عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

الخليفة الوليد بن يزيد بن عبد الملك.. راود أخاه عن نفسه

فطحل من فطاحل البيت الأموي في الفسق والفجور والشذوذ الجنسي هو الخليفة الوليد بن يزيد الخليفة الحادي عشر في سلالتهم ملأت سيرته الشاذة كتب التاريخ والأدب فقد روى الطبري في كتابه (تاريخ الأمم والملوك): "أنه لما ولي الحج عام 119 هـ حمل معه كلاباً في صناديق وحمل معه الخمور وأراد أن يشرب بجوار الكعبة في الحرم.." وقد شكك بعض المؤرخين في هذه الرواية واعتبروها من وضع أعداء بني أمية ويقول عنه الطبري أيضاً: "وبالغ في طلب اللذة والركوب للصيد وشرب النبيذ ومنادمة الفساق، كما اتهم بالاتصال الجنسي بأمهات أولاد أبيه..".

وذكر المسعودي في مروج الذهب أخبار كثيرة عنه فقال عنه: "كان الوليد صاحب شراب ولهو وطرب وكان شاعراً قال شعراً عندما جاءه خبر وفاة عمه الخليفة هشام بن عبد الملك يدل على فسوقه وهذا بعض من شعره:

إذا بنات هشام يندبن والدهن

أنا المخنث حقاً إن لم انكحهنه

وهكذا عبر عما في نفسه من نزوات وأمنيات في أن ينكح زوجة وبنات عمه بعد وفاته وهو يستمتع بعويلهن شامتاً لذلك سمي الوليد بخليع بني أمية. وهو الذي مزق القرآن وقال في هذا شعراً. وفي هذا الجو المشحون بالفسق والكراهية للوليد وأعماله وأشعاره الماجنة بايع الناس يزيد بن الوليد بن عبد الملك سراً فزحف إليه يزيد إلى قصره فالتجأ الوليد إلى غرفته ولجأ إلى القرآن يحتمي به وهو يصرخ "يوم كيوم عثمان" ولكن القرآن لم ينقذه من الموت فقتل واحتز رأسه. ويقول السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء: "لما قتل الوليد نظر إليه أخوه سليمان بن يزيد وقال: ".. بعداً له. أشهد أنه كان شروباً للخمر ماجناً فاسقاً، ولقد راودني عن نفسي" وهكذا اقتضت دناءة (أمير المؤمنين) أن يلوط بأخيه فقد عرف عنه أنه كان مشهوراً بالخمر واللواط والنفاق ومساوئ الأخلاق.

***

غريب دوحي

"في بيتنا محشي!!"

كان احتفال ولا في الأحلام بعدما شممت رائحة أكلتي المفضلة وهي تنضج على نار أشواقي، فحالنا كمثل حال البيوت المصرية الأصيلة، يكون يوم "المحشي" يومًا استثنائيًا وله هيبة من بين أيام الأسبوع، فما أكثر التجهيزات وزيارات السوق قبل اليوم الموعود، حتى المطبخ حينها يصبح "خط أحمر" لا يدخله سوى قائد المعركة، وهي الأم بالطبع، ممنوع لمس أي طبق أو حلة إلا بتصريح خاص منها، فإن الغلطة لا تُغتفر والطبخة ليست كأي أكلة أخرى.. إنها رائحة الذكريات ولمة العيلة.

"عمايل إيديا وحياة عينيا.."

كم يهون التعب حين يعود المطبخ نظيفًا من المواعين وبرطمانات التوابل المبعثرة هُنا وهُناك بعد ساعات طويلة في تجهيز خلطة الرز السحرية، والحقيقة أن الحلة ليست وحدها على النار، فأنا كذلك أجلس على نار في انتظار طبق يرد الروح.

لا يهمني وقتها سوى أن أغرز الشوكة في الباذنجان المحشي وهو يستغيث من حرارة التسوية، فأنا مغرمة بالبخار المُحمل بالبهارات وذكريات الطفولة، وذلك العراك المضحك على آخر "رزاية" في قعر الحلة.

لطالما كنت المدللة بين أسرتي وأنا أول من يُسأل عن رأيه في الطعم..

"هاه، حلو؟"

ولكن الإجابة بـ "حلو أوي" ليست إجابة بسيطة، فإنها اللحظة التي يطمئن فيها قلب أمي بأن عمايل إيديها تستحق عشرة من عشرة ونجمة.. وهي تستحق بالفعل.

لنبدأ التقييم.. ها هو طبق غويط يليق بالحدث، لوحة فنية من محشي الباذنجان والفلفل، وأما عن محشي البصل، فهو اكتشافي المذهل الذي أسر قلبي بطعمه المسكر.. ليت كل الاكتشافات بهذا الجمال.

اعتدت منذ الصغر أن أنتظر حرارة الأكل لتهدأ قليلًا، كنت أخشى على لساني من الاحتراق فتضيع لذة الدهون، لكنني يومها لم أستطع الانتظار، وضاعت اللذة بحق!

بسرعة بسرعة.. أعتقد أن الطبق لفظ أنفاسه الأخيرة في أقل من دقيقة واحدة!

شعرت حينها أنني في سباق الفك المفترس، فمن ينقض على طبقه أولاً وفي أسرع وقت هو من يفوز بجائزة عُسر الهضم!

كانت "كروتة" إلى حد ما، لدرجة أني بعد ساعة من تلك المهزلة اشتقت لطبق جديد وكأنني لم ألتهم مثله قبل دقائق، غريب الإنسان!

"هو أنا ليه ماشبعتش؟"

لم أفهم.. لمَ لا تكتفي أمعائي بنصف حلة محشي مشكل؟!

المؤسف أنني لم أشعر بمتعة أكلتي المفضلة هذه المرة!

يبدو أنه الوقت المناسب لتجربة عملية فلسفية جديدة.. أن أترك الباذنجان يأخذ وقته في المضغ والهضم، فقط.

قطمة ثم مضغة بهدوء، إنها فرصة ذهبية لاستعادة الثقة في المحشي، أن أحس به وهو يمتزج بلعابي وتسري عصارته في عروقي بشويش..

ملح..

فلفل أسود..

نعناع مجفف.. جميل! إضافات الأم دائمًا في محلها..

كزبرة وبقدونس..

لحظة.. ما هذه الشوربة؟ لحمة أم فراخ؟

اممم.. إنها شوربة فراخ.. لذيذة جدًا رغم الدسامة..

ماذا؟!

يبدو أنني شبعت!

التجربة نجحت، وأنا فهمت السبب..

الأمر كله يرجع للوقت، والإحساس، وما نسميه فن "الاستطعام".

لقد أطلقت سراح الوقت في تجربة المحشي، لم أقيده بمهلة محددة، تركت لروحي المتسع من الزمن لكي تنسجم مع تفاصيل الطبخة، وتشعر بكل مكوناتها على حدة.

فإن مذاق الرز يختلف عن الصلصة وعن التوابل، ومذاق الخضار يختلف عن الباذنجان، والفلفل لا يشبههم بطبيعة الحال، أما البصل فهو حلاوة الأكلة وسكرها.. لكل تفصيلة إحساس مميز، والأزمة أننا نسينا كيف نحس بالتفاصيل!

لطالما بحثنا عن النتيجة وأهملنا المتعة في سبيل البحث عنها، نهرول خلف النهاية وننسى أن لكل نهاية بداية أصلًا، وأنه في المنتصف لحظات مفصلية تصنع قيمة الخطوة.

أصبحنا لا ننظر في أمورنا إلا نظرة خاطفة تمر في لمح البصر، حتى إننا لا نستطيع التمييز بين يوم الخميس ويوم الأحد، لقد تداخلت الأيام في بعضها، وهي في تاريخ الإنسانية مجرد "يوم وخلاص"!

بالهداوة، لسنا في سباق مع الزمن..

تخيلوا أن تمر ساعات النهار كله في المطبخ بين تحضير وتسوية وحرارة البوتجاز الخانقة، وتتبخر هكذا في دقيقة واحدة من الأكل بلا طعم ولا روح!

فما ذنبها أمي أن يحني ظهرها محشي لم نتذوقه على مهل!

وكذلك الحياة..

ما ذنبها أن تضيع بهذا الاستعجال!

تأملوا الآن، أين المتعة؟!

ضاعت اللذة يا سادة فأصبحنا نعيش دون أن نحيا، والفرق كبير!

لقد تساءلت كثيرًا عن أسرار خلطة المحشي التي تسلب القلب والعقل، ثمة شيء يجعلها شهية لدرجة الإدمان، وبعد محاولات في حل اللغز، اجتمعن ربات البيوت على إجابة حاسمة، أكدتها لي ست الحبايب: " خليها تتسبك براحتها".

ويبدو أنه سر من أسرار الحياة أيضًا.

أزيدكم من الشعر بيت..

"ريحة صواني مفحفحة، وكوستاليتا مشوحة، وبامية خضرة مسبكة، وشوربة فيها آه مستكة.."

كيف استطاع المبدع الراحل فؤاد المهندس أن يصف سفرة فطار رمضانية بهذه الدقة رغم أنها "ريحة الجيران"؟

يرى الألوان أمامه بعين الروح، ويتنفس روائح مفحفحة ومشوحة ومسبكة ولا يخلط بينهم في طريقة التحضير، وحتى الشوربة، كيف علم أن بها مستكة وليس حبهان مثلًا؟!

إنه سر "الاستطعام" وقوة الإحساس بالتفاصيل وإن كانت مجرد خيالات، لقد انغمس في رائحة طبيخ الجيران وكأنها رائحة تفوح من مطبخه هو، استخدم حواسه كلها في لحظة انفعال، الشم مع التذوق في تناغم حي، سيمفونية حسية مدهشة وبحق، استطاع خلالها أن يحول الخيال إلى واقع من المحمر والمشمر، ونحن أضعنا الواقع هذا وكأنه خيال وأوهام.. أليس كذلك؟

فينك يا عمو فؤاد!

انتهت التجربة على خير..

فهمت فيها بأنه لا شيء يدعونا إلى "السربعة" وإبادة اللحظة بدم بارد هكذا، والحمد لله أنني أدركت هذا المعنى قبل أن أفترس ما تبقى من حلة المحشي من أجل هذه السطور التي لا تنفع البطون، فإن فلسفتي قد تحرم أصحاب البيت من غدوة حلوة ساعة العصاري، لكن الوضع تحت السيطرة، وهُناك حلة ورق عنب قد تنقذ الموقف، إنها نجدة من السماء وبمثابة خطة بديلة وإصلاح ما أفسدته تجاربي، وهي الآن في أهم مرحلة، على نار هادئة.. جدًا.

***

بقلم: نورا حنفي - كاتبة مصرية

كما يقال إن كثيرًا من التحولات العظيمة التي حدثت في التاريخ، وكانت وراء بناء حضارات شامخة، جاءت في أعقاب صدمات كبيرة وانعطافات خطيرة، بل حتى أشهر الفنون التي خلدها الزمن وُلدت من رحم المعاناة. ومن أقرب الأمثلة التي ما زالت تحفظها الذاكرة ما حدث لليابان بعد القنبلتين اللتين أطاحتا بالبلد، وخلّفتا وراءهما بقايا حضارة متوجعة.

لكن…

هل حقًا كل صدمة وتجربة مؤلمة تخلّف نموًا ووعيًا؟

وهل فعلًا يمكن للإنسان أن يخرج من التجربة أكثر نضجًا، أم أن هذه الفكرة أحيانًا تتحول إلى ضغط إضافي على المتألم؟

وإذا كان هذا صحيحًا، فكيف نفسر كل تلك الندوب والجروح التي خلفت نفوسًا متوحشة، كانت سببًا في دمار البشرية؟ وإذا تجاوزنا ذلك إلى أولئك الذين انكسروا ولم ينهضوا، وأدخلهم الفقد في نفق لا مخرج منه، وإلى الأسر التي تحطمت نتيجة آباء وأمهات كانوا هم أنفسهم نتاج صدمات وآلام لم تُشفَ؟

قبل مدة يسيرة، شدتني عبارة تقول:

«إذا بقي الإنسان يرفض زيارة العيادة النفسية، تحت ادعاء أنه بخير، رغم كل الناصحين، فستمتلئ العيادة بمن كان سببًا في ذهابهم.»

ويبقى السؤال: من أنا بعد الألم؟

ربما لا تستطيع الفلسفة وحدها أن تجيب عن هذا السؤال.

فماذا يحدث للإنسان نفسيًا عندما يتعرض لصدمة تقلب عالمه الداخلي؟ وهل يمكن أن تترك المعاناة، إلى جانب جراحها، إمكانية لنمو جديد؟

من أهم علماء النفس الذين تناولوا أثر الألم والصدمة فرويد، الذي يرى أن الألم النفسي والصدمة لا ينتهيان بمجرد انتهاء الحدث، بل قد تبقى آثارهما في النفس، خصوصًا عندما يعجز الإنسان عن استيعاب التجربة والتعبير عنها. فما نعجز عن مواجهته نفسيًا لا يختفي بالضرورة، بل قد يعود إلينا في صورة أخرى؛ فقد يُدفع إلى اللاوعي، ثم يظهر في سلوكياتنا وأحلامنا وأعراضنا النفسية.

والكبت، في المنظور التحليلي، لا يعني أن التجربة قد اختفت، بل إن ما لم يُعالج قد يستمر في التأثير في الإنسان بصورة غير مباشرة. ولذلك يصبح فهم التجربة والتعبير عن المشاعر المرتبطة بها جزءًا من طريق التعافي، بدل أن تبقى غامضة ومكبوتة.

فرويد، إذن، يركز أكثر على أثر الألم غير المعالَج وكيف يمكن أن يستمر في النفس حتى بعد انتهاء الحدث.

بينما يرى عالم النفس السويسري كارل يونغ أن مواجهة الجوانب المؤلمة والمظلمة في النفس يمكن أن تكون جزءًا من رحلة الإنسان نحو الوعي بذاته. فالمعاناة، في المنظور اليونغي، ليست مجرد شيء ينبغي التخلص منه، بل قد تكشف للإنسان جوانب من ذاته لم يكن يراها من قبل، وتدفعه إلى مواجهة نفسه وإعادة بناء علاقته بها.

وكأن الألم، في بعض الأحيان، لا يغير ما حولنا فقط، بل يكشف لنا ما كان مختبئًا في داخلنا.

كما أشار علم النفس المعاصر إلى إمكانية أن يتحول الألم، بعد معالجته واستيعابه، إلى إعادة بناء ونمو نفسي.

ومن هذه الأفكار ما طرحه باحثا علم النفس ريتشارد تيديشي و كالهون في بداية التسعينات حول ظاهرة تُسمى النمو ما بعد الصدمة.

حيث وجدا أن بعض الأشخاص، بعد تجارب شديدة القسوة، لا يكتفون بالتعافي والعودة إلى ما كانوا عليه، وإنما يشعرون بأن التجربة أدت إلى تغيرات عميقة في حياتهم، مثل: تقدير أكبر للحياة، وعلاقات أكثر عمقًا، واكتشاف قوة داخلية لم يكونوا يعرفونها، وتغير في الأولويات، وفهم روحي مختلف.

لكن هذا لا يعني أن الألم والتجارب القاسية شيء جيد، أو أننا نسعى إليها، بل يعني أن الإنسان قد يجد، بعد وقوعها ومعالجتها واستيعابها، إمكانية للنمو من خلالها.

فالتعافي ليس بمحو التجربة القاسية، ولا بالتظاهر بأنها لم تحدث، بل بفهمها واستيعابها، والاستمرار في النمو بوجودها كجزء من تجربتنا.

ولابد أن نتعلم من الطبيعة كيف ننسجم مع قوانين الحياة بدل مقاومتها. وهذه هي النتيجة التي أثارت كل هذه التساؤلات في ذهني، وشدتني إلى البحث والتنقيب، حين قرأت يومًا في الفلسفة الصينية القديمة عن لاوتسه وفلسفة الطاوية.

فالطاوية ترى أن الحياة في حالة تغير دائم؛ الأشياء تولد، ثم تتغير، ثم تزول، والإنسان نفسه ليس ثابتًا. لذلك فإن كثيرًا من معاناتنا قد تأتي من محاولتنا التشبث بما نحب، أو مقاومة ما حدث، أو الإصرار على أن تسير الحياة وفق الصورة التي رسمناها لها.

إنها تدعو إلى المرونة لا الصلابة؛ فليس كل ما يعترض طريقنا يحتاج إلى مقاومة وانتصار. فقد تكون القوة، في بعض الأحيان، في ألا نقاوم، وأن نكون كالماء؛ يستمر في الجريان مهما واجهته الصخور، لا يحاربها، بل يلتف حولها ويستمر حتى يجد له طريقًا للعبور.

الطاوية لا تقول إن الألم «جيد»، ولا تطلب منا إنكار الحزن، وإنما تقول، بصورة أعمق، إن الألم جزء من حركة الحياة، وإن مقاومته المستمرة قد تضيف ألمًا إلى الألم.

دعه يعبرك بهدوء.

ولا يعني هذا الدعوة إلى السلبية أو عدم الحركة، بل يعني المرونة؛ أن نتعلم كيف ننسجم مع قوانين الطبيعة، وأن نعرف ما يستحق المقاومة، وما الأصلح أن نتركه يمر بهدوء.

فالألم لا يمر بنا دون أن يترك أثرًا، كما أن الفقد لا يأخذ منا شيئًا دون أن يعيد تشكيل شيء آخر في داخلنا.

نحن لا نخرج من التجارب كما دخلناها.

ربما لا تكمن القوة دائمًا في أن نقاوم الألم، ولا في أن نتظاهر بأننا أصلب منه، وإنما في أن نسمح لأنفسنا بأن نشعر به، وأن نعبر خلاله دون أن نفقد أنفسنا.

فالحياة ليست وعدًا بالأمان، ونحن لسنا بمنأى عن تقلباتها. والإنسان، في نهاية الأمر، لا يملك أن يمنع الريح، لكنه يستطيع أن يتعلم كيف يقف بعدها.

وربما لا يكون السؤال الحقيقي:

كيف أعود كما كنت؟

بل:

من أنا الآن، بعد كل ما حدث؟.

***

منى الصالح

في مأزق الأدب داخل العالم الافتراضي

لم يعد المشهد الأدبي في العالم الافتراضي يعاني من نقص في الكتابة، بل من أزمة في القراءة ومعايير التلقي. النصوص كثيرة، لكن الانتباه إليها محدود، وغالبًا ما يسبق حضورُ الصورة حضورَ الكلمة.

ليست المشكلة في الصورة بوصفها عنصرًا جماليًا، وإنما في تحولها إلى معيار للانتباه والانتشار. فالمنصات الرقمية تعمل داخل اقتصاد يقوم على سرعة الالتقاط والتفاعل، ولذلك تميل خوارزمياتها إلى إبراز ما يمكن استهلاكه سريعًا، بينما يحتاج النص الأدبي إلى وقت لا تكافئه الأرقام بالضرورة.

هنا يحدث الانزياح الأخطر: ما يجذب الانتباه يبدأ في تحديد ما يُكتب.

فالكاتب الذي يراقب التفاعل باستمرار قد يميل إلى العبارة القصيرة، والصورة المؤثرة، والخاتمة الصادمة، لأنها أكثر قابلية للتداول. وبذلك تتحول الكتابة، تدريجيًا، من بحث عن قيمة جمالية أو فكرية إلى استجابة لشروط الظهور.

ولا يتوقف الأمر عند شكل النص؛ إذ تتأثر أيضًا علاقته بالنقد. فثقافة "الإعجاب" السريع تنتج مجاملات أكثر مما تنتج قراءات. وحين يصبح كل منشور "رائعًا"، يصبح من الصعب على الكاتب أن يعرف مواطن القوة والخلل في عمله. التشجيع الذي لا يتيح ملاحظةً نقدية قد يريح الكاتب، لكنه لا يطوّر كتابته. من هنا تقع المسؤولية على الأطراف الثلاثة.

المنصة مطالبة بألا تجعل التفاعل معيارها الوحيد للظهور. تستطيع أن تخصص مساحات لاختيار النصوص، وتدعم نوادي القراءة، وتفتح المجال لقراءات نقدية، وتمنح الأعمال الجيدة فرصًا للانتشار وفق قيمتها لا وفق حجم التفاعل الذي سبق أن حصلت عليه.

والقارئ يستطيع أن يقاوم الاستهلاك السريع بأبسط فعل: أن يقرأ قبل أن يضغط زر الإعجاب. وأن يستبدل التعليق العام بملاحظة محددة؛ فقول "أعجبتني هذه الصورة الشعرية لأنها..." أكثر فائدة من عشرات عبارات المديح الجاهزة.

أما الكاتب فعليه أن يفصل، قدر الإمكان، بين قيمة نصه وأرقامه. فنجاح المنشور ليس نجاحًا أدبيًا بالضرورة، كما أن ضعف انتشاره ليس حكمًا على جودته. الكاتب الذي يجعل الخوارزمية معيارًا لكتابته يخاطر بأن يكتب لجمهور اللحظة، لا للأدب.

المطلوب إذن ليس إلغاء الصورة ولا رفض المنصات، بل إعادة ترتيب العلاقة بين الوسيلة والمحتوى: أن تكون الصورة عتبة للنص، لا منافسًا له؛ وأن يكون التفاعل بداية للحوار، لا نهايته؛ وأن يصبح النقد جزءًا من الحياة الأدبية الرقمية، لا استثناءً فيها.

فالأدب لا يُقاس بما يوقف حركة الإصبع على الشاشة، بل بما يوقف حركة التفكير داخل القارئ. لذلك لا تكمن المسألة في إقصاء الصورة أو رفض المنصات الرقمية، وإنما في إعادة التوازن بين الوسيلة والمحتوى: أن تكون الصورة عتبةً إلى النص لا بديلًا عنه، وأن يكون التفاعل بدايةً للحوار لا نهايته، وأن يستعيد النقد مكانه بوصفه جزءًا من صناعة الذائقة.

وحين يصبح السؤال: "كم حصد النص من إعجاب؟" أهم من سؤال: "ماذا فعل النص بقارئه؟"، نكون قد انتقلنا من صناعة الأدب إلى صناعة محتوى أدبي قابل للاستهلاك السريع. أما الأدب الحقيقي، فليس ما يستوقف العين لحظة، بل ما يستقر في الذاكرة طويلًا؛ وما يترك لدى قارئه فكرةً أو سؤالًا أو أثرًا يتجاوز عمر المنشور.

ولعل مسؤوليتنا اليوم ليست أن نكتب أكثر، بل أن نقرأ بعمق أكبر؛ حتى لا يتحول النص، في زحام الصور، إلى مجرد صورة أخرى.

***

بقلم: سليمان بن تملّيست - تونس

جربة في 2026/09/08

ليس الانحراف الجنسي والنفسي حكراً على الطبقات الاجتماعية الفقيرة المسحوقة كما يقرر ذلك علماء النفس والاجتماع، بل تعداه إلى الطبقات الراقية التي يحسب لها ألف حساب. لقد تجسد هذا الانحراف بكل أنواعه وعبر مراحل التاريخ من أباطرة وملوك وخلفاء مسلمين وسلاطين وزعماء ممن سولت لهم أنفسهم ونزواتهم الدنيئة ارتكاب أقذر الموبقات إرضاءً لشهواتهم. فمنذ عصر الرومان والفرس والأتراك والمغول وحتى الوقت الحاضر نرى أن الطبيعة البشرية الشاذة هي المنحرفة لم تتغير، أعمال لا تخطر على بال تأنف من القيام بها حتى أخسأ الحيوانات وأذلها، هذه نماذج من هذا الانحراف حدثت في عصور مختلفة متباعدة زمنياً لكن الذي يجمعها هو السقوط الأخلاقي الذي تجسد في زعماء وقادة فضحتهم شعوبهم المغلوبة على أمرها وأدانتهم محكمة التاريخ التي لا ترحم.

