عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

أقلام ثقافية

أوهكذا رسم محمد القماطي

هذه واحة ـ وِذرف ـ الوارفة بجوار واحة ـ قابس ـ والمستأنسة بواحة ـ شنّني والمَطوية فما أجمل هذه الربوع التي اجتمعت فيها محاسن النخلة وخيرات البحر وطرائف الجبل وصفاء الصحراء ...!

ما أسعدنا عندما وجدنا صديقنا الفنان والشاعر محمد القماطي في انتظارنا على مدرج دار الثقافة بوذرف وقد فرغ لحينه من اللمسات الأخيرة لإقامة معرض لوحاته بالبهو الكبير لدار الثقافة التي وجدناها كخلية نحل وقد انهمك في أنديتها الأطفال ضمن ورشات فنية متنوعة إنهم مواهب المستقبل إذا دأبوا على المثابرة والصقل كيف لا وقد كان صديقنا محمد القماطي مثلهم يافعا ينظر إلى أمه وهي عاكفة على منسج المرقوم تطعمه اللحم والسدى في سنفونية الألوان العجيبة فتستحيل لوحات هندسية بديعة من بين أصابعها وهي تنسجها بلا كلل ولا ملل ومن حظ هذا الفتى أن وجد ذلك الفتى معلما مشجعا له على التصوير وفاتحا له آفاق الرسم !

تمضي السنوات تلو السنوات ويختص الشاب في دراسة إحدى الشعب الطبية لكنه يظل مولعا بفن الرسم يوغل في شتى مدارسه وأنواعه ويقيم عشرات المعارض هنا وهناك في مختلف أنحاء البلاد وفي بعض البلدان الأوروبية لكنه يظل وفيا لبلدته وذرف فيقيم بها معرضه هذا الذي جمع فيه أهم مراحل مسيرته الفنية وكم كان جذلان ومحتفيا بأصدقائه الذين دعاهم واحتفى بهم وقد لبوا دعوته الكريمة بكل اعتزاز مساء الجمعة 16 جانفي 2026...

لوحات الفنان محمد القاطي ترى فيها ظلال النخيل في بعضها وأمواج البحر في بعضها وشموخ الجبال في هذه وامتداد الصحراء في تلك...وبين هذه وتلك ترى بلدة وذرف في أشكال مرقومها وألوانه..!

وفي الختام تحية شكر وسلام

مع باقة ورد.

***

سُوف عبيد ـ تونس

 

من النادر أن أُعيد قراءة كتاب ثلاث مرات في أوقات متقاربة، وإن حدث ذلك، فغالبا ما يكون بعد سنوات من القراءة الأولى، حين يكون جرس اللذة أو عنصر المفاجأة قد خفت، ويغدو الكتاب أشبه بصديق قديم اعتدتُ حضوره، لا يفاجئني كثيرًا.

غير أن كتاب الدكتور ياس خضير البياتي، للأمانة، كان استثناءً لافتا؛ فقد أبحرتُ مع كتابه (خطوط الزمن / سيرة ذاتية) أكثر من مرة خلال يومين فقط، وكأن النص كان يستدعيني للعودة إليه، لا بوصفه كتابا، بل بوصفه ذاكرة حية.

هذا الكتاب أعادني إلى ما يقارب أربعين عاما، وربما أكثر، فمعظم ما احتواه، ولا سيما مرحلة العمل الإعلامي، كنتُ على معرفةٍ واسعة بتفاصيلها من خلال عملي المهني والنقابي، وقربي من الشخوص الذين ورد ذكرهم، وهم زملاء كرام تقاطعت معهم طرق الحياة والعمل.

ليست هذه سيرة تقليدية، كما يصرح المؤلف، بل هي، بحق  صحيفة عمر، مدادها القلب، وعناوينها فصول رجل عاش بين الحبر والطباشير، بين قاعة الدرس وصفحة الجريدة.

كل سطر فيها حكاية، وكل فصل مرآة لرحلة إنسان كتب وطنه بالألم والأمل معا، وحلم رغم سواد العناوين، وحرر نفسه ووطنه قدر ما استطاع، لتبدو هذه السيرة كصحيفة حياة مطبوعة بنبض معلم وصحفي ومواطن، تمنيتُ لو قرأها كل أبناء العراق.

إنها سيرة مواطن عاش غربتين: غربة البعد، حيث الحياة المرفهة والهدوء الظاهري، وغربة الوطن، حيث الغربة الأشد قسوة، حين يكون الإنسان في قلب بلده، لكنه يشعر بالاقتلاع.

نحن إذن أمام كتاب مكتنز بسيرة جديرة بالتأمل، سيرة كتبت في ظروف ظاهرها مفرح، وعمقها حزين. تضادّات حادة رسمتها زوايا الزمن: مواطن يزرع الأمل في أرض جرداء، ووطن يقف مترقبا الفرج على حافة الانكسار، وغربة تنهش الروح، وأخرى تقلع التاريخ من جذوره.

في هذه السيرة مغارات من الدرر الإنسانية المجهولة في حياة البياتي، وما إن نرافقه في رحلة عمره حتى نكتشف عوالم أخرى؛ نلمس الألم والمعاناة، ونبتسم للنكتة، ونمضي دون ملل حتى الصفحة الأخيرة، وقد غرفنا من المعرفة والمتعة الكثير.

يرى البياتي أن الأمس لن يعود، والحاضر لن يدوم، والمستقبل مجهول الملامح. ويقول: تعلّمت من الألم، ورفضت أن أكون رفيقا له، فالحياة بلا فائدة موت ذليل، مثلما أن الشقاء كوكتيل من الألوان المتضادة، والأفكار المتناقضة، وصراع دائم من أجل البقاء.

إنها فلسفة حياة تقوم على التكيف الواعي مع تهديدات الفناء، بحثًا عن بر أمان إنساني.

ويعزز رؤاه بأمثلة فكرية، فيستحضر ما قاله الفيلسوف "كارل يونغ" عن مراحل الحياة، تلك الرغبة الكامنة في داخلنا بأن نظل أطفالًا، وأن نقاوم كل ما هو غير مألوف. ومن هنا، يستعيد البياتي نشأته في منطقة الفضل ببغداد، أواخر أربعينيات القرن الماضي، من أب بغدادي عريق متوسط الحال، وأم موصلية من عائلة معروفة، ليؤكد أن سلسلة مترابطة من الأفعال والمواقف تصوغ شخصية الإنسان الباحث عن معنى وجودي كبير:

لماذا نحن هنا؟

وما جدوى الحياة؟

وما الغرض من الوجود؟

وهي أسئلة شغلت الفلاسفة عبر التاريخ؛ فسقراط رأى في الحياة بعدين: فرديا وروحيا، وأفلاطون عدها شكلا من أشكال المعرفة، وشوبنهاور رآها فوضوية بلا معنى، ونيتشه قاسية، وسارتر وعيا بالوجود والحرية.

وفي زمننا هذا، ثمة من يختزل الحياة في ممتلكات فاخرة وأموال مكدسة، وآخرون يرونها مزحة عابرة، يمرون بها خفافا بلا أثر.

ما شدّني في سيرة الصديق البروفيسور البياتي هو موقفه الأخلاقي في استذكار الأشخاص الذين مروا في حياته، ونبرته الإنسانية تجاه أهله وأسرته ووطنه والإنسان عموما. وهنا تذكرتُ قراءتي لمذكرات رسول حمزاتوف في "داغستان بلدي"، وكتاب "الأيام" لطه حسين، حيث يتجلى حب الوطن والمعرفة بوصفهما قدرا لا خيارا.

وقبل أن أهنئ أبا الحارث الدكتور ياس على كتابه المهم، أود القول إن كتب السيرة هي جنس أدبي رائق، يوثق حياة الإنسان منذ بواكير الوعي حتى مراحل متقدمة من العمر. وقد أدرك العظماء عبر التاريخ أهمية هذا الجنس الأدبي، فكتبوا سيرهم أو كتبت عنهم، مع فارقٍ جوهري بين السيرة المكتوبة بيد صاحبها، وتلك التي يكتبها الآخرون.

وفي كتب السيرة، قديمها وحديثها، كنوز من الحكمة وخبرة الحياة. ويكفي أن نستحضر ما قاله برتراند راسل في مذكراته: ثلاثة شغوفات بسيطة لكنها قوية حكمت حياتي وهي : الشوق إلى الحب، والبحث عن المعرفة، والشفقة التي لا تُحتمل تجاه معاناة البشرية.

وفي الختام، أدعو زملائي الإعلاميين إلى اقتناء هذا الكتاب؛ ففيه تجارب مهنية وإنسانية ثرة، فصاحب السيرة أستاذ جامعي معروف، وصحفي رأس مجلات متخصصة في الإعلام والفنون، وله مساهمات إذاعية وتلفزيونية مؤثرة.

إنه، باختصار، كنز معرفي يستحق القراءة والتأمل

***

زيد الحلي

بعدد أعضائه البالغ ثلاثة ملايين ونصف، بالإضافة إلى عشرين مليون منتسب للمنظمات التابعة له، كان الحزب الشيوعي الأندونيسي ثالث أكبر حزب شيوعي في العالم، بعد الحزبين الحاكمين في الاتحاد السوفياتي والصين. أثار هذا الوضع قلق العالم الرأسمالي الذي تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية؛ لذا تطلب الأمر جراحة عاجلة تسببت في ارتكاب إحدى أبشع المذابح في التاريخ المعاصر.

في الفترة بين عامي 1965 و1966 أقدم الجيش الأندونيسي على استهداف أعضاء الحزب الشيوعي، قبل أن تنجرّ البلاد نحو أعمال تطهير واسعة النطاق على امتداد عدة أشهر. وتشير التقديرات إلى مقتل نصف مليون شخص، بينما ترجح أخرى أن العدد يصل إلى ثلاثة ملايين. وانتهت المرحلة بإلغاء الحزب الشيوعي كقوة سياسية، وإسقاط الرئيس سوكارنو، ليبدأ عهد جديد من السلطوية بزعامة الديكتاتور محمد سوهارتو.

تحول البلد إلى ما يشبه المصيدة، وتَشكّل داخل أندونيسيا طوق مروع من الصمت إزاء ما جرى. كان من المتعذر حتى مجرد مناقشة الجرائم المرتكبة، فضلا عن المطالبة بالإنصاف وتحقيق العدالة، وهي أمور يكفلها القانون الدولي. وخلال فترة حكم سوهارتو جرى تشويه للأحداث، وتم تلقين الأجيال الناشئة رواية ملفقة لتفاصيل المجزرة المليونية.

خلال السنوات اللاحقة ازدهر في أندونيسيا أدب الشتات، وظهرت أعمال أدبية تنكأ الجرح لتقديم رواية تتطابق مع ما جرى، خاصة بعد أن تم رفع السرية سنة 2007 عن جملة من وثائق الحكومة الأمريكية التي تُثبت تورط جهازها الاستخباراتي في تلك المذابح، وتقدم معطيات كفيلة بإدانة الحادثة وتحريك المتابعة القضائية في حق الجناة. ضمن هذا السياق يبرز اسم الكاتبة ليلى شودوري، والتي تتمحور أعمالها حول مواضيع الذاكرة، والهوية المتصدعة بفعل مرارة النفي والشتات، لبناء سردية واثقة تفكك الرعب السائد.

في روايتها الأولى (الوطن) Pulang، تدور الأحداث حول الصحفي ديماس سوريو الذي اتُهم بالانتماء للشيوعية، ولحسن حظه كان في الخارج لحظة الانقلاب، فتمكن رفقة زملائه من الذهاب إلى الصين ثم إلى باريس، حيث افتتحوا مطعما أندونيسيا، والتقى بشريكة حياته خلال انتفاضة ماي 1968، وأنجب منها ابنته لينتانغ.

تستحوذ الابنة على الأحداث اللاحقة للرواية، حين تستجيب لدمها وتراثها الأندونيسي وتقرر أن تعود إلى البلاد لإنجاز فيلم وثائقي. وهناك ستعاين عن كثب أجواء اضطرابات عام 1998، والتي أفضت إلى سقوط سوهارتو بعد ثلاثة عقود من قبضة الحديد والنار.

تستكشف الرواية تجربة المنفى ونضال الأندونيسي عديم الهوية خارج وطنه، وكيف تؤثر تداعياتها على الجيل اللاحق الذي يسعى خلف الحقيقة. وبأسلوب يمزج بين الخيال والكتابة الصحفية، نجحت الكاتبة في استدعاء الإمكانات السردية لشهادات السجناء السياسيين والمنفيين الذين التقتهم في أماكن مختلفة.

صرّحت شودوري في حوار صحفي مع يومية"Le petit journal" الفرنسية أن الكتب التي قرأتها في كندا، حيث لا توجد رقابة، سمحت لها بالحصول على تفسير آخر لانقلاب عام 1965، ككتاب" المجتمعات المتخيلة" لبنديكت أندرسون. وعند العودة من كندا، توقفت في باريس، وهناك التقت بلاجئين أندونيسيين سابقين، واكتشفت جزءا كاملا من تاريخ البلد لم يسمح نظام سوهارتو بتداوله.   

تدور أغلب مشاهد الرواية داخل مطعم أندونيسي بباريس. ويحقق المزج بين الكلمات الشعرية ونكهات الأطباق الحارة تناغما مذهلا، يربط شخوص الرواية بوطنها في الواقع، بل يجعل من الطبخ فعلا مقاوما لهيمنة الكتابة التاريخية المشوهة:

" بالنسبة لي طهي طبق ما لا يقل أهمية عن كتابة قصيدة. كل حرف يبرز ليجد رفيقه ويشكل كلمة. وينطبق الأمر نفسه على الطبخ. الثوم والفلفل الأحمر ومعجون الروبيان يمكن أن تتناغم جيدا. لكن، هل يتناسب السلمون مع معجون الروبيان؟ أشك في ذلك. من الواضح أنهما ليسا متعارفين أو مقربين أو منسجمين بعد.."

تتنقل شودوري بين الأزمنة بشكل متكرر، لشرح خلفيات الشخصيات من جهة، ولتكريس عبء الازدواجية الذي يرهق جيلين مختلفين: جيل ديماس "الأب"، اللاجئ الذي يتوق للعودة إلى الوطن، وجيل لينتانغ التي نشأت في فرنسا ولا تعرف أرضا غيرها:

" إندونيسيا بالنسبة لي مجرد مفهوم. معرفة يفترض أنها تسري في عروقي، وتشاركني أرضا مع الدم الفرنسي.."

تستمد الرواية واقعيتها من البحث الجاد والمعمق الذي حاولت من خلاله الكاتبة الوصول إلى سياق اجتماعي وتاريخي يقترب من الواقع. تغوص مخيلة القارئ في قصص حية لعدد من المنفيين الذين ناضلوا قرابة أربعين سنة من أجل البقاء، واتخذوا من المطاعم كيانا يخفف من الشعور بالاغتراب، ويقاوم سياسة المحو والإقصاء التي انتهجها سوهارتو ضد الآلاف من أبناء شعبه.

تكتب شودوري بلغة بسيطة، تقترب من اليومي دون أن تقلل من فنية السرد، أو من عمق القيم التي ينشدها كل أديب ملتزم بقضايا مماثلة. وهي في عرضها لشخصيات مستلهمة من الواقع، تقدم سلسلة متكاملة من وجهات النظر السردية، لتوجيه القارئ نحو فهم سياسي معتدل، وهو ما فسره البعض بافتقاد عملها الروائي لروح المبادرة التي تحفز القراء الشباب خاصة لإحداث التغيير.

مما يعمق الشعور بالفجيعة في هذا العمل أن بطل الرواية، ديماس سوريو، لم يكن ممن تبنوا إيديولوجية سياسية محددة ليدرك أن مأساته هي نتيجة حتمية للنضال. لقد عاش كصحفي محترف عذابا لا مبرر له، رغم أنه يُكنّ حبا صادقا لوطنه، ويجدد كل سنة تقديم طلب الحصول على تأشيرة دخول إلى البلد دون جدوى. ذاك الإصرار الذي يأبى الرضوخ للواقع، وقناعته بأنه ابن أندونيسيا وله الحق في وطنه، سيُتوجان بعودته إلى الديار بعد الإطاحة بنظام سوهارتو في ماي 1998.

ولدت ليلى شودوري في العاصمة جاكرتا سنة 1962، ونشرت أولى قصصها في مجلات الأطفال وهي في الثانية عشر من عمرها. ثم التحقت بجامعة ترينت بكندا، حيث حصلت سنة 1988 على درجة الباكلوريوس في العلوم السياسية ودراسات التنمية المقارنة.

 وفي سنة 1989 انضمت إلى مجلة "تيمبو" الإخبارية للعمل كمراسلة صحفية إلى أن تقاعدت أواخر عام 2017، إضافة إلى اهتمامها بكتابة سيناريوهات للمسلسلات التليفزيونية.

حازت شودوري على جائزة أفضل كاتبة سيناريو تلفزيوني في مهرجان باندونغ السينمائي سنة 2007، ثم اتجهت إلى كتابة الروايات التاريخية التي تتناول حملة التطهير المناهضة للشيوعية منتصف الستينيات، ونضال الحركات الطلابية التي تُوّجت بإسقاط نظام سوهارتو.

صدر للمؤلفة رواية (لأجل نادرة) 2009، و(بولانغ) أو الوطن 2012، و(البحر ينطق باسمه)2020، و(اسمي: عالم) 2024، بالإضافة إلى مجموعات قصصية تهتم بالدراما العائلية وحوار التقاليد والحداثة، وحقوق المرأة وغيرها من المواضيع التي تتسم بالجرأة.

تهتم شودوري أيضا بالنقد السينمائي، حيث تقدم سلسلة مراجعات للأفلام على قناة يوتيوب بعنوان (وقت الشاشة مع ليلى. إس. شودوري)، كما تهتم بنقل خبرتها في العمل الصحفي لما يقارب ثلاثين سنة، من خلال تقديم دورات متنوعة للطلاب في الكتابة الإبداعية.

في جواب عن سر تركيزها على التاريخ المظلم لأندونيسيا تقول شودوري: " كان علي أن أبني كل شيء تدريجيا، وأن أخلق عالما متكاملا. كان نظام سوهارتو جزءا من هذا العالم الذي ابتكرته، لكنني لا أعتقد أنه ينبغي للناس أن ينظروا إليه كرواية تاريخية."

***

حميد بن خيبش

تجدر الاشارة إلى أن التفاعل بين الكاتب، والنص، والمتلقي، هو السبيل الذي يتيح للمتلقي، المشاركة الفعالة، في تشكيل النص، من خلال تعميق جماليات سرده، وكشف نقاط قوته.وبيان مثالبه، بما يجعل المتلقي شريكا وجدانيا في عملية الإبداع.

ولاشك ان المتلقي يمكنه التفاعل مع النص بطرق مختلفة، تذوقا للغته، واعجابا ببلاغته، ونقدا لمضمونه.وهكذا يكون النص بمثابة حوار بين الكاتب، والمتلقي، فاذا ما كان دور الكاتب، هو ابداع النص، وتشكيل الإطار العام له، فان الكاتب، وهو يضع نصه للتداول بين يدي المتلقي، فانه بذلك، يسهل للمتلقي المشاركة الفعالة مع النص. 

وبهذا يكون النص، هو الفضاء الذي يلتقي فيه الكاتب، والمتلقي، ليكون المتلقي عندئذ شريكا ابجابيا في تشكيل النص، بحيث يمكن وصفه بالمبدع الثاني له، لاسيما إذا كان المتلقي حاضرا وجدانيا في تعامله مع النص بطريقة تؤثر فيه، بحيث يكون عند ذاك، جزءا من وجدانيات بنية النص.

ولاشك ان لثقافة التفاعل، دورا فعالا، في تعزيز مشاركة المتلقي، في الغور بعمق في ثنايا النص، وبالشكل الذي يزيد النص متعة، وبهاء، ويجعله أكثر جاذبية.

 ولاريب أن لكل متلق تجربته الخاصة، وذوقه الأدبي في تفاعله مع النص، لتكون قراءته تجربة جديدة، في كل تعاط جاد له مع النص.

 كما أن التفاعل الأدبي المتمكن، يعزز روح الإبداع لدى المتلقي، بما يثيره في وجدانه من حافز متوقد للإبداع، في نقده النص، وتدوين ملاحظاته بخصوصه.

وهكذا يكون الأدب التفاعلي للمتلقي تجربة إبداعية جديدة من خلال ما تتيحه للمتلقي من المشاركة الفعالة في تشكيل النص، بما هو حوار متشابك بين الكاتب والنص والمتلقي، ولما يفرزه من ملامح تجربة جديدة.

***

نايف عبوش

تزود الكاتب الناقد الفلسطيني يوسف سامي اليوسف، بنوع متين من الثقافة والاطلاع، الامر الذي اهله للإدلاء بآراء مختلفة وغير مألوفة في الفن والثقافة الفلسطينيين خاصة، ورغم احترامه وتقديره الشديدين لهذه الثقافة واعلامها، فقد تعامل بها برؤية متعمقة بعيدة عن التقديس المُهلك والمدمر للثقافة، ويعتبر رايه في كتابات غسان كنفاني، مثلا، رايا مختلفا وجديرا بالاهتمام.

يوسف سامي اليوسف من مواليد قرية لوبية المهجرة عام 1938، نزح إلى لبنان عام 1948، وغادر إلى سورية سنة 1956، التحق بجامعة دمشق 1960 وتخرج فيها. عاش حياته في مخيم اليرموك، في بيت متواضع بناه "حجراً على حجر"، وعلى مراحل، وكان بيته وكانت مكتبته ملاذاً لأجيال من المبدعين الفلسطينيين والسوريين والعرب المقيمين في سورية، كما شهد الكثيرون من هؤلاء.

سجل كاتبنا سيرته الذاتية في ثلاثة اجزاء، صدر اثنان منها عن "دار كنعان"، في دمشق تحت عنوان" تلك الايام"(هذا العنوان بالمناسبة، هو عنوان ايضا احدى روايات الكاتب العربي المصري فتحي غانم)، ولا يعلم ما اذا صدر الجزء الثالث منها. يعود الوسف فسيرته هذه الى اجداده الاول فيذكرهم بالاسم، الفصل والاصل، حتى يصل الى والده الذي عمل شرطيا في فترة الانتداب، ما قبل قيام اسرائيل، ويستعرض فيها حياته اولا بأول، كأنما هو يريد ان يقدم الى قرائه شهادة تؤكد قصة انتمائه الفلسطيني وكفاحه كانسان مناضل من اجل الوجود والحياة.

كتب اليوسف وصنف العديد من المؤلفات هي: مقالاتٌ في الشعر الجاهلي- دراسة- دمشق 1975والغزل العذري- دراسة – دمشق 1978. وبحوث في المعلقات- دراسة- دمشق 1978. والشعر العربي المعاصر- دراسة- دمشق 1980و، ما الشعر العظيم،- دراسة- دمشق 1981 وكتاب عن غسان كنفاني بعنوان، رعشة المأساة، - دراسة- عمان 1985 وكتاب عن الشخصية والقيمة والأسلوب- دمشق2000 . وكتاب في التاريخ بعنوان "حطين "- دراسة- دمشق، 1987وآخر بعنوان "فلسطين في التاريخ القديم، – دراسة- دمشق، 1989. وكتاب عن" الخيال والحرية" دمشق 2001 و" مقدّمة للنّفري"- دراسة في فكر وتصوف محمد بن عبد الجبار النفري- دمشق، 1997. و"ابن الفارض" – دراسة، دمشق، 1994. وترجم عن الإنجليزية: "الديانة الفرعونية"، و"مختارات من شعر اليوت"Eliot. أما سيرته الذاتية فقد صدر منها جزآن فيما نعلم عن دار كنعان في دمشق ولا يعلم ما اذا كان الجزء الثالث، صدر ام لا.

اتيح لي قراءة بعض من مؤلفاته هذه، لا سيما كتابيه " الخيال والحرية"، و" مختارات من اليوت" و" رعشة المأساة" وهذا الاخير يبحث في كتابات وروايات الكاتب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني. يضمن اليوسف كتابه عن الخيال رؤية ادبية واعية وعميقة للأدب، وبإمكاننا اعتبار هذا الكتاب الفريد مدخلا جيدا ومرشدا لقراءة الادب وفهمه، ويلمس قارئ ترجمته لمختارات من شعر اليوت، تمكنه من اللغة الانجليزية وجديته في التعامل معها، اما كتابه عن رعشة المأساة، فانه يقيّم فيه التجربة التراجيدية التي عاشها غسان كنفاني معتبرا اياه نموذجا حيا للتجربة الفلسطينية التي تسببت فيها ظروف قاهرة.. جعلتها تختلف عن معظم التراجيديات في العالم. وهو يقرا كنفاني في كتابه هذا عنه قراءة متعمقة، ترى ما له وما عليه، ومما يقوله بجرأة غير معهود وقائمة، ان روايتي "عائد الى حيفا" و" رجال في الشمس" لا تعدوان كونهما قصتين قصيرتين ممطوطتين، او شيئا من هذا القبيل، وان احدا من نقاد كنفاني الكثيرين لم يتجرا على الادلاء بمثل هذا الراي الجدير بالنظر والمعاينة.

بعد وفاة يوسف سامي اليوسف عام 2013 مباشرة، توجهت الى عدد من الاصدقاء من مديري المؤسسات الثقافية التراثية طالبا ان ننظم ندوة تهدف الى التعريف به، او إحياء ذكراه.. فوعدوا.. ولم يفوا حتى الآن.. فهل اجدد الطلب؟

***

ناجي ظاهر

 

كانت (أبوتسو - ني) (حوالي 1222 – 1283 م) كاتبة مقالات ومذكرات وناقدة أدبية وباحثة وراهبة بوذية وشاعرة تانكا (1) يابانية بارزة وغزيرة الإنتاج من فترة (كاماكورا) (1185 – 1333 م) التي اتسمت بالتحول النوعي العسكري، وشهدت الكثير من التغيرات والمستجدات الأمنية، ونشبت خلالها العديد من الحروب والصراعات بين عشائر الساموراي الكبرى التي كانت تبتغي مصالحها وتسعى لتحقيق أهدافها، مثل حرب (جينبي 1180 – 1185) بين عشيرة (ميناموتو) وعشيرة (تايرا) التي شملت عدة معارك، ومنها معركة (اوجي 1180) ومعركة (دان نو أورا البحرية 1185)، وانتهت بانتصار الأولى. وكذلك ضد المغول الغزاة أيضا (1274 و1281 م) الذين تم ردعهم بمساعدة عواصف إعصارية طبيعية ضربت الأساطيل المغولية (كاميكازي - الرياح الإلهية أو الرياح المقدسة) (2) وغيرها.

كما شهدت فترة (كاماكورا) تشكيل أول حكومة عسكرية (باكوفو – حكومة الخيمة) على يد القائد العسكري (ميناموتو نو يوريتومو) (1147 – 1199) في عام 1192، وتشريع القانون العسكري الياباني الأول بعنوان (غوزيباي شيكيموكو) الصادر عام 1232 ميلادية على يد عشيرة ساموراي قوية ومتنفذة (هوجو)، هيمنت على لقب (شيكن – الوصي الوراثي) على شوغونية (كاماكورا) اعتبارا من عام 1203، مع تعزيز الهوية العسكرية للبلاد لقرون قادمة، والمتمحورة حول صعود الساموراي وانشاء حكومة عسكرية قوية، عملت في ظل قانون عسكري صارم بدلا من الحكم الإمبراطوري التقليدي، مع تعزيز الإقطاعية وترسيخ القيم والمبادىء المنبثقة من البوذية الجديدة. ولكن على حساب الحالة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت سائدة في الفترة السابقة (هييان) (784 – 1185 م).

و قد انحسر دور الإمبراطور في هذه الفترة لصالح ألحاكم العسكري (الشوغون) وأمراء الحرب وأتباعهم من الساموراي الذين شكلوا العمود الفقري للجيش، واستحوذوا على معظم الامتيازات في الأراضي والرواتب والمناصب، فتراجعت كتابة اليوميات والقصص والقصائد في البلاط الإمبراطوري على نحو بين مقارنة بما كان عليه الحال في فترة (هييان) الذهبية. وتراجعت مكانة المرأة في ظل الحكم الإقطاعي، وانحسرت فرصها في التأليف الأدبي، فكان معظم أدب هذه الفترة من تأليف الرجال تقريبا، من أمثال الناقد والشاعر الكبير (فوجيوارا نو تيكا) (1162 – 1241 م) والشاعر والكاهن البوذي البارز (سايغيو هوشي) (1118 – 1190 م) والشوغون (الحاكم العسكري) والشاعر المعروف (ميناموتو نو سانيتومو) (1192 – 1219 م) والشاعر اللامع (فوجيوارا نو يوشيتسون) (1169 – 1206 م) والشاعر الراهب (جين) (1155 – 1225 م) والشاعر الفحل (أسوكاي جايو – أسوكاي ماساري) (1241 – 1301 م) وغيرهم كثر.

وذلك بعكس ما كان عليه الأمر في فترة (هييان) المزدهرة التي تمثل بحق العصر الذهبي للثقافة اليابانية، ولشعر التانكا النسوي الياباني على وجه الخصوص، وشهد ظهور شاعرات رائدات، فتحن دروبا جديدة وواسعة في عالم الشعر النسائي الياباني، مثل (أونو نو كوماتشي، إيزومي شيكيبو، كوشيكيبو نو نايشي، إيسي نو مياسودوكورو، موراساكي شيكيبو، غيشومون إن نو تانغو، ونيجوين نو سانوكي) وغيرهن كثيرات.

ولدت الشاعرة والأديبة (أبوتسو – ني) باسم (أنكامونين نو شيجو) في عائلة من بلاط (كيوتو)، وتربت على يد (تايرا نو نوريشيغي)، وكان رجل بلاط من طبقة حكام الأقاليم ذوي الرتبة المتواضعة. وسميت بأسماء عديدة، ومنها (أنكامونين شيجو، أنكانومين إيتشيزين، وأنكانومين أويمون نو سوكي). خدمت الأميرة الإمبراطورية (أنكامونين) كوصيفة (لقب فخري) منذ أن كانت فتاة مراهقة في الرابعة عشرة من عمرها، ومن هنا حصلت على لقبها المدني (أنكامونين نو شيجو). انضمت في شبابها إلى خدمة صالون إمبراطوري معروف، وتلقت هناك تعليما واسعا وراقيا في كتابة الشعر والرسم والخط واستخدام البخور وغيرها من فنون الرقي الأنثوي. اشتهرت بعدها باسم (الراهبة أبوتسو) بعد أن نذرت نفسها للرهبنة البوذية، وعاشت في دير بوذي بارادتها مع معاناة من الفقر المدقع كأم عزباء.

