عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

كانت جدتي رحمها الله تحفظ القرآن على منهاج "دربشدو الحمد"، وعندما أسألها عن معنى آية أو كلمة تحسب ذلك إعتداءً عليها، فهي لا تعرف الجواب، فطريقة حفظها ببغاوية.

تذكرت جدتي والحديث عن حفظة القرآن يتزايد، وهذه ظاهرة سارية في المجتمعات المسلمة فالمهم الحفظ وليس العمل بالمحفوظ، لأن الفهم مبعود والتغني بالكلمات محمود.

حفظ القرآن بفهم ليس بالأمر السهل، وقد جربت ذلك في المرحلة المتوسطة إذ حفظت أجزاءً من القرآن، ووجدت الحفظ بفهم عمل شاق لا يستطيعه إلا ذوي القدرات الفذة، أما الحفظ الببغاوي فيكون أسرع وأسهل.

ويبدو أن من معجزات القرآن أنه يسير على الحفظ، فكان للقرآن حفظة في أيام نزوله وما بعده في زمن الخلفاء الراشدين.

وتدوين القرآن تحقق قسما كبيرا منه بما كان محفوظا في الصدور.

فهل لحفظ القرآن أثر في المجتمع؟

الحافظ للقرآن يحفظه لنفسه ولا يُظهر دوره الإيجابي في المجتمع، فكثرة الحفظة لا تعني تغيرا مهما في حياة الناس، كالحج الذي يمارسه الملايين من المسلمين كل عام، وعند عودتهم لديارهم لا تجد أثرا له في حياة الناس من حولهم.

فالدين على ما يبدو ليس العمل، وإنما الأمل، بمعنى التمني دون العمل.

لو أن حافظ القرآن يعمل بآية واحدة، والحاج يبشر بخلق حسن، لصار المجتمع أرقى وأرحم، ولتنورت الأبصار.

علماء الأمة الأفذاذ حفظوا القرآن وإكتنزوا مفردات تعينهم على التفكير الواسع المطلق الأبعاد، وتقدر بنحو 14870 مفردة و (1600 - 2000) جذر لغوي أساسي، وهذا المخزون اللغوي المَعجمي يؤسس لصياغات فكرية لا حدود لها، ولهذا برز العلماء وتصدروا مسيرة الحياة بقدراتهم المعرفية الفائقة.

فالحفظ الواعي للقرآن يعني تنامي المعارف وإنبثاق الطاقات المتميزة.

فهل نحن مقبلون على ثورة معرفية أصيلة؟

إذا حَفظوا كتاباً إسْتناروا

بما اكْتسبتْ عقولٌ لا تُضارُ

هو القرآنُ منهاجُ ارْتقاءٍ

لساميَةٍ لها الأيّامُ دارُ

فكنْ فيها لبيباً أو أريباً

يُعالجُها ليرْعاها الكِبارُ

***

د. صادق السامرائي

اعتدت أن أذهب بين وقتٍ وآخر ولا سيما في فترة الصباح إلى مقهى يحمل اسم " مقهى أبو سراج" وهو مقهىً يمتد بشكل طولي بمحاذاة شط الحلة قريباً من أقدم وأعرق جسر في المدينة والذي اعتاد الحليون أن يطلقوا عليه تسمية " الجسر العتيق"، هذا الجسر الصغير الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة يقتصر دوره الآن على عبور المشاة ويعاني على الدوام زحاماً شديداً في الذهاب والإياب، وعلى جانبيه يحتشد خليطٌ غير متجانس من الباعة؛ هناك بائع أو بائعان للسمك يضع أحدهم

إناء كبير ثلاث أو أربع سمكات وهناك بائعو السنارات وخيوط الصيد ومستلزماته وكذلك بائعو مبيدات الحشرات وغيرهم،

وبحسب المعلومات المتوافرة لدينا عن هذه المقهى فإن مؤسسها السيد كاظم أبو سراج يعد من الشخصيات المرموقة والفاعلة في مدينة الحلة وهو رجل أعمال ناجح أيضا وقد استطاع في بداية  عهد الجمهورية من استحصال موافقات من السلطات لإنشاء عدد كبير من الدور السكنية للموظفين الصغار في بغداد بكلفة منخفضة وبالتقسيط المريح  ، إلا أن مشروعه الضخم هذا تعرض إلى نكسة مادية على إثر تعرض المواد الإنشائية للسرقة من مناطق تخزينها على يد بعض كبار الضباط  الأمر الذي أدى إلى تعرضه إلى ضائقة مالية أرغمته على الإختباء والتواري عن الأنظار .

في وقت ما ولا سيما في زمن الحصار بوسعك أن تشاهد عند طرف الجسر القريب من المصرف أحد المستجدين المميزين الذي حجز لنفسه مكانا دائميا لا ينازعه عليه أحد سوى حملات موظفي البلدية وسوف تتوقف لبرهة من الوقت وأنت تستمع إليه وهو يلقي على مسامع الناس أشعارا لا يفقهون منها شيئا ولكنه اعتاد أن يكرر البيتين الشعريين التاليين:

أمانا أيها القمر المطلُّ

فمن جفتيك أسيافٌ تُسلّ

يزيد جمال وجهك كل يومٍ

ولي جسد يذوب ويضمحل

وعندما تتحرى عن هذا المتسول ستعرف أن اسمه رزاق وأنه كان فيما مضى موظفا في دائرة الري ولكن عجلات الزمن سحقته بلا هوادة.

ومن مهازل القدر الفظيعة أن يختار أزلام النظام هذا المقهى كمسرح حي لجريمة قطع اللسان بحق عدد من المواطنين الذين يثبت أنهم شتموا القائد الضرورة وقد تم بالفعل قطع ألسنتهم  وسط ذهول وصدمة مرتادي المقهى وكان يوماً مشهوداً سيظل محفورا بالدم في ذاكرة من شهد هذه الواقعة المفزعة " واللافت أنهم جلبوا معهم مفرزة طبية لمعالجة تداعيات ذلك .

هذا الجسر سيرسّخ ثيمته بشكل نهائي شاعر الحلة موفق محمد بإحدى قصائده حيث قال؛

جسر الحلة / مكتئباً أسيان/ طالت لحيته وابيضّت/ فتعلّق فيها الصبيان !

علمتُ أيضاً أن عدداً من مثقفي المدينة يرتادون هذه المقهى، فذهبت إليها وهناك أتيح لي أن أتعرف على المكان الذي اعتاد أن يجلس فيه الناقد ع . ع، والذي كنت معجباً بكتاباته النقدية التي ينشرها في كبريات الصحف العراقية، وكان قد شاع في الأوساط الثقافية العراقية أن كتابه عن الشاعر بدر شاكر السياب يعد من أهم وأفضل الكتب التي صدرت عن هذا الشاعر الذي ترك بصمة لا تُمحى في ميدان الشعر ، بيد أن الذي حببني إلى هذا الناقد بصفة خاصة أن اسلوبه كان واضحاً وإن تكن جمله قصيرة ومقتضبة إلا أنها منغّمة ومحملة بالمعاني العميقة، بعكس نقاد آخرين اعتادوا أن تأتي كتاباتهم النقدية متخمة بمصطلحات واستشهادات فجة مقتبسة من الكتابات النقدية المترجمة ربما ليس للكثير منها علاقة بما يتكلمون عنه، فهم والحال هذه لا يقدمون نقوداً للنصوص المعنية وإنما يستعرضون أنفسهم وثقافتهم المشوهة ليس إلا ، سيما وأن الناقد الحلي الشهير الدكتور علي جواد الطاهر كان أثنى على ناقدنا واعتبره واحداً من أنبه تلامذته وعقد عليه آمالاً كبارا في استكمال ما دراجته الهوائية التي كان يُطلق عليها تسمية " العراقي"، الذي كان رفيقه الدائم في تنقلاته داخل المدينة، وقد علمت أنه رفض التعيين في دوائر الدولة وهو اختار العزوبية بمحض إرادته، لأنها تتواءم وتنسجم مع شخصيته الانعزالية، وقد مر ناقدنا بأوقات عصيبة جداً بعد أن تم فرض الحصار الاقتصادي على العراق ....كان بدأه هو في مشوار النقد الأدبي، وبعد مرور وقت ليس بالقصير، استطعت أن أقترب من عالم الناقد المثير على الرغم من تحفظه الشديد من الأشخاص الجدد الذين كانوا يرومون الدخول في حلقته، لاحظت أنه كان يأتي إلى المقهى صباحاً على الرغم من تحفظه الشديد من الأشخاص الجدد الذين كانوا يرومون الدخول في حلقته، لاحظت أنه كان يأتي إلى المقهى صباحاً على دراجته الهوائية التي كان يُطلق عليها تسمية " العراقي"، الذي كان رفيقه الدائم في تنقلاته داخل المدينة، وقد علمت أنه رفض التعيين في دوائر الدولة وهو اختار العزوبية بمحض إرادته، لأنها تتواءم وتنسجم مع شخصيته الانعزالية، وقد مر ناقدنا بأوقات عصيبة جداً بعد أن تم فرض الحصار الاقتصادي على العراق ..

***

احمد الحلي

 

حين تهزّ رياح الحياة أشجارنا.. فلسفة الوابي - سابي

كل ما هو متكون ومخلوق هو مؤقت وغير دائم (أنيكا)، وكل ما هو مؤقت ومتحول هو بطبيعته يحمل النقصان والمعاناة (دوكها)، وعندما يدرك المرء ذلك بحكمة، فإنه يتجاوز المعاناة ؛ هذا هو طريق النقاء والسلام 

هكذا يضعنا الفيلسوف بوذا في صميم الحقيقة الوجودية الكبرى. ومن رحم هذه الرؤية العميقة المستلهمة من موروث الزن حول زوال الأشياء وعدم دوامها، وُلِد مفهوم الـ وابي-سابي (Wabi-Sabi) الياباني، ليُعيد تشكيل وعينا الجمالي والروحي. وفي عالم يلهث خلف السرعة، ويقدس الخطوط المستقيمَة والكمال الهندسي المصطنع، تبدو النفس البشرية أحياناً وكأنها تعيش في سباق محتوم ضد الزمن والعيوب؛ لذا يأتي هذا المفهوم العريق ليُنقذنا من هذا الصراع العبثي، نازعاً عن أرواحنا عبء السعي المستمر خلف مثاليات زائفة ومصطنعة لا توجد إلا في مخيلتنا وحدها.

درس سين نو ريكيو: حين تُزهر العشوائية

تتجسد روعة هذا المفهوم بوضوح في حكاية تاريخية شهيرة لـ «سين نو ريكيو» Sen no Rikyū، سيد احتفالات الشاي الياباني الشهير. حين طلب من أحد تلاميذه إعداد الحديقة لحفل شاي، انبرى الشاب بحماس لتنفيذ المهمة؛ فأزال الحجارة الصغيرة، وشذب الأغصان بدقة متناهية، ومسح الأوراق اليابسة من على الأرض حتى بدت الحديقة مثالية وخالية من أي شائبة.

ولكن، عندما قدِم المعلّم إلى المكان، لم ينبهر بذلك التنظيم المعقم، بل سار وسط الحديقة التي لا عيب فيها، حتى وصل إلى غصن شجرة فأمسك به وهزّه برفق، متأملاً تساقط وريقات الشجر بعشوائية على الدرب المهذّب. لم يكن تصرف ريكيو عبثياً، بل كان بليغاً وعميقاً؛ لقد أراد أن يخبر تلميذه أن الطبيعة الحقة لا تعرف القوالب الجامدة، وأن الجمال الحقيقي يكمن في اللمسة الإنسانية العفوية وفي عشوائية الحياة التي تمنح الأشياء روحاً ونبضاً.

قبول الذات والندوب: جمال الأصالة وسط جروح التجربة

يمثل العمق النفسي لفلسفة الوابي-سابي ثورة حقيقية على ثقافة الجلد الذاتي والملاحقة المستمرة لصور الشخص الكامل المستحيلة. إننا غالباً ما نرهق أرواحنا بمحاولة إخفاء إخفاقاتنا، أو محو ندوبنا الماضية، وكأن البشر آلات يجب أن تخرج من المصنع بلا خدش. لكن الفلسفة هنا تدعونا لننظر إلى ندوبنا النفسية والجسدية بوصفها وسام أصالة وخريطة طريق لقصصنا الفريدة. تماماً كما تُصلح الفخاريات المكسورة في اليابان بخيوط الذهب فيما يُعرف بفن الكنتسوجي Kintsugi لتصبح القطعة أكثر جمالاً وقيمة بعد كسرها، فإن جروحنا وتجاربنا المؤلمة، حين نقبلها بوعي، لا تنقصنا بل تضيف إلينا عمقاً ونضجاً لا يملكه من عاشوا حياة معقمة وخالية من التحديات.

بهجة الأشياء العتيقة: وفاء للذاكرة ودفء المادة

في مسار موازٍ، تقف هذه الفلسفة في وجه ثقافة الاستهلاك السريع التي تملي علينا التخلص من كل شيء بمجرد ظهور علامة بسيطة لمرور الزمن عليه. إن الأشياء التي نحيط بها أنفسنا تحمل طاقة ودفئاً يتضاعبان كلما شاركتنا تفاصيل أيامنا؛ فالكتاب القديم الذي تملأ هوامشه ملاحظات بخط اليد، والطاولة الخشبية التي تحمل آثار سكب القهوة وضحكات الأصدقاء، تكتسب قيمة معنوية لا تقدر بثمن. الوابي-سابي يعلمنا أن نحب الأشياء في واقعيتها؛ فالأشياء المستعملة بحب تروي حكاياتنا الصامتة وتمنح بيوتنا أرواحاً دافئة تفتقدها الأجهزة الباردة واللامعة بطريقة مصطنعة.

التصالح مع زوال الأشياء: طمأنينة في حضرة التغير

إن الصراع الأكثر إهاكاً للبشر هو محاولة إيقاف الزمن أو الهروب من حقيقة أن كل شيء يتغير ويتحول. الخوف من الشيخوخة، أو القلق من زوال المكتسبات، أو حتى التشبث باللحظات الجميلة كأنها لن تنتهي، كلها أعباء تثقل كاهل الروح. يعلمنا الوابي-سابي أن نتقبل حقيقة أن الازهار والذبول وجهان لعملة واحدة؛ فالأوراق اليابسة التي أعجب بها ريكيو هي جزء من دورة الحياة الطبيعية. حين ندرك أن التغير ليس خصماً لنا بل هو القانون الأبدي للكون، فإننا نتحرر من قلق الاحتفاظ ونستمتع باللحظة الحاضرة بعمق وطمأنينة أكبر.

الالتفات إلى التفاصيل الصغيرة: إيجاد السعادة في البساطة

أما البعد الأخير، فيعيد توجيه بوصلة انتباهنا بعيداً عن صخب الإنجازات الكبرى واللهاث خلف ما هو باهظ ومبهر، ليضعنا وجهاً لوجه أمام سحر التفاصيل العادية جداً. إن السعادة في هذا المفهوم ليست هبة نادرة، بل هي مهارة في التقاط الجمال الكامن في فنجان قهوة هادئ، أو صوت حفيف الأوراق، أو جلسة بسيطة خالية من التكلف. عندما تتجرّد حياتنا من التعقيد والتظاهر، نكتشف أن أبسط الأشياء هي أعمقها غنى وأكثرها قدرة على منحنا شعوراً حقيقياً بالامتنان والاكتمال الداخلي.

في جوهرها، لا تُعلّمنا فلسفة الوابي-سابي كيف نصلح الأشياء أو نجملها، بل كيف نُعيد تصالحنا مع الوجود بحد ذاته. إنها دعوة جذرية لإسقاط الأقنعة والتحرر من عبء المثالية الوهمية التي تقيد أرواحنا في قوالب صلبة. وحين ندرك أن الوجود الإنساني، بكل ندوبه وعشوائيته وعابريه، يشبه تماماً تلك الحديقة التي هزّ ريكيو غصنها لتتساقط أوراقها بحرية، فإننا نصل إلى اليقين الأعمق: أن الحياة لا تكون جميلة لأنها كاملة، بل تصبح كاملة وحقيقية، لأنها ناقصة ومتغيرة وبسيطة.

***

ئاريان على

يا لمرارة خيباتنا حين ندرك أنّ أخطر ما فينا أنّه بمقدورنا أن نعرف أشياء كثيرة دون أن تتغير حياتنا بسببها، عرفنا أن العمر قصير وبدّدناه، ويقينا عرفنا أنّ الذين نحبّهم سيموتون ثمّ أجّلنا محبتهم إلى غد، وأيّ غد؟، عرفنا أنّ الظلم يترك ندبا في الأرواح، ومارسناه على من هو أضعف منّا، وكم عرفنا معنى الوحدة، وتركنا من هم بحاجة لوجودنا في حياتهم وحيدين، يااااه... عرفنا معنى الخوف ثمّ أصبحنا نحن أنفسنا مصدرا لخوف الآخرين، بل ربّما مصدرا لازعاجهم وإحباطهم من حيث لا ندري أو ربّما من حيث نقصد ونسعى، ولَكَمْ عرفنا أنّ الموت قادم يتربّص بنا من كلّ صوب، وفي كلّ وقت، ثمّ مشينا في الأرض كأنّنا خالدون... ما أعدل أن نؤاخذ على ما اقترفناه في حقّ أنفسنا! بل في غايات الحياة ذاتها، حين ظنّنا أنّ الحياة على الأغلب تكون في غرفة جميلة نجلس فيها، أو ربّما في قصر جميل يأوينا، أو في سيارة فارهة تشكّل بهرج حياتنا. بينما الحياة تحدث خارج إطار التفاهات المادية، ولا تحدث إلاّ في الخارج، خارج أسوار بيوتنا، وخارج نطاق معتقداتنا وقناعاتنا، بل يتشكّل ملمح الحياة مع تقاطعات إخفاقاتنا، واكتشافنا الحقيقة عند كل سقطة ووثبة... حينها ندرك أن الحياة تحدث داخل المعنى.

حينها نقتنع شيئا فشئا أنّ اليقين له بؤرة تعرف بمنطقة المعرفة الباردة، إذ يتدرّج من حرارة الغواية بالأشياء والأشخاص في غفلة منّا، ثمّ تُفتح أمامنا درجات متصاعدة من الإدراك، إدراك من يعلم بقين الحقيقة، ثمّ ينعم الله علينا فتتبدّى أمامنا الحقيقة، وتُكشف أمامنا السبل لإدراكها كما هي لا كما نراها أو كما سوّلت لنا أنفسنا أن نراها، فنراها بعين اليقين، لكنّنا سرعان ما نتلقّى ضربة موجعة، تكشف لنا بطلان ادّعائنا، لأنّنا علمنا، وكابرنا، ورأينا ومازال يهلكنا الأمل، ووصلنا إلى حقّ اليقين فصدمنا ببرودة المنطقة التي حللنا بها، كأنّها نهاية الطريق كلّه ! ما أغرب ما نمرّ به، نعرف فنرى، فنتيقن، ثمّ نُسأل عن يقيننا، كأنّ المعرفة ليست امتيازا، بل بداية مسؤولية، وكأنّ العين حين ترى الحقيقة لا تعود بريئة كما كانت قبل أن تراها. فليس كلّ علم يقينا مكتملا، قد أعرف أن الماء موجود، وقد أراه أمامي، لكنّني لا أذوقه، فإذا شربته صار جزءا مني. ولعلّ هذه هي المسافة بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، ففي علم اليقين أعرف الحقيقة، وفي عين اليقين أراها، وفي حق اليقين لا تعود الحقيقة شيئا خارج وجودي، بل تدخلني وتطالبني بأن أكون على قدرها. لذلك فالسؤال الأخطر ليس" هل عرفت؟ "ولا حتىّ "هل رأيت؟" بل ماذا فعلت بعدما عرفت ورأيت؟

ولعمري فقد يعرف الإنسان أن الحبّ حرية ثم يحوّل من يحب إلى سجين، وقد يعرف أن الكرامة حقّ ثم يهين من لا يملك الدفاع عن نفسه، وقد يعرف أن الموت قادم ثم يعيش كأنه خالد. نحن لا نُختبر فقط بما نجهله، أحيانا نُختبر بما نعرفه. فحجّتنا قبل المعرفة أن نقول" لم نكن نعلم"، أما بعدها فيبدأ العذر في الانهيار، وقبل الرؤية نستطيع أن نقول "لم أرَ "، أما بعدها فإنّ الهروب من الحقيقة يصبح اختيارا. فلكم عرفنا الطريق الطريق ولم نمشه، ولكم عرفنا من يستحق اعتذارنا وأجّلناه، وكم من صديق يتعب في صمت، وقلب قريب منا يوشك أن ينطفئ، ثمّ نتصرف حيال ذلك ببرود، كأن الحياة تمنحنا فرصة أخرى لنجد من هؤلاء نسخا احتياطية نعيش بها الوقت بدل الضائع.

لذلك أحبّتي أوصيكم وأنا أعلم علم اليقين بأنّكم تعرفون، وأرى بعين اليقين ما ترونه، وأرى حق اليقين بأن تحوّلوا الحقيقة فيكم إلى مسؤولية، ومعارفكم إلى أخلاق، وأبصاركم إلى رحمة، وأن تتّخذوا من يقينكم تواضعا. فما إن عرفتم أكثر عذرتم أكثر، وما إن رأيتم أكثر حكمتم أقل. إذا لمستم هشاشة الآخرين فلا تتلذذوا بكسرهم، فلربما كان الجاهل أخفّ مسؤولية من العارف الذي لم يفعل شيئا بعلمه.

وهنا يصبح النعيم نفسه سؤالا. العقل نعيم، والصحة نعيم، والوقت نعيم، والحبّ نعيم، والقدرة على المعرفة نعيم، فماذا فعلنا بكل ذلك؟ كم مرة استعملنا الثقافة لاحتقار الآخرين بدل إنقاذ أنفسنا من الغرور؟ كم مرة تحدّثنا عن القيم ونحن نعيش ضدّها؟ كم مرة مر بنا النور فأغلقنا الأبواب في وجهه؟

إن المعرفة التي لا تغيّر صاحبها قد تكون شكلا آخر من أشكال الترف، لأن الحقيقة حين تدخل حياتك لا تتركك كما كنت، إنها تطلب ثمنها. وحين نعود إلى الآية، نفهم أن النعيم ليس ما نملكه فقط، بل ما أُتيح لنا أن نصنع به: " ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ " آية 8 من سورة التكاثر، فيتحقّق معنى بيت الشعر للمتنبي:" ذو العقل يشقى في النعيم بعقله // وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم ".

عندها لا يعود السؤال ماذا كنت تعرف؟ بل ماذا صنعت بما عرفت؟ ولا يكون الرعب في أن تكون قد عشت في الظلام، بل في أن تكتشف متأخّرا أنّك رأيت النور، ثمّ اخترت أن تطفئه.

***

ليلى تبّاني - الجزائر

 

صورة كمقدمة

في يده كتاب، كل الأعين تترصّده، تُحصي حركات شفتيه، واصبعه حين ينتقل بين الصفحات، تنظر إليه شزراً وتوجُّساً كأنه يحمل ممنوعات أو قنبلة موقوتة تنتظر ساعة انفجارها، بينما تحمل الأيادي الأخرى هواتف تكان الأعين تشقُّ شاشاتها لتدخلها، بين الصورة والصورة، تتهامس الألسن، وتشير الأصابع، وتتغامز الأعين، نظرات حذرة مستنكرة ومتوجّسة، تثير كثيرا من الأسئلة، بينما يستمر الكائن الغريب في القراءة بنفس الحركات في غير اهتمام بما يدور حوله.

مفارقة صادمة، تثير كثيراً من الأسئلة، بين كوننا "أمّة اِقرأ"، وبين الواقع الثقافي المرير الذي وصلنا إليه، هي واحدة من أعمق الفجوات الحضارية التي نعيشها، إذ حوّلت القراءة في وعينا الجَمْعي إلى طقس نخبوي، بدل أن تكون القراءة أداة حية وعلمية لفهم الكون وتطوير الحياة يتقاسمه الجميع.

صناعة النُّفور من القراءة..

في زمن تحكّمت فيه وسائل التواصل الاجتماعي، وسلطان الصورة، وارتخاء الفكر عن السؤال، ومسائلة الواقع الذي اعتاد أهله العتمة والظُّلمة والفكر النّائم المريح، زمن تحولت فيه القراءة إلى فعل منافٍ للأعراف، حين أصبح القارئ متمرّداً يهدّد ما تواضع عليه النّاس، وما جاءت به النظم المعلوماتية، علينا أن ننظر في أصل هذا النفور، في البدايات والمنطلقات الأساس، فعندما ارتبطت القراءة في عقل الصِّغار بالامتحانات، ولا تتجاوز الحفظ والتلقين والنقط والخوف من الرسوب، نشأت العداوة تجاه الكتاب، واضمحلّ شغف القراءة، لأنها هنا، لا تولِّدُ المتعة والفضول العلمي، بل تنتهي بانتهاء الامتحان، فيُعلن الصّغار تحرُّرهم من الكتاب الذي ارتبط في وعيهم بالقيد والتوتّر والانتظار. فالقراءة في أوطاننا لا تؤدّي إلى التّساؤل والنقد والتفكير الإبداعي وفهم العالم من حولنا، خصوصاً حين هجمت علينا، من حيث ندري أو لا ندري، وسائل التواصل الاجتماعي بنُظُمها المعلوماتية المُصمّمة بدقة العارفين لاختطاف الإثارة البصرية وحجزها في خانات ضيقة تهتم بالصورة واللون بعيدا عن القراءة وفك شفراتها، وسلب العقول وقولبتها لتقرأ ببلادة مُمنْهجة، وتبتسم ببلاهة  ظاهرة تُبدي للنّاظر التفاهة التي تغوص فيها حدّ غياب الوعي، حتى أصبح حامل الكتاب وسر القراءة يغرّد وحيداَ خارج السّرب، وتلك ضريبة الوعي الواعي بأهمية القراء في مجتمع يقدّس السير مع القطيع.

"اِقرأ" أمر بوصفه واجبا إنسانيا..

في زمن العميان، يعيش الغربة من يتمسّك بالقراءة كمنهج حياة، وكواجب وفرض ، ومتّهم، بل خطر على ما تعارف عليه التّافهون الذين جعلوا الكتاب خلف ظهورهم، وأطفأوا النور، واستحلوا العمى حين رأوا في العتمة راحة.

