نصوص أدبية

نصوص أدبية

أربع قصص قصيرة جدًا

1. قشة الحياة

حين يصبح الأمل خيطًا يتشبث به القلب وسط العواصف.

كانت العواصف المتوارية تجتاح مدينة أفكاره دون استئذان، فتغرق قصائد آماله بمياه الحزن، مهدّمًا جدران أفقه، حاجبًا عنه مديات رؤيته، كأن ضباب الليل يخفي حقيقة زيارة الريح؛ وفي غمرة الفوضى المفتعلة، تنتفض التعاسة من جوف الذكريات، فتطفو آنيّها على هامات القدر، ممسكًا بقشة الحياة كي لا تهوي في هاوية النسيان.

**

2. عتمة وردية

بقايا الحب حين يخفت النور ولا تنطفئ الذكرى.

تلاشت هالة الشوق تدريجيًا، حتى ابتلعتها دوامة النسيان؛ وفي الأفق، بدأت عتمة وردية تتسلل بخفة، تشوش صفاء السماء دون أن تطفئه. لم تكن تلك العتمة وليدة فراغ، بل امتدادًا لخبو نورٍ كان يومًا ساطعًا، ذلك النور، الذي حمل مكامن الشوق والعاطفة، أبى أن ينطفئ بالكامل. فترك خلفه توهجًا خافتًا، لم يكن سوى ظلال ذكرى تتشبث بما تبقى من الضوء.

**

3. الصفعة الأخيرة

حين تُصفع الحقيقة، لا الوجه

حدث هذا في الخيال، والطائرة ما زالت جاثمة على أرض المطار.

صفعتها المضيفة، فاهتزت الكاميرا. لا صراخ، فقط نظرات تتبادل الاتهام، والأغرب: لم يعترض أحد.

ثم قيل إنها قصة حقيقية، وأن الراكبة تملك الطائرة.

لكن أحدًا لم يسأل:

كيف صعدت بلا تذكرة؟

كيف جلست بلا إذن؟

كيف صمت الكابتن؟

وكيف بقيت المضيفة في وظيفتها.

الصفعة لم تكن على الوجه، بل على المنطق.

وفي زمن القصص المفبركة، كل شيء ممكن…

إلا الحقيقة.

**

4- غروب الوطن المحترق

في قيلولة الشفق، رأيت الحرائق تمتد بلا نهاية. الذكريات طفت على بحرٍ من الألم، والحلم تسلّق كتفي كالشبح.  ناداني صوتٌ من جوف الفراغ: "هل نسيتهم؟"

نظرت إلى قدمي المغروستين في الأرض، كأنهما ترفضان الرحيل. الصدى يخجلني.

نعم ــــ تضحياتهم ذهبت هباءً، واللصوص يتربعون على العدالة.

حينها فقط، أدركت أن الوطن لا ينزف… بل يُدفن.

***

كفاح الزهاوي

..........................

* في زمنٍ تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، وتُروى القصص كما تُفبرك، يبقى للكتابة دورها في كشف ما وراء الصورة. هذه أربع ومضات، لا تطلب من القارئ تصديقها، بل تأملها. فيها من الشجن ما يلامس الحب حين يخفت، ومن السخرية ما يفضح الزيف، ومن الرجاء ما يتشبث بالحياة ولو بقشة، ومن الألم ما يفضح خيانة الوطن حين يُباع ويُدفن. ليست هذه القصص إجابات، بل إشارات. وميض في عتمة الواقع، حيث لا ينطفئ الضوء تمامًا، لكنه لا يُنقذ أحدًا من الظلام.

مَا زِلْتُ أَقْرَأُ فِي عَيْنَيْكِ لِي أَمَلًا

يَسْرِي بِقَلْبِي غِنَاءً بَاتَ يُطْرِبُهُ

*

وَفِي مَلَامِحِكِ الْإِشْرَاقُ يَأْسِرُنِي

أَضَاءَ بِالْعِشْقِ مَا قَدْ كَانَ يَحْجُبُهُ

*

فِيكِ السُّكُونُ وَفِيكِ الْبَوْحُ مُكْتَمِلٌ

وَفِي دَمِي مِنْ شَذَاكِ الشِّعْرُ أَكْتُبُهُ

*

إِنِّي حَفِظْتُكِ عِشْقًا فِي الْفُؤَادِ أَوَى

فَلَا الزَّمَانُ وَلَا الْأَفْلَاكُ تَسْلُبُهُ

*

فَالْعَيْنُ مِنْكِ وَإِنْ أَغْمَضْتِ تَرْشُدُنِي

وَالنَّبْضُ فِيكِ حَنِينٌ لَا أُكَذِّبُهُ

*

لَا تَسْأَلِي كَيْفَ أَهْوَى، فَالْهَوَى شَغَفٌ

وَالْحُبُّ لَا يَعْرِفُ التَّفْسِيرَ مَذْهَبُهُ

*

تَبْقَيْنَ وَهْجَ اشْتِيَاقِي كُلَّمَا افْتَرَقَتْ

خُطَايَ عَنْكِ، فَعَيْنِي لَا تُغَيِّبُهُ

*

أَشْتَاقُ حَتَّى كَأَنَّ الدَّمْعَ يَسْأَلُنِي

مَتَى اللِّقَاءُ؟ وَوَجْدُ الْقَلْبِ يَصْحَبُهُ

*

إِذَا تَنَاثَرَتِ الْأَيَّامُ فِي خَلَدِيْ

أَرَاكِ طَيفًا، وَفِي صَدْرِي أُقَلِّبُهُ

*

يَمْضِي الزَّمَانُ وَيَبْقَى الْحُبُّ أُغْنِيَةً

تَشْدُو بِهَا مُهْجَتِي شَوْقًا وَتَسْكُبُهُ

*

أَمْضِي إِلَيْكِ اشْتِيَاقًا بَاتَ يَسْكُنُنِي

حُلْمًا جَمِيلًا، وَفِي الْأَعْمَاقِ أَعْذَبُهُ

*

مَا زِلْتُ أَرْكُضُ فِي عَيْنَيْكِ مِنْ وَلَهٍ

وَالشَّوْقُ يَحْمِلُنِي، وَالْتَّوْقُ مَوْكِبُهُ

*

فَلْتَمْنَحِينِي يَقِينَ الْقَلْبِ وَاحْتَضِنِي

نَبْضِي إِلَيْكِ، وَلَيْلُ الشَّوْقِ مَرْكِبُهُ

*

فِيكِ ابْتَدَأْتُ، وَفِيكِ اللهُ يَكْتُبُ لِي

مِيلَادَ حُبٍّ، عَلَى رُوحِي سَأَكْتُبُهُ

***

للشاعر فيصل النائب الهاشمي

عدتُ إلى الدربِ القديمِ لعلَّني

ألقى الحبيبةَ إنْ لقيتُ صداها

*

لكن يدَ الدهرِ التي عبثتْ بنا

هَدَتْ مع الأحلامِ بيتَ هواها

*

عدتُ إلى الدربِ القديمِ فلم أجدْ

إلّا صدى خطوايَ في مغناها

*

ضاعَ الهوى بينَ الرُّكامِ ولم يزلْ

قلبي يُفتِّشُ عن بقايا فاها

*

عدتُ إلى الدربِ القديمِ فلم أجدْ

إلّا صدى خطوايَ في مغناها

*

كم طيفُها مرَّ السُّرى متخفِّياً

ينسابُ ضوءُ الشوقِ في مرآها

*

لكن يدَ الأقدارِ حالت بيننا

ومضتْ تُغيِّبُ وجهَها وسناها

*

أمشي وأحملُ في الفؤادِ صبابةً

كالنارِ تخنقُ مهجتي وجواها

*

أمشي إلى ظلِّ المنى متعثِّراً

وأمدُّ كفّي علَّني ألقاها

*

لكنني ما بينَ صمتٍ مُوحشٍ

أبصرتُ دمعيَ وحدَهُ يرعاها

*

يا ليتَ أيّامي تعود ببهجتي

فأعودُ طفلاً في رُبا دنـياها

*

أبني من الأحلامِ بيتَ محبّةٍ

وأعيشُ دهراً في سَنا مرآها

*

فإذا افترقنا، ما افترقنا عن هَوىً

يبقى يراودُ مهجتي وذُراها

*

سيعودُ فجرٌ قد غفا متأخِّراً

ليضيءَ دربي إنْ لقيتُ صباها

***

د. جاسم الخالدي

أنت لي

مذ خلقنا،

مضغة في غياب القدر

ومضة في سماء الرعود

نجمة بين النجوم

نكون او لا نكون

بين الشقاء وبين الرخاء..

*

أنت لي ..

قهوة صبحي

ونفحة عطرى

وراحة قلبي وسريري

أنت لي

وردة الاقحوان

في غرفة نومي وسريري

انت لي،

نثيث مشبع بالندى

أنت الشذى

يفوح في غرفتي وجداري

***

جودت العاني

 

على قدَرٍ مِن الدنيا امتياحي

بمنزلةِ المريضِ مِن الصِحاحِ

*

وحظي في تعثره وحالي

دقيقًا صار يُنثَرُ في الرياحِ*

*

أرى الايامَ تُنزلُ مِن كريمٍ

على جورٍ وتبخلُ بالمُتاحِ

*

أراها مِن بني اللخناء تسخو

وتُقبِل بالعطاءِ وبانفتاحِ

*

وتستعصي على الساعين قُدْمًا

الى سُبلِ المكارمِ والفلاحِ

*

وترفعُ رايةَ الارذالِ كيدًا

بأهل الفضلِ أو أهلِ الصَلاحِ

*

فصبرًا إنْ شقيتَ بها وصبرًا

عليها وهي تَعبثُ بالجِراح

*

فذا زمَنُ التفاخرِ والتباهي

بمولودِ الرذيلةِ والسِفاحِ

*

كذا الايامُ تفعلُ وهي تبقى

صراعًا في الحياةِ بكُلِّ ساحِ

*

فأهلاً بالغَبوق مع المِلاحِ

وقرعًا بالكؤوس الى الصباح

*

وأهلاً بالرذيلة أين حلّتْ

وهدمًا للمكارم بالسلاحِ

*

لأنّ زماننا زمَنٌ سخيٌّ

مع الاوغادِ في ضربِ القِداح**

*

فهم جعلوا الفضائلَ موبقاتٍ

بميزان التطوّرِ والنجاحِ

*

لقد قالوا الكثيرَ وقد تُخِمنا

مِن الاقوالِ والخُطبِ الفصاحِ

*

أ يَخفى أمرهمُ ولقد تجَلّى

كلامُ الليلِ يُمْحى في الصباحِ***

*

وكلُّ فعالهم دلّتْ عليهمْ

وسهمُ عُلوّهِمْ طولُ انبطاحِ

*

فإنْ نالوا فما نالوا لِعِزٍّ

وهذا العارُ في كلِّ النواحي

*

كفى صمتًا على آثام قومٍ

أذلّونا وناموا بارتياحِ

*

هُمُ كالكلبِ يأكلُ فضلَ زادٍ

ويُسرعُ للنطيحةِ لا النطاحِ

*

فما نالَ العُلى قومٌ ركودٌ

ولا عثروا بأسبابِ الفلاحِ

*

وأنّ المجدَ لا يوهبْ لقومٍ

ولا طيرٌ يطيرُ بلا جَناحِ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

العراق / الكوت - شتاء 1965

......................

