عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

النفس الأمارة بالسوء فاعلة في دنيا البشر ولهذا لا توجد تفاعلات مثالية، بل هناك نسبة ما من الصواب والخطأ في كل تواصل بشري منذ الأزل.

وبخصوص الأديان، لا يوجد دين مثالي، وجميعها يتصارع فيها الخير والشر، ويسود في بعضها أحدهما.

فالقول بأن الإسلام دين مثالي لا يتوافق مع طبيعة السلوك البشري، ففيه الخطأ والصواب، ويبدو أن نسبة الصواب أكبر من نسبة الخطأ، ولهذا إستمر ولا يزال قويا ومنتشرا بين الناس.

فلماذا يتم التركيز على الأخطاء وتضخيمها، وإغفال الصواب وإنكاره؟

النبي وصحابته لم يكونوا منزهين من الأخطاء تماما، فلكل منهم تحدياته السلوكية وتفاعلاته البشرية المتسمة بالخطأ والصواب.

وعندما نقرأ ما وردنا عنهم يتبين لنا أن نسبة الصواب أكبر من نسبة الخطأ، ولا ننسى أن التأريخ مدون بعد الأحداث بعقود، وأريدَ له أن يكون متوافقا مع الجهة التي كتبته، فبعضهم أمعن في تضخيم الأخطاء، وآخرون في تعظيم الصواب.

أما القول بطلاقية الحالتين، فلا يتفق مع الواقع السلوكي.

وهذا يدعونا لدراسة التأريخ بعلمية وتمحيصه بمنطقية معرفية واضحة، للتصدي للإفتراءات والخرافات والأساطير المنبثقة من التركيز على موضوعات إنحيازية.

يقول إبن خلدون: "أن التأريخ في ظاهره لا يزيد على الأخبار عن الأيام والدول، ولكن في باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق. وعلم بكيفيات الوقائع وأساسها عميق. فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق. وجدير بأن يُعد في علومها خليق".

فعلم التأريخ يرشدنا إلى الغريق، ويقدم لنا كيفيات نشوب الحريق، فنبصر الأحداث ونعرف الطريق.

"نظرنا لأمر الحاضرين فرابنا...فكيف بأمر الغابرين نصدّق"!!

***

د. صادق السامرائي

 

لطالما راودني، في غفلة أحلام اليقظة، شعور خبيث بأن مسرحنا المدرسي ليس سوى الندبة الأكثر براءة على جسد تعليم مات واقفاً.

أجل، إنني لا أثق به، كما لا يثق المرء بابتسامة المأذون. لا أثق به لأنهم حولوه إلى طقس من طقوس العبث المهذب، إلى ذيل بائس للمناهج العرجاء، أو إلى عظات أخلاقية جوفاء يلقيها صغار ترتعش فرائصهم، لا من خشية الله، لكن من خشية معلم يتربع في الصف الأمامي، ينظر إليهم بعيني رب غاضب، وأولياء أتوا لاقتناص الصورة التذكارية، لا لاقتناص لحظة دهشة عابرة.

لقد صار مسرحنا المدرسي مثل حصص "التربية الرياضية"، تلك الجملة المستحيلة، إذن كيف تربى الروح وهي في منفى الجسد؟ صار بنداً روتينياً، معادلة نظرية عقيمة، إذا ما طبقت، ولدت في القلب كراهية المسرح والرياضة معاً، ودفعتك إلى التعلق بحلم القعود على دكة البدلاء، متفرجاً على عرض حياتك المبتور.

لهذا، حين همس صديقي في أذني بخبر عرض "طب وآخرتها" للمخرج هاني كمال، لم أفعل سوى أن رفعت حاجباً واحداً. تلك الحركة الأثرية التي ورثناها عن أجداد السخرية في أفلام الأبيض والأسود، حركة تقول بوقار المتفرجين لا بجهل المستهزئين: "هات ما عندك أيها الساحر، ولنر إن كنت ستخرج الأرنب من القبعة، أم القبعة من بطن الأرنب!". وذهبت كي أرى. وعدت كي أكتب. وها أنا أكتب، مما يعني أن شيئاً خارجاً عن ناموس الخراب المعتاد قد حدث. شيئاً يستحق أن نشهر به، لا أن نربت على كتفه.

فصول خمسة.. كمحكمة تفتيش في ضمير ميت

تتوزع المسرحية على خمسة فصول. وحين وقع عليها بصري في البرنامج، تساءلت بهلع من يخاف على الزمن من عبث العابثين: "يا سيدي، هل نحن بصدد محاكمة الصغار أم تعذيبهم؟ هل يخرجون من العرض وقد أدركهم المشيب قبل أن يدركوا الحكمة؟".

لكن العجيب أن الزمن في القاعة تسلل خفيفاً، ماكراً، كروح لص عتيق يدرك أن ثمة مهمة عاجلة تنتظره. كل فصل كان طعنة مباغتة، لا في خاصرة الجسد، لكن في خاصرة الروح المصرية الراهنة. طعنة لا تميت، بل توقظ، والمسافة بين الطعنتين هي المسافة بين الموت واليقظة بعينها. مسافة قطعها العرض في ساعة ونصف، ونحن نقطعها منذ عقود ولم نصل.

التريند.. صنم العصر!

في الفصل الأول، تستقبلنا مسابقة غنائية يتسابق فيها ثلاثة. ثلاثة! للعدد ثلاثة هيبة درامية عجيبة، كأنها الثالوث المقدس للتفاهة (الخير، والشر، وذاك المغلوب على أمره البائس). وتنتهي المسابقة بفوز صاحب الكلمة الصادقة. عند هذا الحد، تجمد تصفيقي في حلقي، وتساءلت بسذاجة الحالم الأخير: أما زلنا نعتقد أن الصدق ينتصر؟ هل بقي من يظن أن الكلمة الصادقة قادرة على دحر الضجيج الأجوف، وتصفيق المأجورين، ولجان ابتياع الضمائر التي صارت أرخص من ثمن كوب شاي في مقهى رصيف؟.

يبدو أن المخرج هاني كمال ما يزال يصدق، أو أنه يريد للأطفال أن يصدقوا، ولو لساعة درس مسروقة من جدول الحصص. وفي هذا وحده ما يكفي من الجسارة حتى نرفع له القبعة، أن تحمل الصغار على الإيمان بغلبة الصدق في عصر صار فيه الفن مجرد صراخ منظم، والموهبة "ترينداً" يولد ميتاً، وتنطفئ شمعته قبل أن يستوفي النهار أجله. لقد تحولت الوسائط الاجتماعية إلى صنم، أجل، صنم بلا سدنة، ندور حوله آناء الليل وأطراف النهار، نذبح له قرابين الساعات والأعصاب وأسرار البيوت، ونسجد له كلما رن بإشعار جديد. والمسرحية تبدأ من هذه النقطة بالذات، من تحطيم هذا الصنم في هدوء، بمشهد مسابقة وأغنية، وكأنها تسر للأطفال بلا خطابة ثقيلة: تأملوا، هذا الذي تركضون وراءه، أتراه يستحق حقاً كل هذا الركض؟ أم أنه مجرد ظل لوهم على جدار كهف رقمي؟

التنمر.. رياضتنا الأثيرة

في الفصل الثاني، يطل التنمر برأسه. التنمر صار رياضتنا الوطنية الضاربة جذورها، نمارسها باحتراف لافت، مثل كرة القدم والسكري وارتفاع الضغط. نمارسها في المدرسة، في الطريق، في دواوين الحكومة، تحت قبة البرلمان، وفي أحضان العائلة. السخرية من الهيئة، من طريقة النطق، من اللهجة، من اللباس، من التقاطيع. نحن شعب مولع بالسخرية، لا أدري لماذا. ربما لأن السخرية من الآخر هي أقصر الدروب إلى الشعور بالتفوق بلا كلفة، أو ربما لأننا نمقت أنفسنا في الخفاء، فنسقط هذا المقت على من هم أضعف، انتقاماً من مرايانا التي نكرهها. تتصدى المسرحية للتنمر المدرسي تحديداً، ذاك الذي يستشري في فسحة المدارس، وفي الحمامات، ذاك التنمر الذي يحيله المدرسون عادة إلى "شوية هزار" أو "دمه تقيل"، وكأن الرضا النفسي أوجع من رضا الجسد. والمخرج هنا، في ومضة ذكاء لاذع، لا يقف عند حدود شجب المتنمر، بل ينفذ إلى صلب العلة، ليدرك أن المتنمر ذاته ضحية؛ ضحية أسرة غافلة، أو محيط قاس، أو إعلام يصطنع نماذج مستحيلة للكمال الجسدي والاجتماعي. هذه الرؤية المركبة عزيزة حتى في أعمال الكبار، فكيف بها في مسرحية مدرسية!

ومع هذا، فإن ما يستدر ضحكاً مشوباً بمرارة العلقم أن المسرحية تقترح حلولاً للتنمر. حلولاً! في مدرسة مصرية! كأن تقول "رجاء كف عن التنمر". فيرد الآخر "حاضر، آسف، لم أكن منتبهاً". هل جرى مثل هذا في الواقع قط؟ بالقطع لا. بيد أن المسرح، كما نعلم، ليس مرآة لما هو كائن، بل نافذة لما ينبغي أن يكون. هذه هي رسالة الفن الجوهرية، أن يريك العالم كما ينبغي أن يكون، لا كما هو قائم، حتى تصاب بغضب معاف يدفعك نحو التغيير، لا باكتئاب سقيم يدفعك نحو الانزواء.

الخوف المزدوج.. وحوش على ساقين

في الفصل الثالث، ننتقل إلى منطقة أشد عتمة وأكثر التصاقاً بجنون هذا الزمن: التحرش واستدراج الأطفال. الغريب الذي يغري بالحلوى، ذاك الذي يعرض اللعبة المجانية، الذي يزعم بابتسامة صفراء: "أنا صديق بابا وماما، تعال معي". هنا، ساءلت نفسي سؤالاً مضنياً كيف تخبر طفلاً أن في هذا العالم وحوشاً تسعى على ساقين، دون أن تهدم كل ذرة ثقة في روحه الغضة؟ كيف تقول له "لا تأتمن أحداً"، ثم تطالبه مع حلول المساء أن يكون سوياً نفسياً، يلعب ويضحك ويحب الناس؟ المعادلة مستحيلة، أشبه بمحاولة تعليم سمكة المشي على اليابسة.

لكن المسرحية تسعى إلى حلها، لا بالتخويف الأجوف، لكن بالتمكين. لا ببث الهلع من كل غريب، بل بتعليم الطفل كيف يميز، كيف يتحسس رائحة الخطر قبل أن يفاجئه. المعضلة أننا في مصر حولنا التوعية إلى ترويع مرضي. نقول للطفل: "انتبه، الدنيا كلها ذئاب". فيكبر وهو يبصر الوحش كامناً في كل محيا، ثم نستغرب بعد عشرين عاماً لماذا أضحى الجميع عدوانيين، لا يثقون حتى في ظلالهم، جاهزين للانقضاض على بعضهم بعضاً؟ المسرحية تفعل النقيض، تخاطب الطفل بيقين، ثمة خطر، أجل، لكنك قادر على أن تحمي ذاتك. لست عاجزاً، أنت قوي. وهذا هو الحد الفاصل بين التوعية الذكية والتخويف الأبله.

فصول اليتم الأخيرة..

ثم يهل الجزء الذي كنت أترقبه بقرف العارف (الشائعات، والضغوط الدراسية). أو كما أحب أن أصفهما درس في "كيف ندمر مستقبل أبنائنا بمنتهى الشرعية والدستورية".

الشائعات! في بلد يستحيل فيه كل منشور على فيسبوك إلى "خبر عاجل"، وكل مقطع صوتي مجهول المصدر إلى "مصدر رفيع"، تجيء المسرحية لتخاطب التلاميذ: "تحققوا. تفكروا. لا تبتلعوا كل ما يلقى إليكم". يا لها من دعوة تحريضية! كأن المسرحية تطلق ثورة عقلية صغيرة في جمجمة كل طالب. أن تشك، أن تسأل، أن تبحث. هذه هي أداة الصمود في زمن الشائعات. غير أن المرارة تكمن في أن هذه الأداة لا تدرس في مدارسنا الحكومية. نظام التعليم قاطبة مؤسس على ألا تشك، وألا تسأل، وأن تحفظ وتردد كالببغاء، وأنت أخرس.

وهنا نبلغ "الحشو". الكلمة التي وظفها العرض، وأنا أحمد عليها صناعه من صميم القلب. الحشو! يا لها من كلمة دقيقة معبرة ! الحشو هو أن تملأ الشيء بما لا قيمة له، كجوف دمية من قش. هذا تحديداً ما تقترفه المناهج الدراسية بعقول صغارنا، تحشوها بمعلومات عقيمة لا تخلف أثراً غير الصداع واليأس والكره العميق لكل ما يتصل بالمعرفة. المسرحية تجاسرت ونطقت عالياً بما نجبن نحن عن النطق به: نظام التعليم عندنا يحيل الصغار إلى كارهين للمدارس، يحول فضول المعرفة الفطري إلى نفور مرضي، يحول حب الاستكشاف إلى فزع من ورقة الامتحان. والأمر الأشد إيلاماً أن المسرحية تطالب بإعادة الأنشطة: رياضة، رسم، موسيقى. أنشطة! في مدارس لا تكاد تظفر فيها بدورة مياه تصلح للآدميين. ورغم ذلك، تقولها المسرحية، كأنها تسوق خطاباً موجعاً لوزير لا يصغي، لمسئول حول أذنيه إلى مقبرة للأحلام: "اسمع يا سيدي الوزير.. اسمع يا من لا تسمع. اسمع صهيل الخيول قبل أن تتحول إلى جيف".

المخرج الذي تجاسر على الحلم

ثم يخرج المخرج هاني كمال ليدلي بكلمته، التي تكاد تكون بياناً ثورياً في زمن الجدب الثقافي العظيم: "المسرح المدرسي مشروع قومي لتحصين الوعي". ويستطرد بثقة العارف "أي دولة ليس بها فنون هي دولة فقيرة، ولو ملكت خزائن الذهب". تصور! رجل يجاهر بهذا القول الواضح الصريح في عصر غدت فيه الثقافة "بند رفاهية" يضحى به أول الأزمات، وفي زمن ينظر فيه إلى الفنان كبهلوان أو عالة، يقوله بيقين الأنبياء: الفن هو مرآة الأمم، الدليل على التحضر، السلاح الناعم الذي يصون العقول قبل أن يضطر المرء إلى صونها بالرصاص.

أعرف هذا الطراز من المبدعين. هم رجال مؤمنون ، يحبون هذا البلد بصورة عملية صامتة، لا بصورة "بحبك يا مصر" التي تتبدد مع انتهاء الأغنية الوطنية. هم رجال يشتغلون في العتمة. والمسرح المدرسي هو عتمة العتمة، لا يبصره أحد، لا يرصد له أحد ميزانية، لا يلوي إليه أحد عنقه. ورغم ذلك، هنالك من يكدح فيه كالنمل، كالنحل، يبني دون أن يرتقب شكراً أو تهليلاً.

وقبل أن أختم، لا بد لي من ذكر بقية الصناع وهم (الكاتب المبدع الصديق محمد بهجت، والمشرفة إيمان مجدي، ومساعد المخرج أدهم هاني)، والمصممين الذين لا تأتي على ذكرهم نشرات الأخبار، ولا تلتفت إليهم عدسات الكاميرات، لكنهم ينجزون شيئاً أجل من كل ما تنجزه برامج التوك شو مجتمعة؛ إنهم ينجزون وعياً. إنهم يزرعون الألغام في جدران السكون.

في الختام، يظل السؤال الذي طرحته المسرحية اسماً لها، ذاك الاسم المراوغ كحكمة أحمق "طب وآخرتها؟".

طب بعد كل هذا الركض المحموم وراء التريندات الجوفاء؟ بعد التنمر والسخرية؟ وبعد التصديق الأعمى للشائعات كالببغاوات؟ وبعد الحشو التعليمي الذي يذبح الروح داخل الجسد؟ طب وآخرتها إيه؟

المسرحية لا تقدم إجابة. وهذا هو الموقف الصائب، الموقف الوحيد الذي لا يشبه الأكاذيب. لأن الإجابة لو كانت ميسورة، لظفرنا بها منذ فجر التاريخ. الإجابة تستلزم ثورة حقيقية، لا مجرد هتافات. ثورة في التعليم، في الإعلام، في الثقافة، في كيفية تفكيرنا كمجتمع مأزوم، وفي أولويات الدولة التي لا تبصر في الثقافة سوى "مصروف قابل للتأجيل". حين تكف الدولة عن رؤية المسرح المدرسي بوصفه نشاطاً ترفيهياً، وتراه بوصفه مشروع أمن قومي، ستتبدل أمور جمة. لكن إلى أن يحل ذلك الحين المؤجل، يظل هاني كمال وأمثاله يقاومون، يقدمون مسرحياتهم في صمت، يلقون بذوراً في أرض صخرية، ويسقونها بالعرق والرجاء. مجانين، أجل، لكنهم مجانين النور.

رسالة إلى مسئول.. لن يقرأها

لو كان بوسعي أن أسوق رسالة إلى أي مسئول، لقلت له امض فشاهد هذا العرض. امض وحدك، بلا حراس ولا كاميرات ولا صحفيين. اقعُد في المقعد الخلفي من الصالة. أصغ إلى ما تقوله المسرحية. راقب عيون الأطفال وهم يتابعون، تلك العيون التي لم تلوث بعد. ثم سائل نفسك وأنت في عتمة القاعة ماذا أفعل لهؤلاء الأطفال؟ ماذا أفعل لمستقبلهم؟ ماذا أفعل لهذا البلد الذي يتسرب من بين أصابعنا كالماء، كالدم، كالوقت؟

لكنني أدرك أن هذا لن يقع. المسئولون عندنا لا يشاهدون مسرحيات مدرسية. هم مشغولون، أبداً مشغولون. في أي شيء؟ لا أحد يدري. لكنهم مشغولون. مشغولون بتأمل سررهم وهم يغنون أغنية الوطن بلا موسيقى.

المسرحية تنتهي. الستار ينزل. الصغار يصفقون بحماسة، ويخرجون إلى الشارع. في طريقهم إلى البيت، ربما فكر أحدهم لبرهة "طب وآخرتها؟". ربما تشبث السؤال بجمجمته الصغيرة. ربما كبر السؤال معه. ربما، بعد عشرين عاماً، يصبح هذا الطفل كاتباً، أو مخرجاً، أو مدرساً، أو حتى وزيراً. يومها، ربما يتذكر المسرحية. وربما يعقد العزم على أن يصنع "آخرتها" خيراً من "طبها". هذا هو الأمل. مجرد أمل شاحب كمصباح وحيد في عراء اليأس. لكنه، كما تدركون، كل ما نملك في هذا الزمن الشحيح. زمن نبيع فيه الأحلام لنشتري الخبز، ثم نكتشف أن الخبز كان مصنوعاً من قشور الكلمات.

***

عبد السلام فاروق

في ظل التطورات العلمية والتكنولوجية المتسارعة التي شهدها العالم، برزت وسائل اتصال حديثة أحدثت طفرة إيجابية في تسهيل التواصل بين أفراد المجتمع، وساهمت في دعم المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ونظراً لما تحتويه هذه الوسائل من بيانات ومعلومات وثيقة الصلة بالحياة الخاصة للأفراد وحرياتهم الشخصية، فقد ظهر جانبها المظلم المتمثل في الاستغلال غير القانوني لهذه التقنيات. نتج عن هذا الاستغلال ظهور نمط جديد من الجرائم المستحدثة التي تختلف في أركانها، ووسائلها، وغاياتها عن الجرائم التقليدية، وهو ما يُعرف بـ "الجرائم الإلكترونية".

