عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

دراسة نحوية ودلالية في ضوء آراء البصريين والكوفيين

تُعَدُّ اللغة العربية من أكثر اللغات ثراءً في أدواتها التعبيرية، إذ تتجاوز الكلمة فيها حدود الدلالة المعجمية المباشرة لتغدو أداةً لصناعة المعنى وبناء المقاصد البلاغية والنحوية معاً. ومن هذه الأدوات التي استوقفت النحاة والبلاغيين واللغويين قديماً وحديثاً أداة «كم»؛ لما تنطوي عليه من طاقة دلالية واسعة تجمع بين السؤال والإخبار، وبين طلب المعرفة والإفصاح عن الكثرة أو القلة.

وقد أفاض علماء العربية في بحثها وتحليل وظائفها، فتناولها البصريون والكوفيون وفقهاء اللغة من زوايا متعددة، تتصل بالإعراب والدلالة والتركيب والبلاغة، حتى أصبحت «كم» نموذجاً بارزاً للتفاعل بين النحو والمعنى في اللسان العربي.

«كم» في أصلها اللغوي

يرى اللغويون أن «كم» اسمٌ موضوعٌ للدلالة على العدد المبهم، فهي لا تحدد مقداراً بعينه، وإنما تشير إلى عدد مجهول يحتاج إلى تفسير أو بيان.

قال ابن فارس في مقاييس اللغة: إن مادتها تدور حول معنى المقدار والعدد، ومنها جاء الاستفهام عن الكمّية، أي عن مقدار الشيء وعدده.

ومن هنا كانت «كم» أداةً ذات طبيعة عددية، غير أن السياق هو الذي يحدد وظيفتها: أهي للاستفهام أم للإخبار.

أولاً: «كم» الاستفهامية

هي التي يُستفهَم بها عن عدد مجهول يراد العلم به.

فنقول:

كم كتاباً قرأتَ؟

كم يوماً أقمتَ؟

كم طالباً حضر الدرس؟

فالغاية هنا طلب معرفة العدد.

رأي البصريين:

ذهب نحاة البصرة، وفي مقدمتهم سيبويه والمبرّد والزجاج، إلى أن تمييز «كم» الاستفهامية يكون في الأصل منصوباً؛ لأنها تشبه الأعداد المركبة التي تحتاج إلى مفسِّر يرفع إبهامها.

ومن أمثلتهم:

كم رجلاً رأيتَ؟

كم كتاباً اشتريتَ؟

فـ«رجلاً» و«كتاباً» تمييزان منصوبان.

ويرى البصريون أن النصب هو الأصل، أما الجر بـ«من» فأسلوب فرعي نحو:

كم من رجلٍ لقيتَ؟

حيث دخلت «من» على التمييز فجرّته لفظاً.

رأي الكوفيين:

أما الكوفيون، وعلى رأسهم الكسائي والفراء، فقد توسعوا في أحكام التمييز، وأجازوا بعض الاستعمالات التي ضيقها البصريون، وعدّوا الجر بعد «كم» أكثر شيوعاً في بعض لهجات العرب.

واستدلوا بالسماع الكثير من كلام العرب الذي ورد فيه التمييز مجروراً بواسطة «من».

وقد كان منهج الكوفيين عموماً أقرب إلى الاحتجاج بالمنقول من كلام العرب، بينما كان البصريون أكثر ميلاً إلى التقعيد والقياس.

ثانياً: «كم» الخبرية

وهي التي يُراد بها الإخبار عن كثرة الشيء أو قلته دون طلب جواب.

نقول:

كم عالمٍ أفاد البشرية!

كم مدينةٍ زرتُ!

كم كتابٍ قرأتُ في شبابي!

فالمتكلم لا يسأل عن العدد، بل يخبر عن كثرته.

موقف البصريين من «كم» الخبرية

يرى البصريون أن تمييز «كم» الخبرية يكون مجروراً بالإضافة أو بـ«من» الزائدة.

مثل:

كم رجلٍ قابلتُ.

كم من عالمٍ أفاد الناس.

والسر في ذلك أن «كم» الخبرية عندهم أقرب إلى أسماء الكثرة، ولذلك يجيء التمييز بعدها مجروراً.

وقد شبّهها بعضهم بالمضاف، فجعلوا ما بعدها بمنزلة المضاف إليه.

موقف الكوفيين

وافق الكوفيون البصريين في أكثر أحكام «كم» الخبرية، غير أنهم كانوا أكثر مرونة في توجيه بعض الشواهد الشعرية التي خرجت عن المشهور.

فإذا ورد نصب التمييز في بعض الأشعار حملوه على الضرورة الشعرية أو على لهجة من لهجات العرب.

ومن هنا تظهر السمة العامة للمدرسة الكوفية في اتساعها للرواية واحتفائها بالسماع.

الفرق بين «كم» الاستفهامية و«كم» الخبرية

تقوم بينهما فروق دقيقة تمثل جوهر المسألة النحوية والدلالية.

وجه المقارنة

كم الاستفهامية

كم الخبرية

المعنى

السؤال عن العدد

الإخبار عن الكثرة

الجواب

تحتاج إلى جواب

لا تحتاج إلى جواب

التمييز

منصوب غالباً

مجرور غالباً

النبرة

استفهامية

خبرية تعجبية

مثال تطبيقي

كم كتاباً قرأتَ؟

سؤال ينتظر جواباً.

كم كتابٍ قرأتُ!

إخبار يفيد كثرة القراءة.

فالكلمة ذاتها بقيت كما هي، لكن اختلاف المقصد غيّر الإعراب والدلالة معاً.

«كم» في القرآن الكريم

وردت «كم» الخبرية في مواضع كثيرة من القرآن الكريم للدلالة على التكثير والاعتبار.

قال تعالى:

﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾.

فالمعنى: تركوا جناتٍ وعيوناً كثيرة.

وقال تعالى:

﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾.

فـ«كم» هنا خبرية تفيد التكثير والتنبيه إلى سنن التاريخ ومصائر الأمم.

أما الاستفهامية فقد وردت في سياقات السؤال والتقرير، كما في قوله تعالى:

﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾.

«كم» في الرؤية البلاغية

لم يقف البلاغيون عند حدود الإعراب، بل تجاوزوا ذلك إلى استكشاف أثر «كم» في صناعة المعنى.

فـ«كم» الخبرية ليست مجرد أداة عدد، بل هي أداة تصوير وتكثيف شعوري.

حين يقول الشاعر:

كم ليلةٍ سهرتُ في شوقٍ إليكِ

فهو لا يريد إحصاء الليالي، بل يريد تصوير طول المعاناة وامتداد الحنين.

وكذلك قول المتنبي:

وكم ذا بمصر من المضحكاتِ

ولكنه ضحكٌ كالبكاءِ

فـ«كم» هنا تحولت إلى أداة نقد اجتماعي وسياسي، تحمل في طياتها معنى السخرية والأسى معاً.

رؤية فقهاء اللغة

يرى فقهاء اللغة أن «كم» تمثل نموذجاً فريداً لما يسمى الاقتصاد اللغوي؛ إذ تؤدي بكلمة واحدة وظائف متعددة:

الاستفهام.

التكثير.

التعجب.

التهويل.

التحقير أحياناً بحسب السياق.

وهذا من أسرار العربية التي تجعل الأداة الواحدة قادرة على حمل شبكة واسعة من الدلالات دون أن تفقد وضوحها أو جمالها.

خاتمة

إن دراسة «كم» تكشف عن عمق الفكر اللغوي العربي ودقته؛ فهذه الأداة الصغيرة ظاهراً تختزن وراءها منظومة كاملة من الأحكام النحوية والدلالية والبلاغية. وقد أظهر البصريون ميلهم إلى إحكام القواعد والقياس، بينما اتجه الكوفيون إلى توسيع دائرة الاحتجاج بالسماع والرواية، فأسهم الفريقان معاً في بناء صرح النحو العربي.

وهكذا تظل «كم» شاهداً على أن العربية ليست لغة ألفاظ فحسب، بل لغة معانٍ تتشكل فيها الدلالة من تآزر النحو والسياق والبلاغة، حتى تغدو الأداة الواحدة عالماً لغوياً قائماً بذاته، يفيض ثراءً ودقةً وجمالاً.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في الحقيقة أننا مهما عدلنا عن الحديث عن الحب، وأهملنا النقاش فيه، وعزفنا عن تبادل المشاعر، وطوينا صفحته وغفلنا عنه، لا بد أن نسمع قصة عاشق من هنا، ومبتلى بالحب من بعيد أو قريب، ويعاود فكرنا البت فيه، وفي وزنه الثقيل على ناقديه، والخفيف كالطير على الواقع في شباكه، حتى إنه لا يشعر أحيانًا بمساوئه إن وُجدت؛ لأن كفة الحسنى هي الراجحة فيه.

ما عنيته من تلك المقدمة القصيرة أن أطلعكم على ما يجري في خاطري منذ زمن بعيد جدًا، وأنا في حيرة؛ فالجميع يمتدح أن نكون "اجتماعيين" لتسود روح المحبة والألفة والسلام، لكننا أبدًا لم نتفق يومًا على رأي واحد، وأحسب أن تعدد الآراء طبيعي، فإن الباري تعالى لم يخلقنا بذات الشكل، فلابد إذن أن يختلف الفكر والتفكير، وإن كنا نعيش تحت سقف واحد فهذا جميل، ولكن أليس من الجميل أيضًا أن يكون اختلاف الآراء عندنا محلَّ قبولٍ واحترام؟

ربما من يقرأ الآن يقول: نعم، وما الضير في ذلك؟ أن نكون إخوة جميعًا ترعانا المحبة، وإن اختلفت سبلنا!

لكن حقًا، الكلام شيء، والفعل شيء آخر، وإن كانت الكلمة اللطيفة ثمينة، فإنها ترتفع قيمتها عندما يُجللها الموقف، والسلوك الحسن النابع من صدق القلب في نطقه ومنطقه.

نعود لمقصدنا الأصلي، وهو موضوع (الحب) بين الرجل والمرأة، وما لتلك العلاقة من أهمية كبرى، ما زال يعيشها أغلبنا في عزلة، يتوق لأن يجربها بنفسه ويعيش تلك المشاعر ويأنس بها، ولكن بعيدًا عن مرأى الأنظار، فإنه يرى أن ما يراه المجتمع حرامٌ فهو حرام، كأن لسان حاله يقول: أرى ما تراه لا ما أرى أنا بعقلي.

أليس الله قد أوصى في القرآن بإعمال عقولنا؟ فلماذا إذن لا تزال تُوأد وهي حية، ولا نستخدمها؟

أتساءل: ما حجم الأضرار التي أوقعنا أنفسنا فيها؟ ألم يخلقنا الله من المحبة، وأراد للحب أن يُحب ويُحبّ؟

أليس الحب من الحاجات النفسية الضرورية؟ وأعلم أنه لا بد أن يكون في محله وللشخص الصحيح، ولكن أليس الله قد أعطانا حرية الاختيار؟

فلماذا إذن لا يُفسح المجال للنقاش الجاد والحاد في موضوع اختيار من نحب (الزوج) بأنفسنا، والتشديد على أهمية أن يكون الاختيار والسعي الأكبر من حق الشاب أو الفتاة دون ضغط من أي طرف آخر؟

وهذا لا يعني ألا نأخذ المشورة، فما خاب من استشار، ولكن كل القصد أن يكون الإنسان هو الباحث الأول عن شريك حياته.

لا مجرد متلقٍ خاضع لما يُفرض عليه باسم العادة أو المجتمع.

***

نجمه آل درويش

 

دراسة لغوية ونحوية في ضوء آراء البصريين والكوفيين

تُعَدُّ (أل) من أشهر الأدوات الداخلة على الأسماء في العربية، وهي أداة ذات وظائف دلالية ونحوية دقيقة، تتجاوز مجرد التعريف إلى الإسهام في بناء المعنى وتحديد المقصود من الكلام. وقد أفاض النحاة واللغويون في بيان أحكامها وأنواعها، حتى أصبحت من أكثر أبواب النحو اتصالًا بعلم الدلالة والبلاغة والتفسير.

وقد ذهب جمهور النحاة، وفي مقدمتهم علماء المدرستين البصرية والكوفية، إلى أن (أل) ليست على مرتبة واحدة في الاستعمال، بل تتنوع بحسب المقاصد والسياقات، ومن أشهر أنواعها: أل العهدية، وأل الجنسية، وأل الاستغراقية.

أولًا: أل العهدية

هي التي تدخل على الاسم للدلالة على شيء معلوم ومعهود بين المتكلم والمخاطب، بحيث ينصرف الذهن إليه عند ذكره دون غيره.

وقد سمّاها النحاة أل العهد لأنها تشير إلى معهود سابق، سواء أكان معهودًا في الذهن أم في الذكر أم في الحضور.

1- العهد الذهني

وهو أن يكون الاسم معروفًا في الأذهان دون أن يسبق له ذكر في الكلام.

فإذا قيل:

«قال الرسول»

انصرف الذهن مباشرة إلى رسول الله محمد بن عبد الله؛ لأن هذا الاسم معهود في الذهن الإسلامي، ولا يحتاج إلى قرينة لفظية تسبقه.

وكذلك إذا قيل:

«جاء المدير»

في مؤسسة معينة، فإن السامعين يفهمون المدير المعروف لديهم، لا أي مدير آخر.

وقد أشار سيبويه إلى أن التعريف قد يكون مستندًا إلى علمٍ سابق في ذهن المخاطب، فيكفي ذلك لتعيين المراد.

2- العهد الذكري

وهو أن يُذكَر الاسم أولًا نكرة، ثم يُعاد معرفًا بـ(أل).

ومن أبلغ أمثلته قوله تعالى:

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾.

فقد وردت كلمة «مصباح» أولًا نكرة، ثم أعيدت معرفة بـ(أل)، فكانت أل للعهد الذكري؛ لأن المقصود هو المصباح المذكور سابقًا.

ويرى البصريون أن هذا النوع من أقوى أنواع التعريف؛ لأن المرجع اللفظي حاضر في الكلام نفسه، بينما يجيز الكوفيون التوسع في هذا الباب حتى في المواضع التي يضعف فيها العهد اللفظي إذا دل عليه السياق.

3- العهد الحضوري

وهو أن يكون المشار إليه حاضرًا وقت الكلام.

كقولك لمن أمامك:

«أكرم الضيف»

وأنت تشير إلى شخص حاضر.

فالضيف هنا معلوم بالمشاهدة لا بالذكر السابق.

ثانيًا: أل الجنسية

هي التي تدخل على أسماء الأجناس للدلالة على حقيقة الجنس وماهيته، دون قصد فرد معين من أفراده.

فإذا قلنا:

«الأسد أقوى من الثعلب»

فليس المقصود أسدًا بعينه ولا ثعلبًا بعينه، وإنما المراد أن جنس الأسد أقوى من جنس الثعلب.

وكذلك قولنا:

«الذهب معدن نفيس»

فالمراد حقيقة الذهب وجنسه.

وقد عدّ البصريون هذا النوع من أوسع أبواب الدلالة؛ لأنه يتناول الماهية المجردة، بينما رأى بعض الكوفيين أن الفرق بين الجنسية والاستغراقية قد يضيق أحيانًا تبعًا للسياق.

ويقول علماء الدلالة إن أل الجنسية تجعل الاسم دالًّا على الحقيقة الذهنية للجنس، لا على أفراده المتعددة.

ومن أمثلتها أيضًا:

الإنسان كائن اجتماعي.

الحصان حيوان نبيل.

النخلة شجرة مباركة.

فالحديث هنا عن طبيعة الجنس وخصائصه العامة.

ثالثًا: أل الاستغراقية

هي التي تدل على شمول جميع أفراد الجنس واستغراقها دون استثناء.

وتُسمّى أيضًا أل الشمول؛ لأنها تعمّ كل ما يندرج تحت الاسم.

ومن أمثلتها قوله تعالى:

﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾.

فالمراد جميع الخلق، لا بعضهم.

وكذلك قوله تعالى:

﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾.

فالمراد جميع الناس؛ ولذلك استُثني بعد ذلك أهل الإيمان والعمل الصالح.

ومن شواهدها أيضًا:

«أكرم العلماء»

إذا أريد جميع العلماء.

وقد ذكر ابن هشام الأنصاري أن من علامات أل الاستغراقية صحة حلول كلمة «كل» محلها، فإذا استقام المعنى كان ذلك دليلًا على الاستغراق.

فنقول:

الإنسان فانٍ = كل إنسان فانٍ.

الخلق لله = كل الخلق لله.

موقف البصريين والكوفيين من أنواع (أل)

تميّز البصريون بالدقة المنهجية في التفريق بين أنواع (أل)، فجعلوا لكل نوع ضوابط دلالية محددة، وأكدوا ضرورة التمييز بين العهد والجنس والاستغراق بحسب السياق.

أما الكوفيون فكانوا أكثر ميلًا إلى التوسع في التأويل، ويرون أن السياق هو الحاكم الأكبر في تحديد وظيفة (أل)، ولذلك قد تتداخل عندهم بعض الحدود الفاصلة بين الجنسية والاستغراقية.

ويرى المبرد أن المعنى هو الأساس في تمييز الأنواع، بينما يؤكد الفراء أهمية القرائن والسياق في توجيه الدلالة.

الخاتمة

إنَّ (أل) ليست مجرد أداة تعريف تُلحق بالأسماء، بل هي أداة دلالية رفيعة تكشف عن دقائق المعنى ومقاصد المتكلم. فهي تارةً تُحيل إلى معلومٍ معهود في الذهن أو الذكر أو الحضور، فتكون عهدية، وتارةً تدل على حقيقة الجنس وماهيته فتكون جنسية، وتارةً تستغرق جميع الأفراد فتكون استغراقية. ومن هنا تتجلّى عبقرية العربية في قدرتها على توظيف حرفين صغيرين لصناعة فروق معنوية واسعة، تجعل من النحو علمًا للمعنى قبل أن يكون علمًا للإعراب، وتجعل من الدلالة روحًا تسري في بنية اللغة فتمنحها الدقة والثراء والبيان.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

حين يقرأ القارئ نفسه في العتمة

حين فتحتُ صفحات روايتي “أقحوان منتصف الليل” للمرة الأولى والصادرة عن دار عين حورس-مصر، لم أكن قارئًا بالمعنى البسيط للكلمة، بل كنتُ كمن يضع يده على جرحٍ قديمٍ في ذاكرةٍ لا يعرف متى بدأ نزفها. كان الليلُ في تلك اللحظة ليس زمانًا، بل حالة؛ وكان الصمتُ ليس فراغًا، بل امتلاءً خفيًّا بأصواتٍ لا تُقال.

لم أقرأ الرواية، بل دخلتُها كما يُدخل المسافر مدينةً لا خرائط لها. كل جملة كانت نافذة تُفتح على احتمال، وكل مشهد كان مرآةً لا تعكس ما أمامها، بل ما في الداخل الذي لم يُسمَّ بعد. شعرتُ أن الأقحوان لم يكن زهرةً فحسب، بل استعارةً لشيءٍ يتفتح في الظلام كي يثبت أن الجمال لا يحتاج الضوء دائمًا، بل يحتاج جرأة الظهور.

في منتصف الليل، حيث تتساوى الأشياء وتفقد أسماءها الدقيقة، كانت الرواية تُعيد ترتيب العالم بهدوءٍ قاسٍ. لا تشرح، لا تبرّر، بل تترك الأسئلة واقفةً على عتبة الفهم، كأنها تقول إن المعرفة ليست إجابة، بل ارتباكٌ راقٍ يتقن الإصغاء.

كنتُ كلما تقدّمتُ في القراءة، أشعر أنني أبتعد عن القارئ الذي كنتُه في البداية. شيئًا ما يتبدّل: اللغة لم تعد وسيلة، بل كائنًا حيًّا يتنفس في صدري. الشخصيات لم تعد حكايات، بل احتمالات لوجوهٍ ربما عشتُها دون أن أنتبه. وحتى الصمت بين السطور صار أكثر بلاغة من الكلام نفسه.

هناك لحظة خفية في الرواية، لا تُعلن عن نفسها، لكنها تغيّر اتجاه الإدراك. لحظة تشعر فيها أن الزمن لم يعد خطًا مستقيمًا، بل دائرة تُعيدك إلى نفسك من بابٍ مختلف. عندها فقط تدرك أن “أقحوان منتصف الليل” ليست رواية تُقرأ، بل تجربة تُعيد تشكيل القارئ ببطءٍ لا يُرى.

وحين أغلقتُ الكتاب، لم أكن قد انتهيتُ منه. كنتُ فقط قد خرجتُ منه جسديًا، أما هو فبقي مفتوحًا في داخلي، يزهر كلما حلّ الليل، كأقحوانٍ يعرف أن الظلام ليس نهاية اللون، بل بدايته الأولى.

***

بقلم: د. صابر الحميدي

موهبة متوقدة وطاقة إبداعية زاخرة بالعطاء المتجدد

لاشك ان المتلقي حين يتأمل نتاجات الأديب المبدع ابراهيم المحجوب سيقف بإعجاب، أمام اقتداره، وتمكنه من الجمع بين صدق الإحساس، وعمق الرؤية، وجمال التعبير، ليأخذ مكانته الأدبية المتميزة في الساحة الثقافية والادبية المعاصرة، بوصفه ظاهرة إبداعية متوهجة، من خلال امتلاكه موهبة متقدة، وحساً مرهفاً، الامر الذي مكنه من التقاط أدق التفاصيل في مرئيات عوالمه، فضلاً عن طاقته الوجدانية الخلاقة، التي ظلت متوهجة بالعطاء المتجدد دون توقف.

وهكذا تمكن الأديب المبدع إبراهيم حسين محجوب من بناء تجربة إبداعية متميزة، عززها بثقافة واسعة، وخبرة حياتية زاخرة، انعكست بشكل واضح على جماليات نتاجاته الأدبية . فهو لا يكتب من فراغ، وانما ينطلق من معايشة حقيقية لواقع حال الناس اليومي، والتفاعل الوجداني مع همومهم، وهواجسهم، لتاتي نصوصه نابضة بالصدق، ومفعمة بحرارة الشعور، وملامسة لوجدان المتلقي، وسبر تجليات تأملاته العميقة.

 وتتجلى في تجربته الفريدة، لغة سلسة، وشاعرية عذبة، تجمع بين البساطة، والعمق، وخلوها من التكلف، والافتعال، ليكون النص مرهفا، وقريباً من مزاج القارئ، دون أن يفقد قيمته الفنية، والجمالية. ولاريب أن اقتداره على المواءمة بين الرصانة، والعفوية، تعد من أبرز سمات تجربة الأديب المبدع ابراهيم المحجوب، التي جعلت الأدب رسالة إنسانية، قبل أن يكون مجرد صناعة لغوية.

ويتجسد حسه المرهف جلياً في طريقته الخاصة، بتصوير المشاهد الإنسانية، والعاطفية، حيث يمنح التفاصيل الصغيرة نفحة حركية خاصة، ويحوّل اللحظات العابرة فيها، إلى لوحات شعورية مكتظة بالدلالات، والصور التعبيرية. فهو يمتلك قدرة فريدة على التفاعل مع الوجدانيات الداخلية، ليجعل نصوصه قريبة من الروح، وتنبض بالشجن حيناً، وبالأمل حيناً آخر، لتظل في كل الأحوال، معبرة عن المشاعر الإنسانية بكل صدق.

وإذا كانت الموهبة عنده هي معين الإبداع، فلا ريب أنه استطاع أن يحول هذه الموهبة، إلى مشروع متجدد العطاء، بالانفتاح على تجارب الحياة، حيث لم يتوقف عطاؤه عند حدود معينة، بل ظل متدفقاً، ومتجدداً، يفيض بانثيالات مستمرة، الأمر الذي منح تجربته الإبداعية، حيوية واضحة، وجعلها قادرة على مواكبة التحولات الوجدانية، التي يعيشها المجتمع.

وهكذا فإن الأديب المبدع إبراهيم المحجوب ليس مجرد كاتب عابر، أو اديب موسمي وحسب، وانما هو معايشة حية، لتجربة مكتظة بملامح الصدق، وزاخرة بالوفاء للكلمة الجميلة، حيث استطاع أن يرسخ حضوره الأدبي بجدارة، من خلال نتاجات ابداعية، تمنح الوجدان فسحة للتأمل، واستكشاف الجمال، وتوقظ في الوجدان تجليات التطلع.

وفي زمن تتسارع فيه تداعيات صخب الحياة، وتبهت فيه قيمة الكلمة، وابتذال المفردة أحياناً، يبقى المبدع إبراهيم المحجوب علامة مضيئة، تؤكد أن الإبداع الصادق قادر دائماً على المواكبة، والبقاء، والتأثير في الساحة الأدبية، بما هو موهبة زاخرة، وحس مرهف، وطاقة إبداعية متوقدة زاخرة بالعطاء المتجدد، لا تنطفئ جذوتها.

***

نايف عبوش

تتردد عبر العالم آلاف القصص عن الكتاب الذي أحدث فارقا في حياة قارئه، إما بتمهيد السبيل إلى فكرة، أو الإجابة المهدئة لتساؤل محير، أو ببساطة تقديم مفاتيح الحل لمشكلة قائمة. طبعا ليست هناك كتب بالتحديد تفعل ذلك، فقد يتعلق الأمر بكتاب دين، أو سيرة ذاتية، أو حتى قصة مستلهمة من الواقع الذي يفوق الخيال. لكن ما يهم في المسألة هو تمكنك من وضع اليد على الكتاب الذي قد يضاهي في سحره مصباحَ علاء الدين!

