أقلام ثقافية

أقلام ثقافية

رحلة مع الضاد بين طه حسين وأبي الفرج

ثمانية عشر ديسمبر... يوم يعانق فيه الوجدان اللغة، وتحتفي الذاكرة بأعذب الكلمات. يوم يذكرنا أننا نعيش في حضن لغة لا تشيخ، تتنفس بألف عام وآلاف. هنا، حيث تختلط حروف المعاجم بأنفاس الحياة، وتصبح الكلمة صورة لا تنسى، وأثرا لا يمحى.

تلك حكايتي مع اللغة... بدأت مع صبي أعمى القلب لكنه أبصر بعين اللغة ما لم يبصره البصراء. طه حسين... الفتى الفقير الذي حول الظلام إلى نور، والعتمة إلى بصيرة. تعلقت به منذ الصغر، حتى أنني ارتديت نظارات سوداء تقليدا له، وتمنيت لو أكون كفيفا لأجد من تقرأ لي كما قرأت سوزان له. جنون صبا كان، لكنه جنون عاقل في محراب الأدب.

اقتنيت كل كتبه، وتتبعت خطاه في قراءاته. كان دليلي إلى التراث وإلى الفكر الغربي معا. في "حديث الأربعاء" كان يمضي بي ساعة مع الحطيئة، وأخرى مع لبيد، وثالثة في صحبة كعب بن زهير. كان يأخذ بيدي إلى قيس بن الملوح، ويدخلني عالم عمر بن أبي ربيعة، ويجلسني في حضرة أبي نواس. وفي "قادة الفكر"، وقفت وجها لوجه مع سقراط وأفلاطون وأرسطو. وفي "ألوان"، تعرفت على فولتير وكافكا وسارتر.

لكن وصيته في "تجديد ذكرى أبي العلاء" هي التي رسمت لي خارطة الطريق: "ليس عليه أن يتقن علوم اللغة وآدابها فحسب، بل لا بد له أن يلم إلماما بعلوم الفلسفة والدين، ولا بد من أن يدرس التاريخ وتقويم البلدان درسا مفصلا، ولا بد له من أن يدرس علم النفس للأفراد والجماعات".

وهنا تكمن المفارقة العبقرية في رؤية طه حسين للغة: فهو الثاوي في أحضان التراث، المتيم بكتب القدماء، والمغرم بلغة الضاد، كان في الوقت نفسه داعية لتطوير اللغة وتجديد دمائها. كان يرى أن اللغة العربية "ليست أداة للتعامل والتعاون الاجتماعيين فحسب، وإنما هي أداة للتفكير والحس والشعور". لذلك لم يتردد، وهو عميد الأدب العربي، أن يقول كلمته الشهيرة في مجمع اللغة العربية عندما اعترض عباس حسن صاحب "النحو الوافي" على استخدام مصطلح "الانكماش" الاقتصادي بحجة أن المعاجم تقول "كمش الحصان أي أسرع في سيره". نظر طه حسين إليه وقال بلهجته المعهودة: "جبتها منين دي يا عباس؟" ثم لما تأكد أن الاقتصاديين استقروا على هذا الاستخدام، قال كلمته التي لا تنسى: "طز يا عباس!"

هكذا كان طه حسين... يعرف أن اللغة كائن حي، ينمو ويتطور، ولا يمكن حبسه في قمقم القواميس وحدها. كانت رؤيته متوازنة بين التمسك بالأصالة والانفتاح على التحديث، بين احترام التراث وضرورة مواكبة العصر.

ومن طه حسين إلى أبي الفرج الأصفهاني... رحلة أخرى في أعماق اللغة. ذلك الرجل الذي قضى خمسين عاما في تأليف "كتاب الأغاني"، يسافر ويستمع ويسجل، حتى تجاوزت أجزاؤه الخمسة والعشرين مجلدا. كان يستصحب في أسفاره عشرة جمال من الكتب، ولما حصل على "الأغاني" لم يكن بعد ذلك يستصحب غيره لاستغنائه به عن سواه.

سألت العلامة الراحل عبد المحسن طه بدر يوما: هل قرأت كتاب الأغاني كاملا؟ فابتسم وهو يروي لي حكايته مع الكتاب، والمقالات التي كتبها تحت عنوان "فضيحة تحقيق الأغاني". ثم قدم لي نصيحة ثمينة: "احرص على أن تكتشف الكتب بنفسك". فكانت تلك بداية رحلتي مع "الأغاني"... كتاب يختزل الحضارة العربية شعرا وأدبا وأنسا وتاريخا وحكايات. كتاب فريد من نوعه في آداب العالم، يقدم الشعراء والمغنين والمغنيات وأصحاب الأوزان الموسيقية، رابطا بين هذه الفئات الثلاث بحيث يبدو الشعر والموسيقى والغناء كما كان يجدر بهم أن يكونوا منذ البداية: فنونا ثلاثة في بوتقة واحدة.

وأتساءل اليوم، في عصر منصات التواصل الاجتماعي وكثرة المشاغل: ماذا لو عاش أبو الفرج الأصفهاني في زمننا هذا؟ هل كان سيتمكن من كتابة موسوعته في خمسين عاما؟ ومن أين له أن يجد هذه الكتيبة من الشعراء والمغنين والفرسان والصعاليك والأمراء؟ وهل سيبقى لقارئ اليوم صبر على مثل هذا العمل الضخم؟

لكن اللغة العربية تعلمنا أن الجودة لا تموت، وأن العمق لا يزول. صحيح أن الأيام لم تعد أيام اعتكاف لخمسين عاما على ضفة دجلة، يسطر فيها الصفحات دون كلل أو ملل، لكن الروح تبقى، والهمة تبقى، والحرف يبقى.

اللغة العربية... تلك التي وصفها طه حسين بأنها "ضرورة من ضرورات حياتنا الفردية والاجتماعية، ووسيلة أساسية إلى منافعنا مهما تختلف قربا وبعدا ويسرا وعسرا، وسهولة وتعقيدا". إنها ليست مجرد أداة اتصال، بل هي هوية وذاكرة وحضارة. إنها القادرة على احتواء المصطلح الاقتصادي الحديث كما احتوت شعر امرئ القيس، وقادرة على استيعاب الفلسفة الغربية كما استوعبت فلسفة المعري.

في يوم اللغة العربية، نذكر أن لغتنا ليست قديمة متحفيه، ولا هي طارئة مستهجنة. إنها جسر متين بين الأصالة والمعاصرة، بين التراث والحداثة. هي التي قال عنها طه حسين إننا "لا نفكر في الهواء ولا نستطيع أن نعرض الأشياء على أنفسنا إلا مصورة في هذه الألفاظ التي نقدرها، ونديرها في رؤوسنا ونظهر منها للناس ما نريد، ونحتفظ منها لأنفسنا بما نريد".

هكذا تبقى اللغة... حية في معاجمها، نابضة في شوارعها، متطورة في مختبراتها، أصيلة في تراثها. تبقى كما أرادها طه حسين: أداة للتفكير والحس والشعور، وكما صاغها أبو الفرج: سفرا للحضارة شعرا وأدبا وأنسا وتاريخا.

فلتظل لغتنا الضاد - كما عرفناها من طه حسين وأبي الفرج - لغة حياة لا موت، ولغة انفتاح لا انغلاق، ولغة جمال لا يعرف الشحب ولا الذبول.

***

عبد السلام فاروق

في عالمٍ تتسارع فيه التحولات العلمية والسياسية، برز اسم البروفسور محمد الربيعي كأحد أبرز الأصوات الإصلاحية في العراق والعالم العربي. لم يكن عمله مجرد نقد أكاديمي أو مقالات نظرية، بل مشروعًا متكاملًا يسعى إلى إعادة بناء مؤسسات التعليم والتربية والبحث العلمي على أسس من النزاهة والشفافية والابتكار. لقد تحرك بخطوات جريئة ليضع إصبعه على الجرح، ويكشف أن أزمة التعليم ليست أزمة موارد فقط، بل أزمة إدارة وحوكمة وإرادة سياسية.

في مجال التربية والتعليم الأولي، شدّد الربيعي على أن أي نهضة حقيقية تبدأ من المدرسة. كتب بوضوح أن الطالب العراقي والعربي يحتاج إلى بيئة تعليمية حديثة تُنمّي التفكير النقدي والإبداع بدلًا من الحفظ والتلقين. دعا إلى تحديث المناهج الدراسية لتواكب العصر، وإلى تدريب المعلمين على أساليب تربوية جديدة تجعل المدرسة فضاءً للتعلم الحقيقي لا مجرد مؤسسة لتلقين المعلومات. وأكد أن التربية هي الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء، وأن الاستثمار في السنوات الأولى من التعليم هو استثمار في مستقبل الأمة.

أما في التعليم العالي والبحث العلمي، فقد ركّز الربيعي على أن الجامعات العراقية والعربية بحاجة إلى ثورة في التفكير، لا مجرد إصلاحات شكلية. دعا إلى اعتماد معايير الجودة العالمية بدلًا من الانشغال بالكمّ في النشر الأكاديمي، وأكد أن البحث العلمي يجب أن يكون أداة لحل مشكلات المجتمع لا مجرد أوراق تُنشر في مجلات لا يقرأها أحد. كان صوته واضحًا حين حذّر من ظاهرة الرسائل الجامعية المكررة والنشر غير الرصين، معتبرًا أن النزاهة الأكاديمية هي حجر الأساس لأي نهضة علمية. ومن خلال مقالاته ودراساته، وضع العراق في سياق أوسع، مقارنًا بين التجارب العربية والعالمية، ليؤكد أن الإصلاح لا يمكن أن يكون محليًا فقط، بل يجب أن يستند إلى رؤية إقليمية وعالمية.

كما لم يغفل الربيعي جانب الابتكار، حيث شدّد على أن البحث العلمي لا يكتمل إلا إذا تحوّل إلى تطبيقات عملية تخدم المجتمع وتدعم الاقتصاد. دعا إلى ربط الجامعات بمراكز الابتكار وريادة الأعمال، وإلى تشجيع الشباب على تحويل أفكارهم إلى مشاريع واقعية، معتبرًا أن الابتكار هو الطريق الأقصر نحو التنمية المستدامة.

لكن طريق الإصلاح لم يكن سهلًا. واجه الربيعي جدارًا من الفساد الأكاديمي والمؤسساتي الذي عطّل كثيرًا من مقترحاته، واصطدم بغياب الشفافية التي جعلت الجامعات عاجزة عن محاسبة نفسها أو تطوير أدائها. كما عانى من تقييد الحرية الأكاديمية، حيث بقيت كثير من المبادرات في إطار الدعوة النظرية دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ، وسط مقاومة من مؤسسات اعتادت على الوضع القائم ورأت في الإصلاح تهديدًا لمصالحها.

ورغم كل هذه التحديات، ظلّ صوت محمد الربيعي بارزًا كأحد أهم الأصوات الداعية إلى أن يكون التعليم والتربية والبحث العلمي والابتكار أدوات لبناء دولة حديثة قائمة على الشفافية والعدالة. لقد أثبت أن النقد وحده لا يكفي، وأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الجرأة على مواجهة الواقع، ومن الإصرار على أن التعليم ليس رفاهية، بل ضرورة للبقاء والنهضة.

لقد كان حضور الأستاذ الدكتور محمد الربيعي علامة فارقة في مسار الإصلاح الأكاديمي، ليس فقط بما طرحه من أفكار ورؤى، بل بما جسّده من التزام أخلاقي وجرأة فكرية في مواجهة التحديات. إننا نكن له كل التقدير والاحترام على جهوده الكبيرة وإصراره على أن يكون التعليم والبحث العلمي والابتكار ركيزةً لبناء مجتمع أكثر عدلًا وشفافية. وما قدّمه من جهد صادق سيظل مصدر إلهام للأجيال القادمة، ودليلًا على أن صوت الإصلاح يمكن أن يصنع الفرق مهما كانت الصعوبات.

***

د. عبد الجليل البدري

الإبداع هو القدرة الذاتية التي يتمتع بها الموهوب ابتداء، لإنتاج أفكار جديدة، وطرح معطيات مبتكرة، ومن ثم صقلها بالتجربة بعد ذلك، ليكون الإبداع بها الوصف، مزيجا من الموهبة الفطرية، والصنعة بالتجربة في ٱن واحد.

وتجدر الإشارة الى ان الموهبة الفطرية هي نفحة طبيعية، تولد مع الإنسان، في حين أن الصنعة بالتجربة، هي مهارة عملية، يكتسبها الإنسان من خلال التعلم، والتدريب، والتجربة المتراكمة، في الحياة العملية..

وتلعب الموهبة الفطرية دورا هاما في بلورة الإبداع، فهي الومضة التي تمنح الإنسان القدرة على التفكير، خارج سياقات المالوف، وابتكار أفكار جديدة غير مطروقة، بينما تعكس الصنعة بالتجربة، القدرة التي تمكن الإنسان من تطوير موهبته الذاتية، وتنميتها، وتعلمه كيفية تطبيق أفكاره بشكل عملي.

ولعل من نافلة القول الإشارة إلى ان الفطرة قدرة أولية، تولد مع الإنسان، مثل الميل الطبيعي للغناء، أو الرسم، أو الرياضيات، او الفلسفة .

ولا ريب أن الإبداع ليس حكرًا على الأشخاص الموهوبين فطريا وحسب، بل يمكن لأي شخص أن يصبح مبدعا، متى ما كان لديه الرغبة، والفطنة، والاستعداد، للتعلم والتدريب.

فالصنعة بالتجربة، والخبرة الزاخرة، تلعب دورا كبيرا في تطوير موهبة الإبداع، وتمكين الإنسان من اكتساب المهارات، والمعارف، اللازمة لتحقيق أفكاره الابداعية، وضعها موضع التطبيق.

وهكذا فالإبداع هو مزيج من الموهبة الفطرية، والصنعة بالتجربة. وتلعب الموهبة الفطرية دورا هاما في توهج الإبداع، ولكن الصنعة بالتجربة، هي التي تمكن الإنسان من تطوير موهبته، وتنميتها، وصقلها، وبالتالي فإنه يمكن لأي شخص أن يصبح مبدعًا، إذا ما توفرت لديه الرغبة، والاستعداد، للتعلم، والتدريب.

وتظل العلاقة بين الموهبة والصنعة علاقة تكامل عضوية، وتازر متين. فالموهبة بدون صنعة تضعها موضع التطبيق، تظل مجرد أفكار خام، لا وجود لها على أرض الواقع، وبالمثل فإن الصنعة بدون موهبة، قد تنتج أعمالاً متقنة تقنياً، لكنها تفتقر إلى الأصالة والعمق الإبداعي، وتصبح مجرد تكرار أو تقليد.

وهكذا فالإبداع الحقيقي، هو تفاعل ايجابي، يدمج الموهبة الفطرية، مع الصنعة المكتسبة، حيث تتألق الموهبة من خلال إتقان الصنعة، وتتزين الصنعة بلمسة إبداعية فريدة.

***

نايف عبوش

في غياب المعايير والقيم، والقواعد العامة التي تنظم الحياة الاجتماعية، فإن البلد، أي بلد بدون شك، يصبح عرضة لقطاع الطرق. وحين نتفحص العالم الروائي للكاتب الإيفواري أحمدو كوروما، فإن تلك الحقيقة تبدو مفجعة إلى حد بعيد. إن قطاع الطرق في نصوص كوروما يتقاسمون كل شيء: الثروة، والأرض، والشعب، بينما العالم بأسره يتغاضى عن ذلك، ويسمح لهم بقتل الأبرياء من أطفال ونساء بلا رادع.

كان على كوروما أن يقاتل من أجل الحلم الإفريقي بصوته وقلمه، وأن يندد بما تتعرض له أفريقيا السوداء بعد الاستقلال من خيانة النخب، وتنصيب الديكتاتوريات العسكرية تحت وطأة الحرب الباردة، والصراعات القبلية الدامية التي ابتليت بها القارة السمراء لسنوات عديدة.

سنة 2000 نشر كوروما روايته اللاذعة "الله غير ملزم" Dieu n’est pas obligé. ظهرت الترجمة العربية سنة 2003 بقلم عدنان محمد، تحت عنوان "الله يفعل ما يشاء". ويشكل هذا العمل شهادة على المعاناة المريرة للأطفال الذي جُنّدوا كمقاتلين، في الحروب الأهلية التي شهدتها ليبيريا وسيراليون خلال تسعينيات القرن الماضي. والشاهد في النص طفل في العاشرة يدعى بيراهيما.

منذ السطور الأولى للرواية سيُصدم القارئ من وحشية السرد بضمير المتكلم. قرر بيراهيما الذي بلغ من العمر ستة عشر عاما، أن يجيب على سؤال طرحه عليه ابن عمه الدكتور مامادو، بينما كان جالسا في المقعد الخلفي لسيارة دفع رباعي:

" يا صغيري بيراهيما، أخبرني بكل شيء، أخبرني بكل ما رأيت وفعلت؛ أخبرني كيف حدث كل ذلك.."

غير أن بيراهيما المراهق لا يملك سوى رؤية جزئية للأحداث، أما الكاتب الذي يبدو للوهلة الأولى أنه محا نفسه طواعية أمام البطل، فيكشف عن نفسه بقوة، خاصة حين يعرض للتطور السياسي في سيراليون، ويقدم للقارئ أحكاما وتحليلات تتجاوز قدرة طفل شارك في الحرب القبلية الدائرة. ويبدي نقمته على كبار الشخصيات في القارة الإفريقية ممن يعتبرهم مسؤولين عن الفوضى العارمة.

بعد وفاة والدته قررت عائلته أن تعهد به إلى عمته. وخلال الرحلة التي رافقه فيها يعقوب، المعالج الشعبي والمحتال، نستكشف حجم الرعب الذي اكتنف سندباد كوروما في سعيه للبحث عن عمته ماهان:

" بما أننا كنا مفلسين كان علينا أن نؤجر أنفسنا؛ يعقوب كمعالج شعبي مسلم، وأنا كجندي طفل. من معسكر محصن إلى مدينة محاصرة، ومن عصابة لقطاع الطرق إلى أخرى، قتلت عددا لا بأس به من الناس ببندقية الكلاشنيكوف الخاصة بي. الأمر سهل. نضغط عليها فتطلق النار. لا أدري إن كنت قد استمتعت به. أعلم أنني عانيت ألما شديدا لوفاة العديد من أصدقائي الأطفال المجندين، لكن الله ليس ملزما بالعدل في كل ما خلقه في هذه الدنيا.."

يترتب عن قراءة هذه الشهادة الروائية لكوروما، بل عن مجمل أعماله الأدبية، تساؤلات جيوسياسية حول مصير الدول الإفريقية ما بعد الاستعمار؛ إذ يواصل الكاتب إثارة النقاش حول الغموض في سياسة الغرب الإفريقية، واستمرار نماذجه المختلفة في السياسة والاقتصاد والثقافة. إن الكوارث التي تغذي وتتخلل الإنتاج الروائي لكوروما ليست سوى نتيجة للحرب الباردة التي دفعت الغرب لتنصيب مجرمين وقتلة يمثلون المعسكر الغربي أو الشرقي. من هذا المنطلق يصبح بيراهيما رمزا للكاتب الشاهد، مما يفتح النص على مستويات أخرى للتأويل حين يسمي الراوي شخصيات تاريخية حقيقية، لا سيما قطاع الطرق الأربعة الذين فرضوا سيطرتهم على ليبيريا: صامويل دو، وتايلور، وجونسون، والحاج كوروما، بالإضافة إلى تحديد دقيق للحظة التاريخية التي جرت فيها أحداث الرواية: " كان ذلك في يونيو 1993".

وُلد كوروما في بانديالي بساحل العاج سنة 1927، وتولى عمه رعايته قبل أن ينتقل إلى باماكو لمتابعة دراسته، غير أنه طُرد بسبب نشاطه الطلابي، وتم تجنيده قسريا في الجيش الفرنسي سنة 1950 ليقضي أربع سنوات في الهند الصينية، حيث توجه بعدها إلى باريس ليدرس الرياضيات.

عاد كوروما إلى بلاده سنة 1960 بمجرد الإعلان عن استقلالها. إلا أن مواقفه المعارضة لنظام الرئيس هوفيت بوانيي عجّلت بسجنه ثم نفيه خارج البلاد. ولم يتمكن من العودة إلا بعد ثلاثين عاما.

نشر كوروما روايته الأولى" شموس الاستقلال" سنة 1968، حيث وجه نقدا شديدا للأنظمة الديكتاتورية التي تسلمت إدارة إفريقيا جنوب الصحراء، كما ألقى باللوم على الرجل الأسود غير المكتمل، والذي فشل في استثمار لحظة التحرير لإعادة تجميع هويته المجزأة، وإرساء علاقات دولية سليمة.

لم ينشر كوروما خلال حياته سوى أربع روايات، تدور في مجملها حول هوية الإفريقي المثقل بهموم الاستعمار والعرقية، ومأزق القيم والتقاليد داخل عالم يجنح بقوة نحو العولمة والحداثة. وهي تشكل لوحة أدبية آسرة، حيث نستكشف مع مؤلفها، وبجرأة ساخرة ومفجعة، تاريخ إفريقيا المعاصر، من الاستعمار إلى الإبادات الجماعية غداة الاستقلال، ومن العبودية إلى التشريح الدقيق لعلاقة الإفريقي بسلطة مزيفة، تعيد إنتاج صورة مشوهة عن الحرية والاستقرار.

كان مستمعو إذاعة "فرانس إنتر" أول من لفت الأنظار إلى أدب كوروما في فرنسا، وتم منحه جائزة سنة 1999 عن روايته" في انتظار تصويت الوحوش البرية". وفي عام 2000 حصل على جائزة رينودو عن روايته "الله ليس ملزما". وبينما كان يعمل على نص جديد بعنوان " عندما ترفض، تقول لا" وافته المنية سنة2003 في منفاه الأخير بفرنسا عن عمر ناهز السادسة والسبعين. وأعلنت عائلته أن رفاته سيعاد إلى ساحل العاج لدفنه حالما يسمح الوضع السياسي بذلك.

لا يمكن أن نعدّ شخصية بيراهيما بطلا بالمعنى المألوف في عالم السرد الأدبي، إذ حرص كوروما على أن يجسد الجنديُ الطفل صورةَ الشاهد المنخرط بعمق في الواقع من حوله، والذي يتشارك مع المؤرخ المعاصر مسؤولية مزدوجة: نقل ما لم يُروَ لإبقاء الذاكرة حية، والوفاء لآلاف الجنود الأطفال الذين سقطوا في الحروب القبلية وليس لهم اسم ولا قبر.

في إحدى مقابلاته الصحفية، أكد أحمدو كوروما على أن مجمل أعماله الروائية ترتبط ارتباطا وثيقا بمسألة الشهادة:

"لطالما رغبت في أن أكون شاهدا. أكتب وأقول: هذا ما رأيته.. هذه المرة اخترت الحرب الباردة، ورأيتها بنفسي. إن محور روايتي"في انتظار تصويت الوحوش البرية" هو بالنسبة لي أن أكون شاهدا. رؤيتي للتاريخ هي التي تشكّل جوهر رواياتي".

يواصل بيراهيما مسيرته كجندي طفل، متنقلا من حلقة دموية إلى أخرى. وبين الفينة والأخرى تستوقف القارئ مقاطع رثاء لتكريم أحد الضحايا. إن خطبة الرثاء التي تتكرر في أكثر من موضع تؤكد دور الشاهد في مواجهة الموت والغياب. الرثاء ليس فقط مهمة لغوية بقدر ما يعكس التربط بين الذاكرة والكتابة والموت، لذا كانت إحدى أقدم آثار الكتابة نقوشا جنائزية!

على مستوى اللغة ابتكر كوروما أسلوبا يمزج بين اللغة الفرنسية وتعبيرات المالينكي، وهي الجماعة العرقية التي ينتمي إليها الكاتب، لذا تميز أسلوبه بالعفوية والصرامة، مع استحضار الأمثال والكلمات البذيئة، والمفارقات التي حولت لغة موليير إلى أداة تعبير إفريقية، تجمع بين الاستفزاز والعمق الفلسفي.

منح كوروما صوته الفريد لإفريقيا ومن خلالها لكل الضعفاء الذين سحقتهم مصالح كبرى تفوق إدراكهم. وعبر سيل جارف من الكلمات وجّه إدانة قوية لجرائم لازالت ترتكب ضد الإنسانية، بينما يغرق العالم في اللامبالاة التي تشبه التواطؤ الصامت. ولعلها ليست مصادفة أن يكون معنى كوروما في لغة أسلافه المالينكي تعني: المقاتل!

***

حميد بن خيبش

لماذا يقرأ الكاتب الكتاب تلو الكتاب ومع هذا يواصل دون ملل أو كلل؟.. سؤال طالما طرحه كتّاب ومثقفون على أنفسهم، لا سيما اذا كانوا مهووسين بالكتاب وعوالمه الرحيبة أمثالنا. وما هو الدور التي تؤديه وتقوم به القراءة في العملية الإبداعية.. اختلفت الآراء في الإجابة عن هذا السؤال الاشكالي، فمن الكتّاب وهؤلاء قلة، مَن ذهب إلى أن الكاتب يُفترض ألا يقرأ الكتب بادعاء أن المواضيع المفترض معالجتها في الكتابة الإبداعية لا تتجاوز الثلاثة والثلاثين موضوعًا أساسيًا، كما رأى الكاتب الفرنسي ذائع الصيت جورج سيمنون مبتكر شخصية المفتش ميجرييه، ومنهم أيضًا،  الكاتب الإنجليزي كونان دويل مبتكر شخصية المحقّق المشهور في شتى بقاع العالم وأقصد به شرلوك هولمز، فقد صرّح/ دويل أكثر من مرة أنه لا يقرأ كتابات الآخرين خشية التأثر بها!!، اما الكاتب الأمريكي البارز ارسكين كالدول صاحب "قطعة ارض الله الصغيرة"، فقد قسّم المبدعين الادبيين إلى قرّاء وكتّاب وقال في سيرته الذاتية "سمها خبرة"، إنه اختار أن يكون كاتبًا وليس قارئًا..، في المقابل لهؤلاء ذهب معظم الكتاب المبدعين في العالمين العربي والاجنبي إلى أهمية القراءة في شحن بطارية الكاتب للدخول إلى مملكة الابداع الادبي بخطى ثابتة، حتى أن عددًا من الدارسين الباحثين ذهبوا إلى أنه يوجد داخل كل قارئ جاد مشروع لكاتب مبدع. أكثر من هذا ذهب كُتّاب منهم المرحومان عباس محمود العقاد وفاروق مواسي إلى أن الكاتب القارئ تحديدًا، إنما يقرأ ليمد حياته بشحنات أخرى من الحياة والحيوية، وقد ردّد العديد من الكتاب ضمن الإجابة عن سؤال حول القراءة والاقبال الشديد عليها، إلى القول إن كل كِتاب جديد هو حياة جديدة تضاف إلى حياتي.. وأكد هؤلاء أنهم إنما يقرؤون الكتب لأنهم يحبون الحياة ويريدون عيشها بعدد الكتب الجيّدة التي يقرؤونها، قالوا هذا مؤكدين أنهم يقرؤون الكتب لأن حياة واحدة لا تكفيهم!

مَن يُطالع سير الكتّاب والادباء المبدعين سيلاحظ دون بذل الكثير من الجهد، أنهم إنما جاءوا إلى عالم الابداع الادبي بعد أن قرأوا هذا الكتاب أو ذاك، أو بعد أن قضوا أوقاتًا طيبةً في مكتبات خلفها آباؤهم، أجدادهم أو أقارب لهم وراءهم، لتتحوّل بالتالي إلى منارة تفتح أمامهم أبوابًا مُغلّقة طالما أحبوا فتحها والدخول إلى مرابعها الفينانة الغنّاء.

بالعودة إلى سؤال القراءة وأهميتها بالنسبة للكاتب المبدع، أرى أن الكاتب، المعاصر خاصة، إنما يقرأ بنهم للعديد من الأسباب، فهو يقرأ للتثقف، والاضافة الإبداعية المتوقعة منه، كما يقرأ للاطلاع على تجارب ثقافية أدبية إنسانية، من المفترض أن تُشكّل سلسلةً متواصلة الحلقات وهو ذاته يود من جُماع قلبه، يريد ويسعى بكل ما لديه من جُهد وقوة لأن يكون واحدة من تلك الحلقات الرائعة في السلسلة الأدبية الإبداعية، سلسلة الذهب والالماس التي تعتبر جزءًا من الابداعات العالمية المميزة.

في تفصيل الأسباب الآنفة اليها لإقبال الكتاب المبدعين على القراءة ومصاحبة الكتاب، ذلك الرفيق الذي لا نملّ منه ولا يملّ منّا، نقول:

* إن الكاتب المبدع إنّما يسعى من إدامته القراءة من أجل شحن مخزونه الثقافي، وقد قدّم العديد من الكتاب والشعراء نماذجَ حيةً على هذا، وأكتفي هنا بالإشارة إلى الشاعر الامريكي توماس ستيرنز  إليوت، فقد أعلى هذا الشاعر قيمة الثقافة، حتى بتنا نرى بعده، أنه لا يوجد شاعر أو كاتب مثقف يستحق هذه الصفة، دون أن يملأ خزّانه من الثقافة بأبعادها المختلفة، ابتداء من الكتب الدينية الخالدة انتهاءً بالأمهات الادبية الكبيرة التي أقرت لها واعترفت بها الإنسانية قاطبة، أما شاعرُنا العربي الخالد أبو الطيب المتنبي فقد ذهب إلى أن " خير جليس في الانام كتاب". هكذا نرى إلى أهمية الكتاب والثقافة في حياة الكاتب المبدع الجدير بهذه الصفة.