كاليجولا .. الإمبراطور السادي (1):

كاليجولا إمبراطور روماني حكم بين 37-41 م اشتهر بجنونه واستبداده وعندما اعتلى العرش كان شاباً حسن السيرة في أول أمره ولكن بعد فترة ظهرت سجاياه الحقيقية فتمادى في الجور وانغمس في الملذات وذهب في المجون كل مذهب كأنه مجنون وأصيب بداء العظمة ومن طريف ما يروى عنه أنه نصب (حصانه) قنصلاً فقد كان هذا الحصان يحضر الولائم ويطعمه أفخر الأطعمة ويسقيه الخمر في كؤوس من ذهب.

وبما أن المجتمع الروماني كان طبقياً فإن العبيد والمعارضين لسلطة الإمبراطور كانوا يلقون في السجون وكان من عادة أباطرة روما أن يجلسوا في الملاعب ليشاهدوا منظر السجناء وهم يساقون إلى الملعب حيث تطلق عليهم الوحوش الكاسرة الجائعة مثل النمور والأسود والضباع والفهود فتقفز هذه الكواسر على الضحايا حيث تلتهم الرؤوس وتفتح البطون بجرة مخلب بين صراخ وعويل هؤلاء الضحايا وبين هتاف الجماهير المتفرجة وقهقهات الإمبراطور لقد كان كاليجولا أحد هؤلاء الأباطرة الذين تعجبهم هذه المشاهد المروعة لقد كان إمبراطوراً سادياً ومعروفاً بكل أنواع الشذوذ الجنسي.

(ومما يروى عنه أنه أعلن نفسه إلهاً وحارب كبير آلهة الرومان (جوبيتر) ووضع لنفسه تمثالاً من الذهب الخالص بالحجم الطبيعي ووضعه في المعبد، وكان يلقي السجناء في الملاعب إلى السباع والنمور ويقف ليشاهد هذه السباع وهي تلتهم هؤلاء الأبرياء بكل لذة ولقد كان منظرهم مصدر لذة كبيرة له خصوصاً بعد أن تنتابه حالات الصرع التي كان فريسة لها منذ الصغر (مجلة الهلال المصرية: 1968) وقد رويت عنه قصص كثيرة لا مجال لذكرها، أما انحرافه الجنسي فحدثنا عنه كتاب (حب الملوك والسلاطين) لمؤلفه اسكندر الرياشي يقول عنه: "فهذا الرجل المخيف المجنون بدأ حياته في الحب بأن ضاجع شقيقاته الأربع العذارى في ليلة واحدة وبعد ذلك أقام عليهن رجال القصر الذين تمتعوا بهن لمدة أسبوع دون أن يتركوا لهن وقتاً للنوم أو الراحة، وكان يقول إن من الواجب أن تشبع شقيقاته من الحب مرة واحدة فيكرهن الحب بعد ذلك ويعشن فاضلات.." ويستطرد صاحب الكتاب قائلاً: "وكان كاليجولا يعشق كل أولاد الأسر الكبيرة وجعل من أسمائهم جدولاً خطه بيده لا يزال موجوداً حتى اليوم في روما عنوانه (النبلاء الأقوياء الذين تشرفوا بمضاجعة الإمبراطور..)".

وبعد أربع سنوات من حكمه الشاذ قتل على يد أحد حراسه الشخصيين.

***

غريب دوحي

حفلة سيف نبيل في حلب/ سوريا تعرضت لمحاولات منع الغناء وتسقيطه على مواقع التواصل، وظهر خطاب يقسم مناطق سوريا الى أماكن "يجوز فيها الغناء" وأخرى "لا يجوز". هذه ليست مجرد قضية حفلة.

هنا يظهر مفهوم "الذوق العام" كأداة خطيرة عندما يتحول من احترام حقوق الاخرين في الفضاء العام الى فرض نمط فكري وسلوكي وأخلاقي واحد على المجتمع كله. "الذوق العام" هو القناع الذي تختبئ خلفه الأسلمة الاجتماعية، فهو يبدو بريئا في ظاهره، لكنه في جوهره محاولة لتحويل خيارات شخصية الى قوانين اجتماعية ملزمة للجميع.

تخيل أن شابا أو فتاة تسير في شارع بملابس مريحة، فيأتي من يقول لها "هذا لا يليق بذوق الحي". أو مقهى يشغل موسيقى هادئة، فيتهم بأنه "يخدش الحياء العام". هذا هو "الذوق العام" في أخطر صوره، ليس مجرد رأي، بل سلطة اجتماعية تمارس الضغط على المختلف.

هذه احدى طرق فرض نمط ديني واحد على المجتمع من الأسفل. لا تحتاج السلطة الى إعلان "دولة إسلامية"، بل يكفي أن يصبح المجتمع نفسه أداة للضغط على المختلف، بالتسقيط والاتهام، ثم يتنازل الفرد عن حريته حتى لا يصطدم بالجماعة.

من أعطاك الحق في تحويل ذوقك وأفكارك الى معيار لحياة الاخرين؟

"الذوق العام" تسمية لا وجود لها، يتم استخدامها لفرض أفكار وطرق على المجتمع وتقييد الاختيارات الشخصية.

الدولة المدنية الحقيقية تحمي الإنسان من تسلط الدولة ومن سلطة المجتمع معا. فالفرد في مجتمعاتنا يعاني من دكتاتوريتين، دكتاتورية الدولة التي تسن القوانين، ودكتاتورية المجتمع التي تفرض العادات. الثانية أخطر لأنها تبدو "طبيعية" و"اختيارية"، بينما هي في الحقيقة قيد أشد إحكاما لأنه لا يرى ولا يحاسب عليه أحد.

فالأخطر ليس دائما أن تفرض القيود بالقانون من الأعلى، بل أن تتحول الى ثقافة اجتماعية تجعل الناس يفرضونها على بعضهم بعضا، حتى يصبح الفرد أسيرا لذوق الجماعة قبل أن يكون أسيرا لقانون الدولة.

والسؤال المهم لماذا يعلن أحمد الشرع في مؤتمر إعلان انتصار الثورة وتوليه رئاسة المرحلة الانتقالية بتاريخ ٢٩ كانون الثاني ٢٠٢٥ عن دولة وطنية وليست إسلامية؟

الجواب ببساطة: لأن غالبية شعب سوريا علماني، وتجنب المواجهة المباشرة معه ضرورة سياسية. لذا ستتم أسلمة المجتمع من الأسفل؛ أي أن المؤسسات الدينية والاجتماعية المحافظة ستعمل على فرض الأسلمة بشكل تدريجي عبر العادات والتقاليد والأعراف، وبأدوات الضغط الاجتماعي وهي الطعن، الاتهام، الاستصغار، والتخوين لكل من يخالفها فكريا.

هكذا ينشأ صراع داخل المجتمع نفسه، ويجبر الأغلبية في النهاية على مسايرة هذه الأحكام خوفا من العزلة والاتهام. هذه هي "تغيير الثقافة" قبل تغيير القانون.

ثم تلقائيا تفرض الأسلمة على مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية والثقافية بشكل غير رسمي، دون الحاجة الى إعلان "دولة إسلامية".

هذه الطريقة أخطر وأكثر إدامة من أسلمة المجتمع من الأعلى مثل أفغانستان، لأنها لا تواجه مقاومة مباشرة، بل تتسلل بهدوء حتى تصبح جزءا من "الطبيعة" و"البديهيات".

والسؤال الأهم: هل "الأسلمة من الأسفل" هي الخطر الأكبر على سوريا، أم أن هناك تحديات أخرى أخطر إقليميا ودوليا؟

***

حسام عبد الحسين

هو دراسة أكاديمية مقارنة مستقبلية بين المفكر الجزائري مالك بن نبي والمفكر العراقي ماجد الغرباوي تأليف المتحدثة جهد استغرق ثلاث سنوات ننتظر أن يخرج إلى النور ويكون في متناول القارئ العربي، قدمت فيه المتحدثة رؤية شاملة للصراعات بين الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي حيث اختارت مفكرين يختلفان من حيث البيئة الفكرية التي نشأ فيها كل منهما لكنهما يتقاربان في نظرتهما للفكر الديني وارتباطه بسؤال النهضة والوعي الحضاري ومسائل أخرى تتعلق بنقدهما للفكر الإخواني والوهابية كذلك وحربها على الفكر الشيعي.

لقد أعْطِيَ لمفهوم القداسة مفهوما خاصا في محاولة تخطي المفهوم الدوغماتي المتداول، من خلال السلوك النموذجي للأنبياء والسير على نهجهم في بناء الإنسان وتحقيق العدالة، فالقرآن وضع آليات تهذيب النفس النفس البشرية وإعادة تشكيل الوعي أي تجديد الفكر الديني بشكل عام والإسلامي على وجه الخصوص، كان هذا خلاصة كتابنا الجديد حول "الفكر الديني وصراع الأصوليات" دراسة أكاديمية مقارنة مستقبلية بين المفكر الجزائري مالك بن نبي والمفكر العراقي ماجد الغرباوي، لوجود تقارب بينهما خاصة ما تعلق بسؤال النهضة والنهوض الحضاري في الفكر الديني،

و قد ربطه كل منهما بالفكرة الدينية، فالعقلانية النهضوية تسعى إلى تجديد الفكر في حل أزمة التخلف، فما يشهده العالم من تطور جعل التراث يتشابك مع التجديد، وتجديد الفكر الديني في الإسلام من أبرز القضايا النهضوية التي تدعو المسلمين إلى النهوض والإرتقاء بالنفس الإنسانية، وكما يقول المفكر محمد إقبال: بإمكان العالم الإسلامي الإنخراط في العالم الحديث وإتمام التجديد الذي ينتظره فالعالم الإسلامي في نظره مزود بتفكير عميق نفاذ وتجارب جديدة

يذهب في هذا الإتجاه المفكر الجزائري مالك بن نبي حيث يرى أن التجديد الحضاري شرط اساسي لنهضة الأمم وعلاج أزمتها، والتجديد الديني عند مالك بن نبي ليس مجرد إصلاح شكلي أو فقهي بحث ، بل هو الروح الفاعلة التي تبني الحضارة، كما أن الإسلام عند مالك بن نبي هو منبع الطاقة الروحية والأخلاقية للمجتمع، ويتفق المفكر العراقي ماجد الغرباوي هنا مع مالك بن نبي في قضية الأخلاق وكل القيم الإنسانية كالتسامح والعطاء والحرية والوعي والتجديد والتعقل والتديّن، باعتبار أن الدين وحده هو المركب الحقيقي للقيم الحضارية ذلك من خلال توفر القانون الأخلاقي الذي يمنح قيمة لما يقوم به الإنسان

ربط مالك بن نبي بين الدين والحضارة أثناء بحثه في شروط النهضة للأمة الإسلامية، ولذا نجده يربط بين تخلف المسلمين وبين فقدان الحقيقة الدينية لفاعليتها في المجتمع والتي قادت البعض إلى الإلحاد، الحديث في هذا الكتاب عن الأصولية العقلية والأصولية الحركية، الأولى ترمي إلى العودة إلى أصول الدين وفهم الإسلام كما فهمه المسلمون الأوائل اتباعا لأوامر القرآن والسنة النبوية، واتخاذ هذا الفهم سبيلا لتجديد الحياة الروحية للمسلمين، والثانية (الأصولية الحركية) هي التيار الذي يتبع الحركات السياسية دون تجديد حقيقي للدين وهي تنتهج الأساليب الحزبية من أجل الوصول إلى السلطة

والإختلاف طبعا سُنّة طبيعية حميدة، إذا ما التزم الناس بآدابه وأقروا بقوانينه، المشكلة إذا ما تحول هذا الإختلاف إلأى نزاع وجدل وشقاق، فالإسلام يعترف بالآخر دون أن يحدد هوية الآخر أو نمط تفكيره أو انتمائه أيًّا كانت أصوله وجذوره أو معتقداته التي تربى عليها إلا بالتقوى، وهذا ما يدعو إلأى الإنفتاح على الرأي والرأي الآخر في إطار التسامح والحوار والعيش المشترك

هو جهد استغرق مدة ثلاث (03) سنوات من البحث والتنقيب والحفر في الكتب لم نعد نفرق فيه بين الليل والنهار، ننتظر ان يرى كتابي النور، هو الآن بين أيدٍ أمينة، ليكون في متناول القارئ العربي / الجزائري، أهديه إلى كل شاب مسلم باحث عن الحقيقة.

***

علجية عيش

من نحن حقًا بعد الصدمات والتجارب المؤلمة؟

ماذا فعلت المعاناة بنا؟

هل هي مجرد أوقات صعبة وظروف قاهرة قلبت حياتنا رأسًا على عقب، وأيقظت أوجاعها ليالينا الهانئة، وجرفت معها أحلامنا، وكشفت هشاشتنا وضعفنا؟ أم أن هناك قوة حقيقية خفية تكمن فيها، قادرة على إحداث تحولات عظيمة في النفس والتاريخ والحضارة؟

خيمياء حقيقية لها القدرة العجيبة على التدمير والبناء؟

سنبحث قليلًا في الفلسفة القديمة، شرقها وغربها، فالموضوع قديم، وقد تناوله الكثير من الفلاسفة والمفكرين.

الكندي، فيلسوف العرب الشهير، تناول الفكرة في رسالته «دفع الأحزان».

لماذا نحزن؟

يرى الكندي أن أحد أهم مصادر الحزن هو التعلق بالأشياء التي يمكن أن تزول. فالأشياء التي نملكها، والأشخاص الذين نحبهم، والصحة، والمال، والمكانة… كلها أمور معرضة للتغير والزوال.

فإذا جعل الإنسان سعادته متوقفة على أشياء خارجية قابلة للفقد، فإنه يجعل نفسه عرضة للحزن.

لكنه لا يقول ببساطة: لا تحزن.

بل يحاول أن يقدم طريقة عقلية للتعامل مع الحزن؛ فالفقد جزء من طبيعة العالم، وليس خللًا طارئًا فيه، ولذلك لا بد أن نتعلم كيف نتعامل معه.

كما تناول أبو بكر الرازي موضوع الحزن والخوف والغضب والرغبات في كتابه الأخلاقي «الطب الروحاني». فهو يرى أن جزءًا من المعاناة النفسية ينتج عن أفكار ورغبات وتوقعات غير منضبطة، وأن الإنسان يستطيع تدريب نفسه على تقليل أثرها.

وكأنه يضعنا في عمق السؤال: كيف تعمل النفس عندما تتألم؟

ويبقى السؤال الذي شغل الفلاسفة منذ القدم:

هل الألم شر نهرب منه، أم تجربة عميقة تكشف جوهر الوجود وتفتح طريقًا إلى النضج والوعي؟

نيتشه أشار إلى قوة المعاناة في تشكيل الإنسان، وكتب عبارته الشهيرة:

«ما لا يقتلني يجعلني أقوى».

فالمعاناة عنده ليست بالضرورة مجرد شيء ينبغي التخلص منه؛ فقد تصبح، إذا استطاع الإنسان أن يتجاوزها ويمنحها معنى، قوة تدفعه إلى إعادة بناء ذاته، كالنار التي تصهر المعدن ليخرج أصلب وأشد صفاء.

ولكن… هل كل ألم له هذا المفعول؟

هنا تكمن الفكرة الأعمق: الألم وحده لا يصنع الإنسان الجديد، وإنما الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع ألمه قد تحوّل التجربة إلى قدرة على إعادة خلق الذات.

بعد الصدمة قد لا نعود الشخص نفسه، لكن يمكن أن نصبح شخصًا أكثر وعيًا بما نريد، وما لا نريد، وما نستطيع احتماله، وما لم نعد مستعدين لقبوله.

وعند كيركغارد، يمكن للأزمات والقلق واليأس أن تكشف للإنسان شيئًا عن ذاته لم يكن يراه في حياته العادية.

أما مارتن هايدغر، فيرى أن مواجهة الموت والحدود النهائية للوجود يمكن أن توقظ الإنسان من الحياة التي يعيشها بصورة آلية، وتدفعه إلى مواجهة سؤال وجوده وحياته بصورة أكثر أصالة.

أحيانًا نحتاج إلى أن نفقد شيئًا حتى ندرك قيمة الأشياء التي كنا نعيشها دون أن ننتبه إليها.

الصدمة إذن قد تكسر وهم الاستمرارية:

كنت أظن أن حياتي ستستمر بهذا الشكل، ثم حدث شيء جعلني أدرك أن لا شيء مضمون.

إنها تكشف هشاشتنا الوجودية، وتضعنا فجأة أمام حقيقة كنا نعرفها نظريًا، لكننا لم نشعر بها من قبل.

أما جان بول سارتر، فيرى أن الإنسان ليس مجرد نتيجة لما حدث له؛ فهو يستطيع أن يختار ماذا يفعل بما حدث.

وهذه فكرة عميقة في موضوع الصدمات:

الحدث جزء من قصتي، لكنه ليس بالضرورة القصة كلها.

قد لا أستطيع تغيير الماضي، لكن أستطيع أن أقرر ما الذي سيعنيه هذا الماضي بالنسبة إلى حياتي القادمة.

وقد يكون الرواقيون قد أشاروا إلى معنى قريب من ذلك:

الحدث لا يحددك بقدر ما تكشف استجابتك له عنك.

عند إبكتيتوس وماركوس أوريليوس، لا نستطيع التحكم بكل ما يحدث لنا، لكن نستطيع — بدرجات متفاوتة — التحكم في استجابتنا له.

الفقد يحدث.

المرض يحدث.

الخيانة تحدث.

الموت يحدث.

لكن السؤال الرواقي يصبح:

ماذا سأفعل بما حدث لي؟

وهنا نعود إلى السؤال الذي بدأنا منه:

هل الألم يغيرنا، أم يكشفنا؟

وقد نجد أنفسنا، بعد الفقد والتجارب القاسية، نسأل أنفسنا:

لماذا لم أعد الشخص الذي كنت عليه؟

لماذا تغيرت الأشياء التي كانت تسعدني؟

ما الذي حدث لداخلي؟

أهي خسارة، أم أنها شكل آخر من أشكال النضج؟

وربما لا يكون الإنسان بعد الألم أفضل أو أسوأ بالضرورة…

ربما يكون فقط أكثر معرفة بنفسه، وأكثر إدراكًا لهشاشته، وأقل وهمًا باستمرار الأشياء.

ومن هنا يبدأ السؤال الأصعب:

من أنا بعد كل هذا؟

سؤال لم تكتمل فصوله…

***

منى الصالح

 

لا أحب السياسة كعمل، لكنني أتابع مجرياتها باهتمام، وهو أمر تعودت عليه منذ صغري. كان والدي سياسيًا "معتقًا"، من أولئك أصحاب المبادئ الذين نُسفوا مع مبادئهم، فتطايرت معهم أشلاء الوطن التي نحاول عبثًا جمعها بعد أن تلاقفتها أيدي طلبة محو الأمية السياسية الذين لفظتهم المدارس، فكان الوطن وكنا، وصار الوطن وصرنا مصدر رزقهم.

لسنوات مضت، كتبت في السياسة، أحيانًا دون قصد. فقد تفرّ الكلمات لتخفف من وطأة النار التي تحرق صدري وأنا أشهد انهيار البلد. لكنني لست وحيدة على الساحة، فقد صارت السياسة فكرة سهلة المنال لمن يكتب ومن لا يكتب، بينما ظل الإنسان وحيدًا في زاوية النسيان.

وفي بلدي، لا نحتاج إلى ساسة، فهم يتناسلون ويتكاثرون، ويتجمعون كالنمل حول جثة حارة. وجثة الوطن بردت منذ زمن بعيد، لكثرة ما تُركت في العراء.

لا حياة دون وطن، ولا وطن دون إنسان، ولا إنسان دون حب.

فلو كان السياسي يعرف الحب، لتمكن جيش السياسيين الذي يسرح في الخضراء من بناء هذا الوطن. ولو كان القاتل يعرف شيئًا عن ضحيته، لو نظر إلى عينيها لحظة القتل، وشعر بحجم الحزن والرعب، لو أدرك صرخة الـ"لماذا" المكتومة، لو عرف الحب يومًا، لأحجمت يده عن إيقاف ساعة القدر.

لا تُقاس الحياة بعدد المواقف والتجارب، بل بما نستقيه منها من دروس، وبمدى تأثيرها فينا. وكما قال أحدهم في أحد الأفلام، لا تُقاس الحياة بعدد الأنفاس التي نعبّها، بل بعدد اللحظات التي تشهق فيها أنفاسنا دهشة.

وعادةً ما تكون هذه اللحظات الفريدة متوّجة بالحب. فكل ما يدهشنا يتحول إلى شيء نحبه، نعتاده، نفرح بالوصول إليه، ونسعد بالحصول عليه، فيمنحنا ذلك السعادة التي لا نشعر بها ونحن نتنفس الهواء يوميًا لمجرد أن نحيا.

في كل ما مرّ بحياتي، وهو بالتأكيد أقل مما مرّ بغيري في هذا العالم، كنت أكتشف، يومًا بعد آخر، أن ما ينقصنا هو الشعور بالحب.

الحب ليس بمعناه المتعارف عليه فقط، ذلك المعنى الذي ما زال يُعامل أحيانًا كأنه أمر مخجل، وإنما حب كل ما يحيط بنا مما يتصل بالإنسان.

نحن شعب لا يعرف الحب، رغم أننا عاطفيون. تبكينا مشاهد كثيرة تخص أحبتنا: رقود أحدهم في سرير المرض، استقبال أو وداع آخر عند السفر، بل حتى مغادرة الفتاة بيت أهلها يوم زواجها قد تتحول إلى "فاتحة" لدى الأم.

لكن دموعنا تختفي باختفاء المشهد، ومشاعرنا تتأرجح مع ارتفاع أو انخفاض منسوب الأعراف والتقاليد والمزاج والعصبية والظروف، ومع أمور أخرى كثيرة تجبر الغالبية على التضحية بالحب.

فالحب هو الفرع الأضعف في عائلة المشاعر الإنسانية، ذلك الفرع الذي يمكن إسكات صوته بسهولة، ب(دفرة) كبرياء.