برز اسم (أبوتسو – ني) في التاريخ الأدبي الياباني على نحو بين حوالي عام 1253 عندما تزوجت من الشاعر والسياسي الشهير(فوجيوارا نو تاميي) (1198 – 1275). وكان رجل البلاط المتنفذ والثري وابن الشاعر الشهير (فوجيوارا نو تيكا) (1162 – 1241) مؤسس مدرسة (ريزي) الشعرية، والوريث الرئيسي لأسرة (ميكوهيداري)، وأنجبت منه ثلاثة أبناء، شجعتهم مع والدهم على إتقان فنون الشعر والبراعة فيه. وهم (جوغاكو) المولود عام 1253 تقريبا ومشكوك في نسبه، و(تاميسوكي) المولود عام 1263 (ت 1327) وتاميموري المولود عام 1256. وفي عام 1256 أوصى زوجها (تاميي) بوثائق مهمة تشمل أعمال العائلة ألأدبية ومخطوطات نادرة والعديد من الكتب الكلاسيكية المشروحة من قبل الجد (تيكا) لابنه (تاموجي)، وبعدها لابنه (تاميسوكي) تحت تأثير الأم (أبوتسو)، ووفقا لرسائل محررة خلال الفترة 1272 – 1273، الأمر الذي أفضى إلى اقامة دعاوى قضائية بعد عام 1275.

كانت تلك الأعمال الشعرية والأدبية المهمة التي تركها زوجها بعد وفاته عام 1275 محل نزاع مرير وطويل في المحاكم المحلية والعسكرية (الشوغون) في العاصمة (كاماكورا) التي شاركت فيها في العديد من الفعاليات والأنشطة الأدبية المحلية مع قيامها بتدريس مجموعة كبيرة من الطلاب. وحسم الموضوع قضائيا في عام 1313 تقريبا قبل أن تسمع (أبوتسو) الحكم النهائي بخصوصه، أي بعد وفاتها بفترة، وكان لصالح ابنها الأكبر (تاميسوكي) الذي صار الوريث والحامي لمخطوطات والده الشعرية بحكم القانون (3)، علما كانت قد احتفظت سرا ببعض من أثمن وأندر الوثائق والمخطوطات الخاصة بزوجها المتوفى، نظرا لأهميتها الحيوية وحرصا منها على مصالح ابنها.

وقد ساعدت الوثائق القانونية الوفيرة الخاصة بهذا الموضوع الحيوي والجوهري بالنسبة إليها على الوقوف على سيرة حياة هذه الشاعرة المبدعة والكاتبة الكبيرة على نحو واف، إلى جانب أعمالها الأدبية الكثيرة والكتابات النقدية التي تناولت أعمالها (4). ومن أهم تلك الانتقادات، افتقار عملها (إيزايوي نيكي) إلى التركيز والصقل الأدبي مقارنة بغيره من أعمالها الأدبية، بالرغم من عمقه التاريخي والعاطفي وطابعه التأملي. مع وجود اختلافات أسلوبية في تأليفه عند مقارنته بعملها (نوم متقطع)، وقد عزاه البعض الآخر إلى السنوات الطويلة التي فصلت بينها والظروف الحياتية والأحوال العسيرة التي واجهتها في فترات لاحقة.

و ل (أبوتسو – ني) كتاب مذكرات (يوميات القمر المتضائل - إيزايوي نيكي) المنوه عنه أعلاه، والذي قدمت فيه وصفا دقيقا ووافيا عن ثقافة القصر والمعابد في تلك الفترة الزمنية المهمة والحيوية في تاريخ الأدب الياباني، والشعر الياباني على وجه الخصوص. وتضمنت هذه اليوميات (88) قصيدة تانكا (من أصل 887 قصيدة قامت بتأليفها)، وتعتبر من أهم الأعمال الكلاسيكية اليابانية، وقد نشر مطبوعا منذ عام 1659 وترجم لعدة لغات، ونال اهتماما بحثيا واسعا وخصوصا في الأوساط الأكاديمية (5). ولها أيضا كتاب (نوم خفيف أو نوم متقطع) المشار إليه أعلاه أيضا، وهو عمل نثري رائع. وكتاب (يورو نو تسورو - طائر الكركي الليلي) الذي يعتبر أول كتاب شعري مستقل من تأليف امرأة يابانية، وقد ترجمه إلى اللغة الإنكليزية وقدم له (إريك إستيبان) ونشره في المجلد التاسع عشر 2015 من مجلة (الدراسات اليابانية).

و قد تأثر بها الناقد الأدبي وشاعر الهايكو الياباني الكبير (ماتسوو باشو) (1644 – 1694 م) من القرن السابع عشر، وأشاد بها وأصدر حولها عدة آراء، وقد وصفها بأنها (واحدة من أعظم ثلاثة كتاب رحلات).

كما أدرج بعض أعمالها قديما في الكتب التعليمية الخاصة بالمرأة باعتبارها نتاج الزوجة المخلصة التي يقتدى ويتأسى بها، كما أستشهد ببعض أعمالها الأدبية في الكتب التربوية والتعليمية فيما بعد باعتبارها المرأة المثالية العفيفة النزيهة، وصاحبة موهبة نادرة ومهارة فطرية متميزة، الأمر الذي ساعدها على تخطي الصعوبات والتحديات الجندرية السائدة في زمانها على نحو ناجح (6).

ومن شعرها (مترجم عن الإنكليزية):

كم هي قصيرة هذه الليالي

و كم هي خفيفة الأحلام التي تراودني

أثناء نومي المتقطع

رغم أنني أشد وسادة القش الخاصة بي (7)

لأهجع مطمئنة البال

***

(2)

عندما يكربني الغم

أهيم

في حيرة من أمري

و إن ألقيت بنفسي في غور الشلالات

يا لها من عاقبة وخيمة (8)

***

(3)

تنبري الأمواج التي بلغت

الصنوبرات المنتشرة

على الشاطىء

في الطريق الشرقي

على هيئة زهور أيضا (9)

***

(4)

منخفضة هي نبرة صوتك

يا طائر الوقواق (10)

متى ستفصح عن شهرتك

و أنت تحلق

في عنان السماء؟ (9)

و من شاعرات فترة (كاماكورا) أيضا (كايومونين نو إيتشيزين)، وكانت سيدة نبيلة وشاعرة معروفة من أوائل القرن الثالث عشر. استمرت بالكتابة حتى سنة 1248 وفقا لبعض المصادر الموثوقة. خدمت (فوجيراوا نو شوكوشي) (شيتشيجو – إن) والدة الإمبراطور (غو - توبا) (1180 – 1239) وابنته (كايومون – إن). وهي من (الشاعرات الخالدات ال 36) (نيوبو سانجوروكاسين) التي لا يعرف اسم جامعها وتاريخ جمعها على وجه الدقة (11).

و أيضا (فوجيوارا نو تشيكاكو)، وكانت سيدة نبيلة أبضا وشاعرة مبدعة نشطة من فترة (كاماكورا). لا يعرف الكثير عن تفاصيل حياتها التي ضاعت في غياهب الزمن. لها اسم آخر وفقا لبعض المصادر. وردت قصائد لها في مجموعة (الشاعرات الخالدات ال 36) أيضا.

أما (سايونجي شوشي) المعروفة أيضا باسم (إيفوكو مونين) (1271 – 1342) فكانت شاعرة إمبراطورة وزوجة للإمبراطور (فوشيمي) (1256 – 1317). وردت قصائد عديدة لها في (مختارات فوغا واكاشو الإمبراطورية) التي جمعت بأمر الإمبراطور (هانازونو) (1297 – 1348) وتضم (2210) قصيدة موزعة على عدة مجلدات. قادت مدرسة (كيوغوكو) الشعرية التي شهدت النور على يد (كيوغوكو تاميكو) وشقيقه (تاميكان) في سبعينيات القرن الثالث عشر. وقد شهدت سقوط حكومة كاماكورا والتراجع المستمر لمكانة البلاط الإمبراطوري، ولها قصيدة غرامية تحمل في طياتها دلالات تاريخية خفية بهذا الخصوص.

و هناك (نيجو غيشي) المعروفة باسم (تاميكو) التي ولدت في أواخر القرن الثالث عشر، وكانت شاعرة من أسرة أرستقراطية محبة للشعر، تزعمت مدرسة شعرية سميت باسمها (نيجو)، فوالدها هو الشاعر المعروف (نيجو تامييو) الذي يعتقد بأنه قد علمها فنون الشعر، أما جدها فهو (فوجيوارا نو تيكا). كانت وصيفة للإمبراطورة وتزوجت من الأمير الشاعر (تاكاهارو شينو) الذي أنجبت منه ثلاثة أطفال، ولكنها توفت في سن صغيرة جراء عملية ولادة عسيرة. كانت شاعرة بلاط (يوجيمونين غون – دايناجون)، وساهمت بفعالية في المشهد الشعري السائد آنذاك. أدرجت قصائد لها في مجموعة شعرية إمبراطورية.

***

بنيامين يوخنا دانيال

............................

(1) – تانكا: (من أشكال الواكا قديما)، ويعرف شعر (الواكا) وفقا لعدة مصادرعلى أنه شكل شعري ياباني كلاسيكي عريق وشامل، وضارب في القدم، حيث يعود تاريخ ظهوره إلى فترتي (أسوكا 593 – 710 م) و(نارا 710 – 794 م). وهو فن أدبي رفيع، حظي بمنزلة مرموقة ومكانة محترمة لدى الشعب الياباني لأجيال عديدة ومنذ أكثر من ألف عام. ويشكل مصطلح (الواكا - الشعر الياباني – القصيدة اليابانية) المظلة التي ضمت عدة أشكال شعرية تقليدية يابانية (كاتاوتا وتشوكا وسيدوكا وبوسوكوسيكيكا)، ومنها شعر (التانكا) أيضا الذي قد يكون من أشهر أشكال شعر الواكا، وهومستمد أصلا عن شعر ال (تشوكا – القصيدة الطويلة) في القرن الثامن، ثم أخذ بعدها الشكل السائد (القرنان 9 – 10). وقد أصبح مرادفا للواكا في القرن العاشر الميلادي تقريبا، مع اندثار وخفوت بعض أشكال الواكا الأخرى على نحو تدريجي تقريبا. وقد أستخدم مصطلح (التانكا) على نحو بين، وبشكل متميز في اواخر القرن التاسع عشر بعد أن خضعت قصيدة (الواكا) لعملية تقنين استمرت لقرون. وكان للشاعر والناقد الياباني الكبير (ماساوكا شيكي) (1867 – 1902) من عصر (ميجي) (1868 – 1912) الدور المحوري البين في إحياء وتطوير وتمييز التانكا، داعيا إلى الابتعاد عن أوجه الخيال السائدة قديما، واستخدام اللغة اليومية الحية والملاحظات الدقيقة في تأليفه بدلا من الوسائل الكلاسيكية المعقدة. وفعل كذلك مع شعر الهايكو الذي تطور من قصيدة (الهوكو)، والتي هي جزء من قصيدة التانكا (الأبيات الثلاثة الأولى)، وانفصلت عن الأخيرة في القرن السادس عشر. وغالبا ما كانت تستخدم كافتتاحية في القصائد الأطول مثل (الرينغا). وقد انصب تركيز(شيكي) بادىء ذي بدء على الهايكو، وباعتماد (الواقعية الموضوعية)، ومستمدا مفهومه الرئيسي (شاسي – انعكاس الطبيعة) من جماليات العصور الوسطى الصينية، ثم انتقل بعدها إلى شعر التانكا، وبذات الطريقة. وقد اعتمد (إيتو ساتشو) صاحب مجلة (أشيبي) الأسلوب نفسه، وتبعه أيضا شعراء الشاسي (شيماغي أكاهيكو، ناكامورا كينكيتشي، ناغاتسوكا تاكاشي، وكويزومي تشيكاشي) كما تظهر في أعمالهم المنشورة في مجلة (أراراغي) الشعرية.

و بحسب (ماكوتو أويدا) (1931 – 2020) الناقد والمحرر وأستاذ الأدب الياباني السابق في جامعة ستانفورد (إن قصيدة التانكا هي قصيدة الواكا الحديثة والمحدثة). للمزيد من الاطلاع، ينظر:

1 - Anna Zalewska، What makes a tanka poem tanka ? Modern approachesto from and versification in Japanese tanka poetry، Oriental Languages and Civilizations، pp. 91 – 100 Jagiellonian University Press 2022.

2 – Alexander Dolin، The Fading Golden Age of Japanese Poetry، Akita International University Press 2014.

3 - Beverley George، Tanka: the myriad leaves of words.

https: // www. eucalypt. info

4 - Donald Keene، Shiki and the Tanka.

https: // Columbia Universitypresscholarship. com

5 - J. W. Carey، What is Waka Poetry ?

https: // verslibre. co. vo. uk

6 - أوكا ماكوتو، ترجمة (د. محمد عضيمة)، محاضرات في التقاليد الشعرية اليابانية، التكوين للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق 2016.

7 - نور طلال نصرة، الأدب النسوي في قصيدة الواكا اليابانية.

https: // cinemasumer. blogspot. com

(2) – تقول الأسطورة اليابانية إن عواصف إلهية قد ضربت أساطيل (قوبلاي خان) (1215 – 1294) المغولي الغازية في القرن الثالث عشر وساعدت على انقاذ البلاد. وتشير بعض الحقائق التاريخية إلى هبوب مثل هذه العواصف وقتها، وتأثر القوات الغازية بها فعلا، وبخاصة في الغزو الثاني.

(3) - تم نقض قرار الحكم من قبل محكمة (كيوتو) في عام 1291، فلجأ (تاميسوكي) الابن إلى تقديم دعوى أخرى مضادة، انتهت أخيرا لصالحه لما بلغ ال (50) من العمر.

(4) - كان الصراع مع (تاميوجي) ابن (فوجيوارا نو تاميي) من الزوجة السابقة ووريث أسرة (ميكوهيداري)، فطعن في وصية والده حول الإرث. وقد ورد وصفا وافيا لهذا النزاع القانوني الطويل والمعقد في (مذكرات ليلة القمر ال 16 – نحو 1280 م) ل (أبوتسو). للمزيد من الإطلاع، ينظر (كارولينا نيجري، إيزايوي نيكي: تاريخ تراث متنازع عليه في فترة كامورا 1185 – 1333) المنشور باللغة الإنكليزية في:

Annali de Ca ‘ Foscari Serie orientale. 56 (56)، June 2020

(5) – ينظر:

Edwin O. Reischauer، The Izayoi Nikki، Harvard Journal of Asiatic Studies، Vol. 10، No. 3 / 4 (Dec.، 1947)، pp. 255 – 387.

(6) – للمزيد من الاطلاع، ينظر:

1 - Cristian Laffin، Rewriting Medieval Japamese Women: Politics، Personaloty، and Literary Production in the Life of Nun Abutsu، University of Hawaii Press 2023.

2 - Steph Chun، Politics، Personality، and Literary Production in the Life of Nun Abutsu، University of Hawaii Press 2013

(7) – صنعت الوسائد في اليابان القديمة من أكياس قماش محشوة بمواد طبيعية متوفرة كالقش المجفف وألياف النباتات والقصب، ثم أستخدمت قشور الحنطة السوداء (سوباكاوا) لتوفير الصلابة والتهوية وللمحافظة على تسريحات الشعر.

(8) - كتبت (أبوتسو) قصيدة الوداع هذه بعد أن حسمت أمرها، وقررت أن تترهب لخدمة بوذا للمرة الأولى، وكانت في ريعان الشباب، وبسبب قصة غرامية فاشلة مع نبيل رفيع المستوى خلال عملها لأول مرة في منزل (أنكامونين) على مقربة من (كيتاياما)، فقصت شعرها حتى وصل إلى كتفها، أي على طريقة سيدات بلاط (هييان)، واحتفظت به داخل ورقة ووضعته في صندوق أدواتها الشخصية. ثم توجهت إلى دير بوذي على أطراف المدينة مغمومة مكسورة الفؤاد. ينظر:

Donald Keene، Diaries of Kamakura Period، Japan Quarterly، Vol. 32، No. 3، July – September 1985.

(9) - من كتابها الموسوم (مذكرات القمر المتضائل – إيزايوي نيكي)، ومن ترجمة الأكاديمي والدبلوماسي والباحث في تاريخ اليابان (د. إدوين أولدفادر رايشاور) (1910 – 1990).

(10) – الوقواق: طائر صاخب ومخادع بحجم الحمامة تقريبا، يتطفل على أعشاش الطيور الأخرى. منه (26) نوعا، مثل السوندا والشاحب والهندي.

(11) – وتشمل أيضا (كوداي نو كيمي، دايني نو سانمي، كوناي كيو، تانغو غيشومونين، هاتشيجو إن تاكاكورا) وغيرهن من شاعرات فترتي هييان وكاماكورا. وتمثل اعترافا بأهمية الشاعرات في الأدب الياباني الكلاسيكي والشعر على وجه الخصوص.

يُقدّم الكاتب والشاعر الفرنسي خالد الذكر الفونس دي لامارتين (21 تشرين الاول 1790 - 28 شباط 1869، في روايتيه الهامتين، "جزيلا"، أولا، و"رفائيل" لاحقا، رؤية دافئة للحب الإنساني الراقي، يزيد في أهمية ما يقدمه.. وفي قيمته أيضا، انه اعتمد في كتابته لهاتين الروايتين على تجربته الذاتية.. تلك التجربة التي ابتدأت سخونتها تزداد رويدا رويدا حتى انتهت الى جمرة، تحرق اليد وتشعل الروح.. بنار الفقد والحرمان من اجمل ما خلق الله.. المحبة على هذه الارض.

لامارتين شاعر فرنسي عرف بانه من اهم شعراء الحب والرومانسية، ولد في مدينة لاكان الفرنسية عام 1790 ورحل عن عالمنا عن عمر ناهز التاسعة والسبعين عاما. كتب الشعر وله فيه عدد من المجموعات أهمها " التأملات"، كما كتب الرواية وله فيها روايتان كما سلف، تحدث فيهما عن حبه المتقد المشبوب.

سبق وقرأت هاتين الروايتين وعاودتني الرغبة في قراءتهما مؤخرا، فقمت بقراءتهما واحدة اثر الأخرى. ابتدأت بقراءة الرواية الأولى "جزيلا"، بترجمة إبراهيم النجار، وقد صدرت في أواسط الثلاثينيات، بعدها قرات رواية رفائيل"، بترجمة احمد حسن الزيات، علما ان مجيد غصن قام بترجمة هذه الرواية مجددا، وقد قدمتُ قبل فترة، محاضرة عنها في المعهد الفرنسي في مدينتي الناصرة، قارنت فيها بين الترجمتين. فرأيت ان الزيات قدم ترجمة اعتمد فيها على تمثل الحالة اللغوية الروائية وقام بعدها بتعريبها، وكأنما هي كتبت بلغة عربية جزلة، في حين كانت ترجمة مجيد غصن اقرب الى ما تكون الى النص المترجم المتبع حاليا فيما يقوم اخرون بترجمته من لغات أخرى الى لغتنا العربية.

يَتّبع لامارتين في كتابته لكل من هاتين الروايتين أسلوبا مميزا يركز على التطور البطيء للحدث، لكن الغني في تفاصيله ووصفه للمشاعر، لهذا ليس من السهل تلخيصهما، اما فيما يتعلق بالحدث الروائي ذاته فان مؤلفهما، يحكي في جزيلا عن رحلة الى إيطاليا، قام بها أيام شبابه الاول، وتعرف خلال رحلته هذه على جزيلا، ابنة الصياد الفقير، التي ستقع في هواه، بسبب طيبته وايجابيته في التعامل معها ومع عائلتها، وبسبب انسانيته الدفاقة. تتعلق جزيلا بالراوي، مع علمها انه لن يرتبط بها لبعد الشقة بين عائلته الغنية وعائلتها الفقيرة. وتنتهي الرواية نهاية محزنة مؤسية تتمثل في الفراق الابدي بين اثنين، رجل وامرأة، كان بالإمكان ان يعيشا قصة حب فريدة من نوعها. لكن بدل ان تنتهي هذه القصة الى التواصل والوصال، تنتهي بالفراق، لهذا تحقق نوعا من خلود .. امه الشوق وابوه التوق الابدي.

في روايته الثانية" رفائيل"، واذكر بالمناسبة ان طبعة منها صدرت في بلادنا، قبل العشرات من السنين، وقيض لي ان اطلع عليها في حينها وان اقراها، فان الحدث الرئيسي فيها لا يفترق كثيرا عن الحدث الرئيسي في جزيلا، فهي تحكي قصة حب ملتهب بين شخصية عظيمة يقوم بتقمصها، والتعامل معها على اعتبار انها قناع روائي، هي شخصية الفنان العالمي العظيم، رفائيل، وبين امرأة قست عليها الحياة فاقدتها الام والأب، والقت بها في ميتم للأطفال في ضائقة. في هذا الميتم، او الملجأ، تتعرف على واحد من رجال العلم يكبرها بخمسة اضعاف عمرها، كما تخبر رفائيل في بداية تعرف كل منهما على الاخر، هذا الرجل لا يهمه شيء سوى سعادتها. وعندما يشعر بضيقها الذي سرعان ما يتحول الى معاناة صحية، يرسل بها لتقيم في بلدة سافوا الفرنسية، وهناك يلمحها رفائيل، القادم من باريس العاصمة، ويأخذ في تحين الفرصة للقاء بها. القدر لا يبخل عليه بهذا اللقاء المتمنى، فيتصادف ان تواجه عاصفة قاربا يقلها، فما يكون من رفائيل الا ان ينقذها. هاتان الشخصيتان، يقع كل منهما في هوى الآخر. وتتطور الاحدث الى ان تقوم تلك المرأة المحبوبة بإبعادة عنها، بادعاء تلفقه، ليتبين لنا، نحن القراء في نهاية الرواية، انها انما أبعدته عن معاناتها في ايامها الأخيرة وتقضي هذه الحبيبة ليعيش رفائيل مأساة حياته بفقده الفادح لها. 

كما قلت في كل من هاتين الروايتين، مواقف تسمو فيها احاسيس كل من العاشقين المدنفين المتيمين، الى افاق عالية شاهقة. تبحر في افاق الإنسانية العامة، وتقدمان كما سلف صورا مبهرة للحب الرومانسي الطاهر الحنون. روايتان تدفعان من يقرأهما لأن يتفاعل مع احداثهما، وكأنها تقع الآن وهنا.

***

بقلم: ناجي ظاهر

يعتبر الكتاب الأول في حياة الكاتب الصحفي او الاديب اشارة بانطلاق مسيرته الإبداعية، ونقطة تحول في عطائه، وفيه تظهر موهبته، أسلوبه، وقدرته على التعبير، وتحديد هويته الابداعية، ويعكس نضجه الفكري، ويعزز ثقته بنفسه، ويفتح له الأبواب نحو عوالم القراءة والتأليف الأعمق والأكثر نضجا في لاحق السنين.

لقد لمستُ فرحا كبيرا، لدى اخي وزميلي حاكم الشمري، وهو يعلن اصدار مولوده البكر، كتاب (إمضاءات على جدار ابيض) الذي ضم مقالاته واعمدته الصحفية المنشورة في الصحف والمجلات المحلية والعربية.. وهذا الفرح يزدهي بطموح، يتماهى مع إصرار الصديق الشمري على تقديم ابداعات ثرة بمختلف الاتجاهات الفكرية والاعلامية الساعية الى معالجات في البيئة والاقتصاد والتعليم والاسكان والصحة والاستثمار وتشجيع الدفع الالكتروني وغيرها من امور الحياة .

لقد سعدتُ فعلا، وانا اطالع 184 صفحة، وهي عدد صفحات الكتاب، الذي تزّين بتصميم صحفي جميل، وخطوط فنية وحروف مريحة للعين، حيث لاحظت الوضوح، والجاذبية، والعمق التحليلي، والموضوعية، والاتصال المباشر بالقارئ عبر تقديم رؤية مدعومة بحقائق اجتماعية معاشه، مع إتقان اللغة والأسلوب، وامتلاك الحساسية الصحفية من خلال القدرة على ربط كتاباته بحياة القراء بمختلف اوجههم، كونه يحسن اختيار المواضيع ذات الصلة المباشرة بحياة المواطنين أو تلامس اهتماماتهم العامة، بمقدمات جذابة، حيث يعرض الفكرة بأدلة وشواهد، وخاتمة تستخلص الرؤية أو تقدم النصيحة، وبأسلوب مباشر وموجزة متجنبا التعقيد، جاذبا القارئ لمتابعة كتاباته.

بشكل عام، اقول ان العمود الناجح هو الذي يترك أثراً لدى القارئ، يجعله يفكر، ويتفاعل، ويشعر بأن الكاتب يخاطبه شخصياً بصدق وعمق، مع الحفاظ على إطار مهني دقيق، وهذا ما اكد عليه الزميل الشمري في كتابه الصادر مع بداية السنة الجديدة 2026

***

زيد الحلي

الشاعر "كزار حنتوش" واحد من الشعراء القلائل الذين لا تكتفي بقراءة أشعارهم مرة واحدة، ذلك أنك تكتشف عمقها وجمال لغتها وصورها الشعرية مع كل قراءة جديدة، الأمر الذي يحفز القارئ على العودة إليها بين فترة وأخرى، فهي أشعار غنية بالمعاني والاستعارات الموفقة، بعيدة عن التعقيد، كما ان جمالها ظاهر للقارئ لا يتطلب مجهوداً في فك طلاسمها والتأمل العميق في رموزها واستعاراتها، وهذه واحدة من سمات الأشعار الخالدة.

(أيامي ذهبت) واحدة من قصائد الشاعر "كزار حنتوش" التي ضمتها أعماله الشعرية الكاملة التي صدرت مؤخراً عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، بمناسبة ذكرى رحيله التاسعة عشرة، وكنتُ واحداً من المساهمين في إعدادها ومراجعتها، وهذه القصيدة تبدو في ظاهرها قصيدة ساخرة، لكنها تخفي في طياتها الكثير من المرارة والمفارقة لما آلت إليه أيام الشاعر وأيام العديد من العراقيين، قصيدة تزدحم فيها الصور الشعرية المتضادة، والتهويمات الجميلة، والتشبيهات الموفقة التي لا يجيد قنصها وصياغتها إلا شاعر يعرف أسرار المفردة وحسن توظيفها، حيث يصف فيها الشاعر كزار حنتوش أيامه التي ذهبت بكل ما فيها من خيبات وغيم وصحو، وقد حاول من خلال أداة التشبيه (مثل) أن يقرّب الصورة بينه وبين محيطه، محاولاً إظهار قوة العلاقة بين الطرفين . وقد شاع في الشعر العربي القديم والحديث أسلوب التشبيه بأدواته المتعددة ؛ فالسياب -مثلاً- استخدم في قصيدة (عرس في القرية) أداة التشبيه (مثل) أكثر من عشر مرات، منها قوله :

مثل حقل من القمح عند المساء من ثغور العذارى

 تعبّ الهواء حين يرقصن حول العروس منشداتٍ:

 نوارُ اهنئي يا نوار حلوةٌ أنتِ مثل الندى يا عروس

ولكن ما يميز الشاعر "كزار حنتوش" عن غيره في استخدام هذه الأداة أنه وظفها في القصيدة بلغة بسيطة لا تكلف القارئ الكثير من التأمل، كما اختار لها صوراً من الحياة اليومية تقترب من معنى الوصف لا المقارنة. وعلى الرغم من تكرار هذه الأداة في القصيدة، إلا أنك لا تشعر بالملل، إنما تستأنس بإيقاعها وهي تلتقط رديفها من الواقع. وقد اخترتُ هذه القصيدة نموذجاً لتأكيد ما ذهبتُ إليه في مقدمتي.

***

ثامر الحاج أمين

.......................

(أيامي ذهبت)

 كزار حنتوش

 مثل الصيف، مثل شيوعي في "جيبوتي"، مثل مغنٍّ في الديوانية، مثل الليل، مثل "العبدو" *، مثل حياء لا يعرفه أحد هذي الأيام، مثل صديق ينوي أن يقذف جسمك في بالوعة، مثل شمال ما فيه جنوب، مثل حصان يتشمس تحت مظلة إقطاعي، مثل فلسطين، مثل غداء تحت جسور العشار، مثل سعدي الحلي، مثل سماء أخرى، مثل الجندب، مثل "البزون" الجائع، مثل محب في ناحية "الدغارة "، مثل المتنبي، مثل طريق يسلكه بدوي، مثل الشمس في ليلة عيد، مثل تمور تشرى في البصرة، مثل عناق ضرير، مثل الفقمة، مثل الغمة إذ يأذن الرب لها فتفتك بالأمة، مثل العمة إذ يتزوجها رجل لا يعرف فمه من خشمه، مثل الديوانية، مثل صديق يبتاعك سراً أو جهراً، مثل البانزين، مثل كهرباء الديوانية، مثل ممثلنا في المجتمع الوطني، مثل الخبز، مثل القط، مثل الفأرة إذ لا يأكلها أحد، مثل الأدباء، مثل جميع الناس.. أنا مهجور ومطارد ووحيد.

***

.................

* العبدو: من صعاليك الديوانية

 

من منا لا يعرف أمير الشعراء أحمد شوقي؟ فقصائده وأشعاره في المقررات المدرسية يدرسها الطلاب ويمتحنون فيها ولكن كثير منا يجهل أن هذه الشخصية المثقفة المتقنة للفرنسية والمطلعة على الآداب الأجنبية هي روائية أيضا أبدعت في فن الرواية وكتبت خمس روايات استلهم فيها التاريخ الفرعوني وجاءت على هذا الترتيب التاريخي..

أولا: رواية "عذراء الهند"

فحسب الكاتب محمد عبد الرحمن "نشرت هذه الرواية أولاً على حلقات فى جريدة الأهرام عام 1897م، ثم صدرت طبعتها الأولى فى كتاب فى نفس العام، عن مطبعة الأهرام بالإسكندرية. تقع الرواية فى ثلاثة أقسام، يتضمّن الأول منها 7 فصول، والثانى 12 فصلاً، والثالث 7 فصول، وصدّرها بإهداءٍ إلى الخديوى، الذى كان شوقى حينها موظفًا فى ديوانه.

 وهي رواية غرامية غريبة السرد تنتهي وقتها إلى زمن رمعسيس الثاني المعروف سيزو وستريس أحد فراعنة مصر الأقدمين

ثانيا رواية "لادياس":

وهي رواية نثرية تاريخية تدور أحداثها في عهد الفراعنة في زمن “البرياس" ضمّن شوقى هذه الأحداث فى روايتين، الأولى منهما "لادياس"، نشرها أولاً على حلقات فى مجلة "الموسوعات" من 6 أكتوبر 1898م، إلى 26 أبريل 1899م، وظهرت الطبعة الأولى منها فى كتاب عام 1898م عن مطبعة الآداب والمؤيد.