* يحلم كل كاتب أو شاعر مبدع بإضافة ولو ضئيلة إلى سابقيه، وقد رأى الكاتب العربي المصري توفيق الحكيم في العديد من مؤلفاته، خاصة "تحت شمس الفكر"، أن كلّ كاتب يضم في داخله كاتبًا آخر سابقًا له، ويوضح هذا قائلًا إن معظم الكتّاب إنما يتأثرون في بداياتهم الأولى بهذا الكاتب أو ذاك، بل إنهم قد يقومون بتتبّع خطاه وحتى تقليده، إلى أن تشتد اعوادهم فيستقلّون بشخوصهم الخاصة بهم، ويضيفون ولو قليلًا إلى ما سبق وأضافه سابقهم. يؤكد هذا أن التاريخ الادبي ما هو إلا حلقات متواصلة تضيف كل حلقة منها جديدًا إلى قديم. ويوضح هذا ما يذهب إليه جون كوين في كتابه الهام "بناء لغة الشعر"، وهو أن كلّ فترة أدبية تاريخية إنما تشهد موديلًا يحذو حذوه الكثيرون ويسيرن على هديه.

* كما هو واضح،  فإن كل مبدع حقيقي، إنما يقرأ الكتب سعيًا لوضع نفسه في الصورة الأدبية، لرقعة أدبية كلّما اتسعت زاد خيرها، وهو بهذا يقرإ الكتب للاطّلاع ومحاولة الإمساك باللحظة الإبداعية الهاربة، ولعلّنا لا نستطرد كثيرًا إذا ما قلنا في هذا السياق إن الكاتب القارئ الجاد، إنّما يرى ما وراء المُضمّن في الكتابة الأدبية الابداعية، وكأنما هو يتحسّس بذور الابداع العصيّة، تلك البذور التي لا تأتي صاحبها إلا يعد جهد ودأب، طالما أخبرتنا بهما وأطلعتنا على أسرارهما أو شيء منها، السيَر التي خلّفها عظماء المبدعين في شتى المجالات والانواع الثقافية، وهنا نشير بوضوح إلى تلك اللحظات الحاصة والفريدة التي أطلق عليها الكاتب النمساوي المبدع ستيفان تسفايج "  ساعات القدر"، وكرس لها كتابًا فريدًا يُعتبر درسًا في انتظار اللحظة المبدعة والتعامل معها تحقيقًا لحلم طال انتظاره.

الأسباب التي تدفع الكاتب لقراءة الكتب بنهم يكاد يشبه الجنون، كثيرة ومتعدّدة ولنا في مُصاحبة بُناة الإنسانية للكتاب، كما افصحت سيرهم، عبرة وأي عبرة.

***

ناجي ظاهر

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم

  سيداتي وسادتي الكرام!

 بمناسبة حصولي على جائزة نوبل في الأدب لعام ٢٠٢٥، كنت أرغب في البداية أن أشارككم أفكاري عن الأمل، لكن بما أن الأمل قد نفد مني تمامًا الآن، لذا فسأتحدث عن الملائكة.

1

 أتمشى ذهابًا وإيابًا، وأنا أفكر في الملائكة، وما زلت أتمشى الآن، لا تصدقوا أعينكم، يبدو أنني أقف وأتحدث في ميكروفون، لكن لا، في الواقع، أنا الآن أدور في حلقة، من زاوية إلى أخرى، ثم أعود إلى حيث بدأت، وهكذا، أدور وأدور، نعم، عن الملائكة أتحدّث، أولئك الذين يمكنني أن أبوح لكم منذ الآن بأنّهم ملائكة من نوعٍ جديد، ملائكة لم يعد لهم أجنحة،ولهذا السبب، على سبيل المثال، لم نعد بحاجة إلى التفكير في كيفية عمل خياطهم السماوي، وما نوع المعرفة الخفية التي تملأ ورشته هناك في الأعالي عندما يلبسهم، وعما إذا كان هذان الجناحان يبرزان من الخلف، بل وكيف ينتشر هذان الجناحان الضخمان بثقل فوق الرداء، وكيف تبرز أجنحتهم من تلك الأردية غير الجسدية، تلك الأردية الحلوة والمتموجة، التي تغطي أجنحتهم أيضًا، وعلى العكس إن لم تبرز، كيف يغطي هذا الرداء السماوي أجسادهم مع أجنحتهم، مسكين بوتيتشيلي، مسكين ليوناردو، مسكين مايكل أنجلو، بل ومسكين يا جيوتو وفرا أنجيليكو!، لكن لا يهم الآن، لقد تلاشى السؤال مع ملائكة الزمن الماضي، الملائكة الذين أتحدث عنهم هم الجدد، هذا واضح الآن، عندما أبدأ المشي جيئة وذهابا في غرفتي، والتي لا ترون منها الآن سوى أنني أقف أمام ميكروفون، وأعلن بصفتي حائزًا على جائزة نوبل أنني أردت الحديث عن الأمل، ولكني لن أستطيع ذلك الآن، لذا سأتحدث عن الملائكة بدلاً من ذلك، سأبدأ من تلك النقطة، من هنا أنطلق، لقد كان هذا بالفعل موجودًا في ذهني بخطوط عريضة قبل أن أبدأ المشي متخذًا وضعية المفكر المتأمل في مكتبي، وهو ليس كبيرًا، فقط أربعة أمتار في أربعة أمتار في غرفة برجية،والتي يجب أن نستبعد منها أيضًا المساحة التي يشغلها الدرج الصاعد والنازل إلى الطابق الأرضي بالطبع، لا تفكروا في برج عاجي رومانسي، فقد بُنيت غرفة البرج هذه على الزاوية اليمنى من مبنى خشبي من طابق واحد، مصنوع من أرخص ألواح خشب التنوب النرويجي، ويرتفع فوق المباني الأخرى، لأن قطعة أرضي تنحدر، لأنها تقع على قمة تل، أعني قطعة الأرض بأكملها، وهي تنحدر، في الواقع، بشدة نحو وادٍ. ونتيجة لذلك، إذا أردتُ توسيع غرف الطابق الأرضي التي تحتاج إلى إضافة، وأردت بسبب الكتب التي كانت تحاول تغطية كل شيء، ثم بعد فترة من الوقت كان من المحتم أن ترتفع الغرفة التي تم بناؤها كملحق مثل البرج، وتثقل كاهل الغرفة السفلية، بسبب الانحدار، حسنًا، هنا أود فقط أن أتحدث عن الملائكة، وليس عن الأمل، وليس عن القدماء، ملائكة الزمن الماضي ذوي الأجنحة - فكروا في أشهرهم، والعدد الهائل من اللوحات التي تصور البشارة من العصور الوسطى وعصر النهضة - يجلبون رسالة، رسالة مفادها أن المولود سيولد - هؤلاء كانوا ملائكة الزمن الماضي، هؤلاء الرسل السماويون يصلون دائمًا بهذه الرسالة أو رسالة أخرى، ووفقًا لـ علم الملائكة، يسلمونها إلى المرسل إليه غالبًا شفهيًا، أو في بعض الأحيان - كما في الرسوم التوضيحية من القرنين التاسع والعاشر - يقرأونها مباشرة من شريط جمل متموج، باختصار، تكتسب الكلمة أهمية قصوى في هذا المشهد بالفعل، ولكن حتى في مهام الملائكة الأخرى، فإنهم يسلمون، أو بالأحرى، كانوا يسلمون ما يرسله الأعلى إلى المختار بكلمة مغلفة بالنور أو بالهمس في الأذن، وبهذا المعنى - بغض النظر عن تصويرهم الآن - لم يعد بالإمكان تمييزهم كثيرًا، أو بالأحرى لم يكن بالإمكان تمييزهم كثيرًا عن رسالتهم، لدرجة أنه يجب علينا في الواقع أن نقول إن الملائكة القدماء، ملائكة الماضي هم فى حد ذاتهم رسائل، أنهم هم الرسالة نفسها، التي تأتي دائمًا من الذي لا اعتراض عليه، فهو الذي يرسلهم، يرسل ملائكته إلينا، نحن الذين الذين نكابد في التراب، نحن الذين نتجوّل محكومين بمصائر لا يمكن التنبؤ بها / يا لتلك الأيام الجميلة!/، باختصار، الملاك القديم: رسالة من شخص إلى شخص آخر، رسالة تحمل خبرًا له طابع التعليمات أو التقرير، لكنني لا أنوي إثارة هذه المسألة هنا، وأنا أقف أمامكم، بينما أنا، كما تعلمون، أتمشى في الغرفة البرجية التي، كما تعلمون، مبنية فقط من خشب التنوب النرويجي الرخيص، ويكاد يكون من المستحيل تدفئتها، وهي برج فقط بسبب الانحدار الشديد للأرض، حسنًا، حتى في هذه الحالة لا أتناول الملائكة القدماء،ملائكة الزمن الماضي، حتى لو كانت صورتنا الذهنية عنهم - بفضل عباقرة العصور الوسطى وعصر الحداثة المبكرة، من جيوتو إلى جيوتو - حتى لو كان هؤلاء الملائكة القدماء، بأوصافهم المناسبة من سحرٍ وسموٍّ وحميمية، حتى لو كان بإمكانهم أن يلمسوا أرواحنا في أي وقت،، حتى الآن، وحتى لو كانوا قادرين على لمس أرواحنا العاجزة عن الإيمان،، لأنهم بالتأكيد كانت الوحيدين، على مر القرون، بسبب ظهورهم النادر، سمحوا لنا باستنتاج وجود السماء، وبذلك يمكننا أيضًا استنتاج الاتجاه الذي خلق فينا بنية الكون كاتجاه، لأنه حيث يوجد اتجاه توجد مسافة، أي توجد مساحة، وحيث يوجد اتجاه توجد أيضًا مسافة بين نقطتين، أي يوجد زمن، وهناك، وفقًا لذلك، منذ قرون - أوه! ولآلاف السنين! - العالم الذي اعتقدنا أنه مخلوق، حيث وفرت اللقاءات معهم، أي مع الملائكة القدامى،ملائكة الماضي طريقة للإحساس الحاسم بالأعلى وبالأسفل كشيءٍ أصيلٍ وحقيقي، ولذا لو أردتُ التحدث إليكم عن الملائكة القدماء، ملائكة الماضي لكنتُ أتمشى جيئة وذهابا في دوائر من زاويةٍ ما، ثم أعود إلى نفس، ولكن لا، لم يعد لملائكة الزمن الماضي وجود، فقط ليس هناك سوى الملائة الجدد، وأنا لا أتمشى في دائرة من زاوية إلى نفس الزاوية وأنا أقف هنا أمام انتباهكم، لأنه، كما ذكرت ربما، لدينا ملائكة جدد، وقد فقدوا أجنحتهم ولم يعد لديهم حتى تلك الأردية المتموجة الحلوة، إنهم يمشون بيننا بملابس الشارع العادية، لا نعرف كم عددهم، ولكن وفقًا لبعض الإيحاءات الغامضة، فإن عددهم لا يتغير، ومثل ملائكة الماضي، يظهر هؤلاء الجدد بشكل غريب هنا وهناك، يظهرون أمامنا في نفس المواقف في حياتنا تمامًا كما فعلت ملائكة الماضى، وفي الواقع من السهل التعرف عليهم إذا أرادوا ذلك، إذا لم يكونوا يخفون ما يحملونه في داخلهم، فالأمر سهل لأنه كما لو كانوا يدخلون إلى وجودنا بإيقاع مختلف، ونظم مختلف، ولحن مختلف عن الذي نسير عليه، نحن نكد ونتجول في الغبار هنا في الأسفل، علاوة على ذلك، لم نعد متأكدين من أن هؤلاء الجدد يأتون إلينا من مكان ما في(الأعلى)، لأنه لا يبدو أن هناك أي أعلى على الإطلاق، بعد الآن، كما لو أن ذلك أيضاً- مع ملائكة الزمن الماضي- قد تخلى عن مكانه للمكان الأبدي، فى مكان ما حيث الآن فقط الهياكل المجنونة لإيلون ماسك في هذا العالم تنظم المكان والزمان، ومن هذا قد يتضح أنه بينما لا تزالون تنظرون وتستمعون إلى رجل عجوز هنا يتحدث بلغته المجهولة بمناسبة الإعلان عن استلام جائزة نوبل، والذي هو بالطبع، وبشكل ثابت، وفي نفس الغرفة البرجية غير القابلة للتدفئة تمامًا، بين ألواح خشب التنوب النرويجي الرخيص، يذهب دائرة بعد دائرة، باختصار أنا، أو بالأحرى "الشيء" الذي أنا عليه الآن، يسرّع خطواته، وكأنه يريد التعبير عن أن أفكاره حول هؤلاء الملائكة الجدد تتطلب مقياسًا مختلفًا وسرعة مختلفة من الشخص الذي يفكر فيهم، وبالفعل، مع تسريع خطواتي، أصل على الفور إلى استنتاج مفاده أن هؤلاء الملائكة الجدد ليس لديهم أجنحة فحسب، بل ليس لديهم رسالة أيضًا، لا شيء، إنهم موجودون فقط بيننا، بملابس الشارع العادية، غير قابلين للتعرف، إذا أرادوا ذلك، ثم، إذا أرادوا خلاف ذلك، فإنهم يختاروننا، ويخطون إلينا، وعندئذٍ تسقط الغشاوة عن أعيننا في لحظة، وينجلي الصدأ عن قلوبنا، أي أن اللقاء يتم، ونحن مذهولون: يا إلهي، ملاك، وهم يقفون أمامنا، ولكن فقط ... لا يقدمون لنا أي شيء، لا توجد جمل متموجة حولهم، لا يوجد نور يهمسون به في آذاننا، لأنهم لا ينطقون بكلمة واحدة، وكأنهم أصيبوا بالخرس، إنهم يقفون فقط وينظرون إلينا، يبحثون عن نظراتنا، وفي هذا البحث هناك توسل لنا بأن ننظر في أعينهم، وأن نسلمهم نحن رسالة، لكن للأسف ليس لدينا شيء، لأن الشيء الوحيد الذي يمكننا قوله ردًا على النظرة المتوسلة هو ما كان جوابًا في الماضي، عندما كان هناك سؤال، ولكن الآن لا يوجد سؤال ولا جواب، فما نوع هذا اللقاء؟ ما هذا المشهد السماوي /الأرضي؟ إنهم يقفون أمامنا، ينظرون، ونحن أيضًا نقف وننظر، وإذا كانوا هم يفهمون شيئًا من كل هذا، فنحن بالتأكيد لا نفهم ما يحدث، الأبكمُ مع الأصمّ، والأصمُّ مع الأبكم، كيف يمكن أن ينشأ من هذا أيّ تحاور، أيّ فهم، فضلًا عن الحضور الإلهي؟ عندئذٍ سيخطر ببال كلّ إنسان وحيدٍ، مُتعَبٍ، مُكتئبٍ وحسّاس- كما يحدث الآن تمامًا، إن سمحتم لي أن أُدرِج نفسي بينكم- سيخطر لي أنا، الذي يبدو أنّني أقف هنا أمامكم متحدثًا في الميكروفون، ولكني في الواقع هناك في الغرفة البرجية، كما تعلمون، جدران من ألواح خشب التنوب النرويجي الرخيص، وعزل حراري سيئ، أن هؤلاء الملائكة الجدد في صمتهم اللانهائي ربما لم يعودوا ملائكة على الإطلاق، بل قرابين، قرابين بالمعنى الأصلي والمقدس للكلمة، أُخرج سريعًا سماعتي الطبية، لأنها دائمًا معي، حتى الآن، هنا، بينما أتحدث من تلك الغرفة البرجية، أذرع المكان ذهابًا وإيابًا، وأضع القرص والجرس برفق شديد على صدوركم جميعًا، وأسمع على الفور صوت القدر، أسمع أقداركم، ومع هذا أخطو إلى ذلك القدر، أشعر بمثل هذا القدر ينبض، والذي يُغير هذه اللحظة على الفور، ولكن بشكل رئيسي اللحظة التالية التي كانت ستقف أمامي، لأن اللحظة التي بدت مرجحة أن تلي ليست هي اللحظة التي تليها، بل تأتي لحظة مختلفة تمامًا، لحظة الصدمة والانهيار تضربني، لأنّ سماعتي الطبية تلتقط القصة المروّعة لهؤلاء الملائكة الجدد الواقفين أمامي: إنهم قرابين، قرابين، لا من أجلنا، بل بسببنا، من أجل كلّ واحد منا، وبسبب كلّ واحد منا، ملائكة بلا أجنحة وملائكة بلا رسالة، وهم يدركون طوال الوقت أنّ هناك حربًا، حربًا ولا شيء سوى الحرب، حرب في الطبيعة، وحرب في المجتمع، وهذه الحرب تُشنّ لا بالأسلحة وحدها، ولا بالتعذيب وحده، ولا بالدمار وحده؛ فهذا، طبعًا، أحد طرفَي الميزان. لكن هذه الحرب تجري على عكس الميزان أيضًا، لأن كلمة سيئة واحدة تكفي، كلمة سيئة واحدة تُلقى على أحد هؤلاء الملائكة الجدد، فعل واحد جائر، أو طائش، أو غير لائق يكفي، جرح واحد للجسد والروح، لأنهم عندما ولدوا لم يكونوا معدّين لهذا، إنهم عاجزون عن الدفاع في مواجهة هذا، عاجزون عن الدفاع ضد السحق، عاجزون عن الدفاع ضد الدناءة، في مواجهة القسوة الساخرة من براءتهم وعفتهم، عمل واحد فقط يكفي، بل إن كلمة سيئة واحدة تكفي لجرحهم إلى الأبد - وهو ما لا أستطيع علاجه حتى بعشرة آلاف كلمة، حيث لا علاج له.

2

  آه، كفى حديثاً عن الملائكة!

 فلنتحدث بدلاً من ذلك عن كرامة البشر.

 أيها الكائن البشري، أيها المخلوق المذهل، من تكون؟

 لقد اخترعت العجلة، واخترعت النار، واكتشفت أن التعاون هو فرصتك الوحيدة، واخترعت أكل الجيف لتكون سيد العالم الذي تحكمه، اكتسبت قدرًا مذهلاً من الذكاء، ودماغك ضخم، كثير التلافيف ومعقد لدرجة أنك اكتسبت قوة - محدودة إلى حد ما - على العالم الذي تسميه العالم، توصلت إلى رؤى تبين لاحقًا أنها غير صحيحة، لكنها ساعدتك على المضي قدمًا في تطورك، لقد عزز تقدمك الذي بدا قفزة ونمّى نوعك على الأرض، تجمعت في قطعان، وبنيت مجتمعات، وأنشأت حضارات، وكنت قادرًا على تلك المعجزة المتمثلة في عدم الانقراض، رغم أن الفرصة كانت متاحة لك، لكنك وقفت على قدمين مرة أخرى، ثم كـالإنسان الماهر (Homo Habilis)، صنعت أداة من الحجر وتمكنت من استخدامها، ثم كـالإنسان المنتصب (Erectus)، اخترعت النار، وبسبب تلك التفصيلة الصغيرة المتمثلة في أن الحنجرة والحنك الرخو لا يلتقيان لديك، على عكس الشمبانزي، أصبح من الممكن - بالتوازي مع صقل مركز الكلام في الدماغ - أن تنشئ الكلام، جلست مع رب السماوات، وإذا كان لنا أن نصدق الفصول الصامتة من العهد القديم، فقد جلست معه، وأعطيت اسمًا لكل ما أظهره من الأشياء المخلوقة، ثم لاحقًا اخترعت الكتابة، ولكن في هذا الوقت كنت بالفعل قادرًا على التفكير الفلسفي، ربطت الأحداث أولاً، ثم فصلتها عن معتقدك الديني، واعتمدت على تجربتك لتخلق الزمن، بنيت عربة وسفينة، وسافرت في المجهول على الأرض، ونهبت كل ما يمكن نهبه، واكتشفت ما يمكن أن يعنيه تركيز قوتك وسلطتك، قمت بمسح الكواكب التي كان يُعتقد أنه لا يمكن الوصول إليها، ولم تعد تعتبر الشمس إلهًا والنجوم محددة للمصير، اخترعت، أو بالأحرى، وصفت الجنسانية، ودور المرأة والرجل، ثم بعد فوات الأوان، وإن لم يكن بعد فوات الأوان أبدًا، اخترعت لهما الحب، اخترعت الشعور، والتعاطف، واخترعت طرقًا هرمية مختلفة لاكتساب المعرفة، وفي النهاية حلقت في الهواء، متجاوزًا الطيور، ثم سافرت إلى القمر، واتخذت خطواتك الأولى هناك، اخترعت أسلحة يمكنها تفجير الأرض، ومرات عديدة متتالية، أنشأت علومًا على مستويات مرنة لدرجة أن الغد يسبق دائمًا ويخجل ما يمكن تصوره اليوم، وخلقت أيضًا فنًا من رسومات الكهوف إلى العشاء الأخير لليوناردو، من سحر الإيقاع السحري والأسود إلى يوهان سيباستيان باخ، وأخيرًا، فجأة على مقياس تاريخي، بدأت لا تؤمن بأي شيء بعد الآن، بمساعدة أدواتك التي خلقتها بنفسك وتدمر الخيال، لم يتبق لديك سوى ذاكرة قصيرة المدى، وهكذا، تركت الحيازة النبيلة والمشتركة للمعرفة والجميل والخير الأخلاقي، وأنت الآن مستعدٌ للانتقال إلى الأراضي المنبسطة، حيث ستغرق ساقاك، لا تتحرك، هل ستذهب إلى المريخ؟ بل الأفضل القول: لا تتحرك، لأن هذا الوحل سيبتلعك، سيسحبك إلى المستنقع، لكنها كانت جميلة، رحلتك في التطور تأخذ بالأنفاس، لكن للأسف: لا يمكن تكرارها.

3

  آه، دعنا من الكرامة الإنسانية.

 سأتحدث عن التمرد بدلاً من ذلك.

 لقد حاولت التطرق إلى هذا الموضوع مرة واحدة في كتابي "العالم يمضي قُدمًا"، لكني لست راضيًا عن ذلك، سأحاول مرة أخرى.

  في فترة ما بعد الظهيرة الرطبة والمشبعة بالبخار في أوائل التسعينيات، كنت أنتظر قطارًا في برلين، في الطابق السفلي لإحدى محطات مترو الأنفاق (U-Bahn). كانت الأرصفة، كما هو الحال في جميع أنظمة مترو الأنفاق، مصممة بحيث تم تركيب مرآة كبيرة مزودة بأضواء تحكم عند نقطة البداية في اتجاه السفر، على بعد أمتار قليلة فقط من المكان الذي يواصل فيه القطار مساره في نفق مرة أخرى، جزئيًا لمساعدة السائق على رؤية طول القطار بالكامل، وجزئيًا للإشارة إلى النقطة التي يجب أن يتوقف عندها مقدمة القطار بدقة بالسنتيمتر، مؤقتًا، للسماح بالصعود والنزول.

  كانت المرآة مخصصة بالطبع للسائق، وكانت الإشارة الحمراء للأضواء تشير إلى المستوى العمودي على القضبان الذي يجب أن يوقف السائق القطار عنده لضمان الصعود والنزول بأمان، ثم تتحول هذه الأضواء إلى اللون الأخضر بعد اكتمال الصعود والنزول، ويمكن لمترو الأنفاق أن يستمر في النفق - وفي حالتي - نحو روهليبن لتجنب الحوادث، وترتيب القواعد بشكل عام، بالإضافة إلى وضع لافتة تحذيرية، تم أيضًا طلاء خط أصفر سميك وواضح على الرصيف بين عمود حامل المصباح ومدخل النفق، وكان هذا الخط الأصفر يهدف إلى الإشارة إلى أنه حتى لو امتد الرصيف نفسه بضعة أمتار أخرى، وهو ما كان صحيحًا، فلا يجوز للراكب تجاوز هذا الخط الأصفر على الإطلاق. وهكذا، تشكلت - كما هو الحال في جميع المحطات - منطقة محظورة تمامًا بين الخط الأصفر ومدخل النفق، لا يجوز لأي إنسان، أي راكب، الدخول إليها تحت أي ظرف من الظروف.

  كنت أنتظر القطار ليأتي من اتجاه (كروزبرج )، وفجأة لاحظت أن شخصًا ما كان في هذه المنطقة المحظورة هذه المرة. كان متشردًا، وكان ظهره محنيًا، من الألم، وقد أدار وجهه قليلاً نحونا في مبديا هذا الألم، كشخص يتوقع التعاطف، كان يحاول التبول في الممر المبني للقضبان.

  بدا واضحاً أن عملية التبول تسبب له معاناة كبيرة، وكان بالكاد يتخلص من البول قطرة قطرة. بحلول الوقت الذي استوعبت فيه تمامًا ما كان يحدث هناك، كان الناس من حولي قد لاحظوا أيضًا ما هو هذا الحدث غير المسبوق الذي يعكّر صفو فترة ما بعد الظهيرة بالنسبة لنا. كان الرأي فوريًا وعامًا، ومتفق عليه بشكل يكاد يكون ملموسًا، بأن هذا فضيحة، ويجب إنهاء الفضيحة على الفور، ويجب يغادر المتشرد، ويجب إعادة تفعيل الخط الأصفر. لم تكن هناك مشكلة لو تمكن المتشرد من إنهاء حاجته، والتسلل عائدًا إلينا، ثم الصعود على الدرج إلى المستوى العلوي، لكن المتشرد لم ينهها، ومن المفترض أنه لم يتمكن من ذلك، وما جعل الحدث أقرب إلى المشكلة هو أن شرطيًا ظهر فجأة على الرصيف المقابل، ومناديًا من هناك، وكان في الواقع يقف تقريبًا مقابل المتشرد، أمر المخالف للقانون بحزم بالتوقف عما يفعله فورًا.

 لقد تم تصميم هذه المحطات - مرة أخرى، من أجل السلامة - بحيث يتم فصل القطارات القادمة والمغادرة إلى محطة معينة من اتجاهين متعاكسين عن بعضها البعض، أي أن مجموعتي القضبان وُضعتا في حفرة بعمق متر تقريبًا وعرضها حوالي عشرة أمتار، لذلك إذا غير الراكب رأيه وأراد الانتقال من الرصيف المخصص للقطارات المتجهة في اتجاه واحد فقط إلى الرصيف المتجه في الاتجاه الآخر، فإن عليه القيام بذلك عن طريق الذهاب إلى الدرج الذي يفتح في نهاية رصيفه، والصعود إلى المستوى العلوي، ثم السير عبر الممر فوق القضبان إلى هذا الجانب، والنزول على الدرج، وهكذا يصل إلى القطار المتجه في الاتجاه الذي رغب فيه فجأة، ولكن بالطبع لم يكن بإمكانه ببساطة أن يقفز في حفرة السكة ويقطع تلك الأمتار العشرة متجاوزًا هذه القضبان، لا، هذا، إذا كان من الممكن تصعيد الحظر، كان ممنوعًا بشكل أكبر، وبالطبع كان يشكل خطرًا على الحياة، وأنا أشرح هذه الحقيقة الواضحة بمثل هذه التفاصيل لأنه كان على الشرطي المذكور والذي كان غاضبًا بشكل واضح - محافظًا على كرامته إلى حد ما، ولكنه يستخدم سلطته وحسن تقديره - أن يسلك نفس المسار بالضبط، أي كان عليه أن يبدأ السير نحو الدرج الصاعد على ذلك الرصيف المقابل، ومن ثم كان عليه أن يصعد الدرج إلى المستوى العلوي هناك، ثم يسرع عبر الممر إلى هذا الجانب، وأخيرًا ينزل إلينا.

 كان هذا هو الوضع الحاكم، لذلك أُجبر الشرطي أيضاً على ذلك، لأنه من لحظة ملاحظة الأمر، رغم أنه صاح عدة مرات بصوته الجهوري، لم يأبه المتشرد، بل احتفظ برأسه موجهاً إلينا في نفس الاتجاه، ونظر إلينا بنظرة تعكس استمرار معاناته، بينما استمر في تقطير البول على القضبان، وهذا: انتهاك غير مسبوق حقاً للقاعدة، والنظام، والقانون، والحس السليم، أي أنه لم يأبه للأمر، أو بتعبير الشرطي المفترض: تظاهر بأنه أصم، وهذا آلم الشرطي بشكل خاص.

 لا شك أنّ المتشرّد كان واعياً بأنّ الشرطي، بفضل ميزته المؤثّرة الأخرى، سيكون أسرع منه، وأنه لن يستطيع بأي حال من الأحوال أن يُتمّ الفعل المحظور في الوقت المناسب وفقاً لإرادته وإرادة الطبيعة. لذلك، عندما أدرك أنّ الشرطي انطلق مسرعا، وأخذ يركض على الرصيف المقابل ليبلغ المخرج المرتفع البعيد، ويصعد إلى المستوى الأعلى، ويعبر فوق القضبان، ثم يهبط إلى جهتنا ليمسك به متلبساً، توقّف بصعوبة، وهو يئنّ ويتنهّد، عمّا كان يفعله، وبدأ يفرّ باتجاهنا ليصل بأسرع ما يمكن إلى أقرب سلّم صاعد ويختفي بطريقة ما.

