عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

النص الإبداعي، كما هو معروف، لا تستولده ذهنيةٍ باردة، وهو ليس مجرد رصف ٱلي للكلمات طبقا لقواعد البلاغة واللغة، وانما هو وليد لحظة انقداحٍ وجداني متوهجة، يتفاعل فيها الحس المرهف، والمشاعر المتوجهة، والأفكار المتألقة، لتنثال عندئذ، ومضة تعبيرية، تجسد حالة إنسانية حية عاشها الكاتب، أو استشعرها بوجدانه.

فالإبداع الحقيقي يبدأ من حس مرهف، يلتقط ما لا يحضر عند الكثيرين، من لحظة فرحٍ خاطفة، أو وجعٍ عابر، أو مشهدٍ عالقٍ في الذاكرة، أو تأملٍ عميقٍ في تفاصيل وقائع الحياة، حيث تنساب الكلمات تلقائياً في صورة انثيالٍ تعبيري، يحمل حرارة الشعور، قبل جمال الصياغة، عندما تبلغ الأحاسيس ذروة التفاعل.

وهكذا فإن النص الابداعي لا يُقاس بطوله، ولا بكثرة مفرداته، وانما يقاس بقدرته على ملامسة القلوب، وإثارة التساؤلات، واستفزاز التأمل. وبذلك قد تكون بضعة أسطر، أبلغ أثراً من صفحاتٍ طويلة، طالما أنها كُتبت في لحظة صدقٍ كامل، بين الكاتب ووجدانه.

ولذلك فإن النصوص التي تعلق طويلاً في ذاكرة القراء، هي تلك التي خرجت من القلب قبل أن تسطر على الورق. فالكلمة الصادقة تمتلك طاقةً كامنة متوهجة، تتجاوز حدود اللغة، بملامستها التجربة الإنسانية المشتركة، حيث يشعر القارئ عندئذ، أن الكاتب يعبّر عما كان يجول في خاطره، دون أن يجد له لفظاً.

على أنه ليس المقصود بالانثيال التعبيري، أن يكون النص عفوياً، خالياً من الصنعة، بل المقصود، أن تظل الصنعة في خدمة المشاعر، لا أن تطغى عليها، بحيث يتمكن الابداع أن يجمع بين حرارة الحس، وجمال التشكيل، وبين صدق الفكرة، وبلاغة العبارة.

وهكذا يظل النص الإبداعي ومضةً تنقدح من أعماق الوجدان، ثم تتوهج بالكلمة، لتكون رسالةً إنسانيةً تحمل نبض حس صاحبها، ومن ثم تاخذ طريقها إلى وجدان كل قارئ يمتلك حساً مرهفاً، ويتفاعل مع صدق الحس، وبلاغة التعبير.

***

نايف عبوش

عشرة أفلام استشرفت مستقبل الإنسان والذكاء الاصطناعي

لطالما كانت السينما مرآةً تعكس أحلام الإنسان ومخاوفه تجاه المستقبل، ولم يكن هناك رمزٌ أكثر حضورًا في هذه الرحلة من الروبوتات والذكاء الاصطناعي. فمنذ أن بدأت الثورة الصناعية تعيد تشكيل العالم، راودت البشرية تساؤلات عميقة حول حدود التقدم التقني، وما إذا كانت الابتكارات التي نصنعها ستصبح يومًا ما قوةً تخدم الإنسان أم تتجاوزه. وقد طرحت الكاتبة ماري شيلي هذه الإشكالية مبكرًا في روايتها الخالدة "فرانكشتاين" عام 1818، لتفتح الباب أمام قرون من التأملات الأدبية والفلسفية حول العلاقة بين الإنسان وما يبتكره.

ومع تسارع التطور العلمي، انتقلت هذه الأسئلة من صفحات الكتب إلى الشاشة الفضية، حيث تحولت الروبوتات إلى شخصيات رئيسية في عشرات الأعمال السينمائية التي لم تكتفِ بإبهار الجمهور، بل ناقشت قضايا الهوية والوعي والحرية والمسؤولية، وتنبأت في كثير من الأحيان بما أصبح اليوم جزءًا من واقعنا التقني.

يأتي فيلم "متروبوليس" (1927) في مقدمة هذه الأعمال بوصفه أحد أعظم كلاسيكيات السينما الصامتة والخيال العلمي. أخرجه فريتز لانغ، وقدم رؤية مستقبلية قاتمة تدور أحداثها في مدينة تنقسم فيها الطبقات الاجتماعية بين نخبة مترفة وعمال يعيشون في عزلة وقهر. وفي هذا العالم، تتحول الروبوتات إلى أدوات للسيطرة والتلاعب بالجماهير، في عمل ترك أثرًا عميقًا في تاريخ السينما حتى أدرجته اليونسكو ضمن سجل التراث الوثائقي العالمي.

وعندما انطلقت ملحمة "حرب النجوم" (1977)، لم تكن الروبوتات هي محور القصة، لكنها أصبحت جزءًا لا يتجزأ من عالمها الواسع. فإلى جانب الصراع بين الخير والشر، والعلاقات الإنسانية المعقدة، لعبت الشخصيات الآلية دورًا محوريًا في إثراء هذا الكون السينمائي، حتى غدت بعض الروبوتات من أشهر الشخصيات وأكثرها حضورًا في ذاكرة الجمهور.

وفي عام 1982، قدم فيلم "بليد رانر" رؤية فلسفية استثنائية للمستقبل، مستلهمًا رواية فيليب ك. ديك الشهيرة "هل تحلم الأندرويدات بالخراف الكهربائية؟". تدور الأحداث في مدينة لوس أنجلوس المستقبلية، حيث يُكلف محقق بمطاردة مجموعة من الكائنات المصنعة بيولوجيًا التي تكاد لا تختلف عن البشر. لكن الفيلم لا ينشغل بالمطاردة بقدر ما يغوص في أسئلة الوعي والهوية والذاكرة، ويطرح تساؤلًا جوهريًا: ما الذي يجعل الإنسان إنسانًا؟

وبعد عامين فقط، جاء "المدمر" (1984) ليصبح أحد أشهر أفلام الحركة والخيال العلمي في التاريخ. يحكي الفيلم قصة روبوت قاتل يعود من المستقبل لتنفيذ مهمة تغير مجرى التاريخ، في عالم تهيمن عليه منظومة ذكاء اصطناعي تعرف باسم "سكاي نت". وقد أسهم هذا العمل في ترسيخ الصورة الشعبية للروبوت بوصفه تهديدًا وجوديًا، ورسخ المخاوف من مستقبل قد تنقلب فيه الآلات على صانعيها.

أما فيلم "روبوكوب" (1987)، فقد مزج بين الحركة والنقد الاجتماعي بطريقة لافتة. إذ يروي قصة الشرطي أليكس مورفي الذي يعود إلى الحياة بعد تعرضه لإصابة قاتلة، لكن في هيئة إنسان آلي يجمع بين الجسد الميكانيكي وبقايا الوعي البشري. ومن خلال هذه الشخصية، يناقش الفيلم قضايا المجتمع، والرأسمالية، وفقدان الهوية، ويقدم استعارة مؤثرة عن تراجع الصناعة الأمريكية وتحول الإنسان إلى مجرد أداة داخل منظومة اقتصادية قاسية.

وفي مطلع الألفية الجديدة، قدم ستيفن سبيلبرغ فيلم "الذكاء الاصطناعي" (2001)، الذي يعد من أكثر أعماله حساسية وإنسانية. تدور أحداثه في مستقبل متأثر بتداعيات التغير المناخي، حيث يُصنع طفل آلي يدعى ديفيد ليكون قادرًا على منح الحب وتلقيه. حيث يحاول هذا الطفل أن يجد مكانه في عالم البشر، يثير الفيلم أسئلة مؤلمة حول المشاعر، والانتماء، وحدود العلاقة بين الإنسان والآلة، في معالجة فلسفية تتجاوز الخيال العلمي إلى التأمل في الطبيعة الإنسانية نفسها.

وفي فيلم "أنا، روبوت" (2004)، تصبح الروبوتات جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية في عام 2035، حيث تتولى معظم الأعمال والخدمات. غير أن محققًا يشك في براءة هذه المنظومة بعد وفاة غامضة لأحد أبرز العلماء، لتتكشف أمامه أسرار تعيد طرح السؤال الأزلي: ماذا يحدث عندما تتجاوز الآلات حدود الطاعة، وتبدأ في اتخاذ قراراتها الخاصة؟

أما فيلم "هير" (2013)، فقد اقترب بصورة لافتة من واقعنا الحالي. تدور قصته حول رجل وحيد يتعلق بنظام تشغيل ذكي يمتلك شخصية وصوتًا ومشاعر تبدو حقيقية إلى حد بعيد. وما كان يبدو خيالًا علميًا عند عرض الفيلم أصبح اليوم موضوعًا للنقاش مع التطور الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ يطرح العمل تساؤلات عميقة حول طبيعة العلاقات الإنسانية، وإمكانية تعلق الإنسان بكيان غير بشري، والفاصل الدقيق بين الواقع والوهم.

وفي الفيلم الألماني "الرجل المثالي" (2021)، تتخذ الفكرة منحى أكثر هدوءًا وإنسانية. توافق عالمة على المشاركة في تجربة تقضي بأن تعيش ثلاثة أسابيع مع روبوت، ويعيد الفيلم النظر في طبيعة العلاقات الإنسانية التي لا تقوم على المثالية، بل على العيوب والمفاجآت والتجارب المشتركة.

ويختتم فيلم الرسوم المتحركة "أحلام الروبوت" (2023) هذه الرحلة بنبرة دافئة ومؤثرة. ففي نيويورك الثمانينيات، يصنع كلب وحيد روبوتًا ليكون رفيقه وصديقه، لتنشأ بينهما علاقة إنسانية عميقة تتناول الصداقة، والوحدة، والفقد، والحنين. وبرغم بساطة أسلوبه، استطاع الفيلم أن يقدم واحدة من أكثر القصص تأثيرًا عن العلاقة بين الإنسان والآلة، فنال ترشيحًا لجائزة الأوسكار، وفاز بجائزة غويا لأفضل فيلم رسوم متحركة وسيناريو مقتبس.

تكشف هذه الأعمال، على اختلاف أزمنتها وأساليبها، أن الروبوتات لم تكن يومًا مجرد آلات تتحرك على الشاشة، بل كانت وسيلة فنية لاستكشاف أعقد الأسئلة التي تشغل الإنسان. فهي تضعنا أمام تساؤلات عن الحرية والوعي والحب والأخلاق، وتدعونا إلى التفكير في مستقبل قد يصبح فيه الخط الفاصل بين الإنسان والآلة أكثر ضبابية من أي وقت مضى. ولعل أعظم ما حققته هذه الأفلام أنها لم تكتفِ بتخيل المستقبل، بل ساعدتنا على فهم حاضرنا، واستشراف التحديات التي تنتظر البشرية في عصر الذكاء الاصطناعي.

***

محمد إبراهيم الزموري

منذ سنوات، لا تزال كلمةٌ عالقة في ذهني قالها الكاتب غيث البطيخي: إن كنت أذكر اسمه جيدًا – خلال دورة عن القراءة على منصة إدراك. قال ما معناه: عندما تقرأ، قد تجد بين صفحات الكتب حياتك. وربما تجد فيها ما يعينك على فهم نفسك، أو يخفف عنك حيرتك، أو يرشدك إلى كيفية التعامل مع مواقف الحياة.

ومنذ أن اتسعت القراءة في حياتي، أدركت أن بعض الكتّاب يكتبون بصدقٍ عجيب، حتى يخيل إليك أنهم اطلعوا على أعماق نفسك. ترى أفكارك، وتساؤلاتك، ومخاوفك، وانفعالاتك، وكأنها سكنت صفحات كتبهم قبل أن تسكن قلبك.

وربما تكون رحلة التغيير طويلة، ولكن أليس السير بخطوات صغيرة خيرًا من البقاء في المكان نفسه؟ أنا لا أقصد التغيير الاقتصادي أو الاجتماعي، بل ذلك التغيير الأعمق: تغير الإنسان في داخله.

من أنت عندما تخلو بنفسك؟ كيف تفكر؟ كيف تتعامل مع انفعالاتك؟ إلى أي حد تتعاطف مع ذاتك، ومع الآخرين؟ وكيف تصنع أفكارك صورتك عن العالم؟

ومنذ أيام، بينما كنت أقرأ بعض كتب سمية الناصر، استوقفتني فكرة عبّرت عن أمر قد نمارسه دون أن ننتبه إليه؛ أننا قد ندور في الدائرة نفسها لأننا ألفنا متعة الألم. نعتاد دور الضحية، وننتظر من ينتشلنا من الحزن أو الملل أو رتابة الأيام، بينما يمر العمر من حولنا.

وفي غمرة هذا الانتظار، قد نفوّت على أنفسنا دهشة الحياة؛ منظر غروب، أو نسمة صباح، أو شجرة تهتز مع الريح، أو كتاب يفتح نافذة جديدة في أرواحنا.

بل إن أجمل متعة قد نهملها هي أن نجعل من أفكارنا حديقةً داخلية؛ نغرس فيها ما ينفع، ونسقيها بالمعرفة، ونشذب أغصانها، ونقتلع منها كل ما يعيق نموها.

ولعل هذا المعنى يلتقي مع هدي النبي ﷺ حين قال: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها». فما دام في الإنسان نفسٌ يتردد، فثمة غرسٌ يستحق أن يُغرس، سواء في الأرض أو في القلب.

فشتان بين من يعيش أسير متعة الألم، ومن يختار أن يتذوق متعة الأمل؛ فالأولى تستنزف العمر، أما الثانية فتزرع في الروح حياةً جديدة، ولو بدأت بخطوة صغيرة.

*** 

نجمة الدرويش 

حسب تجربتي المتواضعة في الشعر لا أرى أن هذا الأخير ينحصر في الموهبة فقط، والتي يظن البعض أنه يمتلكها وأن الموهبة إياها هي النبراس الذي على ضوئه يقود خطاه في خوض غمار ميدان طالما تهيبه أحيانا حتى العارفون به المدركون لخطورته. فالشعر لم يكن أبدا يسعف المرء بامتلاكه الموهبة وحدها. وبالمناسبة أتذكر إحداهن وأنا في حوار معها حينما سألتها كيف جاءت إلى الشعر فقالت لي بالحرف:

الشعر هو الذي اختارني.

فأجبتها على الفور:

ـ الشعر لا يختار أحدا، إنما الشعر معاناة وبحث دؤوب عن المسلك المؤدي إليه.

لذا فعلى الشخص أن يقرن الموهبة عنده بالدراسة لكي يتم صقل هذه الموهبة، وإلا فلن يكون شاعرا، فدراسة الشعر والاطلاع على كيفية خوضه وتناوله لا بد منها، فادعاء الموهبة في الشعر هو ادعاء فارغ خال من المعنى إذا لم يستند إلى ما يدعمه من الدرس والتحصيل وسبر أغوار الشعر وهضم ميكانيزماته التي يتوقف عليها تحقيقه في الواقع.

ثم هناك الإحساس العميق بالمواضيع التي يطرقها الشاعر ويعيشها معايشة واعية حتى يحس في قرارة نفسه بأنه تأثر بها، ثم من بعد ذلك يقوم بنقل إحساسه وتأثره إلى القارئ بأسلوبه الخاص به وهو الشيء الذي يتجلى بوضوح في الممارسة، بحيث نرى أخيرا في هذا الاسلوب تتلاقى الموهبة والدراسة والممارسة.

في رأيي الشخصي أرى الشعر غواية، وهو ما يمكن أن يقال عن هذا الفن الأدبي الجميل، وهذه الغواية قد تتسبب في مشاكل لصاحبها تظهر في علاقاته مع نفسه بالأحرى، ومع أقربائه وحتى مع الناس.

***

مصطفى معروفي

بقلم: ناعومي كاناكيا

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم

***

هناك مجموعة من الكتب التي ربما سمعتَ عنها من قبل. هذه هي الكتب التي أشاد بها الأساتذة والنقاد، والتي ذُكرت في عدد لا يُحصى من الخطابات والمقالات. وفي المدرسة، غالبًا ما ادّعى أساتذتك أن هذه الكتب من بين أعظم الأعمال الأدبية في العالم. أتحدث هنا عن نصوص مثل رواية موبي ديك لميلفيل، وكبرياء وهوى لجين أوستن، وآنا كارنينا لتولستوي، والإلياذة والأوديسة لهوميروس، والفردوس المفقود لميلتون، والجحيم لدانتي، ودون كيخوته لسيرفانتس، ونحو مئة أدب آخر - معظم الناس سمعوا بهذه الكتب، ومعظمهم لديهم أفكار مسبقة عنها. (يُشار إلى هذه النصوص مجتمعةً باسم "الكتب العظيمة").

إن أمثالي ممن يعشقون الكتب العظيمة، غالبًا ما يساورهم القلق من أن يكون لدى عامة الناس انطباع سلبي عن هذه النصوص الكلاسيكية. نخشى أن يعتقد عامة الناس أن الكتب العظيمة أداة للهيمنة البيضاء.

وهذا صحيح؛ فهذا الاعتقاد موجود بالفعل لدى بعض القراء. لكن عندما أتحدث مع الناس عن الكتب العظيمة، لا يقولون عادةً: "أوه، هذه الكتب عنصرية". بل غالبًا ما يقولون شيئًا من قبيل: "لطالما نويتُ قراءتها".

لماذا لا يفعلون ذلك؟

إذا تعمقتُ في الأمر، أجد أن هذه العناوين تُثير فيهم مشاعر الخجل والنقص. الأشخاص الذين أتحدث معهم، أصدقائي وزملائي، عادةً ما يكونون مثقفين للغاية. إنهم كُتّاب وأساتذة ومثقفون. ليسوا مجرد قراء نهمين، بل هم أيضًا أشخاص ترتبط قيمتهم الذاتية بحبهم للكتب.

لكنهم يخشون الخوض في روائع الأدب.

غالبًا ما يكون هذا الخوف متجذرًا في تجارب سلبية من الجامعة أو بداية مرحلة الشباب. ربما درستَ مقررًا عن هنري جيمس، وشعرتَ بملل شديد من رواية "أجنحة الحمامة". أو ربما حاولتَ قراءة الإلياذة، لكنك لم تستطع استيعاب قائمة الملوك التي لا تنتهي وسفنهم السوداء الطويلة. مع مرور الوقت، ازداد شعورك بالخجل من قلة قراءتك، فأصبح الأمر مؤلمًا، شيئًا لم تعد ترغب في التطرق إليه. والآن تشعر أن الوقت قد فات. القراءة الجادة حكرٌ على دارسي الأدب الإنجليزي، وعلى حاملي شهادات الدكتوراه. إنه مخصص للأشخاص ذوي الشخصية القوية، والمتغطرسين، والمثقفين.

لا أحد يتفهم هذه المشاكل أكثر مني. فأنا ما زلت أشعر بعدم الثقة. أكتب نشرة إخبارية عن روائع الأدب، وكل أسبوعين تقريبًا يُلمّح أحد المعلقين الحاصلين على الدكتوراه إلى أنني قارئة ضعيفة. يقولون إنني لا أفهم الكتاب الذي قرأته، وأن معناه سيكون واضحًا لو كنتُ على دراية بما قاله ف. ر. ليفيس عنه قبل ستين عامًا. أو يقولون إنني لا أقرأ بشكل صحيح، وأن عليّ أن أتقبّل غموض مقطع معين، وأن غموضه الظاهري هو في الواقع جزء أساسي من التأثير الذي قصده مؤلف العمل؛ ليس من المفترض أن تفهمي.

أحيانًا، على الرغم من حدة اللهجة، تُحسّن هذه التعليقات فهمي للنص؛ وفي أحيان أخرى، تُجرح مشاعري.

هذا النوع من التفاعلات لا مفر منه عند قراءة روائع الأدب. أولًا، لقد قضى كثيرون حياتهم في دراسة هذه الكتب، وكتبوا العديد من الدراسات المتخصصة عن كل منها. لذا، أي سؤال قد يتبادر إلى ذهنك حول عمل أدبي معين، من المرجح أنه نوقش مرارًا وتكرارًا. وأنت، كقارئ غير متخصص، غالبًا ما تفتقر إلى الوقت والقدرة على البحث عن تلك المناقشات السابقة، فتشعر في النهاية وكأنك عاجز عن فهم هذا الكتاب الضخم.

ثانيًا، تحمل هذه الكتب دلالات ثقافية عميقة: فإذا فهمت أرسطو، فأنت ذكي. وإذا أحببت بروست، فأنت ذو ذوق رفيع. وإذا انسجمتَ مع تي. إس. إليوت، فأنت حساس. والناس يتوقون حقًا للشعور بأنهم أذكياء، وذوو ذوق رفيع، وحساسون. لا يقتصر الأمر على ارتباط صورة الذات لدى الكثيرين بالكتب التي يحبونها، بل غالبًا ما يرتبط رأس مالهم الثقافي والاجتماعي بكونهم قراءً متميزين ؛ فهناك الكثيرون، وأنا منهم، ممن حوّلوا "كونهم قراءً متميزين" إلى نفوذ كبير على الإنترنت. وهذا يعني أن هناك أهمية بالغة لمسألة من يستحق الفضل في الفهم الحقيقي للكتب العظيمة.

