عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

ما بين السبابة والإبهامْ

تتدحرج خرزات المسبحة كمثل سنين العمرْ

تتدحرج في إيقاع منتظم نحو القبرْ

والنظرة ثابتة صوب الافق المفتوح على الأحلامْ

وتمر القطة تتمطى

تهزأ من رواد الشايخانة

لا يجمعهم إلا خشب مهترئ لمقاعد نجاروها ماتوا

وعيون غارقة دون كلامْ

ما بين السبابة والإبهامْ

يخشوشن هذا الجلد وتبقى لينة خرزات المسبحة البيضاءْ

***

عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

الـحُـبُّ يَـحْكُمُنا، فـي شَـرْعِهِ نَـثِقُ

لا بُــدَّ يَـجْـمَعُنا، إِنْ شَـطَّتِ الـطُّرُقُ

*

لا حُــكْـمَ إِلَّا لِـقَـلْـبٍ فِـيـهِ مَـوْطِـنُنَا

أَجْـسَـادُنَـا افْـتَـرَقَتْ وَالــرُّوحُ تَـتَّـفِقُ

*

فَـالْـحُبُّ عَـهْـدٌ إِذَا مَـا غَـابَ صَـاحِبُهُ

تَبْقَى الْعُهُودُ، وَيَفْنَى الشَّكُّ وَالْقَلَقُ

*

نَـمْشِي وَنَـظْمَأُ فِـي صَـحْرَاءَ قَاحِلَةٍ

لَا بُـــدَّ يَــوْمًـا عَـلَـيْنَا يَـنْـزِلُ الْـغَـدَقُ

*

إِنْ غَابَ وَجْهُك عَنْ عَيْنِي فَلِي أَمَلٌ

أَنَّ الـنُّـجُـومَ بِــسِـرِّ الْــحُـبِّ تَـأْتَـلِقُ

*

مَـــا ضَــرَّ عَـاشِـقَ رُوحٍ أَنْ يُـفَـارِقَهَا

جِـسْـمٌ، إِذَا كَـانَـتِ الْأَرْوَاحُ تَـلْـتَصِقُ

*

فَـالْحُبُّ نَـارٌ إِذَا مَـا الـشَّوْقُ أَوْقَـدَهَا

لَا يُـطْفِئُ الْـجَمْرَ دَمْعٌ، حِينَ يَحْتَرِقُ

*

نَحْيَا عَلَى الْوَعْدِ، لَا نَخْشَى تَقَادُمَهُ

مَا دَامَ فِي الصَّدْرِ نَبْضٌ صَادِقٌ خَفِقُ

*

إِنْ ضَـاقَ وَقْتُ اللِّقَا، فَالصَّبْرُ يُوسِعُنَا

وَفِـي انْـتِظَارِك مَـعْنَى الصَّبْرِ يَتَّسِقُ

*

قَـدْ يُقْصِفُ الْبُعْدُ أَغْصَانَ الرَّجَاءِ، فَمَا

دَامَـتْ جُـذُورٌ ثِـقَالٌ، يَـزْدَهِي الْوَرَقُ

*

نَـغْـفُو عَـلَى حُـلْمِنَا، وَالـلَّيْلُ يَـعْرِفُنَا

فَـالشَّوْقُ مِـنْ صَـمْتِهِ فَجْرٌ سَيَنْبَثِقُ

*

لَا نَـسْـأَلُ الـدَّهْرَ عَـنْ وَعْـدٍ يُـخَالِفُنَا

فَـالْـحُبُّ فِـعْـلٌ، وَلِـلْأَفْـعَالِ نَـسْـتَبِقُ

*

إِنْ كَـانَـتِ الــرُّوحُ لِـلْأَحْـبَابِ مُـنْتَجَعًا

مِــنَ الْـمُـحَالِ لِـهَـذَا الْـحُـبِّ يَـنْزَلِقُ

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

 

يا من تُقَلِّمون ظلَّ السيّاب

بمقصّ السخرية،

وتحسبون الشعرَ أُذُنًا تُقاس،

ألا تعلمون

أن الحرفَ ولد وترعرع

في فمه؟

وأن الكلمةَ تعلّمتْ

كيف تصغي للعالم

من اتّساعِ روحه؟

"في انشودة المطر"

*

تعيبون خلقةً

نَفَخَ اللهُ فيها من سرِّه،

وتنسون أن الجمال

ليس مرآةً مصقولة،

بالطول والعرض

بل ارتجافُ المعنى

حين يمرُّ في جسد

"المومس العمياء "

*

لم يكن قوي البنية، نعم،

لكنه كان أفقًا

يتسع على غابات النخيل

وكان وجعًا

يضعُ البلادَ في كف اليتيم

*

فأيّها الواقفون على قشور الوجوه،

كيف لم تدركوا

أن الشعر لا يُقاس بالملامح،

بل بما يتركه من شقوقٍ

في صخرِ اللغة؟

وعمق المعنى ...

***

مجيدة محمدي

على عتبة العام الآتي على عجل...

لا ارسل بطاقات الحب الجاهزة

ولا أحفل بتصفيف الورود ..

على شاشة لا تحفظ عطورنا ..

لا أنزلق مع الرّمل في الساعة التّعيسة

وأنكرها العتبات....

انا حين يراودني اللّافندر في راحتيكَ..

أصعد إليه.....

فتتناسل اللحظة ..

ولها.. تسجد الأزمنة..

أفنى ..

وأٌبعث من جديد

***

حياة بن تمنصورت - تونس

 

مهرجان وضباب وأنوف تتهاوى

وينابيع عطاشى

تقتفي وجها " لِآن "،

فيه أنف وكلام

علّها اليوم تُلاقيه

فتسقيه الأماني..

تاه في الآفاق " آن"

يتسامى.. يتلهّى..

بِرُداعٍ وأنين..

بَرِقَتْ في صدره الذكرى

فأفضى يتقرّى:

جسدي!

آليْتُ ألاَّ أرْشُفَ الكأس المُحلّى

وصُروحٌ فيك تهوِي

ودموع منك تهمي

يا عصيّ

قُمْ تَدَمَّلْ فتبتَّلْ فتصلَّبْ فتجمَّلْ فتأشَّبْ..

*

يا عصيّ

لك غنّتْ كلُّ أحلامي وأوجاعي وصَبّي.

فيك ألقاني يقينا

قصةً تقرؤني حتى تراني.

فيك ألقاني زمانا للزمان.

فيك أسري.. يا عصيّ..

فأراني أتلظّى

وأراني

أهتدي فيك إلى عيني ودمع البرتقال..

أهتدي فيك إلى نبض الزياتين ونبضي..

فإذا أنت

بَراحٌ لِاغْتِماري

ومداد لجذوري..

حين تمتدّ جذوري

تمّحي كلّ الأماكن

ويُباهي جَوْشَنَ اللّيلِ نُشوري

بحُروفي..

*

يا عصيّ

هدأت في بيتنا أجنحة الموج الغيور

وهوى النّجمُ الجسورُ

فبكاه النخل صمتا فانتحابا.

يا عصيّ قد تعنّى..

ثُلِمَ البدرُ في براحك

وانبرتْ ألسنةُ الغيم تنادي:

" مسّنا الضُّرُّ أبانا.. "

صاح إنليل يواسي :

"... ولكُمْ منّي جناح فاعتلوه.. "

ورَسَتْ بارجة الْغَوْثِ تصيدُ..

*

غَجَرٌ قد حشروا في جوْشَنِ اللّيلِ كَرَاكِرْ

وعلا صوْتُهُ " آبيبُ "

بوُعودٍ

بسلامٍ

ووُرودٍ منه، سودٍ..

أمَلِي حرِّيَّةٌ حمراء، قال،

وخلاصٌ من شِدَادٍ..

ثمّ ، عذبا، ستصير يا فرات..

ولنا في نهرِها

تَيّالك الأردُنُ

روْحٌ ومَراحٌ..

ثمّ ماذا؟؟؟

يَنَعَ الْعَنْدَمُ

في روْضِ الدخان..

ونعى المهدُ وتيرا قد تشظّى..

يا عصيّ

قم تدمَّلْ فتبتّلْ فتصلَّبْ فتأشَّبْ..

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي - تونس

 

من بعيد خلف زجاج نوافذ الشرفات

تتعرى له الأشجار كغجرية

شردها الغناء والرقص

من أوراقها شوقا تتعرى له الأغصان

من فرط عشقها تتساقط في حضنه الأزهار

والشرفات والشوارع والحكايات

لعل الحياة تتدفق إليها كموج البحر

لعل الشوق يفيض على روحها

فيض ماء النهر

مطر.. مطر

يسكن العين

والفؤاد

والنافذة والذاكرة

مطر.. مطر

تتلهى به الريح من فرط الغواية

من شرفة لشرفة تمضي به شوقا

كأنه جناحي فراش قزحي

مطر.. مطر

يشرد كل شيء

أسراب الطيور المهاجرة عند المساء

عيون الغزلان الهائمة

جداول النهر الحالمة بالحكاية

عزف القيتارة على الشرفات

أنوار المصابيح المشتعلة

ما بين ظلال الأزقة القديمة

وصور الذكريات

***

عبد الرزاق اسطيطو

 

مُهداة الى صوت العدالة الإنسانية

في ذكرى مولده المبارك

***

المَجْدُ، والعِزُّ، والعَلياءُ، والشِيَمُ

في جَوْهرٍ، عجَزَتْ عن وصفِه الكلِمُ

*

لمّا العَلِيُّ قضى، أنْ يُولدَ الأمَلُ

في الكعبةِ، ازدانَتْ الأركانُ والحَرَمُ

*

وشاءَ أنْ يَصطفي للمُصطفى، عَضُداً

به المَسِيرَةُ، نِبْراسٌ ومُعتَصَمُ

*

للأفقِ إشراقةٌ، في يوم مولِدِه

ولِلكواكبِ مِنْ عَليائهِ، سَهَمُ

*

إرادةُ اللهِ، أنْ يختارَ فاطمةً

لمَنْ، لوالِدها أزْرٌ، به شَمَمُ

*

فَحاطَ بالنور نورٌ، في اقترانِهما

وبارَكَ المُصطفى، فانْهالت النِعَمُ

*

وللكراماتِ أحْداثٌ، مُؤرَّخَةٌ

وللمَواقِفِ رأيٌ، فيه تنحَسِمُ:

*

لمّا فدَيْتَ رسولَ الله، مُلتَحِفا

تصدّعَ القومُ، حتى بانَ مَكرُهُمُ

*

والشمسُ مَدّتْ سناها في تألُقِها

فانسابَ بين يديها الحِلمُ والحِكمُ

*

وَزانَها، أنّ طيْفاً من مَحاسِنِها

نظِيرُه فيك، حيث النورُ يرتسِمُ

*

مَن رامَ وَصْلَ المَعالي، صِرتَ قدْوَتَه

والشأنُ تعْلِيه أسبابٌ، لها قِدَمُ

*

خُلِقْتَ أن لا تُحابي في الخَفاء يَداً

لأن كفَّكَ في وضح النهار، فَمُ

*

للتِّبْرِ أمْنِيةٌ، في أنْ تُقَلِبَه

يَداك، حيث تَباهى السيفُ والقلمُ

*

والعَبْقريةُ، مُذ فعَّلتَها سَجَدَتْ

لله، إذ أصبحَتْ للعَدلِ، تحتَكِمُ

*

أكرَمْتَ كلَّ يدٍ، العَوْزُ ألجَأها

حتى وأنت تُصَلي، نالها الكَرَمُ

*

وفي القضاء، انحَنى كلُّ القُضاةِ لما

حَكَمْتَ فيه، فزالَ الشكُ والوَهَمُ

*

أنصفْتَ حتى عَلا، في الأفق صوتُهُمُ:

(عَدلُ عَليٍّ) صِراط ٌ، فيه نلتَزِمُ

*

حتى السِراجُ ببيت المال صار له

حديثُ حقٍ، به الأمثالُ تُختَتَمُ

*

والمَعْنَويَّةُ قد فَعَّلتَ هاجِسَها

في نَفْسِ مَن قد غزاهُ الوَهْنُ والهَرَمُ:

