أقلام ثقافية

أقلام ثقافية

الرمزية الأدبية هي لمسة إبداعية تثري النص الأدبي، وتجعل منه تجربة وجدانية، وجمالية معا، اذ يمكن للكاتب من خلال استخدامه المقتدر للرموز، أن يعبر عن مراداته، من معاني ودلالات عميقة، بطريقة غير مباشرة، ليترك تأثيرًا واضحا في ذهن القارئ، وبذلك يكون الرمز، هو الجسر الرابط، بين الواقع المحيط به، والخيال الذي انثال عنه. وهكذا تكون الرمزية الأدبية تقنية إبداعية متميزة، تستخدم الرموز تعبيرا عن دلالات، ومعاني أعمق من التناول المباشر لتلك المعاني. وتساهم الرمزية في إثراء النص الأدبي، وتجعل منه تجربة وجدانية وجمالية فريدة للمبدع، من خلال استخدامها المفردات والصور، للتعبير عن معانٍ أعمق من المعنى الحرفي المتداول لها، ليكون الرمز هو المنفذ إلى فك مجاهيلها.

وتجدر الإشارة إلى أن الرموز تأخذ اشكالا متعددة، فهناك الرموز الطبيعية، مثل الشمس، القمر، والكواكب، الماء، والرموز الشخصية، الخاصة بالكاتب. على ان الوجدانية الإبداعية هي ينبوع التعبير عن المشاعر، حيث تسمح الرمزية للكاتب بالتعبير عن مشاعر عميقة، بطريقة غير مباشرة.

وبما ان الشعر هو اروع لغة للتعبير عن المشاعر المرهفة، فان الرموز تساعد في خلق جو نفسي ملائم في النص، حيث تتمكن الرمزية بذلك، ان تجعل القارئ يتفاعل مع النص بعمق . وتتجسد الجماليات التعبيرية للرمزية الابداعية بالإيحاء والإشارة، حيث تعتمد الرمزية على الإيحاء والإشارة، بدلاً من التصريح المباشر، لتظل إشارة إلى ما لا يقال في النتاج الإبداعي. وهكذا تسمح الرموز بتعدد التاويلات، والقراءات للنص، لتفتح أبواب التأويل على مصراعيه، ومن ثم تستكشف جمالياته الكامنة .

كما ان الرمزية باعتمادها على الصور البيانية، تستولد تأثيرات جمالية اضافية للنص، تتجاوز برمزية صورها الإبداعية، حواجز الواقع المحيط بها، وتفك اسرار مرموزاته.

***

نايف عبوش

"المتحف الصغير".. هكذا ارتأى الفنان فاروق حسني، بكل ما تحمله الكلمة من دلالات التواضع والحميمية والتركيز على الجوهر، أن يسمي أجمل وأغلى ما يملك. حول حلمًا ظل يراود مخيلته طويلاً، ويتراءى له في لحظات الصفاء والإبداع، إلى مشروع ثقافي يروي قصة عمر بأكمله، عمر قضى شطرًا كبيرًا منه في دهاليز السياسة وإدارات الثقافة، لكن قلبه ظل معلقًا بين ريشة وألوان ولوحة.

وعلى الرغم من صغر مساحته، إلا أن هذا المشروع أمسى يمثل نقطة ضوء تشع إبداعًا وجمالا بالألوان. يضم بين جنباته تأثيرات متراكمة، طبقات فوق طبقات من الخبرة الجمالية والتجريب الفني، يستشعر قوتها ووقعها كل من تطأ قدماه تلك المساحة الوديعة الرحبة.

وكتأثير أجنحة فراشة تحرك الهواء بلطف، قد يبدو خفيًا للوهلة الأولى لكن عواقبه تمتد عبر المسافات، تستطيع هذه المساحة المتحفية أن تبعث في الروح شغفًا بالألوان والأشكال والفراغات والخطوط، تلك المكونات الأولية والأساسية لعالم البصر والإبصار.

منذ أن فتح المتحف أبوابه في حي الزمالك العريق، ذي الشوارع الوارفة الظلال والعمارات العتيقة التي تحكي تاريخًا، باتت مساحته الهادئة دليلاً قاطعًا، في زمن مزدحم بالاستعراض والزحام والصخب اللفظي والبصري، على أن الفن والإبداع لا يحتاجان إلى ضجيج بقدر حاجتهما إلى الصدق، ولا إلى الضخامة بقدر احتياجهما إلى العمق، ولا إلى التعقيد بقدر توقهما إلى البساطة الموحية. وبهذا المتحف الصغير ذي التأثير العميق، ستظل تجربة الفنان فاروق حسني واحدة من أبرز وأهم التجارب المؤثرة في تاريخ الفن التشكيلي المصري المعاصر، شاهدة على إرث ثقافي متماسك، ومشروع جمالي متواصل.

قصة الوفاء.. بين الوعد والتحقيق

عند أحد أركانه وقف فاروق حسني، يستقبل محبيه وأصدقاءه، وهم كثر، من مختلف الأجيال والاتجاهات. وبابتسامة انتصار خفيفة تعلو وجهه، قدم لهم جوهرة عمره، لوحاته، وخزانة ألوانه، وما تحمله من رؤيته التجريدية عن الفن والحياة والطبيعة والكون. إنه متحفه الصغير، الذي يحمل تجربته مع الحياة في أكثر من مائة عمل مفعم بالألوان، تتفجر داخلها كافة المشاعر الإنسانية بقوة لا هوادة فيها، من الفرح الأقصى إلى الحزن الأعمق، ومن الثورة الصاخبة إلى التأمل الساكن. من لون البحر الشديد الزرقة، ذلك اللون المتغلغل في ذاكرته الإسكندرانية، وما يمثله من مشاعر تمرد وغضب وعمق لا ساحل له، إلى لون الخضرة اليانعة وما تحاكيه من هدوء وسكينة وطمأنينة ترتوي بها النفس، وحتى لون الأصفر المتوهج وما يمثله من مشاعر إنسانية صارخة أو حتى مشاعر دفينة، كامنة في الأعماق، داخل كل واحد منا.

الكل جاء ليلتقي به وبمنجز حياته، يتأمل مقتنياته ولوحاته وإصراره العنيد على مواصلة التواجد بقوة وسط زخم الحياة الإبداعية والفنية والثقافية، رافضًا أن يكون وزيرًا سابقًا فحسب، مصرًا على أن يكون فنانًا دائم الحضور.

جاءوا والفضول يملأ قلوبهم عما يحويه هذا المتحف الصغير الذي طال انتظاره. سنوات وسنوات مرت وهو يردد في مناسبات شتى، وبإصرار لا يلين، أنه سيترك أعماله ومقتنياته وبيته ليكون متحفًا يتبع الدولة المصرية ووزارة الثقافة، هبة منه للأجيال القادمة.

تبدلت الظروف وتغيرت الأحوال، ومرت الأيام وتحولت المواقف، وظل هو على فكرته راسخًا كالجبل، ووعده ثابتًا كالقطب. حتى جاء اليوم المنشود، فأوفى بوعده، وحول مرسمه الصغير وحديقته البسيطة التي كانت ملاذه الخاص، إلى متحف يحمل اسمه "المتحف الصغير لفاروق حسني". لم يكن تحويل المكان مجرد فعل إداري أو معماري، بل كان تحويلاً للروح، تحويلاً للذات من حيز الخصوصية إلى فضاء العمومية، بكل ما في ذلك من كرم وتضحية.

طبيعة المكان وروحه..

"أول متحف للفن التجريدي في مصر".. هكذا تحدث عنه الفنان فاروق حسني نفسه، وزير الثقافة الأسبق، الذي أطلق عليه اسم "المتحف الصغير" نظرًا لمساحته المحدودة الممتدة داخل دور أرضي لإحدى عمارات حي الزمالك ذات الطراز المعماري المميز، العتيق والأنيق. إلا أن هذا الصغر الظاهري، وهذا التواضع المتعمد في التسمية، لا ينفي أبدًا أن هذا المكان يمثل قراءة شخصية شاملة وعميقة لمسيرة الفنان الإبداعية الطويلة. كل ركن من أركانه، كل زاوية من زواياه، يحمل جزءًا من تاريخه وتجاربه الفردية، رسوماته التي هي سيرة حياته المرئية، صوره الشخصية التي تلتقط لحظات من عمر طويل، أدوات رسمه وألوانه وفرشه الخاصة وهي امتداد لأصابعه وروحه، مكتبه وكرسيه المفضل حيث جلس يفكر ويخطط ويحلم، حتى مكتبته الخاصة المليئة بأمهات كتب الفن والإبداع والمقطوعات الموسيقية أيضًا، والتي كانت تغذي عقله ووجدانه.

كما يضم المتحف أعمالاً فنية لرواد الفن التشكيلي في مصر والعالم، مما يجعله سجلًا لعلاقات فنية وإنسانية امتدت لعقود. فالمتحف الصغير يعتبر مساحة دائمة للحوار الحر بين فاروق حسني الفنان، وفاروق حسني الجامع لمقتنيات فنية، وبين مختلف الفنون والاتجاهات، مع تركيز خاص على الفن التجريدي المعاصر. وهو بهذا يحمل تأثيرًا عميقًا ومحتملاً في حركة الفن التشكيلي المصري، ويمثل إضافة جديدة ومهمة، بل وثمينة، لسجل المتاحف الفنية المصرية التي تزداد ثراء بهذا الصرح الجمالي المتواضع في شكله، العظيم في مضمونه.

رسالة للأجيال القادمة..

"إليهم أترك متحفي الصغير كي يقوموا بإثرائه بأفكارهم ورؤاهم.. هم نخبة من الشخصيات ذات الفكر والثقافة والإبداع".. هكذا تحدث عن المتحف الصغير، بمنطق الأب الروحي الذي يودع أبناءه الفكريين إرثه، واثقًا في قدرتهم على الحفاظ عليه وتنميته. وقد قرر أن يكون هذا المتحف جزءًا من مؤسسة فاروق حسني للفن والثقافة، مما يضمن له الاستمرارية والحيوية. وهو، حسب رؤيته، يسعى لاحتضان شباب المبدعين والفنانين، ويوجه لهم دعوة صريحة وقلبية يرددها "المتحف مفتوح لكل من يرغب من الشباب.. أنتم مرحب بكم في كل وقت..".

هنا، داخل هذه المساحة، يجد الزائر الشاب أو الباحث مكتبة متخصصة في تاريخ الفن والتصميم والعمارة، وأخرى مكتبة موسيقية لكل من يريد أن يبحث ويستزيد وينهل من منابع المعرفة الجمالية. كما يشعر المرء بأن هناك تزاوجًا عبقريًا بين الأعمال واللوحات من جهة، والفراغ والعمارة المحيطة من جهة أخرى، في تناغم بصري أخاذ يريح النفس ويثري العين.

ويضيف الفنان شارحًا فلسفته قائلاً: "المتحف قد يحمل اسمي، لكنني لم أحب أن أستأثر به لأعمالي وحدي.. فضلت أن يحتضن مقتنياتي من أعمال كبار الفن، حتى يشعر الزائر بالسخاء الفني والتنوع الجمالي..". فالمتحف، في النهاية، ما هو إلا احتفاء بوجود كل المحبين والفنانين والمبدعين، واحتضان لهم، كي يؤثروا بدورهم في المجتمع ككل. إنه هدية يقدمها بكل الحب والتقدير، لأن "هم أولى به، وهو أولى بهم"، على حد تعبيره الدافئ، الذي يجمع بين الامتنان والمسئولية.

بين الإدارة والإبداع..

عرف المصريون فاروق حسني وزيرًا للثقافة لأمد طويل، ونصيرًا للفن والإبداع على مدار أكثر من أربعين عامًا. وكان طوال تجربته الحكومية رجل دولة بامتياز، نجح في الحفاظ على مكانته السياسية باحتراف، وتمكن من جمع الوسط الثقافي والفكري بفضل رؤيته وسعة صدره. وبالرغم من دوره السياسي والإداري البارز، الذي قد يبتلع أي فنان، كان يطل سنويًا بمعرض فني جديد يحمل بعضًا من رؤاه وأفكاره الجديدة، لينال حفاوة وتقديرًا مستحقًا من الوسط الثقافي والفني الذي رأى فيه دائمًا الفنان الحقيقي قبل الوزير.

واليوم، في هذه المرحلة المتألقة من عمره، يعود مرة أخرى ليقدم تجربته الحياتية والفنية مجسدة في مكان، ويقوم بحكايتها بنفسه داخل مرسمه الخاص المتحول إلى متحف، متحولًا من وزير إلى راو لفنه، من مسئول إلى حكاء، من مدير إلى مبدع يعرض خلاصة رحلته. إنها تحولات عميقة في الأدوار، لكنها تحولات تظل متماسكة بخيط جوهري واحد هو حب الفن والتفاني في خدمة الجمال.

لغة اللون والخطوط..

يفتح المتحف أبوابه للناس جميعًا، للعارفين والمبتدئين، للنقاد والجمهور العادي، ليشاركوه ألوانه وأحلامه وأفكاره دون حاجز أو وسيط أو تكلف. فهو مساحة حميمية بامتياز، اختارها لتكون بمثابة اعتراف شخصي منه كفنان، اعتراف متاحًا أمام الجمهور بكل شفافية. هناك، يستطيع المتأمل أن يرى تفاصيل عالمه التجريدي الخاص، حيث يصبح اللون هو البطل بلا منازع، هو المحرك والباعث والمعنى. لا نجد في لوحاته حكاية مباشرة ذات تفاصيل وسرد واقعي، إنما عالمًا مليئًا بالإحساس المفعم والخيال الجامح، يحمل رؤية تعيد تشكيل المساحة وتقدم بعض الذكريات المجردة والمشاعر المكثفة، تاركة مهمة استكمال التفاصيل وإدراك المعنى لكل من يراها، لكل عين تتأمل وكل قلب يفتح.

كل ركن في المتحف يشبه صفحة من سيرة غير مكتوبة، تتجاوز تجربة الفنان فاروق حسني الفردية لتمتد إلى تجارب فنانين آخرين، بعضهم من الشباب الواعد الذي يرى في المتحف منارة، والبعض الآخر من رواد الفن المصري العظام الذين رافقوه في الرحلة. حيث يستقبل الزوار عند العتبة تمثال "المحارب" للفنان العظيم آدم حنين، وكأنه يقف شامخًا ليدافع عن صديق عمره وحلمه. وداخل المتحف، ثمة جدار أشبه بجدار التكريم، يضم عددًا من أعمال أهم الفنانين الذين أثروا الحياة الفنية المصرية، منهم أدهم وسيف وانلي، ومنير كنعان، وحامد ندا، ومن قبلهم محمود سعيد. كأننا أمام خريطة علاقات إنسانية وثقافية حية، صنعتها سنوات الفن والإبداع والمودة عبر أكثر من قرن من الزمان.

وداخل المتحف، توجد غرف صغيرة أيضًا في حجمها، لكنها عميقة التأثير في محتواها غرفة تحوي شاشة تعرض كل مقتنياته وأعماله وأفكاره بشكل رقمي. تجلس أمامها، فيأخذك الزمن الفني دون أن تشعر، تستعرض كل شيء، لوحات، إنجازات، بناء متحفي، أفكار إبداعية. هي متحف افتراضي، متحف صغير داخل المتحف الصغير، يثري التجربة ويوسع مداها. وهناك أيضًا غرفة صغيرة أخرى تحتضن جدرانها بعضًا من صوره الشخصية وبورتريهاته، التي يبدو فيها بشكل يشابه لوحاته، مليئًا بالحياة والتأمل، وتتوسطهم لوحته القديمة لمراكب شط إسكندرية، حاملة عبق الماضي وملح البحر وذكريات البدايات.

رحلة مشاعر بصرية

المتحف الصغير يأخذك في تجربة بصرية جمالية راقية وممتعة، مليئة بالألوان التي تتحاور وتتصارع وتتناغم، تنبض بكل المشاعر الإنسانية المتضاربة والصادقة في نفس الوقت. داخله، يستطيع الزائر أن يتأمل لوحات ضخمة يبدو أنها تحكي قصة تمرد أو غضب كوني، ولوحات أخرى أصغر تحمل مسًّا من الهدوء والسكينة، أو يبدو عليها شعور خفي بالرضا والامتنان للحياة. أكثر من مائة عمل فني تستعرض خلطات سرية من الألوان، تكشف عن مشاعر صادقة وأحيانًا صادمة وصارخة، لا يملك كل من يراها سوى التفاعل معها على نفس القدر من الشعور، سواء كان إعجابًا أو حيرة أو سؤالاً.

وقد يحتاج المتحف الصغير لأكثر من زيارة، حتى يتمكن محبو الفن التشكيلي من استيعاب هذا القدر الهائل من المشاعر المتفجرة بقوة، والتي أضفت خصوصية شديدة الذاتية والتميز للجملة التجريدية داخل أعماله الفنية. كل زيارة تكتشف فيها طبقة جديدة، معنى مغايرًا، حوارًا مختلفًا بين الألوان.

موسيقى لونية متمردة..

ثمة مقولة تنطبق على الفنان فاروق حسني، مفادها أن الفنان الحقيقي بطبعه متمرد، ولو لم يكن متمردًا، لظل ثابتًا في مكانه، ولتموت داخله روح الإبداع والبحث. وهو ما انطبق عليه تمامًا، حيث ظل على قناعاته التجريدية راسخًا، يبحث ويجرب ويسبر أغوار الكون من حوله، في رحلة شيقة ومتواصلة من الألوان والخطوط. انطلق من قناعة راسخة بأن التجريد هو الوسيلة المطلقة للتعبير عن المطلق نفسه، عن الجوهر المجرد من القشور. وداخل متحفه الصغير، نجح في إثبات أن التجريد ليس هروبًا من الواقع، بل هو فن راسخ وعميق، يبحث في مطلقات الأشياء والقيم والرؤى، ويمتلك القدرة على الاقتناص من الفكر المطلق والشعور الخالص، وتكثيفه في رسم ذي إيقاع موسيقي فني.

وهذا ما نراه جليًا في لوحاته؛ فهو فنان متمرد على الإيقاع التقليدي، متمرد على مساحة اللون النمطية، متمرد على الخطوط المتعارف عليها، تمردًا من أجل خلق جديد، من أجل لغة بصرية خاصة به. لوحاته تكشف عن رؤية عاطفية ووجدانية وذهنية معًا، تضع المشاعر اللونية في مجال له صيغة نص متكامل، كأنها قطعة موسيقية نراها بالعين لا بالأذن، نسمع ألوانها بإحساسنا لا بآذاننا.

***

د. عبد السلام فاروق

يضم المعرض أعمالا فنية تبرز جوانب تترجم حيزا من تجربتها ضمن العلاقة بالفن التشكيلي والابداع عموما.

تواصل الفنانة التشكيلية الدكتورة عربية غريبي نشاطها الثقافي والفني حيث تعمل على الاعداد لمعرضها الشخصي للموسم الثقافي الجديد وخلال السنة الجديدة 2026 وقد كانت لها مشاركات سابقة ضمن ندوات علمية معنية بالفنون التشكيلية والتراث والفنون كما أنها نجحت قبل سنة في نيل شهادة الدكتوراه بعد مناقشة أطروحتها بعنوان :" تونس "من خلال الرسوم المائية لشارل للمان في اختصاص علوم التراث ( تاريخ– تراث – آثار)، بإشراف الدكتور الهادي جلاب، وذلك بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس.و يأتي هذا التتويج العلمي والأكاديمي في سياق عملها الفني وتواصل تجربتها بين الابداع الفني التشكيلي والتدريس بالجامعة والبحث الأكاديمي وتسعى لدعم حضورها في عدد من المشاركات الفنية التشكيلية فضلا عن الاسهامات الثقافية في فعاليات بتونس وخارجها حيث أقامت بباريس لفترة في مجال تخصصها الأكاديمي ومقتضيات بحثها الذي دام لسنوات ...2317 arabya

و كان Charles Lallemandشارل للمان (1826-1904) موضوع الأطروحة ومن خلال رسومه المائية ..و من ضمن البحث المقدم لنيل الدكتوراه ما يلي "..في أواخر القرن التاسع عشر كانت بلدان المغرب العربي موضوعا للرسم والتصوير من قبل العديد من الرحالة والرسامين المستشرقين ومنهم المستشرق الفرنسي شارل للمان "Charles Lallemand " ( 1826-1904) ،الذي اهتم بالتراث المشرقي والمغاربي فكانت رسومه المائية سنة ( 1890-1892) مستوحاة من تراث تونس حيث رسم لنا المدن والمعمار من( أسوار وأبواب....) كما وثق اللَّباس والحياة اليومية والعادات والتقاليد ومعالمنا التاريخية .فكانت بذلك رحلة مصَّورة لعناصر التراث التونسي فترة الاستعمار ورؤية جمالية رغم نقائها وثغراتها وغاياتها غيرالبريئة!.."..الفن فسحة وجدان وعنوان تواصل وكشف واكتشاف..كانت أعمال بول كلي في رحلته التونسية عنوانا بارزا للقول بالخصوصية التونسية في الألوان والظلال والأنوار..بقيت رسوماته من بدايات القرن الماضي الى يومنا هذا ماثلة أمام الفنانين والنقاد ونشطاء الفنون الجميلة ..هكذا رأى كلي صورتنا وملامح حياتنا وتفاصيلها...و غيره كثر ..الرحالة والفنانون الذين كانوا بيننا عبر التاريخ تركوا شيئا من انعكاس الحالة التونسية على كتاباتهم وتلويناتهم وهنا نذكر لوحات وأعمال شارل للمان الفنية والتشكيلية التي رأى من خلالها تفاصيل تونس من مشاهد وتراث وعادات ومختلف مظاهر الحياة اليومية.. وهو مستشرق رحّالة، خلّف لنا خلال رحلته إلى تونس سنة (1880- 1895) عددا هامّا من الرّسوم المائيّة، ارتبطت بتراثنا المادّي واللاّمادّي وثقافتنا التونسيّة خلال القرن التاسع عشر..2315 arabya

الباحثة والفنانة التشكيلية التونسية عربية المصلي الغريبي اهتمت بهذا المجال في إعداد أطروحة الدّكتوراه وهي متحصلة على ماجستير في جماليّات وممارسات الفنون المرئيّة في اختصاص فنون تشكيليّة بالمعهد العالي للفنون الجميلة بسوسة بملاحظة حسن بعنوان" النّصوص التّقديميّة للمعارض الفنّية وواقع الممارسة التشكيليّة : نصوص "النّاصر بن الشيخ" و"الحبيب بيدة" نموذجا.خبيرة تكنولوجية تدرس بجامعة القيروان بالمعهد العالي للفنون والحرف بالقيروان.أقامت عددا من المعارض منها معرض شخصي بعنوان "نافذة تشكيليّة للتراث التونسي من خلال أعمال شارل للّمان" بالمدرسة السليمانيّة بتونس ومعرض جماعي بعنوان "تنويعات" وذلك بفضاء حضرموت بالمسرح البلدي بسوسة والمشاركة في معرض جماعي للفنون التشكيليّة بالمتحف الأثري بسوسة و معرض جماعي تحت عنوان "تجلّيات" بالمتحف الأثري بسوسة.و معرض جماعي تحت عنوان "رؤى تشكيليّة" بالمركز الثقافي الجامعي يحي بن عمر بسوسة.الى جانب المشاركة في ندوات من خلال محاضرات ومداخلات علمية منها مداخلة بعنوان" التراث التونسي: من خلال رسوم المستشرقين ..شارل للّمان نموذجا بفضاء المدرسة السليمانيّة من تنظيم المعهد العالي لمهن التراث بتونس بمناسبة الاحتفال بشهر التراث ضمن محور عام هو التراث بين المحافظة والتّثمين..

هكذا هيالفنانة التشكيلية والدكتورة عربية المصلي الغريبي التي تواصل تجربتها بين الابداع الفني التشكيلي والتدريس بالجامعة والبحث الأكاديمي وقد قدمت عددا من المشاركات الفنية التشكيلية فضلا عن الاسهامات الثقافية في فعاليات بتونس وخارجها وقد أقامت بباريس لفترة في مجال تخصصها الأكاديمي ومقتضيات بحثها الذي دام لسنوات.

و يضم المعرض الشخصي الجديد للفنانة عربية الغريبي أعمالا فنية تبرز جوانب من اشتغالاتها الفنية التي تترجم حيزا من تجربتها ضمن العلاقة بالفن التشكيلي والابداع عموما.

***

شمس الدين العوني

قصص الحب التركية والهندية ملأت الدنيا وشغلت الناس!.. أينما وليت وجهك داهمتك تعبيرات الحب التي شلت اهتمام الناس وإرادتهم، وهان لأجل اتباعها الوقت والجهد والتفكير في ما هو أبعد بقليل من شجون القلب!.. هل ما يحاصرنا اليوم هو الحب حقا أم هامش إلهاء جديد، يخدر العقول كي لا تنشغل بما حولها من أوجاع، وتتعطل حركة الحياة في مجتمعاتنا بفعل اللهاث خلف صراع الديكة في كل عمل درامي؟

لاشك أن لكل أمة تقاليدها الخاصة بالحب، وتعبيراتها المتفردة والخاضعة لطقوس ومثُل وقيم دينية وأخلاقية محددة. وما يجري اليوم من استهلاك درامي مفرط لقصص الحب، إنتاجا وإخراجا ومشاهدة، هو تذويب للاختلاف في بوتقة حب معولم، لا يستهدف في حقيقة الأمر سوى تحرير هذا الشعور من نبله وسموه ليُتخذ وسيلة لتفتيت منظومة القيم، وتحييد الإباحية لتصبح مشهدا اعتياديا على الشاشات وفوق الأرصفة. وقد كان حريا بكتاب السيناريو والمخرجين والمنتجين، ممن يزعمون السعي البريء لتحريك المشاعر الإنسانية في عالم المادة الجلف الغليظ، أن يطلعوا على ما في خزانة الأمة من تقاليد حب امتزجت فيها المشاعر بمثالية خلقية قوامها الطهر والعفاف، واستوعبتها الرسالة المحمدية بمزيد من التهذيب والسمو، فتشكلت صورة عامة للحب تتسامى فوق الغرائز، وتوازن بحرص بين دفقات الشعور ومتطلبات عالم الحس والمادة!

شهدت البادية العربية قديما قصص حب ملهمة، وجديرة بأن تستعاد اليوم ضمن سياق تهذيبي يحفظ خصوصية المجتمع المسلم. قصص يتجلى فيها الحب الروحي الذي وإن كان يأخذ في الغالب منحى مأساويا حزينا، إلا أنه جسد مثالية بالغة السمو في صون المحبوب عن كل دنيئة أو إثم. طبعا لم يكن الحب العفيف هو التمظهر الوحيد للعلاقة بين رجل وامرأة، لكن بعض القصص التي خلدها التاريخ أسست لنموذج مثير في فضاء جاهلي لم يتوان عن استباحة جسد المرأة وتسليعه. ومن أقدم النماذج التي حفظها ديوان العرب: قصة عروة بن حزام الذي أحب ابنة عمه عفراء، وبذل وسعه لتتويج حبهما الطاهر بالزواج، لكن أسرة الفتاة غالت في المهر، فلم يجد عروة بدا من السعي خلف المال في كل مكان. وفور عودته تم إيهامه بأن عفراء ماتت، إلا أن خبر زواجها من أحد أغنياء الشام تناهى إلى سمعه، فرحل إليها، واحتال لرؤيتها ثم عاد مجددا إلى قبيلته بني عذرة حرصا على سمعة محبوبته، وإكراما لزوجها الذي أحسن وفادته. وفي أرض الوطن هاجت العاطفة مجددا، ففزع إلى الشعر يبث في قوافيه آلامه وأشجانه قبل أن تسوء حاله، و يسلمه الوجد والأسى للموت. وما كاد نبأ وفاته يبلغ عفراء حتى أودى بها الجزع للحاق به!

إن أشعار عروة بن حزام جسدت قيما أخلاقية لم تحل العاطفة المتأججة دون الوفاء لها، ولم تفلح المنظومة المترهلة للجاهلية في إفسادها. نحن هنا أمام محب يرضى بالحرمان ويأنف من ارتكاب حماقات تخدش سمعة محبوبته، فلا يحرضها على الهرب وإجبار الأهل على الرضوخ للأمر الواقع، ولا يفسد زواجا فرضته مشيئة الأهل والعوائد والتقاليد. وهي الحماقات التي تشيد بها الدراما المحلية أو المستوردة باسم الحب!

يصف عروة حاله بعد عودته من الشام، وما يضطرم في فؤاده من لواعج الأسى قائلا:

 تحملت من عفراء ما ليس لي به ولا للجــبـال الراسـيـات يــدان

 كــأن قطـــاة عُلقـت بجــناحـــها على كبدي من شدة الخفقان

 جعلـت لعـراف اليمامة حكـمـــه وعـــراف نجـد إن همـا شفياني

 فقالا: نعم نشفي من الداء كله وقــــاما مــع العُـــواد يـبتـــدران

 فـمـا تـركــا مــن رقيــة يعلمانها ولا سُـلـوة إلا وقــد سـقيـانــي

 وما شـفيـا الـداء الذي بي كلــه ولا ذخــرا نــصحــا ولا ألـــوانــي

 فقـالا: شفاك الله، والله ما لــنـا بمـا ضُمنت منـك الضلـوع يــدان

وعلى منوال عروة وعفراء نسجت البادية العربية قصصا عفيفة نذر أصحابها حيواتهم لصون الرباط المقدس، و بذل ولاء عجيب للمُثل في خضم جاهلي يسترخص كل ما حوله، في سبيل شهوة طاغية أو أنانية لا تفتر!

