عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

الهند والصين نفوسهم تقترب من ثلاثة مليارات، ولديهم أربابا تقارب المئتين وعقائد متنوعة قد تصل الألف ويعيشون بسلام، والمسلمون رب واحد ودين واحد وكتاب واحد ودماؤهم تسيل وصراعاتهم في أجيج طويل، فأين العلة؟

الدولتان المذكورتان محكومتان بدستور وقانون، ويتمسك الجميع براية الوطن، وتكون المواطنة هي القيمة العليا، والوطن الوعاء الذي على الجميع المحافظة عليه وصيانة كيانه، فهل تستطيع قوة أن تمزق مجتمعاتهما، مهما بلغت من بطش وعتو؟

دول الأمة أبناؤها أرقام، وراياتها تداس بالأقدام، والمواطن مظلوم مضام، يتبع ويقبع ويُلام، والسراة مع الأعداء في وئام.

من الشطارة في مجتمعاتنا أن تدوس على رأس القانون، وتتبجح بالمحسوبية والمعرفة الشخصية لصاحب القرار، لأنك ستحصل منه على ما تريد بشتى الأساليب، فهو من الذين يريدون تنمية منافعهم الشخصية، ولن تجد مَن يضع مصلحة البلاد والعباد أولا، إلا فيما ندر.

في مجتمعاتنا الدينة أمضى سلاح لتمزيقنا وتدمير وجودنا، وعزلنا عن حاضرنا وقطعنا عن مستقبلنا.

وأدعياء الدين (رجال الدين) معظمهم و يتاجرون بما يسمونه دين، ويضحكون على عقول المساكين، من أبناء البلاد المُجَهَّلين بالدين، والذين تمرغت رؤوسهم بأوحال الخرافات والأساطير المتكررة، التي تحولت إلى دين يدر أرباحا وغنائمَ على سادته المبجلين.

وفيما تقدم يكون بعض الجواب على سؤال: "لماذا يتنعم الأشرار بينما يتعذب الصالحون الأبرياء"

أمّةُ الدين بدينٍ أحْرِقَتْ

وبأفكارِ عَدوٍّ أجْهِضَتْ

إنّها عانتْ وخابَ ظنُّها

وتوارتْ بحَضيضٍ وانْزوَتْ

كلّما جاءَتْ لنَبْعٍ دافقٍ

يَتَولاّها سَقيمٌ فانْتَهَتْ

***

د. صادق السامرائي

من نحن؟ وأين يكمن الإنسان فينا؟

سؤال خرجتُ به من مسرحية "الجدار" للمخرج سنان العزاوي، الحاصلة على جائزة قرطاج، بعد أن شاهدت العرض كاملًا، وتأملت في مشاهده ورموزه، وما أثاره في داخلي من أسئلة تتجاوز حدود المسرح إلى الإنسان والمجتمع وما آل إليه.

لطالما قيل: "العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة". لكنني وأنا أشاهد هذا العرض فكرت في إمكانية قلب المقولة، فربما يكون الفن الجيد الهادف نفسه هو "العملة الجيدة" التي تستطيع أن تطرد شيئًا من الرداءة، أو على الأقل تكشفها وتضعها أمام أعيننا عارية من الأقنعة.

من أول ما وقعت عليه عيني في العرض ذلك الجدار، جدار له أبواب مغلقة، وثقوب، وعليه شخابيط وآثار تشبه ذاكرة مكان أنهكته السنوات. وبين حين وآخر يُفتح باب، فيخرج منه شيء من المسخ، والتشوه، والقبح، والزيف.

هنا بدا لي أن الجدار ليس مجرد جزء من الديكور، وإنما هو بطل آخر من أبطال العرض.

إنه ما نخفيه، وما نسكت عنه، وما نحاول ألا نراه.

سنوات الحروب والطائفية والإرهاب والخوف والانقسام لم تعبر فوق المجتمع من دون أثر، لقد خلخلت منظومته القيمية، وأنهكت الإنسان، وشوهت بعض المفاهيم، وجعلت كثيرًا مما كان مستورًا يطلب لنفسه منفذًا إلى الخارج.

ولعل الجدار في هذه القراءة هو تلك المساحة التي تُحجز خلفها الأشياء التي لا نريد مواجهتها، غرائز الانحطاط، والتسافل، والزيف، والقبح، وكل ما يخشى الإنسان أن يراه في نفسه أو في مجتمعه.

وكان لافتًا أن يخرج هذا التشوه من خلف الجدار عبر عدد من الشخصيات النسائية.

لا أقرأ حضور المرأة هنا بوصفه إدانة للمرأة، بل أراه في سياق العرض ورمزيته صورة للحياة حين تُصاب بالتشوه، فالمرأة واهبة الحياة، وما يقوم على صلاحها من أسرة، ثم مجتمع، يمكن أن يصبح هو الآخر ضحية حين تتسلل إليه غرائز الانحطاط والتسافل، وتُشوّه معاني الحب والجمال والحياة نفسها.

وهنا استعاد العرض بالنسبة لي سؤالًا كنت قد كتبت عنه قبل مدة: من نحن عندما تقودنا غرائز الانحطاط والتسافل؟

وأظن أن "الجدار" قدّم إجابته بطريقته الخاصة.

نصبح ذلك المسخ الذي رأيناه يخرج من خلف الجدار.

نصبح تشوهًا لمعانينا حين نفقد البوصلة التي تجعل الإنسان إنسانًا، حين تنقلب المفاهيم، ويُشوّه الحب، ويُبتذل الجمال، وتتحول الغرائز إلى قائد، وتصبح الأخلاق شيئًا يمكن التنازل عنه كلما اقتضت المصلحة أو اللذة أو الخوف.

ولم أشعر أن الجدار يفصل ما وراءه عن المجتمع بقدر ما شعرت أنه يكشف العلاقة بينهما، فالأبواب التي تُفتح بين حين وآخر تقول إن ما نخفيه لا يبقى مخفيًا إلى الأبد. ما وراء الجدار يجد طريقه إلى الخارج، ويتحول من شيء مستور إلى سلوك، ومن سلوك إلى ظاهرة، ومن ظاهرة إلى واقع يعيشه الجميع.

وهنا تكمن إحدى أكثر الأفكار إيلامًا في العرض بالنسبة لي: أن الانهيار الأخلاقي لا يبدأ دائمًا من مظاهره الخارجية، وإنما قد تكون له جذور أعمق، مختبئة خلف جدار من الصمت والتبرير والتطبيع مع القبح.

وكلما فُتح باب، خرج شيء مما أخفيناه.

حتى يصبح السؤال أكبر من المسرحية نفسها:

هل نحن الذين بنينا الجدار، أم أن الجدار هو الذي بنانا؟

وربما هنا يكتسب الفن وظيفته الحقيقية، ليس أن يعظنا، ولا أن يمنحنا إجابات جاهزة، وإنما أن يضع مرآة أمام ما نحاول ألا نراه، وأن يجعلنا نتساءل: ماذا فعلت بنا كل هذه السنوات؟ وأين بقي الإنسان فينا؟

ولعل أقسى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان هو أن يفقد إنسانيته وهو ما يزال يمشي على الأرض، أن يصبح أسير غرائزه، وأن يتراجع العقل والقيم والضمير، حتى يصدق فيه المعنى القرآني:

"أولئك كالأنعام، بل هم أضل سبيلا".

خرجتُ من "الجدار" وأنا لا أفكر فقط بما كان خلفه، وإنما بما قد يكون مختبئًا خلف جدران كثيرة داخلنا.

وربما لهذا كان العنوان ذكيًا إلى هذا الحد، لأن الجدار الحقيقي ليس دائمًا ذلك الذي نراه أمامنا، وإنما ذلك الذي نبنيه في داخلنا كي لا نرى ما وراءه.

وحين يسقط الجدار، قد تكون الصدمة مؤلمة، لكنها قد تكون أيضًا بداية الرؤية.

وربما تكون الرؤية بداية اليقظة.

***

د. حميدة القحطاني - أستاذة جامعية

 

رغم شهرته في تونس وخارجها ما يزال في حاجة إلى القراءة والدراسة فأنا إلى حد اليوم لا أعلم بشهادة دكتوراة واحدة حول الشابي برغم عديد كليات الآداب في تونس!

فهل التونسيون من نقاد وجامعيين على اِختلاف درجاتهم وأجيالهم أوفوا الشابي حقه!

إلا إذا استثنينا الأديب - أبا القاسم كرو - وقلة قليلة كتبوا عنه ما كتبوا عرضا وبمناسبة من المناسبات.

الشابي وغير الشابي كثيرون...!

- 2 -

مسائل عديدة مازالت لم تدرس في مدونة الشابي من بينها رسائله وشعره النثري وجانب التصوف الضارب في أعماق شخصيته ذات الأصول الشابية وهي الحركة التي قامت على أسس دينية ضد الغزو الإسباني والتركي لتونس

- 3 -

 أضيف أيضا هذه المعلومة المؤسفة أن ديوانه لم يُنشر إلا بعد أكثر من عشرين سنة وإلى اليوم لم يُطبع - أغاني الحياة - ولم يظهر بالصفة التي أرادها الشابي من حيث عدد القصائد وترتيبها .

وبكل اِعتزاز أنا جمعت ونشرت له في بيت الحكمة بتونس سنة 2009 قصائده النثرية تحت العنوان الذي اِختاره وهو - صفحات من كتاب الوجود - ونشرت له في كتابي - الضفة الثالثة - سنة 2019 قصيدا غير معروف نشرته له مجلة الرسالة المصرية على إثر وفاته .

- 4 -

طالما لا تهتم مؤسساتنا التعليمية مدرسية وجامعية ووسائل إعلامنا بمختلف مجالات ثقافتنا الوطنية وبممثليها ورموزها فإن النسيان سيمحوها من الذاكرة الجماعية بل سيطمع غيرنا في نسبته إليه مثلما يعملون الآن على تسجيل ابن خلدون باِسمهم...!

- 5 -

ختاما أقول هذه الطرفة الكئيبة:

 عندما لقيت في معرض الكتاب أمام رفوف - بيت الحكمة - وفي يدي كتاب قصائد الشابي النثرية قال لي في نبرة عتاب ولوم:

يكفينا من الشابي يا سُوف...!

***

سُوف عبيد

 

يُعد مؤيد الراوي أحد أبرز الشعراء العراقيين في ستينيات القرن الماضي، وانتمى إلى ما عُرف بـ"جماعة كركوك". عمل في مجال الصحافة، وكان أحد رموز التجديد في الشعر العراقي الحديث. صدرت له مجموعات شعرية عدة، منها "احتمالات الوضوح" و"الممالك"، وآخرها "سرد المفرد" التي صدرت عن دارالجمل" قبل يومين فقط من رحيله."

لم يكن بيت مؤيد الراوي يبتعد عن بيتنا في حي "عرفة" بكركوك سوى خطوات معدودة. كانت تلك الأزقة الحجرية والأرصفة المرتبة بإعتناء تختزن في مسامّها روائح الفحم والخبز والدهشة. وكان مؤيد، بشعره الكثيف القاتم السواد ونظارته الداكنة، يمرّ من أمام بيتنا بخطواتٍ متأنية، كأنه يمشي في حقل من الأفكار لا في شارع ضيّق من شوارع المدينة.

كنت صغيراً يومها، لكن صورته ما زالت معلّقة في الذاكرة كلوحةٍ عتيقةٍ في صدر غرفةٍ لا يزورها الضوء إلا نادراً. كان يدخل بيتنا أحياناً، فيتحدث مع أخي الكبير "ناصر" بلغة عربية فصيحة، ممزوجة بنبرةٍ بغدادية رخيمة، بينما كان يخاطب والدتي بالتركية أو بالتركمانية الدارجة، لغة الحياة اليومية في كركوك، وأحياناً بالآشورية. كان يجيد الانتقال بين اللغات كما ينتقل الشاعر بين الصور، بلا تكلّف ولا ارتباك.

وفي بعض الأحيان، كان يلتحق به "جان دمو"، ذلك الكائن المتمرّد الذي لا يعرف معنى للنظام. كان بيته ملاصقاً لبيتنا، لا يفصل بينهما سوى جدار من الطابوق الأحمر. أتذكّره وهو يطرق بابنا في أوقاتٍ غير متوقعة، وكان كثيراً ما يبصق على الأرض أو في الهواء، أينما كان وبلا تردد. وهذا ما كان يغيض والدتي فتثور لتوبخه. لكنه كان يبتسم ابتسامة جانبية غامضة، ويقول لي بصوته الخفيض:

"هلو جورج، خلصت السكائر.. روح جيبلي علبة من الكانتين".

 وكانت الكانتين مجمعاً تجارياً نظيفاً، تتوفر فيه حاجات الناس المختلفة.

كنت أركض بحماس لأشتري له السجائر، كأنني أشارك، من حيث لا أدري، في طقس سري من طقوس أولئك الشعراء الكبار الذين كانوا يسكنون بيننا، ولم نكن نعرف، ونحن أطفال، كم كانوا استثنائيين.3334 george

كنت أدرك، وأنا ما زلت طفلاً، أن مؤيد الراوي ليس رجلاً عادياً. كان شاعراً وصحفياً وخطاطاً ورسّاماً؛ مواهب عدة اجتمعت فيه.

أذكر أنني زرت بيته ذات مرة برفقة شقيقه الأصغر "فؤاد". وما إن فتح باب غرفته حتى داهمني غبار الدخان. كان كثيفاً كالضباب، إلى درجة أنني شعرت بالغثيان. وما إن خطوت إلى الداخل حتى أحاطت بي الألوان من كل صوب: لوحات تملأ الجدران، وخطوط عربية تمتد كأنها أنهار من حبر أسود.

وسط تلك الفوضى الجميلة من الكتب واللوحات والرماد، كانت هناك لوحة «بورتريه» لفتاة آشورية جميلة تسكن بالقرب منه. قيل لنا إنه كان يحبها بصمت، وأنه رسمها مرات عديدة، كأنه يريد أن يحفظ وجهها من شبح النسيان.

كان مؤيد يدخّن سيجارته بشراهة تأملية؛ يشعلها كما يشعل قصيدة، ثم يدخنها حتى منتصفها فقط، كأنه لا يريد أن يستهلك جمرها تماماً. بعدها يطفئها، ويلويها بين أصابعه، ويرميها جانباً. كنت أراقب هذه الحركة فأشعر أنها لم تكن عابرة، بل جزءاً من طقس يومي لمصالحة نفسه مع عالم لا يرحم.

مضت سنوات طويلة لم أره فيها، حتى جاء اللقاء في برلين ليكسر تلك الحلقة. هناك، في بيته ـ مرسمه، وجدت عالمه ماثلاً أمامي: جدران تحمل لوحات تتنفس فناً، وألوان تعانق بساطة الأثاث في أرجاء الغرفة. إلى جانبه كانت تقف زوجته، الصحفية فخرية صالح، شريكة دربه.

كان الزمن قد نال من جسده النحيل حتى أوشك على الانحناء، لكن عينيه ظلّتا المعجزة؛ بقيتا كنجمين متألقين، تشعان ذكاءً قديماً وحنيناً لا يعرف الزوال.

تحدثنا طويلاً عن كركوك، وعن الشعر، وعن الرحيل الذي لا ينتهي. وبعد فترة قصيرة، تسلل المرض إليه، وشلّ حركته شيئاً فشيئاً، ثم خمد صوته، كما كانت تخمد سيجارته في آخر الليل.

اليوم، في التاسع من تشرين الأول (أكتوبر)، تحل الذكرى الحادية عشرة لرحيل مؤيد الراوي في برلين. لكن روحه ما تزال معلّقة في تلك الأزقة القديمة في كركوك، عالقة بين دخان سجائره، وألوان لوحاته، وصدى لغاته المتعددة.

اتسمت لغته الشعرية بغموض ظاهر، غير أن بناءه اللغوي تميز بالشفافية والاعتماد على الرمزية والصور البلاغية. وفي ديوانه "سرد المفرد" نقرأ:

الأشياءُ كثيرةٌ

تولدُ الأشياءُ

دوامةٌ يديرُها طبعُ إلهٍ

مَنْسوخةٌ تَمضغُ الأشياءَ

تَغزِلُ من الغيابِ شباكَ

تَضيعُ فيها وتُسجَن

تحرسُها الكواسجُ

لا مقصَّ تُقطَعُ به الخُيوطُ

فتمضي بنا نحو القاعِ

تنحني الكتفُ وتصنعُ الألغازَ

ننشغلُ بها وتَطرُقُنا كَثْرَةُ الرموزِ

سلامٌ لروحك، أيها الراوي، ولأيام كنا نعبرها ببطء، كأنها هي نفسها تخاف من أن تنتهي.

***

جورج منصور

أعلنت الأكاديمية السويدية في ستوكهولم، اليوم الخميس، منح جائزة نوبل للآداب لعام 2026 للكاتبة والشاعرة الكندية آن كارسون، تكريماً لأعمالها الجريئة والمبتكرة التي تدمج البحث الأكاديمي بالتجريب الشعري، وتسهم في إعادة ابتكار أشكال الأدب المعاصر عبر حوار خلاق مع التراث الكلاسيكي الإغريقي.

وذكرت اللجنة المنظمة أن كارسون استحققت الجائزة، البالغ قدرها 12 مليون كرونة سويدية (نحو 1.2 مليون دولار أمريكي)، بفضل قدرتها الفريدة على تحطيم الحدود الفاصلة بين الشعر والنثر والمقال والترجمة. وُلدت الكاتبة في تورونتو عام 1950، ونالت درجة الدكتوراه في الأدب الكلاسيكي من جامعة تورونتو عام 1981، لتجمع في مسيرتها الأكاديمية والإبداعية بين تدريس اللغة اليونانية القديمة وترجمة نصوص كبار شعراء الإغريق مثل يوربيديس وسافو، معيداً تقديمها بروح عصرية تتسم بالعمق والتهكم والتجريب الهيكلي.

ويعكس تتويج كارسون انتصاراً للمدرسة الأدبية المركبة التي تتجاوز السرد التقليدي نحو فضاءات بصرية وفلسفية مفتوحة، تعيد تقييم علاقة الإنسان المعاصر بالذاكرة والأسطورة.

تُعدّ الشاعرة والكاتبة والمترجمة الكندية آن كارسون واحدة من أكثر الأصوات الأدبية تفردًا في الأدب المعاصر. وارتبط تكوينها الفكري منذ وقت مبكر بدراسة الأدب اليوناني واللاتيني القديم، وهو المجال الذي سيصبح لاحقًا أحد أهم منابع تجربتها الشعرية. درست في جامعة تورنتو، ثم واصلت مسيرتها الأكاديمية في مجال الدراسات الكلاسيكية، وعملت أستاذة في جامعات من بينها مكغيل وجامعة ميشيغان.

غير أن كارسون لم تتعامل مع التراث الكلاسيكي بوصفه مادة متحفية جامدة، بل جعلته جزءًا حيًا من أسئلتها عن الحب والرغبة والفقد والذاكرة واللغة.  وهذه القدرة على الجمع بين المعرفة الأكاديمية العميقة والحس الشعري الحديث هي إحدى أبرز سمات مشروعها الأدبي. وقد أشارت الأكاديمية السويدية إلى أن معظم إنتاجها يقع عند نقطة التقاء شغف عالم اللغة بأصول الكلمات ورغبة الشاعر في اكتشاف معانٍ جديدة.

بدأ اسم كارسون يلفت الأنظار بصورة واسعة منذ كتابها (إيروس المرير-  (Eros the Bittersweet، الذي بحث في مفهوم الرغبة من خلال الأدب اليوناني القديم. ثم رسخت مكانتها مع (السيرة الذاتية للحمرة- (Autobiography of Red  الصادر عام 1998، وهو عمل شعري روائي يعيد تخيل أسطورة جيريون، الوحش ذي الأجنحة الحمراء، في قصة حديثة عن الحب واكتشاف الذات والرفض. وتمثل هذه الرواية الشعرية نموذجًا واضحًا لطريقتها في مزج الأسطورة القديمة بالتجربة الإنسانية المعاصرة.

وفي (جمال الزوج -  (The Beauty of the Husband، الصادر عام 2001، واصلت كارسون تحدي الحدود التقليدية بين الشعر والنثر والسيرة والتأمل، بينما قدّمت في (نوكس - (Nox ، عملًا شديد الخصوصية عن الذاكرة والفقد، مستعينة بالصور والرسائل والترجمة والنصوص المتفرقة. كما ترجمت أعمالًا من اليونانية القديمة، من بينها نصوص مرتبطة بسافو وسوفوكليس ويوربيديس، لتصبح الترجمة عندها امتدادًا للإبداع لا مجرد نقل لغوي.

حصلت كارسون خلال مسيرتها على جوائز أدبية بارزة، من بينها جائزة تي. إس. إليوت، وجائزتا غريفين للشعر، وجائزة أميرة أستورياس، وجائزة PEN/Nabokov، كما حصلت على زمالتي غوغنهايم وماك آرثر، وعُيّنت عضوًا في وسام كندا عام 2005.

ويأتي نوبل 2026 تتويجًا لمسيرة أدبية يصعب وضعها في خانة واحدة؛ فهي شاعرة وكاتبة مقالات ومترجمة وباحثة في الأدب الكلاسيكي، وتتنقل بين الشعر والنثر والمسرح والفن البصري. ومن هنا تكمن أهمية تجربتها: إنها لا تكتفي بكتابة قصائد جديدة، بل تسأل باستمرار ما الذي يمكن أن تكونه القصيدة أصلًا؟

لقد كرّمت الأكاديمية السويدية في آن كارسون كاتبة استطاعت أن تجعل الماضي يحاور الحاضر، وأن تحول الأسطورة واللغة القديمة إلى أدوات لفهم الإنسان الحديث. وبفوزها بنوبل للآداب، تُتوَّج تجربة أدبية استثنائية أثبتت أن الشعر يستطيع أن يكون في آن واحد فكرًا، وحكاية، وترجمة، وذاكرة، وتجريبًا فنيًا مفتوحًا على احتمالات لا تنتهي.  

***

رمزي ميركاني

بين الاهتمام بالآثار ومسؤولية البحث العلمي

عرفنا السيد عامر عبد الرزاق من خلال اهتمامه بالآثار العراقية ومحاولاته في تعريف الجمهور بتاريخ العراق ومواقعه الحضارية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، ونحن نقدر هذا الاهتمام ونحترم كل جهد يسهم في ابراز عظمة العراق وتراثه وحضارته، خصوصا عندما يقدم المحتوى بصورة هادفة ويصل الى جمهور واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ومن هذا المنطلق، فان ملاحظاتنا لا تأتي من موقف شخصي تجاه السيد عامر عبد الرزاق، ولا تهدف الى التقليل من جهوده، وانما تنطلق من الحرص على دقة المعلومات واحترام تاريخ المدن العراقية وهوياتها وتراثها.

