذا تبدو معاصرة. فنحن نعيش زمن النتائج، لا زمن الافعال وحدها.

اول الحزن ليس حدثا قديما، بل حالة متكررة. كل فقد لا تفسير له، وكل ظلم لا يمكن اصلاحه، يعيدنا الى تلك الجلسة الصامتة امام ما لا يملك الانسان حياله الا الاعتراف.

وفي هذا الاعتراف يتكشف العجز، لا بوصفه ضعفا، بل معرفة مؤسسة. وقد عبر عن هذا المعنى بدقة ابن القيم في مدارج السالكين حين قال: من عرف نفسه بالضعف عرف ربه بالقوة، ومن عرفها بالعجز عرف ربه بالقدرة. فالعجز هنا ليس نهاية الطريق، بل بداية رؤية اقل وهما واكثر صدقا، رؤية يتحول فيها الانسان من وهم التحكم الى تحمل المسؤولية.

من هذا الحزن يولد الضمير. ومن هذا العجز تنشأ المسؤولية. لا لان الانسان صار خيرا فجاة، بل لانه صار اقل ادعاء. كأن مسار التجربة يتضح هكذا: الانكسار يوقظ، والتكوين يثبت، ثم تاتي المسؤولية بوصفها الاثر الاكثر نضجا لثقل الفعل.

لهذا تبقى اللوحة حية. لانها لا تعلمنا كيف نتجنب الخطا، بل كيف نعيش بعده.

***

د. احمد عابر

 

هل نستمتع النظر ونحن نرى الصور والكتابات على الحائط ونحن نتجول في المدن؟ وماذا لو تغير سلوك هؤلاء من المراهقين من الخرمشه إلى انتاج فن دائم يكون جزء من تخطيط المدن الحديثة؟ وهذا ما لاحظته في مدن إسبانيا رغم ان هناك أماكن كثيرة فيها كتابات عشوائية يعبر الشاب فيه عن دواخله تجاه المجتمع بتخريب والشخابيط او إرسال رسالة ضمنية إلى حبيبته. تحويل طاقة الشباب إلى عنصر إبداعي شاهدته بين شباب العراق ابان حركة تشرين المباركة والذي تحول فيه العصيان السلمي إلى حركة ثقافية وسياسية وفنية. لكنها لم تستمر مع الأسف.2378 rafeq

كنت خلال سنوات اجلس في هيئة الثقافة في مدينتي ولأربع دورات انتخابية وناقشنا العديد من الأمور الخاصة بالشباب والاستفادة من نشاطهم وتوجيهها إلى خدمة المجتمع واقترحنا تخصيص مناطق خاصة لهم كي يمارسوا فيها رسم الحائط وإجراء مباريات في فن الگرافيت البديع .

2382 ana زرت معرض الفنانة آنا كورتيس وهي مصمه ورسامة لها العديد من الأعمال الفنية في رسم الحائط في العديد من المدن الإسبانية التي تسميها "الرسم داخل الرسومات "، أقول زرت معرضها على قاعة الفن الحديث في مدينة ابن المدينة الأندلسية الساحلية الجميلة .

أعمالها الفنية تعطي انطباعاً بالفرح والسرور وتضيف إلى اجواء المدن الكثير من الفرح . في هذا المصيف الساحلي المسماة برج الطاحونة هناك في الحي القديم التي كانت في البدا مجرد قرية لصيادي الأسماك واليوم مصيف يامه السياح من جميع انحاء العالم وكانت قبلة للفنانتين امثال بيكاسو وسلفادور دالى والعديد من أفلام الهوليودية جرى تصويرها في سواحلها الجميلة حيث أفلام امثال كيري دوگلاس، بريجيت باردو، فرانك سيناترا، ايڤا گاردنر واخرون احدى أعمالها الفنية البديعة حيث كانت المنطقة بأسرها خرائب وتحولت إلى حديقة عامة ذو خلفية جدارية كبيرة بديعة بالوانها الساحرة.

آنا كورتيس التي تستخدم الاسم الفني bosska، بوسكاً مصممة گرافيك ورسامة، وُلدت في مدينة (ألي كانتا) الساحلية على ضفاف آلبحر الأبيض المتوسط، وانتقلت للعيش في مدينة (ملقا) ملتقى الثقافات والشعوب ومدينة كبار الفنانين امثال بيكاسو وأنطونيو بانديراس واخرون، لكن أسلوب رسوماتها متاثرة بأسلوب مكسيكي واضح، وذلك كنتيجة لكونها عاشت في المكسيك سبع سنوات. تخرجت عام ٢٠١٣ بشهادة في التصميم الگرافيكي من جامعة لا سال في كانكون، المدينة التي بدأت فيها مسيرتها في التصميم والرسم. تدعونا الأعمال الفنيةً لهذه الرسامةً إلى التوقف والتأمل، والغوص في طبقات الرمزية والمعنى، والتساؤل عما هو بديهي. في حالة التداخل الحسي، تتلاشى الحدود ويتوقف الإدراك عن كونه خطيًا:

 فالشعور هو أيضًا الفهم. تُطور أسلوبها عبر الزمن، ولغتها البصرية المميزة، والتي تتسم بـ"الرسم داخل الرسومات" وسرد عضوي متأثر بفن (الآرت نوفو) اي (أسلوب الفن الحديث. يتناول في أعمالها الفضاء والهوية والرمزية، ويتجلى في مشاريع وطنية داخل إسبانيا ودولية. في هذه التجربة الحسية المتداخلة، تدعونا بوسكا إلى تجاوز الظاهر وتجربة الصورة كلقاء بين العاطفة والخيال والحواس. على مر السنين، تطورت موهبتها الفنية، واشتهرت بأسلوبها الفريد في الرسم: "الرسم داخل الرسم". وقد أدى هذا الأسلوب إلى إجراء مقابلات معها على شبكة CNN الأمريكية الشهيرة "في أعمالها تجربة على أسلوب الفن الحديث أحاسيس تستوقف النظر وتفتح على طبقات متعددة من المعاني، والصدى، والرمزية. إنها دعوة لتجاوز الحدود المعروفة، التساؤل عن البديهيات، والعيش في مكان يكون فيه الشعور فهمًا. يُغير التداخل الحسي القواعد:

"تتداخل حاسة مع أخرى، ويتوقف الإدراك عن كونه خطيًا"

كتب للتعريف على أعمالها في حائط المعرض.

***

تقرير وصور: توفيق رفيق آلتونچي

الأندلس 2026

......................

اشارات:

bosska.es

مركز مدينة ابن المدينة للمعارض؛ من الأربعاء إلى السبت: من 9:30 صباحًا إلى 1:30 ظهرًا / من 5:00 مساءً إلى 7:00 مساءً أيام الأحد والعطلات الرسمية: من الساعة 10:00 صباحاً إلى الساعة 2:00 مساءً. ‏[email protected] / هاتف: 952 56 28 20

هذا الموضوع ليس لمجرد القراءة العابرة، بل هو دعوة للتأمل العميق. لو أنزلنا فلسفة المفكر الجزائري مالك بن نبي على واقعنا المعاصر في عام 2026، لادركنا حقيقة مرة: أننا برغم كل مظاهر التطور، لا نزال نعيش جهلاً مركباً؛ نجهل جوهر ديننا، وننساق خلف "دراويش العصر الجديد".

وثنية "صنم الذات" وضياع العقيدة

في هذا العصر، انتشرت وثنية خطيرة جداً؛ حيث نصبنا "صنم الذات العليا" بدلاً من الخضوع لله، مما أدى لغياب عقيدة كاملة من وجداننا. أصبح الموت مجرد كلمة باردة لا نخشاها ولا نعمل لها، لأن بريق "الروحانيات الزائفة" وتنمية الذات طرح أفكاراً وثنية مغلفة بأسماء براقة مثل "الجسد الأثيري" و"العقل الباطن".

وحين ظهر صنم العقل الباطن، اختفى التوكل الحقيقي على الله والرضى بأقداره. حتى الإيمان بالقدر (خيره وشره) تم تمييعه ليصبح مجرد "جذب للأفكار" السلبية والإيجابية. ومع صعود صنم "الطاقات"، ضاع الأمان النفسي وحلت الأنانية، وأصبحت الشعوذة تُقدم لنا كـ "درع حماية".

لقد أصبحنا اليوم أكثر جهلاً من عجائز الماضي؛ فهنَّ كنَّ يبخرن بالجاوي ويتمتمن بالطلاسم، أما نحن "المتعلمون"، فنتأمل ونفعل الطاقات، ونستخدم الموسيقى والخيال لتسكين أرواحنا المنهكة، هرباً من مواجهة الحقيقة.

تحذير مالك بن نبي وباب "التيه"

يقول مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة:

"لقد كان من واجبنا أن ننتبه فلا نلدغ من جحر مرتين، غير أننا لم نكن في الواقع قد تخلصنا من الأسلوب الخرافي، ذلك الأسلوب الطفولي الذي نتجت عنه قصة ألف ليلة وليلة... ولو أننا احتطنا لأنفسنا بمثل هذه الاحتياطات البسيطة لاستطعنا منذ ذلك التاريخ أن نواجه الواقع، وأن نحل مشكلتنا بأيدينا حلاً واقعياً علمياً."

ماذا لو عرف بن نبي أننا نخصص ساعات لقراءة روايات الجن وعوالمهم؟ ماذا لو رأى انبهارنا بخزعبلات "الزوهرية" وطاقة الأحجار الكريمة و"ألوان الهالة"؟ إن هذا الكلام المنمق الذي ظاهره "علم ومنطق" ليس في باطنه إلا شرك ووثنية مقنعة.

الهروب من التغيير النفسي إلى "الدروشة السياسية"

المشكلة ليست في الحكومات أو القادة كما اعتدنا أن ندعي؛ فالحقيقة التي أعادها لي بن نبي هي أننا نركض خلف سراب "طاقة الحياة" لنروي عطش أرواحنا في صحراء التيه، بينما نبتعد عن حقيقة التغيير الأصيلة. نحن نسعى لـ "التميز الخارق" وتفعيل الطاقات بينما دواخلنا تعاني من انهيارات وانجرافات تحتاج لتنظيف قبل البناء فوق الركام.

يقول مالك بن نبي موضحاً أصل الداء:

"ألم تكن المعجزة الحقة في تحويل الأمة وتقدمها شيئاً أغلى من هذا السراب؟ ألم يكن موطن المعجزة هو ما دل عليه القرآن؛ أي في النفس ذاتها؟.. إن الاستعمار ليس من عبث السياسيين، بل هو من النفس ذاتها، التي تقبل ذل الاستعمار، والتي تمكن له في أرضها."

إن التحرر الحقيقي لا يأتي بكلمات أدبية أو خطابات حماسية، بل بـ تحول نفسي يجعل الفرد جديراً بكرامته. وحين يتغير الإنسان، يتغير وضع حاكميه تلقائياً.

زردة 2024.. مبخرة التقليد الأعمى

إننا لسنا في زمن تحرر، بل نحن مأسورون بأفكار غير إسلامية؛ من خيالات الروايات وشعوذات "شيوخ الطاقة" وأدبيات الأغاني والمسلسلات. إنها شرعة السماء الخالدة: "غير نفسك، يتغير التاريخ".