فكان تمسكهم بالطهر والعفاف يسمو بهذه النماذج فوق مستوى الغرائز، حتى لو خلا أحدهما بمحبوبه! يقول جميل بثنية:

 وكان التفرق عند الصبـــا ح من مثل رائحة العنبر

 خليلان لم يقربــا ريــبــة ولم يستخفا إلى منكر.

ومع ظهور الإسلام استشرفت النفوس آفاقا جديدة للحب. وهيأت لها كلمات القرآن معرفة أعمق بالله والنفس والعالم من حولها، فسلك العربي مسالك الهدى والنور ليتخذ مثالا أعلى يتناسب مع عظمة الرسالة. ولم تعد قصص الحب مدعاة للتيه والشرود في الأودية والقفار بعد أن اتسع نطاقه، وارتقت به تعاليم الدين نحو السعي خلف حب الله، ذاك الحب العلوي الذي تصل به النفس غاية الصفاء لتمسك بطرف ملائكي شفاف!

بادر الإسلام إلى تهذيب العاطفة ووصل المشاعر بالقيم. ونهى عن الإسراف في كل شيء لتستعيد النفس توازنها، و العاطفة حدودها المرسومة. وكان السبيل إلى ذاك التهذيب هو الحث على جعل الدنيا مزرعة للآخرة، ولزوم ما يتطلبه حب الله تعالى من اتباع أمره، واجتناب نهيه، والتأسي برسوله. والتحذير من بذل الأوقات في غير ما يعود على المؤمن بخير العاجل والآجل. وتتابعت الآيات والأحاديث التي تقرن الحب بمعان إنسانية أخرى يشرف بها كالرحمة والعدل والصدق، حتى لا يبلغ الحب الفطري بالنفس السوية مرتبة الغلو والإفراط. يقول الله عز وجل: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة. إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) الروم، الآية 21. وفي الحديث الذي رواه ابن ماجة وصححه الألباني يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم (لم يُر للمتحابين مثل النكاح). وجسدت معاملته لزوجاته أمهات المؤمنين إطارا للحب في شريعتنا. حب يسمو بالنفس، ويوازن بين انجذابها لاهتزازاته، ومقتضيات الحرص على آصرة الزواج المقدسة والنهوض بحقوقها وواجباتها. إنه حب مقرون بالرحمة لا بالشهوة فحسب، لأن شرارة الانجذاب تخفت وتزول، ويبقى لزاما على المحب قيامه بالحقوق!

وأما مظاهر الحب المعاصر فقد أفسدها زخم الجنس، والاستحضار الوثيق للمصالح المادية والاجتماعية. فمنذ الثورة الجنسية التي شهدها العالم نهاية القرن الثامن عشر ارتخت قبضة التعاليم والقيم، وأصبح ما يسميه جيل ليبوفيتسكي "الاستثمار الزائد للحب " عنوانا على مرحلة جديدة لا تطمح فيها النفوس لغير سعادة قوامها الحب والاكتمال الحميمي، حتى وإن تطلب الأمر ثورة على القيم والمُثل، وتفجيرا للنشاط الجنسي خارج مؤسسة الزواج، وقفزة نوعية في أعداد المواليد غير الشرعيين!

 إنه الحب الذي يعبر عن أنانية مفرطة في العيش بانفصال عن المجتمع بأسره.

وهو الحب الذي يخلف آلاما وأوجاعا وتبديدا للأواصر الاجتماعية، ثم يختتم دورة استحالته بأبشع المآسي.

وهو الحب الذي يحرر غريزة العنف من إسارها، ويئد على نحو مفجع معاني الرجولة والشهامة والمروءة، حين يبيح للحبيب أن يشعل الحرائق في البلد سعيا خلف محبوبته.

قديما سُئل رجل من بني عذرة: ممن أنت ؟ فأجاب: أنا من قوم إذا أحبوا ماتوا!

وحالنا اليوم يكشف عن مجتمع إذا أحب فتيانه وفتياته أهلكوا.. وأتعبوا.. وأماتوا!

***

حميد بن خيبش

اليوم أجلس للكتابة، لكن الحروف تهرب منِّي وبثبات الطلاق البائن، ويبتعد منِّي كل رسمها التركيبي والصرفي جراء الملل الذي يصيبني من ضجر التضايق. كانت حروفي مُكرهة لا أبطال، حين كنت أُحملها ما لا طاقة لها به، من ضنك عيش العياء المستديم للذات والتفكير، ومن ذاك الخواء النفسي الارتجاجي بالتذمر والسخط.

كنت يقظا بالغباء الفطري حين استبدلت الكتابة من رسم الحروف بالهيروغليفية القديمة إلى الكتابة على بياض سحب الهواء العلوية بأناقة التموج والعلة والتسامي. كنت حينها أحمل ذاتي العصية عن التطويع، أمارس تنجيم الكتابة المسمارية. أمارس التجريب في نمذجة الكتابة الشبح، والتي لن تنمحي بسلاسة رقعة الأرضية، ولن يستطيع أحد من ملامستها بالقراءة، أو التدوير بالفرك والعصر وإشعال نقد الشكلانيين الروس.

تختفي كل الأسطر الممشوقة في السماء العلوية، ويبقى الرسم الزخرفي حاضرا بالتفرد، ويحمل كل أمنيات الجنيات. من فرط فرحتي الممتعة، حين تَبَيَّنْتُ باليقين أن هواء السماء لم يعد بالكثافة والبياض، بل تلون بألوان أقلامي التي أعياها بياض أوراقي المبعثرة أرضا وبلا ترتيب تسلسلي لزمن ذكرياتي. كنت حينها أُوازي حركة العالم في دورانه حول نفسه، كي أرتب ذاتي بالترتيق، وضمن سياقات الوجود الممكن. كنت أستعيد ذاكرتي بالكامل قسطا بعد قسط، لكني كنت مشمئزا من تدمُّر تلك الذاكرة الحادة في استرجاع المآسي والأوجاع.

من فضل الوجود كَرما، فقد أعيش بلا هوية ضمن زمن الجدران والسماء ونور نافذة تستهلك أيامي وتزيد من دمار ذاتها بذات الأرض الصغيرة. من عيوني التي أعياها التأسي وتضيق وسعا، وقد أهملت الحلم المستنير. هنا باتت تلك العيون العصية عن الدمع السائل، تصاحب شحوب البشرة الداكنة، وبلا بريق لامع، ولكنها كانت بالضرورة البينة تحمل نوعا من الوعي الكثيف وبلا متغيرات سوداء آتية من مصفوفات مدوناتي.

 كنت أحس حينها أن العالم قد تناساني بلا تذكر عودة، لكن الجدران تشقق وأعلن الثورة على نمط الهدوء والسكون، وبات ينادي بالتغيير، وبالزاوية الناتئة للعدل.

اليوم كانت تلك العيون التي أعياها خواء العياء، لا تدمع بتاتا من التعاسة، مادام القلب ينبض بتلك السرعة النهائية بالاستفاقة، والتي تبحث عن السكينة والأمن، وتخفيض مستويات الأدرينالين من القلق المُغرض في المقاصد. في زيادة الحركة نحو تلك النافدة الضيقة، كانت مستويات البحث عن الفضاء الذي يتغير قد بات ملتصقا بالذاكرة المتصلبة في الماضي الضيق، والتي كنست مستويات الحلم من كل عالمها الداخلي.

في السماء القريبة تصلبت كل كتاباتي المسمارية من عهد بدايات أم اللغات السنسكريتية، وانتعشت بالتشابه والتضامن، حتى أنِّي أصبحت من الأميين الذين لا يفقهون في رسم الحروف قراءة ولا ربطا دالا لغويا. صُدمت من الأمية الفكرية التي تركبني مرات عديدة، ومن تضييع ثقافتي اللامادية كهوية ناسخة لتفكيري، لكن فرحتي زادت ذكاء، حين رأيت كتابي لازالت تحمل توليفات لاصقة من مداد كلماتي التي لا حدود لها غير البحث عن معرفة ذاتي وذاكرني العصية، وبناء عوالم من خوارزميات الثقة والتصالح مع الذات والآخر، وقياس التغيير الممكن.

في نشأة التلاشي المفرط في فوضى الزمن والأمكنة المنظمة، قد أستعيد جزء من ذاكرتي، ولما لا هوية ثقافتي الأولى حتى بالصدمة الراقية. حقيقة رمزية، ما أصعب أن تمتقع لحظة وبكلمات عجلى ومتطفلة بالقراءة الرديئة، وتُسرع في بوح طبول الحرب، ثم تداوم على الصراخ في وحشة درب الحياة، وبجبن الإقدام. ما أصعب أن تحمل أحلامك كما ولدت، وبلا مشيمة لاصقة، ومن خلف كل شيء تشرع في الهروب، وهي بالطبع لم تشخ بالتداول.

 ما أصعب أن تجد أحلامك ترقد خلف الغيوم المطرة، وقد تتساقط ثلجا باردا فوق قمم جبالا لا طائل من المغامرة للوصول إليها. قد يولد العالم من جديد في الحلم وتزكية الذاكرة الماضية، لكنه يبقى في الحقيقة يُعاقبنا بتلك القوانين التي سنتها القوى المهيمنة في ذاك الدفتر الأسود العمودي بالامتداد. لا علينا جميعا، فهو عالمنا جميعا، ومنه بالضبط قد نسقط عندما يرتج الكون بما حمل. 

***

محسن الأكرمين

شكيب: صابر بالفارسية

أرسلان: أسد بالتركية

شكيب أرسلان (25\12\1869 – 9\12\1946)، كاتب وأديب ومفكر وشاعر وسياسي عربي لبناني إشتهر بلقب أمير البيان. غزير الكتابة، ومن أبرز دعاة الوحدة العربية ويجيد عدة لغات (العربية، التركية، الفرنسية، الألمانية). أقام في أوربا وبسط قضايا العرب والمسلمين على منابرها.

دعى إلى التحرر والإتحاد والسير في مواكب النهضة والعلم الحديث، وفند التعارض بين العروبة والإسلام، وبين العقيدة والحكم وأنكر عزل الدين عن المجتمع، وإقتداء الدول الشرقية بالغرب.

ويرى أن تأخرنا سببه غياب العلم، وفساد الأخلاق، ونقص الفضائل التي حث عليها القرآن. كان من أوائل الدعاة لإنشاء الجامعة العربية.

أساتذته:

أسعد فيصل لحفظ القرآن، عبداللة البستاني بعلوم العربية،  وإلتقى الشيخ محمد عبدة والشيخ جمال الدين الأفغاني .

كتبه:

لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم، الإرتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف، تأريخ الترك، الحلل السندسية في الآثار الأندلسية، سوقي أو صداقة أربعين سنة، ديوان الأمير شكيب أرسلان، تأريخ غزوات العرب.

كما إشتغل بالصحافة وأصدر جريدة (لواء الإسلام) في برلين (1921)، وجريدة (الأمة العربية) بالفرنسية في جنيف (1930 - 1938).

وكان من المتنبئين بويلات العرب قبل حصولها بعقود، وحذر منها فحسبوه من المشاكسين والمتوهمين، ولديه أقوال ووجهات نظر متنوعة تخص ما تعانيه مجتمعات الأمة وآليات نهوضها، وهي كثيرة والمقال للتذكير بهذه القامة المعرفية وحسب.

له مواقف كثيرة بخصوص الخلافة العثمانية، وما جرى في الحرب العالمية الثانية وقادتها في ألمانيا وإيطاليا، لا نريد الخوض فيها لأنها تعبر عن تفاعله في أوانها ولا يمكن الحكم عليه من خلالها.

شكيبٌ أنتَ من أُسُدِ الريادِ

وبُرهانُ التقدمِ بالقيادِ

إذا الأقوامُ قد جافتْ سِماها

تزعْزعُها أساطينُ الفسادِ

ألا تبّتْ شرائعُ إفْتراسٍ

مُفعّلةٌ بأرْجاءِ البلادِ

***

د. صادق السامرائي

 

تسعى الخرائطُ إلى أن تكون ثابتة لا تتغير، رغم عبث البشر ومطامعهم وحروبهم، مُتشبثةً بحدودها، التي ترتسم على مساحة الكرة الأرضية بأكملها، مصرّةً على أنّها أمرٌ واقعٌ لا مفرّ منه، وحقيقةٌ ثابتةٌ غير قابلة للنقاش، وإن التجاوز عليها أو إحتلالِ شيءٍ منها، هو الغدر بعينه، وهو استلابٌ فضٌ لحقوقٍ ناجِزةٍ وثابتة.

ومع أن الخرائط، تقر بأنّ الكون كلّه يحفل بمثيلاتٍ لها، إلى درجة يصعبُ معها عدها، وأنّ لكلٍّ منها خصوصيتها ومكانتها وحرمتها، تقر من جانب آخر بأن علاقتها ومعرفتها ببعضها البعض، ليست كافية، أو ليست كما ينبغي، وأن كلّ المؤشرات توحي بأنها ستبقى كذلك إلى أمد غير معروف.

ومن هنا، اختارت أن تتحدث عن نفسها فقط، وعلى نطاق الكرة الأرضية، والكوكب الذي نعيش عليه، تاركة لخرائط الكواكب السماوية الأخرى، أن تتحدث عن نفسها بنفسها، لأن خرائط كلِّ كوكب تختلف عن خرائط غيره.

تلِفُّ الخرائطُ وتدور حول أماكنها، مكتشفةً أشياءً جديدةً لَمْ تدركها من قبل، وهي رغم كونها تعرف جيداً أننا نعيش في عالم كثير التنوع والتقلب والأشكال والصفات، فإن ما تكتشفه لم يكن نابتاً في حدائق خيالها من قبل، إذ أنها، كانت وما زالت، تكتشف الحين بعد الحين، سَحَناتٍ بشرية لم نر مثل ألوانها، ومياهاً بألوانٍ غير مألوفة، وحيوانات لم نشهد ما يماثلها، أو نقرأ عنها في كتب الطبيعة أو الحيوان، وهذا ما ذكّرني بكتاب تراثي هو "عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات" لمؤلفه أبو عبد الله بن زكريا القزويني المتوفي عام 1283م عن 77 سنة، والذي تناول فيه "علم أوصاف الكون، فوصف السماء وما فيها من كواكب وأبراج وحركاتها وما ينتج عن ذلك من فصول السنة، وتكلم عن الأرض وتضاريسها، والهواء وما فيه من رياح وأنواعها، والماء والبحار، والجزر، وما يعيش من نبات وحيوان في الماء واليابسة".

تقول الخرائط مزهوة أن القزويني قد توفي قبل ما يزيد عن 743 سنة منذ الآن، وأنّ لديها وهي تتحدث في العام 2026م الكثير مما لم يدركه أو يتحدث عنه، بسبب ما حصل منذ رحيله حتى الآن، من حروب وحرائق وزلازل وفيضانات، نتجت عنها تغييرات لخرائط، واستحداثات لخرائط جديدة..؟، ولكنها رغم ما حصل أو ما قد يحصل، سيظل مناها أن تتمسك بحدودها.

وأنا أواصل النظر إلى الخرائطُ، وهي تلفُّ وتدور حول أماكن شتى أراها أو أتخيلها، لا أدري كيف تذكرت رواية "عالم بلا خرائط"، التي صدرت طبعتها الأولى عام 1992، وهي الرواية الوحيدة المعروفة عربياً، التي كان قد تناوب على كتابتها روائيان عربيان مرموقان راحلان هما عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا.

تتحدث هذه الرواية عن قصة حب غريبة بين شخصين ينتمي كلُّ منهما إلى عالم مختلف ولا تجمع بينهما سوى المدينة، التي اخترعها الأديبان وجعلا منها واقعاً، بينما إنّها لا توجد في خريطة أي بلد.

وأنا أكتب هذه الكلمات، يكون قد مرّ وقت غير قصيرعلى قراءتي للرواية، وأنا لست الآن بصدد استعراضها بشكل أوسع أو أوفى، لأنني أردت فقط أن أستذكر كيف أن الإبداع قد قدّم لنا عالماً بلا خرائط. ومن هنا أجيز لنفسي أن تتساءل:

هل هنالك عالم بلا خرائط حقاً؟ وأين نجده خارج رواية منيف وجبرا؟

سؤال صعبٌ ومعقّدُ، والإجابة عنه أكثرصعوبة وتعقيداً.

هذا ما قالته الخرائط، ثم أمرتني بالسكوت. وبعد دقائق معدودات، وجدتها تقول بزهو أنها موجودة في كل مكان، وأن لديها من الحدود ما يكفي لأن ترسمه لكل ما هو موجود، فهنالك خرائط لتفاصيل حياة الأحياء كلها، ولهذه الخرائط ما لها من الحدود، حيث أن داخل كل مخلوق توجد حدود، وأن هنالك بين الناس جميعاً، مهما اختلفت طبيعة ارتباطاتهم حدود وحدود، وتلافياً للاستغراق في الاستطراد والتكرار، يمكن لي أن أوجز ما قالته الخرائط، وباختصار شديد أن الحدود تحافظ على الوجود.

كانت الخرائطُ تتحسر بألم وهي تتحدث عن الحدود، وقالت بصوتٍ باكٍ أنّ الحدود قاتلة، وكم من البشر قد ماتوا، ويموتون، بسببها أو على مشارفها، سيما عندما يتعلق الأمر بحدود جغرافية مستقلة تشكّل دولاً أو أوطاناً.

وأنا أنصت بكثير من الألم والحزن والقلق إلى ما كانت تقوله الحدود، كنت أحس أنها قد عرفت بأنني أرغب بمغادرتها، وقد اتضح ذلك بالفعل، عندما سمعتها تخاطبني : أنت أسيري الآن، وإذا رغبت بأن أطلق سراحك، أو أن تهرب منّي، قستكون أسير حدود أخرى، وعليك أن تتذكر أن الحدود، هي مدارت مترابطة يسلمك الواحد منها إلى الآخر.

لم أفهم ماقالته الحدود بشكل جيد، وكانت الفرحة تغمرني لأنها ستطلق سراحي، وستسمح لي بالانتقال إلى مكان آخر، يمكن أن تتضح لي طبيعة حدوده، بمساعدة دليل سيرافقني. وبدأنا .......

***

خالد الحلِّي

..................

* من كتاب معد للطبع بعنوان "مدن نائمة فوق خرائط حالمة – سوانح وحكايات".

في ترجيحه نيل المعرفة من الكتب يرى الخطيب البغدادي أن ملاقاة العلماء إذا غلب عليها شهوة المباهاة والرياسة، مع الاستحياء من الرجوع إلى الحق، فإن ذلك يُحدث التباغض. و"إذا كانت القلوب على هذه الصفة امتنعت من المعرفة وعميت عن الدلالة. لكن الكتب شأنها غير ذلك، فالمتوحد بقراءتها لا يباهي نفسه، ولا يغالب عقله."(1)

ويأتي كلام الخطيب في سياق الدفاع عن الكلمة المكتوبة، بعد أن ظل العربي أمدا طويلا يراهن على قوة الذاكرة، ويعتز بنقل المعارف مشافهة. هذه الخصيصة التي ضعفت في الأجيال التالية غيرت النظرة إلى النص المكتوب، فصار من دواعي الفخر أن يمتلك المرء مزيدا من الكتب.

إلا أن انتشار الكتاب رافقه ظواهر وسلوكيات استدعت تأطير العلاقة معه، فكان للفقيه حضور بارز في الفضاء الثقافي، وآراء عكست في مجملها إقرارا بدور الكتاب في تحصيل العلم ونشره، وسد الفراغ الهائل الذي ترتب عن اتساع جغرافية العالم الإسلامي.

أثيرت مسائل متعلقة بإعارة الكتب وبيعها، وأحكام المحبسة منها على المكتبات والجوامع. ومع ازدهار حركة الترجمة تشكلت مواقف حول كتب تمس العقيدة، أو تشغل وقت المسلم بمواضيع لا طائل تحتها، ككتب القصص والتنجيم. بل بلغ الأمر حد الإفتاء بعدم جواز إمامة من يقرأها لأنها كذب، ومستحل الكذب كاذب.

يروى عن ابن أبي الحواري أنه غسل كتبه وهو يقول: نعم الدليل كنت لي على ربي، ولكن لما ظفرت بالمدلول فالاشتغال بالدليل محال. غير أن هذا لم يكن حال طُلّاب العلم في أرجاء دولة الإسلام، فقد كان التفريط في الكتب أو ضياعها حسرة دفعت العديد منهم للتحذير من إعارتها، حتى قال شيخ القراء حمزة الزيات: لا تأمنن قارئا على صحيفة، ولا جمّالا على حبل. فكيف يوفق المسلم بين ترغيب الكتاب والسنة بنشر العلم وبذله، وبين صيانة كتبه ومخطوطاته؟

لا شك أن إعارة الكتب كانت ولاتزال أحد أهم وسائل نشر العلم، والخيار الأنسب للتغلب على ارتفاع سعر الكتاب أو ندرته. وفي أمة يحض دينها على طلب العلم ونشره كانوا يعدون إعارة الكتب من صفات العلماء المحمودة. ويبدو أن الأمر لم يسلم من حوادث ضاعت خلالها كتب نفيسة ومخطوطات قيمة، فكان لزاما البحث عن حل وسط تؤطره أحكام وفتاوى فقهية، ويتأسس من خلالها ما يمكن أن ننعته بأخلاقيات الإعارة.

يحكي الإمام أحمد بن علي النخشبي المعروف بالأبار أن رجلا من أهل بغداد امتنع أن يعطيه كتابا له، فقدمه إلى القاضي إسماعيل بن إسحاق. يقول النخشبي: فسألني القاضي عن الكتاب أ بخطي أم بخط صاحبي؟ فقلت: بعضه بخطه وبعضه بخطي. فأمر الرجل أن يعطيني حتى أنسخه، فقال الرجل: أعز الله القاضي، هذا رجل غريب، أخاف أن يذهب بالكتاب، فتوثق لي حتى أعطيه. فقال القاضي له: اِكترِ رجلا بدرهمين في كل يوم، وأقعده معه حتى يفرغ من نسخه.

وقد تشعبت مسائل الإعارة فاختلف فيها الفقهاء على أربعة أقوال:

أولها أن الإعارة مندوبة إن لم يكن في الأمر ضرر، ودليلها قوله تعالى (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) البقرة-195. فهي من الإحسان الذين يعين على نشر العلم وتحقيق المنفعة للخلق.

والثاني حمل الأمر على الجواز لما فيها من الانتفاع المباح.

أما الثالث فحملها على الوجوب للمحتاج إليها من طلبة العلم والقضاة والحكام، لأنها من العارية التي يلزم بذلها لمن احتاج إليها إذا كان أهل ثقة. ويستدل الإمام ابن حزم في المحلى بقوله تعالى (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون. الذين هم يراءون ويمنعون الماعون) الماعون.4-7.

بينما يرجح القول الرابع كراهية الإعارة لما يترتب عنها من إلحاق الضرر. لكن أهل العلم ناقشوا ما ورد تحته من تعليلات، وبينوا معارضتها لمقصد الإعانة على الخير.

شهد العصر العباسي تطورا كبيرا في أساليب نسخ الكتب ونشرها وتجليدها، خاصة بعد اختراع الورق الذي أحدث قوة دافعة في هذا المجال. ويمكن القول دون تردد أن الزمن العباسي أحدث تغيرا جوهريا في الثقافة الإسلامية من خلال عنايته الواضحة بالكلمة المكتوبة. وكان من تجليات هذا التغير انتشار خزائن الكتب والمكتبات العامة والخاصة، وشيوع الوقف الخاص بالكتب والمطبوعات كدعامة للحركة العلمية والتربوية، وتفعيلا لمقتضى الحديث النبوي الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه:" إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له."

سيترتب عن وقف وتحبيس الكتب تجدد المشكلات المرتبطة بالإعارة، لكن هذه المرة من خلال علاقة الفرد بالمؤسسة، سواء كانت مسجدا، أو مدرسة، أو دارا للكتب. وبما أن الوقف من القرابات التي لا يجوز نقضها بعد فعلها، لا للواقف ولا لغيره كما يصرّح بذلك الإمام الشوكاني، فإن الفقيه ضبط الإعارة بما يضمن استمرارية هذا المرفق العلمي والثقافي.

للإمام جلال الدين السيوطي (توفي سنة911هـ) رسالة في هذا الباب بعنوان (بذل المجهود في خزانة محمود). وسبب هذه الرسالة أن مؤسس المدرسة المحمودية بمصر، واسمه جمال الدين محمود السودوني، اقتنى مكتبة رائعة من ورثة القاضي برهان الدين بن جماعة، وشرط ألا يخرج منها كتاب. فما كان من السيوطي الذي ضايقه الأمر، إلا أن اعترض على هذا الشرط، وأورد في رسالته تلك حججا وأدلة على بطلانه.

مما قوى عزم السيوطي في الاعتراض على شرط الواقف أن كلا من القاضي البلقيني والإمام المناوي كان يستعير الكتب من هذه الخزانة، ويذهب بها إلى بيته لتمكث عنده أياما عديدة. وهما إمامان بلغا رتبة الاجتهاد في المذهب، ويصح الاقتداء بهما. أما حجج الاعتراض كما ساقها السيوطي فتتضمن الإشارة إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل الذي يُجوّز مخالفة شرط الواقف إذا اقتضت المصلحة ذلك، واعتماد القاعدة الشرعية التي تُجوّز استنباط معنى يخصصه، وبالتالي السماح بإخراج الكتب لمن يتحقق فيه مقصود الواقف وهو تمام النفع وتمام الحفظ، ثم النظر في عبارة الواقف التي تنصب على مجموع الكتب لا على بعضها، وقد جرت العادة ألا يستعير أحد ما في الخزانة دفعة واحدة.

تكشف نوازل الكتب ليس فقط على علاقة المسلم بالكتاب، وإنما كذلك على جوانب من الحياة الثقافية في بلد ما؛ على اعتبار أن الكتاب أساس الثقافة، والرافعة الجديدة لتبلور شروط نقل المعرفة من المشرق، وإحداث مراكز ثقافية في شتى أنحاء العالم الإسلامي.

من هذا المنطلق يعرض كتاب "المعيار المعرب" للإمام أبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسي (توفي سنة914 هـ) صورة لحضور الكتب في فتاوى" أهل إفريقية والأندلس والمغرب". ومعلوم أن هذا الكتاب هو موسوعة ضخمة، حوت اجتهادات الفقهاء في عواصم الغرب الإسلامي طوال ثمانية قرون. أما مؤلفه فقد بلغ من التحصيل العلمي والمكانة في الفقه والقضاء والفتيا ما جعل الإمام محمد بن غازي، شيخ الجماعة بالمغرب، يُصرّح قائلا: "لو أن رجلا حلف بطلاق زوجته أن أبا العباس الونشريسي أحاط بمذهب مالك، اصوله وفروعه، لكان بارا في يمينه، ولا تطلق عليه زوجته".

في "المعيار المعرب" تبرز مشكلات الإعارة وكتب الوقف، شأنها في ذلك شأن ما جرى في مصر أو بغداد. نجد على سبيل المثال أن الإمام سئل عمن استعار كتبا ثم ادعى ضياعها، فأجاب بأنه إن ثبت تعديه ببينة أو إقرار منه فإن القاضي يشدد عليه بالتهديد بالضرب والسجن لاستخراجها.

وسئل رحمه الله عن كتب ومصاحف حبست على موضع معين، هل يجوز إخراجها والانتفاع بها؟ فأجاب بأن المراد من حبس الكتب تعريفها بذلك المكان، ولا باس أن ينتفع بها خارجه في حيطة حتى ترد إليه. أما اشتراط من حبس كتبا بألا يعطى إلا كتاب بعد كتاب، فقد بين أن ما يراعى هو قصد المحبس لا لفظه، فإذا كان الطالب أمينا يدفع له أكثر من كتاب.

ولارتباط الكتب بأماكن العبادة فقد كان من البديهي أن تثار أسئلة حول حضور كتب أخرى غير القرآن الكريم. سئل الإمام عن قراءة كتب المواعظ والقصص على العامة في المساجد، فأجاب بأن مجالس القصص مكروه عند السلف الصالح، بينما عدّ كتب المواعظ من المستحب الحسن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخول أصحابه بالموعظة، ولا فرق بين كونها كلاما أو قراءة من كتاب، شرط أن يكون صحيحا لا ترده القواعد العلمية.

يقدم "المعيار" صورة طريفة للعناية بالكتاب وهي الاعتراض على وقوعها في يد غير المستحق. سئل الإمام عمن توفي وخلف كتبا فقهية، هل يجبر الورثة على بيعها إن لم يكونوا لها أهلا؟، فأجاب بأنهم لا يجبرون على ذلك ولو لم يكونوا أهلا لها في الحال. وأما من أوصى بأن تدفن معه نسخة من كتاب فقد رد وصيته لأنها لا تصح.

