عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

دِراسَةٌ نَقديَّةٌ في رِوايةِ (مَا لَا تَرويهُ المَدينَةُ)

ذاكرةُ المَدينةِ المَنسيَّةِ:

 تَقديمٌ: إنَّ المدينة الحقيقية الفاضلة أو الفاسدة لا تروي عن نفسها شيئاً سرديَّاً، ولا تُخبِرُ أطلاقاً عن واقعها الحياتي المعيش، ولا عن أشيائها الوجودية والإنسانيَّة القائمة، بل أنَّ الذاكرة الجمعية المشتركة للناس وروَّاة الحكايات الشعبية خاصةً وعامةً هُم مَنْ يُخبرُونَ عنها، ويفشون أسرارها الخفيَّة المُضمرة، ويَروونَ أحداثها المَنسيَّة بصدقٍ. وأنَّ هذه الفئة الشعبيَّة من جُمهور الناس تتحدَّث علناً عن واقع مثاباتها وحضارتها التاريخية، وكينونتها الإنسانية اليومية التداولية المُتفجِّرَة واقعيَّاً.

 ولعلَّ هذه المَيزَةَ هي الفارق الحقيقي بين أثر المدينة الشعبيَّة (غير الرَّسميَّة) النابضة بالحياة الفاعلة والمؤثِّرة، والمدينة (الرَّسميَّة) الجامدة أو الصامتة التي لا تتكلَّم عن نفسها إلَّا بلغة الخرائط والأرقام والإحصائيَّات والافتتاحات الرسميَّة للمعالم العامة والشواهد الحضارية والتاريخيَّة التي قام بها ثلةٌ من أصحابها المؤسسينَ لهذا النوع من الصروح المدنية. لكنَّها في واقع الأمر تصمتُ وتخرسُ تماماً عن الذي يحدث داخل أقبية هذه المؤسسات، وما يجري فيها من وقائع، ولا تُخبِرُ عن أثر الفعل الحياتي السردي لحكايات هؤلاءِ الناس المخبوءة طَيٍّ الكتمان، ولا تَفضحُ ما يدور بأنفسهم من كلامٍ خفيٍّ مُضمرٍ يأتلقُ نظراتِ عيونهم القاتلةٍ كما تفعله لغة مدينة الشعب الناطقة غير الرسميَّة.

 إنَّ هذه الدِّراسة النقدية لسرديَّات رواية (ما لا تَرويهُ المدينةُ)، للروائيِّ النابهِ والمثابرِ تَحسين علي كريدي، لا تسعى منهجياً ونقدياً لقراءة تاريخ هذه المدينة، بوصفها بناءً وحجراً وجُغرافيا وأساساتِ هندسةٍ معماريَّةٍ قائمةٍ بذاتها، وإنّما تسعى لقراءتها بكونها كلاماً حكائيَّاً سرديَّاً جماهيرياً وإنسانياً متداولاً وذاكرة أجيال ناطقة ولائحة سنينَ طويلةٍ فاعلةٍ لا يُمكن اختزال فعلها الشعبي وأثرها الخالد.

 وعلى وفق ذلك التراتب غير الرَّسمي فإنَّ المدينة الحقَّة الفاعلة الفاضلة لا تُبنى سرديَّاً بالحجر والإسمنت الصُلب المقاوم لفعل الزمن، بل هي من تُبنى بما يدور بين الناس من فِعلٍ وحكاياتٍ ويومياتٍ سرديَّةٍ شعبيةٍ وفكريَّةٍ من بيتٍ لآخر ومن أثرٍ لأثرٍ، وبالآهات والدموع التي تُذرفُ في زاوية ما، فَتُصبح تلك الزاوية سلبيةً مشؤومةً، وتفيض هذه المدينة بصفات المحبَّة والأمجاد والثقافة المحليَّة التي تُصبح تاريخاً ناصعاً بديلاً عن أثر تلك المُغيَّبات والمُهمَّشات المقصودة.

 ولعلَّ مصطلح (الواقعيَّةِ التداوليَّةِ) الذي نتبناهُ في دراستنا النقدية لهذه الرواية التكاملية الأفكار هنا، هو في الحقيقة محاولة إجرائية وتنظيرية جريئة للخروج من عنق الزجاجة الضيِّق، ومن تلك التي تسمَّى (الواقعية الكلاسيكية التقليدية القديمة) التي تنقل الواقع المعيش كما هو حاصل، وكما هو يحدث تلقائياً أو افتعاليَّاً، ولا تسأل، هل هذا الواقع حدثَ فعلاً أمْ لَا؟ وهل أنَّ الناسَ في عصرنا الحالي يتداولون أثر هذا الحديث حتَّى صار واقعاً موضوعياً مهمَّاً ومؤثِّراً في نفوسهم المتسائلة؟

 والسؤال المُعصرن المُهمُّ الذي يُلقي بنفسه علينا، والذي لا بُدَّ منه يكون كالآتي: هل الواقع يَعدُّ ما حدثَ وما سيحدثُ، وما كان وما سيكونُ؟ - بل الواقع الآني المُهيمن ما يُقال عنه من تقوُّلاتٍ حدثيةٍ وحكاياتٍ إنسانيةٍ إثر حكاياتٍ أكثر من مَرَّةٍ حتَّى يُصدَّقُ ويُؤخذُ بهِ، بل ويُصبِحُ جزءاً حيويَّاً من ذاكرة مدينة فاضلةٍ فاعلة وحديث ذاكرة أجيالٍ قد خلتْ تاريخيَّاً وإنسانياً وحضارياً وفكريَّاً.وهذا يشي بأنَّ الواقعية التداولية تنقلُ الواقع كما يُستخدَمُ وَيُتدَاولُ بين الناس أفراداً وجماعاتٍ مُتوحدِنَةً.

 وسنحاول من خلال هذه الدراسة المفصليَّة للرواية أنْ نتتبع بتوْءَدةٍ حكاياتِ ذاكرة مدينة مُغيَّبةٍ مُهمَّشةٍ ومنسيَّة تطاولت عليها يدُ الزمن الغابر بالنكبات داخل هذه الرواية البيئية التكاملية. ونسعى أيضاً إلى تقفِّي أثر تلك الحكايات وتعقُّبِها في نفوس وحياة الناس اليومية للوصول إلى شطآن الحقيقة المنشودة لتلك التداوليَات الواقعيَّة الناتجة عن الفعل السردي لأحداث المجتمع وحركته اليوميَّة.

 واليَوميَّاتُ الحكائية ليس المقصود بها مُذكراتٍ شخصيةً لذاكرةٍ فرديةٍ ضيِّقةٍ، بل هي صور ومشاهدات سرديَّةٌ صغيرةٌ ومُكثَّفةٌ من تاريخ وسجلِّ مدينةٍ سومريَّةٍ أصيلةٍ تعاقبت عليها الأجيال والرموز والشخصيَّات، تَختزنُ ذاكرتها مواداً خاماً لثنائياتٍ عديدةٍ، مثل، ثنائية الحرب والسلام، والحب والكُره، والأمل والألم، والأمان والإرهاب، والخير والشر، والوجود والعدم، والتهجير القسري والطائفي والإثني والتناقضي المذهبي الديني الذي أُنتج منها ومن خلالها فضاءَ الخطاب السرديّ للرواية واقعاً رفضيَّاً وَحِجَاجيَّاً مُضاداً لما تَرويه وقائع تلك المدينة الرسمية البائسة الفعل.

 إنَّ مثل هذا النموذج الإنتاجي سواء أكان السلبي أمْ الإيجابي الذي صنعته هالة الِّرواية يُحيلنا إلى وقع إشكالية مهمَّة، وهي أنَّ الرواية نفسها ترفض ما يسمَّى بالرواية الرسميَّة للمدينة (الصامتة)، وتكتب فعل حكاياتها اليوميَّة المتداولة على لسان الناس وعلى لغة تاريخ أفعالهم الناطقة المقصودة.

 وهذا يعني أن الرَّاوي العليم (الكاتب) قد اشتغل على تقنية (الحَدَثِ) الذي يُعدُّ جُغرافيا الذاكرة الجمعيَّة التي تعيش على التداول لا على تقنية التدوين أو التوثيق التاريخي اليومي الشَّخصي السيري المُفتعل لحكايات هذه المدينة على الرغم مما فعله الكاتب كريدي في توثيقة التأريخي اليومي لأحداث وحكايات فصول هذه الرِّواية من أجل التتابع الزماني والمكاني. فالحدث هو من يتكلَّم وينطق بالأثر كنبوءة تاريخيةٍ ودينيةٍ بصفته مثابةَ الحكايات وخريطةَ لأماكن الجُرح التَّداولي.

 وبهذه النتيجة الفعليَّة الكتابية الظاهرة تحوَّلت سرديَّات رِواية (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ) وذاكرتها الجمعية الإنسانية التاريخية المهمَّشة إلى واقع حكائي سردي تداولي ناطق في طيَّات هذه الرواية وبآليات سرديَّةٍ حركيَّةٍ استطاعت أنْ تفضح لغة الصمت الرسمي الثابت، وتبني واقعياً تداوليَّاً جديداً لتشظي هُويّة المكان الحقيقية الذي تُخبِر عنه حكاياتها الواقعية المُستجدة بهذه الإشكالية المتشابكة لعنوان الرِّواية (ما لا ترويهُ االمدينةُ) .

إشكالياتُ عًتبةِ العُنوانِ الدِّلاليَّةُ:

 العُنوانُ في أوضحِ تقريبٍ له، هو بوابة الدخول إلى مدينة السرد الفاضلة في الرواية، وهو مفتاح مفاتيح الدخول الرئيسة إلى تجلَّيات عالم النصِّ الموازي. لذلك فإنَّ مَنْ يقرأُ بإدراكٍ وتدبرٍ وتحليل واعٍ نصَّ العتبة العنوانية لرواية (ما لا ترويهُ المدينةُ)، سيلحظُ جيَّداً أنَّ هناك تلاعباً لُغويَّاً وفنيَّا ذكيَّاً في البناء التركيبي لعتبة العنوان الروائيَّة قام به الروائيُّ مُؤلِّف العمل السرديّ ومُنتجه.

 إذ إنَّ المعنى الدلالي القريب للعنوان يشي بأنَّ مدينة السرد تُوصف بأنها مدينةٌ ساكتة صامتة بكماءُ لا تَروي عن ذاتها؛ لكنَّ ذاكرتها التُّرجمانية الأخرى مُتكلمةٌ بحال لسانها الناطق بلغتها. فتفضحها لغتها وتشي بمعناها الدلالي البعيد المُعمَّق. وهذا الإيحاء الرمزي يعدُّ بياضاً وفراغاً ثقافيَّاً ونسقيَّاً مُضمراً وخفيَّاً مَستوراً جميلاً يكشف عن واقعيةٍ وخطابٍ سرديٍ واستخدامٍ يوميٍّ وتداوليٍ لواقعة الحدث الموضوعية الذي لا تَرويه المدينة عن حالها، بل ترويه ذاكرة (الكاتب) أو الرَّاوي العليم، التي هي بالأساس تعتبرُ ذاكرةَ الناس الجمعية المُتَّفق عليها بالذاكرة غير الرسميَّة التداولية للمدينة مثابة السرد الزمكانية.

 وخُلاصةُ تفسير ذلك يعني من خلال عنوان الرَّواية المباشر بأنَّ المدينة لا تروي خبرها عن أثرها الصريح وواقعها الجريح، بل إنَّ الناس هم من يتحدَّثون عن المدينة، وعن مثاباتها المتحركة وأحداثها وحياتها وعن شوارعها ومقاهيها ونقاطها؛ لذلك فإنَّ العنوان صار عنواناً تمرديَّاً حِجاجيَّاً عَنيداً صَارخاً القولَ من خلال ما صَرَّحَ به: إنَّ الرِّواية ترفض الرِّواية الرسميَّة للمدينة، فتستبدلها بغير الرسميَّة، حينئذٍ ومن خلال حكاياتها تكتبُ يومياتها التداولية وواقعها الحدثي المعيش الراهن.

 إنَّ الرِّواية الرَّسميَّة للمدينة تقول إنَّ مدينة العمارة التي هي مدينة الرِّواية بالدرجة الأولى، هي مدينة شعبية جمعيَّة فقيرة آمنة هادئة مُستقرة خاوية على عروشها؛ بيدَ أنَّ الواقعية التداولية لهذه المدينة في الرواية تنبئ بخلاف ذلك الرأي فتخبر بأنّ المدينة ضاجَّةٌ تعاني من حركة اضطراب أو جيشان داخلي وتدخل خارجي، سواء أكان عثمانياً تركياً أو انكليزيَّاً أو أمريكيَّاً فاتحاً، فضلاً عن حركة الاقتتال الطائفي الجديد والصراع المذهبي الطارئ وظهور الجماعات الإرهابية المسلحة.

 إنَّ كلَّ هذا ما لا ترويه مدينة العمارة، بل ترويه للتاريخ وقائعها التداوليَّة وأحداثها وذاكرتها الجمعية والإنسانية الناطقة، وهذا هو محل الخلاف والفارق الرئيس البائن بين مصطلح المدينة الرسمية، وغير الرَّسمية الفاعلة، بالضبط كالفرق بين دالتي الشكل والمضمون مع أن أحدهما يكون مكملاً للآخر، وهذا ما يفسر حركة الواقع الدرامي المرئي المنظور عن غير المرئي المستور أو المهمَّش المقصود في أدبيات ذاكرة المدينة المنسيَّة أو المغيَّبة فعليَّاً عن المشهد السردي.

 إذن العتبة العنوانية للرواية لا تدرس المدينة الحاكمة أو المحكومة كجغرافيا شكلية ومُناخية، بل تدرسها كَأُناسٍ فاعلينَ بالتداول الواقعي لا بالتوثيق الرسمي المؤرشف. وربَّما هذا ما يَفكُّ جوهر الاشتباك الأني الحاصل في إشكالية العنوان الرئيس، وذلك من خلال تعزيز التقنيات السردية المتعدِّدة التي أنتجتها فنيَّات الرِّواية، مثل تعدُّد الأصوات والرموز والشهادات السرديَّة للشخصيَّات، والتكرار القصصي وأسلوبية الحذف، وتقنيتي الاستقدام والتأخير. وكلُّ تلك التي أسهمت وتُسهم في الرواية بأنْ تصنع واقعها الزمكاني المُتداول حياتياً، والذي صار هُوِيَّةً بديلةً وذاكرةً تاريخيةً مضادةً، وصارت الحكايات واقعاً حياتياً مُغيَّباً، واليومياتُ واقعاً ورقيَّاً مُؤرخاً، والمدينة لا تعيش في ظلال الورق، بل تعيش في هو من أهمِّ منهُ الذي هو ظلال الحكي الذي تصنعه عقول الواقع.

البناءُ الفنِّيّ والسَّرديّ للروايّةِ:

 مدوَّنة (ما لا ترويهُ المدينةُ)، هي العمل الروائي السردي الإنتاجي الخامس للأديب والكاتب والرِّوائي العراقي المثابر تحسين علي كريدي، والصادر بطبعته الأولى عام 2025م عن دار السرد للطباعة والنشر في بغدادَ، هذه الدار المتخصَّصه من سمت دلالتها العنوانية بالسرديات الروائية والقصصيَّة، وبواقع بلغ نحو (178) صفحةً من فئة القطع الكتابي المتوسِّط، والذي يجمع بنين الكمي والنوعي المُكثَّف. ويمكن أن نصفَ مُدوَّنة (ما لا تَرويهُ المَدينةُ) الروائيَّة بأنَّها متوالية قصصية حكائية تتألَّف من (15) فصلاً روائياً أو جزءاً حكائيَّاً مُعنوناً إلَّا القليل منه قد وَرَدَ رقماً فصليَّاً من غير عنوان ما يحمل القصدية الفكريَّة، أو من غير قصدٍ تنظيمي بحسب المقام الحدثي .

 وتمَّ تأثيث سردياتها الحدثية بطريقةٍ نسقيةٍ زمكانية تراتبية تبدأ من الحدث الأقدم عهداً إلى الأحدث تاريخاً. وترتبط تلابيب هذه الأجزاء الخمسة عشر موضوعيَّاً وفنيَّاً بالوحدة العضوية للرواية التي تشكِّل المعادل الموضوعي المهمَّ للمدينة ولواقعها الحياتي المعيش الذي ارتأى فيه الكاتب كريدي أنْ يكون هو مركز النواة الرئيس في الرواية والحدث الأبرز في اشتغالاته زمكانياً.

 والذي على أساسه الجوهري قامت عناصر الرواية وتخلَّقتْ وأُنتجت فنيَّاً وجماليَّاً وسرديَّاً في تمثلات شخوصها الفواعلية وأحداثها الفعلية ووحداتها السردية وتنامي صراعها الحدثي وحِبكتها السردية وانتهاء بتقفيلتها أو بخاتمتها بعد مُستهلِ مُفتتحِ مُقدِّمتِها التصديريَّة الإثرائية والأسطورية.

 وحين نُجِيلُ النظرَ بصريَّاً في أولى صفحات الرِّواية يُطالعنا تصديران مهمَّان من عتبات النصِّ الموازي التي حدَّدها جيرار جينيت، التصدير الأول: ارتأى الكاتب تحسين علي كريدي أن يكون مِهادَ تقديمٍ لروايته المدينة، والذي وجد فيه ملاذاً حدثياً للمقاربة الجمالية بين بطل روايته الشاب الخَلَف الذي عُرِّفَ بثنائية لقب طائفته المزدوج (حمزة محمَّد الموسوي) أو (حمزة محمَّد النجدي)، وبين الأسطوري السومري دُمُوزي الراعي من جانب، وبين حبية البطل (أمل)، وإنانا السومرية.

 ذلك التماهي الواقعي والمخيالي الأُسطوري العاطفي العجيب لثنائية الحبِّ بين أثر الماضي وألق الحاضر، والذي هو أيضاً امتداد أصيل لِحُبِّ والدة البطل (زهراء) وحبيبها عبد الوهاب الذي ينتمي بعقيدته المَذهبيَّة لأهل السُّنة والجماعة في حينَّ أنَّ زوجته زهراء شيعيَّة من جانب إنساني آخر:

 "لا يُمكننِي أنْ أتأخرَ أكثرَ مِنْ ذَلكَ، أُمِّي سَتغضبُ مِنِّي؛ بَأيِّ عُذرٍ سَأُبرِرُ لَهَا غِيابِي كُلَّ هَذَا الوقْتِ؟ فَارتَسمَتْ عَلَى وَجهِهِ ابتسامَةٌ رَقيقةٌ وقَال:-أخبريهَا بِالعُذرِ الَّذي سَاقتهُ جَدتُكِ (إنَانَا) لِأُمِّها (نِنكَال)، وَالذِي اِقترحَهُ عَليهَا حَبيبهُ (دُمُوزِي)، قَبلَ خَمسةِ آلافِ عَالمٍ". (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ، ص 82) .

 وقد مالَ الكاتب في تعبيره السردي إلى تقنية التَّناص التاريخي الأُسطوري مع نشيد مدينة (أوروك) الأُسطوري، أو إلى نصِّ الأسطورة السومرية العراقية المعروفة تاريخيَّاً. والعُمارة هي المثابة الجنوبية والمدينة الرَّئيسة لنصوص مدينة (ما لا ترويهُ المدينةُ)، والتي هي امتداد رمزي سومري لمدينة أوروك التاريخ والحضارة والتأصيل والجذور بشخوصها الفاعلة وأحداثها الفعلية الساخنة وما مَرَّت به طُوفان تاريخي أُسطوري حديث تجسَّد بالغزو والاحتلال والتهجير والتهميش والقتل على الهُوِيَّة الشخصية لا لرادعٍ دينيٍّ أو وازعٍ أخلاقي واجتماعي يوقف هذا السيل الجارف:

 "سَيأتِي اليَومُ الَذِي يَبطِلُ فَيهِ إلَى الأبدِ، اِستغلالُ الإنسانِ، يَومَ يَنتهِي إلَى الأبدِ الصِّراعُ بَينَ القَوِّي وَالضَّعيفِ، يَومَ تَختفِي عَنْ وَجهِ الأرضِ جَميعُ الآلامِ، وَمَنْ يُريدُ بِناءَ أوروكَ مِنْ جَديدٍ؛ عَليهِ ارتداءُ كِساءٍ طَاهرٍ وَأنْ يَكونَ مُؤهَّلاً. أوروكُ سَترتدِي النُّورَ، وَتَحنِي رُؤوسَ المُتكبرينَ". (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ، ص 5) .

 أمَّا التصدير الثاني للرواية الذي استلهُ المؤلِّف من أرفع بطونِ كُتُب التاريخ الإسلامي وأجلِّها أثراً وحكمةً، فقد كان قولاً إنسانياً مأثوراً لعلي بن أبي طالب رمز العدالة الإنسانية وقرآنها الناطق في الأرض. وكان الإتيان في الاستشهاد به نصَّاً تصديريَّاً ثانياً في مفتتح الرواية كمقدمة تعضد سردياتها يُعدُّ أمراً تعبيرياً مَقصوداً له دلالاته الفريدة ومعانيه الإنسانية القريبة والبعيدة للتقليل من أثر أو حِدَّة التهجير الإثني والطائفي المَذهبي اللَّإنساني الآسرالذي تُمارسه جماعات وأذرع السلطة القائمة على إشعال فتنة الصراع السياسي والمذهبي، وما يقوم به الإنسان ضد أخيه الإنسان الآخر.

فجاء هذا القول الحِكَمَي المأثور في تصدير الرواية ليقطعَ دابرَ الطريق على الآخرين ممن يعملون بجديةٍ ويُراهنون على تأجيج الفتنة الداخلية وزرع التفرقة الطائفية المَقيتة بين العراقيين من البشر أهل هذه الأرض الطيَّبة، وأبناء هذه المدينة التي اعتدى عليها جَور الزمن وتطاولت عليها مخالبُ الطُّغاة والقُساة من الحُكَّام والمستبدين أذناب الخارجي الآخر الذي يُحرِّك صولتهم ويرمي سهامهم:

 "النَّاسُ صِنفانِ: إمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، أوْ نَظيرُ لَكَ فِي الخَلقِ". (مَا لَا تَرويهُ المَدينةُ، ص 6) .

 إنَّ ما يلفت النظر مليَّاً في رواية (ما لا ترويهُ المدينةُ)، إنَّها بانوراما مدوَّنة سرديَّة جامعة ومانعة لتوليفةٍ عجيبةٍ وخليطٍ تخليقي من جنس سرديَّات وحكايات التاريخ والمجتمع والبئية وأحاديث الوضع السياسي القائم، ونصوص سردية من واقع أدب الذكريات والسيرة الذاتية الغيرية، وأدب الارتحال (أدبُ الرِّحلة)، وحكايات المكان والزمان الشعبية، ومنظومة من العادات والتقاليد التأصيليَّة وتأثيرات الفنِّ، ولغة الحرب وظلال العسكرة، وأحاديث عن الإرهاب والإقصاء والتهجير الطائفي وظاهرة راهن الحرب والسلام، وغيرها من الظلال الثقافية الأخرى التي ألقتْ بنفسها في الرِّواية.

 ولكثرة موضوعات الرِّواية السردية المتعدَّدة لا يمكن أن نضع رواية تحسين علي كريدي (ما لا ترويهُ المدينةُ) تحت خانة تجنيسٍ أو تصنيفٍ سرديٍّ مُعيَّنٍ ما، فنقول على سبيل التوصيف بأنها روايةٌ تاريخية أو اجتماعية أو بيئية أو سياسية أو رواية أدب السيرة أو الارتحال السردي، إنها رواية سرديات الواقع الحياتي الإنساني الزمكاني المعيش بكلِّ تجلّياته ورهاناته التداولية الناطقة.

 والرواية في طياتها الموضوعية على الرغم من إيغالها الواقعي الوثيق تحمل مُفارقتينِ مُذهلتينِ في سردياتها الحدثية، المفارقة الأولى، إنَّ الرواية ابتدأت أولى عتبات وحداتها المكانية والزمانية بمدينة بغداد، وتحديداً في صيفها اللَّاهب عام 2006م، وهي سنة الإرهاب والاقتتال الطائفي والقتل العَمد على الهُوية الشخصيَّة، . سواء أكان القتل شيعياً أم سُنيَّاً من كلا الطرفين المتناحرين. وانتهت سرديَّات الرواية الحكائية الواقعية بالعام نفسه 2006م حين حطَّت رحلتها الأخيرة بمدينة العُمارة مثابة الرواية و بؤرة مركز اشتغال العمل الأدبي الإنتاجي، وهي مفارقة حكائية عجيبة اختارها الكاتب كريدي لتكون آخر فصول الرواية وختامها الأخير الذي ينمَّ على أنَّ ختام الرواية بالمطلع.

 أمَّا المفارقة الثانية فكانت على مستوى شخصيَّة الرواية وبطلها الذي يحمل هُوِيَّةً شخصيةً مزدوجةً (شيعيَّة وسنيَّةً)، فاسمه في البطاقة الشخصية (حمزة محمَّد الموسوي) من جهة الأبِّ والأمِّ الشيعيينِ، واسمه في جواز السفر (حمزة محمَّد النَّجدي) من جهة لقب زوج والدته الذي ربَّاه وتبنَّاه في بيت النجدي بعد وفاة والده.وهذا يعني أنَّه شيعي الأصل والهوى أباً وأُمّاً، وسُنِّي النشأة والتربية.

 وهذه الإشكالية المُفخَّخة في الهوية والعقيدة المذهبيَّة -وإنْ كانتْ طبيعيةً في بلدٍ مُتعايشٍ سلميَّاً مثل العراق- قد شكَّلت في الانتماء المذهبي وقتذاكَ وفي ظلِّ الاقتتال الطائفي مُفارقةً سرديَّةً حدثيةً خطيرةً ومهمَّةً اشتغل عليها الرِّوائي في مركزية الحدث، وفي تأثيث روايته وبناء حِبكتها الفنيَّة.

تَمثُّلَاتُ الواقعِ التَّداولي السرديَّةُ:

 تُعدُّ رواية تحسين علي كريدي (ما لا ترويهُ المدينةُ) من نوع الروايات البوليفونية المتعدِّدة الأصوات والرموز والشخصيَّات، لا سِيَّما الذكورية والأُنوثية فيها، على الرُّغم من شخصيَّة الرواية الأولى المعرَّفة ببطلها المزدوج اللَّقب الأوحد المدعو (حمزة محمد الموسوي-أو- النَّجدي)، يعدُّ الشخصية المركزية الرئيسة الأولى في الرواية، بيدَ أنَّها تشظَّتْ وتشعَّبت أحداث سردياتها وصارت (عائلةً نوويَّةً) مُتعدِّدة الأطراف؛ كونها جاءت امتداداً من الجدِّ السَّلف (حَمزة) مُروراً بالأبِّ (مُحمَّد)، وانتهاءً بالابن أو الحفيد البطل (حمزة الموسوي- النجدي) . وهذه التعدُّدية السرديَّة للاسمية التي جاءت بالتوريث الأُسري استمرَّت في الرواية حتَّى بلوغ مُنتهاها الأخير بمدينة الحدث العمارة.

 ومن الطبيعي أنَّ هذه التعدُّدية في سلسلة التَّعارف الأُسري (الموسوي-النجدي) لشخصيَّة بطل الرِّواية الأول واستقرارها النهائي على اسمية البطل المستقبلي الأخير (حمزة الموسوي أو النجدي) تُحيلنا إلى أنَّ هذه الرواية- إجرائياً وتطبيقياً- قد حفلت بالعديد من الوقائع والأحداث التداولية المتوالدة في تناميها من رحم الصراع الواقعي الحياتي الإنساني المعيش الذي عاشه أبطال الرواية وشخوصها وأناسها معاً، وما لحق بها شخصيَّاتٍ فواعليةٍ أخرى مجاورة لطبيعة الحدث السردي.

 وسواء أكان ذلك الحدث على مستوى الحضور العراقي الداخلي أو الخارجي عنه، أو على صعيد المكان والزمان وما أنتجه من حُمولاتٍ فكريَّةٍ ومخاضاتٍ حتميةٍ تفرزها إرهاصات الواقع التداولي المجتمعي التاريخي والسياسي والاقتصادي والديني والعسكري والثقافي والحضاري التي ألقت بظلالها الجمعية المشتركة على مركزية الحدث بؤرة اشتغالات الكاتب الرِّوائي وفرضت نفسها على هيمنة الخطاب السردي للرواية، وعلى وقع أحداثها الكونية المتشابكة التي تقصَّد فيها الكاتب المؤلِّف أنْ تكون سردياتها التداولية تراتبيةً نَسقيةً مُنتظمةً كُلُ حدثٍ سرديٍّ فيها يتبع الآخرَ.

 وكان الكاتب أو مؤلِّف العمل الروائي تحسين علي كريدي راوياً عليماً يروي عن حال ولسان شخصياته الرئيسة والثانوية بلغة ضمير الغائب، كان حريصاً جداً وأميناً في توثيقه السردي وتدوينه الجمعي وفي مصداقيته التعبيرية ليومياته الحكائيَّة التداولية، حتَّى تظنُّ أنَّك تشاهد عملاً سينمائياً فنيَّاً أو مسلسلاً دراميَّاً بصريَّاً واقعياً مليئاً بالأحداث والمشاهد التراجيدية الساخنة والمشحونة بفيوضاتٍ الألم والأمل والأسى والتمنيات وكثرة الصراع الذي لا ينتهي بين عناصر الخير والشرِّ.

 وكلُّ حكاية من حكايات وقصص هذه الرِّواية الخمس عشرة لها موضوعاتها الحياتية الشائقة وسردياتها المأثورة في المتلقِّي والقارئ الذي يتتبع أحداث الرِّواية وينصت بإصغاء لثيمِها الفكرية. وعلى وفق هذه السرديات النسقية المتتالية التي احتشدت بها فضاءات الرِّواية سنقرؤُها أجرائيَّاً:

1- تَمثُّلاتُ القتلِ والتَّهجيرِ الطَّائفيِّ:

 شهد العام 2006م وما تلاهً من أعوام أخرى عجاف سنين القتل على الهُوِيَّة والتهجير القسري الإثني والطائفي من قِبلِ الجماعات الإرهابية التي تشكَّلت بعد الغزو الأمريكي، وكان هدفها الخارجي إخراج المحتل القوات الأمريكية، وهدفها الداخلي التغوُّل بنزعة الشرّ، فضلاً عما قامت به ما يسمَّى بالجماعات الجهادية التي راحت تعبث بالأرض فساداً وتمارس أساليب قتلٍ دمويةٍ وإجراءات ظلمٍ تعسفيةٍ بحقِّ الناس تصل إلى حدِّ القتل والتمثيل بالأبرياء من الطرفين دون رادع.

 وصار ذلك الفعل أُسلوبا شائعاً ومتداولاً مُخيفاً بين الناس الأبرياء من كلتا الطائفتين (الشيعيَّة والسُّنيَّة) في ظلِّ غياب واضح لحكومة القانون وضعفها الذي تسيطر عليه الأحزاب والجماعات المسلحة التي تهيمن على زمام المَشهد الحياتي المُنفلت والسياسي العام إثر اِحتقانٍ طائفيٍ مَقيتٍ:

 "مُنذُ أنْ شَاهدتُ جُثَّةَ جَاري المَقطوعةَ الرَّأسِ، وَهيَ تَسبحُ فِي بُركةٍ مِنَ الدِّماءِ؛ كَانَ ذَلكَ الجَارُ قَدْ تَلقَّى قَبلَ مَصرعِهِ بِعدَّةِ أيامٍ مَظروفَاً فِيهِ رَصاصةٌ، وَهوَ أُسلوبُ التَّهديدِ الشَائعِ، بِأنَّ عَليهِ إخلاءُ مَنزلهِ وإلَّا تَعرَّضَ لِلقتلِ؛ مِنَ المُؤسفِ حَقَّاً أنَّ جَاري المَسالمَ كَانَ مُدركاً لِعواقبَ ذَلكَ الَّتهديدِ؛ فَاِمتثلَ لَهُ، وَأخلَى المَنزلَ عَلَى جَناحِ السُّرعةِ؛ إلَّا أنَّهُ ارتكَبَ خَطأً، عِندمَا عَادَ لِيَأخُذَ مُولدَ الكَهرباءِ الَّذي نَسيَهُ، وَلمْ يُدركْ أنَّ نَسمةَ الهَواءِ الِّتي أملَ أنْ يَجودَ لَهُ بِها ذَلكَ المُولدُ في صَيفٍ قَائظٍ ومُلتهبٍ عِندَ انقطاعِ التَّيارِ الكَهربائيّ؛ سَتقودهُ إلَى حَتفِهِ؛ وَلَيتَهُم أنهُوا حَياتَهُ بِرصاصةٍ، بَدلَ أنْ يَنحروهُ مِثلمَا تُنحرُ الأضاحِي، فَعلُوا ذَلكَ إمعانَاً باِلترهيبِ وَالتخويفِ الَّذي تَقفُ وَراءَه دَوافعٌ طَائفيةٌ عًصفتْ بِالبلدِ تُنفذُها مَجموعَاتٌ مُسلحةٌ تَشكَّلت بَعدَ الغَزوِ الأمريكِي لِلعراقِ يَطلقونَ عَلى أنفسِهِم (الجَماعاتِ الجَهاديَّةِ)، هَدفُها إخراجُ القُواتِ الغَازيَةِ...". (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ، ص 7، 8) .

  وليتَ هدف هذه الجماعات الإرهابية المسلحة الموغلة بالشر أنْ تقف عند هذا الحدِّ من التمثيل والممارسات اللَّإنسانية القاتلة التي طالت الكثير من حياة العراقيين أبناء البلد المُوحد عقائدياً ووطنيا، بل راحت تقتل على الهُوِيَّة الاسمية أو الشخصيَّة، لا رادعَ لها سوى ما تقوم به من أعمالٍ وممارساتٍ بشعةٍ طالت حياة الأبرياء في هذا البلد الذي أخذت عناصر من الخارج تُغذِّيهُ الطائفيةَ:

 "وَقَبلَ أنْ تَتَغَوَّلَ نَزعةُ الشّرِّ عَلَى إنسانيتِهِم وَيَغرقُونَ جُزءاً كَبيرَاً مِنَ البَلدِ فِي مُستنقعِ الاِقتتالِ الطَّائفيّ، وَيُصابونَ بِهوسِ التَّحرِّي عَنِ البُطاقةِ الشَّخصيةِ؛ فَتراهُم يَرتدونَ الزِّيِّ العَسكريِّ وَيَنصبُونَ حَواجزَ وَهميةً عَلَى الطُّرقاتِ أضحَى اِجتيازُهَا أشبَهَ بِحقلِ ألغامٍ؛ وَلِأنَّ لَا لَونَ البَشرةِ، وَلَا اللُّغةِ يُمكنُهُمَا أنْ يُشيرَا إلَى اِنتماءِ شَخصٍ ما لِطائفةٍ بِعينِهَا؛ فَإنَّ الاسمَ أو اللَّقبَ، فِي الأغلبِ، كَفيلٌ بِنجاةِ أوْ هَلاكِ حَاملِ البَطاقةِ الشَّخصيَّةِ". (مَا لَا تَرويهُ المَدينةُ، ص 7، 8) .

 ومن المفارقات العجيبة التي اتَّسمت بها شخصية بطل الرِّواية (حمزة) التي مرتناَّ ذكرها في دراستنا لسرديات ذاكرة المدينة الواقعية أنَّها تحمل هُويَّة مزدوجة في انتمائه المذهبي السُّني أو الشيعي الذي قد أفاده حيناً إيجاباً وأضرَّ به حيناً آخر سَلباً في مواجهة عناصر الطائفية وتظليلهم. فلنقرأ ما يقوله الراوي العليم السيَّد كريدي على لسان بطل روايته حمزة الموسوي أو النجدي:

 "مَعِي الأمرُ يَختلفُ بَعضَ الشَّيءِ؛ لأنَّ اِسمِيَ المُدرَجَ فِي بَطاقتِي الشَّخصيَّةَ هُوَ حَمزةُ مُحمَّدُ المُوسويُّ بِكلِّ مَا لَهُ مِنْ دِلالةٍ عَلَى اِنتمائِي لِلدوحةِ المُحمديَّةِ، بَينمَا اِسمِي المُدْرَجُ فِي جَوازِ سَفرِي هُوَ حَمزةُ مُحمَّدُ النَّجدِي، وَهوَ المُتدَاولُ بَينَ كَثيرٍ مِنَ النَّاسِ؛ لأنِّي نَشأتُ وَتَربيتُ فِي بَيتِ النَّجدِيِّ؛ أمَّا بَالنسبةِ لِي؛ فَسيَّانَ عِندِي إنْ كُنتَ حَمزةَ النَّجديَ أمْ سَيِّدَ حَمزةَ المُوسويّ". (مّا لّا تّرويهُ المدينةُ، ص 8) .

 ومثل هذه الازدواجية الاسمية في الطائفة تدللُ على أنَّ العراقيين نسقياً واجتماعياً مُتحابون ومتوحدنونَ لا يعرفون لُغةَ التفرقة المذهبية والعنصرية الإثنية بين الطوائف المتعايشة سنينَ طوالٍ سلميَّاً في هذا البلد؛ كونها ثقافة دخيلة جاءت من صنيعة الغازي الذي راهن على الوقوع في فخ الهوية علَّها تعمل على تفكيك وحدة الشعب العراقي وتدمير عقائده الدينية وتشلَّ انتماءَه الوطني وتُضعف حبَّه لأرضه ووجوده التكويني الأوَّل الذي عاد إليه بعد فورة من سنينَ الاقتتال الطائفي:

 "فَيذهبُ أبِي فِي أوقاتِ إِجازتِهَ لِيُصليَ الفُرُوضَ فِي جَامعِ السُّنَّةِ الكَبيرِ، ذَلكَ الجَامعُ الَّذي كَانَ أولَ مَحطَّةٍ لِجَدِّهِ نَايفِ عِندَ وُصُولِهِ إلَى المَدينةِ؛ أمَّا خَالِي سَتَّارُ الِذي يَسكنُ الدَارَ المُلاصقَةَ لِدارِنَا، فَيًصلِّي فِي جَامعِ الشَّيخِ عَبدِ الغَفَّارِ الأنصاريِّ، وَهوَ أكبرُ جَوامعِ الشِّيعةِ، وَكَانُوا يُطلقونَ عَلَى خاَلِي، لَقبَ سَيِّدِ وَسيِّدنَا وَأحيانَاً مُولانَا؛ لأنَّه مِنْ ذُريَّةِ رَسولِ اللهِ؛ وَأنَا أيضاً يُنادونِي في بَعضِ الأحيان بـ (السيَّدِ) ؛ أمَّا خَالتِي، فَيدعونَهَا (عِلوِيَةُ) ". (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ، ص 38، 39) .

 وبالتأكيد أنَّ حُمولاتِ هذا التآلف الاجتماعي والتعايش المذهبي السَّلمي بين العراقيين تُدلِّلُ كلَّ التدليل على أنَّ فئات الشعب العراقي وقومياته ومذاهبه كافةً لا تسعى إلى تغذية ثقافة التفرقة العنصرية، ولا تُحبُّ إطلاقاً لُغة الاصطفاف الطائفي المقيت المفخخ وقتياً؛ كونها ثقافة طارئةً لا تصمد أمام الروح الوطنية والانتماء للوطن. المهمُّ في ذلك أن يكون الفرد العراقي بالدرجة الأولى إنساناً وقبل كلِّ شيء في ميوله لطائفته وعقيدته الدينية وهو ما جُبِلَ على طبعه مُنذُ عصورٍ خَلَتْ. وهذا ما يشهد له تاريخ العراق السياسي الحديث برغم بعض التعثَّرات والنعرات الطائفية القَميئَة.

2- التَّمثُّلاتُ الوَاقعيةُ لأدبِ السِّيرةِ وَالارتحالِ السِّيري:

 وفي الفصل الخامس من الرواية والمعنون للحديث عن شخصيَّة عبد الوهاب النَّجدي، الذي هو زوج والدته والأبُّ الرَّاعي لِحياة بطل الرِّواية (حمزة مُحمَّد النَّجدي)، وهو أيضاً الرجل المُتبنِّي لشخصيته بعد وفاة والده سيِّد محمَّد الموسوي، يطالعنا الحديث السِّيري الآتي عن شخصية (عبد الوهاب النَّجدي) الذي يروي أصوله الأولى في بلده الكويت وخروجه منها لأسبابٍ كثيرةٍ مُلحةٍ:

 " بَعدَ أنْ أطفأتْ لَوعةُ اِشتياقِي لِأُمِّي وَأبِي وَأخِي عَبدِ الصَّمدِ، أرغمتنِي رِئتَايَ عَلَى مُغادرَةِ الكُويتِ بَعدَ أنِ حَاصرتهمَا رُطوبةُ الجوَّ مُتوجهاً مِنْ هُناكَ إلَى تُركيَا، حيثُ كَانَ فِي اِنتظارِي صَديقِي صَباح؛ الَّذِي وَصلَ إسطنبولَ قَبلِي، قَادِمَاً مِنَ العِراقِ". (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ، ص 45) .

 ويمضي عبد الوهاب النَّجدي قُدُمَاً ببدءِ رحلته الشَّخصيَّة السِّيريَّة خارجاً من بيت أهله في بلده الكويت مروراً بتركيا، وصولاً إلى مدينة بلغراد اليوغسلافية مُستقلاً القطار الذي أوصله إليها، ومن ثمَّ السير بالقطار مرِّةً أخرى للوصول إلى جهته المقصودة وهي ألمانيا الغربية حينذاكَ التي يعول على زيارتها مع صديقه صباح العراقي ليقضياً سياحةً في هذه الدولة ومن ثم العودة منها:

 "أخذنَا القِطَارَ إلَى ألمانيَا الغَربيةِ، وَوَجْهتُنَا التَاليَةُ هِيَ مَدينةُ مُيونِخ، وبَعدَ كُلِّ مَحطَّةٍ يَتوقَّفُ عِندَهَا، يُطالعُنَا وَجهُ الجَابي الَّذي يُذكرنِي بِشخصيةِ المُمثِّلِ (ألبرتُ فِينِي) الَّذي مَثَّلَ دَورَ المُحقِّقِ (هَيركول باورو) فِي فِيلمِ قِطَارِ الشَّرقِ السَّريعِ المَأخوذِ عَنْ رِواية آجاثَا كِريستِي". (ما لا ترويهُ المدينةُ، ص 46) .

 والملاحظ أنْ أدب التسريد الارتحالي قد تضمَّن ذكر شخصياتٍ ثقافيةٍ وأعمالاً فنيَّةً وروائيَّةً عالميةً. ويَلحظ أيضاً أن الكاتب تحسين كريدي قد ثبَّتَ في كلِّ رحلةٍ تاريخاً لكلِّ دولةٍ أو مدينةٍ تزورها شخصيَّات الرِّواية. وفي التاريخ الذي أرَّخه الكاتب في الرِّواية لهذا العنوان الفصلي عن عبد الوهاب وهو (الحادي عشر من أيلول) . وعلى وفق ذلك من أدب الرحلات السيريَّة نقرأ شيئاً واقعياًحقيقيَّاً من تجربة شخصيَّة حقيقيَّةٍ لكاتب الرواية كريدي نفسه عندما كان طالباً يدرس الهندسة في (صربيا) أو في يوغسلافيا. فقام بتوظّيف رحلته للإفادة منها والتماهي مع شخصيَّات روايته:

 "الحَادِي عَشرَ مِنْ أيلولٍ، أخذنَا القِطَارَ إلَى مَدينةِ بَلغرادِ عَاصمةِ يُوغسلافيَا بَعدَ أنْ اِشترَى كُلُّ واحدٍ مٍنَّا مِنَ تِريستَا خَمسَة كيلوغراماتٍ مِنَ البُنِّ البَرازيليِّ نَوعِ (مِيناس) الَّتي بِعنَاهَا بَأضعافِ ثَمنِهَا فِي بِلغرادَ. [و] العَشرونَ مِنْ أيلولٍ، عَلَى مَشارفِ البِسفورِ شَارفتْ رِحلتُنَا لِهذَا العَامِ عَلَى نَهايتِهَا، وَكُنَّا نَتهيَّأُ لِلعودةِ إلَى العِراقِ، وَلا سِيَّما أنَّ الدَّوامَ فِي المَدارسِ بَاتَ وَشيكَاً عَلَى الأبوابِ، فَوضَّبنَا حَقائِبَناَ المُترعةَ بِالهدايَا". (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ، ص 49) . وتَستمرُّ رحلة التدوين والأرخنة اليومية.

3- تَمثُّلاتُ السَّردِ الوَاقعيةُ لِتداعياتِ الحَربِ العِراقيَّةِ الإيرانيَّةِ:

 وفي ثمانينيَّات القرن العشرين نشبتِ الحرب العراقية الإيرانية بين البلدين المسلمين الجارينِ، وحدث ما حدث من سياساتٍ هوجاء فرضتها إملاءات السياسة الخارجيَّة من قبل أمريكا ودول الخليج العربي صاحبة الثراء؛ ليحارب العراق بالنيابة عنهم ويحمي مصالحهم. باعتبار أنَّ العراق يمثل حارس البوابة الشرقية لحدود الوطن العربي الكبير. ووقع العراق في حبائل هذا الفخ الكبير وتعرَّضَ إثر ذلك لحصار واستنزف الكثير من قوته وإمكانياته الاقتصادية والبشرية، وفقد البلدان العديد من الضحايا في حرب ليس لهما فيهما ناقة أو جمل، وليس هناك من هو فائز في الحرب.

 وقد أخذت هذه الحرب حصتها الموضوعية والفكرية من أدب وسرديَّات رواية (ما لا ترويهُ المدينةُ) الذي اشتغل فيها الكاتب الرائي في أكثر من موضع تسريدي أو مكان حربيٍّ يكون شاهداً على تاريخ العراق السياسي. الأمر الجَلل الذي تأثَّرت به كل أطياف الشعب العراقي المسالم لثماني سنواتٍ عجافٍ ومنها معاناة بطل الرواية الذي عاشَ ويلاتِ الحرب العراقية الإيرانية الضروس:

 فِي شَهرِ "أيلولُ (سِبتمبر) عَام 1983، اُستدْعِيتَ لِخدمَةِ الاِحتياطِ؛ لِأنَّي لَمْ أحصلْ عَلَى اِنتدابٍ مِنَ الخِدمةِ العَسكريَّةِ الَّتِي اِستثنَتْ قِسمَاً مِنَ المُعلِّمينَ؛ فِي اِختصاصَاتٍ مِثلَ الرَّياضياتِ وَاللُّغةِ الإنكليزيَّةِ؛ أمَّا مُعلِّمُو مَادةِ الفَنيَّةِ، فَكانَ بِوسعِهِم الاِستغناءُ عَنْهُم فِي المَدارسِ، فَفِي الحُروبِ لَا أحدَ يُفكِّرُ فِي القِيمِ الجَماليَّةِ". (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ، ص53) .

 وهُنا الكاتب لا يسرد تمظهرات الواع التداولية ويصفها فحسب، وإنَّما كان ينتقدُ سياسة النظام الحاكم وقتذاكَ. وكانت نتائج هذه الحرب الطويلة مخيبةً للآمال والطموحات المستقبلية، إذ لا رابح فيها أو خاسر غير الشعبينِ العراقي والإيراني الذين كانا ضحية السياسات الأهوائية الهوجاء التي امتدت على إثرها الحرب لسنوات طوال، ولم تنتهِ إلَّا بعد مضي ثماني سنوات من الموت البطيء والتجويع والترمُّل للنساء والأمَّهات واليتم للأطفال، حتَّى قيام ساعة الحسم المُفاجِئَة لانتهاء الحرب في (8/8/1988م)، وبعدها بدأت مرحلة لسلسة حروب جديدةٍ تكرَّرت والتي لم تُكن في الحسبان:

 "أَعدتُ عُلبَةَ الصُّورِ والمُفكِّرةَ إلَّى الدُّولابِ، وَأويتُ إلَى فِراشِي لِأنالَ قِسطَاً مِنَ النَّومِ، قَبلَ اِلتحاقِي يَومَ غَدٍ إلَى الجَبهةِ الَّتي مَا مِنْ بَصيصٍ أملٍ بِنهايةِ لِلحربِ المُستعرةِ فِيهَا؛ لِلعامِ الرَّابعِ، وَالمَوتُ يَتربصُ بِنَا، وَلَا أحدَ مِنَّا يَعرفُ مَتَى سَيحينُ أجلُهُ، الجَميعُ مَأخوذونَ بِهاجسِ المَوتِ الَّذي لَا يُبارحُ رَأسَ أحدِنَا؛ إلَّا بَعدَ أنْ تَسوطنَهُ شَظيَّةٌ أو رَصاصّةٌ". (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ، ص 54) .

 وبعد أن أوقفت الحرب أوزارها لم يستقر وضع العراق السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وحين تنتهي ساعة الخلاص من الحرب تبدأ مرحلةٌ جديدةٌ من التأزم الخارجي الذي ينذر بحروبٍ جديدةٍ أخرى أفقدت العراق مكانته في العالمين العربي والدولي، وصار الفرد العراقي غيرَ مُرحَّبٍ به.

4- مَشاهدٌ مِنْ تَمثُّلاتِ حَياةِ المدينةِ اليَوميَّةِ الاِجتماعيَّةِ:

 في الفصل السادس الذي جاء تحت عنوان (سيِّد موسى)، والذي خصَّص فيه الكاتب تحسين علي كريدي الحديث عن سرديَّات شخصية سيَّد موسى الجنَّاز الذي كان ينقل الموتى على ظهر فرسه الخاص ليعتاش منه. وسيِّد موسى هو الجدُّ الرابع لبطل الرواية (حمزة محمَّد حمزة موسى) .

 وسنقرأ في هذا الجزء السيري الجمعي مشاهد واقعية من تداعيات الحياة الاجتماعية في الريف العراقي والمدينة عن عبد الوهاب والد البطل حمزة وزوج والدته الثاني الذي تكفَّل برعايته وتربيته الخاصة بعد وفاة والده الأصل السيِّد محمَّد الموسوي. فضلاً عن شؤون الرعاية والتربية والاهتمام والدفء العائلي الذي كان يتلقاه من كنف خالته زوجة عبد الوهاب الثانية التي هي أخت أمه الموتفية؛ وعن خاله ستار الذي لم يبخل في تقديم الرعاية والعون له ليرسم له مستقبلا مرموقاً واعداً لأنَّ حمزة كان يتيم الأب والأمِّ ولا بُدَّ مِنْ حفّه بالرعاية والعناية به اجتماعيّاً ودينيَّاً وثقافيَّاً:

"مَضَى عَامٌ عَلَى وَفاةِ أبِي، وَكَانتْ وَطأةُ فِراقهِ شَديدةً عَلَيَّ؛إلَّا أنَّ خَالتِي عَملتْ المَستحيلَ وَمَدَّتنِي بِكُلِّ مَا تَملكُ مِنْ حَنانٍ وَرَعايةٍ لِتَعوضنِي خَسارتَهُ الفَادحَةَ، وِمِثلَهَا فَعلَ خَالِي؛ كَانتِ الغُرفةُ الَّتِي اِختصَهَا أبِي لَهُ وَجَعلهَا مَرسَمَاً، مَليئةً بِالألوانِ وَالأصباغِ بِأنواعِهَا، زَيتيةً وَمَائيَّةً وَأقلامَ تَلوينٍ وَأوراقَ الرَّسمِ وَلوحاتِ مَنجزةً وًأُخرى مَشاريعَ اِبتدأهَا وَلَمْ يَمهلْهُ المَوتُ لاِتمامِها؛ وَمِنْ بَينْ تِلكَ اللَّوحاتِ الَّتي رَسمَهَا لِأُمِّي، ؛ كُنتُ أهوَى الرَّسمَ الَّذِي غَرسَهُ أبِي فِيَّ". (مَا لَا تَرويهُ المَدينةُ، ص 60) .

 وأروع ما في واقعيات هذا الفصل الحياة العملية التداولية لسيِّد موسى الجنَّاز وقصة زواجه الطارئة من فتاةٍ ريفيةٍ كانت مخطوبةً لابن عمها أحبَّها السيِّد مصادفةُ، وعن طبيعة عمله في نقل الموتى لوادي السلام سيراً على حصانه، وما يمرُّ به من مدن وقرى وأرياف تعرفه وتُرحِّب به:

 "كَانَ ذَلكَ الشَّابُ وَاسمُهُ مُوسى؛ يَفدُ إليهِم بَينَ حِينٍ وَآخرَ مِنْ مَنطقةِ عَلِي الغَربي، مُعتليَاً صَهوةَ حِصانِهِ الأدهَمَ، واضِعاً خَلفَهُ حُمولَةً غَريبةً؛ عَبارةٌ عًنْ حَصيرةٍ مَنسوجَةٍ من شَرائحِ القَصبِ تُسَمَّى (بَاريَةً)، تُوضعُ فِيها جُثَّةُ المُتوفِي وَتَطوَى عَليهَا، ثُمَّ تُحاكُ مِنَ الطَّرفينِ، وَيَتوَلَى سَيَّدُ مُوسَى نَقلَهَا -مُقابلَ أجرٍ- لِتُدفَنَ فِي مُقبرةِ وَادِي السَّلامِ فِي مَدينةِ النَّجفِ الأشرَفِ، وَهيَ الوَسيلةُ الوَحيدَةُ المُتاحةُ حِينذَاك، إذْ لمْ تَكُنِ السيَّاراتُ مَعروفةً وَلَا الطُّرقاتَ مُعبَدَةً؛ وكَانتْ لِرحلتِهِ الَّتي تَستغرقُ أُسبوعَاً كَاملاً، مَحطَّاتٌ ثَابتةٌ، فِي قُرَى عَلَى اِمتدادِ طَريقهِ، يُضَيِّفُهُ فِيهَا أهلُها، وَلَا سِيَّمَا شُيوخُ وزَعاماتٌ تلكَ القُرَى؛ إكرامَاً لِنسبِهِ وإجلالاً لِلمُوت". (مَا لا تَرويهُ المدينةُ، ص 63) . 

 وينقل لنا الكاتب صوراً ومشاهد دراميةً كثيرةً مُفرحةً ومؤلمةً عن رحلة السيَّد موسى الجنَّاز عند قيامه بعمله حينما يمضي راكباً على صهوة حصانة الأدهم بنقل جثامين المُوتى إلى مثواهم الأخير قرب ضريح الأمام علي بن أبي طالب ماراً بمحطِّاتٍ كثيرةٍ من القرى والأرياف إذ يتفاعل السرد مع وقائع قصة أوحكاية سيِّد موسى تفاعلاً جمعياً وإنسانياً مُذهلاً، إكراماً لمثل هذا المشهد:

 "وَعِندَ مُرورهِ بِأحدِ البُيوتِ الَّتي مِنَ المُؤكَّدِ أنَّ فِيهَا الفَرسُ الَّتي تَمرُّ بِدورتِهَا النَّزويةِ؛ تَمَرَّدَ الحِصانُ عَليهِ، وَرفضَ مُواصلةَ السَّيرِ، وَأخذَ يَصهلُ؛ بَينَمَا السيِّد يُحاولُ السَّيطرةَ عَلَى حِصانِهِ؛ وَقَعتْ عَيناه عَلَى فَتاةٍ أطلَّتْ بِرأسِها، عِندَمَا سَمعَتْ الجَلبةَ فِي الخَارجِ، فَاضطربَ قَلبُهُ لِجمالِهَا، وَغَشِيَ قلبُهُ تَوتِّرٌ شَديدٌ، لِربَّما أقوَى مِنْ ذَلكَ الَّذي يَشعرُ بِهِ حِصانُهُ، وَرَغِبَ فِي مَعرفةِ مَنْ تَكونُ؛ فَاقتربَ مِنهَا وَسَألهَا: -فَرسكُم تَطلبُ فَحلَاً، أَليسَ كَذلكَ؟ - هُوَ كَذلِكَ سَيِّدنَا، ابنةُ مَنْ أنتِ؟ -أنَا زَهرةُ بِنتُ حُسينٍ سَيِّدنَا.-حُسَينُ أظنَنِي أعرفهُ. لَا بُدَّ وَأنَّك تَعرفُهُ...". (مَا لَا تَرويهُ المَدينةُ، ص 64، 65) .

 ومن خلال هذه التَّمثُّلات الأخيرة لمشاهد قصَّة وحياة السيَّد موسى مع الآخرين نستشعر التماهي الجميل الذي صنعه الراوي العلم بين غريزة الواقعية التداولية الإنسانية العاطفية في الحبِّ الذي يَكنَّهُ للفتاة وبين غريزة الواقعة الحيوانية لحصانه الذي هو الآخر بحاجة لزواج جنسي يُغذِّي جسدَهُ ويكمل به رحلته الشاقة في الطريق إلى النجف الأشرف. والتي من خلال هذا الموقف الغرائزي استطاع سيِّد موسى أنْ يحبَّ تلك الفتاة الريفية زهرة التي هي جدَّة البطل حمزة الموسوي ويخطبها على الرغم من أنَّها كانت مخطوبةً لابن عمِّها وهناك معرضة بخصوص خطبتها؛ لكنَّ السيِّد موسى أصرَّ على أنْ تكون زوجة مُستقبلية له تُخلِّفُ أولاداً وبناتاً فكان من بين هؤلاء حفيده حمزة:

 "بَعدَ سَاعةٍ كَانَ الشَّيخُ وَبَعضُ وُجهاءِ العَشيرةِ، عِندَ اِبنِ عَمِّهَا حُسينُ لِيخطبُوا زَهرةَ للسيِّد، وَعِندمَا فَاتحَهُ الشَّيخُ بِذلكَ، اِستغربَ وَالدُها طَلبَهُم؛ فَالكلُّ يَعرفِ أنَّ زَهرةَ سَتُزَفُّ لِشرهَانَ اِبنِ عَمِهَا بَعدَ شَهرٍ، وَلكنَّه خَمَّنَ أنَّ أبناءَ عُمومتهِ مُحرجونَ مِنَ السَّيِّدِ وَلَا يَسعهُم رَدَّ طَلبهِ، مِثلمَا هُوَ مُحرجٌ فِي هَذهِ اللَّحظةِ، فَليسَ مِنَ السَّهلِ رَفضُ طَلبِ سَيِّدٍ اِبنِ رَسولِ اللهِ؛ لِذَا آثرَ رَميَ المَوضوعِ فِي سَاحةِ اِبنِ أخيهِ، وَقَالَ:[..]إنَّ البنتَ مَخطوبةٌ لِابنِ عَمِّهَا وَسُتزفُ...". (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ، ص 66، 67) .

 وتنتهي قصة خطوبة السيِّد موسى بالزواج من زهرة جِدَّة بطل الرواية حمزة والتي إليها ينتمي نسبه الشريف الموسوي، ولتبدأ قصة أبيه السيَّد محمَّد موسى مرحلة جديدة من الحبِّ في سرديَّات الرحلة الواقعية التي قام بها أبوه مع أُمَّه في مدينة العمارة وفي حيّ منطقة السَّراي مثابة الرواية. ولنقرأ ما تقوله خالة حمزة الَّتي تروي له مفاجأة قصة زواج والده محمَّد من أُمّه التي ابنة عمِّه:

 "سَيِّدُ مُحمَّدٌ كَانَ مُتزوِّجَاً مٍنْ وًالدتِكَ. -أُمِّي مُتزوجةٌ مِنْ اِبنِ عَمِّهَا قَبلَ وَالدي! - بَلْ إنَّ سَيِّد مُحمَّداً فِي حَقيقةِ الأمرَ، أبوكَ. بَقِيتُ فَاغرَاً فَاهِي كَالأبلهِ، وَأنَا أسمعُ تِلكَ المَعلومَةَ الصَّادمَةَ وَالمُربكةَ؛ عَبدُ الوَهابَ لَيسَ أبِي! لَا أستطيعُ تَصديقَ ذَلكَ؛ بِرغِم أنَّها كَشفتْ بَعضَ الأُمورِ المُريبَةِ الِّتي كُنتُ أشعرُ بِهَا؛ مِثلَ لامُبالاةِ وَالدِي عَبدِ الوَهابِ بِي، كَمَا يَنبغِي لأيِّ جَدينِ أنْ يَفعَلا، أو مُطالبتُهمَا بِي كَمَا فَعَلَا مَعَ أنومةَ؛ أو اسمِي الَّذي ظَننتُهُ كان مُركَّباً، إلَّا أنَّ أشياءَ كَثيرةً أُخرى مَا زَالتْ عَصيَةً عَلَى فِهمِي؛ تَابَعَتْ خَالتِي كَلامَهَا وَهيَ تَرَى حَيرَتِي...". (مَا لا تَرويه المدينةُ، ص 80) .

5- التَّمثُّلاتُ السَّرديَّةُ لِلعاداتِ وًالتَّقاليدِ وَالسُّننِ الواقعيَّةِ الصَّادمَةِ:

 وفي هذا المحور السردي الاجتماعي الواقعي نخوض الحديث في العنوان التالي: (أُمِّي زهراء)، وهو الفصل الذي يستكشف جوانب سردية كثيرة من حياة الناس في المجتمع العراقي المُحافظ، وعلى وجه التحديد عندما يكون السرد الواقعي مُخصَّصاً عن سيرة زهراء والدة حمزة، وكيف تمكَّنت هذه الفتاة من الارتباط برجل من أهل السُّنة والجماعة من غير طائفتها الشيعيَّة المعروفة.

 واستطاعت زهراء برابط حبَّها المتين أن تذيب جليد هذا العائق الاجتماعي المفتعل من خلال العَلاقة العاطفية التي ربطتها بزوجها المستقبلي المدعو عبد الوهاب النَّجدي الذي يعدُّ أباً ثانياً لحمزة المتوفي والده السيَّد محمَّد الموسوي، والذي ليس حمزة على علم بأنَّه والده الحقيقي، وأن عبد الوهاب هو زوج أُمّه وخالته ومربِّيه الثاني.

 ولم يكتشف حمزة هذه الحقيقة المُغيَّبة عنه. تلك التي أخفتها عنه خالته التي هي زوجة عبد الوهاب الثانية، ولم تخبره بها إلَّا بعد وفاة عبد الوهاب التي مضى عليها سنوات عديدة وأصبح حمزة يتيماً من جهتي الأب والأمِّ ولم يرعاه إلَّا خاله ستَّار وخالته.ولنقرأ جانب واقعيَّاً من سردياَّت هذه القصة التداولية عن حكاية حمزة وإشكالية أسرته التي شكَّلت محوراً فكرياً وفنيَّاً في الرواية:

 "فَسُنَنُ العَشيرةِ غَيرُ المَكتوبةِ تّنصُّ عَلَى أنَّ ابنةَ العَمِ لِابنِ العَمِ، وَالزواجُ مِنْ مَذهبٍ آخرَ أْو قَوميَّةٍ أُخرى خَطيئةٌ، أمَّا (العَلويَةُ) مِنَ نَسلِ رَسولِ اللهَ فَلَا يَتزوجُهَا غَيرُ (السيِّدِ)، وَكُلُ تِلكَ السُّننِ مُفصَّلَةٌ عَلَى مَقاسِ الإناثِ فَقَط؛ أمَّا السيِّدُ فَلَا يُعدُّ عَملُهُ فِعلاً مَعيبَاً عِندَمَا يَخرقُ تِلكَ القَوانينَ، بَلْ شَرفاً؛ وًعًلًى فٍتاةٍ عَلويةٍ مِثلَ زَهراءَ، أنْ تَذعنَ عِندَمَا يَعترضُ أبناءُ العُمومَةِ الَّذينَ أتُوا لِلعيشِ فِي المَدينةِ، جَالبينَ مَعهُم كُلَّ إرثِهِم القَبَلي.جَاءَ الرَّفضُ قَاطعاً، ليس من قبل أخِي ستَّار، بَلْ مِنْ طَرفِ مُحمَّدٍ ابن عمِّي اِسماعيلَ، الَّذي تَقدَّم وَطلبَهَا لِلزواجِ، عِندَمَا سَمِعَ الخَبَرَ". (مَا لا تَرويهُ المدينةُ، ص 85، 86) .

 إنَّ هذا الرفض الذي جُوبهت به قصَّةُ زهراء في زواجها من رجل مختلف عن طائفتها يؤكِّد كلَّ التأكيد إنَّ إنسانيتنا في التعايش لا يمكن أن تقفز أو تسمو فوق القوانين والسُّنَنِ والعادات والتقاليد الاجتماعية المتداولة، وليس بوسعها أن تكسر قيمَ وجدار المألوف ببساطة دون معارضةٍ حقيقيةً، وخاصة أنَّ الأمر يتعلَّق بقضيةٍ إنسانيةٍ وعاطفةٍ بين رجلٍ وامرأةٍ، وقد تلقَى رَفضاً قاطعاً، لكن الظروف والإصرار على الأمر قد يحدث توافقاً مفاجئاً وقبولاً من قبل الآخرين المقرَّبينَ من أهل الشأن. وهذا ما نجده ماثلاً بعَلاقة ستَّار أخ زهراء بصديقه عبد الوهاب الذي يروم الزواج منها:

 "كَانَ أخِي سَتَّارُ يَميلُ إلَى عَبدِ الوَهابِ الَّذِي تَربطهُ بِأُسرتِهِ عَلاقةٌ طَيِّبةٌ اِمتدادَاً أكثرَ مِنْ ثِلاثةِ عُقودٍ؛ لَكنَّهُ مِنْ نَاحيةٍ أُخرَى، لَا يَمكنهُ تَجاهِلَ عَاداتِ مُجتمعِنَا الغَارقِ فِي الهَيمنَةِ الذُّكوريَّةِ الِّتي لَا تَمنحَ البِنتَ دَاخلِ الأُسرةِ مَكانةً فِي التَّربيةِ الَّتي تَبدَأُ مِنَ الأبِّ ثُمَّ الأخَ الأكبرِ، وَانتهاءً بِأصغرِ الأولادِ سِنَّاً؛ اِعترضتْ زَهراءُ وَقَاومتْ بِضراوةِ نِمرَةٍ بَريَّةٍ يُرادُ تَرويضُها؛ فَالتَّخلِّي عَنْ حُبِّها لِعبدِ الوهابِ غَيرً وَاردٍ، لَأجلِ شَخصٍ لَا تُوجدُ فِيهِ خِصلةٌ وًاحدةٌ يَتفوَّقُ بِها عَلَى عَبدِ الوَهابِ، سِوَى رَابطةِ الدَّمِ، خَاضتْ صِراعَاً مًحمومًاً؛ وَتجرَّأتْ وَكاشفتهُم بِحبِّها لِعبدِ الوَهابِ، وَهوَ شَيءٌ غَيرُ مَعهودٍ وَيَنطوي عَلَى مُجازفةٍ كَبيرةٍ قَدْ تَتَسبَّبُ فِي هَلاكِهَا، وَمعَ اِزديادِ رِفضِهَا وَعنادِهَا، يَزدادُ عَنادُ اِبنُ عَمِّي وَيَتعاظمُ، وَأصبحَ الأمرُ مُوضوعَ تَحدٍّ وَكرامةٍ تُرَخَّصُ مِنْ أجلِهَا الدِّماءُ، وَفِي آخرَ الأمرَ عَثَروا عَلَى الثَّغرةِ الَّتي اِستطاعُوا فِيهَا كَسرَ إرادةِ زَهراءَ وَجعلِهَا تُذعِنَ لِهُم، هَدَّدوهَا بِقتلِ عَبدِ الوَهابِ، أوْ حتَّى أخِي سَتَّار إنْ لِمْ تُذْعِنْ". (ما لا ترويه المدينة، ص 86) .

