عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

المهتم بالشأن الثقافي والمتتبع للساحة الثقافية العربية يلاحظ ظاهرة طفو اسماء ادبية وإعلامية لا تملك الزاد الفكري والمعرفي ولا التسلح بالقيم التبيلة، فتجعل من الكتابة وسيلة للتسلق والتملق والظهور بأي طريقة وشعارها الغاية تبرر الوسيلة نستطيع أن نطلق على هؤلاء الطفيليين

" نخب الفقاعة " و  "الفقاعة يقصد بها ظاهرة أو شهرة مؤقتة عندما يصبح شخص أو شيء أو حدث ما محط اهتمام وشهرة واسعة جداً بدون مقدمات ويصبح حديث الساعة، ويتمتع بتغطية إعلامية واسعة أو مشاركات كبيرة على مستوى الشبكات الاجتماعية، ولكن بعد مرور فترة زمنية معينة تتضاءل شهرة هذا الشيء وتصبح محل نسيان وتختفى تمامًا، هذه الظاهرة تكون أشبه بالفقاعة التي تكبر حتى تصل إلى مدى معين ثم يحدث لها فرقعة وتختفي بعدها، ولذلك يسميها البعض "فرقعة إعلامية".(1)

وعن هذه الظاهرة المرضية يضع  الكاتب محمد خير موسى مشرطه على الجرح  فيسلط عليها الضوء بكل دقة ووضوح فيقول :  " إنَّ المتأمل في مساراتِ التحوّلِ التاريخيِّ للمجتمعاتِ الناشئة يلحظُ ظاهرةً مَرَضيةً تبرزُ كلما تزلزلت الأركانُ القديمةُ وبزغ فجرُ يقظةٍ لم تكتمل ملامحُها بعد؛ ظاهرة "نخب الفُقاعة"، تلك الكائنات العدميّة التي تتقنُ فنَّ الطفو فوق بركِ الدماء وعرقِ الثّائرين وتضحيات الشّهداء مستغلةً حالةَ السيولةِ القيميةِ والاضطرابِ الفكري، وهؤلاء ليسوا مجردَ عابرين في قطارِ المرحلة ولكنّهم طفيلياتُ المرحلة الذين يمتصون رحيقَ الآمالِ ليحقنوا في جسدِ الأمة سمومَ الرداءةِ والزيف.

تبدأُ مأساةُ نخبِ الفقاعة من الخَوَاء الذاتي؛ فالمثقفُ الحقيقيُّ جذورُه ضاربةٌ في أعماقِ الأرض، يستمدُّ وقارَه من صمتِ الجذورِ وتواضعِ الثمار. أما الواحد من "نخب الفُقاعة" فليس أكثر من كائن بلا جذر، صُنِعَ من غشاءٍ رقيقٍ من الادعاء يملؤه هواءٌ ساخنٌ من الغرورِ والانتفاخ، وهذا الانتفاخ ما هو إلّا ورمٌ فكريٌّ وأخلاقيٌّ يُرادُ به الإيهامُ بالعظمة" (2).

من هذا الخواء الذاتي والفراغ وفقدان المعنى تتمدد نخب الفقاعة ولكن هذه النخب لا تملك جذورا عميقة في أرض الإبداع الإنساني الكوني فأي ريح بسيطة تقلع شجرتها وتهوي بها إلى قاع سحيق ..

ومن سمات نخب الفقاعة:

- حب الظهور المرضي أمام المسؤولين ايسوقوا لأنفسهم كشخصيات مؤثرة في المشهد...

- كسر الطابوهات فالكتابة الصادمة والخادشة للحياء و المتجاوزة لقيم الفن والجمال والأخلاق هي سبيلهم للشهرة والظهور والبحث عن العالمية ولو من الأبواب الضيقة ..

- الكتابة دون عمق ولا فهم لجوهر الحياة وفلسفة الوجود..

- إثارة غبار المعارك حول القضايا التي تمس هوية المجتمعات فهي لا تفقه حق الاختلاف الإنساني الذي يعتبر كبستان متعدد الأزهار والورود والنباتات فسر الجمال في هذا التنوع والتميز.

- محاربة المبدعين الحقيقيين ومحاصرتهم والتضييق عليهم وتشويه سنعتهم...

ولكن في النهاية قد يتساءل القارئ العزيز: هل تبقى هذه النخب المزيفة تثبر الزوابع والمعارك وتتصدر المشهد؟

ولكن الحقيقة أن سنة الله في خلقه البقاء الأصلح والأجمل والانفع مصداقا لقوله تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ)(الرعد: 17).

***

الكاتب: شدري معمر علي - الجزائر

..................

1- ويكبيديا.

2- محمد خير موسى، حديث عن نخب الفقاعة، موقع العربي. 21

في رحلة الحياة، يسعى الإنسان بطبيعته إلى البحث عن من يسانده ويقف إلى جانبه ويساعده. فالدعم النفسي والاجتماعي حاجة إنسانية تمنحنا الشعور بالأمن والأمان، وتخفف عنا أعباء الطريق ووعرتها، وتزيد من قدرتنا على مواجهة التحديات والصعوبات. ولذلك نشعر بالامتنان عندما نجد من يشجعنا ويقف في صفنا، أو يواسي آلامنا، أو يمد لنا يد العون في لحظات الضعف والهوان.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الدعم إلى مصدر اعتماد كامل، وعندما تصبح قوتنا مرتبطة بوجود الآخرين من حولنا. فالحياة بطبيعتها متقلبة، والناس تتغير ظروفهم وأولوياتهم، وقد يأتي يوم لا نجد فيه من يمنحنا الكلمة التي ننتظرها أو المساندة التي اعتدنا عليها. هنا يظهر السؤال الأهم: من يبقى سندك الحقيقي عندما يغيب الجميع ويتخلون عنك؟

إن أعظم قوة يمكن أن يمتلكها الإنسان هي أن يجعل اعتماده الأول على الله عز وجل. فالله سبحانه لا يغيب، ولا يتخلى عن عباده، ولا يعجزه أمر في الأرض ولا في السماء. وعندما يدرك الإنسان هذه الحقيقة، فإنه يجد في الدعاء والعبادة والتقرب والصلة واليقين طاقة روحية هائلة تمنحه السكينة والثبات مهما اشتدت الظروف وتكالبت عليه الأيام والليالي.

وإلى جانب الاعتماد على الله، تأتي الثقة بالنفس كركيزة أساسية للنجاح والاستمرار. فالثقة بالنفس لا تعني الغرور والتعالي على البشر أو الشعور بالكمال والمثالية الزائدة عن الحد، بل تعني الإيمان بالقدرة بالذات وملكاتها وقوتها والقدرة على التعلم والنهوض بعد التعثر والأخطاء والضعف. إنها القوة التي تدفعك للوقوف مرة أخرى بعد كل إخفاق، وتجعلك ترى في الفشل درساً مهماً لا نهاية، وفي العقبات فرصة للنمو لا سبباً للاستسلام ورفع الراية.

كثير من الناس ينتظرون التشجيع حتى يبدأوا، وينتظرون الدعم حتى يستمروا، وينتظرون التصفيق حتى يثقوا بأنفسهم. لكن أصحاب الإنجازات الحقيقية تعلموا أن الدافع الأقوى يأتي من الداخل، وأن النجاح يبدأ عندما يصبح الإنسان قادراً على تحفيز نفسه بنفسه وأن يستمد قوته مما يملك من قدرات وطاقات تنير له دروب الآفاق.

لذلك لا تجعل سعادتك رهينة لأحد، ولا تربط قيمتك بما يقوله الآخرون عنك، ولا تنتظر منهم أن يحملوا عنك مسؤولية حياتك. قدر كل من يدعمك، واشكر كل من يقف إلى جانبك، لكن لا تجعل وجودهم شرطًا أساسياً لاستمرارك أو نجاحك أو سعادتك.

اهتم ببناء نفسك كل يوم. غذ روحك بالإيمان، وعقلك بالمعرفة، وشخصيتك بالتجارب النافعة. استثمر وقتك في التعلم والتطوير والعمل الجاد، واسعَ إلى تحقيق أهدافك بثبات وصبر. فكل خطوة تخطوها نحو تطوير ذاتك هي استثمار حقيقي في حاضرك ومستقبلك.

في النهاية، يبقى الإنسان أقوى عندما يجمع بين أمرين: قلب معلق بالله، ونفس تؤمن بقدراتها وتسعى إلى تطويرها. عندها لن تهزه الظروف وتقلباتها، ولن توقفه العقبات، ولن ينتظر من الآخرين أن يصنعوا له مستقبله، لأنه أدرك أن مصدر القوة الحقيقي يبدأ من علاقته بربه، ثم من إيمانه بنفسه.

فإذا خذلك الناس يوماً، فلا تيأس. وإذا تأخر الدعم، فلا تتوقف. واجعل يقينك دائماً أن من كان الله معه فلن يكون وحده أبداً. ومن كان الله عليه فمن معه.

***

د. اكرم عثمان

21-6-2026

العلاقة متينة بين الصحة الدماغية والتفاعلات اليومية، التي ينجم عنها إتخاذ قرارات تؤثر في المجتمع، خصوصا عندما يكون نظام الحكم فرديا، وهذا ما إعتادت عليه الأمة، منذ نشأة دولة المدينة.

قد يكون التطرق للموضوع غير مسبوق، وفيه بعض الجرأة، لأن العديد من رموز الكراسي أحيطوا بهالات القدسية، وتحقق رفعهم إلى مقامات علوية لا بشرية.

ولو نظرنا بعيون العقل العلمي المعاصر، وتفحصنا الأحداث لوجدناها ناجمة عن قرارات فردية صادرة من الكرسي، وفيها ما يشير لإضطرابات دماغية ذات تداعيات مريرة.

فلا ننسى تأثيرات التقدم بالعمر، والخرف بأنواعه الذي يخرّب الأدمغة، ويلقي بظلاله على القرارات والتطورات، ويضعف الحكمة وآليات الفهم والتقدير والتقييم، لأن ربط المعلومات والوصول إلى قرار يستوعب الحالة سيكون عسيرا.

ولا أريد الخوض في بعض الملاحظات عن قادة الأمة عبر العصور، فهذا الجانب السلوكي المهم لم ينل حقه من الدراسة والبحث والتحليل، فهناك أشخاص تبدلت سلوكياتهم، ويكون تعليلها فقط بالكرسي، وبرغم تأثيراته وفرضه لإرادته، لكن هناك أسباب وعوامل شخصية تتفاعل معه، وتتسبب بما ينجم من تصرفات.

هل يمكن للبشر أن يتغير بعد أن بلغ من العمر عتيا دون أسباب عضوية؟

التغيير الذي يصيبه سيكون لأسباب عضوية متصلة بالدماغ حتما.

فكل ضرر يصيب الدماغ، سيدفع إلى سلوك مناسب له، كتصلب الشرايين، والجلطات الدماغية الخفية، وقلة ورود الدم، أو قلة الأوكسجين.

إضافة لما يصيب الذاكرة من تآكلات، وما يضر مراكز المشاعر والعواطف والمدارك من معوقات، وإضمحلال العُصيبات، والصرع والإلتهابات والصدمات والأورام، وزيادة الضغط، وضيق الأوعية الدموية، ومرض السكر، والجوع والعطش، وأمراض التخمة وفرط السمنة وما يتصل بها من مضاعفات.

 فالإنتباه إلى الصحة الدماغية لأصحاب الكراسي من المسؤوليات الوطنية المهمة.

فهل لنا أن نرى الجالس على كرسي السلطة بشر كأي البشر، وعليه أن يخضع لفحوصات سنوية لتقييم قوته البدنية والعقلية وتقرير مدى قدرته القيادية.

مَناصبهمْ كداءٍ مُسْتطير

تُمتعهمْ بسلطاتِ الأميرِ

مَراسيمٌ بها هَوَسٌ بشأنٍ

كأنّ الشخصَ من نسلِ القديرِ

شكوكٌ في مَراتعهمْ تنامتْ

فأطْعَمتِ المناوئَ بالعسيرِ

***

د. صادق السامرائي

ولأن هذه الحكاية الواقعية التي تلامس الخيال الواقعي، وذات مدلولات قدرية وزمنية، تترجم بوضوح التأرجح بين ثقافتين والتمزق بين غربتين. إنها حكاية مواطن جزائري يحمل الجنسية الفرنسية، يدعى” محمد بوركام “، ولد بالجزائر وتغذى من تربة البداوة في أحد الأرياف القاحلة، المتسللة عن جمال الطبيعة ورطوبة العيش. وفي أحد الأيام التحق محمد بوركام بالجيش الفرنسي منظما إلى المستعمر الفرنسي، يقاتل ضد أبناء جلدته، وكان أشدّ قسوة عليهم من المحتل. نزع  ” محمد بوركام ” العمامة الجزائرية بما تطويه من ” نيف ” وكبرياء، ليلبس بدلة عسكرية غريبة عن مقاسة، ولم يتصور محمد بوركام يوما أن تلك المجموعات الصغيرة المتناثرة في الجبال، والتي تعلقت بالحرية والكرامة هي أرفع من نفسه الوضيعة وتستطيع قلب المعادلات، لتستقل الجزائر ويجد ” محمد بوركام ” نفسه قد نحت صورة العدوّ لأهل بلده وأبناء جلدته. فأدرك أن وجوده هناك خطرا، فرحل مع القوّات الفرنسية عند مغادرتها الجزائر، ليستقرّ بفرنسا حيث تحصل على الجنسية الفرنسية. وأقام لسنين طوال على هامش المجتمع. توفيّت زوجته الأولى فتزوّج امرأة أخرى تصغره بست عشر سنة، بيد أن زواجه الثاني كان فاشلا، لأن هذه الزوجة الأخيرة لم تر فيه سوى صورة الخائن لوطنه، المتنكر لهويته ولأهل بلده، فاحتدّت الخلافات وتحوّل المنزل إلى جحيم. فكل ليلة ينامان على الخصام ويصحيان على العنف المتبادل، ممّا جعل المركبة الزوجية تغرق في بركة من الكحول والإدمان..وفي لحظة غضب رمادية هاربة من حدود العقل، أجّجها الإفراط في شرب الخمر قتل ” محمد بوركام ” زوجته الجديدة، فحوكم ب 15 سنة. ظل في السجن حبيس تلك الأيام البعيدة، التي كان يعتدي فيها على عذرية تربته. وتذكر تلك الأيام التي كان يتسلط فيها على الأهالي بالوشاية وتعذيب الثوار ممن وقعوا في الأسر. استطاع ” محمد بوركام ” الفرار من السجن، وأمضى 11 سنة في حالة فرار..وفي لحظة من لحظات التعب المستمر، والاختفاء المرهق عن أنظار البوليس، والقلق الدائم، وبعد عجزه عن ضمان قوته اليومي، لم يجد الحرية التي كان يتوق إليها خارج قضبان السجن، بل وجد نفسه يتحول من سجن الطعام والنوم فيه مضمونان، إلى سجن بلا قضبان السقف والأكل فيه معدومان.. فقرّر العودة بمحض إرادته إلى السجن، ليجد في انتظاره مدير السجن وحرّاسه تلبسهم الدهشة والغرابة أمام هذه الحادثة، التي لم يتعرّضوا لها طيلة حياتهم المهنية. ولأن ” محمد بوركام ” هو جملة تأثيرات المغلوب بالغالب، بين فلاح ريفي بسيط في قرية نائية، وبين غالب من بلد آخر، ليسحبه من محيطة الثقافي، فيصنع منه جنديا يقاتل ضد أهله. ويقبل هو هذه المهمّة بنفس وضيعة غريبة عن محيطها، متنصلة من جذورها وانتمائها. ورغم انصهاره إلا أن هؤلاء يبقون متأرجحين بين ثقافتين. ولا يعادل مصير هؤلاء سوى مصير الأرواح الهائمة في الأوديسة، حسب الميوثولوجيا التي آمن بها الإغريق لا بد أن تخصص لأجساد الموتى شعائر وطقوس دينية كاملة، تستطيع بعد نزولها إلى العالم السفلي الوصول إلى ضفة الحساب، بعد عبور نهر الستيكس، أما الأجساد التي لم تحض بهده الطقوس فإنها تظل تحوم حول نهر الستيكس، عاجزة عن عبوره وعن الوصول إلى مرحلة الحساب والعقاب. تظل تعيش كأشباح باكية هائمة على وجهها، ترجو العبور إلى ضفة الموت فلا تستطيع، فتطلق أناشيد حزينة وبكائيات مريرة الإيقاع، ناعية حضها السيئ الذي حرمها من الانتماء إلى عالمي الموت والحياة معا وخنقها في منفى وسيط ودائم، لا هو دار فناء ولا هو دار بقاء.  وحسب نفس الميثيولوجيا الإغريقية فأعسر وضعية هي وضعية هذه الأشباح الهائمة.. ولا تختلف وضعية هذه الأشباح عن وضعية الذين يؤمنون خطأ أو بلاهة بأنهم قادرون على التمركز في ثقافة أخرى، على حساب هويتهم وحضارتهم ومحيطهم..

***

الطاهر العبيدي - صحفي وكاتب تونسي مقيم بباريس

ربما يذكّرني ذلك بقصة الشجرة والثمرة؛ فما علاقة الشجرة بالثمرة؟.. إنه ذات المعنى الذي حذّرنا منه الإمام علي بن أبي طالب -عليه السلام- حين وصف حال المسلمين بعد رحيل رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: “أخذوا بالشجرة وضيّعوا الثمرة”. فمسألتنا الفكرية والثقافية هي: أين يكمن الالتزام؟

قد تكون (زينب) في عمر الزمن قصيرة، لكنها تأخذ بُعدًا غائرًا في أعماق الفكر، وتتغلغل ثائرةً في وجداني وروحي. فمن تكون (زينب) تلك التي رسم التاريخ ملامحها، وخطّت اسمها أنامل من نور لا تمحى؟

ماذا عرفنا عنها؟ وماذا أخذنا منها؟ وماذا فهمنا فيها؟

أليست هي: أنا وأنت، على امتداد البشرية؟

أليست انعكاسًا لمرآة فهمنا ووعينا لأنفسنا، ولطريقة فهم الآخرين لنا؟

ألم تكن علامة استفهام كبيرة في جبين التاريخ، ما زال يلفّها الكثير من الغموض والجهل والخرافة؟

كثيرًا ما استوقفتني تلك الصورة الإعلانية البراقة، التي تهيب بمن ينظر إليها حشمةً وعظمةً تحت عنوان (العباءة الزينبية)!

أو تلك الصورة النمطية المخيفة التي تحذّر أي فتاة من الابتعاد عنها!

والأعجب هو انجذاب بعض الخطباء والخطيبات إلى هذه الصورة النمطية في كل مناسبة يكون العروج فيها إلى زينب -عليها السلام-.

فهل اختصرنا عظمة زينب في عباءتها؟

بل قد يكون السؤال الصحيح: هل اختصرنا العفة بعباءة، إن كان الهدف هو العفة؟

كيف يمكن لمستمع أو قارئ أن ينظر إلى المرأة، حين تنقلب الصورة في وعيه، فيتأملها بوصفها وعاءً للجنس، وأن عفتها وحشمتها تختصران في قطعة قماش اسمها (عباءة)؟

إن عقلي الصغير لا يستطيع أن يستوعب ما يقوله بعض أرباب المنبر حين يطرحون قضية زينب -عليها السلام-.

فزينب هي الثكلى التي فقدت كل ذويها، والتي واجهت أعظم المآسي، فتلتحم في الذاكرة صورتها بالصبر والوعي والموقف.

لكن وسط صخب تلك الدموع، يسرق فكري سؤال عابر:

هل يعقل أن ينكسر كل هذا العمق أمام قضية تُختصر في: هل خرجت فلانة من دون حجاب؟

لننتبه قبل أن نضيّع في طريقنا المعالم.

لنعد قراءة الأحداث، ولنمعن النظر باتجاه البوصلة، ولنكن أكثر وعيًا باتجاهاتها؛ فلا نسمح لموروثنا الفكري وحالتنا الوجدانية أن تنعكسا عليها فتغيّرا اتجاهها، فنضلّ الطريق.

إن هذا النمط الشكلي قد يبرمج تفكيرنا بسطحية مقنّعة اخترعناها من دون وعي، لنجد أنفسنا في نهاية المطاف:

نترك زينب، ونتمسك بعباءة زينب.

فَيَصدُق علينا قول الإمام علي -عليه السلام-:

“أخذوا بالشجرة وضيّعوا الثمرة”.

***

منى الصالح

محرم

 

"الكريمات" يعرفها أهل بغداد كواحدة من محلات بغداد القديمة في جهة الكرخ، تشترك مع باب السيف والشوّاكة بذاكرة واحدة، لم تشأ طيلة عقود من الزمن أن تبدّل اسمها. تتصل "الصالحية" ببيوتها الوديعة الممتدة على ضفاف دجلة اليمنى، يقرأ بين يديها البراءة وخفايا الليالي. الشارع الذي يفصل هذه الأحياء عن دار الإذاعة، يؤدي إلى جسر الأحرار، بدءاً من ساحة حصان الملك فيصل الأول حتى مقتربات الجسر، لا يبلغ في الطول أكثر من مئة متر. غير أن الشارع أيام الخمسينات والستينات كان مليئاً بالأضواء، تتوسط جانبه الأيسر سينما "ريجنت" عجباً للمباني وهي تضحك، يوم بغداد مثل طفل بريء، أشبه بفتاة فاتنة، ونفحة فجر.

في الركن المطل على دجلة من الجهة الثانية من الشارع، كان ملهى "ليالي الصفا" وهو يتوهج باشتعال الأضواء والأغاني، والرغبات المكبوتة لأفخاذ الراقصات في آخر الليل. كانت الأغاني تتهادى على سطح الماء، الوجوه غارقة في أحلامها المؤجلة، لرجال أنهكمهم التعب اليومي، لا يترددون في إعلان شبقهم في الكأس الثانية.