وضع الفقيه بصمته على حركة التأليف والترجمة والنشر التي امتدت جذورها منذ القرن الأول الهجري، من خلال فتاوى واجتهادات تؤطر علاقة المسلم بالكتاب. وتكشف الآراء المتعددة والمتضاربة أحيانا عن قناعة بأن الكتب وعاء حضاري لعقول وإبداعات المسلمين في شتى مناحي الحياة.

من هذا المنطلق مارس الفقيه دوره في تسديد الفعل الثقافي ليتناسب مع مقاصد الشريعة، فكان اعتراضه على رواج وقراءة كتب الخرافات والشعوذة والعزائم والتنجيم وغيرها ينسجم مع مقصد اغتنام الوقت وجمع القلب على العلم النافع، باعتباره عبادة وقربة يُبتغى بها وجه الله تعالى.

***

حميد بن خيبش

..................

1) الخطيب البغدادي. تقييد العلم. ص155

  

سؤال العبور والمعنى

وقف على حافة الجرف العميق، ينظر إلى الأسفل متردّداً، مُجهَداً، ضعيفاً وخائفاً، توقّف عنده كل شيء عن التّدفّق، الدّم في العروق، والوقت والتّفكير، عَلَتْهُ برودة مبهمة، شعر بالغربة، يريد أن يصرخ، يتمرّد، يغضب، لكنّه هرب وأغلق من دونه الأبواب والنوافذ وجميع المنافذ، عَبَرَهُ التّعب واليأس فوقف هناك كأنّه على موعد، كان يظن أنه مازال في الجراب متّسع من الوقت، لكن القطار وصل إلى آخر محطّة، لا أحد يستطيع الرجوع، كل المسافرين انصرفوا إلى أيامهم، وهو هنا، على الجرف ينتظر.

انقطع الأمل، واسودّة الدنيا في عينيه، هناك مرّت بذهنه صورٌ كثيرة، من لحظة ميلاده إلى وقوفه على حافة الجرف ينتظر متسائلا، أين الذين فرحوا وزغردوا يوم مولدي، أنا الآن هنا، انتظر الموت وحيداً، يائسا؟ وحده الآن، مستعدّ للتّخلّي عن نفسه رمياً من عل، انتحاراً، فالموت ليس صدمة اللحظة، بل تراكم أشياء كثيرة رانت على القلب فأظلم وانفطر، يفكّر في الحصيلة التي يحملها، وهو هناك، في لحظة التّوقُّف الأخير، عاف الدنيا وبات على مقربة من مغادرتها، صاح، ومن صوته تفوح رائحة الهزيمة، تعطّلت حواسُّه وهو ينتظر لحظة صحوٍ مفاجئة لن تأتي، يؤلمه مالم يعشه في الأيام الخوالي التي تسلّلت منه باردة، باهتة، عصِيَّة على العيش. تأسّف على الحبّ الذي لم يبح به لها، والشّوق الذي حكم عليه بالكبت، والغضب الذي تراكم داخله حتى انفجر أمراضاً عصية على الطبيب والدّواء، واللقاءات التي أجَّلها ظنّاً منه أن هناك وقتاً، وأن هناك فرصة أخرى، ناسياً أن الوقت لا يتنظر أحدا.

اجتاحت رأسه أسئلة مقلقة، كيف يبدو الموت؟ هل هو جميل حين نقترفه في الأماكن الجميلة كالمكان الذي اختاره هنا الآن؟ أم «نُجمِّلُ الموت حين نتقبّل النهاية؟»1 ، وهل هناك معنى للموت وهو يقترب منا كما في الحياة؟ تجيئه الآن، ولم يدرِ لمَ، كلمات قصيدة «لو عشتُ حياتي من جديد» لبورخيس؟ كانّه ندم عن أشياء وتمنّى لو فعل أخرى، ومات مرتاحاً.

بين عالمين وقف، في لحظة الحقيقة والمواجهة، يرى ما كان وينتظر ما سيكون، بين الكائن والممكن يطرح أكثر من سؤال، تكشّفت هشاشته، فوقف هنا كعابر في ممرٍّ من ظلال، بينه وبين الموت حجاباً شفّافاً، يختبئ في مكان مكشوف، هل له أن يختار بين الموت والحياة وهو في لحظة اليأس الجامحة؟ بين الفناء الذي يتهدّده أو البقاء الذي تبعثرت أوراقه؟

بين الموت والحياة إشارات خفية، أسئلة مقلقة حارقة، لا يقين، نقترب ونبتعد، لا ننظر إليهما كحدثين عاديين، بل حالتين تسكناننا في كل لحظة، في كل نَفَس، ونرى بصدق وبعمق أنفسنا أمامهما فيضطرب المعنى داخلنا.

بالموت نقدِّر الحياة ونَهَبُها معنى، وفكرة الموت تمنحنا الإحساس بالحياة، إذ منذ ولادة الإنسان وهو يحمل بذرة الموت، يداريها، يهرب منها، يسائلها، ذاك ما يفعله وهو يوشك أن يخوض التجربة، وهو في كامل قواه العقلية، وفي لحظات ضعفه القصوى، ينتظر بعيون مبلّلة، ووداعٍ غريب، وعجز ظاهر. مجرّد التفكير في الموت/الانتحار، في النّهاية، يهز مشاعره ويثير مخاوفه، بل يتساءل من أين أتتْه القوة ليقف هنا قاب قوسين من الموت أو أدنى؟ ومن أين له بالصبر ليواجه الموت وهو يخافه؟ كيف نخافه ونحن نحمل بذرته التي تكبر فينا منذ لحظة تشكُّلنا؟ تُنبّهنا الشيخوخة والأمراض والانكسارات واليأس من الحياة، أن الموت منّا قريبٌ كحبل الوريد. الموت هو الحقيقة التي لا تعتريها التباسات أو شكوك، لا تحتاج إلى برهان، لا أحد ينجو منها رغم أننا ننصرف عنها طمعا في سنوات نضيفها إلينا. الآن سيتخلّص من وهم الامتلاك، لن يحمل معه ما حرص عليه، سيغادر وحيداً إلى أفق آخر لا يعلم عنه شيئا، سينتقل من ضجيج الدنيا إلى سكونٍ آخر، ربما غريب، يعرّي، يفضح اختياراته، ينتظر أن يطرق ضيفه الباب. هل يحتاج الموت أن يطرق الباب استئذاناً؟ استفردت به الموت في هذا العراك على حافة الجرف ذي الصّخور الناتئة والمسنّنة والمطلّ على البحر الهادر والصّاخب. تذكّر أشياء ليُهوّن من رائحة الموت، لم يعد مهمّاً إلى أين المصير، فما عاد لشيء قيمة وهو هنا في أقصى حالات اليأس، لا قيمة للوقت، سريعا أم بطيئا سيعبره، تأكّد له، وهو على الجرف ينتظر، أن الموت كان يسير معه كرفيق يذكّره بأن الطّريق له نهاية، قد تختلف النّهايات، وفي النّهاية يُجْبَر الإنسان على أن ينظر إلى الحياة من أعلى، كما ينظر إليها الآن من علٍ، لا تبدو التّفاصيل، بل تظهر الصّور كلها، لأن «الموت محطة للرّحيل أكثر منه محطّة للإياب، إلاّ أنّنا نلوذ به في لحظات انكسارنا» 2.

إن الحياة من دون موت، إلغاء للذات البشرية، إذ به تقاس قيمة الحياة، ولابدّ من الموت كي ينقذنا من الأبدية، أبدية الشيخوخة والعجز، أبدية المرض والألم، أبدية اليأس والخيبات، أبدية الذّل والانكسارات، لذا فكل حي فانٍ، وحين ينفلت الموت من دائرة السؤال ليفرض وجوده، رحمته أو عقابه، يُصبح حقيقة لا تقبل الجدل، لذا فهو يستهدفنا ليُظهر لنا قوته وقيمة الحياة التي نحياها، فالحياة تعبر بجانب الموت، والموت أيضا يعبر بجانب الحياة، «.. حتى مقْدِم تلك اللحظة التي لا مفرّ منها، حين سنقف أمامه وجهاً إلى وجهٍ فينتزع وجودنا أو ينتزعنا من الوجود»3 .

مرّت بذهنه الصّوّر التي عاشها وكل هذه الأفكار عن الموت والحياة، على حافة الجرف، يفتح دفاتره السرية والمعروفة، انتابته رعشة، وبكى خوفاً، بدأت المسافة بينه وبين الموت تقصر، بدأ ريقه ينشف كلّما أوْغَلَ في الانتظار، تسائل: هل ما سأُقدم عليه قرارٌ صائب أم هزيمة؟ وهل نُهزَمُ حين نقف ضعافاً أمام الموت؟ أم مجابهة الموت وجها لوجه انتصار؟

يقترب، وفي كل اقتراب يُطلُّ بذاكرته على جانب من عمره الذي يُحِسُّه يتسرّب منه، يُدَوْزن أوتار سِنِي عمره، يضبطُ الوتر النّشار، ويعدّل الخارج عن النّغم الذي اختاره لحياته، قد فات أوانُ ذلك، حين وقف هنا ينوي وضع حدٍّ لحياته دون أن يقول وصيته أو يكتبها، فكّر في اعتزال الحياة ليرتاح، أصوات لا يعرف مصدرها تصله حزينة وادعة، متوسلة باكية، قوية في الآن نفسه، كيف بعد كل هذا العمر جئت البحر باحثا عن نهاية؟

هناك أسباب كثيرة دفعته للإقدام على الموت، لكن هناك سببٌ واحد قد يعيده إلى الحياة، لكنه صمّم، وقدّر، ثم عزم وحكم، ووقف هنا ينتظر رحلته ليصل قبل الأوان، ليس له أن يقرّر، الموت يأتي بموعد، لكن أن تضع لحياتك حد، أن تنتحر، فذلك وصول قبل الأوان، «فالموت ليس موضوع تأمّل فكري، [أو اختيار]، بل هو تجربة تعاش كما يتعايش المرء مع السر.. فالموت لحظة حاسمة من لحظات هذا الوجود» يقول غابرييل مارسيل.

من أعلى الجرف فكّر كثيرا، هل الموت، أو بالأحرى الانتحار، خلاص أم انهزام؟ وهل بالموت أو بالانتحار نتخلّص من الموت أم نتخلّص منّا؟ تلك لحظات لا يجيب عن أسئلتها إلا من وقف على الجرف ينتظر، أو من عاند الحياة واستسلم لليأس؟

***

(نص): عبد الهادي عبد المطلب

الدار البيضاء / المغرب

....................

1- جلال برجس. دفاتر الورّاق. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ط 12 2024. (ص88).

2- نفس المرجع (ص93).

3- من أقوال الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام.

الحس المرهف هو الشعور الوجداني، بالعواطف الرقيقة، بعمق، والتعبير عنها بصدق، وبذلك يمكن للحس المرهف، والمشاعر المتوقدة، أن تؤثر في حياتنا العامة، وتجعلنا أكثر تواصلًا، وتفاعلا مع أنفسنا، ومع الآخرين. ومع ظواهر الطبيعة.

وهكذا فإن الحس المرهف، والمشاعر المتوقدة، والتعبير عن الانفعال العاطفي في اللحظة، هي انفعالات وجدانية مهمة في حياتنا، يمكننا من خلالها التعبير عن مشاعرنا بصدق، والتواصل مع الآخرين بايجابية، وبروح ودية، تعزز علاقاتنا الاجتماعية، وتحسين جودة حياتنا العامة.

ولذلك تظل المشاعر المرهفة، هي اللغة الوجدانية الصادقة، التي تتحدث بها القلوب، ومن هنا فإن الإنسان المرهف الحس، هو من يشعر بكل شيء يحفز عواطفه، ليعبر عنها، ساعتئذ، بانفعالات متوهجة، بعيدة عن التصنع، والاختراع المفتعل.

 وهكذا فإن المشاعر المتوقدة، بما هي عواطف متدفقة، لابد لها ان تؤثر في التفاعل الوجداني مع الاخرين، باعتبارها الوقود المعنوي للعلاقات الاجتماعية، حيث يمكنها أن تؤثر في خياراتنا الشخصية، وفي تفاعلاتنا اليومية، بشكل واضح.

ولاشك ان التعبير عن الانفعال العاطفي، في اللحظة، يعكس صدق المشاعر، ووجدانية الاستجابة، لمحفزات ومضة اللحظة، لتكون عندئذ، جسرا سلسا، للتواصل، والتفاعل .

***

نايف عبوش

أوهكذا رسم محمد القماطي

هذه واحة ـ وِذرف ـ الوارفة بجوار واحة ـ قابس ـ والمستأنسة بواحة ـ شنّني والمَطوية فما أجمل هذه الربوع التي اجتمعت فيها محاسن النخلة وخيرات البحر وطرائف الجبل وصفاء الصحراء ...!

ما أسعدنا عندما وجدنا صديقنا الفنان والشاعر محمد القماطي في انتظارنا على مدرج دار الثقافة بوذرف وقد فرغ لحينه من اللمسات الأخيرة لإقامة معرض لوحاته بالبهو الكبير لدار الثقافة التي وجدناها كخلية نحل وقد انهمك في أنديتها الأطفال ضمن ورشات فنية متنوعة إنهم مواهب المستقبل إذا دأبوا على المثابرة والصقل كيف لا وقد كان صديقنا محمد القماطي مثلهم يافعا ينظر إلى أمه وهي عاكفة على منسج المرقوم تطعمه اللحم والسدى في سنفونية الألوان العجيبة فتستحيل لوحات هندسية بديعة من بين أصابعها وهي تنسجها بلا كلل ولا ملل ومن حظ هذا الفتى أن وجد ذلك الفتى معلما مشجعا له على التصوير وفاتحا له آفاق الرسم !

تمضي السنوات تلو السنوات ويختص الشاب في دراسة إحدى الشعب الطبية لكنه يظل مولعا بفن الرسم يوغل في شتى مدارسه وأنواعه ويقيم عشرات المعارض هنا وهناك في مختلف أنحاء البلاد وفي بعض البلدان الأوروبية لكنه يظل وفيا لبلدته وذرف فيقيم بها معرضه هذا الذي جمع فيه أهم مراحل مسيرته الفنية وكم كان جذلان ومحتفيا بأصدقائه الذين دعاهم واحتفى بهم وقد لبوا دعوته الكريمة بكل اعتزاز مساء الجمعة 16 جانفي 2026...

لوحات الفنان محمد القاطي ترى فيها ظلال النخيل في بعضها وأمواج البحر في بعضها وشموخ الجبال في هذه وامتداد الصحراء في تلك...وبين هذه وتلك ترى بلدة وذرف في أشكال مرقومها وألوانه..!

وفي الختام تحية شكر وسلام

مع باقة ورد.

***

سُوف عبيد ـ تونس

 

من النادر أن أُعيد قراءة كتاب ثلاث مرات في أوقات متقاربة، وإن حدث ذلك، فغالبا ما يكون بعد سنوات من القراءة الأولى، حين يكون جرس اللذة أو عنصر المفاجأة قد خفت، ويغدو الكتاب أشبه بصديق قديم اعتدتُ حضوره، لا يفاجئني كثيرًا.

غير أن كتاب الدكتور ياس خضير البياتي، للأمانة، كان استثناءً لافتا؛ فقد أبحرتُ مع كتابه (خطوط الزمن / سيرة ذاتية) أكثر من مرة خلال يومين فقط، وكأن النص كان يستدعيني للعودة إليه، لا بوصفه كتابا، بل بوصفه ذاكرة حية.

هذا الكتاب أعادني إلى ما يقارب أربعين عاما، وربما أكثر، فمعظم ما احتواه، ولا سيما مرحلة العمل الإعلامي، كنتُ على معرفةٍ واسعة بتفاصيلها من خلال عملي المهني والنقابي، وقربي من الشخوص الذين ورد ذكرهم، وهم زملاء كرام تقاطعت معهم طرق الحياة والعمل.

ليست هذه سيرة تقليدية، كما يصرح المؤلف، بل هي، بحق  صحيفة عمر، مدادها القلب، وعناوينها فصول رجل عاش بين الحبر والطباشير، بين قاعة الدرس وصفحة الجريدة.

كل سطر فيها حكاية، وكل فصل مرآة لرحلة إنسان كتب وطنه بالألم والأمل معا، وحلم رغم سواد العناوين، وحرر نفسه ووطنه قدر ما استطاع، لتبدو هذه السيرة كصحيفة حياة مطبوعة بنبض معلم وصحفي ومواطن، تمنيتُ لو قرأها كل أبناء العراق.

إنها سيرة مواطن عاش غربتين: غربة البعد، حيث الحياة المرفهة والهدوء الظاهري، وغربة الوطن، حيث الغربة الأشد قسوة، حين يكون الإنسان في قلب بلده، لكنه يشعر بالاقتلاع.

نحن إذن أمام كتاب مكتنز بسيرة جديرة بالتأمل، سيرة كتبت في ظروف ظاهرها مفرح، وعمقها حزين. تضادّات حادة رسمتها زوايا الزمن: مواطن يزرع الأمل في أرض جرداء، ووطن يقف مترقبا الفرج على حافة الانكسار، وغربة تنهش الروح، وأخرى تقلع التاريخ من جذوره.

في هذه السيرة مغارات من الدرر الإنسانية المجهولة في حياة البياتي، وما إن نرافقه في رحلة عمره حتى نكتشف عوالم أخرى؛ نلمس الألم والمعاناة، ونبتسم للنكتة، ونمضي دون ملل حتى الصفحة الأخيرة، وقد غرفنا من المعرفة والمتعة الكثير.

يرى البياتي أن الأمس لن يعود، والحاضر لن يدوم، والمستقبل مجهول الملامح. ويقول: تعلّمت من الألم، ورفضت أن أكون رفيقا له، فالحياة بلا فائدة موت ذليل، مثلما أن الشقاء كوكتيل من الألوان المتضادة، والأفكار المتناقضة، وصراع دائم من أجل البقاء.

إنها فلسفة حياة تقوم على التكيف الواعي مع تهديدات الفناء، بحثًا عن بر أمان إنساني.

ويعزز رؤاه بأمثلة فكرية، فيستحضر ما قاله الفيلسوف "كارل يونغ" عن مراحل الحياة، تلك الرغبة الكامنة في داخلنا بأن نظل أطفالًا، وأن نقاوم كل ما هو غير مألوف. ومن هنا، يستعيد البياتي نشأته في منطقة الفضل ببغداد، أواخر أربعينيات القرن الماضي، من أب بغدادي عريق متوسط الحال، وأم موصلية من عائلة معروفة، ليؤكد أن سلسلة مترابطة من الأفعال والمواقف تصوغ شخصية الإنسان الباحث عن معنى وجودي كبير:

لماذا نحن هنا؟

وما جدوى الحياة؟

وما الغرض من الوجود؟

وهي أسئلة شغلت الفلاسفة عبر التاريخ؛ فسقراط رأى في الحياة بعدين: فرديا وروحيا، وأفلاطون عدها شكلا من أشكال المعرفة، وشوبنهاور رآها فوضوية بلا معنى، ونيتشه قاسية، وسارتر وعيا بالوجود والحرية.

وفي زمننا هذا، ثمة من يختزل الحياة في ممتلكات فاخرة وأموال مكدسة، وآخرون يرونها مزحة عابرة، يمرون بها خفافا بلا أثر.

ما شدّني في سيرة الصديق البروفيسور البياتي هو موقفه الأخلاقي في استذكار الأشخاص الذين مروا في حياته، ونبرته الإنسانية تجاه أهله وأسرته ووطنه والإنسان عموما. وهنا تذكرتُ قراءتي لمذكرات رسول حمزاتوف في "داغستان بلدي"، وكتاب "الأيام" لطه حسين، حيث يتجلى حب الوطن والمعرفة بوصفهما قدرا لا خيارا.

وقبل أن أهنئ أبا الحارث الدكتور ياس على كتابه المهم، أود القول إن كتب السيرة هي جنس أدبي رائق، يوثق حياة الإنسان منذ بواكير الوعي حتى مراحل متقدمة من العمر. وقد أدرك العظماء عبر التاريخ أهمية هذا الجنس الأدبي، فكتبوا سيرهم أو كتبت عنهم، مع فارقٍ جوهري بين السيرة المكتوبة بيد صاحبها، وتلك التي يكتبها الآخرون.

وفي كتب السيرة، قديمها وحديثها، كنوز من الحكمة وخبرة الحياة. ويكفي أن نستحضر ما قاله برتراند راسل في مذكراته: ثلاثة شغوفات بسيطة لكنها قوية حكمت حياتي وهي : الشوق إلى الحب، والبحث عن المعرفة، والشفقة التي لا تُحتمل تجاه معاناة البشرية.

وفي الختام، أدعو زملائي الإعلاميين إلى اقتناء هذا الكتاب؛ ففيه تجارب مهنية وإنسانية ثرة، فصاحب السيرة أستاذ جامعي معروف، وصحفي رأس مجلات متخصصة في الإعلام والفنون، وله مساهمات إذاعية وتلفزيونية مؤثرة.

إنه، باختصار، كنز معرفي يستحق القراءة والتأمل

***

زيد الحلي

بعدد أعضائه البالغ ثلاثة ملايين ونصف، بالإضافة إلى عشرين مليون منتسب للمنظمات التابعة له، كان الحزب الشيوعي الأندونيسي ثالث أكبر حزب شيوعي في العالم، بعد الحزبين الحاكمين في الاتحاد السوفياتي والصين. أثار هذا الوضع قلق العالم الرأسمالي الذي تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية؛ لذا تطلب الأمر جراحة عاجلة تسببت في ارتكاب إحدى أبشع المذابح في التاريخ المعاصر.

في الفترة بين عامي 1965 و1966 أقدم الجيش الأندونيسي على استهداف أعضاء الحزب الشيوعي، قبل أن تنجرّ البلاد نحو أعمال تطهير واسعة النطاق على امتداد عدة أشهر. وتشير التقديرات إلى مقتل نصف مليون شخص، بينما ترجح أخرى أن العدد يصل إلى ثلاثة ملايين. وانتهت المرحلة بإلغاء الحزب الشيوعي كقوة سياسية، وإسقاط الرئيس سوكارنو، ليبدأ عهد جديد من السلطوية بزعامة الديكتاتور محمد سوهارتو.

تحول البلد إلى ما يشبه المصيدة، وتَشكّل داخل أندونيسيا طوق مروع من الصمت إزاء ما جرى. كان من المتعذر حتى مجرد مناقشة الجرائم المرتكبة، فضلا عن المطالبة بالإنصاف وتحقيق العدالة، وهي أمور يكفلها القانون الدولي. وخلال فترة حكم سوهارتو جرى تشويه للأحداث، وتم تلقين الأجيال الناشئة رواية ملفقة لتفاصيل المجزرة المليونية.

خلال السنوات اللاحقة ازدهر في أندونيسيا أدب الشتات، وظهرت أعمال أدبية تنكأ الجرح لتقديم رواية تتطابق مع ما جرى، خاصة بعد أن تم رفع السرية سنة 2007 عن جملة من وثائق الحكومة الأمريكية التي تُثبت تورط جهازها الاستخباراتي في تلك المذابح، وتقدم معطيات كفيلة بإدانة الحادثة وتحريك المتابعة القضائية في حق الجناة. ضمن هذا السياق يبرز اسم الكاتبة ليلى شودوري، والتي تتمحور أعمالها حول مواضيع الذاكرة، والهوية المتصدعة بفعل مرارة النفي والشتات، لبناء سردية واثقة تفكك الرعب السائد.

في روايتها الأولى (الوطن) Pulang، تدور الأحداث حول الصحفي ديماس سوريو الذي اتُهم بالانتماء للشيوعية، ولحسن حظه كان في الخارج لحظة الانقلاب، فتمكن رفقة زملائه من الذهاب إلى الصين ثم إلى باريس، حيث افتتحوا مطعما أندونيسيا، والتقى بشريكة حياته خلال انتفاضة ماي 1968، وأنجب منها ابنته لينتانغ.

تستحوذ الابنة على الأحداث اللاحقة للرواية، حين تستجيب لدمها وتراثها الأندونيسي وتقرر أن تعود إلى البلاد لإنجاز فيلم وثائقي. وهناك ستعاين عن كثب أجواء اضطرابات عام 1998، والتي أفضت إلى سقوط سوهارتو بعد ثلاثة عقود من قبضة الحديد والنار.

تستكشف الرواية تجربة المنفى ونضال الأندونيسي عديم الهوية خارج وطنه، وكيف تؤثر تداعياتها على الجيل اللاحق الذي يسعى خلف الحقيقة. وبأسلوب يمزج بين الخيال والكتابة الصحفية، نجحت الكاتبة في استدعاء الإمكانات السردية لشهادات السجناء السياسيين والمنفيين الذين التقتهم في أماكن مختلفة.

صرّحت شودوري في حوار صحفي مع يومية"Le petit journal" الفرنسية أن الكتب التي قرأتها في كندا، حيث لا توجد رقابة، سمحت لها بالحصول على تفسير آخر لانقلاب عام 1965، ككتاب" المجتمعات المتخيلة" لبنديكت أندرسون. وعند العودة من كندا، توقفت في باريس، وهناك التقت بلاجئين أندونيسيين سابقين، واكتشفت جزءا كاملا من تاريخ البلد لم يسمح نظام سوهارتو بتداوله.   

تدور أغلب مشاهد الرواية داخل مطعم أندونيسي بباريس. ويحقق المزج بين الكلمات الشعرية ونكهات الأطباق الحارة تناغما مذهلا، يربط شخوص الرواية بوطنها في الواقع، بل يجعل من الطبخ فعلا مقاوما لهيمنة الكتابة التاريخية المشوهة:

" بالنسبة لي طهي طبق ما لا يقل أهمية عن كتابة قصيدة. كل حرف يبرز ليجد رفيقه ويشكل كلمة. وينطبق الأمر نفسه على الطبخ. الثوم والفلفل الأحمر ومعجون الروبيان يمكن أن تتناغم جيدا. لكن، هل يتناسب السلمون مع معجون الروبيان؟ أشك في ذلك. من الواضح أنهما ليسا متعارفين أو مقربين أو منسجمين بعد.."

تتنقل شودوري بين الأزمنة بشكل متكرر، لشرح خلفيات الشخصيات من جهة، ولتكريس عبء الازدواجية الذي يرهق جيلين مختلفين: جيل ديماس "الأب"، اللاجئ الذي يتوق للعودة إلى الوطن، وجيل لينتانغ التي نشأت في فرنسا ولا تعرف أرضا غيرها:

" إندونيسيا بالنسبة لي مجرد مفهوم. معرفة يفترض أنها تسري في عروقي، وتشاركني أرضا مع الدم الفرنسي.."

تستمد الرواية واقعيتها من البحث الجاد والمعمق الذي حاولت من خلاله الكاتبة الوصول إلى سياق اجتماعي وتاريخي يقترب من الواقع. تغوص مخيلة القارئ في قصص حية لعدد من المنفيين الذين ناضلوا قرابة أربعين سنة من أجل البقاء، واتخذوا من المطاعم كيانا يخفف من الشعور بالاغتراب، ويقاوم سياسة المحو والإقصاء التي انتهجها سوهارتو ضد الآلاف من أبناء شعبه.

تكتب شودوري بلغة بسيطة، تقترب من اليومي دون أن تقلل من فنية السرد، أو من عمق القيم التي ينشدها كل أديب ملتزم بقضايا مماثلة. وهي في عرضها لشخصيات مستلهمة من الواقع، تقدم سلسلة متكاملة من وجهات النظر السردية، لتوجيه القارئ نحو فهم سياسي معتدل، وهو ما فسره البعض بافتقاد عملها الروائي لروح المبادرة التي تحفز القراء الشباب خاصة لإحداث التغيير.

مما يعمق الشعور بالفجيعة في هذا العمل أن بطل الرواية، ديماس سوريو، لم يكن ممن تبنوا إيديولوجية سياسية محددة ليدرك أن مأساته هي نتيجة حتمية للنضال. لقد عاش كصحفي محترف عذابا لا مبرر له، رغم أنه يُكنّ حبا صادقا لوطنه، ويجدد كل سنة تقديم طلب الحصول على تأشيرة دخول إلى البلد دون جدوى. ذاك الإصرار الذي يأبى الرضوخ للواقع، وقناعته بأنه ابن أندونيسيا وله الحق في وطنه، سيُتوجان بعودته إلى الديار بعد الإطاحة بنظام سوهارتو في ماي 1998.

ولدت ليلى شودوري في العاصمة جاكرتا سنة 1962، ونشرت أولى قصصها في مجلات الأطفال وهي في الثانية عشر من عمرها. ثم التحقت بجامعة ترينت بكندا، حيث حصلت سنة 1988 على درجة الباكلوريوس في العلوم السياسية ودراسات التنمية المقارنة.