ثالثا: رواية "دل وتيمان":

جزء ثانٍ متمّم لأحداث "لادياس"، ونشرت فى "الموسوعات" من 1899م، إلى 1900م وظهرت طبعتها الأولى فى كتاب عام 1899م، عن مطبعة الآداب والمؤيد بمصر، ثم أعاد الباحث محمود على نشرها فى حلقات فى مجلة الإذاعة والتلفزيون من 16 أكتوبر 1983" (1)

رابعا: شيطان بنتاؤور”:

"أخرج شوقي هذه الرواية عام 1901م وتختلف هذه الرواية عن رواياته الأخرى في كونها وكيانها. اعتمد شوفي فيها على الحوار بأسلوب مقامات الهمذاني والحريري. يدور الحوار في هذه الرواية بين طائر الهدهد الذي يرمز إلى شوقي نفسه وطائر النسر الذي يرمز إلى بنتاؤور، شاعر مصر الفرعوني القديم

خامسا: "ورقة الآس”:

أخرج شوقي هذه الرواية عام 1905م وهي الرواية العربية الوحيدة من بين رواياته الفرعونية. ترجع أحداثها إلى العام 272م. وقد أخذ موضوعها من التاريخ العربي قبل الإسلام. تدور أحداث الرواية حول غدر “النضيرة” وخيانتها لوطنها ودولة أبيها أولا ثم محاولتها مع خيانة زوجها “سابور”."(2)

فيمكن عزيزي القارئ أن يبدع الشاعر أيضا في مجال الرواية فهو يملك اللغة الراقية والأسلوب الأنيق والثقافة الواسعة والخيال الخصب فالانتقال من فن الشعر إلى السرد ليس بالمستحيل على من يملك المؤهلات اللازمة والرغبة المشتعلة وعندنا في تاريخنا المعاصر شعراء أبدعوا في مجال الرواية..

***

الكاتب شدري معمر علي - الجزائر

..........................

المرجع

1- محمد عبد الرحمن، أحمد شوقي روائيا، اليوم السابع.

2- د. معراج أحمد المعراج الندوي، أحمد شوقي وإبداعه في مجال الرواية، موقع أقلام الهند.

التداخلات بين الممارسات الفنية.. تهجين التقنيات التقليدية والتكنولوجيات الحديثة

تجربة فنية فريدة تبرز هوية ضحى علية البصرية

تُعدّ الفنون التشكيلية مجالًا للإبداع والبحث، قائمًا على تساؤلات متصلة بالذات والهوية. فهي تنبني على مقاربة استكشافية تهدف إلى النفاذ إلى جوهر الأشياء، والكشف عمّا هو كامن في الرؤية الداخلية للفنان، بين الإدراك والخيال وتأويل الواقع. وتقوم هذه المقاربة على قراءة تحليلية للعالم، بعناصره وأشيائه، بما يبرز خصوصياتها الطبيعية والجمالية الحاملة للمعنى والقيمة والدلالة.

وعليه، يتجلّى الفن بوصفه وسيطًا تعبيريًا وتأويليًا ينفتح على عوالم من الدهشة والمعنى، ويؤسس لحقل من الإمكانات المتعددة. كما يتجسّد من خلال صيغ إبداعية وتشكيلية نابعة من رؤية فنية خاصة، قوامها الإدراك الحسي والتأمل الباطني، أي رؤية العين الداخلية لا مجرد الرؤية البصرية الظاهرة.

تظهر التجربة كعنصر حيوي وديناميكي في الذات الفنية للفنانة ضحى علية    الدكتورة والباحثة في تكنولوجيات الفن والتي تدرس بالمعهد العالي للفنون والحرف بمدينة سليانة ، موجهة إياها نحو آفاق الخيال والابتكار. هذا المسار يتضمن مراحل بحث دقيقة، تقوم خلالها الفنانة باستكشاف هياكل جمالية في تطور مستمر، مع توظيف سرديات متعددة ومتنوعة. ولا يقتصر هذا النهج التجريبي على الاستكشاف الشكلي فحسب، بل يشمل أيضًا تأملًا عميقًا في العلاقات بين الإرث الفني، والإدراك الشخصي، والحداثة التكنولوجية، مما يؤدي إلى ظهور أشكال جديدة من اللغة البصرية.

وفي هذا السياق، تُعد تجربة الفنانة والدكتورة ضحى علية مثالًا واضحًا. تهدف منهجيتها الجمالية إلى تطوير تعبيرية فنية فريدة، تتجاوز مجرد الإتقان التقني لتسائل وتعيد تعريف الحدود بين التقليد والابتكار. وتبرز هذه التجربة الإمكانات الكامنة في التزاوج بين التقنيات التقليدية، مثل التصوير الفوتوغرافي والرسم، والابتكارات التكنولوجية، بما في ذلك الفنون الرقمية والذكاء الاصطناعي. وتتيح هذه العملية التهجينية إنتاج أعمال متجذرة بعمق في المهارات التقليدية وفي الوقت ذاته متجهة نحو أشكال جديدة من الإدراك والتجربة الفنية.2285 duha

علاوة على ذلك، يفتح هذا النهج مساحة للحوار بين الفنانة والوسائل التقنية المتاحة، موضحًا كيف يمكن للتكنولوجيا أن تعزز وتوسع الإبداع التقليدي دون أن تحل محله. وبذلك، يبرهن الفن المعاصر على قدرته على خلق تجارب جمالية جديدة، حيث يصبح استكشاف الخفي والكامن والمحتمل محورًا أساسيًا، وتتحول كل عمل فني إلى فضاء لقاء بين الخيال والابتكار والذاكرة الفنية.

منذ طفولتها، أظهرت ضحى علية شغفها تجاه الفن. كانت مفتونة بالألوان والأشكال والتعبير الإبداعي، في سن الثامنة عشرة، حققت هذه الشغف من خلال إطلاق مشروعها الفني الأول، وهو لحظة محورية أكدت دعوتها للفن. مقتنعة بأن الفن يحتاج إلى معرفة راسخة، اختارت بعد ذلك متابعة دراسات أكاديمية في الفنون الجميلة، لتطوير مهاراتها وتوسيع آفاقها الإبداعية. ومنذ ذلك الحين، يعكس كل مشروع تقوم به حسها الشخصي

يمتاز مسار الفنانة ضحى بروح البحث والفضول والابتكار، حيث يتغذى الفن والإبداع من التفاعل المستمر بين شغفها الفني العميق وخبرتها الأكاديمية الواسعة. منذ عام 2005 وحتى يناير 2026، شاركت ضحى في العديد من النشاطات الفنية وقدمت عدة معارض شخصية وجماعية، مؤكدة حضورها في المشهد الفني المحلي والدولي.

من بين أبرز مشاريعها معرض "صمود"، الذي يعكس قدرتها على الجمع بين التعبير الشخصي والانخراط الاجتماعي والسياسي. في هذا المشروع، استخدمت ضحى تقنيات متعددة تجمع بين التصوير الفوتوغرافي والتقنيات الحديثة إلى جانب استغلالها للذاتية في صورها الذاتية للتعبير عن معاناتها الداخلية أمام مشاهد الإبادة الجماعية، مقدمةً تجربة بصرية وعاطفية قوية للمشاهد. ويشكل هذا الحوار بين الخصوصية والذاكرة الجمعية الخط الفاصل في أعمالها، حيث تصبح كل لوحة جسرًا بين العاطفة والتفكير.

بالإضافة إلى معارضها الشخصية، عُرضت أعمال ضحى في فعاليات دولية، مثل مشاركتها في تركيا وفي رواق باريس ضمن معرض "إشراقة تونسية"،2026 ما عزز حضورها واعتراف الوسط الفني الدولي بها.

كما يتميز مسارها بانخراطها القوي في البحث الأكاديمي والفني، حيث تشارك في مشاريع علمية وتدير ورشًا فنية، ساعية دائمًا إلى خلق جسور بين الابتكار التقني والتعبير الفني. وهكذا، تجسد ضحى توازنًا رفيعًا بين الحس الفني والإتقان التقني والانخراط الفكري، وهو ما ينعكس في جميع مشاريعها، سواء كانت فردية أو جماعية، فنية أو أكاديمية.

***

شمس الدين العوني

 

حين أمسكتُ القلمَ أوّل مرّة، لم أرَ في يدي أداةً صامتة، بل شعرتُ أنّني أقبض على مفتاحٍ سريّ، يفتح أبواب عوالم لم تكن قد خُلِقت بعد إلا في خيالي، عوالم لا تُرى بالعين ولا تُلمَس باليد، بل تُستحضَر بالدهشة وحدها. لم أمدّ يدي نحو نجمةٍ بعيدة، بل أمسكتُ قلمًا، وبجرّةٍ منه رسمتُ سماءً كاملة، تتدلّى فيها النجوم كحروفٍ مضيئة، كلّ نجمةٍ حرف، وكلّ حرف نافذة تُطلّ على صمتٍ عميق، وعلى أسئلةٍ مؤجَّلة تنتظر شجاعتها لتُقال.

هناك، في تلك اللحظة الأولى، أدركتُ أن الكتابة ليست مرآةً تعكس الواقع فحسب، بل فعلُ خلقٍ خفيّ، وانتزاعُ معنى من الفراغ، ومحاولةٌ إنسانيّة لترتيب الفوضى الداخلية بالكلمات. أدركتُ أن القلم، بين أصابعي الصغيرة، كان أكبر من خشبٍ أو معدن، كان جسرًا هشًّا ومتينًا في آنٍ واحد، أعبر به نحو ذاتي، وأحاور عبره ما لم أجرؤ يومًا على النطق به، وأمنح للصمت مكانًا آمنًا قبل أن يتحوّل إلى كلام.

ومنذ تلك الجرّة الأولى، لم يعد الورق الأبيض صفحةً فارغة، بل صار بوابةً مفتوحة على احتمالات لا تنتهي، أرضًا بكرًا تنتظر أثر الخطوة الأولى. صار كل سطر أكتبه حياةً وُلدت من صمتٍ طويل، وكل نقطة توقّف لحظةَ تأمّلٍ لا تقلّ عمقًا عن الكلام، وكل كلمة خطوةً معلّقة في السماء التي رسمتها يومًا بقلمٍ صغير، ولم أزل أوسّعها كلما كبرتُ، كلما فهمتُ أكثر، وكلما آمنتُ أن الكتابة ليست هروبًا من العالم، بل طريقة أخرى للانتماء إليه.

***

د. صابر الحميدي

 

الآن، وقد وضعتُ الحربَ مع قلبي أوزارها، وأطفأتُ في صدري قناديلَ الانتظار التي كانت تشتعل بلا جدوى، أقفُ على تلالِ الوعي المتأخّر لأخاطبَ فيكِ غياباً لم يعد يوجعني، وحضوراً لم يعد يعنيني. لا أكتبُ إليكِ بروحِ الضحية، ولا بصوتِ المنكسر، بل بلسانِ الحكّامِ الذين يغادرون عروشهم حين يدركون أن الرعيّة لا تستحقّ العدل، وأنّ الأرضَ التي سُقيت من الدم قد صارت مسبخةً لا تُنبتُ إلّا الشوك.

لقد كانت علاقتي بكِ تجربةً في «علم الأخلاق» قبل أن تكون خفقةً في قلب. كنتُ أظنّ أن الحبّ هو ترويضُ المستحيل، وأنّ الصدق وحده كفيلٌ بأن يغسلَ عن الأرواح أوهامها، فقدّمتُ لكِ نفسي ككتابٍ مفتوح؛ صفحاته من نور، وحروفه من ترفّع. لم أبخل عليكِ ببيتٍ مكنون، ولا بقلبٍ مأمون، ولا بقصائدَ كنتُ أقطفها من سدرةِ الوجدان لأعلّقها على جيدكِ تميمةً من عثرات الزمان. لكنّكِ، وبكلّ برودِ الفكرة حين تموت، اخترتِ الانحيازَ للعدم. وهنا تكمن الفلسفةُ المُرّة: إنّ خيانتكِ لم تكن مجرّد استبدالِ رجلٍ برجل، بل استبدالَ قيمةٍ بقيمة. حين يترك المرءُ النبعَ الصافي ليرتوي من بئرٍ مسمومة، فهو لا يؤذي النبع، بل يؤكّد عطشه للدناءة. إنّ اختياركِ لشخصٍ يرتديه الشتات، ويسكنه الإدمان، ويقتات على الرذيلة، لم يكن طعنةً في صدري، بل إعلاناً صريحاً عن رغبتكِ في البقاء داخل القاع. هناك نفوسٌ يوجعها الطهر، ويستفزّها النقاء، لأنّها لا تجد فيه مرايا تشبه تشوّهها الداخلي. لقد علّمتني هذه الخيبة أنّ الكرامة ليست في الحصول على من نحب، بل في القدرة على التخلّي عمّن لا يستحق. كنتِ تظنّين أنّكِ تكسرين غصني، وما درَيتِ أنّني الشجرُ الذي يزداد صلابةً كلّما عصفت به الريح. أنا الذي بنيتُ نفسي من تعب الشورجة وكدّ اليمين، ومن سهر الليالي فوق الأوراق والقصائد، لا يكسرني غيابُ امرأةٍ لم تُدرك أنّ الفرق بيني وبين ما تهوى هو الفرق بين الخلود والزوال. أنا اليوم لا أنسحب انسحابَ المهزومين، بل أنسحب انسحابَ القوافل التي أضاعت طريقها في الصحراء ثم وجدت نجمها القطبي. أترككِ لخياراتكِ، ولذاك الذي تظنينه يملأ فراغكِ، وهو في الحقيقة لا يملأ إلّا حفرة ضياعكِ. أترككِ لزمنٍ كفيلٍ بأن يريكِ الفرق بين من يكتب لكِ قصائدَ بماءِ الروح ليخلّدكِ، وبين من يراكِ ممراً عابراً لنزوات الجسد الرخيصة. سأذهبُ إلى معرضي، أحمل كتبي التي هي أطفالي الحقيقيون، وسأبتسم في وجه القرّاء، ليس لأنني نسيتُكِ، بل لأنني استوعبتُ الدرس. سأظلّ أتألّم قليلاً، نعم، فالجروح العميقة لا تشفى بالصمت، لكنّه ألمُ «المخاض» الذي يسبق الولادة الجديدة. غداً، حين يبرد الرماد، وتجفّ الكؤوس، وتنكشف غُمّة الوهم، ستدركين أنّكِ لم تخسري سجاداً، بل خسرتِ «المعنى» الذي لن يتكرّر. أمّا أنا، فقد كسبتُ أعظم ما يملكه الإنسان: كسبتُ نفسي التي كادت أن تضيع وأنا أحاول إنقاذ من يعشق الغرق. وداعاً يليق بكرامتي، وسلاماً على قلبٍ عرف الحقّ فاستقام، وعرف الزيف فاستبان. إنني اليوم أعيد ترتيب فوضى الروح، لا بالبكاء على ما فات، بل بالإنصات لما هو آت. لقد كنتِ بالنسبة لي قضيّة، والآن صرتِ تجربة. والفرق بينهما شاسع؛ فالقضيّة نموت من أجلها، أمّا التجربة فنعيش بها ومن خلالها. لقد أيقنتُ أنّ الحبّ الذي لا يرفعنا إلى مصافّ النبل ليس إلّا فخّاً تنصبه الغريزة، وأنّ الروح التي تنجذب إلى الحطام هي روحٌ فقدت بوصلة السمو. كيف لي أن أقنعكِ، وأنتِ في غمرة التيه، أنّ الرجل ليس بما يملكه من دراجةٍ أو صخب، بل بما يملكه من عهد؟ وكيف لي أن أفسّر لكِ أنّ الخمر التي تملأ كؤوسهم ليست إلّا محاولةً بائسة لنسيان خواءِ أرواحهم؟ لقد اخترتِ السقوط في فخّ اللحظة العابرة، وتركتِ الخلود في قصيدةٍ لا تموت. إنّ خيانتكِ للمعنى هي التي جعلتني أراكِ الآن بحجمكِ الحقيقي؛ امرأةً عاديةً جداً، كانت تكتسب نورها من شعري، وجمالها من فيض خيالي، وحين انطفأ في قلبي وهجكِ، عُدتِ إلى سديمكِ الأوّل. أنا لا أقف هنا لأشمت، فالشّماتة خُلُق الضعفاء، وأنا من طينةٍ لا تعرف إلّا العطاء. لكنني أقف شاهداً على انتحار الذوق في عينيكِ. ستمضي الأيام، وستكتشفين أنّ الضجيج الذي يحيط بكِ الآن ليس إلّا فراغاً مقنّعاً، وأنّ الأمان الذي كنتُ أمنحه لكِ بكلمةٍ واحدة، لن تجديه في آلاف الضحكات المستعارة والكؤوس المترعة بالندم. لقد قرّرتُ أن أجعل من وجعي هذا «محراباً» للوعي. سأعود إلى الشورجة، لا كتاجرٍ يبحث عن الربح المادي، بل كإنسانٍ صقلته التجربة، فعرف أنّ الربح الحقيقي هو أن تضع رأسك على الوسادة وأنت لم تخدع أحداً، ولم تتبع هوىً يُرديك. سأشارك في معرضي، وسأهدي «جميلتي» التي في كتبي إلى كلّ روحٍ نقية لم تتلوّث بزيف العصر، أمّا أنتِ فقد سقطتِ سهواً من النسخة النهائية، لأنّ الكتاب يتحدّث عن الجمال، وأنتِ اخترتِ أن تكوني فصلاً في كتاب الضياع. أنا لا أشفى منكِ بالنسيان، بل أشفى منكِ بالفهم. لقد فهمتُ أنّ الله لا يُبعد عنّا إلّا من لا يليق بطهر مسعانا. سأظلّ أكتب، وسأظلّ أحب، وسأظلّ أؤمن بالزواج سكناً ورحمة، لكنني لن أمنح مفاتيح مملكتي إلّا لمن تعرف قدر الجوهر، ولا يغريها بريق النحاس الصدئ. أغادركِ الآن، وفي صدري راحةُ من أدّى الأمانة، وفي عينيّ كبرياءُ من لا ينحني لغير الله. اذهبي حيث شئتِ، وعيشي كما اخترتِ، لكن تذكّري دائماً: أنّ إنساناً مرّ بحياتكِ يوماً، كان يرى فيكِ السماء، ففضّلتِ البقاء في زحام الطريق وتحت عجلات العابرين. هنا تنتهي قصتي معكِ، وتبدأ قصتي مع سجاد الذي لم تعرفيه يوماً؛ سجاد القوي، المبدع، الذي حوّل كسرَ ضلعه إلى درع، وحريق قلبه إلى نورٍ يهدي به التائهين في دروب الهوى. أتممتُ فيكِ ما عجزتِ عن إتمامه في نفسكِ، ووضعتُ لهذا العبث حدّاً لا رجعة فيه. فالمروءة تقتضي ألّا نُطيل الوقوف على أطلالٍ لم يسكنها الوفاء يوماً، والكرامة تملي عليّ أن أحفظ ما تبقّى من بريق القصائد لقلبٍ يستحقّ أن تُرتَّل فيه.

لقد تبيّن الخيط الأبيض من الأسود، ولم يعد بيننا إلّا جفاء الحقيقة ومرارة اليقين. أنا ابن العمل والصبر، لا أغرق في وهمٍ لا يورث إلّا الندامة، ولا أتبع خُطىً تضيع في دروب الزنا والظنون. سأحمل قلمي وكتبي، وأمضي إلى حيث يُقدَّر صدق الكلمة وشرف الموقف، تاركاً خلفي كلّ من باع النور ليشتري العتمة، ومن استبدل السكن والطمأنينة بالضياع والشراب.

الحساب عند الله، والزمن كفيل بالرد، وأنا من اليوم حرّ من قيد التمنّي، ومنتصر بكبريائي على كلّ شعورٍ خذلني فيكِ. سأخطّ السطر الأخير في وصيّة هذا الغياب، لا عجزاً عن الكلام، بل اكتفاءً بالحق. إنّ القلوب الكبيرة حين تغادر، لا تترك خلفها ضجيجاً، بل تترك فراغاً لا يملؤه الكون أجمع. لقد وهبتُكِ من نفسي ما لم تجديه في حانات الضياع ولا في وعود العابرين، لكنّ النفس التي اعتادت على الغبار لا يُبهرها صفاء المرآة. لن أعاتبكِ على من اخترتِ، فالاختيار ميزان العقل، وأنتِ بميزانكِ هذا حدّدتِ قيمتكِ ومكانكِ. أنا رجلٌ تُبنى في ظلّه البيوت، وتُكتب في عينيه الدواوين، وتُصان في عهده الحرمات؛ وأنتِ فضّلتِ من يقتات على اللحظة الزائلة ويبيع كرامته في كؤوس الخمر والزنا. هنا تفترق المسارات إلى الأبد. فخلفي تاريخ من الكفاح والصدق، وأمامي مستقبل أُعمّره بفضيلة الصبر وجمال النجاح. سأغلق كتاب «جميلتي» وأمضي، لا لأنني فقدت الجمال، بل لأنني اكتشفت أنّ الجمال الذي لا تسنده الأخلاق خديعة لا تستحقّ الحبر.

بيني وبينكِ الآن برزخٌ من الترفّع، لا يقطعه نداء ولا يمحوه زمن. طهّرتُ يدي من أثر هذا الوهم، وسلّمت أمري لربٍّ يرى صدق النوايا ويجزي الصابرين بمثل صبرهم.

طابَ لي الخلاص، وطابَ لكِ ما اخترتِ.

***

سجاد مصطفى

 

الكتابة فوق السحاب من الأمور المحببة لي لطرد الضجر وانا جالس بين المسافرين من السياح وحيث يتكرر دوما سلوك البشر وحمى السفر بين الجميع ويمكن مشاهدة ذلك وبوضوح عند البعض حيث تراه مشدودا الأعصاب وفي حالة من الهلع احيانا عند الانتظار للصعود او النزول من الطائرة . أسافر عادة بالطائرة منذ اكثر من نصف قرن كانت اول رحلة لي على متن طائرة خطوط " طيران الشرق الأوسط " الخطوط الجوية اللبنانية من بيروت إلى بغداد عام ١٩٧٣ وبعد تلك السفرة أسافر مرات عدده سنويا.

في سفرتي هذه جلست سيدة بجانبي حيث اختار مقعد بجانب الشباك وبدأت ومنذ اللحظة الأولى متعظة وأعصابها مشدودة رغم اني حييتها قائلا " صباح الخير سيدتي" لكنها من الجنس الإسكندنافية الأشقر المتكبر ردت بامتعاض وطلبت كأنها رئيس تأمر مرؤوسيها مني تعديل جلستي على المقعد. لم أبالي بسلوكها وبقيت طول السفر مجهشة ولم أتحدث معها. الجدير بالذكر ان اي رد فعل لأمثال هؤلاء سيؤدي إلى شعورهم بالرضي لانهم تمكنوا من رؤية نتيجة إيذائهم للآخرين فهم مرضى واذا لم يشاهدوا اي رد فعل من الجانب الاخر يتأذون هم بأنفسهم جدا. يحتاجون إلى أسلوب التسقط (الدونية) وبمجرد الحديث معهم بالإنكليزية التي يتقنها معظمهم وهي اللغة الثانية في البلاد يتغير سلوكهم جذريا. ان سلوك ابناء الشمال الإسكندنافي يتغير كذلك جذريا حين يسافرون إلى خارج بلدانهم وقد ترى جارك في احدى سواحل الأندلس تراه فجاء تغير ويتحدث معك بلطف ويجاملك وكأنكم أصدقاء العمر. الجو ها هنا في المطار بارد وجليد ومدرجات المطار كحقل كبير ابيضّ والسماء ملبدة بغيوم رمادية داكنة واختفى جميع الطيور ولا يمكن روية حتى الأشجار في الغابات حيث كانت الثلوج تهطل بغزارة خلال الأيام الماضية وبدأت تهطل مع اقتراب ايام الاحتفالات بعيد الميلاد المجيد وهذا طبيعي ها هنا ونحن على بعد كيلومترات من خط القطب الشمالي حيث يكون النهار قصيرا جدا والظلام ينشر وشاحه على القسم الشمالي من الكرة الأرضية ايام الشتاء.

خط سير الطائرة بعد تركها للأجواء مملكة السويدية كانت تتجه إلى الدنمارك، ألمانيا، هولندا، بلجيكا، فرنسا ثم تعبر جبال البرانس لتتجه جنوبا إلى مدينة ڤالينسيا الإسبانية ثم نعرج على غرناطة واخيراً نصل إلى مدينة ملقا مقري في إيلافي الشتوي في الحبيبة الأندلس. الجو في اوربا في هذا الموسم عموما بارد جدا لكننا ونحن نغادر كانت المؤشر على ناقص ثلاث درجات مئوية في حين درجات الحرارة في الأندلس كانت تسير إلى حوالي عشرون درجة مئوية. إقلاع الطائرة تأخرت لان المدرجات متجمدة ووجود ثلوج على هيكل الطائرة نفسها كان يجب ازالتها قبل انطلاقها سابحة بين الغيوم. هذا الشعب الذي كان من الفقر يبيعون أبنائهم على ي ساحات المدن إلى ان تحولت المملكة بعد الحرب العالمية الثانية إلى احدى الدول الغنية فاحتاجت إلى الأيدي العاملة الأجنبية لبناء الدولة بعد ان كان الملايين منهم قد تركوا البلاد مهاجرين إلى الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة العوز المالي والفقر يسموهم اليوم المهاجرون السويديون ولهم متحف خاص بهم في مدينة بوروص الجنوبية. وهم من الشعوب الغير متدينة ودخلت المسيحية في القرن الثامن الميلادي وأكثرن من الطائفة المسيحية البروتستانية ولم تكن دخولهم الدين الجديد سهلا بل دمويا احيانا حيث كانوا يؤمنون بتعددية الالهة وإلههم الأكبر " تور"اعمي يحمل مطرقة بيده. بقى ان نعلم بان ابن فضلان كتب عن الفايكنج في سفرته ورحلاته إلى الشمال حيث وجد العديد من العملات الإسلامية في المدن التاريخية في الساحل الشرقي من السويد ورغم ان الفايكنج كانوا من التجار حيث استخدموا نهر فولكا للإبحار جنوبا ووصلوا إلى الشرق وكان السلاطين العثمانيين يستخدمونهم كحراس شخصين وفي الحروب لباسهمً الشديد وقوتهم البدنية لكن البعض منهم اتجهو غربا إلى المملكة المتحدة ونهبوا شعوبها ولا تزال آثارهم ومدنهم قائمة لحد اليوم بينما ابحر جزء منهم جنوبا الى إسبانيا وعاثوا فيه فسادا .

بقى ان نعرف بان المجتمع السويدي لا يزال يحتفظ على العديد من الإرث الثقافي والديني لهولاء الفايكنج وحتى أغانيهم في احتفالاتهم ومعروف إنسان دول الاسكندنافية بحبه وولهه الشديد لشرب النبيذ. اما ملابسهم الشعبية فبالكاد يلبسونها إلا في مناسبة سنوية واحدة فقط تسمى بعيد منتصف الصيف حيث يرقصون ويغنون في دائرة كبيرة حول عمود على شكل صليب يمثل الخصوبة. وهم عادة غير اجتماعيين فبالكاد يعرفك جارك ويسلم عليك حتى بعد مرور أربعون عاما على مجاراتك له. لكن السنوات الأخيرة ومع شدة الهجمة التي تقودها احزاب اليمين المتطرف بدأ آثار العداء لكل المهاجرين هؤلاء ممن عملوا بجد لبناء هذه المملكة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية لكن مع اختلاف طبيعة الهجرة و هؤلاء ممن قدموا في السنوات الأخيرة كانوا من المغامرين والطامعين في الرفاه الاجتماعي والخدمات الاجتماعية في دول اوربا ولم يقدموا الكثير لهذا البلد مما اصبح وجودهم وسلوكهم الاتكالي واحيانا الاجرامي الحطب لنار الحقد والفتنة التي تقودها هذه الأحزاب اليمينية القومية والسلبية والتي اجتاحت جميع دول اوربا

أخبار اليومية في جميع القنوات الإعلامية تحمل في نشراتها الإخبارية اليومية اخبار تنشر كافة الاخبار السلبية عن المهاجرين وقد ادى كل ذلك إلى تغير جميع الأحزاب السياسة وبكافة اتجاهاتها من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين سياستها نحو الهجرة والمهاجرين حيث بات ظاهرا ان بعض القوانيين التي سنت اخيرا تدور في محور التميز العلني واعتبار الأجنبي متهما حتى لو كان بريئاو لم يكن قد عمل اي مخالفة وتفتيشه في النقاط الحدودية ومن ثم مصادرة أمواله ومقتضياته مالم يثبت على امتلاكها بصورة شرعية. كما سيلغى إقامات الدائمة لمئات الألوف من المهاجرين واستبدالها بأخرى مؤقتة وحتى طردهم من البلاد. كل هذا ينعكس اليوم في المجتمع ومن سلوكيات المواطنين حيث نظرية القطيع والسلوك الجمعي.

لهذا لم أستغرب أبدا سلوك هذه السيدة الشمطاء حين وجدت احد المهاجرين جالسا بجانبها في سفرة تصل إلى أربع ساعات طيران.

لكني أقول مرددا "وعسى ان تكرهوا شيئاً وهو خيراً لكم " والى سفرة قادمة بإذن الله.

على متن طائرة النرويجية ونحن نمر من سماء مدينة پاريس العاصمة الفرنسية

***

  د. توفيق رفيق آلتونچي

2026

....................

 إشارات

ابن فضلان (٠٠٠ - بعد ٣١٠ هـ = ٠٠٠ - بعد ٩٢٢ م) أحمد بن فضلان بن العباس بن راشد ابن حماد: صاحب الرحلة إلى بلاد الترك والخزر والروس والصقالبة، المعروفة ب (رسالة ابن فضلان - ط) مبتورة الآخر. كان في أوليته من موالي محمد بن سليمان الحنفي (القائد، فاتح مصر) ثم أصبح من موالي المقتدر العباسي. وأوفده المقتدر إلى ملك الصقالبة (على أطراف نهر الفولغا) مع جمع من القادة والجند والتراجمة، إجابة لطلب بلغار الفولغا وقد بعثوا برسول منهم إلى عاصمة الخلافة يرجون العون على مقاومة ضغط الخزر عليهم من الجنوب، وأن ينفذ إليهم من يفقههم في الدين ويعرفهم بشعائر الاسلام. وكانوا قد اعتنقوه قبل عهد غير بعيد. وقامت البعثة من بغداد (في ١١ صفر ٣٠٩ هـ، ٢١ يونيو ٩٢١ م) مارة بهمذان والري ونيسابور ومرو وبخاري، ثم مع نهر جيحون إلى خوارزم إلى بلغار الفولغا في ١٨ محرم ٣١٠ هـ (١٢ مايو ٩٢٢ م) ولم يعرف خط سير الرجعة لضياع القسم الأخير من الرسالة نقلا عن: الأعلام للزركلي جبال البرانس؛ سلسلة جبال البرانس هذه هي الجبال الفاصلة بين فرنسة وأسبانية. ولما انتخب الأسبان حفيد لويس الرابع عشر ملك فرنسة ملكًا عليهم قال له جده: يا ولدي لم يبق برانس. وذلك إشارة إلى أن هذه الجبال هي الحد الحاجز بين المملكتين. وهي ممتدة من البحر المتوسط الاطلانطيكى، وبدايتها من جهة البحر المتوسط رأس «كريوس» Créus في أرض أسبانية، وهو متصل «برأس سربار» Cerbére من أرض فرنسة شمالي مرسى «بو» Port-Bou ونهايتها عند الأطلانتيكي نهر «بيداسوا» Bidassoua الذي يصب ماؤه في خليج غشقونية Gascogne وفي وسط هذا النهر جزيرة الحجال التي اصطلحت المملكتان أن تجعلها منطقة متحايدة بينهما.