*

فكان عدلك، في قوْمِ المسيح له

صدىً يُعززُ في الأخلاق نهْجَهُمُ

*

لذي الفقار اقترانٌ فيك، أرَّخَهُ

ما كلُّ سيفٍ، به الأعداءُ تَنهزِمُ

*

سيفٌ، إذا كفُّك المهيوبُ أمْسَكهُ

قبل النِزالِ، يَحُلُّ اليأسُ عندهُمُ

*

به، قطعتَ جذورَ الشِركِ، مُرتَجِزاً

واستسلمَ الخَصمُ، لا سيفٌ ولا عَلمُ

*

خطىً مَشيتَ، بإيمانٍ وتضحيةٍ

فانْهارَ مِن وَقْعِها الطاغوتُ والصَّنَمُ

*

يامَن أخَفْتَ العِدا في كلِّ مَلحَمَةٍ

إذ كلما قَيل: ذا الكرّارُ، هالَهُمُ

*

إذا رجَزْتَ، فلِلأجواءِ هيْبَتُها

وللحَماسةِ، في أصدائها حِمَمُ

*

تَزلزَلَ الخَصمُ، في (بَدرٍ) وأرَّقَهُم

قبل الطِعانِ فتىً، فانهارَ عَزمُهُمُ

*

طيّبتَ نَفْسَ رسول الله، حين دعا

في (خندق) الحَسْمِ، حيثُ الحربُ تَحتدِمُ

*

زَهْوُ الرؤوس تَهاوى بعدَ مُعجِزةٍ

ب (بابِ خيبرَ) أوْدَتْ، واختفتْ قمَمُ

*

دَيْمومَةُ النصرِ، في قوْلٍ يجَسِّدُهُ

فِعلٌ، وقد فُقْتَ في التجْسيدِ خَطوَهُمُ

*

أعطيتَ دَرساً لِمَن ضَلَّ السَبيلَ، وعنْ

مَن اهتدى، زالَ عنه الوَهْمُ والعَتَمُ

*

إذا تصَعَّرَ قومٌ، في الذي كسبوا

ثمّ اقتدوا بك، زال الزّهْو والزَّعَمُ

*

تَباشَرَ الجُندُ لمّا النصرُ حالفَهم

وكَبَّروا: لا فتىً إلّاكَ، بَينَهمُ

*

ما دارَ طرْفُكَ، إلّا الحَقُ هاجِسُهُ

والحقُ صِنْوُكَ، موصولٌ به الرَحِمُ

*

ناداهُمُ المصطفى: انتَ الولِيُّ لهم

فصَوَّتَ القومُ، بالإيجاب كُلُهُمُ

*

إنّ الأناةَ ونهْجَ الحِلمِ، إنْ جُمِعَتْ

كما أشَرْتَ لها ... تعلو بها الهِمَمُ

*

والصَّمْتُ إنْ لاءَمَ الأجْواءَ، يَسْمو بها

والهَذْرُ آخِرُه ... الإحْباطُ والنَدَمُ

*

كلامُك الدُّرُ، والآفاقُ تَشهَدُه

قد حَرّكَ الوعيَ (فيمَن قلبُه شبِمُ)

*

في سِفْرِ نَهْجِك، للأجيال مَدرسَةٌ

تَبْني العُقولَ، وفيها تزدهي القِيَمُ

*

عَقلٌ بلا أدبٍ، مِثلُ الشجاع بلا

سيفٍ، وقولك هذا منه نَغْتَنِمُ

*

بلاغة القول، للفرسان موهبة

والمقتدون بهم يسمو سلوكُهُمُ

*

بَلغْتَ في صِلةِ الأرحام مَرْتَبَةً

مَن سارَ سَيْرَك، لم تَعْثرْ به قَدَمُ

*

طمْأنْتَ أنْفُسَ أيتامٍ، جَعلتَهُم

يَرَونَ فيك أباً، يجْلي هُمُومَهمُ

*

أوْصيْتَ: أنْ يَسْتَشيرَ المرءُ مَنْ وثقتْ

بهِ العُقولُ، ومَنْ بالرأي يحتَرَمُ

*

كما استَشَرْتَ عقيلاً، إذ أشارَ الى:

(أم البنين).. بِبَيت الطُهْرِ تَنْتَظِمُ

*

فكان منها ابو الفضل الذي افتَخَرَتْ

بنَهْج سَيْرِه، في تاريخها الأممُ

*

أرسى ابو الحسَنين، العِزَّ في عَمَلٍ

إذ لاتعصُّبَ، لا تَمْويه يَخْتَرِمُ

*

لاطائفيّةَ، لا تفريقَ في زمَنٍ

قد كان رأيك، فيه الحَسْمُ والحَكَمُ

*

في قولِك: الناسُ صِنفان فإما أخٌ

في الدِّينِ، أو في صفات الخَلْقِ يَتّسِمُ

*

لمّا الخِلافةُ قد حيَّتْك قلتَ لهم:

بسيرة المصطفى، الأجواءُ تنسجمُ

*

ناديتَ: انّي بجُلبابي أتيْتُكُمُ

وفيه أخرجُ، حيث الحق والنُظُمٌ

*

الحَقُّ يَعْلو، فطُوبى للذين سَعَوا

أنْ يَقْتَدوا، لِيَزولَ الظُلْمُ والظلَمُ

***

(من البسيط)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

 

هذه المرأة غلّبتني. نسّتني أنام الليل، بتّ أنام مفتّح العينين لكثرة ما شاكستني وخالفتني، حتى أنني بتّ أتوقّع المشكلة بين كلّ فتح باب وإغلاقه. على الطالع مشادّة وعلى النازل في المقابل مشادة أخرى. بالاختصار يمكنني القول أنها.. حين بداية هذه القصّة، غلبَتني مرات وبالكاد غلبتها مرة.. او نصف مرّة. بقي وضعها يجري على هذا النحو الى ان هدأت مثلَ عاصفةٍ انهت مهمتها، او افعى افرغت سُمّها في جسد غير مفتئت او معتدٍ. نعم فقد هدأت. لأجد نفسي بين الف سؤال وسؤال.. ما الذي حدث لها. في البداية جمعت بيننا المحبة وطالما كانت تتصل بي خلال عملي في المصرف، لتسال عن هذا الامر او ذاك. كانت في الواقع تبتكر الأسئلة وتفتعلها افتعالا، للاتصال. ضايقتني اتصالاتها وتسببت لي بالكثير من الاحراجات حتى ان بعض الزملاء الاشقياء باتوا يعتقدون انني امسيت ضحية امرأة عاشقة ومحبة. منوهين الى انه يوجد هناك في البنك رجل ذو عين زائغة ولحية ناعمة. لذا لم يكن امامي من مفرّ سوى ان اهتف بها وان احاسبها طالبًا منها ان تخفّف من اتصالاتها تلك. وكان ان استجابت زوجتي بصعوبة لطلب التخفيف من الاتصالات وابتدأت حالة فطام، كما خيّل لي، مُنقصةً كل يوم اتصالا إلى أن توقفت اتصالاتها نهائيا. لتبدأ بالتالي.. مرحلة أخرى في علاقتنا الزوجية. تمثلت في المشادّات اليومية المتواصلة حينا والمتقطعة في بعض الحالات.

هكذا وجدت نفسي وسط معركة لا تنتهي مع تلك الزوجة، لأفاجأ بها تنتقل الى حالة من الهدوء، فحالة من الاتهامات،.. انت رجل خائن ذو عين زائغة ولحية ناعمة، انت لا تؤتمن، وطالما استمعت الى من يتهمك من زملائك في الموظفين في البنك، هناك مَن تتصل بك يوميا. انت توقفت عن محبتك لي، لذا لن اخلّف لك الأولاد، وعندما كنت اقسم لها انني لست كما تظن وتعتقد، وأن صاحبة تلك الاتصال ما هي الا حضرتها، فقد كانت تستشيط غضبًا، وتعود الى مشادّاتها المحيّرة.. ما جعلني اشعر انني انما أعيش في مشكلة متواصلة لها بداية وليس لها نهاية. الامر الذي أدخلني في حيرة متواصلة ودفعني لأن اطلب إجازة من عملي، لقضاء وقتي بالتالي في المقاهي والمقاصف المنتشرة في طول البلد وعرضها. في تلك الفترة حدث امر آخر اثار استغرابي واستهجاني، فقد دخلت زوجتي في مرحلة أخرى من الخلافات والمشادّات، فهي ترفض ان اقترب منها كلّما حاولتا، وهي الى جانب هذا، تتبرّج وتتزين، بصورة لافتة وغير مسبوقة، وعندما سألتها عن سبب كل تلك التغيّرات والتبدّلات، والتبرجات أيضًا، نظرت الى باستهانة واستهزاء، غامزةً بعينها اليمنى، ومقترحة عليّ ان اسأل اهل المعرفة والخبرة عن السبب الذي يدفع المرأة للتبرّج والتجمّل. أما عندما سألتها لمن تتبرجين ما دمت ترفضين ان اقترب منك، فقد ردّت بأنفة وشمم قائلة: لنفسي. انا اتبرّج لنفسي. لا أحد هناك يستحق ان اتبرّج له ومن اجله. فكل الرجال خائنون. وانت اولهم.

اثارت تصرّفات زوجتي هذه العديد من التساؤلات فبتّ وكأنني أعيش في متاهة لا مخرج منها. وكان ان استمعت خلال ترددي على مقاهي البلدة ومقاصفها، الى مَن يتحدّث عن النساء في فترتنا الحالية الجارية، فترة وسائل الاتصال الاجتماعي، والهاتف الخليوي، فانت عندما تتشاجر مع زوجتك فإنها لن تجلس لتندب حظها التعس، وانما ستتوجّه الى غرفتها الخاصة وسوف تغلق عليها بابها مُحكمةً إياه بادعاء انها لا تريد ان تراك، ولتجد نفسها في داخل غرفتها بالتالي تتلقى أكثر من خمسة الاف دقّة على بابها المُغلق ذاك. المرأة يا صاحبي لم تعد تلك التي كانت في الامس. فكن يقظًا وإلا وقعت ضحية نومتك غير السعيدة.

عندما استمعت الى هذا الكلام ومثله مرة تلتها مرة و.. مرة.. كان لا بدّ من ان يلعب الفار في عبُّي، وان افكّر مجرّد تفكير، في اتخاذ خطوة ما. ويبدو انني دخلت في الأجواء المستجدة، فرحت اعود الى البيت بصورة متوقّعة حينا وغير متوقعة أحيانا. وكان لا بدّ والحالة تلك من ان وقوم بفعل ما. اخبرت زوجتي، انني سأغيب عن البيت مدة ثلاثة أيام، وقلت لها إنه بإمكانها أن ترافقني، فرفضت قائلةً لي، انها لا ترافق رجالا غرباء. وقد قضيت الليلة الأولى في بيت صديق تعرّفت إليه خلال جولاتي في المقاهي والمقاصف، وقرّرت في الليلة الثانية العودة الى البيت، تسلّلت داخلا اليه على رؤوس اصابعي، توقفت قريبًا من باب زوجتي المغلق، لاستمع اليها وقد رفعت سماعة خلويها، وراحت تستمع إلى صوت رجالي يفيض بأحلى الكلام. وكان اقلها أميرتي وسيدتي واصيص وردتي. اما زوجتي فقد راحت تتضاحك. بين الكلمة والأخرى، ما جعل محدّثها يندمج أكثر بالدور، فيفيض عليها بالمزيد من الكلام، بل إنني فوجئت به يقرأ عليها شيئا من اشعار عمر ابن ابي ربيعة وسعيد عقل ونزار قباني. وكنت اشعر ان قراءته تلك الاشعار تُدخلها في حالة من البهجة والسعادة. بل انني تصوّرتها تعبث بشعرها الناعم المسترسل، مبعثرة إياه حينا ومعيدة ترتيبه احيانا.

توقّفت قُبالة بابها المُغلق متفاجئا مبهوتا، وشرعت بالتفكير فيما يمكنني ان افعله. هل ارتكب جريمة؟.. لست قاتلًا ولا مجرًما. هل أطلّقها؟.. لا.. لن افعل فانا أحبّها، وزاد في رفضي طلاقها، انني فهمت مما استمعت اليه من كلام بينها وبين ذاك الزعيم، ان العلاقة ما زالت في أولها. ماذا بإمكاني أن افعل؟.. وكان أنني توصّلت الى فكرة ما لبثت أن بادرت بتنفيذها.

خرجت من البيت متسلّلا على رؤوس اصابعي، بالضبط مثلما دخلته. توجّهت الى أحد الفنادق المنتشرة في البلدة. استلقيت على سرير واسع هناك، تناولت تلفوني وضغطت على نمرة خليوي زوجتي. كان خليويها.. كما توقّعت.. مشغولًا، فواصلت اللعبة. اتصلت بها مرّة أخرى، وحدث ما توقّعته، فقد ردّت بسرعةٍ.. ما عنى انها عرفت انني أنا المتصل. وابتدأتُ اتحدث اليها عن رحلتي الرائعة في حدائق الورد وجزر المُرجان، وعندما اندمج كل منّا بالدور، وجدتني اقولها لها بأرق ما في روحي وقلبي من كلام وشعر.. تمنيتك ان تكوني معي. لا أنكر ان زوجتي تفاجأت في البداية، الا انها عندما اندمجت بالدور نسيت نفسها وواصلت الحديث معي. وكنت كلّما شعرت بان ذاك الزعيم يتصل بها ويلح بالاتصال، اواصل تودّدي اليها، واقرأ لها من كتاب عيون الشعر الغزلي العربي.. وحتى الأجنبي.

طال الاتصال فيما بيننا، ووجدت نفسي أعيش قصة حبّ جديدة ومتجددة. والطريف انني كلّما كنت اتحدّث في مواضيع الحب والغزل أجد المزيد من الكلمات والاشعار. هل كان ذلك بسبب تشجيعها وتفاعلها؟.. الاغلب ان الامر كان كذلك.. عندما شعرت انها تعبت قليلًا، قلت لها إن شوقي لها كبير، غير انني لا اريد ان ارهقها. وزدت هامسًا في اذنها.. ارتاحي الآن قليلا.. بعد ساعة او أكثر قليلا سأتصل بك. فانا كلّي شوق اليك. الى روحك الحلوة وقلبك الطيب الطاهر.