 وفي سنة 1989 انضمت إلى مجلة "تيمبو" الإخبارية للعمل كمراسلة صحفية إلى أن تقاعدت أواخر عام 2017، إضافة إلى اهتمامها بكتابة سيناريوهات للمسلسلات التليفزيونية.

حازت شودوري على جائزة أفضل كاتبة سيناريو تلفزيوني في مهرجان باندونغ السينمائي سنة 2007، ثم اتجهت إلى كتابة الروايات التاريخية التي تتناول حملة التطهير المناهضة للشيوعية منتصف الستينيات، ونضال الحركات الطلابية التي تُوّجت بإسقاط نظام سوهارتو.

صدر للمؤلفة رواية (لأجل نادرة) 2009، و(بولانغ) أو الوطن 2012، و(البحر ينطق باسمه)2020، و(اسمي: عالم) 2024، بالإضافة إلى مجموعات قصصية تهتم بالدراما العائلية وحوار التقاليد والحداثة، وحقوق المرأة وغيرها من المواضيع التي تتسم بالجرأة.

تهتم شودوري أيضا بالنقد السينمائي، حيث تقدم سلسلة مراجعات للأفلام على قناة يوتيوب بعنوان (وقت الشاشة مع ليلى. إس. شودوري)، كما تهتم بنقل خبرتها في العمل الصحفي لما يقارب ثلاثين سنة، من خلال تقديم دورات متنوعة للطلاب في الكتابة الإبداعية.

في جواب عن سر تركيزها على التاريخ المظلم لأندونيسيا تقول شودوري: " كان علي أن أبني كل شيء تدريجيا، وأن أخلق عالما متكاملا. كان نظام سوهارتو جزءا من هذا العالم الذي ابتكرته، لكنني لا أعتقد أنه ينبغي للناس أن ينظروا إليه كرواية تاريخية."

***

حميد بن خيبش

تجدر الاشارة إلى أن التفاعل بين الكاتب، والنص، والمتلقي، هو السبيل الذي يتيح للمتلقي، المشاركة الفعالة، في تشكيل النص، من خلال تعميق جماليات سرده، وكشف نقاط قوته.وبيان مثالبه، بما يجعل المتلقي شريكا وجدانيا في عملية الإبداع.

ولاشك ان المتلقي يمكنه التفاعل مع النص بطرق مختلفة، تذوقا للغته، واعجابا ببلاغته، ونقدا لمضمونه.وهكذا يكون النص بمثابة حوار بين الكاتب، والمتلقي، فاذا ما كان دور الكاتب، هو ابداع النص، وتشكيل الإطار العام له، فان الكاتب، وهو يضع نصه للتداول بين يدي المتلقي، فانه بذلك، يسهل للمتلقي المشاركة الفعالة مع النص. 

وبهذا يكون النص، هو الفضاء الذي يلتقي فيه الكاتب، والمتلقي، ليكون المتلقي عندئذ شريكا ابجابيا في تشكيل النص، بحيث يمكن وصفه بالمبدع الثاني له، لاسيما إذا كان المتلقي حاضرا وجدانيا في تعامله مع النص بطريقة تؤثر فيه، بحيث يكون عند ذاك، جزءا من وجدانيات بنية النص.

ولاشك ان لثقافة التفاعل، دورا فعالا، في تعزيز مشاركة المتلقي، في الغور بعمق في ثنايا النص، وبالشكل الذي يزيد النص متعة، وبهاء، ويجعله أكثر جاذبية.

 ولاريب أن لكل متلق تجربته الخاصة، وذوقه الأدبي في تفاعله مع النص، لتكون قراءته تجربة جديدة، في كل تعاط جاد له مع النص.

 كما أن التفاعل الأدبي المتمكن، يعزز روح الإبداع لدى المتلقي، بما يثيره في وجدانه من حافز متوقد للإبداع، في نقده النص، وتدوين ملاحظاته بخصوصه.

وهكذا يكون الأدب التفاعلي للمتلقي تجربة إبداعية جديدة من خلال ما تتيحه للمتلقي من المشاركة الفعالة في تشكيل النص، بما هو حوار متشابك بين الكاتب والنص والمتلقي، ولما يفرزه من ملامح تجربة جديدة.

***

نايف عبوش

تزود الكاتب الناقد الفلسطيني يوسف سامي اليوسف، بنوع متين من الثقافة والاطلاع، الامر الذي اهله للإدلاء بآراء مختلفة وغير مألوفة في الفن والثقافة الفلسطينيين خاصة، ورغم احترامه وتقديره الشديدين لهذه الثقافة واعلامها، فقد تعامل بها برؤية متعمقة بعيدة عن التقديس المُهلك والمدمر للثقافة، ويعتبر رايه في كتابات غسان كنفاني، مثلا، رايا مختلفا وجديرا بالاهتمام.

يوسف سامي اليوسف من مواليد قرية لوبية المهجرة عام 1938، نزح إلى لبنان عام 1948، وغادر إلى سورية سنة 1956، التحق بجامعة دمشق 1960 وتخرج فيها. عاش حياته في مخيم اليرموك، في بيت متواضع بناه "حجراً على حجر"، وعلى مراحل، وكان بيته وكانت مكتبته ملاذاً لأجيال من المبدعين الفلسطينيين والسوريين والعرب المقيمين في سورية، كما شهد الكثيرون من هؤلاء.

سجل كاتبنا سيرته الذاتية في ثلاثة اجزاء، صدر اثنان منها عن "دار كنعان"، في دمشق تحت عنوان" تلك الايام"(هذا العنوان بالمناسبة، هو عنوان ايضا احدى روايات الكاتب العربي المصري فتحي غانم)، ولا يعلم ما اذا صدر الجزء الثالث منها. يعود الوسف فسيرته هذه الى اجداده الاول فيذكرهم بالاسم، الفصل والاصل، حتى يصل الى والده الذي عمل شرطيا في فترة الانتداب، ما قبل قيام اسرائيل، ويستعرض فيها حياته اولا بأول، كأنما هو يريد ان يقدم الى قرائه شهادة تؤكد قصة انتمائه الفلسطيني وكفاحه كانسان مناضل من اجل الوجود والحياة.

كتب اليوسف وصنف العديد من المؤلفات هي: مقالاتٌ في الشعر الجاهلي- دراسة- دمشق 1975والغزل العذري- دراسة – دمشق 1978. وبحوث في المعلقات- دراسة- دمشق 1978. والشعر العربي المعاصر- دراسة- دمشق 1980و، ما الشعر العظيم،- دراسة- دمشق 1981 وكتاب عن غسان كنفاني بعنوان، رعشة المأساة، - دراسة- عمان 1985 وكتاب عن الشخصية والقيمة والأسلوب- دمشق2000 . وكتاب في التاريخ بعنوان "حطين "- دراسة- دمشق، 1987وآخر بعنوان "فلسطين في التاريخ القديم، – دراسة- دمشق، 1989. وكتاب عن" الخيال والحرية" دمشق 2001 و" مقدّمة للنّفري"- دراسة في فكر وتصوف محمد بن عبد الجبار النفري- دمشق، 1997. و"ابن الفارض" – دراسة، دمشق، 1994. وترجم عن الإنجليزية: "الديانة الفرعونية"، و"مختارات من شعر اليوت"Eliot. أما سيرته الذاتية فقد صدر منها جزآن فيما نعلم عن دار كنعان في دمشق ولا يعلم ما اذا كان الجزء الثالث، صدر ام لا.

اتيح لي قراءة بعض من مؤلفاته هذه، لا سيما كتابيه " الخيال والحرية"، و" مختارات من اليوت" و" رعشة المأساة" وهذا الاخير يبحث في كتابات وروايات الكاتب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني. يضمن اليوسف كتابه عن الخيال رؤية ادبية واعية وعميقة للأدب، وبإمكاننا اعتبار هذا الكتاب الفريد مدخلا جيدا ومرشدا لقراءة الادب وفهمه، ويلمس قارئ ترجمته لمختارات من شعر اليوت، تمكنه من اللغة الانجليزية وجديته في التعامل معها، اما كتابه عن رعشة المأساة، فانه يقيّم فيه التجربة التراجيدية التي عاشها غسان كنفاني معتبرا اياه نموذجا حيا للتجربة الفلسطينية التي تسببت فيها ظروف قاهرة.. جعلتها تختلف عن معظم التراجيديات في العالم. وهو يقرا كنفاني في كتابه هذا عنه قراءة متعمقة، ترى ما له وما عليه، ومما يقوله بجرأة غير معهود وقائمة، ان روايتي "عائد الى حيفا" و" رجال في الشمس" لا تعدوان كونهما قصتين قصيرتين ممطوطتين، او شيئا من هذا القبيل، وان احدا من نقاد كنفاني الكثيرين لم يتجرا على الادلاء بمثل هذا الراي الجدير بالنظر والمعاينة.

بعد وفاة يوسف سامي اليوسف عام 2013 مباشرة، توجهت الى عدد من الاصدقاء من مديري المؤسسات الثقافية التراثية طالبا ان ننظم ندوة تهدف الى التعريف به، او إحياء ذكراه.. فوعدوا.. ولم يفوا حتى الآن.. فهل اجدد الطلب؟

***

ناجي ظاهر

 

كانت (أبوتسو - ني) (حوالي 1222 – 1283 م) كاتبة مقالات ومذكرات وناقدة أدبية وباحثة وراهبة بوذية وشاعرة تانكا (1) يابانية بارزة وغزيرة الإنتاج من فترة (كاماكورا) (1185 – 1333 م) التي اتسمت بالتحول النوعي العسكري، وشهدت الكثير من التغيرات والمستجدات الأمنية، ونشبت خلالها العديد من الحروب والصراعات بين عشائر الساموراي الكبرى التي كانت تبتغي مصالحها وتسعى لتحقيق أهدافها، مثل حرب (جينبي 1180 – 1185) بين عشيرة (ميناموتو) وعشيرة (تايرا) التي شملت عدة معارك، ومنها معركة (اوجي 1180) ومعركة (دان نو أورا البحرية 1185)، وانتهت بانتصار الأولى. وكذلك ضد المغول الغزاة أيضا (1274 و1281 م) الذين تم ردعهم بمساعدة عواصف إعصارية طبيعية ضربت الأساطيل المغولية (كاميكازي - الرياح الإلهية أو الرياح المقدسة) (2) وغيرها.

كما شهدت فترة (كاماكورا) تشكيل أول حكومة عسكرية (باكوفو – حكومة الخيمة) على يد القائد العسكري (ميناموتو نو يوريتومو) (1147 – 1199) في عام 1192، وتشريع القانون العسكري الياباني الأول بعنوان (غوزيباي شيكيموكو) الصادر عام 1232 ميلادية على يد عشيرة ساموراي قوية ومتنفذة (هوجو)، هيمنت على لقب (شيكن – الوصي الوراثي) على شوغونية (كاماكورا) اعتبارا من عام 1203، مع تعزيز الهوية العسكرية للبلاد لقرون قادمة، والمتمحورة حول صعود الساموراي وانشاء حكومة عسكرية قوية، عملت في ظل قانون عسكري صارم بدلا من الحكم الإمبراطوري التقليدي، مع تعزيز الإقطاعية وترسيخ القيم والمبادىء المنبثقة من البوذية الجديدة. ولكن على حساب الحالة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت سائدة في الفترة السابقة (هييان) (784 – 1185 م).

و قد انحسر دور الإمبراطور في هذه الفترة لصالح ألحاكم العسكري (الشوغون) وأمراء الحرب وأتباعهم من الساموراي الذين شكلوا العمود الفقري للجيش، واستحوذوا على معظم الامتيازات في الأراضي والرواتب والمناصب، فتراجعت كتابة اليوميات والقصص والقصائد في البلاط الإمبراطوري على نحو بين مقارنة بما كان عليه الحال في فترة (هييان) الذهبية. وتراجعت مكانة المرأة في ظل الحكم الإقطاعي، وانحسرت فرصها في التأليف الأدبي، فكان معظم أدب هذه الفترة من تأليف الرجال تقريبا، من أمثال الناقد والشاعر الكبير (فوجيوارا نو تيكا) (1162 – 1241 م) والشاعر والكاهن البوذي البارز (سايغيو هوشي) (1118 – 1190 م) والشوغون (الحاكم العسكري) والشاعر المعروف (ميناموتو نو سانيتومو) (1192 – 1219 م) والشاعر اللامع (فوجيوارا نو يوشيتسون) (1169 – 1206 م) والشاعر الراهب (جين) (1155 – 1225 م) والشاعر الفحل (أسوكاي جايو – أسوكاي ماساري) (1241 – 1301 م) وغيرهم كثر.

وذلك بعكس ما كان عليه الأمر في فترة (هييان) المزدهرة التي تمثل بحق العصر الذهبي للثقافة اليابانية، ولشعر التانكا النسوي الياباني على وجه الخصوص، وشهد ظهور شاعرات رائدات، فتحن دروبا جديدة وواسعة في عالم الشعر النسائي الياباني، مثل (أونو نو كوماتشي، إيزومي شيكيبو، كوشيكيبو نو نايشي، إيسي نو مياسودوكورو، موراساكي شيكيبو، غيشومون إن نو تانغو، ونيجوين نو سانوكي) وغيرهن كثيرات.

ولدت الشاعرة والأديبة (أبوتسو – ني) باسم (أنكامونين نو شيجو) في عائلة من بلاط (كيوتو)، وتربت على يد (تايرا نو نوريشيغي)، وكان رجل بلاط من طبقة حكام الأقاليم ذوي الرتبة المتواضعة. وسميت بأسماء عديدة، ومنها (أنكامونين شيجو، أنكانومين إيتشيزين، وأنكانومين أويمون نو سوكي). خدمت الأميرة الإمبراطورية (أنكامونين) كوصيفة (لقب فخري) منذ أن كانت فتاة مراهقة في الرابعة عشرة من عمرها، ومن هنا حصلت على لقبها المدني (أنكامونين نو شيجو). انضمت في شبابها إلى خدمة صالون إمبراطوري معروف، وتلقت هناك تعليما واسعا وراقيا في كتابة الشعر والرسم والخط واستخدام البخور وغيرها من فنون الرقي الأنثوي. اشتهرت بعدها باسم (الراهبة أبوتسو) بعد أن نذرت نفسها للرهبنة البوذية، وعاشت في دير بوذي بارادتها مع معاناة من الفقر المدقع كأم عزباء.

برز اسم (أبوتسو – ني) في التاريخ الأدبي الياباني على نحو بين حوالي عام 1253 عندما تزوجت من الشاعر والسياسي الشهير(فوجيوارا نو تاميي) (1198 – 1275). وكان رجل البلاط المتنفذ والثري وابن الشاعر الشهير (فوجيوارا نو تيكا) (1162 – 1241) مؤسس مدرسة (ريزي) الشعرية، والوريث الرئيسي لأسرة (ميكوهيداري)، وأنجبت منه ثلاثة أبناء، شجعتهم مع والدهم على إتقان فنون الشعر والبراعة فيه. وهم (جوغاكو) المولود عام 1253 تقريبا ومشكوك في نسبه، و(تاميسوكي) المولود عام 1263 (ت 1327) وتاميموري المولود عام 1256. وفي عام 1256 أوصى زوجها (تاميي) بوثائق مهمة تشمل أعمال العائلة ألأدبية ومخطوطات نادرة والعديد من الكتب الكلاسيكية المشروحة من قبل الجد (تيكا) لابنه (تاموجي)، وبعدها لابنه (تاميسوكي) تحت تأثير الأم (أبوتسو)، ووفقا لرسائل محررة خلال الفترة 1272 – 1273، الأمر الذي أفضى إلى اقامة دعاوى قضائية بعد عام 1275.

كانت تلك الأعمال الشعرية والأدبية المهمة التي تركها زوجها بعد وفاته عام 1275 محل نزاع مرير وطويل في المحاكم المحلية والعسكرية (الشوغون) في العاصمة (كاماكورا) التي شاركت فيها في العديد من الفعاليات والأنشطة الأدبية المحلية مع قيامها بتدريس مجموعة كبيرة من الطلاب. وحسم الموضوع قضائيا في عام 1313 تقريبا قبل أن تسمع (أبوتسو) الحكم النهائي بخصوصه، أي بعد وفاتها بفترة، وكان لصالح ابنها الأكبر (تاميسوكي) الذي صار الوريث والحامي لمخطوطات والده الشعرية بحكم القانون (3)، علما كانت قد احتفظت سرا ببعض من أثمن وأندر الوثائق والمخطوطات الخاصة بزوجها المتوفى، نظرا لأهميتها الحيوية وحرصا منها على مصالح ابنها.

وقد ساعدت الوثائق القانونية الوفيرة الخاصة بهذا الموضوع الحيوي والجوهري بالنسبة إليها على الوقوف على سيرة حياة هذه الشاعرة المبدعة والكاتبة الكبيرة على نحو واف، إلى جانب أعمالها الأدبية الكثيرة والكتابات النقدية التي تناولت أعمالها (4). ومن أهم تلك الانتقادات، افتقار عملها (إيزايوي نيكي) إلى التركيز والصقل الأدبي مقارنة بغيره من أعمالها الأدبية، بالرغم من عمقه التاريخي والعاطفي وطابعه التأملي. مع وجود اختلافات أسلوبية في تأليفه عند مقارنته بعملها (نوم متقطع)، وقد عزاه البعض الآخر إلى السنوات الطويلة التي فصلت بينها والظروف الحياتية والأحوال العسيرة التي واجهتها في فترات لاحقة.

و ل (أبوتسو – ني) كتاب مذكرات (يوميات القمر المتضائل - إيزايوي نيكي) المنوه عنه أعلاه، والذي قدمت فيه وصفا دقيقا ووافيا عن ثقافة القصر والمعابد في تلك الفترة الزمنية المهمة والحيوية في تاريخ الأدب الياباني، والشعر الياباني على وجه الخصوص. وتضمنت هذه اليوميات (88) قصيدة تانكا (من أصل 887 قصيدة قامت بتأليفها)، وتعتبر من أهم الأعمال الكلاسيكية اليابانية، وقد نشر مطبوعا منذ عام 1659 وترجم لعدة لغات، ونال اهتماما بحثيا واسعا وخصوصا في الأوساط الأكاديمية (5). ولها أيضا كتاب (نوم خفيف أو نوم متقطع) المشار إليه أعلاه أيضا، وهو عمل نثري رائع. وكتاب (يورو نو تسورو - طائر الكركي الليلي) الذي يعتبر أول كتاب شعري مستقل من تأليف امرأة يابانية، وقد ترجمه إلى اللغة الإنكليزية وقدم له (إريك إستيبان) ونشره في المجلد التاسع عشر 2015 من مجلة (الدراسات اليابانية).

و قد تأثر بها الناقد الأدبي وشاعر الهايكو الياباني الكبير (ماتسوو باشو) (1644 – 1694 م) من القرن السابع عشر، وأشاد بها وأصدر حولها عدة آراء، وقد وصفها بأنها (واحدة من أعظم ثلاثة كتاب رحلات).

كما أدرج بعض أعمالها قديما في الكتب التعليمية الخاصة بالمرأة باعتبارها نتاج الزوجة المخلصة التي يقتدى ويتأسى بها، كما أستشهد ببعض أعمالها الأدبية في الكتب التربوية والتعليمية فيما بعد باعتبارها المرأة المثالية العفيفة النزيهة، وصاحبة موهبة نادرة ومهارة فطرية متميزة، الأمر الذي ساعدها على تخطي الصعوبات والتحديات الجندرية السائدة في زمانها على نحو ناجح (6).

ومن شعرها (مترجم عن الإنكليزية):

كم هي قصيرة هذه الليالي

و كم هي خفيفة الأحلام التي تراودني

أثناء نومي المتقطع

رغم أنني أشد وسادة القش الخاصة بي (7)

لأهجع مطمئنة البال

***

(2)

عندما يكربني الغم

أهيم

في حيرة من أمري

و إن ألقيت بنفسي في غور الشلالات

يا لها من عاقبة وخيمة (8)

***

(3)

تنبري الأمواج التي بلغت

الصنوبرات المنتشرة

على الشاطىء

في الطريق الشرقي

على هيئة زهور أيضا (9)

***

(4)

منخفضة هي نبرة صوتك

يا طائر الوقواق (10)

متى ستفصح عن شهرتك

و أنت تحلق

في عنان السماء؟ (9)

و من شاعرات فترة (كاماكورا) أيضا (كايومونين نو إيتشيزين)، وكانت سيدة نبيلة وشاعرة معروفة من أوائل القرن الثالث عشر. استمرت بالكتابة حتى سنة 1248 وفقا لبعض المصادر الموثوقة. خدمت (فوجيراوا نو شوكوشي) (شيتشيجو – إن) والدة الإمبراطور (غو - توبا) (1180 – 1239) وابنته (كايومون – إن). وهي من (الشاعرات الخالدات ال 36) (نيوبو سانجوروكاسين) التي لا يعرف اسم جامعها وتاريخ جمعها على وجه الدقة (11).

و أيضا (فوجيوارا نو تشيكاكو)، وكانت سيدة نبيلة أبضا وشاعرة مبدعة نشطة من فترة (كاماكورا). لا يعرف الكثير عن تفاصيل حياتها التي ضاعت في غياهب الزمن. لها اسم آخر وفقا لبعض المصادر. وردت قصائد لها في مجموعة (الشاعرات الخالدات ال 36) أيضا.

أما (سايونجي شوشي) المعروفة أيضا باسم (إيفوكو مونين) (1271 – 1342) فكانت شاعرة إمبراطورة وزوجة للإمبراطور (فوشيمي) (1256 – 1317). وردت قصائد عديدة لها في (مختارات فوغا واكاشو الإمبراطورية) التي جمعت بأمر الإمبراطور (هانازونو) (1297 – 1348) وتضم (2210) قصيدة موزعة على عدة مجلدات. قادت مدرسة (كيوغوكو) الشعرية التي شهدت النور على يد (كيوغوكو تاميكو) وشقيقه (تاميكان) في سبعينيات القرن الثالث عشر. وقد شهدت سقوط حكومة كاماكورا والتراجع المستمر لمكانة البلاط الإمبراطوري، ولها قصيدة غرامية تحمل في طياتها دلالات تاريخية خفية بهذا الخصوص.

و هناك (نيجو غيشي) المعروفة باسم (تاميكو) التي ولدت في أواخر القرن الثالث عشر، وكانت شاعرة من أسرة أرستقراطية محبة للشعر، تزعمت مدرسة شعرية سميت باسمها (نيجو)، فوالدها هو الشاعر المعروف (نيجو تامييو) الذي يعتقد بأنه قد علمها فنون الشعر، أما جدها فهو (فوجيوارا نو تيكا). كانت وصيفة للإمبراطورة وتزوجت من الأمير الشاعر (تاكاهارو شينو) الذي أنجبت منه ثلاثة أطفال، ولكنها توفت في سن صغيرة جراء عملية ولادة عسيرة. كانت شاعرة بلاط (يوجيمونين غون – دايناجون)، وساهمت بفعالية في المشهد الشعري السائد آنذاك. أدرجت قصائد لها في مجموعة شعرية إمبراطورية.

***

بنيامين يوخنا دانيال

............................

(1) – تانكا: (من أشكال الواكا قديما)، ويعرف شعر (الواكا) وفقا لعدة مصادرعلى أنه شكل شعري ياباني كلاسيكي عريق وشامل، وضارب في القدم، حيث يعود تاريخ ظهوره إلى فترتي (أسوكا 593 – 710 م) و(نارا 710 – 794 م). وهو فن أدبي رفيع، حظي بمنزلة مرموقة ومكانة محترمة لدى الشعب الياباني لأجيال عديدة ومنذ أكثر من ألف عام. ويشكل مصطلح (الواكا - الشعر الياباني – القصيدة اليابانية) المظلة التي ضمت عدة أشكال شعرية تقليدية يابانية (كاتاوتا وتشوكا وسيدوكا وبوسوكوسيكيكا)، ومنها شعر (التانكا) أيضا الذي قد يكون من أشهر أشكال شعر الواكا، وهومستمد أصلا عن شعر ال (تشوكا – القصيدة الطويلة) في القرن الثامن، ثم أخذ بعدها الشكل السائد (القرنان 9 – 10). وقد أصبح مرادفا للواكا في القرن العاشر الميلادي تقريبا، مع اندثار وخفوت بعض أشكال الواكا الأخرى على نحو تدريجي تقريبا. وقد أستخدم مصطلح (التانكا) على نحو بين، وبشكل متميز في اواخر القرن التاسع عشر بعد أن خضعت قصيدة (الواكا) لعملية تقنين استمرت لقرون. وكان للشاعر والناقد الياباني الكبير (ماساوكا شيكي) (1867 – 1902) من عصر (ميجي) (1868 – 1912) الدور المحوري البين في إحياء وتطوير وتمييز التانكا، داعيا إلى الابتعاد عن أوجه الخيال السائدة قديما، واستخدام اللغة اليومية الحية والملاحظات الدقيقة في تأليفه بدلا من الوسائل الكلاسيكية المعقدة. وفعل كذلك مع شعر الهايكو الذي تطور من قصيدة (الهوكو)، والتي هي جزء من قصيدة التانكا (الأبيات الثلاثة الأولى)، وانفصلت عن الأخيرة في القرن السادس عشر. وغالبا ما كانت تستخدم كافتتاحية في القصائد الأطول مثل (الرينغا). وقد انصب تركيز(شيكي) بادىء ذي بدء على الهايكو، وباعتماد (الواقعية الموضوعية)، ومستمدا مفهومه الرئيسي (شاسي – انعكاس الطبيعة) من جماليات العصور الوسطى الصينية، ثم انتقل بعدها إلى شعر التانكا، وبذات الطريقة. وقد اعتمد (إيتو ساتشو) صاحب مجلة (أشيبي) الأسلوب نفسه، وتبعه أيضا شعراء الشاسي (شيماغي أكاهيكو، ناكامورا كينكيتشي، ناغاتسوكا تاكاشي، وكويزومي تشيكاشي) كما تظهر في أعمالهم المنشورة في مجلة (أراراغي) الشعرية.

و بحسب (ماكوتو أويدا) (1931 – 2020) الناقد والمحرر وأستاذ الأدب الياباني السابق في جامعة ستانفورد (إن قصيدة التانكا هي قصيدة الواكا الحديثة والمحدثة). للمزيد من الاطلاع، ينظر:

1 - Anna Zalewska، What makes a tanka poem tanka ? Modern approachesto from and versification in Japanese tanka poetry، Oriental Languages and Civilizations، pp. 91 – 100 Jagiellonian University Press 2022.

2 – Alexander Dolin، The Fading Golden Age of Japanese Poetry، Akita International University Press 2014.

3 - Beverley George، Tanka: the myriad leaves of words.

https: // www. eucalypt. info

4 - Donald Keene، Shiki and the Tanka.

https: // Columbia Universitypresscholarship. com

5 - J. W. Carey، What is Waka Poetry ?

https: // verslibre. co. vo. uk

6 - أوكا ماكوتو، ترجمة (د. محمد عضيمة)، محاضرات في التقاليد الشعرية اليابانية، التكوين للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق 2016.

7 - نور طلال نصرة، الأدب النسوي في قصيدة الواكا اليابانية.

https: // cinemasumer. blogspot. com

(2) – تقول الأسطورة اليابانية إن عواصف إلهية قد ضربت أساطيل (قوبلاي خان) (1215 – 1294) المغولي الغازية في القرن الثالث عشر وساعدت على انقاذ البلاد. وتشير بعض الحقائق التاريخية إلى هبوب مثل هذه العواصف وقتها، وتأثر القوات الغازية بها فعلا، وبخاصة في الغزو الثاني.

(3) - تم نقض قرار الحكم من قبل محكمة (كيوتو) في عام 1291، فلجأ (تاميسوكي) الابن إلى تقديم دعوى أخرى مضادة، انتهت أخيرا لصالحه لما بلغ ال (50) من العمر.

(4) - كان الصراع مع (تاميوجي) ابن (فوجيوارا نو تاميي) من الزوجة السابقة ووريث أسرة (ميكوهيداري)، فطعن في وصية والده حول الإرث. وقد ورد وصفا وافيا لهذا النزاع القانوني الطويل والمعقد في (مذكرات ليلة القمر ال 16 – نحو 1280 م) ل (أبوتسو). للمزيد من الإطلاع، ينظر (كارولينا نيجري، إيزايوي نيكي: تاريخ تراث متنازع عليه في فترة كامورا 1185 – 1333) المنشور باللغة الإنكليزية في:

Annali de Ca ‘ Foscari Serie orientale. 56 (56)، June 2020

(5) – ينظر:

Edwin O. Reischauer، The Izayoi Nikki، Harvard Journal of Asiatic Studies، Vol. 10، No. 3 / 4 (Dec.، 1947)، pp. 255 – 387.

(6) – للمزيد من الاطلاع، ينظر:

1 - Cristian Laffin، Rewriting Medieval Japamese Women: Politics، Personaloty، and Literary Production in the Life of Nun Abutsu، University of Hawaii Press 2023.