للمزيد حول الموضوع يرجى مراجعة الرابط التالي؛

https://www.hindawi.org/books/36840926/29/

مادة في صفحة المثقف:

https://www.almothaqaf.com/aqlam-2/978675

يا إلهي! ما الذي سيجري؟ أشعر باقتراب القيامة إنه صباح رمادي اللون والنكهة كأن الطبيعة غاضبة حَدّ الجنون.. صفير رياح الهَيْف ينذر بالموت، والأرض عطشى متشققة تتلظى من شُحّ الأمطار وتتوسل السماء كي تُسعفها بقطرة ماء.. والشمس احتجبت خلف السُحب السوداء التي غَشَّتها.. برق ورعد بلا مطر.. بلا مطر!! تناهى إلى مسامعيي فجأة صدى أصوات غامضة لا أميزها كأنها محاورة قادمة من بين الغيوم...

- ما الذي يضنيك يا رفيق العمر؟ أرى صدرك العامر بالآهات والزفرات كأنك تحتضر.. هلمَّ إليّ غرّقني بغيثك، وفجر ينابيع قلبك ولنمطر معاً كي تهدأ النفوس وتغمرها السكينة.. فأنا أتألم معك ولأجلك..هلمَّ.. عطشي يشتاق إلى نضح السماء..

- لا.. لن أمطر يا غيمتي السمراء على الأرض الجاحدة ! كي لا تصطبغ مياهي العذبة بدماء البشر.. ألا تشاهدين ما يجري بينهم؟ يتقاتلون ويتذابحون باسم الله، وكأن الله أحل الدم والقتل!.. هل الشرائع السماوية تشرّع الظلم؟ ألا يفهمون بأنهم وحدة متصلة لو تأذى أحدهم لتألم الآخر؟؟ إنهم جزء لا يتجزأ كالبنيان المرصوص، مَثل الجسد الواحد يشد بعضه بعضا وفي توادهم وتراحمهـم وتعاطفهم، ومثل الزهور والندى والطبيعة المُتآزرة.. فالقتل لا يجر إلا القتل..

- آه يا حبيبي.. تقول الحق كل الحق إنما ما هو ذنب الأرض المتعطشة لعطائنا؟ وما هو ذنب الزهور، والنباتات، والطيور، والأعشاب؟ ستموت الطبيعة، إن لم تُغدق عليها من مُزْنك..

إن الله محبة، وقد منحنا الحب في الوجود وفي هذه السماء الفردوسية، وعلمنا الكثير من العطايا إنما البشر يغضّون الطرف عنها لأنهم لا يدركون ما يفعلون أو يدركون ويفعلونه عمدا.. لا بد من الصبر الجميل، والتسامح، واستمرار العطاء.. فهلمَّ لنمطر معاً محبة وعطاء على مدى الزمن..

- كيف لا يعرفون يا غيمتي السمراء؟ ألم يرسل الله أنبياءه ورسله لهم ليتعظوا؟ ألم يفهموا بأنه لا جدوى من الحياة إلا بالمحبة النابعة من القلوب الخالصة، وإن كل شيء على وجه الأرض زائل، وسيرحلون يوما حُفاة عُراة، ولا يبقى من آثارهم سوى ذكرى أعمالهم ومحاسنهم الطيبة ومحبتهم لا غير؟؟

- هناك منهم من يتعظ وقد مسحه النور، وهناك ما زال في الظلام يئن وليس لديه الاستعداد الكافي ليستمع إلى صوت الله لنشفق عليهم لعلهم يرجعون.. والله يُشرق بشمسه على الأخيار والأشرار، ونحن رموز لله في السماء وعلى هذه على الأرض.. دعنا نمطر ولا تيأس فبالأمل، والإيمان، والحب تُصنع المعجزات.....

- نعم يا عزيزتي يبدو أن الغضب تَملّكني وأنساني ذاتي.. كم أحبني الله بمحبتك التي لا تنضب ولا تزول.. أشكرك لتذكيري بذاتي.. كم أحبك ملء الحب.. فلنمطر معا ونُغنّي للحياة جميعا...

 ما هي إلا بضع ثواني حتى تعاظم لمعان البرق واشتدّ قصف الرعود، وبَدَت السماء لوحة ناطقة بالخير الآتي، وهطلت الأمطار بغزارة.. ففرحت الأرض، والفلاحون الطيبون، والطبيعية فرحا غامرا بهذا اللقاء الحميم.. وذهب الخوف من صدورهم وعيونهم على محاصيلهم..

فصارت الحياة جميلة وخصبة، والسماء صافية، والشمس تغازل النسيم، وارتفع صدى أصوات الناس عاليا، وهم يرددون: الله محبة.. الله محبة..

***

بقلم: سلـوى فــرح - كندا 

لاريب أن الكتابة الإبداعية، هي رحلة وجدانية داخلية، يلتقي الكاتب، من خلالها، بأعماق نفسه، ليستلهم من طيات دهاليز ذاته، وهج عواطفه الوجدانية الخلاقة.

فالعواطف هي الوقود الذي يغذي الإبداع، شجنا، او حبورا، لتاتي الكتابة، ساعتئذ، ترجمة وجدانية صادقة للعواطف، وتعببرا نقيا عنها بالكلمات.

وهكذا تكون لكل كاتب تجربته الشخصية، ومصدره الخاص به للإلهام، لتكون الكتابة تعبيرا عن خوالج الذات، وتاملاتها المفعمة بالتطلع الوجداني للكاتب.

 ولعل البعد العاطفي، والوهج الوجداني، هو ما يعزز في اعماق الكاتب، تأملاته الذاتية، التي تتفجر بالتفاعل، مع كائنات عوالمه، نتاجات ابداعية، بالإنغماس في صميم الحياة، والتفاعل مع الناس، وهو ما يغذي عند الكاتب، حس الإبداع، باستلهاماته، التي ستتفتق، عند ذاك، نصوصا إبداعية.  

وهكذا يكون البعد العاطفي، والوجداني، معين الإبداع الكتابي، من خلال الإستلهام، والتفاعل الوجداني، الذي يمكن الكاتب عنئذ، من انتاج أعمال إبداعية، تلامس بجمالها، شغاف القلوب.

***

نايف عبوش

إن الحديث عن الفنان الآشوري هانيبال ألخاص، المولود عام 1930 في مدينة كرمنشاه (على بُعد 525 كيلومتراً من طهران في غرب إيران)، يطول ويتشعب. فهو رسّام ونحات وشاعر ومترجم ولغوي، ومنتمٍ إلى عائلة آشورية معروفة.

 كان والده رابي أداي ألخاص كاتباً وشاعراً بارزاً عمل في سلك الجمارك الإيراني، وترجم الأوديسة وملحمة جلجامش من الأكّدية إلى الآشورية، وكان يتقن الفرنسية والروسية والعربية والإنكليزية والفارسية إلى جانب لغته الأم، وبدأ بتعلم العبرية قبل وفاته عام 1959. أما والدته فكانت امرأة اجتماعية مرحة، يغلب على وجهها الابتسام، وكانت تروي لابنها الصغير الحكايات الآشورية في ليالي الشتاء الباردة.

في هذه الأجواء نشأ هانيبال ألخاص، وتعلّم على أيدي فنانين ومثقفين آشوريين كبار. وفي عام 1951 سافر إلى الولايات المتحدة، فدرس الفلسفة ثلاث سنوات في جامعة لويولا بشيكاغو، ثم التحق بمعهد الفنون في المدينة، حيث أمضى ستة أعوام وحصل عام 1958 على شهادتي البكالوريوس والماجستير في الفنون الجميلة.

بعد وفاة والده عام 1959 عاد إلى إيران، وبدأ بتدريس الرسم وتاريخ الفن في مدرسة طهران للفنون الجميلة لمدة أربع سنوات. وخلال ذلك أسّس معرض جلجامش، أول معرض فني حديث في إيران، وخصّصه للفنانين الشباب تشجيعاً لهم ودعمًا لنتاجاتهم.

عاد إلى الولايات المتحدة عام 1963 ليدرّس في كلية مونتيسيللو في إلينوي، ثم أصبح رئيساً لقسم الفنون فيها. وفي عام 1969 عاد مجدداً إلى إيران ليقضي أحد عشر عاماً في التدريس بجامعة طهران، كما عمل أستاذاً في جامعة آزاد الإسلامية.2266 hapyal

التقيتُ هانيبال لأول مرة في طهران أواخر عام 1985، في منزله الواقع وسط العاصمة. كان البيت يعجّ بالأصدقاء والضيوف والفنانين والكتّاب وأصحاب دور النشر، وتغطي جدرانه لوحات وتخطيطات بأحجام مختلفة، إضافة إلى منحوتات موزعة بلا انتظام، وصحف ومجلات قديمة مرمية هنا وهناك. وقد خصص صالة كبيرة كمرسم ومستودع لمواد الرسم والنحت.

كان جليساً لطيفاً، بسيطاً بعيداً عن التكلف. ومنذ تلك الأيام نشأت بيننا صداقة متينة، صرتُ أزوره باستمرار، وأحضر أمسياته الشعرية وسرده للحكايات أو قراءته تراجم قصائد شعراء عالميين. ومع الوقت أصبح صديقاً قريباً، حتى إنه كان يقوم بالترجمة بيني وبين مثقفين إيرانيين لا يتحدثون العربية، إذ كنت حينها لا أتقن الفارسية. وقد لبّى دعوتي لحفل خطوبتي في 23 آب (أغسطس) 1986، وجاء بصحبة عدد من المثقفين الإيرانيين.

سألته ذات مرة عن كثرة زائريه والزحام الدائم في منزله، وهل يجد وقتاً للراحة. فضحك وقال:

"هذا السؤال يطرحه عليّ كثيرون. لديّ أصدقاء وطلاب من مختلف أنحاء إيران، يزورونني بين حين وآخر، خاصة في مواسم المعارض الفنية". ثم روى حادثة طريفة:

"طرَق البابَ مرةً شابٌ قدم من عبادان، وكانت الساعة الثالثة فجراً. قال إن صديقاً له أوصاه بأن ينام ليلته عندي لأن باب بيتي مفتوح للجميع، ولم أكن أعرف ذلك الصديق أصلًا! رغم ذلك أعددت له سريراً وقضى ليلته عندي ورحل صباحاً".

كان هانيبال شديد التواضع، مرحاً، لا تفارق الابتسامة وجهه، محباً لأصدقائه الكثيرين، كريماً في مساعدته للآخرين مادياً ومعنوياً.

تميّزت أعماله الجدارية الشهيرة في شوارع طهران بطابع قريب من النحت النافر، وقد برز فيها حضور الزقورات كما عرفتها حضارة وادي الرافدين، مثل زقورة أور في الناصرية. كما تناول في لوحات أخرى موضوع الانتظار، مُظهراً جموعاً غفيرة تترقب غداً مشرقاً.

أقام هانيبال وشارك في معارض كثيرة في إيران والولايات المتحدة وأستراليا. واستضافته في منتصف التسعينيات جمعية عشتار الثقافية في تورنتو، التي كنتُ أترأسها آنذاك، حيث أقمنا له معرضاً كبيراً وندوة حاشدة في مقر المجتمع الآشوري بميسيساغا، كان لي شرف إدارتها.

ركز في معظم أعماله على وجوه الناس وتعابيرها، محاولًا أن تعكس الحالة النفسية التي يشعر بها في لحظة الرسم. كما مزج بين الكلاسيكية والتيارات الحديثة، واستخدم الكوبيزم (التكعيبية) لإضفاء بعد ثالث على لوحاته، مع حرصه على أن تظل أعماله بسيطة مفهومة للمتلقي.

سعى هانيبال إلى التأثير في الناس، وخاصة الشباب، من خلال ثلاثة مسارات:

1- الأسلوب المكسيكي في الرسم الجداري.

2- الليتوغراف، أي الرسم على خامات رخيصة في متناول الجميع.

3- التدريس وإعداد الأجيال الجديدة لفهم الفن وفلسفته ومدارسه.

واهتم كذلك بعالم الأطفال، فكتب لهم أشعاراً بالآشورية، وترجم لهم قصائد وحكايات، منها الصياد والسمكة الذهبية لبوشكين ونسخة فارسية من جلجامش. كما ترجم إلى الفارسية قصائد لكارل ساندبرغ وكتاباً عن الفنان المكسيكي ماريو سيكييروس، وإلى الروسية أعمالًا لبوشكين وتولستوي، وإلى الآشورية ثلاثين مقطوعة من غزليات حافظ الشيرازي، وأربع حكايات من الأدب الكردي. وله خمسة كتب في علم الفن تُدرَّس في الجامعات، إضافة إلى أكثر من عشرة أفلام كاريكاتورية قصيرة.

ومن أبرز أعماله لوحة كبيرة عن تاريخ الآشوريين بقياس 3×5 أمتار مؤلفة من خمس عشرة قطعة.

في عام 2008 زرته مع زوجتي في منزله المتواضع بمدينة تورلوك بولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية. كان يعاني من السرطان وقد أنهكه المرض، لكن ضحكاته ومزاحه وروحه المرحة بقيت كما عرفناها، تملأ الجلسة بالحياة.

في 14 أيلول (سبتمبر) 2010 رحل الفنان والشاعر الكبير هانيبال ألخاص عن عمر ناهز الثمانين، تاركاً إرثاً فنياً كبيراً واسماً لامعاً في فضاءات الفن والثقافة والأدب الآشوري والفارسي.

***

جورج منصور

في فضاءٍ يلفّه غسقٌ أرجوانيٌ مهيب، تنبعث خيوطٌ من ضوء ذهبي دافئ من "القلب المركز" الذي يتوسط هذا الوطن، بينما يتردد في المدى صوت دقات منتظمة وهادئة تشبه قرع طبول بعيدة، تتداخل بنعومة مع حفيف أوراق الشجر. هناك..

على حدود "الوجد"، يقف السليل بوقارٍ صامت، مرتدياً درعاً صاغه من صدف وصبراً، ممسكاً بسلاحٍ فريد.. ليس سيفاً يقطع، بل هو "عهدٌ" يربط ويصون.. خلف ظهره يمتد وطنٌ شاسع المسافات، غاباته هي الذكريات المشتركة، وأنهاره هي تلك الكلمات العميقة التي لم تُقَل بعد.

لا يلتفت السليل إلى الخلف أبداً، ليس رغبةً في التجاهل، بل لإيمانه بأن حماية الداخل تبدأ دائماً من مراقبة "الآتي"، فهو يعلم يقيناً أن كل نسمة ريح باردة قد تصيب هذا الوطن بالارتجاف، فيشرع قلبه قبل كفيه لصد الريح والذود عن السكينة.

السليل:

لستُ مَلِكاً يبحث عن مجدٍ يُكتب في كتب التاريخ، بل أنا الجندي الذي يُمحى اسمه ليبقى وطنه..

إذا سكنت هي بسلام، فهذا هو تاجي..

وإذا غفت دون خوف، فهذا هو عرشي..

أنا هنا، ليس لأنني أملكها، بل لأنها تملكني.. حارساً، وفياً، وأخيراً". ..

بخطواته الواثقة يتحرك، يمسح الغبار عن بوابات الحلم، ويشعل قناديل الأمل في الأزقة الضيقة لقلبها، قبل أن يعود لمكانه المرابط عند "الثغر"، واقفاً بصلابة، عينه ترقب الأفق، وروحه مغروسة في تراب هذا الوطن إلى الأبد.

***

د. نسرين ابراهيم الشمري

النص الإبداعي، كما هو معروف، تجربة ادبية، تعبر عن رؤية وجدانية متوهجة، تثير بجمال صورها التعبيرية، تفاعلًا عاطفيا مع المتلقي. وتجدر الإشارة إلى ان أشكال النصوص الإبداعية تتنوع في صياغتها، بين الشعر، الرواية، والفن، والمسرح، وتجمع بين اللغة، والصورة، والمعنى، والتوظيف المقتدر للمفردة. ولعل ما يجعل نصًا ما جميلا، أو إبداعيا، هو ما يتجسد من جمال الحبك، وبلاغة التعبير في النص الإبداعي المنثال، كتجربة حسية، وجدانية، تستهدف إثارة مشاعر، وخيال المتلقي.

ويظل للتوظيف البليغ للمفردة، باستخدام لغة التعبير، بطريقة موسيقية مؤثرة، دورا مهما في تعزيز جمالية النص، وتوهجه، حيث اللغة، هي الموسيقى التي تحرك مشاعر الحس المرهف عند المتلقي.

وتجدر الإشارة الى ان عناصر جمالية النص الإبداعي، تتجسد في تلك الصور البيانية من خلال الاستعارة،

والتشبيه، والكناية، التي يحتويها النص، لتضيف عمقًا إبداعيا لمفردات لغة النص، رمزا، أو إيحاء، من خلال ما يمكن أن تفتحه الرموز من منافذ للتأويل، والتفكير، عند المتلقي.

ولا شك ان طريقة ترتيب الأفكار، واسلوب بناء المشاهد، ومن ثم سردها، لها دورها الفاعل، في بناء النص. فالقصيدة، والسرد النثري، معمار لغوي، لكل جزء فيهما، وظيفته الابداعية في النظم، او السرد.

وهكذا يفتح النص الإبداعي المجال، لتفاعل المتلقي، لقراءات، وتأويلات متعددة، ما دام المعنى الذي يتوخاه النص، في قلب الشاعر، كما يقال.

ويلعب التأثير العاطفي للنص في وجدان المتلقي دورا مهما في استقباله، والتفاعل الايجابي معه، فالنص الجميل، يلامس المشاعر بوهج، ويخلق تجربة مضافة عند المتلقي، لاسيما وان استكشاف حس الجمال في النصوص، يتطلب قراءة واعية، ومتمعنة للنصوص الإبداعية، وصولا الى ما يجذب المتلقي فيها.

وهكذا تكمن جمالية النص الإبداعي في قدرته على خلق تجربة فريدة لدى المتلقي، وذلك من خلال تمكنه من تجسيدها أفكارا، ومشاعر متوهجة، بطريقة مبتكرة.

***

نايف عبوش

القراءة روح الكتابة وهويتها؛ وسماؤها التي تحلق فيها!

ولا يحق لمن لايقرأ أو لايحسن القراءة أو لايحسن فهم ما يقرأ أن يمارس الكتابة ونشرها! حيث فاقد الشيء لايعطيه؛ ومن لا يتعلّم لايُعلّم!

كثيرون لا يقرأون أو لايحسنون القراءة، يكتبون ويمارسون الكتابة والنشر. ويعرضون أنفسهم كتابا وكتاباً كباراً! وهذا خلل واضح في الطالب والمطلوب؛ فالكتابة ليست استعراضاً، بل هي مسؤولية كبيرة وخطيرة، بمقدار ما تكون الكتابة كبيرة وخطيرة. نعم، الكتابة ليست استعراضا لأفكار عامة مكررة، بل هي علم وتعليم وإقناع وتأثير! وكل ذلك داخل دائرة أو معيار الحق والخير والجمال ومصاديقها ومظاهرها الحقيقية! حيث أن الكتابة مثل غيرها من الموجودات عنصر محايد ووسيلة محايدة، يستعملها البشر من أجل الحق والخير والجمال أو من أجل الباطل والشر والقبح! وهذه مبدأ أساسي للعلم والعمل يخلط فيه الخالطون خلطا كبيرا وخطيرا!

الكتابة تبدأ وتنتهي، أو ينبغي أن تبدأ وتنتهي بالحق والخير والجمال! وماذا بعد الحق والخير والجمال إلا الباطل والشر والقبح؟!

الكتابةُ قراءةٌ؛ الكتابة الجيدة قراءة جيدة، والكتابة السيئة قراءة سيئة.

القراءة فهم والكتابة بيان وممارسة ومعاناة لهذا الفهم.

النص لايكتب من فراغ؛ بل من "مكتبة افتراضية" في العقل والشعور والضمير!

وفرق كبير بين من يكتب بدمه كمايقال، وبين من يكتب بحبر وماء، حيث الدم تعتبير عن التعب والجهد والمعاناة والصدق في ذلك.

القراءة الجيدة تنقل القارئ من الرأي المرتبك الضال إلى الحقيقة الثابتة المهتدية. حيث لارأي نافعا، عند التحقيق، من غير حقيقة ثابتة أو حقائق ثابتة أو قواعد وأصول ثابتة، تعمل كمستندات ومعايير ثابتة. بخلاف ما يروجه السفسطائيون والآرائيون "السيالون" مع "السيولات" الواهمة الموهمة، حيث كل شيء عندهم سائل ومتغير، ويعرف العاقل المحقق أنه لا تغير من غير ثبات كما أنه "لا ثبات من غير تغير" كقاعدة وجودية عامة وشاملة.

القراءة المؤدبة تؤدب الكتابة، والكتابة التي لم تؤدبها قراءة مؤدبة تخرج كتابة ضالة منحرفة شاذة مهما كانت مقبوليتها الواقعية كبيرة! والأدب والتأديب يكون بمعيار الحق والخير والجمال؛ حيث أن هذا المعيار حاضر بالضرروة في كل حكم بشري أو سلوك أو موقف، ويستحيل الإنفكاك عنه! رغم الأخطاء الكبيرة والخطيرة، والخلط الكبير في تطبيقه على الأفكار والآراء والسلوكات والمواقف والحالات.

ومن فسدت قراءتُه فسدت كتابتُه!

***

جميل شيخو

الإثنين  29 / 12 / 2025

 

صدِّق أو لا تصدِّق! برغم حبّي العميق للكتابة والقراءة، إلّا أنّ الأولى تعثّرت في الفترة الأخيرة تعثّرًا لا يشبهني. كنت أكتب قبل أن أتعلّم كيف أعرّف نفسي، وأقرأ قبل أن أعرف ما الذي أبحث عنه. لكن فجأة، شعرت بشيء يُبطئ يدي، يربك الجملة، ويجعل الصفحة البيضاء أكثر اتساعًا من احتمالي. ظللت أفتّش عن السبب، أدوّر الدوائر حول ذاتي، حتى وصلت إلى اكتشاف بسيط وعميق في آن... العمر.

 نعم… العمر. ليس بمعناه الزمني فحسب، بل بمعناه الوجودي؛ حين تتقدّم بنا السنون، تَضيق الذائقة عن أشياء كانت تَسعنا، وتتّسع لأشياء لم نكن نراها. هي ليست خسارة، بل تبدّل في زاوية النظر. الإنسان الذي كنتُه بالأمس ليس هو الذي يكتب اليوم، وليس هو الذي سيقرأ غدًا. لذلك تتباطأ الكتابة، لأنّ الكاتب تغييرٌ مستمر، بينما الكتابة تطلب ثباتًا لحظة واحدة على الأقلّ.

 كنت أملّ من فكرة أنّ الإنسان ثابت في هذه الحياة. حبّه واحد، حزنه واحد، صدقه واحد، وخيانته واحدة. تتغيّر الظروف ولا يتغيّر جوهره. الحب، الصدق والكذب، الأمانة والخيانة، الكره والحنين، كلها مثل صخور قديمة ترقد في أعماقنا. ورغم تكرارها، فإنّ الحياة تصرّ على أن تقدّمها لنا كلّ مرة في قالب مختلف، كأنها تختبر قدرتنا على التلقي من جديد. وهنا تحديدًا بدأت أسأل نفسي، لماذا تضيق مساحة دهشتي؟ لماذا لم تعد الكلمات تهرب نحوي كما كانت؟

الجواب جاء من جهة لم أكن أراقبها: اتّساع الأفق. لم تعد الكتابة وحدها تكفيني، ولم يعد الأدب وحده يروي عطشي. أصبحتُ أتساءل عن النفس، عن الروح، عن وجودي هنا هل نحن قدر أم اختبار؟ هل نمشي في هذا الفلم الكوني كأننا نعرف نهايته أو كأننا سقطنا بالصدفة في أحد مشاهده؟ كلما تعمّقت في السؤال، انفتحت أمامي احتمالات جديدة، لا تُشبه تلك التي في الكتب، ولا تلك التي في الطفولة. وكأنّ الكون يهمس الأفق الواسع ليس للنجوم فقط، بل لداخل الإنسان أيضًا.

 ومع ذلك، لا أنكر أنّ جزءًا كبيرًا من الحنين يجرّني دائمًا إلى الخلف إلى أيام كنّا فيها أصغر من أن نفهم هذا الثقل. إلى السطوح في الليالي الهادئة، حين كنّا ننام تحت سماء صافية، نعدّ النجوم كأنها ملكنا، ونحلم بالوصول إلى أبعد نجم، أو أبعد مجرّة. هناك، في تلك الليالي، انكتب أول فصل من حياتي مع الدهشة. كنّا نعتقد أنّ الزمن خط مستقيم يقودنا للأمام، ولم نكن نعرف أنه دائرة تعود بنا دائمًا إلى البدايات، إلى تلك اللحظات التي ظننّا أننا تجاوزناها.

واليوم، وأنا أكتب بعد انقطاع، أدرك أنّ الكتابة تشبه العمر تتعثّر لكنها لا تتوقف. تتباطأ لكنها لا تموت. قد نبتعد عنها، لكنها تظلّ واقفة على العتبة، تنتظر عودتنا مهما طال الغياب. الكتابة ليست حرفًا يُصاغ، بل حالة وجود تتشكل في كلّ مرّة نجرؤ فيها على سؤال أنفسنا: من نحن؟ ولماذا نحن هنا؟ وما الذي نبحث عنه في هذا الاتساع الكوني الذي يُشبه صمتًا طويلًا؟

ربما كلّ ما نحتاجه هو أن نتقبّل أنّ أزمات الكتابة ليست نقصًا في الإبداع، بل علامة على أن الروح تتحرّك. على أنّ شيئًا في الداخل ينمو، يكتشف، يعيد ترتيب خريطته. وربما كان هذا التوقّف القصير هو ما يعيدني إليها الآن، أكثر نضجًا، وأقلّ استعجالًا، وأقرب إلى حقيقتي.

فالكتابة، مهما ابتعدت، تبقى الطريق الذي يعيد الإنسان إلى نفسه. والقراءة، مهما ازدحمت، تبقى الجسر الذي يربط بين عالمنا الداخلي ومساحات الكون الواسعة. وبينهما، يمشي الكاتب فوق خيط رفيع، يحاول أن يوازن بين طفولته التي كانت تنظر للسماء، ورجولته التي تفتّش عن معنى الوجود.

ما زلتُ ذلك الطفل الذي يحلم بالوصول إلى أبعد نجمة. لكنّ الفرق الوحيد أنني أدرك اليوم أنّ أقرب مجرّة ليست فوق رأسي… بل داخلي.

***

فؤاد الجشي

 

في هَدأة الصمت وسكون الروح، تشدو حروفي في أعماقي، في لحظات مفعمة بالسكينة والصدق، أعانق أثناءها روحي في لقاء أثيري للارتقاء والمكاشفة بامتياز، أنصت فيه بتمعن لخطاباتها النابضة بالحقائق والتجليات، وحواراتها الفلسفية العميقة، أتأمل همسها الشفيف عن كثب، كطفل بدأ لِتوّه بتعلم الكلام، يقف مشدوها أمام الكلمات وتردداتها الصوتية، لا همّ له سوى التقاطها لترديدها وفهم دلالاتها، لحظات ثمينة يتحين قلمي فرصة الظفر بها في عجالة، مخافة إفلاتها، ليحرز فوزا مظفّرا، كيف لا، ولم يكن يوما قلما اعتياديا، إذ لا يريق حبره ليثقل السطور، بغية افتكاك أوسمة البراعة الأدبية، أو حبًّا بالظهور، بل يفيض إحساسًا وصدقًا، لينثر نبضًا من حكمة ونور.

قلمٌ يكتب ليضيء لا ليستجدي الأضواء، قلم لا ينطفىء نوره البتّة، مهما اختلج نبضه، وارتجف حبره .

الكتابة بالنسبة لي تخرج عن إطارها المألوف، لذا فلأعترف لم يتوقف قلمي يوما عن النبض مُذ صرتُ كاتبة! بل وقبل ذلك بأمد طويل جدا، لم أكن أدرك حينها أني أحوز مَلَكة الكتابة بالفطرة، فدونما وعي مني، كنت أنتهج نهج أديبة مفكرة منذ صغري، فلم تكن تمر علي الأحداث ولا الأشخاص مرور الكرام، لطالما امتلكت نظرة ثاقبة، عقلا تحليليا وحدسًا رهيبًا، نادرًا جدّا ما يخطىء في الحكم على حقيقة ودواخل الآخرين وتقدير مآلات الأمور، وسط كل تلك الأحداث، كانت تنتابتي رغبة جامحة للتعبير عنها بطريقة ما، حتى ولو كانت لا تعنيني بالمرة، لكن بعد أن صرت كاتبة، ولحسن الحظ، غالبا ما كنت أكبت جماحها، لأسباب عدة تختلف باختلاف حيثيات المواقف، لأشعر بوخز الضمير بعدها، كوني أعتبر الكتابة في تلك المواطن واجبا أخلاقيا يتحتم على قلمي، وليس مجرد رد فعل عاطفي عارض وعابر، أو لفتة أدبية، ولمسة فنية جمالية محضة، غير ملزمة حيال تلك الأمور.

من الطرائف، أحيانا أجدُني أقول لنفسي: ماذا لو ظللتِ ممسكة بقلمك ودفترك طوال الوقت، مؤكد ستعيدين صياغة كل ما يحدث أمامك وحولك في حلة أدبية بليغة.

 يا للهول! ...

ربما كنتِ أبدعت بتأليف عشرات القصص بل روايات، وصغتِ العديد من الحكم والعبر في قالب أدبي ساحر ومبتكر، أو ربما دثرته بثوب من الكوميديا الساخرة، فلطالما امتلكتِ روح دعابة عالية، إذ تبرعين بثوانٍ معدودة في رسم ابتسامة عريضة على وجه شخص حزين، فتجعلينه يضحك وهو يمسح دموعه، ناسيا ربما لبرهة سبب مأساته وبكائه، فأنت تربكين المشاعر وتتحكمين بتوجيه دفتها بطريقة مذهلة، بالإضافة لحسك الفكاهي المميز، الذي يمكنك من تحويل أسوإ المواقف إلى طرفة، أو مهزلة كوميدية مثيرة للضحك والتهكم.

أعتقد أن هذه الملَكات أدوات قَيّمة وإضافية، تضفي على قلمي نكهة مميزة، إن استغلها بحرفية مستقبلا .

 الكتابة بالنسبة لي تجربة وجدانية ماتعة، وسلسة للغاية، يراقص فيها قلمي حروفي بانسيابية وخفة لا متناهية، ومتعة لدي يتوقف أثناءها الزمن، أنفصل فيها عن الواقع بحواسي، لألج عالما هادئا يتناغم فيه فكري مع إحساسي، لحظات سكينة يسترخي فيها عقلي وتتهادى عندها أنفاسي، فألقاني قد أطلقت العنان لقلمي دونما تصنّع أو تكلّف.

لقد أدركت بحكم تجربتي الفتيّة والمتواضعة في عالم الكتابة، أن حروفي لا ترى النور إلا في لحظات انعتاقي من الطقوس الاعتيادية للكاتب النمطي، لحظات أنزوي فيها مع روحي، أحاور صمتي، تارة سائلتُهُ أنا فيجيب، وأخرى يسألني هو، فأمتنع حينًا وأحيانًا أجيب، ومابين إجابة وسؤال نتبادل أنا وصمتي الأدوار، فيكتمل المقال.