بعدها. تعمّدت الاتصال بها قبل مضي الساعة الموعودة رغبة مّني في ان اعرف ما إذا كان هاتفها مشغولًا، وفوجئت به هذه المرة، منتظرًا ومتوقعًا اتصالي. سرّني ما توصّلت اليه في مغامرتي تلك. فقرّرت ان اواصل اللعبة حتى ذروتها المتوقّعة. وزدت انني مدّدت رحلتي ثلاثة أيام أخرى. وكنت كلّما خطرت زوجتي الحبيبة في بالي.. اتصل بها.. حدّ انها رجتني ان اقطع رحلتي وأن اعود الى البيت.. فهي لا تطيق بُعدًا عنّي. وعندما ابتكرت قصة مفادها ان شخصا آخر.. في الخيال، هو انا.. في الواقع، ورويت لها تفاصيلها ممثلةً بخلاف زوجته المتواصل معه. ومشادّاتها اليومية معه.. ضحكت من أعماق قلبها وهي تهتف بفرح طفولي: الله يبعد عنا شرّ المشادات واهلها.

***

قصة: ناجي ظاهر

نَهَدَ القَمرُ

وَظِلَالُنَا فَارِغَةٌ حَتَّى مِنَّا

وُرَيْقَاتُ الجُورِي

تَهْذِي وَحِيدَةً

فُستُقَةٌ شَارِدَةٌ

بَيْنَ مَدَافِئِ اللَّيْلِ

تَتَلاَشَى فِي الشَّوْقِ..

**

صَفيرُ الذِّكْرَى..

أَنِينُ نَوْرَسَةٍ

**

لَسَعَاتُ الحَنِينِ

تَبْتَلِعُ شَهَقَاتِي

عَصَافِيرٌ تَرْتَعِشُ

**

أَنا فَتَاةُ الثَّلْجِ

عَلَى ثَغْرِكِ يَا شَامُ

أَذُوبُ لَهْفَةً

بَيْنَ يَاسَمِينِكِ

تَسْقُطُ بكَارَةُ قَلْبِي

**

أَحْمِلُ سَلَّاتِ السَّكِينَةِ إلَيْكَ

بِنُكْهَةِ البَرَاءَةِ

أَرْتَدِيْتك عِطْرَ بْقَائِي..

مِعْطَفَاً لِأنْفَاسِي

عَانِقْنِي بَعِيدًا

عَنْ تَرَاتِيلِ الفَنَاءِ

**

شَوَاطِئٌ تُسَافِرُ

مَعَ كُلِّ مَوْجَةٍ

البَحْرُ صَامِدٌ

العَدَمُ  أَسِيْرُ الوُجُودِ

وُجُودُنَا مَرَافِئُ

لَا اااااااااااااااتَرْحَل.

***

سلوى فرح - كندا

في هذا المدى الذي يظنه العابرون صمتاً، وجدنا نبضاً لا يهدأ.. هنا ترقد الحياة.

 لم يكن رحيله مجرد غياب، بل كان هجرةً لجسدٍ ترك وراءه ظلاً طويلاً لا يغيب، وعيوناً سومريةً لا تزال تحرس تفاصيلنا من وراء الغمام.

هنا كان يهمس لـ "البيضاء الفراتية" وصيته التي صارت دستوراً: أن تكون كـ الدلة الذهبية الصفراء؛ شامخةً لا تنحني إلا للكرم، ولا تفيض إلا بالطيب....

علّمها أن الأنفة تليق بنساء الفرات، وأن الوقوف بوجه الريح طقسٌ ملكي لا يتقنه إلا النبلاء.....

وحين ترجّل صاحب الظل الطويل، غابت معه تلك الفراشات الضوئية التي كانت تنير ليل "الفراتية"، لكن غرفته بقيت محراباً يعيدنا في كل مرة إلى تفاصيل حياةٍ باذخة الجمال.

هناك، حيث يربض الراديو القديم، لا تزال نجاة الصغيرة تشدو بصوتها المخملي: "عيون القلب سهرانة ما بتنامشي.. لا أنا صاحية ولا نايمة ما بقدرشي" وكأن صوتها يرمم شقوق الجدران، ويستحضر طيفه الجالس في ركنه المعتاد، ليعيد ترتيب فوضى الحنين بتلك التقاليد الملكية التي لا تموت.

لقد كانت هناك فراشات صغيرة، تفتح لنا كل مساء باب الطمأنينة؛ ذلك الباب الذي بقي موارباً بانتظار تلك الفراتية، لتخطو بكل شوقها نحو بلاطه الذي ترقد فيه حياة؛ فتدخل، وتستعيد من سكونه القوة، ومن شدو نجاة الأمل، ومن رُقاده روحاً أبت أن يطويها النسيان....

***

د. نسرين إبراهيم الشمري

 

وأنتَ تمضي خفيفًا

كأنّ الطريقَ تخلّى عن ظلِّه

كنتَ تُصغي لوقعِك

لا لتصل

بل لتتأكدَ أنَّ الأرضَ ما زالتْ هنا.

تلمسُ جيبَكَ

فتجدُ الوقتَ مثقوبًا

وساعةً لا تشيرُ لغيرِ ارتباكِكَ

تسألُ العابرينَ

ولا أحدَ يرفعُ رأسَه

كأنَّ الوجوهَ مرايا مكسورة.

كنتَ وحدَكَ

بين فكرةٍ لا تكتمل

وخوفٍ تعلَّمَ المشيَ قبلَكَ

تحسُّ جسدَكَ فكرةً

والفكرةَ حملًا

فتفهمُ أنَّ النجاةَ

ليست مكانًا.

خطوةٌ أخرى

لا تطمئنّ

ولا تتراجع

فالطريقُ لا يعرفُ أسماءَنا

لكنَّهُ يحتفظُ بأثرِنا.

وإذا ما تعثَّرتَ

لن يكونَ السقوطُ نهاية

بل فاصلة

يتغيَّرُ بعدها معنى الاتجاه.

ستغيبُ قليلًا

كمن يدخلُ جملةً ناقصة

ثم يخرجُ منها

وقد صارَ المعنى

أثقلَ

وأصدق.

***

جاسم الخالدي

إلى: رشيدة العسول وفوزية رفيق

يَا لِلْخَاطِرِ يَحْدِسُ تَوْأَمَهُ الْوَرْدِيَّ الْجَمِيلَ..

فَلَا يَلْبَثُ أَنْ يُرْسِلَ تَحَايَاهُ،

حَتَّى تَجْلُوَ السَّمَاءُ بَهَاءَهَا الْأَثِيلَ..

وَجْهُهَا الذَّهَبِيُّ الْمُتَجَلِّي،

فِي صَدَاقَةٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا..

**

كَمْ مَرَّةً،

لَا أَعْبَثُ بِتَوَقُّعَاتِي..

بِآجَالِ الْغُيُومِ الَّتِي سَتَسْقُطُ تِبَاعًا،

وَفِي نَصْلِهَا وَدَاعٌ أَخِيرٌ،

وَجِدَارٌ يَقِفُ عَلَى حَافَةِ الْأَمَلِ..

ثُمَّ،

تَطْفِقُ صَدِيقَتَايَ بِاسْتِعَادَةِ الزَّمَنِ..

فِي تَجَرُّدٍ وَاسْتِنَارَةٍ..

كَأَنَّهُمَا مُنْتَبِهَتَانِ لِاسْتِيقَاظٍ جَدِيدٍ

فَوْقَ سَابِعِ الْأَضْوَاءِ..

**

فِي كَمِينِ التَّدَاعِي،

يَتَأَبَّطُنِي كَلَامٌ أَقْرَبُ لِلشِّعْرِ مِنْ قَلْبِهِمَا..

وَبِلَا هَوَادَةٍ، أُهْرِعُ إِلَى الْقَصِيدَةِ،

مُنْسَاقَةً لِغَيْمَةٍ قَادِمَةٍ..

لِرُوحٍ جَدِيدَةٍ تُعْتِقُنِي مِنْ شَرَاسَةٍ،

كَسَيْلٍ سَاحِيَةٍ تَنْجَرِفُ إِلَى رُكْنٍ قَصِيٍّ..

وَتَسْتَحِثُّنِي عَلَى الْمَشْيِ

بِاسْتِعَارَتَيْنِ نَظِيرَتَيْنِ،

عَالِقَتَيْنِ بَيْنَ الْحُلْمِ وَالْيَقَظَةِ..

***

لالة مالكة العلوي

شاعرة وباحثة مغربية

كان أول ما باغت حواسي، وأنا أنسلّ داخل السوق الشعبي في قلب المدينة، تلك الرائحة الكثيفة للفول السوداني المحمّص، رائحة لا تُشمّ بقدر ما تُستعاد، كأنها ذاكرة قديمة انفلتت من قبضتها وراحت تلاحق العابرين. لم تكن صاعدة من محمصة فحسب، بل من طبقات خفية في الروح، من مطابخ الطفولة، ومن ليالٍ فقيرة كانت النار فيها أوفى من البشر.

وسط الضجيج المتشابك، وقفت العربة الحمراء بثباتٍ لافت، كأنها وتد صغير يشدّ المكان إلى معنى أعمق من البيع والشراء.. بعجلاتها العتيقة، وهيئتها المتواضعة، بدت ككائن أليف يعرف قدره وحدوده، ويؤدي مهمته دون ادّعاء.

خلفها، كان العم صالح.. لا يرفع صوته، ولا يتلفت كثيرًا، لكنه يدير المشهد كله بحضور هادئ يشبه حضور القادة الذين لا يحتاجون إلى أوامر. احدى يديه تمسك مقبض دولاب التقليب، تديره بإيقاع متزن، بطيء، كأنه يقيس الزمن لا النار، يمنح الفول حقه الكامل في النضج، دون استعجال أو قسوة. في تلك الحركة الدائرية صبرٌ طويل، وصيغة حياة تعلمها باكرًا: أن الأشياء لا تُثمر بالقهر. أما يده الأخرى، فتعود لترتيب الأكياس الورقية والمخاريط بعناية شبه طقسية، لا ارتباك فيها ولا زيادة، وكأن كل كيس هو وعد يجب أن يُسلَّم كما ينبغي. كان نظامه الداخلي صارمًا لكنه حنون؛ لا يخنق الفوضى، بل يروضها.

بدا في أواخر عقده السادس، غير أن قامته المنتصبة توحي بأن السنوات عبرته دون أن تتمكن من كسره. لحيته البيضاء تعكس الضوء كصفحة عمر أنهكها الزمن، وخطوط وجهه العميقة ليست تجاعيد بقدر ما هي أرشيف صامت لأيام ثقيلة. كان يرتدي دشداشة نظيفة، بسيطة، وحطّة بيضاء مطوية بعناية، تستند أطرافها خلف ظهره كي لا تعيق يديه. في مظهره وقار لا يُستعرض، وطمأنينة لا تُستعار.

كل من يمرّ بقربه يمدّ يده، يلتقط حفنة من الفول، ويلقي التحية في عجالة: «السلام عليك يا عم صالح». وهو يرد بابتسامة مألوفة، كأن هذا الفعل جزء من اتفاق غير مكتوب بينه وبين السوق. لم يكن اعتراضه ممكنًا، ولا اعتراضهم واردًا. العم صالح لم يعد مجرد بائع؛ صار تفصيلاً ثابتًا في ذاكرة المكان، مثل ظلّ لا يُفكَّر في غيابه.

وقفتُ أمامه مأخوذة بالمشهد كله. بالعربة، بالرائحة، بحركة اليدين، وبذلك التوازن العجيب بين البساطة والامتلاء. شعرتُ بشيءٍ يشبه الحنين، كأنني أرى ملامح والدي في صبره الصامت، في تلك القدرة على العمل دون شكوى، وعلى الاحتمال دون استجداء.

مددتُ يدي لأفتح غطاء عدسة الكاميرا، ثم ترددت. بدا لي أن الصورة لا تُلتقط قبل أن تُستأذن روحها. تقدّمت نحوه، فبادرني بابتسامة دافئة، ومدّ مغرفته الصغيرة مملوءة بالفول:

- تفضّلي..

  ذوقي..

قلت، دون تفكير:

- بل املأ لي كيسًا كاملًا، لو سمحت.

وحين ناولته النقود، سألني بهدوء لا يحمل فضولًا:

- غريبة عن البلد؟

أجبته مبتسمة:

- نعم… لكن كما قال الشاعر فخري البارودي: بلاد العرب أوطاني.

هزّ رأسه ببطء، كأن العبارة أعادت إليه زمنًا كان يظنه انتهى:

- نعم يا ابنتي… ذاك زمن العروبة الصافية.

ثم قال، بنبرة حاسمة دافئة:

- أستحلفك باسمها أن تقبلي هذا الكيس هدية.

أربكني كرمه. شكرته، وطلبت كيسًا آخر للأصدقاء. ملأه وهو يبتسم، كأن العطاء عنده عادة يومية لا تستدعي التفكير.

طلبتُ أن ألتقط له صورة. استقام في وقفته، وأعاد ترتيب حطّته، وابتسم:

- بكل سرور.

في تلك اللحظة، أدركت أنني لا أصوّر رجلًا يبيع الفول، بل ألتقط ملامح جيلٍ كامل، اختصر حياته في عربة صغيرة، وترك في السوق معنى خفيًا للكرامة.

ابتعدتُ قليلًا لأؤطر المشهد، فإذا بصوتٍ نسائي ناعم يقترح أن تلتقط لي صورة معه. وقفتُ إلى جواره، ثابتًا كما هو، بلا تصنّع. الصورة لم تكن حدثًا عنده، بل بدت كأنها امتدادًا ليومه.

بعدها قالت السيدة، بنبرة اعتزاز:

- العم صالح رمز هذا السوق… المدينة تعرفه وتفخر به..

ابتسمت لها ودعوتها لتناول القهوة في مقهى قريب.

كانت رائحة البخور تختلط بالقهوة، والزمن يلين. سألتها:

- ما حكايته؟

ابتسمت:

- ما يُكتب عنه في الصحف لا يُشبه ما عاشه. هو ابن بيتٍ قدّم أبناءه شهداء للوطن.