2 - Steph Chun، Politics، Personality، and Literary Production in the Life of Nun Abutsu، University of Hawaii Press 2013

(7) – صنعت الوسائد في اليابان القديمة من أكياس قماش محشوة بمواد طبيعية متوفرة كالقش المجفف وألياف النباتات والقصب، ثم أستخدمت قشور الحنطة السوداء (سوباكاوا) لتوفير الصلابة والتهوية وللمحافظة على تسريحات الشعر.

(8) - كتبت (أبوتسو) قصيدة الوداع هذه بعد أن حسمت أمرها، وقررت أن تترهب لخدمة بوذا للمرة الأولى، وكانت في ريعان الشباب، وبسبب قصة غرامية فاشلة مع نبيل رفيع المستوى خلال عملها لأول مرة في منزل (أنكامونين) على مقربة من (كيتاياما)، فقصت شعرها حتى وصل إلى كتفها، أي على طريقة سيدات بلاط (هييان)، واحتفظت به داخل ورقة ووضعته في صندوق أدواتها الشخصية. ثم توجهت إلى دير بوذي على أطراف المدينة مغمومة مكسورة الفؤاد. ينظر:

Donald Keene، Diaries of Kamakura Period، Japan Quarterly، Vol. 32، No. 3، July – September 1985.

(9) - من كتابها الموسوم (مذكرات القمر المتضائل – إيزايوي نيكي)، ومن ترجمة الأكاديمي والدبلوماسي والباحث في تاريخ اليابان (د. إدوين أولدفادر رايشاور) (1910 – 1990).

(10) – الوقواق: طائر صاخب ومخادع بحجم الحمامة تقريبا، يتطفل على أعشاش الطيور الأخرى. منه (26) نوعا، مثل السوندا والشاحب والهندي.

(11) – وتشمل أيضا (كوداي نو كيمي، دايني نو سانمي، كوناي كيو، تانغو غيشومونين، هاتشيجو إن تاكاكورا) وغيرهن من شاعرات فترتي هييان وكاماكورا. وتمثل اعترافا بأهمية الشاعرات في الأدب الياباني الكلاسيكي والشعر على وجه الخصوص.

يُقدّم الكاتب والشاعر الفرنسي خالد الذكر الفونس دي لامارتين (21 تشرين الاول 1790 - 28 شباط 1869، في روايتيه الهامتين، "جزيلا"، أولا، و"رفائيل" لاحقا، رؤية دافئة للحب الإنساني الراقي، يزيد في أهمية ما يقدمه.. وفي قيمته أيضا، انه اعتمد في كتابته لهاتين الروايتين على تجربته الذاتية.. تلك التجربة التي ابتدأت سخونتها تزداد رويدا رويدا حتى انتهت الى جمرة، تحرق اليد وتشعل الروح.. بنار الفقد والحرمان من اجمل ما خلق الله.. المحبة على هذه الارض.

لامارتين شاعر فرنسي عرف بانه من اهم شعراء الحب والرومانسية، ولد في مدينة لاكان الفرنسية عام 1790 ورحل عن عالمنا عن عمر ناهز التاسعة والسبعين عاما. كتب الشعر وله فيه عدد من المجموعات أهمها " التأملات"، كما كتب الرواية وله فيها روايتان كما سلف، تحدث فيهما عن حبه المتقد المشبوب.

سبق وقرأت هاتين الروايتين وعاودتني الرغبة في قراءتهما مؤخرا، فقمت بقراءتهما واحدة اثر الأخرى. ابتدأت بقراءة الرواية الأولى "جزيلا"، بترجمة إبراهيم النجار، وقد صدرت في أواسط الثلاثينيات، بعدها قرات رواية رفائيل"، بترجمة احمد حسن الزيات، علما ان مجيد غصن قام بترجمة هذه الرواية مجددا، وقد قدمتُ قبل فترة، محاضرة عنها في المعهد الفرنسي في مدينتي الناصرة، قارنت فيها بين الترجمتين. فرأيت ان الزيات قدم ترجمة اعتمد فيها على تمثل الحالة اللغوية الروائية وقام بعدها بتعريبها، وكأنما هي كتبت بلغة عربية جزلة، في حين كانت ترجمة مجيد غصن اقرب الى ما تكون الى النص المترجم المتبع حاليا فيما يقوم اخرون بترجمته من لغات أخرى الى لغتنا العربية.

يَتّبع لامارتين في كتابته لكل من هاتين الروايتين أسلوبا مميزا يركز على التطور البطيء للحدث، لكن الغني في تفاصيله ووصفه للمشاعر، لهذا ليس من السهل تلخيصهما، اما فيما يتعلق بالحدث الروائي ذاته فان مؤلفهما، يحكي في جزيلا عن رحلة الى إيطاليا، قام بها أيام شبابه الاول، وتعرف خلال رحلته هذه على جزيلا، ابنة الصياد الفقير، التي ستقع في هواه، بسبب طيبته وايجابيته في التعامل معها ومع عائلتها، وبسبب انسانيته الدفاقة. تتعلق جزيلا بالراوي، مع علمها انه لن يرتبط بها لبعد الشقة بين عائلته الغنية وعائلتها الفقيرة. وتنتهي الرواية نهاية محزنة مؤسية تتمثل في الفراق الابدي بين اثنين، رجل وامرأة، كان بالإمكان ان يعيشا قصة حب فريدة من نوعها. لكن بدل ان تنتهي هذه القصة الى التواصل والوصال، تنتهي بالفراق، لهذا تحقق نوعا من خلود .. امه الشوق وابوه التوق الابدي.

في روايته الثانية" رفائيل"، واذكر بالمناسبة ان طبعة منها صدرت في بلادنا، قبل العشرات من السنين، وقيض لي ان اطلع عليها في حينها وان اقراها، فان الحدث الرئيسي فيها لا يفترق كثيرا عن الحدث الرئيسي في جزيلا، فهي تحكي قصة حب ملتهب بين شخصية عظيمة يقوم بتقمصها، والتعامل معها على اعتبار انها قناع روائي، هي شخصية الفنان العالمي العظيم، رفائيل، وبين امرأة قست عليها الحياة فاقدتها الام والأب، والقت بها في ميتم للأطفال في ضائقة. في هذا الميتم، او الملجأ، تتعرف على واحد من رجال العلم يكبرها بخمسة اضعاف عمرها، كما تخبر رفائيل في بداية تعرف كل منهما على الاخر، هذا الرجل لا يهمه شيء سوى سعادتها. وعندما يشعر بضيقها الذي سرعان ما يتحول الى معاناة صحية، يرسل بها لتقيم في بلدة سافوا الفرنسية، وهناك يلمحها رفائيل، القادم من باريس العاصمة، ويأخذ في تحين الفرصة للقاء بها. القدر لا يبخل عليه بهذا اللقاء المتمنى، فيتصادف ان تواجه عاصفة قاربا يقلها، فما يكون من رفائيل الا ان ينقذها. هاتان الشخصيتان، يقع كل منهما في هوى الآخر. وتتطور الاحدث الى ان تقوم تلك المرأة المحبوبة بإبعادة عنها، بادعاء تلفقه، ليتبين لنا، نحن القراء في نهاية الرواية، انها انما أبعدته عن معاناتها في ايامها الأخيرة وتقضي هذه الحبيبة ليعيش رفائيل مأساة حياته بفقده الفادح لها. 

كما قلت في كل من هاتين الروايتين، مواقف تسمو فيها احاسيس كل من العاشقين المدنفين المتيمين، الى افاق عالية شاهقة. تبحر في افاق الإنسانية العامة، وتقدمان كما سلف صورا مبهرة للحب الرومانسي الطاهر الحنون. روايتان تدفعان من يقرأهما لأن يتفاعل مع احداثهما، وكأنها تقع الآن وهنا.

***

بقلم: ناجي ظاهر

يعتبر الكتاب الأول في حياة الكاتب الصحفي او الاديب اشارة بانطلاق مسيرته الإبداعية، ونقطة تحول في عطائه، وفيه تظهر موهبته، أسلوبه، وقدرته على التعبير، وتحديد هويته الابداعية، ويعكس نضجه الفكري، ويعزز ثقته بنفسه، ويفتح له الأبواب نحو عوالم القراءة والتأليف الأعمق والأكثر نضجا في لاحق السنين.

لقد لمستُ فرحا كبيرا، لدى اخي وزميلي حاكم الشمري، وهو يعلن اصدار مولوده البكر، كتاب (إمضاءات على جدار ابيض) الذي ضم مقالاته واعمدته الصحفية المنشورة في الصحف والمجلات المحلية والعربية.. وهذا الفرح يزدهي بطموح، يتماهى مع إصرار الصديق الشمري على تقديم ابداعات ثرة بمختلف الاتجاهات الفكرية والاعلامية الساعية الى معالجات في البيئة والاقتصاد والتعليم والاسكان والصحة والاستثمار وتشجيع الدفع الالكتروني وغيرها من امور الحياة .

لقد سعدتُ فعلا، وانا اطالع 184 صفحة، وهي عدد صفحات الكتاب، الذي تزّين بتصميم صحفي جميل، وخطوط فنية وحروف مريحة للعين، حيث لاحظت الوضوح، والجاذبية، والعمق التحليلي، والموضوعية، والاتصال المباشر بالقارئ عبر تقديم رؤية مدعومة بحقائق اجتماعية معاشه، مع إتقان اللغة والأسلوب، وامتلاك الحساسية الصحفية من خلال القدرة على ربط كتاباته بحياة القراء بمختلف اوجههم، كونه يحسن اختيار المواضيع ذات الصلة المباشرة بحياة المواطنين أو تلامس اهتماماتهم العامة، بمقدمات جذابة، حيث يعرض الفكرة بأدلة وشواهد، وخاتمة تستخلص الرؤية أو تقدم النصيحة، وبأسلوب مباشر وموجزة متجنبا التعقيد، جاذبا القارئ لمتابعة كتاباته.

بشكل عام، اقول ان العمود الناجح هو الذي يترك أثراً لدى القارئ، يجعله يفكر، ويتفاعل، ويشعر بأن الكاتب يخاطبه شخصياً بصدق وعمق، مع الحفاظ على إطار مهني دقيق، وهذا ما اكد عليه الزميل الشمري في كتابه الصادر مع بداية السنة الجديدة 2026

***

زيد الحلي

الشاعر "كزار حنتوش" واحد من الشعراء القلائل الذين لا تكتفي بقراءة أشعارهم مرة واحدة، ذلك أنك تكتشف عمقها وجمال لغتها وصورها الشعرية مع كل قراءة جديدة، الأمر الذي يحفز القارئ على العودة إليها بين فترة وأخرى، فهي أشعار غنية بالمعاني والاستعارات الموفقة، بعيدة عن التعقيد، كما ان جمالها ظاهر للقارئ لا يتطلب مجهوداً في فك طلاسمها والتأمل العميق في رموزها واستعاراتها، وهذه واحدة من سمات الأشعار الخالدة.

(أيامي ذهبت) واحدة من قصائد الشاعر "كزار حنتوش" التي ضمتها أعماله الشعرية الكاملة التي صدرت مؤخراً عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، بمناسبة ذكرى رحيله التاسعة عشرة، وكنتُ واحداً من المساهمين في إعدادها ومراجعتها، وهذه القصيدة تبدو في ظاهرها قصيدة ساخرة، لكنها تخفي في طياتها الكثير من المرارة والمفارقة لما آلت إليه أيام الشاعر وأيام العديد من العراقيين، قصيدة تزدحم فيها الصور الشعرية المتضادة، والتهويمات الجميلة، والتشبيهات الموفقة التي لا يجيد قنصها وصياغتها إلا شاعر يعرف أسرار المفردة وحسن توظيفها، حيث يصف فيها الشاعر كزار حنتوش أيامه التي ذهبت بكل ما فيها من خيبات وغيم وصحو، وقد حاول من خلال أداة التشبيه (مثل) أن يقرّب الصورة بينه وبين محيطه، محاولاً إظهار قوة العلاقة بين الطرفين . وقد شاع في الشعر العربي القديم والحديث أسلوب التشبيه بأدواته المتعددة ؛ فالسياب -مثلاً- استخدم في قصيدة (عرس في القرية) أداة التشبيه (مثل) أكثر من عشر مرات، منها قوله :

مثل حقل من القمح عند المساء من ثغور العذارى

 تعبّ الهواء حين يرقصن حول العروس منشداتٍ:

 نوارُ اهنئي يا نوار حلوةٌ أنتِ مثل الندى يا عروس

ولكن ما يميز الشاعر "كزار حنتوش" عن غيره في استخدام هذه الأداة أنه وظفها في القصيدة بلغة بسيطة لا تكلف القارئ الكثير من التأمل، كما اختار لها صوراً من الحياة اليومية تقترب من معنى الوصف لا المقارنة. وعلى الرغم من تكرار هذه الأداة في القصيدة، إلا أنك لا تشعر بالملل، إنما تستأنس بإيقاعها وهي تلتقط رديفها من الواقع. وقد اخترتُ هذه القصيدة نموذجاً لتأكيد ما ذهبتُ إليه في مقدمتي.

***

ثامر الحاج أمين

.......................

(أيامي ذهبت)

 كزار حنتوش

 مثل الصيف، مثل شيوعي في "جيبوتي"، مثل مغنٍّ في الديوانية، مثل الليل، مثل "العبدو" *، مثل حياء لا يعرفه أحد هذي الأيام، مثل صديق ينوي أن يقذف جسمك في بالوعة، مثل شمال ما فيه جنوب، مثل حصان يتشمس تحت مظلة إقطاعي، مثل فلسطين، مثل غداء تحت جسور العشار، مثل سعدي الحلي، مثل سماء أخرى، مثل الجندب، مثل "البزون" الجائع، مثل محب في ناحية "الدغارة "، مثل المتنبي، مثل طريق يسلكه بدوي، مثل الشمس في ليلة عيد، مثل تمور تشرى في البصرة، مثل عناق ضرير، مثل الفقمة، مثل الغمة إذ يأذن الرب لها فتفتك بالأمة، مثل العمة إذ يتزوجها رجل لا يعرف فمه من خشمه، مثل الديوانية، مثل صديق يبتاعك سراً أو جهراً، مثل البانزين، مثل كهرباء الديوانية، مثل ممثلنا في المجتمع الوطني، مثل الخبز، مثل القط، مثل الفأرة إذ لا يأكلها أحد، مثل الأدباء، مثل جميع الناس.. أنا مهجور ومطارد ووحيد.

***

.................

* العبدو: من صعاليك الديوانية

 

من منا لا يعرف أمير الشعراء أحمد شوقي؟ فقصائده وأشعاره في المقررات المدرسية يدرسها الطلاب ويمتحنون فيها ولكن كثير منا يجهل أن هذه الشخصية المثقفة المتقنة للفرنسية والمطلعة على الآداب الأجنبية هي روائية أيضا أبدعت في فن الرواية وكتبت خمس روايات استلهم فيها التاريخ الفرعوني وجاءت على هذا الترتيب التاريخي..

أولا: رواية "عذراء الهند"

فحسب الكاتب محمد عبد الرحمن "نشرت هذه الرواية أولاً على حلقات فى جريدة الأهرام عام 1897م، ثم صدرت طبعتها الأولى فى كتاب فى نفس العام، عن مطبعة الأهرام بالإسكندرية. تقع الرواية فى ثلاثة أقسام، يتضمّن الأول منها 7 فصول، والثانى 12 فصلاً، والثالث 7 فصول، وصدّرها بإهداءٍ إلى الخديوى، الذى كان شوقى حينها موظفًا فى ديوانه.

 وهي رواية غرامية غريبة السرد تنتهي وقتها إلى زمن رمعسيس الثاني المعروف سيزو وستريس أحد فراعنة مصر الأقدمين

ثانيا رواية "لادياس":

وهي رواية نثرية تاريخية تدور أحداثها في عهد الفراعنة في زمن “البرياس" ضمّن شوقى هذه الأحداث فى روايتين، الأولى منهما "لادياس"، نشرها أولاً على حلقات فى مجلة "الموسوعات" من 6 أكتوبر 1898م، إلى 26 أبريل 1899م، وظهرت الطبعة الأولى منها فى كتاب عام 1898م عن مطبعة الآداب والمؤيد.

ثالثا: رواية "دل وتيمان":

جزء ثانٍ متمّم لأحداث "لادياس"، ونشرت فى "الموسوعات" من 1899م، إلى 1900م وظهرت طبعتها الأولى فى كتاب عام 1899م، عن مطبعة الآداب والمؤيد بمصر، ثم أعاد الباحث محمود على نشرها فى حلقات فى مجلة الإذاعة والتلفزيون من 16 أكتوبر 1983" (1)

رابعا: شيطان بنتاؤور”:

"أخرج شوقي هذه الرواية عام 1901م وتختلف هذه الرواية عن رواياته الأخرى في كونها وكيانها. اعتمد شوفي فيها على الحوار بأسلوب مقامات الهمذاني والحريري. يدور الحوار في هذه الرواية بين طائر الهدهد الذي يرمز إلى شوقي نفسه وطائر النسر الذي يرمز إلى بنتاؤور، شاعر مصر الفرعوني القديم

خامسا: "ورقة الآس”:

أخرج شوقي هذه الرواية عام 1905م وهي الرواية العربية الوحيدة من بين رواياته الفرعونية. ترجع أحداثها إلى العام 272م. وقد أخذ موضوعها من التاريخ العربي قبل الإسلام. تدور أحداث الرواية حول غدر “النضيرة” وخيانتها لوطنها ودولة أبيها أولا ثم محاولتها مع خيانة زوجها “سابور”."(2)

فيمكن عزيزي القارئ أن يبدع الشاعر أيضا في مجال الرواية فهو يملك اللغة الراقية والأسلوب الأنيق والثقافة الواسعة والخيال الخصب فالانتقال من فن الشعر إلى السرد ليس بالمستحيل على من يملك المؤهلات اللازمة والرغبة المشتعلة وعندنا في تاريخنا المعاصر شعراء أبدعوا في مجال الرواية..

***

الكاتب شدري معمر علي - الجزائر

..........................

المرجع

1- محمد عبد الرحمن، أحمد شوقي روائيا، اليوم السابع.

2- د. معراج أحمد المعراج الندوي، أحمد شوقي وإبداعه في مجال الرواية، موقع أقلام الهند.

التداخلات بين الممارسات الفنية.. تهجين التقنيات التقليدية والتكنولوجيات الحديثة

تجربة فنية فريدة تبرز هوية ضحى علية البصرية

تُعدّ الفنون التشكيلية مجالًا للإبداع والبحث، قائمًا على تساؤلات متصلة بالذات والهوية. فهي تنبني على مقاربة استكشافية تهدف إلى النفاذ إلى جوهر الأشياء، والكشف عمّا هو كامن في الرؤية الداخلية للفنان، بين الإدراك والخيال وتأويل الواقع. وتقوم هذه المقاربة على قراءة تحليلية للعالم، بعناصره وأشيائه، بما يبرز خصوصياتها الطبيعية والجمالية الحاملة للمعنى والقيمة والدلالة.

وعليه، يتجلّى الفن بوصفه وسيطًا تعبيريًا وتأويليًا ينفتح على عوالم من الدهشة والمعنى، ويؤسس لحقل من الإمكانات المتعددة. كما يتجسّد من خلال صيغ إبداعية وتشكيلية نابعة من رؤية فنية خاصة، قوامها الإدراك الحسي والتأمل الباطني، أي رؤية العين الداخلية لا مجرد الرؤية البصرية الظاهرة.

تظهر التجربة كعنصر حيوي وديناميكي في الذات الفنية للفنانة ضحى علية    الدكتورة والباحثة في تكنولوجيات الفن والتي تدرس بالمعهد العالي للفنون والحرف بمدينة سليانة ، موجهة إياها نحو آفاق الخيال والابتكار. هذا المسار يتضمن مراحل بحث دقيقة، تقوم خلالها الفنانة باستكشاف هياكل جمالية في تطور مستمر، مع توظيف سرديات متعددة ومتنوعة. ولا يقتصر هذا النهج التجريبي على الاستكشاف الشكلي فحسب، بل يشمل أيضًا تأملًا عميقًا في العلاقات بين الإرث الفني، والإدراك الشخصي، والحداثة التكنولوجية، مما يؤدي إلى ظهور أشكال جديدة من اللغة البصرية.

وفي هذا السياق، تُعد تجربة الفنانة والدكتورة ضحى علية مثالًا واضحًا. تهدف منهجيتها الجمالية إلى تطوير تعبيرية فنية فريدة، تتجاوز مجرد الإتقان التقني لتسائل وتعيد تعريف الحدود بين التقليد والابتكار. وتبرز هذه التجربة الإمكانات الكامنة في التزاوج بين التقنيات التقليدية، مثل التصوير الفوتوغرافي والرسم، والابتكارات التكنولوجية، بما في ذلك الفنون الرقمية والذكاء الاصطناعي. وتتيح هذه العملية التهجينية إنتاج أعمال متجذرة بعمق في المهارات التقليدية وفي الوقت ذاته متجهة نحو أشكال جديدة من الإدراك والتجربة الفنية.2285 duha

علاوة على ذلك، يفتح هذا النهج مساحة للحوار بين الفنانة والوسائل التقنية المتاحة، موضحًا كيف يمكن للتكنولوجيا أن تعزز وتوسع الإبداع التقليدي دون أن تحل محله. وبذلك، يبرهن الفن المعاصر على قدرته على خلق تجارب جمالية جديدة، حيث يصبح استكشاف الخفي والكامن والمحتمل محورًا أساسيًا، وتتحول كل عمل فني إلى فضاء لقاء بين الخيال والابتكار والذاكرة الفنية.

منذ طفولتها، أظهرت ضحى علية شغفها تجاه الفن. كانت مفتونة بالألوان والأشكال والتعبير الإبداعي، في سن الثامنة عشرة، حققت هذه الشغف من خلال إطلاق مشروعها الفني الأول، وهو لحظة محورية أكدت دعوتها للفن. مقتنعة بأن الفن يحتاج إلى معرفة راسخة، اختارت بعد ذلك متابعة دراسات أكاديمية في الفنون الجميلة، لتطوير مهاراتها وتوسيع آفاقها الإبداعية. ومنذ ذلك الحين، يعكس كل مشروع تقوم به حسها الشخصي

يمتاز مسار الفنانة ضحى بروح البحث والفضول والابتكار، حيث يتغذى الفن والإبداع من التفاعل المستمر بين شغفها الفني العميق وخبرتها الأكاديمية الواسعة. منذ عام 2005 وحتى يناير 2026، شاركت ضحى في العديد من النشاطات الفنية وقدمت عدة معارض شخصية وجماعية، مؤكدة حضورها في المشهد الفني المحلي والدولي.

من بين أبرز مشاريعها معرض "صمود"، الذي يعكس قدرتها على الجمع بين التعبير الشخصي والانخراط الاجتماعي والسياسي. في هذا المشروع، استخدمت ضحى تقنيات متعددة تجمع بين التصوير الفوتوغرافي والتقنيات الحديثة إلى جانب استغلالها للذاتية في صورها الذاتية للتعبير عن معاناتها الداخلية أمام مشاهد الإبادة الجماعية، مقدمةً تجربة بصرية وعاطفية قوية للمشاهد. ويشكل هذا الحوار بين الخصوصية والذاكرة الجمعية الخط الفاصل في أعمالها، حيث تصبح كل لوحة جسرًا بين العاطفة والتفكير.

بالإضافة إلى معارضها الشخصية، عُرضت أعمال ضحى في فعاليات دولية، مثل مشاركتها في تركيا وفي رواق باريس ضمن معرض "إشراقة تونسية"،2026 ما عزز حضورها واعتراف الوسط الفني الدولي بها.

كما يتميز مسارها بانخراطها القوي في البحث الأكاديمي والفني، حيث تشارك في مشاريع علمية وتدير ورشًا فنية، ساعية دائمًا إلى خلق جسور بين الابتكار التقني والتعبير الفني. وهكذا، تجسد ضحى توازنًا رفيعًا بين الحس الفني والإتقان التقني والانخراط الفكري، وهو ما ينعكس في جميع مشاريعها، سواء كانت فردية أو جماعية، فنية أو أكاديمية.

***

شمس الدين العوني

 

حين أمسكتُ القلمَ أوّل مرّة، لم أرَ في يدي أداةً صامتة، بل شعرتُ أنّني أقبض على مفتاحٍ سريّ، يفتح أبواب عوالم لم تكن قد خُلِقت بعد إلا في خيالي، عوالم لا تُرى بالعين ولا تُلمَس باليد، بل تُستحضَر بالدهشة وحدها. لم أمدّ يدي نحو نجمةٍ بعيدة، بل أمسكتُ قلمًا، وبجرّةٍ منه رسمتُ سماءً كاملة، تتدلّى فيها النجوم كحروفٍ مضيئة، كلّ نجمةٍ حرف، وكلّ حرف نافذة تُطلّ على صمتٍ عميق، وعلى أسئلةٍ مؤجَّلة تنتظر شجاعتها لتُقال.

هناك، في تلك اللحظة الأولى، أدركتُ أن الكتابة ليست مرآةً تعكس الواقع فحسب، بل فعلُ خلقٍ خفيّ، وانتزاعُ معنى من الفراغ، ومحاولةٌ إنسانيّة لترتيب الفوضى الداخلية بالكلمات. أدركتُ أن القلم، بين أصابعي الصغيرة، كان أكبر من خشبٍ أو معدن، كان جسرًا هشًّا ومتينًا في آنٍ واحد، أعبر به نحو ذاتي، وأحاور عبره ما لم أجرؤ يومًا على النطق به، وأمنح للصمت مكانًا آمنًا قبل أن يتحوّل إلى كلام.

ومنذ تلك الجرّة الأولى، لم يعد الورق الأبيض صفحةً فارغة، بل صار بوابةً مفتوحة على احتمالات لا تنتهي، أرضًا بكرًا تنتظر أثر الخطوة الأولى. صار كل سطر أكتبه حياةً وُلدت من صمتٍ طويل، وكل نقطة توقّف لحظةَ تأمّلٍ لا تقلّ عمقًا عن الكلام، وكل كلمة خطوةً معلّقة في السماء التي رسمتها يومًا بقلمٍ صغير، ولم أزل أوسّعها كلما كبرتُ، كلما فهمتُ أكثر، وكلما آمنتُ أن الكتابة ليست هروبًا من العالم، بل طريقة أخرى للانتماء إليه.

***

د. صابر الحميدي

 

الآن، وقد وضعتُ الحربَ مع قلبي أوزارها، وأطفأتُ في صدري قناديلَ الانتظار التي كانت تشتعل بلا جدوى، أقفُ على تلالِ الوعي المتأخّر لأخاطبَ فيكِ غياباً لم يعد يوجعني، وحضوراً لم يعد يعنيني. لا أكتبُ إليكِ بروحِ الضحية، ولا بصوتِ المنكسر، بل بلسانِ الحكّامِ الذين يغادرون عروشهم حين يدركون أن الرعيّة لا تستحقّ العدل، وأنّ الأرضَ التي سُقيت من الدم قد صارت مسبخةً لا تُنبتُ إلّا الشوك.