القوش ليست مجرد موقع أثري او محطة سياحية، وانما مدينة تاريخية حية، لها اهلها وذاكرتها وكنائسها واديرتها وتراثها الديني والثقافي والاجتماعي. وهي مدينة كلدانية عريقة تمثل جزءا اصيلا من تاريخ وتراث المسيحيين في العراق وسهل نينوى. ولهذا فان الحديث عن القوش وهويتها لا يمكن ان يعالج من خلال معلومات مختصرة او انطباعات عامة، بل يحتاج الى الرجوع الى المصادر التاريخية والوثائق، والاستماع الى ابناء المدينة والمؤسسات الدينية والثقافية فيها، والى الباحثين والأكاديميين المختصين.

وبحسب المعلومات المتاحة لنا، فان السيد عامر عبد الرزاق يحمل شهادة البكالوريوس في الاثار من كلية الآداب في جامعة بغداد، ونحن لا ننتقص من قيمة هذه الشهادة، فهي شهادة جامعية محترمة وتمثل مرحلة مهمة في دراسة الاثار. لكن من الضروري التفريق بين الشهادة الجامعية وبين صفة الباحث الأكاديمي المتخصص، لان البحث العلمي يعتمد على التخصص الدقيق والدراسات المتقدمة والمنهج العلمي والرجوع الى المصادر والوثائق والدراسات المتخصصة. ولذلك فان الحديث عن موقع أثرى يختلف عن الحديث عن هوية مدينة او شعب او تراث ديني وقومي وهو لايزال يسكن في القوش وخارج القوش ، وهي موضوعات تحتاج الى قدر اكبر من التوثيق والتحقيق والمقارنة بين المصادر.

ومن هنا جاءت ملاحظاتنا حول ما طرحه السيد عامر عبد الرزاق خلال زيارته الى القوش. فقد كنا نتمنى ان تكون الزيارة فرصة للتعريف بهذه المدينة الكلدانية العريقة، والحديث عن تاريخها وكنائسها واديرتها وشخصياتها وتراثها الثقافي والديني، بدلا من الدخول في قضايا يمكن ان تثير الخلاف حول هوية المدينة. فنحن نرى ان القوش لها هوية واضحة في وجدان ابنائها وتراثهم، وان من واجب من يتحدث عن تاريخها ان يأخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار، وان يقدم المعلومات بصورة موثقة ومتوازنة.

ونحن لا نريد تحويل الموضوع الى خلاف شخصي او الى سجال بين مكونات المجتمع العراقي، كما لا نرغب في الدخول في امور قد تخلق حساسيات او تزيد من الانقسام. فالعراق بلد متنوع، وتاريخه غني ومعقد، وتداخلت فيه الحضارات واللغات والاديان والمكونات عبر قرون طويلة. ولذلك فان تناول هوية المدن وتاريخها يحتاج الى الهدوء والموضوعية واحترام جميع الآراء، مع الاعتماد على الوثائق والمصادر وليس على الاستنتاجات السريعة.

ومن المهم هنا التأكيد على ان المرجع الاساسي فيما يتعلق بتاريخ الكنائس والاديرة والتراث الكنسي هو الكنيسة ومصادرها ووثائقها، الى جانب الدراسات التاريخية والاكاديمية الموثوقة. وعندما يتعلق الامر بتاريخ القوش وتراثها الكنسي، فمن الطبيعي الرجوع الى ابرشية القوش الكلدانية ورجال الدين والمؤسسات الكنسية وخاصة البطريركية الكلدانية في بغداد ، والاستماع ايضا الى المؤرخين والباحثين والأكاديميين وابناء المدينة الذين حافظوا على هذا التراث ونقلوه عبر الاجيال. وهذا لا يعني رفض الآراء المختلفة، بل يعني اعتماد منهج علمي يتيح معرفة المصادر ومناقشة المعلومات بصورة مسؤولة.

كما اننا لا نطلب من السيد عامر عبد الرزاق ان يتبنى رأيا لمجرد انه يختلف مع رأي اخر، وانما نطلب منه الالتزام بالموضوعية وتقديم المصادر التي يعتمد عليها، والتفريق بين المعلومة التاريخية الموثقة وبين الرأي او التفسير المختلف عليه. فامتلاك جمهور واسع مسؤولية كبيرة، لان المعلومة عندما تصل الى اعداد كبيرة من الناس يمكن ان تترسخ باعتبارها حقيقة، حتى لو كانت بحاجة الى مزيد من البحث والتوثيق.

ان احترام الهوية الكلدانية للقوش لا يعني الانتقاص من اي مكون اخر، كما ان الدفاع عن تاريخ المدينة لا ينبغي ان يتحول الى خصومة او صراع. بل ان الاعتراف بتنوع العراق واحترام خصوصية كل مدينة ومكون هو جزء من احترام تاريخ العراق نفسه. والقوش تستحق ان يعرفها الجمهور بتاريخها وتراثها الحقيقي، وبكنائسها واديرتها وشخصياتها وما قدمته من اسهامات دينية وثقافية وعلمية.

وفي النهاية، نحن نحترم جهود السيد عامر عبد الرزاق في التعريف باثار العراق، ونأمل ان تستمر هذه الجهود بصورة تخدم تاريخ العراق وتراثه. ونتمنى في الموضوعات التي تتعلق بالقوش وهويتها ان يكون الاعتماد اكبر على المصادر الكنسية والتاريخية، وعلى الأكاديميين والباحثين المختصين، وان يتم الاستماع الى ابناء المدينة ومؤسساتها الدينية والثقافية.

فالقوش مدينة كلدانية عريقة، وتراثها جزء من تراث العراق، والحفاظ على هذا التراث مسؤولية مشتركة. ومن يتحدث عن تاريخ العراق يتحمل مسؤولية نقل المعلومات بدقة واحترام، والابتعاد عن كل ما يمكن ان يخلق خلافات غير ضرورية. فالتاريخ امانة، والوثيقة اساس البحث، واحترام هوية المدن واهلها هو الطريق الافضل لتقديم تاريخ العراق بصورة تليق بعراق الحضارات وتنوعه العريق.

***

د. عامر ملوكا

لماذا لم تأت نوبل بعد محفوظ؟

مفارقة مؤلمة في علاقتنا بالأدب العالمي، كيف ونحن الذين عرفنا العالم من خلال مترجمين عرب برعوا في أن يجعلوا دوستويفسكي وكافكا وتولستوي وماركيز يتكلمون العربية، بينما مازال العالم لا يعرف عن أدبنا القدر نفسه. نحن الذين قرأنا الرواية الروسية والألمانية والأمريكية واللاتينية، واستمتعنا بها كما لو أنها كُتبت بلغتنا. لم نشعر، في أفضل الترجمات، أنّنا أمام نصوص غريبة عن العربية، والحقّ أنّ الفضل يعود للمترجم الذي لم ينقل الكلمات فقط، بل نقل الإيقاع والروح والصورة والمناخ، وجعل النص يولد من جديد داخل لغتنا العربية. لكن وبالمقابل وما إن عبرت ــــ هذا إن عبرت ـــــ الرواية العربية إلى الضفة الأخرى، يحدث ما لا ينتبه له جلّ المهتمّين بمجال الأدب والنّقد، فما يحدث مؤلم حقّا، إذ تصل الحكاية، وتصل الفكرة، لكن شيئا من الصوت يبقى معلّقا في الطريق.

عند هذا المنعطف يكمن جزء من الإجابة عن سؤال ظل يطارد الثقافة العربية منذ حصول نجيب محفوظ على نوبل للآداب عام 1988، لماذا لم يحصل روائي أو شاعر عربي آخر على الجائزة منذ ذلك الحين؟

والسبب في الحقيقة، ليس لأنّ العالم خلا من الأدباء العرب الكبار، ولا لأنّ نوبل يمكن اختزالها في مؤامرة على الأدب العربي. المسألة أكثر تعقيدا، وأقرب إلى أزمة عبور، ربّما تفوق أزمة معبر رفح أو مضيق هرمز، بل أراها تدنو من أن تصير معضلة تُسائِل : كيف ينتقل نص وُلد بكل أسرار العربية إلى لغة أخرى دون أن يفقد روحه؟ لكنّني ورغم ذلك، لا أحمّل الترجمة وحدها مسؤولية فشل الرواية العربية الى العالمية وحصد جائزة نوبل .

دعوني أكون معكم أكثر صراحة وجرأة في أن أسأل السؤال الذي يسأله كلّ كاتب مبدع منا سرّا، لكنّه لا يجاهر به لغاية في نفسه، سؤال ينبغي أن نطرحه على الرواية العربية نفسها: هل نكتب دائما ما يستحق أن يَعْبُرَ؟

عقب هذا السؤال، كان لزاما علينا أن نكشف الحجاب عن نصوصنا، وأن نرفع الحصانة النقدية عن بعض النصوص التي تبوّأت منزلة التقديس، بإيعاز من أصحابها أو من هيآت ما، لنكتشف أنّ من بين هاته النصوص ما تجعل اللّغة غايتها، فتغرق في البلاغة والشاعرية حتّى تضيع الرواية خلف جمال عباراتها، ونصوص أخرى تحمل أفكارا عميقة وأسئلة كبرى، لكنّ سطحية وبساطة لغتها لا ترقى إلى مستوى الفكرة ولا تستطيع أن تمنحها حياة أدبية، بينما تجمع نصوص ثالثة بين اللغة والفكرة، لكنّها تفتقر إلى البنية والحياة التي تجعل الرواية ترسخ في الذاكرة. ومن هذا المنطق أرى أنّ المشكلة لا تنحصر في اللّغة وحدها، ولا في الفكرة وحدها، ولا في المترجم وحده،لكنّها تعاني تقدير المسافة التي تفصل النص بين هيأته كما كُتِب، وكيف يصل إلى العالم .

ومن هنا يبدأ السؤال الأعمق: لماذا نجح نجيب محفوظ في عبور هذه المسافة؟ ولماذا لم يتكرر العبور بالقدر نفسه بعده؟ وهل تحتاج الرواية العربية إلى مزيد من الروايات على اختلافها؟ روايات تمتلك فكرة تستحق أن تُقال، ولغة تستحق أن تُقرأ، وحياة إنسانية تستطيع أن تجعل قارئا في أقصى العالم يرى نفسه في مرآة عربية، كما رأى العربي نفسه في مرآة كافكا وكونديرا وكامو وغيرهم؟.

***

ليلى تبّاني ــــ الجزائر

المرأة في أكثر المجتمعات هي التي تستطيع خلق المجتمع، صاحبة رسالة توارثتها جيلاً بعد جيل وتنسج خيوطاً من التضحية وعهداً من الوفاء، موثوق بعهود من الأصالة وان تغيّر جيلاً بأكمله إن هي أرادت ذلك وتوفرت،  المرأة هي الأخت الحنونة والرفيقة والصديقة، هي السيدة والعقل والضمير والمربية والمعلمة، لاتوازيها كلمة وفاء وتقدير لكل انسانة هو قياس  في حقها كانت او لازالت تعيش بيننا،هي الأم التي أعدت أجيال جاهزاً لحمل الرايات وهي جامعة الحياة في البدايات والنهايات وعبق الذكريات وهي الأساس لكل مجتمع... المرأة هي الجدة التي زرعت التضحيات ليكون عنواناً من عناوين الوجود التاريخي والحضاري لأجيال تناقلته عبر العصور ونبراساً تستأنس به من حكايات الماضي الجميل.

 إن اعطاء الحق للمرأة يدل على ما يُمنح في مختلف أديانها وانتسابها من حقوق وحريات في العالم القديم والمعاصر الى ان امتدت الى عالمنا الحالي العالم الحديث، والتي لا يمكن أن يتم تجاهلها من قبل اي تشريع او قانون أياً كانت هذه التشريعات والقوانين في جميع بقاع الأرض وحقها في الحرية والكرامة والمساواة ولتحقيق هذه الحقوق قانونيا

إنّ استمرار وتصاعد العنف الموجّه ضدّ النساء على الصعيدين الشخصيّ والمؤسسّي على السّواء، يمكن أن يعزى بشكل كبير إلى الحرمان التقليديّ للنساء من المشاركة فى عمليات التنمية واتخاذ القرار. هنالك حاجة إلى إجراء تعديل جذري في النظرة الجماعية للبشرية بهديٍ من القيم العالميّة والمبادئ الروحانيّة. كما أنّ هناك حاجة إلى سنّ تشريعات توفر تعبيرًا عمليًّا لمبدأ تساوي الجنسين وذلك بتناول المظالم الخاصة التي تواجهها النساء. لقد ساهمت و تشكّلت العديد من المؤسسات والتحركات من قبل النساء والرجال في الكثير من دول العالم للدفاع والوقوف مع المرأة،معتبرة  قضايا المرأة  في العصر الحالي من أهم الأمور والقضايا التي ينشغل بها العالم ككل منذ القرن الماضي بصورة عامة والعالم الإسلامي بصورة خاصة ويكتسب حيوية متزايدة مع مراعاة الفروق الطبيعية كما خلقها الله بينها وبين الرجل لتحقيق التكامل الأسري والاجتماعي، وأعطاها الإسلام حقوقًا مدنية وسياسية، كحق التعلم، والعمل، والتملك، والمشاركة في الحياة العامة، وهي قضية تستحق العناية لأنها تتعلق بنصف المجتمع الذي إن تخلف فقد تخلف المجتمع بأسره، وإن تطور فقد تطور المجتمع كله . وخاصة قضية المشاركة السياسية للمرأة نالت عناية أكبر، بل إثارة أكثر، واختلف حولها الناس بين مُفْرِط، ومُفرّط، وبين مجحف بحق المرأة، ومضيع للثوابت.المرأة تعد النصف الآخر في المجتمع , والنساء شقائق الرجال» وللمرأة كانسانة مشاركة للرجل في مجالات الحياة التي تتفق وطبيعتها وقد منحها الإسلام حرية التعامل والتعاقد في البيع والشراء، وسائر المعاملات الاقتصادية، ولها حق التملك، ولها حق التعلم وحق الميراث « قال الله تعالى: «وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا» (النساء: 4). وقال «وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا . وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا» (النساء:21 – 22).

المرأة قد أكرمها ربها ورفع منزلتها وصانها ووفاها حقوقها على الوجه الأكمل والأحكم، وإذا كان الإسلام قد جعل القوامة بيد الرجل، وسمح له بتأديب زوجته إن هي نشزت وخرجت عن الطاعة، فليس معنى ذلك إهانتها أو سلبها شيئاً من حقوقها، أن الله تعالى إنما جعل لها الوضع المناسب لأنوثتها، وكرمها أيما تكريم، فيجب ان نرفض تلك الشكوك والوساوس فإنها من الشيطان، والاستعاذة من الشيطان والاتكاء على الله والاستعانة منه، فالشيطان هو عدو للإنسان كما قال تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا {فاطر: 6} .

حتى ان القوانين الوضعية أعطت أهمية خاصة لحق المرأة في المشاركة والمناصفة في الحقل السياسي، باعتباره من الأسس الدستورية لسياسات مناهضة التمييز بين الرجال والنساء وعلى ضرورة مناهضة الصور النمطية للمرأة والقطع مع مظاهر التهميش وتفكيك الخطاب التمييزي، وتشجيع ولوج المرأة للمشاركة في الانتخابات، وتحقيق توازن تمثيلية الجنسين في الهيئات المنتخبة والمراكز القيادية ومواقع صنع القرار، إضافة إلى تمكين نصف المجتمع من فرص المساهمة في الاعلام. ومع الأسف الشديد ان حرمان المرأة من حقوقها الجنسيّة والإنجابيّة جعلت المرأة تتعرض للنظرة الدونيّة من المجتمع والديماغوجية وفوضوية الكتل الإرادية المهانة في رغبات المرأة وذلك باعتبار خطاءا أنّها عار على الدين والمجتمع والشرف والعائلة والعشيرة والبناء المجتمعي بشكل كامل.

***

عبد الخالق الفلاح باحث واعلامي

 

كلامٌ لابد منه: نحن نؤمن بالفكرة مهما كان صاحبها، نكتب بموضوعية، نكنّ الإحترام والحب للجميع ولا يوجد في قلبنا حقد لأيّ كان، نناقش بعفوية من أجل تنوير الآخر، السؤال الذي نطرحه: متى تنظم مديرية الثقافة بولاية قسنطينة ندوة تتناول فيها المسار الفكري لفيلسوف الحضارة مالك بن نبي نبي ابن قسنطينة؟.

عن الأمير عبد القادر مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، نقول: في ندوة حول سيرته احتضنتها المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية مصطفى نطور  بعاصمة الشرق الجزائري في اختتام تظاهرتها الثقافية حول الكتاب المقروء تأسفتُ (كمتابعة وملاحظة) لتجاهل الأكاديميين "مذكرات" الأمير عبد القادر فلا أحد منهم تطرق إليها ولو من باب الإشارة، فكان لابد من أن أتدخل وأطرح سؤالي حول سبب تجاهل "مذكرات" الأمير عبد القادر الجزائري أو القفز عنها في هذه الندوة؟، كانت مذكرات الأمير سيرة ذاتية كتبها وهو في السجن، ولأهميتها صدرت منها سبع طبعات، حيث صدرت الطبعة السابعة سنة 2010 عن شركة دار الأمة للطباعة والنشر والتوزيع، وربما هناك طبعات أخرى، وقد كتب المؤرخ الدكتور أبو القاسم سعد الله تصدير من الصفحة السابعة إلى الصفحة الحادي عشر،

 وكتب التقديم الدكتور عبد المجيد مزيان (مفكر وسياسي ووالي ووزير سابق) كما كتب محمد الصغير بناني، مقدمة طويلة جدا، المقدمة وحدها تحتاج إلى قراءة، فما بالك بما جاء به الأمير المظلوم، الذي ألصقت به تهمة الإنتماء إلى "الماسونية"، وأمور أخرى قد تُحدث زوبعة، لأنه دافع عن المسيحيين بقوة، وبكل موضوعية كان من المفروض على الأكاديميين وهم يحاضرون عن المسار العسكري والسياسي للأمير عبد القادر أن يقدموا ولو التفاتة لمذكراته التي كتبها في السجن، وتحليلها من كل جوانبها التاريخية، العسكرية، الفقهية، والفكرية والفلسفية، والسياسية، لتقديم صورة حقيقية شاملة عن قائد عسكري ورجل سياسة، يعتبر شخصية "كاريزماتية" تعرف كيف تدار الأمور مع المخالفين، خاصة في وقت الحرب،و رفع كل الإلتباسات، التي لا تزال "طابو " عن رجل الصقت به تهمة الماسونية

و حسبما جاء في الصفحة رقم 09 من هذه المذكرات وحسب شهادة المؤرخ الجزائري الدكتور أبو القاسم سعد الله، فقد ذكر المحققون أن النسخة الأصلية للكتاب ما تزال ضائعة ولذلك كان اعتمادهم في التحقيق على النسخة المطبوعة تصويرا سنة 1983، وكان هو (أي سعد الله) بصدد تحضير كتابه "بداية الإستقلال" حيث اطلع شخصيا على النسخة المطبوعة، المهداة إلى المكتبة الوطنية في 1970، وكان المخطوط بدون عنوان وأنه منسوب إلى مصطفى بن التهامي و..و....و.. الخ

و جاء في هامش الصفحة رقم 09 من الكتاب أن القصة الكاملة لإكتشاف المخطوط تعود إلى سنة 1967 كما يرويها الدكتور بوعلام بن حمودة شخصيا للناشر حين كان وزيرا للمجاهدين، خلاصتها أن أحد أفراد عائلة جاك شوفالييه وهو فيلسوف فرنسي قد عثر على المخطوطة بالصدفة أثناء البحث عن بعض الحطب في قبو المنزل ( للتدفئة) ولما اطلع رب العائلة عليها وتأكد من أهميته التاريخية البالغة للوطن اتصل على الفور بوزير المجاهدين وسلمه المخطوط وقام الوزير بدوره بتسليم المخطوط إلى مدير المكتبة الوطنية في حفل رسمي، ولا أحد الايوم اين اختفت مذكرات الأمير عبد القادر الأصلية

 طبعا الحديث عن الرجال والقادة في وزن الأمير عبد القادر وأبطال المقاومات الشعبية في الجزائر والعلماء (ابن باديس ورفاقه فيجمعية العلماء المسلمين الجزائريين والمفكرين الجزائريين، (مالك بن نبي، محمد أركون) والمؤرخين (أحمد توفيق المدني) وأسماء عديدة كان لها دور في رفع راية الجزائر، فالحديث عنها ذو شجون، لقد آمن الأمير عبد القادر بكل القيم الإنسانية والإسلامية التي تدعو إلى التسامح، والتآخي والتضامن والتعايش السلمي، والعدالة والسلام

 فكل نشاط هذا المقاوم كان نابع من وعي كامل بهموم الأمة وقضايا الشعوب، فحبذا لو تخصص مادة خاصة في المقررات التربوية توثق مسار القادة التاريخيين في إطار السير الذاتية بدءًا من الأمير عبد القادر ومذكراته، نشير هنا أن ما يؤسف له كذلك أن المؤسسات الثقافية في كل نشاط تنظمه واختيارها شخصية ما لتكون موضع تعريف ومناقشة لمسارها النضالي الفكري، كانت تتجاهل شخصية فكرية معروفة عالميا، وهو المفكر الجزائري فيلسوف الحضارة مالك بن نبي ابن قسنطينة، لقد كان ولا يزال مالك بن نبي نسيا منسيا، حيث عاش منبوذا وهو بين قومه وفي مسقط رأسه لولا الكرسي العلمي مالك بن نبي للدراسات الحضارية الذي أنئ منذ سنة ويسعى إلى التعريف بفكر هذا الرجل ويغرس فكره في أذهان الشباب، وقد أنشأ منتدى شباب الكرسي العلمي مالك بن نبي، وهو الآن يشق الطريق نحو الوعي الفكري.

من أقوال الأمير عبد القادر الجزائري:

 يُقال أربعة يُرتقى بها إلى أربعةٍ: العقل إلى الرياسة، والرأي إلى السياسة، والعلم إلى التصدير والحِلْمُ إلى التوقير، وأربعةٌ تُؤدّي إلى أربعةٍ: الصحة إلى السّلامة، وتابِرُّ إلى الكرامة، والجودُ إلى السّيادة ز الشكر إلى الزيادة، وأربعة تُزالُ بأربعة: النعمة بالكفران والقوّة بالعدوان والدولة بالإغفال والحضرة بالإدلال، وأربعة تدل على وفور العقل، ى حب العلم وحسن الحلم وصحة الجواب وكثرة الصواب وأربعة تدل على نقصان العقل: الجهل بالأحباب والإهانة بالأصحاب والجفوة للإخوان والجرأة على السلطان، وأربعة لا تتم إلأا بأربعة: العلم بالحجا والدين بالتقى والأعمال بالنيات والموالاة بإخلاص الطويات.