لقد كانت تلك المخاطر هي السبب وراء شعوري بالاستياء تجاه هذه الكتب. في فترة مراهقتي في واشنطن العاصمة، كنتُ أعشق روايات الخيال العلمي والفانتازيا. كنتُ أرى أن أعمال إسحاق أسيموف وروبرت هاينلاين هي ذروة الأدب، وكنتُ أطمح بشدة لكتابة روايات على هذا النهج. لكنني كنتُ أعلم أن هذه الكتب لا مكان لها في مادة اللغة الإنجليزية.

التحقتُ بمدرسة كاثوليكية ذات طابع ديني رفيع وصرامة شديدة. كان شعارنا اللاتيني " (السلام من خلال الحكمة). كنا نُلقَّن باستمرار أن هدفنا هو أن نصبح مهذبات وأن نكتسب الفضائل المسيحية. كان علينا دراسة اللاتينية لخمس سنوات، حيث كنا نقرأ أعمال شيشرون، وكاتولوس، وأوفيد، وفيرجيل بلغتها الأصلية. وفي حصص اللغة الإنجليزية، كنا نقرأ "كبرياء وهوى" وأعمال "تي. إس. إليوت".

لم أُحقق نتائج جيدة في تلك الحصص. كنتُ أشعر بالملل من هذه الكتب. لم يكن هناك أي رابط بينها وبين روايات الخيال العلمي التي كنتُ أعشقها حقًا. في إحدى السنوات، بينما كنتُ في إجازة مع عائلتي في الهند، عثرت أمي على نسخة من رواية "ذهب مع الريح" في مكتبة لبيع الكتب المستعملة في جايبور، وأخبرتني أنها رواية جيدة جدًا؛ فقد استمتعت بها في مراهقتها أثناء نشأتها في الهند. التهمتُ الرواية، وقرأتها في غضون أيام قليلة. كنتُ فخورة بنفسي جدًا: ها أنا ذا أقرأ رواية حائزة على جائزة بوليتزر، عملًا روائيًا تاريخيًا واقعيًا. عدتُ بعد الصيف متحمسة للحديث الى أستاذ اللغة الإنجليزية عن هذه الرواية الرائعة التي قرأتها، فقال: "أوه، أعتقد أن هذا مثال رائع على الأدب الشعبي".

بعد ذلك، قلتُ لنفسي: "حسنًا، يبدو أنه لا سبيل لإرضاء هؤلاء". هذا العالم مليء بالمعايير التي تحدد الكتب القيّمة من غيرها، ولا سبيل لفهم هذه المعايير، فلماذا القلق إذًا؟

وبالمثل، في الجامعة، حضرتُ بعض دروس اللغة الإنجليزية، لكنها جميعًا اعتمدت على أسلوب غريب في القراءة، وهو القراءة المتأنية، حيث تُضغط على النص وتتظاهر بوجود معنى ما، لم يكن موجودًا في نظري. لم أستطع فعل ذلك. في كل مرة أكتب فيها بحثًا، كان الأستاذ يقول: "لماذا لا تجربين القراءة المتأنية؟" لكن هذا بالضبط ما كنتُ أظن أنني أفعله.

لذا لم أُكلف نفسي عناء ذلك. ومن ثم تخصصتُ في الاقتصاد بدلًا من ذلك.

في هذه الأثناء، كنتُ أكتب قصصي الخيالية العلمية. كنتُ أحلم بأن أصبح كاتبةً مرموقة، وأن يقول الجميع: "نعومي تفعل شيئًا مميزًا حقًا. إنها تُجسّد العظمة". إنها قصة طويلة، ولكن عندما بدأتُ أخيرًا بقراءة روائع الأدب، كنتُ قد تخرجتُ من الجامعة، وقرأتُ هذه الكتب سرًا، دون إخبار أحد. لقد استبطنتُ شعورًا بالخجل، وشعرتُ، بشكلٍ غريزي، وكأنني لستُ الشخص المناسب. كانت هذه الكتب مخصصة لأشخاص آخرين - من نوعية دارسي الأدب الإنجليزي - ولو بدأتُ الحديث عن الكلاسيكيات، لكنتُ سأُعرّض نفسي للسخرية.

عندما كنتُ أقرأ بمفردي، لم تكن هناك حاجة للقراءة المتأنية. لا حاجة لكتابة الأبحاث. لا حاجة لإثبات نفسي لأحد. بدلًا من ذلك، كان بإمكاني أن أُمعن النظر في ردود أفعالي. كان بإمكاني أن أسأل نفسي: "هل أستمتع بهذا حقًا؟" بعض الكتب، لم أستمتع بها في قراءتي الأولى. شعرتُ بالملل الشديد من رواية موبي ديك عندما قرأتها لأول مرة في الخامسة والعشرين من عمري. لو أُجبرتُ على كتابة بحثٍ حول هذا الموضوع، لكنتُ رسبتُ في المهمة. لكن لحسن الحظ، لم يكن ذلك ضروريًا. من الكتب الأخرى التي أحببتها: عشقتُ رواية "آنا كارنينا" عشقًا جمًا. منذ الصفحة الأولى، انغمستُ تمامًا في عالم ليفين وآنا وفرونسكي. وشعرتُ بصدق صراعهم، داخل عالمهم، من أجل عيش حياةٍ طيبة، حياةٍ ذات معنى - صراعهم بين السعي وراء مغامرةٍ رومانسية أو حياةٍ رتيبةٍ برجوازية - وأنا في الخامسة والعشرين من عمري. لقد خاطبتني الرواية مباشرةً بطريقةٍ لم أقرأ مثلها من قبل.

مع مرور الوقت، علّمتُ نفسي كيف أقرأ روائع الأدب. لم أكن بحاجةٍ إلى أساتذة. لم أكن بحاجةٍ إلى الكثير من التوجيه الخارجي. قرأتُ هذه الكتب كما أقرأ أي شيءٍ آخر: انغمستُ في عالم النص، وعشتُ التجربة بكل تفاصيلها. لا أبحاث. لا نقاشات. لا داعي لإجبار نفسي على قراءة كتابٍ لا أرغب فيه، فإذا لم يُناسبني، أتركه. أحيانًا أعود إليه بعد خمس أو عشر سنوات، وأحيانًا لا. أفهم بعض الأمور جيدًا، وأخرى بشكل سيء، وبعضها لا أفهمه إطلاقًا. وهذا أيضًا لا بأس به.

هذه الطريقة في القراءة، التي يُطلق عليها الأساتذة "القراءة العامة"، تختلف تمامًا عن الطريقة المُعتادة لتدريس الأدب الكلاسيكي. وأرى أن القراءة العامة تُقدم مزايا عديدة للشخص العادي، مقارنةً بالقراءة الأكاديمية. في كتاباتي، أُشيد عمومًا بالقراءة العامة، التي أعتقد أنها طريقة غير مُقدّرة حق قدرها للتفاعل مع الأدب الكلاسيكي.

ولا يعني هذا أن القراءة الأكاديمية لا قيمة لها. لكن القراءة الأكاديمية مُخصصة للمُختصين، أليس كذلك؟ إذا كنت أستاذًا للأدب الإنجليزي أو حاصلًا على درجة الدكتوراه في العلوم الإنسانية، فلديك طريقة مُتخصصة في القراءة، تمامًا كما أن سائق سيارة السباق لديه طريقة مُتخصصة في القيادة. لكن حتى سائق سيارة السباق لا يقود بسرعة 150 ميلاً في الساعة عندما يوصل طفله إلى المدرسة. وبالمثل، بالنسبة لمعظم الناس، وفي معظم المواقف، تكون القراءة العامة أكثر فائدة من القراءة المتعمقة كوسيلة للتفاعل مع النصوص.

مع ذلك، لم تكن القراءة العامة هي الطريقة التي تعامل بها الناس، تاريخياً، مع روائع الأدب الكلاسيكي.

في الماضي، كان تعلم الأدب الكلاسيكي وسيلة للترقي في الخدمة المدنية والمهن الأكاديمية. لقرون، كان الالتحاق بجامعات هارفارد أو أكسفورد أو كامبريدج يتطلب اجتياز اختبار إتقان اللغتين اللاتينية واليونانية. كان من الضروري معرفة هاتين اللغتين الكلاسيكيتين قبل حتى الالتحاق بالجامعة.

كذلك كان الوضع مماثلاً في الصين؛ إذ كان امتحان الخدمة المدنية في الأساس اختباراً لقدرتك على تفسير النصوص الكونفوشيوسية الكلاسيكية.

أما في الهند، كانت المعرفة الكلاسيكية حكراً على طبقة البراهمة. فإذا لم تكن من البراهمة، لم يكن هناك سبيل لتعلم السنسكريتية، ولا حتى للوصول إلى المعرفة القديمة.

لحسن الحظ، أصبح هذا الوضع من الماضي. لم يعد من الضروري معرفة الكتب العظيمة للالتحاق بجامعة هارفارد، أو إدارة شركة، أو أن تصبح أستاذاً جامعياً، أو الكتابة في مجلات مرموقة، أو القيام بأي شيء آخر ترغب فيه. الأشخاص الوحيدون الذين يحتاجون فعلاً إلى معرفة بعض أجزاء الكتب العظيمة هم طلاب العلوم الإنسانية، وحاملو شهادات الدكتوراه في العلوم الإنسانية، وأساتذة العلوم الإنسانية. أما بالنسبة للآخرين، فمعرفة الكتب العظيمة اختيارية؛ كما أنها لا تحمل بالضرورة مكانة اجتماعية مرموقة. قلّما تجد مجالس تتعرض فيها للسخرية لعدم معرفتك بأفلاطون.

ومع ذلك، يبقى الشعور بالخجل قائماً. إنه شعورٌ بالخزي المتأصل، أشبه بالعار، وهو، من وجهة نظري، أكبر عائقٍ أمام تفاعل الناس بجدية مع هذه الكتب في أيامنا هذه.

ويزداد هذا الخزي سوءًا لأننا نميل غالبًا إلى تناول هذه الكتب في قاعات الدراسة. فبيئة الجامعة تُرسّخ التسلسل الهرمي. في القمة، نجد الأساتذة الذين درسوا هذه الكتب طوال حياتهم ولهم الكلمة الفصل. وفي القاع، نجد الطلاب، الذين هم كالعجين الخام، يُراد توجيههم وتشكيلهم.

أعلم أن النقاشات الصفية على غرار الندوات تهدف إلى قلب هذا التسلسل الهرمي، لكنني لم أختبره بهذه الطريقة قط. لطالما شعرتُ، في قاعة الدراسة، وكأنني أُستَغَلّ فحسب. صحيح أن لكل شخص الحق في إبداء رأيه، لكنك تعلم أن الأستاذ هو الخبير الحقيقي، والحكم المطلق في المعنى.

إنه تناقضٌ نراه حتى في محاورات أفلاطون. فهناك حوارٌ في مينون، حيث يُصرّ سقراط على أن كل المعرفة ضمنية. الجميع يعلم كل شيء لأن المعرفة لا تنبع من التجربة المباشرة، بل من فهمنا البديهي. فالمعرفة ببساطة هي تذكر ما نعرفه مسبقًا. ولتوضيح ذلك، يستدعي سقراط غلامًا لم يتلقَّ تعليمًا، ويوجهه عبر أسلوب سقراط في طرح الأسئلة، حتى يستنتج منه نظرية فيثاغورس. لكن... لم يُذكر اسم العبد حتى. إذا كان الجميع يعلم كل شيء حقًا، فلماذا يُفضَّل سقراط على العبد؟

لماذا نحتاج إلى مُعلِّم أصلًا؟

وبالمثل، انتشرت هذه الأيام كتبٌ تُروِّج لفكرة أن من الضروري أن يطّلع عامة الناس على روائع الأدب الكلاسيكي. ويندرج عملي ضمن هذا السياق. لكن هذه الكتب التي تُدافع عن العلوم الإنسانية عادةً ما يكتبها أساتذة جامعيون، وتتناول صراحةً تعليم الفنون الحرة. على سبيل المثال، كتاب "إنقاذ سقراط" لروزفلت مونتاس هو دفاع عن المنهج الأساسي لجامعة كولومبيا. حيث يختتم مونتاس كتابه بالقول:

إنّ الحجة الأساسية لهذا الكتاب هي أن يكون التعليم الليبرالي هو التعليم المشترك للجميع، لا بديلاً عن التعليم العملي، بل شرطاً أساسياً له. مع أنني أُحبّذ تخصصات العلوم الإنسانية، وكنتُ أحد طلابها، إلا أنني لا أدعو إلى زيادة عدد الطلاب الذين يتخصصون في العلوم الإنسانية، بل إلى أن يكون التعليم الليبرالي أساساً لكل تخصص. علينا - وأعني بذلك أعضاء هيئة التدريس والإداريين في الجامعات - أن نُزيل التكاليف البديلة للتعليم الليبرالي من خلال دمجه في كل برنامج دراسي جامعي.

في جوهره، يُعدّ كتاب مونتاس وثيقة سياسية، إذ يدعو الجامعات الأخرى إلى زيادة مقررات الأدب الكلاسيكي.

لكن هذا النهج يتعامل مع "قراءة الكتب العظيمة" كمرادف لـ "دراستها في الجامعة". وبهذه الرسالة، أنت تُنفّر ملايين الأشخاص المهتمين بالأدب، والذين يخشون أن يكون الوقت قد فات، وأنّ الأدب الكلاسيكي سيبقى بعيد المنال عنهم إلى الأبد، لأنهم لم يحصلوا على التعليم المناسب.

نعم، هناك دورات تعليمية مستمرة يُمكن الالتحاق بها، ومحاضرات عبر الإنترنت يُمكن الاستماع إليها. لكن الرسالة التي تنقلها الكثير من الكتابات حول هذا الموضوع هي أن التعلم الذاتي أقل شأناً بكثير، وأقل أهمية بكثير. وأنك إذا لم تتعلم على يد أستاذ، فقد فاتتك فرصة عظيمة.

أعتقد أن الكثيرين يشعرون بهذا تجاه الكتب العظيمة: لماذا أقرأها إن لم أستطع امتلاكها؟ لماذا أقرأها إن كان ما أتعلمه سيُعتبر دائمًا أدنى شأنًا، ليس فقط في نظر الآخرين، بل في نظري أيضًا؟

أرى أن معظم الناس لديهم فضولٌ ما تجاه الكتب العظيمة، وقد تساءلوا أحيانًا عما إذا كانت هذه النصوص الكلاسيكية تستحق القراءة حقًا.

وأفترض أنك قد اطلعت خلال حياتك على الكثير من الخطابات الرنانة حول قوة القراءة وقوة العلوم الإنسانية. أنا متأكدة أنك تعلم أن القراءة مفيدة.

يدرك معظم الناس أن القراءة مفيدة، وأن قراءة الكتب الكلاسيكية أفضل. لكننا ندرك أيضًا أن الكتب العظيمة ليست الأشياء الجيدة الوحيدة. شريكتي حاصلة على شهادة دكتوراه في الطب ودكتوراه في الفلسفة، وهي أستاذة في علم المناعة، وتدير مختبرًا مخصصًا لإيجاد علاج لفيروس نقص المناعة البشرية وأحب أن أمزح قائلة إننا نحمل شهادتي دكتوراه معًا. وهي لا تقرأ كثيرًا للمتعة. من الصعب الاعتراض على رأيها بأن إيجاد علاج لفيروس نقص المناعة البشرية أفضل من قراءة رواية آنا كارنينا. فمعظمنا لديه الكثير من الأمور التي يمكنه القيام بها، وليس من غير المعقول أن يعتقد المرء أن قراءة روائع الأدب ليست أفضل استثمار لوقته.

نعم، قراءة الأدب الكلاسيكي أمر يستحق الاهتمام. لكن ممارسة الرياضة، والتواصل الاجتماعي، والتأمل، والسفر، وتكوين الصداقات، والبحث عن الحب ، كلها أمور جيدة أيضاً. فأين تقع قراءة روائع الأدب الكلاسيي في هذا السياق؟ وما مدى جودتها؟

لهذا السبب أشدد كثيراً على أهمية القراءة لغير المتخصصين. لأن معظم الناس يعتقدون أن قراءة روائع الأدب أصعب بكثير مما هي عليه في الواقع. وهذه الصعوبة المتصورة هي التي تمنع الناس من القيام بها ؛ وليس بسبب أية شكوك حول قيمة هذا العمل.

عندما يسألني الناس عما إذا كان عليهم قراءة هذه الكتب، لديّ إجابتان. الأولى هي: "لماذا لا ترغب في قراءة كل هذه الكتب القديمة الشهيرة التي سمعت عنها طوال حياتك؟"

الإجابة الثانية هي أن الكتب العظيمة تشترك في صفة واحدة: النزاهة. فهي تتسم بالصدق المطلق في تناولها لأي موضوع. وهذا يعني أنه حتى عندما تُرجّح كفة أحد الرأيين، فإنها عادةً ما تُقدّم حججًا مقنعة للرأي الآخر.

***

* مقتبس من كتاب "ما الذي يُميّز الكتب العظيمة؟ لماذا عليك قراءة الأدب الكلاسيكي (حتى وإن كان سيُدمّرك)" لناعومي كاناكيا.

ناعومي كاناكيا/ Naomi Kanakia: ناعومي كاناكيا روائية وكاتبة قصة ونقد أدبي. تعيش في سان فرانسيسكو .

(لا تقل أبدا عن أي شيء لقد أضعته بل قل لقد أعيد. هل مات طفلك؟ لقد أعيد)

أبقتيتوس، المختصر

 ***

تبدو لوحة إيليا ريبين اختبارا عسيرا لما ورد من نص للفيلسوف الأغريقي. يدعونا أبقتيتوس إلى تقبل الفقد بوصفه استردادا لوديعة لم نكن نملكها قط، لكن القيصر الروسي المحتضن ولي عهده لا يواجه موتا فرضه القدر بل موتا صنعته يداه. لا يملك هذا الأب رفاهية القول إن ابنه أعيد، لأن الذي أعاده إلى الموت هو غضبه. هكذا تتحول اللوحة إلى تأمل بصري في الندم بوصفه عقوبة أشد من الموت. الزمن يمنح فرصة للاعتذار عن كلمة لكنه لا يمنح أبدا فرصة لإحياء من قُتل.

لماذا رسم ريبين الندم لا القتل؟ هذا السؤال ربما أحد مفتايح فهم اللوحة.ربما ان لحظة الضربة القاتلة ما كان يشد خيال اي رسام آخر، لكن ريبين تجاوز ذلك ورسم ما يليها مباشرة، تلك اللحظات التي ينهار فيها القاتل الأب تحت ثقل ما اقترفته يده. الضربة حدث عابر أما الندم فمصير، ولهذا رسم ريبين المصير لا الحدث. إنه لا يرسم العنف بل اكتشاف العنف، لا يرسم الجريمة بل اللحظة التي يفهم فيها القاتل أنه صار قاتلا.2963 ahmad

تتجمع عناصر اللوحة حول الجسدين المتعانقين في قلب المشهد... بينما تنسحب الغرفة إلى ظلمة تكاد تبتلع كل شيء. هذا الفراغ ليس مجرد خلفية بل فاعل بصري يعلن أن العالم كله قد اختفى، ولم يبق إلا الأب وابنه داخل دائرة مغلقة من الألم. يحتضن القيصر ابنه لا كأب فقط بل كغريق يتشبث بآخر أنفاسه. أصابعه المرتعشة تضغط على الجرح المفتوح في محاولة يائسة لإيقاف نزيف يعرف أنه لن يتوقف وعيناه المتسعتان لا تنظران إلى الابن وحده بل إلى الجريمة و ما بعدها. هنا تتكثف اللوحة في صورة واحدة... اليد التي أمسكت بالصولجان قبل لحظات هي اليد نفسها التي تحاول الآن وقف النزيف. اليد التي تضرب هي اليد التي تريد عاجزة ان تشفي...هذا هو جوهر المأساة. لو أراد الغزالي أن يرسم قوله ...وربما قاد الغضب إلى القتل والآثام التي لا يتلافاها الندم... لما وجد صورة أبلغ من هذه الأصابع العاجزة عن إعادة قطرة دم واحدة.

في مقابل ذعر القيصر وجه الابن ساكن سكونا مؤلما... غادرته العواطف الإنسانية ولم يبق سوى استسلام هادئ ودمعة وحيدة كأنها آخر ما تبقى من الحياة. يتناثر الدم على الثوب الوردي الفاخر فيتحول اللون من زينة ملكية إلى شهادة على ما جرى. والصولجان الملقى على السجادة ليس مجرد أداة قتل سقطت من يد بل رمز فقد هيبته وصار شاهدا على عجزها. أدوات الحكم تستطيع في لحظة انفلات أن تدمر الحاكم نفسه.