***

بشرى الهلالي

ما أبهجها من لحظات عندما تجد الأصدقاء القدامى في اِنتظارك وأنت قادم إليهم من تونس العاصمة وتنزل بينهم فيستقبلوك بالأحضان في مدينة المهدية هذه المدينة التونسية العريقة التي تتربع وسط السواحل التونسية تبعد عن تونس العاصمة مسافة 250 كلم وكانت عاصمة الدولة الفاطمية على كامل أنحاء إفريقية في القرن الرّابع الهجري إنّها مدينة المعزّ لدين الله وقائد جيشه جوهر الصقلي ومدينة الشاعر اِبن هانئ الأندلسي

ــ 2 ــ 

قصدت المهدية يوم السبت 17 فيفري 2024 لأحضر اِفتتاح المكتبة الخاصة لصديقنا الفقيد الأديب عبد المجيد يوسف رحمه الله وقد هيأتها عائلته الكريمة بعناية لتكون كتبها المختلفة في متناول الأدباء  والدارسين والباحثين وهذه بادرة جديرة بالتقدير لما ترمز إليه من اِعتزاز ووفاء لصديقنا العزيز من ناحية ومن ناحية أخرى لما تُتيحه من مجالات بحث في أدبه وفي الأدب التونسي والأدب العربي وحتى في بعض الآداب الأخرى لأن مدوّنة الأديب عبد المجيد يوسف تشمل أجناسا مختلفة من الكتابات شعرا وقصة ورواية ونقدا ومقالات في اللغة ومقدّمات وغيرها من المترجمات من اللّغة الفرنسية والإيطالية وقد حملتُ معي إلى هذه المكتبة صورة جميلة كبيرة لصديقي الرّاحل لتقابل كل من يدخل إليها  بسلام… فسلام وسلام على روحك يا صديقي وأرجو من ـ الصّالون الأدبي والفكري ـ الذي تسمّى باِسمك أن يواصل التعريف بمختلف إصداراتك وأن يعمل جاهدا لجمعها ونشرها ضمن طبعة ـ أعمال كاملة ـ كي لا تضيع ويطويها الإهمال والنسيان وما هذا بعزيز إذا صحّ العزم

ــ 3 ــ

كانت مناسبة إذن للإلتقاء بأصدقائي القدامى والجلوس معهم والفضل يعود لصديقي الطبيب الدكتور المولدي فرّوج الذي أعلمهم بقدومي وهو شاعر وروائي ومسرحي وكاتب صحفي عرفته منذ أوائل سبعينيات القرن العشرين عندما كان طالبا في الطب ومن روّاد ـ  النادي الثقافي الطاهر الحداد ـ ثمّ تعارفنا أكثر بمناسبات اِتحاد الكتّاب التونسيين وجلسات نادي الشعر وعلى صفحات ـ جريدة الرأي ـ وفي ملتقيات الشعر بتوزر والمتلوي وغيرها وهاهو اليوم أجده في اِنتظاري فذكرنا بأسف ولوعة أصدقاءنا الشعراء والأدباء الذين فارقونا في المدة الأخيرة واِسترجعنا بعض الذكريات معهم ولم يغب عنا كذلك الخوض في أحوال اِتحاد الكتّاب التونسيين وما يشهده من ركود في نشاطه وتواصينا أن نساند في المؤتمر القادم المترشّحين الذين نتوسّم فيهم العمل الجدّي والإضافة للخروج بالاِتحاد من أزمته الحالية ليُحقّق طموحات الأدباء وليكون صوتا متميّزا وعاليا في كل ما يهمّ الشأن الثقافي خاصة والقضايا الوطنية عامة وقد تبادلنا الحديث في هذا الموضوع مع الأصدقاء الحبيب بن فضيلة عمار العموري وخالد الرداوي الذين عبّروا عن أملهم وتمسّكهم بالاِتحاد باعتباره مكسبا يمكن أن يكون ناجعا أكثر بفضل ما في رصيده من إنجازات وبما يزخر به من طاقات وخبرات .

ــ 4 ــ

عدت من المهدية بهدايا ثمينة هي إصدارات جديدة للصديق المولدي فرّوج

 * رواية ـ في الاِنتظار

* مجموعة شعرية ـ هذا كلام في الريح

ومجموعة قصصية للصديق الحبيب بن فضيلة

* أجراس صدئة

ــ 5 ــ

بعد الجلسة في المقهى دُعيت إلى الغداء في أحد المطاعم الفاخرة ولكني شكرتهم على كرم الضيافة واِخترت الأكلة التي تختصّ بها المهدية وهي ـ الشّاباتي ـ فأخذوني إلى دكّان مشهود له في هذه الأكلة التي تتكوّن مع عجين مطروح رقيق ثم يُحشى ببيضًا مسلوقا وجُبنًا وفُتاتَ التّن مع شيء من البهارات ويُلفّ الجميع على شكل قرص نصف دائرة ثم يوضع في الفرن وما ألذّه وأشهاه !

سألت صديقي الدكتور الطبيب مولدي فرّوج قبل أن أبدأ تناوله عن طريقة أكله ـ كي لا أوضع في حرج ـ فأرشدني ناصحًا أن أبدأ من زاويته السّفلى المكتنزة

 إنّ حكمة طريقة أكل لحمة الكتف إذن تشبه تماما طريق أكل ـ الشاباتي ـ إذ كلاهما يؤكل بداية من الزاوية السّفلى حتّى لا يسيل ماءُ لحمة الكتف على الثياب وكي لا يتساقط ما في ـ الشّاباتي ـ بين اليدين !

ولم أبدأ إلا بعدما رأيت صديقي يتناول ـ الشّاباتي ـ التي أو الذي ـ أمامه بخبرة ومهارة…كيف لا وهو الطبيب الأديب !!

***

سوف عبيد

 

الذين عبروا صدماتٍ كبرى لم يولدوا هشِّين، فاشلين ولا واهنين، هم عاشوا تحت سقف أمكنةٍ لم تعرف دفء السكينة ونعمة السلام النفسي، حيث الأيام تَنساب بلا طعمٍ للأمان، وبلا وعدٍ بالاستقرار.

نشأوا في بيئاتٍ تعصف بها رياح الاضطراب، تُخيِّمُ عليها ظلال العنف، يشحُّ فيها الاحتواء، فتلتف حولها غيومُ الإهمال الكثيفة.

عاشوا...عاشوا في حالة طوارئ دائمة؛ حيث لم يكن الخطر طارقًا عابرًا، بل مقيمًا بين جدران الذات.

صدماتٌ سبق الجسدُ العقلَ في احتضانها. فلم يَعُد للغدِ موضعٌ في التخطيط، ولا للحلمِ رحابةٌ في الخيال، ولا للأفقِ اتساعٌ في البُعد ؛ جسدٌ همُّه الأوحد أن يُصان ما تبقَّى من كينونته، كغصنٍ يائسٍ يتشبث بالأرض لئلا يطير به الريح.

 لذلك لم يتاح لهم أن ينضجوا على مهل، توقَّفَ نُموُّهم عند النقطة التي اضطُرَّتْ فيها النفس إلى خوض معركة البقاء مع مدار كل يوم، لا معركة الازدهار ولا التطور ولا الإنجاز.

فالعقل المُنهك بفعل النجاة يرى العالم من ثقب الخطر، يعيش في حالة تأهب ووضع إنذار دائم؛ بأنفاسٍ مكظومة، مثقلة بالهمِّ، الغَمِّ، الأسى والتوجس ينتظر أن تحدث المُعجزة، وكلّما سمعَ صوتَ العاصفةِ يختبئ مؤجلاً بذلك نموه وتطوره.

هو لن يُزهرَ، لن ينضج، ما دام كلُّ كيانهِ مشدودًا إلى اضطرابات لا تنتهي وإحساسٍ واحدٍ يتكرَّرُ: كيف أتنفَّسُ دون أن يُمزِّقني الخوف؟ كيف أبقى؟ كيف أستمر؟

يتحول الضغط المستمر إلى قائدٍ خفيٍّ للتصرُّفات كُلُّها؛ يسوق الخطى بصمت، ويتحول الوعي إلى حارسٍ مُرتجف، يراقب، يحذر، ويَتوقَّى السقوط في فخّ ألمٍ لم يأتِ بعد.

يُرجأ النمو لأن طاقتهم تُستنزف في ترميم التصدُّعات والانكسارات، في محاولة فَكِّ شيفرة فوضى لا تُفكَّكُ، وفي التكيُّفِ مع خللٍ كان أثقلَ من أعمارهم الصغيرة.

فالعقلُ المحاصرُ بالخطر لا يرى مسارَ الغد، بل يرى فقط باب النجاة الأقرب.

ويبدأ...

ويبدأ الشفاء حين يهدأ صرير الاحتدامات والتطاحن في الداخل، حين يتوقَّفُ العقلُ عن القتال ليتذوّقَ طعمَ الأمان للمرة الأولى.

عندها يكتشف الإنسان أن العالم ليس سجنًا يجب الفرار منه، بل فناءً واسعًا يمكن أن يُبنى فيه بيتٌ صالح للإقامة.

يتعلَّم كيف يثق، وكيف يهدِّئ جهازه العصبي المتعب، وكيف يقيم علاقةً رقيقة مع ذاته؛ علاقة لا تسعى لتعويض طفولةٍ مفقودة، بل لتزرع في ترابها المحروق زهرةً جديدةً تتفتَّح رغم الرماد.

إنهم لا يرمِّمون ما انكسر فحسب، بل يبنون شيئًا أسمى وعيًا ناضجًا.

 وعيٌ وُلد من عُمقِ هاويات المعاناة، ورحمة داخلية تعلّمت كيف تحمي ذاتها بلطف، بعد أن خبرت القسوة.

هذا ليس مجرَّدُ شفاء، بل ولادة ثانية؛ مختارة، وشجاعة… تخرج من رحم الألم لتلامس النور بأصابع مرتجفة، لكنها واثقة.

دوما القادم من طفولة شقية له حكاية.

قد تسقي دمعته جذور برعم زهرة.. تنمو، تتفتح وترحب بنحلةٍ.

منْ منكم يطعن في حق محمول جوفها؟

شيء...

شيء حزين أن يفكر الإنسان في اللامعنى من الحياة ولا... لا أشتهي أن أكون ضحية سائغة للتفكير في الخلاص على الأقل '' الآن'' و'' هنا '' قد تكون بلامعنى لها، إن رفعنا الراية البيضاء، كرمز للإستسلام ونتبث للإحباط أنه المنتصر وبأننا بالفعل لا نستحق أن نحيا وحان الوقت أن ينتبه الحفار للرائحة ويسارع بالدفن.

المعنى قوة وفرحة عندما يحطمنا الضعف وتسحقنا الأحزان، المعنى يزرع في صحراء نفوسنا زهرة، تسقيها الإرادة وتكون لها الحارسة الحريصة على نموها، هي تعرف أن سموم طفيليات اليأس قد تتسلل خلسة في لحظات سهوٍ إلى الجذور وتغير مسار الغوص والإنتشار وتتسلق الساق وتدميه، تلتهم الأوراق والبتلات وتحول الكل إلى رماد.

كل شيء في وقته ؛ إن مهمتي الوحيدة والسامية '' الآن'' و'' هنا '' أن أعترف بِكُلِّ... بِكُلِّ الزَلاَّتِ والمُوبِقات، الصغائر منها والكبائر، الأخطاء التي ارتكبتها، عن قصدٍ ووعيٍ أو تلك التي أُجبرتُ على إقترافها وقد يكون زمني، نظامه وأهله:  الشيطان.

طبعا ولا ندم بل مواجهة هذه الزَلاَّتِ والمُوبِقات والأخطاء، بِغرض المصالحة معها، هي أنا والإعتراف راحة

أحياناً...

نرسمُ بما تحمله رفوف رؤوسنا؛ ومنها ما فاضَ ثِقلُها بِجبالِ كُتُبٍ ولا يد عنها تنفض الغُبار، ومنها ما يتلذذُ بأنيابِ جردانٍ تقضمُ خشبَه ولا أنين، ومنها فراغٌ لا يقلُّ ثِقلاً.

ونحن...

سجناءُ غرفةٍ باردة، نوافذُها مغلقة، والباب وبإحكام بألفِ دورةٍ أغلقناه... نرسمُ: قرصَ شمس.

المفتاحَ، سهوًا أو عمدًا، في بئرٍ ألقيناه.

سمّاهُ البعضُ خسارة، وسمّاهُ البعضُ أملاً، والبعضُ مصيرًا، وما تبقى اختلفوا ثم توحدوا وقالوا: ربما لغايةٍ لا يفقه سرّها إلا خالق البشر.

وسمّاهُ هذا البعضُ قدرًا.

وكُلُّ "بعضٍ" خلقَ ألفةً مع ما اختار من الأسماء.

مُصيبةُ البعضِ من البشرِ يُدخلُ أنفَه في كلِّ شيء، دون أن ينتظروا الإشارةَ من رؤوسهم، أي أن يتوقفوا عن الركضِ في كلِّ الجهات، ولا يثبتونَ لحظةً ليفكِّروا قبل أن يُسلِّموا المفتاحَ لِّلِسانِ.

هُم يزغردونَ بغريزتهم لا بعقولهم.

الزغرودةُ تصدحُ ساعةَ المرحِ والفرحِ والابتهاج.

وتصدحُ أيضا ساعةَ موتِ شهيدٍ شابٍ أعزب، أمُّه وهي في قمةِ حزنِها تزغردُ لعروسٍ تتخيلُ جمالها، عروس لا تنتمي إلى نسل حواء بعد الطرد، تنتظره في السماء.

زَغْرُودَةُ الْغَرِيزَةِ؛ جامحة تعدو لَا حدودَ يقيّدها؛ إِلَّا إِذَا أَحْسنَّا الْقَبْضَ بِحِكْمَةٍ وَبَصِيرَةٍ عَلَى اللِّجَامِ، فَهِيَ عمياءُ.

 قوتها لا تكمن في كبحها أو قمعها، هي لَيْسَتْ عَدُوًّا، بَلْ طَاقَةٌ تَنْتَظِرُ أَنْ تُوجَّهَ، كَنَهْرٍ جَارٍ: إِنْ حُفِرَ لَهُ مَسْلَكٌ، سَقَى الْأَرْضَ وَيُحْيِيهَا، وَإِنْ تُرِكَ عَبَثًا، غَمَرَ الحقول وَأَهْلَكَ الزَّرْعَ.

هِيَ النَّارُ ومنها يولدُ الهَواء، وَالعَقلُ هُوَ القائِدُ الَّذِي يُنَظِّمُ هَذِهِ النَّار ويَجعَلُ مِنْهَا نورا ودفئا لِصاحبهِ ولمن حولهُ.

إِذَا أمسكَ العقلُ لِجامُها بِرِفْقٍ وَفَهْمٍ لَا تصيرله سِجْنًا، بَلْ جَنَاحَيْنِ. مفتاح للتحرر والارتقاء.

هُم...

يصنعونَ من عجينِ كلماتِهم لَبِنَاتٍ، وبها يبنونَ معاقلَهم؛ يحبسُون أنفسَهم فيها، يغلقونَ أبوابَها بمفتاحٍ واحدٍ يمرُّ على جميعِ أقفالِها.

الغريبُ في المشهدِ يحضرُ نفسَ المفتاحِ، ولا يسألونه عن مكانِ اختفائه، يحضرُ بنفسِ اللونِ والثِقلِ، يحضرُ عندما تتعفنُ جثة ما؛ ليس حبًا به يفتحون، بل لرائحتِها التي لا تُطاق، وهم ليسوا في حاجةٍ للمزيد.

وبعد أن يفتحون حفرةً في الأرض ويواروها الترابَ ويودُّعوها، إلى ظلمتهم يعودون، يُغلقُ البابُ، في انتظارِ راحلٍ جديد.

المفتاحُ أنواعٌ وأشكال؛ منها ما يفتحُ لك ويدهشُك بنورِه، ترى ما يبهجُ ويُريحُ الروح، يمسحُ من عينيك دمعةً، ويخففُ عنك ما يحزنك ويدميك، يزيلُ حسرةً ويزرعُ وردة.

ومنها ما يزلزلُ حياتك، يهزّك ومن رجليك في الهواءِ والرأس تتلاعبُ به الأقدامُ، ويُلقى بك في هاويةِ برودةِ ظلامٍ ويُقفلُ الباب.

الجسدُ قابلٌ للتآكلِ تحت وطأةِ العنفِ والقسوة، قابلٌ للانهيارِ من شدة الحَرِّ، البرودةِ، الجوع، وبالصمتِ الطويل.

لكن الحلم كيانٌ روحيٌّ لا ينكسر. 

***

عبد الحق طوع

 

في ظل الظروف الصعبة التي نعيشها، نتكبد الكثير من المشقة والصعاب والابتلاءات والمحن، وقد يجد الحكيم نفسه حائراً أمام واقع معقد، لا يدري كيف يتصرف في ظل معطيات شديدة القسوة، تثقل كواهل الحكماء والعارفين وأصحاب النهى والعلم والمعرفة. فإذا كان هذا حالهم، فما بال عامة الناس؟ وكيف يفكرون ويتصرفون أمام صعوبات الحياة ونكدها وشظف العيش وظروفها التي تفرض على الإنسان، مهما اختلفت مكانته أو وظيفته أو مستواه، أن يبحث عن سبيل للاستمرار والتكيف والصمود؟ مصدقاً لقوله جل من قائل" أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ". العنكبوت:2

إن الأذى الذي يمر بنا، والتحديات والملمات التي تواجهنا، تدفعنا إلى الوقوف مع أنفسنا، ومنحها مساحة للتفكير والتأمل العميق في الأزمات والصراعات التي عشناها. بل إن الحروب التي عصفت بنا لم تترك شجراً ولا حجراً على حاله، فما بالنا بالبشر الذين تهددهم المصائب وويلات الفقد والموت والجراح والسجن وقهر الرجال، وتحرمهم من المأكل والمشرب والمأوى والأمان، بل تغيب ربما كل ظروف الحياة ومسراتها؟

نقف مع أنفسنا ملياً، وننظر إلى حاضرنا بعين مبصرة وواعية، ونتأمل ما مررنا به في الماضي من محن وابتلاءات جسام، فقد كانت لنا تجارب قاسية تعلمنا منها، إلا أن الظروف التي نعيشها اليوم ربما كانت مختلفة عما عرفناه من قبل. وهنا يبرز السؤال: هل المطلوب منا أن نستسلم، ونرفع راية العجز، ونتوشح بالسواد والظلمة، ونستسلم للإحباط واليأس، وندخل في دوائر مغلقة من البؤس والحسرة والاكتئاب النفسي؟ هل نجلس نندب حظنا، ونبكي على حياة مضت ربما نبالغ في تصويرها، ونستعيد ذكرياتنا بما حملته من سعادة أو شقاء؟

إن المطلوب منا أن نحكم أفكارنا، وأن نتمسك بالإيجابية والتفاؤل، لا إنكاراً للألم أو تجاهلاً للواقع، وإنما إيماناً بقدرتنا على التعامل معه بما نملك من إمكانات وطاقات. علينا أن نعمل جاهدين، وأن نقدم ما نستطيع من قدرات ومهارات، وأن نتقن ما نحسن صنعه، بدل أن نجمد مسؤولياتنا ونستسلم للعجز والضعف والخور.

ومن واجبنا أن نتحمل أعباءنا، وأن نأخذ بالأسباب التي أمرنا بها الله عز وجل، وأن نقدم ما نستطيع من جهد وعمل، حتى نعمر الأرض ونستثمر ما وهبنا الله من قدرات، مهما كانت مستوياتنا المادية أو المعنوية أو المهنية أو الوظيفية. هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا. هود:61

فالطالب يجتهد في دراسته، ويصنع لنفسه أثراً وبصمة ونجاحاً متميزاً، ولا يلتفت إلى المثبطين والمحبطين، بل يعمل على توظيف كل ما يملك من طاقات في سبيل النجاح والتفوق. والطالب الجامعي مطالب بأن يبذل أقصى ما يستطيع لإتقان تخصصه والنجاح في دراسته الأكاديمية، وأن يكتسب العلم والمعرفة والمهارات والخبرات من خلال التدريب والتطوع والمبادرات المجتمعية التي تسهم في بناء شخصيته وصقلها بكل ما هو نافع وخير. وألا يترك فرصة للتعلم والتطوير إلا اغتنمها، حتى يكون أكثر تأهيلاً وتمكيناً لمهنته المستقبلية.

أما الوالدان، فعليهما أن يديرا حياتهما المالية والاجتماعية بكفاءة، وأن يوظفا ما يملكان من إمكانات في تدبير شؤون الأسرة وتربية الأبناء وفق المتاح والممكن. وأن يبحثا عن سبل العيش والإنتاج، وأن يستثمرا المساحات والإمكانات المتاحة، مهما كانت محدودة، فزراعة الأرض ولو في مساحات صغيرة أو على أسطح المنازل، بالإضافة وتربية الدواجن والطيور والماشية ، واستثمار الحرف اليدوية والمواهب وغيرها للبقاء والعيش بالرغم مما نعانية، يمكن أن تكون صورة من صور استثمار الممكن وإدارة دفة شؤون الأوضاع التي نواجهها وصناعة الأمل في نفوسنا وقلوبنا وواقعنا.

كما أن على الوالدين أن يهيئا داخل المنزل أجواءً من الإيجابية والتفاؤل، وأن يعملا على غرس الصبر والمرونة والقوة النفسية في نفوس أبنائهما، مع تعليمهم أن الحياة لا تستقيم على حال، وأنها بين مد وجزر، ويوم لنا ويوم علينا. وأن نرضى بما قسم الله لنا، ونعمل بما في أيدينا، وألا نبقى أسرى للحسرة على ما فات.

إن التربية في أوقات الشدة تحتاج إلى الصبر وصلابة النفس والقدرة على مواجهة الظروف مهما بلغت قسوتها وعنفوانها. ومن يربي أبناءه على هذه المعاني، ويمنحهم مساحات للتدريب والممارسة وتحمل المسؤولية، يسهم في نشأة جيل قوي، صابر، محتسب، قادر على الخروج من أزماته بعزة وشموخ، ويتمتع بمناعة نفسية وقوة روحية، وتكون صلته بالله قوية ومتينة ويستحق أن يكون خليفة في الأرض. مصداقاً لقول المولى عز وجل" وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً" البقرة:30

وكما قيل: «اخشوشنوا، فإن النعم لا تدوم»؛ فالمقصود أن نربي أبناءنا على القدرة على مواجهة الحياة، وألا نغرس فيهم الخوف من صعوباتها، بل نمنحهم الثقة والقدرة على التعامل معها، ونحفزهم على الإقبال على الحياة والعمل فيها، مهما كانت قسوتها وآلامها.

فالحياة لا تريد منا أن نبقى على الهامش، أو في ذيل التاريخ، أو نسكن في ظلال اليأس وعتمته، بل أن نبحث عن الضوء، وأن نصنع حضورنا، ونترك بصمتنا وتأثيرنا، ونعيش بكرامة وتفاؤل، مهما انتشرت السلبية من حولنا، ومهما أدلهمت الخطوب والأوضاع.

علينا أن نكون داعمين لأنفسنا ولمن حولنا، وأن ندرك أن الإنسان وحده قد يضعف، بينما الجماعة تمنح القوة والمنعة والتكافل والقدرة على تجاوز الأزمات. فاليد الواحدة لا تصفق، وإنما تتكامل الجهود وتتضافر الطاقات لصناعة النجاح والوصول إلى الغايات.

وعلى القائد أو المسؤول أن يدعم موظفيه ويعينهم على الصعب والأزمات، ويقف بجوارهم يكون زميلاً وأخاً وصديقاً لهم، لا أن يتجبر فيهم، أن يحمل معهم أثقالهم وقسوة ما يعانوه من شظف في العيش ومحدودية في الرزق والقوت. وأن يكون الموظف نشطاً وديناميكياً، كفؤاً في وظيفته، متقناً لعمله، إيجابياً في تعامله، وأن يسهم في نشر روح التفاؤل بين زملائه ومرؤوسيه، وأن يحفز نفسه والآخرين على العمل والإتقان والجودة. فبذلك تتطور مؤسساتنا ووزاراتنا ومنظماتنا، وتدور عجلة الحياة المهنية بكفاءة ونجاح وتميز.

إن رسالتنا اليوم هي أن الحياة لا تبتسم لمن يستسلم لها، وإنما لمن يبش في وجهها، ويتحمل مسؤوليته، ويواجه قسوتها ومعاناتها بكل مرؤءة ورجولة، كما يستمتع بلحظات سعادتها وأملها. ولا بد لنا أن نمضي قدماً، وأن نعمر الأرض، وننشر الخير، ونواصل العطاء مهما كانت الظروف التي نعيشها مؤلمة وقاسية. فمن سبقنا عانى منها وتحمل ما تحمل في سبيل أن يكون له موطأ قدم وثبات ومكانة.