***

علجية عيش

(مجرد وجهة نظر وبدون خلفيات)

في قلب كل مهاجر عربي تسكن غصة خفية، وسؤال وجودي مؤرق يُطرح كلما التفت وراءه لينظر إلى الجغرافيا التي تبرأ منها أو تبرأت منه، سؤال يختزل حيرة الروح بين واقع يدفعه للخلف وأرض تشده للعمق: "وطني.. هل طردتني أم تناشدني للبقاء؟!". نحن نعيش في زمن التغريبة الكبرى، حيث تحولت الهجرة من مجرد سعي وراء الرزق إلى هروب جماعي للوعي والعقل. لكن المفارقة الأكثر مرارة في هذا المشهد تكمن في تلك الدائرة المفرغة من اللوم والهروب: نحن نترك أوطاننا ضائعة في تيهها، نوسعها عتباً ونقداً، ونلومها بكرة وأصيلاً لأنها لم تمنحنا حقوقنا، ثم نمضي بكامل إرادتنا وطاقتنا لنقدم أقدس واجباتنا لبلدان أخرى وبنى حضارية غريبة عنا.

أليس من الإجحاف الوجودي أن نحرم الأرض التي نبتنا فيها من ثمار عقولنا، بحجة أنها لم تسقنا بماء الحقوق؟ إننا نقف أمام مرآة الحقيقة لنتساءل بجرأة: هل العيب منا أم من المنظومة التي جبرتنا على الرحيل؟ هل نحن ضحايا واقع طارد، أم صانعو اغترابنا الخاص الذي يدفن نداء الوطن الخفي؟

حين نفكك المسألة فلسفياً، نجد أن الذنب مشطور بين قسوة "الجبر" وخطيئة "الاستسلام". لا يمكن إنكار أن أنظمة التتفيه والفساد التعليمي والمؤسسي في عالمنا العربي قد مارست طرداً ممنهجاً للعقول. لقد ضيقت الخناق على الفكر الحر، وحاصرت المبدع في لقمة عيشه، وسلبت الإنسان كرامته حتى صار البقاء داخل حدود الوطن يشبه الانتحار البطيء في هاوية العدم. هذا الجبر الخارجي حقيقة ملموسة، والبيئة الطاردة ليست وهماً، وهي التي تجعل الشاب يصرخ مجروحاً: "لقد طردتني البيروقراطية وقهرني الفساد!".

ولكن، خلف قناع القسوة الظاهر هذا، ثمة صوت خفي للأرض لا يسمعه إلا أصحاب الوعي الخالص. الوطن ككينونة، كتراب، كأمة، لا يطرد أحداً، بل يقف في عمق التاريخ مناشداً عقولنا وسواعدنا ألا تتركه وحيداً في مواجهة العبث. وهنا يقع عيبنا نحن؛ العيب يبدأ حين نرتضي دور الضحية المطلقة ونسقط كل تقاعسنا على شماعة الوطن المحطم، فنصم آذاننا عن مناشدته. نحن نقدم أثمن ما نملك—وعينا، وسواعدنا، ووقتنا—لبناء بلادٍ أخرى تمنحنا الحقوق المادية لكنها لن تمنحنا الانتماء الروحي لـ "الأرض العارية" الأولى. إننا نهرب بالواجبات إلى الخارج لأن مواجهة الواقع بالداخل تتطلب شجاعة ومقاومة فكرية حقيقية آثرنا السلامة منها، متناسين أن الوطن الذي نلومه ما زال يتشبث بنا وينادينا للبقاء والترميم.

يا شبابنا المهاجر، ويا من تقفون على أعتاب الرحيل؛ إن الوطن ليس فندقاً نغادره كلما ساءت الخدمات، بل هو وجود نحن من يصنع ملامحه ويسترد حقوقه. قبل أن نلوم الأوطان على سلب الحقوق، دعونا نسأل أنفسنا: ماذا قدمنا من واجبات لبيتٍ يستغيث؟ إن العيب ليس في رغبتنا بالعيش الكريم، بل في ترك الساحة للأقنعة المزيفة والتافهين ليعبثوا بمصير الأمة، بينما نبني نحن حضارات الآخرين. التغيير يبدأ من الداخل، والنهضة الحقيقية تقتضي ألا نمنح وعينا لمن لا يشبهنا؛ فالوطن لم يطردنا بملء إرادته، بل هو يقف هناك وسط ركام التحديات، يمد يده بكل حنين، ومناشدته لنا بالبقاء هي طوق النجاة الأخير لوعينا المهاجر.

***

الكاتبة: ايمان عبد الحكيم خريسات

 

هُناك لحظات في عُمر كلّ منّا، يتوقّف فيها الزمن عن الجريان في نهره الخالد، كما نتوقف نحن متأملين مُندهشين، فاذا كنّا مِن أولئك المتأملين المحظوظين، أمسكنا بتلك اللحظة، وقُمنا بوضعها في إطارها الخاص بها، وإذا كنّا رحّالةً، نبحثُ عن الاماكن المجهولة، ونتجوّل في العالم، علّنا نُضيف إليه جديدًا، سجّلنا اكتشافًا عظيمًا لمِنطقة، ما زالت بكرًا ولم تطأها قدم إنسان، وإذا كنّا مُوسيقيين، توقّفنا مُترنّمين، مع تلك الايقاعات الصاخبة، ذات النغمة العسكرية، وقمنا بالمُسارعة إلى دفاتر النوتة الموسيقية، وسجّلنا النشيد الفرنسي العسكري المارسليز. مثل هذا ما يحدث معنا في مثل تلك اللحظات، أما السرّ في هذا كلّه، فإنه يعود إلى أن الفنّان منّا، لا يعيش أربعًا وعشرين ساعة مُنغمسًا في عمله الفنّي، وإنما هو ينشغل أيضًا، في همومه اليومية.

ساعات القدر.. في تاريخ البشرية، هو عُنوان كتاب فريد مِن نوعه، وضعه الكاتب النمساوي الألماني ستيفان تسفايح، وتناول فيه بالعرض العديد مِن الساعات، أو اللحظات الفريدة في الحياة، لعدد وفير مِن الشخصيات البارزة في التاريخ البشري، منها ليو تولستوي وفيودور دوستويقسكي، شيشرون، وغيرهم كثير ممّن عاشوا مثل تلك اللحظات، وأثّروا، بتوقّفهم عندها البشرية.

تسفايج يتطرّق في كتابه إلى تلك اللحظات التي يُطلق عليها اللحظات الحاسمة، التي عادة ما تترك أثرًا عميقًا على المسيرة البشرية، في صناعتها لتاريخها المبدع، وتحدّث عن تلك اللحظات التي تساوي أعمارًا، مُتعمّقًا في تفاصيلها وكأنما هو كان في صُحبة أصحابها، وأعلامها الخالدين، فهو يروي مثلًا ما وقع يوم 21 من آب عام 1741، للفنّان الموسيقى الإنجليزي جورج فريدريش هيندل، وكأنما هو مُرافق له، في عمله المُفاجئ العظيم، وكأنما كان معه وإلى جانبه. إنه يرسم له صورةً تُمسك بك، فلا تتركك، إلا وقد أُترعت بالنشوة والحماس، لكلّ ما هو مُفاجئ، مدهش وجميل في الحياة، يقول مثلًا: ومال هيندل برأسه فوق الأوراق كأنما يحني رأسه لعاصفة كبيرة، كانت كلّ مظاهر التعب قد ولّت وأدبرت، ولم يسبق له قط، أن شعر بطاقته على هذا النحو، ولم يسبق له قط، ولم يسبق له بعد أن أحسّ أنه مُشبع بكلّ مُتعة الابداع، وكانت الكلمات تنهال عليه كأنها دفقات مِن الضوء الدافئ، الذي يُحرّر ويُخلّص، وكلّ منها مُوجّه إلى قلبه، يُناشده، ويُحرره، " فتقر عينًا"، بينما كان غناء هذه الجوقة، ينفتح كأنما هو يخرج مِن صدع جدار، رائعًا، ورفع رأسه على غير إرادة منه، وتوتّر الذراعان، بعيدة كلّ منهما عن الأخرى، " إنه المُعين الحقيقي"، أجل هذا ما أراد أن يشهد به، كما لم يسبق لواحد من أهل الأرض أن فعل ذلك، وهمّ أن يرفع شهادته لتكون لوحة تشرق بنورها على العالم.

بمثل هكذا دقة ومُرافقة، استنبطها تسفايج مِن الكثير، مِن الوثائق، الرسائل والشهادات الحيّة، يواصل وصفه لساعات القدر، لأربع عشرة شخصية مِن أبرز الشخصيات في العالم، وللحظات فريدة، مِن البديهي أنها لو ولّت، دون الإمساك بها واقتناصها، ما كانت تعود بنفس الحدّة وبذات الغنى والثراء، وها هو تسفايج، يُرافق كريستوفر كولمبوس، في اكتشافه المُحيط الهادي، بتاريخ 25 أيلول من عام 1513، كما يرافق محمّد الفاتح في فتحه القسطنطينية في 29 أيار من عام 1453، بل ها هو يُرافق الكابتن سكوت في كفاحه مِن أجل القطب الجنوبي، بتاريخ 16 كانون الثاني مِن عام 1912، وغيرهم من المذكورين آنفًا.

إنه يُتابع بأسلوبه الروائي، الحيّ الرشيق، العديدَ مِن التفاصيل، التي عاشها مَن تعرّض لهم مِن الشخصيات التاريخية التي أثرت بمغامراتها، البعيدة عن الكسل والخُمول، والقريبة مِن الاقدام والشجاعة، العديد.. العديد مِن القصص التاريخية الطريفة، بالضبط كما فعل في كتابه الآسر عن بُناة العالم، عندما كتب عن ديكنز، ستندال، هولديرلن، ستندال، كلايست وأمثالهم. ومِن أحسن القِصص التي يرويها، بكلّ ما حفلت به من تفاصيل، طالما تاق لمعرفتها والاطلاع على دقائقها، شُداة الادب ومحبوه، قصة شاعر المانيا العظيم، كما يُجمع النقّاد، جيته، الذي يضعونه جنبًا إلى جنب مع شكسبير الانجليز، ويرون فيه شكسبير المانيا. قصّتُه هذه تروي واحدةً مِن أجمل الحكايات الغرامية في العالم، فهي تروي قصة جيته بعد أن تجاوز الرابعة والسبعين من عمره، يصطحب دوقًا كبيرًا ويتوجّه، مِن كالرسباد إلى ايجر، متنقّلًا بين كارلسباد وفايمار، يوم 5 أيلول من عام 1823، ليخطب ودّ ويد الصبية اولريكة ليفستوف، ابنة التاسعة عشرة، وليرتدّ مع قُبلة خجول، ورفض مهول، وليشرع في كتابة قصيدة الخالدة، التي يعتبرها الكثيرون من أهم ما كُتب في الادب الألماني على الاطلاق، وهي قصيدة مرثية مارينباد. واستمع إليه يقول فيها:

أو ما بقي العالم يا ترى؟ وما عادت الجدران الصخرية؟

متوّجة بالظلّ المُقدس؟

والمحصول، الا ينضج؟ والأرض الخضراء

الا تمتدّ على النهر، عبر الاحراش والمراعي؟

ثم، او لا ينتصب منحنى العظيم المتعالي على العالم،

العني بالصور، الذي لا يلبث ان يعدو عديم الصور؟

لقد سبق لجيتيه، صاحب آلام فيرتر، أن وقع في محبّة والدة اولريكة هذه، وعاد في الحالتين الغراميتين بالخيبة، وربّما بقصيدتين، إحداهما أحدّ مِن الأخرى، وأشدّ التهابًا. خلال السنوات التالية، حتى الواحد والثمانين، كان جيتيه قد فرغ مِن العمل في وضع مسرحيته فاوست، التي تُعتبر دُرّة الادب الألماني، ليقدّم الاثبات الخالد، على أن ساعات القدر ليست وقفًا على عُمر، وإنما هي وقفٌ على قوة خفيّة، تُشبه الوقوع على حافة نهر الحياة.. دائم التدفّق.. ودائم الابداع.

***

ناجي ظاهر

ما إن تبدأ أولى زخات المطر بالهطول حتى نشعر أن شيئًا غائبا قد عاد ليتحرك في أعماق الوجدان. تتغير رائحة الأرض، وتتبدل ملامح المكان، ويصبح للهواء نفحة آخرى، كأن المطر لا يهطل على الأرض وحدها، بل يهطل أيضًا على الذاكرة، فيوقظ فيها صورا من استذكارات بعيدة، ظلت ساكنة خلف تداعيات الزمن.

رائحة الأرض المبتلة بالمطر، تأخذنا إلى قرية هادئة، كانت تستقبل المطر بفرح يشبه فرح العيد، وإلى طرق ترابية، تتشكل فوقها البرك الصغيرة، وأطفال يخرجون بلهفة، يركضون بين الأزقة، ويتسابقون مع الماء المتدفق من أسطح البيوت الطينية، غير عابئين ببلل الثياب، ولا ببرودة الطقس.

كان المطر يومذاك، حدثًا يستحق الانتظار. ففي ذلك الزمن البسيط، كانت البيوت القديمة، تبدو في أيام المطر، أكثر ألفة ودفئًا، حيث تجتمع الأسرة حول الموقد طلبًا للدفء، فتبدأ الأحاديث، وتتعاقب الحكايات، وتمتد الأمسية في هدوء، يمنح البيت دفئًا يتجاوز دفء النار.

وكان للأم والجدات حضورهن الخاص في تلك الأمسيات، إذ يتحركن بين أفراد الأسرة، لتهيئة ما يحتاجونه، والاطمئنان إلى دفء البيت، بينما يجلس الأب قريبًا من الموقد، يصغي إلى حديث الآخرين، ويضيف بين حين وآخر، حكاية من حكايات الحياة.

وتظل الذاكرة تحتفظ بتلك التفاصيل الصغيرة، المطر وهو يطرق الأبواب والنوافذ، ورائحة الحطب حين يشتعل، وصوت قوري الشاي، ودفء الموقد، وملامح الوجوه، التي كانت تملأ البيت حياةً وحضورًا وسرورًا.

وهكذا ندرك أن الذاكرة لا تحفظ الأحداث الكبيرة وحدها، فحسب، بل تحفظ أيضا تلك التفاصيل، التي لم نكن نمنحها اهتمامًا في حينها، تحفظ رائحة الأرض بعد المطر، ودفء الموقد، وارتعاش النوافذ أمام الريح، ونداء الأم، وضحكة طفل، وحكاية جد، وفنجان شاي، كان يجمع أهل الدار بطمانينة في تلك اللحظات.

وهكذا تصبح كل قطرة مطر، رسالة صغيرة من الماضي؛ رسالة تقول إن الزمن يمضي، لكن بعض الأشياء لا تمضي معه. فالأمكنة قد تتغير، والوجوه قد تغيب، لكن رائحة المطر، تظل قادرة، على أن تعيد إلينا، ولو للحظة واحدة، دفء الأمس، ووجوه الذين أحببناهم، وألفة الأيام التي لا تعود.

***

نايف عَبوش

تذمّر: غضب وتعصب وعبّر عن إستيائه وسخطه وعدم رضاه.

"نعيبُ زماننا والعيب فينا.. وما لزماننا عيبٌ سوانا"

التذمرية سلوك يتكرر في حياتنا عبر الأجيال، فلا يوجد زمان بلا متذمرين، وتجدنا نتداول هذا التفاعل وننغمس فيه، كأنه واقع حتمي، وما فينا ينعكس حولنا.

كتاباتنا بأنواعها وعلى مرّ العصور لا تخلو من التذمر والإستياء الشديد، فلكل عصر متذمروه.

نضع عدسات التذمر أمام أعيننا ونقرأ الأيام بتساخطية ذات غلوٍّ حارق.

الإطلاع على تأريخ المجتمعات الأخرى يكشف ذبول هذه الظاهرة وإنتفائها، فالأمم تتجاوز ما مضى وتتعلم منه الدروس وحسب، وتجتهد في بناء حاضرها وصناعة مستقبلها، وتحاول بإخلاص ووفاء أن ترفع راية عزيزة مشرقة، تتداولها الأجيال المتوافدة على مسرح وجودها المتجدد العطاء.

كتاباتنا، خطاباتنا، أشعارنا، كلها تتذمر، وتمعن بالرثاء وإستحضار الحزين وتطلق الآهات والحسرات، ولا تجد مَن يصرخ بوجهها ويُصمِتها ويشجعها للنظر بعيون الإرادة الصالحة لبناء الحياة الرائعة الصروح.

ألا يكفينا البكاء على الأطلال ؟!!

ألا يحق لنا أن نمارس الحياة الحرة الكريمة؟!!

خلاصة ما نجود به من إبداع لخصه إمرؤ القيس (501 - 540) ميلادية، بمطلع معلقته بكلمتي "قفا نبكي..."!!

فهل يصح في الأفهام الإنطمار في حفرة زمنية، والأرض تدور، وتتبدل العصور، والأمة تخور، وتحفر القبور، وترفض الحضور، فبعضها يجور، وقولها جَهور، بآهة الصدور، وفعلها يبور، في زمنٍ يفور، وعالمٍ مبهور، بخارقٍ سَجور؟!!

تذمُّرنا يوافينا بقهرِ

وإمْلاقٍ وإذلالٍ بجَورِ

فهلْ ننسى زماناً من وجيعٍ

ونِبني حاضراً برؤى لفكرِ

تواصلَ جهلُنا الناسُ حارتْ

تُخمِّدها أساطينٌ بذِكرِ

***

د. صادق السامرائي

 

أنا أقرأ الرسائل التي وصلتني من المثقفين والمثقفات، والأصدقاء والصديقات، الذين يعيشون اليوم في صنعاء وعدن وتعز وحضرموت، فأشعر أنني لا أقرأ مجرد رسائل شخصية، وإنما أستمع إلى أصوات كثيرة تتحدث من خلف جدار الصمت. يعبر أصحابها عن سعادتهم بما أكتبه عن واقعهم، ويطلبون مني المزيد من الكتابة عن الحرية والعدالة والحقيقة، وكأنهم يقولون لي، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة: اكتب ما لا نستطيع قوله، وتحدث عن الأشياء التي نراها كل يوم ولا نستطيع أن نسميها بأسمائها.

تلك الرسائل والاتصالات المباشرة ذكرتني بتلك الأيام البعيدة، والشباب الذين كناهم، وتذكرت الأحلام التي كانت تبدو لنا يومها ممكنة، بل قريبة، وتذكرت أولئك الذين كانوا معنا في تأسيس أول جمعية فلسفية في عدن، وفي اليمن عمومًا، في العشرين من سبتمبر 1988م.

ثمانية وثلاثون عامًا ليست مجرد مسافة زمنية؛ إنها عمر كامل من التحولات والانكسارات والحروب والهجرات والصمت والانتظار. وحين أعود بذاكرتي إلى تلك اللحظة، أشعر أننا كنا نملك شيئًا لا يُقدّر بثمن: كنا نملك القدرة على الحلم.

كنا مجموعة من الشباب نحمل أحلامًا أكبر من أعمارنا، وآمالًا أوسع من إمكاناتنا، ونعتقد أن المعرفة يمكن أن تكون طريقًا إلى مستقبل أفضل. لم نكن نملك كثيرًا من الأشياء، لكننا كنا نملك شيئًا بدا لنا أهم من كل شيء: الإيمان بأن العقل يستطيع أن يفتح نافذة في جدار الواقع.

كانت الفلسفة بالنسبة إلينا أكثر من مادة دراسية أو تخصص جامعي. كانت طريقة في النظر إلى العالم، وطريقة في مساءلة المسلمات، ومحاولة لفهم الإنسان والمجتمع والتاريخ والدولة والحرية والعدالة.

كنا نقرأ أفلاطون وابن خلدون وكانط وماركس وميكافيللي وهيدجر وسارتر وماركيز، ونختلف ونتحاور ونتجادل، ونظن أن الاختلاف جزء من الحياة الفكرية، وأن السؤال لا يمثل خطرًا على المجتمع، بل يمثل إحدى وسائل إنقاذه.

لم نكن ندرك حينها أن مجرد طرح السؤال قد يتحول إلى جريمة وعار.إنها حقيقة مريرة إن الجماعات المهيمنة لا يرعبها ضلال الإجابات الخاطئة ولا يهدد ركودها شيء، بقدر ما يزلزل أركانها ويقضّ مضجعها صوت السؤال الصحيح حين يبحث عن الحقيقة الضائعة.

وحين أتذكر الجمعية، لا أتذكر اسمها فقط، ولا تاريخ تأسيسها، ولا الاجتماعات والندوات التي عقدناها؛ أتذكر الأشخاص الذين كانوا جزءًا من ذلك الحلم.

أتساءل: أين صاروا؟

ماذا جرى لهم بعد كل الذي جرى لعدن واليمن؟

أين أولئك الذين كانوا مشاريع كتّاب ومفكرين وباحثين وأساتذة؟

أين الذين كانوا يكتبون مقالات الرأي؟

أين الذين كانوا يفكرون في استكمال دراساتهم العليا؟

أين الذين كانوا منشغلين بالفلسفة الهيجلية؟

وأين الذين كانوا يحاولون نقد الماركسية وإعادة التفكير فيها؟

لقد تفرقت بنا السبل.

لكننا لم نتفرق صدفة.

بعد حرب صيف 1994م تغيرت البيئة التي كانت تسمح لنا بالحلم. تبدلت ملامح عدن، وتراجع حضور الفكر، وضاقت المساحات العامة، واتسعت مساحات الخطابات المتطرفة، وحل الخوف في النفس والمجتمع.

بعضهم هاجر.

بعضهم صمت.

بعضهم غيّر خطابه.

بعضهم حاول التكيف مع الواقع الجديد.

وبعضهم لم يستطع التكيف أصلًا، فانهار تحت وطأة الحياة، وأصيب بعضهم بالمرض النفسي، وانتهى بعضهم إلى الانتحار.

وهنا بدأت أفهم شيئًا من طبيعة الإرهاب الفكري.

إنه لا يحتاج إلى قتل الجميع كي ينتصر.

يكفيه أن يجعل الجميع يخافون.

فالخوف أكثر كفاءة من الرصاصة أحيانًا.

الرصاصة تقتل إنسانًا واحدًا، أما الخوف فيستطيع أن يجعل مجتمعًا كاملًا يراقب نفسه بنفسه. يجعل الإنسان يحذف الجملة قبل نشرها، ويغير الكلمة قبل أن يقولها، ويتراجع عن الفكرة قبل أن يكتبها، ويتعلم أن الصمت قد يكون أقل تكلفة من الحقيقة.