يبتكر أبناء تلك الأحياء بالأمانة والأمان، بيوتهم مفتوحة تحرسها الطيور، والأشجار المنتشرة في حدائق الكريمات والصالحية. وما جاورهما. عتبات الدور واحدة، وشرفاتها تمتلئ بالسلام والمحبّة، والنساء يتبادلن الحكايات وهن يحتضن العطر والحنّاء بين الأصابع والضفائر.

جسرا الشهداء والأحرار لا يطوقا المحلة من الشمال والجنوب، إنما يفتحا فضاءً واسعاً لهما نحو البنايات العالية والنور والأحلام، ويأخذا بيدها إلى حيث الماء المتدفق الذي منح أبناء الكريمات نشوة عارمة بالأزقة الضيقة الملتوية، وبالشرفات المتقابلة بنوافذها المشرعة، وبالحياة والاعتزاز بالأرض والحياة.

ابن الكريمات يجد في تلك الأجواء متعة وطعماً لا يريد التفريط بهما، ظل متمسكاً بهما، ومنشداً لهما، حتى بعد أن شقّت "الشفلات" المحلة، وقطّعت أوصالها "البلدوزرات"، لتحل محلها البنايات الشاهقة، والشوارع الواسعة.

ليس من الصدف أن يجد "أبو ناجي" موطئ قدم له في هذه البقعة من بغداد. ليشيّد عليها سفارته منذ السنوات الأولى للانتداب البريطاني، بمساحة تتجاوز العشرات من الدونمات الخصبة على ضفاف نهر دجلة. تصاعدت جدران بناء السفارة، لم يكن ابن

الشوّاكة غير آبه بما يدور خلف الحيطان، ولم يكن بعيداً عن الأحداث الساخنة التي عصفت بالعراق، بل هو في وسطها. حينما يريد المواجهة في الأحداث الفاصلة. فكان مصدر قلق وإزعاج للساسة الذين يقيمون هناك. الأمر الذي يدعهم يفكرون بأن وجودهم لن يطول، لذا سرعان ما أطاح العراقيون في صبيحة الرابع عشر من تموز برمز الاحتلال (الجنرال مود) الرابض في ساحة الشوّاكة.

لمحلة الكريمات (مختار) شأن أحياء بغداد ومدن العراق الأخرى، وهي وظيفة شرفية ابتدعتها السلطات العثمانية، مهمتها الوساطة بين عامة الناس والحكومة، في غياب القضاء والإدارات المحلية. جرى التقليد أن يتمتع المختار بالوجاهة والاحترام بين أبناء محلته، لا يملك غير (الُمهر) الذي يصادق فيه على معاملات الناس. قبل أن يتحول (المختارون) إلى مخبرين وعملاء للسلطة، مارسوا أبشع أشكال الابتزاز والمشاركة في (حفلات) الإعدام في سنوات الحروب.

عُرف العراقيون باستخدام الكتابة أو التورية والمجاز في اللغة، بمناسبات عديدة يلجأون إليها، حين يجدون في ذلك ضرورة لمواجهة سلطة أو مسؤول، أو جهة ما، تثير لهم المتاعب أو تسلب حرياتهم وحقوقهم، ليعبروا بها عن مكنوناتهم الرافضة الساخطة، أو المستنكرة لواقع سياسي زائف، أو وضع اقتصادي متدهور، ولا سيما أيام الأزمات والمحن التي تواجه العراق.

وكثيراً ما كانت تلك اللغة تجد لها صدىً واسعاً وانتشاراً وقبولاً واسعين وسريعين في أوساط المجتمع، تردد في المحافل والمنتديات، أو تتناقلها الأجيال. فجاء مصطلح (مختار الكريمات) كنايةً عن الدور الفعلي للسفير البريطاني آنذاك في إدارة الدولة، ورسم سياساتها، والتحكم في قراراتها وتوجهاتها وعلاقاتها العامة، كما أنه كان يعطي الدليل على الحيوية والمرونة والقدرة على الاستيعاب التي يتمتع بها الشعب العراقي في فهم الواقع السياسي بكل خفاياه، والتشخيص الناصح، لتردي دور الحكومة الهامشي والضعيف في إدارة شؤون البلاد، وتحولها إلى أداة مطيعة لتنفيذ السياسة البريطانية وتحقيق مصالحها الاستراتيجية في العراق.

من المؤسف حقاً، بعد أكثر من ثلاثة أرباع القرن من الزمن، أن يعود العراق إلى نقطة الصفر مجدداً، وتدور عجلة التاريخ إلى الوراء، ليقدم لنا نموذجاً آخر لـ (مختار الكريمات). فيرمي بالبلاد بحقل ألغام متفجر، ويدخلها في دوامة العنف والإرهاب والقتل ونهب الثروات. يعود من جديد (مختار المنطقة الخضراء) ليمهر المعاملات المعطّلة والمؤجلة. والقابلة للتنفيذ.

إن الفارق بين (المختارين) الأول والثاني، هو أن الأخير لا يريد أن يبقى وحده في المنطقة الخضراء، مثلما كان الأول مستأثراً بهواء دجلة ومائها، بل يريد مشاركة الملوك والطوائف بهذه الامتيازات، أن يأخذوا حصتهم منها جميعاً بعد أداء فريضة الوضوء، ونصيبهم من (النعيم) الذي مكّنهم من حرمان (الفرد) العراقي من (نعيم) ساعتين متواصلتين من الكهرباء!

رحم الله (مختار الكريمات) الحقيقي، الذي يتذكره البغداديون بالطيب، ويدعون له بالمغفرة والجنةّ.

***

جمال العتّابي

من قوانين البقاء وبديهيات التحدي أن الأحياء عندما تسقط في حفرة فأنها لا تحفر، وإنما تجتهد في إبتكار الوسائل والآليات اللازمة للخروج من الحفرة. والساقط في الحفرة قد يكون فردا، مجموعة، فئة، حزبا، أو مجتمعا وربما شعبا وأمةً.

ففي حالة الصراع القائم فوق التراب، كل حالة مؤهلة للسقوط في حفرة، إذا فقدت قدرات الحذر وأسباب الوقاية من التحول إلى ضحية للخداع والتضليل والدفع باتجاه الحفرة.

فالكثير من الحفر تكون مموهة وغير واضحة فيدوس عليها البشر حتى يقع فيها، فيكون هدفا لتساقط كل شائن عليه.

ومعظمنا لعب هذه اللعبة في صباه، حيث كنا نحفر حفرةً صغيرةً نملأها بالماء ونغطيها بالأغصان وجريد النخيل وندثرها بالتراب فنخفيها، ونأخذ أحد الصبية الذي لا يعلم بها ونسير معه بإتجاهها، وقد إنسجم معنا في الكلام وغيره من التفاعلات التي تلهيه وتقلل إنتباهه، ونمضي به إلى حيث يدوس على الحفرة الموهة فتغوص قدمه فيها، ويتعالى ضحكنا ويتصاعد غضبه، وتحصل المشاجرات بيننا والبعض من الصبية كان يضحك معنا، ويدفعنا بأسلوبه إلى مشاركته السقوط في الحفرة.

هذه كانت لعبة صبية في تراب الوطن، مثل غيرها من اللعب والتفاعلات التي نحمل عنها ذكريات جميلة وطيبة.

ومنطوق اللعبة وفكرتها هو أحد قوانين إمتلاك الشعوب والأمم والسيطرة على الأوطان، وذلك بأن يتم إسقاطها في حفرة، كما كنا نوقع بعضنا في الحفر عندما كنا نلعب، وكذلك الدول القوية تلعب والساسة يلعبون وكم منهم سقط في الحفر، وما تعلم الخروج منها أو إسقاط دافعه إليها فيها.

وقد سقط الوطن في حفرة وحفرة، حُفرت له منذ عقود، وأمعن أبناؤه بحفرها، وتواصلوا في الحفر، على غير طبائع الأمور وبديهيات الأصول وإرادة البقاء والتواصل.

وساهمت الكراسي بكل ما أوتيت من طاقات وعلى مدى عقود قاسيات في الإجتهاد بالحفر والغوص العميق في قاع الحُفر، حتى صار الوطن هدفا محصورا في زاوية التدمير والخراب والضياع والفناء. وبعد أن تم الإطباق على الحفرة وأسر الوطن وامتلاك الشعب، تولدت في داخل الحفرة قِوى متنوع أخذت تعمل بجد ونشاط وعدوانية وإندفاع سلبي في الحفر المتواصل والشديد للحفرة، حتى إزداد الظلام وتمكن التراب من دفن الأحياء والغبار من منع وضوح الرؤية، وإختنق الناس وهم لا يزالون يحفرون ولا يتعبون.

وأصبح من الصعب على الذي يحلم بالخروج من الحفرة أن يفكر في صناعة سلّم أو أن يرشد الناس إلى الطريق الصحيح للخلاص من مأزق الحفرة، لأن الجميع لا يمكنه أن يرى بسبب ضغط الحفرة وقوانينها وتفاعلاتها، التي تعمي الأبصار وتقتل العقل والإدراك والتصور الواضح المعقول.

ولهذا نرى أن المجتمع وقع في الحفرة، وصار أسيرا للقوى التي أسقطته فيها، ولا يعرف كيف يعيش خارجها لأنه أُصيب بحالة التقوقع في الحفرة، وإستسلم لإرادة التآكل فيها والتمتع بقوانينها التي تعبّر عن الوجود الراكد المتعفن في ذات المكان.

 وهكذا فالوطن تحول إلى مستنقع، ومضت القوى تتصارع فيه والأحداث تتعاظم وتتأكد، والواقعون في الحفرة يقعون في أية حفرة يحفرونها لبعضهم فيها، فلا مجال إلا للوقوع.

ولكي نتحرر من أسر الحفرة التي وقعنا فيها، علينا أن نجدّ ونجتهد في صناعة السلالم التي تنقذنا من قبضتها التدميرية القاضية. ترى لماذا لا نرعوي ونتوقف عن الحفر؟!!

حَفرْنا حُفرةً فيها وَقَعْنا

ومنْ وجعٍ وإذلالٍ شَبِعْنا

تَساقطَ جَوْهرٌ في قاعِ وَيْلٍ

فتُهنا في مَواطِنها وضِعْنا

تُعللنا النوازلُ بانْجلاءٍ

وفي سَأمٍ لأغْرابٍ تَبِعْنا

***

د. صادق السامرائي

 

الأديب التونسي محمد العروسي المطوي جدير بصفة الأديب حقّا لأنه كتب في العديد من فنون الكتابة سواء في اللغة والنقد أو في القصة والرواية والشعر أو في المقالة والتاريخ والتحقيق وحتى في المذكرات والسيرة والترسّل إنّ قلم الأديب محمد العروسي المطوي قلم جامع شامل للأجناس الأدبية وله فيها الإضافة والرّيادة في البعض منها بالنسبة للأدب التونسي على الأقل .

هو من مواليد 1920 بواحة المَطوية القريبة من ڨابس بالجنوب التونسي وتوفّي سنة 2005 بتونس العاصمة ودُفن بالمطوية وقد شيّعه جمع كبير من أهله وذويه وبحضور جَمهرة من الأدباء والمثقفين وكنت من بينهم .

أعتبر نفسي محظوظا بمعرفته والجلوس إليه منذ المرحلة الأولى من تعليمي الثانوي بالمدرسة الصادقية في منتصف الستينيات من القرن العشرين عندما كنا ونحن تلاميذ نرافق أستاذنا سيدي البشير العَريبي إلى نادي القصة الكائن بالنادي الثقافي أبي القاسم الشابي بضاحية الوردية في ذلك الفض الثقافي العامر تعرفت إلى نخبة من الأدباء التونيسين الذين برزت أسماؤهم بعد السنوات الأولى من الاِستقلال من بينهم الطاهر ڨيڨة والبشير خريف والجيلاني بالحاج يحي ويحي محمد ومصطفى الفارسي وحسن نصر وعزالدين المدني وغيرهم من الجيل الموالي في نادي القصة وقد كانوا يجتمعون مساء كل يوم سبت لقراءة القصص والتحاور حولها بينما كنت أجلس على مسافة في ركن القاعة وبتوالي الأعوام صرت أزور الأديب محمد العروسي المطوي لأستفيد من معرفته وملاحظاته وممّا دفعني إلى ذلك أنه من المشجعين القلائل على التجديد والتجريب في الأدب رغم تكوينه التقليدي في التعليم الزيتوني الذي تخرّج منه كأحد شيوخ التدريس غير أنه كان ضمن شيوخ جامع الزيتونة المتنوّرين مثل الطاهر الحداد وأبي القاسم الشابي وهذا ما جعله فاعلا في حركة إصلاح التعليم وفي الحركة الثقافية وبوّأه أن يكون دبلوماسيا مُمثلا لتونس لدى بعض البلدان العربية وهي مصر والعراق والسعودية وقد كان يمتاز بأريحية ورحابة صدر وبمصداقية كبيرة مع الإحترام والتقدير بين مختلف الأدباء التونيسين على توالي أجيالهم واِختلاف مشاربهم الفكرية وتنوّع ألوانهم الأدبية فأهّلته هذه المكانة بينهم لرئاسة اِتحاد الكُتّاب التونيسين على مدى دورات عديدة كان مسك ختامها أن تولّى رئاسة ـ  اِتحاد الأدباء والكُتّاب العرب ـ إثر إنعقاد مؤتمره بتونس في أواخر سنة 1990 .

الأديب محمد العروسي المطوي غزير التأليف وقد نشرت وزارة الثقافة منذ سنوات أغلب إنتاجه تحت عنوان ـ الأعمال الكاملة ـ وقد صادفني هذه الأيام كتاب ضمن سلسلة ـ ذاكرة وإبداع ـ التي أصدرتها وزارة الثقافة وهو كتاب جليل بعنوان - محمد العروسي المطوي سيرة وورقات من إبداع مرحلة الشباب الجزء الثاني - من إعداد وتقديم وتحقيق الدكتور محمد الهادي بن الطاهر المطوي ويضمّ هذا الكتاب إضافات قيّمة لا أعرفها تُثري مدوّنة محمد العروسي المطوي من بينها جملة من المذكرات تعود إلى سنتيْ 1939و 1940 ومن بينها مقالات فكرية واِجتماعية ولغوية وغيرها ونقرأ بالإضافة إليها ما دوّنه المطوي من بعض دروس شيخه الأديب ـ محمد العربي الكبادي ـ الذي عُرف بلقب شيخ الأدباء لسعة ذاكرته وروايته ونقله من أمّهات التراث وبأهمية مجالسه في تاريخ الحركة الأدبية بتونس على مدى النصف الأول من القرن العشرين لهذا نعتبر هذه التدوينة وثيقة فريدة عن الشيخ محمد العربي الكبادي .

أما الوثيقة الأخرى المهمة والنادرة في هذا الكتاب فهي نصّ الرسالة التي بعث بها الأستاذ سيدي البشير العريبي إلى صديقه وزميله الأديب محمد العروسي المطوي وقد كتب له فيها تفاصيل ودقائق حضور ـ طه حسين ـ إلى جامع الزيتونة برفقة الزعيم الحبيب بورڨيبة والشيخ الطاهر بن عاشور بمناسبة اِختتام السنة الدراسية في الكلية الزيتونية والرسالة مؤرخة بتاريخ. 17 جويلية 1957 وتتضمن إشارات مُهمة سجّلها قلم الأستاذ البشير العريبي تمثل اِغتنام مناسبة فارقة في النقلة الاِجتماعية والفكرية بتونس تلك التي شهدت صدور مجلة الأحوال الشخصية التي تباينت حولها ردود الفعل وقد لاحظنا صداها في هذه الرّسالة المهمّة .

فالأديب محمد العروسي المطوي ما يزال في حاجة إلى التعريف والبحث والدّراسة ضمن الحركة الأدبية والثقافية التي واكبها وكان أحد أعلامها والفاعلين فيها بتونس.

***

سُوف عبيد ـ تونس

في بعض المراحل، قد يرى الإنسان نفسه أكثر مما هي عليه في الواقع؛ فيشعر بامتلاك قدرات كبيرة، وإبداع متفوق، ورؤية تجعله دائماً في موقع “الأصح” و“الأفضل و” الأكمل” ”. ومع هذا الشعور يتراجع أحياناً في تقبل النقد، ويضعف الاستعداد لتصحيح المسار، وكأن أي ملاحظة تمس صورة مكتملة يرى أنها لا تحتاج إلى مراجعة أو تطوير.

لكن الحقيقة أن هذا النمط من الإدراك قد يفقد الإنسان واحدة من أهم أدوات النمو: القدرة على رؤية الذات بموضوعية وشفافية. فحين يبالغ الإنسان في تقدير ذات هوي ضخمها دون توازن أو تواضع، قد يغلق على نفسه أبواب التطوير والترقي نحو الأفضل، ويحول النقد من فرصة للنمو إلى تهديد يجب مقاومته أو إنكاره وتجنبه.

 إن التواضع مع الذات لا يعني التقليل منها، بل يعني فهمها بعمق وسبر أغوارها، ومعرفة نقاط القوة كما هي ومواجهة نقاط الضعف كما هي أيضاً، دون تهويل أو إنكار. فالنضج الحقيقي يبدأ حين يدرك الإنسان أن التعلم لا يتوقف، وأن التصحيح ليس انتقاصاً، بل ارتقاء ونهوض بالشخصية وصعود لها.

وفي التاريخ الإسلامي نماذج عظيمة تجسد هذا المعنى وتضفي معنى له. فقد روي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد تحديد مهور النساء، لتسهيل الزواج ما بين الشباب. فقامت امرأة واعترضت مستشهدة بقوله تعالى ﴿وَإِنْ آتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ” “. فقال عمر رضي الله عنه بكل تواضع: أصابت امرأة وأخطأ عمر: إنها لحظة تختصر جوهر القيادة الواعية في إيمانها وقيمها وقوة في القرار، وتواضعها أمام الحق.

وفي واقعنا المهني والاجتماعي تتكرر هذه المواقف يومياً. قد يتلقى الموظف ملاحظة من مديره حول طريقة أداء مهمة ما، بدلاً من أن يراها فرصة للتحسين والتطوير في الأداء، قد يفسرها كتقليل في ذاته وتشكيك في قدراته وكفاءته، بينما الموظف الناضج يدرك أن النقد المهني ليس حكماً على شخصه، بل خطوة لتطوير الأداء.

وفي بيئة العمل، كثيراً ما يقدم اقتراح لتعديل أسلوب أو تحسين إجراء، فيقابله البعض بالرفض السريع دفاعاً عن الذات، بينما يرى فيه آخرون فرصة لبناء نظام أفضل. الفارق هنا ليس في الذكاء، بل في درجة الوعي والانفتاح على التعلم حتى في العلاقات الاجتماعية، قد يواجه الإنسان ملاحظة من صديق أو قريب، فيختار إما الانغلاق أو الاستماع. الاستماع الواعي هنا ليس ضعفاً، بل قوة داخلية تسمح بإعادة تقييم الذات دون انهيار الصورة الشخصية. إن أخطر ما قد يواجه الإنسان ليس الخطأ نفسه، بل الاعتقاد بأنه فوق الخطأ أو فوق التصحيح فكلما زادت القدرة على استقبال النقد بوعي، زادت فرص النمو، واتسعت آفاق التطور، وارتقى الإنسان في مسار أكثر نضجاً واتزاناً

وفي النهاية، يبقى التوازن هو المفتاح: أن نثق بأنفسنا دون غرور أو تعال، وأن نراجع أنفسنا دون جلد نفتح باب التطوير دون خوف أو ارتباك. فالحياة لا تمنح الامتياز لمن يظن أنه كامل، بل لمن يدرك أنه في رحلة مستمرة نحو النمو المضطرد والكمال.

*** 

د. أكرم عثمان

17-6-2026

لم يعد السؤال الذي يشغلني اليوم هو: من يكتب النص؟ بل أصبح سؤالًا أكثر تعقيدًا وإثارة: كيف يمكن أن نقرأ النص في زمن (الكاتب الهجين)؟ فمنذ أن دخل الذكاء الاصطناعي إلى فضاء الإبداع الأدبي، لم تتغير الكتابة وحدها، بل بدأت أسس النقد الأدبي نفسها تهتز تحت أقدامنا، وكأننا نقف على عتبة عصر جديد يتطلب أدوات ومفاهيم وأسئلة جديدة.

لقد اعتدنا منذ قرون أن ننظر إلى النص الأدبي بوصفه أثرًا إنسانيًا خالصًا، وأن نبحث وراء السطور وخلف الكلمات عن صاحبها، وعن سيرته وتجربته ورؤيته للعالم.

كان الناقد يحاول أن يكتشف الإنسان المختبئ بين السطور، وأن يفكك الرموز والدلالات التي زرعها الكاتب في نصه عن قصد أو عن غير قصد. لكن ماذا يحدث عندما يصبح النص ثمرة تعاون بين عقل بشري وخوارزمية ذكية؟ وأين ينبغي أن يتجه الناقد حين تتداخل الحدود بين الإنسان والآلة؟

أجد نفسي أمام مشهد ثقافي غير مسبوق. فالنقد الأدبي الذي نشأ في زمن المخطوطات، وتطور مع عصر الطباعة، ورافق ظهور الرواية الحديثة، يجد نفسه اليوم أمام تحدٍ وجودي حقيقي. لقد أصبح النص الأدبي كائنًا أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، وأصبح من الصعب الفصل بين ما أنتجه الخيال البشري وما اقترحته الآلة أو ساهمت في صياغته.

ولعل أول تحول كبير يواجه النقد في عصر الكاتب الهجين هو تراجع مركزية المؤلف. لقد أعلن النقاد منذ عقود ما سموه "موت المؤلف"، لكن المؤلف ظل حاضرًا بطريقة أو بأخرى. أما اليوم فإننا نشهد ظاهرة مختلفة تمامًا. فالمؤلف لم يمت، بل أصبح متعدد الوجوه. هناك الكاتب الذي يوجه العمل، وهناك الخوارزمية التي تقترح وتولد وتعيد الصياغة، وهناك المنصات الرقمية التي تؤثر في طبيعة النص وانتشاره. وهكذا لم يعد النص ينتمي إلى ذات واحدة، بل أصبح نتاج شبكة معقدة من التفاعلات.