 والده وعمه أُعدما على جدار البيت. كان طفلًا حينها، لكنه ورث النار قبل الاسم.

كبر وهو يحمل ذلك الإرث كوسامٍ داخلي. بعد الاستقلال، لم يعرف الراحة. واجه الظلم بعناد وكرامة نبيلة.. بكبرياء من يرى نفسه حارسًا للحق، حتى لو خسره الجميع. دخل السجن مرات، وخرج في آخرها بساقٍ مبتورة، كأن الجسد دفع ثمن ما أصرّت الروح على قوله.

لكن الكسر الحقيقي كان في البيت: زوجته رحلت، تاركة له خمسة أطفال. عندها صمت.. لا استسلامًا، بل توبة داخلية. قرر أن يهب ما تبقى من عمره لهم. اشترى هذه العربة، وصارت رفيقة عمره. عمل حتى تخرّج أبناؤه أطباء، وبنته الصغرى على مشارف المحاماة.

سألتها:

- ولماذا لا يستريح؟

قالت:

- يقول لأولاده دائمًا: هذه العربة ربّتكم معي. كيف أتركها؟

غادرنا المقهى.

 بقي العم صالح هناك، بساقه الخشبية وقامته العالية.

 رجلٌ خسر الكثير، لكنه ربح معنى نفسه. لم يكن بطلاً في الشعارات، بل في الصبر. وفي رائحة الفول المحمّص، التي تشهد: أن الوفاء قد يكون مهنة، وأن الأبوة، حين تُخلِص، تتحوّل إلى بطولة صامتة… لا تزول.

***

سعاد الراعي

 

اَلْوَرَقَةُ تَنهضُ قَبلي

تَغسلُ دُموعَ القلَمِ وَتنتظِرُ

اَلسَّرِيرُ أَيضًا يَنتظِرُ

لَا يقبلُ أَنْ يَنَامَ

*

يُطالبُنِي أَنْ أَقرأ لَهُ عَنِ السَّمَاءِ التِي بِلَا نُجُومٍ

وَالمَدِينَة الَّتِي جَسدُهَا مُنتفخ

*

اَلمَدِينةُ حُبْلَى بِأَيتامٍ يَرْفُضُونَ أَنْ يَتوقفُوا عَنِ الصُّرَاخِ

لِأَنَّهُمْ آباءٌ وَأُمَّهَاتٌ

أَكَلَهُمُ اللَّيلُ ثُمَّ رَمَى بِهِمْ

فِي نَهَارٍ مُتخَمٍ بِهَيَاكِلَ

تَلْعَبُ مَعَ الْمَوتِ وَتُغَنِّي!

*

أَنَا أَيضًا لَنْ أَتَوَقفَ عَنِ الصُّرَاخِ

بِسَبَبِ الْوَرَقَةِ الَّتِي تَنهضُ قَبلي!

اَلْيومَ، وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ.

*

شَمَمْتُ نَظرَةَ طِفلٍ يبصَفقُ عَلَى الْجُوعِ

كَيْ يَبْتَسِمَ!

*

تِلكَ النظرَةُ وَضَعَتْ رَأْسِي تَحْتَ قَدَمَيَّ

لِهَذَا رَكَضتُ إِلَى قَبرِ أُمِّي

– أُرِيدُ أَنْ أَنَامَ –

*

أَنَا النخلَةُ الْوَحِيدَةُ

الَّتِي مَا زَالَ رَأْسُهَا بَاقِيًا ومثقوبًا!

فِي كُلِّ ثقبٍ طِفْلٌ أَكْبَرُ مِنْ أَمْرِيكَا

عَلَى أَصَابعِهِ بَسَاتِينُ وَطُيورٌ مُلَوَّنَةٌ!

*

أَنَا النّخلَةُ الْوَحِيدَةُ

رَكَضْتُ قَبْلَ أَنْ يُغْلِقَ الْقَبْرُ أَبْوَابَ عُيُونِي

وَلَمَّا وصلتُ

وَجَدْتُ أَبِي جَالِسًا عَلَى مَوْتِهِ وَيَنْتَظِرُ!

*

فِي تِلْكَ السَّاعَةِ

لَمْ تَنْهَضِ الْوَرَقَةُ قَبلي

كَانَتْ زَرْقَاءَ تَمَامًا

*

تَرَكْتُ بَيَاضَهَا

إِلَى جُنُودٍ وَرَصَاصٍ وَأَنَاشِيد حَرْبٍ!

وَكَانَتْ تَنظِرُ وَتَنْتَظِرُ دُمُوعَ الْقَلَمِ

كَيْ تَغْسِلَ جِثتَها

وَجثتي

وَجَسَدَ السَّرِيرِ

الَّذِي تُوُفِّيَ

قَبْلَ أَنْ تَلِدَنِي أُمِّي بِسنين!

***

حسن رحيم الخرساني

 

أ- [الصَّوْتُ الدَّاخِلي]

مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي دَاخِلي حِينَ أَسْكُتُ؟

الصَّدَى لَا يَمْلِكُ صَوْتًا، لَكِنَّهُ يُعيدُ سُؤَالي،

كَأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَنَا، بَلْ ظِلُّ سُؤَالٍ بِلَا جَوَابٍ،

يَمْشِي في مِرْآةٍ مَكْسُورَةٍ، يَتَقَطَّعُ كُلَّمَا اقْتَرَبْتُ مِنْهُ

أُنَاظِرُهُ.. أُحَاوِلُ أَنْ أُسْكِتَهُ.. فَيَزْدَادُ صَوْتًا،

كَأَنَّني أَتَكَلَّمُ إِلَى ظِلِّي.. وَالظِّلُّ يَتَكَلَّمُ إِلَى ظِلِّهِ

وأَعْرِفُ أَنَّ الصَّوْتَ الَّذي في دَاخِلي لَيْسَ أَنَا،

بَلْ أَنَا الَّذِي أَسْكُنُ فِي صَوْتِهِ.. فَإِذَا سَكَتْتُ.. صِرْتُ هُوَ

وَإِذَا نَطَقْتُ.. صِرْتُ صَمْتًا.. فَأَعُودُ إِلَى الظِّلِّ..

وَأَعْرِفُ أَنَّني لَمْ أَكُنْ أَنَا.. بَلْ كُنْتُ سُؤَالًا يَسْأَلُني

ب- [المِرْآةُ]

نَظَرْتُ فِي المِرْآةِ فَلَمْ أَرَ وَجْهي،

رَأَيْتُ طِفْلًا يَنْتَظِرُ أَبَاهُ، وَشَابًّا يُوَدِّعُ حَبِيبَتَهُ،

وَشَيْخًا يَنْسَى اسْمَهُ.. وَامْرَأَةً تَبْكِي عَلَى صُورَةٍ قَدِيمَةٍ،

فَقُلْتُ: "أَيْنَ أَنَا في كُلِّ هَذَا؟"

فَأَجَابَتْ: "أَنْتَ الصَّمْتُ بَيْنَ المشَاهِدِ.. أَنْتَ الْفَجْرُ الَّذي لَمْ يُشْرِقْ بَعْدُ"

وَأَعْرِفُ أَنَّ الْمِرْآةَ لَا تَكْذِبُ.. بَلْ تُرَاوِغُ،

تُرَاوِغُني حَتَّى أَصِيرَ ظِلًّا.. حَتَّى أَصِيرَ سُؤَالًا..

حَتَّى أَصِيرُ أَنَا.. فَإِذَا صِرْتُ أَنَا.. انْكَسَرَتِ المِرْآةُ،

وَانْتَثَرَتْ أَسْقَاطُهَا.. فَوْقَ كُلِّ وَجْهٍ كُنْتُ أَحْمِلُهُ..

وَصِرْتُ أَنَا الْمِرْآةَ.. وَصِرْتُ أَنَا الظِّلَّ.. وَصِرْتُ أَنَا الصَّمْتَ

ج- [صَدًى يَكْتُبُني]

أَسْمَعُ صَدًى يَكْتُبُني في الظُّلْمَةِ،

يَكْتُبُني ثُمَّ يَمْحُوني.. يَكْتُبُني ثُمَّ يَمْحُوني،

كَأَنَّني كَلِمَةٌ لَا تُرْضي القَارِئَ.. فَأُعَدِّلُ مِنْ حَرْفي..

فَأُصْبِحُ حَرْفًا آخَرَ.. فَأُصْبِحُ صَمْتًا آخَرَ..

وأَعْرِفُ أَنَّني لَسْتُ أَنَا.. بَلْ أَنَا الصَّدَى الَّذِي يَكْتُبُني..

وَإِذَا كَتَبْتُ.. صِرْتُ أَنَا.. فَإِذَا صِرْتُ أَنَا.. انْطَفَأَ الصَّدَى

وَأَعْرِفُ أَنَّني لَمْ أَكُنْ أَنَا.. بَلْ كُنْتُ صَدًى يَبْحَثُ عَنْ صَوْتٍ،

فَإِذَا وَجَدَهُ.. صَارَ صَمْتًا… فَصِرْتُ أَنَا.. فَصَارَ الصَّدَى أَنَا

د- [الكَلِمةُ تُولَدُ مِنْ رَمَادٍ]

أُوقِدُ الرَّمَادَ.. أُنَفِّخُ فِيهِ.. فَيَنْبُثِقُ حَرْفٌ صَغيرٌ،

أَضَعُهُ على الوَرَقةِ البَيْضاءِ.. فَتَبْكي.. فَتَضْحَكُ.. فَتَحْتَضِنُهُ،

أُحَاوِلُ أَنْ أَكْتُبَ اسْمَكِ.. فَأَجِدُ أَنَّ الِاسْمَ لَيْسَ اسْمًا.. بَلْ نَبْضَةً،

فَأَكْتُبُ النَّبْضَةَ.. فَتَكْبُرُ.. فَتَصِيرُ قَصِيدَةً.. فَتَصِيرُكِ

وَأَعْرِفُ أَنَّ الكَلِمةَ لَمْ تَمُتْ.. بَلْ كَانَتْ تَنَامُ،

فَأَنْتَبِهُ لَهَا.. فَتَنْطِقُ: "أَنَا هُنَا.. أَنَا هُنَا.. أَنَا هُنَا.."

فَأَصْبِحُ أَنَا الكَلِمةَ.. وَأَصْبِحُ أَنَا النَّبْضَةَ.. وَأَصْبِحُ أَنَا أَنْتَ

هـ - [المِرْآةُ الأَخِيرَة]

أَقِفُ أَمَامَ المِرْآةِ الأَخِيرَةِ.. أُقَبِّلُهَا.. أُعَانِقُهَا.. أُبْكيهَا..

أَقُولُ لَها: "أَنَا لَسْتُ أَنَا.. بَلْ أَنَا أَنْتِ.. فَاكْتُبِيني.. وَلَا تَمْحِيني"،

فَتَنْشَقُّ المِرْآةُ.. وَأَمْشي.. وَأَعْرِفُ أَنَّني لَمْ أَعْبُرْ المِرْآةَ..

بَلْ عَبَرْتُ نَفْسي.. وَصِرْتُ أَنَا المِرْآةَ.. وَصِرْتُ أَنَا الصَّمْتَ.. وَصِرْتُ أَنَا أَنَا

و- كُودَا

[هَمَاهِمُ الصَّدَى الأَخِير]

يَهْمِسُ فِيَّ صَدًى يَمْتَدُّ كَنَبْضٍ

يَعْرِفُ وَجْهِي.. وَأَعْرِفُ نُورَهْ.

كُلَّمَا قُلْتُ: "مَنْ أَنَا؟" جَاءَ ظِلٌّ

يَحْمِلُ صَوْتِي.. وَيَمْحُو صَوْتَهْ.

فَإِذَا أَغْمَضْتُ لِلصَّمْتِ رُوحِي

قَامَتْ مِرْآةٌ تُضِيءُ صَدَفَهْ.

وَإِذَا قُمْتُ.. قَامَ مِنِّي ظِلَالٌ

تَكْتُبُنِي فِي انْحِدَارِ وُجُودَهْ.

حَتَّى إِذَا انْفَتَحَتْ فَوْقِي رُؤَايَا

قُلْتُ: "قَدْ جِئْتُ.. هَذِهِ نَفْسِيَ هَذِهْ"

فَانْطَوَى الصَّوْتُ فِي دَمِي، ثُمَّ سَارَتْ

كَلِمَةٌ مِنِّي.. تُشِعُّ مِرَاتَهْ.