"اِقرأ"، أمرٌ واضحٌ وجلي، والأمر واجبٌ تنفيذه وتطبيقه، ليس اُعبد أو جاهد أو هاجر..، "اِقرأ"، لا للتهجّي وفك رموز الحروف والكلمات، بل فعل إدراك ووعي وبحث عن الحكمة التي هي ضالّة المومن/الإنسان، ليبني وعيه على علم لا عن جهل وتقليد، وتبصّر لا عن اتباع هالك. فالذي يُعطي الوجود معناه وقيمته هو الإنسان القارئ الواعي بما يقرأ، والواعي بالأمر، فيتأكّد المعنى ويتحوّل الوجود من عشوائي تبعي إلى خروج واع عن المألوف وما تواضع عليه الآخرون، فيتأكّد الأثر، وينغرس المعنى، وتُعَمّر الأرض بالحق والعدل والخير، وتتحقق بذلك حقيقة الاستخلاف في الأرض. فاِقرأ أعمق من فتح كتاب، إنها إنصاتٌ لنبض الوجود واكتشاف سنن الكون، وفهم الغاية العظمى منه. وبالصّدّ عن الأمر، نُحيي عصر حرق الكتب وقتل القارئين الذين أسّسوا للسؤال والبحث فيما يمنح الأشياء حقّها وقيمتها، إذ يتجلّى كُره القراءة بوصفه موقفاً دفاعيا، لأنّها تُسفِّه اختيارات العُمْي الذين بنوا "ثقافتهم" على الاتّباع والتقليد وسياسة القطيع، يأخذون من الآخر حياته ويتلبّسونها هانئين مفتخرين بعقولٍ مرتاحة لا تسأل، ولا تفكّر في الحال ولا في المآل، وعيونٍ اطمأنّت للحياة في غيابٍ تام عن البحث والسؤال في جدوى البُنى القائمة على التّضليل والمتحكّمة في هذا العمى الذي استفحل، ضدّ القراءة والكتاب، واستسهل ما وصل إليه من تردّي وتفاهة بعيون لاصقة بشاشات لا تتجاوز مساحتها حجم الكفّ.

إن صناعة العمى والنفور من الكتاب، واغتيال شغف القراءة، تجعل النّظر في الكتاب نقمة، وجريمة وتخلُّف، ومن القارئ المتبصّر مغتربا منبوذاً، وحمله للكتاب تهديد لما ارتاح وتعارف عليه العُمي الذين يبحثون عن السّهل الذي أحدثته النّظم المعلوماتية والذي أصبح متهافتاً عليه، ومُستباحاً، ومشاعاً من دون ضوابط، عبر الأساليب النّاعمة كالتّسطيح المُمنهج، وإغراق الفضاء العام بالمعلومات التّافهة، وتحويل القراءة إلى تُهمة فكرية لا طائل منها.

هل يحتاج العالم إلى القراءة؟..

القراءة أكثر من فهم، إنها تحوُّل وليست استيعاباً عقليا فحسب، بل ولادات في فضاءات المعنى تتعدّد وتتجدّد، والكتاب، للأسف، في زمن العميان يبحث عن موطئ قدم، لا لمنافسة الهواتف النّقّالة، وسطوة النظم المعلوماتية، فبحكم تعقّله لا يمكنه أن يدخل في حرب، والحرب خُطّة وليست خدعة، لأن الكتاب لا يخدع قارئه، فهو يسعى إلى بعث الأمر الإلاهي من تحت الرّماد، وفتح قنوات تواصلية جديدة لإحياء الفعل القرائي على أسس فكرية ناقدة مبنية على السؤال والنّقاش المثمر. فالقراءة عمقٌ في زمن السّطحية، ومقاومة للرداءة في عصر الميديا، وحصن من الانقياد للشائعات والتّضليل الإعلامي.

أن تقرأ، في زمن العميان، يعني أن تعيش غريباً كالقابض على الجمر، وسط غرباء اختاروا غربتهم حين تواطأوا على كراهية الكتاب والفعل الثقافي عموماً، لأن القراءة نداء عميق يأتي من داخلنا، تُرمّم ما انكسر منّا وتُؤثّث تفاصيل الحياة بما يصلح لوجودنا.

القراءة مرهم للنفوس التي أعْمَتْها مباهج الحياة، وسهّلت وصولها إلى ما تريد من دون جهد أو إعمال للفكر، فالعُمي استحلّوا السّهل، فباتوا في عماهم ضد التغيير، وضد السؤال، وضد القراءة، إذ، وحدها القراءة نور ودونها العُقم والعقر، وتدنّي المعنى وإنسانية الإنسان، وانمحاء الغاية من الوجود. القراءة في وضعٍ لا تُحسد عليه في مجتمعات تزداد عمى وبعدا وتعقيداً، منكفئة على ذاتها تتناقل أسرارها داخل دائرة تضيق كلما مرّ الزمن، بينما عجلة العالم تدور مسرعة تحصد كلّ شيء، ولا تعترف بشيء.

يتجلّى كُره وعداء القراءة بوصفها موقفا دفاعياً، لأنها تُسفِّه اختيارات العُمي التي تنبني على القراءة بداية ومنتهى..

القراءة تمثل رحلة كاملة للوعي الإنساني وتطوره. فهي الشرارة الأولى لطلب المعرفة وخوض غمارها وجني ثمارها لبناء العقل والحضارة والإنسان، وهي الغاية الأخيرة التي نصل بها إلى عمق فلسفة الحياة وفهم العالم. وهي رحلة بلا نهاية، لأنها الادراك التّام لاتّساع جهل الإنسان أمان المعرفة ليشقّ مجاهلها ومداراتها، لتصبح النّهاية بداية لرحلة جديدة في دائرة مكتملة لا تنتهي.

في مجتمعات تُفضّل العتمة والاستسلام للتضليل، واستساغة السرعة في الحصول على المعلومة مقزّمة لا تُسمن ولا تُغني من علم، تكون القراءة حافلة بالمخاطرة، إذ أصبحت خط الدفاع الأخير عن العقل البشري وعن السؤال. فالقراءة تمنحك مساحة خاصة للتفكير بعيداً عن ضغوط القطيع والنظم المعلوماتية، وتؤهّلك لخوض حرب التجهيل، وتُعيد للغة عمقها وقدرتها على التعبير عن الرفض، وتخلق لدى الفرد صلابة نفسية وفكرية تمنعه من الانهيار أمام قطعان التجهيل، وترفض الوصاية على العقل، وتصر على أن تكون شاهداً على الحقيقة، لأنها تحمل داخلها أسلحتها القادرة على إنقاذنا من أنفسنا ومن براثن السطحية والرداءة التي طبعت أدق تفاصيل حياتنا، حين فقدنا القدرة على الإصغاء لذواتنا الحائرة.

ختاما..

القراءة تعيد تشكيل وعي الفرد، وتستأنف بناءه الإنساني ليواصل تواجده الحضاري والتغييري للخروج من قهره الاجتماعي وتجاوز ذاته للإطاحة بالعزلة والأنانية، وهدم الجسور والحدود الذاتية، للوصول إلى الآخر وإلى العالمية والتاريخية، والمشاركة البنّاءة بدل الارتهان للجاهز والسائد من الأفكار.

القراءة صمّام أمانٍ فكري ونفسي وحضاري، وضمان استمرار السؤال والتّطوّر والابتكار، وحصن لحماية إنسانية الإنسان، والراعي الوحيد لعدم انقراض الوعي البشري، وهي فعل هدم وبناء، لأنها تعيد فحص الأسباب، وطرح السؤال حول البنى المتحكمة في هذا العمى الذي يتفشّى بسرعة بين الأوساط، خصوصا الشبابية منها، كما أن نظرتنا لها يجب أن تتغير وتتحول إلى فعل مقاومة جذري.

الرهان اليوم على أولئك الذين يصرّون على فتح الكتاب، ويؤمنون بان التغيير يتطلب صبرا ووقتا وتضحيات، لأنهم آخر حُرّاس الذاكرة، الواقفون على ثغور المحو، والشاهدون على أن الإنسان ذاتٌ مفكّرة لا مقلّدة، يُثير الأسئلة لترى ما وراء الأفق.

***

عبد الهادي عبد المطّلب

الدار البيضاء/المغرب

حين يشتري السوق ضمير الأكاديميا وتتحول المختبرات إلى مكاتب تسويق

لم تعد الجامعات ومراكز الأبحاث في عالمنا المعاصر تلك القلاع المحصنة التي تُنتج المعرفة من أجل الإنسان وخلاصه من الجهل والمرض، بل باتت تشهد انزلاقاً خطيراً نحو منطق السوق ومتطلبات الربح السريع. هذا التحول ليس مجرد أزمة إدارية عابرة، بل هو تمظهر صارخ لما يعرف اليوم بـرأسمالية الأبحاث، حيث استطاعت الشركات العابرة للحدود والكيانات الاحتكارية الكبرى أن تُمسك بمفاصل التمويل الأكاديمي، وتعيد توجيه بوصلة العلم وفق مصالحها الخاصة، في عملية مصادرة ممنهجة للعقول والاستقلال المعرفي. في واقع الحال بدأت هذه المعضلة مع تراجع الإنفاق الحكومي والدعم العام المخصص للمؤسسات الأكاديمية والبحثية، الأمر الذي أوقع الجامعات في فخ الارتهان التمويلي للقطاع الخاص. وتكمن المفارقة الصادمة هنا في أن التمويل لم يعد هبة غير مشروطة لدعم رصانة المعرفة، بل تحول إلى عقد استثماري تفرضه الشركات وفق شروط صارمة. وبذلك همشت العلوم الأساسية والفلسفية والإنسانية بحجة أنها لا تدر أرباحاً فورية، بينما وجهت المختبرات التقنية والطبية للبحث عن عقاقير وتقنيات تضمن احتكار السوق ورفع أسهم المستثمرين، حتى لو كان ذلك على حساب أولويات الصحة العامة والمجتمعات الأكثر فقراً. ولا يقف الأمر عند حدود توجيه الموضوعات، بل يمتد إلى مصادرة الباحث نفسه. فالأكاديمي الذي يفترض به أن يكون حارساً للموضوعية والحقيقة، يجد نفسه مقيداً بـ اتفاقيات سرية وبنود جزائية تجبره على إخفاء النتائج التي قد تضر بالمنتج التجاري للممول، أو تضخيم الإيجابيات لخدمة الحملات التسويقية. إنها مصادرة ناعمة للعقو"، يتم بموجبها تدجين النخبة العلمية وتحويلها من قوة نقدية مستقلة إلى أدوات تكنوقراطية لتبرير التوسع الرأسمالي وحماية براءات الاختراع الاحتكارية. إن تداعيات هذه الظاهرة تتجاوز أروقة الأكاديميا لتضرب صميم الأمن القومي والمجتمعي للدول النامية خصوصاً، حيث تباع مخرجات العقول بأثمان باهظة في سوق دوائي وتكنولوجي مغلق، ويحرم المجتمع من حق الوصول إلى المعرفة بوصفها منفعة عامة. تأسيساً على ذلك، بات لزاماً دقّ ناقوس الخطر والعمل على استعادة السيادة المعرفية. إن الدفاع عن الرصانة الأكاديمية اليوم لا ينفصل عن المعركة الوطنية للدفاع عن التنمية. فالأوطان التي تفقد السيطرة على بوصلة بحوثها العلمية وتترك عقول أبنائها رهينة لأجندات الشركات الكبرى، ترهن مستقبلها الاقتصادي والصحي برمته لسطوة سوق لا يعترف بالأخلاق ولا يكترث بمصير الإنسان.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

تغيّرت الحياة كثيراً، وتغيّرت معها أدوار المرأة ومسؤولياتها؛ فالمرأة اليوم تتعلم وتعمل وتشارك في مختلف الميادين، وتؤدي أدواراً محورية في المجتمع. ومع ذلك، يبقى سؤالٌ يستحق التأمل: هل أدى هذا التغيير إلى انتهاء دورها كزوجة وربّة بيت وأم؟

إن دور المرأة كزوجة ركن أساسي في الحياة الأسرية؛ فهي شريكة في بناء حياة تقوم على المودة والاحترام، تقف إلى جانب زوجها في السراء والضراء، كما يقف هو إلى جانبها. وهي شريكة في مسيرة كاملة تتطلب الحب والتعاون وتحمل المسؤولية، وليست مجرد امرأة تشارك غيرها السقف ذاته.

ومن أهم أركان هذه الشراكة العطاء المكلّل بالاحترام؛ فالزواج ليس عملية تجارية تقوم على حسابات الربح والخسارة، ولا ينبغي أن يتحول إلى تدقيق دائم فيما يقدمه كل طرف وما يحصل عليه في المقابل. فالزوج الذي يعمل من أجل أسرته ويشارك في تربية أبنائه يقدم عطاءً عظيماً، والزوجة التي تبذل من وقتها وجهدها لرعاية أسرتها واستقرارها تقدم عطاءً لا يقل قيمة.

أما مفهوم «ربّة البيت» فهو أوسع بكثير من مجرد الأعمال المنزلية اليومية؛ فهي سيدة المنزل التي تدبّر شؤونه وتنظمه، وتخلق بيتاً يجد فيه أفراده الراحة والأمان والانتماء. ويعني ذلك أن تكون الأسرة في صدارة أولوياتها، ولا يعني أن تتحمل المرأة وحدها جميع الأعباء المنزلية، كما يجب أن تكون الأسرة في صدارة أولويات الزوج أيضاً.

وأما دورها كأم، فهو أعظم من أن يُختزل في توفير الطعام والملبس والتعليم؛ إذ إنها شريك أساسي في بناء شخصيات الأبناء وغرس القيم والأخلاق التي ترافقهم طوال حياتهم. فالطفل يحتاج إلى الحنان والقدوة والاحتواء، ولا تكفيه الرعاية المادية وحدها.

وهنا يحق لنا أن نتساءل: أيُّ هذه الأدوار يمكن الاستغناء عنه: الزوجة، أم ربّة البيت، أم الأم؟ وهل يحق للمرأة تقديم استقالتها من أحد هذه الأدوار والتخلي عنه؟

اليوم أصبحت المرأة تعمل، وتتولى المناصب العليا العلمية والإدارية، وتمارس التجارة بكفاءة واقتدار، وبذلك قلّ اعتمادها المادي على الزوج مقارنةً بما كان عليه الحال سابقاً. لكن هذا كله لا يلغي دورها داخل الأسرة، بل يظل هذا الدور من أهم مسؤولياتها، ويضاف إلى مسؤولياتها الأخرى. ومهما كانت الوظيفة مهمة، فلا ينبغي أن تكون بديلاً عن الأسرة. وكذلك الحال بالنسبة إلى الرجل؛ فعمله لا يعفيه من دوره الأسري، إذ إن الزوج شريك في تربية الأبناء ورعاية البيت، وليس مجرد مُعيل مادي.

لقد ظهرت في السنوات الأخيرة آراء تُعيد تعريف العلاقة الزوجية بطريقة أثارت جدلاً واسعاً؛ ومنها الاستناد إلى بعض الآراء الفقهية التي ترى أن المرأة غير ملزمة بخدمة زوجها. ولا اعتراض، بالطبع، على وجود مثل هذه الآراء الفقهية وتعدد الاجتهادات فيها؛ فالزوجة ليست خادمة لزوجها، كما أن الزوج ليس خادماً لزوجته، ومجرد النظر إلى العلاقة الزوجية من هذا المنظور يُعدّ انتقاصاً من منظومة الزواج. إن هذا التصور يفرغ الزواج من روح المشاركة، ويجعل التعاون في شؤون البيت أمراً يُنظر إليه بوصفه انتقاصاً من الحقوق أو الكرامة.

فالحياة الزوجية في جوهرها شراكة قائمة على المودة والرحمة، وليست علاقة بين صاحب عمل ومن يعمل لديه. والبيت ليس فندقاً يجتمع فيه الطرفان في نهاية اليوم، ولا مضماراً لتعديد الحقوق والمطالبة بها، مع النظر إلى الواجبات بوصفها عبئاً ثقيلاً. وعلى كل أسرة أن تجد طريقتها في تنظيم شؤونها وإدارة بيتها بما يضمن استقرار الحياة العائلية، سواء بتوزيع المهام بين الزوجين أو بالاستعانة بمساعدة منزلية عند الحاجة والقدرة، دون أن ينتقص ذلك من مكانة أحد أو من قيمة الأسرة.

حدثت كل هذه التغييرات بسرعة، فما الأسباب التي أدت إلى هذا التحول في النظرة إلى الحياة الزوجية؟ لقد أمعنتُ في التفكير في هذا الجانب كثيراً، ووصلت إلى بعض القناعات، منها أن بعض الزوجات، وبخاصة الشابات، قد يكنّ ضحايا تربية أسرية غير متوازنة؛ إذ نشأن في بيئات لم تُعوّدهن على تحمّل المسؤولية، ورُبِّينَ على أن الصورة المثالية للحياة الحديثة هي أن يوفر الزوج كل شيء، دون أن تُطالَب الزوجة بالمثل. فتدخل الفتاة الحياة الزوجية بتوقعات غير واقعية، معتقدة أن الاهتمام ببيتها وأسرتها ليس من أولويات مسؤولياتها، وقد ترى فيه انتقاصاً من استقلاليتها.

والأخطر من ذلك أن هذه المفاهيم التي اكتسبتها الزوجة من عائلتها قد تنتقل إلى الأبناء؛ فالطفل يتشرّب أفكاره من بيئته، وإذا نشأ في بيت يرى فيه المسؤولية عبئاً والعطاء انتقاصاً من الكرامة، فقد يحمل هذه المفاهيم معه إلى أسرته المستقبلية، وعندها تنعكس هذه المشكلات على شريحة أوسع من المجتمع. ومن هنا تبرز أهمية مسؤولية الأسرة في إعداد الجيل القادم، وتعليم الأبناء معنى المسؤولية وقيمة العطاء.

وقد انعكست هذه التحولات على نظرة بعض أبناء الجيل الجديد إلى الزواج، نتيجة هذه التناقضات والتوقعات المرتفعة، إلى جانب أعباء الحياة الاقتصادية. فأصبح بعضهم ينظر إلى الزواج بوصفه عبئاً يصعب تحمّله. فعندما يُنظر إلى الزوج وكأنه «فانوس سحري» يُفترض به تحقيق جميع الأحلام التي عجز الوالدان عن تحقيقها لها، بدلاً من النظر إليه كشريك في مسيرة تقوم على الأخذ والعطاء، تصبح الحياة الزوجية عرضة للخلافات المستمرة. كما أن تغيّر بعض المفاهيم، والبحث عن مواصفات وشروط معينة، قد دفع بعض الشباب إلى البحث عن شريك حياة من ثقافات أو جنسيات أخرى، وهو تحول اجتماعي يستحق الدراسة والتأمل عند بحث أسباب تأخر سن الزواج في مجتمعاتنا.

ليس الحديث عن دور المرأة الأسري دعوة إلى إعادتها إلى صورة نمطية قديمة، ولا إلى تحميلها وحدها أعباء البيت، وإنما هو تذكير بأن الأسرة تقوم على التكامل والمودة. فالمرأة ليست موظفة فقط، ولا زوجةً فقط، ولا أمًّا فقط؛ بل هي إنسانة تحمل أدواراً متكاملة تسهم في بناء الأسرة والحفاظ على تماسكها، والرجل كذلك شريك أصيل في هذه المسيرة.

لقد تطورت المجتمعات وتبدّلت طبيعة العمل، لكن حاجة الإنسان إلى الأسرة لم تتغير. لذلك، لا يمكن القول إن دور المرأة كربّة بيت قد انتهى، بل تغيّر شكله؛ فقد تكون ربّة البيت اليوم امرأة تعمل خارج منزلها، ثم تعود لتشارك في إدارة بيتها ورعاية أسرتها، وقد تكون امرأة متفرغة لبيتها. وفي الحالتين، تُقاس قيمة دورها بما تقدمه لأسرتها من حب واستقرار، لا بالمسمى الوظيفي الذي تحمله. وتبقى هي ملكة العائلة. ولا ننسى أن الأسرة تمثل للمرأة، كما للرجل، مصدر استقرار وأمان، ومن مصلحتهما معاً الحفاظ على تماسكها، وأن تسود بين أفرادها المودة والحب.

تغيّر الزمن لا يعني تغيّر القيم، بل يعني أن نبحث عن أفضل السبل للحفاظ عليها. فالبيت الذي يتنافس فيه الزوجان على من يعطي أقل ومن يكسب أكثر، قد يبقى سقفه قائماً، لكنه يفقد روحه؛ أما البيت الذي يتنافس فيه كل طرف على من يقدّم أكثر، فهو البيت الذي تسكنه المودة، ويظل وطناً حقيقياً لأفراده.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

ثمة أماكن تتسلل بهدوء إلى أعماق الذاكرة، بمجرد ان نمر فيها، فهي قد استقرت في أعماق الوجدان حتى اصبحت جزءاً من تكوين الإنسان.

فالمكان وعاء الذاكرة، حيث تختزن ربوعه خطوات النشأة الأولى، وتظل ملامحه شاهدة على أيام عشناها، ولم نكن ندرك أنها ستصبح ذات يوم، أثمن ما نملك من ذكريات.

ويظل للمكان سحره، برية ووهادا وانهارا، إذ يمتزج الإنسان بالطبيعة، والذاكرة برائحة الطين والسنابل، فيغدو المكان حكاية مفتوحة على الزمن.

فالنهر لا يبدو مجرد مجرى للماء، بل يبدو كأنه جزء من ذاكرة المكان وروحه. فكم من إنسان جلس على ضفته يتأمل الماء، أو انتظر غروب الشمس، ومغادرة اسراب النوارس، ثم حمل تلك اللحظات معه، حين غادر المكان.

إنها الذاكرة.. فالذاكرة لا تحفظ المكان كما تراه العين، وإنما كما أحبّه القلب، وبذلك تكون صورة المكان في الوجدان، أجمل من صورته في الواقع. فالزمن يستطيع أن يغيّر الملامح، لكنه لا يستطيع أن يقتلع ما استقر في أعماق الوجدان.

 هكذا يصبح المكان وجوداً موازياً للإنسان، يشاركه المزاج، ويرسم تفاصيل حياته اليومية ببلاغة ساحرة.

فالبيت الذي شهد الطفولة، ليس حائطا وسقفاً فقط، والطريق الذي كنا نسلكه ليس تراباً ممتداً بين مكانين، وشاطىء النهر الذي جلسنا عنده، ليس ماءً يجري وحسب، فكل واحد منها يحمل شيئاً بصمة من وجودنا، لتمضي بنا الأيام والسنوات، ثم نكتشف عند ذاك، أن مفردات تلك التفاصيل الصغيرة كانت هي الحياة نفسها.

إن الحنين إلى المكان، ليس حنيناً إلى الربوع وحدها، وإنما هو حنين إلى زمن المكان، وإلى الناس الذين صنعوا دفأه، وإلى أنفسنا، حين كنا نعيش تلك الأيام ببساطتها، وعفويتها.

فالأماكن التي أحببناها لا تغادرنا حين نغادرها، بل إنها تنتقل من ربوع الأرض، لتسكن أعماق الوجدان.

وهكذا يبقى للمكان سحره في الوجدان، فبعض الأماكن لا نسكنها، بل هي تسكننا، وبعض الضفاف لا نتركها حين نرحل، لأن ماءها يستمر في الجريان داخل ذاكرتنا، وتظل النوارس تحلق فوقها، كلما استدعت الذاكرة لقطة من حياة أيام زمان.

***

نايف عبوش

الزعيم الألماني اودولف هتلر.. يزني بإبنة أخته

الزعيم الألماني هتلر الذي عُرف بجرأته وحماقته واندفاعه والذي أشعل نار الحرب العالمية الثانية، بدأ حياته فناناً فطرياً فأخذ يرسم لوحاته الفنية التي تمثل الشخصيات المهمة والمناظر الطبيعية ثم يبيعها ليعتاش عليها، كان هذا قبل الحرب العالمية الأولى.

وعندما كان طالباً في المدرسة في مدن فينا وميونخ، وعندما كان يوجّه إليه السؤال: ماذا ستكون في المستقبل؟ كان جوابه: إني سأكون رساماً كبيراً. ولذلك قدم طلباً للانتماء إلى مدرسة الفنون الجميلة إلا أنه فشل في الامتحان، غير أنه استمر في رسم لوحاته التي كان يزخرفها بنفسه وأهدى قسماً منها إلى الكنائس حيث تُعلق على الجدران.

لكنه سرعان ما ترك المهنة التي لم يحصل منها على شيء مادي يفيده، وقد استهوته العسكرية فانخرط في السلك العسكري، لكنه استمر في رسم خنادق القتال أثناء الحرب العالمية الأولى، وبعد انتهاء هذه الحرب انغمس في السياسة فأسس (الحزب القومي الاشتراكي) وحاول الانقلاب على الحكومة الألمانية إلا أنه فشل، ودفعه فشله للعودة مرة اخرى إلى رسم اللوحات فاستدعى ابنة أخته (جيلي روبال)، وكانت فتاة جميلة في التاسعة عشرة من عمرها، تصفها كتب التاريخ بأنها فتاة مدللة لعوب، وذات يوم طلب منها خالها الزاني أن تقف أمامه عارية كي يرسم لها لوحة وهي على هذا الشكل ففعلت ذلك، ويقال بأن هذا الرجل الزاني قد زنى بها مما ترك في نفسها أثراً كبيراً فيما بعد، حيث أقدمت على الانتحار حين شعرت بفداحة ما اقترفته مع خالها الذي دفعته نزواته إلى القيام بهذا العمل.

لقد وقع هذا قبل أن يتعرف على عشيقته (إيفا براون) التي ظلت معه حتى انتهى الاثنان في ملجأ واحد أثناء هزيمة هتلر أمام الحلفاء، حيث قضت منتحرة بأمر من هتلر، وقد أقدم بعدها على الانتحار في 30/4/1945.

وكان هتلر قبل انتحاره يتمنى أن يكون يوم وفاته في اليوم الذي يصادف فيه موت نابليون، وهو الخامس من أيار، ليطابق ذكرى وفاة نابليون، ولكنه انتحر قبل هذا اليوم بخمسة أيام.