* ضرب القداح: هو نوع مِن المراهنات يكون برمي السِهام، حرّمهُ الإسلام

**إشارة الى بيت شِعرٍ للشاعر إيليا ابي ماضي

*** إشارة الى بيتِ شعرٍ للشاعرِ أبي نؤانس

 

أنا غاضبٌ من كلِّ هذا الذي يجري

وأُوشِكُ أنْ.. لكنْ تطولُ يدُ الصبرِ

*

أصيحُ: فِلَسْطينٌ.. فينجرحُ الصدى

ويسقُطُ من هذا الهواءِ دمٌ يَسري

*

أُمرِّرُ كفِّي في الخريطةِ فوقَها

فتصبحُ غصناً يابساً ميِّتَ الزَّهْرِ

*

وأكتبُها سطراً على الماءِ رائقاً

فيصبحُ جمراً لا يريدُ سوى الثأرِ

*

تباركَ شعبٌ لا ينامُ على الأذى

وأجملُ قصرٍ عندهم ظُلمةُ القبرِ

*

تباركَ شعبُ المُستحيلاتِ كلِّها

وأوّلُ نُطْقِ الطفلِ منهم صدى الدهرِ

*

فإنْ كانَ موسى فجَّرَ الصخرَ بالعصا

فهم بدأُوا دربَ النضالِ منَ الصخرِ

*

فلسطينُ ليستْ ما ترونَ أمامَكم

ألَا إنَّ سطحَ البحرِ ليسَ كما القَعْرِ

*

فغصنٌ منَ الزيتونِ يصبحُ خِنجراً

إذا هدّدتْهُ الريحُ بالقطْفِ والبَتْرِ

*

فِلَسْطينُ ما تحتَ اللِّحاءِ وإنْ بدَتْ

على الجِّذْعِ ديدانٌ لها نيّةُ الشرِّ

*

فِلَسْطينُ حينَ البحرُ ينفَدُ في المدى

سيَقبِسُ من عينِ النساءِ رؤى البحرِ

*

على زندِها الرمليِّ ترتاحُ موجةٌ

ومن قُبّةٍ شقراءَ مُنبَثَقُ الفجرِ

*

فِلَسطينُ أُمٌّ أضعَتْنا وعندما

كَبِرْنا هجرناها، تموتُ ولا ندري

*

بِغزَّةَ شيءٌ لا يموتُ كأنَّها

معَ الشمسِ تأتي كلَّ يومٍ بلا هَجْرِ

*

حقائقُ لا تفنى فموتوا بغيظِكم

سيعجِزُ علمُ الحربِ عن ذلكَ السِّرِّ

*

رجالٌ لها قد عاهدوا (اللهَ) بالوفا

فإمّا إلى نصرٍ وإمّا إلى نصرِ

***

عبد الله سرمد الجميل شاعر وطبيب من العراق

بدأت المشكلة لحظة اعتقادنا أنها وجدت الحل الابدي لها، وما زلت اتذكر أمي وهي تنظر إلى أبي وتبتسم في خفر أول مرة منذ هجرنا من قريتنا الوادعة في منطقة بيسان. وتقول له الحمد لله صبرنا ونلنا. عندها طلب منها أبي أن تُعدّ نفسها للتوجه إلى بيت أبي داوود لإكمال شراء قطعة الأرض الصغيرة، تمهيدًا لإقامة براكية عليها تؤوينا وتقينا شرور التنقلات من قرية إلى قرية ومن حارة إلى حارة. في بيت أبي داوود اتخذ كل منّا نحن أبناء العائلة المقطوعة من دوحة غناء، مجلسه وما زلت أتذكّر ابتسامات أبي داوود وتساؤلات أمي وأبي، وسط تطمينات أبي داوود. انتهت تلك الجلسة بثقل، بطء وانتظار، لنتوجّه جميعًا إلى تلك الأرض الموعودة، ارض الميعاد.

بدت لنا تلك القطعة المقدّسة من الأرض الصغيرة كبيرة، وقد وقف كل منّا في أعلاها يرسل النظرة الحانية الرؤوم نحوها ونحو امتدادها المغري الاصيل. أنعمنا النظر فيها، فرأينا رجلّا وامرأة وفتاة كل منهم يشتغل بحماس ولا يفصله عن أرضنا سوى سياج قليل الارتفاع. استغرق كل منا في حالة حالمة، هنا سنقضي أيامنا الطيبة دون ان يقلقنا مؤجر أو تقف لنا زوجته متخنصرة تطالبنا بأجرة البيت في الثلاثين من كل شهر. ولم نفق من غفوتنا إلا بعد أن سمعنا أبا داوود يحدّد لنا مساحة أرضنا:

-هناك هل ترون ذاك الوتد الخشبي.. حتى تلك مسافة تشمل قطعة الأرض المجاورة والعاملين فيها). هذه القطعة الأرضية لكم. لقد أجرينا كل المعاملات. هي لكم بإمكانكم بدء العمل لإقامة غرفة او براكية حسب امكانياتكم.

كلام أبي داوود هذا مرّ على جميع أبناء اسرتنا الصغيرة مرور الكرام، كان كل منهم يستغرقا بأحلامه وتصوراته، وكانت أمي هي أول المستغرقين تلاها أبي، فأختي الصبية الطالعة المتطلعة إلى الحياة الهانئة السعيدة. أنا الوحيد الذي انتبه إلى ما قاله أبو داوود. سألته:

- أحقا ما تقول؟ ولماذا يعمل هؤلاء في أرضنا..

- لا تقلق يا ولدي.. هذه الأرض لكم.. رد أبو داوود، فواجهته: إذا كانت هذه الأرض لنا.. لماذا يعمل فيها ذاك وينعم بخيراتها؟ مشيرا إلى أولئك العاملين في الأرض. صمت أبو داوود. وخيّم صمت على المكان، كان الصمت مدهشًا ما جعل أبناء اسرتنا يقفون حائرين. أما انا فقد انتصبت رافعًا راسي إلى السماء:

    -انت يا حبوب.. لماذا تعمل في أرضنا؟ ومن سمح لك بالعمل فيها؟

رفع ذلك العامل راسه، وعاد يعمل فكرّرت عليه السؤال، غير أنه لم يردّ، عندها اقتربت منه وأمسكت فأسه:

-مَن سمح لك بالعمل في أرضنا؟

عندها اضطر ذلك الرجل على ما بدا أن يؤشر إلى أبي داوود:

-اساله.. أعرف أنكم اشتريتم هذه القطعة من الأرض.. إلا أنه هو من سمح لي باستغلالها..

تجاهلت ما قاله الرجل قُبالتي وغرست عيني في عيني الرجل المدبق بارضنا:

-دعنا من أي كلام فارغ.. انني أطلب منك أن تتوقف عن العمل في أرضنا.. أنت ذاتك أقررت بانها أضحت ملكًا لنا.

بدا ان الامر اسقط بين يدي ذلك العامل في ارضنا، فأرسل نظرة نحو ابي داوود.. وعندما لم يجد ردًا.. ركب رأسه وطلب من أبناء اسرته مواصلة العمل، عندها لم يكن أمامي من مفر سوى افهامه بنوع من الحسم. سالته بحدة رجل مهجر عرك الحياة وسبر اغوارها القاسية:

-ستغادر ارضنا.. يعني ستغادرها..

وتوجهت الى ابي داوود:

-الم ندفع مقابل هذه القطعة من الأرض؟ الم تضحي ملكا لنا؟

عندها لم يكن امام ابي داوود الا الإجابة الواضحة المباشرة:

-بلى انتم من اشتريتموها.. وهي ملك لكم.. منذ دفعتم ثمنها.

إجابة ابي داوود هذه شجعتني اكثر.. فانتفضت انتفاضة نسر غاضب.. وتوجهت الى الرجل العامل في ارضنا الجديدة:

-هل سمعت؟ الأرض باتت ملكا لنا..

انكمش الرجل في موقفه.. وطلب من أبناء اسرته التوقف عن العمل، فأرسلت نظرة فرحة الى أبناء اسرتي، لقد نظفنا ارضنا. هي الان باتت ملكا حقيقيا لنا.. وتشجعت اكثر، فطلبت من ذلك الجار الشرس.. الشريك المعتدي، ان يزيل سياجه اللعين من ارضنا.. فاضطر لإزالته.. جرى كل ذلك ما بين الصعوبة والصعوبة.. والإصرار من جهتي.. هكذا اوشكت المشكلة على الانتهاء.. غير انا ما صارت اليه قال ان الامر ليس كذلك.. فقد اكتشفنا لأسفنا القاتل ان أبا داوود قد سمح لذاك الرجل وأبناء اسرته ان يقيموا في ارضنا.. اكتشفنا هذا عندما ترك أبناء تلك الاسرة موقعهم وتوجهوا الى موقع اخر قريب.. عندها ابتدأت معركتنا من اجل التحرير.. وما زلنا منذ تلك الأيام الى هذه الجارية.. نحاول استرداد ارضنا.. يحدونا امل جبار.

***

قصة: ناجي ظاهر

(قصائر)

قال..

والكلماتُ تُرهِقُ النَطْق

دِلّني على القِبلة

ففي داخِلي صَلاةٌ ..

لا تَنعَتِق

**

2

كالصُداع

يستيقظُ الحَنينُ الى مَوطني

الشقراءُ ذاتُ العيونِ الزُرْق، في المَنفى

تتلو عليَّ حَديثَ الغُواةْ

يراها شَغَفي المَخنُوق..

بلهاء

**

3

كلّما انغمَسْتُ في الظَلام

كطائرٍ مَبلول

أفكّر في اثنين

كيفَ أنجو من السُهاد

كيفَ أنام

**

4

نقتُلُ (أبو الجِنّيب) بحَجَر

نُطعمُ آلامَهُ لِسمَكةٍ رَعناء

كي تجدَ طريقَها ..

الى المِقلاة

**

5

ذكّرَتْني لحيتُهُ المُنسَلّة

بالتيسِ الذي ذبَحناه

تيَمُّناً بالعائدينَ من الحَج

في زمَنِ القَحْط

**

6

رمَيتُ على بيتِنا العَتيق

في بابِ سُليمان

بَصَري المَلهوف

تآكلَ أسفلُ اللبِنات

ذلكَ ما يفعلُهُ الطِين

في الفِراق

**

7

أبي

العقيقُ الذي غادرَ إصبَعَك

طوّقَ اصبَعي

ضاقَ منذُ رحَلتَ

ليُسمِعَني أن غَفلتُ

نبضَك

**

8

اولئكَ الذينَ يَحرِقونَ الكُتب

صُمٌّ

لا يسمَعونَ أنينَ الكلِمات

في غصّةِ النار

**

9

كلّما يُطفئُ الغروبُ النَهار

ألَملِمُ أشتاتَ حُزني

فلا أستبيحُ عِفّةَ الليل

بالصِراخ

**

10

يخمدُ الغضَبُ فيهم

أولئكَ المُضرِبون في بلَدي

أقصىٰ ما ينالون

ضربة شَمس

وترابٌ

يُقنِعُ العيون..

بالرجوع

**

11

لا تُحدّثني عن الوَقت

أيُّها الشَيخ

فالدقائقُ التي أنفَقتُها

مُنصِتاً إليكْ

ضاعتْ

**

12

تعرّىٰ في مَوسمِ الَّلطْم

سلَخَتْهُ السَلاسِل

حرَصَ أن يرىٰ الجَميعُ آثامَهُ تَسيل ..

بِلَون المَكرْ

13

وُلدتُ بلا إسم

بلا عَقيدة

أطعَمَني المُعلّمُ حَساءً عَلقماً

ولمّا صِمْت..

سَبّني

**

14

كخليّةٍ بَسيطة ٍ

أنشَطرُ الى جُزئَين

يلعَقُ أحدُهُما رحَيقَ النَهار

ويمُرّغُني الآخرُ في الليل،

وبينَهما..

ناعورٌ أنا..

بلا ماء

**

15

أنتَ لا تعرِجُ الى السَماء

فانظُرْ الى نُجومِ الأرض

ستَرحَلُ بكَ الى عالمٍ مُختلِف

بلا مَطايا...

تَركبُك

**

عادل الحنظل

الموت يجتاح المدينة

والأسى.. ليل طويل

والناس تبحث عن ضياء الصبح أو ضوء ضئيل

وأظافر الأيام يكبر خدشها

والخوف غطى الدرب واجتاح النخيل

والناس تعبر فوق أشلاء الزهور

دماؤهم في الدرب شلالٌ يسيل

والأرض تمضغ حزنها

غصت بها الأوجاع أنهكها العويل

وسماء هذا اليوم تنزف جرحها

وتشيع الأقمار والأمل الظليل

غضبت من الذل الذليل

من أين يأتينا الأمل

والصبح همهم في الرحيلِ ِ

مودعا ً شمس الأصيل

فتأوه الطيف الجميل

وا غزتاه وا غربتاه

هي غزة ٌ وكأنما هي كربلاء

نفس المناظر والتدهور والبكاء

وكأنما في (الطف) صرختها تنادي الأبرياء

وا غزتاه وا غزتاه

وا غربتاااااااه ...