 لقد كان سباقاً مروعاً. صمت الجمهور على رصيفنا، لأنه عندما تحرك المتشرد، أصبح واضحاً على الفور أن هذا الهروب لن ينجح هنا، لأن هذا المتشرد العجوز بدأ جسده كله يرتجف، وبدا أن ساقيه ودماغه الذي يتحكم في ساقيه يعودا يعملان بشكل سليم، وهكذا، بينما كان يراقب الشرطي وهو يسارع نحو مخرج الصعود هناك على الجانب الآخر - متراً بعد متر! - لم يكن هو، هنا على جانبنا، قادراً على قطع سوى سنتيمترات وسنتيمترات بجهد رهيب وأذرع متأرجحة، بينما كان الشرطي أيضاً، وهو أيضاً، ينظر إلى الأمتار العشرة التي فصلتهما عن بعضهما البعض. كانت هذه الأمتار العشرة تمثل للشرطي عذاباً قاسياً لحاجز عقابي غير مستحق، وبالنسبة له، على جانبنا، كانت هذه الأمتار العشرة تعني التأجيل، وهو تأجيل يحمل في طياته الأمل الساذج بأنه سيفلت من المساءلة الواضحة.

 من وجهة نظر الشرطي، كان هو يمثل القانون، والخير الذي أقره الجميع وبالتالي أصبح إلزاميًا، في مواجهة المخالف للقواعد الذي أدانه الجميع والرافض للمنطق، بمعنى آخر، كان يقف في وجه الشر. نعم، كان يمثل الخير الواجب، لكن في تلك اللحظة كان عاجزًا. أما في داخلي، بينما كنت أشاهد بتواضع هذا السباق اللا إنساني بين الأمتار والسنتيمترات، حدث أن انتباهي أصبح حادًا، وهذا الانتباه أوقف اللحظة. أوقفها عند اللحظة التي لاحظ فيها كل منهما الآخر: الشرطي الطيب لاحظ أن المتشرد الشرير يتبول في المنطقة المحظورة، والمتشرد الشرير لاحظ، لسوء حظه، أن شرطيًا طيبًا رأى كل هذا. لم يكن بينهما سوى عشرة أمتار، أمسك الشرطي بعصاه المطاطية، وقبل أن يندفع، تردد. أوه، كانت قوة لا نهائية لكنها محبوسة في تلك الحركة، عضلاته مشدودة مستعدة للقفز، لأنه خطر بباله للحظة: ماذا لو قفز ببساطة فوق تلك العشرة أمتار، بينما في حماية العشرة أمتار على الجانب الآخر، كان ذلك الكائن الهش شديد التعاسة يتخبط ويرتجف. هنا توقّف انتباهي، وهكذا ظلّ حتى اليوم، كلّما استحضرت تلك الصورة: حين انطلق الشرطي غاضباً، يلوّح بعصاه المطاطية، متجهاً نحو المتشرّد؛ أي حين اندفع الخير الواجب نحو الشرّ الذي عاد للظهور متخفّياً في هيئة المتشرّد، بل ليس نحو الشرّ فحسب، بل نحو الشرّ المحض، نحو الشرّ المقصود بوعيٍ كامل. وهكذا، في هذا المشهد المتجمّد، ما زلتُ إلى اليوم أرى أنّ الشرطي، في الجانب المقابل، يقطع أمتاراً وأمتاراً بخطوات متسارعة ثم راكضة، بينما المذنب، في جانبنا، لا يقطع سوى سنتيمترات وسنتيمترات، وهو يئنّ ويرتجف، ضعيفاً، ومشلولاً تقريباً من الألم، إذ مَن يدري كم تبقّى من قطرات في هذا الجسد. نعم، أرى أن الخير في هذا السباق لن يتمكن أبدًا من الإمساك بهذا الشر بسبب تلك الأمتار العشرة فقط، لأن هذه الأمتار العشرة لا يمكن تجاوزها، وحتى لو قبض هذا الشرطي على هذا المتشرد في نفس اللحظة التي يقتحم فيها القطار المحطة، فإن تلك الأمتار العشرة في عيني أبدية ولا تُقهَر، ذلك أنّ انتباهي لا يدرك إلا حقيقة واحدة: أن الخير لن يصل أبدًا إلى الشر المتخبط، لأنه لا يوجد أي أمل بين الخير والشر.

 صحبني القطار باتجاه روهليبن، ولم أستطع إخراج ذلك الارتعاش والتخبط من رأسي، وفجأة، كالبرق، طرأت على ذهني تساؤلات: متى سيثور هذا المتشرد وجميع المنبوذين الآخرين - وأي نوع من الثورة والتمرد سيكون؟ ربما دمويًا، ربما قاسيًا، ربما رهيبًا، عندما يقتل أحدهم الآخرين. ثم هززت رأسي، لأني أقول: لا، التمرد الذي أفكر فيه سيكون مختلفًا، لأنه يتعلق بالأمر برمته.

  سيداتي وسادتي، كل تمرد هو تمردٌ شامل، والآن، وأنا أقف هنا أمامكم، وأتباطأ خطواتي في غرفة البرج تلك في منزلي، تعود بي ذكريات رحلة قطار الأنفاق من برلين إلى روهلبن. محطةٌ مضاءةٌ تلو الأخرى، لا أنزل منها، وما زلت منذ ذلك الحين أتنقل بهذا المترو في الأنفاق، لأنه لا توجد محطة يمكنني النزول عندها، فقط أتابع المحطات وهي تمرّ أمامي، وأشعر أنني فكرتُ مليًا وقلتُ كل ما في خاطري عن التمرد،، والكرامة الإنسانية، والملائكة، ونعم، ربما عن كل شيء – حتى عن الأمل.

(تمت)

***

...................

* تنشر ورقيا فى جريدة أخبار الأدب المصرية فى العدد الجديد بتاريخ 14 /12/2025

 

في الدولتين الأموية والعباسية، على ما يروى، كانت تصك عملات معدنية يسمى أحد وجهيها «الطيب»، والآخر «النقيض». دار ميريت للنشر، في مسارها الثقافي الفريد، كانت عملة من هذا الطراز وجهها الطيب هو الحاضن الصغير الحميم للمواهب الجديدة، ووجهها النقيض هو ناشر متمرد لا يخشى التحيز لقناعات يصنفها كثيرون في خانة ضيقة؛ فيما هي، في حقيقتها، مجرد وضوح يزعج الأنساق الثقافية الراسخة. رحيل مؤسسها، محمد هاشم، ليس رحيل شخص فحسب، إنما هو اختفاء أحد النقائض التي ألزمت المشهد الثقافي المصري، قسرًا أو اختيارًا، بمراجعة ذاته.

هنا، في هذا المقام، لا يليق بنا أن نرثي الرجل برثاء عاطفي. فهاشم، وهو المنحدر من خلفية يسارية تقليدية وعرف السجن في شبابه، كان يرفض أن يختزل في عاطفية التمجيد. الأجدر أن نستدعيه كما كان: مثقفًا ناشرًا، استثمر في الفكرة كما يستثمر الآخرون في السوق، ووظف دار ميريت ليكون نقدها الثقافي رديفًا لإبداع من تنشر لهم، وليس مجرد وسيلة للترويج والتسويق. لقد فهم، بعمق، أن النقد الحقيقي – ذلك الذي يعد عملًا معرفيًّا وليس إبداعًا في ذاته – يقوم بوظيفة أساسية هي غربلة الواقع اليومي بحثًا عن البارقة الكثيفة، عن ذلك الجوهر الشعري المخبوء في قلب النثر المعيش.

ومن هذه الغربلة ولدت سمة داره الأشهر، تلك التي تحولت إلى نكتة ساخرة تختزل مأساة النشر المستقل: أن تكون ميريت حاضنة تربي المواهب حتى تشتد عودها، فتخطفها منها دور النشر الكبرى ذات الموارد التسويقية الأضخم. لقد شكلت هذه الظاهرة نسقًا ثقافيًّا مضمرًا بامتياز فهي تكشف عن اقتصاد ثقافي يقدم الولاء للنجاح التجاري السريع على الاستمرارية الفكرية، ويحول المؤلف من منتج لخطاب ثقافي إلى علامة تجارية قابلة للانتقال. كان هاشم، بوعيه السياسي القديم، يدرِك هذه اللعبة، وربما قبلها كمحصلة حتمية، لكنه لم يتوقف عن تقديم حاضنته تلك، كمن يقدم القرابين لنار يعرف أنها ستلتمهم قرابينه وتتقدم.

لكن ميريت لم تكن مجرد حاضنة ساذجة. لقد كانت، وبإرادة هاشم الواضحة، حاضنة أيديولوجية أيضًا. هنا يبرز الوجه النقيض للعملة، حيث يتحول الوضوح الفكري إلى تحيز ضيق في قاموس الخصوم. لقد حول هاشم الدار إلى منصة لمشاريع ثقافية تغاير السائد، فنشر للأديب سليمان فياض كتابه الجريء «النميمة»، وارتهن بمخاطر ترجمة كتب لكاتب إشكالي مثل حامد عبد الصمد. كان هذا الانحياز، بحد ذاته، شكلاً من أشكال النقد الثقافي الذي يرفض أن يكون النص مجرد علامة جمالية، يعامله كنسق ثقافي مضمر يحتاج إلى تفكيك وإضاءة. لم يكن هاشم يبحث بالضرورة عن الجميل في النصوص التي ينتقيها، لقد كان يبحث عن المخبوء وراء الجميل والقبيح على السواء، عن ذلك الحوار الصامت مع الأنساق المهيمنة.

في هذا، كان محمد هاشم أقرب إلى مفهوم التعددية الخصبة والتي يغترف منها المثقف وهو يغربل انتماءاته الأولى دون أن يلغيها. فقد كان مسيسًا يعيش على قضايا وطنه من بعيد، مما ولد فيه ربما ذلك الإحساس المزدوج بالالتزام والمسافة الذي يسمح برؤية أوضح، وإن كانت أكثر قسوة. لقد حول داره إلى جسر بين التعددية الثقافية التي نشأ عليها في بيئته الأولى، وبين حاجة المشهد المصري إلى أصوات مختلفة تخرجه من أحاديثه المكررة.

لعل المفارقة الأكثر إيلاماً، في مشهد النقد الثقافي الذي نعيشه، هي تلك الفجوة التي تفصل بين اللقاء الشخصي والاقتراب المشروع. لقد التقيته عشرات المرات، هذا الرجل، محمد هاشم. كان حاضرا في مقاهي وسط البلد والجريون، حاضراً في أمسيات الكتب، حاضراً في تلك الشبكة الخفية من الأحاديث التي تشكل العمود الفقري للحياة الثقافية المصرية. معظم أصدقائي، من جيلي وما قبله، نشرت داره أولى تجاربهم، أو أكثرها جرأة. وكانت نسخاً مجانية من إصدارات ميريت تصل إلي، حاملة ذلك الحضور المادي للفكرة، مع إهداء بخط يده أحياناً. ومع ذلك، ظلت كتبي، على تعددها، خارج فهرس دار ميريت. لم يكن هذا إخفاقاً في تقديم المخطوطة، أظنه كان استعصاء متبادلاً ناعماً، تشكل في منطقة ظل ذلك اللقاء المستمر.

هنا لا يعود الأمر يتعلق بـ "النكتة" الساخرة عن الحاضنة التي تستزرع فيها المواهب، لكن يصبح الأمر أكثر تعقيداً: إنه فشل معلن. ففي الوقت الذي كانت فيه "ميريت" تنفتح كحاضنة أيديولوجية على نصوص بعيدة، أو لكتاب جدد، كانت تشكل، بالنسبة لمسار كتابي الشخصي، نوعاً من الحاجز الوجودي. كان حضورها يعلن: هنا مكان للأصوات التي تحتاج إلى من يمنحها الشرعية الأولى، أو للمواقف التي تحتاج إلى منبر معلن. أما أنا، فكنت قد دخلت ساحة النشر من بوابات أخرى، وحملت معي، ربما دون قصد، شرعية جاهزة أو "صندوقاً أدبياً" معرفاً مسبقاً، كان هاشم، بحسه النقدي الحاد، يرفض استقباله داخل جدران حانوته الصغير.

لقد كان هذا الرفض غير المعلن هو أصدق أشكال الاعتراف بجدية مشروعه. فالناشر الأيديولوجي لا يخون قناعاته في سبيل كسب اسم جديد إلى قائمته. كان بإمكانه أن يضمني إلى رصيده كـ "غنيمة" ثقافية، كاسم له وزنه في سوق النشر، لكنه آثر أن يحافظ على نقاء بيته الداخلي. إن داراً كهذه لا تبحث عن النجومية التجارية للمؤلف بقدر ما تبحث عن التطابق الهش والصعب بين روح النص والروح الجماعية التي تشكل هوية الدار. وروح نصوصي، رغم كل الجرأة التي قد تحملها، كانت تنتمي، في بنيتها العميقة، إلى "أنساق مهيمنة" أخرى - ربما أنساق الشكل، أو اللغة، أو حتى الجمهور المتوقع – تتعارض مع منطق "الحاضنة" الذي يقتات على تفكيك المهيمن.

هذا الفشل في التوحد مع ميريت، رغم كل قربي الشخصي منها، هو ما يكشف الطبيعة التراجيدية للمثقف العربي. فنحن نلتقي في الفضاءات نفسها، نشرب القهوة نفسها، نتبادل التحايا والنسخ المجانية، وربما نتشارك في تشكيل "مشهد ثقافي" موحد الظاهر. ولكننا، في اللحظة الحاسمة - لحظة اختيار النص، لحظة منح الشرعية- ننتمي إلى كواكب متباعدة. كان هاشم يبني جسراً إلى السوريالية الأولى عبر الثقافة، بينما كنت أنتمي، ربما، إلى "مصرية ثانية" أو حتى ثالثة، تتشكل في فضاءات النشر الكبرى وأسواق الكتب الدولية. كان حوارنا الصامت هو: أنا لست من "مواليد" ميريت، ولم أكن لأصبح كذلك، حتى لو أردت. كانت داره تدافع عن حدودها الرمزية بحسم صامت، كأنما تقول: نحن هنا لصناعة المعنى من نقطة الصفر، وليس لاستقبال المعنى الجاهز.

وهكذا، فإن رحيله لا يثير في حزن من فقد صديقاً أو صاحب فحسب، بل حزن من فقد إمكانية اختبار ذلك الحاجز ذاته. لقد ظل سؤال لماذا لم أنشر في ميريت؟ سؤالاً حياً، وربما محرجاً، في كل لقاء. وكان جوابه الضمني هو ما منح العلاقة توترها الثقافي الخلاق. اليوم، بانتفاء ذلك الحاجز بغيابه، أشعر أن جزءاً من إمكانية تعريف ذاتي الثقافية قد ذهب معه. فلم أعد ذلك الكاتب الذي يمكن لميريت أن ترفضه، لأن ميريت، بالمعنى الذي صنعه هاشم، رحلت. وأصبحت أمام مرآة ذات واحدة، بلا ذلك الوجه النقيض الذي كان يعيدني، باستمرار، إلى سؤال الموقع والهوية والانحياز.

اليوم، ونحن نودع محمد هاشم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس عن مستقبل دار ميريت وحدها، لكن السؤال الجوهري هو عن مستقبل «فكرة» دار النشر المستقلة ذات الخط الواضح في عصر العولمة الثقافية الجارفة. لقد نجح هاشم، مثلما ينجح النقد الثقافي الحقيقي، في كشف عيوب نسقية عدة: نسق الاستهلاك السريع، ونسق الحياد الزائف، ونسق التبعية للتيار العام.

رحل الرجل الذي رفض أن يدخل في معركة فاشلة مع نص رديء، مفضلاً أن يخوض معارك أصعب مع نصوص جيدة في زمن رديء. وفي رحيله، يخسر المشهد الثقافي العربي أحد أولئك الذين ألزموا الكلمة بمسئوليتها، وألزموا الصمت بأن يفسر نفسه.

***

د. عبد السلام فاروق

 

ومواقف الأستاذ المربّي جورج هاشم

انقضى أكثر من قرن ونصف على وجود الجالية اللبنانيّة، ثمّ العربيّة بعامّة، في أستراليا. أكثر من قرن ونصف من الإخفاقات والنجاحات: إجتماعيّاً، إقتصاديّاً، سياسيّاً، علميّاً، ثقافيّاً. أحسنت الجالية وأساءتْ مثل أي جالية يتألّف منها المجتمع الأسترالي، يجب تثبيت ذلك، حتى لا يكون متعالون أو مهزومون، نعم، الجالية اللبنانيّة والعربيّة في أستراليا عموماً، وفي ولاية نيو ساوث ويلز خصوصاً، حيث التجمهر الأكبر، أخطأتْ وأصابتْ، ولكن في يوم المكاشفة سيتعيّن أن تتقدّم بوثائق، بتسجيلات، ببراهين، وإذا لا وثائق ولا تسجيلات ولا براهين ولا تاريخ فهل ذلك يعني إنّ الجالية موجودة؟ هذا ما يريد أن يتداركه الأستاذ المربّي جورج هاشم في كتابه "محطّات ومواقف \ من سيرة مهاجر" أن يتدارك كما تدارك قبله البعض من أبناء الجالية، ومنهم الصديق الأستاذ بطرس عنداري في كتابه "كي لا ننسى" فلا يُقال إن هذه الجالية الكبيرة المحترمة هي "شبِّه لكم" فهي لا تاريخ لها، وإذا كان لها وجود فهو من نوع ما تلفّظ به مرّةً ظالماً مفوَّض الشرطة الأسبق بيتر راين أنّ الجالية اللبنانيّة، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، هي دنيا الجريمة، وكان للأستاذ هاشم في حينه شرف الشجاعة، هو ومجموعة من المخلصين أفراداً وجمعيّات ومؤسّسات، لرفع دعوى قدح وذمّ بحقّ رأس أعلى سلطة أمنيّة.

أراد جورج هاشم أن يدلي بدلوه، بتسجيل حيّز من تاريخ الجالية، بأسلوب ينهل من أدب السيرة الذاتيّة الذي يقوم على تجربة الفرد في مجتمعه وحياته، وتدوينها بأمانة وصدق. وهكذا تتوالى صفحات كتاب "محطّات ومواقف \ من سيرة مهاجر" ناضحة بتاريخ فرد، ومن خلال هذا الفرد ذاته ناضحة بتاريخ جالية فقدتْ وطنَها الأوّل يوم فقدتْ فيه أمنها وسلامها، جالية أغلبها من أصول ريفيّة معظم حظّها من العاصمة في الوطن الأم ربّما العابر، جالية وسط بحر من الشعور بالغربة، على رغم سعة صدر الوطن الثاني أستراليا، تحاول أن يكون لها موطئ قدم تحت الشمس، جالية تتعرّف إلى ذاتها الجديدة وهويّتها الجديدة، جالية فيها العاقل الذي يردّد مع الإمام الشافعي، على ما يذهب الأستاذ جورج في كتابه: "كلّما أدّبني الدهر \ أراني ضعف عقلي \ وإذا ما ازددتُ علماً \ زادني علماً بجهلي" وقد صدق الإمام الشافعي وصدق الأستاذ هاشم بنقله عنه. وفيها الجاهل المغرور حيث كما يقول جورج محاكياً المتنبّي أشهر العرب في الشعر: "الخيل والليل والأنخاب تعرفني \ والكيف يا حيف لا رمحٌ ولا قلم". جالية تعجّ بالمتناقضات، وخصوصاً تلك التي ورثتْها مكرَهة، وبصبرٍ ودأب، على رغم العثرات، تكافح للتخلّص من إرثها العقيم في القرويّة والمناطقيّة والجهويّة والعنصريّة والمذهبيّة والطائفيّة.

وأجدني أجانب الحقّ إذا لم أذكر تلك الروح النبيل التي تقود الأستاذ جورج هاشم وهو يخطّ سيرته في أستراليا، فيذكر أفعالاً كريمة لأصحاب ضمائر حرّة وأيادي بيضاء، ويثني على الفعل والفاعل، ويستكره ويستنكر أعمالاً بغيضه لأصحاب ضمائر ميّتة وأيادي يابسة، ويشهِّر بهذه الأعمال متجاوزاً عن عمّالها، فليس هنا تسوية حسابات ضيّقة، بل الهدف الأسمى أي الخير لهذه الجالية فتتمسّك بالطيّب، تتمثّله، وتمارسه، وتنأى عن الشرّ والسيء. فيما منارة المستقبل عند الكاتب هي واحد أحد: "الصدق مع الذات" فلا تطوّر ولا تقدّم من دون الصدق مع الذات، والذي من دونه أيضاً يستنقع الإنسان فلا هِمّة ولا نخوة بل هو مرائي، فكيف تنهض جالية بمن فيه داء الخبث مثلاً؟ ويقول جورج في كتابه أن المصاب بالداء الخبيث يمكن أن نعالجه، ولكن لا علاج لمن داؤه الخبث. أو كيف تنهض الجالية بمن هو على شكل ما يقول الشاعر ويردّده الكاتب: "فنذل الرجال كنذل النبا \ ت لا للثمار ولا للحطب".

ومن طرائف الأستاذ جورج هاشم في كتابه الظريف تصدّي الشاعر الزجلي الراحل رامز عبيد لأحد الصحفيين المدّعين في سيدني الذي كان قبل عصر الكومبيوتر والإنترنت يجمع الصحف والمجلاّت اللبنانيّة والعربيّة و"يقصّ" منها ما يريد من أخبار ومقالات وتحقيقات، وبالغراء يلصقها بصحيفته المحليّة، ويقول، على الرغم، إنّه ألمعي الصحافة المهجريّة في أستراليا، فيقول له الراحل الشاعر عبيد: "ما دام في عندك غري ومقص \ تحيا الصحافي الإنت ريّسها". ويعمل الأستاذ كامل المرّ، رئيس رابطة إحياء التراث العربي، سنة كاملة في مجلّة طريق الجالية التي يُشرف عليها ويوفّر تمويلها التجمّع الثقافي والأستاذ جورج هاشم ذاته، سنة كاملة والأستاذ المرّ يُجاهد في سبيل الكلمة، وكلّما حان موعد أن يقبض معاشه يمرّ عليه صديقه جورج ويسلّم عليه ويشدّ على يديه ويقول له باسماً: "يعطيك العافيه يا أبا هشام" ويخرج. وأخيراً وليس آخراً تنقسم جمعيّة تنّورين بين من يريد إرسال التبرّعات المجموعة لبناء قبّة الكنيسة في تنّورين الفوقا وبين من يريد توجيه التبرّعات ذاتها دعماً للمستوصف، وكان الكاتب جورج هاشم من حزب دعم المستوصف، والأكثر جهراً بدعمه هذا، فوقف له أحد حزب قبّة الكنيسة وقال له: "بكرا لمّا بتموت خلّيهم يجنّزوك بالمستوصف"! فجاوبه جورج قائلاً له ومن العيار ذاته: "بكرا لمّا بتفكش رقبتك خلّيهم يجبّرولك ياها على قبّة الكنيسه"!.

كتاب "محطّات ومواقف \ من سيرة مهاجر" هو قصّة مهاجر لبناني إلى أستراليا تتداخل معها قصّة جالية آمالها كبيرة في أن تكون عضواً ناجحاً في نادي أستراليا المتعدّدة الثقافات، هو كتاب في الحلو والمرّ، في الأمل واليأس، في حياة تريد أن تعيش بكرامة. كتاب في النخوة والشجاعة والصالح العام والتضحية العالية والصدق مع الذات وإحياء جالية وتسجيل تاريخ فلا يضيع.

***

شوقي مسلماني

رغم التباين بين الشخصيتين فكل واحد منهما أخذ مساره الفكري والإيديولوجي ألا أن ثمة احترام وتقدير بينهما فكان نجيب محفوظ وفيا لسيد قطب فكان يتذكر أنه أهم من كتب عنه ولفت النظر إليه وتحمس لكتابته عندما كتب سيد أول مقال نقدي عن رواية " كفاح طيبة " الصادرة سنة 1944 فلم ينس نحيب محفوظ هذه الالتفاتة رحمهما الله وغفر لهما ...

ويوضح لنا الكاتب " محمد سيد بركة" هذه العلاقة التي جمعتهما فيقول: "كما كان سيد قطب من أوائل الذين قدموا نجيب محفوظ للقراء منذ أكثر من ستين سنة، فسيد قطب هو الذى أعطى نجيب محفوظ شهادة ميلاده كروائى، وروائى عالمى، وهذا ما كان يتذكره نجيب محفوظ دائما بوفاء وامتنان حيث قال ذات مرة: لم يكن أحد يعبرنا، وكان أول من كتب عني سيّد قطب، وبعد ذلك أنور المعدّاوي .. لأنهما أدباء شبان لديهم شيء جديد، وأنا أيضا كنت شابا ولدي الجديد .

ويقول محفوظ في مذكراته الصادرة عن دار الشروق: سيد قطب هو أول ناقد أدبي التفت إلي أعمالي وكتب عنها، وكان ذلك في الأربعينيات، وتعرفت عليه في ذلك الوقت حيث كان يجيء بانتظام للجلوس معنا في كازينو أوبرا.. كانت العلاقة التي تربطنا أدبية أكثر منها إنسانية."

لكن رحلة سيد قطب رحمه الله إلى أمريكا عام 1948في بعثة من وزارة المعارف للتخصص في التربية وأصول المناهج  فتحت عينيه على حقائق جديدة غيرت بوصلة اهتماماته من الكتابة النقدية والأدبية إلى الاهتمام بقضايا الفكر والتغيير الاجتماعي لم يكمل الدراسة في أمريكا وبعد التحاقه بالإخوان المسلمين دخل في صراع مع السلطة فعرف السجون والمعتقلات وانتهت حياته بالإعدام ...

بينما نجيب محفوظ تفرغ للادب والرواية خاصة وأعطاهما جل وقته واهتماماته ولم ينشغل بالسياسة والانضمام للأحزاب حتى لا تشغله عما يستطيع أن يترك فيه بصمته فالاشتغال بالسياسة والانخراط في الأحزاب مضرة للمبدعين فما أحلى واجمل أن يغرد الكاتب خارج سرب الإيدبولوجيا والحزبية حتى يترك للإنسانية ما ينفع ويفيد!..

***

الكاتب شدري معمر علي - الجزائر

...................

1- محمد سيد بركة، نجيب محفوظ عندما رد تحية سيد قطب بالتي هي أسوا، رابطة أدباء الشام.

الأدب الشعبي بكل صنوفه المعروفة، من القصيد، العتابة، الزهيري، الحكاية، وغيرها، جزء من الموروث الثقافي لأي مجتمع، ومنها بالطبع مجتمع ريف الديرة.

ويكتسب الموروث الأدبي الشعبي أهميته، ليس من خلال اعتباره جزءاً من الهويّة فحسب؛ بل لأنه يمثل ثقافة مجتمع، بكل ابعاد تفاعلاتها الاجتماعية، والزمانية، والمكانية، وبالتالي فهو عطاء متراكم، من حاصل كل تلك التفاعلات، والتي اعتاد الناس على ابداعها، وتداولها، واستلهام القيم الإيجابية منها، حكما، وامثالا ومواعظ، كلما دعت الحاجة إلى ذلك.

 لكن خفوت وهج الأدب الشعبي في مجتمعاتنا الحديثة، بتداعيات العصرنة الصاخبة، وما افرزته ثورة الاتصال والمعلوماتية الرقمية، من بدائل تقنية للتلقي، رغم كل ما قدمته للموروث الشعبي من خدمة، في توثيقه، وسىرعة تداوله، الا أنها وضعته على طريق التلاشي التدريجي، حيث بات هذا الخفوت يدق جرس إنذار، بتلاشي أحد مصادر تشكيل أصالة الهوية الاجتماعية.

وإذا كانت ذاكرة الثقافة العربية، تحفل بثراء زاخر في موروثها الشعبي، بسبب عراقته الضاربة في القدم، بما هو آصرة أصالة، فلا شك إن الأمر يتطلب العمل على تنشيط هذا النمط من التراث، وجمع ما يمكن من حكائيته الشعبية بكل اصنافها، وتناولها رواية، وتداولا، ونقدا، وقراءة، وتلقيا، سواء على المستوى الشعبي الدارج في مجالس السمر، والدواوين، او على المستوى الأكاديمي، وذلك لإعادة الروح له، والحفاظ على ما تبقى منه من الضياع، قبل أن تكنسه من الوجود وسائل العصرنة الصاخبة، بتداعياتها السلبية المفتوحة، في كل الاتجاهات.

***

نايف عبوش

أن تجعل من الأدب قوة مضادة، وتمنح للحروف سلطة الكشف عن الحقيقة؛ ذاك هو التحدي الذي رفعه جون إدغار وايدمان في روايته" أن تكتب لتنقذ حياة"*، حيث تتواشج السيرة الذاتية مع الخيال والحقيقة التاريخية، لإعادة تأسيس عالم لا يكون فيه للون البشرة أية أهمية.

في سنة 1955 تصدّرَ عناوين الصحف الأمريكية خبرُ إعدام صبي أسود في الرابعة عشرة من عمره. كان إيميت تيل يستقل قطار شيكاغو لزيارة عائلته في ولاية مسيسيبي. زعموا أنه أطلق صفيرا في حضور سيدة بيضاء، فتم اختطافه واغتياله ليعيد قطار آخر جثته بعد بضعة أسابيع.

أثناء محاكمة القتلة بتهمة الاختطاف والضرب المؤدي إلى القتل، تتلقى الصحافة معلومات سرية من الملف العسكري لوالد الضحية. كان لويس تيل مجندا في الجيش الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية، وتوبع في إيطاليا بتهمة الاغتصاب والقتل، حيث صدر في حقه حكم بالإعدام.

الابن سر أبيه إذن! وبعد ساعة من المداولات تمت تبرئة القتلة.