لقد كانت "زردة" عام 1936 نكسة حين عادت البلاد للأفكار الوثنية على يد النخبة السياسية، ولكن "زردة 2024" أقوى وأشد فتكاً. اليوم، نصنع الحجب والتمائم لأنفسنا خوفاً من "الطاقات"، ونتخلى عن هويتنا وسترنا باسم "الانفتاح" و"الموضة". نلقي بهويتنا العربية على مبخرة التقليد الأعمى للغرب، فنجعلها تتبخر وتتلاشى كدخان في الهواء.

تذكروا دائماً كلمة بن نبي عن الحقوق والواجبات: إن الحقوق لا تُؤخذ ولا تُعطى كهدية أو غنيمة، بل هي "نتيجة حتمية للقيام بالواجب". الشعوب لا تنشئ دستور حقوقها إلا إذا عدلت وضعها الاجتماعي المرتبط بسلوكها النفسي.

***

بقلم الحرية: فاطمة محمد الدفعي

.......................

* هذا المقال هو جزء من الفصل الثالث من كتابي الجديد:

[ما بعد شروط النهضة: قراءة في فكر مالك بن نبي ٢٠٢٦]

يظل للمكان سحره في وجدان الإنسان.. فالمكان ليس مجرد ربوع، ومعالم جغرافية، وحسب، بل هو حس رمزي ينبض بوهج الحياة، حيث تتشكل في معالمه الهوية، وتتجسد في ربوعه كل الذكريات.

ولذلك فقد احتل المكان في الأدب والشعر، مكانة خاصة، حيث يتحول إلى رمز يعبر عن تفاعلات أعماق الوجدان، ويجسد لحظات الإنتماء لربوع النشأة.

فالمكان باعتباره مسرحا للذكريات، يحتضنها بصدق، لتكون جزءا لا يتجزأ من وجود الإنسان، وبهذا يتحول بربوعه الساحرة، عندئذ، إلى رمز يعج بكل تلك الذكريات، التي ترعرعت في ربوعه .

وهكذا يكون المكان فضاء متوهجا، يلهم الوجدان بكل مشاعر الحنين إلى ذكريات الماضي، والاشتياق إلى تلك اللحظات الجميلة.

ولذلك يظل المكان، أكثر من مجرد ربوع، ووهاد، وانهار، وتلال، وحسب، فهو تجسيد للوجود الإنساني المكتض، بلحظات الإمتلاء بالذكريات، والانتماء للربوع، التي تم التعايش معها، حيث يتحول المكان بإيحاءاته المتوهجة، إلى رمز، يعبر عن مكنونات أعماق الوجدان، والحنين لكل الذكريات.

***

نايف عبوش

برليناله 2026: حين تختبر السينما قدرتها على قول الحقيقة

تشهد العاصمة الألمانية "برلين" من 12 ولغاية 22 فبراير 2026 انطلاق الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي الدولي (Berlinale)، أحد أعرق المهرجانات السينمائية في العالم وأكثرها انخراطا في قضايا الإنسان والواقع المعاصر. وعلى مدار عشرة أيام، تبدو برلين وكأنها تستعيد دورها التاريخي ليس فقط كعاصمة للسينما، بل كمساحة مفتوحة للصراع الرمزي بين الصورة والواقع. ففي عالم يتجه ـ اليوم ـ نحو تحولات الاستقطاب، والانغلاق، وتطبيع العنف، يعود مهرجان "برليناله" ليؤكد أنه ليس مهرجانا للحياد، بل منصة واعية، ورؤى فنية، وأسئلة كبرى تنحاز بوضوح إلى الإنسان حتى حين يكون هذا الانحياز مكلفا.. لتكون برلين محطة فنية وثقافية بارزة تجمع صناع السينما والنقاد وعشاق الفن السابع من مختلف أنحاء العالم. 

منذ نشأته في قلب الحرب الباردة، حمل المهرجان طابعا سياسيا لا لبس فيه، ومع مرور العقود لم يتخلَّ عن هذا الإرث، بل أعاد صياغته بلغة سينمائية أكثر تعقيدا وعمقا. دورة 2026 تأتي لتؤكد أن السياسة في برليناله ليست شعارا، بل بنية تفكير. وان  مهرجان برليناله لازال يُعد واحدا من أهم الأحداث السينمائية العالمية، لا من حيث عدد العروض فقط، بل أيضا لما يقدمه من منصة للنقاش والتأمل حول قضايا الإنسان المعاصر. في دورة 2026، اختارت إدارة المهرجان برنامجا يعكس هموما إنسانية وسياسية واجتماعية، ما يجعل السينما ليست مجرد فن للتسلية، بل أداة لفهم التحولات الكبرى في عالم اليوم.  بمعنى آخر، مساحة تجمع بين البعد الفني والبعد السياسي والاجتماعي.

أجل، دورة هذا العام تنعقد في ظل عالم مضطرب: حروب طويلة بلا أفق، صعود خطابات اليمين المتطرف، أزمة لاجئين متجددة، وتآكل مفاهيم العدالة والحرية. هذه السياقات لا تظهر في أفلام برليناله بوصفها خلفية، بل كموضوع مركزي يتسلل إلى السرد، والشخصيات، وحتى إلى اختيارات الشكل والأسلوب. السينما هنا لا ترفع لافتات مباشرة، لكنها تشتغل على ما هو أعمق: تفكيك بنية العنف، مساءلة السلطة، واستعادة صوت الفرد في مواجهة الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ولهذا تحديدا، يظل برليناله مهرجانا “غير مريح”، لكنه ضروري. بل منصة للحوار الثقافي والفكري، حيث تتحول السينما إلى لغة عالمية مشتركة قادرة على طرح الأسئلة الصعبة، ومساءلة الواقع، وبناء جسور بين الشعوب.

يعرض المهرجان هذا العام أكثر من 276 فيلما من أكثر من 35 دولة، فيما تضم المسابقة الرسمية 22 فيلما تمثل نحو 28 دولة. هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم المشاركة، بل تكشف عن خيار واضح: فتح المنصة لأصوات متعددة، كثير منها يأتي من مناطق نزاع أو هامش ثقافي وسياسي. الإنتاجات المشتركة العابرة للحدود تشكل نسبة لافتة، وكأن السينما نفسها تبحث عن بديل لفكرة الحدود الصلبة التي يعاد تكريسها سياسيا في العالم. لكن الأهم من الأرقام هو طبيعة هذه المشاركات. الدورة الحالية تشهد حضورا قويا للسينما الأوروبية، خصوصا من ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة والنمسا وبولندا وإيرلندا، لكن هذا الحضور لم يعد مهيمنا. إلى جانبه، تتقدّم السينما الآسيوية من اليابان وكوريا الجنوبية ونيبال، وسينما الأمريكيتين، إضافة إلى حضور أفريقي وعربي (تونس، المغرب والسنغال) ضمن إنتاجات مشتركة، خصوصا عبر أقسام Panorama وForum، تحضر بوصفها شريكا في صياغة خطاب سينمائي عالمي جديد، لا تابعا ولا هامشيا. ابتعدت عن الخطاب التقريري، والأهم: اشتغلت على التفاصيل اليومية، وعلى العلاقة المعقدة بين الفرد والدولة، وبين الجسد والتاريخ. إنها سينما أقل صخبا، لكنها أكثر عمقا وأكثر ثقة بلغتها الخاصة.

اللافت أثناء مشاهدتنا العديد من الأفلام في عروض خاصة للصحفيين المعتمدين  akkreditierte Journalistenفي مواعيد محددة قبل إنطلاق المهرجان، أن إدارة المهرجان لم تبحث عن “أفلام شعارات” بل عن أعمال تنطلق من الخاص لتلامس العام، ومن التجربة الفردية لتكشف البنية العميقة للواقع. هنا، السينما ليست خطابا مباشرا، بل مساحة تفكير..أفلام المسابقة الرسمية هذا العام تبدو وكأنها مختبر للأسئلة الكبرى: ما معنى العائلة في عالم متحوّل؟ كيف تُستعاد الذاكرة الفردية في مواجهة تاريخ جماعي عنيف؟. أين يقف الفرد أمام سلطة المجتمع أو الدولة أو التكنولوجيا؟. اللافت أيضًا هو حضور الأنيميشن ضمن المسابقة، في إشارة إلى كسر الحواجز التقليدية بين “السينما الجادة” والأنواع الفنية الأخرى، والاعتراف بأن اللغة البصرية قادرة على التعبير عن أعمق القضايا، مهما كان شكلها.

الأقسام الموازية للمهرجان ـ حيث تولد السينما القادمة، لا تبحث عن الإجماع، بل عن الصدمة الفكرية، وعن زعزعة المسلّمات الجمالية والسياسية السائدة. فإذا كانت أفلام المسابقة الرسمية تمثل واجهة المهرجان، فالأقسام الموازية هي روحه الحقيقي. ففي Panorama“ و “Forum مثلا، تتجلى الروح السياسية للمهرجان بأوضح صورها. هنا نجد أفلاما تتناول قضايا اللجوء والهجرة، الجسد والهوية، العنف البنيوي، تركة الاستعمار والذاكرة الجمعية. فيما يذهب القسم الآخر أبعد، لعب دوره كمساحة للأصوات المهمّشة والسينما السياسية الجريئة. نحو تفكيك اللغة السينمائية نفسها، وتقديم أعمال قد تكون صعبة، لكنها ضرورية. „Generation“ يؤكد أن مخاطبة الأجيال الجديدة لا تعني التبسيط، بل الذكاء الفني. بينما„Berlinale Shorts“  يظل مؤشّرا حقيقيا على مستقبل السينما، حيث تظهر غالبا التجارب الأكثر طزاجة وجرأة في عالم مضطرب ـ يجعل ـ مهرجان سينمائي عريق مثل "برليناله" أن يوازن بين الجماليات الفنية والرهان الأخلاقي والسياسي؟.

تتولى هذا العام لجنة تحكيم دولية مكوّنة من سبعة أسماء بارزة مهمة تقييم أفلام المسابقة الرسمية، برئاسة المخرج الألماني الكبير "ويم ويندرس" WIM WENDERS، أحد أهم الأصوات السينمائية في أوروبا. وتضم اللجنة: باي دونا (كوريا الجنوبية) ـ ممثلة، مين بهادور بهام (نيبال) ـ مخرج، هكاري (اليابان) ـ مخرجة وكاتبة، رينالدو ماركوس غرين (الولايات المتحدة) ـ مخرج، شيفندرا سينغ دنغاربور (الهند) ـ مخرج ومنتج، إيفا بوششينسكا (بولندا) ـ منتجة.

مهرجان ’’برليناله،، لا يكافئ “أفضل فيلم تقنيا” بقدر ما يكافئ الفيلم الذي: يطرح سؤالا إنسانيا ـ سياسيا راهنا، يمتلك لغة سينمائية واضحة وغير تصالحية، ينحاز إلى الهامش، أو يعيد تعريف المركز ولا يخشى أن يكون “غير مريح”. لذلك غالبا، الدب الذهبي يذهب لفيلم ’’موقف،، والإخراج يذهب لفيلم ’’شكل،، فيما التمثيل يذهب لـ ’’الأداء،، مكثف لا استعراضي. بهذا المنطق، يمكن قراءة التنافس بصفة نقدية استشرافية مبنيّة على منطق برليناله وتاريخه. لهذا، فإن الرهان الحقيقي هذا العام ليس على الفيلم “الأكثر إتقانا”، بل على الفيلم الذي: يوسّع أفق التفكير ويواجه الواقع دون تجميل ويستخدم السينما كأداة وعي لا كملاذ هروب. ملامح دورة 2026. يميل لمنح الدب الذهبي لفيلم “يصعب تلخيصه” لكنه يظل عالقًا في الذهن.