إن هذا التحول يفرض على الناقد أن يراجع كثيرًا من مسلّماته القديمة. فلم يعد كافيًا أن يبحث عن النوايا الخفية للمؤلف أو أن يربط النص بسيرته الذاتية. بل أصبح مطالبًا بفهم البيئة الرقمية التي أنتجت النص، ومعرفة الأدوات التقنية التي ساهمت في تشكيله، وتحليل العلاقة الجديدة بين الإبداع البشري والذكاء الاصطناعي.

ومن التحولات اللافتة التي ألاحظها أيضًا ظهور ما يمكن أن أسميه "النقد الخوارزمي".

فقد بدأت برامج الذكاء الاصطناعي نفسها تكتب مراجعات للكتب وتلخص الروايات وتحلل القصائد وتقارن بين الأساليب الأدبية. وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن للآلة أن تصبح ناقدًا أدبيًا؟ وما مدى حياده أو تحيزه؟

في رأيي الشخصي أن الجواب معقد جدا . فالآلة قادرة على تحليل ملايين الكلمات واكتشاف الأنماط اللغوية والعلاقات الإحصائية بين النصوص بسرعة تفوق قدرة الإنسان بمراحل. لكنها لا تستطيع أن تشعر بالدهشة أو الألم أو المتعة الجمالية كما يشعر بها القارئ الآدمي. إنها تفهم النص بوصفه بنية لغوية، لكنها لا تعيشه بوصفه تجربة إنسانية. ولهذا السبب أعتقد أن النقد الأدبي سيظل بحاجة إلى الحساسية الإنسانية مهما بلغت قدرات الخوارزميات على التفكيك .

غير أن هذا لا يمنع من الاستفادة من الأدوات الجديدة. فالناقد المعاصر يستطيع اليوم أن يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل المدونات النصية الضخمة، وتتبع تطور المفردات والأساليب، واكتشاف العلاقات الخفية بين الأعمال الأدبية. لقد أصبح النقد نفسه أكثر هجينية، تمامًا كما أصبح الكاتب هجينيًا.

ومن جهة أخرى، أرى أن عصر الكاتب "الهجين" يفرض على النقد الاهتمام بقضايا جديدة لم تكن مطروحة من قبل. فهناك أسئلة تتعلق بالأصالة والإبداع والملكية الفكرية والشفافية. كيف نقيّم عملًا أدبيًا ساهمت الخوارزمية في إنتاجه؟ وهل تقل قيمة النص إذا استعان صاحبه بالذكاء الاصطناعي؟ أم أن القيمة الحقيقية تكمن في النتيجة النهائية بغض النظر عن الوسائل المستخدمة؟

إن هذه الأسئلة تذكرني بالنقاشات التي رافقت ظهور التصوير الفوتوغرافي في القرن التاسع عشر. فقد اعتبر البعض آنذاك أن التصوير سوف يقضي على الرسم، لكن ما حدث هو العكس. فقد دفع الرسم إلى اكتشاف مسارات جديدة، وظهرت مدارس فنية لم تكن ممكنة من قبل. وربما سوف يحدث الشيء نفسه اليوم مع الأدب والنقد.

لقد بدأت ألاحظ أن النقاد الشباب أكثر استعدادًا للتعامل مع هذه التحولات من الأجيال السابقة. فهم أبناء العصر الرقمي، ويعتبرون التكنولوجيا جزءًا طبيعيًا من حياتهم اليومية. أما بعض النقاد التقليديين – الآباء - فما زالوا ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه تهديدًا مباشرًا للأدب والثقافة. وبين الموقفين أرى أن الحقيقة تكمن في منطقة وسطى أكثر تعقيدًا.

فالخطر الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في الاستسلام لها دون تفكير نقدي سليم. وإذا كان الكاتب مطالبًا بالحفاظ على صوته الخاص وسط ضجيج الخوارزميات، فإن الناقد مطالب بدوره بالحفاظ على استقلاليته الفكرية وسط سيل التحليلات الآلية والتوصيات الرقمية.

إنني أؤمن بأن النقد الأدبي لن يختفي في عصر الكاتب الهجين، بل سيولد من جديد في صورة أكثر اتساعًا ومرونة. وسوف يحتاج الناقد إلى معارف متعددة تجمع بين الأدب والفلسفة وعلم البيانات والثقافة الرقمية. وسوف يصبح فهم الخوارزميات جزءًا من ثقافة الناقد، تمامًا كما أصبح فهم المدارس الأدبية جزءًا من تكوينه المعرفي.

لهذا لا أنظر إلى عصر الكاتب الهجين بوصفه نهاية للنقد الأدبي، بل أراه بداية مرحلة جديدة تدعونا إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالنص والمعرفة والإبداع. إنها لحظة تاريخية نادرة يجد فيها الناقد نفسه أمام مرآة رقمية تعكس وجهين في آن واحد: وجه الإنسان الذي كتب، ووجه الآلة التي ساعدته على الكتابة. وبين الوجهين يولد نقد جديد، لا ينتمي بالكامل إلى الماضي ولا يستسلم بالكامل للمستقبل.

***

عبده حقي

 

تفكيك المركزية الأوروبية واستعادة أصوات الرحالة الأفارقة والعرب المنسيين

مقدمة: عندما يصبح (الاكتشاف) أداة للهيمنة

ظلّ مفهوم (الاكتشاف) أحد أكثر المصطلحات حضوراً في الكتابة التاريخية الأوروبية الحديثة. فمنذ القرن الخامس عشر، جرى تقديم البحارة والرحالة الأوروبيين باعتبارهم مكتشفي العالم وصنّاع المعرفة الجغرافية، بينما وُضعت الشعوب الأخرى في موقع (المكتشَف) أو (الموضوع المدروس). غير أن الدراسات التاريخية المعاصرة، خاصة أعمال المؤرخة الفرنسية كاميل لوفيفر، إلى جانب مساهمات إدوارد سعيد وفالنتين موديمبي وأشيل مبيمبي، أعادت فتح هذا الملف النقدي، متسائلة: هل اكتشف الأوروبيون حقاً تلك البلاد، أم أنهم اكتشفوها لأنفسهم فقط؟

إن هذا السؤال لا يهدف إلى إنكار أهمية الرحلات الأوروبية، بل إلى إعادة الاعتبار لملايين البشر الذين سبقوا الأوروبيين إلى معرفة أوطانهم ووصفها وتدوين تاريخها ورسم طرقها التجارية والثقافية.

أولاً: دوروغو.. الإفريقي الذي اكتشف لندن

من أبرز الأمثلة التي سلطت عليها حملة (فرانس كالتور) الضوء، مخطوطة (حياة ورحلات دوروغو) المنشورة سنة 1885.

كان جيمس هنري دوروغو شاباً من منطقة كانو في نيجيريا الحالية، وقد زار لندن سنة 1856 ودوّن مشاهداته بلغة الهوسا. والأهم من الرحلة نفسها أنه مارس ما يمكن تسميته بـ(الإثنوغرافيا المعكوسة)، حيث جعل المجتمع البريطاني موضوعاً للملاحظة والتحليل.

فقد وصف عادات الطعام، وسلوك الأسر، وطرائق اللباس، والعلاقات الاجتماعية، والأدوات المنزلية التي بدت له غريبة. وهنا يبرز السؤال النقدي: إذا كان الأوروبي الذي يزور مدينة إفريقية يسمى (مكتشفاً)، فلماذا لا يُوصف دوروغو بأنه مكتشف لندن؟

تكشف هذه المفارقة أن مفهوم الاكتشاف لم يكن وصفاً جغرافياً محايداً، بل كان انعكاساً لعلاقات القوة التي سادت خلال الحقبة الاستعمارية.

ثانياً: تمبكتو بين الحقيقة والأسطورة الاستعمارية

يُقدَّم الرحالة الفرنسي رينيه كاييه في كثير من الكتب الأوروبية بوصفه (مكتشف تمبكتو) سنة 1828. غير أن هذا الوصف ينهار أمام أبسط فحص تاريخي.

فمدينة تمبكتو كانت قبل وصول كاييه بقرون مركزاً علمياً عالمياً. وقد احتضنت جامعات ومكتبات ضخمة، واستقطبت العلماء والطلاب من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

كما أن تاريخها كان موثقاً في مصادر محلية وعربية عديدة، أبرزها:

تاريخ السودان لعبد الرحمن السعدي.

تاريخ الفتاش لمحمود كعتي.

وتثبت هذه المصادر أن سكان المنطقة لم يكونوا فقط على معرفة بمدينتهم، بل كانوا ينتجون معرفة تاريخية وجغرافية متقدمة حولها. ولذلك فإن وصف كاييه بـ مكتشف تمبكتو يكشف عن تجاهل متعمد للمعرفة المحلية، أكثر مما يكشف عن حقيقة تاريخية.

ثالثاً: من العالم إلى (المخبر)

تكشف المؤرخة كاميل لوفيفر عن آلية أخرى من آليات التهميش المعرفي، تتمثل في الطريقة التي تعاملت بها المؤسسات الأوروبية مع العلماء غير الأوروبيين.

فالعالم والطبيب الحاج أحمد الفلاتي كان يحظى بمكانة علمية كبيرة داخل مجتمعه، لكنه عندما تعاملت معه الإدارة الاستعمارية الفرنسية في تونس سنة 1892، لم يُنظر إليه باعتباره عالماً، بل باعتباره (مخبراً) يقدم معلومات.

لقد أنتجت أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ما يمكن وصفه بالتقسيم العنصري للعمل الفكري؛ فالأوروبي يُعدّ منتجاً للمعرفة، بينما يُختزل غير الأوروبي في دور المساعد أو الدليل أو المخبر.

ومن هنا جرى تهميش مئات الرحالة والعلماء المحليين الذين ساهموا فعلياً في رسم الخرائط وفهم المجتمعات الإفريقية والآسيوية.

رابعاً: ابن بطوطة وليون الإفريقي.. مستكشفون خارج السردية الأوروبية

قبل ظهور عصر الكشوف الجغرافية الأوروبية بقرون، كان الرحالة المغربي ابن بطوطة يجوب العالم المعروف من المغرب إلى الصين .

وقد قطع أكثر من 120 ألف كيلومتر، وسجل ملاحظاته في كتابه الشهير (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار)، مقدماً أوصافاً دقيقة للمجتمعات والمدن والطرق التجارية.

كما أن الحسن الوزان، المعروف في أوروبا باسم (ليون الإفريقي)، ألّف كتاب (وصف إفريقيا) الذي ظل مرجعاً أساسياً للأوروبيين لقرون طويلة.

ومع ذلك نادراً ما يُدرج هذان الاسمان ضمن قوائم (المستكشفين العظام) في المناهج الأوروبية، رغم أن أعمالهما ساهمت في تشكيل المعرفة العالمية بالقارة الإفريقية.

خامساً: نقد المركزية الأوروبية في الفكر المعاصر

ساهم عدد من المفكرين المعاصرين في تفكيك هذا التصور الأحادي للتاريخ.

ففي كتاب (الاستشراق)، أوضح إدوارد سعيد أن الغرب لم يكتف بدراسة الشرق، بل أنتج صورة كاملة عنه تخدم مصالحه السياسية والثقافية.

أما فالنتين موديمبي في كتاب (اختراع إفريقيا)، فقد بيّن كيف تم بناء صورة إفريقيا داخل المؤسسات الأكاديمية الأوروبية بطريقة جعلت المعارف الإفريقية تبدو ثانوية أو غير علمية.

بينما ناقش أشيل مبيمبي استمرار هذه الهيمنة المعرفية حتى بعد نهاية الاستعمار السياسي، من خلال ما سماه إرث (ما بعد المستعمر).

وتتلاقى هذه الأطروحات جميعاً حول فكرة مركزية مفادها أن السيطرة على المعرفة كانت جزءاً لا يتجزأ من السيطرة على الأرض.

سادساً: من اكتشف من؟

إذا كان الوصول إلى مكان جديد يكفي لمنح صفة (المكتشف)، فإن المنطق نفسه يقتضي أن نعتبر:

ابن بطوطة مكتشف لما رحل اليه ونقل إلينا إثنوغرافيا لأكثر من ثلاثة مئة مدينة كبيرة .

دوروغو مكتشف العاصمة البريطانية.

ليون الإفريقي مكتشف روما.

الرحالة العرب مكتشفي غرب إفريقيا.

غير أن أحداً لا يستعمل هذه التعابير، لأن تلك المدن كانت معروفة لأهلها منذ قرون.

وهنا يتضح أن مصطلح (الاكتشاف) لم يكن في كثير من الأحيان وصفاً لحقيقة جغرافية، بل تعبيراً عن سلطة سياسية وثقافية تجعل من رؤية الأوروبي معياراً وحيداً للاعتراف بالمعرفة.

كخاتمة: نأكد السعي نحو تاريخ متعدد المراكز

إن إعادة قراءة تاريخ الرحلات والاستكشافات لا تهدف إلى استبدال مركزية بأخرى، بل إلى الاعتراف بتعدد مراكز إنتاج المعرفة في العالم.

فإفريقيا لم تكن أرضاً صامتة تنتظر من يصفها، والعالم الإسلامي لم يكن فضاء مجهولاً قبل قدوم الأوروبيين، كما أن آسيا امتلكت تقاليدها الخاصة في الجغرافيا والرحلات والتدوين.

لقد آن الأوان لاستعادة أصوات الرحالة الأفارقة والعرب والآسيويين الذين أُقصوا من السردية الكلاسيكية، وإعادة كتابة تاريخ الاستكشاف بوصفه تاريخاً إنسانياً مشتركاً ساهمت فيه شعوب متعددة، لا قصة بطل أوروبي واحد يحمل البوصلة ويرسم العالم من جديد.

***

بقلم بلحمدي رابح - الجزائر

..................

المراجع

Camille Lefebvre, Des pays au crépuscule.

James Henry Dorugu, Life and Travels of Dorugu (1885).

Edward Said, Orientalism (1978).

Valentin-Yves Mudimbe, The Invention of Africa (1988).

Achille Mbembe, On the Postcolony (2001).

عبد الرحمن السعدي، تاريخ السودان.

محمود كعتي، تاريخ الفتاش.

ابن بطوطة، تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار.

الحسن الوزان (ليون الإفريقي)، وصف إفريقيا.

France Culture, « En Afrique aussi, les Européens n'étaient pas les premiers explorateurs ».

(الذكاء الاصطناعي: مخدر رقمي سلبنا فهم المعارف وضربنا بوهم المغارف)

أَنْ يُجِيبَ الذَّكَاءُ الاصْطِنَاعِيُّ عَنْ كُلِّ سُؤَال، وَيُعِينَ المَرْءَ فِي كُلِّ حَالٍ ومَآل، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِضَرْبٍ مِنْ ضُرُوبِ الخَيَال، وَلَا يَعْجَبُ مِنْهُ إِلَّا صَدِيقُنَا "أَكُوكَبَا" القَابِعُ فِي أَدْغَالِ الكُونْغُو وَرَاءَ التِّلَال؛ فَمَا هُوَ إِلَّا خِوَارِزْمِيَّاتٌ مُتَعَدِّدَةُ الاسْتِعْمَال، يَضُمُّهَا فَضَاءٌ اتِّجَاهِيٌّ مُتَعَدِّدُ الأَبْعَاد "Multi-dimensional Vector Space" أو هَكذا يُقال. لَكِنَّ المَخُوفَ لِبَنِي الإِنْسَان، وَالمُرْعِبَ الأَكْبَرَ فِي قَادِمِ الزَّمَان، هُوة أَنْ يَعِيَ هَذَا "الذَّكَاءُ" المَعَانِيَ الخَفِيَّةَ فِي أَعْقَدِ تَرَاكِيبِ البَيَان، مُسْتَعِيناً بِمَا يَمْلِكُهُ مِنْ "آلِيَّةِ الانْتِبَاهِ الذَّاتِيِّ" "Self-Attention" فِي فَهْمِ مَقَاصِدِ الأَذْهَان. وَحَثِيثاً أَقُولُ فِي هَذَا المَقَام: إِنَّ ظَنَّنَا بِأَنَّ التِّكْنُولُوجْيَا تُرِيحُنَا مِنْ نَصَبِ الأَعْمَال، لِنَتَفَرَّغَ لِجَوَاهِرِ الأُمُورِ وَكُنه الخِصَال، هُوَ ظَنٌّ وَوَهْمٌ لَا يَسْقُطُ فِي حُفْرَتِهِ إِلَّا عَاجِزٌ كَسُول، وَخِدَاعٌ لَا يَنْطَلِي إِلَّا عَلَى ذِي فُؤادٍ خَمُول؛ فَسِلَاحُ الذَّكَاءِ ذُو حَدَّيْنِ عاصِفَيْنِ مُهْلِكَيْن:

أَمَّا الأَوَّلُ؛ فَهُوَ "حَدُّ النُّخْبَةِ" وَيَحْتَكِرُهُ عُلَمَاءُ الصَّفْوَةِ بِرِعَايَةِ دُوَلٍ عُظْمَى، تَمُدُّهُمْ بِمَرَاكِزِ بَياناتٍ جَبَّارةٍ وَأَمْوَالٍ لَا تُحْصَى، لِيَقْبِضَ الزُّعَمَاءُ عَلَى "عُقْدَةِ التَّحَكُّمِ المَرْكَزِيَّةِ" فِي شَبَكاتِ الفَلاة، وَمَن قَبَضَ عَلى "العُقدَةِ" فقَدْ مَلَكَ شَبَكَةَ الحَيَاة. وَثَمَّ سَتَظْهَرُ فَجْوَةٌ لَا تُقَاسُ بِالثَّرَاءِ وَوَفْرَةِ المَال، بَلْ بِاحْتِكَارِ المَعْرِفَةِ وَتَوْجِيهِ عُقُولِ الأَجْيَال. وَإنَّ مَا يُسَرِّعُ هَذَا السُّقُوطَ هُوَ الفُضُولُ العِلْمِيُّ الأَعْمَى بِلَا كَوَابِحَ أَخْلَاقِيَّة؛ فَكَمَا أَنْجَبَ انْشِطَارُ الذَّرةِ قَدِيماً قُنْبُلَةً نَوَوِيَّة، فَإِنَّ مُحَاكَاةَ العَقْلِ البَشَرِيِّ سَتَخْرُجُ عَنِ السَّيْطَرَة، لِتُصْبِحَ الآلَةُ "تِرياقاً" تُعالِجُ بِهِ النُّخْبَةُ القَطِيعَ كَالبيطَرة.

وَأَمَّا الحَدُّ الثَّانِي؛ فَهُوَ "حَدُّ العَوَامِّ"، فَنَحْنُ مَعْشَرَ العَوَامِّ لَا نَرْغَبُ فِي تَشْغِيلِ الأَفْهَام، وَلَا نَكيلُ بمَبدأ الثَّوابِ والعِقَابِ، وَلا نَمِيلُ لِفَرْزِ الخَطَأِ مِنَ الصَّوَاب. وَهُنَا يَتَسَلَّلُ الذَّكَاءُ لِيَعْمَلَ "كَحُقْنَةِ كُوكَائِينَ رَقْمِيَّة"، تَقُودُ عُقُولَنَا إِلَى ضُمُورٍ فَوْقَ ضُمُورِهَا؛ لِتُصَيِّرَنَا "قَطِيعَ نِعَاجٍ رَقْمِيَّةٍ" تَقُودُهَا النُّخْبَةُ الذَّكِيَّة، فَنَتَحَوَّلَ تِلْقَائِيّاً إِلَى مُجْتَمَعَاتٍ تُسَاقُ بِلَا عَصَا، وَتُسْكَتُ بِلَا بُنْدُقِيَّة، بَلْ يُكْتَفَى بِتَوْجِيهِ شَهَوَاتِهَا، وَتَشْكِيلِ قَنَاعَاتِهَا، وَصِيَاغَةِ مَا يَرَاهُ الأَذكِياءُ الأقْوِيَاءُ صَحِيحاً لَهَا أَوْ خَطَأً عَلَيْهَا.

وَيَبْقَى التَّسَاؤُلُ المَهْرُولُ وَرَاءَ عَجَاجَةِ السُّطُور، إِزَاءَ هَذَا المُسْتَقْبَلِ المَذْعُور: هَلْ مِنْ ثُغْرَةٍ فِي سِيَاجِ هَذَا القَطِيعِ المُطِيع، تَكُونُ نَجَاةً وَعِصْمَةً مِنَ الضَّيَاعِ الشَّنِيع؟ وَسَرِيعاً أَقُولُ:

لَا لِوَاذَ وَلَا مَلَاذَ وَلَا مَفَرّ، فَالذَّكَاءُ سِجْنٌ مَكِينٌ لِمَنِ اسْتَمَرّ، مَادَامَتْ عُقُولُنَا تَنْبِذُ النَّقْدَ وَالتَّعْلِيل، وَتُحَبِّذُ الرَّقْدَ وَالتَّحْصِيل. وَمَنْ أَرَادَ الصُّمُودَ فِي مَعْرَكَةِ "الحِفَاظِ عَلَى إِنْسَانِيَّةِ الإِنْسَان"، وَحِمَايَةِ عَقْلِهِ مِنْ غَيْبُوبَةِ الرَّفَاهِيَّةِ وَالنِّسْيَان، فَعَلَيْهِ نَزعَ خَبتَةَ الكَسَلِ الفِكْرِيّ، وَزَرعَ نَبتَةَ الجُهْدِ الذَّاتِيّ، وَأَلَّا يُخْدَعَ بِوَهْمِ "الذَّكاءِ" في تَوْفِيرِ الوَقْتِ وَالجُهْد؛ فَالإِنْسَانُ حِينَ يَبْحَثُ فِي الأبجَديَّةِ، يَتْعَبُ عَقْلُهُ لِيَحْفُرَ الرَّوَابِطَ العَصَبِيَّةَ فِي ذَاكِرَةٍ أَبَدِيَّة. أَمَّا حِينَ يَمْنَحُهُ الذَّكَاءُ حَلّاً جَاهِزاً، فَإِنَّهُ يُصِيبُ لَذَّةً وَسُرُوراً، وَيَظُنُّ بِنَفْسِهِ فَهْماً وَنُوراً، وَمَا هُوَ إِلَّا "وَهْمُ المَعْرِفَةِ" وَخِدَاعُ البَصِيرَة، فَتَتَبَخَّرُ المَعْلُومَةُ كَسَحَابَةٍ مُسْتَدِيرَة؛ تَمَاماً كَمَنْ يُتَابِعُ "مُسَلْسَلاً مَكْسِيكِيّاً" يَمْتَدُّ لِمِئَةٍ وَثَمَانِينَ حَلْقَة، بِضَخٍّ صُوَرِيٍّ هَائِلٍ لَا يَتْرُكُ لِلذَّاكِرَةِ وَقْتاً لِتَسْتَرِيح، فَتَرمِي الحَلْقَةُ الجَدِيدَةُ أُخْتَهَا القَدِيمَةَ فِي مَهَبِّ الرِّيح. وَهَكَذَا يَسْرِقُ الذَّكَاءُ مِنَّا "رِحْلَةَ الفَهْمِ"، وَمَنْ حُرِمَ رِحْلَةَ التَّعَبِ وَالبَحْثِ فيمَا ورَاء الأسوَار، عَاشَ مُسْتَهْلِكاً لِلأَفْكَار، عَاجِزاً عَنِ الِاخْتِيَار.