لقد كانت علاقتي بكِ تجربةً في «علم الأخلاق» قبل أن تكون خفقةً في قلب. كنتُ أظنّ أن الحبّ هو ترويضُ المستحيل، وأنّ الصدق وحده كفيلٌ بأن يغسلَ عن الأرواح أوهامها، فقدّمتُ لكِ نفسي ككتابٍ مفتوح؛ صفحاته من نور، وحروفه من ترفّع. لم أبخل عليكِ ببيتٍ مكنون، ولا بقلبٍ مأمون، ولا بقصائدَ كنتُ أقطفها من سدرةِ الوجدان لأعلّقها على جيدكِ تميمةً من عثرات الزمان. لكنّكِ، وبكلّ برودِ الفكرة حين تموت، اخترتِ الانحيازَ للعدم. وهنا تكمن الفلسفةُ المُرّة: إنّ خيانتكِ لم تكن مجرّد استبدالِ رجلٍ برجل، بل استبدالَ قيمةٍ بقيمة. حين يترك المرءُ النبعَ الصافي ليرتوي من بئرٍ مسمومة، فهو لا يؤذي النبع، بل يؤكّد عطشه للدناءة. إنّ اختياركِ لشخصٍ يرتديه الشتات، ويسكنه الإدمان، ويقتات على الرذيلة، لم يكن طعنةً في صدري، بل إعلاناً صريحاً عن رغبتكِ في البقاء داخل القاع. هناك نفوسٌ يوجعها الطهر، ويستفزّها النقاء، لأنّها لا تجد فيه مرايا تشبه تشوّهها الداخلي. لقد علّمتني هذه الخيبة أنّ الكرامة ليست في الحصول على من نحب، بل في القدرة على التخلّي عمّن لا يستحق. كنتِ تظنّين أنّكِ تكسرين غصني، وما درَيتِ أنّني الشجرُ الذي يزداد صلابةً كلّما عصفت به الريح. أنا الذي بنيتُ نفسي من تعب الشورجة وكدّ اليمين، ومن سهر الليالي فوق الأوراق والقصائد، لا يكسرني غيابُ امرأةٍ لم تُدرك أنّ الفرق بيني وبين ما تهوى هو الفرق بين الخلود والزوال. أنا اليوم لا أنسحب انسحابَ المهزومين، بل أنسحب انسحابَ القوافل التي أضاعت طريقها في الصحراء ثم وجدت نجمها القطبي. أترككِ لخياراتكِ، ولذاك الذي تظنينه يملأ فراغكِ، وهو في الحقيقة لا يملأ إلّا حفرة ضياعكِ. أترككِ لزمنٍ كفيلٍ بأن يريكِ الفرق بين من يكتب لكِ قصائدَ بماءِ الروح ليخلّدكِ، وبين من يراكِ ممراً عابراً لنزوات الجسد الرخيصة. سأذهبُ إلى معرضي، أحمل كتبي التي هي أطفالي الحقيقيون، وسأبتسم في وجه القرّاء، ليس لأنني نسيتُكِ، بل لأنني استوعبتُ الدرس. سأظلّ أتألّم قليلاً، نعم، فالجروح العميقة لا تشفى بالصمت، لكنّه ألمُ «المخاض» الذي يسبق الولادة الجديدة. غداً، حين يبرد الرماد، وتجفّ الكؤوس، وتنكشف غُمّة الوهم، ستدركين أنّكِ لم تخسري سجاداً، بل خسرتِ «المعنى» الذي لن يتكرّر. أمّا أنا، فقد كسبتُ أعظم ما يملكه الإنسان: كسبتُ نفسي التي كادت أن تضيع وأنا أحاول إنقاذ من يعشق الغرق. وداعاً يليق بكرامتي، وسلاماً على قلبٍ عرف الحقّ فاستقام، وعرف الزيف فاستبان. إنني اليوم أعيد ترتيب فوضى الروح، لا بالبكاء على ما فات، بل بالإنصات لما هو آت. لقد كنتِ بالنسبة لي قضيّة، والآن صرتِ تجربة. والفرق بينهما شاسع؛ فالقضيّة نموت من أجلها، أمّا التجربة فنعيش بها ومن خلالها. لقد أيقنتُ أنّ الحبّ الذي لا يرفعنا إلى مصافّ النبل ليس إلّا فخّاً تنصبه الغريزة، وأنّ الروح التي تنجذب إلى الحطام هي روحٌ فقدت بوصلة السمو. كيف لي أن أقنعكِ، وأنتِ في غمرة التيه، أنّ الرجل ليس بما يملكه من دراجةٍ أو صخب، بل بما يملكه من عهد؟ وكيف لي أن أفسّر لكِ أنّ الخمر التي تملأ كؤوسهم ليست إلّا محاولةً بائسة لنسيان خواءِ أرواحهم؟ لقد اخترتِ السقوط في فخّ اللحظة العابرة، وتركتِ الخلود في قصيدةٍ لا تموت. إنّ خيانتكِ للمعنى هي التي جعلتني أراكِ الآن بحجمكِ الحقيقي؛ امرأةً عاديةً جداً، كانت تكتسب نورها من شعري، وجمالها من فيض خيالي، وحين انطفأ في قلبي وهجكِ، عُدتِ إلى سديمكِ الأوّل. أنا لا أقف هنا لأشمت، فالشّماتة خُلُق الضعفاء، وأنا من طينةٍ لا تعرف إلّا العطاء. لكنني أقف شاهداً على انتحار الذوق في عينيكِ. ستمضي الأيام، وستكتشفين أنّ الضجيج الذي يحيط بكِ الآن ليس إلّا فراغاً مقنّعاً، وأنّ الأمان الذي كنتُ أمنحه لكِ بكلمةٍ واحدة، لن تجديه في آلاف الضحكات المستعارة والكؤوس المترعة بالندم. لقد قرّرتُ أن أجعل من وجعي هذا «محراباً» للوعي. سأعود إلى الشورجة، لا كتاجرٍ يبحث عن الربح المادي، بل كإنسانٍ صقلته التجربة، فعرف أنّ الربح الحقيقي هو أن تضع رأسك على الوسادة وأنت لم تخدع أحداً، ولم تتبع هوىً يُرديك. سأشارك في معرضي، وسأهدي «جميلتي» التي في كتبي إلى كلّ روحٍ نقية لم تتلوّث بزيف العصر، أمّا أنتِ فقد سقطتِ سهواً من النسخة النهائية، لأنّ الكتاب يتحدّث عن الجمال، وأنتِ اخترتِ أن تكوني فصلاً في كتاب الضياع. أنا لا أشفى منكِ بالنسيان، بل أشفى منكِ بالفهم. لقد فهمتُ أنّ الله لا يُبعد عنّا إلّا من لا يليق بطهر مسعانا. سأظلّ أكتب، وسأظلّ أحب، وسأظلّ أؤمن بالزواج سكناً ورحمة، لكنني لن أمنح مفاتيح مملكتي إلّا لمن تعرف قدر الجوهر، ولا يغريها بريق النحاس الصدئ. أغادركِ الآن، وفي صدري راحةُ من أدّى الأمانة، وفي عينيّ كبرياءُ من لا ينحني لغير الله. اذهبي حيث شئتِ، وعيشي كما اخترتِ، لكن تذكّري دائماً: أنّ إنساناً مرّ بحياتكِ يوماً، كان يرى فيكِ السماء، ففضّلتِ البقاء في زحام الطريق وتحت عجلات العابرين. هنا تنتهي قصتي معكِ، وتبدأ قصتي مع سجاد الذي لم تعرفيه يوماً؛ سجاد القوي، المبدع، الذي حوّل كسرَ ضلعه إلى درع، وحريق قلبه إلى نورٍ يهدي به التائهين في دروب الهوى. أتممتُ فيكِ ما عجزتِ عن إتمامه في نفسكِ، ووضعتُ لهذا العبث حدّاً لا رجعة فيه. فالمروءة تقتضي ألّا نُطيل الوقوف على أطلالٍ لم يسكنها الوفاء يوماً، والكرامة تملي عليّ أن أحفظ ما تبقّى من بريق القصائد لقلبٍ يستحقّ أن تُرتَّل فيه.

لقد تبيّن الخيط الأبيض من الأسود، ولم يعد بيننا إلّا جفاء الحقيقة ومرارة اليقين. أنا ابن العمل والصبر، لا أغرق في وهمٍ لا يورث إلّا الندامة، ولا أتبع خُطىً تضيع في دروب الزنا والظنون. سأحمل قلمي وكتبي، وأمضي إلى حيث يُقدَّر صدق الكلمة وشرف الموقف، تاركاً خلفي كلّ من باع النور ليشتري العتمة، ومن استبدل السكن والطمأنينة بالضياع والشراب.

الحساب عند الله، والزمن كفيل بالرد، وأنا من اليوم حرّ من قيد التمنّي، ومنتصر بكبريائي على كلّ شعورٍ خذلني فيكِ. سأخطّ السطر الأخير في وصيّة هذا الغياب، لا عجزاً عن الكلام، بل اكتفاءً بالحق. إنّ القلوب الكبيرة حين تغادر، لا تترك خلفها ضجيجاً، بل تترك فراغاً لا يملؤه الكون أجمع. لقد وهبتُكِ من نفسي ما لم تجديه في حانات الضياع ولا في وعود العابرين، لكنّ النفس التي اعتادت على الغبار لا يُبهرها صفاء المرآة. لن أعاتبكِ على من اخترتِ، فالاختيار ميزان العقل، وأنتِ بميزانكِ هذا حدّدتِ قيمتكِ ومكانكِ. أنا رجلٌ تُبنى في ظلّه البيوت، وتُكتب في عينيه الدواوين، وتُصان في عهده الحرمات؛ وأنتِ فضّلتِ من يقتات على اللحظة الزائلة ويبيع كرامته في كؤوس الخمر والزنا. هنا تفترق المسارات إلى الأبد. فخلفي تاريخ من الكفاح والصدق، وأمامي مستقبل أُعمّره بفضيلة الصبر وجمال النجاح. سأغلق كتاب «جميلتي» وأمضي، لا لأنني فقدت الجمال، بل لأنني اكتشفت أنّ الجمال الذي لا تسنده الأخلاق خديعة لا تستحقّ الحبر.

بيني وبينكِ الآن برزخٌ من الترفّع، لا يقطعه نداء ولا يمحوه زمن. طهّرتُ يدي من أثر هذا الوهم، وسلّمت أمري لربٍّ يرى صدق النوايا ويجزي الصابرين بمثل صبرهم.

طابَ لي الخلاص، وطابَ لكِ ما اخترتِ.

***

سجاد مصطفى

 

الكتابة فوق السحاب من الأمور المحببة لي لطرد الضجر وانا جالس بين المسافرين من السياح وحيث يتكرر دوما سلوك البشر وحمى السفر بين الجميع ويمكن مشاهدة ذلك وبوضوح عند البعض حيث تراه مشدودا الأعصاب وفي حالة من الهلع احيانا عند الانتظار للصعود او النزول من الطائرة . أسافر عادة بالطائرة منذ اكثر من نصف قرن كانت اول رحلة لي على متن طائرة خطوط " طيران الشرق الأوسط " الخطوط الجوية اللبنانية من بيروت إلى بغداد عام ١٩٧٣ وبعد تلك السفرة أسافر مرات عدده سنويا.

في سفرتي هذه جلست سيدة بجانبي حيث اختار مقعد بجانب الشباك وبدأت ومنذ اللحظة الأولى متعظة وأعصابها مشدودة رغم اني حييتها قائلا " صباح الخير سيدتي" لكنها من الجنس الإسكندنافية الأشقر المتكبر ردت بامتعاض وطلبت كأنها رئيس تأمر مرؤوسيها مني تعديل جلستي على المقعد. لم أبالي بسلوكها وبقيت طول السفر مجهشة ولم أتحدث معها. الجدير بالذكر ان اي رد فعل لأمثال هؤلاء سيؤدي إلى شعورهم بالرضي لانهم تمكنوا من رؤية نتيجة إيذائهم للآخرين فهم مرضى واذا لم يشاهدوا اي رد فعل من الجانب الاخر يتأذون هم بأنفسهم جدا. يحتاجون إلى أسلوب التسقط (الدونية) وبمجرد الحديث معهم بالإنكليزية التي يتقنها معظمهم وهي اللغة الثانية في البلاد يتغير سلوكهم جذريا. ان سلوك ابناء الشمال الإسكندنافي يتغير كذلك جذريا حين يسافرون إلى خارج بلدانهم وقد ترى جارك في احدى سواحل الأندلس تراه فجاء تغير ويتحدث معك بلطف ويجاملك وكأنكم أصدقاء العمر. الجو ها هنا في المطار بارد وجليد ومدرجات المطار كحقل كبير ابيضّ والسماء ملبدة بغيوم رمادية داكنة واختفى جميع الطيور ولا يمكن روية حتى الأشجار في الغابات حيث كانت الثلوج تهطل بغزارة خلال الأيام الماضية وبدأت تهطل مع اقتراب ايام الاحتفالات بعيد الميلاد المجيد وهذا طبيعي ها هنا ونحن على بعد كيلومترات من خط القطب الشمالي حيث يكون النهار قصيرا جدا والظلام ينشر وشاحه على القسم الشمالي من الكرة الأرضية ايام الشتاء.

خط سير الطائرة بعد تركها للأجواء مملكة السويدية كانت تتجه إلى الدنمارك، ألمانيا، هولندا، بلجيكا، فرنسا ثم تعبر جبال البرانس لتتجه جنوبا إلى مدينة ڤالينسيا الإسبانية ثم نعرج على غرناطة واخيراً نصل إلى مدينة ملقا مقري في إيلافي الشتوي في الحبيبة الأندلس. الجو في اوربا في هذا الموسم عموما بارد جدا لكننا ونحن نغادر كانت المؤشر على ناقص ثلاث درجات مئوية في حين درجات الحرارة في الأندلس كانت تسير إلى حوالي عشرون درجة مئوية. إقلاع الطائرة تأخرت لان المدرجات متجمدة ووجود ثلوج على هيكل الطائرة نفسها كان يجب ازالتها قبل انطلاقها سابحة بين الغيوم. هذا الشعب الذي كان من الفقر يبيعون أبنائهم على ي ساحات المدن إلى ان تحولت المملكة بعد الحرب العالمية الثانية إلى احدى الدول الغنية فاحتاجت إلى الأيدي العاملة الأجنبية لبناء الدولة بعد ان كان الملايين منهم قد تركوا البلاد مهاجرين إلى الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة العوز المالي والفقر يسموهم اليوم المهاجرون السويديون ولهم متحف خاص بهم في مدينة بوروص الجنوبية. وهم من الشعوب الغير متدينة ودخلت المسيحية في القرن الثامن الميلادي وأكثرن من الطائفة المسيحية البروتستانية ولم تكن دخولهم الدين الجديد سهلا بل دمويا احيانا حيث كانوا يؤمنون بتعددية الالهة وإلههم الأكبر " تور"اعمي يحمل مطرقة بيده. بقى ان نعلم بان ابن فضلان كتب عن الفايكنج في سفرته ورحلاته إلى الشمال حيث وجد العديد من العملات الإسلامية في المدن التاريخية في الساحل الشرقي من السويد ورغم ان الفايكنج كانوا من التجار حيث استخدموا نهر فولكا للإبحار جنوبا ووصلوا إلى الشرق وكان السلاطين العثمانيين يستخدمونهم كحراس شخصين وفي الحروب لباسهمً الشديد وقوتهم البدنية لكن البعض منهم اتجهو غربا إلى المملكة المتحدة ونهبوا شعوبها ولا تزال آثارهم ومدنهم قائمة لحد اليوم بينما ابحر جزء منهم جنوبا الى إسبانيا وعاثوا فيه فسادا .

بقى ان نعرف بان المجتمع السويدي لا يزال يحتفظ على العديد من الإرث الثقافي والديني لهولاء الفايكنج وحتى أغانيهم في احتفالاتهم ومعروف إنسان دول الاسكندنافية بحبه وولهه الشديد لشرب النبيذ. اما ملابسهم الشعبية فبالكاد يلبسونها إلا في مناسبة سنوية واحدة فقط تسمى بعيد منتصف الصيف حيث يرقصون ويغنون في دائرة كبيرة حول عمود على شكل صليب يمثل الخصوبة. وهم عادة غير اجتماعيين فبالكاد يعرفك جارك ويسلم عليك حتى بعد مرور أربعون عاما على مجاراتك له. لكن السنوات الأخيرة ومع شدة الهجمة التي تقودها احزاب اليمين المتطرف بدأ آثار العداء لكل المهاجرين هؤلاء ممن عملوا بجد لبناء هذه المملكة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية لكن مع اختلاف طبيعة الهجرة و هؤلاء ممن قدموا في السنوات الأخيرة كانوا من المغامرين والطامعين في الرفاه الاجتماعي والخدمات الاجتماعية في دول اوربا ولم يقدموا الكثير لهذا البلد مما اصبح وجودهم وسلوكهم الاتكالي واحيانا الاجرامي الحطب لنار الحقد والفتنة التي تقودها هذه الأحزاب اليمينية القومية والسلبية والتي اجتاحت جميع دول اوربا

أخبار اليومية في جميع القنوات الإعلامية تحمل في نشراتها الإخبارية اليومية اخبار تنشر كافة الاخبار السلبية عن المهاجرين وقد ادى كل ذلك إلى تغير جميع الأحزاب السياسة وبكافة اتجاهاتها من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين سياستها نحو الهجرة والمهاجرين حيث بات ظاهرا ان بعض القوانيين التي سنت اخيرا تدور في محور التميز العلني واعتبار الأجنبي متهما حتى لو كان بريئاو لم يكن قد عمل اي مخالفة وتفتيشه في النقاط الحدودية ومن ثم مصادرة أمواله ومقتضياته مالم يثبت على امتلاكها بصورة شرعية. كما سيلغى إقامات الدائمة لمئات الألوف من المهاجرين واستبدالها بأخرى مؤقتة وحتى طردهم من البلاد. كل هذا ينعكس اليوم في المجتمع ومن سلوكيات المواطنين حيث نظرية القطيع والسلوك الجمعي.

لهذا لم أستغرب أبدا سلوك هذه السيدة الشمطاء حين وجدت احد المهاجرين جالسا بجانبها في سفرة تصل إلى أربع ساعات طيران.

لكني أقول مرددا "وعسى ان تكرهوا شيئاً وهو خيراً لكم " والى سفرة قادمة بإذن الله.

على متن طائرة النرويجية ونحن نمر من سماء مدينة پاريس العاصمة الفرنسية

***

  د. توفيق رفيق آلتونچي

2026

....................

 إشارات

ابن فضلان (٠٠٠ - بعد ٣١٠ هـ = ٠٠٠ - بعد ٩٢٢ م) أحمد بن فضلان بن العباس بن راشد ابن حماد: صاحب الرحلة إلى بلاد الترك والخزر والروس والصقالبة، المعروفة ب (رسالة ابن فضلان - ط) مبتورة الآخر. كان في أوليته من موالي محمد بن سليمان الحنفي (القائد، فاتح مصر) ثم أصبح من موالي المقتدر العباسي. وأوفده المقتدر إلى ملك الصقالبة (على أطراف نهر الفولغا) مع جمع من القادة والجند والتراجمة، إجابة لطلب بلغار الفولغا وقد بعثوا برسول منهم إلى عاصمة الخلافة يرجون العون على مقاومة ضغط الخزر عليهم من الجنوب، وأن ينفذ إليهم من يفقههم في الدين ويعرفهم بشعائر الاسلام. وكانوا قد اعتنقوه قبل عهد غير بعيد. وقامت البعثة من بغداد (في ١١ صفر ٣٠٩ هـ، ٢١ يونيو ٩٢١ م) مارة بهمذان والري ونيسابور ومرو وبخاري، ثم مع نهر جيحون إلى خوارزم إلى بلغار الفولغا في ١٨ محرم ٣١٠ هـ (١٢ مايو ٩٢٢ م) ولم يعرف خط سير الرجعة لضياع القسم الأخير من الرسالة نقلا عن: الأعلام للزركلي جبال البرانس؛ سلسلة جبال البرانس هذه هي الجبال الفاصلة بين فرنسة وأسبانية. ولما انتخب الأسبان حفيد لويس الرابع عشر ملك فرنسة ملكًا عليهم قال له جده: يا ولدي لم يبق برانس. وذلك إشارة إلى أن هذه الجبال هي الحد الحاجز بين المملكتين. وهي ممتدة من البحر المتوسط الاطلانطيكى، وبدايتها من جهة البحر المتوسط رأس «كريوس» Créus في أرض أسبانية، وهو متصل «برأس سربار» Cerbére من أرض فرنسة شمالي مرسى «بو» Port-Bou ونهايتها عند الأطلانتيكي نهر «بيداسوا» Bidassoua الذي يصب ماؤه في خليج غشقونية Gascogne وفي وسط هذا النهر جزيرة الحجال التي اصطلحت المملكتان أن تجعلها منطقة متحايدة بينهما.

للمزيد حول الموضوع يرجى مراجعة الرابط التالي؛

https://www.hindawi.org/books/36840926/29/

مادة في صفحة المثقف:

https://www.almothaqaf.com/aqlam-2/978675

يا إلهي! ما الذي سيجري؟ أشعر باقتراب القيامة إنه صباح رمادي اللون والنكهة كأن الطبيعة غاضبة حَدّ الجنون.. صفير رياح الهَيْف ينذر بالموت، والأرض عطشى متشققة تتلظى من شُحّ الأمطار وتتوسل السماء كي تُسعفها بقطرة ماء.. والشمس احتجبت خلف السُحب السوداء التي غَشَّتها.. برق ورعد بلا مطر.. بلا مطر!! تناهى إلى مسامعيي فجأة صدى أصوات غامضة لا أميزها كأنها محاورة قادمة من بين الغيوم...

- ما الذي يضنيك يا رفيق العمر؟ أرى صدرك العامر بالآهات والزفرات كأنك تحتضر.. هلمَّ إليّ غرّقني بغيثك، وفجر ينابيع قلبك ولنمطر معاً كي تهدأ النفوس وتغمرها السكينة.. فأنا أتألم معك ولأجلك..هلمَّ.. عطشي يشتاق إلى نضح السماء..

- لا.. لن أمطر يا غيمتي السمراء على الأرض الجاحدة ! كي لا تصطبغ مياهي العذبة بدماء البشر.. ألا تشاهدين ما يجري بينهم؟ يتقاتلون ويتذابحون باسم الله، وكأن الله أحل الدم والقتل!.. هل الشرائع السماوية تشرّع الظلم؟ ألا يفهمون بأنهم وحدة متصلة لو تأذى أحدهم لتألم الآخر؟؟ إنهم جزء لا يتجزأ كالبنيان المرصوص، مَثل الجسد الواحد يشد بعضه بعضا وفي توادهم وتراحمهـم وتعاطفهم، ومثل الزهور والندى والطبيعة المُتآزرة.. فالقتل لا يجر إلا القتل..

- آه يا حبيبي.. تقول الحق كل الحق إنما ما هو ذنب الأرض المتعطشة لعطائنا؟ وما هو ذنب الزهور، والنباتات، والطيور، والأعشاب؟ ستموت الطبيعة، إن لم تُغدق عليها من مُزْنك..

إن الله محبة، وقد منحنا الحب في الوجود وفي هذه السماء الفردوسية، وعلمنا الكثير من العطايا إنما البشر يغضّون الطرف عنها لأنهم لا يدركون ما يفعلون أو يدركون ويفعلونه عمدا.. لا بد من الصبر الجميل، والتسامح، واستمرار العطاء.. فهلمَّ لنمطر معاً محبة وعطاء على مدى الزمن..

- كيف لا يعرفون يا غيمتي السمراء؟ ألم يرسل الله أنبياءه ورسله لهم ليتعظوا؟ ألم يفهموا بأنه لا جدوى من الحياة إلا بالمحبة النابعة من القلوب الخالصة، وإن كل شيء على وجه الأرض زائل، وسيرحلون يوما حُفاة عُراة، ولا يبقى من آثارهم سوى ذكرى أعمالهم ومحاسنهم الطيبة ومحبتهم لا غير؟؟

- هناك منهم من يتعظ وقد مسحه النور، وهناك ما زال في الظلام يئن وليس لديه الاستعداد الكافي ليستمع إلى صوت الله لنشفق عليهم لعلهم يرجعون.. والله يُشرق بشمسه على الأخيار والأشرار، ونحن رموز لله في السماء وعلى هذه على الأرض.. دعنا نمطر ولا تيأس فبالأمل، والإيمان، والحب تُصنع المعجزات.....

- نعم يا عزيزتي يبدو أن الغضب تَملّكني وأنساني ذاتي.. كم أحبني الله بمحبتك التي لا تنضب ولا تزول.. أشكرك لتذكيري بذاتي.. كم أحبك ملء الحب.. فلنمطر معا ونُغنّي للحياة جميعا...

 ما هي إلا بضع ثواني حتى تعاظم لمعان البرق واشتدّ قصف الرعود، وبَدَت السماء لوحة ناطقة بالخير الآتي، وهطلت الأمطار بغزارة.. ففرحت الأرض، والفلاحون الطيبون، والطبيعية فرحا غامرا بهذا اللقاء الحميم.. وذهب الخوف من صدورهم وعيونهم على محاصيلهم..

فصارت الحياة جميلة وخصبة، والسماء صافية، والشمس تغازل النسيم، وارتفع صدى أصوات الناس عاليا، وهم يرددون: الله محبة.. الله محبة..

***

بقلم: سلـوى فــرح - كندا 

لاريب أن الكتابة الإبداعية، هي رحلة وجدانية داخلية، يلتقي الكاتب، من خلالها، بأعماق نفسه، ليستلهم من طيات دهاليز ذاته، وهج عواطفه الوجدانية الخلاقة.

فالعواطف هي الوقود الذي يغذي الإبداع، شجنا، او حبورا، لتاتي الكتابة، ساعتئذ، ترجمة وجدانية صادقة للعواطف، وتعببرا نقيا عنها بالكلمات.

وهكذا تكون لكل كاتب تجربته الشخصية، ومصدره الخاص به للإلهام، لتكون الكتابة تعبيرا عن خوالج الذات، وتاملاتها المفعمة بالتطلع الوجداني للكاتب.

 ولعل البعد العاطفي، والوهج الوجداني، هو ما يعزز في اعماق الكاتب، تأملاته الذاتية، التي تتفجر بالتفاعل، مع كائنات عوالمه، نتاجات ابداعية، بالإنغماس في صميم الحياة، والتفاعل مع الناس، وهو ما يغذي عند الكاتب، حس الإبداع، باستلهاماته، التي ستتفتق، عند ذاك، نصوصا إبداعية.  

وهكذا يكون البعد العاطفي، والوجداني، معين الإبداع الكتابي، من خلال الإستلهام، والتفاعل الوجداني، الذي يمكن الكاتب عنئذ، من انتاج أعمال إبداعية، تلامس بجمالها، شغاف القلوب.

***

نايف عبوش

إن الحديث عن الفنان الآشوري هانيبال ألخاص، المولود عام 1930 في مدينة كرمنشاه (على بُعد 525 كيلومتراً من طهران في غرب إيران)، يطول ويتشعب. فهو رسّام ونحات وشاعر ومترجم ولغوي، ومنتمٍ إلى عائلة آشورية معروفة.

 كان والده رابي أداي ألخاص كاتباً وشاعراً بارزاً عمل في سلك الجمارك الإيراني، وترجم الأوديسة وملحمة جلجامش من الأكّدية إلى الآشورية، وكان يتقن الفرنسية والروسية والعربية والإنكليزية والفارسية إلى جانب لغته الأم، وبدأ بتعلم العبرية قبل وفاته عام 1959. أما والدته فكانت امرأة اجتماعية مرحة، يغلب على وجهها الابتسام، وكانت تروي لابنها الصغير الحكايات الآشورية في ليالي الشتاء الباردة.

في هذه الأجواء نشأ هانيبال ألخاص، وتعلّم على أيدي فنانين ومثقفين آشوريين كبار. وفي عام 1951 سافر إلى الولايات المتحدة، فدرس الفلسفة ثلاث سنوات في جامعة لويولا بشيكاغو، ثم التحق بمعهد الفنون في المدينة، حيث أمضى ستة أعوام وحصل عام 1958 على شهادتي البكالوريوس والماجستير في الفنون الجميلة.

بعد وفاة والده عام 1959 عاد إلى إيران، وبدأ بتدريس الرسم وتاريخ الفن في مدرسة طهران للفنون الجميلة لمدة أربع سنوات. وخلال ذلك أسّس معرض جلجامش، أول معرض فني حديث في إيران، وخصّصه للفنانين الشباب تشجيعاً لهم ودعمًا لنتاجاتهم.

عاد إلى الولايات المتحدة عام 1963 ليدرّس في كلية مونتيسيللو في إلينوي، ثم أصبح رئيساً لقسم الفنون فيها. وفي عام 1969 عاد مجدداً إلى إيران ليقضي أحد عشر عاماً في التدريس بجامعة طهران، كما عمل أستاذاً في جامعة آزاد الإسلامية.2266 hapyal

التقيتُ هانيبال لأول مرة في طهران أواخر عام 1985، في منزله الواقع وسط العاصمة. كان البيت يعجّ بالأصدقاء والضيوف والفنانين والكتّاب وأصحاب دور النشر، وتغطي جدرانه لوحات وتخطيطات بأحجام مختلفة، إضافة إلى منحوتات موزعة بلا انتظام، وصحف ومجلات قديمة مرمية هنا وهناك. وقد خصص صالة كبيرة كمرسم ومستودع لمواد الرسم والنحت.

كان جليساً لطيفاً، بسيطاً بعيداً عن التكلف. ومنذ تلك الأيام نشأت بيننا صداقة متينة، صرتُ أزوره باستمرار، وأحضر أمسياته الشعرية وسرده للحكايات أو قراءته تراجم قصائد شعراء عالميين. ومع الوقت أصبح صديقاً قريباً، حتى إنه كان يقوم بالترجمة بيني وبين مثقفين إيرانيين لا يتحدثون العربية، إذ كنت حينها لا أتقن الفارسية. وقد لبّى دعوتي لحفل خطوبتي في 23 آب (أغسطس) 1986، وجاء بصحبة عدد من المثقفين الإيرانيين.

سألته ذات مرة عن كثرة زائريه والزحام الدائم في منزله، وهل يجد وقتاً للراحة. فضحك وقال:

"هذا السؤال يطرحه عليّ كثيرون. لديّ أصدقاء وطلاب من مختلف أنحاء إيران، يزورونني بين حين وآخر، خاصة في مواسم المعارض الفنية". ثم روى حادثة طريفة:

"طرَق البابَ مرةً شابٌ قدم من عبادان، وكانت الساعة الثالثة فجراً. قال إن صديقاً له أوصاه بأن ينام ليلته عندي لأن باب بيتي مفتوح للجميع، ولم أكن أعرف ذلك الصديق أصلًا! رغم ذلك أعددت له سريراً وقضى ليلته عندي ورحل صباحاً".

كان هانيبال شديد التواضع، مرحاً، لا تفارق الابتسامة وجهه، محباً لأصدقائه الكثيرين، كريماً في مساعدته للآخرين مادياً ومعنوياً.