ليس من السهل التنبؤ بجوائز مهرجان برلين السينمائي الدولي 76، لأن برليناله، بخلاف كثير من المهرجانات الكبرى، لا يكافئ “الأفضل” وفق معايير تقنية أو جماهيرية، بل وفق منطق أخلاقي ـ سياسي وجمالي متشابك. الجوائز هنا ليست تتويجا بقدر ما هي تصريح موقف..

من هذه الزاوية تحديدا، يمكنني قراءة ملامح توزيع الجوائز الكبرى لهذه الدورة على النحو التالي: الدب الذهبي مرشح للذهاب إلى فيلم يحمل عبئا سياسيا واضحا دون الوقوع في المباشرة، فيلم يضع الفرد في مواجهة السلطة لا عبر الشعارات، بل من خلال اليومي والهشّ. في هذا السياق، يبرز فيلم Yellow Letters  بوصفه العمل الأكثر انسجاما مع روح برليناله التاريخية: سينما ترى في الفن فعل مقاومة، وفي القمع بنية تتسلل إلى التفاصيل الصغيرة للحياة. فوز هذا الفيلم بالدب الذهبي سيكون امتدادا طبيعيا لتقليد المهرجان في مكافأة الأفلام التي تقول “لا” بهدوء، ولكن بوضوح. "حروف صفراء" إخراج: إيلكر تشاتاك ∙ بطولة: أوزغو نامال، تانسو بيشر، ليلى سميرنا كاباس ∙ ألمانيا، فرنسا، تركيا ∙ 127 دقيقة ∙ باللغة التركية يواجه الزوجان الفنانان ديريا وعزيز تعسف الدولة، فيفقدان وظيفتيهما بين ليلة وضحاها، ومعهما مصدر رزقهما. ويُصبح التوفيق بين مُثلهما وضرورات الحياة تحديا كبيرا لزواجهما. أما جائزة أفضل إخراج (الدب الفضي)، فتبدو أقرب إلى فيلم يغامر باللغة السينمائية نفسها، فيلم لا يطلب تعاطفا مباشرا، بل يدعو المشاهد إلى اختبار الزمن، والصورة، والذاكرة. هنا يبرزDao  للمخرج آلان غوميس كمرشح منطقي: عمل عابر للجغرافيا، يتعامل مع الهوية بوصفها حالة سيولة لا تعريفا مغلقا. برليناله غالبا ما يفصل بين “الفيلم الذي يمثّل اللحظة” و”الفيلم الذي يوسّع حدود السينما”، وهذه الجائزة تحديدا تُمنح عادة للثاني. في المساحة الثالثة، حيث تقف جائزة لجنة التحكيم، يفضّل المهرجان غالبا الاعتراف بالأفلام التي تثير الانقسام داخل اللجنة: أعمال صارمة، صامتة، لا تسعى لإرضاء المتفرج. فيلم My Wife Cries  لأنجيلا شانيليك يقع في قلب هذه المنطقة الرمادية. هو فيلم قد لا يحظى بإجماع، لكنه يحمل نقاءً أسلوبيا وفكريا يجعل تجاهله مستحيلًا. منحه جائزة لجنة التحكيم سيكون إشارة احترام لسينما التأمل القاسي، دون تحميلها عبء الجائزة الكبرى.

بهذا التوزيع المحتمل، لا تكون برليناله قد كافأت ثلاثة أفلام فحسب، بل ثلاث وظائف مختلفة للسينما: سينما تواجه السلطة، وسينما تعيد اختراع اللغة، وسينما تصرّ على الصمت كخيار جمالي وأخلاقي. وهو تقسيم، إن تحقق، سيجعل من دورة 2026 واحدة من أكثر دورات المهرجان انسجاما مع تاريخه، ومع قلق العالم الذي يعكسه.

***

عصام الياسري

 

أن تصادف كتابًا يُفصح عمّا بداخلك بشفافية ودقة، فذلك ليس حدثًا عابرًا في حياة القراءة، بل تجربة أشبه بالمكاشفة. ثمّة كتب تمنحك معرفة، وأخرى تمنحك نفسك، ضمن هذا العمق النفسي يأتي كتاب (الجلاد تحت جلدي) للدكتور عماد رشاد عثمان، عمل يتجاوز الطابع التنموي السريع ليغوص في طبقات النفس محاولًا تفكيك واحدة من أكثر العقد شيوعًا في الإنسان المعاصر: الكمالية وجلد الذات.

عالم تحكمه المقارنات والإنجازات المتلاحقة، يبحث الإنسان عن السعادة والسكينة، لكنه كثيرًا ما يجد نفسه عالقًا في سباق لا ينتهي مع ذاته قبل الآخرين، يريد أن يكون أفضل دائمًا وأكثر نجاحًا وأكثر قبولًا، غير أنّ هذا السعي، حين يفقد توازنه، يتحول إلى محكمة داخلية لا تعرف الرحمة، هنا لا يبدو طلب الكمال نعمة، بل قيدًا خفيًا يضيّق الخناق على صاحبه ويدفعه إلى ملاحقة معايير يستحيل تحقيقها.

العنوان الذي اختاره المؤلف يحمل دلالة عميقة، فالجلاد ليس قوة خارجية تمارس سلطتها علينا، بل صوت داخلي يتشكّل عبر السنوات، نحن الذين نُسرف في محاسبة أنفسنا بلا هوادة ونضاعف أخطاءنا، ونربط قيمتنا الإنسانية بمدى اقترابنا من صورة مثالية متخيلة، هذه الفكرة تشكّل المنطلق الأساسي للكتاب، مصدر الألم غالبًا ليس في العالم، بل في الطريقة التي نتعامل بها مع ذواتنا.

يستند المؤلف إلى خبرة بحثية وعلاجية امتدت لسنوات، تناول خلالها أنماط السلوكيات الإدمانية وإساءات الطفولة وصدمات النشأة، بوصفها جذورًا محتملة لتكوين الشخصية الكمالية، وهو يؤكد أنّ الكمالية ليست مرضًا منفصلًا يمكن وصمه أو استئصاله، بل دفاع نفسي معقد في محاولة لحماية نفسها من الألم أو الرفض، تبني معايير صارمة للنجاة، لكنها تتحول مع الوقت إلى عبء ثقيل. 

يتوسع الكاتب في تحليل البنية الداخلية للشخص الكمالي: دوافعه الخفية، ومخاوفه، وصراعاته الصامتة، الشخص الذي يبدو شديد الانضباط أو مفرط الطموح قد يكون في الحقيقة مدفوعًا بشعور عميق بعدم الكفاية، الإنجاز لديه ليس رغبة في التفوق فحسب، بل محاولة مستمرة لإثبات الاستحقاق، الفشل هنا ليس تهديدًا وجوديًا بل تجربة عابرة.

من الجوانب اللافتة في الكتاب رفضه للحلول السريعة والشعارات التحفيزية الجاهزة النصائح من قبيل (كن لطيفًا مع نفسك) أو (لا تؤجل عمل اليوم) قد تمنح راحة مؤقتة، لكنها لا تعالج الجذور النفسية للمشكلة حسب قوله، التعافي، كما يطرحه المؤلف، يتطلب وعيًا أعمق وفهمًا لتاريخ الفرد الشخصي، ومواجهة صادقة للمشاعر المؤجلة، لا مجرد تعليمات سطحية.

يدعو الكتاب القارئ إلى الانتقال من القراءة الباردة إلى المشاركة الفعلية في المعنى، الفكرة ليست استهلاك المعلومات، بل تحويلها إلى تجربة ذاتية شريكًا في بناء المعنى، لا مجرد متلقٍّ.

لا يعالج (الجلاد تحت جلدي) وصفة جاهزة للسعادة، بل يقدّم مرآة تكشف مصادر القسوة الداخلية، وتفتح باب المصالحة مع الذات، بهذا الوعي الصريح يبدأ الطريق الحقيقي نحو التعافي.

***

فؤاد الجشي

 

يفاجئك دروب المعنى للدكتور الرفاعي بمجرد أن تلِج صفحاته، وتأخذك الدهشةُ الممتعة تمامًا كما هي حين تلتقيه شخصيًّا أوّل مرّة.

أنت الذي خبرته، وهو الذي يخوض بك في أرضٍ طالما حُذِّرت منها؛ يتوغّل معك برِفقٍ ما بين الاغتراب الميتافيزيقي والظّمأ الأنطولوجي. فكلّ كتابٍ من كتبه يفتح لك عوالم جديدة، ويرتقي بفكرك ونضجك ووعيك بدرجات متقدّمة، تتعمق الفكرة، وقد تحتاج إلى إعادة الصفحة عدّة مرّات، لتناقش وتبحث وتراجع كتبًا أخرى، وتغوص معه حيث علم الكلام والفلسفة الغربية، حديثِها وقديمِها. تتعرّف من خلال سلاسة أسلوبه على شخصيّات كان من الصعب فهم نظريّاتهم والوقوف على رؤاهم، لتجد نفسك أمام المعلّم الموسوعي.

لكنّ دروب المعنى، منذ بداياته، وجَدَتني أمام كتابٍ يُقتنى ليكون مرجعًا، لا لتقرأه مرّة واحدة؛ بل تحتاجه كلّما أرقك سؤالٌ مُحيِّرٌ في هذا العالم الظالم، تبحث فيه عن الله:

«الله حيٌّ لا يموت، ما يموت هو ما يصنعه الإنسان من صورٍ لله، يستعملها في خدمة مصالحه واحتياجاته للاستحواذ على المال والثروة والسلطة باسم الدين».

تعود إليه مُتلهّفًا لتجد ما يُسكّن قلقك الوجودي، بأنّ السؤال لا ينتهي:

«تتجلّى قوّة العقل في أنّ الأسئلة فيه لا تنتهي إلى إجابات نهائية مغلقة، بل إنّ الإجابات تتوالد منها أسئلة أعمق من الأسئلة التي وَلَدت أحيانًا».

في كلّ بحثٍ تخوض فيه، وتحاول الاستشهاد بمن يدلّك على الطريق، تشعر أنّ تجربتك ليست استثناءً عن البشر، وأنّ خطأك طبيعيّ في مجتمعٍ يعتبر الخطأ ذنبًا وأسرًا لا سقف لها، فيهرب منها أبناؤها:

«يتخفّف الإنسان بالاعتراف بالخطأ داخليًّا أوّلًا… لو اعترفنا بأخطائنا لتخلّصت عوائلنا من كثيرٍ ممّا يهدّد كيانها ويعصف بأمنها».

في عالم،  التنافس فيه شعار، والمثالية وامتلاك الحقيقة تُشعرنا بالعجز والضعف:

«حاولتُ أن أدرّب نفسي على أن أنظر إلى هشاشتي وضعفي البشري قبل أن أنظر إلى ما أتوهم أنّي أتميّز به على غيري».

فتتوازن، وتشعر أنّ هذا الضعف جزءٌ من بشريّتنا، ولا يُخلّ بشخصيّاتنا.

وتتعلّم، على بساطة كلماته، أنّ:

«حكمة الحكيم تجعل حياته آمنة، وتمكّنه من إدارة علاقاته بسلام».

حين تتيه بين نزاعات الأديان وحروبها، ويؤرق الشكّ لياليك، تجد فيه ما ينساب على روحك كالماء الزلال:

«لا يولد السلام بين الأديان في فضاء الاعتقاد، بل يولد السلام بين الأديان في فضاء الإيمان».