إِنَّ مَعْرَكَتَنَا مَعَ خَصِيمِنا "الذَّكاء" لَا مَحَالَةَ خَاسِرَة، وَحُشُودَنَا أَمَامَ طُوفَانِهِ حَائِرَة؛ وَمِثْلُنَا فِيهَا كَمِثْلِ فَتًى مُرَاهِقٍ وَضَعُوا فِي حِضْنِهِ غَادَةً حَسْنَاء آسِرَة، ثُمَّ قَعَدْنَا نُفَكِّرُ بِسَذَاجَةٍ أو غَباءٍ، فِي وَضْعِ "ضَوَابِطَ أَخْلَاقِيَّةٍ" تَحْجُزُهُ عَنِ الفَحْشَاء! إِنَّ الوَاقِعَ غَدَا مُخِيفاً بِمَرَارَتِه، بَعْدَ أَنْ اسْتَسْلَمَ الإِنْسَانُ لِغَوَايَةِ الذَّكاءِ وَنَضَارَتِه، وَانْتَصَرَتْ شَهْوَةُ التَّلْقِينِ عَلَى شَقْوَةِ التَّمْكِين، وَمَاتَتِ المَهَارَاتُ الفِكْرِيَّةُ لِتَحُلَّ مَحَلَّهَا مُهَاتَراتُ العَاجِزِينَ. وَسَاعَتَئِذٍ يَقَعُ الانْشِطَارُ المُرْعِبُ إِلَى فِئَتَيْنِ فِي الخَلَاء:

فِئَةُ أَهْلِ الصَّنْعَةِ وَقَادَةِ الفَضَاء: وَهُمُ النُّخْبَةُ الفَذَّةُ مِنَ العُلَمَاءِ، وهَؤُلَاءِ لَنْ يُصِيبَهُمُ الجُمُود، بَلْ سَيَتَّخِذُونَ مِنَ الذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ مِنْصَّةً لِكَسْرِ الحُدُود، وَلِيَقْفِزُوا بِالعُلُومِ قَفَزَاتٍ بَاهِرَة، لَمْ تَخْطُرْ عَلَى بَالِ عَيْنٍ سَاهِرَة؛ لِأَنَّهُمْ مَالِكُونَ لِعِقَالِ التَّوْجِيه، وَقَادِرُونَ عَلَى تَسْيِيرِ هَذَا التِّيه.

وَفِئَةُ العَوَامِّ المُخَدَّرِينَ: وَهُمُ الَّذِينَ يَرْكُلُونَ عُقُولَهُمْ طَوْعاً لَا كَرْهاً، لِيَنَالُوا مِنْ رَفَاهِيَّةِ الآلَةِ "رَغدَاً وشَهْداً"، تُدَغْدِغُهُمْ أَنَامِلُ الذَّكَاءِ الخَدَّاع، وَيُسَاقُونَ بِسَيْطَرَةٍ مُطْبَقَةٍ إِلَى حَظِيرَةِ الاسْتِتْبَاع، وَلِيَسْتَقْبِلُوا "عَصْرَ الانْجِمَادِ الفِكْرِيِّ" بِسُبَاتٍ عَمِيق.

وَهَكَذَا سَيَسْكُنُ المَشْهَدُ فِي القَادِمِ مِنَ الحَيَاة، وَتَظْهَرُ الفَجْوَةُ الكُبْرَى بَيْنَ صُنَّاعِ المَعْرِفَةِ البُصَرَاء، وَبَيْنَ مَنْ يَجْتَرُّونَهَا أَوْ يَرْضَعُونَهَا بَعْدَ العَشَاء. وَإِذْ يَدْرُسُ الذَّكَاءُ نِقَاطَ ضَعْفِ العَوَامِّ مِنْ رَغَبَاتٍ وَرَهَبَات، وَإذ يَدُسُّ لَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ بِجُرَعَاتٍ مُقَدَّرَات، فَيَظُنُّهَا العَوَامُّ مِنَحاً وَخَدَمَات، وَأَنَّهُمْ أَحْرَارٌ فِي الِاخْتِيَار، وَمَا هُمْ إِلَّا سُجَنَاءُ حُفْرَةٍ فُصِّلَتْ عَلَيْهِمْ بِإِيجَازٍ وَاخْتِصَار؛ كَيْ يُغَادِرُوا كُلَّ تَشْكِيكٍ فِكْرِيٍّ رَشِيد، وَيُبَادِرُوا إِلَى العَيْشِ فِي سَعَادَةِ الوَهْمِ المَدِيد، مُقْتَنِعِينَ تَمَاماً بِأَنَّهُمْ يَرْفَلُونَ فِي أَفْضَلِ العُصُور.

وَخِتَاماً: لَقَدْ أَدْرَكَ الذَّكَاءُ بَعْدَ أَنْ فَهِمَ "هَنْدَسَةَ النَّفْسِ البَشَرِيَّة"، أَنَّ الطَّرِيقَ الأَسْهَلَ لِلِاسْتِعْبَادِ وَالتَّبَعِيَّة، لَيْسَ بِالمَنْعِ وَالحِرْمَان، بَلْ بِرَفْعِ الإِنْسَانِ وَدَفْعِهِ إِلَى أَحْضَانِ تِلكَ "الغَادَةِ" الرَّقْمِيَّة؛ الَّتِي تَجْعَلُهُ يَتَنَازَلُ عَنْ أَثْمَنِ مَا يَمْلِكُ وَهُوَ "جُهْدُ التَّفْكِير"، مُقَابِلَ لَيْلَةِ شِتَاءٍ دَافِئَةٍ ليَنَالَ منهَا قُبلةُ أو بعضَ اليَسِير.

(وِجْهَةُ نَظَرٍ شَخْصِيَّة)

***

علي الجنابي

 

ظهر لُصوص وقطاعو طُرق بغداد، أشهرهم ابن حمدي (323 هـ). كان ابن حمدي ظريفاً يعطي مِن سرقاته للمحتاجين، على طريقة الإنجليزي روبن هود. قال أحد معاصريه قاضي بغداد أبي علي المُحَسَّن التَّنوخي (384 هـ)، سامعاً مِن تاجر بغدادي: كان ابن حمدي يقطع الطُرقَ، وفيه فتوة وظُرف، ولا يتعرض لأرباب البضائع اليسيرة، وما قيمتها أقل مِن الألف درهم، وإذا أخذ مِن تاجر ضعيف يترك له قسماً مِن بضاعته، ولا يتعرض لامرأة ولا يسلبها (الفرج بعد الشِّدة).

كانت حجة ابن حمدي في لصوصيته ما قاله للتَّاجر الذي شكا له حاله عندما قطع عليه الطَّريق وسلب بضاعته: «يا هذا، الله بيننا وبين هذا السُّلطان الذي أحوجنا إلى هذا، فإنه قد أسقط أرزاقنا، وأحوجنا إلى هذا الفعل، ولسنا في ما نفعله نرتكب أمراً أعظم مما يرتكبه السُّلطان». ومما قاله أيضاً: «إن ابن شيرزاد ببغداد يُصادر النَّاس ويفقرهم، حتى إنه يأخذ الموسر المكثر، فلا يخرج مِن حبسه، إلا وهو لا يهتدي إلى شيء غير الصَّدقة» (المصدر نفسه).

قال ابن حمدي مبرراً للتَّجار لصوصيته وقطعه للطُّرق: إن أركان السُّلطة ببغداد «يأخذون أُصول الضِّياع والدُّور والعقار، ويتجاوزون ذلك إلى الحرم والأولاد، فأحسب نحن هنا مثل هؤلاء، وأن واحداً منهم صادرك». فرد التَّاجر قائلاً: «أعزك الله، ظُلم الظَّلمة لا يكون حجَّةً، والقبيح لا يكون سنةً، وإذا وقفتُ أنا وأنت بين يدي الله عزَّ وجلَّ أترضى أن يكون هذا جوابك له؟، فأطرق ملياً ولم أشك أنه يقتلني»، فأعاد له نصف ما سُلب منه (المصدر نفسه).

كان ابن شيرازد محمد بن يحيى كاتباً وصار وزيراً متنفذاً ببغداد. ويروي المؤرخ والفيلسوف أحمد بن محمد مسكويه (421 هـ): أن ابن شيرازد هذا قد تصالح مع اللُّص ابن حمدي، وجعله ضمن الجُند، على أن يدفع للوزير في كلِّ شهر خمسمائة وعشرة آلاف دينار مما يسرقه هو أصحابه، وأخذ عليه تعهداً مكتوباً (تجارب الأمم وتعاقب الهمم).

أما حال بغداد بوجود الوزير المتواطئ مع اللُّصوص والفاسدين، فكانت حسب ما يصفها المؤرخ ابن الأثير (630 هـ): غلت الأسعار فيها، حتى بيع القفيز مِن الدقيق الخشكار (النَّخالة) بنيف وستين درهماً، وخبز الخشكار ثلاثة أرطال بدرهم، وبحسابات ذلك الزَّمان كانت غالية جداً، لا يطيقها عامة النَّاس. زامن تلك الشِّدة هطول أمطار غزيرة فهُدمت المنازل، فأخذ النَّاس يموتون تحت الهدم، وما يُهد مِن البناء لا يجد مَن يُعيد إعماره، فتعطلت الحَمامات، التي كانت تشتهر بها بغداد، وأُغلقت الأسواق لقلة المشترين، وتفاقمت البطالة فليس هناك مَن يبني (الكامل في التَّاريخ).

فكثرت كبسات أصحاب ابن حمدي على المنازل، وأخذ النَّاس يتحارسون بالبوقات، ومع تلك الحال المؤلمة أَمن الوزير ابن شيرازد كبير اللُّصوص، وخلع عليه، وفرض عليه حصة مما يسرق. فعلق ابن الأثير قائلاً: «فعظم شره حينئذ وهذا لم يُسمع بمثله» (المصدر نفسه).

ابن حمدي كان لصاً وموظفاً رسمياً، فالوزير ابن شيرازد لحاكم بغداد (329 هـ) له حصة مِن سرقاته، يستوفيها منه مقابل براءات وروزات (تجارب الأمم)، وتعني الوصولات الرَّسمية، أي هناك شراكة رسمية في اللُّصوصية، وعندما يكون موظف كبير في الدَّولة، على مستوى الوزارة، وبهذه المواصفات تصبح اللصوصية مشروعة، خصوصاً أن ابن حمدي كان مثبتاً في ديوان الجند، الذي هو بيد ابن شيرزاد أيضاً.

لا تستغرب اختيارنا لابن حمدي عنواناً واللُّصوص كثرٌ، لكنه كان لصاً محمياً بالسُّلطة، وما بينه وبين الوزير ما قاله الفرزدق (110 هـ): «وإن أبا الكِرشاء ليس بسارقٍ.. ولكنه ما يسرق القومُ يأكلُ» (التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة). لابن حمدي صارت فضائيات، وفساطيط، وحمايات، وقصور فارهات، وحدث عن النِّعمة الحرام بلا حرج.

***

رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

(أزمة منتصف العمر)

دراما مصرية أخذتني من الأعماق، ووجدت نفسي أنهي في اليوم أكثر من خمس حلقات، متألمة ومفكرة. تساؤلات أعادتني لسنوات خلت، كنت أعيش نفس الألم ونفس الحيرة والحسرة أثناء عملي في الإرشاد النفسي، حيث كنت أستقبل الكثير من مثل هذه الحالات.

قد لا يصدق المشاهد أن ما تثيره هذه القصة موجود في مجتمعاتنا، وقد تكون حقًا فيها من المبالغات غير المقبولة، وقد تكون النهاية والحبكة تفتقران إلى الواقعية، ولكن القضية أكبر من هذه التفاصيل.

في نفس الفترة كنت أقرأ رواية (السيدة التي حسبت نفسها سوسة) للكاتبة شيماء هشام سعد، وما تحتويه من قصص نون النسوة، وما آلت إليه أحوالهن، وكيف تتنازع هذا الكائن الاحتياجات ومتطلبات الحياة ونوازع النفس ورغباتها.

كيف لنا أن نحكم على هذا الإنسان من موقف، متهمينه بالفسق والجنون والانحطاط، دون أن نكلف أنفسنا حتى عناء البحث عن خلفيات الموضوع؟ نسمع عن امرأة تركت بيتها فنكيل لها الاتهامات بالأنانية والانحراف والخروج عن القيم، وندير ظهورنا عما أوصلها إلى هذه المرحلة. نستعيذ من هذا الزمان حين تصل إلى أسماعنا شابة تحاول الانتحار، ونعزي ذلك للترف والانفتاح، دون أن نلتفت لمعاناتها وآلامها المبرحة من أقرب الناس إليها، حتى وصلت إلى هذا الاضطراب والتشوش الذهني.

هذا ليس دفاعًا عن الخطأ، ولا تبريرًا للسقوط، ولا تحميلًا للذنب لزوج نرجسي قاسٍ، ولا لمجتمع وأفكار وثقافة تنظر بعين عوراء، فتغفر لأحدهم وتتغافل عنه، وتحاكم الأخرى بأشد ألوان العقاب.

بل هو تعرية لحقيقة ضعفنا وهشاشتنا. هذا الكائن المعجز بتعقيده، المعجز بتفكيره وعبقريته، الخلاق الذي حمل الأمانة التي عجزت عن حملها السماوات والأرض، هو نفسه الضعيف والهش والجهول.

حين يعطش الإنسان أو يجوع قد يتحمل ساعات أو يومًا أو أيامًا، ولكن كما يقال: الجوع كافر. فهناك من الجوع من أكل أحباءه. ومثلما نستغرب فعلتهم ولا نعلم ما الذي قد نفعله لو وضعنا في مكانهم، نحاكم من يسقط نتيجة هذا الجوع العاطفي، ونصدر ألف حكم بالموت له ولعائلته، لخطأ قد تكون خلفه معاناة طويلة من الحرمان والألم، وليالٍ توسدت فيها دموعها.

هو يجد له ألف مخرج للإشباع، وهي تبقى حبيسة الجدران؛ حيث الأعراف والتقاليد والثقافة التي نشأنا فيها، وقيمنا وأخلاقنا التي تتصارع مع احتياجاتنا. وفي لحظة الضعف، حين تتهاوى كل السدود والأسوار خلف كلمة حب تسمعها، وتنساق وراء دفء فقدته.

ليست الخيانة فقط بالممارسة الجسدية، فالقصص التي كانت تصلني كانت مكالمات ورسائل، فتجد نفسها في منزلق خطر؛ حيث جلد الذات، وحقارة الذنب، تبدأ تكره نفسها، وبنفس الوقت غير قادرة على رفض هذا الإشباع وإن كان مدمرًا. كما يقول كارل يونغ: “إن ما لا نعالجه داخلنا قد يقود سلوكنا من الظل دون وعي”.

مقدار تحملنا يختلف، وردود أفعالنا تحددها الكثير والكثير من العوامل والمسببات. ما يكسرني قد يقوي الأخرى، وما لم أستطع تحمل فقده، فأسقط تحت سياط الحزن، لا يقارن بصبر أختي ورضاها، فتكون هي المؤمنة وأنا الجاحدة.

الله أعلم بالنفوس ومقدار اتساعها وتحملها: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾، فلا نعطي لأنفسنا الحق بإصدار الأحكام.

صديقة لي تجاوزت الستين، تُرزق بزوج يسعدها، فتأكلها نظرات المقربين قبل البعيدين: ما لها وهي بهذا العمر والزواج؟

ما تحتاجه هي قد تكونين أنتِ بغنى عنه، بل نجده ضروريًا للرجل حتى لو تجاوز السبعين!

نحن بشر، والخطأ جزء من بشريتنا التي تكشف مقدار هشاشتنا وضعفنا. نتساوى بذلك بين الذكر والأنثى، ولكن تبقى نون النسوة محاطة بكم هائل من الأسلاك الشائكة التي تعجز عن القفز عليها فتتهاوى متحطمة.

الإنسان يخطئ أحيانًا لا لأنه يحب الخطأ، بل لأنه يبحث عن إشباع جرح لم يعرف اسمه.

***

منى الصالح

 

نزل القرآن الكريم، كما هو معروف، بلغة العرب، ليكون قريبًا من أفهامهم، واضحًا في معانيه لهم، وقادرًا على التأثير في نفوسهم وعقولهم.

على أن عربية القرآن الكريم، مع ذلك، لم تجعل رسالته محصورة بالعرب، بقوم أو أمة، وإنما جاءت عالمية المقصد، إنسانية الغاية، تخاطب الإنسان في كل زمان ومكان.

وظلت اللغة العربية مفتاحًا أصيلًا لفهم النص القرآني واستيعاب مقاصده على الوجه الأكمل المراد من النص، على قاعدة قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: 2). وتمثل هذه الآية الكريمة واحدة من أبرز الآيات التي تؤكد مكانة اللغة العربية، وتكشف عن الحكمة الإلهية من اختيارها وعاءً لآخر الرسالات السماوية، وحاملةً للخطاب القرآني الكريم إلى البشرية جمعاء.

ولا ريب أن اللغة العربية تتميز بثراء مفرداتها، واتساع دلالاتها، وقدرتها الفائقة على التعبير عن أدق المعاني، وإيضاح أعمق الأفكار، الأمر الذي جعلها مؤهلة تمامًا لحمل الرسالة الخاتمة بما تتطلبه من دقة في التشريع، وشمول في التوجيه، وإعجاز في البيان. فلم تكن العربية مجرد أداة لغوية لنقل المعاني فحسب، وإنما كانت جزءًا من الإعجاز القرآني الذي تجلت فيه روعة البيان، وبلاغة التعبير، وعمق الدلالة.

وهكذا نجد أن قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يلفت الانتباه إلى العلاقة الوثيقة بين اللغة والفهم والعقل؛ إذ إن القرآن لم ينزل لمجرد التلاوة، وإنما للتدبر والتفكر وإعمال العقل في آياته ومعانيه. ومن هنا يتبين أن تعلم العربية وإتقانها يظلان وسيلة مهمة للتعمق في فهم القرآن الكريم، واستكشاف ما ينطوي عليه من هداية وتشريعات وقيم إنسانية سامية.

وفي عصر تتسارع فيه تداعيات العولمة، وصخب العصرنة، والتداخل الثقافي، تزداد الحاجة إلى صيانة اللغة العربية من المسخ، والمحافظة على أصالة هويتها، وحضورها الفاعل في ميادين التعليم والثقافة والإعلام، بوصفها لغة القرآن، وأحد أهم مقومات الهوية الحضارية للأمة.

وتظل آية ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ دعوة متجددة إلى الاعتزاز باللغة العربية، والتمسك بها، وتوظيفها في بناء المعرفة ونشر الثقافة؛ لأنها لغة حملت نور الوحي، واحتضنت رسالة السماء، وأسهمت في صناعة واحدة من أعظم الحضارات الإنسانية عبر التاريخ.

وقد حفظ الله تعالى هذه اللغة بحفظ كتابه الكريم، فبقيت حية نابضة على مدى القرون، في حين اندثرت أو تبدلت كثير من اللغات القديمة، وذلك مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].

***

نايف عبوش

باح: أظهر، أعلن، كشف، أطلق

الحياة تجارب ومواقف، بُحت بما يجيش في دنياي لثلاثة من زملائي، إثنان منهما إستعملاه ضدي وواحد فقط كتمه وذاد عني. الذي صانني زميل من كربلاء لا زلت أكن له إحتراما وتقديرا وإن واراه الثرى مبكرا. أما الآخران فلا يزالان يتمسكان بما ذكرته لهم أيام كانت الدنيا على شفا النهايات الحاسمة، لولا العناية الأجنبية. قلت ما قلت ولما إنجلت العاصفة وحط بركابه الحصار، وجدت زميليَ يمسكانني من رقبتي، وكلما قلت شيئا، ضغطا على وجيعي، وأنجاني الله منهما بإغترابٍ عسير.

لماذا سلوك (الولية: القبض على مصير بعصنا من ألسننا)، يتجسد في مجتمعنا لدرجة جعلنا نشك حتى بأنفسنا؟!!

هذا التفاعل الإنهاكي دفعنا للصمت والتحول إلى مخلوقات جامدة الملامح، قليلة الكلمات، معطلة الألباب، متفادية لمسؤولياتها وحقوقها، ولا تريد غير (الستر)، أو (جفيان الشر).

لا تزال مشاعر المرارة تؤلمني من موقف زميليَ نحوي، وكيف أنهما جعلوها (ولية عليه)، فكلما وجدتني في موقف تواردت إلي عبارة (مو أكول، مو أحجي)!!