 وفي نهاية الأمر الجلل دخلت زهراء عشَّ الزوجية واقترنت بعبد الوهاب في بيت النَّجدي، وكان حمزة وقتذاك طفلا رضيعاً؛ الأمر الذي دفع الآخرين في الزقاق والمَحلَّة أن يطلقوا عليه لقب النَّجدي بينما هو أصلاً السيَّد حمزة الموسوي، لكنَّه عُرِفَ بحمزة النَّجدي ؛كونه تربَّى في بيتهم.

6- تَمثُّلاتُ الواقعِ المَدينَي التَّداوليَةُ الأُخرى:

 لم تنتهِ سرديَّات الواقع التداولية لرواية (ما لا ترويهُ المدينةُ) بهذا القَدرِ من التمثُّلات، بل توسَّعت وتشعبت آفاقها كثيراً من حيث العلاقات الاجتماعية والإنسانية والمهنيَّة التي خاض الكاتب الغوص في قاعها المديني السَّردي كثيراً، فضلاً عن سرد إلمامةٍ تصويرية عن وقع العلاقات الخارجية التي تربط أبناء الوطن الواحد بأهلهم وأقاربهم وذويهم، وهذا ما نجده ماثلاً بعلاقة شخصية عبد الوهاب النَّجدي بأخيه عبد الصمد الذي يسكن في بلده الكويت. والحديث هنا له صلات كثيرة بدخول الجيش العراقي للكويت في بداية التسعينيَّات واحتلالها وما خَلَّف الأمرُ المفاجئ من سياسات وأضرارٍ جسيمةٍ دوَّنتها كتب التاريخ ووثَّقتهاأحاديث وقصص وسير الأشخاص في كُلٍّ من العراق والكويت.

 وتلي تلك الحوادث موضوعات سردية أُخرى عرضها سردها الرَّاوي في مدونته تتعلَّق بطريقة أذان الصلاة المتعارف عليها عند الشيعة والسُّنة في مناطق الجنوب العراقي. فضلاً عما ذكره من سرديات مُتوالية عن الشأن العسكري وكيفية خروج بعض الأشخاص غير المألوف عن أنظمة قواعده وأوامره وشرفه المهني وانتهاك حرمة تلك الضوابط التي مرَّ بها بطل الرواية عندما كان جندياً عسكرياً يؤدٍّي خِدمة العلم في معسكر للجيش العراقي قبل وبعد مرحلة تغيير الحكم العراقي والتحولات الجديدة. وينعطف التسريد للواقع بالحديث عن الاقتصاص العادل من الظلمة والفاسدين.

 بعد ذلك تسير أحداث الرواية للحديث عن العالم الداخلي والخارجي لبطل الرواية حمزة؛ بسبب تورطه بقضية مقتل غجرية تابعة لأزلام نظام الحكم السابق، ومسألة هروبه في نهاية خدمته العسكرية لسوريا عن طريق شمال العراق كجزء من مخطط فوضى أدب الارتحال الجبري والتهجير القسري الذي مرَّ به العراقيون مع سلطة النظام الحاكم، ومن بينهم حمزة الشاب المسالم .

 وتقف مسرودات وأحداث الرواية عند مدينة العُمارة، وعلى وجه التحديد خلال سنوات ظهور الاقتتال الطائفي على الهوية عام 2006م، وما تلاها من سنوات الإرهاب. المُهمُّ أنَّ أحداث الرواية الواقعية بدأت حكاياتها من بيت النَّجدي بمدينة العُمارة وانتهت خواتيمها الأخيرة ببيت النَّجدي نفسه الذي استقرَّ به بطل الرواية حمزة النَّجدي الموسوي؛ ليكون آخر معقل مكاني وزماني واقعي يحفظ له كيانه السومري العراقي الأصيل بعد تعرَّضه لظُلمٍ كبيرٍ من قبل ذويه ومحيطه الخاصّ.

 وهنا لا بدَّ من الكشف عن الحقيقة التي تقول لا يمكن أن تُروى قصَّةُ مدينة بكاملها ما لم يروي شخوصها الحقيقيون وأبطالها الفاعلون عن آثار واقعها الحياتي المعيش الذي تجري عليه الأحداث كلَّ يوم. وقد آثر السيَّد مؤلِّف العمل أن يستعرض في خاتمة الرواية شريط أحداث خلود مدينته:

 "رَحَلَ عَنِ المَدينةِ الكَثيرُ مِنْ قَاطنيهَا بِآجَالِهم المَحتومَةِ، وَارتَحَلَ آخرونَ إلَى أصقاعِ المَعمورةِ، ماَتتْ غَنيةُ، وَافترسَتْ إحدى الحُرُوبِ العَبثيةِ ابنَها حَميداً، وَلَمْ يتبقَ مِنَ الشُّهودِ مَنْ يَروي الحِكايةَ؛ بَيدَ أنَّها سَتبقَى مَغروسةً فِي ذَاكرتِي وَسَأورثُها فِيمَا بَعدَ، إلَى أولادِي وَأحفادِي، لِتُبَدِّدَ رَتابةَ اللَّياليِ وَسأمَها، وَلِرُبَّما فِي زَمنٍ مَا، مُوغلٍ مِنَ المُستقبلِ، سَيتكلَّمُ النَّاسُ عَنْ حِكايةِ الحُبِّ بَينَ عَبدِ الوَهابِ وَزَهراءَ، وَكَأُسطورةٍ خَالدِةٍ، تَمامَاً مِثلَ أُسطورة إنانَا وَدُمُوزي". (ما لا ترويه المدينة، ص 176).

أُسلوبيةُ الكَاتبِ التَّعبيريَةُ:

 إنَّ أهمَّ ما يُميِّز أُسلوبية الكاتب والرِّوائي تحسين علي كريدي سبكَ لغته التعبيرية الشفيفة، واقتصاده اللُّغوي الفنِّي البَعيد عن لغة الحشو والإطناب والإسهاب، وميله السَّردي إلى التكثيف الموضوعي الذي يُناسب واقعة الحدث الموضوعيَّة التي يجمع فيها الكاتب بين فنيَّة الواقعي والمخيالي الأسطوري. على الرُّغم من أنَّها سرديَّات رواية آفاقها الفنيَّة والتعبيريَّة واسعة المدى كثيرة الرؤى؛ لكنَّه كان يختار من المفردات والعبارات والتراكيب السليمةَ المُهذَّبة والمُشذَّبة التي توائم تركيب الجملة السرديَّة المَكينةوالرَّصينة الباعثة على دقة التأليف والتوليف والتكثيف الدلالي.

 لقد كانت تناصَّاته النصيَّة وانزياحاته التعبيريَّة في التوصيف واقتناص اللَّحظات السرديَّة الهاربة وتأثيث المشاهد اللَّاهبة عميقةً التَّسريد، وتشبيهاته سليمة دقيقةً التصويب، وكانت مجازاته اللُّغوية الأخرى شائقةً ماتعةً. وأنَّ استشهاداته الثقافية كانت دليلاً على موهبته الإبداعية وثقافته المعرفية.

 وَيُعدُّ إقدامه وإحجامه الأُسلوبي الموضعي في توظيف الواقعيات التداوليَّة والسحريَّة الغرائبية والعجائبية المُدهشة جريئاً في كشف بنية الحدث السردي وتغليفه. بَيدَ أنه في كثير من رواياته ونتاجاته الفكرية يُسيطر عليه هاجس حبِّ النزعة السرديَّة التاريخيَّة المُوجزة أكثر من وقع النزعة الأدبية التي تمنحه خاصية التحليق البعيد في فضاءات عالم الميتا سرد الحداثوي وما بعد الحداثي:

 "لَا ذَاكرةَ لِلمدينةِ لِترويَ حِكاياتِ الغَابرينَ، وَلَا طُرقاتِهِ تُفشِي سَيرَ مَنْ سَاروا عليهَا ذَاتَ حِينٍ، بِخطواتٍ تَائهةٍ وَوُجوهٍ هَائمةٍ يَفضحُهَا العِشقُ وَدَرفَاتُ الأبوابِ المُوَارَبَةِ، لَا تَفضحُ عَمَّنْ تَوارَى خَلفَها بِقلبٍ خَافقٍ؛ مُنتظرَاً مُرورَ الحَبيبِ؛ وَلَا السُّطوحُ تُفشِي هَمسَ العُشاقِ وَصَدَى القُبلَاتِ؛ المَدينةُ مَسرَحٌ كًبيرٌ، وَأبطالُ المَاضِي أُسدِلَ السِّتَارُ عَليهِم، وَتَنَحُوا لِيَتَبَوأَ لَاعبونَ جُدَدٌ؛ وَرَحَلُوا إلَى غَياهبِ النَّسيانِ وَخَبتْ ذِكراهُم مَعَ الأيامِ، إلَّا مِنْ حِكاياتٍ مَبتورةِ يَرويهَا لَنَا مَنْ سَبقنَا إلَى الدُّنيا، يِسردُوهَا مَعَ وَابلٍ مِنَ الوَجدِ وَالأسَى؛ لأنَّهم جُزءٌ مِنْ تِلكَ الحَكاياتِ المَخبُوءَةِ فِي دَهاليزِ الذَّاكرةِ الِّتي سَيَطالُها العَطبُ بَعدَ حِينٍ". (مَا لا ترويهُ المَدينةُ، ص 171) . 

 إنَّ ما لم تَقُلهُ المدينة الحجريَّة الجامدة عن نفسها الأمَّارة بالصمت الطويل في رواية (ما لا ترويهُ المدينةُ) قالته بِحُرِّيةٍ تامَّةٍ سرديَّاتُ الرائي تحسين علي كريدي بحكاياتها الفاعلية الواقعيَّة المُتحدِّثة، وتجلِّياتِ فنيَّة أُسلوبيتها اللَّغوية لتعبيريَّة الناطقة بأنساق ثقافة الخفاء والتجلَّي الشعبية، لتلك المدينة الخلفيَّة الإخباريَّة التي تعيش في ظلِّ المدينة الرسمَّية السياقيَّة العَجْمَاء التي تتصدَّر المشهد الشَّكلي للمظاهر والأعراض ولا تنطق بلغة الجواهر والأغراض الموصلة لشطآن الحقيقة وضفاف الواقع.

 إنَّ استدعاء الشخصيَّات الفواعلية وبناء الأحداث الفعليَّة واستحضار الوحدات المكانية والزمانية والإمساك بتلابيب صراعها الحدثي، ووحدتها الموضوعيَّة والتَّمكن من حركة عُقدِ حِبكتها السرديَّة دليل واضح على تمكُّن الكاتب من التَّغلُّب على أدوات عناصر الرِّواية السرديَّة الأساسيَّة والثانويَّة.

 وأظنَّ أنَّ مثل هذا الفعل الإبداعي الفنَّي والجمالي لا يمكن أنْ يحدث على أرض الواقع السردي إنتاجاً تخليقيَّاً مكيناً ما لم يكن فعلاً إجرائياً خلَّاقاً للوجود يبدأ من مركز الاشتغال البؤري للرواية وينتهي بهامش الإقفال الختامي لواقعة الحدث السرديَّة المُرتبطة جوهرياً بالوحدة العضوية للرواية. ولعلَّ هذه الخاصيَّة النقدية في المغايرة الإبداعية تمنح الروائيَّ كاتبَ العمل الأدبي ومنتجه أهميةً إضافيةً مائزةً في سجل سرديات المكتبة العربية الروائيَّة والقصصيَّة لِقُدرته في استنطاق المدينة.

***

د. جبَّار ماجد البهادليّ / ناقدٌ وكاتبٌ عراقيّ

إن محكي السفر لا يُصوّر لنا الحقيقة بل يُقحِمُ المتلقي-القارئ داخل لعبة الاختلاف، وفي الاختلاف كما يقول غريماس يوجد المعنى فنتتبع كيف يُبنى هذا المعنى فنستضيح كثيره أو قليله.

مقدمة: 

تَحضُر السَّرديات الرَّحلية للكاتب الإعلامي أحمد أمشكح ضمن ما يُصطلَح عليه في حقل الإعلام بالاستطلاع أو الروبرتاج، لا يَنكر الكاتب صانِعُ الحكايات العلاقة بين المحكي الرَّحلي وموهبة الاستطلاع أو الروبرتاج الصحفي، وهي العلاقة القديمة في الأدب العربي ضمن ما يُعرف ب: (الطّبع والصنعة) حيث الإثنان يشترطان موهبة ومن ثمّة دُربة واجتهاد،  ومعلوم أن الكاتب له حضور في الثقافة الإعلامية المغربية والعربية بصورة لافتة، فقد أسهم طول حياته في تجديد الحقل الإعلامي الورقي بالمغرب مُراوحا بين السياسة والثقافة والرياضة، وفي الإنتاجية السياسية أصدر كتابا في خريف 2017 موسوم ب: « كيف رَتَّب الحسن الثاني انتِقال العَرش لولي عهده». وفي سنة 2025 يقتحم الكاتب حقل السرديات الإبداعية مستثمرا التاريخي والذاكرة فصدر له كتاب في سرديات الرِّحلة موسوماً ب: «رحيق الأسفار (تأملات ومشاهدات)»، وتَضمّنت فصول الكتاب في شموليتها ما يصطلح عليه بالأرشفة، في المقام الأول هي الوثيقة السردية الأرشيفية التي أزالت الغبار للقارئ عن بعض الأمكنة المتنوعة جغرافيا وقاريّاً والأزمنة المختلفة، التي تراهن على مسألة الحدود الفاصلة بين التاريخي والتخييلي. الكاتب رام نقل ما رأته العين باعتبارها كاميرا سردية ترتكز على اللغة الواصفة ومكونات السرد ووظائفه لتتوالد المحكيات من خلال مفهوم المحفز المُسرِّع للمحكي وهو «المعرفة الصحافية الأخلاقية» التي أفضت إلى تبلور «محكي رحلي معرفي أخلاقي» رام تعزيز وظيفة الصحافة بمحكيات سياحية وثقافية وأيضا اقتصادية-سياسية تاريخية. عموما شكلّت نصوص الكاتب أحمد أمشكح متنا مهما على مستوى ترسيخ محاكاة الكتابة الرحلية والاستطلاع الإبداعي السردي والتفكير التأملي المتسم أحيانا بالمرونة وأحيانا كثيرة بالتوتر والشدّة وفق طبيعة الظرفية السياسية وأيضا العلائق المتوترة بين النحن المهاجرة والآخر الأوروبي، وهي محكيات استند فيها السارد على «اللَّعِب المُقارِن» في تشييد مقارنات رامت في مقاطع عديدة حالات «السخرية» المعرفية من خلال تقابل صورة الأنا والآخر والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة لأشكال حيوات مختلفة تندرج ضمن فضاءات جغرافية (إفريقيا، أوروبا، آسيا) جغرافية مختلفة الثقافات، أيضا ارتكزت إنتاجيته على الوصف والتصنيف ومَسرَحة بعض القضايا السياسية والعلائق التي تبنى في تقابلات الاقتصادي والرياضي.

السارد وما رأى في رحلة القدس:

في المقدمة يُؤكِد السَّارِد على عقد ميثاق أخلاقي مع المتلقي/القارئ من خلال قانون «النيابة» يقول: «هي نصوص تفرض على قارئها التجوال بعيني كاتبها (...) الذي يفرض على الصحافي أن ينوب عن قارئه فيما رأى وما سمع وما أحس به وما لمسه وما شممه» (النص، ص.3، 4)

تمثلت نصوصه الرحلية الاستطلاعية قضايا المجتمع الفلسطيني وفق حالات الأزمة السياسية والحصار وارتبطت باستيضاح حالات الخوف الفردي والجماعي والألم الذي ربطه بالتذويب الإيديولوجي: «الألم الذي يشعر به الفلسطينيون من مختلف درجاتهم الاجتماعية، لا يمكن إلا أن تحسه وتتألم معهم، إنهم هنا في سجن كبير» (ص، 7).  داخل أمكنة الحصار والألم يؤكد السارد على أن حضور وزيارة الوفد المتعدد الثقافات والجنسيات للمشاركة في حدث «القدس عاصمة الشباب المسلم» أسهم في تشييد جسر وسمه بجسر عبور حرية، واستضاح عن فرحة الفلسطينيين بهذا الحضور باعتباره شكل حرية: «...هكذا قالها أحد المسؤولين في السلطة الفلسطينية، إن زيارتكم تشعرنا بأننا أحرار» (ص،7)

داخل جغرافية فلسطين يتأطر الخوف وفق تمفصلين: خوف السارد وهو خوف فردي وخوف الوفد المشارك باعتباره خوفا جماعيا يدمي القلب والأرض وخصوصا مدينة أريحا «مدينة القمر» وهي أقدم التجمعات البشرية، يقول: «مدينة أريحا... مدينة القمر قبل أن يقتلها الاحتلال الفلسطيني وهو يحاصرها بكيلومترات من الأراضي الجرداء المحادية لنهر الأردن، تلك التي يسميها الفلسطينيون بالأرض الحرام لأنها بلا شجر ولا بشر ولا حيوانات، وحده نهر الأردن الذي جف ماؤه، وجسر الخشب الذي منه تم إجلاء الشعب الفلسطيني في حرب 1967، وهو المتبقي من تاريخ هذه المنطقة» (ص،7).

من هذا المنظور السارد يستبين عن حدث تاريخي خلخل حياة الفلسطينيين وأحدث أزمة واللا-يقين القضية، فقط هو القلب من يستطيع أن يتألم ويحمل القضية التي تحتاج لجهد ونضال ومقاومة عادِلة. ينضاف إلى سردية الألم وجرحى التاريخ القريب سردية الأمل والحلم، يقول: «زيارة القدس لا تشبه بقية الزيارات، إنها مزيج من الرهبة والخوف، وكثير من الروحانيات التي يشعر بها الزائر وهو يصل إلى حيث يوجد المسجد الأقصى ليصلي تحت القبة الصفراء (...) ولم يكن هذا الحلم سهلا» (ص، 9).

إن سياق الحلم بدخول القدس يربطه السارد بالقلق والخوف والتوتر وحالات مزاج جنود الإسرائليين وهي حالات تصنع الخوف بفعل تهور الجنود الإسرائليين.

مسارات الحكي: دينامية وصف القدس

في اللحظة البدئية السردية هندس الكاتب لها بمحكي رحلة فلسطين وخصص لها 31 صفحة بنسبة مائوية تقارب 30% من مجموع صفحات المحكيات الأخرى، ومن بعدها محكي تركيا بثلاثة عشر صفحة بنسبة مائوية 13%، في مقابل أن محكي فرنسا لا يتجاوز سوى 12%، فيما أطَّر السارد محكي إفريقيا وفق 26 صفحة بنسبة 22%، ماذا يعني ذلك؟

يبدو أن قلب السَّرد تحمِلُه قدس فلسطين أكثر من (الجزائر وتونس ومصر والكاميرون) وكأن السارد تَمثل الانطلاق من المركز، القدس، ليؤسس دينامية رحلاته ومن ثمّة التنوع في مسارات محكي الرحلة أو الرحلات، إذن مركزية القدس يبؤرها السارد كنواة نووية تُفَجِّر حكايات الرحلة حيث تتوالد الحكاية وفق نصوص مختلفة الجغرافية وتشمل القارة الأسيوية والأوروبية وانتهاء بالقارة الإفريقية. إن القدس تستضيح باعتبارها مركزية الحكي أو هي قلب التأملات والمشاهدات، مصداقا لقوله تعالى: «فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور»، التجذير الفضائي المقدسي يؤطر الحكاية وفق مستويين: المحتوى والدلالة، وهي مستويات قضية كونية وأيضا قضية حصار واستعمار وخاصة الاستيطان الإسرائيلي، ومن هنا نتتبع مسارات الحكايات المؤطرّة داخل حكاية كالآتي: «القدس عاصمة الشباب المسلم»، «باب المغاربة»، «أريحا ترحب بكم»، «للقدس سلام»، «كيف أصبحت الكوفية رمز الثورة الفلسطينية»، وأخيرا؛ «الدبكة الفلسطينية التي تحكي عن حنين العودة».

إذن، هي ستة محكيات تبرز أهمية موقف الكاتب للقضية الفلسطينية في تحولاتها منذ النكبة، حيث نجد تاريخ القضية الفلسطينية له قوة حكائية شديدة التركيز التاريخي وأيضا الوجداني في هذه المحكيات الستة، أيضا هي محكيات أسند لها الكاتب آليات الكتابة السردية الروائية وهي الجمالية والفنية والواقعية والتخييلية التاريخية والتبليغ ارتكازا على التذكّر وخاصة الأماكن والشخصيات وفق لعبة الإعلامي/ الروائي، أو الروائي/ الإعلامي الرياضي، هذا اللعب باللغة والسياق يتمظهر حيث الانتقال السلس من وصف حدث رياضي بين الرجاء الرياضي المغربي والبنزرتي التونسي إلى تثبيت تاريخ الصراع السياسي بين مدينة بنزرت ومدينة تونس العاصمة والوسيط الذي شيّد عليه هذا الصراع هو المناضل النقابي فرحات حشاد: «...اغتيال الزعيم فرحات حشاد ابن المدينة، كان بداية خصام سياسي بين بنزرت والعاصمة تونس، وهو الخصام الذي وصلت تداعياته إلى الكرة» (ص،56). يستبين السارد عن صراع طالت تداعياته الثورة التونسية وما بعدها حيث صار التونسيون لا يتحدثون عن الكرة حيث نابت السياسة عنها بعد الثورة، كذلك يقدم الكاتب وصفا دقيقا للمباراة التي قال فيها: «كادت أن تحيد عن هدفها الرياضي، وتحمل بعض ملامح السياسة» (ص،52).

الذاكرة وإعادة-التلفظ: كشف الزيف

هذا اللعب السردي يمسرح من خلاله السارد أشكال المقارنة بين ملاعب تونس وملعب محمد الخامس بالدار البيضاء: «...تذكرت ما يعرفه المركب الرياضي محمد الخامس بالدار البيضاء كلما كانت الرجاء أو الوداد في استقبال فريق تونسي أو مصري أو جزائري.." (ص، 54)

يتوالد السرد من خلال قانون الملاحظة باعتبار أن «الملاحِظ مقارِنٌ» بتعبير غريماس. إذن السارِد الملاحِظ يصوِّر لنا مسارات رحلته فيستضيح لنا أشكال حيوات مختلفة الثقافات من خلال محكي أوروبا، حيث إن استحضار آلية المقارنة هو الذي يؤسس لمحكي رحلة ثلاثة عواصم لكل من دولة فرنسا وبلجيكا وسويسرا، يَنسِجُ السارد تفاصيل أشكال حياة المهاجرين المغاربة بفرنسا وحالات الطلاق لأسباب ثقافية ومعتقدات لا-علمية، وحالات العنصرية المضمرة التي تدفع بالجيل الثالث إلى الهروب خارج مركزية المدينة الفرنسية والتشبث بالهامش على شكل ما أسماه السارد ب: «غيتوات» «les ghettes» كشكل حالات سكنية منعزلة ومنطوية على ثقافتها: «... اليوم يفضل المغاربة السكن في تجمعات سكنية خاصة تقربهم أكثر من ذويهم وعائلاتهم، ويفضلون التجمع في مقاهي ذات طبيعة مغربية أو عربية. كما لهم أسواقهم الشعبية في كل مكان...» (ص،59). هذا المسار الوصفي لحالات حياة المغاربة داخل جغرافية فرنسا يربطه السارد بمفارقة ساخرة وتعجبية، يقول: «... ويخيل إليك أنهم مغاربة في فرنسا، أكثر منهم فرنسيون في المغرب!! (...) لذلك نعيش معهم خلال عطلة الصيف تلك المفارقة الغريبة التي تجعلهم يرتدون السراويل القصيرة ويضعون الأقراص في آذانهم ويزينون الصدور بسلاسل ذهبية، وهي الصورة التي تبحث عنها في المدن الفرنسية فلا تجد لها أثرا. فقط ثمة القبعات الصوفية والجلابيب المزركشة حتى وأنت على مقربة من شارع الشانزيليزي، أو على بعد خطوات من قوس النصر بعاصمة الأنوار باريس» (ص،59)

من منظور التلفظ الساخر يُصوِّر السارد شكل اللباس المغربي بالقرب من المعالم التاريخية السياحية الفرنسية بمدينة باريس وكيف تنقلب علامات اللباس المغربي حين يتواجد مغاربة فرنسا بالمغرب، السارد يوظف السخرية كآلية معرفية ليضيء للقارئ صورة النحن هناك والهنا، أيضا نجده يوظف السخرية في حقل رياضة كرة القدم مع الفريق الباريسي الذي أصبح يديره مديرا عربيا من قطر، يقول على لسان مشجع لفريق مارسيليا وهو الفريق الخصم للفريق الباريسي: «هذا الفريق يجب أن يخوض مبارياته في الدوري القطري وليس الفرنسي، في إشارة لمالكه القطري الشيخ ناصر الخليفي، الذي أغدق المال على الفريق» (ص،65).  

في المقابل يُصوِّر السارد العلائق بين السياسة والاقتصاد والرياضة وخصوصا كرة القدم من خلال التحوّلات التي عرفها الفريق الباريسي وكيف أن شعار «لنحلم أكبر» الذي بصم عليه مالِك الفريق.

إن السارد بمعرفته وثقافته الموسوعية والمتنوعة بين السياسي والرياضي والسياحي يستضيح لنا عن تحوّلات في قيم الشباب الفرنسي وكيف يتصوّر لعبة كرة القدم، وكيف يتمثلها على أنها «عقيدة جديدة»؛ تلك العقيدة التي نابت عن شيوعية ماركس ورأسمالية آدم سميت ووجودية سارتر. وعليه، يستبين السارد عن صراع اليسار واليمين وكيف أن لعبة كرة القدم تحسم هذا الصراع السياسي التقليدي لصالح عقيدتها الجديدة، حيث إن الشعب الفرنسي خرج لاستقبال أبطال مونديال فرنسا 1998 في أعداد لم تخرج في زمنية الثورة الفرنسية، وكيف أن أهداف زين الدين زيدان أضحت تنوب عن الأحداث السياسية، وكيف أن جمهور باريس سان جيرمان حين حقق الفوز بكأس الرابطة الفرنسية الخامسة سجل رقما قياسيا من حيث علو صيحات الفرح والصخب إلى قوة صوت 109 ديسيبل.

عموما، هي سخرية تؤسس معرفة للمتلقي، خارج فرنسا ويؤسس لها السارد بتقابل فريقين ينتميان إلى دولتين مختلفتين لكن تجمعهما العلامة التيجارية لإحدى شركات الطيران العربي، يقول: «لقد صدق من قال إن العولمة، التي تغزو البلدان والشعوب، لا يمكن أن تمر بمحاذاة الكرة. إنها البداية» (ص،71).

في مدينة بروكسيل عاصمة بلجيكا الأمر يختلف كثيرا، حيث يصور السارد قوة الثقافة المغربية من خلال احتفالية المغاربة في سنة 2004 بذكرى مرور أربعون سنة على وصول أول العمال المغاربة إلى المملكة البلجيكية، وهي احتفالية من تنظيم جمعية «فضاء ذاكرة الهجرة المغربية» واختارت لها شعار: «من الإندماج إلى المواطنة»؛ يؤشر السارد على أن حضور المغاربة في بروكسيل هو حضور قوّي ومتنوع سياسيا واقتصاديا وثقافيا، حضور يقاوم العنصرية، إن مدينة بروكسيل تصبح داخل النّص مرآة مغربية لباقي عواصم أوروبا التي تشكو اللا-اندماج: «في بروكسيل لا تشعر أن المغاربة على استعداد للاندماج ... حتى وهم في قلب عاصمة الاتحاد الأوروبي» (ص،75).

ثنائية شمال-جنوب: سردية القارة الإفريقية

داخل السرد الرَّحلي الإفريقي وخصوصا بلد الكامرون يُشيَّدُ السرد على تقابل فضائين:

الشمال الفقير/ الجنوب الغني.

واتخذ العنوان «موسم الهجرة إلى الجنوب هربا من فقر كاروا» شكل تشاكل دلالي مع مبنى عنوان رواية موسم الهجرة إلى الشمال للروائي السوداني الطيب صالح، لكنه يتضاد هذا التشاكل في المعنى الشمال/ الجنوب، أيضا آلية وصف مدينة كاروا الكاميرونية التي تعيش حالة فقر وتمزق وانتشار السيدا فالسارد عمل على تجذير هذا المرض القاتل من خلال آلية إحصائية: يقول:«واتضح لنا بعد ذلك أن أقدم مهنة تجد لها مرتعا خصبا في جل المدن الكاميرونية، ولذلك لم تتردد وزارة الصحة الكاميرونية في الإعلان أن أكثر من 600 كاميروني يُصاب يوميا بالسيدا» (ص،109).

رقم مخيف يضمنه السارد محكي رحلته ليستبين عن الهول واللا-حياة هذه الأمكنة، وربط السارد هذا الرقم المخيف بحالات الأمية التي وصلت إلى 94% في سنة 2001، وأن فقط 3% من تصل إلى التعليم الجامعي التي تأسست أول نواة له في سنة 1962. السارد يحمل المتلقي إلى عوالم الإحصاء ليصوّر له حقيقة الحكي، أيضا يشيّد تلفظ الحقيقة على قانون التقابل والتضاد داخل ثنائية الشمال الفقير والجنوب الغني. يؤكد السارد على فقر الشمال الإسلامي وغنى الجنوب المسيحي من خلال آلية الوصف والتصنيف والإحصاء كالآتي:

- الشمال الكاميروني: مدينة كاروا الشمالية/ إسلامية/ فقر سيدا أمية غبار/ وسيلة نقل هي الدراجات.

- الجنوب الكاميروني: مدينة ياوندي، ومدينة دوالا/ مسيحية/ غنى/ اقتصاد نشيط/ فرص شغل وتحسين وضعية اجتماعية.

من خلال لعبة التناظر الإثناني، نستبين هذا من قول السارد:

«مدن الجنوب هي الأغنى في الكامرون، في الوقت الذي تعيش فيه مدن الشمال الفقر المدقع» (ص،107).

يستضيح السارد لنا المعنى وكذلك عن حالات الهجرة من الشمال إلى الجنوب، والحدّ الفاصل بين الفقر والغنى هو الفضاء الطبيعي «الجبل» إنه جبل «كامرون» الذي يُشكِّلُّ حدّا جغرافيا بين الفقر والغنى الكاميرونيين، إنه الجبل الذي استمدت منه البلاد اسمها. في سياق هذا الواقع الإثناني الكاميروني تصبح الكتابة عند الكاتب والإعلامي سي أحمد أمشكح كاميرا تقحمنا داخل عوالم الرحلة وهذا يؤشر على العقد الذي ربط الكاتب بالقارئ وهو عقد ميثاق أخلاقي يقول الحقيقة بالبوح والمضمر، فليس كل شيء يُقال وإنما تحضر الإشارة والتلميح والترميز ومنح القارئ حقّ التأويل المنطقي انطلاقا من النص وحده فقط.

وهم وحقيقة: «حقيقة القاهرة وخيال السينما»

في رحلة السارد إلى بلاد مصر وخصوصا مدينة القاهرة، يُفتَتَحُ السرد بشهية طبيعة المنافسات الرياضية بين المغرب ومصر في لعبة كرة القدم ومن ثمّة تتوالد حكايات الرحلة في اتجاه عوالم تاريخ مصر والقاهرة وثقافتها وأشكال حيوات من يسكنونها، السارد داخل القاهرة يُصوّر الحقيقة التي تُزيفها السينما المصرية وما يُنقل على شاشة التلفزيون:

«كان لنا أن نكتشف القاهرة... ثمّة فرق شاسع بين حقيقة القاهرة وخيال السينما، فنحن أمام مدينة مكتظة ومختلفة ولا تخلو من مظاهر البؤس والفقر» (ص،115).

يصف السارد تاريخ القاهرة وشخصياتها وفضاءاتها السياحية وأزقتها ومقاهيها وذاكرتها السياسية من خلال حالات الاحتجاج والثورات داخل فضاء الساحة ، ساحة «ميدان التحرير» نسبة إلى التحرر من الاستعمار في ثورة 1919، أيضا هي السنة التي عرفت أول تحرر للمرأة المصرية عندما خلعت «اليشمك» (شكل نقاب عثماني) داخل فضاء ميدان التحرير، ومن بعد ثم ترسيخ الاسم رسميا في ثورة يوليو عام 1952، فتوالت الاحتجاجات والثورات حيث يصف السارد «ثورة الخبز» في 18 و 19 من يناير 1977، أيضا يُجذِّر تاريخ ثورة 25 يناير 2011، السارد يعمل على تجذير تاريخ الساحة التي أصبحت رمز المتظاهرين وصمودهم وحريتهم في علاقة بتاريخ مدينة القاهرة التي أسهم في تبلورها وتطوّرها الفاطميين، يُشيِّدُ السارد تاريخية القاهرة نسبة إلى المعز لدين الله الفاطمي مع الدولة الفاطمية التي شهدت قوّتها انتشارا في المغرب العربي آواخر القرن التاسع الميلادي.

خاتمة

أطَّر الكاتب محكياته الرحلية وفق مثلثية الفضاءات والأزمنة والشخصيات التي تتقاطع بين ثلاثة قارات ليقحم المتلقي داخل الرحلة حيث انطلقت من القدس وانتهت بالقاهرة، وقبل القاهرة كانت رحلة مدينة كاروا الكاميرونية.

السارد بهذا التصنيف الهندسي لمحكيات الرحلة يكشف لنا عن أشكال حياة المدن العربية والإفريقية والأوروبية والآسيوية وعليه نكون أمام تصنيفات مكانية وفق علاقة تضاد:

أمكنة حيّة / أمكنة ميتة.

وعليه؛ شخصيات حيّة/ شخصيات ميّتة.

وأسأل مع السارد، هل الأمكنة هي التي تصنع الإنسان والسرور أم الإنسان هو من يصنع الأمكنة وحالات حياة جيّدة تقطع مع التمزق والفقر والأمراض بصيغة أخرى: هل تستطيع لعبة كرة القدم أن تصنع شكل حياة اقتصادية وسياسية عادِلة باعتبارها «عقيدة جديدة»؟ وكيف هي وظيفة هذه العقيدة الجديدة في علاقة بالسياسي والاقتصادي والثقافي داخل «مملكة» الاتحاد الدولي لكرة القدم من داخل مدينة زوريخ السويسرية التي وصفها السارد بالمدينة الهادئة حد القرف والمدينة المالية التي تتسم بسرية العمليات البنكية، أيضا مدينة للثقافة والفكر والستريبتيز وكأن المدينة لا تعرف الفرق بين صراخ وصخب الرقص وصراخ وصخب مدرجات الملاعب، السارد يحسم في ذلك: «نحن القادمون من أجل حدث كروي حلمنا معه...وليس في رياضة الستريبتيز» (ص،91).

التأمل هو حلم يُصوُّر تحت الضغط، ومحكيات الرحلات وأحداثها هي شكل كتابة تحت الضغط مثلها مثل الصحافة.

 في الأخير، «رحيق الأسفار» رحلة تضيء التحوّلات التي تُصوِّر لنا الأمكنة التي كانت مسرحا مهنيا للصحافة الرياضية ومن ثمّة وهبتنا هذه الأسفار محكيا معرفيا يتداخل فيه الفن القصصي والتاريخي والسياسي والاقتصادي والتوثيقي والقول الساخر انتقادا لوضعيات شخصيات وأشكال حيواتها. في نهاية القول إن آلية الكتابة عند أحمد أمشكح رامت المعنى أكثر من المبنى وتعرية الأمكنة وكشف ازدواجية وتناقض الشخصيات والمدينة كذلك.

***

د. فؤاد بنبشينة - المغرب

يُطلُّ علينا أدب الرسائل كشرفةٍ عتيقة تطلُّ على حدائق الوجدان، نطلُّ منها على خبايا النفوس وصراعات العقول، بعيدًا عن جفاف التقارير وتكلف الدراسات. إنه الفنُّ الذي ظلَّ لقرونٍ يمثل غسل الروح بدموع الصمت، كما وصفه (مكسيم غوركي)، ووسيلة التواصل الأرقى التي امتزج فيها الحبر بدم الشوق، والورق بنبضات الحنين. لكننا اليوم، ونحن نقف على أعتاب عصر السيولة الرقمية، نجد هذا الفنَّ يقف على حافة الاندثار، مهددًا بالتحول إلى ذكرى متحفية تشبه فن المقامة الذي طواه النسيان.

إنَّ تراجع أدب الرسائل في عصرنا الراهن ليس مجرد مصادفة تقنية، بل هو أزمة إحساس في المقام الأول. فالرسالة في جوهرها تقتاتُ على المسافة وتتغذى على الغياب. وكما يشير المتأملون في هذا الشأن، فإنَّ الأدوات الحديثة سحقت مسمى الاغتراب؛ فالعين إذا ألِفت النظر، فقدَ القلبُ توهجه. عندما كان (جبران خليل جبران) يكتب لـ(مي زيادة) من مغارب الأرض إلى مشارقها، كانت السبعة آلاف ميل والبحار المنبسطة هي التي تمنح الكلمات قدسيتها، وهي التي جعلت تلك العاطفة تدوم عشرين عامًا دون لقاء جسدي، مكتفيةً بعالم الفكر والخيال الضبابي. اليوم، ومع الواقع الافتراضي، بات الجميع معنا في أدق تفاصيل حياتهم، فخمدت جمرة القلب، وخرج المسطور فاقدًا للحياة، منزوع الحنين.

ولعلَّ أجمل ما في هذا الفن هو قدرته على توثيق حالات الحب من طرف واحد أو العشق الممتنع. نجد ذلك في رسائل (ولي الدين يكن) إلى (مي زيادة)، وهو الذي كان يضع قبلة هي أجمل زهرة في ربيع الأمل تحت قدميها، رغم يقينه أن قلبها معلق بـ(جبران) المجتبى البعيد. ونجدها في "أوراق الورد" للـ(رافعي)، الذي لم يرد من الحب إلا الفن، مؤمنًا بأن الهجر هو الوقود الحقيقي للإبداع. إن الرسائل هنا ليست مجرد أخبار، بل هي استنزاف شعوري يحول الألم الشخصي إلى نص كوني، كما فعل (شكسبير) في سونيتاته، أو (تشيخوف) في رسائله العائلية التي كشفت عن إنسانٍ يصارع الضعف واليأس بصدقٍ عارٍ.

لكنَّ هذا البوح الصادق يثير إشكالية أخلاقية وأدبية: هل يجوز نشر الرسائل الشخصية؟ هناك من يرى في ذلك خيانة، كما فعلت (غادة السمان) حين نشرت رسائل (غسان كنفاني)، معتبرين أن الرسالة التي تُكتب وفي نية صاحبها النشر مسبقًا تفقد عفويتها وتلقائيتها وتصبح نصًا متكلفًا. وفي المقابل، هناك من يرى فيها كنزًا إنسانيًا وتوثيقيًا لا يجوز إخفاؤه. ومن الأمثلة المشرقة في عصرنا الحديث، ما قامت به الأديبة (رنا أبو حنا)، حين نشرت رسائل والدها الكاتب (أنيس رشيد أبو حنا) إلى والدتها، وهي رسائل تطفح بالعشق والجمال، وتنقل صورة حية للعلاقات الاجتماعية في حقبة زمنية مضت، مؤكدة أن الرسالة هي نبض مشاعر وجيشان عاطفة.

وعلى الرغم من طغيان الشاشات المضيئة التي تجمد الإحساس، لا تزال هناك محاولات واعدة لإحياء هذا الفن. نجد ذلك في تجربة الأديب (محمد بركات) الذي يسعى لاستثارة مكامن الجمال عبر رسائله للأدباء، وفي كتاب "رسائل من القدس وإليها" للأديب (جميل السلحوت) والكاتبة (صباح بشير). هذا الكتاب يمثل نموذجًا للرسائل كبوح وتوثيق، حيث امتزجت فيه السيرة الذاتية بالقضايا الوطنية والاجتماعية. فبينما كشف (السلحوت) بجرأة عن تفاصيل حياته ورحلاته إلى بلاد العم سام منتقدًا ثقافة الهبل وتقديس الجهل، ركزت الكاتبة (صباح بشير) على وصف النفس الإنسانية وعشق الكتابة، مما جعل من الرسائل مرآة للهوية والوجع الفلسطيني المعاصر.

إنَّ أدب الرسائل ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة إنسانية. إنه العمل المرهق الذي يمنح لذة لا تفوقها لذة، كما وصفه (ميخائيل نعيمة). فمجرد الانحناء على ورقة بيضاء في دجى الليل، واختيار الكلمات بعناية لتصل إلى قلبٍ ينتظر، هو فعلُ مقاومة ضد سرعة العصر وسطحيته. إن الرسائل "المشعوطة" التي نتبادلها اليوم عبر وسائل التواصل تفتقر إلى رائحة الورق وهيبة القلم.

ختامًا، إنَّ إنقاذ أدب الرسائل من الاندثار هو إنقاذٌ لجزء من إنسانيتنا. علينا أن ندرك أن القلم هو السلطان الحقيقي، وأن في الرسائل متعة لا تضاهى، فهي التي تحفظ وجدنا وتوقنا في عالم بات يضج بالضجيج الفارغ. وكما قال (جورج صيدح) حين وصلته رسالة صديق: الحروف لها شفاهٌ تُشتهى. فهل نملك الجرأة اليوم لنمسك بالقلم، وننبذ ملذات العالم الرقمي السريعة، لنكتب رسالة حقيقية تعيد للقلب توهجه؟ إن المحاولة تستحق، لأننا متى أدركنا مجد القلم، هانت لدينا كل أمجاد الأرض.

***  

رمزي ميركاني

رجع صدى.. شذرات

عبد الرحمن بوطيب / المغرب.

***

1/ صيفا

لم تمطر أرضه

كانت الغيمات محلقة تحت سماء حارقة

**

2/ خريفا

لم تتساقط أوراق خزامى

كل جذور الأيكة القديمة كانت تعزف لحن صمت طويل

**

3/ شتاء

لم تبحر فيالق السنونو

كل أجنحة النوارس كانت تكنس شوارع المدينة العاهرة

**

4/ ربيعا

في قريتي غمتي

كل الفصول كانت ربيعا لا ربيع له.

***

تمهيد: لماذا "شذرات" لا "قصيدة"؟

حين يختار الشاعر عبد الرحمن بوطيب أن يصنّف نصه تحت مسمى "شذرات" بدل "قصيدة"، فهو يُصدر إعلاناً جمالياً مسبقاً عن طبيعة العلاقة التي يريدها بين القارئ والنص. الشذرة (fragment) في التراث الفلسفي والأدبي الغربي، منذ نوفاليس والرومانسيين الألمان مروراً بنيتشه، ثم بلانشو ودريدا في القرن العشرين، ليست وحدة ناقصة تنتظر اكتمالها، بل هي شكل مكتفٍ بذاته يقاوم النسق الكلي. يقول موريس بلانشو في الكتابة عن الكارثة: "الشذرة لا تكتمل بغيرها، بل تتجاور معها في فراغ لا يُملأ" (ترجمة تصرفية). هذا "الفراغ" هو بالضبط ما يشتغل عليه بوطيب: أربع لوحات فصلية منفصلة، تفصل بينها خطوط متقطعة (ــــ)، وكأن الشاعر يريد أن يُرينا بصرياً أن الوصل هنا وهمي، وأن كل فصل يعيش عزلته الدلالية الخاصة قبل أن يلتقي بأخواته في المعنى الكلي.

وفي التراث النقدي العربي، يمكن أن نستحضر هنا مفهوم "التوقيعات" عند الجاحظ والقاضي الفاضل، وهو شكل تعبيري يعتمد على الإيجاز الشديد والقفلة المدهشة، لكن بوطيب يطوّع هذا الإيجاز التوقيعي ليخدم بنية زمنية-فصلية، فتتحول التوقيعات الأربعة إلى أشبه بـ"فصول عام شعري" مكثّف.

أولاً: الشذرة كخيار جمالي لا كاختزال

الشذرة عند بوطيب ليست هرباً من مسؤولية البناء الكبير، بل هي البناء ذاته. فالقصيدة التقليدية العربية، منذ المعلقات، قامت على مبدأ الاتصال العضوي (الوحدة العضوية التي نادى بها النقاد المحدثون كأمين الخولي وشوقي ضيف تأثراً بكوليردج)، بينما هذا النص يقترح أنموذجاً مضاداً: وحدة عبر التكرار البنيوي لا عبر الاتصال السردي. فكل شذرة تتبع القالب التركيبي نفسه:

[ظرف زمان/فصل] + [نفي لفعل طبيعي متوقع] + [إثبات مفارق يحل محله]

هذا التكرار البنيوي (structural parallelism) هو ما يمنح النص وحدته الداخلية بالرغم من انقطاعه الظاهري، تماماً كما تتكرر "التفعيلة" في العروض العربي لتصنع إيقاعاً موسيقياً، فإن بوطيب هنا يصنع "تفعيلة دلالية" تتكرر عبر الشذرات الأربع.

ثانياً: بلاغة الغياب — شعرية "لم" وسلطة النفي

الملاحظة النقدية الأعمق في النص هي أن الشاعر لا يصف ما حدث، بل يصف ما لم يحدث. أفعال النفي الثلاثة الأولى ("لم تمطر"، "لم تتساقط"، "لم تبحر") تشكّل ما يمكن تسميته بـ"الوصف بالسلب" (negative description)، وهي تقنية لها جذور في اللاهوت السلبي (Via Negativa) الذي عرفه ديونيسيوس الآريوباغي وابن عربي على السواء، حيث تُعرَّف الذات الإلهية بنفي الصفات لا بإثباتها، لأن الإثبات المباشر يحاصر المطلق في حدود اللغة. الشاعر هنا يطبّق منطقاً مشابهاً على المكان: "غمتي" لا تُوصف بما فيها، بل بما يُفتقد منها، فيتحول القارئ من متلقٍ لصورة إلى شاهد على غياب متكرر.

في النقد العربي الحديث، تحدّث كمال أبو ديب عن "جدلية الحضور والغياب" في الشعر العربي المعاصر بوصفها آلية أساس لإنتاج التوتر الشعري، وهو ما يتجلى هنا بوضوح: فكل نفي يعقبه إثبات مضاد يحمل مفارقة حسية أو بصرية تُبقي الصورة معلّقة بين الحرمان والتعويض:

الشذرة الأولى: الغيوم موجودة فعلاً ("كانت الغيمات محلّقة") لكنها معلّقة "تحت سماء حارقة" — أي حضور بلا فعل، وجود بلا جدوى. هذا يذكّرنا بمفهوم "الحضور الفارغ" (empty presence) الذي استخدمه بعض نقاد ما بعد الحداثة لوصف الأشياء التي تشغل حيزاً من دون أن تؤدي وظيفتها. الغيمة هنا كائن مُعطَّل، حاضرة جسداً غائبة فعلاً، وهي أقرب لصورة الشاعر المعاصر ذاته في كثير من القراءات الرمزية: حاضر في المشهد الثقافي، عاجز عن التأثير فيه.

الشذرة الثانية: جذور الأيكة "تعزف لحن صمت طويل" — تركيب أوكسيموروني (متناقض) يؤنسن الصمت بجعله موسيقى. هذه الصورة تحديداً تستدعي ما نظّر له جان كوهين في بنية اللغة الشعرية عن "الانزياح الدلالي" (l'écart sémantique)، حيث يتم الجمع بين حقلين متنافرين (العزف الذي يفترض صوتاً، والصمت الذي ينفيه) لإنتاج شحنة انفعالية تتجاوز المعنى الحرفي. والأمر يذكّر أيضاً بصورة محمود درويش الشهيرة "أصغي إلى نايي بصمت"، حيث يتحول الصمت نفسه إلى مادة سمعية، لكن بوطيب يذهب أبعد بجعل الجذور -لا الأغصان أو الأوراق- هي مصدر هذا "العزف"، فيربط الصمت بالعمق لا بالسطح، بالتاريخي الدفين لا بالراهن الظاهر.

الشذرة الثالثة: استبدال السنونو بالنوارس، وتحويل فعل الطيران/الهجرة إلى فعل تنظيف قسري ("تكنس شوارع المدينة العاهرة"). هنا ينزاح النص فجأة من الحقل الطبيعي الصرف إلى حقل أخلاقي-سياسي حاد. نعت "العاهرة" صدمة أسلوبية متعمدة (violence stylistique)، يقتحم بها الشاعر نسيجاً كان حتى تلك اللحظة هادئاً تأملياً. ولعل في هذا الانزياح صدى لما فعله بودلير في "أزهار الشر" Les fleurs du mal حين كان يُدخل مفردات "دنيئة" أو "قبيحة" داخل بنية شعرية كلاسيكية الإيقاع، محدثاً ما سماه النقاد "جمالية القبح" (esthétique du laid)، وهي استراتيجية تصدم القارئ لتوقظه من سلبيته التأويلية.

ثالثاً: المفارقة الختامية كمفتاح تأويلي — جدل الاسم والمسمى

الشذرة الرابعة هي الذروة التي تعيد تفسير كل ما سبقها بأثر رجعي: "كل الفصول كانت ربيعا لا ربيع له". هذه الجملة بنية أوكسيمورونية خالصة تُثبت الشيء وتنفيه في آن واحد، ولها ما يوازيها في الأدب الغربي في تعبيرات مثل "the living dead" أو "silence that speaks"، لكنها هنا مصوغة بحساسية عربية خالصة تستدعي مفارقات المتنبي وأبي تمام القائمة على الطباق والتضاد ("وقفتُ وما في الموت شكٌّ لواقفٍ / كأنك في جفن الردى وهو نائم").

لو استعرنا مفهوم جان كوهين عن "الانزياح الشعري" (l'écart poétique) مرة أخرى، فإن هذا التركيب ينتهك القاعدة المنطقية الأرسطية القائلة بأن الشيء لا يكون ونقيضه في آن (مبدأ عدم التناقض)، ليؤسس شعرياً لمفهوم "الربيع الفارغ من ماهيته" — ربيع بالاسم لا بالفعل، أي وعد بلا إنجاز، دالّ بلا مدلول.

وهنا تتضح البنية الدائرية للنص: الفصول الثلاثة السابقة (صيف بلا مطر، خريف بلا تساقط، شتاء بلا هجرة) لم تكن استثناءات متفرقة بل تمهيداً تراكمياً لهذه الخلاصة الفلسفية. فكل فصل في "غمتي" مصاب بعطب بنيوي، بانقطاع جوهري بين الاسم ومسماه، بين الشكل الفصلي الظاهر وجوهره الطبيعي الغائب. هذا التصور قريب مما تناوله غاستون باشلار في شعرية المكان (La poétique de l'espace) حين ربط الزمن الشعري بجدلية الحلم والحرمان لا بمنطق التقويم الفيزيائي الصارم، إذ يصبح "الربيع" عند باشلار حالة نفسية-وجودية قبل أن يكون فصلاً مناخياً.

ويمكن أيضاً استحضار مفهوم رولان بارت عن "الدرجة الصفر للكتابة" (le degré zéro de l'écriture) بشكل معكوس هنا: فإذا كانت الكتابة عند بارت تسعى لتحييد الدلالة، فإن بوطيب يفعل العكس تماماً، إذ يُفرغ "الربيع" من دلالته المتعارف عليها (التجدد، الخصب، الأمل) ليحوّله إلى علامة فارغة، دالّ بلا مدلول متحقق، تماماً كما يتحدث بودريار عن "المحاكاة" (simulacre) حيث تحل الصورة محل الواقع وتفقد الأصل مرجعيته.

رابعاً: من المحلي إلى الرمزي — جغرافيا الأزمة

اسم "قريتي غمتي" يُوطّن النص جغرافياً بشكل حاسم، وهذا التوطين ليس تفصيلاً عابراً بل اختيار واعٍ يذكّرنا بما يسميه إدوارد سعيد "الجغرافيا التخييلية" (imaginative geography)، حيث يصبح المكان الخاص جداً بوابة لطرح أسئلة كونية عامة. القرية هنا -كما القرى عند فوكنر في يوكناباتوفا، أو عند ماركيز في ماكوندو- ليست مجرد خلفية مكانية، بل شخصية-رمز تختزن مأساة أشمل.

لكن الوصف الختامي "كل الفصول كانت ربيعا لا ربيع له" يتجاوز الخصوصية المكانية إلى حالة وجودية أشمل، أقرب لما نجده عند أدونيس حين يجعل من المكان الخاص مرآة لأزمة حضارية كونية، كما في ديوانه "مفرد بصيغة الجمع" حيث يتحول الجرح الشخصي إلى جرح جماعي. ولعل "المدينة العاهرة" في الشذرة الثالثة تفتح قراءة سياسية-اجتماعية مضمرة يمكن تطويرها أكثر: فتدنّس الفضاء الحضري (المدينة) يقابله عقم الفضاء الطبيعي (القرية)، فكأن النص يرسم مناخين متوازيين ومتكاملين للفساد — فساد الحضارة الأخلاقي، وفساد الطبيعة الوظيفي، وكلاهما يعكس أزمة معنى أشمل تطال الإنسان المعاصر في علاقته بمحيطه الطبيعي والاجتماعي معاً.

خامساً: الإيقاع البصري والصمت الطباعي

تجدر الإشارة أيضاً إلى العنصر البصري في تشكيل النص: الخطوط الفاصلة الطويلة بين الشذرات (ـــــــ) ليست حشواً طباعياً، بل هي ما يسميه بعض النقاد "الصمت المطبعي" (typographic silence)، وهو مكوّن دلالي فعّال في الشعر الحديث منذ ستيفان مالارميه في "رمية النرد" Un coup de dés jamais n'abolira le hasard حيث يصبح البياض/الفراغ جزءاً من بنية المعنى لا مجرد خلوّ من الكتابة. هذه الفواصل البصرية تُجسّد بصرياً ما يقوله النص لفظياً: الانقطاع، الفجوة، غياب الاتصال العضوي بين الفصول، تماماً كما تنقطع الفصول عن وظائفها الطبيعية في مضمون النص.

خلاصة:

يشتغل النص إذن على معادلة شعرية دقيقة ومحكمة: تراكيب النفي المتوالية + المفارقات الحسية المتصاعدة + الانزياح المفاجئ نحو الحقل الأخلاقي + الأوكسيمورون الختامي الجامع = شعرية الغياب المكتمل. الشاعر لا يرثي غياب المطر أو الأوراق أو الطيور بوصفها ظواهر طبيعية منعزلة، بل يرثي عبرها غياب الفصل عن ذاته، أي انفصام الظاهرة عن جوهرها، وانفصام الاسم عن مسماه — وهذا ما يجعل من "رجع صدى" نصاً عن الصدى لا عن الصوت الأصلي: تكرار بلا مصدر متحقق، مثلما الربيع هنا اسم بلا مضمون، ووعد بلا إنجاز. وفي هذا يلتقي بوطيب مع سؤال جوهري في الشعرية العربية المعاصرة منذ السياب وأدونيس: كيف يمكن للغة أن تقول الغياب من دون أن تسقط في فخ وصفه المباشر؟ والجواب الذي يقترحه هذا النص هو: عبر جعل الغياب نفسه بنية، لا موضوعاً.

***

الأستاذة الباحثة آمال بن الطاهر

من سوسيولوجيا الأدب إلى تحليل البنية الدالة

على سبيل الافتتاح: شهد النقد الأدبي خلال النصف الثاني من القرن العشرين تحولات معرفية عميقة أسهمت في إعادة النظر في طبيعة النص الأدبي ووظيفته وآليات إنتاجه للمعنى، فلم يعد النص ينظر إليه بوصفه بنية لغوية مغلقة أو انعكاسا مباشرا للواقع الاجتماعي، وإنما أصبح فضاء تتقاطع فيه الأبعاد الجمالية والفكرية والتاريخية والثقافية. وقد أفرز هذا التحول ظهور مناهج نقدية متعددة سعت إلى تجاوز محدودية المناهج التقليدية، ومن أبرزها البنيوية التكوينية التي ارتبطت بالمفكر والناقد الفرنسي لوسيان غولدمان، الذي حاول إقامة مصالحة معرفية بين التحليل البنيوي والدراسة الاجتماعية للأدب.

وانطلقت البنيوية التكوينية من رؤية نقدية تؤكد أن العمل الأدبي ليس انعكاسا آليا للواقع، ولا مجرد بناء لغوي مستقل عن سياقه، وإنما هو بنية دالة تتجسد فيها رؤية جماعة اجتماعية للعالم، يعيد المبدع تشكيلها في قالب فني متماسك. ومن ثمّ، فإن فهم النص لا يكتمل إلا بالجمع بين تحليل بنيته الداخلية والكشف عن امتداداته الاجتماعية والتاريخية والثقافية، وهو ما جعل هذا المنهج يمثل مرحلة متقدمة في تطور النقد الاجتماعي، متجاوزا النزعة الانعكاسية التي اختزلت الأدب في كونه مرآة مباشرة للواقع.

وقد أسهم غولدمان في إغناء هذا التصور عبر بناء جهاز مفاهيمي متكامل يقوم على مفاهيم مركزية، مثل: رؤية العالم، والبنية الدالة، والفهم والتفسير، والوعي الفعلي، والوعي الممكن، وهي مفاهيم مكنت من إعادة صياغة العلاقة بين الأدب والمجتمع على أساس جدلي يراعي استقلالية الإبداع الفني من جهة، وارتباطه بالشروط التاريخية والاجتماعية من جهة أخرى. وبهذا تجاوزت البنيوية التكوينية كثيرا من الثنائيات التقليدية، مثل ثنائية الشكل والمضمون، والفرد والجماعة، والنص والسياق، لتقدم تصورا أكثر شمولا لعملية الإبداع الأدبي.

وتتجلى أهمية هذا المنهج في قدرته على الجمع بين الصرامة المنهجية والانفتاح الفكري، إذ يبدأ بتحليل النص من داخله للكشف عن بنيته الدالة، ثم ينتقل إلى تفسير هذه البنية في ضوء الوعي الجمعي الذي تنتمي إليه الجماعة المنتجة للنص، وهو ما يمنح القراءة النقدية بعدا معرفيًا يتجاوز الوصف إلى تفسير آليات إنتاج المعنى ودلالاته الحضارية.

ورغم ما تعرضت له البنيوية التكوينية من مراجعات وانتقادات، فإنها لا تزال تحتفظ بمكانة مرموقة في الدراسات الأدبية المعاصرة، لأنها قدمت نموذجا نقديا استطاع أن يوازن بين استقلالية النص وارتباطه بالواقع، وأن يجعل من الأدب وثيقة ثقافية تكشف عن تحولات المجتمع ورؤيته للعالم، دون أن تفقد خصوصيتها الجمالية.

وانطلاقا من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى إعادة قراءة مشروع لوسيان غولدمان في ضوء تطورات النقد الأدبي الحديث، من خلال الوقوف عند أسسه النظرية، وتحليل أبرز مفاهيمه الإجرائية، وبيان إسهامه في تجديد المنهج الاجتماعي، مع تقويم أهم منجزاته وحدوده المعرفية، وصولا إلى إبراز مكانة البنيوية التكوينية باعتبارها واحدة من أكثر المناهج النقدية قدرة على تفسير العلاقة المركبة بين الإبداع الأدبي والبنية الاجتماعية.

إشكالية الدراسة:

تمثل البنيوية التكوينية إحدى أبرز المحطات في تاريخ النقد الأدبي الحديث، إذ استطاعت أن تقدم تصورا نظريا جديدا للعلاقة بين الأدب والمجتمع، قائما على تجاوز الثنائية التقليدية التي تفصل بين التحليل الشكلي للنص والدراسة الاجتماعية لمضامينه. فقد سعى لوسيان غولدمان إلى بناء منهج نقدي يجمع بين البنية الداخلية للنص والظروف التاريخية والاجتماعية التي أنتجته، مستندا إلى رؤية جدلية تجعل الإبداع الأدبي تعبيرا عن رؤية جماعية للعالم أكثر من كونه انعكاسا مباشرا للواقع أو تعبيرا عن تجربة فردية معزولة.

ورغم المكانة التي احتلتها البنيوية التكوينية في الفكر النقدي المعاصر، فإنها ما تزال تثير العديد من الأسئلة المرتبطة بفاعلية مفاهيمها الإجرائية، وحدود قدرتها على تفسير الظاهرة الأدبية، ومدى نجاحها في تحقيق التوازن بين خصوصية النص الأدبي وبين ارتباطه بالبنيات الاجتماعية والتاريخية. كما أن التطورات التي عرفتها المناهج النقدية الحديثة تفرض إعادة قراءة هذا المشروع للكشف عن عناصر قوته، ورصد جوانب القصور فيه، واستجلاء مدى راهنيته في قراءة النصوص الأدبية المعاصرة.

ومن هنا تنطلق هذه الدراسة من الإشكالية الآتية:

إلى أي حد استطاعت البنيوية التكوينية عند لوسيان غولدمان أن تؤسس منهجا نقديا متكاملا يجمع بين التحليل البنيوي والدراسة الاجتماعية، وأن تقدم تصورا جديدا لفهم العلاقة بين النص الأدبي والواقع التاريخي والاجتماعي؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة الفرعية:

ما الظروف الفكرية والمعرفية التي أسهمت في نشأة البنيوية التكوينية؟

ما المرتكزات الفلسفية والمنهجية التي يقوم عليها مشروع لوسيان غولدمان؟

كيف أسهمت مفاهيم الفهم والتفسير، والبنية الدالة، والوعي الممكن، ورؤية العالم في بناء هذا المنهج؟

ما أوجه الاختلاف بين البنيوية التكوينية والبنيوية الشكلية والمناهج الاجتماعية التقليدية؟

ما القيمة العلمية التي أضافتها البنيوية التكوينية إلى النقد الأدبي الحديث؟

وما أبرز الملاحظات والانتقادات التي وُجهت إليها في ضوء تطور الدراسات النقدية المعاصرة؟

فرضيات الدراسة:

تنطلق الدراسة من جملة من الفرضيات، لعل من أهمها:

أن البنيوية التكوينية تمثل تطورا نوعيا في مسار النقد الاجتماعي؛ لأنها تجاوزت التفسير الانعكاسي المباشر للأدب.

أن مفهوم البنية الدالة يشكل حجر الزاوية في المشروع النقدي الغولدماني، ويمنح النص استقلاليته الجمالية دون فصله عن سياقه التاريخي والاجتماعي.

أن الجمع بين مرحلتي الفهم والتفسير أتاح قراءة أكثر شمولا للعمل الأدبي، تربط بين بنيته الداخلية ورؤيته الفكرية.

أن البنيوية التكوينية، رغم أهميتها، لا تخلو من حدود منهجية تجعلها مشروعا مفتوحا للتطوير والمراجعة.

أهداف الدراسة:

تروم هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، لعل من أبرزها ما يلي:

التعريف بالبنية الفكرية والمنهجية للبنيوية التكوينية عند لوسيان غولدمان.

إبراز الأسس الفلسفية والاجتماعية التي يقوم عليها هذا المنهج النقدي.

تحليل أهم المفاهيم الإجرائية المؤسسة للبنيوية التكوينية وبيان وظائفها في قراءة النصوص الأدبية.

الكشف عن طبيعة العلاقة بين الإبداع الأدبي والبنية الاجتماعية من منظور غولدمان.

تقويم القيمة العلمية للبنيوية التكوينية، وإبراز إسهامها في تطوير النقد الأدبي الحديث.

الوقوف عند أبرز الملاحظات النقدية التي وُجهت إلى هذا المنهج في ضوء التحولات المعرفية المعاصرة.

أهمية الدراسة:

تتجلى أهمية هذه الدراسة في كونها تعيد قراءة أحد أكثر المناهج النقدية تأثيرا في الدراسات الأدبية الحديثة، وهو المنهج الذي نجح في تجاوز التقابل التقليدي بين الشكل والمضمون، وبين النص والواقع، ليؤسس رؤية متكاملة تجعل العمل الأدبي بنية دالة تتفاعل فيها الأبعاد الجمالية والاجتماعية والفكرية.

كما تستمد الدراسة أهميتها من سعيها إلى تقديم قراءة علمية تجمع بين التأصيل النظري والتحليل النقدي، بما يسهم في تعميق الوعي بالمناهج النقدية الحديثة، وإبراز القيمة المعرفية للبنيوية التكوينية في فهم الظاهرة الأدبية وتفسيرها، مع بيان حدودها وإمكانات الإفادة منها في قراءة النصوص الأدبية العربية والمعاصرة.

البنيوية التكوينية: النشأة والمرجعيات الفكرية والأسس المنهجية:

نشأة البنيوية التكوينية وسياقها الفكري:

لم تظهر البنيوية التكوينية في فراغ معرفي، بل جاءت ثمرةً لتحولات فكرية ومنهجية شهدتها الساحة النقدية الأوروبية خلال القرن العشرين، حين بدأت المناهج التقليدية تعجز عن تقديم تفسير شامل للظاهرة الأدبية. فقد انقسم النقاد آنذاك بين اتجاهين متعارضين، أولهما البنيوية الشكلية التي حصرت اهتمامها في البنية الداخلية للنص وعدّت العمل الأدبي نسقا لغويا مستقلا عن سياقه الاجتماعي والتاريخي، وثانيهما المناهج الاجتماعية ذات النزعة الانعكاسية التي نظرت إلى الأدب بوصفه مرآة مباشرة للواقع، فاختزلت قيمته الجمالية في وظيفته الاجتماعية.

وفي ظل هذا التباين المنهجي برز مشروع لوسيان غولدمان بوصفه محاولة جادة لتجاوز هذا الانقسام، حيث سعى إلى إقامة حوار معرفي بين البنيوية والمنهج الاجتماعي، مستفيدا من الفلسفة الجدلية والمادية التاريخية، دون أن يقع في النزعة الحتمية التي ميزت بعض القراءات الماركسية التقليدية. فقد رأى أن النص الأدبي لا يمكن أن يُفهم بمعزل عن المجتمع، كما لا يجوز اختزاله في ظروف إنتاجه الخارجية، لأن له نظاما داخليا يفرض آلياته الخاصة في إنتاج الدلالة.

ومن هنا نشأت البنيوية التكوينية باعتبارها منهجا يسعى إلى الكشف عن العلاقة الجدلية بين البناء الفني للنص وبين البنيات الفكرية والاجتماعية التي أنتجته، بحيث يغدو العمل الأدبي تعبيرا عن رؤية جماعية للعالم، يعيد المبدع تشكيلها في صورة فنية تمتلك استقلالها الجمالي.

 المرجعيات الفكرية للبنيوية التكوينية:

استندت البنيوية التكوينية إلى مجموعة من المرجعيات الفكرية التي شكلت بنيتها النظرية، ويمكن إجمالها في ثلاثة روافد أساسية:

أولها الفلسفة الجدلية، التي أكدت أن الظواهر الإنسانية لا تدرس في عزلة، وإنما في إطار العلاقات المتبادلة التي تربط عناصرها داخل نسق متحرك ومتطور. وقد انعكس هذا التصور على رؤية غولدمان للأدب، فاعتبر النص بنية حية تتفاعل باستمرار مع محيطها الاجتماعي والتاريخي.