طفل بريء ٌ فوق صدر الدرب يصرخ في الهواء

أماه قومي لا تنامي في العراء

الخوف يا أمي يطاردني كظلي في الأزقة والخواء

تتطاير الأشلاء في رحب الفضاءِ

فتعثر المسكين أعياه البكاء

وظلّ يبحث في السؤال

عيناهُ تسأل والمواجع حوله تمحو الضياء

و عواصف الأحزان تطحن في المنازل والبشر

أين الجداول والمزارع والنهر

أين السماء؟

أين الزهر؟

أتموت غزة في سيوف الأشقياء؟

وتغيب في ليلِ البلاء؟؟

ونقول ها هو ذا القضاء؟؟؟

وا حسرتاه

وا أمتاه

وبدا يغالبه النعاس فمرّة ً يبكي

وأحيانا ً يغيبُ مع العناء

ويعود من فزع ٍ ليبكي حزنه القاسي لأحلام المساء

يتأوه المسكين.. ينظر للوراء

حتى تدهورَ في المتاعب وانطوى صوت الرجاء

وكأنما عاد الجواب يحفه ُ همس الرجاء

من بين أنغام السحاب

ومدامع الأطفال ... أصوات النساء

الأرض تبقى أرضنا

لا لن تموت ولن تصير لغيرنا

رغم النوائب والقهر

ستظل غزة أرضنا

مهما جنى كف القدر

وتعود أرضي كالسناء

ويعود للطير الغناء

*

من صرخة الجرحى.. دماهم .. من كفوف الورد

من صمت الحجارةِ

سوف ينتشر النهار

*

من دمعة الأيتام من صبر الأرامل

سوف ينفجر القرار

من همسة الأطفال روح الطهر يزدهر المدار

*

هم كلما عاثوا بأزهار الخميلة

كلما داسوا على الأرض الجميلة

كلما زادوا دمارا ً وانهيار

إلا وهذي الأرض تهفو لانتصار

إلا وهذي الأرض تهفو لانتصار

***

صباح الحكيم

اترين يا حبيبة اني

شغوف على أرض الفرات

ينظرني الرائي في أجمل الوردات

اترين نرجسا تذروا

على احلامه النساء

اللحن والنغم البهي

والأبتسامات

حين أرى نواظر عينيك

في اجمل الذكريات

تنوء عطشا

ينهمر نبعك غنجا

في المسامات

تعانقني تباريح الشوق

والهوى قصصا

كعاشق صوفي

يفوح من روحه

نبض الجراحات

نومض للشمس حنينا

وتارة نرسل للقمر المنير

توهجنا في المستحيل

عبر الأثيرات

ننادي بوجل

من فرط صبرنا

وننقش على اوراق العشق

اجمل الكلمات

يا عجوز العشق

يا متيمي الوحيد

في لجج الآهات

يا شهية حد الأنتشاء

حين تجرني

إلى شفاها

بقبلاتها المفتونات

قلت اتركي الأمس

وجراحه

وعودي إلى المألوف

في الرسم والطين

والمفردات

أتخافين من خميلة

الجوى

اترعبين من حكمة

الحب

ونعيق الطيور الضغينة

في الرحيل

او العثرات

***

الشاعر باقر طه الموسوي / العراق

كان المغيب يزحف في بطء نحو الميدان، وكان مثلي يشاهد من فوق القاعدة الرخامية الصلدة عمليات الكر والفر بين الفريقين، تمنيت ولو للحظة أصعد فيها القاعدة التي تفتت رخامها تحت أيدى المتقاذفين لأوضح له، أنه رغم وجود الدبابات لا يشاهد مناورة حية لكتيبة من الكتائب، وأن كل القادة العظام الموجودين داخل الفتارين والمنتصبين فوق أرضية المبني التاريخى المجاور ليس باستطاعتهم اعلان الهدنة ووقف نزيف الدماء، والفصل بينهم، حتي و لو بعمل متاريس عند أول الشارع المسمي باسم من فك طلاسمهم       .

الشمس تسحب آخر خيوطها الواهنة من قلب الميدان، أسفل الكوبري ألتصق بأحد الأعمدة الضخمة، لا أملك الا أن أتطلع اليه بوقفته الصارمة وزيه العسكري وصمته الحزين، لم يأخذنى منه غير صوت القادمين بخيولهم من مهبط الكوبري، في لحظة أدركت أنهم يريدون اسقاط الفارس من عليائه، في داخلي نزف شىء كان يكمن منذ سنوات بعيدة، لم أعد أسمع غير صرخة طفلي القادم فى الزمن الصعب.

في لحظة هبوطى من الرصيف ومفارقة العمود الضخم، كان اندفاعى نحو الجموع القادمة ضروريا، تعلقت بساق أحد راكبي الخيول المتجهة نحو الميدان

فوق بلاطات مشروخة أعلى الرصيف وقبل أن أغفوكان يرفع كفه نحو جبهته بالتحية وتسقط من عينيه دمعتان.

***

قصة قصيرة

أيمن الخراط

"وكتبتُ المدينهْ

(حينما كانت المدينة مقطورةً والنواحْ

سورُها البابليُّ)، كتبتُ المدينهْ"

"أدونيس"

***

المدينة التي تأكل خيالها

في الكُتيّبِ،

تُرسَمُ الأرضُ فاكهةً نَهْديةً

لكنّ التُربةَ…

منديلُ ماءٍ على وجهِ الحديدْ

2

ليماسولُ،

مدينةٌ بأربعةِ أطرافَ،

تسحبُ ظلَّكَ

إلى محرقةٍ من المرايا،

وفي كلِّ اتّجاهٍ:

ضَجَّةٌ

ومأساةٌ تُسَنّ على مِقْصلةٍ مِن بلّور

3

ليماسولُ،

امرأةٌ بوجهِ نافذةٍ

وفي يدٍ: لافتةٌ تقول: حرية،

وفي الأخرى:

مِلقاطٌ يشدُّ شَعْرَ الطفولةِ

من جبهتها حتى الرملْ

4

مَنْ قال، إنّ الخريطةَ بيتٌ؟

هي بابٌ إلى نُزوحٍ باردٍ،

حيثُ لا يسمعُ الصوتَ

سوى ربٍّ تغطّى

بزجاجِ المكتبِ الهندسيّ

5

من قاعِ مِدفأةٍ مهجورة،

يخرجُ العُزَّلُ،

البائعونَ،

المرضى،

المعلّقونَ على خيطِ الانتِظارِ

ولا نافذة،

ولا شقٌّ للملحِ في الحكاية

6

جسرٌ؟

ليسَ إلا خيطَ محاسبةٍ

يصلُ بينَ فوكو وبورصةِ العسلِ،

بينَ قصيدةٍ تُباعُ في متجرٍ

ودمعةٍ تُعرَضُ ضمن باقةِ الإعلانات

7

نيقوسيا،

حيٌّ بلا أحدٍ،

من يسكنُ شقَّ الذكرى؟

مَنْ دفنَ رغبةً

في كيسِ قمامة؟

مَنْ قاسَ الحنينَ بمسطرةِ الطلاء؟

8

انفجري،

يا علبةَ الألوانِ القديمة،

تبعثري،

يا خطوطَ الطباشيرِ المنسيّة،

ولْيخرجْ من الوخزِ

أفقٌ غيرُ مخروم

9

هل في الزاويةِ

حوضٌ للعري؟

هل بينَ السّاقِ والسّاقِ

شيءٌ يضيء؟

أم أنّ الضوءَ…

وشمٌ في الظلامِ القديم؟

10

الحبلُ هناك،

والرقبةُ طينٌ مسلوقٌ،

والعقربُ يدقُّ الكآبةَ

في ساعةِ الرملِ

11

في السوق،

كلّ عملٍ يشبهُ الاستلقاء،

وكلّ راحةٍ

تصدرُ فاتورةً باسم التعبِ الوراثيّ

12

القلوبُ تُلفُّ بخَرَقِ النعناع،

والأصابعُ تتورّمُ…

من عدِّ الفراغات

13

تاريخٌ

يرتفع من قُمامةِ الزجاج،

وفي الهواء،

روائحُ الحبرِ والبارودِ والراتنجْ

14

لا شيء أعمى كالعَادة،

ولا شيء أخرسُ كالسُّؤالِ المُبرْمَج

15

الطرقُ

كلُّها مرايا ملتوية،

والشوارعُ

مجسّاتٌ لوجهِ ميدوزا الأخرى،

لا تصرخْ،

إنهم يصورونك!

16

سوقُ الأجناسِ واحدٌ،

يتغيّرُ فقط نوعُ العُملةِ

وصوتُ المذيع

17

البشرُ… نباتاتٌ

في صوبةٍ رمادية،

مغموسون في ضوءٍ صناعيّ

وماءٍ يُعادُ تدويرُهُ كلَّ مساء

18

ضحايا يتكاثرونَ

كالشَّعرِ في الممرات،

والنهارُ

طبلٌ مُدَبْزَب،

والشمسُ… إعلانُ مَوتٍ جديد

كودا:

المدينةُ ليست موتًا،

لكنها تُعيدُ تشكيلَ الجسد

على مهلٍ

تسكبُ عينيكَ في كوبِ شاشة،

تثبّتُ قلبَك في لوحةِ تحكُّمٍ،

تدسُّ روحك

في رقمٍ سريّ

حين تصحو،

تكتشف أنك لم تنمْ،

وحين تحلم،

تعرف أنك في إعلان

***

د. سعد محمد مهدي غلام

.....................

هوامش

* هذه القصيدة ليست هجاءً لمدينة بعينها، بل هي نشيدٌ حُرّ لزمنٍ تُنتج فيه المدن أوهامًا عن الحرية، ثم تبيعها في سوق الهواء. كلّ شارعٍ في هذه المدن هو استعارة للقطيعة: بين الإنسان وجسده، بين اللغة وحرارتها، بين الطفل وما تبقّى من ترابه. إنّها قصيدة تُسائل معنى المدينة، حيث يتحوّل الزجاج إلى قفص، والضوء إلى مشرط، والوقت إلى ماكيناتٍ بلا ذاكرة.

ليماسول / نيقوسيا: مدن من قبرص، ترمز هنا إلى الحداثة المعلّبة أو العالم المعزول عن ذاته الذي يسير بسرعة نحو المجهول

ميدوزا الأخرى: تحوير للأسطورة الإغريقية. المقصود هنا ليس ميدوزا بذاتها بل نسختها الحديثة: الكاميرا، الشاشة، النظام المراقِب هو عالم أورويل الدستوبي

فوكو: الفيلسوف الفرنسي، يحضر كرمز للرقابة والسلطة/ الهيمنة المتخفية في الخطاب الحديث

بورصة العسل: استعارة للسوق الذي يسوّق حتى بورصة العاطفة والجمال

صوبة رمادية:  غرفة زراعة صناعية (ربما زجاجية)، تعبير عن حياة مغلقة اصطناعية للبشر

العقرب / ساعة الرمل: رموز للزمن المميت والبطيء المتكرر الذي يموت مرارًا ويبعث ليموت

علبة الألوان: استعارة للخيال المحاصر في منظومات الطفولة القديمة حيث الحنين للوطن الأم Nostalgia

الحبل والرقبة والطين: صور تشريح الحياة اليومية كطقس بطيء للفناء الرمزي

وحْدَهُ الذِّئبُ المُنفردُ،

يَفقَهُ أوَّلَ الطَّريق،

حينَ الغابةُ تُغلِقُ عَينَيها

وتُسدِلُ على النُّجومِ ستائرَها.

*

لا قَطيعَ يَستدلُّه،

ولا قَدَمٌ تُمهِّدُ لَهُ الدَّرب،

وحْدَهُ،

يرى في الحَصى نُقوشاً خَفيَّةً،

في الرِّيحِ إشاراتٍ ملهمة،

وفي الظِّلِّ خُطوطَ خارِطَةٍ سِرِّيَة.

*

الغانم يَحظى بأوَّلِ الجائزة،

لأنَّ فَتنةَ المَجهولِ تَكشفُ لَهُ وَجهَها

قَبلَ أنْ يَتَفرَّقَ الضَّوءُ على الأفواهِ المُتعطِّشة، الجائعة.

***

مجيدة محمدي

كان القرص الملتهب يختفي وراء جبل عمودي، لكن المدهش أنّ هذا القرص لا يتحرّك، بل الكون بأسره يدور لأجله. هكذا كانت ذهب، بائعة الخضار الصغيرة؛ حيثما حلت، تحرك الكون في عيني والدها.

لم تكن ذهب ابنة صائغ الذهب كما قد يُخيَّل، بل ابنة الفلّاح سليم، الذي انتظر كل فجر كي يطلّ على أرضه ويراقب زرعه بحذر.

لم يرَ سليم في حياته ما يضيء مثل ذهب، ابنته الوحيدة. كان يأخذها معه إلى الحقول منذ صغرها، وكانت تلك الأرض المزروعة أمًّا حاضنة لها، تحتضن خطواتها الأولى وتغرس في قلبها جذور البقاء.