وكان هتلر متأثراً بنابليون حتى أنه رسم له لوحة كبيرة بالزي العسكري، وأثناء الاحتلال النازي لباريس زار هتلر باريس وسجد أمام تمثال نابليون.

وهكذا استحال هذا الرسام إلى زانٍ ثم إلى أكبر دكتاتور في العالم وقضى منتحراً، وقبل انتحاره أوصى بأن يحرق جثمانه، وقد أحرق فعلاً وتحول إلى رماد.

***

غريب دوحي

عرضّت إحدى الفتيات جسدها العاري لشمس تموز وهي مستلقية بهدوء على رمال شاطئ بحري، وقد برزت مفاتنها، التقط أحد المصورين صورة لها نشرتها إحدى الصحف العالمية. اشتكت الفتاة، لجأت إلى القضاء، وأقامت الدعوى أمام إحدى المحاكم استناداً إلى أن ما ارتكب بحقها اعتداء على حقوقها الخصوصية، رفضت المحكمة دعواها، وردّت عليها بأن شاطئ البحر حيث التقطت الصورة المنشورة ليس مكاناً خاصاً.

ردّ الدعوة يثير تساؤلات عدة حول حق التصوير في الأماكن العامة والخاصة، ومتى يجري التمييز بينهما؟ هل التقاط صورة لك في طريق عام يعدّ عملاً مشروعاً، لا تثريب على مصور سينمائي صوّر حركة المرور في الطريق العام، والتقط بعض المشاهد ظهر فيها بعض الأشخاص من المارّة، ثم أمكن لهم أن يتعرفوا على أنفسهم، أو أمكن للغير من التعرف عليهم بوضوح.

حالات أخرى في التصوير سببت إشكالات قانونية واجتماعية عديدة: صورة لرجل وامرأة في وضع يتسم بالألفة الشديدة يقفان أمام واجهة لإحدى محلات الصاغة. تبين أن السيدة كانت زوجة لرجل آخر. صور لسيدات متزوجات حضرن حفلاً راقصاً من دون أزواجهم أو خفية عنهم. في قضية عرضت أمام المحاكم، أشارت فيها إحدى الجرائد إلى أنه ملف دعارة، وارفقت معه صورة لامرأة لا علاقة لها بالقضية، فأوحى ذلك بأن صاحبة الصورة هي إحدى المتهمات في القضية المعروضة. عندئذٍ كان الضرر كبيراً على صاحبة الصورة.

ممثلة الاغراء الفرنسية بريجيت باردو حكمت لها المحكمة بمصادرة صورة التقطها أحد المصورين الصحفيين عن بعد وهي في عقر دارها بملابس خفيفة تحتضن طفلها، مع تعويض مالي تدفعه المجلة التي نشرت الصورة.3253 jamal

لنتخيل مصوراً يلتقط مشهداً لسوق شعبي في بغداد أو مدن أخرى. يظهر في الصورة عشرات المارة بصورة عفوية. هنا يكون الأشخاص جزءاً من المشهد العام، وليسوا موضوع الصورة الأساسي، وغالباً لا يثير الأمر إشكالاً. أما إذا اقتربت العدسة من شخص واحد، وجعلته محور الصورة، ثم نُشرت الصورة مصحوبة بتعليق ساخر أو عنوان مضلل، فإن المسألة تغادر حدود الفن لتدخل منطقة انتهاك الخصوصية.

تتكرر المشاهد ذاتها بصور مختلفة. كثيراً ما تنتشر صورة لإنسان بسيط في الشارع أو لبائع متجول أو لطفل يعمل في مهنة شاقة، ثم تتحول الصورة إلى مادة للتندر أو التعليقات الساخرة، بينما لم يمنح صاحبها ترخيصاً واحداً بنشرها. قد تكون النية حسنة، لكن غالباً ما تأتي النتائج قاسية، إذ قد تسبب الصورة حرجاً اجتماعياً، أو إساءة مهنية، أو أذى نفسيا لا يُقدّر بثمن.

لعل العالم شهد أمثلة كثيرة على ذلك. فقد اضطرت أميرة ويلز الراحلة الأميرة ديانا إلى العيش سنوات طويلة تحت مطاردة عدسات مصوري الفضائح، حتى أصبحت حياتها الخاصة مادة يومية للصحف. لم يكن الجدل يوماً حول حق المصور في التقاط الصورة فحسب، بل حول حق الإنسان في أن يعيش بعيدًا عن الملاحقة الدائمة.

ومن أكثر الأمثلة إثارة للجدل ما يحدث أثناء الكوارث والحوادث. فقد يقف بعض الناس لتصوير المصابين قبل أن يمدّوا إليهم يد العون، وكأن الصورة أصبحت أهم من الإنسان نفسه. هنا يتحول التصوير من وسيلة توثيق إلى فعل يفتقر إلى الحس الإنساني، مهما كانت الذريعة.

لقد تغيّر العالم اليوم، الهاتف المحمول يحمل كاميرا تلتقط الصورة في جزء من الثانية، وأصبح الإنسان معرضا لأن يتحول إلى مادة منشورة في الفضاء الرقمي قبل أن يدرك أن عدسة ما قد اختطفته.

لكن سؤالاً واحداً ما زال يحتفظ بثقله الأخلاقي والقانوني:

"ممكن صورة.. من فضلك؟"

إنها عبارة تختصر فلسفة كاملة في العلاقة بين الحرية والمسؤولية. فالعدسة التي تستأذن تلتقط وجوها أكثر صدقا، والصورة التي تُولد من الاحترام تعيش أطول من تلك التي تُنتزع خلسة.

لكن في المقابل، ينبغي عدم النظر إلى الكاميرا بوصفها خصما للإنسان. فلولا الصورة لما عرف العالم أهوال الحروب، ولا انتهاكات حقوق الإنسان، ولا مآسي اللاجئين، ولا الجرائم التي وثقتها العدسات وأصبحت أدلة إدانة.

باعتقادي أن الشاعر والمترجم فاضل عباس أستطاع أن يدّون مئات الحالات من هذا القبيل في كتابه الضخم " ولا تنس أن السيدة لايكا تنتظرك بالبيت" بصفحاته التي تجاوزت الألف صفحة، تحدث عن صور غيرت العالم، صور عنف وصور محبة، لا يجمع بينها جامع، صورة قطرة حليب لمصور بارع وهي تتبدد في لحظة ملامستها سطح مستو، إنها العالم وقد تجمع في قطرة ماء.

بدأت " لعبة متابعة المشاهير" كما يقول هادي، في إيطاليا أواخر خمسينات القرن الماضي، حيث كان البلد يعيش فورة إبداعية كبيرة في مجال السينما.

لقد أسهمت صورة الطفلة الفيتنامية الهاربة من قصف النابالم الأمريكي في تغيير الرأي العام العالمي تجاه الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ضد الشعب الفيتنامي،

وقصتها ترسخت في أذهان الناس بصورتها وهي عارية تصرخ تحت وابل القصف. الفتاة "فان ثي كيم" تعرف عالميا بـ "فتاة النابالم" في حزيران من عام 1972. تحولت صورتها وهي محترقة إلى واحدة من أكثر الصور تأثيراً وشهرة، بوصفها عنواناً لوحشية العدوان الأمريكي، ومعاناة ضحاياه.

بيد أن الصورة باتت محل جدل كبير بشأن مصورها بعد أكثر من 50 عاماً على التقاطها، فالمصور الصحفي الأمريكي "نك أوت" الذي ظل طوال العقود الماضية يحظى بالتكريم بوصفه "مصور الصورة"، يواجه حالياً موجة من الانتقادات بعد صدور فيلم وثائقي ينسب الصورة إلى صحفي فيتنامي يدعى "نغوين ثانه"،

كما لعبت الصور القادمة من مناطق النزاعات دوراً في كشف ما كان يمكن أن يبقى مخفياً.

ليست المشكلة في الكاميرا إذاً، بل في اليد التي تحملها، والعقل الذي يقرر متى يضغط زر الالتقاط، والضمير الذي يختار إن كان سينشر الصورة أم يحتفظ بها.

لقد جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتجعل الحدود أكثر ضبابية. ضغطة واحدة تكفي كي تنتقل الصورة إلى ملايين الشاشات، ثم يصعب استعادتها أو محو آثارها.

تبقى أجمل الصور تلك التي تجمع بين الوظيفة والجمال، لا تُصادر كرامة أصحابها، ولا تسرق لحظاتهم، بل تحفظ للإنسان حقه في أن يكون شريكاً في حكايته، لا مجرد موضوعٍ عابر أمام عدسة لا تعرف الاستئذان.

***

جمال العتّابي

حين تتباعد المسافات

عشتُ طفولتي في كنف عائلة كبيرة، في بيت واسع يجمع تحت سقفه ثلاثة أجيال. كان أبي، رحمه الله، كبير العائلة والمسؤول عن إدارة شؤونها المالية والاجتماعية. كانت كلمته مسموعة ومحترمة من الجميع؛ يفصل في النزاعات، ويوجّه إخوته وأبناءه، ويسعى إلى الحفاظ على تماسك الأسرة ووحدتها.

لم تكن الحياة، رغم بساطتها، خالية من المشاحنات والخلافات الطبيعية التي تفرضها الحياة المشتركة، لكن المحبة والتسامح والشعور بالمسؤولية كانت عوامل تساعد الجميع على تجاوز الخلافات وتقاسم الأعباء. ولم تكن عائلتنا استثناءً؛ فقد كانت معظم العائلات العراقية، في زمن ليس ببعيد، كبيرة تضم الأجداد والجدات، والآباء، والأبناء، والأحفاد. وكانت البيوت تتسع للجميع، والأهم من ذلك أن القلوب كانت هي الأخرى واسعة تتسع للجميع. كان أفراد الأسرة يعيشون متقاربين، يتقاسمون أفراحهم وأحزانهم، وينتقلون بينهم بصورة طبيعية بالخبرة والقيم والعادات. وكان الصغير يكبر وهو يعرف كبار عائلته ويحترمهم، ويجد فيهم السند والنصيحة والحماية.

ثم بدأت الحياة تتغير. فمع انتشار التعليم واتساع فرص العمل وتبدل أنماط الحياة، ظهر جيل جديد أكثر انفتاحًا على ثقافات وأفكار مختلفة. ومع اختلاف الظروف وطرق التفكير، اتسعت الفجوة بين الأجيال، وأصبحت الأسرة الصغيرة تحل تدريجيًا محل العائلة الكبيرة. استقل الأبناء في مساكنهم، وتوزعت الأسر، ولم يعد من الضروري أن يعيش الأبناء مع آبائهم أو حتى بالقرب منهم. ومع ذلك، بقيت صلة الرحم حاضرة. كانت الأعياد والمناسبات والعطل فرصًا تلتقي فيها العائلة، فتستعيد شيئًا من دفء الماضي، ولو لأيام قليلة.

لكن التغيير لم يتوقف عند هذا الحد. فقد شهد العراق خلال العقود الماضية ظروفًا سياسية واقتصادية واجتماعية دفعت كثيرًا من أبنائه إلى الهجرة؛ بحثًا عن الأمان، أو هربًا من المضايقات، أو سعيًا إلى فرص عمل أفضل، أو رغبة في بناء حياة أكثر استقرارًا. وهكذا لم تعد العائلة الكبيرة موزعة بين بيوت متقاربة أو حتى داخل مدينة واحدة، بل أصبح أفرادها يعيشون في مدن وبلدان، بل وقارات مختلفة.

وأصبح اللقاء الذي كان أمرًا طبيعيًا في الماضي يحتاج إلى تخطيط وسفر ووقت، في ظل مسؤوليات العمل والدراسة وتربية الأبناء وغيرها من مشاغل الحياة. ولم تعد المسافات تلغي المحبة بالضرورة، لكنها جعلت الحفاظ على العلاقات العائلية يحتاج إلى وعي وجهد وإرادة.

أتذكر، في سبعينيات القرن الماضي، عندما كنت أدرس الدكتوراه في إنجلترا، أن عطلة الكريسماس كانت بالنسبة إلى بعض زملائي الإنجليز فرصة سنوية للقاء أهلهم. كنت أستغرب ذلك وأمازحهم، متسائلًا كيف يتحملون البعد عن ذويهم طوال عام كامل! وكنت أتفاخر أمامهم بما كنا نعيشه في العراق من قرب عائلي وتواصل شبه يومي مع الوالدين والإخوة. لكن الأيام دارت، وآل بنا الحال اليوم إلى ما هو أشد. ففي زحمة الحياة الحديثة، ومع تباعد الأبناء في أصقاع الأرض، أصبحنا نبحث عن فرصة نلتقي فيها بأبنائنا وبناتنا، وقد تمر سنة أو أكثر من دون أن تجمعنا بهم الأيام.

ومن هنا أرى أن مفهوم تماسك العائلة يحتاج اليوم إلى أن يُفهم بصورة مختلفة. فالتماسك لم يعد يعني بالضرورة أن نعيش تحت سقف واحد، أو في مدينة أو بلد واحد؛ فهذا لم يعد ممكنًا لكثير من العائلات. لكنه يعني أن تبقى العلاقة حية، وأن يبقى لكل فرد مكان في قلب الآخر. قد تكون المسافة بيننا آلاف الكيلومترات، لكن كلمة طيبة، أو اتصالًا هاتفيًا، أو سؤالًا صادقًا عن الأحوال، أو مشاركة في فرح، أو مواساة في حزن، يمكن أن تبقي خيط التواصل ممتدًا. فإذا تباعدت الأجساد، ينبغي ألا تتباعد القلوب.

ومع مرور السنوات، يكبر الأبناء ويتزوجون ويصبحون أرباب أسر، ويأتي الأحفاد، فتتسع العائلة من جديد، ولكن بصورة مختلفة. تتعدد الشخصيات والطباع والثقافات ووجهات النظر، ويصبح أفراد الأسرة موزعين في بلدان مختلفة. وقد يصل الأمر إلى أن يكبر أبناء العم والخال والعمة والخالة وهم لا يعرفون بعضهم إلا معرفة عابرة.

وكلما اتسعت العائلة، ازدادت تشعباتها واحتمالات الاختلاف فيها. وما كان يبدو بسيطًا داخل الأسرة الصغيرة قد يصبح أكثر تعقيدًا عندما تتعدد الشخصيات والظروف. وليس الاختلاف في حد ذاته علامة على ضعف الروابط؛ فالعائلة الحقيقية لا تعني أن يتطابق أفرادها في آرائهم واختياراتهم، وإنما أن يعرفوا كيف يختلفون من دون أن يقطعوا ما بينهم من مودة ورحمة.

وهنا تكمن حاجتنا اليوم إلى التعاون أكثر من أي وقت مضى. فتماسك العائلة لا يتحقق بمجرد صلة القرابة، بل يحتاج إلى أن يشعر كل فرد بأنه جزء من كيان أكبر منه، وأن نجاحه لا ينفصـل عن خير عائلته، وأن مساعدة القريب عند الحاجة مسؤولية أخلاقية، متى توفرت القدرة والإمكان.

ولا تخلو العائلات الكبيرة من الغيرة والتنافس، ولا سيما بين الإخوة وأبناء العم. وهذا أمر قد يكون طبيعيًا ما دام في حدوده الإنسانية. لكن المهم أن تتحول الغيرة إلى منافسة شريفة تدفع إلى الاجتهاد والنجاح، لا إلى الحسد والكراهية والتقليل من شأن الآخر. فنجاح أحد أفراد العائلة ينبغي أن يكون مصدر فخر للجميع، وحافزًا للآخرين، لا سببًا للفرقة.

والأبناء والأحفاد لا يتعلمون معنى العائلة من الكلمات وحدها، بل مما يرونه في سلوك آبائهم وأجدادهم. فإذا نشأوا في أجواء من المودة والاحترام والتسامح، وتعلموا أن الاختلاف لا يعني القطيعة، وأن العتاب لا يعني الكراهية، وأن القريب يُساند عند الحاجة، حملوا هذه القيم معهم إلى أسرهم ومستقبلهم.

ولعل أجمل ما نستطيع أن نورثه لأبنائنا وأحفادنا ليس بيتًا كبيرًا يجتمعون فيه كما كان آباؤنا وأجدادنا، فقد لا نستطيع أن نوفر لهم ذلك. لكننا نستطيع أن نترك لهم عائلة كبيرة في معناها، متماسكة في محبتها، متعاونة في شؤونها، متسامحة في خلافاتها، لا تفرقها المسافات ولا تنهيها اختلافات الرأي.

فالعائلة قد تتغير أشكالها، وقد تتباعد مساكنها، وقد يحمل أفرادها جوازات سفر مختلفة، ويعيشون في بلدان وقارات متباعدة، لكن جوهرها ينبغي أن يبقى واحدًا: أن يجد الإنسان فيها من يحبه، ومن يقف إلى جانبه ويعينه عند الحاجة، ومن يفرح لفرحه ويحزن لحزنه.

فما أجمل أن تكبر العائلة، وتتسع دائرتها، وتتباعد المسافات، بينما تتقارب القلوب وتتكاتف الأيدي يجمعها قول الله تعالى "وتعاونوا على البر والتقوى".

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

جَحِيمُ الحَنِينِ الطَّاغِي وكبْرِيَاءِ الطِّينِ فِي مَرْثِيَةِ النَّابِغَة

لَمْ يَعُدْ فِي رُوحِي أَرْضٌ تَصْلُحُ لِلْعِتَاب، وَلَا سَمَاءٌ تَتَّسِعُ لِلْأُمْنِيَات. لَقَدْ تَهَاوَتْ اللُّغَةُ كُلُّهَا تَحْتَ وَطْأَةِ هَذَا الخَرَابِ الصَّامِت، فَمَا عُدْتُ أَمْلِكُ جَسَداً يَحْمِلُنِي، بَلْ أَمْلِكُ جُثَّةً تُؤَدِّي طُقُوسَ العَيْشِ نِكَايَةً بِالمَوْت. هَذِهِ رِسَالَتِي إِلَيْكِ، لَا لِأَسْتَعْطِفَ قَلْبَكِ، بَل لِأَحْفِرَ فِي وَجْهِ غِيَابِكِ مَجْرىً مِنْ الدَّمِ الكَثِيف، لِأَشْرَحَ لَكِ كَيْفَ يَتَفَتَّتُ الكَائِنُ البَشَرِيُّ حِينَ يَنْطَفِئُ نُورُهُ الأَوْحَد. لَقَدْ فَتَتَنِي غِيَابُكِ فَتّاً، وَهَدَمَ بِنْيَتِي النَّفْسِيَّةَ طُوبَةً فَطُوبَة، حَتَّى صِرْتُ أَرَى النَّوْمَ مَعْرَكَةً أَخْسَرُهَا كُلَّ لَيْلَة، وَأَرَى الِاسْتِيقَاظَ نَفْياً مُتَجَدِّداً إِلَى وَاقِعٍ يَقْطُرُ سَوَاداً. الشَّوْقُ فِي صَدْرِي لَمْ يَعُدْ عِاطِفَةً يَكْتُبُهَا الشُّعَرَاء، بَلْ غَدَا سَرَطَاناً وُجُودِيّاً يَأْكُلُ رِئَتِي كُلَّمَا تَنَفَّسْتُ هَوَاءً لَا يَحْمِلُ أَنْفَاسَكِ. تَعِبْتُ نَفْسِيّاً إِلَى الحَدِّ الَّذِي جَعَلَ صَوْتَ النَّحِيبِ فِي دَاخِلِي يَخْنُقُ أَوْتَارِي الصَّوْتِيَّة، فَأَسِيرُ بَيْنَ البَشَرِ مَذْهُولاً، أَتَأَمَّلُ وُجُوهَهُمْ بِلَا إِدْرَاك، وَأَتَسَاءَلُ فِي غَمْرَةِ ضَيَاعِي: كَيْفَ لِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ أَنْ يَسْلُبَ العَالَمَ كُلَّ أَلْوَانِهِ ويَتْرُكَهُ رَمَاداً كَالحاً؟

لَقَدْ تَعَدَّى هَذَا الخَرَابُ نُدُوبَ النَّفْسِ لِيَحْفِرَ مَجْرَاهُ فِي جَسَدِي الَّذِي يَتَهَاوَى لَيْلًا وَنَهَاراً؛ صَارَ عُمُرِي يُقَاسُ بِمَدَى الأَلَمِ الَّذِي يَسْرِي فِي عِظَامِي مَعَ كُلِّ دَقَّةِ سَاعَة. جَسَدِي يَتَمَزَّقُ نَحُولًا وَتَعَباً، كَأَنَّ حِمْلَ الغِيَابِ ثَقِيلٌ إِلَى حَدٍّ لَا تَقْوَى عَلَى حَمْلِهِ السَّلَاسِلُ. يَرْتَجِفُ نَبْضِي فِي جَوْفِ اللَّيْلِ كَطَائِرٍ يُذْبَحُ عَلَى مَهْل، وَتَسْتَفِيقُ خَلَايَايَ عَلَى لَذَعَاتِ حَنِينٍ يَحْرِقُ الطَّرَفَ الحَيَّ مِنْ ذَاكِرَتِي. وَمَعَ ذَلِكَ، هَا أَنَا ذَا أَقِفُ شَامِخاً، مَهِيباً، مَرْعُوباً مِنْ جَبَرُوتِهِ النَّاسُ أَمَامَ المَلَإِ، أَرْتَدِي شَخْصِيَّتِي الصَّلْدَةَ الَّتِي يَهَابُهَا الجَمِيعُ وَيَحْسَبُونَ لَهَا أَلْفَ حِسَاب. يَنْظُرُونَ إِلَيَّ وَيَرَوْنَ فِيهَا حِصْناً لَا يُطَالُ، يَرَوْنَ جَبَلًا لَا تَهْزِمُهُ العَوَاصِف، لَكِنَّهُمْ أَبَداً لَا يَعْرِفُونَ، وَلَنْ يُدْرِكُوا كَيْفَ انْكَسَرْتُ فِي دَاخِلِي كَسْرَةً عَمِيقَةً مَخْفِيَّةً، كَسْرَةً جَعَلَتْنِي أَعْجَزُ عَنْ التَّعَايُشِ مَعَ هَذَا العَالَمِ الَّذِي تَرَكْتِهِ خَالِياً مِنْكِ. أُحَاوِلُ رَتْقَ نَفْسِي لِأَبْدُوَ بَشَراً طَبِيعِيّاً يَسِيرُ فِي أَزِقَّةِ الحَيَاة، لَكِنَّ الِانْكِسَارَ كَانَ مُطْلَقاً وَالعَجْزَ كَانَ كَامِلًا. اعْلَمِي يَقِيناً أَنَّنِي لَسْتُ مَرِيضاً بِعِلَّةٍ طِبِّيَّة، وَلَا تَشْكُو جَوَارِحِي مِنْ سَقَمٍ يُدَاوِيهِ الأَطِبَّاءُ، لَكِنَّهَا مَرِضَتْ رُوحِي مَرَضاً عُضَالًا لَا شِفَاءَ مِنْهُ بَعْدَكِ. مَرِضَتْ المَبَادِئُ الَّتِي حَمَتْنِي، وَتَعِبَتْ القِمَمُ الَّتِي احْتَوَتْنِي. وَالحَقِيقَةُ الأَكْثَرُ لَوْعَةً، وَالَّتِي أَعْلَمُ أَنَّهَا سَتَجْعَلُ دُمُوعَكِ تَسِيلُ كَالأَنْهَارِ حِينَ تَقْرَئِينَهَا، هِيَ أَنَّكِ أَنْتِ أَيْضاً مَرِيضَةٌ بِذَاتِ الوَجَعِ وَذَاتِ الِاغْتِرَابِ النَّفْسِيِّ. نَحْنُ نَتَآكَلُ فُرَادَى، نَحْتَرِقُ فِي مَنَافِينَا المَعْزُولَة، بَيْنَمَا دَوَاؤُنَا كَانَ مَقْدُوراً فِي الِاتِّحَاد. كَيْفَ تَرْتَضِينَ هَذَا المَوْتَ البَطِيءَ لَنَا؟ كَيْفَ تَقْبَلِينَ أَنْ نَكُونَ غُرَبَاءَ وَنَحْنُ النَّفْسُ الوَاحِدَة؟ وَكَمَا صَاحَ شَاعِرُ العِرَاقِ فِي ذُرْوَةِ التَّشْخِيصِ لِهَذَا الوَجَعِ المُشْتَرَكِ الَّذِي يُمَزِّقُنَا سَوِيَّةً: تِعَاشَرْنَا وَوَصَلْنَا لِحَالْ مُو زِينْ مِوْرِضَه ثْنِينَه وَبَسْ نِلْتِقِي نِطِيبْ. تَعَالِي الآن.. أَلْقِي نَظْرَةً وَاحِدَةً مِنْ وُرَاءِ حِجَابِ بُعْدِكِ، أَرِيحِي عَيْنَيْكِ البَاكِيَتَيْنِ عَلَى هَذِهِ الصُّرُوحِ الَّتِي شَيَّدْتُهَا فِي غِيَابِكِ، إِلَى الإِنْجَازَاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَهْتَزُّ لَهَا الأَرْضُ نَجَاحاً، وَإِلَى المَجْدِ البَاذِخِ الَّذِي وَضَعْتُ كَفِّي عَلَيْهِ بِقُوَّةِ صَبْرِي وَعَرَقِي. لَقَدْ صِرْتُ قِمَّةً يُشَارُ إِلَيْهَا بِالبَنَان، وَحَقَّقْتُ مَا لَمْ يَجْرُؤْ جَبَابِرَةُ الإِرَادَةِ عَلَى الحُلْمِ بِهِ. لَكِنْ، يَالعَظَمَةِ الفَاجِعَةِ وَيَالَسُخْرِيَةِ الأَقْدَارِ النَّكِدَة! أَقِفُ اليَوْمَ فَوْقَ عَرْشِ نَجَاحَاتِي، مُحَاطاً بِتَصْفِيقِ المَلَإِ وَهتَافِ الحُشُود، فَلَا أَجِدُ فِي عُرُوقِي قَطْرَةَ فَرَحٍ وَاحِدَة، بَلْ أَلْتَفِتُ يَمِيناً وَشِمَالاً، فَيَصْفَعُنِي الفَرَاغُ، وَأُدْرِكُ فِي ذُرْوَةِ ذُهُولِي النَّرْجِسِيِّ أَنَّنِي لَمْ أَعُدْ أَسْتَطِيعُ التَّعَايُشَ مَعَ هَذَا العَالَمِ.. لِأَنَّكِ لَسْتِ مَوْجُودَةً فِيهِ. مَا قِيمَةُ الِانْتِصَارِ إِذَا كَانَ المَلِكُ يَجْلِسُ فَوْقَ عَرْشِهِ مَذْبُوحاً بِحَبْلِ الوَحْدَةِ؟ مَا نَفْعُ الضِّيَاءِ المُحِيطِ بِي مَادَامَتْ دَهَالِيزُ رُوحِي مُظْلِمَةً لِأَنَّكِ حَجَبْتِ عَنِّي شَمْسَكِ؟ إِنَّ كُلَّ حَرْفٍ أَخُطُّهُ فِي سِفْرِ هَذَا المَجْدِ الزَّائِفِ يَتحَوَّلُ إِلَى شَفْرَةٍ تُعَمِّقُ جُرْحِي، فَمَا النَّجَاحُ فِي غِيَابِكِ إِلَّا عُقُوبَةٌ سَرْمَدِيَّة، نَجَاحٌ يَبْصُقُ فِي وَجْهِي حَقِيقَةَ أَنَّنِي مَلَكْتُ كُلَّ شَيْءٍ وَخَسِرْتُ نَفْسِي. لَقَدْ خَلَّدْتُ اسْمِي فِي تَارِيخِ النَّاجِحِينَ، لَكِنَّنِي فِي مِحْرَابِ الوِجْدَانِ أُعْلِنُ مَوْتِي الكَامِل، فَقَدْ حَوَّلَنِي الحَنِينُ الصَّادِقُ الجَارِفُ إِلَى شَبَحٍ يَتَشَبَّثُ بِأَطْرَافِ الحَيَاةِ فَلَا يَنَالُ مِنْهَا سِوَى الغُصَّة. كَمَا يَقُولُ الكَاتِبُ الوجودِيُّ كَافْكَا فِي أَقْصَى سَاعَاتِ انْعِزَالِهِ: «إِنَّ لَدَيَّ مِقْدَاراً هَائِلاً مِنْ الأَوْهَام، لَكِنَّنِي لَا أَمْلِكُ مَكَاناً وَاحِداً فِي هَذَا العَالَمِ أَذْهَبُ إِلَيْهِ لِأَشْعُرَ أَنَّنِي حَيّ». وَهَكَذَا أَنَا، أَحْرَقْتُ العَالَمَ بِنَجَاحِي، لَكِنَّ أَعْمَاقِي لَمْ تَعُدْ سِوَى رَمَادٍ يَبْكِي النَّابِغَةَ الَّتِي كَانَتْ هُنَا. لمْ يَعُدْ فِي طَاقَتِي بَقِيَّةٌ لِأُقَاوِمَ هَذَا المَحْوَ النَّفْسِيَّ المُرْعِب، وَلَا أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَلَامِحِكِ الَّتِي صَارَتْ تَنْكِرُنِي بِعُيُونٍ بَارِدَة كَالمَقَابِر. لَقَدْ هَجَرَتْ النَّابِغَةُ جَسَدَهَا، وَسَكَنَتْ رُوحُكِ قَفَصاً مِنْ التَّحَوُّلِ المُنْكَر. اقْرَئِي هَذِهِ السُّطُورَ وَدَعِي عَبَرَاتِكِ تَحْرِقُ أَوْرَاقَ الكِبْرِيَاءِ، فَالعَوْدَةُ إِلَيَّ لَيْسَتْ خُضُوعاً، بَلْ هِيَ طَوْقُ النَّجَاةِ الوَحِيدِ لِقَلْبَيْنِ يَحْتَضِرَانِ عَلَى فِرَاشِ البُعْد. إِنْ نَبَضَ فِيكِ عِرْقٌ وَاحِدٌ يَتَذَكَّرُ الطُّهْرَ الأَوَّل، فَحَطِّمِي الأَغْلَالَ وَعُودِي، فَالبَابُ لَا يَزَالُ يُوَارِبُ أَنْفَاسَهُ الأَخِيرَةَ لِأَجْلِكِ.