أما المرجعية الثانية فتتمثل في المادية التاريخية، غير أن غولدمان لم يتبنها بصيغتها الحتمية، بل أعاد توظيفها بما يجعل الأدب تعبيرا عن الوعي الجمعي للجماعات الاجتماعية، لا مجرد انعكاس ميكانيكي للبنية الاقتصادية. فالعمل الأدبي عنده يكتسب قيمته من قدرته على تمثيل رؤية فكرية تتجاوز الفرد إلى الجماعة التي ينتمي إليها.

وتتمثل المرجعية الثالثة في البنيوية، إذ استفاد غولدمان من اهتمامها بتحليل العلاقات الداخلية المكونة للنص، لكنه رفض تحويل البنية إلى نظام مغلق منفصل عن التاريخ، مؤكدا أن كل بنية أدبية هي بنية متحركة تتشكل داخل سياق اجتماعي وثقافي معين.

الأسس المنهجية للبنيوية التكوينية:

يقوم المنهج البنيوي التكويني على جملة من المبادئ التي تمنحه خصوصيته داخل المناهج النقدية الحديثة.

أول هذه المبادئ أن النص الأدبي وحدة متكاملة لا تقرأ من خلال عناصرها الجزئية فحسب، وإنما من خلال العلاقات التي تربط تلك العناصر داخل نسق دلالي منسجم. ولذلك يبدأ التحليل من داخل النص قبل الانتقال إلى تفسير علاقته بالعالم الخارجي.

وثانيها أن الإبداع الأدبي ليس إنتاجا فرديا خالصا، بل هو تعبير فني عن رؤية جماعية للعالم، يمثل فيها الكاتب الوسيط الذي يمنح الوعي الجمعي صياغة جمالية قادرة على تجاوز حدود التجربة الشخصية.

أما المبدأ الثالث فيتمثل في العلاقة الجدلية بين الفهم والتفسير، فالفهم يعني الكشف عن البنية الداخلية للنص، في حين يهدف التفسير إلى ربط هذه البنية بالشروط الاجتماعية والتاريخية التي أسهمت في تشكلها. وبهذا يتحول النقد من مجرد وصف للنص إلى تحليل يفسر آليات إنتاج معناه.

ويؤكد غولدمان كذلك أن الناقد لا ينبغي أن يتوقف عند المستوى اللغوي أو الأسلوبي، بل يتعين عليه البحث عن الرؤية الفكرية الكامنة خلف البناء الفني، باعتبارها العنصر الذي يمنح النص وحدته الدلالية ويكشف موقعه داخل البنية الثقافية للمجتمع.

خصوصية البنيوية التكوينية في النقد الأدبي:

تتجلى خصوصية البنيوية التكوينية في قدرتها على الجمع بين التحليل البنيوي والدراسة الاجتماعية دون أن يطغى أحدهما على الآخر. فهي لا تذيب النص في الواقع، كما لا تفصله عن شروط إنتاجه، وإنما تنظر إليه بوصفه بناء فنيا يعبر عن تجربة جماعية تتجسد في رؤية للعالم ذات أبعاد تاريخية وفكرية وثقافية.

ولهذا استطاعت البنيوية التكوينية أن تقدم تصورا أكثر توازنا للعلاقة بين الأدب والمجتمع، وأن تؤسس قراءة نقدية تتجاوز التفسير الأحادي للظاهرة الأدبية، لتجعل من النص فضاء تتفاعل فيه البنية الجمالية مع الوعي الاجتماعي في إطار جدلية مستمرة. ومن هذا المنطلق احتلت مكانة بارزة في الدراسات الأدبية الحديثة، وأصبحت إحدى أهم المحطات في مسار تطور النقد الاجتماعي المعاصر، لما أتاحته من إمكانات جديدة لفهم العمل الأدبي وتحليل بنياته العميقة في ضوء سياقه الحضاري والفكري.

 المفاهيم المركزية في البنيوية التكوينية:

إذا كانت البنيوية التكوينية قد استطاعت أن تفرض حضورها داخل حقل النقد الأدبي الحديث، فإن ذلك يعود أساسا إلى الجهاز المفاهيمي الذي شيده لوسيان غولدمان، والذي أتاح تجاوز القراءات الاختزالية للنص الأدبي. فقد بنى غولدمان منهجه على شبكة مترابطة من المفاهيم الإجرائية، لا تعمل بصورة منفصلة، وإنما تتكامل فيما بينها لتفسير العلاقة الجدلية بين البنية الأدبية والواقع الاجتماعي. ويأتي في مقدمة هذه المفاهيم: رؤية العالم، والبنية الدالة، والوعي الفعلي، والوعي الممكن، ثم ثنائية الفهم والتفسير، وهي مفاهيم أصبحت تمثل الأساس النظري الذي تقوم عليه البنيوية التكوينية.

رؤية العالم:

يعد مفهوم رؤية العالم أكثر المفاهيم مركزية في مشروع غولدمان، حيث ينطلق من أن كل عمل أدبي مهم يجسد تصورا متكاملا للإنسان والوجود والمجتمع، وليس مجرد تعبير عن انفعالات ذاتية أو مواقف فردية عابرة. فالنص الأدبي، في نظره، يحمل رؤية فكرية تنتمي إلى جماعة اجتماعية معينة، ويقوم الكاتب بإعادة صياغتها في صورة فنية تتسم بالوحدة والانسجام.

ولا يقصد غولدمان برؤية العالم مجموع الأفكار التي يصرح بها الكاتب بصورة مباشرة، وإنما يقصد النسق العميق الذي يحكم العلاقات الداخلية للنص، ويمنحه وحدته الدلالية. ولذلك فإن مهمة الناقد لا تقتصر على تحليل اللغة أو الأسلوب، بل تمتد إلى الكشف عن هذه الرؤية الكامنة التي تنتظم مختلف عناصر العمل الأدبي.

وتنبع أهمية هذا المفهوم من كونه يفسر قدرة الأدب على تجاوز التجربة الفردية ليصبح معبرا عن هموم جماعة اجتماعية بأكملها، وهو ما يجعل النص الأدبي وثيقة ثقافية تعكس مستوى الوعي الذي بلغته تلك الجماعة في مرحلة تاريخية محددة.

 البنية الدالة:

يرى غولدمان أن العمل الأدبي ليس تجمعا عشوائيا للعناصر اللغوية أو الفنية، وإنما هو بنية دالة تتحدد قيمتها من خلال العلاقات التي تربط بين مكوناتها المختلفة. فالمعنى لا يكمن في عنصر منفرد، وإنما يتولد من شبكة العلاقات التي تؤلف النص وتمنحه وحدته الداخلية.

ومن هذا المنطلق، لا يكتفي الناقد بوصف الصور أو الشخصيات أو الأحداث، وإنما يسعى إلى اكتشاف النظام الذي يحكم ترابطها، لأن هذا النظام هو الذي يكشف الرؤية الفكرية الكامنة وراء العمل الأدبي. وهكذا تصبح البنية وسيلة لإنتاج الدلالة، لا مجرد إطار شكلي لتنظيم المادة الأدبية.

ويمثل مفهوم البنية الدالة نقطة التقاء بين البنيوية والمنهج الاجتماعي؛ فهو يحافظ على استقلالية النص من خلال تحليل بنيته الداخلية، وفي الوقت نفسه يربط هذه البنية بالشروط الفكرية والاجتماعية التي أفرزتها، دون الوقوع في التفسير الحتمي أو الاختزال الإيديولوجي.

الوعي الفعلي والوعي الممكن:

يميز غولدمان بين مستويين من الوعي داخل الجماعات الاجتماعية، هما: الوعي الفعلي والوعي الممكن.

فالوعي الفعلي هو مستوى الإدراك الذي تعيشه الجماعة في واقعها اليومي، بما يحمله من تناقضات وصراعات وحدود تفرضها الظروف التاريخية والاجتماعية. أما الوعي الممكن فهو الصورة التي يمكن أن يبلغها هذا الوعي إذا استطاع تجاوز تلك القيود وتحقيق قدر أكبر من الانسجام الفكري والاجتماعي.

ويؤكد غولدمان أن الأدب لا يقتصر على تصوير الواقع كما هو، وإنما يستشرف إمكاناته الكامنة، ولذلك فإن الكاتب المبدع يستطيع أن يعبر عن الوعي الممكن لجماعته أكثر مما يعبر عن وعيها الفعلي. ومن هنا يكتسب الأدب بعده الاستشرافي، لأنه لا يكتفي بوصف العالم، بل يفتح آفاقا جديدة لتغييره وإعادة بنائه.

ولهذا لا يمثل النص الأدبي انعكاسا مباشرا للواقع، وإنما يعيد تشكيله في ضوء رؤية نقدية تستحضر ما يمكن أن يكون، لا ما هو كائن فقط، وهو ما يمنح الإبداع الأدبي طابعه الإنساني والحضاري.

 الفهم والتفسير:

اعتمد غولدمان منهجا يقوم على مرحلتين متكاملتين هما الفهم والتفسير، وعدّ الفصل بينهما سببا رئيسا في قصور كثير من المناهج النقدية.

ويقصد بالفهم تحليل البناء الداخلي للنص، والكشف عن العلاقات التي تربط بين عناصره المختلفة، وصولا إلى تحديد البنية الدالة التي تمنحه وحدته الفنية والفكرية. ويمثل الفهم مرحلة داخلية تنطلق من النص نفسه دون الاستعانة بالعوامل الخارجية.

أما التفسير، فيأتي بعد ذلك، ويتمثل في ربط هذه البنية بالسياق الاجتماعي والتاريخي الذي نشأت فيه، والكشف عن رؤية العالم التي تعبر عنها الجماعة الاجتماعية التي ينتمي إليها المبدع.

وبهذا تتحقق القراءة العلمية المتكاملة، إذ لا يتحول النص إلى وثيقة اجتماعية مجردة، ولا يبقى في الوقت نفسه بناءً لغويا مغلقا، وإنما يصبح ظاهرة ثقافية تتداخل فيها الأبعاد الجمالية والفكرية والتاريخية.

 تكامل المفاهيم في بناء المنهج:

تكشف المفاهيم السابقة عن أن البنيوية التكوينية ليست مجرد مجموعة من المصطلحات المتفرقة، وإنما هي نسق نظري متكامل يقوم على الترابط بين عناصره." فرؤية العالم " تمنح العمل الأدبي وحدته الفكرية، و " البنية الدالة " تكشف تنظيمه الداخلي، ويمثل " الوعي الممكن " الأفق الذي يتجاوزه النص نحو المستقبل، بينما يوفر "الفهم والتفسير " الآلية المنهجية التي تسمح بقراءة النص قراءة تجمع بين التحليل البنيوي والتفسير الاجتماعي.

ومن ثم، استطاع غولدمان أن يقدم نموذجا نقديا يجمع بين دقة التحليل البنيوي وعمق الرؤية الاجتماعية، مؤسسا بذلك أحد أكثر المناهج تأثيرا في النقد الأدبي المعاصر، وهو منهج لا يزال يحتفظ بقيمته العلمية لما يتيحه من إمكانات واسعة لفهم العلاقة المركبة بين الإبداع الأدبي والبنية الحضارية للمجتمع.

 القيمة العلمية للبنيوية التكوينية وحدودها النقدية:

شكلت البنيوية التكوينية منعطفا بارزا في تاريخ النقد الأدبي الحديث حيث لم تقتصر على تطوير المنهج الاجتماعي، بل أعادت صياغة العلاقة بين الأدب والمجتمع وفق رؤية معرفية جديدة تجمع بين التحليل البنيوي والتفسير الاجتماعي. وقد أكسبها هذا التصور مكانة متميزة بين المناهج النقدية، وجعلها أحد أكثر المشاريع الفكرية تأثيرا في الدراسات الأدبية خلال النصف الثاني من القرن العشرين. غير أن هذا المنهج، شأنه شأن سائر المناهج النقدية، لم يسلم من المراجعات والانتقادات التي كشفت عن حدوده النظرية والتطبيقية.

 القيمة العلمية للبنيوية التكوينية:

تتمثل أولى الإضافات التي قدمتها البنيوية التكوينية في تجاوزها الثنائية التقليدية التي كانت تفصل بين الشكل والمضمون، حيث أثبتت أن البناء الفني للنص لا ينفصل عن دلالته الفكرية والاجتماعية، وأن القيمة الجمالية للعمل الأدبي تتولد من العلاقات التي تربط بين عناصره الداخلية، لا من موضوعه أو لغته وحدهما. ومن ثم، أصبح النص يقرأ باعتباره نسقا متكاملا تتفاعل فيه الأبعاد الجمالية والفكرية والتاريخية في آن واحد.

كما أسهم هذا المنهج في تجديد النقد الاجتماعي، من خلال رفضه للتفسير الانعكاسي الذي كان يعد الأدب صورة مباشرة للواقع. فقد أكد غولدمان أن الإبداع الأدبي لا يعكس المجتمع بصورة آلية، وإنما يعيد بناء الواقع وفق رؤية فكرية وجمالية تجعل النص قادرا على تجاوز حدود اللحظة التاريخية إلى أفق إنساني أكثر شمولا.

ومن أبرز إسهامات البنيوية التكوينية أيضا أنها منحت مفهوم رؤية العالم مكانة مركزية في التحليل الأدبي، وهو ما أتاح للناقد الانتقال من دراسة الجزئيات إلى البحث عن النسق الفكري الذي ينتظم العمل الأدبي بأكمله. وبهذا لم يعد الاهتمام منصبا على تحليل الشخصيات أو الأحداث أو الصور البلاغية في حد ذاتها، وإنما على الكشف عن العلاقات العميقة التي توحدها داخل بناء دلالي متكامل.

وقد ساعد هذا التصور على تطوير أدوات القراءة النقدية، إذ أصبح الناقد مطالبا بالانتقال من الوصف إلى التفسير، ومن تحليل البنية الظاهرة إلى استكشاف بنيتها العميقة، وربطها بالوعي الجمعي للجماعة الاجتماعية التي يمثلها النص. وبذلك تجاوز النقد الأدبي حدود التحليل اللغوي ليصبح أداة لفهم الظواهر الثقافية والحضارية.

ومن الجوانب التي أكسبت البنيوية التكوينية قيمتها العلمية أيضا أنها قدمت تصورا متوازنا للعلاقة بين الفرد والجماعة؛ فهي لا تنكر خصوصية المبدع وإبداعه، لكنها ترى أن العبقرية الأدبية الحقيقية تكمن في قدرة الكاتب على التعبير عن تطلعات جماعته، وصياغة رؤيتها للعالم في صورة فنية تتجاوز حدود التجربة الفردية.

 أثر البنيوية التكوينية في النقد الأدبي:

أثرت البنيوية التكوينية تأثيرا واضحا في كثير من الاتجاهات النقدية اللاحقة، ولا سيما الدراسات السوسيولوجية والثقافية التي سعت إلى الجمع بين تحليل النص وتحليل أنساقه الاجتماعية والفكرية. كما أسهمت في توسيع مفهوم القراءة النقدية، فلم يعد النص يدرس بمعزل عن سياقه الحضاري، ولا أصبح السياق وحده كافيا لتفسير النص، بل غدت العلاقة بينهما علاقة تكامل وجدلية مستمرة.

وقد انعكس هذا التأثير في عدد كبير من الدراسات الأدبية المقارنة، وفي بحوث سوسيولوجيا الأدب، وفي النقد الثقافي، التي استفادت من مفاهيم غولدمان، خاصة مفهوم " رؤية العالم " ومفهوم " البنية الدالة "، مع إعادة توظيفها بما ينسجم مع التحولات المعرفية التي عرفتها العلوم الإنسانية.

 حدود البنيوية التكوينية والانتقادات الموجهة إليها:

على الرغم من القيمة العلمية الكبيرة للبنيوية التكوينية، فإنها تعرضت لعدد من الانتقادات، كان أبرزها أنها منحت الجماعة الاجتماعية دورا محوريا في إنتاج المعنى، الأمر الذي أدى حسب رأي بعض النقاد إلى تقليص مساحة الإبداع الفردي، وإضعاف خصوصية التجربة الذاتية للمبدع. كما رأى بعض الباحثين أن مفهوم " رؤية العالم " يتسم بدرجة من العمومية تجعل تحديده داخل النصوص الأدبية أمرا غير يسير، خاصة في الأعمال التي تتعدد فيها الأصوات والرؤى الفكرية، أو التي تقوم على التناقض والتشظي بدل الوحدة والانسجام.

وانتقد المنهج أيضا لأنه يفترض وجود قدر كبير من التماسك داخل البنية الاجتماعية، في حين أن المجتمعات الحديثة تعرف تعددا في المرجعيات الثقافية والإيديولوجية، مما يجعل الحديث عن رؤية جماعية واحدة للعالم أمرا يحتاج إلى كثير من التمحيص.

ومن جهة أخرى، رأت الاتجاهات البنيوية المتشددة أن غولدمان لم يقطع بصورة نهائية مع المناهج الاجتماعية، بينما اعتبرت بعض الاتجاهات الماركسية أنه ابتعد عن الأساس الاقتصادي الذي يشكل، في نظرها، المنطلق الرئيس لفهم الظواهر الثقافية. وهكذا وجد مشروعه نفسه في منطقة وسطى بين اتجاهين متعارضين، وهو ما جعله عرضة للنقد من الطرفين.

كما أن ظهور مناهج جديدة، مثل التفكيكية، ونظرية التلقي، والنقد الثقافي، وتحليل الخطاب، أسهم في إعادة النظر في عدد من مسلمات البنيوية التكوينية، دون أن يلغي قيمتها التاريخية أو أثرها في تطور الفكر النقدي.

 راهنية البنيوية التكوينية:

على الرغم من هذه الانتقادات، فإن البنيوية التكوينية ما تزال تحتفظ بحضورها في الدراسات الأدبية المعاصرة، لأنها تقدم نموذجا نقديا قادرا على الجمع بين التحليل الجمالي والتفسير الاجتماعي، دون الوقوع في الاختزال أو التبسيط. كما أن مفاهيمها الأساسية لا تزال صالحة للإفادة منها في قراءة النصوص الأدبية، خاصة تلك التي تعبر عن تحولات المجتمع وقضاياه الفكرية والثقافية.

ومن ثم، يمكن القول إن القيمة الحقيقية للبنيوية التكوينية لا تكمن في كونها منهجا مغلقا يقدم أجوبة نهائية، وإنما في كونها مشروعا فكريا مفتوحا أسهم في تجديد أدوات النقد الأدبي، وأرسى أسس قراءة تجمع بين العمق النظري والدقة المنهجية، وهو ما يفسر استمرار حضورها في كثير من الدراسات الأكاديمية المعاصرة.

على سبيل الختام:

تبين هذه الدراسة أن البنيوية التكوينية لم تكن مجرد تطوير للمنهج الاجتماعي في النقد الأدبي، وإنما مثلت مشروعا معرفيا متكاملا أعاد النظر في طبيعة العلاقة بين النص الأدبي والواقع الاجتماعي، من خلال تجاوز المقاربات التي اختزلت الأدب في كونه انعكاسا مباشرا للواقع، أو تلك التي فصلته عن سياقه التاريخي والثقافي. فقد نجح لوسيان غولدمان في بناء تصور نقدي يقوم على جدلية النص والمجتمع، ويمنح العمل الأدبي استقلاليته الفنية دون أن يعزله عن الشروط الحضارية التي أسهمت في إنتاجه.

وقد بينت الدراسة أن القوة المنهجية للبنيوية التكوينية تكمن في قدرتها على الجمع بين التحليل البنيوي والتفسير الاجتماعي، وذلك من خلال جهاز مفاهيمي متماسك يرتكز على مفاهيم رؤية العالم، والبنية الدالة، والوعي الفعلي، والوعي الممكن، وثنائية الفهم والتفسير. وقد أسهمت هذه المفاهيم في تطوير آليات القراءة النقدية، حيث لم يعد النص يدرس بوصفه مجموعة من العناصر اللغوية أو الأسلوبية، وإنما باعتباره نسقا دلاليا يعبر عن رؤية فكرية تتجاوز الفرد إلى الجماعة، وتربط الإبداع الأدبي بالسياق الحضاري الذي نشأ فيه.

كما أوضحت الدراسة أن البنيوية التكوينية أسهمت في ترسيخ تصور أكثر شمولا للنقد الأدبي، يقوم على التكامل بين البنية الداخلية للنص وظروف إنتاجه، وهو ما جعلها من أكثر المناهج قدرة على تفسير الأعمال الأدبية التي تتسم بعمقها الفكري وارتباطها بقضايا المجتمع والإنسان. وقد انعكس هذا الإسهام في عدد كبير من الدراسات السوسيولوجية والثقافية التي أفادت من أدواتها ومفاهيمها، مع إعادة توظيفها بما ينسجم مع التحولات التي عرفتها العلوم الإنسانية.

ومع ذلك، فإن هذا المنهج لا يخلو من حدود معرفية، إذ إن تركيزه على الوعي الجمعي ورؤية العالم قد يؤدي أحيانًا إلى التقليل من خصوصية التجربة الإبداعية الفردية، كما أن بعض مفاهيمه، وعلى رأسها مفهوم " رؤية العالم " ، تظل قابلة لتعدد التأويلات، الأمر الذي يستدعي توظيفها بقدر من المرونة المنهجية، خاصة عند دراسة النصوص الحديثة التي تتسم بالتشظي والتعدد الدلالي.

وعلى الرغم من هذه الملاحظات، فإن البنيوية التكوينية ما تزال تحتفظ بمكانتها في الدراسات النقدية المعاصرة، لأنها تقدم نموذجا معرفيا متوازنا يجمع بين الدقة المنهجية والانفتاح الفكري، ويمنح الباحث أدوات فعالة لفهم العلاقة المركبة بين الأدب والمجتمع. ومن ثم، فإن قيمتها الحقيقية لا تكمن في تقديم أحكام نهائية، وإنما في فتح آفاق جديدة أمام البحث النقدي، وتشجيع القراءات التي تتعامل مع النص الأدبي بوصفه بنية جمالية وثقافية وحضارية في آن واحد.

نتائج الدراسة:

أسفرت الدراسة عن جملة من النتائج، لعل من أبرزها ما يأتي:

أثبتت البنيوية التكوينية قدرتها على تجاوز التعارض التقليدي بين المناهج البنيوية والمناهج الاجتماعية، من خلال الجمع بين التحليل الداخلي للنص والتفسير الخارجي لسياقه.

يعتبر مفهوم " رؤية العالم " الركيزة الأساسية التي يقوم عليها المشروع النقدي للوسيان غولدمان، حيث يربط بين البناء الفني للنص والوعي الجمعي للجماعة الاجتماعية.

تمثل " البنية الدالة " الأداة الإجرائية التي تتيح الكشف عن العلاقات العميقة التي تنتظم عناصر النص، بعيدا عن القراءة الجزئية أو الوصفية.

أسهمت ثنائية " الفهم والتفسير " في بناء منهج نقدي متكامل يجمع بين التحليل الجمالي والتفسير الاجتماعي.

لم تنظر البنيوية التكوينية إلى الأدب بوصفه انعكاسا ميكانيكيا للواقع، بل عدّته إعادة بناء فنية للخبرة الإنسانية في ضوء رؤية فكرية وجمالية.

ما تزال البنيوية التكوينية تمتلك قدرة تفسيرية مهمة، خاصة في دراسة النصوص التي تعكس التحولات الفكرية والاجتماعية والحضارية.

توصيات الدراسة:

في ضوء النتائج المتوصل إليها، توصي الدراسة بما يأتي:

تشجيع الدراسات العربية التي تعيد قراءة المناهج النقدية الحديثة في ضوء التحولات المعرفية الراهنة.

الإفادة من مفاهيم البنيوية التكوينية في تحليل الرواية العربية والشعر الحديث، مع مراعاة خصوصية النصوص والسياقات الثقافية.

إجراء دراسات مقارنة بين البنيوية التكوينية ومناهج نقدية أخرى، مثل النقد الثقافي، ونظرية التلقي، وتحليل الخطاب، للكشف عن نقاط الالتقاء والاختلاف بينها.

العناية بترجمة أعمال لوسيان غولدمان ودراساته الأساسية ترجمة علمية دقيقة، بما يسهم في تعميق حضورها في البحث النقدي العربي.

توظيف المنهج البنيوي التكويني في دراسة النصوص الأدبية المغربية والعربية، بما يبرز تفاعل الإبداع مع التحولات الاجتماعية والفكرية والثقافية.

وبذلك يتبين أن البنيوية التكوينية لم تكن مرحلة عابرة في تاريخ النقد الأدبي، بل شكلت منعطفا معرفيا أسهم في إعادة بناء العلاقة بين الأدب والإنسان والمجتمع، ورسخت تصورا نقديا ما يزال قادرا على إغناء البحث الأدبي، واستلهام قراءات جديدة تستجيب لتطور النصوص وتحولات الفكر الإنساني.

***

بقلم د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ السياسي والحضاري

دراسة نقدية في قصيدة الدكتور فايز عزالدين

تنهض قصيدة الدكتور فايز عزالدين، الواردة ضمن ديوانه «عزف على الجرح»، الصادر عن مطبوعات اتحاد الكتاب العرب عام 2019، على تجربة شعرية تتخذ من الغربة والرحيل والاغتراب الحضاري مدخلًا إلى مساءلة الذات والوطن والتاريخ. إنها قصيدة يتحول فيها الجرح من حالة فردية إلى بنية جمعية، ومن ألم شخصي إلى سؤال ثقافي وحضاري، حتى يغدو الشاعر واقفاً على تخوم ذاكرة مثقلة بالخذلان، لكنه لا يستسلم لها، بل يحاول أن يستعيد من خلالها معنى الانتماء والأمل.

يفتح النص منذ مطلعه على علاقة وجدانية بين الذات و«الآخر» الغائب أو الوطن المفقود:

يقول:

«عُدْ بي إليكَ وقد غرّبتني زمنًا

والشوقُ ينهلُ من روحي ويسقيني»

فالأمر في «عُدْ بي إليكَ» لا يعني العودة المكانية وحدها، بل يستبطن رغبة في استرداد الذات من غربتها. إن الشاعر لا يقول «عُدْ إليّ»، بل يقول «عُدْ بي إليك»؛ أي إنه يريد أن يُعاد إلى الأصل، إلى المكان الأول، إلى المعنى الذي انفصل عنه. ومن هنا تبدأ القصيدة رحلة عكسية من الغربة إلى الوطن، ومن الجرح إلى الحلم، ومن الانكسار إلى استعادة الذاكرة.

وتتوزع القصيدة بين خطاب ذاتي حميم، وتشخيص مأساوي للواقع، واستعادة للتاريخ، ثم انفتاح على الحلم. ولذلك فهي لا تسير في خط عاطفي واحد، بل تتحرك في مسار جدلي بين الحنين واليأس، والجرح والأمل، والاغتراب والانتماء، والواقع والتاريخ.

- مكانة الدكتور فايز عزالدين في الشعر العربي المعاصر:

ينتمي الدكتور فايز عزالدين إلى التجربة الشعرية العربية التي تجعل من القصيدة فضاءً للتأمل في الإنسان والوطن والواقع العربي، وتزاوج بين الحس الوجداني والوعي الثقافي. وتكشف هذه القصيدة عن شاعر يمتلك نزوعاً واضحاً إلى بناء النص على أساس التوتر بين الذات والعالم؛ فالذات لا تعيش غربتها بوصفها عزلة فردية، بل بوصفها نتيجة لاختلالات تاريخية وحضارية وسياسية.

وتكمن أهمية تجربته في هذا النص في قدرته على تحويل المفردة الوجدانية إلى علامة جماعية؛ فـ«الغربة» ليست غربة الشاعر وحده، و«الجرح» ليس جرحاً شخصياً، و«النازح» ليس فرداً بعينه، بل صورة لجماعة عربية وجدت نفسها أمام تاريخ من التهجير والانكسار والانتظار.

مناسبة القصيدة وعلاقتها بالرحيل والأسى:

إذا كان النص لا يصرح بمناسبة محددة بالمعنى التقليدي، فإن بنيته الداخلية تكشف عن مناسبة وجدانية واسعة تتمثل في الاغتراب والرحيل وفقدان الوطن أو المعنى. فالقصيدة تستحضر «الثمانين» في قول الشاعر:

«هذي الثمانونَ قد دارتْ بغربتنا

روّيتُ فيها وما حنّتْ لترويني»

وهنا يتحول العمر إلى دائرة من الغربة. فالزمن لا يُقاس بالسنوات فحسب، بل بما راكمه من تجربة وظمأ وحرمان. إن «الثمانين» علامة على عمر شخصي طويل، لكنها في الوقت نفسه يمكن أن تُقرأ بوصفها رمزًا لعمر أمة طال انتظارها.

ومن ثم يصبح الرحيل في القصيدة مفهوماً مركباُ: رحيل عن المكان، ورحيل عن الذاكرة، وربما رحيل عن زمن كان أكثر صفاءً. أما الأسى، فهو النتيجة النفسية لهذا الانفصال.

- العتبات النصية والعنوان بوصفه مفتاحًا تأويليًا:

تتخذ القصيدة أهم عتباتها من انتمائها إلى ديوان يحمل عنوان «عزف على الجرح». وهذا العنوان يمثل مفتاحاً تأويلياً بالغ الأهمية؛ لأن العزف فعل موسيقي جمالي، بينما الجرح فعل ألم وانكسار. ومن خلال الجمع بينهما ينشأ التناقض المركزي الذي يحكم التجربة: الجمال يولد من الألم، والموسيقى تنبع من الجرح.

فالعزف هنا ليس هروباً من الألم، بل طريقة لإعادة صياغته. والشاعر لا يداوي الجرح بالصمت، وإنما يحوله إلى نغم، أي إلى لغة وفن وذاكرة. ومن ثم يمكن قراءة القصيدة بوصفها تطبيقاً شعرياً لعنوان الديوان؛ إذ يعزف الشاعر على جرح الغربة والوطن والإنسان.

أما العتبة الداخلية الأبرز فهي المطلع:

«عُدْ بي إليكَ وقد غرّبتني زمناً

والشوقُ ينهلُ من روحي ويسقيني»

فهذا المطلع يحدد منذ البداية طبيعة الخطاب: خطاب استدعاء وعودة، يقوم على المخاطبة المباشرة. كما أن الضمير في «إليك» يظل مفتوحاً على التأويل؛ فقد يكون المخاطب وطناً، أو حبيباً، أو مكانًا، أو ماضياً، أو حتى معنى وجودياً غائباً.

وتؤدي عبارة «هذي الثمانون» وظيفة عتبية داخلية ثانية؛ فهي تحدد أفقاُ زمنياً كثيفاً، بينما تؤسس مفردات «الغربة»، «الظمأ»، «الجرح»، «النازح»، «التاريخ» لمعجم القصيدة العميق.

وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن العتبات النصية تنقل القارئ من العزف إلى الجرح، ومن الجرح إلى الغربة، ومن الغربة إلى الوطن؛ وهي حركة تأويلية تتكرر في النص كله.

- الأسس اللغوية والبلاغية:

سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

تقوم لغة القصيدة على فصحى ذات معجم تراثي وجزلي، وتتجاور فيها ألفاظ مثل: «مدلهم»، «جديب»، «الطغيان»، «المساكين»، «الأغرار»، «نصل»، «الأحشاء»، «النازح»، «الأفانين»، «العناوين»، «الأساطين».

ويعتمد الأسلوب على كثافة الأفعال والحركة: «غرّبتني»، «ينهَل»، «يسقيني»، «جفّت»، «أغرقني»، «يقصيني»، «يلوي»، «فجّر»، «ينهش»، «يأخذ»، «يعطيني»، «دجا»، «ترنح»، «يؤلمني». وهي أفعال تكشف عن عالم مضطرب لا يعرف السكون.

أما صيغة الخطاب المباشر في «عُدْ بي إليك» و«يا نازح الدار» و«يا ذا المعنّى»، فتمنح النص طابعاً حوارياً، وتكسر رتابة السرد.

- الانزياح اللغوي والتركيبي:

يتجلى الانزياح في قوله:

«والشوق ينهل من روحي ويسقيني»

فالشوق يتحول إلى كائن يشرب من الروح ثم يسقي صاحبها. إنها مفارقة استعاريّة تجعل الشوق مصدراً للألم ومصدراً للحياة في آن.

وفي:

«حتى الكؤوس التي عاقرتها ثملًا

جفّت وجافى حُبابٌ كان يرضيني»

تتحول الكأس إلى رمز لتجربة الحياة، بينما يصبح جفافها علامة على انطفاء اللذة وانقطاع الرجاء.

أما قوله:

«عسفُ الجهالة في غيظٍ ويقصيني»

فيحمل تشخيصاً للجهالة بوصفها قوة فاعلة تمارس العسف والإقصاء.

وتبلغ الصورة ذروة عنفها في:

«الناهشون حلوم الناس زندقةً

نهش الوحوش ولا أنياب تنين»

حيث يُستعار فعل النهش للظالمين، فتتحول السياسة أو السلطة أو الجهالة إلى وحوش تنهش أحلام الناس.

- فصاحة اللفظ؛

تتسم اللغة بجزالة واضحة، ولا سيما في المعجم الذي يستند إلى ألفاظ ذات حمولة تراثية: «مدلهم»، «جديب»، «غيضت»، «الطغيان»، «الخسف»، «الأحشاء»، «الأفانين»، «المشرقين»، «الأساطين».

غير أن بعض التراكيب تحتاج إلى مراجعة لغوية حتى لا تطغى الجزالة على الدقة. فعبارة «الناهشون حلوم الناس زندقة» تبدو محتاجة إلى إعادة تركيب، والأقرب دلالياً: «الناهشون حلومَ الناسِ نهشَ الوحوشِ، زندقةً..»، أو صياغة أخرى بحسب مراد الشاعر.

وكذلك «ساموا العباد» يمكن حملها على معنى أذاقوهم أو أرهقوهم، وهو استعمال فصيح في أصل اللغة، لكنه قد يلتبس على القارئ المعاصر، ولذلك يمكن أن يُدعَم سياقياً.

- الإيقاع والمعمار الصوتي:

تنتظم القصيدة في بناء عمودي، وتبدو في مجموعها أقرب إلى بحر البسيط من حيث الإيقاع العام، مع وجود مواضع تحتاج إلى مراجعة عروضية دقيقة بسبب بعض الزيادات أو الاختلالات في الصياغة. والبحر البسيط ملائم لطبيعة النص؛ إذ يجمع بين الامتداد السردي والحركة الوجدانية.

وتظهر القافية الموحدة في أصوات الياء والنون، مثل: «يسقيني، ترويني، يرضيني، يقصيني، الملايين، المساكين، تنين، ديني، يدميني، الأفانين، الأحايين، التشارين، شراييني، الملايين، يغريني، الأساطين». وهذه النهاية الصوتية تمنح القصيدة وحدة إيقاعية، كما أن الياء والنون تحملان امتداداً صوتياً مناسباً لنبرة الشجن.

- الموسيقى الداخلية وبؤرة التوتر:

تتولد الموسيقى الداخلية من التضاد بين مفردات الألم ومفردات الحياة. ففي النص نجد:

«الشوق - الجرح - الغربة - الظمأ - الدم - المساكين»

في مقابل:

«الأحلام - الزهر - يزهو - الأمل - التاريخ».

وهذا التضاد هو بؤرة التوتر الأساسية؛ فالنص لا يستقر في اليأس، ولا يطمئن إلى الأمل، بل يبقى معلقاً بينهما.

- التكرار والجناس والتوازي:

يظهر التكرار في:

«كم قد شجيتُ بصبرٍ من صدى ألمي

والشجو يأخذ من صبري ويعطيني»

فالتكرار الاشتقاقي بين «شجيت»، «الشجو»، «صبري»، «صبر» يصنع دورة صوتية ودلالية، كأن الألم يستهلك الصبر ثم يعيده في صورة أخرى.

ويبرز التوازي في:

«ينهَلُ من روحي ويسقيني»

وفي:

«جفّت وجافى»

حيث يمنح التقارب الصوتي بين الفعلين إحساسًا بانطفاء الحياة.

كما يبرز الجناس الاشتقاقي بين «الشوق والشجو»، و**«جفّت وجافى»، و«يزهو وزهر»**، وهو جناس يخدم المعنى ولا يأتي مجرد زخرف لفظي.

- الحروف المهيمنة والوقفات والإيقاع النفسي:

تهيمن أصوات النون والياء في القوافي، بينما تبرز أصوات الجيم والشين والضاد والظاء في المقاطع التي تتصل بالألم والجرح، بما يمنحها خشونة صوتية تتناسب مع دلالتها.

أما الوقفات، فتزداد كثافتها في المواضع التي يتحول فيها الشاعر من الوصف إلى الاحتجاج، كما في:

«حتى دجا الخطب والأغرار في بلدي

يعيشون وهمًا بلا عقلٍ ولا دين»

فهنا يتباطأ الإيقاع، وكأن الشاعر يتوقف أمام مشهد الانهيار ليصدر حكماً أخلاقياً وحضارياً.

- البنية الفنية والجمالية:

تقوم القصيدة على أربع حركات كبرى:

الغربة والحنين، ثم تشخيص الخراب، ثم استعادة التاريخ والهوية، وأخيرًا استشراف الحلم.

في الحركة الأولى، يقول:

«عُدْ بي إليكَ وقد غرّبتني زمنًا»

فتظهر الذات بوصفها غريبة عن أصلها.

وفي الحركة الثانية، تتصاعد نبرة الاحتجاج:

«غيضت ضمائر والطغيان فجّرها

وجدًا توغّل في دم المساكين»

فتتحول القصيدة من الغناء الذاتي إلى الشهادة على الواقع.

ثم تأتي صورة النازح:

«يا نازح الدار من أوفاكَ مكرمةً

وأنت تُكشف عن غُرّ الأفانين»

وهنا يصبح النازح رمزاً للإنسان المقتلع من مكانه، وتتحول «الدار» إلى علامة على الوطن المفقود.

ثم يستعيد الشاعر التاريخ:

«كم قد صنعنا وفي التاريخ صورتنا

توحي وتشرق في كل الأحايين»

فتظهر الذاكرة بوصفها مقاومة للنسيان والانكسار.

ويبلغ النص ذروته الإيجابية في:

«إني أحيّي فريدًا في ثرى وطني

ينمو ويسمو إلى أبهى العناوين»

حيث ينتقل المعجم من الجرح إلى النمو والسمو.

ثم تأتي الصورة الجميلة:

«إذ ما يطل على الإحياء في شغفٍ

كالزهر يزهو بطلٍّ في التشارين»

فالزهر هنا رمز للتجدد، والطل رمز للحياة، والتشارين ـ بما تحمله من إيحاءات فصلية ـ تجعل الحياة ممكنة حتى في زمن البرودة والانكماش.

وفي قوله:

«يا ذا المعنّى على قيثارة صدحت

لحنًا تسامى خضيلاً في شراييني»

تتجسد فكرة عنوان الديوان: العزف على الجرح. فالقيثارة هنا ليست آلة موسيقية فحسب، بل استعارة للقصيدة نفسها، والشاعر لا يعزف على أوتار خارجية، وإنما على «شرايينه»، أي إن الشعر يتحول إلى دم داخلي وإلى حياة.

- المقاربة السيميائية:

تتمحور العلامات السيميائية في النص حول أربع كلمات كبرى: الغربة، الجرح، الوطن، الحلم.

فالغربة علامة على الانفصال، والجرح علامة على الذاكرة المؤلمة، والوطن علامة على الأصل، والحلم علامة على المستقبل الممكن.

كما تحضر الكأس والماء والظمأ بوصفها شبكة رمزية واحدة؛ فالشاعر يروي ولا يرتوي:

«روّيتُ فيها وما حنّت لترويني»

وهي صورة تختصر علاقة الذات بالزمن: كلما أعطت، ازداد عطشها.

أما القيثارة واللحن والشرايين فتشكل شبكة رمزية أخرى، تجعل الشعر فعلًا حيوياً، وتجعل القصيدة نفسها جسداً ينزف ويغني في الوقت ذاته.

- المقاربة الذرائعية:

وظيفياً، تؤدي القصيدة دوراً يتجاوز التعبير عن الذات إلى الشهادة والاحتجاج والتحريض على الوعي. فالشاعر يخاطب قارئاً يعيش معه الأزمة نفسها، ويضع أمامه صور الجهل والطغيان والنازحين والضمائر الغائبة.

ومن هنا فإن القصيدة تمارس وظيفة مزدوجة: التطهير الوجداني من جهة، والتحريض الثقافي والأخلاقي من جهة أخرى. وهي لا تكتفي بوصف الألم، بل تستعيد التاريخ لتقول إن الانكسار ليس قدراً أبدياً.

- المقاربة النفسية:

من منظور النقد النفسي، تبدو القصيدة صادرة عن ذات تعيش حالة من الحنين التعويضي؛ إذ تحاول استعادة موضوع فقدته عبر مخاطبته. ويتضح ذلك في الأمر:

«عُدْ بي إليكَ»

فالعودة هنا تعويض نفسي عن الغربة.

كما أن تكرار مفردات الظمأ، الجرح، الدم، الأحشاء، الشوق، الشجو يكشف عن حضور جسدي مكثف للألم. فالمعاناة ليست فكرة مجردة، بل تسكن الجسد: الروح، الدم، الأحشاء، الشرايين.

غير أن النفس الشعرية لا تستقر في العجز؛ إذ تنتقل من الألم إلى آلية التعويض عبر الفن والتاريخ والحلم. ولذلك تصبح القيثارة وسيلة لتحويل الجرح إلى موسيقى، ويصبح الشعر فعل مقاومة نفسية للانهيار.

- رأي نقدي في بعض المقاطع ومواطن الضعف التركيبي:

تمتلك القصيدة صوراً شعرية ذات طاقة رمزية عالية، ولا سيما في مقاطع الكأس والظمأ، والقيثارة والشرايين، والزهر والطل. كما أن الانتقال من الغربة الفردية إلى الجرح الجمعي يمنح النص اتساعاً دلالياً واضحاً.

غير أن بعض المواضع تعاني من تزاحم المعنى والصورة، بحيث تتجاور استعارات متعددة في البيت الواحد دون رابط واضح، كما في مقاطع «مدلهم جديب الطيف مارقه» و«يلوي سوادًا بأحلام الملايين»؛ وهي صور قابلة للتأويل، لكنها تحتاج إلى قدر أكبر من الضبط التركيبي لتصبح أكثر شفافية.

كذلك فإن بعض الألفاظ التراثية، على الرغم من فصاحتها، تبدو أحيانًا مفروضة لخدمة القافية، وهو ما قد يخلق فجوة بين الدلالة والإيقاع. ولذلك فإن المراجعة اللغوية والعروضية لبعض الأبيات ستمنح النص مزيداُ من التماسك، من غير أن تمس جوهر رؤيته.

تقدم قصيدة الدكتور فايز عزالدين تجربة شعرية تتخذ من الجرح لغةً، ومن العزف مقاومةً، ومن الغربة سؤالًا، ومن الوطن حلماً. إنها قصيدة تتحرك بين الذات والتاريخ، وبين الألم والأمل، وتنجح في تحويل التجربة الشخصية إلى خطاب جمعي يلامس مأساة الإنسان العربي في زمن التهجير والاضطراب والانكسار.

وتتمثل قوتها الأساسية في قدرتها على بناء شبكة من الرموز المتداخلة: الكأس والظمأ، الجرح والعزف، النازح والوطن، الزهر والطل، القيثارة والشرايين. كما أن بنيتها الإيقاعية وقافيتها الموحدة تمنحها نبرة غنائية متصلة، بينما يكشف التكرار والجناس والتوازي عن موسيقى داخلية تتلاءم مع طبيعة الرثاء والاحتجاج.

وفي أعمق مستوياتها، تبدو القصيدة محاولة لاستعادة الذات من غربتها؛ ولذلك فإن افتتاحها بالأمر «عُدْ بي إليكَ» يتناظر مع خاتمتها التي تترك «الدهر يبحر في عقل الأساطين». وبين العودة والإبحار تتشكل رحلة النص: رحلة إنسان يبحث عن وطنه، وشاعر يبحث عن معنى، وأمة تبحث عن صورتها في مرآة التاريخ.

إنها، في جوهرها، قصيدة جرحٍ يغني؛ وكلما اشتد النزف، ازدادت الحاجة إلى القيثارة، وكلما اتسعت الغربة، ازداد الشوق إلى العودة. وهنا تتجلى القيمة الجمالية والفكرية الأعمق للنص: أن الشعر، في مواجهة زمن الانكسار، لا يستطيع أن يمحو الجرح، لكنه يستطيع أن يمنحه صوتاً، وأن يحول الألم من صمت قاتل إلى موسيقى تقاوم النسيان.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.......................................

القصيدة..

الدكتور فايز عزالدين..

عُدْ بي إليكَ وقد غرّبتني زمناً

والشوق ينهَلُ من روحي ويسقيني..

هذي الثمانونَ قد دارتْ بغربتنا

رَوّيتُ فيها وما حَنّتْ لترويني..

حتى الكؤوسُ التي عاقرتها ثمِلاً

جَفَّتْ وجافى حُبابٌ كان يرضيني..

ما إنْ نهلتُ من الإصباح أغرقني

عسفُ الجَهالةِ في غيظٍ ويُقصيني..

في مُدلَهمٍّ جديبِ الطيفِ مارقُهُ

يلوي سواداً بأحلام الملايين..

غيضَتْ ضمائرُ والطغيانُ فَجَّرها.

وَجْداً توغَّل في دمِّ المساكين..

الناهشونَ حُلُومَ الناسِ

زندقة

نهشَ الوحوشِ ولا أنيابُ تنين..

كم قد شَجيتُ بصبرٍ من صدى ألمي والشجو

يأخذُ من صبري ويعطيني..

حتى دَجَا الخطبُ والأغرار في بلدي

يعشون وَهمَاً بلا عَقلٍ ولا دين..

ساموا العبادَ- - وما للّه عندهم- -

خسفاً ترنَّحَ باالغُرِّ الميامين..

ماذا نُؤمِّلُ من خيرٍ لذي عَمَهٍ

ما دام نصْلُهُ بالأحشاءِ يُدميني..

يا نازحَ الدَّارِ مَنْ أوفاكَ مكرمةً

وأنتَ تُكشفُ عن غُرِّ

الأفانين..

كم قد صَنَعنَا وفي التاريخ

صورتُنا

توحي وتُشرِق في كلّ الأحايين..

إني أحَيّي فريداً في ثرى وطني

ينمو ويسمو إلى أبهى العناوين..

إذ ما يُطلُّ على الإحيَاءِ في شَغَفٍ

كالزَّهر يزهو بِطَلٍّ في

التشارين..

يا ذا المُعَنَّى على قيثارة صَدَحَتْ

لحناً تسامى خضيلاً في شراييني..

في المشرقين غَدتْ أحلامُنا عِبَراً

تومي وترسفُ في عقل

الملايين..

لم يُغرِ فيها إذا أوهتْ طوالعُها

غيباً ولاتَ بثوبِ الحُلم

تُغريني..

نكبو ونعنو على غبرائنا

وَهَلاً

والدَّهرُ يُبحِرُ في عَقلِ الأساطين..

***

الدكتور فايز عزالدين

من ديوان عزف على الجرح

مطبوعات اتحاد الكتاب العرب..2019

 

قراءة في مجموعة "جرعة واحدة لا تكفي" القصصية لحميد الزاملي

تفتح مجموعة حميد الزاملي القصصية جرعة واحدة لا تكفي على مفارقة تسكن عنوانها قبل أن تسكن نصوصها فما من محاولة واحدة تكفي، لا في الحب ولا في الشفاء ولا في العبور ولا في القول. وكأنّ ثلاثة عشر نصاً اجتمعت لتكتب كلها بلغته الخاصة، والحاشية نفسها على متن واحد مضمونها أن الإنسان كائن يعيد الكرّة، مدفوعاً بيقين هش لا يلبث أن يتصدع فيستدعي جرعة تالية.

صدرت المجموعة عن دار السرد ببغداد عام 2025، وتوزعت نصوصها بين الحب والمرض والسياسة والفقد والانتظار، تجمعها خيوط خفية أشبه بما أسماه نيتشه "العود الأبدي": فكرة أن الفعل الواحد لا يكتمل إلا حين يتكرر إلى ما لا نهاية، وأن كل لحظة تطلب أختها. ويبدو الزاملي عبر هذا التكرار المتنوع الأقنعة أقرب إلى مَن يكتب سيرة الإنسان وهو يعيد الكرّة، لا سيرة الإنسان وهو يصل.Screenshot

تنبثق هذه الفكرة أول ما تنبثق من نص "جرعة واحدة لا تكفي" الذي يقف راويه أمام دار امرأة أحبّها، أرملة مرّتين، تصارع وِرماً استوطن جسدها، وتستقبله ذات مرة بجملة عارية من أي تكلّف: "قلبي معك". تختلط لغة العلاج بلغة العشق حتى يذوب الحد الفاصل بينهما، وتتحول عبارة "أحبك موت" إلى جرعة يقين تتكرر كلما تصدع الشك من جديد، قبل أن تنقلب الحكاية على نفسها في السطر الأخير حين تعترف البطلة بأنها "ممثلة جيدة" اعتراف يعيد كتابة كل ما سبق من ألم بوصفه أداءً، ويترك القارئ معلقاً بين احتمالين لا ثالث لهما: مرضٌ حقيقي أنهكته الوحدة، أو مسرحية أتقنت حبكتها.

وعلى الضفة الأخرى من الجرعة نفسها تنتقل الاستعارة من سرير المرض الفردي إلى خيمة جماعية في نص "أمنية" إذ يتقاطع خبر جرعة كيماوية ثانية مع صوت راوٍ لا يكفّ عن التردد على خيمة شبابية أقيمت قرب ساحة تشرين، فيقول في حوار مع نفسه: "تستحقان الكتابة، ولكن ثمة جدران وأرصفة وأشجار تحتاج إلى إعادة هيبتها". وهكذا يتوازى جسد يقاوم ورمه مع جيلٍ يقاوم يأسه، وتغدو "الأمنية" هي الأخرى جرعة أمل تحتاج تجديداً متكرراً كي لا تذبل على الجدران.

ثم يغادر الزاملي جلد الإنسان إلى جلد الحيوان في نصين اثنين، "لهفة الفئران" و"النمل"، فيمنح الكائنات الصغيرة صوت الجماعات الكبيرة. تتحول مناقشة عابرة بين الفئران، إثر هروب إحداهن نحو قط أبيض، إلى أزمة وجودية يعلّق عليها أحد الحاضرين بجملة تشبه بيان طوارئ: "لم يكن حادثاً عرضياً بسيطاً، بل هو زلزال يهدد مستقبلنا". وفي المقابل، تودّع ملكة النمل مملكتها في موكب منضبط "قرب زهرة الصباح هائلة الحمرة"، رحيلاً لا صخب فيه ولا تردد. وبين فوضى الفئران ونظام النمل، يرسم النصان مرآتين متقابلتين لسلوك الجماعة حين يتحول حادث فرد واحد إلى قضية مصير جماعي.

وما إن يعود الزاملي إلى عالم البشر حتى يفخخه بالشك، ففي "وحدها تجعلني أحلم" تعترف امرأة لمحدّثها: "أنت تشبهه، الفارق الوحيد بينكما هو الأنف"، ليتضح لاحقاً أن مصدر هذا الشبه بطل مسلسل تتابعه كل ليلة، لا وجه حيّ عرفته من قبل، فينكشف الحب حباً بالصورة لا بالجسد.

 وفي "النادل في غفوته" يكفي سؤال عابر من غريب في مقهى: "اسمي جبار، ممكن اتعرف باسمك؟" ليتحول المكان العام إلى مسرح ترقّب لا يهدأ، وكأن الهوية ذاتها صارت مشكوكاً في أصالتها.

وحين يضيق العالم الداخلي يفتح الزاملي نافذة على الرحيل والمواجهة. ففي "مدينة للبيع" يصف راويه وجوهاً مهاجرة تعيش المفارقة ذاتها: "هذه الوجوه تريد التعايش والابتعاد حتى من دون تحديد الطريقة أو الوجهة"، قبل أن تحسم تلك الوجوه أمرها بالعودة "بنفس الحافلة التي جاءت بنا"، في دائرة تشبه دوائر الكتاب كلها. وفي "مغادرة نهائية"، يقتحم زائر غريب سكينة رجل مسنّ بجملة كاشفة: "لقد حدثتني فايزة عنك كثيراً، أنا خالها وكاتم أسرارها"، فتتحول زيارة عابرة إلى استجواب للماضي بأكمله.

وللماء في هذه المجموعة، حصته من المجاز فراوي "الحقيبة" ينتظر على شارع المتنبي وعداً قديماً: "سوف أحمل حقيبة سوداء"، فيما يطفو في ذاكرته طفلٌ غرق يوماً في نهر الغراف. وبطل "دروب الثلج" يفتتح رحلته الجنوبية بجملة مقتضبة: "إنني الآن في الطريق"، هارباً من موت أمه نحو صداقة قديمة تنتظره. أما الشيخ سلمان، في "الشيخ والنهر"، فيكرر كل ليلة النبوءة الحزينة نفسها: "هذه الليلة مرت من دون فائدة"، محدّقاً نحو أفق لا يتغير. وهكذا يتحول النهر، في النصوص الثلاثة، من مجرى ماء إلى مجرى فقدٍ لا يكف عن التدفق.

وبين طرفي العقل والجسد، تقف قصتا "أحلام السدرة" و"الخجل يرقص أحيانا" على مسافة واحدة من الاعتدال. فـ"باقر" بطل الأولى، يلخص فلسفته الساخرة بجملة تشبه وصية: "هنالك حلول غير مرئية، لا يتسع لها العقل"، فيما ينخرط راوي الثانية علناً في معترك الأجواء الراقصة، "متناسياً ولو حين ثوابتي المغلفة بالحشمة والوصايا حتى أقصاها". ويكشف النصان، من زاويتين متقابلتين، الهوة ذاتها بين ما يراد قوله وما يفعل فعلاً.

وخلاصة القول تكتب مجموعة "جرعة واحدة لا تكفي" عبر نصوصها الثلاثة عشر سيرة واحدة للمحاولة المتكررة: جرعة الدواء، وجرعة الحب، وجرعة اليقين، وجرعة العبور، كلها تشترك في عجزها عن الاكتفاء بذاتها. وإذا كان سيزيف يدفع صخرته صعوداً كل مرة من جديد، يدفع أبطال الزاملي جرعتهم، مرة تلو مرة، نحو يقين لا يبلغونه أبداً. وتبقى الجملة الختامية للنص الأول، حين يعترف الراوي بأن "مواعيد السائل الأزرق كانت من الألم الذي لا يقارن"، مفتاحاً لكل ما سبقها ولحقها: فما الكتابة، في نهاية المطاف، سوى جرعة أخرى، ناقصة بدورها، تنتظر قارئاً يكملها.

***

د. هبة قاسم

رواية "الخنافس" للكاتبة العراقية المبدعة سعاد الراعي، تستوقف القارئ منذ صفحاتها الأولى، وتأسره وهو يتنقل بين فصولها التي تتدفق أحداثها وتفاصيلها كما تتقاطر حبات المطر على أزقة الحارة وأركان البيوت وأفنية المساكن.

في هذا الفضاء السردي تبدأ الخنافس غزوها التدريجي للمكان، فتعبث بأمنه، وتكدّر حياة ساكنيه، وتحوّل يومياتهم الهادئة إلى مصدر دائم للقلق والخوف والأذى. وتزداد خطورة المشهد حين تجد هذه الخنافس من يعينها على التمدد والانتشار من أطفالٍ خُدعوا واستُدرجوا ليصبحوا أدوات طيّعة في يد من يخطط للعبث بمصير الحارة وإرهاب أهلها تمهيدًا للهيمنة عليهم وإخضاعهم.

غير أن القراءة المتأنية للنص تكشف سريعًا أن القارئ لا يقف أمام حكاية عن حشرات ضارة فحسب، بل أمام رواية واقعية ذات أبعاد رمزية عميقة، مزجت فيها الكاتبة ببراعة بين الواقع والخيال، ونسجت خيوطهما في بناء سردي متماسك، لتقود المتلقي إلى اكتشاف ما هو أخطر من الخنافس ذاتها؛ إذ تتحول هذه الكائنات الصغيرة إلى رمز لقوى الغزو والهيمنة والتخريب التي تتربص بالأوطان والناس.

وحين تتكاثر الخنافس وتتحول إلى جموع هادرة تقتحم البيوت والدور، تصبح الدار رمزًا للوطن الأكبر، وتغدو الخنافس استعارةً مكثفة لكل قوة غاشمة سعت إلى اقتحام الأرض وانتهاك حرمة الإنسان.

تستدعي الرواية إلى الذاكرة صور الغزو الأمريكي للعراق، كما تستحضر مشاهد اجتياح تنظيم داعش للمدن والقرى التي استباحها بالعنف والدمار.

وفي كلا الحالين، لا يأتي الخطر من الخارج وحده، بل يجد له دائمًا من الداخل من يهيئ له الطريق ويمنحه أسباب التمدد. ففي الوجه الظاهر للنص يشارك الأطفال الخنافس مشروعها التخريبي من حيث لا يدركون، بينما تتسع الدلالة الرمزية لتشمل بعض القوى السياسية والمحلية والمرجعيات العشائرية وحواضنها الاجتماعية التي انساقت وراء مشاريع الغزو والتبعية حتى «فاح منها عفن الصفقات» وتماهت مع أهداف المعتدين ومصالحهم.

ومن هنا يجد القارئ نفسه في مواجهة متعددة الوجوه؛ فهو تارةً يقاوم الخنافس بوصفها حشرات مؤذية، وتارةً أخرى يواجه جنديًا أمريكيًا يحمل مشروع الاحتلال، وتارةً ثالثة يقف في مواجهة داعشي يقتحم البيوت والمدن بملامحه السوداء وأفكاره الظلامية. وفي جميع تلك الصور تتكرر مشاهد الدم المسفوح والعنف الوحشي وما تخلفه الصراعات من خراب ودمار وتمزق إنساني.

إلا أن الرواية، شأنها شأن كثير من أعمال سعاد الراعي، لا تستسلم لعتمة المشهد أو لسطوة الشر. فوسط الركام والدماء تبرز شخصيات إنسانية حالمة بحياة أفضل، تؤمن بقيم الخير والجمال، وتسعى إلى صناعة السعادة لنفسها ولمن يشاركها المكان والوطن والمصير. شخصيات تناضل وتقاوم بإرادة نبيلة وإصرار عنيد، وترفض الخضوع للذل والانكسار، وتواجه الموت والعنف دفاعًا عن كرامتها وحقها في الحياة.

وفي خضم هذا الصراع المحتدم، ورغم كثرة الضحايا وما تخلّفه قوى الشر من دمار وآفات، تنحاز النتيجة النهائية إلى أصحاب الوعي والتضامن، وإلى أولئك الذين يتمسكون بالأرض والحق، ويقفون في مواجهة الظلم والطغيان والفساد. فالإرادة الجمعية الواعية تصبح السلاح الأقدر على دحر الغزاة وكشف مخططاتهم وإعادة الأمور إلى نصابها.

وعلى هذا الأساس تتحول الأحداث العاصفة التي اجتاحت الحارة في زمن الخنافس والدواعش والأمريكيين إلى صفحات من الماضي. وتنجح التجربة المريرة في إيقاظ من التبس عليه الأمر، أو انساق خلف مشاريع الغزو والتخريب، أو وقف موقف اللامبالاة تجاهها؛ فتدفعه إلى مراجعة مواقفه واستعادة إنسانيته والتخلي عن الأدوار المشينة التي فُرضت عليه أو اختارها لنفسه.

إنها رواية تبوح بأكثر مما يظهر في سطورها، وتفتح أمام القارئ آفاقًا واسعة للتأويل والتفكير. تبدأ بحكاية تبدو بسيطة عن غزو الخنافس، لكنها تنتهي إلى أسئلة كبرى تتصل بالوطن والهوية والاحتلال والذاكرة والمصير الإنساني.

لهذا يمكن تصنيف "الخنافس" ضمن أدب المقاومة بامتياز؛ ذلك الأدب الذي أعادت سعاد الراعي التذكير بأهميته وحضوره، ما دام الصراع قائمًا بين قوى الهيمنة وإرادة الشعوب في البقاء. فالأعداء لا يأتون دائمًا في هيئة جيوش جرارة أو دبابات مدججة بالسلاح، بل قد يتسللون في هيئة خنافس سوداء صغيرة تبدو للوهلة الأولى عديمة الخطر، لكنها ما إن تتكاثر وتتجمع حتى تتحول إلى جيوش خفية قادرة على تهديد الوجود نفسه.

ومن هنا تأتي الرسالة العميقة للرواية: لا تستهِن بما يبدو صغيرًا أو هامشيًا، ولا تغفل عن مقدمات الخطر مهما بدت محدودة؛ لأن المستهدف الحقيقي ليس المكان وحده، بل الإنسان وذاكرته وهويته وتاريخه وحقه في البقاء. فالمعركة ليست معركة أرض فحسب، بل معركة وجود، تمتد لتطال الذاكرة كما تطال الحاضر، وربما تصل إلى القبور ذاتها، في زمنٍ تُستباح فيه الأوطان وتُهجَّر الشعوب من بيوتها، كما نشهد اليوم في غزة ولبنان وسواهما من بقاع العالم.

إنها، في جوهرها، رواية عن المقاومة بوصفها فعلًا أخلاقيًا وإنسانيًا، وعن التشبث بالحق بوصفه الشرط الأول للبقاء.

تستدعي هذه الرواية إلى الذاكرة ما خطّه الشاعر اليمني الكبير عبد الله البردوني قبل أكثر من نصف قرن في قصيدته الخالدة الساخرة "فظيعٌ جهلُ ما يجري"؛ تلك القصيدة التي تجاوزت حدود النقد السياسي المباشر لتتحول إلى رؤية استشرافية نافذة، كشفت مبكرًا وجوه الاستعمار المتجددة وأساليبه الماكرة في التسلل إلى المجتمعات من أبواب تبدو بريئة وآمنة.

فقد أدرك البردوني، ببصيرته الشعرية الثاقبة، أن الغزاة لم يعودوا يأتون دائمًا على صهوات الجيوش أو خلف فوهات المدافع، بل قد يتسللون عبر تفاصيل الحياة اليومية؛

"غزاة اليوم كالطاعون

يخفي وهو يستشري

غزاة لا أشاهدهم

وسيف الغزو في صدري

فظيع جهل ما يجري

وأفظع منه أن تدري"

ومع صفحات رواية "الخنافس"، يبدو للقارئ وكأنه يقف أمام تحققٍ سردي لتلك النبوءة الشعرية التي أطلقها البردوني. فالخنافس الزاحفة في الرواية ليست مجرد كائنات تقتحم البيوت والحارات، بل رموز لقوى التسلل والتخريب التي تتوارى خلف الأقنعة، وتعمل بصبر وخفاء حتى تفرض حضورها وتبسط نفوذها على المكان والإنسان.

سعاد الراعي لا تكتفي بكشف الأقنعة وتمزيق الزيف، بل تدعو إلى الوعي بالفعل، وإلى الاستعداد للمواجهة، ومساءلة القوى التي تتخفى وراء الشعارات البراقة والمظاهر الخادعة، بعدما انكشفت حقيقتها وتبددت أوهامها.

إنها رواية تضع القارئ أمام أسئلة كبرى تتصل بالوطن والذاكرة والهوية والمصير، وتؤكد أن أخطر الغزوات ليست تلك التي تقتحم الحدود فحسب، بل تلك التي تنفذ إلى العقول والضمائر من الداخل. لذا تبدو «الخنافس» عملًا أدبيًا جديرًا بالقراءة والتأمل، ونصًا سرديًا يستحق الثناء والتقدير؛ لما ينطوي عليه من أبعاد رمزية عميقة، وما يثيره من وعي نقدي تجاه أشكال الهيمنة القديمة المتجددة في صور جديدة.

***

قراءة للكاتب صباح كنجي

هامبورغ / المانيا

معجم الطِّيب عند العرب، دقّة التسمية وبلاغة التفريق بين الألفاظ

قراءة في فقه اللغة عند الثعالبي واللغويين، وإضاءة على منهجي البصريين والكوفيين

ليست اللغة العربية، في جوهرها العميق، مجرد وسيلةٍ لتسمية الأشياء، وإنما هي نظامٌ دقيقٌ لرؤية العالم وتصنيف موجوداته، حتى ليغدو اختلاف اللفظ أحيانًا شاهدًا على اختلافٍ خفيٍّ في الهيئة أو الصفة أو الحال أو طريقة الاستعمال. ومن هنا نشأت في العربية ظاهرةٌ لغوية بالغة الثراء، هي التفريق بين الأسماء بحسب دقائق المعاني؛ فربما كان الشيء واحدًا في جنسه العام، ثم تتعدد أسماؤه بتعدد أوصافه وأحواله وطرائق تناوله.

ويظهر هذا الثراء بجلاء في معجم الطِّيب والعطر عند العرب؛ إذ لم تكن كلمة «الطيب» عندهم اسمًا جامعًا يُغني عن سائر الأسماء، بل كان عالمًا لغويًا واسعًا تتشعب فيه الألفاظ بحسب المادة والهيئة والرائحة وطريقة الإعداد والاستعمال. ولذلك نجد في كتب فقه اللغة والمعاجم القديمة تمييزًا بين أنواع الطيب، فيُسمّى بحسب كونه مائعًا أو يابسًا، أو بحسب كونه مسحوقًا مدقوقًا، أو بحسب طريقة تحضيره وتركيبه.

ومن الألفاظ التي تَرِد في هذا الباب المِلَاب للطيب المائع، والكَبْسُولَة أو ما يذكر في بعض الروايات بلفظ الكَبَاء للطيب اليابس، والأَلَنْجُوج لما يُدقّ ويُسحق من الطيب. ومهما اختلفت الروايات المعجمية في ضبط بعض هذه الألفاظ أو تحديد مجالها الدقيق، فإن القيمة اللغوية التي تكشفها هذه التسمية واحدة: أن العربية كانت تنظر إلى الشيء من خلال حالته لا من خلال جنسه المجرد وحده.

فالعطر، في التصور اللغوي العربي، ليس مادةً عطرية وحسب؛ بل هو مادةٌ لها هيئةٌ، والهيئة لها اسم، وطريقةُ الإعداد لها اسم، والكيفية التي يصل بها أثرُها إلى الحواس قد تكون مدخلًا إلى تسمية أخرى. وهنا تتجلى عبقرية العربية في قدرتها على الانتقال من التسمية العامة إلى التحديد الدقيق، ومن الكل إلى أجزائه، ومن الجنس إلى النوع، ومن النوع إلى الصفة.

- الثعالبي وفقه التسمية:

يأتي أبو منصور الثعالبي في مقدمة علماء العربية الذين أولوا هذه الظاهرة عنايةً خاصة، ولا سيما في كتابه الشهير «فقه اللغة وسر العربية»، حيث يتجلى مشروعه في جمع الفروق الدقيقة بين الألفاظ، وإبراز ما تنفرد به العربية من ثراءٍ في تسمية الأشياء بحسب أحوالها وخصائصها.