على امتداد نصف قرن لم تفارق صورة إيميت مخيلة الكاتب، ليقرر إعادة تجميع خيوط القضية، عبر استجواب الأرشيف، وفحص المقالات والمحاضر، وزيارة موقع الحادث. بدت الحقيقة واختفاؤها أغرب من الخيال، وأعمق من أي سرد فني. وفي بحثه عن حزن السود، وأنماط الرعب المتوارثة عبر أجيال، كان وايدمان يعيد تشكيل الروائي كبوصلة أخلاقية، تنكأ جروح العنصرية، واللامبالاة التي تُظهرها أمريكا وجهازها القضائي تجاه آلام السود.

شق وايدمان طريقه عبر الكتابة، حافزا للفروق الدقيقة، ومشككا في حالة التجانس لذاكرة جماعية تتعمد الإخفاء القسري لذوي البشرة السوداء، وإحداث انقطاعات داخل الهوية تستدعي لحظة صادمة ليستفيق المشهد الأدبي الأمريكي من إدمانه على "البياض".

ولد جون إدغار وايدمان في واشنطن سنة 1941، ثم انتقلت عائلته إلى "هوم وود"، الحي الأسود في بيتسبرغ ببنسلفانيا، وهو الفضاء الذي ألهمه لاحقا كتابة ثلاثيته الشهيرة "هوم وود".

كان جون طالبا موهوبا، لذا حصل على منحة دراسية للالتحاق بجامعة بنسلفانيا، ليتخرج بشهادة في اللغة الإنجليزية عام 1963، ويفوز بمنحة رودس التي مكّنته من متابعة الدراسة الجامعية بجامعة أوكسفورد. وفي سنة 1966 عاد جون إلى الولايات المتحدة لينتظم في سلك التدريس بجامعة بنسلفانيا، ويؤسس قسم الدراسات الأفروأمريكية.

يُعدّ وايدمان أول كاتب يفوز بجائزة القلم/فوكنر الدولية مرتين، وهي جائزة أدبية مرموقة يتم فيها التحكيم من قِبل الأقران (أي كُتاب آخرين)، الأولى عام1984 عن روايته" أرسلت إليك بالأمس"، والثانية عام 1990 عن روايته "حريق فيلاديلفيا". وتتميز كتاباته بالحرص على استكشاف تعقيدات العرق والعنصرية، كما تعرض تأملات في الظلم التاريخي، والخيوط التي يتوجب الإمساك بها لفهم جذور العدوانية إزاء الآخرين.

إن وظيفة الأدب كما يُصرّ عليها وايدمان هي الاشتباك المستمر بين ما هو شخصي وحميم، وبين القضايا السياسية والأخلاقية، لذا تبدو نصوصه كحفرة تخترق طبقات التربة، ولا تقدم أية تنازلات للقارئ. صرّح على هامش مهرجان فرجينيا للكتاب في دورته الخامسة والعشرين، قائلا:

"الأدب لا يحل المشاكل، بل هو فرصة للتفكير في المشاكل، ولإبداع أفكار جديدة في عقولنا، ولمحاولة ابتكار عالم مختلف في عقول الآخرين."

اتسمت أعمال وايدمان بتنوع مذهل بين السرديات الخيالية والنقد الاجتماعي اللاذع. يبدأ تحقيقه الأدبي في ملف لويس تيل بالحديث عن ذكرياته مع جده لأمه، جون فرينش، واللحظات التي قضاها وهو يمتطي كتفي جده العريضين، ويستمع للحكايات والأشعار في صمت وهما يسيران في شوارع هوم وود. وفي هذه القصة يصف وايدمان جده وهو ينادي كليمنت الأسود قصير القامة، وكيف ارتسمت على وجهه ملامح حزن وألم لا تُنسى. يربط وايدمان هذا الحنين المُبطّن بما سيقع بعد تسع سنوات، حين يرى صور تيل في المجلة، وكيف أثرت الصور في كل ذرة من جسده.

تشكل الذاكرة الشخصية في روايته" أن تكتب لتنقذ حياة" نقطة انطلاق حول كيفية استخدام الذاكرة لمعالجة الندوب التي تُشكل رجولة السود، تلك الرجولة التي تستمد قسوتها من النظام الأبوي في البلد لتُبتلى بكراهية النساء. يثير وايدمان ندوب العنصرية المروعة، وجراحها المتقيّحة حين يكشف وحشية العلاقة الزوجية بين تيل ومامي، ليُظهر بعدا آخر للمأساة، ذاك المتعلق بالعنف الأبوي المتوارث عبر الأجيال.

تمثل شخصيات وايدمان رموزا لحالة السود المضطهدين والمنسيين، والفاسدين بشدة كذلك. وهو لا يحاكم شخصياته بقدر ما يكتفي بمنحها صوتا فحسب، لذا يستحوذ الإيقاع المتقطع على الحوار الداخلي المشبع بلغة الشارع المبتذلة والفقيرة، أما اللغة فيحرص وايدمان على بُعدها الموسيقي، وغنائيتها النابضة بالحياة، والمشبعة بالثقافة الشعبية الأفروأمريكية:

"لا أحد يملك اللغة. اللغة قابلة للابتكار التام من قِبل كل منكم. اللغة ظاهرة جماعية. هذا ما آمل أن أثبته لأناس مثلي. أنتم تملكون العالم. هو ملك لكم. اللغة آلة موسيقية. اللغة ترقص!"

تبدو الرواية أشبه بواجب رمزي تجاه من يعتبره المؤلف شهيدا للحقوق المدنية؛ غير أنه لا يكتفي بتسليط ضوء كاشف على وقائع الجريمة فحسب، وإنما يعيد النظر في شؤون العائلة، بدءا بالجدة" تيل" ووصولا إلى الأب لويس الذي حوكم بتهمة الاغتصاب والقتل، ودُفن في قبر لا يحمل سوى رقم، لأنه مات "بلا شرف". يذهب وايدمان إلى القبر ليلقي التحية، وليفتح ثقبا أسود، حيث تُلقى الجثث بشكل لا ينفصم عن سرديات الظلم والقهر.

يضع وايدمان قارئه، بشكل مأساوي ومتذمر، أمام عدالة لم تولد، ويستحثه لبذل الجهد والتركيز لمواجهة التناقضات العميقة لخطاب الهوية، خاصة في مجتمع أمريكي تتعمق داخله الانقسامات العرقية. هو نوع من التاريخ المضاد الذي ينبري وايدمان لتوثيقه، متسلحا بتقنيات ومهارة فنية عالية. لذا لا ينبغي قراءة نصوصه من منظور سياسي بحت، وإنما كتأمل عميق يستجدي الخيال لإعادة دمج الذات الملونة في سردية كبرى، تحررها من التعريف البسيط والمختزل للكاتب الأسود.

كيف يرحل لويس تيل إلى أوروبا أثناء الحرب، ليدافع عن بلد يحرمه أدنى حقوقه؟ ولماذا تُعد البشرة السوداء إدانة مسبقة، قبل البحث والتحري؟ لا يصدر وايدمان أحكاما، بل يثير الفوضى داخل بنية الأدب نفسها، ويجعل من المقاومة جوهر وظيفته. إنه خيار قد يحد من إشعاع الكاتب وحضوره المواكب لأسباب لا علاقة بها بالكتابة.

 لقد همشتني كتابة الروايات، يقول وايدمان، بقدر ما هُمشت بسبب انتمائي المفترض إلى عرقي. لذا رغم كونه أحد أعظم كتاب أمريكا المعاصرين، إلا أن الوصول إلى عموم القراء في بلده استغرق حوالي عشرين عاما، وكان على دار النشر الفرنسية (غاليمار) أن تتنظر ربع قرن قبل إصدار ترجمة فرنسية لأعماله.

***

حميد بن خيبش

........................

* جون.إ. وايدمان: أن تكتب لتنقذ حياة، ملف لويس تيل. ترجمة مصطفى ناصر. دار المدى2019

أرجعتني إعادة إحدى الصحف النصراوية، نشر قصة " قطار الخامسة والربع" للكاتب العربي المصري سيد جاد، إلى أيام خلت وحفلت بالعديد من المجلات، الكتاب، القصص والذكريات المعتقة. هذه القصة وقصة أخرى لصاحبها نشرتا في عددين متقاربين من مجلة "المجلة"، التي كان يتولى رئاسة تحريرها آنذاك- في السبعينيات الأولى وما قبلها، الكاتب المبدع يحيى حقي، هذا الكاتب الذي صرح نجيب محفوظ انه واحد من رهط من الكتاب العرب الذين استحقوا جائزة نوبل الأدبية " مثلما استحق هو.. وربما أكثر". واذكر انه كان يساعد حقي في تحرير هذه المجلة الراقية، رهط من الكتاب اللامعين منهم: أنور المعداوي، فؤاد دوارة ويوسف الشاروني.

رغم أن الكاتب سيد جاد لم يكن معروفا في حينها لديّ، كما كان معروفا لدي محمد ابو المعاطي أبو النجا مثلا، وهو من كتاب تلك المجلة، فقد أثارتني هاتان القصتان، أيما إثارة، وقد أعجبت بما ضجتا به من سرعة القص وتتابع الكلمات والجُمل، وهو ما يتساوق مع اللحظة التي يدور السرد حولها، هذه اللحظة هي عبارة عن لقاء سريع تمّ بين رجل وامرأة غريبة، لقاء ومض كأنما هو حلم حط مثل طائر شارد مرغوب به.. على يد الرواي، وما لبث أن ولى وطار، ليعيده قطار الساعة الخامسة، إلى وكناته البعيدة المجهولة. لقد تمكن راوي هذه القصة وأختها الشبيهة بها، من حبس أنفاس قارئها، أنا على الأقل، وجعله يعيش حلاوة اللقاء بالضبط كما جعله يعيش مرارة الفراق وأسوته.

أسجل، الآن، وأنا اكتب هذا التعقيب على إعادة نشر هذه القصة، ملاحظتين أراهما غاية في الأهمية، وقد يتعلم منهما البعض من الإخوة المهتمين، في طريقهم الطويل مع الإبداع الادبي، هاتان الملاحظتان هما:

أ-أننا لا نحتاج لقراءة عشرات القصص لكاتب ما، حتى نكتشف قدراته الإبداعية، وربما يكفي أن نقرأ له قصة أو قصتين حتى يدخل قائمة اهتماماتنا، وقد يؤكد ما أقوله هنا، ما تردد عن أهمية الكيف في مقابل الكم، فالكاتب المبدع قد ينتج القليل من الإبداع الحقيقي، ليتخذ موقعه إلى جانب أقرانه من الكتاب المبدعين، ولعلي لا ابتعد كثيرا إذا ما قلت إننا عادة ما أحببنا قصة أو قصتين لكاتب ما فأدخلناه إلى قائمة من نتذكرهم ونعلن إعجابنا بكتاباتهم، هل قرأتم القصة القصيرة "وردة لعيني إميلي"، للكاتب الأمريكي وليم فوكنر.. المشهور وذائع الصيت؟ ألا تكفي مثل هكذا قصة لمنح كاتبها مكانة خاصة بين كتاب القصة ومبدعيها المُجلّين في العالم أجمع؟ وهل أذكّر الإخوة القراء بعد هذا كله بأنه يوجد هناك كتاب مبدعون لم ينتجوا أكثر من عمل روائي إبداعي واحد؟ إذا كنتم لا تصدقون ما أقوله اسألوا العم جوجل، يعطكم الجواب الكافي والشافي أيضا.

ب-ان الحياة الأدبية عادة ما ترفع أسماء لا تستحق وتتجاهل أسماء تستحق الذكر وبجدارة، وهو ما يعني أن الإعلام يلعب دورا كبيرا في بروز كتاب وتجاهل آخرين لا يقلون إبداعا عنهم إذا لم يكونوا أكثر إبداعا منهم، صحيح أن الزمن قد يعود بعد نحو الألف عام لتسليط الضوء على من تم تجاهلهم من معاصريهم، إلى أن أعاد احد المجتهدين اكتشافهم كما حصل عندما سلط الكاتب العربي المصري عباس محمود العقاد الضوء على الشاعر العظيم ابن الرومي.. فاصدر كتابه المشهور عنه. لكن السؤال الذي يبقى قائما والحالة هذه إلى متى سنبقى، نحن بني البشر، نتجاهل مبدعينا الحقيقيين وننتظر من يكتشفهم بعد سنوات وسنوات من النسيان؟ الم يحن الوقت لظهور ناقد أو أكثر لينقب في بطون الكتب والمجلات، لإعادة الاعتبار الى أولئك المبدعين الذين تم تجاهلهم.. لا لسبب إلا لأنهم ربئوا عن أن يروجوا لأنفسهم، كما يفعل أنصاف وربما أرباع مبدعين؟ وسؤال آخر: إلى متى ستتكرر مآسي كتاب ومبدعين حقيقيين يعيشون معنا وبيننا.. يجوعون في حياتهم.. ويشبعون كلاما بعد رحيلهم؟

لقد أثارتني قصة "قطار الساعة الخامسة" وأختها الرائعة، فتابعت كتابات سيد جاد، في كل مكان وجدتها فيه، ومما اذكره في هذه المناسبة، إن هذا الكاتب الصامت المبدع، نشر في احد أعداد مجلة "المجلة" ذاتها، مقالة طويلة وخفيفة دم، لخص فيها كتاب "كيف أصبحت كاتبا" للكاتب الأمريكي الهام ارسكين كالدويل، كما ترجم من الانجليزية إلى العربية كتابين أراهما هامين أيضا، هما:" عشر روايات عالمية" للكاتب البريطاني سمرست موم، والآخر رواية "تور تيلا فلات" للكاتب الأمريكي جون شتاينبك، وقد صدرت ضمن السلسلة الأدبية الشعبية المعروفة " "روايات عالمية"، ومن المؤكد أن هناك كتابات وفيرة لهذا الكاتب، فهو كاتب ومترجم مبدع.. لا يمكن لمثله أن يصمت.. إلا في يومه الأخير.

***

بقلم: ناجي ظاهر

بين استلهام المورورث، والتناغم مع التداعيات المتسارعة للعصرنة

لا شك ان النص الإبداعي يعكس تجربة الكاتب الأدبية، التي صنعها، من خلال تفاعله، مع طبيعة محيطه، وتعالقه الحياتي، والوجداني، مع عناصر ذلك المحيط، طيلة فترة ممارسته النتاج الأدبي.

وفي ظل التطورات العلمية، والتقنية، والاقتصادية، والاجتماعية المتسارعة، التي بات يشهدها العصر الحديث، فقد وجد المبدع نفسه، مشدودا، بين ارهاصات ضغوطات إيحاءات الموروث الشعبي، الزاخرة بكل نبض حسه المرهف، وبين ضرورات استجابته لتداعيات العصرنة الصاخبة، والتناغم مع مستجداتها، التي اضحت ترهق الحس، بالنتاجات الآلية الصماء، رغم كل اغراءات وهج حداثتها.

ولا ريب أن السؤال الذي يطرح نفسه بجدية، لتجاوز هذا الاشكال، هو كيف يتعايش الكاتب والاديب، اذن، مع كل تلك الإيحاءات المتناقضة، لاسيما وانها حاضرة في وجدانه بقوة، ومن ثم، فهي تؤثر بشكل مباشر، في تشكيل معالم النص الأدبي.

فمعروف ان إيحاءات العصرنة الصاخبة، تتجسد في واقعه اليومي، بكل تلك التطورات التقنية، والتحولات الاجتماعية المتعالقة، حيث أتاحت العصرنة أدوات جديدة للتواصل، والتعبير، مثل وسائل التواصل الاجتماعي، وتطبيقات الذكاء الإصطناعي، التي غيّرت مفهوم النص الأدبي، لتجد في شاشة الهاتف الذكي، اكثر من نص، واكثر من قصيدة، واكثر من صورة..

كما ان ضجيج عصرنة الحياة الصاخب، والتطورات السريعة، في تطبيقات الذكاء الإصطناعي قد أثرت على واقع شكل النص، ومضامينه، فأصبح القارئ يبحث عن الإيجاز، والتكثيف، والتأثير السريع، الذي يتيحه ايقاع عصر السرعة.

ولابد من الإشارة إلى أن عصرنة المعرفة، قد تمظهرت بالتعددية الثقافية، فصار النص مهما كانت خصوصيته، منفتحا على ثقافات مختلفة، بلا قيود، حيث مسخ، واستلاب الكثير من اصالة الهوية، رغم كل أثراء التعددية، للتجربة الإبداعية.

وهكذا أصبح الأدب اليوم، وليد فضاء العالم الافتراضي المفتوح، وليس بالضرورة وليد الأديب الواحد، الذي ينبغي أن ينتسب إليه.

ولذلك بات من الضروري التواصل مع المورورث الزاخر، والحرص على اصالة هويته، مع ضرورة التناغم المتوازن مع معطيات العصرنة، في الوقت نفسه، لمواكبة هذا التطور المتسارع في عصرنة الحياة، في كل المجالات.

ولاشك ان هذه المهمة تتطلب ابداعا متجددا، وإبتكارا مقتدرا، في التعبير، بحيث يتمكن المبدع من أن يستخدم الموروث الشعبي، ويُحدثه عبر أدوات العصر الحديث، ويمزج التراث بالحداثة، ليستولد نتاجا جميلأ، تتجسد فية نكهة الماضي، ويحضر فيه، وهج العصرنة، دون نشاز، وبما يضمن الحفاظ على اصالة الهوية، ويجعل العصرنة عامل إثراء، وتطوير، للموروث، وليس وسيلة مسخ، وتشويه.

ولا ريب أن تبني مثل هذا النهج التناغمي في الاستجابة لإيحاءات استلهام الموروث، والتعالق مع إيحاءات العصرنة، يطرح اشكالية كيفية التفاعل مع القارئ الجديد، الذي افرزته العصرنة، وبالتالي فإن الكاتب، والاديب اليوم، مطالب أن يفهم متطلبات، واذواق، جمهور متلقي، عصري، يختلف في متطلباته عن جمهور متلقي الأمس التقليدي، مما يحتم أن يكون النص الإبداعي، متجددًا، ومشوقًا.

***

نايف عبوش

نحن أمام تحديات جمة وكبيرة كي نتمكن من تحقيق الألفة والانسجام، وإشعال ذلك الضوء الخافت في داخلنا عندما نتعامل مع البشر عموماً ومع من نحب وننسجم على وجه الخصوص. فثمة أمور عديدة تحركنا وتدفعنا نحو الأفضل، وفي المقابل تقف في طريقنا أشياء كثيرة تضعف عزيمتنا، وتحبطنا، وتطفئ فتيل النور الذي نحاول إضاءته في عتمة ليل دامس وسواد يظلل خطانا ومسيرنا. ومع كل تلك العوائق، نجد أنفسنا أحياناً كمن تجمد في منتصف الطريق، يتسرب إليه الشعور بالعجز، ويخفت فيه الضوء الساطع الذي كان يفتح أمامه مسارات توصله إلى مبتغاه وأهدافه التي طالما سعى للوصول إليها.

ومن الصعوبة بمكان أن نوقظ مشاعرنا الخافتة من جديد دون أن نتذكر قوة العلاقات التي تجمعنا مع أولئك الذين يشكلون محطات أصيلة في حياتنا. فالعلاقات الإنسانية ليست مجرد عبور عابر، بل هي جذور ضاربة في عمق ذواتنا، تحيي فينا ما مات، وتعيد تشكيل ما تكسر وما تحطم بغض النظر عن صعوبة الموقف والمشهد لذي نراه ونحس به، وتمنحنا القدرة على الاستمرار في لحظات التراجع والتعب والإعياء.

إن التركيز على القاسم المشترك بيننا وبين من نحب، واستحضار اللحظات الجميلة التي جمعَتنا بهم، يعيد إلى القلب دفء افتقده، وإلى الروح يقيناً بأنها ليست وحيدة في هذا العالم الشاسع. وحين نتذكر أثرهم العميق في نفوسنا، وصدى مواقفهم التي تركت فينا بصمة لا تنسى ولا يمحى أثرها ووقعها، نكتشف أن وجودهم لم يكن عادياً، وأن دورهم في حياتنا لم يكن عابراً، وأنهم من القلة الذين يستحقون أن نمنحهم مساحة واسعة من الاحترام والتقدير والامتنان.

وعندما نعظم أفعالهم، ونحرك العقل الكامن في داخلنا تجاههم بوعي وإنصاف، تظهر الحقيقة جلية أمامنا: هؤلاء ليسوا مجرد أشخاص؛ إنهم ركائز، ودعائم نفسية، وشركاء أصيلون في مسيرتنا. لذا تخرج عواطفنا نحوهم بلا تكلف، وتضعهم في الصف الأول من مشوار حياتنا، إدراكاً منا أن بعض الخطوات لا يمكن أن نخطوها من دونهم، وأن بعض الأحلام لا تنضج إلا بوجودهم، وأن بعض الطرق لا تسلك إلا إذا كانوا معنا.

نتذكر صورهم، كلماتهم، مواقفهم، أسلوبهم في تضميد جراحنا، ودعمهم لنا حين خذلنا العالم من حولنا، فمواقفهم اقوى من ذبول مشاعر نحس بها أو فتور أصابنا وعشش في ذاكرتنا، فنشعر بأنهم أصحاب مكانة جليلة لا تضاهيها مكانة ولا يقوى أحد على الجلوس على عرشها سواهم، فهم أصحاب قلما يغفل قلبنا عن تذكرهم ونسيان لحظات جميلة عشناها معهم. فهم من يستحقون الاهتمام والشكر والتبجيل، وهم الذين تدعونا أفعالهم النبيلة لأن نحبهم أكثر، وأن نعظم مشاعرنا تجاههم، لأن الحياة معهم أوسع وأبهى وأقرب إلى السلام والطمانينة والعيش الهنيء والكريم.

وخلاصة القول: إن التركيز على صفات من نحب، وممارساتهم الجميلة في حياتنا، يجعلنا نضعهم في صميم القلب وفؤاده، لأن الحياة التي نحياها لا تستقيم إلا بهم، ولا تزدهر إلا بالقرب منهم. فنحن، في نهاية المطاف، كسمكة لا تستطيع العيش خارج الماء؛ وهؤلاء الأشخاص الطيبون الرائعون هم ماء الروح، هواؤها، وبيئتها التي تبقيها حيّة وقادرة على السباحة في هذا العالم المليء بالتيارات.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

10-12-2025

أضحى - الصالون الأدبي الهادي النعمان - بمدينة المنستير ـ تونس ـ  منذ سنوات علامة مضيئة في الحياة الثقافية بتونس بفضل اجتماع ثلة من محبي الأدب شعراء وقصاصين ونقاد ومن أساتذة مواكبين لجلساته الأسبوعية عصر كل يوم جمعة بإشراف الشاعر والأديب الحبيب مرموش وبدعم من المركب الثقافي بالمنستير بإدارة السيدة أميرة البكوش.

  اسم هذا النادي على اسم الشاعر الهادي نعمان أصيل المنستير  هو الشاعر الذي أخلص لموهبته الشعرية منذ منتصف القرن العشرين وباع نصيبه من الزياتين كي يتمكن من إصدار ديوانه وكنت محظوظا فقد عرفته وجلست إليه مرات قليلة في بعض مقاهي العاصمة فلمست فيه شخصية صافية مرهفة ظلت بعيدة عن أدران الحياة ومناكفات أهل الأدب أما الشاعر الثاني الذي عرفته من المنستير فهو محمد الحبيب الزناد حامل لواء التجديد منذ أواخر الستينيات من القرن العشرين ثم صديقي الأديب محمد البدوي رحمه الله الذي كان منارة للأدب في المنستير خاصة من خلال إذاعتها  وبمناسبة تنظيم - أيام أدب التسعينات - التي استمرت على مدى سنوات عديدة

  في المنستير كان لي أصدقاء أعزاء عديدون منهم الشاعر محمد بن صالح رحمه الله والفنان الرسام محمود قفصية أطال الله عمره فقد كان يستقبلني بحفاوة وكرم وقد أهداني البعض من لوحاته الجميلة

 فالمنستير تمثل في وجداني أجمل الذكريات لذلك سأظل مقصرا في رد الجميل إليها وقد غمرتني صباح السبت 6 ديسمبر 2025 بتكريم باذخ بمناسبة الملتقى الأول لصالون الهادي النعمان حول موضوع - البحر ورهانات الكتابة - ومما زاد في هذه المبادرة اللطيفة بهجة في نفسي حضور عديد الأصدقاء القدامى والجدد فكانت مناسبة لتجديد الصلات وتوثيقها من أجل أن نستمر في مكابدة الأدب وارتكاب معاناته رغم العوائق والتحديات

 تحية شكر واعتزاز لصديقي الأديب الحبيب مرموش ولجميع الصامدين معه من أجل الرفع من الشأن الأدبي في تونس وإعلاء راية الثقافة والمثقغين

من القصائد التي قرأتها بهذه المناسبة

غرناطة

أربع رصاصات

وخامسها مسدس

ذلك ما يحتفظ به الجنرال

دائما

لذكرى الحرب الأهلية

الجنرال

للمرة الأولى

إلى بيته عاد باكرا

وعلى مهل

الرصاصة الأولى

في قلب الزوجة المخلصة

الرصاصة الثانية

في صدر الصديق العزيز

الرصاصة الثالثة

في ظهر الخادمة الأمينة

ثم صول نحو الرأس

كلا...كلا

فتح باب الشرفة على مصراعيه

بدا له قرميد غرناطة

أحمر...أحمر

وسط الزياتين

حسنا

غدا

سيطلق النار على المتظاهرين

***

البُرنس

أوصيك

بالبُرنُسِ

فإنّكَ وحيدٌ

ومُقبِلٌ على اِثنين معًا

سَفَرٍ وشِتاءٍ

البُرنُسُ يا وَلَدِي

خفيفٌ جليلٌ

عليكَ منهُ جناحان

مِنَ الرّأس إلى القَدم تَدَّثَرُ

إن شئتَ فراشًا

إن شئتَ غطاء

سَداهُ صُوفٌ

لَحمتُهُ وبَرُ

فلا صقيعٌ ولا أنواءُ

وفي البرنس مُتَّسعٌ

إذ يلوذُ بك الصّديقُ

فَاِمضِ

تَحرُسُكَ عَينُ اللّهِ

وتَشْمَلُكَ العافيةُ

عندمَا لَوَيْتُ طرفَ البُرنُسِ

على العَاتقِ

ورَحلتُ...

كانَ نَجعُ الخِيامِ

بالإبل والأغنامِ

في البُرنُس كانَ

و يَرتحِلُ...

***

البرتقالة

تقشرين برتقالة المساء

لظفرك شبه السكين

للدنيا مثل الدم

ناولتك برجا

ناولتني برجا

فتحنا أبراج الجزيرة

وبايعتك أميرة

من الماء... إلى الماء

قشريني

قشريني

***

 سُوف عبيد ـ تونس  

 

(عن زاهد عزت في ذكراه الثالثة)

عرفته الساحة الثقافية الفنية منذ ردح زمنيّ قارب الخمسة عقود، ناشطًا ثقافيًا اجتماعيًا، فنانًا وكاتبًا شاعرًا، ورغم أنه قضى جُلّ فترته في عالمنا مقعدًا على كرسي ذي عجلات، تمكنه من التحرّك حينًا بيسر وآخر بعسر، غير أنه كان، كما عهدته، شعلة متقدة من العطاء والنشاط، على أكثر من جبهة وفي أكثر من خندق. هو الفنان زاهد عزت حرش، ابن مدينة شفاعمرو الذي غادرنا يوم الجمعة، 2-12-2022، تاركا وراءه تراثًا متعدّد الأنواع والابعاد، وحلمًا دائم التطلع إلى مستقبل افضل وحياة حرة كريمة.. له ولأبناء شعبه.

لن أتحدث عن السيرة الشخصية للصديق الفنان الراحل زاهد حرش، فقد نُشرت هذه السيرة في أكثر من موقع ووسيلة اتصال اجتماعي، وأكتفي من هذه السيرة بالإشارة إلى محطّات سريعة قد تساهم في القاء المزيد من الضوء على ما أود أن أقوله في هذه المناسبة المؤسية الحزينة. ولد زاهد لعائلة سورية وفدت إلى البلاد من موطنها الأصلي سوريا عام 1946، وكان مولده عام 1956، في مسقط رأسه مدينة شفاعمرو. التحق والده بصفوف الحزب الشيوعي وكان ناشطًا فيه، وقد سار زاهد على خطى والده، وبقي سائرًا على هذا الطريق حتى أيامه الأخيرة، وبإمكان من يطّلع على شيء من إنتاجه الفني والادبي ملاحظة إخلاصه هذا للمبادئ اليسارية التي آمن بها واعتنقها منذ بداياته الأولى.

كما قلت كان زاهد شعلة متقدة من النشاط، وقد ابتدأ حياته بإقامة المعارض الفنية التشكيلية المنفردة والمشتركة، منذ أواسط السبعينيات حتى أيامه الأخيرة تقريبًا، وكان مشاركًا فعّالًا في العديد من النشاطات والفعاليات الثقافية الفنية كما كان بإمكانك ملاحظة وجوده في هذه القاعة أو تلك خلال هذه الفعالية الثقافية او تلك، قبلها وبعدها، وأذكر في سياق الحديث عن هذا الاتقاد، أكثر من سهرة سجالية، وهذه الكلمة مقصودة، قضيناها في بيته القائم في أحد احياء مدينة شفاعمرو الشمالية الغربية، وكيف كان يصول ويجول على كرسيه ذي العجلات، وكأنما هو يتحدّى الإعاقة، التي اقعدته منذ عام 1993، حتى أيامه الأخيرة، وما زلت أتذكر وجهه الوضاح وثغره البسام، وكأنما الأيام لما تمض ولما تضح ذكرى.