وَعَرَفْتُ -آخِرَ الْمَسَارِ - أَنَّ صَوْتي

لَمْ يَكُنْ صَوْتًا.. بَلْ كَانَ مَرْآتَهْ

***

د. سعد غلام

 

عُنْفُوانُ الروحِ ما بينَ النهرين

وجَدَلِ المُعْتَزِلة

***

عُروقٌ في الثرى عَشِقتْ ثراها

بِفَجْرِ الكونِ مُنْجِبةً عِراقا

*

وَأعراقاً رأتْ في الطينِ روحاً

فَشَدّتْها بلا رِفْقٍ عِناقا

*

بها مَوْرٌ يُماري عُنْفواناً

تَراكمَ عَبْرَ ماضيها طِباقا

*

وَلَمّا أشْعَلتْ غَبَشَ البَرايا

رأتْ فجرَ الخليقةِ قد أفاقا

*

وَدَجْلَةُ راوَدتْ شَبَقاً فُراتاً

أرَتْكَ النشْوةَ الحَرّى خِناقا

*

وَمَسّتْ رَجفةُ العِشقِ الثُرّيا

وَحَلَّ النَهرُ في النهرِ إشتياقا

*

حُلولاً ذاكَ أمْ بُقْيا وِصالٍ

أمِ إتَّحَدا خِتاماً وانطلاقا

*

سُلالاتٌ تُحاذِرُها المَنايا

بِغيرِ الفَوْزِ لم تَرْضَ السِباقا

*

تَعَرّقْنَ ابتِداعاً واخْتِلافاً

لِفَرْطِ غَرامِها نَبَذتْ وِفاقا

*

مَسَلّاتٌ بها الألْبابُ أفْشتْ

أساريراً فَأذْهَلَتِ السِياقا

*

بها خَطّت مَساميرُ القُدامى

أقانيماً تَوَهْجْنَ اخْتِلاقا

*

ذَوي ماضٍ شَواهِدُهُ طِباعٌ

بِها سَرَجوا لِشانِئهمْ عِتاقا

*

بِخَمْرِ الوَجْدِ والوِجْدانِ جُنّوا

وَهيْهاتَ الهَوى يُخْفي نِفاقا

*

تنانيراً تَفورُ سُدىً رُؤاهمْ

وَصِدْقُ البَوْحِ أوْرَثَهمْ شِقاقا

*

كَأنْ خُلِقتْ مثالبَهم مزايا

دَماً مِنْ حَرِّ أفئدَةٍ مُراقا

*

هُنا سكَبَ الأشاوسُ ذاتَ فَجْرٍ

دِلاءَ الشِعْرِ رَشّاً واندلاقا

*

حَزانى أدمنوا دمعَ المراثي

لِتوقِدَهمْ سُطوعاً واحْتِراقا

*

كَمَنْ شَرِبوا لَظى التاريخِ خَمْراً

وَلَمْ يَخشَوا إذا شَطَحوا انزلاقا

*

لَعَمْرِكَ ذي مواجِعُهُمْ دِنانٌ

فَإنْ سَكِروا بِها هاموا غُباقى

*

إذا شَطّتْ قوافلُهمْ حَسِبْنا

إلى المجهولِ تُوشِكُ أنْ تُساقا

*

كما النهرينِ أمزجةً غِضابى

إذا هاجَتْ بَدَتْ سَيْلاً دُفاقا

*

متى لَفَحتْ بواطِنَهمْ شُموسٌ

بَريقُ الضوءِ صَيّرها انفلاقا

*

لأمْزِجَةٍ تُماري في لظاها

بها قَمَرُ الجَوى نَسِيَ المَحاقا

*

تَفَجّرتِ البصائرُ كالشَظايا

وَنَجمٌ ثاقِبٌ شاءَ انْبِثاقا

*

كَمُعْتَزِلٍ سرى يمحو الظلاما

لَهُ نورُ النُهى أمْسى بُراقا

*

كَعِطْرِ الطَلْعِ في الأكمامِ نادى

فَحَنَّ الكُمُّ واحْتَجَّ انْفِتاقا

*

رأى الموروثَ لا يكفي دَليلاً

فما بَرِحتْ نَوازِلُها خِفاقا

*

عُقولٌ غامرتْ ترجوا خُروقاً

إلى لُبِّ الحقيقةِ واخْتِراقا

*

وَكلّا لَمْ تَشأْ أبداً مُروقاً

ولكنْ ثُلّةً تأبى انغلاقا

*

رُؤىً قارورةُ الأذهانِ تغلي

وَأحْجِيَةً مُعَتّقَةٍ مَذاقا

*

رَأوا في لُجّةِ المألوفِ قيداً

فَتاقوا من مَخالِبِهِ انعتاقا

*

تَعامى كُلُّ فُرْسانِ الفَتاوى

وصاحوا بِدْعَةً لا لَنْ تُطاقا

*

وعادوا مثلما النهرينِ لمّا

طَغى موجُ السليقَةِ ثُمَّ راقا

*

مَعاً لَجَموا غرائزَهمْ وَكادتْ

بِفَضْلِ بَصائرٍ تذوي انسحاقا

*

تلاقَوا شَأنَ نَهْرَينا وَشَدّوا

لطيفِ العُرْوَةِ الوُثْقى وِثاقا

*

هُنا  فِرَقٌ، هُنا مِلَلٌ وتأبى

برغْمِ غُلوّها، تأبى الفراقا

*

دراويشاً مواجِدُهمْ حُبالى

بِخْمرِ طريقةٍ رُشِفتْ دهاقا

***

د. مصطفى علي

 

رأيــتُــكَ حــيـــثُ أقــامَ وُدّي

فــقال بُـطَـيْـنُه: سَـعُـدَ المـقامُ

*

ومَظْروفُ الرسائلِ إنْ تَوانى

مَراسِـــيلُ الفــؤادِ، لها انْتظامُ

*

مَضامِــينُ المَـوَدَّةِ في سُـطورٍ

حَــوَتْهــا مُقْـلتي، فَغَـفا الكلامُ

*

ومَنْ غُرِسَـتْ به حُسْنُ النوايا

فــفي قَـسَماتـِه التـقـوى وِسـامُ

*

يزولُ الهَـمُّ، في اجواء صِدْقٍ

ويـَـجْــلِبُه التـشَـتّـتُ والصِـدامُ

*

ومَـن يَهـوى التصنّعَ في فِعالٍ

فـــلا يـأتــيــه إلا الإنـْـفـِـصامُ

*

وحَـسْمُ الأمر تُصلِحُه عقولٌ

بــمَــنْجـاةٍ اذا حَـمِيَ الخِـصامُ

*

يـُــقَــــدَّمُ حُــــبُّ اولادٍ ومـالٍ

ولـــكـنَّ الكـــرامـة لاتـُـضـامُ

*

بــعَـزْفٍ للربــيع مـع القـوافي

يـُجـَدِدُ ذِكـرى ما خَـلقَ الـوِئامُ

*

وقُرّتْ عينُ مَنْ أعلا صُروحاً

مِــن الاداب يشــهـدهــا الأنـامُ

*

تـُعـلّـمُـنـا الليــالي، أنّ صَـبْـراً

سـَـيـتْـبـعـُه انـفـِـراجٌ والـتِــئـامُ

*

فــلا يَأسٌ لِـــذي عـَـزْمٍ وحَـزْمٍ

مَــسِــيـرٌ فــائـزٌ فـــيـه الكــرامُ

***

(من الوافر)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

ألا كنتَ قدْ أعلنْتَ أنّكَ خائنٌ

لمَنْ خُدعوا قبلَ انفضاحِكَ بالوغى

*

لقالوا وقد بلَّغْتهم بأمانةٍ

خؤونٌ صدوقٌ  ما ادّعى حين بلّغا

*

وقلنا البِسوهُ من ثيابِ جهنّمٍ

أميرًا مُعادًا بالعباداتِ سُوِّغا!

*

ولكنّكَ اخْتَرتَ التزيُّنَ- قبل أن

تبوحَ- بدمٍّ كي تُسوّقَ مُبتغى

*

ولا يثبتُ الطُّغيان دون تزيُّنٍ

ومن بالدِّما يزْدَنْ فذا شرُّ من طَغى

*

وماذا تراهُ يَبْتغي متصنّعٌ

هدىً كمْ على أهلِ الهُدى إحنةً بَغى

*

سوىْ سلطةٍ في خِربةٍ أبديّةٍ

تُحَرِّرُ وحشًا في دِماها تمرَّغا

*

تناسى ظلاميُّ الرّجا كلّ غابرٍ

لحربِ الملا من أهلِه قدْ تفرّغا

*

مُريدًا ضلالَ الغربِ نهجًا مُردِّدًا

وراهُ مزايا الحلِّ ترديدَ ببَّغا

*

أقولُ لمِن جرّ الخرابَ تقارَبَ الـز

زمانُ وآتيهِ لمثلِكَ فُرِّغا

*

ولنْ يعصيَ الأزمانَ في مثلِكم ثرىً

يرى غدَهُ الموعودَ منكُمْ مُفَرَّغا

*

جِدوا لبقاكُم بيننا سبَبًا فما

استطاعَ جُنونٌ أن يصوغَ مُسوِّغا

***

أسامة محمد صالح زامل

 

على الدرجات المؤدية الى بيته المستأجر، في تلك البلدة البعيدة عن مسقط رأسه، توقف وهو يتلفّت في كلّ الاتجاهات. سوّى قبعته الفرنسية على رأسه، داهمه شعور بأنه لم يفلح في تسوية قبعته تلك. فتح الباب. دخل إلى البيت. توجّه بسرعة إلى المرآة المعلقة في مدخل البيت، عاين القبعة، محاولًا ان يسويها على رأسه، بحيث يَرى ولا يُرى." هكذا يفترض أن تكون القبّعة المدارية"، قال وأضاف:" هكذا. مع هذه القبعة لن يعرفني أحد، وسوف أكون بعيدًا عن مرمى هدف الشك والملاحقة.

استرخى صاحبنا واسمه عادل كامل، على سريره وهو يفكّر في تلك الاشباح التي تلاحقه. ما حدث كان فظيعًا. في لحظة تشبه طرفة العين، وجد نفسه متهمًا بجريمة قتل. ورغم انه قدّم للجماعة كلّ الأدلة على انه برئ، بل على انه لم يكن في محيط الجريمة حين وقوعها، الا انهم رفضوا الاستماع اليه، وواصلوا اتهامه بتلك الجريمة الفظيعة. اما تعترف وتنجو. بجلدك لتتابع حياتك في السجن وخلال فترة قصيرة نتكفل نحن بمعالجة امرك فيه، واما ترفض فنقضي عليك. اما ان تتوجه الى الشرطة، فمعنى هذا انك قُتلت، وانتهيت. بإمكاننا قتلك حتى لو ارتفعت لتقيم في برج مشيّد. في الخارج ستقتل وفي الداخل ستقتل. لكنني لم اقتل. كلّ ما حصل هو انني كنت واحدا ممن راوا تفاصيل تلك الجريمة. كان ذلك عندما صوب احدهم اطلق على تلك المرأة وولى.. حظّي السيء اتى بي الى ذلك المكان. حينها جاءه الصوت المُرعب مهددا متوعدا دون رأفة او رحمة. نعطيك فرصة أخيرة اما تعترف وتنجو واما تتابع الانكار وتقتل.

صور أولئك القتلة تلاحقه، هو الكاتب المعروف بحسن سلوكه وشخصيته المسالمة، وها هو يتصورهم واحدًا وراء الآخر، تمر صورهم من امام عينيه مهددة متوعدة، اعترف.. اعترف.. اعترف. نعرف أنك قد تهرب لكننا لن نتركك. حينها فهم أن القاتل هو رجل ثقيل، وانهم أرادوا ان يخلصوه وان يلبسوه هو عاشق الكلمات المسكين ذلك الملف المفزع. أكد هذا ان الضحية هي زوجته، وأنه كان هناك بالصدفة. وان القاتل كما تأكد له انما هو ذلك المجرم، زوجها وزعيم أولئك القتلة. هل تعمّد أولئك القتلة ان أكون هناك في نفس المكان؟.. هل حبكوا خيوط تلك الجريمة بحيث تلبسني؟.. الشرطة اعتقلتني مدة أيام، غير انها لم تمتلك الاثباتات لذا اطلقت سراحي.. وها انذا انتقل إلى هنا.. اعرف انني عالق بين فكي كماشة، الشرطة التي لن تتركني من ناحية، واولئك الاوغاد من جهة أخرى.

اغمض عادل الكامل عينيه وفتحهما علّه يكتشف، عندما يفتحهما، انما هو كان يحيا كابوسا بشريا لا يختلف عن كلّ تلك الكوابيس التي تغزو أحلام الكثيرين في الفترة الدموية الجارية. غير ان ما حصل هو ان حالةً من الرعب استولت عليه، فقد استمع إلى دقة على الباب، هل جاءوا؟.. هل عرفوا مكانه بتلك السرعة؟.. هل انتهى عهد الآمال والاحلام في كتابة اجمل القصص البوليسية واشدها جاذبية وتشويقا، هل انتهى كاتب القصص، الحالم العظيم، إلى ان يكون قصة تكتبها يد الظروف والملابسات الفظة الغليظة؟.. اللعنة على تلك الزوجة ، زوجته، الجاهلة الكاذبة. فقد كانت اول خراباته وها هي تتحوّل الى ذروة دماره وخرابه. الدق يتواصل على باب تلك الغرفة. وهو ينكمش.. ينكمش.. ينكمش.. الى اين المفرّ؟.. في الصباح يعترض طريقه صاحب شقته المستأجرة. يقول له يبدو انك تنام مبكرا. يخجل مما حدث يقول وهو شبه هائم.. بالفعل انا انام مبكرا. ويمضي في طريقه.