والثعالبي لا يتعامل مع الألفاظ بوصفها مترادفات متطابقة تمامًا، بل يرى أن وراء كل لفظة خصوصيةً دلالية، وأن الفروق بين الأسماء قد تكون نابعةً من اختلافٍ في الصفة أو الهيئة أو الدرجة أو الحال. ومن هنا فإن الحديث عن أسماء الطيب عند العرب ليس مجرد استعراضٍ لألفاظٍ غريبة، وإنما هو مثالٌ حيٌّ على ما يمكن أن نسميه «الهندسة الدلالية للغة العربية»؛ إذ تتوزع الألفاظ في شبكةٍ دقيقة، لكل اسمٍ فيها موضعه ووظيفته.

فحين يُقال إن للطيب المائع اسمًا، ولليابس اسمًا، ولما يُدق اسمًا، فإن اللغة لا تكرر الشيء نفسه بثلاثة ألفاظ، وإنما تعيد تصوير الشيء في ثلاث حالات وجودية مختلفة. فالاختلاف هنا ليس في المادة بالضرورة، وإنما في التحول الذي يطرأ عليها.

وهذا هو جوهر فقه اللغة عند الثعالبي: أن اللغة لا تكتفي بأن تقول لك «ما هذا؟»، بل تجيبك أيضًا عن سؤالٍ أكثر دقة: «على أي حالٍ هو؟»

- من الطيب إلى المِلَاب والكَبْسُولَة والأَلَنْجُوج:

إذا أخذنا الألفاظ الواردة في هذا الباب مثالًا، أمكن أن نرى كيف تعمل العربية على تفريع المعنى الواحد إلى حقولٍ جزئية.

فالطيب المائع، في التسمية التي نُقلت، هو المِلَاب؛ والطيب اليابس هو الكَبْسُولَة، أو ما يُذكر بلفظ الكَبَاء في بعض المصادر؛ أما الطيب الذي يُدقُّ ويُسحق فهو الأَلَنْجُوج.

وهذه الألفاظ، على اختلافها، تكشف أن العرب كانوا يربطون الاسم بخصائص المحسوس ربطًا وثيقًا؛ فاللغة هنا لا تنظر إلى الرائحة منفصلةً عن المادة، بل تجمع بين الحاسة والمادة والهيئة وطريقة التهيئة.

وهذه الدقة ليست ترفًا لغويًا؛ لأن الإنسان القديم كان أكثر التصاقًا بالعالم المحسوس، وكانت الأشياء تدخل في حياته من خلال تفاصيلها الدقيقة. ولذلك كان من الطبيعي أن تتسع اللغة للألوان والروائح والأصوات والأنواع والدرجات، وأن تمنح كل حالةٍ من حالات الشيء اسمًا يميزها عن غيرها.

ولعل هذا يفسر لنا لماذا كانت كتب اللغة القديمة حافلةً بما قد يبدو للقارئ الحديث ألفاظًا غريبة أو مهجورة؛ فهذه الألفاظ ليست بقايا معجمية بلا وظيفة، وإنما هي شواهد على عالمٍ لغوي كان أكثر قدرةً على التقاط الفروق الدقيقة في التجربة الإنسانية.

هل كانت العربية ترى الترادف تطابقًا؟

هنا نصل إلى مسألةٍ لغوية كبرى، هي قضية الترادف، وهي من المسائل التي اختلف فيها علماء العربية قديمًا وحديثًا.

فقد ذهب فريقٌ من اللغويين إلى إمكان وجود ألفاظ متعددة لمعنى واحد، ورأوا أن العربية واسعةٌ في الترادف، وأن تعدد الأسماء للشيء الواحد من خصائص ثرائها. ويظهر هذا الاتجاه في كتب جمع الألفاظ والصفات، وفي أعمال علماء مثل الثعالبي وغيرهم.

لكن فريقًا آخر رأى أن ما يبدو ترادفًا تامًا قد يخفي وراءه فروقًا دقيقة؛ فالألفاظ المتقاربة في المعنى قد تختلف في السياق أو الدرجة أو الاستعمال أو الإيحاء. ومن هنا جاءت عناية طائفة من علماء العربية بما يسمى الفروق اللغوية، ومحاولتهم الكشف عن الفاصل الدقيق بين الألفاظ المتشابهة.

ومن هذه الزاوية، فإن أسماء الطيب مثالٌ بالغ الدلالة؛ فليس من الضروري أن تكون المِلَاب والكَبَاء والأَلَنْجُوج أسماء مترادفة ترادفًا مطلقًا، بل قد يكون كل اسم منها ناظرًا إلى حالةٍ مخصوصة من أحوال الطيب.

وهنا تتجلى قيمة المنهج الثعالبي: ليس كل تعدد في الألفاظ تكرارًا للمعنى، بل قد يكون تعدد الألفاظ نتيجةً لتعدد زوايا النظر إلى المعنى الواحد.

- البصريون والكوفيون: منطق القياس والسماع:

أما إذا انتقلنا إلى موقف النحاة البصريين والكوفيين، فإننا ندخل إلى مسألة أوسع من أسماء الطيب، وهي مسألة مصادر الاحتجاج اللغوي ومناهج بناء القاعدة.

فقد عُرف الاتجاه البصري بعنايةٍ شديدة بالقياس، والاحتراز في قبول الشواهد، والبحث عن القاعدة المطردة التي يمكن أن تنتظم تحتها الظواهر اللغوية. وكان البصريون أكثر تشددًا في الاحتجاج بما لا يثبت عندهم من كلام العرب، وأميل إلى بناء النظام النحوي على أصولٍ كلية منضبطة.

أما الكوفيون فكانوا أوسع روايةً وأميل إلى قبول المسموع من كلام العرب، وأقل تضييقًا في الاحتجاج باللغات واللهجات المختلفة، ولذلك اتسع عندهم مجال الاستشهاد بالنوادر والشواذ وما ورد عن قبائل العرب، ما دام له أصل في السماع.

غير أن هذه المقابلة لا ينبغي أن تُفهم على أنها قطيعةٌ مطلقة بين المدرستين؛ فالبصريون لم يهملوا السماع، والكوفيون لم يهجروا القياس، وإنما كان الاختلاف بينهما في درجة الاعتماد على كل مصدر وحدود الاحتجاج به.

وهذا التفريق مهم عند الحديث عن الألفاظ المعجمية النادرة؛ لأن اللفظ الغريب لا يصبح صحيحًا لمجرد وروده في رواية واحدة، كما أن ندرته لا تعني بالضرورة بطلانه. وإنما يُنظر في مصدره، ورواياته، وضبطه، وشواهده، واستعمال العرب له.

ومن هنا يمكن القول إن البحث في ألفاظ مثل المِلَاب والكَبَاء والأَلَنْجُوج ينتمي أساسًا إلى مجال المعجم وفقه اللغة أكثر مما ينتمي إلى النحو بمعناه الاصطلاحي. فالنحاة البصريون والكوفيون كانوا معنيين أساسًا بنظام التركيب والإعراب والقياس والسماع، بينما كان فقهاء اللغة وأصحاب المعاجم أوسع عنايةً بتصنيف الأشياء وأسمائها وخصائصها.

فقه اللغة: حين تصبح الأشياء أبوابًا إلى اللغة:

إن أعظم ما تكشفه هذه الظاهرة أن فقه اللغة العربي لم يكن علمًا للفظ وحده، بل كان علمًا للعلاقة بين اللفظ والعالم.

فالعرب سمّوا الأشياء بحسب ألوانها، وروائحها، وأصواتها، وأشكالها، وأحجامها، وطرائق استعمالها، ومراحل تحولها. ولذلك اتسع معجمهم اتساعًا مذهلًا؛ لأن الحياة نفسها كانت تُرى بعينٍ دقيقة، وكان لكل فرقٍ محسوسٍ أو معنوي احتمالٌ في أن يجد له مكانًا في اللغة.

وفي هذا السياق يصبح كتاب الثعالبي «فقه اللغة وسر العربية» سجلًا مهمًا لهذه الحساسية اللغوية؛ إذ يقدم لنا صورةً عن عقلٍ لغوي لا يكتفي بالعام، بل يبحث عن الخاص، ولا يرضى بالجنس إذا كان النوع ممكنًا، ولا بالنوع إذا كانت الصفة قابلةً لأن تكون عنوانًا للتسمية.

وهذه هي قيمة فقه اللغة في أعمق معانيه: أن يعلّمنا كيف كانت العربية تنظر إلى الأشياء، لا كيف كانت تسميها فحسب.

- اللغة ذاكرة الحضارة:

إن الألفاظ التي تبدو اليوم غريبة، مثل أسماء الطيب وأدواته وهيئاته، تحمل في داخلها جزءًا من ذاكرة الحضارة العربية. فحين تختفي الكلمة من التداول، لا يختفي لفظٌ فحسب، بل يوشك أن يختفي معه عالمٌ من التجربة والمعرفة.

إن كلمةً واحدة قد تختصر طريقةً في صناعة العطر، أو هيئةً في استعماله، أو مادةً كانت شائعةً في زمنٍ مضى. ولذلك فإن حفظ هذه الألفاظ ليس ضربًا من الحنين إلى الغريب والمهجور، بل هو حفظٌ لجزء من الذاكرة الثقافية والأنثروبولوجية للغة.

ومن هنا تبدو عناية الثعالبي وأمثاله من فقهاء اللغة ذات قيمة تتجاوز حدود المعجم؛ لأنهم لم يجمعوا الكلمات لمجرد الجمع، بل حفظوا من خلالها طرائق العرب في إدراك العالم وتصنيف الموجودات.

إن أسماء الطيب عند العرب تفتح لنا بابًا واسعًا إلى سرٍّ من أسرار العربية: أن اللغة كلما ازدادت دقةً في تسمية الأشياء، ازدادت قدرةً على صيانة الفروق التي يصنعها العقل والحس والتجربة.

فالطيب عند العرب ليس كلمةً واحدة تنتهي عند معناها العام، وإنما عالمٌ تتعدد فيه الأسماء بتعدد الأحوال؛ فالمائع له تسمية، واليابس له تسمية، والمدقوق له تسمية، كما تتعدد الأسماء بحسب المادة والرائحة وطريقة الإعداد والاستعمال.

وفي هذا تتجلى عبقرية العربية التي أدركها فقهاؤها الأوائل، وأبرزهم الثعالبي، حين جعلوا من الفروق الدقيقة بين الألفاظ موضوعًا للبحث والتأمل. كما أن اختلاف البصريين والكوفيين في طرائق الاحتجاج يعلّمنا أن الحكم على اللفظ لا ينفصل عن منهج النظر في اللغة: أهو سماعٌ أم قياس؟ أهو مطّرد أم نادر؟ أهو فصيحٌ ثابت أم روايةٌ تحتاج إلى تثبّت؟

وهكذا فإن فقه اللغة ليس علمًا للماضي وحده، بل علمٌ لفهم العقل الذي صنع اللغة؛ وحين نتأمل ألفاظًا قليلة التداول، كأسماء الطيب، فإننا لا نستعيد كلماتٍ من معجمٍ قديم فحسب، بل نستعيد طريقةً كاملة في النظر إلى العالم، حيث كان الإنسان العربي يرى في اختلاف الهيئة اختلافًا في الاسم، وفي اختلاف الاسم اختلافًا في المعنى، وفي دقة المعنى دقةً في الوجود نفسه.

ولعل أعمق أسرار العربية أن الأشياء عندها لا تُسمّى فقط بما هي عليه، بل بما تكون عليه؛ فالمادة إذا تغيّرت حالها تغيّر اسمها، وإذا تغيّرت صفتها تغيّرت دلالتها، وإذا دقّت الفروق بين الموجودات اتسعت اللغة لتحتضنها. ومن هنا كان معجم الطيب صورةً مصغّرةً من عبقرية العربية الكبرى: لغةٌ ترى التفاصيل، ثم تمنح كل تفصيلٍ اسمه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

من الصفاء النوعي إلى الفضاء الهجين

مدخل: أزمة الحدود لا أزمة الشعر

حين يوضع مفهوم "الجنس الأدبي" تحت المجهر النقدي المعاصر، يتكشف أنه ليس تصنيفاً بريئاً بقدر ما هو سلطة؛ سلطة تراثية رسّخت للقصيدة حدوداً صوتية وإيقاعية ودلالية، ثم جاءت الحداثة الشعرية العربية لتخترق هذه الحدود لا عبثاً، بل استجابة لأزمة تعبيرية عميقة: كيف يقول الشاعر ما لم يعد الوزن الخليلي وحده قادراً على استيعابه؟

التداخل الأجناسي - وهو مصطلح أدق من "تداخل الأنواع" لأنه يشير إلى تصدّع الجنس من الداخل لا إلى مجاورة أنواع متجاورة - ليس ظاهرة شكلية طارئة، بل هو عرَض بنيوي لتحوّل في مفهوم الذات الشاعرة نفسها؛ ذات لم تعد تكتفي بالغنائية الخالصة، فراحت تستدعي السرد لتؤرّخ، والدراما لتُحاور، والمقالة لتُفكّر، والتشكيل البصري لتُجسّد.

أولاً: الإطار النظري - من باختين إلى جينيت

لا يمكن مقاربة هذه الظاهرة من دون استحضار ميخائيل باختين الذي فكك مفهوم "نقاء الجنس" عبر مصطلح "التهجين" (hybridization)، مبيّناً أن كل نص هو في جوهره حوار بين أصوات وخطابات متعددة. وقد استثمر النقد العربي هذا المفهوم - وإن بتأخر - عبر قراءات كمال أبو ديب وكمال خير بك، اللذين ربطا التداخل الأجناسي بمفهوم "الانزياح" لا بوصفه خرقاً لغوياً فحسب، بل خرقاً بنيوياً للجنس ذاته.

أما جيرار جينيت في "أطراس" (Palimpsestes)، فقد قدّم أداة إجرائية أخصب: التعالي النصي (transtextualité) بأنواعه الخمسة، وهي أداة تسمح لنا أن نفرّق - وهذا تمييز غالباً ما يُهمَل في الدراسات العربية - بين التناص (استحضار نص داخل نص) والتداخل الأجناسي (استحضار منطق جنس أدبي كامل: قواعده، عقده، أفق انتظاره، داخل جنس آخر).

ثانياً: القصيدة تستدرج السرد

الأنموذج الغربي: من بودلير إلى باتريشيا سمارت

حين كتب شارل بودلير "سأم باريس" (Le Spleen de Paris، 1869)، لم يكن يكتب "نثراً شاعرياً" بالمعنى الزخرفي الشائع عربياً، بل كان يهجّن جنساً كاملاً: أخذ من القصيدة كثافتها الاستعارية، ومن الحكاية بنيتها الزمنية المتتابعة، ومن المقالة نبرتها التأملية الساخرة. النص عنده لا يُقرأ كـ"شعر متنكر في زي نثر"، بل كصيغة ثالثة لا تُختزل إلى أصليها.

في اتجاه أكثر تطرفاً، تقدّم آن كارسون الكندية في "سيرة ذاتية للأحمر" (Autobiography of Red، 1998) أنموذجاً بالغ الدلالة: رواية كاملة، بشخصياتها وحبكتها المستمدة من أسطورة جريون، مكتوبة بالكامل شعراً حراً. هنا لا يتسلل السرد إلى القصيدة، بل تُستعمَل القصيدة كوسيط ناقل لجنس الرواية بأكمله - وهذا أقصى درجات التداخل: أن يتنازل الجنس عن هويته الإجرائية بينما يحتفظ بجسده اللغوي.

الأنموذج العربي: درويش وأدونيس والحكاية المُقصَّدة

في القصيدة العربية، يمثّل محمود درويش في "لماذا تركتَ الحصان وحيداً" (1995) و"جدارية" (2000) الذروة الأكثر نضجاً لهذا التهجين. فـ"جدارية" ليست قصيدة تأمل في الموت وحسب، بل هي رحلة سردية بمنطق الملحمة: هبوط إلى العالم السفلي، مواجهات، تحولات، وعودة - لكنها رحلة لا تخضع لزمنية الحكاية الخطية، بل لزمنية الحلم واللاوعي، فتظل القصيدة قصيدة بالرغم من استعارتها للهيكل السردي الملحمي.

أما أدونيس في "كتاب التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل" (1965)، فيذهب في اتجاه مغاير: لا يستعير حبكة بل صوتاً سردياً متعدد الرواة، تتنازعه أقنعة المتصوف والمتنبي والمهاجر، في تقنية أقرب إلى "تعدد الأصوات" الروائي منها إلى المونولوج الغنائي التقليدي.

ثالثاً: القصيدة تستدرج الدراما

يقدّم ت. س. إليوت في "الأرض الخراب" (The Waste Land، 1922) أنموذجاً تأسيسياً: تعدد الأصوات المسرحية (تريسياس، الملكة، عامل الحانة) لا يُقدَّم كسرد بل كـحوار مقطوع، تتكسر فيه وحدة الصوت الغنائي لصالح بنية أقرب إلى المشهد المسرحي المفكك زمنياً ومكانياً.

وفي المقابل العربي، يبرز صلاح عبد الصبور في "مأساة الحلاج" (1965) بوصفه أول من فجّر الحدود بين الشعر المسرحي والقصيدة الغنائية عربياً بجدية بنيوية لا زخرفية: الحلاج عنده لا يتكلم بلسان شخصية درامية محايدة، بل بلسان شاعر متقنّع يستدرج القارئ من التلقي الدرامي (المشاهدة) إلى التلقي الغنائي (المشاركة الوجدانية) في اللحظة نفسها.

وقد استعاد قاسم حداد هذا المنحى في "الجواشن" (1998)، حيث يتحول النص إلى مقاطع أقرب إلى "مونودراما" داخلية، لا يوجد فيها متلقٍّ مسرحي متخيَّل بل مرآة الذات وحدها.

رابعاً: القصيدة تستدرج المقالة والتأمل الفلسفي

هنا يكمن أحد أكثر أشكال التداخل التباساً، لأنه أقرب إلى الاختراق منه إلى الاستعارة. بول فاليري في "المقبرة البحرية" مزج التأمل الميتافيزيقي بالبناء الشعري الصارم من دون أن يفقد النص كثافته الإيقاعية.

عربياً، يقدّم وديع سعادة في "رجل في هواء مستعمل" و"ليس عندي ما أقوله.  فقط أريد أن أتكلم" أنموذجاً مغايراً تماماً: نصوصه أقرب إلى "شذرة فلسفية" منها إلى "قصيدة"، إذ يتخلى تقريباً عن الصورة الشعرية المكثفة لصالح جملة تأملية عارية، فيغدو النص معلّقاً بين القصيدة والمقالة الفلسفية القصيرة، من دون أن يستقر في أيٍّ منهما - وهذا بالضبط ما يجعله أنموذجاً خالصا للتداخل بمعناه الباختيني: التوتر لا الانصهار.

كذلك يذهب بسام حجار في مجاميعه المتأخرة إلى صياغة "قصيدة-يوميات"، تستعير من جنس اليوميات نثريته وتوقيته اليومي، بينما تحتفظ بكثافة الشعر واقتصاده اللغوي.

خامساً: حين يتداخل الشعر مع البصري - أمثلة الكاليغرام

لا يكتمل الحديث عن التداخل الأجناسي من دون الإشارة إلى بعده البصري، حيث استلهم شعراء عرب تجربة غيوم أپولينير في "كاليغرامات" (1918)، التي جعلت شكل الحرف على الصفحة جزءاً من الدلالة لا زخرفاً هامشياً. في العربية، ذهب سركون بولص أحياناً، وبقوة أكبر تجارب "قصيدة الفراغ" لدى بعض شعراء التسعينات، إلى معاملة البياض والفراغ الطباعي بوصفه علامة دالة تستدعي منطق الفن التشكيلي داخل الجسد الشعري.

خاتمة: التداخل بوصفه مأزقاً معرفياً لا حلاً تقنياً

الخلاصة الأخطر التي ينبغي أن تفضي إليها هذا المقاربة النقدية هي أن التداخل الأجناسي في القصيدة العربية الحديثة ليس ترفاً تجريبياً، بل هو ترجمة بنيوية لأزمة الذات العربية الحديثة ذاتها: ذات مشظّاة بين الحكي (الحاجة إلى التأريخ الذاتي والجمعي)، والدراما (الحاجة إلى تعدد الأصوات في مجتمع يصادر صوت الفرد)، والتأمل الفلسفي (الحاجة إلى تجاوز الوصف نحو المعنى).

وحين نضع الأنموذج الغربي - من بودلير إلى كارسون - إلى جانب الأنموذج العربي - من درويش إلى سعادة - يتكشف فارق جوهري لا ينبغي إغفاله: التهجين الغربي غالباً ما يبدأ من ترف شكلي (كسر التوقع الجمالي)، بينما التهجين العربي غالباً ما يبدأ من ضرورة وجودية (البحث عن صوت يقول ما تعجز القصيدة "النقية" عن قوله في زمن الهزيمة والمنفى والتفتت). وهذا، ربما، هو السبب الأعمق في أن القصيدة العربية الحديثة لم تعد "تتزيّن" بالسرد أو الدراما أو الفلسفة، بل باتت تحتاجها لتبقى شعراً أصلاً.

***

الأستاذة الباحثة آمال بن الطاهر

ليس الألمُ في الشعر مُجرَّد شكوى، ولا هو انكسار عابر أمام قسوة الحياة، بلْ هو قيمة إنسانية تتجاوز حدودَ الفرد لتصبح لغةً كَونية يتعرَّف فيها الإنسان إلى ذاته.

وعندما نقرأ تجربة الشاعر الإيراني أحمد شاملو (1925-2000)، وتجربة الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس (1909 - 1990)، نجد أنفسَنا أمام شاعرَيْن لَم يكتبا عن الألم بوصفه نهاية، وإنما بوصفه بداية جديدة للكرامة الإنسانية. لقد كان الألم عندهما طريقًا إلى الحرية، وكانت الكبرياء هي الوجه الآخَر للجِراح، حتى بدا شِعرهما أشبه بسيرة الإنسان وهو يقاوم الانكسارَ دون أن يفقد إنسانيته.

وُلد شاملو في إيران، وعاش زمنًا مضطربًا امتلأ بالاستبداد والرقابة والسجون، فكانت حياته امتدادًا لصراعه معَ السُّلطة والقمع. أمَّا ريتسوس فقد وُلد في اليونان، وعانى الفقر، وفقدَ أفرادًا من أسرته، ثم عاش سنوات طويلة من الاعتقال والنفي بسبب مواقفه السياسية.

وعلى الرغم من اختلاف الجغرافيا واللغة والثقافة، فإنَّ القَدَرَ جمع بين الشاعرَيْن في تجربة إنسانية واحدة، هي تجربة الإنسان الذي يحاول أن يحمي روحه من السقوط وسط عالم يزداد قسوة.

في شِعر شاملو لا يظهر الألم باكيًا أو متوسلًا، بل يقف شامخًا كجبل يرفض أن تهزمه العواصف. كان الشاعرُ يؤمن بأنَّ الإنسان يُولَد حُرًّا، والكلمة هي السلاح الأخير الذي لا تستطيع السجون مصادرته.لذلك جاءت قصائده مفعمة بالإيمان بقدرة الإنسان على تجاوز العتمة. إنه لا يُمجِّد المعاناةَ لذاتها، بل يمنحها معنى، ويُحوِّلها إلى قوة روحية تصنع الأملَ.

حِين يكتب عن الحُب، يبدو الحُب مقاومة، وحين يكتب عن الوطن، يصبح الوطنُ حُلْمًا أخلاقيًّا لا مُجرَّد حدود جغرافية، وحين يكتب عن الموت، يتحوَّل الموت إلى امتحان لكرامة الإنسان، وليس نهاية وجوده.

أمَّا ريتسوس، فقد حمل الألمَ بطريقة مختلفة. إنه شاعر التفاصيل الصغيرة التي تتحوَّل إلى رموز كُبرى. في قصائده قد نجد نافذةً، أو حجرًا، أو شجرة زيتون، أو امرأة عجوزًا تنتظر ابنها، لكن هذه الصور البسيطة تتَّسع لتحتضن مأساة وطن بأكمله. لقد استطاع أن يجعل الأشياءَ اليومية تنطق بالحزن والكبرياء في آن واحد، وكأن الطبيعة نفسها تشارك الإنسانَ مقاومته. كان يؤمن بأنَّ البطولة الحقيقية ليست في الانتصارات الصاخبة، بل في القدرة على الاستمرار رغم الخسارات المتكررة.

يلتقي الشاعران عند نقطة جوهرية،وهي أنَّ الألم لا يسلب الإنسانَ كرامته،وإنما يكشف عنها. كلاهما يرفض صورة الضحية المستسلمة، ويُقَدِّم الإنسانَ بوصفه كائنًا قادرًا على الوقوف بعد كُلِّ سقوط. لهذا لا نجد في قصائدهما يأسًا مطلقًا، بل نجد حزنًا عميقًا يَحمل في داخله بذورَ الرجاء. إنهما يَعلمان أنَّ الليل طويل، لكنهما لا يتوقفان عن انتظار الفجر.

من أبرز ملامح كبرياء الألم عند شاملو أنه يمنح الإنسانَ مكانة تتجاوز كُلَّ سُلطة. السُّلطة قد تمتلك السلاحَ والسجن والمنفى، لكنها لا تستطيع أن تمتلك الضميرَ. لهذا تبدو قصائده كأنها خطاب دائم إلى الإنسان الحُر، تدعوه إلى عدم المساومة على كرامته مهما كانت التضحيات.

أمَّا ريتسوس، فيجعل الكبرياءَ أكثر هدوءًا وأقل صخبًا، فهو لا يصرخ كثيرًا، لكنه يزرع في كُلِّ صورة شعرية إحساسًا خفيًّا بأنَّ الإنسان أقوى من جلاده، وأنَّ الزمن سيُنصِف الذين صبروا.

يختلف الأسلوب الفني بين الشاعرَيْن، وإن اتفقَ الهدف الإنساني. شاملو يميل إلى اللغة العالية ذات الإيقاع الداخلي والصور الواسعة التي تمتزج فيها الأسطورةُ بالتاريخِ والواقع، فتبدو قصيدته أشبه بنشيد إنساني كبير. أمَّا ريتسوس، فيختار الاقتصادَ اللغوي والرمز الهادئ، فيصنع من الكلمات القليلة عوالم كاملة من الدلالات. وإذا كان شاملو يشبه النارَ المُتَّقدة التي تواجه الريحَ، فإنَّ ريتسوس يشبه الجذورَ العميقة التي تتحدى العواصفَ بصمتها.

والحُب عند الشاعرَيْن ليس تجربة شخصية ضيقة، بل قيمة معرفية تقاوم العنفَ. الحبيب عند شاملو قد يتحوَّل إلى صورة للوطن أو الحرية، والمرأة عند ريتسوس تصبح أحيانًا رمزًا للأرض أو الذاكرةِ أو الأملِ الذي لا يموت. وهكذا يمتزج الخاص بالعام، ويتحوَّل الشعورُ الفردي إلى وجدان جَماعي يشعر به كُلُّ قارئ، مهما اختلفتْ لغته أو ثقافته.

أدركَ الشاعران أنَّ الشعر لا يُغَيِّر العالَمَ بالسلاح، لكنَّه يُغَيِّر الإنسانَ الذي يصنع العالَمَ. لذلك لَم يكن هدفهما تسجيل الأحداث بِقَدْرِ ما كانا يسعيان إلى حماية المعنى الإنساني من الضياع. فكلُّ قصيدة عندهما هي محاولة لإنقاذ شيء من النُّور وسط الظلام، وقطرة من الكرامة وسط بحر الإهانة، وصوت من الحرية وسط ضجيج القمع.

ومِن هُنا فإنَّ كبرياء الألم عند شاملو وريتسوس لَيست موقفًا عاطفيًّا عابرًا، بلْ فلسفة وجود كاملة. إنها فلسفة تؤمن بأنَّ الإنسان لا يُقَاس بعدد انتصاراته، وإنما بقدرته على الحفاظ على إنسانيته في أشد لحظات الانكسار. وهذا ما جعل شِعرهما يتجاوز حدودَ إيران واليونان، ليصبح جزءًا من التراث الإنساني العالمي. والقارئ لا يَرى فيهما شاعرَيْن فقط، بل يَرى صورةَ الإنسان الذي يرفض أنْ يُهْزَم من الداخل.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

دراسة نقدية منهجية في البنية البلاغية والأسلوبية والسيميائية والذرائعية والنفسية في شعر لميس الرحبي

تنهض قصيدة «قمرٌ من جهة هاشم» للشاعرة لميس الرحبي على تجربة شعرية مركبة، تتقاطع فيها بنية المديح النبوي مع الرؤية الصوفية، ويتداخل فيها التاريخ بالسيرة، والرمز بالأسطورة، والمرئي بالغائب، والذاكرة الجمعية بالتجربة الذاتية. وهي قصيدة لا تتعامل مع الشخصية المحمدية بوصفها موضوعًا خارجيًّا للمدح، بل تجعل منها مركزًا إشعاعيًا تتولد حوله شبكة واسعة من العلامات والدلالات؛ فالنور، والغار، والماء، والصحراء، والهدهد، والغمامة، وشق الصدر، وأم معبد، والخبز، واليُتم، كلها تتحول إلى وحدات سيميائية تتضافر لتشكيل صورة شعرية للرسول محمد صلى الله عليه وسلم تتجاوز حدود السرد التاريخي إلى أفق رمزي وإنساني شامل.

ومن هنا فإن قراءة القصيدة قراءة أحادية المنهج لا تكفي لاستنفاد طاقتها الدلالية؛ لأن النص يشتغل في مستويات متراكبة: بلاغية تستثمر الاستعارة والكناية والتشبيه والمفارقة، وأسلوبية تشتغل على الانزياح والتكرار والتوازي وبناء الجملة، وسيميائية تجعل من النور والماء والصحراء والغار علامات ذات حمولة ثقافية وروحية، وذرائعية تنظر إلى النص بوصفه فعلًا تواصليًّا له مقصدية وتأثير في المتلقي، ونفسية تكشف عن انتقال الشاعرة من الرؤية الخارجية إلى التماهي الوجداني، ومن البحث عن صورة الحبيب إلى اكتشاف حضوره في الذات.

إن العنوان نفسه، «قمرٌ من جهة هاشم»، يشكل العتبة الأولى التي تستدعي التأويل. فالقمر علامة النور والجمال والهداية، لكنه نور غير مباشر، نور يستمد إشراقه من مصدر أعلى، وهو بذلك يكتسب في السياق النبوي دلالة تتجاوز الوصف الجمالي إلى معنى الهداية والرحمة. أما «جهة هاشم» فتربط هذا النور بالنسب والتاريخ والبيت الهاشمي، فينشأ من تركيب العنوان انتقال دلالي من النور الكوني إلى النور النبوي، ومن المجرد إلى التاريخي، ومن الرمز إلى المرجع.

تنهض قصيدة «قمرٌ من جهة هاشم» على بنيةٍ شعريةٍ تستعيد السيرة النبوية لا بوصفها مادةً تاريخيةً مغلقة، ولا باعتبارها سرداً لمناقبَ محفوظة، وإنما بوصفها أفقاً روحيّاً وجماليّاً مفتوحاً على التأويل؛ إذ تحوّل الشاعرة لميس الرحبي الذاكرة الدينية إلى طاقة شعرية تتفاعل فيها الأسطورة بالرمز، والتاريخ بالمخيال، والمرئي بالغائب، حتى يغدو النبي صلى الله عليه وسلم في القصيدة مركزاً لنظامٍ كونيّ تتقاطع عنده الأرض والسماء، والماء والصحراء، والنور والظلمة، واليُتم والكفالة، والجوع والإشباع، والخوف والأمان.

ومنذ العنوان، «قمرٌ من جهة هاشم»، تضع الشاعرة المتلقي أمام صورةٍ مركّبة ذات كثافة رمزية؛ فالقمر ليس مجرد استعارة للجمال أو النور، بل هو علامة على الهداية والظهور والاهتداء، في حين تحيل «جهة هاشم» إلى النسب المحمدي وإلى ذلك الامتداد الهاشمي الذي تتصل فيه السلالة بالرسالة، والأصل بالفرادة، والتاريخ بالنبوة. وهكذا يغدو العنوان نفسه عتبةً تأويلية تختصر جوهر القصيدة: نورٌ يخرج من جهةٍ بشرية، لكنه يتجاوز حدود البشر، فيتحول الشخص إلى علامة، والعلامة إلى أفق، والأفق إلى معنى يتجاوز الزمان والمكان.

وتتأسس القصيدة على استدعاء كثيف للمرجعيات القرآنية والسيرية والتراثية؛ فبلقيس، والصرح الممرد، والهدهد، والغار، وجبريل، وأم معبد، وابنا الذبيحين، ودلدل، وشق الصدر، والغمامة، كلها لا تظهر بوصفها إحالات زخرفية، بل تدخل في نسيج القصيدة لتؤدي وظيفةً بنائيةً في تشكيل صورة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بوصفه نقطة التقاء للمعجزات والرموز والأنوار. إن الشاعرة لا تروي السيرة من خارجها، بل تدخل إلى جوهرها عبر الذاكرة الشعرية، فتعيد تركيب أحداثها ضمن مشهد رؤيوي تتجاور فيه الأزمنة، وتتداخل فيه الوقائع، حتى يبدو التاريخ نفسه كأنه يُعاد خلقه في لحظة شعرية واحدة.

ولعل أبرز ما يلفت في هذه التجربة أن الشاعرة لميس الرحبي تشتغل على منطق الرؤية لا منطق الحكاية. فالمتكلم لا يقف موقف الراوي الذي ينقل ما حدث، وإنما يقف موقف الشاهد المتأمل الذي يحاول أن يرى ما يتجاوز حدود الرؤية. تقول: «وقفتُ كبلقيسٍ وصَرْحٌ مُمَرَّدٌ /  أمامي وفوقي هدهدٌ يتأوّلُ»؛ وفي هذا التركيب يتأسس موقع الذات الشعرية بوصفها ذاتاً مأخوذةً بالمشهد، واقفةً على تخوم الكشف، تستعير من بلقيس دهشة الوقوف أمام المجهول، ومن الهدهد فعل التأويل. إن الهدهد هنا لا ينقل خبراً فحسب، بل يتأوّل، وهذه الكلمة بالذات تمنح القصيدة مفتاحها المعرفي؛ فالنص كله قائم على محاولة تأويل النور، والغياب، والحضور، والغار، والرسالة، والمعجزة.

ومن ثمّ، فإن النور يمثل المحور الرمزي الأبرز في القصيدة؛ فهو نورٌ «صاعد» ونورٌ «نازل»، نورٌ يشقّ الباب، ويكشف الوجوه، ويضيء ما وراء المحسوس. وفي هذه الثنائية يتحول النور إلى حركة بين السماء والأرض، بين العلو والتجسد، بين المصدر والمظهر. ولذلك فإن سؤال الشاعرة: «وما السرُّ في النور الذي كان صاعداً؟ /  وما السرُّ في النور الذي كان ينزلُ؟» ليس سؤالًا للاستفهام المباشر بقدر ما هو سؤالٌ ميتافيزيقيّ عن طبيعة الحضور النبوي، وعن العلاقة بين الوحي والمتلقي، وبين السماء والأرض. إن القصيدة، في جوهرها، لا تبحث عن إجابة بقدر ما تُبقي المعنى في حالة من التوهج والسؤال.

ويُلاحظ كذلك أن الشاعرة توظف المفارقة الشعرية توظيفاً عميقاً في بناء صورة النبي العربي الأميّ محمد صلى الله عليه وسلم؛ فهو «يتيمٌ بلا ظهرٍ ويكفل أمةً»، وهي مفارقة تختصر انقلاب المقاييس الإنسانية المعتادة: من فقد السند إلى أن يصبح سنداً، ومن اليتم إلى الكفالة، ومن الحاجة إلى منح العالم معنى الاكتفاء. وهنا يتحول اليُتم من حالة نقص إلى مقدمة للرسالة، ويتحول الحرمان الشخصي إلى قدرة على احتضان الجماعة الإنسانية. إنها مفارقة تتجاوز بعدها العاطفي لتؤسس رؤيةً فلسفيةً للنبوة، حيث لا تُقاس العظمة بما يملكه الإنسان من أسباب القوة، وإنما بما يستطيع أن يمنحه للآخرين من معنى ورحمة وهداية.

وتتجلى في القصيدة أيضاً شعرية المكان المقدس؛ فالماء، والصحراء، والغار، والبيت، والباب، والسماء، ليست أمكنةً محايدة، بل فضاءات تتحول بفعل الحضور إلى كائنات حية. الصحراء، مثلًا، ليست مجرد جغرافيا قاحلة، بل فضاء انتظار وتيه، سرعان ما يستعد للاخضرار. والغار ليس مجرد مكان اختباء، بل فضاء ناقص بالحضور ومكتمل به، ولذلك يأتي السؤال اللافت: «وما الغار؟ ما معنى حضورك ناقصٌ؟ /  وما الغار؟ ما معنى حضورك يُكملُ؟». وهنا يبلغ المكان ذروة رمزيته؛ إذ يصبح الغار نفسه معلقاً بين الغياب والحضور، بين العزلة والتجلي، وبين الإنسان والرسالة.

أما على المستوى الإيقاعي، فتستند القصيدة إلى موسيقى البحر الطويل بما يمتلكه من امتداد نفسٍ شعري يسمح للشاعر ببناء الجملة الملحمية، واستيعاب التدفق السردي والتأملي معاً. وقد أسهمت القافية الموحدة في منح النص نبرةً إنشاديةً متصلة، تتناسب مع طبيعة الموضوع الاحتفائي والروحي، فيما تتوالى الأفعال والصور في حركة تصاعدية تجعل القصيدة أقرب إلى ترتيلة شعرية طويلة تتقدم من المشهد إلى الرؤية، ومن الرؤية إلى السؤال، ومن السؤال إلى المحبة.

غير أن القيمة الأعمق في القصيدة تكمن في انتقالها التدريجي من الموضوعي إلى الذاتي؛ فبعد أن تبني الشاعرة عالمها من الرموز والإشارات والأحداث، تنتهي إلى الاعتراف الصريح بالمحبة: «فيا خير من بالخير جاء محمّلًا /  حنانَيك، إني شاعرٌ أتدلّلُ». وهنا تتعرى الذات من كل وسائطها البلاغية، لتعلن أن المعرفة التي سعت إليها القصيدة منذ بدايتها ليست معرفةً تاريخيةً بقدر ما هي معرفة قلبية قوامها المحبة. لذلك تأتي الخاتمة بوصفها ذروة وجدانية للنص: إذا كانت العين لا تبصر النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلا عبر الرواية، فإن القلب يمتلك طريقاً آخر إلى الجمال؛ طريقاً لا يقوم على المشاهدة الحسية، وإنما على التخييل والمحبة والتصديق.

ومن اللافت أن الشاعرة لميس الرحبي تختم بمفارقة بلاغية بين «المُسنَد» و«المُرسَل»: «فإن حديث الحب في القلب مسندٌ /  وإن حديث الحب في العين مرسلُ»؛ وهي خاتمة تجمع بين لغة الحديث ولغة العشق، وتمنح القصيدة شرعيتها الداخلية: فالحب، في قلب الشاعرة، ليس دعوى عابرة، بل له «إسناد» وجداني، بينما ما تراه العين يظل «مرسلًا» بلا سند يقيني. وبذلك تتحول القصيدة من محاولة لرؤية النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى محاولة لإثبات حضوره في القلب؛ من الرؤية بالعين إلى الرؤية بالبصيرة.

إن «قمرٌ من جهة هاشم» قصيدة في النور قبل أن تكون قصيدة في السيرة، وفي المحبة قبل أن تكون قصيدة في المدح، وفي سؤال الحضور قبل أن تكون استعادةً للماضي. إنها تجربة شعرية تحاول أن تجعل من السيرة فضاءً حيّاً تتجدد فيه الدلالة كلما أعاد القارئ النظر إليها. وقد استطاعت الشاعرة أن نشيد عالماً تتجاور فيه المرجعيات الدينية والتراثية مع الحس الصوفي والخيال الشعري، وأن يجعل من شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم مركزاً إشعاعياً تتوزع منه معاني الرحمة والهداية والأخلاق والجمال.

ولذلك يمكن القول إن القصيدة تنتمي إلى تقليد المديح النبوي، لكنها لا تكتفي بتكرار أنماطه الموروثة؛ إذ تسعى إلى تحديث التجربة من داخلها، عبر بناء قصيدة رؤيوية ذات أسئلة فلسفية، وصور مركبة، وإحالات متداخلة، وحركة دلالية تبدأ من الصحراء وتنتهي بالقلب، ومن الظلمة إلى النور، ومن اليُتم إلى الكفالة، ومن السؤال إلى المحبة. ولعل هذا ما يمنحها خصوصيتها؛ فهي لا تقول فقط: إن النبي محمد صلى الله عليه نورٌ يُهتدى به، بل تجعل القارئ يعيش رحلة البحث عن ذلك النور، ويتلمس أثره في المكان والزمان والإنسان، حتى ينتهي إلى الحقيقة الأعمق: أن بعض الحضور لا تُدركه العين، لأن موطنه الأول والأخير هو القلب.

والقصيدة، في بنيتها العميقة، تتحرك من المكان إلى الشخص، ومن الشخص إلى الأثر، ومن الأثر إلى السؤال، ومن السؤال إلى المحبة. تبدأ من «الماء» و«الصحراء» و«الليل»، ثم تدخل إلى فضاء البيت والباب والنور، ثم تستحضر الغار والمعجزات والسيرة، ثم تنتهي في أعمق مواضع الذات: القلب. وكأن المسار الداخلي للنص هو مسار صوفي من الخارج إلى الداخل، ومن الجغرافيا إلى الروح.

وتكتسب القصيدة بعداً إنسانيّاً معاصراً حين تتجاور فيها صورة النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع مفردات الخوف والأم واليُتم والجوع، فيتحول المديح من تمجيد تاريخي إلى استحضار لقيم الرحمة والكفالة والإشباع والأخلاق. ومن هنا يمكن قراءة القصيدة، ضمن أفقها الرمزي، بوصفها استعادةً لصورة المرأة والأم والطفل والمقهور، وهي صور تتقاطع بصورة عميقة مع الذاكرة الإنسانية، لا بوصف القصيدة نصّاً سياسيّاً مباشراً، وإنما بوصفها نصّاً يستدعي الأم الخائفة، والطفل، والجوع، والتيه، والخبز، واليُتم، والنجاة؛ وهي جميعاً مفردات تتجاوب مع التجربة الإنسانية الحديثة.

أولًا: مكانة لميس الرحبي في الشعر العربي المعاصر:

تتقدم تجربة لميس الرحبي في هذه القصيدة ضمن مسار الشعر العربي المعاصر الذي أعاد النظر في علاقة القصيدة بالتراث الديني والتاريخي. فهي لا تستعيد التراث استعادةً تقريرية، ولا تتعامل معه بوصفه مخزونًا جاهزًا من الصور، بل تعيد إنتاجه شعريّاً عبر التخييل وإعادة تركيب العلامات.

إن خصوصية التجربة هنا تتمثل في القدرة على الجمع بين الموروث والحداثة؛ فالموروث حاضر في المرجعيات، بينما الحداثة تظهر في طريقة بناء الصورة وفي الأسئلة التي يطرحها النص وفي انتقاله من اليقين إلى التأمل. ولذلك لا تأتي السيرة في القصيدة بوصفها حكاية مكتملة، بل بوصفها مادة قابلة لإعادة القراءة.

وتظهر الشاعرة، من خلال النص، شاعرةً ذات حسٍّ رؤيوي؛ فهي لا تكتفي بذكر المعجزة، بل تسأل عن معناها، ولا تكتفي باستحضار الغار، بل تبحث عن دلالة الحضور والغياب فيه:

وما الغارُ؟ ما معنى حضورُكَ ناقصٌ؟

وما الغارُ؟ ما معنى حضورُكَ يُكْمِلُ؟

وهذا السؤال يختصر طبيعة تجربتها؛ إذ تتحول السيرة من مادة معرفية إلى سؤال وجودي.

ومن هذه الزاوية يمكن وضع القصيدة في سياق المديح النبوي المعاصر الذي يسعى إلى استعادة الشخصية المحمدية بوصفها رمزاً أخلاقيّاً وإنسانيّاً، لا مجرد موضوع تعبدي. فالرسول محمد صلى الله عليه وسلم في النص هو الذي «يُكفّل أمة»، ويطعم الجائع، ويعيد للأخلاق سر بقائها، ويجعل من اليُتم بدايةً للكفالة.

ثانياً: مناسبة القصيدة وعلاقتها بالمرأة المؤمنة:

تستمد القصيدة مادتها الظاهرة من السيرة النبوية، غير أن بنيتها العميقة تسمح بقراءة موازية تستحضر المرأة بوصفها مركزاً للذاكرة والرحمة والاحتضان.

تتجلى هذه الدلالة خصوصاً في قول الشاعرة:

هُنا خائفٌ يشكو وأمٌّ تُزَمِّلُ

فالأم هنا ليست شخصية عابرة، بل علامة على الخوف والحماية معاً. إنها تحضر في لحظة يلتقي فيها الضعف بالحاجة إلى الأمان. ومن الممكن أن تتقاطع هذه الصورة مع صورة المرأة الفلسطينية التي تحمل طفلها في فضاء الحرب والنزوح، وتحاول أن تصنع من جسدها وطناً صغيراً يحمي أبناءها.

ثم تأتي صورة «أمنا»:

وكانَ يشُقُّ البابَ عن وجهِ أمِّنا

ضياءٌ وعن وجهِ الحبيبِ تهلُّلُ

إن «أمنا» هنا تتجاوز مدلولها المباشر، لتصبح رمزًا للأمومة الجامعة. وهي دلالة يمكن أن تُقرأ في ضوء صورة الأم الفلسطينية والسورية واللبنانية التي تتحول إلى ذاكرة جماعية، تحمل أبناءها وتحمل معها عبء التاريخ.

كما تتصل مفردات:

خائفٌ

أمٌّ

يتيمٌ

خبزُ التنانير

أشبعَ من لا شيء

ببنية الذاكرة المعاصرة، حيث تتجاور صور الطفل والأم والجوع والخبز واليُتم.

وهنا تتجلى ذرائعية النص؛ إذ إن الشاعرة لا تستدعي السيرة لمجرد الاحتفاء، بل تجعل من القيم التي تحملها السيرة رسالة أخلاقية معاصرة: أن الرحمة قادرة على مواجهة الخوف، وأن الخبز فعل مقاومة للجوع، وأن الكفالة فعل مقاومة لليُتم، وأن الأخلاق ليست ترفًا، بل ضرورة لبقاء الإنسان.

ثالثاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

١. سلامة اللغة:

تتميز لغة القصيدة عموماً بسلامة الفصحى ووضوح المعجم، مع اعتماد تراكيب تراثية تتناسب مع طبيعة الموضوع. وتنتظم المفردات في حقول دلالية متجاورة:

١- حقل النور: الضوء، الهالة، جبريل، النور، ضياء، تهلل.

٢- حقل الماء: الماء، لجة، تبلل.

٣- حقل الصحراء: صحراء، الرمل، التيه، المفازات.

٤- حقل الأمومة: أمنا، أم، تزمل.

٥- حقل الجوع: خبز، التنانير، أشبع.

٦- حقل الروح: صلاة، تسبيح، هدى، الأخلاق.

وهذا التوزيع المعجمي لا يأتي اعتباطًا، بل يخلق شبكةً من التضادات: الماء/ الصحراء، النور/ الظلمة، الخوف/ الأمان، اليُتم/ الكفالة، الجوع/ الإشباع، الغياب/ الحضور.

٢. بنية الأسلوب:

يقوم الأسلوب على المزج بين السرد والوصف والحوار والاستفهام.

فالسرد يظهر في:

قرأتُ خُطى نعلَيهِ حتى توسعتْ

مداركُ حسّي، واستفاضَ التأمُّلُ

والوصف في:

تفصّدَ عن مثلِ الجمانِ جبينُهُ

ويجري على الخدّينِ ماسٌ وسلسلُ

والحوار الداخلي في:

لماذا تهزُّ الكونَ رعشةُ قارئٍ

ويهدأُ ذاتُ الكونِ حينَ يرتّلُ؟

أما الاستفهام فيمنح النص بعدًا فلسفيًّا وتأمليّاً.

رابعاً: الانزياح اللغوي والتركيبي:

تتأسس جمالية النص على انزياحات عديدة، منها:

«الماء الذي يتبتل»

إذ أُسند التبتل إلى الماء، وهو انزياح يجعل الطبيعة ذات حسٍّ روحي.

وكذلك:

«كان للموت أرجل»

فالْموت يتحول من مفهوم مجرد إلى كائن يتحرك ويمشي.

وفي:

«قرأتُ خُطى نعلَيه»

يتحول الأثر البصري إلى نص قابل للقراءة، فتغدو الخطى كتابةً، ويغدو المشي خطاباً.

أما:

«حسبتُ الرمل ماءً ولُجّة»

فهو انقلاب إدراكي يجعل الصحراء قابلة للتحول إلى ماء، بما يرمز إلى انقلاب العالم تحت تأثير الحضور النبوي.

خامساً: فصاحة اللفظ:

تعتمد الشاعرة ألفاظاً ذات جرس عربي فصيح، مثل:

المفازات، التِّيه، الجمان، الغار، التنانير، التهلّل، التسبیح، الهُدى.

وتتسم هذه الألفاظ بطاقة تراثية تعزز انتماء القصيدة إلى فضاء السيرة والمديح النبوي.

كما أن ألفاظًا مثل:

«الجمان»

«ماس»

«سلسل»

تمنح الصورة طابعًا بصريًّا، بينما تمنح:

«تبتل»

«تسبيح»

«رتّل»

الصورة بعداً سمعيّاً وروحيّاً.

سادساً: الإيقاع والمعمار الصوتي:

١. البحر الشعري والتفعيلات:

تنتظم القصيدة في بناء خليلي ذي نفس طويل، وتقترب أبياتها من البحر الطويل الذي يلائم طبيعة المديح والسرد والرؤية التأملية.

والطويل بطبيعته الإيقاعية يمنح الشاعرة مجالاً واسعاً لبناء الجملة الممتدة، وهو ما ينسجم مع حركة القصيدة التي تتنقل بين الوصف والسرد والاستفهام.

٢. الموسيقى الداخلية:

تنشأ الموسيقى الداخلية من تضافر:

التكرار.

الجناس.

التوازي.

التقابل.

تكرار الأصوات.

المدود الصوتية.

ففي:

«وما السرُّ في النور الذي كان صاعدًا؟

وما السرُّ في النور الذي كان ينزلُ؟»

يتشكل إيقاع داخلي قائم على التوازي التركيبي.

وفي:

«ما الغار؟ ما معنى حضورك ناقصٌ؟

وما الغار؟ ما معنى حضورك يكملُ؟»

يؤدي التكرار وظيفة موسيقية ودلالية في آن.

٣. التكرار

التكرار في القصيدة ليس حشوًا، بل هو إيقاع نفسي.

يتكرر:

ما السر؟

ثم:

ما الغار؟

ثم:

ومن شق صدر الطفل؟

ثم:

ومن منهما كان الذي يتظلل؟

ثم:

ومن مر بالتاريخ؟

ثم:

ومن علّم الأخلاق؟

إن هذا التتابع الاستفهامي يصنع تصعيداً معرفيّاً، وكأن الشاعرة تنتقل من سؤال المعجزة إلى سؤال التاريخ، ثم إلى سؤال الأخلاق.

٤. الجناس:

تظهر بعض مظاهر التجانس الصوتي في:

«صاعدًا /  ينزل»

وفي:

«مسند /  مرسل»

حيث لا يقوم التقابل على المعنى وحده، بل يتكئ على التقارب الصوتي والإيقاعي.

والخاتمة:

«حديث الحب في القلب مسندٌ

وإن حديث الحب في العين مرسل»

تستثمر المعجم الحديثي لتمنحه وظيفة وجدانية، فتتحول مصطلحات الإسناد والإرسال من مجال علم الحديث إلى مجال الحب.

٥. التوازي:

يبلغ التوازي ذروته في:

«وما السر في النور الذي كان صاعدًا؟

وما السر في النور الذي كان ينزلُ؟»

ثم:

«ما الغار؟ ما معنى حضورك ناقصٌ؟

وما الغار؟ ما معنى حضورك يكملُ؟»

إن التوازي هنا يحول السؤال إلى بنية إيقاعية ثابتة، ويخلق حالة من الترقب.

٦. الحروف المهيمنة:

يهيمن في القصيدة صوت اللام، وهو صوت متكرر في القافية: «يَهْطُلُ، أرجلُ، يتأولُ، يشعلُ، تتشكلُ، تتغلغلُ».

كما تحضر أصوات النون والميم والراء بكثافة، وهي أصوات تمنح القصيدة طابعًا إنشاديًّا رخيمًا، بينما تزداد الأصوات الحلقية والصامتة في المقاطع التي تتناول الغار والخوف والتيه.

٧. الوقفات والإيقاع النفسي:

تتوزع الوقفات وفق تحولات التجربة:

المشهد الأول: إيقاع انتظار.

قريباً من الماء... والليل يهطلُ

المشهد الثاني: إيقاع الكشف.

فوق الضوء جبريل يشعلُ

المشهد الثالث: إيقاع التأمل.

مدارك حسي واستفاض التأملُ

المشهد الرابع: إيقاع السؤال.

لماذا تهز الكون رعشة قارئ؟

المشهد الخامس: إيقاع الاعتراف.

فيا خير من بالخير جاء محملًا

المشهد الأخير: إيقاع الحب.

فإن حديث الحب في القلب مسندُ

وهكذا يتحول الإيقاع من الخارج إلى الداخل، ومن المشهد إلى الوجدان.

سابعاً: البنية الفنية والجمالية:

تقوم القصيدة على أربعة أقسام كبرى:

القسم الأول: العتبة والرؤيا

قريبًا من الماء الذي يتبتلُ

على بعد صحراءين والليل يهطلُ

يبدأ النص من مشهد كوني: ماء، صحراء، ليل. وهي عناصر تشكل فضاءً من التوتر بين الحياة والموت.

القسم الثاني: النور والكشف:

على الباب حراس، على البيت هالة من الضوء

فوق الضوء جبريل يشعلُ

هنا ينتقل النص من الأرض إلى السماء، ومن العتمة إلى النور.

القسم الثالث: السؤال والتأويل:

لماذا تهز الكون رعشة قارئ؟

في هذا القسم يتحول النص إلى قصيدة أسئلة، ويصبح السؤال نفسه أداة معرفة.

القسم الرابع: الحب والاعتراف:

فيا خير من بالخير جاء محملًا

حنانَيك، إني شاعرٌ أتدلّلُ

تنتهي الرحلة بالرغبة في القرب، وينتقل الخطاب من التأمل إلى المحبة.

ثامناً: القراءة السيميائية:

يمكن اختزال النظام السيميائي للقصيدة في مجموعة من الثنائيات:

العلامة الدلالة:

القمر الهداية والجمال

الماء الحياة والتطهر

الصحراء التيه والانتظار

الليل الغياب

النور الحضور والكشف

الغار العزلة والتجلي

الباب العبور

الخبز الحياة والإشباع

اليُتم الفقد

الكفالة التعويض والرحمة

القلب موضع اليقين

وتتضح العلاقة بين هذه العلامات في المسار:

الليل - النور

الصحراء -  الماء

التيه -  الهداية

اليُتم -  الكفالة

الجوع -  الإشباع

الغياب -  الحضور

العين -  القلب

وهذا المسار يمثل البنية العميقة للقصيدة.

تاسعاً: القراءة الذرائعية:

من منظور ذرائعي، فإن القصيدة لا تكتفي بإنتاج المعنى، بل تسعى إلى إحداث أثر في المتلقي.

ويتجلى ذلك في الأسئلة المتتابعة:

لماذا تهز الكون رعشة قارئ؟

إن القارئ هنا ليس متلقيًا سلبيًّا، بل يدخل في التجربة؛ إذ يصبح فعل القراءة ذاته جزءًا من المعنى.

كما أن الخطاب:

فيا خير من بالخير جاء محملًا

ينقل النص من الوصف إلى النداء، ومن السرد إلى المشاركة الوجدانية.

وتكمن الوظيفة التداولية الأساسية للقصيدة في استعادة القيم: الرحمة، والأخلاق، والكفالة، والإشباع، والهداية.

ومن ثم فإن النص يؤدي وظيفة إقناعية وجدانية، لا عبر الخطاب المباشر، وإنما عبر بناء عالم شعري يجعل المتلقي يتذوق القيمة قبل أن يتلقاها بوصفها فكرة.

عاشراً: القراءة النفسية:

من منظور النقد النفسي، يمكن قراءة القصيدة بوصفها انتقالاً من الافتقاد إلى التعلق، ومن الغياب إلى الحضور، ومن البحث إلى الاطمئنان.

فالذات الشعرية تبدأ في فضاء:

الصحراء

الليل

التيه

الخوف

ثم تتحرك نحو:

النور

الماء

الخبز

الكفالة

الحب

وهذا الانتقال يكشف عن بنية نفسية عميقة قوامها البحث عن الأمان الرمزي.

وتأتي صورة:

«يتيمٌ بلا ظهرٍ ويكفل أمةً»

لتختزل هذه البنية؛ إذ يتحول اليُتم من تجربة فقد إلى قوة احتضان.

وفي الخاتمة تقول الشاعرة لميس الرحبي:

«إذا العين لم تبصرك إلا روايةً

فقد صح في قلبي الجمال المسلسل»

وهنا يبلغ التماهي النفسي ذروته؛ فالعين تعجز، لكن القلب يعوض العجز. إن المحبة تصبح وسيلة إدراك بديلة عن الرؤية.

حادي عشر: المرأة في البنية النفسية والرمزية للقصيدة:

تحضر المرأة في النص بوصفها علامة للحماية والرحمة والاحتضان:

«وأمٌّ تزملُ»

ثم:

«عن وجه أمنا»

وهذه الصورة تحمل دلالة مزدوجة: فهي من جهة تستحضر الأمومة في السيرة، ومن جهة أخرى تفتح إمكاناً تأويليّاً معاصراً يجعل المرأة حافظةً للوجود في لحظات الانهيار.

وفي القراءة المتصلة بالمرأة الفلسطينية واللبنانية والسورية، تصبح الأم صورةً للإنسان الذي يحمل أعباء التاريخ في جسده، ويحاول أن يحمي الحياة في قلب الموت.

وهنا تتقاطع القصيدة مع تجربة المرأة لا عبر التصريح السياسي، وإنما عبر المشترك الرمزي: الأم، الطفل، الخوف، اليُتم، الجوع، الخبز، والنجاة.

ثاني عشر: الخلاصة النقدية:

تكشف قصيدة «قمرٌ من جهة هاشم» عن تجربة شعرية ذات بنية مركبة، استطاعت فيها لميس الرحبي أن تنقل المديح النبوي من مستوى الثناء التقليدي إلى مستوى الرؤية والتأويل والسؤال.

فهي قصيدة تبدأ بـ:

الماء والصحراء والليل

وتنتقل إلى:

البيت والباب والنور

ثم إلى:

الغار والسيرة والمعجزة

ثم إلى:

اليُتم والكفالة والأخلاق

وأخيراً تصل إلى:

القلب والحب.

وهذا المسار هو جوهر معماريتها الفنية.

إن الشاعرة لا تبحث عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم في التاريخ وحده، بل تبحث عن أثره في الإنسان؛ ولذلك فإن النور في القصيدة ليس ضوءاً فحسب، والغار ليس مكاناً فحسب، والخبز ليس طعاماً فحسب، واليُتم ليس حالة اجتماعية فحسب؛ كل ذلك يتحول إلى علامات على رحلة الإنسان من الفقد إلى المعنى.

وعلى المستوى البلاغي، نجحت القصيدة في بناء صورها عبر الاستعارة والتشخيص والتشبيه والمفارقة. وعلى المستوى الأسلوبي، أسست بنيتها على التكرار والتوازي والاستفهام والانزياح. وعلى المستوى السيميائي، شيدت نظاماً من العلامات المتقابلة التي تنتهي إلى مركز واحد هو النور. وعلى المستوى الذرائعي، جعلت من الشعر فعلًا تواصليًّا يستهدف الوجدان ويستدعي المتلقي إلى المشاركة. وعلى المستوى النفسي، كشفت عن ذات تبحث عن الحضور في الغياب، وعن الرؤية في المحبة، وعن الطمأنينة في التعلق.

ولعل أجمل ما تنتهي إليه القصيدة هو أن العين، مهما امتلكت من قدرة على الرؤية، تظل محدودة بحدود الحس، بينما يستطيع القلب أن يبني حضوراً لا يحتاج إلى المشاهدة. ولذلك تبدو الخاتمة:

فإنَّ حديثَ الحبِّ في القلبِ مُسندٌ

وإنَّ حديثَ الحبِّ في العينِ مُرسَلُ

كأنها ليست خاتمة القصيدة فحسب، بل مفتاحها التأويلي الأكبر؛ فكل ما سبقها من نور وغار وصحراء وماء ومعجزة وسيرة وأسئلة، إنما كان طريقاً طويلاً للوصول إلى هذه الحقيقة: أن المحبة هي الشكل الأعمق للمعرفة، وأن القلب حين يحب، لا يعود محتاجاً إلى أن يرى كي يصدق الحضور.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى «قمرٌ من جهة هاشم» بوصفها قصيدة تجمع بين جمالية المديح، وعمق الرؤية الصوفية، وحيوية الرمز، وثراء التراث، وقلق السؤال المعاصر؛ وهي بذلك تنتمي إلى الشعر الذي لا يكتفي بأن يستعيد المقدس، بل يسعى إلى إعادة اكتشافه، ولا يكتفي بأن يروي السيرة، بل يجعل منها مرآةً للإنسان المعاصر في بحثه عن الرحمة والعدل والأمان والمعنى.

***

.......................

قمر من جهة هاشم

قَرِيباً مِنَ الماءِ الذي يَتَبَتَّلُ

على بُعْدِ صَحْراءَينِ واللَّيلُ يَهْطُلُ

*

وكانتْ تُشِيرُ السّاعةُ البِكْرُ حينَها

لِإِلّا حياةً، كان للموتِ أرْجُلُ

*

وقَفْتُ كَبَلْقيسٍ وصَرْحٌ مُمَرَّدٌ

أَمامي وفَوقي هُدْهُدٌ يَتَأَوَّلُ

***

على البابِ حُرّاسٌ، على البَيْتِ هَالَةٌ مِنَ الضَّوءِ،

فوقَ الضَّوءِ جِبْريلُ يُشْعِلُ

*

مَجازٌ حَقيقيٌّ، سَماواتُ رَهْبَةٍ

صَلاةٌ بِلا شَكْلٍ، هُنا تَتَشَكّلُ

*

هنالِكَ شيءٌ ما، على كُلِّ ما بِنا

مِنَ البَرْدِ، كانَتْ نارُهُ تَتَغَلْغَلُ

*

قرأتُ خُطَى نَعْلَيهِ حَتّى تَوَسَّعَتْ

مَدارِكُ حِسّي، واستفاضَ التّأمُّلُ

*

وحتَّى حَسِبْتُ الرَّمْلَ ماءً ولُجّةً

لِيَكْشِفَ عن ساقَيْهِ شِعْري المُحَجَّلُ

*

وكانَتْ مِسَافاتٌ مِنَ التِّيْهِ قَبْلَ أَنْ

يَمُرَّ خُفافاً، واخْضِرارٌ مُؤَجَّلُ

*

وأصْغَيْتُ، كانَتْ تَمْتَماتٌ تَقولُ لي

هُنا خائِفٌ يَشْكُو وأُمٌّ تُزَمِّلُ

*

وخَيْطٌ مِنَ النُّورِ الرَّفيعِ وراءَنا

إلى حَيثُ لم يَقْرأ وأَقْراهُ مُرْسَلُ

*

وكان يَشُقُّ البابَ عَن وَجْهِ أُمِّنَا

ضِيَاءٌ وعَن وَجْهِ الحَبيبِ تَهَلُّلُ

*

تَفَصَّدَ عَن مِثْلِ الجُمانِ جَبِينُهُ

ويَجْري على الخَدَّينِ ماسٌ وسَلْسَلُ

*

وكانتْ تُجِيبُ الأرْضَ عن كُلِّ رِعْشَةٍ

فَضاءاتُ تَسْبيحٍ ومازِلْتُ أَسْألُ

*

لماذا تَهُزُّ الكَونَ رِعْشَةُ قارِئٍ

ويَهْدأُ ذاتُ الكَونِ حِينَ يُرَتِّلُ؟

*

وما السِّرُّ في النُّورِ الذي كانَ صاعِداً؟

وما السِّرُّ في النُّور الذي كان يَنْزِلُ؟

*

وما الغَارُ؟ ما مَعْنَى حُضورُكَ ناقِصٌ؟

وما الغارُ؟ ما مَعْنى حُضورُكَ يُكْمِلُ؟

*

ومَنْ شَقَّ صَدْرَ الطِّفْلِ حتَّى تَبَدَّلَتْ

مَلامِحُ صَحْراءٍ ومَرَّ قَرَنْفُلُ؟

*

وقالَتْ لَنا الأخْبارُ: كانَتْ غَمامَةٌ

فَمَنْ مِنْهُما كانَ الذي يَتَظَلّلُ؟

*

ومَنْ مَرَّ بِالتّاريخِ يا أُمَّ مَعْبَدٍ

فأيْنَعَ ضَرْعُ الشَّاةِ، والضَّرْعُ مُمْحِلُ؟

*

ومَنْ عَلَّمَ الأخلاقَ سِرَّ بَقائِها

وأشْبَعَ مِنْ لا شيءَ، والنّاسُ هُزَّلُ؟

***

سَيَأْكُلُ مِنْ خُبْزِ التَّنانيرِ عَالَمٌ

وما كانَ قَبْلَ ابْنِ الذَّبيحَينِ يَأْكُلُ

*

ويَمْشي إلى أعْلى وأعْلى ويَهْتَدي

بِما رسَمَتْ فَوْقَ المَفَازاتِ (دُلْدُلُ)

*

على حينِ غارٍ مِنْهُ ناداهُ مِنْ عَلٍ

هَلُمَّ، فَيا رَبّاهُ ما ذلكَ العَلُ؟

*

وقامَ يُنَقّي الرِّيْحَ مِنْ كُلِّ عَارضٍ

فَأَمْطَرَتِ الدُّنيا هُدىً فَتَبَلَّلُوا

*

يَتِيمٌ بِلا ظَهْرٍ ويَكْفُلُ أُمَّةً

وأَقْدَسُ ما يُروى: يَتِيْمٌ ويَكْفُلُ

***

فَيَا خَيْرَ مَنْ بِالخَيْرِ جَاءَ مُحَمَّلاً

حَنانَيْكَ، إنّيْ شَاعِرٌ أَتَدَلَّلُ

*

فَرَضْتَ على قَلْبي هَواكَ ولمْ يَزَلْ

إلى اليومِ شِعْري بِالهَوى يَتَنَفَّلُ

*

إذا العَينُ لم تُبْصِرْكَ إلّا رِوايةً

فَقَدْ صَحَّ في قلبي الجَمَالُ المُسَلْسَلُ

*

فإنَّ حَديثَ الحُبِّ في القَلْبِ مُسْنَدٌ

وان حديث الحب في العين مرسل

***

لميس الرحبي

حائزة على جائزة البردة المركز الثالث 2021

بعد أكثر من أربعين عاماً على الشروع في كتابتها، وثلاثة أعوام على رحيل مؤلفها، وبعد سلسلة من العثرات التي أخرت ظهورها، أصدرت دار ألف ياء، بمساعٍ طيبة من الروائي العراقي سلام إبراهيم، رواية «الاغتيال» للصحفي المبدع والسارد الماهر إبراهيم الحريري (1937 ــ 2023).