ومن أبرز صور هذه الجرائم وأكثرها خطورة جريمة "الابتزاز الإلكتروني"، التي تغلغلت في الأوساط المجتمعية كافة، ولم يكن المجتمع العراقي بمعزل عنها؛ إذ تسجل المحاكم العراقية يومياً عدداً كبيراً من دعاوى الابتزاز. إن هذا الازدياد المطرد يشكل تهديداً حقيقياً لدعائم المجتمع واستقراره نظراً لانتهاكه الصارخ لخصوصية الأفراد. الأمر الذي يستوجب وضع الحلول الناجعة للحد من هذه الجرائم، لا سيما في الجانبين التشريعي والقضائي، عبر إيجاد التكييف القانوني السليم للفعل الإجرامي بغية فرض العقوبة العادلة التي تحقق الردع العام والخاص

أولاً: مفهوم جريمة الابتزاز الإلكتروني وخصائصها

1. المفهوم القانوني والفقهي

بسبب خلو التشريع العراقي الحالي والأحكام القضائية من تعريف محدد وجامع لجريمة الابتزاز الإلكتروني، فقد تصدى الفقه القانوني لتعريفها. وحيث عُرّفت بأنها: "كل سلوك غير قانوني يتم باستخدام الأجهزة الإلكترونية، يهدف من ورائه الفاعل إلى الحصول على مكاسب مادية أو معنوية من المجني عليه رغماً عنه". كما تُعرف بأنها المخالفات التي ترتكب ضد الأفراد أو الجماعات بدافع إلحاق الأذى بسمعتهم أو تهديدهم بكشف أسرارهم مقابل منافع معينة.

2. خصائص الجريمة

تتميز جريمة الابتزاز الإلكتروني بعدة خصائص تنفرد بها عن الجرائم التقليدية، ومنها:

العابرة للحدود (الجريمة الدولية) لا يقتصر ارتكابها على حدود دولة واحدة، بل يمكن للجاني أن يكون في دولة والمجني عليه في دولة أخرى. وهي تشبه في ذلك جرائم الاتجار بالبشر أو المخدرات، إلا أنها تتميز عنها بعدم حاجة الجاني للانتقال المادي بين الدول.

الجريمة الصامتة (الهادئة) تعتمد الجريمة كلياً على وسائل التقنية الحديثة والأجهزة الذكية واللوحية؛ لذا فهي لا تتطلب جهداً عضلياً أو عنفاً مادياً مسرحياً، بل تُرتكب بهدوء ومن أي مكان يختاره الجاني.

صعوبة الإثبات الرقمي يصعب إثبات هذه الجريمة بالطرق التقليدية؛ لأنها لا تترك أثراً مادياً ملموساً في كثير من الأحيان، فضلاً عن امتلاك الجناة مهارات تقنية تمكنهم من طمس معالم الجريمة أو إخفاء هوياتهم الرقمية بسرعة.

عزوف الضحايا عن الإبلاغ يُعد الخوف من الفضيحة ونظرة المجتمع من أهم مميزات هذه الجريمة، حيث يحجم الكثير من المجني عليهم لا سيما في المجتمعات التي تحكمها العادات والتقاليد العشائرية والاجتماعية المحافظة عن تحريك الشكاوى الجزائية خشية التبعات الاجتماعية.

ثانياً: دوافع الابتزاز الإلكتروني وآثاره المجتمعية

تتعدد الغايات والدوافع الكامنة وراء ارتكاب جريمة الابتزاز الإلكتروني، ويمكن إجمالها في الآتي:

1. الدوافع المادية (المالية)

وهي الأكثر شيوعاً في الواقع العملي، حيث يسعى الجاني إلى إكراه الضحية على دفع مبالغ مالية طائلة أو تقديم تنازلات ذات طابع مادي، مهدداً إياه بنشر معلومات، أو صور، أو مقاطع فيديو سرية تخص حياته الخاصة أو العائلية أو الوظيفية. وتستهدف هذه الجريمة الأفراد العاديين، والشخصيات العامة، والمترفين، وحتى الشخصيات المعنوية كالشركات التجارية.

2. الدوافع غير الأخلاقية والانتقامية

تستهدف هذه الصورة فئة النساء والفتيات بالدرجة الأساس، حيث يتم استدراج الضحية عبر علاقات عاطفية وهمية أو اختراق حساباتهن الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي للحصول على صور أو مقاطع فيديو خاصة. وفي كثير من الحالات، يعمد بعض المحتالين إلى استخدام برامج تعديل الصور الرقمية (مثل الفوتوشوب أو تقنيات التزييف العميق) لتركيب وجوه الضحايا على مشاهد مخلة بالآداب

 أدت العديد من حالات الابتزاز الموجهة ضد النساء إلى عواقب وخيمة، كالانفصال بين الأزواج أمام محاكم الأحوال الشخصية، أو اضطرار الفتيات لتقديم تنازلات تمس شرفهن وسمعتهن خشية الفضيحة، ناهيك عن لجوء العوائل لحل هذه المشاكل خارج أسوار المحاكم وعبر مجالس العشائر وبسرية تامة تجنباً للوصمة الاجتماعية

ثالثاً: التكييف القانوني للجريمة في التشريع الجزائي العراقي

شهد الجانب التشريعي العراقي محاولات لتنظيم هذه الجريمة، حيث تضمن مشروع قانون الجرائم الإلكترونية المقترح عام 2011 (والذي لم يُشرّع حتى الآن) في المادة (11/أولاً/ب) منه عقوبة السجن مدة لا تزيد على سبع سنوات وبغرامة لا تقل عن ثلاثة ملايين دينار ولا تزيد على خمسة ملايين دينار لمرتكب جريمة الابتزاز.

ونتيجة لغياب هذا النص الخاص، اضطر القضاء العراقي إلى تكييف أفعال الابتزاز الإلكتروني بالاستناد إلى النصوص العامة الواردة في قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 النافذ، وانقسمت اتجاهات محاكم الموضوع في هذا الصدد إلى ثلاثة اتجاهات:

1. التكييف وفق المادة (432) عقوبات (جرائم التهديد الإنابي)

اتجهت بعض المحاكم في البداية إلى تكييف الفعل وفق المادة 432، باعتبار الفعل يشكل جريمة تهديد في غير الحالات المقترنة بظروف مشددة.

 إن هذا التكييف يقع في خطأ قانوني واضح، ويجعل الأحكام الصادرة بموجبه عرضة للنقض من قبل محكمة التمييز، نظراً لأن عقوبة هذه المادة (الحبس البسيط أو الغرامة) لا تتناسب مطلقاً مع خطورة وجسامة فعل الابتزاز الإلكتروني.

2. التكييف وفق المادة (452) عقوبات (اغتصاب السندات والأموال تحت التهديد)

نصت المادة 452 في فقرتها الأولى على: "يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنين أو بالحبس من حمل آخر بطريق التهديد على تسليم نقود أو أشياء أخرى..."، وتشدد العقوبة إلى السجن مدة لا تزيد على عشر سنوات إذا ارتكبت الجريمة بالقوة أو الإكراه، يصح هذا التكييف في حالات الابتزاز المالي المحض، حيث استقر قضاء محكمة التمييز الاتحادية على أن مَن يحمل غيَره بطريق التهديد على تسليم نقود يُعاقب وفق المادة 452/1 عقوبات، باعتبار التهديد هو الوسيلة المعنوية لإعدام إرادة الضحية وحمله على التسليم.

3. التكييف الأصح وفق المادة (430) عقوبات (التهديد المصحوب بطلب)

يرى الفقه القانوني المستنير، وتؤيده أغلب محاكم الجنايات ومحكمة التمييز الاتحادية، أن التكييف القانوني السليم والأدق لجرائم الابتزاز الإلكتروني (خاصة المقترنة بطلب تنازلات أو مبالغ مادية مقابل عدم نشر صور خادشة) ينطبق وأحكام المادة (430) من قانون العقوبات. حيث نص الشق الأخير من الفقرة (1) منها على:

"يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنوات او بالحبس كل من هدد آخر... بإسناد أمور مخدشة للشرف أو إفشائها وكان ذلك مصحوباً بطلب أو بتكليف بأمر أو الامتناع عن فعل أو مقصوداً به ذلك".

فهذا النص يستوعب تماماً الأركان المادية والمعنوية لجريمة الابتزاز الإلكتروني؛ إذ يمثل النشر أو التهديد بالنشر إسناداً لأمور مخدشة للشرف، ويكون هذا التهديد معاصراً أو مقترناً بطلب (سواء كان الطلب مالياً أو معنوياً أو جنسياً)، وهو ما استقرت عليه أحكام محكمة التمييز الاتحادية مؤخراً في تصديقها للأحكام الصادرة وفق هذه المادة تحقيقاً للردع والعدالة.

***

المحامي اسعد رشيد الجوراني

اكتناز الأموال، هو حفظ السيولة النقدية وتجميدها بعيداً عن التداول والاسـتثمار (سواء في المنازل أو الخزائن المغلقة)

 ويعد أحد الظواهر التي تؤثر عميقاً في بنية الاقتصاد، وتنعكس سلباً على حركة المال في دورتها الطبيعية.

اخطر صور الاكتناز:

إن أخطر صور الاكتناز ليست تلك الناتجة عن الادخار المشروع، وإنما اكتناز الأموال المتحصلة من الفساد المالي والإداري.

فالفاسد غالبًا لا يستطيع توظيف أمواله بصورة طبيعية خشية انكشاف مصدرها غير المشروع، فيلجأ إلى إخفائها أو تهريبها أو تجميدها خارج الدورة الاقتصادية.

وهنا يتحقق الأثر التدميري المزدوج؛ فالفساد يستنزف المال العام ويحرمه من أغراضه التنموية، ثم يأتي الاكتناز ليمنع تلك الأموال من العودة إلى الاقتصاد الوطني والاستثمار المنتج، فتتضاعف الخسائر الاقتصادية والاجتماعية

 آثار هذه الظاهرة على مستوى الفرد والمجتمع:

أولاً: الأثر الاقتصادي على الفرد بصورة عامة (الاكتناز في المنازل)

على الرغم من أن المكتنز يظن أنه يحقق الأمان المالي، إلا أن النتيجة الواقعية على المدى المتوسط والطويل تكون مغايرة، وكما ياتي:

 1. تآكل القيمة الشرائية (التضخم):

المال المجمد لا ينمو، وفي المقابل ترتفع أسعار السلع والخدمات بمرور الوقت، هذا يعني أن القدرة الشرائية للمبلغ المكتنز تقل تدريجياً؛ فالألف دينار اليوم لن تشتري نفس السلع بعد سنوات.

 2. ضياع فرص النماء (تكلفة الفرصة البديلة):

حرمان الذات من عوائد الاستثمار الحقيقي (العقاري، الصناعي، أو التجاري) أو حتى الاستثمار الآمن، فالفرد يخسر هنا "الأرباح المركبة" التي كان يمكن أن تسهم في تحسين مستواه المعيشي.

 3. الجمود التنموي لثروة الأسرة:

تجميد النقد يمنع الفرد من تطوير مهاراته أو توسيع أعماله أو تأمين أصول إنتاجية مستدامة لعائلته، مما يجعل ثروته "ثروة ميتة" لا تلد مالاً جديداً.

ثانياً: أثر الإكتناز على المواطن البسيط (المستهلك والعامل)

المواطن الذي لا يملك ترف الاكتناز ويعتمد على دخله اليومي أو الشهري هو الضحية الأولى لثقافة الاكتناز المجتمعي، ويظهر ذلك في تفاصيل حياته اليومية:

1. شح فرص العمل وانخفاض الأجور:

عندما يكتنز الأثرياء أو الطبقة المتوسطة أموالهم، تتقلص السيولة المتاحة لتأسيس مشاريع جديدة (مصانع، متاجر، شركات مقاولات). هذا الانكماش يعني فرصة عمل أقل للمواطن البسيط، ويجعل سوق العمل راكداً، مما يمنح أصحاب العمل قدرة على خفض الأجور أو إبقائها منخفضة لزيادة المعروض من العمالة مقابل قلة الطلب.

 2. صعوبة الحصول على التمويل الشخصي: المصارف لا تقرض من أموالها الخاصة، بل تعيد إقراض ودائع المواطنين. غياب الودائع بسبب الاكتناز المنزلي يجعل المصارف ترفع كلفة الإقراض (أسعار الفائدة)، بالنتيجة، يجد المواطن البسيط صعوبة بالغة في الحصول على قرض ميسر لشراء مسكن، أو بدء مشروع صغير، أو تغطية مصاريف التعليم والعلاج.

 3. ارتفاع تكاليف المعيشة (مفارقة الركود التضخمي):

في بعض الحالات، يؤدي نقص السيولة المتداولة إلى لجوء الدولة لطرق بديلة لتمويل موازنتها، مثل زيادة الضرائب غير المباشرة أو الرسوم على الخدمات التي تمس المواطن البسيط مباشرة، مما يثقل كاهله المعيشي.

ثالثا: الأثر الاقتصادي على المجتمع والدولة:

المال في علم الاقتصاد يمثل "الدماء" التي تغذي شرايين السوق. إن حبس هذا النقد يؤدي إلى شبه شلل في الدورة الاقتصادية:

 1. انكماش السيولة وتراجع القوة الشرائية:

عندما تخرج كميات هائلة من النقد خارج التداول، يقل حجم الطلب الفعال في السوق. هذا الانكماش يدفع التجار والمصانع إلى تقليص إنتاجهم بسبب تراجع المبيعات.

 2. تعطيل المشاريع التنموية وزيادة البطالة:

يعتمد الاقتصاد الحديث على تحول المدخرات إلى استثمارات عبر القنوات الرسمية (المصارف، البورصة، الصناديق الاستثمارية). الاكتناز يحرم المشاريع الناشئة والشركات القائمة من التمويل اللازم للتوسع، مما يتسبب في ركود قطاع الأعمال وتراجع فرص العمل، وبالتالي ارتفاع معدلات البطالة.

 3. إعاقة السياسة النقدية للدولة:

تواجه البنوك المركزية صعوبة بالغة في إدارة الكتلة النقدية وتوجيه الاقتصاد (عبر أدوات مثل أسعار الفائدة) إذا كانت هناك نسبة كبيرة من الأموال تتحرك في "اقتصاد الظل" أو مخبأة تماماً خارج النظام المصرفي والرقابي.

 4. تراجع معدلات النمو الاقتصادي:

ينخفض الناتج المحلي الإجمالي نتيجة لتباطؤ حركة البيع والشراء والاستثمار، مما يجعل المجتمع في حالة ركود مستمر بدل التنمية والازدهار.

5. تعميق الفجوة الطبقية والاضطراب الاجتماعي: عندما يتركز المال الكثيف في خزائن مغلقة دون إعادة تدويره في شرايين المجتمع كأجور واستثمارات، تزداد الفجوة بين الطبقات ثراءً وفقراً. هذا الخلل يضعف "التماسك الاجتماعي" ويزيد من معدلات الجريمة، والسرقة، والشعور بالإحباط العام، خاصة بين فئة الشباب التي تعجز عن دخول سوق العمل.

خلاصة:

في الفكر الاقتصادي والاجتماعي، المال وسيلة للتبادل وأداة للإنتاج وليس غاية في ذاته. لذلك، فإن تحويله من "رأس مال عامل" إلى "نقد مكتنز" يمثل هدراً لفرص التقدم، ويحول الثروة من عامل بناء وتنمية إلى أداة لتعطيل الطاقات البشرية والاقتصادية.

فضلاً عن إن الأموال المتأتية من الفساد لا تكتفي بإفقار الدولة عند الاستيلاء عليها، بل تستمر في إفقار المجتمع عندما تُكتنز أو تُهرَّب خارج الدورة الاقتصادية، فهي تضرب الاقتصاد مرتين: الأولى بسرقة الموارد العامة، والثانية بحرمان السوق من السيولة والاستثمار وفرص العمل.

ولهذا فإن مكافحة الفساد ليست مجرد استرداد للأموال المنهوبة، وإنما هي أيضًا إعادة تلك الأموال إلى الدورة الاقتصادية المنتجة، بما يحقق التنمية ويعزز العدالة الاجتماعية ويعيد الثقة بمؤسسات الدولة.

***

فارس حامد عبد الكريم

نائب رئيس هيئة النزاهة الاتحادية الأسبق

بغداد - 2026

كنتُ يا أصدقائي في سويسرا في آذار العام 2000.. ذهبتُ هناك لرؤية أصدقاء متوجهاً من مدينة برلين حيث اسكن الى مدينة فراي بورج (Freiburg) الألمانية الواقعة في جنوب غرب البلاد على الحدود الألمانية الفرنسية السويسرية، وهي المدينة التي أعرفها حيث درست لفترة في جامعتها قبل انتقالي الى جامعة برلين..

في سويسرا وفي مدينة جنيف سمعت ان هناك مهرجاناً شعرياً سيعقد لأول مرّة تحت عنوان مهرجان المتنبي الشعري في مدينة زيوريخ السويسرية، وان هناك زملاء وأصدقاء سيشاركون فيه.. المشرف العام على المهرجان كان شاعراً عراقياً اسمه (علي الشلاه).. عرف الأخ علي الشلاه بوجودي في سويسرا فاقترح على أحد المدعوين ان يبلغني بامكانية حضوري للمهرجان ان رغبت في الحضور.. وحينما ذهبنا الى المهرجان كان الأخ علي الشلاه مُرحِّباً والحق يقال.. لم أكن مدعواً بشكل رسمي، ولكنني رغبتُ في الحضور حيث كنت في سويسرا قريباً من المهرجان، وهذه فرصة لسماع الشعر والأدب وسماع المدعوين القادمين من العالم العربي البعيد بالاضافة الى الشعراء والادباء السويسريين والألمان والأوربيين.

رأيت هناك في زيوريخ الاستاذ الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي اذ كان مدعواً للمهرجان.. كان الاستاذ حجازي قد نشر لي سابقاً نصوصاً في مجلة (ابداع) القاهرية التي يرأس تحريرها في ملف عن الأدباء والشعراء العراقيين المغتربين.. والحقيقة انني لم ابادر بارسال هذه النصوص اليه من قبل.. لقد اجتهد وبحث هو وزملاؤه في مجلة ابداع ووجدوا نصوصاً لي كانت منشورة في صحف ومجلات عربية وعثروا على صورة شخصية لي أرفقوها بالنصوص لأكون ضمن ملف مجلة ابداع عن الشعراء والأدباء العراقيين المغتربين..

راسلتُه بعدها وأرسلت اليه قصيدة للنشر مع رسالة شخصية فنشر القصيدة والرسالة معاً في التفاتة رائعة معتبراً الرسالة عملاً أدبياً لا يجب ان يُغفل. وكان اسم الموضوع المنشور (رسالة وقصيدة.. كريم الأسدي).. وكانت دهشتي كبيرة حقاً حين رأيت رسالتي منشورة الى جنب القصيدة ففهمت هذا من كرم وطيبة الاخوة المصريين..

في زيوريخ هتف مرحباً بي اذ تذكَّر في الحال نصوصي المنشورة عندهم في مجلة ابداع، فسألني مباشرة:

هل سنرى مشاركة لك في هذا المهرجان؟

فاجبته وقلت:

لا، أنا قادمٌ الى هنا للاعتذار من المتنبي نيابةً عن أجدادي بني أسد !!

لم يتمكن من السيطرة على ضحكته العالية، وحينما وصل الشاعر السوداني محمد الفيتوري أتاني الأستاذ حجازي قائلاً لي:

تعال معي، اريد ان أعرِّفك الى الأستاذ الشاعر محمد الفيتوري..

ذهبنا معاً الى المكان القريب حيث يجلس الفيتوري في الصالة فبادره بالقول:

اُعرِّفك بالشاعر العراقي كريم الأسدي الذي حضر نيابة عن أجداده بني اسد ليعتذر للمتنبي..

وضحكنا جميعاً معاً..

حينما بدأت الأُمسية الأولى صعد الى المنصة الشعراء والأدباء المدعوون وكانت جلسة حوار عن الشعر والأدب والتبادل الثقافي بين الشعوب، وكان المشاركون شعراء وأدباء عرباً وألمانَ وسويسريين..

كنتُ ضمن الجمهور المستمع..

حدثت مشكلة سببها غياب التفاهم بين المتحاورين، فحين يتحدث العربي يفهمه العرب لكن لا يفهمه الألمان والسويسريون بالضرورة، وحين يتحدث الألماني أو السويسري لايفهمه العرب بالضرورة..