كانت أسرة ألبرت آينشتاين تستضيف كل خميس طالبَ طب فقير يدعى ماكس تالمي لتناول الغذاء. لاحظ الطالب أن الطفل آينشتاين لا يقرأ الكتب السطحية ولا يلعب مع أقرانه، فأهداه سلسلة كتب علمية من تأليف آرون بيرنشتاين، يعرض الجزء الأول منها لموضوع سرعة الضوء. وسيظهر بعد التجارب التي استخدمها آينشتاين أن تلك السلسلة شكلت الحافز الفكري لوضعه نظرية النسبية. وهو الأمر الذي صرح به آينشتاين لماكس حين لقيه بعد سنوات في نيويورك قائلا: "كتاب رائع حقا، لقد أحدث أثرا كبيرا في تطوري بالكامل."

 ترتب بعض الكتب لقاءات أشبه بالتي تحدث مع أشخاص مميزين، يقفون على المنعطف الحاد بين الحياة الراكدة والرتيبة، وبين التوهج والألق الذي يحرر ملَكات الإنسان ومواهبه. شيء من هذا القبيل حدث لبائع في دكان البقالة، وهو يفتش في القبو عما يرد به عن شبهات يثيرها طلاب إرسالية مسيحية. بين كومة من الصحف القديمة عثر الفتى على نسخة متعفنة من كتاب (إظهار الحق)، للعلّامة الشيخ رحمة الله الهندي.

بفضل هذا الكتاب تغيرت حياتي، يقول الفتى الذي طارت شهرته في آفاق العالم الإسلامي تحت اسم الشيخ أحمد ديدات، ولو لم أصادف هذا الكتاب ما كنت لأقوم بما أقوم به الآن، واعني بذلك التحدث إلى الناس عن الأديان من منطلق المقارنة بينها.

يتناول الكتاب طرقا فريدة في مناظرة المسيحيين، والتصدي للهجمة التنصيرية التي خاضتها بريطانيا، بعد أن ووجهت بمقاومة شرسة من لدن مسلمي الهند. كما تضمن فصول المناظرة التاريخية بين العلّامة رحمة الله والقس بافندر، رئيس البعثة التبشيرية بالهند. وفي جنوب إفريقيا، حيث يتكرر الموقف نفسه بعناصره أمام الشيخ ديدات، حدد الكتاب مسارا آخر لفتى البقالة، ليصبح علما من أعلام الدعوة في القرن العشرين.

إن الكتاب الذي يغير حياتك هو الذي تلمس من خلال سطوره، أن كاتبه أشبه باليد التي تمتد لتنتشل الغريق. في كلماته ذبذبات غير اعتيادية، وصدقٌ وحرارةٌ ينفذان إلى وجدانك، فتشعر أنك انتقلتَ بخفة ساحر إلى العالم الذي تحلم به، وإلى الوضع الذي تُطابق فيه خطواتك طريقها الصحيح.

في كتابه " أساتذتي" يُقربنا نجيب محفوظ من مفعول الكتاب الحافز حين يتحدث عن الأديب يحيى حقي قائلا: "لم أعرفه إلا من خلال (قنديل أم هاشم) حيث كنت متابعا لسلسلة (اقرأ) التي تصدرها دار المعارف. وكانت مفاجئة جدا لي لأني وجدت أدبا عذبا جدا وجميلا جدا، إلى درجة أستطيع أن أقول معها إن قنديل أم هاشم، والثلاث قصص الملحقة بها في هذه المجموعة القصصية القصيرة، "خيشت" في عقلي، وعشقت كاتبها على غير معرفة أو اتصال به."

ولعل من أمتع ما قد عاشه القارئ، في زمن لم يبلغ فيه التداول الورقي والإلكتروني ما بلغه اليوم، أن تهزه فقرة أو مقطع من كتاب، فيسعى للبحث عنه، والتودد لمن يملكه حتى يعيره إياه. وهي حال لم يُجربها أغلب قراء اليوم، نظرا لوفرة الإصدارات. ومما يُحكى في هذا الصدد أن عاِلما حكيما يُدعى ابن الإخشيد، بذل جهدا كبيرا للعثور على أحد مؤلفات الجاحظ، حتى أنه وقف ينادي في موسم الحج:" أيها الحجيج، رحم الله من دلنا على كتاب الفرق بين النبي والمتنبي لأبي عثمان الجاحظ على أي وجه كان."

وتعد تجربة السجن من الأمثلة الدالة على التغيير الذي تُحدثه الكتب في حياة قرائها، إذ تكون القراءة ملاذا من الوحشة والضيق وترقب الفرج. وفي العديد من المذكرات نلمس ذاك الإقرار الشفاف بفضل الكتاب الفلاني في تغيير البوصلة، وشحذ العزيمة، وإعادة النظر في التصورات والمسلمات. فحين سُجن الوزير السوداني أحمد سليمان أواخر الخمسينات، وكان وقتها مع الشيوعيين، لم يجد كتابا فطلب مصحفا ليقرأه. فكان للقرآن أثر بالغ في تحرره من غواية الشيوعية، على حد قوله، بعد أن كان ظلوما جهولا، ظالما لنفسه، وجاهلا بحقيقة الزفة التي كان يسير ضمن موكبها.

نفس التجربة عايشها مالكوم إكس، في تحوله من مجرم إلى مناضل، حين اضطرته ساعات الليل الطوال داخل زنزانته إلى القراءة تحت ضوء شاحب لمصباح في الردهة. وبفضل كتاب (تاريخ الحضارة) لويل ديورانت، و(الخطوط العريضة للتاريخ) ل هـ.ج. ويلز. تحرك وعيه النضالي بقوة وهو يتتبع تاريخ الامبراطوريات السوداء، وصراعاتها من أجل الحرية، وتبديد وهم تفوق الرجل الأبيض.

عندما بدأت أفهم ما أقرأه، يقول مالكوم، وانفتح لي ذاك العالم الجديد، بدأت بدوري ألتهم الكتب، وأستعير فوق ما يسمح به قانون المكتبة وأقرأ أكثره في الزنزانة. كان للكتابين أثرهما الكبير في انطلاقه، بعد الخروج من السجن، في مسيرة دعوية تعيد الروح لزنوج أمريكا.

تتخذ الكتب التي غيرت حياة كاتب، ما يشبه التصريح بالخلفية التي غذت سعيه الحثيث لإبداع نص مشابه. ورغم أنه قد يمارس ما يشبه المحو الظاهري لها، وعدم الإشارة إليها كمصادر لأدبه، إلا أن القارئ الذي ينحت مساربه العميقة داخل النص، قد يرصد التأثير الواضح للأسلاف الذين فجروا التوق إلى الكتابة.

بدت الكاتبة المجرية أغوتا كريستوف، سواء في أعمالها الأدبية أو في الحوارات التي أجرتها، حريصة على عدم الإشارة إلى الكتاب الذي انبثق عنه سعيها لقول شيء مختلف. لكن الفرادة التي ميزت أسلوبها الأدبي، ونزوعها الفطري إلى الكتابة بلغة ثانية، كطفل يتهجى الكلمات، حققا لإصداراتها مكانة دفعت النقاد والباحثين للحفر عميقا في جذور مسارها السردي، والبحث عن "السلف" الذي رص لها الممر إلى عالم الكتابة.

ثمة حضور طاغ لأدب فرانز كافكا في كتابات أغوتا؛ بل يذهب برتراند فيزاج، ناشر أعمالها الكاملة، إلى أنها الأخت الصغيرة لكافكا، والوحيدة التي تمثلت أدبه إلى درجة الاستغراق؛ لكن دون أن تتمثل موضوعاته بشكل مباشر. إن الغوص في رسائله وقصصه منح لأغوتا مفتاح الآلة التعبيرية التي ستعتمدها لاحقا، والتي ستواجه بها البيروقراطية، ونظام العمل البائس، وقوى الثبات التي تقوض الطبيعة البشرية.

حين ذهب الروائي الفرنسي مارسيل بروست في رحلة إلى جبال الألب، كان على موعد مع كتب ستعيد تشكيل عالمه القرائي، وتمنحه تلك الهبة الفذة التي جعلت من روايته "البحث عن الزمن المفقود" أشهر الأعمال الأدبية الفرنسية.

خلال تلك الرحلة تعلق بروست بكتابات الناقد الفني الإنجليزي جون رَسكِن. كانت الميزة العبقرية لرَسكِن تتمثل في عنايته الشديدة بالتفاصيل، وقدرته على تحريض أحاسيس قرائه بتحويل الانطباعات المشتركة إلى كلمات. ميزة العناية بالتفاصيل ستضفي على القراءة عند بروست بُعدا جديدا: كل قراءة هي بالأساس قراءة للذات، ومهمة الكتاب أن يصبح أداة بصرية تعين القارئ على أن يتبين مالم يكن ليُعايشه بنفسه لولا هذا الكتاب.

إنها الميزة التي جعلت بروست يندفع بوتيرة غير عادية لرسم حدود جديدة للقراءة: ينبغي أن نقرأ كتب الآخرين كي نعرف ما نُحس به، ونُنمي أفكارنا ولو عن طريق أفكار كاتب آخر؛ فالقراءة ليست تزجية للوقت أو إشباعا للفضول، بقدر ماهي محاولة لإعادة تشكيل الجانب الروحي فينا.

تشدد الكتب على أن دورها هو ملء الرفوف ودهاليز المكتبات العامة. تُقرأ بدافع الشغف، أو الإلزام المدرسي. وهي بكل تأكيد جزء لا يتجزأ من الحياة، كالأشجار والنجوم والروث، يقول هنري ميللر؛ إلا أن الكتب الحية هي تلك التي تعتصر التجربة الإنسانية بما يكفي لتحديث فيك التأثير اللازم.

***

حميد بن خيبش  

عندما يتحول الأكاديمي إلى مبدع

بعد الفجر شرعت في قراءة كتاب " اعترافات روائي ناشئ " لإمبرتو إيكو ترجمه سعيد بنكراد، من الصفحات الأولى يشدك هذا الكتاب لأن صاحبه امبرتو إيكو (5- يناير - 1932- 19-فبراير -2016) هو عالمً وفبلسوف وروائي وناقد ثقافي ومغلق سياسي واجتماعي، اشتهر بروايته " اسم الوردة عام 1980 التي ترجمت إلى لغات العالم ونالت شهرة واسعة، وهي لغز تاريخي يجمع بين السيميائية  في الخيال مع تحليل الكتاب المقدس والدراسات القروسطية والنظرية الأدبية،

يقول امبرتو إيكو في كتاب " اعترافات روائي ناشئ " ترجمة سعيد بنكراد :

" وسيكون من حق الناس أن يتساءلوا عن سر ذلك فقد ناهزت السابعة والسبعين من عمري ولكني اسارع إلى القول إني لم اكتب روايتي الاولى " اسم الوردة " إلا سنة 1980 وبذلك لم يتجاوز عمر ممارستي لكتابة الرواية ثمانية وعشرين سنة ولهذا السبب اعتبر نفسي روائيا ناشئا وبالتأكيد واعدا لم يكتب إلى حد الآن سوى خمس روايات وسيكتب الكثير منها في الخمسين سنة المقبلة فهذا الورش سيظل غير مكتمل ( وهو كذلك و إلا لما سمي ورشا ) ولكنني أتمنى أن اكون قد راكمت من الخبرات مايبيح لي قول شيء ما عن أسلوبي في الكتابة......" ص 15

فبعد مسار طويل في النقد والفلسفة والتنظير الثقافي وفي الخمسين من عمره يتحول هذا الأكاديمي إلى روائي فيكتب روايته الأولى " اسم الوردة " ويحقق بها نجاحا عالميا والإبداع الأدبي ليس له سن معين و ليس محظورا على الأكاديمي أن يتحول آلى روائي وسارد لأن كثيرا من القراء بل حتى النقاد أنفسهم يطلبون من الناقد ان يبقى في دائرة تخصصه و كأن الكتابة الإبداعية شعرا ورواية محرمة عليه، فكيف يجرؤ ان يدخل هذه المنطقة المحظورة وقد حدث مؤخرا من انتقد الأكاديمية الكبيرة "آمنة بلعلى" عندما كتبت مجموعتين شعريتين "تداركت قربك " و "دنا فتدلى " وقرأت بعض قصائد الديوانين فأبدعت فالتصوير الفني في شعرها بارز بقوة ولغتها الصوفية الأنيقة المؤثثة بالتجارب الروحية العميقة..

لا نحجر على المبدعين فلنترك التجارب الإبداعية تنضج على نار هادئة ولنحتفظ بآرائنا لأنفسنا إذا لم يطلب منا أحد ان نبدي راينا في عمله فلا نتدخل بالنقد السلبي الجارح الذي يتم عن حقد وتعال...

والأمر اللافت للنظر ايصا في مقولة أمبرتو إيكو هو ذلك التواضع الذي يصدر من الكبار دون عقدة نقص أو الاختفاء وراء الألقاب الكبيرة، دكتور، بروفيسور، فهو يصرح رغم بلوغه السابعة والسبعين من عمره والشهرة التي حققها أنه روائي ناشئ مبتدئ فتحربته الإبداعية لم تتجاوز الثمانية وعشرين سنة.. فلنتواضع ككتاب ولا نعتبر أنفسنا محور الكون و لنترك ممارسة الأستاذية على غيرنا بدعوى النقد الأدبي وهو الحقيقة " نكد أدبي " يمارسه ناكد أدبي..

***

*الكاتب شدري معمر علي - الجزائر

 

دلالاته بين النحو والبلاغة وآراء البصريين والكوفيين

يُعدّ حرفُ الباء من أكثر الحروف العربية ثراءً واتساعًا في المعنى، حتى غدا عند النحاة والبلاغيين ميدانًا رحبًا للاجتهاد والتأويل. فليس هو مجرّد حرف جرّ يؤدي وظيفةً نحويةً جامدة، بل كيانٌ دلاليّ مرن، تتعدد إشاراته بتعدّد السياقات، ويتحوّل من معنى الإلصاق الحسيّ إلى آفاق السببية والمصاحبة والاستعانة والقسم والتوكيد والملابسة وغيرها. ولهذا احتلّ مكانةً بارزة في كتب النحو والتفسير والبلاغة وأصول الفقه، لأن تغيّر دلالته قد يفضي إلى تغيّر المعنى الشرعي أو البلاغي أو العقلي للنص.

وقد اختلفت مدارس النحو العربية، ولا سيما البصرية والكوفية، في تفسير بعض معاني الباء وتوسيع وظائفها أو تضييقها، الأمر الذي يكشف عن عمق التفكير اللغوي العربي ودقّته الفلسفية في تحليل الحرف والمعنى.

أولًا: الباء عند النحاة البصريين والكوفيين

يرى البصريون — وعلى رأسهم سيبويه والمبرّد — أن الأصل في الباء هو الإلصاق، وما سواه من المعاني متفرّع عنه ومؤول إليه. فحين نقول:

أمسكتُ بيدِ الرجلِ

فالباء هنا تدلّ على اتصال شيء بشيء اتصالًا مباشرًا.

ثم توسّع الاستعمال حتى صار الإلصاق معنويًا، كقولهم:

تعلّقتُ بالأملِ

أي اتصل القلب بالأمل اتصالًا معنويًا.

أما الكوفيون — ومن أبرزهم الفرّاء والكسائي — فقد كانوا أكثر ميلًا إلى التوسّع الدلالي، فرأوا أن الباء قد تحمل معاني مستقلة بذاتها، لا يشترط ردّها دائمًا إلى أصل الإلصاق. ولذلك أجازوا في بعض المواضع أن تأتي الباء بمعنى:

“في”

أو “عن”

أو “مع”

أو “من”

بحسب مقتضى السياق.

وقد كان هذا الخلاف انعكاسًا لاختلاف المنهجين:

فالبصريون يميلون إلى القياس والتقعيد العقلي.

بينما يميل الكوفيون إلى التوسّع في السماع والاستعمال العربي.

ثانيًا: معاني الباء ودلالاتها في ضوء آراء العلماء

1. الباء للإلصاق

وهو المعنى الذي عدّه البصريون أصلَ الباب كله.

مثال:

مررتُ بزيدٍ أي التصق المرور بمكان وجوده.

ويذهب سيبويه إلى أن جميع استعمالات الباء يمكن ردّها إلى صورة من صور الإلصاق، سواء أكان حسيًا أم معنويًا.

2. الباء للاستعانة

وتفيد الوسيلة التي يتحقق بها الفعل.

مثال:

كتبتُ بالقلمِ

ضربتُ بالسيفِ

ويرى كثير من فقهاء اللغة أن هذا المعنى متولد من الإلصاق؛ لأن الآلة تكون ملتصقة بالفعل أثناء وقوعه.

ومن القرآن الكريم:

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾

أي مستعينًا باسم الله.

3. الباء للسببية

أي الدلالة على العلّة والسبب.

مثال:

هلكَ بظلمه

نجحَ باجتهاده

وقد أفاض علماء التفسير في هذا المعنى، لأن الباء السببية تكثر في النص القرآني، كقوله تعالى:

﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾

أي بسبب ظلمهم.

4. الباء للمصاحبة

أي بمعنى “مع”.

مثال:

خرج الأميرُ بجنده أي مع جنده.

وقد أجاز الكوفيون استقلال هذا المعنى، بينما حاول البصريون إرجاعه إلى معنى الإلصاق أو الملابسة.

5. الباء للظرفية

أي بمعنى “في”.

مثال:

التقينا بالمدينة أي في المدينة.

ومن القرآن:

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ﴾

أي في بدر.

وقد توسّع الكوفيون في إثبات هذا المعنى، في حين رآه بعض البصريين مجازًا لا أصلًا مستقلًا.

6. الباء للقسم

وتدخل على المقسم به.

مثال:

باللهِ لأفعلنّ الحقَّ

وهي من أقوى أدوات القسم في العربية، لأنها تحمل معنى الالتصاق المعنوي بعظمة المقسَم به وهيبته.

7. الباء للتعدية

أي نقل الفعل من اللزوم إلى التعدي.

مثال:

ذهبَ اللهُ بنورهم

فالفعل “ذهب” لازم، فلما دخلت الباء صار متعديًا.

وقد اعتبرها النحاة من الأدوات المؤثرة في البنية الدلالية للفعل.

8. الباء للمقابلة والعوض

مثال:

اشتريتُ الكتابَ بدينار أي مقابل دينار.

وهو معنى يرتبط بالمبادلة والتكافؤ.

9. الباء للتبعيض

وهو من أكثر المواضع خلافًا بين الفقهاء والنحاة.

في قوله تعالى:

﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾

ذهب بعض العلماء إلى أن الباء للتبعيض، أي مسح بعض الرأس، بينما رأى آخرون أنها للإلصاق.

ومن هنا نشأ خلاف فقهي في مقدار المسح في الوضوء.

10. الباء الزائدة

وتأتي لتوكيد المعنى وتقويته.

مثال:

كفى باللهِ شهيدًا

ليس زيدٌ بقائم

وقد ناقش النحاة مفهوم “الزيادة”، لأن الحرف في العربية — عند المحققين — لا يكون بلا فائدة، بل تكون زيادته لغاية بلاغية أو توكيدية.

ثالثًا: الباء في فقه اللغة والبلاغة

نظر فقهاء اللغة والبلاغيون إلى الباء بوصفها حرفًا يولّد الإيحاء النفسي والدلالي.

فالفرق بين:

أمسكتُ يدَه و

أمسكتُ بيدِه

أن الثانية توحي بمزيد من التعلّق والتمسّك والاتصال الحسي والنفسي.

وقد رأى البلاغيون أن الحروف ليست أدوات ثانوية، بل عناصر حيّة في صناعة المعنى. ولهذا كان علماء البيان يتأملون أسرار الحروف كما يتأملون أسرار الألفاظ الكبرى.

ويقول بعض فقهاء اللغة إن العربية بلغت ذروة الدقة حين جعلت الحرف الواحد قادرًا على حمل شبكة معقدة من العلاقات النفسية والعقلية والبلاغية.

خاتمة

إنّ حرف الباء في العربية شاهدٌ على عبقرية هذه اللغة وقدرتها على تكثيف المعنى في أصغر الوحدات اللغوية. فقد تحوّل هذا الحرف من أداة جرّ بسيطة إلى فضاءٍ دلاليّ واسع، تتقاطع فيه النحو والبلاغة والتفسير وأصول الفقه. كما كشف اختلاف البصريين والكوفيين في تفسيره عن حيوية الفكر اللغوي العربي وعمق منهجه في تحليل العلاقة بين اللفظ والمعنى.

وهكذا تبدو العربية لغةً لا تُهمل الحرف الصغير، لأن الحرف فيها قد يفتح أبوابًا واسعة من الفهم والتأويل والجمال.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

أسرار الدلالة وجمال الوظيفة بين النحو والبيان القرآني

تُعَدُّ الحروف في اللغة العربية أعصابَ المعنى الدقيقة، فهي ليست أصواتاً عابرة أو أدواتٍ شكلية تُستعمل لملء الفراغ التركيبي، بل كياناتٌ دلالية قادرة على نقل الفكر من طبقةٍ إلى أخرى، وعلى توجيه المعنى توجيهاً فلسفياً وبلاغياً ونحوياً في آنٍ معاً. ومن بين هذه الحروف تتجلّى “اللام” بوصفها أحد أكثر الحروف العربية ثراءً واتساعاً في الوظيفة والدلالة، حتى غدت في نظر النحاة والبلاغيين مفتاحاً لفهم كثيرٍ من أسرار النص القرآني وبنية الخطاب العربي.

فاللام ليست حرفاً واحد المعنى، بل عالمٌ نحويّ متشعّب، تتداخل فيه أغراض التوكيد والتعليل والقسم والاختصاص والعاقبة والاستغاثة، حتى تبدو وكأنّها مرآةٌ لحيوية العربية ومرونتها التعبيرية. ولهذا قال عبد القاهر الجرجاني إنّ جمال العربية لا يكمن في المفردات منفصلة، بل في “النظم”، أي في العلاقات الدقيقة بين الكلمات والحروف، حيث يصبح الحرف الواحد قادراً على صناعة الفارق بين المعنى الظاهر والمعنى العميق.

لقد توقّف النحاة البصريون والكوفيون طويلاً عند “اللام”، واختلفوا في بعض وظائفها وتأويلاتها، لأنّهم أدركوا أنّ الحرف في العربية ليس مجرّد أداة نحوية، بل عنصرٌ فلسفيّ في بناء الدلالة. فمدرسة البصرة، التي اتّسمت بالنزعة العقلية والقياس الصارم، سعت إلى تقعيد وظائف اللام ضمن أنظمة دقيقة تضبط الاستعمال، بينما اتّجه الكوفيون إلى التوسّع في السماع والاحتجاج بما ورد في كلام العرب، ولو خالف بعض القياسات المنطقية.

ومن أشهر أنواعها لام الابتداء أو لام التوكيد، الداخلة على المبتدأ لتقوية الحكم وتثبيته في ذهن المتلقّي، كما في قوله تعالى:

﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾.

وقد رأى سيبويه أنّ هذه اللام تؤدي وظيفةً نفسية قبل أن تكون نحوية، إذ تُلقي في الكلام نبرةً من اليقين والحسم، وتجعل الخبر أكثر رسوخاً في الإدراك.

ثم تأتي اللام المزحلقة، وهي من ألطف الظواهر النحوية في العربية؛ لأنّها انتقلت من صدر الجملة إلى الخبر بعد دخول “إنَّ”، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾.

وقد سمّاها النحاة “مزحلقة” لأنّها زُحْلِقت من مكانها الأصلي. ورأى الزمخشري أنّ في هذا الانتقال بُعداً بلاغياً يوازن بين أدوات التوكيد حتى لا يثقل صدر الكلام باجتماع المؤكّدات.

أما لام القسم فهي من أكثر أنواع اللام قوةً في الإيقاع النفسي، إذ ترتبط بالقَسَم وما يحمله من توكيد وتعظيم، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.

وقد عدّها ابن هشام من الأدوات التي تُضفي على الجملة جلالاً خاصاً، لأنّها تربط المعنى بإرادةٍ مؤكَّدة لا تقبل التردّد.

وفي المقابل تظهر لام الأمر بوصفها أداةً تحمل معنى التوجيه والتكليف، نحو قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾.

وهي عند البصريين لامٌ جازمة للفعل المضارع، بينما وسّع بعض الكوفيين استعمالاتها في الشعر والخطابة، محتجّين بالسماع العربي القديم.

ومن أعمق أنواعها دلالةً لام التعليل، التي تربط الأفعال بغاياتها وأسبابها، كقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾.

فهذه اللام تكشف البنية العقلية للعربية؛ إذ تجعل الفعل متجهاً نحو غايةٍ مقصودة، وهو ما ينسجم مع التصور الفلسفي القائل إنّ اللغة العربية لغةُ عللٍ ومقاصد، لا لغةُ أحداثٍ معزولة.