فَارْقُدِي بِسَلَامٍ نَابِغَتِي، فَلَمْ أَعُدْ أَمْلِكُ القُدْرَةَ عَلَى احْتِمَالِ فِرَاقِكِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى هَذِهِ الشَّخْصِيَّةِ الجَدِيدَةِ.. غَرِيبَةِ القَلْب.

***

سجاد مصطفى

عنوان وجدته غريبا وهو عنوان كتاب الشاعر والناقد محمد الهاشمي بلوزة لكنني عندما فتحت الكتاب ومضيت إلى الفقرة الثانية من المقدمة فوجدت ضالتي في سر العنوان حيث يقول صديقنا الهاشمي:

 أما العنوان - بستان المراحبة - فهو اِختيار من الذاكرة البعيدة التي لا تغيب إذ يُحيل إلى اِسم بستان النخيل في واحة توزر في الجنوب الغربي التونسي وهو البستان الذي ورثه الأباء عن الأجداد -

وفي الكتاب شذرات أخرى من ذاكرة محمد الهاشمي بلوزة من بينها في ص 171 عندما يتذكر أنه كان يذهب إلى - رأس العين - في توزر وهو هضبة ضخمة وفيها مغارة قيل إنها المغارة التي كان الشابي يأوي إليها كلما دخل في طور من أطوار ولادة القصيدة

ويقول الهاشمي في سرد هذه الذكريات إنه كان يصعد إلى تلك المغارة وله رغبة خفية ربما لمعايشة لحظة الخلق والإبداع .

لكأنه به يتقمص تجربة الشابي فصاحبنا هو أيضا شاعر وكثير من الشعراء التونسيين والعرب فيهم بعض من أثر الشابي

ونعود إلى الكتاب وهو كما ورد في عنوانه الثاني- مقالات في السياسة والثقافة والأدب وقد جاء في طباعة واضحة السطور وفي إخراج أنيق وبغلاف من تصميم الرسامة سميرة المهذبي وقد صدر عن دار بابل للنشر وصاحب الكتاب صاحبنا وهي دار فتية تواصل رسالتها الثقافية بثبات نرجو لها النجاح والاِستمرارية

ورد في الكتاب ذي الأربع وستين ومائتي صفحة ثمانية فصول هي:

 - عن فلسطين - قضايا عربية ودولية - قضايا فكرية - قضايا سياسية وطنية - قضايا اقتصادية - كُتاب وكتب - قضايا ثقافية - قضايا الروح .

وكل فصل من هذه الفصول يضم عدة عناوين تطرح قضايا مختلفة مما يجعل هذا الكتاب شهادات حية ومساهمة في إثراء الحياة الأدبية والفكرية والسياسية من قلم نشيط منذ الثلث الأخير من القرن العشرين فالشاعر والناقد محمد الهاشمي بلوزة صاحب تجربة متنوعة فقد خاض تجارب في التعليم ثم في الإدارة والسياسة والعمل الجمعياتي وهو المختص في المحاسبة والاقتصاد بالإضافة إلى شغفه بالأدب شعرا ونقدا مع ولعه بالموسيقى وله فيها بعض المقالات والمراجعات...

إنه كتاب جامع لعدة شؤون وفنون واِشتمل حتى على بعض ظلال السيرة الذاتية والملامح الوجدانية.

***

سُوف عبيد - تونس

منذ سنوات طويلة، وأنا أحمل حلماً هادئاً في داخلي. أن تطأ قدماي يوماً جزيرة كريت، أرض كازانتزاكيس وزوربا اليوناني، حيث تُعاش الحياة بحرية وشغف وفرح.

لكنني لم أتخيل يوماً أن يتحقق هذا الحلم بهذه الصورة الجميلة؛ لا كرحلة عادية، بل كأب يقف على أرض هذه الجزيرة ليشهد زفاف ابنه الأكبر، ريناد. وأي هدية أعظم يمكن أن تمنحني إياها الحياة من أن أرى حلمي يتحقق، وفي الوقت نفسه أشاهد ابني يبدأ تحقيق حلمه هو؟

ثمة جزر لا تُزار بالجسد وحده، بل تُزار بالذاكرة والخيال. ومن بين جزر اليونان تظل كريت جزيرة يصعب أن تغادرها بعد أن تطأها، كأنها لا تكتفي بأن تستقبل القادم إليها، بل تترك شيئاً منها في روحه. ففي كريت، بين زرقة البحر وقسوة الجبال ورائحة الزيتون والزعتر، يبدو الإنسان أكثر قرباً من بداياته الأولى؛ من التراب والموت والحب والحرية. ولعل أحد أكثر الذين أدركوا روح كريت وعبّروا عنها هو الروائي والفيلسوف اليوناني نيكوس كازانتزاكيس، الذي جعل من الجزيرة جزءاً عميقاً من سيرته وكتابته، ومن شخصية أليكسيس زوربا صورةً إنسانية تتجاوز حدود المكان.

وُلد كازانتزاكيس في هيراكليون، عاصمة كريت، في أواخر القرن التاسع عشر، ونشأ في جزيرة كانت تحمل في ذاكرتها آثار الصراع والاحتلال والثورات. ولذلك لم تكن كريت بالنسبة إليه مجرد مسقط رأس، بل كانت مدرسة للروح. منها أخذ صلابة الجبل، وعناد الإنسان، وشغف الحرية، والإحساس العميق بالموت والحياة في آن واحد. وفي كتاباته تبدو كريت كأنها كائن حي، له ذاكرة وصوت وغضب وحنين.

أما زوربا، الذي صار أشهر شخصيات كازانتزاكيس، فقد دخل عالم الكاتب من الحياة قبل أن يدخل الأدب. التقى كازانتزاكيس برجل اسمه جورج زوربا، وكان لهذا اللقاء أثر بالغ في نظرته إلى الإنسان والحياة. ثم أعاد خلقه أدبياً في روايته الشهيرة "زوربا اليوناني"، فغدا أليكسيس زوربا شخصية تكاد تختصر فلسفة كاملة: أن نعيش قبل أن نفكر في الحياة، وأن نرقص أحيانًا حين تعجز الكلمات عن التعبير.

زوربا ليس فيلسوفاً بالمعنى الأكاديمي، لكنه يمتلك حكمة لا توجد دائماً في الكتب. إنه رجل يعرف أن الحياة قصيرة، ولذلك يرفض أن يقف بعيداً عنها متفرجاً. يأكل بشهية، يحب بشغف، يعمل بيديه، يغضب، يضحك، ويرقص. وفي رقصه الشهير لا يبدو الجسد مجرد جسد يتحرك، بل يبدو الإنسان وهو يتحرر من القيود التي صنعها لنفسه.

وهنا تتضح علاقة زوربا بكريت. فزوربا، وإن لم يكن مجرد صورة حرفية للجزيرة، يحمل كثيراً من روحها: البساطة والخشونة والكرامة والاندفاع نحو الحياة. إنه ابن عالم لا يفصل الإنسان عن الطبيعة؛ عالم الجبل والبحر والعمل والفقر والاحتفال. وكأن كازانتزاكيس وجد في زوربا الإجابة الحية عن أسئلة طالما أرهقته: كيف يستطيع الإنسان أن يعيش رغم الموت؟ وكيف يمكنه أن يحافظ على حريته في عالم مليء بالقيود؟

في كريت، تبدو هذه الأسئلة أكثر حضوراً. فالجزيرة تجمع بين جمال يكاد يكون أسطورياً وتاريخ مثقل بالدم والاحتلال والمقاومة. الجبل فيها ليس مجرد منظر طبيعي، والبحر ليس خلفية زرقاء، والزيتونة ليست شجرة فحسب؛ كل شيء يحمل ذاكرة. ولعل هذا ما جعل كازانتزاكيس شديد التعلق بفكرة الحرية، حتى أصبحت من الكلمات المركزية في عالمه الأدبي.

كان كازانتزاكيس كاتباً كثير الترحال، لكن كريت بقيت مركزاً داخلياً يعود إليه مهما ابتعد. وفي روايته "زوربا اليوناني" وغيرها من أعماله، ظل التاريخ والروح الكريتية حاضرين بصورة أو بأخرى. أما في "الإخوة الأعداء" ، فقد اتسعت المسألة لتصبح أكثر إنسانية: لم يعد السؤال عن كريت وحدها، بل عن الإنسان الذي يريد أن يعيش بكامل وجوده.

يقف الراوي في الرواية في الطرف الآخر من زوربا. إنه مثقف، قارئ، منشغل بالأفكار والأسئلة، بينما زوربا ابن التجربة المباشرة. وبين الرجلين تنشأ واحدة من أجمل العلاقات الأدبية: علاقة الإنسان الذي يفكر بالإنسان الذي يعيش. الراوي يحاول أن يفهم العالم بالعقل، وزوربا يقترب منه بالجسد والحواس والخبرة. أحدهما يقرأ الحياة، والآخر يرقصها.

ولذلك يمكن النظر إلى زوربا باعتباره نقيضاً ورفيقاً لكازانتزاكيس في الوقت نفسه. فالكاتب كان شديد الانشغال بالفلسفة والدين والموت والخلاص، بينما يبدو زوربا أكثر تحرراً من هذه الأسئلة. لكنه لا يلغيها؛ بل يجيب عنها بطريقته. حين تضيق اللغة، يرقص. وحين تصبح الحياة عبئاً، يبحث عن لحظة فرح. وكأن كازانتزاكيس يقول لنا من خلاله إن بعض الحقائق لا يمكن الوصول إليها بالعقل وحده.

وليس غريباً أن ارتبط اسم زوربا في الذاكرة الشعبية بالرقص. فـ"رقصة زوربا" التي اشتهرت عالمياً من خلال الفيلم المأخوذ عن الرواية أصبحت رمزاً لليونان نفسها، رغم أن معناها الأعمق يتجاوز الفولكلور. إنها رقصة الإنسان حين يقرر ألا يسمح للهزيمة بأن تكون كلمته الأخيرة. في لحظة الرقص يصبح الحزن حركة، ويصبح الفشل بداية، ويصبح الألم طاقة للحياة.

أما كريت، فتظل خلف كل ذلك مثل المسرح الأول للحكاية. جزيرة قاسية وجميلة، تجمع في تضاريسها بين البحر والجبل، وفي تاريخها بين الغزو والمقاومة، وفي أهلها بين الحزن والاحتفال. وربما لهذا تبدو مناسبة بصورة استثنائية لعالم كازانتزاكيس: فهي جزيرة تعرف أن الحياة ليست نزهة، لكنها تعرف أيضاً أن مواجهة قسوتها لا تكون دائماً بالاستسلام.

حين يمشي المرء في شوارع هيراكليون أو يتأمل جبال كريت، يمكن أن يتخيل كازانتزاكيس وهو يبحث عن الكلمات، ويمكن أن يتخيل زوربا وهو يضحك من جدية العالم. لكن الأهم أن يتذكر أن العلاقة بين الاثنين ليست علاقة كاتب بشخصية أدبية فحسب؛ إنها علاقة بين فكرتين عن الإنسان: الإنسان الذي يريد أن يفهم، والإنسان الذي يريد أن يعيش.

وهذا هو سر بقاء زوربا. لم يصبح خالداً لأنه رجل يوناني يرقص، بل لأنه يمثل رغبة إنسانية قديمة في التحرر من الخوف. إنه يقول، بطريقته الصاخبة والمبهجة، إن الحياة لا تنتظر أن نفهمها بالكامل حتى نعيشها. وكريت، بأرضها وجبالها وبحرها، تبدو المكان الطبيعي لهذه الحكمة.

لذلك حين نذكر كريت، يحضر كازانتزاكيس، وحين نذكر كازانتزاكيس يحضر زوربا، وحين يحضر زوربا نتذكر الرقص. دائرة جميلة تبدأ من جزيرة وتنتهي بالإنسان. وربما كان هذا ما أراد كازانتزاكيس أن يقوله لنا طوال حياته: أن الإنسان، مهما أثقلته الأسئلة والهزائم، يستطيع أن يجد في داخله فسحة للحرية، وأن يرقص فوق أنقاض ما خسره.

في كريت، حيث يلتقي الجبل بالبحر، يبدو زوربا أقل شبهاً بشخصية روائية وأكثر شبهاً بروح المكان. ويبدو كازانتزاكيس، في النهاية، واحداً من أولئك الذين حاولوا أن يحولوا مسقط الرأس إلى سؤال كوني. أما كريت فتبقى هناك، صامتة وعتيقة، تترك للزائر أن يكتشف بنفسه أن بعض الأماكن لا تُروى فقط، بل تُعاش؛ وأن بعض الرجال لا يموتون حين تنتهي حياتهم، لأنهم يتحولون إلى فكرة، وإلى حكاية، وإلى رقصة لا تزال مستمرة.

لكنني، وأنا أكتب عن كريت وكازانتزاكيس وزوربا، لم أكن هذه المرة مجرد قارئ جاء يبحث عن آثار كاتب أو يتتبع خطوات شخصية روائية. كنت هناك، على أرض الجزيرة نفسها، وفي قلبي حكاية شخصية جعلت المكان أكثر قرباً مني وأكثر امتلاءً بالمعنى.

جئت إلى كريت لأشهد عرس ابني الأكبر، ريناد. وبينما كانت الجزيرة تحتفي بالحياة، كنت أكتشف أنني أعيش، من حيث لا أدري، شيئاً من فلسفة زوربا نفسها: أن أجمل لحظات الحياة هي تلك التي لا نكتفي فيها بالتفكير فيها، بل نعيشها بكل جوارحنا. كان الفرح حولنا، والموسيقى تملأ المكان، والوجوه التي أحبها تجتمع احتفالاً ببداية جديدة. وفي تلك اللحظة، بدا لي أن كريت لم تكن مجرد المكان الذي اختاره ابني ليفتح فيه صفحة جديدة من حياته، بل كانت أيضاً المكان الذي اكتمل فيه، بصورة غير متوقعة، حلم قديم حملته أنا طويلاً.

كنت أحلم أن أصل إلى كريت، أرض كازانتزاكيس وزوربا، وأن أمشي ذات يوم في فضائها الذي طالما عشته في الخيال والكتب. لكن الحياة منحتني أكثر مما طلبت: وصلت إليها أباً، لا سائحاً؛ وجئت إليها لأشهد بداية حياة جديدة لابني، بينما كنت ألتقي في المكان نفسه بجزء من أحلامي القديمة.

وفي تلك الليلة، وأنا أنظر إلى ريناد وهو يخطو مع شريكة حياته خطوته الأولى نحو المستقبل، شعرت أن الزمن نفسه كان يرقص معنا. تذكرت زوربا، وتذكرت كازانتزاكيس، وتذكرت أن الإنسان قد يقضي عمره كله يطارد المعنى، ثم يجده فجأة في لحظة بسيطة: في ابتسامة ابن، أو في عرس، أو في جزيرة بعيدة طالما سكنتها في الخيال.

ربما لهذا شعرت أنني، في كريت، لم أمشِ فقط مع زوربا في ظل كازانتزاكيس؛ بل مشيت أيضاً مع ابني نحو حلمه، بينما كان حلمي القديم يمشي إلى جواري.

وعندما غادرت الجزيرة، أدركت أن بعض الرحلات لا تنتهي حين نغادر المكان. هناك أماكن نعود منها، لكنها لا تعود منا. تبقى في الذاكرة مثل أغنية، أو رائحة زيتون، أو نغمة موسيقى، أو رقصة تبدأ فجأة من حيث لا نتوقع.

أما كريت، فقد تركت في قلبي شيئاً من زوربا: أن نفرح حين تأتي اللحظة، وأن نحتفي بالحياة وهي بين أيدينا، وألا نؤجل الرقص كثيراً.

وهكذا، في الجزيرة التي أحبها كازانتزاكيس، وفي العرس الذي أحببت أن أرى فيه ابني يبدأ حياته، شعرت أن الحياة قالت لي بهدوء ما يقوله زوربا بطريقته الصاخبة: لا تنتظر الحياة كي تكتمل؛ عشها وهي تحدث أمامك.

وهذا ما فعلته في كريت... مشيت، وفرحت، وشهدت حلماً يتحقق. حلم ابني، وحلمي أنا أيضاً.

***

جورج منصور

القائد الفرنسي نابليون بونابرت يضاجع شقيقته

نابليون بونابرت 1769–1821، القائد الفرنسي العظيم وفاتح أوربا (الرجل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس) بحروبه، وكان ملوك أوربا يرتجفون خوفاً حين يذكر اسمه. كان له في الغرام شأن آخر، لقد تزوج أولاً من (جوزفين) وطلقها لأنها لم تنجب له ولداً، ثم تزوج من (ماري لويز) التي أنجبت له ولداً.

لقد كان لنابليون شقيقة تدعى (بولين) على درجة كبيرة من الجمال والفتنة، إذا دخلت مكاناً تملأه جمالاً وبهجة، وكانت لها علاقات غرامية عديدة مع الرجال، إلا أن نابليون كان يغفر لها مغامراتها، وهذا ما حمل بعض المؤرخين باتهام نابليون بعشقها ومواصلتها، فعندما دارت الدائرة على نابليون ونُفي إلى جزيرة (ألبا) لحقت به.

وهناك فاجأته ذات ليلة وهو نائم في سريره وانسلت بين ذراعيه عارية مجنونة، فأضاع الرجل العظيم توازنه وواصل أخته.

(حب الملوك والسلاطين ص 252) – إسكندر الرياشي. وأخذت بولين تراسل عشاقها في باريس من جزيرة ألبا تقول لهم بأنه لم يعد في قلبها مكان لهم، لأنها وقعت في غرام أخيها نابليون، وقد عادت من الجزيرة وهي تحمل في أحشائها بذور امبراطوراً صغيراً.

وكانت بولين قبل هذا تزوجت من ضابط فرنسي برتبة جنرال، إلا أنها كانت تخلق كل يوم فضيحة جديدة لأن عشاقها في باريس لا أول لهم ولا آخر، وبعد وفاته تزوجت من رجل إيطالي فسافرت إلى روما، ولكنها كانت تخونه على الدوام حيث التف حولها العشاق من كل حدب وصوب.

لقد أنكر بعض المؤرخين علاقة نابليون الغرامية بأخته بولين، فهم يقولون بأن بولين لو كانت عشيقة أخيها لما كانت تحيطه دوماً بأجمل النساء وترميهن بين أحضانه، وقد وردت هذه الحقيقة في الكتب التي تحدثت عن حياة نابليون الخاصة، غير أن أحد المؤرخين الفرنسيين يؤيد علاقة نابليون الجنسية مع بولين حين يقول: إن بولين كانت مصابة بمرض السفلس بسبب كثرة مضاجعتها للرجال، وقد أصيب نابليون بهذا المرض من شقيقته، وكان هذا المرض السبب في هزيمة نابليون في معركة (واترلو) لأنه فقد توازنه وقوته بسببه.

كما ذكر مؤرخ آخر: «إنه في أثناء زيارة بولين لأخيها في قصر جزيرة ألبا كانت تنام في غرفة واحدة مع الإمبراطور المخلوع في كل ليلة من الأيام التي قضتها بجانبه».

لكن التاريخ يذكر أن بولين بعد نفي نابليون ثانية إلى جزيرة (سانت هيلانه) قد خلعت ثوب الفجور وارتدت ثياب القداسة، وقضت أيامها مع والدتها في البكاء على نهاية الإمبراطور بعيدة عن الرجال والحب والسهرات.

وظل نابليون حتى ساعاته الأخيرة وهو في منفاه يذكرها بكل فخر ومودة حتى وفاته عام 1821م، وقد أوصى قبل وفاته طبيبه الخاص بأن يفتح صدره ويخرج قلبه ويقدمه هدية لزوجته (ماري لويز)، وأوصى بأن يربى ابنه تربية عسكرية خاصة ليأخذ مكان أبيه في عالم الفتوحات والانتصارات العسكرية، وهكذا مات هذا القائد الذي هز العالم لسنوات عديدة.

***

غريب دوحي

سأل سجينٌ سجينا آخر في هَدْأَةِ الليلِ:

ـ ما جريمتُك؟

أجابَ بصوت يحمل بوح آهات وأنين السنين:

ـ أسرفت في المطالبة بصحة تليقُ بالإنسان، ومرافق تنقذ حياة الناس. طالبت بمستشفيات لا تشبه ثكنات الحزن، تُقام بيوت نور، يُستقبل فيها المريض بابتسامة تمسح ما بنفسه، وتطيب ما أدماه الوجع؛ لا أن يكفن بالإهمال وهو بعد ينبض.

يدخل المريض أبوابها سائرا على قدميه، ويغادرها محمولا إلى مقبرته؛ ولن ينال جسده حق الدفن، إلا بعد سداد نفقات الأيام التي قضاها في المستشفى.

طلبت أسرّة نظيفة تعيد للمريض كرامته وراحته، وتسهّل استشفاءه؛ لا أسرّة مهترئة تضاعف هشاشة جسده، ويكون رعب السقوط منها أشد وجعا من السقم نفسه. أسرّة ينام عليها المواطن البسيط وسعادة الوزير على حد سواء.

وصرخت في وجوههم:

ـ لا فرق بين غني يشتري دوره بالمال، وفقير يطيبونه بالكلمات، ويخدعونه بالوعود ويسجّلون اسمه في قوائم النسيان، ليذبل في طابور الانتظار؛ وعندما يحين موعد فحصه، يكون أهله قد فرغوا من دفنه!

طلبت أجهزة لا تصدأ في الزوايا، ولا تحجز خلف الأبواب المغلقة، تُوضع في خدمة كل من قرع الباب، صغيرا كان أم كبيرا.

وألا تصبح وسيلة لكسب المال؛ فالمريض الذي يحرك ما في جيبه تضاء له الأنوار بكل الألوان، والمعدم يراوغونه بابتسامة باردة:

ـ آسف يا سيدي... خسران!

طلبت أطباء مخلصين لقسمهم، تسبق رحمتهم شهاداتهم؛ يداوون الإنسان في المريض، لا رصيده ولا وظيفته ولا لونه. ينظرون بقلوبهم إلى العليل مهما دنت رتبته أو علت.