فالبسمة الحقيقية لا يعرف قيمتها إلا من استطاع أن يمتلك نفسه عند الألم، وأن يحافظ على إنسانيته وأمله رغم قسوة الظروف. والآمال لا تتحقق بالتمني وحده، وإنما بالفكرة السامية، والإرادة الإيجابية، والعمل الدؤوب، والإيمان بالقيم والمبادئ التي يحملها الإنسان في عقله ووجدانه.

فلنجعل من المحن دروساً، ومن الأزمات فرصاً لإعادة بناء أنفسنا، ومن الألم دافعًا للعمل، ومن الأمل طريقاً للمستقبل.

ولتكن حياتنا قامة شامخة، مهما اشتدت الظروف وقست الأيام.

دمتم سالمين، متفائلين، قادرين على صناعة الأمل وصنع الأثر.

***

د. أكرم عثمان

6-9-2026

من أنت بدون قناعك؟ سؤال يتجاهله البعض عمداً، ويفر منه الآخرون خوفاً؛ إذ يظن الكثيرون أنه عندما يزيل المرء قناعه، فإنه لن يرى سوى وجهه المشوه، أو شخصيته السلبية، أو صفاته السيئة. لكن الخطأ التام ليس هنا، بل يكمن في طريقة التفكير ذاتها، وفي نظرتنا القاصرة لكينونة النفس البشرية.اليوم، وفي غمرة الصخب الرقمي والتحولات المتسارعة، أصبح للإنسان أقنعة متعددة ومتلونة؛ يرتدي قناعاً في حياته الاجتماعية، وآخر في حياته العملية، وقناعاً مختلفاً في حياته العلمية والأكاديمية. يغير الوجوه والسلوكيات ليتكيف، وليجاري عالم الشاشات والمعايير الزائفة. ولكن، أين يكمن صلب الإنسان؟إن المكمن الرئيسي وجوهر الإنسان الحقيقي هو ذلك الذي يكون بلا قناع.. بينه وبين ذاته فقط. هي تلك الشخصية الحبيسة التي لا تظهر إلا في لحظات الصمت المطلق؛ بين الإنسان وعقله، بينه وبين روحه، تنحصر بينه وبين نفسه في تلك الزاوية السرية التي يستحيل على العالم الخارجي اختراقها.والحقيقة الوجودية المجرّدة هي أن هذه الشخصية لن تخرج أبداً للعلن، ومهما تقدم العلم، ومهما تطورت التكنولوجيا، ومهما بلغت وسائل المكاشفة الرقمية، فإن هذا العمق سيظل عصياً على الخروج بتاتاً. ولماذا يستحيل خروجها؟ لأن مكمن نية الإنسان وكينونته كـ "البذرة"؛ إنها تنبت في الخفاء، وتتفرع جذورها في الظلام، وتثمر فكراً وسلوكاً في العلن، لكن البذرة نفسها يجب أن تبقى مدفونة في عمق الأرض. إن خرجت البذرة إلى السطح وانكشفت للنور المباشر، لن تنمو.. بل ستموت وتتلاشى.ولكن، دعونا نصدم أنفسنا بالحقيقة الأعمق قبل أن نغلق هذا الستار: هذه البذرة هي نفسها للجميع. نحن نولد بالجوهر النقي ذاته، والنواة البيضاء ذاتها، لكنها طُمست وتفرعت ببيئة الإنسان. البيئة المحيطة، وثقافة العصر المشوهة، والإدمان الرقمي، هي التي لوثت التربة، وفرضت على البذرة الواحدة المشتركة أن تنبت أقنعة غريبة وصادمة. هنا تنتهي الكلمات.. وتبدأ معركتك أنت مع عقلك لتسأل نفسك: أي قناع ترتدي الآن؟ وما الذي فعلته بيئتك ببذرتك النقيّة؟

***

بقلم: إيمان خريسات

يقول زهير بن أبي سلمى (520 - 609) ميلادي:

"وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم

وما هو عنها بالحديث المرجّم

*

متى تبعثوها تبعثوها ذميمة

وتضرى إذا أضريتموها فتضرم

هذا شاعر وصف الحرب في زمانه البعيد، وهو يترجم السلوك البشري المعبّر عن أمّارة السوء الفاعلة فيه، والساعية لسفك الدماء وزهق الأرواح، وتحسب ذلك نصرا وفخرا.

فالحرب ليست قصصا تروى كما يرى الشاعر، وإنما هي الوجه الآخر لما فينا من عدوانية تجاه أبناء جنسنا، فالبشر يقاتل البشر ويمحق بعضه بعضا، وهذا ديدن السلوك المتوارث عبر العصور، فأول ما أظهره هو جريمة قتل قابيل لأخيه هابيل، كما يُروى.

وهذه إقترابات من زوايا متنوعة للحروب التي لن تتعافى منها البشرية، وهي من رواسخ طباع البشر.

أولا: حرب الحروب!!

كتبنا كثيرا عن الحروب وتوهمنا بأن الأفظع فيها الحروب التي ستستخدم فيها الأسلحة المتطورة، وخصوصا ما تم إختراعه في القرن الحادي والعشرين الذي يتلخص بقدرات إليكترونية عالية، وإمكانيات التحكم عن بعد في العديد من المخترعات الفاعلة في الأرض، ويأتي في مقدمتها المحلقات الذاتية التي يتم التحكم بها عن بعد بعيد، يفوق تصورات البشر، فيمكن التحكم بمقذوف طائر على سطح المريخ وأنت جالس في غرفة في الآرض.

وقبل أن تهب عاصفة الكورونا كنت أتحدث مع زميل عن بلاء الطائرات بدون طيار وما يتصل بها من مخترعات متناهية في الصغر، والتي ستصطاد البشر وتتسلل إلى بيوتهم وتخطفهم خطفا، وإذا بزوبعة كورونا تهب، وتزعزع تفكيرنا وتضعنا أمام مصير مجهول يتساوى فيه البشر، وتتأكد نهايته التي أغفلها طيلة حياته.

فهل ستعلمنا ما ينفعنا، أم أنها ستكون كسابقاتها تعصف بنا وتهدأ، ويمضي البشر على ذات السكة بعدوانية متنامية؟!

تتفاوت الأجوبة، وتتقاطع، ومنا مَن يقول بأننا سنتعلم ونكون أفضل في سلوكنا، ومنا من سيقول لن ينفعنا إلا أن نكون على شفا حفرة من الرحيل، والواقع يقول بأن البشرية محكومة بإرادة النفس الأمّارة بالسوء، ولا قدرة لها على التحرر من قبضتها وأهوال نوازعها ورغباتها المفلوتة.

والحقيقة المريرة التي نغفلها دوما ولا يعجبنا سماعها أو التفاعل معها، تتلخص بأن البشر عصي على التعلم والتفاعل الإنساني الرحيم، مهما توهمنا وشاهدنا من مواقف وحالات، لكنها شاذة وقليلة وغير سائدة، فالذي يسود هو التوحش ونداءات الغاب العاصفة في دنيانا، والتي تدفعنا إلى حيث تريد ونحسب أن ذلك ما نريد.

كم تحدثنا سابقا عن العدو الحقيقي للحياة، وما كان إلا حديثا منبوذا وصوتا مرفوضا، يدعو إلى السخرية، وعندما وقعت الواقعة تجمّد الناس وصاروا في حالة رعب مرير أمام مصيرهم وحتمية نهايتهم، التي لا يمكن التفاعل معها وتغيير نتائجها إلى بجهد عظيم.

فالبشرية لا قِبل لها على مواجهة العدو اللامرئي، وفي كل صولة يأخذ منها آلافا مؤلفة، وإن إستطاعت أن تنتصر على بعض الاوبئة لكن عواصفها لا تزال تهب وتحصد ما تريده من المخلوقات البشرية المبتلاة بالحياة.

والعجيب في أمر البشرية أنها تميل نحو تطرف مخيف في سلوكها، فالثراء الفاحش تطرف والفقر المدقع تطرف، وزيادة أعداد البليونورية تطرف وكذلك زيادة أعداد المفلسين الذين يحلمون بدولار يسد رمق وجودهم لبعض الوقت.

فهل ستستقيم الأمور وندرك أن الحرب الحقيقية هي ضد الظلم وإقامة العدل لكي ترحمنا الأوبئة.!!

ثانيا: حرب على حرب!!

حرب عجيبة رهيبة، العدو فيها لا يُرى، والعتاد لا ينفع، وأضراره لا تُعد ولا تُحصى، وما يفعله بالبشر لم يفعله فايروس قبله، وهو عنيد وبعيد عن الإصابة بما عندنا من الأدوية والوسائل العلاجية الأخرى.

فكيف للبشر القبض على هذا الفايروس وتحديد نشاطاته الإنتشارية الفتاكة؟

عدو يجتاح الأرض ويصيب أقوى دولها بمقتل!!

أوربا بعض دولها تستغيث وقد وصلت إلى حافات الإنهيار الكبير!!

أمريكا تصارع العدوان الفايروسي الذي يستنزف طاقاتها ويشل قدراتها، ويرهنها بموقف الدفاع الضعيف!!

البشر يهرب من الوياء وينزوي في البيوت، فالمدن الكبيرة تحت قرارات حذر التجوال، لأن الفايروس يصول وينتشر بسرعة مخيفة.

إنه أخطر فايروس عهدته البشرية على مر العصور، وهدفه القضاء على الملايين تلو الملايين، وبوسائل غريبة وفتاكة، فهو يشل عضلات التنفس ويقضي على فريسته الآدمية.

فما أن يشل العضلات التنفسية فأنه ينفي الحاجة لأجهزة التنفس الإصطناعي لأنها ستعحز عن تأهيل العضلات للعمل وإسناد الحياة.

مناظر الضحايا مرعبة ومهولة، وعجز القدرات البشرية أشد هولا، وما يرافق ذلك من تداعيات إنفعالية وسلوكيات إضطرابية يجعلنا أمام مصير واحد!!

فالبشرية في يقظة الموت، وبدت حقيقة الحياة أمامها، وإتضح ضعف البشر وعدم قدرته على الإنتصار على مخلوقات لا يراها، لكنها تتسلل إلى بدنه وتقضي عليه.

الموت هو الحاكم والسلطان!!

الموت يحكمنا، ويتسيّد على وجودنا!!

نعم إنه الموت !!

" وإذا المنية أنشبت أظفارها....ألفيت كل تميمة لا تنفع"!!

الموت الذي جاء البشرية بزي كورونا، وبصولته العولمية سيؤذينا!!

فهل سيعظنا ويحيينا؟!!

ثالثا: هل أنها حرب الإغتيالات؟!!

يقولون أن الحرب العالمية الثالثة قد بدأت، والكثير من الخبراء والمفكرين يرون أنها حرب تكنولوجية وإليكترونية ولن تكون نووية، ويبدو أن المبتكرات بأنواعها، ومنذ أن إنطلقت بتسارع في القرن العشرين تميزت بإستخدامها للتعبير عن العدوان والشر.

فالطائرة إشتركت في الحرب العالمية الأولى بعد إختراعها ببضعة سنوات، والسيارة وغيرها من المبتكرات، وحتى وسائل التواصل المعروفة التي تألقت في القرن الحادي والعشرين.

ومن الواضح أن الطائرات المسيرة قد إكتسبت أهمية كبيرة وتطورت تقنياتها وتعقدت وصارت تصل إلى أهدافها بدقة متناهية، وهذا ما يحصل في العالم الذي يحقق بها صولات مروعة في أرجاء المعمورة.

وهذه الطائرات المسيرة تعددت أحجامها وتقنياتها وقدرات التحكم بها عن بعدٍ بعيد، إذ يمكن إرسالها إلى الكواكب الأخرى والتحكم بها من الأرض.

وقد تكون الحرب التي يُراد لها أن تتطور في المنطقة من هذه الطبيعة، التي تعني أن الإغتيالات تُواجه بإغتيالات متقابلة، والآلية التي سترد بها القوة التي تم إغتيال أحد قادتها، ربما ستكون بإغتيال ما يماثله من الطرف الذي إغتاله.

وهذا ربما يفسر التباطؤ في الرد وترك الأذرع المتحمسة المندقعة ترد، وفقا لما تقرره إنفعالاتها وتصوراتها القصيرة وتفاعلاتها الهوجاء.

ولسوف تخبرنا الأيام بإتجاهات ومسارات التواصل الإغتيالي ما بين أطراف لعبة الحرب العالمية الثالثة وميادينها المعروفة، والتي سيتحقق تخريبها وتدميرها بالكامل، فهذه الحرب لا تكون في أراضي الأطراف المتحاربة، وإنما على أرض طرف ثالث يتحقق تسخيره وتأهيله لكي يكون في غاية الحماس والإندفاع للسقوط في حبائل الويلات والتدعيات كالمنوّم أو المخمور بالضلال والبهتان.

أجل إن الحرب العالمية الثالثة تستند على معطيات الحربين العالميتين السابقتين لها، وخلاصة الدرس الكبير منهما أن لا حرب على أراضي المتحاربين، إنها أشبه بالمبارزة على أراضي المغرر بهم والملعوب بعقولهم ونفوسهم، وقد تم العمل بموجب هذا الدرس منذ الحرب الباردة التي أدت إلى إنهيار الإتحاد السوفياتي، واليوم الحرب أكثر سخونة بسبب التكنولوجيا المتطورة.

فهل لنا القدرة على الوقاية من السقوط في ميادينها؟!!

رابعا: حرب تأكل قرنا!!

الحرب العالمية الهائلة بدأت منذ بداية العقد الأخير من القرن العشرين، وهي متواصلة بآليات وأساليب متنوعة، وبقدرات متباينة وفقا لمعطيات الحالة التي تتفاعل معها، فهذه حرب تختلف عن جميع الحروب التقليدية التي أسدل الستار عليها القرن العشرون.

فالبشرية لا يمكنها أن تتواصل من غير حروب وهذا ديدنها منذ الأزل، وبموجب ما توفر من أدوات ووسائل تكنولوجية وإليكترونية وتواصلية متنوعة، فأن الحرب قد أخذت مناهج وإتجاهات ومنحنيات غير مسبوقة، فهي حرب على كافة المستويات وبقدرات معقدة ومتطورة.

إنها حرب نفسية وفكرية وعقلية وسلوكية ومائية وزراعية وتجارية وغذائية ودوائية وجرثومية وبايولوجية وإليكترونية ، وتستحضر ما يمكنها من أدوات التحارب والتدمير.

فكل ما يخطر على البال وما لا يخطر سيحضر في هذه الحرب المروعة، التي تشب في بقاع الدنيا وتطغى أحداثها ونوباتها القاسية على الأخبار المسموعة والمقروءة والمرئية.

ووفقا لما يبدو عليه الواقع الأرضي فأن المجتمعات عليها أن تعي بأنها تعيش حالة حرب شرسة ومتطورة ، وعليها أن تعتصم بإرادة وطنية واحدة، وتُفاعل عقولها وتستثمر في إمكاناتها وتبني ما يحافظ على ديمومتها وتواصلها، قبل أن تتحول إلى قشة في تيار الحرب القاهرة المستعرة.

الحرب تتخذ صفحات متنوعة فهي اليوم في سوحها الكبرى تجارية، وفي تفاصيلها الأخرى دموية تدميرية كما هو الحال في المجتمعات المسلوبة الإرادة والسيادة، وفي أخرى مشاعية الأسلحة الأوتوماتيكية الفتاكة، وعند آخرين صاروخية نووية إليكترونية بايولوجية ترهيبية آثمة.

وبين حين وحين تصعد موجة وتهبط أخرى، وينشغل الكتاب والمفكرون بما ينجم عن الأمواج المتلاحقة ويغفلون التيار وما يصب في نهر الوجيع البشري الدفاق.

والكثير من المجتمعات والشعوب تتحول إلى حطب لها ووسائل لتنفيذ أجنداتها وبرامجها الخلاقة، التي وجدت في مجتمعاتنا الطائفية والمذهبية والدين الذي تقرن به أحداثا ذات إنفعالية طاغية تعمي الأبصار وتشل العقول وتحجب قدراتها على النظر والتقدير.

ولكل حالة أدواتها ومفرداتها التحاربية التي يتحقق تأجيجها والإستثمار الفائق فيها، وما يجري في مجتمعاتنا يمضي وفقا لإرادة هذه الحرب، التي ستتواصل على مدى القرن الحادي والعشرين، وغايتها أن تنمحق الشعوب المطمورة بالأضاليل والبهتان، وتدوسها سنابك القوى الشرسة الإفتراس.

فهل سنتمكن من إستيعاب الصورة الحقيقية للأحداث والتداعيات، ونتفاعل معها بقدرات إحترازية ودفاعية ذات قيمة حضارية وإرادة وطنية حرة؟!!

خامسا: حرب المئة عام بين المسلمين!!

جبل الثلج الطافي فوق مياه التبويق الإعلامي لا يظهر منه إلا رأسه، والنسبة العظمى غاطسة في بحار الأوهام والأضاليل والخدع، والآليات الساعية للإعداد للحرب الطويلة الأمد ما بين المسلمين.

الأقلام تكتب والخطابات تتوالى ووسائل الإعلام بأنواعها تتراكض نحو الوعيد، وكأنها في ميادين تسابق نحو الجحيم.

فمن الذي سيربح من أجيج النيران إذا شبت في المنطقة؟

ومن الذي سيخسر؟

لماذا هذا الإندفاع الأهوج نحو الواقعة؟

العرب لن يتنعموا بحياة أمن وسلام ما داموا من المغرر بهم، ومن الذين يتحقق إمتطاؤهم لتنفيذ المشاريع المضادة لمصالحهم، وما دام المنصبين على وجودهم يتأمّرون ويتآمرون عليهم وهم العبيد لأسيادهم، الذين يحافظون على بقائهم في السلطة لأنهم ينفذون الأوامر ويؤكدون المصالح.

فاللعبة الجارية في الميادين العربية، والتي بدأت بمنزلق اليمن، غايتها أن تمضي الأرض العربية مستعرة على مدى القرن الحادي والعشرين، وأن تكون الحرب ما بين العرب وإيران متواصلة، وما بين العرب والعرب الذين يتم وصفهم بأنهم الأذرع لإيران في المنطقة، مما يعني أنها القارعة وما أدراك ما هي!!

قد يقول قائل أن في هذا الطرح نوع من الهذيان والخيال الجامح، لكن العارف بآليات السلوك الدولي والتفاعلاىت ما بين القوى التي تمتلك خبرات الحروب العظمى، سيعرف أن الأمور تجري بهذا الإتجاه، وأن الدروس المستخلصة من الحرب العراقية الإيرانية، أثبتت أن العرب والمسلمين يمكنهم أن يسقطوا في هوة الحروب الطويلة الأمد، ما دامت أموالهم مسخرة ضدهم.

وبادرة هذه الويلات ما حصل في اليوم والذي توهم القائمون عليها بأنها حرب بضعة أيام أو اسابيع، لكنها تواصلت وتطورت وستتطور أكثر وستمتد نيرانها لتشمل المنطقة بأسرها، وسيتحقق إمدادها بالأسلحة والمعدات والخبرات، والعمل الجاد على تنميتها وزيادة قدراتها التدميرية.

واليوم المسعى لنشوب حرب خليجية إيرانية وخليجية خليجية، مما يعني المسير على سكة إنهاكية ترويعية إستنزافية تدميرية، ستصنع خرابا هائلا وتبذيرا مروعا للثروات العربية، وستفقد دول المنطلقة سياداتها وقدراتها على العيش بلا إعتماد على مستعبد لها.

فالحرب القادمة مئوية المواصفات والتطلعات، وعلى العرب والقوى الإقليمية إدراك اللعبة قبل السقوط في أتونها والتمحن بتداعياتها المريرة القاسية.

فالخاسر هم العرب والإيرانيون، والرابحون قوى معروفة وتريد الهيمنة على المنطقة بأسرها.

فلماذا يجنح المسلمون إلى إفناء بعضهم، ولا يعتصمون بحبل الله الذي به يؤمنون؟!!

أ ليس من الأصلح للجميع أن تسود المحبة والأخوة وقيم حسن الجوار؟!!

فلا تكونن من الغافلين!!

وختاما علينا أن نعرف مواطن قوتنا ومصادر إقتدارنا، وأن نتحد في رؤانا وتفاعلاتنا اللازمة لتأمين مصالحنا والحفاظ على وجودنا العزيز، بدلا من إنزلاقاتنا المتكررة المعدة لإلهائنا ببعضنا، وتشتيت قوانا وتحويلنا إلى ضحايا قابلة للإفارس اللذيذ.

حروبٌ في مَواجعها نضيعُ

كأنّا من جَهالتنا نطيعُ

أرادونا كمُنطلقٍ لوهمٍ

لتضليلٍ وتكفيرٍ نبيعُ

لماذا أمّةُ الفرقانِ تاهَتْ

وأوْهنها التفرّقُ والفَجيعُ

***

د. صادق السامرائي

تُمثّل القراءة للتاريخ ضرورةً منهجية لحماية الوعي الإنساني  من التضليل، إذ إن استعادة الأحداث والانساب وتجريدها من الموروثات الظرفية تُعد الخطوة الأولى نحو بناء معرفة تاريخية تتسم بأعلى درجات المقاربة للموضوعية.

يتطلب علم الأنساب والدراسات التاريخية معالجةً دقيقة لا تعتمد الموثوقية المطلقة لأي مصدر أو وثيقة إلا بعد إخضاعها للتحقيق المعمق والتدقيق المحايد. إن اعتبار الوثيقة التاريخية معطياتٍ يقينية مجرد ورودها في أمهات الكتب أو الرقع القديمة يوقع الباحث في فخ التعميم؛ فكثير من المرويات التي وصلت إلينا تنطوي على حقائق مغيبة وتزييف للواقع الملموس.

العوامل المؤثرة في تشكيل الرواية التاريخية

لم تسلم حركة التدوين التاريخي (لا سيما في التراث العربي)

من دوافع ومؤثرات أثرت في دقة المضمون وصحته. وتتلخص أبرز هذه المؤثرات في العوامل التالية:

الضغوط السياسية وسلطة النفوذ خوف المدونين من بطش السلطان أو رغبتهم في نيل عطاياه ومكافآته المالية

الانحيازات الشخصية والجاهلية التحامل القبلي أو المذهبي الذي يوجه القلم لنفي نسب أو إثبات آخر، إضافة إلى الجهل بالظرف التاريخي للواقعة

عوامل التحريف الزمني واللغوي الأخطاء الناجمة عن الترجمة، أو النقل المباشر دون دراية بملابسات العصر، فضلاً عن التصحيف والتسلسل عبر الأجيال.

منهجية التحقيق والتحري المعاصر

لا يقف منهج النقد التاريخي عند النصوص الموروثة قديمًا فحسب، بل يمتد ليشمل الوثائق العائلية والخاصة في العصر الحديث. إن العثور على وثيقة خطية مدونة بقلم الأجداد لا يمنحها حجةً قطعية ما لم تُقارن بالوثائق المعاصرة لها وتُعرض على السياق التاريخي العام

إن اعتماد معلومة واحدة دون تمحيص يؤدي إلى اختلاط المفاهيم وتداخل الحقائق الادعاءات. لذا، تبقى إعادة قراءة التاريخ بتجرد وفق أدوات البحث العلمي القائمة على المقارنة والتحليل المادي والنقدي السبيل الوحيد للوصول إلى استنتاجات صريحة وحقائق صلبة تحمي الذاكرة من التشويه والتزيف.