أما لام الجحود، الداخلة بعد كونٍ منفيّ، كما في قوله تعالى:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾،

فقد رأى فيها النحاة أقصى درجات النفي والتنزّه، حتى قال ابن مالك إنّها “أبلغ في الامتناع من النفي المجرّد”، لأنها لا تنفي الفعل فقط، بل تنفي إمكان وقوعه من الأساس.

وتتجلّى عبقرية العربية في لام العاقبة أو الصيرورة، كما في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.

فآل فرعون لم يلتقطوا موسى لهذا الغرض، لكنّ النتيجة النهائية آلت إلى ذلك. وقد رأى الفراء الكوفي أنّ هذه اللام تكشف قدرة العربية على التعبير عن المفارقة القدرية بين القصد والنتيجة.

ثم تأتي لام الجر، وهي من أكثر الحروف التصاقاً بالبنية اليومية للغة، إذ تفيد الملكية أو الاختصاص أو الاستحقاق، كقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.

وقد ناقش النحاة علاقتها بالمعاني الفلسفية للملكية والانتماء، لأنّ الإضافة في العربية ليست دائماً مادية، بل قد تكون معنوية وروحية أيضاً.

ولم يغفل فقهاء اللغة والبلاغيون عن الأبعاد الجمالية لهذه الحروف، فالجرجاني يرى أنّ الحرف قد يحمل من البلاغة ما لا تحمله جملةٌ كاملة، لأنّ المعنى الحقيقي يولد من العلاقات الدقيقة بين أجزاء الكلام. ولهذا فإنّ إعجاز القرآن لم يكن في الألفاظ وحدها، بل في التناسق العجيب بين الحروف والمعاني والإيقاع.

إنّ التأمل في أنواع اللام يكشف أنّ العربية ليست لغةً جامدة، بل كائنٌ حيّ ينبض بالمنطق والجمال والوعي الفلسفي. فالحرف فيها ليس تابعاً للكلمة، بل شريكٌ في إنتاج الدلالة وصناعة الأثر النفسي. ومن هنا نفهم لماذا تعامل النحاة مع الحروف بعنايةٍ تكاد تُشبه عناية الفلاسفة بالمفاهيم الكبرى؛ لأنّهم أدركوا أنّ فساد الحرف قد يفسد المعنى، وأنّ انحراف الدلالة يبدأ أحياناً من حركةٍ صغيرة أو أداةٍ مهملة.

وهكذا تبقى “اللام” مثالاً ناصعاً على عبقرية العربية واتساعها، فهي حرفٌ صغير في مبناه، عظيمٌ في معناه، تتجلّى فيه قدرة اللغة العربية على الجمع بين الدقة العقلية والثراء البلاغي والعمق الروحي، حتى غدت الحروف نفسها في القرآن جزءاً من معجزة البيان، لا مجرد أدواتٍ للربط أو الإعراب.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

لبّيكَ ما هبّتِ الأرواحُ خاشعةً

وما ترنّمَ بالتوحيدِ مُغتنِمُ

***

أقبلَ موسمُ الحجِّ فأشرقتِ الأرواحُ بعدَ ذبول، وارتفعتِ الأكفُّ إلى السماءِ برجاءِ القَبول، وتجرّدتِ القلوبُ من أثقالِ الدنيا تجرّد المُحرِمُ من مخيطِ الثياب، فلا فخرَ إلّا بالتقوى، ولا رفعة إلّا بحُسنِ المتاب. تمضي الجموعُ إلى البيتِ العتيق بقلوبٍ يملؤها الشوقُ العميق، تردّدُ التلبيةَ بخشوعٍ وانكسار، فتُعلنُ الأرواحُ عهدَ الوفاءِ للغفّار.

وفي تلكَ المشاهدِ العظيمة يحضرُ ذِكرُ محمد صلى الله عليه وسلم، النبيِّ الكريم، والرؤوفِ الرحيم، الذي أضاءَ اللهُ بهِ ظلماتِ الجاهليّة، وجعلَ من خُلُقِهِ آيةً ربّانيّة.

كانَ إذا تكلّمَ أصغتِ القلوب، وإذا تبسّمَ تبدّدَت الكروب، جمعَ الهيبةَ والرحمة، والقوّةَ والحِكمة، فكانَ للأمّةِ أبًا عطوفًا، وللمؤمنينَ سراجًا معروفًا.

وفي عرفات تسيلُ الدموعُ سائلة، والقلوبُ إلى الرحمنِ مائلة، فيتردّدُ صدى حَجّةِ الوداع، يومَ وقفَ الحبيبُ بينَ الجموعِ كالبدر ينير المكان، يوصي بالعدلِ والإحسان، وينهى عن الظلمِ والطغيان.

هناكَ أكملَ الرسالة، وأدّى الأمانة، وتركَ للأمّةِ نورًا لا يخبو، وهدًى لا يذبلُ ولا يَغفو.

فيا طوبى لقلبٍ ذابَ شوقًا في رحابِ الحرمين، واغتسلَ من ذنوبِه بدموعِ الخاشعين، ويا سعادةَ من سارَ على نهجِ النبيِّ الأمين، مقتديًا بخُلُقِهِ المتين، مردّدًا مع الجموعِ في خشوعٍ ويقين: لبّيكَ اللهمَّ لبّيك، لبّيكَ لا شريكَ لكَ لبّيك، إنَّ الحمدَ والنِّعمةَ لكَ والمُلك، لا شريكَ لك.

أنتَ الشفيعُ، وأنتَ النورُ نتبعُهُ

إذا تكاثفتِ الآثامُ والظُّلَمُ

*

وفي مِنىً ترتقي الأرواحُ خاشعةً

كأنّها حولَ بابِ العفوِ تزدحمُ

*

والسعيُ يروي حكاياتِ اليقينِ كما

مشى الهداةُ وفي خطوِ الهُدى شِيَمُ

*

حتى إذا لاحَ فجرُ العيدِ مبتهجًا

فاضتْ دموعُ رجاءٍ ملؤها الكَرَمُ

*

بيضُ الثيابِ كأنَّ الناسَ قد وقفوا

يومَ الحسابِ فلا جاهٌ ولا خَدَمُ

*

لبّيكَ اللهمَّ لبّيكَ يا أمَلًا

بهِ القلوبُ إلى الغفرانِ تعتصمُ

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

سعادة القطرة هي أن تموت في النهر.

أبو حامد الغزالي في كتاب كيمياء السعادة

في هذه العبارة تبدو النهاية نوعا من الاكتمال فالقطرة لا تبلغ حقيقتها وهي منفصلة، بل حين تتخلى عن حدودها الضيقة وتذوب في الكل.

غير أن لوحة "مرقد السجناء" لفاسيلي فيريشاغين والمحفوظة اليوم في متحف بروكلين، تبدو كأنها الوجه المظلم لهذه الحكمة نفسها. هنا أيضا تموت القطرات في النهر لكن النهر اتساع أبيض بارد يبتلع البشر بلا ذاكرة وبلا رحمة. الفناء لدى الغزالي امتلاء وانعتاق أما الفناء تحت الجليد فربما محض عذاب. الفرق بينهما هو شاسع و مرعب.

رسم فيريشاغين هذه اللوحة بين عامي ١٨٧٨ و ١٨٧٩ بعد الحرب الروسية العثمانية لا كرسام المنتصرين بل كشاهد على ما تفعله الحروب بالأجساد حين تنتهي الضوضاء و تسكت البنادق و المدافع. لم يرسم المعركة بل ما يليها. ذلك السكون الذي يأتي بعد استنفاذ الكراهية لكل طاقتها. لا يوجد مركز بطولي في المشهد. لا جنرال يرفع سيفه ولا علم يرفرف عاليا في السماء. سجناء أتراك متكدسون تحت عاصفة ثلجية هائلة و جثث بدأت تتصلب تحت بياض الثلج. جنود روس يقفون في الخلفية كظلال بلا ملامح وعربة حرب محطمة تغوص عجلاتها في الثلج كأنها هيكل حيوان نفق منذ زمن.2803 fasyli

ما يجعل اللوحة مرعبة ليس ما تعرضه فحسب بل الطريقة التي تعرضه بها. لا صراخ ولا انفجار ولا عنف مباشر. الرعب هنا أكثر برودة وأكثر نضجا.

رعب يأتي من الإحساس بأن العالم نفسه أصبح غير مكترث بالبشر. الثلج يتساقط بالكثافة نفسها على الأحياء والجثث على السجين والحارس و لا يفرق بين الحديد واللحم. عزيزي القارئ/القارئة ....انظر إلى الجسد المكوم في أقصى يمين المقدمة ثمة كتلة بشرية لم يعد بإمكانك أن تحدد أين ينتهي معطفه وأين يبدأ الثلج و كأن البياض بدأ يبتلع حدود الجسد نفسه عائدا به إلى مادة أولى بلا اسم. حتى الوجوه تكاد تختفي. لا أحد يمتلك فرديته كاملة هنا. الجميع يتحولون إلى كتل بشرية مهددة بالذوبان داخل العاصفة. هذا البياض الطاغي ليس مجرد خلفية للمشهد بل هو الشخصية الحقيقية في اللوحة حضور هائل يمحو الفوارق الأخيرة بين البشر تحت قانون واحد هو الاختفاء البطيء.

في روايته الشهيرة (الحرب والسلام) يصف تولستوي اقتراب الموت باعتباره انطفاء العالم الحسي ذاته: لحظة واحدة، ولن أرى بعدها ضوء الشمس هذا، وذلك الماء، وذلك الوادي الجبلي أبدا.

في لوحة فيريشاغين يبدو هذا الإدراك وقد تحول إلى مناخ كامل. لا شمس هنا، ولا ماء، ولا أفق واضح. العالم كله تقلص إلى درجات من الأبيض والرمادي. حتى السجناء الذين ما زالوا أحياء والمحنيون داخل معاطفهم لا ينظرون نحو شيء؛ أعينهم مطأطأة نحو الأرض التي ستصير قريبا قبرهم المفتوح على وجهية البسيطة. الحياة هنا لا تسلب دفعة واحدة بل تتآكل ببطء كما يتآكل الضوء عند الغروب الشتوي.

أما لو استعنا ب إرنست همنغواي و الذي عرف الحرب عن قرب أيضا، لعله يساعدنا على فهم الدافع الوحشي الكامن خلف هذا المشهد حين يقول: لا صيد يضاهي صيد الإنسان، وأولئك الذين طاردوا رجالا مسلحين طويلا بما يكفي وأحبوا ذلك لا يهتمون بأي شيء آخر بعدها.

الجنود الروس الواقفون في خلفية اللوحة هم هؤلاء الصيادون المنهكون. ليسوا منتصرين بقدر ما هم ظلال داكنة، إنهم فاقدو الملامح، تحولوا هم أيضا إلى أدوات داخل آلة صيد كبرى. بنادقهم المرفوعة تكاد تكون التفصيلة الوحيدة التي تميزهم بصريا عن ضحاياهم. لكن الثلج الذي يغطي كل شيء يبدو وكأنه يهمس بأن الصياد والطريدة سيلتقيان في النهاية تحت الكفن الأبيض نفسه.

وهنا تكمن عبثية الحرب التي اختزلها برتراند راسل في جملة واحدة مقتضبة: الحرب لا تحدد من هو على حق، بل تحدد فقط من تبقى.

لوحة مرقد السجناء هي ترجمة بصرية لهذه الجملة. ففي نهاية المطاف لا نرى أعلاما أو انتصارات بل نرى ببساطة من تبقى.

مجموعة من الحراس المتجمدين يقفون فوق أكوام من البشر الذين يتحولون بهدوء إلى جثث. الثلج لا يميز بين "محق" و"مبطل". إنه يساوي الجميع محولا الجثث والحراس والعربة الحربية إلى طبقات أثرية من خراب واحد.

بالعودة إلى عبارة الغزالي تبدو المأساة الحقيقية أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش دون أن يذوب في شيء أكبر منه. لكنه كثيرا ما يخطئ النهر الذي يختاره. مرة يذوب في الحق ومرة في الإمبراطورية. مرة في الحب ومرات عديدة في الكراهية. والمشكلة أن الأنهار التي يصنعها البشر لأنفسهم غالبا ما تنتهي إلى الثلج. في "مرقد السجناء" لا يوجد وعد بالخلاص ولا معنى أخلاقي مريح يمنحه الموت.

اللوحة لا تعظ ولا تصرخ ولا تدين. إنها أكثر قسوة من ذلك. إنها تكتفي بأن تريك ماذا يحدث للإنسان حين يتحول إلى مادة داخل طاحونة التاريخ.

وحين يطيل المرء النظر، يبدأ الثلج وكأنه لا يغطي الجثث وحدها إنما يغطي فكرة التقدم نفسها. تلك الفكرة التي أقنعت البشر طويلا بأن الحضارة تسير إلى الأمام بينما كانت المقابر تكبر بصمت تحت أقدامهم. ولهذا تبقى اللوحة رغم كل ثلجها... مشتعلة بأسئلة لا تبرد.

 كم قطرة بشرية يجب أن تموت في أنهار الحروب التي نصنعها قبل أن ندرك أن النهر الحقيقي الذي نبحث عنه ليس نهر العدم، بل نهر الحياة المشتركة؟

***

د احمد عابر

 

جدلُ الحرفِ بينَ النحوِ والرسمِ ودلالةِ المعنى

ليستِ اللغةُ العربيةُ مجرّدَ وسيلةِ تواصلٍ عابرة، بل هي كائنٌ حيٌّ يتنفّسُ في أصواتِ الحروفِ، ويتجلّى في هندسةِ المعنى، حتى ليغدو اختلافُ حرفٍ واحدٍ باباً من أبوابِ التأويلِ والمعرفة. ومن دقائقِ العربيةِ التي حيّرتِ الكتّابَ والمتعلّمين، وأثارتْ جدلَ النحاةِ واللغويين، مسألةُ كتابةِ «إذن» بالنون، و«إذاً» بالتنوين أو بالألف. أهما لفظٌ واحدٌ اختلفَ رسمُه؟ أم هما أداتانِ متباينتانِ في الوظيفةِ والدلالة؟

إنّ الوقوفَ عند هذه المسألة ليس تمرينًا إملائيًا فحسب، بل هو غوصٌ في فلسفةِ العربيةِ ذاتها؛ تلك اللغةِ التي رأتْ في الرسمِ امتداداً للمعنى، وفي الإعرابِ موسيقى للفكر. ولذلك قال عبد القاهر الجرجاني إنّ «النظمَ هو توخّي معاني النحو»، أي إنّ سرَّ البلاغةِ ليس في الكلمةِ منفصلةً، بل في علائقها ووظائفها. ومن هنا نفهمُ لماذا اهتمّ النحاةُ بحرفٍ صغيرٍ مثل «إذن»، لأنّ الحرفَ في العربيةِ قد يُقيمُ معنىً أو يهدمُه.

أولًا: «إذن» الناصبةُ للفعل المضارع

«إذن» حرفُ جوابٍ وجزاءٍ واستقبال، ينصبُ الفعلَ المضارعَ بشروطٍ مخصوصة. تقول:

سأزورُك غداً.

فتجيب:

إذن أُكرمَكَ.

فـ«أكرمَ» فعلٌ مضارعٌ منصوبٌ بـ«إذن».

وقد اشترطَ النحاةُ لعملِها شروطاً، منها:

أن تكونَ في صدرِ الجملة.

أن يكونَ الفعلُ بعدها دالّاً على الاستقبال.

ألّا يفصلَ بينها وبين الفعلِ فاصلٌ غيرُ القسمِ أو النداءِ أو «لا» النافية.

وهذه الشروطُ تدلُّ على دقّةِ العقلِ النحويِّ العربيِّ، إذ لم يكنْ النحاةُ يضعونَ القواعدَ عبثاً، بل كانوا يستقرئونَ منطقَ العربِ في كلامِهم. وقد رأى نحاةُ البصرة، وفي مقدّمتهم سيبويه، أنّ «إذن» تعملُ عملَ «أنْ» المضمرة، ولذلك نصبتِ المضارع. أمّا الكوفيون، وعلى رأسهم الكسائي، فقد وسّعوا في أحكامِها وأجازوا بعضَ ما منعه البصريون.

وكان الخلافُ بين المدرستينِ البصريةِ والكوفيّةِ انعكاساً لرؤيتينِ في فهمِ اللغة:

فالبصريون يميلونَ إلى القياسِ والصرامةِ المنطقية.

والكوفيون أكثرُ اعتماداً على السماعِ وتنوّعِ الاستعمال.

ثانياً: لماذا تُكتبُ «إذن» أحياناً «إذاً»؟

هنا تبدأُ رحلةُ الرسمِ الإملائيِّ، حيثُ يختلطُ الصوتُ بالخطِّ.

الأصلُ التاريخيُّ عند جمهورِ النحاةِ واللغويين أن تُكتبَ الكلمةُ بالنون: «إذن». وهذا ما رجّحه كثيرٌ من أئمةِ اللغة، لأنّ النونَ أصليةٌ في الكلمة وليست تنويناً.

غيرَ أنّ بعضَ الكتّابِ كتبها «إذاً» بالألف، توهّماً أنّ النونَ تنوينُ نصب، كما في:

شكراً

حقّاً

فعلاً

فانتشرتِ الكتابةُ بالألفِ في العصورِ المتأخرة، ثم شاعَ استعمالُها الصحفيُّ والأدبيُّ.

وقد وقفَ مجمعُ اللغةِ العربيةِ عند هذه المسألة، فرأى أنّ الرسمَ الأصحَّ هو «إذن» بالنون، لأنّها حرفٌ مستقلٌّ لا تنوينَ فيه. أمّا «إذاً» فكتابةٌ جائزةٌ شاعتْ اصطلاحاً لا قياسًاً.

وهذا يُظهرُ كيف أنّ اللغةَ ليستْ جامدةً، بل تتفاعلُ مع الاستعمالِ الاجتماعيِّ والثقافيِّ. فاللغةُ، كما يرى ابن جني، «أصواتٌ يُعبّرُ بها كلُّ قومٍ عن أغراضهم»، أي إنّ الاستعمالَ جزءٌ من حياةِ اللغةِ، لا يمكنُ فصلُه عن قواعدِها.

ثالثاً: الفرقُ بين «إذا» و«إذن»

ينبغي ألّا نخلطَ بين «إذا» الشرطيةِ أو الظرفيةِ، وبين «إذن» الجوابية.

١. إذا

اسمٌ يدلُّ غالباً على الزمانِ المستقبل، مثل:

إذا جاءَ الشتاءُ هاجَ الحنين.

وهي هنا ظرفٌ لما يُستقبلُ من الزمان.

٢. إذن

حرفُ جوابٍ وجزاء، مثل:

سأجتهدُ.

إذن تنجحَ.

فالفرقُ بينهما فرقٌ بين الظرفِ والحرف، وبين الشرطِ والجواب، وبين الزمنِ والتعليل.

رابعاً: البعدُ الفلسفيُّ للحرفِ في العربية

لقد أدركَ فلاسفةُ اللغةِ أنّ الحروفَ ليستْ فراغاً صوتيّاً، بل مفاتيحُ للرؤيةِ والتفكير. ولهذا قال الفارابي إنّ اللغةَ مرآةُ العقل، بينما رأى ابن رشد أنّ فسادَ العبارةِ يؤدّي إلى فسادِ التصوّر.

ولذلك لم يكنِ النحوُ العربيُّ ترفاً علميّاً، بل محاولةً لحمايةِ المعنى من الانهيار. فحينَ يضطربُ الحرفُ يضطربُ الفكر، وحينَ تتشوّشُ العلاقاتُ النحويةُ تتشوّشُ الرؤيةُ للعالم.

ومن هنا نفهمُ لماذا قاتلَ النحاةُ دفاعاً عن الضبطِ والإعرابِ والرسمِ؛ لأنّ اللغةَ عندهم كانتْ نظاماً للعقلِ والحضارة، لا مجرّدَ ألفاظٍ عابرة.

خامساً: الرأيُ الراجحُ في الكتابة

الأفصحُ والأدقُّ لغوياً أن تُكتب:

«إذن» بالنون.

لأنّ النونَ حرفٌ أصيلٌ فيها، لا تنوينٌ عارض.

أمّا «إذاً» بالألف، فكتابةٌ شاعَ استعمالُها حديثاً، وهي مقبولةٌ عند بعضِ المعاصرين، لكنّها ليستِ الاختيارَ الأقوى من جهةِ التحقيقِ اللغويِّ.

خاتمة:

إنّ الفرقَ بين «إذن» و«إذاً» ليسَ مجرّدَ مسألةٍ إملائيةٍ صغيرة، بل شاهدٌ على عبقريةِ العربيةِ التي جعلتْ من الحرفِ عالَماً كاملاً من الدلالةِ والنظام. فالحرفُ في العربيةِ ليس ظلّاً للكلام، بل روحُه الخفيّة.

ولعلّ أجملَ ما يُقالُ في هذا الباب، ما أشارَ إليه الجاحظ حين رأى أنّ البيانَ ليسَ في كثرةِ الكلام، بل في إصابةِ المعنى بأدقِّ صورة. وهكذا تبقى العربيةُ لغةً ترى في النقطةِ معنى، وفي الحركةِ موسيقى، وفي الحرفِ تاريخَ أمّةٍ كاملة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

ثمة اماكن لا نغادرها مهما ابتعدت بنا الطرق، لانها ببساطة لم تكن يوما خارجنا.. اماكن تتسلل الى ارواحنا بهدوء، ثم تستقر فيها كجزء من تكويننا الداخلي، فنحملها معنا اينما ذهبنا، كما تحمل الاشجار رائحة الارض الاولى في اعماق جذورها.

وبيت الاب ليس مجرد مكان نتذكره حين يمر الحنين عابرا، بل هو الذاكرة حين تتحول الى وطن، وهو الطفولة حين تتجسد في جدران، وهو القلب الاول الذي تعلمنا داخله معنى الامان والحب والانتماء.

كلما تقدم بنا العمر، ادركنا ان البيوت ليست سقوفا وابوابا ونوافذ فحسب، بل ارواح خفية تحفظ ضحكاتنا، وتخبئ دموعنا، وتعرف ارتجافة قلوبنا الاولى.

ولهذا حين نعود الى بيوت الطفولة، لا نعود اليها وحدها، بل نعود الى انفسنا القديمة، الى ذلك الكائن البريء الذي كان يرى العالم بعينين ممتلئتين بالدهشة.

بيت ابي...

ذلك البيت الذي لم يكن واسعا بالضرورة، لكنه كان يتسع لقلوبنا جميعا.. كان يشبه قصيدة قديمة لا يبهت معناها مهما مرت عليها السنون، وكانت تفاصيله الصغيرة اكثر دفئا من مدن كاملة.

وكان يشبه حضن ام في ليلة شتاء طويلة، دافئا الى حد البكاء.

يشبه نهرا صغيرا كلما ابتعدنا عنه ازداد عطشنا اليه.

يشبه ضوء المغيب حين ينسكب على الجدران القديمة بحزن جميل

يشبه مركبا خشبيا قديما، تتعبه الامواج لكنه لا يغرق ابدا.

هناك، كانت الحياة بسيطة الى حد القداسة، رائحة الخشب العتيق، فناجين الشاي الساخنة، تكعيبة العنب التي تعرش فوق الذاكرة، شجرة الياسمين التي كانت تنثر البياض على ارواحنا قبل ان تنثره على الجدران.

ما اعجب البيوت التي يسكنها الحب...

انها لا تموت ابدا.

تبقى حية حتى وان اغلقت ابوابها، لان الحب يترك اثره على الاشياء كما يترك المطر رائحته على التراب.

كنت اشعر دائما ان جدران بيت ابي تحفظ اصواتنا، وان النوافذ تعرف وجوهنا، وان الممرات القديمة مازالت تنتظر وقع خطواتنا الصغيرة.

في بيت ابي تعلمت ان الطمأنينة ليست كلمة، بل شعور يشبه الضوء حين ينساب بهدوء في اخر النهار.

وهناك ايضا عرفت ان الانسان لا ينتمي الى المكان لانه عاش فيه فقط، بل لانه ترك جزءا من روحه عالقا بين زواياه.

لهذا كلما مررت بذلك البيت العتيق، اشعر ان قلبي يركض نحوه كطفل عاد اخيرا من غربة طويلة.

احن الى ذلك البيت كما يحن العابر الى وطنه الاول.

احن الى النعناع والريحان، الى رائحة البرتقال حين يمتزج بصوت المساء، الى طنين النحل ورفرفة الفراشات، الى الاريكة القديمة التي كانت تحمل احاديث العائلة ودفء الايام.

احن الى زمن لم يكن مثاليا، لكنه كان نقيا... نقيا الى الحد الذي يجعل ذكراه تؤلمنا كلما تذكرناه.

لقد سكنت بيوتا كثيرة، وتجولت في مدن عديدة، ورأيت وجوها لا تحصى، لكن شيئا في داخلي ظل واقفا هناك... في بيت ابي.

كأن روحي لم تغادره تماما، وكأن طفولتي مازالت تجلس في الحوش تحت شجرة الياسمين، تنتظرني كلما ارهقني العالم.

بيت ابي لم يكن منزلا فقط، بل كان فلسفة كاملة للحياة.

كانت ابوابه المفتوحة تعلمنا معنى الكرم، وكانت نوافذه المشرعة تقول لنا ان الحرية اجمل من الخوف، وان البيت الحقيقي هو الذي يمنح الروح اجنحتها، لا الذي يحاصرها بالجدران.