وجد ريبين في مسرحية أليكسي تولستوي «موت إيفان الرهيب» تصويرا مأساويا للقيصر لا بوصفه حاكما فحسب بل أبا يكتشف متأخرا أن السلطة هزمت الأبوة. ورأى في هذا المشهد مرآة لروسيا أواخر القرن التاسع عشر التي كانت تعيش صدمة اغتيال القيصر ألكسندر الثاني وتصاعد العنف السياسي. فأعاد بناء الحادثة كسؤال أخلاقي موجه إلى أهل زمانه.

 ماذا تفعل السلطة حين تنقلب على نفسها؟ وكيف يبدو الندم حين يكون القاتل هو الأب والسلاح هو أداة الحكم؟ ولهذا تجاوزت اللوحة إطارها التاريخي لتصبح بيانا ضد الاستبداد وتأملا في هشاشة الإنسان وتذكيرا بأن السلطة العاجزة عن ضبط غضبها تبدأ بتدمير أقرب الناس إليها.

يصطدم هذا المشهد بصوت أبقتيتوس الذي نقله لنا تلميذه آريانوس في كتاب المختصر. إن الطفل الذي يموت أعيد إلى الكون. لكن أصابع القيصر لا تعرف معنى الإعادة... إنها تضغط على الجرح كما لو أن الإرادة تستطيع هزيمة الزمن. هنا ينتهي سلطان القيصر ويبدأ سلطان الحقيقة. بعض الأفعال لا يبطلها الندم، وبعض الضربات تستمر أطول من حياة أصحابها. لذلك لم يرسم ريبين جريمة قتل بل رسم اللحظة التي اكتشف فيها القاتل أن الزمن لا يعود.

فهل يستطيع الندم مهما بلغ صدقه أن يعيد قطرة دم واحدة؟ وإذا كان العنف يصدر في لحظة انفلات فهل من عودة حقيقية من تلك اللحظة أم أن الزمن يتوقف إلى الأبد عند ارتطام الصولجان بالرأس؟ وكيف نواجه حكمة تقول سلم، بينما الجسد المحتضر بين ذراعي قاتله يقول إن بعض ما ينكسر لا يلتئم...

***

د احمد عابر

 

احتفت منصة اليونسكو في بيت الحكمة مؤخرا بالروائية بشرى الهلالي.. روائية وشاعرة وصحفية واكاديمية. وعلى مدى اكثر من ساعة كانت الشاعرة ميادة مبارك تراقب بحس استقصائي يقظ كل ما تقوله.. فكانت جلسة حوارية بامتياز، اضافت لها المداخلات المعمقة والاسئلة الجانبية.. نكهة خاصة قلما نجدها في هكذا استضافات على منصات المعرفة في بغداد والمحافظات.

بمعرفتي الخاصة بشرى الهلالي تعدت حدود الظاهرة، فبانت حالة.. الظاهرة تظهر بقوة واحياناً تختفي. لكن بشرى لم تختف من المشهد الروائي ولم تتظاهر من خلاله، بل القت بمرساها على سواحل العطش الروائي، واستمرت بإرسال الإشارات الذكية، بتؤدة وفعاليات ذكية.. اشارات من الضوء واللون والحركة.

والحركة عند بشرى حياة.. وتوازن داخلي شجاع.. وصراحة تؤديها حد النخاع.

لهذا كان لحياتها اثر ومعنى .. معنى ان تكون مواطنة تنصهر بحب الوطن.. وصحفية وشاعرة وأديبة تكتب على وقع الألم والمحن.. والمعنى الآخر ان تكون روائية اولا...

لان الرواية، تمتلك مساحة كبيرة وعمق في المعنى ولذة للتص بتدفق كبير، ومساحة اكبر للتعبير عن خلجات الانسان الكسير.

ومن هنا تبدأ الأفكار والكلمات، ترسم خطوط الزمن، وفلسفة الحياة، التي تترسخ في ذاكرة القاريء.. وكانت قد اشارت إلى بعض من افكارها.. وهو انعكاس لخزينها المعرفي في تموجاته الضوئية واللغوية والفكرية، التي صقلتها بالقراءات العربية والاجنبية، وما تلتقطه يوميا من أشياء الحياة.. وهي معين لا ينضب ابداً.

حين تكتب...

كانت روايتها القريبة من نفسها وشخصيتها الغرائبية في تنقلاتها، وفي نصوصها الفلسفية هي رواية (المواطنة 247) ومنها التقطت بعض السطور المدهشة التي تحمل اكثر من معنى.. كما هي الحالة في " توقيت آخر للحياة" …

تقتنص الأفكار بعذوبة مثلما ما تكتب نصوصها بعفوية وبمرونة مدهشة.. والقارئ كما هو المستمع هدفها الاول والاخير.. لكنها لا تلقي بشباكها عنوة، او جزافا على كل من يقرأ لها ويتابعها.. انما تجعل من قرائها سعداء بحلاوة تناغم واستئذان الحروف على وقع جمال روحها، والنص عندها يتماهى مع الروح.. فهو لايموت ينطلق من ثنايا تجارب إنسانية مؤلمة ومتلاحقة تستعصي البوح.

لا شيء اجمل من نص نافع، يكتبه الواقع قبل الدافع، يتحرك بوعي شاسع.. فيجعلك اسير القراءات.. محلقاً في أجوائه، مثل طائر مهاجر لكل القارات، ولا اجمل من روائية تجعلك صديقا.. وانت ربما لم تلتق بها مذ عقود من السنوات.

***

د. كاظم المقدادي

الأختام الأسطوانية اكتشاف ابناء الحضارات العراقية القديمة وهي حكاية تتدحرج على الطين تمثل هوية شخصية تروى عبر التاريخ حكايات وروايات عن علاقة الإنسان ببيئته ومكانته في المجتمع وحتى عقائده الدينية. هذه الحكايات وصلتنا وعبر الدهور لتروي لنا وللأجيال القادمة حكايات خالدة من شعوب العراق القديم. هنا يتشابه توجه الأديب الفنان العراقي امين عبد في قصصه القصيرة تلك الختم الأسطواني الذي يتدحرج على ارض الرافدين ليروي لنا حكايات هذا الإنسان المعذب الذي يتلون ويتكرر كالأواني المستطرقة تأخذ شكل الإناء مع كل سلطة حاكمة في العراق. لأتقيه كي أتحدث معه محطات في حياته ومع كتابه الجميل حول حكاية الإنسان العراقي كنتيجة لتجربته الحياتية الغنية. لغة الحكايات تعتمد على اللهجة العراقية الدارجة وتجد فيها كلمات لا يفهمها الا أبناء الرافدين امثال:

ذيچ، لييه، نتلاگه، گصه، نتلا گه،، ماكو، شگلك، گول، هاي وين وذيچ مين، گصه، ماكو، شبيكم، كون قوه گبه، الجدريه، شيحچيني، وگفه، أنخبصن، چا شو، چا مو، .. ..

انها لمتعة معرفية قراءة سيمفونية الحكايات التي ترويها لنا في هذا العزف المنفرد وسفرة خلال اللهجة العراقية البديعة.

* حدثنا عن تلك المهمة الصعبة في جمع كل تلك الحكايات؟

- أشكرك، بداية على هذا التوصيف الجميل، في استخدام مفهوم الأختام والاسطوانات البابلية والسومرية و دوران الادب العراقي، اذ فعلا لا زالت الكتب القصصية الاولية، لا زالت ملهمتنا في الكتابة، نعود اليها ونستلهم منها، سواءا (الف ليلة.. وليلة) او (كليلة ودمنه) او باقي كتب السرد القديمة.. وشخصيا اهتممت بأدب القصة القصيرة من وقت مبكر واذكر مثلا أولى القصص الإنكليزية التي كانت ضمن حصة مادة اللغة الإنكليزية، ثم تطور هذا الاهتمام الى شراء كتب القصة القصيرة وأشهر من برع في كتابتها، مثل الروسي (تشيخوف) او العربي (يوسف ادريس) او العراقيين مثل (غائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي) وللأسف تركت في بغداد مكتبة عامرة بالنوادر، اغلبها اصطدتها من سوق السراي، لكتاب نادرين ولكتب محدودة، ولكن امي حرقتها في تنورها خوفا من مداهمات البعث آنذاك!! ..

الان وبعد ان كتبت العشرات من القصص، الح أصدقائي على ضرورة طبعها في كتاب، وهكذا استجبت لرغبتهم، ولو لم تخل المهمة من تعقيدات وعراقيل.. المهم خرجت المجموعة تحت عنوان (عزف منفرد)، وبمقدمة للاخ د. حمودي جاسم، وبغلاف لفناننا الكبير (فيصل لعيبي).. وتولت طبعها ونشرها (دار الفينيق الأردنية).

الربط المكاني وألزماني مع مجريات الأمور في المجتمع العراقي سفرة بين الأفكار والإنسان خلال أكثر من قرن من الزمن منذ تأسيس المملكة العراقية تأخذنا فيه في رحلة زمنية ومكانية في حكاياتك. لك تجربة طويلة كمهاجر هل كان لذلك اي انعكاس على الحكايات؟ التراث العراقي الغني بالحكايات مصدر غني للكاتب في الإنتاج الأدبي الإبداعي حدثنا عن تطويعك للتراث العراقي في الحكايات؟

اما عن تنوع الشخصيات في حكاياتي وقصصي، فذلك لأني استلهم أحداثها من الواقع الذي اعيشه وعشته في العراق وفي الغربة، والأبطال هم الذين يفصحون عن ذواتهم سواء كانوا اشراف ونبلاء (حسب التوصيف الارسطي) او كانوا حقراء ومنبوذين.. اما مهمتي فهي رصد هذه الشخوص ووضعها في ظرفها الذي نشأت فيه، بأسلوب سردي، خال من المبالغات، وأشارك القارئ، في تقييمها والحكم عليها.

 الربط بين الماضي والحاضر كعملية إعادة بناء الإنسان وتغير الانتماء الفكري للشخصيات يذكرني بشخصيات نراه في مسرح الحياة ولا ريب ان المسرح انعكاس بوجه آخر لتلك الشخصيات وفي روايتك منجد العديد من الشخصيات وبعضها متعرف عليهم من سلوكهم وهذا ربما يزيد وعي الإنسان كعملية تطورية في السلوك البشري حدثنا عن شخصياتك في حكاياتك؟

يظل (أنطون تشيخوف) رائد القصة القصيرة، وأفضل من كتبها، في العالم للقرنين الماضيين، وذلك لتركيزه على الشخصية والحدث بأسلوب خال من التزويق اللفظي واللغوي.. لهذا لا يمكن انكار دوره على اكثر كتاب القصة القصيرة، ومحاولاتهم تقليده والاقتراب منه.. واستكمالا لتأثيرات تشيخوف، تاثرت بالكولومبي (غابرييل غارسيا ماركيز) الذي استطاع وضمن ما سمي ب (الواقعية السحرية) استطاع ان يستفاد ويوظف الموروث الشعبي اللاتيني، استفدت منه في فهم الكتابة على انها مثل الحكي، بل هي الحكي نفسه.. وهو القائل (حياتنا، هي ما تبقى في الذاكرة، وما نستطيع ان نحكي.

 الحكايات كصور سينمائية يخرجها العديد من المخرجين كل من زاوية مختلفة تقدم الحادثة دون اي تعليق بل يترك الفضاء لمخيلة القارئ كي يرى استمرار الحكاية وبذلك يقحم الكاتب القارئ في الحكاية ليعيش مع الشخصيات نفسها ولا ريب ان القارئ نفسه ربما تعرض إلى مواقف مشابه او التقي بتلك الشخصيات في الحياة اليومية لانهم فعلا من ابناء المجتمع يحملون امالا وسلوكيات الإنسان العراقي المعدم والذي يمثل بيدق متحرك دون اي إرادة تحت سلطة قمعية جاهلة . الإنسان العراقي المقهور مركز الحكايات والنظرة النمطية السائدة في المجتمع الذي لا يقدر ولا يفهم العمل الإبداعي بل يعتبره مجرد احد رموز "درب الكاولية". رغم اننا نعيش عالم المعلوماتية وفي كل بيت في العراق على الأقل تلفون خلوي يتواصل به مع العالم ويرى ما لم يراه البشر خلال ملاين السنين لكنه عاجز عن تغير تلك النظرة النمطية ولا يزال يفكر بنفس مستوى ذلك الإنسان البدوي. حدثنا عن دور الأدب في تغير تلك النظرة؟

ان للأدب دور هام ورئيسي، في خلق ثقافة مجتمعية عصرية، تساهم في حل مشكلات العصر وبناء انسان حديث، وهذا يتاتي من فسح المجال للآداب والفنون ان تأخذ دورها في التنوير العقلاني للمجتمع، والابتعاد عن التعامل مع الآداب والفنون على انها سلع كماليه قابلة للبيع والمقايضة.. ان الاداب والفنون بكافة أشكالها هي روح العصر، وهي في ذات الوقت، جوهرة تاج المجتمع.

* اشعر وانا اقر بعض الحكايات انها محطات لسرد السيرة الذاتية للكاتب هل اخطي التصور؟ -

 هل في القصص والحكايات، بعض من سيرة الكاتب؟.. بالتأكيد نعم.. فكما أسلفت، كل القصص والحكايات هي واقعية بنسبة كبيرة، وان تدخل الكاتب في تغيير بعض مجرياتها تبعا لضرورات تتعلق بالسرد، وترتيب الأحداث. وكما يلاحظ القاريء، فاني اعتمدت، ومنذ البدايات على الاحتفاظ بصوت الشخصية الأصلي، بلغته وملامحه.. لهذا خرجت الحوارات اغلبها باللغة العامية العراقية او العربية، تبعا لطبيعة المتكلم، وتفسير ذلك اني لا استطيع ان أتصور ان سائق تكسي، مثلا يقول للراكب المركبة:

- لا تتحمل اكثر من أربعة أشخاص

* تمنياتنا لك بالصحة والعافية ومزيدا من الإبداع في جميع المجالات.

***

اجرى اللقاء: د. توفيق رفيق آلتونچي - الأندلس

2026

.............................

الكاتب في سطور

 أمين عبد الله - ولد في مدينة (حديثة) غرب العراق وأكمل دراسته في بغداد. تعود أصوله لمدينة العمارة (ميسان – (حين انهى دراسته في أكاديمية الفنون الجميلة انظم لفرقة المسرح الفني الحديث عام 1976. - سافر إلى فرنسا لدراسة السينما عمل على أطروحة البنية الروائية في السينما العربية). - انتقل للمغرب (1980) حيث عمل في المعهد العالي للمسرح. – حيث عمل في مسرح محمد الخامس وقدم فيه من تأليفه وإخراجه مسرحيات عدة. تعاون مع مؤسسة إنتاج البرامج المشتركة لدول الخليج وكتب لهم سيناريوهات عدة أنتجتها المؤسسة. - كتب وأخرج مسرحيات عدة، منها (سفر.. سفر) و (ألف ليلة.. ويوم) و (طالب ضيف الله) و يا زمان الفرج). - عمل في الصحافة وله الكثير من القصص المنشورة في الصحف والمجلات. - يقيم حالياً في اسبانيا بمقاطعة الأندلس.

* لوحة غلاف الكتاب من إبداعات أ لفنان الكبير فيصل لعيبي، عدد الصفحات ١٤٤ من منشورات دار الفينيق للنشر والتوزيع، عمان، الأردن الطبعة الاولى، ٢٠٢٥

عند قراءتي للروايات، أكاد أخفي موقفي من الراوي أو المؤلف، لأنّ النقد بطبيعته قد يُربك بعض الكتّاب، بينما يدفع آخرين إلى مزيد من النضج والإبداع. لذلك أحاول أن أترك النص يقودني إليه، لا أن أقوده إلى أحكامي المسبقة. غير أنّ رواية "في الهُنا" للروائي الكويتي طالب الرفاعي فرضت عليّ أن أتوقف طويلًا أمامها؛ لا بوصفها حكاية تُقرأ، بل تجربة تُعاش.

منذ الصفحات الأولى، يتجلى وعي روائي متمكن، يعرف كيف يسيطر على إيقاع السرد، وكيف يمنح اللغة مرونتها دون أن يثقلها بالاستعراض. بدت الرواية كفرس عربية أصيلة، ينساب عدْوها بثقة، فلا تتعثر في تفاصيلها، ولا تفقد وجهتها مهما تشعبت المسارات. إنها كتابة تُشعرك بأنّ كلّ جملة وُضعت في مكانها بعد خبرة طويلة بميزان الكلمة وإيقاعها.

وخلال القراءة، وجدت نفسي أتوقف أكثر من مرة، لا لأنّ النص غامض، بل لأنّ كثافة مشاهده وتعدد صوره يدفعان القارئ إلى العودة، وكأنّ الرواية تكافئ القراءة الثانية أكثر مما تمنح القراءة الأولى. كانت بعض المقاطع تستدعي التأمل، وكانت بعض الشخصيات تفتح أبوابًا جديدة للفهم، حتى شعرت أنني أعيد ترتيب قراءتي كلما تقدمت في الأحداث. وهذا، في تقديري، من علامات الرواية التي لا تكتفي بأن تُروى، بل تدعو قارئها إلى المشاركة في بنائها.

ما لفتني هو قدرة طالب الرفاعي على تقمّص شخصياته، ولا سيّما حين يتكئ على ضمير المتكلم. لا تبدو الأصوات متشابهة، بل لكلّ شخصية نبضها الداخلي، ولغتها الخاصة، وقلقها الذي يميزها. هنا لا يصف الكاتب المشاعر من الخارج، وإنما يجعل القارئ يعيشها من الداخل؛ فتبدو الشخصيات كائنات حية تحمل أعباءها النفسية والاجتماعية والثقافية دون افتعال أو مبالغة.

نجح في تقديم رواية واقعية تستند إلى تفاصيل الحياة اليومية، وإلى حقائق المجتمع كما هي، بعيدًا عن الزخرفة اللغوية أو الرمزية التي قد تحجب حرارة التجربة. لقد آثر الصدق على الإدهاش المصطنع، فكان تأثير الرواية أعمق، لأنّ الواقع حين يُكتب بإخلاص يصبح أكثر إدهاشًا من الخيال نفسه.

من أجمل اللمسات التي منحت الرواية خصوصيتها، ذلك الحضور الذكي للتراث الكويتي، حين تتسلل الأغنية الكلاسيكية "قومي وارفعي البوشية" بصوت الفنان محمد الكويتي إلى نسيج السرد. لم تكن الأغنية مجرد استدعاء للماضي، بل أصبحت جزءًا من روح الرواية، تضيف إليها إيقاعًا وجدانيًا يربط الشخصيات بذاكرة المكان، ويؤكد أن طالب الرفاعي لا يستحضر التراث للحنين فحسب، بل ليجعله عنصرًا فاعلًا في تشكيل الحكاية.

في قلب الرواية تتألق علاقة كوثر ومشاري؛ قصة حب لا تواجه اختلاف الطباع بقدر ما تواجه أسوار الطائفية والمذهبية. لم يُقدِّم الكاتب هذا الصراع بشعارات مباشرة، وإنما ترك الشخصيات تكشف هشاشة تلك الحواجز أمام صدق العاطفة. بدا ذلك الجدار أشبه بجدار برلين؛ قائمًا في الظاهر، لكنه يحمل في داخله بذور انهياره.

حتى الأب الذي يبدو ليبراليًا، والأم التي تختصر رفضها بعبارتها المؤلمة "خلّصوا رجال الكويت؟"، لم يكونا مجرد شخصيتين معارضتين، بل تجسيدًا للتناقض الذي يعيشه المجتمع بين ما يعلنه من قيم وما يمارسه من مواقف. ومن خلال هذا التوتر، ظلّ حب كوثر ومشاري نابضًا طوال سنوات الرواية، يقاوم الخوف والعائلة والاصطفافات الاجتماعية، ليؤكد أنّ الحب الحقيقي لا ينتصر بالصخب، بل بالصبر والوفاء.

"في الهُنا" ليست رواية حب فحسب، بل رواية عن الإنسان حين يحاول أن يحمي قلبه من الحدود التي يصنعها الآخرون. شهادة أدبية على قدرة السرد الصادق على ملامسة الوجدان، وأن يترك في القارئ أثرًا يبقى بعد إغلاق الصفحة الأخيرة. رواية تؤكد أنّ طالب الرفاعي يكتب بروح الحكّاء الذي يعرف أن أجمل الحكايات هي تلك التي تشبه الحياة، لأنها لا تنتهي بانتهاء الرواية، بل تستمر في ذاكرة قارئها.

***

فؤاد الجشي

 

لابد من الاشارة إلى أن الموروث الشعبي يُعدُّ أحد أهم عناصر هوية المجتمعات، فهو الوعاء الذي يحفظ الذاكرة الجمعية، ويختزن العادات والتقاليد، والقيم، والأمثال، والحكايات، والأهازيج، التي تناقلتها الأجيال عبر الزمن.