***

بقلم الاستاذ أسعد الجوراني

قرأت ما كتبه الدكتور سعيد إسماعيل علي عن تجربتيه مع عملاقين من عمالقة الفكر العربى، الدكتور عبد الرحمن بدوى والدكتور جمال حمدان، فوقفت طويلاً أمام هذه الشهادة الصادقة التى تكشف وجهًا آخر من وجوه عظمائنا. وجهًا لا نعرفه، ولا نريد أن نعرفه، لأننا ببساطة نفضل أن نعيش فى أسطورة العبقرى الإنسانى النبيل الذى يجمع بين نبوغ العقل وسمو الأخلاق. لكن الحقيقة المرة التى تكشفها هذه الشهادات أن العبقرية فى عالمنا العربى كثيرًا ما تكون عبئًا على صاحبها قبل أن تكون إضافة للفكر، وأنها كثيرًا ما تنمو فى تربة الوحدة والانعزال، حتى تصير نوعًا من الوحدة المرضية التى تحول صاحبها إلى جزيرة معزولة عن بحر الإنسانية.

إننى لا أكتب هذه السطور لأجلد الدكتور بدوى أو الدكتور حمدان، رحمهما الله، فهما بحق من أعلام الفكر العربى الذين لا يمكن تجاهل إسهاماتهم. لكننى أكتب لأطرح سؤالاً أظنه مشروعًا وهو ما الثمن الذى يدفعه المجتمع العربى نظير هذه العبقريات المعزولة؟ وما الثمن الذى يدفعه العبقرى نفسه حين يصبح سجين عبقريته؟!

لنبدأ من الدكتور عبد الرحمن بدوى، الفيلسوف الذى جمع من العلم ما يعجز عنه عشرات الأساتذة مجتمعين. المفكر الذى ترجم وألف وحقق ما يفوق قدرة أى مؤسسة علمية كاملة. حين تقرأ قصته مع الدكتور سعيد إسماعيل علي، تجد أن بدوى لم يتعامل مع زائر له ببرود فحسب، بل بتعالي واستعلاء يصل إلى حد الازدراء. لم ينظر إليه، لم يرحب به، لم يدعه للجلوس. سلوك لا يمكن تبريره بأى منطق علمى أو فلسفى. فيلسوف الوجودية العربية الكبير، الذى كتب عن الحرية والاغتراب، كان هو نفسه ممارسًا للاغتراب بأسوأ صوره؛ اغتراب لا ينتج فكرًا، بل ينتج جفاء إنسانيًا لا مبرر له.

والسؤال هنا هو هل كانت عبقرية عبد الرحمن بدوى سببًا فى هذا السلوك أم أن هذا السلوك كان ثمنًا للعبقرية؟ إننى أميل إلى أن بدوى كان ضحية لمفهوم خاطئ عن العبقرية، مفهوم يظن أن العبقرى يجب أن يبتعد عن الناس لأنهم لا يفهمونه، وأن من واجبه أن يحافظ على (قداسته) ببناء الأسوار بينه وبين الآخرين. وهذه معضلة أرى أنها عربية بامتياز، ففى ثقافتنا نميل إلى تقديس العظماء حتى نعزلهم عن الحياة، ثم نلومهم عندما يتحولون إلى طغاة معرفيين يحتقرون من عداهم.

أما الدكتور جمال حمدان، فرغم أن قصته تبدو مختلفة، إذ كان رقيقًا مهذبًا، فإن منطق رفضه للهدية يكشف عن أزمة أعمق. إنسان يرفض علاقة إنسانية كاملة، حتى لو كانت مجرد تبادل إهداءات كتب، لأنه ببساطة "لا يريد علاقة مع أحد". هذا ليس سلوكًا عاديًا لعالم معتزل، بل هو إعلان حرب غير مباشرة على فكرة التواصل الإنسانى نفسها. والدكتور حمدان، مؤلف (شخصية مصر)، الذى حلل الشخصية المصرية بعمق غير مسبوق، عجز عن فهم شخصيته هو، أو ربما فهمها أكثر مما ينبغى فاختار الهروب من البشر تمامًا.

ما يجمع بين القصتين أن كلاً من العبقريين انتهى إلى نوع من الانفصال عن الواقع الإنسانى، بينما كانا يكتبان عن الإنسان ووجوده وشخصيته. وهذه مفارقة يمكن أن نسميها (مفارقة العبقرية العربية)؛ أن يكتب مفكرونا عن الإنسان من برج عاجى عالي لا يرون فيه الإنسان ذاته. كتب بدوى عن الوجودية، لكنه لم يستطع أن يمارس أبسط قواعد الوجود المشترك مع الآخرين. وكتب حمدان عن شخصية مصر، لكنه لم يستطع أن يتعامل مع شخصية واحدة من أبناء مصر.

إننى أتذكر هنا كلمات الفيلسوف الألمانى نيتشه عن "الإنسان الأعلى"، ذلك الكائن الذى يسمو عن البشر لكنه يدفع ثمن سموه هذا وحدته القاتلة. ولعل بدوى وحمدان كانا نسختين عربيتين من هذه الفكرة؛ عباقرة حقيقيون، لكنهم عباقرة سجناء وحدتهم، لا يجدون فيها راحة ولا يتصالحون معها.

والمشكلة الأكبر أن المجتمع العربى يقدس هذا النموذج ويروج له. نحن نحب العبقرى المعتزل الغامض، نصنع منه أسطورة، ونروى حكايات غرائبه بفخر، دون أن نسأل أنفسنا هل هذه العبقرية المعزولة تخدم المجتمع حقًا؟ كم من طالب أراد أن يتعلم من بدوى فصد ببرود؟ وكم من باحث شاب أراد أن يسترشد بحمدان فوجده هاربًا من البشر؟ إن العبقرية التى لا تتواصل مع مجتمعها تتحول إلى متحف مغلق، نعجب به من الخارج لكننا لا نستفيد منه.

لست أدعو هنا إلى مصادرة خصوصية العباقرة أو إلزامهم بالاختلاط بالناس رغمًا عنهم. فمن حق أى إنسان أن يعتزل إذا شاء، ومن حقه أن يحافظ على وقته وجهده. لكن ما لاحظته فى هاتين القصتين ليس مجرد اعتزال محترم للوقت والجهد، بل هو سلوك غير إنسانى يجرح مشاعر الآخرين وينتهك أبسط أصول اللياقة. والفرق بين الأمرين واسع

وإنى لعلى يقين بأن الدكتور عبد الرحمن بدوى حين مد يده المتراخية دون أن ينظر إلى زائره، لم يكن يفكر فى أن هذا الزائر سيحفظ هذه اللحظة لعقود من الزمن، وسيرويها كشهادة على أن العبقرية قد تكون وحشًا جميل المظهر مخيف المخبر. كما أن الدكتور جمال حمدان حين رفض الهدية بمنطقه العجيب، لم يدرك أنه كان يكتب فصلًا جديدًا فى قصة العزلة العربية التى تبدأ بالانفصال عن البشر وتنتهى بالانفصال عن الذات!.

وفى النهاية، أقولها بصراحة إننا كمجتمع عربى بحاجة إلى إعادة تعريف العبقرية نفسها. العبقرية ليست فقط قدرة استثنائية على التفكير والإبداع، بل هى أيضًا قدرة على التواصل الإنسانى، وعلى تحويل الأفكار إلى قيم حياتية، وعلى التعامل مع الآخرين باحترام مهما بلغ شأن صاحبها. والعبقرى هو من يستطيع أن ينزل من برجه العاجى دون أن يفقد قدرته على الارتفاع الفكرى.

أما أولئك الذين يظنون أن العبقرية رخصة لاحتقار الآخرين أو الهروب منهم، فهم بحاجة إلى أن يقرأوا التاريخ جيدًا ليعرفوا أن أعظم العقول البشرية كانت أيضًا أعظم القلوب إنسانية. آينشتاين الذى غير فهمنا للكون كان يرد على رسائل الأطفال ويجيب على أسئلة طلبة المدارس بكل صبر. وطه حسين الذى خاض معارك فكرية ضخمة لم يغلق بابه يومًا أمام طالب يطلب العلم.

رحم الله بدوى وحمدان، وغفر لهما ما كان من جفاء. وسامح الله أولئك الذين صنعوا من هذا الجفاء أسطورة، وجعلوا من العبقرية سجنًا، ومن الوحدة قيدًا. إننا بحاجة إلى عباقرة يحبون البشر، لا إلى عباقرة يحتقرونهم أو يهربون منهم. فالفكرة التى لا تلامس الإنسان ليست فكرة عظيمة، والعبقرية التى لا تخدم البشرية ليست عبقرية تستحق الاحتفاء.

***

عبد السلام فاروق

 

(هل أنا هي نفسها بعد كل تجربة؟)

لا أعتقد أن هناك من لم يختبر تلك المشاعر التي تجتاح الروح حين تمر بها الصدمات، وإن كان بعضنا يهاب الاعتراف بها: لماذا يا ربي؟ لماذا أنا بالذات؟ ما الذي فعلته حتى أستحق منك كل هذا العذاب؟ كيف سأتحمل الليالي وهي تنهش ما تبقى فيّ من حياة؟

وإن كنا نتباين فيما بيننا، كطفل يفقد لعبته؛ فمنّا من يصرخ غاضبًا ويدمّر كل ما حوله، ومنّا من ينزوي، يسكب دمعه ويبتلع غضبه كبركان ينتظر لحظة الانفجار.

يأخذنا الفقد، أو الصدمة أيًّا كان نوعها، إلى مطارح لم نكن نعرفها، وربما لم نتخيل يومًا أننا سنكون فيها، مخلفًا وراءه بقايا من ذواتنا بتنا نجهلها. نقف أمام مرآة الحياة، نبحث عن وجه كنا نظن أننا نعرفه، وعن سقوف أمان لم يخطر ببالنا أن تتساقط فوق رؤوسنا، وعن جدران توقعنا قدرتها على مقاومة الزمن وحماية من نحب.

انغمسنا في الحياة حتى نسينا أننا جزء من ديناميكيتها، وأن أيامها تعمل فينا بقوانينها التي لا تستثني أحدًا. فلا أحد يمكنه أن يمر في الحياة دون أن تعصف به رياحها، أو تختبره سننها.

نعيش الوهم في كثير من لحظات حياتنا بأننا في مأمن من الفقد بأشكاله المختلفة. فنحن أصحاء، ونتخيل أن المرض يصيب من حولنا، ولا نستوعب هشاشتنا إلا حين نواجهه عن قرب. نتشارك مشاعر التعاطف والحزن حين يغيب الموت عزيزًا، ثم نستبعده لا شعوريًا، وكأننا نهاب مواجهته.  ننظّر ل التربية وكيفية بناء جيل من الأبناء وكأننا وضعناهم في حصون منيعة تحميهم من الفشل والإخفاق، بل كأن السماء، حين تمطر وترعد، ستتجاوزنا كما تجاوزت سفينة نوح الغرق.

ثم يتعمق السؤال:

ما الذي حدث لي بعد كل هذه التجارب القاسية؟

ماذا يفعل الألم بصاحبه؟

وهل القوة في المقاومة؟ والصلابة في الاعتراض؟

وهل أنا الشخص نفسه بعد كل تجربة مررت بها؟

سؤال يحتاج منا الكثير من التأمل .

***

منى الصالح

لم أتخيل أن "كشف أسنان" يوجعني لهذا الحد!

أعترف بأنه وجع ملهم، فلم يكن إحساسي حينها بالوخز فحسب، وإنما هو صحوة روح وإعادة نظر في تفاصيل تتألم بداخلي منذ زمن بعيد، والمؤسف أنني أهملتها ولم أكترث لعذاب أضاع مني أجمل أيام حياتي.

بدأ الأمر حين تغافلت عن وجع ضرسي لوقت طويل، تطورت الأزمة خلاله من نغزات عابرة إلى تسوس عميق جعلني عاجزة عن المضغ أو حتى الضغط عليه ولو بالخطأ.

لطالما هربت من الحقيقة وقلت: "عادي، مفيش حاجة"، ومن ثم ألتهم صينية "مكرونة بالبشاميل" وكأن شيئًا لم يكن.

كنت أواجه الألم بالمسكنات والمضمضة والإنكار، وربما الخوف من "شكة" حقنة البنج وملل الانتظار في عيادة الأسنان هي الأسباب الجوهرية التي منعتني من خطوة العلاج، وها أنا أدفع الثمن في النهاية.. ولكن، رُب ضارة نافعة.

لقد نضجت الآن بما يكفي، فهمت أن الألم في ذلك الوقت كان إشارة للتغيير، ليس مجرد كشف ومضادات حيوية محسوبة بالدقيقة، وإنما المعنى أكبر من روشتة واستشارة.. المعنى يكمن في روحي المتألمة.

مرت أيام وأنا أشكو من وجع مميت في النصف الأيمن من وجهي، فقد تشعبت المعاناة بين الضروس والأسنان حتى فقدت القدرة على العيش بهدوء، وبعد محاولات جدية للهرب، استسلمت.. لا مفر من الحقنة يا نوارة!

وبالفعل، حجزت موعد المعركة في تمام الثامنة مساءً، وبدأت في تنفيذ المهمة نحو عيادة الدكتور الذي أعرفه وتعرفه أسناني من قبل في مواجهات مصيرية مثلها، فلم تكن حقنة البنج غريبة عني، لقد عشت لحظات تشبه ذلك اليوم حين خلعت ضرسي المكسور منذ عدة سنوات، ولذلك، فإن الخطوة مألوفة نوعًا ما، ولكن الخوف جعلها مجهولة وزاد من ألمي أكثر!

انتظرت دوري في قائمة الكشف، كلهن أمهات يتوجعن من ضرس العقل أو لثة ملتهبة، ورغم ذلك يصرخن في أطفالهن بعين تطق شرار: "اقعدووا، بلاش لعب عيال".

وأما أنا، فكانت صرخة روحي أعلى من أحبالهن الصوتية الممزقة من فرط المسؤوليات، وعقلي يقظ، لم يسكت لحظة واحدة ويرحمني من أفكار لا حصر لها، ومع ذلك مطلوب مني التركيز مع صوت الممرضة فلا يضيع اسمي في قائمة طويلة عريضة ويضيع معه معنى حاربت بكل ما أملك من أجله..

ماذا عن تسوس روحي؟!

حاولت بكل طاقتي إسكات صوت عقلي في موقف لا يحتمل دوشة وتوتر: "مش وقته خالص، نتفلسف بعدين".

ولكنه رفض السكوت واستمر في تساؤلاته التي لم أتوقعها في مكان يختنق بالمرضى والصراخ ورائحة الكلور النفاذة.

"تعالي يا نورا".

قالتها الممرضة أخيرًا بعد نصف ساعة من وجع الضرس ووجع الروح أيضًا، اعتبرت النداء هدنة من عقلي الذي لم يكف عن الضجيج باستفهاماته الوجودية في وضع لا أُحسد عليه، وبمجرد الدخول لأرض المواجهة سألني من جديد بصوت يشتاط غضبًا: جميل، هُنا نتخلص من تسوس الضرس، فماذا عن تسوس الروح؟؟؟

"محتاجة حشو عصب! بنج وعشر دقايق ونبدأ.. جاهزة؟".

لم أكن خائفة تلك اللحظة، تبخر الرعب في غمضة عين، ربما لأني على أول طريق العلاج وبعد ساعة نقتلع الألم من الجذور، آه، كم كنت بحاجة للخلاص من تلك الأوجاع التي أوهمت نفسي كثيرًا أني أستطيع تحملها للأبد، ولكن الأبد هذا لم يكن سوى بضعة أشهر ومن بعدها انهارت صلابتي!

كانت مرحلة فاصلة في حياتي، أدركت فيها بأن الوهم نصف الداء، والشجاعة هي كل الدواء.

تجمدت شفتاي رويدًا رويدًا، بدأ المخدر في عمله، وهو أجمل شعور بالنسبة لروح يفتك بها المرض، أن يخفت الأنين بالتدريج، حتى يتلاشى تمامًا، وليفعل الدكتور ما يشاء، المهم أن أخرج من عيادته مرفوعة الرأس منتصرة على الخراب الذي أصاب ضرسي وسلب مني لذة الأكل والنوم والضحك من القلب.

ولكن مهلاً، فإن عقلي لم يأخذ حقنة بنج..

وتسوس روحي؟!

هل أتركه يدمرني هكذا دون النطق بكلمة؟!

يبدو أنني بحاجة إلى تنظيف فوري لجذور إنسانيتي!

نظرت لنفسي وقتها نظرة تأمل وحيرة..

أنا هُنا، ألبس فستاني الربيعي، أضع أحمر شفاه لامع، وأتمايل بين الخلق بكامل أناقتي، لكنها نظرة سطحية جدًا.. فمن يعلم أن هذه الشابة الرقيقة تحمل في ضرسها تسوس يحارب العصب أساسًا!

صدقت يا عقلي، فكم أخفيت وجع روحي بمظهر مثالي لا تشوبه شائبة!

كل الأمور تسير على ما يرام من الخارج فقط، أما الداخل، فهو ينزف بغزارة ولا يشعر به أي إنسان، وربما هي أزمة الكثير منا.. نهتم بما يراه الناس من ملامح زائلة، وما خفي هو السر!

إنها التراكمات يا عزيزي، هي "سوسة" الروح بالفعل، تبدأ صغيرة ولا تؤلمنا في أول الهجوم، حتى تكبر، وتكبر، وتسيطر على أرواحنا من الأعماق، فنشعر حينها أننا في مرحلة خطرة، ولكن بعد فوات الأوان.. لقد وقعنا في الفخ وبحق!

نحاول أن ننجو منها بمسكنات مؤقتة، نهرب من أثر الوجع ونوهم أنفسنا أننا بخير، نقولها بقوة مزيفة: وماذا يعني؟ إنها مجرد نصف حياة لم تتخلص الذاكرة منها، ليس أكثر!

وهي أصل المشكلة، فنحن لم نتحرر من صورة الماضي، وظل يرافقنا في حاضرنا كما لو أنه يومنا الذي نحياه!

إنها وببساطة بقايا عالقة بالروح تسيطر على إنسانيتنا، ولعل السؤال الأهم الآن.. حين يتفاقم الأمر وتصل البقايا لمرحلة الهلاك، من يداوينا؟!

"أشوفك بعد يومين نكمل تاني جلسة".

قالها الدكتور بعد زمن بعمري كله، لمست فيه جروحي الغائرة التي لم تلتئم بعد، وصناديق محطمة بها "كراكيب" كان لا بد من إحراقها في الحال.. وبصراحة، هي المرة الأولى التي أدفع فيها ثمن الكشف وأنا أبتسم ولا أحمل هموم المصاريف والمشاوير.

دكتور شاطر، أنعش ضرسي من بعد الاحتضار، وألهمني بالعلاج السليم لروحي أيضًا.

لقد كانت زيارة طبية بمثابة النجاة، وهي ليست جلسة علاجية فحسب، بل انتصار معنوي على شيء أكثر فتكًا من نقطة سوداء هاجمت أسناني بعد قطعة حلوى، إنها رحلة الوعي والإفاقة، أن أغوص للداخل فأكتشف الضرر الذي أصابني بفعل إهمالي لنفسي، ويبدو أن الوقت قد حان لمحاربة هذا التسوس الإنساني.

أحسست بالنصر، نعم، مع كل لحظة تمر في عيادة الأسنان كنت أشعر بالتحسن والانسلاخ من نفسي القديمة، وحتى الحرية وقتها لها طعم لذيذ، أجمل من مرارة القيود التي سجنتني في زمن مضى.

لقد أنقذني الدكتور من مأساة لن أحتملها، فإن خسارة الخلع أصعب من حقنة وجلستين تنظيف، وأما عن خسارة نفسي، فهي أصعب من أي خسارة أخرى!

فهمت اليوم أن غسيل الأسنان كل ليلة هو أمر لا نقاش فيه، فلم تكن مزحة حين قالوا لنا في الصغر: "اغسل سنانك قبل ما تنام وإلا هتجري السوسة وراك!"، كانوا على حق، وأنا الآن كبرت وفهمت ولا أنتظر سماعها من أحد، صرت أراقب تصرفاتي عن قرب وأقولها لنفسي كل يوم، وحين تمر ليلة دون أن أنظف أسناني تطاردني "أمنا الغولة" في الأحلام!

لقد وجدت متعة مختلفة في تنظيف ضروسي من بعد "رمرمة" اليوم، وروحي كذلك، عاهدتها أن أنظفها من بقايا الواقع، من كل الكلمات السامة والتراكمات والمواقف التي علقت بداخلي وحاربتني بشراسة، أقسمت لها بأن أحميها من السراب ومن أي تلوث دنيوي يضعفها ويطيح بها بمرور الوقت، فلا تصيبها "سوسة" ولا أضطر لحقنة بنج جديدة.

باختصار، إن المعركة بداخلنا تستحق أن نحارب فيها بأكثر من فرشة ومعجون.

***

بقلم: نورا حنفي - كاتبة مصرية

ثمة أشياء ثمينة لا نضعها في خزائن، ولا نخبئها في أماكن لا تطالها الأيدي، بل نودعها في مكان أكثر أمانًا من كل الأمكنة.. في الجهة الخفية من الذاكرة، حيث لا يصل إليها عبث الزمن، ولا تستطيع الأيام أن تنتزعها منا بسهولة.

عادةً ما يكون في ذاكرة التفاصيل القديمة مخبأٌ سري، نحتفظ فيه بكل ما اعتززنا به يومًا، بكل ما منحناه من دفء في الخفاء، بعيدًا عن أعين الآخرين وأسئلتهم. نضع فيه الأشخاص الذين تركوا في أرواحنا أثرًا لا يشبه سواه، والأحاديث التي ما زالت عالقة بين سطور الذاكرة، والضحكات التي لم نعد نسمعها إلا من بعيد، والأماكن التي انتهت أيامها وبقيت رائحتها في القلب.

نحن لا نحتفظ بتلك الأشياء لأننا عاجزون عن النسيان، بل لأن بعضها كان أجمل من أن يُنسى، وأصدق من أن يُمحى لمجرد أن الزمن مضى.

نحاول أن نرعاها في داخلنا دون أن نتركها تبلى، نتفقدها بين حين وآخر، كما يتفقد المرء شيئًا عزيزًا يخشى عليه من غبار السنين. ونحرص ألا تفلت من أيدينا في غفلة من عراك الحياة، لأننا نعرف أن بعض الأشياء، إن ضاعت مرة، لا تعود بالصورة ذاتها مهما حاولنا البحث عنها.

وستظل تلك الأشياء هي الأقرب إلى القلب.. وربما كانت هي القلب نفسه.

يكفي أن يمر طيفها ذات مساء، أو أن يعيدنا عطرٌ عابر إلى مكان قديم، أو أن تصادفنا كلمة تشبه كلمة قيلت ذات يوم، حتى تشتعل الذاكرة من جديد، ويأخذنا الحنين إليها قسرًا، فنكتشف أن ما ظنناه خمد منذ سنوات لم يكن قد انطفأ، بل كان ينتظر لحظة واحدة ليعلن عن وجوده.

ومن الغريب أن الحب الذي منحناه بصدق، حتى وإن انتهى، يبقى في الذاكرة أنبل من كثير من العلاقات التي جاءت بعده. ليس لأن الماضي كان كاملًا، بل لأن مشاعرنا فيه كانت حقيقية. وما كان صادقًا فينا لا يصبح كاذبًا لمجرد أن نهايته لم تكن كما تمنينا.

وربما لهذا السبب لا نستطيع أن نكره بعض الأشياء التي أوجعتنا؛ لأنها، رغم وجعها، كانت يومًا مصدرًا لفرح حقيقي، ولحظات جعلتنا نشعر أننا نعيش بكامل أرواحنا.

قد تكون تلك الأشياء غير ملموسة على الإطلاق.. لا صورة لها، ولا عنوان، ولا مكان يمكننا العودة إليه. لكنها مع ذلك تستطيع أن تسكننا أكثر من كل ما نلمسه بأيدينا. وحين تختفي، لا نسمع صوت رحيلها، ولا نرى لها أثرًا على الطريق؛ تختفي بهدوء، تاركةً خلفها فراغًا لا يشبه الفراغ، وصمتًا تعجز الكلمات عن ملئه.