الأدباء والشعراء المشاركون أدركوا هذا المأزق مثلما أدركه الجمهور الحاضر حيث كان التواصل بين اللغات يساوي الصفر.. ومَن يتحدث يتحدث الى نفسه والى أبناء لغته، بينما من أهداف مثل هذا اللقاء هو هدف التفاهم الثقافي والأدبي بين الشعوب..

نادى الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي قائلاً ان هناك مشكلة كبيرة سببها غياب مترجم بين اللغتين العربية والألمانية واقترح من تلقاء نفسه قائلاً: أنا أدعو الشاعر العراقي كريم الأسدي للحضور والقيام بمهمة الترجمة بيننا..

قال علي الشلاه برد فعل سريع: (لا يوجد سوى كريم)، وباللهجة العراقية حيث قال: (ماكو غير كريم.)

استجبت للطلب وصعدت الى المنصة وبدأت اترجم ما يقوله الشعراء والأدباء العرب للألمان والسويسريين، وما يقولونه هم للعرب..

استمرت الندوة لساعتين، ترجمت فيها كل قول.

هتفت سيدة سويسرية من الجمهور قائلة: أنا أريد ان أعرف من هو هذا الشخص الذي يقوم بمهمة الترجمة.. فأجبتها بأنني شخص من الجمهور وقد تطوعتُ للترجمة مجاناً بدون نقود.. فضحك بعض الحاضرين.

حينما انتهت الندوة الأولى اتت باتجاهي أمل الجبوري التي كانت حاضرة ومدعوة كمساهمة اساسية وقالت:

(كريم، لقد انقذتَ الموقف اليوم.. لولاك لفشل المهرجان فشلاً ذريعاً من يومه الأول ومن ساعته الأولى.. لا أدري كيف حدث هذا الخطأ في التنظيم ولم ينتبه أحد من المنظمين لدور المترجم.. لكنك تداركت المسألة وانجزت المهمة على أفضل وجه.. وهذا ليس غريباً عليك فأنت شاعر ولديك شهادة ماجستير في الأدب المقارن وتجيد اللغة الألمانية)

أقوال مثل ملاحظة أمل الجبوري هذه سمعتها من حاضرين من المشاركين ومن الجمهور على حد سواء..

الغريب انني لم أتمكن فيما بعد من الاشتراك في فعاليات مهرجان المتنبي للدورات اللاحقة، وكان الواجب الأدبي والأخلاقي ان أكون مشاركاً في الدورة الثانية..

مرّت أكثر من عشر نسخ من مهرجان المتنبي وعلى مدى أكثر من عقد من الزمان وكان مديره هو المدير نفسه الأخ علي الشلاه، ولم تصل لي أي دعوة لا كشاعر وأديب ولا كمترجم رغم ان نصوصي الشعرية والأدبية تشهد لي مثلما تشهد لي امكانيتي في الترجمة، ورغم انني نبهت الأخ علي الشلاه في مكالمات هاتفية من برلين من انَّ الاشتراك حق طبيعي لي كشاعر وأديب ومترجم عراقي وان الذين تتم دعوتهم ليسوا أفضل مني اذا كانت هناك عدالة في التثمين..

نفس اللغز كان يحدث في برلين في الفعاليات الثقافية التي تشرف عليها أمل الجبوري في الجانب الثقافي العربي اذْ كان اسمي يُستبعد عن المشاركة دائماً وبقدرة قادر، بينما أمل الجبوري تعرفني مثلما يعرفني علي الشلاه.. بل انها تعرفني جيداً من مساهماتي في الندوات الأدبية في برلين.

في نفس الأيام التي كنت فيها في مهرجان المتنبي في سويسرا نشرت لي أكبر جريدة سويسرية قصيدة في قسمها الأدبي وفي العدد الصادر في يوم 22. 03. 2000.. اسم هذه الجريدة (جريدة زيوريخ الجديدة) و في الألمانية (Neue Zürcher Zeitung).. ولم أكن أعلم حيث أخبرني المترجم الألماني شتيفان فايدنر (Stefan Weidner) الذي كان حاضراً آنذاك وقرأ النص في الجريدة المهمة أدبياً وثقافياً على صعيد محيط اللغة الألمانية بأكمله..

القصيدة كان اسمها (بُعد) وقد ارسلتها للجريدة قبل أسابيع من تاريخ نشرها بعد ان ترجمتها بنفسي من العربية الى الألمانية..

علماً ان هذه الجريدة كانت قد نشرت لي نصوصاً عديدة قبل قدومي الى سويسرا ومنذ العام 1995.. وحيث نشرت لي ابتداءً ثلاثة نصوص في ملف عن الأدب العربي كان الى جنبي فيه ابراهيم الكوني من ليبيا، وأميل حبيبي من فلسطين.. ثم استمرت في نشر نصوصي.. حدث هذا دون أن أرى الناشرين من قبل وان اتعرف عليهم وهم من كبار نقاد الأدب على الساحة الناطقة باللغة الألمانية..

الغرباء ينتبهون الى ابداع العراقي.. والعراقيون يبخسون ابن وطنهم حقَّه.. هل انهم بحاجة الى ان يتوسط الأجنبي المهيمن أو الممول ليفرض عليهم اسماء العراقيين الذين يختارهم لأنهم يخدمون مصلحته، أَم ماذا ؟!!..

اذا أوردتُ هنا بعض الأسماء فأنا لا أغتابهم.. هذا حوار ثقافي وأدبي ومؤدب، ونحن نتحاور في الأمور التي تخص وطننا والعالم، وأنا مستعد للحوار..

***

كريم الأسدي - العراق

العالم تحوّل إلى حالة واحدة محكومة بقاعدة الأواني المُستطرقة. فمهما تباين شكل أوعية الشعوب، فأن ما يحصل في وعاءٍ منها، يتسبب بأضرار مباشرة وغير مباشرة في الأوعية الأخرى. وقد أسهمت الثورة المعلوماتية والإتصالات الإليكترونية، ووسائل التواصل الإجتماعي المتنوعة، في تمازج الشعوب، وتحويلها إلى حالات ذات مستويات واحدة ومتعادلة من محاليل التفاعلات القائمة في الأرض.

فإضطراب أي وعاء سينتشر بدرجات متفاوتة إلى المجتمعات الأخرى، وسيحقق تأثيراته فيها، مهما تصورت بأنها قادرة على الوقاية من ذلك التأثير.

ويبدو أن الإرادات القوية قد تصورت بأنها بتدميرها أوعية المجتمعات الأخرى ستحقق الأمن والرخاء في بلدانها، فانقلب السحر على الساحر، وأدركت بعد أن فعلت ما فعلت في بلدان الدنيا، وجرّعتها حنظل الويلات والتداعيات والخراب، إن ما يكون فيها يرتد إليها. فالعنف بأنواعه، أضحى ظاهرة عالمية تنتشر بسرعة النار في الهشيم. وما عاد أي مجتمع ببعيد عن العنف، بآلاته ومفرداته وعناصره ودوافعه ومبرراته.

وهذا واضح في نشرات الأخبار العالمية اليومية، حيث تتوافد أنباء العنف والعدوان البشري المتفاقم، والذي يتسبب في تداعيات قاسية في جميع المجتمعات، وتتفاوت درجة الخسائر من دولة إلى أخرى، وأكثرها وأكبرها جسامة، ما يحصل في منطقة الشرق الأوسط الدامية الحامية الوطيس.

ومن الواضح أن تفاعلات العنف البشري في تنامي وتصاعد سريع، وكأن البشرية تسعى بقوة وشراسة نحو هاوية التفاعل العالمي الفظيع، وذلك بالدخول في حرب كونية جديدة، لا يمكن تصور نتائجها وخسائرها، لكنها وكأنها تلوح في الأفق.

فما يجري في مجتمعات الشرق الأوسط سيحصل في مجتمعات أخرى، وما يدور في مجتمعات الدول الساقطة سياسيا وعسكريا، سيكون قائما في مجتمعات الدنيا الأخرى.

ولكي تتوقف هذه التفاعلات المريرة القاسية، على القوى الفاعلة أن تعيد النظر بسياساتها الخارجية، وتساهم في تحقيق العدالة الإجتماعية والديمقراطية الحقيقية في مجتمعات الدنيا، لكي تتنعم الأرض بالمحبة والسعادة والسلام، وإلا فأن الحرب الهائلة متحققة لا محالة!!

إناءٌ واحدٌ فيها الحياةُ

جميعَ خليقها حَصدَ المماتُ

لها بدنٌ فريدٌ مُستهابٌ

تُمزّقهُ الحوادثُ والعتاةُ

بلاءُ وجودِنا رَهنٌ  بفردٍ

توهّم أنّهُ وطنُ أداةُ

***

د. صادق السامرائي

حين يكون الثبات رسالة لا مجرد صمود

تعد البيئات السامة من أكثر التحديات التي قد تواجه الإنسان في حياته المهنية والاجتماعية، فهي لا تستنزف الجهد والطاقة فحسب، بل قد تؤثر في الدافعية والتحفيز والشغف، والنجاح والإبداع، والصحة النفسية والجسدية، وجودة العلاقات داخل المنظمة والمؤسسة. ومع ذلك، فإن القدرة على إحداث التغيير في مثل هذه البيئات ليست مستحيلة، لكنها تتطلب نفوساً عظيمة، وعقولاً متفتحة وواعية، وقلوباً راسخة ومتزنة وتتسم بالثبات والقوة العنوية والصلابة النفسية، تؤمن بأن الإصلاح يبدأ من الداخللا من الخارج قبل أن ينعكس على المحيط الذي يحياه الفرد والجماعة.

ومن المهم ألا يفسر الإنسان كل سلوك سلبي مباشر أو غير مباشر على أنه استهداف شخصي له وتحد له؛ ففي كثير من الأحيان تكون السمية سمة عامة للبيئة بأكملها، وليست موجهة ضد فرد بعينه. أو شخصه. فهي قد تكون نتاج ثقافة تنظيمية غير صحية، أو نفوس تعودت على ممارسات تراكمت مع مرور الوقت، أو نتيجة افتقار بعض الأفراد إلى المهارات الإنسانية والمهنية الأساسية في التواصل الفعال والتعامل بتهذيب ولطافة، وغير قادرة على إدارة الاختلاف والخلاف، وتفتقر إلى احترام الآخرين وتقديرهم.

إن الأشخاص الذين يصنعون الفارق لا يسمحون لبيئاتهم أن تعيد تشكيل قيمهم أو تنتقص من أخلاقهم، بل يتمسكون بمبادئهم وقيمهم التي يمتلكونها، ويقودون بالقدوة والموعظة الحسنة، ويتعاملون مع الآخرين باحترام حتى عندما لا يلقون المعاملة نفسها. فهم يدركون أن المهنية الحقيقية لا تقاس بمدى سهولة الظروف، وإنما بالقدرة على المحافظة على الاتزان والاحترام والإنصاف في أصعب المواقف وأكثرها تحدياً ومراراً.

تأملشَأنُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كشَأنِ غالبِ الأنبياءِ عليهم وعلى نبيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ أُوذوا في سَبيلِ اللهِ، وتَعرَّضوا للتَّكذيبِ مِن قَومِهم، فتَحمَّلوا مِن الإيذاءِ ما كَتَبَه اللهُ عليهم في سَبيلِ القِيامِ بحقِّ الأمانةِ والتَّبليغِ. . كما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه”كَأنِّي أنظُرُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَحكي نَبيًّا مِنَ الأنبياءِ ضَرَبَه قَومُه فأدمَوه، وهو يَمسَحُ الدَّمَ عن وجهِه ويقولُ: اللهُمَّ اغفِرْ لقَومي؛ فإنَّهم لا يَعلَمونَ.”  صحيح البخاري

ولا يعني السعي إلى التغيير أن يتحمل الإنسان ما لا يطاق أو يقبل بالإساءة المستمرة والإهانة، بل يعني أن يبدأ بإصلاح ما يستطيع إصلاحه، وأن ينشر ثقافة الحوار البناء والهادف، والتقدير، والعمل الجماعي، وأن يكون نموذجاً يقلد ويحتذى به في القول والسلوك والأداء. فإذا وجد أن البيئة ترفض كل محاولات الإصلاح، فإن الحفاظ على كرامته وصحته النفسية يصبح قراراً حكيماً ومدروساً، لا هروباً من المسؤولية أو التخلي عنها.

إن المؤسسات لا تبنى بالأنظمة وحدها، بل تبنى كذلك بالإنسان. وكل بيئة عمل تقدر الاحترام، وتستثمر في تطوير مهارات موظفيها، وتشجع التواصل الإيجابي، هي بيئة تمتلك فرصاً أكبر للاستدامة والنجاح. أما البيئات التي تمارس القهر والتسلط والسمية المقيتة والمرفوضة وتتجاهل هذه القيم وتهمل بناء مهارات التهذيب والسلوك اللطيف والراقي، فإنها قد تحقق نتائج مؤقتة، لكنها تخسر على المدى البعيد أهم أصولها: الإنسان الذي هو ديمومة النجاح والتميز.

ويبقى الأمل معقوداً على وجود قادة يدركون أن بناء ثقافة عمل صحية ليس ترفاً إدارياً ولا هدراً للوقت أو الموارد، بل هو الركيزة الأساسية للتميز المؤسسي والاستدامة. فالتغيير الحقيقي لا يبدأ باللوائح والإجراءات، وإنما يبدأ بترسيخ قيم أصيلة، وتبنّي أفكار إيجابية، وترجمتها إلى سلوك يومي وممارسات عملية، حتى تصبح جزءًا من هوية المؤسسة وثقافتها.

إن المنظماتلا تقاس فقط بحجم أرباحها، أو بارتفاع أسهمها، أو ببريق إنجازاتها، بل تقاس أيضاً بقدرتها على بناء بيئة عمل إنسانية وصحية، يشعر فيها العاملون بالأمان والاحترام والتقدير. فالمؤسسة التي تصون كرامة الإنسان، وتحترم آدميته، وتعترف بجهوده، وتغرس قيم العدالة والثقة والتعاون، هي المؤسسة الأقدر على استقطاب الكفاءات، وإطلاق طاقاتها، وتحقيق رسالتها ورؤيتها على المدى البعيد.

فالإنسان هو رأس المال الحقيقي لأي منظمة، وهو مصدر إبداعها واستمرارها. وكل استثمار في بناء بيئة عمل إيجابية هو استثمار مباشر في جودة الأداء، وتعزيز الولاء، وتحقيق التميز المؤسسي المستدام.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

2-7-2026

إذا كان الحديث عن الذكاء الاصطناعي في ما مضى من الزمن ضربًا من الخيال العلمي، فلا شك انه قد أصبح اليوم واقعًا ملموسا، وتقنية مألوفة تستخدم في إنجاز الأعمال، حيث بات الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل تفاصيل مفرادت الحياة اليومية، ويغير طبيعة العمل، والتعليم، والإبداع الآلي، والتواصل. ولعل السؤال الأكثر أهمية اليوم، وفي ضوء كل هذه التطورات التقنية الرقمية الهائلة، هو ليس إلى أين يتجه الذكاء الصناعي؟ وإنما بات السؤال إلى أين يتجه الإنسان بعد الذكاء الصناعي؟

ولاريب إننا اليوم نقف على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة، قد يصح أن يطلق عليها مرحلة الإنسان ما بعد الذكاء الصناعي، وهي مرحلة تجاوزت مقاييس التفوق بامتلاك المعلومة وحدها، بعد ان أصبحت المعلومة في متناول الجميع، إذ بات التفوق يقاس بامتلاك القدرة على توظيف المعلومة، وتحليلها، وإضفاء البعد الإنساني عليها.

وتجدر الاشارة في المجال إلى أن الذكاء الاصطناعي في عالم اليوم قد تولّى كثيرًا من المهام التي كانت حكرًا على الإنسان يوما ما، إذ اصبح الذكاء الاصطناعي يكتب، ويترجم، ويصمم، ويحلل البيانات، ويشخّص بعض الأمراض، ويساعد في اتخاذ القرار.

على أن الذكاء الاصطناعي مع كل هذا التقدم، يبقى معطى اليا يفتقر إلى امتلاك الضمير، وينقصه الحس الوجداني، وتعوزه الحكمة المستولدة من التجربة الإنسانية، ومن ثم فالفرق بين الإنسان والآلة لايكمن في مجرد سرعة التفكير، بل في عمق المعنى. فالآلة باتت تستطيع أن تنتج نصا، لكنها لا تستطيع أن تعيش التجربة التي تمنح الكلمات روحها، ولا تشعر بوجع الفقد، أو لذة النجاح، أو رهبة المسؤولية، وبالتالي فهي تحاكي ذكاء الإنسان، لكنها لا تمتلك الوعي الإنساني.

ولهذا، فإن على الإنسان في المرحلة المقبلة، أن يعيد النظر في تعريف قيمته، فلا ينصرف إلى مجرد منافسة الآلة فيما تتفوق فيه عليه من سرعة ودقة في الاداء، وإنما عليه أن يعزز ما يميزه عنها في مجالات الإبداع، والخيال، والبصيرة، والقدرة على إصدار الأحكام الأخلاقية، والتعاطف مع الآخرين، وصناعة المعنى.

ولعل أخطر ما يمكن أن يواجه البشرية، في قادم الأيام، ليس تطور الذكاء الاصطناعي ذاته، وإنما استسلام الإنسان للذكاء الاصطناعي، واعتماده الكامل عليه، بحيث يفقد تدريجيًا ملكات التأمل، والاجتهاد، والإبداع، ويصبح مجرد مستهلك لما تنتجه الخوارزميات، في حين ينبغي أن تظل التقنية وسيلة لتحرير الإنسان، لا وسيلة لاستلابه، وتجريده من قدراته، ومواهبه الخلقية.

ومن هنا يتطلب الأمر الحرص على الموازنة التامة بين العقل والضمير، وبين المعرفة والقيم، وبين التقدم العلمي والمسؤولية الأخلاقية في مستقبل علاقة الإنسان بتطور الذكاء الاصطناعي، بحيث يبقى الإنسان في كل الأحوال سيد الالة. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تطور، يظل أداة من صنع الإنسان، ولن يستطيع أن يحل محل الروح الإنسانية التي أودعها الله في خلقه، على قاعدة (لقد خلقنا الإنسان في احسن تقويم) ولا أن يعوض الحكمة التي تصقلها التجارب، ولا أن يحل محل الضمير الذي يهدي إلى الرشد، ومن ثم ينبغي أن يظل المستقبل الحقيقي، مستقبل الإنسان القادر على أن يقود التقنية، لا مستقبل الآلة التي تقود الإنسان.

وهكذا ينبغي أن يظل التحدي الأكبر في زمن ما بعد الذكاء الاصطناعي، هو أن الحفاظ على انسانية الإنسان، وصيانتها من المسخ، والتشويه، والضياع، بتداعيات تقنيات العصرنة الصاخبة، في جوانبها السلبية.

***

نايف عبوش

أثناء استماعي إلى محاضرة للدكتور أحمد عمارة، توقفت عند حديثٍ عن التسبيح، فأيقظ في نفسي تأملاتٍ كنت غافلة عنها، ودفعني إلى تتبع هذا الذكر العظيم في كتاب الله، لأكتشف أن للتسبيح منزلةً تفوق ما كنا نتصور، وأنه ليس مجرد كلماتٍ ترددها الألسنة، بل عبادة تحيي القلوب، وتغمر الأرواح بالسكينة، وتبدد ظلمات الهموم.

حين تضيق بنا السبل، وتثقل القلوب بأعباء الحياة، يبقى التسبيح بابًا لا يُغلق، ونورًا لا ينطفئ. فما إن تلهج الشفاه بقول: «سبحان الله» حتى تشعر الروح بأنها تتحرر من أثقالها، وكأن هموم الدنيا تتضاءل أمام عظمة الخالق سبحانه وتعالى.

التسبيح ليس تكرارًا للألفاظ، وإنما هو حضورٌ دائم مع الله، ويقينٌ يملأ القلب، وطمأنينةٌ تسكن النفس، فهو يذكرنا بأن الله أعظم من كل هم، وأوسع من كل ضيق، وأرحم بنا من أنفسنا.

وحين تتبعت ذكر التسبيح في القرآن الكريم، وجدت عجبًا.