كثيرًا ما تساءلتُ عن حقيقة الزمن: كيف تمر اللحظات أحيانًا كلمح البصر، فيبدو ما وقع قبل سنة وكأنه حدث البارحة، وأحيانًا يثقل الزمن كخطوات مترددة في انتظار مجهول. لكن الأيام مع ذهب، ومع الأرض الأم، ومع سليم الأب، كانت تجري سريعة، كالبرق الذي يسبق المطر.

من قوانين الحياة على هذه الارض، هو أنهم لا يملكون الحق في أن يطلوا على الأراضي المجاورة، ولا أن يتجاوزوا حدودهم.

والغريب أن الملك حرم على الناس حلقات العلم ومجالس التعليم في تلك الأرض.

كم تمنى سليم أن يعلّم ابنته، وكم حلم أن يرى عينيها تتفتحان على كتاب كما تتفتح سنابل القمح مع الفجر...لكن هذه الأرض كانت مسوّرة، لها حدود لا يجوز تجاوزها، وأسوار تحجب عنها أراضي الجيران. حتى مجالس العلم مُنعت فيها بأمر الملك، وكأنّ المعرفة جريمة. لطالما تمنى سليم أن تتعلم ذهب، أن ترى النور في الكتاب كما رأته في الحقول.

الزمن مع ذهب كان غريبًا: تارةً يمر سريعًا كالبرق الذي يسبق المطر، وتارةً يتباطأ كخطوة ثقيلة تترقب حدثًا جللاً. ومع كل ذلك، ظل سليم يراها سفيرة الأرض: تحمل في عينيها بريق الحقول، وفي يديها بركة البذور، وفي قلبها حلمًا مؤجَّلًا بأن تنكسر الأسوار، وتعود حلقات التعليم، ويصير للحرية جذور لا تقتلع.

لم تكن الأرض يومًا سوى الحاضن الوحيد لذهب. في طفولتها علّمتها التربة كيف تنطق، ومع مرور الزمن كانت الارض مدرستها الأولى والأخيرة.

مرض سليم واشتد مرضه ولم يعد يقوى ساعده على حرث الارض وزراعتها، حينها وجدت ذهب نفسها تقف في صفه، كفلاح يرث عن أبيه الأمل قبل المحراث.

ذلك العام كان قاسيًا على المدينة، إذ تسللت حشرة غريبة إلى الحقول، تلتهم الجذور وتترك السنابل خاوية.

قلَّ محصول الناس، وارتفعت الشكوى إلى السماء، أما ذهب، فجلست طويلًا تراقب، تفكر، ثم نزلت إلى الأرض تحمل السماد، تمزجه بقبضة من ترابها الأم. أرادت أن تبتكر علاجًا صغيرًا، سلاحًا متواضعًا، يعيد للحقل أنفاسه، وتلبي نداء الأرض الام

وهكذا، بدت ذهب لا كطفلة ولا كفلاحة وحسب، بل كأنها سفيرة الحياة، تحمل رسالة الأرض، وتدافع عن جذورها، لتبقى السنابل شاهدة على إصرارها من الهلاك ، وحملت ذهب سلال الخضار وراحت تجوب اسواق المدينة، لا تبيع الخضار فقط، بل تبيع الأمل، حاملة رسالة عظيمة من أرضها الام ،سفيرة لهذه الارض الخضراء

ومضت أيام ثقال، والناس يراقبون حقولهم وهي تذبل، إلا قطعة الأرض الصغيرة التي ترعاها ذهب، هناك ارتفعت الخضرة من جديد، ونجت الجذور من الهلاك .....

كبرت القصة، وصارت الناس تقصدها لتسألها عن علاج زرعها، ولتسمع منها سرّ العناية الذي يجعل الأرض تعود للحياة من تحت الرماد.

أراد سليم أن يعلم ذهب القرأة والكتابة، فإذا بهاِ تعلّم الناس كيف يقرأون الأرض، وكيف يكتبون حياتهم من جديد

ومن يومها، لم تعد ذهب مجرّد بنت الفلاح أو بائعة في السوق؛ صارت أيقونة تصرخ في وجه العجز، ودرسًا في أن الحياة لا تحتاج لقبًا رسميًا لتمنحك رتبة… بل تحتاج قلبًا يصرّ على أن يزرع ولو في صحراء قاحلة، وروحا تصغي لرسالة الارض وتنقلها للناس .....

ولهذا لُقبت بــ سفيرة الحياة.

***

د. نسرين ابراهيم الشمري

 

​أُرِيْدُكَ

كالنارِ في الروحِ تَقْذِفُ جَمْرَا

كالضوءِ في العَتْمِ يَخْتَرِقُ السِتْرَا

لكنَّ لي شَغَفاً

يَشُدُّ خُطَايَ لِلتَّيهِ

يَبْنِي بِمِلْءِ يَدَيْهِ

جِدَاراً مِنَ العِزِّ

وَوَهْمِ اللَّامُبَالَاةِ

​أنا...

كَمَنْ يَرْتَجِي النَّبْعَ

وَيَرْفُضُ الكَأْسَ

أنا...

كَمَنْ يُبْصِرُ الحُبَّ

وَيُدْمِنُ اليَأْسَ

​أَجُوبُ شَوَارِعَ الْوَهْمِ

أَجْمَعُ عَنْكَ بَقَايَا طَيْفْ

فَهَلْ نَحْنُ نَحْيَا...

بِمَا تَبْقَى مِنَ الْحُلْمِ

خَلْفَ حُجُبِ الرَّقْمِ؟

أَأَنتَ هُنَا؟ أَمْ أَنَا...

صَنَعْتُكَ فِي خَيَالِي مِرْآةً

لِأَعْكِسَ فِيهَا وَجْهِيَ الدَّنِفَ الْحَزِينَ

وَأُسْكِتَ صَوْتَ قَلْبِي

الَّذِي لَا يَسْتَكِينُ؟

هَذَا هُوَ الْحُبُّ...

أَنْ تَمْتَلِكَ الشَّيْءَ ظِلاًّ

ثُمَّ تَخْشَى مَوْتَهُ أَصْلا!

​فَيَا عَجَباً !

أَشُدُّ رِحَالَ بُعْدِي

وَقَلْبِي عَلَى قَدَرٍ

يَرُوضُ لِقَاءَ

أُقَلِّبُ صَفَحَاتِكْ...

أُحَلِّلُ صَوْتَكَ الوَاهِي

خَلْفَ شَاشَاتِ الصَّدَى وَالوَقْتْ

أَنَا الرَّاهِبُ العَاشِقُ

أَنَا مَنْ نَفَى قَطْرَهُ

وَعَادَ لِيَسْقِي ظَمأَهُ

بِوَعْدٍ مِنْ بَعِيدٍ

لا يَعْرِفُ اليَأْسَ

أَفْنَى بِنُورِكَ الخَفِيِّ

وَأَبْعَثُ فِي جَهَامَتِي الكُبْرَى!

​وَقُلْتُ لِقَلْبِي:

كَبِيرٌ أَنتَ حِينَ تَرَى وَتُعْرِضُ!

***

مرشدة جاويش

 

من بعدكِ، صار الكونُ غرفةً خالية تدورُ فيها أصواتُكِ كريحٍ مربكة، وصرتُ أنا ظلًّا لذكرى يمشي بلا جسد، بلا اسم، بلا مكان أهرب من المدى إلى المدى، ولا أرضَ تحنو، ولا نجمة تعترفُ بقلبي.

**

ما الذي بقي؟ حفنةُ رائحةٍ على الوسادة، كأنها اللهفةُ ذاتها تحترقُ ببطء، قطراتُ عطرٍ تتدلّى من عنقِ الغياب، وصدى أصابعكِ حينَ كانت تكتبني، كقصيدةٍ فوق جلدِ الليل. أين أنتِ؟ أين تلك المحارمُ المبلّلة بعذريةِ خجلٍ لا يُشبهُ سواكِ؟ تلك التي كانت تغسلُ بها السماءُ ذنوبَها وتتركها لي، في كلّ فجرٍ يتلعثمُ فوق شفتيكِ؟

**

ماذا فعلَ الزمنُ بعسلِ الكنز، ذاك الذي فاضَ صباحًا على فمي، وكنتِ تضحكين كأنَّ النورَ خرج من بين فخذيكِ؟ أين اختبأ؟ هل شربته الحرب؟ أم سال في الطرقات التي غادرناها، بلا وداع، كأنّها لا تعرفُ أن العسلَ لا يُشرب إلّا من فم الحُب؟

**

من بعدكِ، لم يعد السريرُ سريرًا بل منفى لرغباتٍ مبتورة، لم تعد الملابسُ المتناثرة حكايةَ ليل، بل أنقاضَ حريقٍ، تنتظرُ أن يأتي أحدٌ ليُلملمها، ليُعيد ترتيب الجريمة بشيءٍ من الشغف. كان كلّ شيءٍ يشتهي أن يبقى: جسدُكِ ملتصقًا بجسدي، ضحكتكِ معلّقة على رقبةِ الوقت، دقاتُ قلبكِ تمتحنُ الإيقاع وتُصلّي على نبضي.

**

الآن، أنا نبيّ الوحدة، وكلّ وجهي خريطةٌ لا تؤدّي إليكِ، أنامُ على وسادةٍ مُمزّقةٍ من أسئلتك، وأُحدّقُ في سقفٍ لا يعرفُ قصصنا، ولا يسمعُ تنهّداتي الموجوعة وأنا أستدعي خيالكِ، كما يستدعي الجنديُّ صديقَه الميت، في المعركةِ الأخيرة.

**

أخبريني، هل كان لا بدّ أن تنتهي الحربُ كي تبدأ فيّ؟ ألهذا اختفى العالمُ من عيوني حينَ انكسر جسدُكِ عني؟ هل كان لا بدّ أن أكون الناجي لأموتَ بهذه الطريقة؟

**

أنا الآن غريبٌ حتى عن حزني، أتشمّمُ خطواتكِ في الغياب، أرتّبُ الليلَ على مقاسِ شَوقكِ، وأقولُ: يا الله، أعد لي امرأةً تشبهها، أو أعدني إليها بأيِّ شكلٍ من أشكالِ الحنين.

***

بقلم: كريم عبد الله

بغداد - العراق

لنفترض اننا تزوجنا. فما هي أمنيتكِ التي تودين ان أحققها لك.؟؟ وسأكون مرهفا للسمع بما تطلبين..

امتعضت وبانت على ملامحها مسحة الغضب، زمت شفتيها ثم بادرته بقولها: يبدو انك لا تمتلك عاطفة نبيلة تجاه قراراتنا. لماذا نفترض؟؟.

ألم نقرر موعدا للزواج!!.

بدرت منه قهقهة عالية ثم قال لها: بكل تأكيد عزيزتي لكنها صيغة لفظية شائعة الاستخدام. سامحيني ربما كانت زلة لسان أو خانني التعبير لا أكثر.

أجابته والارباك باد على حركة يديها وقد احمرت وجنتاها خجلا وقضمت طرف شفتها السفلى. سأجيب عن سؤالك اذن: نعم ان الأماني كثيرة وأهمها ان نمتلك بيتا صغيرا وأنيقا وأمامه حديقة نزرع فيها انواعا من زهور الياسمين والجوري والليلك كي أجمع كل يوم باقة متنوعة وأضعها بجانب سريرنا. وان يهبنا الله طفلا جميلا نداعبه ونمنحه حبنا وحناننا وهذا كل ما أتمناه.

وأنتَ ماذا تتمنى؟؟ أجابها: اتمنى ان أحصل على اجازة لمدة شهر بعد زواجنا. نسافر خلالها أنا وأنت ونلف مدنا كثيرة لم نشاهدها من قبل ونؤجل فكرة الانجاب فيما بعد والحياة أمامنا طويلة..

قالت: لا. بل أتمنى ان يكون عندنا طفل وأتمناه ان يكون ذكرا ويشبهك تماما..

الا ان إرادة الله جعلتهم ينتظرون فيما بعد سنينا عديدة. عندها شعرت هي بحالة من اليأس الذي بدأ يتسرب الى روحها بعد ان فشلت محاولاتها في مراجعة الأطباء. كانت تتمنى ان تمنحه احساسا بالأبوة وذلك بسبب حبها الصادق له. طلبت منه وبجدية تامة ان يتزوج من امرأة أخرى. لكنه رفض فكرتها ووعدها ان يحقق حلمه بالسفر. ثم أنه ظفر بعمل اضافي في المساء لكي يجمع مالا يكفيهما مؤونة السفر خارج حدود بلده للنزهة.