فالأشياء الثمينة لا ترحل دائمًا بضجيج.. بعضها ينسحب بلطف، ويتركنا نكتشف بعد فوات الأوان مقدار المساحة التي كان يشغلها في أرواحنا.

نحن لا نموت بالفراق وحده، وإنما نتعب من التفكير فيه، من الأسئلة التي لا تجد إجابة، ومن الاحتمالات التي نعيد صياغتها في رؤوسنا، ومن ذلك السؤال الذي يظل معلقًا: ماذا لو بقي كل شيء كما كان؟

ولا نصدأ بالصمت، فالصمت أحيانًا يكون ملاذًا ونجاة، لكننا نتعب من الأشياء التي وهبناها بصدق ثم وجدناها تتسرب من بين أيدينا كالماء، أو تختفي أمام أعيننا كالسراب.

ومع ذلك.. يبقى في القلب شيء لا يتعلم الرحيل بسهولة.

شيءٌ يظل واقفًا عند العتبة، لا لأنه لا يعرف أن الانتظار موجع، بل لأنه لا يعرف كيف يغلق الباب تمامًا.

وبين كل ذلك، أظل صامدًا بانتظارك في كل مرة، لا انتظارًا يشبه الضعف، ولا تعلقًا بما مضى، وإنما لأن بعض الوجوه حين تغيب لا تغادرنا تمامًا، وبعض الحكايات حين تنتهي تترك فينا فصلًا مفتوحًا لا نعرف كيف نطويه.

أما انسحابك.. فيبدو أنه صار قانون خريفك الشاق؛ كلما اقتربت من الدفء، عدت إلى المسافة، وكلما أوشكت الحكاية أن تستعيد نبضها، أخذتك خطاك بعيدًا.

وربما كان ذلك هو قدري معك..

أن أضعك في ذلك المخبأ السري من الذاكرة، حيث لا أبحث عنك كل يوم، لكنني لا أستطيع أيضًا أن أنكر أنك ما زلت هناك.

في مكان لا تطاله الأيام..

ولا يملكه النسيان.

مكانٌ أودعتك فيه ذات يوم، ثم مضيت..

وتركت للحنين مهمة أن يفتح الصندوق كلما اشتقت إليك....

***

ذكرى البياتي

 

في ثقافتنا العامة ومنظومتنا الأخلاقية، تُعَدُّ الكرامة لدى الفرد والمجتمع قيمةً إنسانيةً رفيعةً، ومبدأً نبيلاً ينبغي التمسك به وصونه من الإهانة والانتقاص. فقد قامت في تاريخنا القديم حروبٌ بين القبائل، وكذلك بين الدول، بسبب التعرض لكرامتها ومحاولة النيل منها، وحتى الخصومات بين الأفراد كثيرًا ما كانت الكرامة أحد أسباب نشوبها واشتعالها، انطلاقًا من المبدأ القائل: "من لم يصن نفسه ابتذله غيره"

ومن خلال الكرامة، والتعامل مع الآخرين بطريقة أخلاقية تحفظ للإنسان قدره، يكتسب الفرد، كما تكتسب المجتمعات، احترام الآخرين وتقديرهم.

وتراثنا العربي زاخر بالأشعار والأمثال التي أظهرت مدى اعتزاز العرب بأنفسهم، وحرصهم على صون كرامتهم، ونفورهم من الذل والهوان. فما تزال صرخة عنترة بن شداد تتردد في الوجدان العربي، حين قال:

لا تسقني ماءَ الحياةِ بذلّةٍ

بل فاسقني بالعزِّ كأسَ الحنظلِ

وبعده جاء الشاعر محمد مهدي الجواهري ليؤكد قيمة الكرامة، قائلًا:

ومن لم يجدْ إلا ذُعافَ مذلّةٍ ورودًا

فموتُ العزِّ مورِدُه عذبُ

وما هذه الصيحات إلا تعبيرٌ عن رفض سلطة القهر والإذلال، والاستعداد لتقديم الموت على حياةٍ تُعاش في ظل الذل؛ فالكرامة ترتبط بالإباء، ورفض الانكسار، وعدم القبول بالعيش مهانًا، وهي من أبرز سمات الأحرار.

وقد برزت هذه القيم بوضوح في مواضع عديدة من تراثنا العربي ، فالشاعر أبو الحسن الجرجاني يحذّر من أن يُذلّ الإنسان نفسه، ويدعوه إلى التحلي بالإباء وصون كرامة النفس، فيقول:

أرى الناسَ من داناهُمُ هانَ عندهمُ

ومن أكرمتْه عزةُ النفسِ أُكرِما

فما أراده الجرجاني في قوله إن الإنسان الذي لا يحترم نفسه، ولا يعرف قدرها، لا ينتظر من الآخرين أن يحترموه، ومن يُهِن نفسه طوعًا، فقد مهّد الطريق للهوان.

كما جاءت أمثال العامة محذّرةً من الركون إلى الذل والتنازل عن الكرامة، ومن ذلك قولهم: (من صيّر نفسه نخالةً أكلته الدجاج)، وعند المصريين يُقال بمعنى قريب: (اللي يجعل نفسه نخالة تبعثره الفراخ). وكذلك المثل: (من جعل نفسه شاةً دقّ عنقه الذئب)، وهو قريب مما أورده الثعالبي في كتابه "خاص الخاص" : (من لم يكن ذئبًا أكلته الذئاب)، في إشارة إلى أن الظلم كثيرًا ما يتمادى على من يستسلم له ولا يدفعه عن نفسه.

ومن الأمثال الدالة على المعنى نفسه أيضًا: (من نام على قارعة الطريق دقّته الحوافر دقًّا)، فمَن يضع نفسه في موضع الهوان، أو يسمح للآخرين بالتجاوز على كرامته، لا ينبغي له أن يستغرب حين يصبح عرضةً للاستخفاف والاستغلال.

ففي الوقت الذي نقرأ فيه أن حروبًا قامت بين الدول بسبب محاولة التعدي على كرامتها، ونرى في تراثنا أمثلةً كثيرةً على استعداد الإنسان للموت دفاعًا عن عزته، نرى اليوم، وللأسف، من يفرّط بكرامته، ويضحي بها لأتفه الأسباب وأرخص المغريات.

ولعلّ المفارقة المؤلمة أن الإنسان الذي كان أسلافه يرون الموت أهون من حياة الذل، أصبح بعض أبنائه اليوم يقبلون الهوان طمعًا في منفعة عابرة، أو مكسبٍ زائل، أو موقعٍ لا يدوم. فالمال يُعوَّض، والمكانة قد تتبدل، والمناصب تزول، أما كرامة الإنسان، فإذا أضاعها بيده، فمن الصعب أن يستعيدها كما كانت.

فالكرامة ليست ترفًا أخلاقيًا، ولا شعارًا يُرفع عند الحاجة، وإنما هي موقفٌ وسلوك، وحين يصون الإنسان كرامته فإنه في الحقيقة يصون إنسانيته قبل كل شيء.

***

ثامر الحاج أمين

‏آثار موضوع محاضرة ألقيتها في نقابة المحامين العراقيين ببغداد اهتمامًا كبيرًا، ليس من جانب المحامين بشكل خاص والحقوقيين بشكل عام، بل من جانب إعلاميين وصحافيين، لما له علاقة بتدفق الأخبار والمعلومات من المنصات الإلكترونية والخوارزميات المنتشرة، والتي أخذت تؤثّر على نحو كبير على الجمهور، خصوصًا في قدرته على التمييز بين الحقيقة والتضليل، الأمر الذي يثير أسئلة ملتبسة ومحيّرة بخصوص تهديد الذكاء الاصطناعي لمستقبل الصحافة والإعلام، لاسيّما حين يتعلق الأمر بنزاهة المعلومات والأخبار والتفريق بين المزيف والصحيح منها.

‏وقد توقّفت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عند هذا الموضوع الشائك والمعقّد، وعقدت اجتماعًا في ناميبيا العام 2021، صدر عنه إعلان وندهوك، لفت الانتباه إلى خطورة استخدام المعلومات، وهي مُلك عمومي حسب ما تعرّفها اليونسكو، والمُلك العمومي يفترض به النزاهة، وهذه نقيض الزيف والتزوير، تلك التي ما تزال وسائل الإعلام تنشرها على نحو متعاظم، في ظلّ استخدامات الخوارزميات والذكاء الاصطناعي.

‏الخبر الكاذب أو المضلّل ينتهك الحق في الكرامة والحياة الشخصية والصحة العامة، فضلًا عن ذلك فإنه لا يتورّع عن استخدام شتّى الأساليب، بما فيها تغذية الكراهية والتحريض عليها وعلى العنف والحرب.

‏وأظهر تقرير لليونيسكو نُشر في العام 2025، أن وسائل إعلام عديدة وقعت ضحية فريسة مصالح خاصة، ويتعرّض الصحفيون والإعلاميون إلى مضايقات عديدة من جانب أجهزة ومؤسسات أمنية بسبب كشفهم الفساد أو نشر ثقافة النزاهة الإعلامية، والتعامل مع السياسيين من موقع النقد والرقابة ورصد الأخطاء.

‏ويلعب الذكاء الاصطناعي التوليدي دورًا خطيرًا على هذا الصعيد، خصوصًا حين يضخّم المعلومات فينتج محتويات ونصوصًا وصورًا وتسجيلات صوتية تزيد من حيرة المتلقّي، بل تشوّش عليه في تضخيم الالتباس وعدم القدرة على التميز بين الغث والسمين.

‏لقد تراجعت إلى حدود كبيرة وسائل الإعلام التقليدية لدى الشباب الذين لم يعودوا مكترثين بسماع نشرات الأخبار الإذاعية أو التلفزيونية، إضافة إلى تراجع الصحافة المكتوبة، فضلًا عن الكتاب المطبوع، وحتى المواقع الإخبارية فإنها تلقى صعوبة كبيرة في التواصل مع مستخدميها.

‏وبالمقابل يتزايد على نحو انفجاري إنشاء شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو والبودكاست ومنصات تجميع الأخبار ومحركات البحث المدعومة من الذكاء الاصطناعي التوليدي، ويساهم هذا الأخير في طبيعة الاستخدامات وفي تلخيص المحتويات وتوليفها من دون حاجة المستخدم للعودة إلى المصادر الأصلية، ولا شك أن ذلك يحدث تحولًا جذريًا في القناعات.

 لم تعد الأخبار والسياسة تحظى برواج كبير كما كانت في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم، وقبل استخدامات الذكاء الاصطناعي في السنوات القليلة الماضية. وحسب تقرير صدر بشأن الأخبار الرقمية (2025)، يتجنب أربعة من كل 10 أشخاص سماع الأخبار، في حين أن في العام 2017 كانت النسبة حوالي 30%، والسبب يعود إلى الشعور العام بالإحباط والإرهاق والتخمة المعلوماتية وعدم الإيمان بصحة المعلومات أو الشك فيها، خصوصًا حين تكون المادة المقدّمة غير مقنعة أو روتينية وليس لها صلة بالواقع المعيش، وبالهموم والمشاغل التي يعاني منها المواطن.

‏لقد أصبح المحتوى الترفيهي والذي يركز على الشخصيات أكثر جاذبية من غيره، وأن المتلقّي هو أكثر ثقة بالأشخاص (الأفراد) من المؤسسات لدرجة أن أصحاب صناعة المحتوى البودكاست (اليوتيوب) أصبحوا قوى مؤثّرة في الرأي العام، بل محركة أحيانًا.

‏إن ابتعاد الإنسان عن متابعة الشأن العام يجعله أكثر عرضة للتلاعب، وخصوصًا تأثّره بالسرديات الدينية والإثنية ولكل ما له علاقة بالتحريض على الكراهية، التي تنجم عن التعصب، وهذا يولّد التطرف، وحين يتحوّل الأخير إلى سلوك يقود إلى العنف، والعنف إذا ما ضرب عشوائيًا واستهدف إضعاف ثقة المواطن والمجتمع بالدولة، وإضعاف ثقتها بنفسها وثقة المجتمع الدولي بها، يتحول الإرهاب ليصبح إرهابًا دوليًا، خصوصًا حين يكون عابرًا للحدود.

‏إن ما يزيد الطين بلّة، هو مساهمة بعض الحكومات والجهات المتنفّذة بالتكنولوجيا العالمية إلى توجيه الأخبار المولدة بالذكاء الاصطناعي خدمة لمصالحها الأنانية الضيّقة وأيديولوجياتها، وهو ما يعاظم حيرة الجمهور ويدفعه إلى مناطق اشتباكات ومنازعات وحروب، خصوصًا في ظل التغيرات الجيوسياسية والجيومناخيه، وارتفاع موجات الهجرة من الجنوب إلى الشمال، ومن بلدان الفقر إلى بلدان الغنى، ومعه موجات جديدة من الإرهاب والإرهابيين وتنظيمات تستخدم هي الأخرى الخوارزميات لأهدافها الشريرة.

‏وفي حزيران / يونيو 2023 نشر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريتش مذكرة بخصوص المنصّات الرقمية، ودعا فيها إلى وضع سياسات تعزّز الصحافة المستقلّة والحرّة والتعدديّة، وفرض نزاهة الخبر على شركات التكنولوجيا التي تلعب دورًا كبيرًا في تدهور صحة الأخبار، بل في نشر الأخبار الكاذبة والملفّقة وغير النزيهة، وأكدّ الأمين العام على ضرورة توخّي الشفافية وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود بفضل التربية على وسائل الإعلام وعلى التعاون الدولي.

‏وبالطبع فإن ذلك يفترض احترام حريّة التعبير كحق أساسي للإنسان، ولا غنى عنه لاحترام حقوق الإنسان بشكل عام والدفاع عنها، ولعلّ ذلك يحتاج إلى اتفاقية دولية تضع مبادئ ملزمة توقّع عليها الدول الكبرى بشكل خاص، بحيث تكون اتفاقية شارعه أي منشئة لقواعد قانونية جديدة تلزم نفسها بها مثلما تلزم شركات التكنولوجيا الكبرى، على أن يكون استخدامات الذكاء الاصطناعي المولدة للمحتوى تتمتّع بالحد الأدنى من النزاهة الأخلاقية، فضلًا عن القواعد القانونية.

‏ويبقى موضوع الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، سواء في القانون أو الإعلام أو غيره من الحقول، أحد الإشكالات الأساسية التي تواجه عالمنا، ومن التحديات الكبرى التي تواجه المجتمع الدولي، لما له من تأثير على مستقبله ومستقبل البشرية إيجابًا أو سلبًا.

***

عبد الحسين شعبان

تطرح التحولات العميقة في البنية الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة سؤالاً حرجاً حول الجوهر الأخلاقي للقانون. فالفكرة الكلاسيكية التي تأسست عليها العدالة كانت تفترض دائماً وجود علاقة مباشرة ومسؤولة بين الفعل والفاعل أي أن الخطأ يستوجب بالضرورة وجود مخطئ يتحمل تبعاته الأخلاقية والجنائية. إلا أن صعود الكيانات الاحتكارية الكبرى والشركات العابرة للقارات أحدث انشطاراً بنيوياً في هذا المفهوم، ليضعنا أمام معضلة اجتماعية وقانونية بالغة التعقيد، يمكن تسميتها بـ الجرائم بلا مجرمين، حيث تقع الكوارث وتزهق الأرواح دون أن تتمكن المنظومة القانونية من الإشارة إلى فاعل حقيقي يتحمل المسؤولية. الحقيقة أن هذا العجز القانوني ليس عجزاً تقنياً، بل هو نتاج تنظيم اجتماعي واقتصادي تم تصميمه بدقة ليفصل بين السلوك والضمير. في ظل الهياكل الإدارية للشركات الكبرى، تتوزع عملية اتخاذ القرار على شبكة بالغة التعقيد من اللجان، ومجالس الإدارة، والمساهمين، والخبراء التقنيين. فإذا ما تسببت شركة بترول في تدمير بيئة محلية، أو طرحت شركة أدوية عقاراً يودي بحياة الآلاف، يتلاشى الفاعل الأخلاقي تماماً. المدير التنفيذي يحتج بأنه يطبق التوصيات الفنية، وأعضاء مجلس الإدارة يتحججون بمسؤوليتهم القانونية تجاه تعظيم أرباح المساهمين، والمهندس يكتفي بالقول إنه صمم الآلة وفقاً للمعايير القياسية المطلوبة منه. هكذا يتبخر الذنب الفردي في دهاليز البيروقراطية المؤسساتية، وتصبح الكارثة مجرد نتيجة حتمية لنظام صامت لا يملك قلباً ولا ضميراً. والأخطر من ذلك هو الكيفية التي تواجه بها المنظومة القانونية الحديثة هذه المعضلة. فالقانون الاجتماعي والدولي الذي تمت صياغته وتشذيبه تدريجياً تحت ضغط وتأثير القوة المالية للشركات، لم يعد يتعامل مع كوارث الشركات بوصفها خطايا أخلاقية تستوجب الردع الجنائي، بل أعاد تصنيفها في لغة حسابية بحتة. لقد أصبحت القوانين تدرج أرواح البشر وتدمير الطبيعة تحت بند الأعراض الجانبية أو تكاليف التشغيل غير المباشرة. إن الاكتفاء بفرض غرامات مالية على الشركات المخطئة لا يعني عقاباً حقيقياً، بل هو في الواقع ترخيص مقنع لمواصلة العمل إذ يتم إدراج هذه الغرامات سلفاً في حسابات الجدوى الاقتصادية وميزانيات المخاطر، وغالباً ما تكون مغطاة بصيغ تأمين معقدة. هذا يعني ببساطة أن ثمن تدمير حياة الإنسان أصبح قابلاً للتقييم بالمال، وأنه طالما كانت الأرباح المتوقعة تتجاوز قيمة التعويضات المفروضة، فإن الكارثة تظل مقبولة اقتصادياً. إن هذا التحول يعكس تراجعاً مقلقاً في قيمة الإنسان ذاته تحت وطأة سلطان السوق. لقد انتقل المجتمع من مرحلة الاقتصاد الذي يخدم البشر، إلى مرحلة المجتمع الذي يخدم الاقتصاد بالكامل. في هذه المنظومة الباردة، لا يرى متخذو القرار الضحايا بوصفهم كائنات إنسانية لها أحلام وآلام، بل كأرقام مجردة في جداول البيانات. إن استبدال المعايير الأخلاقية الدافئة بصيغ تعاقدية جافة ومميكنة يمثل المأساة الحقيقية لعصرنا حيث تم تحييد المشاعر الإنسانية، وتصوير الجشع بوصفه كفاءة تدبيرية، واللامبالاة بوصفها احترافية إدارية. إن مواجهة ظاهرة الجرائم بلا مجرمين لا تكمن في إصلاح بنود القانون الإداري أو زيادة حجم التعويضات المالية، بل تقتضي استعادة البعد الإنساني المفقود في البنية السوسيولوجية للقانون. إنها تتطلب الكف عن تبرير الكوارث بوصفها أضراراً عرضية ومفهومة في مسيرة التنمية، وإعادة الاعتبار للمسؤولية الأخلاقية المباشرة التي لا يمكن لأي جدار بيروقراطي أو صيغة تأمينية أن تلغيها. فالعدالة الحقيقية لا يمكن أن تبنى على الحسابات الباردة، وإلا تحول العالم بأكمله إلى مجرد هامش ربح وخسارة في تقارير كبار المستثمرين.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

من بدء التّكوين يبدأُ الإبحار، لستُ عالِماً بالأقدار والمقادير، ولستُ للفنجان قارئاً ولا بصّاراً، لا أفك السّحر ولا أقرأُ الكفّ، بين الفاتحة وخاتمة الكتاب سطورٌ زوارق والكلمات مجاديف، أخطّها بيدي، أُقَلِّبُ أوراق دفاتري، أكتبُ، وكلّ بداية فاتحة، أنقش خطوي على وقع الوجود، وبين أصابعي ينسحب العمر.

رغم أن نيتي صافية، نقية على طول يومي، أكتب تقاريري ضدّي ليلاً وأُقدّمها إليّ للسؤال والحساب، أُحسن الإصغاء إليَّ لكي أولد من جديد، أُشكِّل ذاتي من دون أن أسأل. هكذا هي الحياة، أن تفهم صدقها وخداعها وجدّها وهزلها، لابد أن تضحّي بشيء منك، وأن تنكسر منك أشياء. هل أستأذن قبل أن أكتب تقاريري أم أستأذن قبل أن أُفكّر؟ أم أستأذن قبل أن أسال؟ وهل يصمد اليقين أمام الكتابة أم أن الكتابة يقين لا تحتاج للاستئذان؟

سأبيع حكاياتي، فمن يشتري منّي أخطائي وأحزاني، من يقرأ تقاريري ويفهم ما بين السطور؟ أأكبركم سنّاً أم أكثركم هدوءاً، أم أكثركم إيماناً أم أشدُّكم حزماً، أم أشجكم على السؤال؟ في يدي المفتاح، ما همّني من ينظر من ثقب الباب، أصنع دهشتي وأدخل ذاتي كلّما شعرتُ بالغربة، أرسم خرائطي وأكتب أغنياتي، أكتب حكاياتي تقارير أقدّمها إليّ، وما المحاسبةُ إلاّ صلاةً من أجلي تغسل ما فيَّ من انكساراتٍ وانهزام، ومن هفواتٍ وشغف. أن أقبل نفسي لا يعني العجز أمام العيب، بل أن أمنحها حقها في التندّم والبوح، وجسدي حقه في التعب، وعقلي حقه في السؤال، وأن أستمع لذاتي وهي تمارس العزلة كمحرابٍ لا كمنفى؛ أن أجلس في صمتي أفكّ تشفير الحزن حين يطرق بابي، وأتأمل الغضب حين يستعر في صدري، أرمِّم خرابي الداخلي لأُقدّم للعالم إنساناً، وأسأل نفسي بصوتٍ خفيض: هل فعلا لم يحدث شيء وأنّ الأمر عادي جدّاً؟

كلّنا نؤدّي أدواراً على مقاسات معينة أكثر ممّا نعيش، نسير خطى أقل يقيناً وأكثر شكّاً وريبة، أقلّ صدقاً وأكثر مراوغة وكذباً، أقلّ وعياً وأكثر غباءً وجنونا، نبحث عن أسئلة تهدّئُ ولا تُقنع، نغيّر أسماء الأشياء بأُخرى غريبة، ننتظر من يمدّنا بالسؤال. من ينتظر يطول به الانتظار وينخر الشّكُّ ذاته وذاكرته ويبتلعه النِّسيان، فيبني أوهاماً يحرسها ويدافع عنها. كلّما توقّف بي اليقين أو جادلني الفكر أو خالطني الشّكّ أو ضعفت نيتي، أنصرف إلى الكتابة لأُطفئ وطأة الحيرة، وكلّما تراكمت بداخلي الفوضى وفوق قلبي، أنظّفها بالكتابة، ولو كانت تقارير ضدّي. بداخلي تختلط الصّور، وتتبعثر المعاني، وتأخذني رعشة حين تخطُّ يدي تقاريري، ثم ينتابني الصّحو المؤلم عندما يزول مفعول الكتابة، فأعيد قراءة تقاريري، ثم أُهيّئُ يدي للكتابة من جديد.