يمضي في الطريق مفتعلًا عدم الاهتمام، عبثا يحاول ان يعثر على الطمأنينة الهاجعة في قلبه منذ كان، في قلبه الى ما قبل تلك الجريمة. وها هو يبتعد.. يبتعد عن كلّ الناس. عادل كامل لم يعد كاملًا.. هو لم يقتل زوجته، وانما تركها وولّى هاربا بجلده وبقصصه الجميلة. ليأتي اليها من يقتلها بدم بارد. الصور المتهمة الغاضبة تحيط به من جانبين، من جانب يتابعه أولئك القتلة المجرمون، ويطلون مهددين متوعدين، بوجوههم المفلطحة. ومن ناحية أخرى، تتابعه أصابع اتهام المحققين واتهاماتهم.. انت المتهم رقم واحد في مقتل زوجتك. سنطلق سراحك حاليا.. يومها أراد ان يخبر محققه، بانه ترك زوجته منذ فترة بعيدة. وانها ارتبطت بزواج عرفي برجل آخر.. هو.. وعندما اوشك ان يقول اسمه تراجع.. كانت وجوه اتباعه القتلة المجرمين المهددين، تطل اليه من كل مكان في غرفة التحقيق. لذا تراجع في اللحظة الأخيرة، تاركا الأمور تجري نحو غايتها. وبما انه لم يكن القاتل، فقد كان يشعر بان العدالة لا يمكن الا ان تأخذ مجراها الصحيح. الم يحاول في السابق كتابة قصص بوليسية، تنتهي في القبض على المجرم الحقيقي مهما تلبست الجريمة شخصا آخر؟.. الم يؤكد لنفسه قبل ان يؤكد لقرائه ان اذرع العدالة ستلقي القبض على المجرم القاتل طال الزمان او قصر؟..

يمضي في الشارع الطويل المحاذي لبيته المستأجر، يمضي بعيدا عن الناس ومكارههم المُحتملة، يجلس هناك تحت شجرة وارفة. يرى في ناحية من يشك في انه من أولئك القتلة، يسوّي قبعته على راسه محاولا إخفاء وجهه، يقف يمضي في طريق العودة الى البيت. يمضي معه قلقه المجرم. في اخر الطريق يرى وجهًا يشبه وجه مَن حقّق معه ومّن أطلق سراحه. هو يعرف ان الشرطة لم تكنّ ولن يهدا لها بال دون ان تلقي القبض على القاتل. يقينا هو يعرف انها لن تتركه ينتقل من بلدته الى أي بلد آخر ىدون متابعة ومراقبة، فهو المتهم رقم واحد في تلك الجريمة. كما قال له ذلك المحقق.

يعود الى بيته المستأجر وقد رافقه المساء. قبل ان يدخل الى غرفة نومه يتوقّف قبالة المرآة ذاتها. هذه القبعة لم تنفعه ولن تنفعه. حظه السيء سيحيط به من كل جانب. فهل ستأتي نسمة من بلاد العجائب، تهب على اغطية تلك الجريمة الفظيعة فتكشف اسرارها المعقّدة وخفاياها المركّبة؟.. ما الذي سيحدث لك أيها الكاتب النحرير؟.. ما الذي سيحدث لك وانت مُحاطٌ بالجريمة والاتهام من كل جانب؟.. في الماضي البعيد عفت زوجتك وابتعدت عنها لما بينك وبينها من تفاوت ثقافي، لا سيما عندما راحت تتوعد وتتهدد بقتلها لك. لقد هربت بجلدك وها انت تَعلق من حيث لا تدري  فتحوّلك الظروف المجرمة من مشروع قتيل محتمل.. الى مشروع قاتل متهم.

استلقى الكاتب عادل الكامل في سريره. أغمض عينيه. وحاول ان ينام. غير انه لم يتمكن. عندما انتقل للإقامة في هذه البلدة البعيدة عن مسقط رأسه اعتقد انه ابتعد، عن وجع الراس ومستتبعاته المقلقة، ولم يكن باي حال يتوقّع ان تكبر مشكلته تلك كلما ابتعد.. عن محيطها وحيزها الخاص. أسلم المتهم البريء عينيه لملك الكرى. ليستغرق برفقته في نوم عميق جدًا وليتراءى له أن افراد تلك العصابة قد دخلوا عليه ليمنحوه الفرصة الأخيرة في الاعتراف بانه هو من  ،قتل طليقته، وليس أي واحد منهم. وبينما يصوب ثلاثة منهم مسدساتهم إلى راسه.. يسمع طرق على باب البيت المستأجر.. ليطلب منه أحد أولئك القتلة ان يفتح الباب. فيقوم بفتحه. لتدخل الشرطة معلنة انها سمعت كل شيء.

***

قصة: ناجي ظاهر

صَخُوبًا يُطلُّ عليَّ رداؤُكِ

من شُرُفاتِ الهشاشةِ والشّجنِ.

ووجهُكِ يهطِلُ آهًا وأسئلةً.

يُطالعُني بِلَظَى الْبرتقالِ

وفيْضِ مَدامعهِ.

ولِلْبُرْتقالِ إذا ما شكا

صَخَبٌ ومُنَاحَاتُ مِجْمَرَةٍ.

وما في الرّمالِ خِضابٌ ومِدْفَأَةٌ،

وما في السماء جناحٌ ومائدة.

تَقَصَّدَ - مِنْ شوْقِهِ - الْبرتقالُ

وما طَبَّبَتْهُ يَدُ الشَّوْقِ لَمَّا اشْتَكَى.

وها قدْ تَشَرَّبْتِ منه الْوَجِيفَ

وعِطْرَ مَدَاخِنِهِ.

*

صَخُوبًا يُطِلُّ عَلَيَّ رِدَاؤُكِ

مِنْ شُرُفاتِ الْهَشاشَةِ والشّجنِ.

ويَحْضُرُنِي نَقْلُ " كَلْحَبَةَ الْعُرَنِيّ

لِوَقْعِ النِّبالِ على الْبَلْدَةِ  (*)…

فَيَغّتالُ وَجْهَ  مَجَازي

هُطُولُ جِمَارِ الصَّرِيمِ

بِكُرَّاثِهِ الْنُزِّعَ…

ويرْتَشِفُ الْعَصْفُ كأسي

وأزهارَ أُغْنِيَتي.

وهذي الْمَرايا تُرَوِّعُني

بِضَبابٍ بِلا زَمَنٍ.

بِأَعْيُنِها، سُنْبُلاتٌ بِلا دَسَمٍ.

وفيها شُجَيْرَاتُ غارٍ بِلا وَرَقٍ…

*

يُحَدِّثُني الْغارُ

عنْ شَهَقَاتِ أكالِيلِهِ

ومَوَاجِعِهِ.

يقول: " تَهَيَّفَ وجهي

وزَمَّلَني الْهَيَفُ…

هنا كُنْتُ

مُذْ شَهِقَ الْقَمَرُ.

ولازلْتُ أَلْثِمُ وَجْهَ الرّمالِ

وقدْ ضَعُفَ النَّظَرُ.

هنا، لا أزالُ

أَهِيمُ بِبَلُّوطَةٍ

يَرْتَوِي بِمَدامِعِها جسَدِي.

ولا زلْتُ

أَضْفِرُ مِنْ شَجَنِي

وَرَقًا تَتَعَجّبُ مِنْ نُورِهِ الْمِحِنُ…

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي- تونس

....................

(*) اقتباس من "كلحبة العرني" في وصف أثر النبال في جسد فرسه إثر إغارة عليها… (المفضليات)

- البلدة: وسط الصدر من الفرس.

 

كنت واقفا أمام البحر ككل الآخرين

ممن احترقوا مثلي في حب الوطن

جسدي الصغير في مقابل وحشة البحر الكبرى

النوارس تخبئ الأسماك في صداع أصواتها

و أنا أودع شمسا تتعرى من ثوب النهار

لتدخل عروسا إلى خدرها في الغروب

أقف شامخ الجسد والروح جاثية على ركبتيها

يلطمها الموج كجزيرة يتيمة متعبة...

أرى في الغروب ما لا يراه الآخرون

أرى انطفاءة الروح الأولى

أرى وجه من غادروني بلا عودة

أرى طفولتي تركض باتجاه ألعابها المخدوشة بالفرح

أرى الماء والهواء

أرى السماء حمراء كنهدي حبيبتي بعد العناق

أرى البحر يلقي قصيدته موجة موجة ليغازل اليابسة

أرى قمراً ينفض النهار عن كتفيه يمشي الهوينى

أرى أمي وهي تعد فطيرتي من الشحم

أرى أبي وهو ينظف غليونه بدم رأتيه

أرى إخوتي وهم عائدون من المدرسة مثقلين بالحلم

أرى الله في القرآن يبعثر السماء ويعيد تكوينها

أرى مدينتي المصابة بالجدام

أرى حبيبتي الأولى

أرى حبيبتي السادسة

أرى حبيبتي العاشرة

أرى ضحكتي وهي تضيع مني في زحام العمر

أرى دمعتي تدنو من خدي نازلة

أرى كل شيء

أرى كل شيء ولكنني لا أراني

تشتت الأشياء من حولي

بلل المكان بالنسيم المعبأ بالجفاف العاطفي

تلف الأيام بحنجرتي

دونما معنى يوفي ذكرياتي ملوحتها

ذكرياتي بحر والذكريات مد وجزر

أتذكر قليلا وأنسى كثيراً

أنسى قليلا وأتذكر كثيراً

و في خضم هذا التواطئ بين التذكر والنسيان

أقول بكامل عذوبة هذا المدى:

لا غروب لقلب الشمس

ما دامت الشمس شروق في قلب الإنسان

فلنتقاسم إذن يا بوسيدون هذا التناقض بيننا

خذ مني كل ما تحجر في قلبي من ذكريات يابسة

و هات خنجرك لأذبح العاصفة

لعل البحر يسكر بدم أخاطيبه فيخبرني

من أنا؟

وماذا كنتُ قبل طلاق البحر واليابسة.

***

مراد الحسناوي

 

هي الليالي على رغمٍ بنا تَخِدُ

دنيا نعيشُ بها للموتِ ما نَلِدُ**

*

مِن عهدِ آدم أعيى كلّ مُضطلعٍ

لُغزُ المماتِ وفيه الناسُ قد جُهِدوا

*

لأنّ مَنْ أوجدَ الدنيا بحكمتهِ

قضى نعيشُ بها حِيْنًا له أمدُ**

*

ولو رجعنا الى الدنيا لنسألَها

قالتْ كفانا بها التفنيدُ والفَنَدُ**

*

إنّا طُبعنا على جهلٍ فما صَلُحتْ

منّا النفوسُ ولا نرضى بما نجدُ

*

واهٍ على عالَمٍ أفنى محاسنَهُ

حرصُ اللئامِ وهذا الجورُ والحسدُ

*

مَحّصْ قليلًا ترى آمالَنا حُلمًا

يمضي وأنّ مآلَ المُجتنى بَددُ**

*

بل كيف نبقى وقد بادتْ بها أُممٌ

مِن قبلنا واستوى في حُكمِها لُبَدُ**

*

ولم يزل ناطقًا دهري بموعظةٍ

للموتِ شَرعٌ ومَنْ للموتِ لا يردُ**

*

نوازلٌ لم تزلْ منّا على كثبٍ

تُغيرُ غارةَ ذي ثأرٍ به حَرَدُ**

*

منها المنايا إذا حلّتْ بنا فجعتْ

نفوسَنا ولها مِن حولنا رصدُ

*

وقد نزلنا على أحكامِها وبنا

داءُ الغرورِ وفي آنافنا العَبَدُ**

*

لو اتعظنا كفانا مِن مواعظها

ما قد نراهُ وللغاوي بها رشَدُ

*

هو الرحيل ولا يبقى سوى أثرٍ

ذكرى نعيشُ بها بالوجدِ تَنعقدُ

*

ولو يَكونُ الفِدى ما كانَ قدْ بخِلتْ

بعضُ النفوسُ لمَنْ أحبابَهم فَقَدوا

*

وجنّةُ الله مأوى النفسِ إنْ صَلُحتْ

فيها النعيمُ مقيمٌ دائمٌ أبدُ

*

قد خصّها اللهُ مَنْ دانوا لطاعتهِ

والصالحينَ جزاءً مثلما وُعِدوا

*

لكنْ نرى راحةً في دمعةٍ ذُرِفَتْ

على عزيزٍ إذا ما خاننا الجلَدُ

*

وسُنّةُ اللهِ في الاحياءِ نافذةٌ

وهو الرحيمُ بنا والغافرُ الصَمَدُ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

العراق / الكوت في 16 شباط 1971

..................................

** تخِدُ: تسير

**السُنة: النهج

**الامد: المُدّة الزمنيّةِ

** التفنيد: ردّ الرأي الخطأ

** الفند: ضعف الرأي وفساده

**مَحّص: أي افحص واختبر

**البدد: أي التشتت والتفرق

**لَبَد: أحد النسور لآحد الملوك العَرب في الجاهليةِ يُضرب بطول عُمُرهِ المَثل

**شَرَعَ الموت: أوجدَهُ وأظهرَهُ

**الحَرَد: الحقد والغضب

** العَبَد: هو التعالي والتكبر

 

لا أملك وقتا للحزن

لكني تعلمت،

أن أصغي للريح

حين تداعب قامات القصب

لإسامر همسات السحر..

وتعلمت أن أشم تراب الأرض

بعد هطول المطر..

ونثيثا أراني

أتنفس فيه الفرح

حين يخنقني القهر..!!

**

تقولين عد إلي ..

ولكني،

لم أغادر كي أعود

إلى مكان تكون فيه

الحياة كالقفص..!!

**

أعطني هواءا نقيا

حتى أعيش،

اعد في سمائنا النجوم

وهن نائيات غافيات..

اعطني نايا

تراتيله ناعسات

عابرات الزمان

اعطني وردة وبندقيه

لأمنع قتل العصافير على الشجر..

**

دعيني أشاغل لحن البراري

في فضاء تعطره فسحة من كلام

يملؤها الوجد

تحت ظلال الهيام..