ويعلّمك أنّ الإنسان الذي يستهدف أن يواصل تعليمه:

«ينبغي الإصغاء لحديث كلّ شيء في الطبيعة مهما كان، وينصت لصوت الوجود… كلّ شيء في الوجود يتحدّث إلينا بلغةٍ خارج اللغات البشرية المتداولة».

الكتابُ حديقةٌ غنّاء تتجوّل فيها، فتتيه بين جمال النرجس ورِقّة التوليب وعطر الياسمين. تفتّش في كلّ حرف، تريد أن ترى صورتك فيه بكلّ تجلّياتها.

تسمع فيه صوت الرحمة، وتغيب عنه صور العقاب والانتقام.

وكما تتفاجأ وأنت بحضرة المفكّر الكبير والفيلسوف، بالإنسان الهادئ؛ حيث لا بدّ لك أن تهدأ حتى تستطيع الإمساك بحديثه. المحبّ الذي يحتضن من عرفه ومن لا يعرفه، الموافق لفكره والمختلف معه.

فالحبّ عنده دين، والدين حبّ. فتتعدّد تجلّيات الحبّ بثراء شخصيّته وقدرته على العطاء، كما تتعدّد بكتبه وحروفه. فهو الذي يؤمن أنّ طريق القلب يوصل إلى الله، وأنّ العقل يؤسّس إيمانًا يملأ الفكر بدهشة عظمة وجود الله.

فأنت أمام إنسانٍ في كتاب.

فـدروب المعنى هو رفيق كلّ باحثٍ عقلُه مشاكس، وقلبه مطمئن .

***

منى الصالح

 

في ظل النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية، غالباً ما يُطرح سؤال جوهري حول دور المثقف والفنان: ما هي مسؤوليتهم تجاه مجتمعاتهم؟ هل هم صوت الضمير الجمعي، أم أن فنهم يجب أن يعلو فوق صخب السياسة؟ الإجابة ليست بالأبيض والأسود، بل تقع في منطقة رماديّة معقدة تشكل تحدياً أخلاقياً وإنسانياً.

الصمت ليس حياداً دائماً:

في خضم المعاناة، يُنظر إلى صمت بعض المبدعين على أنه تواطؤ أو تخلي عن المسؤولية. المجتمع يتوقع من أصحاب المنصة والتأثير أن يكونوا صدى لمعاناته. هذا التوقع، وإن كان مُفهوماً، قد يتجاهل المخاطر الحقيقية التي يواجهها الأفراد وأسرهم في الأنظمة الاستبدادية. البقاء في المناطق الخاضعة للسلطة لا يعني بالضرورة التأييد، فقد يكون نتيجة ظروف قاهرة أو خوف حقيقي.

مسؤولية الكلمة:

من ناحية أخرى، يُحاسب المبدع على كلمته. عندما يختار التعبير، تكون لتلك الكلمة ثقلها. تقديم الدعم العلني لقوى مرتبطة بانتهاكات، أو تبرير العنف، أو التقليل من معاناة الضحايا تحت أي ذريعة، هو أمر يخضع للنقد الأخلاقي وليس فقط السياسي. هنا لا يكون النقاش حول حرية التعبير، بل حول التوظيف الأخلاقي لتلك الحرية.

بعد العاصفة: تحديات المصالحة والذاكرة:

ما بعد الصراع يمثل الفصل الأصعب. كيف تتعامل المجتمعات الممزقة مع أولئك الذين صمتوا، أو الذين وقفوا في "الجهة الخطأ" بحسب الرأي السائد؟ الإقصاء المجتمعي الكامل والتشهير قد يؤديان إلى مزيد من التمزق، ويعيقان عملية بناء السلام الهشّة. لكن غياب أي شكل من أشكال المساءلة الأخلاقية أو الاعتراف بالألم المشترك قد يغذي الاستياء ويؤجج جراح الماضي.

معايير عالمية وإنسانية:

توضح التجارب الدولية أن مسار التعافي الوطني لا يمر عبر "محاكمات النوايا" أو التطهير المهني الجماعي. الحلول غالباً ما تكون في:

1. ضمان حرية التعبير: للجميع، بما في ذلك أولئك الذين نختلف معهم، ضمن أطر القانون التي تحظر التحريض على العنف والكراهية.

2. خلق مساحات للحوار: تسمح بسماع روايات مختلفة، وفهم السياقات المعقدة التي تحرك الأفراد.

3. العدالة الانتقالية: التي تركز على كشف الحقيقة وجبر ضرر الضحايا كأولوية، بدلاً من الانتقام.

4. الفصل بين النقد والإقصاء: يمكن نقد موقف فنان أو مبدع أخلاقياً وفنياً دون الدعوة إلى منعه من ممارسة حقه في العمل والتعبير.

خاتمة:

الحرب لا تترك أحداً بلا أثر، والمبدع جزء من نسيج مجتمعه الجريح. اختبار الإنسانية الحقيقي يأتي في قدرتنا، بعد انتهاء القتال، على التمييز بين الجلاد والمتورط، وبين الخائن والخائف. بناء مستقبل مشترك يتطلب شجاعة للاعتراف بالألم من جهة، وشجاعة للتخلي عن ثقافة الإلغاء من جهة أخرى. ربما تكون مهمة الفن العليا في هذه المرحلة هي استعادة الجسور بين الذاكرات المتصارعة، وليس تكريس هوامش جديدة بيننا.

***

بهيج حسن مسعود

 

الكاتب عباس محمود العقاد (1889 - 1964)، شاعر ومفكر وناقد، وعاش مشعلا ثقافيا متوقدا في النصف الأول من القرن العشرين، وألف العديد من الكتب التي تجاوز عددها المئة، ويلقب بعملاق الفكر العربي، وحائز على جائزة الدولة التقديرية (1959) .

والحديث عنه يطول، لكنه من أبرز المعبرين عن العصامية وسلوك التحدي والإصرار، فهو لم يتخرج من جامعة أو يحصل على شهادات أكاديمية، لكنه إنغمس في حب المعرفة وكان موهوبا في المجالات التي خاض فيها، وأكد أن الموهبة بمكن صقلها مهما كانت الظروف مناهضة لها.

تعرفت على كتبه وأنا في المتوسطة، وأصابني هوس جمع ما أستطيعه منها، ومضيت أقرؤها وأعيد قراءتها، ولا تزال بعضها ترافقني، قرأت عبقرياته وإسلامياته، ومنازلاته الأدبية والفكرية مع أنوار عصره، وأشعاره، وما جادت به يراعه من بحوث ودراسات ومحاججات وردورد على تهم وإدعاءات.

تعلمت من كتبه قيمة اللغة والفكر وضرورة البحث والصبر والإصرار على الإنجاز، فكنت أستمد لغتي من كتاباته في حينها، وأتخذه قدوة لإنارة دروب يراعي.

وفي ثمانينيات القرن العشرين إلتقيت بأديب مشهور وشكوت له ولعي بهذا الكاتب، فأرشدني إلى التواصل مع كتبه لأنه سيعلمني اللغة الأدبية الرفيعة، وأسلوب الإقتاع الواضح.

فعدت مرة أخرى إلى البحث عن كتبه في مكتبات بغداد وجمعت ما لم يكن عندي منها، وقرأتها ومضيت أقرؤها، لكن العجيب في الأمر، أنني اليوم عندما أتصفحها وأعاين ملاحظاتي وتعليقاتي على حواشي الصفحات، أفتقد تلك المتعة التي كنت أعيشها وأنا أقرؤها، وينتابني شعور بأنها قد غادرت عصرنا، ولا تنتمي إلا لزمانها.

لكن كتبه كانت مدرستي وأسهمت في توجيهي وتكويني، وإن صح القول فهو أستاذي بلا منازع، وقد زرت قبره ونصبه والحبيب يُزارُ!!

يُرافقني كتابٌ في حياتي

ويُخبرني بأحْجيةِ السعاةِ

لتنويرٍ وتحْريرٍ لشعْبٍ

وتثويرٍ لماحقةِ العُتاةِ

بعقادٍ أبانتْ مُحتواها

جواهرُ أمّةٍ رغمَ الغزاةِ

***

د. صادق السامرائي

 

قراءة في «الأدب الصغير» و«الأدب الكبير» لابن المقفع

كان ابن المقفع يمشي وحيدًا في دهاليز العقل، لا يحمل سيفًا ولا راية، بل مصباحًا صغيرًا من حكمة.  لم يكن يكتب ليُدهِش، بل ليُوقِظ. كأن كلماته خرجت من فرن التجربة، ساخنة، بسيطة، لكنها قادرة على إنضاج العقول الباردة.

 في «الأدب الصغير» و«الأدب الكبير» لا نقرأ كتبًا، بل نطلّ على مرآتين: واحدة يواجه فيها الإنسان نفسه، وأخرى يرى فيها الحاكم صورته عارية من الزينة. في الأدب الصغير، الدرس من الداخل.  هنا لا عروش ولا بلاطات، بل نفسٌ بشرية تتقلب بين عقلٍ وهوى.

يتحدث ابن المقفع عن العقل كما لو كان بذرةً مدفونة في تربة الروح؛ لا تنبت وحدها، ولا تُثمر إن تُركت بلا رعاية.

 الأدب عنده ماءٌ خفيّ، إذا سقينا به العقل استقام، وإذا حُرم منه يبسَ ولو امتلأت اليد ذهبًا. يحذّر من الخطأ الصغير، لا لأنه صغير، بل لأنه يتكاثر في الظل.  يوصي بالصمت حين يغلب الهوى، وبالتأني حين تُغرينا العجلة.

 كأن النص همسٌ طويل يقول: أصلِح نفسك، فالعالم يبدأ من هناك الباب على ساحة الحكم، حيث لا يُمتحَن الذكاء بل الضمير.

أما في الأدب الكبير، أرض زلقة اسمها السلطة. كلمةٌ واحدة طائشة قد تزلزل بلدًا، ورأيٌ أعمى قد يورث خرابًا طويل الأمد.

يرسم المؤلف صورة الحاكم العادل كما لو كان شجرةً وارفة: جذورها في الحكمة، وساقها في الحلم، وأغصانها في المشورة.

 ويُذكّر بأن العدل ليس قرارًا مفاجئًا، بل عادة يومية، وبأن الاستبداد لا يبدأ بالقسوة، بل بتجاهل النصيحة. ثم يهبط ابن المقفع من علياء السياسة إلى دفء الإنسان.

 الصديق عنده ليس زينة مجالس، بل مرآة صادقة، إن كسرتَها جرحتك الشظايا. الصداقة امتحان أخلاقي، واختيارها فعل عقل، لا انفعال عابر.  هنا يصبح الإنسان كائنًا اجتماعيًا لا بثرثرة اللسان، بل بصدق العلاقة.

وحين نجمع الكتابين، نكتشف أن ابن المقفع لم يكتب فصلين منفصلين، بل طريقًا واحدًا ذا مرحلتين:

مرحلة تهذيب النفس، ثم مرحلة تدبير الناس.

كأن الرسالة تقول: من لم يحكم نفسه، لا يصلح أن يحكم غيره....

أسلوبه، هذا السهل الممتنع، يشبه نهرًا هادئًا يخفي تيارًا عميقًا. لا زخرف لغوي، ولا ضجيج فلسفي، بل جمل تمشي على مهل، وتصل. كأن ابن المقفع كان يخاطب قرّاء المستقبل، أولئك الذين سيتعبون من الخطب العالية، ويبحثون عن كلمة صادقة تنقذهم من فوضى الداخل والخارج.