لهذا اؤمن ان بعض البيوت لا تهدم ابدا، حتى وان اختفت من الوجود.

تبقى قائمة في اعماقنا كالمعابد القديمة، يضيئها الحنين كلما اظلمت ارواحنا.

بعض الأماكن أكثر إنسانية من البشر. تمنحنا دفئا لا تفسير له، تزيل عن القلب وحشة الأيام، وتسكب فينا سلاما عميقا يشبه الاعتراف. هي ليست جدرانا ولا نوافذ، بل صدور خلقت لتحتوي تعبنا، وتقول لنا بصمتها: ما زلت أعرفك… وما زلت أحفظ أثر خطواتك.. هذا هو بيت ابي

لقد سكنت بيوتا كثيرة، وتجولت في مدن عديدة، ورأيت وجوها لا تحصى، لكن شيئا في داخلي ظل واقفا هناك... في بيت ابي.

كل البيوت تشيد من طين وحجر،

الا بيت ابي...

فقد بني من دفء القلب، ولذلك سيظل خالدا في الذاكرة، عصيا على النسيان.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

الحرف الذي يسكن بين الغياب والحضور

ليست اللغة العربية مجرّد نظامٍ صوتيٍّ أو معجمٍ للدلالة، بل هي كائنٌ حضاريٌّ حيّ، تختبئ في تفاصيله الدقيقة أسرارُ التاريخ والروح والجمال. ومن أعجب ما في هذا الكيان اللغوي أنّ بعض علاماته الصغيرة تحمل من العمق ما لا تحمله كتبٌ بأكملها. ومن هذه العلامات “الألف الخنجرية”، تلك الألف الدقيقة التي تبدو في ظاهرها إشارةً خطيّةً هامشية، لكنها في حقيقتها شاهدٌ على عبقرية العربية في الجمع بين الصوت والرسم والذاكرة.

إنّ الألف الخنجرية ليست حرفاً كاملاً بالمعنى الإملائي، ولا حركةً عابرة بالمعنى الصوتي، بل هي منطقةٌ وسطى بين الحضور والغياب؛ تُنطق ولا تُكتب كتابةً مكتملة، وتظهر أثرًا فوق الحرف كأنها ظلٌّ صوتيٌّ لذاكرةٍ لغوية قديمة. ولهذا سُمّيت “خنجرية”، لأنّها تشبه خنجرًا دقيقًا مغروسًا في جسد الكلمة، يوقظ فيها امتداد الصوت دون أن يتحوّل إلى حرفٍ مستقل.

ولعلّ هذا البعد الرمزي يجعل الألف الخنجرية أقرب إلى مفهوم “الأثر” عند جاك دريدا؛ فهي ليست حضورًا كاملًا ولا غيابًا كاملًا، بل بقايا حضورٍ تشير إلى شيءٍ غير مكتمل في الكتابة، لكنه حيٌّ في النطق والوعي. إنّها أثرُ الصوت داخل الرسم، أو ذاكرة الحرف الذي غاب شكله وبقي صداه.

الألف الخنجرية بين الصوت والرسم

في اللغة العربية تنشأ علاقةٌ دقيقة بين المنطوق والمكتوب، غير أنّ هذه العلاقة ليست دائمًا علاقة تطابقٍ ميكانيكي. فالعرب القدماء لم ينظروا إلى الكتابة بوصفها نسخًا فوتوغرافيًا للصوت، بل باعتبارها نظامًا ثقافيًا وجماليًا يحمل أثر التاريخ والاستعمال.

ولهذا نجد كلمات مثل:

هٰذا، هٰذه، ذٰلك، الرَّحمٰن، أُولٰئك.

تُلفظ بألف مدٍّ واضحة، لكنّ الألف لا تُرسم ألفًا قائمة، بل تُختصر في هذه العلامة الصغيرة: “ٰ”.

وهنا تتجلّى عبقرية العربية؛ إذ استطاعت أن تحتفظ بالصوت دون أن تتخلّى عن الرسم التاريخي للكلمة. وكأنّ الألف الخنجرية تمارس نوعًا من الاقتصاد الجمالي في الكتابة؛ فهي تقول الكثير بأقلّ مساحةٍ ممكنة، وتدلّ على الامتداد الصوتي دون أن تثقل بنية الكلمة.

وقد أشار علماء الرسم والقراءات، مثل أبو عمرو الداني وابن الجزري، إلى أنّ الرسم العثماني للمصحف لا يقوم على قواعد الإملاء الحديثة وحدها، بل يستند إلى حكمةٍ صوتية وتاريخية وتوقيفية، هدفها الحفاظ على الأداء القرآني كما تلقّاه المسلمون الأوائل.

الألف الخنجرية والرسم العثماني

في المصحف الشريف، تتحوّل الألف الخنجرية من مجرد علامة إملائية إلى جزءٍ من القداسة الجمالية للنص القرآني. فهي تظهر في كلمات مثل:

الرَّحمٰن، الصَّلٰوة، الزَّكٰوة.

وهنا لا يعود الرسم مجرد شكلٍ بصري، بل يصبح ذاكرةً حضارية تحفظ إيقاع التلاوة وروح الأداء. ولهذا حافظ المسلمون على الرسم العثماني رغم تطوّر قواعد الإملاء، لأنّ القرآن ليس نصًا لغويًا فحسب، بل نصٌّ صوتيٌّ وجماليٌّ وتعبّديٌّ في آنٍ معًا.

لقد فهم علماء العربية أنّ حذف الألف من الرسم لا يعني غيابها من الكيان الصوتي للكلمة. فالحرف قد يغيب شكلًا ويبقى أثرًا، كما قد يغيب الجسد ويبقى المعنى. ومن هنا يمكن النظر إلى الألف الخنجرية بوصفها تجسيدًا لفلسفة الحضور المستتر في الثقافة العربية.

البعد الجمالي للألف الخنجرية

ليست الألف الخنجرية مجرّد ضرورةٍ تقنية، بل تمتلك جمالًا بصريًا وموسيقيًا خاصًا. ففي الخط العربي تبدو هذه العلامة كأنها ومضةٌ دقيقة فوق الحرف، أو نَفَسٌ خفيٌّ يعلو الكلمة دون أن يثقلها. وهي تمنح الكتابة العربية مرونةً إيقاعية تجعل الحرف يتحوّل إلى كائنٍ حيّ، لا إلى رمزٍ جامد.

وقد أدرك كبار الخطاطين أنّ جمال العربية لا يكمن في الحروف وحدها، بل في الفراغات والعلامات والامتدادات الدقيقة التي تمنح النص موسيقاه البصرية. ولهذا تبدو الألف الخنجرية أقرب إلى “الهمسة التشكيلية” داخل الجملة.

ولو تأملناها من زاويةٍ أدبية، لوجدنا أنّها تشبه الإنسان العربي نفسه: حضورٌ ناقص في الظاهر، لكنه ممتلئٌ بالمعنى في العمق. فهي حرفٌ غير مكتمل الرسم، لكنه كامل الأثر. وكأنّ اللغة هنا تقول إنّ القيمة ليست دائمًا فيما يظهر، بل فيما يتركه الأثر الخفيّ في الوعي.

الحرف بوصفه ذاكرة حضارية

لقد تحدّث عبد القاهر الجرجاني عن أنّ جمال اللغة لا يقوم على الألفاظ منفصلةً، بل على العلاقات الدقيقة التي تربط بينها. والألف الخنجرية مثالٌ بديع على ذلك؛ فهي علاقة بين المنطوق والمكتوب، بين الحذف والإثبات، بين الاقتصاد الشكلي والامتلاء الصوتي.

ومن هنا، فإنّ دراسة الألف الخنجرية ليست درسًا إملائيًا محدودًا، بل نافذةٌ على فلسفة العربية نفسها؛ تلك اللغة التي استطاعت أن تجعل من أصغر علامةٍ فيها حاملًا للمعنى والجمال والتاريخ.

إنّ الألف الخنجرية تذكّرنا بأنّ الحروف ليست مجرد أدوات كتابة، بل كائناتٌ ثقافية تختزن روح الأمة وتجربتها الجمالية. فكما يحمل الشعر ذاكرة الشعوب، تحمل العلامات الصغيرة ذاكرة اللغة. وربما لهذا السبب بقيت العربية حيّةً عبر القرون؛ لأنها لغة لا تهمل حتى الظلال الخفية للحروف.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في العشرين من أيار 2026، لم يكن المهرجان الثالث لكلية الفنون الجميلة في جامعة دهوك مجرد فعالية جامعية اكاديمية عابرة، ولا مناسبة احتفالية من تلك التي تمر سريعا ثم تنسى، بل كان يوما استثنائيا استعاد فيه الفن هيبته، واستعاد فيه الحضور دهشته، واستعادت فيه الجامعة شيئا من روحها الجمالية حين تتفتح على الإبداع، وتمنح طاقات شبابها فرصة أن تقول كلمتها بصدق وجرأة ووعي.

لقد بدا هذا المهرجان، في يومه الأول، كأنه مساحة واسعة تتجاور فيها الفنون من غير تنازع، وتتآلف فيها الأصوات والأنغام، والحركة والصورة، واللون والإيقاع، في مشهد يشي بأن الجمال لا يولد من عنصر واحد، بل من تآزر العناصر حين تدخل في حوار حي ومتكامل؛ وفي قاعة المؤتمرات بجامعة دهوك، حيث احتشدت الأنظار والقلوب، لم يكن ما جرى مجرد عروض متفرقة، بل كان بناء فنيا متماسكا، تتداخل فيه الكلمات الرسمية، بالموسيقى وبالاصوات الفلكورية والتراثية الكوردية العريقة، ويتكئ فيه المسرح والتشكيل على حس بصري يفتح أمام المتلقي أبواب التأمل والإعجاب.

وكان العرض الموسيقي الأول، من دون مبالغة، أبرز لحظات المهرجان وأكثرها رسوخا في الذاكرة؛ فقد جاء منظما على نحو لافت، سواء من حيث الأزياء التي أضفت على المشهد أناقة مدروسة، أو من حيث الآلات التي بدت موزعة بوعي وتنسيق، أو من حيث العزف الجماعي المتقن الذي قدمه طلبة المرحلتين الأولى والثانية في قسم الموسيقى؛ وقد حمل هذا الأداء في طياته ما هو أبعد من مجرد الإتقان التقني؛ إذ بدا وكأنه إعلان صريح عن حضور موهبة شابة تعرف كيف تصغي إلى بعضها بعضا، وكيف تتحول من أفراد إلى فرقة، ومن أصوات متجاورة إلى وحدة موسيقية نابضة بالحياة.

ورغم ما شاب هندسة الصوت من بعض الخلل التقني، فإن ذلك لم يكن كافيا ليحجب الوهج العام للعرض، ولا ليطفئ أثره في نفوس الحاضرين؛ فثمة عروض تتعثر تقنيا لكنها تظل قادرة على النفاذ إلى الوجدان، لأن قوتها الحقيقية لا تأتي من الكمال الظاهري، بل من الصدق الداخلي والانسجام الفني. وهكذا بدا الأداء الموسيقي أقوى من عثرته التقنية، وأقدر على تجاوزها بفضل جمال التشكيل الجماعي، وتماسك الإيقاع، والثقة التي حملها الطلبة وهم يقفون على الخشبة كأنهم يعلنون، بهدوء وثبات، أن الفن الحقيقي يستطيع أن يعلو على العوائق حين يكون موهوبا ومخلصا ومدروسا.

أما العرض المسرحي الذي قدم في قاعة الكلية، فقد جاء بروح مختلفة، وبجرأة لا تخطئها العين، ولا تنكرها الذاكرة؛ لقد بدا المسرح هنا وكأنه يفتح صفحة جديدة، لا يكتفي بإعادة ما سبق، بل يغامر في مسالك أخرى، ويختبر إمكانات تعبيرية أكثر تحررا من القوالب الجاهزة؛ ومن خلال هذا العرض، بدا واضحا أن طلبة قسم المسرح لا يملكون الرغبة في الأداء فحسب، بل يملكون أيضا الشجاعة على مساءلة الشكل، وإعادة تشكيله، وفتح أفق مغاير لما عرفته المهرجانات السابقة؛ وكانت هذه الجرأة في حد ذاتها مكسبا مهما؛ لأنها أكدت أن المسرح في كلية الفنون الجميلة ليس تمرينا تعليميا فقط، بل تجربة حية تتطلع إلى التكوين، وإلى ابتكار لغة خاصة بها، وإلى تخطي حدود المألوف نحو أفق أوسع وأكثر خصوبة.

وفي المعرض التشكيلي، بدت الطاقات الشابة كأنها تخرج من صمتها لتعلن حضورها الواثق. فقد حملت اللوحات والأعمال الغرافيكية أفكارا مبتكرة، وأضاءت على قدرات إبداعية حقيقية لا تزال في طور النمو، لكنها تنبئ منذ الآن بمستقبل فني واعد؛ كانت الأعمال المعروضة أكثر من مجرد ألوان وخطوط وتكوينات؛ كانت محاولات جادة لطرح أسئلة بصرية، وتقديم رؤى تحمل بصمة أصحابها، وتكشف عن استعدادهم لخلق الجديد بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج ما هو قائم؛ ومن هنا جاء المعرض التشكيلي بوصفه أحد أهم وجوه المهرجان، لأنه لم يكتف بإظهار المهارة، بل أظهر أيضا الخيال، والحس، والقدرة على تحويل الفكرة إلى أثر بصري حي.

ولعل ما منح هذا المهرجان في يومه الاول قيمته الحقيقية أنه لم يكن مجرد مناسبة منظمة بإتقان، بل كان شاهدا على طاقات شابة تتشكل أمام أعيننا، وتتعلم كيف تحول المعرفة إلى جمال، والموهبة إلى إنجاز، والدرس الأكاديمي إلى لحظة إبداعية كاملة؛ لقد بدا واضحا أن كلية الفنون الجميلة في جامعة دهوك تمتلك، في طلبتها وأقسامها، إمكانات أصيلة قادرة على خلق الأثر، وصناعة التميز، وفتح نوافذ جديدة على الفن بوصفه فعلا إنسانيا راقيا، لا مجرد ممارسة تقنية أو أداء موسمي.

إن المهرجان في يومه الأول قدم صورة مشرقة عن الجيل الفني الصاعد، وأكد أن الإعداد المحكم، والتنظيم المبهر، والانضباط في التفاصيل، ليست عناصر شكلية ثانوية، بل هي جزء من احترام الفن ذاته؛ ومن خلال هذا التآلف بين الموسيقى والمسرح والتشكيل، تشكلت لحظة جمالية نادرة، حملت معها وعدا بأن القادم سيكون أجمل، وأن هذه الطاقات الشابة قادرة على أن تواصل طريقها بثقة، وأن تضيف للمشهد الثقافي في دهوك، وفي الجامعة على وجه الخصوص، لونا جديدا من ألوان الحياة والإبداع.

***

د. جوتيار تمر - اقليم كوردستان

دهشةُ اللغة وانبثاقُ المعنى بين النحو والبلاغة

ليست اللغة العربية مجرّد نظامٍ من القواعد الجامدة، بل هي كائن حيّ ينبض بالإيقاع والدلالة والانفعال. وما الحروف والأدوات فيها إلا مفاتيح دقيقة لتحريك الزمن والمعنى والشعور. ومن بين هذه الأدوات تتجلّى «إذا» بوصفها إحدى أكثر البنى اللغوية ثراءً وإثارة؛ فهي ليست أداة زمنية فحسب، بل أفق دلالي تتقاطع فيه المفاجأة بالترقّب، والانكشاف بالدهشة، والزمن بالنفس.

وقد أدرك النحاة والبلاغيون منذ القديم أنّ «إذا» ليست نمطاً واحداً، بل تتعدّد وظائفها بتعدّد السياقات، حتى غدت في العربية فضاءً تركيبياً ودلالياً شديد العمق. ولهذا ميّزوا بين «إذا» الشرطية، و«إذا» الظرفية، و«إذا» الفجائية، ولكلّ منها روحها النحوية وطاقتها البلاغية.

أولاً: أنواع «إذا» في العربية

١- إذا الشرطية:

وهي أشهر أنواع «إذا»، وتأتي ظرفاً لما يُستقبل من الزمان متضمّنة معنى الشرط، كقولنا:

إذا اجتهدتَ نجحتَ.

فهي هنا تربط بين فعلين: فعل الشرط وجوابه، وتدلّ على توقّع حدوث الأمر في المستقبل. وقد رأى النحاة أنّها تمتاز عن «إنْ» الشرطية بأنّها تُستخدم غالباً فيما يُرجَّح وقوعه، بينما تُستخدم «إنْ» فيما يُشكّ في حدوثه.

وقد أشار إلى ذلك إمام النحاة سيبويه، حين فرّق بين أدوات الشرط من حيث قوّة التوقّع الزمني والدلالي.

٢- إذا الظرفية:

وتأتي ظرفاً زمانياً محضاً، دون معنى الشرط، نحو:

أزورك إذا طلعت الشمس.

فهي هنا تحدّد الزمن فقط، ولا تفيد التعليق الشرطي.

٣- إذا الفجائية:

وهي موضوعنا الأشدّ إثارة وجمالاً، لأنها ليست أداةً للزمن وحده، بل أداة للدهشة والانبثاق المفاجئ.

نقول:

خرجتُ فإذا الأسدُ أمامي.

أو:

فتحتُ الباب فإذا المطرُ يهطل بغزارة.

إنّ «إذا» هنا لا تدلّ على شرط، ولا تعمل عمل الظروف الزمنية المعتادة، بل تفجّر الحدث تفجيراً مباغتاً، كأنّ اللغة نفسها تتعثّر بالدهشة.

«إذا» الفجائية: طبيعتها النحوية

اتفق جمهور النحاة على أنّ «إذا» الفجائية حرفٌ يفيد المفاجأة، ويأتي غالباً في أثناء الكلام، لا في بدايته، ويقع بعده مبتدأ وخبر أو ما أصله مبتدأ وخبر.

فنقول:

خرجتُ فإذا الطريقُ مزدحمٌ.

فالتركيب بعد «إذا» يتألّف من مبتدأ وخبر:

الطريقُ: مبتدأ

مزدحمٌ: خبر

وقد تأتي الجملة فعلية مؤوّلة باسمية، مثل:

خرجتُ فإذا الناسُ يركضون.

أي: فإذا الناسُ راكضون.

ولهذا قال كثير من النحاة إنّ «إذا» الفجائية تختصّ بالدخول على الجمل الاسمية، أو ما يؤول إليها.

رأي النحاة البصريين

ذهب نحاة البصرة، وفي مقدّمتهم سيبويه والمبرّد وابن السراج، إلى أنّ «إذا» الفجائية حرفٌ لا محلّ له من الإعراب، يفيد المفاجأة والانقطاع المفاجئ في السياق الزمني.

وقد أكّدوا أنّها ليست ظرفاً زمانياً حقيقياً، لأنّها لا تدلّ على زمن محدّد، بل على حدوث الأمر بغتةً.

وكان سيبويه شديد الدقة في ربط البنية النحوية بالأثر الدلالي؛ إذ رأى أنّ العرب لم تستخدم «إذا» الفجائية عبثاً، بل لتصوير انتقال النفس من حالة توقّع إلى حالة صدمة أو انكشاف مفاجئ.

ولهذا فإنّ «إذا» الفجائية عند البصريين تحمل وظيفة نفسية إلى جانب وظيفتها النحوية، فهي أداة لتحويل السرد إلى مشهد حيّ نابض بالمفاجأة.

رأي النحاة الكوفيين:

أما نحاة الكوفة، فقد وسّعوا النظر في «إذا» الفجائية، ورأى بعضهم أنّها قد تحمل معنى الظرفية أيضاً، وأنّ دلالتها الزمنية لم تنفصل تماماً عن أصلها الظرفي.

وكان الكوفيون أكثر مرونة من البصريين في التعامل مع الحدود الصارمة بين الحرف والظرف، ولذلك أجاز بعضهم تأويلها ظرفاً للمفاجأة.

لكنّهم اتفقوا مع البصريين في أمر أساسي، وهو أنّ «إذا» الفجائية لا تدخل عادة إلا بعد كلام يهيّئ للمفاجأة، وأنّ ما بعدها يكون جملة اسمية أو في تأويلها.

وهذا الخلاف بين المدرستين ليس مجرد جدل نحوي، بل يكشف عن رؤيتين للغة:

رؤية بصريّة تميل إلى الصرامة المنطقية والتقعيد، ورؤية كوفية أكثر التصاقاً بالسماع والمرونة الاستعمالية.

«إذا» الفجائية بين النحو والبلاغة

لم يتوقف أمر «إذا» عند حدود النحو، بل تجاوزها إلى البلاغة والشعر. فقد أدرك البلاغيون أنّ هذه الأداة تمتلك طاقة تصويرية هائلة، لأنها تُحدث في النصّ ما يشبه الصدمة الجمالية.

ولهذا أكثر الشعراء من استخدامها، لأنها تنقل القارئ من حالة إلى أخرى دفعةً واحدة.

يقول المتنبي:

وَأَقبَلتُ زَحفاً عَلى الرُكبَتَينِ

فَكانَت إِذا الأَرضُ مِنّي السَماءُ

فهنا تنقل «إذا» الإحساس بالتحوّل المفاجئ والانقلاب الوجودي.

أما الجاحظ، فقد رأى أنّ سرّ العربية يكمن في هذه الأدوات الصغيرة التي تبدو هامشية لكنها تتحكم في حركة المعنى وإيقاع الفكر. فاللغة عنده ليست ألفاظاً فقط، بل طرائق في بناء الإدراك.

وقد تنبّه عبد القاهر الجرجاني في «دلائل الإعجاز» إلى أنّ جمال التركيب العربي لا يقوم على المفردات منفصلة، بل على العلاقات الدقيقة بين الأدوات والسياقات، ومن هنا تتجلّى قيمة «إذا» الفجائية بوصفها أداة لصناعة التوتّر والانكشاف.

البعد النفسي لـ«إذا» الفجائية

إنّ «إذا» الفجائية ليست مجرّد أداة نحوية، بل هي تمثيل لغوي للحظة الإدهاش الإنساني. إنها النقطة التي ينكسر فيها توقّع العقل، فيقف الوعي فجأة أمام ما لم يكن ينتظره.

ولهذا تبدو قريبة من طبيعة الحياة نفسها؛ فالكثير من التحوّلات الكبرى تأتي «إذا» فجائية:

إذا الموت، إذا الحب، إذا الخيانة، إذا الحقيقة.

إنّها أداة تعبّر عن هشاشة الإنسان أمام المباغتة الوجودية.

ولعلّ هذا ما جعل الشعراء ينجذبون إليها، لأنها تختصر دراما المفاجأة في حرفين فقط.

خاتمة:

تكشف «إذا» الفجائية عن عبقرية العربية بوصفها لغة لا تفصل بين النحو والنفس، ولا بين التركيب والانفعال. فهي أداة صغيرة في مبناها، عظيمة في أثرها، استطاعت أن تحوّل المفاجأة الإنسانية إلى بنية لغوية دقيقة.

وقد اختلف البصريون والكوفيون في تصنيفها، بين حرفٍ وظرف، لكنّهم اتفقوا جميعاً على أنّها أداة استثنائية في النسيج العربي، لأنها لا تصف الحدث فقط، بل تصنع وقعه النفسي في المتلقي.

وهكذا تثبت العربية مرةً أخرى أنّ أسرارها لا تكمن في ضخامة المفردات، بل في تلك الأدوات الدقيقة التي تمنح الكلام روحه الخفية، وتجعل اللغة قادرة على تمثيل أدقّ ارتجافات النفس البشرية.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

شكل: صياغة العمل الفني وبناؤه اللفظي، هيئته

الشاعر المفكر أدونيس يطرح الكثير من الأفكار الإبداعية التنويرية النادرة وأتابعه دائما، وهذا لا يعني الإقتناع بكل ما يطرحه، وأروع ما فيه أنه يثير أسئلة تريد أجوبة معاصرة. ومن طروحاته كما فهمتها أن القصيدة تصنع شكلها، فلكل قصيدة شكل تنفرد به، ولا قيمة لها إذا تشبثت بمعنى الشعر وفقا لمنطلقات الفراهيدي العروضية.

سأقترب من الموضوع بأفكار ربما تبدو متناثرة!!

نعم لكل إبداع شكله، كما لكل مخلوق شكله، لكن الجوهر الأساسي واحد.

فنظام الخلق واحد وإن تعددت الأشكال، ولا يوجد مخلوق في الكون يشذ عن الجوهر الأساسي للخلق.

البشر مؤلف من أعضاء وأجهزة متفاعلة مع بعضها لتقدم لنا إنسانا بدم ولحم وعظم وروح.

لكن هل وجدت شخصا يشبه آخر بالتمام والكمال، حتى في توائم البيضة الواحدة، وهذا ينطبق على جميع الموجودات الكونبة جامدة وحية.

كل شيئ في الكون لبناته من العناصر الموجودة في الجدول الدوري لمندليف؟

إذا إفترضنا الإبداع نشاط خلق سائب فلن يدوم لأنه يناقض نواميس الأكوان، التي فيها كل شيئ موجود بحسبان ونظام دقيق البنيان، حتى أبسط حشرة لها جهازها التنفسي والهضمي وترى وتسمع وفي رأسها دماغ يوجهها

نعم الحشرات لها أشكالها لكن مفردات خلقها راسخة وذات أساس متين، فالنظام الذي يتوطننا ذاته موجود في الحشرة.