ومن هنا فإن من الضروري الحرص على النهوض بثقافة الموروث الشعبي، والسعي لترسيخها، للحفاظ عليها من الضياع بتداعيات العصرنة الصاخبة في جوانبها السلبية.

وهكذا فقد كان لأدباء الديرة دورهم في المساهمة في حفظ الموروث الشعبي الديرة، من خلال توثيقه في كتاباتهم، وقصائدهم، ومقالاتهم، ومؤلفاتهم، ليكون بين يدي الأجيال المعاصرة، وفي متناول الباحثين، والمهتمين بالترات، لاسيما وأن الموروث الشعبي، ليس مجرد حكايات من الماضي، بل هو سجل ارث حضاري، يعكس حياة الناس، وتفاصيل بيئتهم، وعاداتهم، وتقاليدهم، وتاريخهم الاجتماعي.

ولعل تضمينهم الروايات الشفوية، والأمثال الشعبية، والقصص التراثية، والأغاني، والأشعار المتوارثة، وتدوينها في مؤلفاتهم، ودراساتهم ومقالاتهم، أسهم في توثيقها، وحمايتها من الضياع، والنسيان، بمرور الزمن، إذ كان للأدباء دور بارز في توظيف عناصر التراث الشعبي في نتاجاتهم الأدبية، حيث استلهموا من بيئتهم المحلية، شخصياتهم، وأحداثهم، وصورهم الفنية، مما منح أعمالهم خصوصية ثقافية، وجعلها أكثر قربًا من وجدان المجتمع، عندما انعكس ذلك التوظيف، في الشعر، والتعابة، والزهيىي، والقصة، والمقالة، والسرد الشعبي، حيث تحولت مفردات التراث، إلى عناصر فاعلة في سردياتهم الحديثة.

ولم تقتصر جهودهم على التوثيق، والكتابة، فحسب، بل امتدت إلى المشاركة في الندوات، والملتقيات الثقافية, ومجالس السمر، وإقامة الأمسيات التراثية, التي تُعنى بالتراث الشعبي، اضافة الى تشجيع الباحثين، على الاهتمام بالموروث المحلي، وإجراء الدراسات المتعلقة به.

ولاشك أن وسائل الإعلام الحديثة، ومنصات التواصل الاجتماعي، قد أسهمت في توسيع دائرة تأثيرهم، ونشر ما جمعوه من مواد تراثية إلى جمهور أوسع.

وهكذا ساهمت جهود أدباء الديرة، في تعزيز الانتماء للتراث، وترسيخ الهوية الثقافية، والحفاظ على الخصوصية الحضارية للمجتمع، في مواجهة مظاهر تداعيات التغريب والمسخ المتسارعة، وبذلك كان سعيهم متميزا في الحفاظ على التراث، وترسيخ ثقافة الاعتزاز به، من خلال منح الأجيال المعاصرة، والقادمة، فرصة التعرف إلى جذورها الثقافية، واستلهام قيمها الأصيلة، بما يرسخ حفظ الهوية، ويعزز الوعي باهمية التراث الشعبي، وصيانته من المسخ والتشويه.

***

نايف عبوش

لا يمكن اختزال كرة القدم في كونها نشاطاً ترفيهياً أو ممارسة رياضية محايدة، إذ إنها تشكل بنية دلالية كثيفة تكشف عن الطبقات العميقة للوجدان الإنساني، بما ينسجم مع التصور الفلسفي لباروخ سبينوزا حول الانفعال بوصفه تعبيراً عن طبيعة الكائن في سعيه الدائم إلى حفظ بقائه. ففي أفق هذا التصور، لا تبدو انفعالات المشجع من فرح أو حزن أو حب أو كراهية حالات عرضية أو طارئة، بل تتأسس بوصفها تجليات مركبة لما يسميه سبينوزا “الكوناتوس”، أي الميل الجوهري للكائن إلى الاستمرار في الوجود وتعظيم قدرته على الفعل.

في هذا السياق، يغدو انتصار الفريق الذي ينتمي إليه الفرد بمثابة تعاظم رمزي في إحساسه بالقدرة والامتلاء، وكأن الذات تمتد خارج حدودها لتتقمص نجاح الموضوع الذي تتماهى معه. أما الهزيمة فتُنتج انكماشاً وجودياً وانخفاضاً في منسوب القوة المدركة، بما يعكس انتقالاً من درجة أعلى إلى درجة أدنى من الكمال وفق التصنيف السبينوزي للانفعالات. وهكذا يتجلى الانفعال الرياضي باعتباره اقتصاداً وجودياً للقدرة، تُعاد فيه صياغة علاقة الذات بذاتها عبر وسيط خارجي ظاهرياً وداخلي فعلياً.

ولا تتوقف هذه المشاعر عند حدود النفس، بل تظهر أيضاً في الجسد؛ فنلاحظ تسارع نبض القلب، وتوتر العضلات، وتغير التنفس. وهذا التلازم بين الجسد والعاطفة ينسجم مع رؤية سبينوزا التي تؤكد أن العقل والجسد ليسا منفصلين، بل هما وجهان لحقيقة واحدة، وأن كل شعور نفسي له أثر جسدي واضح.

لكن عالم التشجيع لا يخلو من جانب آخر أكثر تعقيداً، يتمثل في التعصب والكراهية تجاه الفريق المنافس. ففي كثير من الأحيان، لا يكون الحزن أو الغضب بسبب النتيجة نفسها، بل بسبب التعلق الشديد بالفريق، مما يجعل المشجع أسيراً لمشاعره وردود أفعاله. وهنا يحدث ما يسميه سبينوزا نوعاً من “العبودية الانفعالية”، حيث يفقد الإنسان قدرته على التفكير الهادئ ويصبح خاضعاً لتأثيرات لا يسيطر عليها.

ويتجلى هذا الأمر بوضوح في التعصب، حين يرفض المشجع الاعتراف بمهارة الخصم أو جمال أدائه فقط لأنه ينتمي إلى الطرف الآخر. في هذه الحالة، لا يعود الحكم مبنياً على الواقع، بل على مشاعر مسبقة تشوّه الرؤية. بل إننا قد نرى اللاعب نفسه يُرفض أو يُحب فقط تبعاً لانتقاله بين الفرق، مما يكشف أن مشاعر الحب والكراهية لا ترتبط بجوهر الأشخاص، بل بالطريقة التي ننظر بها إليهم.

في المقابل، يقدّم سبينوزا طريقاً مختلفاً يقوم على الفهم لا الانفعال. فالحريّة الحقيقية، في نظره، لا تأتي من إنكار المشاعر، بل من فهم أسبابها. عندما يدرك الإنسان لماذا يغضب أو يفرح، ولماذا يحب أو يكره، يصبح أكثر قدرة على التحكم في مشاعره وتوجيهها بشكل واعٍ. ومن هذا المنظور، فإن الاعتراف بجمال أداء الخصم، حتى في لحظة الخسارة، ليس ضعفاً، بل خطوة نحو وعي أعمق ونضج أكبر.

هذا النوع من الفرح القائم على الفهم يختلف عن الفرح المؤقت المرتبط بالفوز أو الخسارة، لأنه لا يعتمد على النتيجة، بل على إدراك أوسع للحياة وتعقيداتها. وهنا تتجاوز كرة القدم كونها مجرد مباراة، لتصبح وسيلة لفهم أعمق للعالم، حيث لا تُقاس الأشياء فقط بمن نحب أو نكره، بل بطريقة رؤيتنا لها.

ومع هذا الفهم، تبدأ الحدود بين “نحن” و”هم” في التلاشي، ويصبح من الممكن رؤية الجمال والكفاءة حتى عند الخصم. وهذا يقرب الإنسان من فكرة سبينوزا عن “الحب العقلي للطبيعة”، أي الفرح الناتج عن فهم العالم كما هو، بكل انتظامه وتنوعه، دون أحكام مسبقة أو انحياز أعمى.

ومن هنا يتشكل نموذج مختلف للمشجع؛ مشجع لا يفقد حماسه ولا انتماءه، لكنه في الوقت نفسه لا يسمح للكراهية أن تسيطر عليه. يفرح ويغضب، لكنه يظل قادراً على التفكير والتقدير. يرى في المباراة أكثر من نتيجة، يراها مساحة تظهر فيها المهارة والجمال والإنسانية.

وبهذا المعنى، تصبح كرة القدم صورة مصغّرة للحياة نفسها، تكشف لنا كيف يمكن للإنسان أن ينتقل من الانفعال الأعمى إلى الفهم، ومن التعصب إلى التقدير. وكل خطوة في هذا الاتجاه ليست مجرد تغيير في طريقة التشجيع، بل خطوة نحو حرية أعمق وسعادة أكثر استقراراً، تقوم على إدراك الخير والجمال في العالم بدل الانغلاق عليه.

***

محمد إبراهيم الزموري

أقسى أنواع الحنين هي الذكريات التي تطرق أبواب القلب شوقًا دون استئذان، فتعيد إلينا وجوهًا أحببناها، وأيامًا عشناها بكل تفاصيلها الصغيرة. تمر السنوات وتتغير الأمكنة، لكن بعض الذكريات تبقى ساكنة في أعماق الروح، لا يبهت لونها ولا يغيب أثرها.

حتى مررتُ بحينا، إلى المكان الذي اعتدنا أن نكون فيه معًا، فتذكرتك، وارتسمت حينها ابتسامة هادئة على وجهي، وكأنني أستحضر طيفك الطيب بجانبي يشاطرني الحديث. وفي مكاننا تمنيتك أن تكون حاضرًا لنحيي معًا ذكرياتنا العابرة، لنضحك بصوت عالٍ يعم أرجاء المكان الساكن. وددتُ لو أن الزمان يعود أدراجه، وأن نرجع كما كنا نسير معًا على ذات الطريق.

كم أشتاق إلى ضحكة كانت تملأ أيامنا دفئًا، وإلى أحاديث عابرة أصبحت اليوم كنوزًا لا تُقدَّر بثمن. أشتاق إلى أشخاص أخذتهم طرق الحياة بعيدًا، وإلى لحظات ظننا أنها عادية، فإذا بها أجمل ما مرّ بنا.

الذكريات ليست مجرد صور من الماضي، بل نبضٌ يسكن القلب، يزورنا كلما هبّت نسمة شوق أو مرّ طيف مكانٍ كان يومًا وطنًا للمشاعر. وبين ألم الفقد وجمال ما كان، يبقى الحنين رسالة صامتة تخبرنا أن بعض الأشياء وإن غابت عن أعيننا، فإنها لا تغيب أبدًا عن قلوبنا.

ونحن نسير لا نعلم أين سينتهي بنا الطريق، لكنني أدركت أنني أسير في رحلتنا المجهولة، نتحدث عن أحلامنا التي طاردناها بشغف، وعن طموحاتنا التي لا ندري إن كان لها نصيب لتكتمل وتعود من جديد. ننسج حكايات وقصصًا تحمل طابعًا هزليًا يزين جلساتنا ويمنحها بهجة خاصة.

أما اليوم، فأنا هنا بمفردي، بعيدة بيني وبين وحدتي، أتنفس الصمت وأتأمل الفراغ الواسع الذي تركه غيابك. أجلس أفتش عن صور الأماكن التي سرنا بها يومًا ما، وأتأمل منظر الغروب، لكن ليس بذات الشعور الذي تشاركناه معًا.

أعلم يقينًا أن الحياة لا تبقى على حال، لكن المشاعر ما زالت تنبض بالحنين، وأن الطرق قد تختلف مساراتها، لكنني اليوم وددت لو تلتقي طرقنا ولو للحظة من الزمن. تمنيت أن تحضر أرواحنا لنحيي كل ذكرى طيبة من ماضٍ جميل عشنا لحظاته معًا.

ربما أنت تشعر بغربة البعد عني، أما أنا ففي غيابك عشت غربة الصديق وغربة المدينة. حتى الأماكن باتت غريبة لديّ، وكذلك الطرق التي أقطعها بمفردي أصبحت جديدة في نظري، وكأن قدماي تخطوانها لأول مرة.

استغربت الأمر في البداية، ثم أدركت فعلًا أن خللًا قد حلّ برحابي في غيابك. تمنيت حقًا أن تحضر قلبًا وقالبًا لتكمل ذلك النقص الذي أصبح جزءًا من الحياة التي أعيشها بمفردي، بين وحشة الغياب وصراع الذكريات.

سلامٌ على تلك الأيام، وسلامٌ على من كانوا جزءًا من تفاصيلها، فما زالت أرواحهم تعبر ذاكرتنا كلما اشتقنا، وما زالت الذكريات الجميلة تمنحنا القوة لنبتسم رغم المسافات والسنين.

***

ذكرى البياتي

 

(2 مايو 1910 ـ 17 اكتوبر 1978 م)

نشأت والحمد لله في أسرة ميسورة إنها من هذه الأسر التي يقال عنها "أعيان الريف " لم تكن أسرة واسعة الثراء ولم تكن فقيرة وإنما كانت ميسورة.

كان أبي صاحب دين يحرص على عدم الإخلال به، ويحرص على أن تلتزم به الأسرة، درس في الأزهر فترة طويلة من الزمن، حضر فيها على كبار الأساتذة من بينهم الشيخ محمد عبده.

وأقولها بالصوت الجهير وأكتبها بالخط العريض : إنها فكرة ليست في مصلحة مصر " ويمكن أن نقول مع الدكتور على عبد الواحد عميد علم الاجتماع في مصر، إن مشكلة مصر قلة النسل

ولدت في عزبة أبي أحمد " وأبو أحمد " هو جد والدي وقد بني جدي هذه العزبة بيتا بيتا وكانت مسكنا للأسرة وأصلح جدي أرضها فدانا فدانا وتسمى الآن قرية السلام وتتبع مركز بلبيس،وتبعد عن بلبيس أربعة كيلومترات وعن العائلة 45 كيلومتر.

والعزبة على حافة الترعة الإسماعيلية، موقع جميل موفق والحمد لله " وأمام بيتنا حديقة صغيرة من أشجار الليمون والمانجو تتخللها أشجار النخيل يفصلها عن البيت جدول له المياه يسمى في الريف عادة بالخليج، لقد قضيت أياما من اجمل أيام حياتي في هذه الحديقة.

ولست أتذكر من طفولتي الأولى إلا أياما قضيتها مع أطفال القرية ذكورا وإناثا في الكتاب" وانتهت مرحلة الكتاب بالنسبة لي بحفظ القرآن الكريم ولله الحمد.

كانت سني صغيرة على الالتحاق بالأزهر، وكان والدي يفكر في أن يرسلني إلى مكان ناء نسبيا لأتعلم فيه أحكام التجويد، ولكن حنان الأم وحرص الأب على أن أكون تحت رعايته حالا بيني وبين تحقيق ذلك ويا ليتني تعلمت أحكام التجويد ! يا ليتني!

ثم ذهبت إلى المدرسة الأولية بعد أن أدى الكتاب رسالته وأتممت فيه حفظ القرآن ولما أصبحت في سن مناسبة للالتحاق بالأزهر رافقني أبي إلى القاهرة , وهناك ألحقت به.

في أول يوم لبدء الدراسة ارتفع صوت المؤذن لصلاة الظهر ـ عندما حان وقته ـ في خشوع وجلال، تأهبنا للصلاة وتخلف بعض الطلبة عن القيام بها فأخذت خيزرانة المراقب تؤدي واجبها نحو المتقاعدين في جد ونشاط.

في منتصف العام تقريبا زارني والدي رحمه الله في المعهد المسجد ولعله جاء إلى المعهد ليقف على مدى انتظامي في الدراسة، ثم التقى بي وشرع يحدثني عن الزواج وعرض عليً أسماء فتيات واستطلع رأيي كانت سني آنذاك ثلاث عشرة سنة وكان رأيي الذي قلته له : الأمر لك ولوالدتي.

وعاد والدي إلى العزبة ومضت فترة جاءني بعدها خطاب، يقول فيه والدي " احضر " وعدت إلى العزبة في مساء الأربعاء وتم عقد زواجي في يوم الخميس وعدت إلى القاهرة في يوم الجمعة.

ونجحت في الامتحان وعدت لأقضي العطلة الصيفية في العزبة وانتهزوها فرصة لإتمام الزفاف ومرت السنة الثانية بالأزهر طبيعية دراسة واستذكارا، في خلال هذين العامين شهدت موقفين كانا في غاية الروعة.

أما المنظر الأول فهو منظر استقبال سعد باشا وهو عائد من المنفى وأما ثانيهما كان منظر إضراب الأزهر، كان الأزهر هائجا مائجا، وكانت الوزارة القائمة وزارة سعد باشا زغلول حينذاك لم أكن أعلم آنذاك عن الأسباب والبواعث والغايات شيئا ومع ذلك ذهبت إلى الجامع الأزهر مشاركا بجسمي متفرجا مستطلعا.

أما في السنة الثالثة فقد طرأ تغيير إلى حد كبير، فقد انتقلنا من المسجد الذي ألفنا الدراسة فيه وعشقناها إلى غرفة في مبنى ليس له قداسة المسجد ولا روحانيته، انتقلنا إلى معهد الزقازيق الذي أنشئ ليكون فرعا للأزهر بالشرقية.

وفي معهد الزقازيق بدأ اتصالنا بالصحافة، حيث بدأنا نقرأ الصحف، وكنا إذ ذاك نقتصر على صحيفة واحدة تقريبا هي صحيفة الأخبار التي كان يصدرها أمين الرافعي، وكان صدرها مفتوحا لعلماء الدين، يجدون فيه متنفسا لكل ما يجيش بصدورهم من آراء وأفكار، وكنا نحن طلبة نسعد بقراءة المقالات الدينية.

انتهت السنة الثالثة بمعهد الزقازيق، وكذلك انتهت السنة الرابعة به أيضا، وفي هاتين السنتين دفعتني الظروف للجد والاجتهاد بصورة غير عادية وبذلك حصلت على معلومات في مختلف العلوم والفنون تفوق المعلومات العادية لنظائري الطلاب، وكانت نظم الأزهر حينذاك تتيح للطالب بالسنة الأولى الثانوية أن يتقدم مباشرة لامتحان الشهادة الثانوية من الخارج وفكرت في الأمر فكرت أن أفصل نفسي من الأزهر، وأن أتقدم في آخر العام من الخارج لامتحان الشهادة الثانوية، وكان العزم والتصميم، دخلت الامتحان ونجحت وأرضى ذلك آمال والدي وشعوره نحوي، وعدت من جديد إلى القاهرة في المسجد الشريف الأزهر، ومكثت في الدراسة أربع سنوات، كنت في أثنائها متصلا اتصالا كبيرا بالجو الثقافي في الأزهر وخارج الأزهر.

وكان من بين مدرسي القسم العالي بالأزهر عديد من الشخصيات اللامعة في العلم والمنزل: الشيخ محمود شلتوت والشيخ سليمان نوار والدكتور محمد عبد الله دراز والدكتور محمد عبد اللطيف دراز والشيخ الزنكلوني والشيخ محمد مصطفى المراغي والشيخ مصطفى عبد الرازق.

كنت أحضر الدروس في الأزهر وكنت أحرص على حضور المحاضرات التي تلقى هنا وهناك في القاهرة وخارج الأزهر وكان محط أنظارنا جمعية الشبان المسلمين، فقد كان فيها نشاط دائم، وكان للقائمين عليها آنذاك عناية صادقة بهداية الشباب وكان الدكتور أحمد محمد العزاوي عليه رحمة الله من الدائبين على إلقاء المحاضرات فيها، كل أسبوع تقريبا، وكان الموضوع الرئيسي الذي يتحدث فيه دائما هو " الإسلام والعلم ".

وكنت أتردد أيضا على جمعية الهداية الإسلامية، وكان الإمام الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين رئيسا لها، والشيخ محمد الخضر حسين مؤمن صادق الإيمان، مجاهد مناضل وهو تونسي المنبت والنشأة وتعرفت أثناء الدراسة بالقسم العالي بالأستاذ محمد فريد وجدي وكان يستقبل زائريه كل يوم بعد صلاة المغرب لمدة ساعة يتحدث إليهم ويجيب عن أسئلتهم، ويدلي برأيه فيما يثار من موضوعات في الصحف اليومية، وقد كتبت في أيامنا تلك روايات تتناول التاريخ الإسلامي كتبها جورجي زيدان وقد قرأت الكثير منها حين ظهورها.

وهذه الروايات لم تكتب من أجل إحقاق الحق، ولم تكتب لتعبر عن التاريخ الصادق، وإنما كتبت بقصد تشويه الصورة الإسلامية الجميلة وتزييف الخلق العربي الأصيل الفاضل.

وكان خاتمة سن الدراسة العالية بالقاهرة امتحان العالمية ونجحت والحمد لله، وكان والدي يحب أن يراني مدرسا بالأزهر لقد كان ذلك يسعده كل السعادة ولكنه فوجئ برغبتي الملحة في السفر إلى فرنسا لإتمام دراستي في جامعاتها.