دعيني ..

أسرج راحلتي

اطارد حلمي الشريد،

إلى مكان بعيد

لا تكون فيه الحياة

باهتة فاقعه كلركام ..

دعيني،

أشم نسيم الضفاف عند الغروب..

اتركيني أتنفس فيك هواء الليل

أتحسس دفْء الشمس

في فضاء كله من صقيع..!!

تلك راحلتي

خذيها وثيابي

وعصافيري

إحبسيها..

خذي أصصي،

إذا خاب ظنك من غيابي

إسحقيها ..

سأغلق بابي

إذا ساد صمتك من بعيد

وماتت دعابات سهدك

في وضوح النهار..

تقولين دعني أكون الفنار

على ساحل

صباحاته باسمات

وأمواجه حالمات

فلا أكترث من صفير الرياح

وصوت النباح

وهمس الغواني الملاح..!!

**

اقول لنفسي، ما أجمل الصمت

في دنيا الهوى طربا..

يقتات من وجع الدنيا وإن تعبا..

لكن ما اخشاه يجرحني

صمتا ونهشا

ولا من منقذ وثبا..!!

***

د. جودت صالح

22/12/2025

الذّاتُ الهاربةُ إلى الأمام…

أيَّ وجعٍ تحمل؟

*

تحملُ ثِقَلَ البداياتِ التي لم تُمنَحْ وقتَها،

وجعَ القراراتِ التي وُلِدَتْ قبل أن تنضجَ الشجاعة،

وصدى خطواتٍ عادتْ

من منتصفِ الحلم

خائبةً.

*

تحملُ ذاكرةً

تعضُّ من الداخل،

تفتحُ دفاترَها فجأةً

في أماكنَ لا تسمحُ بالبكاءِ،

وتُجيدُ اختيارَ أكثرِ اللحظاتِ ازدحامًا

لتسأل، متى نلتفتُ إلى أنفسِنا؟

*

الذّاتُ الهاربةُ إلى الأمام

تحملُ خوفًا متقنَ التخفّي،

يلبسُ قناعَ الاستعجال،

ويمشي واثقًا

كي لا يُفضَحَ ارتجافُه.

*

تحملُ قلبًا

أرهقتهُ محاولاتُ الفهم،

وأقنعَ نفسَه

أنّ الركضَ شكلٌ آخرُ

من أشكالِ الحكمة.

*

في صدرها

مرافئُ لم ترسُ،

ووعودٌ أُجِّلَتْ

حتى نسيتْ أسماءَها،

وأحلامٌ

تنامُ خفيفةً

كي لا تُوقظَ الخيبة.

*

تهربُ إلى الأمام

لأنّ الخلفَ

مكتظٌّ بمرآةٍ صادقة،

تسألُ بلا رحمة، من كنّا؟

ومتى خُنّا بطءَ قلوبِنا؟

*

أيَّ وجعٍ تحمل؟

تحملُ وجعَ من نجا

وجعَ من اختار الحركة

كي لا يتعلّم

كيف يُقيمُ في الألم.

***

مجيدة محمدي

لَكأَنّي في رَغَدِ الصَّمْتِ أَمْشِي،

سَماء تَطْفُو على مِساحَةٍ عَذْراءَ…

يَتَشَكَّلُ المَدَى، كَأَنِيسِ سَاحِرٍ في غُضُونِ الوَقْتِ الثَّقِيلِ.

وَإِن كُنْتُ أَمْلأُ جَوْفَ الْمَعْنَى،

وَأَقْسُو بِالسُّؤالِ المُرِيبِ،

نَقْرِهِ المُتَداعِي،

بَيْنَ انْقِضاءِ وَعْدٍ وَتَرْمِيمِ جِدارٍ…

ها إنّني لَسْتُ أَنَا، في كُلِّ اجْتِزاءٍ

فَإمّا أَكُونُ كُلِّي،

أَو أُعِيدُ احْتِذاءَ بَعْضِي…

فَأَمْضِي، إلى عَرَاءِ العَرَاءِ.

لَكأَنّي مُعَارَةٌ مِنْ ظِلِّ هُدًى…

لَكَأنّْي شَوْقًا، يَعِزُّ أَنْ تَجْلُوهُ الرِّزَايا،

أَو يَفِرُّ إلى مَسَاءٍ دَنِيٍّ…

تَلَبَّدَت حُتوفُهُ في عَتْمَةٍ غَضُوبٍ…

أيَكُونُ الصَّدَى خُلسَةً تَمْدَحُ الآنَ،

في آخِرِ انْشِقاقٍ…

دَمٌ يَتِيمٌ، يُوَهِمُنِي شَزَرًا،

إِعراضًا كَتُومًا،

في سَكَنِ الصَّدَى،

يَتَقَصَّدُنِي كُلَّمَا صَاغَ البُعْدُ شَرَارَتَهُ…

يُدَنِّي آهَةً، على سِجْرِ اللِّقَاءِ…

كَمَا يَأْتِي الشِّتاءُ شِتاءً،

وَيَأْتِي السَّمَامُ خَفِيفًا،

مِنْ رِيحِهِ الحارَّةِ،

يَفْتَرُّ في بُرْجِهِ الهَامِيَّ

كَأَنَّهُ صَمْتٌ في قَيْدِ العَرَاءِ…

لَكأَنّي مُعَادة إلى زَمَنِي،

وَلَيْسَ مِنّي عُمْرٌ دُونَ الجُنُونِ…

مِنْ شِعْرٍ مَا تَقَمَّصَ الرُّوحَ…

أَو تَعَذَّرَتْ في وَمَضاتِ البُعْدِ…

صَدًى هَذِهِ الحَيَاةِ،

تَجْثو على أَثَرِ الظِّلِّ، وَلَا تَنْسَى…

أَو هِيَ مَفَازَةٌ بلا ماءٍ،

قَدْ أَوْرَدَها عَطَشُ القَصِيدِ،

ثَرَاءُ البَياضِ السَّنِيِّ،

صَفَاءُ الصَّفَاءِ…

لَكأَنّي أُمْكُثُ في رَغَدِ الوَرْدِ…

الأَبْهَى في صَبَاحَاتِي الجَدِيدَةِ…

أُعِيدُ الحُلْمَ إلى وِسَادَتِي، في صَيْفِهَا الفَائِتِ…

كَجُبَّةٍ سَرْمَدِيَّةٍ، لَا تَغْفِلُ اشْتِيَاقًا، شَغُوفًا بِيَدَيَّ الطَّيِّبَتَيْنِ…

بِعِطْرِ الأُمُومَةِ الَّتِي تَتَمَلَّكُنِي،

وَلَيْسَ لِي غَيْرُ هذَا الحَشَا المَهْمُورِ،

كَدِينٍ وَفِيٍّ بِعَهْدِ الوَفَاءِ…

***

مالكة العلوي

 

درّةَ الأنقياءْ

أَ تبصرُنا ؟!

تحاصرُنا زمرُ اللؤماءِ ونحنُ النقاءْ

*

وهجَ الأذكياءْ

أَ تدركُنا ؟!

يطوّقُنا عسسُ الأغبياءِ ونحنُ الذكاءْ

*

صفوةَ الأصفياءْ

يريدونَ تكديرَ أمواهِنا بالسمومِ ونحنُ الصفاءْ

*

يقولون سوفَ تعودْ

تأخرتَ يا صاحبَ المعجزاتِ كثيراً، فأينَ الوعودْ؟

*

نحنُ أصحابُكَ الأنقياءُ، وأبناؤكَ الأذكياءُ، وخلّانُكَ الأصفياءْ

قليلونَ نحنُ، بلْ نادرون

وحيثُ مضينا فسوفَ ترانا على أرضِنا نزلاءْ

و مغتربين ..

أو غرباءْ

لأنّا نحاولُ دوماً بكلِّ قوانا

نكافحُ كي نرفعَ الأرضَ نحوَ السماء

ولا نتركُ الركبَ يرحلُ

حتى تكونَ بِهِ الناسُ مِن كلِّ صوبٍ ومِن كلِّ حدبٍ سواءْ..

***

شعر: كريم الأسدي

....................

* زمان ومكان كتابة هذه القصيدة: مساء 23 ـ 24 من كانون الأول 2025، في الناصرية ـ العراق.

الضفة الأخرى سهل طيني يغمره الماء وتظلله الازهار وينمو العشب سريعا فيه يأتيه المد في الصيف كمجيء الضيف فيسقي الجرف المخضر وما يحويه أني أجلس بعيدا عنه

لكني أشعر أني أحكيه هذا قدر من يعشق

والعشق يبدو في حرفي وطن لا يمكن لي أن أنفيه أحمله دوما اظهره حتما

لا أخفيه والحمل ثقيل

لكني لا أتركه أو أعطيه قد أروى بعض حكايات عنه يتناولها الماضون على جرفيه

قال الراوي كنا ننتظر من ينقلنا عبر النهر من هذا السهل الاخضر الي ضفة النخل وبيت الاهل،وذلك أمر نعنيه ونعانيه، وكنا نتعب أحيانا حين نناديه

واخيرا نحظى بالزورق ونعطي الأجرة بالحق وبما يرضيه، لكن أمرأة صعدت معنا، رفضت ان تعطي ما نعطيه،

فاشتاط الشيخ (صاحب الزورق) وخاطبها بصوت عال: اني سارجعك الى ذاك الصوب وتلاقين الذي تلاقيه!

قلنا ندفع عنها، رفضت وقالت ارجعني يا شيخا أبلاه الدهر ولم يعرف ماضيه، كانا

في َ منتصف النهر، ونحن على الجرف راينا الضحكة تشرق من فيها ومن فيه، فاستغربنا، فإذا هي أمراته جاءت عن عمد تختبره، ففتعلت ما لا يرضيه غيرت صوتها ووجها بخمار ظلت عنا تخفيه!!!!!

***

عبد الهادي الشاوي

 

هَـلْ تَعْــلَمُ أَنَّ الطُّـغْـيَانْ

رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الإِنْسَانْ

زُورًا يُبَـعِدُ عَــنْهُ التُّهْــمَةَ

وَبَـرَاءٌ مِـــنْهُ الشَّـــيْـطَانْ

**

فَالْإِنْـسَانُ كَـمَا قَــدْ كَـانْ

لَا يُـدْرِكُ مَعْـنَى الْإِنْــسَانْ

مُذْ كَانَ حَبِيسًا فِي نُطْفَةْ

حَــتَّى مَـــلَكَ الْأَرْضَ الْآنْ

**

مُـــذْ كَـــانَ بِـلَا عُــــنْوَانْ

يَبْـحَثُ عَـنْ ظِـلٍّ وَمَـكَانْ

يَأْوِيــهِ، وَيُبَـــدِّدُ خَـوْفَــــهُ

لِيَبْــعَثَ فِــيهِ الاطْمِـئْنَانْ

**

ثُـمَّ يُبِــيدُ الْأَمْــسَ بِـكَانْ

وَيُنَافِـسُ حَـتَّى الشَّيْـطَانْ

يَنْصِبُ كُرْسِيًّا لِلسُّلْـــطَةِ

لِيُشَـــتِّتَ كُـــلَّ الْأَزْمَــانْ

**

يَبْــنِي قَصْـــرًا لِلنِّسْـــيَانْ

يَمْـشِي مُخْــتَالًا سَــكْرَانْ

حَـتَّى يَـصْرُخَ فِــيهِ مُـــنَادٍ

فَكَمَا كُنْتَ تُــدِينُ تُــدَانْ

**

حِـينَ يَـحُلُّ الْمَـوْتُ وَآنْ

يَـــوْمٌ قَـــــدَّرَهُ الـــدَّيَّــانْ

يُـدْرِكُ مَـنْ غَـرَّتْـهُمْ دُنْـيَا

مَا عَـادَ لَـدَيْــهِمْ سُـلْطَانْ

***

جليل إبراهيم المندلاوي

امسكت بيدي هاتفة بي، تعال يا بني. إلى أين يا أمي. ألن أذهب اليوم إلى المدرسة؟. لا لن تذهب. أنت ما زلت في صفّ البستان، يقولون إن الأطفال في هذه السن يمكنهم أن يتغيّبوا، دون أن يتضرّروا. فركتُ يدي بفرح خفيّ، كي لا أشعر أمي بما شعرت به من فرح وسرور. إلى أين سنذهب ؟.. لم تردّ أمي.. وانطلقت باتجاه سوق البلدة القديمة. بسرعة الفهم عرفت إلى أين نحن متجهان. أمي: سنذهب الآن إلى قريبتنا كريمة مختار، لم تكن هذه من أقربائنا اللزم. وإنما كانت متزوّجة لاحد محظوظي عائلتنا. هذا المحظوظ آثر أن يبقى في الناصرة مُنعّمًا بأحضان محبته لبنت الحسب والنسب، مُنفصلًا عن جميع أبناء العائلة الذين ولووا باتجاه الأردن ليقيموا هناك في حين نقيم نحن وقريبنا الوحيد هذا في الناصرة.

خرجنا مِنَ الحيّ الشرقي صاعدين طلعة الديرا سانطة، في طريقنا الذهبي إلى جنة السوق، وكنّا كلّما اقتربنا منه زكمت أنفي رائحة قصب المصّ. ترى هل ستشتري أمي لي قضيب قصب المصّ من الجرينة القريبة، كما فعلت في السابق، قبل دخولي المدرسة؟.. مؤكد أنها ستفعل، فانا جائع يا امي.. جائع.. ما كان علينا أن نخرج من بيتنا قبل أن تطعميني، ولو لقيمات قليلات.