فكيف لنا الإعتداء على نواميس كون إنفجاري دوّار؟

الوجود محتوى والأشكال فيه تحصيل حاصل، وليست هدفا بذاته، فالفكرة هي الجوهر، ولكل عصر أفكاره وتحدياته، ومن الأصلح أن نناقش فكرة القصيدة لا شكلها، فالشكل قد يهين المحتوى.

الإبداع مولود من رحم الدوران، وينتفي بدونه، لأن كل شيئ سيموت لو توقفت الأرض عن حركتها الدورانية لبضعة ساعات.

قد يتساءل القارئ، ما علاقة ما تقول بالشكل الإبداعي، والحقيقة الغائبة أن الوجود بأسره كيان واحد، ويرتكز على منطلقات ثابتة تشترك فيها كافة المخلوقات، وأي إنحراف يعني الإنتهاء، لأن الموجود لكي يبقى عليه أن يتوافق مع المنظومة الكونية الدائبة الدوران.

تخطيط القلب السليم متشابه في جميع البشر، لكن أشكالهم مختلفة.

الفراهيدي لم يخترع علم العروض وإنما إكتشفه، وهو تعبير عن نبضات الأعماق البشرية، فكل عضو أو جهاز في أبداننا له إيقاعه المنتظم، وأي إضطراب فيه يتسبب بتداعيات خطيرة، فلو إضطربت ضربات القلب وتغيرت معالم تخطيطه، لأنذرنا بوجود أزمة ما.

إن الدعوة للتحرر من الإيقاع التعبيري المنتظم عما في دواخلنا، أشبه بالمناداة بإيقاف نبض القلوب.

إن نبضات الأعضاء البشرية متناسقة ومنسجمة، وهي التي أوجدت علم العروض، والفراهيدي أخرجه من خلف أستاره، وبينه لنا بوضوح.

فما قيمة أي نص شعري إذا تحرر من إيقاع دواخلنا النابضة بالحياة، والمنسجمة مع هارمونية الكون الفسيح المتسع؟

ربما علينا مراجعة مفاهيم الحداثة وإدراك أنها تولد من رحم الأصيل، ولا يمكنها أن تعيش دخيلة كالأدغال في مرج جميل.

واحدٌ أصلُ وجودٍ واحدُ

نَبْضُهُ فينا مُقيمٌ خالدُ

كُلّنا أبْناءُ قدْحٍ المُنتهى

فوقَ عرشٍ وعُروشٍ يَصْعدُ

جوهرٌ يَرقى وشكلٌ قد أتى

مُطلقاً يَسْعى فيُبْلى الجاحِدُ

***

د. صادق السامرائي

تهبّ علينا في قابل الأيام نسمات مباركة تعيد تحرير أرواحنا المثقلة... إن النفوس العطشى تنتظر كرنفالاً روحانياً هذه الأيام لتُسقى من نهر الدعوات التي تهطل كرذاذ مطر لتعلَق بضفاف المشاعر المقدسة...

خلال هذه الأيام النورانية، وكأننا على موعد مع السكينة الآتية من البقعة المباركة؛ هناك حيث تلك التهاليل وعمق التكبيرات التي يتردد صداها النوراني إلى أقصى حدود الكون...

في هذه الأيام نشعر وكأننا محاطون برداء من اللطف الإلهي ونحن نتأهب لاستقبال أيام وساعات ممتلئة بالكثير من التفاصيل الروحانية، وكأن الأشهر الحرم هدايا لقلوبنا التي تغوص في تعقيدات الحياة الدنيوية...

أشعر وأنا الآن أخطّ هذه السطور كأنني أسير عبر ممر يصعد بي نحو سماوات زمردية تتخطى حدودنا البشرية المحدودة...

كما إنني أشعر ككائن ضعيف تفيض من حدقاته أدمعٌ، وكأن كل هذه السكينة تجعلني أطفو فوق سطح الحياة بأسرها...

هذه الأيام تدخلنا في محراب مقدس لنخلع عند بابه كل التفاصيل الحياتية التي شغلتنا على مدار الساعة، ولتُعيد ضبط دقائق أرواحنا، وكأنها تضرب موعداً مع الكمال......

إن الأيام المشرعة للسكينة تجذبك بسحرها الازوردي بروحانية تتوغل إلى أعماقك دون سابق إنذار أو استئذان كأنها سحابة رحمة واسعة تحيط بنا جميعاً تجعلنا ننكمش بلطف على أنفسنا لنستقبل هذه الرحمات...

***

مريم الشكيلية - سلطنة عمان

لا شك أن النص الإبداعي ليس مجرد كلمات عابرة ترصف على الورق، ولا هو تشكيل تعبيري مغلق يكتفي بذاته، وانما هو كائن حي، يولد لحظة الكتابة، ليكتمل وجوده الحقيقي، ويتوهج حضوره المدهش، في لحظة التلقي المتفاعل.

ولذلك فان النص، مهما بلغ من جمال التعبير، والتمكن من التوظيف البليغ للمفردة، فانه يبقى انثيالا مفتوحاً، إلى أن يتفاعل معه المتلقي، فيتحول عندئذ، من حروف صامتة، إلى تجربة نابضة بكل مفاعيل الحياة.

وتجدر الإشارة إلى أن العلاقة بين النص الابداعي، والمتلقي المرهف، ليست علاقة استهلاك عابر، وإنما هي علاقة تفاعل وجداني، يتداخل فيها الإبداع بالتأويل، واللغة بالحس، والمعنى بالحدس. فالمبدع حين يستولد أفكاره، ويكتب بشكل مباشر في اللحظة، فهو انما يترك في متن النص، تجليات دلالية مكثفة، تمنح المتلقي فرصة الدخول بعمق إلى عالم النص الداخلي، ومن ثم إعادة إنتاجه، تبعا لسمو ذائقته، ورهافة حسه، وثراء ثقافته.

وهكذا فان جمالية التلقي، ليست وليدة النص وحده، وانما تنبثق من التفاعل الخلاق بين النص، والمتلقي معا، حيث يصبح النص فضاءا متعدد الأيحاءات، والدلالات، ليأخذ بعده الكلي، من خلال تعدد رؤى المتلقين حوله.

وتجدر الإشارة إلى ان القارئ ليس مجرد متلق سلبي للنص، وانما هو شريك فاعل في إنتاج المعنى، فكل قراءة له، ستكون كتابة جديدة للنص بطريقة غير مباشرة، بحيث يظل النص قادرًا على الإدهاش، مهما تعددت القراءات التالية له.

ولا شك أن للغة النص الإبداعية دورها الفاعل، في تشكيل جماليات التلقي. فاللغة الشاعرية، بما تحمله من إيحاءات، ورمزية، وانزياحات، تستفز الوجدان، وتوقظ الخيال، بايحاءاتها المكتضة، التي تجعل المتلقي يعيش حالة من الاكتشاف المتوهج لدلالاتها التعبيرية، وكأن النص يبيح أسراره، لكل من يقترب منه بحس مرهف.

لذلك فإن جماليات التلقي، لاتعني أن النص الأبداعي هو مجرد فعل كتابة فقط، وانما هو نتاج لقاء وجداني عميق، بين ذاتٍ تكتب، وذاتٍ تقرأ، وبين وجدان، يبحث عن التعبير، ووجدان يبحث عن المعنى، حيث تتوهج في هذا اللقاء، روح النص، ويتحول الإبداع إلى فضاء مشترك للحلم، والتأمل، واكتشاف الجمال الكامن في التعبير، والتلقي، والحياة.

***

نايف عبوش

"الحياة قد حطمتني عدة مرات، رأيت اموراً لم أكن أريد أن أراها، عشتُ الحزن، الفشل، ولكن الشيء المؤكد دائماً، أنني أنهض".. نيلسون مانديلا

في تلك الليلة، لم يكن أحدٌ منّا يظن أن صباح الأول من آيار سيولد من رحم الرصاص، لا من أغاني العمّال وأناشيدهم.

كنّا، نحن الأنصار الشيوعيين المرابطين في منطقة پشت ئاشان، نعيش آخر ساعات الطمأنينة الصغيرة التي تسمح بها حياة الجبال. خلف الطواحين القديمة، حيث تنتشر مقرات المكتب السياسي والمكتب العسكري والإعلام المركزي، كانت النار المشتعلة في المواقد الطينية تبعث شيئاً من الدفء في ذلك الربيع البارد من عام 1983، بينما كان جبل قنديل يراقبنا بصمته الحجري العتيق، مكللاً بالثلج حتى أواخر نيسان.

كنت قد عدتُ قبل أيام إلى إعلام المكتب العسكري، بعد أن أنهيت تدريس مادة الفلسفة في مدرسة الكوادر الحزبية. انتهت الدورة الأولى، وانتهى معها احتفال التخرج البسيط الذي أقمناه وسط تلك البراري المعزولة، حيث كان التصفيق خافتاً، لكنه صادق، وكانت الشهادات تُسلَّم بأصابع متشققة من البرد وحمل السلاح.

في مساء الثلاثين من نيسان، بدا كل شيء مرتباً بعناية فقيرة.

المكان الذي سيقام فيه الاحتفال بالأول من آيار جرى تنظيفه، الكلمات أُعدّت، عريف الحفل حفظ أسماء المتحدثين، وإذاعة "صوت الشعب العراقي" جهّزت برامجها الخاصة بالمناسبة، حتى النشرة الجدارية التي يصدرها فصيل الحماية، كانت معلقة على ألواح خشبية مهترئة، وقد ازدانت بعناوين عن العمال والفقراء والثورات البعيدة.

لكن أكثر ما كان يشغل مخيلة الأنصار لم يكن الخطب ولا الأغاني، بل وجبة اللحم.

اللحم… ذلك الكائن الأسطوري الذي غاب طويلاً عن موائدنا حتى كدنا ننسى طعمه. كان الحزب يحرص أن يمنحنا إياه في المناسبات الكبرى فقط: ذكرى تأسيس الحزب، ذكرى ثورة الرابع عشر من تموز، رأس السنة، والانتصار على الفاشية. لذلك نام الرفاق تلك الليلة وهم يحلمون بقطعة صغيرة منه، ربما لا تتجاوز حجم الكف، لكنها كافية لتعيد للروح شيئاً من بهجتها المنسية.

تناوبنا الحراسات والخفارات كالمعتاد. ثم نمنا بملابسنا القتالية، ونحن ننتظر فطور الصباح: شوربة عدس في طاسة من الفافون يتقاسمها ثلاثة أنصار، مع رغيف خبز وقدح شاي لكل واحد. لا زيادة ولا نقصان. فقد كان الفقر بيننا عادًلاً على الأقل.

غير أن الفجر جاء مختلفاً. قبل أن ينشق أول خيط ضوء عن السماء، دوّى صوت الحرس المناوب بين المقرات الطينة:

!. - رفاق… استنفار! تهيؤ عسكري

نهضنا مذعورين، نتخبط بأحذيتنا وأسلحتنا، فيما كان الظلام لا يزال كثيفاً كالدخان. ومن بعيد، جاءت أصوات الإطلاقات النارية متقطعة، كأن الجبال نفسها تتكسر.

توزع الجميع على مهامهم، وذهبتُ إلى آمر الفصيل، أبو شريف.

كان أبو شريف رجلاً لا يُنسى. طويل القامة بصورة غير مألوفة، حتى إنك حين تقف قربه تشعر أن الجبل نفسه أقصر منه قليلاً. وجهه نحيل، وعيناه حادتان، وصوته يخرج دائماً كأنه أمر عسكري حتى حين يمزح.

قال لي وهو يحدق نحو الشرق:

- رفيق، اذهب إلى پولي… واستطلع الوضع هناك.

ترددت.

كانت المسافة طويلة، والطريق مكشوفاً، والذهاب وحيداً وسط ذلك الفجر المضطرب أقرب إلى الانتحار. تظاهرت بأني لم أسمع جيداً، وأبطأت الحركة عمداً، فلم أتحرك نحو پولي.

بعد دقائق معدودة وصلت الأخبارً: قوات الاتحاد الوطني الكردستاني شنت هجوماً مباغتاً على مواقع الحزب في منطقتي پولي وأشقولكا.

وفي اللحظة ذاتها، صدرت الأوامر بحرق الوثائق وإتلاف المحاضر الحزبية قبل أن تقع في يد المهاجمين.

رأيت الرفاق وهم يلقون الأوراق في النيران المرتعشة: تقارير، رسائل، أسماء، أحلام، سنوات كاملة من العمل السري… كلها تحولت خلال دقائق إلى رماد أسود يتطاير في هواء الجبل.

أما مدير الإدارة، فقد كان يوزع الأرغفة على الأنصار كأننا داخل سفينة تغرق، بينما أُفرغ مخزن الطحين والأرزاق بسرعة محمومة.

وبعد أقل من عشر دقائق، وصلت الأخبار:

سقطت پولي.

استطاع رفاقنا الانسحاب بعد مقاومة غير متكافئة. أعداد المهاجمين كانت أكبر، وتسليحهم أفضل، فيما كان أنصارنا مرهقين ومحاصرين بالخوف والمفاجأة.

بعدها بوقت قصير، جاء الأمر الأخير:

- الانسحاب شرقاً.

أُعطي كل منا رغيفين من الخبز الأسمر، وملأنا زمزميات الماء من النبع الجاري أسفل المقرات. حملنا أسلحتنا وحقائبنا الصغيرة، ثم بدأنا الصعود.

لم يكن أحد منا قد تهيأ لما حدث. قبل أيام فقط، كنا نقتسم الخبز والسجائر والطرقات مع أولئك الذين باغتونا بالهجوم. وفجأة صار الحليف خصماً، وصارت البنادق التي كانت تحرس ظهورنا تتعقبنا بين الوديان والممرات الضيقة.

كان الجبل قاسياً بصورة لا توصف.

الصعود حاد، والثلج يغطي السفوح العليا لقنديل، يلمع تحت الضوء الباهت كأنه زجاج مبعثر فوق العالم. لم نكن نعرف إلى أين نمضي تماماً، لكننا كنا نعرف شيئاً واحداً: أننا نهرب من الموت.

كلما أعيتنا الأنفاس، كنا نبحث عن بقعة صخرية عارية من الثلج لكي نجلس فوقها لحظات قصيرة، ثم نعاود السير. كانت الريح تضرب وجوهنا ببرودة حادة، فيما يتصاعد بخار الأنفاس من أفواهنا مثل دخان قطار متعب.

سرنا ساعات طويلة عبر سفوح جبل قنديل ووديانه العميقة.

هناك، حيث تمتد غابات البلوط والعرعر على المنحدرات، وحيث تبدو القمم البعيدة عند الشروق كأنها جزر معلقة فوق بحر من الضباب.

قرب إحدى القمم، سمعت صراخ رفيقات. كانت "أم ذكرى" تطلب أن تُترك في مكانها، فقد خارت قواها تماماً. لم أكن أعلم آنذاك أن هذه المرأة نفسها ستستشهد لاحقاً في بغداد، بعد أن حوصرت في أحد البيوت السرية، فاختارت أن تحرق الوثائق الحزبية ثم تحرق جسدها معها كي لا تقع بيد الأجهزة الأمنية.

إلى جانبها كانت النصيرة أنسام "موناليزا"، تترنح من التعب هي الأخرى. تلك الفتاة التي سيبتلعها كمين غادر بعد سنوات قليلة في كردستان.

في الحروب، لا أحد يعرف أنه يسير وسط مصائر مؤجلة.

كان الليل يهبط ببطء، والضباب يتكاثف حول القمم، حتى بدا الجبل كأنه يغلق علينا منافذه واحداً بعد آخر. لم نكن نتبادل الكلام إلا نادراً. التعب جعل الأصوات خشنة ومقتضبة، فيما راحت أقدامنا تجر أجسادنا جراً. وكلما سأل أحدنا:

ـ هل بقي الكثير؟

كان الجواب ذاته يتكرر:

ـ مجرد بضعة كيلومترات أخرى.

لكن تلك "البضعة" كانت تتمدد مثل لعنة.

كانت البضعة كيلومترات التي قيل لنا إنها تقود إلى مسجد القرية، تبدو وكأنها رحلة أخرى لا نهاية لها.

كنا نصعد السفوح المتعرجة من جبل قنديل بخطوات متثاقلة، فيما كانت معدنا الخاوية تقرضنا من الداخل، ويشد على صدورنا ذلك الإحباط الثقيل الذي هبط علينا فجأة، كصخرة انفلتت من أعلى الجبل.

وبعد ساعات من عناء طويل، وصلنا إلى الطريق المؤدي إلى قرية سيلوان، أو سيلفان كما يسميها البعض. قرية جبلية كردية تقع داخل الأراضي الإيرانية، قرب الحدود مع كردستان العراق، بين الطرق المؤدية إلى سردشت وبيرانشهر.

عند مشارف الطريق، استقبلنا عدد من الرفاق. ناول كل واحد منا كعكتين صغيرتين. أكلناهما بسرعة موجعة، كأننا نخشى أن يخطفهما منا الهواء. كان الجوع قد بدأ ينهش أجسادنا، والظمأ يحرق الحناجر، حتى بدت تلك الكعكتان كأنهما وليمة كاملة.

لكن الوصول إلى القرية لم يكن نهاية الرحلة. كان علينا أن نواصل السير بضعة كيلومترات أخرى نحو مسجد قديم يقع في طرفٍ بعيد من القرية، متوارياً بين الأشجار والبيوت الحجرية.

هناك فقط، أدركنا للمرة الأولى أننا نجونا… مؤقتاً.

وعندما لاح لنا مسجد القرية أخيراً، صغيراً ومنخفض السقف عند حافة التلة، لم نشعر بالراحة التي توقعناها. كان التعب قد استهلك حتى قدرتنا على الفرح. هناك عرفنا النبأ الذي نزل علينا كطعنة أخرى؛ إحدى المجاميع المنسحبة من الرفاق ضلت طريقها بين الشعاب، ووقعت في الأسر، وفيها الرفيق كريم أحمد "أبو سليم" عضو المكتب السياسي، والرفيق قادر رشيد "أبو شوان" كادر متقدم على ملاك الإقليم.

ساد صمت ثقيل بعد سماع الخبر. حتى أولئك الذين اعتادوا إطلاق النكات في أقسى الظروف، انكمشت وجوههم فجأة، وأخذوا يحدقون في الأرض. كان الأسر في تلك الأيام باباً مفتوحاً على المجهول؛ لا أحد يعرف إن كان الأسير سيعود، أو كيف سيعود، أو إن كان سيبقى حياً أصلاً.

دخلنا المسجد الواحد تلو الآخر. كان صغيراً، أشبه بغرفة طينية قديمة أكثر منه بيتاً للعبادة. الرطوبة تلتصق بالجدران، ورائحة العفن ممزوجة بروائح بشرية قديمة تخنق الأنفاس. وحين نزعنا أسلحتنا الثقيلة، شعرنا كأننا نخلع أجزاءاً من أجسادنا. تدحرجت حقائب الظهر إلى الزوايا، فيما تمدد بعض الرفاق على الفور، وغفوا قبل أن تصل أيديهم إلى الطعام.

أما الطعام نفسه، فلم يكن سوى لبن رائب بطعم حامض، وتمر يابس، وخبز محترق الحواف، لكنه بدا لنا وقتها وليمة نجاة.

أذكر أنني تمددت قرب الجدار، فوق سجادة صغيرة تغير لونها حتى صار مائلاً إلى السواد، تتناثر عليها بقع داكنة من أوساخ قديمة، وكأن الماء لم يلمسها منذ سنوات طويلة. ومع ذلك، لم يكن أحد يملك رفاهية الاشمئزاز. كنا منهكين إلى درجة أن الأرض القذرة بدت أكثر دفئاً من الجبل.

في الخارج كانت القرية تغرق في ظلام كثيف، لا يقطعه سوى نباح متقطع لكلاب بعيدة، وصفير ريح باردة تهبط من أعالي قنديل. أما في الداخل، فقد كان النعاس يهاجمنا بعنف، كأنه إغماء جماعي.

قبل أن ننام، نُقلت الرفيقات إلى بيوت القرية. قيل لنا إن بقاءهن معنا داخل المسجد حرام، وإن أهل القرية المحافظة لن يتقبلوا ذلك أبداً. لم يعترض أحد. لم يكن فينا من يملك طاقة للنقاش أو التمرد على تقاليد قرية نائية معلقة بين الصخور والخوف.

وهكذا افترشنا تلك المساحة الضيقة، نحن وبنادقنا المتعبة وأحلامنا المرتبكة، بينما كان الإحباط ينام معنا، مثل رفيق إضافي لا يمكن التخلص منه.

لم يكن أحدٌ منا قادراً على النوم تلك الليلة في مسجد القرية. كنا مرهقين إلى حدّ الانهيار، أجسادنا مسحوقة من السير الطويل وصعود الجبال، وأرواحنا مثقلة بأخبار الأسرى والرفاق المفقودين، لكن التعب نفسه لم ينجح في إسكات أجسادنا التي راحت تحترق بحكةٍ لا تُطاق. كان كل واحدٍ منا يتقلب فوق بطانيته الخشنة كمن ينام فوق حفنة شوك.

في البداية ظننا أن الأمر بسبب العرق والوحل وقلة الاستحمام منذ أيام الهروب من پشت ئاشان، لكن الحقيقة ظهرت سريعاً عندما بدأ بعض الرفاق يخلعون فانيلاتهم الداخلية المتسخة تحت ضوء الفانوس الخافت. هناك، بين الثنيات والحوافي الداكنة، كانت جيوش القمل تتحرك بوقاحة، وقد وجدت في أجسادنا المرهقة وطناً جديداً لها.

راح البعض يسبّ ويلعن، بينما أخذ آخرون يفركون قمصانهم بأظافرهم بعصبية. كان القمل يلتصق بالحواف كما لو أنه يعرف أننا لا نملك ماءً كافياً ولا وقتاً ولا حتى رفاهية الاشمئزاز. وفي تلك اللحظة شعرنا أن الحرب لا تكتفي بالرصاص والمطاردات والجوع، بل تريد إذلالنا حتى في نومنا القليل.

مع انبلاج الصباح، خرج بعض الرفاق إلى ساقية قريبة يغسلون فانيلاتهم الداخلية بماءٍ بارد، علّ القمل يختفي أو يخفّ قليلاً، لكن الجميع كان يدرك أن غسل قطعة قماش لن يحلّ مشكلة أضيفت إلى سلسلة مصائبنا الثقيلة. فقد كنا لتوّنا منسحبين من مواقعنا تحت وابل النار، نجرّ خيبتنا معنا بين الوديان، ونحمل في صدورنا أخباراً متقطعة عن رفاقٍ وقعوا في الأسر، ولم يكن أحد يجرؤ على تخيّل ما الذي ينتظرهم.

بعد قليل، وزّع علينا بعض خبز التنور اليابس، مع اللبن والجبن المعتّق، وقدح شاي ساخن أعاد شيئاً بسيطاً من الحياة إلى عروقنا. وبينما كنّا نأكل بصمت، ظهر رجل قصير ممتلئ الجسم، في أواسط الخمسين من عمره، يرتدي ملابس كردية فضفاضة وعمامة صغيرة. كان وجهه يحمل طيبة قروية واضحة رغم قسوة الأيام.

اقترب منا مبتسماً، وبدأ يسأل كل رفيق عن مقاس قميصه.. كان اسمه سيد باقي.

وقف إلى جانبي رفيقي أبو عادل البصراوي، الذي كنا نلقبه بـ"الشايب"، رغم أن روحه المرحة كانت أصغر من الجميع. قال سيد باقي بالكردية، لأنه لم يكن يعرف العربية:

ـ رفاق الحزب كلفوني أن أشتري لكل رفيق قميصاً واحداً، يلبسه بينما يغسل الآخر.

هزّ أبو عادل رأسه بأسى مصطنع وقال فوراً:

ـ لكنني أحتاج إلى قميصين، وليس قميصاً واحداً فقط!

نظر إليه سيد باقي باستغراب ورد بجدية صادقة:

ـ لكن الحزب أوصى بقميص واحد فقط.

حين جاء دوري أخبرتُه بمقاسي، بينما عاد أبو عادل يقول وهو يحاول أن يبدو مقنعاً:

ـ أنا مقاسي ستة عشر… لذلك أقترح أن تأتيني بقميصين، كل واحد مقاس ثمانية!

توقّف سيد باقي لثوانٍ وكأنه يحاول فهم المعادلة الغريبة، ثم انفجر ضاحكاً حتى اهتزّ جسده القصير كله.

وضحكنا نحن أيضاً، دفعةً واحدة، كما لو أن الضحكة كانت مختبئة في صدورنا منذ زمن طويل وتنتظر من يحررها.

كانت تلك، على الأرجح، أول مرة نضحك فيها منذ الثلاثين من نيسان. ضحكة قصيرة وسط الخراب، لكنها بدت لنا يومها انتصاراً صغيراً على الحزن والموت والقمل والحرب كلها.