أقول هذا وأنا أفكر في العطاء الغني، الجزل الثرّ الذي خلّفه راحلنا الكريم، وأحاول فيما يلي أن أوجز القول في نقاط مركزة ومكثفة، وذلك احترامًا للمناسبة واختصارًا للقول. أما حديثي عمّا اتصف به راحلنا من حيوية وفعالية فإنني أشير إليه لسببين أحدهما أن الإعاقة قد تتحول بالإرادة الواعية الخلّاقة إلى قوة وعطاء والآخر أنه بإمكان الانسان المُعاق أن يتمرّد على اعاقته وأن يقدّم ما أراد وما أحب أن يقدمه لمجتمعه. فيما يلي أتوقف عند ثلاث نقاط أراها هامة وجديرة بالإشارة في سيرة ومسيرة راحلنا، وسوف ابدأها بما يتعلّق بي، وهي:

*الناقد الفني: أتذكر ان زاهد حرش فاجأني في لقائنا الأول، بأنه من المتابعين لكتاباتي في مجال النقد الفني التشكيلي، كما أتذكر أنه أشار إلى كتابات نقدية فنية محدّدة كانت قد نشرتها في السبعينيات صحيفة "الاتحاد" الحيفاوية وابنتها طيبة الذكرمجلة "الجديد"، وقد لاحظت في فترة تالية أنه لا يتردّد في توجيه النقد المحب الغيّور البناء إلى هذه اللوحة أو تلك، هذا العمل الفني او ذاك، وفاجأني في فترة تالية باهتمامه في الايقونات البيزنطية القديمة  وفي الكتابة عنها، بل أكثر من هذا فاجأنا بكتابات غزيرة في هذا الموضوع الهام، موضوع النقد الفني التشكيلي خاصىة، هذا المجال الذي تفتقر إليه وتحتاج حياتنا الفنية.

*الشاعر: كان زاهد يكتب الشعر العامي بين الحين والآخر، وعادة ما كان يُسمعني، خلال هذا الاتصال الهاتفي أو ذاك اللقاء الدافئ، بعضًا من اشعاره المتأثرة بالأجواء اللبنانية السورية، وأولى هذا الجانب الإبداعي اهتمامًا خاصًا، وقد اتصف ما كتبه من أشعار بنوع ما من السُخرية والشفافية، وتوزعت مواضيعه في هذا المجال على الحياة والمرأة والنقد الاجتماعي أيضا. وها انذا أقدّم فيما يلي نموذجًا عشوائيًا من كتابته الشعرية:

عيونِك حَفَروا بِقَلبي سهَام/ كُل مَا بشوفُن بِالصُورَه/ بِتطَلّع فِيهُن مَا بنَام/ الصُورَه بِقَلّبِي مَحفُورَه/ مَا أحلّي حُب الّحَمَام/ مَع أَحلّي حِلّوِي وأَمُورَهَ/ عَم بَحلَم بِجَوّز خِيَام/تَحت ثِيابِك مَستُورَه/أنعَم مِن تِمثَال رخَام/ب ِتمَنَى خيَامِك زُوّرَه/ اَطيَب مِن تُفَاح الشَام/ فَوقُن كَرَزِهِ مَغرُورَهَ/ خَيَّاَل ومَا عِندِي لّجَام/وخَيِّلِي مِنِك مَقهُورَه/ عَم تُركُض خَلّف الأَوّهَام/ تَحت بلّوزِهِ وتَنُورَهَ/ غَرقَان بِبَحر الّغَرَام/ وغَاطِس بِأَحلَىَ جُوّرَهَ.

*الفنان التشكيلي: ابتدأت حياة زاهد العملية بدراسته الرسم الفني كما سلف، وهو ما سهّل عليه الدخول إلى عالم الفن التشكيلي الصعب العصيّ، غير أن من يتمعّن فيما خلّفه من ابداع فنيّ سيلاحظ دون جهد كبير أن الرسم الفنّي ترك أثرًا واضحًا جليًا في تركته الفنية، وفي المقابل لهذا قربه الرسم الفني من الحس السياسي الاجتماعي الذي شغله طوال أيام حياته، ولعلّ من يتمعّن في لوحته الجدارية يلاحظ إلى توفر هاتين الصفتين، فهو ينفّذها بقلم الحبر، وهو يعلن بها محبته واحترامه الكبير لتراثه الثقافي الفني في البلاد.. ولأهله الأعزاء.

مُجمل القول، كان الفنان الراحل صاحب موهبة متعددة الأوجه، فقد مارس الفن تنفيذًا ورسمًا، كما كتب الشعر العاميّ خاصة، وكان قبل هذا وبعده، شعلة دائمة الاتقاد من النشاط، السياسي والاجتماعي ولم تقعده الإعاقة وإنما شكّلت تحديا كبيرًا احتاج إلى قوة أكبر لمواجهته و.. هذا ما كان.

***

ناجي ظاهر

في ضوء ما باتت تشهده الحياة العصرية من تطورات تقنية، وصناعية، وعلمية، وبوتيرة متسارعة، وصاخبة وفي مختلف المجالات، حيث اخترقت التكنولوجيا بشكل حاد، كل جوانب الحياة العصرية، ليجد الانسان نفسه مستلبا أحيانًا، وبعيدا عن حقيقة وجوده، وعن الطبيعة التي خلقه الله فيها، ليستمتع بجمالها. فالإنسان كائن طبيعي بحس مرهف، وابتعاده عن الطبيعة بانشغالات صاخبة، قد يُفقده جزءًا من سعادته، ويسلبه راحة باله.

ويجدر بالذكر ان اثر جماليات الطبيعة على الإنسان، يتمظهر في صفاء الذهن، وهدوء النفس، وراحة البال، بما تحقنه في وجدانه من جرعات تهدئة للمشاعر، تُخفف من توتره، وتزيح عنه الهموم وألاحزان.

كما ان الطبيعة تُحفز الإبداع، وتُشعل الخيال، وتذكي إرهاف الحس، فيلاحظ ان كثيرا من الشعراء، والادباء، والفنانين، وجدوا في الطبيعة, مصدرًا لإلهاماتهم، وابداعاتهم.

فالطبيعة ليست مجرد مكان من الجمادات الصماء، بل هي فضاء مفتوح، يغمر الإنسان بحالة من السكينة، والطمانينة.ولذلك حاول الانسان أن يكون أكثر قربًا منها، ليسترجع حقيقة وجوده المتفاعل مع عناصرها، وهادا، وصحارى، وجبالا، وانهارا، وغابات، لنجده، متغنيا وجدانيا، بسحر امكنتها، وقديما قال الشاعر :

تلك الطبيعة قف بنا ياساري

حتى اريك بديع صنع الباري

الأرض حولك والسماء اهتزتا 

لروائع الايات والاثار .. 

وهكذا تمنح الطبيعة الإنسان، بوهج جمالياتها، فرصة التواصل مع الذات، بالتفاعل مع ذلك الوهج.. ومن ثم فالابتعاد عن الضوضاء، وصخب الحياة اليومية، يمنح الإنسان فرصة للتأمل، والتواصل مع نفسه، ويفجر عنده حس الإبداع المتوهج، في تفاعله مع المكان، وعناصر جمالياته الطبيعية، حتى نجد أن راعي الغنم، وهو يرعى اغنامه في الفلاة، ياخذه وهج الحس المرهف والارتياح الوجداني، فيصدح بالغناء على نايه باعلى صوته، تعبيرا عن سعادة معنوية، وحس مرهف، يفتقر لها في اجواء صخب العصرنة، بجوانبها السلبية . 

ولاريب ان تلك الارهاصات تنعكس ايجابيا، وبالارتياح على من يمشي في ربوع الطبيعة،

حيث يتجسد الاقتراب من الطبيعة بالخروج إلى الأماكن المفتوحة، وقضِاء وقت في ربوعها، غابات، او جبال، أو شواطئ، بشعور حالم من الارتياح والسكينة.

***

نايف عبوش

لا يمكن الإقتناع أن البحر سيخادع صديقه الشاطئ ويحث أجزاءه بالتواصل والتآكل. فقد كان شط البحر العالي يفرح بقدره البارد، حين تلاعبه مياه البحر في الغدو والآصال. كان يشتكي أيام عاصفة النَّوِّ العاتي وبلا منبهات من الطقس الموثوق بالدقة، لكنه رغم ذلك، يعود مرات عديدة لمعانقة مياه البحر الهادئة بملوحة الابتسامة والتطهر من التلوث .

في يوم ما، وفي ذاك الشط الرملي الخالي من متعة المصطافين، رسمت حلم  قدري  ثم تركته للتأمل والأمل ولما التفرج في تدرجات حياتي، لكن من سوء براعتي الطفولية أن مدَّ مياه البحر عاكستني بالتزامن المميت، وفعلت جزْرَ رأس ممحاة لكل آمالي المتأنية والباقية. حين انسحبت المياه المتدفقة، أحسست بأن قدري يغمض عينا باتجاهي، ويفتح الأخرى وهي تنأى عني وعن مشاهد ولو أجزاء من حياتي المتدفقة أو المتقطعة.

لم أكن بالكسول المتهالك في الاتكالية، بل عاودت الرسم الهندسي وبالشكل الذي يعاكس حتى مجرى تدفق مد البحر باتجاه العلو. حينها جلست برهة وبالتأمل في نقط من مؤشرات قدري المتبقي بالخفاء في علم الغيب، وكذلك بغير انتباه من كل تلك المفاجآت الكامنة بالخفاء غير العينية، راودتني أفكار العبث وفلسة (اللاتفكير)، وبدون الاحتياج لأي متدخل خارجي. عملت على بناء سدود متقطعة، وتماثل نماذج من تموجات أثر الحياة على الذات والذاكرة والنفس والوسط الاجتماعي. بحق كانت فكرة تماثل فلسفة أسطورة المعذب (سيزيف والصخرة)، و البحث عن سؤال المعنى في الحياة، وعن نهاية التعاسة والتي ترافق درب النضج العمري والحدثي.

حينها وفي غفلة مِنِّي صدم مياه البحر المتأنية أعلى سد رملي أنشأته وأنا منتشي في التطاول في البنيان !!! هنا أدركت أننا آمنا بالقطع المنهجي أن (الرياح تأتي بما لا تشتهيه السفن !!!) ولم نقدر قط على كسب رهانات مقاومة القدر بالتعديل والتصويب العقلاني والعاطفي، ولو بتغيير بضع أقساط من دفة الممتنع عن الإبحار ضد التيار.

و في توالي إصرار مياه البحر على نهش كل أحلامي المتبقية على رسم الرمال، آمنت قطعا من نوع عبثية (المد والجزر) أننا نهرب من الحياة فرارا حتى ولو في ترميم دواخلنا المتآكلة بتراكم مسودات حياتنا (الفرح/ الألم/ الوجع/ السعادة). أننا لم نمتلك منظفات مطهرة لكل الإخفاقات المتربصة بنا على الدوام، والوقوف في أول محطة للاستراحة من الإرهاق الحياتي. أننا  نحاول بالتكرار والتردد الوصول نحو الحقائق المطلقة لكنا نخفق باللزام من كل المحاولات حتى أننا نصل إلى سوء تقدير بهلاواني وغير رزين (أن الحياة لا معنى لها !!!) وهذا من الخطأ المستديم.

اللامعنى للحياة بغير وصف حقيقي، ليس مفتاحا آمنا للحكمة، وإنما الحكمة الرزينة في إدراك المسؤوليات الروحية الداخلية والجماعية، وحمل القيم النظيفة ولو بتحولات المكتسبة والاجتماعية، وفي تملك مفتاح سليم لكل الأبواب الموصدة بالفتح الجيد، والرضا بحكمة القدر مهما كانت شدته في سلم المآسي والوجع، وقلته في صناعة الفرح والسعادة.

***

محسن الأكرمين

لاريب أن المكان يفرض سحره العاطفي في أعماق الوجدان، حتى في تفاصيل تمظهراته الصغيرة، لنحسه في كل حجر، وفي كل ورقة شجر، وفي كل شاطئ نهر، أو سفح تل، أو طيات وادي، أو فضاءات برية، نمر بها. فلكل من هذه الربوع قصة وذكريات، استوطنت أعماق الوجدان، واستعصت على النسيان، بمرور الزمان.

فالمكان، ذلك الكيان الصامت، وتلك الربوع الغافية، تحمل في طياتها أحاديث الأزمان، وتحتضن ذكريات الخيال، التي يمكن لها أن تتدفق انثيالات وجدانية ابداعية متوهجة في اللحظة، بمجرد ان يرهف المتعالق مع ربوعه حسه، ويفتح عينه، ويطلق العنان للإلهام بالتوهج.

وهكذا يظل المكان أكثر من مجرد مساحة جغرافية جامدة، وربوع صماء، فهو وهج ينبض بالحس، ويلهم الوجدان، ويوقظ المشاعر، وألأفكار، ويسترجع الذكريات، ليصبح سحره ليس مجرد تعبير عاطفي، وليد اللحظة وحسب، بقدر ما هو تجربة حية، تلامس الوجدان، وتلهب الحس المرهف، وتفتح نوافذه للإبداع.

ولا شك ان لكل مكان بصمته الخاصة، في تفاعله مع الوجدان، سواء كان جبلا شاهقا، او واديا سحيقا، او غابة خضراء، أو زقاقا قديما، او اطلالا متداعية. فلكل مفردة من هذه التفاصيل الصغيرة للمكان، اثرها في توهج الإلهام، واثارة التأمل، الذي يسترجع الذكريات، ويستعيد التعالق بالأرض.

كما أن اطلال المكان، وأزقة الديار، تحمل قصصا منسية، نتذوق باستذكارها، طعم الماضي، ونستشعر من خلالها، احلام الصبا، وروعة أيام الزمن الجميل. فالمكان موضع تفجير الإلهام، وحافز وهج الابداع، الفنى والأدبي، والشعري، وليس مجرد ركام من الجمادات العقيمة، التي تأبى الإستنطاق.

واذن فالمكان يفتح أبوابا للأحلام، حتى يكون لكل عنصر من عناصر ربوعه، دوره في أحياء المشاعر الوجدانية الرقيقة، لتتدفق فيضا من الإنثيالات الوجدانية، والإستذكارات الشجية، والأفكار المدوية. فالأماكن طالما تجعل من الصمت، بالإستنطاق الوجداني، صوتا متهدجا، يصدح بعبق الابداع.

ولا ريب أن التوقف المتأمل بالمكان، والإنفتاح المتعالق مع فضاءات ربوعه، والإستمتاع بجمالياتها، هو ما يمكننا من كسر صمته، واستعادة وهج سحره، بعد أن نستذكر أماكن الطفولة، وإحياء الذكريات في تلك الربوع، لتنثال الخواطر الوجدانية، عندئذ، شعرا، وفنا، وغناء، حيث يفجر سحر المكان، كوامن الإلهام، والابداع.

***

نايف عبوش

في زمنٍ تتسارع فيه الخطوات نحو المجهول، وتتزاحم فيه الأصوات على منابر السياسة، ويعلو الضجيج فوق كل نبرة هادئة، يبقى هناك شيء صغير، بسيط متواضع، يخرج كلّ فجرٍ من قلب المدينة.. كأنه رسالة غير مكتوبة تقول إن هذه البلاد مهما طال ليلها، ما زالت قادرة على أن تنجب بياضاً خالصاً لا تشوبه شوائب الدنيا.

ذلك الشيء هو قيمر السدّة؛ ليس طعاماً، بل أثرٌ من آثار الروح العراقية، وقطعة من ذاكرة البلاد التي تتوهج كلما حاول اليأس أن يخفت الضوء.

1- البياض الذي ينهض من المدينة فهناك في أطراف المدن، حيث تختلط الحياة بالفطرة، ينشأ القيمر مثل معجزة صغيرة
لا يحتاج إلى إعلان، ولا يطلب شهرة، ولا يصرخ ليثبت وجوده.

وهو يعرف تماماً أن الأشياء الكبيرة لا تحتاج إلى ضجيج، وأن الجواهر الحقيقية لا تُرفع على منصات التصفيق.

ويكفيه أنه يولد من تعب أيدٍ ريفية أمينة من صبر ماشية عرفت معنى الجوع والمطر ومن قلب أرضٍ ما زالت رغم الخراب تتنفس صدقاً.

في كل فجرٍ، حين تُفتح الدكاكين الأولى وتبدأ الشمس بمدّ أصابعها الخجولة نحو الطريق، يخرج القيمر كأنه تحية بيضاء إلى يومٍ جديد :

لا تخف.. لا يزال في البلاد ما يستحق التمسّك به.”

2- القيمر.. مرآة دولة لم تُعلن فالغريب أن هذا الطعام البسيط، الذي يشبه براءة الأطفال، تحوّل عبر السنين إلى مرآة يرى فيها العراقيون أنفسهم.

وهو ليس أكلاً فحسب؛ إنه بوصلة صدق في زمنٍ اختلط فيه كل شيء بينما تتعثر الحكومات في خطواتها، ويتأرجح الاقتصاد بين شائعة وأخرى، ويغرق الناس في تفاصيل يومية ثقيلة.. يبقى القيمر صريحاً واضحاً، نزيهاً ولا يعرف الغشّ؛ فالغش يفضحه فوراً ولا يعرف السياسة؛ فالسياسة تعجز عن تلويثه.

فهو لا يعرف الانقسام؛ فالناس جميعاً يتفقون على ذوقه كما يتفقون على حب أوطانهم في أعماقهم، حتى وإن كان الوجع يغطي ذلك الحب بطبقات من التعب.

فالقيمر هو النموذج الوحيد الذي استطاع أن يحافظ على هيبته وسط انهيار الهيبات الكبرى فلا وزير فوقه، ولا مسؤول فوقه ولا قرار يستطيع أن يمسّ صفاءه.

3- حين يضيق الوطن.. يفرش القيمر مساحة من الطمأنينة فالناس لا يتوجهون إلى السدّة بحثاً عن طعام فقط؛بل يذهبون بحثاً عن معنى عن لحظة هدوء تشبه الصلاة وعن طاولة صغيرة تجمع بين غرباء يلتقون بلا انتماءات، بلا ضغائن، بلا لافتات.

وتجد العامل الذي عاد من وردية ثقيلة، إلى جانب موظف أنهكته معاملات طويلة، إلى جانب شيخٍ يبحث عن طعم شبابه، إلى جانب طالبٍ يهرب من صخب المدينة..

وكلّهم يغمسون رغيفهم في القيمر، وكأنهم يغمسون قلوبهم في شيء من السلام الداخلي.

ذلك الصحن الأبيض الصغير هو استراحة وطن، لحظةٌ ينزل فيها الضجيج درجة ويتذكر الناس أنهم بشر قبل أن يكونوا أرقاماً في سجلات الدولة.

4- القيمر.. ذاكرة تُكتب بالحليب لا بالحبر

القيمر ليس وليد اليوم.

وهو حكاية تمتد إلى طفولة المدن، إلى زمن كانت فيه الحياة بسيطة، ووجوه الناس مكشوفة، وأصواتهم صافية مثل صباح ريفي وهو جزء من ذاكرة العراقي :

ذاكرة أمّ كانت تضع أمام أولادها صينية الفطور قبل أن تصحو الشمس.

ذاكرة أبٍ يقسم لقمةً واحدة بين أطفاله.

ذاكرة قريةٍ كانت الحياة فيها تقاس بالصدق لا بالمظاهر ولأن الذاكرة لا تموت، يظل القيمر يقاوم حروباً، أزمات، تغيّرات انهيارات..ويظل واقفاً في مكانه، مثل نخلة لا تهزمها الرياح مهما اشتدت.

5- شيء أبيض في زمنٍ تغيّر لونه

ما الذي يجعل القيمر رمزاً ؟

ليس الطعم وحده بل قدرته على الثبات في عالم يتغير بسرعة قدرته على البقاء ناصعاً حين يصبح كل شيء رمادياً وقدرة هذا الشعب العجيب على تحويل الأشياء البسيطة إلى رموز كبرى، حين تعجز المؤسسات الضخمة عن تقديم ما يقدمه طبق صغير من الحليب.

في زمن كثرت فيه الوعود.. القيمر لا يعد

وفي زمن غابت فيه الثقة.. القيمر لا يخون

وفي زمن أصبح فيه كل شيء قابلاً للتزييف.. القيمر لا يتزيّف، لأن نقاءه فاضح.

6- البياض الذي يشبه ما نريد أن نكون عليه حيث يبقى القيمر ليس طعاماً فقط بل درساً صغيراً في معنى الصدق.

درساً في أن البلاد يمكن أن تنهض من أبسط تفاصيلها، من حليبٍ يُغلى على نار خفيفة ومن يدٍ تعرف معنى التعب، ومن بياضٍ ينبت في مكان لم يعد يتوقع الناس منه شيئاً.

ربما لن يغيّر القيمر شكل الدولة

لكنّه يغيّر شكل الصباح.

والصباح.. هو بداية كل شيء.

ولهذا حين نقول إن قيمر السدّة “رمز” فنحن لا نبالغ،إنما نقول الحقيقة :

إنه البياض الأخير الذي ينجو كلّ يوم في بلدٍ امتلأ بالتناقضات، لكنه ما زال يحتفظ بجذوة حياة لا تنطفئ.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

هناك بقعةٌ صغيرة على خارطة الوطن لكنها واسعةٌ في القلب والذاكرة… قريةٌ تحمل اسماً لا يشبه إلا أصالته قرية فرج القرية التي سُمّيت باسم جدّي، فكانت امتداداً لروحه وامتداداً لجذور عائلتي ومسرحاً لأول دهشات الطفولة التي علّمتني أن للتراب لغةً، وللمكان ذاكرةً لا تموت.

كبرتُ في تلك الأرض التي تبدأ بالحكاية ولا تنتهي أرضٌ تشبه جدّي في وقارها وتشبه أمي في حنانها، وتشبه العراق في جراحه وصبره. في قرية فرج تعلّمتُ أن الطين انتماء، ليس لأنه مادة تُبنى بها الجدران، بل لأنه يبدأ ببناء الإنسان نفسه فالذي يطأ الطين بقدميه يعرف أن الأرض ليست شيئاً نعيش فوقه فقط، بل شيئاً يعيش فينا.

هناك بين نخلةٍ تطاول الغيم وعرق فلاحٍ يقطّر عمراً فهمتُ أن النخيل شموخ؛ وأن الانحناء ليس من قاموس هذه الأرض. كانت النخلة تخاطبني بصمتها الطويل تقول لي : “قف، فالشموخ يبدأ من الجذور”.

في الليالي حين يتسلل البرد إلى جسد القرية، كانت رائحة البرتقال تشتعل دفئاً في البيوت، كأنها نارٌ بلا لهب. من بساتينها تعلمت أن البرتقال انتماء آخر، طعمه يشبه طفولتي، لونه يشبه حلمي، ورائحته تشبه يد أمي حين تعصر لنا الفرح في كفوف صغيرة لا تعرف غير البراءة.

ومن مواسم القمح، من سنابله التي يهزّها الهواء في الحقول الممتدة، عرفتُ معنى الحنطة.. خبز الفقراء. عرفتُ أن البساطة ليست فقراً، وأن الكفاف ليس عجزاً وأن الخبز الذي يخرج من فم التنور أكثر صدقاً من كل خطابات الدنيا وكان الفلاحون يعلمونني أن قيمة الإنسان ليست بما يملك، بل بما يعطي.

وفي هذه القرية التي تجمع بين الماء والطين والنخيل والقمح، تعلّمتُ نطق الحروف… هناك كان أول حبرٍ يلامس أصابعي، وأول كلمة تخرج من صدري، وأول دهشة تجعلني أفهم أن الحرف ليس مجرد صوت، بل حياة تتنفس عبر الورق ومن قرية فرج تعلمتُ كيف أكتب الشعر، كيف أفتح للمعنى نافذة، وللوجع باباً وللفرح ممراً صغيراً يمشي عليه نحو القلب.

تعلّمتُ فيها الرسم، حين كنت أراقب خطوط الطبيعة وهي تشكّل السماء، والحقول والوجوه المتعبة التي تحمل في تجاعيدها قصصاً أطول من كل الروايات وتعلمتُ النحت حين فهمت أن الطين ليس مادة تُشكَّل، بل روح تصرخ وتتشكل بين اليدين.

وتنقلتُ بين فروع الأدب كأنني أتنقل بين بساتين القرية… الشعر، النثر، النقد البحث… كلها كانت طرقاً تعبّدها أمامي تلك الأرض الصغيرة التي أحبّتني قبل أن أعرف كيف أحبها شيئاً فشيئاً صرتُ باحثاً ذا شأن أقرأ وأكتب وأفسّر، حتى أصبحتُ—بفضل الله وبفضل تلك القرية—أقترب من عتبة الموسوعية، وكأن كل تجربةٍ مررتُ بها كانت تُعدّني لتكون المعرفة وطناً آخر لي.

قرية فرج ليست مجرد مكان ولادة… إنها مدرسة حياة. علّمتني أن الإنسان لا يكبر حين يبتعد عن جذوره، بل حين يعود إليها، ويعرف أنها كانت أول معلم، وأصدق مرشد، وأوفى ذاكرة.

وهكذا… كلما تقدمتُ في العمر، وكلما ازددتُ علماً وتجربة أدركت أن كل ما فيّ من صلابة وشموخ وشغف ومعرفة… هو هدية من تلك القرية التي حملت اسم جدّي وحملتني معها إلى هذا الطريق الطويل.

قرية فرج…

ستظل جزءاً من كتابي، من قصائدي، من أبحاثي، ومن كل حرف أخطه… لأنها ببساطة:

أول وطنٍ يحبّك قبل أن تعرف أنت معنى الحب.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

      

الإبداع إنثيالات عفوية ذاتية، تولدها الموهبة الفطرية، بالتفاعل مع الحس المرهف، والمشاعر المتوهجة للكاتب. وهكذا يكون النتاج بهذا الوصف، معطى إنسانيا اصيلا، وحقاً ذاتيا محضا لمبدعه، وينسب اليه.

وتجدر الإشارة الى ان الإبداع الذاتي، يجسد أصالة الذات الابداعية للنتاج، ومن ثم فهو انعكاس لروح الفنان، وحس الكاتب، وتجربة فريدة له، تنبض بالحضور الشخصي في الساحة الادبية والثقافية، شعرًا كان، ام قصة، ام رواية، ام لوحة فنية، حيث يحمل العمل الإبداعي بصمة مبدعه، ويعكس رؤيته، ويجسد تجاربه، وأحاسيسه المرهفة، ومشاعره المتوهجة، مادام ينبع من داخل وجدان ذات المبدع، وهو ما يجعله نتاجا أصيلًا بحتا.

على أن الإبداع شانه شان غيره من المجالات، طالته الكثير من التداعيات، التي افرزتها حركة التطور العلمية، والتقنية، في كل مجالات الحياة المعاصرة. فلم يعد الإبداع في عصر الثورة الرقمية الراهنة، مقتصرا على القلم، او الريشة، او اللوحة فقط، بل امتد ليشمل ابداعا ٱليا ذكيا إصطناعيا، في عالم افتراضي، بفضاء مفتوح في كل الاتجاهات، ويتجاوز كل الحدود، والقيود. فقد بات الذكاء الاصطناعي مصدرا زاخرا، وشريكا مهما، في إنتاج المعارف، والاداب، وغيرها من النِتاجات الثقافية، والعلمية، والتقنية.

ولا ريب أن المشهد الثقافي المعاصر، قد شابه الكثير من التغيرت، بظهور الذكاء الاصطناعي، حيث صار بإمكان الألة، إنتاج نصوص، ولوحات فنية، تشبه ما يصنعه البشر، بعد أن اصبحت تعتمد تطبيقات تحليل بيانات ضخمة، تستلهم الأنماط المتاحة من النتاجات، لتقوم بتوليد محتوى رقمي جديد، وبشكل سريع، بغض النظر عن التداعيات التي يتركها هذا المحتوى، على هوية وأصالة وعراقة النتاجات الابداعية التقليدية.

و السؤال المطروح، هل يظل هذا النتاج في ضوء ما افرزته الثورة الرقمية المعاصرة من تداعيات، تعبيرًا صادقا عن إنثيالات الذات الابداعية للكاتب، أم انه سيكون مجرد إنشاء ٱلي، باستخدام الذكاء الإصطناعي، بعد أن غدا الذكاء الإصطناعي، تطبيقا رقميا متاحا للاستخدام، بلا حدود.

وهكذا نجد ان النِتاج الثقافي اليوم يقف في مفترق طرق، فالذكاء الاصطناعي يفتح آفاقًا بلا حدود لإنشاء النصوص، والنتاجات ٱليا، لكنه يستعصي عليه، مع ذلك، ان يحل محل الإبداع الذاتي، المفعم بالحس المرهف، والمشاعر الانسانية المتوهجة .فالذكاء الاصطناعي، قد يولّد نصوصا تبدو جميلة، ولكنه يفتقر للقدرة على تذوقها، والشعور بجمالياتها.

ومع كل الإيجابيات التي يطرحها الذكاء الإصطناعي في توسيع الأفاق، وطرح النتاجات الفنية، والادبية، لتكون في تناول جمهور المتلقين، والمستخدمين،

والسرعة في إنتاجها، وتسويقها، الا انه يحمل مخاطر النسخ والتقليد، بالإنشاء، او بالإستلال، وما يترتب على ذلك من فقدان للأصالة، وتلاشي التميز، وغياب الخصوصية الفردية.