وهكذا يتحول الخوف من حالة نفسية إلى مؤسسة اجتماعية غير مرئية وبهذا المعنى نفهم العنف الرمزي عند عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو؛ أخطر ما يمكن أن يحدث للناس وللفكر والثقافة فحين يخاف الناس من التفكير، لا تحتاج السلطة أو الجماعة أو المليشيا إلى مراقبة الجميع؛ لأن الناس يبدأون بمراقبة أنفسهم بأنفسهم.

وهنا لا يعود القمع مجرد بندقية في يد مسلح، بل يصبح صوتًا داخل الرأس.

ولذلك ظل سؤال الجمعية الفلسفية يعود إليّ كلما قرأت أو كتبت عن اليمن: ماذا حدث لذلك الجيل؟

أين ذهبت الأحلام؟

وأين ذهبت الندوات؟

وأين ذهبت الفلسفة من الجامعة؟

وأين ذهبت عدن التي كانت تفتح نوافذها على البحر والعالم؟

لقد أدركت مع مرور السنوات أن المسألة لم تكن خسارة جمعية أو قسم جامعي أو مجموعة من الندوات.

كانت خسارة جزء من رأس المال الثقافي والعقلي للمجتمع.

فالمجتمع حين يخسر مفكريه لا يخسر أشخاصًا فقط، وإنما يخسر جزءًا من قدرته على فهم ذاته، ونقد ماضيه، وقراءة حاضره، وتصور مستقبله.

وحين يجف المجال العام من المثقفين المستقلين، تصبح الرواية الواحدة أقوى، ويصبح الصوت الواحد أكثر قدرة على احتلال المجال العام، ويصبح المجتمع أكثر قابلية للتعبئة والخوف والتطرف.

ومن هنا أتذكر حديثًا قديمًا مع أستاذي وصديقي الدكتور أحمد نسيم برقاوي.

كان ذلك ذات مساء على شاطئ بحر العرب، في كورنيش خور مكسر. كنا نصطاد السمك، ننتظر أن تستجيب السنارة لسمكة تأخرت كثيرًا عن موعدها، بينما أخذنا الحديث بعيدًا عن البحر والسنارة والسمكة.

فجأة قال لي:

«قاسم، بدي أسألك: أين اختفت النخبة التكنوقراطية الحديثة التي خلفتها الإدارة البريطانية لمدينة عدن؟»

فاجأني السؤال، لا لأنني لم أكن أعرف أن عدن امتلكت نخبة مدنية متعلمة، وإنما لأنني لم أفكر من قبل في اختفائها بوصفه سؤالًا تاريخيًا.

سألته: ماذا تقصد بالنخبة العدنية الحديثة؟

فبدأ يسمي: التجار والمستثمرين، المهندسين والمقاولين، الأطباء والمحامين، الإداريين والمحاسبين، المعلمين والصحفيين والكتاب والمثقفين والفنانين، والنساء المتعلمات، وأصحاب الشركات والمؤسسات والصحف والأحزاب والمهن الحديثة؛ تلك الطبقة المدنية التي راكمت خلال عقود طويلة خبرة في إدارة المدينة ومؤسساتها.

كان سؤاله الحقيقي: ماذا حدث لهذه النخبة بعد الاستقلال؟ ولماذا لم تصبح جزءًا أساسيًا من بناء الدولة الوطنية الحديثة؟

أدركت يومها أن السؤال أكبر من عدن؛ إنه سؤال عن علاقة الثورة بالنخبة، والدولة بالخبرة، والمجتمع بذاكرته المؤسسية.

فقد جرى النظر إلى قطاعات من تلك النخب من خلال تصنيفات أيديولوجية جاهزة، مثل البرجوازية والكومبرادور والقوى الرجعية. وبدل استثمار خبراتها، أُقصيت قطاعات منها، وحلت محلها قوى جديدة لم تكن تمتلك دائمًا الخبرة اللازمة لإدارة دولة حديثة.

ومنذ ذلك المساء أصبحت أرى أن الدولة لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بالمعرفة والخبرة والمؤسسات والقانون.

وحين تُقصى النخب أو تُهجّر أو تُخيف، لا يخسر المجتمع أشخاصًا فقط، بل يخسر جزءًا من ذاكرته وقدرته على بناء المستقبل.

وهنا تكمن إحدى مآسي اليمن اليوم: أنه لا يخسر مدنه ومؤسساته فقط، بل يخسر أيضًا المجال الذي يستطيع فيه العقل المستقل أن يعيش ويبدع ويشارك في بناء الدولة.

ذاك الحوار البحري مع البرقاوي فتح نظري على اهمية النخب في المجتمعات والبحث في الحالة العربية وقد كتبت دراسة بعنوان (مقومات تشكيل النخب في المجتمع العربي) أوضحت فيه أن النُّخب ليست وضعية عارضة في طبيعة المجتمعات الإنسانية، بل حالة جوهرية أساسية راسخة في صلب التكوين الفطري للمجتمعات الإنسانية منذ بدء الحياة الإنسانية حتى اللحظة الراهنة، إذ لا يمكن للحياة الاجتماعية في أي مجتمع كان، أن تتم من غير نخب اجتماعية سياسية وثقافية قادرة على توجيه مساراتها وتحريك دفتها في الاتجاهات المرغوبة والمطلوبة" وتتعدد النخب وتتنوع بقدر تعدد وتنوع مجالات الفاعلية والعلاقة الاجتماعية (سياسية وعسكرية واقتصادية وثقافية ودينية وعلمية وفنية وإعلامية وتعليمية .الخ. في ضوء ذلك يمكننا، استخلاص تعريف النخبة بالآتي: النُّخبة جماعة من الأفراد يمتلكون خصائص مميزة تجعلهم أكثر قدرة على التميز في أداء أدوار شديدة الأهمية في حياة مجتمعاتهم ولاسيما مجال توجيه المجتمع واتخاذ القرارات السيادية المهمة في مختلف مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية.وهي فئة أو شريحة اجتماعية صغيرة وفاعلة ومهيمنة في مجال فعلها ونشاطها بقدرة على استحواذ عناصر قوة المجال والتحكم في قواعد لعبته الخاصة.

في ذلك السياق اشرت إلى كلمة الرئيس الفرنسي شارل ديغول في أول اجتماع له في جامعة باريس عام 1960م، إذ قال:

"كل ما يهمني اليوم هو معرفة كم بقى لفرنسا من نخبها العلمية في مختلف مجالات العلوم، فإذا فقدنا السياسيين والعسكريين فيمكن تعويضهم في بضعة سنوات، أما العلماء والأكاديميين فخسارتهم لا تعوض أبدًا، إذ هم عقل الأمة وقلبها النابض، فإذا مات العقل وأنطفى النبض مات الجسد وتحلل واندثر".

وهكذا تكون مسؤولية من يعرف ويفهم في كتابة الحقيقة كما هي في الواقع لا كما يتصورها

فلماذا أكتب؟

هذا السؤال أصبح يلاحقني أكثر من أي وقت مضى.

وأنا لا أكتب لأنني أعتقد أن المقال قادر وحده على تغيير الواقع.

فالكتابة لا توقف دبابة، ولا تمنع رصاصة، ولا تبني دولة في يوم واحد.

لكنها تستطيع شيئًا آخر ربما يكون أكثر بقاءً.

إنها تستطيع أن تمنع الكذبة من أن تصبح الرواية الوحيدة.

تستطيع أن تحفظ ذاكرة الذين جرى إسكاتهم.

تستطيع أن تسجل ما حدث قبل أن تبتلعه الذاكرة.

تستطيع أن تقول للذين يعيشون في الخوف: لستم وحدكم.

وتستطيع أن تقول لمن يملك القوة: إن ما تفعله اليوم لن يختفي لمجرد أن البنادق ستصمت يومًا.

لهذا أصبحت الكتابة بالنسبة إليّ أكثر من فعل أدبي أو أكاديمي.

إنها شهادة.

والشهادة مسؤولية.

أن أكتب يعني أن أقاوم النسيان.

أن أقول ما أستطيع قوله.

أن أكشف ما أستطيع كشفه.

أن أترك للأجيال القادمة سجلًا آخر غير السجل الذي تصنعه السلطات والحروب والدعاية.

لقد خرجت من ذلك السجن اليمني الكبير، المسكون بالحرب والخوف والتكفير والظلام، لكنني لم أخرج من اليمن.

حملت اليمن معي.

حملت عدن.

حملت الجامعة والطلاب والكتب.

حملت الجمعية الفلسفية.

حملت وجوه الأصدقاء الذين تفرقوا.

حملت أصوات الذين صمتوا.

وحملت أسئلة الذين بقوا.

ولهذا أكتب عن اليمن من الخارج، لكنني لا أكتب بعيدًا عنه.

أكتب من موقع من نجا من الخوف، لا من موقع من نجا من المسؤولية.

وأعتقد أن الفرق بين الاثنين كبير.

فالخروج من دائرة الخطر قد ينقذ الجسد، لكنه لا يعفي الضمير.

ومن استطاع أن يخرج من دائرة الخوف، فإن خروجه ينبغي ألا يتحول إلى امتياز للصمت، بل إلى فرصة للكلام.

وهنا أفهم الرسائل التي تصلني من صنعاء وعدن والمكلا بطريقة مختلفة.

إنهم لا يريدون مني أن أكتب عنهم من موقع الشفقة.

ولا يريدون صورة رومانسية عن اليمن.

ولا يريدون مني أن أختزل المأساة في طرف واحد.

إنهم يريدون أن يُقال ما لا يستطيعون قوله.

وهذه، في حد ذاتها، مسؤولية ثقيلة.

فالكاتب الذي يستطيع أن يرى ثم يصمت ليس مثل الذي لا يستطيع أن يرى.

ومن استطاع أن يتكلم حين يعجز الآخرون عن الكلام، يصبح مطالبًا بأن يستخدم هذه القدرة بمسؤولية.

لا أن يتحول إلى بوق.

ولا إلى محرض.

ولا إلى ممثل لجماعة.

بل إلى شاهد.

والشاهد الحقيقي لا يكتب ما يرضي الناس، وإنما يحاول أن يكتب ما يراه حقًا، حتى حين تكون الحقيقة مؤلمة لأصدقائه قبل خصومه.

إن مسؤولية الكتابة في زمن الانهيار هي أن تضع الحقيقة في مواجهة القوة، وأن تجعل من الكلمة مساحة للحرية، ومن الذاكرة مقاومة للنسيان، ومن السؤال بداية لاستعادة العقل.

ولهذا أكتب عن عدن.

لأن عدن بالنسبة إليّ ليست شوارع ومباني وميناءً وبحرًا.

عدن ذاكرة مدنية.

عدن تجربة في التحديث.

عدن فضاء للتنوع.

عدن مدينة كانت تفتح نوافذها على العالم.

وأكتب عن الفلسفة لأن مجتمعًا يخاف من السؤال سينتهي، عاجلًا أو آجلًا، إلى الخوف من الإنسان نفسه.

وأكتب عن النخب لأنني تعلمت أن تدمير النخبة لا يعني التخلص من أفراد، وإنما يعني تجفيف منابع المعرفة والخبرة والقدرة على بناء المستقبل.

وأكتب عن الذين صمتوا لأنني أعرف أن وراء كل صمت قصة.

وأكتب عن الذين هاجروا لأن الهجرة ليست دائمًا بحثًا عن حياة أفضل؛ قد تكون أحيانًا نجاة من حياة لم تعد ممكنة.

وأكتب عن الذين بقوا لأن البقاء في بعض الظروف شكل آخر من أشكال المقاومة.

وربما لا أستطيع أن أعيد الجمعية التي تأسست في سبتمبر 1988م.

ولا أستطيع أن أعيد عدن التي عرفناها.

ولا أستطيع أن أسترد السنوات التي ابتلعها التاريخ.

ولا أستطيع أن أعيد الذين رحلوا.

لكنني أستطيع أن أتذكر.

وأستطيع أن أكتب.

وهذا، في زمن كهذا، ليس قليلًا.

فالكتابة في زمن الخوف ليست ترفًا.

إنها إحدى صور الحرية.

والكشف عن الحقيقة ليس انتقامًا من الماضي، بل دفاع عن المستقبل.

ومن استطاع إلى ذلك سبيلًا، فليكتب.

ليكتب عن اليمن كما رآه، لا كما تريد له الدعاية أن يكون.

ليكتب عن الذين دفعوا ثمن الحرب.

عن الذين عاشوا الخوف.

عن الذين هُجّروا.

عن الذين صمتوا.

عن الذين قاوموا بالصبر.

عن الذين حاولوا أن يحفظوا للمعرفة مكانًا وسط الخراب.

ليكتب عن المدارس والجامعات التي فقدت معناها.

عن المؤسسات التي تآكلت.

عن المدن التي تغيرت.

عن الذاكرة التي تتعرض للمحو.

ليكتب حتى لا يصبح النسيان هو المنتصر الأخير.

ولعل أعظم ما تستطيع الكلمة أن تفعله في زمن كهذا أن تقول للإنسان اليمني، وللإنسان عمومًا: إن الوطن ليس أرضًا فقط، والدولة ليست سلطة فقط، والثورة ليست عنفًا فقط، والحرية ليست شعارًا، والعلم ليس شهادة، والفلسفة ليست ترفًا، والذاكرة ليست ماضيًا.

كل ذلك شروط للحياة الإنسانية نفسها.

وحين أتذكر أولئك الشباب الذين اجتمعوا في عدن في سبتمبر 1988م، وهم يحلمون بجمعية للفلسفة وعلم الاجتماع، لا أشعر بالحزن فقط على ما ضاع.

أشعر أيضًا بأن شيئًا من ذلك الحلم ما يزال حيًا.

فالأحلام الفكرية قد تتعثر.

وقد تُحاصر.

وقد يهاجر أصحابها.

وقد تُغلق الجمعيات.

وقد تُفرغ الجامعات من معناها.

لكن السؤال الذي يولده العقل لا يموت بسهولة.

الرصاصة تستطيع أن تقتل صاحب الفكرة، لكنها لا تستطيع دائمًا قتل الفكرة نفسها.

أما الخوف، فإنه يحاول أن يجعل الإنسان يقتل الفكرة داخل نفسه.

ولهذا فإن مقاومة الخوف تبدأ أحيانًا بثلاث جمل بسيطة:

أنا أرى.

أنا أتذكر.

وأنا أكتب.

أكتب لأنني لا أريد أن يصبح الصمت شهادة زور على ما حدث.

وأكتب لأن الذين لا يستطيعون الكلام يحتاجون إلى من يحمل بعض أصواتهم إلى الفضاء العام.

وأكتب لأن الذاكرة، إذا لم يكتبها أصحابها، سيكتبها الآخرون نيابة عنهم.

وأكتب لأن التاريخ لا يحفظ كل شيء، ولأن السلطة لا تروي كل شيء، ولأن الضحية كثيرًا ما تفقد القدرة على رواية قصتها.

إنني لا أدّعي امتلاك الحقيقة كاملة.

لكنني أملك حق الشهادة على ما رأيت، وحق السؤال عما لم أفهمه، وحق نقد ما أعتقد أنه أضر بالإنسان والدولة والمجتمع.

وهذا هو معنى الاستجابة في نظري.

أن تصلني رسالة من إنسان خائف في صنعاء أو عدن أو المكلا، ثم لا أتعامل معها بوصفها مجاملة شخصية، وإنما بوصفها نداءً أخلاقيًا.

أن أفهم أن وراء عبارة «اكتب» إنسانًا يريد أن يتنفس.

وراء عبارة «قل الحقيقة» مجتمعًا يريد أن يرى نفسه في مرآة غير مزيفة.

وراء عبارة «واصل الكتابة» أملًا صغيرًا في ألا يكون الظلام هو الكلمة الأخيرة.

ولهذا سأكتب.

ليس لأنني أملك خلاص اليمن.

ولا لأنني أعتقد أن الكاتب أهم من الناس.

بل لأنني واحد من الذين حملوا هذا البلد في ذاكرتهم، وعاشوا بعض مراحله، وخسروا بعض أشيائه، وما زالوا يؤمنون بأن الإنسان يستحق حياة أفضل.

سأكتب ما أستطيع، لا ادّعاءً لامتلاك الحقيقة كاملة، ولا رغبةً في احتكار رواية الماضي، وإنما وفاءً لمسؤولية الشهادة، وأترك للتاريخ، بما له من مسافة عن الانفعال والمصلحة، مهمة الحكم النهائي.

فالكتابة، في جوهرها، ليست مجرد استعادة لما حدث، ولا تسجيلًا باردًا للوقائع، وإنما محاولة إنسانية لفهم المأساة: لماذا انكسرت الرؤوس؟ وكيف انكسر المجتمع معها؟ وكيف تحولت الخلافات إلى خصومات، والخصومات إلى عنف، والعنف إلى خرابٍ طال الإنسان والمكان والذاكرة؟ ومن يتحمل مسؤولية ما حدث؟ والأهم من ذلك كله: ماذا نستطيع أن نتعلم من هذه التجربة حتى لا تتحول المأساة إلى قدرٍ يتكرر؟

ولعل هذا هو المعنى الأعمق للذكرى: أن نتذكر لا لكي نبقى أسرى للحزن، وإنما لكي نفهم؛ وأن نفهم لا لكي نبحث عن الثأر، وإنما لكي نمنع تكرار المأساة؛ وأن نكتب لا لكي ننتصر على أحد، وإنما لكي نمنح الحقيقة فرصةً للبقاء حين يحاول النسيان أن يطويها.

لهذا أكتب.

أكتب لأن ما حدث لا ينبغي أن يُدفن مع الذين رحلوا، ولا أن يتحول إلى حكاية منسية في ذاكرة الأجيال. أكتب لأن الذاكرة مسؤولية، والحقيقة مسؤولية، والكلمة حين تصدر عن ضمير حي يمكن أن تكون شكلًا من أشكال مقاومة النسيان.

تذكّرٌ حتى لا يضيع الماضي،

واستجابةٌ حتى لا يبقى الحاضر بلا صوت،

وكتابةٌ حتى لا يُترك المستقبل رهينةً للنسيان.

وسأظل أكتب ما استطعت؛ فليس في وسع الإنسان أن يغيّر ما حدث، لكنه يستطيع أن يمنع أن يمرّ ما حدث بلا معنى.

***

عبد الباقي قربوعه – كاتب جزائري

لا تقف الأكسيولوجيا، علمُ القيم، عند حدود التأمل الفلسفي في الخير والجمال. هي في جوهرها محاولة لنقل الأخلاق من مقام التنظير إلى حياة تُعاش في الوعي والسلوك. فالقيمة لا تكتمل بتعريفها ولا بالدفاع عنها، وإنما بتحوّلها إلى ممارسة وطريقة في النظر والتعامل، تعيد وصل الإنسان بفطرته ووجدانه وعالمه.

ومن هنا تنطلق من فكرة أساسية: الجمال والأخلاق ليسا مجالين منفصلين. فما يظهر في السلوك من رقيّ وتهذيب واتزان ليس قشرة خارجية، بل انعكاس لما استقر في الداخل من وعي وقيم. وبهذا يصبح فنُّ التعامل فعلًا ثقافيًا رفيعًا، يكشف جوهر الإنسان الروحي ويمنح القيم قدرة على التجسّد والتأثير.

وحين يلتقي الذوق الفني بالنسق الأخلاقي يتجاوز الجمال كونه صورة حسية أو هيئة مرئية. يغدو لغةً تتجسد بها الأفكار والقيم، وتنتظم بها الألوان والأصوات والحركات في انسجام يلتقي فيه المعنى بالجمال، والوعي بالسلوك، والحرية بالمسؤولية. والحياة من هذا المنظور ليست لوحة جامدة تحكمها قوانين الشكل واللون، بل فضاء حيّ تتجلى فيه المعاني الإنسانية والروحية. وبذلك لا يكون الإنسان متلقيًا للجمال فقط، بل شريكًا في صنعه، حين يحوّل قيمه إلى سلوك، ووعيه إلى مسؤولية، وذوقه إلى طريقة في الوجود.

وليست إعادة تأسيس هذا العلم إحياءً لخطاب نظري مغلق، بل تطويرٌ لمعالم قابلة للتطبيق. فالمطلوب ألا تبقى القيم محفوظة في المفاهيم، بل أن تصير قوة تربوية وثقافية تعيد ترتيب علاقة الإنسان بذاته وبالآخر وبالعالم.

وتشتد هذه الحاجة في زمن التحولات الرقمية المتسارعة، التي غيّرت طرائق التواصل والإدراك وتكوين المواقف. هنا تبرز الأكسيولوجيا ضرورة ثقافية وأخلاقية، لا ترفًا مثاليًا بعيدًا عن الواقع. إنها بوصلة عملية تواجه خطاب الكراهية بجمال التسامح، والانحدار الأخلاقي بسمو القيم، واضطراب المعنى بإعادة الاعتبار للإنسان بوصفه مشروعًا متجددًا في الوعي والسلوك.

وعندما يتناغم الذوق الجمالي مع الوعي الأخلاقي والروحي، لا يعود الجمال زينةً للمعنى، ولا تعود الأخلاق قيدًا على الحياة. يلتقيان في صيغة أصيلة متزنة: جمالٌ يستمد عمقه من الأخلاق، وأخلاقٌ تستمد إنسانيتها من قدرتها على إنتاج الجمال.

وهكذا تتحدد الغاية الأبعد: أن نرى في القيمة حياةً لا شعارًا، وفي الجمال مسؤوليةً لا مظهرًا، وفي الأخلاق فعلًا يوميًا يترجم ما نؤمن به إلى ما نفعله. إنها دعوة إلى بناء إنسان لا يكتفي بمعرفة الخير بل يجسّده، ولا يكتفي بتأمل الجمال بل يتركه أثرًا في العالم، فيستعيد بذلك معنى وجوده وانسجامه مع فطرته.

***

بقلم زينب طارق العراق

 

لا سيادة للعقل على المقدس ولا مسلمات دينية تلغيه، والمُوفِّقون بينهما بالتوازي والتوافق مخطئون أيضا، حتى الذين بدافع متعة المبارزة الفلسفية لمقاربة علم الروحانيات بعلم المادة ليسوا على صواب.

الحقيقة البسيطة أن العقل مخلوق، ومهما بلغت درجة ذكائه وعبقريته فلا يستطيع أن يثبت أنه خلق نفسه، أو ما يعبر بعضهم عن الظاهرة بأنه مجرد صدفة وجودية، ومن جهة أخرى لا يمكن أن يخلق الله ما يمكن يفوقه في تقدير الغيب وعالم الروح، بدليل قوله تعالى في وصف الجنة: (لا عين رأت ولا أذن سمعت وما خطرت ببال بشر)، اتفاقا على أن كلّا من العين والأذن والخيال مجرد أدوات للعقل، إذ لا يمكنه استعمالها إلّا في مدارات ما يستوعبه الإنسان في الواقع والطبيعة، حيث تتوفر معطيات المسائل المعقدة وغير المعقدة والسطحي منها والعميق، أين تتم دراسة ظواهر حسية مما يبذله الإنسان من مشاعر اتجاه الآخرين والعكس خلال مواقف مختلفة، أو ظواهر مرئية مما يقابله من مواضيع مادية ذات صلة بالمنفعة العامة.