في زمننا، حيث تتزاحم الأصوات وتُصفِّق الشاشات للسطحي، يعود ابن المقفع مثل ناسكٍ قديم يضع إصبعه على الجرح....

العقل إن لم يُؤدَّب صار أداة خراب، والسلطة إن لم تُقيَّد بالأخلاق صارت وحشًا، والعلم إن لم يتحول إلى سلوك بقي حبرًا باردًا....

هكذا يظل «الأدب الصغير» درسًا في أن تكون إنسانًا،

ويظل «الأدب الكبير» تذكيرًا قاسيًا بثمن الحكم،

ويبقى ابن المقفع شاهدًا على أن الكلمة، حين تُكتب بصدق، تعيش أطول من السيوف....

***

بقلم: بلحمدي رابح -  الجزائر

الإبداع هو عملية انجاز شيء جديد ومبتكر، نتاجا اديبا كان، او انجازا تقنيا، وهو وليد توهج الحس المرهف، والاقتدار المتمكن على رؤية الأشياء المحيطة بالانسان، والتفاعل معها ايجابيا من زوايا مختلفة.

 ولاشك ان الرؤية المتأملة للمدركات المحيطة بالانسان، توهج في وجدانه مشاعر الحس المرهف في اللحظة، وتستولد في وجدانه، ارهاصات الإبداع الحقيقي، بحيث يكون الإبداع هو نتاج رؤية ما لا يراه الآخرون، وذلك من خلال توقد الحس المرهف، الذي يساعد على التقاط التفاصيل الدقيقة لتلك الأشياء، برؤية إبداعية.

وهكذا يكون الإبداع الحقيقي، تعبيرا حيا عن المشاعر والأفكار الصادقة، التي استولدته، فالإبداع هو نسغ الحياة.

وتجدر الإشارة الى ان الانغلاق على الذات، يستولد التبلد، الذي يؤدي إلى فقدان القدرة على الإبداع، والتوقف عن العطاء.

ولذلك يظل التبلد عدوا للإبداع، ودافعا إلى تقليد الآخرين، ونسخ نتاجاتهم، بدلاً من اللجوء إلى الابتكار، والتجديد، ليكون التقليد الأعمى عندئذ، قتلا للإبداع.

وللحفاظ على توهج الحس المرهف، يتطلب الأمر، الحرص على ادامة التغذية الفكرية، بقراءة المزيد من الكتب، ومشاهدة الأفلام، والوقوف على التجارب الابداعية الجديدة، فالتغذية بالمستجدات، وممارسة الكتابة، والتعبير عن الأفكار المتوقدة، هي وقود الإبداع المتجدد .

كما أن الانفتاح الجاد على العالم، والسفر، والتعرف على ثقافات جديدة، هي عوامل تحفز الابداع، وتفتح ٱفاقه على مصراعيها.

وهكذا فالإبداع، بما هو توهج الحس المرهف، يمكن أن يتحول إلى تبلد مقرف، بتداعيات صخب الحياة، ويطفىء وهج التالق، ما لم تتم المحافظة عليه، وادامة وهجه، من خلال التغذية الفكرية الدائمة، ورفده بالمستجدات الثقافية.

***

نايف عبوش

الرمزية مفهوم يشير إلى استخدام الرموز في النصوص، والنتاجات الأدبية، والخطابات، للتعبير عن مرادات، أو مشاعر معينة، دون اللجوء لتسميتها بشكل مباشر، وتحضر عادة بشكل واضح، في مجال الأدب، والفن، بينما تتجسد الإيحاءات الوجدانية، في القدرة على إثارة المشاعر، وتحفيز العواطف لدى المتلقي، قارئا كان، أو مشاهدا أو مخاطبا.

ولاريب أن استخدام الرمزية، والإيحاءات الوجدانية في الأدب، والفن، يتم بصيغة توظيف الرموز ببلاغة، تعبيراً عن المرادات والأفكار، أو المشاعر، باعتبار أن الرمز، هو مفتاح المعنى المقصود، حيث تكون الرموز، عندئذ، لغة العقل. فاستخدام مفردة البحر في الأدب، مثلا، قد يأتي تعبيرا عن الحياة، بينما قد يعبر استخدام اللون الأبيض، عن النقاء الخالص.

وتتعدد أنواع الرموز، حسب المقصود منها في التوظيف، فهناك الرموز الطبيعية، والرموز الثقافية، والرموز الاجتماعية .

ويلاحظ أن الإيحاءات الوجدانية، تعبر عن القدرة على إثارة المشاعر، وتحفيز العواطف، وبذلك ينعكس الإيحاء حسيا، من خلال قوة تأثيره في مشاعر المتلقي. وتتجسد أدوات الإيحاء الوجداني، باستخدام بلاغة اللغة، باعتبارها أداة الإيحاء، بالاضافة الى استخدام الصور، والألوان، والأصوات، وغيرها من المؤثرات. كما تتجسد الإيحاءات الوجدانية، باستخدام الموسيقى في الأفلام، لإثارة حس المشاهد، باعتبارها لغة المشاعر, بينما يتم استخدام الصور في الإعلانات، للتأثير في مشاعر المتلقين.

وتجدر الإشارة إلى أن استخدام الرمزية، والإيحاءات الوجدانية في الأدب، يتم باستخدام الرموز، والإيحاءات، بقصد تعميق مضامين النتاجات الادبية، وتحسين جمالية النصوص الإبداعية, باعتبار الأدب هو فن الإيحاء، كما هو معروف، بينما يأتي استخدام الرموز، والإيحاءات الوجدانية في الفن، لإثارة المشاعر، باعتبار الفن هو لغة التعبير عن العواطف.

وهكذا يلاحظ ان الرمزية، والإيحاءات الوجدانية، تاخذان بعدهما الفعال في الأدب والفن، اذ من خلال استخدامها، يمكن للمبدع إثارة المشاعر، وتأجيج العواطف، إضافة إلى تعميق جماليات العمل الفني، باعتبار ان الرمز، هو مفتاح تجليات المعنى، بينما يجسد الإيحاء، قوة التأثير في المتلقي.

***

نايف عبوش

 

بين يدي الآن نسخة قديمة من الطبعة الأولى لكتاب "في الشعر الجاهلي"، تتناثر بين صفحاتها هوامش بقلم رصاص، وتحتفي حواشيها بعلامات استفهام وتعجب، وكأن القارئ الذي مر عليها قبل عقود كان يحاور النص بحرارة، أو يستفهم منه بقلق المستنير. هذا الكتاب الذي صدر قبل مائة عام، لا يزال ينبض بسؤال النهضة، وينزف جرح الهوية، ويثير غبار المعارك الفكرية التي ظننا أنها انتهت، فإذا بها تعود في ثياب جديدة، وكأن الزمن يدور في حلقة مفرغة.

نظم معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفالية بمئوية هذا الكتاب المثير للجدل، إلى جانب اختياره نجيب محفوظ شخصية للمعرض. لا أعرف إن كان القرار مقصوداً أم مصادفة، لكن الثنائية عميقة الدلالة: طه حسين ونجيب محفوظ، رجل الشك ورجل التساؤل، صاحب "في الشعر الجاهلي" وصاحب "أولاد حارتنا". كلاهما اخترق المناطق المحرمة، وكلاهما دفع الثمن، وكلاهما أصبح جزءاً من أسطورة الثقافة العربية الحديثة التي تتراوح بين التقديس والتحريض.

جرح ثقافي لم يندمل!

عندما صدر الكتاب عام 1926، كانت المنطقة العربية تمر بلحظة تأسيسية حرجة: خروج من سبات العثمانيين الطويل، مواجهة مع الاستعمار الجديد، بحث عن هوية في عالم يتشكل بمنطق القوميات والدول. وفي هذا المناخ، جاء كتاب طه حسين ليسأل أسئلة أبعد من الشعر الجاهلي، ليتناول أسس الهوية نفسها: كيف نقرأ تراثنا؟ بأي منهج نتعامل مع موروثنا؟ أين يبدأ الدين وأين تنتهي السياسة؟

لم يكن طه حسين يكتب عن الشعر فقط، كان يكتب عن منهج التفكير. كان يستعير ديكارت ومبدأ الشك المنهجي ليضعه في قلب الثقافة العربية التي كانت تعتمد التسليم والاتباع. قوله بأن الشعر الجاهلي موضوع، وأنه منحول من العصر الإسلامي لأسباب سياسية وقبلية، لم يكن مجرد رأي في النقد الأدبي، بل كان ضربة في الصميم لكل السرديات المستقرة عن الأصل والهوية.

أحس كثيرون أن طه حسين لا يشكك في الشعر فقط، بل يشكك في "الجاهلية" ككل، وبالتالي في "الإسلام" كقطيعة وحلول. وإذا كان الشعر الجاهلي منحولاً، فما قيمة كل ما بني عليه من قيم وأخلاق وتاريخ؟ السؤال كان وجودياً، والخشية من أن يؤدي الشك في الشعر إلى الشك في كل شيء كانت حقيقية.

ما فعله طه حسين هو محاولة نقل العقل العربي من حالة اليقين المطلق إلى حالة التساؤل النسبي. اعتماده على منهج الشك المنهجي كان ثورياً في زمانه. لقد طرح سؤالاً بسيطاً وجوهرياً: إذا كان هذا الشعر قد دون في العصر الإسلامي، بلغة قريش الموحدة (لغة القرآن الكريم)، فكيف نوفق بين ذلك وتعدد لهجات القبائل في الجاهلية؟ كيف نصدق أن هذه اللغة الموحدة كانت لغة شاعرة من شعراء الجاهلية المزعومين؟

السؤال اللغوي كان مدخلاً لإشكالية أكبر، إشكالية التدوين والسلطة. من يدون؟ ولمن؟ ولماذا؟ وهل يمكن فصل عملية التدوين عن الأغراض السياسية للدولة الإسلامية الناشئة التي أرادت توحيد اللغة كما توحد الأرض؟

هنا كان طه حسين يلامس أعصاباً حساسة: العلاقة بين السلطة والمعرفة، بين السياسي والديني، بين التوحيد والتعدد. كان يقول، بطريقة غير مباشرة، إن التاريخ يكتبه المنتصرون، وإن الشعر الجاهلي لم يسلم من هذه القاعدة.

ما حدث بعد نشر الكتاب كان أشد إثارة من الكتاب نفسه. تحول النقد الأدبي إلى معركة سياسية، والجدال الفكري إلى صراع حزبي. سعد زغلول يهدد بالاستقالة من البرلمان، نواب الوفد يستجوبون الحكومة، صحفيون يقدمون بلاغات، كتاب يسحب من الأسواق، مؤلف يحاكم.

لكن المحاكمة كانت لحظة فارقة. فالقاضي محمد نور، في مرافعته التي اكتشفها خيري شلبي لاحقاً، برأ طه حسين بلغة النقد الأدبي. كان القاضي يقول، في جوهر كلامه: إن قضية الشعر قضية أدبية يجب أن تحسم بأدوات النقد، لا بأدوات القانون. كانت هذه المحاكمة اعترافاً بوجود مجال مستقل للأدب والفكر، له منطقه الخاص المختلف عن منطق المحاكم.

لكن اللافت أن الردود على الكتاب جاءت من مواقع مختلفة: الرافعي في "تحت راية القرآن" دافع عن القديم بقدسيته، محمد الخضر حسين هاجم المنهج، محمد فريد وجدي حاول النقد الموضوعي. كل رد كان يكشف عن موقف من التراث، عن رؤية للعلاقة بين الدين والمعرفة.