وهكذا يظل الذكاء الاصطناعي مجرد ناقل للنتاج، بأسلوب رقمي وحسب، لا مبتكرا له حتى وان نظم قصيدة مثلاً، اذ ما قيمة الإبداع، بدون حس مرهف، ومشاعر بشرية حية، لاسيما وان الادب الإبداعي، والفنون الجميلة، ليست مجرد معالجة بيانات ٱلية، بل تجربة إنسانية حية، بكل ابعادها الحسية، والمعنوية .

***

نايف عبوش

في يوم الجمعة الرابع عشر من الشهر الجاري نوفمبر التقيت في غالسكو الكاتب الاسكتلندي الكبير جيمس كيلمان، وهو أول كاتب إسكتلندي يفوز بجائزة البوكر اإلانكليزية وقد كان ذلك قبل عشرين عاما أو أكثر، تحدثنا عن أمور عامة وبدا لي دمث الخلق طيب القلب، قال لي إن عائلته من شمال اسكتلندا وأن بلاده كانت مفتوحة للأجانب وخيل إلي أنه يفخر بالفايكنج وطبيعة اسكتلندا التي ّ مرت بفترات مثيرة  فالذي يقرأ التاريخ يدرك أن جزيرة بريطانيا لم تخضع ألى أي احتلال سوى احتالال الفايكنج حيث نجد بعض أسماء الشوارع في بريطانيا تحمل أسماء اسكندنافية، وكذلك حضورهم في نوتنغهام بخاصة المنطقة المعروفة الآن بـ Lace market

الجدير ذكره أن السيد كيلمان مهتم بالشأن الكردي وله مؤلف في ذلك كما أن له موقفا نبيلا من القضية الفلسطينية.

بلغت السيد كيلمان تحيات صديقه الناقد االأديب الكبير الدكتور صالح الرزوق، وكان في جعبتي ستة أسئلة كتبتها على ورقة وقدمتها إليه إذ لا يعقل أن يجيب على أسئلتي خلال جلسة صداقة استمرت لمدة أربعين دقيقة، معتذرا له انّي للمرة الأولى أكتب على ورقة والحق كما اعترفت أشعر مع الورق والقلم باغتراب وكآبة بعد أن استهلكني التعامل مع الكومبيوتر، فأنساني حقّ الكتابة على الورق. في الوقت نفسه أهديته نسخة من روايتي باإلنكليزية (كورونا) وأھداني مؤلفه (The story of the stone)2166 qusay

وقد قمت بترجمة القطعة التي جعل عنوانها عنوانا للكتاب لما تحمله من دلائل روحية عميقة وفكر صوفي بعيد الغور:

قصة الحجر

أمرر هذا الحجر في جميع أنحاء الغرفة

تأكد من أن الجميع هنا يحملون الحجر

لا يمكن ألحد أن يمرره كما لو كان بعيد المنال

نعم في يدك اليسرى

إمسكه كما أفعل

كما أستعرض

الآن في قبضة يدك اليسرى

على راحة يدكم

كيف يبدو الحجر وأنت تغلق يدك عليه؟

هل تشعر به؟

ويدك اليمنى هكذا تظهر اللحظة

سواء أكان العمل مفاجئا أم لا

أنظر كيف تعمل

عندما يصل الحجر إلى أعماق يدك

سأواصل قصة الحجر

في الوقت نفسه سأقول لك

إنّ الحجر من صنفنا نحن البشر

تامل

هذا الحجر ترعرع معنا نحن البشر.

 

من هي ماري كوري؟

ماري كوري عالمة فيزياء وكيمياء بولندية الأصل، فرنسية الجنسية، وهي شخصية علمية، تميزت بذكائها وإنسانيتها، ومثابرتها، وسطع نجمها في زمن شهد بداية دخول النساء مجال البحث والإكتشاف العلمي، حيث إشتهرت في الأوساط العلمية بإكتشافاتها، وأجرت أعمالاً بحثية رائدة في مجال الفيزياء، والنشاط الإشعاعي، والكيمياء، وهي أول إمرأة تحصل على جائزة نوبل، وتعتبر الوحيدة التي تحصل عليها مرتين، وفي مجالين مختلفين هما (الفيزياء والكيمياء)، وهي أول إمرأة تحصل على رتبة الأستاذية في جامعة باريس، حيث كانت ماري كوري من أهم العلماء في القرن العشرين، وقد تركت إِرثاً علمياً كبيراً من بعدها.

قصة نجاح من المعاناة الى جائزتي نوبل

في عام 1903م، حصلت ماري كوري على جائزة نوبل في الفيزياء مُشاركةً مع زوجها العالم بيير كوري، وإكتشفت مع زوجها عنصرين هما الراديوم، والبولونيوم، الذي أطلقت عليه هذا الإسم نسبة الى بلدها الأصل بولونيا، كما حصلت على جائزة نوبل ثانية في الكيمياء بمفردها في عام 1911م.

تعتبر ماري كوري من بين العلماء الذين كان لهم تأثير على تاريخ العلوم وتطور الحضارة الإنسانية، وقد مهدت الطريق لمساهمة النساء بشكل فعّال أكثر في مجال العلوم، من إنجازاتها وضع نظرية للنشاط الإشعاعي، وإليها يُنسب مصطلح (النشاط الإشعاعي)، كما إبتكرت تقنيات لفصل النظائر المشعة، وتحت إشرافها أُجريت أول الدراسات لمعالجة الأورام بإستخدام النظائر المشعة، كما أسست معهد (كوري)، في باريس وفي وارسو، كما ساهمت في تأسيس اول مركز للعلاج الإشعاعي، وساهمت في إكتشاف عناصر كيميائية جديدة (الراديوم والبولونيوم)، وطورت ماري كوري الإستخدام العملي لأشعة إكس في مجال الطب العلاجي، والذي تم إستخدامه فيما بعد في علاج الأورام السرطانية، وكانت من العلماء الذين يشجعون على الدراسة والبحث والإكتشاف لأهداف نبيلة، وتطوير معارف الإنسان حول الطبيعة لخدمة البشرية، وقد ساهمت إكتشافاتها في تطوير الأجهزة الطبية، مثل الأشعة السينية التي تستخدم اليوم في المستشفيات، وبعد سنين قضتها في الملاحظة والتجريب في المختبرات، إنهار جسدها بسبب تعرضها للإشعاع لسنوات مما أدى الى وفاتها في عام 1934م، تاركةً خلفها إرثاً كبيراً من الإنجازات، والإكتشافات العلمية، وجائزتي نوبل في الفيزياء والكيمياء.

تأثير تجارب ماري كوري وإكتشافاتها في المجال العلمي

إستفاد العالم والمجال العلمي كثيراً من تجارب ماري كوري، حيث كانت تجاربها تشكل ثورة علمية في ذلك الوقت، وقد أدت تجاربها الى العديد من الإبتكارات والإكتشافات العلمية من بعدها،على سبيل المثال: تطوير العلاج بالإشعاع، وتطوير الطاقة النووية، وتطوير الأجهزة الطبية، كما ساهمت إكتشافتها في فهم أفضل للطبيعة، وتأثيراتها الإيجابية والسلبية على الإنسان.

تأثير ماري كوري على فلسفة العلم والأخلاق العلمية

 كان لإكتشافات ماري كوري في الفيزياء والكيمياء تأثير كبير على فلسفة العلم والأخلاق العلمية، والأخلاق البيئية أيضاً، حيث أدى إكتشاف ماري كوري للإشعاع الى إعادة النظر في العلاقة بين فلسفة العلم والأخلاق، والى إدراك العالم ضرورة وجود معايير أخلاقية لبيان حدود العلم وقدراته، وصلاحياته، والمعايير الأخلاقية التي يجب أن يلتزم بها المخترعون والعلماء في إستخدام الإختراعات العلمية، وضرورة تكريسها لتكون فقط في خدمة البشر ولا تؤدي الى الإضرار بالإنسان والبيئة التي يعيش فيها، مع ضرورة مراعاة المعايير الأخلاقية في الأبحاث والتجارب العلمية، فعلى سبيل المثال إن إستخدام الإشعاع يمكن أن يكون له تأثيرات إيجابية، ولكن سوء أستخدامه له أيضاً تأثيرات سلبية على الإنسان والبيئة التي يعيش فيها، وهذا يطرح العديد من الأسئلة الأخلاقية حول حدود العلم ومسؤولية العلماء والفلاسفة الأخلاقية في حماية الإنسان والبيئة، و يبرز دور الفلسفة في في هذا المجال من خلال ضرورة وضع معايير أخلاقية صارمة تراعي حقوق الإنسان والحيوان، وتضمن حماية البيئة من أي مخاطر بيئية محتملة قد تصاحب الإكتشافات العلمية والبيولوجية. 

***

شيماء هماوندي

منذُ فترةٍ طويلة، وقلمي في عالمٍ آخر غير العالم الذي كنتُ أراه فيه؛ قلمٌ مُلقى جثمانًا، وبيضُ الصحائفِ من حولِهِ أكفانٌ. روحُه في برزخِ فكري حائمة، والذي ينتظرُ المبعَث هو تلك النفسُ البعيدة المدفونة تحت أنفسٍ فيني لا تُحصى..

أنتظرُ مُناديًا يُنادي من مكانٍ قريب، لعلَّ النداء يأتي من القلبِ بصوتِ الضمير، لعلَّ الله يُزَلزِلُ النفسَ فتُخْرِجُ أثقالَ الروحِ المكنونة. لعليّ أهرعُ وأخرج من أجداثِ اللاوعي التي دفَنَت مطلقَ وعيي، لعليّ أُحْشَرُ إلى نورِ الحقِ والحقيقة..

لعلَّ الله يجمع شتاتي في يومٍ يُكْتَبُ لقلمي أن يحيا مُخَلَّدًا، فيُبْعَثَ القلمُ من مرقدِه إلى جنةٍ أُزْلِفَتْ له من نقطةِ أصلِ خلقي التي لا يعلمها سوى الله..

وأما الجحيمُ المُسَعَّرَةُ في كفِّي من أثرِ مُجافاتها لذلك القلم، فقد انطفأتْ إن عاد القلمُ حيًا، وكانت أرضًا أورثها الله لي من بعد غُربتي واستضعافي فيني أنا، تلك قبضةُ الطين وقطعةُ الأرضِ الصغيرة..

لعلّي انتظر حدَوث كل ذلك، بينما هو قد حدَث بالفعل منذُ أن بدأتُ أكتبُ أولى كلماتي هذه. تحقَّقَ الأمرُ في وقتٍ لحظيٍّ من الماضي البعيد، وقامت قيامةُ القلم وعاد حيًا من أول كلمة كتبتها في قولي هذا، ولكني لم أدرك الأمر، لإن مسألة الوعي في عمق النفس المجردة حيث اللامكان واللازمان لا يمكن فهمه وترجمته الى العالم الزمكاني لذا يأخذ الوعي والإدراك رحلة طويلة داخل النفس على الرغم من ان الحقائق كامنة في النفس منذ الأزل، كما هو حال وعيي المرهون بقيامة القلم، حيث يُظهِر النص في بدايته حالي ككاتبة مجافية للكتابة منذ أمدٍ وهي تشكو حال انقطاع تدوينها ثم ينتهي بها المطاف الى حال فيلسوفة تبحث في المجرد المطلق حتى من الشيئية وصولا الى المعنوية.. لتتوصل بعدها الى تساؤل:

هل حقًا وعي الكاتب وإبداعه مرهون بقيامة القلم؟ أم إن القلم مرهون بقيامة الوعي لديه؟

الحقيقة إن كل ما يكتبه القلم كلمات مشفرة في الوعي والوعي الخَفي (المسمى باللاوعي) وكذلك الوعي المطلق وهي طبقة بعيدة جدًا يصعب الوصول لها وربما مُحال، ولا يمكن أن يتم فك التشفير للمعاني الموجودة في طبقات الوعي الا بتأثير الزمان والمكان على وعي الكاتب فتظهر معاني النفس الإنسانية المشفرة بشكل نص صريح، هذا الذي يجعل القلم يموت لفترة طويلة منتظرًا مرور الزمن على الوعي الحي، ليبقى القلم بعد قيامته يستمد حياته من حياة ذلك الوعي الخالد.

***

بقلم: مها سعد فاضل

 

بين يدي مجموعة قصصية او بالأحرى ميتا سرد يحمل عنوان (امرأة على الشاطئ المقابل) يجذبك منذ الوهلة الاولى بغلافه المميز الأنيق لمؤلفه الكاتب الأردني الشاب (محمد عبد الله المجالي) يضم بين دفتيه مائة وثمانون نصا سرديا مكثفا. نقتبس ــ بادئ ذي بدء ــ النص  التالي: "بعض الجمال لا يخبو ابدا.. هو يتعتق فقط.. يصبح فاخرا.. يكون اكثر هدوءا واقل تهورا.. يزداد في تألقه.. وفي كل سنة تمضي تتضح فخامته.. الجمال بعد الأربعين يكون سحره متغلغلا ويقينيا.. لايمكن ان تتركه بعدما اعتقدت به.. هو حب لا ردّة عنه.. ناضج وفيه دفء كثير".. نص (بعد الأربعين) ص 94

في المجموعة قدر كبير من المغايرة في كل تفصيل.. فالمؤلف المجالي يهدي الكتاب الى: "النقاط الثلاثة.. التي استخدمها كفواصل بين جملي..و ففي هذا الفراغ الأكثر ارباكا.. الكثير من الكلمات التي عنيتها ولم اكتبها".. الاهداء  ص 5

تنضوي المجموعة الى شكل من اشكال التقنيات البنيوية او ما يسمى بالميتا سرد وهو تقنية أدبية تتضمن قصة تتحدث عن نفسها وتنشغل ببنيتها الفنية، حيث يُستخدم السرد في العمل الأدبي ليناقش طبيعته وأسلوبه في السرد. إنه يجعل القارئ يدرك أن القصة ما هي إلا بناء فني، ويدعوه للمشاركة في عملية التفكير حول كيفية إنتاج المعنى: " عادة يكون الأكثر حديثا عن الفرح... هو الأكثر حزنا فقد اخبرتني احداهن يوما: انه حتى بائعة الورد تشتهي ان يهديها احدهم وردة"..                  بائعة الورد، ص 176

ومن خصائص الميتا سرد توفر عنصر (الوعي الذاتي) حيث يكون النص مدركا لعملية انشائه. هنا يكون النص مدركًا لعملية إنشائه، وينشغل بـِ "كيفية" سرد القصة بدلاً من مجرد سرد الأحداث: "احيانا اكتب نصا عاما.. اتناول فيه مسألة انسانية تعنينا جميعا... يغلفها الحزن بطريقة ما.. قد اتحدث عن حالة اشتياق لن يطفئه لقاء ابدا...".. نص لا يصلح للجميع، ص 58

اما الخصيصة الثانية من خصائص الميتا سرد فهي التركيز على البنية: حيث يُسلط الضوء على بنية العمل الأدبي، ويُشير إلى أن القصة ليست بالضرورة انعكاسًا مباشرًا للواقع: "أتؤمنون بالرسائل العابرة للزمن؟.. يكتبها احدهم في ماض بعيد.. لتتخطى السنوات الطويلة والأشخاص".. رسائل عابرة للزمن، ص160

التداخل مع المرويات الأخرى: قد يتداخل مع مرويات أخرى مثل الأساطير أو التاريخ لخلق نصوص موازية داخل العمل الأساسي.ان إشراك القارئ: يجعل القارئ مشاركًا فعالًا في بناء المعنى من خلال جعله واعيًا بالعملية السردية: "اعتاد ان يراسل غادة السمان ويشي لها ما في قلبه خلسة... كان يظن انها سره...".. رسالة الى غسان كنفاني ص 163

ويطغى الجانب التأملي على نصوص المجموعة متخذا شكل اعترافات وفترات بوح ذي طابع وجداني وفلسفي في آن معا: "انه لعمل عظيم ان تحتفظ بقواك العقلية... ان تستطيع مقاومة كل الأشياء التي تقودك الى الجنون في هذا العالم البائس".. عمل بطولي ص 181

منجز سردي لنصوص حرص كاتبها ان تنهمر كشلالات صامتة ضمن اسلوب يعتمد صياغات معتنى في بنائها.

وتتبقى ملاحظة صغيرة تتعلق بترجمة عنوان العمل (امرأة على الشاطئ المقابل) الى:

 (A Woman On The Other Side)

وأرى شخصيا تحريا لمزيد من الدقة ان يترجم العنوان الى: (A Woman On The Other Shore) او

A Woman On The Opposite Shore

الكتاب صدر عن دار (امواج) 2019

كتاب يستحق القراءة.

***

قراءة: محمد سهيل احمد

لاريب ان جماليات النص الإبداعي تكمن في قدرة النص على تحريك المشاعر، وفتح أفاق التخيل عند المتلقي، بحيث يدخل في حوار وجداني مع النص، وبحس مرهف يغوص بعمق في تفاصيله، وليس مجرد قراءة سطحية عابرة.

وبذلك يعيش المتلقي بتفاعله الايجابي مع النص الإبداعي، تجربة وجدانية فريدة، تجمع بين المبدع، والمتلقي، في رحلة مشتركة، من التأمل المتألق، والإحساس المتوهج.

ولاريب ان النص الإبداعي، شعرًا كان، أو قصة، أو رواية، لا يمكن له ان يعيش اثره، وياخذ مفعوله الساحر، في التاثير، إلا بوجود قارئ، يتنفس فيه وهج روح النص، ويعيد تشكيل دلالاته.

فالنص الإبداعي عندما يلامس مشاعر المتلقي، فإنه يوقظ في مخياله ذكريات، وأحلامًا، وأوجاعا، يشعر القارئ من خلالها، بوقع الحنين، حيث يغمره الوصف الأدبي بعالم من الصور المتعددة، والتي تعيد في ذاكرته إحياء لحظات اجتماعية، وتسترجع ذكريات شجية.

وتجدر الإشارة الى ان اللغة، والرمزية، والدلالات المتعددة التي يزخر بها النص الإبداعي، تفتح للقاريء أبوابا واسعة للتأويل حسب رؤيته، لاسيما وأن للغة الشعرية أبعادا خيالية، وٱفاقا ذوفية، تجعل المتلقي شريكا في بناء المعنى، وتذيب الحدود بين الواقع والخيال.

ويبقى للأماكن في النصوص الابداعية، وهجها المتوقد، اذ تتحول إلى كائنات حية، تثير شجنا عارما وحنينا ملحا، حيث يتوهج التفاعل الوجداني عندئذ، ليحس المتلقي نفسه، جزءا من عناصر المكان، فيعيش كل تفاصيله، ويشعر بحقيقة ملمسه.

وهكذا يصبح المتلقي شريكا في الإبداع، من خلال تأويله الشخصي للنص، ليظل لكل قارئ مبنى معناه الخاص، ويظل النص مفتوحا للتأويل، بحيث يجد المتلقي جديدا، في كل قراءة تالية له للنص، ما دام تفاعله معه يقوم على مشاركة وجدانية، يطرح فيها أسئلته، ليفيض عليها النص، بإجابات جديدة، غير متوقعة

***

نايف عبوش

منذ أول نبضة للوعي، كان الصوت الخطوة الأولى للخروج من صمت الذات والنبضة التي تهدهد الروح والمحيط معًا. منه انفجر الغناء ومنه ارتفع ترتيل النصوص المقدّسة، كنبضين ينبعان من ينبوع واحد، أحدهما يلامس الأرض يتمايل على صدى الدنيا والآخر يحلّق في ضوء السماء إلى اتساع الكون الخفي حيث تتلاقى الروح والوجود في لحظة صمت تسبق الكلام. النغم كان أسبق من الحرف يجمع الخائفين كما تجمع الغيوم قطراتها ويلفّ الجماعة بدفء خفي ككف تربّت على كتف الليل تهدئه قبل أن يرحل.

وكذلك صوت الأم كان المعزوفة الاولى وربابة الحياة وهي تردد بنغمة كونية حين تهدئ طفلها: نم.. نم يا ولدي.. فالصباح رباح. هناك يولد أول اتصال بين القلب والروح ودرس مبكر بأن للصوت قدرة على الطمأنينة والشفاء وأن كل صوت يحمل العالم بداخله، كحفيف الأشجار، وهمس المطر، وخفق النجوم في الظلام.

وحين تعجز الكلمات عن حمل ما يتدفق في صدر الانسان ينفتح الغناء والشعر على نافذة أثير متجدد يحرّر الصدى المحبوس ويشعر الإنسان بأنه حاضر كنجمة تخترق العتمة. وعندما تتآلف النفس مع نغم القلب يخفت ضجيج الفكر ويعود الداخل إلى انسجام رقيق كتموج الماء حول قطرة تهوي.. كنداء يشبه المطر.. المطر.. كحزن يبحث عن مأواه في الأغنية فيستكين ويستعيد الوجدان توازنه.

أما الترتيل، فيتمايل على المقام ذاته لكنه يرتقي بالنية والمعنى والمقام. الكلمات فيه جسور نحو الطمأنينة والمكان يتحول إلى حضرة والروح تتلقى الصوت كما تتلقى الأرض أول مطر بعد طول يباب. هناك يمتزج السكون بخشوع دافئ ويشعر الإنسان بأنه أقرب إلى نور لا يُرى وأن الصوت يُحسّ في العظم والدمع والتنهد، في حضرة عميقة تتجاوز الجسد وتمس الجوهر.

هكذا يظل الصوت مرآة تجمع التراب بالروح، والغناء حين يُرتَّل بخشوع داخلي يصبح جسراً خفيًا بين النفس والسماء صدى للروح في عُمق الكون. كالمطر الذي يسقي الأرض كما تسقي الأم قلب طفلها وكالحزن الذي يجد مأواه في أغنية فتتحول الدموع إلى أمل. وهكذا يُذَكَّر الإنسان بأنه حي ممتد في العالم وما يتجاوزه.. في مدى أرحب وأعمق وأكثر إنصاتا لسرّ الوجود.

***

حميد علي القحطاني

"إن إحدى آخر المعاقل التي لا يزال الناس يستطيعون الالتقاء فيها وتبادل الحديث هي المدرسة. سيغلقون المدرسة!"

كتاب "السبورة السوداء" ثمرة تعاون بين صحفيين بلجيكيين، يعرضان من خلاله صورة لما يمكن أن يصير إليه التعليم إذا ما تمكن التجار من الهيمنة على الأنظمة التربوية، وتحويلها إلى مشاريع مربحة على حساب إنسانية وحرية الأجيال المقبلة.

 يتعلق الأمر بكل من جيرار دوسيليس، الصحفي والناشط اليساري الذي أنتج عددا من البرامج الإذاعية والتقارير والأفلام الوثائقية لإذاعةRTBF، كما له مؤلفات عديدة في مجالات التعليم والإعلام والعلاقات بين الشمال والجنوب.

أما نيكو هيرت فهو كاتب وأستاذ محاضر، يعمل باحثا في الجمعية البلجيكية "نداء من أجل مدرسة ديموقراطية"(Aped)، وتركز أبحاثه الرئيسية على أوجه الفصل العنصري في المدارس وتسليع التعليم.

سخّر المؤلفان الكتاب لشرح ما تنوي أن تفعله بنا طبقة الأثرياء، تلك الطبقة المنتشية بالمال والسلطة، والتي تريد أن تسرق منا الرأس بعد أن سلبتنا أذرعنا وسواعدنا. يتعلق الأمر ب "إلدورادو" جديد، يعتزم صيادو الثروات الاستحواذ عليه، وتوجيهه ليخدم مصالح الرأسمال العالمي. إنه التعليم الذي تُبذل جهود حثيثة لتحويله إلى سوق واعد.

في هذا الكتيب يسلط المؤلفان الضوء على بعض التقارير والمذكرات التي أصدرتها منظمات دولية، مع إطناب في التحليل والرصد دون تقديم بدائل أو حلول. وهي نقطة تضاعف من قيمة الكتاب، إذا لا يتوقع منه تقديم حلول سحرية لأزمة نظمنا التعليمية، والتي هي أزمة شائكة ومعقدة، كما لا يتوقع منه تقديم بدائل لمقاومة مشروع خوصصة التعليم الزاحف، لأن الحلول لا يمكن ابتداعها إلا ذاتيا، ووفق طموحات ومتطلبات كل شعب.

مع تطور تكنولوجيا الاتصال أصبحت المعلومة سلعة، وبالتالي فتوظيف التكنولوجيا الجديدة في التعليم ليس بتلك البراءة التي يتم الترويج لها، وهو ما تخفيه العبارات والمفاهيم التي يروج لها الأثرياء ووسائل الإعلام؛ فمشروع "مدرسة الغد" على سبيل المثال ليس سوى النسخة الأوربية لإصلاح التعليم من وجهة نظر السماسرة.

في أواخر القرن التاسع عشر أطلق العالم الرأسمالي موجة كبرى لاستعمار البلدان الأخرى بهدف الخروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة لسنة 1873. وهي الحملة التي مكّنته من وضع يده على ثمانين بالمئة من السوق العالمي لترويج منتجاته. أما مع بداية الثمانينات فقد اكتشف خبراؤه في المنظمات الدولية، من قبيل صندوق النقد والبنك الدولي والمفوضية الأوروبية، منجمين ماليين لا يتطلبان احتلالا بقوة السلاح: المصادر المالية للدول، والخدمات العمومية.

 وبما أن التعليم يندرج ضمن الخدمات العمومية التي تنص دساتير بلدان العالم على تقديمها لشعوبها بشكل مجاني، أو شبه مجاني في أغلب الأحوال، فقد صار اليوم هدفا مركزيا للرأسمال الخاص، باعتباره سوقا كونية واعدة تدر أرباحا طائلة، وهذا يعني أن التعليم الذي تقدمه المدرسة العمومية، سيشكل عائقا لابد من تفويته أو تخريبه إن لزم الأمر.

 في تقريرها الذي تبنته في السابع من مارس سنة 1990، أعلنت المفوضية الأوربية بشكل سافر أن التعليم يجب أن يصبح صناعة تبيع منتوجاتها (الدروس) في سوق تحكمها قوانين العرض والطلب.

وفي تقرير آخر صادر عن نفس الجهة في نونبر 1991 بعنوان" مذكرة حول التعليم المفتوح وعن بعد في الاتحاد الأوروبي" جرى الحديث عن الجاذبية التي يحققها التعليم عن بعد، وإسهامه في تحسين المردودية ودعم التنافسية.

أما تقرير " أوروبا ومجتمع المعلومة الكوكبية" والذي صدر في 26 ماي 1994 فقد دعا صراحة إلى تشجيع العمل عن بعد، من خلال توفير ملايين فرص الشغل، وما يعنيه ذلك من خلق سوق للتعليم عن بعد. إلا أن إرساء مثل هذه السوق يقتضي الضغط على الحكومات لتقليص ميزانيات التعليم العمومي، وجعله غير مجد، لتتجه أعداد هائلة من الطلبة بشكل طبيعي إلى التعليم الخاص.

وفي فبراير 1995 أعلنت مجموعة السبعة من بروكسيل بوقاحة: " إن التعليم يجب أن يعتبر بمثابة خدمة موجهة لعالم الاقتصاد.. إننا نطلق صيحة فزع، فالنظم التربوية لا تتلاءم بما يكفي من السرعة مع الثورة التكنولوجية".

 لقد خلقت التكنولوجيا لأول مرة سوقا تجاريا عالميا بقطاع التعليم، يؤمّن خدمات متنوعة، ويقترح برامج تعليمية في بلدان أخرى دون أن يضطر الطلبة لمغادرة مواطنهم، وهو ما ستكون له مضاعفات خطيرة على بنية نظام التعليم والتكوين على المستوى العالمي. إن الهدف هو خلق نظام واسع وتجاري للتعليم عن بعد على هامش شبكات التعليم العمومي والذي يكتفي في الغالب بتعليم أساسي مكمل. وتبعا للتخفيضات الكبيرة في ميزانية التعليم جرى تعميم التعليم عن بعد، ففقدت الجامعات غالبية أساتذتها وطلابها، وتركزت أهم نشاطاتها على إجراء بحوث لصالح أصحاب المصانع والشركات.

في النهاية سيبيعون دروسا في الديموقراطية، يقول المؤلفان، تلك التي يحكم فيها الأثرياء مختبئين خلف ساسة انتخبوهم. ديموقراطية ترفع السلاح بلا رحمة في وجه الشعب حين يثور، وذلك باسم النظام، نظام الأثرياء.. إنهم يريدون أن نتعلم ما هو صالح لهم.

تؤكد كل حكومات العالم في أدبياتها الرسمية على أن المدرسة تسعى لتحقيق أربع وظائف:

 فهي توفر حظوظا متساوية لكل الشباب لتصحيح اللامساواة الاجتماعية.

وتسمح لكل شخص بأن يطور كل إمكاناته إلى الحد الأقصى، ويفتق مواهبه الفنية وحسه العملي.

وتُمكّن كل الشباب من الحصول على عمل، من خلال ملاءمة جيدة بين التعليم وحاجات المؤسسات.

وتروم تنشئة مواطنين أحرار ومسؤولين. يحترمون الديموقراطية والقيم التي تأسست عليها بلادهم.

لكن ما يجري تحقيقه على ارض الواقع غير ذلك، فالمدرسة في البلدان الرأسمالية المصنعة تقسّم الأطفال حسب أصولهم الاجتماعية. وبينما يبدو الطريق ممهدا لأبناء الفئات المحظوظة نحو الجامعات المرموقة، فإن المنحدرين من عائلات شعبية يتم توجيههم في أحسن الأحوال إلى المعاهد التقنية. إن الوظيفة الحقيقية للمدرسة هي السماح لمجتمعنا الذي يهيمن عليه المال بالتماسك، كي يتمكن حفنة الأثرياء من إدارته وحكمه، باستبعاد أية اعتبارات إنسانية أو اجتماعية تعيق مطلبهم الأول: الربح!