أطباء لم يكتفوا بحفظ أسماء العلل والعقاقير، عاينوا في المشارح ضعف الجسد البشري، وتلقّنوا الدرس الأبدي الذي لا تشرحه الكتب:

«ماذا يعني أن يئن ويبكي المريض من شدة الوجع؟»

إن من يختار هذا الدرب، يختار بلسما للجراح، لا تحويل الآلام إلى تجارة سوداء.

طلبت ممرضين وممرضات، أياديهم حانية تمسح العرق عن جبين الألم؛ لا أيادي قاسية تزيد الجرح عمقا. أيادي لا تمتد إلى المريض قبل أن تعرف ما في جيبه.

وإن كانت جيوب المريض خاوية، فليصبر على برد الرصيف وينتظر... ويواسونه بخبث:

ـ الطبيب في اجتماع مغلق.

طلبت حراسا إنسانيين يحرسون كرامة المريض، لا أبواب المستشفى فحسب؛ يفتحون القلوب قبل أن يفتحوا الأبواب، ولا يجعلون لرنين المال يدا أطول من يد المريض.

طلبت أما لا تبكي على فلذة كبدها لأن المستشفى لا يملك جهازا، ولا أبّا يشيع زوجته لأن سيارة الإسعاف تأخرت، ولا طفلا يفقد براءته لأن قطرة اللقاح ضلّت طريقها إليه.

ومن تجرأ وطلب هذا... كان مصيره:

«هنا، تحت سقف هذه الغرفة الضيقة؛ لا تدخلها حفنة شمس، والهواء بالكاد أتنفس عفنه!»

ثم حدّثتهم عن تعليم لا يثقل كاهل المتعلِّم، ولا يحوله إلى صندوق مغلق تُستردّ بضاعته ساعة الامتحان؛ عن تعليم لا يغرس في الطفل خوفا من السؤال، ولا يلقّنه أن الإجابة الصحيحة قالب واحد لا غير، فيغتال فيه بذرة الإبداع قبل أن تزهر.

طلبت مدارس تعلم الطفل كيف يفكر؛ حيث يكون السؤال أبهى من الإجابة، والخطأ خطوة نحو معرفة الخط المستقيم، لا ليمشي فوقه صاغرا، بل ليعرف اتجاهه حين ينزاح عنه، ويقرأه من الخارج لا من الداخل؛ وألا يكون هذا الانزياح سبيلا للعقاب والإقصاء.

مدارس لا تفرز أبناء الميسورين في قاعات مكيفة، أعدادهم قليلة، والنجاح في آخر السنة مضمون؛ وتدفع أبناء الفقراء إلى زوايا مهملة، فلا أحد ينصت للآخر من كثرة العدد.

ولم أنسَ مدارس القرى الرابضة في الجبال وعند السفوح؛ حيث الطريق إلى المدرسة نفسه امتحان آخر وقاسٍ.

طالبت بمدارس تحتضن كل طفل بوصفه بذرة وطن.

طالبت بمعلمين ومربين، لا باعة شهادات وتجار أوهام؛ رجالا ونساء يحملون رسالة، لا وظيفة؛ يوقظون في التلميذ حب المعرفة قبل حب الشهادة، ويغرسون فيه القيم قبل الحروف.

طالبت بمناهج لا تقصي العقل النقدي، ولا تربّي جيلا من المقلدين؛ تُخرّج أجيالا تعرف تاريخها لتبني مستقبلها، لا لتعيد ماضيها.

ومن خرج عن السطر، أو نسي وضع النقطة في مكانها الصحيح، أو تجرأ فسأل:

«كيف؟ ومتى؟ ولماذا؟»

كان مصيره:

«الباب أوسع من كتفيه!»

بح صوتي وأنا أصرخ:

ـ يا من يدبّر شأن هذا البلد... لن تقدّموا في خططكم إذا غاب الأمان.

يمشي المواطن ولا يدري من يفسد عليه بسيف بهجة نزهته، أو طريق عودته بعد عمل شاق. تدخل وتخرج في الساعة التي ترغب فيها نفسك، لا أحد يضايق مسعاك.

فحين يعم الوعي الرصين أرجاء المجتمع، تشرق في كل نفس شمس المسؤولية؛ فلا يحتاج الإنسان إلى من يراقبه أو يحاسبه، يصبح هو لنفسه شرطيا يحفظها، وقاضيا ينصفها.

إن المجتمعات الراقية لا تبنى بكثرة السجانين، ولا بتعدد الشعارات والطقوس المجردة؛ تُقام على أساس رصين من الإحساس العميق بالمسؤولية الفردية.

هنا لا تكون الأخلاق أوامر تفرض خوفا من العقاب، أو طمعا في ثواب مرتقب؛ تغدو نسيجا حيا ينسجه المرء في سره وعلانيته، منبعه الضمير لا السلطة، ودافعه الوعي لا الخوف من السوط.

مثل هذا المجتمع لا يحتاج إلى حشود من رجال الأمن ليقيم الأخلاق، ولا إلى كثرة دور العبادة ليذكّر الناس بواجباتهم؛ فالأخلاق قد استوطنت النفوس، وصارت سجية لا تكلفا، واختيارا لا إكراها.

هنا فقط تتجلى الحرية الحقيقية.

فليس المقصود أن تطلق لنفسك العنان، فتفعل ما تشاء بلا وازع ولا رادع؛ أن تتحرر من أسر الهوى، وتتخلص من عبودية النزوات والرغبات العابرة.

فمن كان أسير هواه، فما هو بحر؛ هو في أدنى درجات العبودية: عبودية ما يشتهيه، لا ما يرتضيه العقل ويقرّه الضمير.

فالحرية الحقة أن تملك على نفسك سلطة تدبّر بها أمرك، وتضبط بها سلوكك؛ وأن تستقيم لا رجاء مكافأة تنتظرها، ولا خشية عقوبة تتقيها، بل لأنك تحب الحق لحقه، وترضى العدل لذاته.

فأولى سيادات المرء أن يكون سيد نفسه؛ قادرا على حمل زمامها، ضابطا لجماحها.

فما الحضارة، يا شبيهي، بما نشيّده من صلابة القوانين، ولا بما نرفعه من صلابة الجدران؟! الحضارة الحقيقية تكمن في نعومة الضمير ورصانة العقل؛ حيث يستقيم السلوك من تلقاء نفسه، وتأمن النفوس لأن كل إنسان يحمل في نفسه ميزان العدل ورقيب الضمير.

ساد صمت ثقيل بينهما.

ومعا، راحا يتلمسان القضبان بأيد متوترة.

سأله الآخر بحسرة:

ـ وأنت؟ ما جريمتك؟

أجاب:

ـ أنا صحفي. كنت أكتب عن أمثالك، وقد وزّعوهم في سجون عديدة، وعرضت قصصهم؛ لعل جهة ما تقول كلمة في حق حريتكم في الاحتجاج، قبل أن تغرق هذه السفينة.

هل تعرف ما قالوه في حقّي حين حقّقوا معي؟

ـ ما دمت تقف إلى جانبهم، إذن أنت واحد منهم!.

لفّقوا لي تهمة الخيانة.

والمضحك في المأساة أني أعزب! لم أتزوج في حياتي!

أحضروا امرأة ادّعوا أنها زوجتي؛ بصقت في وجهي وصرخت، وهي تشير إلى ورقة من شكل خطّها فطنت أنه عقد نكاح:

ـ تخونني وتكذب، وهذا (...)

 نعم، الملعونة تعرف عني الكبيرة والصغيرة، وكأنها فعلا زوجتي!

صدقني ...لم أرها في حياتي!

قال الأول متعجبا:

ـ ياه ... مكانك ليس هنا...البلد الذي يحترم نفسه يقدّر دور أمثالك.

أنت تمثل السلطة الرابعة؛ تراقب من يشد اللجام، وإلى أين تتجه العربة، وتكشف أعطابها قبل أن تكبو الخيول وتسقط.

سكتا.

ثم عادا يتلمسان القضبان.

في هذه المرة، لم يعد أحدهما يسأل الآخر عن جريمته.

كانا يتحسسان حدود السجن بابتسامة مرّة، وحدهما يعرفان عمق سرّها ولم يعرفه حتى السارد؛ لا ليتأكدا من ضيقها، بل ليتأكدا من اتساع ما وراءها.

ثم همس أحدهما:

ـ يبدو أن الحرية لا تعرف حدودها... أما القضبان، فنعم.

***

عبد الحق طوع -  إسبانيا

 

عديدة هي تلك المميزات، التي تميز الدول المتقدمة عن غيرها من الدول النامية أو المتخلفة، ولعل من أهم المميزات هي: قدرة الدول المتقدمة على إنتاج المعرفة وسلع الثقافة، مما يوفر لها قدرة إضافية على التأثير في مسارات الشعوب والأمم الأخرى. ولعل هذا ما يفسر لنا إهتمام الدول الكبرى بمنتوجاتها الاعلامية وسلعها الثقافية، التي تعكس بشكل أو بآخر فلسفتها في الحياة وقيمها الحضارية والاجتماعية.

لذلك يعتبر البعض اليوم من المفكرين الاستراتيجيين، ان قوة الدول اليوم لا تقاس بترسانتها العسكرية والحربية أو بسلعها التجارية والاقتصادية، وإنما بقدرتها على انتاج السلع المعلوماتية والمعرفة بمجالاتها المتعددة. فبمقدار ما تملك من هذه السلع، يكون تأثيرك ودورك في العالم على مستوى المسار والاتجاه والتأثير.. لذلك نجد ان الدول المتقدمة، تتسابق مع بعضها في وضع الخطط للنهوض بمستوى الإنتاج الثقافي والمعلوماتي والمعرفي، وذلك الدور المركزي الذي تقوم به هذه المواد والسلع في العلاقات بين الدول وقياسي مستوى القدرة والقوة. من هنا نحن بحاجة ان نعيد النظر في أحوالنا الثقافية والمعلوماتية، في إطار صياغة خطة وطنية طموحة، تتجه صوب تطوير هذا الحقل وتوفير موجبات تقدمه وتميزه.

ولعلنا لا نجانب الحقيقة حين القول: ان الخطوة الأولى لذلك، هو تأسيس الأطر المناسبة التي تأخذ على عاتقها تطوير هذا الحقل وبناء عناصر تقدمه، وتذليل العقبات التي تحول دون ذلك.

والثقافة في جوهرها، هي صوت الوعي بالتقدم وضرورة امتلاك أسبابه، ووسيلة اكتشاف المفارقات العميقة في أي كيان وطني واجتماعي. لذلك فهي تتطور نوعياً وكمياً، حينما تمارس دورها الحضاري في استمرار مساءلة تاريخها وراهنها، والفحص الدائم في السائد، حتى تطرد منه العناصر الميتة، وتضيف إليه حيوية جديدة وآفاقا غير مسبوقة.

والثقافة أيضاً على المستوى الاجتماعي، وحتى تمارس دورها، وتباشر تأثيرها، هي بحاجة إلى أطر وأوعية وشبكات اجتماعية ووطنية، تعتني بشأنها، وتخطط لتطوير مستوى التعاطي معها، وتساهم في تذليل العقبات التي تحول دون تبوؤ الثقافة في المجتمع والوطن الموقع اللائق والمناسب. وإن الظفر بمعركة الوعي في المجتمع، مرهون بقدرتنا جميعاً على توفير البنية التحتية للمناشط الثقافية في المجتمع. وحتى تتحقق كل هذه المسؤوليات والتطلعات الاجتماعية والوطنية، لابد ان تتوفر الأطر الملائمة والهياكل المناسبة.

لهذا كله فإننا نرى ان الواقع الاجتماعي والوطني، بحاجة إلى جهة متخصصة تهتم بهذا الشأن، وترعى شؤونه وقضاياه .

و لعل من مفردات وتجليات هذه الجهة تأسيس (الصندوق الوطني لدعم وتنمية الثقافة) الذي يأخذ على عاتقه الاهتمام الجاد والمتواصل بهذا الشأن.

أهداف الصندوق:

تطوير الحياة الثقافية والإبداعية والأدبية الوطنية، والعمل على توفير الشروط الممكنة والضرورية، التي نقود إلى عملية التطور الثقافي والعلمي. والانطلاق في مشروع خطة وطنية طموحة، تسعى إلى توفير الأطر المادية والكيانية، التي تساهم في عملية التطوير. حيث ان التطوير في هذه الحقول الهامة، يتطلب بناء مقرات ثقافية متكاملة ومسارح فنية وورش عمل، حتى تتوفر كل البنية المطلوبة لعملية التطوير الثقافي في بلادنا.

فالرياضة في وطننا، لم تتطور وتصل إلى منصات التتويج، وتتفوق في الكثير من الألعاب الفريدة والاجتماعية على المستوى القاري والدولي، إلاّ بعد ان تم بناء المنشآت الرياضية التي تتوفر فيها كل إمكانات صقل الموهبة وبلورة القدرة والكفاءة .. وكذلك الثقافة لا يمكن ان تتطور نوعياً وكمياً في بلادنا، إلاّ بتأسيس البنية المادية التجارية للعمل الثقافي والإبداعي الوطني.

احتضان الكتّاب والباحثين والتعاون معهم في مجالات البحث والكتابة على مستوى تقديم العون الفني والثقافي والتنفيذي، فيما يرتبط بعمليات الطباعة والنشر، ومستوى العون المادي. حيث ان وطننا العزيز، يزخر بالقدرات الثقافية والأدبية والإبداعية، والتي تتطلع إلى جهة وطنية مرموقة، تأخذ على عاتقها الدعم والاسناد وتطوير البنية التحتية لعملية الإنتاج الفكري والإبداع الثقافي والأدبي.

العناية بأدوات الثقافة الأساسية (الكتاب- المناظر البشري- المؤسسات الثقافية والأدبية).. وهذه العناية تأخذ أشكالاً متعددة كتطوير عملية النشر الثقافي والأدبي، ودعم إنتاج الكتاب، وتوفير الكتابات والأبحاث الجديدة وبناء دور العرض الدائم للكتاب وتشجيع إنتاجه عبر المساهمة تكاليف الطباعة أو شراء كمية من نسخ الكتاب أو ما أشبه.

تطوير حركة التواصل المعرفي والثقافي مع الآخرين، إذ لا يمكن ان تتطور الثقافة في أي بلد، بدون حركة تواصل فعالة مع المناشط الثقافية والإبداعية التي تجري في خارج الوطن. وتأخذ حركة التواصل المعرفي والثقافي الأشكال التالية:

1.  توفير الكتاب الثقافي والإبداعي والأدبي، الصادرة في الحواضر الثقافية العربية والإسلامية والعالمية.

2.  إنشاء مؤسسة وطنية، تعنى بشؤون الترجمة والنشر، حتى يتم التواصل مع الإنتاج الثقافي والإبداعي الصادر بغير اللغة العربية.

3.  تشجيع مثقفي ومبدعي الوطن وباحثيه للتواصل مع المواسم والمهرجانات الثقافية والأدبية، التي تجري في الأقطار العربية والإسلامية والصديقة.

4.  تأسيس المواسم الثقافية الوطنية، التي تستهدف ان تكون ملتقى فكريا وأدبيا وثقافيا بين مفكري ومثقفي وأدباء الوطن والأمة.

ومن أجل إنجاز هذه الأهداف، بحاجة ان يتوسل الصندوق الوطني بالعديد من الوسائل والأساليب، القادرة على انهاض وتطوير الأوضاع الثقافية والإبداعية في الوطن.

والصندوق الوطني الذي نراه أحد روافد التنمية الثقافية الوطنية، يتطلب لكي يتحول من حلم إلى حقيقة إلى مبادرة وطنية ودعم رسمي وأهلي للانطلاق في بلورة مشروع ثقافي وطني جديد، يحدث قطيعة معرفية ومجتمعية مع كل الوقائع التي تمنع تطور الثقافة ف الواقع الاجتماعي. وتتأكد في الظروف الراهنة، الحاجة إلى بلورة مشروع ثقافي وطني جديد، يتطلع إلى التجديد الثقافي والاجتماعي، واستيعاب الشرائح الاجتماعية الجديدة، وتفعيل دور الثقافة في عملية التنمية الشاملة. اذلا نهوض اقتصادي وتنمية مستدامة ، بدون العمل الثقافي النوعي الذي يتجه الى إزالة عوامل الركود والجمود وخلق الفرص الجديدة لتوسيع قاعدة المشاركة الاجتماعية في مشاريع البناء والتنمية، وما أحوج محيطنا الاجتماعي اليوم، إلى ذلك العمل الثقافي المؤسسي، الذي يعمل من أجل إرساء وتثبيت قيم الحوار والتسامح والحرية وحقوق الإنسان والعلاقات الإنسانية القائمة على التواصل والانفتاح والعدل والمساواة، حتى يتشكل الواقع الاجتماعي من جديد، وعلى أسس ثقافية تعببر بالمجتمع الى رحاب المشاركة الفعالة في شؤون الحضارة المعاصرة. وتكون الثقافة بجميع أدواتها ووسائطها، جسر العبور إلى الواقع المأمول.

وجماع القول: إننا نتطلع إلى ذلك اليوم، الذي يتعاظم فيه دور الثقافة والمعرفة في مجتمعنا، وتتجذر فيه حقائق الوعي والعلم، وتسود فيه مؤسسات الوعي والثقافة ومعاهد العلم والمعرفة، فتتوفر في الفضاء الاجتماعي كل عوامل الانخراط النوعي في شؤون العصر وقضاياه المتعددة .

***

محمد محفوظ

 

"عقلٌ بلا يد نهرٌ بلا موج"

العقول المتعلمة لا قيمة لها إن لم يتفاعل علمها مع يدها، فالعلم القابع في الرؤوس رأس مالٍ منحوس، ومطمور في رمال البطلان والعنوس.

العلم الراقد بأدمغة راكدة لا علاقة لها بيديها، لا يصنع حياة ذات قيمة معاصرة، بل يستكين لإرادة المفعلين لعقولهم والمؤثرين في مجتمعاتهم.

فهل تنفع الشهادات الجامعية، إذا كانت الأيادي عاطلة، والعقول مقموعة؟

عدد حاملي الشهادات العليا لا يشيرون إلى التقدم والرقاء، لأن أكثرهم يتخندقون في متاريس الوهم المعرفي، ولا يعبّرون عن معارفهم بآليات تصلح لصناعة الحياة الأرقى.

إن العلاقة بين المعرفة واليد من أهم أسباب التطور الحضاري الذي مارسته البشرية، لأنها إستطاعت أن تصنّع أفكارها، وتترجم معارفها إلى كينونات مادية مؤثرة في مسيرتها.

فما أكثر الجامعات في بعض المجتمعات، لكنها تعمه في غياهب الجهل والهوان المعاصر، ولا تعرف مهارات إطعام نفسها، بل تعتمد في كل شيئ على غيرها، وهذا يؤكد أنها معصوبة العقول ولا علاقة بين أدمغتها وأياديها، بل أن نفوسها تسيّرها وترسم خارطة مصيرها.

فلن تتقدم وتتفاعل مع الحياة ما دامت مقطوعة الأيادي وموؤدة العقول في تراب الممنوع، وعليها بالطاعة والخنوع، والعقل برتعب ويميل للخصوع .

عقولٌ لا تُخاصِمُها الأيادي

تزوّدنا بحاديةِ المُرادِ

تفاعلَ جوهرٌ برؤى جَديدٍ

كأنّ لبَدْئهِ فيضُ امْتِدادِ

خيالٌ صارَ مَلموساً لديْنا

وبيْنُ وجودِنا قهرُ العبادِ

***

د. صادق السامرائي

 

السلطان محمد الثالث: عاشق الصدور السوداء

هذا سلطان من سلاطين آل عثمان عاش في قصره محاطا بالجواري البيض الجميلات ولكنه كان يفضل النساء السوداوات ذوات الصدور الكبيرة المجلوبات له خصيصاً من أفريقيا كان يقول: انا أفضل النساء السود على البيض لأنهن أولاً اكثر حرارة ولأنهن ثانياً يحملن أجمل نهود على وجهه البسيطة...

الغالب ان الرجال سواء أكانوا ملوكاً أم صعاليك يفضلون الصدور البيض تلك التي يصفها الشعراء بأنها صدور من مرمر أبيض على الصدور السود.

لكن الأمر هنا معكوس لدى هذا السلطان الشاذ يقول عالم الاجتماع الفرنسي (اوكست كونت): لم يعرف ملوك في العالم نساء جميلات مثل سلاطين بني عثمان اذ ان أعظم ما كان يمكن لكبير أن يهديه الى السلطان هو جارية حسناء.. لكن سلطاننا هذا لا يحب امرأة مهما كان جمالها الا اذا كانت مكورة النهدين سوداء وبذلك تكون شغله الشاغل، وتقول عنه كتب التاريخ انه كان يستعرض في قصره فرقة كاملة من النساء وهن كاشفات الصدور ثم يقوم بجولة في فحص وتشخيص من يعجبه وبأشاره منه تذهب صاحبة الصدر المنتقى الى مخدع السلطان . وكانت هدايا الولاة في أنحاء الدولة العثمانية عبارة عن نساء جميلات يرسلن الى الأستانة مقابل أموال طائلة كان يغدقها على هؤلاء من خزانة الدولة.

وخطر على باله ذات يوم أن يرسل أحد التجار إلى شمال أفريقيا كي يجلب له فتاة من قبائل الطوارق المشهورة بكبر صدورهن وقد جاءه هذا التاجر بجارية طارقية خطفها من أهلها وقد جعل منها السلطان أميرة قصره وقربها إليه وحتى انها شاركته في الحكم، ولكن السلطان المعتوه كان يعبث بصدرها ليل نهار حتى عندما تكون جالسه قربه حتى تراخى صدرها وترهل وبذلك غضب السلطان وثار على ذلك الصدر وبلغ جنونه ان قطع تلك النهود التي كان يعبدها في يوم من أيام قطعها بيديه (الكريمتين) وترك الفتاه تنزف دماً حتى فارقت الحياة فأمر ببناء قبر لها داخل القصر وأمر بدفن نهديها معها.. هذا غيض من فيض من فساد خلفاء آل عثمان . قال أحد المؤرخين الأوربيين واصفاً سلاطين بني عثمان (ان سلاطين بني عثمان مشوا على طريقة قياصرة روما فقد كانوا في غاية الفسق والدعارة في الليل وارباب السيوف والحصافه والرزانة في النهار)......

***

غريب دوحي

 

كنا ننتظر عودة الأصدقاء والأحبّة الذين غادرونا ما يقرب ثلاثة أو أربعة عقود من الزمن، هرباً من سلطة الدكتاتورية والاستبداد، والنجاة من الموت والحروب. نترقب مقدمهم الى الوطن بعد نيسان 2003، وإن لم تنقطع صلاتنا بالعديد منهم، عبر متابعاتنا لنشاطهم الثقافي أو السياسي، وما يصلنا من كتابات البعض بـ (القطّارة).  في الساعات الأولى من ضحى يوم حزيراني، بدأت فيه الأرض تسخن مبكراً، أسرعتُ الخطى بلهفة شديدة، كي ألتقي الصديقين فالح عبد الجبار وفاطمة المحسن، العائدين تواً من غربتهما، التقيت فالح في صالة استقبال الفندق، حاولت أن أختبر ذاكرته منذ لحظات اللقاء الأولى، بعد أن تغيرت (خلقِنا) وأخذ الشيب منا مأخذاً، تهدّلت بطوننا، وحفر الزمن تجاعيد عميقة في وجوهنا، لم يستغرق الاختبار بضع لحظات، فتعانقنا بصمت وقوّة.

في زاوية بعيدة من الصالة، تحدث لي فالح عن مشروعه الفكري ـ الثقافي، قدّم عرضاً مكثفاً لآليات تنفيذه في عراق ما بعد الدكتاتورية، لم يكن المشروع حلماً في مخيلته، إنما كان حقيقة في عميق فكره النير، وعقله المنظّم، بدأ خطواته الأولى بزيارات عدد من الكليات والمعاهد، التقى بأساتذتها وطلبتها، تعرّف على بعض منظمات المجتمع المدني التي تشكلت تواً، تنقصها الخبرة والتجربة، التقى بوقت قياسي بالعديد من المثقفين والأكاديميين، والأدباء والإعلاميين، نظّم ورش عمل لمستويات مجتمعية عديدة.

لم نلتق خلال فترة انشغال فالح بالإعداد والتحضير إلا ما أمكن من لقاءات سريعة كانت تتم بالصدفة على الأغلب، لكنني أتواصل معه عبر ما تنشره الصحافة من متابعات في سعيه الاستثنائي، وحماسه غير المنقطع لتوفير مستلزمات العمل وفرص نجاحه، لم تمض بضعة أسابيع على هذا الحراك، حتى التقينا ثانية، في اللحظة الأولى من اللقاء استطعت ان ألمح بوضوح اختفاء ذلك البريق في عيني فالح، وذبول التوهج في وجهه، الحقيبة التي يعلقها على كتفه تحولت الى ثقل ينوء بحمله، وهو يسحب ساقيه ببطء ليرتمي على كرسي قريب مستريحاً من عناء شديد.

ما الأمر يا فالح؟ هل من علّة تشكو منها؟ سألته بإلحاح:

- نعم، أجاب:

ـ العلّة ليست في جسدي، أنا لا أشكو من شيء في صحتي، إنما العلّة في العراق.

- ماذا تقول يا صديقي؟

- أقول لك انني قررت العودة الى حيث المكان الذي جئت منه. لقد أيقنت ان مشروعي لم يحن زمانه بعد!!

- يمعوّد گول غيرها !

- مثل ما أگلك.

- هكذا وبسرعة يا أبا خالد؟ ما زلت في بداية الطريق. بعدنا على أولها.

- كنا نحلم، وننتظر هذا الزمن.