وذات مساء لا يشبه كل المساءات، وحين حلّ فصل الربيع وعاد السنونو الى عشه الذي هجره في بلكونة دارهم عاد ليعلن ان حلمه يتجدد وانه يشعر بالرضا من تلك السيدة التي يحط في شرفتها كل عام لكنه لا يدري ما سبب حزنها الذي تبثه للريح دائما وخلال كل فصل يسمع تأوهات روحها وهو يسترق السمع لدعائها أحيانا ولغنائها الحزين احيانا أخرى. تنتظره في شرفتها وهي ترتشف قهوتها وحيدة دائما وتندهش حين تراه يطعم صغاره وتسمع زقزقتهم و ترى تدافعهم فيما بينهم لحصول كل منهم على نصيبه من الطعام أو الماء.

عاد زوجها على غير عادته وكان يشكو من ألم أصاب رأسه فوجدها جالسة في تلك الشرفة التي زينتها بأصيص الفخار لنبتة متسلقة والتي أضفت جوا مليئا بالبهجة وراحة النفس وكانت تتحدث بصوت خفيض بكلمات الغزل الرقيق بأسلوب شاعري رقيق وتغني بأغنية عاطفية تأسر القلوب مما اضطره ان يختبئ خلف ستائر النافذة المطلة على الشرفة وأخذ ينصت باهتمام الى كلماتها وهي ما زالت تتحدث تارة وتغني تارة أخرى تسرب الشك الى روحه رغم العلاقة المتينة التي جمعتهما. لكنه أخذ يحدث نفسه يا الهي ليس معها أحد في الدار وهذا الكلام الرقيق والغزل لمن يا ترى ومع من تتحدث في هذه الساعة. ؟؟

فهمس مع نفسه: كم مغفل كنت ايها الأحمق. انها تتصل بهاتفها النقال الذي أهديته إياها في عيد ميلادها الأخير. عندها ضرب على أم رأسه بكلتا يديه. نعم انها لا تستحق ثقتي. ثم اخذ يدنو قريبا منها ودون ان تراه. شعر عندها بارتفاع حرارة جسده وتسارع ضربات قلبه. انه يعمل صباحا ومساء كي لا يتسرب اليأس الى روحها. وليحقق لها السعادة ويعوضها عن حرمانها للأبناء.

ولم يفكر ان يتزوج بامرأة أخرى لأن قلبه قد تعلق بهذه المرأة بالذات دون غيرها.

أخذ يدنو منها أكثر فأكثر حتى أصبح خلف كرسيها مباشرة. وهو يتابع حركة يديها بدقة متناهية ودون ان تراه تفاجأ انها لا تحمل أي هاتف بيدها. اذن هل أصيبت زوجتي بالجنون. فقرب رأسه منها ليراها تمسد على بطنها وهي تقول: ستكون فرحة غامرة لأبيك حين أخبره بهذه المفاجأة الغير متوقعة.

***

قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو

أكتبُ منْ نعومةِ الأظفارِ..

في حرفي

وفاتَ ما يقربُ منْ ستينَ..

في الصفِّ:

مررْتُ بالغنيّ والفقيرِ

والصغيرِ والكبيرِ

والجنديِّ والمُشيرِ

والطائرِ والأسيرِ

والسلامِ والنفيرِ

والشاعرِ الواقفِ والرائعِ

والشاعر المنبطحِ البائعِ

ومَنْ يُقالُ عنهُ بالعاقلِ

ومَنْ يُقالُ أنّهُ مجنونْ

*

مررْتُ بالمثقفِ المُنيرِ،

والمثقفِ المطفيِّ،

والمثقفِ الطيّبِ،

والمثقفِ الملعونْ.

*

رأيتُ في الذي رأيتُ..

ما يشيبُ منْ ضربتهِ..

الشايبُ والرضيعُ،

والدافئُ والصقيعُ،

والفؤادُ والعيونْ

*

لكنّني..

لم أنتبهْ..

بأنّني الطيِّبُ..

والمُغفّلُ المُكبّلُ العيونْ!

***

عبد الستار نورعلي

 

مَلامحُ العين ترنيمٌ بلا شَفَةٍ

والرمْشُ يَهْدأ، في وصفٍ به عِبرُ

*

وللمعاني صَدىً في رسْمِ صُورَتها

ومُقْلَةُ الرَّصْدِ، في مِرسالِها أَثرُ

*

نبْعُ المواهِبِ لا تَخْفى سريرته

وفي التصنّع تزويقٌ له صُوَرُ

*

والعَزْفُ إنْ غابَ عَنه الإنْتقاءُ سَرى

في غُربَة الذوق والأنماطُ تنْحسِرُ

*

(يامن يَعزّ علينا أن نفارقهم)

ذكراكُم يحتويه الشوقُ والسّهَرُ

*

إنّ الخيالَ اذا الابداعُ جَسّدَهُ

يُمَوْسِقُ الجوَّ في لفظٍ لهُ وَتَرُ

*

يَجوُبُ حوْلَ رِياض الشِعر مُنْتقيا

حُسْنَ القوافي، عفيفا حين ينْبهِرُ

*

نورُ التفوّقِ يبقى في جلالته

اذا التواصلُ صوْبَ العِز مُقتَدِرُ

*

نَيْلُ الوَجاهَةِ، في تحقيق غايتها

إنْ غادَرَتْها سِماتُ الحقِ تَنْدَثرُ

*

وبَصمةُ الودِّ توثيقٌ له صِلَةٌ

بعِفّة النهْجِ، لا زيْفٌ ولا ضرَرُ

*

إنْ حقّقَ الصوتُ في الأجواء هيْبتَه

بدافع الخير، فالأهدافُ تنتصر

*

وكلُ رُتْبةِ ابداعٍ اذا شَخَصَتْ

بَهاءُ طَوْدٍ، به الأحفادُ تفتخرُ

*

كَفٌّ يؤرّخُها سيفٌ بمَسْكَتِه

والخُلْدُ ينسى يداً، بالبَطْن تَأتَمِرُ

*

ينام صافي النوايا، والسَنا وَعَدٌ

دوما اليه زلالُ الماء ينهَمِر

*

يا صاعِدا سُلَّماً، تدري مدارِجه

حُبُّ الظهور، رويداً سوف تَفْتقر

*

لا ترتدي زُخْرفا في نسْجه بِدَعٌ

فالوَهْمُ يكْشِفُه التحليلُ والبَصَرُ

*

(إن العيونَ التي في طرفِها حَوَرٌ)

لا فخرَ فيها، إذا قلبٌ به عَوَرُ

***

(من البسيط)

شعر: عدنان عبد النبي البلداوي

بِـفَـاتِـنَـتِي يَــشِـعُّ الـعُـمْـرُ ضَــيَّـا

وَيُـشْرِقُ فِـي خَـفُوقِ القَلْبِ حَيَّا

*

بِـهَـا هَـتَـفَ الـفُـؤَادُ بِـلَحْنِ وُجْـدٍ

فَــكَـانَ لِـمَـسْمَعِي نَـبْـضًا شَـجِـيَّا

*

سَـقَـتْ قَـلْـبِي حَـنِينًا ذَاتَ وَجْـدٍ

فَـــأَرْوَتْ لَـهْـفَتِي وَالـشَّـوْقَ رَيَّــا

*

سَــرَى فِـيـنَا الــوُدَادُ فَـصَارَ نَـبْعًا

تَـدَفَّـقَ فِــي دَمِــي عِـشْـقًا نَـقِـيَّا

*

فَـتُـهْدِينِي مِــنَ الأَنْـفَـاسِ عـطرا

يَــفُـوحُ الـطِّـيْبُ مِـنْـهَا سَـرْمَـدِيَّا

*

أُدَاوِي هَــمَّــهَـا بِــالـحُـبِّ لُــطْـفًـا

فَــأَجْـنِـي وُدَّهَــــا رُطَــبًـا جَـنِـيَّـا

*

أَفِــيـضُ لَــهَـا حَـنَـانًا وَاشْـتِـيَاقًا

وَأَنْــسُـجُ عِـشْـقَـهَا شِــعْـرًا نَـدِيًّـا

*

تَـمُـدُّ الـحُسْنَ فِـي عَـيْنَيَّ سِـحْرًا

فَـيَـسْكُنُنِي الـهَـوَى عِـشْقًا طَـرِيَّا

*

أُحِــبُّ وَهَـلْ يُـلَامُ الـقَلْبُ فِـيهَا؟

شَـبِـيـهُ الـــرُّوحِ فَـاتِـنَـةُ الـمُـحَيَّا

*

إِذَا حَـضَرَتْ تَـرَى فِي اللَّيْلِ نُورًا

كَــأَنَّ الـصُّـبْحَ قَـدْ أَضْـحَى جَـلِيًّا

*

وَإِنْ هَـمَسَتْ تَـسَرْبَلَ فِي فُؤَادِي

ضِــيَـاءٌ يَـحْـمِـلُ الْـوَجْـدَ الـنَّـدِيَّا

*

وَإِنْ غَـابَتْ تَـغِيبُ الـشَّمْسُ عَنِّي

وَتَـسْـكُـنُ عَـتْـمَـةُ الأَقْـــدَارِ فِـيَّـا

*

تُـبَـعْـثِـرُنِي فَـتُـشْـعِـلُنِي حَـنِـيـنًـا

أَذُوبُ بِـــهَــا وَأَجْــمَـعُـهَـا إِلَـــيَّــا

*

فَـأَحْـمِـلُهَا عَــلَـى الأَهْــدَابِ وَرْدًا

لِأَطْـــوِي سَــطْـوَةَ الأَيَّـــامِ طَـيَّـا

*

وَأَرْسُـمُـهَا خَـيَـالًا فِــي ضُـلُوعِي

يُــسَـامِـرُنِـي وَيَـلْـقَـانِـي حَــفِـيَّـا

*

أَضُـمُّ هَـوَايَ فِـي صَـدْرِي وَأَبْنِي

لَـــهَــا وَكَــنًــا وَأُسْـكِـنَـهَـا عَــلِـيَّـا

*

وَكَـمْ خَـبَّأْتُ وَجْـدِي عَـنْ عُـيُونٍ

لِأَحْــفَــظَ عَــهْـدَنَـا سِــــرًّا نَـقِـيَّـا

*

فَـهَلْ يَـكْفِي الـهَوَى لِـحَيَاةِ قَـلْبٍ

إِذَا مَــا الـلَّـيْلُ سَــارَ بِــهِ قَـصِيَّا؟

*

وَهَلْ يُجْدِي حَنِينُكِ فِي ارْتِوَائِي

إِذَا مَــا الـبُـعْدُ أَوْجَـعَـنِي خَـفِـيَّا؟

*

إِذَا مَـا الـصَّمْتُ بَـاحَ بِـكُلِّ نَـبْضٍ

تَـعَـالَـيْ، فَـالْـمُنَى أَضْـحَـى لَـدَيَّـا

***

الشَّاعِر فَيْصَلُ النَّائِبْ الهَاشِمِي

اللوحة المفقودة في أدب الأطفال.......

تروي حكاية طفل لم يُسمع صوته بعد.

الألوان ضائعة بين أقدام المارة، والقصص تذوب في صمت الزوايا.

هناك صوت غير مسموع،

وذكريات لم تُدون،

وحياة لم تُرسم تفاصيلها.

بيت بلا سقف، ومحل بلا زقاق…

الفراغ هو ما يكتب، والصمت هو ما يرى.

أطفال عاشوا دون أسرة…

حكاياتهم مبعثرة بين الشوارع…

أجساد رقيقة لكنها تحجرت…

وكأن العالم بأكمله يتجاهلهم،

وكأنه لا يرى إلا نصف لوحاتهم،

التي ترسمها خطواتهم بين الأزقة وعلى الأرصفة،

وفي وحشة الظلام، حيث في عالمهم لا وجود لفجر يوم جديد.

صورة بألوان باهتة، حوافها ضبابية، ومحيطها رمادي.

أبواب مغلقة، لا فراش ناعم ينتظرهم، ولا أحلام وردية تزورهم،

ولا من يقرأ لهم قصصًا قبل النوم.

خطواتهم ترسم لوحات نصفية في وحشة الظلام…

تتبادل شمسهم وقمرهم الأدوار بصمت.

***

د. نسرين ابراهيم الشمري

مِنْ جَوْفِ الطُّوفانِ

وَفِي أَمَلٍ ميئوسٍ مِنْهُ...