 حتى زمن غير بعيد كان الموقف الاستعماري إزاء مسألة التعليم واضحا، ويتمثل في الإبقاء على جهل وتخلف البلدان التي كان ينهب ثرواتها ومقدرات شعوبها. ما الذي جرى إذن حتى يسارع خبراؤه وساسته الزمن لخلق ما أسموه "مجتمع المعرفة"؟

 وما الغاية الحقيقية وراء عقد مئات الندوات والمؤتمرات التي تقترح إصلاحات شاملة لنظم التعليم في تلك البلدان؟

يُبدي المؤلفان قناعة واضحة بأن العولمة الثقافية التي يتأهب الجميع لمقاومتها ليست سوى سقف إيديولوجي لمشروع تجاري بالأساس؛ مشروع سوق كونية للتعليم الخاص، توفر ملايين المستهلكين للدروس/السلع، وللأجهزة والوسائط الحاملة لها، وللمعلومات المصنعة والمستهلكة عن بعد.

***

حميد بن خيبش

عاش الكاتب السارد الروائي الصحفي العربي المصري، حياة قصيرة، لكنها حافلة بالعطاء، عامرة بالإنتاجات المُهمة الغزيرة، وتُعتبر قصة حياته اشبه ما تكون برواية كتبها القدر، واخرجتها مُعجزة، وقفت وراءها تحدّيات كبيرة ومواجهات شخصية، تدُل على عظمة متأصلة، وقُدرة خارقة تجلت فيما بعد، في العديد من الاعمال القصصية الروائية التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، وكونت بالتالي حكاية يمكن روايتها بافتخار واعتزاز لإنسان كاتب أراد ان يكون فكان.

الكاتب أمين يوسف غُراب (31 اذار عام 1912/ 27 كانون الأول عام 1970)، ولد في قرية المحلة، بعدها انتقل برفقة اسرته للاقامة في قرية دمنهور، المصرية، وكانت ولادته لعائلة موسرة. أبوه كان يعمل في التجارة، لهذا تركه يعيش طفولته وينعم بها، بعيدًا عن المقاعد الدراسة، وهو بهذا لم يجلس على مقاعد الدراسة، ولا عاما واحدًا، وكما يحدث في القصص، عندما تجاوز عمر الابن امين، الخامسة عشرة بقليل، أفلس الوالد وتوفي تاركًا ابنه وعائلته دون مُعيل او مموّل، الامر الذي دفع الابن، أمين، للعمل مساعدًا لسائق قطار(عطشجي). وعندما قاربَ عمرُ هذا الابن السابعة عشرة، صادف أن رآه نائب دمنهور وهو يمارس ذلك العمل الصعب الشاق، وتذكر أن والده التاجر المعروف في حينها، كان واحدًا من داعميه ومؤيديه السياسيين، فاقترح عليه أن ينتقل للعمل في مكتبة دمنهور العامة، عاملَ نظافة وصيانة فيها. كونه لم يتعلّم القراءة والكتابة!!.

 ابتدأ أمين العمل في المكتبة عاملًا بسيطًا، إلى أن وقعت له حادثة ستغيّر حياته تغييرًا جذريًا، وسوف تضعه في مُواجهة مع نفسه. تمثلت تلك الحادثة في أن إحدى رائدات المكتبة، طلبت منه أن يُعيرها، أو يناولها، كتاب الأيام للكاتب الشهير طه حسين، فما كان منه إلا أن ناولها كتابًا آخرَ، كونه لا يعرف القراءة والكتابة، فسخرت منه تلك الرائدة، قائلة له كيف تعمل في مكتبة وانت لا تعرف القراءة؟.. أثّرَ ما قالته تلك الرائدة في الفتى أمين، فما كان منه إلا أن توجّه إلى مُعلّم يقوم بتعليم الطلاب عبر دروس خصوصية، وطلب منه أن يعلّمه القراءة والكتابة.

 بعد عام واحد فقط، من الدراسة المُركّزة.. المُكثّفة كان أمين، قد تمكّن من اللغة العربية قراءةً وكتابةً، وشرع في قراءة أمهات الكتب، في المستويين الاجنبي والعربي. بعد قراءات دائبة ومتواصلة، استمرت مدة ثلاث سنوات، شرع أمين يوسف غُراب، في العشرين من عمره، في الكتابة السرّدية، وكان أن قرأ في تلك الفترة عن مسابقة في كتابة القصة القصيرة، أعلنت عنها مجلة روز اليوسف المنتشرة شديدة الانتشار، فتقدّم إليها بإحدى قصصه، ليفوز بالجائزة الأولى في تلك المسابقة، وليبتدئ بالتالي رحلته مع الكتابة حتى أيامه الأخيرة.

يتبين مما توفّر عن كاتبنا من معلومات، أنه أرسل إحدى مجموعاته القصصية الأولى، إلى الكاتب طه حسين، المُكنى بلقب عميد الادب العربي، مُقترحًا عليه قراءتها، وفوجئ بعد فترة وجيزة، بسائق سيارة يطرقُ بابَه ويطلب منه مُرافقته للقاء بالعميد. خلال ذلك اللقاء الذي سيجعله كاتبا مرموقا منذ البداية، أعرب العميد عن إعجابه بالكاتب الشاب، وأخبره انه سيقوم باقتراح نشرها ضمن سلسلة مرموقة، كما سيطلب من مُترجم فرنسيّ أن يقوم بترجمتها إلى الفرنسية، ولم ينسَ العميد أن يقول له، في ذلك اللقاء، انه يكتب القصة باقتدار واحترافية واضحين.

بإمكان مَن يطّلع على ما أنتجه كاتبُنا خلال عمره الادبي الوجيز نسبيًا، أقل مِن ثلاثة عقود من الزمان، سواء في مجال الكتابة السردية-قصة قصيرة ورواية، أو الكتابة السينمائية التي أبدع فيها أيّما ابداع، نقول بإمكانه التأكد مما قاله العميد لكاتبنا الشاب، فهو كاتبٌ مُقتدرٌ يُقدّم سرديته، ضمن حَبكة مُحكمة، قوية جدًا وتحبس الانفاس، مُطعّمة بمعرفة مُتعمّقة للنفس البشرية، في شتى حالاتها ووضعياتها، سواء كانت قوةً أو ضعفًا، وبإمكانه أيضًا، مُلاحظة أن كاتبنا يدير سرّديته بخبرة ودراية، لا تقلّ براعةً وابداعًا عن تلك التي اتصف بها كبار الكتّاب في العالم. فهو يُقدّم ويؤخّر في الاحداث، ويشدُّ قارئه منذ السطر الأول حتى الكلمة الأخيرة، ومَن يقرأ أيًا من اعماله الروائية أو القصصية، أو حتى يشاهدها مُقدّمةً على الشاشة السينمائية، يتأكد تمام التأكد مما نقوله ونذهب إليه.

أنتج كاتبُنا خلال عمره الادبي، العشرات مِن الروايات، لعلّ أشهرها شباب امرأة وسنوات الحب، والمجموعات القصصية اللافتة، منها الساعة تدق العاشرة و ثم لا شيء، كما قام بالتعامل مع الفن السابع، فكتب سيناريوهات العديد من الأفلام التي تربّت على مشاهدتها وتعشقتها الأجيال، ومما عُرف عنه تلك الغزارة في الإنتاج، ويقول المتوفّر عنه من معلومات، في هذا السياق، إنه كان يضع في بعض الأعوام، في أوائل الستينيات تحديدًا، السيناريوهات لفلمين أو ثلاثة في العام الواحد. وبإمكان من يُودّ التوسّع في المزيد من المعرفة عن كاتبنا، التوجّه إلى شبكة البحث العنكبوتية الالكترونية العالمية جوجل، ليرى إلى أي عطاء ثريّ وسخيّ قدّم هذا الكاتب.

صفوة القول إن حياة وكفاح هذا الكاتب، يُقدّمان نموذجًا مُعبّرًا عن الإرادة والتحدي، ويُمكن أن يكون بوجوده اللافت، قدوةً ومثالًا لمن يسلك طريق الابداع الادبي، السردي خاصة، علمًا أنه عملَ في الصحافة أيضا وقدم إنجازات ملموسة فيها، وحصل عام 1964 على جائزة الدولة التقديرية لقاء عطائه السرديّ الرائع.. في الرواية عامة والقصة القصيرة خاصة.

***

ناجي ظاهر

لاريب أن تحديث الموروث الثقافي بكافة اشكاله الأدبية والفنية وغيرها، بقصد مواكبة التطورات الكبيرة، والتغيرات الجذرية، التي بات يشهدها عالمنا المعاصر، اصبحت من بين ضرورات تنمية الوعي الجمعي، بعمق اثار تلك التطورات، بين ضرورات التجديد، ومتطلبات الحفاظ على اصالة هوية الموروث الثقافي للمجتمع، لضمان تحقيق ثقافة عصرية حية، تواكب تلك التطورات، وتتفاعل مع معطيات الحداثة بوعي، وكفاءة، وتتواصل باعتداد مع المتراكم من الموروث الثقافي والاجتماعي في نفس الوقت.

وغني عن البيان أن عصرنة الثقافة بما هي عملية تحديث، تستدعيها ضرورات تطوير الثقافة السائدة، بقصد مواكبة كل تلك التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية، التي يشهدها عالم اليوم في مختلف مجالات الحياة، تظل حاجة ضرورية، لضمان بقاء ثقافة الموروث حية، وقادرة على مواكبة التطور، وتجاوز تحديات المسخ والتشويه والضياع، بالانبهار، والتصاغر، والإستكانة.

ولاشك أن التجديد الثقافي يتطلب تعزيز الابتكارت، الفنية، ودعم الإبداعات الادبية والثقافية، بما يساهم في تطوير الحس الاجتماعي الثقافي الجمعي، ويرتقي بجودة مخرجاته الأدبية والمعرفية. كما يتطلب ان يكون الابتكار الهادف، والإبداع المتجدد، مستدامًا، ومتواصلا مع القيم والتقاليد الاجتماعية المتراكمة، لتامين الوصول إلى تحديث ثقافي، يعزز اصالة الهوية الثقافية، ويتفادى تداعيات المسخ والتشويه، بالعزل، والقطيعة .

كما أن التجديد الثقافي يتطلب الحفاظ على هوية المتراكم من الموروث الثقافي، في اطار أي توجهات تسعى لعصرنة الثقافة، وتطوير ٱفاق المعرفة، وذلك من خلال دمج القيم والتقاليد السائدة، مع ماهو ايجابي ومفيد، من معطيات التطور والحداثة.

ولاريب أن تحديث المتراكم من المعرفة، يواجه تحديات كبيرة، تتجسد في كيفية الحفاظ على الموروث من المسخ والتشويه، واستلاب اصالة

الهوية الثقافية، الامر الذي يتطلب التعامل مع متطلبات التحديث بوعي تام لنتائج تداعيات مثل تلك التحديات.

كما ينبغي الانتباه في الوقت نفسه، إلى مفاعيل، وتأثيرات العامل الخارجي، في عملية التحديث المطلوبة، فالثقافات الخارجية، في واقع حال ثقافي مفتوح في كل الاتجاهات على كل الثقافات والمعارف، بعد ان أصبح العالم قرية واحدة، بمفاعيل الثورة الرقمية، يمكن أن يكون له تداعيات لاحصر لها على الثقافة العامة المحلية، وهو ما قد يؤدي إلى المس باصالة الهوية، ومسخها .

ولابد من الإشارة إلى ان الحرص على ترادف الاجيال، وتعزيز الحوار الثقافي بينهم، سيضمن سلاسة فهم مشترك للضرورات والتحديات، التي ستواجه أي مسعى جاد للتحديث، وذلك من خلال إرساء تعليم هادف، وتثقيف سليم، واعتداد مقتدر بالموروث، الأمر الذي سيضمن تعزيز الوعي الجمعي المشترك، بأهمية الحفاظ على أصالة الهوية الثقافية، والحرص على مواكبة التطورات الحديثة في نفس الوقت.

***

نايف عبوش

من مُسوغات مَفْسدةَ يومياتي والتي تزيدني ألما، حين سألتني ذاكرتي بصيغة الاستنكار ونبرة من الغباء الحكيم: في أي يوم نحن يا هذا؟ ابتسمت دون قهقهة من التنبيه باسم إشارة دال على العاقل. وأنا أقلب بالترتيب الحسابي عقارب موازين ذاكرتي المشوشة، والتي قد تكون بحق قد أتلفت بوصلة الاتجاهات الأربعة، وباتت بوابة السماء النافذة الباقية للدعاء والرضا بالأمن والأمان.

لم أفكر بذات التخمين عند محاولات الإجابات المنمقة والمُرصعة ببيان وتبيين الجاحظ (كتاب الحيوان)، بل بقيت عند رحبة الارتجال العشوائي، أتناول كلامي بالعفوية والطلاقة اللفظية (المحاسن والأضداد/ الجاحظ)، وحتى بلا مكملات من علم الكلام البليغ. كنت حينها لا أرغب في أن أتقيد بحدود شائكة في عدم العودة لذاتي الطيعة بالعرفان!!! لم تكن إجابتي عن ذاك السؤال (في أي يوم نحن يا هذا؟) موضع إفادة تامة ونحن في زمن الذكاء الاصطناعي، بل قلت بنباهة الأحمق الغافل عن الأمكنة والأزمنة: نحن في يوم البداية، وكفانا خيرا من شر السفسطة المريبة في الغيبيات!!!

 منطق طغاة الوقت لا حدود له شائكة لجرجرتك نحو مهالك التفكير، قبل تنشيط ذاتك العليا بالبرهان، لكني كنت لحظتها قد تعلمت مقاييس الفوز بحسابات مسافات التأني والتروي، عندما كنت قد كسبت خبرة فيزيائية: كيف أَخْبِرُ ثنايا تفكير عدوي بالاستقصاء قبل النيل منه بالرد العقلاني؟ كيف أقاوم تلك النفس الأمارة بالسوء؟ فقد كنت أؤمن أن العدو الذي يعرف خبايا المستقبل (المهدي المنجرة) لا يمكن أن يخسر الحرب، رغم خسرانه للمعركة الأولى!!!

 مرات عديدة في حلمي الواقف أركب صهوة الحصان الناري طيرانا، والذي علمني أسس الثقة والحماس والعناد، وعند نهاية حلمي مع صديقي الحصان الناري يخاطبني دائما:" امض بثقة صوب أحلامك!!! لا تضع من أزمات الماضي عقبات تصدم حاضرك ومستقبلك!!!

 أبتسم عند تذكري هويتي المتفحمة من كثرة الأحداث، و أفزع بشراهة موغلة في نارية سنة من حياتي، ولما لا التشفي من داء ذاكرتي اليقظة من بؤرة البلاهة المستديمة. كنت حينها لا أزال أُرتق العلاقة بين ذكرياتي الماضية، وذاكرتي في الحاضر المُشكل بالارتباك والتدني الموضوعي، لكي يتسنى لي التذكر ولو بصدق حين أُمسي عنيدا وأنانيا (من أنا؟). ومن شدة التعب قد آوي إلى فراشي الممتد أرضا، وأنا أحتسب أنِّي أضعت يوما من حياتي الفانية والمنهكة.

في حديث مُنعش، وبالمنبهات التنشيطية مع الأنا (العليا)، قالت ذاكرتي: "لا تسرع (يا أنا) في خطى الهرولة والجري نحو خط النهايات، فالنهاية السعيدة لا تكون إلا عند قصص الحكايات الشعبية (ألف ليلة وليلة). نعم، وبحق فبئس يومي وكتاباتي !!! فقد يؤلمني أننا نعيش حياة منفصلة بالتمام عن الحياة الحقيقة المعتدلة، ونحن دائما نبدأ في التفكير المريح في النهايات، أكثر مما نوثق أسس وزينة للبدايات. تذكرت اليوم ولأول مرة، أن الحصان الناري قد علمي حكمة طيعة: " بأن الخروج من دائرة تفكير الصندوق، أصعب بكثير من العودة نحو نفس الهوة، فلا يمكن أن تسبح في النهر مرتين !!!"

 في فيلم فتى الأدغال (ماوكلي الكارتوني)، تعلمت البساطة من حياة الغابة وقوة الغاب، والفتك المتكرر الباحث عن الحياة لا الموت. تعلمت أن كل ما في الغابة يسقط فريسة الموت نتيجة السرعة المفرطة في الخوف والفزع المتردي. تعلمت كذلك أن التسرع في اتخاذ القرارات المربكة يحتمل الخطأ المزدوج والموت الحتمي!!! من شدة المضادات غير السوية بالاعتراف، حين رفعت قبعتي للذئاب، والتي أحسنت تربية (ماوكلي) رغم أنها ذئاب من الغابة التي لا تؤمن بالخير!!! حينها قلت: "لا يمكنك (يا أنا) إيقاف عقارب الساعة في الماضي، والبكاء على الأطلال المهشمة، والحبيبة التي تسللت ليلا من فراشك هروبا، تاركة على لوح المرآة بأحمر الشفاه عبارة (أحبك وجعي) !!!ورحلت في صبح النفعية والانتهازية بعيدا عن مجابهة الحياة كما هي... "

ليلتها رأيت القمر يُشكل إبداعا فنيا مع الغيوم الداكنة المتقطعة. فرحت من تلك الأشكال المتموجة بالتغيير، وحتى المخيفة منها، ومن نوعية رسومات حيوانات الظل البيضاء والتي لا تؤدي. وآلمني رؤية إنس التحكم في رقاب العباد بالنياشين المرتخية، يزبد رعدا وبرقا بحرق المعارضين ويحمي الفاسدين!!!

ليلتها كنت في كل مرة أُحس بالخوف، وأتراجع الخطى وراء من رسم الدب الأسود، لكني أبيتُ أن أسقط أرضا للتمويه والتخفي في عدة مرات، مادام الغول الفتاك يربح النزال عند الفرار الواقفة بالصراعات، و يزيد حتى هو من سرعته في ركض الصيد التغذي اليومي، ونيل الغنيمة غير المتخفية، وهذا ما تعلم كثيف من فطرة (ماوكلي الكارتوني) فتى الأدغال في العيش والمقاومة.

 في ليلة القمر القريب من الأرض السفلية، يموت الشر ليلتها وراء السد العتيد (الإسكندر الأكبر)، ولم يقدر لا (يَاجُوجُ) ولا (مَاجُوجُ) من نقب قطرة حديد ذي القرنين. فقد كانت لعنة الحقيقة ليلتها قد بات بادية، وبلا ماكياجات، إنه يوم نهاية التخمين والتفكير في أي يوم نحن فيه ؟ مادامت الأيام تتناسخ بالثبات، ونحن بالتحول المنطقي مع سنن الحياة نتغير بالإلزامية. يوم البداية كنت أؤمن فيه بالقطعية المطلقة، أن من كان يضع الأقنعة البلهاء ليلتها، قد يماثل في الأسطورة الوُحوش الآدمية من أكلة لحوم البشر في يوم الاستيقاظ الثاني. 

***

محسن الأكرمين

 

أنوار مهرجان القاهرة السينمائي الدولي تعود، كالمواسم السابقة، تحمل ذاكرة الأضواء الأولى. منذ أن وطئت قدما الأخوين لوميير شاطئ الإسكندرية عام 1896، والمشروع السينمائي المصري ينسج غطاء رقيقا فوق وجه الوقت. لم يكن الفيلم مجرد صور تتحرك، بل كان نقشا جديدا على جدار الزمن، امتدادا لنقوش المعابد. كان سجلا لنبض الشارع، ووجه المرء العادي، وحكايته التي لا تموت.

في البداية، كان الأبيض والأسود. كان صوت يخرج من صمت الصور. "زينب" عام 1930، كانت كالنفس الأول. ثم جاء محمد كريم وكمال سليم، فأرسي قاعدة لغة سينمائية بسيطة كالطفولة، عميقة كالنهر. لغة تحكي صراع الإنسان المصري مع الواقع، مع الحب، مع الحلم.

ثم، في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، انفجر العصر الذهبي. تحول استوديو مصر إلى مصنع للنجوم، إلى ورشة كبرى للحلم. "دعاء الكروان"، "الناصر صلاح الدين"، "باب الحديد"، "الأرض". كانت أفلاما تنسج نبرة سينمائية عربية مستقلة، تجمع بين الرومانسية والواقعية والتحليل الاجتماعي. كانت سينما تبني وعيا، وتؤسس لذائقة.

توطدت العلاقة بين الفن والدولة. السينما صارت ذراعا من أذرع الوعي الوطني. من "رد قلبي" الذي وثق روح ثورة 1952، إلى "شيء من الخوف" الذي اقترب من نقد السلطة بحذر البصير. كانت السينما تصنع الذاكرة، وتعيد تشكيل الواقع.

في السبعينيات والثمانينيات، برز جيل جديد. جاء محمد خان بواقعيته الحسية، ليعيد قراءة الإنسان المصري في زمن المدن المتغيرة. وجاء داوود عبد السيد، لينسج عالما إنسانيا شفيفا، يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمدينة والقدر. وجاء وحيد حامد، ليفكك بشجاعة السردية الإخوانية المتطرفة. أما النجوم، فاتن حمامة، عمر الشريف، سعاد حسني، شادية، محمود مرسي، أحمد زكي، محمود عبد العزيز، عادل إمام... صارت وجوههم جزءا من ذاكرة الأمة، وروحها الثقافي. تجاوزوا الشاشة إلى المخيال الجمعي.

لم تكتف السينما المصرية بصنع الأفلام. صنعت بصمة. مدرسة سينمائية عربية شاملة، بلهجتها الخاصة في السرد والإخراج والتصوير والتمثيل. "العزيمة"، "المومياء"... لم تكن أعمالا خالدة فحسب، بل مرايا عميقة شرحت البنية الاجتماعية والسياسية، وكشفت ما تحت السطح.

كانت السينما، وما تزال، أحد أهم أدوات تشريح الوعي الجمعي في مصر. تفصح، توثق، تفتح أبواب الأسئلة. تقترب من الفقر، والطبقية، والبيروقراطية، والهوية، والمرأة، والمدينة، والدولة. تحدثت عن الظلم الاجتماعي في "الأرض"، وعن الاغتراب في "الكيت كات". كانت تخوض معركة الإدراك.

ومثلما واجهت قضايا المجتمع، واجهت الظاهرة الإرهابية بشجاعة. منذ التسعينيات، دخل الفن إلى الساحة ضد التطرف. "الإرهابي"، "الإرهاب والكباب"، "دم الغزال". أفلام قرأت العقل المتشدد، فكتكت العلاقة بين القهر والإرهاب، كشفت عن جذور الظاهرة في الفقر والحرمان.

لم تسلم السينما من أزمات إنتاجية قاسية. نقص التمويل، ارتفاع تكاليف المعدات، تقلص دور الاستوديوهات، هجرة الكفاءات، غياب نظام توزيع عادل. ومع ذلك ظلت صامدة، تصنع أفلامها بإصرار.

اليوم، وأمام تحديات العصر الرقمي ومنافسة المنصات، تحتاج الصناعة إلى خطة وطنية حديثة. صندوق مستدام للتمويل، تحديث الاستوديوهات، سياسة توزيع منصفة، دعم التحول الرقمي عبر منصات عرض محلية قوية.

ستظل السينما المصرية، بما حملته من ذاكرة ورموز وأحلام، هوليوود الشرق. صانعة النجوم، صاحبة الإنتاج المتنوع. البلد الذي لا تنطفئ شاشات عرضه. كتابها ونجومها أصحاب خيال لا ينضب. وروح تعرف أن الفن قوة ناعمة قوية، تحرس العقل، وتفتح الطريق أمام المبدعين.

كأنها النيل، يجري بصمت، حاملا حكايات القرون.

بين ضفتي الزمان، تستمر الحكاية..

كأنما النيل نفسه يرويها.. هذه الحكاية التي لا تنتهي. فبين الأضواء والظلال، بين الصمت والضجيج، تستمر السينما المصرية في نسج خيوطها الذهبية. كل فيلم جديد هو حلقة في سلسلة ممتدة، كل مخرج هو حامل لشعلة أولئك الرواد.

نحن الآن على حافة الهاوية، أو على عتبة النهضة – لا نعرف بالضبط. المنصات العالمية تتدفق كالسيل، تقدم بدائل سريعة، تستهلك الوقت كالنار تأكل الهشيم. لكن السينما المصرية تقف كالطود الأشم، تعرف أن جذورها أعمق من أن تقتلعها عواصف العولمة.

إنها تشبه نخلة صامدة في وسط العاصفة، تميل لكنها لا تنكسر. المخرجون الجدد اليوم، من أمير رمسيس ومراد عبد الواحد إلى أحمد عبد الله ومريم أبو عوف، يحملون نفس الروح التي حملها كمال سليم ويوسف شاهين، لكن بلغة العصر. هم يستخدمون أدوات العصر الرقمي ليحكوا حكايات أبدية.

ما يميز السينما المصرية أنها لم تكن أبدا مجرد مرآة عاكسة، بل كانت حوارا مستمرا مع الذات الجمعية. كل فيلم هو سؤال وجودي: من نحن؟ إلى أين نسير؟ ماذا بقي منا وماذا تغير؟

في "حسن ومرقص وكوهين" كان السؤال عن الدين والتدين، في "شيء من الخوف" كان السؤال عن السلطة والحرية، في "الأرض" كان السؤال عن العدالة والكرامة. الأسئلة نفسها تتجدد بأجيالها، والإجابات تتعدد بتنوع الرؤى.

لعل أعظم ما قدمته السينما المصرية هو هذا النسيج الاجتماعي المتماسك الذي نسجته عبر العقود. كانت دائما فضاء للقاء بين الطبقات، بين المثقف والعامل، بين الحاكم والمحكوم. في دور السينما، تحت الظلام الجميل، تذوب الفوارق ويتحول الجمهور إلى كائن واحد، يضحك معا، يبكي معا، يغضب معا. هذا هو السر في بقائها رغم كل العواصف. إنها فن الشعب، يحمل همومه وأحلامه، يعبر عن آلامه وآماله.

اليوم، ونحن ندخل عصر الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي، تبرز أسئلة مصيرية: كيف ستحافظ السينما المصرية على هويتها في هذا الفضاء الرقمي الواسع؟ كيف ستواصل دورها التنويري في زمن التدفق المعلوماتي؟

الإجابة تكمن في الجوهر لا في الشكل. فما دامت تحمل رسالة إنسانية، وما دامت تتحدث بلغة القلب، فلن تجد صعوبة في اختراق كل الحواجز. التقنيات تتغير، لكن الحكايات تبقى. الشاشات تتبدل، لكن المشاعر لا تتبدل.

نور لا ينطفئ

ستبقى السينما المصرية كالفانوس السحري، ينير دروب الأحلام، يضيء زوايا النفس، يكشف عن الحقائق. هي النور الذي لا ينطفئ، والكلمة التي لا تموت، والذاكرة التي لا تنسى.

في كل مرة تشتعل فيها أنوار مهرجان القاهرة، يذكرنا ذلك بأن الحكاية مستمرة، وأن الروح الإبداعية لم تنضب، وأن الأمل لا يزال ينبض في قلب الأمة. السينما المصرية ليست مجرد أفلام نعرضها، بل هي هوية نحملها، وتراث نحمله، ورسالة نؤديها للعالم. هي الوردة التي تتفتح في قلب الصحراء، تذكرنا بأن الجمال أقوى من كل شيء، وأن الفن أبقى من كل شيء.

***

عبد السلام فاروق

يُعد مؤيد الراوي أحد أبرز الشعراء العراقيين في ستينيات القرن الماضي، وانتمى إلى ما عُرف بـ"جماعة كركوك". عمل في مجال الصحافة، واعتُبِر أحد رموز التجديد في الشعر العراقي الحديث. من بين مجموعاته الشعرية: "احتمالات الوضوح" و"الممالك"، وآخرها "سرد المفرد" التي صدرت قبل يومين فقط من رحيله عن دار "الجمل."

لم يكن بيت مؤيد الراوي يبتعد عن بيتنا في حي "عرفة" بكركوك سوى خطوات معدودة. كانت تلك الأزقة الحجرية والأرصفة المرتبة بإعتناء تختزن في مسامّها روائح الفحم والخبز والدهشة. وكان مؤيد، بشعره الكثيف القاتم السواد ونظارته الداكنة، يمرّ من أمام بيتنا بخطواتٍ متأنية، كأنه يمشي في حقل من الأفكار لا في شارع ضيّق من شوارع المدينة.

كنت صغيراً يومها، لكن صورته ما زالت معلّقة في الذاكرة كلوحةٍ عتيقةٍ في صدر غرفةٍ لا يزورها الضوء إلا نادراً. كان يدخل بيتنا أحياناً، فيتحدث مع أخي الكبير "ناصر" بلغة عربية فصيحة، ممزوجة بنبرةٍ بغدادية رخيمة، بينما كان يخاطب والدتي بالتركية أو بالتركمانية الدارجة، لغة الحياة اليومية في كركوك، وأحياناً بالآشورية. كان يجيد الانتقال بين اللغات كما ينتقل الشاعر بين الصور، بلا تكلّف ولا ارتباك.