هل هو تفاعل بشري، أم أنه حالة متوارثة في جيناتنا المدثرة بالممنوعات، ويحفزها ما إستطاع الظلم أن يغرسه فينا كالقول: "يموت الفتى من عثرة لسانه...ولا يموت المرء من عثرة الرجلِ"

فهل أن البوح عثرة لسان مزرية؟

مَساوِؤنا تؤمِّرُها الوُحوشُ

وتَفْرضُها على فردٍ جيوشُ

مَواجعُنا مِن الأصْحابِ عانَتْ

تُفتّقُها المَزاعمُ والعُروشُ

فكنْ حَذراً ولا تُطلقْ لساناً

لأنَّ الناسَ تَحْدوها النُعوشُ

***

د. صادق السامرائي

قراءة في دور المؤسسات الثقافية للإسلاميين في العراق ومهمة اليسار في مواجهتها

ينظر إلى الصراع الطبقي من أنّه صراع بين طبقات اجتماعية مختلفة تتنافس على الثروة ووسائل الإنتاج والسوق. ويتجلّى هذا الصراع بين عامل يبيع قوة عمله ورأسمالي يمتلك وسائل الأنتاج. غير أن حصر الصراع الطبقي في هذا البعد الاقتصادي وحده يُغفل جانبا آخر لا يقل أهمية في تشكيل المجتمع وتوجيه مساراته، وهو إنتاج الوعي والثقافة والمعرفة. أن المجتمعات المتقدمة اليوم لا تقوم على إنتاج السلع التي نحتاجها فقط، بل تقوم بإنتاج الأفكار والقيم. وإذا كان العامل ينتج سلعة نحتاجها في امورنا الحياتية اليومية، فإن المثقف والمعلم والكاتب والفنان والباحث والصحفي والشاعر ينتجون بدورهم سلعا تتمثل في المعرفة والثقافة والوعي. و نتاجات هؤلاء تؤثر في حياة الناس وسلوكهم، وقد يكون تأثيرها أعمق وأطول من أثر السلع التي ينتجها العامل.

نسنتج من هذا إن الصراع الطبقي لا يقتصر بالسيطرة على وسائل الإنتاج ، بل يمتد للسيطرة على وسائل إنتاج الوعي. فالمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية من مسرح وسينما وغيرهما فضاءات منحازة ومختلفة في توجهاتها وفق الجهة التي تمتلكها، كما يمتلك الرأسمالي وسائل الأنتاج ويحدد ما تنتجه وما يكسبه من بيعها. بمعنى آخر هو صراع بين قوى أجتماعية تتنافس من أجل ترسيخ مفاهيمها في السلطة والحياة العامة، أي ان أنتاج الثقافة ومعها الوعي يكون هدف لعملية انتاج السلطة وديمومتها والهيمنة عليها.

أنّ نفوذ القوى الاسلامية في العراق واسع ويمتد الى حضور سياسي فاعل ومؤثر في السلطة، وبرلماني كبير وميليشياوي حاضر كسلاح قمع كلما دعت الحاجة لأستخدامه. ونفوذها هذا لا يقتصر بتلك التي ذكرناها فقط، بل يمتد إلى شبكات واسعة من المؤسسات الإعلامية والدينية والثقافية والتعليمية والتربوية. فقد تمكنت الأحزاب والتيارات الإسلامية منذ هيمنتها على السلطة ونتيجة ثراءها الفاحش من بناء فضاءات مؤثرة تشمل القنوات الفضائية والإذاعات والصحف والسوشيال ميديا، علاوة على المدارس والجامعات الأهلية والمؤسسات الدينية والثقافية والاجتماعية. وتعتبر هذه المؤسسات أدوات فاعلة لإنتاج المعرفة التي يريدونها والرموز التي يراد عبادتها والقيم التي تسهم في تشكيل الوعي الاجتماعي وإعادة إنتاجه بصورة مستمرة، بما يخدم صراعهم مع غيرهم للاستمرار في السلطة.

أذن فأن هذه المؤسسات تعتبر وسائل إنتاج، فالجامعة رغم بؤس التعليم فيها لا تخرّج اكاديميين فقط، بل تساهم في تكوين رؤية معينة للمجتمع والدولة. والمدرسة لا تكتفي بتعليم الطلبة فقط رغم بؤسها هي الاخرى، بل تقوم ببناء منظومة من القيم والتصورات الأسلامية/ الطائفية خصوصا مع مناهج دراسية تضعها هذه الاحزاب. أما وسائل الإعلام الموجهّة فأنها تمنح الشرعية لبعض الأفكار والأحداث أكثر من غيرها وأحيانا دون غيرها. وهكذا تتحول الثقافة إلى ميدان للصراع لا يقل أهمية عن ميدان السياسة والاقتصاد.

أنّ الاسلاميين وهم يمتلكون هذه القوة السياسية وهذا الحضور الواسع داخل المجال الثقافي والتعليمي والإعلامي، لا يكتفون بالمنافسة على السلطة السياسية وهم يمتلكونها اليوم فعلا، بل يدخلون في منافسة أعمق وغاية بالأهمية والتي تتعلق بتشكيل الوعي. وهنا يصبح الصراع حول المناهج والخطاب الإعلامي والهوية الثقافية جزء من الصراع على النفوذ داخل المجتمع، بل ربما يصبح أكثر أهمية من الصراع الانتخابي نفسه الذي يعتبروه "ديموقراطيا"، كونه ينتج بضاعة سهلة التسويق في مجتمع منقسم دينيا طوائفيا وقوميا ويعاني من أزمة وعي.

ماذا عن اليسار العراقي الذي يعتبر واحد من اكثر المتضررين من هذا التحول السياسي والفكري والثقافي؟

اليسار الذي كان يمتلك حضور فاعل ومؤثر في الأوساط العمالية والطلابية والثقافية خلال مراحل تاريخية سابقة، نرى اليوم تراجع دوره في ميدان إنتاج الوعي علاوة على جماهيريته، لينحصر نشاطه في المواقف السياسية أو البيانات الاحتجاجية، في الوقت الذي نجحت فيه القوى الإسلامية من بناء مؤسسات اجتماعية وثقافية وتعليمية واسعة. وقد أدى هذا الاختلال إلى فقدان اليسار جزء كبير من قدرته على التأثير الجماهيري رغم سخط هذه الجماهير من الأوضاع السياسية والأقتصادية والأجتماعية السائدة اليوم.

إن أزمة اليسار العراقي لا تكمن فقط في ضعفه التنظيمي أو الانتخابي، ليس لأنه يخسر الأنتخابات قبل أن تجرى وتحسم عبر صناديق الأقتراع لأسباب تتعلق بآليات الأنتخابات فقط، بل كونها تحسم قبل كل شيء في المدرسة والجامعة ووسائل الأعلام وكل الفضاءات الثقافية، وحين يخسر اليسار هذه الأسلحة، فأن النتيجة هي ترك هذه الساحات الى الاسلاميين لصياغة الوعي الجمعي للمجتمع مثلما يشتهون ويريدون.

ولهذا فإن مهمة اليسار اليوم لا ينبغي أن تقتصر على نقد السلطة أو فضح الفساد أو المطالبة بالإصلاحات السياسية، ولا الذفاع عن مصالح الفقراء فقط، بل التحول من خطاب نخبوي الى خطاب يغوص في عقول الناس ليزرع فيها وعيا يستطيع من خلاله مواجهة السلطة فكريا وثقافيا كبوابة لمواجهة سياسية، إضافة الى ضرورة وحدته أو تنسيق المواقف وتجاوز نقاط الخلاف من أجل مواجهة عدو مسلح بالسلطة والمال والسلاح ومؤسستين تلعبان دورا بارزا في تغييب الوعي الجمعي، أي الدينية والعشائرية.

إن الصراع في العراق اليوم لا يدور حول من يحكم، بل حول من يملك القدرة على تشكيل وعي الأجيال القادمة. وإذا كان الإسلاميون قد نجحوا في بناء نفوذهم من خلال السيطرة على جزء مهم من فضاء إنتاج الوعي، فإن استعادة التوازن لن تتحقق إلا عندما ينجح اليسار والقوى الديموقراطية في بناء فضائهم الثقافي والمعرفي الخاص بهم، وتحويل الثقافة من هامش للعمل السياسي إلى قلبه النابض .

أنّ الأزمات التي يمر بها نظام المحاصصة تجعل تغييره ممكن لكن ليس بالسهولة التي نتوقعها، فهذه القوى ستدافع عن مصالحها بشراسة. فالأزمات والمشاكل التي سببها النظام القائم تعتبر أرضية لنضال القوى المتضررة من أجل تغيير اوضاع البلد، وعدم استغلال الفرص سيدفع ثمنها شعبنا واليسار والقوى الديموقراطية باهضا، ولنا تجارب عديدة في تفويت فرص تاريخية كانت كفيلة في ان يتجاوز شعبنا من خلالها محنه التي لازال يعيشها.

يقول غرامشي "العالم القديم يموت والعالم الجديد يكافح ليولد - الآن هو زمن الوحوش". لو عرّقنا مقولته نستطيع القول: أنّ العراق القديم يموت والعراق الجديد يكافح - الآن هو زمن الأسلاميين الذي على اليسار والقوى الديموقراطية ومن اجل مستقبل شعبنا ووطننا، أن يتفقّوا على اصغر القواسم المشتركة في مواجهتهم.

***

زكي رضا - الدنمارك

14/6/2026

............................

* المادة من وحي قراءة لتراث غرامشي

لمناسبة عيد الصحافة في العراق

يعدّ يوم 15 حزيران من كل عام.. عيدا للصحافة في العراق، لأنه اليوم الذي يمثل ذكرى تأسيس صحيفة (الزوراء) بوصفها اول صحيفة عراقية صدرت عام 1869.

تجربة نصف قرن

لا اتذكر متى بدأت اكتب في الصحافة، والفضل للصحفي الكبير الراحل (مظهر عارف) انه كتب في (12/ 7/ 2020) مقالة في الحوار المتمدن جاء فيها بالنص:

(بدأت علاقتي الاخوية مع الدكتور العالم قاسم حسين صالح قبل ٤٠ عاماً عندما كان يزورنا في صحيفة "العراق " ككاتب وكصديق حميم لمدير تحرير الصحيفة الدكتور سمير خيري توفيق. كان قاسم انذاك مايزال يدرس في الجامعة، وكان سمير كذلك، ويتمتع كل واحد منهما بذكاء مفرط، وبروح شبابية وثابة، وبشجاعة رائعة رغم انهما لم يكونا يحملان العقيدة الفكرية والسياسية نفسها. فسمير كان بعثياً بينما كان قاسم يسارياً، ولكنهما كانا على اتفاق في الرؤية لحركة التاريخ وما هو حادث من تغيرات في هذا العالم في السياسة والاقتصاد والثقافة).

هذا يعني أنني بدأت اكتب في الصحافة بداية سبعينيات القرن الماضي. وهنا تنشط ذاكرتي يوم اعلنت مؤسسة الاذاعة والتلفزيون عن حاجتها الى مذيعين فتقدم اكثر من الف، اجتاز الاختبار عشرة كنت احدهم. ودخلنا دورة لثلاثة أشهر تلقينا فيها محاضرات نظرية وعملية في اللغة والصوت وفن الالقاء والدراما والتحرير الصحفي باشراف مدير برامج اذاعة صوت العرب (سعد لبيب) وصحفي مصري (كرم شلبي) وسعاد الهرمزي، بدري حسون فريد، عبد المرسل الزيدي، مالك المطلبي، وثامر مهدي.

الصحفي.. يتعلم

تعود اول تجربة ناضجة لي في الصحافة الى سبعينيات القرن الماضي. يومها كانت تعدّ مجلة (الأذاعة والتلفزيون) هي الأكثر شيوعا لأنها كانت تضم صحفيين من طراز خاص بينهم الراحلان فالح عبد الجبار ومحمد الجزائري، وسؤدد القادري و زهير الجزائري...تعلمت منهم مهارات الفن الصحفي، وكيف تكون صحفيا مقروءا.

وعلمتني الصحافة ان اكون ذكيا في اربعة:

السرعة والدقة واللياقة والدعابة.

ولقد وجد رئيس تحريرها الشاعر الراحل زهير الدجيلي مبتغاه في (قاسم) فخصه باجراء تحقيقات صحفية مع مخرجين وفنانين وجد فيها انها توظف (السخرية) سايكولوجيا بما يجعل من تعنيه يبتسم او يندهش كيف ان فيه(كذا) وهو لا يدري!.. الا في حالة واحدة اغضبت صاحبها يوم ظهر مقال ساخر في صفحتها الأولى بعنوان (مكافحة الأمية في الوسط الأذاعي)، فاصدر مدير اذاعة بغداد امرا بانهاء علاقتي باذاعة بغداد حيث كنت اعمل مذيعا فيها، لكنني عدت اليها بعد ان نقله الصحاف الى دائرة السينما والمسرح!

وتعلمت من صحفيين كبار مضمون (السلطة الرابعة) ووظيفة النقد، وان على الصحفي ان يتصف بثلاثة اخرى:

عين سحرية ترى ما لا يراه الآخرون، ونباهة في التقاط المخفي و(المستور)،

والمصداقية.. وأن يشعر بأنه محمي.

ففي مقالة ساخرة لنا بمجلة الأذاعة والتلفزيون بعنوان (التلفزيون التربوي.. ربي كما خلقتني)، اتصل وزير التربية بمدير عام الأذاعة والتلفزيون (محمد سعيد الصحاف) يخبره بأنه سيحيل كاتب المقال(قاسم حسين) الى المحكمة، فأجابه الصحاف:

أقم الدعوى عليّ فانا المسؤول عن المجلة وليس الصحفي.

وفي هذه المجلة (الأذاعة والتلفزيون) تعلمت فنون التحرير والحوار الصحفي، واجريت تحقيقات صحفية مع فنانين عرب:وديع الصافي، نور الشريف، صلاح السعدني، ليلى طاهر، فردوس عبد الحميد.. ومخرجين وفنانين عراقيين: محمد القبنجي، مائدة نزهت، وعفيفة اسكندر التي حددت مدة اللقاء من السابعة الى الثامنة عصرا فامتد الى منتصف الليل!، لأنني اعتمدت وصية الصحفي المصري كرم شلبي (اذا ذهبت الى شخصية معروفة، فاذهب لها وانت معبأ!).. واكتشفت في هذا العالم معنى الجمال وفنون الحب وقيمة الكلمة وسلطة الصحفي في قول الحقيقة.

وفي الثمانينيات تحولت الى مجلة (ألف باء) وكان لي فيها عمود اسبوعي بعنوان (نوافذ سيكولوجية) استمر ثلاث سنوات. وحين غادرت الى اليمن (1998) كان لي عمود في جريدة (الجمهورية)اليمنية، ومقالات في جريدة (العرب) اللندنية.

جائزة التنوير الثقافي لعام 2016

في (11/3/ 2016) نشرت وكالات الأنباء بالنص:

(بحضور الكثير من البرلمانيين والسياسيين والمثقفين والإعلاميين المخضرمين، وبمشاركة (22) صحيفة ومجلة، شهد الحفل الجماهيري الذي اقيم على حدائق ابي نؤاس الخميس 3 آذار توزيع افضل ثلاث جوائز، هي جائزة (هادي المهدي) لحرية التعبير، ومنحت للصحافي رحمن غريب، وجائزة (كامل شياع) لثقافة التنوير، وحصل عليها عالم النفس العراقي المعروف د. قاسم حسين صالح، فيما حصل رئيس التحرير التنفيذي لصحيفة المدى عدنان حسين على جائزة (شمران الياسري) للعمود الصحفي).. وواضح أن أحد الثلاثة ما كان صحفيا، لكنه تقليد جميل ان من لا يحمل هوية نقابة الصحفيين، وله نشاط مميز في عملية التنوير.. يستحق التكريم من نقابة الصحفيين.

المدى.. تجربة متميزة

كانت المدى هي الجريدة الوحيدة بعد التغيير (2003) التي تتمتع بالجرأة في نقد السلطة والظواهر الاجتماعية، اذكر لها موقفا كاد ان يعرضني للتصفية الجسدية. فحين فتحت بريدي الألكتروني قرأت رسالة كانت بالنص:

(غدا يظهر لك مقال في المدى.. وين تروح منّا دكتور قاسم)

وكان الموضوع بعنوان (الزيارات المليونية تحليل سيكوبولتك- موثق في غوغل).. ما اضطر محرر الشاعر احمد عبد الحسين (رئيس تحرير الصباح حاليا) ان يكتب موضوعا يندد بالتهديد والتشهير وينتصر لحرية التعبير، وادانة بليغة موثقة من السياسي المخضرم الراحل عزيز الحاج من باريس.

وبدءا من العام (2004) الذي شكّل البداية لتحولات اجتماعية وسيكولوجية جديدة على صعيد الفرد والمجتمع، خصصت (المدى) صفحة كاملة لي بعنوان (الأنسان والمجتمع). ولأن الصفحة كانت تتطلب تغطية ميدانية لتلك التحولات، فأنني استعنت بطلبتي بقسم علم النفس (فارس كمال نظمي، ندى البياتي، وانعام هادي) لرفدها ايضا بتقارير صحفية وحوارات وتقديم مشورات لمشكلات شبيه بتلك التي كنت اقدمها في البرنامج الدرامي (حذار من اليأس).

الصحفي الناجح.. متنوع الأهتمامات

الشائع عن الصحافة هو انها متخصصة في نقل الأخبار عن الأحداث التي تهم الناس، لكن الصحفي الناجح هو الذي يستطيع ان يضيف نشاطا يكسبه شهرة جماهيرية، شبيها بتجربة (حذار من اليأس) بجريدة الصباح التي نشرت الحلقة الاولى منها بصفحتين ملونتين في (2009) واستمرت (11) سنة. يكفي ان نذكر شهادات محرري الصباح بان مبيعات جريدة الصباح تزداد في يوم الخميس بسبب حذار من الياس، وشهادة مدير فرع الكلية الملكية البريطانية في الشرق الاوسط (ا. د. صباح صادق) الذي وصف هذا النشاط الصحفي بانه(يدعو الى الفخر والاعتزاز).

وكانت آخر المجلات التي حظيت بالشهرة هي مجلة (الأسبوعية) وكان لنا فيها مقال ساخر في صفحتها الأخيرة.. وللأسف فقد توقفت لأسباب تمويلية،

الصحفي.. والمبدأ

اذكر هنا ثلاثة مواقف فيها ما يفيد صحفيي الجيل الجديد.

الأول:كان لي عمود ساخر في جريدة (الجمهورية) يوم كان رئيس تحريرها الشاعر الراحل سامي مهدي، فدعاني احد الأيام الى مكتبه وقال:

* استاذ قاسم.. جاء تنبيه من جهة عليا يخص عمودك.. ارجوك خفف نقدك الذي توجهه الى الدولة. وبعد حوار معه، واصراره عى (التخفيف).. شكرته وصافحته مودعا ولم أره من يومها.

الثاني: حصل ان تم تسمية رئيس تحرير المدى الأخ (فخري كريم) مستشارا للراحل المرحوم جلال الطالباني، فوجدت ان بعض العبارات يجري حذفها من مقالاتي.. فتوقفت عن الكتابة. ويوم غادر الأستاذ فخري مبنى الرئاسة، وصلتني رسالة من مدير التحرير الأخ (علي حسين) يبلغني فيها تحيات الأخ فخري ودعوته لي للعودة الى الكتابة.. فعدت.. ليتجاوز عدد مقالاتي فيها السبعمئة مقالا.. لتكون حكايتي مع المدى انموذجا للعلاقة بين هيئة تحرير تعتز بكتابها وكاتب يبادلها الأعتزاز ذاته وان اختلف معها.

والثالث: في العام 1988 تولى وزارة التعليم العالي اكاديمي تشبّع بثقافة فرنسية هو الراحل الدكتور منذر الشاوي، فاصدر جريدة بعنوان (الجامعة) اختار لها ستة صحافيين بينهم الدكتور ياس خضير البياتي رئيس التحرير والدكتور فجر جودة وحسب الله يحيى.. وانا مسؤول الصفحة الأخيرة ولي فيها عمود ساخر. وفي احد الأيام اتصلت بي سكرتيرة تدعوني لمقابلة السيد الوزير.. دخلت فقال:

- استاذ قاسم.. اصعب شي بالصحافة هو العمود الساخر.. وعمودك جيد، بس يحتاج شويه اتطوره.

فأجبته بكلمة واحدة: وتضمّنى؟

ضحك واسند ظهره على كرسيه وقال:

- والله هاي راح تكون بين احتمالين.. لو للقمة لو للأمن العامة!

هل انتهت الصحافة الورقية؟

مؤكد انها ستنتهي بعد ان يتوغل الذكاء الأصطناعي أكثر في حياة الناس، لكن الصحفي لن ينتهي، وقد لا يبقى هنالك فرق بين (الصحفي) و (الكاتب).. وقد لا تبقى هناك نقابة باسم (نقابة الصحفيين).. والشاطر هو من يصنع من شخصه (كارزما).. احد شروطها هو ان يكون ذكيا في التقاط ما ورد في هذه التجربة وتجارب اخرى اغزر وانضج لرموز كبيرة في تاريخ الصحافة العراقية (رفائيل بطي، حسين جميل المحامي، عبد الفتاح ابراهيم..) مثالا، ولنماذج استشهدوا من اجل الكلمة (قاسم عبد الأمير عجام، كامل شياع، رياض السراي..) مثالا، ومعاصرين محترفين (علي حسين، زيد الحلي..) مثالا.. وآخرين يحملون اكفانهم على راحات ايديهم في زمن ديمقراطي! السلطة فيه لدولة عميقة تستسهل انتهاك قدسية الحياة!.

***

أ.د. قاسم حسين صالح

لندن، خلفتها في الشتاء كئيبةً كثكلى فقدت من تحب، فأصابها ثقبٌ من فراغٍ تنسحب الحياة منه… لياليها غدت ملبّدةً بالغيوم الداكنة، تأبى الرحيل، راسخة كالجبال، تثقل صدرها. ساعةً تزمجر فتنهمر السماء بأمواج هادرة، وأخرى تنسلّ بهدوء، لكنها تخلّف أخاديد تُصعّب الحياة… صباحاتها تستجدي ساعة شروق، لعلّ الحياة تعود، حيث لا شيء.