في الليلة الثانية أيضاً، لم يهبط علينا النوم إلا مثل طائرٍ خائف، يحوم فوق رؤوسنا ثم يهرب. كان القمل قد سبق التعب إلى أجسادنا، واستوطن ملابسنا بسرعة مدهشة، كأنه يعرفنا منذ زمن طويل. وكلما أغمض أحدنا عينيه، شعر بشيءٍ صغير يتحرك فوق جلده، فينهض شاتماً، يصفع عنقه أو يحك ذراعه بعصبية، بينما تمتد في العتمة همهمات التذمر والضحك المختنق.

وكان الدكتور صادق، مهند البراك، أكثرنا معاناة مع هذا العدو الصغير. جلس قرب ضوء الفانوس الشحيح، وقد نزع فانيلته الداخلية، يقلبها بين أصابعه بعناية طبيب يبحث عن جرثومة نادرة تحت المجهر. كان وجهه متجهماً، لكنه لم يفقد تلك الابتسامة الساخرة التي لا تفارقه حتى في أقسى اللحظات.

وفجأة صاح أحد الأنصار، بعدما قبض بين إصبعيه على قملة سمينة، ورفعها عالياً كأنه عثر على غنيمة حرب:

 - دكتور… هاي القملة جاية من يمك!

انفجر بعضنا بالضحك، والتفتت الرؤوس نحو الدكتور صادق، الذي لم يبدُ مرتبكاً أبداً. بل رفع راحة يده بهدوء، وكانت فوقها قملة أخرى تتحرك بكسل، وقال بجدية مصطنعة.

 - لا… هاي القملة مالتي، لونها يختلف.

في تلك اللحظة انفجر المكان كله بالضحك. ضحكنا حتى دمعت العيون، ليس لأن النكتة عظيمة، بل لأن الضحك كان الشيء الوحيد الذي يمنعنا من الشعور الكامل بالبؤس. كان القمل ينهش أجسادنا، والجوع يطرق البطون، والخوف ينام قرب بنادقنا، ومع ذلك كنا نجد وقتاً للسخرية من أنفسنا.

ومنذ تلك الليلة، صار القمل فرداً إضافياً. دخل في أحاديثنا اليومية، وفي تعليقاتنا الساخرة، حتى أصبح لكل واحد منا قصة مع "قملته" الخاصة. وكأن الحياة، في تلك الجبال القاسية، أرادت أن تعلمنا درساً غريباً: أن الإنسان يستطيع التعايش مع كل شيء… حتى مع القمل، إذا كان محاطاً برفاق يملكون القدرة على الضحك وسط الخراب.

في اليوم التالي، جاء سيد باقي مع أول خيط من ضوء الصباح، يحمل على كتفيه كيساً خشناً مليئاً بالقمصان الرجالية. أفرغها أمامنا قرب جدار المسجد الصغير، فتدحرجت الأقمشة الرمادية والزرقاء فوق التراب الرطب، لكن أغلب المقاسات لم تكن مناسبة. بعضها كان واسعاً إلى حد يبتلع الجسد، وبعضها الآخر ضيقاً كأنه مفصل لأطفال. ومع ذلك، لم يعترض أحد. كنا قد وصلنا إلى مرحلة لم يعد فيها اللباس سوى تفصيل صغير في حياة فقدت انتظامها كله.

كانت الرفيقات قد عدن من البيوت الفقيرة التي استضافتهن نساء القرية فيها. وجوههن متعبة، لكنها متماسكة على نحو يثير الحزن. وككل صباح، اجتمعنا أمام مسجد القرية، نتناول الفطور بصمت متقطع، ثم ننخرط في أحاديث خافتة عن آخر الأخبار: هل ورد شيء عن أسرانا لدى الاتحاد الوطني الكردستاني؟ هل ظهر أثر للرفاق المفقودين بعد كارثة پشت ئاشان؟ وهل صحيح أن بعضهم شوهدوا في القرى القريبة؟

لكن الأخبار كانت شحيحة دائماً، ومبتورة، تصلنا كأنها قادمة من عالم آخر.

كان عددنا يتناقص يوماً بعد آخر. في كل صباح نكتشف غياب رفيق أو اثنين. كنا نعرف أنهم أُرسلوا في مهمات خاصة، غير أن أحداً لم يكن يجرؤ على السؤال. الانضباط الحزبي كان أقوى من فضول الخوف، وأشد قسوة من حاجتنا لمعرفة مصيرنا. حتى نحن، لم نكن نعرف إلى أين سنُقاد، ولا ما الذي ينتظرنا بعد هذه القرية الإيرانية المنسية بين الصخور والجبال.

ولأن السلطات الإيرانية لم تكن ترغب بوجودنا الظاهر، فقد مُنعنا من التجول بحرية داخل القرية. كنا نكتفي بمراقبة الحياة من بعيد، من زوايا الطرق الضيقة أو من أمام المسجد. هناك، كان رجال القرية يجلسون القرفصاء بمحاذاة البيوت الحجرية، يلوحون بسبحاتهم الطويلة بأصابع بطيئة، يدخنون، ويتبادلون الأحاديث والضحكات كأن العالم لم يكن ينهار على بعد بضعة كيلومترات فقط. أما النساء الكرديات، فكن أشبه بامتداد للأرض نفسها؛ بثيابهن التقليدية الفضفاضة وألوانها الداكنة، يحملن العلف، يسقين الحيوانات، وينشغلن طوال النهار بأعمال لا تنتهي. بعضهن كانت تربط طفلها على ظهرها بقطعة قماش سميكة، ثم تمضي في الحقل أو بين الحظائر دون أن تتوقف لحظة.

مرت الأيام ثقيلة كأنها لا تتحرك. حتى اللحم، الذي كنا نحلم به في مواقعنا الجبلية الباردة، فقد معناه تماماً. كان يُقدَّم لنا أحياناً، لكن أحداً لم يعد يشعر بالرغبة في الطعام. التعب النفسي كان يلتهم كل شيء؛ الشهية، والحديث، وحتى القدرة على الحلم.

وفي صباح اليوم الخامس، جاء الأمر بالتحرك. نهضنا بصمت، وحمل كل منا سلاحه وما تبقى له من أمتعة خفيفة. تحركنا خلف آمر المفرزة في صف طويل ومتعب. كان عددنا القليل يبدو أشد ضآلة وسط الجبال الهائلة التي أحاطت بنا. لم يسأل أحد عن الوجهة، فقد تعودنا أن نمشي دون أسئلة، وأن نترك الطرق تقودنا كما تشاء القيادة.

ساعات طويلة قطعناها عبر المسالك الوعرة، نصعد السفوح الحجرية ثم نهبط في الوديان الضيقة، فيما كانت الريح الجبلية الباردة تصفع وجوهنا المغبرة. وحين كادت أقدامنا تتوقف من الإعياء، التفت إلينا آمر المفرزة وقال بصوت مقتضب:

ـ رفاق.. سنصل إلى لولان قريباً.

عندها فقط عرفنا وجهتنا.

كنا قد قطعنا نحو خمسةٍ وعشرين كيلومتراً سيراً بين الجبال. وكانت لولان تمتد هناك، في تخوم سيدكان، قرب الحدود العراقية ـ الإيرانية، بينما بقيت سيلوان خلفنا، غارقة في صمتها الحجري عند السفوح القريبة من جبال قنديل. وكنا، نحن أيضاً، نمضي نحو المجهول بصمت يشبه صمت تلك الجبال.

وهكذا، لم تكن الرحلة من پشت ئاشان إلى لولان مجرد انسحاب عسكري عبر الجبال، بل عبوراً قاسياً داخل أرواحنا أيضاً. هناك، بين الثلوج والوديان والقرى المنسية، تعلّمنا أن الهزائم لا تأتي دائماً بصوت الرصاص، بل قد تأتي أحياناً بصمت الرفيق الغائب، وبالجوع، والقمل، والخوف، والطرق التي لا تنتهي.

ومع ذلك، وسط ذلك الخراب كله، بقي شيء صغير يقاوم الانكسار: قدرتنا على الضحك.

ضحكة أبو عادل، وسخرية الدكتور صادق، وكعكتا الطريق، وقدح الشاي الساخن في مسجد سيلوان… كانت جميعها انتصارات بشرية صغيرة على قسوة الحرب ووحشة المنافي الجبلية.

لقد أخذت منا تلك الأيام الكثير؛ الرفاق، واليقين، والطمأنينة، لكنها تركت لنا شيئاً لا يقل أهمية: ذاكرة لا تموت. ذاكرة رجال ونساء ساروا بين جبال قنديل وهم يحملون خيباتهم وأحلامهم معاً، ويواصلون السير، لا لأن الطريق كان واضحاً، بل لأن التوقف كان يعني السقوط.

وربما لهذا بقيت كلمات نيلسون مانديلا صحيحة إلى هذا اليوم:

الحياة قد تحطمنا مرات كثيرة، لكن الإنسان يُعرَف دائماً بقدرته على النهوض، حتى وهو يجرّ تعبه وخساراته فوق طرقٍ وعرة تشبه جبل قنديل.

***

جورج منصور

 

بقلم: كلير سوينارسكي

ترجمة: د. محمد غنيم

***

(تكتب كلير سوينارسكي عن المهنة المُرضية والمجزية في إبداع قصص للأطفال)

قبل بضع سنوات، رفضت المحررة التي أتعامل معها منذ فترة طويلة في مجال كتب الأطفال فكرتي لرواية جديدة موجهة لليافعين . كان وقع هذا الرفض قاسيًا عليّ؛ فالقصة التي تدور حول ابنة طاهٍ مشهور تنتقل إلى بلدة صغيرة بعد أن تبناها شقيقها الأكبر كانت تلامس مشاعري حقًا. لكن رفض المحررة كان سريعًا وحاسمًا؛ لم تكن مستعد لقبول أي نسخة من هذه المخطوطة.

بعض القصص تنغرس عميقًا في عقل الإبداعي، وتخرج عبر أغنيات تسمعها في الراديو أو أحلام يقظة عابرة أثناء الاستحمام. إنها ببساطة ترفض أن تتركك وشأنك. خطر لي أن القصة ستكون في الواقع أكثر إثارة للاهتمام إذا رُويت من منظور شقيق الفتاة، ومنظور إحدى السيدات المسنات اللواتي يعشن في البلدة. كتبت الفصل الأول بخط اليد وأنا على متن قارب، وأرسلته على عجل إلى وكيلي الأدبي، الذي أخبرني بثقة أنه يستطيع بيعه. وقد فعل، وهكذا بدأت صفحة جديدة تمامًا في مسيرتي المهنية.

منذ نشر ذلك الكتاب (سيدات الجنازة في مقاطعة إليري)، كتبت رواية أخرى للكبار: (قديسو نادي العشاء)، ومجموعة أخرى من روايات اليافعين. لقد واصلت شق طريقي المهني فى الكتابة لكلا الفئتين العمريتين بشق الأنفس، وأجد نفسي بطريقة ما أكتب لجمهورين مختلفين تمامًا.

"أما السؤال الثاني، فيمكنني الإجابة عليه بسهولة: كتابة قصص جيدة للأطفال أصعب من كتابة قصص جيدة للكبار."

وعند سماع ذلك، عادةً ما يطرح عليّ الكتاب الراغبين في لكتابة لفئات عمرية متعددة سؤالين: هل من الصعب الانتقال بين تلك الفئات؟ وأي الفئات أصعب في الكتابة لها؟

أما السؤال الأول بالنسبة لي، فله إجابة معقدة ودقيقة: الأمر صعب، وليس صعبًا في آن واحد. كأي كاتب محترف، أتمنى لو كنتُ خاضعة لإلهام "ربة الإبداع"، لكنني في الواقع خاضعة لمواعيد تسليم لم أحددها بنفسي. إنّ التنقّل بين الأعمال المختلفة للفئتين أمرٌ مرهق، لكن الحياة مرهقة أصلًا، وعليّ أن أفعل ذلك بحكم عملي، لذا أفعله. وهناك بعض الحيل التي أستطيع اعتمادها لتسهيل الأمر، وأفعل ذلك بالفعل؛ فلديّ قوائم تشغيل موسيقية مرتبطة بكل كتاب، وأحاول الاستفادة من جدولة الوقت على شكل كتل متتابعة، وأتبع طاقتي الإبداعية قدر ما أستطيع خلال أي أسبوع. لكن الأمر ليس، على حدّ تعبير إحدى فقراتي الرقمية المفضلة في Saturday Night Live، "أسوأ من العمل في منجم فحم".

أما السؤال الثاني، فيمكنني الإجابة عليه بسهولة: كتابة قصص جيدة للأطفال أصعب من كتابة قصص جيدة للكبار.

والأسباب وراء ذلك متعددة ومتنوعة في ذات الوقت . أولاً وقبل كل شيء، الأطفال حكام قساة للغاية؛ لن يمنحوك أكثر من صفحة واحدة. إذا لم تجذب انتباههم في أول فقرتين، فأتمنى لك حظًا سعيدًا في جعلهم يصمدون عندما تكون أغنية النداء العذبة لسلسلة كتب "الرجل الكلب" (Dog Man) حاضرة بجوارهم مباشرة.

ثانيًا، كل رواياتي للكبار كانت معاصرة، مما يعني أنها مكتوبة تمامًا بإيقاعي الخاص ونظرتي للعالم. أما كتب الأطفال فتتطلب تحولاً هائلاً في المنظور، وكأنني أكتب بلغة مختلفة تمامًا. لقد كنت طفلة ذات يوم بالطبع، وأتذكر العديد من المشاعر والرغبات ووجهات النظر المهمة لكن صياغة هذه الأشياء بطريقة تلقى صدى لدى طفل اليوم، دون التعالي عليه أو تقديم درس أخلاقي مبتذل وكأنني أرقص على خشبة المسرح، يمكن أن يبدو مهمة هرقلية شاقة.

"لكن الأطفال لا يحبون أن يُتعامل معهم بتعال أو استصغار تمامًا كما لا تحب أنت أو أنا ذلك، وعلاوة على ذلك، فهم يمتلكون عيون صقر في ملاحظة هذا التعالي لأنهم اعتادوا عليه كثيرًا."

ثالثًا، هناك ببساطة ضغط أكبر على كاتب الأطفال للمساعدة في تشكيل وتحويل "الشباب". نحن جميعًا، ودائمًا، نتشكل ونتحول. ولكن هناك فكرة شبه مؤكدة بأن الأطفال يفعلون ذلك بمعدل سريع لا يُصدق، ويمكن أن تكون القصص قنوات للنمو العاطفي، والدهشة، والتعاطف. وبعبارة أخرى: الأطفال هم المستقبل، ومن الأفضل لك أن تصنع قصة تساعدنا في الوصول إلى مستقبل مشرق.

لكن الأطفال ليسوا المستقبل فحسب؛ بل هم أيضًا، كما قال ماك بارنيت (السفير الوطني لأدب الشباب): "الحاضر". إنهم أشخاص يمتلكون كيانهم الخاص هنا والآن، يمرون بصراعات وتجارب، ويحتاجون إلى هدية القصة لمساعدتهم على مواجهة عواصف الحياة تمامًا مثل أي شخص منا. إن منظورهم للأمور أصغر حجمًا بالمعنى الحرفي، لكن هذا لا يجعل احتياجاتهم أقل ضرورة أو إلحاحًا. هناك ما يشبه الصورة النمطية التي ترى أن كتاب الأطفال يجب أن يكونوا إما مهرجين مغفلين أو نسخة حديثة من شخصية "سارة" في رواية (Sarah, Plain and Tall): مستعدين لتقديم الحكمة في أي لحظة. لكن الأطفال لا يحبون أن يُتعامل معهم بتعال أو باستهانة، تمامًا كما لا تحب أنت أو أنا ذلك، وعلاوة على ذلك، فهم يمتلكون عيون صقر في ملاحظة هذا التعالي لأنهم اعتادوا عليه كثيرًا. أنا أكتب بجدية للأطفال لنفس السبب الذي يجعلني أكتب بجدية للكبار، لأنهم بشر حقيقيون يستحقون قصصًا رائعة.

لذا، نعم: الكتابة للكبار صعبة للغاية. والكتابة للأطفال صعبة جدًا جدًا. والكتابة لكليهما أصعب بكثير. ولكن هذا أيضًا ما يجعلها مجزية ومُرضية للغاية. كل يوم يقدم تحديًا إبداعيًا جديدًا، وفرصة جديدة لسرد قصة ذات تأثير، سواء كانت لطالب في الصف السابع أو لجدة ذلك الطالب.

هناك بعض العقبات حين يتعلّق الأمر بالعلامة التجارية، وبالنظر إلى الوراء، ربما كان من الحكمة استخدام اسم مستعار لإحدى الفئتين العمريتين. لكنني لم أرغب في ذلك. لقد كتبت هذه القصص بكامل كينونتي وهويتي؛ لا نسخةً مني مُفلترة ومُعلَّبة للتسويق. هل من المحبط أن يعلق أحدهم قائلاً: «لقد أحببت رواية سيدات الجنازة حقًا، ولكن يبدو أن هذا الكتاب مكتوب للأطفال» تعليقًا على أحدث كتاب لي للأطفال؟ بالطبع. هل يغضب بعض الناس لأن مؤلفة كتب أطفال قد تتلفظ بكلمات بذيئة في رواية للكبار؟ للمفاجأة، نعم. ومع ذلك، فمن الممتع أيضًا أن أذهب في زيارة مدرسية وتخبرني معلمة كم تستمتع برواياتي للكبار، أو أن أسمع عن نادٍ للكتاب يجمع الأمهات وبناتهن، حيث تقرأ الأمهات رواية (سيدات الجنازة) وتقرأ البنات رواية (كل شرارةٍ على حدة)."

ربما كان من الحكمة أن أستخدم اسمًا مستعارًا لفئة عمرية دون الأخرى. لكنني لم أرد ذلك. لقد كتبت هذه القصص بكل كياني؛ لا نسخةً مني مُفلترة ومُعلَّبة ومُسَوَّقة.

أنا ممتنة للغاية لكوني قادرة على سرد القصص لكل من الأطفال والكبار. هذا يحافظ على تنوع جدولي الزمني ويسمح لي باستخدام مهارات إبداعية مختلفة. كما أنه، من الناحية العملية، يوفر لي مصادر دخل متعددة. ولكن الأهم من ذلك كله، أنه يتيح لي الكتابة لمزيد من الناس واستخدام إبداعي للتواصل وخدمة شريحة أكبر من القراء. لأنه على الرغم من وجود اختلافات صارخة بين الكتابة للأطفال والكتابة للكبار، فإن المهمتين تشتركان في الواقع في نفس الهدف: سرد قصة لشخص يحتاج إلى سماعها.

***

.....................

الكاتبة : كلير سوينارسكي/ Claire Swinarski:

ولدت كلير سوينارسكي ونشأت في ولاية ويسكونسن، حيث لا تزال تعيش هناك مع عائلتها وتكتب قصصًا للقراء من جميع الأعمار. كانت رواية "What Happens Next" (ماذا يحدث بعد ذلك) هي أولى رواياتها الموجهة لليافعين، وتبعتها روايتا "The Kate in Between" (كيت في المنتصف) و"What Happened to Rachel Riley" (ماذا حدث لراشيل رايلي)، وحاز الكتاب الأخير على لقب "كتاب الأطفال البارز" من جمعية المكتبات الأمريكية (ALA)، وضمن قائمة "أفضل روايات الشباب" الصادرة عن (YALSA)، كما رُشح لجائزة (Cybils) وجائزة (Edgar) المرموقة. وتلا ذلك صدور روايتي "Take It from the Top" (خُذها من القمة) و"Each and Every Spark" (كل شرارة على حدة). تؤمن كلير بأن التجول في أروقة المكتبة كفيل بحل 95% من مشكلات الحياة.

نص سريالي في احتجاج مؤجَّل

أولاً: الاستدعاء

في الليلة التي تحوّل فيها نهر دجلة إلى حبر أسود، وفي الساعة التي لا تُعدّ ولا تُحسب، تلك الفجوة السائلة بين منتصف الليل ومطلع الفجر، شهد جسر الجمهورية ظاهرةً لم تُسجَّل في أي تقرير رسمي ولم يُشِر إليها أي مراسل: إذ بدأت الأعمدة الحجرية تنبض كما تنبض الأوردة، وارتفع من شقوق الإسفلت دخانٌ بلون العتب القديم.

كان الليل عراقياً بامتياز: حاراً وثقيلاً ومعطَّلاً، كأنه هو الآخر موظفٌ في دائرة حكومية نسيها الإصلاح.

جاء الأول من ضباب اللوح الطيني، مشياً على قدمين لم تُعرَف لهما راحة منذ أن سقطت أوروك. كان جلجامش يحمل تحت إبطه الأيسر لوحاً سومرياً وعليه مكتوب بخط مسماري متذمِّر: "طلبنا لجنة تقصي الحقيقة منذ أربعة آلاف سنة، وما زالت القضية قيد الدراسة." وعلى إبطه الأيمن، كان يتكئ كائنٌ نصفه بشر ونصفه وثيقة رسمية، تتساقط منه أختام دوائر الدولة كما تتساقط أوراق الخريف في بلد لا خريف فيه.

قال جلجامش بصوت يشبه صوت المطر على أرض طينية: "بحثتُ عن الخلود فوجدتُ المحاصصة."

ثانياً: المجلس ينعقد

في ساحة التحرير، ذلك الفضاء الذي تعلّم أن يحمل أكثر مما يطيق، نصب الغائبون خيمةً من ضوء القمر وخيبة الأمل المكتملة. لم تكن الخيمة محسوبةً على أي كتلة، لأن اللاكتلة وحدها لا تمتلك خيماً.

جلس حمورابي على حجر من بابل القديمة، يتأمل شريعته المنقوشة، ويقرأ في وجوه الحاضرين ما لم يكتبه: "كتبتُ أن الأقوى لا يظلم الضعيف. فما الذي حدث؟ من بدّل الشريعة؟ من استبدل العدل بمعادلة توزيع الحقائب؟"

لم يُجبه أحد، لأن الجواب كان معلقاً كلافتةٍ انتخابية فوق رأس كل شارع، ضخمة ومُلوَّنة وفارغة.

في الجانب الآخر من الخيمة، كان المنصور الخليفة العباسي يمشي ذهاباً وإياباً، يرسم بخطاه مخطط مدينة مستديرة لن تُبنى. كان يتحدث بصوت منخفض كالبطانة: "بنيتُ مدينة السلام على التقاء النهرين، وها هم يبنون المنطقة الخضراء على التقاء الخوف والمنفعة." ثم توقف فجأة، نظر إلى السماء وقال بنبرة من يكتشف معادلة: "الفارق هو أن مدينتي كانت دائرية لأن الكمال دائري. ومنطقتهم دائرية لأن الجدار يجب أن يُحيط من كل الجهات."

ثالثاً: الشعراء يشهدون

وصل أبو نواس متأخراً كعادته، يحمل قنينة لا شراب فيها بل دموع ضائعة، من تلك الدموع التي تبكيها المدن على نفسها ولا يراها أحد. جلس القرفصاء أمام تمثاله الذي يعرفه ولا يعرفه، ذلك التمثال الذي احتضن احتجاجات تشرين كما يحتضن الأب ولداً مذعوراً، وقال:

"في زماني شربنا خمر السلطة فسكرنا وأنشدنا وكنا نعرف أننا سكارى. أما هؤلاء فيشربون ولا يعرفون، ويحكمون وهم لا يعرفون أنهم لا يعرفون، وهذا هو المسكر الحقيقي: أن تفقد صحوتك وتظن نفسك صاحياً."

قفز الجواهري من الرقعة الأخرى من الليل، شيخاً ومتقداً في آنٍ واحد، ينشد بصوت كصوت نهر يرفض أن يجفّ:

"يا دجلةَ الخيرِ، يا أمَّ البساتينِ، ماذا فعلوا بكِ يا أمَّ المظلومينِ؟ قسّموا مياهكِ بالكوتا، بالطائفةِ، وأعطوا الأعماقَ لأصحابِ الحصَّةِ، وتركوا السطحَ للشعبِ يسبحُ، يغرقُ، بين بياناتٍ رنّانةٍ وحقائقَ تعرقُ."

ثم جلس مُنهَكاً، لأن اليأس المتكرر يُجهِد حتى الأموات.

رابعاً: الحلاج يعود

لم يأتِ الحسين بن منصور الحلاج من بوابة. جاء من داخل الساحة نفسها، كأنه كان هناك دائماً، متجذّراً في بلاطها كجذر شجرة في صحراء. كان لا يزال يحمل آثار المشنقة كوسام لا كعار، ويتحدث كمن يُتمّ جملةً بدأها منذ ألف عام:

"قلتُ أنا الحق فصلبوني. هؤلاء يقولون نحن الحق، نحن الدولة، نحن الشعب، نحن التاريخ، فمن يصلبهم؟"

التفت إلى الجمهور الغائب وأضاف بصوت هادئ كصوت من لا يخشى شيئاً بعد أن خسر كل شيء: "الفارق بيني وبينهم هو أنني صدّقتُ ما قلتُ، وهم لا يصدّقون ما يقولون. ولذلك أنا المجنون وهم العقلاء. ولذلك أنا الميت وهم الأحياء. ولذلك أنا الخاسر وهم... ولذلك أنا الخاسر."