حاولتُ لفتَ أنتباه الله بِلهجةٍ بغداديّةٍ ولِدت معي

أسمعتْ مَنْ بِهِ صممٌ:

إِلهِي...

الْمَدِينَةُ المَعْروفةُ بَيْنَ الأممِ بِمدينةِ السّلَامِ

رغمَ أنَّ اسمها الحقيقي أَرْمَلَة الفرح

لَمْ يَكُنْ لَهَا مَلْجَأ سِوَاكَ

فَكُلّما عَزَّفَت قيثارتُها صَافِرَات الْإِنْذَار

وَأَطْفَأْتِ الْحُروبُ والنَّكْبَاتُ مصابيحَ شوارعِها....

أَوْقَدتِ الشُّمُوعَ لَكَ صلاةً!.

وهُوَذَا الطُّوفانُ أُطْفَأ شُمُوعها...

فهَلْ ستَتَقَبَّلُها فِي الْمَلَكُوتِ السَّمَاوِيِّ

بِلَا وشاحٍ أسودٍ

ودونَ ثيابٍ مُبقَّعةٍ بِالدّماءِ؟!.

فيَارّبُّ هَذِهِ المَدِينةُ القِدِّيسُةُ لَمْ تَقْتَرِف خَطِيئَةً

وإنّما تَوَارَثْت خَطايَا حُكَّامهَا

الحاكمُ تِلْوَ الحاكم!.

لقَد كَانَت جائعة للطُّمَأْنِينَةِ

وَلَمْ يُطْعِمُها سِوَى مُهَدْئَاتٍ

تَلُوكها مَا بَيْنَ حربٍ ومَأْساةٍ وطوفانٍ...

فهَلْ سيُعِلْنُ العالم الحدادَ عليها ثَلَاثَة أَيَّامٍ؟

أمْ ستقولُ لَهَا:

" اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ...إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ "؟.

مَهْلاً يَا الله:

بقيَ لِي أن أقولَ لَكَ:

لَا يفني تَارِيخَ مدينتي حاكمٌ أو طوفانٌ.

لِتَضَرُّعاتي أصغِ يَا رّبِّ. آمين.

***

الأب يوسف جزراوي

سَمِعْتُ الهديلَ برغمِ الصخبْ

وكنتُ المياهَ وكنتِ اللهبْ

*

تخفّفتُ حتّى توارَيتُ عنّي

وكُلّي بكُلّي إليكِ انجذَبْ

*

كأنّكِ أنتِ المدارُ الوحيدُ

وروحي تطوفُ وما من تعَبْ

*

سأحذِفُ ياءَ النداءِ فأنتِ

دمٌ فيَّ يجري وقلبي المَصَبْ

*

أُقبِّلُ منكِ الشفاهَ العِذابَ

فأهجُرُ كلَّ كرومِ العِنَبْ

*

وهبتِ لشمسِ الصباحِ الحزينِ

ضفائرَ شَعْرٍ بلونِ الذهَبْ

*

وعلّمتِ عُصفُورةً في الحروبِ

فنونَ الغناءِ ومعنى الطربْ

*

جمعتِ المحاسنَ من كلِّ أرضٍ

فنهدٌ دِمَشقٌ وخَصْرٌ حلَبْ

*

لقد حدّقَ الليلُ فيكِ طويلاً

وفي مُقلتَيكِ ارتمى وانسكَبْ

*

ألَا إنّما كلُّ حزنٍ عظيمٍ

يزولُ بهذا الجمالِ العجَبْ

*

فعيني وسمعي وفكري ونبضي

كخيلِ سباقٍ وأنتِ الأرَبْ

*

أسائلُ نفسي: تُرى أيُّ سِرٍّ

بهذي الزهورِ التي تُستَحَبْ

*

لأنّكِ أنتِ نظرْتِ إليها

فأنتِ لكلِّ جمالٍ سَبَبْ

***

عبد الله سرمد الجميل شاعر وطبيب من العراق

 

لَمْ يمتْ بَلْ مشى يتمشى الطريقَ الجميلَ الذي بينَ دارتِهِ في الجنوبِ

ودارتِهِ في السماءْ

حقولاً ونوراً وماءْ

وجداولَ تملأُ منها الجرارَ النساءْ

*

لمْ يمتْ

والحناجرُ ضجَّتْ تناديهِ كيما يعودْ

حشوداً تسيرُ بجنبِ حشودْ

*

والجنودُ يريدونهُ حاضراً

لكي يجدوا بَعدَ بحثٍ جوابَ السؤالِ:

لماذا الجنودُ جنودْ؟!!

*

على ساحلِ البحرِ في فنزويلا لَهُ أصدقاءْ

لَهُ اصدقاءٌ بكوبا

وفي نجفٍ باسقٍ في العراقْ

ولَهُ في الجزائرِ، في المغربِ العربيِّ وفي المشرقِ العربيِّ رفاقْ

*

ولَهُ في اليمنْ

قلوبٌ اِذا خفقتْ

ستهزُّ دهورَ الزمنْ

***

شعر: كريم الأسدي

..........................

ملاحظة: زمان ومكان كتابة هذه القصيدة في يوم 24 أيلول 2025 ، في العراق ..

 

إقفلْ عينيكَ بقُرحةِ كافورِ الموتى

الكوّةُ غرقى بسوادِ يقينِ الأيامِ

والدربُ عسيرُ المرمى فضفاضُ شقوقِ الأكمامِ

ذكّرى مرّتْ مرَّ العاصفِ بعدَ الزلزالِ

أينَ مكانيَ مَنْ يُطفئُ نارَ الحرمانِ

شتّوا جَمْعاً وفُرادى

كانَ الأوّلُ مخضوبَ الرأسِ وكان الثاني مخنوقَ الأنفاسِ

ظلَّ الكهفُ سبيلاً مفتوحَ الثغرةِ والصدرِ

يستقبلُ عُوّادَ الدُنيا الأُخرى أجيالاً أمواجا

*

طافتْ أركانُ المعمورةِ جذلى

تصبغُ أُفْقَ الشرقين الأدنى والأقصى

بفنونِ بروقِ الطيفِ الشمسي

الحارسُ خلفَ المِقوَدِ يحكي للريحِ مخاريقَ الطُوفانِ

كيفَ انحرفَ الرأسُ العاري وحطَّ النورسُ  فوق الصاري

لا ريحَ تُعكِّرُ أمزجةَ الموجِ ولا قَمَرٌ يرقبُ عينَ الربّانِ

نوحٌ باحَ وراحَ يُجمِّعُ أخشابَ الأرزِ

كلكامشُ يقتلُ وحشَ الغابةِ (خِمْبابا)

أين صديقُكَ (أنكيدو)؟

تركَ الفُلكَ يُفتِّشُ عن قنينةِ خَمْرِ

طافتْ .. طوّفتُ ولمْ أغرقْ إلاّ في حالةِ إغماءٍ قسري

حالَ الباكي ينفثُ من رئةٍ غيماً منفوشا

قد يلحقُ بالموجِ الضاربِ أطنابا

يدّافعُ والحلْقاتِ العُظمى في دولابِ التدويرِ البحري

لا من صوتٍ إلاّ صوتَ زئيرِ سقوطِ الأفلاكِ

لا يخلو موجٌ من شارةِ حُزنٍ بعدَ الإقلاعِ

فشلَ الطوفانُ فأعلى الصاري رأسا

(نوحٌ) يسقي في حانةِ (سيدوري) (أنكيدو) كأسا

الماءُ يشفُّ وريشُ حمامٍ فوقَ الصاري

الرِحلةُ قد تمّتْ وانحسرتُ موجاتُ الطوفانِ

نوحٌ في حانةِ (سيدوري) يسقي (أنكيدو) كأسا

جذلانَ فقد جفَّ الماءُ.

***

د. عدنان الظاهر

أيلول 2025

من استبعاد محتلٍّ

إلى استعباد "أحرارِ"

*

هي الأحوالُ في دارٍ

مقسّمةٍ لأقطارِ

*

قرونٌ قد مضتْ والشّعـ

ـبُ مغتَصَبٌ بأفكارِ

*

حروبٌ لم تقمْ والربُّ

منتصِرٌ بإسكارِ

*

ربوبٌ هُدّمتْ واللا

تُ  ممتنِعٌ بزوّار

*

قصورٌ في السّما والجو

عُ مُكتسِحٌ بأسعارِ

*

علومٌ اُنشِئتْ والجهـ

لُ مُتّبَعٌ بإصرارِ

*

عصورٌ قد تلتْ والزّيـ

رُ مُمتدَحٌ بأشعارِ

*

شموسٌ أشرقتْ والغرْ

بُ مُنتدَبٌ لإعمارِ

*

بلادٌ حُرّرتْ والقد

سُ منتظِرٌ لأقدارِ

*

وتدري القدسُ أنّ الدّا

ءَ ليسَ بداءِ ثُوّارِ

*

و لا هوَ إن تسلْ غربٌ

تغلغلَ عبْر أنصارِ

*

ولا هوَ إن تُعِدْ جيشٌ

لحفظِ سُلالةِ العارِ

*

بأرضِ الدّارِ كرّارٌ

وعند الجار ِكالفارِ

*

ولا هي قلّةٌ أمسوا

بها خدمًا  بأمصارِ

*

ولا هي فرقةٌ عصفتْ

بهم عصفًا كإعصارِ

*

ولا هي أعينُ الحُسّا

د صابتْهُم بأعمارِ

*

وما ذاكَ وما ذا غيـ

رَ تعميةٍ لأبصارِ

*

عن الدّاءِ الذي أمسىْ

اسْمُهمْ ذاتَ اسمِهِ السّاري

*

ويَقسمُهمْ ويطرَحُهمْ

ويضرِبُهمْ كأصفارِ

*

ويُحصيهم ألوفًا حيـ

ن يجمعُهمْ على العارِ

*

وينُسيهم معالِمَهمْ

ويُلحِقُهم بأغيارِ

*

ويُوعدُهم بفردوسٍ

ويرسِلُهم إلى النارِ

*

كراهيةُ الرّدى ولعًا

جرى هوسًا بذي الدّارِ

*

وتدري القدسُ أن لا حلّ

إن تركوا لأقْدارِ

*

فوهْنُ القلبِ ليس يزو

ل دون مرورِ إعْصارِ

*

يعلّمُهم مقاومةَ

الدّنى نسفًا لأسْفارِ

*

يعلّمُهم مُخاللةَ

الرّدى سعيًا إلى الثّارِ

*

إذا اقتبسَ الحياةَ عزيـ

زةً من حيِّها العاري

***

أسامة محمد صالح زامل

 

في ساعة الظهيرة

حيث الأشياء تقترب من ظلها

ويحتمل الغبار خِفّته

لوّح سيدنا الشهيد بعصاه

فانبجست قصيدة.

*

كيف أكتب القصيدة؟

قلّبت أشعار من سبقوا

لعل شاردة تليق بي.

في عكاظ الغاوين

من يقدح زنده لا يثبت

كمن سرقوا

حي على التلصص

مهنة الشعراء الفريدة!

*

حملت صمتي الموقر إلى ضفة الوادي

للماء في الشعر ملحمته

هو الساكن/الخالد

هو الرجاء..

ينزّ من ثدي السماء العنيدة

كسارة الألوان هو

والحامل والمحمول

وما شئت من سلالم إلى الروح البعيدة.

تفتق شاعر على الراديو ليصيح:

ريب هي الحداثة!

مشقة وغياب

لا ماضي إلا ما مضى

والآتي.. عائد للتو من غربته

كن بلا وطن لتكتب

كن بلا وثن

لتضيء الحروف سبيلك

إلى مدن سطّرتها المكيدة!

تريث وأنت تعبر بين قلبين

لعل في البوح

ما يفسد الحنين إليك

لعل في صمتها ألف سنبلة

تحنّ إلى المناجل

لعلها قنديلك المُسرَج

إلى موت خفيف.. وعاجل

هُزَّ إليك بجذعها

تسّاقط الكلمات

خُذها.. لا تخف!

وضع في المقلتين زمردا

لتشرق الكائنات

دونك هذا الزمان الجريح

دونك ما تبقى من أمنيات

خُذها.. لا تخف!

ما الروح إلا همهمة

ما الشعر إلا نمنمة

سطّرتها يد الغلَس

هذي حروفك تجري على اليَبَس

لتضيء الروحَ داخلها

ويهتف الشعراء: حي على الفجيعة

وانكسار الذات كمرآة

وجع هي الكلمات!