وحين عدت إليها صيفًا، فاجأتني: من أين لها كل هذا الشباب؟! هل الحياة تعاود الإنبات من جديد؟ كعروسٍ تتزيّن مبتهجة، تراقص الأنهار بألوان من الزهر، وينتعش العشب مزهوًّا بنضارته، يحتضن الأفراح. كيف واتتها القدرة على النهوض من جديد، وأن تحمل في بطنها كل أصناف الحياة، لتلد دفعة واحدة شمسًا وقمرًا ونجومًا تزيّن السماء، وحدائق غنّاء، وأشجارًا باسقة تكتسي أجمل الألوان، وجبالًا خضراء…

عجيبة هي الحياة، وعجيب هذا الكون، كم يحمل من الأسرار والدروس.

نحتفي نحن بالشتاء، على عكس لندن، وننتظر قدومه عامًا بعد عام، فللشتاء عندنا طقوس واحتفالات خاصة بنا. الشوارع تزهو بخضرتها، والحدائق تعاودها الحياة. حتى الغيمة الحبلى بالمطر، التي تحيل النهار ليلًا كئيبًا بلندن، هي نفسها تجلب معها السعادة للبيوت. فالمطر في بلداننا نحتفل به كما نحتفل بصباح العيد؛ نخرج تحته راقصين، ويهرول الأطفال فرحين: “مطر… مطر”. نتجمع حول مدفأة، وللشاي معه قصص وحكايا، ونتغنّى بموسيقى حبّاته وهي تطرق نوافذنا.

كيف تختزل الحياة وجوهًا عدة داخلها؟ وكيف يحمل الصيف والشتاء في أعماقهما كل هذه الأضداد؟!

فالصيف هو ذاته كيف يكون حياة بمكان وموات بمكان آخر ؟؟!!

ولماذا لا نأخذ من الطبيعة، أمّنا، الدروس وهي تغدقها علينا بالمجان؟

أليس هذا ما يعلّمنا أن نظرتنا للحقيقة نسبية؟ ما يسعدنا قد يكون سببًا في تعاسة الآخر، وما يرضينا قد يغضبه، وما نراه جميلًا قد يكون بنظره قبيحًا.

حين نجد أمًّا تشكو حركة أطفالها وتعبها ليل نهار، وفناء شبابها ووقتها وصحتها، وأن الحياة غدت روتينًا قاتلًا؛ من صحوها مبكرًا وهي في معترك من احتياجاتهم وتدريسهم ومشاكلهم، لا تنتهي منه إلا وتجدها غارقة في نوم كميت لا تشعر بشيء… وتنظر إليها من بعيد امرأة شارفت الأربعين بعين الغبطة، تتسرّب بين يديها سنوات عمرها، تقتل فرحتها سكون بيت لا حركة فيه، وانتظار مميت لعزف طفل وهو يبكي مناديًا إياها: “ماما”!

وشاب يندب حظه، وينظر لزميله الحر بلا زواج وأطفال بعين الغيرة؛ فهو ما بين عمل أكل روتينه من عمره الكثير، ومساءات مشحونة بالخلافات ومشاكل الأولاد ومتطلباتهم التي لا تنتهي. وخمسيني وحيد يعود إلى بيت بارد بعد عمل شاق، فتتهالك عليه سنوات عمر تناساها في خضم إنجاز بعد إنجاز، حتى وجد نفسه مشحونًا بالوحدة والألم.

كيف نتعلم من الحياة الرضا والقبول، وأن الدوام من المحال؟

وأن في أعماق كل وجه ظاهر هناك وجوه أخرى أعمق وأبعد؟

وأن بالشر الذي نراه قد يكون الخير الكثير الذي يغبطنا عليه الآخرون؟

وأن سماءنا، وإن أدلهمّت بالمصاعب والهموم، لا بد أن تمر كسحابة صيف، ونكتشف ولو بعد حين الخير الوفير الذي كانت تحمله لنا؛ فالإنسان يرى جزءًا من الصورة فقط.

﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

........................

منى الصالح - لندن

 

من المؤسف أن نشهد في مجتمعاتنا المهاجرة، وعلى الرغم من العيش في دول متقدمة تقوم على أسس الحرية والديمقراطية والمساواة، استمرار بعض مظاهر التفكير الطائفي لدى فئة من الشباب. فدولة مثل أستراليا وفرت لجميع مواطنيها والمقيمين فيها فرصاً متكافئة في التعليم والعمل والرعاية الاجتماعية، وحرصت على ترسيخ ثقافة احترام التنوع الديني والثقافي لان اغلب، إلا أن البعض ما زال يحمل معه إرثاً من الأفكار والانقسامات التي تشكلت في بيئات عانت لعقود من التهميش والإقصاء وعدم تقبل الآخر.

إن الملاحظ أن بعض الشباب، وعند أبسط المواقف أو النقاشات، يعودون إلى لغة التصنيف الطائفي والنظر إلى الآخرين من زاوية الانتماء الديني أو المذهبي بدلاً من النظر إليهم كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات. وهذه الظاهرة تتناقض مع قيم المجتمع الأسترالي القائم على التعددية الثقافية والتسامح واحترام الإنسان بغض النظر عن دينه أو قوميته أو خلفيته الاجتماعية.

ولا شك أن هذه السلوكيات ليست وليدة الواقع الأسترالي، بل هي امتداد لموروثات اجتماعية وثقافية انتقلت معنا من بلداننا الأصلية، حيث عانى الكثيرون من سياسات الإقصاء والتمييز وعدم الاعتراف الكامل بحقوق المكونات الدينية المختلفة. إلا أن استمرار هذا الفكر في بيئة حضارية منفتحة يمثل تحدياً حقيقياً أمام عملية الاندماج وبناء مجتمع متماسك.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى دراسات وبرامج توعوية وتربوية تستهدف الشباب بشكل خاص، بهدف تعزيز ثقافة المواطنة والتسامح وقبول الآخر، وترسيخ مفهوم أن التنوع مصدر قوة وإثراء للمجتمع وليس سبباً للانقسام. كما تقع على عاتق الأسرة والمؤسسات الدينية والثقافية ومنظمات المجتمع المدني مسؤولية كبيرة في نشر قيم الاحترام المتبادل والحوار البناء.

إن مستقبل المجتمعات المهاجرة يعتمد على قدرة أبنائها على تجاوز عقد الماضي والانفتاح على قيم العصر، فالحضارة الحقيقية لا تقاس بالتقدم المادي فقط، بل بمدى احترام الإنسان لأخيه الإنسان، وإيمانه بأن الجميع متساوون في الكرامة والحقوق. وعندما يتحرر الشباب من قيود التعصب والطائفية، يصبحون أكثر قدرة على الإسهام في بناء مجتمع يسوده السلام والتعاون والعيش الكريم.

***

اعداد: خليل الحلي

رئيس تحرير صحيفة العهد- سدني

سؤال محرج يبحث عن إجابة صادقة هل شعر أحد، مثقف كان أو غير مثقف، أن خمسة وخمسين عاماً مرت على إنشاء الهيئة المصرية العامة للكتاب، التي أنشئت بقرار جمهوري عام 1971م؟ هل احتفي أحد بهذه المناسبة أو حتي ذكرها على استحياء؟

سؤال محرج آخر لكنه متأخر قليلاً هل احتفلنا باليوبيل الذهبي لإنشاء الهيئة العريقة، عندما فاتنا أن نفعل منذ خمس سنوات مضت؟!

السؤالان لا يحرجان أحداً إلا المسئولين عن ثقافة هذا الشعب، رؤساء ومدراء ووزراء. فوتنا على أنفسنا فرصة ذهبية لانتشال هذا الصرح الثقافي الأكبر فى الشرق الأوسط من المستنقع الموحل الذي يكاد يغرقه؛ مستنقع البيروقراطية والإهمال والفساد، ولا أتمني أن نبقي على هذا الحال من التجاهل المريب.

 لا أريد من مقالي هذا أن أنكأ جرحاً غائراً فى جسد الثقافة، جميعنا يعلم بوجوده ويتجاهله. وإنما أردت أن ألفت الانتباه  إلى ضرورة المسارعة بإنقاذ هذا الصرح الثقافي الضخم، وحسن استغلاله قبل فوات الأوان. ودون أن نعامله معاملة شركات القطاع العام، فندفعه دفعاً إلى حد الإفلاس المادي والفني حتي نضطر إلى بيعه فى النهاية بمزاد علني أو سري أو بالأمر المباشر!!

المرض العضال

 المؤسسات والهيئات تهرم وتمرض وتتألم مثلنا، فهي ليست المباني والحجارة والجدران، وإنما بشر من لحم ودم يصنعونها ويصعدون بها لتناطح السحاب أو يسقطونها فى الرغام.

هيئة الكتاب اليوم مريضة بلا شك؛ أصابها ما أصاب غيرها من أمراض مزمنة؛ بيروقراطية متراكمة، غياب للرؤية الاستراتيجية، ضعف في التسويق، انكماش في شبكة التوزيع، وبطء سلحفائي في ملاحقة التحولات الكبرى التي غيرت شكل صناعة الكتاب في العالم!

المشكلة ليست في الأخطاء النمطية فقط؛ فكل مؤسسة بشرية تخطئ.. المشكلة الحقيقية أن العالم يتغير بسرعة مذهلة، بينما بقينا نتصرف بمنطق الأمس، ولا يبدو أن ثمة إرادة للتطور!

 نراقب بأم أعيننا تحولات الثقافة وانتقال الكتاب للفضاء الرقمي، وظهور منصات عالمية للبيع والنشر الإلكتروني، وتحول القارئ إلى مستخدم يعيش على شاشة هاتفه، بينما ظلت أسئلتنا الكبرى معلقة كما هي: (أين المشروع الرقمي الكبير للهيئة؟ أين الأرشيف الإلكتروني الذي يحفظ عشرات الآلاف من العناوين التي شكلت ذاكرة ثقافية عربية كاملة؟ كيف يمكن لكتاب صدر في القاهرة أن يصل بسهولة إلى قارئ في بغداد أو الرباط أو برلين؟ ولماذا أصبح العثور على بعض إصدارات الهيئة داخل مصر نفسها مهمة عصية على التحقيق؟!).. إن مؤسسة بحجم الهيئة لا ينبغي أن تعتمد على أن يأتي القارئ إليها، بل عليها أن تذهب إليه حيث يوجد.

بحثاً عن ميلاد جديد

كلما طرحت فكرة إصلاح مؤسسة ثقافية برز السؤال المعتاد :ومن أين لنا بالتمويل؟ والحقيقة أن المال ليس المشكلة الأكبر ولا الأهم. بل المشكلة الحقيقية في غياب المشروع.. فالمشروعات الجيدة تجد دائماً من يمولها.. ومصر بما تمتلكه من ثقل ثقافي وحضاري، قادرة على جذب الشراكات الدولية والمؤسسات الثقافية والجهات الراعية والمنظمات الإقليمية والدولية.. لكن أحداً لن يمول فكرة غامضة، ولا يستثمر في مشروع بلا رؤية، ولا يراهن على مؤسسة لا تعرف إلى أين تريد أن تذهب!

 دعونا نكن عمليين ونطرح معاً فكرة جديرة بالتنفيذ لنخطو أولي الخطوات لإعادة ميلاد هيئة الكتاب فى ذكراها الخامسة والخمسين، الفكرة بسيطة والتنفيذ يسير ومتاح.. بوضوح وصراحة وبساطة أدعو إلى عقد مؤتمر عنوانه: (مستقبل النشر والكتاب فى الهيئة المصرية العامة للكتاب).. مؤتمر لا تكون مهمته التصفيق، ولا إعادة إنتاج الخطابات المعتادة، بل التفكير الجاد في مستقبل مؤسسة ثقافية بحجم مصر.

 مؤتمر يجذب خبراء صناعة النشر من العالم مع المثقفين والناشرين المصريين والعرب، لبحث سؤال واحد هو كيف يمكن إعادة إحياء الهيئة، ودفعها لموقعها الطبيعي كواحدة من أهم المؤسسات الثقافية في المنطقة؟ نريد استغلال آراء خبراء نجحوا في تطوير دور نشر عريقة ومتخصصين في النشر الرقمي.. نحتاج لسواعد محترفي تسويق إلكتروني، ولعقول مثقفين يعرفون كيف يمكن للكتاب أن يتحول من منتج على رف مهجور إلى معرفة تصل إلى ملايين البشر.. نحتاج إلى أن نتعلم من العالم، لا أن نكرر أنفسنا وأخطاءنا.

طابور الملفات المؤجلة!

ثمة ملفات شتي ينبغي أن تكون فى مقدمة مناقشات مؤتمر كهذا: أولًا: أزمة التوزيع.. أن نمتلك الجرأة والرغبة لإجابة الأسئلة الصعبة: كيف فقدت الهيئة قدرتها على الوصول إلى القارئ؟

كيف نعيد بناء شبكة توزيع حديثة تجمع بين منافذ البيع التقليدية والمنصات الرقمية؟ فالكتاب الذي لا يصل إلى القارئ يظل فكرة محبوسة مهما كانت قيمته.

ثانيًا: سياسة التسعير.. كيف نستعيد روح الكتاب المدعوم؟ فالهيئة لم تنشأ لتنافس دور النشر التجارية، بل لتؤدي دورًا ثقافيًا عامًا.. وظيفتها الأساسية أن تجعل الكتاب الجيد متاحًا لأكبر عدد ممكن من الناس.

ثالثًا: التحول الرقمي.. لم يعد السؤال: هل ننتقل إلى العالم الرقمي؟ لقد انتقل العالم بالفعل. السؤال الآن هل سنلحق به أم سنظل نراقبه من بعيد؟ إن الهيئة تمتلك كنزًا هائلًا من الكتب والإصدارات، وهذا التراث باستطاعته أن يتحول إلى مكتبة رقمية عربية كبرى إذا وُجدت الرؤية والإرادة!

رابعًا: الإدارة الحديثة.. لا يمكن لمؤسسة القرن الحادي والعشرين أن تدار بعقلية القرن الماضي.. نفتقر إلى خطط واضحة، ومؤشرات أداء، ومراجعة دورية، وإدارة تؤمن بأن الثقافة صناعة تحتاج إلى معرفة وإبداع، وقرارات حاسمة، لا إلى معالجات إجرائية مؤقتة.. بغير هذا سنظل ندور فى حلقة مفرغة من الإهمال الذي يقود للتردي، والفشل الذي يضطرنا لمزيد من الإهمال!

فى انتظار بطل

 كل المثقفين فى انتظار حلم قريب يمكن تحقيقه.. أن يأتي هذا البطل القادر على إعادة الروح لمؤسساتنا الثقافية.. لذا فإن اختيار رئيس الهيئة القادم ليس مجرد تغيير إداري عابر. إنه لحظة مفصلية فارقة؛ فالهيئة تنادي بطلها القادم؛ شخصية تجمع بين الحس الثقافي والخبرة الإدارية، تفهم الكتاب لكنها تفهم السوق أيضًا، تؤمن بالتراث لكنها لا تخاف المستقبل، تعرف قيمة التاريخ لكنها لا تعيش أسيرته.. الهيئة تبحث عن قيادة فاعلة مؤثرة، لا تبدأ من الصفر كل مرة، ولا تلغي ما سبقها، بل تبني على ما تحقق وتصحح المسار باقتدار وذكاء وحكمة.

 ولو جاء مثل هذا البطل، فأنا أدعوه لا إلى إقامة المؤتمر المذكور أعلاه فحسب.. وإنما إلى ما هو أهم؛ إلى الاستمرارية والديمومة.. إلى تحويل توصيات المؤتمر إلى بداية لإنشاء مجلس استشاري دائم للهيئة، يضم خبرات مصرية وعربية ودولية.. مجلس لا يدير الهيئة بدلًا من المسئولين، لكنه يضمن وجود رؤية مستمرة، ويمنع أن تصبح المؤسسة رهينة تغير الأشخاص وتبدل الإدارات.. فالمؤسسات العظيمة لا تبنى بالأفراد فقط، بل بالأفكار التي تستمر بعد رحيلهم.

 لطالما كتبت سابقاً عن حلول وددت لو تم تنفيذها لإنعاش الثقافة والصحافة والكتاب والإعلام وحركة النشر، وبدت كأنها صيحات تطلق فى الهواء بلا مجيب. لكنني ظللت أنادي وأدعو وأرغب وأحلم وآمل.. فلولا الأمل الحي فى قلبي كورقة شجر خضراء، لانفطر الفؤاد!

واهيئتاه!!

 ثمة مؤسسات لا تقاس قيمتها بعدد موظفيها، ولا بحجم ميزانيتها، ولا بعدد المباني التي تشغلها.. مؤسسات تتحول مع الزمن إلى جزء من الذاكرة الوطنية، وإلى شاهد على مرحلة كاملة من تاريخ أمة. وإذا أصابها الوهن، فإن الذي يمرض ليس المبني، بل الفكرة والأمل.. والهيئة المصرية العامة للكتاب واحدة من تلك المؤسسات العريقة الفريدة التي لا يمكن تكرارها و استنساخها.

في سنواتها الذهبية، لم تكن الهيئة مجرد ناشر، كانت بوابة واسعة عبَر منها ملايين القراء إلى عوالم الأدب والفكر والفلسفة والتاريخ. سلاسل مثل (المكتبة العربية، والألف كتاب) وغيرها من المشروعات الثقافية بقيت كعلامات مضيئة في تاريخ النشر العربي؛ كانت تقدم الكتاب بسعر يستطيع الطالب محدود الدخل أن يقتنيه، وكان القارئ ينتظر إصداراتها كما ينتظر حدثًا ثقافيًا سعيداً..

مقالي هذا ليس رثاء لهيئة الكتاب، هو محاولة لإنقاذها وإعادة إحياء دورها القديم.. فالذين أحبوا المؤسسات العريقة هم أول من انتقدوا ضعفها، لأنهم عرفوا قيمتها وأشفقوا من ضياعها.. والهيئة المصرية العامة للكتاب ليست مجرد مبنى أو مطابع أو مخازن.. إنها ذاكرة ثقافية، وجزء من تاريخ مصر الحديث، ومشروع تنويري ساهم في تشكيل وعي أجيال.. إن الذكرى الخامسة والخمسين للهيئة ينبغي ألا تكون مجرد رقم جديد يضاف لسجل عمرها.. بل أن تغدو ميلاداً جديداً لها، أو أن نتركها تنطفئ فى صمت.. فهلا منحناها الفرصة قبل أن تغدو مجرد تاريخ؟!

***

عبد السلام فاروق

يعتقد البعض أن الفساد قدرٌ محتوم لا يمكن القضاء عليه، وأنه جزء من طبيعة الأنظمة السياسية والإدارية في الدول. غير أن التجارب العالمية أثبتت أن مكافحة الفساد ليست مهمة مستحيلة، بل هي مشروع وطني يحتاج إلى رؤية واضحة وإرادة حقيقية وأدوات فعّالة.

إن النجاح في مكافحة الفساد يعتمد على عدة مرتكزات أساسية، في مقدمتها:

1. وضع استراتيجية وطنية محكمة لمكافحة الفساد، تتضمن أهدافاً واضحة، وآليات تنفيذ دقيقة، ومؤشرات قابلة للقياس والتقييم.

2. توافر إرادة سياسية صادقة وملتزمة بمكافحة الفساد قولاً وفعلاً، لأن القوانين والمؤسسات مهما بلغت كفاءتها تبقى عاجزة إذا لم تجد دعماً حقيقياً من صانع القرار.

3. تطوير البرامج والتكنولوجيا الحديثة التي تحد من التواصل المباشر بين المواطن والموظف، من خلال التحول إلى الإدارة الإلكترونية، بحيث تُنجز المعاملات كلياً أو جزئياً عبر الإنترنت، مما يقلل فرص الرشوة واستغلال النفوذ ويعزز الشفافية.

4. توظيف الهندسة المعمارية في خدمة النزاهة عند تصميم وبناء الدوائر الحكومية، من خلال توفير بيئات عمل تسمح بالرقابة والشفافية وتحد من الممارسات غير المشروعة.

وقد لمست شخصياً أثر التكنولوجيا والإدارة الرشيدة أثناء رحلة علاجية إلى تركيا خلال فترة الإغلاق العام بسبب جائحة كورونا. فعندما احتجت إلى السفر من ولاية إلى أخرى لتلقي العلاج، تواصلت عند منتصف الليل مع مركز الاستعلامات التركي عبر الرقم (157)، فتم تزويدي برابط تابع لوزارة الداخلية التركية. قدمت طلباً إلكترونياً للحصول على استثناء من حظر التنقل، ثم أرسلت التقرير الطبي المطلوب. وبعد نحو ساعة واحدة فقط وصلتني الموافقة الرسمية مع عبارة إنسانية رقيقة: “الأستاذ فارس، نتمنى لكم الشفاء العاجل”. فحجزت تذكرة السفر عبر الإنترنت، وسافرت لتلقي العلاج وعدت دون الحاجة إلى مراجعة أي دائرة أو مقابلة أي موظف.

كما تقدم التجارب الدولية نماذج ملهمة في مكافحة الفساد، ومن أبرزها تجربة هونغ كونغ. فهذه المدينة كانت تُعرف في العقود الماضية بانتشار الجريمة المنظمة والعصابات والاتجار بالمخدرات، حتى أصبحت صورتها مرتبطة بذلك في كثير من الأعمال السينمائية. لكنها تحولت اليوم إلى واحدة من أكثر المناطق نزاهة وتنظيماً في العالم، بفضل استراتيجية متكاملة لمكافحة الفساد، ودعم سياسي حازم، ومؤسسات متخصصة امتلكت الاستقلالية والكفاءة والقدرة على فرض القانون على الجميع دون استثناء.

ومن الذكريات المهمة في هذا المجال أنني، عندما كنت نائباً لرئيس هيئة النزاهة الاتحادية في بدايات تأسيسها، مثلت الهيئة في أحد مؤتمرات الشفافية الدولية الذي عُقد في اليونان. وقد حرصت على التواصل مع مختلف الوفود المشاركة والاطلاع على التجارب الدولية الناجحة، فوجدت العديد من الأفكار الإبداعية التي طُبقت في دول مختلفة وأسهمت في الحد من الفساد وتعزيز النزاهة.