بدأ الحريري كتابة الرواية في بيروت عام 1970، لكنه اكتفى بالفصل الأول وترك المشروع جانباً. وعندما عاد إلى بيروت عام 1979، دفع ذلك الفصل إلى النشر في مجلة «البديل» التي كانت تصدرها رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين الديمقراطيين العراقيين في المنفى، إلا أن الرواية تعرضت لاغتيال مبكر حين دمرت غارة إسرائيلية المبنى الذي كانت تطبع فيه المجلة. ولأن العمل ظل يسكن ذاكرة صاحبه سنوات طويلة، عاد إليه من جديد، فأكمل فصوله وأنهاه عام 1986.

وللوهلة الأولى، وقبل الولوج في عالم الرواية، يخال القارئ ــ كما يوحي عنوانها ــ أنه سيواجه رواية سياسية تدور حول جريمة اغتيال لشخصية ما، لكنه يكتشف منذ السطور الأولى أنه أمام عمل غرائبي يذهب إلى ما هو أبعد من اغتيال الجسد، إذ يتناول امتهان الإنسان في ظل الأنظمة الاستبدادية.

تخيل أن يطرق بابك رجل يخبرك بأنه مكلف من السلطة باغتيالك، ومع ذلك تستقبله في منزلك، وتكرمه، وتحرص على راحته أياماً عدة، ولا تناديه إلا بـ" الضيف" ، هذا ما يحدث مع السيد (م)، الذي يتعامل مع قاتله المكلف بوصفه ضيفاً لا عدواً. إنها صورة قصوى لتحطيم الإنسان من الداخل، حين يعيش الهزيمة النفسية إلى الحد الذي يتأقلم فيه مع فكرة موته، ويغدو انتظار النهاية جزءاً من حياته اليومية، بعد أن فقد إيمانه بجدوى تجربته السياسية.

ويكشف السيد (م) هذه الحالة لصديقه الذي يحاول انتشاله من استسلامه وإعادة إيمانه بقضيته، لكن موقفه من قاتله لا يبدو، في نظر الروائي صنع الله إبراهيم، الذي قدم للرواية، موقفاً عجائبياً، بل واقعياً، مبررا ذلك (من كثرة ما مر بالوطن العربي من أحداث، ومن كثرة ما شهدنا من عجائب أنظمته) .

ولذلك لم يفاجأ السيد (م) بقدوم زائره الاستثنائي، إذ يخبره بأنه تلقى منذ مدة كتاباً رسمياً من السلطات تخبره فيه بأنها لم تعد ترى موجباً لبقائه حياً، وأنها قررت اغتياله، مرفقاً باستمارة تطلب منه ملء معلوماته الشخصية، من العمر والحالة الاجتماعية وعدد الأطفال والهوايات وغيرها .

ومن خلال هذه المفارقة السوداء يسخر إبراهيم الحريري من الأنظمة الاستبدادية التي لم تكتفِ بتطوير أدوات القمع، بل سعت إلى «عصرنة» الاغتيال نفسه، فأصبحت تشكل لجاناً لدراسة الحالة النفسية والاجتماعية للمرشح للاغتيال، وتكلف القاتل بإقامة علاقة إنسانية مع ضحيته قبل تنفيذ المهمة، حتى تبدو العملية أكثر «إنسانية»، كما يقول الضيف: (الاغتيال مثل فعل الحب، عملية حميمية تتم بين شخصين، وكلما توثقت صلة الطرفين ببعضهما بدت العملية طبيعية وأكثر إنسانية، بل ومرغوباً بها ص16).

ويأتي استسلام السيد (م) نتيجة تاريخ طويل من الانكسارات الشخصية والسياسية، إذ يقول:

 (تعبت من كل شيء... الصراع المعذب ضد الذات وضد الآخر... وهزائم الحب وهزائم السياسة... ثم الانهيار المريع... ص21)، وتبلغ هزيمته ذروتها عندما يلتقي صديقاً قديماً يحاول إقناعه بالعدول عن فكرة الاستسلام، ومواصلة مقاومة الاستبداد، لكنه يجيبه بمرارة: (لم تعد بي رغبة في خوض أية معركة، لقد هُزمت وأريد أن أغادر ص41)

ويمنح المؤلف روايته بعداً فلسفياً واضحاً من خلال الحوار بين السيد (م) وصديقه، حيث يتجسد الصراع بين إرادتين متناقضتين؛ إرادة تؤمن بالصمود وبأن الحياة ما زالت جديرة بأن تُعاش، وتمثلها شخصية الصديق المؤمن بالمستقبل، وأخرى منهكة فقدت كل رغبة في الاستمرار، وتمثلها شخصية السيد (م)، الذي يقول: تعبت من كل شيء... من نفسي ومنكم... آن لي أن أغادر.

ويتطور الحوار إلى نقاش وجودي حول معنى الحياة، فيرى الصديق أن الحياة أجمل ما منحته الطبيعة للإنسان، بينما يذهب السيد (م) إلى رؤية عدمية يعتبر فيها الحياة خطأً كونياً، قائلاً: (إنك تسميه حقداً على الحياة، فيما نسميه نحن تصحيح خطأ من أخطاء الطبيعة... الحياة خروج عن المسار الطبيعي لنسق الكون، توهج كاذب بين عتمتين ص49).

ولا يكتفي المؤلف بتصوير القمع السياسي، بل يمتد إلى كشف تغول السلطة في أدق تفاصيل الحياة اليومية. فالضيف يحاول تعليم أفراد العائلة طريقة جديدة لتناول الطعام "على طريقة الأبقار"، فتفقد الأم صبرها وتصرخ في وجهه: واجبك أن تعلمنا كيف نموت، لا كيف نعيش ص68).

فيرد عليها: صحيح أن واجبي هو أن أعلمكم كيف تموتون، لكن ذلك يتطلب قبل كل شيء أن أعلمكم كيف تعيشون على طريقتنا .

وفي خضم هذا المناخ المفعم بالتشاؤم والإذلال، تستيقظ إرادة المقاومة لدى الأم، فتدعو ابنها إلى التخلص من الضيف وخنقه، لكنهما يكتشفان أن السرير فارغ، وأن الضيف لم يكن سوى وهم استولى على العائلة كلها، في واحدة من أكثر نهايات الرواية دلالة ورمزية.

تلخص رواية «الاغتيال» تجربة جيل كامل من المناضلين العراقيين والعرب الذين عاشوا القهر والتشرد لأنهم حملوا همّ الوطن والإنسان. والاغتيال هنا لا يقتصر على إزهاق الجسد، بل يمتد إلى اغتيال الإرادة، وإخماد الوعي، وقتل الأمل، وتحويل الإنسان إلى كائن ينتظر نهايته بصمت، بعد أن تُهزم روحه قبل جسده.

لقد نجح إبراهيم الحريري في تقديم رواية ذات طابع رمزي وفلسفي، تكشف أن أخطر ما تفعله الأنظمة الاستبدادية ليس قتل الإنسان، وإنما دفعه إلى قبول موته بوصفه أمراً عادياً، بل وربما مستحقاً، وعندها يتحقق الاغتيال الحقيقي.

***

ثامر الحاج أمين

قراءة في قصة «وباتت ترقص على أنغامه» لماجدة الحسيني

تطرح قصة "وباتت ترقص على أنغامه" للكاتبة ماجدة الحسيني إشكالية فنية معاصرة، تتمثل في العلاقة المتوترة بين الأصالة الإبداعية والتقليد الرقمي. فالنص لا يكتفي بتصوير علاقة الفنانة بأدواتها، بل يجعل من الفرش والأقلام والحاسوب رموزًا لصراع داخلي وخارجي في آن واحد: صراع بين الفن النابع من التجربة الإنسانية، والفن الناتج عن المحاكاة والاستعانة الآلية بأعمال الآخرين.

ومن خلال شخصية سيدة القصر، ترسم الكاتبة صورة المبدع الذي تتنازعه أدوات متعددة: القلم كأداة كتابة، والفرشاة كأداة تشكيل، والحاسوب كأداة رقمية حديثة. كما ينهض النص على بعد موسيقي واضح من خلال التناص الغنائي الذي يمنح القصة إيقاعًا وجدانيًا، ويجعل الصراع بين الفنانة وأدواتها أقرب إلى حالة عتاب وشجن ثم مصالحة ورقص.

الأصالة كتجربة إنسانية

تظهر الأصالة في القصة من خلال لحظة تدخل سيدة القصر بعد أن تكتشف العبث بلوحاتها. فالفرش حين حاولت أن تنتج الفن وحدها عبر الحاسوب وقعت في فخ التقليد، أما الفنانة حين أمسكت ببقايا الفرش المكسورة، استطاعت أن تخلق عملًا جديدًا يحمل بصمتها الخاصة.

الأصالة هنا لا تعني فقط أن يكون العمل غير منسوخ، بل تعني أن يكون صادرًا عن تجربة داخلية صادقة، ورؤية فنية خاصة، وقدرة على تحويل الخسارة إلى شكل جمالي. ومن هنا تجعل القصة الأصالة مرتبطة بالروح لا بالأداة، فالأداة قد تكون قلمًا أو فرشاة أو حاسوبًا، لكن العمل لا يصبح أصيلًا إلا حين يحمل أثر صاحبه.

الابداع الرقمي والتقليد الأعمى

يمثل لجوء الفرش إلى الحاسوب و«شات جي بي تي» لحظة مفصلية في النص. فالفرش لا تستخدم التقنية كوسيلة مساعدة على الإبداع، بل تستخدمها لتعويض غياب الفنانة من خلال التقاط أعمال مشاهير الفنانين وتبديلها.

هنا يتجلى مفهوم التقليد الرقمي باعتباره إنتاجًا ظاهره الإبداع، لكنه في العمق قائم على المحاكاة والتلفيق. فالعمل الناتج لا يصدر عن وجدان الفنانة، ولا يعبر عن رؤيتها، بل يستند إلى مواد جاهزة مأخوذة من الآخرين.

وبذلك لا تدين القصة الفن الرقمي في ذاته، وإنما تدين استعماله حين يتحول إلى:

سرقة ناعمة/تركيب بلا روح /محاكاة بلا وعي /اختصار زائف للطريق الإبداعي/بديل عن التجربة الفنية الأصيلة.

ومن ثم فإن موقف القصة متوازن: التقنية ليست عدوًا للفن، لكنها تصبح خطرًا حين تلغي بصمة الإنسان.

صراع المبدع مع أدواته

يقوم النص على أنسنة الأدوات الفنية. فالفرش والأقلام لا تظهر كجمادات و أشياء صامتة، بل كائنات تشعر بالغيرة والهجر والتمرد. وهذا الاختيار الفني يمنح القصة بعدًا رمزيًا عميقًا.

فالأقلام تمثل الكتابة، والفرش تمثل الرسم، والحاسوب يمثل العصر الرقمي. أما سيدة القصر فهي الذات المبدعة التي تحاول أن توفق بين هذه الوسائط المختلفة.

الصراع بين الفرش والأقلام هو في حقيقته صراع داخل المبدعة نفسها. إنه صراع بين الكلمة واللون، بين الكتابة والرسم، بين الفن التقليدي والفن الرقمي، وبين الأداة والروح.

وحين تتمرد الفرش بسبب الهجر، فإن تمردها يكشف عن مأساة الموهبة المهملة داخل الفنان أو مرحلة الجمود الإبداعي ،غير أن تمردها حين يتجه إلى التقليد الرقمي يكشف أيضًا أن الأداة إذا انفصلت عن وعي الفنان قد تنتج مسخًا فنيًا فاقدًا للهوية.

الهوية الفنية بين التقليد والابتكار

تعكس القصة مفهوم الهوية الفنية من خلال المقارنة الضمنية بين لوحات الفرش المقلدة واللوحة الأخيرة التي أنجزتها سيدة القصر من بقايا الكسر.

فالهوية الفنية لا تظهر في الأعمال التي تقلد مشاهير الفنانين، بل تظهر في العمل الذي يحمل أثر التجربة الخاصة. لذلك فإن اللوحة الفائزة ليست مهمة لأنها جميلة فقط، بل لأنها تحمل قصة صاحبتها: غضبها، صدمتها، خيبة أملها، ثم قدرتها على النهوض.

بهذا المعنى، تصبح الفرش المكسورة جزءًا من الهوية الفنية. فالكسر لا يُمحى، بل يعاد توظيفه. والأداة المحطمة لا تُرمى، بل تتحول إلى مادة جمالية جديدة.

وهنا تكمن براعة النص: إنه لا يجعل الهوية الفنية شيئًا جاهزًا، بل يجعلها نتيجة صراع وتحول ومصالحة.

الفن الرقمي والأصالة

رغم أن القصة تنتقد التقليد الرقمي، فإنها لا تنفي إمكانية أن يكون الفن الرقمي أصيلًا. فالأصالة لا ترتبط بنوع الوسيط الفني، بل بطريقة استخدامه. يمكن للفن الرقمي أن يكون أصيلًا إذا كان امتدادًا لرؤية الفنان، لا بديلًا عن حضوره.

فالعمل الرقمي يكون أصيلًا عندما يعبر عن فكرة خاصة، ويحمل تدخل الفنان واختياراته، ويضيف معنى جديدًا، ولا يقوم على نسخ أعمال الآخرين أو محاكاة أساليبهم دون وعي.

أما حين تتحول التقنية إلى مجرد وسيلة لتجميع صور وأساليب جاهزة، فإنها تفقد بعدها الجمالي والأخلاقي.

ومن هنا يمكن تلخيص موقف النص في العبارة الآتية:

القصة لا ترفض الفن الرقمي، بل ترفض الفن الذي يغيب عنه الإنسان.

التناص الغنائي وإيقاع المصالحة

تحضر في القصة إشارات غنائية واضحة تمنح النص بعدًا وجدانيًا وموسيقيًا. ومن أبرز هذه الإشارات عبارة:

"يامسهرني" أغنية لسيدة الغناء العربي أم كلثوم من تأليف :أحمد رامي وتلحين: سيد مكاوي

هذه العبارة تحيل إلى أجواء غنائية راسخة في الوجدان العربي، بما تحمله من معاني السهر، والشجن، والانتظار، والوجد. واستدعاء هذا المناخ الغنائي لا يبدو عابرًا، بل ينسجم مع حالة الفرش المهجورة التي ظلت تنتظر سيدة القصر عامًا كاملًا. فكأن الفرش لا تعيش مجرد إهمال مادي، بل تعيش حالة عشق مؤجل وحرمان فني طويل.

وهنا يؤدي التناص الغنائي وظيفة مزدوجة. فمن جهة، يعمق البعد العاطفي للأدوات، ويجعلها كائنات عاشقة ومجروحة. ومن جهة أخرى، يمنح النص إيقاعًا داخليًا يربط بين السهر والإبداع، وبين الهجر والعودة، وبين الألم والرقص.

كما يظهر التناص الغنائي في العبارة الختامية من أغنية أم كلثوم "فكروني وتلحين محمد عبد الوهاب:

"ليه نضيع عمرنا هجر وخصام وإحنا نقدر"

هذه الجملة تحمل إيقاعًا غنائيًا قريبًا من أجواء العتاب والمصالحة في الأغنية العربية. وهي لا تأتي كخاتمة لفظية فقط، بل كخلاصة وجدانية للنص كله. فبعد الصراع والهجر والتمرد والغضب، تصل الشخصيات إلى حكمة بسيطة وعميقة: لا جدوى من الخصام ما دام الإبداع قادرًا على جمع المتفرق.

ومن ثم يصبح التناص الغنائي جزءًا من البنية الفنية للقصة، لا مجرد تزيين لغوي. فالنص يبدأ بحالة شجن وسهر، ويمر بلحظة تمرد وانكسار، ثم ينتهي برقصة مصالحة. وكأن الغناء يمهد للرقص، وكأن الموسيقى الداخلية للنص تقود الشخصيات إلى الوفاق النهائي.

النهاية

تنتهي القصة بفوز اللوحة في المعرض، ثم برقصة جماعية بين الفنانة وأدواتها. وهذه النهاية ليست مجرد خاتمة سعيدة، بل تحمل دلالة رمزية مهمة.

فالرقص يعني انتهاء الخصام بين الفنانة وأدواتها. ويعني أيضًا أن الإبداع الحقيقي لا يتحقق بإقصاء القلم أو الفرشاة أو الحاسوب، بل بتحقيق التوازن بينها جميعًا تحت قيادة الرؤية الإنسانية.

تُقدم قصة «وباتت ترقص على أنغامه» نصاً رمزياً واعداً وشديد الشاعرية، يمتلك جرأة في ربط الأدوات التقليدية بالذكاء الاصطناعي. قوته الأساسية تكمن في أنسنة الأشياء، الحس التشكيلي، وتحويل الكسر إلى إبداع.

فضلا عن ذلك تؤكد القصة في جوهرها أن الفنان الحقيقي لا يخشى الانكسار؛ لأن الإبداع الأصيل لا تصنعه الأدوات المتطورة، بل تصنعه التجربة الإنسانية والروح القادرة على تحويل الشظايا إلى تحفة فنية فإذا استخدمت التقنية بلا وعي تحولت إلى تقليد، أما إذا مرت عبر تجربة الفنان ورؤيته، فإنها قد تتحول إلى إبداع أصيل. كما يكشف التناص الغنائي في النص أن الإبداع ليس صورة فقط، بل هو أيضًا إيقاع ووجدان وذاكرة فنية تنتهي بالمصالحة والرقص.

***

د. نجلاء نصير

............................

وباتت ترقص على أنغامه

أقبل الليل، ليلةٌ بات فيها القمر معانقًا رذاذ البحر، بين رخام سُحبٍ متناثرة، وموجاتٍ تلاقي بعضها بعضًا، مداعبةً تارة، ومتواريةً تارةً أخرى وراء صخرةٍ ارتدت ثوبًا من عشبٍ أخضر، واستنشقت زبدَ بحرٍ ثلجيًّا بنغماتٍ ساحرة.

وسفنُ الصيد ألقت بشباكها مسترسلةً مع رياحٍ خماسينيه، محمّلةٍ ببذورٍ تائهة، تريد أن تطأ أرضًا حانية، تأخذها بين حناياها، داعيةً أن يغدق عليها ربها بنبتةٍ صالحة.

تجلس سيدة القصر في صومعتها، محدقةً فيما يحدث وراء نافذتها. أرست أقلامها في محبرتها، وخلعت مجاديفها بعد أن أنهت كلماتٍ من سطورها.

تطل عليها فرشاتُها من خزانتها، حافيةً، شعورها جافة، واجفة، وبين ثناياها بقايا ألوانٍ شاهدة على قضيةٍ عادلة.

أين أنتِ يا سيدة القصر؟

أفيقي من غفوتك، وانهضي من أثير مخدعك وأحلامك الواعدة. هل تلذذتِ بتلك السطور، وبعضٍ مما تبوحين به من أسرارك المعبرة؟

باتت الفرش محذّرة، وقالت:

قد آلمني سجني، وحرتُ ماذا أفعل بكِ؟

قامت بالتراشق مع الأقلام في ليلةٍ متوجسة، وخلقت لنفسها ترانيمَ أغانٍ محفزة:

يا مسهرني!

لا ملاذ إلا أن تنبس للأقلام مراقصةً:

ماذا فعلتِ بنا؟

انتظرناها سنةً كاملة. عزفت عن ملامستنا، ولم تكمل لوحاتها التي هجرتها. من يطفئ وجدنا؟

نحايلها برهةً. أنتم أيتها الأقلام احتللتم شغفها، واستغللتم أرضها.

ووضعن خطة. خلعن عباءاتهن، وفتحن حاسوبها الآلي على «شات جي بي تي»، وأتقنّ البحث والتقاط أعمالٍ من مشاهير الفنانين، وتبديلها بأخرى، لاعتقادهن أنهن لم يسرقن بعد.

انتهين من رسم لوحاتها، وحاورن بعضهن البعض:

نحن نريد السفر إلى مدينة الجمال والفن، وهي في غفلتها مسحورة وسعيدة بما تفعل بها أقلامها وكتبها.

استيقظت سيدة القصر من غفوتها مترنحة، تبحث عن فنجان قهوتها الساخنة، فإذا بها ترى ما فُعل بلوحاتها التي انتهين من رسمها.

فُرط عقدها، وأجمل حباته عشق عمرها: رسومها، وحلم سفرها، وجائزتها المرتقبة.

كسرت فرشها، وارتعدت أوصالها، وبعثرت شعورها، فتطايرت بقاياها في سماء غرفتها. وانبجست دموعهن في مشهدٍ يحاكي لحظة غضبٍ عارمة. حتى أقلامها نهضت من محبرتها، محملقةً وراء بابها، متسائلة:

ماذا يُفعل بنا؟

هنيه، استجمعت سيدة القصر قوتها قائلة:

لا أعرف المستحيل.

لملمت أشلاء فرشها، ووزعتها على لوحةٍ كبيرة، وألصقتهن بعد أن أمسكت بتلابيبهن مخاصمةً، ثم زخرفت ببقايا شعورهن تصميمًا لا بديل له، لا من قبل ولا من بعد. فكرةٌ وُلدت في لحظة غضب.

سافرت لوحتها إلى المعرض المرتقب، وفازت بجائزةٍ لم تسنح لها من قبل. 1

حينئذٍ نطقت فرشها:

لماذا نضيع عمرنا هجرًا وخصامًا، ونحن نقدر؟

ورقصوا معًا.

القراءة النقدية

***

ماجدة الحسيني

 

خرجت منذ أيام من صالة العرض بعد مشاهدة فيلم The Odyssey لكريستوفر نولان، العمل الذي يستعيد الملحمة الخالدة ليروي رحلة أوديسيوس الشاقة في طريق العودة إلى إيثاكا، بعد سقوط طروادة. لم يكن اهتمامي، وأنا أغادر الصالة، منصبا على تقييم البناء الدرامي أو الإيقاع أو حركة الكاميرا. وأداء الممثلين. انزلقت دون تخطيط. من الصورة إلى النص ومن التلقي البصري إلى ملامسة الكلمة.

وجدت نفسي أعود إلى «الأوديسة» بوصفها ملحمة قديمة أعرف خطوطها العامة منذ يفاعتي وبوصفها نصا ممتدا يتنفس بلغة خاصة، وله طريقته الفريدة في تسمية الأشياء وتشخيص الوجود.

 أعادني الفيلم إلى ملاحظة طريفة ومدهشة قرأتها منذ زمن في كتاب «عبر منظار اللغة» لغاي دويتشر [1]. لم تكن الملاحظةء سوى تفصيل عابر في كتاب أوسع يبحث في العلاقة بين اللغة وتفكير الإنسان، ويناقش كيف يمكن للكلمات وطريقة الكلام أن تؤثر في إدراكنا للألوان والاتجاهات والأشياء. عادت لتفرض نفسها من جديد: الأزرق، كما نعرفه اليوم، لا يظهر في «الأوديسة» بالطريقة التي نتوقعها. وهذا، بالضبط، ما جعلني أتوقف. فكيف يمكن لملحمة بحرية بهذا الحجم أن تدور حول البحر والسماء والجزر والرحلات، دون أن تمنحنا اللون الأزرق بالصورة التي اعتدنا عليها؟

مفارقة غياب الأزرق في ملحمة بحرية

يبدو السؤال ساذجا للوهلة الأولى. فأي عالم يمكن أن يكون أكثر كثافة بالزرقة من ملحمة تدور معظم أحداثها في قلب البحر المتوسط. بين جزر نائية وتحت سماء مفتوحة. وفي رحلات لا تنتهي أسرارها؟ تذكرت الملحمة وبحارها الشاسعة، وأنا لا أزال أحمل صور الفيلم في ذهني، بدا لي الأزرق حاضرا ببداهة مطلقة، حتى قبل أن أفتح الكتاب. لكن العودة إلى الملاحظة التي أوردها دويتشر [1]، والتي تستند في هذا السياق إلى تحليل غلادستون للغة هوميروس، تكشف مفارقة. فهوميروس لا يستخدم لفظا واضحا ومطابقا لمفهومنا الحديث عن الأزرق بالطريقة التي نتوقعها من نص يتكرر فيه البحر والسماء بهذا الحضور الكثيف.

لا توصف السماء بالزرقة التي نعرفها اليوم، لكن تحضر عبر صفات تتصل باللمعان والصلابة والانعكاس والمعدن. أما البحر، الذي نميل نحن تلقائيا إلى تخيله أزرق، فتظهر له أوصاف أخرى تبدو غريبة على ذائقتنا المعاصرة؛ فيقارب أحيانا النبيذ الداكن، أو البنفسجي، أو الأسود، أو الرمادي العميق. لم يكن الأزرق بالضرورة غائبا عن عيون أولئك الذين عاشوا في عالم هوميروس، بقدر ما كان غائبا عن الطريقة التي نظمت بها لغتهم هذا المجال من التجربة.

اللغة بوصفها منظاراً لبناء الواقع

 هل كان هوميروس والاغريقيون يرون العالم كما نراه نحن؟ من السهل أن نتخيل أن العين ترى أولا، ثم تأتي اللغة لتسمي ما رأته. لكن المسألة، كما يقترح دويتشر [1]، أكثر تعقيدا من ذلك. فاللغة ليست مجرد قاموس نلصق فيه بطاقات جاهزة على أشياء قائمة ومستقلة في الطبيعة. إنها، إلى حد بعيد، منظار ندرك من خلاله العالم؛ فهي تساعدنا على تحديد الفروق، وتصنيف الأشياء، والانتباه إلى بعض الخصائص أكثر من غيرها.

كان الإغريق يرون ما نسميه نحن اليوم أزرق، لكنهم لم يكونوا بالضرورة يعزلونه في مفهوم لغوي مستقل ومطابق لمفهومنا الحديث. فاللون، في التجربة القديمة، قد لا يكون منفصلا عن الضوء والظل. ولا عن الملمس أو الحركة أو الشدة. وقد تكون الصفة التي نصف بها الشيء اليوم بوصفها «لونا» كانت تشير إلى تجربة حسية أوسع. شيء لامع، أومعتم، أو متحرك، أو يعكس الضوء، أو يبدو كثيفا وعميقا. يجعل هذا السؤال أقل ارتباطا بفيزيولوجيا العين، وأكثر ارتباطا بالبنية التي تنظم بها اللغة التجربة. هل كان هوميروس يرى الأزرق؟ كيف كانت لغته تصف ما كان يراه؟

التدرج التاريخي والتعبير عن الألوان

يتصل الامر بفكرة تشكل مصطلحات الألوان واستخداماتها عبر الثقافات واللغات المختلفة. فالكلمات التي يستخدمها هوميروس لوصف العالم الحسي لا تبدو دوما كأنها تسعى إلى تحديد اللون بوصفه خانة مستقلة وثابتة، كما نفعل نحن اليوم. إنها كثيرا ما تستحضر إحساساً مركبا. كلمة مثل oinops، مثلاً، تستدعي كثافة النبيذ وعمقه وغموضه، بينما تتأرجح كلمة glaukos بين معان لونية متعددة، مع حضور واضح لفكرة اللمعان والبريق، وتحمل كلمة chloros شحنة من النضارة والحيوية والرطوبة تمتد إلى أشياء قد لا نراها خضراء وفق تصنيفاتنا المعاصرة.

ولذلك، يمكن أن نتخيل أن اللون في عالم هوميروس لم يكن بقعة ثابتة على سطح الأشياء. لكن جزءا من تجربة حسية متكاملة. لم يكن البحر بحاجة إلى أن يكون «أزرق» كي يكون بحرا. أقول ربما طبعا.

حين يصبح اللون أكثر من لون

لا تتوقف قصة الأزرق عند اللغة. فمع مرور الزمن، لم يتغير حضور الألوان في المعاجم. تغيرت قيمتها الرمزية والثقافية. في أوروبا، مثلا، شهد الأزرق تحولا تاريخيا لافتا [2]. فبعد أن كان في فترات من العصور القديمة أقل مكانة من ألوان أخرى. بدأ يكتسب حضورا متزايدا في العصور الوسطى، خصوصا مع ارتفاع قيمة الصبغات الزرقاء الثمينة، حتى ارتبط تدريجيا بالمقدس.

 صار الازرق قيمة ثقافية. لم يتغير اللون لم يتغير فيزيائيا. تغيرت مكانته في عيون البشر. وتغيرت معها اللغة التي نتحدث بها عنه، والرموز التي نحمله إياها، والمشاعر التي نستدعيها حين نراه. تبدو المسألة أكثر إثارة. فنحن لا نرث أسماء الألوان فقط. نرث تاريخها. نرث ما قيل عنها. وما رمز إليها به. وما ارتبط بها من قداسة أو سلطة أو حزن أو جمال.

ثمة أمر أخر يبدو موحيا لي وخلاقا اذ تقول الشواهد التاريخية والأثرية أن المصريين القدامى سبقوا الإغريق بقرون طويلة في ابتكار اسم الأزرق واستخدامه في صياغة مفهوم لغوي واضح له. ففي الوقت الذي افتقرت فيه اللغة الإغريقية القديمة لاسم محدد يصف هذا اللون، نجح الكيميائيون والحرفيون الفراعنة منذ عصر الأسرات المبكر (حوالي 3100 قبل الميلاد) في ابتكار "الأزرق المصري" كأول صبغة اصطناعية في تاريخ البشرية. وصُنعت هذه الصبغة كيميائيا بدقة عالية عبر صهر خليط من السيليكا، والنحاس، والجير، لتعويض ندرة أحجار اللازورد الطبيعية الغالية، وأطلقوا عليها في لغتهم اسم "حسبد-إريت" (أي اللازورد الصناعي)..

بين شاعرية هوميروس وفيزياء نيوتن

 فتح إسحاق نيوتن في القرن السابع عشر، ومن خلال تجاربه على تجزئة الضوء بالمنشور الزجاجي الباب أمام فهم اللون ضمن نظام فيزيائي قابل للقياس. لم يعد الضوء مجرد ظاهرة غامضة ترى. صار بالإمكان تحليله إلى أطوال موجية مختلفة، وفهم علاقته بالطيف الذي تستقبله أعيننا. حدث بذلك انتقال مفصلي. من عالم يصف فيه الشاعر البحر بعمقه ولمعانه وغموضه، إلى عالم يستطيع فيه الفيزيائي أن يشرح الخصائص الفيزيائية للضوء التي تسهم في جعل البحر والسماء يبدوان أزرقين.

لا يعني هذا الانتقال أن نيوتن ألغى شاعرية اللون. لقد منحنا لغة أخرى للدهشة. فهوميروس يصف ما يفعله البحر في الحواس والخيال. يشرح نيوتن ما يفعله الضوء فيزيائيا. الأول ينظر إلى الظاهرة من داخل التجربة الإنسانية، والثاني ينظر إليها من خارجها، محاولاً تفكيك قوانينها. ونحن اليوم نملك امتياز الجمع بين النظرتين. أن نفهم الفيزياء والتحليل الطيفي، دون أن نفقد القدرة على الافتتان بالبحر حين نراه. فالسماء ليست مجرد طول موجي. والبحر ليس مجرد انعكاس للضوء. والأزرق الذي رأيته قبل أيام على الشاشة الكبيرة ليس بالضرورة الأزرق الذي أراه واقفا أمام البحر، ولا الأزرق الذي أتذكره من طفولتي، ولا الأزرق الذي أشعر به حين أقرأ قصيدة.

دهشة الأدب وإعادة اكتشاف البديهيات

لا يعكس هذا المزيج تعارضا بين هوميروس ونيوتن، لكن يكشف عن لغتين مختلفتين للتعبير عن الدهشة أمام الكون ذاته. فالأول يصف حركة البحر وعمقه ولمعانه وتأثيره الحسي في الإنسان، بينما يفكك الثاني بنية الضوء ويكشف القوانين التي تحكم رؤيتنا له. وبينهما يقف الإنسان، يرى العالم، ثم يحاول أن يسميه.

لا تتعلق قصة الأزرق في «الأوديسة» في النهاية بالسؤال. هل كان هوميروس يرى الأزرق؟ إنها تتعلق بسؤال آخر. كيف كانت لغته تنظم ذلك المجال الذي نسميه نحن اليوم مجال الألوان؟ إن الأزرق الذي غاب عن الملحمة الهوميرية لم يكن بالضرورة غائبا عن العيون. قد يكون حاضرا في تجربة حسية أكثر تركيزا على الضوء والملمس والحركة والعمق. تماما كما أن الأزرق الذي امتلأت به لغتنا الحديثة، وامتلأت به الشاشة الكبيرة قبل أيام، ليس بالضرورة كل ما نراه حين ننظر إلى البحر.

تعيد هذه المفارقة إلينا دهشة الأدب. هي تدعونا إلى الشك في أكثر بديهياتنا رسوخا. تذكرنا بأن البحر والسماء والألوان .ليست مجرد حقائق مجردة قائمة خارجنا. هي إدراك يتشكل في كل مرة نرى فيها العالم من جديد. حين أفكر الآن في «الأوديسة»، لم تعد الصورة الأولى التي تحضرني هي صورة أوديسيوس في البحر كما رأيتها على الشاشة قبل أيام. لكن صورة أخرى، أكثر طرافة: أنا أبحر مع هوميروس، وأبحث عن الأزرق.

ماذا كان هوميروس يرى حين كان ينظر إلى البحر؟ وربما، في النهاية، لا يكون الأزرق هو اللون الغائب من «الأوديسة»، بقدر ما يكون اللون الذي جعلني، وأنا اغادر صالة سينما بعد قرون من كتابة النص، أعيد النظر في كل الألوان التي أظن أنني أراها بوضوح.

***

بقلم : سعيف علي

.............................

المراجع والمصادر

[1] غاي دويتشر (Guy Deutscher). عبر منظار اللغة: لم يبدو العالم مختلفا بلغات أخرى؟، ضمن سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2015.

[2] Pastoureau, Michel. Bleu : Histoire d'une couleur. Éditions du Seuil, 2000.

الدوافع المعرفية والوظائف الحضارية وتجليات الأدب الشعبي.. دراسة في ضوء التراث الرحلي العربي

على سبيل الافتتاح: يشكل أدب الرحلة أحد أكثر الأجناس الأدبية ثراء في التراث العربي، لأنه لا يقتصر على تسجيل وقائع السفر أو وصف الأمكنة، وإنما يتجاوز ذلك ليصبح وثيقة معرفية وحضارية تجمع بين التاريخ والجغرافيا والأدب والأنثروبولوجيا والاجتماع. وقد استطاع الرحالة العرب، منذ القرون الإسلامية الأولى، أن يؤسسوا تقليدا معرفيا متميزا، جعل من الرحلة وسيلة لاكتشاف العالم، والتعرف إلى الشعوب، وتوثيق مظاهر العمران، ورصد العادات والتقاليد، ونقل الخبرات العلمية والثقافية بين الأقاليم المختلفة.

ولم يكن ازدهار هذا الفن الأدبي وليد الصدفة، بل ارتبط بجملة من العوامل الحضارية التي عرفتها الدولة الإسلامية، وفي مقدمتها اتساع رقعة العالم الإسلامي، وانتشار الأمن في طرق التجارة، وازدهار الحركة العلمية، وقيام المراكز الثقافية الكبرى، فضلاً عن المكانة التي احتلتها فريضة الحج في تشجيع المسلمين على الارتحال والتنقل. ولذلك أصبح السفر جزءا من المشروع الحضاري الإسلامي، ولم يعد مجرد انتقال مكاني، بل تحول إلى وسيلة لإنتاج المعرفة وإعادة تشكيل الوعي بالذات والآخر.

وتكشف نصوص الرحلات العربية عن وعي مبكر بأهمية الملاحظة الدقيقة، إذ حرص الرحالة على وصف المدن، والأسواق، والقصور، والمساجد، والبيئة الطبيعية، والأنشطة الاقتصادية، والأنظمة السياسية، كما سجلوا الممارسات الاجتماعية والعادات الشعبية والأمثال والحكايات والمعتقدات المحلية، الأمر الذي جعل هذه النصوص تمثل سجلا حضاريا بالغ الأهمية، يمكن الإفادة منه في دراسة التاريخ الاجتماعي والثقافي للمجتمعات.

ومن جهة أخرى، يمثل الأدب الشعبي أحد أهم المكونات التي أغنت الخطاب الرحلي، إذ وجد الرحالة في الموروث الشعبي مادة ثرية تساعدهم على فهم المجتمعات التي زاروها، فوثقوا الأمثال، والحكايات، والأساطير، والأغاني، والعادات، والاحتفالات، وطقوس الحياة اليومية، مما جعل الرحلة فضاء لتلاقي الثقافة الرسمية بالثقافة الشعبية، ولتفاعل المعرفة المكتوبة مع الذاكرة الجماعية.

وتنبع أهمية هذه الدراسة من سعيها إلى الكشف عن الأبعاد الحضارية لأدب الرحلة العربي، وتحليل دوافعه ووظائفه، مع إبراز حضور الأدب الشعبي داخل النص الرحلي، باعتباره عنصرا أساسيا في بناء الصورة الثقافية للمجتمع، وفي حفظ الذاكرة الجماعية للأمم، بما يؤكد أن الرحلة ليست مجرد سرد لتجربة شخصية، وإنما خطاب حضاري متكامل يعكس طبيعة الإنسان والمكان والثقافة.

إشكالية الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من الإشكالية الرئيسة الآتية:

إلى أي حد أسهمت الدوافع المختلفة للرحلة في تشكيل الخطاب الرحلي العربي؟ وكيف تجلت الأبعاد الحضارية للأدب الشعبي داخل النصوص الرحلية بوصفها وثائق ثقافية وتاريخية؟

ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من الأسئلة الفرعية:

ما المقصود بأدب الرحلة؟ وما أهم خصائصه؟

ما أبرز الدوافع التي حفزت الرحالة العرب على السفر؟

كيف انعكست هذه الدوافع على بناء النص الرحلي؟

ما مكانة الأدب الشعبي داخل كتب الرحلات؟

كيف أسهمت الرحلات في حفظ الموروث الشعبي العربي والإنساني؟

ما القيمة الحضارية والمعرفية التي يقدمها أدب الرحلة للباحثين اليوم؟

أهداف الدراسة:

تهدف هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف لعل من أهمها ما يلي:

بيان مفهوم أدب الرحلة وأهميته في الثقافة العربية.

تحليل الدوافع الدينية والعلمية والسياسية والاقتصادية للرحلة.

إبراز الوظائف الحضارية والمعرفية للنصوص الرحلية.

الكشف عن حضور الأدب الشعبي في كتب الرحلات العربية.

توضيح دور الرحالة في توثيق الموروث الشعبي.

إبراز القيمة التاريخية والثقافية لأدب الرحلة باعتباره مصدرا معرفيا متعدد التخصصات.

 الإطار المفاهيمي والنظري لأدب الرحلة:

مفهوم أدب الرحلة:

إن أدب الرحلة من أكثر الأجناس الأدبية انفتاحا على مختلف حقول المعرفة، إذ يجمع بين السرد والوصف والتاريخ والجغرافيا والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع، الأمر الذي جعله يتجاوز كونه مجرد تسجيل لوقائع السفر، ليغدو خطابا ثقافيا وحضاريا يسهم في إنتاج المعرفة وإعادة تشكيل صورة الإنسان والمكان. فالرحلة في جوهرها ليست انتقالا في الفضاء الجغرافي فحسب، وإنما هي انتقال في الرؤية، وتحول في الوعي، وانفتاح على الآخر، بما يحمله من أنماط عيش، وقيم، وعادات، وتصورات حضارية.

ومن هذا المنطلق، يمكن تعريف أدب الرحلة بأنه جنس نثري يقوم على تدوين تجربة السفر في قالب يجمع بين الوصف والتحليل والمشاهدة والتأمل، ويعكس رؤية الرحالة للواقع الذي عايشه، من خلال رصد مظاهر الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية في البلدان التي زارها. ولا يقتصر هذا التدوين على نقل الأحداث، بل يمتد إلى تفسيرها وربطها بسياقاتها المختلفة، وهو ما يمنح النص الرحلي بعدًا معرفيًا يتجاوز البعد الحكائي.

وقد تميز هذا اللون الأدبي بمرونة كبيرة جعلته يستوعب أنماطا متعددة من الخطابات؛ ففيه يحضر السرد الذاتي إلى جانب الوصف الموضوعي، وتتجاور المعلومة التاريخية مع الانطباع الشخصي، كما يلتقي الخيال بالواقع، والمشاهدة المباشرة بالموروث الشفهي، وهو ما أكسبه خصوصية جعلته يحتل مكانة بارزة داخل الثقافة العربية الإسلامية.

نشأة أدب الرحلة وتطوره:

ارتبط ظهور أدب الرحلة في الثقافة العربية بطبيعة المجتمع العربي الذي عرف التنقل والترحال منذ الجاهلية، غير أن هذا الفن لم يتبلور في صورته الأدبية إلا مع ظهور الإسلام، حيث اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وتشعبت طرق الحج والتجارة وطلب العلم، فوجد المسلم نفسه في احتكاك دائم بمجتمعات وثقافات مختلفة، الأمر الذي دفعه إلى تسجيل مشاهداته وتدوين تجاربه.

وقد ساعدت عوامل عديدة على ازدهار هذا الفن، من أهمها الاستقرار السياسي الذي عرفته بعض المراحل التاريخية، وازدهار الحركة العلمية، وانتشار المدارس والمساجد الكبرى، وتطور وسائل النقل البحري والبري، فضلا عن تشجيع الإسلام على طلب العلم والسفر في الأرض للتأمل واكتساب المعرفة.

ومع مرور الزمن، تطورت الكتابة الرحلية من مجرد تسجيل مقتضب لمسار الرحلة إلى مؤلفات ضخمة تجمع بين الوصف والتحليل والنقد، وهو ما يتجلى في أعمال كبار الرحالة العرب، مثل ابن جبير، وابن بطوطة، والعبدري، والحسن الوزان، وغيرهم ممن جعلوا من الرحلة مشروعا معرفيا متكاملا، لا يقتصر على وصف الأمكنة، وإنما يمتد إلى تحليل الإنسان والثقافة والحضارة.

ولذلك يمكن القول إن تطور أدب الرحلة يعكس في الوقت نفسه تطور الوعي الحضاري العربي، فكلما اتسعت آفاق المعرفة، ازدادت النصوص الرحلية عمقا وشمولا، وتحولت من وثائق وصفية إلى نصوص ذات قيمة علمية وأدبية كبيرة.

الخصائص الفنية لأدب الرحلة:

يمتلك أدب الرحلة مجموعة من الخصائص التي تميزه عن غيره من الفنون النثرية، وتجعله جنسا أدبيا مستقلا له أدواته وآلياته التعبيرية.

ومن أبرز هذه الخصائص اعتماده على المشاهدة المباشرة، إذ يقوم الرحالة بوصف ما يراه بعينه، مما يمنح النص قدرا كبيرا من الواقعية والمصداقية، حتى وإن لم تخل بعض الرحلات من المبالغات أو الأخبار المنقولة.

كما يتميز هذا الأدب بغلبة الوصف، لأن الرحالة يسعى إلى نقل صورة دقيقة للأماكن التي يزورها، فيصف المدن، والجبال، والبحار، والعمارة، والأسواق، والمساجد، والحدائق، إلى جانب وصف السكان وعاداتهم وملابسهم وأطعمتهم وطقوسهم الاجتماعية.

ويتميز كذلك بتداخل الأجناس الأدبية داخله؛ فهو يجمع بين السيرة الذاتية، واليوميات، والمذكرات، والوصف الجغرافي، والتأريخ، وأحيانا الشعر، مما يمنحه ثراء أسلوبيا ومعرفيا.

ومن الخصائص المهمة أيضا حضور النزعة المقارِنة، إذ يعمد الرحالة إلى مقارنة المجتمعات التي يزورها بمجتمعه الأصلي، فيبرز أوجه التشابه والاختلاف، ويصدر أحكاما تعكس خلفيته الثقافية والفكرية، وهو ما يجعل النص الرحلي وثيقة تكشف عن رؤية الذات بقدر ما تكشف عن صورة الآخر.

القيمة الحضارية والمعرفية لأدب الرحلة:

تكمن أهمية أدب الرحلة في كونه يمثل ذاكرة حضارية تحفظ تفاصيل الحياة اليومية التي قد لا تتناولها المصادر التاريخية التقليدية. فكتب الرحلات تزخر بمعلومات دقيقة عن العمران، والنظم السياسية، والحياة الاقتصادية، والمؤسسات التعليمية، والأنشطة التجارية، والعلاقات الاجتماعية، فضلا عن وصف المظاهر الثقافية والفنية والدينية.

كما أسهم هذا الأدب في تعزيز الحوار الحضاري بين الشعوب، إذ أتاح التعرف إلى الثقافات المختلفة بعيدًا عن الصور النمطية، وأسهم في نقل الخبرات والعلوم والمعارف بين الأقاليم، الأمر الذي جعله وسيلة للتواصل الثقافي قبل ظهور وسائل الاتصال الحديثة.

ومن جهة أخرى، تمثل الرحلات مصدرا مهما لدراسة الأدب الشعبي، لأنها احتفظت بكثير من الأمثال والحكايات والأساطير والأغاني والعادات التي كانت متداولة شفهيا، ولولا تدوينها في كتب الرحلات لضاع جانب كبير منها. ومن ثم، فإن الرحالة لم يكن مجرد ناقل للأحداث، بل كان شاهدا على التحولات الحضارية، وموثقا للذاكرة الجماعية، ومساهما في حفظ التراث الإنساني.

وانطلاقا من ذلك، يمكن النظر إلى أدب الرحلة بوصفه خطابا حضاريا متكاملا، تتقاطع فيه المعرفة الأدبية مع المعرفة التاريخية والاجتماعية والأنثروبولوجية، وهو ما يفسر استمرار اهتمام الباحثين المعاصرين بهذا الفن، واعتباره من أهم المصادر التي تساعد على إعادة قراءة تاريخ المجتمعات من منظور ثقافي وإنساني شامل.

دوافع الرحلة في التراث العربي وأثرها في تشكيل الخطاب الرحلي:

على سبيل البداية:

لا يمكن فهم أدب الرحلة العربي بمعزل عن الدوافع التي كانت وراء نشأته وتطوره، إذ إن كل رحلة كانت تعكس غاية محددة، أو تستجيب لحاجة دينية، أو علمية، أو سياسية، أو اقتصادية، أو حضارية. ولذلك فإن تنوع الرحلات في التراث العربي لم يكن نتيجة اختلاف المسالك الجغرافية فحسب، بل كان ثمرة لتعدد المقاصد التي حملت الرحالة على مغادرة أوطانهم، والسير في الآفاق بحثا عن المعرفة، أو التجارة، أو العبادة، أو أداء المهام السياسية.

وقد انعكس هذا التنوع على طبيعة النصوص الرحلية نفسها، فأصبح كل نص يحمل بصمة الدافع الذي أنشأه، فهناك رحلات يغلب عليها الوصف الديني، وأخرى تركز على الحياة العلمية، وثالثة تهتم بالنظم السياسية والإدارية، ورابعة تتخذ من النشاط الاقتصادي محورا لملاحظاتها. ومن هنا، فإن دراسة دوافع الرحلة تمثل مدخلا أساسيا لفهم البنية الفكرية للنص الرحلي وتحليل أبعاده الحضارية.

 الدافع الديني وبناء الرحلة الروحية:

إن الدافع الديني يعتبر من أقدم الدوافع التي أسهمت في ازدهار الرحلة العربية، فقد ارتبط منذ بداية الحضارة الإسلامية بأداء فريضة الحج، وزيارة المسجد النبوي، والتماس العلم في الحرمين الشريفين، فضلا عن زيارة العلماء والصالحين ومراكز الإشعاع الديني.

ولم تكن رحلة الحج مجرد انتقال جغرافي نحو الأماكن المقدسة، بل كانت مشروعا روحيا ومعرفيا في آن واحد. فقد كان الحجاج يستغلون هذه المناسبة للالتقاء بعلماء الأمصار، وحضور حلقات الدرس، والحصول على الإجازات العلمية، والاطلاع على أحوال المجتمعات الإسلامية المختلفة، وهو ما جعل رحلة الحج مدرسة متنقلة تجمع بين العبادة والعلم.

وقد انعكس هذا الدافع على لغة الرحالة، إذ غلبت عليها النزعة الإيمانية، وكثرت فيها مشاهد التأمل والخشوع، ووصف الشعائر، والمساجد، والمشاعر المقدسة، إلى جانب تسجيل الأحوال الاجتماعية للحجاج، وطرق السفر، والخدمات المقدمة لهم، الأمر الذي جعل هذه الرحلات تمثل مصدرا تاريخيا بالغ الأهمية لدراسة تطور المدن المقدسة وطرق الحج عبر العصور.

ومن جهة أخرى، أسهم التصوف في توسيع مفهوم الرحلة الدينية، إذ لم يعد السفر مرتبطا بالحج وحده، بل أصبح وسيلة لزيارة الأولياء والزوايا، وطلب التربية الروحية، الأمر الذي أضفى على النصوص الرحلية بعدا وجدانيا وفلسفيا يبرز علاقة الإنسان بالخالق، وبالوجود، وبقيم الزهد والتأمل.

الدافع العلمي وإنتاج المعرفة:

احتلت الرحلة العلمية مكانة رفيعة في الحضارة الإسلامية، انطلاقا من المكانة التي منحها الإسلام للعلم والعلماء، حيث أصبح الارتحال في طلب العلم تقليدا راسخا أسهم في بناء النهضة العلمية الإسلامية.

وقد كان العلماء ينتقلون بين مختلف الأقاليم لسماع الحديث، ولقاء الشيوخ، ونسخ الكتب، ومناقشة القضايا العلمية، والحصول على الإجازات، وهو ما أدى إلى نشوء شبكة علمية واسعة تجاوزت الحدود السياسية، وربطت بين المراكز العلمية الكبرى في المشرق والمغرب.

ولم يقتصر أثر هذه الرحلات على تحصيل المعرفة، بل امتد إلى نقلها وتداولها، حيث عاد الرحالة إلى أوطانهم حاملين معهم الكتب والمخطوطات والآراء العلمية الجديدة، مما أسهم في إثراء الحياة الفكرية، وتعزيز التفاعل بين المدارس العلمية المختلفة.

كما أن الرحلات العلمية كشفت عن المستوى الحضاري الذي بلغته المؤسسات التعليمية في العالم الإسلامي، من خلال وصف الجامعات، والمدارس، والمكتبات، وحلقات التدريس، وأساليب التعليم، وهو ما يجعلها وثائق لا غنى عنها لدراسة تاريخ الفكر العربي والإسلامي.

الدافع السياسي وإدراك الآخر:

لم تكن جميع الرحلات ذات طابع ديني أو علمي، بل ارتبط عدد كبير منها بالمهام السياسية والدبلوماسية، إذ كلف الخلفاء والسلاطين بعض العلماء والكتاب بالسفر إلى الممالك الأجنبية أو الأقاليم البعيدة لأداء مهام رسمية، أو عقد المعاهدات، أو نقل الرسائل، أو استطلاع الأوضاع السياسية والعسكرية.

وقد أتاح هذا النوع من الرحلات للرحالة فرصة الاطلاع على أنظمة الحكم، والمؤسسات الإدارية، وتنظيم الجيوش، والعلاقات الدولية، فانعكس ذلك على نصوصهم التي أصبحت تقدم أوصافا دقيقة للبنية السياسية للدول التي زاروها.

ولم يكتف الرحالة بوصف مظاهر السلطة، بل عمدوا إلى مقارنتها بما عرفوه في أوطانهم، وهو ما يكشف عن وعي سياسي مبكر، ورغبة في فهم أسباب القوة والضعف في المجتمعات المختلفة.

ومن ثم، أصبحت الرحلات السياسية مصادر أساسية لفهم العلاقات بين الحضارات، وأسهمت في تكوين صورة متبادلة بين الشرق والغرب، وبين العالم الإسلامي وغيره من الأمم.

الدافع الاقتصادي وأثره في توسيع المجال الحضاري:

ارتبطت التجارة منذ القدم بحركة السفر، لذلك كان الدافع الاقتصادي من أبرز العوامل التي ساعدت على ازدهار الرحلات العربية، خصوصا مع اتساع شبكات التجارة البرية والبحرية، وارتباط المراكز التجارية العربية بالأسواق الإفريقية والآسيوية والأوروبية.

وقد حرص التجار الرحالة على تسجيل أوصاف الأسواق، والسلع، والعملات، والموانئ، وطرق النقل، والضرائب، وأساليب البيع والشراء، الأمر الذي يجعل كتب الرحلات مرجعا مهما لدراسة التاريخ الاقتصادي للعالم الإسلامي.

كما تكشف هذه النصوص عن طبيعة التبادل التجاري بين الشعوب، ودور التجارة في انتقال المنتجات والأفكار والثقافات، وهو ما يؤكد أن الرحلة الاقتصادية لم تكن وسيلة لتحقيق الربح فحسب، وإنما كانت أداة للتواصل الحضاري، ونقل الخبرات، وتعزيز التفاعل الثقافي بين الأمم.

تداخل الدوافع وأثره في تشكيل النص الرحلي:

على الرغم من إمكان تصنيف الرحلات وفق دوافعها الرئيسة، فإن الواقع يكشف أن أغلب الرحلات العربية كانت تجمع بين أكثر من دافع في الوقت نفسه. فالحاج كان يطلب العلم، والعالم كان يمارس التجارة، والتاجر كان يوثق العادات والتقاليد، والمبعوث السياسي كان يسجل مشاهداته الثقافية والاجتماعية.

وقد أسهم هذا التداخل في منح النص الرحلي ثراء معرفيا كبيرا، إذ أصبح يجمع بين الوصف الجغرافي، والتحليل التاريخي، والتوثيق الاجتماعي، والرؤية الأدبية، مما جعله نصا متعدد الأبعاد، يصعب حصره في مجال معرفي واحد.

ومن هنا تتجلى خصوصية أدب الرحلة العربي، بوصفه خطابا حضاريا شاملا استطاع أن يوثق الإنسان والمكان والزمان في آن واحد، وأن يحول تجربة السفر الفردية إلى ذاكرة جماعية تحفظ تفاصيل الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية للمجتمعات التي عبرها الرحالة.

الأدب الشعبي في أدب الرحلة: تمثلات الذاكرة الجماعية وأبعادها الحضارية:

تقديم:

لا تقتصر أهمية أدب الرحلة على كونه مصدرا لتوثيق الجغرافيا أو تسجيل الوقائع التاريخية، بل تتجاوز ذلك إلى كونه أحد أهم المصادر التي حفظت الذاكرة الشعبية للمجتمعات. فقد أدرك الرحالة العرب، بوعي أو بغير وعي، أن فهم المجتمعات لا يتحقق من خلال وصف عمرانها أو نظمها السياسية فحسب، وإنما يستلزم الوقوف على أنماط تفكير أفرادها، ومعتقداتهم، وعاداتهم، وأمثالهم، وحكاياتهم، واحتفالاتهم، وهي العناصر التي تشكل جوهر الثقافة الشعبية.

ومن هنا، أصبح النص الرحلي فضاء رحبا لتوثيق الموروث الشعبي، وتحول الرحالة إلى شاهد ثقافي ينقل تفاصيل الحياة اليومية، ويؤرخ للثقافة غير الرسمية التي كثيرا ما أغفلتها كتب التاريخ والسياسة. ولذلك تكتسب العلاقة بين أدب الرحلة والأدب الشعبي أهمية خاصة، لأنها تكشف عن التفاعل بين الثقافة العالمة والثقافة الشعبية، وتبرز دور الرحالة في حفظ التراث اللامادي للأمم.

 مفهوم الأدب الشعبي:

يشير الأدب الشعبي إلى مجموع الإبداعات الشفوية التي تنتجها الجماعة الإنسانية وتعبر من خلالها عن رؤيتها للحياة والكون والإنسان. وهو أدب ينشأ في البيئة الشعبية، ويتناقل عبر الأجيال بالمشافهة، قبل أن يدون في مراحل لاحقة، لذلك يمثل مرآة صادقة لوجدان المجتمع، ولخبراته التاريخية، ولمنظومته القيمية.

ويضم الأدب الشعبي أشكالا تعبيرية متعددة، من أبرزها الأمثال، والحكايات، والأساطير، والخرافات، والسير الشعبية، والألغاز، والأهازيج، والأغاني، والحكم، والدعوات، والأمثولات، وهي جميعها تعكس التجربة الجمعية أكثر مما تعبر عن تجربة فردية.

وتنبع أهمية الأدب الشعبي من كونه يحتفظ بما لا تحفظه الوثائق الرسمية، إذ ينقل تفاصيل الحياة اليومية، وصور التفكير، والعلاقات الاجتماعية، وأنماط السلوك، مما يجعله وثيقة ثقافية لا تقل أهمية عن الوثائق التاريخية المكتوبة.

الفولكلور بوصفه ذاكرة حضارية:

يعتبر الفولكلور أحد أهم مكونات التراث الثقافي غير المادي، ويشمل مجموع الممارسات والعادات والتقاليد والفنون الشعبية والمعتقدات والطقوس التي تنتقل بين أفراد المجتمع عبر الأجيال.

ولا يقتصر مفهوم الفولكلور على الحكايات والأساطير، بل يمتد ليشمل اللباس التقليدي، والعمارة المحلية، والموسيقى، والرقصات الشعبية، والصناعات التقليدية، والاحتفالات الموسمية، وطقوس الزواج، والعلاج الشعبي، والأطعمة، والألعاب، وغيرها من المظاهر التي تشكل هوية المجتمع.

ومن هذا المنطلق، أصبح الفولكلور موضوعا رئيسا في الدراسات الأنثروبولوجية والثقافية، لأنه يساعد على فهم البنية الاجتماعية للمجتمعات، ويكشف عن آليات انتقال القيم والمعارف بين الأجيال، كما يسهم في تفسير الخصوصيات الحضارية التي تميز كل مجتمع عن غيره.

الرحالة بوصفه موثقًا للثقافة الشعبية:

تبين نصوص الرحلات العربية أن الرحالة لم يكن مجرد مراقب للأمكنة، وإنما كان باحثا في الإنسان وثقافته. فقد أولى اهتماما كبيرا للعادات الاجتماعية، وأساليب العيش، والاحتفالات، والمعتقدات، والملابس، والأطعمة، واللهجات، والأمثال المتداولة، والحكايات التي كان يسمعها من السكان.

وهذا الاهتمام لم يكن ترفا سرديا، بل كان يعكس وعيا بأهمية الثقافة الشعبية في فهم المجتمعات. فالرحالة كان يدرك أن المدينة لا تعرف بأسوارها وأسواقها فقط، وإنما تعرف أيضا بما يختزنه أهلها من قيم وعادات ورموز ثقافية.

ومن هنا أصبحت كتب الرحلات سجلا ضخما ومدونة كبرى للتراث الشعبي، إذ حفظت كثيرا من الممارسات التي اندثرت لاحقا، وسجلت تفاصيل الحياة اليومية التي لم تجد طريقها إلى المصادر الرسمية.

 الأمثال والحكايات الشعبية في الخطاب الرحلي:

احتلت الأمثال الشعبية مكانة بارزة في عدد كبير من الرحلات العربية، لأنها تمثل خلاصة التجربة الاجتماعية، وتعكس الحكمة الجماعية للمجتمع. لذلك كان الرحالة يوظفونها لتفسير سلوك السكان، أو لتوضيح موقف معين، أو لتقريب صورة المجتمع إلى القارئ.

كما اهتم الرحالة بالحكايات الشعبية، لما تحمله من دلالات ثقافية ورمزية، إذ لم يتعاملوا معها بوصفها قصصا للتسلية، وإنما باعتبارها نصوصا تكشف عن المخيال الجمعي، وعن صورة البطولة، والخوف، والعدالة، والكرم، والشجاعة، وغيرها من القيم المؤسسة للثقافة المحلية.

وقد أسهم إدراج هذه الحكايات داخل النص الرحلي في إضفاء بعد سردي وجمالي على الرحلة، وجعلها أكثر قدرة على تمثيل الواقع الثقافي للمجتمعات التي زارها الرحالة.

القيمة الحضارية لتوثيق الأدب الشعبي في الرحلات:

إن القيمة الحقيقية لأدب الرحلة لا تكمن في وصف الطرق والمدن فحسب، وإنما في قدرته على حفظ التراث الثقافي غير المادي. فكثير من العادات والتقاليد التي وثقها الرحالة اندثرت بفعل التحولات الاجتماعية والسياسية، ولم يبق منها سوى ما حفظته كتب الرحلات.

ولهذا تمثل الرحلات العربية اليوم مصدرا رئيسا للدراسات الأنثروبولوجية والثقافية، لأنها تمكن الباحث من إعادة بناء صورة المجتمع في لحظة تاريخية معينة، وفهم طبيعة العلاقات الاجتماعية، وأنماط التفكير، والقيم السائدة، والهوية الثقافية.

كما تؤكد هذه النصوص أن الرحالة العربي لم يكن مجرد ناقل للأخبار، بل كان باحثا ميدانيا مارس الملاحظة والوصف والمقارنة قبل ظهور المناهج الحديثة في العلوم الإنسانية، وهو ما يمنح النص الرحلي قيمة علمية تتجاوز قيمته الأدبية.

وهكذا يتضح مما سبق أن العلاقة بين أدب الرحلة والأدب الشعبي ليست علاقة سطحية، بل هي علاقة عضوية تتأسس على التفاعل والتداخل بينهما، لأن الرحلة كانت في جوهرها رحلةً إلى الإنسان قبل أن تكون رحلة إلى المكان. وقد أسهم الرحالة العرب في حفظ جانب مهم من الذاكرة الجماعية للشعوب، من خلال توثيق الأمثال والحكايات الشعبية والعادات والطقوس والممارسات اليومية، وهو ما جعل كتب الرحلات خزائن حقيقية للتراث الثقافي غير المادي.

ولذلك فإن دراسة الأدب الشعبي في النصوص الرحلية لا تقتصر على الكشف عن عناصر الفولكلور، بل تفتح آفاقا جديدة لفهم التاريخ الاجتماعي والثقافي والحضاري، وتؤكد أن أدب الرحلة يمثل أحد أغنى المصادر لدراسة هوية المجتمعات وتحولاتها عبر الزمن.

 الخطاب الرحلي العربي بوصفه خطابا ثقافيا: تمثلات الذات والآخر:

على سبيل التمهيد:

لم يعد الباحثون المعاصرون ينظرون إلى أدب الرحلة بوصفه مجرد تسجيل لمشاهدات المسافر أو وصف للمسالك والمدن، بل أصبح ينظر إليه باعتباره خطابا ثقافيا ينتج المعرفة، ويعيد بناء صورة الذات والآخر في آن واحد. فالرحالة لا يصف العالم كما هو فحسب، بل يعيد تشكيله وفق منظومته الفكرية، وخلفيته الحضارية، وموقعه الثقافي، مما يجعل النص الرحلي بناء تأويليا أكثر منه وصفا محايدا للواقع.

ومن هذا المنطلق، يشكل أدب الرحلة مجالا خصبا لدراسة آليات التمثيل الثقافي، وكيفية بناء الصور الذهنية عن الشعوب والحضارات، والكشف عن طبيعة العلاقة بين الهوية والانفتاح، وبين الانتماء الثقافي والرغبة في اكتشاف المختلف.

الرحلة وإعادة تشكيل صورة الذات:

تظهر النصوص الرحلية العربية أن الرحالة، وهو يصف المجتمعات الأخرى، كان يعيد في الوقت نفسه اكتشاف ذاته. فمواجهة الثقافات المختلفة لا تؤدي إلى التعرف على الآخر فقط، بل تدفع الإنسان إلى مراجعة منظومته الفكرية، وإعادة تقييم عاداته وقيمه، ومقارنة ما اعتاده بما يشاهده في البيئات الجديدة.

ولهذا فإن صورة الذات في أدب الرحلة ليست صورة ثابتة، بل هي صورة متحركة تتشكل باستمرار عبر الانفتاح والتفاعل مع الثقافات الأخرى. فكلما اتسعت تجربة الرحالة، ازدادت رؤيته للعالم عمقا واتساعا، وأصبح أكثر قدرة على إدراك اختلاف وتباين العادات والتقاليد وتنوعها، والتمييز بين الخصوصية الثقافية والقيم الإنسانية المشتركة.

ومن هنا، فإن الرحلة لا تنتج معرفة بالمكان فحسب، وإنما تنتج معرفة بالذات أيضا، وهو ما يجعلها تجربة وجودية تتجاوز حدود السفر المادي إلى سفر فكري وثقافي.

 صورة الآخر في الخطاب الرحلي:

يحتل "الآخر" موقعًا محوريا في النص الرحلي، لأن الرحلة تقوم أساسا على الانتقال من فضاء مألوف إلى فضاء مختلف. ولذلك انشغل الرحالة العرب بوصف الشعوب التي زاروها، وأنماط حياتها، ولغاتها، ودياناتها، وعمرانها، واقتصادها، وعاداتها اليومية.

غير أن هذه الصورة لم تكن دائما واحدة، فقد تأثرت بخلفية الرحالة الدينية والثقافية والاجتماعية، وبطبيعة العلاقة التي كانت تربطه بالمجتمع الذي يزوره. ولهذا نجد أن بعض الرحالة اتسمت كتاباتهم بروح الإعجاب والانفتاح، بينما غلب على بعضهم الآخر الميل إلى المقارنة وإصدار الأحكام. ومع ذلك، فإن الغالب على الرحلات العربية هو السعي إلى الفهم والوصف أكثر من الرغبة في إصدار الأحكام المسبقة، وهو ما يميز كثيرا من النصوص الرحلية العربية عن بعض الرحلات الاستعمارية الأوروبية التي كانت تسخر الوصف لخدمة مشاريع الهيمنة السياسية والثقافية.

 الرحلة والحوار الحضاري:

إن الحوار الحضاري من أهم الوظائف التي اضطلع بها أدب الرحلة العربي، إذ أسهم في نقل المعرفة بين الشعوب، وتعريف كل أمة بالأمم الأخرى، وإقامة جسور للتواصل الثقافي والفكري.

فالرحالة العربي لم يكن مجرد ناقل للمعلومات، بل كان وسيطا حضاريا ينقل العلوم والخبرات والعادات، ويقدم للقارئ صورة عن التنوع الإنساني، بما يعزز قيم التفاهم والتسامح واحترام الاختلاف.

كما أن النصوص الرحلية أسهمت في تصحيح كثير من الصور النمطية، إذ كشفت عل أن الحضارة ليست حكرا على أمة دون أخرى، وأن التقدم الإنساني هو نتاج تفاعل الحضارات وتبادل الخبرات بينها.

 أدب الرحلة والبعد الأنثروبولوجي:

قبل ظهور الأنثروبولوجيا بوصفها علما مستقلا، مارس الرحالة العرب كثيرا من الإجراءات التي أصبحت فيما بعد من أدوات البحث الأنثروبولوجي، مثل الملاحظة المباشرة، ووصف أنماط العيش، وتحليل العادات الاجتماعية، وتوثيق الطقوس والاحتفالات والمعتقدات.

ولهذا يمكن النظر إلى كتب الرحلات بوصفها سجلات إثنوغرافية مبكرة، لأنها قدمت وصفا دقيقا للمجتمعات الإنسانية، وسجلت تفاصيل الحياة اليومية، والعلاقات الاجتماعية، والبنى الثقافية، بطريقة تجعلها مصدرا مهما للدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة.