مراحل الكتابة بالنسبة لي لا تبدأ بالتقام القلم، بل تنتهي هنالك، كخطوة أخيرة لاكتمالها، تبتدىء الكتابة عندي بالنهايات لا من البدايات! تماما كبعض قصائدي التي استهللت نظمها بآخر بيت فيها، كثيرا ما أجدُني أتطلع للإحاطة بالنهايات، لا أدرك سر ذلك، ولا أعلم أَفضولٌ ذاك أم هي رؤيتي الاستباقية للأمور، غالبا ما يحدث أن أبدأ قراءة كتاب بخاتمته، وأطالع جريدة بدءًا بآخر صفحة، كل ذلك ربما لكوني شخصية تهوى الوضوح، تنفر من التعقيد والإبهام، تمقت المنطقة الرمادية، ولا تستلطف بتاتًا الأشياء الباهتة والمنقوصة، لذا درجتُ في غالب الأمور على التركيز والبحث عن الكلّيات أوّلا، ثم التعمق في الجزئيات والاسترسال في التفاصيل، لعل مَردَّ ذلك يعود لشخصيتي الحدسية، المنتمية لنمط ذوي الأهداعف والرؤى وأصحاب النظرة الشمولية.

لقد بدأت فعليًّا أعي هويتي الأدبية ككاتبة، والتي بدأت تظهر ملامحها جليّة لي منذ قُرابة عام،

 فاكتشفت أن أجمل وأقوى ما كتبت وسأكتب، يكون حصرًا حينما أعتزل الكتابة!

 لا أشعر حقا أني كاتبة، إلا لدى هجري لدفتري وإعلان القطيعة مع قلمي، فنبضي وليد صمتي، ونتاج خلواتي الفكرية والتأملية، هنالك فقط يستمد النور ليسطع مجددا.

أنا كاتبة...

 تكتب فقط حينما تتوقف عن الكتابة!

***

زينة لعجيمي / الجزائر

 

في عالمٍ تحكمه مبادئ الليبرالية، حيث التنافس في السوق الاقتصادية الحرة بلغ أشدّه، يسعى الجميع إلى الربح وزيادة الإنتاج والمردودية. فتحوّلت الوجهة المركزية للعالم إلى من يملك أكثر، ويفكّر بأنماطٍ لا تزيد إلا من اتساع رقعة المجاعة الاقتصادية.

في مقابل ذلك، تغيب الإنسانية وتضمحلّ قيمها النبيلة. وأكبر مثال على ذلك ما يحدث في غزة من تجويع ممنهج، هدفه القضاء على الشعب الفلسطيني ومحو هويته القومية.

لماذا، أيها العالم، ألا تشعر بالخزي؟ ألا تشعر أن هناك بقعة من أرضك قد تلونت بالدماء بدلًا من زُرقة الأنهار واخضرار الأعشاب؟

ألا تشعر بالذنب، وأنت ترى آلاف الأطفال يُدفنون كل يوم دون غذاء؟ لقد أصبحت أمعاؤهم كأغصان الأشجار، متشابكةً من شدة الجوع والحرمان.

ماذا يحدث لك، أيها العالم؟ ألا تحرّك ساكنًا؟ ألا تفيض بحارك غضبًا؟ ألا تهبّ رياحك زوبعةً مدمّرة، حزنًا على ضحايا الجوع والحرب؟

ألن تستيقظ بعد، أيها العالم الواسع؟ ألن تهتزّ الطبيعة رافضةً بشاعة ما يحدث؟ أم أنك لا تستشعر آهات هذه البقعة البريئة التي دمّرها الاحتلال، وشوّه كل معلمٍ جميل فيها؟

نحن اليوم نكتب هذه الكلمات ونبكي حسرةً وألمًا على أطفالٍ جاؤوا إلى هذا العالم، فلم يجدوا فيه أبسط حقوقهم المعيشية. لم تعد للحياة ولا للطعام أي نكهة، والغزّيون يحترقون بقذائف الجوع. أليس هناك أعظم وأقسى من حربٍ نفسية كهذه؟ أن تموت ببطء، دون طعام، في أرضك، أرض الزيتون والليمون، أرض الخبز وزيت الزيتون، أرض الخير التي حُرمت من خيرها!

وأمام هذا المشهد، تُصوَّر هذه الصرخات الموجعة، ويستكمل الناس حياتهم وكأنهم يشاهدون فيلمًا مأساويًا. لا يستطيعون المساعدة، يكتفون بحجز التذاكر للمشاهدة، والبكاء إن لامس الألم قلوبهم، لا أكثر.

لكن الواقع أبعد ما يكون عن التمثيل، لأنه حقيقي، نابض، مؤلم، ينبض من صميم اللحظة.

هل جرّبت يومًا أن تشاهد فيلمًا من بدايته حتى نهايته، حيث تكون النهاية ذات طابعٍ مأساوي؟

تشعر حينها بنقمةٍ في داخلك، رغم أن ما شاهدته مجرّد تمثيل، فتجد نفسك تقول: لماذا اختار المخرج هذا السيناريو؟ لماذا لم ينتصر صاحب الحق؟

يخاطبك صوت براءة الطفولة في داخلك، بصوته الساذج : "أليس من المفترض أن يكون البطل، صاحب الحق، هو من يفوز في النهاية ويتغلّب على الشر؟"

لكن، لا يا صديقي... لا تُحمّل المخرج وحده النقمة، ولا تلُم الخيال، فالحياة نفسها في غزة باتت تسير وفق سيناريو أكثر قسوة.

في هذا العالم، هناك طبقة من البشر لا يأخذون من الإنسان سوى مظهره البيولوجي. أما في صميم قلوبهم - إن وُجدت لهم قلوب - فهي كالحجارة، أو أشد قسوة.

همهم الوحيد هو زيادة الأرباح، وتكديس الثروات، ورفع المردودية. يظهرون أمام الكاميرات والصحف بخطابات إنسانية تُستدرّ بها الدموع، ثم يُلقون بها في مجاري القمامة فور انتهاء التصوير.

وحين توزّع جوائز الإنسانية، تُمنح لهم، أولئك المتسبّبين في الهلاك، لا للضحايا.

وفي نهاية هذا الفيلم المأساوي، يموت البطل، ذاك الذي قاوم بشرف، وقارع القوى الطاغية وحده، دون خريطة، دون دليل، ودون نهاية تُنصفه .

لماذا أيها المخرج، ألا يعجبك البطل صاحب الحق، فتختار بدلاً منه الرجل الشرير، صاحب البدلة السوداء والقبعة المظلمة، ذاك الذي دعس بقدميه لعبة الرضيع الصغيرة فحوّلها إلى أشلاءٍ مبعثرة؟

أليس هو نفسه من أحرق بيوتهم وأشعل النار فيها وهم نيام، في غفلةٍ من الليل؟

أليس هو من سكب الدواء في الأرض حتى تشتدّ أوجاعهم؟

أليس هو من سرق القمح والخبز والماء والملح لتجويعهم، فتسبّب في ارتقائهم شهداء، وجعل عروقهم تيبس من شدّة الجوع، وهزلت عظامهم حتى صارت تُشبه دمى الخشب؟

لماذا، أيها المخرج؟

هل الذنب ذنبك لاختيارك نهايةً غير عادلة، أم هو ذنب العالم الذي لا يبوح بصوته، ولا يستشعر آهات الجوع والألم؟

أليس هذا العالم هو نفسه الذي تزيد خيراته الطبيعية يومًا بعد يوم؟ تُحقّق فيه الأرباح، وتُبنى المصانع، وتُنتج أجود أنواع الطعام واللباس وكل ما يحتاجه الإنسان، ثم يظل صامتًا في النهاية؟

من يتحمّل الذنب؟

هل هو الصمت العربي الذي لا يُبالي، بحجم الكارثة التي تقع في الشرق الأوسط؟

ما هذا التاريخ، أيها العرب؟

ألا يُحرجكم في مدوّنتكم التاريخية العريقة أن تتعرّض أرض فلسطين لهذا الحرمان المشروع من الغذاء، وأنتم من كنتم أهل الجود والكرم، والقدوة في القتال والحرب؟

ما كُتب عنكم في دفاتر الشعر تشهد عليه الوقائع والأحداث،

أليس محرجًا أن يواصل العدوان سياساته المستفزة على أرض الأجداد، ومنبع الديانات، بينما هناك منكم من يعرض أشهى الأطباق على صفحات "الإنستغرام" و"فيديوهات التيك توك"؟

أليس محرجًا أن يُكتب بخطوطٍ حمراء عريضة في مدوّنتكم التاريخية دماءٌ سالت من الأرض الشقيقة التي بجانبكم؟

أم أن الذنب يقع على المنظمات التي تُعنى بحقوق الإنسان منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، والتي وضعت حدودًا للقهر هي في الأصل منتهية الصلاحية، عاجزة، غير قادرة على وضع حدٍّ لأي شيء؟

أم أن الذنب يقع على عاتقنا نحن، الذين نكتب بكل أسى وحسرة وعاجزون في الآن نفسه ؟

إلى من ستُلقى شباك الذنب؟

هل على المخرج الذي اختار الفيلم؟

أم على الرجل صاحب القبعة المظلمة؟

أم على الموقف العربي؟

أم على ضمائرنا الصامتة؟

أم على المنظمات؟

أم على هذا العالم الذي نعيش فوق سطحه ويتجاهل؟

في النهاية وبعد كل هذه الأصوات الداخلية المتراكمة، تخرج من قاعة السينما تشعر بألم دفين، لأن الفيلم الحقيقي يُعرض في أرض غزة، حيث يرقد ملايين الشهداء تحت سجن الاستبداد .

***

خلود بن عبد الله - تونس

كثيرٌ مما نُسمّيه اليوم “الشعر العربي الخالد” لا يصمد، إذا نُزع من قدسيته التراثية، أمام السؤال البسيط: ما الشعر؟ أهو اللغة فقط؟ أم الوزن؟ أم القدرة على الشتم المقفّى؟ أم هو — قبل كل شيء — المعنى، والصورة، والروح التي تعبر الزمن واللغة؟

البيت القائل (للأخطل):

قَومٌ إذا استنبح الأضيافُ كلبَهمُ

قالوا لأمِّهِمُ: بُولي على النارِ

*

فتُمسكُ البولَ بُخلاً أن تجودَ بهِ

وما تبولُ لهُم إلا بمِقدارِ!

يُقدَّم في كتب الأدب مثالًا على “الجرأة” و“قوة الهجاء”، لكنه عند التفكيك ليس أكثر من مشهد فجّ، يعتمد على الصدمة اللفظية لا على الصورة الشعرية، وعلى الإهانة الغريزية لا على الدلالة الإنسانية. ولو تُرجم هذا البيت إلى أية لغة أخرى لانكشف عُريُهُ كاملًا: لا صورة جمالية، لا توتر شعوري، لا رمزية، بل سبابٌ مباشر يتكئ على ألفاظ جسدية سوقية. هذا ليس شعرًا بالمعنى العميق، بل بلاغة قبَلية غليظة تؤدي وظيفة اجتماعية آنية: كسر الخصم وإضحاك السامعين.

وهنا تبدأ المشكلة الكبرى في تقديس الشعر القديم بوصفه كتلة فنية متعالية. فالحقيقة أن جانبًا واسعًا منه كان نتاج بيئة شفوية بدائية، تحكمها العصبية، ويُكافأ فيها الشاعر لا بقدر ما يخلق من معنى، بل بقدر ما يُوجِع. فالهجاء لم يكن فنًا، بل سلاحًا، ولم يكن الشاعر في كثير من الأحيان فنانًا، بل "مقاتلًا لغويًا". ولذلك امتلأت دواوين كثيرة بأبيات لو جُرِّدت من الوزن والقافية لانحدرت فورًا إلى مستوى السباب السوقي. الشعر هنا لا يُنقّي اللغة، بل يستعملها أداة إيذاء، ولا يفتح أفقًا إنسانيًا، بل يكرّس أدنى غرائز الجماعة.

إن القول إن الشعر العربي القديم كله في مستوى رفيع هو وهمٌ صنعه التقديس اللاحق، لا النقد. نعم، وُجد شعر عظيم في الجاهلية، وُجدت أبيات تمسّ الوجود، والفقد، والبطولة بمعناها الإنساني، وبلغت بعض المعلقات درجة عالية من التشكيل اللغوي والصورة. لكن إلى جانب هذا القليل النفيس، هناك كثيرٌ غثّ، كثيرٌ لو لم يُنسَب إلى “الجاهلية” لما احتفى به أحد. إن الوزن لا يصنع شعرًا، كما أن الفصاحة وحدها لا تخلق روحًا. الشعر الحقيقي لا يُقاس بسلامة الإعراب، بل بقدرته على أن يُقال اليوم كما قيل أمس، وأن يُترجم دون أن يموت.

وحين نُمعن النظر في هذا اللون من الهجاء الفجّ، ندرك أنه مرتبط بزمنه ارتباط الوظيفة لا الجمال. هو شعر يصلح للسوق، للمفاخرة، للخصومة، لكنه لا يصلح للبقاء. ولذا فإن الدفاع عنه بوصفه قمة فنية هو خلطٌ بين التاريخ الأدبي والقيمة الجمالية. ما كان مؤثرًا اجتماعيًا في زمنه ليس بالضرورة عظيمًا فنيًا في كل زمن. ومن الخطأ أن نرفع كل ما وصلنا من الماضي إلى مقام المثال الأعلى، فالنقد لا يهدم التراث، بل ينقذه من التحنيط.

إن الشعر العربي القديم، في محصلته، ليس فنًا متجانسًا، بل ميدانًا غير مصفّى. فيه العالي وفيه السافل، فيه الحكمة وفيه السفاسف اللفظية، فيه ما يضيء العقل وفيه ما لا يتجاوز وظيفة الشتيمة. والمشكلة ليست في أن هذا الشعر وُجد، بل في أننا أصررنا على التعامل معه بلا ميزان، فساوينا بين القصيدة التي تُنضج المعنى، والبيت الذي لا يعيش إلا على قبحه. الشعر، إن لم يحمل معنى يتجاوز لحظته، وإن لم يكن قابلًا لأن يُفهَم ويُحسّ خارج لغته الأولى، فهو ليس شعرًا خالدًا، بل أثر لغوي عابر — مهما عظّمه الشراح وباركه الرواة.

***

د. علي الطائي

 

هل الشعر ما يُقال في لغته فقط، أم ما يبقى حين تُنزع عنه لغته؟

هذا السؤال، على بساطته الظاهرة، ينسف قرونًا من الاطمئنان النقدي، ويضع الشعر كلّه — قديمه وحديثه — أمام محكمة المعنى لا محكمة الوزن، وأمام اختبار البقاء لا اختبار الطرب.

إذا كان الشعر مجرّد موسيقى لفظية، فإن فقدان لغته يعني موته الفوري. وإذا كان الشعر معنى متجسّدًا في صورة، فإن اللغة ليست إلا جسده المؤقّت، أما روحه فتظل قادرة على العبور. هنا يقع الفاصل الحاسم بين الشعر بوصفه لغة والشعر بوصفه تجربة إنسانية. فليس كل ما يُطرب الأذن شعرًا، ولا كل ما يُوزن ويُقفى يملك حق الخلود.

القصيدة التي لا تُفهَم إلا داخل لغتها، ولا تُدهِش إلا من يعرف أسرار صرفها ونحوها، قصيدة هشّة. إنها تعتمد على الامتياز اللغوي لا على العمق الإنساني. وحين تُترجم — أي حين تُعرَّى من زخرفها الصوتي — تسقط فجأة، كتمثال من الجبس كان يبدو من بعيد رخامًا. هنا نكتشف أن كثيرًا مما دُعي شعرًا لم يكن سوى مهارة لغوية بلا رؤية، أو استعراض لفظي يخفي خواءً داخليًا.

أما الشعر الحقيقي، فهو الذي ينجو من الترجمة ولو خسر شيئًا من موسيقاه. قد يخسر الإيقاع، وقد تبهت القافية، لكن الفكرة تبقى، والصورة تصمد، والرجفة الإنسانية تصل. نحن لا نقرأ هوميروس اليوم باليونانية القديمة، ولا نقرأ شكسبير بلغته الأولى كما نطقها، ومع ذلك ما زال الشعر شعرًا، لأن ما يُنقَل ليس الكلمات فقط، بل التجربة، والقلق، والسؤال. ما يُترجم هنا ليس اللغة، بل الإنسان.

اللغة في الشعر العظيم ليست غاية، بل وسيلة. هي الجسر لا الضفة. أما حين تصبح اللغة هي كل شيء، يصبح الشعر أسيرها، ويموت خارجها. لذلك فإن القصائد التي لا تُحتمل إلا في سوقها الأولى، أو في قبيلتها، أو في زمنها، ليست قصائد خالدة، بل وثائق لغوية. لها قيمتها التاريخية، نعم، لكنها لا تملك الحق في الادّعاء بأنها فن إنساني باقٍ. وهذا ينطبقُ على أغلبِ الشعرِ القديم.

والسؤال هنا ليس ازدراء اللغة، بل تحرير الشعر منها. اللغة وعاء، لكنها ليست الجوهر. الجوهر هو ما يُقال عن الخوف، والحب، والموت، والخذلان، والبطولة، والعبث. هذه معانٍ لا تنتمي إلى لغة بعينها، بل إلى الإنسان. وحين يستطيع النص أن يلمس هذه المناطق، فإنه يفرض نفسه حتى على من لا يشاركه لغته.

من هنا يمكن فهم الفارق بين شعر يُحفَظ لأنه “فصيح”، وشعر يُحفظ لأنه “صادق”. الأول يُدرَّس، والثاني يُعاش. الأول ينهار خارج لغته، والثاني يتكاثر بالترجمة. الأول يحتاج شُرّاحًا، والثاني يحتاج قرّاء. وليس هذا حكمًا أخلاقيًا، بل معيار جمالي قاسٍ، لكنه عادل.

إن أخطر ما وقع فيه النقد العربي القديم — وتبعه الحديث — هو الخلط بين سلامة اللغة وقيمة الشعر. فصار النص يُعظَّم لأنه صحيح نحويًا، أو جزليّ الألفاظ، لا لأنه يقول شيئًا يستحق أن يُقال. وهكذا امتلأ التراث بنصوص صلبة لغويًا، هشة إنسانيًا. وحين نجرؤ على طرح سؤال الترجمة، تنكشف الحقيقة: ما يبقى هو الشعر، وما يسقط هو القناع.

إذًا، الشعر الحيّ ليس ما يُقال في لغته فقط، بل ما ينجو حين تُنزع عنه لغته. وما لا يستطيع العيش خارج جلده اللفظي، لم يكن شعرًا كاملًا، بل احتمال شعر. والخلود، في النهاية، ليس هدية من الزمن، بل نتيجة طبيعية لنصٍّ مسَّ الإنسان، لا أذنه فقط.

***

د. علي الطائي

 

"السلام من أرض السلام عُمان،، شقيقة العراق.. حضارة، وتاريخا، ومجدا، ودما".. هذه الجملة، كانت مدخلا في وقتي البحثية التي تلوتها في "مؤتمر الأخلاق وفلسفتها في العالمين العربي والإسلامي"، الذي أقيم في بيت الحكمة ومركز تجديد للفكر والثقافة في السابع عشر من ديسمبر 2025، ببغداد.

لم أكن قد عرفتُ العراق قبل هذا إلا من خلال الكتب والإعلام بتلون مآربه، وأحاديث الأصدقاء العراقيين المقيمين في الخليج.

عدتُ منها (وأقصد العراق)، بحقائب تزن 60 كيلو غرام، وأنا امرأة لا يستهويها التسوّق إلا قليلا! ولكن العراق حمّلتني بكثير وزن. سوار يلف معصمي صنعته لي "مِسك"، ومعطف من د. زينب ليقيني برد ليل بغداد، وجوارب وحذاء رياضي ابتاعته لي د. بشرى، بعد ان أنهكني الوقوف فوق مسماريّ حذائي البوت الطويل. والكثير الكثير من الكرزات العراقية "المكسرات" حملها لي الصديق الخلوق أ. أحمد، وكتب من الجنة، وضعاها بين كفيّ د. عبدالجبار، ود. عارف، وقهوة لذيذة من الصديق الكريم باسل، وتمر نخل العراق الذي يذوب فوق لسانك على مهل كقطعة سكر خجولة دسّها لي د. فيصل بشكل حاسم، يجعلني لا أملك دفعا ولا رفضا ولا جدال. وعلبة مناديل مزخرفه بوجوه نساء العراق لفّتها لي الفنانة د. زينب بعد أن أبديت إعجابي بالعلبة، وأنا من يأسرني الزخارف ولا أملك أمامها إلا أن أبدي الدهشة.

كثيرا ما قيل ويقال، بأننا نحن العمانيون نتصدّر شعوب العالم في اتساع الكرم ودماثة الاخلاق وحسن الضيافة. لكنني وجدتُ العراقيين يفتحون لي أبوابهم وقلوبهم وبساط يسحبونه من تحت أبنائهم ليفترشه ضيفهم. فلم يكن على أمي أن تقلق بوجودي بينهم. ولم أقلق أنا شخصيا ولم ينتابني شعور الاغتراب للحظه، وأنا أنا، من ضرب في هذه الأرض كثيرا، لكن العراق كانت مختلفة. عجبتُ من السكينة في مدينة كربلاء، ووجه بيداء الجميل الذي لا يشوبه شيء، ومن ليل في بغداد لا ينام، ومن روح قديمة تسكن بابل ليتسلل لك نورها في دهشة لم تنطفئ منذ ما يربو عن أربعة آلاف سنة.

عجبتُ لزحام الطرق الذي يناوش صبرك ولا يستبيحه. وعجبتُ من التنوع المذهل للمائدة العراقية التي يمتد عمرها منذ ألف سنة منذ العصر العباسي.

عجبتُ من دجلة الذي ينحسر وهو كظيم. ومن مساطب البسطاء أثرياء الثقافة العربية في شارع المتنبي. عجبتُ من جمال حفيدات عشتار وإنانا. عجبتُ من جيلٍ لا يعرف الموت. فجاع كثيرا دون ان يموت، ونزف كثيرا دون أن يموت، وتناول الحزن مرارا دون أن يجحد، وتداول الفقد كثيرا دون أن يعرى من انسانيته. وأقول كما قال الجواهري: سلامٌ على هضباتِ العراقِ وشطّيهِ والجُرفِ والمنحنى.

***

آية السيابي - كاتبة وروائية عُمانية

 

نبحث عن سر الخلود؟ والسر يسكن في قلوبنا.. نهرول حول الحياة..؟ ولا نرى الحياة بحد ذاتها.. نجري وراء المحبة.. وربما عبرناها ولم نلحظها.. نبصر ولا نرى.. نسمع ولا ندرك.. ونلهث في زحمة العيد ولم نتعرف على حقيقته..

فما هو العيد ؟؟ هل هو إحياء للذكرى حقا.. أم صفقة تجارية رابحة ؟هل هو تسبيح لله عز وجل أم صخب وضجيج أعمى؟.. ينابيع المحبة تتدفق في العيد عطاء.. أم شرايين الذهن تنفجر فيه قهراً!!..

أنا أصبحت في حيرة من أمري في هذا الزمان!! وأتساءل كيف فقدت الحقائق قيمتها وخسرت المبادئ سحر رونقها؟؟.. ربما هو صدأ في الفكر أو عله ألم في القلب ؟؟؟ قمة الخطورة أن يكون تأقلم اعتيادي للسير في الظلام؟؟ وغفوة أبدية في أرجوحة الوهم..

أسئلة جمة يعكسها تألق نجوم الثلج في داخلي..؟ نجوم الثلج توجد في دولة كندا.. تظهر في شهر كانون الأول خلال فترة أعياد الميلاد ورأس السنة الجديدة.. يا للروعة!! كأنها قطعة من السماء قد هبطت على الأرض.. تتعانق جبال الثلج الشامخة مع ضوء الشمس.. فيتألق النور عظمة وقداسة.. وتتلألأ النجوم الملونه بين أغصان الأشجار المتدلية من ثقل الثلوج.. فتبدوا وكأنها لوحة ناطقة تعبيرية.. الإمعان فيها يشغلنا عن هبوط درجات الحرارة الحارقة التي تتراوح مابين العشرين والأربعين تحت الصفر..  ذلك المشهد بالرغم  من سحره الأخاذ الذي يبهر الناظرين إلا انه لم يلمس قلبي ولم يشبع روحي!!!

ترى، لماذا هذا الإنفاق الهائل من الأموال والبذخ، ولماذا هذا التبهرج السطحي؟ فلو جمعت نصف الأموال التي تنفق على الزينة لأنقذت أرواح تحتضر من براثن الجوع.. وأين العدل الأرضي؟ وكيف للإنسانية أن ترفع رأسها ونزيف تناقضاتها عميق؟؟؟

يقولون هنا أن شهر كانون الأول هو شهر المحبة.. عجباً!! حتى المحبة برمجوها وحددوها في فصل خاص.. فبالرغم من جمال ليلة العيد، والهدايا، والأطعمة إلا أنها لا تقنعني لأنها تنتهي مع انتهاء الليلة.. والى اللقاء في السنة القادمة من المحبة وأنتم بخير..

وأعود بذاكرتي هناك إلى البعيد.. في الشرق الدافئ.. وللشرق سحر متميز دائما، ورونق عطر الياسمين لا يعوضه رونق النجوم الثلجية..

تلك التجمعات الكستنائية حول المدافئ في سهرات العيد.. وتلك الجلسات المنمنمة البسيطة تمنح العيد ملمسا مخمليا وأحلاماً عذبة..

لكن للأسف حتى العيد في الشرق قد تحول إلى تجارة، ومظاهر، وبراويز غير صادقة، وينفق الكثير من المال على الرسميات والعزائم، وربما أكثرهم لا يملك المال!!  لكن تماشيا مع الضغط الخارجي يرهقون جيوبهم بالديون، وقلوبهم بالأمراض، وأرواحهم تضيع بين الضجيج والازدحام والضغط النفسي العصبي.. فهل العيد دمار مادي نفسي؟؟ أم أنه فعلا تناقضات غريبة في العالم الحالي؟؟ ولابد من إيجاد حلول وسطية، ووعي عميق لفهم الأعياد..

العيد الحقيقي- من وجهة نظري- هو ينبوع محبه يتدفق شلالات تتحول إلى فيضانات من العطاء والعطف والرحمة للآخرين من غير مقابل..هو الإحساس الداخلي بالسلام.. حيث يعم القلب الصفاء والسكينة.. وهو شعور الضمير بالراحة والاطمئنان حيث يغفو الإنسان في هدوء وارتياح عذب.. وهو ابتسامة من القلب تشع على شفاه الأطفال.. وهو الإحساس في مشاعر الناس، وتضميد جروحهم بلمسات رقيقه حتى لا ينزفون بعمق.. وإحاطتهم بشال من المحبة والحنان كي يزول صقيع السنين من ديارهم التي هجرها البنفسج، وفارقها الفرح الحقيقي.. فما أجمل أن ترسم بسمة أمل على ثغر حزين.

العيد يعظم بالتسامح.. ويرتقي بالغفران.. ويحلق عاليا في صفاء القلب من كل حقد وبغض.. فكيف نضحك للعيد ونعبس في وجه الآخر.. وكيف نحب الله الذي لا نراه ونبغض القريب الذي نراه؟.. فيجب أن يكون حبه من حب الله..

المحبة بسيطة.. لا تتطلب الكثير.. رؤية واعية، تفكير سليم، قلب نظيف.. تشبع المحبة وتحيا.. وإن كان العيد هو إحياء لذكرى الأنبياء والقديسين..

فيجب الاقتداء بهم حقا وتطبيق أقوالهم المقدسة، وفهم المعاني الحقيقية، ونشر عبق المحبة احتراما لذكراهم.. فإما أن يكون العيد عيداً حقيقياً، وإما ألا يكون!! مع قليل من التوازن بين السلبيات والايجابيات في الشرق والغرب برؤية ثاقبة تعطي العيد معنى وقيمة أسمى.. وكل عام وانتم بخير ترفلون بالمحبة الدائمة.

***

خاطرة بقلم الكاتبة: سلوى فرح - كندا

 

لطالما كان الحب والألم ثنائيًا ملازمًا لي، كأن أحدهما لا يكتمل إلا بحضور الآخر، أو كأنهما خُلقا من الجوهر ذاته ثم فُصلا قسرًا في حكايات البشر.

ولأن معضلتي الوجودية وُلدت معي—ذلك السؤال الأزلي عن ماهية الأشياء، ماهية السعادة، ماهية اللحظة—كنت أفسد المتعة قبل أن تكتمل.

كنت، كلما اقتربت من لحظة صفاء، أمدّ يدي إلى داخلها لأفككها، أفتش عن سببها، عن آليتها، عن سرّها، حتى تنهار بين أصابعي.

أشبه بمن يشتري سيارة جديدة، ومن شدة فضوله وانبهاره بتصميمها، يبدأ بتفكيكها قطعةً قطعة، لا بدافع التخريب بل بدافع الفهم، ثم يقف أخيرًا أمام هيكلٍ معطوب، مذهولًا من الخراب الذي صنعه بيديه، متسائلًا:

هل كان ينبغي عليّ أن أفكك شيئًا لم أتعلم كيف أعيده كما كان؟

ولماذا استسلمت لتلك الرغبة الجامحة في التفاصيل، بدل أن أستمتع بما كان بين يدي حيًا، كاملًا، وصامتًا؟

كثيرًا ما استوقفني سؤال واحد بإلحاحٍ لا يهدأ:

هل يمكن للحب أن يوجد دون ألم؟

ولماذا ننجذب، بوعيٍ أو بدونه، إلى ما يؤلمنا؟

ولماذا نعيد التجربة ذاتها، بالطريقة ذاتها، ونحن نعرف مسبقًا أي جدار سنصطدم به، وأين سننزف؟

تعلقت هذه الأسئلة في ذهني بلا إجابة مقنعة، رغم قدرتي الهائلة على التحليل، ورغم مهارتي في إغراق نفسي—والآخرين—في فوضى فكرية، حتى قرأت لروبرت غرين  Robert Greene في كتابه "فن الإغواء" The Art of Seduction قوله إن الحب والألم مرتبطان ارتباطًا وثيقًا؛

وأن الحب لا يحدث إلا عبر شقٍّ ما، يتسلل منه الألم أولًا.

نحن، في العمق، لا نبحث عن الحب بقدر ما نبحث عمّن يهدئ ألمًا قديمًا يقيم في اللاوعي، نقصًا غامضًا شعرنا باكتماله عند الآخر، رغبات غير معلنة وجدنا لها صدى، أو حقائق مرعبة عن أنفسنا احتجنا لمن ينقذنا من رؤيتها وحدنا.

لهذا تقول الأسطورة الإغريقية إن إله الحب «كيوبيد» يطلق سهمه، فيصيب القلب بالألم أولًا، ومن خلال هذا الشق—هذا الوجع—يتسلل الحب.