كون العقل مخلوق بكل ما يحوزه من قدرات نظرية تزعج كلّا من الملحد والساحر والكاهن، لأن لدى كل منهم رغبة في تأليه عقله، معتبرا أن العقل كفيل بتوفير الحكمة وصناعة المواقف المثالية، ومعرفة ما يمكن أن يحصل غدا أو العام أو القرن القادم، دون حاجة إلى قوة يعتبرونها طفيلية على العقل حتى ولو كانت دينا مُكلّلا بالخوارق والمعجزات، فهم يعتبرون الدين مجرد ذريعة يتذرع بها المؤمنون للتغطية على عقولهم الغبية الإمعة التي ليست لديها قدرة على التفكير.

في الجهة الأخرى يصف المستجيبون للنص المقدس هؤلاء بالملحدين، فالملحد هو الذي ينفي وجود الله باعتبار أنه منح عقله قدرة خارقة لا تحتاج إلى سند مقدس لتوجيهه وكبحه، أو يطالبه بالخضوع والامتثال، وقد يصل به غروره إلى اعتبار نفسه يساوي أو يفوق الصفات الإلهية في تقدير الغيب ومصائر البشر، وقد يلزمهم بالركوع له كما فعل فرعون ومن على شاكلته من الملوك المعاصرين، فيفعلون ظنّا أنه يفوق الله في سرعة عقابه وشدته، وأنه ليس غفورا رحيما كخاصية يعتبرها تميّزا على الله، فهو يعتقد أنه - تعالى عن ذلك - متخاذلا حين يقبل توبة البشر ويعفو عنهم.

هؤلاء هم الذين وقفوا ضد الأنبياء والرسل ووصفوهم بالمجانين، وعندما استجابت لهم البشرية لم يجنحوا إلى الإيمان استجابة إلى ما أوحي إليهم، بل عندما تمكن الرسل  - صلوات الله عليه عليهم - من التأثير على واقع الحياة و وصفوهم بالسحرة والكهنة، مع أنهم هم البادئون بصناعة السحر والتكهّن، أو بما أبدعه الملحدون المعاصرون من مصطلحات، كما وصف الروائي الجزائري رشيد بوجدرة الرسول محمد ﷺ بالرجل الثوري ونفى أن يكون رسولا، وصفَه بذلك لسببين، أولا ليجعل نفسه شبيها به، وثانيا  ليظن المؤمنون به أن المسألة لا تتعلق سوى بالشجاعة والجرأة، وسحر الخطاب النضالي كالمعمول به في الخطابات السياسية، وضمنيا نفى أن يكون العقل هو الذي استجاب لإعجاز النص المقدس، الفكرة نفسها تصب دلالة في نفس سياق أطروحات كل من الباحث المغربي أحمد عصيد، والسعيد بن جبلي، والروائية المصرية نوال السعداوي، وبوعلام صلصال وغيرهم الكثير ممّن ينتمون إلى دول عربية وغير عربية.

الغريب أن بعضهم قضوا نحبهم في الحياة اللّادينية متشابهين مع الأنعام، وبعضهم أنهوا حياتهم بأيدهم ليثبتوا أنهم أرحم من الله على أنفسهم حين لا يتركون أنفسهم يتألمون، وبعضهم تعجلوا وأنهوا حياتهم وهم بصحة جيدة خوفا من أن يُرجِع الآخرون موتَهم إلى القضاء والقدر، مثل ما فعل الباحث السوري ديفيد المعروف بـ: (ديفيد رجل كهف) ثم سار على خطاه المغربي السعيد بن جبلي وانتحر مثله، وربما هناك الكثيرون من أتباعهم ماتوا على هذا النحو ولم يعلم بهم أحد، أو ربما صنفتهم التقارير الأمنية بالمنتحرين وكفى.

ورغم هذا المصير المشين لرواد هذه الفلسفة، لا يزال كثير من المفكرين الذين هرب بهم جموح تفكيره يناهضون لتحرير العقل من هيمنة الدين، وبالرغم من أنهم يدعون نباهة الفكر ويقدمون سلطة العقل على المقدس لم يتصالحوا مع أنفسهم ليضبطوا وضعهم النفسي، ليتساءلوا هل هم فعلا مقتنعين بأن النص المقدس لا يصلح لتنظيم شؤون المخلوقات في الحياة، أم فقط لأنه حرم عليهم ما تشتهي أنفسهم، وبالتالي يعترفون بأن الحياة الأخرى حقيقة، وأنهم قالوا بأنها خرافة فقط لأن هناك عقاب ينتظرهم مع إصرارهم على ارتكاب ما يحرمه النص المقدس، حيث يعتبرون ذلك تجنيا على حرية الإنسان في ما يفعله اتجاه نفسه وروحه وجسده.

في منوال آخر لم ينتبه هؤلاء إلى أنهم أثبتوا بأنهم شركاء مع سائر البهائم سلوكيا بتناول كل شيء تشتهيه النفس في الحياة، فالتيس مثلا عندما تكبر ابنته الجدية يمتطيها لتُنجب منه، فهذه فطرة قدّرها الله للمخلوقات غير العاقلة رحمة بالإنسان وحرصا على تأمين غذائه، لكن عندما يمتطي الأب ابنته بمبرر حرية الجسد فهل هناك خلفية نفعية من وراء هذا التزاوج؟ إلّا إذا أراد أن يبرر ذلك بتأمين مستقبله المعيشي أو الجنسي، فيُعدنا بذلك إلى النقطة الأولى التي انطلقت منها نشأة الخلق الآدمي حيث آدم وحواء، في هذه الحالة تكون الفلسفة أداة للتلاعب بأذهان البشر وليست أداة لتنويرهم، فلو أن للعقل سيادة فعليا كما يقولون لاعتبروا آدم وحواء أخُوة خَلقية وليست أُخُوة عائلية ناتجة عن تزاوج بين رجل وامرأة، كما أن أمومة السيدة مريم العذراء أمومة خَلقية وليست أمومة نتجت عن تزاوجها من طرف آخر كما تعتقد بعض الأديان، ولله القُدرة أن يخلق ما يشاء حتى من العدم. 

فلو نقترِح على أحد من المنادين بحرية الجسد إنشاء مخبر، بيت – مثلا - يجمع داخله أسرته المتكونة منه وأمه وأبيه وزوجته وابنته وأبنه، وأطلب منه أن يظل هذا المخبر مغلقا لمدة 20 سنة يتزاوجون خلالها فيما بينهم وينجبون من بعضهم، لنجدهم بعد هذه المدة قد تكاثروا وفق نظرية حرية الجسد، أكيد سنكتشف أن كثيرا من المفاهيم الأسرية قد تلاشت: (الأب، الأم، الجد، الجدة، الخال، الخالة، العم، العمة، الأخ، الأخت، الابن، الابنة، الحفيد..)، يعني القضاء على مصطلح النّسب فيصبحون سواسية كأجساد الأنعام، ثم لا تجد الدولة بعد ذلك ضرورة للاهتمام بالحالة المدنية كنظام اجتماعي، بعد ذلك هل نستطيع أن نفرق بينهم وبين القردة؟ ربما نتبيّن أنهم بشر فقط من خلال الشكل واللغة، هذا إن نجوا من الاضطرابات والأمراض الوراثية، وربما ينتج عن الظاهرة مسخٌ يتسبب في فساد الذوق العام.

العقل لا يجني على نفسه بتجاوز المقدس والعلم والمنطق، إنما ارتباطنا بما تشتهيه النفس هو الذي يبرر ما نريده من حرية مطلقة، فنتمرد بذلك على سمو العقل كأداة تتقدم وعيا على كل الانفعالات، به يمكننا التباهي بسيادة عقولنا على الحيوانات كونها غير واعية بما تفعل، وأن الله خلقها فيما هي عليه لأسباب نفعية ذات صلة باستمرار وجود الإنسان، فهل من المنطق أن نجنح إلى سلوكها بحجة ازدهار الفكر وتجدد المعرفة؟

***

عبد الباقي قربوعه – كاتب جزائري

شهدت البشرية عبر العصور قفزات علمية متسارعة صاغت مجرى التاريخ وغيرت وجه الحياة. فمن العصر الذهبي للعلوم، حيث وضع علماء أفذاذ مثل الرازي وابن سينا أسساً مهمة للطب والعلوم القائمة على الملاحظة والتجربة، وصولاً إلى عصرنا الحالي بما يشهده من تقنيات متقدمة وذكاء اصطناعي، استمر الشغف الإنساني بالاكتشاف والتطوير، ليربط حاضرنا العلمي والتقني المذهل بجذور تاريخية عريقة أسهمت في بناء الحضارة.

ولعل الطب هو أحد أبرز المجالات التي تجسدت فيها هذه القفزات العلمية. فلم يتقدم الطب في تاريخ البشرية كما تقدم في عصرنا الحاضر؛ فأصبح الطبيب قادراً على تشخيص أمراض كانت في الماضي لغزاً محيراً، وإجراء عمليات دقيقة ومعقدة، ودخل الذكاء الاصطناعي والروبوتات إلى ساحة العمل الطبي، وأصبح بالإمكان السيطرة على أمراض كانت تعني في الماضي الموت، بل وتحسين نوعية الحياة وإطالة عمر الإنسان في حالات لم يكن علاجها ممكناً قبل عقود قليلة، فضلاً عن التطور الكبير في وسائل تخفيف الألم ومعاناة المرضى.

ومن الطبيعي أن يكون وراء هذا التقدم منظومة هائلة تعمل من أجل المريض، تضم آلاف العلماء والباحثين والأطباء، والجامعات ومراكز البحوث، وشركات الأدوية والأجهزة الطبية، والمختبرات والمستشفيات. وتُنفق مليارات الدولارات سنوياً على الأبحاث التي تقود إلى اكتشاف أدوية جديدة وتطوير الأجهزة والتقنيات الطبية. ويؤدي كل طرف من هذه الأطراف دوراً مهماً في منظومة الطب الحديث، بهدف الوصول إلى تشخيص أدق وعلاج أفضل وحياة أطول للإنسان.

غير أن هذه المنظومة العلمية والتقنية الضخمة لها كلفتها. فالبحث العلمي يحتاج إلى تمويل كبير، وتطوير الدواء أو الجهاز الطبي يمر بمراحل طويلة ومكلفة من البحث والتجارب والتطوير والإنتاج، كما تحتاج المستشفيات إلى أجهزة متقدمة ومختبرات متخصصة وكوادر مؤهلة. وتدخل هذه التكاليف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في كلفة الخدمات الطبية التي يحصل عليها المريض. كما أن الشركات التي تستثمر في هذا المجال تعمل، في معظم الحالات، ضمن منظومة اقتصادية تسعى إلى استرداد تكاليفها وتحقيق عائد على استثماراتها، وهو أمر يسهم في استمرار البحث والتطوير، لكنه ينعكس في الوقت نفسه على كلفة العلاج.

ولم يعد استيعاب هذا التطور ممكناً في المستشفيات القديمة التي صُممت لمتطلبات عصر مختلف. فقد أصبحت المستشفيات الحديثة مؤسسات ضخمة تحتاج إلى مساحات واسعة للأجهزة والمختبرات وغرف العمليات والعناية المركزة، فضلاً عن أماكن إقامة المرضى والخدمات المساندة. وتطورت كذلك وسائل الراحة والإقامة، حتى أصبح بعضها يضاهي في مبانيه وتجهيزاته وخدماته أرقى الفنادق.

وتطورت الأجهزة الطبية بصورة مذهلة، وأصبحت الفحوصات المختبرية والشعاعية المتقدمة جزءاً أساسياً من عملية التشخيص. وفي كثير من الحالات، لا يستطيع الطبيب الوصول إلى تشخيص دقيق من دون الاستعانة بسلسلة من الفحوصات والتحاليل والصور المتطورة، التي قد تكون كلفتها مرتفعة إلى درجة تتجاوز قدرة كثير من الناس.

حتى المدن تغيرت ملامحها؛ فظهرت شوارع ومراكز تكتظ بالعيادات الطبية والصيدليات والمختبرات ومراكز الأشعة والمراكز الصحية، وكلها تقدم خدمات يحتاج إليها الإنسان في مراحل مختلفة من رحلته مع المرض. وهذا كله إنجاز علمي وحضاري عظيم لا يمكن إلا تقديره. لكن هذا التقدم يطرح سؤالاً إنسانياً لا يمكن تجاهله: هل يستطيع كل إنسان أن يتحمل كلفة الاستفادة منه؟

وفي الوقت نفسه، أصبح القطاع الصحي منظومة اقتصادية واسعة، تتداخل فيها المعرفة العلمية مع الصناعة، والاستثمار، والتجارة، والخدمات. واتسع سوق التعليم الطبي، فتزايد عدد الجامعات والمعاهد التي تخرّج سنوياً أعداداً كبيرة من الأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان وسائر الاختصاصات الطبية والصحية، كما اتسع سوق الخدمات الصحية عاماً بعد آخر.

ولا يعني ذلك أن الجانب الاقتصادي ينتقص بالضرورة من الجانب الإنساني للطب. فالعاملون في القطاع الصحي، في نهاية المطاف، بشر مثل سائر الناس؛ فيهم من اختار المهنة بدافع إنساني عميق، وفيهم من يراها رسالة ومسؤولية قبل أن تكون وسيلة للعيش، كما أن فيهم من ينظر إليها بوصفها مهنة ومصدراً للدخل. وهذا أمر موجود في معظم المهن. غير أن خصوصية الطب تكمن في أن الإنسان يلجأ إلى الطبيب وهو في أضعف حالاته، وقد يكون محتاجاً إلى العلاج بصورة لا تسمح له بالتأجيل أو الاستغناء عنه.

وهنا تظهر المفارقة: كلما ازداد الطب قدرةً على إنقاذ الإنسان، ازدادت في بعض الحالات كلفة الوصول إلى هذا الإنجاز العلمي. والمشكلة ليست في تقدم الطب، ولا في تطور المستشفيات والأجهزة والأدوية؛ فكل ذلك مكسب للبشرية. وإنما المشكلة أن يصبح هذا التقدم بعيداً عن متناول الإنسان الذي يحتاج إليه، بسبب عجزه عن دفع ثمنه.

وتزداد هذه المشكلة وضوحاً بعد التقاعد. فالمتقاعد، الذي أمضى سنوات طويلة في العمل، يجد نفسه في مرحلة يحتاج فيها إلى الرعاية الصحية أكثر من أي وقت مضى، في الوقت الذي تنخفض فيه قدرته على تحمل تكاليفها. فالأمراض المزمنة المرتبطة بالتقدم في العمر تحتاج إلى أدوية وفحوصات ومراجعات طبية منتظمة، فضلاً عن الحالات الطارئة والعمليات الجراحية التي قد تصبح جزءاً من حياة الإنسان في هذه المرحلة. وهكذا قد يتحول المرض من حالة استثنائية إلى عبء مالي مستمر، فيجد المتقاعد نفسه أمام معادلة صعبة: دخل محدود من جهة، واحتياجات صحية متزايدة من جهة أخرى.

من هنا أرى أن من الضروري أن تفكر الدولة ومؤسساتها في بناء نظام ضمان صحي متكامل يبدأ مع الموظف منذ سنوات عمله الاولى، بحيث يُستقطع جزء من دخله بصورة منتظمة لهذا الغرض، سواء كان يعمل في القطاع العام أو الخاص، ليكون له ولأسرته رصيد من الحماية الصحية عند الحاجة. فكما يُقتطع من دخل الموظف ضماناً لمستقبله التقاعدي، أليس من المنطقي أن يكون له أيضاً ضمان صحي يحميه عندما يتقدم به العمر ويصبح أكثر حاجة إلى العلاج؟

إن مثل هذا النظام لا ينبغي النظر إليه باعتباره عبئاً إضافياً على الموظف، بل استثماراً في أمنه الصحي ومستقبله. فقد يمضي الإنسان سنوات طويلة وهو يدفع اشتراكاته من دون أن يحتاج إلى علاج مكلف، ثم يأتي يوم يصبح فيه هذا الضمان هو الحائط الذي يحميه من الوقوع في العجز المالي بسبب المرض.

ولا تقتصر المسؤولية على الدولة وحدها؛ فالمجتمع أيضاً يستطيع أن يؤدي دوراً مهماً في هذا المجال. ومن الحلول الإنسانية التي يمكن أن تسهم في تخفيف الأعباء أن تخصص المستشفيات، ولا سيما الكبيرة منها، برامج لإعفاء المرضى غير القادرين مادياً، كلياً أو جزئياً، من تكاليف العلاج، وفق معايير واضحة تضمن وصول المساعدة إلى مستحقيها. ويمكن أن تحظى الحالات الأكثر ضعفاً، وبخاصة الأطفال، بأولوية في هذه البرامج.

كما يمكن أن تنشئ المستشفيات صناديق للتكافل الصحي، يساهم فيها القادرون ورجال الأعمال والمؤسسات الخيرية، لتغطية تكاليف علاج المرضى الذين لا يستطيعون تحملها. فالتكافل هنا لا يعني إيقاف عجلة التطور الطبي، وإنما يعني أن نساعد الإنسان على الوصول إلى ثماره.

وفي هذا السياق، يحضر أمامي نموذج أتمنى أن يحتذي به الميسورون والشركات ورجال الأعمال، هو رجل الأعمال والبر العراقي الراحل المهندس نزار النقيب رحمه الله، الذي قدم دعماً سخياً لمؤسسة ومركز الحسين للسرطان في الأردن، وكان من أبرز إسهاماته تأسيس وتمويل «مبنى نزار النقيب للعيادات الخارجية» داخل حرم المركز في عمّان عام 2001.

ولم تتوقف مساهماته عند هذا الحد، بل استمرت رعايته للمركز وتبرعاته للمساهمة في تغطية تكاليف علاج المرضى غير القادرين، ولا سيما الأطفال والفقراء واللاجئين من العراق ومن مختلف الجنسيات العربية، بما أسهم في تخفيف المعاناة عن عدد كبير من العائلات.

ومن المبادرات الجميلة التي شاهدتها في أحد مطاعم العاصمة عمّان لوحة صغيرة موضوعة على الطاولة تقول: «شكراً لدعمكم، أضيف إلى فاتورتكم تبرع بقيمة عشرة قروش لمؤسسة الحسين للسرطان لدعم مرضى السرطان غير المقتدرين».

قد تبدو مساهمة الفرد بسيطة، لكن قيمة مثل هذه المبادرات تكمن في اجتماع أعداد كبيرة من المساهمات الصغيرة لتصنع أثراً كبيراً. فالتكافل الصحي يمكن أن يكون مسؤولية الدولة، والمؤسسات الطبية، والشركات، ورجال الأعمال، والمؤسسات الخيرية، وكذلك الأفراد القادرين على المساهمة ولو بالقليل.

لقد أصبح الطب قادراً على فعل أشياء كانت تبدو قبل عقود ضرباً من الخيال. لكن لا ينبغي أن نقيس نجاح هذا التقدم بعدد الأمراض التي أصبحنا قادرين على علاجها، أو بعدد العمليات التي أصبح الأطباء قادرين على إجرائها فحسب، بل أيضاً بمدى قدرة الإنسان العادي على الوصول إلى هذا التقدم.

فالطب في النهاية وُجد من أجل الإنسان، وليس من أجل فاتورة العلاج. ومن حق كل إنسان أن يأمل في أن يكون التقدم الطبي الذي صنعه العقل البشري متاحاً، بقدر الإمكان، لكل من يحتاج إليه، وألا يكون المال هو الحاجز الذي يحول بين المريض والعلاج.

وفي الختام، أسأل الله أن يمنّ على الجميع بالصحة والعافية، وأن يحفظنا وأهلنا وأحبتنا من المرض، وأن يجعل ما وصل إليه الطب من علم وتقدم سبباً في تخفيف آلام الناس وإنقاذ حياتهم.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

لا أحد يستطيع الجزم إن كانت حواء، أمّ البشرية، تعرف الماكياج، أو تلوّن خديها وشفتيها، أو تضع الكحل في عينيها. ولا نعرف إن كانت قد مارست الطبخ، أم اكتفت بما يصطاده آدم، ولا إن كانت قد انشغلت بالملابس والموضة، سوى ما تقوله الحكاية عن ورق التوت الذي أخفى عورتيهما. كل ما نعرفه أن الأسطورة لم تخبرنا شيئًا عن هذه التفاصيل، ومع ذلك يبدو أن بعض الإعلام قرر أن يجعلها جوهر حكاية المرأة منذ الأزل وحتى اليوم.

لقد تغيّرت الأزمنة، وخرجت المرأة من هامش الحكاية إلى متن التاريخ، كتبت وأبدعت وقادت وخاضت الحروب، وأسهمت في صناعة التحولات السياسية والعلمية والفكرية. ومع ذلك، ما يزال الإعلام العربي، في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، يتعامل معها أحيانًا كما لو أن كل هذه التحولات لم تحدث، وكأن مهمتها الأزلية أن تكون نسخة محسّنة من حواء: أجمل، وأكثر أناقة، وأمهر في إعداد الطعام.

يكفي أن نتأمل البرامج والصفحات التي تحمل لافتة "المرأة". كثير منها يبدو كأنه مساحة أُضيفت إلى محتوى ذكوري لرفع الحرج، لا اعترافًا بأن للمرأة قضايا تتجاوز المرآة والمطبخ وخزانة الملابس. وكأن وجودها الإعلامي يحتاج إلى رخصة، شرطها ألا تبتعد كثيرًا عن الصورة التي اعتاد المجتمع استهلاكها.

ليس الاعتراض على الموضة أو الطبخ أو الماكياج، فهذه اهتمامات مشروعة. الاعتراض هو أن تتحول التفاصيل إلى تعريف، والاختيارات إلى أدوار مفروضة، وأن يُختزل عالم المرأة في وصفات ونصائح حتى يبدو كأن لا شيء آخر يستحق أن يُقال عنها أو معها. المشكلة ليست في أن تتعلم المرأة كيف تضع أحمر الشفاه، بل في أن يظل الإعلام عاجزًا عن رؤية ما وراء شفتيها.

ثم إن هذه المعرفة لم تعد حكرًا على الإعلام أصلًا. فقد أتاحت منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها يوتيوب، للنساء ما يكفي من مواد الجمال والطبخ والأزياء. وفي المقابل، كشفت هذه المنصات عن نساء لامعات في العلم والأدب والفن والفكر، وعن تجارب تستحق الإصغاء لا لأنها نسائية فحسب، بل لأنها تضيف شيئًا إلى المعرفة الإنسانية.