ولا تكمن أهمية هذه النصوص في كثرة المعلومات التي تقدمها فحسب، بل في أنها تحفظ صورة المجتمع قبل التحولات الكبرى التي أحدثها الاستعمار، والحداثة، والعولمة، وهو ما يمنحها قيمة توثيقية استثنائية.

أدب الرحلة وإنتاج المعرفة الحضارية:

إن القيمة العلمية لأدب الرحلة لا تتمثل في جمع الأخبار فحسب، وإنما في الطريقة التي تتحول بها الملاحظة الفردية إلى معرفة حضارية قابلة للتحليل والتفسير.

فالرحالة العربي لم يكن يكتفي بوصف ما يشاهده، بل كان يحاول تفسير الظواهر الاجتماعية، وربطها بعواملها التاريخية والجغرافية والثقافية، وهو ما يجعل النص الرحلي قريبا من الدراسات الحضارية الحديثة.

ومن ثم، فإن أدب الرحلة يمثل أحد أهم الروافد التي أسهمت في بناء المعرفة الإنسانية، لأنه جمع بين الوصف والتحليل، وبين الخبرة الشخصية والرؤية الفكرية، وبين الملاحظة الميدانية والتأمل الثقافي.

وهكذا يتبين لنا بأن الخطاب الرحلي العربي لا يقتصر على كونه خطابا جغرافيا أو سرديا، بل يمثل خطابا ثقافيا بامتياز، يعكس رؤية الإنسان للعالم، ويعيد تشكيل العلاقة بين الذات والآخر، ويسهم في بناء المعرفة الحضارية. ولذلك فإن قيمة الرحلات العربية لا تكمن في بعدها التاريخي وحده، بل في قدرتها على تقديم صورة مركبة للإنسان والثقافة والمجتمع، وهو ما يفسر استمرار حضورها في الدراسات الأدبية والثقافية والأنثروبولوجية المعاصرة.

على سبيل الختام:

خلصت هذه الدراسة إلى أن أدب الرحلة العربي يمثل واحدا من أكثر الأجناس الأدبية ثراء وتعددا في وظائفه المعرفية والحضارية، إذ لم يكن مجرد تسجيل لتجربة السفر أو وصف للأمكنة، بل تحول إلى خطاب ثقافي متكامل يجمع بين التاريخ والجغرافيا والأدب وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا، ويقدم صورة شاملة عن الإنسان والمجتمع والحضارة. ومن ثم، فإن الرحلة العربية تجاوزت بعدها المكاني لتصبح فعلا معرفيا يسعى إلى اكتشاف العالم، وإنتاج المعرفة، وبناء جسور التواصل بين الثقافات.

وقد بينت الدراسة أن ازدهار أدب الرحلة لم يكن وليد المصادفة، وإنما ارتبط بجملة من العوامل الدينية والعلمية والسياسية والاقتصادية التي أسهمت في تشجيع الرحالة على الارتحال وتدوين تجاربهم. فكان الدافع الديني مرتبطا بالحج وزيارة الأماكن المقدسة وطلب العلم، بينما ارتبط الدافع العلمي بحركة الارتحال في سبيل تحصيل المعرفة وتبادل الخبرات، في حين أسهمت الدوافع السياسية والاقتصادية في توسيع المجال الحضاري للنص الرحلي، وجعلته وثيقة تكشف عن طبيعة العلاقات بين الشعوب والأمم.

كما أظهرت الدراسة أن أدب الرحلة العربي أدى دورا جوهريا في حفظ التراث الثقافي غير المادي، من خلال توثيق الأمثال الشعبية، والحكايات، والعادات، والطقوس، والاحتفالات، واللهجات، وأنماط العيش، الأمر الذي جعله مصدرا مهما لدراسة الأدب الشعبي والأنثروبولوجيا الثقافية. فالرحالة لم يكن مجرد راو للأحداث، بل كان شاهدا حضاريا وموثقا للذاكرة الجماعية، حيث استطاع أن ينقل إلى الأجيال اللاحقة صورا دقيقة عن المجتمعات التي زارها.

كما كشفت الدراسة أيضا أن النص الرحلي العربي يقوم على جدلية الذات والآخر، حيث أن الرحالة، وهو يصف المجتمعات الأخرى، كان يعيد في الوقت نفسه بناء رؤيته لذاته ولمجتمعه، مما يجعل الرحلة فضاء للحوار الحضاري أكثر من كونها مجرد وصف جغرافي. كما اتسمت أغلب الرحلات العربية بنزعة إنسانية قائمة على الفهم والملاحظة والمقارنة، بعيدا عن الأحكام المسبقة أو الرؤية الإقصائية، وهو ما أكسبها قيمة معرفية وإنسانية كبيرة.

وانطلاقا من ذلك، يمكن التأكيد أن أدب الرحلة العربي يشكل رصيدا معرفيا متعدد الأبعاد، تتقاطع فيه وظائف الأدب مع وظائف التاريخ والجغرافيا والعلوم الاجتماعية، الأمر الذي يفرض إعادة قراءته وفق مناهج النقد الثقافي، والأنثروبولوجيا، وتحليل الخطاب، ودراسات ما بعد الكولونيالية، حتى تتجلى قيمته الحقيقية بوصفه وثيقة حضارية تسهم في فهم تطور المجتمعات العربية والإسلامية وعلاقاتها بالثقافات الأخرى.

إن إعادة الاعتبار لهذا الجنس الأدبي ليست مجرد استعادة لنصوص تراثية، وإنما هي استثمار في ذاكرة الأمة، وإحياء لمصدر غني بالمعرفة الإنسانية، يمكن أن يسهم في تعزيز الحوار بين الحضارات، وترسيخ قيم الانفتاح والتسامح، وإبراز إسهام الثقافة العربية في بناء المعرفة الإنسانية عبر التاريخ.

نتائج الدراسة:

أسفرت الدراسة عن مجموعة من النتائج، لعل من أهمها ما يلي:

يعتبر أدب الرحلة جنسا أدبيا مركبا يجمع بين الأدب والتاريخ والجغرافيا والأنثروبولوجيا.

أسهمت الدوافع الدينية في نشأة جانب كبير من الرحلات العربية، ولا سيما رحلات الحج وطلب العلم.

شكلت الرحلات العلمية ركيزة أساسية في انتقال المعرفة بين المشرق والمغرب.

أدت الرحلات السياسية والدبلوماسية دورا مهما في التعريف بالأنظمة الإدارية والعلاقات الدولية.

أسهمت الرحلات التجارية في توثيق النشاط الاقتصادي وشبكات التبادل الحضاري.

لم تكن دوافع الرحلة منفصلة، بل تداخلت فيما بينها، مما أكسب النص الرحلي ثراء معرفيا.

حفظت كتب الرحلات جانبًا مهما من التراث الشعبي الذي لم يصل عبر المصادر الرسمية.

احتلت الأمثال والحكايات الشعبية مكانة بارزة داخل النصوص الرحلية.

قدم الرحالة العرب أوصافا دقيقة للعادات والتقاليد والممارسات الاجتماعية.

تمثل الرحلات مصدرا مهما للدراسات الأنثروبولوجية والثقافية المعاصرة.

أسهم الخطاب الرحلي في بناء صورة متوازنة عن الآخر في كثير من النصوص العربية.

تبرز الرحلات عن وعي حضاري قائم على الحوار والتفاعل الثقافي.

تؤكد النصوص الرحلية أهمية الملاحظة الميدانية في إنتاج المعرفة.

يمثل أدب الرحلة سجلا تاريخيا يوثق التحولات الاجتماعية والثقافية عبر العصور.

ما يزال أدب الرحلة مجالا خصبا للبحث العلمي، ويحتاج إلى مزيد من الدراسات النقدية الحديثة.

توصيات الدراسة:

في ضوء النتائج السابقة، توصي الدراسة بما يأتي:

تشجيع تحقيق المخطوطات الرحلية العربية ونشرها وفق أسس علمية.

إعادة قراءة أدب الرحلة في ضوء مناهج النقد الثقافي وتحليل الخطاب.

الإفادة من كتب الرحلات في الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية والاجتماعية.

توسيع الاهتمام بالأدب الشعبي الوارد في النصوص الرحلية.

إدراج نماذج من أدب الرحلة ضمن المقررات الجامعية الخاصة بالأدب والثقافة.

إنشاء قواعد بيانات رقمية متخصصة في الرحلات العربية.

تشجيع الدراسات المقارنة بين الرحلات العربية والرحلات الأجنبية.

الاهتمام بالرحلات المغربية بوصفها رصيدا حضاريا وثقافيا متميزا.

توظيف أدب الرحلة في تعزيز الحوار الحضاري بين الثقافات.

دعم البحوث البينية التي تربط أدب الرحلة بالدراسات الثقافية والإنسانية.

***

بقلم: د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ السياسي والحضاري

 

الاعلامي الذي حمل العراق الى العالم

تنهض تجربة ديوان «قلب الإعلام» بوصفها مقاربة أدبية ذات طابع إشكالي وجمالي في آنٍ واحد، إذ يقدّم الشاعر والأديب رافد حميد فرج القاضي نصاً يتجاوز الوظيفة التعبيرية للشعر إلى وظيفة تأريخية رمزية تتقصّى حياة شخصية إعلامية معاصرة هي الدكتور سعد المسعودي، لا بوصفها موضوعاً خارجياً للكتابة، بل باعتبارها مركزاً دلالياً تتكثف حوله اللغة، وتتوالد منه الرؤى. إن هذا العمل لا يندرج ضمن الأنماط المألوفة في كتابة السير، كما لا يمكن احتواؤه داخل القوالب الشعرية التقليدية، لأنه ينهض على تقاطع نوعي بين السيرة والتخييل الشعري بما يفتح أفقاً إبداعياً جديداً يمكن عدّه من محاولات تأسيس جنس أدبي هجين تتجاور فيه الوقائع مع المجازات، ويتحوّل فيه الحدث إلى طاقة لغوية مشحونة بالدلالة.

إن أبرز ما يلفت النظر في هذا الديوان هو وعي الشاعر بوظيفة اللغة بوصفها أداة خلق لا نقل، إذ لا يكتفي بسرد حياة الشخصية من الولادة حتى الحاضر، بل يعيد تشكيل هذه الحياة عبر بنية شعرية تتسم بالتماسك الداخلي، حيث تتداخل الأزمنة وتتشابك فيغدو الماضي امتداداً للحاضر، ويتحوّل الحاضر إلى مرآة تستعيد بدايات التكوين الأولى. وعلى هذا الأساس، لا تبدو السيرة خطاً زمنياً مستقيماً، بل فضاءً مفتوحاً تتجاور فيه اللحظات، وتتراكم فيه التجارب ضمن نسيج شعري متصل، ينهض على الإيحاء أكثر من التصريح، وعلى الانزياح أكثر من التقرير.

ومن الناحية الأسلوبية، تتجلّى قدرة الشاعر على تطويع اللغة إلى أقصى حدودها التعبيرية، حيث تتسم مفرداته بكثافة دلالية عالية، وتتشكل جمله ضمن إيقاع داخلي يضفي على النص طابعاً إنشادياً متدفقاً. ولا تقف الصورة الشعرية عند حدود الزخرف البلاغي، بل تتحول إلى بنية مولّدة للمعنى إذ تتكثف فيها التجربة الإنسانية للشخصية موضوع السيرة، لتغدو رمزاً يتجاوز فرديته ويتصل بسياق أوسع هو سياق الوطن. ومن هنا، فإن سعد المسعودي لا يظهر في النص بوصفه إعلامياً فحسب، بل بوصفه تمثيلاً لصوت العراق في امتداده الثقافي والإنساني، الأمر الذي يمنح الديوان بعداً وطنياً واضحاً، يتداخل فيه الخاص مع العام، والفردي مع الجمعي.

ويُلاحظ كذلك أن الشاعر قد استطاع أن يحمّل التجربة الإعلامية دلالات جمالية، إذ لم يتعامل مع الإعلام بوصفه مهنة، بل بوصفه رسالة ذات أبعاد أخلاقية ومعرفية تتجسد في شخصية البطل الشعري. وهذا التحويل من الواقعي إلى الرمزي يعكس وعياً عميقاً بطبيعة الكتابة الشعرية، التي لا تعيد إنتاج الواقع، بل تعيد تأويله وصياغته ضمن رؤية جمالية. وفي هذا السياق، تتبدّى مهارة الشاعر في بناء نص قادر على احتواء تعددية الدلالات، حيث تتجاور الإشارات التاريخية مع الإيحاءات الوجدانية وتتشابك الوقائع مع التأملات، دون أن يفقد النص تماسكه أو وحدته العضوية.

وإذا كان من المألوف في كتابة السير أن تميل إلى التوثيق أو التمجيد، فإن هذا الديوان ينجح في تجاوز هذين البعدين عبر استثمار الطاقة الشعرية للغة، بحيث يصبح المديح جزءاً من البناء الجمالي لا غاية قائمة بذاتها، كما تتحول الوقائع إلى مادة أولية يعاد تشكيلها فنياً. ومع ذلك، فإن كثافة اللغة وامتداد النص قد يفرضان على القارئ جهداً تأويلياً مضاعفاً، وهو أمر يمكن فهمه في إطار طبيعة المشروع نفسه، الذي يراهن على قارئ يمتلك حساً نقدياً وقدرة على التفاعل مع النصوص المركّبة.

إن القيمة الحقيقية لهذا الديوان تكمن في جرأته على كسر الأنساق الجاهزة، وفي سعيه إلى إعادة تعريف العلاقة بين الشعر والسيرة، حيث لا تعود السيرة خطاباً توثيقياً، بل تتحول إلى تجربة جمالية قائمة بذاتها، تتأسس على الخيال بقدر ما تستند إلى الواقع. ومن هنا، يمكن القول إن رافد حميد فرج القاضي قد نجح في تقديم نص يتجاوز حدود التجريب إلى مستوى الإنجاز إذ استطاع أن يخلق عالماً شعرياً متكاملاً تتجسد فيه الشخصية موضوع السيرة بوصفها كياناً لغوياً نابضاً بالحياة.

وفي خاتمة المطاف، يغدو ديوان «قلب الإعلام» علامة فارقة في مسار الكتابة الشعرية المعاصرة، ليس لأنه يروي سيرة إعلامي بارز فحسب، بل لأنه يقدّم نموذجاً مغايراً لكيفية كتابة الإنسان شعراً، وكيف يمكن للكلمة أن تحتضن الزمن كله في نبضة واحدة. إن هذا العمل يرسّخ حضور مؤلفه بوصفه صوتاً إبداعياً يمتلك أدواته بوعي واقتدار، ويؤكد أنه قد بلغ في هذا الديوان مرتبة متقدمة من النضج الفني، حيث تتحد الرؤية مع اللغة ويتماهى الإحساس مع الفكرة، فينتج نصاً يفيض بالدهشة

 ويستحق أن يُقرأ بوصفه إضافة نوعية إلى الأدب العربي الحديث، بل بوصفه مغامرة جمالية نادرة، ستبقى شاهدة على قدرة الشعر على أن يكتب الحياة، لا كما هي، بل كما ينبغي أن تُرى.

***

علي السرحان

قراءة في مجموعته يبكي جبر

لا تشبه مجموعة "يبكي جبر ويغني" لصالح البياتي المشهد الشعري المعاصر، وإن كانت تنتمي إليه بعدة روابط. فهي من ناحية الأسلوب بالغة البساطة، يفهمها أي قارئ، وتستعمل لغة الصحافة وليس البديع والبيان أو فصاحة اللسان العربي الأول.  وأرى أنها أشبه بلغة همنغواي في النثر وأدب الرحلات.

وألح على همنغواي لسببين: 

لأنه قرب لغة المتكلم من لسان الحياة والبسطاء. ولأنه عاش حياته كما يعيش الأغراب. لم يندمج مع أحد، وعانى من أزمات عصبية متتالية قادته إلى الانتحار في كوبا.

ويتقاطع صالح البياتي معه في الناحيتين. فقد عاش في الكويت التي عانت الأمرين من سياسة العراق في ظل صدام. كما أنه لم يكتب إلا عن أزمنة صعبة يخيم عليها الخوف والقلق، وهو ما يسميه علي جبار عطية في تقديمه للمجموعة باسم الخروج من الألم والأنين ص2.  والخروج بالأساس كلمة توراتية اخترعها اليهود، ولها معنى تاريخي وآخر طقوسي. وهذا ينطبق تماما على جو القصائد، فهي "أساطير" يومية بتعبير بارت، وتتكلم عن مخاض فردي عسير.  فقد أكد عنوان المجموعة على البكاء، وقدمه على جبر بطل القصائد، ناهيك أنه ترك الضحك للمقام الأخير.  وهذا الترتيب يدل على أولوية المعاناة والمشقة، وعلى تأخر ثقافة السعادة والفرح. حتى أنه في أولى قصائده رأى "القمر مرسوما في الحلكة" - شدة السواد والإعتام،  ص9 قبل  أن  يرى "العراق مملكة للشهداء" - أو عرشا لأموات ص15 ماتوا بدون قضية. ويبدو موت أبطال القصائد عبثيا وليس له معنى، ويذكرنا بموت شخصيات كافكا، باعتبار أنه غياب وجودي مقدر سلفا.

يقول البياتي بهذا المعنى:

صرت أخط بيدي لافتة تعلن موتي ص 15.

ثم يقول: لا أعرف من قاموس لغتي مفردة واحدة غير الموت ص16.

ولكن هناك أيضا فرق في هذا التآلف مع الغياب والرحيل. فالبياتي يذهب إلى موته قسرا، أو كما يعلن في قصيدة "خارطة الوطن" ص13 تقوده إليه حرب لم تترك في ذهنه ذكرى جميلة واحدة، بينما يشعر كافكا بالغبطة لموته الوشيك (كما حصل في قصته حلم - A Dream . منشورة في كتاب بنغوين لأعماله الكاملة تحت عنوان قصص قصيرة جدا).

تبقى ملاحظتان عن الأسلوب.

الأولى أن القصائد تدخل تحت مظلة الأسلوب المتأخر - أو الأخير من أساليب الكتابة الجديدة new writing trends . ولا أستطيع أن أجد لها أي اسم آخر. فما كان يعرف بالشعر الحر (نموذج السياب ورفاقه) أصبح يحمل اسم شعر التفعيلة. أما قصائد النثر فهي حتى الآن في منطقة غامضة وتتعرض لانزلاقات ولتبديل في البنية والحدود. فشعر يوسف الخال مثلا لا يمكن مقارنته مع أسلوب شوقي أبي شقرا، لا من ناحية الموسيقا الداخلية ولا توزيع الأبيات والصور والمفردات. وإذا كان جسم القصيدة عند الخال هرميا يبدأ من صورة بسيطة ويتطور إلى صور متوازية ومترادفة (القصائد الشبكية)، فإن أبي شقرا يحافظ على نفس التوزيع دون أي تغيير في الكتل والفراغات (الشعر الخيطي). ولمزيد من التوضيح لا يمكن مقارنة شعر إنعام كمونة - السطري مع قصائد البياتي لأنه يهتم بتواتر الكلمات واسترسال المعاني.

الثانية أن المجموعة اختارت شكل القصيدة المتواصلة، وكأنه أزمع على إنتاج متوالية شعرية، وهو ما يسميه باسم الاسترسال. ومن الواضح أن كل قصيدة تأتي على شاكلة تتمة لما سبق. وأفضل تفسير لهذه الظاهرة وجود ثيمة الاغتراب وما يتفرع عنها من قلق وهروب للمكان. وهي ناحية شائعة بين أهم أدباء المنفى، ومنهم على سبيل المثال حميد العقابي. فالأشكال والأساليب تتبدل، وجغرافيا الأمكنة تبقى في الظل أو طي الكتمان والمجهول، غير أن شروط المرحلة تبقى كما هي. بتعبير آخر لا يوجد لجغرافيا الأمكنة وجه، ولكن يحافظ قانون اللحظة على صفاته، وعلى رأسها الطغيان والاستبداد وهدر الفرص. وألاحظ نفس الشيء في شعر صالح البياتي. فهو مشدود بين نقطتين: أرض بلاده (ويلح عليها في كل قصيدة ابتداء من "خارطة الوطن" وحتى "ميسوبوتاميا")، واغترابه (ولا تخلو قصيدة من هذا الموضوع). ولذلك توزعت صوره:

1- بين جغرافيا بعيدة يغلفها أوجاع الحنين - نوستالجيا تصل لدرجة الهوس المرضي (ويستعير للتعبير عنها فعل كن من المتصوفة لأنه يدل على التكوين والخلق بقوة التمني - انظر قصيدة "مهووس في شغف" ص11. ولكنه يطور تكوينات ذاتية وبعيدة عن أساطير الخلق - شأن "كتاب الملاجة" لمحمد عمران أو "قصيدة الطين" للشاعر نفسه. وعلى وجه العموم يمثل الفعل عند عامة الناس الرغبة وليس الأمر  الإلهي. فالكاف للكمال والنون للوجود - الماضي والحاضر. وبالاستطراد لوعي الذات الفردية بالتاريخ).

2- وبين شعور باطن يخيم عليه القلق والاضطراب، وهو ما يحمي قصائده من السقوط في الميلودراما الرخيصة، ويحولها إلى مجرد احتمال أو توقعات، وحتى لو أنها تنتهي بالخيبة (كما ذكر في قصيدة "التوقعات" ص17) لكنه يكسب فرصة "انتظارها بفرح" كما ورد حرفيا. 

***

د. صالح الرزوق

 

تراجيديا سردية عبر الزمن والمكان

توطئة: لعل إن القارئ النموذجي للنصوص الروائية يستخدم مرجعياته وآليات تأويله الخاصة بعيدا عن حجم المعولات على أهمية سياقات بعض النصوص إعلاميا وتسويقيا. إذن القارئ والقراءة بناء تأويل القارئ، وهو مؤسس على عملية مؤولات الناقد، وليس بالضرورة أن تلتقي مستويات المفاهيم التقويمية في مجال واحد من دائرة تصالح وجهة نظر الناقد الروائي. من المحتمل أن تكون فرضيات الكاتب الروائي لنصه محض استلهامات ذاكراتية اسقطتها إيصالات خيالات مفرطة في امتثالاتها لليومي والواقعي المعاش أو ذلك التاريخي المجلوب بلوغا لأهداف لم تخبرها صنعة الروائي بطريقة متماسكة ورصينة. لعلنا من هنا نقرأ ونحدد مؤديات رواية (ساعة في جيب الملك) لميسلون هادي.. إذ هي رواية تمت كتابتها وفقا لمقاييس ذاتية مفرطة من آليات نمطية يمكنها توظيفها داخل مساحة قصة قصيرة فحسب، كما ولا يتطلب أمر موضوعتها من ميسلون هادي تكريسها داخل محطات عمل روائي يقابل في أحسن أحواله حكاية سيرة ذاتية تحديدا.

ــ الوظيفة السردية والأداة الوصفية.

إن الرواية بوصفها إجمالا لا تقدم أحداثا وأفعالا، لذا فهي تقدم سردا روائيا، غير أن تلك الأحداث والأفعال تتطلب وجود سببية مقنعة في دائرة طاقة حدوثية جادة. ولكننا لم نعاين في سرد رواية (ميسلون هادي) سوى مجموعة حوادث تبدو من خلالها أحوال الشخوص والأشياء وكأنها مظاهر مجموعة صور وفقرات تم لصقها بشكل وآخر حتى تكتمل آليات النسيج السردي، كحال شخصية الوصي والملك ونور وإسماعيل باشا ونادرة وشخصية الأم. الرواية تتأسس على جملة حالات ذاكراتية يعوزها دقة الصياغة والسبك والاقناعية التي من شأنها تحويل المحتملات الذاكراتية إلى تصورات مؤولة تتسع وتستوعب رهانات معادلات الكتابة الحقة. يمكن للرواية أن تلخص وتسجل وتحفظ بعض القيم الصورية من ذاكراتنا، ولكنها في ذات الوقت تتطلب من الكاتب صنعة حقيقية في تدوين التفاصيل الأكثر شعرية في رسم المواقف والأحداث وعلاقات مسار نمو الحكي. ولو دققنا في وحدات الأحداث الروائية في رواية (ساعة في جيب الملك) لوجدناها تتلخص في عرض الوحدات الأكثر تفصيلا بحياة الشخصية نور وحياتها في مدينة لندن وحول علاقتها الهشة باسماعيل باشا ثم توافينا بأحداث عودتها من لندن إلى العراق حين مكوثها مع نادرة وحكاية ذلك التسجيل الذي تحكي فيه أمها إلى الطفلة سناريا كيفية مقتل عائلة الملك فيصل. عموما إن طريقة عرض التسجيل تمت بطريقة نمطية جدا، وقد عفى عليها زمن التقانات الروائية تماما، في الحقيقة إن رواية (ساعة في جيب الملك) هي الأرساليات السردية المتكونة من السرد والوصف على نحو راحت تنتج منه فضاءات الزمن والمكان بطريقة تشبه الهذيان بهوس مكونات الواقع والاستيهام: (في تلك الليلة التي سبقت فجر الثورة. جاء عبد الإله بساحر هندي إلى القصر يقوم بألعاب سحرية وبهلوانية تخدع وتظلل المشاهد / تضمنت تلك الألعاب نزع ساعة أحد الموجودين، ثم البحث عنها في كل الجيوب والعثور عليها في جيب الملك فيصل. / ص187 الرواية) على هذا النحو وذاك تواجهنا تقنيات السرد في أشكال ممجوجة من التحايل والحبكة. الرواية عبر ترتيبها للمحكي لا تقدم لنا سوى حكاية تشبه (الحدوتة ؟!) وهي بجملتها لا تعبر عن أي مستوى بؤروي ذات خيوط داخلية وخارجية محبوكة. تبدأ دلالات الرواية من خلال بنية استهلالية بعرض من خلالها شخصية الوصي عبد الإله ضمن خلفية دراماتيكية تتوزع بين أصداء العلاقة الخفية واستدعائية الزمن بروح المكان البانورامي: (هبط الأمير درجات قصر الرحاب متوجها إلى الطريق المؤدي نحو الشارع العام.. كان يسير متثاقلا ببطء، وأنا أسير بعيدا عنه بسكون.. فلا أسمع سوى صيحات الطواويس تنطلق بشكل زاعق في الظلام.. / ص5 الرواية) على هذا النحو تدور ارهاصات الفضاء الروائي بين العائلة الملكية وصوت (السارد الشاهد) ضمن تفاصيل تأخذ مداها التوتوري للزمن ونؤثثات مساحات الاسترجاع وخطاب الذاكرة المحفوفة بملامح الخوف الداخلي والخارجي.

ــ صور الموت والتمثيلات المعادلة في السرد.

ما جعلني ألتفت إلى مستوى جمالية إنتاج الحكي في الفقرات الخاصة من زمن عملية الأصغاء إلى تلك الحوارية الجارية ما بين الجدة وحفيدتها، هو ذلك الحكي الذي كان جاريا على لسان الجدة وهي تطيل من سرد حكاية عائلة الملك فيصل وكيفية اغتيالهم من خلال ثورة الضابط، ولكن الأدق في مسألة تلك الحكاية المنقولة هو ما يحدث بين الجدة وحفيدتها من لغة حوارية كانت تبلغ بذاتها مبلغا بلاغيا في الإيصال وحجم التأثير، والأكثر تأثيرا هو موت الجدة تزامنا مع وقائع شخوص الحكاية تعالقا مع أحدى الغارات الأمريكية التي كانت تدوي في سماء بغداد، فما كان للجدة سوى الخوف على حفيدتها من جراء الضربات الجوية الحاصلة حينذاك مخلفتا موتها المرشح على هيئة فاصلة غيابية في التسجيل حيث راح يتضاعف صراخ وبكاء على الحفيدة على حادث موت الجدة، فيما راحت الشخصية نور تطيل من البكاء والعويل في الوقت الذي تعلم به كيفية موت أمها أثناء سردها حكاية العائلة الملكية في ذلك التسجيل الذي قامت الشخصية نادرة بمتابعته منذ البدء والمنتهى.

ــ تعليق القراءة:

عموما نقول تختلط الصور والملامح بين الزمن الموضوعي والذاتي، لتزداد سمات مقاليد المكان أكثر بلوغا في جدران الذاكرة وتردد أصداء ذويها ضمن معالم الخوف والتيه والفقدان والاغتراب القدري الساحق. لقد حققت الروائية ميسلون هادي عبر فصول روايتها أثرا في موضوعة حكايتها ولكنها للأسف لم تقدم لنا آليات روايتها ضمن حدود تقانية مدعومة بشرائط المخيلة المدربة ولا من جهة الحالالات البنائية للنص ذاته، لذا بقيت روايتها محض صور وملامح تستعيد حكاية حزينة وعابرة على الخلود الروائي الابداعي الجاد والجديد.

***

حيدر عبد الرضا

جذوره وخصائصه وأعلامه وصلته بالأدب العربي وآراء علماء العربية في اللغات السامية

يقتضي الحديث عن الأدب الآشوري قدراً من الدقة الاصطلاحية والتاريخية؛ فهناك فرق بين الأدب الآشوري القديم الذي كُتب باللغات المسمارية في بلاد الرافدين، وبين الأدب السرياني الذي نشأ لاحقاً في البيئة الآرامية، ثم تبنته جماعات مسيحية متعددة، من بينها جماعات آشورية وكلدانية وسريانية. ومن ثمّ، فإن استعمال مصطلح «الأدب الآشوري» قد يحيل إلى أكثر من طبقة تاريخية وثقافية. أما من الناحية اللغوية، فالسريانية لغة آرامية شرقية أدبية، وليست استمراراً مباشراً للغة الأكادية الآشورية القديمة، وإن كانت تنتمي، مثل العربية والأكادية والعبرية، إلى الأسرة اللغوية السامية.

ومن هنا يمكن النظر إلى الأدب الآشوري في معناه الحضاري الواسع بوصفه جزءاً من الذاكرة الأدبية لبلاد الرافدين، وإلى الأدب السرياني بوصفه أحد أهم حوامل هذه الذاكرة في العصور المسيحية، ولا سيما أن السريانية أنتجت تراثاً واسعاً في الشعر واللاهوت والتاريخ والفلسفة والطب والعلوم والترجمة.

أولًا: الجذور التاريخية للأدب الآشوري:

تعود الجذور الأولى للثقافة الأدبية في بلاد الرافدين إلى الحضارات السومرية والأكادية والبابلية والآشورية، حيث ظهرت الكتابة المسمارية، وسُجّلت النصوص الدينية والأسطورية والملحمية والقانونية والتاريخية. ومن أشهر ما وصل إلينا من هذا التراث ملحمة جلجامش، والنصوص الملكية، والأساطير الكونية، والنصوص الحكمية، والصلوات والترانيم.

وفي العصر الآشوري، أصبحت الكتابة أداة لحفظ الذاكرة السياسية والدينية والحضارية، فدوّنت أخبار الملوك والحروب والفتوحات، وسُجّلت النصوص الدينية والأسطورية، وجُمعت الألواح في مكتبات ملكية، أشهرها مكتبة آشور بانيبال في نينوى.

لكن الانتقال من الأدب الآشوري القديم إلى الأدب السرياني ليس انتقالاً لغوياً مباشراً؛ فالآشورية القديمة كانت مرتبطة بالأكادية، وهي لغة سامية شرقية، في حين أن السريانية تنتمي إلى الآرامية، أي إلى الفرع السامي الشمالي الغربي. ولذلك فإن الصلة بينهما ينبغي أن تُفهم أساساً في إطار الاستمرارية الحضارية والجغرافية والثقافية لبلاد الرافدين، لا باعتبار السريانية مجرد صورة متأخرة من اللغة الآشورية القديمة.

ومع ظهور المسيحية، أصبحت السريانية إحدى أهم اللغات الأدبية في الشرق، وتطورت في الرها وما حولها، ثم انتشرت في مناطق واسعة من بلاد الرافدين والشام، وأصبحت لغة دينية وأدبية وفكرية وعلمية. وقد أنتجت السريانية أدباً بالغ التنوع، كان معظم إنتاجه في اللاهوت والطقوس، لكنه شمل كذلك التاريخ والفلسفة والعلوم والطب، فضلًا عن الشعر الديني الذي تميز بقوة التأثير العاطفي والجمالي.

ثانياً: أهم خصائص الأدب الآشوري ـ السرياني:

يمكن إجمال أبرز خصائص هذا التراث في مجموعة من السمات:

١. البعد الديني والروحي:

يشكل الدين محوراً أساسياً في جانب كبير من الأدب السرياني، ولا سيما الشعر والترانيم والمواعظ والصلوات والتفاسير. غير أن هذا البعد الديني لم يحل دون نشوء نصوص تاريخية وفلسفية وعلمية، بل كان الدين في كثير من الأحيان إطاراً جامعاً للثقافة والمعرفة.

٢. الشعر والترنيم:

يُعد الشعر من أخصب مجالات الأدب السرياني، وقد نشأت فيه أشكال شعرية متنوعة، من أبرزها الميمر، وهو نمط شعري طويل يقوم على السرد والتأمل والوعظ، إلى جانب الأناشيد والترانيم والقصائد الدينية.

وقد بلغ الشعر السرياني درجة عالية من الموسيقى الداخلية، مستفيداً من التكرار، والتوازي، والتناظر، والإيقاع الصوتي، والصور الرمزية. وتبرز فيه ثنائيات مثل النور والظلمة، الحياة والموت، الجسد والروح، الأرض والسماء، الخطيئة والخلاص.

٣. الرمزية والتأويل:

يميل الأدب السرياني إلى بناء عالم رمزي كثيف؛ فالحديقة قد تتحول إلى صورة للفردوس، والصحراء إلى فضاء روحي، والنور إلى معرفة، والليل إلى امتحان وجودي. ولهذا يمكن أن يُقرأ هذا الأدب قراءة دينية، كما يمكن أن يُقرأ قراءة رمزية وتأويلية وجمالية.

٤. النزعة الحكمية:

تظهر في كثير من النصوص نزعة تأملية وحكمية، تتناول الإنسان والمصير والزمن والموت والحكمة والخطيئة. وهذا يجعل الأدب السرياني قريباً، من حيث بعض موضوعاته، من التراث الحكمي في الآداب السامية القديمة.

٥. التاريخ والتوثيق:

أسهم المؤرخون والكتّاب السريان في حفظ جانب مهم من تاريخ المشرق، فدوّنوا أخبار المدن والكنائس والممالك والحروب والهجرات والكوارث. ولهذا يمثل الأدب السرياني مصدراً مهماً للباحث في تاريخ الشرق الأدنى.

٦. الترجمة ونقل المعرفة:

كان للسريان دور بارز في حركة الترجمة من اليونانية إلى السريانية، ثم في انتقال جانب من المعارف اليونانية إلى العربية خلال العصر العباسي. وقد أسهم مترجمون وأطباء وعلماء سريان في نقل مؤلفات الطب والفلسفة والعلوم، وكانت السريانية في بعض المجالات حلقة وصل بين الثقافة اليونانية والبيئة العربية الإسلامية.

ثالثاً: أبرز أدباء وشعراء الأدب السرياني ـ الآشوري:

يصعب حصر الأعلام في قائمة واحدة، بسبب اتساع مفهوم «الأدب الآشوري» واختلافه عن «الأدب السرياني» من حيث الاصطلاح والانتماء التاريخي. لكن من أبرز أعلام الأدب السرياني:

- أفرام السرياني:

يُعد أفرام السرياني من أعظم شعراء السريانية في القرن الرابع الميلادي، وقد امتاز شعره بالغنى الموسيقي والرمزي، وبقدرته على تحويل العقيدة والتأمل الديني إلى صور شعرية نابضة.

وتكمن أهمية أفرام في أنه لم ينظر إلى الشعر بوصفه مجرد وعظ، بل جعله بناءً فنياً يقوم على الموسيقى والتكرار والتقابل والصورة. ولذلك يحتل مكانة مركزية في تاريخ الشعر السرياني.

- نرساي:

يُعد نرساي من كبار شعراء السريانية في القرن الخامس، واشتهر بالمواعظ الشعرية الطويلة وبالميمرات. ويقوم شعره على البناء السردي والتأملي، ويجمع بين الفكر الديني واللغة الشعرية.

- يعقوب السروجي:

يُعد يعقوب السروجي من أعظم شعراء السريانية، وقد عُرف بغزارة إنتاجه الشعري، إذ تنسب إليه مصادر سريانية نحو سبعمئة مؤلف، بقي منها ما يقارب النصف وفق بعض الفهارس والدراسات. وقد عُرف شعره بالميمرات الطويلة، وبالقدرة على تحويل الموضوعات الدينية والتاريخية إلى لوحات شعرية واسعة.

- مار أفرام، ونرساي، ويعقوب السروجي:

يمثل هؤلاء الثلاثة، على نحو خاص، ذروة الشعر السرياني القديم؛ إذ اجتمعت في أعمالهم الموسيقى الشعرية، والبعد الروحي، والتأمل الفلسفي، والتخييل الرمزي، والقدرة على مخاطبة الجماعة والوجدان الفردي في آن واحد. وقد عدّت الدراسات تاريخ الشعر السرياني هؤلاء من أبرز الأسماء التي تركت أثراً عميقاً في الشعر والترنيم المسيحي الشرقي.

- برصوما، وفيلكسينوس المنبجي، وباباي الكبير:

ينتمي هؤلاء إلى طبقة واسعة من المفكرين والكتّاب السريان الذين جمعوا بين اللاهوت والفلسفة واللغة والتفسير. ويظهر في إنتاجهم تداخل الأدب بالفكر، بحيث لا يمكن الفصل بسهولة بين النص الأدبي والنص الفلسفي أو اللاهوتي.

- ابن العبري:

يُعد غريغوريوس أبو الفرج المعروف بابن العبري من أبرز أعلام القرن الثالث عشر، وقد كتب في التاريخ والفلسفة واللغة واللاهوت، وكان من أعلام الثقافة السريانية في العصور الوسطى.

ويمكن القول إن هذه الأسماء لا تمثل «الأدب الآشوري» بمفهوم قومي حديث بالضرورة، وإنما تمثل التراث السرياني الأدبي والفكري الذي تشكل في بلاد الرافدين والشام، والذي تنسب جماعات آشورية وسريانية وكلدانية أجزاء واسعة منه إلى تراثها الحضاري.

رابعاً: علاقة الأدب الآشوري والسرياني بالأدب العربي:

إن العلاقة بين الأدب السرياني والعربي ليست علاقة هامشية، بل هي واحدة من أهم حلقات التفاعل الحضاري في تاريخ المشرق.

فبعد ظهور الإسلام واتساع الدولة العربية الإسلامية، أصبحت بلاد الرافدين وبلاد الشام فضاءً ثقافياً مشتركاً، تداخلت فيه العربية والسريانية والفارسية واليونانية. وفي العصر العباسي، برزت حركة الترجمة، وكان للمترجمين السريان دور مهم في نقل العلوم والفلسفة والطب من اليونانية إلى السريانية والعربية.

ومن هنا يمكن القول إن الأدب السرياني أسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تشكيل المناخ الفكري الذي ازدهرت فيه الثقافة العربية الإسلامية في العصر العباسي، ولا سيما في مجالات الطب والفلسفة والمنطق والعلوم. كما أن مدينة بغداد ومراكز العلم في العراق أصبحت فضاءً لتفاعل العلماء من خلفيات لغوية ودينية متعددة.

أما العلاقة الأدبية المباشرة، فإنها تتجلى في مجالات عدة:

١. التفاعل اللغوي بين العربية والسريانية.

٢. الترجمة من السريانية إلى العربية.

٣. انتقال المصطلحات العلمية والفلسفية.

٤. التأثير المتبادل في الثقافة الدينية والفكرية.

٥ . الاحتكاك بين الشعر العربي والشعر السرياني في بعض الأشكال الإيقاعية والموضوعات.

٦ . المشترك الحضاري الرافديني الذي ظل حاضرًا في الذاكرة الثقافية للمنطقة.

وفي الأدب العربي الحديث والمعاصر، لم يعد حضور التراث الآشوري والسرياني مجرد حضور لغوي أو تاريخي، بل أخذ يظهر في الرواية والشعر والمسرح والبحث التاريخي بوصفه جزءاً من الذاكرة العراقية والمشرقية.

وقد استفاد بعض الأدباء العرب المعاصرين من الأساطير الرافدينية القديمة، مثل جلجامش وعشتار وتموز، وأعادوا إنتاجها ضمن رؤى شعرية ورمزية حديثة. وهذا يدل على أن التراث الآشوري والرافديني لم يعد مجرد مادة أثرية، بل أصبح خزاناً رمزياً للكتابة العربية الحديثة.

خامساً: ماذا قال النحاة البصريون والكوفيون عن اللغات السامية؟

هنا ينبغي التنبيه إلى مسألة منهجية مهمة: النحاة البصريون والكوفيون لم يكونوا يتحدثون عن «اللغات السامية» بالمفهوم المقارن الحديث الذي نشأ في علم اللغة التاريخي في القرنين التاسع عشر والعشرين. ولذلك لا يصح أن ننسب إليهم نظرية مقارنة متكاملة بين العربية والعبرية والآرامية والسريانية والأكادية، كما يفعل علم اللغات السامية الحديث.

لكن كتب النحو واللغة العربية القديمة تضمنت إشارات إلى لغات العرب ولهجاتهم ولغات الأمم المجاورة، كما ناقش العلماء مسائل تتعلق بالاقتراض اللغوي، والتعريب، والاشتقاق، واللغات القديمة.

وقد اختلف البصريون والكوفيون في منهج النظر إلى اللغة:

- المدرسة البصرية:

مال البصريون إلى التشدد في القياس، وإلى الاحتجاج بما ثبت عندهم من كلام العرب الفصحاء، وإلى بناء القواعد على نظام منضبط. وقد كان الخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه من أعلام هذا الاتجاه، وكان كتاب سيبويه من أعظم الأعمال المؤسسة للنحو العربي. وتُظهر المصادر أن سيبويه اعتمد في بناء القاعدة على القرآن والشعر العربي وكلام العرب، مع عناية خاصة بالاستعمال اللغوي الفصيح.

-المدرسة الكوفية:

كان الكوفيون، في المقابل، أكثر توسعاً في قبول الرواية والاحتجاج باللهجات العربية، وأقل تشدداً في بعض أبواب القياس من البصريين. وقد أتاح ذلك لهم مساحة أوسع في التعامل مع اختلاف اللهجات والروايات اللغوية.

غير أن الخلاف بين المدرستين لم يكن خلافاً بين «العربية» و«اللغات السامية»، بل كان في الأساس خلافاً في منهج الاحتجاج والقياس والرواية والتفسير النحوي. وقد أصبحت البصرة والكوفة مركزين رئيسيين في نشأة علوم العربية وتطورها.

سادساً: موقف فقهاء اللغة من السريانية والعبرية واللغات الأخرى

ناقش علماء العربية مسألة المعرّب والدخيل، واختلفوا في مدى وجود ألفاظ غير عربية في القرآن واللغة العربية.

فذهب فريق إلى القول بأن القرآن عربي، وأن ما ظُنّ أنه أعجمي قد دخل العربية قبل نزول القرآن، فأصبح عربياً بالاستعمال، بينما رأى آخرون أن وجود ألفاظ ذات أصول غير عربية لا ينافي عربية النص، لأن اللغات تتبادل الألفاظ وتتفاعل فيما بينها.

ومن أبرز ما ينبغي التنبه إليه أن علماء العربية القدماء لم يمتلكوا مفهوم «اللغة السامية الأم» الذي يقوم عليه علم اللغة المقارن الحديث، ولذلك فإن حديثهم عن السريانية أو العبرية أو الحبشية لا يمكن إسقاطه آليًا على نظريات اللسانيات الحديثة.

ومع ذلك، فإن كتب اللغة والتفسير والمعاجم القديمة تكشف عن وعي عميق بالتقارب بين العربية وبعض اللغات الشرقية. وقد لاحظ العلماء تشابهاً في الألفاظ والأصول والمعاني، وإن كانوا يفسرون ذلك أحياناً بالتعريب أو الاشتراك أو التداخل اللغوي، بينما يفسره علم اللغة الحديث ضمن مفهوم القرابة السامية.

ومن منظور اللسانيات الحديثة، فإن العربية والسريانية والعبرية والأكادية وغيرها تنتمي إلى الأسرة السامية، وتشترك في خصائص صوتية وصرفية ومعجمية عميقة، مثل نظام الجذور الصامتة، وبعض الأبنية الصرفية، والتقارب في عدد من المفردات الأساسية. لكن التشابه لا يعني أن إحدى هذه اللغات «أصل» الأخرى، بل يدل على انحدارها من أسلاف لغوية مشتركة أو على تواصل تاريخي طويل.

خاتمة:

إن الأدب الآشوري، إذا نظرنا إليه في امتداده الحضاري الرافديني، يمثل أحد أقدم وجوه الذاكرة الإنسانية المكتوبة، بينما يمثل الأدب السرياني، في امتداده التاريخي واللغوي، حلقة أساسية في تاريخ الثقافة المشرقية. وبينما لا يجوز الخلط بين الآشورية القديمة والسريانية من الناحية اللغوية، فإن ثمة استمرارية جغرافية وحضارية وثقافية تجعل دراسة أحدهما بمعزل عن الآخر ناقصة.

لقد حمل الأدب السرياني ميراثاً شعرياً وفكرياً غنياً، وبرز فيه أفرام السرياني ونرساي ويعقوب السروجي وابن العبري وغيرهم، كما أدى المترجمون والعلماء السريان دوراً مهماً في انتقال المعارف اليونانية إلى الثقافة العربية الإسلامية.

أما علاقته بالأدب العربي الحديث والمعاصر، فتتجاوز التأثير المباشر إلى فضاء أرحب هو فضاء الذاكرة الرافدينية المشتركة؛ فقد عادت الأساطير الآشورية والبابلية والسومرية إلى الظهور في الشعر والرواية والمسرح العربي الحديث، بوصفها رموزاً للخلق والموت والبعث والمنفى والبحث عن الخلود.

ولعل القيمة الكبرى لدراسة هذا الأدب اليوم تكمن في أنه يفتح أمام الباحث العربي أفقاً يتجاوز الحدود القومية الضيقة، ليعيد اكتشاف المشرق بوصفه فضاءً حضارياً متعدد اللغات والأديان والثقافات؛ فالعربية لم تنشأ في فراغ، والسريانية لم تكن جزيرة معزولة، بل كانتا لغتين متجاورتين في عالم سامي واسع، تفاعلت فيه العربية والآرامية والعبرية والأكادية وغيرها، وتبادلت فيه الشعوب الكلمات والحكايات والأساطير والمعارف.

ومن ثمّ، فإن دراسة الأدب الآشوري والسرياني ليست استعادةً لماضٍ منقطع، بل هي محاولة لفهم البنية العميقة للذاكرة الثقافية العربية والمشرقية؛ تلك الذاكرة التي تتجاور فيها نينوى وبابل والرها وبغداد، وتتداخل فيها الأسطورة والشعر والدين والفلسفة، ويتجاور فيها المسمار والحرف، واللوح والمخطوط، والآرامية والعربية، في سلسلة طويلة من الإبداع الإنساني الذي لم يتوقف عن إعادة كتابة نفسه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

 

الجذور والخصائص والتفاعل مع الأدب العربي الحديث والمعاصر

يُعَدُّ الحديث عن الأدب الكوشي حديثًا عن طبقةٍ عميقة من الذاكرة الثقافية في وادي النيل، وعن حضارةٍ نشأت في فضاءٍ جغرافي وحضاري متصلٍ بما يُعرف اليوم بالسودان وأجزاء من جنوب مصر، وتعاقبت فيه ممالك كوشية كبرى، أبرزها كرمة ونبتة ومروي. غير أن مقاربة هذا الأدب تقتضي قدرًا من الحذر المنهجي؛ لأن مصطلح «الأدب الكوشي» لا يُحيل، في معناه التاريخي الدقيق، إلى أدب عربي بالمعنى الذي استقر في القرون الإسلامية، بل إلى نتاجٍ لغوي وثقافي قديم ارتبط باللغات الكوشية، وبالكتابات المروية خصوصًا، وبالتقاليد الشفوية والرمزية والدينية التي حفظتها آثار المنطقة ونقوشها.

ومن ثم، فإن دراسة الأدب الكوشي ينبغي ألا تنطلق من محاولة إسقاط مفهوم «الأدب العربي» الحديث عليه، وإنما من النظر إليه بوصفه تراثًا ثقافيًّا ولغويًّا سابقًا أو متوازيًا مع مراحل تشكل الأدب العربي في السودان ووادي النيل، ثم تتبع مسارات التفاعل اللاحقة بين الذاكرة الكوشية والأدب العربي السوداني الحديث والمعاصر.

أولًا: ما المقصود بالأدب الكوشي؟

يطلق مصطلح «كوش» في الدراسات التاريخية على ممالك وحضارات قامت في منطقة النيل الأوسط، ولا سيما في بلاد النوبة والسودان القديم. وقد ازدهرت مملكة كرمة، ثم مملكة نبتة، ثم مملكة مروي، التي بلغت شأنًا حضاريًّا كبيرًا في الألف الأول قبل الميلاد.

أما من الناحية الأدبية، فإن مصطلح «الأدب الكوشي» يحتاج إلى تعريفٍ واسع؛ لأن ما وصلنا من النصوص الكوشية المكتوبة ليس أدبًا بالمعنى الحديث الذي نعرفه من الشعر والرواية والمسرح، بل هو مجموعة من النقوش والكتابات الملكية والدينية والجنائزية والتمائم والنصوص الطقسية، إلى جانب تراث شفهي ضخم لم يصلنا في صورته الأصلية.

وقد استُخدمت في مملكة كوش اللغة المصرية القديمة في مراحل مبكرة، ثم ظهرت اللغة المروية، التي كُتبت بنظامين كتابيين: الهيروغليفية المروية والديموطيقية المروية. ولا تزال اللغة المروية من أكثر اللغات القديمة إثارةً للبحث؛ إذ أمكن فك نظامها الكتابي، لكن فهم مفرداتها ومعاني نصوصها لا يزال محدودًا مقارنةً بما هو متاح من النصوص المصرية القديمة.

وهنا تكمن إحدى أهم مشكلات دراسة الأدب الكوشي: أننا نمتلك شواهد كتابية كثيرة، لكننا لا نمتلك، في المقابل، مجموعة أدبيًّة  مكتملًة يسمح لنا بتسمية مؤلفين وشعراء وقصائد بالمعنى المعروف في التراث العربي أو اليوناني.

ولهذا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات:

. النصوص الكوشية القديمة: المكتوبة بالهيروغليفية المروية والديموطيقية المروية.

2. التراث الشفهي النوبي والسوداني الذي يحمل بعض طبقات الذاكرة الثقافية القديمة.

. الأدب العربي السوداني الحديث: والمعاصر الذي استعاد رموز كوش ونبتة ومروي في الشعر والرواية والمسرح والكتابة التاريخية.

إن الجمع بين هذه المستويات الثلاثة دون تمييز قد يؤدي إلى خلطٍ تاريخي، أما الفصل بينها مع دراسة صلاتها الثقافية فيمنح البحث قدرًا أكبر من الدقة.

ثانيًا: الخصائص الجمالية والفنية للأدب الكوشي القديم

إذا كان من الصعب الحديث عن «قصائد كوشية» محفوظة بأسماء شعرائها كما نتحدث عن المعلقات أو قصائد المتنبي، فإن النصوص الكوشية القديمة تكشف عن منظومة رمزية وفكرية ذات قيمة جمالية وتاريخية كبيرة.

. مركزية الملك والسلطة:

تحتل صورة الملك مكانةً محورية في النقوش الكوشية. فالملك ليس مجرد حاكم سياسي، بل هو حلقة وصل بين العالم الأرضي والعالم المقدس. وتظهر هذه الرؤية في النصوص الملكية التي تمجد انتصارات الحكام وتؤكد شرعيتهم.

وهذا البعد يجعل النص الكوشي القديم قريبًا من الأدب السلطاني في الحضارات القديمة، حيث تتحول الكتابة إلى وسيلة لتثبيت الذاكرة السياسية وإنتاج الشرعية الرمزية.

٢. الحضور الديني والأسطوري:

كان الدين جزءًا أساسيًّا من البنية الثقافية الكوشية، ولذلك حضرت الآلهة والطقوس والمقدسات في النقوش والمعابد. ويظهر تأثير الآلهة المصرية، إلى جانب خصوصية المعتقدات الكوشية، ولا سيما حضور الإله أبادماك، الذي ارتبط في الفن المروي بصورة الأسد.

وهذا الحضور يمنح النصوص الكوشية بنيةً رمزية تقوم على العلاقة بين الإنسان والقوة المقدسة، وبين الأرض والسماء، وبين الموت والحياة.

. مركزية النيل:

لا يمكن فهم الثقافة الكوشية بعيدًا عن النيل. فقد كان النهر طريقًا للحياة والتجارة والهجرة والتواصل والحرب، ولذلك كان حضوره يتجاوز الجغرافيا إلى تشكيل الوعي الحضاري.

ومن هنا يمكن النظر إلى النيل باعتباره رمزًا مؤسسًا في الذاكرة الكوشية؛ فهو الماء الذي يمنح الحياة، والطريق الذي يصل الشمال بالجنوب، والجسر الذي عبرت عليه الثقافات والأديان واللغات.

٤. العلاقة بين الموت والخلود:

تُظهر العمارة الجنائزية والنقوش المرتبطة بالمقابر والطقوس الدينية اهتمامًا واضحًا بمفهوم الخلود. وقد كان الموت، في المخيال الكوشي، انتقالًا من حالة إلى أخرى، وليس مجرد نهاية.

وهذه الرؤية تفتح مجالًا خصبًا للقراءة الرمزية؛ إذ يصبح القبر مكانًا للذاكرة، ويصبح النقش فعلًا لمقاومة النسيان.

٥. الشفاهية والذاكرة الجمعية:

إلى جانب الكتابة، كانت الشفاهية عنصرًا حاسمًا في حفظ الموروث الثقافي. فالأسطورة والحكاية والأغنية والأمثال والأهازيج، وهي أنماط لا تصلنا عادةً في صورتها الأولى، كانت تؤدي وظيفةً اجتماعية في نقل القيم والأنساب والتاريخ الجماعي.

ومن هنا فإن الأدب الكوشي لا ينبغي اختزاله في النصوص المكتوبة وحدها، بل ينبغي النظر إليه ضمن منظومة أوسع من الثقافة الشفوية والذاكرة الجمعية.

ثالثًا: هل كان للأدب الكوشي شعراء وقصائد معروفة؟

هنا تقتضي الأمانة العلمية تصحيح تصور شائع.

لا توجد، في حدود ما هو معروف من المصادر التاريخية والأثرية، قائمة موثقة من شعراء كوشيين يمكن نسب قصائد محددة إليهم على نحو مماثل للشعراء العرب القدماء، مثل امرئ القيس أو زهير بن أبي سلمى أو المتنبي. كما لا نملك «ديوانًا كوشيًّا» محفوظًا يضم قصائد بأسماء مؤلفيها.

ولهذا فإن نسبة قصائد عربية حديثة إلى شعراء كوشيين قدماء، أو إطلاق أسماء محددة على نصوص مروية غير مترجمة ترجمة يقينية، سيكون أمرًا يحتاج إلى دليل علمي لا يتوافر في الدراسات المعروفة.

لكن هذا لا يعني أن كوش كانت بلا شعر أو أدب شفهي؛ بل يعني أن المادة التي وصلت إلينا لا تسمح بإعادة بناء تاريخ أدبي كامل بأسماء الشعراء والقصائد.

ومن المهم هنا أن نميز بين:

- الأدب الكوشي القديم، وهو نتاج حضاري ولغوي مرتبط بممالك كوش.

- الأدب النوبي، وهو تراث لغوي وثقافي متنوع يمتد عبر قرون طويلة.

- الأدب العربي السوداني، الذي نشأ في سياق تاريخي مختلف، لكنه استعاد الذاكرة الكوشية والنوبية في مراحل متعددة.

وهذا التمييز ضروري كي لا يتحول البحث من دراسة التاريخ الأدبي إلى صناعة تاريخ أدبي غير موثق.

رابعًا: من كوش القديمة إلى الأدب العربي السوداني الحديث

مع انتشار العربية في السودان، أصبحت اللغة العربية إحدى أهم أدوات التعبير الأدبي والثقافي، ونشأت حركة أدبية سودانية غنية، تفاعلت مع التراث العربي الإسلامي من جهة، ومع التراث النوبي والكوشي والأفريقي من جهة أخرى.

وهنا بدأت كوش تتحول من حضارة تاريخية إلى رمز أدبي.

ففي الشعر السوداني الحديث، لم تعد كوش مجرد مملكة قديمة، بل أصبحت رمزًا للهوية والجذور والاستمرارية التاريخية. وأصبح استدعاء نبتة ومروي وكرمة محاولةً لإعادة بناء الذات السودانية بعيدًا عن الاختزال في الانتماء العربي وحده أو الأفريقي وحده.

وهذه المسألة شديدة الأهمية؛ لأن الهوية السودانية، في التجربة الأدبية، ليست هوية أحادية الطبقة، وإنما هي نسيج معقد من العناصر النوبية والكوشية والعربية والأفريقية والإسلامية.

ومن هنا كان الأدب العربي السوداني الحديث مجالًا لتفاعل الذاكرة الكوشية مع اللغة العربية، فأصبحت العربية أداةً للتعبير عن تاريخٍ أقدم من انتشارها في المنطقة.

وهذه مفارقة أدبية عميقة:

أن تستعمل لغةً وافدة تاريخيًّا لكي تستعيد بها ذاكرةً أقدم من حضورها.

خامسًا: أبرز الشعراء السودانيين واستعادة الذاكرة الكوشية

لا يصح، من الناحية العلمية، أن نصف شعراء السودان الحديث بأنهم «شعراء كوشيون» بالمعنى التاريخي، لكن يمكن الحديث عن شعراء استعادوا في أعمالهم الذاكرة السودانية والنيلية والأفريقية، أو جعلوا المكان والتاريخ والهوية عناصر مركزية في تجربتهم.

ومن أبرز الأسماء:

١. محمد المهدي المجذوب:

يُعد من أبرز شعراء السودان في القرن العشرين، وقد جمع في تجربته بين التراث العربي الكلاسيكي والنزعة الصوفية والخصوصية السودانية. ومن أشهر أعماله «نار المجاذيب»، التي تمثل واحدةً من العلامات البارزة في الشعر السوداني الحديث.

وقد أسهم المجذوب في ترسيخ صوت شعري سوداني قادر على استيعاب التراث العربي دون أن يفقد خصوصيته المحلية.

٢. محمد الفيتوري:

يحتل الفيتوري مكانة استثنائية في الشعر العربي الحديث، ولا سيما في شعر الهوية الأفريقية والاغتراب والاستعمار والحرية.

ومن أشهر أعماله:

- «أغاني أفريقيا»

- «عاشق من أفريقيا»

- «اذكريني يا أفريقيا»

- «أحزان أفريقيا»

وفي تجربة الفيتوري تتحول أفريقيا من جغرافيا إلى هوية رمزية وذاكرة تاريخية. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة شعره بوصفه أحد الجسور الكبرى بين الأدب العربي الحديث والوعي الأفريقي.

وإن لم يكن الفيتوري شاعرًا كوشيًا بالمعنى التاريخي، فإن مشروعه الشعري يفتح المجال لاستعادة تاريخ السودان القديم ضمن فضاء أفريقي أوسع، ويجعل من الشعر وسيلةً لمقاومة التهميش التاريخي.

٣. صلاح أحمد إبراهيم:

يمثل شعره جانبًا مهمًا من الحداثة الشعرية السودانية، وقد تداخلت في تجربته الأسئلة الوطنية والإنسانية والسياسية، كما ظهرت في أعماله خصوصية المكان السوداني والوعي بالتاريخ.

٤. محجوب شريف:

ارتبط شعره بالهم الوطني والاجتماعي، وتحولت قصائده إلى صوت شعبي مقاوم للاستبداد والقهر.

٥. عالم عباس محمد نور:

تمثل تجربته امتدادًا للقصيدة السودانية الحديثة، وفيها حضور للمكان والذاكرة والإنسان السوداني، ضمن لغة شعرية تجمع بين العمق والصفاء.

. روضة الحاج:

تمثل إحدى الأصوات الشعرية النسوية البارزة في السودان، وقد أسهمت في إثراء المشهد الشعري العربي المعاصر بقصيدة ذات حس وجداني ولغوي واضح.

وإلى جانب هؤلاء، هناك عشرات الشعراء السودانيين الذين يمكن دراسة أعمالهم في ضوء علاقتها بالهوية السودانية والنيلية والأفريقية، وإن كان من الضروري عدم نسبة أعمالهم إلى «الأدب الكوشي» إلا إذا كان الحديث عن استعادة كوش بوصفها رمزًا ثقافيًّا وتاريخيًّا.

سادسًا: الأدب الكوشي والأدب العربي الحديث والمعاصر

تتجلى العلاقة بين الذاكرة الكوشية والأدب العربي الحديث في عدة مستويات.

المستوى الأول: مستوى المكان

أصبح السودان والنيل والنوبة والصحراء عناصر أساسية في بناء الصورة الشعرية والروائية.

المستوى الثاني: مستوى الذاكرة

استُعيدت الحضارات القديمة بوصفها وسيلة لمقاومة النسيان الاستعماري، وإعادة بناء التاريخ من منظور محلي.

المستوى الثالث: مستوى الهوية

أصبحت كوش رمزًا لإثبات العمق التاريخي للحضور السوداني والأفريقي، في مواجهة التصورات التي تختزل السودان في ثنائية عربية أو أفريقية صلبة.

المستوى الرابع: مستوى المقاومة

تتحول استعادة التاريخ القديم إلى فعل مقاومة رمزية؛ إذ تقول الأمة إن لها تاريخًا سابقًا على الخرائط الاستعمارية الحديثة، وإن وجودها ليس نتاجًا طارئًا للتقسيمات السياسية المعاصرة.

المستوى الخامس: مستوى التخييل الأدبي

أصبحت كوش مادةً للرواية والشعر والمسرح والدراسات التاريخية، وظهرت محاولات لإعادة تخيل الشخصيات والممالك القديمة، وتحويل التاريخ إلى فضاء سردي.

ومن هنا فإن كوش في الأدب العربي المعاصر ليست مجرد موضوع تاريخي، بل هي استراتيجية لاستعادة الذات.

سابعًا: النحاة البصريون والكوفيون واللغات القديمة

أما الحديث عن موقف النحاة البصريين والكوفيين من اللغة الكوشية ذاتها، فيحتاج إلى قدر كبير من الدقة؛ إذ لا توجد، فيما وصلنا من كتب النحو العربي القديمة، دراسة مباشرة متكاملة للغة المروية أو للكوشية بالمعنى الذي نجده في الدراسات اللغوية الحديثة.

فالنحاة البصريون والكوفيون كانوا يشتغلون أساسًا على العربية، وعلى ما يتصل بها من لهجات العرب ولغاتهم، وعلى الشواهد الشعرية والقرآنية والحديثية وكلام العرب.

وقد اهتموا باللغات واللهجات الأخرى من حيث علاقتها بالعربية، ولا سيما في مسائل الاقتراض اللغوي، والتعريب، والدخيل، واختلاف اللهجات.

ومن أهم ما يمكن استخلاصه من مناهجهم أن اللغة لا تُدرس بمعزل عن الاستعمال؛ فالاحتجاج عندهم كان يقوم على مصادر محددة، وفي مقدمتها القرآن الكريم، والحديث الشريف عند من يحتج به، والشعر العربي القديم، وكلام العرب الفصحاء.

أما ما يتعلق باللغات غير العربية، فقد ظهرت في كتب اللغة والنحو إشارات إلى ألفاظ معربة أو دخيلة من الفارسية والرومية والحبشية والسريانية وغيرها، إلا أن ذلك لا يعني أن النحاة البصريين والكوفيين قد وضعوا نظرية متكاملة في اللغات الأفريقية القديمة.

ومن هنا فإن إسقاط آرائهم مباشرة على اللغة الكوشية سيكون منهجيًّا غير دقيق.

لكن يمكن الاستفادة من منهجهم في دراسة العلاقة بين العربية واللغات الأخرى، ولا سيما من خلال مفاهيم:

التعريب، والدخيل، والاقتراض اللغوي، والمشترك اللغوي، والتطور الصوتي، واختلاف اللهجات.

ثامنًا: موقف فقهاء اللغة العربية

اهتم فقهاء اللغة، في مراحل مختلفة، بمسألة اللغات والألسنة، وبنشأة اللغة وتطورها، وبظاهرة التعريب والدخيل.

وقد ناقش علماء مثل الجاحظ، وابن دريد، وابن فارس، والسيوطي مسائل متعددة تتعلق بأصل اللغة، وبالألفاظ المعربة، وبالعلاقة بين العربية وغيرها من اللغات.

ومن أبرز القضايا التي يمكن ربطها بدراسة اللغة الكوشية:

١. ظاهرة التعريب:

وهي دخول ألفاظ من لغات أخرى إلى العربية، ثم خضوعها لنظام العربية الصوتي والصرفي.

٢. الدخيل:

وهو اللفظ الذي دخل العربية من لغة أخرى مع بقائه، بدرجات متفاوتة، محتفظًا بملامحه الأجنبية.

٣. المشترك اللغوي:

وهو ما يمكن أن يظهر بين لغات متباعدة أو متجاورة من تشابه في الأصوات أو الألفاظ أو البنى، مع ضرورة الحذر من اعتبار كل تشابه دليلًا على القرابة اللغوية.

٤. اللغات السامية والحامية والكوشية:

تطورت الدراسات اللغوية الحديثة في تصنيف اللغات الأفريقية والآسيوية تطورًا كبيرًا، وأصبحت اللغات الكوشية تُدرس ضمن الأسرة الأفروآسيوية، مع اختلاف التصنيفات والتفاصيل العلمية.

وهنا ينبغي التنبيه إلى أن مصطلح «الحامية» الذي استُعمل في بعض التصنيفات القديمة لم يعد مقبولًا اليوم بوصفه إطارًا لغويًّا علميًّا جامعًا، ولذلك فإن الدراسات الحديثة تفضل الحديث عن اللغات الكوشية ضمن الأسرة الأفروآسيوية.

تاسعًا: بين العربية والكوشية: هل توجد صلة لغوية؟

ينبغي التعامل مع هذه المسألة بمنهج علمي لا يقوم على التشابهات العابرة.

فوجود تشابه بين كلمة عربية وأخرى في لغة أفريقية لا يكفي وحده لإثبات صلة تاريخية مباشرة؛ إذ يمكن أن يكون التشابه نتيجة الاقتراض، أو المصادفة، أو التطور الصوتي المستقل.

لكن منطقة وادي النيل كانت، منذ آلاف السنين، فضاءً للحركة والتجارة والهجرة والتفاعل الحضاري، ولذلك فمن الطبيعي أن تظهر علاقات لغوية وثقافية متبادلة بين الجماعات التي عاشت فيها.

وقد دخلت العربية إلى السودان في سياقات تاريخية متعددة، وتفاعلت مع اللغات المحلية، ومن بينها اللغات النوبية، كما نشأت أنماط لغوية عربية سودانية ذات خصائص مميزة.