وجدت أن نجاة يونس عليه السلام ارتبطت بتسبيحه لربه، قال تعالى:

﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.

وكان دعاؤه الذي خلدته آيات القرآن:

﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.

ورأيت الجبال والطير تسبح مع داود عليه السلام، قال تعالى:

﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾.

ثم وجدت أن التسبيح ليس خاصًا بالإنسان، بل هو لغة الكون بأسره، قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

ولما خرج زكريا عليه السلام من محرابه، كانت أول وصاياه لقومه أن يسبحوا الله بكرةً وعشيًا.

ودعا موسى عليه السلام ربه أن يجعل أخاه هارون وزيرًا له، ليعينه على حمل الرسالة، وليكونا معًا من الذاكرين المسبحين:

﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾.

ووجدت أن التسبيح هو تحية أهل الجنة ودعاؤهم، وأنه ذكر الملائكة الذين يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لأهل الأرض.

عندها أيقنت أن للتسبيح شأنًا عظيمًا، فهو عبادة الأنبياء، وذكر الملائكة، وتسبيح المخلوقات، وكلمات أهل الجنة، وكيف لا يكون كذلك وهو من أحب الذكر إلى الله؟

ثم توقفت طويلًا عند قوله تعالى:

﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾.

وكأن الآية الكريمة ترسم لنا برنامجًا يوميًا للسكينة؛ يبدأ مع إشراقة الصباح، ويمتد إلى الغروب، ويعانق الليل، ليظل القلب موصولًا بالله في كل حين. وليس من قبيل المصادفة أن تختم الآية بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾، ففيها إشارة بديعة إلى أن من لازم التسبيح امتلأ قلبه بالرضا، وسكنت نفسه، واطمأنت روحه.

ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى:

﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾.

إنه علاج رباني لضيق الصدر، ودواء للنفس حين يرهقها التعب، ويثقلها ما تلقاه في هذه الحياة.

ومن أعجب ما يخبرنا به القرآن أن الكون كله يعيش في محراب التسبيح؛ الرعد يسبح بحمد الله، والجبال تسبح، والطير تسبح، والسماوات والأرض ومن فيهن يسبحون، بل يقول سبحانه:

﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾.

فكيف يغفل الإنسان عن ذكرٍ يشارك فيه الكون كله؟

فلنجعل التسبيح رفيق أيامنا، ففي كل تسبيحة نور، وفي كل ذكر حياة للقلب، وفي كل لحظة قرب من الله سكينة لا تمنحها الدنيا بما فيها.

اللهم اجعلنا من عبادك المسبحين، الذاكرين، الشاكرين، واجعل ألسنتنا عامرة بذكرك، وقلوبنا مطمئنة بقربك.

سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.

وما أجمل أن يختم المرء يومه وهو يردد: سبحانك يا رب... أدركت الآن كم ضاع من عمري في غفلة، وكم من لحظات كان يمكن أن أملأها بتسبيحك وذكرك، فاغفر لي ما مضى، وأعنّي على أن يكون ذكرك أنيس أيامي حتى ألقاك.

***

ذكرى البياتي

 

من يصنع الإرهاب؟.. المجتمع بآلياته الإقصائية،

أم البيئة المحيطة بظروفها الطاردة؟..

قراءة في نص مسرحي لضياف درويش اليمني

***

هذا التساؤل الأزلي لا يجد إجابة أكثر عمقاً وصدمة مما قدمه النص المسرحي للكاتب اليمني ضياف درويش. إنه تجسيد حي لجدلية الجريمة بين المسؤولية القانونية الفردية والمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية. فيما يلي قراءة قانونية وتحليلية تربط بين النص المسرحي والمنظور القانوني المعاصر لظاهرة الإرهاب الدموي

اولاً: تفكيك النص المسرحي (سيكولوجية الإرهابي والبيئة)

يعكس النص بدقة لحظة "المواجهة الأخيرة" بين المجرم والمجتمع المتهم هنا لا ينكر فعله بل يعيد تعريفه من منظور سوداوي

البيئة والمجتمع كأسباب دافعة تبدأ الصرخة بـ (أين كانت هذه العيون عندما كنت أصرخ وحيداً أبحث عن عمل…). هنا تظهر البيئة الاقتصادية والاجتماعية الطاردة الفقر، البطالة، غياب الحاضنة العاطفية والاجتماعية، والتهميش، كلها عوامل حوّلت "الإنسان" إلى "قنبلة موقوتة". المجتمع غاب في مرحلة "البناء والتوجيه"، وحضر فقط في مرحلة "الخوف والعقاب".

الانفصام والعدمية يتحول الإرهابي في النص إلى مخلّص وهمي (اقتربت منهم واهديتهم الحب وضغطت على الزر لامنحهم الخلاص... بوووم). هذا التبرير يوضح كيف تصنع البيئة المحبطة فكراً متطرفاً يرى في الموت والدمار وسيلة مثالية لإنهاء المعاناة الإنسانية

محاكمة المجتمع يختتم النص بعبارة (جميعكم مذنبون) تزامناً مع الانتحار. إنه يرفض سلطة القانون الوضعي ومطرقة القاضي (لن تحكموا عليّ)، معتبراً أن المجتمع هو الشريك الفعلي في الجريمة بصمته وخذلانه

ثانياً: المقال القانوني بين النص العقابي والواقع الاجتماعي

المقاربة القانونية الفعل والنتيجة

من الناحية القانونية الصرفة، تقوم المسؤولية الجنائية على ركنين أساسيين: الركن المادي (تنفيذ التفجير وإزهاق الأرواح)، والركن المعنوي (القصد الجنائي ونية القتل والترويع)

وفقاً لقوانين مكافحة الإرهاب عالمياً، فإن المحاكم لا تعتد بالدوافع النفسية أو الظروف الاجتماعية كمبرر لإعفاء الجاني من العقوبة (التي تصل للإعدام)، لأن القانون يحمي الحق في الحياة والاستقرار، ولا يمكن إباحة الجريمة بذريعة "البحث عن العمل" أو "التهميش"

المنظور القانوني والسياسة الجنائية الوقائية

رغم أن القانون يعاقب الفرد، إلا أن الفقه القانوني الحديث والاتفاقيات الدولية (مثل استراتيجية الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب) بدأت تلتفت بقوة إلى "البيئة الطاردة"

إن القوانين الزجرية (مطرقة القاضي التي وردت في النص) تعاقب على النتيجة بعد وقوع الجريمة، لكنها لا تمنع "السبب". وهنا تبرز مسؤولية المجتمع والدولة في إطار ما يُعرف بـ السياسة الجنائية الوقائية، والتي تشمل:

الحماية الاجتماعية توفير فرص العمل والعدالة الاجتماعية لمنع استغلال الجماعات الإرهابية لحاجة الشباب

الأمن الفكري والنفسي تفعيل دور المؤسسات التعليمية والثقافية لملء الفراغ الروحي والفطري الذي يشتكي منه بطل المسرحية

إن الإرهاب في القراءة القانونية والاجتماعية التكاملية هو منتج مشترك يصنعه المجتمع والبيئة عندما يتخليان عن وظائفهما الاحتوائية والتربوية والاقتصادية، ولكن يخرجه إلى النور الفرد باختياره الواعي لطريق الدمار

النص المسرحي صرخة بوجه المشرّع والمسؤول؛ إن مطرقة القاضي وإن كانت تحقق الردع العام، إلا أن حبل المشنقة وإظلام المسرح في النهاية يثبتان أن العقاب وحده لا ينهي الفكرة الإرهابية إذا ظلت البيئة تنتج اليأس، وظل المجتمع يمارس الصمت والتهميش تظل العدالة الحقيقية هي التي تبني الإنسان قبل أن تحاكمه.

***

أسعد الجوراني

كلية طب الموصل صرح علمي شامخ أسهم في رفد الوطن بالعقول الطبية الخبيرة المتخصصة التي آست أمراض العراقيين والعرب وأبناء الإنسانية جمعاء، بعد أن أصبح المتخرجون منها أطباء بارزين وأساتذة مرموقين في دول العالم المختلفة وجامعاتها الكبيرة العريقة، وأثبت خريجوها براعتهم في ميادين الطب المتنوعة، وأصبحوا أعلاما مؤثرين في مسيرة العلوم الطبية.

وبدأت الدراسة فيها في العشرين من تشرين الأول عام ألف وتسعمائة وتسعة وخمسين، وكان عدد الدفعة الأولى من الطلبة مائة وثلاثة وعشرين للسنة الدراسية 1959-1960، وفي السنة التالية كانت الدفعة الثانية ثلاثة وخمسين.

وأول عميد للكلية هو الدكتور المرحوم عبد الوهاب حديد، وأصبح العديد من طلبتها أساتذة فيها وقادة لها.

وكانت الكلية في بدايتها تابعة لوزارة الصحة ومن ثم ألحقت بجامعة بغداد، وإعتمدت معايير كلية طب بغداد في القبول والدراسة، لكنها كانت تتميز عنها بصعوبة الدراسة فيها، وصرامة الضوابط الدراسية والتعليمية، وحرصها على أن تكون دقيقة في منح الدرجات وقوة التدريب والتدريس وصرامة الإمتحانات.

وبسبب هذه الأصول العلمية والمهنية الراسخة، أهلت طلبتها للقيام بأدوار علمية ذات قيمة مؤثرة في بناء معالم المسيرة الطبية في اليلاد.

ولا نعرف كم  طبيبا تخرج من الكلية منذ إنطلاقها، لكن الواضح أن الخريجين رفدوا الحياة بأسباب السعادة والعافية والتطور النافع للبشرية.

والكلية ذات موقع جميل قريب من نهر دجلة وتبدو الغابات الموصلية في الجهة الأخرى، وبجوارها المستشفى التعليمي الذي يطل على معالم أم الربيعين الزاهية بالأشجار والآثار والجوامع وبمنارتها الحدباء.

وفي حكاية تأسيس الكلية معاني وطنية وإجتماعية ذات قيمة حضارية ومعرفية، فهي تأسست في السنة الثانية لثورة الرابع عشر من تموز، وتواصلت وتطورت كفكرة ثم تحولت إلى مشروع إنساني، وهذا يعني أن الثورات مهما كانت يمكنها أن تؤسس لإنطلاقات ذات قيمة وطنية وإنسانية ككلية طب الموصل.

وهي تشير إلى الإرادة الوطنية الصادقة لأهلها، لأنها فكرة بدأت في الموصل وترعرعت وتفاعل أبناؤها لصياغتها وتحقيقها، وبتظافر الجهود تم الوصول إلى إنجاز هذا الهدف النبيل الذي عبر عن إرادة أبناء الموصل في العطاء الإنساني الكبير.

كما أنها تعني بأن المجتمع الحي يمكنه أن يحقق طموحاته  بتفاعل أفكار وجهود أبنائه، عندما تكون النيات صادقة والأهداف جلية والمصلحة الجماعية للمدينة أو الوطن هي الغاية الأولى والكبرى.

فكلية طب الموصل، ثمرة عطاء أخيار مواطني المدينة وسعيهم الجاد للإرتقاء بمدينتهم ومحبتها والإعتزاز بقيمتها الحضارية ودورها الإنساني.

ويمكن لمسيرة كلية طب الموصل أن تكون مثالا يحتذى به في المحافظات الأخرى، عندما يريد أبناء المحافظة القيام ببناء مشروع نافع لمحافظتهم أو مدينتهم، لأن فيها دروس عملية ناجحة تعبر عن تكاتف أبناء المجتمع وتفاعل أفكارهم وتوحد جهودهم وجدهم وإجتهادهم للوصول إلى غاية نبيلة سامية.

ومن الواجب أن نقدم باقات المحبة والفخر لكلية طب الموصل وأن نهنئ طلبتها وأساتذتها وباحثيها وجميع العاملين فيها وخريجيها، على روعة الإنجاز وقوة العطاء العلمي وتميزه وسطوعه وتأثيره في الحياة.

ومن حق الوطن أن يفتخر بها ويحتفل بذكرى تأسيسها ويقيم لها مهرجانا إجتماعيا علميا وطنيا، ومؤلفات تؤرخ لها وتسلط الأضواء على دورها في المسيرة الطبية.

ويعني الاحتفال بها الأمل والمحبة والألفة والسلام والعطاء الوطني المبدع الأصيل.

وتبقى كلية طب الموصل نجمة منيرة في مسيرة المجتمع، تمنحنا الرجاء والتفاؤل والقوة على التواصل الناجح في أصعب.

فتحية فخر وتقدير وتباهي وإعتزاز لكلية طب الموصل، وستبقى أنوارها ساطعة في أرجاء الدنيا.

سَنواتٌ من كفاحٍ في رُباها

تَعاظمَ جدُّها وسَقى مُناها

أ ضاعتْ في حُروبٍ لا تُضاهى

جُهودُ جموعِنا وغَدَتْ مَتاها؟

حَنينٌ كاذبٌ أدْمى فؤاداً

يُذكّرُنا بما رسَمَتْ قِواها

   ***                                

د. صادق السامرائي

"رؤية في فلسفة مكافحة الفساد"

لم يعد الفساد في الفكر القانوني الحديث مجرد جريمة مالية أو إدارية، وإنما أصبح ظاهرة إجرامية مركبة تهدد الدولة في مؤسساتها، والاقتصاد في موارده، والمجتمع في قيمه، وتقوض الثقة بسيادة القانون، ومن ثم، فإن مكافحته لم تعد تقتصر على تجريم الأفعال وفرض العقوبات، بل أصبحت تقوم على منظومة متكاملة من المبادئ القانونية والمؤسسية والمجتمعية، يمكن إجمال أهمها فيما يأتي:

أولاً: مبدأ خصوصية ظاهرة الفساد

يختلف الفساد عن الجرائم التقليدية في طبيعته ومرتكبيه ووسائل ارتكابه وآثاره.

فهو غالباً ما يرتكب من خلال إساءة استعمال السلطة أو الوظيفة أو النفوذ، ويتسم بالسرية والتعقيد وصعوبة الإثبات، الأمر الذي يقتضي قواعد قانونية وإجراءات وقواعد إثبات تتناسب مع هذه الخصوصية.

ثانياً: مبدأ خصوصية القواعد القانونية والإجراءات

إن خصوصية جرائم الفساد تبرر اعتماد قواعد وإجراءات قانونية متخصصة تكفل كشف هذه الجرائم والتحقيق فيها واسترداد الأموال المتحصلة منها، مع المحافظة على الضمانات الدستورية وحقوق الإنسان. فالعدالة لا تتحقق بالمساواة بين أوضاع مختلفة، وإنما بمعاملة كل ظاهرة قانونية بما يلائم طبيعتها.

ثالثاً: مبدأ الوقاية قبل العقاب

إن السياسة الناجحة في مكافحة الفساد لا تبدأ بعد وقوع الجريمة، وإنما تبدأ بمنع وقوعها من خلال تعزيز الشفافية، وإدارة مخاطر الفساد، وكشف تضارب المصالح، ونشر ثقافة النزاهة، وتطوير التشريعات والإجراءات. فالوقاية هي الخط الأول للدفاع عن المال العام.

رابعاً: مبدأ الإرادة السياسية

تثبت التجارب الدولية أن مكافحة الفساد تبدأ بإرادة سياسية صادقة تجعل سيادة القانون فوق جميع الاعتبارات، وتوفر الدعم الحقيقي للمؤسسات المختصة، وتمتنع عن حماية الفاسدين أو التدخل في أعمال جهات مكافحة الفساد. فالإرادة السياسية ليست شعاراً، بل التزام عملي دائم تتبناه الدولة بمؤسساتها كافة.

خامساً: مبدأ الوعي المجتمعي

لا تستطيع الدولة، مهما امتلكت من أجهزة رقابية وقضائية، أن تكافح الفساد وحدها، فوعي المجتمع بخطورة الفساد، ورفضه له، واستعداده للإبلاغ عنه، وتمسكه بقيم النزاهة، يمثل أحد أهم عوامل نجاح أي استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد.

وإن أخطر مراحل الفساد ليست عندما ينتشر، وإنما عندما يتقبله المجتمع بوصفه أمراً طبيعياً، أو وسيلة معتادة لإنجاز المصالح، فعندئذ يتحول الفساد من مخالفة للقانون إلى ثقافة اجتماعية، ويصبح القضاء عليه أكثر صعوبة.

سادساً: مبدأ استقلال جهة مكافحة الفساد

إن استقلال جهة مكافحة الفساد ليس امتيازاً مؤسسياً، وإنما ضمانة لحماية المجتمع وسيادة القانون، بما يكفل ممارسة اختصاصاتها بعيدًا عن الضغوط أو التدخلات، مع خضوعها في الوقت ذاته للرقابة الدستورية والقضائية والبرلمانية.

سابعاً: مبدأ الشراكة الوطنية

إن مكافحة الفساد ليست مسؤولية هيئة النزاهة أو القضاء أو أجهزة الرقابة وحدها، وإنما هي مسؤولية مشتركة تتحملها السلطات العامة، والمؤسسات التعليمية، والإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والمواطنون، كل في حدود اختصاصه ومسؤوليته.

ثامناً: مبدأ استرداد الأموال العامة

لا تكتمل العدالة بمعاقبة الفاسد وحده، وإنما تكتمل باسترداد الأموال العامة والعائدات المتحصلة من جرائم الفساد، لأن المال العام هو ملك المجتمع بأسره، واسترداده يعيد للدولة جزءًا من حقوقها ويعزز ثقة المواطنين بسيادة القانون.

تاسعاً: مبدأ التطوير والابتكار في وسائل مكافحة الفساد

تتطور أساليب الفساد باستمرار، مستفيدة من التطور المالي والإداري والتقني، ولذلك يجب أن تتطور وسائل مكافحته بالقدر نفسه، من خلال ابتكار أدوات قانونية ومؤسسية جديدة، ما دامت منسجمة مع الدستور وتحترم الحقوق والحريات، فالتشريع الذي لا يواكب تطور الفساد محكوم عليه بفقدان فاعليته.

عاشراً: مبدأ المسؤولية القيادية عن الفساد المؤسسي

لا يقتصر الفساد على الأفعال الفردية، بل قد يكون نتيجة لخلل مؤسسي يتمثل في ضعف الرقابة، أو سوء الإدارة، أو التغاضي عن المخالفات، أو عدم اتخاذ التدابير اللازمة لمنع وقوعها.

ومن ثم، فإن مكافحة الفساد لا تكتمل بمساءلة المنفذ المباشر وحده، وإنما تمتد إلى مساءلة القيادات الإدارية التي يثبت تقصيرها في أداء واجباتها القانونية في الوقاية من الفساد أو الحد منه.

ولا تقوم هذه المسؤولية على مجرد وقوع الفساد داخل المؤسسة، وإنما تستند إلى ثبوت الإهمال الجسيم أو التقصير أو الامتناع عن اتخاذ الإجراءات التي يفرضها القانون لمنع الفساد أو كشفه أو الإبلاغ عنه.

ويهدف هذا المبدأ إلى ترسيخ ثقافة المسؤولية القيادية، وتحويل مكافحة الفساد من مسؤولية الأجهزة الرقابية وحدها إلى مسؤولية كل من يتولى إدارة مرفق عام أو الإشراف عليه، بما يعزز الرقابة الداخلية ويمنع تحول الفساد إلى ظاهرة مؤسسية.

حادي عشر: مبدأ التوازن بين فعالية مكافحة الفساد وصون الحقوق والحريات

إن خصوصية جرائم الفساد تبرر اعتماد وسائل قانونية وإجرائية متخصصة، إلا أن هذه الخصوصية لا تبرر الانتقاص من الحقوق والحريات التي كفلها الدستور، ولا المساس بضمانات العدالة أو حقوق الدفاع أو قرينة البراءة.

ومن ثم، فإن فعالية مكافحة الفساد لا تتحقق بتوسيع السلطات على نحو مطلق، وإنما بإيجاد توازن دقيق بين تمكين الجهات المختصة من أداء واجباتها بكفاءة، وبين حماية الحقوق الأساسية للأفراد وخضوع جميع الإجراءات لرقابة القضاء وسيادة القانون.