خامساً: مشهد المحاصصة

على المسرح الذي لم يبنه أحد في وسط الساحة، دار تمثيلٌ لم يكتبه أحد:

دخل ثلاثة رجال، كل واحد يحمل صندوقاً. الصناديق متساوية الحجم، متساوية اللون، ولكن مكتوبٌ على كل منها باسمٍ طائفيٍّ مختلف. وضعوا الصناديق على الطاولة وبدأوا يتفاوضون.

قال الأول: "الصندوق الأول لي." قال الثاني: "الصندوق الثاني لي." قال الثالث: "الصندوق الثالث لي."

ثم بدأوا يتفاوضون على محتويات الصناديق. فُتح الأول فخرجت منه وزارة المال. فُتح الثاني فخرجت منه وزارة النفط. فُتح الثالث فخرجت منه رئاسة الجمهورية. ثم بحثوا عن صندوق رابع للشعب، فلم يجدوه، لأن الشعب لم يُذكَر في جدول أعمال الجلسة.

أشار جلجامش إلى هذا المشهد وقال بهدوء متحجَّر: "في أسطورة الطوفان، نجا من نجا بالسفينة. هنا، يبنون سفينةً ولكنها مُفرَّغة الهيكل، جميلة من الخارج، ويحجزون فيها كل الكراسي لأنفسهم ثم يتساءلون لماذا لا يتحرك الفلك."

سادساً: بابل تعيد ترتيب نفسها

في الساعة الثالثة من ذلك الليل المعلَّق، بدأت المدينة تُعيد ترتيب جغرافيتها من تلقاء نفسها. ذابت المنطقة الخضراء ببطء كجليد في صيف بغدادي، وبدلاً منها نما برجٌ يشبه برج بابل القديم، إلا أن كل طابق كان يتكلم لغة مختلفة لا يفهمها الطابق الذي تحته: الطابق الأعلى يتحدث لغة الميليشيات، والذي يليه يتحدث لغة العقود النفطية، والذي تحته لغة المناصب، والذي في الأسفل لغة الشعارات الانتخابية، والأرضي الذي لا يعدّه أحد: الصمت المعمّى للمواطن.

رأى حمورابي البرج فقال: "في المرة الأولى، أراد الناس أن يصلوا إلى السماء فتشتت ألسنتهم. في هذه المرة، تشتتت ألسنتهم فبنوا برجاً يصل إلى السماء لكنه لا يصل إلى الناس. التسلسل معكوس والنتيجة واحدة: الفوضى."

من بعيد، من الجهة التي كانت فيها مدينة أور قبل أن يبتلعها التاريخ والرمل، جاء صوت لا يُحدَّد مصدره: "كلما أردنا بناء دولة، بنينا دويلات. كلما أردنا دستوراً، كتبنا مقدمةً له ثم تركناه للتفسير."

سابعاً: عبد الكريم قاسم يحمل الملف

جاء الزعيم بمعطفه العسكري المنزوع النجوم، لا لأنه خُلع منه بل لأنه خلعها بنفسه في تلك اللحظة السريالية، إذ لا معنى للنجوم في مكانٍ لا تُضيء فيه. كان يحمل ملفاً وورقياً ثقيلاً بما تراكم فيه من عقود.

قال بنبرة الرجل الذي يُقرأ في كلامه حزنٌ لا يُقال: "أردتُ للعراق أن يكون لكل العراقيين. قالوا إن هذا وهم. الوهم هو الذي يبقى ويحكم وها هم يقولون إن العراق لكل العراقيين، في كل خطاب، في كل منبر، في كل موسم انتخابي. أما في الممارسة فالعراق لكل العراقيين الذين ينتمون إلى الكتلة المناسبة، الطائفة المناسبة، الرجل المناسب، المحفظة المناسبة."

ثم فتح الملف فخرج منه ليس وثائق بل مواطنون مصغَّرون، بحجم إبهام الكف، يمشون في كل الاتجاهات ولا يجدون من يستقبلهم في أي منها. نظر إليهم بحنو من فقد رهانه الكبير وقال: "الشعب موجود. دائماً موجود. فقط لا أحد يراه إلا في أوراق الإحصاءات وصناديق الاقتراع وقوائم الشهداء."

ثامناً: دجلة يُدلي بشهادته

في لحظة لم يتوقعها أحد، حتى النص نفسه، بدأ النهر يتكلم.

لم يكن الكلام مسموعاً بالأذن بل بنوع آخر من الحواس، تلك التي تتشكّل فقط في الأماكن التي تتقاطع فيها اليأس الكافي بالأمل الكافي. قال دجلة:

"أنا أقدم منكم جميعاً. رأيتُ السومريين يروون حقولهم وروّى أحفادُهم البيروقراطيةَ بالإهمال. رأيتُ العباسيين يبنون حضارة من ورق ومن ماء ومن نقاش وجدل، ثم رأيتُهم يسقطون حين صار الجدل مراسيم لا جدلاً. رأيتُ دماءً كثيرة تُصبّ فيّ حتى لوّنتْ مياهي وبات الناس يقولون إنني أحمر. أنا لستُ أحمر. أنا مثقل.

والآن أرى ما يُسمّى إدارةً للموارد المائية فيجدون في محاضرهم نسبي السنوية، حصصي الطائفية، مناسيبي الحزبية. حتى الماء في هذا البلد صار له كوتا."

صمت النهر وعاد إلى تدفقه، والصمت كان أبلغ من الكلام.

تاسعاً: الخريطة تعترض

على الجدار الذي لا يُرى ولكنه موجود، ذلك الجدار الذي بين ما هو ومما ينبغي أن يكون، رُسمت خريطة العراق تلقائياً، كما تُرسم الأحلام: باليد وبالروح وبدون أدوات.

لكن الخريطة التي رُسمت لم تكن هي التي نعرفها. كانت مُجزَّأة إلى مناطق ذات ألوان مختلفة، وعلى كل منطقة كُتب اسم لم يكن اسم محافظة بل اسم مجموعة نفوذ: "منطقة العقد"، "منطقة التعيينات"، "منطقة المشاريع المتوقفة"، "منطقة الاتفاقيات السرية"، "منطقة حدود النفوذ القابلة للتفاوض".

في الوسط، مكان بغداد، لم يكن اسماً بل علامة استفهام كبيرة، مصنوعة من أسلاك الكهرباء المتقطعة.

قال المنصور العباسي بصوت يشبه صوت من يقرأ نعيه في حياته: "بنيتُها مدينة السلام. لأن السلام كان المشروع. أما الآن فالمشروع هو الاستمرار، والاستمرار بأي ثمن، والثمن يُدفع دائماً من رصيد المواطن الذي لم يسألوه إن كان يقبل المعادلة."

عاشراً: المحاكمة التي لا تنتهي

في مكانٍ آخر من الساحة، انعقدت محكمة بدون بناء. القاضي كان عدلاً مجرّداً، بلا ملامح، بلا جنسية، بلا طائفة. المتهمون كانوا يجلسون ولا يجلسون، لأن التهم كانت كثيرة لدرجة أنهم لم يجدوا مقاعد كافية لها.

قُرئت لائحة الاتهام وكانت طويلة حتى سقطت أطرافها خارج النص:

"بتهمة تحويل الحكم من فعل إلى موقع؛ بتهمة إدارة الأزمات بالحد الأدنى الكافي للاستمرار لا بالحد الأقصى الممكن للإصلاح؛ بتهمة أن الكهرباء في بلد النفط لا تصمد اثنتي عشرة ساعة والمواطن يصبر وحده في الحر؛ بتهمة توريث المناصب في جمهوريات لا يورّث فيها قانونياً شيء إلا الفقر؛ بتهمة استخدام خطاب الهوية وقوداً لمحرك الغنيمة؛ بتهمة أن الشهيد يُذكر في الخطاب وتُنسى وصيته في الممارسة."

لم يُنطَق بحكم. لأن المحكمة كانت تعرف ما تعرفه المحاكم السريالية: أن الحكم لن يُنفَّذ ما دام من يُفترض أن ينفّذه هو المتهم نفسه.

حادي عشر: الفجر يتراجع

حين بدأت السماء تُفاوض الليل على بعض الضوء، تهيّأ الغائبون الحاضرون للعودة إلى أزمنتهم. إلا أنهم تأخروا قليلاً، تلك الدقائق التي يطول فيها الوداع لأن ما يتركونه وراءهم أثقل مما يحملونه معهم.

قال جلجامش وهو يلفّ لوحه الطيني: "بحثتُ عن الخلود في كل مكان ولم أجده. العراق وجده: نظام المحاصصة لا يموت. يتحوّل، يتكيّف، يتبدّل الأسماء والوجوه، ويبقى الهيكل."

ودّع الحلاج الجمع بإشارة يدٍ لم تكن يداً بل سؤالاً: "متى تُصبح 'الدولة' فعلاً لا اسماً؟ متى تُصبح المؤسسة مؤسسةً لا إطاراً فارغاً مزيَّناً بالبيروقراطية؟ أسئلة لمن يملكون الجواب ولا يملكون الإرادة لقوله."

نظر الجواهري للأخير إلى دجلة، ذلك النهر الذي يعرفه كما يعرف أصابعه، وقال بصوت يهدأ كما تهدأ عاصفة أخيرة:

"يا دجلة الخير، أنتَ شاهد ولستَ قاضياً. كتبتُ فيك ما كتبتُ، وما زال الحبر يجري. ولكنَّ الحبر وحده لا يُغيِّر. يُوثِّق. والتوثيق كذلك فعلٌ يأتي ثماره في زمن آخر، لجيل ربما يُحسن القراءة أكثر مما أحسن أسلافه الحكم."

ثم رحلوا جميعاً، لا بالخطوات بل بالتلاشي التدريجي الذي تتلاشى به الحقائق الكبيرة في النهار الرسمي: ببطء، بهدوء، وبشيء يشبه الاحتجاج الصامت على حتمية نسيانها.

خاتمة: ما تبقّى

في الصباح، حين عاد الناس إلى الساحة بقهوتهم وهواتفهم وآمالهم المقنَّنة، لم يجدوا أثراً لما جرى. إلا شيئاً واحداً: على بلاط ساحة التحرير، بخط أثري لا يُعرف عمره بالدقة، كانت مكتوبة جملة واحدة بثلاث لغات قديمة ومعناها واحد في جميعها:

"الشعب الذي لا يُدار بل يُستهلَك، يستيقظ ببطء. لكنه حين يستيقظ، لا ينسى."

لم يُفسَّر الخط في أي تقرير رسمي. لأن التفسير كان سيستلزم اعترافاً، والاعتراف كان سيستلزم مساءلة، والمساءلة كانت مرتبطة بطابور انتظار لم تُحدَّد لها موعد بعد.

***

خليل إبراهيم كاظم الحمداني

......................

* هذا النص لم يكتبه أحد. أو ربما كتبه كل من مرّ بالعراق وفيه وعليه، من زمن الطين إلى زمن الإسفلت، ومن لغة المسمار إلى لغة البيانات، دون أن يتغيّر السؤال الجوهري: لمن هذا البلد؟

ليس الجمال صفة عابرة تلصق بالأشياء والمرئيات، بقدر ما هو طريقة في تأمل العالم، والإنصات العميق إلى نبض الموجودات. فالأشياء، في حقيقتها، لا تقف عند حدود مادتها الصماء، بل تنفتح على احتمالات عديدة من المعنى، حيث يتعانق المرئي باللامرئي، ويتداخل الظاهر بالخفي، ويتحول الحسي إلى فضاء رحب للرمز والتخييل. ومن هنا يتجلى الحس المرهف بوصفه قدرة إدراكية تتجاوز مجرد التلقي العابر، لتجعل من الوجود ذاته، تجربة جمالية متجددة لا تنفد أسرارها.

فالحس المرهف ليس مجرد رقة شعور، أو شفافية عاطفة، بل هو شكل متقدم من الوعي، يعيد ترتيب مرئيات العالم داخل الذات، ويمنح الأشياء العادية أبعادا أخرى من الدلالة، وعندئذ لا يعود نور الصباح مجرد إشراق يومي مألوف، ولا اهتزاز أوراق الأشجار حركة عابرة، ولا تموّج الماء، أو صمت المكان، تفاصيل هامشية تمر على الإدراك دون أثر، بل تتحول جميعها، عبر هذا الحس المتوقد، إلى إشارات كثيفة المعنى، تنبض بإيحاءات تتجاوز ظاهر الأشياء إلى أعماقها الخفية.

وهكذا يغدو الجمال أكثر من كونه مجرد زينة خارجية للأشياء، ليكون حضورا كامنا في جوهرها، ينتظر عينا ثاقبة، قادرة على اكتشافه، وروحا سامية تمتلك شفافية التلقي. فالموجودات لا تمنح معناها دفعة واحدة، وبشكل مباسر، بل تظل مشروعا مفتوحا للتأويل، يتشكل وفق قدرة الإنسان على الإصغاء إلى ما وراء المرئيات.

 ومن هنا يصبح الجمال تجربة ذاتية عميقة، ترتبط بوعي الإنسان للعالم، بقدر ارتباطها بالعالم نفسه، في ذات الوقت.

وفي ضوء هذا الحس، لا تبقى الموجودات أشياء صامتة جامدة، بل تتحول إلى كيانات نابضة بلغة الإيحاء، تتكلم بصمتها، وتفصح بإشاراتها الخفية، عن عوالم لا تدرك بالنظر العابر. فالجمال لا يرى بالعين وحدها، وإنما يدرك ببصيرة ثاقبة، تتجاوز حدود الرؤية المألوفة، لتجعل من التأمل فعل كشف دائم، ومن الوجود رحلة متواصلة نحو المعنى.

ولعل أجمل تجليات الجمال تتبدى حين يتحول الإدراك إلى حوار حيّ بين الإنسان والعالم، لا إلى عملية استقبال سلبية لما تراه الحواس. ففي هذا الحوار يصبح الإنسان شريكا في صناعة المعنى الجمالي، لا مجرد متفرج على تفاصيل الوجود. وهنا تتجلى العلاقة الحميمة بين الذات والعالم، حيث يغدو كل ما حولنا قابلاً لأن يُقرأ بوصفه نصا مفتوحا على التأويل والدهشة.

وبذلك يصبح الجمال فعل اكتشاف دائم للعالم، فلا تنتهي الموجودات عند حدود مادتها، بل تبدأ منها، نحو آفاق أكثر رحابة وعمقا، حيث تتوالد المعاني، وتتجدد الدهشة، ويظل الوجود محتفظا بسره، الذي لا ينكشف كاملا أبدا.

***

نايف عبوش

قراءةٌ لغويةٌ في علّة الفتح عند النحاة واللغويين

إنّ اللغة العربية لم تكن عند أئمة النحو مجرّدَ أصواتٍ تتعاقب في الكلام، بل كانت نظاماً عقليّاً بالغَ الدقّة، تتحرّك فيه الحركاتُ والسكنات وفق عللٍ صوتيةٍ وصرفيةٍ ودلاليةٍ عميقة. ومن هنا لم يكن فتحُ «نون النسوة» في نحو: يكتبنَ وتكتبنَ أمراً اعتباطياً أو خاضعاً للمصادفة الصوتية، بل جاء نتيجةَ انتظامٍ داخليّ في البنية العربية، حيث تتضافر الدلالةُ مع الإيقاع، والصرفُ مع الوظيفة النحوية، في نسقٍ يكشف عبقرية اللسان العربي.

فنقول: النساءُ يكتبنَ، وأنتنَّ تكتبنَ، فنجد النون مفتوحةً دائماً، بخلاف كثيرٍ من النونات التي تتلوّن حركاتُها بحسب الموقع الإعرابي. وهنا وقف النحاة متأمّلين: لماذا فُتحت هذه النون؟ وما سرّ ثباتها على الفتح؟

لقد رأى نحاةُ البصرة، وفي مقدّمتهم سيبويه، أنّ نون النسوة ضميرٌ متصل مبنيّ في محل رفع فاعل، وليست حرفاً زائداً أو علامةً صرفيةً مجرّدة. فهي تدلّ على جماعة الإناث دلالةً ذاتيةً مستقلّة، ولذلك اكتسبت قوةَ الاسم والضمير معاً. وقد علّل البصريون فتحَها بخفّة الفتحة وموافقتها لطبيعة البناء في الضمائر المتصلة، ولا سيما أنّ الفعل معها يُبنى على السكون، نحو: كتبْنَ، فكان فتحُ النون تعويضاً صوتياً يمنع التقاء الساكنين، ويُحدث انسجاماً موسيقياً في البنية اللفظية.

أمّا نحاةُ الكوفة، وفي طليعتهم الفراء والكسائي، فقد مالوا إلى التوسّع في تفسير الظاهرة، وربطوا بين نون النسوة ونون الجمع في جمع المذكّر السالم، نحو: المؤمنون والمجتهدين. فالنون في البابين تؤدّي وظيفةً دلاليةً مشتركة، هي الإشارة إلى الجمع، وإن اختلفت طبيعة العلامة بين الضمير والحرف. ولذلك رأى بعضهم أنّ فتح نون النسوة جاء لمشابهتها نونَ الجمع في الوظيفة الدلالية، فكأنّ العربية حافظت على وحدة الإيقاع الصرفي في علامات الجمع، فجاءت النون مفتوحةً في الموضعين، تحقيقاً لنوعٍ من التناسب الصوتي والدلالي.

غير أنّ الفرق الجوهري بين النونين ظلّ قائماً في نظر النحاة. فنون النسوة عندهم ضميرٌ حقيقيّ، قائم بذاته، يدلّ على الفاعلات، ولذلك تُعرب في محل رفع فاعل، نحو: الطالباتُ نجحنَ. أمّا نون جمع المذكّر السالم، فليست ضميراً، بل حرفٌ جيء به عوضاً عن التنوين في الاسم المفرد. يقول النحاة: إنّ أصل مسلمون هو مسلمٌ، فلمّا جُمع حُذِف التنوين وعُوِّض عنه بالنون، فصارت النون علامةً صرفيةً لا ضميراً دالاً على ذاتٍ عاقلة.

وهنا تتجلّى دقّة العقل اللغوي العربي؛ إذ فرّق بين النون التي تحمل معنى الذات والجماعة معاً، والنون التي تؤدي وظيفةً صرفيةً خالصة. ولذلك كانت نون النسوة أقرب إلى الكينونة النحوية الحيّة، بينما بقيت نون جمع المذكّر السالم علامةً بنيويةً مرتبطةً بميزان الكلمة.

وقد توسّع فقهاء اللغة، كابن جني وابن هشام الأنصاري، في بيان العلاقة بين الصوت والمعنى، فرأوا أنّ الحركات ليست مجرد زينةٍ لفظية، بل تحمل أبعاداً إيحائية. فالفتحة عند العرب أخفّ الحركات وأوسعها مخرجاً، ولذلك ناسبت معنى الامتداد والجمع والانفتاح، بخلاف الكسرة التي توحي بالانقباض، أو الضمة التي توحي بالاستدارة والانغلاق النسبي. ومن هنا أمكن القول إنّ فتح نون النسوة يحمل بعداً صوتياً منسجماً مع معنى الجماعة والامتداد البشري في الخطاب.

إنّ هذه الظاهرة الصغيرة في ظاهرها تكشف عظمة العربية في عمقها؛ إذ لا توجد حركةٌ فيها بلا علّة، ولا بنيةٌ بلا حكمة. فاللغة العربية ليست تجميعاً آلياً للألفاظ، بل نظامٌ فلسفيّ دقيق، تتعانق فيه الأصوات والدلالات والتراكيب في هندسةٍ عقليةٍ مدهشة. ولذلك كان النحاة الأوائل لا ينظرون إلى الحرف بوصفه شكلاً جامداً، بل باعتباره كائناً لغوياً حيّاً، يحمل وظيفةً ودلالةً وإيقاعاً.

وهكذا تبقى نون النسوة شاهداً على عبقرية العربية، حيث تتحوّل حركةٌ صغيرة كالفَتحة إلى بابٍ واسعٍ من التأمل في فلسفة اللغة، وعلاقة البنية بالصوت، والدلالة بالوظيفة، في لسانٍ استطاع أن يجعل من أدقّ التفاصيل عالماً قائماً بذاته.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

بات من نافل القول ان الثقافة غدت منذ أمد بعيد، مطلبا لا يمكن للكاتب الذي يريد ان يقدم مساهمة حقيقية وجديرة ان يتجاهله، فهناك كما سيأتي، اكثر من سبب يستدعي البعد الثقافي في الكتابة الادبية الجادة. اقول هذا وانا افكر في تلك الصديقة التي تنتقد ما يورده هذا الكاتب او ذاك من استشهادات، لهذا المفكر او ذاك الكاتب، ضمن ما يقدمه الى قرائه من كتابات ادبية وثقافية عامة وهادفة، كما اقوله وانا افكر في ذلك الذي لا يرى في البعد الثقافي المضمن، او المفترض ان يضمن، في ثنايا ما يقدمه الكتاب المثقفون الملمح اليهم من مواد أدبية ثقافية عامة وهادفة ايضا. كما سلف الا .. استعراضا للعضلات الثقافية والادعاء المعيب.

بغض النظر عما يظهره نقد تلك وادعاء ذاك، من مديح للجهل وعدم المعرفة، وغيبوبة ادبية ثقافية مخلة ومخجلة، فإنني اعود واؤكد انه لا يوجد كاتب حقيقي او حتى شاعر وفيلسوف، قدير وجدير، الا وبدا البعد الثقافي فيما يقدمه لقرائه، او لمن يتوقع ان يقرأه من الناس للتخفيف، ظاهرا جليا، إما عبر الاستشهاد، وإما عبر التضمين او التناص، اقراوا آيا من الكتاب العرب والاجانب المشهود لهم والمتمكنين، سترون ان ما يميزهم هو ذلك البعد الثقافي العام، وانه لا توجد كتابة لهم الا وتحفل بالثراء الثقافي، الذي يدل على مدى اطلاعهم وثقافتهم غير المحدودين.

ان الكاتب الذي يريد ان يكون وان يقدم ما يمكث في الارض، لا غنى له عن البعد الثقافي، الذي يدور الحديث عنه، اضافة الى ما تم الإلماح اليه، نشير الى عدد من الاسباب والمسوغات، وفي مقدمتها ان الزاد او البعد الثقافي لدي الكاتب، انما يأتي ليقول لنا نحن القراء، ان الكاتب الذي يدور الحديث عنه، ليس نسيج وحده، اولا.. وثانيا انه انما يأتي استمرارا لمسيرة ثقافية عامة، وانه ثالثا ينتمي الى منظومة متواصلة الحلقات وان كلا منها تكمل الاخرى.

في التفصيل نقول اننا نعني بقولنا ان الكاتب ليس نسيج وحده، انه انما يواصل مسيرة سبق وابتدأت، منذ زمن ما، وان ما يقوله ويذهب اليه، انما سبق وشغل عقولا اخرى جديرة وقديرة، اما فيما يتعلق بالاقتباس من السابقين، فانه انما يأتي اعترافا بانجازهم اولا، وتسنيدا لما يذهب اليه الكاتب من طروحات ورؤى، وغني عن القول فيما بتعلق بهذه النقطة، ان ما يقوم به الكاتب من اقتباس او اكثر، انما يدمج القول بالمقول، اغناء للمجهود الإنساني العام، بمعنى انني لست نسيج وحدي في هذا العالم وانما انا استمرار لمسيرة وجهد انساني متواصل ولا انقطاع لحباله.

سبب اخر يدعم اهمية البعد الثقافي فيما يقدمه الكاتب الجاد والجدير، يتمثل في تعزيز ما يقوله الكاتب ويذهب اليه، يؤكد هذا ان الكاتب انما يقتبس اهم ما سبق وقيل في موضوعه المقدم للقراء، والايحاء من ثم بان موضوع كتابته انما هو موضوع هام، لذا سبق وطرقه اخرون ممن لهم الباع الطويل في القول والانجاز.

من الاسباب التي تستدعي البعد الثقافي في الكتابة الادبية، هو ما سبق وذهب اليه العديد من المنظرين الادبيين والنقاد، فيما يتعلق بالتضمين او الإشارة او التناص، وكلها تعابير متشابهة، فكل نص جديد انما هو جماع لنصوص سابقة من ناحية، وان الكاتب الجاد عادة ما يتفاعل مع ما سبق واطلع عليه في الموضوع سلبا او ايجابا، ومعروف ان التناص وفق الناقدين المغربي محمد مفتاح والبلغارية/ الفرنسية جوليا كريستيفا، عادة ما يتمثل في الاجتزاء من نص سابق واكماله/ المجتزأ، بما يود الكاتب ان يقوله، وكل هذا انما يقود الى العمق والرحابة في العطاء والقول.

ماذا اريد ان اقول من هذا كله؟.. اريد ان اقول ان البعد الثقافي في الكتابة الادبية، ما هو الا تراكم وتواصل ابداعي، سلبا وايجابا، وان الثقافة منذ كانت، ميزت الانسان العاقل عن نقيضه الجاهل، وقدمت الاول واخرت الثاني، فشقي الاول بعقله فيما نعم الثاني بجهله. ولله في خلقه شؤون..اولا وثانيا وثالثا.