ـ هل أفهم من كلامك اننا سندخل في نفق مظلم جديد؟ أجبني بوضوح أرجوك، ألا تكفي سنوات العذاب والموت تلك؟ هل هو قدرنا التعيس أن نحيا الرعب دائماً؟

- جمال، أقول لك بثقة مطلقة، ان ثمة إشكالية وطنية كبيرة يمر بها البلد، تتمثل بـ: القوى السياسية، بقايا الدكتاتورية، انهيار القيم، خراب المجتمع والنفوس، ستضع الجميع أمام امتحان وجودي هائل، الديمقراطية المقبلة في اشتراطاتها المعروفة، يصعب عليها ان تنتظم في ظروف العراق الحالية، لا أبالغ في إحساسي بالخيبة والإحباط، فأقول: وحتى الزمن المقبل، فإن المجتمع العراقي غير مؤهل لقبول معايير العقلانية والاعتدال، كذلك القوى السياسية غير مؤهلة لممارسة الفعل الديمقراطي الاجتماعي. لأسباب عديدة معلومة، أولها: النظام القائم على المحاصصة، غياب الدولة وانهيار بنيتها التحتية. هذا الحال سيستمر لبضع سنوات. - قل لي يا فالح: كم سيأخذ من أعمارنا هذا المصير؟

أجاب بهدوء واسترخاء المطمئن بالنجاة من هذا الموت المقبل. قال: ربما نحتاج الى عشر سنوات قادمة على أقل تقدير.

- احچي الصدگ فالح! لقد أدخلتني في (جهنمك) المقبلة.

- ستكشف لك الأيام صحة ما أقول، أنا مغادر، في أمان الله.

حاولت أن أبتعد بتفكيري عن توقعات فالح، بإزاحة الارتباك الذي خضّ أعماقي، أن أتمكن من طرد تلك الصور المفزعة في ذاكرتنا، لم يكن أمامي سوى البحث عن المبررات التي أقنع بها ذاتي القلقة، والهروب بعيداً عن مواجهة الحقائق والاحتمالات الخطيرة. فمن يسعفني بهذه المواجهة سوى تلك الظنون الخاسرة؟

فالح يحلم بمناخ مثالي للعمل، ليجد المسوّغ في العودة للمكان المترع بالجمال، يفكر بشكل جدّي ألّا يكون طعماً سهلا للحرائق مرة أخرى، يتطلع لبغداد خالية من الحواجز والكتل الكونكريتية، تقطّع أوصالها وتحيلها الى مدينة بلا طعم أو حياة، يحلم أن يتجول في السعدون صوب مقهى المعقّدين وأبي نواس، لينطلق نحو بردايس او كاردينيا، وهو يتساءل: هل سألتقي طهمازي وحسين عجّة ورياض قاسم ومنعم العظيم، وليد جمعة، جليل، زهير، بسام فرج، حسين الحسيني؟ و ..و..

أم انه سيدور لوحده في الأزقة؟ والأزقة تدور به؟ ها هي عشر مضت، وبعدها خمس، ثم عقدان مضيا وأكثر، والأعوام تمضي.

ظلّ حوارنا في ذاكرتي وتوقعاته، كأنه يقولها اليوم: "مشروعي لم يحن زمانه بعد". يومها حسبت أن القول فيه شيئ من مرارة الخيبة، وأن صديقي استعجل الحكم على عراق خرج لتوّه من ليل الديكتاتورية. وأثبتت السنوات اللاحقة صحة استنتاجاته.

لكن فالح استعجل الموت! مات فالح، ولم تمت الأسئلة التي تركها خلفه، متى يحين زمان مشروعه، متى يصبح العراق قادراً على الاصغاء للعقل، متى تتسع الدولة لمواطنيها جميعاً من دون استثناء؟

رحل أبو خالد، وظلت حقيبته في مخيلتي معلّقة على كتفه، تركها وديعة لجيل وزمن لم يأتيان بعد! لعل أقسى ما في الأحلام المؤجلة أنها لا تموت مع أصحابها، بل تبقى تنتظر زمناً يليق بها.

***

د. جمال العتّابي

منذ نحو ثلاثة أسابيع، كنت في إحدى المدن الفلسطينية، وكانت الساعة تقترب من السابعة والنصف صباحاً. لاحظت حركة السيارات في الشارع؛ وجوه مختلفة، وحكايات لا نعرفها ولا تعرفنا. كان بعض أصحابها يبدون متجهمين عابسين، وآخرون يقودون سياراتهم في هدوء، بينما كان البعض يضغط على الزمور، رغم أن الطريق كان سالكًا ولا يستدعي كل هذا التوتر والاحتقان.

سألت أحد أصدقائي: لماذا نحن هكذا؟

فأجابني ببساطة: الناس مهمومة ومتعبة.

توقفت عند هذه الإجابة طويلاً.  نعم، نحن جميعاً نحمل هموم اًثقيلة، ونعيش ضغوطاً وتحديات أثقلت تفاصيل حياتنا. لكن السؤال الأهم: ماذا نفعل عندما تتعب نفوسنا، ويشغل بالنا التفكير في الظروف التي نحياها؟

عندما يتعب الجسد، نسارع إلى الطبيب ونبحث عن العلاج الذي يخفف ألمنا ويعالج مصابنا. فلماذا لا نفعل الشيء ذاته مع أرواحنا ونفوسنا عندما يثقلها القلق والإحباط، وتتراكم عليها المسؤوليات؟ لماذا نترك أنفسنا نهلك في التفكير والتوتر، وكأن التعب النفسي أمر لا يستحق الاهتمام والانتباه؟

إن الإنسان بحاجة إلى أن يمنح نفسه مساحة للراحة والطمأنينة والتأمل، وأن يبحث عن لحظات صغيرة يستعيد فيها هدوءه وتوازنه، وشيئًا من بهجته وسروره. نحن لا نحتاج إلى ابتسامة مرسومة على الشفاه فحسب، بل إلى ابتسامة صادقة تخرج من الأعماق محفورة في القلب؛ ابتسامة تقول لنا إن الحياة، رغم قسوتها وألمها ومرارة العيش فيها، ما زالت تستحق أن نعيش تفاصيلها، وأن فيها متسعاً للأمل والعمل والخير.

قد لا نستطيع تغيير الظروف المحيطة بنا، وقد يستحيل علينا أن نصنع فيها تغييراً يقلب الأمور رأساً على عقب، لكننا نستطيع أن نختار طريقة تعاملنا معها وأسلوب حياتنا فيها. نستطيع أن نخفف عن أنفسنا، ونربت على قلوبنا، ونقول لها: إن الفرج قريب، والخير قادم لا محالة. وأن نكون أكثر رحمة بأنفسنا، وأن نتوقف قليلاً عندما نشعر بأن الضغوط تجاوزت قدرتنا على الاحتمال والصبر والتحمل.

ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه لأنفسنا ولمن حولنا في هذه الأيام هو شيء بسيط لا غنى عنه: كلمة طيبة، وابتسامة صادقة تخرج من أعماق مشاعرنا، وقليل من التفاؤل والإيجابية التي قد نحتاج إليها في أوقاتنا الصعبة والمؤلمة.

فقد يكون الشخص الذي أمامك في الطريق، أو زميلك في العمل، أو جارك، يحمل هماً وإحباطاً يثقل الجبال. وربما تكون ابتسامتك ولطافتك وكلمتك الطيبة سبباً في إزاحة مصاب أو جرح أو يأس استقر في قلبه.

لذلك، اعتنوا بأنفسكم كما تعتنون بأجسادكم، ولا تجعلوا الهم أسلوب مدمراً. امنحوا قلوبكم فرصة للتنفس، والتعبير عما يجيش في صدوركم، وابحثوا عن الضوء مهما اشتدت العتمة. وكونوا رفقاء بأنفسكم وبمن ترونه أو تتعاملون معه.

فربما نظرة تنقذ صاحبها من تراكم الهم، وإشارة تمنحه الهدوء والسكينة، وابتسامة تفرج عنه كرباً أو تخفف مصاباً. فكونوا معاول بناء ونمو وارتقاء في حياة من حولكم.

ابتسموا… ليس لأن الحياة خالية من الألم، بل لأن في داخلنا قدرة على صناعة الأمل رغم الألم.

***

د. أكرم عثمان

13-9-2026

لست أدري لماذا نتعجل الحكم على الكتب والأفكار قبل أن نقرأها. هذه عادة سيئة نراها في كل مكان من حولنا في الندوات، وفي الصحف، وفي أحاديث الأصدقاء. يكفي أن يشيع عنوان كتاب حتى يصبح كل واحد منا خبيراً في مضمونه. والأمثلة كثيرة، وأوضحها في تقديري ما جرى لكتاب فوكوياما "نهاية التاريخ".

منذ أكثر من ثلاثين سنة وأنا أسمع هذه العبارة تتردد على كل لسان. "نهاية التاريخ" قالها فوكوياما، ومعنى ذلك أن التاريخ انتهى، وأن الحروب انتهت، وأن الديمقراطية الليبرالية انتصرت إلى الأبد. وكانت العبارة تسر البعض  وتغيظ البعض الآخر، لكن قليلين جداً هم الذين كلفوا أنفسهم عناء قراءة الكتاب نفسه.

كنت واحداً من هؤلاء الذين رددوا العبارة دون أن يقرأوا الأصل، وكنت أظن أنني بذلك أدلي برأي في المسألة. والحقيقة أنني كنت أردد كلاماً لم أفهمه. وهذا، لشد ما أرى، هو حال كثير من المثقفين يتحدثون في كل شيء ولا يقرأون شيئاً.

ثم عدت أخيراً إلى فوكوياما، لا من خلال كتابه القديم، بل من خلال حوار طويل أجرته معه مجلة "بروسبكت" البريطانية. قرأت الحوار من أوله إلى آخره، وعندما فرغت منه شعرت بشيء من الخجل، فقد اكتشفت أنني ظلمت الرجل، وأنني كنت واحداً في جيش من الظالمين.

ما قاله فوكوياما حقاً..

فوكوياما لم يقل إن التاريخ سيتوقف، ولا إن الحروب ستنتهي، ولا إن البشر سيكفون عن القتل. كل ما قاله هو أن الديمقراطية الليبرالية بما تحمله من أفكار الحرية والمساواة والكرامة هي أفضل ما توصل إليه الإنسان حتى الآن لتنظيم أمور مجتمعه. وهذا كلام في الأفضلية لا في النهاية. والفرق بينهما كبير، كالفرق بين من يقول إن الطب الحديث أفضل ما توصلنا إليه لعلاج الأمراض، ومن يقول إن الأمراض ستنتهي من الوجود. فكل صاحب عقل يعرف أن الأمراض لم تنته، وأنها ربما لن تنتهي أبداً.

لكن المفاجأة لم تكن في هذا التصحيح، بل في اكتشافي أن فوكوياما لم يكن ذلك المتفائل الساذج الذي صورناه. حتى في أيام الانتصار الغربي بعد سقوط جدار برلين كان يرى المرض في قلب النظام الليبرالي نفسه، وحذر من أن المجتمع الذي ينعم بالأمن والرخاء قد يصيبه الملل. والملل، كما نعرف جميعاً من حياتنا اليومية، يمكن أن يدفع الإنسان إلى أفعال لا يعقلها عقل. يمل الشاب من البيت المريح فيخرج يبحث عن المخاطرة، لا لأنه محتاج بل لأنه لم يعد يحتمل الراحة.

كنت أظن أن هذا كلام عن المراهقين المدللين لا عن شعوب كاملة، ولكن انظر ما يحدث في الغرب اليوم. ترامب في أمريكا، والبريكست في بريطانيا، وأحزاب اليمين المتطرف في ألمانيا وإيطاليا. شعوب كاملة تقرر أن تقفز من النافذة، لا لأن أحداً يطاردها، ولكن لأنها سئمت الجلوس على الأريكة.

وأما عندما يتحدث فوكوياما عن ترامب فإنه يفقد هدوءه الأكاديمي، ويتهمه صراحة بأنه يسعى إلى تحويل الولايات المتحدة إلى دولة سلطوية. وهذا كلام ثقيل جداً، لأنه مفكر محافظ ينتمي إلى التقاليد الأكاديمية الرصينة. فإذا وصل الأمر به إلى هذا الحد من القلق فلا بد أن نأخذ الأمر بجدية.

مع ذلك فإنه لا يستسلم لليأس، إذ يرى أن الاعتقاد بحتمية الهزيمة هو أول خطوة نحو تحقيقها. فإذا أقنع الناس أنفسهم بأن المعركة خاسرة فسيستسلمون دون أن يطلق عليهم أحد رصاصة واحدة. فاليأس سلاح خطير يستخدمه الطغاة ضد خصومهم، وليس أقل فتكاً من الرصاص.

التاريخ يعيد نفسه

وأهم فكرة في الحوار كله، في تقديري، هي أن مسألة نهاية التاريخ قد تكون دورية لا نهائية. بمعنى أن المجتمعات لا تسير في خط مستقيم نحو الحرية، لكنها تدور في حلقات. جيل يعيش في ظل الدكتاتورية فيعرف قيمة الحرية حق المعرفة، ثم يأتي جيل آخر ولد في ظل الحرية فيعتبرها أمراً مسلماً به كالهواء الذي يستنشقه دون أن يشكر أحداً. وهذا الجيل الذي لم يذق طعم القمع قد ينجذب إلى خطاب الشعبوية، لا لأنه يصدقه، لكن لأنه يبحث عن شيء جديد، أو لأنه غاضب من النخبة، أو ببساطة لأنه لا يعرف ماذا تعني الدكتاتورية.

يضرب فوكوياما مثلاً ببولندا. فالجيل البولندي الجديد الذي لم يعش حقبة الحكم الشيوعي ينظر إلى بروكسل والاتحاد الأوروبي كأنهما دكتاتورية جديدة تفرض عليه قيماً غريبة. وهؤلاء الشباب لا يتذكرون أن آباءهم سجنوا وعذبوا من أجل الحرية التي يتنعمون بها اليوم. وهذه هي مشكلة الذاكرة السياسية أن ما يراه الجيل القديم تحرراً يراه الجيل الجديد وصاية.

والنتيجة المنطقية لهذا المعنى قاسية حقاً، إذ قد تحتاج المجتمعات إلى أن تجرب الحلول غير الليبرالية وترى نتائجها الكارثية بعينها قبل أن تعود إلى تقدير الديمقراطية من جديد. إنها دورة مأساوية حرية، ثم نسيان، ثم استبداد، ثم عودة إلى الحرية. والتاريخ لا يعلمنا، لكنه يعيد علينا الدرس حتى نحفظه.

درس العراق

أكثر ما أثار اهتمامي كعربي أن فوكوياما يعترف بخطئه في دعم الحرب الظالمة ضد العراق. حيث يقول إن أطروحته عن نهاية التاريخ كانت في الإطار الفكري الذي شجع على تلك المغامرة. لقد كان مؤيداً لإسقاط صدام حسين في البداية، ثم انفصل عن المحافظين الجدد بعد الكارثة. وهنا يستخلص درساً مهماً، وهو أن الذكاء لا يحمي صاحبه من الخطأ، لكن ربما يسمح للذكي بأن يبني لنفسه من المبررات ما يقنعها بفكرة غير معقولة.

وهذه جملة تستحق أن تُكتب بماء الذهب. فالذكي يستطيع أن يقنع نفسه بأي شيء، يستطيع أن يبني حججاً محكمة لفكرة خاطئة تماماً. وهذا ما حدث في العراق. مجموعة من أذكى الناس في واشنطن أقنعت نفسها بأن غزو العراق سيكون نزهة تنتهي بإقامة ديمقراطية مزدهرة في قلب الشرق الأوسط. ولم تكن المشكلة سوء نية، بل الفشل في التفكير في العواقب غير المقصودة.

وقد تذكرت وأنا أقرأ هذا الحديث مقالات محمد السيد سعيد عن حرب العراق. وكم كان الخطاب الرسمي في واشنطن متماسكاً ومقنعاً، وكم وصف المشككون بالجبن والتردد. واليوم، بعد أكثر من عشرين سنة، نعرف جميعاً من كان على صواب.

وهكذا يخرج القارئ من هذا الحوار بصورة مختلفة تماماً عن الصورة النمطية التي رسمناها لفوكوياما. إنه باحث ليبرالي قلق، لا متفائل ساذج. يؤمن بالديمقراطية الليبرالية، لكنه يعرف أنها ليست مضمونة، ويعرف أن المجتمعات قد تختار طريقاً آخر، ويعرف أن التاريخ لا يسير في خط مستقيم.

هكذا يعود الباحث الأكثر شهرة في نهاية القرن العشرين، بعد كل هذه السنوات، إلى شيء يشبه التواضع الفكري. كان على يقين في يوم من الأيام، وهو اليوم أكثر حذراً. وقال هو نفسه بعد فوات الأوان: "الذكاء لا يحمي صاحبه من الخطأ".

صدق فوكوياما. وأنا أضيف من عندي أن القراءة المتأنية تحمي القارئ من الظلم في الحكم على الآخرين. ولو أننا قرأناه كما يجب قبل ثلاثين سنة لوفرنا على أنفسنا وعليه الكثير من سوء الفهم.

فلنتذكر هذا الدرس.

***

د. عبد السلام فاروق

 

أثار صدور كتاب "وعّاظ السلاطين" منذ أول طبعة له عام 1954، جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية والدينية، أخذ أشكالاً عدّة في ردود الأفعال. لم يكن مؤلفه عليّ الوردي حينها منشغلاً بظاهرة تاريخية تخص العصور الإسلامية وحدها، بل كان يحاول الكشف عن آلية اجتماعية تتكرر في العلاقة مع السلطة. كان مهتماً بتناول أحداث التاريخ بإطار تحليلي يعتمد فيه مفاهيم علم الاجتماع الحديث.

باختصار، يمكننا تعريف " وعاظ السلاطين" بوصفه مصطلحاً يطلق على رجال الدين الذين يسخّرون علمهم وفتاواهم لخدمة الحكّام لتبرير سياستهم الاستبدادية.

لم ينتقد عالم الاجتماع الوردي "الواعظ" لأنه رجل دين، إنما لأنه يتحول إلى أداة لتبرير العنف، وتزييف الوعي، وإضفاء الشرعية على الظلم. كان صاحب الجواري، يقول الوردي: يحرص كل الحرص على عفاف جواريه، يقيم الأسوار حولهنّ، لئلا يطمع أحد الفقراء فيختطف منهنّ نظرة، كان الوعاظ إلى جانب صاحب الجواري في شدّته على مراقبة المرأة، لأنهم مرتزقة يعيشون على ما ينفقه عليهم. يدعون إلى عدم النظر إلى المرأة، ربما أراد بذلك القول: لا تنظر إلى جواري غيرك. (وعاظ السلاطين ص12).

يروى أن الخليفة سليمان بن عبد الملك كان يتنزه ذات يوم، فسمع صوتاً يغني من بعيد، كان الصوت رخيماً مطرباً، فغضب الخليفة منه إذ اعدّه خطراً على عفاف النساء وسبباً من أسباب إغرائهن وإفسادهن، فأمر بخصاء المغني، وفعل ذلك بلا تردد.

أحسب أن الوعّاظ يفرحون لهذه القصة ـ كما يقول الوردي ـ فهم يرون هذا غِيرة على الأخلاق، ولعلهم يودّون ان يكون هذا منهجا لـ "حكومتنا الجليلة" فتخصي المغنين (وعاظ ص14).

بعد أكثر من سبعين عاماً على صدور الكتاب، تبدو أفكار الوردي وكأنها تستعيد حياتها في فضاء جديد هو الفضاء الرقمي، حيث لم يعد السلطان يجلس دائماً على العرش، بل أصبح يمتلك جيوشاً الكترونية، ومؤثرين، وصنّاع محتوى، ووعاظاً جدداً يبررون الخراب بلغة حديثة، يصنعون وهماً جماعياً يصعب مقاومته.

كان الوردي يرى أن المجتمع العراقي يعيش صراعاً دائماً بين منظومتين من القيم، الأولى بدوية تمجّد العصبية والجاه والمباهاة، والثانية مدنية تدعو إلى العقل والعمل والنظام. وقد شرح هذه الثنائية في أكثر من مؤلف، ولا سيما في "دراسة  طبيعة المجتمع العراقي"، حيث أوضح أن الإنسان العراقي كثيراً ما يتأرجح بين القيم المتناقضة، فيرفع شعارات الفضيلة بينما يمارس نقيضها في الواقع.

غير أن مفهوم الجّاه الاجتماعي الذي تحدث عنه الوردي لم يعد اليوم يقاس بعدد الضيوف في الديوان، أو سعة الولائم، أو عراقة النسب، بل انتقل إلى فضاء افتراضي تحكمه خوارزميات المنصّات الرقمية. أصبح عدد المتابعين والمشاهدات والاعجابات معياراً جديداً للمكانة الاجتماعية، وهكذا تحولت الرغبة القديمة في التفاخر إلى سباق محموم نحو الشهرة الرقمية، حتى لو كان ثمنها تزييف الواقع أو افتعال الفضائح.

ليس الاستعراض الرقمي مجرد تطور تقني، بل يمثل تحولاً في بنية القيم الاجتماعية نفسها. فالإنسان لم يعد يكتفي بأن يكون ناجحاً، وإنما أصبح مضطراً إلى عرض "نجاحه" بصورة متواصلة. ولم يعد الجمال قيمة طبيعية، بل مشروع استثماري يخضع لعمليات التجميل، وحقن "الفيلر"، والفلاتر الرقمية، وإعادة تشكيل الملامح بما يتوافق مع ذوق السوق الإلكتروني. إننا أمام ثقافة لا تبيع الجسد وحده، إنما تبيع الوهم أيضاً.

لكن الوجه الآخر لهذا الاستعراض أكثر قتامة. فخلف الصور اللامعة، والابتسامات المصطنعة، يقبع مجتمع شديد القسوة، مستعد لأن يتحول إلى محكمة الكترونية خلال دقائق. فحملات التشهير، والتنمر، والإلغاء، والابتزاز النفسي، وتحطيم السمعة، أصبحت ممارسات يومية في الفضاء الرقمي. وهذا السلوك لا يمكن تفسيره بثنائية البداوة والحضر التي درسها الوردي، لأنه يمثل ظاهرة جديدة يمكن وصفها بـ "الهمجية الإلكترونية"، وهي حالة تتراجع فيها الضوابط الأخلاقية أمام شعور زائف بالإفلات من المسؤولية، فيمارس الفرد عنفاً لفظياً ورمزياً لم يكن ليجرؤ على ممارسته في الواقع المباشر.هذا العنف في أحد أشكاله يتمثل بلغة مشحونة بالعدوانية، والشتيمة أحياناً، واستخدام المفردات البذيئة، تصل إلى حد التباهي بهذه (اللغة) من دون تردد، ما دام هناك جمهور يصفّق للتردي ويمنحه شرعية الحضور، ليكون أداة للتجريح والقمع.

لقد كان الوردي يهاجم الواعظ الذي يطالب الناس بالزهد بينما يعيش في ظل السلطان ويتمتع بعطاياه. أما اليوم فقد توسعت دائرة الوعظ حتى خرجت من المنابر إلى الشاشات الصغيرة. فهناك وعاظ سياسيون، وإعلاميون، وأكاديميون، ومؤثرون رقميون، يقدمون أنفسهم بوصفهم حراساً للقيم، بينما يقومون فعلياً بتجميل الفساد، وتبرير الفشل، وإقناع الجمهور بأن الخراب إنجاز، والنهب ضرورة، والفساد قدر لا يجوز الاعتراض عليه. هؤلاء يتناسون أن صوت المثقف لا يعلو على أصوات الآخرين، بل يفسح في عقله مكاناً لاحتمال أن يكون الآخر مصيباً. فالحقيقة لا تحتاج إلى الشتيمة كي تدافع عن نفسها، والفكرة الواثقة لا تخشى السؤال.

إن أخطر ما في هؤلاء أنهم لا يكتفون بتبرير الفشل، بل يعيدون تشكيل الوعي الجمعي بحيث يصبح الباطل مقبولاً، ويبدو الاعتراض فعلاً مشبوهاً. وهنا تتجلى راهنية كتاب "وعاظ السلاطين" فالوردي كان يرى أن الواعظ أخطر من الحاكم أحياناً، لأن الحاكم يمارس القوة المادية، أما الواعظ فيمنح تلك القوة شرعية أخلاقية. ومن دون هذا الغطاء الأخلاقي تفقد السلطة كثيراً من قدرتها على الاستمرار.

وإذا كان وعّاظ الأمس يعتمدون على النصوص الدينية والتأويل الانتقائي، فإن وعاظ اليوم يستخدمون أدوات أكثر تأثيراً: الصورة، والمقطع القصير، و"الهاشتاغ"، والخوارزمية، والذباب الألكتروني. إنهم لا يصنعون الرأي العام بالحجّة، بل بالإغراق الإعلامي والتكرار والانفعال، حتى يغدو الكذب أكثر تداولاً من الحقيقة.

من المفارقات المؤلمة، أن المثقف الذي كان الوردي يأسف لضعف تأثيره، أصبح اليوم أكثر عزلة من أي وقت مضى. فالفضاء الرقمي لا يكافئ المعرفة العميقة، بل يكافئ الإثارة والسرعة والانفعال. ولذلك تراجعت مكانة الباحث والأكاديمي والكاتب الجاد، في مقابل صعود مؤثرين لا تنقصهم الثقافة، لكنهم يمتلكون دعماً سياسياً أو مالياً أو إعلامياً ومعنوياً، يجعل أصواتهم أعلى من أصوات أهل الاختصاص.

وهكذا لم يعد الذوق العام يُصنع في الجامعات أو المؤسسات الثقافية، بل في المنصّات الرقمية التي تحددها معايير الانتشار لا معايير القيمة. وسلطة لا تستند إلى المعرفة، وإنما إلى عدد المتابعين، لا تقيس الحقيقة بالبرهان، بل بعدد المعجبين.

الأخطر من ذلك أن بعض وعاظ العصر لا يدافعون عن السلطة بدافع القناعة، وإنما بدافع المنفعة الشخصية، مهما كانت بائسة. إنهم يعرفون الحقيقة، لكنهم يقدمون نقيضها، لا لأنهم مخدوعون، بل لأنهم يدركون أن تزوير الوعي أقصر الطرق إلى النفاق في تحقيق المكاسب والامتيازات الشخصية. قد يكون ثمن هذا الولاء في أحيان كثيرة متواضعاً، أو اللاشئ، الأمر الذي يكشف هشاشة الضمير أكثر مما يكشف قوة السلطان.