سؤال المنهج: هل انتهينا منه؟

بعد مئة عام، السؤال الذي يفرض نفسه: هل انتهينا من معركة المنهج التي أطلقها طه حسين؟ الإجابة المؤسفة هي لا. ما زلنا نعيش انقساماً بين منهجين: منهج يرى في التراث نصاً مقدساً مغلقاً، ومنهج يرى فيه نصاً تاريخياً مفتوحاً. منهج يرفض الشك، ومنهج يتخذه مدخلاً للمعرفة.

اللافت أن أسئلة طه حسين عادت تطفو على السطح في السنوات الأخيرة، لكن في ثياب جديدة: سؤال الهوية، سؤال العلاقة بين الدين والسياسة، سؤال القراءة التاريخية للنصوص التراثية. وكأننا نعيش لحظة مشابهة لتلك التي عاشها طه حسين، لكن بأدوات مختلفة وصراعات أكثر تعقيداً.

ماذا بقي من في الشعر الجاهلي؟

إذا قرأنا الكتاب اليوم، بعد مائة عام، قد نختلف مع كثير من فرضياته. الأبحاث اللغوية والأثرية والتاريخية تقدمت، وأصبحنا نملك أدوات أكثر دقة للحكم على الشعر الجاهلي. لكن قيمة الكتاب لم تكن في صحة فرضياته بالضرورة، بل في منهجه، في شجاعته في طرح السؤال، في كسر تابوهات التفكير.

طه حسين علمنا أن القراءة يجب أن تكون نشاطاً نقدياً، لا ترديداً آلياً. علمنا أن التساؤل حق، وأن الشك منهج، وأن اليقين المطلق وهم. علمنا أن التراث ليس جثة نقدسها، بل حياة نتعايش معها، نناقشها، نتفهمها في سياقها التاريخي.

الاحتفاء بمئوية الكتاب اليوم يجب أن يكون مختلفاً عن الاحتفاء التكريمي البارد. يجب أن يكون فرصة لإعادة القراءة، لإعادة النقاش، لإعادة السؤال. لنعيد طباعة الكتاب كما صدر أول مرة، مع كل الردود عليه، مع وثائق المحاكمة، مع كل ما دار حوله من جدل.

لنضع كل هذا بين يدي القارئ الجديد، ليقول كلمته، ليحكم بنفسه. الثقافة الحية هي التي تعيد قراءة تراثها باستمرار، التي لا تخاف من أسئلتها، التي تتقبل تعدد القراءات.

طه حسين لم يرد أن يقتل الشعر الجاهلي، إنما أراد أن نقرأه قراءة جديدة. لم يرد أن ينفي التراث، بل أراد أن يفهمه فهماً تاريخياً. كان رجلاً يؤمن بأن النهضة لا تتحقق إلا بنقد الذات، بمراجعة التاريخ، بطرح الأسئلة المحرجة.

نحو ثقافة التساؤل

بعد مائة عام، ما زلنا نحتاج إلى روح طه حسين، إلى شجاعته الفكرية، إلى إصراره على الحق في الشك والسؤال. في عالمنا العربي اليوم، حيث تتصارع اليقينيات وتتصادم المطلقات، نحتاج إلى أن نتعلم أن المعرفة تبدأ بالتساؤل، وأن الحقيقة نسبية، وأن القراءة النقدية للتراث ليست خيانة له، هي إحياء له.

الاحتفاء بكتاب "في الشعر الجاهلي" بعد مئة عام هو احتفاء بحرية الفكر، بحق الاختلاف، بضرورة الحوار. هو اعتراف بأن الثقافة العربية مرت بلحظات تأسيسية عظيمة، كان فيها المثقفون على استعداد لدفع الثمن من أجل فكرهم.

طه حسين يخاطبنا اليوم من صفحات كتابه القديم، اقرأوا كما لم تقرأوا من قبل، اسألوا كما لم تسألوا من قبل، فالنقد ليس هدماً، هو بناء، وليس تخريباً، بل هو تأسيس. والشك ليس كفراً، بل هو إيمان أعمق بالعقل وبقدرته على المعرفة.

هكذا يظل الكتاب، بعد قرن كامل، ينبض بالحياة، لأن أسئلته حية، ولأن النهضة التي حلم بها طه حسين ما زالت مشروعاً ناقصاً، ينتظر من يكمل الطريق.

***

عبد السلام فاروق

من البطولة الأسطورية إلى النهضة الفكرية

تمهيد: عن الكتاب

يُعد كتاب "شروط النهضة"، الصادر في عام 1948، حجر الزاوية في مشروع المفكر الجزائري مالك بن نبي (مشكلات الحضارة). وفيه يقدم بن نبي تشريحاً دقيقاً لأسباب أفول الحضارة الإسلامية وقابلية الشعوب للاستعمار، مؤكداً أن النهضة ليست "تراكم بضائع" بل هي تفاعل حيوي بين ثلاثة عناصر أساسية: (الإنسان، والتراب، والوقت)، ضمن إطار عقدي ناظم.

في هذا الكتاب أفكارٌ غزيرة تلمس نقاطاً حساسة في جروح حضارتنا التي أصبحت مستعمرة؛ ليس بالسلاح والقوة فحسب، وإنما بتقييد الفكر ومحاولة محو إرادة النهوض. إن جوهر أزمة الشعوب الإسلامية اليوم ليس في نقص الموارد، بل في غياب "البناء الحضاري" والغرق في "دور البطولة الأسطوري.

فخ البطولة وغياب المشروع

يفرق بن نبي بين "عهود الملاحم" و"عهود البناء"؛ فالشعوب التي تعيش على الأمجاد والبطولات دون وعي حقيقي بأسباب التخلف، تظل تائهة في التاريخ. إن البطولة وحدها لا تكفي ما لم تتحول إلى مشروع حضاري واعٍ يرتفع بالفكر إلى مستوى الأحداث الإنسانية، ويتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها.

الاستعمار الفكري والوهم الافتراضي

بإسقاط رؤية بن نبي على واقعنا، نجد أننا لا نزال مستعمرين فكرياً؛ مسلوبي العقل الحضاري، ومشغولين بعوالم افتراضية أُتقنت صناعتها لإلهائنا. نحن نتوهم التقدم ونحن في "وضعية الجلوس"، بينما الحقيقة أن الكلمة المؤثرة – كما وصفها بن نبي – هي تلك التي تحول الفرد إلى إنسان ذي مبدأ ورسالة، كصرخة جمال الدين الأفغاني التي كانت نداءً للاستيقاظ لا لمجرد الثورة المسلحة.

من المقاطعة المادية إلى المقاطعة الفكرية

لقد أثبتت أحداثنا الحالية أن للكلمة والوعي تأثيراً قوياً، تجلى بوضوح في "سلاح المقاطعة". ولكن، لكي تصبح هذه المقاطعة ثورة حضارية حقيقية، يجب أن تتجاوز المنتجات المادية لتشمل "المقاطعة الفكرية".

إن النهضة الحقيقية تقتضي منا نبذ التقاليد الدخيلة، ومقاطعة المحتوى الفكري والسينمائي الأجنبي الذي يطمس هويتنا. كما تخلصت الشعوب قديماً من مظاهر التبعية، علينا اليوم الانتصار على "الذات المستعمرة"، والتخلص من الملهيات الافتراضية للتركيز على بناء حضارة حقيقية تحترم عاداتها ويضرب لها العالم ألف حساب. إن أي نهضة لا تبدأ من السلاح، بل تبدأ من الداخل؛ من الوعي الذاتي والتمسك بالهوية، فلكي تنهض أمتنا، يجب أن ننهض نحن أولاً.

***

بقلم: فاطمة الدفعي

لا شك أن عبد الحميد الديب شاعرٌ متمكن من ناصية البيان ولا تعوزه اللغة؛ كما أن لديه القدرة على تركيب المعاني وحسن التصوير؛ إلا أن قصائده عادةً تدور في فلك الهجاء والسخرية المُرَّة، فكانت انعكاسًا لمسيرة حياة لم يشهد فيها إلا الفقر والخيبات.

 لقد عاش "الديب" حياةً حزينة مُلِئَت بأوجه البؤس والحرمان مما قلل كثيرًا من إنتاجه الشعري، فنادرًا ما كان يُدَوِّن أشعاره أو يحتفظ بها؛ بل كان يلقيها بلا اكتراث ثم يعاود نظم الشعر، ويلقي ما نظمه على مسامع الغير ثم لا يحتفظ به! غير أن المتاح بين أيدينا من أشعاره يؤكد لنا أننا أمام شاعر مُجِيد قطع أشواطًا في عالم الشعر.

وُلِدَ "عبد الحميد الديب" في شهر يوليو من عام 1898 بقرية كمشيش في محافظة المنوفية لأسرة فقيرة؛ حيث لم يملك والده الفلَّاح أرضًا يزرعها؛ بل كان أحيانًا يتاجر في المواشي لحساب الغير، وأحيانًا أخرى يستأجره بعض أهالي القرية لذبح الخِرَاف والعجول في المواسم والأعياد، ورغم ذلك لم يهمل طفله "عبد الحميد" بل ألحقه بكُتَّاب القرية ليحفظ القرآن، وحلم بأن يكون الولد "شيخ عمود" بالأزهر الشريف، و"شيخ العمود" هو العالم الذي يجلس عند عمود من أعمدة الجامع الأزهر ويتحَلَّق حوله الطلبة ليشرح لهم العلوم الدينية.

ورغم أن "الديب" قد نشأ في الريف المعروف بطيب هواءه وروعة أنسامه، واللون الأخضر الجميل الذي تزدان به الحقول؛ إلا أنه في صباه لم يستمتع بكل هذا ولم يتأمل في جمال القرية؛ لأن الفقر كان يعتصر قلبه ويشعره بالعجز؛ لذلك هرب من هذا الواقع الأليم إلى القراءة، فكان يقرأ كل ما يقع تحت يده من الأدب والتاريخ والجغرافيا والعلوم، والشعر بما في ذلك أشعار أبي العلاء المَعَرِّي.

ورغم الفقر إلا أن والده أصر على مواصلته الدراسة في الأزهر، فألحقه بمعهد الإسكندرية الديني، لتصبح الإسكندرية من أهم المحطات في حياة الديب؛ فقد أعادت تشكيل وجدانه، بعد أن سحرته بجمالها، وقد لازمه الفقر فيها أيضًا إذ كان يسكن في غرفة على السطوح بلا أثاث في حي شعبي، وكان يمضي يومه سائرًا في الشوارع بغير هدف، ولم يكن هذا حبًا في التسكع، بل هربًا من وطأة الفقر على روحه، وحتى لا يشعر بالجوع، ويظل سائرًا عامَّة يومِه حتى إذا آذنت الشمس بالمغيب وجد نفسه أمام البحر فيناجيه.