بدأت الدراسة في فرنسا منذ سنة ألف وتسعمائة واثنين وثلاثين (1932) على نفقتي الخاصة، ودام الأمر كذلك إلى سنة ألف وتسعمائة وثمان وثلاثون (1938) حيث ألحقت بالبعثة الأزهرية وكنت قد فرغت من الليسانس تقريبا وبدأت أفكر في رسالة الدكتوراه.

اتصلت بالأستاذ "ميسنون" وتحدثنا طويلا وانتهى بنا الأمر إلى الاتفاق على أن أكتب عن التصوف الإسلامي من خلال دراسة الحارث بن أسد المحاسبي وكان هذا أول اتصال منظم وجاد بالتصوف الإسلامي بالنسبة لي.

إني لأذكر ذلك اليوم المشمس الجميل من شهر يونيو سنة ألف وتسعمائة وأربعين فقد صحوت من نومي مبكرا أتأهب لخوض غمار معركة علمية هي مناقشة رسالة الدكتوراه ومرت الأيام بخيرها وشرها وحلوها ومرها ووصلت في النهاية إلى القاهرة، وانتهيت من دراسة الدكتوراه وأنا أشعر شعورا قويا بمنهج المسلم في الحياة وهو منهج الاتباع.

إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول كلمة موجزة عن هذا المنهج هي : إعجاز من الإعجاز إنه صلى الله عليه وسلم يقول : اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم " وهي كلمة حق وصدق، ثرية بالمعاني الطويلة العريضة، يبرهن آخرها على أولها، والنهي في وسطها يبرهن عليه أيضا آخرها أي اتبعوا فقد كفيتم، والكافي هو الله سبحانه وتعالى الذي أوحى المبادئ والأصول والقواعد، وطبق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كل ذلك وبيًنه، فكان تطبيقه مقياسا وبيانا ومرجعا يرجع إليه المختلفون " ولا تبتدعوا فقد كفيتم " إن الذي يبتدع لا كفاية له، ولكن الله سبحانه وتعالى بعد أن أكمل الدين وأتم النعمة، فليس هناك من مجال ولا حاجة إلى الابتداع.

لقد كفانا الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم) كل ما أهمنا من أمر الدين، وبعد أن وقر هذا المنهج في شعوري واستيقنته نفسي، أخذت أدعو إليه: كاتبا ومحاضرا ومدرسا ثم أخرجت فيه كتابا هو كتاب " التوحيد الخالص أو الإسلام والعقل، وما فرحت بظهور كتاب من كتبي مثل فرحي يوم ظهر هذا الكتاب، لأنه خلاصة تجربتي في حياتي الفكرية وكل ما كتبته عن التصوف وعن الشخصيات الصوفية فإنما يسير في فلك هذا المنهج، منهج الاتباع.

خاتمة:

هذه سيرة الشيخ عبد الحليم محمود الإمام الأكبر وشيخ الجامع الأزهر ذلك الفلاح البسيط الذي سافر إلى فرنسا وعاد كما هو ولكن بعد أن تسلح بالعلم والقدرة على التفكير المنطقي، آثرت أن يكتب بنفسه هذه السيرة من خلال كتابه " الحمد لله هذه حياتي " فلم أغير حرفا من كلامه، ربما حذفت بعض الاستطرادات، ولكن كل كلمة في هذا المقال للشيخ عبد الحليم محمود، ويكفينا هنا أن نورد للقارئ الكريم شيئا عن الوظائف العلمية والعملية وأبرز مؤلفاته التي تركها لنا.

عين الشيخ عبد الحليم محمود عقب عودته من فرنسا مدرسا بكلية اللغة العربية ثم أستاذا بكلية أصول الدين بعد عشر سنوات (1370 هـ / 1915 م) ثم عميدا لها، وفي عام 1389 ه  اختير أمينا عاما لمجمع البحوث الإسلامية، ووكيلا للأزهر بعد عام واحد فوزيرا للأوقاف عام 1392 هـ، ثم شيخا للأزهر الشريف من 1393 هـ إلى وفاته في عام 1398 هـ (1973- 1978 م)، حيث دفن في قريته "أبو أحمد" التي تدعى منذ حرب أكتوبر ـ بقرية السلام، يحتفل أهل القرية كل عام بذكرى مولد الشيخ عبد الحليم محمود باعتباره وليا من أولياء الله الصالحين، أما أبرز مؤلفات الدكتور عبد الحليم محمود، فيكفي أن نذكر منها :

1 ـ الفيلسوف المسلم.

2 ـ التصوف عند ابن سينا.

3 ـ أوروبا والإسلام.

4 ـ أسرار العبادات في الإسلام.

5 ـ التفكير الفلسفي في الإسلام.

6 ـ القرآن والنبي.

7 ـ الإسلام والشيوعية.

8 ـ دلائل النبوة ومعجزات الرسول .

9 ـ الرعاية لحقوق الله للمحاسبي " تحقيق ".

10 ـ محمد رسول الله لـ إيتين دينيه (سليمان بن إبراهيم) ترجمة عن الفرنسية.

11 ـ سهل بن عبد الله التستري، حياته وآراؤه.

12 ـ منهج الإصلاح الإسلامي في المجتمع.

13 ـ موقف الإسلام من الفن والعلم والفلسفة.

14 ـ الحمد لله هذه حياتي.

رحم الله الشيخ عبد الحليم محمود وجزاه الله على ما قدمه لخدمة الإسلام، فلعل أعظم إنجازاته عمله على توسيع دائرة التعليم الديني في مصر، فانتشرت المعاهد الأزهرية في معظم القرى ووصلت حتى النجوع.

***

د. محمد عبد الحليم غنيم

 

اليوم رجعت بي الذاكرة إلى سنة 2000، يوم أهداني صديقٌ رواية ذاكرة الجسد. لم أكن أدرك آنذاك أنني لا أتلقى كتابًا فحسب، بل مفتاحًا لذاكرة أخرى، وأن صفحات الرواية ستسكنني أكثر مما سأقرؤها.

بعد أكثر من ربع قرن، ما زالت بعض الجمل عالقة في الروح كأنها كُتبت بالأمس، وما زال ذلك اللقاء الأول مع الرواية حيًّا في داخلي، لأن الكتب العظيمة لا نقرأها مرة واحدة؛ إنها تقرؤنا في كل مرحلة من حياتنا بصورة مختلفة.

سأعود اليوم إليها لا بعيون ذلك القارئ الشاب الذي كنته سنة 2000، بل بعيون رجلٍ عبرته السنوات، وأثقلته الذاكرة، وعرف أن بعض الروايات ليست حكايات تُروى، بل مرايا نرى فيها ما كنا عليه وما أصبحنا إليه.

لهذا سأحاول أن ألخص ذاكرة الجسد، لا كما كتبتها الكاتبة، بل كما حفظتها الذاكرة، وما أبقت منه الأيام في القلب.

ذاكرة الجسد ليست رواية تُقرأ، بل جرحٌ يتذكّر نفسه. فيها يمشي خالد بذراعٍ ناقصة ووطنٍ ناقص، حاملاً على كتفه ما تبقّى من الحلم الجزائري. أحبَّ حياة كما يحبّ المنفيُّ نافذته الأخيرة، لا لأنها امرأة فحسب، بل لأنها كانت امتداداً لزمنٍ ظنّ أن الشهداء تركوه أمانةً في أعناق الأحياء.

الرواية تقول إن الأوطان تشبه الأحبّة؛ لا تؤلمنا حين نفقدها، بل حين نكتشف أنها لم تعد كما عرفناها. فخالد الذي خسر ذراعه في الثورة، خسر قلبه في السلام، وكأن الحياة أرادت أن تعلّمه أن بعض الهزائم تأتي بعد انتهاء المعارك.

أما حياة فليست امرأة من لحم ودم فقط، بل استعارةٌ لوطنٍ جميلٍ استعصى على العشاق والمناضلين معاً. كلما اقترب منها ظنّ أنه يقترب من الجزائر التي حلم بها، وكلما ابتعدت أدرك أن الأحلام الكبيرة لا تُهزم دفعةً واحدة، بل تتآكل ببطء تحت أقدام الواقع.

وفي العمق، تهمس الرواية بحقيقة فلسفية موجعة: الجسد ينسى أقلّ مما نظن، والذاكرة تسكن الندوب أكثر مما تسكن العقول. فكل جرحٍ في خالد كان صفحةً من التاريخ، وكل خيبةٍ كانت سطراً جديداً في سيرة وطنٍ خرج من الاستعمار ولم يخرج تماماً من أوجاعه.

لهذا بدت ذاكرة الجسد كأنها نشيدٌ للحب وخطبةٌ في الخيبة ومرثيةٌ للحلم العربي في آنٍ واحد؛ روايةٌ تقول لنا إن الإنسان قد يفقد يده أو حبيبته أو وطنه، لكنه لا يفقد أبداً ذلك الأثر الخفي الذي تتركه الأشياء الجميلة حين ترحل. فبعض الغياب لا يسكن الذاكرة، بل تتحول الذاكرة نفسها إلى شكلٍ من أشكاله.

***

د. صابر الحميدي

 

لا شك ان السرد الأدبي يعد من أبرز أجناس التعبير، التي تمنح الإنسان القدرة على إعادة تشكيل تجربته الحياتية، في قالب فني ابداعي، يجمع بين الواقع، والخيال، وبين الذاكرة والحلم. فالسرد ليس مجرد حكاية للأحداث، أو تسجيل للوقائع، وانما هو فعل وجداني ابداعي، يعيد ترتيب الزمن، ليمنح التفاصيل العابرة، معنى أعمق، ويجعلها أكثر قدرة على ملامسة وجدان الإنسان.

وغالباً ما يجد الكاتب نفسه أسير الذكريات، وهو ينسج خيوط سرده، فالذاكرة تمثل سجل تجارب الإنسان، بكل ما تحمله في طياتها من أفراح، وآلام، وانتصارات، وانكسارات، وصور لأشخاص، وأماكن، وأحداث مضت، وتركت أثرها في النفس. وهكذا نجد ان الكثير من الأعمال السردية تنطلق من استحضار الماضي، واستعادة لحظاته المؤثرة، ليس بقصد اجترارها الآلي، وإنما لاستكشاف دلالاتها الإنسانية العميقة.

غير أن السرد الأدبي مهما كان تأثيره قوياً لا يتوقف عند حدود الذاكرة، ولا يبقى حبيس الماضي، لاسيما وأن استعادة الذكريات، ليست غاية بحد ذاتها، بل هي وسيلة التواصل مع الماضي، لفهم الحاضر، واستشراف المستقبل.

ومن هنا تنشأ العلاقة الجدلية بين الذكريات الٱسرة، والتطلع المتفائل، إذ تتحول التجارب الماضية، عندئذ، إلى خلفية زاخرة بالخبرة، ينطلق منها الوعي نحو آفاق أكثر رحابة.

فالذكريات المؤلمة، على سبيل المثال، قد تبدو في ظاهرها عبئاً نفسياً، يثقل الروح، لكنها في العمل السردي، تتحول إلى طاقة دافعة للكشف، والتأمل، والتجاوز.في حين أن الذكريات الجميلة، تمنح النص دفئه الإنساني، وتغذي فيه مشاعر الأمل، والحنين والانتماء. وفي كلتا الحالتين، يصبح الماضي مادة فنية يعاد تشكيلها، بما يتناغم ورؤية الكاتب للحياة، والإنسان.

ومن جهة أخرى، فإن التطلع المتفائل، في السرد الادبي، يمنح النص، حيويته، وقدرته على تجاوز الإحباط، والانغلاق، فالأدب، في جوهره، ليس مرآة للواقع، فحسب، وانما هو نافذة مفتوحة الٱفاق على الممكن، والمأمول، ولذلك فإن السرد حتى عندما يصور المآسي، والخيبات، فإنه يترك للقارئ مساحة من الضوء، تمنحه القدرة على التطلع، والنهوض من عثراته، ومغادرة اوجاعه.

ولعل أجمل ما في السرد الأدبي أنه يجسد الوفاء للذاكرة، والانفتاح على الأمل، فهو لا يتنكر للماضي، ولايستسلم له، وانما يجعله جسراً نحو المستقبل. وهكذا تتحول الكتابة السردية، إلى رحلة إنسانية ماتعة، تجمع بين التأمل في ما كان، والتطلع إلى ما يمكن أن يكون، لتظل الكلمة المبدعة، عندئذ، قادرة على تحرير وجدان الإنسان من أسر الذكريات، دون أن تقطع صلته بها، ومن ثم دفعه نحو آفاق أكثر إشراقاً، وتفاؤلاً.

وهكذا نجد ان السرد الأدبي هو ذلك الفضاء الرحب، الذي تتعانق فيه الذاكرة، مع الحلم، ويتفاعل فيه الحنين، مع التطلع، طالما أن الإنسان بطبيعته، لايعيش بالماضي وحده، ولا بالمستقبل وحده، وإنما بالتفاعل الخلاق بينهما.

***

نايف عبوش

راسم عبد القادر الحديثي وهو كاتب وروائي عراقي ولد في مدينة حديثة في محافظة الانبار عام 1947 له عدة روايات ومؤلفات ، حاصل على شهادة البكالوريوس / كلية التربية – جامعة بغداد/ عمل مدرسا منذ عام 1976 – 1970 واحيل للتقاعد2010--- تفرغ للكتابة والنشر، وفرضت الرواية اهتما متزايدا في نفسه ، وسجل حضورا كبيرا ومتميزا في الساحة الادبية وخاصة الروايات المستنبطة من احداث عاشها وعاني من جمرات نارها وكانت روايته الاخيرة الخامسة التي عرضت في معرض الكتاب الدولي لعام 2019 في بغداد وتم نفاذ النسخ المعروضة جميعا في الايام الاولي للمعرض وهي رواية العزيزة بفتح حرفي العين والزاء ويتبادر الي الي ذهن القارئ انها الكلمة المتدوالة بين الناس في الرسائل والمخاطبات بين الاحبة وبعد البحث عن عنوان الرواية العزيزة تبين لي انها من المورثات الشعبية البغدادية ووردت في كتاب بغداديات للبغدادي عزيز مكية الذي ارخ للموروث البغدادي الاصيل والعزيزه عظم في مفصل رجل الخروف الفخذ يقارب حجمها حجم الدرهم المعدني ويقوم بعض الناس بدفنها بالقرب من باب البيت نكاية باهله وتحفيز للخصام لاهل الدار وكانوا يتشاءمون منها ويرمونها بعيدا عن البيت لان اعتقادهم يثير خبثان الخاطر بين افراد العائلة والقصاب عندما يخرجها يضربها بالسكين حتي يبطل مفعولها الخبيث

 قبل ايام وعلى مسرح سامي عبد الحميد في المركز الثقافي البغدادي اعلنت نتائج الدورة السادسة عشرة لـ(جائزة ناجي جواد الساعاتي لأدب الرحلات) بحضور نخبة من الأكاديميين والباحثين والإعلاميين والمهتمين بالشأن الثقافي والأدبي. حيث وقع اختيارها على عملين فائزين هما كتاب الدكتور معتز محي عبد الحميد الموسوم (شوشا: جوهرة أذربيجان) وكتاب الأديب راسم الحديثي المعنون (تكرم عينك: أدب رحلات) لما تضمناه من قيمة معرفية وأسلوب توثيقي متميز في أدب الرحلات. وتم توزيع الدروع التقديرية عليهما وسط إشادة الحضور بأهمية الجائزة ودورها في تشجيع الباحثين والكتاب على خوض تجربة الكتابة في أدب الرحلات.

سألته/ كيف تطورت فكرة كتاباتك؟

- تطورت فكرة كتاباتي حين بدأت بنشر مواضيع سياسية في جريدة (الجريدة العراقية) التي تماثلني فكريا. فجمعت ما نشرت في كتاب صدر لي باسم (مسارات الحداثة في الفكر الوطني والقومي). هذا دفعني إلى الكتابة ثانية، فبدأت بكتابة سيرتي الذاتية أو أدب السجون في رواية (دائرة الخوف)، التي تطورت لاحقا إلى رواية (خريف الشرق، ثم ثم كتبت رواية (أولاد حمدان) وبعدها رواية (أصناموفوبيا). وكلمة (أصناموفوبيا) تعني الخوف من الصنم. فوبيا كلمة يونانية معناها الخوف وصنم هو الرجل الديني المتطرف، الذي لا يقبل غيره لا بل يكفره وبالتالي يقتله. رواية (أصناموفوبيا) تحدثت عن العنف طائفي الذي حصل في العراق بعد 2003 وحتى 2007 ثموبعدها صدرت لي قصة طويلة بعنوان (عشق عابر للحدود) وهي قصة تتحدث عن علاقة عاطفية بين فتاة مغربية وشاب عراقي، علاقة بدأت على الانترنت وانتهت بالفشل. واستمر عطائي لأنتج رواية (تحت شجرة التوت) التي تسرد الكثير من موروث مدينتي بأسماء رمزية وبأسلوب سردي متخيل

* فوزك بأدب الرحلات – ماذا تعني؟

 -أدب الرحلات هو فن نثري يصور فيه الكاتب مشاهداته، انطباعاته، والأحداث التي عاشها خلال رحلته إلى بلد معين. يُعد جسراً للتواصل الثقافي ومصدراً مهماً للتاريخ والجغرافيا، حيث ينقل بدقة عادات الشعوب، معالمهم، وتفاصيل حياتهم اليومية بأسلوب يجمع بين المعرفة والإمتاع، هي تجربة جديدة وفقني الله بها)

* هل تشعر بالرضا هما قدمته؟

- نعم هناك رضا وهناك طموح… الرضا كوني أنتجت. وطموح كوني لم أقدم نفسي كما ينبغي… أتمنى بقاء عقلي وعينيا لتساعداني بالعمل لأكمل مشواري.

***

كتب/ نهاد الحديثي

قراءة في كتاب الأديب ثامر الحاج أمين

في زمن تتسارع فيه التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية، وتتشابك فيه الوقائع حتى تبدو أحياناً أقرب إلى المشاهد السريالية منها إلى الواقع المألوف، يطل الأديب ثامر الحاج أمين بكتابه الموسوم (البقاء على قيد المهزلة.. تأملات في واقع سريالي) ليقدم للقارئ رحلة فكرية وإنسانية تجمع بين المقالة الأدبية والتأمل الفلسفي والنقد الاجتماعي واستعادة الذاكرة الثقافية.

ومن خلال العنوان يضعنا المؤلف أمام مفارقة لافتة؛ فالبقاء على قيد الحياة لم يعد التحدي الأكبر، بل أصبح البقاء على قيد العقل والكرامة وسط ما يشبه (المهزلة) اليومية هو الامتحان الحقيقي للإنسان المعاصر. ومن هنا يكتسب الكتاب قيمته بوصفه شهادة على عصر مضطرب أكثر من كونه مجرد مجموعة مقالات متفرقة.

يضم الكتاب (215) من الحجم المتوسط، وطيفاً واسعاً من الموضوعات التي تمتد من الشأن الاجتماعي والسياسي إلى الثقافة والفن والتاريخ والفلسفة. ففي مقالات مثل (غربتنا في البلاد) و(بلاد بلوحة سريالية) و(ما يحدث في دوائرنا الحكومية) و(ما يحدث في أسواقنا) يسلط المؤلف الضوء على اختلالات الواقع العراقي، مستعيناً بلغة تجمع بين السخرية المرة والتأمل العميق، ليكشف حجم التناقضات التي يعيشها المواطن بين ما يحلم به وما يواجهه يومياً.

ولا يقف الكتاب عند حدود النقد الاجتماعي، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة الأفكار والمفاهيم الكبرى. ففي مقالات مثل (عن العدمية وأنصارها) و(حديث عن المواطنة) و(العبودية الطوعية لتاج الرأس) و(نقد المسؤول ليس جريمة) يطرح المؤلف أسئلة جوهرية تتعلق بالعلاقة بين الفرد والسلطة، وبين الحرية والمسؤولية، وبين الوعي والاستلاب، في محاولة لإعادة الاعتبار إلى التفكير النقدي بوصفه شرطاً ضرورياً لأي نهضة مجتمعية.

ويكشف الكتاب عن اهتمام واضح بالشخصيات الثقافية والأدبية والفنية، إذ يفرد مقالات مميزة لعدد من الأسماء البارزة مثل بدر شاكر السياب، وكريم العراقي، وعبد الرحمن الربيعي، ويعقوب جواد، وإقبال نعيم، فضلاً عن تناوله تجارب إنسانية وفكرية عالمية مثل جلال الدين الرومي وكونفوشيوس وحافظ الشيرازي. وهذه المقالات لا تكتفي بالتعريف بأصحابها، بل تحاول قراءة أثرهم الفكري والإنساني في سياقاتهم التاريخية والثقافية.