وهذا التفاعل لا ينبغي أن يُفهم بوصفه محوًا للغات المحلية، ولا بوصفه انتصارًا مطلقًا للغة على أخرى، بل بوصفه عملية تاريخية مركبة من التجاور والتداخل والاقتراض والتعايش والصراع.

عاشرًا: من كوش إلى المستقبل

إن استعادة الأدب الكوشي اليوم لا ينبغي أن تكون مجرد محاولة للبحث عن مجدٍ مفقود، ولا ينبغي أن تتحول إلى خطابٍ أيديولوجي يعيد اختراع الماضي وفق حاجات الحاضر.

إن القيمة الحقيقية لهذا التراث تكمن في أنه يذكّرنا بأن السودان ووادي النيل كانا جزءًا من واحدة من أقدم التجارب الحضارية في التاريخ الإنساني، وأن ممالك كوش لم تكن هامشًا تابعًا لحضارات أخرى، بل كانت لها شخصيتها السياسية والثقافية والدينية والفنية.

ومن هنا فإن إعادة قراءة كوش يمكن أن تكون فعلًا من أفعال تحرير الذاكرة.

فالذي لا يعرف جذوره يصبح أكثر عرضةً لأن تُكتب هويته من الخارج، والذي يجهل تاريخه قد يجد نفسه مضطرًا إلى استعارة تاريخ الآخرين.

لكن استعادة التاريخ لا تعني العودة إليه، بل تعني تحويله إلى معرفة.

والمعرفة هي الشرط الأول للهوية الناضجة.

إن الأدب الكوشي، بهذا المعنى، يقف عند نقطة التقاء بين التاريخ واللغة والأسطورة والذاكرة، بينما يقف الأدب العربي السوداني الحديث والمعاصر عند نقطة التقاء أخرى بين العربية والأفريقية والنيلية والإسلامية، وبين التراث والحداثة.

ومن هذا التفاعل نشأت خصوصية أدبية لا يمكن اختزالها في تعريف واحد.

لقد أصبحت كوش في المخيال الأدبي الحديث أكثر من حضارة قديمة؛ أصبحت رمزًا للامتداد، وللجذر، وللذاكرة التي تقاوم المحو.

وإذا كان الاستعمار قد حاول، في كثير من تجلياته، أن يعيد ترتيب التاريخ وفق مركزية القوة، فإن الأدب يستطيع أن يعيد ترتيب الذاكرة وفق مركزية الإنسان.

وهنا تكمن أهمية الأدب؛ فهو لا يعيد الماضي كما كان، بل يعيد اكتشافه.

إن كوش، في نهاية المطاف، ليست مجرد أطلالٍ نقرأ نقوشها على جدران المعابد، وإنما سؤالٌ مفتوح عن معنى الحضارة، وعن علاقة الإنسان بمكانه، وعن قدرة الذاكرة على مقاومة النسيان، وعن حق الشعوب في أن تكتب تاريخها بلغتها، وأن تستعيد ماضيها دون أن تتحول إلى أسيرة له.

ولذلك فإن العلاقة بين الأدب الكوشي والأدب العربي الحديث والمعاصر لا ينبغي أن تُفهم بوصفها علاقةَ نسبٍ أدبي مباشر، وإنما بوصفها علاقةَ استعادةٍ وتأويلٍ وتفاعلٍ ثقافي؛ فقد انتقلت كوش من كونها حضارةً تاريخية إلى كونها رمزًا في المخيال الأدبي السوداني والعربي، ومن كونها موضوعًا أثريًّا إلى فضاءٍ للتفكير في الهوية والذاكرة والتاريخ.

ومن هنا يمكن القول إن أعظم ما يمكن أن يقدمه الأدب العربي السوداني المعاصر للذاكرة الكوشية ليس أن يكرر أسماء ملوكها أو يعيد وصف معابدها، بل أن يستخرج من أعماقها سؤالًا إنسانيًّا وحضاريًّا جديدًا:

كيف يستطيع شعبٌ أن يحافظ على ذاكرته، دون أن يتحول إلى سجينٍ لها؟

فالحضارة التي لا تُقرأ تتحول إلى حجر، والتاريخ الذي لا يُؤوَّل يتحول إلى متحف، واللغة التي لا تتجدد تتحول إلى أثر.

أما الأدب، فإنه يمنح الماضي حياةً جديدة، لا لكي يعيدنا إليه، بل لكي يساعدنا على أن نفهم الطريق الذي يقودنا إلى المستقبل.

وهكذا يبقى الأدب الكوشي، في الوعي العربي والسوداني المعاصر، واحدًا من أكثر أبواب الذاكرة إثارةً للأسئلة: بابًا يطل على ماضٍ عريق، لكنه يفتح، في الوقت نفسه، على مستقبلٍ لم يُكتب بعد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

"حضن وسادتي" لغادة مأمون أنموذجًا

تعد القصة القصيرة النسوية المعاصرة متنفساً تعبيرياً يستبطن خبايا الذات الإنسانية وما تعانيه في ظل التحولات الاجتماعية والجفاف العاطفي. وتأتي قصة «حضن وسادتي» للكاتبة غادة مأمون كنموذج مكثف يعكس أبعاد القهر الصامت والعزلة الوجدانية التي تعيشها المرأة داخل مؤسسة الزوجية التقليدية.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: كيف تجسدت مظاهر القهر والعزلة الوجدانية في نص «حضن وسادتي»، وما هي الآليات السردية والرمزية التي وظفتها الكاتبة للتعبير عن هذه الفجوة بين الواقع المُعاش والبديل الإسقاطي؟

تقدم قصة "حضن وسادتي" تجربة قصصية كثيفة الرمزية، تبدو في ظاهرها حكاية امرأة تراقب علاقة عاطفية بين طائرين أو كائنين صغيرين على سطح العقار المقابل، لكنها في عمقها مرآة لحياة زوجية جافة، وصرخة صامتة تعبّر عن احتياج إنساني عميق إلى الحنان والاحتواء.

يقوم النص على مفارقة مركزية بين دفء المشهد الخارجي وبرودة الداخل الأسري، وبين ما تراه الراوية في علاقة الكائنين من حب ووفاء ورعاية، وما تفتقده في حياتها الزوجية من اهتمام واحتضان ومشاركة وجدانية. ومن خلال هذا التوازي، تتحول القصة من واقعة يومية بسيطة إلى نص نفسي واجتماعي يكشف مأساة المرأة التي تعيش داخل بيت مأهول، لكنها تعاني وحدة عاطفية خانقة.

دلالة العنوان"حضن وسادتي"

يمثل العنوان مفتاحًا أساسيًا لقراءة النص. فكلمة "حضن"توحي بالدفء، والأمان، والمحبة، والاحتواء الجسدي، والروحي. أما كلمة "وسادتي"فتحيل إلى الحرمان العاطفي فالوسادة جماد صامت وبارد، لا يملك قدرة حقيقية على المواساة، لكنه يتحول في حياة البطلة إلى بديل عن الحبيب والزوج.

ومن هنا تنشأ المفارقة المؤلمة؛ إذ إن البطلة لا تنام في حضن إنسان، بل في حضن وسادة. وهذا يعني أن العنوان لا يصف حالة نوم عادية، بل يلخص مأساة امرأة متزوجة لها بيت وأولاد وزوج، لكنها عاطفيًا وحيدة إلى الحد الذي تصبح فيه الوسادة شريكها الصامت وملاذها الأخير.

العنوان إذن لا يكشف المأساة مباشرة، لكنه يختصرها في صورة شديدة الكثافة: امرأة تفتقد أبسط أشكال الاحتواء الإنساني، فتلوذ بجماد يمنحها وهم الحضن.

البناء السردي وحركية النص

يسير النص في بناء سردي متدرج، يبدأ بالمراقبة الهادئة، ثم ينتقل إلى التماهي النفسي، ثم يبلغ ذروته في الانكشاف النهائي لواقع الراوية.

- الرصد والمراقبة

تبدأ القصة من مكان منزلي مألوف هو شرفة المطبخ. وهذا المكان ليس تفصيلًا عابرًا، بل يحمل دلالة اجتماعية ونفسية واضحة؛ فالمرأة محصورة في فضاء الخدمة اليومية: الطبخ، رعاية الأبناء، انتظار الزوج، وتدبير شؤون البيت.

تقول الراوية:

«هنا أقضي طيلة النهار مستمتعة بتجهيز الطعام لأولادي»

تبدو الجملة في ظاهرها دالة على الرضا، لكنها لاحقًا تنكشف بوصفها محاولة للتكيف مع الفراغ. فالمطبخ ليس مكانًا للطهي فقط، بل يتحول إلى نقطة مراقبة للعالم الخارجي الذي تراه البطلة ولا تستطيع مشاركته.

- التماهي مع الكائن الآخر

لا تكتفي الراوية بمراقبة الكائن الأنثوي على السطح، بل تبدأ في التماهي معه حين تقول:

«أنا مثلها وحيدة أميل إلى الهدوء ولا أبالي بما يدور حولي من ضجيج»

تكشف هذه العبارة أن ما تراه الراوية ليس مجرد كائن صغير يقف على سطح عمارة، بل صورة رمزية لها. إنها ترى فيه وحدتها، وصمتها، وانتظارها، وحاجتها إلى الدفء والطمأنينة.

- حركة الانكشاف النهائي

تبلغ القصة ذروتها عندما يظهر الزوج في النهاية بصوته الخشن:

"أنتي فين يا هانم"

تأتي هذه الجملة لتقطع المشهد الحالم والدافئ، وتعيد الراوية إلى واقعها القاسي. فبعد أن رأت مشاهد الحب والاعتذار والدفاع والاحتضان، تعود إلى زوج لا يطلب منها إلا الغداء، ولا يمنحها إلا حضورًا جسديًا باردًا.

وتنتهي القصة بقول الراوية:

"أنا أيضًا لا أهتم وأبات كل ليلة في حضن وسادتي" هل حقًا لا تهتم ! أم اللاوعي صور لها الرضا بجماد بديل يمنحها الأمان والدفء المفقود ؟ّ!

وهنا تكتمل الدائرة الدلالية؛ فالعنوان يعود في الخاتمة، لكنه يعود محمّلًا بكل الألم الذي بناه النص منذ بدايته.

ثنائية الداخل والخارج

تقوم القصة على مقابلة مكانية ونفسية بين عالمين متجاورين في المكان، متباعدين في المعنى. فهناك عالم الداخل، أي البيت والمطبخ، وهو عالم الطبخ والخدمة والواجب اليومي والصمت والجفاف العاطفي. وفي المقابل، هناك عالم الخارج، أي سطح العقار المقابل، وهو عالم الحب والحرية والانتظار والاعتذار والعناق الدافئ.

داخل البيت تظهر الراوية باعتبارها زوجة وأمًا تؤدي واجباتها اليومية. فهي تطهو، وترعى، وتنتظر، وتستجيب لصوت الزوج حين يعود طالبًا الطعام. أما على السطح، فإنها ترى عالمًا آخر تتحقق فيه المعاني التي تفتقدها: الرفقة، والاهتمام، والحنان، والعودة بعد الغياب، والدفاع عن المحبوب.

وهكذا يصبح البيت، رغم أنه مكان الأسرة والاستقرار الظاهري، فضاءً للبرودة الروحية. أما السطح، رغم بساطته وبعده، فيتحول إلى مسرح للحرية والحب. فالزوج في عالم الداخل يحضر بصوته الأجش وطلباته اليومية، بينما يحضر الحبيب في عالم الخارج معتذرًا ومتمسكًا ومدافعًا. والسرير داخل البيت يبدو باردًا؛ لأنه لا يمنح الراوية احتواءً حقيقيًا، بينما يتحول العناق على السطح إلى صورة للدفء الذي تشتهيه ولا تجده.

ومن هنا تصبح الشرفة أو النافذة رمزًا مهمًا في النص؛ فهي الحد الفاصل بين عالم البطلة الواقعي وعالم رغباتها المكبوتة. إنها تقف في منطقة وسطى: لا تنتمي تمامًا إلى الحب الذي تراه، ولا تستطيع أن تتخلص من الجفاف الذي تعيشه.

- البعد النفسي للراوية

الراوية امرأة تعيش حالة من العزلة داخل الزواج. وهذه من أقسى صور الوحدة، لأنها لا تحدث في فراغ، بل داخل بيت وأسرة وزواج قائم ظاهريًا.

هي ليست مهملة ماديًا بالضرورة؛ فالزوج يعمل، والبيت موجود، والأولاد موجودون. لكن الأزمة تكمن في غياب العاطفة. النص لا يتحدث عن الفقر أو الخيانة أو العنف الجسدي، بل عن شكل أكثر صمتًا وإيلامًا من أشكال الفقد: الجفاف العاطفي.

واللافت أن الراوية لا تتمرد، ولا تصرخ، ولا تواجه الزوج. هي فقط تراقب، وتبكي، وتطهو، وتنام. وهذا يمنح الشخصية بعدًا مأساويًا هادئًا؛ فهي امرأة استبدلت الفعل بالتأمل، واستبدلت الحب بالمراقبة.

بؤرة النص

يمثل الطائر الأنثوي الذي تراقبه الراوية، ومعه رفيقه، عالمًا موازيًا لعالمها. وغالبًا ما يكونان طائرين، بدلالة وجودهما على اسطح، وحركة الإطعام، وظهور القط الذي يهاجمهما. لكن الكاتبة لا تصرح بنوعهما، وهذا اختيار فني موفق.

عدم التسمية يجعل الرمز أوسع؛ فهما لا يمثلان طائرين فقط، بل يمثلان الحب الفطري البسيط، الحب الذي لا يحتاج إلى لغة ولا عقود ولا مؤسسات اجتماعية. إنه حب يقوم على الانتظار، والغضب، والمصالحة، والاعتذار، والعناق، والمشاركة، والحماية، والوفاء.

وهنا تكمن المفارقة القاسية؛ فالكائنات غير البشرية تبدو أكثر إنسانية من الإنسان داخل البيت. فهي تملك من الحنان والوفاء والشجاعة ما يفتقده الزوج في علاقته بزوجته.

رمزية القط في القصة

يظهر القط في لحظة سعادة نادرة بين الحبيبين، بعد عودة الحبيب وتمام المصالحة، وبعد أن تعد الراوية لهما وجبة احتفالية. ولذلك فإن ظهورها ليس عنصرًا طارئًا، بل يؤدي وظيفة رمزية مهمة.

يرمز القط إلى القوة المهددة للحب، أو إلى كل ما يقتحم لحظات الصفاء ويحاول إفسادها. فيمثل الخوف، والعنف، والطمع، والتدخل الخارجي، وسلطة الأقوى، والجوع الأناني، وانتهاك المساحة الخاصة. فالقط الضخم لا يأتي ليشارك في الطعام بصورة بريئة، بل تأتي لتقتحم المشهد وتربك لحظة المحبة.

وحين يدافع الرفيق عن حبيبته رغم ضعف بنيته أمام القط الشرس، يكشف النص معنى الرجولة الحقيقية. فالرجولة هنا لا تقوم على الصوت العالي أو الخشونة أو القوة الجسدية، بل على الحماية، والاحتواء، والوقوف بجانب من نحب.ومن هذه الزاوية، يصبح القط أداة فنية تكشف معدن الحبيب، وتفضح في المقابل هشاشة صورة الزوج الذي يبدو قويًا اجتماعيًا، لكنه عاجز عن منح زوجته الأمان العاطفي.

صورة الزوج

لا يظهر الزوج إلا في نهاية النص، لكن غيابه العاطفي حاضر منذ البداية. إنه المحرك الخفي لمأساة الراوية.

تصفه الراوية عبر إشارات قليلة لكنها كاشفة:

«صوت زوجي الأجش»

«عاد من ورشة الخراطة»

«يجب تجهيز الغداء»

«لا أراه إلا بعد منتصف الليل»

«ليحتضن السرير الذي أكون مستلقية عليه ولم يفكر يومًا في احتضاني»

الزوج هنا ليس شريرًا بالمعنى التقليدي، لكنه نموذج للرجل المستنزف بالعمل، والمجرد من الحس العاطفي. هو يؤدي دور المعيل، لكنه يفشل في دور الشريك. يمتلك ورشة، لكنه لا يمتلك لغة الحنان.

وتعد جملة:

«ليحتضن السرير الذي أكون مستلقية عليه ولم يفكر يومًا في احتضاني»

من أقوى جمل النص؛ لأنها تكثف المأساة في مفارقة بصرية مؤلمة. فالزوج قريب جسديًا، لكنه بعيد وجدانيًا. الجسدان في سرير واحد، لكن الروحين منفصلتان.

رمزية الطعام

يتكرر الطعام في النص بوصفه عنصرًا دلاليًا مهمًا. فالراوية تطهو لأولادها، وتجهز الغداء لزوجها، ثم تصنع وجبة للحبيبين على السطح.

لكن دلالة الطعام تختلف باختلاف السياق. داخل البيت، يمثل الطعام واجبًا منزليًا وروتينًا يوميًا ثقيلًا، تقوم به المرأة لأنها مطالبة دائمًا بالعطاء والخدمة. أما على السطح، فيتحول الطعام إلى طقس احتفالي بالمحبة، وإلى مشاركة وجدانية في لحظة سعادة يعيشها الحبيبان.

عندما تصنع الراوية الطعام للكائنين العاشقين، فهي لا تطعمهما فقط، بل تشارك وجدانيًا في الحب الذي تفتقده. إنها تطعم حلمها الداخلي، وكأنها تقول: إذا لم أستطع أن أعيش الحب، فسأرعاه من بعيد.

وهذه لمسة إنسانية مؤثرة؛ فالراوية لا تحسد العاشقين، بل تفرح لهما، وتبكي لغياب الحبيب، وتحتفل بعودته. وهذا يكشف نقاءها وظمأها العاطفي لا حقدها.

الحب كما يقدمه النص

لا يقدم النص الحب بعبارات رومانسية، بل باعتباره سلوكًا يوميًا وأفعالًا ملموسة. فالحب في القصة يتجلى في الانتظار، والغضب عند الغياب، والرجوع، والاعتذار، والتمسك، والمسامحة، والإطعام، والحماية، والعناق.

الحبيب الحقيقي في النص ليس من يقول «أحبك»، بل من يعود، وينتظر هدوء الغضب، ويتقبل الرفض، ويدافع، ويحتضن. وهذه الصورة تقابل علاقة الزوج بزوجته، حيث تغيب هذه الأفعال جميعها. فالزوج حاضر بوظيفته الاجتماعية، لكنه غائب بوظيفته العاطفية.

اللغة والأسلوب

جاءت لغة القصة بسيطة، مباشرة، وقريبة من الاعتراف اليومي. وهذا يناسب طبيعة النص؛ فالراوية ليست ناقدة ولا فيلسوفة، بل امرأة تحكي وجعها بلغة الحياة العادية.

وقد استخدمت الكاتبة أفعالًا تخدم المراقبة والتأمل، مثل: رأيتها، أتابعها، أعيش لحظاتها، تترقب، أراقب. وهذه الأفعال تكشف أن الراوية تحولت من إنسانة تعيش الحياة إلى شاهدة عليها. فهي لا تعيش الحب، بل تراه من بعيد.

كذلك يبنى النص سرديًا على مقابلة معجمية واضح بين عالمين. ففي عالم السطح نجد عبارات مثل: «مشاعر فياضة دافئة»، و«يعود معتذرًا دون تكبر»، و«يحتضنها بدفء». أما في عالم الزوج فنجد عبارات مثل: «صوت زوجي الأجش»، و«ورشة الخراطة»، و«يحتضن السرير»، و«حضن وسادتي». هذا التضاد اللغوي يعمق المفارقة بين عالم الحب وعالم الجفاف.

المفارقة الدرامية

المفارقة الأساسية في القصة أن الراوية تتعلم معنى الحب من كائنين صغيرين على سطح عمارة، لا من زوجها الإنسان. وهذا يخلق إدانة ضمنية للزواج حين يتحول إلى مؤسسة واجبات بلا روح.

وتتعمق المفارقة من خلال المقابلة بين الزوج والطائر. فالزوج قوي اجتماعيًا، يعمل في ورشة، وصوته أجش، وحضوره مرتبط بالطلب والأمر، لكنه ضعيف عاطفيًا وعاجز عن الاحتواء. أما الكائن الذكر، فرغم ضعفه الجسدي أمام القط، يظهر شجاعة في الدفاع عن حبيبته، ويقدم نموذجًا للوفاء والحماية.

هذه المفارقة تعيد تعريف الرجولة. فالرجولة لا تعني الصوت الأجش، ولا العمل الشاق، ولا امتلاك الورشة، بل تعني الحنان، والاعتذار، والحماية، والقدرة على الاحتواء.

البعد الاجتماعي والنفسي

تطرح القصة قضية الترمل العاطفي أو الجفاف الزوجي؛ فالزوجة تعيش مع زوج موجود جسديًا، لكنه غائب وجدانيًا. وهذه الحالة أكثر إيلامًا لأنها غير مرئية اجتماعيًا. فالناس يرون بيتًا قائمًا، وزوجًا يعمل، وأولادًا، لكنهم لا يرون الفراغ العاطفي الذي تعيشه المرأة.

يعكس النص واقع شريحة من النساء العربيات اللواتي يُختزل وجودهن في أدوار الرعاية والخدمة. فالمرأة في النص أم تطبخ لأولادها، وزوجة تجهز الغداء، وامرأة تنتظر زوجًا غائبًا معظم اليوم، وجسد مستلقٍ على السرير دون احتواء، وكائن صامت لا يُسأل عن احتياجه.

المرأة هنا لا تطلب رفاهية، بل أبسط حقوقها العاطفية: أن تُرى، وأن تُحتضن، وأن يشعر بها أحد. ومن هنا يفضح النص شكلًا من القهر الناعم، لا يمارس بالعنف الصريح، بل بالإهمال، والاعتياد، واللامبالاة.

النهاية: موفقة لأنها لا تشرح أكثر مما ينبغي. تقول الراوية:

"أنا أيضًا لا أهتم وأبات كل ليلة في حضن وسادتي"

تبدو عبارة «لا أهتم» في ظاهرها إعلانًا للامبالاة، لكنها في العمق تعني العكس تمامًا. فالراوية تهتم كثيرًا، لكنها تعبت من الاهتمام. إنها تقول إنها لا تبالي لكي تحمي نفسها من الانكسار.

أما الوسادة، فهي ليست حلًا، بل شاهد على الهزيمة العاطفية. إنها الشريك البديل والصامت الذي تستند إليه البطلة عندما يغيب الحضن الإنساني.

خاتمة نقدية

تنجح قصة "حضن وسادتي" في تحويل مشهد يومي بسيط، امرأة تطبخ وتنظر من نافذة مطبخها، إلى نص قصصي مكثف يفيض بالشاعرية والمأساة الصامتة. فالقصة لا تعتمد على حدث كبير، بل على عين امرأة ترى في علاقة كائنين صغيرين صورة للحب الذي تفتقده.

ومن خلال المفارقة بين السطح والمطبخ، وبين الحبيب الحنون والزوج الجاف، تكشف غادة مأمون عن مأساة المرأة التي لا ينقصها البيت، بل ينقصها السكن النفسي داخله؛ ولا ينقصها الزوج، بل ينقصها الحبيب في الزوج.

إنها قصة عن الظمأ العاطفي، وعن النساء اللواتي يعشن في بيوت عامرة بالطعام والعمل والأبناء، لكنها خالية من الحضن. ولذلك يصبح "حضن الوسادة" في النهاية ليس مجرد صورة شعرية، بل خلاصة موجعة لحياة كاملة من الفقد والاحتياج.

***

د. نجلاء نصير

...................

حضن وسادتي

رأيتها للمرة الأولى تقف في أحد أركان سطح العقار المقابل لشرفة مطبخي، هنا أقضي طيلة النهار مستمتعة بتجهيز الطعام لأولادي، وأراها وهي في انتظار شعاع الشمس ليعطي لها الدفء والطمأنينة.

استمتعت بمراقبتها، وحيدة وتتحرك بهدوء ودون عجلة، دخلت حجرتي لأداء صلاة الظهر، عدت أبحث عنها لم تكن هناك.

تمنيت رجوعها في الغد وألا يكون حضورها اليوم مجرد صدفة، أنا مثلها وحيدة أميل إلى الهدوء ولا أبالي بما يدور حولي من ضجيج، وبالفعل جاءت بعد آذان العصر وكأنها على موعد مع الشمس قبل غروبها.

وقفت في نفس المكان تنظر إلى السماء، أحسست أنها ترى شئ لا يراه أحد سواها وكأنها علي موعد مع غائب عزيز، ثم بعد وقت ليس بقليل قررت الرحيل مرة أخرى.

ظلت علي هذه الحالة عدة أيام، أتابعها وأعيش لحظاتها، وبدأت تملأ حياتي الفارغة من أي شيء مفيد سوى إعداد الطعام.

وجاء اليوم الموعود الذي وجدتها فيه تتغير تماما، تقف مع رفيق لها يداعبها ويلاعبها في سعادة غامرة، شدني المنظر جداً خاصة أنه جديد على الصورة التي اعتدت عليها، استمريت في طهي الطعام وأنا منتشية بتلك اللحظات والمشاعر الفياضة الدافئة والتي لم تلامس روحي يوما حتى ممن منحته قلبي وعمري وتفانيت في العطاء له وأولاده أكثر من عاما.

في اليوم التالي جاءت كعادتها تقف وتنظر إلى السماء تارة وإلى المكان الذي سوف يأتي منه حبيبها تارة أخرى، مضي وقت طويل وهي علي نفس الوضع تترقب مجيئه ويظهر الغضب الشديد على ملامحها.

غاب شعاع الشمس، حينئذ أيقنت أنه لن يأتي، كنت أراقب هذا المشهد من النافذة وأدعو الله أن يأتي في اللحظة الأخيرة ليملأ قلبها فرحا، لكنه لم يأت فانصرفت كسيرة، بكيت بحرقة حزنا عليها وعلى جرح مشاعرها وقلبها الرقيق.

تكرر المشهد، يمر يوم وراء يوم وهي لا تنقطع عن زيارة المكان الذي جمعها بحبيبها، أنظر إليها بعيون باكية وأرسل إليها قبلاتي لكي تخبرها بأني بجانبها ولن أتخلى عنها حتى تلتقي به.

وذات يوم رأيته يعود، حاول الاقتراب منها، أظهرت غضبها لغيابه وإهمالها، وبدأت تبعد عنه حتى لا يلمس جسدها، وصعدت فوق سور العمارة كي لا يصلإليها.. لم ييأس وظل واقفا ينتظر هدوء ثورة غضبها، مرت نحو ساعة ثم قررت النزول وركضت نحوه وعانقته بشوق كبير.

انهمرت الدموع من عيني من شدة الفرح وأنا أراه يعود معتذرا دون تكبر، متمسكا بها ومتقبلا غضبها، وهي أيضا سامحت وعبرت عن حبها الكبير وما يمثله من مشاعر جميلة.

جهزت لهما في اليوم التالي وجبة دسمة احتفاء بهذه المناسبة السعيدة، وأعطيتها لابنتي لتوصلها لهما على سطح العقار، فرحت كثيراً بالطعام، ظلت تضع الطعام في فمه بسعادة وهو يحتضنها بدفء، فجأة ظهر قط ضخم حاول اقتسام الوجبة معهما والتحرش بهما، أسرعت تختبيء خلف حبيبها، ورغم ضعف بنيته مقارنة بالقط الشرس أظهر بسالة كبيرة في الدفاع عن حبيبته والطعام، لم يجد القط له مكانا فرحل يجرجر ذيول الخيبة في انكسار.

وفي غمرة سعادتي، اخترق أذني صوت زوجي الأجش:

« أنتي فين يا هانم.. «

عاد من ورشة الخراطة التي يمتلكها ويقضي فيها معظم اليوم، يجب تجهيز الغداء كي يعود سريعا للعمل، ثم لا أراه إلا بعد منتصف الليل ليحتضن السرير الذي أكون مستلقية عليه ولم يفكر يوما في احتضاني.

أنا أيضا لا أهتم وأبات كل ليلة في حضن وسادتي.

***

غادة مأمون

 

تدور رواية "الخنافس" لسعاد الراعي حول حكاية حي شعبي دخل في مخطط تنظيم المدينة، وما تبع ذلك من صراع بين السكان المتمسكين ببيوتهم من جهة، والمستثمرين الذين لجأوا إلى التهديد والترهيب ونشر الأمراض. ولكن تخلل العمل عدة مشاكلات لم نتعود عليها من سعاد الراعي.

أولا رمز الخنافس. فهي في حضارة الشرق الأوسط رمز للخصب والحياة لأنها تعمل بدأب وتصنع أعشاشها من بقايا الحيوانات على شكل كرات، وقد اعتبر الفراعنة أنها رمز للخلود والانبعاث ولإله الشمس رع. وكما ورد في وكبيديا: تضع أنثى الجعران بيوضها في الروث، ثم تدحرجه إلى مكان آمن، ولذلك شبه المصريون تلك الحركة بدوران الشمس، ونظروا إلى خروج المواليد من البيوض على أنه يوم النشور والانبعاث. ولا يخلو معبد فرعوني من نقوش الخنفساء أو أحد تمثيلاتها، حتى أنها أصبحت تميمة تجلب حسن الحظ. (انظر افتتاحية رواية "القرن الأول بعد بياتريس" لأمين معلوف).

ولم أستغرب أن تعارض سعاد الراعي هذا الترميز وبالأخص أنها، على خلاف نظرة معلوف النخبوي، تنحاز إلى بسطاء الناس، وتوجه عنايتها لشرور البنية الطبقية، شأنها شأن غوركي وزمرته من الكتاب الراديكاليين. وغالبا ما يربط غوركي بين الحشرات، كالبراغيث والقمل والصراصير، وحياة الكد والشقاء. ومن الواضح أن سعاد الراعي تسير على خطاه، وتعتبر هذه الهوام دليلا على البؤس والفقر. وقد عمدت إلى تقزيم سيارات التجار، واعتبرتها كناية عن الاستغلال والحقد الطبقي، ووقتت ظهورها مع انتشار فيالق الخنافس ذات البريق المعدني. ولا يخفى على ذكاء أحد معنى هذه المطابقة لدرجة الاستعارة التامة أو بلغة النقد الفني الحديث الإبدال.

ثانيا توزيع الأحداث على عدة شخصيات لا يربط بينها شيء غير المكان. وتبدو لي الرواية أنها حكاية حي شعبي وبورتريهات لأشخاص لا يوجد بينهم هم مشترك كما فعل نجيب محفوظ في عمل صغير ومتأخر وهو "حكايات حارتنا" 1975. لم تكن البورتريهات في العملين "الخنافس" و"حكايات..." متسلسلة، ولا تستطيع أن تسجل أي علاقة بينها لا بتبادل المنافع ولا التزاور ولا الزواج كما جرت العادة في أدبيات الصين والحزام الآسيوي المتاخم لحدود روسيا. كانت الشخصيات مستقلة، ولكل منهما عتبة من الصفات والهموم، ولكن جمعت بينها ذاكرة المكان الاجتماعي، وبالأخص مشروع هدم المحلة بدعوى الترميم والتحديث. وعرفت الكاتبة كيف تستغل هذه النقطة، وتجعل منها بمثابة إلقاء حجر كبير في وسط ماء راكد. وسبق لبهاء الطاهر أن اتبع هذا الأسلوب في روايته "نقطة النور" 1999 ليدخل إلى عدة بيوت، وليصور لنا معاناتها وإشكالاتها. لكن إذا حافظت الراعي على استقلالية كل شخص أقام بهاء الطاهر علاقات حب ممنوع بين أفراد الجيل التالي، وهو جيل الأبناء، وعبر من خلالها عن فساد العلاقات وسوء النوايا. وما كان يفترض أنه حب تبين بالتدريج أنه استغلال ونزوة عابرة ونقاط ضعف. ولذلك توجب على السكان أن يقروا بمشكلة مساكنهم وضرورة هدمها. بعكس رسالة "الخنافس" والتي نظرت إلى المحلة وكأنها أم طيبة أو مهد كبير، وإلى سكانها وكأنهم أبناء يجب أن يتكاتفوا لوقف الزحف الشرير الذي تمثله الخنافس والسيارات السود.

ثالثا مهما قيل عن تشابه كابوس المحلة مع كوابيس كافكا أرى أن العلاقة غير واضحة. كافكا إنسان قلق وغير اجتماعي، وضلاله في الظلام والأقبية ضلال ذات لا تعرف مكانها في المجتمع، بينما لشخصيات الراعي وجه واسم، وتنعم بحياة أسرية تامة. أضف لذلك أن الخدمات التي يقدمها اقتصاد السوق لا يشبه الإهمال والظلم ولا الخطط العقيمة التي تترافق مع المجتمع الكومبرادوري في ظل التخلف. فهو عاجز ومشلول وبدون إمكانيات، ومتآكل عمليا. ولذلك أجد أن رواية "الخنافس" بعيدة عن كافكا وأتباعه مثل بوهامل هارابال وميلان كونديرا - إن كان من حقنا تشبيه المجتهدة سعاد الراعي بهذه الرموز - وربما تجد لنفسها زاوية في مشاريع عراقية ناقدة وكبيرة مثل مشروع فؤاد التكرلي وغائب طعمة فرمان وسواهما...

رابعا قاربت سعاد الراعي مشكلة كومبرادورية من الدرجة الأولى. فالبيوت لم تكن ضمن أبنية حديثة ولا جزءا من مشروع الإسكان الوطني - الذي انتقل إلينا من السوفييت - إنما كانت في حي شعبي عريق كما ورد بالحرف الواحد، وهندسة أبنيته تتبع نمط العمارة الريفية. وترتب على ذلك أنها صورت بقايا مجتمع إقطاعي ضعيف وآيل للسقوط في كل الأحوال، وليس بقايا مجتمع بورجوازي فقد أصوله. بتعبير أوضح كانت الصور عن الكولونيالية المحلية الميتة وليس الكولونيالية الصناعية والتي أنتجها الاستعمار وتخلى عنها بعد ثورات التحرير وبروز الكتلة السوفييتية. ولا شك أن تحالف السوفييت مع العسكر لم يحقق الدوام لبقايا الإقطاع ولا الراحة وهدوء البال لبقايا البورجوازية. وظهرت طبقة هجينة تهتم بالسلطة وإدارتها أكثر مما تهتم بالأرض والذاكرة. ولعل هذا الجانب يجد أمثلة عنه في روايات شرق آسيا وليس آسيا الصغرى بسبب نظام الفلاح التابع، وبالتحديد في الهند وماليزيا وهذه الدائرة. ومن أهم أمثلته، لمن يريد أن يقارن طفرة الرواية الآسيوية مع متاعب ومشاق الرواية العربية، أذكر "آخر رجل في البرج Last Man in Tower" للهندي الصاعد أرافيند أديغا. بالإضافة إلى "أطلس الحنين المستحيل An Atlas of Impossible Longing" للهندية المخضرمة أنورادا روي. والعملان تغطية لمشكلة تطرقت إليها سعاد الراعي وهي عناد البسطاء - أو صمودها كما ورد حرفيا، وإن كنت أفضل إعادة النظر بمثل هذه المصطلحات التي فرغناها من مضمونها النضالي، وتحولت إلى جزء من علبة بروباغاندا السلطات المستبدة، عدا أنها تصور الصراع التقليدي بين الأرض ومصادر الإنتاج والرأسمال الرمزي للإنسان المتوسط - المتعلم وغير المثقف أو الهابيتوس إن استعملنا مفردات بيير بوردو.

***

د. صالح الرزوق

 

الرواية بوصفها استعادة لذاكرة المكان

يواصل الكاتب المغربي أحمد علي صدقي مشروعه الإبداعي عبر روايته الجديدة «وأخيرا أشرقت الشمس»، منتقلاً من القصة القصيرة إلى فضاء الرواية، دون أن يغادر انشغاله الأساسي بالإنسان والهامش الاجتماعي. وإذا كانت مجموعته القصصية «التهمة… كاتب» قد انفتحت على أسئلة الذات والكتابة، فإن روايته الجديدة تختار أن تجعل من مدينة خريبكة، بما تختزنه من ذاكرة منجمية واجتماعية، مختبرا سرديا لطرح أسئلة العمل والكرامة والهوية.

منذ الصفحات الأولى، يتضح أن الرواية لا تتعامل مع المدينة بوصفها إطارا جغرافيا للأحداث، بل باعتبارها حاملا للذاكرة، ومخزنا للتجارب الإنسانية التي صنعتها سنوات طويلة من العمل في مناجم الفوسفاط. وبهذا المعنى، فإن المكان لا يؤدي وظيفة وصفية، وإنما يتحول إلى عنصر بنائي يوجه مسار الحكاية ويؤثر في تشكل الشخصيات.

نحو كتابة روائية تستعيد الذاكرة العمالية

يمكن النظر إلى «وأخيرا أشرقت الشمس» باعتبارها امتدادا لما اصطلح عليه في الأدب العالمي بـ"أدب المناجم"، غير أنها لا تكتفي بتسجيل تفاصيل الحياة المهنية داخل المناجم، بل تنقل هذا العالم إلى أفق إنساني أوسع، حيث تغدو التجربة العمالية مدخلا لقراءة التحولات الاجتماعية التي عرفتها خريبكة، ولتفكيك العلاقة بين الإنسان والعمل والزمن.

وتقوم الرواية على تتبع مصائر ثلاثة رجال جمعتهم سنوات العمل في باطن الأرض، قبل أن تجمعهم أسئلة أكثر تعقيدا تتصل بما تبقى من العمر، وبمعنى الكرامة، وبقدرة الإنسان على إعادة بناء حياته بعد عقود من الاستنزاف الجسدي والنفسي. ومن هنا، لا تبدو الشخصيات مجرد أفراد، بل تمثل شريحة اجتماعية كاملة ظلت بعيدة عن التمثيل الروائي، رغم حضورها العميق في الذاكرة المغربية.

المكان بوصفه شخصية سردية

من أبرز رهانات الرواية تحويل المكان إلى فاعل سردي. فخريبكة ليست ديكورا للأحداث، وإنما كيان يتنفس داخل النص، ويشارك في إنتاج المعنى. فالمدينة تحتفظ بذاكرة سكانها، وتكشف، عبر تفاصيلها اليومية، عن تاريخ لا تعكسه السجلات الرسمية بقدر ما تحفظه الحكايات الفردية.

وتنجح الرواية، إلى حد بعيد، في جعل الجغرافيا امتدادا للنفس الإنسانية، بحيث تصبح الأزقة، والمناجم، والأحياء، علامات على تحولات المجتمع، أكثر منها مجرد فضاءات تتحرك داخلها الشخصيات.

بين الواقعي والرمزي

لا تنحاز الرواية إلى الواقعية التسجيلية، كما لا تغرق في الرمزية المغلقة، وإنما تبحث عن توازن بين المرجع الواقعي والبناء الفني. فالأحداث تستند إلى بيئة اجتماعية واضحة، لكنها تظل قابلة لقراءات تتجاوز حدود خريبكة، لتلامس أسئلة العمل والعدالة والهشاشة الإنسانية في سياقات أوسع.

وتتجنب الرواية الخطاب المباشر، تاركة المجال للشخصيات كي تعبر عن هواجسها وتناقضاتها، وهو ما يمنح النص قدرة على الانتقال من المحلي إلى الإنساني، دون افتعال أو ادعاء للكونية.

لغة هادئة تراهن على الاقتصاد السردي

اختار أحمد علي صدقي لغة سردية تميل إلى الوضوح والاقتصاد، بعيدة عن الزخرفة البلاغية أو الانفعال الخطابي. ويخدم هذا الاختيار طبيعة العالم الذي تشتغل عليه الرواية، حيث تبدو التفاصيل اليومية أكثر قدرة على إنتاج الدلالة من العبارات الإنشائية.

كما يحافظ السرد على إيقاع متوازن، يسمح للشخصيات بالنمو التدريجي، ويمنح الأحداث زمنها الطبيعي، وهو ما ينسجم مع طبيعة الرواية التي تراهن على التراكم الهادئ أكثر مما تراهن على المفاجآت الدرامية.

إعادة الاعتبار لذاكرة مهمشة

تكمن أهمية الرواية، في جانب منها، في سعيها إلى إعادة الاعتبار لذاكرة عمالية ظلت، في الغالب، خارج دائرة الاهتمام الروائي المغربي. فهي لا تقدم العمال بوصفهم نماذج بطولية، ولا بوصفهم ضحايا مجردين، وإنما باعتبارهم ذواتا تحمل أحلامها وهزائمها وأسئلتها الوجودية.

العنوان باعتباره أفقا تأويليا

يحمل عنوان «وأخيرا أشرقت الشمس» حمولة رمزية واضحة، إذ لا يشير إلى شروق طبيعي بقدر ما يحيل إلى إمكانية الانبعاث بعد زمن طويل من العتمة. فالشمس هنا استعارة للأمل، كما أن الظلام لا يمثل مجرد حالة زمنية، بل يرمز إلى القهر والإقصاء وتراكم الخيبات.

وبهذا المعنى، يصبح العنوان مفتاحا لقراءة الرواية كلها، إذ يختزل رؤيتها إلى الإنسان بوصفه كائنا قادرا على مقاومة الانكسار، مهما اشتدت وطأة الواقع.

رواية تراهن على الإنسان

لا تدعي «وأخيرا أشرقت الشمس» تقديم أجوبة نهائية عن الأسئلة التي تطرحها، بقدر ما تسعى إلى فتح حوار مع ذاكرة اجتماعية لم تحظ بالتمثيل الكافي في المتخيل الروائي المغربي. ومن هذه الزاوية، تندرج الرواية ضمن الأعمال التي تعيد الاعتبار للمكان بوصفه ذاكرة، وللإنسان البسيط بوصفه بطلا للحكاية، وللسرد باعتباره وسيلة لإضاءة المناطق التي كثيرا ما ظلت خارج الضوء.

إنها رواية تنحاز إلى التفاصيل الصغيرة، وإلى الأصوات التي لا يسمعها التاريخ الرسمي، وتؤكد أن الأدب، حين يقترب من حياة الناس العاديين، يصبح أكثر قدرة على مساءلة الواقع وإعادة اكتشاف معانيه.

***

حسن لمين - كاتب مغربي

وعلاقته بالشعر العربي الحديث والمعاصر.. دراسة لغوية ونقدية في ضوء التراث العربي وآراء النحاة وفقه اللغة العربية

يشكّل الأدب النوبي أحد أقدم المكونات الحضارية في وادي النيل، إذ يمتد بجذوره إلى الحضارات الكوشية والمروية والممالك النوبية المسيحية، ثم تفاعل مع الثقافة العربية الإسلامية منذ القرن السابع الميلادي. وقد ظل هذا الأدب قرونًا طويلة شفهيًا، تتناقله الأجيال عبر الأغاني والقصائد والحكايات والأساطير والأمثال، قبل أن يجد طريقه إلى التدوين في العصر الحديث.

ويُعد الشعر النوبي أكثر الفنون الأدبية التصاقًا بالوجدان الجمعي، لأنه يحمل ذاكرة المكان، ويؤرخ للحياة اليومية، ويستبطن العلاقة العضوية بين الإنسان والنيل والأرض واللغة. ومع النهضة الأدبية العربية في القرن العشرين، دخل الشعر النوبي في حوار جمالي وثقافي مع الشعر العربي الحديث، محافظًا على خصوصيته اللغوية والثقافية، ومنفتحًا في الوقت نفسه على تقنيات القصيدة الحديثة ورؤاها.

أولاً: مفهوم الأدب النوبي

الأدب النوبي هو مجموع النتاجات الإبداعية التي عبّر بها النوبيون عن رؤيتهم للعالم بلغاتهم الأصلية أو باللغة العربية، ويضم الشعر، والسرد، والحكاية الشعبية، والأسطورة، والأمثال، والأغنية، والسيرة الشعبية.

ويمتاز هذا الأدب بجملة من الخصائص:

الارتباط الوثيق بالنيل بوصفه محور الحياة.

مركزية المكان والقرية والبيت.

الحنين إلى الوطن بعد التهجير.

حضور الحكمة الشعبية.

كثافة الرمز الطبيعي.

الإيقاع الغنائي.

المحافظة على الذاكرة الجماعية.

وهذه السمات جعلته قريبًا من مفهوم "الأدب الإثني" في الدراسات الحديثة، لكنه يتجاوز هذا التصنيف ليصبح جزءًا أصيلًا من الأدب العربي المعاصر.

ثانياً: نشأة الشعر النوبي

نشأ الشعر النوبي قبل ظهور الكتابة العربية في بلاد النوبة، وكان يعتمد على الأداء الشفهي والإنشاد الجماعي، وكانت القصيدة تؤدى مصحوبة بالموسيقى والرقص الشعبي.

ومن أشهر موضوعاته:

١- الحب.

٢- الفروسية.

٣- الحصاد.

٤- الزواج.

٥- النيل.

٦- الرحيل.

٧- الرثاء.

٧- الحنين.

٩- الحكمة.

١٠- البطولة.

ثم تطور بعد دخول العربية إلى بلاد النوبة، فأصبحت القصيدة تُكتب بالعربية أحيانًا، وبالنوبية أحيانًا أخرى، أو تمزج بين اللغتين في ظاهرة تعكس التفاعل اللغوي والثقافي.

ثالثاً: الشعر النوبي وفقه اللغة العربية

يُعنى فقه اللغة بدراسة الألفاظ من حيث نشأتها وتطورها واستعمالها وعلاقتها بالثقافة.

ومن منظور فقه اللغة، فإن الشعر النوبي يمثل نموذجًا حيًا للتفاعل اللغوي بين العربية واللغات النوبية، دون أن يؤدي ذلك إلى ذوبان إحداهما في الأخرى.

وقد أشار علماء العربية إلى أن اللغات تتلاقح وتتبادل المفردات، دون أن تفقد خصائصها الجوهرية، وهو ما نجده واضحًا في الشعر النوبي الحديث، حيث تتجاور المفردات العربية والنوبية داخل النص الواحد لتشكّل نسيجًا دلاليًا غنيًا.

رابعاً: موقف النحاة البصريين والكوفيين من اللغات واللهجات

لم يتحدث البصريون والكوفيون عن اللغة النوبية تحديدًا، ولكنهم وضعوا أصولًا عامة يمكن الاستفادة منها في دراسة التفاعل اللغوي.

١. البصريون:

كان علماء البصرة، وفي مقدمتهم سيبويه، والخليل بن أحمد الفراهيدي، أكثر ميلًا إلى القياس اللغوي، فلم يقبلوا إلا ما ثبت عن العرب الفصحاء، ورأوا أن سلامة العربية تقوم على الاحتجاج بلغة القبائل الموثوق بفصاحتها.

ولذلك كانوا يتحفظون من إدخال الألفاظ الأعجمية في القياس، وإن أجازوا استعمالها إذا شاع تداولها واستقر استعمالها بين العرب.

٢. الكوفيون:

أما علماء الكوفة، وفي مقدمتهم الكسائي والفراء، فقد كانوا أكثر تسامحًا مع اللهجات المختلفة، وأكثر اعتمادًا على السماع، ولذلك قبلوا كثيرًا من الظواهر اللغوية التي رفضها البصريون.

ومن هذا المنطلق يمكن تفسير انفتاح العربية عبر تاريخها على اللغات المجاورة، ومنها اللغات النوبية، من غير أن يختل نظامها النحوي.

خامساً: الشعر النوبي والشعر العربي الحديث

في القرن العشرين، تأثر الشعر النوبي بحركة التجديد العربية التي قادها شعراء مثل بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وصلاح عبد الصبور، ومحمود درويش.

ويتجلى هذا التأثر في:

الانتقال من الغنائية المباشرة إلى الرؤية الشعرية.

توظيف الرمز والأسطورة.

حضور الذاكرة الجمعية.

اعتماد الصورة المركبة.

توظيف الإيقاع الحر.

تعميق البعد الإنساني.

غير أن الشعر النوبي احتفظ بخصوصيته، إذ بقي النيل والنخلة والقرية والتهجير والحنين ركائز أساسية في بنائه الفني.

سادساً: أبرز شعراء وأدباء النوبة

أسهم عدد من الأدباء النوبيين في ترسيخ حضور الثقافة النوبية في الأدب العربي، ومن أبرزهم:

١- حجاج أدول.

٢- إدريس علي.

٣- عبد الخليل قاسم.

٤- يحيى مختار.

ورغم أن معظمهم عُرفوا بالرواية والقصة، فإن أعمالهم تحمل لغة شعرية عالية، وأسهمت في ترسيخ الحس الجمالي النوبي داخل الأدب العربي الحديث.

من أبرز الأصوات الشعرية هو محمد خليل قاسم، الذي عُرف بكتاباته الأدبية التي استلهمت البيئة النوبية، إلى جانب شعراء معاصرين من النوبة السودانية مثل محمد عبد الحي، الذي أفاد من التراث النوبي والكوشي في مشروعه الشعري، وإن لم يكن شاعراً نوبيًا بالمعنى الإثني. أما كثير من الأدباء النوبيين المشهورين، مثل حجاج أدول وإدريس علي، فقد اشتهروا بالرواية والقصة أكثر من الشعر.

المعرفة

ومن أهم النماذج الشعرية التي تستلهم الحضارة النوبية قصيدة «العودة إلى سنار» للشاعر السوداني محمد عبد الحي، وهي من أبرز قصائد الحداثة العربية التي تستحضر الإرث النوبي والكوشي، ومن أبياتها:

يا سنارُ...

يا وطنًا ينامُ على ضفافِ النيلِ،

ويصحو في دمي،

أعودُ إليكِ محمولًا على ذاكرةِ المياه.

وهذه القصيدة تجعل من النوبة وكوش وسنار رموزًا للهوية الحضارية السودانية، وتمزج الأسطورة بالتاريخ والوجدان الإنساني، ولذلك احتلت مكانة بارزة في الشعر العربي الحديث.

نبذة عن الشاعر

ولد محمد عبد الحي عام 1944 في السودان، ويُعد من أبرز شعراء الحداثة العربية في القرن العشرين. درس الأدب الإنجليزي، وتأثر بالتراث العربي والأفريقي معًا، وسعى إلى تأسيس رؤية شعرية تستلهم الحضارات القديمة، وفي مقدمتها الحضارة النوبية والكوشية. وقد ترك أثرًا عميقًا في الشعر السوداني والعربي حتى وفاته عام 1989.

ولو بحثنا بعمق أكثر عن الشعر النوبي، فمن الأنسب الحديث عن الشاعر النوبي محمد عبد الحي، لأن شعره يمثل نقطة التقاء بين التراث النوبي والشعر العربي الحديث، ويتيح دراسة العلاقة بين الهوية النوبية والحداثة الشعرية من منظور نقدي ولغوي.

إن الشعر النوبي ليس مجرد شعر محلي، بل هو خطاب حضاري وإنساني يعكس تفاعل الثقافات في وادي النيل، ويؤكد أن العربية كانت عبر تاريخها لغةً قادرة على استيعاب التنوع اللغوي والثقافي دون أن تفقد هويتها. ومن منظور فقه اللغة وآراء المدرستين البصرية والكوفية، يمكن النظر إلى هذا التفاعل بوصفه مظهرًا من مظاهر حيوية العربية وثرائها، لا عاملًا يهدد بنيتها أو أصالتها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

قراءة نقدية في قصة «أُمومة عازبة» للكاتب: عمر سليمان

ينتمي نص «أُمومة عازبة» للكاتب عمر سليمان إلى السرد المعاصر القائم على التكثيف والتفريغ النفسي. فالقصة النفسية هي التي تتتبع اضطراب الذات وعزلتها الداخلية كما لا تُبنى الحكاية على حدث خارجي صاخب، بل على تشريح عميق لبنية العزلة، من خلال تجربة وجودية تعيشها امرأة وحيدة تقتني طفلًا من السيليكون، ثم تمنحه اسمًا وملامح وصوتًا وحضورًا يوميًا، ليغدو طوق نجاة نفسيًا يعوض جفاف الواقع وصدمات الاغتراب.

الحدث الظاهر بسيط، لكنه يخفي أزمة وجودية مركبة: امرأة لا تجد في الواقع ما يشبع حاجتها إلى الأمومة ، فتبتكر واقعًا بديلًا تتحول فيه الدمية الجامدة إلى كائن حي داخل وعيها ووجدانها.

ثانيًا: العنوان كمفارقة ودليلاً تأويليًا

يحمل العنوان «أُمومة عازبة» مفارقة لغوية ودلالية واضحة؛ إذ يجمع بين لفظين يبدوان متعارضين:

أمومة: تحيل اجتماعيًا وبيولوجيًا إلى الامتلاء، والخصوبة، والرعاية، والامتداد الإنساني.

عازبة: تحيل إلى الوحدة، والفردانية، والغياب، والحرمان العاطفي أو الاجتماعي.

ومن هذا الجمع المتناقض تتشكل بؤرة النص؛ فنحن أمام أمومة بلا زواج، وبلا شريك، وفي النهاية بلا طفل بيولوجي حقيقي.

لا يؤدي العنوان وظيفة تعريفية فحسب، بل يعمل باعتباره مفتاحًا تأويليًا يضع القارئ منذ البداية أمام سؤال جوهري: هل الأمومة فعل بيولوجي فقط، أم يمكن أن تكون فطرة  وحالة نفسية وروحية خالصة؟

ومن خلال تنامي النص، يعيد الكاتب تعريف الأمومة باعتبارها طاقة وجدانية تبحث عن موضوع تتجسد فيه، حتى لو كان هذا الموضوع دمية مصنوعة من السيليكون.

البناء السردي وتقنية «اللامبالاة الموجهة»

يتحرك البناء السردي في النص وفق متوالية تراكمية تبدأ من لحظة الحمل أو تخيل الحمل، ثم الولادة أو اقتناء الطفل، ثم الانتقال إلى البيت، ثم ممارسة تفاصيل الرعاية اليومية (الرضاعة، المناغاة، الملابس، تمشيط الشعر، الحكايات، والبوح بأوجاع العمل والحياة).

تتجلى القوة الفنية في هذا البناء عبر تكرار عبارة «لا يهم»:

«حملته في بطنها تسعة أشهر، أو حملت به بمجرد اتصال الفكرة برأسها وكيانها، لا يهم.»

«خرج للتو من رحمها أو ذهنها، لا يهم.»

يمكن تسمية هذه التقنية بـ «اللامبالاة الموجهة»؛ لأنها ليست تكرارًا عفويًا، بل أداة فنية تؤدي ثلاث وظائف أساسية:

زعزعة اليقين: يجعل التكرار القارئ غير قادر على التمييز بين الحقيقي والمتخيل. هل ولدت المرأة فعلًا؟ أم أنها ولدت الفكرة؟ هل خرج الطفل من رحمها أم من ذهنها؟

إلغاء الحدود بين الجسد والخيال: النص لا يهتم بالتفرقة بين الرحم والذهن، أو بين اللبن والروح، لأن الحقيقة الأساسية فيه ليست مادية، بل شعورية وجدانية.

التمهيد للصدمة الختامية: يمنح التكرار السرد نغمة إلحاح داخلي تشبه التنويم الذاتي، كأن البطلة تقنع نفسها أولًا، ثم تقنع القارئ، بأن الفارق بين الواقع والوهم غير مهم ما دام الإحساس حاضرًا.

المفارقة والصدمة الدرامية

تبلغ القصة ذروتها الفنية في السطر الأخير عبر المفاجأة الكاشفة:

«... مع طفلها (السليكون) ...»

تأتي كلمة «السليكون» كمفتاح تفكيكي يعيد قراءة النص كله. فما بدا أمومة طبيعية يتحول إلى أمومة متخيلة، وما بدا طفلًا حيًا ينكشف أنه دمية جرى شحنها بالعاطفة والخيال.

هنا تتحول الأفعال اليومية الحركية (أرضعته، يقضي حاجته، يناغيها، تُمشط له شعره) من أفعال بيولوجية واقعية إلى إسقاطات وجدانية ذاتية. فالطفل لا يفعل شيئًا في الحقيقة، بل البطلة هي التي تمنحه الحياة من داخلها.

ولا تؤدي هذه المفارقة إلى السخرية من الشخصية، بل إلى تعميق التعاطف معها؛ فالقارئ يدرك حجم الألم الذي دفعها إلى اختراع هذا العالم البديل.

التفكيك النفسي للشخصيات

المرأة: الذات المغتربة

تُقدّم البطلة دون اسم علم، وهذا الاختيار يمنحها بعدًا رمزيًا شاملًا. فهي تمثل كل ذات إنسانية محاصرة بالوحدة، تبحث عن بديل عاطفي يعينها على استمرار الحياة.

لا تبدو المرأة مجنونة بالمعنى المباشر، بل تبدو كائنًا هشًا يستخدم الخيال بوصفه آلية دفاع نفسي أو استراتيجية بقاء إنها لا تهرب من الواقع فحسب، بل تصنع واقعًا موازيًا أكثر رحمة؛ فالطفل بالنسبة إليها ليس دمية، بل مرآة داخلية تعكس رغبتها في الحنان والاحتواء والتواصل.

رمزية اسم الطفل “جاسر"

اختيار اسم «جاسر» المشتق من الجسارة يحمل دلالة محورية في ثلاثة مستويات:

رمز للقوة المفقودة: البطلة هشة ووحيدة، فتمنح طفلها اسمًا يوحي بالقوة والصلابة، وكأنها تعوض ضعفها الداخلي عبر هذا الاسم.

جسر نفسي: يسمح التقارب الصوتي والدلالي بين «جاسر» و«جسر» بتأويل الاسم بوصفه معبرًا نفسيًا تعبر به المرأة من وحدة قاسية إلى عالم من الأنس والرعاية.

المفارقة بين الاسم والمادة: اسم حي وقوي يُمنح لجسد صناعي بارد. وهذه المفارقة تكشف قدرة العاطفة على تحويل الجماد إلى كائن رمزي مشبع بالمعنى.

رمزية الأب الغائب

يحضر الأب في النص بوصفه غيابًا أكثر منه حضورًا؛ فالاتصال الهاتفي الليلي يعكس رغبة البطلة في استكمال صورة الأسرة المثالية. وبذلك لا يقتصر الوهم على الطفل وحده، بل يمتد إلى بنية الأسرة كلها: أم، طفل، أب، بيت، وطمأنينة.

فضلًا عن ذلك تتضافر في النص شبكة كثيفة من الرموز التي تعمق أبعاده النفسية؛ فالسيليكون يمثل المادة الباردة التي تُشحن بعاطفة الأمومة الحارة، متجسدًا كبديل صناعي يلجأ إليه الإنسان المعاصر لترتيق تمزقات الاغتراب. وتتكامل المقابلة بين الرحم والذهن لتعلن انتصار الولادة التخيلية على الولادة البيولوجية، بينما ينقل تحول اللبن إلى روح فعل التغذية من إطعام الجسد إلى شحن الوجدان.

كذلك تتجلى المرآة في النص كمسرح للانقسام بين الحقيقة والوهم؛ إذ يعكس سطحها المادي دمية جامدة، بينما يرى الخيال في ظلالها طفلًا نابضًا بالحياة. أما البيت فيتحول من معزل بارد يجسد الوحدة إلى مكان ممتلئ بالحضور، وتغدو طقوس تمشيط الشعر وشراء الملابس محاولة دائمة لمنح هذا الجماد هوية وبشرة اجتماعية، لتستحيل الحكايات والكتب الأدبية لغة تواصل بديلة تُسمع عبر "أذن الخيال".

التفكيك السيميائي وفق مربع غريماس

يتجلى سبك السرد في قصة «أُمومة عازبة» بصورة أعمق عند إخضاعها للتحليل السيميائي عبر المربع السيميائي لغريماس، والذي يتتبع العلاقات الدلالية الناظمة لعمق النص بين التضاد، والتناقض، والاستلزام من خلال :

1. تحديد المحور الدلالي وتفكيك المفاهيم

يقوم المحور الدلالي المركزي للنص على صراع [تحقق الأمومة / الجفاف الإنساني]، حيث تتحدد الأقطاب الأساسية كالآتي:

المفهوم الأول (S_1): الامتلاء والأمومة الحقيقية (الحياة، الشريك، الإنجاب البيولوجي، الدفء الاجتماعي).

المفهوم الثاني (S_2): الحرمان والعزوبة (الواقع المادي القاسي، آلام العمل، الاغتراب، صمت البيت).

نقيض المفهوم الأول ((S_1 ) ̅):  الوهم الصناعي (طفل السيليكون، الأب الوهمي عبر الهاتف).

- نقيض المفهوم الثاني ((S_2 ) ̅): اللُّا-حرمان أو الأمومة المتخيلة (المناغاة، الرضاعة الروحية، طقوس التمشيط والاطمئنان).

2. حركة العلاقات السيميائية في النص

- علاقة التضاد الأصلي (S_1↔S_2): يمثل التضاد بين الامتلاء البيولوجي والواقع المحروم أزمة البطلة الأولية؛ فالواقع يفرض عليها وضعية الحرمان (S_2) ويرفض منحها وضعية الامتلاء الطبيعي (S_1).

-علاقة التناقض والتحول (S_2→(S_2 ) ̅): أمام انسداد أفق الانتقال المباشر من الحرمان (S_2) إلى الامتلاء الحقيقي (S_1)، تُفصّل البطلة مسارًا سيميائيًا بديلًا؛ فتنتقل من الحرمان إلى اللا-حرمان ((S_2 ) ̅) عبر تعويض نقص الواقع بالطقوس اليومية المتخيلة.

- علاقة الاستلزام والتلازم ((S_2 ) ̅S_1 و (S_1 ) ̅S_2): تحاول البطلة ربط عالمها المتخيل ((S_2 ) ̅) بظلال الامتلاء البيولوجي (S_1) مستعينة بعبارة «لا يهم» لإلغاء الحدود، إلا أن حضور مادة السيليكون ((S_1 ) ̅) يستلزم في نهاية المطاف الانكسار والعودة إلى واقع الحرمان والعزوبة (S_2).

3. مربع الكينونة والظهور (السيماء المظهرية)

يتضاعف عمق المفارقة في النص حين نتأمل المسافة الفاصلة بين الكينونة (Être) والظهور (Paraître)؛ ففي مستوى الكينونة المادية نحن أمام دمية غير حية وعزوبة قاسية، بينما في مستوى الظهور النفسي والمعاش وجدانيًا نحن أمام طفل يتكلم وأسرة مكتملة الشمل. وبتكرار عبارة «لا يهم»، ينجح النص في طمس هذه المسافة، ليجعل الظهور الشعري والنفسي هو الحقيقة الوحيدة التي تعيشها الذات في مواجهة برودة الكينونة المادية.

اللغة وبلاغة التضاد

يعتمد النص على لغة شاعرية ذات إيقاع عاطفي متدفق يناسب الحالة النفسية للبطلة. وتبرز جماليات اللغة من خلال عدة عناصر:

المقابلة بين المادي والروحي: مثل (رحمها/ذهنها، لبنها/ روحها)؛ حيث ينتصر النص دائمًا للروح والخيال على حساب الجسد والمادة.

التفاصيل اليومية: تمنح التفاصيل الصغيرة (الملابس، المرآة، الشكوى من العمل، تمشيط الشعر) الوهم مظهر الحقيقة، مما يزيد من قوة الصدمة الختامية.

التضاد بين الدفء والبرودة: يقوم النص على صراع خفي بين برودة السيليكون وحرارة العاطفة الأمومية التي تحاول شحن الجماد بالنُّبل والحياة.

القضايا الإنسانية والمعاصرة

يطرح النص عدة قضايا إنسانية ووجودية فارقة:

الاغتراب المعاصر: يكشف النص عن وحدة الإنسان في عالم بارد، وعن اضطراره إلى اللجوء إلى بدائل صناعية لسد فجوة العاطفة.

الأمومة كاحتياج لا كإنجاب: يقدم النص الأمومة بوصفها طاقة حب ورعاية، لا مجرد فعل بيولوجي.

سلطة الشعور: يرسخ النص فكرة أن الإحساس الداخلي قد يكون، بالنسبة لصاحبه، أكثر واقعية من المادة الخارجية.

الوهم بوصفه وسيلة نجاة: لا يطرح النص الوهم بوصفه سقوطًا، بل بوصفه محاولة للبقاء في مواجهة الوحدة.

رغم قوة النص وثراء فكرته، يمكن تسجيل ملاحظة فنية تتعلق بالجملة الأخيرة:

«... حياةً شغلتها كثيرًا عن آلامها ووحدتها وعُزوبتها.»

تبدو هذه الجملة شارحة ومباشرة بعض الشيء؛ إذ كان من الممكن أن تزداد النهاية تكثيفًا لو اكتفى الكاتب بكشف حقيقة الطفل السيليكون، وترك للقارئ استنتاج دوافع الوحدة والعزوبة. ففي القصة القصيرة جدًا، يكون الإيحاء غالبًا أقوى من التصريح.

ومع ذلك، لا تفقد النهاية أثرها الفني؛ لأنها تنقل القارئ من مستوى الحكاية إلى مستوى التأمل النفسي العميق، وتعيد تشكيل النص كله في ضوء المفاجأة الأخيرة.

ومجمل القول

لقد استطاع عمر سليمان في نص «أُمومة عازبة» أن يقدم حكاية قصيرة لكنها كثيفة الدلالة، تجمع بين الرهافة النفسية، والمفارقة الفنية، والرمز الاجتماعي، والتماسك السيميائي المعقد. فالطفل السيليكون ليس مجرد دمية، بل هو علامة على فراغ إنساني عميق، ورغبة موجعة في الأمومة والمؤانسة  والاحتواء.

إن البطلة لا تُقدَّم كمادة إدانة أو سخرية، بل باعتبارها كائنًا يحاول النجاة بما تبقى له من خيال. ومن هنا تكمن إنسانية النص؛ فهو لا يحاكم الوهم، بل يكشف الجرح الذي أنتجه، ليتحول إلى وثيقة أدبية عن الأمومة المستحيلة، والعزلة المعاصرة، وقدرة الخيال على خلق حياة بديلة حين يعجز الواقع عن تقديم حياة محتملة.

***

د. نجلاء نصير

.........................

أُمومة عازبة

حملته في بطنها تسعة أشهر، أو حملت به بمجرد اتصال الفكرة برأسها وكيانها، لا يهم. ولدته في عيادة خاصة للولادة لمَن هن مثلها بمجرد وقوع بصرها عليه؛ خرج للتو من رحمها أو ذهنها، لا يهم. حملته إلى بيتها وهي في قمة فرحتها، وعاشت معه فترة النِفاس أو الحيض لا يهم. أرضعته لبنها أو روحها لا يهم.. أسمته باسم أجمل طفل راقها من الحضانة المجاورة، "جاسر".. صارت تهتم به كأي أم رؤوم تتدفق عليه بعاطفتها المكتزة من سنين.. بَنت معه عالمًا مَخمليًا أو صاخبًا لا يهم، في رحاب أسرة سعيدة، يغيب فيها الأب، فتتصل به ليلة كل يوم تطمئن عليه وتُطمئنه على طفلهما الفتان، وتبقى هي وطفلها يُؤنسان بعضهما في اغتباط.. هو يحتاجها وهي تحتاجه.. ملأ عليها حياتها، وأصبح يحتل كل مكان تشغله في المنزل.. تُعامله كأنه يحتوي على رُوحها التي تجعله يتحرك ويبكي ويضحك ويتكلم ويُنادي عليها، يأكل ويشرب، ويقضي حاجته.. تُحدثه، فيستمع لها وهي تشكو له مُعاناتها في العمل، تُفضفض له بما يُحزنها، تبث له أُمنياتها وأحلامها، تقص عليه أحداث يومها في العمل، ومَن قابلتهم في طريقها.. وهو يناغيها بصوته الطفولي الشجي. تُداعبه أينما مرت مُتنقلة بين وظائفها، وإذا فرغت له، تُعانقه في صحوها ونومها.. تهتم بملابسه، تشتري من أجله الملابس الجديدة، كُلما سنحت لها الفرصة، تُمشط له شعره الناعم الغزير، وتبتكر له تسريحات عديدة، وتضحك معه على بعضها أمام المرآة.. تُسمعه ما تقرأه من كُتبها الأدبية المُحبَبة، وتسمع منه حكاياته الجامحة بأُذن الخيال، ثم تُقهقه عليها في جذل..