*

ثم عدتُ الشاعر الذي كُنتُه

مُمحّصا هذرك الناقد

مُلوّحا بالشمس لظلك المارد

لي أبجدية:

عشرون حرفا تُقلّبها الصبابة

لي عرّافة تحثّ الرمل

في أثر الغياب

ولي زفرة

تصعد من ثقوب الناي إلى مولاي!

*

تلوّى كل بيت في دمي

لتكتمل القصيدة

وأظفر بالمعاني لأسُكّها

درهما للقُرُبات

وتشرد أوزاني بلا كلل

من خيمة إلى طلل

إلى نقش على دار الخلافة

أنا الشعر

والشعر كينونتي الأولى

رونق أوجاعي في مهب الحياة.

***

حميد بن خيبش

فاس- المغرب 2025

 

منذ اللحظة الأولى لوفودها إلى كان صديقي بائع الكاسيتات، ووقوفها هناك بجسدها الميّاس ونظراتها الحالمة، شعرت بأنها لن تكون صبية عابرة في حياتي وأنني سأتوقف عندها طويلًا. تقدّمت من القاطع الخشبي الفاصل بينها وبين صاحب المحلّ، أرسلت نظرة متمعّنة إلى الكاسيتات المفرودة على القاطع. قالت:

- اريد هذا. وتناولت كاسيت لم أتبين عنوانه.. رغم رغبتي. ابتسم لها صاحب المحل وهو يقول لها:

- أعرف أنك تحبين عبد الحليم حافظ. اختيارك لأغنية "بحلم بيك.."، يقول انك توغلين في عالمه. تناولت الكاسيت من على القاطع الخشبي، وضعته في حقيبتها اليدوية، ومضت غير عابئة بنظراتي المُختلسة تجاهها. تجاهلت وجودي، كأنما هي أرادت أن تقول لي إن نظراتي المتسائلة لا تعنيها. بدا أن صديقي صاحب المحل شعر بنظراتي الشابّة الطرية تلك، فتوجّه إلي:

- هذه جواهر ابنة الحارة. اكتشفت عبد الحليم مؤخرًا.. قبل ثلاثة أشهر.. منذ اكتشافها له، دأبت على زيارة المحل كل يوم ثلاثاء.. لتشتري كاسيت إحدى أغاني العندليب. بعد صمت قصير تابع يقول: اشعر أنها راقت لك. ولم ينتظر تصريحي المتوقّع، وتابع يقول، إنها فتاة مُرهفة، أعتقد أنك تكبرها بثلاث سنوات. إنها مناسبة لك.. أرجو أن ترافقك في توديع العزوبية.. يكفي أنك بلغت ربع قرن من الزمان.

الهبت كلماته هذه خيالي.. الملتهب أصلًا، ورحت أتساءل عن سبب تجاهلها لي كلّ ذلك التجاهل، ولا أخفي أنني أردت أن أتحدث إليها، أن أقول لها إنني أنا أيضًا أحب العندليب، لا سيمات أغنيته تلك التي اشترت تسجيلًا لها. ولو فتحت لي مجاًلا للتحدث إليها لقلت لها إنني سبق وأنتجت لوحة للعندليب، شهد لها القاصي والداني، ورفعت أسهمي بين فناني البلاد، بل جعلت بعضهم ينظر إلي بنوع من الحسد، فيما دفعت بعضهم الآخر إلى تجاهلي وكأنما أنا شكّلت بتلك اللوحة خطرًا عليهم وعلى ابداعاتهم الفنية.

ابتعدت جواهر عن محل صديقي، حتى اختفت في منعطف قريب. قلت لصديقي:

- أوافقك الرأي.. أشعر أن بيني وبينها أكثر من قاسم مشترك.. لا سيّما فيما يتعلّق بحليم.

أثني صديقي على جواهر قائلًا:

- إنها أجمل وأعقل مزز الحارة.. تعال يوم الثلاثاء المُقبل.. فقد يكون نصيبك.. في الزواج والحياة.. معها.

انتهى ذلك الموقف، غير أن تفكيري بجواهر لم ينته، فقد رافقتني طوال طريق العودة إلى البيت في القرية المجاورة. وأكاد أقول إنها دخلت معي باب شقتي الوحيدة وأنني أغلقت الباب محاولًاأان أحول بينها وبين المغادرة.

فكّرت في اليوم التالي بزيارة دكان صديقي بائع الكاسيتات، حاضنًا في عيني وفي كياني كله صورتها الجميلة وهي تضع كاسيت اغنية بحلم بيك، وانطلقت باتجاهه. غير أنني ما أن شارفت على الوصول إلى دكانه حتى استسخفت موقفي، أنا الفنّان رسام المطربين العرب الرائعين، وعدت من حيث أتيت. توقّفت في المحطة القريبة من الشارع المحاذي لدكان صديقي بائع الكاسيتات، وأنا أقول لنفسي، دعها.. دع جواهر فقد تلتقي بها، يوم الثلاثاء القادم، حين تتفحص كاسيتات حليم لاختيار واحدٍ منها. ما إن قلت لنفسي هذه الكلمات، حتى فوجئت بها.. بجواهر ذاتها بشحمها ولحمها.. تهلّ على محطة الباص.. كأنما هي واحدة من حوريات الجنة.. نزلت إلى الأرض في المكان المناسب والزمان المناسب. أرسلت ابتسامة غامضة نحوها، إلا أنها تجاهلت ابتسامتي بل تجاهلت وجودي كلّه. توقّف الباص المنتظر، لأراها تصعد درجاته، وترسل نظراتها الساحرة الحالمة إلى سائق الباص، ولم تكتف بذلك وإنما راحت تتحدث إليه بكثير من الود، الامر الذي جعلني أتجاوزها وأجلس في المقعد الأخير. استرقت النظرات إليها.. إلى جواهر.. كانت تتحدّث بحميمية إلى السائق، ولفت نظري أنها تتحدّث إليه وكأنما هي تعرف عن مواعيد الباصات مثلما يعرف، وربّما أكثر، فقد تأخرت عن موعدك ثلاث دقائق. هل أستطيع أن أعرف السبب؟.. ابتسم السائق وهو يردّ عليها قائلًا:

- أعرف أنك تعرفين كلّ شيء عن الباصات ومواعيدها. صمت وتابع: تعرفين أن حركة السير دائمة التعسُّر كثيرًا ما تحول بيننا وبين الوصول في الموعد المحدّد.

انطويت على ذاتي وأنا أفكر فيما إذا كانت مرتبطة كلّ ذلك الارتباط بذاك السائق، وبقيت أتخبّط في انطوائي ذاك حتى لمعت في ذهني هاجسة، لو كانت تعرفه أكثر مما يُفترض، لما عاتبته على ذلك التأخر، وربّما كان أخبرها أنه سيتأخر قليلًا في الوصول إلى محطتها تلك. هذه إذن بارقة أمل، تعيد ما أوشك على التكسر بيننا من زجاج، إلى صلابته المختلطة بنوع من الهشاشة. فماذا تراني أفعل.. توقّف الباص في محطته الأخيرة، في مركز بلدتي. ترجّلتْ منه، احتضنت حقيبتها اليدوية وهي تختلس نظرة غامضة.. شعرت أنها غاضبة نوعا ما نحوي، وولّت مبتعدة عن تلك المحطة. تابعتها مسترقًا النظر إليها ومُتابعًا خطواتها المتهادية على ارض بلدتي حتى اختفت في أحد المنعطفات البعيدة. فكّرت باللحاق بها، غير أن صورتها وهي تتحدث إلى ذلك السائق، دفعتني للتوقّف وعدم المغامرة .. فمن ادرأني انها مرتبطة به بعلاقة حبّ حَلِمتُ بمثلها منذ وقعت عيني عليها في الامس؟..

لم أنم في ليلة ذلك اليوم.. التالي.. على لقائي المتوهّم بها، وكنت طوال الوقت أحاول أن أغمض عينيّ تهرّبًا من طيفها الضاغط على مُخيّلتي. الغريب أنني كلّما كنت أتهرّب من طيفها كان يعود إلي بإلحاح اقوى وأكبر. "هل هجم النصيب"؟، ردّدت بيني وبين نفسي، واستسلمت لوسن غامر.. رأيها خلاله تقترب منّي وترسل ابتسامة مُلهمة ساحرة.. تُولّي بعدها مُنطلقة نحو البعيد وإيقاع خطواتها.. دائرة ظهرها.. تتحوّل إلى موسيقى حَليمية في عالمي المُبدع الجميل. تابعتها حتى ابتلعتها.. هذه المرة.. منعطفات البلدة كلّها. وفتحت عينيّ.. بعد ذلك الحلم الجميل.. وأنا أشد على قبضتي الفنانة وأؤكد لنفسي أن ما جَمعه الله لن يفرقه بشر. "سأتحدث إليها .. يعني سأتحدّث إليها". قلت لنفسي وأنا أتمعّن في غرفتي كابية الأضواء.

أخيرًا زارني ملك الكرى، احتضنني. قال لي اذهب إلى صديقك بائع الكاسيت.. زره في الغدّ.. فقد تلتقي بها قريبًا من دكانه، وقد تحصل فرصة غير متوقّعة لأن تتحدّث إليها. في صباح اليوم الثالث للقائي ذاك بها، حملتني قدماي إلى دكان صديقي بائع الكاسيتات، لكن ما حدث هو أنني قبل أن اترجّل من الباص وأنطلق باتجاه دكانه، حتى انتابتني حمية تميّزت بها.. "لا، لا أنا لن أذهب إلى هناك". هكذا وجدت نفسي في لحظة اليوم السابق ومحطّته الشكّاكة. أرسلت نظرة إلى ساعة القرية المُنتصبة بحيرة قُبالة محطة الباص.. كانت تشير إلى الثانية عشرة، إنه موعد الباص ذاته.. في الساعة المحددة تمامًا توقّف الباص لأجد نفسي أصعد درجاته الثلاث واتخذ مقعدي القريب من السائق. لم يكن سائق اليوم السابق، كان شابًا آخر. وقبل أن ينطلق الباص.. سمع الجميع.. نداء يطلب منه أن ينتظر قليلًا. انتظر السائق على غير عادة سائقي منطقتنا لتقع المفاجأة الغريبة الثالثة،" الثالثة ثابتة"، قلت في سرّي. كانت الراكبة المتأخرة قليلًا جواهر ذاتها. ما إن رأيتها حتى أخليت مقعدي القريب من السائق منتقلًا إلى المقعد الآخر. صعدت جواهر درجات الباص الثلاث كأنما هي غزالة طرية العود.. قفزت عنها مجتمعة. لتقف قُبالة السائق ولتأخذ في التحدث إليه وكأنما هي تعرفه أكثر من سائق اليوم السابق. اعتذرت جواهر عمّا تسبّبت به من ازعاج للسائق. واتخذت مقعدها القريب منه، لأفاجأ بالسائق يتحدّث إليها مُخبرًا إياها أن خيرًا حصل، وأنها ليست غريبة عن شركة الباصات.. وفهمت مما قاله أنها مُهتمة بالشركة وباصاتها.. وأن علاقة اخوة تربطها بجميع سائقيها. أنار ما استمعت إليه بكلّ جوارحي.. ما استغلق عليّ فهمه من أمر جواهر.. واتخذت قراري المصيري الأول.. أنا ينبغي أن أتحدّث إليها. لذا ما إن ترجّلت جواهر من الباص، حتى حاولت أن استوقفها للتحدّث إليها، غير أن ما حدث خالف كلّ توقّعاتي، فقد انطلقت بسرعة البرق في الشارع القريب، لأراها تختفي في المنعطف الثالث. وعبثًا حاولت أن أعثر عليها.. غابت مثل حلم ساحر ومراوغ.. في الشوارع والساحات.