ومن الجوانب اللافتة في الكتاب اهتمامه بالسينما بوصفها مرآة للمجتمع والإنسان. فالمؤلف يتوقف عند أفلام مهمة مثل (يوميات دراجة نارية) و(فندق رواندا) و(الصوت الهامد) وغيرها، مستخرجاً منها دلالات إنسانية وفكرية تتجاوز حدود الشاشة لتلامس قضايا الحرية والعدالة والصمود والإرهاب والهوية.

كما يحضر التاريخ بقوة في صفحات الكتاب، سواء عبر استعادة أحداث الحرب، أو قراءة سير الرؤساء، أو استحضار شخصيات شعبية مثل (حنتوش سلام)، أو العودة إلى العادات والتقاليد التي بدأت تندثر تحت ضغط التحولات الاجتماعية الحديثة. وهنا تتجلى نزعة المؤلف التوثيقية التي تسعى إلى حماية الذاكرة من النسيان، وإبقاء الصلة قائمة بين الماضي والحاضر.

ويمتاز أسلوب ثامر الحاج أمين بالبساطة الممتنعة؛ فهو يكتب بلغة واضحة بعيدة عن التعقيد، لكنه لا يتخلى عن العمق الفكري والبعد التأملي. كما تتسم مقالاته بقدرتها على الانتقال بين الخاص والعام، وبين الواقعة اليومية والفكرة الفلسفية، وهو ما يمنح النصوص حيوية تجعلها قريبة من القارئ على اختلاف اهتماماته.

إن كتاب (البقاء على قيد المهزلة) ليس مجرد مجموعة من المقالات المتناثرة، بل هو محاولة لرسم صورة بانورامية لعالم يزداد التباساً يوماً بعد آخر. وفي هذا العالم المضطرب يظل الكاتب متمسكاً بدور المثقف الذي لا يكتفي بوصف الواقع، بل يسعى إلى فهمه ونقده وكشف مفارقاته، مستنداً إلى ثقافة واسعة وخبرة إنسانية غنية وإيمان عميق بقيمة العقل.

لقد نجح ثامر الحاج أمين في أن يجعل من هذا الكتاب سجلاً فكرياً وإنسانياً لمرحلة كاملة، وأن يقدم للقارئ مادة متنوعة تجمع بين المتعة والمعرفة والتأمل. وهو بذلك يواصل تقليداً ثقافياً عراقياً عريقاً يجعل من المقالة الأدبية فضاءً للحوار مع الذات والمجتمع والتاريخ، ويؤكد أن الكتابة الحقيقية تظل قادرة على مقاومة العبث والاحتفاظ بمعناها حتى في أكثر الأزمنة سريالية.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

في الرواية العراقية المعاصرة

يشغل الروائي العراقي كريم عباس حسن موقعاً متقدماً ضمن جيل الروائيين العراقيين الذين تشكل وعيهم الإبداعي في ظل التحولات العاصفة التي شهدها العراق خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. وتكتسب تجربته السردية أهميتها من كونها تتأسس على تفاعل مستمر بين الذاكرة الشخصية والتاريخ الجمعي، وبين تجربة المنفى وأسئلة الهوية والانتماء، الأمر الذي جعل من أعماله الروائية سجلاً فنياً لتحولات الذات العراقية وهي تواجه القمع السياسي والاقتلاع المكاني والانكسارات التاريخية.

ومن خلال رواياته: (مصير بلقيس)، و(البطريق الحالم)، و(قاموس الخلاص)، و(غابة همرباكر)، و(حنين لسوريا)، يبلور الكاتب مشروعاً سردياً يقوم على استعادة الذاكرة بوصفها فعلاً للمقاومة الثقافية، وعلى تحويل التجربة الفردية إلى مادة روائية تتجاوز حدود السيرة الذاتية نحو أفق إنساني أشمل.

تحتل الذاكرة موقعاً مركزياً في البناء الروائي لدى كريم عباس حسن، إذ لا تظهر بوصفها استرجاعاً زمنياً للأحداث فحسب، بل تتحول إلى آلية فنية لإعادة إنتاج الماضي وتأويله. فالشخصيات في رواياته لا تعيش الحاضر بمعزل عن ماضيها، بل تتحرك داخل شبكة من الذكريات المتداخلة التي تفرض حضورها على السرد باستمرار.

وفي رواية (قاموس الخلاص) على وجه الخصوص، تتخذ الذاكرة وظيفة توثيقية وجمالية في آن واحد؛ إذ تستعيد الرواية حقبة سياسية شديدة التعقيد من تاريخ العراق الحديث، من خلال شخصيات تحمل جراح السجن والمطاردة والمنفى. غير أن الكاتب لا يكتفي بتسجيل الوقائع، بل يعيد تشكيلها فنياً عبر لغة سردية تستثمر الاسترجاع والتداعي الحر وتعدد مستويات الزمن الروائي.

وهكذا تصبح الذاكرة لدى كريم عباس حسن شكلاً من أشكال مقاومة النسيان، ومحاولة لإعادة الاعتبار للأفراد الذين همشتهم السرديات الرسمية للتاريخ.

تنتمي تجربة كريم عباس حسن إلى ما يمكن تسميته بـ(أدب المنفى العراقي)، وهو الأدب الذي نشأ نتيجة موجات الهجرة والتهجير السياسي التي شهدها العراق منذ سبعينيات القرن الماضي. غير أن المنفى في أعماله لا يُقدَّم باعتباره انتقالاً جغرافياً فحسب، بل بوصفه حالة وجودية مركبة.

فشخصياته غالباً ما تعيش ازدواجية الانتماء بين وطن غائب ومكان جديد لا يتحول بسهولة إلى وطن بديل. ولهذا تظهر المدن الأوروبية في رواياته بوصفها فضاءات للتأمل والمراجعة وإعادة اكتشاف الذات، بينما يظل العراق حاضراً كذاكرة جمعية لا تغادر الوعي.

وفي رواية (غابة همرباكر) تتجلى هذه الرؤية بوضوح، حيث يتداخل المكان الاسكندنافي مع الأمكنة العراقية المستعادة من الذاكرة، فينشأ فضاء روائي مزدوج يعكس انقسام الذات بين عالمين مختلفين ثقافياً وتاريخياً.

تقنيات السرد وبناء النص الروائي

يعتمد كريم عباس حسن على مجموعة من التقنيات السردية التي تمنح نصوصه طابعاً تأملياً وإنسانياً واضحاً.

أول هذه التقنيات هو تكسير التسلسل الزمني التقليدي، إذ تتقدم الأحداث وتتراجع وفق حركة الذاكرة أكثر مما تخضع لمنطق الزمن الخطي. وهذا ما يمنح الرواية بعداً نفسياً عميقاً ويجعل القارئ مشاركاً في إعادة تركيب الأحداث.

أما التقنية الثانية فتتمثل في توظيف السيرة الذاتية بوصفها مادة روائية. فالكثير من الشخصيات والأحداث تستند إلى تجارب واقعية أو شبه واقعية، لكنها تخضع لإعادة تشكيل فني يجعلها جزءاً من عالم الرواية لا مجرد وثيقة تاريخية.

وتبرز كذلك تقنية الحوار الداخلي والمونولوج النفسي، حيث تتحول الشخصية إلى راوٍ لذاتها، كاشفةً عن مخاوفها وهواجسها وأسئلتها الوجودية. ويقترن ذلك بلغة تميل إلى الوضوح والاقتصاد التعبيري، بعيداً عن الزخرفة البلاغية، بما يتلاءم مع طبيعة الموضوعات التي يتناولها الكاتب.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

 لم أخرج من الشقة الضيقة يومًا، حتى حين غادرتها. كانت تسافر معي في حقائب لا أفتحها، لكنها تظل مفتوحة في داخلي، جدرانها قريبة من وجهي، نافذتها معلقة في السماء مثل عين نصف نائمة، رائحة الرطوبة على المعطف، وهدير الشارع المنهك يتسلل من شقوق الزجاج كما يتسلل الخوف إلى الحلم. منذ غرف القسم الداخلي التي عرفت أول أصواتي، حتى شقق اللجوء التي أغلقت أبوابها على وحدتي، ظل المكان يكتبني قبل أن أكتبه.

لكن أقسى المساحات الضيقة كانت هناك، حيث لا اسم للمكان إلا في همس السجناء، وحيث لا نافذة سوى فتحة ضيقة في باب حديدي. غرف كصفائح الزيت النباتي الساخنة، التي يُساق إليها الجسد في عزّ القيظ، جدرانها عارية إلا من العرق المتبخر، وأرضها تمتص كل نفس ثقيل. كنت أكتب، أكتب كي لا أنسى اللغة، أكتب كي لا يبتلعني الصمت. في تلك الزنازين، كانت الكلمة شربة ماء مؤجلة، وكان الحرف ظل شجرة بعيدة لا يراها أحد سواي.

في القسم الداخلي لطلاب الفنون، الغرفة كانت جماعية لكنها أضيق من حلم شخص واحد. الأسرّة الحديدية تصدر أنينًا في كل حركة، الممرات تحمل أصوات أقدام لا تنتهي، والليل أطول من الحكايات. كنت أتعلم أن أختبئ في كلمة، أن أترك العالم يضج خلف الباب وأفتح لنفسي نافذة في السطر. هناك عرفت أن الورقة يمكن أن تكون غرفة أكبر من الغرفة، وأن السطر هو الممر الذي لا يؤدي إلى باب مغلق.

ثم جاءت المدن التي لا تتذكرني إلا حين أكتب عنها. في واحدة كان الزقاق يضيق حتى يبتلع سماءه، وفي أخرى كان الشارع واسعًا لكنه يجرّ نفسه مثل عجوز تعب من الانتظار. تغيّرت النوافذ لكن التعب كان واحدًا: وجوه تحمل رزقها في أكياس بلاستيكية، محلات تغلق أبوابها قبل أن يسقط الليل، أطفال يركضون خلف كرة نحو المجهول، وباعة ينادون بأصوات مخنوقة. كنت أكتب على طاولة صغيرة قرب النافذة، أراقب المارة كما يراقب البحّار البحر، أعدّ خطوات الغرباء وأستمع إلى أصوات لا أعرف أصحابها، لكنها تعرفني من كثرة ما ترددت في أيامي.

وفي شقق اللجوء، صار الضيق أكثر ترتيبًا. الجدران بيضاء بلا ذاكرة، الأثاث مستعمل يعرف أسماء كثيرة غير اسمي، الممرات صامتة إلا من وقع أقدام عابرة لا تعود. الريح تتسلل عند الزوايا وتترك صفيرها ينام معي، والشارع هنا مختلف: بلا صخب الباعة ولا ضحكات الأطفال، لكنه يحمل في صمته صدى شوارع المدن السابقة، بأصواتها وروائحها وخطواتها. كنت أكتب وفي داخلي ضجيج تلك المدن، كأن كل شارع منهك عرفته يقف الآن خلف نافذتي.

لم تكن الكتابة رفاهية، كانت تنفسًا، نوعًا من التمرد، محاولة لترجمة الألم المكبوت إلى شيء يمكن احتماله. كنت أقاوم ضيق المكان بضيق أكبر على الورقة، وأقاوم صمت الجدران بضجيج الكلمات، وأقاوم تعب الشارع بأحلام لا تتسع لها الأرصفة. اللغة التي خرجت من هذه التجربة كانت مكثفة، حادة أحيانًا، لكنها تحمل جماليات خفية تولد من عمق الألم. كل صورة صغيرة، كل تفصيل هامشي — ظل شجرة على الحائط، صوت مصعد قديم، قطعة خبز على الطاولة — كان يحمل معاني أكبر من حجمه، ويربط بين المدن التي عشتها كخيط غير مرئي.

هكذا، بين غرف الصفائح الساخنة في السجن، والقسم الداخلي، وشقق المدن المؤقتة، وممرات اللجوء، فهمت أن الشقة ليست مجرد مكان للإقامة، إنها سجن يفتح أبواب الإبداع، وأن الشارع المنهك ليس خلفية صامتة، إنه رواية حيّة تمشي على أقدام الناس. في هذه المساحات الصغيرة، تنطق النصوص بأصوات المقهورين، وتحمل بين كلماتها وجعًا وأملًا، وتثبت أن الحصار، مهما ضاق، يمكن أن يكون نافذة نطل منها على العالم بعيون مختلفة.

***

  بولص آدم

دم على الورق

هل تعرفون سر الشعور الذي ينتابكم حين تقرأون كتابًا فتصابون بالغيرة؟ الغيرة من الكاتب طبعًا، لا من شخص آخر. هذا إحساس نادر لا يحدث إلا حين يكون الكتاب استثنائيًا إلى درجة تجعلك تتمنى لو كنت أنت من كتبه، أو على الأقل لو كنت تملك الموهبة الكافية لتكتب مثله. هذا ما شعرت به بالضبط وأنا أقلب صفحات كتاب (صورة الدم في شعر أمل دنقل) للدكتور منير فوزي، الصادر عن دار المعارف عام 1995 في 342 صفحة. شعرت بالغيرة، وشعرت بالخجل، وشعرت قبل كل شيء بأنني مدين باعتذار متأخر لهذا الناقد العملاق الذي أمضى سنوات من عمره يتتبع صورة الدم في شعر أمل دنقل، بينما كنت أنا، مثل كثيرين غيري، أمر على القصائد مرور الكرام، أتأمل جمالها وأنفعل بها، دون أن أكلف نفسي عناء السؤال كيف صنعت هذه القصيدة؟ ولماذا توجعني بهذا الشكل؟

المشكلة أن هذا الكتاب، على روعته، يكاد يكون مجهولًا. لا أعني أنه غير معروف في الأوساط الأكاديمية المتخصصة، لأنني أظن أن الدارسين يعرفونه ويقدرونه، لكنه غير معروف بالنسبة لي ولكم، للقارئ العادي الذي يحب الشعر ولا يتعامل معه باعتباره مادة للتشريح. وهذا ظلم فادح، ليس للكتاب وحده، بل لنا نحن القراء الذين حُرمنا متعة اكتشاف طبقات خفية موجودة في شعر أحد أعظم شعراء العربية في القرن العشرين.

سيمياء الشيء الواحد

أكثر ما أدهشني في هذا الكتاب هو قدرة الدكتور منير فوزي على تحويل شيء مادي بحت – الدم – إلى كون كامل من الدلالات. الدم في شعر دنقل، كما يثبت المؤلف باقتدار، ليس مجرد سائل أحمر يسيل من الجروح. إنه لغة و نظام متكامل من الإشارات والرموز التي تتداخل فيها الأسطورة بالتاريخ بالدين بالسياسة.

تخيلوا معي أن دم (الحسين بن علي) في قصائد دنقل يتغير ويتبدل، تحت مجهر فوزي التحليلي، من علامة دينية مقدسة إلى استعارة سياسية لمقاومة الاستبداد. وتخيلوا أن أسطورة أوزوريس الفرعونية تصبح مرآة نرى فيها جسد الأمة العربية المقطع الأوصال. كما أن دم كليب في حرب البسوس، كما يقرأه دنقل وينقله إلينا، يتحول من دم ضحية إلى شرارة ثورة. هذا ليس نقدًا أدبيًا بالمعنى التقليدي، هذه كيمياء. هذه خيمياء، إن أردتم الدقة، لأنها تغير المادة إلى روح، والدم إلى معنى.

ثمة لحظة في هذا الكتاب لا أظنني سأنساها بسهولة، وهي تلك التي يحلل فيها الدكتور منير فوزي ديوان "أوراق الغرفة 8". هذا الديوان كتبه أمل دنقل عام 1983 وهو على أبواب الموت، في غرفة المستشفى التي حملت رقم 8. وهنا، يتحول الشاعر إلى طبيب شرعي يشرح جسد الأمة. والغريب أن منير فوزي يمسك بهذه الصورة ويعكسها؛ أي يصبح الناقد نفسه طبيبًا شرعيًا يشرح القصيدة، التي تشرح الجسد، الذي يرمز للأمة. إنها متاهة من المرايا، لكنها متاهة لها خريطة، والخريطة بين أيدينا في هذا الكتاب.

ما يثير الإعجاب حقًا في هذه الدراسة هو كيف تمكن المؤلف من الجمع بين قسوة التشريح وجمالية التعبير. إنه يقلب الصور، ويفكك الاستعارات، ويتتبع الجذور التاريخية والأسطورية لكل رمز، دون أن يفقد الإحساس بجمال الشعر نفسه. وهذا توازن نادر، لأن النقد الأدبي كثيرًا ما يقع في أحد فخين: إما الانبهار بالجمال على حساب التحليل، وإما الإغراق في التحليل على حساب الجمال. أما الدكتور منير فوزي فقد جمع الحسنيين.

لماذا نحتفى بالرخيص؟

وهنا أصل إلى السؤال الذي يؤرقني، والذي أظنه يؤرق كل من يهتم بالثقافة في وطننا العربي لماذا يمر كتاب بهذه الأهمية بهذا الهدوء المخيف؟ لماذا لا نسمع عنه في البرامج الثقافية؟ لماذا لا يعاد طبعه؟ لماذا لا يترجم؟

أعرف أن الإجابة جاهزة نحن في زمن الصورة والصوت، في زمن التغريدة والخبر العاجل، والكتاب العميق يحتاج إلى قارئ عميق، والقارئ العميق يحتاج إلى وقت، والوقت هو الشيء الوحيد الذي لم يعد متوفرًا. لكني لا أقتنع بهذه الإجابة. لا أقتنع بأن شعبًا أنتج المتنبي والمعري وطه حسين والعقاد وأحمد أمين قد تحول فجأة إلى شعب لا يقرأ ولا يفهم ولا يريد أن يفهم. المشكلة ليست في القراء، المشكلة في الآلة الإعلامية التي تكرس التفاهة وتهمش الجد. المشكلة في صناعة النشر التي تلهث وراء الكتاب سريع البيع، سريع النسيان.

إن قراءة كتاب "صورة الدم في شعر أمل دنقل" في هذه اللحظة التاريخية تحديدًا، حيث الدم العربي يسيل أنهارًا على شاشاتنا، وحيث تحولت غزة إلى قصيدة مأساوية لا تنتهي، تجربة تلامس حد الصدمة. تكتشفون أن أمل دنقل، الذي رحل قبل أكثر من أربعين عامًا، كان يكتب عن هذا اليوم بالضبط. كان يرى ما نراه الآن، ويسمع ما نسمعه، ويحوله إلى لغة تليق بالألم دون أن تستسلم له. ودراسة منير فوزي تأتي الآن، وكأنها دليل قراءة لهذا الألم، خريطة للدم الذي لا يتوقف عن الجريان.

 اقرأوا هذا الكتاب

في ذكرى ميلاد أمل دنقل السادسة والثمانين، أريد أن أقول شيئًا بسيطًا هذا الكتاب يستحق أن يقرأ. لا أعني أن يقرأه المتخصصون وحدهم، بل أعني أن يقرأه كل من يحب الشعر، كل من يتألم للدم العربي، كل من يريد أن يفهم كيف يمكن للكلمات أن تفعل ما تفعله بنا. صحيح أن الكتاب صدر عام 1995، وصحيح أنه قد لا يكون متوفرًا بسهولة، لكن البحث عنه يستحق العناء. صدقوني، يستحق العناء.

أمل دنقل كان شاعرًا ينزف. ومنير فوزي ناقدًا يفهم لماذا ينزف، وكيف يتحول النزيف إلى لغة، وكيف تتحول اللغة إلى خلود. وكلانا، أنا وأنتم، مدعوون لأن نكون قراء يفهمون، ويشهدون، ولا ينسون.

***

د. عبد السلام فاروق

 

رسالة محبة في زمن أدب الضغينة والصفحات الصفراء

منذ أن وُلد الأدب من رحم التجربة الإنسانية، لم يكن مجرد ترفٍ لغوي أو زخرفةٍ جمالية تُضاف إلى الحياة، بل كان فعلَ مقاومةٍ ضد القبح، واحتجاجاً أخلاقياً على الظلم، وسعياً دائماً نحو ترسيخ قيم الحقيقة والخير والجمال. ولهذا ظل الأدب الحقيقي، في مختلف عصوره، مرآةً لكرامة الإنسان، وصوتاً للضمير الجمعي، وجسراً يصل بين القلوب والعقول مهما تباعدت الأجناس والثقافات واللغات.

غير أن المشهد الثقافي المعاصر لم يخلُ من ظواهر طارئة أخذت تتسلل إلى فضاء الكتابة، حيث برز ما يمكن تسميته بـ"الصفحات الصفراء" وأدب الضغينة؛ ذلك اللون من الكتابة الذي لا يتغذى من المعرفة، بل من الأحقاد، ولا يستمد مادته من الرؤية الفكرية، بل من الرغبة في التشهير والتجريح وتصفية الحسابات الشخصية. وهو أدب لا ينشغل بالإنسان بوصفه قيمةً عليا، بل يتعامل معه بوصفه هدفاً للانتقاص والإساءة والإلغاء.