ومع ذلك، ما يزال بعض الإعلام يتصرف كما لو أن المرأة تحتاج إلى أن تتعلم كيف تبدو، لا كيف تفهم العالم الذي تعيش فيه، وتواجه تناقضاته، وتدافع عن حقوقها، وتفكك القيود التي تحاصر خياراتها. وكأن المعرفة التي تليق بها هي ما يحسّن صورتها في عيون الآخرين، لا ما يمنحها القدرة على مساءلة هذه العيون نفسها.

لقد تعقّدت حياة المرأة، ولم تعد قضاياها مجرد التوفيق بين العمل والأسرة، بل تشمل الاستقلال الاقتصادي، والتمييز، والعنف، والحقوق القانونية، والضغط الاجتماعي، وصراع الفرد مع الأدوار التي تُفرض عليه. وهذه مسائل تحتاج إلى نقاش جاد، لا إلى وصفات جاهزة، وإلى إعلام يتعامل مع المرأة بوصفها إنسانًا كامل الأهلية، لا جمهورًا مستهدفًا للبيع.

أما الجسد، فله حكاية أخرى. إنه السلعة التي لا تفقد صلاحيتها في سوق الإعلان، تُستدعى المرأة لتزيين الرسالة التسويقية، حتى حين لا تكون لها علاقة بالمنتج. من معجون الطماطم إلى مساحيق التجميل، يحضر جسدها أحيانًا بوصفه وسيلة لجذب الانتباه، وكأن قيمته تكمن في قدرته على الإغراء، لا في كونه جسد إنسان له حرمته وكرامته.

والأكثر مفارقة أن المرأة تُطالَب بأن تتحرر، وفي الوقت نفسه أن تبقى مطابقة لمعايير الجمال، أن تثبت كفاءتها في العمل، ثم تُختبر مجددًا أمام المرآة. مطالبة بأن تكون كل شيء، فيما لا يزال بعض الخطاب الإعلامي مصرًّا على تقديمها من زاوية واحدة.

فهل كانت تلك لعنة حواء فعلًا، أم لعنة التأويل الذي ورثناه عنها؟ هل المشكلة في المرأة التي تهتم بجمالها، أم في ثقافة لا تكاد ترى فيها شيئًا آخر؟

ربما لم تكن المشكلة في حواء، بل في أننا ما زلنا نبحث عن المرأة في المرآة، بدل أن نبحث عنها في عقلها، وتجربتها، وما تستطيع أن تضيفه إلى العالم.

***

بشرى الهلالي

 من ناظم حكمت إلى شيفان پە روەر.. كيف تلاقى اليسار التركي والكوردي.. المشهد السياسي والاجتماعي لليسار التركي في السبعينيات

في حقبة السبعينيات من القرن العشرين، لم يكن اليسار الثقافي والسياسي في تركيا مجرد نخبة فكرية منعزلة، بل تحول بسرعة ليصبح صوتاً جماهيرياً عارماً يملأ الجامعات، والنقابات، والشوارع. استند هذا الصعود إلى إرث نضالي طويل وإلى رغبة جامحة في التغيير الاجتماعي ومناهضة الإمبريالية. غير أن هذا المد الجماهيري الواسع اصطدم بتحديات جسيمة؛ إذ واجه اليسار هجوماً ضارياً من التيارات القومية واليمينية المتشددة، وسط استقطاب سياسي واجتماعي حاد شهد صدامات دموية، واغتيالات سياسية، وحالة من الفوضى المبرمجة التي مهدت الطريق أمام الانقلاب العسكري المشؤوم عام 1980 وأرخت ظلالاً ثقيلة على مستقبل البلاد.

وفي قلب هذا المخاض السياسي والاجتماعي، برز المهندس الروحي لليسار التركي الحديث، الشاعر الخالد ناظم حكمت؛ الذي مثّل أبوة شعرية أبدية تلهم بقصائده الثورية أجيالاً كاملة حتى في منفاه. شعره الذي كُتب بمعظمه خلف أسوار السجون تحول إلى ما يشبه "الإنجيل الثوري"، وحين تحولت قصائده لاحقاً إلى أغانٍ على ألسنة كبار الفنانين، كسر حاجز النخبوية ليخرج الشعر من برجه العاجي ويهز ملاعب كرة القدم وميادين التظاهر، مجسداً إيمان اليسار بأن الثقافة يجب أن تلتحم بالجماهير الكادحة.

الفن الملتزم (Özgün Müzik) وبصمة الثورة والمرجعيات الخالدة

في خضم هذا المخاض الصاخب، وُلد ما يُعرف بـ "الفن الملتزم" (Özgün Müzik) لييكون التعبير الأصدق عن نبض الثورة والمقاومة. وقد استند هذا التيار إلى مرجعيات روحية وأدمغة كبرى؛ في المقدمة وقف ناظم حكمت، ومن قلب هذا الإرث، برز رواد عظام مثل

ذو الفقار ليوانيلي (Zülfü Livaneli): الذي حول الأغنية واللحن إلى خطاب إنساني وأممي راقٍ يلامس قضايا الحرية ومناهضة الفاشية، مستنداً إلى روح الفولكلور المطور ليمثل الوجه الواعي والأممي للأغنية اليسارية.

أحمد كايا (Ahmet Kaya): الظاهرة الاستثنائية والعميقة للفنان الكوردي الذي غنى بالتركية والكوردية معاً وحمل وجع المنفيين والمهمشين ليغدو صوته جرحاً نازفاً وجسراً لا يُمحى بين قلوب الكادحين من الشعبين. مثّل أحمد كايا "صوت الهامش المطلق" وصرخة متطرفة في وجه الظلم، وعندما غنى بالكوردية وتعرض لهجمة شوفينية شرسة، تحول إلى أسطورة خالدة في المنفى.

شيفان بيروَر (Şivan Perwer): الأيقونة الصوتية الكوردية الكبرى، حنجرة الجبل والملحمة الممنوعة الذي حارب بقوة صوته وتراثه الأنظمة القمعية وأيقظ الوعي القومي والتحرري في وجدان الملايين. في السياق الكوردي، لم تكن الأغنية هنا ترفاً سياسياً، بل أداة وجود ومدرسة وبديلاً وطنياً يحيي الهاجس التحرري في وجه محاولات الطمس والقمع.

الأغنية كجسر شعبي وأداة تعبئة ولغة للطبقات المهمشة

لم تكن الموسيقى مجرد ترفيه نخبوي، بل استطاعت الألحان الشعبية التركية والأناضولية، وتيارات الروك والفولكلور المجددة، أن تمتزج ببراعة مع الفكر اليساري العالمي. في حقبة الستينات وبدايات السبعينات، واجه الخطاب اليساري في تركيا أزمة حقيقية لكونه محملاً أحياناً بمصطلحات نظرية معقدة ومستوردة من الأدبيات الماركسية-اللينينية الأوروبية، مما جعل الفارق كبيراً بين لغة المثقف الأكاديمي في جامعات إسطنبول وأنقرة، ولغة الفلاح في قرى الأناضول أو العامل في المصانع؛ وهنا جاءت الأغنية الملتزمة والتيارات المجددة لتلعب دور "المترجم العضوي"، إذ تم اختزال الأفكار السياسية المعقدة حول استغلال الطبقات، أو الإمبريالية، أو العدالة الاجتماعية، وتحويلها إلى صور شعرية وألحان مستمدة من التراث المحلي وتوظيف آلة الساز، وأصبح الشعار السياسي يُغنى، ليتمكن أي شخص من حفظ البيت الشعري دون الحاجة لقراءة مجلدات نظرية ثقيلة.

وقد تجسد هذا المزج الخلاق بين التراث والحداثة عبر رفض اليسار الثقافي الانعزال في الفولكلور المتحجر، وفي نفس الوقت رفض استنساخ الموسيقى الغربية بحذافيرها، ليكون الحل في المزج بين آلات الروك الغربية الحديثة من جيتار كهربائي ودرامز وبين المقامات والألحان الفولكلورية الشرقية والأناضولية، حاملاً رمزية طبقية وسياسية وثقافية عميقة تعلن قدرة الثقافة المحلية على استيعاب الحداثة وأدوات العصر دون أن تفقد هويتها، تماماً كما أراد اليسار بناء مجتمع حديث ومتطور يستند إلى عدالة العمال والكادحين دون تنكر لجذوره التاريخية والشعبية.

وفي بيئة منقسمة بشدة إثنياً وقومياً وسياسياً بالمعنى التركي-الكوردي، كانت الأغنية هي المساحة الوحيدة تقريباً التي تستطيع تخطي الحواجز النفسية والموانع القانونية؛ فعندما يستمع عامل تركي في مصنع بتركيا أو إسطنبول وفلاح كوردي في سهل مرعش أو ديار بكر إلى لحن ينطق بالوجع الطبقي والاشتياق للحرية، فإن الإيقاع والشجن يكسران حاجز اللغة، لتوصل الموسيقى المظلومين فكرياً وتخلق تعاطفاً وجدانياً عابراً للقوميات، مشكلةً جبهة تضامن شعبية غير مرئية ولكنها أشد رسوخاً من البيانات الحزبية الرسمية.

وبالنسبة للطبقات المهمشة سواء كانوا عمالاً مهددين بالطرد، أو فلاحين مسحوقين، أو كورداً مسلوبين من حقهم اللغوي، كان الصوت الغنائي يعكس سيكولوجية المظلوم المتمرد؛ إذ تحولت الأغنية من مجرد بث للحزن إلى طاقة غضب واعية وتمرين يومي على كسر حاجز الخوف بين المثقف والبسيط، لتصبح لغة مشتركة تتجاوز حواجز القوميات واللغات المحظورة، وأداة تعبئة جماهيرية كبرى تختصر شعارات المعارك الكبرى في أبيات شعرية وألحان تهز الوجدان

محنة الثمانينيات وقمع البندقية: أغنية المنفى والمعتقلات السرية

حين وقع انقلاب 1980 العسكري بقيادة كنعان إيفرين (Kenan Evren)، نزلت آلة القمع العسكري بكل ثقلها لتسحق البنى السياسية والنقابية لليسار. أُغلقت الصحف، وزُج بآلاف المثقفين والفنانين والسياسيين في سجون ديار بكر وأنقرة وإسطنبول المظلمة.

وفي هذا المناخ الفاشي القاسي، واجه الميدان السقوط ومحاولات الاجتثاث الجذري عبر المشانق والتعذيب الممنهج، غير أن الكلمة لم تمت ولم يصمت اللحن؛ بل تحولت الأغنية من أداة علنية في الميادين إلى مقاومة سرية تتناقلها أشرطة الكاسيت المخفية من يد إلى يد. أصبحت الأغنية في المعتقل السري طوق نجاة وذاكرة جماعية حصينة تضمّد جراح المعتقلين والمنفيين، وتثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن البندقية مهما بلغت قسوتها وتجبرها تعجز عن قتل صوت حرّ ينبض بالحياة والكرامة الإنسانية، وأن الللحن الحر يبقى مخلداً في وجدان الشعوب مهما طال ليل الاستبداد

***

ئاريان علي

بعد انهاء الدراسة الاعدادية يختار الطالب الشاب تخصصه الجامعي، مؤمنًا أنه حدد مسار بقية حياته، وقضي الأمر

يدخل أحدهم كلية الطب او الهندسة، وآخر إدارة الأعمال، وثالث الإعلام واخر يصبح اديبا، وبعد أربع أو خمس سنوات يتخرج، ثم يتعامل مع التخصص الممهور في شهادته وكأنه عقد إذعانٍ أبدي، لا يستطيع الفكاك منه، درستَ الهندسة؟ يجب أن تبقى مهندسًا حتى التقاعد، درست المالية؟ لا بد أن تظل الأرقام مهنتك حتى النهاية! لكن الحياة ليست بهذه الصرامة، ولا ينبغي لها أن تكون كذلك، ونعتقد ان الإنسان الذي اختار تخصصه في الثامنة عشرة ليس بالضرورة نفسه في الثلاثين أو الأربعين، تتغير الاهتمامات، ونكتشف قدرات، ونكتسب مهارات، وتتبدل المهن والتقنيات، وظائف جديدة تظهر وأخرى تختفي أو تتبدل طبيعتها

الدراسات تؤكد أن العلاقة بين الدراسة والعمل ليست دائمًا بذلك التطابق الذي نتصوره، ففي مسح للاحتياطي الفيدرالي الأميركي، أفاد 45% من ذوي التعليم بعد الثانوي أنهم يعملون في مجال يرتبط مباشرة بما درسوه أو تدربوا عليه، بينما الأكثرية يعلمون في غير تخصصهم! لذا ليس فشلًا في الاختيار الأول،

القيمة المضافة هنا؛ أن تخصصك السابق لا يضيع عندما تغادره؛ بل ينتقل معك، المهندس الذي ينتقل إلى الإدارة يحمل معه طريقة التفكير المنهجية، مثل الصيدلي الذي يعمل في الإدارة الصحية يفهم ما لا يفهمه الإداري التقليدي عن المريض والممارسة الصحية، ومن درس اللغة والآداب ثم انتقل إلى ممارسة التواصل يمتلك حسًا سردياً وإبداعًا، هنا تتحول المسافة بين تخصصك القديم ومهنتك الجديدة من نقص إلى ميزة تنافسية،، تحوّل المسار ينبغي ألا يكون مجرد تغيير عاطفي، أو قفزًا عشوائيا، الأفضل أن نستعد ونتجهز له، عبر دورات متخصصة مثلًا، أو شهادة مهنية، مشروع جانبي، تجربة تطوعية، قراءة منهجية، ثم ربما دراسة عليا في المجال الجديد، مثلما فعلت حينما انتقلت من الصيدلة إلى التواصل، حيث عضّدت ذلك بالممارسة الجانبية، والدورات المتخصصة، ثم الدراسات العليا، وهكذا لا نلغي ما تعلمناه، بل نضيف إليه،، قد تبدأ مهندسًا ثم تصبح إعلاميًا، ثم تنتقل إلى الاستراتيجية، أو طبيبًا يتخصص لاحقًا في الجودة، أو محاسبًا يجد نفسه في التقنية، وقد تبقى في تخصصك حسب رغبتك كما حال الأغلبية، لكن تذكر أنه ليس مطلوبًا أن تبقى في تخصصك لمجرد أنك درسته! وقضيت سنوات فيه، نصيحتنا لا تكن أسيرًا لا تكن أسيرًا لما درست؛ اجعله فصلًا من سيرتك، لا عنوان الكتاب وتفاصيله، لا تكن أسيرًا للدخل الثابت، استثمر لتكون سيد قراراتك المالية يقول فيدور دوستوفسكي لا تكن  سجينا لماضيك، لا تكن أسيراً لما مضى، فالماضي لم يكن قيدا يفرض عليك بل درسا عابرا من ليفهمك لا ليحكم عليك. ما حدث انتهى لحظته، الحياة تُنادينا كل يوم لنفتح نوافذ أخرى ونكتشف اتساع الروح.

***

نهاد الحديثي

المدرسة والأسرة والمجتمع.. شراكة جدلية في صناعة مستقبل الطالب

مع انقضاء العطلة الصيفية، فتحت المدارس أبوابها، حيث يتهيأ الطلاب للعودة إلى أجواء الدراسة، بعد فترة من الراحة والانقطاع. إنها بداية عام دراسي جديد، تحمل معها آمالاً متجددة، وطموحات كبيرة، وفتح نوافذ المستقبل.

ومع أن المسؤولية التعليمية تقع على عاتق المدرسة ابتداء، إلا أن الطالب في حقيقة الأمر، هو محصلة التفاعل بين المدرسة والأسرة والمجتمع، وكلما كان هذا التفاعل متناغما وإيجابيا، وبناء، كانت فرص النجاح أكثر رسوخاً.

ولاريب ان المدرسة ليست مكاناً لتلقين المعلومات فحسب، وإنما هي بيئة تربوية يتعلم فيها الطالب النظام، والانضباط، والحوار، وتحمل المسؤولية، واحترام الآخر. وهكذا فالمعلم ليس مجرد ناقل للمعرفة فقط، بل يسهم بحضوره وتوجيهه وقدوته، في اكتشاف مواهب الطالب وقدراته وتشكيل شخصيته، ودفعه إلى أن يكون أكثر طموحاً وإقبالاً على التعلم.

ويأتي دور الأسرة، باعتبارها بيئة النشأة الأولى، التي تتشكل فيها شخصية الطالب. ولذلك فان اهتمام الأسرة بانتظام أبنائها في الدراسة، ومتابعتها لمستواهم العلمي، وتشجيعهم على القراءة والمثابرة، وتهيئة الأجواء النفسية المناسبة لهم، كلها عوامل تمنح الطالب شعوراً راسخا، بأن ما يقوم به من تعلم وجهد، يظل موضع تقدير، واهتمام الأسرة.

أما المجتمع، فهو الحلقة الأوسع في هذه المنظومة، إذ يستطيع أن يوفر للطالب بيئة تشجعه على العلم والمعرفة، وتحترم الطالب والمعلم، وتحتفي بالنجاح.

ومع بداية كل عام دراسي، تتجدد الحاجة إلى أن تتفاعل المدرسة والأسرة، وأن يكون بينهما تواصل حقيقي يقوم على التعاون . كما أن المجتمع مطالب بأن يكون حاضراً في دعم العملية التعليمية، حيث أن الطالب الذي نراه اليوم على مقعد الدراسة، سيكون هو الإنسان الذي سيشارك غداً، في بناء مجتمعه، وصناعة مستقبله.

ومع حلول العام الدراسي الجديد، لابد من الاشارة إلى أن طريق العلم طريق طويل، محفوف بالكثير من التحديات، لكنه يستحق أن نمضي فيه بثقة، وأن وراء كل طالب ينجح أسرة تشجعه، ومدرسة تحتضن طموحه، ومجتمعاً يؤمن بأن بناء الإنسان هو البداية الحقيقية، لبناء المستقبل.

***

نايف عبوش

السائد أن المقارنة بين السابق واللاحق، تتمخض عن إستنتاجات زائفة، والمطلوب تقييم كل مرحلة في أوانها وتقدير ما لها وما عليها بمنطق علمي مبين.

المقارنات إنحرافات فكرية وسلوكية تؤدي إلى تداعيات غير محمودة.

الإقتراب من الواقع بمنظار كان وكنا فيه إضطرابات وتوهمات لا رصيد لها من الواقع، وكأنه سباحات في بحار السراب.

كما أن الإعتماد على قراءات بعض المستشرقين المتعسفة تؤدي إلى إنتاج رؤى متخبطة ذات أهداف واهية، كما هو حال مشاريع العديد من المفكرين من أبناء الأمة ومنذ القرن التاسع عشر.

فالحقيقة المؤلمة أن الناطق بلسان الموضوعية والحق الصادق ينال عقابه الشديد، كما حصل لعبد الرحمان الكواكبي، وغيره من أعلام الأمة المتنورين، فأما القتل مصيرهم والتعويق، أو الخنوع والرقص مع الراقصين والمهللين والمسوغين لكل أثيم.

تبرير المآسي بما سبق من المآسي، إنطلاق تدميري لبناء واقع مشحون بالتداعيات والصراعات العدوانية البينية، التي تستنزف طاقات المجتمع وتحفر الخنادق العميقة بين أطيافه المتنوعة.

عندما نتابع مسيرة أفذاذ الأمة ومناراتها الحضارية نكتشف أنهم آلوا إلى مصير مشؤوم، وواجهوا مصدات قاسية وعدوانية سافرة، أدت إلى قتلهم وإحراق كتبهم وما أنتجته عقولهم.

والأمثلة متكررة ومتراكمة ولها ما يشير إليها في زمننا المعاصر، فما أكثر الحافين من حول الكراسي والمبوقين للجائرين، والمعبدين طرق الويلات والتداعيات.

والعجيب أن أصحاب النوذ يحسبون ما يقومون به في غاية الكمال والرحمة والإحسان، بعد مقارنته بأسوأ ما كان في عصور قد خلت وفترات حكم سبقت، وهكذا دواليك فالكراسي تتلاعن، وتكيل التهم لبعضها، فسابقها مجرم كبير ولاحقها سيتحول إلى مجرم أكبر عند أفول نجمه.

ترى لماذا لا نتفاعل بآليات الواقع الذي نكون فيه، ونبتعد عن مواجهة تحدياته، وإعتبارها نتيجة حتمية لما سبق من السلوكيات السيئة؟

لا توجد مثل هذه المقارنات والمقتربات في مجتمعات الدنيا المعاصرة، فالناس تعمل بجد وإجتهاد لتحرر مستقبلها من أسباب الهوان.

فهل لنا أن نتحرر من قبضة الإمتهان؟!!

مَضى زمَنٌ ولكنْ ما مَضَيْنا

عَواقبهُ تُعطِّلُ ما لديْنا

لواحِقُها بسابقِها تَماهَتْ

وزادَتْ في تعَسُّفِها عَليْنا

تُغيِّبُ ذاتَها في بَحرِ كانوا

وما جَلبتْ بها خيراً إليْنا

***

د. صادق السامرائي

(مثال آخر على مبدأ معيارية الحق والخير وحياد الأشياء)

يقول المنظّر العسكري كارل فون كلاوزفيتز: الجانب الذي يشعر برغبة أقل في السلام سيحصل بطبيعة الحال على الصفقة الأفضل.

 العبارة، للوهلة الأولى، وصفً قاس لكن واقعي لطبيعة الصراع والتفاوض. فمن يريد السلام بشدة يبدو مستعدًا لدفع ثمنه وتقديم التنازل، بينما الطرف الذي لا يخاف استمرار الحرب أو الصراع يستطيع أن يرفع مطالبه ويؤخر الاتفاق ويرفض التنازلات.

وهكذا، يصير السلام نفسه ساحةً أخرى للصراع، وتتحول الرغبة فيه إلى عامل قد يضعف صاحبها بدل أن يقويه.

لكن هذه الفكرة، على قوتها، تحتاج إلى تفكيك؛ لأن فيها حقيقة مهمة، وفيها في الوقت نفسه خلطًا بين مفاهيم ينبغي الفصل بينها.

إن جوهر الفكرة هو أن الحاجة تُضعف الموقف التفاوضي. فإذا كان طرفان يتفاوضان، وكان أحدهما يشعر بأنه لا يستطيع الاستمرار دون اتفاق، بينما يشعر الآخر بأنه قادر على تحمل استمرار الصراع، فإن الطرف الثاني يمتلك مساحة أوسع للمناورة والرفض وفرض الشروط؛ الأول يتفاوض تحت ضغط الحاجة، بينما الثاني يتفاوض تحت ضغط أقل.

وهنا تظهر قاعدة واقعية مهمة أنه كلما زادت حاجتك إلى الاتفاق، ازدادت قدرة الطرف الآخر على الضغط عليك.