ورغم أن والده كان يرسل إليه كل شهر قروشًا قليلة إلا أنه أكمل تعليمه في الأزهر واستطاع الحصول على شهادة المعهد الديني، وبعدها التحق بكلية دار العلوم في القاهرة؛ غير أنه لم يستطع مواصلة تعليمه فيها خاصةً بعد وفاة والديه، وكان السبب في عزوفه عن التعليم أنه شعر بعدم الجدوى وأنه لا قيمة لشيء، واجتاحه الشعور بالخوف المقرون بالشقاء وفقد الطمأنية. وبالجملة فقد كانت طبيعته غير راضية، وزاد من إحساسه بعدم الرضا فقده لوالديه اللذيْن قال عنهما:

الوالدانِ هلكتُ بعدَهُما.. من لي على ردِّ الأسى بهِمَا

أستوحِشُ الدنيا كرَاهِيَةً.. مُذْ ذُقتُ كأسِيَ من فراقِهما

وفي هذه الأثناء تعرف "الديب" على الموسيقار "سيد درويش" وشعر لأول مرة أن الحياة تبتسم له؛ فقد كان "درويش" سَخِيًّا عليه، وكثيرًا ما أخذه معه في سهراته ليأكل ويشرب ويستمع إلى ألحانه، ولأن الحظ كان على غير وفاق مع "الديب" فإن أيام سعادته لم تدم طويلًا؛ حيث مات الموسيقار وبرحيله عادت الدنيا لتظلم في وجه الديب، وعاد هو إلى حبيبه "الشارع" ليتصعلك بعد هدنة من العَوَز.

 ومشي في شوارع القاهرة وحواريها، وكانت المواقف البائسة التي يمر بها تلهمه وتذكي قريحته فيكتب شعرًا، ومن شعره – على سبيل المثال-:

حظي ومصرعُهُ في لين أخلاقي.. وفيضِ عطفي على قومي وإشفاقي

بين النجوم أُناسٌ قد رفعتُهُمُ.. إلى السماء فسَدُّوا باب أرزاقي

وكم وَقَيْتُ الردَى من بِتُّ مضطَّرِبًا.. في أَسْرِهِ المُرِّ لم أَظْفَر بإطلاقي

يا أمةً جَهِلَتْني وهْيَ عالِمةٌ.. أن الكواكبَ من نوري وإشراقي

أعيشُ فيكًم بلا أهلٍ ولا سكنٍ.. كعيش منتجع المعروف أفَّاقِ

وليس لي من حبيبٍ في ربوعِكُمُ.. إلا الحبيبينِ أقلامي وأوراقي

رِيشَت لغدري سِهامٌ من نميمَتِكُم.. فصارعتني ومالي دونها واقي

لمْ أدرِ ماذا طَعِمتُم في موائدِكُم.. لحمَ الذبيحةِ أم لحمي وأخلاقي

وقد حاول أصدقاء "الديب" أن يساعدوه بالسعي له في أروقة المصالح الحكومية لإيجاد وظيفة تنتشله من الضياع إلا أن أشعاره التي كان يسخر فيها من كل شيء تقريبًا حتى من الوظيفة حالت بينه وبين التوظف.

 وبعض من حكى سيرته قال إنه توظف بالفعل إلا أنه كره الوظيفة ورآها قيدًا واستقال منها، ولايبعُد هذا عن الحقيقة لاسيما وأن "الديب" كما قال عنه صديقه الكاتب "فتحي رضوان": "كان كسولًا يكره العمل ويضيق بالنظام والرتابة، ويعشق التجوال، ولم يكن يصبر ليُتِمَّ عملًا حتى على نظم شعره" ومن المعروف عن "الديب" أنه كان قَلِقًا مولَعًا بالتغيير المستمر لا يستقر في الحياة ولا في الوظيفة.

وفي قمة بؤسه تزوج "الديب" من امرأة مُطَلَّقة اسمها "إحسان" وكانت أمًا لطفلين، وانتقلت الزوجة المسكينة بطفليها لتعيش معه في غرفته التي على السطوح، وكان يغيب عنها بالأيام هربًا من دفع قيمة الإيجار ومسئولية الإطعام، ثم يعود إليها خالي الوِفَاض، وضاقت زوجته بهذه الحياة فطلبت الطلاق بعد شهور، وبالفعل طلَّقَها.

وظل الديب هائمًا على وجهه بلا عائلة ولا سكن ولا مال، وكان يبيت لياليه المُفعَمة بالضياع في الحدائق العامة والمساجد ولا يجد ما يسد الرمق، والعجيب أنه رغم هذا كان قادرًا على إنتاج الشعر وإن كانت بعض أشعاره لا تليق، فقد استخدم فيها ألفاظًا لا شك أنها وقحة.

ويرى "فتحي رضوان" في كتابه "عصر ورجال" أن "الديب" شاعر موهوب وكان جديرًا بأن يُثرِي ديوان الشعر العربي فوق ما أثراه بألوان غير مسبوقة، وبمعانٍ جديدة غير مطروقة لو أن الوسط الأدبي كان جادًّا أكثر، ولكن الواقع أن الحياة الأدبية كان يشوبها لونٌ من الهزل يُمارَس على قوارع الطُّرُق وفي المقاهي، وداخل مكاتب رؤساء تحرير الصحف، وهكذا سقط الديب في أيديهم، فتَلَهُّوا بِهِ طويلًا، وأكدوا عنده الميلَ إلى الكسل، وأفقدوه احترامَهُ لنفسه، ولم تمتد منهم يدُ جادٍّ لتقويمه والارتفاع بموهبته في حدود خصائصه النفسية"

وذات يوم وُجِدَ الديب ميتًا في حديقة عامة، وفي رواية أخرى أنه توفي بمستشفى "قصر العيني" ومن الواضح أن بؤسه تسبب في وفاته، وعلى أية حال فقد مات وترك الضيق والعناء بعد خمسةٍ وأربعين عامًا لم يَتهَنَّ فيها يومًا واحِدًا، وجديرٌ بالذكر أن أولى ذكرياته الحزينة جاءت هو في سن مبكرة؛ حيث مات جاره الأعرابي "سالم" وكان شابًا وسيمًا طيبًا يتخذه "الديب" قدوةً له.

وبعد رحيل "الديب" بمدة شكَّل الشيخ "أحمد حسن الباقوري" وزير الأوقاف لجنة لجمع أشعاره ودراستها؛ إلا أن اللجنة انقسمت على نفسها ولم تقم بمهمتها على الوجه الأمثل، ورغم رحيل الديب إلا أن اسمه لم ينقطع ذكره، فقد درَس االباحثون في الأدب أشعاره وأُلِّفَت عنه بعض الكتب، ويمكن القول في الختام أن "الديب" هو بحق "وريث الصعاليك" ونموذج يُلتَفَت إليه للتأمل في الأدب، وفي الحياة أيضًا.

***

حاتم السروي

 

عندما كلفني الاخ الدكتور (طالب الجليلي) المعروف بحسه الأدبي المرهف وحبه للحكاية الشعبية بقراءة صفحاته التي كتبها عن الواقع العراقي المرير الذي عاشه المجتمع وجدت فيها تلخيصا لمعاناة مجتمع يحب السلام لكنه لم يناوله أبدا نتيجة لافرازات السياسية التي حصلت في بلد اسمه العراق صفحات الدكتور الجليلي تسجل لحرب (الشمال) لأنه خدم كطبيب مجند هناك لكن لم يتحدث عن الأكراد أو الكرد إلا بكل الود والاحترام كما تحدث عن أحداث الجنوب وما فيها من مآسي وقسوة تعامل من السلطة تجاه أبناء هذه البقعة من العراق، صور في هذه الورقات مأساة الجيش العراقي في شمال العراق والكيفية التي يعيش فيها الضباط والجنود في مغاراتهم، يمنح المكان صورة تشكيلية أو قل قصيدة شعرية فها هو يصف الجبل وكأنه عاشق ينظر الى محبوته وليس الى صخور غطتها الثلوج وليس الى مكان سالت منه الدماء مدرارا عندما يصف المنظر بقوله " بدت الجبال مجسمة تبدو في الافق كأنها لوحة رسمت بفرشاة مونيه، السماء مكسوة بالغيوم الرمادية والبيضاء لكن الجبال" ومونيه كما هو معروف عنه رائد الانطباعية في العالم ويوصف أيض انه صاحب ثورة جمالية الأمر الذي يعطينا إشارة إن الطبيب الجراح (طالب الجليلي) حتى في مشرطه مع المريض يمارس الفن ويضفي عليها فلسفة استقاها من أساتذته. أما عن الجنوب صاحب المأساة الكبرى في التاريخ العراقي الحديث، فهو يرسم صورة أخرى عن مأساة الضابط والجندي العراق في جنوب العراق فما بالك بالشخص العادي، يرسم اللوحة المأساوية " كنت في أحد الصباحات منهمكا في المطالعة في ملجئي، فلمحت الأمر ينزل مسرعاً من كتف النهر وهو منهمك بفتح سحاب سرواله بعد أن ترك ساحة العرضات راكضا.. اتجه الى المرافق الصحية وهو يأمر الخادم بأن يلحق به بالإبريق.. تعمدت أن أزوره بعد أن قضى حاجته ودلف الى البهو رأيته يجلس واجما وحزينا على كرسيه الميداني.. ما أن رأني حتى انفجر بسباب لم أسمعه منه من قبل.. قام بشتم الجميع ماعدا (السيد الرئيس) !! كما قال.. كان يردد: حتى الحيوان في الخارج يلقى العناية ويجد من يهتم به من البشر هناك.! أما نحن ف تفو.."فيها إشارة لحب الدكتور طالب الجليلي للمطالعة في تلك الظروف المأساوية.

وزعت الطبعة الأولى من رواية (الحوم) في بعض البلدان الأوربية وقد صدرت عن دار الرضوة للنشر وستتوفر قريبا جدا جدا في المكتبة الجامعية في الكوت العراق.

***

رائد عبد الحسين السوداني

هناك مدن كلما زرتها، وأخذتك قدماك بطرقها وشِعابها، كلما ازددت حبًا وتعلّقًا؛ تتعتّق فيك كعطرٍ أصيل، كلما قَدِم زادت قيمته، كبخور العود يعلَق بك وتحمله ثناياك، فيشاركك أمسياتك المعطّرة، وينثال على أحلامك، ينتشل بقايا ألمك، ويُشافي جروحًا طال مكوثها.

كيف لبلدٍ فيه كل هذه الجروح، يئنّ تحت وطأة سنين من الجهل والعبودية، لا مكان للهواء فيه، تخطّته الحداثة بقرون، فبات يلهث خلفها بفوضى تفقده التركيز؟

مدنٌ بكل هذا الضجيج، بكل هذا التلوّث العجيب على كل الأصعدة، ما زالت قادرة على أن تتغزّل بي على ضفاف دجلة والفرات كطفلةٍ لم تعرف أبجدياتها إلا على رمال شواطئه، فتعزف ما بين الكرخ والرصافة أجمل الألحان.

مع كل الصراعات والحروب التي مزّقته وتركته أشلاءً يصعب لملمتها، ما زال رحمًا ولودًا بمئات المفكّرين وأصحاب العقول المميّزة؛ هناك، في أزقّته (درابينه)، تولد الأسئلة الصعبة، وعلى صوت استكانة شاي يولد ألف موّال، فإذا بحضيري أبو عزيز:

مكتوب نمشي العمر

لو نرضه لو نلومه

هو إحنا نمشيه

لو هو الماشينا؟

ليصبح شرب الشاي فكرةً فلسفية.

وعند عتبة شارع المتنبي تتيه بين نازك وهي تتغنّى:

«لن أنسى هواك،

ولو طال بي الزمنُ، ولو ناءت خُطاي»،

والسيّاب يشدو:

«عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السَّحر»،

لتجد نفسك بين ألف نازكٍ وسيّاب.

مآذنها شامخة رغم كل الانكسارات، تذكّرك أن هاهنا كانت حضاراتٌ حيّة؛ فالسومرية والبابلية ما زالتا توقظان في الذهن دهشة الاستفهام وبهجة المغامرة.