العودة إلى علي الوردي اليوم ليست عودة إلى الماضي، بل إلى منهج نقدي قادر على تفسير تحولات المجتمع. فالوردي علّمنا أن أخطر الأمراض الاجتماعية ليست تلك التي تعيش في الشارع وحده، إنما التي تسكن العقول، وتتخفى وراء الأقنعة الأخلاقية. وإذا كان وعّاظ السلاطين في الماضي قد أسهموا في إدامة الاستبداد، فإن وعّاظ المنصّات يسهمون اليوم في إنتاج استبداد جديد، يقوم على الشهرة الزائفة، وصناعة الوهم. ومصادرة الرأي.

لعل المهمة الأكثر إلحاحاً أمام المثقف المعاصر تتمثل في استعادة وظيفة النقد، وإحياء العقل، وكشف آليات التضليل الجديدة. فالمجتمعات لا تنهار حين ينتصر الجهل فقط، وإنما تنهار عندما يصبح الكذب فضيلة، ويغدو تزييف الحقيقة عملاً بطولياً، ويتعالى التصفيق لمن يزكّي القبح، أكثر من الإصغاء إلى من يكتشفه.

***

د. جمال العتابي

حتّى اللّغة أبت إلّا أن تقدّم لنا درسا في العطاء، وفلسفة في التضحية فجعلت فعل المنح يتعدّى إلى أكثر من مفعول، وكأنّها تقول لنا أنّ الخير، متى ما خرج من يد كريمة، لا يعرف مفعولا واحدا ولا يقف عند حدود صاحبه. فما نمنحه لواحد قد يفرح به آخرون، وما نزرعه في قلب قد يثمر في قلوب لا نعرفها، تلك هي معجزة العطاء، أن يتجاوز الممنوح من مُنح له، ويتجاوز المُعطيَ نفسه.

إنّ في اللّغة أفعالا لا ترضى أن تبقى حبيسة فاعلها، كأنّ في بنيتها سرّا يتجاوز حدود النحو إلى رحابة الإنسان ومعاني الانسانية. ومن أجمل هذه الأفعال، أفعالُ المنح والعطاء، فهي أفعال متعدّية بطبيعتها، لا تكتمل دلالتها إلاّ بانتقال شيء من ذات إلى أخرى، أعطى، منح، وهب، أهدى، أسدى... وكأنّ اللّغة، وهي تبني جملتها، كانت تستبطن منذ القدم حقيقة إنسانية عميقة مفادها أنّ ما نمنحه لا يبقى عندنا، وما يخرج من أيدينا قد يواصل سفره عبر أرواح الآخرين. وهنا تكمن المفارقة الجميلة،أن يكون الفعل متعدّيا في النّحو، وأن يمتدّ أثره في الحياة. فالعطاء لا ينتقل من الفاعل إلى مفعوله الأول فحسب، بل قد يتّسع أثره إلى مفعولين وثالث ورابع، وربّما إلى أجيال لا نعرف أسماءها. قد تمنح طفلا كلمة طيّبة، فيمنحها هو يوما لابنه، وقد تفتح لتلميذ نافذة أمل، فيصبح ذلك الأمل بعد سنوات نافذة في حياة إنسان آخر. وهكذا لا يعود المفعول به مجرّد طرف في الجملة، بل يصبح حلقة جديدة في سلسلة الأثر.

ولعل في ذلك شيئا من التورية البلاغية الجميلة، يتساءل أحدكم: كيف تظهر التورية ؟ فأقول على سبيل المثال لا الحصر: منحتُه علما، فإن ظاهر العبارة يدلّ على انتقال المعرفة من المعلّم إلى المتعلم، أمّا باطنها فيقول أنّ المعلم في اللّحظة نفسها، منح نفسه معنى، ومنح المجتمع إنسانا أكثر قدرة على البناء، ومنح المستقبل احتمالا جديدا. فالمفعول به في العطاء ليس واحدا، بل يتعدى إلى أكثر من مفعول لغة، وإلى أكثر من مستفيد معنى. ومن هنا تصبح التربية أرقى صور التعدّي الإنساني.

فالأستاذ لا يدخل القسم وفي يده مذكّرة فقط، ولا يقف أمام التلاميذ ليؤدي ساعات عمل تُحسب بالدقائق والأجور، إنّما يدخل إلى عالم هشّ، تتشكل فيه النفوس قبل أن تكتمل العقول. أمامه طفل، ومراهق، وإنسان في طور التشكّل واكتشاف ذاته والعالم. وقد لا يدرك الأستاذ أنّ جملة قالها عابرا يمكن أن تسكن في ذاكرة تلميذه سنوات، وأنّ ابتسامة صغيرة قد تكون في حياة أحدهم أوّل اعتراف بأنّه جدير بالاهتمام، وأن كلمة تشجيع قد تفعل في مستقبل إنسان ما لا تفعله عشرات الدروس.

لذلك، ونحن نشهد عودة الأستاذات والأساتذة إلى مقاعد الدراسة، فإنّنا لا نريد منهم التعليم وحده، بل نريد منهم فعل المنح في أوسع معانيه، أن يمنحوا المعرفة، والثقة، والأمان، والفضول، والحق في الخطأ، والقدرة على السؤال، والأمل في أن الإنسان يستطيع أن يصبح أفضل ممّا هو عليه. فهم حملة رسالة، والرسالة لا تُقاس دائما بمقابلها المادي. وليس في ذلك انتقاص من حق الأستاذ في التقدير والعيش الكريم، بل على العكس، إن احترام المهنة يبدأ من احترام صاحبها. غير أنّ قيمة ما يمنحه الأستاذ لا يمكن اختزالها في راتب أو ساعة عمل، لأنّ ما يتركه في عقل تلميذ وقلبه قد يتجاوز زمن الحصة ومكان المدرسة وعمر صاحبها.

ولأنّ التلميذ ليس عقلا مجرّدا، وجب على الأستاذ أن يتذكّر خصوصية المرحلة التي يقف أمامها. فالطفولة ليست نسخة مصغّرة من الرشد، والمراهقة ليست مرضا ينبغي قمعه، وإنّما هما مرحلتان تتشكّل فيهما الشخصية، وتُبنى فيهما صورة الإنسان عن نفسه وعن الآخرين. وفي هذه المرحلة تحديدا تكون الكلمة أثقل ممّا نظن، والنظرة أبلغ ممّا نقول، وطريقة المعاملة جزءا من التربية نفسها، بل هي التربية ذاتها.

لذلك أوصيكم أساتذتي الكرام، ألاّ تجعلوا من القسم مكانا لتعويض خسارات الحياة ، وألاّ تحملوا إلى التلميذ غضبكم من الإدارة، ولا خيباتكم من العمل، ولا مشكلاتكم الأسرية، ولا إحباطاتكم الخاصة. لا تجعلوا الطفل يدفع ثمن يوم سيِّئ لم يكن طرفا فيه، ولا تجعلوا المراهق ساحة لتصريف توتّر لا يعرف مصدره. فالتلميذ ليس مسؤولا عن خيبات أستاذه وقد يكون أكثر ما يحتاجه في ذلك اليوم هو أن يجد في المدرسة وجها بشوشا، وصوتا هادئا، وشخصا بالغا بليغا يقول له بطريقة مباشرة أو غير مباشرة: "أنت تستطيع، أنت مهم، بل انت رائع، وخطؤك لا يجعلك فاشلا ".

إنّني اليوم أصرخ لعلّني أجد من يسمعني: المدرسة لا ينبغي أن تكون مصنعا للمعارف فقط، بل ملاذ الفرد القادم، هي مصنع الإنسان. وإذا أخفقنا في هذه المهمة، فقد ننجح في ملء الذاكرة بالمعلومات ونفشل في بناء الروح. فكم منّا ما زال يحمل في داخله طفلا جرحته عبارة أستاذ، أو أطفأته مقارنة، أو حطّمت ثقته سخرية أمام زملائه. وكم منّا أيضا مازال يخوض في الحياة وفي داخله صوت معلّم قال له يوما: "أنت تستطيع ".

وإنّني اليوم أتوسّل وأتوسم في بناة العقول خيرا، وأحمّلهم رسالة مفادها، أنّنا لا نريد جيلا محمّلا بعقد الآخرين، ولا أطفالا يرثون خيبات الكبار، ولا مراهقين يتعلمون مبكّرا أن المدرسة مكان للخوف والإذلال والتدجين. بل نريد جيلا يتعلّم أنّ المعرفة حرية، وأنّ الخطأ طريق للتعلّم، وأنّ الاختلاف لا يلغي الكرامة، ولا يكرّس الاحتكار، ولا يولّد الخلاف، وأنّ السلطة التربوية لا تحتاج إلى القسوة كي تكون قوية. لتعود لغتنا الجميلة الرشيدة، فتقول حكمتها المتعالية: "المنح فعلٌ متعدٍّ ".

لندرك أنّ العطاء نفسه يعود إلى فاعله، وهذه ربّما إحدى أعظم مفارقات العطاء، إذْ أنك تمنح شيئا من نفسك، فتكتشف بعد زمن أنّك لم تفقده، بل تضاعف وتعدّى إلى أكثر من مفعول. أحبّتي الأساتذة. إنّ السعادة ليست كلها في الأخذ. فقد يشبع الأخذ حاجة، أمّا العطاء فيصنع معنى. والأخذ قد يمنح فرح لحظة، أمّا المنح فيترك أثرا يمتدّ من إنسان إلى آخر، ومن جيل إلى جيل.

باللّه عليك أيّها الأستاذ ! صف لنا شعورك حين ترى فرح تلميذك لأنّه فهم الدرس، أو ثقته لأنّه نجح، أو عينيه وهما تكتشفان للمرّة الأولى أنّه قادر، أليس لك من ذلك الفرح نصيب أكبر ؟ وهنا تتحقّق المعادلة بانّ العطاء فعل متعدّ في اللغة، لكنّه في الحياة يتجاوز حدود التعدي.

أساتذتي الكرام !  إنّ رسالتي لكم ونحن نستقبل عاما دراسيا جديدا آملا مأمولا، هو أن بعض الأفعال لا تكتمل إلا بغيرنا.أعطوا، امنحوا، وهبوا، أسندوا، شجّعوا... فأنتم لا تملؤون مفعولا به في جملة، بل قد تملؤون إنسانا بالحياة، وتملؤون الحياة بالانسانية.وليس أعظم من أن يكون الإنسان في هذه الدنيا فاعل خير يتعدّى أثره إلى الآخرين، ثمّ يعود إليه على هيئة معنى وسعادة ورضا.

***

ليلى تبّاني - الجزائر

ميسون بنت بحدل بن أنيف الكلبية توفت سنة (80) هجرية وهي أم يزيد بن معاوية، ويُقال أنها سئمت العيش في القصور وحياة الخدم والحشم، وربما هي التي قالت في قصيدة مطلعها:

لبيتٌ تخفق الأرياح فيه...أحب إلي من قصر منيف، إلى آخر ما تقول : "فما أبغي سوى وطني بديلا...فحسبي ذاك من وطن شريف"

ويزيد بن معاوية الذي هو إبنها توفى سنة (64) هجرية، أي قبلها بستة عشر سنة.

ولا يوجد ما يوثق تفاعلها مع إبنها وما قام به، وكيف عاشت بعد موته.

يوصف زواجها من معاوية بن أبي سفيان (608 - 680) ميلادية، بأنه زواج سياسي، وليس واضحا كم عاشت معه، وكم كان عمر يزيد عندما طلقها، ولا يُعرف إن كانت قد تأثرت بديانة بعض قومها، وكذلك إبنها الذي تربى في البادية معهم حتى صباه.

وهي شخصية محيرة، ولا يوجد ما يوثق الكثير من الموضوعات المتصلة بها، سوى أنها روت عن معاوية بعض الأحاديث، وحسُن إسلامها، وأنه طلقها وذهبت للحياة في البادية، ولا يُعرف إن تزوجت بعد طلاقها، وكيف تمت رعاية يزيد الذي عاش معها في البادية بين قومها، الذين كانوا على دين آخر وأسلم بعضهم أو معظمهم وبقي آخرون على دين آبائهم.

فالغموض يحيط السيدة ميسون بنت بحدل، ويُجهل أين ماتت ودفنت، ولا وجود لما يتصل بها سوى أنها كانت زوجة معاوية بن أبي سفيان وأم إبنه البكر يزيد (وهو إسم شقيق معاوية الأكبر وكان واليا على الشام لكنه مات في طاعون عمواس ونجا معاوية فتولى الأمر من بعده).

ترى هل تربى يزيد تربية إسلامية؟

وهل أخطأ معاوية بتوليته الأمر من بعده، وهو الذي أضاع ملك أبيه، فصارت الدولة مروانية.

يزيد حكم ثلاث سنوات (680 - 683) ميلادية مشحونة بالخطايا والرزايا (مقتل الحسين، موقعة الحَرة، حصار مكة)، ويبدو أن العائلة تعاني من مرض السكر (عبد السلام العجيلي) ولم ينجو منه إلا خالد بن يزيد (671 - 709) الذي كان صغيرا، فانتقلت الخلافة منه إلى بني مروان، والمعروف عنه إنشغاله بالكيمياء.

هناك قسم كبير من التأريخ مطمور تحت ركام الأحداث، وما جرى في تلك السنوات التي حكم فيها.

توارتْ بين أكداس الخَطايا

مَواضيعٌ بها جُلِبَتْ رَزايا

تفاعلتِ النفوسُ بلا رقيبٍ

فدوّنَتِ الموافقَ للسَجايا

كتاباتٌ من الإذعانِ جاءَتْ

فهلْ ظهرتْ لأجيالٍ مَزايا

***

د. صادق السامرائي

ما زاد في تأخر المجتمع العربي الصراعات الطائفية بين أصحاب الحداثة والسلفية المغلقة، بحيث يرفض الحداثيون كل القيم التي تقدمها السلفية باعتبارها مبادئ مجردة في توجيه السلوك البشري، لا تعتمد على الواقع ولا تتناسب مع التطور الحديث، وترى أن هذه القيم مقيدة للحرية والإبداع، وهو ما حدث في بداية التسعينات عندما أوقف النظام الجزائري المسار الانتخابي ومنع "الفيس" من الاستمرارية، ويحدث اليوم مع الإخوان المسلمين في مصر بعد خلع الرئيس محمد مرسي، وكذلك الحرب في سوريا، ومن هنا تعذر فهم كل المشكلات ووضع الحلول لها

الكثير من أخطأ في استعمال مفهوم "الثورة" والربط بين "الدين والسياسة" ولم توضع هذه المفاهيم في سياقها الحقيقي، فظن بعض المسلمين أن الثورة هي الخروج الى الشارع وغلق الطرقات واستعمال العنف من أجل تغيير الحكم والوجوه الحاكمة، في حين تراها الدول المتقدمة تغيرا في الاقتصاد وتجديد في الفكر، أو التحرر من العقلية الدينية، ومن هذين المفهومين للثورة اختلف العرب في تصنيف بعضهم البعض بين الثوريين الحقيقيين وأشباه الثوريين، هذا التناقض راجع إلى أن الشعوب العربية احتارت في إتباع أي نظام سياسي تسير عليه (رئاسي، شبه رئاسي، جمهوري، برلماني)، وساهم في تأزيم الوضع الواقع الاجتماعي المتشابك والمعقد، بحيث يتعذر على مجتمع ما ( الجزائر مثلا) أن تحدث تغييرا في البنيات العليا وهي تواجه صعوبات في تحسين بناها التحتية أو حتى إيجاد الحلول السليمة لتهيئة قنوات صرف المياه القذرة ومعالجة التسربات والإنزلاقات، فاضطرت الاعتماد على اليد العاملة الأجنبية في إنجاز مشاريعها.

يطرح الكثير من المهتمين بالشأن السياسي سؤالا إذا ما كانت دولة كأمريكا أو إسرائيل وحلفاءها مثلا، لها من الإمكانات ما لم تتوفر عليه الدول العربية الإسلامية، لو توحدت هذه الدول طبعا وتمسكت بعروتها الوثقى ووقفت على خط واحد، يجيب أحد الباحثين أن الخيال العربي عجز عن تجاوز الواقع وتحويله أو خلقه وتفجيره، لم يبذل العربي جهدا كبيرا للسيطرة على محيطه، وما تزال الصحراء العربية مهملة وقاحلة (الصحراء الجزائرية كمثال)، ولو استغلت كل الطاقات المتوفرة لأمكن لهذه الصحراء أن تقيم عليها أممٌ، لكن الإنسان العربي بقي بُورٌ في أرضه، يسكنه الكسل والعجز والتراخي، لا يصنع يومه ولا غده، لأنه مكبل بقيمٍ لم تعد صالحةً في زمن السلاح النووي، إذ نجد الكثير من "السلفيين" ما زالوا يدعون الى الجلوس على الأرض، وترك الأكل على الطاولة واستعمال الشوكة، ويدعون الى العودة إلى ارتداء القميص وتقصير السروال وإطلاق اللحية، وأمور أخرى دار عليها الزمن وولىّ، وضموها ضمن القيم الثابتة، وأوهموا الناس أنها من عادات النبي (صلعم)، ولم يفكروا بما يخدم الحاجات الإنسانية أو تسهيل علاقتهم بالآخرين.

والملاحظ أن كل طائفة من الطوائف المنتشرة في العالم الإسلامي لها إيديولوجيتها الخاصة بها وقوانين وقواعد اللعبة التي تلعبها، فالسلفية حسب الدراسات تقوم إيديولوجيتها لى احتقار العقل، بل أحيانا تغذي كراهية له، كما أنها لا تفهم ماهي العناصر التي قام على أساسها ازدهار الماضي الإسلامي، بل تعتقد هده العناصر (السلفية) على أنها انحرافا مكروها، بل كفرا، كما كتب في ذلك سيد قطب رائد السلفية المعاصرة، وكانت النتيجة الحتمية لهذه المواقف الرجعية، هي إعطاء الأولوية للتطرف في الممارسات سواء كانت ظاهرية أو باطنية مثل (الزيّ واللحية والحنين لعصر ذهبي مفقود، وسارت إلى أبعد الحدود في مسائل الزواج )، ويقصد بالسلفية بالتحديد إقامة الدولة الإسلامية عملا وسلوكا ومنهجا، وهي ترى أن هوية الشعوب عاملا ثابتا لا يقبل التطور، وهذا حسب المحللين مناقضا تماما لواقع التاريخ، لأن الهوية العربية الإسلامية تطورت عبر التاريخ، فما زاد في تأخر المجتمع العربي إذن الصراعات الطائفية بين أصحاب الحداثة والسلفية المغلقة، بحيث يرفض الحداثيون كل القيم التي تقدمها السلفية، باعتبارها مبادئ مجردة في توجيه السلوك البشري، لا تعتمد على الواقع ولا تتناسب مع التطور الحديث، وترى أن هذه القيم مقيدة للحرية والإبداع، وهو ما حدث في بداية التسعينات عندما أوقف النظام الجزائري المسار الانتخابي ومنع الفيس من الاستمرارية، وما حدث مع الإخوان المسلمين في مصر بعد خلع الرئيس محمد مرسي، وكذلك الحرب في سوريا.

يقدم بعض الباحثين مثلا عن تناقض السلفية في أطروحاتها، إذ يقول: إن السلفية مثلا تفرق بين المسلم ابن رشد كمسلم والميمون اليهودي والمسيحي توماس الإكويني، ولا تؤمن بأن الثلاثة يجمعهم عنصرا واحدا وهو "الفكر"، ويتبادلون الآراء دون تحفظ في إطار حوار الثقافات وحوار الحضارات وحوار الأديان، وهي ربما الأسباب التي جعلت المسيحية تتقدم على الإسلام، لأن المسلمون يرفضون التطور، والمجتمع الأوروبي خطا خطوات حاسمة، بينما المجتمع العربي توقف عن تطوره، والتيار السلفي في جميع البلاد الإسلامية يقف ضد تطور المجتمع، ويبذل جهده لقيام ثورة ثقافية، لأنه يرى أن الفكر الإسلامي صالح لكل زمان ولا يخضع للتطور، ويرى التيار السلفي أن المسلمين بتطورهم ضاعوا في الطريق، وأن انتصار الإنسان الأوروبي على الإنسان المسلم، معاقبة الله للمسلمين لتخليهم عن المبادئ الإسلامية، وإذا كان رأي السلفية صائب، ووقفنا مع هذا الرأي، فكيف يفسر هذا التيار الوضع في فلسطين في حربهم ضد الكيان الصهيوني، هل الله ينصر إسرائيل ويقف الى جانبها ضد المسلمين؟، الأمور طبعا في حاجة إلى إعادة نظر وقراءة جيو تاريخية.

المحللون أكدوا أن الفرق بين العرب والغرب هو أن العرب لا يملكون مخططات لتفجير خيرات أراضيهم، ولهذا هم دوما ينتظرون الحلول من الخارج، العرب اعتمدوا على الكسب السريع بأية طريقة، حتى لو كان عن طريق الرشوة والتهريب والغش والاحتيال واختلاس المال العام ليس في الجانب الاقتصادي فحسب بل حتى في الانتخابات، ويكفي الوقوف على البرلمانات العربية ومجالسها المنتخبة، أما الغرب فلهم خطة يسيرون عليها من أجل امتلاك العالم، وإذا أخذنا الجزائر كمثال، نرى أن المشكل في الأحزاب الجزائرية المعتمدة على سبيل المثال أنها اختلفت في الأسماء فقط، في حين اتفقت على برنامج واحد هو تطبيق برنامج رئيس الجمهورية ( قبل خلعه)، ولم يقدم ولا حزب واحد من هذه الأحزاب مشروع المجتمع، بل حتى الأسماء ليست من اختراعها، حيث أخذتها من أسماء أحزاب أخرى، مثلما هو الشأن بالنسبة لحركة النهضة الإسلامية في الجزائر والنهضة الإسلامية في تونس، العدالة والتنمية في الجزائر والعدالة والتنمية في المغرب، وهكذا..، ويخيل للمتأمل أن هذا التعدد حَوّلَ الأرض إلى ماء، ولابد لنا أن نجيد السباحة كي نتمكن من معايشة التيارات الجارفة ومقاومتها، وازدادت الهوة بين ما يحدث في الجوار، الجزائر فيه معنية بل مهددة من كل الجوانب، تزداد فيها الضغوط أكثر من ذي قبل، وعلى الجزائر والبلدان المجاورة لها أن تختار بين أن تبقى أسيرة تقاليدها أو الاستجابة للتحديات لدخول عالم الحضارة الحديثة.

في دراسة له تحت عنوان: "نحو تصور جديد لعلاقة الدين بالسياسة" يرى الدكتور المصطفى تاج الدين أن طابع تحكيم السياسي في الديني هو القصد الى اللعب بالرموز الدينية من أجل التمكين السياسي، وعلى أساس هذا النظر استثمر الزعماء جملة من العقائد لكسب الشرعية الدينية مع أن الشرعية مفهوم موضوعي، يكسب بالعدل وإقامة النظام على أساسه، ولهذا تحول الخليفة إلى ظل في الأرض، وأضحت طاعته جزءًا لا يتجزأ من الدين، وعصيانه خروجا يقتضي الحد الشرعي، هكذا يقول صاحب الدراسة، كما تحولت أحزاب كثيرة الى أحزاب إسلامية تريد تطبيق الشريعة ورفع شعار" الحل الإسلامي"، مع أن تطبيق الشريعة مبدأ عام، ولا يمكن لأحد أن يتكلم باسم الله، ويُفْهَمُ من قول الدكتور المصطفى تاج الدين أن تطبيق الشريعة الإسلامية واجب ديني، كل مسلم ينطق بالشهادتين ملزم بالعمل بها وتطبيقها لا يحتاج الى سنّ قوانين أو تأسيس حزب سياسي إسلامي.

كما أن الذين أعطوا للأحزاب صفة "الإسلامية" أخطأوا وأوقعوا الناس في الخطأ، ولذلك لسببين اثنين: الأول أنهم قدسوا الأفعال البشرية وحولوا العمل السياسي إلى عمل ديني، والسبب الثاني هو تسييس الدين وإفراغه من قيمه الروحية والإنسانية وتحويله الى رصيد رمزي للدعاية السياسية، وفي ظل اختلاف وانقسام الأحزاب الإسلامية حول مفهوم الديمقراطية، نجد بعض الأحزاب (الفيس في الجزائر) كفرت بالنظام الديمقراطي، في حين بعض الأحزاب السياسية الأخرى تحاول العمل بها لكن تحت غطاء "الشورى"، وفي هذا يمكن القول مثلما ذهب إليه الدكتور تاج الدين حان الوقت لإعادة النظر في المفاهيم السياسية الإسلامية أو الأحزاب الإسلامية حتى لا يتم تحويل الإسلام بنية صادقة أو مبيتة الى دين تتحول فيه متغيرات الواقع البشري الى قضايا شرعية قد تنذر بخطر جسيم على الأمة.

***

علجية عيش

إن وجود نظام ديمقراطي لا يعني بالضرورة تحقيق التقدم؛ فالديمقراطية قد توفر آلية لتداول السلطة والتمثيل السياسي، لكنها لا تنتج وحدها مؤسسات كفوءة أو اقتصاداً منتجاً أو إدارة نزيهة.

 ويحدث التراجع عندما تنفصل الممارسة الديمقراطية عن سيادة القانون والكفاءة والمساءلة وحسن إدارة الموارد.

أدى اعتماد التوافق والمحاصصة الطائفية والحزبية في توزيع المناصب والمؤسسات إلى إضعاف معيار الكفاءة والمواطنة، وتحويل بعض مؤسسات الدولة إلى ساحات للتوازنات السياسية بدلاً من أن تكون أدوات لخدمة المصلحة العامة.

إن المشكلة، في جوهرها، ليست في الديمقراطية بوصفها مبدأً، وإنما في الفجوة بين الديمقراطية كإجراء والديمقراطية كمؤسسات وثقافة سياسية.

فالانتخابات تستطيع أن تنتج سلطة سياسية، لكنها لا تكفي وحدها لإنتاج دولة قوية. والديمقراطية التي لا تستند إلى سيادة القانون، واستقلال المؤسسات، والكفاءة، والمساءلة، وحماية المال العام، قد تتحول إلى مجرد آلية لإعادة إنتاج النخب السياسية.