وهذا لا يقتصر على الحرب والسلام. ففي التجارة، يكون البائع الذي يحتاج أو يضطر إلى المال فورًا أو إلى البيع، أكثر استعدادًا لتخفيض السعر. وفي العمل، يكون الإنسان الذي يحتاج الوظيفة بأي ثمن أكثر قابلية لقبول شروط لا يقبلها من يملك بدائل أخرى. وفي العلاقات الإنسانية أيضًا، قد يصبح الطرف الذي يخاف فقدان العلاقة أكثر من الطرف الآخر الطرفَ الأضعف داخلها.

إذن، هناك حقيقة لا يمكن إنكارها تتمثل في أن عدم تساوي الحاجة يخلق عدم تساوٍ في القوة.

لكن هل الطرف الذي يرغب أقل في السلام هو حقيقةً الطرف الأقوى؟ فالرغبة في شيء لا تعني بالضرورة القدرة على الاستغناء عنه. فقد يرغب طرف في السلام بشدة لسبب ما، لكنه في الوقت نفسه يمتلك قدرة كبيرة على الاستمرار في الحرب إن لم يتحقق السلام.

وقد يكون طرف آخر قليل الرغبة في السلام، لا لأنه قوي، بل لأنه متعصب يحركه الحقد والكراهية او مخدوع أو جاهل بحقيقة وضعه أو عاجز عن رؤية حجم الكارثة التي تنتظره أو طامع في شيء وهمي.

وفي هذه الحالات لا يكون عدم رغبته في السلام دليلًا على قوته، بل قد يكون دليلًا على جهله بحقيقة حاله.

ولهذا فإن الحقيقة ليست: من يريد السلام أقل يحصل على الصفقة الأفضل.

بل من يستطيع تحمّل غياب السلام أكثر، يمتلك قوة تفاوضية أكبر.

حيث ثمة فرق جوهري بين الإرادة النفسية والقدرة الموضوعية.

الإرادة النفسية تسأل: كم أرغب في السلام؟ أما القدرة الموضوعية فتسأل: ماذا يحدث لي إذا لم يتحقق السلام؟

وهنا تتغير طبيعة المسألة كلها. فالقوة التفاوضية ليست قلة الرغبة، بل قلة الحاجة والإضطرار. وليست في رفض السلام، بل في امتلاك القدرة على عدم الإرتهان إليه.

لكن حتى هذه القوة لا ينبغي أن تُفهم على أنها تراعي الحق والخير ومعيار الحق والخير. وهنا نصل إلى المشكلة الأعمق في منطق هذه العبارة. حيث إن القول بأن الطرف الأقل احتياجًا يحصل على الصفقة الأفضل هو وصف لما قد يحدث في عالم القوة، لكنه لا يقول شيئًا عن الحق والخير وعدالة ما يحدث.

فالطرف الأقوى قد يحصل على شروط أفضل، لكنه لا عن حق واستحقاق. وقد يفرض الطرف الأقدر شروطًا ظالمة لأنه يستطيع فرضها، لكن القدرة على الفرض ليست دليلًا على مشروعية هذا الفرض.

وهذا هو الفرق بين ما يمكن الحصول عليه وما ينبغي الحصول عليه وفق معيار الحق والخير.

القوة قد تحدد مقدار ما تستطيع انتزاعه من الآخرين، لكنها لا تحدد مقدار ما يحق لك أخذه منهم.

والغلبة أو النجاح أو الربح لا يعني بالضرورة تحقق الحق. قد يخرج طرف من المفاوضات رابحًا، لكن يكون ظالمًا. وقد يخرج طرف آخر خاسرًا، لكنه يكون صاحب الحق.

إن عالم السياسة والحرب والتفاوض كثيرًا ما يخلط بين هذه الأشياء. ما يستطيع الإنسان فرضه يُعامل أحيانًا كما لو كان حقًا له. وما ينجح في تحقيقه يُقدَّم كما لو كان خيرًا في ذاته. لكن بين القدرة والحق مسافة كبيرة، وبين النجاح والخير مسافة لا تقل عنها. لذلك لا يصح أن نسأل أين القوة، بل أين الحق والخير.

وتبقى مقولة كلاوزفيتز وصفًا واقعيًا لجزء من الحقيقة وبلحاظ القوة والقدرة، لا قانونًا عامًا للحياة وبلحاظ الحق والخير.

نعم، الطرف الذي يحتاج الاتفاق أقل قد يمتلك غالبًا موقفًا تفاوضيًا أقوى. لكن ذلك لا يعني أن الطرف الذي يرغب في السلام أقل هو بالضرورة الأقوى، ولا يعني أن الصفقة التي يحصل عليها ستكون عادلة أو صحيحة.

وفي النهاية يمكن تلخيص الفكرة كلها في قاعدة أكثر مطابقة للحقيقة والحق: في التفاوض، ليست القوة في قلة الرغبة في السلام، بل في القدرة على تحمّل نتائج الصراع.

لكن حتى هذه القدرة الواقعية أيضا لا تمنح صاحبها الحق في كل ما يستطيع انتزاعه ولا يجعل منه (أهل خير) كما يتصور أو يصور حيث أن الإنسان يستحيل عاددة أن ينسلخ من هذا المعيار أو هذه الغاية وهي الحق والخير.

وهنا يتحول سؤال القوة إلى سؤال الحق. لأن السؤال الحقيقي ليس، من يستطيع أن يحصل على أكثر، بل من يستحق ماذا، ولماذا؛ وماذا سيفعل بهذا الإستحقاق. حيث معيار الإنسان المفترض وغايته المفترضة، كإنسان هي (الحق والخير) مهما تحققَ وامتثل أو تناقضَ في ذلك وجهلَ أو تجاهلَ.

أخيرا. أقول، كانت هذه المقاربة مثالا وتطبيقا آخر لنظرية أو مبدأ (معيارية الحق والخير وحياد الأشياء) أي أن الحق والخير هو المعيار الأساسي لأصيل والبديهي ولفطري، الذي يفرض نفسه، على الجميع مهما اختلفت اعتقاداتهم أو أحوالهم أو غاياتهم، ولو أنكروه أو أخطأوا في مراعاته أو تناقضوا فيه.

***

جميل شيخو – العراق

4 / 9 / 2026

اعطاء الانسان حقوقه وفق مفهوم التجريد ينقسم الى قسمين المجرد والغير مجرد او الواقعي والغير واقعي وهو ابن المجتمع ابن امة ولغة وثقافة وغني وفقير ومتوسط وهو اب وام وطفل وهو الكثير، ويصيغ الحياة بواقعية وغير واقعية، والإنسان الواقعي فرد ذو مهنة يسترزق عليها ، و حقوق الإنسان قد وضعت على أساس من الاحترام والحرية والمساواة ومن أجل إحياء حقوقه ، فهي محل احترام وتقدير كل المجتمع، ونحن شعوب الشرق قد كنا ننادي منذ قديم الزمان بضرورة احترام الإنسان وقيمته ومكانته، وفي الدين الإسلام الإنسان الكامل كما يصفه الله سبحانه وتعالى في القران الكريم ،" إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ * ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗ وَقُعُودٗ وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗ سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ"آل عمران 190-191] « ومن هذا الباب ان الشخص الذي وصل إلى أعلى درجات الكمال ليس على حساب المال او الجاه ومكانته الاجتماعية دون مقاس بل يجب أن يُطرح كنموذج متكامل الصفات الحسنة والقويمة كقدوة لسائر البشر ولا يرتبط بزمان ومكان،إن تقديم الإرادة الإلهية على الرغبات الإنسانية، وتقوية وتنمية الجوانب الفطرية والفوق-حيوانية للإنسان الكامل، ترسم نموذجاً كاملاً لتزكية النفس وتربية الإنسان، والملاحظة المهمة هي ان عدم الاعتراف بمكانة الإنسان يعني سلب الإنسان وجوده بوصفه ذاتاً تفكر وذاتاً فاعلة، وشهد القانون الدولي لحقوق الإنسان توسعًا ملحوظًا من خلال سلسلة من المعاهدات الدولية والصكوك المعتمدة منذ عام 1945، التي عززت إطار الحماية القانونية لحقوق الإنسان على الصعيد العالمي"حقوق أصيلة لا يجوز المساس بها، وهي مكفولة لكل فرد دون تمييز على أساس العرق أو الجنس أو الجنسية أو الإثنية أو اللغة أو الدين أو أي وضع آخر. وتشمل هذه الحقوق، في جوهرها، الحق في الحياة والحرية، والتحرر من العبودية والتعذيب، وحرية الرأي والتعبير، والحق في العمل والتعليم، إلى جانب حقوق أخرى تضمن الكرامة والعدالة للجميع "وهذا هو معنى ضرورة أن تتحدد قيمة الإنسان ومركزية وجوده تأسيسياً على فكرة الحق، الإنسان ذو قيمة القيم و سيد العالم الأرضي وما كان لمفاهيم الحق والخير والجمال والتسامح والسعادة والحرية والحب أي معنى دون النظر إلى الإنسان بوصفه مركز العالم الأرضي وبديهي الوعي عند الإنسان هو الوعي والبديهية أقرب وفي بعض الحالات لا يلتزم هذا الذي يحوز القيمة العليا بما يليق مركزية الإنسان؟ هناك ثلاثة عوامل ما زالت تطيح بمركزية الإنسان، عند صراع المصالح بين الجماعات والأفراد. ولااحد يستطيع أن ينزع المصلحة من النفوس بسهولة، رغم أن الحق لا يضاد الحق، غير أن البشر قد جعلوا من الحقوق نفسها ساحة صراع. وسلطة الحق هذه تعينت في قوانين تلجم الصراعات التي تقود إلى الإفناء المتبادل بين البشر، وتلجم أخلاق الطمع التي قد تبرزها المصالح التي تطيح بالحق. وليس هذا فحسب، بل جعل الحق المقنن لجميع الناس متساوين في الخضوع له، والأمر الثاني: حروب الدول والجماعات، وبخاصة تلك الحروب التي تستند إلى أيديولوجيات القتل، لأنه شر مطلق في نتائجها، وليس هناك أسوأ من الحروب بين الدول بدافع الاستحواذ على الثروة، وبخاصة الأرض، الأمر الثالث: التعصب ورفض الاختلاف. والحديث يطول حول أصل التعصب وفصله، لكن التعصب هو اعتقاد بأفكار هي بالنسبة لصاحبها حقيقة مطلقة، وكل من يختلف مع هذه الحقيقة ليس له قيمة وجودية. إذاً مكانة الإنسان ومركزيته تقوم على الاعتراف بحقه في التعبير عن وجوده دون أن يكون تعبيره عن وجوده مقدمة لنفي الآخر وعدم الاعتراف بحقه..أن الإنسان في دفاعه عن مكانته ومركزيته يجب أن يتحرر من خضوعه لأية سلطة كانت، إذا ما صيغ إنسانياً، تأسيساً على قيمة الإنسان، وصار قانوناً، ومؤسسات، يتحول إلى سلطة يجب الخضوع لها، ويكون الخضوع لها واجباً. وهكذا نكون أمام سلطة الحق التي تكبح جماح شر الاعتداء على الآخر، لأن الاعتداء على الآخر ليس سوى، اعتداء على الحق.

***

عبد الخالق الفلاح - باحث واعلامي

 

(الدوّاية) قرية مرمية في أطراف أهوار الناصرية، لا زرع ولا شجر، سوى نبات القصب والبردي يحيط ببيوتها الطينية، مسكونة بالطيور والأسماك، في الليل تغطّ بالظلام، يلفّ بيوتها أبخرة دخان، لو تطلعت إليها، إلى سحنتها عند النهار لانتابك شعور بالاختناق، وأنت تتنفس السخام الذي أحال الجدران إلى كتل سوداء متناثرة.

شهدت أربعينيات القرن الماضي افتتاح أول مدرسة ابتدائية في تلك القرية القصية، مجموعة من الأكواخ، تبدو من بعيد كالمقابر، تناثرت على تربة لزجة، كل ما يحيط بالمكان يكاد يوحي بالأسى. تشاء الصدف أن ينسب إليها نخبة من خريجي دار المعلمين الريفية التي كانت معهداً فريداً في إعداد معلمين بمهارات تربوية متميزة، ومع أن النظرة العابرة لا يمكن أن تستقصي أبعاد التجربة كلها، كما أنها لا تستطيع أن تقع على حرارة الإخلاص التي تشعّ منها. هؤلاء وجدوا في تلك البقعة عالماً يتسع لأحلامهم الكبيرة، وعدالة قضيتهم، ويقين بأفكارهم اليسارية. اعتقدوا انها أسلوب الحياة الوحيد، والطريق الأمثل للتطور. كان من بينهم المعلم عبد جياد العبودي.

دخل عبد چياد إلى الصف الثالث الابتدائي، يحمل طباشيره كما يحمل القديس وصاياه الصغيرة.

تفقد وجوه التلاميذ واحداً واحداً، ثم توقف فجأة:

ـ أين فضيل؟ لماذا لم يلتحق بالدرس يا أولاد؟

ساد الصمت لحظة، ثم أجابه أحد التلاميذ بخجل:

(أستاد)… فضيل يستحي يدخل الصف…أمس تبوّل على نفسه أمام التلاميذ، ولن يعود بعد اليوم!.

سكت عبد طويلاً.

لم يغضب، لم يوبّخ، لم يلقِ محاضرة عن الصحة والنظافة، بل تطلع إلى وجوه تلاميذه، ثم مدّ بصره من باب كوخ الصف نحو البعيد، كأنه كان يرى طفولة العراق كلها وهي ترتجف من الخجل والفاقة.

ثم قال بهدوء:

ـ بلّغوه أن يأتي غداً… فقط أخبروه أن يعود.

في صباح اليوم التالي، جاء فضيل.

دخل الصف مطأطئ الرأس، كمن يحمل عاره الصغير فوق كتفيه الهزيلتين. جلس في آخر مقعد، يتجنب العيون، ويتمنى لو تبتلعه جدران الطين.

أما المعلم عبد، فقد بدأ الدرس كأن شيئاً لم يحدث.

كان يشرح للتلاميذ بحماسة، يكتب على السبورة، يتحرك بين المقاعد، وفجأة… ظهر البلل على بدلته الرصاصية اللون.

انتبه الأطفال.

تهامسوا بدهشة وابتساماتٍ خفية:

كيف يمكن لمعلمهم، ذلك الرجل الوقور، أن يتبول على نفسه؟

التفت إليهم معلمهم بهدوء الأب الرحيم، وقال:

ـ أبنائي… حين يشعر الإنسان بالضيق، لا ينبغي أن يحبس بوله في داخله. لا تدعوا الألم يؤذي أجسادكم، فالبول سموم، وخروجها رحمة للإنسان.

قالها ببساطة، دون ارتباك، دون محاولة للدفاع عن نفسه.

لم يكن عبد في تلك اللحظة يشرح درساً في الصحة، بل كان ينقذ روح طفل.

رفع فضيل رأسه للمرة الأولى.

لم يعد يشعر أنه موضع سخرية، ولا هو الكائن الوحيد الذي خانه جسده أمام الآخرين.

ها هو معلمه، الرجل الكبير، قد شاركه ضعفه عمداً كي يعيد إليه ثقته بنفسه.

ذلك اليوم، لم يتعلم التلاميذ القراءة ولا الحساب فقط، بل تعلموا المعنى الحقيقي للتربية. فهي ليست كتاباً، ولا عصاً، ولا أوامر تُلقى من خلف مكتب، بل إحساس مرهف، وتعلّق حميم بأطفال المدرسة. أليس التعليم فعل محبّة؟ ولذلك فهو فعل شجاعة. كما ينسب إلى فلاسفة التربية".

أيُّ رجل كنت يا عبد؟ لكي تعلّم الناس، عليك أولاً أن تحبهم، كما يقول تولستوي.

وأي معلم هذا الذي غسل خوف طفل بكرامته الشخصية؟

كنت بفعلك هذا أيها النبيل قد كتبت درساً ينبغي أن يُدرّس في معاهد التربية وعلم النفس في العالم كله، كنت تختصر جوهر التربية، لا تثقل الصغار بسلطتك، بل تهبهم الطمأنينة، ولو دفعت من هيبتك ثمناً.

***

جمال العتّابي

لمع نجمُه ابتداء من أواخر الستينيات حتى أواسط السبعينيات، وأنتج في هذه الفترة مجموعة من الشعر نشر معظمها في مجموعته اليتيمة" ملحمة الخلق"، وقد بشّرت هذه المجموعة بميلاد شاعر ذي حس ونفس مميزين، غير أنه انصرف بعدها لأسباب خاصة إلى حياته اليومية، فانشغل بكتابة الآرمات، ولم يعد إلى الشعر بعدها وإن كانت له محاولات متواضعة في قوله له. امس الاول من تشرين الاول صادفت ذكرى رحيله الثامنة، فقد رحل الصديق المتأدب الشاعر عدوان ماجد آغا عنبتاوي، من سكان مدينتي الناصرة، صبيحة يوم الاثنين، الاول من تشرين الاول 2018.

ولد المرحوم عدوان ماجد في الناصرة عام النكبة 1948، وفي العام ذاته استشهد والده ماجد عنبتاوي آغا، في معركة الشجرة الشهيرة، جنبًا إلى جنب مع صديقه وبلدياته الشاعر عبد الرحيم محمود، الامر الذي أثر على الطفل الابن عدوان اصعب تأثير، وصعّب عليه بالتالي الحياة اكثر فاكثر. طفولة عدوان كانت صعبة قاسية، ولم تكن تختلف عن حيوات الكثيرين من ابناء جيله كثيرًا وإن كانت فاقتها صعوبة وقسوة، لأسباب ليس هنا موقع ذكرها.

التقيت عدوان أول مرة في يفاعتي الاولى، فقد جمع بيننا حيٌّ واحد، هو الحي الشرقي من بلدتنا المشتركة الناصرة. كان عدوان طالبًا في جامعة القدس، وصادف أن التقى إبّان تلك الفترة قريبًا له يعيش في الشتات العربي، في قبرص، وما إن عاد إلى البلاد حتى القت السلطات الاسرائيلية القبض عليه بتهمة اللقاء مع عدو، وجاءت النتيجة المُريعة، اودعت هذه السلطات عدوان سجنها، ليقضى هناك شهورًا قاربت السنة.

في هذه الفترة جرت مراسلات بيني وبينه. تحدثت فيها عن الناصرة بلدتنا الحبيبة المشتركة، وتحدّث فيها بدوره عن السجن وأجوائه، واذكر أنه قرأ على اترابه السجناء احدى رسائلي اليه، فسألوه كما اخبرني في رسالة تالية، انه توجد لدى صديقك قدرة غير عادية على السرد.. لماذا لا يكتب القصص.. فأخبرهم أن صديقه. أنا. كاتب قصص طالع في حينها. لقد الح عدوان علي لإصدار هذه الرسائل ضمن كتاب.. إلا انني لم أوفق.. وقد افعل ذات يوم.

كان عدوان في تلك الفترة شعلةً متقدة من الحماس الادبي، وقد أصدر عدة نشرات أدبية، توّجها بكتاب ضمّنه مواد ادبية له ولأصدقائه من الكتاب والشعراء الجدد أطلق عليه اسم "مشاعل في طريق الادب"، ومما اتذكره من هذه الفترة، أنه عمل مدة قصيرة مُصحّحًا في صحيفة "الاتحاد" الحيفاوية. بعدها تعرّف إلى الصديق المشترك له ولي الاديب المرحوم عرفان أبو حمد، ومما اتذكره أن علاقات طيبة ربطته بأدباء وشعراء تلك الفترة أمثال نزيه خير ونواف عبد حسن، وكاتب هذه السطور، وطالما جلسنا في حديقة بيته في الحي الشرقي نتجاذب اطراف الحديث الادبي ونحن نشرب القهوة من صنع يدي والدته رحمها الله. أعترف أنني كنت في تلك الفترة مفتونًا بالمقدرة الابداعية لدى عدوان، فقد كان مُطلعًا على الشعر العربي الحديث خاصة، وكان يُكثر من ترداد العديد من اسماء شعراء تلك الفترة وما قبلها بقليل امثال بدر شاكر السياب. نازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي.

في أواسط السبعينيات شهدت حياة عدوان صخبًا غير مسبوق، فاضطر للإقامة في غرفة مستأجرة في خلفية بيت الصديق الراحل الشاعر ادمون شحادة طابت ذكراه، وقد اكتشف في هذه الفترة عالم كتابة الخط والآرمات فانكب يكتب الواحدة منها تلو الاخرى، ما وفّر له دخلًا وفيرًا، وقد أصدر في هذه الفترة مجموعته الشعرية الوحيدة تحت عنوان "ملحمة الخلق"، ولم يُصدر بعدها أية مجموعة ذات شان، باستثناء مجموعة شعرية كتبها باللغة العبرية واصدرها له فيما بعد صديقُنا المشترك الكاتب الشاعر المرحوم حسين فاعور، ابن قرية الحسينية، ضمن منشوراته الادبية "المل".

أعود إلى المسيرة اليومية لحياة عدوان، فأرى أنها شهدت في أواسط السبعينيات تحولّا.. من كتابة الشعر إلى كتابة الآرمات، وهنا تفرّقت بنا السبل. هو ذهب إلى عالم كتابة الآرمات وأنا واصلت رحلتي مع الادب، وبقينا متباعدين كلٌّ يعيش حياته المختلفة عن حياة صنوه، إلى أن جمعنا عددٌ من المجالس بعد فراق، مثل مجلسي صحيفة "الاخبار" ومجلس "صالون نهى قعوار الادبي"، ورغم أن وضع عدوان المادي بعد كل تلك السنوات، كان أفضل من وضعي بما لا يقاس، فقد كان يمتدحني ويمتدح إصراري على المضي في طريق الادب الموحش.. مثله في هذا مثل طريق الحق.

في العقد الاخير ابتدأ المرض يُهاجم عدوان بين الفينة والاخرى.. إلى أن قضى عليه.. صبيحة ذلك اليوم الحزين.

عدوان الشاعر

تُعتبر المجموعة الشعرية اليتيمة "ملحمة الخلق"، لعدوان ماجد، مجموعة شعرية جيّدة.. وجيدة جدًا، وقد حفلت بنفس شعري مُثير، ومما قاله عدوان من شعر أذكر عن ظهر قلب، مقاطع منها، ما زلت أرددها حتى اليوم. مثل:

عندما كان احبائي عرايا

كنت ثوبًا مهملًا فوق الطريق

او مثل:

انني خنت جميع الخائنين

فاذا ما مت يومًا

فخذوا منهم بثأري..

وهناك مقطع شعري لعدوان يلخّص معاناته التاريخية الانسانية الملحمية هو:

احبيبتي

امضيت عمري والهروب هو الهروب

امضي فتخدعني الدروب

واتوه في برد غضوب..