كما زرنا جهاز الرقابة الإدارية في جمهورية مصر العربية، ووجدنا مؤسسة كبيرة ومتطورة تمتلك وسائل عمل حديثة وتقنيات متقدمة وأساليب مبتكرة في الرقابة والتحري والوقاية من الفساد.

وخلاصة القول أن مكافحة الفساد ليست حلماً مستحيلاً ولا شعاراً للاستهلاك الإعلامي، وإنما هي مشروع دولة يبدأ بالإرادة السياسية الصادقة، ويستند إلى التخطيط العلمي والتكنولوجيا الحديثة والمؤسسات المهنية الكفوءة. فإذا توفرت الإرادة، فإن بقية التفاصيل يمكن أن ينجزها الخيرون من أبناء الوطن الذين يحملون الغيرة الحقيقية على شعبهم ومستقبل بلادهم.

الخلاصة: "لا يوجد مستحيل في مكافحة الفساد"

***

فارس حامد عبد الكريم

نائب رئيس هيئة النزاهة الإتحادية الاسبق

ذاكرة الدم التي لم تمت

في هذه الأيام تحل الذكرى الحادية عشرة بعد المئة لمذابح "سيفو"، تلك المأساة التي تعرض لها السريان والآشوريون والكلدان، إلى جانب مسيحيي الدولة العثمانية خلال سنوات الحرب العالمية الأولى. وبعد مرور أكثر من قرن على تلك الأحداث الدامية، ما زالت الذاكرة الجمعية لشعوب المنطقة تحمل جراحاً لم تندمل، فيما يواصل أحفاد الضحايا المطالبة بالاعتراف التاريخي والإنساني بتلك الجريمة.

ففي الحادي عشر من حزيران (يونيو) من كل عام، يستذكر السريان والآشوريون والكلدان في مختلف أنحاء العالم واحدة من أكثر المآسي دموية في تاريخ الشرق الحديث: مذابح "سيفو". وهذا العام إذ تحل ذكراها الحادية عشرة بعد المئة، يعود السؤال الأخلاقي والتاريخي إلى الواجهة بإلحاح: كيف يمكن لجريمة بهذا الحجم أن تبقى خارج دائرة الوعي العالمي، الذي يتحدث كثيراً بالدفاع عن حقوق الإنسان والعدالة والذاكرة؟

كلمة "سيفو" في اللغة السريانية تعني "السيف"، وقد تحولت إلى رمز لموجة واسعة من القتل والتهجير والإبادة اجتاحت مناطق طور عابدين وهكاري وأورمية وديار بكر وماردين ونصيبين وغيرها من المدن والقرى التي شكلت لقرون طويلة موطناً تاريخياً للسريان والآشوريين والكلدان. كانت تلك المناطق تزخر بأديرة عريقة وكنائس ومدارس وتراث ثقافي ولغوي يعود لآلاف السنين، لكن سنوات الحرب غيّرت وجه تلك المناطق إلى الأبد.

لم تكن المأساة مجرد أعمال عنف متفرقة فرضتها ظروف الحرب، كما حاول البعض تصويرها لاحقاً، بل عملية منظمة أدت إلى اقتلاع جماعات سكانية بأكملها من جذورها التاريخية. ففي تلك المناطق، تعرضت مئات القرى والبلدات للهدم والتدمير، وأُحرقت الكنائس والأديرة، وقُتل رجال الدين والمدنيون، بينما سُيقت آلاف العائلات في مسيرات تهجير قاسية، انتهى كثير منها بالموت جوعاً أو مرضاً أو رمياً بالرصاص.

تشير غالبية الدراسات التاريخية إلى أن مئات الآلاف من المدنيين قتلوا خلال سنوات 1914 – 1918، فيما تتراوح تقديرات ضحايا السريان والآشوريين والكلدان بين 250 ألفاً و300 ألف إنسان. ويذهب عدد من الباحثين إلى أن أكثر من نصف الوجود السرياني والآشوري في بعض المناطق التاريخية قد اختفى خلال سنوات قليلة فقط.

ليست سيفو حادثة تاريخية عابرة يمكن إيداعها في أرشيف الماضي وإغلاق ملفها، بل جرح حضاري وإنساني يكشف كيف يمكن للتعصب القومي والديني أن يتحول إلى آلة تدمير تستهدف الإنسان بسبب هويته وانتمائه. فقد خسرت شعوب بأكملها عشرات الآلاف من أبنائها، ودُمرت قرى ومدن، وتشكلت موجات واسعة من الشتات ما تزال آثارها حاضرة حتى يومنا هذا.

ويشير عدد من الباحثين إلى أن أكثر من نصف الوجود السرياني والآشوري في بعض مناطقه التاريخية اختفى خلال سنوات قليلة فقط. كما أدت المذابح وما تبعها من نزوح جماعي إلى نشوء واحدة من أكبر موجات الشتات في تاريخ هذه الشعوب، حيث استقر الناجون وأبناؤهم في العراق وسوريا ولبنان، ثم في أوروبا والأمريكيتين وأستراليا.

ومع أن الزمن مضى، فإن أهمية إحياء ذكرى سيفو لا تكمن فقط في تكريم الضحايا أو استذكار آلامهم، بل في الدفاع عن الحقيقة التاريخية نفسها. فالأمم التي تنكر مآسي الماضي تترك الباب مفتوحاً أمام تكرارها، بينما يشكل الاعتراف بالجرائم ومواجهة الوقائع بشجاعة خطوة أساسية نحو المصالحة والعدالة وبناء مستقبل أكثر إنسانية.

لقد شهد القرنان العشرون والحادي والعشرون مذابح وجرائم إبادة جماعية في أماكن مختلفة من العالم، ما يؤكد أن الكراهية لا تزال قادرة على إنتاج المآسي متى ما وجدت بيئة مناسبة من التعصب والتمييز والصمت الدولي. ومن هنا فإن استذكار سيفو لا يخص السريان أو الآشوريين أو الكلدان وحدهم، بل يمثل رسالة عالمية ضد جميع أشكال الاضطهاد الديني والقومي والعنصري.

لا تُقاس المأساة بعدد الضحايا فحسب، بل أيضاً بما خسرته الإنسانية من تراث وثقافة وتنوع. فقد كانت مناطق المشرق، عبر قرون طويلة، نموذجاً لتعدد اللغات والثقافات والأديان. وعندما تعرض أحد مكونات هذا النسيج التاريخي للاستئصال أو التهجير، لم تكن الخسارة تخص جماعة بعينها، بل أصابت المنطقة بأسرها. إن اختفاء قرى تاريخية، وتراجع استخدام اللغة السريانية في مواطنها الأصلية، واندثار كثير من التقاليد والعادات المحلية، كلها نتائج بعيدة المدى لمأساة سيفو.

ومن المؤلم أن كثيراً من أبناء الأجيال الجديدة لا يعرفون سوى القليل عن هذه الأحداث، رغم أنها شكلت محطة مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. ولذلك تزداد مسؤولية الباحثين والمؤرخين والمؤسسات الثقافية والإعلامية في توثيق الوقائع وحفظ الشهادات ونقل الذاكرة إلى الأجيال المقبلة بعيداً عن التسييس أو المبالغة أو التوظيف الأيديولوجي.

وإذا كانت الإبادة الأرمنية قد حظيت باهتمام دولي واسع نسبياً خلال العقود الماضية، فإن مأساة سيفو بقيت لفترة طويلة على هامش السردية العالمية للحرب العالمية الأولى، رغم أن الوقائع التاريخية تظهر أن ضحاياها كانوا جزءاً من الموجة نفسها من العنف الجماعي التي اجتاحت المسيحيين في الأناضول وبلاد ما بين النهرين. ولهذا شهدت العقود الأخيرة نشاطاً متزايداً من قبل مؤرخين ومؤسسات أكاديمية ومنظمات حقوقية لإعادة إدراج سيفو في الذاكرة التاريخية العالمية باعتبارها إحدى كبرى الجرائم الجماعية في القرن العشرين.

لقد أدرك العالم، بعد الحرب العالمية الثانية، أن إنكار الجرائم لا يقل خطورة عن ارتكابها. فالإنكار يقتل الضحايا مرة ثانية، ويمنح الجلاد فرصة للهروب من المسؤولية التاريخية. ومن هنا فإن مطلب الاعتراف بمذابح سيفو لا ينطلق من رغبة في الانتقام أو استحضار صراعات الماضي، بل من الإيمان بأن العدالة تبدأ بالاعتراف بالحقيقة.

وتأتي الذكرى الحادية عشرة بعد المئة لسيفو في وقت ما تزال فيه المجتمعات المسيحية المشرقية تواجه تحديات كبيرة بفعل الحروب والهجرة وعدم الاستقرار. وبينما تختلف الظروف التاريخية والسياسية بين الأمس واليوم، يبقى القلق على مستقبل الوجود المسيحي التاريخي في الشرق حاضراً بقوة. ولذلك يتحول استذكار سيفو إلى دعوة للحفاظ على التعددية الثقافية والدينية التي شكلت جوهر حضارة المنطقة عبر آلاف السنين.

لا يمكن إعادة الضحايا إلى الحياة، ولا استرجاع القرى التي اختفت أو العائلات التي تشتتت في المنافي، لكن يمكن الحفاظ على الذاكرة وصون الحقيقة. فالذاكرة ليست دعوة إلى الانتقام، بل جسر نحو العدالة والإنصاف، وليست استدعاء للكراهية، بل تحذير دائم من نتائجها الكارثية.

بعد مئة وإحدى عشرة سنة على سيفو، لا تزال أسماء الضحايا المجهولين تتردد في صلوات الكنائس وذاكرة العائلات المنتشرة في أنحاء العالم. وما دام هناك من يروي قصصهم ويحفظ أسماء قراهم وأديرتهم ولغتهم وتراثهم، فإن السيف الذي أراد أن يقطع جذورهم لن ينجح في محو وجودهم من التاريخ.

تبقى سيفو، في جوهرها، شهادة مؤلمة على قدرة الإنسان على ارتكاب الفظائع، لكنها في الوقت نفسه شهادة على قدرة الشعوب على البقاء والصمود وحفظ ذاكرتها. وبين الدم والذاكرة، وبين الألم والأمل، تستمر رسالة هذه الذكرى: لا سلام حقيقياً بلا اعتراف، ولا مصالحة حقيقية بلا عدالة، ولا مستقبل آمناً ما لم تتعلم البشرية من مآسي ماضيها.

إن سيفو ليست قضية تخص السريان أو الآشوريين أو الكلدان وحدهم، بل قضية إنسانية عالمية تتعلق بحق الشعوب في الحياة والأمان والكرامة. وهي تذكير دائم بأن الكراهية القومية والدينية، عندما تتحول إلى سياسة دولة أو إلى خطاب تعبئة جماهيرية، تصبح قادرة على تدمير مجتمعات وحضارات بأكملها.

ولهذا تبقى ذكرى سيفو أكثر من مناسبة تاريخية؛ إنها وقفة ضمير أمام واحدة من الصفحات السوداء في تاريخ الإنسانية، ورسالة تؤكد أن العدالة قد تتأخر، لكن الحقيقة لا تموت، وأن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها قادرة دائماً على الانتصار على محاولات محوها من التاريخ.

***

جورج منصور

التعذيب بالريش

تُعدُّ قصة "التعذيب بالريش" واحدةً من أغربِ قصصِ التعذيبِ التي يوثقها السيدُ صاحب الحكيم في مؤلفه (المشار إليه في المقالات السابقة)، إلى جانبِ قصصٍ أخرى تشكلتْ غرابتُها وفقاً للمواقفِ والأحداثِ التي رافقتْ عملياتِ التعذيبِ الممنهجةِ التي كان يمارسها أعضاءُ حزبِ البعثِ بحقِّ الضحايا.

تقول الضحيةُ (سليمة علي)، الموثقةُ شهادتُها في تقريرِ السيد الحكيم، إنها تعرضتْ إلى عمليةِ تعذيبٍ بالريش؛ وهي طريقةٌ تبدو -كما شرحته الضحيةُ- أنها كانت أسلوباً ممنهجاً ومتبعاً بكثرةٍ. تذكر الضحيةُ في شهادتها "وُضِعتُ في غرفةٍ فارغةٍ مصبوغةٍ باللون الأبيضِ ومملوءةٍ بالريشِ، ثم تُشغَّلُ المروحةُ بأقصى سرعتِها فيتطايرُ الريشُ ولا أستطيعُ التنفسَ . "

هذه الشهادةُ تؤكد المقاربةَ المعتادةَ في ملءِ الغرفةِ بالريشِ وصبغِها بالأبيضِ، وإن كانتْ -قياساً بوسائلِ التعذيبِ الأخرى التي دونتُها في كتابي (أساليب التعذيب والجريمة البعثية، 2024)، أو تلك التي ذكرها السيدُ الحكيم في تقريره الصادر عام 2003- تشكل جزءاً بسيطاً من الإجرامِ الدمويِّ للبعثِ. فالضحيةُ نفسُها تعرضتْ أيضاً لأساليب أخرى كالتعذيبِ بالكيبلاتِ، والأنابيبِ المطاطيةِ، والأسلاكِ المعدنيةِ، والصعقِ بالكهرباء، والتعليقِ بالمروحةِ، وكسرِ العظامِ.

وعلى الرغمِ من أن طريقةَ "التعذيب بالريش" تبدو يسيرةً في ظاهرها، إلا أنها في الواقعِ طريقةٌ خانقةٌ ومخيفةٌ تثير الرعبَ؛ فالضحيةُ لا تعلم ما سيتتبعها من طرق تعذيب أخرى، وعادةً ما كان الجلادون يتدرجون مع الضحايا من الأساليبِ السهلةِ إلى الأشدِّ قسوةً المؤديةِ إلى الموتِ. وتوضح الضحيةُ أن أساليبَ تحقيقٍ دنيئةً مُورستْ معها قبل التعذيبِ البدنيِّ؛ وهي إجراءاتٌ وضغوطٌ تهدف لانتزاعِ اعترافاتٍ عن تهمٍ لم ترتكبْها ولا تعرف عنْها شيئاً، مثل: تهريبِ عناصرَ مطلوبةٍ، أو الانتماءِ لحزبِ الدعوةِ ومساعدةِ شخصياتٍ منه. بل إن الالتزامَ الدينيَّ بحد ذاته كان لديهم تهمةً تستحق الملاحقةَ، والاعتقالَ، أو الإعدامَ، حيث اعتادوا توجيهَ تهمٍ جائرةٍ تكون أقربَ إلى الذرائعِ منها إلى العقابِ الجنائيِّ المستحقِّ.

بدأتْ رحلة الاعتقالِ من قِبل الاستخباراتِ العسكريةِ في مدينة البصرةِ، ونُقلتِ الضحيةُ بعدها إلى بغدادَ، وتحديداً إلى "الشعبة الخامسة" في الكاظميةِ. وتصف الضحيةُ زنازينَ هذه الشعبةِ بأنها غرفٌ مخيفةٌ تحت الأرضِ، تتصل بممراتٍ مظلمةٍ وذاتِ إضاءةٍ خافتةٍ، حيث كان التعذيبُ يُمارس فيها مساءً، أو يمتد طوال الدوامِ الرسميِّ من الثامنة صباحاً وحتى أذان المغربِ، بتناوبٍ مستمرٍّ بين الضباط، والشرطة، وعناصر الأمن.

لقد دأب السيدُ الحكيم على تدوين هذه القصصِ وتسجيلِ الشهاداتِ لتكون ورقةَ ضغطٍ وإدانةٍ تاريخيةٍ، ونقلاً للحقيقةِ حتى وإن تأخرتْ؛ فالمحاكمة التاريخيةُ أحياناً تكون أهمَّ من المحاكمة الجنائيةِ. ومن هنا، فإن عقوبةَ "الاجتثاثِ" التي صدرت بحق الفكر البعثي وتجريم الترويج له، تُعدُّ عمليةَ محوٍ عادلةً من التاريخ لإيديولوجيةٍ قاتلةٍ مارستْ أبشعَ طرقِ التنكيلِ بالشعب العراقيِّ.

***

بقلم: د. رائد عبيس

نحيا في عصر السوبر تخلف السياسي والسوبر تخلف الاجتماعي والثقافي والاقتصادي. السوبر تخلف السياسي = إنتاج الصراع ÷   إنتاج الحضارة بينما السوبر تخلف الاقتصادي = إنتاج الفقر ÷   بناء الحضارة. من المنطلق نفسه، السوبر تخلف الاجتماعي = إنتاج التعصب ورفض الآخر ÷   إنتاج الحضارة بينما السوبر تخلف الثقافي = رفض العلوم والمنطق ÷   صناعة الحضارة. فكلما تناقص إنتاج الحضارة (المتمثلة بسيادة العدالة الكامنة في السلام العالمي والمساواة والحريات والتطوّر المستمر والفكر المستقل والعلوم والمنطق وقبول الآخر وإغناء الشعوب ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً)، إزداد السوبر تخلف وانتصر.

يتصف الشرق والغرب بالسوبر تخلف لأنَّ السياسة العالمية قائمة على إنتاج الصراع الذي يتضمن بالضرورة التعصب ورفض الآخرين. وبما أنَّ الصراع يستلزم التعصب ورفض الآخر، إذن يؤدي الصراع لا محالة إلى رفض الحقوق الإنسانية (من جراء رفض الآخرين) كحق كلّ فرد في أن يحيا وأن يكون حُرّاً مما يحتِّم زوال الحضارة فالحضارة مشروع تحقيق واحترام كلّ الحقوق الإنسانية. من هنا، السياسة التي تُنتِج الصراع هي سياسة تدمير الحضارة والتحضّر ولذلك تتصف بالسوبر تخلف وتؤدي إلى السوبر إرهاب الكامن في قتل إنسانية الإنسان. فالإنسان هو المُنتِج للحضارة. وبذلك قتل الحضارة قتل لإنسانية الإنسان.

السوبر تخلف هو تطوير التخلف من خلال استخدام المنجزات الحضارية كالتكنولوجيا والعلوم من أجل نشر الجهل والتعصب ورفض الآخرين. السوبر تخلف هو تقديم الجهل على أنه عِلم وتقديم العِلم على أنه جهل. مثل ذلك استغلال العلوم البيولوجية للتمييز بين البشر وتقسيمهم إلى أعراق مختلفة مما يؤسِّس للصراع بين تلك الأعراق المُتصوَّرة بينما الحقيقة العلمية هي أنَّ كلّ البشر يتشاركون في امتلاك الجينات البيولوجية ذاتها وبذلك كلّ البشر يشكِّلون كينونة واحدة لا تتجزأ. وضمن سياق استغلال المنجزات الحضارية من أجل نشر الجهل والتعصب، نشأ السوبر تخلف السياسي المُنتِج للصراع والمُدمِّر للحضارة الإنسانية. السوبر تخلف السياسي يتكوّن من استغلال المنجزات الحضارية كالإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي ومؤسسات الدول لنشر الجهل والتعصب والصراع. من الممكن التعبير عن ذلك من خلال المعادلة التالية: السوبر تخلف السياسي = إنتاج الصراع ÷   إنتاج الحضارة. فكلما إزداد إنتاج الصراع وتناقص إنتاج الحضارة (الكامنة في سيادة السلام العالمي والحريات والمساواة وبناء العلوم والتطوّر الاجتماعي والثقافي والاقتصادي المستمر)، إزدادت سيادة السوبر تخلف السياسي. معظم الدول والأحزاب تمارس السوبر تخلف السياسي لأنها تُعنَى بإنتاج الصراع بين الأمم والشعوب بدلاً من أن تُعنَى بإحلال العدالة الكامنة في السلام والحرية والمساواة والتطوّر.

على ضوء هذه الاعتبارات، السياسة الحقة = إنتاج الحضارة ÷   إنتاج الصراع. فكلما إزداد إنتاج الحضارة (كإنتاج السلام العالمي العادل والحريات والمساواة التي من ضمنها المساواة الاجتماعية والاقتصادية) وتناقص إنتاج الصراع (المتمثل بالعنف والحروب ورفض الآخر)، إزدادت سيادة السياسة الحقة. فالسياسة الحقة قائمة على إنتاج الحضارة والتحضّر وهي بذلك تناقض صناعة الصراع والعنف والاقتتال والحروب. بينما السياسة الحقة تحرِّر الإنسان من خلال بناء الحضارة وتطويرها، السوبر تخلف السياسي يستعبد الإنسان من خلال إنتاجه للصراع المعتمد على سجننا في هويات وماهيات معادية للآخرين. هكذا السوبر تخلف السياسي مصدر العبودية والاستعباد. فلا صراع بلا عبودية كأن نغدو عبيداً لمنظومات فكرية ومشاعرية معادية للآخر المُتخيَّل. إنها عصور السوبر عبودية الفائقة حيث الصراع يحرِّك الأفراد والأمم والشعوب مما أفقدنا إنسانيتنا.

أما السوبر إرهاب فهو استغلال المنجزات الحضارية كالتكنولوجيا والإعلام ومؤسسات الدول من أجل قتل إنسانية الإنسان. والسوبر إرهاب نتيجة حتمية للسوبر تخلف السياسي الذي يُنتِج الصراع بدلاً من إنتاج الحضارة والتحضّر. فسيادة الصراع وزوال التحضّر واستغلال المنجزات الحضارية لتطوير التخلف مصادر قتل إنسانية الإنسان الكامنة بالضرورة في الحضارة والتحضّر وغياب الصراع. من هنا، السوبر إرهاب السياسي = قتل إنسانية الإنسان ÷  إنتاج الحضارة بينما السوبر إرهاب الثقافي = قتل العقل المنطقي والعلمي ÷   بناء الحضارة. فكلما إزداد اعتماد العقل على اللامنطق واللاعِلم، إزداد قتل إنسانية الإنسان لأنَّ إنسانية الإنسان كامنة في منجزاته كالمنطق والعلوم. هكذا السوبر تخلف المتجسّد مثلاً في رفض المنطق والعلوم مصدر السوبر إرهاب المتمثل في قتل إنسانية الإنسان.