***

ناجي ظاهر

جدليّة الزمن والمعنى بين البصريين والكوفيين

ليست اللغة العربية مجرّد نظامٍ صوتيٍّ أو هندسةٍ نحويةٍ جامدة، بل هي كائنٌ حيٌّ تتداخل فيه الأزمنة والدلالات والانفعالات، حتى تغدو الأداة الصغيرة قادرةً على حمل رؤى فكرية وزمنية كاملة. ومن بين هذه الأدوات الدقيقة تبرز «لَمّا» بوصفها إحدى أكثر الأدوات العربية ثراءً وإثارةً للجدل النحوي والدلالي، إذ تتجاوز وظيفتها حدود النفي أو الظرفية لتصبح معبراً خفيّاً بين الزمن والانتظار، وبين الحدوث والاحتمال، وبين الواقع والترقّب.

لقد أدرك النحاة الأوائل، منذ تشكّل المدرسة النحوية في البصرة والكوفة، أنّ سرّ العربية لا يكمن في الألفاظ الكبيرة فحسب، بل في الأدوات الدقيقة التي تغيّر حركة المعنى بأكمله. ولذلك اعتنى سيبويه والكسائي والفراء وابن هشام الأنصاري بدراسة «لَمّا» عنايةً خاصة، لأنّ اختلاف استعمالها لا يغيّر بنية الجملة فحسب، بل يبدّل أفق الزمن النفسي الكامن فيها.

«لَمّا» بين النحو والزمن

حين نقول:

لمّا يصلِ الغائبُ

فنحن لا ننفي الوصول نفياً مطلقاً، كما يحدث مع «لم»، بل نفتح في اللغة نافذةً خفيّة على المستقبل. فالغائب لم يصل بعد، لكنّ المتكلّم ما يزال ينتظر وصوله. وهنا تتحوّل اللغة من أداة تقرير إلى أداة ترقّب، ومن وصف الواقع إلى استشراف الممكن.

إنّ هذا البعد الزمني العميق جعل «لَمّا» أكثر من حرف نفي؛ إنّها أداة نفسية أيضاً، تعبّر عن علاقة الإنسان بالزمن المعلّق. ولذلك يمكن القول إنّ العربية استطاعت، عبر هذه الأداة الصغيرة، أن تلتقط الفرق الفلسفي بين “العدم” و”التأجيل”. فـ«لم» قد توحي بانقطاع الأمل، بينما «لمّا» تحمل في داخلها بقايا انتظار.

مذهب البصريين: الصرامة المنطقية للنحو

نظر البصريون إلى «لَمّا» بعين التحليل العقلي الدقيق، متأثرين بمنهجهم القائم على القياس والانضباط المنطقي. وقد رأى سيبويه أنّ «لَمّا» حرف نفيٍ وجزمٍ وقلب، تدخل على الفعل المضارع فتجزمه، وتنقل معناه إلى الماضي مع بقاء توقّع وقوعه.

ومن هنا فرّق البصريون بوضوح بين:

«لم يفعل»

و«لمّا يفعل»

فالأولى عندهم نفيٌ مجرّد، أمّا الثانية فنفيٌ ممتدٌّ إلى زمن التكلّم مع بقاء إمكان التحقّق. ولذلك عدّوا «لَمّا» أكثر تعقيداً دلالياً من «لم»، لأنّها لا تكتفي بإبطال الحدث، بل تؤجّله داخل الزمن.

كما ذهب البصريون إلى أنّ «لَمّا» الظرفية في نحو:

لمّا حضرَ المساءُ هدأتِ المدينةُ

هي ظرفٌ يتضمّن معنى الشرط، يربط بين زمنين ربطاً سببيّاً ودلالياً. فالهدوء لم يقع اعتباطاً، بل وقع عند حضور المساء. ومن هنا تتجلّى عبقرية العربية في جعل الزمن نفسه بنيةً نحوية.

لقد كان البصريون ميّالين إلى تقنين المعنى وضبطه، ولذلك رفضوا كثيراً من التوسّعات التأويلية التي رأى فيها الكوفيون مرونةً طبيعية للسان العربي.

مذهب الكوفيين: مرونة السماع واتّساع الدلالة

أمّا الكوفيون، وعلى رأسهم الفراء والكسائي، فقد تعاملوا مع «لَمّا» بروحٍ أكثر انفتاحاً على السماع واللهجات والاستعمالات الشعرية. فلم يحصروها في القواعد الصارمة وحدها، بل نظروا إلى طاقتها التداولية داخل الكلام العربي.

وقد أجاز الكوفيون في بعض المواضع توسّعاتٍ لم يرضَ عنها البصريون، فرأوا أنّ «لَمّا» قد تقترب أحياناً من معنى «إلّا»، مستشهدين بقوله تعالى:

﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾

أي: ما كلُّ نفسٍ إلّا عليها حافظ.

وهنا تصبح «لَمّا» أداة استثناء لا مجرّد نفي أو ظرف. وقد خالفهم بعض البصريين في هذا التأويل، معتبرين أنّ الأصل عدم إخراج الأداة عن معناها المركزي إلّا بدليل قاطع.

كما أبدى الكوفيون تسامحاً أكبر في تقدير المحذوفات وفي تفسير السياقات البلاغية، لأنّهم كانوا يرون أنّ اللغة أوسع من أن تُختزل في القياس وحده، وأنّ الشعر والقرآن والاستعمال العربي الحيّ يملكون سلطةً لا تقلّ عن سلطة القاعدة.

«لَمّا» والبعد الفلسفي للزمن

إنّ التأمّل العميق في «لَمّا» يكشف أنّ النحو العربي لم يكن علماً شكلياً خالصاً، بل كان يحمل وعياً فلسفياً بالزمن والوجود. فاللغة العربية لا تعبّر عن الزمن بوصفه حركةً ميكانيكية، بل بوصفه تجربةً شعورية.

فحين يقول العربي:

لمّا يأتِ الفرجُ

فإنّه لا يصف حدثاً نحوياً فحسب، بل يعبّر عن حالة انتظارٍ إنسانية كاملة. إنّ «لَمّا» هنا ليست حرفاً، بل مسافة نفسية بين الألم والأمل.

ولهذا يمكن القول إنّ النحاة العرب، وهم يدرسون الأدوات والحروف، كانوا يؤسّسون بصورة غير مباشرة لفلسفةٍ لغوية دقيقة، ترى أنّ تغيّر الأداة قد يغيّر بنية الإدراك نفسه. فالكلمة الصغيرة في العربية ليست هامشاً، بل مركزاً دلالياً قد يحمل توتّر الزمن، وقلق الإنسان، وشعوره بالممكن والمؤجَّل.

ابن هشام وبلاغة التدقيق النحوي

وقد بلغ التحليل ذروته عند ابن هشام الأنصاري، الذي تعامل مع «لَمّا» بوصفها أداة متعددة الوجوه، تتنوّع وظائفها بحسب السياق. ففي كتابه مغني اللبيب لم يكتفِ بتحديد عملها الإعرابي، بل كشف أثرها البلاغي والزمني، مبيّناً أنّ سرّ العربية يكمن في العلاقات الدقيقة بين المبنى والمعنى.

لقد فهم ابن هشام أنّ النحو الحقيقي ليس صناعة إعرابية جافة، بل علمٌ بتحوّلات الدلالة. فالحركة الواحدة قد تنقل الكلام من اليقين إلى الاحتمال، ومن الحدوث إلى الانتظار، ومن الإخبار إلى الانفعال.

خاتمة

إنّ دراسة «لَمّا» تكشف عظمة العقل اللغوي العربي، ذلك العقل الذي لم يتعامل مع اللغة بوصفها أصواتاً متجاورة، بل بوصفها نظاماً دقيقاً لتمثيل الزمن والوعي والشعور. ومن خلال الجدل بين البصريين والكوفيين ندرك أنّ النحو العربي لم يكن صراعاً حول الإعراب فحسب، بل كان اختلافاً في رؤية اللغة ذاتها:

أهي بنية عقلية منضبطة كما أراد البصريون، أم كائن حيّ متحرّك يتّسع للسماع والتأويل كما رأى الكوفيون؟

وفي الحالتين، تبقى «لَمّا» شاهداً على عبقرية العربية، حيث تستطيع أداة صغيرة أن تحمل في جوفها كلّ هذا الامتداد من المعنى والزمن والانتظار.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

أمسكُ قلمي هذا المساء على غير العادة، أكتبُ، وأحذفُ، ثمّ يصمت قلمي محدّقًا بكلّ ما حولي بهدوءٍ مخيف أعرفه جيّدا.

إنّه الفقد الذي يتسلل إلى الأشياء الجميلة، يغزو لون السماء، ويتغلغل في رائحة التراب بعد الظهيرة، وأخيرا يصل إلى الطريق الذي كان يقود طفلةً صغيرة نحو الحقول، وهي تظنّ أنّ الحياة خُلقت لها كي تركض فيها.

في تلك الأيام الخالية كانت الأرض ما تزال تحتفظ بقلبها، وكانت تلك الطفلة الحالمة تركض خلف فراشة صفراء غير مدركة أنها تركض في الحقيقة خلف آخر نسخة بريئة من هذا العالم.

لذلك يصحّ أنْ نقول هناك مواسم لا تعود كما كانت حتى وإنْ عادت الأرض إلى دورتها، لتزهر الأشجار في موعدها.

إنّه شيءٌ ما ينكسر خفيةً بين عامٍ وآخر فنصبح غرباء عن الأماكن التي كانت تحفظ أسماءنا الصغيرة.

كنتُ طفلة تركض خلف النهار في مثل هذا الوقت من العام، وكانت تلك الطفلة تشبه أول الضوء الذي يلامس الحقول النائمة، خفيفة كفراشة، وممتلئة بدهشة لا تنتهي.

تركض بشجاعة لا تلتقطها عدسة مصوّر، حافية الروح قبل القدمين، تلاحق الألوان المتطايرة بين الأعشاب.

نسيت أنْ أخبركم عن بعض تفاصيلها، لقد خُلقت لتجمع الفرح الهارب من العالم.

نعم، أنا لا أمازحكم الآن، فلو التقيتم بها في طفولتها لرأيتم في عينيها اتساعَ سماءٍ ربيعية.

آنذاك كانت ضحكتها تشبه خرير الماء الذي يعبر الصخور بهدوءٍ بريء.

وفي صورة مصغّرة أكثر بإمكانكم أنْ تروا شعرها المبعثر تحت الشمس في تمرّد صريح على قيود الضفيرة، أمّا عن قلبها فكان نقيًا إلى الحدّ الذي يجعلها تبكي لأجل فراشةٍ عَلِقَت بين الأغصان.

كلّ ما تعرفه عن العالم أنه واسع بما يكفي للركض، وجميل بما يكفي لتصدّقه بالكامل.

تحصي الأيام على سيقان جافّة، وتراقب الأرض بشغفها المعهود، وهي تتبدل أمام عينيها ببطءٍ ساحر، فالأخضر يمتزج بالأصفر، والتراب الدافئ يتنفس أولى علامات الصيف القادمة.

تدهشها باكورة الثمار وهي تتفتح بخجلٍ فوق الأغصان، وتمنحها الفراشات اليقين الطفولي المجبول بالمغامرة الجريئة .

تركض بين الحقول بلا خوف، وتقلّد أصوات الطيور، فتتوقف طويلًا عند أعشاشها المعلقة فوق الأشجار متأملة ذلك النظام الإلهي الدقيق الذي يجعل من القشّ وطنًا دافئًا.

لم تكن تعرف يومها أنّ الإنسان قد يكبر إلى الحدّ الذي يفقد فيه قدرته على الإصغاء لصوت العصافير.

ثم يأتي الليل بصفحته الزرقاء الهائلة الممتدة فوق رأسها، والموشّاة بالنجوم.

إنّه عالمها الثاني بلا منافس.

في يومٍ شتويّ قلّبت ألبوم صور قديم فالتقيتُ بصورة لها وهي تستلقي طويلًا محدّقة في السماء، تعدّ النجوم التي لا تُعدّ، وترافق الشهب وهي تهوي كأمنيات محترقة.

حتى الظلّ فوق الأعشاب كان يملك حياةً كاملة بانعكاسه المرتجف تحت ضوء القمر، وكثيرا ما وصفت لي حركة الأشجار العملاقة التي بدت لها آنذاك كغيلانٍ أسطورية تحرس الليل بصمتٍ مهيب يزيد من دقّات قلبها الذي يستوطن صدرها المضطرب.

كان للخوف يومها براءة أيضًا، أما الآن فلا شيء يشبه تلك الأزمنة سوى اتساع السماء حتى وإنْ تغيّر لونها.

كلّ شيء صار قاتمًا على نحوٍ يصعب تفسيره، فالأحداث تتشابك مثل خيوطٍ متداخلة، ومعقدة على نحو يصعب فهمه.

لكنّ تنهيدة واحدة تكفي لتفسير زوال القدرة على الانبهار، فلم يعد العالم بسيطًا بما يكفي لطفلة تركض خلف فراشة، ولا نقيًا بما يسمح لروحها أنْ تنام مطمئنة تحت شجرة.

ومع ذلك لو فتّشتم في قلبها لوجدتم شيئا صغيرا يقاوم، إنّه شيءٌ يشبه تلك الشهب القديمة التي كانت تراقب سقوطها بصمت، وهي تشتعل للحظةٍ قصيرة وسط هذا الفضاء المعتم، ثم تختفي، لكنها تترك أثرًا خافتًا من الضوء يكفي أحيانًا كي لا نغرق تمامًا في السواد.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

كان يمكن لهذه المذكرات ألا تكتب. كان يمكن أن يبتلع النسيان “الغرفة 8” كما ابتلع آلاف الغرف التي سكنها فقراء مصر ومبدعوها المجهولون. لكن يدًا أمينة امتدت لتنتشل هذه السيرة من العدم، يد إنسان اسمه الطبيب فهمي عبد السلام. فهل نعرف نحن قيمة هذه اليد وهي تنتشل؟ هل نعرف نحن كم من المبدعين دفنوا في مقابر الفقر الجماعية دون شاهد؟

أنا أنظر إلى "الغرفة 8 " فأرى شيئًا آخر. أراها مختبرًا للوجود، بوتقة تحترق فيها النفس لتخرج ذهبًا خالصًا. الفقر ليس مجرد نقص في المال كما يتوهم أصحاب الحسابات البنكية، الفقر سؤال وجودي يوجهه الله لمن يحبهم من عباده هل تستطيع أن تكون إنسانًا بلا أقنعة؟ هل تستطيع أن تقف عاريًا أمام المرآة وترى نفسك كما أنت، لا كما يريدك الآخرون؟

أمل دنقل في "الغرفة 8" كان يجيب عن هذا السؤال كل ليلة. كان يمد يده إلى القلم فيسيل منه الشعر دمًا حقيقيًا، لا استعارة بلاغية. لأن الكتابة في ذلك المستوى من الحرمان لم تكن ترفًا فكريًا ولا زخرفة لفظية، كانت طوق النجاة الوحيد، وكانت معركة البقاء الأخيرة. من لم يجرب أن يكتب وهو جائع لا يعرف لماذا خلق الإنسان وفي فمه كلمة "كن".

أعجب من مجتمع يحكم على الإنسان بجلده وليس بجوهره! مجتمع يقيس قيمتك بعدد السيارات التي تملكها لا بعدد الأسئلة التي تسكن رأسك. هذا مرض عضال أصاب حضارتنا في مقتل. ترى الشاب القادم من أقاصي الصعيد، من "قفط" حيث الأرض صلبة والسماء واسعة، يأتي إلى القاهرة فيجد نفسه في غابة من الأقنعة. هنا الناس لا يرونك، يرون انعكاس صورتهم في سيارتك اللامعة.

وتأمل معي هذه المفارقة المرة صاحب الروائع الشعرية التي ستبقى بعد موت كل سيارات الأثرياء، يضطر أن يطرق الأبواب عارضًا كنزه على من لا يستحقونه. أليس هذا هو المشهد الأزلي المتكرر الجوهر يباع للزيف بثمن بخس، والذهب الحقيقي يقايض بالزجاج الملون؟

المجتمع المظهري مريض، نعم، لكن مرضه لا يقتل إلا أصحابه. أما أمل دنقل فكان يشفى بمرضه، كان يتطهر بالغربة ويغتسل بالحرمان. ألم يقل المسيح "طوبى للمساكين بالروح فإن لهم ملكوت السماوات"؟ أليس الفقر، حين يقترن بالإبداع، هو أقصر الطرق إلى الله؟ لأنك حين تفقد كل شيء، لا يبقى لك إلا وجهه الكريم.

رفيق المجهول!

وهنا نقف عند المفارقة الثانية فهمي عبد السلام. طبيب عاش في الظل، وكتب في الظل، ومات في الظل. كتب عن كبار الروائيين دراسات تضيء ولا تحرق، حلل بهدوء العلماء لا بضجيج الأدعياء، قرأ الرواية في سياقها الاجتماعي دون أن يسقط في فخ الإسقاط. فماذا فعلت به الثقافة العربية؟ لا شيء. كأنه لم يمر من هنا. كأن كتبه طبعت على ماء النيل وذهبت مع التيار.

هذا هو البؤس الحقيقي. ليس بؤس الفقر الذي عاشه أمل دنقل، فالفقر قد يكون بوابة للخلود كما رأينا. البؤس الحقيقي هو بؤس ثقافة لا تفرق بين الغث والسمين، بين العالم الحقيقي والمزيف الأكاديمي الذي يتكثر بالألقاب. بؤس ثقافة تحول النقاد إلى موظفين، والمفكرين إلى بهلوانات إعلام، والمبدعين إلى موظفين في وزارة الثقافة ينتظرون الترقية والمعاش.

إن موت المبدع الدكتور فهمي عبد السلام دون أن تشعر به الثقافة ليس موت فرد، إنه جريمة معنوية ترتكبها ثقافة كاملة في حق نفسها. إنه انتحار بطيء تمارسه أمة تتخلى عن مصابيحها لتظل في الظلام. وكل مثقف يموت صامتًا وهو يستحق الضجيج، يوجه لنا جميعًا سؤالاً سنسأل عنه يومًا ماذا فعلتم بأمانة الكلمة؟ أين كنتم حين كان النور يخبو؟

الغرفة بداخلنا

الغرفة 8 ليست مكانًا في القاهرة، الغرفة 8 فكرة، سؤال، جرح مفتوح في جسد الثقافة العربية. هي تذكرنا بأن كل مبدع حقيقي يولد من رحم المعاناة، وأن كل قصيدة عظيمة كتبت بحبر الفقر ودموع الغربة. لكنها تذكرنا أيضًا بجريمتنا المتواصلة، أننا نعرف قيمة الشيء بعد فواته، ونكتب الرثاء ولا نكتب الإنصاف.

تأملت طويلاً في هذه المذكرات فوجدتني أسأل كم من أمل دنقل يعيش بيننا الآن في غرفة 8 أخرى، يكتب روائعه على ضوء شمعة، يطرق الأبواب فلا يفتح له؟ وكم من فهمي عبد السلام يكتب دراسات عميقة في صمت، ينتظر كلمة تقدير لا تأتي، فيموت وحيدًا كما عاش وحيدًا؟

الكارثة ليست في وجود الغرفة 8، الكارثة أننا نبني كل يوم ألف غرفة 8 جديدة، نمارس فيها طقوس قتل الإبداع ببطء، نتفرج على المبدعين وهم يموتون جوعًا ثم نبكي عليهم حين يتحولون إلى تماثيل في ميادين لا يمر بها أحد.

كلمة أخيرة للضمير

رحم الله الدكتور فهمي عبد السلام، هذا المثقف الذي عاش نظيفًا ومات صامتًا، حاملاً سره معه أن المعرفة ليست للصيت، وأن النقد رسالة قبل أن يكون مهنة. ورحم الله أمل دنقل الذي جعل من "الغرفة 8 " منارة، ومن الفقر جسرًا إلى الخلود، ومن الرفض موقفًا وجوديًا لا مجرد كلمات.

وتبقى "الغرفة 8 " شاهدة علينا، تسألنا كل صباح أين كنتم؟ ولماذا تكررون الجريمة نفسها كل جيل؟ لماذا يموت مبدعوكم فقراء ثم تثرون من بعدهم ببيع سيرهم؟ لماذا تبنون القصور للذين لا يستحقون، وتتركون أصحاب الكلمة الحقة في الغرف المظلمة؟ أسئلة ليس لها جواب، لأنها موجهة إلى ضمير مات، أو هو في غيبوبة طويلة، نتمنى أن يفيق منها يومًا.

***

عبد السلام فاروق

ظلت الثقافة، لقرون طويلة، لصيقة بالورق، وتحفظ بين دفتي كتاب، اذ كان الكتاب رفيقا ملازما للقراء، ويشكل جزءًا من الهوية الحضارية للثقافة السائدة، حيث انتقلت من خلاله الأفكار، والفلسفات، والعلوم، والآداب، بين الناس، الأمر الذي أسهم في بناء الوعي الإنساني، وتحقيق النهضات الكبرى.

وهكذا كان الكتاب الورقي لزمن طويل، مصدرا للمعرفة، وكانت المكتبات مراكز للفكر، والتنوير، يقصدها الباحثون والقرّاء، لينهلوا من معينها المعرفة، حيث كان القارئ يوم ذاك، يتعامل مع الكتاب ليس بوصفه مادة للقراءة فقط، بل بوصفه صديقا حميما، يرافقه في العزلة، والتأمل.

ولا ريب أن الثورة الرقمية، قد غيّرت بهيمنتها الشاملة، ملامح المشهد الثقافي. فقد انتقلت المعرفة من الورق، إلى الشاشة، ومن المكتبة التقليدية، إلى الفضاء الإلكتروني المفتوح، بعد ان أصبح بالإمكان الوصول إلى آلاف الكتب، والمراجع، بضغطة زر، بعدما كان البحث عن كتاب يستغرق أياما، وربما أشهر.

وهكذا يلاحظ ان الرقمنة، أسهمت في تعميم الثقافة، وجعلها أكثر انتشارًا، وتداولًا بين الناس، فالهواتف المحمولة، والاجهزة الرقمية الذكية، أصبحت مكتبة متنقلة، تحمل في داخلها كل المعلومات، في حين أتاحت المنصات الرقمية، فضاء مفتوحاً للجميع، لنشر إبداعاتهم، ونتاجاتهم في اللحظة، والوصول إلى جمهور المتلقين دون قيود.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه التحولات الجذرية، افرزت أنماطا جديدة من القراءة، اتسمت بالسرعة، والاختزال، والتصفح السريع، حيث تراجعت القراءة القراءة العميقة، والتأمل الفكري، الذي كان يتيحه الكتاب الورقي، بعد إن بات القارئ الرقمي يتنقل بين النصوص، والصور، والإشعارات، بضغطة زر، شتت تركيزه، واضعفت علاقته الوجدانية مع الكتاب.

لقد أصبحت الرقمنة مرحلة جديدة من مراحل تطور وسائل المعرفة، مما يتطلب أن تكون الثقافة، قادرة على التكيّف مع أدوات العصر، دون أن تفقد جوهرها.

ولعل التحدي الحقيقي بات يكمن في كيفية تحقيق التوازن بين أصالة الكتاب الورقي، وحداثة الوسائط الرقمية، بحيث يتم الحفاظ على عمق القراءة، وروحها الإنسانية، وتتحقق الاستفادة من سرعة التقنية، واتساع انتشارها في نفس الوقت.

ومع أن الرقمنة أصبحت ضرورة حضارية، تفرضها طبيعة العصر، وتسارع تطور المعرفة، فإنه يبدو أن الكتاب الورقي، سوف لن يختفي من الوجود بسهولة، لأنه يحمل قيمة رمزية، ودلالة جمالية، لا تستطيع الشاشة أن تعوضها بالكامل.

***

نايف عبوش

 

الذكريات ليست مجرد صور عابرة في أذهاننا عن أحداث طواها الزمن، عشناها يوما ما، وانقضت، بل هي نوارس وجدانية حية، تحلق باستمرار في أعماق الوجدان، دون ان تغادره، او تهجر حدود الذاكرة، لتظل تحوم حول تخوم الذاكرة، ملامسة أعماق الوجدان بسلاسة، تاركة في ثناياه أثرا لا يمحى بمرور الزمن .

وهكذا تظل الذاكرة فضاء وجدانيا واسعا، تنتشر في تخومه نوارس الذكريات، حاملة في أجنحتها لحظات الفرح، وأصداء الحنين، وربما شيئا من بقايا وجع قديم، باستحضار لحظات لن تعود، أو باستذكار أشخاص غابوا نهائيا عن مشهد حياتنا، لكنها تبقى رغم ذلك كله ضرورية لشحن مشاعرنا الوجدانية بالحنين، وليست هروبا سلبيا إلى الماضي.

فكم ياترى جميلة هي حقا تلك الذكريات، التي تتسلل عبر ثنايا الذاكرة، دون استئذان، لتغمرنا بشعورٍ دافيء، نتيقين معه، أن ما مضى لم يرحل، بل يستوطن أعماق الوجدان، لتكون الذكريات عندئذ، امتدادا عاطفيا، يعيد تشكيل حاضرنا، بالتفاعل الوجداني مع الذات، وليست هروبا، وانكفاء مرتدا إلى الماضي، نشدانا لسعادة مفقودة، غادرتنا معه.

هكذا إذن تظل الذكريات نوارس محلقة في أعماق الوجدان، دون استعداد منها للمغادرة والرحيل، لتبقى بذلك، حسا وجدانيا دائم التوهج، يلجأ إليه الخيال، كلما ضاقت بنا تداعيات الحياة.

***

نايف عبوش

 

في المثقف اليوم