يوم انصرف عدوان في فترة مبكرة من حياته، إلى عالم الاعمال وبعده التدريس، تاركًا الشعر وراءه ثوبًا مهملًا فوق الطريق، قلت إن الشعر خسر شاعرًا مُجيدًا.. وها انا اليوم،  في ذكرى رحيل عدوان، أجدني أردد نفس القول، مضيفًا إليه مطالبة بسيطة تحتمها اللحظة.. لحظة الفراق الاخير المر، مفادها سؤال بسيط هو: هل سيعيد ورثة عدوان طباعة مجموعته الشعرية ملحمة الخلق؟ اذا وجد هذا السؤال ردًا طيبًا.. اؤكد أنني على استعداد لمراجعة هذه المجموعة. ومتابعة طباعتها، من البداية حتى النهاية.. فهذا ابسط ما يمكن ان اقدمه لصديق احزنني قليلًا وافرحني كثيرًا..

***

ناجي ظاهر

الكتابات المنتشرة في الصحف والمواقع بأنواعها يعوزها التفكير العلمي، فالطاغي هو الكتابات الأدبية والفلسفية، وما عداها يكاد يكون مغيبا لأسباب متعددة ومحيرة.

"التفكير العلمي أسلوب منظم في النظر إلى الأشياء والمشكلات، يستند على الملاحظة وطرح الأسئلة وجمع الأدلة وإختبار الفرضيات، ثم الوصول إلى نتائج قابلة للمراجعة والتحقيق، ومن خصائصه الموضوعية، الشك المنهجي، الإعتماد على الدليل، السببية، إختبار الفرضيات، قابلية التصحيح، التراكمية والتنبؤ"

الأمم التي تبخس التفكير العلمي تتدحرج بسرعة إلى ما وراء عصرها، ويكتنفها الذل والهوان، ويعشعش في أركانها الضعف والإمتهان.

فالأمم القوية هي التي إتخذت من التفكير العلمي منهجا لمسيرتها، وإنطلقت به منذ المراحل الأولية في مؤسساتها التعليمية، فأوجدت أجيالا مفعّلة العقول، وحرة التفكير وتمارس النقد لكل ظاهرة، وتهتم بالملاحظة وتفسرها وتستخلص منها دروسا ونظريات.

وفي بعض المجتمعات المنكوبة بأنظمتها تهيمن إرادات السمع والطاعة على أبنائها، ويُحرّم عليها التفكير الحر، لأنها ستوصم بما يبرر محقها، وإخماد أنفاسها، ودفن أفكارها.

الأمة أبدعت عندما تحررت عقولها من قيود التبعية والخضوع لإرادة ساطية، وقوة طاغية، وسلطة قاهرة، فانطلقت عقول أفذاذها بالإتيان بما لم يكن في الحسبان من الإبداعات المتميزة.

فهل يجوز التمسك بكان الفارغة المتحولة إلى سراب بعد أن نكثت الأجيال غزل وجودها وسُدى جوهرها؟

أمَّةُ العلمِ لعلمٍ أنكرتْ

وتواصتْ ببقيلٍ فهوَتْ

كيفَ عاشتْ في عُلاها كَوْكبا

وتداعتْ لحضيضٍ وانْتَهتْ

إنّما الدنيا بعلمٍ إزْدَهَتْ

فلماذا لجَديدٍ رَفضتْ؟

***

د. صادق السامرائي

تجربة سفر

فجر اليوم وصلني من القاهرة رقم الإيداع والتصميم الأخير لكتابي الجديد «هولندا: البحث عن المعنى»، فوجدتني أمام شيء يتجاوز فرحة صدور كتاب جديد. كنت أقلب الصفحات وأتأمل الغلاف والعناوين والصور والذكريات، وأشعر أنني لا أستلم كتابًا فحسب، بل أستعيد رحلة كاملة عشتها وما زلت أعيشها؛ رحلة بدأت من مكان تركته بحثًا عن الأمن والحرية والعيش الكريم، ثم تحولت شيئًا فشيئًا إلى رحلة أخرى: رحلة البحث عن معنى الحياة، ومعنى الوطن، ومعنى الحرية، ومعنى المؤسسة، ومعنى أن يكون الإنسان إنسانًا في عالم صار متقاربا بعد انكماش الزمان والمكان إذ تتفاعل فيه الشعوب والثقافات والتجارب، لكنها لا تزال تحتاج إلى أن تتعلم كيف تفهم بعضها بعضًا.

في ضوء هذه الرؤية الكلية للمعنى يأتي هذا الكتاب؛ لا بوصفه دليلًا سياحيًا عن هولندا، ولا سجلًا للأماكن والمدن والمتاحف والأنهار والغابات والمحطات التي عبرتها منذ أن وطئت قدماي أرضها. فما يعنيني هنا ليس المكان في حد ذاته، بل الإنسان الذي يبحث عن نفسه في المكان، وعن معنى حياته في التحول من مكان إلى آخر. لقد غادرتُ مكانًا لم يعد قادرًا على أن يمنحني ما أحتاج إليه من أمن وحرية وعيش كريم، حاملا معي ذاكرتي وأسئلتي وأفكاري، لأبدأ رحلة لم تكن في جوهرها انتقالًا جغرافيًا، بقدر ما كانت خروجًا من عالم إلى عالم من معرفة إلى خبرة، من سماع إلى رؤية ومن يقين إلى سؤال. لذلك لم أنظر إلى هولندا بعين السائح، بل بعين إنسان يحمل تاريخًا وذاكرة وثقافة، ويقف أمام مفاهيم طالما قرأ عنها ودرّسها: الدولة، والقانون، والمواطنة، والحرية، والديمقراطية، والعدالة، وحقوق الإنسان، والتعليم والعلم والتحدي والاستجابة .الخ جئت لأرى ما الذي يحدث لهذه المفاهيم - التي طلما وقرأتها منذ زمن طويل في الكتب ولم ارى أو اعش ماصدقها في الواقع- فكيف المفاهيم المجردة إلى ممارسة، وعادات، ومؤسسات، وتفاصيل صغيرة تصنع في مجموعها معنى الحياة. تلك هي المسألة فماذا تعني الحرية حين تصبح ممارسة يومية؟ ماذا يعني القانون حين يتحول من نص إلى مرجعية؟ ماذا تعني المؤسسة حين تصبح أقوى من الأشخاص؟ ماذا تعني المواطنة حين يشعر الإنسان أنها حق وليست مكرمة؟ وماذا تعني الجامعة حين تصبح الحرية الأكاديمية شرطًا من شروط جودتها؟

ومن هنا تحولت هولندا بالنسبة إليّ إلى مختبر حضاري مفتوح؛ لم أعد أراها مجرد بلد أقيم فيه، بل فضاءً حيًّا أختبر فيه أفكارًا ومفاهيم عشت طويلًا أدرسها وأكتب عنها، وأتساءل عن المسافة الفاصلة بين المفهوم حين يكون فكرةً في الكتاب، وحين يصبح ممارسةً في الحياة. وفي قلب هذه التجربة برز لي مفهوم الانتظار بوصفه أكثر من زمنٍ عابر؛ فقد صار جزءًا من تفاصيل يومي: أنتظر رسالة، وموعدًا، ووثيقة، وقرارًا، وفرصةً، وأنتظر أن تتضح بعض الأشياء التي ما تزال معلقة بين ما كان وما سيكون. أخرج إلى الشارع، أركب القطار، أمشي في الغابة، أجلس في مقهى أو مكتبة، ألتقي بالناس، وأرى الحياة من حولي تمضي في انتظامها الهادئ، بينما يظل في داخلي سؤالٌ ينتظر جوابًا. عندها أدركت أن الانتظار ليس فراغًا بين حدثين، بل تجربة نعيشها ونحن نحاول أن نمنح الزمن معنى. وربما كان هذا هو الاختبار الأعمق الذي خضته هنا: كيف أحوّل انتظار المهاجر من قلقٍ على المستقبل إلى فرصةٍ لفهم الحاضر، ومن حالة مؤقتة إلى طريقة جديدة في النظر إلى الحياة؟ومن هنا انتقلت في تجربتي من قلق الانتظار إلى اكتشاف المعنى.

وهذه النقلة هي التي تمنح الكتاب بعده الإنساني الأوسع . فأنا لا أكتب عن هولندا لكي أقول: انظروا إلى مجتمع مثالي لا أخطاء فيه. لا أؤمن أصلًا بأن هناك مجتمعًا بلغ نهاية التاريخ أو امتلك الحقيقة كاملة. وكلما ازداد الإنسان معرفة بالتاريخ والحضارة ازداد حذرًا من الأساطير التي تصنعها المجتمعات عن نفسها ولهذا لا يقوم الكتاب على ثنائية ساذجة بين «شرق متخلف» و«غرب متقدم»، ولا على الاحتفاء بالغرب من جهة، أو هجائه من جهة أخرى. إنه محاولة لفهم المسافة بين المفهوم والممارسة، وبين الدولة بوصفها اسمًا والدولة بوصفها مؤسسة، وبين الحرية بوصفها كلمة والحرية بوصفها حياة.

فالحوار الحقيقي بين الحضارات لا يبدأ من السؤال: من الأفضل؟ ومن الأكثر تقدمًا؟ ومن يمتلك الحقيقة؟ وإنما يبدأ من سؤال أكثر تواضعًا وعمقًا: ماذا يمكن أن نتعلم من تجارب بعضنا بعضًا؟ فالأفكار تسافر، والكتب تعبر الحدود، والناس يهاجرون، واللغات تتفاعل، والتجارب تتبادل التأثير. وما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من الجدران النفسية والثقافية، وإنما مزيدًا من القدرة على رؤية الإنسان في الآخر قبل رؤية الاختلاف فيه.

وقد وجدت أن تجربة السفر نفسها فعل فلسفي. فأنا حين أغادر مكاني لا أغادر جغرافيته فقط، بل أغادر أيضًا بعض المسلمات التي صنعتها الإقامة الطويلة داخل ثقافة واحدة. السفر يضعني أمام الآخر، لكنه يضعني كذلك أمام ذاتي. ولهذا لم تكن رحلتي من اليمن إلى هولندا مجرد انتقال من نقطة جغرافية إلى أخرى على الكوكب ، بل كانت انتقالًا من طريقة في فهم العالم إلى طريقة أخرى. حاولت أن أجعل الأماكن نفسها جزءًا من هذا الحوار. دينكامب، أولدنزال، ناميخن ودنبوش أوتمارسوم، ماستريخت، فالكنبورخ، لاهاي، أمستردام وغيرها ليست في الكتاب مجرد أسماء على خريطة. إنها مشاهد وتجارب وأسئلة. حتى الغابات والطيور والمتاحف والقطارات والقنوات والجسور والمقاهي والجامعات والطبيعة اليومية أصبحت بالنسبة إليّ نصوصًا مفتوحة للقراءة.

ولعل أكثر ما استوقفني في التجربة الهولندية علاقة الإنسان بالماء. هنا رأيت كيف يمكن للمجتمع أن يحول الخطر إلى معرفة، والمعرفة إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى نمط حياة. لقد تحول الماء من مشكلة إلى مورد، ومن تهديد إلى فرصة، ومن قوة طبيعية عمياء إلى عنصر من عناصر بناء الحضارة. ومن هنا وصلت إلى معنى أوسع للحضارة: ليست الحضارة كثرة الكلام عن النعم، وإنما القدرة على تحويل النعمة إلى منفعة عامة. وقد اخير الاستاذ وجيه جعفر بان وراء الاستجابة الهولندية الفاعلة لتحدي القوة المائية العمياء فلسفة كاملة تتلخص في عبارة (واجه الخطر قبل أن يصل اليك)

واتذكر أنني كتب دراسة بعنوان (إمستردام التي روضت البحار) نشرته في مجلة حوريت الحضرمية الصاعدة في عددها الأخير.

ومن هنا فإنني لا أريد للقارئ أن يرى هولندا بوصفها «نموذجًا» ينبغي نسخه، بل بوصفها تجربة تاريخية تستحق أن تُقرأ، كما تستحق تجاربنا نحن أن تُقرأ من الداخل والخارج. فالحوار الحضاري لا يعني أن يتخلى الإنسان عن هويته، وإنما يعني أن يصبح قادرًا على رؤية هويته في مرآة الآخر، وأن يرى الآخر بوصفه إنسانًا قبل أن يراه بوصفه مختلفًا فكل الناس في العالم ينتمون إلى ذات النوع من الكائنات الحية البشرية. جميع البشر بلا استثناء هم ابناء هذا الأرض ولا احد جاء من المريخ أو المشتري.

لقد انتهيت من كتابة هذا الكتاب، لكنني لا أشعر أنني انتهيت من البحث عن المعنى. فمنذ أن غادرت اليمن بحثًا عن الأمان، لم تتوقف ذاكرتي عن استدعاء المكان الأول كلما واجهت مكانًا جديدًا. كنت أجد نفسي، دون قصد، أقارن بين ما أراه هنا وما عشته هناك؛ بين مؤسسة تعمل وأخرى تعطلت، بين طفل يذهب إلى مدرسته مطمئنًا وطفل عرف الحرب قبل أن يعرف معنى المدرسة، بين إنسان يمارس حياته اليومية في ظل القانون والأمان، وإنسان تحولت حياته العادية إلى حلم بعيد المنال. لم تكن هذه المقارنة رغبة في إدانة مكان أو تمجيد مكان، وإنما كانت طريقة الذاكرة في فهم التجربة، وطريقة الإنسان في اكتشاف ما كان يمكن أن يكون عليه وطنه لو تعلّم من تجارب الآخرين. فتاريخ النوع الإنساني واحد على كوكب الأرض

والحضارات لا تتقدم لأنها تملك وصفة سحرية، وإنما لأنها تتعلم، وتراجع تجاربها، وتصحح أخطاءها، وتستفيد من تجارب غيرها. وليس في التعلم من الآخر انتقاص من الذات، بل هو أحد أشكال احترام العقل؛ فالأمم التي تنظر إلى تجارب الآخرين بعين مفتوحة تستطيع أن ترى إمكاناتها الخاصة بصورة أوضح.

وأنا سعيد بأن يخبرني صديقي، الناشر المثقف إبراهيم موسى النحاس، صاحب دار الأنوار للنشر والتوزيع، أن «هولندا: البحث عن المعنى» سيكون حاضرًا في معرض القاهرة الدولي للكتاب القادم؛ ليواصل الكتاب رحلته من تجربة شخصية إلى فضاء إنساني أوسع، حيث يظل السؤال مفتوحًا: كيف نحول ما تعلمناه من التاريخ إلى حياة، وما راكمناه من المعرفة إلى منفعة، وما اختبرناه من الألم إلى معنى؟

وهكذا غادرت مكانًا بحثًا عن الأمان، لكنني اكتشفت، مع امتداد الرحلة، أن الأمان وحده لا يكفي لكي تصبح الحياة جديرة بأن تُعاش. فالإنسان لا يبحث عن مكان آمن فحسب، بل عن مكان يستطيع فيه أن يكون إنسانًا: أن يفكر دون خوف، وأن يختلف دون عداوة، وأن يعمل، ويحب، ويحلم، ويمنح حياته معنى. ولهذا لم تعد الرحلة بالنسبة إليّ انتقالًا من بلد إلى بلد، ولا خروجًا من ماضٍ إلى حاضر، وإنما انتقالًا داخليًا من الخوف إلى السؤال، ومن السؤال إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى المسؤولية.

ختاما: علمتني الحياة أن المعنى لا ينتظرنا في نهاية الطريق، ولا يُمنح لنا جاهزًا؛ نحن نصنعه بما نتعلمه، وبما نفعله، وبما نتركه في حياة الآخرين. وربما كان أعمق ما تعلمته أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يملك، بل بما يستطيع أن يضيفه إلى الحياة، وأن أفضل ما يمكن أن نفعله بالتاريخ هو ألا نكرر مآسيه، بل أن نحول دروسه إلى مستقبل أكثر إنسانية.

***

د. قاسم المحبشي

 

في مكتبتي أشياء لا أتعامل معها بوصفها كتباً ومجلات فحسب، بل بوصفها قطعاً صغيرة نجت من الزمن. أوراق اصفرّت، وأغلفة أنهكتها الأصابع والرطوبة وتقلبات السنين، لكنها تستعيد شيئاً من حياة مضت، حين تكون صدفة بين يديك، حتى يبدو الورق القديم أحياناً أكثر قدرة من الذاكرة على مقاومة النسيان.

بين هذه الأشياء عدد من مجلة "المعلم الجديد"، صدر في بغداد سنة 1944 عن وزارة المعارف العراقية، التي تقابلها اليوم وزارة التربية. ثمانون عاماً وأكثر مرّت على هذا الغلاف الذي تمزقت أطرافه قليلاً، وترك الزمن علاماته على صفحاته، غير أن شيئاً فيه ظل عصياً على الشيخوخة: هيبة المعرفة.

أتأمل عنوان المجلة الذي خطّه الخطاط صبري الهلالي، من جيل الخطاطين الذي سبق هاشم محمد البغدادي، فأدرك أن العناية لم تكن بالمضمون وحده. حتى اسم المجلة كان ينبغي أن يدخل إلى عين القارئ جميلاً، متوازناً، محسوب النسب والمسافات. لم يكن الخط زينة أضيفت إلى الغلاف، بل كان جزءاً من ثقافة ترى الجمال والمعرفة وجهين لعملية تربوية واحدة. وكأن وزارة المعارف أرادت أن تقول لمعلمها منذ الصفحة الأولى: إن التربية تبدأ أيضاً من الذائقة.

أقلب الصفحات:

هنا مصطفى جواد، وهناك محمد آل ياسين، ويوسف يعقوب مسكوني، وبشير اللوس، وعباس طه النجم، ومحمد حسن الصوري، وعوني بكر صدقي، وحسن الدجيلي، وغيرهم من الأساتذة والمربين، هؤلاء سدنة المعنى، كانوا قد أرسوا ركائز التعليم بأسس صحيحة، وجعلوا منه قضية مجتمع ودولة ومستقبل.

ما يثير الانتباه، بعد كل هذه العقود، هو اتساع أفق المجلة. فلم تحبس نفسها في طرائق التدريس بمعناها المدرسي الضيق، بل فتحت صفحاتها للتربية والأدب والترجمة والآداب الأجنبية والمناهج وطرائق تدريسها والرياضة وسواها. كان المعلم، في تصورها، مثقفاً قبل أن يكون ناقلاً للمعلومة، إنساناً ينبغي أن يعرف ما يقع خارج حدود كتابه المدرسي، لأن مهمته ليست تلقين التلميذ درساً، بل المساهمة في تكوين عقله وشخصيته وذائقته.

هنا تحديداً تكمن قيمة هذه الأوراق القديمة. إنها تكشف عن فكرة التعليم التي كانت قائمة آنذاك، فمشاركة أسماء علمية وأدبية مرموقة في مجلة تصدرها وزارة المعارف يعني أن المؤسسة كانت تستعين بأفضل ما لديها من عقول كي تخاطب المعلم. فالثقافة كانت تتسلل إلى المدرسة، بل هي جزء من برامجها، والمدرسة بدورها كانت جزءاً من الحياة الثقافية العامة. والمجلة التربوية كانت مشروع معرفة لا نشرة عابرة.

لا ينبغي، بالطبع، أن نحوّل الماضي إلى فردوس متخيّل. كانت للعراق يومئذ مشكلاته السياسية والاجتماعية، وكان التعليم محدود الانتشار قياساً بما بلغه لاحقاً، ولم تكن المؤسسات خالية من النقص. إن المقارنة المنصفة لا تكون بين ماضٍ كامل وحاضر ناقص، فذلك ظلم للتاريخ. لكن الذي يستوقفنا هو معيار الرصانة العلمية: كيف كانت المؤسسة تنظر إلى ما تنشره باسمها؟ ومن تختار للكتابة؟ وكيف تحرر مادتها؟ وأي قارئ كانت تتخيله أمامها؟ تلك أسئلة يصبح طرحها اليوم مؤلماً.

لقد منحت الثورة الرقمية الإنسان إمكانات معرفية لم تكن تخطر ببال محرري "المعلم الجديد" سنة 1944. يستطيع المعلم اليوم أن يصل خلال ثوانٍ إلى مكتبات وموسوعات ودوريات ومحاضرات في أقصى الأرض. لكن وفرة الوسائل لم تنتج بالضرورة وفرة في المعرفة، كما أن سرعة النشر لم تضمن جودة المنشور. حدث، في أحيان كثيرة، العكس: تضاعفت المعلومات وتراجعت معايير الانتقاء.

صرنا نعيش وسط سيل لا ينقطع من المنشورات والمنصات والصفحات والمقاطع، تختلط فيه المعرفة بالرأي، والبحث بالانطباع، والخبرة بالادعاء. يستطيع أي شخص أن يصبح ناشراً في اللحظة نفسها التي يكتب فيها، من دون محرر يسأله عن المصدر، أو مدقق يراجع لغته، أو مؤسسة تتحمل مسؤولية ما يحمل اسمها.

ليست المشكلة في التكنولوجيا ذاتها، فهي أداة عظيمة حين توضع في سياق معرفي سليم. المشكلة في أن سهولة النشر أوهمتنا أحياناً بأن النشر بديل عن المعرفة، وأن كثرة الكلام دليل على حيوية الثقافة. بينما تعلمنا المجلات الرصينة القديمة أن قيمة المطبوع لم تكن في عدد صفحاته ولا في انتظام ظهوره وحده، وإنما في مقدار الثقة التي يبنيها بينه وبين قارئه.

حين أتصفح العدد القديم من "المعلم الجديد"، أشعر بالحنين إلى الورق، ليس حنيناً إلى وسائل الأربعينيات. إنما إلى احترام المعرفة. أعود إلى زمن كانت فيه الكلمة التي تصدر عن مؤسسة تربوية تشعر بثقل مسؤوليتها. وإلى ثقافة كانت ترى في المعلم صانع عقل، لا موظفاً يؤدي ساعات الدوام وينصرف.

لعل أكثر ما يبعث الحسرة أن الوسائل المتاحة لنا اليوم أوسع بما لا يقاس، لكن الرصانة لا تُقاس بحداثة الوسيلة. يمكن لشاشة مضيئة أن تحمل فكراً عظيماً، كما يمكن لورقة صفراء عمرها اثنان وثمانون عاماً أن تكون أكثر شباباً من آلاف الصفحات التي تولد كل صباح وتموت قبل المساء. وثمة سؤال يبقى مفتوحاً لا يغادر هذا الحيز: هل بمقدور مؤسساتنا التربوية أن تقدم مطبوعاً بهذا المستوى من العلمية والرصانة، اليوم؟

أعيد العدد إلى مكانه في المكتبة، بحذر يليق بشيء

عاش أكثر من معظم الذين كتبوا فيه وقرأوه. لا أستطيع أن أنظر إلى تمزق حافته بوصفه تلفاً في ورق فقط، ثمة معنى آخر يختبئ في هذه الشقوق الصغيرة. إنها آثار زمن كامل عبر من هنا.

***

جمال العتّابي

في المثقف اليوم