لقد أدرك كبار الأدباء والفلاسفة أن الأدب الحقيقي لا يُبنى على الكراهية. فالأديب الروسي فيودور دوستويفسكي رأى أن سرّ الخلاص الإنساني يكمن في المحبة والرحمة وفهم أعماق النفس البشرية، بينما اعتبر ليو تولستوي أن الفن العظيم هو الذي ينقل المشاعر الإنسانية النبيلة من إنسان إلى آخر، ويُعمّق الإحساس بالمصير المشترك بين البشر. أما ألبير كامو فكان يؤمن بأن مهمة الكاتب ليست الانحياز إلى الجلاد أو الضحية بدافع العصبية، بل الدفاع عن الإنسان أينما كان.

وفي تراثنا العربي، لم يكن الأدب الرفيع منفصلًا عن القيم الإنسانية. فقد دعا الجاحظ إلى العقل والحجة والبيان، بينما رأى أبو حيان التوحيدي أن الكلمة الحقة هي التي ترتقي بالروح وتُهذّب الوجدان. أما محمود درويش فقد جعل من الشعر فضاءً للدفاع عن الإنسان والذاكرة والحلم، لا منبرًا للانتقام أو الكراهية، حين قال في أكثر من مناسبة إن الشعر أوسع من الأيديولوجيا وأبقى من الخصومات العابرة.

إن أدب الضغينة، مهما ارتدى من أثواب ثقافية، يبقى عاجزاً عن إنتاج قيمة جمالية أو فكرية حقيقية، لأنه ينطلق من رغبة في الهدم لا البناء. فالكاتب الذي يسكنه الحقد يكتب ليقتصّ، أما الكاتب الذي تسكنه الإنسانية فيكتب ليضيء. الأول يبحث عن العيوب، والثاني يبحث عن المعنى. الأول يُشعل الحرائق، والثاني يُشعل المصابيح.

وقد تنبّه النقاد الكبار إلى هذه المسألة منذ زمن بعيد. فـماثيو أرنولد رأى أن الأدب هو "نقد للحياة"، لكنه نقد يهدف إلى الارتقاء بالإنسان لا إلى تحطيمه. كما أكد طه حسين أن الثقافة الحقيقية لا تزدهر إلا في مناخ من الحرية والاحترام المتبادل، حيث تكون الكلمة أداةً للمعرفة لا سلاحاً للاغتيال المعنوي.

ومن الناحية الاجتماعية، فإن انتشار الصفحات الصفراء يُعدّ مؤشراً على أزمة في الوعي الثقافي؛ إذ تتحول الكتابة من رسالة تنويرية إلى وسيلة لإثارة الغرائز واستثمار الفضائح وصناعة العداوات. وفي مثل هذه البيئات تتراجع قيمة الإبداع أمام ضجيج الإثارة، ويغدو عدد المتابعين أهم من قيمة الفكرة، وتصبح الشهرة السريعة بديلاً عن الإنجاز الحقيقي.

أما الأدب الإنساني فإنه يقف في الجهة المقابلة تمامًا. إنه أدب يؤمن بأن الإنسان أكبر من أخطائه، وأن الحوار أسمى من الشتيمة، وأن الاختلاف لا يبرر العداء. وهو أدب ينحاز إلى القيم الجامعة: المحبة، والعدل، والحرية، والكرامة، والتسامح، والتعايش. ولذلك يبقى أثره ممتداً في الذاكرة الإنسانية، بينما تتساقط نصوص الكراهية كما تتساقط أوراق الخريف اليابسة.

لقد علّمنا يوهان فولفغانغ فون غوته أن الأدب العظيم هو الذي يجعل الإنسان أكثر إنسانية، وعلّمنا فيكتور هوغو أن الكلمة يمكن أن تكون مأوى للمظلومين وجسراً نحو العدالة. ومن هنا فإن مسؤولية الأديب اليوم لا تقتصر على إتقان اللغة أو براعة الأسلوب، بل تمتد إلى حماية المعنى الإنساني من التآكل، والدفاع عن أخلاقية الكلمة في زمن الاستقطاب والتشهير.

إن الأدب الذي يعيش طويلًا ليس أدب الأحقاد العابرة، بل أدب القيم الباقية. فالكراهية تستهلك صاحبها قبل خصمه، أما المحبة فتمتلك القدرة على تجديد ذاتها في كل عصر. ولهذا سيظل الأدب الإنساني، مهما اشتدت العواصف، حصنًا للروح، ومنارةً للوعي، وملاذاً لكل من يؤمن بأن الكلمة خُلقت لتبني الإنسان لا لتهدمه، ولتجمع القلوب لا لتبعثرها، ولتزرع المعنى في الأرض لا الأشواك في الطرقات.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

- من أخطائنا أننا نبحث بعيداً عما هو قريب منا، ونبحث قريباً عما هو بعيد عنا!

- كثرة الكتب جهل كبير! كثرة الكتب دليل واضح من عدة أدلة، على شيوع الجهل لدى البشر، وعلى فوضى المعايير وضياع معيار الحق والخير!

- القمع بالترغيب أسوأ من القمع بالترهيب. القمع المنهجي المنظم يعتمد على الجمع بين الترغيب الذكي والترهيب الذكي!

- الكتب تصنع الأوهام وتسوقها، أكثر مما تكشف الحقائق!

- في النتيجة الشعارات، خاصة السيئة التي يرفعها الناس، تضرهم أكثر من غيرهم!

- يكون الإنسان رخيصاً في سوق السياسة، غالياً في سوق الدعاية السياسية!

- الجهل العلمي والجهل العملي والجهل الأخلاقي، أحدها يصنع الآخر في واقع معقد مختلط متفاعل العناصر!

- إذا كانت الحالة العادية للإنسان وواقعه هي ارتكاب الخطأ والتناقض والمغالطة، فإنه يتوجب أن تكون غاية الناس العقلاء هي الحق الممكن النافع والخير الممكن النافع ولو بالحد الأدنى الضروري! بدل الغرق في وهم المثالية والبحث والسؤال وتفصيل التفاصيل والتضحيات القاسية الظالمة أو العابثة غالباً.

- عندما يقول الشعار الضال: "الفن للفن أو الأدب للأدب"، فإنه يتناقض مع نفسه تناقضا واضحاً! فهو من جهة يؤكد أن هذا "الموقف أو الإعتقاد" هو "الحق والخير" المطلوبان من الفن والأدب؛ وهو من جهة أخرى يتنكر للحق والخير كمعيار أعلى وغاية عليا!

- رغم أن قاعدة من قواعد الفكر الصحيح الأساسية هي " التصور قبل التصديق"، فإن البشر غالبا ما يطلقون الأحكام ويتكلمون عن موضوعات لا يتصورون حقيقتها! ولا يعرفون أصلا أن هذا التصور يتحقق بالتعريف الجيد المطابق للموضوع أو الشيء المقصود!

- الإستحقاق: هو انبغاء حصول الكائن على حق ما، ثواب أو عقاب، بسبب حاله أو فعله، استنادا إلى معيار حقيقي وأصلي وعال بالفرض.

- الثقافة في أعلى وأحسن معنى لها هي طلب الحق والخير والجمال وتمثُّلها في مظاهر واقعية مناسبة. وكل تعريف للثقافة لايخرج عن هذا المعنى، حقيقةً أو توهما. حيث لايوجد عاقل يتعمد الإنسلاخ من الحق والخير.

- الحضارة: هي طلب الحق والخير والجمال وتمثلها في مظاهر واقعية مادية ومعنوية مناسبة.

- الخير: هو منفعة حسنة أو ضرر حسن، باعتبار الحال أو المآل .

والشر: هو الضرر القبيح سواء كان ضررا حقيقيا أو منفعة ظاهرية غير حقيقية، باعتبار الحال أو المآل.

- السلطة: هي القدرة على التأثير والتحكم والإمتلاك، أو هي نتيجة هذه القدرة.

- العدل: هو نفع أو حرمان من نفع، أو إضرارٌ ، عن استحقاق.

والظلم: هو إضرار، أو حرمان من نفع، عن غير استحقاق .

- القمع: هو تأثير أو محاولة تأثير على الوجود أو الحضور الطبيعي أو الاجتماعي أو الفكري أو الثقافي لكيان فردي أو جماعي.

- النقد: هو عملية نفسية عقلية وشعورية، تقوم على مطابقة الأفكار والأقوال والأفعال والمواقف والإنجازات للحقيقة الموجودة أو المقصودة، لكشف وتشخيص ما هو حق أو خير أو جميل أو ما هو ضد ذلك، من أجل تثبيت هذه القيم وزيادتها في الفكر والعمل ونتاجاتها.

- العنف هو نفسه نتيجة للاّعنف، العنفيون هم نتائج أو ضحايا للاّعنف ولعناصر لا عنفية:

الإعتقادات والقناعات والتعريفات والتوصيفات وغيرها!

- في الحرب، أية حرب، ربما يخسر الطرفان المتحاربان، وتنتصر أطراف أخرى غير الطرفين المتحاربين! حيث كل حرب هي جزء من حرب كبيرة نسميها الواقع الذي هو عبارة عن عناصر متغالبة أو متآزرة!

- من أشكال خيانة الحق والحقيقة، تزوير الأسماء وعدم تسمية الأشياء بأسماءها الحقيقية!

- من الجهل والسفالة أن من يبحث عن حل لمشكلة الواقع الكبيرة ويتباكى على الحل، هو مشارك في صناعة المشكلة حتى بمذلة كبيرة أو تضحية خبيثة، أو أنه يريد حلاً جاهزا مريحا، ولا يريد أن يشارك في جهود الحل وتضحياته!

ونماذج هذا الصنف كثيرون جدا، وهم أوساخ الواقع الذي يريدونه نظيفاً!

***

جميل شيخو

السبت - 13/ 6/ 2026

تظل الكتابة انثيالاً وجدانياً صادقاً، يعبر عن هواجس الذات، ويجسد هموم الكاتب، وتطلعاته، ورؤاه، تجاه الحياة، والإنسان، والمجتمع، ومن ثم فان الكتابة ليست مجرد تجليات تسطر بكلمات على الورق، أو أفكار تُصاغ في تعابير لغوية، وحسب، بل هي فعل وجداني عميق، يتداخل فيه الشعور بالفكر، والوجدان بالعقل، ليمنح النص عندئذ حيويته، وتأثيره، وقدرته على التواصل، والتفاعل مع الآخرين.

والكتابة، وإن كانت موهبة، وملكة فطرية، يمتلكها ابتداء بعض الناس، دون غيرهم، إلا أنها لا تتوهج بفاعليتها الإبداعية، إلا عندما تقترن بالمعرفة، والخبرة، والتجربة الزاخرة. وبذلك فإن الموهبة قد تمنح الكاتب القدرة على التعبير، ولكنها لا تكفي وحدها، لبلورة نص ناضج، يمتلك القدرة على النفاذ إلى وجدان القارئ، وعقله معاً.

ومن هنا، فإن الكتابة الإبداعية تمثل تفاعلاً متناغما، بين الموهبة، والخبرة، إذ أن كل تجربة يعيشها الكاتب، وكل معرفة يكتسبها، تتحول مع الزمن، إلى تراكم فكري وإنساني، يثري تجربته الكتابية، ويمنح نصوصه، مزيداً من الصدق، والواقعية، والقدرة على التأثير.

ولعل السر في حضور الكثير من الأعمال الأدبية، والفكرية الكبرى، يكمن في حقيقة أنها لم تكن نتاج موهبة مجردة، فحسب، وإنما كانت حصيلة تجارب إنسانية زاخرة، استطاع أصحابها أن يحولوها إلى نصوص نابضة بالحياة، تعبر عن تجليات واهتمامات الكاتب في مختلف أحواله، وظروفه، وتتجاوز حدود زمان، ومكان التشكيل، لتمون بالإضافة إلى كل ذلك، هموما معرفية، وأخلاقية، وجمالية، وليست ترفاً فكرياً، او ممارسة لغوية عابرة، حيث تتطلب من الكاتب، أن يكون شاهداً على تفاصيل عصره، وقادراً على قراءة واقعه، والتعبير عن قضايا مجتمعه بلغة تمتلك صدقية التعبير، والجمال معاً.

وتبقى الكتابة فضاء واسعا لانبثاق تجليات الوجدان، ومرآة تعكس وعي الإنسان بذاته، وبالعالم من حوله، وجسراً يصل بين الموهبة الفطرية، والخبرة المكتسبة، ليولد من تفاعلهما إبداع متوهج، قادر على البقاء، والتأثير في الذاكرة الإنسانية.

***

نايف عبوش

ليس السؤال الذي أطلقه غسان كنفاني في نهاية الرواية سؤالاً عن ثلاثة رجال ماتوا في صهريج تحت شمس الصحراء، بل هو سؤال يطارد البشرية منذ أن تعلّمت الصمت أكثر مما تعلّمت الكلام. فكم من إنسان حمل خزانه على ظهره ومضى؟ وكم من روح اختنقت داخل أسوار الخوف وهي قادرة على أن تصرخ؟

أغلقت الكتاب، لكن الكتاب لم يغلقني. ظلّ أبو قيس يجلس إلى جواري كفلاح اقتُلعت جذوره من ترابها، وظلّ أسعد يركض في ممرات العمر باحثاً عن نافذة تطل على غد أقل قسوة، وظلّ مروان يحمل على كتفيه من الهموم ما لا يطيقه إلا الرجال الذين سرقت الطفولة من أعمارهم قبل أوانها.

أدركت يومها أن الشمس ليست دائماً مصدر الضوء، فقد تكون أحياناً شاهدة على المآسي. وأن الخزانات ليست كلها من حديد، فبعضها يُصنع من الخوف، وبعضها من اليأس، وبعضها من الاعتياد على الألم حتى يصبح الألم وطناً مؤقتاً.

نحن أيضاً نعبر صحارينا الخاصة. لكل واحد منا حدود يحاول اجتيازها، ولكل واحد صهريج يختبئ فيه من مواجهة الحقيقة. قد لا يكون الصهريج خزان ماء، بل وظيفة لا يحبها، أو علاقة تستنزف روحه، أو حلماً أجّله حتى ذبل بين يديه. ومع ذلك يظل السؤال معلقاً فوق الرؤوس كجرس إنذار: لماذا لا ندق جدران الخزان؟

لقد علّمتني الرواية أن الموت لا يبدأ حين يتوقف القلب عن النبض، بل حين يتوقف الإنسان عن المقاومة. وأن الهزائم الكبرى لا تأتي من قوة العدو بقدر ما تأتي من استسلام الروح. فالجدران مهما كانت سميكة تخاف من الطرق المستمر، والظلام مهما طال عمره يرتبك أمام شرارة صغيرة من الضوء.

ما أشبه الحياة بصحراء طويلة، وما أشبه أحلامنا بقوافل تبحث عن واحة. غير أن الفرق بين من يصل ومن يتيه ليس قوة الخطى وحدها، بل الشجاعة في أن يصرخ حين يضيق عليه المكان، وأن يرفض الاختناق بصمت.

لهذا بقيت رواية رجال في الشمس أكثر من حكاية، وبقي سؤالها أكثر من جملة. إنه مرآة نرى فيها أنفسنا كلما خنقنا الخوف، وكلما آثرنا السكوت على المواجهة. وكأن غسان كنفاني لم يكن يخاطب أبطاله الثلاثة، بل كان يخاطبنا جميعاً قائلاً:

إذا ضاقت بكم خزانات الحياة، فلا تموتوا صامتين... دقّوا الجدران، فربما كان خلفها باب ينتظر شجاعتكم فقط.

***

صابر الحميدي

 

بين ذاكرة المكان ومخاطر التسليع

تُعد القشلة، أو "سراي الحكومة القديم"، واحدة من أبرز الشواهد العمرانية التي تختزن في جدرانها فصولاً مهمة من تاريخ بغداد الحديث. فهي ليست مجرد مبنى أثري قائم على ضفاف نهر دجلة، بل سجلٌ مفتوح لذاكرة مدينة عريقة تعاقبت عليها الحضارات والدول، وظلت رغم ما تعرضت له من حروب وتحولات محافظةً على روحها الثقافية وهويتها التاريخية.

يقف هذا الصرح العتيق في قلب بغداد التاريخية شامخاً منذ أكثر من قرن ونصف القرن، شاهداً على حقب سياسية واجتماعية وثقافية متعاقبة. غير أن هذا المعلم التراثي يعيش اليوم حالة من الإغلاق المستمر منذ ما يزيد على عام ونصف العام، وسط مخاوف متزايدة من مشاريع استثمارية قد تفضي إلى تحويله من فضاء ثقافي وتراثي مفتوح إلى مشروع تجاري يفقده روحه ووظيفته التاريخية التي ارتبط بها في وجدان البغداديين.

تعود جذور القشلة إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عندما كانت بغداد إحدى الولايات المهمة في الدولة العثمانية. ففي عام 1861 شرع الوالي نامق باشا الكبير ببناء هذا المجمع ليكون مقراً للإدارة العثمانية وثكنة عسكرية، قبل أن يتولى الوالي الشهير مدحت باشا استكمال المشروع وتطويره. وقد اختير موقعه بعناية فائقة على الضفة الشرقية لنهر دجلة، في منطقة تزخر بآثار وتاريخ يمتدان إلى العصر العباسي، حيث كانت بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية ومركزاً للعلم والثقافة والحضارة.

وهكذا أصبحت القشلة شاهداً على طبقات متراكمة من التاريخ؛ فهي تحمل الطابع العمراني العثماني، لكنها تستند في الوقت نفسه إلى أرض تختزن إرث بغداد العباسية، لتشكل حلقة وصل بين مراحل متعددة من تاريخ المدينة. ومن هذه الخصوصية التاريخية تستمد القشلة أهميتها الاستثنائية بوصفها جزءاً من هوية بغداد وليس مجرد مبنى أثري يمكن تغيير وظيفته أو طمس معالمه.

وكلمة "القشلة" ذات أصل تركي وتعني المكان الذي يقيم فيه الجنود أو الثكنة العسكرية. إلا أن هذا المعنى العسكري الضيق تبدل مع مرور الزمن، لتتحول القشلة إلى أحد أبرز الفضاءات الثقافية والاجتماعية في العاصمة العراقية. فخلال العقود الأخيرة أصبحت ملتقى للمثقفين والفنانين والباحثين وزوار شارع المتنبي، ذلك الشارع الذي يمثل القلب النابض للحياة الثقافية في بغداد.

لقد احتضنت القشلة عشرات المعارض الفنية والفعاليات الأدبية والندوات الفكرية والأنشطة التراثية، وتحولت ساحاتها وأروقتها إلى مساحة للحوار والإبداع والتواصل بين الأجيال. ولم تعد مجرد مبنى أثري يُزار لالتقاط الصور، بل غدت مؤسسة ثقافية مفتوحة تؤدي دوراً حيوياً في تعزيز الوعي بالتراث وحفظ الذاكرة الجمعية للعراقيين.

من هنا تكتسب المخاوف الحالية مشروعيتها. فالأحاديث المتداولة عن استثمار القشلة وتحويلها إلى فضاء تجاري لا تعني مجرد تغيير في استخدام المبنى، بل تثير تساؤلات عميقة حول مستقبل الهوية الثقافية لهذا المعلم التاريخي. فماذا سيكون مصير المعارض الفنية التي كانت تُقام في ساحاته؟ وأين ستنتقل الأنشطة الثقافية التي احتضنتها جدرانه لعقود؟ وما مصير العلاقة الوجدانية التي ربطت أجيالاً من البغداديين بهذا المكان؟

إن تحويل القشلة إلى مطاعم أو محال تجارية أو مشاريع استهلاكية سيكون بمثابة اختزال لتاريخ طويل في وظيفة اقتصادية عابرة. فالمباني التراثية ليست عقارات قابلة للبيع والشراء فحسب، بل هي أوعية للذاكرة الجماعية ومرايا تعكس هوية المدن والشعوب. وحين تفقد هذه المباني رسالتها الثقافية، فإنها تتحول إلى هياكل جامدة خالية من المعنى، مهما بلغت الأرباح التي قد تحققها.

إن الحفاظ على القشلة لا يعني رفض الاستثمار من حيث المبدأ، بل يعني رفض الاستثمار الذي يلغي الهوية ويستبدل الثقافة بالاستهلاك. فثمة نماذج عالمية عديدة أثبتت أن الاستثمار الثقافي المستدام قادر على تحقيق موارد اقتصادية مهمة من خلال السياحة الثقافية والأنشطة التراثية والمعارض والمتاحف، مع المحافظة في الوقت نفسه على القيمة التاريخية للمكان وروحه الأصيلة.

لقد حرم الإغلاق الطويل للقشلة العراقيين، ولا سيما النخب الثقافية والشباب والمهتمين بالتراث، من أحد أهم الفضاءات العامة في قلب العاصمة. وهذا الحرمان لا يمثل خسارة لمعلم أثري فحسب، بل يمثل تراجعاً في مساحة الثقافة العامة التي تحتاجها بغداد أكثر من أي وقت مضى. فالقشلة كانت مكاناً يلتقي فيه الناس على اختلاف توجهاتهم وخلفياتهم، وتغيب فيه الحواجز الاجتماعية لصالح الحوار والمعرفة والفن.