كم انبهرت بقُدرتها على الخيال الذي صَور لها مع طفلها (السليكون) حياةً شغلتها كثيرًا عن آلامها ووحدتها وعُزوبتها.

***

عمر سليمان

كثيراً ما يرد مصطلح التعالق الأجناسي في الدراسات النقدية دون أن تتضح دلالته لدى القارئ غير المتخصص ومن هنا جاءت هذه القراءة محاولةً تقريب المفهوم والإضاءة على حضوره في النصوص الأدبية وكيف أصبح أحد أبرز ملامح الكتابة الحديثة

إذ كلما ظنّ النقد أنه أحكم إغلاق الأجناس الأدبية داخل حدودها جاءت الكتابة لتفتح باباً جديداً فمنذ ولادة النص الأول لم يكن الإبداع يعترف بالسياجات بل كان يختبر قدرته على العبور وما نسميه اليوم (التعالق الأجناسي) ليس ظاهرة طارئة وإنما الإسم الذي منحه النقد لحركة قديمة ظلت ترافق الأدب كلما اتسعت التجربة وضاقت القوالب

لم تُخلق الأجناس الأدبية لتكون قوالب جامدة وإنما وُجدت لتيسّر قراءة النصوص وفهم خصائصها فحين قسّم (أرسطو) الفنون كان يقرأ طرائق التعبير ولم يكن يسنّ قوانين تمنع الكتابة من النمو غير أن الإبداع ظل أكثر رحابة من كل تصنيف لأن التجربة الإنسانية لا تتحرك في خط واحد فهي تتذكر وتحلم وتتأمل وتحكي في اللحظة نفسها ولهذا أخذت الكتابة تبحث دائماً عن شكل يستوعب هذا الثراء

ومن هنا تتضح دلالة التعالق الأجناسي فهو حوار فني بين الأجناس الأدبية تتبادل فيه طرائق التعبير دون أن تتنازل عن هويتها، فالقصيدة قد تستثمر السرد لتوسيع أفقها الزمني، والرواية قد تستعير التكثيف الشعري لتمنح لحظاتها الداخلية عمقًا أكبر، والمسرح قد يحتضن التأمل الفلسفي ليكشف ما تعجز الحركة وحدها عن الإفصاح عنه. إننا أمام تفاعل يثري النص، ولسنا أمام إلغاء للفوارق بين الأجناس. وتراثنا العربي يقدم شواهد مبكرة على هذه الظاهرة، وإن لم يسمها بهذا الاسم (فالمقامات) مزجت السرد بالإيقاع والبلاغة، ورسائل أبي (حيان التوحيدي) تحركت بين الفكر والأدب. وكتابات (النفري) استعصت على الإنتماء إلى جنس واحد لأن التجربة التي حملتها كانت أوسع من أي تصنيف، وهذا يؤكد أن المصطلحات تتغير أما الإبداع فيسبقها دائماً.

وقد وسّع النقد الحديث هذه الرؤية فأصبح النص يُقرأ كونه كياناً حياً يدخل في حوار مع الأجناس والفنون ويعيد تشكيل أدواته وفق حاجته التعبيرية، لذلك لم يعد السؤال الأكثر أهمية: إلى أي جنس ينتمي هذا النص؟

وإنما: كيف استطاع أن يبني عالمه؟ لأن القيمة الجمالية لا تقاس بعدد العناصر التي يستعيرها الكاتب لكن بقدرته على صهرها في بناء متماسك يشعر القارئ معه أن كل عنصر وجد مكانه الطبيعي

غير أن التعالق الأجناسي لا يتحقق بمجرد جمع أدوات متفرقة فقد يتحول إلى استعراض شكلي إذا غابت الضرورة الفنية

أما حين تفرض التجربة لغتها الخاصة فإن العناصر الوافدة تذوب في نسيج النص حتى تبدو وكأنها وُلدت فيه وعندها يصبح التعالق فعلاً إبداعياً يوسع أفق القراءة ويمنح النص طاقة تعبيرية أكبر

لقد أثبتت الكتابة الحديثة أن الأجناس الأدبية لا تزداد قوة بالانعزال وإنما بالحوار، فكل جنس يحتفظ بخصوصيته ويكتشف في الوقت نفسه إمكانات جديدة عبر انفتاحه على غيره وهكذا يغدو التعالق الأجناسي علامة على حيوية الأدب وليس على اضطرابه

وحين نكف عن سؤال النص: إلى أي جنس تنتمي؟ ونبدأ بسؤاله: كيف صنعت عالمك؟ نكون قد اقتربنا من جوهر القراءة فالنص العظيم يبتكر حدوده بنفسه ويقنع قارئه أن الجمال يولد من صدق الرؤية واتساع أفقها لا من صرامة التصنيف

وخلاصة القول:

 فإن التعالق الأجناسي هو تفاعل فني بين الأجناس الأدبية تتبادل فيه وسائل التعبير دون أن يفقد أيٌّ منها هويته فليس المقصود إذابة الحدود بين الشعر والسرد والمسرح وإنما الإفادة من طاقاتها الجمالية لبناء نص أكثر ثراءً واتساعاً لذلك لم يعد نجاح النص مرهوناً بإنتمائه إلى جنس أدبي واحد إنما بقدرته على توظيف هذه العلاقات في خدمة رؤيته وصياغة تجربة متماسكة تفتح أمام القارئ آفاقاً جديدة للفهم والتأويل

***

مرشدة جاويش

 

نشوة الكتابة المحلّقة في فضاء الروح

حين يفصح الكاتب في مستهلّ نصّه، عن غاية كتابته أو مدى جدواها في الم صاخب مضطرب، فهو – الكاتب- يعطي مفاتيح الكتابة بالقصديّة والوعي العالي لمسار نصّه. هذا ما فعلته الكاتبة بشرى الهلالي وهي تدخل فضاء روايتها "توقيت آخر للحياة" لمسار يبدأ من مقطع حواريّ حاد يبدو إطارًا لرحلتها المثيرة في بلاد غريبة.

"السيدات والسادة المسافرون، نرجو الجلوس في مقاعدكم، وربط الأحزمة استعدادا للإقلاع .....

السيدات والسادة المسافرون، نرجو الجلوس في مقاعدكم، وربط الأحزمة استعدادا ل"...

"الفرق بين لحظة الإقلاع ولحظة الهبوط في رحلة جوية يشبه الدهشة لحظة بداية أيّ فعل، والسكون لحظة نهايته. إنها اللذة الممزوجة باللهفة والترقّب، والنشوة التي تشعل الجسد لتخمد حرائقه مع انتهاء الفعل. هذا تماما ما أشعر به، الآن وأنا أستمتع بتلك القشعريرة التي تسري في جسدي لحظة ملامسة عجلات الطائرة لأرض المطار. "

تنطلق الرواية من نسج فضاء خاصّ يحمل رؤىً وأفكارًا وتأمّلات، أنشأت منها الهلالي حكاياتٍ تتفرّع من الخيط السردي المتصاعد من لحظة إقلاع الطائرة حتى النهاية المدهشة التي أعطت للعمل إطارًا فنيًّا عالي المهارة لأنه أجاب على الكثير من الأسئلة التي ظلّلت معلّقة طيلة الرحلة المثيرة التي بدأتها "ملك" مع "نجوى" رفيقة المصادفة  في رحلة التدريب في أوغندا باعتبارهما موفدتين  من مؤسسة إعلامية كبيرة، كما جاء في الرواية.

شغف الاكتشاف، وفضول الصحفي، والتوق للمغامرة ميّزت شخصية البطلة ملك، التي خرجت من أزمة عاطفيّة ونفسيّة تركت في روحها آثارًا عميقة، لذلك وجدت في هذه الرحلة ملاذًا للتغيير وفسحة للحريّة التي سعت للبحث عنها بعيدًا عن مجتمع تعرّض لمحن وأزمات وصلت ذروتها في التظاهرات التي شهدتها البلاد وأنتجت استقالة رئيس الوزراء بعد أن راح ضحيّة هذه التظاهرات شباب أبرياء.

لستُ هنا بصدد شرح تفاصيل الرواية، لأن مثل هذا الشرح يفسد متعتها ويكشف أسرارها التي حرصت الكاتبة على تنظيم إيقاع كشفها بأسلوب حرفيّ عالٍ وأداء متقن وإدارة متمكنة للشخوص والأحداث. وكذلك بثّ الأفكار بشجاعة وجرأة من النادر أن نجد نظيرًا لها بين الكاتبات العربيّات بسبب الكوابح الاجتماعية والسياسية. لذلك تعدّ بشرى الهلالي من المبدعات اللائي لم يقفن عند حدود الخشية من سوء الفهم أو إسقاط سلوك البطلة على شخصيّتها، وهذا أمر يحسب لها.

بنيت رواية "توقيت آخر للحياة" بأسلوب المحاور المتداخلة بإتقان، فهناك محور أزمات الوطن وما يتعرّض له وسلوك أبناء المنطقة الخضراء و"م"  الذي تميّز من بين الشخصيّات الأخرى باعتماد حرف من اسمه، دلالة على التعميم الرمزي الذي سعت إليه الكاتبة ليكون دالاً على نموذج للسوء، واستغلال الآخرين ومنهم بطلة الرواية التي انتهكها. كما يشمل هذا المحور إشارات للضحايا وما تعرّض لها المطالبون بحقوقهم الشرعيّة، حيث رصدت المؤلفة حالات من داخل منطقة الاحتجاجات وعملها كصحفيّة في نقل الأحداث من خلال التواصل مع عدد من الشباب المحتجّين .

أما المحور الآخر فيتعلّق بالرفقة القسريّة لزميلتها في دورة التدريب "نجوى" التي تتناقض تماما مع شخصيّة" ملك". ومع ذلك فإنها ترتبط بها بمودّة وتتعاطف مع تحفّظاتها والتزامها الاجتماعي الرصين حتى وهي في سفرة من الممكن أن توفّر لها بعض الحريّة، لكن نجوى تحمل طقوس عائلتها وكأنهم معها.

أما المحور الثالث، الذي بدا غرائبيًّا في رصده الأول وحمل إيحاءات تشير إلى التخيّل والوهم في شخصيّة الشبح " موساكا" والعجوز الغامضة في الفندق "ديمبي" جدّة "سيا " عاملة الفندق التي تفاجئها بعبارة تحمل تأويلات عديدة وهي: "لا توقظي الموتى ستعاتبك دماؤهم"، وتاريخ أوغندا ونهاية حكم عيدي أمين عام 1979، وما تركته من تداعيات وأحداث.

أما المحور الرابع فهو شخصيّة عادل العاشق الرومانسيّ الذي يلاحق ملك ويسافر من أجلها إلى أوغندا ليرتبط بها . 

2

استطاعت بشرى الهلالي في روايتها أن تلمّ بقاعدة معلومات وبيانات وأفكار بثّتها عبر المحاور التي أشرت إليها، بإقناع سرديّ متقن وبدون  تكلّف ظاهر، وهذا الأمر يجعلها تنسج حكايتها بالتعامل مع الشخصيّات بدقة، وتحديد للملامح والسمات والسلوك المستند إلى أرضيّة كل شخصيّة. ف "م" تحوّل من  موظف كهرباء بسيط، إلى مسؤول كبير في المنطقة الخضراء الذي لخّص طبيعة سلوكه بمانشيت لافت للنظر هو "لا تثقي بسياسيّ قط، أنا مثلك كنت طيبا، لكن في اللحظة التي وضعت فيها قدمي على ما يطلق عليه (مسرح السياسة) أصبحت قذرا"، وهذه إشارة فكريّة مكثّفة لسرّ معاناة البلد .

ومن الجدير بالإشارة إليه، أن المواقف الوطنيّة التي حملتها أحداث الرواية جاءت من خلال رصد ما يحصل بسرد مشاهد سينمائية من واقع الحدث ووصفها بدقّة متناهية، مع تعميق الإحساس بأن ما يجري يستدعي السعي للتضحية من أجل وطن يتعرّض لانتهاك سافر من قبل ساسته.

إن قدرة بشرى الهلالي على الوصف جعلت شخصياتها وأحداثها واضحة المعالم تتجسّد للقارئ بدقة متناهية.

إضافة إلى نحت بعض الجمل التي ترسّخ التصور الإنساني الذي تهدف الكاتبة لتحقيقه فعبارات مثل "نحن ضحايا جاهزون" أو "علينا أن نداوي جراحنا بأنفسنا قبل أن تلتهمنا" أو تلميحات الجدة العجوز، وتخيّل مستنقع الدم من قبل ملك، وضحايا الديكتاتوريات والحروب، وكذلك ضحايا المجتمع، هي إضمامة من رسائل إنسانيّة حملها جسد الرواية، التي تكللت بالحضور المضيء الآسر لميشيل المرأة الإفريقية، التي تحمل فصولاً من المعاناة إضافة إلى وعي عالٍ وروح إنسانيّة تتجلى نقاء وصدقاً ووجعا لا يكسرها بل يجعلها أكثر قوة ورباطة جأش وقدرة على التعامل مع الظروف، وهي التي تشعر بما تعانيه المرأة العراقية المثقفة الخارجة من جحيم البلاد والتي تعلن عن موقفها في ورشة تدريب تخصّ عمل الصحفي في التعامل مع مناطق النزاع. لقد كانت ميشيل المرأة الأوغندية القوية نافذة أمل لملك وبوّابة دافئة شجّعتها على البقاء في إفريقيا وطرق أبواب مغامرات لابدّ منها في العمل والحياة والمزيد من التجارب المثيرة ومنها السفر إلى كينيا والتعامل مع منظّمة دوليّة فيها.

3

من الهموم الإنسانية التي وسمت بها بطلة الرواية، تعاطفها مع الجدّة "الضحيّة" و "موساكا" الذي بدا في عرضه السرديّ لغزًا، وتشابه فصول القسوة مع ما تعرّضت له من قبل "م" الذي تزوّجها سرًّا، وأجهضت حملها منه وما تعرّضت له العجوز بعد أن صارت من نساء عايدي أمين الذي حملت منه وأخذ منها مولودها الذي ظلّت حتى نهاية حياتها لا تعرف عنه شيئًا، لتتعرض بعد سقوط النظام إلى حملات تعذيب واغتصاب وحشيّ .

هذا التعاطف الإنساني مع هذه النماذج المسحوقة، إضافة إلى الشجن الوطني والحنين للعائلة أبًا  وأمّا وإخوة، دفعت الصحفيّة الموجوعة ملك للمزيد من التحديات والصراعات التي لم تقف عند حدود نماذج الصراع التقليديّة بل عبرتها إلى النظرة الخاصّة لمفهوم الحبّ وسلوك طرفيه، الرجل والمرأة، وما تحمله الرغبات ولحظات المتعة من دلالات ومعاني تبني المؤلفة إزاءها مواقف وأفكاراً وتأمّلات تبدو لا أقول متطرّفة بل ذات نظرة خاصّة ورؤية ذاتية عميقة، حتى مع العاشق عادل، الذي عبر القارّات من أجل أن يحقق لقاء بحبيبته التي تبادل معها رسائل وأمنيات وأحلامًا. لكنها صدمته باختيار الابتعاد عنه والانفصال النهائي وسط هالات الاستغراب التي داهمته... والحيرة التي هيمنت عليه أمام شخصيّة إشكاليّة رسمت لنفسها مسارًا خاصّا ورؤية فلسفيّة عبّرت عنها حين طلبت منها سيرتها الشخصيّة "أخبرتهم ما أعرفه عني لا عن نفسي" وهي تعبير عن عمق الذات وخصوصيّتها التي بنيت على أسس عميقة من قوّة الشخصيّة.

4

اعتمدت الكاتبة بشرى الهلالي في روايتها على عناوين فصول جزأتها وأعطت لكلّ فصل عنوانا دالاً، كما  إنها حرصت على التشويق والمتعة في رصد مسار حكايتها، مع  النهايات المفاجئة المثيرة لكلّ فصل تجعل المتلقي مترقّبًا لما يأتي. كما إنها جعلت روايتها ذات مستويين في التلقّي: الأول وهو الحكائي الظاهر الذي ينساب ببساطة وعفويّة، والثاني وهو الرمزي الذي يحمل إشارات معرفيّة وجماليّة تعبّر عنه مواقف الشخصيّات وسلوكيّاتها.

كما سعت الهلالي إلى إعطاء الصورة الحيّة لإفريقيا الراهنة، بعيدًا عن الصورة الذهنيّة التي يحملها كلّ منا عن هذه القارة السمراء، كما أنها رصدت مظاهرها الحضاريّة والعمرانيّة والمدنيّة.

ومن المهارات التقنية التي تميّزت بها الرواية بناء المواقف التبريرية لحرف مسار الحدث عن طبيعته. حيث تختار ملك بطلة الرواية تأجيل عودتها إلى الوطن بعد انتهاء مدة التدريب من أجل كشف السرّ الذي أرّقها وجعلها تشكّ في مصداقيّة حدوثه، بعد أن وضعت القارئ في جوّ من التخيّلات والطقوس والحركات التي تشير إلى أمر مخفيّ يستدعي فضول التعرّف عليه وكشفه، وهو العجوز التي تتوارى عن الأنظار والشبح الذي سرعان ما يختفي وكأنه كائن شبحيّ فعلاً. لذلك تمدد مدة بقائها وتتنقل من مكان إلى آخر حتى تكتشف السرّ في دوّامة من البحث والكشف والتساؤل وصولاً إلى حقيقة مبتغاة، ومعلومة لا ترغب الكاتبة في الإدلاء بها بشكل إخباريّ بارد لا إثارة فيه . 

5

في الفصل الأخير الذي حمل عنوان "البداية" شعرتُ مع انسياب لغته الهادئ، والتصاعد في الأحاسيس التي قادت البطلة إلى تخوم الغابة وغموضها ودلالاتها، في عزف، شعرت أنه يتماهى مع"سد هارتا" لهيرمان هسّه، والرحلة الغريبة التي تمثّل الإجابة الكبرى على الأسئلة المتشابكة،  بل السؤال الأكبر الذي يفتح باب البداية المحيّرة، والنهاية الموجعة بالسقوط بين الصخور وفقدان الوعي والحوار مع العجوز الضحيّة في رؤية هلامية صادمة، تتناغم مع الهالة الكبرى التي صارت عنوانًا دالاً ذكيّا هو " توقيت آخر للحياة".

 أبارك للمبدعة بشرى الهلالي هذا العمل الروائي المتقن المميز، وإلى مزيد من العطاء والتألق.

***

منذر عبد الحر

 

لأحمد السلطاني

يأتي الكتاب الشعري للشاعر التونسي أحمد السلطاني «ومازلت تعرج فوق جسر الحب» كاستجابة شعرية مكتملة لأسئلة الوجود في زمن يتداخل فيه الشخصي بالجماعي، والحلم بالحرج. هو رحلة عبر جسر رمزي تمتدّ حباله بين عوامل متعددة: بين طفولة الشاعر في القرى التونسية وبين جروح فلسطين الدامية، بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية، بين لغة الشعر ولغة المقاومة.

لغة تعيد تشكيل الواقع

يمتلك الشاعر أحمد السلطاني قدرة عالية على تنشيد عمارة شعرية تقوم على الارتباط الدلالي والتركيبي. فالمفردات لا تسكن معاجمها التقليدية. انها تنزاح نحو آفاق رمزية أوسع. «العروج» يصبح فلسفة وجودية تمزج بين السير المتعثّر والصعود المقاوم والبرزخي، و»الجسر» يتحول من معبر مادي إلى حيز شعري تتقاطع فيه الأزمنة وتعالق الأرواح. حتى «الأيائل» التي تسابق الريح تتحول إلى استعارة للزمن الجارف الذي يلئم العمر دون رحمة، كما يقول الشاعر مخاطباً إياها:

أيّها الأيائل الّتي تسابق الرّيح/ والنهر والعاصفة../ مهلا ألم تتعبي بعد..» (ص 11)

«تُدحرجني باقة الوقت / وتمشين مزهوّة/ نحو الغياب...» (ص 13)

هذا الارتباط اللغوي لا يقتصر على المفردات المنفردة. انه يمتد ليشمل البنية التركيبية للجملة الشعرية. ينسج الشاعر خيوطا بين المتناقضات. «جفّ طلاؤه» يقترن بـ «مازال مورقا»، و«رجل بلا أسنان» يواجه قدره بـ «صمود النخيل». هذه الثنائيات الموروثة تخلق إيقاعا داخليا يعكس الصراع المركزي. صراع الإنسان بين الهشاشة والشدة، بين الذبول والتورد والانتصار. يتجلّى ذلك في قصيدة «البيت والقد جفّ طالاؤه» حين يقول الشاعر:

«أيّها البيت الّذي جفّ طلاؤه/ وتشقّقت صور خلاّنه/ على الجدران/ وتحت السّقيفة والكرمة / أو في الفناء../ مازلت بعد ألقي دلائي/ وأقرفص في صحنك الدّائريّ/ وأنتظر.. أنتظر/ أن أشرب من يديك/ وأكرع من عذاب ما يعلق من مسك الشفاه/ على حافة الفناجين» (ص 50-51)

الذاكرة

يتشكّل الديوان كمشروع لذاكرة في مواجهة النسيان. البيت العتيق الذي جفّ طلاؤه، والبئر الذي احتفظ بعمقه رغم تشققاته، والوجوه التي رحلت وبقيت - كلها عناصر تشيد ما يمكن تسميته «أرشيف وجود». لكن هذا الأرشيف ليس مجرد مخزن للحنين. هو فعل مقاومة يومي ضد حمى الهوية، وضد تلك القوى التي تسعى لطمس معالم الذات والجماعة. يقول الشاعر في قصيدة «أعرج نحو الغياب مفردي»:

«حاولت أن أفعل كلّ شيء بدلاً عنك../ لم تلاحظ الأشجار غيابك/ كنت في الضباح أثر القمح للعابرين/ ....في أوّل الليل أكتب رسائل العشق للغرباء/ وعندما تنام النجوم أحرس الأسماء والأغنيات/ وأنتظر كي تُزهر في الضباح الغيوم» (ص 18-19)

اللافت أن هذه الذاكرة لا تنغلق على ذاتها، بل تنفتح لتستوعب ذاكرة أخرى. ذاكرة الأرض المغتصبة، والشعب المقاوم. فالشارع الذي يفقد أصدقاءه وأسنانه وشبابه، يرى في خساراته الشخصية صدىً لخسارات أمة بأسرها. هذا التداخل العضوي بين الخاص والعام هو ما يمنح الديوان معناه الإنساني واتساعه الرؤيوي.

الشعر كفعل مقاومة

يتحوّل الشعر هنا من فرج جمالي إلى فعل مقاومة وجودي. فالشاعر لا يكتب عن المقاومة فحسب، بل يجعل من الكتابة نفسها شكلاً من أشكال المقاومة. في قصائد مثل «هويّت القنص» و«أغنية أخرى للنصر»، تصبح الكلمة سلاحاً في مواجهة آلة التدمير، وتتحوّل القصيدة إلى «فرّاعة» توقظ الصخور النائمة. يقول الشاعر في «أغنية أخرى للنصر»:

«يا قدس غنّي../ ويا أحرار الأرض غنّوا معنا للنصر/غنّي يا أوراق الزيتون../ ويا كرم ويا عنب ويا تين ويا دُرر/... إنّا انتصرنا فسجّل يا تاريخ/ وقُصّ على الأيام مآثر الفخر» (ص 24)

هذا التحوّل في وظيفة الشعر يجد تعبيره في الازدياح اللغوي نفسه، حيث تتحوّل مفردات العنف والقرب إلى أدوات لكشف الهجينة وتعزية الزيف. وفي قصيدة «رجل بلا أسنان» نقرأ إعلانا مدهشاً:

«لا أملك شيئاً../ ليس لي إرث ولا راتب ولا بيت../ في الخمسن ونيف/ سأغادر وراء العربات/ وحيدا../ أجرّ خيبتتي وانتظاري» (ص 59)

ويؤكد الشاعر في موضع آخر أن الكلمات هي الملاذ الأخير:

«مازلت بعد أتوكّأ على الكلمات../ إنّها عُكازي الأخير...» (ص 37)

شعرية العروج

يقدّم العنوان الرئيسي للديوان «ومازلت تعرج فوق جسر الحب» مفتاحاً لفهم فلسفة الشاعر الشعرية. «العروج» هنا ليس مجرد سفر وعلو وتخلّص من الواقع، بل موقف وجودي، وفنّ للبقاء في زمن الكسور. إنه الإصرار على الاستمرار، والقبول بالهشاشة مع التمسّك بالصمود. وفي قصيدة عنوان الديوان، يردّد الشاعر:

«مازلت أحبّ أن أمشي/ في شارع الغيم/ وألاحق النّدى والصباحات الخجولة والضباب../ فكيف لك/ كيف لك أيّها الأيائل/أن تذهبي الآن...» (ص 14)

«ومازلت أمضي على البيت العتيق/ فتحدق الروح في كلّ شبر وناحية» (ص 48)

تتجسّد هذه الشعرية في البنية الزمنية للديوان، حيث ينسج الشاعر خيوطا بين أزمنة متعددة: زمن الطفولة الحالمة في الريف التونسي، وزمن الرجولة الحاملة لندوب الغياب، وزمن المقاومة الذي يفصل الانكسار. هذا التداخل الزمني يخلق ما يمكن تسميته «الزمن الشعري المتشظّي»، حيث تتعايش اللحظات المختلفة في فضاء القصيدة الواحدة. يستحضر الشاعر الماضي قائلاً:

«كان لي بئر ودالية/ وكان لي يا ابتي/ هدهد وقُبّرات وسلحفاة/ وشياه تعدن عند الضحى/ إلى كوخ المقيل/ كان لي زيتونة/ وبساط من الخضرة/ فوق الرّبى» (ص 29)

ثم ينتقل إلى وعي الراحلين:

«سافروا نحو الغياب يا أبتي../ وقريباً سيجيء الدور علينا../ غداً ربّما/ أو بعد يومين/ وبعض الدقائق/ سنحزم مع قدوم الفجر حقائبنا والمسير» (ص 32)

آليات التكثيف والاكتناز

رغم ثراء الموضوعات وتنوعها، يحافظ الديوان على كثافة شعرية متميزة. فالشاعر لا يسرف في الوصف ولا يطنب في الشرح. يختزل التجربة في صور مكثفة وعبارات موجزة تحمل دلالية عالية. هذا الاكتناز اللغوي لا يعني الفقر التعبيري. على العكس من ذلك ، ينبع من قدرة الشاعر على اختزال العالم في جملة، وتكثيف التجربة في صورة. من ذلك قوله في قصيدة «الرغيف»:

«كنت غريباً أتوكّأ على العزلة/ وأرعى النجوم والزهرات» (ص 46)

وفي «فصول الغياب»

:مثل غريق../ أمدّ في الفراغ يدي/ وأقول غداً سيمرّ غريب/ وينتبه لأنيني» (ص 106)

قراءات متعددة المستويات

يدعو ديوان «ومازلت تعرج فوق جسر الحب» إلى قراءات متعددة: قراءة تأويلية تتتبع الرموز وتفكك الانزياحات، وقراءة سياسية تتابع خطاب المقاومة، وقراءة وجودية تتأمل أسئلة الذات والزمن والموت، وقراءة جمالية تستمتع باللغة والإيقاع والصورة. هذا التعدد في مستويات القراءة هو دليل على ثراء النص وقدرته على الحوار مع قارئه من زوايا متعددة. ومن أعمق مقاطع الديوان في هذا السياق قول الشاعر مخاطباً الموت نفسه:

«أنا الموت القابع/ في شقوق الجدار/ وفي كل كوة خلف ستار.../

 أنا القتل الدامي/ وأطل عليكم من وراء الظلام» (ص 71)

وفي المقابل، يبقى الأمل حاضرا:

«من يدري غداً / لعلّ يداً خلف الستار/ أو تحت الركام/ ممدودة بعد../ وكانت كالزهر والشجرة/ كانت كالأمنيات» (ص 86)

جسر الحب والمستقبل

هنا في هذا الرقراق المنساب، رحلة شعرية ترهن بقدرة الشعر على البقاء، وقدرة الإنسان على المقاومة. فالجسر الذي يعرج عليه الشاعر - جسر الحب - قد يكون هشاً في مظهره، لكنه متين في جوهره. إنه الجسر - والذاكرة والمقاومة - الذي يصل بين الماضي والحاضر، بين الذات والآخر، بين الجرح والأمل. وفي ختام الديوان، يتردد صدى هذه الفلسفة:

«غداً سوف نعود / وسوف نمشي الهوينا / ملتحفين براياتنا البيض/ مبتهجين بالخضرة على الجانبين» (ص 95)

«نحن باقون يا أبتي../ ونحن نحبّ الحياة مثل كلّ سكان البسيطة» (ص 102)

ما يقدّمه الشاعر أحمد السلطاني هنا ليس مجرد قصائد، بل رؤية شعرية متماسكة للعالم. رؤية تفضّ الاستسلام، وتؤمن بأن الشعر - هذا الفعل المقاوم بامتياز - يظل أحد تلك الجسور القليلة التي تقودنا، رغم كلّ العواصف، نحو ضفة الكرامة والإنسانية.

***

سعيف علي

"مملكة الأحلام الصغيرة" لرزان الرابي

إنّ علاقتي بأدب الأطفال هي حكاية بدأت قبل أنْ أعرف القراءة والكتابة حينما كانت الأمسيات في حارتنا الفلسطينية تنطفئ على ضوء المصباح، وتشتعل على وهج الحكاية.

فلم تكن مكتبات الأطفال آنذاك قريبة من أيدينا، ولم تكن الكتب المصورة تطرق أبواب بيوتنا كما هي اليوم؛ لذلك كان خيالنا يتغذى من مصدر آخر أكثر دفئًا وصدقًا.

كانت مساءاتنا تبدأ من صوت جدتي فاطمة وهي تنسج لنا الحكايات، ومن عمي الحكيم خليل الذي كان يملك قدرة آسرة على تحويل الليل إلى مسرح، والكلمات إلى كائنات حية تمشي بيننا.

كبرت وأنا أرافق الشاطر حسن في رحلته، وأخاف من الغولة، وأتعاطف مع جبينة، وأبتسم لـ نص نصيص، وأصغي إلى حكايات الفأر والخنفساء، وغيرها من الحكايات الشعبية التي كانت بالنسبة لنا مدرسة خفية تُعلّمنا الخير، والشجاعة، والصبر، والذكاء، والانتماء إلى الأرض والناس.

إنّ تلك الشخصيات لم تكن مرسومة على الورق، لذلك كنت أرسمها وحدي داخل مخيلتي الطفولية.

كنت أمنحها الوجوه التي أحبّ، والألوان التي أتخيل، والبيوت التي أسكنها، والحقول التي أعرفها.

ولهذا بقيت تلك الحكايات ترافقني طويلًا، لقد كانت تزور أحلامي، وتتسلل إلى كتاباتي، وتعيد تشكيل حساسيتي الجمالية كلما تقدمت في العمر.

واليوم، بعد عقود من تلك الطفلة التي كانت تصغي أكثر مما تقرأ، تلك الطفلة التي لم تجد كتابًا جيدًا حتمًا ستصنع عالمها من أي حكاية تصل إليها؛ لذلك فإنّ مسؤولية الكاتب تكمن في أنْ يكتب للطفل، ويكتب عالمًا يستحق أنْ يسكنه الطفل.

ومن هنا تنبع أهمية أدب الأطفال كأحد أكثر الأجناس الأدبية تأثيرًا في بناء الوعي والوجدان والخيال.

فهو لا يعلّم القراءة وحدها، وإنما يعلّم الإنسان كيف يرى العالم، وكيف يسمي الأشياء، وكيف يحبّ الجمال، ويحترم الطبيعة، ويؤمن بالخير، ويصغي إلى اختلاف الآخرين.

إنّ الكتاب الأول الذي يقع بين يدي الطفل قد يترك في ذاكرته أثرًا لا تمحوه عشرات الكتب التي سيقرأها لاحقًا، لأنّ البدايات هي التي ترسم خرائط الروح.

ولعلّ هذا ما جعلني رغم انهماكي خلال الأشهر الماضية في إنجاز التزامات أكاديمية وبحثية متراكمة، وما أحاط بي من ضغوط علمية وثقافية وشخصية إلّا أنني لا زلت أحتفظ بوعد قطعته للصديقة الكاتبة المبدعة رزان الرابي ابنة الأردن الحبيب عندما أرسلت إليّ مجموعتها القصصية.

قلت لها يومها إنني سأؤجل القراءة قليلًا حتى أفرغ من تلك الالتزامات، لأنني لا أريد أنْ أقرأ هذا الكتاب بعين المستعجل، وإنما بعين الناقد الذي يعرف أنّ الكتابة للأطفال لا تقلّ صعوبة عن الكتابة للكبار، فهي تفوقها تعقيدًا.

وعندما فتحت المجموعة أخيرًا شعرت أنني أعود على نحو ما إلى تلك الأمسيات الأولى، إلى صوت جدتي، وإلى دهشتي القديمة، وإلى الطفلة التي ما زالت تسكن داخلي.

غير أنّ الفارق هذه المرة أنّ الحكاية جاءت مرتدية ثوبًا جديدًا يجمع بين جمال النص، وثراء الصورة، ووعي تربوي حديث يجعل الطفل شريكًا في الاكتشاف، لا متلقيًا سلبيًا للموعظة.

ومن هذا المنطلق تسعى هذه القراءة إلى تقديم مقاربة هذه المجموعة كمشروع جمالي وتربوي مستندة إلى مناهج السرديات الحديثة، والسيميائيات، ونقد أدب الطفل، للكشف عن البِنى الفنية والدلالية التي تشكل عالمها، وعن الكيفية التي استطاعت بها رزان الرابي أنْ تجعل من الحكاية مساحة يلتقي فيها الخيال بالمعرفة، والمتعة بالتربية، والبراءة بالوعي.

وعندما فرغت من قراءة المجموعة، وجدتني لا أقرأ سبع قصص منفصلة، وإنما أقرأ مشروعًا سرديًا واحدًا، تتعدد فيه الحكايات بينما تتوحد الرؤية.

فكل قصة تمثل نافذة جديدة على العالم، لكنها تفضي في النهاية إلى الفضاء نفسه، فضاء يؤمن بأنّ الطفل قادر على اكتشاف الجمال، وأنّ الطبيعة ليست ديكورًا للأحداث، فقد باتت شريكًا في تكوين الإنسان، وأنّ المعرفة تبدأ بالسؤال، والخير لا يُفرَض بكثرة المواعظ، وإنما يُعاش داخل التجربة السردية ذاتها.

وما بين أدب الأطفال وكل من التشكيل الجمالي وبناء الوعي فلم يعد أدب الأطفال في ضوء المناهج النقدية الحديثة يُقاس بكمية القيم الأخلاقية التي يقدمها، وإنما أصبح يُقاس بقدرته على تحويل هذه القيم إلى خبرة جمالية يعيشها الطفل دون أنْ يشعر بأنه يتلقى درسًا مباشرًا.

فالفرق كبير بين النص الذي يقول للطفل: "كن صادقًا"، والنص الذي يجعله يختبر الصدق من خلال شخصية يحبها ويتماهى معها.

ولهذا يؤكد بيري نودلمان أنّ الطفل لا يقرأ القصة على أنها خطاب تعليمي، فهي عالم يتشكل أمامه، ونجاح الكاتب يتجلى في قدرته على جعل القيمة جزءًا من نسيج الحكاية، لا ملحقًا أخلاقيًا بها.

فالقصة الموجهة إلى الطفل لم تعد تُبنى على ثنائية الخير والشر وحدها، كما في الحكايات الشعبية القديمة، وإنما أصبحت تعتمد بناءً نفسيًا أكثر تعقيدًا، يجعل الطفل يكتشف الحلول بنفسه، ويشارك في إنتاج المعنى، وهو ما يتقاطع مع مفهوم "القارئ النموذجي" عند أمبرتو إيكو، والذي يرى أنّ النص الناجح هو النص الذي يترك فراغات تأويلية يدعو قارئه إلى ملئها حتى وإنْ كان هذا القارئ طفلًا.

وتبدو هذه الرؤية واضحة في "مملكة الأحلام الصغيرة"؛ إذ لا تلجأ رزان الرابي إلى الوعظ المباشر، فهي تبني عوالمها على الاكتشاف، والدهشة، والتجربة، وهو ما يجعل الطفل يصل إلى القيمة بنفسه.

فلا أحد يجبر الأرنب على القراءة، وإنما تقوده التجربة إلى إدراك أهميتها، ولا أحد يملي على نور أنْ تحب الطبيعة، وإنما تنشأ هذه المحبة من علاقة وجدانية مع الفراشة وأصدقاء الحديقة. وهكذا تتحول القيمة إلى نتيجة طبيعية لتطور الحدث، لا إلى شعار يعلو فوقه.

ومن هنا يمكن القول إنّ المجموعة تنتمي إلى تيار معاصر في أدب الأطفال يسعى إلى الجمع بين المتعة الجمالية والوظيفة التربوية دون أنْ يطغى أحدهما على الآخر، وهو ما يمنحها خصوصيتها ويجعلها جديرة بقراءة نقدية تتجاوز التلخيص والانطباع، لتكشف البِنى العميقة التي تنتظم عالمها السردي.

فإذا كانت صورة الغلاف قد أعادتني إلى طفولتي كذاكرةً للحكاية الشفوية، فإنّ المجموعة "مملكة الأحلام الصغيرة" بما تضمّنته من قصص أعادتني إلى سؤال أكثر عمقًا ألا وهو:

كيف تُبنى الطفولة داخل النص؟ فالقصة الموجهة إلى الطفل لا تُقاس بعدد شخصياتها، ولا بحجم أحداثها، وإنما بالكيفية التي تنجح بها في تشييد عالم يستطيع الطفل أنْ يصدق وجوده، وأنْ يقيم فيه وجدانيًا حتى وإنْ كان هذا العالم قائمًا على الخيال.

وهذه هي المزية الأولى التي تميز مشروع رزان الرابي؛ فهي تبني كونًا سرديًا متماسكًا، تتكرر فيه العلامات والرموز والألوان والشخصيات والفضاءات حتى يشعر القارئ الصغير أنه ينتقل من نافذة إلى أخرى داخل البيت نفسه.

وتنبني المجموعة على رؤية جمالية تجعل الدهشة هي البوابة الأولى للمعرفة، فلا تبدأ الحكايات من حدث صاخب أو أزمة معقدة، إنما تبدأ من لحظة صغيرة، قد تكون فراشةً تحط على كتف طفلة، أو أرنبًا يلهو في الغابة، أو كتابًا بلا عنوان، أو ريشةً تهبط من السماء.

غير أنّ هذه التفاصيل البسيطة تتحول بفعل الخيال السردي إلى محركات للأحداث، وإلى نقاط انطلاق لرحلات داخلية يتغير فيها الأبطال قبل أنْ تتغير الأمكنة.

وهنا تكشف الكاتبة عن وعي واضح بطبيعة المتلقي الطفل؛ إذ تدرك أنّ الطفل لا يحتاج إلى حبكات متشابكة بقدر حاجته إلى حدث يوقظ فضوله، ويجعله يسير مع الشخصية حتى النهاية.

ولعل أول ما يلفت الانتباه أنّ القصص جميعها تنطلق من حركة الاقتراب. فالشخصيات لا تُفرض عليها المغامرة، وإنما تنجذب إليها تدريجيًا.

فنور تقترب من الفراشة، والأرنب يتبعها، والقمر يقترب من الأرض، والطفل يقترب من الكتاب، والحيوانات تقترب من الريشة.

إنّ فعل الاقتراب هذا هو البِنية العميقة التي تحكم المجموعة كلها؛ فالمعرفة لا تأتي من بعيد، وإنما تبدأ بخطوة صغيرة نحو الآخر.

وهكذا يتحول الاقتراب إلى استعارة تربوية تؤسس لفكرة الحوار والانفتاح والاكتشاف.

وتتجلى هذه الرؤية منذ القصة الأولى "نور والفراشة"، والتي تبدو للوهلة الأولى قصةً عن طفلة تدخل حديقةً جميلة، غير أنّ القراءة السردية تكشف أنها قصة عن اكتشاف الذات عبر اكتشاف الطبيعة.

فالفراشة تؤدي ما يسميه فلاديمير بروب وظيفة "المرشد"؛ فهي التي تدفع البطلة إلى تجاوز حدود المكان المألوف، وتفتح لها باب العالم الجديد.

ومن هنا تتخذ الفراشة بعدًا رمزيًا يتجاوز كونها حشرة جميلة؛ فهي تمثل الحرية والتحول والجمال، كما تمثل الوسيط بين الطفل والعالم الطبيعي. لذلك لا تقف الكاتبة عند وصف ألوانها أو حركتها، وإنما تجعلها مفتاحًا لعلاقات جديدة مع الأرنب والسنجاب والزهور، لتصبح الحديقة فضاءً للتعارف لا مجرد فضاء للنزهة.

ومن اللافت أنّ الكاتبة لا تصنع الصراع من خلال الخوف أو العنف، فهي تصنعه من خلال الفضول، والطفل لا يواصل القراءة لأنه يخشى خطرًا داهمًا، وإنما لأنه يريد أنْ يعرف ماذا سيحدث بعد الخطوة التالية.

وهذه التقنية من أنجح تقنيات الكتابة للأطفال؛ لأنها تحافظ على الطمأنينة النفسية، وفي الوقت نفسه تبقي عنصر التشويق حاضرًا حتى النهاية.

إنّ التشويق يولد من الرغبة في المعرفة بعيدا عن التهديد، وهي رسالة تربوية عميقة، تجعل الاكتشاف قيمة في ذاته.

أما قصة "الأرنب الذي أحب القراءة"، فهي تمثل في تقديري المحور الفكري للمجموعة كلها؛ لأنها تنتقل بالطفل من عالم الطبيعة إلى عالم الثقافة دون أنْ تقطع الصلة بينهما.

فالأرنب يتعلم القراءة عبر تجربة وجودية بعيدا عن جدران المدرسة، وبعيدا عن معلم صارم؛ إذ يقوده جهله إلى الضياع، فتتحول القراءة من واجب مدرسي إلى وسيلة لفهم العالم.

وهذه النقلة بالغة الأهمية؛ لأنها تعيد تعريف المعرفة في وعي الطفل. فالكتاب أصبح طريقًا إلى الحرية والاستقلال والثقة بالنفس.

ومن الناحية السردية تعتمد هذه القصة على التحول الداخلي للشخصية، فالأرنب يبدأ رافضًا للقراءة، منشغلًا باللهو، ثم يواجه أزمة تكشف له حدود هذا السلوك قبل أنْ يعيد بناء ذاته من خلال التعلم.

وهذا التحول التدريجي يمنح الشخصية صدقية فنية؛ لأنها لا تتغير بقرار مفاجئ، وإنما عبر خبرة حقيقية.

ومن هنا تنجح الكاتبة في تجنب المباشرة الوعظية، إذ لا تقول للطفل: "اقرأ"، إنما تتركه يعيش مع الأرنب تجربة تجعل القراءة ضرورة يكتشفها بنفسه.

وإذا كانت القصتان الأولى والثانية تنطلقان من الواقع، فإنّ قصة "القمر الذي يزور الأرض" تمثل انتقالًا واضحًا إلى فضاء الخيال، لكنها ليست خيالًا منفصلًا عن الواقع، بقدر ما هو خيال يفسره ويضيئه.

فالقمر الذي يتحول إلى طفل صغير يرتدي ثوبًا فضيًا، ليؤدي وظيفة عجائبية، ويجسد حلم الطفل الدائم بكسر الحدود بين السماء والأرض.

إنّ الكاتبة تستثمر هنا أحد أقدم الرموز الإنسانية، لكنها تعيد صياغته بلغة تناسب الطفل، فتجعل القمر صديقًا لا جرمًا سماويًا بعيدًا.

ومن منظور سيميائي يمكن النظر إلى القمر كعلامة على الحضور الغائب؛ فهو يهبط إلى الأرض، ويزرع الفرح، ثم يعود إلى مكانه تاركًا أثره في القلوب.

وهذه النهاية تحمل بعدًا تربويًا رفيعًا؛ إذ تؤكد أنّ المحبة تقاس بعمق الأثر الذي يتركه الإنسان في الآخرين.

وهكذا تغدو الرحلة الليلية للقمر رحلة في معنى العطاء، لا في معنى المغامرة وحدها.

وفي هذه القصة أيضًا تتجلى قدرة رزان الرابي على أنسنة الكون؛ فهي تمنح القمر صفات الطفل، وتمنح الطفل صفات الضوء حتى تتلاشى الحدود بين الإنسان والطبيعة.

وهذا التداخل بين العوالم يمثل إحدى السمات المميزة للمجموعة؛ إذ لا توجد قطيعة بين الإنسان والحيوان، ولا بين النبات والإنسان، ولا بين السماء والأرض. الجميع يتحاور، والجميع يسهم في بناء المعنى، وهو ما يرسخ لدى الطفل شعورًا بالانتماء إلى كون واحد، لا إلى عالم منقسم إلى كائنات متفوقة وأخرى هامشية.

ومن هنا يمكن القول إنّ القصص الثلاث الأولى ترسم الملامح الكبرى للمشروع السردي الذي تتبناه الكاتبة، والذي باتت فيه الدهشة طريقًا إلى المعرفة، والطبيعة شريكًا في التربية، والخيال وسيلة لفهم الواقع، والقراءة فعلًا للتحرر، والمحبة لغةً مشتركة بين جميع الكائنات.

وهذه الرؤية هي التي تمنح المجموعة وحدتها الداخلية، وتجعلها أقرب إلى سيمفونية سردية تتعدد فيها الأنغام، بينما تبقى النغمة الأساسية واحدة.

وإذا كانت القصص الثلاث الأولى قد أرست الأساس الجمالي للمجموعة، فإنّ القصص الأربع الأخيرة تمثل مرحلة النضج في المشروع السردي لرزان الرابي، فالكاتبة تنتقل من بناء علاقة الطفل بالطبيعة إلى بناء علاقته بالأشياء، وبالآخر، وبذاته، ثم بالكتاب الرفيق الأبقى في رحلة التكوين الإنساني.

ويبدو هذا واضحًا فترتيب القصص لم يكن اعتباطيًا، وإنما جاء وفق تدرج نفسي ومعرفي يبدأ بالدهشة، ثم بالاكتشاف، ثم بالتعلم، ثم ينتهي بتقديس المعرفة نفسها.

ففي قصة سيارة فهد الزرقاء" لا تقف الكاتبة عند حدود العلاقة التقليدية بين الطفل ولعبته، وإنما تمنح هذه العلاقة بعدًا وجدانيًا يجعل السيارة امتدادًا لمشاعر الطفل، فالطفل في سنواته الأولى لا يفصل بين ذاته والأشياء التي يحبها، ولذلك فإن فقدان لعبته يشبه فقدان جزء من عالمه النفسي.

وقد أدركت رزان الرابي هذه الحقيقة النفسية، فجعلت السيارة تحمل وظيفة رمزية تتجاوز ماديتها، إذ تتحول إلى صديقة تشارك فهد لحظات الفرح والحزن، وتصبح استعادتها استعادةً للأمان الداخلي، لا استعادةً لشيء مفقود فحسب.

ومن منظور سيميائي، فإنّ اللون الأزرق الذي اختارته الكاتبة للسيارة لا يمكن اعتباره اختيارًا عابرًا خاصة إذا لاحظنا حضوره المتكرر في المجموعة، سواء في الفراشة الأولى، أو في السيارة، أو في فضاءات السماء والقمر.

فاللون الأزرق وفق دلالات علم نفس الألوان يرتبط بالسكينة، والاتزان، والثقة، والطمأنينة، وهي القيم التي تسعى المجموعة كلها إلى غرسها في وجدان الطفل.

وهكذا يتحول اللون إلى خطاب موازٍ للنص، يهمس بما لا تقوله الكلمات، ويؤكد أنّ الصورة في أدب الطفل ليست زينة بصرية، وإنما جزء من البنية الدلالية للنص.

ولعل أجمل ما في هذه القصة أنها لا تجعل المحافظة على الممتلكات قيمةً أخلاقية مفروضة، فهي تجعلها نتيجة طبيعية للمحبة، فالإنسان يحافظ على ما يحب، ولا يحبه لأنه طُلب منه أنْ يحافظ عليه.

وهذا الفارق الدقيق بين التربية بالأمر والتربية بالتجربة هو ما يمنح النص صدقه الفني، ويبعده عن المباشرة التي كثيرًا ما تقع فيها نصوص الأطفال.

وتأخذنا قصة "الأسد وصوت العصفور" إلى مستوى أكثر عمقًا من الرمزية؛ إذ تعيد الكاتبة مساءلة المفاهيم التقليدية المرتبطة بالقوة.

فمنذ الحكايات الشعبية القديمة ارتبط الأسد بالسلطة والهيمنة، بينما ارتبط العصفور بالضعف والهشاشة.

غير أنّ رزان الرابي تعيد ترتيب هذه العلاقة؛ فالأسد على الرغم من قوته يعجز عن تبديد خوف الحيوانات أثناء العاصفة، في حين ينجح العصفور بصوته الرقيق في إعادة الطمأنينة إلى الغابة.

ولا يقتصر هذا التحول على كونه مفارقة حكائية، فهو يمثل انقلابًا في النسق القيمي الذي تقدمه القصة للطفل. فالقوة هنا لم تعد مرادفة للصوت المرتفع أو الجسد الضخم، وإنما أصبحت مرادفة للتأثير الإيجابي، والقدرة على بثّ الأمل في نفوس الآخرين.

وهذه رسالة تربوية بالغة الرقي، لأنها تعيد تعريف البطولة في وعي الطفل، فلا تجعلها مرتبطة بالسيطرة بقدر ارتباطها بالرقة، والحكمة، والقدرة على احتواء الخوف.

وتكشف هذه القصة أيضًا عن وعي الكاتبة بعلم نفس الطفل؛ إذ إنّ كثيرًا من الأطفال يربطون السلطة بالقوة الجسدية، فجاءت الحكاية لتصحح هذا التصور من خلال التجربة السردية، لا من خلال الخطاب المباشر.

وهنا يتجلى نجاح النص في تحويل القيمة الأخلاقية إلى حدث حي، وهو ما يجعل أثرها أعمق وأبقى.

أما قصة "الريشة التي غيّرت الغابة"، فهي من أكثر قصص المجموعة كثافةً من الناحية الرمزية، فالريشة تتحول إلى علامة أخلاقية، وإلى وسيط بين العالم المرئي والعالم القيمي.

فهي تهبط من السماء، وتتحدث بالحكمة، ثم تختفي بعد أنْ تترك أثرها في النفوس، وهذا البناء يذكّر بالرموز العجائبية في التراث الإنساني، حيث تأتي الشخصية المانحة لتوقظ الخير الكامن في الآخرين، ثم تنسحب بعد أنْ تؤدي رسالتها.

غير أنّ رزان الرابي لا تجعل الريشة تصنع المعجزة نيابة عن الشخصيات، فهي تجعلها تفتح أعينهم على الخير الموجود في داخلهم، وهنا تكمن القيمة الفنية للقصة؛ إذ تؤكد أنّ التغيير الحقيقي لا يأتي من الخارج، وإنما يبدأ من الداخل. فالريشة لا تمنح الحيوانات قلوبًا جديدة، وإنما تجعلها ترى قلوبها على حقيقتها، وكأنها مرآة أخلاقية تعكس ما استقر في النفوس من خير أو أنانية.

ومن منظور سيميائي، فإنّ الريشة تمثل الخفة والحرية والنقاء، وهي صفات تتكرر في أكثر من رمز داخل المجموعة، بما يؤكد أنّ الكاتبة تبني شبكة رمزية متكاملة، لا مجموعة من الصور المنفصلة، فالطبيعة في هذا العالم لغة ثانية للنص.

وتبلغ المجموعة ذروتها الفنية في قصة "الكتاب الذي يختار قارئه" التي يمكن عدّها البيان الجمالي والفكري للمجموعة كلها.

فالكاتبة هنا تنتقل من الحديث عن القراءة كمهارة، كما في قصة الأرنب إلى الحديث عنها ضمن علاقة وجودية بين الإنسان والكتاب.

إنّ فكرة أنّ الكتاب هو الذي يختار قارئه تبدو للوهلة الأولى فكرة عجائبية، لكنها في حقيقتها استعارة عميقة؛ فالكتاب لا يفتح أسراره لأي أحد، وإنما يحتاج إلى قارئ يمتلك الفضول، والمحبة، والاستعداد الداخلي للحوار معه.

وتحمل هذه القصة صدى واضحًا لما يسميه أمبرتو إيكو "القارئ النموذجي"، أي القارئ الذي يستطيع أنْ يتفاعل مع النص ويكمل معانيه، لا أنْ يكتفي باستقبالها.

ولعل أجمل ما في القصة أنها تجعل الطفل يشعر بأنه شريك في خلق معنى الكتب.

وهنا تبلغ الرسالة التربوية أعلى مستوياتها؛ إذ يتحول الكتاب من أداة تعليم إلى كائن حي، يختار من يستحق صحبته.

وإذا تأملنا المجموعة بأكملها أدركنا أنّ رزان الرابي لا تجعل الأشياء تؤدي وظائفها المألوفة؛ فالفراشة تصبح مرشدًا، والسيارة تصبح صديقة، والريشة تصبح حكيمة، والقمر يصبح طفلًا، والكتاب يصبح كائنًا حيًا.

وهذه التقنية التي تقوم على أنسنة الأشياء وإحياء الجمادات هي من أهم الأساليب التي توسع أفق الطفل، وتجعله ينظر إلى العالم على أنه فضاء حي مليئ بالعلاقات والمعاني.

ومن هنا تتكشف البنية العميقة للمجموعة، فهي تدعو الطفل إلى عيش القيم، وتعلمه كيف يطرح الأسئلة.

إنها مجموعة تؤمن بأنّ التربية الحقيقية تبدأ في الوقت الذي يتحول فيه العالم إلى حكاية، وعندما يصبح كلّ كائن مهما بدا صغيرًا قادرًا على أنْ يكون معلمًا للإنسان.

أقول: إذا كان الأدب في جوهره فعلًا من أفعال إعادة اكتشاف العالم، فإنّ أدب الأطفال يؤدي هذه المهمة في أكثر مراحل الإنسان حساسية؛ إذ يرافق تشكل الوعي الأول، ويشارك في صياغة العلاقة بين الطفل وذاته، وبينه وبين الطبيعة والآخر.

فنجاح الكاتب لا يُقاس بقدرته على تبسيط اللغة، وإنما بقدرته على بناء عالم يظل عالقًا في ذاكرة الطفل بعد أنْ يغلق دفّتي الكتاب، وهذه هي السمة التي تبدو واضحة في سلسلة "مملكة الأحلام الصغيرة"، فهي تراهن على الأثر، وتسعى إلى إشراك الطفل في تجربة جمالية تفضي في نهايتها إلى وعي جديد.

وأول ما يلفت النظر في هذه المجموعة أنّ الشخصيات تنتمي إلى منظومة دلالية واحدة، فالطفلة "نور" تمثل البراءة الأولى التي تنظر إلى العالم بعين الدهشة، والأرنب يمثل الإنسان الذي يكتشف أنّ المعرفة طريق إلى الحرية، والقمر يجسد الحلم الذي يربط السماء بالأرض، والعصفور يختصر القوة الهادئة التي تنتصر بالمحبة، والريشة تصبح رمزًا لنقاء الضمير، أما الكتاب فيغدو المعلم الصامت الذي يرافق الإنسان في رحلته نحو النضج.

وهكذا تتجاوز الشخصيات حدود وظائفها السردية لتتحول إلى رموز إنسانية دون أنْ تفقد عفويتها أو قربها من المتلقي الصغير.

ويُحسب لرزان الرابي أنها لم تُغرق النصوص في الرمزية المجردة، فقد أبقت الرموز منبثقة من قلب الحكاية. فالطفل يستطيع أنْ يستمتع بالقصة دون أنْ يلتفت إلى طبقاتها الدلالية، بينما يجد القارئ الراشد، أو الناقد، شبكة واسعة من العلامات التي تمنح النص قابلية للتأويل.

وهذه الازدواجية في الخطاب تُعد من أبرز خصائص أدب الأطفال الناجح؛ لأنه يخاطب الطفل مباشرة، ويمنح الراشد في الوقت نفسه فرصة لاكتشاف مستويات أخرى من المعنى.

ومن العناصر اللافتة في المجموعة أيضًا حضور الحركة وهي المحرك الرئيس للسرد، فالشخصيات لا تعرف السكون، فهي تمشي، وتبحث، وتتبع، وتلتقي، وتغادر، وتعود.

وهذه الحركة المستمرة تمنح النص حيوية، كما تتناغم مع طبيعة الطفل الذي يتعلم من الفعل أكثر مما يتعلم من الوصف.

لذلك تقل المشاهد الساكنة، ويغلب الفعل على الوصف، ويصبح كلّ انتقال في المكان انتقالًا في الوعي أيضًا. فالحديقة باتت مساحة لاكتشاف الصداقة، والغابة مختبرا للقيم، والمكتبة بوابة لعوالم لا تنتهي.

وتكشف القراءة المتأنية كذلك عن حضور واضح لما يمكن أن نسميه سيمياء اللون، فاللون الأزرق الذي يتكرر في الفراشة، وسيارة فهد، وفضاءات السماء والقمر يؤسس مزاجًا بصريًا عامًا للمجموعة.

إنه لون الطمأنينة، والانفتاح، والخيال، ولذلك يبدو وكأنه الخيط اللوني الذي يجمع القصص كلها في نسيج واحد.

أما الألوان الأخرى فتأتي لتدعم هذا النسق، فتمنح الرسوم قدرة على استكمال ما يعجز عنه اللفظ أحيانًا. ومن هنا لا يمكن النظر إلى الرسوم كعناصر تزيينية، فهي نص موازٍ يشارك في إنتاج المعنى، ويقود عين الطفل إلى تفاصيل قد لا تلتقطها اللغة وحدها.

أما اللغة فتقوم على اقتصاد واضح في العبارة من غير فقر في الدلالة، فالجمل قصيرة، لكنها نابضة بالحركة، والأفعال أكثر حضورًا من الصفات، والحوار يأتي مختصرًا، متوازنًا، يؤدي وظيفته دون أن يقطع إيقاع السرد.

وهذه الخصائص تجعل النص قريبًا من الأذن الطفولية، وتمنحه إيقاعًا موسيقيًا هادئًا ينسجم مع طبيعة القصص. والأهم من ذلك أنّ الكاتبة لم تلجأ إلى التبسيط المخل، فقد حافظت على فصاحة اللغة مع مراعاة المستوى الإدراكي للطفل، وهو توازن يصعب تحقيقه في الكتابة لهذا العمر.

ومن الناحية السردية تعتمد المجموعة على راوية عليمة، لكنها لا تفرض هيمنتها على الشخصيات بقدر ما تقترب من وعيها، وتترك لها مساحة للتعبير عن نفسها.

كما أنّ الزمن يسير في خط مستقيم يخلو من التعقيد، وهو اختيار يتلاءم مع طبيعة المتلقي، في حين تأتي النهايات مغلقة نسبيًا، لكنها لا تغلق باب التأمل، إنما تترك أثرًا وجدانيًا يدفع الطفل إلى إعادة التفكير فيما قرأه.

وإذا عدنا إلى السؤال الذي انطلقت منه هذه القراءة والمتصل بذكريات الطفولة والحكاية الشفوية، أمكن القول إنّ رزان الرابي تنتمي إلى الكتّاب الذين نجحوا في مدّ جسر بين الحكاية الشعبية القديمة والقصة الحديثة.

فالحكايات التي كانت ترويها الجدات لم تكن تعتمد على وفرة التفاصيل، وإنما على قوة الصورة، ووضوح القيمة، وسلاسة السرد، وهذه العناصر نفسها نجدها في "مملكة الأحلام الصغيرة" غير أنها أعيدت صياغتها بما ينسجم مع الطفل المعاصر، الذي يعيش في عالم الصورة المطبوعة والكتاب المصور.

ومن هنا يمكن النظر إلى هذه المجموعة على أنها امتداد للحكاية العربية، لا قطيعة معها.

لقد تغير الوسيط من الصوت إلى الكتاب، ومن الذاكرة إلى الصفحة، لكن الوظيفة الجوهرية بقيت واحدة؛ وهي أنْ تمنح الطفل فرصة لتخيل عالم أكثر جمالًا، وأكثر عدلًا، وأكثر رحابة.

والقراءة النقدية مهما كانت منصفة إلّا أنها لا تكتمل من دون الإشارة إلى بعض الملاحظات التي يمكن أنْ تثري التجربة في الإصدارات اللاحقة.

فمن الممكن توسيع مساحة الصراع الداخلي في بعض الشخصيات بحيث يشارك الطفل بدرجة أكبر في اكتشاف الحلول، كما أنّ تنويع مستويات الحوار، وإفساح المجال أمام نهايات أكثر انفتاحًا في بعض القصص قد يمنح المتلقي مساحة أوسع للتأويل، ويعزز دوره كشريك في بناء المعنى، لا متلقٍ له فقط. وهذه ملاحظات تطويرية لا تنتقص من القيمة الفنية للمجموعة، فهي تنطلق من نجاحها، ومن قدرتها على استقبال مزيد من التطور.

إنّ مجموعة "مملكة الأحلام الصغيرة" تكشف أنّ رزان الرابي تمتلك وعيًا حقيقيًا بخصوصية الكتابة للطفل، فهي لا تكتب من موقع الواعظ، ولا من موقع المعلّم، وإنما من موقع الحكّاءة التي تؤمن بأنّ القصة الجميلة قادرة بذاتها على غرس القيم في النفس الإنسانية. وقد نجحت في بناء عالم سردي متماسك تتناغم فيه الكلمة مع الصورة، والخيال مع الواقع، والجمال مع التربية حتى غدت المجموعة مشروعًا متكاملًا في أدب الطفل يوازن بين المتعة الفنية والرسالة التربوية.

ولعل القيمة الأعمق لهذا العمل تكمن في أنه يعيد الاعتبار للحكاية كفعل ثقافي مؤسس للوعي، ويؤكد أنّ الطفل العربي ما يزال في حاجة إلى نصوص تحترم ذكاءه، وتوسع خياله، وتغرس فيه محبة القراءة والطبيعة والإنسان.

ف"مملكة الأحلام الصغيرة" هي دعوة هادئة إلى إعادة بناء العالم من عين طفل يؤمن بأنّ الفراشة قد تكون دليلًا، وأنّ العصفور قد يكون أقوى من الأسد، وأنّ الريشة قد تغيّر غابة، وأنّ الكتاب، في نهاية المطاف لا يختار إلا القلوب التي تعرف كيف تصغي إلى الحكاية.

عندما أغلقتُ الصفحة الأخيرة من "مملكة الأحلام الصغيرة" أحسست أنني عدتُ على نحوٍ خفي إلى تلك الأمسيات الأولى التي كانت فيها جدتي فاطمة تفتح لنا أبواب الحكاية، ويمنحها عمي الحكيم خليل صوته الدافئ، فتمتدُّ الكلمات جسورًا بين الواقع والخيال. أعترف أنني أدركتُ آنذاك أنّ الزمن قد تغيّر، وأنّ الراوي الشعبي قد سلَّم أمانة الحكاية إلى الكاتب، وأنّ الكتاب الملوَّن أصبح يحمل الرسالة التي كانت تحملها الذاكرة الشفوية قديمًا، غير أنّ جوهر الحكاية بقي كما هو بأنْ تمنح الطفل سببًا إضافيًا ليحبَّ العالم.

لقد استطاعت رزان الرابي أنْ تستعيد هذا الجوهر عبر إعادة ابتكارها للحكاية الشعبية في صيغة معاصرة تحترم ذكاء الطفل، وتؤمن بأنّ التربية الحقيقية تُبنى على الدهشة، وتُغرس بالتجربة الجمالية.

فكل قصة في هذه المجموعة تبدو كنافذة صغيرة، لكنها تفتح أفقًا واسعًا على المعرفة، أو الطبيعة، أو الصداقة، أو الرحمة، أو الخيال حتى تتضافر هذه النوافذ جميعها لتشكّل بيتًا إنسانيًا واحدًا يسكنه الطفل بقلبه قبل أنْ يسكنه بخياله.

ولعل أجمل ما في هذا العمل أنه يعيد الاعتبار إلى قيمة الحكاية في زمن تتزاحم فيه الشاشات وتتراجع فيه مساحة القراءة الحرة، فهو يذكّرنا بأنّ الطفل لا يحتاج إلى مزيد من الوسائط بقدر حاجته إلى قصة صادقة توقظ فيه السؤال، وتمنحه القدرة على التأمل، وتزرع في وجدانه يقينًا بأنّ المعرفة مغامرة جميلة، والكلمة الطيبة قد تغيّر قلبًا كما تغيّر الريشة غابةً، وأنّ تغريدة عصفور قد تهزم ضجيج القوة، وكتابًا واحدًا قد يغيّر مسار حياة كاملة.

"مملكة الأحلام الصغيرة" هي مشروع ثقافي وتربوي يحمل رؤية واعية لدور الأدب في بناء الإنسان منذ سنواته الأولى.

وهي بذلك تؤكد أنّ الكتابة للأطفال ليست أدبًا أقل شأنًا، فهي الكتابة الأكثر مسؤولية؛ لأنها تخاطب البذرة قبل أنْ تصير شجرة، والدهشة قبل أنْ تتحول إلى معرفة، والخيال قبل أنْ يصبح رؤية للعالم.

ويبقى الرهان الحقيقي لأي نص موجَّه إلى الطفل أنْ يظل حيًّا في ذاكرته بعد أنْ يُغلق الكتاب.

وإذا كانت الحكايات التي سمعتها في طفولتي ما تزال تسكن وجداني حتى اليوم، فإنني لا أستبعد أنْ يجد طفلٌ ما بعد أعوام طويلة نفسه يستعيد فراشة "نور"، أو الأرنب الذي أحبّ القراءة، أو القمر الذي نزل إلى الأرض، كما أستعيد أنا اليوم الشاطر حسن، وجبينة، ونص نصيص، والغولة، والفأر والخنفساء. وعندها فقط نتأكّد أنّ الأدب قد أدّى رسالته الأسمى؛ إذ أسهم في تكوين ذاكرة الطفل، وصناعة وجدانه، وترميم علاقته بالعالم إلى جانب تسليته.

وتظلّ الحكاية مهما تغيّرت وسائطها الوطن الأول للطفولة، والبيت الذي تعود إليه الروح كلما احتاجت إلى شيء من الضوء.

***

د. غدير حميدان الزبون

 

في المثقف اليوم