تميّزت أعماله الجدارية الشهيرة في شوارع طهران بطابع قريب من النحت النافر، وقد برز فيها حضور الزقورات كما عرفتها حضارة وادي الرافدين، مثل زقورة أور في الناصرية. كما تناول في لوحات أخرى موضوع الانتظار، مُظهراً جموعاً غفيرة تترقب غداً مشرقاً.

أقام هانيبال وشارك في معارض كثيرة في إيران والولايات المتحدة وأستراليا. واستضافته في منتصف التسعينيات جمعية عشتار الثقافية في تورنتو، التي كنتُ أترأسها آنذاك، حيث أقمنا له معرضاً كبيراً وندوة حاشدة في مقر المجتمع الآشوري بميسيساغا، كان لي شرف إدارتها.

ركز في معظم أعماله على وجوه الناس وتعابيرها، محاولًا أن تعكس الحالة النفسية التي يشعر بها في لحظة الرسم. كما مزج بين الكلاسيكية والتيارات الحديثة، واستخدم الكوبيزم (التكعيبية) لإضفاء بعد ثالث على لوحاته، مع حرصه على أن تظل أعماله بسيطة مفهومة للمتلقي.

سعى هانيبال إلى التأثير في الناس، وخاصة الشباب، من خلال ثلاثة مسارات:

1- الأسلوب المكسيكي في الرسم الجداري.

2- الليتوغراف، أي الرسم على خامات رخيصة في متناول الجميع.

3- التدريس وإعداد الأجيال الجديدة لفهم الفن وفلسفته ومدارسه.

واهتم كذلك بعالم الأطفال، فكتب لهم أشعاراً بالآشورية، وترجم لهم قصائد وحكايات، منها الصياد والسمكة الذهبية لبوشكين ونسخة فارسية من جلجامش. كما ترجم إلى الفارسية قصائد لكارل ساندبرغ وكتاباً عن الفنان المكسيكي ماريو سيكييروس، وإلى الروسية أعمالًا لبوشكين وتولستوي، وإلى الآشورية ثلاثين مقطوعة من غزليات حافظ الشيرازي، وأربع حكايات من الأدب الكردي. وله خمسة كتب في علم الفن تُدرَّس في الجامعات، إضافة إلى أكثر من عشرة أفلام كاريكاتورية قصيرة.

ومن أبرز أعماله لوحة كبيرة عن تاريخ الآشوريين بقياس 3×5 أمتار مؤلفة من خمس عشرة قطعة.

في عام 2008 زرته مع زوجتي في منزله المتواضع بمدينة تورلوك بولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية. كان يعاني من السرطان وقد أنهكه المرض، لكن ضحكاته ومزاحه وروحه المرحة بقيت كما عرفناها، تملأ الجلسة بالحياة.

في 14 أيلول (سبتمبر) 2010 رحل الفنان والشاعر الكبير هانيبال ألخاص عن عمر ناهز الثمانين، تاركاً إرثاً فنياً كبيراً واسماً لامعاً في فضاءات الفن والثقافة والأدب الآشوري والفارسي.

***

جورج منصور

في فضاءٍ يلفّه غسقٌ أرجوانيٌ مهيب، تنبعث خيوطٌ من ضوء ذهبي دافئ من "القلب المركز" الذي يتوسط هذا الوطن، بينما يتردد في المدى صوت دقات منتظمة وهادئة تشبه قرع طبول بعيدة، تتداخل بنعومة مع حفيف أوراق الشجر. هناك..

على حدود "الوجد"، يقف السليل بوقارٍ صامت، مرتدياً درعاً صاغه من صدف وصبراً، ممسكاً بسلاحٍ فريد.. ليس سيفاً يقطع، بل هو "عهدٌ" يربط ويصون.. خلف ظهره يمتد وطنٌ شاسع المسافات، غاباته هي الذكريات المشتركة، وأنهاره هي تلك الكلمات العميقة التي لم تُقَل بعد.

لا يلتفت السليل إلى الخلف أبداً، ليس رغبةً في التجاهل، بل لإيمانه بأن حماية الداخل تبدأ دائماً من مراقبة "الآتي"، فهو يعلم يقيناً أن كل نسمة ريح باردة قد تصيب هذا الوطن بالارتجاف، فيشرع قلبه قبل كفيه لصد الريح والذود عن السكينة.

السليل:

لستُ مَلِكاً يبحث عن مجدٍ يُكتب في كتب التاريخ، بل أنا الجندي الذي يُمحى اسمه ليبقى وطنه..

إذا سكنت هي بسلام، فهذا هو تاجي..

وإذا غفت دون خوف، فهذا هو عرشي..

أنا هنا، ليس لأنني أملكها، بل لأنها تملكني.. حارساً، وفياً، وأخيراً". ..

بخطواته الواثقة يتحرك، يمسح الغبار عن بوابات الحلم، ويشعل قناديل الأمل في الأزقة الضيقة لقلبها، قبل أن يعود لمكانه المرابط عند "الثغر"، واقفاً بصلابة، عينه ترقب الأفق، وروحه مغروسة في تراب هذا الوطن إلى الأبد.

***

د. نسرين ابراهيم الشمري

النص الإبداعي، كما هو معروف، تجربة ادبية، تعبر عن رؤية وجدانية متوهجة، تثير بجمال صورها التعبيرية، تفاعلًا عاطفيا مع المتلقي. وتجدر الإشارة إلى ان أشكال النصوص الإبداعية تتنوع في صياغتها، بين الشعر، الرواية، والفن، والمسرح، وتجمع بين اللغة، والصورة، والمعنى، والتوظيف المقتدر للمفردة. ولعل ما يجعل نصًا ما جميلا، أو إبداعيا، هو ما يتجسد من جمال الحبك، وبلاغة التعبير في النص الإبداعي المنثال، كتجربة حسية، وجدانية، تستهدف إثارة مشاعر، وخيال المتلقي.

ويظل للتوظيف البليغ للمفردة، باستخدام لغة التعبير، بطريقة موسيقية مؤثرة، دورا مهما في تعزيز جمالية النص، وتوهجه، حيث اللغة، هي الموسيقى التي تحرك مشاعر الحس المرهف عند المتلقي.

وتجدر الإشارة الى ان عناصر جمالية النص الإبداعي، تتجسد في تلك الصور البيانية من خلال الاستعارة،

والتشبيه، والكناية، التي يحتويها النص، لتضيف عمقًا إبداعيا لمفردات لغة النص، رمزا، أو إيحاء، من خلال ما يمكن أن تفتحه الرموز من منافذ للتأويل، والتفكير، عند المتلقي.

ولا شك ان طريقة ترتيب الأفكار، واسلوب بناء المشاهد، ومن ثم سردها، لها دورها الفاعل، في بناء النص. فالقصيدة، والسرد النثري، معمار لغوي، لكل جزء فيهما، وظيفته الابداعية في النظم، او السرد.

وهكذا يفتح النص الإبداعي المجال، لتفاعل المتلقي، لقراءات، وتأويلات متعددة، ما دام المعنى الذي يتوخاه النص، في قلب الشاعر، كما يقال.

ويلعب التأثير العاطفي للنص في وجدان المتلقي دورا مهما في استقباله، والتفاعل الايجابي معه، فالنص الجميل، يلامس المشاعر بوهج، ويخلق تجربة مضافة عند المتلقي، لاسيما وان استكشاف حس الجمال في النصوص، يتطلب قراءة واعية، ومتمعنة للنصوص الإبداعية، وصولا الى ما يجذب المتلقي فيها.

وهكذا تكمن جمالية النص الإبداعي في قدرته على خلق تجربة فريدة لدى المتلقي، وذلك من خلال تمكنه من تجسيدها أفكارا، ومشاعر متوهجة، بطريقة مبتكرة.

***

نايف عبوش

القراءة روح الكتابة وهويتها؛ وسماؤها التي تحلق فيها!

ولا يحق لمن لايقرأ أو لايحسن القراءة أو لايحسن فهم ما يقرأ أن يمارس الكتابة ونشرها! حيث فاقد الشيء لايعطيه؛ ومن لا يتعلّم لايُعلّم!

كثيرون لا يقرأون أو لايحسنون القراءة، يكتبون ويمارسون الكتابة والنشر. ويعرضون أنفسهم كتابا وكتاباً كباراً! وهذا خلل واضح في الطالب والمطلوب؛ فالكتابة ليست استعراضاً، بل هي مسؤولية كبيرة وخطيرة، بمقدار ما تكون الكتابة كبيرة وخطيرة. نعم، الكتابة ليست استعراضا لأفكار عامة مكررة، بل هي علم وتعليم وإقناع وتأثير! وكل ذلك داخل دائرة أو معيار الحق والخير والجمال ومصاديقها ومظاهرها الحقيقية! حيث أن الكتابة مثل غيرها من الموجودات عنصر محايد ووسيلة محايدة، يستعملها البشر من أجل الحق والخير والجمال أو من أجل الباطل والشر والقبح! وهذه مبدأ أساسي للعلم والعمل يخلط فيه الخالطون خلطا كبيرا وخطيرا!

الكتابة تبدأ وتنتهي، أو ينبغي أن تبدأ وتنتهي بالحق والخير والجمال! وماذا بعد الحق والخير والجمال إلا الباطل والشر والقبح؟!

الكتابةُ قراءةٌ؛ الكتابة الجيدة قراءة جيدة، والكتابة السيئة قراءة سيئة.

القراءة فهم والكتابة بيان وممارسة ومعاناة لهذا الفهم.

النص لايكتب من فراغ؛ بل من "مكتبة افتراضية" في العقل والشعور والضمير!

وفرق كبير بين من يكتب بدمه كمايقال، وبين من يكتب بحبر وماء، حيث الدم تعتبير عن التعب والجهد والمعاناة والصدق في ذلك.

القراءة الجيدة تنقل القارئ من الرأي المرتبك الضال إلى الحقيقة الثابتة المهتدية. حيث لارأي نافعا، عند التحقيق، من غير حقيقة ثابتة أو حقائق ثابتة أو قواعد وأصول ثابتة، تعمل كمستندات ومعايير ثابتة. بخلاف ما يروجه السفسطائيون والآرائيون "السيالون" مع "السيولات" الواهمة الموهمة، حيث كل شيء عندهم سائل ومتغير، ويعرف العاقل المحقق أنه لا تغير من غير ثبات كما أنه "لا ثبات من غير تغير" كقاعدة وجودية عامة وشاملة.

القراءة المؤدبة تؤدب الكتابة، والكتابة التي لم تؤدبها قراءة مؤدبة تخرج كتابة ضالة منحرفة شاذة مهما كانت مقبوليتها الواقعية كبيرة! والأدب والتأديب يكون بمعيار الحق والخير والجمال؛ حيث أن هذا المعيار حاضر بالضرروة في كل حكم بشري أو سلوك أو موقف، ويستحيل الإنفكاك عنه! رغم الأخطاء الكبيرة والخطيرة، والخلط الكبير في تطبيقه على الأفكار والآراء والسلوكات والمواقف والحالات.

ومن فسدت قراءتُه فسدت كتابتُه!

***

جميل شيخو

الإثنين  29 / 12 / 2025

 

صدِّق أو لا تصدِّق! برغم حبّي العميق للكتابة والقراءة، إلّا أنّ الأولى تعثّرت في الفترة الأخيرة تعثّرًا لا يشبهني. كنت أكتب قبل أن أتعلّم كيف أعرّف نفسي، وأقرأ قبل أن أعرف ما الذي أبحث عنه. لكن فجأة، شعرت بشيء يُبطئ يدي، يربك الجملة، ويجعل الصفحة البيضاء أكثر اتساعًا من احتمالي. ظللت أفتّش عن السبب، أدوّر الدوائر حول ذاتي، حتى وصلت إلى اكتشاف بسيط وعميق في آن... العمر.

 نعم… العمر. ليس بمعناه الزمني فحسب، بل بمعناه الوجودي؛ حين تتقدّم بنا السنون، تَضيق الذائقة عن أشياء كانت تَسعنا، وتتّسع لأشياء لم نكن نراها. هي ليست خسارة، بل تبدّل في زاوية النظر. الإنسان الذي كنتُه بالأمس ليس هو الذي يكتب اليوم، وليس هو الذي سيقرأ غدًا. لذلك تتباطأ الكتابة، لأنّ الكاتب تغييرٌ مستمر، بينما الكتابة تطلب ثباتًا لحظة واحدة على الأقلّ.

 كنت أملّ من فكرة أنّ الإنسان ثابت في هذه الحياة. حبّه واحد، حزنه واحد، صدقه واحد، وخيانته واحدة. تتغيّر الظروف ولا يتغيّر جوهره. الحب، الصدق والكذب، الأمانة والخيانة، الكره والحنين، كلها مثل صخور قديمة ترقد في أعماقنا. ورغم تكرارها، فإنّ الحياة تصرّ على أن تقدّمها لنا كلّ مرة في قالب مختلف، كأنها تختبر قدرتنا على التلقي من جديد. وهنا تحديدًا بدأت أسأل نفسي، لماذا تضيق مساحة دهشتي؟ لماذا لم تعد الكلمات تهرب نحوي كما كانت؟

الجواب جاء من جهة لم أكن أراقبها: اتّساع الأفق. لم تعد الكتابة وحدها تكفيني، ولم يعد الأدب وحده يروي عطشي. أصبحتُ أتساءل عن النفس، عن الروح، عن وجودي هنا هل نحن قدر أم اختبار؟ هل نمشي في هذا الفلم الكوني كأننا نعرف نهايته أو كأننا سقطنا بالصدفة في أحد مشاهده؟ كلما تعمّقت في السؤال، انفتحت أمامي احتمالات جديدة، لا تُشبه تلك التي في الكتب، ولا تلك التي في الطفولة. وكأنّ الكون يهمس الأفق الواسع ليس للنجوم فقط، بل لداخل الإنسان أيضًا.

 ومع ذلك، لا أنكر أنّ جزءًا كبيرًا من الحنين يجرّني دائمًا إلى الخلف إلى أيام كنّا فيها أصغر من أن نفهم هذا الثقل. إلى السطوح في الليالي الهادئة، حين كنّا ننام تحت سماء صافية، نعدّ النجوم كأنها ملكنا، ونحلم بالوصول إلى أبعد نجم، أو أبعد مجرّة. هناك، في تلك الليالي، انكتب أول فصل من حياتي مع الدهشة. كنّا نعتقد أنّ الزمن خط مستقيم يقودنا للأمام، ولم نكن نعرف أنه دائرة تعود بنا دائمًا إلى البدايات، إلى تلك اللحظات التي ظننّا أننا تجاوزناها.

واليوم، وأنا أكتب بعد انقطاع، أدرك أنّ الكتابة تشبه العمر تتعثّر لكنها لا تتوقف. تتباطأ لكنها لا تموت. قد نبتعد عنها، لكنها تظلّ واقفة على العتبة، تنتظر عودتنا مهما طال الغياب. الكتابة ليست حرفًا يُصاغ، بل حالة وجود تتشكل في كلّ مرّة نجرؤ فيها على سؤال أنفسنا: من نحن؟ ولماذا نحن هنا؟ وما الذي نبحث عنه في هذا الاتساع الكوني الذي يُشبه صمتًا طويلًا؟

ربما كلّ ما نحتاجه هو أن نتقبّل أنّ أزمات الكتابة ليست نقصًا في الإبداع، بل علامة على أن الروح تتحرّك. على أنّ شيئًا في الداخل ينمو، يكتشف، يعيد ترتيب خريطته. وربما كان هذا التوقّف القصير هو ما يعيدني إليها الآن، أكثر نضجًا، وأقلّ استعجالًا، وأقرب إلى حقيقتي.

فالكتابة، مهما ابتعدت، تبقى الطريق الذي يعيد الإنسان إلى نفسه. والقراءة، مهما ازدحمت، تبقى الجسر الذي يربط بين عالمنا الداخلي ومساحات الكون الواسعة. وبينهما، يمشي الكاتب فوق خيط رفيع، يحاول أن يوازن بين طفولته التي كانت تنظر للسماء، ورجولته التي تفتّش عن معنى الوجود.

ما زلتُ ذلك الطفل الذي يحلم بالوصول إلى أبعد نجمة. لكنّ الفرق الوحيد أنني أدرك اليوم أنّ أقرب مجرّة ليست فوق رأسي… بل داخلي.

***

فؤاد الجشي

 

في هَدأة الصمت وسكون الروح، تشدو حروفي في أعماقي، في لحظات مفعمة بالسكينة والصدق، أعانق أثناءها روحي في لقاء أثيري للارتقاء والمكاشفة بامتياز، أنصت فيه بتمعن لخطاباتها النابضة بالحقائق والتجليات، وحواراتها الفلسفية العميقة، أتأمل همسها الشفيف عن كثب، كطفل بدأ لِتوّه بتعلم الكلام، يقف مشدوها أمام الكلمات وتردداتها الصوتية، لا همّ له سوى التقاطها لترديدها وفهم دلالاتها، لحظات ثمينة يتحين قلمي فرصة الظفر بها في عجالة، مخافة إفلاتها، ليحرز فوزا مظفّرا، كيف لا، ولم يكن يوما قلما اعتياديا، إذ لا يريق حبره ليثقل السطور، بغية افتكاك أوسمة البراعة الأدبية، أو حبًّا بالظهور، بل يفيض إحساسًا وصدقًا، لينثر نبضًا من حكمة ونور.

قلمٌ يكتب ليضيء لا ليستجدي الأضواء، قلم لا ينطفىء نوره البتّة، مهما اختلج نبضه، وارتجف حبره .

الكتابة بالنسبة لي تخرج عن إطارها المألوف، لذا فلأعترف لم يتوقف قلمي يوما عن النبض مُذ صرتُ كاتبة! بل وقبل ذلك بأمد طويل جدا، لم أكن أدرك حينها أني أحوز مَلَكة الكتابة بالفطرة، فدونما وعي مني، كنت أنتهج نهج أديبة مفكرة منذ صغري، فلم تكن تمر علي الأحداث ولا الأشخاص مرور الكرام، لطالما امتلكت نظرة ثاقبة، عقلا تحليليا وحدسًا رهيبًا، نادرًا جدّا ما يخطىء في الحكم على حقيقة ودواخل الآخرين وتقدير مآلات الأمور، وسط كل تلك الأحداث، كانت تنتابتي رغبة جامحة للتعبير عنها بطريقة ما، حتى ولو كانت لا تعنيني بالمرة، لكن بعد أن صرت كاتبة، ولحسن الحظ، غالبا ما كنت أكبت جماحها، لأسباب عدة تختلف باختلاف حيثيات المواقف، لأشعر بوخز الضمير بعدها، كوني أعتبر الكتابة في تلك المواطن واجبا أخلاقيا يتحتم على قلمي، وليس مجرد رد فعل عاطفي عارض وعابر، أو لفتة أدبية، ولمسة فنية جمالية محضة، غير ملزمة حيال تلك الأمور.

من الطرائف، أحيانا أجدُني أقول لنفسي: ماذا لو ظللتِ ممسكة بقلمك ودفترك طوال الوقت، مؤكد ستعيدين صياغة كل ما يحدث أمامك وحولك في حلة أدبية بليغة.

 يا للهول! ...

ربما كنتِ أبدعت بتأليف عشرات القصص بل روايات، وصغتِ العديد من الحكم والعبر في قالب أدبي ساحر ومبتكر، أو ربما دثرته بثوب من الكوميديا الساخرة، فلطالما امتلكتِ روح دعابة عالية، إذ تبرعين بثوانٍ معدودة في رسم ابتسامة عريضة على وجه شخص حزين، فتجعلينه يضحك وهو يمسح دموعه، ناسيا ربما لبرهة سبب مأساته وبكائه، فأنت تربكين المشاعر وتتحكمين بتوجيه دفتها بطريقة مذهلة، بالإضافة لحسك الفكاهي المميز، الذي يمكنك من تحويل أسوإ المواقف إلى طرفة، أو مهزلة كوميدية مثيرة للضحك والتهكم.

أعتقد أن هذه الملَكات أدوات قَيّمة وإضافية، تضفي على قلمي نكهة مميزة، إن استغلها بحرفية مستقبلا .

 الكتابة بالنسبة لي تجربة وجدانية ماتعة، وسلسة للغاية، يراقص فيها قلمي حروفي بانسيابية وخفة لا متناهية، ومتعة لدي يتوقف أثناءها الزمن، أنفصل فيها عن الواقع بحواسي، لألج عالما هادئا يتناغم فيه فكري مع إحساسي، لحظات سكينة يسترخي فيها عقلي وتتهادى عندها أنفاسي، فألقاني قد أطلقت العنان لقلمي دونما تصنّع أو تكلّف.

لقد أدركت بحكم تجربتي الفتيّة والمتواضعة في عالم الكتابة، أن حروفي لا ترى النور إلا في لحظات انعتاقي من الطقوس الاعتيادية للكاتب النمطي، لحظات أنزوي فيها مع روحي، أحاور صمتي، تارة سائلتُهُ أنا فيجيب، وأخرى يسألني هو، فأمتنع حينًا وأحيانًا أجيب، ومابين إجابة وسؤال نتبادل أنا وصمتي الأدوار، فيكتمل المقال.

مراحل الكتابة بالنسبة لي لا تبدأ بالتقام القلم، بل تنتهي هنالك، كخطوة أخيرة لاكتمالها، تبتدىء الكتابة عندي بالنهايات لا من البدايات! تماما كبعض قصائدي التي استهللت نظمها بآخر بيت فيها، كثيرا ما أجدُني أتطلع للإحاطة بالنهايات، لا أدرك سر ذلك، ولا أعلم أَفضولٌ ذاك أم هي رؤيتي الاستباقية للأمور، غالبا ما يحدث أن أبدأ قراءة كتاب بخاتمته، وأطالع جريدة بدءًا بآخر صفحة، كل ذلك ربما لكوني شخصية تهوى الوضوح، تنفر من التعقيد والإبهام، تمقت المنطقة الرمادية، ولا تستلطف بتاتًا الأشياء الباهتة والمنقوصة، لذا درجتُ في غالب الأمور على التركيز والبحث عن الكلّيات أوّلا، ثم التعمق في الجزئيات والاسترسال في التفاصيل، لعل مَردَّ ذلك يعود لشخصيتي الحدسية، المنتمية لنمط ذوي الأهداعف والرؤى وأصحاب النظرة الشمولية.

لقد بدأت فعليًّا أعي هويتي الأدبية ككاتبة، والتي بدأت تظهر ملامحها جليّة لي منذ قُرابة عام،

 فاكتشفت أن أجمل وأقوى ما كتبت وسأكتب، يكون حصرًا حينما أعتزل الكتابة!

 لا أشعر حقا أني كاتبة، إلا لدى هجري لدفتري وإعلان القطيعة مع قلمي، فنبضي وليد صمتي، ونتاج خلواتي الفكرية والتأملية، هنالك فقط يستمد النور ليسطع مجددا.

أنا كاتبة...

 تكتب فقط حينما تتوقف عن الكتابة!

***

زينة لعجيمي / الجزائر

 

في عالمٍ تحكمه مبادئ الليبرالية، حيث التنافس في السوق الاقتصادية الحرة بلغ أشدّه، يسعى الجميع إلى الربح وزيادة الإنتاج والمردودية. فتحوّلت الوجهة المركزية للعالم إلى من يملك أكثر، ويفكّر بأنماطٍ لا تزيد إلا من اتساع رقعة المجاعة الاقتصادية.

في مقابل ذلك، تغيب الإنسانية وتضمحلّ قيمها النبيلة. وأكبر مثال على ذلك ما يحدث في غزة من تجويع ممنهج، هدفه القضاء على الشعب الفلسطيني ومحو هويته القومية.

لماذا، أيها العالم، ألا تشعر بالخزي؟ ألا تشعر أن هناك بقعة من أرضك قد تلونت بالدماء بدلًا من زُرقة الأنهار واخضرار الأعشاب؟

ألا تشعر بالذنب، وأنت ترى آلاف الأطفال يُدفنون كل يوم دون غذاء؟ لقد أصبحت أمعاؤهم كأغصان الأشجار، متشابكةً من شدة الجوع والحرمان.

ماذا يحدث لك، أيها العالم؟ ألا تحرّك ساكنًا؟ ألا تفيض بحارك غضبًا؟ ألا تهبّ رياحك زوبعةً مدمّرة، حزنًا على ضحايا الجوع والحرب؟

ألن تستيقظ بعد، أيها العالم الواسع؟ ألن تهتزّ الطبيعة رافضةً بشاعة ما يحدث؟ أم أنك لا تستشعر آهات هذه البقعة البريئة التي دمّرها الاحتلال، وشوّه كل معلمٍ جميل فيها؟

نحن اليوم نكتب هذه الكلمات ونبكي حسرةً وألمًا على أطفالٍ جاؤوا إلى هذا العالم، فلم يجدوا فيه أبسط حقوقهم المعيشية. لم تعد للحياة ولا للطعام أي نكهة، والغزّيون يحترقون بقذائف الجوع. أليس هناك أعظم وأقسى من حربٍ نفسية كهذه؟ أن تموت ببطء، دون طعام، في أرضك، أرض الزيتون والليمون، أرض الخبز وزيت الزيتون، أرض الخير التي حُرمت من خيرها!

وأمام هذا المشهد، تُصوَّر هذه الصرخات الموجعة، ويستكمل الناس حياتهم وكأنهم يشاهدون فيلمًا مأساويًا. لا يستطيعون المساعدة، يكتفون بحجز التذاكر للمشاهدة، والبكاء إن لامس الألم قلوبهم، لا أكثر.

لكن الواقع أبعد ما يكون عن التمثيل، لأنه حقيقي، نابض، مؤلم، ينبض من صميم اللحظة.

هل جرّبت يومًا أن تشاهد فيلمًا من بدايته حتى نهايته، حيث تكون النهاية ذات طابعٍ مأساوي؟

تشعر حينها بنقمةٍ في داخلك، رغم أن ما شاهدته مجرّد تمثيل، فتجد نفسك تقول: لماذا اختار المخرج هذا السيناريو؟ لماذا لم ينتصر صاحب الحق؟

يخاطبك صوت براءة الطفولة في داخلك، بصوته الساذج : "أليس من المفترض أن يكون البطل، صاحب الحق، هو من يفوز في النهاية ويتغلّب على الشر؟"

لكن، لا يا صديقي... لا تُحمّل المخرج وحده النقمة، ولا تلُم الخيال، فالحياة نفسها في غزة باتت تسير وفق سيناريو أكثر قسوة.

في هذا العالم، هناك طبقة من البشر لا يأخذون من الإنسان سوى مظهره البيولوجي. أما في صميم قلوبهم - إن وُجدت لهم قلوب - فهي كالحجارة، أو أشد قسوة.

همهم الوحيد هو زيادة الأرباح، وتكديس الثروات، ورفع المردودية. يظهرون أمام الكاميرات والصحف بخطابات إنسانية تُستدرّ بها الدموع، ثم يُلقون بها في مجاري القمامة فور انتهاء التصوير.

وحين توزّع جوائز الإنسانية، تُمنح لهم، أولئك المتسبّبين في الهلاك، لا للضحايا.

وفي نهاية هذا الفيلم المأساوي، يموت البطل، ذاك الذي قاوم بشرف، وقارع القوى الطاغية وحده، دون خريطة، دون دليل، ودون نهاية تُنصفه .

لماذا أيها المخرج، ألا يعجبك البطل صاحب الحق، فتختار بدلاً منه الرجل الشرير، صاحب البدلة السوداء والقبعة المظلمة، ذاك الذي دعس بقدميه لعبة الرضيع الصغيرة فحوّلها إلى أشلاءٍ مبعثرة؟

أليس هو نفسه من أحرق بيوتهم وأشعل النار فيها وهم نيام، في غفلةٍ من الليل؟

أليس هو من سكب الدواء في الأرض حتى تشتدّ أوجاعهم؟

أليس هو من سرق القمح والخبز والماء والملح لتجويعهم، فتسبّب في ارتقائهم شهداء، وجعل عروقهم تيبس من شدّة الجوع، وهزلت عظامهم حتى صارت تُشبه دمى الخشب؟

لماذا، أيها المخرج؟

هل الذنب ذنبك لاختيارك نهايةً غير عادلة، أم هو ذنب العالم الذي لا يبوح بصوته، ولا يستشعر آهات الجوع والألم؟

أليس هذا العالم هو نفسه الذي تزيد خيراته الطبيعية يومًا بعد يوم؟ تُحقّق فيه الأرباح، وتُبنى المصانع، وتُنتج أجود أنواع الطعام واللباس وكل ما يحتاجه الإنسان، ثم يظل صامتًا في النهاية؟

من يتحمّل الذنب؟

هل هو الصمت العربي الذي لا يُبالي، بحجم الكارثة التي تقع في الشرق الأوسط؟

ما هذا التاريخ، أيها العرب؟

ألا يُحرجكم في مدوّنتكم التاريخية العريقة أن تتعرّض أرض فلسطين لهذا الحرمان المشروع من الغذاء، وأنتم من كنتم أهل الجود والكرم، والقدوة في القتال والحرب؟

ما كُتب عنكم في دفاتر الشعر تشهد عليه الوقائع والأحداث،

أليس محرجًا أن يواصل العدوان سياساته المستفزة على أرض الأجداد، ومنبع الديانات، بينما هناك منكم من يعرض أشهى الأطباق على صفحات "الإنستغرام" و"فيديوهات التيك توك"؟

أليس محرجًا أن يُكتب بخطوطٍ حمراء عريضة في مدوّنتكم التاريخية دماءٌ سالت من الأرض الشقيقة التي بجانبكم؟

أم أن الذنب يقع على المنظمات التي تُعنى بحقوق الإنسان منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، والتي وضعت حدودًا للقهر هي في الأصل منتهية الصلاحية، عاجزة، غير قادرة على وضع حدٍّ لأي شيء؟

أم أن الذنب يقع على عاتقنا نحن، الذين نكتب بكل أسى وحسرة وعاجزون في الآن نفسه ؟

إلى من ستُلقى شباك الذنب؟

هل على المخرج الذي اختار الفيلم؟

أم على الرجل صاحب القبعة المظلمة؟

أم على الموقف العربي؟

أم على ضمائرنا الصامتة؟

أم على المنظمات؟

أم على هذا العالم الذي نعيش فوق سطحه ويتجاهل؟

في النهاية وبعد كل هذه الأصوات الداخلية المتراكمة، تخرج من قاعة السينما تشعر بألم دفين، لأن الفيلم الحقيقي يُعرض في أرض غزة، حيث يرقد ملايين الشهداء تحت سجن الاستبداد .