فسيادة القانون لا تحمي المجتمع من الفساد فحسب، وإنما تحميه أيضًا من التعسف في مكافحته، لأن العدالة لا تكتمل إلا إذا كانت الوسائل مشروعة بقدر مشروعية الغايات.

ثاني عشر: مبدأ التطور المستمر لقانون مكافحة الفساد

إن مكافحة الفساد ليست تشريعاً يُسن مرة واحدة، وإنما عملية تطوير مستمرة تواكب تطور أساليب الفساد.

ثالث عشر: مبدأ النزاهة بوصفها قيمة حضارية

إن الغاية النهائية لمكافحة الفساد ليست كثرة القضايا ولا تشديد العقوبات، وإنما بناء دولة تكون فيها النزاهة جزءاً من ثقافة المجتمع، وأساساً لممارسة السلطة، ومعياراً للإدارة الرشيدة، بحيث تصبح حماية المال العام واحترام القانون سلوكاً تلقائياً نابعاً من الضمير قبل أن يكون استجابة لسلطان العقوبة.

خاتمة

إن مكافحة الفساد تبدأ بإرادةٍ سياسيةٍ صادقة، لكنها لا تكتمل إلا بضميرٍ مجتمعيٍ حي؛ فهي لا تبدأ في قاعة المحكمة، بل تبدأ في ضمير الإنسان، ثم تتجسد في مؤسسات الدولة، وتترسخ بسيادة القانون.

***

فارس حامد عبد الكريم

نائب رئيس هيئة النزاهة الاتحادية الأسبق.

 

رسالة في مساءلة البنيه الذكورية للمجتمع

لا تعد المرأة مجرد كيان اجتماعي هامشي في التاريخ الإنساني بل تعد مركزا للوعي الثقافي وركيزتها حضاريا، ومع هذا كان صوتها محاطا بأسوار من البنى الذكورية التي أعادت انتاج المعرفة وسلطة المعنى الأحادي. من هنا جاءت هذه الرسالة كمحاولة الانصات إلى صوت المرأة لا اعتباره صدى لخطاب قائم بل خطابا مؤسسا لوعي جديد بعيدا عن الهيمنة الذكورية وما هو شبيه بالعنف الرمزي كما ورد عند بعض الفلاسفة.

وبهذا يصبح حضور المرأة مقاومة لذاك العنف الرمزي وإعلان الذات النسويه وقدرتها على النقد الإبداعي والإنتاج الفكري والإسهام في بناء الفكر والأدب هذا ما يفتح المجال لفهم أعمق لكيفية تشكل الصور النمطية حول المرأه عبر العصور من هنا يمكن القول إن صوت المرأة حين يتحرر من القيود الرمزية لا يضيف بعدا جديدا للحياة الاجتماعية فحسب بل يعيد التوازن الأخلاقي والمعرفي فالمجتمع الذي يحرم نفسه من صوت المرأة يحرم نفسه من نصف إمكاناته الفكرية والإبداعية فهذه الرسالة بمثابة الوعي للمرأة: وعي بالذات، ووعي بالقدرة على تحويل الحضور من مجرد مشاركة شكلية إلى قوة معرفية قادرة على إعادة تشكيل المعنى الاجتماعي. فعندما يصبح صوت المرأة جزءا من تاريخ المجتمع الحضاري والفكري يصبح هذا الصوت جزءا من النسيج الثقافي العام فالمجتمع لا يحقق العدالة فحسب بل يفتح أمام ذاته أفقا أوسع للفكر والإبداع والإنسانية. وعند تلك اللحظة تصبح المرأة تحمل. صوتنا فاعلا لا مهمشا فيتحول حضور المرأة من استثناء اجتماعي إلى ضرورة حضارية ومن هامش في السرد التاريخي إلى أحد مراكزه الأساسية.

في هذا السياق يمكننا النظر إلى فكرة نهضة المجتمعات التي لا تتحقق إلا بتكامل عناصرها. تشير سيمون دي بوفورا في كتابها الجنس الآخر بأن المجتمع لم يتعامل مع المرأة بوصفها ذاتا مستقلة بل بوصفها الآخر الذي يعرف دائما في مقابل الرجل فالمرأة لم تولد امرأة بل اصبحت كذلك أي أن الأنوثة ليست قدرا بيولوجيا بقدر ما هي بناء اجتماعي وثقافي يتشكل عبر أنماط تنشئة سائده لذا حضور المرأة في المجتمع الذكوري لا تكمن في. المشاركات الثانويه بل لديها القدرة على التفكيك والتحليل والخطاب الثقافي. فالمرأة تكتب وتشارك وتعيد تشكيل السردوبنيته الاجتماعية ثقافيا فلديها الخطاب المعرفي، وقد عبرت الشاعره الفلسطينية فدوى طوقان عن هذا الوعي حين وصفت الكتابة بأنها فعل تحرر داخلي قبل أن يكون فعل تعبير أدبي مؤكدة أن الوعي بالذات يمثل الخطوة الأولى في مواجهة القيود الاجتماعية. الا أن المنظور السائد هو الصراع الثنائي القائم بين الرجل والمرأة وتشير القراءات المتعددة إلى أن المسألة تتعلق ببنية ثقافية أوسع تعيد إنتاج التمييز عبر اللغة والتعليم والمؤسسات الاجتماعية.

لذا إن مشروع تمكين المرأة لا يمكن اكتماله دون النظر إلى الدور الاجتماعي داخل المجتمع نفسه لذا لا بد من التعامل مع المرأة المثقفه على أنها ذاتا مستقلة وفق منطق الهيمنة الذاتيه لا بوصفها آخر تابع لصوت لا يحمل فكرها وحضورها الثقافي. وقد تناول ابن خلدون في مقدمته أهمية العوامل الاجتماعية والثقافية في بناء الحضارات مؤكدا على أن العمران البشري يقوم على تفاعل عناصر متعددة داخل المجتمع وإذا كان هذا شرطا لقيام الحضارة فإن إقصاء أحد مكوناته يؤدي بالضرورة إلى خلل في توازنها.

ومن هنا فإن الرسالة الموجهة إلى المرأة هي تمكين الذات ثقافيا وعلميا والثقة بالنفس، والوعي بالذات لإعادة تشكيل المعنى الحقيقي بحضورها عبر التشريعات والقوانين. من هنا يتحرر صوت المرأة الفاعل في المجتمع فكريا علميا ثقافيا ودينيا.

***

بقلمي: ربى رباعي - الاردن

النزق هو سرعة الغضب والانفعال دون مبرر مقنع، والتسرع في إطلاق الأحكام، واتخاذ المواقف، في حين يمثل التقريع أسلوبًا قاسيًا في اللوم والتوبيخ، يتجاوز حدود النصح إلى التجريح والإهانة. ولاريب أن كلا السلوكين يخلقان بيئة مشحونة بالتوتر، ويقوضان جسور الثقة والاحترام المتبادل بين الناس.

ففي خضم حياة يومية صاخبة، وما تفرضه من ضغوط وتحديات، وما يتمخض عن ذلك من تداعيات، قد يقع بعض الناس في سلوكيات انفعالية تترك آثارًا سلبية في نفوس الآخرين، ومن أبرزها النزق غير المبرر، والتقريع الجارح، اللذان يعكسان ضعف القدرة على إدارة الانفعال، والعجز عن ضبط النفس.

 وبالطبع فإنه ليس من الحكمة أن تتحول الأخطاء، إلى ذريعة لإطلاق العبارات القاسية، أو الانتقاص من الآخرين، لأن الكلمة الجارحة قد تبقى في الذاكرة سنوات طويلة، وفي ذلك يقول الشاعر:

جراحات السنان لها التئام

ولا يلتام ماجرح اللسان ..

ولذلك يتطلب التحلي بثقافة الاحترام، وحسن الخطاب، والحرص على معالجة الخلافات بالحكمة والرفق. فالإنسان المهذب هو الذي يختار ألفاظه بعناية، ويزن كلماته قبل أن ينطق بها، مدركًا أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن اللين لا يكون في شيء إلا زانه.

كما أن التربية السليمة، والوعي الأخلاقي، والإيمان بقيمة الإنسان وكرامته، كلها عوامل تساعد على كبح النزق، واستبدال التقريع بالحوار الهادئ، والنصح اللطيف، والتوجيه البنّاء، حيث تظل الغاية من النقد الإصلاح لا الإذلال، والتقويم لا التشهير، على قاعدة (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).

ولاريب إن مراجعة السلوكيات السلبية، والتخلي عنها، أصبح ضرورة اجتماعية وأخلاقية لبناء علاقات إنسانية أكثر استقرارًا، وتماسكًا. فالكلمة الطيبة، والابتسامة الصادقة، والحوار الهادئ، هي وسائل الإصلاح الحقيقي، وهي التي تترك الأثر الجميل في النفوس، وتبني مجتمعًا تسوده المودة والرحمة، والاحترام المتبادل.

***

نايف عبوش

"ابن عائلة".. هل هي شهادة حسن سيرة وسلوك أم مجرد مؤشر اجتماعي؟

كم مرة سمعنا عبارة: “هذا ابن عائلة” أو “هذه بنت عائلة”، وكأنها شهادة جاهزة بالأمانة والاستقامة وحسن الخلق؟ لكن هل يكفي الانتماء إلى أسرة معروفة لنمنح الإنسان ثقتنا؟ وهل يمكن أن تنتقل القيم والأخلاق بالوراثة كما تنتقل الملامح والصفات الجسدية؟

شغلني هذا المصطلح منذ زمن، فكل إنسان هو في النهاية ابن عائلة، فما الذي نقصده حقاً عندما نستخدم هذا الوصف؟ في الوعي الاجتماعي يقصد به غالباً الأسرة التي عُرفت عبر السنين بالسمعة الطيبة والتمسك بالقيم والمبادئ والأخلاق الحسنة، حتى أصبح وصف “ابن عائلة” يحمل دلالة أخلاقية واجتماعية أكثر من كونه وصفاً للحالة الأسرية. غير أن هذا اللقب بات يُمنح أحياناً لعائلات لمجرد ثرائها أو نفوذها، حتى وإن لم يكن لها رصيد أخلاقي أو اجتماعي يبرر ذلك.

لكن السؤال الأهم هو: هل تمثل هذه السمعة شهادة حسن سيرة وسلوك تنتقل تلقائياً إلى جميع أفراد الأسرة؟ وهل يكفي أن يكون الإنسان من أسرة محترمة لنفترض فيه الصدق والأمانة والوفاء؟

ربما تكمن المشكلة في أننا نستسهل أحياناً الحكم على الأشخاص من خلال ألقابهم أو عائلاتهم، لأن ذلك يوفر علينا عناء التعرف إلى شخصياتهم الحقيقية. ومع أن التجربة تثبت أن الإنسان يُعرف بأفعاله، فإن كثيرين ما زالوا يمنحون الثقة أو يحجبونها بناءً على الاسم أو النسب أكثر من السلوك.

ومع التأمل في هذا الموضوع، يبدو أن القضية أعمق من مجرد وراثة أو تربية. فالإنسان يولد مزوداً بفطرة واستعدادات مختلفة، لكنه يحمل أيضاً غرائز ودوافع تحتاج إلى التهذيب والتوجيه. فإذا كانت بعض الميول تنبع من الفطرة، فإن طريقة توجيهها هي التي تحدد ما إذا كانت ستتحول إلى فضيلة أم إلى انحراف.

فالوفاء قد يبدأ ميلاً فطرياً، لكنه لا يترسخ إلا بتعلم احترام العهود. والنخوة قد تنبع من التعاطف، لكنها تحتاج إلى تربية تجعلها سلوكاً عملياً في نصرة الآخرين. أما حب المال أو النفوذ أو المكانة، فقد أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: 14]. وهذه الغرائز ليست شراً في ذاتها، بل هي طاقة يمكن أن تقود إلى البناء والعمل والإنتاج، أو إلى الطمع والفساد، بحسب الضوابط الأخلاقية التي تحكمها.

ولذلك يبرز سؤال آخر: هل السلوك المنحرف، من الفساد المالي إلى الجريمة والانفلات الأخلاقي، هو نتاج جينات موروثة، أم بيئة فاسدة، أم تفاعل معقد بين الاستعدادات الفطرية والظروف المحيطة؟

لقد شغلت هذه القضية الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع منذ قرون فيما يعرف بجدلية “الفطرة أم التنشئة”. فبينما رأى بعض المفكرين أن لدى الإنسان استعدادات فطرية للخير، اعتبر آخرون أنه يولد كصفحة بيضاء تكتب عليها الأسرة والمجتمع قيمهما وتجربتهما. أما الفكر العلمي الحديث فقد تجاوز هذا الانقسام، وأصبح ينظر إلى الشخصية بوصفها نتاجاً للتفاعل المستمر بين الوراثة والبيئة.

وتؤكد الدراسات الحديثة أن القيم الأخلاقية لا تنتقل عبر الجينات كما ينتقل لون العينين أو فصيلة الدم. فالوراثة قد تمنح الإنسان بعض الاستعدادات، كدرجة الهدوء أو العصبية أو الميل إلى التعاطف، لكنها لا تجعله صادقاً أو أميناً أو كريماً بصورة تلقائية. فهذه الصفات تُبنى بالتربية والقدوة والممارسة اليومية.

فالطفل الذي يرى والديه يحترمان الآخرين ويلتزمان بالصدق ويتحملان المسؤولية، غالباً ما يكتسب هذه السلوكيات ويعتبرها جزءاً طبيعياً من شخصيته. وفي المقابل، قد ينشأ آخر في بيئة مختلفة فيتبنى منظومة قيم مغايرة تماماً. ولذلك نجد أبناءً ساروا على نهج أسرهم، وآخرين ابتعدوا عنه، كما نجد أشخاصاً خرجوا من ظروف متواضعة ليصبحوا نماذج في الأخلاق والنجاح.

ويمكن القول إن ما تنقله الأسرة من جيل إلى آخر هو في الغالب إرث ثقافي وتربوي، أكثر منه إرثاً جينياً. فالأسرة تمنح أبناءها البيئة والقدوة والعادات، لكنها لا تستطيع أن تضمن اختياراتهم عندما يكبرون ويواجهون مؤثرات المدرسة والأصدقاء والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وتجارب الحياة المختلفة.

ومن هنا يبرز سؤال عملي يهم الجميع: هل يكفي أن يكون الإنسان من “عائلة معروفة” لكي نثق به في التجارة أو الصداقة أو الزواج أو الشراكة؟ الواقع يجيب بالنفي. فكم من شخص خرج من أسرة ذات سمعة طيبة ثم أساء إلى نفسه وإلى اسم عائلته، وكم من إنسان نشأ في ظروف متواضعة وصنع لنفسه مكانة مرموقة بأخلاقه واجتهاده.

إن النشأة في بيئة مستقرة ذات قيم راسخة تمنح صاحبها فرصة أفضل لاكتساب السلوك القويم، لكنها ليست ضمانة مطلقة. فالإنسان مسؤول في النهاية عن اختياراته، وقد يرسخ ما تعلمه في بيته أو يتخلى عنه بإرادته.

ولعل الخلاصة أن الإنسان قد يرث بعض الاستعدادات، لكنه لا يرث الفضيلة نفسها. فالقيم تُكتسب أكثر مما تُورث، وتُمارس أكثر مما تُعلن، وتُختبر في المواقف أكثر مما تُقاس بالسمعة أو النسب. ولذلك لا ينبغي أن تُبنى الثقة على اسم العائلة وحده، بل على ما يقدمه الإنسان من سلوك وأمانة والتزام في حياته اليومية.

ويبقى التحدي الحقيقي أمام الأسر التي تتمتع بسمعة طيبة ألا تكتفي بتوريث أبنائها اسماً حسناً، بل أن تغرس فيهم قيماً راسخة، وتعلمهم كيف يحولون تلك القيم إلى ممارسة عملية، وكيف يحترمون اختلاف الآخرين، ويتحملون مسؤولياتهم، ويديرون خلافاتهم بالحكمة والأخلاق. فالقيم هي البوصلة التي تحدد الاتجاه، أما المهارات فهي الوسيلة التي تساعد الإنسان على الوصول إلى غايته.

وفي النهاية، لا ينبغي أن نقيم الناس بالمظهر أو النسب أو المكانة الاجتماعية وحدها. فمفهوم “ابن العائلة” قد يكون مؤشراً إيجابياً على بيئة نشأة صالحة، لكنه ليس حكماً نهائياً على شخصية الإنسان. فالثقة الحقيقية لا تُمنح للأسماء ولا للألقاب ولا للأنساب، وإنما تُبنى على السلوك المتكرر، والصدق في المواقف، والأمانة في التعامل، وتحمل المسؤولية. فالإنسان يُقاس بما صنع من أثر، وبما حمله من قيم تعزز ما ورثه من اسم، وتضيف إلى نسبه شرفاً جديداً.

***

د. سعد عبد المجيد ابراهيم

 

﴿قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ﴾

لا أعلم لماذا حضرت هذه الآية إلى ذهني وأنا أشارك في نقاش طويل حول الجريمة ودوافعها، وحول ذلك السؤال الذي يؤرق كل إنسان: كيف يصل إنسان إلى مرحلة من التوحش تجعله قادرًا على ذبح طفل صغير؟ ما الذي يجعل شخصًا مثل حرملة يتجاوز كل الحدود الإنسانية؟

وليس حرملة حالة فريدة في التاريخ، فقد رأينا عبر العصور أمثاله كثيرًا، بل إن السينما الحديثة امتلأت بقصص القتلة المتسلسلين والمجرمين الذين يثيرون فينا سؤالًا واحدًا: هل وُلد هؤلاء هكذا، أم أن الطريق إلى الجريمة كان طويلًا؟

لكن ما أثار دهشتي أكثر من الجريمة نفسها، هو ردود الفعل على المجرمين. هناك من يطالب بأشد العقوبات، وكأن المجرم كائن مختلف عن البشر، وكأننا جميعًا نعيش في حصانة مطلقة تمنعنا من السقوط.

من منا يتخيل يومًا أنه قد يصبح مجرمًا؟

ومن منا يستطيع أن يجزم أن أبناءه أو إخوته لن يقعوا في لحظة انهيار؟

كم من حالات تنمر في المدارس انتهت بجرائم قتل أو انتحار؟

كم من زوجة عاشت سنوات من الإهانة والعنف، تبتلع القهر يومًا بعد يوم، حتى جاءت لحظة ضعف ارتكبت فيها جريمة لم تكن تتصور يومًا أنها قادرة عليها؟

ليست كل الجرائم متشابهة، لكن الإنسان أكثر هشاشة مما نحب أن نعترف.

وهنا حضرت أمامي قصة ابن نوح، حين دعاه أبوه إلى النجاة قال بثقة: ﴿سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾. كان يظن أن ما يملكه من معرفة أو قوة أو مكان مرتفع سيحميه من الطوفان. فجاء الجواب الخالد: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ﴾.

نحن نظن أننا بمنأى عن السقوط. نظن أننا لن نمرض. لن ننحرف. لن ننهار. لن نخون. لن نقتل. لكن الحياة أثبتت لنا أن الإنسان معرّض لكل أنواع الابتلاءات، وأن ما وقع فيه غيرنا قد نقع فيه لو تبدلت الظروف، أو اشتدت الضغوط، أو اجتمعت علينا عوامل لم نعشها من قبل.

اليوم، وكل يوم، لا عاصم إلا من رحم. ولو عُرضت علينا دنيا فرعون، أو ابتُلينا بابتلاءاته، فمن يملك أن يجزم أنه سيكون أفضل منه؟

ولهذا يصبح سؤال الجريمة أكثر تعقيدًا. هل هؤلاء مجرد مجرمين؟ أم مرضى نفسيون؟ أم ضحايا ظروف اجتماعية ونفسية وجينية معقدة؟

وهل للجريمة مبررات؟ أليس التبرير وغياب العقاب يقودنا للانفلات ، وتفشي الجرائم ؟

تقول الحكمة المشهورة: «من أمن العقوبة أساء الأدب.» وقد أثبتت دراسات علم الجريمة جانبًا مهمًا من هذه الحكمة.