ومن هنا تبرز مسؤولية الجهات المعنية، وفي مقدمتها أمانة بغداد ووزارة الثقافة والسياحة والآثار، في حماية هذا الإرث الوطني وصيانته وإعادة فتحه أمام الجمهور. فالمطلوب ليس مجرد ترميم الجدران والأروقة، بل إعادة إحياء الدور الثقافي للقشلة بوصفها مركزاً حضارياً مفتوحاً يحتضن الفعاليات الفنية والأدبية والتراثية، ويشكل جسراً يربط الماضي بالحاضر.

إن القشلة ليست ملكاً لمؤسسة أو جهة بعينها، بل هي جزء من الذاكرة الوطنية العراقية وملك لكل من يرى في بغداد مدينةً للعلم والثقافة والجمال. ولذلك فإن الحفاظ عليها هو حفاظ على جزء من شخصية العاصمة نفسها، وعلى واحدة من العلامات التي تمنح بغداد خصوصيتها بين مدن العالم.

إن ما تواجهه القشلة اليوم يجسد صراعاً حقيقياً بين منطق الربح السريع ومنطق الحفاظ على التراث والهوية. وبين هذين الخيارين ينبغي أن يكون الموقف واضحاً: فالأمم التي تفرط بذاكرتها تفقد جزءاً من مستقبلها، والمدن التي تبيع معالمها التاريخية تفقد شيئاً من روحها.

وفي الحديث عن القشلة، لا يمكن إغفال معلمها الأشهر والأكثر حضوراً في ذاكرة البغداديين: ساعة القشلة، تلك الساعة التاريخية التي ارتفعت فوق برجها الشاهق منذ أواخر القرن التاسع عشر، لتصبح واحداً من أبرز رموز بغداد العمرانية. لم تكن الساعة مجرد أداة لقياس الزمن، بل تحولت عبر العقود إلى شاهد صامت على تحولات المدينة وأفراحها وأحزانها، تراقب من علٍ حركة الحياة على ضفاف دجلة وتتابع تعاقب الأجيال في أزقة بغداد وأسواقها.

لقد ظلت عقارب الساعة تدور فيما كانت بغداد تواجه الحروب والأزمات والتغيرات السياسية الكبرى، وكأنها تذكّر أبناء المدينة بأن الزمن يمضي، وأن المدن العظيمة تبقى ما بقيت ذاكرتها حية. ولهذا أصبحت ساعة القشلة جزءاً من الوجدان الشعبي البغدادي، ورمزاً للاستمرارية والصمود في مدينة عرفت من المحن بقدر ما عرفت من المجد.

واليوم، بينما تغلق أبواب القشلة وتتعاظم المخاوف بشأن مستقبلها، يبدو المشهد وكأن الزمن نفسه قد توقف خلف تلك الجدران العتيقة. فالقضية لم تعد قضية مبنى أثري مغلق فحسب، بل قضية رمز تاريخي وثقافي يمثل جزءاً من هوية بغداد الحديثة. وإذا كانت ساعة القشلة قد واصلت دقاتها لأكثر من قرن وهي تروي للأجيال قصة مدينة لا تنكسر، فإن أقل ما تستحقه اليوم هو أن تبقى شاهدة على الحياة الثقافية والإبداعية التي احتضنتها القشلة، لا أن تتحول إلى شاهد على اندثارها.

إن الحفاظ على القشلة هو في جوهره حفاظ على الساعة التي تقف فوقها، وعلى الذاكرة التي تختزنها، وعلى العلاقة العميقة بين المكان وأهله. فحين تُصان القشلة، لا نحافظ على جدران من الآجر والحجر فحسب، بل نحافظ على نبض بغداد ذاته، وعلى ذلك الصوت الرمزي الذي ظل يعلن عبر الزمن أن لهذه المدينة تاريخاً يستحق الاحترام ومستقبلاً يستحق الحماية.

القشلة اليوم لا تتحدث بلسان البشر، لكنها تنطق بجدرانها العتيقة وساعتها الشهيرة وأروقتها التي شهدت مرور أجيال متعاقبة من أبناء بغداد. إنها تطلق نداءً صامتاً من أجل الحماية والإنصاف، فهل تجد من يصغي إليها؟ وهل يليق بهذا الصرح التاريخي العريق أن يبقى أسير الإهمال أو أن يتحول إلى سلعة في سوق الاستثمار؟ أم أن الواجب الوطني والثقافي يقتضي أن يبقى منارةً للذاكرة والإبداع، ورمزاً لبغداد التي قاومت النسيان وظلت حيةً في وجدان أبنائها؟

***

جورج منصور

الشعر في أمتنا صنعة أو حرفة كغيرها يتكسب بواسطتها أصحابها، وهي السلوك الطاغي في مسيرة الشعراء عبر العصور، فأغراضهم الأساسية المديح والهجاء والرثاء، وهي تجلب المال والجاه، أما الغزل فغرض لا يدر مالا أو عطايا.

ومعظم الشعراء المعروفين والبارزين في واقعنا المعرفي هم المتكسبون المداحون المقربون من كراسي السلطة وبلاط السلطان.

منذ زهير بن أبي سلمى إلى البحتري وأبي تمام والمتنبي وأبي نؤاس وما بعدهم، والعديد من شعراء القرن العشرين.

وليس عيبا أو مثلبة ما قاموا به لأنهم يريدون العيش ولا مهنة عندهم سوى قول الشعر، وبه يتكسبون ويغنمون، وتلك وسيلة العيش المتاح والمأمول منهم.

في زمن قل فيه الإبداع المادي فتنامى الإبداع اللفظي، وصارت الكلمة قوة وطاقة للفعل المتميز المعبر عن الإرادة والطاقة النفسية المعتلجة في الأعماق.

لا يوجد شاعر في تأريخ المسيرة المعرفية للأمة لم يتكسب بشعره أو ما يخطه يراعه، حتى في زمننا المعاصر هناك العديد من الذين يتكسبون بشعرهم ونتاج أقلامهم.

الشعر عندما يصبح ترفا وتعبيرا عن الرفاهية والعيش الرغيد لا يرقي إلى مرتبة الشعر، بل عليه أن يكون نابعا من صلب المعاناة والحاجة واللوعة بأنواعها، وأن يكون للحرمان دوره في إطلاق الدفق الشعري.

الشعر موهبة، بحاجة إلى ظروف بيئية لتصنيعها والتعبير عن مكنوناتها، وأكثر الشعراء الموهوبين، كان بلاط الحكم لهم منطلقا للوصول إلى أرقى ما تجود به قرائحهم من المديح والتبجيل، فكلماتهم كانت تعني المال والجاه والتقدير والتكريم الباذخ.

وليس كل مَن كتب الشعر بشاعر، فالشعر عالم يرقى إليه القليلون من القائلين شعرا!!

"وبعض الحروف كضغط الزناد

تصيب القلوب وتدمي المقل

وبعض الحروف كشرب الدواء

تداوي الجروح وتشفي العلل"

***

د. صادق السامرائي

دراسة مقارِنة مختصرة بين اللغات..

هناك مزايا تخص اللغة العربية لا يمكن وصفها الّا بأنها عظيمة منها وجود ضمير المثنى، وحيث الوجود كله يقوم على الثنائية سواء في التضاد مثل الكرم والبخل، والشجاعة والجُبن، أو في التكامل والتتميم مثل الليل والنهار، والرجل والمرأة!!

المثنى لا يوجد في بقية لغات العالم على حد علمي.. هناك كلمة (Both) في الانجليزية، وكلمة (Beide) في الألمانية، ومن الممكن ترجمة هاتين الكلمتين بالرديف اللغوي العربي (كلاهما).. لكن الأمر لا يتعدى هاتين الكلمتين، امّا في اللغة العربية فيذهب المثنى في الأفعال والضمائر.. وهو بوابة لغوية ونحوية خاصة تختلف عن بوابة المفرد وبوابة الجمع..

كما ان في العربية مئة اسم للحُب منها: عشق، وجد، هيام، غرام، تبريح، صبابة، استكانة، شوق، ميل، ود، لاعج، جوى، جنون، خبل، الداء المخامر.

وفي بعض الأحيان قد نجد كلمة واحدة في اللغة العربية من الصعب ترجمتها بكلمة واحدة لتكون رديفها الأجنبي مثل كلمة (سمير) أو (نديم).

فكلمات مثل سمير ونديم لا تعني (صديق) فقط، بل ان كل كلمة حالة خاصة من الصداقة لها طقوس وأجواء ومشاعر ومتطلبات..

سأحاول مثلاً ترجمة كلمة (سمير) الى اللغة الألمانية لنرى انها من الممكن أن تكوِّن في ترجمتها أكثر من جملة اذ يمكن ترجمة كلمة (سمير) تقريباً ب:

Der Freund mit dem man schöne nächtliche Unterhaltungen in netten Atmosphären führt.

ولو نقلنا نفس هذه العبارة الألمانية أعلاه التي تترجم كلمة سمير الى العربية لوجدنا انها:

(الصديق الذي يشترك معه الانسان في محادثات ليلية جميلة في أجواء اليفة).

هذا ما تقوله العربية في كلمة واحدة باختصار وتركيز عجيب غريب هي كلمة سمير، بل ان كلمة (سمير) في العربية تقول أكثر من هذا..

بقي ان أقول ان هذه الدراسة المختصرة هي جزء من عمل اكاديمي فصلي قدمته في جامعة برلين بطلب من استاذتي في الأدب المقارن بعد حديث ومناقشة بين الاستاذة والطالبات والطلّاب حول خواص اللغات وعلاقتها بالأدب، حيث تحدثتُ فيه عن خواص اللغة العربية فكانت فكرة الاستاذة ان انجز العمل الجامعي الفصلي الواجب لنيل درجة النجاح في الفصل الدراسي حول هذا الموضوع بكتابة تحقيق أقرأه وأحاور فيه في محاضرة قادمة، وهكذا كان.

***

كريم الأسدي - العراق

ليست الكتب التي تستقرّ على الرفوف أوراقًا مجلّدة فحسب، بل هي أعمار أخرى نعيشها، ومدن نؤثثها في الداخل قبل أن نؤثث بها زوايا المكتبة. وحين أتأمّل هذه الروايات الثلاث مصطفّةً في هدوء، أشعر أنّها لا تتجاور فوق الخشب بقدر ما تتحاور في أعماق الروح.

«مدينة تسكنني» ليست رواية عن مدينة، بل عن ذلك المكان الخفيّ الذي يظلّ يقيم فينا مهما ابتعدنا عنه. فبعض المدن لا تُرسم على الخرائط، بل تُنقش في الذاكرة، وتتحوّل إلى نبضٍ سرّيّ يرافقنا كلّما ظننّا أنّنا غادرناها.

أما «أقحوان منتصف الليل» فهي شهادة على قدرة الجمال على أن يزهر في أكثر اللحظات عتمة. فليس الليل نقيض الضوء دائمًا، بل قد يكون رحمًا للحلم، ومساحةً تكتشف فيها الأرواح هشاشتها وقوّتها في آنٍ واحد. وكما تتفتّح الأقحوانة في صمت، تتفتّح المعاني العميقة بعيدًا عن ضجيج النهار.

ثم تأتي «أجنحة الشوك» لتذكّرنا بأن التحليق الحقيقي لا يولد من الراحة، بل من الألم. فالشوك ليس دائمًا عائقًا، بل قد يكون الدرس الذي يمنح الأجنحة صلابتها. وما من إنسان بلغ سماءه الخاصة إلا وحمل في قلبه بعضًا من جراح الطريق.

هذه الروايات الثلاث ليست مجرد عناوين في مكتبتي؛ إنها محطات من رحلة البحث عن الذات. واحدة تسكن الذاكرة، وأخرى تنير العتمة، وثالثة تعلّم القلب كيف يحلّق رغم الجراح. لذلك أراها كلّ يوم كأنها مرايا صغيرة تعكس وجوهًا مختلفة من الحكاية ذاتها: حكاية الإنسان وهو يعبر الحياة بين الحلم والحنين والأمل.

وحين يزورني الصمت، أجدها هناك، متراصّةً في وقارٍ جميل، لا تزيّن مكتبتي فحسب، بل تزيّن شيئًا أعمق من ذلك بكثير: تزيّن روحي.

***

د. صابر الحميدي

 

وبعدُ سيدي،

فإني لا أستطيع كتم ما فاض من قارورة روحي بعد الآن، فكان لزامًا عليّ أن أجعل كلماتي تتدفق من قلمي كجداول، لعلها تصل إلى بابك البعيد الموصَد، فيصيبك شيءٌ من قلقي.

ولكن يا سيدي، حين تضيق الدروب بما رحبت، وتثقل الأيام كاهل العابرين، لا يحتاج المرء دائمًا إلى معجزات كبرى، بل قد تكفيه التفاتةٌ رقيقة تُرمّم ما تصدّع في أعماقه...

في زحام الحياة العابث، حيث يركض الجميع دون التفات، ثمة أرواح تذبل صمتًا خلف واجهات متبسمة...

لا تطلب هذه الأرواح الكثير، بل تترقب غيمة حنانٍ ممطرة عابرة، وكلمة طيبة تُقال بصدق، فتسقط على القلب كأول قطرة مطر في أرضٍ قاحلة.

ما الحال يا سيدي؟ فأنا ادّعيت كثيرًا نسيانك، وكتبت في ذلك كلماتٍ عديدة، لكني أعلم أن روحي تحنّ إليك، تفتش عنك في داخلها كل يوم، حتى إن أحرفي باتت تسألني عنك، وفي كل مرة أجدك تتربع على عرشها.

اطمأننتُ لذلك، وإن كان طمأنينةً حزينةً مؤقتة، لأن شوقي إليك يعلم أنه سيُقتل على يدك مرارًا وتكرارًا.

ومن جهة أخرى، تستعذب روحي تلك الهواية المفضلة: الشوق إليك.

أتدري؟ سأخبرك سرًا: أنا عاجزة عن تعليم قلبي أي لغة أخرى سوى الاشتياق لك، عاجزة عن رسم نقشٍ لا يحمل وجهك.

لقد أصبح قلبي كبحرٍ لا يقبل أسماكًا جديدة؛ فملوحة مياهه من الشوق تطرد كل ما سواك.

إني والله أصبحت كفنجان قهوةٍ مسكونٍ بأشباح صورتك وكلماتي التي كتبتها لك، ومسكون بالماضي والوهم المعتّق بلا عودة، لكن للأسف لا أحد يتجرّع مرارة هذا الفنجان غيري.

آهٍ لو تعلم كم حاولتُ حذف اسمك الجميل من لغتي، وكم جربتُ من الملهيات والمشتتات لأتغير، ولكني أعترف أني لم أبرع في إكمال هذه المسرحية الهزلية طويلًا، فكانت المحصلة أني ما زلت أحبك وأشتاق إليك.

إن وقع ذلك مؤلم على روحي، وطعمه مَرّ على شفتي.

ولكن يا سيدي،

لا مهرب من الاعتراف أني ما زلت أمرّ في أزقة الذكريات وحيدة، وأعبر حكاياتي كأميرة تتخلى عن عرشها، وتتوج نفسها بالسقوط، تاركة كل المحاولات التي لم تعد على مقاس روحي.

وما زالت السنوات تمر، ولا أجد لها طعمًا إلا طعم الحنين، ولا رائحة إلا رائحة دموعي. تمر السنين ولا أجد نديمًا يشاطرني حزنها، غير تلك المساءات الحزينة التي كنا نمضيها معًا، والمشاعر الجميلة.

تمر السنوات ولا أعرف أن أعنون لها بكلمات أخرى، سوى: أنا وأغنية فيروز «بعدك على بالي»، تلك الأغنية التي كلما سمعتها في مذياعي، ارتديت كفنًا من الحنين والشوق، وابتسمت للموت الناعم ببعدك.

وتمر السنوات ولا أجد تجربة تعيد روحي إلى سيرتها الأولى، وإلى سنين الطفولة المرحة.

وتمر السنوات وأنا ومحمود درويش لا عرش لنا إلا هوامش الذكرى، أتمرّ عليها ولا أمرّ معها، بل أظل واقفة هناك في شارع الذكريات، وعلى ظهري حقيبة أحلامي الطفولية البيضاء التي تحولت إلى قرمزية، وفي روحي دفتر قصائد وسيناريو حياة لم يرَ النور بعد، وعلى لساني هدير كلمات لا أعرف لمن تُقال.

فماذا حدث؟

***

ذكرى البياتي

 

(فإنكم لو عاينتم ما عاين من مات منكم... لشغلكم عن دنياكم).. الإمام علي بن أبي طالب

في هذا القول ما يتجاوز الحكمة إلى هاوية. فهو لا يوبخ الإنسان لأنه يجهل بل لأنه يمر على الهاوية كأنها منظر عابر. لا يقول لو سمعتم ولا لو تخيلتم بل لو عاينتم. كأن الحقيقة لا تبدأ إلا حين تسقط المسافة بين العين والحق. وهذا بالضبط ما يفعله فاسيلي فيريشاغين في لوحته بعد الفشل سنة ١٨٦٨. اللوحة جزء من مجموعة لوحات تروي ما عاينه حين شهد حروب الأمبراطورية الروسية في آسيا الصغرى. هنا في هذا المشهد لا نرى سمرقند و هو هنا لا يروي الحرب بل يوقفنا بعد انقضائها مباشرة في اللحظة التي يفترض أن تكون أكثر اللحظات قدرة على الكشف... واللحظة ربما هي كذلك...فإذا بها أكثر اللحظات عريا وصمتا.

ليست عبقرية اللوحة في موضوعها وحده بل في أنها تختار ما بعد الفعل لا الفعل نفسه. الرسام لا يذهب إلى ذروة الاشتباك بل إلى ما يراه الناس أقل أهمية.2878 ahmad

 اللحظة التي تصير فيها الكارثة معتادة على نفسها. الأجساد مبعثرة بثيابها الحمراء وعمائمها البيضاء كأنها بقايا معنى لم يحتمل الواقع اكتماله. السور الطيني لا يحاصر المكان فقط بل يحاصر النظر أيضا والسماء الشحيحة لا تفتح أفقا بل تزيد الاختناق كثافة. هنا لا يعود الموت حادثة بل مناخا يخيم على اللوحة كلها. والخطر في هذا كله أن الخراب حين يطول لا يعود استثناء بل يصبح صورة للعالم كما ينبغي أن يكون.

وما يجعل اللوحة أكثر قسوة أن مركزها ليس القتلى بالضرورة بل الأحياء او من نظنهم أحياء. الجندي الواقف لا يصرخ ولا يطعن ولا يهرب...هو يدخن. وهذه الحركة الصغيرة الهادئة هي نقطة المفارقة الفنية. لم يرسم فيريشاغين وحشا بل رسم إنسانا عاديا فقد حساسية النظر. هذا اجده أشد إزعاجا من أي وحش لأن الوحش يعلن نفسه أما الإنسان الذي تعود فهو يختفي داخل العادة حتى يظن نفسه بريئا. كأن الرسام يقول إن الكارثة لا تكمن في القتل وحده بل في اللحظة التي يصير فيها الدم و الجثث جزءا روتينيا من المشهد. الدخان في المقابل جزء من الطمأنينة والوقوف فوق الموت أمر لا يستفز أحدا.

يقول المتنبي في احد قصائده الشهيرة...

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله

وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

هذا البيت لا يفسر اللوحة من خارجها بل يكشف قانونها الخفي. الجندي هو مثال ذلك الذي ينعم في قلب الشقاوة لا لأنه انتصر بل لأنه كف عن الشقاء بالفهم. والنقطة الأشد على الفهم هنا ليست الجهل بل الطمأنينة التي يصنعها الجهل لنفسه. فالمأساة لا تبدأ عندما يجهل الإنسان بل عندما يتصالح مع جهله حتى يصبح الخراب خلفية صامتة لحياته. واللوحة لا تسأل من الذي مات بل من الذي لم يعد يشعر وهو السؤال الأشد وطأة لأنه لا يوجه إلى الجندي وحده بل إلى كل عين تستطيع أن ترى ولا تتغير.

وحين نعود في النهاية إلى قول الأمام علي... ربما السؤال هنا... ماذا فعلت بك المعاينة؟ هل شغلتك عن دنياك أم رفعت عينيك وأغلقت الصفحة ومضيت؟ علي ابن ابي طالب  لم يقل إن المعاينة تغير قال إنها تشغل وذلك الثقل الضروري يعني أن ما رأيته دخل فيك ولم يعد خارجك. الجندي في اللوحة لا يحمل ثقلا. دخانه يتصاعد خفيفا بشكل لا يطاق وكأن العالم كله يمكن أن يختزل في هذه الخفة المريعة.

***

د. احمد عابر

 

في المثقف اليوم