وما بين النهرين تصرخ كالجواهري:

«أنا العراقُ لساني قلبُهُ

ودمي فراتُهُ وكياني منه أشطار»

فتعرف أنك في بلاد الرافدين، حيث تُطعِم الحبّ فيغرد البيان.

***

منى الصالح

 

لو وضعنا الفلسفة والشعر على رفٍ واحد، كما يفعل التقليد الأكاديمي الصارم، لسارعنا إلى الفصل بينهما: الفلسفة بوصفها خطابًا عقلانيًا منضبطًا، مشدودًا إلى اللوغوس، والشعر باعتباره فنًا جماليًا عاطفيًا، ينتمي إلى الإحساس والخيال. هذا الفصل هو ابنُ تقليدٍ غربيٍّ جزّأ المعرفة، ووزّعها على حقول متخصصة، حتى بدا كل مجالٍ وكأنه مكتفٍ بذاته. غير أن من اقترب حقًا من الفلسفة والشعر معًا، لا بد أن يكون قد أحسّ—ولو مرة—برباطٍ خفيّ، بحميمية صامتة تشدّ أحدهما إلى الآخر.

فالفلسفة والشعر ليستا طريقين متقابلين، بل مساران متجاوران يسلكهما الإنسان بحثًا عن المعنى، والحقيقة، والجمال. كلاهما محاولة للإقامة في أسئلة الحياة، وكلاهما ينبثق من الإيماءة الأولى ذاتها: الدهشة. الذي عدّه اليونان أصل التفكير وأصل الشعر معًا. الدهشة ليست معرفة، بل انفتاح؛ ليست جوابًا، بل استعداد للنظر إلى العالم كما لو أنه يُرى للمرة الأولى. ومن هذه الدهشة، الممزوجة بشيء من العجز والارتباك أمام كثافة الوجود، تتفتح المساحة التي يصبح فيها الفكر والشعر ممكنين.

الشاعر النمساوي "راينر ماريا ريلكه" يعبّر عن هذه الحالة بكثافة شاعرية حين يدعونا إلى أن نسكن الأسئلة بدل أن نستعجل الإجابات. فالسؤال، في نظره، ليس نقصًا، بل فضاء، وغرفة مغلقة، وكتابًا مكتوبًا بلغة غريبة، لا يُفتح إلا بالعيش لا بالتفسير. الكلمات لا تحيا إلا حين يسبقها فراغ، ولا يولد الجمال إلا من رحم عدم اليقين. فحيث لا فجوة في الفهم، لا نبض، ولا شعر، ولا فلسفة.

الفيلسوفة الاسبانية "ماريا زامبرانو"، التي كرّست فكرها لاستعادة الصلة بين الفلسفة والشعر، جعلت من الفراغ عنصرًا جوهريًا في الإبداع. الفراغ عندها ليس خواءً، بل مساحة مقدّسة تسمح بظهور المعنى. في مفهومها عن «العقل الشعري»، حاولت تجاوز الانقسام الذي فرضته العقلانية الغربية بين الفكر والعاطفة، بين المفهوم والصورة. العقل الشعري ليس منطقًا خالصًا ولا انفعالًا محضًا، بل قدرة على الإقامة في المجهول دون استعجال، وعلى استقبال الدهشة دون أن تُختزل في تفسير. من هنا، تصبح الفلسفة والشعر شكلين من أشكال المعرفة المتجسدة، معرفة لا تنظر إلى العالم من مسافة باردة، بل تخوضه بكلمات حيّة، تتنفس وتتعثر وتضيء.

بهذا المعنى، يمكن القول إن الفلسفة والشعر أخوات في الصمت. فهما لا تسعيان إلى إغلاق الأسئلة، بل إلى حراستها. لا تدّعيان امتلاك الحقيقة كاملة، بل تعترفان بأن العالم أوسع من أن يُستنزف بالمفاهيم القاطعة. الصمت هنا ليس عجزًا، بل احترامًا لما يتجاوز القول.

حتى فيتغنشتاين، الفيلسوف الذي شغله حدّ اللغة وإمكاناتها، رأى في الشعر لغةً قادرة على استحضار الواقع لا تمثيله. فهناك ما لا يمكن قوله بدقة منطقية، لكنه مع ذلك يُرى ويُحسّ. في هذه «اللا دقة» يكمن سر الشعر: فجوة دلالية تفتح المعنى بدل أن تغلقه، وتتيح للفكر أن يبلغ مناطق تعجز عنها اللغة التقريرية. الشعر لا يضعف حين يكون غير مباشر، بل يكتسب قوته، لأنه يعيدنا إلى التجربة في تعقيدها الخام، قبل أن تُهذَّب أو تُختزل.

وتجسّد الشاعرة البولندية "فيسلافا شيمبورسكا" هذا الموقف في شعرها اليومي البسيط والعميق في آن واحد. فهي تعثر على الدهشة في التفاصيل الصغيرة، في يومٍ يمرّ «دون تساؤل»، فتذكّرنا بأن الغياب المؤقت للدهشة ليس براءة، بل فقدان. الحياة، في نظرها، لعبة كونية بقواعد مجهولة، والمشاركة فيها تبدأ من الانتباه، من السؤال الذي يطلّ فجأة وسط العادة.

في الحياة اليومية تحديدًا، تلتقي الفلسفة بالشعر على نحوٍ أوضح: في سؤال يولد في الزحام، في لحظة قراءة بطيئة، في كتابة تقطع الإيقاع الآلي للزمن. وسط شبكة العادات المتكررة، تصبح الفلسفة والشعر تمرينين على الحضور، تذكيرًا بأن هناك دائمًا فجوة يمكن النفاذ منها إلى العالم. الشعر، بقدرته على الإبطاء، يمنحنا رؤية مختلفة لما اعتدناه، وهذه الرؤية—في جوهرها—فعل فلسفي بامتياز.

***

محمد إبراهيم الزموري

هل قدر على الشاعر العربي المعاصر أن تكون فاجعة موته هي القصيدة الأخيرة التي تضمن له حق التواجد على الساحة الأدبية العربية؟

و الواقع الذي علينا أن ننتبه إليه انه ما عاد يكفي في هذا العصر أن يكتب الشاعر شعرا جيدا ليثبت على الساحة بل ذلك شرط أساسي ولكنه ليس كافيا وحده بالمرة ... فقد تداخلت الآن العملية الإبداعية بمسألة النشر والتوزيع والطبع، ومضى عهد الراوية ليحل محله سلطان الترويج.

و الشاعر الراحل أمل دنقل من الشعراء الذين حجبهم حاجز المعاصرة عنا، فهو من الشعراء الذين كانوا في الظل لأسباب ليس هذا مجال التعرض إليها.

خيول بيكاسو

لست أدري لماذا تذكرت لوحة غيرنيكا الشهيرة للرسام الاسباني العالمي بيكاسو والتي رسمها بعد الغارة الوحشية على تلك القرية من طرف الطيران الفاشستي في منتصف الثلاثينات. وهذه اللوحة العالمية يظهر فيها من جملة ما يظهر خيول جامحة تصهر غضبا وثورة، ولكنها أيضا تئن من الألم والأوجاع...كذلك هي الخيول في قصيدة امل دنقل ترزح تحت الجبروت الإنساني بعد أن كانت تنعم بالحرية إذ كانت:

تمتلك الشمس والعشب والملكوت الظليل

ظهرها لم يوطأ لكي يركب القادة الفاتحون

و لم يلن الجسد الحر تحت سياط المروّض

و الفم لم يمتثل للجام

و لم يكن الزاد ... بالكاد

لم تكن الساق مشكولة

و الحوافز لم يَكُ يثقلها السنبك المعدني الصقيل

كانت الخيل برّية

تتنفس حرّية

فالخيول في هذه القصيدة رمز للينابيع الأولى للحياة البدائية الأولى، الخالية من الاستغلال والتجبر والسوط والبعيدة عن الهموم والتعب اليومي، والرافضة للقوانين وللأوامر المتمثلة في الساق المشكولة وفي الفم الملجوم ، والمتخلصة كذلك من مظاهر الحضارة التي جعلت الفطرة الأولى تنمحي تمام من حياتنا. وما رمز السنبك الصقيل إلا دلالة على كل ذلك.

2

إضافات جديدة

صورة الجواد الجريح في المعركة معروفة في الشعر الحماسي. ولعل الأسماء المتعددة للخيل في القاموس العربي تدل على معاني موحية في تلك الأسماء . فالحصان مثلا ما كان من الخيل قويا حصينا يمنح راكبه المناعة والنجاة في المعارك والأخطار ،أما الجواد فالواحد من الخيل المحفوظ النسب الجيد الأصل، والفرس هو الذي يتصف بالذكاء والفطنة والفراسة.

فما الذي أضافه دنقل إلى معاني الخيل في الشعر العربي؟

- هو يجعل من الخيل ضحية حروب الإنسان ، إذ القصيدة تقول:

الفتوحات في الأرض مكتوبة بدماء الخيول .

- يجعل من الراكبين المائلين رمزا للعذل الغائب في الأرض . يقول:

والركابان: ميزان عدل يميل مع السيف حيث يميل.

- يجعلها رمزا للقوة المخيفة الباطشة في يد السلطة. فقد صارت الخيول مجرد أداة طيّعة للزينة وللرعب... رعب الأطفال والناس.

والخيول عند أمل دنقل مسلوبة القدرة على الاغارة والركض، وعاجزة تدب إلى الموت والفناء... اذ يقول:

اركضي كالسلاحف.

نحو زوايا المتاحف

بل تصبح الخيول لعبا للأطفال من الخشب وحلوى مصيرها الى الامتصاص والذوبان وتنحت تماثيل من الحجر في الميادين العامة رمزا للتلاشي والابتعاد عن الأصلي والجوهري.

الخيل والناس

الخيول في قصيدة دنقل خرجت عن كونها مجرد حيوانات أليفة لتكون ذات إحساس واع بالحياة وبصروفها وبالناس، وهي تصبح في مرحلة ثانية كالناس لا يفصل بينها وبينهم الا كاف التشبيه. وتكون الخيول في أخر المطاف الناس تماما تحمل همومها وتحلم احلامهم وتتحمل عذاباتهم كواحد منهم اذ تقول القصيدة:

كانت الخيل في البدء كالناس برية تتراكض عبر السهول

كانت الخيل كالناس في البدء

وهذه الخيول يجعلها امل دنقل تتنفس حرية

مثلما يتنفسها الناس في ذلك الزمن الذهبي النبيل...

ونلاحظ في القصيدة مقابلة بين حالة الخيول في الماضي وحالتها في الحاضر يقول الشاعر:

3

ماذا تبقى لك الآن؟

ماذا؟

سوى عرق يتصبب من تعب يستحيل دنانير من ذهب

في جيوب هواة سلالاتك العربية في حلبات المراهنة الدائرية في نزهة المركبات السياحية المشتهاة

وفي متعة المشتراة

وفي المرأة الأجنبية تعلوك تحت ظلال ابي الهول

هذا الذي كسرت انفه

لعنة الانتظار الطويل

انها الخيول العربية المجروحة بهذا الزمن الصعب، زمن الخيل الأشباح حيث كل شيء يواجه الانسان العربي بالتحدي ويهدده بالانسحاق. وكان امل دنقل من الذين وضعوا أصابعهم على الجرح بألم، فكانت قصيدة " الخيول " قصيدة التجريح الذاتي للأنا الجماعية التي فقدت كالخيول براريها وسهولها وحريتها.

***

سُوف عبيد ـ  تونس ـ 1984

 

في المثقف اليوم