كما لا تستقيم الدولة بمجرد وجود النصوص القانونية، وإنما تحتاج إلى ثقافة اجتماعية ومؤسسية تحترم القانون وتؤمن بأن الحقوق تقابلها واجبات، وأن المساواة أمام القانون هي الأساس في بناء الثقة بالدولة.

ومن هنا يمكن القول إن التراجع رغم الديمقراطية ليس تناقضاً بالضرورة؛ لأن الديمقراطية شرط مهم للتقدم، لكنها ليست شرطاً كافياً له.

فالتقدم يحتاج إلى دولة مؤسسات، واقتصاد منتج، وإدارة كفوءة، وثقافة قانونية، ومجتمع يؤمن بأن الدولة ملك لجميع مواطنيها وليست غنيمة تتقاسمها القوى السياسية.

إشكالية بطء الديمقراطية مقابل سرعة التقدم

تمثل إشكالية بطء الديمقراطية مقابل سرعة التقدم واحداً من أبرز التحديات الفلسفية والسياسية في العصر الحديث.

فالأنظمة الديمقراطية قائمة بطبيعتها على التداول، والتشاور، وبناء التوافقات، وهي عمليات تستغرق وقتاً طويلاً. في المقابل، يتحرك التقدم التكنولوجي، والاقتصادي، والعلمي بسرعة فائقة تتجاوز غالباً قدرة القوانين والتشريعات على المواكبة،

 مما يجعل القوانين والتشريعات الديمقراطية دائماً متأخرة عن الواقع، مما يدفع البعض لتفضيل النظام الرئاسي ومبادراته السريعة في اتخاذ القرار لتحقيق النمو.

ولهذا فإن السؤال الأهم ليس فقط: هل لدينا ديمقراطية؟، وإنما: هل تحولت الديمقراطية إلى دولة مؤسسات قادرة على صنع القرار الكفوء ومواكبة سرعة التقدم؟.

***

فارس حامد عبد الكريم

حين تتحول صناعة الكتاب إلى تجارة بلا معايير

لم تعد كتابة الكتاب ونشره في عصر الطباعة الرقمية والنشر عند الطلب عملية شاقة كما كانت في الأزمنة السابقة. بضغطة زر، وبإمكانات مالية محدودة، يستطيع الكاتب أن يحول مخطوطته إلى كتاب مطبوع، وأن يضع اسمه على الغلاف، وأن يعرضه في الأسواق والمنصات الرقمية ومعارض الكتاب.

وهذا التحول في ذاته ليس مشكلة؛ بل هو أحد وجوه التحول الديمقراطي في صناعة المعرفة. فقد أسهم انخفاض تكاليف النشر وانتشار التقنيات الرقمية في منح أصوات كثيرة فرصة لم تكن متاحة لها في السابق. ولم يعد الوصول إلى القارئ حكراً على المؤسسات الثقافية الكبرى أو الجامعات أو دور النشر ذات الإمكانات الضخمة.

لكن الديمقراطية في إتاحة النشر لا تعني بالضرورة الديمقراطية في إنتاج المعرفة.

وهنا تبدأ المشكلة.

فأن يمتلك الإنسان الحق في أن يكتب وينشر، شيء؛ وأن يقدم ما كتبه بوصفه بحثاً علمياً أو مرجعاً معرفياً موثوقاً، شيء آخر تماماً.

من احتكار النشر إلى انفلات المعايير

من الخطأ النظر إلى تاريخ الكتاب وكأنه كان دائماً محكوماً بمؤسسات علمية صارمة تراجع كل ما يُطبع. فهذه صورة مثالية لا يثبتها التاريخ.

حتى المراجعة العلمية نفسها لم تظهر دفعة واحدة في صورتها الحديثة. فقد شهد القرن السابع عشر بدايات مهمة للتقييم التحريري والعلمي مع ظهور الدوريات العلمية، ومن أبرزها Philosophical Transactions التي أطلقها هنري أولدنبرغ عام 1665. إلا أن المراجعة العلمية آنذاك لم تكن النظام المؤسسي المنتظم الذي نعرفه اليوم؛ بل تطورت تدريجياً، وأصبحت إجراءات التحكيم أكثر انتظاماً خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بينما ترسخ مفهوم المراجعة بوصفها أداة لضبط الجودة العلمية في العصر الحديث.

لذلك فالمشكلة ليست أن التكنولوجيا «هدمت نظاماً مثالياً» كان قائماً منذ اختراع الطباعة، وإنما أن التكنولوجيا الحديثة وسعت دائرة النشر بسرعة أكبر من تطور آليات التمييز بين أنواع المنشورات ومستويات جودتها.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي.

لقد أصبح النشر أكثر ديمقراطية، لكن المعرفة لم تصبح بالضرورة أكثر موثوقية.

حين يصبح المؤلف زبوناً

توجد نماذج مشروعة ومتنوعة في صناعة النشر، ومنها النشر التجاري التقليدي، والنشر الأكاديمي، والنشر الذاتي، والنشر المدفوع من المؤلف.

ولا مشكلة في أن يدفع المؤلف مقابل خدمات مهنية مثل التصميم والطباعة والإخراج والتوزيع، ما دامت العلاقة واضحة.

المشكلة تبدأ عندما يُدفع المال بوصفه بديلاً عن التقييم.

عندما تصبح قيمة المشروع بالنسبة إلى الناشر مرتبطة أساساً بقدرة المؤلف على دفع تكاليفه، يصبح الكتاب سلعة مضمونة البيع قبل أن يصبح عملاً خضع لتقييم حقيقي.

وهنا يتغير موقع المؤلف داخل العملية.

فبدلاً من أن يكون السؤال:

هل هذا الكتاب يستحق النشر؟

قد يصبح السؤال:

هل يستطيع صاحبه دفع تكاليف النشر؟

وهذا تحول خطير عندما يتعلق الأمر بالكتب التي تقدم نفسها بوصفها أعمالاً علمية أو فكرية أو تاريخية أو معرفية.

فالناشر الذي يبيع خدمة الطباعة لا يمارس بالضرورة الدور نفسه الذي يمارسه ناشر أكاديمي يتولى تحرير العمل وتقييمه وتحكيمه.

ومن هنا يجب أن نفرق بوضوح بين الطباعة والنشر.

فالكتاب المطبوع ليس بالضرورة كتاباً محرراً، والكتاب المنشور ليس بالضرورة كتاباً محكماً، ووجود اسم دار نشر على الغلاف لا يعني أن محتواه اجتاز تقييماً علمياً.

الرقم الدولي ليس شهادة علمية

ومن أكثر مظاهر الالتباس شيوعاً الخلط بين وجود الرقم الدولي المعياري للكتاب ISBN وبين الاعتراف بجودة الكتاب.

الـISBN هو نظام لتعريف العنوان أو المنتج الكتابي والناشر في منظومة النشر والتوزيع، وليس شهادة على صحة المحتوى أو قيمته العلمية.

وهذه نقطة ينبغي أن يعرفها القارئ بوضوح.

فالكتاب قد يحمل ISBN ويكون ضعيفاً علمياً، وقد يكون محكماً ومتميزاً دون أن يكون الرقم الدولي هو الذي منحَه قيمته.

القيمة المعرفية لا تأتي من الرقم الموجود على الغلاف، وإنما من المحتوى والمنهج والمصادر والمراجعة والتوثيق وقوة الحجة.

ليس كل كتاب بحاجة إلى التحكيم الأكاديمي

لكن من الضروري أيضاً ألا ننزلق إلى الطرف الآخر.

ليس من المنطقي أن نطالب كل كتاب بالمرور بالإجراءات الأكاديمية نفسها.

الرواية ليست بحثاً علمياً.

والشعر ليس أطروحة جامعية.

والمذكرات الشخصية ليست دراسة تجريبية.

والكتاب الفلسفي قد يكون عملاً تأملياً، أو بحثاً متخصصاً، أو مشروعاً نظرياً يحتاج إلى تقييم من نوع مختلف.

لذلك فالمعيار العادل ليس فرض نموذج واحد على جميع الكتب، وإنما تحديد طبيعة الكتاب بوضوح، ثم تطبيق معايير تتناسب مع طبيعته.

إذا كان الكتاب بحثاً علمياً، فالمراجعة العلمية والتوثيق والمنهجية عناصر أساسية.

وإذا كان كتاباً تاريخياً، فإن التعامل مع المصادر ونقدها والتحقق من الإحالات أمر جوهري.

وإذا كان كتاباً فكرياً أو فلسفياً، فإن الاتساق المنطقي، وضبط المفاهيم، والقدرة على بناء الحجج ومناقشة الاعتراضات تصبح معايير أساسية.

أما كتاب الرأي أو التجربة الشخصية، فمن حق صاحبه أن ينشره، لكن ليس من حقه أن يحوله بمجرد وضع عنوان أكاديمي على الغلاف إلى «حقيقة علمية».

الخطر الحقيقي ليس في كثرة الكتب

ليست كثرة الكتب مشكلة في حد ذاتها.

بل ربما تكون كثرة الأصوات أفضل من احتكار المعرفة.

المشكلة هي أن كثرة الإنتاج من دون أدوات تمييز قد تجعل القارئ عاجزاً عن معرفة الفرق بين المعرفة والرأي، وبين البحث والانطباع، وبين التأليف والتجميع، وبين النقد العلمي والدعاية الشخصية.

وهنا تظهر مسؤولية الثقافة الحديثة.

فالخطر ليس أن يكتب شخص كتاباً ضعيفاً.

الإنسان حر في أن يكتب ما يشاء ما دام لا ينتهك حقوق الآخرين أو يرتكب جريمة.

الخطر أن يُقدَّم الكتاب الضعيف للقارئ على أنه كتاب علمي رصين، وأن تُستخدم واجهة النشر لإنتاج سلطة معرفية لا يستحقها المحتوى.

وهذا يحدث عندما تصبح مظاهر الكتاب أهم من جوهره:

غلاف فاخر.

عنوان صادم.

سيرة ذاتية مبالغ فيها.

ألقاب غير موثقة.

قائمة مراجع طويلة لا تُستخدم فعلياً.

واقتباسات كثيرة لا تؤدي وظيفة استدلالية.

ثم يُطلب من القارئ أن يتعامل مع كل ذلك باعتباره دليلاً على القيمة.

لكن الكتاب لا يصبح علمياً بكثرة المراجع، كما لا يصبح عميقاً بكثرة الصفحات.

من سلطة الناشر إلى سلطة القارئ الواعي

الحل ليس إنشاء جهاز رقابة جديد.

فالرقابة المسبقة على الأفكار يمكن أن تتحول بسهولة إلى أداة لقمع الاختلاف، خصوصاً عندما تتدخل السلطة السياسية أو الدينية أو الأيديولوجية في تحديد ما يجوز نشره وما لا يجوز.

لكن البديل عن الرقابة ليس الفوضى.

البديل هو الشفافية.

يجب أن يعرف القارئ طبيعة الكتاب الذي بين يديه:

هل هو كتاب رأي؟

هل هو تجربة شخصية؟

هل هو كتاب أكاديمي؟

هل خضع لتحكيم علمي؟

هل راجعه متخصصون؟

هل قامت دار النشر بتحريره علمياً أم تولت طباعته فقط؟

هل مصادره موثقة؟

هل اقتباساته قابلة للتحقق؟

هل المؤلف متخصص في الموضوع الذي يتحدث فيه، أم يقدم رأياً خارج مجال اختصاصه؟

هذه المعلومات لا تصادر حرية الكاتب، وإنما تمنح القارئ القدرة على اتخاذ قرار واعٍ.

المطلوب شفافية لا وصاية

يمكن لصناعة النشر أن تتقدم من خلال نظام واضح للشفافية المهنية.

ليس المطلوب وضع «ختم حكومي» على الكتب، ولا إنشاء سلطة تحدد من يحق له أن يؤلف ومن لا يحق له.

المطلوب أن تكون هناك بيانات واضحة حول طبيعة عملية النشر والمراجعة.

فيمكن، مثلاً، التمييز بوضوح بين:

كتاب محكّم علمياً.

كتاب خضع لمراجعة علمية متخصصة.

كتاب خضع للتحرير اللغوي فقط.

كتاب رأي أو تجربة شخصية.

كتاب منشور ذاتياً.

وهذا التصنيف لا يمنح كتاباً حق الوجود ويحرم آخر منه؛ وإنما يمنح القارئ معلومة عن مستوى التحقق الذي خضع له العمل.

وهذه نقطة جوهرية:

حرية النشر شيء، وشهادة الجودة شيء آخر.

مسؤولية الصحافة الثقافية

لا تستطيع دور النشر وحدها معالجة المشكلة.

فالصحافة الثقافية والنقاد والجامعات والباحثون والقراء جميعاً يشكلون منظومة الفرز الثقافي.

النقد الحقيقي لا يعني مهاجمة المؤلف شخصياً، ولا تحويل الاختلاف الفكري إلى تصفية حسابات.

بل يعني فحص العمل:

ما حجته؟

ما مصادره؟

هل استنتاجاته تتبع مقدماته؟

هل يستخدم المفاهيم بدقة؟

هل ينقل آراء الآخرين بأمانة؟

هل يفرق بين الحقيقة والرأي؟

هل يعترف بحدود معرفته؟

وهل يستطيع الدفاع عن أطروحته أمام الاعتراضات؟

إن الكتاب الرديء لا ينبغي أن يُمنع بالضرورة؛ بل ينبغي أن يُنقد.

والكتاب المسروق لا ينبغي أن يُسكت عنه؛ بل ينبغي كشف سرقته بالأدلة.

والكتاب الذي يقدم ادعاءات علمية بلا دليل ينبغي تفكيك ادعاءاته، لا تحويل صاحبه إلى ضحية لرقابة ثقافية.

بهذا يتحول النقد من أداة للإقصاء إلى أداة لحماية المجال المعرفي.

القارئ هو خط الدفاع الأخير

في النهاية، لا يستطيع أي نظام نشر أن يحمي القارئ من كل كتاب ضعيف.

ولا يستطيع أي محكّم أن يمنح المعرفة شهادة عصمة.

حتى التحكيم الأكاديمي نفسه ليس معصوماً من الخطأ، وقد تخطئ المؤسسات والناشرون والمراجعون كما يخطئ المؤلفون.

ولهذا فإن الحل الأعمق ليس بناء منظومة تجعل القارئ تابعاً لختم المؤسسة، وإنما بناء قارئ قادر على مساءلة الختم نفسه.

القارئ الناضج لا يسأل فقط:

من نشر الكتاب؟

بل يسأل:

ما الدليل؟

من أين جاءت هذه المعلومة؟

كيف بُني هذا الاستنتاج؟

هل توجد مصادر مستقلة؟

هل هناك تفسير منافس؟

هل يستطيع الكاتب الدفاع عن أطروحته؟

وهنا ننتقل من ثقافة الثقة بالأسماء إلى ثقافة فحص الأدلة.

الكتاب بين السوق والمعرفة

ليس من العيب أن يكون الكتاب سلعة.

فالمؤلف يحتاج إلى أن يعيش من عمله، والناشر مؤسسة تحتاج إلى الاستمرار، والطباعة والتوزيع والتسويق كلها صناعة لها تكاليفها.

لكن المشكلة تظهر عندما تصبح القيمة التجارية بديلاً عن القيمة المعرفية.

السوق يستطيع أن يخبرنا بما يبيع، لكنه لا يستطيع وحده أن يخبرنا بما هو صحيح.

وقد ينجح كتاب رديء في المبيعات، وقد يفشل كتاب عظيم في الوصول إلى الجمهور.

لذلك لا ينبغي أن نطلب من السوق أن يكون أكاديمية، ولا من الأكاديمية أن تكون سوقاً.

لكل منهما وظيفته.

السوق يوزع.

والناشر يحرر وينتج ويسوق.

والجامعة تحكّم وتبحث.

والناقد يفحص ويناقش.

والقارئ يختار ويحكم.

وعندما تختلط هذه الأدوار، يبدأ الالتباس.

ليست المشكلة أن يكتب الجميع، بل ألا نعرف ماذا نقرأ

لقد منحت التكنولوجيا الإنسان امتيازاً تاريخياً: أصبح بإمكان عدد غير مسبوق من الناس أن يكتبوا وينشروا ويصلوا إلى الجمهور.

وهذه مكسب حضاري ينبغي الدفاع عنه، لا محاربته.

لكن كل توسع في حرية التعبير يحتاج إلى توسع موازٍ في القدرة على التمييز.

فإذا أصبح كل منشور كتاباً، وكل مؤلف خبيراً، وكل رأي حقيقة، وكل رقم دولي شهادة جودة، وكل دار نشر مؤسسة علمية، فإننا لا نكون قد ديمقْرَطنا المعرفة، وإنما خلطنا بين حرية التعبير وسلطة الحقيقة.

وهنا تكمن مسؤوليتنا الثقافية.

لا نحتاج إلى رقيب يمنع الكتاب.

نحتاج إلى ناقد يفحصه، وناشر يوضح طبيعة عمله، ومؤلف يتحمل مسؤولية ما يكتب، ومؤسسة علمية تمارس التحكيم حين يكون التحكيم مطلوباً، وقارئ لا يسلم عقله للغلاف ولا للعنوان ولا لاسم الناشر.

فالكتاب لا ترفعه الطباعة إلى مرتبة المعرفة، ولا يمنحه الغلاف سلطة الحقيقة.

ما يمنح الكتاب قيمته هو ما يستطيع أن يصمد به أمام السؤال، والدليل، والنقد، والاعتراض.

وفي عصر أصبح فيه النشر متاحاً للجميع، لم تعد المشكلة الكبرى هي: من يستطيع أن ينشر؟

بل أصبحت:

من يستطيع أن يميز بين ما نُشر وما يستحق أن يُصدَّق؟

وهنا تبدأ المعركة الحقيقية من أجل ثقافة لا تخاف حرية الكلمة، ولا تستسلم لفوضى الكلمة.

***

أسعد الجوراني

دراسة في التحلل الكيميائي للنص الأسمى

إن دراسة فاعلية القاعدة الدستورية تقتضي مغادرة الفهم الجامد للنصوص بوصفها مجرد صياغات لغوية مكتوبة، والتحول نحو فهمها كـ مركبات كيميائية غير مستقرة تخضع لقوانين التفاعل والتحلل عند نزولها إلى مختبر الواقع الاجتماعي. من المنظور الفلسفي الرصين، فإن "الالتزام الدستوري" هو المادة الحيوية التي تضمن تماسك الدولة القانونية؛ إلا أن هذه المادة تصاب بـ التحلل الحمضي بفعل الممارسات الكيميائية للسلطة التنفيذية التي تعيد هندسة المجتمع داخل محاليل امتثال مصطنعة.

في الكيمياء تذوب بعض المواد تماماً في محلول معين لتفقد هويتها وتصبح جزءاً منه، بينما تترسب مواد أخرى وتتكثف وترفض الذوبان. هذا هو عين ما تبحث فيه فلسفة القانون؛ حيث تحاول السلطة التشريعية دائماً وضع المجتمع في "محلول طاعة" متجانس. المواطن البسيط يذوب ويمتثل للنصوص فوراً خوفاً من المسؤولية التقصيرية، ليتحول إلى عنصر مستهلك داخل المحلول، في حين أن مراكز النفوذ والمال تشبه العناصر الثقيلة غير القابلة للتحلل، تظل طافية فوق المحلول القانوني دون أن تتأثر بخصائصه الحامضية، بل وتمتلك طاقة ارتباط هائلة عبر روابط تساهمية  تجعل امتيازاتها الدستورية محصنة ضد التفكك مهما بلغت درجة حرارة المتغيرات الاجتماعية.

وفي المقابل يفرز الوسط الحامضي للإدارة تركيزات عالية من "القرارات الفرعية والتعاميم الفوقية" التي تعمل على تفكيك الروابط الجزيئية للحقوق الممنوحة للأفراد. هذا الوسط الحمضي الإداري لا يلغي النص الدستوري صراحة—لأن مبدأ السمو الدستوري يمنع التفكك المباشر—ولكنه يؤدي إلى إذابة فاعليته التشغيلية والتعامل مع الضمانات المقررة للمواطنين كـ مركبات سريعة التسامي تتبخر وتحتحول إلى غازات غير مرئية بمجرد ملامستها لمصالح السلطة وتحت شعارات "النظام العام" الفضفاضة. إننا أمام عملية سقوط للحق بالتقادم الحمضي، حيث يفقد المركّب الدستوري الأسمى خواصه الأساسية ويتحول إلى راسب لا أثر له في حركية التضامن الاجتماعي.

إن هذا التحلل الكيميائي لا يتوقف عند النص، بل يمتد لـ أكسدة  جهات الرقابة الدستورية نفسها. فعندما يصيب الصدأ الإداري المحاكم العليا، تفقد "قرينة البراءة" و"العدالة التقديرية" مفعولها الحيوي، وتتحول من درع لحماية الحقوق إلى مادة خاملة كيميائياً لا تفيد في لجم انحراف السلطة وتمرير الغش التدليسي. إن كيمياء التشريع تؤكد حتمية علمية: إن استمرار تركيز الأحماض الإدارية على البناء الدستوري، وعزل عناصر المجتمع الضعيفة داخل محاليل الإكراه، سيقود حتماً إلى تجاوز نقطة التشبع المعياري، وعندها سينفجر المحلول الاجتماعي بأكمله نتيجة لغياب توازن المعادلات الحاكمة للعدالة.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

في ركن مظلم من خزانة ملابسك، يقبع ذلك القميص. ربما كان من الكتان الأبيض الناصع، أو الحرير الداكن المتقن، أو ربما سترة صوفية صُنعت بعناية تفوق حاجتك اليومية. لا يزال يحتفظ برائحة المتجر، وربما ببطاقة السعر المتدلية منه كحبل مشنقة صغير. كل صباح، تمر أصابعك عليه بحنان خفي، تتأمله لثانية، ثم تدفعه جانبا لتلتقط قميصك الرمادي المعتاد، ذا الياقة المنهكة والنسيج المألوف، وتهمس لنفسك بذات التعويذة الكاذبة: «ليس اليوم... سأتركه لمناسبة خاصة».

لكن ما هي تلك «المناسبة الخاصة» التي تنتظرها حقا؟

نحن نمارس في هذا الطقس اليومي الصامت واحدة من أكثر الخدع النفسية مأساوية: نحن لا نؤجل ارتداء القميص لأن المناسبة لم تحن، بل لأننا في أعماقنا نشعر بأننا لم نصبح بعد الشخص الجدير بارتدائه. نظن أن ذلك الثوب الفاخر ينتمي إلى نسختنا المستقبلية الأكثر لمعانا؛ تلك النسخة التي فقدت خمسة كيلوغرامات من وزنها، وحققت استقرارها المالي، وتخلصت من نوبات القلق، وصارت تبتسم بثقة سينمائية أمام الكاميرات.

إننا نعيش حياتنا بوصفها «مسودة أولية» قابلة للمحو والتعديل، مؤمنين بأن العرض الحقيقي لم يبدأ بعد. نحتفظ بالعطر الباهظ حتى يتبخر في زجاجته، ونكدس الأواني الخزفية الفاخرة خلف الزجاج حتى يكسوها الغبار، ونحبس كلمات الحب الأكثر صدقا حتى تموت على شفاهنا، في انتظار مسرح مكتمل وشروط مثالية لا تأتي أبدا.

تسمي الفلسفة الوجودية هذا الانفصام بـ «تأجيل الوجود». إن ثقافة الاستهلاك الحديثة دربتنا ببراعة على الركض الدائم نحو أفق وهمي؛ فالحياة الحقيقية -وفق إعلاناتها- تبدأ دائما غدا: بعد الترقية، بعد شراء البيت، بعد التقاعد، بعد أن نصبح كاملين. وهكذا، يتحول الحاضر إلى مجرد غرفة انتظار رخيصة، ممر ضيق نركض فيه بأثوابنا الرثة، متطلعين إلى الصالة الكبرى التي لا نصل إليها قط.

لكن، انظر إلى القميص مرة أخرى ببرود تأملي: الأقمشة مخلوقة لتبلى، لا لتُخلّد. الخيوط التي غُزلت بشغف صُممت لتلامس جلدك، وتتعرض لضوء الشمس، وتشهد عرقك وضحكاتك، وربما لتتسخ ببقعة قهوة عابثة تسجل ذكرى حية. المأساة الحقيقية ليست أن يبلى قميصك الجميل، بل أن تكتشف يوما أنك تركت أثمن سنواتك معلقة على مشجب الانتظار، بينما نسيج روحك هو الذي أصابه التلف.

ما من مناسبة أكثر قداسة من أنك مستيقظ اليوم، تتنفس، وتملك جسدا حيا يتحرك في هذا العالم الشاسع. إن شروق شمس يوم ثلاثاء باهت هو بحد ذاته معجزة فلكية تستحق أرقى ما في خزانتك. الذهاب إلى المخبز، أو الجلوس وحيدا في مقهى تقرأ كتابا، أو المشي تحت سماء غائمة، ليست تفاصيل عادية تحتاج ملابس منسية؛ بل هي جوهر حياتك الصافي الذي يستحق الاحتفاء.

إن ارتداء ذلك القميص غدا صباحا ليس ترفا شكليا، بل هو إعلان تحرر فلسفي. إنه اعتراف شجاع بأنك، بنواقصك كلها، وبخوفك، وبتعب عينيك، كافٍ تماما في هذه اللحظة، وتستحق الجمال هنا والآن. إنه تمرد على وهم الكمال، ورفض لابتزاز المستقبل الذي يسرق منا اللحظة الوحيدة التي نملكها حقا.

افتح خزانتك الآن. مد يدك إلى ذلك القميص المنسي في الظل. اقطع تلك البطاقة البلاستيكية الباردة وارمها بعيدا. ارتده غدا وأنت ذاهب إلى عملك الروتيني، أو وأنت تطهو طعامك البسيط. دع النسيج يلامس جلدك العاري، واشعر بخفته وأناقته.

وإذا انسكبت عليه قطرة شاي، فلا تبتئس؛ فتلك ليست بقعة تشوه، بل هي توقيع الحياة ذاتها على ثوبك... دليل دامغ على أنك توقفت أخيرا عن التحديق في فاترينة الوجود، وقررت أن تعيشه بكامل فوضاه وعنفوانه.

***

ذ. يونس الديدي - باحث أكاديمي

في المثقف اليوم