وفي بعض الأحيان، كان يلتحق به "جان دمو"، ذلك الكائن المتمرّد الذي لا يعرف معنى للنظام. كان بيته ملاصقاً لبيتنا، لا يفصل بينهما سوى جدار من الطابوق الأحمر. أتذكّره وهو يطرق بابنا في أوقاتٍ غير متوقعة، وكان كثيراً ما يبصق على الأرض أو في الهواء، أينما كان وبلا تردد. وهذا ما كان يغيض والدتي فتثور لتوبخه. لكنه كان يبتسم ابتسامة جانبية غامضة، ويقول لي بصوته الخفيض:

"هلو جورج، خلصت السكائر… روح جيبلي علبة من الكانتين". والكانتين كان مجمعاً تجارياً نظيفاً، يتوفر فيه كل ما يحتاجه الناس.

كنت أركض بحماس لأشتري له السجائر، كأنني أشارك في طقسٍ سريّ من طقوس الشعراء الكبار الذين يسكنون بيننا ولا نعرف قدرهم بعد.

كنت أدرك، وأنا مازلت طفلاً، أن مؤيد الراوي ليس رجلًا عادياً. كان شاعراً وصحفياً وخطّاطاً ورسّاماً، كل هذه المواهب اجتمعت فيه. أذكر أنني زرت بيته ذات مرة برفقة شقيقه الأصغر "فؤاد". وما إن فتح باب غرفته حتى داهمني غبار الدخان، كان كثيفاً كالضباب، لدرجة أنني شعرت بالغثيان. وما إن خطوت إلى الداخل حتى أحاطت بي الألوان من كل صوب: لوحات تملأ الجدران، وخطوط عربية تمتدّ كأنهارٍ من حبر أسود.

وسط تلك الفوضى من الكتب واللوحات والرماد، كانت هناك لوحة "بورتريه" لفتاةٍ آشورية جميلة، تسكن قريباً منه. قيل لنا إنه كان يحبها بصمت، وأنه رسمها مراتٍ عديدة ليحفظ وجهها من شبح النسيان.

كان مؤيد يدخّن سيكارته بشراهةٍ تأملية، يشعلها كما يشعل قصيدة، ثم يدخنها حتى منتصفها فقط، وكأنه لا يريد أن يستهلك جمرها تماماً، ثم يطفئها ويلويها بين أصابعه ويرميها جانباً. كنت أراقب هذه الحركة فأشعر أنها ليست عابرة، بل جزء من طقس يومي لمصالحة نفسه مع عالمٍ لا يرحم.

مضت سنونٌ طوال لم أره فيها، حتى جاء اللقاء في برلين ليكسر تلك الحلقة. هناك، في بيته- مرسمه، وجدت عالمه ماثلًا أمامي: جدرانٌ تحمل لوحاتٍ تتنفس فناً، وألوانٌ تعانق بساطة الأثاث في أرجاء الغرفة. إلى جانبه، كانت تقف زوجته الصحفية فخرية صالح، شريكة دربه. لقد نال الزمن من جسده النحيل حتى أوشك على الانحناء، لكن نظراته كانت المعجزة؛ ظلت كنجمين متألقين، يشعان ذكاءً قديماً وحنيناً لا يعرف الزوال.

 تحدثنا مطولاً عن كركوك، عن الشعر، وعن الرحيل الذي لا ينتهي. بعد فترة قصيرة، تسلّل المرض إليه، وشلّ حركته شيئاً فشيئاً، ثم خمد صوته كما كانت تخمد سيجارته في آخر الليل.

في شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي مرت عشر سنوات على رحيل مؤيد الراوي عن 76 عاماً في برلين.  لكن روحه ما تزال معلّقة في تلك الأزقة القديمة في كركوك، عالقة بين دخان سجائره وألوان لوحاته وصدى لغاته المتعددة.

  اتسمت لغته الشعرية بغموض ظاهر، غير أن بنائه اللغوي تميز بالشفافية والاعتماد على الرمزية من خلال استخدام المحسنات البديعية. وفي ديوانه "سرد المفرد" نقرأ:

الأشياءُ كثيرةٌ

تولدُ الأشياءُ

دوامةٌ يديرُها طبعُ إلهٍ

مَنْسوخةٌ تَمضغُ الأشياءَ

تَغزِلُ من الغيابِ شيَّاكَ

تَضيعُ فيها وتُسجَن

تحرسُها الكواسجُ

لا مقصَّ تُقطَعُ به الخُيوطُ

فتمضي بنا نحو القاعِ

تنحني الكتفُ وتصنعُ الألغازَ

ننشغلُ بها وتَطرُقُنا كَثْرَةُ الرموزِ

سلامٌ لروحك أيها الراوي، ولأيامٍ كنا نعبرها ببطءٍ، كأنها هي نفسها تخاف من أن تنتهي.

***

جورج منصور

لا ريب أن الحنين إلى الماضي بما هو شعور عاطفي، وهاجس وجداني، يخالج وجدان الكثير من ذوي العواطف الجياشة، والمشاعر المتوقدة، بما يثيره في المزاج من انعكاسات، في اللحظة، وما يؤججه في دواخلهم، من وجدانيات متوقدة..

 ويجسد الحنين إلى الماضي شعورا بالاشتياق إلى زمن مضى، زاخرا بكل تلك الذكريات السالفة، ولاسيما ما يتعلق منها، بمرحلة الطفولة، والشباب، وما تتركه من النفس من وجدانيات متوقدة.

ولعل الحنين إلى الماضي هو ما يؤجج وجدانيات الخيال، باستذكار تلك الذكريات الجميلة، التي عشنا تفاصيلها بسعادة يوم ما، وهو ما يعزز شعورا عارما بالسعادة والرضا.

ومع كل نلك المشاعر الجياشة التي يغمرنا بها الحنين إلى الماضي، فانه لا يعدم إثارة شعور بالأسى، وربما الندم، على بعض ما فات، تانيبا للذات، حيث فاتها استغلاله، والتفاعل معه على النحو الذي كان ينبغي أن يكون.

واذا ما جاء البكاء على الأطلال تعبيرا عن الحنين إلى الماضي سلبيا، نتيجة للفقدان، أو نتيجة للشعور بالفشل، أو الإحباط في حينه، فانه سيكون عندئذ بكاء طلليا سلبيا، يستولد معه، شعورا بالحزن، والاكتئاب، ويعكر المزاج، ويحد من وهج عيش الحاضر، والتطلع المتائل للمستقبل.

ولاريب أن توهج الحس المرهف تعبيرا عن الاشتياق، بالحنين إلى الماضي بايجابية، يمكن أن يأتي باستذكار أحداث سعيدة، تعزز شعورا بالغبطة والرضا، وتترك اثرها، في الوقت نفسه، على تقدير قيمة جماليات الحياة الحالية، التي نعيشها.

وإذا ما كان الحنين إلى الماضي يؤدي إلى شعور بالأسى والاكتئاب، فان تغيير هذا الشعور إلى مشاعر إيجابية، يتطلب استذكار أحداث حلوة، واسترجاع الذكريات السعيدة، لتكون ومضات سعادة الحاضر، الممتد إلى افاق المستقبل.

وهكذا يأتي الحنين إلى الماضي، بكاء على الأطلال، أو توهج حس مرهف، متناغما، على حسب كيفية التفاعل الوجداني مع هذا الشعور في اللحظة.

***

نايف عبوش

يغلب على الظن أن الكاتب الشاب، وحتى مَن قطع شوطًا بعيدًا في مساحة الكتابة الأدبية، عادةً ما يطرح السؤال التالي: كيف يكون التخييل؟.. كيف أكتب قصة أو رواية أو سرديةً ذات قيمة وحضور.. ولعلّ ما يُوقع هذا الكاتب في مثل هكذا إشكالية، هو ما مرّ به خلال فتراته الدراسية، عندما كان مُعلّم اللغة يطلب منه أن يكتب موضوع إنشاء يُضمّنه شيئًا من قُدراته اللغوية التعبيرية، وهو ما يدفعه بالتالي إلى العلوق في دائرة التعبير الادبي أولًا ودائرة الذاتية المُفرطة ثانيًا. مِن تجارب كثيرة عبر التجوّل في حدائق التخييل الادبي، قراءةً وكتابةً، بإمكاني أن أدلي بدلوي في الإجابة على هذا السؤال المُحيّر.

* الابتعاد عن الذات: ضمن مُحاولتنا اقتحام عالم التخييل الادبي، يُطلبُ منّا أن نبتعد عن ذاتنا.. كيف يُمكن لنا أن نقوم بمثل هكذا فعل، ومعرف في الآن ذاته، أن الكتابة التخييلية، السردية بصورة خاصة، ما هي إلا وُجهة نظر يُدلي بها صاحبُها مُنطلقًا أو مُقلعًا في عالم التخييل؟.. في الإجابة على هذا السؤال، يُمكننا القول إن الكاتب مهما ابتعد عن ذاته إنما يقترب منها.. كيف يكون هذا؟... إنه يكون بانطلاقه التلقائي في عوالم متخيّلة، تُقرّبُه مِن ذاته وتُبعدُه عنها في نفس الوقت. مِن هكذا مُنطلق نقول إذا أردت أن تبتني عالمًا مِنَ التخييل الادبي، ابتعد عن ذاتك وابحر في مسارب هذا العالم.. عندها سيتم لك بناء عالم مِن التخييل. دون أن تنسى نفسك، بل بتأكيدك لها ولوجودها. ما أقوله يذكر بما قالته الكاتبة الامريكية نانسي كريس في كتابها عن فن كتابة الرواية وهو: إنس نفسك وابدأ كتابة كتابة روايتك.

* بناء عالم من التخييل: كيف يمكن لك أن تبتني عالمًا مِنَ التخييل الادبي؟.. كيف تبدأ كتابة نصّك القصصي أو الروائي؟.. في الاجابة البسيطة المتواضعة يُمكننا القول: ابدأ الكتابة مُنطلقًا مِن رؤية أو إحساس ما. إبحث عن الكلمة الأولى أو الجملة الأولى وانطلق، كما كان ماركيز يفعل، فالكلمة الأولى في الرواية هي الكلمة الأهم، وعندما تجدها كما يقول/ ماركيز، يُمكنك الانطلاق في عالم التخييل. لكاتبة أخرى هي ايزابيل اللندي رأي آخر في بدء الدخول إلى عالم التخييل، يقول هذا الرأي، الجُملة الأولى تفتح أبوابًا مُغلّقةً لعالمٍ فسيحٍ واسعٍ ومُترامي الأطراف.. هو عالم التخييل. أما الكاتبةُ الامريكية البارزة مارجريت اتوود، فإنها تُقدّم رأيًا آخر، تقول إنها عندما تشرع في التفكير بعالم التخييل، تشعر بأن عالمًا كاملًا مُتكاملًا ينهالُ بشخوصه ورؤاه على ذهنها. فتكون البداية. أما بيرسي لبوك صاحب الكتاب الاول وأكاد أقول الأخير في عالم الكتابة الروائية، فإنه لا يبتعد كثيرًا عمّا سبق وأردناه، وهو أن الكتابة التخييلية الروائية تبدأ مِن مَشهدٍ مُعبّر وبانورامي لما سيأتي بعده.. ثم تنفتح مغاليقُ عالمٍ كاملٍ مُتكامل.. وهذا يدفعُنا للانتقال إلى المحور الثالث مِن محاور التخييل الادبي.

* النمو الداخلي للنص السردي: بعد أن تتوفّر لدينا القُدرةُ على الابتعاد عن الذات، وبعد دخولنا أو ابتدئنا عالمًا مِنَ التخييل الادبي الروائي، نكون قد هيأنا الإمكانيات كلّها للشروع في الكتابة والاقلاع في عوالمها الفسيحة. لكن كيف يتمّ هذا؟.. تختلف إجابات الكُتاّب فيما يتعلّق بهذا المحور الهامّ مِن محاور الكتابة التخييلية، فمنهم مَن يرى أننا بإمكاننا أن نبتدئ الكتابة مُنطلقين مِن نُقطة النهاية- نجيب محفوظ وجنكيز ايتماتوف مثلا_، ومنهم مَن يرى غيرَ هذا، كأن نضع الصفات المُميّزة لكلّ من شخصيات ومرتكزات تخييلنا، وينطبق هذا أيضًا، على الكاتبين المذكورين آنفًا، غير أن جميع مَن مارسوا الكتابة التخييلية، أفادوا برأي ورؤية واحدة، تتمثّل في الآتي، وهو ان نواصل نسياننا لأنفسنا وندع العالم التخييلي ينمو ويتطوّر وفقَ مُعطياتهِ الخاصة به، ويتمّ هذا بالحَبكة السردية، بمعنى التسلسل المنطقي للأحداث، كما يرى فورستر في كتابه الهام جدًا عن فن كتابة القصة الموسوم بعنوان اركان القصة.

عالمُ التخييل الادبي بهذا، واسع جدًا، ومِن الصعب الإحاطةُ بمُختلف أبعاده وأطرافه، في عُجالةٍ سريعةٍ جدًا مثل هذه، غير أن الولوج اليه يعتمد، كما في كلّ عمل كبير، على القُدرة مُمثلةً في التدرب والمران، وعلى الشغف الذي لا بُدّ مِنهُ لإنجاز ما يستحق الاهتمام ويبقى.

***

ناجي ظاهر

........................

* من كتابي الصادر مؤخرا "قراءات ومراجعات- نظرات في التجربة الأدبية".

 

في وادي الرافدين، حيث وُلدت أولى الحروف على ألواح الطين السومرية، لم تكن المرأة مجرد ظلٍ في التاريخ، بل كانت حارسة الحكمة، الأمينة على سر البقاء، وذاكرة الأرضوإذا كان الماضي قد نقش حضورها في الطين، فإن الحاضر يعيد رسم هذه الأسطورة في صورة المرأة العراقية المعاصرة، التي لم تحمل الحكمة في لوح، بل في صلابة ظهرها وفيض عطائها، هي ليست مجرد امرأة، بل هي الوتد الذي يشد خيمة العراق في وجه الرياح العاتية، ويمنعها من الانهيار.  

بداية الحكاية

(من ضلع أعوج إلى وتد ثاب)

حكاية صمودها تبدأ من الجوع، لكنها لم ترضَ أن يكون الجوع هزيمة، هي الأم التي شدّت بطنها الخاوي، لكنها أصرّت أن تُرضع أبناءها الكرامة قبل الحليب. غرست فيهم بذور الشجاعة، وأورثتهم أنفةً لا تنكسر أمام الموت، لأن الحياة بلا كرامة ليست حياة، كانت مدرسة قائمة بذاتها، تخرّج منها رجال لا يحنون رؤوسهم إلا لله وللوطن.  

وحين غاب الزوج شهيدًا، لم تنهَر ولم تستسلم، تحولت من ضلع أعوج إلى وتد ثابت يشدّ الخيمة المهددة بالانهيار، وقفت مكانه، وأمسكت بأركان البيت بيديها. وعندما جاء دور الأبناء، قدّمتهم للوطن، لا كخسارة، بل كتتويج لما زرعته فيهم. دماؤهم سقت الأرض التي نمشي عليها اليوم، فكانت هي أم الشهيد، التي تفوح منها رائحة البارود والعطر في آن واحد.  

بعد أن قدّمت الغالي والنفيس، رفضت أن تُركن إلى زاوية النسيان، عادت لتكمل الرسالة، لتربي الأحفاد، وتضيء لهم الطريقتجدها في السوق تحت الشمس، أو عند فرن الطين، أو في غرفة صغيرة تخيط لتوفر لقمة العيشهي الأرملة، هي المفجوعة، لكنها أيضًا الجدّة التي جبرت خواطر أحفادها، وأعطتهم الدفء الذي حُرموا منه.  هذه المرأة التي عبرت الحقب الثلاثة، متكئة على عصا صبرها، هي الأسطورة العراقية الحيّة التي لم نُنصفها بعد.... الوتد الذي شدّ البيت وشدّ الوطنتستحق أن يُرفع لها تمثال من الاعتراف والإنصاف، لا من الحجر.....

فلننظر بعمق إلى هذا الوتد، لنفهم أن صمود العراق واستمرار خيمته في وجه العواصف، ما هو إلا انعكاس لصلابة قلبها وسرّ حكمتها .... (حارسة الحكمة...اكملت معنى التضحية حين جعلته اكبر من الانتماء الضيق ....)

إنها بحق حارسة الحكمة... لم تسأل يومًا عن اتجاه المعركة، ولم تُجزّئ الوطن إلى أبناء الجنوب وابناء الغرب، ولم تُفرّق بين مذهب وآخر، ترى العراق بيتًا واحدًا، وخيمة واحدة، وأبناءً يذودون عنه جميعًا.

يُقال عنها إنها ناقصة عقل، وهي التي حملت العقل كله في قلبها، كيف تُنقص وهي التي أكملت المعنى حين جعلت التضحية أكبر من الانتماء الضيق؟

إن الاعتداد بها ليس مجرد واجب أخلاقي، بل هو اعتراف بعمق الحكمة التي جسّدتها

فهي التي علّمتنا أن الكرامة لا تُجزّأ، وأن التضحية لا تُقاس بالانتماء، بل بالوفاء للأرض

هي التي جعلت من دموعها نهرًا من الكبرياء، ومن صبرها جدارًا يحمي البيت، ومن حكايتها درسًا للأجيال القادمة.

الاعتداد بها هو أن نرفعها إلى مقامها الحقيقي: مقام الوتد الذي شدّ الخيمة، مقام حارسة الحكمة التي لم تكتب على ألواح الطين فقط، بل كتبت على وجوه أبنائها وعلى ذاكرة الوطن كله.

***

د. نسرين إبراهيم الشمري

 

ميلاد دوستويفسكي ليس مجرد ميلاد كاتب، بل ميلاد وعي جديد بالإنسان.

في مثل هذا اليوم لم تولد فيودوريا واحدة في سان بطرسبورغ، بل ولد عالم كامل من العتمة والنور، من الجنون والعقل، من الإيمان والشك، من الخطيئة والتوبة. دوستويفسكي لم يكن يسكن مدينة، بل كانت الروح الإنسانية هي موطنه الوحيد.

دوستويفسكي لم يكن يكتب الرواية كما يكتب الآخرون، بل كان يحفر في لحم الوعي الإنساني، يعري النفس من أقنعتها، ويتركها تواجه حقيقتها العارية.

كلما كتب، كانت الكلمات تتصبب منه كما يتصبب الدم من جرح مفتوح، لذلك تشعر أن كل جملة فيه نزفت لا كتبت، وأن كل شخصية خرجت من رحم الألم لا من خيال المؤلف.

لم يكن يكتب عن البشر، بل كان يكتب الإنسان نفسه، في لحظة ضعفه القصوى، حين تتجرد النفس من أقنعتها وتواجه الله والقدر والضمير.

في رواياته لا تروى القصص بل تقام محاكم، محاكم للنية، للضمير، وللروح التي تتأرجح بين الخير والشر.

في الجريمة والعقاب يدان الإنسان قبل أن يدان الفعل.

في الأخوة كارامازوف يسائل الإيمان نفسه: هل الله فينا أم نحن من اخترعناه لننجو من العبث؟

وفي الأبله يحاول البراءة أن تعيش وسط غابة من الذئاب، لتنهزم لا لأنها ضعيفة، بل لأن النقاء لا يُحتمل في عالم فاسد.

دوستويفسكي لم يعطنا روايات نقرأها، بل مرايا نصاب بالذعر حين ننظر إليها.

فهو لا يمنح قارئه متعة القراءة، بل يلقيه في تجربة الوعي، في مواجهة ذاته التي كان يهرب منها.

كل قارئ له يخرج من نصه مبللا بندوب داخلية، وكأنه عاش محاكمة تخصه هو لا بطله.

كان يعرف أن الإنسان مخلوق هش، يعيش بين خطيئتين: تلك التي يرتكبها، وتلك التي يخشاها.

مر قرنان، وما زالت كلماته تسير على الأرض كأنها لم تكتب بعد.

كأن كل زمن يحتاج دوستويفسكيه الخاص ليذكره أن الوعي لعنة، وأن الخلاص ليس في الطهر، بل في الصدق مع الذات.

مر قرنان وما زال صوته يتردد، لا في الكتب فحسب، بل في ضمائر كل من جرب أن يسأل: لماذا نعيش؟ ولماذا نتألم؟

دوستويفسكي لا يموت، لأنه كتب عن الإنسان، والإنسان لا يزال يتأرجح بين خلاص موعود وسقوط لا ينتهي

ميلاد سعيد أيها العبقري الخالد، يا من جعلت من الحبر سكينا، ومن الأدب مرآة تعري العالم من زيفه، وما زالت كلماته تمشي بيننا ببطء وثبات، كأنها ولدت اليوم.

ذلك لأن دوستويفسكي كتب عن الإنسان، والإنسان لم يتغير؛ ما زال يبحث عن معنى الخلاص وسط صراعاته الداخلية، وما زال يخاف أن ينظر في مرآته الحقيقية.

إن ميلاد دوستويفسكي هو ميلاد الأدب كوعي وجودي، لا كفنٍ للتسلية. فهو الذي جعل من الرواية فلسفة، ومن الألم طريقا إلى الفهم، ومن الوجع وسيلة لاكتشاف الله في داخل الإنسان. وعلمنا أن أعظم رحلة هي تلك التي نقوم بها نحو أعماق ذواتنا.. يالله كيف له أن يمزج كل هذا في إطار محبوك ويسقطه داخل دفتي رواية.

اتعلمون سان بطرسبورغ… المدينة التي أحلم بزيارتها، لا لأتأمل مبانيها فقط، بل لأتتبع فيها خطوات دوستويفسكي وزملائه، أولئك الذين جعلوا من شوارعها الباردة دفاتر للفكر، ومن أزقتها الضيقة مسارحَ لصراع الروح والعقل.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

الرجال يدخلون قلوب النساء

كما يدخل جيش إلى مدينة نائمة

يرسمون أعلاما

ثم يرحلون من دون تلوينها.

**

القصيدة الاولى من ديوان قادم:

"أرفع قميص العالم لأرى أين يخبئون الشمس"

**

يبدو النص كذرة حسية ذات شحنة دلالية تتردد بين اختيارين: إما أن تكون انشطارية أو اندماجية، وفي كلتا الحالتين، تؤدي إلى تشظ قد يعيد ترتيب الكون الثنائي، المكون من ذكر وأنثى. تشظ، تذيعه بصوت مرتفع تلك الصورة التي تفاجئنا بها الشاعرة، بتشبيهها "دخول الرجال قلوب النساء"، ب"جيش يدخل إلى مدينة نائمة". فالصورة، التي تتشكل من صورتين، بقدر ما تجعل من الأولى: "قلوب النساء"، مكانا للحب والهدوء والارتياح والطمأنينة، بل والحياة بصفة عامة، لأن النبض/القلب هو الحياة، بقدر ما تخرق هذه القاعدة، بصورة ثانية، حيث يصبح الرجال "كجيش يدخل مدينة نائمة". وبحضور الجيش، تُفتقد الحياة. فتتراءى لنا "ر" لتقسم ظهر هذا الحب الذي يرمز إليه القلب. فبحرفه الأول "ح" المنطوق على مستوى الحنجرة، بفضل تسرب قليل من هواء الرئتين نحو الخارج، يجعلنا "الحب"، نتلذذ من عذوبة الانتشاء به، ونحن داخل القلب. ثم، هذا التسرب سرعان ما تنغلق عليه الأبواب لحماية ذلك الإحساس الداخلي، حيث تأتي: "ب"، وتسد الشفتين، خاصة وأنهما تنغلقان بقوة تفيدها تلك الشدة التي تبدو كتاج فوق "بّ". وهكذا يكون التتويج بين عنصري الكون الثنائي.  وهذا ما يمكن استخلاصه من "دخول القلب".

لكن لهذه الكلمة التي تستقر بالقلب، سحر آخر. بإمكانها أن تشعل فتيلا لا تخمد ناره. تحرق الأخضر واليابس. بدخول حرف "راء" حيث يصبح الحب....حربا. هكذا نجد ثنائية: حب/حرب. داخل القلب. تحشر الراء أنفها، وتشعل النار في الحب. كم من حرب اشتعلت بالحب، وكم من حب نما على بقايا حرب!! فالتاريخ حافل بمغامرات هاتين الكلمتين. يكفي التذكير ب: "هلين وحرب طروادة". وهذا دليل آخر على أن نسبة الاعتباطية حينما يتعلق الأمر بسحر الكلمة، ضئيلة جدا. فاستحضار الجيش إذن جعلنا نخرج من المتداول بفضل هذا النوع من اللعب بالكلمات، لعب ممتع لدرجة أنه يصبح ضرورة ملحة لاكتشاف ما تخبئ لنا الكلمات من دهشة، كما هو الحال هنا مع هذا النص/الذرة، نص كمومي بامتياز.

لكن سرعان ما تنمحي فكرة الحرب. فدخول الجيش لهذه المدينة النائمة، تم بعملية مسالمة، والحرب التي اعتقدناها، لم تتم. لكن أفضت هذه العملية المسالمة إلى استيلاء على المدينة، أي على القلوب، وهو ما ترمز إليه "الأعلام المرسومة" التي ترمز إلى الامتلاك. إلا أن هذا الاستيلاء، يبدو وكانه رمزي فقط؛ لأنه من جهة بقيت الأعلام بدون تلوين، ما يعني أنها حافظت على لونها الأصلي، والذي لن يكون إلا أبيضا، ما يدلنا على أن هناك استسلام، ما دامت المغادرة أو إخلاء المدينة من قبل الجيوش واردة في النص: "ثم يرحلون من دون تلوينها".

فالنص يبدو وكأنه ذرة فعلا، لا يمكن القبض عليه بشكل نهائي، مادام التضاد يؤطره، فيلعب على أعصاب المتلقي بهذه الانزياحات التي تؤدي إلى انزلاقات: قلوب النساء = مدينة نائمة، الرجال = جيوش. فننتظر نشوب الحرب. فإذا بهم يرسمون أعلاما من غير تلوين، فيرحلون.

فنتساءل في الأخير: ما مصير المدينة/ قلوب النساء؟ وما مصير الرجال/ الجيوش؟ فهل الرحلة بلا رجعة؟ ماذا يمكن لنا أن نستشف من هذه النهاية المفاجئة؟ عن أي احتمالات يمكن لنا الحديث؟ هل هو خطاب نسواني؟ يثير تلك الرغبة "الأمازونية" التي تحدثت عنها الأساطير، خاصة الميثولوجيا الإغريقية. أي الحلم بمملكة الأمازونيات المحاربات عن كرامتهن وخصوصيتهن. وفي هذه الحالة ربما نشهد تفاعلا انشطاريا. أم هي دعوة إلى السلم والاندماج في كون واحد ذي قطبين منسجمين وليس متنافرين؟ وهي حالة التفاعل الاندماجي، وهو ما يبدو جليا من رمزية الأعلام غير الملونة، بل ويمكن القول، غير المتلونة، لتحافظ على اللون الأبيض، رمز السلام والاستسلام الثنائي. فمن جهة فالمدينة نائمة، وهو استسلام من قبل قلوب النساء، ومن جهة أخرى فالجيوش راحلة من غير تلوين الأعلام المرسومة، وهو استسلام من قبل الرجال.

وهكذا تنسجم عناصر النص/الذرة، فيحدث الالتئام والوئام.

***

محمد  العرجوني

........................

* عن صفحة الشاعرة: فيس بوك

لاريب ان للحس المرهف وقعه الساحر في الإلهام والإبداع، ولاسيما في تفاعله الوجداني مع جماليات ربوع المكان.

فالعاطفة المتوهجة، والمشاعر الرقيقة، تشعل في الوجدان ومضة الحس المرهف في االحظة، وتستفز استجابته العاطفية لها، باساليب ملهمة، وإبداعية .

 وغالبا ما يكون الأشخاص الذين يمتلكون حسًا مرهفًا، وعاطفة جياشة، أكثر استشعارا، لعناصر جماليات الأشياء، واسرع استجابة لوهجها، والتفاعل الوجداني معها، لتاتي انثيالاتهم في التعبير عن ذلك الحس المرهف في اللحظة، بصور، واشكال متعددة.

ويظل للتفاعل الوجداني مع ربوع المكان تأثيره الساحر في حس وعواطف الإنسان المرهف، فأماكن النشأة، ومرابع الصبا، التي نقضي فيها وقتنا، لها وقعها في الايحاء، والتاثير على المشاعر، واثارة الحس المرهف، للتفاعل وجدانيا، مع ايحاءات بيئة المكان، وجعلها تبدو أكثر جمالًا، واشد توهجا.

ولعل التأمل العميق، والتطلع المتفائل، يستفزان الحس المرهف، ويجعلان الوجدان أكثر استجابة للعواطف الوجدانية، والمشاعر الرقيقة، في استكشاف جماليات ربوع المكان، شطٱنا كانت، ام براري، ام غابات، ام وديان، ام مرتفعات.. ومن ثم تحفيز الشروع بالتفاعل معها، بايقاع متناغم بعمق، مع ايحاءاتها.

ومع تسلل تلك الجماليات إلى أعماق الوجدان، لتسكنه ذكريات جاهزة للإسترجاع عند الحاجة، لإنعاش الذاكرة المتوترة، والمثقلة بتداعيات واقع الحال في حينه، فقد يلجأ الكثير من المبدعين، لتوثيق انثيالات في اللحظة، بهيئة نصوص شعرية، او سرديات إبداعية، او لوحات فنية، او اغاني ترفيهية، لتكون وسيلة التعبير الحي عن ابتهاج الحس المرهف، وتفاعلاته الشجية مع ربوع المكان.

***

نايف عبوش

في المثقف اليوم