وكلما اتسع الجرح، اتسعت مساحة العشق.

أعتقد أن كيوبيد زارني في إحدى الليالي المظلمة،

أطلق سهمًا واحدًا…

لكنه لم يصب قلبي.

ثم، وكأنه استاء من خطئه، أدار ظهره لي وهجرني للأبد،

وتركني معلقة في فضاءٍ معتم،

خارج نطاق الحب،

بقلبٍ لا يلتقط الإشارات،

ولا يستجيب للنداء.

***

لمى ابوالنجا - كاتبة وأديبة من السعودية

 

في كتابه الجديد (نزيف العواطف وحكايات مواقد الشتاء) طباعة مطبعة نركال/ الموصل/بطبعته الأولى لعام ٢٠٢٥.. وبتقديم الأستاذ أحمد الحاج، تحت عنوان (زعال مصطفى الجبوري.. ذاكرة المكان ولحظات التجلي).. الذي ابدع حقاً بوصفها نصوصا تنتمي لتيار مابعد الحداثة في اسلوبها وبلاغتها وصياغتها..

وفي هذا الإصدار الابداعي، وفي حكايات مواقد الشتاء، يستعيد الاديب المبدع الاستاذ زعال الجبوري أصوات الجدات، وهن ينسجن الحكايات على لهيب الفحم المتوهج في ليال يغمرها البرد والحنين، فتشتعل الذاكرة دفئا ودهشة.. وهو يعكس بحسه المرهف، ووجدانه المتوقد، تجربته عن تراث جدات ريف الديرة أيام زمان اذ يستعيد ذكريات صباه، التي عاشها معهن في مجموعة مقالات وجدانية شجية، بطابع سرديات قصصية مدهشة.. تشد القاريء للإعجاب بها والتفاعل الوجداني مع مروياتها..

 ولعل الكتاب بسردياته التراثية الجميلة، يلفت الإنتباه إلى أهمية توثيق الموروث الشعبي الريفي، بما هو هوية اصالة، وعراقة عميقة الجذور، للحفاظ عليه من الضياع بتداعيات العصرنة المتسارعة، بجوانبها السلبية، التي طالت عواقبها كل جوانب حياتنا الراهنة.. من عزلة اجتماعية، وانغماس مقرف، في مفرداتها، وابتعاد عن موروثنا الاجتماعي، والحضاري، والتراثي، الأمر الذي يتطلب تحفيز الجيل الجديد من الناشئة، للتواصل مع موروثه الاجتماعي.. في عملية ترادف جادة.. تقوم على التواصل، والإستلهام الواعي للموروث، والتفاعل مع إيجابياته، في نفس الوقت الذي يعيش فيه حياة الحداثة، التي تتسارع معطياتها بشكل صاخب، يهدد موروثنا الشعبي بالكنس، والمحو من الوجود بمرور الزمن.

كل التوفيق والتبريكات للأستاذ زعال على تأليف هذا الكتاب بسردياته الهادفة.. وبوركت مبادرة مجلة صدى الريف في تشجيعها الأدباء والكتاب، لتوثيق الموروث الريفي، ليكون في متناول الجميع، سعيا منها اتعزيز ثقافة الموروث الشعبي.. وتوثيقها والحفاظ عليها من الضياع بتداعيات ضجيج العصرنة الصاخبة بجوانبها السلبية..

***

نايف عبوش

 

الإبداع موهبة خلاقة، تتيح للإنسان الملهم، القدرة على إنتاج أفكار جديدة، وصياغة معطيات مبتكرة، يثيرها الحس المرهف للموهوب، وتأمله في ربوع المكان، في اللحظة، لتنثال عطاءات وجدانية إبداعية متوهجة، وماتعة.

ولعل الحس المرهف، بما هو القدرة على استشعار الجمال، وتفاصيل الأيحاءات الدقيقة في المرئيات، عندما يكون الإنسان متوقدا حسا، هو ما يجعله أكثر شفافية، وقدرة على ملاحظة تفاصيل الأشياء، التي قد يغفل عنها الآخرون في اللحظة، ولعل هذا هو السر الذي يكمن وراء ابتكار المبدع، أفكارا جديدة، غير مطروقة.

وتجدر الإشارة الى ان التأمل في ربوع المكان، هي عملية تفاعل وجداني مع ربوع البيئة المحيطة، الأمر الذي يتيح للإنسان المتطلع، فرصة التفكير والغوص في أعماق مرئيات أشياء، وعناصر تلك الربوع. فعندما يتأمل الإنسان في جماليات عناصر الطبيعة، يكون أكثر قدرة على رؤية، واستكناه الجمال الكامن في ربوعها، جبالا، او وهادا، او انهارا، او غابات، او فضاءات مفتوحة الٱفاق، وهذا ما يحفزه على استحضار صور لامتناهية في مخياله، ويمكنه من تطوير أفكار إبداعية، تنثال نتاجات باشكال متعددة. ومن هنا تبرز العلاقة الوثيقة بين الإبداع، والحس المرهف للمبدع، وتأملاته الوجدانية الثاقبة في ربوع المكان، وانعكاساتها المباشر في عملية استيلاد نتاجاته الإبداعية.

فلا شك ان الإنسان عندما يكون حساسا وجدانيا، ويتأمل في جماليات الطبيعة، سيكون أكثر قدرة على ابتكار أفكار جديدة، وصياغة نتاجات غير مطروقة، لنجد، على سبيل المثال، ان الفنان الذي يتأمل في الطبيعة، ويستشعر الجمال في عناصرها، ويستلهم ايحاءاته بعمق في تفاصيلها، سيكون أكثر قدرة على إنتاج أعمال فنية إبداعية، كما نجد ان الكتاب، والادباء، والشعراء، الذين يتأملون في الطبيعة، ويغوصون في أعماق تفاصيل الحياة اليومية، ويستشعرون الجمال في اروقتها، غالبا ما يكونون أكثر قدرة على كتابة، روايات، وقصص إبداعية، وقصائد عصماء، وسرديات ماتعة.

وهكذا إذن يكون الإبداع هو موهبة خلاقة، تتيح للإنسان إنتاج أفكار جديدة، ومبتكرة، في حين أن الحس المرهف، والتأمل في ربوع المكان، هما عاملان مهمان، في تعزيز، وتعميق، خاصية موهبة الإبداع، عند الإنسان .

***

نايف عبوش

رحلة مع الضاد بين طه حسين وأبي الفرج

ثمانية عشر ديسمبر... يوم يعانق فيه الوجدان اللغة، وتحتفي الذاكرة بأعذب الكلمات. يوم يذكرنا أننا نعيش في حضن لغة لا تشيخ، تتنفس بألف عام وآلاف. هنا، حيث تختلط حروف المعاجم بأنفاس الحياة، وتصبح الكلمة صورة لا تنسى، وأثرا لا يمحى.

تلك حكايتي مع اللغة... بدأت مع صبي أعمى القلب لكنه أبصر بعين اللغة ما لم يبصره البصراء. طه حسين... الفتى الفقير الذي حول الظلام إلى نور، والعتمة إلى بصيرة. تعلقت به منذ الصغر، حتى أنني ارتديت نظارات سوداء تقليدا له، وتمنيت لو أكون كفيفا لأجد من تقرأ لي كما قرأت سوزان له. جنون صبا كان، لكنه جنون عاقل في محراب الأدب.

اقتنيت كل كتبه، وتتبعت خطاه في قراءاته. كان دليلي إلى التراث وإلى الفكر الغربي معا. في "حديث الأربعاء" كان يمضي بي ساعة مع الحطيئة، وأخرى مع لبيد، وثالثة في صحبة كعب بن زهير. كان يأخذ بيدي إلى قيس بن الملوح، ويدخلني عالم عمر بن أبي ربيعة، ويجلسني في حضرة أبي نواس. وفي "قادة الفكر"، وقفت وجها لوجه مع سقراط وأفلاطون وأرسطو. وفي "ألوان"، تعرفت على فولتير وكافكا وسارتر.

لكن وصيته في "تجديد ذكرى أبي العلاء" هي التي رسمت لي خارطة الطريق: "ليس عليه أن يتقن علوم اللغة وآدابها فحسب، بل لا بد له أن يلم إلماما بعلوم الفلسفة والدين، ولا بد من أن يدرس التاريخ وتقويم البلدان درسا مفصلا، ولا بد له من أن يدرس علم النفس للأفراد والجماعات".

وهنا تكمن المفارقة العبقرية في رؤية طه حسين للغة: فهو الثاوي في أحضان التراث، المتيم بكتب القدماء، والمغرم بلغة الضاد، كان في الوقت نفسه داعية لتطوير اللغة وتجديد دمائها. كان يرى أن اللغة العربية "ليست أداة للتعامل والتعاون الاجتماعيين فحسب، وإنما هي أداة للتفكير والحس والشعور". لذلك لم يتردد، وهو عميد الأدب العربي، أن يقول كلمته الشهيرة في مجمع اللغة العربية عندما اعترض عباس حسن صاحب "النحو الوافي" على استخدام مصطلح "الانكماش" الاقتصادي بحجة أن المعاجم تقول "كمش الحصان أي أسرع في سيره". نظر طه حسين إليه وقال بلهجته المعهودة: "جبتها منين دي يا عباس؟" ثم لما تأكد أن الاقتصاديين استقروا على هذا الاستخدام، قال كلمته التي لا تنسى: "طز يا عباس!"

هكذا كان طه حسين... يعرف أن اللغة كائن حي، ينمو ويتطور، ولا يمكن حبسه في قمقم القواميس وحدها. كانت رؤيته متوازنة بين التمسك بالأصالة والانفتاح على التحديث، بين احترام التراث وضرورة مواكبة العصر.

ومن طه حسين إلى أبي الفرج الأصفهاني... رحلة أخرى في أعماق اللغة. ذلك الرجل الذي قضى خمسين عاما في تأليف "كتاب الأغاني"، يسافر ويستمع ويسجل، حتى تجاوزت أجزاؤه الخمسة والعشرين مجلدا. كان يستصحب في أسفاره عشرة جمال من الكتب، ولما حصل على "الأغاني" لم يكن بعد ذلك يستصحب غيره لاستغنائه به عن سواه.

سألت العلامة الراحل عبد المحسن طه بدر يوما: هل قرأت كتاب الأغاني كاملا؟ فابتسم وهو يروي لي حكايته مع الكتاب، والمقالات التي كتبها تحت عنوان "فضيحة تحقيق الأغاني". ثم قدم لي نصيحة ثمينة: "احرص على أن تكتشف الكتب بنفسك". فكانت تلك بداية رحلتي مع "الأغاني"... كتاب يختزل الحضارة العربية شعرا وأدبا وأنسا وتاريخا وحكايات. كتاب فريد من نوعه في آداب العالم، يقدم الشعراء والمغنين والمغنيات وأصحاب الأوزان الموسيقية، رابطا بين هذه الفئات الثلاث بحيث يبدو الشعر والموسيقى والغناء كما كان يجدر بهم أن يكونوا منذ البداية: فنونا ثلاثة في بوتقة واحدة.

وأتساءل اليوم، في عصر منصات التواصل الاجتماعي وكثرة المشاغل: ماذا لو عاش أبو الفرج الأصفهاني في زمننا هذا؟ هل كان سيتمكن من كتابة موسوعته في خمسين عاما؟ ومن أين له أن يجد هذه الكتيبة من الشعراء والمغنين والفرسان والصعاليك والأمراء؟ وهل سيبقى لقارئ اليوم صبر على مثل هذا العمل الضخم؟

لكن اللغة العربية تعلمنا أن الجودة لا تموت، وأن العمق لا يزول. صحيح أن الأيام لم تعد أيام اعتكاف لخمسين عاما على ضفة دجلة، يسطر فيها الصفحات دون كلل أو ملل، لكن الروح تبقى، والهمة تبقى، والحرف يبقى.

اللغة العربية... تلك التي وصفها طه حسين بأنها "ضرورة من ضرورات حياتنا الفردية والاجتماعية، ووسيلة أساسية إلى منافعنا مهما تختلف قربا وبعدا ويسرا وعسرا، وسهولة وتعقيدا". إنها ليست مجرد أداة اتصال، بل هي هوية وذاكرة وحضارة. إنها القادرة على احتواء المصطلح الاقتصادي الحديث كما احتوت شعر امرئ القيس، وقادرة على استيعاب الفلسفة الغربية كما استوعبت فلسفة المعري.

في يوم اللغة العربية، نذكر أن لغتنا ليست قديمة متحفيه، ولا هي طارئة مستهجنة. إنها جسر متين بين الأصالة والمعاصرة، بين التراث والحداثة. هي التي قال عنها طه حسين إننا "لا نفكر في الهواء ولا نستطيع أن نعرض الأشياء على أنفسنا إلا مصورة في هذه الألفاظ التي نقدرها، ونديرها في رؤوسنا ونظهر منها للناس ما نريد، ونحتفظ منها لأنفسنا بما نريد".

هكذا تبقى اللغة... حية في معاجمها، نابضة في شوارعها، متطورة في مختبراتها، أصيلة في تراثها. تبقى كما أرادها طه حسين: أداة للتفكير والحس والشعور، وكما صاغها أبو الفرج: سفرا للحضارة شعرا وأدبا وأنسا وتاريخا.

فلتظل لغتنا الضاد - كما عرفناها من طه حسين وأبي الفرج - لغة حياة لا موت، ولغة انفتاح لا انغلاق، ولغة جمال لا يعرف الشحب ولا الذبول.

***

عبد السلام فاروق

في عالمٍ تتسارع فيه التحولات العلمية والسياسية، برز اسم البروفسور محمد الربيعي كأحد أبرز الأصوات الإصلاحية في العراق والعالم العربي. لم يكن عمله مجرد نقد أكاديمي أو مقالات نظرية، بل مشروعًا متكاملًا يسعى إلى إعادة بناء مؤسسات التعليم والتربية والبحث العلمي على أسس من النزاهة والشفافية والابتكار. لقد تحرك بخطوات جريئة ليضع إصبعه على الجرح، ويكشف أن أزمة التعليم ليست أزمة موارد فقط، بل أزمة إدارة وحوكمة وإرادة سياسية.

في مجال التربية والتعليم الأولي، شدّد الربيعي على أن أي نهضة حقيقية تبدأ من المدرسة. كتب بوضوح أن الطالب العراقي والعربي يحتاج إلى بيئة تعليمية حديثة تُنمّي التفكير النقدي والإبداع بدلًا من الحفظ والتلقين. دعا إلى تحديث المناهج الدراسية لتواكب العصر، وإلى تدريب المعلمين على أساليب تربوية جديدة تجعل المدرسة فضاءً للتعلم الحقيقي لا مجرد مؤسسة لتلقين المعلومات. وأكد أن التربية هي الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء، وأن الاستثمار في السنوات الأولى من التعليم هو استثمار في مستقبل الأمة.

أما في التعليم العالي والبحث العلمي، فقد ركّز الربيعي على أن الجامعات العراقية والعربية بحاجة إلى ثورة في التفكير، لا مجرد إصلاحات شكلية. دعا إلى اعتماد معايير الجودة العالمية بدلًا من الانشغال بالكمّ في النشر الأكاديمي، وأكد أن البحث العلمي يجب أن يكون أداة لحل مشكلات المجتمع لا مجرد أوراق تُنشر في مجلات لا يقرأها أحد. كان صوته واضحًا حين حذّر من ظاهرة الرسائل الجامعية المكررة والنشر غير الرصين، معتبرًا أن النزاهة الأكاديمية هي حجر الأساس لأي نهضة علمية. ومن خلال مقالاته ودراساته، وضع العراق في سياق أوسع، مقارنًا بين التجارب العربية والعالمية، ليؤكد أن الإصلاح لا يمكن أن يكون محليًا فقط، بل يجب أن يستند إلى رؤية إقليمية وعالمية.

كما لم يغفل الربيعي جانب الابتكار، حيث شدّد على أن البحث العلمي لا يكتمل إلا إذا تحوّل إلى تطبيقات عملية تخدم المجتمع وتدعم الاقتصاد. دعا إلى ربط الجامعات بمراكز الابتكار وريادة الأعمال، وإلى تشجيع الشباب على تحويل أفكارهم إلى مشاريع واقعية، معتبرًا أن الابتكار هو الطريق الأقصر نحو التنمية المستدامة.

لكن طريق الإصلاح لم يكن سهلًا. واجه الربيعي جدارًا من الفساد الأكاديمي والمؤسساتي الذي عطّل كثيرًا من مقترحاته، واصطدم بغياب الشفافية التي جعلت الجامعات عاجزة عن محاسبة نفسها أو تطوير أدائها. كما عانى من تقييد الحرية الأكاديمية، حيث بقيت كثير من المبادرات في إطار الدعوة النظرية دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ، وسط مقاومة من مؤسسات اعتادت على الوضع القائم ورأت في الإصلاح تهديدًا لمصالحها.

ورغم كل هذه التحديات، ظلّ صوت محمد الربيعي بارزًا كأحد أهم الأصوات الداعية إلى أن يكون التعليم والتربية والبحث العلمي والابتكار أدوات لبناء دولة حديثة قائمة على الشفافية والعدالة. لقد أثبت أن النقد وحده لا يكفي، وأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الجرأة على مواجهة الواقع، ومن الإصرار على أن التعليم ليس رفاهية، بل ضرورة للبقاء والنهضة.

لقد كان حضور الأستاذ الدكتور محمد الربيعي علامة فارقة في مسار الإصلاح الأكاديمي، ليس فقط بما طرحه من أفكار ورؤى، بل بما جسّده من التزام أخلاقي وجرأة فكرية في مواجهة التحديات. إننا نكن له كل التقدير والاحترام على جهوده الكبيرة وإصراره على أن يكون التعليم والبحث العلمي والابتكار ركيزةً لبناء مجتمع أكثر عدلًا وشفافية. وما قدّمه من جهد صادق سيظل مصدر إلهام للأجيال القادمة، ودليلًا على أن صوت الإصلاح يمكن أن يصنع الفرق مهما كانت الصعوبات.

***

د. عبد الجليل البدري

الإبداع هو القدرة الذاتية التي يتمتع بها الموهوب ابتداء، لإنتاج أفكار جديدة، وطرح معطيات مبتكرة، ومن ثم صقلها بالتجربة بعد ذلك، ليكون الإبداع بها الوصف، مزيجا من الموهبة الفطرية، والصنعة بالتجربة في ٱن واحد.

وتجدر الإشارة الى ان الموهبة الفطرية هي نفحة طبيعية، تولد مع الإنسان، في حين أن الصنعة بالتجربة، هي مهارة عملية، يكتسبها الإنسان من خلال التعلم، والتدريب، والتجربة المتراكمة، في الحياة العملية..

وتلعب الموهبة الفطرية دورا هاما في بلورة الإبداع، فهي الومضة التي تمنح الإنسان القدرة على التفكير، خارج سياقات المالوف، وابتكار أفكار جديدة غير مطروقة، بينما تعكس الصنعة بالتجربة، القدرة التي تمكن الإنسان من تطوير موهبته الذاتية، وتنميتها، وتعلمه كيفية تطبيق أفكاره بشكل عملي.

ولعل من نافلة القول الإشارة إلى ان الفطرة قدرة أولية، تولد مع الإنسان، مثل الميل الطبيعي للغناء، أو الرسم، أو الرياضيات، او الفلسفة .

ولا ريب أن الإبداع ليس حكرًا على الأشخاص الموهوبين فطريا وحسب، بل يمكن لأي شخص أن يصبح مبدعا، متى ما كان لديه الرغبة، والفطنة، والاستعداد، للتعلم والتدريب.

فالصنعة بالتجربة، والخبرة الزاخرة، تلعب دورا كبيرا في تطوير موهبة الإبداع، وتمكين الإنسان من اكتساب المهارات، والمعارف، اللازمة لتحقيق أفكاره الابداعية، وضعها موضع التطبيق.

وهكذا فالإبداع هو مزيج من الموهبة الفطرية، والصنعة بالتجربة. وتلعب الموهبة الفطرية دورا هاما في توهج الإبداع، ولكن الصنعة بالتجربة، هي التي تمكن الإنسان من تطوير موهبته، وتنميتها، وصقلها، وبالتالي فإنه يمكن لأي شخص أن يصبح مبدعًا، إذا ما توفرت لديه الرغبة، والاستعداد، للتعلم، والتدريب.

وتظل العلاقة بين الموهبة والصنعة علاقة تكامل عضوية، وتازر متين. فالموهبة بدون صنعة تضعها موضع التطبيق، تظل مجرد أفكار خام، لا وجود لها على أرض الواقع، وبالمثل فإن الصنعة بدون موهبة، قد تنتج أعمالاً متقنة تقنياً، لكنها تفتقر إلى الأصالة والعمق الإبداعي، وتصبح مجرد تكرار أو تقليد.

وهكذا فالإبداع الحقيقي، هو تفاعل ايجابي، يدمج الموهبة الفطرية، مع الصنعة المكتسبة، حيث تتألق الموهبة من خلال إتقان الصنعة، وتتزين الصنعة بلمسة إبداعية فريدة.

***

نايف عبوش

في غياب المعايير والقيم، والقواعد العامة التي تنظم الحياة الاجتماعية، فإن البلد، أي بلد بدون شك، يصبح عرضة لقطاع الطرق. وحين نتفحص العالم الروائي للكاتب الإيفواري أحمدو كوروما، فإن تلك الحقيقة تبدو مفجعة إلى حد بعيد. إن قطاع الطرق في نصوص كوروما يتقاسمون كل شيء: الثروة، والأرض، والشعب، بينما العالم بأسره يتغاضى عن ذلك، ويسمح لهم بقتل الأبرياء من أطفال ونساء بلا رادع.

كان على كوروما أن يقاتل من أجل الحلم الإفريقي بصوته وقلمه، وأن يندد بما تتعرض له أفريقيا السوداء بعد الاستقلال من خيانة النخب، وتنصيب الديكتاتوريات العسكرية تحت وطأة الحرب الباردة، والصراعات القبلية الدامية التي ابتليت بها القارة السمراء لسنوات عديدة.

سنة 2000 نشر كوروما روايته اللاذعة "الله غير ملزم" Dieu n’est pas obligé. ظهرت الترجمة العربية سنة 2003 بقلم عدنان محمد، تحت عنوان "الله يفعل ما يشاء". ويشكل هذا العمل شهادة على المعاناة المريرة للأطفال الذي جُنّدوا كمقاتلين، في الحروب الأهلية التي شهدتها ليبيريا وسيراليون خلال تسعينيات القرن الماضي. والشاهد في النص طفل في العاشرة يدعى بيراهيما.

منذ السطور الأولى للرواية سيُصدم القارئ من وحشية السرد بضمير المتكلم. قرر بيراهيما الذي بلغ من العمر ستة عشر عاما، أن يجيب على سؤال طرحه عليه ابن عمه الدكتور مامادو، بينما كان جالسا في المقعد الخلفي لسيارة دفع رباعي:

" يا صغيري بيراهيما، أخبرني بكل شيء، أخبرني بكل ما رأيت وفعلت؛ أخبرني كيف حدث كل ذلك.."

غير أن بيراهيما المراهق لا يملك سوى رؤية جزئية للأحداث، أما الكاتب الذي يبدو للوهلة الأولى أنه محا نفسه طواعية أمام البطل، فيكشف عن نفسه بقوة، خاصة حين يعرض للتطور السياسي في سيراليون، ويقدم للقارئ أحكاما وتحليلات تتجاوز قدرة طفل شارك في الحرب القبلية الدائرة. ويبدي نقمته على كبار الشخصيات في القارة الإفريقية ممن يعتبرهم مسؤولين عن الفوضى العارمة.

بعد وفاة والدته قررت عائلته أن تعهد به إلى عمته. وخلال الرحلة التي رافقه فيها يعقوب، المعالج الشعبي والمحتال، نستكشف حجم الرعب الذي اكتنف سندباد كوروما في سعيه للبحث عن عمته ماهان:

" بما أننا كنا مفلسين كان علينا أن نؤجر أنفسنا؛ يعقوب كمعالج شعبي مسلم، وأنا كجندي طفل. من معسكر محصن إلى مدينة محاصرة، ومن عصابة لقطاع الطرق إلى أخرى، قتلت عددا لا بأس به من الناس ببندقية الكلاشنيكوف الخاصة بي. الأمر سهل. نضغط عليها فتطلق النار. لا أدري إن كنت قد استمتعت به. أعلم أنني عانيت ألما شديدا لوفاة العديد من أصدقائي الأطفال المجندين، لكن الله ليس ملزما بالعدل في كل ما خلقه في هذه الدنيا.."

يترتب عن قراءة هذه الشهادة الروائية لكوروما، بل عن مجمل أعماله الأدبية، تساؤلات جيوسياسية حول مصير الدول الإفريقية ما بعد الاستعمار؛ إذ يواصل الكاتب إثارة النقاش حول الغموض في سياسة الغرب الإفريقية، واستمرار نماذجه المختلفة في السياسة والاقتصاد والثقافة. إن الكوارث التي تغذي وتتخلل الإنتاج الروائي لكوروما ليست سوى نتيجة للحرب الباردة التي دفعت الغرب لتنصيب مجرمين وقتلة يمثلون المعسكر الغربي أو الشرقي. من هذا المنطلق يصبح بيراهيما رمزا للكاتب الشاهد، مما يفتح النص على مستويات أخرى للتأويل حين يسمي الراوي شخصيات تاريخية حقيقية، لا سيما قطاع الطرق الأربعة الذين فرضوا سيطرتهم على ليبيريا: صامويل دو، وتايلور، وجونسون، والحاج كوروما، بالإضافة إلى تحديد دقيق للحظة التاريخية التي جرت فيها أحداث الرواية: " كان ذلك في يونيو 1993".

وُلد كوروما في بانديالي بساحل العاج سنة 1927، وتولى عمه رعايته قبل أن ينتقل إلى باماكو لمتابعة دراسته، غير أنه طُرد بسبب نشاطه الطلابي، وتم تجنيده قسريا في الجيش الفرنسي سنة 1950 ليقضي أربع سنوات في الهند الصينية، حيث توجه بعدها إلى باريس ليدرس الرياضيات.

عاد كوروما إلى بلاده سنة 1960 بمجرد الإعلان عن استقلالها. إلا أن مواقفه المعارضة لنظام الرئيس هوفيت بوانيي عجّلت بسجنه ثم نفيه خارج البلاد. ولم يتمكن من العودة إلا بعد ثلاثين عاما.

نشر كوروما روايته الأولى" شموس الاستقلال" سنة 1968، حيث وجه نقدا شديدا للأنظمة الديكتاتورية التي تسلمت إدارة إفريقيا جنوب الصحراء، كما ألقى باللوم على الرجل الأسود غير المكتمل، والذي فشل في استثمار لحظة التحرير لإعادة تجميع هويته المجزأة، وإرساء علاقات دولية سليمة.

لم ينشر كوروما خلال حياته سوى أربع روايات، تدور في مجملها حول هوية الإفريقي المثقل بهموم الاستعمار والعرقية، ومأزق القيم والتقاليد داخل عالم يجنح بقوة نحو العولمة والحداثة. وهي تشكل لوحة أدبية آسرة، حيث نستكشف مع مؤلفها، وبجرأة ساخرة ومفجعة، تاريخ إفريقيا المعاصر، من الاستعمار إلى الإبادات الجماعية غداة الاستقلال، ومن العبودية إلى التشريح الدقيق لعلاقة الإفريقي بسلطة مزيفة، تعيد إنتاج صورة مشوهة عن الحرية والاستقرار.

كان مستمعو إذاعة "فرانس إنتر" أول من لفت الأنظار إلى أدب كوروما في فرنسا، وتم منحه جائزة سنة 1999 عن روايته" في انتظار تصويت الوحوش البرية". وفي عام 2000 حصل على جائزة رينودو عن روايته "الله ليس ملزما". وبينما كان يعمل على نص جديد بعنوان " عندما ترفض، تقول لا" وافته المنية سنة2003 في منفاه الأخير بفرنسا عن عمر ناهز السادسة والسبعين. وأعلنت عائلته أن رفاته سيعاد إلى ساحل العاج لدفنه حالما يسمح الوضع السياسي بذلك.

لا يمكن أن نعدّ شخصية بيراهيما بطلا بالمعنى المألوف في عالم السرد الأدبي، إذ حرص كوروما على أن يجسد الجنديُ الطفل صورةَ الشاهد المنخرط بعمق في الواقع من حوله، والذي يتشارك مع المؤرخ المعاصر مسؤولية مزدوجة: نقل ما لم يُروَ لإبقاء الذاكرة حية، والوفاء لآلاف الجنود الأطفال الذين سقطوا في الحروب القبلية وليس لهم اسم ولا قبر.

في إحدى مقابلاته الصحفية، أكد أحمدو كوروما على أن مجمل أعماله الروائية ترتبط ارتباطا وثيقا بمسألة الشهادة:

"لطالما رغبت في أن أكون شاهدا. أكتب وأقول: هذا ما رأيته.. هذه المرة اخترت الحرب الباردة، ورأيتها بنفسي. إن محور روايتي"في انتظار تصويت الوحوش البرية" هو بالنسبة لي أن أكون شاهدا. رؤيتي للتاريخ هي التي تشكّل جوهر رواياتي".

يواصل بيراهيما مسيرته كجندي طفل، متنقلا من حلقة دموية إلى أخرى. وبين الفينة والأخرى تستوقف القارئ مقاطع رثاء لتكريم أحد الضحايا. إن خطبة الرثاء التي تتكرر في أكثر من موضع تؤكد دور الشاهد في مواجهة الموت والغياب. الرثاء ليس فقط مهمة لغوية بقدر ما يعكس التربط بين الذاكرة والكتابة والموت، لذا كانت إحدى أقدم آثار الكتابة نقوشا جنائزية!

على مستوى اللغة ابتكر كوروما أسلوبا يمزج بين اللغة الفرنسية وتعبيرات المالينكي، وهي الجماعة العرقية التي ينتمي إليها الكاتب، لذا تميز أسلوبه بالعفوية والصرامة، مع استحضار الأمثال والكلمات البذيئة، والمفارقات التي حولت لغة موليير إلى أداة تعبير إفريقية، تجمع بين الاستفزاز والعمق الفلسفي.

منح كوروما صوته الفريد لإفريقيا ومن خلالها لكل الضعفاء الذين سحقتهم مصالح كبرى تفوق إدراكهم. وعبر سيل جارف من الكلمات وجّه إدانة قوية لجرائم لازالت ترتكب ضد الإنسانية، بينما يغرق العالم في اللامبالاة التي تشبه التواطؤ الصامت. ولعلها ليست مصادفة أن يكون معنى كوروما في لغة أسلافه المالينكي تعني: المقاتل!