فـ نظرية الردع (Deterrence Theory) تشير إلى أن شعور الإنسان بأنه لن يُحاسب يزيد احتمالية ارتكابه للمخالفة، سواء كانت جريمة، أو فسادًا إداريًا، أو مخالفة اجتماعية. لكن الأبحاث نفسها تشير إلى حقيقة أخرى لا تقل أهمية. فالذي يردع الناس غالبًا ليس قسوة العقوبة، بل اليقين من اكتشاف الجريمة والمحاسبة عليها. أي إن العدالة الناجزة أكثر أثرًا من العقوبات المبالغ فيها.

وفي المقابل، أظهرت دراسات عديدة أن العقوبة قد تتحول أحيانًا إلى جزء من المشكلة. فـ نظرية الوصم الاجتماعي (Labeling Theory) ترى أن المجتمع حين يُلصق بالإنسان هوية “المجرم”، فإنه قد يدفعه إلى تبني هذه الهوية.

وفي دراسة واسعة لـ Chiricos وزملائه عام 2007 شملت أكثر من خمسة وتسعين ألف شخص، تبيّن أن من وُسموا رسميًا بصفة “مجرمين” ارتفعت احتمالية عودتهم للجريمة مقارنة بمن ارتكبوا الأفعال نفسها دون أن يلاحقهم هذا الوصم. فالوصمة الاجتماعية قد تحرم الإنسان من العمل، والانتماء، والثقة، فيجد نفسه محاصرًا داخل الصورة التي رسمها له المجتمع.

كما أظهرت أبحاث عديدة أن التشدد مع المخالفين لأول مرة، خاصة المراهقين، قد يزيد من احتمالية العودة للجريمة مقارنة ببرامج الإصلاح والتأهيل. ولهذا فإن السجون وحدها لا تصنع العدالة، كما أن التساهل المطلق لا يحمي المجتمع.

الحكمة ليست في العقوبة وحدها، بل في معرفة متى تكون العقوبة دواءً، ومتى تتحول إلى داء. وهذا كله لا يعني تبرير الجرائم. فالمجرم الذي يغتصب طفلًا ثم يقتله يجب أن يُحاسب ويُعاقب بما يقرره القانون والعدل. لكن حين ندرس طفولته، وبيئته، وجيناته، واضطراباته النفسية، فإننا لا نفعل ذلك لنخفف عنه العقوبة، بل لنمنع أن يولد حرملة جديد. فدراسة الجريمة ليست دفاعًا عن المجرم، بل دفاع عن الضحية القادمة. ولو أن شخصًا مثل “الجوكر” - كما صوّرته السينما - تلقى منذ بدايات انهياره علاجًا نفسيًا، واحتواءً اجتماعيًا، ومؤسسات تتبنى تأهيله، فهل كان سينتهي إلى ذلك الوحش الذي عرفناه؟

لا أحد يملك الجواب، لكن السؤال يستحق أن يُطرح. ولهذا قال جان جاك روسو: “كل طفل يولد بريئًا، والمجتمع هو الذي يفسده.” وقال فيودور دوستويفسكي: “يمكن الحكم على درجة تحضر مجتمع من خلال دخوله إلى سجونه.” وقال نيلسون مانديلا: “لا يُعرف المجتمع حقًا إلا بالطريقة التي يعامل بها أدنى أفراده.”

ربما لهذا تبدو العبارة أكثر اكتمالًا إذا قلنا: إذا كان الإفلات من العقوبة يفسد الأخلاق، فإن العقوبة التي تسحق الكرامة قد تفسد الإنسان نفسه.

إن الجريمة ليست حدثًا منفصلًا، بل نهاية سلسلة طويلة من العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية والبيولوجية. وهذا الكائن الذي نسميه “الإنسان” لا يزال أعقد مما نتصور، وكل يوم تكشف العلوم جانبًا جديدًا من ظلماته ومن أنواره. ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ۝ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. فبين وهم الحصانة وصدق الاعتراف، يولد الإنسان من جديد. ليس معصومًا بقوته، ولا بعلمه، ولا بظروفه، وإنما برحمة الله، ثم بالعدل، والوعي، والإصلاح الذي يمنع السقوط قبل أن يعاقب عليه.

***

منى الصالح

 

الثقافة الإدارية مرت بمراحل مختلفة حتى وصلت إلى مرحلة متطورة في الأنظمة والإجراءات والممارسات وأساليب التقييم والاهتمام بالتدريب وتطوير القوى البشرية وتطوير بيئة العمل والاهتمام بالرضا الوظيفي كأحد العوامل التي تعزز الانتماء وترفع مستوى الكفاءة والإنتاجية، والتركيز على رضا المستفيدين وتعزيز الصورة الذهنية للمنظمة في المجتمع

الحديث هنا عن ساعات العمل المرنة أو المرونة في ساعات العمل، وهي ما يطلق عليها اختصارا (الدوام)، ولا أدري من أين جاءت كلمة دوام.. المهم أن التحول إلى ساعات العمل المرنة بدأت تنفتح له الإشارات الخضراء، هل حصل هذا التغيير عن قناعة بهذا المبدأ أم بسبب تأثير التقنية أم لحل لمشكلة الزحام؟ كان تسجيل الحضور والمغادرة هو أحد معايير تقييم أداء الموظف وفي بعض الحالات يكون هو المعيار الأقوى. صمد هذا المعيار لفترة من الزمن وقاوم الانتقادات وكان لدى بعض المديرين وسيلة تساعده على المتابعة وقد لا تساعده كمعيار موضوعي على التقييم إذا كان التركيز فقط على الحضور والانصراف

في موضوع ساعات العمل من حيث عددها ومرونتها وإمكانية جعلها عن بعد في أيام محددة، كل ذلك لا بد أن يأخذ في الاعتبار طبيعة العمل وبيئة العمل، هل العمل حضوريا فيه خدمة إنسانية مباشرة للمستفيدين أم أن التعامل البشري المباشر أصبح -يا للعجب- من مؤشرات التخلف الإداري في نظر البعض؟

المرونة في ساعات العمل تتضمن كثيرا من الإيجابيات منها التأثير الإيجابي على علاقة الموظف بالأسرة، وتعزيز العلاقة المهنية بين الموظف وعمله كنتيجة لاختيار الموظف لساعات العمل المناسبة بما يتفق مع طبيعة العمل. ومن الإيجابيات كذلك التركيز على الإنتاجية وليس على الحضور والانصراف. هذا يعني أن المرونة في ساعات العمل تتطلب وضوحا في الأهداف والوضوح في أساليب التقييم وتحديث الأنظمة وعقود العمل بما يضمن الحقوق والواجبات. المرونة في ساعات العمل ليست سببا كافيا للحكم على المنظمة بالتطور لأن هذا الاجراء يعتمد على طبيعة عمل المنظمة، أما الاعتقاد أن هذه المرونة تحقق الرضا الوظيفي وترفع مستوى الأداء والانتاجية فهذا أمر لا يتأكد إلا بدراسات؛ لأن هذه المرونة قد لا تكون مناسبة للجميع

في العراق، يحدد قانون العمل ساعات العمل الطبيعية بـ 8 ساعات يومياً أو 48 ساعة أسبوعياً. تتشابك ساعات الدوام مع الثقافة الإدارية لتحديد الإنتاجية العامة؛ حيث إن التحول من التركيز على "إثبات الحضور والانصراف" إلى التركيز على "الإنجاز الفعلي والأهداف" من المهم التركيز على المهام ذات القيمة العالية للمؤسسة. هذه المهام تدعم الأهداف الاستراتيجية وتحسن رضا العملاء. هذا يزيد من فعالية استخدام الوقت والموارد..في النهاية، ترتيب المهام حسب الأولوية أساسي في إدارة الوقت. يسمح بالتركيز على المهام ذات الأهمية والقيمة. هذا يزيد من كفاءة العمل وتحقيق الأهداف . تحسين إدارة الوقت والإنتاجية مهم جدًا لنجاح المؤسسات. يمكن تحقيق ذلك من خلال تعاون قوي بين المدراء والموظفين. يجب على المدراء تفويض المهام بشكل فعال ودعم الموظفين.

***

 نهاد الحديثي

ليس كل من قرأ الحياة عرفها، وليس كل من حفظ الكتب أدرك حقيقتها. قد تقضي عمراً بين صفحات الكتب، لكنك قد تعجز عن فهم صفحة واحدة من كتاب الحياة. تقرأ عن الفاجعة، فتتأثر بها، لكنك حين تعيشها يصبح لكل كلمة طعم آخر، ولكل دمعة معنى آخر. يروي التاريخ الأحداث ببرود الحروف، أما الواقع فيكتبها بحرارة الدم والدموع.

وحين تفتح كتاباً لكاتب تحبه، فإنك كثيراً ما تدخل إليه محاطاً بهالة من الإعجاب، فتقرأ بعين المريد لا بعين الناقد، فتسلم له بما يقول، وتغلق باب السؤال قبل أن تفتحه. قد يبدو هذا الحديث بعيداً عن واقعنا، لكنه في الحقيقة هو واقعنا نفسه.

إننا لا نقرأ الحياة من زاوية همومنا، بل نقرأها من زاوية هموم الآخرين. أما الذين تصدّوا لقراءة همومنا، فقد كانوا منشغلين بمصالحهم وهمومهم هم، لذلك جاءت النتائج دائماً بعيدة عن آلامنا، وقريبة من مكاسبهم. أصبح فقرنا مشروعاً للاستثمار، وأصبحت معاناتنا طاولة يتفاوض عليها المستربحون.

وهنا يفرض السؤال نفسه: هل الواقع الاجتماعي هو الذي يصنع معارفنا، أم أن معارفنا هي التي تصنع الواقع؟

أخشى أن الحقيقة أكثر قسوة مما نحب أن نعترف به... فالواقع هو الذي يصوغ شخصياتنا، ويحدد اقتصادنا، ويؤثر حتى في فهمنا للدين. نحن أبناء واقعٍ سبق أن رُسم لنا، قبل أن نتعلم أول حرف، وقبل أن ننطق أول كلمة.

من منا اختار بيئته؟ ومن منا اختار والديه؟ ومن منا رسم دينه الأول أو طبقته الاجتماعية بيده؟ كل ذلك فُرض علينا قبل أن نمتلك حق الاختيار. ولذلك فإن ابن الخائبة يبقى أسير خيبته ما لم تتغير شروط الواقع نفسه، لا مجرد الأمنيات.

وحين تمشي في شوارع مدننا، يصعب عليك أحياناً أن تميز بينها وبين المقابر. عمران بلا روح، وأحياء بلا ذوق، وبيوت بلا ملامح، وكأن المدينة اعتادت الحزن حتى صار جزءاً من هندستها.

وإذا التقطت صورة لبغداد، فلا تخجل من أن تُظهر وجعها كما هو. فبغداد ليست الكرخ وحدها، ولا شارع المتنبي، ولا أبو نؤاس. بغداد أيضاً مدينة المقهورين، والمهمشين، وسكان الأزقة المنسية، والأحياء التي لا تصل إليها عدسات الإعلام إلا حين تقع فيها كارثة.

وحين يكون قدرك أن تولد في مدينة الثورة، فلا تُكثر عليّ الحديث عن نظريات التغيير التي تبدأ من الداخل فقط، ولا عن صرخات الإرادة المجردة. ادخل شوارع الفقر، وادخل الجوادر، والداخل، والمعامل، وحي طارق، والأرفلي، والدسيم ،وحي النصر ثم أخبرني كم تستطيع الإرادة وحدها أن تفعل أمام واقع يطحن الإنسان منذ ولادته.

هناك ستعرف أن المدينة ليست أبنيةً فحسب، بل مواسم عزاء لا تنتهي... بكائيات مزمنة، ويتم أطفال، وفقد أحبة، وصور شهداء تملأ الجدران، ودماء شباب ما زالت الأرصفة تحفظ آثارها. مدينة تروي ألف قصة، لكنها تعجز عن البوح بكل أسرارها، لأن حجم المأساة أكبر من أن تختصره الكلمات.

إنه واقع عصيّ على التبرير.

لذلك، كفانا تعالياً على الواقع، وكفانا إلقاء اللوم على الضحايا. فلنعش الحقيقة كما هي، لا كما نحب أن نراها.

فنحن اليوم لا نقف أمام أزمة عابرة...

بل نقف على حافة انهيار، لا يحتاج إلا إلى خطوة أخرى ليبتلع ما تبقى من أحلام هذا الوطن.

***

ستار الزهيري

حين يُذكر التأريخ العراقي المعاصر، يتصدر اسم الأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف قائمة المؤرخين الذين كرسوا حياتهم لخدمة المعرفة الوطنية، وتوثيق الذاكرة العراقية بمختلف أبعادها السياسية والفكرية والاجتماعية. ولم يقتصر عطاؤه العلمي على التأريخ الأكاديمي، بل امتد إلى ميدان التراث الشعبي، فغدا أحد أبرز المهتمين بتوثيق الموروث الحضري والريفي، ولاسيما تراث مدينة الموصل وأريافها، ومنها ريف جنوب الموصل (الديرة).

وتكتسب هذه الجهود أهميتها من الخلفية الأكاديمية الرصينة للدكتور العلاف، بوصفه أستاذًا متمرسًا في التاريخ الحديث، الأمر الذي أكسب كتاباته دقة التوثيق، وعمق التحليل، والالتزام بالمنهج العلمي، فجمع بين أمانة المؤرخ وشغف الباحث بقضايا المجتمع وذاكرته الثقافية.

ولم ينظر الدكتور إبراهيم العلاف إلى المدينة والريف بوصفهما فضاءين منفصلين، بل رآهما ركيزتين متكاملتين للهوية العراقية. فالمدينة بما تختزنه من إرث حضاري وثقافي، والريف بما يحمله من أصالة وقيم اجتماعية متوارثة، يشكلان معًا صورة المجتمع العراقي في تنوعه وغناه. ومن هذا المنطلق، حرص على توثيق العادات والتقاليد، والمناسبات الاجتماعية، والمهن القديمة، والأسواق، والمقاهي، والمدارس، والأزياء الشعبية، والأمثال والمأثورات، لتظل شاهدًا حيًا على مراحل مهمة من التاريخ الاجتماعي للعراق.

وقد امتاز بمنهجية علمية جمعت بين الرصانة الأكاديمية وسلاسة العرض، فنجح في تقريب المعرفة التاريخية إلى القارئ العام من دون أن يفقدها دقتها العلمية، كما أسهم في تشجيع الباحثين والكتّاب الشباب على الاهتمام بالموروث الشعبي، بوصفه مصدرًا أصيلًا لفهم المجتمع وتحولاته الثقافية والاجتماعية.

وتبرز قيمة مشروعه التوثيقي للتراث في زمن تتسارع فيه مظاهر الحداثة وتتزايد فيه التحديات التي تهدد الموروث الشعبي بالتراجع أو الاندثار. وبذلك فان توثيق التراث ليس مجرد استذكار للماضي، بل هو صيانة للهوية الوطنية، وحفظ للذاكرة الجمعية، وضمان لانتقال القيم والخبرات والتقاليد الأصيلة إلى الأجيال القادمة.

لقد استطاع الدكتور إبراهيم العلاف أن يقيم جسرًا متينًا بين الماضي والحاضر، فجعل من التاريخ علمًا نابضًا بالحياة، ومن التراث الشعبي سجلًا حيًا يعكس روح المجتمع العراقي وتطوره. وبذلك قدم نموذجًا للمؤرخ الذي لا يكتفي بتسجيل الأحداث، بل يسعى إلى حفظ تفاصيل الحياة اليومية بوصفها جزءًا لا يتجزأ من تاريخ الأمم.

ومن هنا، فإن الجهود التي يبذلها الدكتور إبراهيم العلاف في توثيق الموروث الشعبي الحضري والريفي تمثل إسهامًا وطنيًا وثقافيًا بالغ الأهمية، يستحق كل تقدير واعتزاز. فهي جهود تصون الذاكرة الاجتماعية من النسيان، وتحفظ ملامح الهوية العراقية في زمن تتسارع فيه التحولات، لتبقى منجزاته مرجعًا للأجيال، وشاهدًا على وفائه للعلم، وإخلاصه للتراث، وإيمانه بأن الأمم التي تحفظ تراثها هي الأقدر على صون هويتها وصناعة مستقبلها.

***

نايف عبوش

الشعراء عبر العصور يجيدون التقرب لأرباب مغانمهم ومكرماتهم، وهذا لا ينتقص من جودة شعرهم وفرادة شاعريتهم، فالمتنبي كان لسان سيف الدولة ومدّاحه الأثيل، وأبو تمام كان صوت المعتصم، والبحتري كان متزلفا لخلفاء بني العباس في سامراء.

لكنهم شعراء إخترقوا الزمن وتواصلوا مع الأيام، وترسخ وجودهم وتقدموا على غيرهم ، مما يشير إلى أن قيمة الشاعر ربما بقدراته السلوكية التي تستولده شعرا متميزا يستطيع الخلود في وعي الأجيال المتوافدة.

هذا ما يبدو عندما نقرأ مسيرة الشعراء بمنظار نفسي وتقييم سلوكي.

فالبحتري من الشعراء الأفذاذ وصوت زمانه، لكنه من الذين عبّروا عن حقيقة السلوك البشري، وتحكمت به أمارة الرغبات المنفلتة المتحكمة فيه، وكشفت عن شراهته اللامحدودة للمال والتملك المادي.

فالشاعر الذي لا يمتلك مرتكزا قويا يكون مستترا ، فالتقرب لمراكز القوة يرفع من شأن الشاعر ويمنح قيمة لشعره ويساهم في شهرته وهيمنته على الوعي الجمعي.

والشعر إبن زمانه ومكانه، ولكل جيل شعره الناضح من حالته المرهونة به، فتتبدل المفردات والموضوعات لتتواكب مع معطيات الواقع الذي تولد من رحمه، ولهذا فلكل عصر صوته الذي يسوّقه وينطلق به في آفاق الحياة.

وربما للنرجسية دورها في نشر الشعر، فالشاعر الذي يتمكن من صياغة الشعر المؤكد على النرجسية والتضخيم الذاتي وإخراج النفس من قدراتها المحدودة إلى الفضاءات المطلقة يكون لشعره سوقا، كما هي الحالة في شعر المتنبي وأمثاله الذين إنطلقوا بقدرات الذات البشرية، وأوهموها بأنها فوق آفاق الخيالات والتوقعات.

فالشاعر المحابي مرزوق، والصامت والمعارض محروق، وفي غياهب المعتقلات مطلوق، فكل مخلوق يبحث عن زبائن في السوق.

قالَ شعراً بلسانِ العَجَبِ

ومَديحاً في صراطِ الأرَبِ

بنفاقٍ يَتنامى للعُلى

جعلَ الممدوحَ ربَّ العَربِ

بكلامٍ مُسْتَساغٍ طيّبٍ

غَنِمَ المَدّاحُ عِزَّ الطلبِ

***

د. صادق السامرائي

 

هل يمكن أن تكون الصين على أعتاب تحقيق انقلاب استراتيجي في مجال حرب الخوارزميات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي؟ هل من الممكن فعلاً أن يتم تعطيل جيش كامل، ليس عبر التشويش على راداراته، بل بخداع الأنظمة الذكية التي تتحكم في عملياته؟.

هذا هو الجوهر الذي تراهن عليه الحرب "الخوارزمية"، آذ كشف بحث جديد صدر عن وحدة الأبحاث العسكرية العليا في الصين جانباً من رؤى جيش التحرير الشعبي حول كيفية مواجهة هذه التحديات الجديدة.

الخوارزمية: ليست سوى مجموعة من التعليمات التي تُدير الذكاء الاصطناعي، بدءاً من تنظيم أسراب الطائرات المسيّرة وانتهاءً بأنظمة التعرف على الأهداف وشبكات القيادة والتحكم.

 أما "حرب الخوارزميات"، فهي طريقة للمنافسة التقنية تتمثل في حماية خوارزمياتك الخاصة والتلاعب بأخرى العدو، سواء عبر إفسادها، خداعها أو حتى سرقتها.

في ورقة بحثية صدرت بتاريخ 7 أبريل، نيسان 2026 في مجلة "تكنولوجيا الصواريخ التكتيكية" الصينية، استعرض فريق من المهندسين بقيادة فينغ ييليو ولي تينغدا من كلية العمليات المشتركة التابعة لجامعة الدفاع الوطني الصينية استراتيجية طموحة لـ"الحرب الخوارزمية".