عقلي ملآنٌ بالثقوب، أقف شاهداً عليَّ أُرتِّق الثقوب، أحصي أفعالي وحركاتي، كرحى، أيامي تمرّ تطْحن، لا تُبقي ولا تذر، ينفرط الوقت بين يدي سريعاً لا ينتظر ولا يرحم، يتبدّد، يتبخّر، ثم يختفي، وأنا أدوّن وأحصي خسائري كبغل مشدود إلى ناعورة، في دائرة مغلقة يدور ويدور، نقطة بدايته هي نفسها نقطة نهايته. أعيد قراءة تقاريري فيركبني الاستغراب من أين لي بهذه الجرأة وهذا الصّدق في الكتابة؟ أقلّب أوراقي القديمة فأرى فيها صكّ اتهامي حين أحصي حركاتي وسكناتي.

تختلط أوراقي، ويتراكم الكلام على الكلام وتضيق بيّ المسارب والطّرقات، أستنطق يومي قبل التدوين، وعلى البياض أُفرغ خسائري وأرباحي، وأُعلن فَشَلي في إحصاء أرباحي لقلّتها وشحّها، والبياض فاغرٌ فاه يستقبل بنهم غريب ألمي، وأتعجّبُ منّي وأنا أُبكّت ضميري. أجمع تقاريري كَوْمات تخيفني عندما أسترق النظر إليها، أجلد ذاتي أسألها فتحاصرني أفعالي حين أفتح لي محكمة أنا فيها الخصم والحكم، أنا الشاكي والشّاهد، أنا القاضي والجلاّد، أنا المُبحر الذي أضاع بوصلته ويعيد رسم الخريطة كل ليلة، أكتب حقيقتي بحبر الصّدق، أخلع أقنعة النّهار فتظهر حقيقتي، تُخيفني وأكتب كل دقيق وجليل كمراقب لا يعرف فمه الابتسام، لا يُجامل، لا شيء عنده قابل للتّفاوض، فتصير محاكمتي وكل تقرير ضدّي شهادة ميلاد، بل يراودني شكٌّ أن شيئا ما تبنيه هذه التقارير على مهل، لا أتركُ لي نُسخاً أعود إليها، إذ ما فائدة العَوْد أن كنتُ لا أستطيع تغيير حرف أو كلمة؟ فهلا فعلا لم يحدث شيء، وأن الأمر عادي جدّاً؟

هكذا ليلي حين يأذن بالمجيء، «تكتحل عيني بالبياض احْتراماً لأسراره، وسحره وقداسته، إذ فيه، وتحت جُنْحه تهجم الهموم واللذّات والمُتع، وتقع الدّسائس والاعتقالات، وتقام الأعراس»  وتكتب التّقارير.

شيء بداخلي يُخيفني ويحثُّني على الكتابة والاعتراف. يتزاحم الحكي في صدري، «فكم يلزمني من الشجاعة والقوة لأقف ضدّي؟ كم يلزمني من الصّبر كي أُفْرج عن كلمات تشتعل بداخلي، تحرقني وما تبقّى منّي؟ كم يلزمني من الصلوات والأمنيات والدعاء ذوات الأجنحة لأطير إلى عالم يمنحني من الصّبر أنهاراً؟ أفتح للكلام بابه، وأُشعل مصابيحي وعيني على التقارير أصيغها، أطرّزها، وأسرج للبوح مراكب الكلام» .

أنا الموقّع بدايته ومنتهاه، أنا الخصم والحكم، الشاهد والمتّهم، أوقّعُ تقاريري بكل بصماتي وأسمائي وأمنياتي وانكساراتي، وأبحث داخلي على ما يمكن أن يُعطّل قدرتي على تذكُّر التفاصيل المخيفة التي تفتح نوافذي لأُطلّ منها عليَّ عارياً شاهداً في ركن حزين مع الوحدة النّاهشة في تفاصيل حياتي، تذكّرني ما نسيت وتقود أصابعي إلى كتابة من، فعلاً، أكون.

***

عبد الهادي عبد المطّلب

الدار البيضاء / المغرب

ثمة مفارقة غريبة تحكم هذا الوجود؛ فالأرض القاسية والمحاصرة بالتهديد، كأرض فلسطين الأبية، أو تلك المدن النائية المنسية على هوامش الجغرافيا، تنجب بشراً يتدفقون شغفاً وحيوية. تراهُم مستعدين للعمل أربعاً وعشرين ساعة دون كلل، يملكون طاقة خارقة للتعلم، الاستمرارية، ونحت الصخر، وكأن في أعماقهم محركاً لا ينطفئ. وفي المقابل، نرى الإنسان الذي توفرت له كل سبل الرفاهية والراحة، يعيش حالة من الخمول والضياع، بلا شغف، بلا هدف، وبلا تأثير حقيقي. فكيف تصبح الوفرة مقبرة للطموح، بينما يغدو التهديد وقوداً للخلود؟ الواقع أن الإنسان البشري يختزن في جوفه أسراراً عظيمة وقدرات فائقة، لكنه يجهلها ويغفل عنها نتيجة حالة من "السطحية المميتة" التي تغلف المجتمعات. العقل البشري، الذي هو كنز الوجود الأثمن، بات اليوم شيئاً مستهاناً به بشكل كبير، وهذا للأسف هو المأزق الحقيقي في واقعنا العربي المعاصر؛ فلو استخدمنا هذا العقل بكل ما نملك من وعي وبصيرة، لما كنا في هذه الحالة من الركود والتبعية. إننا نملك الطريق، ونملك السبل، ولدينا الدين القيم؛ هذا المنهج الإلهي العظيم الذي "علّم الإنسان ما لم يعلم"، ووضع له خارطة السعي. ما على الإنسان إلا أن يتحرك، أن يسير في مناكب الأرض بوعيه، وحينها فقط سيرى من هو حقاً، وأين يكمن موقعه في هذا الكون. وعليه، عندما يحاصر الخطر عقل الإنسان، وتضيق به السبل ليصبح في مواجهة مباشرة مع "الفكرة الوجودية" أو غريزة البقاء على قيد الحياة، تستيقظ قواه بشتى أنواعها. هذا التهديد هو المفجر للوعي؛ إنه يخرج من الأعماق روحاً عنيدة، قوية، تأبى الضعف والذل، وينتزع من رحم العدم والظروف المستحيلة أموراً وإبداعات لا يتصورها الخيال. نحن لا ننشد المعاناة لذاتها، لكننا نمجد ذلك العناد الإنساني والوعي الراسخ الذي يولد من رحمها. إن الإنسان الفائق ليس ذاك الذي وجد كل شيء جاهزاً أمامه فمات عقله بالوفرة، بل هو الذي تحرر من السطحية، واستخدم كنز عقله المستتر، وأثبت فطرته الوجودية وسط ركام الصعاب، معلناً للعالم: "أنا أقاوم.. أنا أفكر.. إذاً أنا موجود".

***

ايمان عبد الحكيم خريسات

 

العلاقة بين الفكرة والكلمات ذات تعبيرية توجب توضيح الفكرة التي تنوء بها ظهور الكلمات، ولا يجوز الدوران حول الفكرة وتقديمها بأساليب غثيثة وآليات مربكة تصيب القارئ بالدوار.

وهذه بعض الملاحظات التي ربما تنفع:

1- الأكاديمية

الأكاديمي: المهتم بالعلوم حسب منهج علمي دقيق، المنتمي إلى مؤسسة أكاديمية

التفاعل الدائب بين المؤسسات الأكاديمية (الجامعات)، يلفه الغياب في بعض المجتمعات، وتوجد هوة عميقة بين لغة الجامعة والمجتمع.

من المفترض أن يتنور المجتمع الذي فيه جامعة ويتطور وعيه وتزداد معارفه، لا أن يعيش في عزلة وإنفصال عن أروقة الجامعة التي تعمل فيه.

الجامعات نسغ المجتمعات الصاعد، وعليها أن تستعمل لغة يفهمها الجميع، دون أن تتمترس في عوالم المفردات المتصلة بمادة ما.

2- المصطلحات

المصطلح: كلمة أو عبارة تستخدم لتسمية محدودة المفهوم، كل كلمة ذات دلالة معينة.

ينتشر إستخدام المصطلحات في تفاعلاتنا وأكثرها مستوردة وغير أصيلة، وتعني ما تعنيه في بيئتها، ونضفي عليها ما يحلو لنا من الأوصاف فنتوهمها ولا ندركها.

المجتمع لا يحتاج مصطلحات بل كلمات بسيطة تدل على أفعال.

3- الكلمات

المفردات المستخدمة في كتاباتنا وخطاباتنا، غير معاصرة وأكثرها عتيقة وتحتاج إلى توصيف لما تعنيه، ومن الغريب أننا نحاول أن نبث الحياة في مفردات كانت ميتة في حينها، ونحسبها قادرة على الحياة في عصرنا، وكأن اللغة جامدة لا تتطور ولا تتفاعل مع مكانها وزمانها وأجيالها المتوافدة.

4- العبارات الطويلة

الميل إلى إنهاك التخاطب بأنواعه بالعبارات الطويلة التي تشير إلى أن صاحبها لا يعرف ما يريد قوله، أو يعجز عن صب أفكاره بكلمات تبينها بسهولة وسلاسة، في زمنٍ صار "ما قل ودل" من أهم منطلقات بيانه، وأسس بنيانه المعرفي، خصوصا بعد سيادة وسائل التواصل وهيمنة الصورة والمقاطع الفلمية على وعي الناس.

5- الإسهاب

الإسهاب هو إطالة الكلام من دون فائدة، فبدلا من كتابة مئة كلمة يمكن التعبير عن الفكرة ببضعة كلمات، ذات دلالة وقدرة على التنوير والفهم والإدراك.

وأجدادنا الأوائل حذروا كثيرا من الإسهاب وتجدهم في مقدمات كتبهم يعتذرون من القارئ إن هم أطالوا الكلام في مقام لا يستوجبه.

6- الإستعلائية

الإستعلاء: رؤية انفس أعلى من الآخرين

الخطابات ذات عبارات تنم عن الإستعلاء على الناس وإعتبارهم دون القائل فهما ووعيا، وهو إفتراض خاطئ يشير إلى ضعف المتعالي ونضوبه، ومحاولاته التغطية على ما ينقصه بإسقاط ما فيه على الآخرين، وتلك عاهة تفاعلية بين أبناء أي مجتمع تؤدي إلى تداعيات سلبية قاسية.

7- وهم المعرفة

"مَن قال أنا أعلم فهو جاهل"

المعرفة بحر بلا حدود لا يمكن إدراك قاعه، والواحد منا يمثل قطرة في يم الوجود الدفاق، فكيف للقطرة أن تعلم ما في غياهب المحيط؟

العديد من الذين يكتبون يتوهمون المعرفة، ويحسبون ما تخطه أقلامهم هو المُدرَك المطلق، وخاتمة العلم والتمام، وهذا تفاعل فراغي مع عالم مشحون بالأفكار والأحداث المتوالدة من رحم نضوجها، وفيض بلوغها ذروة ما فيها من الطاقات.

8- تجاهل الآخرين

التواصل مع الآخرين يطرح سؤالا حيويا خلاصته، لمن نتوجه؟

لا بد لنا من معرفة الجمهور الذي نخاطبه بوسائل العصر المتاحة لنا، إن جهل الأرضية التي نقف عليها يتسبب بإنهيار قيمة الخطاب، أيا كان نوعه.

فالمطلوب وعي الوسط الذي نريد بذر الأفكار فيه، ولكي تصبح أشجارا وتثمر لابد لها من تربة صالحة ورعاية مناسبة.

9- الإنفعالية

البشر مرهون بإنفعالاته، ومن الصعب على العقل أن يتسيّد ويقود، وهذه العاهة الخلقية لها تداعياتها الخطيرة، ومعطياتها العليلة، التي ينجم عنها تراكم مشكلات وتعقيد حالات وبناء منظومات ذات تفاعلات عدوانية.

فمن السهل على البشر أن يخضع لسوراته الإنفعالية ويتجنب المعطيات العقلية، والتي تحضر بعد فوات الأوان في معظم الأوقات.

فهل أن للإنفعالية مداد نكتب به، ونعبّر عمّا فينا بأساليب متوافقة مع مطموراتنا المجهولة والفاعلة في إدارة دفة وجودنا.

10- الغموض والإبهام

بإسم ما نسميه بالحداثة صار الميل للإبهام والغموض من ضرورات النص الإبداعي، فلكل نص خفاياه ودلالاته وعلى القارئ أن يتفرغ لنبش ما بين السطور وخلفها، وما تعنيه هذه العبارة أو تلك.

والواقع المرير أن العديد من رافعي رايات الحداثة يستنسخون ما عند الآخرين، ويظنون بأنها ستتوافق مع واقعهم الذي يزخر بالمُحدثات على مدى العصور، المترعة بأصالة الإبداع وروعة البيان وحسن البديع المؤثر في النفوس، والمنور للوعي الجمعي.

ترى هل سنكتب بمداد النور، ونتمكن من إطفاء حرائق النار المتأججة في دنيانا؟!!

***

د. صادق السامرائي

 

ليست كل دولة ضعيفة دولة فاشلة بالمعنى التقليدي للكلمة؛ فقد تبقى الدولة حاضرة بكل علاماتها الشكلية: علمها، ودستورها، ومؤسساتها، وحكومتها، وعضويتها في المنظمات الدولية، بينما تكون قد فقدت، في الواقع، وظيفتها الأساسية بوصفها الإطار الأعلى لتنظيم المجتمع وإدارة اختلافاته، في هذه الحالة لا تختفي الدولة، بل يحدث تحول أكثر عمقا: تتحول من إطار يؤسس للمواطنة والسيادة إلى شعار يمنح الشرعية لفاعلين وشبكات لا تتحرك بالضرورة وفق منطقها.

المشكلة، إذن، ليست دائما في غياب الدولة، بل قد تكون في بقائها شكلا بعد أن تتغير وظيفتها، فالمؤسسات تستمر، والقوانين تبقى، والوظائف الرسمية تشغل، لكن السلطة الفعلية تنتقل تدريجيا إلى شبكات عائلية أو حزبية أو طائفية أو قومية أو ميليشياوية، تستخدم الدولة بوصفها غطاء قانونيا ورمزيا لمصالحها، وهنا لا تعود الدولة إطارا يحكم هذه الشبكات، بل تصبح موردا تستثمره.

تعمل هذه البنية من خلال توزيع غير معلن لوظائف السلطة: الهوية تمنح الشرعية، والخارج يمنح الموارد، والشبكة توفر الحماية، بينما تمنح الدولة الغطاء القانوني والاعتراف الرسمي، ومن هذا التقاطع تنشأ بنية هجينة يصعب فيها الفصل بين الرسمي وغير الرسمي، أو بين القانوني وغير القانوني، لأن الشبكة لا تعمل بالضرورة خارج الدولة، بل قد تعمل من داخل مؤسساتها وتحت شعاراتها؛ حين تعتمد القوى المحلية على ولاءات خارجية، تتحول السيادة إلى مورد تتقاسمه قوى متعددة، فالدعم الخارجي لا يوفر الموارد فحسب، بل يعيد تشكيل النخب المحلية أيضا، تصعد قوى لا تستمد قوتها من شرعية محلية بقدر ما تستمدها من قدرتها على الوساطة بين الداخل والخارج؛ وهنا يمكن الحديث عن - اقتصاد الريع الجيوسياسي-، حيث يتحول الولاء السياسي إلى مصدر لتدفقات مادية تشمل التمويل والسلاح والحماية والعقود وفرص التجارة والتهريب، ولا تعود قوة النخب الاقتصادية ناتجة عن موقعها داخل الاقتصاد الوطني وحده، بل عن قدرتها على تحويل علاقاتها الخارجية وموقعها الجيوسياسي إلى موارد قابلة للتوزيع داخل المجتمع.

وهكذا يصبح الوصول إلى الراعي الخارجي، في بعض الحالات، أكثر أهمية من الوصول إلى المجتمع، وتتحول الدولة إلى ساحة تتنافس فيها الشبكات على مصادر القوة خارج حدودها أكثر مما تتنافس على ثقة السكان داخلها، ومع اتساع هذا النمط، لا تعود الدولة الجهة الوحيدة القادرة على توفير الحماية والموارد، بل تتقاسم هذه الوظيفة مع فاعلين محليين وخارجيين، فتتجزأ السيادة من دون أن تتجزأ الدولة بالضرورة من الناحية القانونية؛ لكن الولاء الخارجي وحده لا يفسر هذه البنية، فالهويات القومية والمذهبية والطائفية والدينية قد تتحول، في بعض الحالات، من فضاءات للانتماء إلى أدوات لإنتاج شرعيات سياسية منافسة، والمشكلة هنا ليست في تعدد الهويات، إذ إن التعدد جزء طبيعي من المجتمعات الحديثة، وإنما تبدأ الأزمة عندما تتحول الهوية إلى مرجعية سياسية تتجاوز الدولة، أو عندما تعامل الدولة القائمة باعتبارها مجرد محطة عبور نحو مشروع قومي أو مذهبي أو ديني أوسع؛ عندها تفقد الدولة قدرتها على أن تكون غاية مشتركة، وتتحول إلى مساحة مؤقتة تتصارع داخلها مشاريع لا ترى في بقائها هدفا نهائيا.

ومع هذا التحول يظهر تعدد مراكز الشرعية؛ فلا يعود القانون والدستور المصدر الوحيد الذي تستند إليه السلطة، بل تنافسهما شرعيات قومية ومذهبية ودينية وطائفية وعشائرية؛ وعندما تتفوق هذه الشرعيات عمليا على شرعية الدولة، يصبح القانون واحدا من مصادر السلطة، لا مرجعيتها العليا، وهنا لا تعود الأزمة مجرد خلاف حول السياسات، بل تصبح خلافا حول السؤال الأعمق: من يملك حق تعريف الشرعية نفسها؟، في هذه اللحظة يتآكل معنى المواطنة، فالفرد لا يعود مرتبطا بالدولة مباشرة بوصفه مواطنا يتمتع بحقوق ويلتزم بواجبات، بل يصبح ارتباطه بها مشروطا بالشبكة التي ينتمي إليها؛ الحزب يوفر له فرصة، والطائفة تمنحه حماية، والعشيرة تؤمن له سندا، والجماعة المسلحة تحمي مصالحه، بينما تبقى الدولة بعيدة أو عاجزة أو مستخدمة من قبل هذه القوى نفسها؛ وهكذا تنتقل العلاقة من منطق المواطن والدولة إلى منطق التابع والشبكة.

وعندما تتحول الدولة إلى غطاء، يصبح هذا الغطاء نفسه موردا قابلا للاستثمار، فالمؤسسات العامة يمكن استخدامها لتوزيع المناصب والعقود والتراخيص والموارد والحماية بما يخدم شبكات النفوذ، عندها لا يعود الفساد مجرد انحراف عن النظام، بل يصبح جزءا من طريقة عمله، وتتداخل الممارسات القانونية وغير القانونية إلى درجة يصعب معها تحديد الحدود الفاصلة بين الدولة والشبكة، لأن كلا منهما يعمل من خلال الآخر، وهنا تظهر نتيجة أكثر خطورة: تتحول الدولة من فضاء للمواطنة إلى سوق للولاءات، تتنافس الشبكات على الموارد والاعتراف والحماية، بينما يصبح القانون إحدى الأدوات المستخدمة في هذا الصراع بدلا من أن يكون حكما عليه، ومع تراجع الثقة بالمؤسسات، يعود الأفراد إلى دوائرهم الأولية بحثا عن الأمان، فتتقوى الشبكات أكثر، وتضعف الدولة أكثر، وتدخل البنية الاجتماعية في دائرة تعيد إنتاج نفسها.

ولا يقتصر أثر ذلك على المجال السياسي، بل يمتد إلى بنية المجتمع نفسه، فعندما تصبح الشبكات مصدرا رئيسيا للحماية والموارد، تتراجع الثقة العامة، ويتعمق الانقسام، ويصبح العنف أكثر قابلية لإعادة الإنتاج بوصفه أداة لإدارة الصراعات والمصالح، كما يصبح الإصلاح أكثر صعوبة، لأن أي محاولة لإعادة الاعتبار للمؤسسات العامة تهدد مصالح شبكات متعددة ارتبط بقاؤها بالتوازن القائم بين الدولة والهوية والموارد والنفوذ الخارجي، لهذا لا يكفي وصف هذه الحالة بـ(الدولة الفاشلة)، فالفشل يوحي بغياب النظام أو انهيار القدرة على العمل، بينما نحن قد نكون أمام نظام يعمل بالفعل، لكنه يعمل وفق منطق مختلف، له قواعده، ونخبه، واقتصاده، وتحالفاته الداخلية والخارجية، وآليات واضحة لإعادة إنتاج سلطته؛ المشكلة ليست في أن الدولة لا تعمل، بل في السؤال: لصالح من تعمل؟ .

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للدولة ليس أن تنهار مؤسساتها بالكامل، بل أن تبقى هذه المؤسسات قائمة بعد أن تصبح وظيفتها الأساسية خدمة الشبكات بدلا من تنظيم المجتمع؛ عندها تتحول الدولة إلى شعار: يرفع باسم القانون حين يكون القانون مفيدا، وباسم السيادة حين تكون السيادة مربحة، وباسم الوطنية حين تحتاج الشبكات إلى غطاء رمزي، بينما تظل السلطة الفعلية موزعة بين الولاءات والهويات والمصالح؛ ومن هنا فإن الخروج من هذه الحالة لا يبدأ بإصلاح إداري معزول، لأن المشكلة ليست تقنية في المؤسسات وحدها، بل اجتماعية وسياسية في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، فاستعادة الدولة تعني إعادة بناء معنى المواطنة، وفصل الهوية عن احتكار الموارد، وتقليص تحويل الخارج إلى مصدر بديل للشرعية والحماية، وإعادة المؤسسات إلى وظيفتها العامة، فما دام المجتمع يبحث عن حمايته خارج الدولة أو عبر شبكات موازية لها، ستظل الدولة موجودة بوصفها اسما، وغائبة بوصفها حقيقة؛ فالدولة لا تفقد معناها فقط عندما تسقط، بل قد تفقده أيضا عندما تبقى واقفة، بينما تتحول إلى واجهة تحمل اسم الجميع وتعمل في خدمة شبكات لا تعترف بالجميع.

***

د. جوتيار تمر - اقليم كوردستان

 3-9-2026

استطاع الإنسان أن يحقق في العصر الحديث تقدما علميا وتقنيا هائلا، لكنه أصبح في المقابل أكثر قدرة على استنزاف موارد الطبيعة، والاخلال بتركيبها، وتلويثها.

 فالمصانع تقذف الغازات والمطروحات، والمركبات تنشر الانبعاثات، والمخلفات الصناعية تاخذ طريقها إلى التربة والمياه، فيما تتراكم النفايات المنزلية، والاستهلاكية اليومية في المدن والمناطق السكنية.

ولم يعد الهواء هو الآخر، بمنأى عن هذا العبث، والتلوث، فالدخان والغازات الناتجة عن مطروحات المصانع، ومصافي النفط ووسائل النقل، ومحطات الطاقة، وحرق النفايات، وغيرها تساهم في تدهور نوعيته على مقلق، في حين تتعرض الأنهار والبحار للتلوث بالمخلفات الصناعية، والمطروحات المنزلية، والنفايات البلاستيكية، الأمر الذي يهدد التنوع الحيوي، وصحة الإنسان بالمزيد من المخاطر.

وتبقى النفايات اليومية أحد أبرز مظاهر المشكلة. فالاستهلاك المفرط، والاستخدام السريع للمنتجات، ثم التخلص منها دون إدارة سليمة، يحولها إلى عبء متراكم على البيئة، ولا سيما المواد التي يصعب تحللها والتخلص منها.