***

خلود بن عبد الله - تونس

كثيرٌ مما نُسمّيه اليوم “الشعر العربي الخالد” لا يصمد، إذا نُزع من قدسيته التراثية، أمام السؤال البسيط: ما الشعر؟ أهو اللغة فقط؟ أم الوزن؟ أم القدرة على الشتم المقفّى؟ أم هو — قبل كل شيء — المعنى، والصورة، والروح التي تعبر الزمن واللغة؟

البيت القائل (للأخطل):

قَومٌ إذا استنبح الأضيافُ كلبَهمُ

قالوا لأمِّهِمُ: بُولي على النارِ

*

فتُمسكُ البولَ بُخلاً أن تجودَ بهِ

وما تبولُ لهُم إلا بمِقدارِ!

يُقدَّم في كتب الأدب مثالًا على “الجرأة” و“قوة الهجاء”، لكنه عند التفكيك ليس أكثر من مشهد فجّ، يعتمد على الصدمة اللفظية لا على الصورة الشعرية، وعلى الإهانة الغريزية لا على الدلالة الإنسانية. ولو تُرجم هذا البيت إلى أية لغة أخرى لانكشف عُريُهُ كاملًا: لا صورة جمالية، لا توتر شعوري، لا رمزية، بل سبابٌ مباشر يتكئ على ألفاظ جسدية سوقية. هذا ليس شعرًا بالمعنى العميق، بل بلاغة قبَلية غليظة تؤدي وظيفة اجتماعية آنية: كسر الخصم وإضحاك السامعين.

وهنا تبدأ المشكلة الكبرى في تقديس الشعر القديم بوصفه كتلة فنية متعالية. فالحقيقة أن جانبًا واسعًا منه كان نتاج بيئة شفوية بدائية، تحكمها العصبية، ويُكافأ فيها الشاعر لا بقدر ما يخلق من معنى، بل بقدر ما يُوجِع. فالهجاء لم يكن فنًا، بل سلاحًا، ولم يكن الشاعر في كثير من الأحيان فنانًا، بل "مقاتلًا لغويًا". ولذلك امتلأت دواوين كثيرة بأبيات لو جُرِّدت من الوزن والقافية لانحدرت فورًا إلى مستوى السباب السوقي. الشعر هنا لا يُنقّي اللغة، بل يستعملها أداة إيذاء، ولا يفتح أفقًا إنسانيًا، بل يكرّس أدنى غرائز الجماعة.

إن القول إن الشعر العربي القديم كله في مستوى رفيع هو وهمٌ صنعه التقديس اللاحق، لا النقد. نعم، وُجد شعر عظيم في الجاهلية، وُجدت أبيات تمسّ الوجود، والفقد، والبطولة بمعناها الإنساني، وبلغت بعض المعلقات درجة عالية من التشكيل اللغوي والصورة. لكن إلى جانب هذا القليل النفيس، هناك كثيرٌ غثّ، كثيرٌ لو لم يُنسَب إلى “الجاهلية” لما احتفى به أحد. إن الوزن لا يصنع شعرًا، كما أن الفصاحة وحدها لا تخلق روحًا. الشعر الحقيقي لا يُقاس بسلامة الإعراب، بل بقدرته على أن يُقال اليوم كما قيل أمس، وأن يُترجم دون أن يموت.

وحين نُمعن النظر في هذا اللون من الهجاء الفجّ، ندرك أنه مرتبط بزمنه ارتباط الوظيفة لا الجمال. هو شعر يصلح للسوق، للمفاخرة، للخصومة، لكنه لا يصلح للبقاء. ولذا فإن الدفاع عنه بوصفه قمة فنية هو خلطٌ بين التاريخ الأدبي والقيمة الجمالية. ما كان مؤثرًا اجتماعيًا في زمنه ليس بالضرورة عظيمًا فنيًا في كل زمن. ومن الخطأ أن نرفع كل ما وصلنا من الماضي إلى مقام المثال الأعلى، فالنقد لا يهدم التراث، بل ينقذه من التحنيط.

إن الشعر العربي القديم، في محصلته، ليس فنًا متجانسًا، بل ميدانًا غير مصفّى. فيه العالي وفيه السافل، فيه الحكمة وفيه السفاسف اللفظية، فيه ما يضيء العقل وفيه ما لا يتجاوز وظيفة الشتيمة. والمشكلة ليست في أن هذا الشعر وُجد، بل في أننا أصررنا على التعامل معه بلا ميزان، فساوينا بين القصيدة التي تُنضج المعنى، والبيت الذي لا يعيش إلا على قبحه. الشعر، إن لم يحمل معنى يتجاوز لحظته، وإن لم يكن قابلًا لأن يُفهَم ويُحسّ خارج لغته الأولى، فهو ليس شعرًا خالدًا، بل أثر لغوي عابر — مهما عظّمه الشراح وباركه الرواة.

***

د. علي الطائي

 

هل الشعر ما يُقال في لغته فقط، أم ما يبقى حين تُنزع عنه لغته؟

هذا السؤال، على بساطته الظاهرة، ينسف قرونًا من الاطمئنان النقدي، ويضع الشعر كلّه — قديمه وحديثه — أمام محكمة المعنى لا محكمة الوزن، وأمام اختبار البقاء لا اختبار الطرب.

إذا كان الشعر مجرّد موسيقى لفظية، فإن فقدان لغته يعني موته الفوري. وإذا كان الشعر معنى متجسّدًا في صورة، فإن اللغة ليست إلا جسده المؤقّت، أما روحه فتظل قادرة على العبور. هنا يقع الفاصل الحاسم بين الشعر بوصفه لغة والشعر بوصفه تجربة إنسانية. فليس كل ما يُطرب الأذن شعرًا، ولا كل ما يُوزن ويُقفى يملك حق الخلود.

القصيدة التي لا تُفهَم إلا داخل لغتها، ولا تُدهِش إلا من يعرف أسرار صرفها ونحوها، قصيدة هشّة. إنها تعتمد على الامتياز اللغوي لا على العمق الإنساني. وحين تُترجم — أي حين تُعرَّى من زخرفها الصوتي — تسقط فجأة، كتمثال من الجبس كان يبدو من بعيد رخامًا. هنا نكتشف أن كثيرًا مما دُعي شعرًا لم يكن سوى مهارة لغوية بلا رؤية، أو استعراض لفظي يخفي خواءً داخليًا.

أما الشعر الحقيقي، فهو الذي ينجو من الترجمة ولو خسر شيئًا من موسيقاه. قد يخسر الإيقاع، وقد تبهت القافية، لكن الفكرة تبقى، والصورة تصمد، والرجفة الإنسانية تصل. نحن لا نقرأ هوميروس اليوم باليونانية القديمة، ولا نقرأ شكسبير بلغته الأولى كما نطقها، ومع ذلك ما زال الشعر شعرًا، لأن ما يُنقَل ليس الكلمات فقط، بل التجربة، والقلق، والسؤال. ما يُترجم هنا ليس اللغة، بل الإنسان.

اللغة في الشعر العظيم ليست غاية، بل وسيلة. هي الجسر لا الضفة. أما حين تصبح اللغة هي كل شيء، يصبح الشعر أسيرها، ويموت خارجها. لذلك فإن القصائد التي لا تُحتمل إلا في سوقها الأولى، أو في قبيلتها، أو في زمنها، ليست قصائد خالدة، بل وثائق لغوية. لها قيمتها التاريخية، نعم، لكنها لا تملك الحق في الادّعاء بأنها فن إنساني باقٍ. وهذا ينطبقُ على أغلبِ الشعرِ القديم.

والسؤال هنا ليس ازدراء اللغة، بل تحرير الشعر منها. اللغة وعاء، لكنها ليست الجوهر. الجوهر هو ما يُقال عن الخوف، والحب، والموت، والخذلان، والبطولة، والعبث. هذه معانٍ لا تنتمي إلى لغة بعينها، بل إلى الإنسان. وحين يستطيع النص أن يلمس هذه المناطق، فإنه يفرض نفسه حتى على من لا يشاركه لغته.

من هنا يمكن فهم الفارق بين شعر يُحفَظ لأنه “فصيح”، وشعر يُحفظ لأنه “صادق”. الأول يُدرَّس، والثاني يُعاش. الأول ينهار خارج لغته، والثاني يتكاثر بالترجمة. الأول يحتاج شُرّاحًا، والثاني يحتاج قرّاء. وليس هذا حكمًا أخلاقيًا، بل معيار جمالي قاسٍ، لكنه عادل.

إن أخطر ما وقع فيه النقد العربي القديم — وتبعه الحديث — هو الخلط بين سلامة اللغة وقيمة الشعر. فصار النص يُعظَّم لأنه صحيح نحويًا، أو جزليّ الألفاظ، لا لأنه يقول شيئًا يستحق أن يُقال. وهكذا امتلأ التراث بنصوص صلبة لغويًا، هشة إنسانيًا. وحين نجرؤ على طرح سؤال الترجمة، تنكشف الحقيقة: ما يبقى هو الشعر، وما يسقط هو القناع.

إذًا، الشعر الحيّ ليس ما يُقال في لغته فقط، بل ما ينجو حين تُنزع عنه لغته. وما لا يستطيع العيش خارج جلده اللفظي، لم يكن شعرًا كاملًا، بل احتمال شعر. والخلود، في النهاية، ليس هدية من الزمن، بل نتيجة طبيعية لنصٍّ مسَّ الإنسان، لا أذنه فقط.

***

د. علي الطائي

 

"السلام من أرض السلام عُمان،، شقيقة العراق.. حضارة، وتاريخا، ومجدا، ودما".. هذه الجملة، كانت مدخلا في وقتي البحثية التي تلوتها في "مؤتمر الأخلاق وفلسفتها في العالمين العربي والإسلامي"، الذي أقيم في بيت الحكمة ومركز تجديد للفكر والثقافة في السابع عشر من ديسمبر 2025، ببغداد.

لم أكن قد عرفتُ العراق قبل هذا إلا من خلال الكتب والإعلام بتلون مآربه، وأحاديث الأصدقاء العراقيين المقيمين في الخليج.

عدتُ منها (وأقصد العراق)، بحقائب تزن 60 كيلو غرام، وأنا امرأة لا يستهويها التسوّق إلا قليلا! ولكن العراق حمّلتني بكثير وزن. سوار يلف معصمي صنعته لي "مِسك"، ومعطف من د. زينب ليقيني برد ليل بغداد، وجوارب وحذاء رياضي ابتاعته لي د. بشرى، بعد ان أنهكني الوقوف فوق مسماريّ حذائي البوت الطويل. والكثير الكثير من الكرزات العراقية "المكسرات" حملها لي الصديق الخلوق أ. أحمد، وكتب من الجنة، وضعاها بين كفيّ د. عبدالجبار، ود. عارف، وقهوة لذيذة من الصديق الكريم باسل، وتمر نخل العراق الذي يذوب فوق لسانك على مهل كقطعة سكر خجولة دسّها لي د. فيصل بشكل حاسم، يجعلني لا أملك دفعا ولا رفضا ولا جدال. وعلبة مناديل مزخرفه بوجوه نساء العراق لفّتها لي الفنانة د. زينب بعد أن أبديت إعجابي بالعلبة، وأنا من يأسرني الزخارف ولا أملك أمامها إلا أن أبدي الدهشة.

كثيرا ما قيل ويقال، بأننا نحن العمانيون نتصدّر شعوب العالم في اتساع الكرم ودماثة الاخلاق وحسن الضيافة. لكنني وجدتُ العراقيين يفتحون لي أبوابهم وقلوبهم وبساط يسحبونه من تحت أبنائهم ليفترشه ضيفهم. فلم يكن على أمي أن تقلق بوجودي بينهم. ولم أقلق أنا شخصيا ولم ينتابني شعور الاغتراب للحظه، وأنا أنا، من ضرب في هذه الأرض كثيرا، لكن العراق كانت مختلفة. عجبتُ من السكينة في مدينة كربلاء، ووجه بيداء الجميل الذي لا يشوبه شيء، ومن ليل في بغداد لا ينام، ومن روح قديمة تسكن بابل ليتسلل لك نورها في دهشة لم تنطفئ منذ ما يربو عن أربعة آلاف سنة.

عجبتُ لزحام الطرق الذي يناوش صبرك ولا يستبيحه. وعجبتُ من التنوع المذهل للمائدة العراقية التي يمتد عمرها منذ ألف سنة منذ العصر العباسي.

عجبتُ من دجلة الذي ينحسر وهو كظيم. ومن مساطب البسطاء أثرياء الثقافة العربية في شارع المتنبي. عجبتُ من جمال حفيدات عشتار وإنانا. عجبتُ من جيلٍ لا يعرف الموت. فجاع كثيرا دون ان يموت، ونزف كثيرا دون أن يموت، وتناول الحزن مرارا دون أن يجحد، وتداول الفقد كثيرا دون أن يعرى من انسانيته. وأقول كما قال الجواهري: سلامٌ على هضباتِ العراقِ وشطّيهِ والجُرفِ والمنحنى.

***

آية السيابي - كاتبة وروائية عُمانية

 

نبحث عن سر الخلود؟ والسر يسكن في قلوبنا.. نهرول حول الحياة..؟ ولا نرى الحياة بحد ذاتها.. نجري وراء المحبة.. وربما عبرناها ولم نلحظها.. نبصر ولا نرى.. نسمع ولا ندرك.. ونلهث في زحمة العيد ولم نتعرف على حقيقته..

فما هو العيد ؟؟ هل هو إحياء للذكرى حقا.. أم صفقة تجارية رابحة ؟هل هو تسبيح لله عز وجل أم صخب وضجيج أعمى؟.. ينابيع المحبة تتدفق في العيد عطاء.. أم شرايين الذهن تنفجر فيه قهراً!!..

أنا أصبحت في حيرة من أمري في هذا الزمان!! وأتساءل كيف فقدت الحقائق قيمتها وخسرت المبادئ سحر رونقها؟؟.. ربما هو صدأ في الفكر أو عله ألم في القلب ؟؟؟ قمة الخطورة أن يكون تأقلم اعتيادي للسير في الظلام؟؟ وغفوة أبدية في أرجوحة الوهم..

أسئلة جمة يعكسها تألق نجوم الثلج في داخلي..؟ نجوم الثلج توجد في دولة كندا.. تظهر في شهر كانون الأول خلال فترة أعياد الميلاد ورأس السنة الجديدة.. يا للروعة!! كأنها قطعة من السماء قد هبطت على الأرض.. تتعانق جبال الثلج الشامخة مع ضوء الشمس.. فيتألق النور عظمة وقداسة.. وتتلألأ النجوم الملونه بين أغصان الأشجار المتدلية من ثقل الثلوج.. فتبدوا وكأنها لوحة ناطقة تعبيرية.. الإمعان فيها يشغلنا عن هبوط درجات الحرارة الحارقة التي تتراوح مابين العشرين والأربعين تحت الصفر..  ذلك المشهد بالرغم  من سحره الأخاذ الذي يبهر الناظرين إلا انه لم يلمس قلبي ولم يشبع روحي!!!

ترى، لماذا هذا الإنفاق الهائل من الأموال والبذخ، ولماذا هذا التبهرج السطحي؟ فلو جمعت نصف الأموال التي تنفق على الزينة لأنقذت أرواح تحتضر من براثن الجوع.. وأين العدل الأرضي؟ وكيف للإنسانية أن ترفع رأسها ونزيف تناقضاتها عميق؟؟؟

يقولون هنا أن شهر كانون الأول هو شهر المحبة.. عجباً!! حتى المحبة برمجوها وحددوها في فصل خاص.. فبالرغم من جمال ليلة العيد، والهدايا، والأطعمة إلا أنها لا تقنعني لأنها تنتهي مع انتهاء الليلة.. والى اللقاء في السنة القادمة من المحبة وأنتم بخير..

وأعود بذاكرتي هناك إلى البعيد.. في الشرق الدافئ.. وللشرق سحر متميز دائما، ورونق عطر الياسمين لا يعوضه رونق النجوم الثلجية..

تلك التجمعات الكستنائية حول المدافئ في سهرات العيد.. وتلك الجلسات المنمنمة البسيطة تمنح العيد ملمسا مخمليا وأحلاماً عذبة..

لكن للأسف حتى العيد في الشرق قد تحول إلى تجارة، ومظاهر، وبراويز غير صادقة، وينفق الكثير من المال على الرسميات والعزائم، وربما أكثرهم لا يملك المال!!  لكن تماشيا مع الضغط الخارجي يرهقون جيوبهم بالديون، وقلوبهم بالأمراض، وأرواحهم تضيع بين الضجيج والازدحام والضغط النفسي العصبي.. فهل العيد دمار مادي نفسي؟؟ أم أنه فعلا تناقضات غريبة في العالم الحالي؟؟ ولابد من إيجاد حلول وسطية، ووعي عميق لفهم الأعياد..

العيد الحقيقي- من وجهة نظري- هو ينبوع محبه يتدفق شلالات تتحول إلى فيضانات من العطاء والعطف والرحمة للآخرين من غير مقابل..هو الإحساس الداخلي بالسلام.. حيث يعم القلب الصفاء والسكينة.. وهو شعور الضمير بالراحة والاطمئنان حيث يغفو الإنسان في هدوء وارتياح عذب.. وهو ابتسامة من القلب تشع على شفاه الأطفال.. وهو الإحساس في مشاعر الناس، وتضميد جروحهم بلمسات رقيقه حتى لا ينزفون بعمق.. وإحاطتهم بشال من المحبة والحنان كي يزول صقيع السنين من ديارهم التي هجرها البنفسج، وفارقها الفرح الحقيقي.. فما أجمل أن ترسم بسمة أمل على ثغر حزين.

العيد يعظم بالتسامح.. ويرتقي بالغفران.. ويحلق عاليا في صفاء القلب من كل حقد وبغض.. فكيف نضحك للعيد ونعبس في وجه الآخر.. وكيف نحب الله الذي لا نراه ونبغض القريب الذي نراه؟.. فيجب أن يكون حبه من حب الله..

المحبة بسيطة.. لا تتطلب الكثير.. رؤية واعية، تفكير سليم، قلب نظيف.. تشبع المحبة وتحيا.. وإن كان العيد هو إحياء لذكرى الأنبياء والقديسين..

فيجب الاقتداء بهم حقا وتطبيق أقوالهم المقدسة، وفهم المعاني الحقيقية، ونشر عبق المحبة احتراما لذكراهم.. فإما أن يكون العيد عيداً حقيقياً، وإما ألا يكون!! مع قليل من التوازن بين السلبيات والايجابيات في الشرق والغرب برؤية ثاقبة تعطي العيد معنى وقيمة أسمى.. وكل عام وانتم بخير ترفلون بالمحبة الدائمة.

***

خاطرة بقلم الكاتبة: سلوى فرح - كندا

 

لطالما كان الحب والألم ثنائيًا ملازمًا لي، كأن أحدهما لا يكتمل إلا بحضور الآخر، أو كأنهما خُلقا من الجوهر ذاته ثم فُصلا قسرًا في حكايات البشر.

ولأن معضلتي الوجودية وُلدت معي—ذلك السؤال الأزلي عن ماهية الأشياء، ماهية السعادة، ماهية اللحظة—كنت أفسد المتعة قبل أن تكتمل.

كنت، كلما اقتربت من لحظة صفاء، أمدّ يدي إلى داخلها لأفككها، أفتش عن سببها، عن آليتها، عن سرّها، حتى تنهار بين أصابعي.

أشبه بمن يشتري سيارة جديدة، ومن شدة فضوله وانبهاره بتصميمها، يبدأ بتفكيكها قطعةً قطعة، لا بدافع التخريب بل بدافع الفهم، ثم يقف أخيرًا أمام هيكلٍ معطوب، مذهولًا من الخراب الذي صنعه بيديه، متسائلًا:

هل كان ينبغي عليّ أن أفكك شيئًا لم أتعلم كيف أعيده كما كان؟

ولماذا استسلمت لتلك الرغبة الجامحة في التفاصيل، بدل أن أستمتع بما كان بين يدي حيًا، كاملًا، وصامتًا؟

كثيرًا ما استوقفني سؤال واحد بإلحاحٍ لا يهدأ:

هل يمكن للحب أن يوجد دون ألم؟

ولماذا ننجذب، بوعيٍ أو بدونه، إلى ما يؤلمنا؟

ولماذا نعيد التجربة ذاتها، بالطريقة ذاتها، ونحن نعرف مسبقًا أي جدار سنصطدم به، وأين سننزف؟

تعلقت هذه الأسئلة في ذهني بلا إجابة مقنعة، رغم قدرتي الهائلة على التحليل، ورغم مهارتي في إغراق نفسي—والآخرين—في فوضى فكرية، حتى قرأت لروبرت غرين  Robert Greene في كتابه "فن الإغواء" The Art of Seduction قوله إن الحب والألم مرتبطان ارتباطًا وثيقًا؛

وأن الحب لا يحدث إلا عبر شقٍّ ما، يتسلل منه الألم أولًا.

نحن، في العمق، لا نبحث عن الحب بقدر ما نبحث عمّن يهدئ ألمًا قديمًا يقيم في اللاوعي، نقصًا غامضًا شعرنا باكتماله عند الآخر، رغبات غير معلنة وجدنا لها صدى، أو حقائق مرعبة عن أنفسنا احتجنا لمن ينقذنا من رؤيتها وحدنا.

لهذا تقول الأسطورة الإغريقية إن إله الحب «كيوبيد» يطلق سهمه، فيصيب القلب بالألم أولًا، ومن خلال هذا الشق—هذا الوجع—يتسلل الحب.

وكلما اتسع الجرح، اتسعت مساحة العشق.

أعتقد أن كيوبيد زارني في إحدى الليالي المظلمة،

أطلق سهمًا واحدًا…

لكنه لم يصب قلبي.

ثم، وكأنه استاء من خطئه، أدار ظهره لي وهجرني للأبد،

وتركني معلقة في فضاءٍ معتم،

خارج نطاق الحب،

بقلبٍ لا يلتقط الإشارات،

ولا يستجيب للنداء.

***

لمى ابوالنجا - كاتبة وأديبة من السعودية

 

في كتابه الجديد (نزيف العواطف وحكايات مواقد الشتاء) طباعة مطبعة نركال/ الموصل/بطبعته الأولى لعام ٢٠٢٥.. وبتقديم الأستاذ أحمد الحاج، تحت عنوان (زعال مصطفى الجبوري.. ذاكرة المكان ولحظات التجلي).. الذي ابدع حقاً بوصفها نصوصا تنتمي لتيار مابعد الحداثة في اسلوبها وبلاغتها وصياغتها..

وفي هذا الإصدار الابداعي، وفي حكايات مواقد الشتاء، يستعيد الاديب المبدع الاستاذ زعال الجبوري أصوات الجدات، وهن ينسجن الحكايات على لهيب الفحم المتوهج في ليال يغمرها البرد والحنين، فتشتعل الذاكرة دفئا ودهشة.. وهو يعكس بحسه المرهف، ووجدانه المتوقد، تجربته عن تراث جدات ريف الديرة أيام زمان اذ يستعيد ذكريات صباه، التي عاشها معهن في مجموعة مقالات وجدانية شجية، بطابع سرديات قصصية مدهشة.. تشد القاريء للإعجاب بها والتفاعل الوجداني مع مروياتها..

 ولعل الكتاب بسردياته التراثية الجميلة، يلفت الإنتباه إلى أهمية توثيق الموروث الشعبي الريفي، بما هو هوية اصالة، وعراقة عميقة الجذور، للحفاظ عليه من الضياع بتداعيات العصرنة المتسارعة، بجوانبها السلبية، التي طالت عواقبها كل جوانب حياتنا الراهنة.. من عزلة اجتماعية، وانغماس مقرف، في مفرداتها، وابتعاد عن موروثنا الاجتماعي، والحضاري، والتراثي، الأمر الذي يتطلب تحفيز الجيل الجديد من الناشئة، للتواصل مع موروثه الاجتماعي.. في عملية ترادف جادة.. تقوم على التواصل، والإستلهام الواعي للموروث، والتفاعل مع إيجابياته، في نفس الوقت الذي يعيش فيه حياة الحداثة، التي تتسارع معطياتها بشكل صاخب، يهدد موروثنا الشعبي بالكنس، والمحو من الوجود بمرور الزمن.

كل التوفيق والتبريكات للأستاذ زعال على تأليف هذا الكتاب بسردياته الهادفة.. وبوركت مبادرة مجلة صدى الريف في تشجيعها الأدباء والكتاب، لتوثيق الموروث الريفي، ليكون في متناول الجميع، سعيا منها اتعزيز ثقافة الموروث الشعبي.. وتوثيقها والحفاظ عليها من الضياع بتداعيات ضجيج العصرنة الصاخبة بجوانبها السلبية..

***

نايف عبوش

 

الإبداع موهبة خلاقة، تتيح للإنسان الملهم، القدرة على إنتاج أفكار جديدة، وصياغة معطيات مبتكرة، يثيرها الحس المرهف للموهوب، وتأمله في ربوع المكان، في اللحظة، لتنثال عطاءات وجدانية إبداعية متوهجة، وماتعة.

ولعل الحس المرهف، بما هو القدرة على استشعار الجمال، وتفاصيل الأيحاءات الدقيقة في المرئيات، عندما يكون الإنسان متوقدا حسا، هو ما يجعله أكثر شفافية، وقدرة على ملاحظة تفاصيل الأشياء، التي قد يغفل عنها الآخرون في اللحظة، ولعل هذا هو السر الذي يكمن وراء ابتكار المبدع، أفكارا جديدة، غير مطروقة.

وتجدر الإشارة الى ان التأمل في ربوع المكان، هي عملية تفاعل وجداني مع ربوع البيئة المحيطة، الأمر الذي يتيح للإنسان المتطلع، فرصة التفكير والغوص في أعماق مرئيات أشياء، وعناصر تلك الربوع. فعندما يتأمل الإنسان في جماليات عناصر الطبيعة، يكون أكثر قدرة على رؤية، واستكناه الجمال الكامن في ربوعها، جبالا، او وهادا، او انهارا، او غابات، او فضاءات مفتوحة الٱفاق، وهذا ما يحفزه على استحضار صور لامتناهية في مخياله، ويمكنه من تطوير أفكار إبداعية، تنثال نتاجات باشكال متعددة. ومن هنا تبرز العلاقة الوثيقة بين الإبداع، والحس المرهف للمبدع، وتأملاته الوجدانية الثاقبة في ربوع المكان، وانعكاساتها المباشر في عملية استيلاد نتاجاته الإبداعية.

فلا شك ان الإنسان عندما يكون حساسا وجدانيا، ويتأمل في جماليات الطبيعة، سيكون أكثر قدرة على ابتكار أفكار جديدة، وصياغة نتاجات غير مطروقة، لنجد، على سبيل المثال، ان الفنان الذي يتأمل في الطبيعة، ويستشعر الجمال في عناصرها، ويستلهم ايحاءاته بعمق في تفاصيلها، سيكون أكثر قدرة على إنتاج أعمال فنية إبداعية، كما نجد ان الكتاب، والادباء، والشعراء، الذين يتأملون في الطبيعة، ويغوصون في أعماق تفاصيل الحياة اليومية، ويستشعرون الجمال في اروقتها، غالبا ما يكونون أكثر قدرة على كتابة، روايات، وقصص إبداعية، وقصائد عصماء، وسرديات ماتعة.

وهكذا إذن يكون الإبداع هو موهبة خلاقة، تتيح للإنسان إنتاج أفكار جديدة، ومبتكرة، في حين أن الحس المرهف، والتأمل في ربوع المكان، هما عاملان مهمان، في تعزيز، وتعميق، خاصية موهبة الإبداع، عند الإنسان .

***

نايف عبوش

في المثقف اليوم