والكلية، التي تقع في مدينة شيجيانزوانغ، تعد المؤسسة البحثية والتدريبية الرئيسية للجيش الصيني فيما يتعلق بالتكتيكات العسكرية المتعددة المجالات.

يجادل الفريق بأن القدرة على ضرب - الذكاء الاصطناعي - الخاص بالعدو بشكل مباغت توفر ميزة مهمة يمكن أن تحقق نتائج ملموسة دون الحاجة لإنفاق موارد ضخمة على العمليات التقليدية.

 ووفقاً لما ذكره الباحثون، خلال المعارك يمكن للخوارزمية نفسها أن تتعلم وتتأقلم مع استراتيجيات الهجوم الجديدة لتعزيز قدرتها الدفاعية. هنا تكمن الفكرة الأساسية وراء الرؤية الصينية : "أخذ المبادرة في الهجوم والانخراط في لعبة ديناميكية".

الدراسة تُدافع عن نهج مزدوج: أساليب دفاعية تشمل إجراءات أمنية أساسية مثل تشفير البيانات والتحقق المستمر منها، إلى جانب استراتيجيات هجومية تستهدف إضعاف قدرة العدو التكنولوجية بدقة فائقة.

على سبيل المثال، هناك هجمات "تسميم البيانات"، آذ يقوم الجانبان بمحاولات لتلويث البيانات التدريبية للذكاء الاصطناعي الخاص بالخصم. المثال المطروح يتعلق بتقديم بيانات مُضللة تقود الذكاء الاصطناعي إلى تصنيف دبابة عسكرية على أنها مركبة مدنية.

أسلوب آخر هو تنفيذ هجمات "الباب الخلفي"، والتي تتضمن إدخال محفزات خفية خلال مرحلة التدريب تجعل الذكاء الاصطناعي يعمل بشكل طبيعي في الظروف العادية، لكنه يُخطئ عمداً في المواقف الحرجة.

 وهناك طريقة ثالثة، وهي سرقة نموذج الخصم عن طريق قصفه بالبيانات وعكس هندسة المنطق الأساسي لتطوير نسخة مُقلدة منه. كما تشمل الاستراتيجيات التدميرية هجمات دقيقة مثل التلاعب بالبكسلات على الطائرة أو السلاح لجعل الذكاء الاصطناعي الخاص بالخصم غير قادر على تحديد الهدف.

لكن هذه الورقة البحثية لم تدعو إلى الهجوم فقط، بل ركّزت أيضاً على الدفاع. وينصح فريق الباحثين باستراتيجية دفاع متكاملة تتألف من طبقتين: الأولى تشمل الدفاع السلبي الذي يقوم على حماية أسس النظام عبر إجراءات مثل تشفير البيانات وعزل بيئات التدريب. أما الطبقة الثانية فهي الدفاع النشط، وهي نهج يقوم على تغيير مستمر لبنية الخوارزميات من أجل تضليل المهاجمين، واستخدام الفخاخ الرقمية لاستدراجهم إلى شراك زائفة.

رغم هذه الرؤية الطموحة للصين، إلا أن العالم يعيش سباقاً محموماً في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي العسكري. فمنذ عام 2017، كانت الولايات المتحدة رائدة في هذا المجال عندما أطلقت وزارة الدفاع الأمريكية - مشروع مافن - لتعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل بيانات مراقبة الطائرات المسيّرة. أما روسيا، فهي أيضًا منافس بارز في هذا السباق، آذ استثمرت بكثافة في التقنيات الذكية لتدعيم قدراتها العسكرية، خاصة فيما يتعلق بأسراب الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية.

في النهاية، يتضح أن حرب الخوارزميات قد تصبح واحدة من أخطر أشكال الصراعات المستقبلية، حيث لن تقتصر المواجهات بين الجيوش على القدرات التقليدية المعروفة، بل قد تقرر المعركة أدوات التنقيب والخداع الرقمي.

***

شاكر عبد موسى/ العراق

كاتب وباحث

يهاجرون إليهم ولا يستطيعون صناعة حياة أفضل منهم في مواطنهم، تلك أحوال المجتمعات الناقمة على ذاتها وموضوعها والكارهة لبلادها، والمعبرة عن إرادة الطامعين فيها.

البشرية أمضت مسيرتها في الحروب والصراعات التي تغنم بواسطتها الأجراء، على أنهم أسرى فتسخرهم للبناء والزراعة والخدمات الأخرى، وما حصل في الدنيا من شواهد عمرانية ومنتوجات زراعية كان بسبب هذه التفاعلات القاضية بصناعة حالة على حساب تدمير أخرى غيرها.

ويبدو أن الفكرة ذاتها لا تزال فاعلة في الحياة ولكن بأساليب معاصرة، فلكي تستجلب الناس إلى ديارك وتنمي ثروتك البشرية، عليك أن تجعل الحياة في ديارهم جحيما وفي بلادك جنة ونعيما، مما يتسبب بتنمية السأم عندهم والتغني بالهجرة إليك.

وهذا ما يحصل في الواقع اليوم، حيث تحولت الحياة في العديد من البلدان الحضارية إلى مآسي وويلات متفاقمة، فصارت الهجرة حلم المواطنين وديدنهم الأمين، فتجد موجات النزوح المليونية من شرق الأرض إلى غربها تتنامى، وتفتح لهم الأبواب وتقدم التسهيلات، لأنهم ثروة بشرية مطلوبة لسلامة الإقتصاد وتعافيه.

المهاجرون يتملكهم الفرح والشعور بالفوز الكبير، لأنهم وصلوا إلى بلد آخر حررهم من السأم والخوف والقهر والحرمان.

فلماذا لا تعمل أنظمة الحكم على جعل بلدانها ذات قدرة على توفير الحاجات والعناية بحقوق الإنسان وتأكيد قيمته ودوره في صناعة الحياة؟

هل أن الأنظمة المعادية لشعوبها من ضرورات سرقة الثروات البشرية؟

لماذا تتشكى أنظمة الحكم من زيادة أعداد الناس في ديارها، وما تمكنت من إبتكار آليات إستثمارية لطاقاتها؟

الموضوع فيه ألف إنّ وإنّ!!

إنكار الثروات البشرية عدوان وطني وتنفيذ لأجندات الرامين لسرقة البشر من أوطانهم، فهل إستوعبت الكراسي معنى أن يكون المواطن في بلده معززا مكرما وحر التفكير والإبداع؟!!

المجتمعات تتشظى والكراسي تتلظى، والرابح مَن إكتفى بغيره المُغفل المحكوم!!

تغرّبْ هكذا قالوا قديما

لمنْ ما ذاقَ من وطنٍ نَعيما

شرورٌ حاوطتْ روحَ الحَيارى

وكانَ السَعيُ في أرْضٍ سَقيما

بحِرْمانٍ منَ الخيراتِ دُمنا

وقادتُنا أبادوا مُسْتَضيما

***

د. صادق السامرائي

في دروب العرفان، تتجلى المحبة الإلهية كأسمى مراتب الوجد، وأعمق ينابيع السعادة الروحية. إنها ليست مجرد عاطفة عابرة، بل هي حال وجودي يغمر القلب والروح، ويصبغ الحياة بألوان من الحلاوة لا يدركها إلا من ذاقها من المحبين للجناب المحمدي وللحضرة الإلهية، هذه الحلاوة تتجلى في أبهى صورها في تناقضات الوجود الإنساني، فمرة تبكي محبة، ومرة تضحك محبة، وفي كلتيهما يجد المحب لله تعالى حلاوة لا تضاهيها حلاوة.

"يقول عز من قائل في محكم التنزيل « و أنه هو أضحك و أبكى »(النجم: 43) فهذه الآية الكريمة من سورة النجم تحمل في طياتها سرا معمقا من أسرار الوجود والوشيجة بين الخالق والمخلوق. إنها إشارة إلى أن الله تعالى الحبيب المحبوب الذي هو مصدر كل الانفعالات و العواطف والأحوال، وهو الذي يقلب القلوب بين حالتي الضحك والبكاء. في سياق المحبة و العشق الإلهيين، فلا يكون الضحك في طريق القوم مجرد تعبير عن الفرح الدنيوي، ولا البكاء مجرد حزن على فوات حظوظ الدنيا، بل هما عند أهل الوجد وجهان لعملة واحدة، تعبران عن تجليات المحبة الصادقة لله.

فالضحك في حضرة المحبين و طريق الولهين العاشقين قد يكون ضحك سرور وغبطة بما من الله به على العبد من قرب، أو فرحا بنعمائه التي لا تحصى، أو بهجة باليقين الذي يملأ الفؤاد. إنه ضحك العارف الذي رأى جمال الحق وتجلياته في الكون، ففاض قلبه سرورا وابتهاجا.

أما البكاء، فهو ليس بالضرورة بكاء حزن ويأس، بل غالبا ما يكون بكاء توق وشوق، أو بكاء خشية وحنين، أو بكاء فرح بالوصول الى المرام بعد طول غياب. إنه بكاء المحب الذي يذرف الدموع شوقا إلى لقاء المحبوب، أو ندامة على تقصيره في حقه، أو خشوعا أمام عظمته وجلاله. وفي كل دمعة حلاوة، وفي كل شهقة راحة، لأنها كلها تصب في بحر المحبة الإلهية.

لتقريب هذا المعنى، يمكننا أن نتأمل في في حال محبة الوالدين للأبناء. فالأبوان يجدان في أبنائهما مصدرا لا ينفد للضحك والبكاء. يضحكان لضحكاتهم البريئة، ويفرحان لنجاحاتهم، ويشعران بحلاوة لا توصف في كل لحظة سعادة يشاركانها معهم.

 وفي المقابل، يبكيان لأجلهم، خوفا عليهم، أو حزنا على أوجاعهم، أو اشتياقا إليهم عند الغياب. هذه الدموع، رغم ألمها الظاهري، تحمل في طياتها حلاوة المحبة الصادقة، لأنها تنبع من قلب محب لا يرى وجوده إلا في وجود أحبابه. فكيف بمحبة الخالق الذي هو أصل كل محبة و معين كل شوق و توق؟

لقد أدركت الحكيمات والصوفيات من سيدات التاريخ هذه الحلاوة العرفانية، وعبرن عنها بكلمات خالدة:

رابعة العدوية، سيدة العشق الإلهي، قالت كلمتها الشعرية الخالدة التي ضمنتها انها ما أحبت اللهَ طمعا في جنته، ولا خوفا من ناره، ولكن أحبته لأنه أهل للمحبة, هذه الكلمات تلخص جوهر المحبة الصادقة، التي تتجاوز المصالح الدنيوية والأخروية، لتصل إلى مرتبة العشق الخالص للذات الإلهية. وعن مناجاتها، جيث قالت:

أحبك حبين؛ حب الهوى *** وحبا لأنك أهل لذاكا ·

 فأما الذي هو حب الهوى *** فشغلي بذكرك عمن سواكا ·

وأما الذي أنت أهل له *** فكشفك للحجب حتى أراكا.

في هذا الحب، تتلاشى الحدود بين الضحك والبكاء، فكلاهما تعبير عن الشوق والوجد.

سيمون فايل، الفيلسوفة الفرنسية، وإن لم تتحدث مباشرة عن الضحك والبكاء في سياق المحبة الإلهية، إلا أنها ركزت على مفهوم المحبة في الله، وهي محبة تتجاوز الذات والمصالح الشخصية لتصبح جزءا من الحب الإلهي الأكبر. هذا الحب، الذي يتطلب تضحية وتجردا، يمكن أن يولد في النفس حالات من الوجد العميق، قد تتجلى في دموع الخشوع أو ابتسامات الرضا.

هيلدغارد من بينغن، تلك الفيلسوفة الألمانية، رأت الكون كله تجليا لكلمة الله، وأن كل مخلوق يحمل في طياته جزءا من هذا الجمال الإلهي. هذه الرؤية الكونية للمحبة تجعل القلب يفيض بالبهجة والتوقير، وقد تدفعه إلى الضحك سرورا بجمال الخلق، أو البكاء خشوعا أمام عظمة الخالق.

إن المحب لله تعالى لا تقتصر محبته عز وجل فحسب، بل تتسع لتشمل كل ما خلقه الله. فمن أحب الخالق أحب خلقه، ومن رأى جمال الله في الكون، رأى جماله في كل كائن. هذه المحبة تتجلى في الرحمة بالضعيف، والعطف على المسكين، والإحسان إلى الجار، والبر بالوالدين، ومحبة الأقربين. إنها محبة شاملة، لا تفرق بين مؤمن وغير مؤمن، بل تسعى إلى الخير للجميع، لأن الخلق عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله. وفي هذه المحبة الشاملة، يجد المحب حلاوة الإهداء، وحلاوة العطاء، وحلاوة الوصال، سواء كان ذلك بابتسامة صادقة أو دمعة رحمة.

إن حلاوة المحبة في الله هي سر الأسرار، وهي النور الذي يضيء دروب السالكين. إنها تجربة وجدانية متجذرة في الاعماق، تتجاوز حدود العقل والمنطق، لتستقر في سويداء القلب. وفي هذه التجربة، يصبح الضحك والبكاء مجرد تعبيرين عن حالة واحدة من العشق الصادق، الذي يرى في كل شيء تجليا للجمال، وفي كل حال قربا من الحبيب الأزلي وهي المصباح في زجاجة.

***

د محمد غاني - كاتب المغرب

 

قبل اسبوع وقفت تلميذتي لتقدم عرضاً أمام زملائها في القسم، وهمست لي باهتة "اريد ان اركض". قلت لها جيد. اركضي. لكن اولا اخدي عشر خطوات الى الامام. واذا بعد عشر خطوات مازلت تريدين الركض، نركض سويا.

مشت عشر خطوات. صعدت المنصة. واذا بعدها قالت لي طوال الوقت كنت اخاف. طوال العشرين دقيقة كنت اعلم اني سوف اسقط على وجهي واهرب. قلت لها هذا هو بالضبط الشجاعة.

كذبة الخطاب التحفيزي

لقد خدعنا عقودا كاملة من الخطاب التحفيزي الفارغ اكبر كذبة ممكنة: ان الشجاعة هي غياب الخوف. ان الشخص الشجاع هو الشخص الذي لا يشعر بالرهبة. هذا كذب. كذبة سامة حتى. لانها تجعل كل منا يشعر انه ضعيف فقط لانه يخاف. تجعلك تخفي خوفك بدلا من ان تمشي معه.

الحقيقة التي لا احد يخبرك بها هي: الخوف طبيعي جدا. الخوف هو الوضع الافتراضي لكل شيء يستحق القيام به على وجه الارض.

انت لن تخاف ابدا ان تذهب الى السوق. انت لن تخاف ان تشاهد حلقة مسلسل. انت لن تخاف اي شيء لن يغيرك. الخوف ياتي فقط عندما تخطو خارج الدائرة التي تعرفها. الخوف هو المؤشر ليس بانك ضعيف، بل بانك تحاول ان تنمو. اذا بدات شيء جديد ولم تشعر بالخوف على الاطلاق، اعلم انك اخترت شيء صغير جدا.

الخوف لا يغادر واقفاً

واكبر سر الشجاعة الذي لم يتم اكتشافه ابدا: الخوف لن يغادر قبل ان تمشي.

انت تقعد الان وتنتظر. تظن انك سوف تجلس هنا، وتحارب الخوف، وتقتله، وبعدين وعندما تصبح بلا خوف تماما سوف تبدأ. هذا لن يحدث. لا في اي وقت. لا لاي احد على الاطلاق.

الخوف لا يغادر واقفا. الخوف يغادر تمشيا. هو يتراجع خطوة خطوة مع كل خطوة تمشيها انت. بعض الاحيان لا يغادر على الاطلاق. بعض الاحيان سوف تمشي الطريق كله وهو يجلس على كتفك وهمس في اذنك ان هذا خطأ، انك سوف تفشل، انك يجب ان تعود للمنزل.

وهذا تماما ما لا يفهمه احد: ليس هناك اي مشكلة في ذلك.

لا تحتاج ان تطرد الخوف لكي تمشي. لا تحتاج ان تفوز في حرب ضده. لا تحتاج ان تكون قويا جدا حتى لا تشعر به. فقط انظر اليه. وقل له: حسنا. اعرف انك هنا. اعرف انك سوف تصاحبني طوال الطريق. لنذهب على اي حال.

المشي مع الخوف

الشجاعة ليست غياب الخوف. الشجاعة هي المشي مع الخوف.

هناك الكثير من الناس سوف يقولون لك انك مجنون لانك تخاف. الكثير سوف يتباهون لك بانهم لا يشعرون بهذا الشئ ابدا. لا تصدقهم. هم اما يكذبون، او انهم يمشون طرق صغيرة جدا جدا طرق لا تستحق الخوف.

في نهاية الامر لن تجد احدا وصل الى اي مكان جميل في حياته و قال لك انه لم يكن خائفا. كلهم كانوا يريدون الركض. كلهم شعروا بالرعشة في ارجلهم. كلهم سمعوا الصوت يقول لهم ارجع.

وكلهم مشوا.

الخوف طبيعي. استمر بالمشي.

***

بقلم يونس الديدي - أستاذ باحث و أكاديمي

  ثمة دروس أساسية تطلقها ثورة الإمام الحسين عليه السلام عبر الأجيال والتاريخ. ولعل من أهم هذه الدروس، هو ضرورة العمل على صيانة الكرامة الإنسانية، ورفض كل محاولات امتهانها ومسخها. فعاشوراء الحسين عليه السلام، تربطنا ارتباطا جوهريا بقيمة الكرامة. وتعلمنا أن الإنسان أو المجتمع الذي تمتهن كرامته وتهدر حقوقه الإنسانية، عليه العمل والسعي لإزالة الذل وصيانة الكرامة الإنسانية والمحافظة على حقوق الإنسان.لذلك نجد أن الأمام الحسين (ع) يخاطب أعداءه قائلا لهم [والله لأعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقرلكم إقرار العبيد].

فالإنسان المسلم ينبغي له أن لا يقف موقفا سلبيا لا أباليا تجاه أي طرف يمتهن كرامته ويدوس مقدساته وينتهك حقوقه، إنما عليه إتخاذ الموقف الإيجابي الذي يتجسد في صناعة الوعي الذي يدفع الجميع إلى المطالبة بكرامتهم المسلوبة، والعمل بكل الطاقات والإمكانيات لإعادة الحقوق المستلبة.

فعاشوراء الحسين (ع) ليست حبيسة الماضي، وإنما تطل على الإنسان المسلم بقيمها ومبادئها ومثلها وآفاقها ودروسها وجهادها ودمائها على حاضر الإنسان، لكي ترفع الراهن نحو التشبث بالكرامة الإنسانية حتى لو تطلب الأمر التضحية بالنفس في سبيل صون الكرامة الإنسانية.

وذلك لأن صون الكرامة الإنسانية من أهداف الدين وغاياته العليا، التي ينبغي المحافظة عليها، وخلق الوقائع المجتمعية التي تجمعها وتطور آفاقها في الواقع الاجتماعي. فقد قال الله تعالى {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} (الإسراء، 70).

كما أن مدرسة كربلاء تعلمنا أن صون الكرامة الإنسانية بكل متطلباتها وآفاقها، بحاجة إلى الدفاع المستميت عنها، والجهاد الدائم من أجل صونها، وغرس الوعي اللازم لممارستها.

فحاجتنا إلى عاشوراء الحسين (ع) تتجسد في حاجتنا إلى قيم الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان. فهي سبيلنا لتعليم هذه القيم، وغرسها في نفوس أبناء مجتمعنا، وعقد العزم على اعتبارها من أولويات وجودنا الإنساني، الذي ينبغي أن نعمل ونجاهد من أجل تحقيقها وصونها في واقعنا المعاصر.

لذلك نجد أن الإمام الحسين (ع) لم ترهبه الكثرة المدججة بالسلاح، ولم تهزمه الحشود البشرية التي تجمعت إلى قتاله، وإنما جميع هذه المظاهر زادته عزيمة على صون كرامته والدفاع عن مقدساته وقيمه العليا.