ولا شك أن اثار التلوث لها انعكاساتها السلبية في تغير المناخ، فالانبعاثات الناتجة عن حرق الوقود والأنشطة الصناعية، تسهم في زيادة نسب الغازات الدفيئة، وما يرافق ذلك من ارتفاع درجات الحرارة، والجفاف، والتصحر، وتراجع الموارد المائية، بما يهدد الأمن الغذائي والمائي والاجتماعي، على حد سواء، وياتي ذلك مصداقا لقول الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

ولا ريب إن حماية البيئة مسؤولية جمعية مشتركة، بدأ بالتشريع والرقابة، ومروىا بالمؤسسات والمصانع، وانتهاءا بالسلوك اليومي الرشيد للافراد. ولذلك فإن إلقاء النفايات عشوائيا، وحرقها، وإهدار المياه، والإفراط في استهلاكها، ممارسات سلبية، تتحول بتكرارها إلى مشكلة بيئية، قد يصعب بتراكماتها، التعامل معها ومعالجتها .

ولذلك تبرز الحاجة إلى ثقافة بيئية واعية، تجعل المحافظة على الطبيعة سلوكا معتمدا يوميا، وإلى تنمية مستدامة تقوم على الطاقة النظيفة، وإدارة النفايات، وإعادة التدوير، والتشجير، وترشيد استهلاك المياه، وتطبيق المعايير البيئية بجدية، وكفاءة، من أجل حماية البيئة، وحماية الإنسان.

***

نايف عبوش

يكفي أن تكون فكرة صغيرة قادرة على أن تغير التاريخ وتؤسس حضارات

حين وضع مالك بن نبي معادلته في بناء الحضارة، ارتكزت هذه المعادلة على عناصر ثلاثة: (عالم الأشخاص وعالم الأفكار وعالم الأشياء) وكل عنصر مرتبط بالآخر ولا يتحقق المشروع الحضاري إلا بتوفر هذه العناصر الثلاثة، كما لا يمكن أن نؤسس مشروعا ما إلا بتواجد فكرة، كان التنافس شديدا بين القوى التي تريد أن تكون لها مكانة في العالم، فلا تكون مجرد مستهلكة للأشياء، مثلما نراه في العالم العربي والإسلامي، وها هو إمبراطور اليابان (كنموذج) وهو يؤدي مرسوم القسم أمام الشعب عام 1868، حيث خاطب شعبه بالقول: " سنبحث عن المعرفة في جميع أنحاء العالم" ومن هنا بدأت سياسة اليابانيين تنحصر في تعلم كل ما يمكن تعلمه من الشعوب الأخرى، وطبقوا هذا الشعار في حياتهم اليومية، فاقتبسوا من الصين ذات الحضارة العظيمة، دون أن يصبحوا أسرى لها، فكانوا قوما أقوياء الإرادة، وقد سارت تركيا على نهج اليابانيين وكذلك الرومان الذين حوّلوا منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط من أحراش وصحاري إلى بلاد كلها حدائق وكروم وحقول يانعة، ولولا الإغريق لما كانت للرومان حضارة، إن الفكرة الواحدة يمكن أن تولد في عقل فرد واحد، ثمّ تنتشر بعد ذلك لتشمل الجماعة كلها، أما العرب ، فمنذ أن ظهروا على مسرح الأحداث العالمية كانوا أصحاب رسالة سامية يدعون فيها إلى المحبة والإخاء والتعاون والنهوض بالأمة الإسلامية ، غير أنهم لم يستثمروا في أفكار غيرهم ولم يستثمروا حتى في أفكارهم، وتخبط البعض منهم من أصحاب النفوس المريضة في فهم هذه الرسالة السامية، حيث اتخذ أعداء هذه الفئة طابعا خاصا في التاريخ، ومن هنا بدأت الحضارة العربية تعرف نوعا من التراجع، فالصراعات والخلافات بين المسلمين تحت ستار تيارات مختلفة كانت سببا في ظهور الانشقاق في الأمة العربية والإسلامية التي كانت خير أمة أخرجت للناس، فطغى عليها بالشلل والجمود، ولهذا السبب جاءت الدراسات البنّابية لتعالج مشاكل العالم الإسلامي، إن الصراع الفكري في العالم الإسلامي كما يقول مالك بن نبي يجب أن يتقرر مبدئيا على قاعدة عامة ، ألا وهي أنه عندما يطرح مسلم مشكلة ما تهم مجتمعه أو المجتمع الإسلامي، فإن هذه المشكلة تكون قد طُرِحَتْ أو ستُطرحُ عاجلا في اوساط المتخصصين في هذه الدراسات لحساب وتحت إشراف الإستعمار.

و الإستعمار عند مالك بن نبي ليس فقط الإحتلال الفعلي للأرض، بل هو كل محاولة أو كل عمل، يميل إلى فرض إيديولوجيته أو معتقداته أو قيمه على مجتمع معين، فكلما تقدم هذا المفكر المسلم في حل إشكالية ما، يُسرع أولئك الأخصائيين لدراستها، اي انهم يستخدمونها لصالحهم، وبذلك يجهضون مشروع صاحبها الأصلي والتقليل من قيمته الفكرية وهو نوع من السطو الفكري على جهد الآخر الفكري ويسدّون الطريق في وجهه،  يقدم مالك بن نبي مثالا عن الصراع الفكري، إذ يقول: إن الصدمة التي حصلت للضمير الإنساني الإسلامي كانت محسومة في عالم أفكارنا، عندما وجهت المستشرقة الألمانية زيغريد لونكه Sigrid Hunke صاحبة كتاب "شمس العرب تسطع على الغرب" مدحت فيه الحضارة الإسلامية، ولقي كتابها اهتماما كبيرا للمفكرين في مؤتمر وقف له الجميع لما جاء في كتاب هذه المستشرقة الألمانية وما صنعته الحضارة الإسلامية في أوج ازدهارها، لكن أهلها لم يعرفوا قيمتها، لأن الفكرة الواحدة في المخيال الغربي يمكن أن تولد في عقل فرد واحد، ثمّ تنتشر بعد ذلك لتشمل الجماعة كلها، لقد تناول الفيلسوف مالك بن نبي رحمه الله مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، إذ يقول وهو يتحدث عن جهل المسلمين بهذه العبارات : "إنّ المجتمع الإسلامي يُعاني من السخط الإلهي الصادر من النماذج الكُلِّية في محيطه الثقافي بالذات، كما يعاني من الانتقام الشديد على يد الأفكار التي استعارها من أوروبا ، دون النظر في الشروط التي من شأنها أن تُحافظ على قيمتها الاجتماعية، وينجم عن ذلك فقدان الحيوية في الأفكار الموروثة وفي الأفكار المُكْتَسَبَةِ، وهو الأمر الذي يُخِلُّ إخلالاً خطيرا بالتطور المعنوي والمادي في العالم الإسلامي، فهذا "جلبرت هايت" في كتابه : "هجرة الأفكار"، قدم أمثلة عن تطور الأفكار في جانبها الإيجابي وكيف استثمرت الشعوب في أفكار شعوب أخرى، وكما قال هو  : يكفي أن تكون فكرة صغيرة قادرة على أن تغير التاريخ وتؤسس حضارات، عندما تلقى من يستثمر فيها ويزرعها في التربة النقية".

***

علجية عيش

 

اسمحوا لي أن أتحدث عن هذا الموضوع من خلال تجربتي الشخصية. فجذوري تعود إلى إحدى مدن الفرات الأوسط الصغيرة، وهي مدينة أعتز بانتمائي إليها، لكني لا أرغب في ذكر اسمها؛ لأن حديثي ليس تقييمًا لتلك المدينة أو انتقاصًا من أهلها او مدحا لهم، بل هو محاولة للتأمل في رحلة الإنسان من بيئة إلى أخرى، وما الذي يتغير فيه بتغيّر المكان.

غادرت مدينتي في مرحلة مبكرة من حياتي إلى بغداد لإكمال دراستي الجامعية، ثم انتقلت إلى إنجلترا للدراسات العليا، وأتاحت لي الحياة والعمل لاحقًا أن أعيش في بلدان ومجتمعات مختلفة، وأن أتعرف عن قرب إلى أنماط متعددة من الحياة والتنظيم والعلاقات الاجتماعية. ولعل هذه التجربة هي التي دفعتني إلى سؤال ظل يرافقني: هل انتقال الإنسان من مكان إلى آخر يعني بالضرورة انتقاله من التمدُّن إلى التحضُّر؟ أم أن التحضُّر ليس مجرد تغيير في المكان، وإنما تغيير في طريقة التفكير والسلوك، وفي علاقتنا بالآخر وبالمكان الذي نعيش فيه؟

خلال الأيام القليلة الماضية، التقيت بعدد من الإخوة العراقيين الذين زاروا العراق في عطلتهم الصيفية، ومرّوا بالأردن في طريق عودتهم إلى بلدان إقامتهم. وقد لفتني في أحاديثهم حجم التذمّر مما شاهدوه من فوضى وازدحام وضعف في النظافة والخدمات، فضلًا عن بعض السلوكيات في الحياة العامة. وأتفهم الكثير من هذه الملاحظات، بل أشاركهم بعضها، لكن ما يستوقفني سؤال آخر: لماذا نرى عيوب المكان بوضوح بعد أن نغادره، بينما كنا نتعايش معها سنوات طويلة دون أن نشعر بحدّتها؟ وهل يتغير سلوك الإنسان فعلًا حين ينتقل إلى مجتمع أكثر تنظيمًا، أم أنه يتكيف فقط لأن البيئة من حوله تفرض عليه نمطًا مختلفًا من السلوك؟ أعتقد أن المشكلة ليست في المدينة وحدها، ولا في شوارعها وخدماتها، وإنما في الإنسان الذي يصنع الحياة فيها، ويحدد بسلوكه اليومي صورتها ومستوى تحضّرها.

ولفهم هذه المفارقة، لا بد أولًا من التمييز بين التمدُّن والتحضُّر؛ فهما مفهومان متقاربان، لكنهما ليسا مترادفين. فالتمدُّن يرتبط بالمدينة وما توفره من عمران وخدمات وتنظيم، ويقترن بالانتقال من الريف أو البادية إلى نمط الحياة الذي تفرضه المؤسسات والقوانين. أما التحضُّر فيتعلق بالإنسان نفسه: بوعيه، وسلوكه، واحترامه للنظام والآخرين والمكان العام. باختصار شديد، التمدُّن يغيّر طريقة حياتك، أما التحضُّر فيغيّر طريقة تفكيرك وسلوكك. لذلك، قد يكون الإنسان متمدّنًا لأنه يعيش في مدينة حديثة ويستخدم أحدث وسائل التكنولوجيا، لكنه ليس متحضّرًا بالضرورة إذا كان لا يحترم القانون أو حقوق الآخرين أو النظام العام.

وهنا تظهر المفارقة بوضوح في واقعنا العراقي. فالانتقال من القرى والمدن الصغيرة إلى بغداد بحثًا عن التعليم والعمل هو انتقال طبيعي، لكن الإشكال يقع عندما ينتقل الإنسان مكانيًا دون أن ينتقل فكريًا إلى متطلبات الحياة الحضرية. ولنأخذ مثالًا بسيطًا: حادث سير بسيط في إحدى مدننا قد يتحول بسرعة إلى نزاع عشائري، حيث يسارع الأطراف إلى الاتصال بشيوخ العشائر قبل الاتصال بشرطة المرور أو شركة التأمين. هذا التحول في المرجعية يكشف أن السلوك الحضري لم يرسخ بعد. ففي بغداد، كما في غيرها من المدن العراقية، نرى اللجوء إلى العشيرة والفصل العشائري لحل المشكلات، سواء في حوادث السير، أو المشاجرات، أو الخلافات المالية، وكأن العشيرة تصبح دولة داخل الدولة.

وهنا تكمن مشكلة أعمق من مجرد بقاء عادة اجتماعية؛ فالدولة الحديثة تقوم على أن القانون واحد، والقضاء واحد، والحقوق والواجبات لا تتغير بتغيّر الانتماء العشائري. ولا يعني ذلك إنكار الدور الإيجابي الذي يمكن أن تؤديه العشيرة في تهدئة النزاعات ومنع تطورها إلى عنف، فهذا الدور مفيد عندما ينسجم مع القانون ويحترم سلطة الدولة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الصلح العشائري إلى بديل عن القضاء. فالتحضُّر الحقيقي لا يتحقق بالانتقال من بيت ريفي إلى منزل في المدينة، لكنه حتما يتحقق حين ننتقل أيضًا من حكم العرف الشخصي إلى حكم القانون والمؤسسات، مع الاحتفاظ بالقيم الاجتماعية النبيلة التي لا تتعارض مع الدولة الحديثة.

ورغم إيماننا بمسؤولية المواطن، لا يمكننا تحميله وحده مسؤولية ما تعانيه المدن من نقص في الخدمات أو النظافة؛ فهذه مسؤولية أساسية تقع على عاتق البلديات والمؤسسات الحكومية. لكن في الوقت نفسه، فإن مسؤولية الدولة لا تعني إعفاء المواطن من واجبه. فالمواطن الحضري شريك في صناعة المدينة، وليس مجرد مستهلك لخدماتها. فليس من المنطق أن نطالب المدينة بخدمات أفضل، ونحن نزيد من أعبائها بالنفايات والفوضى والتجاوز على الممتلكات العامة وعدم احترام قوانين السير.

وهذه المفارقة نفسها نواجهها حين نبحث عن التحضُّر خارج الوطن. فهي لا تقتصر على من انتقل من الريف إلى المدينة داخل العراق، بل تمتد إلى بعض العراقيين الذين غادروا إلى دول أوروبية متقدمة بحثًا عن حياة أفضل ونظام أكثر احترامًا للقانون. ومع رغبتهم الصادقة في ذلك، يجد بعضهم صعوبة في الاندماج في مجتمعاتهم الجديدة، ويتعرضون أحيانًا لانتقادات بسبب سلوكياتهم التي لا تنسجم مع الأعراف السائدة. وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: قد يترك الإنسان بلده بحثًا عن التحضُّر، لكنه لا يترك بالضرورة العقلية والسلوكيات التي اعتاد عليها. فالهجرة تغيّر المكان، لكنها لا تغيّر الإنسان تلقائيًا.

والاندماج الحقيقي لا يعني التخلي عن الهوية أو الذوبان في الآخر؛ فالإنسان يستطيع أن يحافظ على هويته وثقافته وقيمه الإيجابية، وفي الوقت نفسه يحترم قوانين المجتمع الذي اختار أن يعيش فيه، ويتكيف مع نظامه العام. فما دمت ترغب في العيش في هذا الوطن الجديد بإرادتك، فعليك أن تفهم قيمه وتحترم نظامه وحقوق الآخرين.

في النهاية، التحضُّر سلوك قبل أن يكون مكانًا. فلا تُقاس حضارة الإنسان بالمدينة التي يسكنها، ولا بجواز السفر الذي يحمله، ولا بقدرته على الوصول إلى الخدمات الحديثة، وإنما بقدرته على احترام الإنسان والقانون والمكان الذي يعيش فيه. فالتحضُّر هو سلوك يومي يبدأ من احترام المرفق العام، والالتزام بإشارات المرور، والنظافة، وحسن الجوار، واللجوء إلى القانون لحل الخلافات. قد تكون المدينة متقدمة في أبنيتها وشوارعها، أما تحضّرها الحقيقي فيُقاس بسلوك سكانها فيها.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

«خلّيها سكتة» من تلك العبارات العراقية التي تبدو صغيرة في اللفظ، واسعة في المعنى؛ كلمتان تفتحان بابًا واسعًا على الكلام والصمت والذاكرة.. فحين يقولها العراقي، يكون الحچي حاضرًا في الغالب، حاضرًا بتفاصيله وأسمائه وآثاره، ثم يأتي القرار: السكوت أهون. هنا تبدأ العبارة في تجاوز معناها المباشر لتصبح علامة ثقافية على معرفةٍ اختارت الصمت طريقًا لها.

في هذه الجملة معرفة صامتة: أنت تعرف، وأنا أعرف، وكلانا يعرف أن الآخر يعرف، ثم نترك المعرفة معلقة في الهواء. «لا تسأل»، «ما أريد أحچي»، «الله كريم»، «خليها على الله»، «لا نفتحها»، «الموضوع انتهى»؛ عبارات تبدو كأنها تغلق باب الكلام، بينما تترك وراءها بابًا آخر مفتوحًا على الاحتمال. حين يقول شخص «لا تسأل»، فهو يضع السؤال أمامك بصورة أخرى: الجواب موجود، وحمولته أثقل من أن يدخل المجلس. وحين يقول «الموضوع انتهى»، قد يكون الذي انتهى هو الكلام عنه، بينما بقي الموضوع في الذاكرة.

هنا يتحول الصمت إلى معرفة. فالإنسان قد يعرف الحقيقة، ثم يختار عدم تحويلها إلى خبر متداول. وهذا الاختيار يصنع منطقة كاملة بين المعرفة والنطق؛ منطقة تعرف فيها الجماعة أكثر مما تقوله. أسرار يعرفها الجميع، وقائع تُروى بنصف جملة، أسماء تُترك خارج الحديث، وإشارات تكفي عن رواية طويلة. «خلّيها سكتة» تؤدي وظيفة الحارس على هذه المنطقة: تعرف أين يبدأ الكلام، وتعرف أيضًا أين ينبغي أن يتوقف.

ومن هذه الزاوية يظهر الستر بوصفه نظامًا اجتماعيًا. «أعرف شصار، بس خلّيها سكتة» قد تحمل رحمةً بإنسان، وحفظًا لكرامته، وإبقاءً لخطأ في حجمه بدل تحويله إلى فضيحة. وقد تتحول السكتة إلى غطاء يحمي الخطأ من المساءلة. هنا تظهر المفارقة الأخلاقية: الستر يحفظ الإنسان حين يضع حدًا للتشهير، ويؤذي المجتمع حين يمنح الفعل المؤذي حصانة. السؤال الحقيقي يصير: من الذي يحميه الصمت، ومن الذي يحميه الكلام؟

والصمت نفسه يمتلك سلطة. «لا تحچي» قد تكون أمرًا يصدر من موقع قوة، يحدد من يملك حق الكلام ومن يكتفي بالاستماع. غير أن الامتناع عن الكلام يستطيع أن يصير سلطة أيضًا. حين أرفض التبرير، وأمتنع عن الدخول في جدال، وأحفظ ما أعرفه لنفسي، أستعيد شيئًا من السيطرة على صورتي وعلى قصتي. من هنا يظهر الفرق بين الصمت المختار والصمت المفروض: الأول قرار، والثاني قيد. كلاهما يحمل الاسم نفسه، لكن التجربة الإنسانية خلف كل واحد منهما مختلفة تمامًا.

العراقي يعرف هذه المسافة بحسّ يومي. «الله كريم» قد تعني رجاءً، وقد تحمل تعبًا طويلًا. «خليها على الله» قد تكون إيمانًا، وقد تكون إقرارًا بأن الأمر خرج من اليد. و«خلّيها سكتة» قد تكون حكمة، وقد تكون خوفًا، وقد تكون حفاظًا على علاقة، وقد تكون اختصارًا لخيبة استنفدت قدرتها على الشرح. الجملة الواحدة تتبدل دلالتها مع النبرة والمقام؛ ولذلك يصعب وضعها في خانة واحدة.

حين يقول أحدهم: «ليش ما تشتكون؟» ويأتي الجواب: «خوية، خلّيها سكتة… بطلعان الروح دنمشيها»، فإن السكتة تظهر بوصفها اقتصادًا في الخيبة. الإنسان يرى الخلل، يشعر به، وربما تحدث عنه مرات، ثم يكتشف أن الكلام يحتاج إلى طاقة، وأن الواقع يحتاج إلى قدرة أكبر على التغيير. فيختصر المسافة كلها بجملة. هنا يكون الصمت نتيجة تجربة مع الواقع، لا مجرد اختيار لغوي.

وتظهر السكتة كذلك في العلاقات. عتبٌ تأجل، اعتذارٌ لم يصل، سؤالٌ خشي صاحبه أن يطرحه، وذاكرة تتظاهر بأن «الموضوع انتهى». ما يُسكت عنه ينتقل من اللسان إلى الداخل. ولهذا فإن الصمت لا يمحو الذاكرة؛ يغير مكانها. قد يختفي الكلام من المجلس، ثم يظهر في النظرة، وفي البرود، وفي طريقة مخاطبة الآخر، وفي تلك الوقفة التي تسبق جملة عادية جدًا. الأشياء التي لم تُقل تمتلك أحيانًا عمرًا أطول من الأشياء التي قيلت وانتهت.

وليس من الضروري أن تتطابق الكلمات كي تتشابه السكتة. ففي السورث تأتي «شوقلا بشينا؟» بوصفها معادلًا تداوليًا قريبًا من «خلّيها سكتة»، وفي السورانية نجد بناءً من قبيل «باسی ... مەکە»؛ أي: لا تفتح سيرة كذا، لا تتحدث عنه. أما في الموصل والتركمانية العراقية، فتتعدد الصيغ بتعدد اللهجات والمناطق، لكن السكتة، وإن اختلف لسانها، تؤدي وظيفة واحدة: إيقاف الحچي قبل أن يتحول إلى باب آخر. هنا تتجاوز المسألة حدود الترجمة بين اللغات؛ فالعراق، على اختلاف ألسنته، يتشارك حساسية تجاه الكلام: ثمة ما يكفي أن يُفهم، وما يحتاج إلى صوت. وثمة حچي يكون الصمت طريقته الأخرى في الوجود.

لهذا تحمل «خلّيها سكتة» مفارقتها الخاصة: وهي تدعو إلى السكوت، تكون قد تكلمت. إنها تكشف وجود الحكاية في اللحظة التي تحجب تفاصيلها، وتعلن حضور الكلام في اللحظة التي تمنحه الإذن بالبقاء خارج اللسان. ولذلك قد يقول أحدهم «خلّيها سكتة» فيكون قد قال أكثر مما كان سيقوله لو روى القصة كاملة؛ فالرواية تحدد ما نعرف، أما السكتة فتترك مساحة للذاكرة والحدس والتجربة.

ربما لهذا تبدو العبارة عراقية بامتياز. فيها شيء من الصبر، وشيء من الحذر، وشيء من الستر، وشيء من السخرية التي يعرفها من عاش طويلًا مع واقع يحتاج إلى أكثر من جواب. إنها فلسفة يومية مصغرة: أعرف، وأفهم، وأتألم، وأحسب العاقبة، ثم أقرر أن أترك بعض الكلام في مكانه.

ويبقى السؤال معلقًا: متى تكون السكتة حكمة، ومتى تصبح قهرًا؟ متى تحمي الإنسان، ومتى تحمي الخطأ؟ متى تكون اختيارًا، ومتى تكون نتيجة لغياب القدرة على الكلام؟ ربما لا توجد إجابة ثابتة؛ فالمعنى يسكن في الظرف، وفي موقع المتكلم، وفيمن يملك حق الكلام ومن يدفع ثمنه.

لكن أجمل ما في العبارة أن مفارقتها تكمن في أنها، وهي تدعو إلى السكوت، لا تكف عن الكلام. فما إن تقول «خلّيها سكتة» حتى تكون قد كشفت أن ثمة حچيًا وراءها، وأن ثمة قصة اختارت الصمت طريقًا لها. كأن السكتة العراقية لا تستطيع إلغاء الحچي؛ أقصى ما تفعله أنها تنقله من اللسان إلى الإشارة، ومن الصوت إلى الذاكرة، ومن الكلام المعلن إلى ما يُفهم ولا يُقال.

الحچي موجود… بس السكوت أهون.

وبعض الحچي، من كثر ما انحچى بالقلب، ما عاد يحتاج لسان.

***

بولص آدم

في المثقف اليوم