***

حميد بن خيبش

لماذا يقرأ الكاتب الكتاب تلو الكتاب ومع هذا يواصل دون ملل أو كلل؟.. سؤال طالما طرحه كتّاب ومثقفون على أنفسهم، لا سيما اذا كانوا مهووسين بالكتاب وعوالمه الرحيبة أمثالنا. وما هو الدور التي تؤديه وتقوم به القراءة في العملية الإبداعية.. اختلفت الآراء في الإجابة عن هذا السؤال الاشكالي، فمن الكتّاب وهؤلاء قلة، مَن ذهب إلى أن الكاتب يُفترض ألا يقرأ الكتب بادعاء أن المواضيع المفترض معالجتها في الكتابة الإبداعية لا تتجاوز الثلاثة والثلاثين موضوعًا أساسيًا، كما رأى الكاتب الفرنسي ذائع الصيت جورج سيمنون مبتكر شخصية المفتش ميجرييه، ومنهم أيضًا،  الكاتب الإنجليزي كونان دويل مبتكر شخصية المحقّق المشهور في شتى بقاع العالم وأقصد به شرلوك هولمز، فقد صرّح/ دويل أكثر من مرة أنه لا يقرأ كتابات الآخرين خشية التأثر بها!!، اما الكاتب الأمريكي البارز ارسكين كالدول صاحب "قطعة ارض الله الصغيرة"، فقد قسّم المبدعين الادبيين إلى قرّاء وكتّاب وقال في سيرته الذاتية "سمها خبرة"، إنه اختار أن يكون كاتبًا وليس قارئًا..، في المقابل لهؤلاء ذهب معظم الكتاب المبدعين في العالمين العربي والاجنبي إلى أهمية القراءة في شحن بطارية الكاتب للدخول إلى مملكة الابداع الادبي بخطى ثابتة، حتى أن عددًا من الدارسين الباحثين ذهبوا إلى أنه يوجد داخل كل قارئ جاد مشروع لكاتب مبدع. أكثر من هذا ذهب كُتّاب منهم المرحومان عباس محمود العقاد وفاروق مواسي إلى أن الكاتب القارئ تحديدًا، إنما يقرأ ليمد حياته بشحنات أخرى من الحياة والحيوية، وقد ردّد العديد من الكتاب ضمن الإجابة عن سؤال حول القراءة والاقبال الشديد عليها، إلى القول إن كل كِتاب جديد هو حياة جديدة تضاف إلى حياتي.. وأكد هؤلاء أنهم إنما يقرؤون الكتب لأنهم يحبون الحياة ويريدون عيشها بعدد الكتب الجيّدة التي يقرؤونها، قالوا هذا مؤكدين أنهم يقرؤون الكتب لأن حياة واحدة لا تكفيهم!

مَن يُطالع سير الكتّاب والادباء المبدعين سيلاحظ دون بذل الكثير من الجهد، أنهم إنما جاءوا إلى عالم الابداع الادبي بعد أن قرأوا هذا الكتاب أو ذاك، أو بعد أن قضوا أوقاتًا طيبةً في مكتبات خلفها آباؤهم، أجدادهم أو أقارب لهم وراءهم، لتتحوّل بالتالي إلى منارة تفتح أمامهم أبوابًا مُغلّقة طالما أحبوا فتحها والدخول إلى مرابعها الفينانة الغنّاء.

بالعودة إلى سؤال القراءة وأهميتها بالنسبة للكاتب المبدع، أرى أن الكاتب، المعاصر خاصة، إنما يقرأ بنهم للعديد من الأسباب، فهو يقرأ للتثقف، والاضافة الإبداعية المتوقعة منه، كما يقرأ للاطلاع على تجارب ثقافية أدبية إنسانية، من المفترض أن تُشكّل سلسلةً متواصلة الحلقات وهو ذاته يود من جُماع قلبه، يريد ويسعى بكل ما لديه من جُهد وقوة لأن يكون واحدة من تلك الحلقات الرائعة في السلسلة الأدبية الإبداعية، سلسلة الذهب والالماس التي تعتبر جزءًا من الابداعات العالمية المميزة.

في تفصيل الأسباب الآنفة اليها لإقبال الكتاب المبدعين على القراءة ومصاحبة الكتاب، ذلك الرفيق الذي لا نملّ منه ولا يملّ منّا، نقول:

* إن الكاتب المبدع إنّما يسعى من إدامته القراءة من أجل شحن مخزونه الثقافي، وقد قدّم العديد من الكتاب والشعراء نماذجَ حيةً على هذا، وأكتفي هنا بالإشارة إلى الشاعر الامريكي توماس ستيرنز  إليوت، فقد أعلى هذا الشاعر قيمة الثقافة، حتى بتنا نرى بعده، أنه لا يوجد شاعر أو كاتب مثقف يستحق هذه الصفة، دون أن يملأ خزّانه من الثقافة بأبعادها المختلفة، ابتداء من الكتب الدينية الخالدة انتهاءً بالأمهات الادبية الكبيرة التي أقرت لها واعترفت بها الإنسانية قاطبة، أما شاعرُنا العربي الخالد أبو الطيب المتنبي فقد ذهب إلى أن " خير جليس في الانام كتاب". هكذا نرى إلى أهمية الكتاب والثقافة في حياة الكاتب المبدع الجدير بهذه الصفة.

* يحلم كل كاتب أو شاعر مبدع بإضافة ولو ضئيلة إلى سابقيه، وقد رأى الكاتب العربي المصري توفيق الحكيم في العديد من مؤلفاته، خاصة "تحت شمس الفكر"، أن كلّ كاتب يضم في داخله كاتبًا آخر سابقًا له، ويوضح هذا قائلًا إن معظم الكتّاب إنما يتأثرون في بداياتهم الأولى بهذا الكاتب أو ذاك، بل إنهم قد يقومون بتتبّع خطاه وحتى تقليده، إلى أن تشتد اعوادهم فيستقلّون بشخوصهم الخاصة بهم، ويضيفون ولو قليلًا إلى ما سبق وأضافه سابقهم. يؤكد هذا أن التاريخ الادبي ما هو إلا حلقات متواصلة تضيف كل حلقة منها جديدًا إلى قديم. ويوضح هذا ما يذهب إليه جون كوين في كتابه الهام "بناء لغة الشعر"، وهو أن كلّ فترة أدبية تاريخية إنما تشهد موديلًا يحذو حذوه الكثيرون ويسيرن على هديه.

* كما هو واضح،  فإن كل مبدع حقيقي، إنما يقرأ الكتب سعيًا لوضع نفسه في الصورة الأدبية، لرقعة أدبية كلّما اتسعت زاد خيرها، وهو بهذا يقرإ الكتب للاطّلاع ومحاولة الإمساك باللحظة الإبداعية الهاربة، ولعلّنا لا نستطرد كثيرًا إذا ما قلنا في هذا السياق إن الكاتب القارئ الجاد، إنّما يرى ما وراء المُضمّن في الكتابة الأدبية الابداعية، وكأنما هو يتحسّس بذور الابداع العصيّة، تلك البذور التي لا تأتي صاحبها إلا يعد جهد ودأب، طالما أخبرتنا بهما وأطلعتنا على أسرارهما أو شيء منها، السيَر التي خلّفها عظماء المبدعين في شتى المجالات والانواع الثقافية، وهنا نشير بوضوح إلى تلك اللحظات الحاصة والفريدة التي أطلق عليها الكاتب النمساوي المبدع ستيفان تسفايج "  ساعات القدر"، وكرس لها كتابًا فريدًا يُعتبر درسًا في انتظار اللحظة المبدعة والتعامل معها تحقيقًا لحلم طال انتظاره.

الأسباب التي تدفع الكاتب لقراءة الكتب بنهم يكاد يشبه الجنون، كثيرة ومتعدّدة ولنا في مُصاحبة بُناة الإنسانية للكتاب، كما افصحت سيرهم، عبرة وأي عبرة.

***

ناجي ظاهر

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم

  سيداتي وسادتي الكرام!

 بمناسبة حصولي على جائزة نوبل في الأدب لعام ٢٠٢٥، كنت أرغب في البداية أن أشارككم أفكاري عن الأمل، لكن بما أن الأمل قد نفد مني تمامًا الآن، لذا فسأتحدث عن الملائكة.

1

 أتمشى ذهابًا وإيابًا، وأنا أفكر في الملائكة، وما زلت أتمشى الآن، لا تصدقوا أعينكم، يبدو أنني أقف وأتحدث في ميكروفون، لكن لا، في الواقع، أنا الآن أدور في حلقة، من زاوية إلى أخرى، ثم أعود إلى حيث بدأت، وهكذا، أدور وأدور، نعم، عن الملائكة أتحدّث، أولئك الذين يمكنني أن أبوح لكم منذ الآن بأنّهم ملائكة من نوعٍ جديد، ملائكة لم يعد لهم أجنحة،ولهذا السبب، على سبيل المثال، لم نعد بحاجة إلى التفكير في كيفية عمل خياطهم السماوي، وما نوع المعرفة الخفية التي تملأ ورشته هناك في الأعالي عندما يلبسهم، وعما إذا كان هذان الجناحان يبرزان من الخلف، بل وكيف ينتشر هذان الجناحان الضخمان بثقل فوق الرداء، وكيف تبرز أجنحتهم من تلك الأردية غير الجسدية، تلك الأردية الحلوة والمتموجة، التي تغطي أجنحتهم أيضًا، وعلى العكس إن لم تبرز، كيف يغطي هذا الرداء السماوي أجسادهم مع أجنحتهم، مسكين بوتيتشيلي، مسكين ليوناردو، مسكين مايكل أنجلو، بل ومسكين يا جيوتو وفرا أنجيليكو!، لكن لا يهم الآن، لقد تلاشى السؤال مع ملائكة الزمن الماضي، الملائكة الذين أتحدث عنهم هم الجدد، هذا واضح الآن، عندما أبدأ المشي جيئة وذهابا في غرفتي، والتي لا ترون منها الآن سوى أنني أقف أمام ميكروفون، وأعلن بصفتي حائزًا على جائزة نوبل أنني أردت الحديث عن الأمل، ولكني لن أستطيع ذلك الآن، لذا سأتحدث عن الملائكة بدلاً من ذلك، سأبدأ من تلك النقطة، من هنا أنطلق، لقد كان هذا بالفعل موجودًا في ذهني بخطوط عريضة قبل أن أبدأ المشي متخذًا وضعية المفكر المتأمل في مكتبي، وهو ليس كبيرًا، فقط أربعة أمتار في أربعة أمتار في غرفة برجية،والتي يجب أن نستبعد منها أيضًا المساحة التي يشغلها الدرج الصاعد والنازل إلى الطابق الأرضي بالطبع، لا تفكروا في برج عاجي رومانسي، فقد بُنيت غرفة البرج هذه على الزاوية اليمنى من مبنى خشبي من طابق واحد، مصنوع من أرخص ألواح خشب التنوب النرويجي، ويرتفع فوق المباني الأخرى، لأن قطعة أرضي تنحدر، لأنها تقع على قمة تل، أعني قطعة الأرض بأكملها، وهي تنحدر، في الواقع، بشدة نحو وادٍ. ونتيجة لذلك، إذا أردتُ توسيع غرف الطابق الأرضي التي تحتاج إلى إضافة، وأردت بسبب الكتب التي كانت تحاول تغطية كل شيء، ثم بعد فترة من الوقت كان من المحتم أن ترتفع الغرفة التي تم بناؤها كملحق مثل البرج، وتثقل كاهل الغرفة السفلية، بسبب الانحدار، حسنًا، هنا أود فقط أن أتحدث عن الملائكة، وليس عن الأمل، وليس عن القدماء، ملائكة الزمن الماضي ذوي الأجنحة - فكروا في أشهرهم، والعدد الهائل من اللوحات التي تصور البشارة من العصور الوسطى وعصر النهضة - يجلبون رسالة، رسالة مفادها أن المولود سيولد - هؤلاء كانوا ملائكة الزمن الماضي، هؤلاء الرسل السماويون يصلون دائمًا بهذه الرسالة أو رسالة أخرى، ووفقًا لـ علم الملائكة، يسلمونها إلى المرسل إليه غالبًا شفهيًا، أو في بعض الأحيان - كما في الرسوم التوضيحية من القرنين التاسع والعاشر - يقرأونها مباشرة من شريط جمل متموج، باختصار، تكتسب الكلمة أهمية قصوى في هذا المشهد بالفعل، ولكن حتى في مهام الملائكة الأخرى، فإنهم يسلمون، أو بالأحرى، كانوا يسلمون ما يرسله الأعلى إلى المختار بكلمة مغلفة بالنور أو بالهمس في الأذن، وبهذا المعنى - بغض النظر عن تصويرهم الآن - لم يعد بالإمكان تمييزهم كثيرًا، أو بالأحرى لم يكن بالإمكان تمييزهم كثيرًا عن رسالتهم، لدرجة أنه يجب علينا في الواقع أن نقول إن الملائكة القدماء، ملائكة الماضي هم فى حد ذاتهم رسائل، أنهم هم الرسالة نفسها، التي تأتي دائمًا من الذي لا اعتراض عليه، فهو الذي يرسلهم، يرسل ملائكته إلينا، نحن الذين الذين نكابد في التراب، نحن الذين نتجوّل محكومين بمصائر لا يمكن التنبؤ بها / يا لتلك الأيام الجميلة!/، باختصار، الملاك القديم: رسالة من شخص إلى شخص آخر، رسالة تحمل خبرًا له طابع التعليمات أو التقرير، لكنني لا أنوي إثارة هذه المسألة هنا، وأنا أقف أمامكم، بينما أنا، كما تعلمون، أتمشى في الغرفة البرجية التي، كما تعلمون، مبنية فقط من خشب التنوب النرويجي الرخيص، ويكاد يكون من المستحيل تدفئتها، وهي برج فقط بسبب الانحدار الشديد للأرض، حسنًا، حتى في هذه الحالة لا أتناول الملائكة القدماء،ملائكة الزمن الماضي، حتى لو كانت صورتنا الذهنية عنهم - بفضل عباقرة العصور الوسطى وعصر الحداثة المبكرة، من جيوتو إلى جيوتو - حتى لو كان هؤلاء الملائكة القدماء، بأوصافهم المناسبة من سحرٍ وسموٍّ وحميمية، حتى لو كان بإمكانهم أن يلمسوا أرواحنا في أي وقت،، حتى الآن، وحتى لو كانوا قادرين على لمس أرواحنا العاجزة عن الإيمان،، لأنهم بالتأكيد كانت الوحيدين، على مر القرون، بسبب ظهورهم النادر، سمحوا لنا باستنتاج وجود السماء، وبذلك يمكننا أيضًا استنتاج الاتجاه الذي خلق فينا بنية الكون كاتجاه، لأنه حيث يوجد اتجاه توجد مسافة، أي توجد مساحة، وحيث يوجد اتجاه توجد أيضًا مسافة بين نقطتين، أي يوجد زمن، وهناك، وفقًا لذلك، منذ قرون - أوه! ولآلاف السنين! - العالم الذي اعتقدنا أنه مخلوق، حيث وفرت اللقاءات معهم، أي مع الملائكة القدامى،ملائكة الماضي طريقة للإحساس الحاسم بالأعلى وبالأسفل كشيءٍ أصيلٍ وحقيقي، ولذا لو أردتُ التحدث إليكم عن الملائكة القدماء، ملائكة الماضي لكنتُ أتمشى جيئة وذهابا في دوائر من زاويةٍ ما، ثم أعود إلى نفس، ولكن لا، لم يعد لملائكة الزمن الماضي وجود، فقط ليس هناك سوى الملائة الجدد، وأنا لا أتمشى في دائرة من زاوية إلى نفس الزاوية وأنا أقف هنا أمام انتباهكم، لأنه، كما ذكرت ربما، لدينا ملائكة جدد، وقد فقدوا أجنحتهم ولم يعد لديهم حتى تلك الأردية المتموجة الحلوة، إنهم يمشون بيننا بملابس الشارع العادية، لا نعرف كم عددهم، ولكن وفقًا لبعض الإيحاءات الغامضة، فإن عددهم لا يتغير، ومثل ملائكة الماضي، يظهر هؤلاء الجدد بشكل غريب هنا وهناك، يظهرون أمامنا في نفس المواقف في حياتنا تمامًا كما فعلت ملائكة الماضى، وفي الواقع من السهل التعرف عليهم إذا أرادوا ذلك، إذا لم يكونوا يخفون ما يحملونه في داخلهم، فالأمر سهل لأنه كما لو كانوا يدخلون إلى وجودنا بإيقاع مختلف، ونظم مختلف، ولحن مختلف عن الذي نسير عليه، نحن نكد ونتجول في الغبار هنا في الأسفل، علاوة على ذلك، لم نعد متأكدين من أن هؤلاء الجدد يأتون إلينا من مكان ما في(الأعلى)، لأنه لا يبدو أن هناك أي أعلى على الإطلاق، بعد الآن، كما لو أن ذلك أيضاً- مع ملائكة الزمن الماضي- قد تخلى عن مكانه للمكان الأبدي، فى مكان ما حيث الآن فقط الهياكل المجنونة لإيلون ماسك في هذا العالم تنظم المكان والزمان، ومن هذا قد يتضح أنه بينما لا تزالون تنظرون وتستمعون إلى رجل عجوز هنا يتحدث بلغته المجهولة بمناسبة الإعلان عن استلام جائزة نوبل، والذي هو بالطبع، وبشكل ثابت، وفي نفس الغرفة البرجية غير القابلة للتدفئة تمامًا، بين ألواح خشب التنوب النرويجي الرخيص، يذهب دائرة بعد دائرة، باختصار أنا، أو بالأحرى "الشيء" الذي أنا عليه الآن، يسرّع خطواته، وكأنه يريد التعبير عن أن أفكاره حول هؤلاء الملائكة الجدد تتطلب مقياسًا مختلفًا وسرعة مختلفة من الشخص الذي يفكر فيهم، وبالفعل، مع تسريع خطواتي، أصل على الفور إلى استنتاج مفاده أن هؤلاء الملائكة الجدد ليس لديهم أجنحة فحسب، بل ليس لديهم رسالة أيضًا، لا شيء، إنهم موجودون فقط بيننا، بملابس الشارع العادية، غير قابلين للتعرف، إذا أرادوا ذلك، ثم، إذا أرادوا خلاف ذلك، فإنهم يختاروننا، ويخطون إلينا، وعندئذٍ تسقط الغشاوة عن أعيننا في لحظة، وينجلي الصدأ عن قلوبنا، أي أن اللقاء يتم، ونحن مذهولون: يا إلهي، ملاك، وهم يقفون أمامنا، ولكن فقط ... لا يقدمون لنا أي شيء، لا توجد جمل متموجة حولهم، لا يوجد نور يهمسون به في آذاننا، لأنهم لا ينطقون بكلمة واحدة، وكأنهم أصيبوا بالخرس، إنهم يقفون فقط وينظرون إلينا، يبحثون عن نظراتنا، وفي هذا البحث هناك توسل لنا بأن ننظر في أعينهم، وأن نسلمهم نحن رسالة، لكن للأسف ليس لدينا شيء، لأن الشيء الوحيد الذي يمكننا قوله ردًا على النظرة المتوسلة هو ما كان جوابًا في الماضي، عندما كان هناك سؤال، ولكن الآن لا يوجد سؤال ولا جواب، فما نوع هذا اللقاء؟ ما هذا المشهد السماوي /الأرضي؟ إنهم يقفون أمامنا، ينظرون، ونحن أيضًا نقف وننظر، وإذا كانوا هم يفهمون شيئًا من كل هذا، فنحن بالتأكيد لا نفهم ما يحدث، الأبكمُ مع الأصمّ، والأصمُّ مع الأبكم، كيف يمكن أن ينشأ من هذا أيّ تحاور، أيّ فهم، فضلًا عن الحضور الإلهي؟ عندئذٍ سيخطر ببال كلّ إنسان وحيدٍ، مُتعَبٍ، مُكتئبٍ وحسّاس- كما يحدث الآن تمامًا، إن سمحتم لي أن أُدرِج نفسي بينكم- سيخطر لي أنا، الذي يبدو أنّني أقف هنا أمامكم متحدثًا في الميكروفون، ولكني في الواقع هناك في الغرفة البرجية، كما تعلمون، جدران من ألواح خشب التنوب النرويجي الرخيص، وعزل حراري سيئ، أن هؤلاء الملائكة الجدد في صمتهم اللانهائي ربما لم يعودوا ملائكة على الإطلاق، بل قرابين، قرابين بالمعنى الأصلي والمقدس للكلمة، أُخرج سريعًا سماعتي الطبية، لأنها دائمًا معي، حتى الآن، هنا، بينما أتحدث من تلك الغرفة البرجية، أذرع المكان ذهابًا وإيابًا، وأضع القرص والجرس برفق شديد على صدوركم جميعًا، وأسمع على الفور صوت القدر، أسمع أقداركم، ومع هذا أخطو إلى ذلك القدر، أشعر بمثل هذا القدر ينبض، والذي يُغير هذه اللحظة على الفور، ولكن بشكل رئيسي اللحظة التالية التي كانت ستقف أمامي، لأن اللحظة التي بدت مرجحة أن تلي ليست هي اللحظة التي تليها، بل تأتي لحظة مختلفة تمامًا، لحظة الصدمة والانهيار تضربني، لأنّ سماعتي الطبية تلتقط القصة المروّعة لهؤلاء الملائكة الجدد الواقفين أمامي: إنهم قرابين، قرابين، لا من أجلنا، بل بسببنا، من أجل كلّ واحد منا، وبسبب كلّ واحد منا، ملائكة بلا أجنحة وملائكة بلا رسالة، وهم يدركون طوال الوقت أنّ هناك حربًا، حربًا ولا شيء سوى الحرب، حرب في الطبيعة، وحرب في المجتمع، وهذه الحرب تُشنّ لا بالأسلحة وحدها، ولا بالتعذيب وحده، ولا بالدمار وحده؛ فهذا، طبعًا، أحد طرفَي الميزان. لكن هذه الحرب تجري على عكس الميزان أيضًا، لأن كلمة سيئة واحدة تكفي، كلمة سيئة واحدة تُلقى على أحد هؤلاء الملائكة الجدد، فعل واحد جائر، أو طائش، أو غير لائق يكفي، جرح واحد للجسد والروح، لأنهم عندما ولدوا لم يكونوا معدّين لهذا، إنهم عاجزون عن الدفاع في مواجهة هذا، عاجزون عن الدفاع ضد السحق، عاجزون عن الدفاع ضد الدناءة، في مواجهة القسوة الساخرة من براءتهم وعفتهم، عمل واحد فقط يكفي، بل إن كلمة سيئة واحدة تكفي لجرحهم إلى الأبد - وهو ما لا أستطيع علاجه حتى بعشرة آلاف كلمة، حيث لا علاج له.

2

  آه، كفى حديثاً عن الملائكة!

 فلنتحدث بدلاً من ذلك عن كرامة البشر.

 أيها الكائن البشري، أيها المخلوق المذهل، من تكون؟

 لقد اخترعت العجلة، واخترعت النار، واكتشفت أن التعاون هو فرصتك الوحيدة، واخترعت أكل الجيف لتكون سيد العالم الذي تحكمه، اكتسبت قدرًا مذهلاً من الذكاء، ودماغك ضخم، كثير التلافيف ومعقد لدرجة أنك اكتسبت قوة - محدودة إلى حد ما - على العالم الذي تسميه العالم، توصلت إلى رؤى تبين لاحقًا أنها غير صحيحة، لكنها ساعدتك على المضي قدمًا في تطورك، لقد عزز تقدمك الذي بدا قفزة ونمّى نوعك على الأرض، تجمعت في قطعان، وبنيت مجتمعات، وأنشأت حضارات، وكنت قادرًا على تلك المعجزة المتمثلة في عدم الانقراض، رغم أن الفرصة كانت متاحة لك، لكنك وقفت على قدمين مرة أخرى، ثم كـالإنسان الماهر (Homo Habilis)، صنعت أداة من الحجر وتمكنت من استخدامها، ثم كـالإنسان المنتصب (Erectus)، اخترعت النار، وبسبب تلك التفصيلة الصغيرة المتمثلة في أن الحنجرة والحنك الرخو لا يلتقيان لديك، على عكس الشمبانزي، أصبح من الممكن - بالتوازي مع صقل مركز الكلام في الدماغ - أن تنشئ الكلام، جلست مع رب السماوات، وإذا كان لنا أن نصدق الفصول الصامتة من العهد القديم، فقد جلست معه، وأعطيت اسمًا لكل ما أظهره من الأشياء المخلوقة، ثم لاحقًا اخترعت الكتابة، ولكن في هذا الوقت كنت بالفعل قادرًا على التفكير الفلسفي، ربطت الأحداث أولاً، ثم فصلتها عن معتقدك الديني، واعتمدت على تجربتك لتخلق الزمن، بنيت عربة وسفينة، وسافرت في المجهول على الأرض، ونهبت كل ما يمكن نهبه، واكتشفت ما يمكن أن يعنيه تركيز قوتك وسلطتك، قمت بمسح الكواكب التي كان يُعتقد أنه لا يمكن الوصول إليها، ولم تعد تعتبر الشمس إلهًا والنجوم محددة للمصير، اخترعت، أو بالأحرى، وصفت الجنسانية، ودور المرأة والرجل، ثم بعد فوات الأوان، وإن لم يكن بعد فوات الأوان أبدًا، اخترعت لهما الحب، اخترعت الشعور، والتعاطف، واخترعت طرقًا هرمية مختلفة لاكتساب المعرفة، وفي النهاية حلقت في الهواء، متجاوزًا الطيور، ثم سافرت إلى القمر، واتخذت خطواتك الأولى هناك، اخترعت أسلحة يمكنها تفجير الأرض، ومرات عديدة متتالية، أنشأت علومًا على مستويات مرنة لدرجة أن الغد يسبق دائمًا ويخجل ما يمكن تصوره اليوم، وخلقت أيضًا فنًا من رسومات الكهوف إلى العشاء الأخير لليوناردو، من سحر الإيقاع السحري والأسود إلى يوهان سيباستيان باخ، وأخيرًا، فجأة على مقياس تاريخي، بدأت لا تؤمن بأي شيء بعد الآن، بمساعدة أدواتك التي خلقتها بنفسك وتدمر الخيال، لم يتبق لديك سوى ذاكرة قصيرة المدى، وهكذا، تركت الحيازة النبيلة والمشتركة للمعرفة والجميل والخير الأخلاقي، وأنت الآن مستعدٌ للانتقال إلى الأراضي المنبسطة، حيث ستغرق ساقاك، لا تتحرك، هل ستذهب إلى المريخ؟ بل الأفضل القول: لا تتحرك، لأن هذا الوحل سيبتلعك، سيسحبك إلى المستنقع، لكنها كانت جميلة، رحلتك في التطور تأخذ بالأنفاس، لكن للأسف: لا يمكن تكرارها.

3

  آه، دعنا من الكرامة الإنسانية.

 سأتحدث عن التمرد بدلاً من ذلك.

 لقد حاولت التطرق إلى هذا الموضوع مرة واحدة في كتابي "العالم يمضي قُدمًا"، لكني لست راضيًا عن ذلك، سأحاول مرة أخرى.

  في فترة ما بعد الظهيرة الرطبة والمشبعة بالبخار في أوائل التسعينيات، كنت أنتظر قطارًا في برلين، في الطابق السفلي لإحدى محطات مترو الأنفاق (U-Bahn). كانت الأرصفة، كما هو الحال في جميع أنظمة مترو الأنفاق، مصممة بحيث تم تركيب مرآة كبيرة مزودة بأضواء تحكم عند نقطة البداية في اتجاه السفر، على بعد أمتار قليلة فقط من المكان الذي يواصل فيه القطار مساره في نفق مرة أخرى، جزئيًا لمساعدة السائق على رؤية طول القطار بالكامل، وجزئيًا للإشارة إلى النقطة التي يجب أن يتوقف عندها مقدمة القطار بدقة بالسنتيمتر، مؤقتًا، للسماح بالصعود والنزول.

  كانت المرآة مخصصة بالطبع للسائق، وكانت الإشارة الحمراء للأضواء تشير إلى المستوى العمودي على القضبان الذي يجب أن يوقف السائق القطار عنده لضمان الصعود والنزول بأمان، ثم تتحول هذه الأضواء إلى اللون الأخضر بعد اكتمال الصعود والنزول، ويمكن لمترو الأنفاق أن يستمر في النفق - وفي حالتي - نحو روهليبن لتجنب الحوادث، وترتيب القواعد بشكل عام، بالإضافة إلى وضع لافتة تحذيرية، تم أيضًا طلاء خط أصفر سميك وواضح على الرصيف بين عمود حامل المصباح ومدخل النفق، وكان هذا الخط الأصفر يهدف إلى الإشارة إلى أنه حتى لو امتد الرصيف نفسه بضعة أمتار أخرى، وهو ما كان صحيحًا، فلا يجوز للراكب تجاوز هذا الخط الأصفر على الإطلاق. وهكذا، تشكلت - كما هو الحال في جميع المحطات - منطقة محظورة تمامًا بين الخط الأصفر ومدخل النفق، لا يجوز لأي إنسان، أي راكب، الدخول إليها تحت أي ظرف من الظروف.

  كنت أنتظر القطار ليأتي من اتجاه (كروزبرج )، وفجأة لاحظت أن شخصًا ما كان في هذه المنطقة المحظورة هذه المرة. كان متشردًا، وكان ظهره محنيًا، من الألم، وقد أدار وجهه قليلاً نحونا في مبديا هذا الألم، كشخص يتوقع التعاطف، كان يحاول التبول في الممر المبني للقضبان.

  بدا واضحاً أن عملية التبول تسبب له معاناة كبيرة، وكان بالكاد يتخلص من البول قطرة قطرة. بحلول الوقت الذي استوعبت فيه تمامًا ما كان يحدث هناك، كان الناس من حولي قد لاحظوا أيضًا ما هو هذا الحدث غير المسبوق الذي يعكّر صفو فترة ما بعد الظهيرة بالنسبة لنا. كان الرأي فوريًا وعامًا، ومتفق عليه بشكل يكاد يكون ملموسًا، بأن هذا فضيحة، ويجب إنهاء الفضيحة على الفور، ويجب يغادر المتشرد، ويجب إعادة تفعيل الخط الأصفر. لم تكن هناك مشكلة لو تمكن المتشرد من إنهاء حاجته، والتسلل عائدًا إلينا، ثم الصعود على الدرج إلى المستوى العلوي، لكن المتشرد لم ينهها، ومن المفترض أنه لم يتمكن من ذلك، وما جعل الحدث أقرب إلى المشكلة هو أن شرطيًا ظهر فجأة على الرصيف المقابل، ومناديًا من هناك، وكان في الواقع يقف تقريبًا مقابل المتشرد، أمر المخالف للقانون بحزم بالتوقف عما يفعله فورًا.