ما تعلمنا إياه مدرسة عاشوراء، أن صون الكرامة الإنسانية مطلب ديني وحضاري وإنساني، وينبغي أن ندافع عن هذه القيمة بكل ما نملك من إمكانات وطاقات. فالمطلوب دائما أن نشعر بعزتنا وكرامتنا، وندافع عنها بالكلمة والوعي وخلق الوقائع المعبرة عن هذه القيم، والاستعداد الدائم بكل مستوياته للدفاع عنهما. فعاشوراء تعلمنا ضرورة أن نكون أكثر شفافية تجاه كرامتنا الإنسانية وعزتنا الدينية، حتى لا نسمح لأي طرف أن ينقص من كرامتنا أو يذوب جزءا من عزتنا.

والكرامة الإنسانية هي بوابة الحرية، إذ لا حرية لمن لا كرامة له. أي أن الكرامة الإنسانية هي التي تدفع الإنسان إلى دفع ثمن الحرية، وهي التي تجعله يدافع عنها ويحميها من كل المخاطر والشرور. لذلك نجد أن الإمام الحسين (ع) يؤكد على قيمة الكرامة والعزة، ويحث القوم إلى استعادتهما والانعتاق من ربقة الذل والمهانة. وذلك لأن الإنسان الذليل لا يستطيع أن يحافظ حتى على حقوقه الشخصية فضلا عن حقوق الأمة. وعاشوراء الحسين(ع) تغرس في نفوسنا جميعا الاستعداد التام للدفاع عن كرامتنا وعزتنا، وبهذه القيم تكون عاشوراء بحق ملحمة إنسانية وحضارية، تساهم بشكل دائم في تطوير الواقع الإنساني على مختلف الصعد والمستويات.         

***

محمد محفوظ

 

ان ما يواجهه الإنسان من مشاكل أسرية.. واقتصادية.. واجتماعية.. وصحية.. تشكل نوع من ضغوطات نفسية يتحتم على الفرد مواجهتها؛ ولكن هذه المواجه تختلف من شخص إلى أخر ولطبيعة الضغوطات التي هي انعكاس لطبيعة الحياة المعاصر التي تتسم بالمادية.. والنفعية.. وحب الذات؛ أصبحت متطلبات الحياة أكثر تعقيدا وعسرا؛ بغض النظر عن الإيديولوجيات ومستوى اقتصاد الدول من تقدمها أو تخلفها وهي أزمة الإنسان المعاصر)

الإنسان المعاصر يتيه في فضاءات اللامعنى واللاأخلاقي واللاقيمي إذا ما جاز لنا هذا القول، لأنه أصبح يحيا بين مرجعيات مفتتة غير مستقرة، حيث تسييس المعرفة وتحويل الهويات إلى حالة سيولة مستمرة,, إنها ظاهرة الاختلالات الجيوسياسية للمعايير المنطقية والعلمية وحتى الفلسفية أيضاً

لم يعد الإنسان المعاصر بصدد ثبوتية الرؤية المحايدة تجاه العالم، حيث أصبح يتأرجح مركزه –غير الثابت- بين عالمَين أو قل بين عوالم -إن جاز التعبير- نتاج هذه الكوكبية المتناثرة، حتى بات يفكر في عوالم غير إنسانية من الرماديين والفضائيين وغير ذلك من عوالم الجن والخرافات والشعوذة والتنجيم –التاروت- الذي أصبح ضيفاً في الإعلام بشكل مقيت، مما يفتت ذهنه في تشظي مستمر، كما أن النفس البشرية أيضاً أصبحت مرتبطة –بشكل حيوي- بالبنى السياسية والمعرفية التي بات يتيحها له ذلك الفضاء التقني وتلك الخوارزميات بشكل منقطع النظير,, ومن هنا، اختلت موازينه المعرفية والجيوسياسية وحتى الثقافية، ذلك لأنه غير ملم كل الإلمام بهذا أو ذاك وفي الوقت ذاته ينبري في تصدر المشهد وتصدير الرؤى، حتى أصبح هو ذاتياً يتعاطاها كل صباح ومساء بحسب هذا الجهاز بحجم الكف بين يديه، فلا هو حاز على هذا ولا على ذاك وإنما أصبح متفلسفاً متحدثاً خطيباً عالماً في كل شيء، ولكن بلا أي شيء

ذلك لأن المعرفة نفسها -والتي حيرت العلماء والفلاسفة عبر عقود من التاريخ الإنساني- لم تعد قاصرة على العلم وعلى العلماء بقدر ما أصبحت متأثرة بموازين القوى العالمية بجميع تشابكاتها من اقتصاد وثقافة وسياسة وعلم اجتماع وقضايا إنسانية,, أزمة الإنسان المعاصر تتلخص في الاغتراب والتمزق الداخلي بين التقدم المادي السريع والفراغ الروحي، إذ يعاني الفرد اليوم من العزلة رغم شبكات التواصل الاجتماعي، وبين القلق الوجودي والضغط النفسي المستمر الناتج عن متطلبات الحياة، والتقنية الرقمية، والاجتماعية كما يقول أحد المفكرين

العالم بحسب الفكر الحديث وما بعد الكولونيالية -والتي من أهم بنودها هو "تصوير العالم الغربي كعالم متحضر عقلاني، في مقابل تصوير الشرق بأنه عالم عاطفي استبدادي وراكد، وهو ما تم تحليله بهدف تقويض هذا التصور الثنائي، أصبح متحولاً من سلطة مركزية واحدة تحدد القيم والمعاني إلى فضاء متشظ متعدد المراكز، حيث تتنوع المعطيات بين الإعلام الرقمي والأفراد والخوارزميات والهويات العابرة للدول، وهنا تصبح الحرية نفسها غير مستقرة، لأنها بلا مركز أخلاقي موحد, الانسان كرّمه الله بالعقل وبالتفكر وبمعايير منطقية، لم يعد يستخدمها في زحمة المعطيات التي تتناثر في ذهنه مما يجعله عالماً جغرافياً، وسياسياً، وعالم ذرة ورياضيات، ومهندساً معمارياً، ومرشداً دينياً، وعبقري عصره! في حين أنه لا يقوى على ضبط إيقاعه اليومي ولا حتى التعاطي مع محيطه العائلي والأسري والاجتماعي في أضيق الدوائر

ومن هنا، نجد أن العالم قد تحول نحو الفردانية المنفلتة من أي سلطة، وهو ما احتوت عليه بعض البنود التفكيكية على يد الفلاسفة جاك دريدا وميشيل فوكو وغيرهم ممن يدعون إلى هدم سلطة المركز وكسر الكاريزما، وغير ذلك من دعواتهم الفلسفية التي تسربت عبر الماء والهواء إلى ذهنية الإنسان المعاصر نفسه.

***

نهاد الحديثي

حكمَ الدولة العثمانية لمدة (46) سنة، (1520 - 1566)، وتسنم الحكم في عمر (26)، وله منجزاته الكبرى وتأثيره على مسيرة الحياة، وكان شاعرا متنورا، ولديه الفقهاء والمستشارين الذين يبررون له ما بقوم به من أفعال، فلكل عمل أقدم عليه هناك فقيه يسوّغ له الفعل مهما كان خطيرا.

قتل إبنه مصطفى سنة 1553 وهو صاحب خبرة إدارية وقيادية متميزة، وطموحات لنشر الإسلام في أوربا وخططه جاهزة لهذا الأمر، وكانت أوربا مرعوبة منه.

في 1559 حصل صراع عسكري بين أولاده بايزيد وسليم الثاني على ولاية العرش، بايزيد كان مع الدولة الصفوية، وحدث الصراع في قونيا وإنتصر سليم الثاني، وفر بايزيد إلى إيران مع عائلته خوفا من أبيه وأخيه، وبعد إتفاق بين الدولتين تم تسليم بايزيد لفرقة إعدام قضت عليه وعلى أولاده الأربعة في إيران.

في سنة 1556 قتل إبراهيم الصدر الأعظم وصديقه الأثير وزوج أخته المحبوبة، وتفاعل مع زوج إبنته المقربة إليه بقسوة ومرارة ثم لين .

هذه سلوكيات موثقة ولها تأثيراتها الخطيرة على الدولة العثمانية، فمقتل ولي العهد مصطفى كان من أفظع الأخطاء التي أودت بمصير الدولة وحطمت كيانها وأبهجت أعداءها، وهي تعبير عن إرادة الكرسي، وتخبرنا بأن الكراسي تصنع بشرا من حجر، وتفرغه من المشاعر والعواطف، فهذا السلطان الشاعر متجمد المشاعر، ويصعب تفسير سلوكه المتأرجح بين الشعر والكرسي.

 ويبدو أن للكرسي مناهجه، فالجالس عليه غيره قبل أن يتمكن منه، فالكراسي منبع المآسي، ومنطلق التداعيات الأليمة التي تعصف بالبشر.

هذا سليمان القانوني الشهير بسلوكياته المتناقضة الغريبة عنه كإنسان وشاعر يقتل أبناءه وأحفاده وصديقه الأثير وصدره الأعظم.

فيذود عن الكرسي ولا يرى أنه لا يدوم وعليه أن لا يكون عبدا له، وأن يلوي عنقه ويعبّر عن القيم السامية ويكون قدوة حسنة ذات معنى إنساني رحيم.

 مسيرة حكم سليمان القانوني تختصر علاقة البشر بالكرسي، وتجعله عبدا أسيرا لما يتوهمه من سلطان، فلا العقائد ولا المبادئ ولا القيم تصمد أمام إرادة الكرسي، فالبشر قبل الكرسي غيره وهو في الكرسي، وتلك عجيبة سلوكية متكررة منذ الأزل، وما نجى منها إلا ما ندر، وستتواصل حتى يوم المحشر، فمن يسأل الإمارة، تحرقه الخسارة!!

تبصّرْ أنتَ مُرتَهنٌ مُبادُ

وذا الكرسيُّ صَيّادٌ يُصادُ

*

تحاورُنا الخطايا كلّ يومٍ

ويَسْألنا التصارعُ والحِدادُ

*

لماذا مَن تولاّها تَمادى

وأفْسَدَهُ التحزّبُ والعِنادُ

*

وأذهلهُ وقوعٌ في صِراطٍ

ويوهِمُهُ التَسامقُ والسِيادُ

*

كأنّ نُهى الخَلائقِ مُسْتباحٌ

يُصادِرُهُ التعَمّمُ والفسادُ

*

بَرايا في مَناقبها عَجيبٌ

مُتوَّجَة بباءاتٍ تكادُ

*

رَغيبُ النَفسِ مَطبوعٌ بنَهْمٍ

وإنّ نُزوعَها هَدَفٌ عِتادُ

*

على جُرُفِ المَنايا اسْتَناحَتْ

قلوبٌ نبْضُها همٌّ يُعادُ

*

أ تَبْكي أمّةٌ وأدَتْ أباها

فقاسَتْ مِنْ مَدامِعِها الجِيادُ

***

د. صادق السامرائي

 

بين الإعداد المبكر وعقلية المنافسة

لا تظهر حالة الضعف والانهيار النفسي لدى بعض المنتخبات العربية في كأس العالم بشكل مفاجئ داخل أرض الملعب، بل هي نتيجة تراكمات طويلة تبدأ من مراحل الإعداد الأولى للاعبين، سواء في الأندية أو المنتخبات السنية. فغياب التأهيل النفسي والذهني منذ الصغر، وعدم تدريب اللاعبين على الثقة بالنفس وإدارة الضغوط، يجعلهم أكثر عرضة للتأثر عند مواجهة المنافسات والمنتخبات الكبرى.

من أبرز الإشكاليات التي تؤثر على الأداء في البطولات العالمية، القناعة الداخلية لدى بعض اللاعبين بأن الخصم أقوى وأكثر مهارة وتكتيك وأكثر خبرة، وهو ما ينعكس سلباً على سلوكهم داخل الملعب وكيفية التعامل مع اللعبة والخصم. إذ يؤدي ذلك إلى انكماش دفاعي مبالغ فيه، وتراجع في الجرأة الهجومية، وضعف في صناعة الفرص والوصول غلى المرمى والتهديف، وفقدان عام للثقة بالنفس. ومع مرور الوقت خلال المباراة، يظهر هذا التأثير في شكل تفكك واضح بين خطوط الفريق، حيث يفقد التوازن بين الدفاع والوسط والهجوم، مما يسهل على الخصم فرض سيطرته وتهديد المرمى بأقل مجهود والانتصار وتحقيقة الفوز.

كما أن عامل الاحتراف يلعب دوراً محورياً في بناء عقلية اللاعب. فقلة عدد اللاعبين العرب المحترفين في الدوريات الأوروبية الكبرى مقارنة بالمنتخبات المنافسة تحد من اكتساب الخبرة والتعرض لمدارس كروية مختلفة. وفي المقابل، تظهر بعض التجارب العربية نماذج مختلفة؛ فمنتخب المغرب استفاد بشكل واضح من انتشار لاعبيه في أوروبا، ما عزز من خبرتهم وثقتهم وقدرتهم على المنافسة. أما المنتخب المصري، فرغم محدودية عدد المحترفين، إلا أنه استطاع الاعتماد على عناصر بارزة مثل محمد صلاح وعمر مرموش، حيث أسهمت الروح القتالية والإصرار في رفع مستوى الأداء ومنح الفريق حضوراً أقوى أمام الخصوم وترك إتباع إيجابي والفوز في المباريات.

إن بناء منتخب قوي قادر على المنافسة العالمية لا يمكن أن يعتمد على الموهبة الفردية والأموال المبذولة لِإعداد فقط، بل يحتاج إلى مشروع استراتيجي طويل المدى يبدأ من الفئات العمرية الصغيرة. ويشمل هذا المشروع تطوير المهارات الفنية، وتعزيز الصلابة النفسية، وبناء الثقة بالنفس، وبناء الصورة الذهنية في تقبل واحترام القدرات الفردية والجمعية، إضافة إلى توفير الاحتكاك المستمر مع مدارس كروية عالمية، وصناعة جيل من اللاعبين القادرين على الاحتراف في أعلى المستويات مقارنة بلاعبي أفريقيا.

وفي النهاية، فإن المنتخبات الكبرى لا تبنى بالصدفة، بل تصنع عبر منظومة متكاملة تقوم على العقلية التنافسية، والإعداد النفسي والفني السليم، والاحتكاك المستمر مع أعلى مستويات كرة القدم في العالم. وهي عناصر إذا اكتملت، يمكن أن تنقل أي منتخب من مرحلة المشاركة إلى مرحلة المنافسة الحقيقية.

***

د. أكرم عثمان

23-6-2026

غطرسة: إستعلاء وترفع على الآخرين، تكبر وعجرفة وزهو، إعجاب بالنفس. وهي شعور مبالغ فيه بالعظمة أو التفوق على الآخرين، وتدفع للتكبر والتعالي وإحتقار آراء وقدرات الغير. تتمثل برفض النقد أو النصيحة، والتفاخر المتواصل بالمنجزات، والتقليل من قيمة الآخرين والسخرية منهم، والشعور بأن أي تصرف هو حق، فتدمر العلاقات الجيدة، وتتوهم الشعور بالكمال والتمام المعرفي والإدراكي.

والأقوياء يصابون بداء الغطرسة الذي يلقي بهم في حفر النهايات القاسية، ولا توجد قوة في التأريخ لم تتحول إلى ضحية فادحة لإرادة الغطرسة، وكأنها آلية توجب التغيير وتعلن أن "دوام الحال من المحال"، وكل قوة إلى إنهيار، لأنها تنمي طاقات فنائها وهي في ذروة أمجادها وإقتدارها.

العجيب في أمر التفاعلات الدنيوية، أن الطاقة المتحركة تؤسس لأسباب خمودها وإنمحاقها، فهي كالشجرة السامقة التي تنخر لبها آفة الأُرضة.

فالغطرسة هي الآفة الخفية المتمكنة من القوة التي تبنتها وتماهت معها.

لو تصفحنا التأريخ لوجدنا أن للغطرسة دورها الفاعل والمتكرر في إنهيار القوى التي تدّعي الهيمنة على شعوب الأرض.

منذ دول ما قبل التأريخ وحتى اليوم، لكل قوة مداها وذروتها ومسارات إنحدارها، لأن وهم الذروة يستولدها طاقات تدحرجية إلى وديان العدم، فلا إتساع دائب إلا في كون بلا حدود ويتوطن الأبدية.

وما يجري من أحداث وتصارعات متنوعة منبعها تناطح رموز الغطرسة في ميادين الهلاك الشامل، فالمتغطرسون لا ينتصرون بل الهزيمة مصيرهم الحتمي، ولهذا فالقوى المتغطرسة ستبيد بعضها لتوفر الظروف لنهوض متغطرس جديد.

تغطرَسَتِ النوازعُ في عُلاها

تمكّنَ وهْمُها حينَ ابْتلاها

تَخاصُمُ بَعْضها أودى بكلٍ

يُكظّمُ ضُعفَها ويَرى أساها

تدورُ بنا وتُهلكنا بآنٍ

فلا تَعْجبْ إذا قَتلتْ أباها

***

د. صادق السامرائي

يشهد عالمنا المعاصر ثورة تقنية رقمية غير مسبوقة، مع توسع هائل في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، التي دخلت مختلف مجالات الحياة، حيث أتاحت هذه التقنيات، إمكانات تسهيل الوصول إلى المعلومات، وتحسين الأداء.

وتجدر الاشارة إلى أن هذا التطور المتسارع في التقنية الرقمية، بات يثير في الوقت نفسه، جملة من المخاوف الفكرية، والثقافية، حول أثر التداعيات السلبية لهذا التطور على الإنسان في ذاته، وفي قدراته الوجدانية، والإبداعية. فالإنسان بما يمتلكه من مشاعر، وأحاسيس، وخيال، وتجارب إنسانية، تشكل جوهر شخصيته، يتميز، عن الآلة، بحسه المرهف، ومشاعره الوجدانية، وقدرته على ابداع النصوص، والفنون بشكل رائع، في حين أنه عندما يعتمد اعتماداً مفرطاً على الأنظمة الذكية في التفكير، والكتابة، والتحليل، واتخاذ القرار، فلا بد إنه سيفقد جزءاً من فاعليته الذهنية، ويعتاد على تلقي نتائج جاهزة، دون بذل ما يلزم من جهد عقلي، للوصول إليها. ومن هنا ينشا التخوف، من أن يتحول الذكاء الاصطناعي، من أداة مساعدة، إلى بديل، عن التفكير الإنساني نفسه.

فالإبداع الحقيقي، كما هو معروف، لا يولد من تراكم المعلومات وحدها، وانما يستولد من المعاناة، والتأمل، والخيال، والتجربة الشخصية، بما هي انعكاس لحس المبدع، ورؤيته الخاصة، لكائنات عوالمه.

ولذلك فإن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في إنتاج النصوص، والأعمال الفنية، سيؤدي إلى نوع من استلاب الإبداع، حيث يصبح النتاج الثقافي عندئذ، أقرب إلى إعادة تركيب ٱلي، لما هو موجود، بدلاً من أن يكون تعبيراً أصيلاً، عن تجربة إنسانية حية.

ولاريب أن سهولة الحصول على المحتوى الجاهز، اضعفت دافعية الإنسان إلى القراءة، والبحث، والتأمل، وهي جميعاً روافد أساسية لتكوين الوعي، وتنمية الخيال. ومن ثم، فإنه مع مرور الزمن، سيجد الإنسان نفسه، محاطاً بفيض من النصوص الجاهزة، والصور، والأفكار المنتجة آلياً، لكنها تفتقر إلى الحس الوجداني، الذي يمنحها معناها الإنساني.

وتجدر الاشارة إلى أن التحدي الحقيقي، الذي يواجه الإنسان المعاصر، يكمن في الحفاظ على التوازن، بين الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي الهائلة، وبين صيانة الخصائص الإنسانية، التي تميز الإنسان عن الآلة، وليس رفض الاستفادة من قدراته. إذ كلما ظل الوجدان حياً، والعقل ناقداً، والخيال متقداً، بقي الإبداع الإنساني، قادراً على تجاوز حدود التقنية، وتحويلها إلى وسيلة لخدمة الإنسان، لا أداة لاستلابه.

***

نايف عبوش

في المثقف اليوم