الطريق مِن بيتِنا إلى السوق كان طويلًا جدًّا، فقد كنت استعجل الدقائق واللحظات لأن تمرّ ولأن أصل إلى هناك حيث أسكت جوعي لدى قريبتنا الغنيّة المُرفهة.. كريمة مختار.. زوجة قريبنا السيد ضرار افندي. الطريق إلى هناك يطول، وانتظاري للوصول يطول، وها نحن نصعد درجات بيت قريبتنا. أو نسيبتنا.. سمّها ما شئت، فهي زوجة قريبنا، وقريب قريبك قريبك.

قرعت أمي الباب الخارجي للبيت.. المُطلة نوافذه على خيرات السوق وبركاتها. فأطلّ وجه قريبتنا الطيبة الكريمة، كريمة مختار، رحبّت بأمي داعيةً إياها للدخول، وناظرةً نحوي بقليل مِنَ الرضا. فهمت من ذلك أنها ترحّب بأمي، ولا ترحّب بي.. أنا الطفل الصغير. دخلت وراء أمي، أغلقت نسيبتنا الباب وسرنا وراءها باتجاه الداخل. استقبلنا هناك في الغرفة الصغيرة المفروشة بفرش عتيق لاستقبال الضيوف، قريبنا ضرار افندي، صاحب البيت. استقبلنا بابتسامة جافة جامدة.. ملأى بالحَيرة والكبرياء، ولم تنهها إلا نظرة من عينيّ زوجته. خرج قريبنا غير مودّع، وكأنما هو لا يعرف إلى أين يتوجّه بعد أن أشعرته زوجته بنت الاكابر المنعّمة، أنه صار الآن غير مرغوب بوجوده. تابعت بنظرات طفولتي المتوثّبة الراغبة في فهم كلّ ما يدور حولها.. تابعت خطوات قريبنا حتى وصل إلى الباب الخارجي للبيت. ليردّ الباب وراءه بقوة ما. أرسلت نظرةً متفحصة لأرى تأثير تلك الردة على زوجته المُكرّمة. فرأيتها تبرم بوزها مهددةً متوعدةً.

بينما أنا أتابع وقع قدميّ قريبنا المسكين على ادراج البيت المؤدية إلى السوق، بدا لي أنه يتوه في عالم من الفراغ والخواء، استغرقتني أفكار ملأى بالاخماس والاسداس، ولم أفق منها، إلا لأرى نسيبتنا الكريمة المختارة، تحمل بيدها غلاية القهوة، وتجلس إلى جانب أمي، متجاهلة وجودي، "لقد غليت أفضل فنجان قهوة.. سنشربه معًا"، قالت، وزادت:" أريدك أن تفتحي لي فنجاني.. أن ترَي إلى أين ستفضي بنا الأمور"، ابتسمت أمي. في حين طلبت مني صاحبة البيت أن أخرج للعب في باحته الضيقة الصغيرة. انصعت لطلبها هذا، غير أنني حافظت على أن استمع إلى كلّ كلمة تُقال هناك في الداخل. فأنا مجبول على حبّ الاستطلاع ولا أدع شاردة أو واردة تفوتني، أما والوضع كذلك يا كريمة مختار فإنني سأستمع إلى كلّ كلمة، بالضبط كما سأستمتع بما ستقدمينه من طعام ومأكل، بعد ان تفتح لك امي فنجان القهوة.

في الخارج. كنت أشعر بكلّ ما يدور في الغرفة هناك في الداخل، صاحبة البيت: أريدك أن تفتحي لي فنجاني، أنا مُتعبة قليلًا. أريد أن أرى ما يخبّئ لي القدر اللعين. أمي: اسم الله عليك. ابنة العزّ انت. سأقرأ لك طالعك. هاتي فنجانك هاتيه. أشعر أن صاحبة البيت تقدّم فنجانها المقلوب على صينية الضيافة لينشف. أمي تتناوله. لقد بتُّ عارفًا لما ستقوله أمي لها، فقد فهمتْ ما تريد أن تسمعه منها، أنا أعرف أمي كما أعرف نفسي، فقد فتحت فناجين كلّ نساء الحارة. وكنت أرقبها كيف تقرأ تلك الفناجين. منتظرة ردود الأفعال، لتبني عليها بالتالي ما ستقوله. تتمعّن أمي داخل فنجان مضيفتنا، تقول لها: فنجانك أبيض مثل قلبك. تعلّق نسيبتنا: قلبي أبيض. لكن حظيّ اسود. ما كان عليّ أن أعصى أوامر عائلة المختار. كنت استحق حظًّا أفضل وأوفر. بدا أن أمي فهمت الرسالة، فأردفت تقول لها: أنظري.. أنظري ماذا أرى.. هنا توجد أفعى.. تفتح فمها.. هذه الافعى الكارهة لك. تعلّق المضيفة: أعرفها هذه قريبة لي. كانت دائمة المنافسة لي.. ليتني ما دخلت معها في منافسة، ليتها انتصرت عليّ وتزوجت منه. تجاهلت أمي ما قالته صاحبةُ الفنجان وانصرفت إلى فكرة أخرى. ها أنذي أرى الفرج يأتي مِن أكثر مِن طريق.. انظري إلى الطُرق المفتوحة أمامك، إنها كثيرة. بعد إشارة .. إشارتين أو ثلاث.. لا أعرف بعد ثلاثة أيام أو ثلاثة أشهر.. ستجدين نفسكِ وقد ارتحت. شعرتُ بأمي تريد أن تنهي عملية فتح الفنجان بكلمة طيّبة.. ترضي المرأة الغاضبة المتوترة قُبالتها. قدّمت أمي لها الفنجان الفارغ، وطلبت منها أن تطبع إبهامها في قاعه كي ترى إلى نصيبها النهائي. فعلت صاحبةُ البيت ما طلبت منها أمي أن تفعله. أرسلت أمي نظرةً متمعّنة متعمقة إلى أقصى حدّ. وقطّبت ما بين حاجبيها، وتوجّهت إلى المرأة المترقّبة المنتظرة قُبالتها، قالت: تقولُ طبعةُ اصبعك، إنك ستتخلّصين مِن كلّ ما يضايقكِ ويؤلمك.. وإنك ستكونين دائمًا مِنَ الفائزين المنعّمين. "مَن فمك لباب السما"، قالت صاحبة البيت وتابعت تقول:" إذا تخلّصت منه وتحقّق ما في بالي.. سأحلي فمك بأفضل الحلويات"، همّت أمي بالوقوف تمهيدًا للخروج، فدعتها صاحبة البيت للجلوس، ريثما تُعدّ طعامَ الإفطار، غير أن أمي استأذنتها وخرجت نازلة درجات بيتها بسرعة مَن يريد أن يهرب من شرٍّ قريبٍ قادم. انطلقت أمي شقّ عُباب الفضاء العامر، ممسكة بيدي ومارّة مِن قبالة بسطات الخُضار الحافلة بكلّ ما تطلبه الشفة واللسان، وكان أن مددت يدي إلى قواضِب قصب المصّ المنتصبة هناك، فانتهرني صاحب البسطة متهمًا إياي بنية بالسرقة. وطالبًا منّا أن نبتعد عن بسطته. فرحنا نبتعد ونبتعد وكنّا، امي وأنا، كلّما ابتعدنا عن السوق ، بسطاته ودكاكينه العامرة.. نرى إلى ما يخبّئه من خراب ودمار .. عندما وصلنا إلى نزلة الديرا سانطة عاودني الشعور بالجوع.. القاتل.. وأنا أرسل النظر إلى جنّة الله على الأرض.

***

قصة: ناجي ظاهر

أ- [نَوافِلُ التَّأَمُّل]

لا أَطْلُبُ جَنَّتَها،

لا أَرْجُو نُورًا يَهْزُّ خَفَايا رُوحي،

فَقطِ اسْمَعْ هَمْسي لَمَّا

تُغْمِضُ عَيْنايَ أَبْوابَ اللَّيْلِ

*

كُلُّ حُرُوفي وُلِدتْ

بِاسْمِكَ، لوْ ظَهرتْ

خَلْفَ وُجوهِ النِّسْوانِ؛

فَالحُبُّ لَديْنا دَرْبٌ

يَعْبُرُنا نَحْوَ اللهِ

مِنْ جُرْحٍ يَتفتَّحُ صَلْدًا

*

أَمْشي في ظِلِّكَ حينًا،

يَأْكُلُ مِنْ طُولي خَوْفي

كُلَّما اقْتربَ الضَّوْءُ أَلَنْتُ،

فَأَعي أَنَّ الضَّوْءَ يُجَدِّدُني،

وأَنَّ الظِّلَّ مِرْآةُ نَفْسي

تَسْتَدْعيني لِأَلْقاكَ دَاخِلَها

*

ب- [سُؤَالُ الأَرْض]

لَا تَفْرِقُ أَرْضُ اللهِ

بَيْنَ وَلِيدٍ أَوْ جُثَّةِ غَائِبْ

تَفْتحُ أَبْوَابًا مِنْ صَدْرٍ

تَسْتقْبِلُ فِيها مَنْ يَسْقُطْ

*

قَبْلَ أَنْ تُغْلِقَ تَهْمِسُ:

"هَلْ عِشْتَ؟ هَلْ كَتَبَتْ

رُوحُكَ نَبْضًا يَشْهدُ لَكَ؟"

*

إِنْ قُلْتَ "نَعَمْ" رَحُبَتْ،

وَإِنِ اخْتَرْتَ الصَّمْتَ-

تَرْفُضُ أَنْ تَرْفَعَ ذِكْركَ

*

أَجْري فَوْقَ تُرابِ اللهِ،

أَكْتُبُ: "عِشْتُ... كَتَبْتُ... نَبَضْتُ"،

حَتَّى تَنْشَقَّ الأَتْرَابُ

وَتُقَبِّلَ جَبْهَتَها رُوحي

*

أَعْلَمُ أَنَّ الظِّلَّ الَّذي

أَنْتَمي فِيهِ لِضَوْئِكَ-

هُوَ نُورُكَ يَنْكَسِرُ الآنَ

عَلَى حَافَّاتِ قَبْري

*

ج- [ظِلٌّ يَكْتُبُني]

يَمُرُّ ظِلُّكَ في جُدْرَاني،

يَكْتُبُني... ثُمَّ يَمْحُوني

فَأَعِي أَنَّ وُجُودَ النَّفْسِ

لَحْنٌ يَنْبُتُ مَرَّةَ عُمْرٍ،

وَأَنَّ المَحْوَ هُوَ الإِبْدَاعُ

إِذَا جَدَّدَ أَرْوَاحًا

*

أَبْقَى في ظِلِّكَ أَحْذِفُ،

أَضِيفُ، وَأَرْسُمُ لَحْنًا،

حَتَّى أُمْسي ظِلًّا يَشْبَهُ

مَا يَمْتَدُّ مِنَ الْقَلْبِ إِليْكَ

*

د- [رِسَالَةٌ إِلَى الظِّلّ]

أَبْعَثُ في ظِلِّكَ رِسَالي،

أَكْتُبُها في ظِلِّ قَلَمٍ

فَوْقَ ظِلٍّ يَهْتِزُّ بِوَرَقٍ

*

تَهْتِفُ: "إِنْ أَحْرَقَكَ النُّورُ

يَوْمًا، فَلَا تَهْرُبْ مِنِّي-

فَقَدْ كُنْتُ أَنَا... كُنْتُ أَنَا".

*

أَعْلَمُ أَنَّ الظِّلَّ اليَوْمَ

لَا يَمْلِكُ إِلَّا أَنْ يَفْنَى

إِنْ أَطْفَأَتِ الشَّمْسُ دَرْبًا؛

وَالشَّمْسُ لَا تَنْطَفِئُ إِلَّا

في عَيْنٍ نَامَتْ فَوْقَ النُّور

*

هـ - [النُّورُ الأَخِير]

أَسْتَقيمُ لِضَوْئِكَ حِينًا،

أَمُدُّ يَدِي لِسَرَائِرِهِ،

فَأَرَى في كَفِّي ظِلًّا

كَأَنَّهُ بُقْيا عَيْنَيْكَ

*

أَضَعُ الظِّلَّ عَلَى صَدْري،

أُغْمِضُ عَيْني وَأُدْرِكُ

أَنِّي مَا عِشْتُ لِأَجْلِ الشَّمْسِ،

بَلْ كُنْتُ أُحِبُّ ظِلَالَها-

ثُمَّ صِرْتُ أَنَا ظِلَّها

*

و- كُودَا

[مَسَافَاتُ الظِّلِّ الَّذي يَكْتُبُني]

هُنَاكَ-في بَيْتِ الظِّلِّ-

تَصِيرُ أَسْمَائي لَحْنًا،

وَيَصيرُ ظِلِّي نُقْطَةَ ضَوْءٍ

تَصْعَدُ في جَبينِ اللَّيْلِ

*

كُلَّمَا اِنْكَسرْتُ نَهَضْتُ،

وَكُلَّما اِنْطَفَأْتُ أَضَاءَتْ

فِيكَ نُقْطَةٌ كَانَتْ تُرِيدُ

أَنْ تَرْسُمَني مِنْ جَدِيدٍ

*

وفي آخِرِ الضَّوْءِ-

أَرَى ظِلِّي يَمْتدُّ نَحْوكَ،

كَأَنَّهُ أَنا…

وَكَأَنَّهُ أَنْتَ

***

د. سعد غلام

 

في نصوص اليوم