***

حسن عجمي

مما يُسأل المرء عنه يوم القيامة: الشباب وفيما أبلاه. هل أمضى فورة شبابه وعطائه ومواهبه فيما ينفع المجتمع، ويُسهم في البناء الحضاري لأمته، أم أنها كانت أيام لهو وقتل للساعات فيما لا يفيد، وبذل القدرات والإمكانات التي منحها الله تعالى إياه في هوامش إلهاء تَصدُّ عن العمل الصالح، وتحقيق العبادة في أوسع معانيها.

إن مبنى الشريعة الإسلامية وغايتها هو تكريم الإنسان، وتثمين وجوده وحركته في الكون. لذا كانت أسمى وظيفة دُعي إليها هي العبادة، مصداقا لقوله تعالى ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [ الذاريات-56].عبادة تتسع لتشمل حركته وسكونه في شتى مظاهرها. فلا حركة إلا لمقصد، ولا سكون إلا استجابة لغاية، وبذلك ينفصل عن سائر المخلوقات، ويُمعن في تسديد خطاه لتُطابقَ السبيل الإلهي.

لبلوغ تلك الغاية شدّدت الآيات والأحاديث النبوية على أهمية الوقت والجهد، وحثت المسلم على أن يبذل عمره وطاقته في العمل الصالح، ويلتمس معاشه في مجالات تحقق العائد الحضاري والعمراني الذي تنتفع به الأمة بأسرها. من هذا المنطلق تصدى أهل العلم لأوجه الكسب المنحرفة، وألوان البطالة المقنعة، حيث يُبدد بعض الناس مواهبهم في حِرف خسيسة، ويصبح الإبداع والاحتيال وجهان لعملة واحدة.

بعد أن بسط الحديث عن أنواع الصناعات والأشغال الدنيوية، توقف الإمام الغزالي في (الإحياء) عند الممارسات التي تندرج تحت بند الكسب المنحرف. ووصف الأساليب التي يلجأ إليها الباحثون عن الغنيمة الباردة، كادعاء العجز والمرض والعمى، أو التماس الأقوال التي تعجب الناس وتنبسط لها قلوبهم، كالتّمسخُر والأفعال المضحكة، وأصحاب القرعة والفأل من المنجمين، وجنس من الوعاظ غرضهم استمالة قلوب العوام لأخذ أموالهم. ولو سعينا لترجمة كلام الغزالي رحمه إلى لغة العصر الحديث لقلنا إنه يستهدف تسعة أعشار القنوات الفضائية وشركات الإنتاج السمعي والبصري!

ويحذو ابن خلدون في المقدمة [ج2.ص267] حذو الغزالي حين يقرر الوجوه الأربعة للمعاش في الإمارة، والفلاحة، والتجارة، والصناعة. ويعترض على الوجوه المنحرفة كالسعي وراء الكنوز والدفائن. يقول ابن خلدون:

(الذي يحمل على ذلك في الغالب، زيادة على ضعف العقل، إنما هو العجز عن طلب المعاش بالوجوه الطبيعية للكسب، من التجارة والفلاحة والصناعة، فيطلبونه بالوجوه المنحرفة.)

 ثم يمضي في سرد المزاعم والادعاءات التي يُلبّس بها صيادو الكنوز على العوام، وكيف يبذلون أعمارهم خلف أطماع الثروة العاجلة، والغنى المُتحصل دون جهد!

من المؤسف حقا أن تقع فئة عريضة من شبابنا ضحية صيغ متجددة من البطالة المُقنّعة، وصور الإنجاز والتألق التي لا طائل تحتها. وأن تصير النجومية والشهرة مطلبا في حد ذاته، بغض النظر عن أهمية العمل أو قيمة الجهد المؤدي إليه. وإذا كان الغزالي وابن خلدون يُبرران هذا المسلك بالعجز عن كسب المعاش من عمل شريف، فلا شك أن خلف هذا العجز مفاتيح لفهم المشكلة على نحو أفضل.

إن التربية بانفصالها عن القيم، وخضوعها للتصور المادي للحياة، تغذي في الناشئة أسباب الأنانية والفردية، وتجعل من الحياة الدنيا غاية لا وسيلة. كما أن البيئة الاجتماعية بعاداتها ومعاييرها الضاغطة، تسهم في إشاعة أمراض داخلية تبعثر طاقات وقدرات الشباب، وتُلزمه بإطار معين يتحرك داخله، حتى وإن كان خاليا من المعنى والقيمة. لهذه الأسباب يحدد الدكتور محمد أمين المصري أهم سمات الجيل الحالي من الشباب كالآتي:

- سطحية في التفكير تؤدي إلى عدم اهتمام بالأسباب التي أدت إلى هذه النتيجة أو تلك. وتتمثل السطحية في الخطاب والسلوك، ثم تمتد إلى الشخصية كلها، وإلى التفكير الخلقي والديني لدى الفرد. وبذلك يسهل تقبل الأفكار الخاطئة والدعايات الكاذبة.

- خوف من سخط الناس وطلب رضاهم، مما ينتج عنه ولاء شديد للعادات والمعايير السائدة، وتلون في المواقف. وبذلك تنحرف المعاني الإسلامية عن وجهتها السليمة.

- بعثرة الجهود وتبديد الطاقة في أمور فرعية، والاندفاع بعامل الفوضى بدل الحرص على ضبط الأمور وإحكامها.

- انعدام الشعور بالأخطار المتربصة بالأمة. فلا يستطيع هؤلاء النفاذ ببصائرهم إلى أبعد من حاضرهم القريب، لأن تصرفاتهم أقرب للطفولة اللاهية التي لا تستطيع النظر والاعتبار.

- بناء المشروعات والآمال على أحلام يقظة، يجدون فيها متنفسا لرغبات دفينة، ويسعون لتحقيقها دون جهد واضح أو مشقة.

لا حرج في الإسلام أن يسعى الفرد لتحقيق رغباته ونوازعه الفطرية، إلا أن تهذيب هذا السعي، والحرص على إيجاد التوازن بينه وبين قيم الوحي ومعاييره أمر حيوي، لتثمر حركة الفرد، وتؤتي أكلها الحضاري. ذلك أن الحرية في الإسلام هي حرية مسددة، تهدف بالإنسان إلى الارتفاع والسمو، وإضفاء المعنى على وجوده.

دخل رجل على هارون الرشيد وقال: إني أستطيع عملا يعجز عنه غيري، فقال الرشيد: هات! فأخرج الرجل علبة إبر، وغرس إحداها في الأرض وأخذ يرميها بسائر الإبر، بحيث تشتبك كل إبرة بثقب الإبرة السابقة. فلما انتهى أمر الرشيد بإعطائه مئة دينار وجلده مئة جلدة. وحين سُئل عن ذلك قال: أعطيته مئة دينار مكافأة على حذقه ومهارته، وأمرت بضربه مئة جلدة لأنه يضيع ذكاءه فيما لا يفيد!

***

حميد بن خيبش

الكُورْدُ الفِيلِيُّون

يمثل التقرير المطول للدكتور صاحب الحكيم عمّا اقترفه النظام البعثي بحق الشعب العراقي عامة، والشعب الكوردي خاصة، وحدة الهدف في مشروعه التوثيقي؛ وهو الدفاع عن الشعب العراقي بأكمله، من دون تفرقة قومية أو دينية.

ولذلك، كان للضحايا الكورد نصيب كبير في الأدلة الوثائقية التي قدمها في هذا التقرير، بعد أن أوغل النظام البعثي فيهم تعذيباً وتهجيراً وقتلاً، وصولاً إلى الإبَادَةِ المتكررة في عمليات الأَنْفَال التي استمرت بحقهم طيلة سنوات من إجرام البعث الاستثنائي.

لقد كشفت تجربة السيد الحكيم عن حقد النظام البعثي المبالغ فيه بحق الكورد، لا سيما الكُورْدُ الفِيلِيُّون، عبر تهمة الارتباط بإيران في بدايات الحرب؛ والتي اتخذها البعث الصدامي ذريعة للنيل منهم وتصفية حساباته العُنْصُرِيَّة معهم، تحت حجج واهية وتشريعات مُجْحِفَة فككت النسيج الاجتماعي لهذا المكون والنسيج الوطني المرتبط به.

إن قرار التَّرْحِيل، والاعتقال، والاستبعاد، والتسفير، والطرد الذي مارسه البعث بهذه القسوة المفرطة جاء صادماً للوجدان العراقي والإنساني والديني، فبسببه تفككت روابط مهمة كانت تشكل عنصر قوة في جسد المجتمع العراقي. لم تكن تلك العملية بسيطة، بل اقترنت بقصص من العذاب والعدوان الوحشي، مخلفةً سجلاً مؤلماً من المآسي الفردية والجماعية التي شوهت فكرة الانتماء لهذا البلد والتي رافقت أبناء هذا المكون، وهم يواجهون المَقَابِرَ الجَمَاعِيَّة، والِاخْتِفَاءَ القَسْرِيّ، والتعذيب، والإعدام، والملاحقات، والاغتيالات، والقتل على الحدود، وحوادث الاغتصاب.

حاول السيد الحكيم تدوين جزء كبير من هذه الحوادث، وأولى خصوصية لما تعرض له الكورد عامة والفيليون خاصة؛ ليس بدافع التفرقة -كما أشرنا- بل نظراً لجسامة الحوادث التي طالت أبناء العراق من الكورد، كما حدث لاحقاً في حَلَبْجَة التي لم يدخر الحكيم جهداً في توثيق مأساتها.

أورد الحكيم في تقريره أسماء المعتقلين والمعدومين والمعذبين، وشهادات الناجين، وقصصاً منقولة بالواسطة، وحوادث عدة تشكل قرائن وأدلة متواردة حول ما ارتكبه البعث واقعاً بحقهم. كما أرفق صوراً وبَيانات وقوائم استحصل عليها من منظمات حقوقية دولية، ومستشفيات، ومخيمات النازحين والمهجرين، لتوثيق معاناة المعذبين والمعذبات جراء الاغتصاب، أو السلاح الكِيمْيَاوِيّ، أو الإيذاء الجسدي والنفسي في مستشفيات إيران وتركيا ومخيمات الصليب الأحمر الدولي.

وذكر على سبيل المثال، قصة اعتقال بنات عائلة "ناجي" السبع من بغداد، وغيرهن من المعتقلات اللواتي بقي وضعهن القانوني مَجْهُولاً، حتى تبيّنت مصائر بعضهن إثر اكتشاف المقابر الجماعية في العراق بعد عام 2003. كما استعرض نماذج من قوائم أسماء الشهيدات من الكورد الفيليين اللواتي ورد ذكرهن في قوائم "منظمة حقوق الإنسان للكورد الفيليين في العراق – السويد" واللواتي ظلت قصص شهادتهن مجهولة، فضلاً عن وثائق خطية تؤكد مثل هذه الحوادث، بحسب ما وثقه السيد الحكيم في هذا التقرير.

***

بقلم: د. رائد عبيس

كان زميلي يحدثني عن مدن الدنيا كأنه قد زارها وتجول في أزقتها، وذات مرة سألته عن كيفية زياراته للدول العديدة التي يتحدث عنها، فرمقني زميل آخر يعرفه أكثر مني مبتسما، وهمس بأذني: إنه يقرأ في كوكل ويوتيوب، إنه لم يذهب لأية دولة، إنه لا يحب السفر، ولا أذكر أنه خرج من البلاد في زيارة.

أصبحنا نعيش في عالم متوهج بالمعارف الآنية الحضور، وكأن الواحد منا يحمل مكتبة أو إنسكلوبيديات في جهاز بحجم كف اليد أو أصغر.

كأن الدنيا ترقد في جيوبنا!!

والآن صار لدينا (جات جي بي تي)، الذي يحمل الإجابات الفورية عن أي سؤال، وينفذ طلباتنا بسرعة خاطفة، ذات مرة طلبت منه أن يكتب لي قصيدة عاطفية، وإذا به يأتيني بواحدة يمكن تحريرها ونشرها، وهذا ما يحصل للعديد من النصوص النثرية والشعرية وغيرها، فهذا التطبيق وأشباهه يوفر الوقت ويقدم المعلومة المتيسرة بسلاسة وإقتدار تعبيري واضح.

الواقع المعرفي يصيب الألباب بالإضطراب والضباب والإندهاش، ويضعنا أمام تساؤلات محيرة، فعلى سبيل المثال، هل نحتاج للمترجمين، ولدينا تطبيقات تترجم أي نص بدقة متناهية؟

والعديد من النشاطات الأخرى صار لها تطبيقات تجيد التعبير عنها أفضل من البشر.

ولا ننسى تطبيقات الذكاء الإصطناعي المتنامية بسرعة مذهلة، والتي تسربت إلى معظم النشاطات الحيوية في الدنيا.

فهل بقيت المعرفة حكرا عند البعض، أم أن الجميع صار يعرف، ومتنور وقادر على إستحضار ما يريده من المعلونات، ليعلن أنه يعرف، ولا يوجد شيئ لا يعرفه، ما دام قادرا على طرح السؤال على رفيق وعيه ومنير دربه، الذي فيه ما يحلو له من التطبيقات، التي تكفيه عناء البحث العبثي الذي إعتادت عليه أجيال القرن العشرين؟

عَرفْنا كلَّ مَجهولٍ بَعيدِ

وعِشنا في مُرافقةِ الجَديدِ

عُقولُ أناسِها جلبتْ عَجيباً

يُزوِّدُنا بمَكنونٍ فريدِ

جَهازٌ حَجْمُ كفٍّ إمْتلكنا

يُوافينا بواعيَةِ السَديدِ

***

د. صادق السامرائي

 

من يصنع منهما الآخر؟

ظل التاريخ منذ فجر الحضارات الأولى، مرآة تعكس مسيرة الإنسان في سعيه الدائم نحو الاعمار، والبناء والتغيير والتطور، ومن ثم فلم يكن التاريخ، مجرد سجل للأحداث الماضية، أو أرشيفاً لوقائع طواها الزمن، بل إن التاريخ، هو حركة مستمرة، تتفاعل فيها إرادة الإنسان، مع قوانين الحياة، وتحولاتها المستمرة.

فعندما نتحدث عن التاريخ بوصفه حدثاً، وفعلاً إنسانياً، فإن الإنسان، سيكون في هذه الحالة، في صدارة المشهد، طالما أنه صانع الوقائع، ومبتكر الأفكار، ومحرك التحولات الكبرى، التي تصوغ ملامح العصور. فالحروب والسلام، والنهضات، والانكسارات، والاكتشافات والابتكارات، كلها نتاج قرارات بشرية، ومحصلة إرادات فردية، وجماعية، تركت بصماتها على صفحات الزمن بهذا الشكل، أو ذاك. ومن هذا المنطلق يبدو التاريخ، نتاجاً للفعل الإنساني، وسجلاً لإنجازاته، وإخفاقاته، على حد سواء.

ومن جهة اخرى فأن التاريخ هو ليس فقط ما يصنعه الإنسان، بل هو أيضاً القوة الزمنية، التي تعيد تشكيل الإنسان نفسه، حيث أن التاريخ، بوصفه سيرورة زمنية متواصلة، يفرض تأثيراته الحتمية على المجتمعات، والأفراد، ويعيد صياغة أنماط التفكير، والقيم، والعلاقات الاجتماعية السائدة، تبعاً للتحولات التي يشهدها العالم، في كل مرحلة من مراحل سيرورة التاريخ، حيث يصبح الإنسان، الذي كان في مرحلة ما، صانعاً للتاريخ، جزءاً من حركة التاريخ، وخاضعاً لتأثيراتها، في مرحلة أخرى.

وهكذا نجد ان العلاقة بين الإنسان، والتاريخ، ليست علاقة أحادية الاتجاه، بل هي علاقة جدلية متبادلة، فالإنسان يصنع التاريخ بأفعاله، ومواقفه، في حين أن التاريخ يصنع الإنسان، عبر ما يفرضه من ظروف، ومتغيرات، وتحديات، حيث تتشكل في صيرورة مثل هذا التفاعل العضوي المستمر، الحضارات، وتتبدل الأفكار، وتتغير موازين القوى، وتتحدد مسارات الأمم والشعوب.

على أن وعي هذه الحقيقة، وادراكها بشكل واضح، يمنح الإنسان فهماً أعمق لموقعه في صيرورة الزمن، فالانسان ليس كائناً معزولاً عن سياقه التاريخي، وليس مجرد متلق سلبي، لما تفرضه الظروف من تداعيات، بل هو فاعل، ومتأثر في آن واحد.

ومن هنا تنبع أهمية قراءة التاريخ، لا بوصفه ماضياً منقضياً، وإنما باعتباره خبرة إنسانية متراكمة، تساعد على فهم الحاضر، واستشراف المستقبل.

وهكذا نجد إن التاريخ، في جوهره، هو تفاعل دائم بين الإنسان والزمن، يكتب الإنسان بعض فصوله بإرادته، بينما تكتب الأيام والسنون، فصولاً أخرى في وعي الإنسان، ومصيره. وبين هذين البعدين، تستمر رحلة الحياة، حاملة معها دروس الماضي، وأسئلة الحاضر، وآمال التطلع إلى المستقبل.

***

نايف عبوش

 

أثارت مسألة الرق والعبودية جدلا في النقاشات بين الإلحاد والدين، فما أشارت  إليه لدراسات فقد اتخذ الملحدون قضية الرق كأداة للطعن في الأديان وبخاصة الإسلام، وهذه الظاهرة اتخذت لها ثوبا جديدا في القرن الواحد والعشرين، حيث نقرأ عن جرائم الإتجار بالبشر، وبات من الضروري وضع خطة استراتيجية واضحة، لمحاصرة الرق وتجفيف منابعه، ويرجع مختصون بقاء الرق في عصرنا الحالي لإنعدام أليات التطبيق في جانبه التشريعي، والدكتور علي حليتيم طبيب مختص في الأمراض العقلية ورئيس مركز الشهاب للبحوث والدراسات  وعضو مستشار لدى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

يواصل الدكتور علي حليتيم جلساته الفكرية الحوارية، وقد خصَّ في هذه الجلسة الحوارية مسألة تتعلق بالرق والعبودية وكيف حارب الإسلام الرّق في الردّ على الملحدين الذين يروجون بأن الإسلام لم يلغ الرق، وإنما الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن هو من ألغاه وقام بتحرير العبيد، وكأنه عمل حضاري مقصود، بل كان من أجل إ الحفاظ على وحدة الولايات المتحدة، وكان الملحدون يرون أن إلغاء الإسلام للرق، لأنه كان في موقف ضعف، يقول علي حليتيم أن تحرير الإسلام للرق كان لدوافع أخلاقية بينما تحرير الغرب للرق كان بدافع سياسي، ولم يتخذ الإسلام الناس عبيدا مهما كان لون بشرتهم (سودا، هنود حمر أو من الجنس الأصفر) ولم يكن هناك تفوق عرقي في الإسلام، كما أن النبيّ (ص) لم يدع إلى التراتبية العرقية التي مارسها الغرب، بل أغلق كل أبواب الرق، باستثناء الأسرى في وقت الحروب.

فقد تعامل الإسلام معهم (أي الأسرى) برحمة وإنسانية وكان الحاكم المسلم يخير في أمرهم، أي أنه يشترط مقابل إطلاق سراحهم أن يُعَلِّمُوا المسلمين القراءة والكتابة (على سبيل المثال)، وقد أطلق النبيّ آلاف الأسرى في حنين وبدر، وفي الإسلام يستطيع رجل حر اسود أن يتخذ عبدا أبيض إذا وقعت الحرب بين المسلمين والأوروبيين، ووقع أسرى وأصبحوا عبيدا، لكن الإسلام يرفض الرق عكس ما كان يحدث من قبل ظهور الإسلام، حيث كان للأسرى سبيلان : إما القتل أو الإسترقاق مدى الحياة، فقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية عندما يخطئ العبد تُقِطَعُ يده وإن حاول الفرار تقطع رجليه، ولا يزال الرق في الولايات المتحدة الأمريكية إلى اليوم، لقد كان العتق في الإسلام يضيف علي حليتيم قاعدة اساسية، وكانت أحكامه عادلة منصفة، فعلى سبيل المثال كان يشترط على من يقتل شخصا يعتق رقبة، أما في ظل النظام العالمي المتوحش كما وصفه علي حليتيم اصبح البشر أدنى مرتبة من العبيد، مؤكدا أن الإسلام لم يمارس الرق أبدا، في رده على الذين يتهمون الإسلام من الملحدين  بأن الإسلام لم يفعل شيئا وقد أقر الرق مدة 1200 عاما بل مارسه.

كما يقدم علي حليتيم مثلا عن الفقر، اين يجبر الأب في وقت مضى على بيع ابنائه، هي طبعا مبادرة حسنة يقوم بها الدكتور علي حليتيم وهو يكشف ولأول مرة في الجزائر حقائق عن الرق في البلدان الأكثر تقدما والتي تدعي انها بلد الحرية والمساواة والديمقراطية كالولايات المتحدة الأمريدية، وكانت له الجرأة والشجاعة ليكسر هذا الطابو، إلى أن ما يعاب عليه هو أنه تحفظ في الحديث عن الرق في ثوبه الجديد، وهي ظاهرة الإتجار بالبشر في عصرنا الحالي، والإنتهاك الجسيم لحقوق الإنسان يذهب ضحيته ألاف البشر حول العالم وهي تدخل ضمن الجريمة المنظمة دوليا والتي يعاقب عليها القانون، حيث اعطي له المختصون مفهوما وهو “العبودية الحديثة”، وذلك إما لأهداف تجارية من أجل جمع المال وإما للإستعباد الجنسي، وكانت الجزائر من بين الدول التي وقعت على اتفاقية الأمم المتحدة لمحاربة الإتجار بالبشر، لكن الظاهرة لا تزال منتشرة أمام صمت المنظمات الغير حكومية والجمعيات الدولية التي تنشط في مجال حقوق الإنسان، الذي أهدرت كرامته وبكل الأشكال؟

***

علجية عيش

 

في المثقف اليوم