 لقد تم تصميم هذه المحطات - مرة أخرى، من أجل السلامة - بحيث يتم فصل القطارات القادمة والمغادرة إلى محطة معينة من اتجاهين متعاكسين عن بعضها البعض، أي أن مجموعتي القضبان وُضعتا في حفرة بعمق متر تقريبًا وعرضها حوالي عشرة أمتار، لذلك إذا غير الراكب رأيه وأراد الانتقال من الرصيف المخصص للقطارات المتجهة في اتجاه واحد فقط إلى الرصيف المتجه في الاتجاه الآخر، فإن عليه القيام بذلك عن طريق الذهاب إلى الدرج الذي يفتح في نهاية رصيفه، والصعود إلى المستوى العلوي، ثم السير عبر الممر فوق القضبان إلى هذا الجانب، والنزول على الدرج، وهكذا يصل إلى القطار المتجه في الاتجاه الذي رغب فيه فجأة، ولكن بالطبع لم يكن بإمكانه ببساطة أن يقفز في حفرة السكة ويقطع تلك الأمتار العشرة متجاوزًا هذه القضبان، لا، هذا، إذا كان من الممكن تصعيد الحظر، كان ممنوعًا بشكل أكبر، وبالطبع كان يشكل خطرًا على الحياة، وأنا أشرح هذه الحقيقة الواضحة بمثل هذه التفاصيل لأنه كان على الشرطي المذكور والذي كان غاضبًا بشكل واضح - محافظًا على كرامته إلى حد ما، ولكنه يستخدم سلطته وحسن تقديره - أن يسلك نفس المسار بالضبط، أي كان عليه أن يبدأ السير نحو الدرج الصاعد على ذلك الرصيف المقابل، ومن ثم كان عليه أن يصعد الدرج إلى المستوى العلوي هناك، ثم يسرع عبر الممر إلى هذا الجانب، وأخيرًا ينزل إلينا.

 كان هذا هو الوضع الحاكم، لذلك أُجبر الشرطي أيضاً على ذلك، لأنه من لحظة ملاحظة الأمر، رغم أنه صاح عدة مرات بصوته الجهوري، لم يأبه المتشرد، بل احتفظ برأسه موجهاً إلينا في نفس الاتجاه، ونظر إلينا بنظرة تعكس استمرار معاناته، بينما استمر في تقطير البول على القضبان، وهذا: انتهاك غير مسبوق حقاً للقاعدة، والنظام، والقانون، والحس السليم، أي أنه لم يأبه للأمر، أو بتعبير الشرطي المفترض: تظاهر بأنه أصم، وهذا آلم الشرطي بشكل خاص.

 لا شك أنّ المتشرّد كان واعياً بأنّ الشرطي، بفضل ميزته المؤثّرة الأخرى، سيكون أسرع منه، وأنه لن يستطيع بأي حال من الأحوال أن يُتمّ الفعل المحظور في الوقت المناسب وفقاً لإرادته وإرادة الطبيعة. لذلك، عندما أدرك أنّ الشرطي انطلق مسرعا، وأخذ يركض على الرصيف المقابل ليبلغ المخرج المرتفع البعيد، ويصعد إلى المستوى الأعلى، ويعبر فوق القضبان، ثم يهبط إلى جهتنا ليمسك به متلبساً، توقّف بصعوبة، وهو يئنّ ويتنهّد، عمّا كان يفعله، وبدأ يفرّ باتجاهنا ليصل بأسرع ما يمكن إلى أقرب سلّم صاعد ويختفي بطريقة ما.

 لقد كان سباقاً مروعاً. صمت الجمهور على رصيفنا، لأنه عندما تحرك المتشرد، أصبح واضحاً على الفور أن هذا الهروب لن ينجح هنا، لأن هذا المتشرد العجوز بدأ جسده كله يرتجف، وبدا أن ساقيه ودماغه الذي يتحكم في ساقيه يعودا يعملان بشكل سليم، وهكذا، بينما كان يراقب الشرطي وهو يسارع نحو مخرج الصعود هناك على الجانب الآخر - متراً بعد متر! - لم يكن هو، هنا على جانبنا، قادراً على قطع سوى سنتيمترات وسنتيمترات بجهد رهيب وأذرع متأرجحة، بينما كان الشرطي أيضاً، وهو أيضاً، ينظر إلى الأمتار العشرة التي فصلتهما عن بعضهما البعض. كانت هذه الأمتار العشرة تمثل للشرطي عذاباً قاسياً لحاجز عقابي غير مستحق، وبالنسبة له، على جانبنا، كانت هذه الأمتار العشرة تعني التأجيل، وهو تأجيل يحمل في طياته الأمل الساذج بأنه سيفلت من المساءلة الواضحة.

 من وجهة نظر الشرطي، كان هو يمثل القانون، والخير الذي أقره الجميع وبالتالي أصبح إلزاميًا، في مواجهة المخالف للقواعد الذي أدانه الجميع والرافض للمنطق، بمعنى آخر، كان يقف في وجه الشر. نعم، كان يمثل الخير الواجب، لكن في تلك اللحظة كان عاجزًا. أما في داخلي، بينما كنت أشاهد بتواضع هذا السباق اللا إنساني بين الأمتار والسنتيمترات، حدث أن انتباهي أصبح حادًا، وهذا الانتباه أوقف اللحظة. أوقفها عند اللحظة التي لاحظ فيها كل منهما الآخر: الشرطي الطيب لاحظ أن المتشرد الشرير يتبول في المنطقة المحظورة، والمتشرد الشرير لاحظ، لسوء حظه، أن شرطيًا طيبًا رأى كل هذا. لم يكن بينهما سوى عشرة أمتار، أمسك الشرطي بعصاه المطاطية، وقبل أن يندفع، تردد. أوه، كانت قوة لا نهائية لكنها محبوسة في تلك الحركة، عضلاته مشدودة مستعدة للقفز، لأنه خطر بباله للحظة: ماذا لو قفز ببساطة فوق تلك العشرة أمتار، بينما في حماية العشرة أمتار على الجانب الآخر، كان ذلك الكائن الهش شديد التعاسة يتخبط ويرتجف. هنا توقّف انتباهي، وهكذا ظلّ حتى اليوم، كلّما استحضرت تلك الصورة: حين انطلق الشرطي غاضباً، يلوّح بعصاه المطاطية، متجهاً نحو المتشرّد؛ أي حين اندفع الخير الواجب نحو الشرّ الذي عاد للظهور متخفّياً في هيئة المتشرّد، بل ليس نحو الشرّ فحسب، بل نحو الشرّ المحض، نحو الشرّ المقصود بوعيٍ كامل. وهكذا، في هذا المشهد المتجمّد، ما زلتُ إلى اليوم أرى أنّ الشرطي، في الجانب المقابل، يقطع أمتاراً وأمتاراً بخطوات متسارعة ثم راكضة، بينما المذنب، في جانبنا، لا يقطع سوى سنتيمترات وسنتيمترات، وهو يئنّ ويرتجف، ضعيفاً، ومشلولاً تقريباً من الألم، إذ مَن يدري كم تبقّى من قطرات في هذا الجسد. نعم، أرى أن الخير في هذا السباق لن يتمكن أبدًا من الإمساك بهذا الشر بسبب تلك الأمتار العشرة فقط، لأن هذه الأمتار العشرة لا يمكن تجاوزها، وحتى لو قبض هذا الشرطي على هذا المتشرد في نفس اللحظة التي يقتحم فيها القطار المحطة، فإن تلك الأمتار العشرة في عيني أبدية ولا تُقهَر، ذلك أنّ انتباهي لا يدرك إلا حقيقة واحدة: أن الخير لن يصل أبدًا إلى الشر المتخبط، لأنه لا يوجد أي أمل بين الخير والشر.

 صحبني القطار باتجاه روهليبن، ولم أستطع إخراج ذلك الارتعاش والتخبط من رأسي، وفجأة، كالبرق، طرأت على ذهني تساؤلات: متى سيثور هذا المتشرد وجميع المنبوذين الآخرين - وأي نوع من الثورة والتمرد سيكون؟ ربما دمويًا، ربما قاسيًا، ربما رهيبًا، عندما يقتل أحدهم الآخرين. ثم هززت رأسي، لأني أقول: لا، التمرد الذي أفكر فيه سيكون مختلفًا، لأنه يتعلق بالأمر برمته.

  سيداتي وسادتي، كل تمرد هو تمردٌ شامل، والآن، وأنا أقف هنا أمامكم، وأتباطأ خطواتي في غرفة البرج تلك في منزلي، تعود بي ذكريات رحلة قطار الأنفاق من برلين إلى روهلبن. محطةٌ مضاءةٌ تلو الأخرى، لا أنزل منها، وما زلت منذ ذلك الحين أتنقل بهذا المترو في الأنفاق، لأنه لا توجد محطة يمكنني النزول عندها، فقط أتابع المحطات وهي تمرّ أمامي، وأشعر أنني فكرتُ مليًا وقلتُ كل ما في خاطري عن التمرد،، والكرامة الإنسانية، والملائكة، ونعم، ربما عن كل شيء – حتى عن الأمل.

(تمت)

***

...................

* تنشر ورقيا فى جريدة أخبار الأدب المصرية فى العدد الجديد بتاريخ 14 /12/2025

 

في الدولتين الأموية والعباسية، على ما يروى، كانت تصك عملات معدنية يسمى أحد وجهيها «الطيب»، والآخر «النقيض». دار ميريت للنشر، في مسارها الثقافي الفريد، كانت عملة من هذا الطراز وجهها الطيب هو الحاضن الصغير الحميم للمواهب الجديدة، ووجهها النقيض هو ناشر متمرد لا يخشى التحيز لقناعات يصنفها كثيرون في خانة ضيقة؛ فيما هي، في حقيقتها، مجرد وضوح يزعج الأنساق الثقافية الراسخة. رحيل مؤسسها، محمد هاشم، ليس رحيل شخص فحسب، إنما هو اختفاء أحد النقائض التي ألزمت المشهد الثقافي المصري، قسرًا أو اختيارًا، بمراجعة ذاته.

هنا، في هذا المقام، لا يليق بنا أن نرثي الرجل برثاء عاطفي. فهاشم، وهو المنحدر من خلفية يسارية تقليدية وعرف السجن في شبابه، كان يرفض أن يختزل في عاطفية التمجيد. الأجدر أن نستدعيه كما كان: مثقفًا ناشرًا، استثمر في الفكرة كما يستثمر الآخرون في السوق، ووظف دار ميريت ليكون نقدها الثقافي رديفًا لإبداع من تنشر لهم، وليس مجرد وسيلة للترويج والتسويق. لقد فهم، بعمق، أن النقد الحقيقي – ذلك الذي يعد عملًا معرفيًّا وليس إبداعًا في ذاته – يقوم بوظيفة أساسية هي غربلة الواقع اليومي بحثًا عن البارقة الكثيفة، عن ذلك الجوهر الشعري المخبوء في قلب النثر المعيش.

ومن هذه الغربلة ولدت سمة داره الأشهر، تلك التي تحولت إلى نكتة ساخرة تختزل مأساة النشر المستقل: أن تكون ميريت حاضنة تربي المواهب حتى تشتد عودها، فتخطفها منها دور النشر الكبرى ذات الموارد التسويقية الأضخم. لقد شكلت هذه الظاهرة نسقًا ثقافيًّا مضمرًا بامتياز فهي تكشف عن اقتصاد ثقافي يقدم الولاء للنجاح التجاري السريع على الاستمرارية الفكرية، ويحول المؤلف من منتج لخطاب ثقافي إلى علامة تجارية قابلة للانتقال. كان هاشم، بوعيه السياسي القديم، يدرِك هذه اللعبة، وربما قبلها كمحصلة حتمية، لكنه لم يتوقف عن تقديم حاضنته تلك، كمن يقدم القرابين لنار يعرف أنها ستلتمهم قرابينه وتتقدم.

لكن ميريت لم تكن مجرد حاضنة ساذجة. لقد كانت، وبإرادة هاشم الواضحة، حاضنة أيديولوجية أيضًا. هنا يبرز الوجه النقيض للعملة، حيث يتحول الوضوح الفكري إلى تحيز ضيق في قاموس الخصوم. لقد حول هاشم الدار إلى منصة لمشاريع ثقافية تغاير السائد، فنشر للأديب سليمان فياض كتابه الجريء «النميمة»، وارتهن بمخاطر ترجمة كتب لكاتب إشكالي مثل حامد عبد الصمد. كان هذا الانحياز، بحد ذاته، شكلاً من أشكال النقد الثقافي الذي يرفض أن يكون النص مجرد علامة جمالية، يعامله كنسق ثقافي مضمر يحتاج إلى تفكيك وإضاءة. لم يكن هاشم يبحث بالضرورة عن الجميل في النصوص التي ينتقيها، لقد كان يبحث عن المخبوء وراء الجميل والقبيح على السواء، عن ذلك الحوار الصامت مع الأنساق المهيمنة.

في هذا، كان محمد هاشم أقرب إلى مفهوم التعددية الخصبة والتي يغترف منها المثقف وهو يغربل انتماءاته الأولى دون أن يلغيها. فقد كان مسيسًا يعيش على قضايا وطنه من بعيد، مما ولد فيه ربما ذلك الإحساس المزدوج بالالتزام والمسافة الذي يسمح برؤية أوضح، وإن كانت أكثر قسوة. لقد حول داره إلى جسر بين التعددية الثقافية التي نشأ عليها في بيئته الأولى، وبين حاجة المشهد المصري إلى أصوات مختلفة تخرجه من أحاديثه المكررة.

لعل المفارقة الأكثر إيلاماً، في مشهد النقد الثقافي الذي نعيشه، هي تلك الفجوة التي تفصل بين اللقاء الشخصي والاقتراب المشروع. لقد التقيته عشرات المرات، هذا الرجل، محمد هاشم. كان حاضرا في مقاهي وسط البلد والجريون، حاضراً في أمسيات الكتب، حاضراً في تلك الشبكة الخفية من الأحاديث التي تشكل العمود الفقري للحياة الثقافية المصرية. معظم أصدقائي، من جيلي وما قبله، نشرت داره أولى تجاربهم، أو أكثرها جرأة. وكانت نسخاً مجانية من إصدارات ميريت تصل إلي، حاملة ذلك الحضور المادي للفكرة، مع إهداء بخط يده أحياناً. ومع ذلك، ظلت كتبي، على تعددها، خارج فهرس دار ميريت. لم يكن هذا إخفاقاً في تقديم المخطوطة، أظنه كان استعصاء متبادلاً ناعماً، تشكل في منطقة ظل ذلك اللقاء المستمر.

هنا لا يعود الأمر يتعلق بـ "النكتة" الساخرة عن الحاضنة التي تستزرع فيها المواهب، لكن يصبح الأمر أكثر تعقيداً: إنه فشل معلن. ففي الوقت الذي كانت فيه "ميريت" تنفتح كحاضنة أيديولوجية على نصوص بعيدة، أو لكتاب جدد، كانت تشكل، بالنسبة لمسار كتابي الشخصي، نوعاً من الحاجز الوجودي. كان حضورها يعلن: هنا مكان للأصوات التي تحتاج إلى من يمنحها الشرعية الأولى، أو للمواقف التي تحتاج إلى منبر معلن. أما أنا، فكنت قد دخلت ساحة النشر من بوابات أخرى، وحملت معي، ربما دون قصد، شرعية جاهزة أو "صندوقاً أدبياً" معرفاً مسبقاً، كان هاشم، بحسه النقدي الحاد، يرفض استقباله داخل جدران حانوته الصغير.

لقد كان هذا الرفض غير المعلن هو أصدق أشكال الاعتراف بجدية مشروعه. فالناشر الأيديولوجي لا يخون قناعاته في سبيل كسب اسم جديد إلى قائمته. كان بإمكانه أن يضمني إلى رصيده كـ "غنيمة" ثقافية، كاسم له وزنه في سوق النشر، لكنه آثر أن يحافظ على نقاء بيته الداخلي. إن داراً كهذه لا تبحث عن النجومية التجارية للمؤلف بقدر ما تبحث عن التطابق الهش والصعب بين روح النص والروح الجماعية التي تشكل هوية الدار. وروح نصوصي، رغم كل الجرأة التي قد تحملها، كانت تنتمي، في بنيتها العميقة، إلى "أنساق مهيمنة" أخرى - ربما أنساق الشكل، أو اللغة، أو حتى الجمهور المتوقع – تتعارض مع منطق "الحاضنة" الذي يقتات على تفكيك المهيمن.

هذا الفشل في التوحد مع ميريت، رغم كل قربي الشخصي منها، هو ما يكشف الطبيعة التراجيدية للمثقف العربي. فنحن نلتقي في الفضاءات نفسها، نشرب القهوة نفسها، نتبادل التحايا والنسخ المجانية، وربما نتشارك في تشكيل "مشهد ثقافي" موحد الظاهر. ولكننا، في اللحظة الحاسمة - لحظة اختيار النص، لحظة منح الشرعية- ننتمي إلى كواكب متباعدة. كان هاشم يبني جسراً إلى السوريالية الأولى عبر الثقافة، بينما كنت أنتمي، ربما، إلى "مصرية ثانية" أو حتى ثالثة، تتشكل في فضاءات النشر الكبرى وأسواق الكتب الدولية. كان حوارنا الصامت هو: أنا لست من "مواليد" ميريت، ولم أكن لأصبح كذلك، حتى لو أردت. كانت داره تدافع عن حدودها الرمزية بحسم صامت، كأنما تقول: نحن هنا لصناعة المعنى من نقطة الصفر، وليس لاستقبال المعنى الجاهز.

وهكذا، فإن رحيله لا يثير في حزن من فقد صديقاً أو صاحب فحسب، بل حزن من فقد إمكانية اختبار ذلك الحاجز ذاته. لقد ظل سؤال لماذا لم أنشر في ميريت؟ سؤالاً حياً، وربما محرجاً، في كل لقاء. وكان جوابه الضمني هو ما منح العلاقة توترها الثقافي الخلاق. اليوم، بانتفاء ذلك الحاجز بغيابه، أشعر أن جزءاً من إمكانية تعريف ذاتي الثقافية قد ذهب معه. فلم أعد ذلك الكاتب الذي يمكن لميريت أن ترفضه، لأن ميريت، بالمعنى الذي صنعه هاشم، رحلت. وأصبحت أمام مرآة ذات واحدة، بلا ذلك الوجه النقيض الذي كان يعيدني، باستمرار، إلى سؤال الموقع والهوية والانحياز.

اليوم، ونحن نودع محمد هاشم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس عن مستقبل دار ميريت وحدها، لكن السؤال الجوهري هو عن مستقبل «فكرة» دار النشر المستقلة ذات الخط الواضح في عصر العولمة الثقافية الجارفة. لقد نجح هاشم، مثلما ينجح النقد الثقافي الحقيقي، في كشف عيوب نسقية عدة: نسق الاستهلاك السريع، ونسق الحياد الزائف، ونسق التبعية للتيار العام.

رحل الرجل الذي رفض أن يدخل في معركة فاشلة مع نص رديء، مفضلاً أن يخوض معارك أصعب مع نصوص جيدة في زمن رديء. وفي رحيله، يخسر المشهد الثقافي العربي أحد أولئك الذين ألزموا الكلمة بمسئوليتها، وألزموا الصمت بأن يفسر نفسه.

***

د. عبد السلام فاروق

 

ومواقف الأستاذ المربّي جورج هاشم

انقضى أكثر من قرن ونصف على وجود الجالية اللبنانيّة، ثمّ العربيّة بعامّة، في أستراليا. أكثر من قرن ونصف من الإخفاقات والنجاحات: إجتماعيّاً، إقتصاديّاً، سياسيّاً، علميّاً، ثقافيّاً. أحسنت الجالية وأساءتْ مثل أي جالية يتألّف منها المجتمع الأسترالي، يجب تثبيت ذلك، حتى لا يكون متعالون أو مهزومون، نعم، الجالية اللبنانيّة والعربيّة في أستراليا عموماً، وفي ولاية نيو ساوث ويلز خصوصاً، حيث التجمهر الأكبر، أخطأتْ وأصابتْ، ولكن في يوم المكاشفة سيتعيّن أن تتقدّم بوثائق، بتسجيلات، ببراهين، وإذا لا وثائق ولا تسجيلات ولا براهين ولا تاريخ فهل ذلك يعني إنّ الجالية موجودة؟ هذا ما يريد أن يتداركه الأستاذ المربّي جورج هاشم في كتابه "محطّات ومواقف \ من سيرة مهاجر" أن يتدارك كما تدارك قبله البعض من أبناء الجالية، ومنهم الصديق الأستاذ بطرس عنداري في كتابه "كي لا ننسى" فلا يُقال إن هذه الجالية الكبيرة المحترمة هي "شبِّه لكم" فهي لا تاريخ لها، وإذا كان لها وجود فهو من نوع ما تلفّظ به مرّةً ظالماً مفوَّض الشرطة الأسبق بيتر راين أنّ الجالية اللبنانيّة، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، هي دنيا الجريمة، وكان للأستاذ هاشم في حينه شرف الشجاعة، هو ومجموعة من المخلصين أفراداً وجمعيّات ومؤسّسات، لرفع دعوى قدح وذمّ بحقّ رأس أعلى سلطة أمنيّة.

أراد جورج هاشم أن يدلي بدلوه، بتسجيل حيّز من تاريخ الجالية، بأسلوب ينهل من أدب السيرة الذاتيّة الذي يقوم على تجربة الفرد في مجتمعه وحياته، وتدوينها بأمانة وصدق. وهكذا تتوالى صفحات كتاب "محطّات ومواقف \ من سيرة مهاجر" ناضحة بتاريخ فرد، ومن خلال هذا الفرد ذاته ناضحة بتاريخ جالية فقدتْ وطنَها الأوّل يوم فقدتْ فيه أمنها وسلامها، جالية أغلبها من أصول ريفيّة معظم حظّها من العاصمة في الوطن الأم ربّما العابر، جالية وسط بحر من الشعور بالغربة، على رغم سعة صدر الوطن الثاني أستراليا، تحاول أن يكون لها موطئ قدم تحت الشمس، جالية تتعرّف إلى ذاتها الجديدة وهويّتها الجديدة، جالية فيها العاقل الذي يردّد مع الإمام الشافعي، على ما يذهب الأستاذ جورج في كتابه: "كلّما أدّبني الدهر \ أراني ضعف عقلي \ وإذا ما ازددتُ علماً \ زادني علماً بجهلي" وقد صدق الإمام الشافعي وصدق الأستاذ هاشم بنقله عنه. وفيها الجاهل المغرور حيث كما يقول جورج محاكياً المتنبّي أشهر العرب في الشعر: "الخيل والليل والأنخاب تعرفني \ والكيف يا حيف لا رمحٌ ولا قلم". جالية تعجّ بالمتناقضات، وخصوصاً تلك التي ورثتْها مكرَهة، وبصبرٍ ودأب، على رغم العثرات، تكافح للتخلّص من إرثها العقيم في القرويّة والمناطقيّة والجهويّة والعنصريّة والمذهبيّة والطائفيّة.

وأجدني أجانب الحقّ إذا لم أذكر تلك الروح النبيل التي تقود الأستاذ جورج هاشم وهو يخطّ سيرته في أستراليا، فيذكر أفعالاً كريمة لأصحاب ضمائر حرّة وأيادي بيضاء، ويثني على الفعل والفاعل، ويستكره ويستنكر أعمالاً بغيضه لأصحاب ضمائر ميّتة وأيادي يابسة، ويشهِّر بهذه الأعمال متجاوزاً عن عمّالها، فليس هنا تسوية حسابات ضيّقة، بل الهدف الأسمى أي الخير لهذه الجالية فتتمسّك بالطيّب، تتمثّله، وتمارسه، وتنأى عن الشرّ والسيء. فيما منارة المستقبل عند الكاتب هي واحد أحد: "الصدق مع الذات" فلا تطوّر ولا تقدّم من دون الصدق مع الذات، والذي من دونه أيضاً يستنقع الإنسان فلا هِمّة ولا نخوة بل هو مرائي، فكيف تنهض جالية بمن فيه داء الخبث مثلاً؟ ويقول جورج في كتابه أن المصاب بالداء الخبيث يمكن أن نعالجه، ولكن لا علاج لمن داؤه الخبث. أو كيف تنهض الجالية بمن هو على شكل ما يقول الشاعر ويردّده الكاتب: "فنذل الرجال كنذل النبا \ ت لا للثمار ولا للحطب".

ومن طرائف الأستاذ جورج هاشم في كتابه الظريف تصدّي الشاعر الزجلي الراحل رامز عبيد لأحد الصحفيين المدّعين في سيدني الذي كان قبل عصر الكومبيوتر والإنترنت يجمع الصحف والمجلاّت اللبنانيّة والعربيّة و"يقصّ" منها ما يريد من أخبار ومقالات وتحقيقات، وبالغراء يلصقها بصحيفته المحليّة، ويقول، على الرغم، إنّه ألمعي الصحافة المهجريّة في أستراليا، فيقول له الراحل الشاعر عبيد: "ما دام في عندك غري ومقص \ تحيا الصحافي الإنت ريّسها". ويعمل الأستاذ كامل المرّ، رئيس رابطة إحياء التراث العربي، سنة كاملة في مجلّة طريق الجالية التي يُشرف عليها ويوفّر تمويلها التجمّع الثقافي والأستاذ جورج هاشم ذاته، سنة كاملة والأستاذ المرّ يُجاهد في سبيل الكلمة، وكلّما حان موعد أن يقبض معاشه يمرّ عليه صديقه جورج ويسلّم عليه ويشدّ على يديه ويقول له باسماً: "يعطيك العافيه يا أبا هشام" ويخرج. وأخيراً وليس آخراً تنقسم جمعيّة تنّورين بين من يريد إرسال التبرّعات المجموعة لبناء قبّة الكنيسة في تنّورين الفوقا وبين من يريد توجيه التبرّعات ذاتها دعماً للمستوصف، وكان الكاتب جورج هاشم من حزب دعم المستوصف، والأكثر جهراً بدعمه هذا، فوقف له أحد حزب قبّة الكنيسة وقال له: "بكرا لمّا بتموت خلّيهم يجنّزوك بالمستوصف"! فجاوبه جورج قائلاً له ومن العيار ذاته: "بكرا لمّا بتفكش رقبتك خلّيهم يجبّرولك ياها على قبّة الكنيسه"!.

كتاب "محطّات ومواقف \ من سيرة مهاجر" هو قصّة مهاجر لبناني إلى أستراليا تتداخل معها قصّة جالية آمالها كبيرة في أن تكون عضواً ناجحاً في نادي أستراليا المتعدّدة الثقافات، هو كتاب في الحلو والمرّ، في الأمل واليأس، في حياة تريد أن تعيش بكرامة. كتاب في النخوة والشجاعة والصالح العام والتضحية العالية والصدق مع الذات وإحياء جالية وتسجيل تاريخ فلا يضيع.

***

شوقي مسلماني

رغم التباين بين الشخصيتين فكل واحد منهما أخذ مساره الفكري والإيديولوجي ألا أن ثمة احترام وتقدير بينهما فكان نجيب محفوظ وفيا لسيد قطب فكان يتذكر أنه أهم من كتب عنه ولفت النظر إليه وتحمس لكتابته عندما كتب سيد أول مقال نقدي عن رواية " كفاح طيبة " الصادرة سنة 1944 فلم ينس نحيب محفوظ هذه الالتفاتة رحمهما الله وغفر لهما ...

ويوضح لنا الكاتب " محمد سيد بركة" هذه العلاقة التي جمعتهما فيقول: "كما كان سيد قطب من أوائل الذين قدموا نجيب محفوظ للقراء منذ أكثر من ستين سنة، فسيد قطب هو الذى أعطى نجيب محفوظ شهادة ميلاده كروائى، وروائى عالمى، وهذا ما كان يتذكره نجيب محفوظ دائما بوفاء وامتنان حيث قال ذات مرة: لم يكن أحد يعبرنا، وكان أول من كتب عني سيّد قطب، وبعد ذلك أنور المعدّاوي .. لأنهما أدباء شبان لديهم شيء جديد، وأنا أيضا كنت شابا ولدي الجديد .

ويقول محفوظ في مذكراته الصادرة عن دار الشروق: سيد قطب هو أول ناقد أدبي التفت إلي أعمالي وكتب عنها، وكان ذلك في الأربعينيات، وتعرفت عليه في ذلك الوقت حيث كان يجيء بانتظام للجلوس معنا في كازينو أوبرا.. كانت العلاقة التي تربطنا أدبية أكثر منها إنسانية."

لكن رحلة سيد قطب رحمه الله إلى أمريكا عام 1948في بعثة من وزارة المعارف للتخصص في التربية وأصول المناهج  فتحت عينيه على حقائق جديدة غيرت بوصلة اهتماماته من الكتابة النقدية والأدبية إلى الاهتمام بقضايا الفكر والتغيير الاجتماعي لم يكمل الدراسة في أمريكا وبعد التحاقه بالإخوان المسلمين دخل في صراع مع السلطة فعرف السجون والمعتقلات وانتهت حياته بالإعدام ...

بينما نجيب محفوظ تفرغ للادب والرواية خاصة وأعطاهما جل وقته واهتماماته ولم ينشغل بالسياسة والانضمام للأحزاب حتى لا تشغله عما يستطيع أن يترك فيه بصمته فالاشتغال بالسياسة والانخراط في الأحزاب مضرة للمبدعين فما أحلى واجمل أن يغرد الكاتب خارج سرب الإيدبولوجيا والحزبية حتى يترك للإنسانية ما ينفع ويفيد!..

***

الكاتب شدري معمر علي - الجزائر

...................

1- محمد سيد بركة، نجيب محفوظ عندما رد تحية سيد قطب بالتي هي أسوا، رابطة أدباء الشام.

الأدب الشعبي بكل صنوفه المعروفة، من القصيد، العتابة، الزهيري، الحكاية، وغيرها، جزء من الموروث الثقافي لأي مجتمع، ومنها بالطبع مجتمع ريف الديرة.

ويكتسب الموروث الأدبي الشعبي أهميته، ليس من خلال اعتباره جزءاً من الهويّة فحسب؛ بل لأنه يمثل ثقافة مجتمع، بكل ابعاد تفاعلاتها الاجتماعية، والزمانية، والمكانية، وبالتالي فهو عطاء متراكم، من حاصل كل تلك التفاعلات، والتي اعتاد الناس على ابداعها، وتداولها، واستلهام القيم الإيجابية منها، حكما، وامثالا ومواعظ، كلما دعت الحاجة إلى ذلك.

 لكن خفوت وهج الأدب الشعبي في مجتمعاتنا الحديثة، بتداعيات العصرنة الصاخبة، وما افرزته ثورة الاتصال والمعلوماتية الرقمية، من بدائل تقنية للتلقي، رغم كل ما قدمته للموروث الشعبي من خدمة، في توثيقه، وسىرعة تداوله، الا أنها وضعته على طريق التلاشي التدريجي، حيث بات هذا الخفوت يدق جرس إنذار، بتلاشي أحد مصادر تشكيل أصالة الهوية الاجتماعية.

وإذا كانت ذاكرة الثقافة العربية، تحفل بثراء زاخر في موروثها الشعبي، بسبب عراقته الضاربة في القدم، بما هو آصرة أصالة، فلا شك إن الأمر يتطلب العمل على تنشيط هذا النمط من التراث، وجمع ما يمكن من حكائيته الشعبية بكل اصنافها، وتناولها رواية، وتداولا، ونقدا، وقراءة، وتلقيا، سواء على المستوى الشعبي الدارج في مجالس السمر، والدواوين، او على المستوى الأكاديمي، وذلك لإعادة الروح له، والحفاظ على ما تبقى منه من الضياع، قبل أن تكنسه من الوجود وسائل العصرنة الصاخبة، بتداعياتها السلبية المفتوحة، في كل الاتجاهات.

***

نايف عبوش