مضى ذاك النهار دون أن أعثر لجواهر على أي أثر، أما الآن وقد ابتدأت الصورة العامة.. لها ولي.. تتضح، فأنا لا بدّ مِن أن أعرف جليّة الامر. استقللت الباص المتوجّه إلى بلدتها المجاورة. دخلت دكان صديقي بائع الكاسات، فابتسم وهو يقول لي بدون مقدّمات:

- لقد بهرتك جواهر.. أنا تحدثت إليها بشأنك.. فأخبرتني أنها شعرت باهتمامك بها .. إلا أنها مع احترامها لك ولفنّك.. ترجو أن تتعرّف على سائق باص جدّي وغير عابث لترتبط به. "افهم من هذا أنها لا تفكّر إلا في سائقي الباصات؟"، سألت صديقي، فردّ قائلًا:" نعم هي كذلك.. كّل ما تتمنّاه هو أن ترتبط بأحد السائقين المهرة.. لهذا هي تتحدّث إليهم جميعًا وفي بالها أمل لا يغيب بالارتباط بأحدهم". " والآن ماذا بإمكاني أن أفعل وقد فهمت سبب إعراضها عنّي وإقبالها على سائقي الباصات"، سألت نفسي.. و.. تتابعت الأسئلة تدنيني وتبعدني عن جواهر، إلى أن عرفت الطريق القوّيم لإعادتها من كلّ المنعطفات القريبة والبعيدة.. سأتعلم فنّ قيادة الباصات.. لا بُدّ مِن أن أتعلّم ما يُرضي جواهري الغالية أولًا ويرضيني ثانيًا.

***

قصة: ناجي ظاهر

هزم  المحارب في داخلي، لم يعد يستفيق مع نعيق البوم ويستل سيفه في جنحات الظلام على دقات طبول المعارك. الرماح التي أطلقتها قديماً في صدور الأعداء، بقبضة ثابتة كأنها امتداد لذراعي، عكست حدّها القاتل، وانغرست بصدري.

و كأن الحديد يحفر صدعًا لا يُرى، صدعًا يتسع ليبتلع كل ما تبقى من يقين.  لم أُهزم على يد الأعداء، بل على يدي أنا.

كل المعارك التي خضتها لم تتركني بطلة، بل جثة تائهة بين رماد الحروب. كنت أظن أنني أقوى من أن أهزم و أن الانتصار يعني النجاة، لكنني أدركت أن بعض الانتصارات لا تهب خلاصًا، بل تسرق آخر ما تبقى من براءةٍ واندفاع.

 المحارب في داخلي جثا أخيرًا على ركبتيه، خلع درعه قطعة قطعة، ليتركها تصدأ في العراء، وهمس بصوت لا يسمعه سواي: “لم أعد قادرا" كان في همسه ذهول من نفسٍ لم تعرف الخوف أبداً، خوفٌ ليس من الغياب بل من طول الطريق الذي يقود إلى الفراغ، إلى تلك الشيخوخة الروحية التي تُجبرنا على إطعام نارٍ بلا معنى حتى تأكلنا نحن آخرَ حطبها.

أجلس الآن أعدّ الأطلال — أسماءُ الهزائم، طقوسُ الوداع — وأتعلّم كيف أخوض معارك مجرّدة من السلاح. أسألُ نفسي إن كانت الشجاعة أن أقف من جديد، أن أسمح لأمانٍ صغير أن يرمم بعض الشقوق. ألمحُ في المرآة ظلّ امرأةٍ تهرأ قليلاً، ورغم ذلك تملك قدرةً عجيبة على أن ترى في الأشياء الصغيرة سببًا للوقوف، أن تخمد النيران دون أن تدوس على آخر شعلة فيها.

***

لمى ابوالنجا - أديبة وكاتبة من السعودية

 

أُراقبُ عبر نافذةِ الخريف

سحائبَ

تسيرُ على عَجَلٍ.

*

غيمةٌ تَسَمَّرتْ في كَبدِ السّماء

تُلوِّحُ كأنّها تُودِّعُ الغيماتِ

المُغادِرةَ نحو الجنوب.

*

تَقتربُ كثيرًا لِتَلتحِمَ بغيماتها الصغيرةِ المُبعثَرةِ مثلَ نَديفِ القُطن،

تَسبَحُ في الفضاءِ لتلحَقَ بِجبالِ السُّحبِ المحمَّلةِ ببلّوراتِ الثلجِ وزخّاتِ المطر.

*

ها قد وصلتْ، والتحمتْ في المُقدِّمة،

تَحثُّهم على السّيرِ قبلَ أن يأتيَ المساء.

تُناشدُهم: أن يَحافظوا على حُمولتِهم، فما زال الطريقُ بعيدًا إلى "غزّة " .

*

هناك، على بُعدِ مليارٍ ونصفِ خيبة،

وجوهُ أطفالِهم بلونِ الزنابقِ الصفراءِ،

تَقشّرتْ شِفاهُهم من وَهجِ الشمسِ، وعذابِ الجوعِ، وظُلمِ ذوي القُربى،

وذلك أعظمُ نكبةٍ.

*

عَدوٌّ يفتكُ بأحلامِهم،

يُحرِقُ بالبارودِ دُمىً وخَرائطَ

رَسموها بالطّباشيرِ على حقائبِهم.

*

شظايا القنابلِ سكاكرُ تُسكِتُ الجوع،

تَنهمرُ من نوافذِ المدارس،

ومن خلفِ رُكامِ البيوت، وتحتَ كلِّ حجرٍ.

*

يا غَيمتي الماطِرة، اسقِي العِطاشى حُبًّا وبلسَمًا، كوني للجراحاتِ مُغتسَلاً،

ولأشلاءِ الضّحايا غطاءً من رَحمة.

*

انثُري رحيقًا على مَن يده على الزِّناد

يُقاتلُ المُعتدي، ويدُه الأخرى

يُمرِّرُها على رُؤوسِ اليتامى.

*

أمطِري بأعذَبَ من النَّدى

فوقَ ثَرى سيِّدِ الأرزِ،

مُعطَّرًا بأريجِ الآس،

وحَولَ شواخصِ الشهداءِ،

ومن حولِها شقائقُ النُّعمان.

*

وهناك، وليس بعيدًا عن لبنان،

استريحوا قليلًا على سَفحِ “دَماوَند”،

واغتسِلوا بنديفِ ثلجِه المُعتَّق.

*

وإذا حلّ المساءُ، وتغطّتِ المدنُ بالضباب،

فلتكن وجهتُكم “جُمران”،

فهُناك تَتنفّسونَ من عبقِ الجِنان،

لأنَّ فيها مَن لا يَعرِفُ لُغةَ الخوف،

عَصيٌّ على كُلِّ مَكيدَة أو عتاب

*

وبَعدها…

شُدّوا الرِّحالَ إلى “صَعدَة” العِزِّ والكَرامة،

لِتسقوا شُجيراتِ البنِّ والرُّمّان،

املأوا غدائِرَ جبالِها،

وفَوقَ كُهوفِها

الشامخةِ بالعِزِّ والكَرامة،

اسقوا بُساتينَ الرُّمّان.

*

وأخيرًا، يا غَيمتي الوحيدة، ترفّقي بهُدهُدِ “صَنعاء”،

فما زال حافيَ القَدمينِ يَجوبُ القِفار،

ويطيرُ بين الأكوانِ كلِّها،

يَقصُّ علينا أخبارًا عن زَوالِ عرشِ الشيطان.

*

اسقِهِ من عَذبِ مائك، فعِنده “الخبرُ اليقين”.

لقد كِدتُ أن أشتهي “المُقيلَ والقَاتَ”

لأَنفضَ الرَّمادَ عن صَدرِي المثقَلِ بالقلقِ والإحباط،

مِن “خَنجَرٍ” قد يُباغِتُ خاصرتي،

أو قادِمٍ من الصّحراءِ يُفجِّرُ بي “حِزامَه”.

*

وإن بقي من غَيثِك قَطراتٌ…

فلتكُن حُممًا أشدَّ من أبابيل

على رُؤوسِ الحالمين

بوطنٍ من النيلِ إلى الفرات

***

جواد المدني

 

قلبي يؤلمني،

نصحني الطبيب ألا أثقله

بغزوة أخرى،

اهتزت شراييني لذكرى قديمة،

حين مرت بي،

أشارت بطرف… قاتل.

*

كلما تلمس قلبي،

ألتفت إلى الطبيب،

ثمة شيء

يثلقه.

*

ضحكت وقلت:

بعد كل هذه الآلام

ما زالت

تحرس شراييني،

تهمس في عروقي

بأسماء لم أستطع نسيانها.

*

ليس بيدي،

غفى في صدري،

وتركني

أبكي ذكراه.

*

تتراكض الأيام،

وأنا ما زلت في مكاني،

أنتظر

طائر الليل

يعود،

لا أغفى على صوته.

*

قلبي يوجعني،

الطبيب شعر بالحرج،

كيف له

أن يفرمت

شرايينه،

وذكراك

جدار لا يتزحزج.

*

وصف لي الطبيب دواء

أن تنام وأنت خال،

تحركت شراييني،

كيف

لك أن تقطع

المداد

عنا؟

*

أشباح الليل

تتسرب بين أنفاسي،

تهمس باسمك،

فتعود الذكرى

تجري في دمي

كخنجر لم يُسحب بعد.

*

أحاول أن ألتقط صمتك،

لكن يدي تصطدم بالفراغ،

ويظل قلبي

يتلوى بين كل "كان" و"ما زال".

*

في عينيك

أرى ما رحل،

وأسمع صوتي

يضيع بين جدران الغياب،

وأظل أنتظر

أن تلمس روحي

كما لمست قلبي يومًا.

*

ظلها يمر،

يصيب الهواء بصمت،

وأنا… أتبعه بلا أنفاس.

*

كل نبضة

تعيده لي،

وكل نفس

يثقل بالألم،

حتى أصبح صمتي

وحيدًا مثل قلبٍ لا ينسى.

***

جاسم الخالدي

 

وزدتي!

ذات ليل موحِش بالإنطفاء

آنستي وردتي

فَبَدَتْ أَمْناً كَأُمٍّ

تَشْهرُ الحُمَّى وتَملأُ

ظُلْمَةَ البيتِ ضِيَاءْ!

**

الغاوية!

عبثاً تُغازلني بأزياء جديدة.

كيف تدعوني إلى فَرَحٍ

وأتراحي عديدةْ؟!

كيف؟! والأسْقَامُ قائمةٌ

وأوطاني على أوجاعها

أبدًا قعيدةْ!

**

تبارکتِ!

تباركتِ

تباركَ سِحْركِ الميمون...نَوَّرْتِ

هَجَرْتِ الرُّجْزَ والأَقْزامَ إيماناً بما تُرْتِ

فقد خابوا.. وأَفْلَحْتِ

تباركتِ !

**

تذكير!

لذاكَ الغاصِبُ الجاني:

صدى الأحرار قيثاري

مُحالٌ أَنْ تراني عالقًا بدمي

فلي بالرُّوحِ إِقْدَامٌ

ولي بالبوحِ أَقدَامٌ

وليْ في الثلجِ

أَعْصَابٌ من النارِ !

***

محمد ثابت السُّمَيْعي

.............................

*كم هو صعب أن تغيب عن أصدقائك و(المثقف) الحبيبة بسبب السكري المزمن اعذروني...

 

يا للغيمِ، كيفَ يُطفئُ آخرَ قنديلٍ في دروبِ العائدين، وكيفَ للريحِ أن تحفظَ أسماءَ الذين رحلوا، دونَ أنْ تَخلَعَ جلدَ الذاكرة؟ في مساءٍ مهجورٍ من نبوءاتِ الوجع، ولدنا لاجئينَ من خاصرةِ الأرض، نحملُ على ظهورِنا وطنًا مكسورَ الضلوع، ونمشي كأننا سُلالةُ الأسئلةِ، لا أحدَ يُجيب.

**

في الخيامِ، تنمو الأحلامُ على عِكازِ الانتظار، ويغزلُ الأطفالُ نجومًا من طحينِ الحنين، تحتَ سماءٍ لا تعرفُ أسماءَهم. تقولُ الأمُّ: أين ينامُ قلبي؟ حينَ كلّ طفلٍ لي أصبحَ قارةً منفصلة، وصوتي لا يبلُغُ أعتابَ السماءِ؟ من يُعيدُ لي وجوهَهم قبل أنْ تأكلَها صورُ الهويات؟ وتبكي.

**

الأبُ، سقْفُهُ حنينٌ مُثقّب، وصدرُهُ خريطةٌ مُلغّمة بمدنٍ عبرها دونَ أنْ يراها، يحملُ عمرَه في حقيبةٍ رماديّة، ويقول: لقد تأخّرتُ كثيرًا عن حضنِ البيت، حتى صارَ الزمنُ كلّهُ مَعبرًا لا يُفتح، وكلُّ الجهاتِ حدودًا تبصقُنا.

**

أيُّ جدارٍ هذا الذي فُرِضَ بيننا؟ جدارٌ من تهجيرٍ، من لهاثِ الشظايا، من حقائبَ لا تُطوى، من مطاراتٍ تُطفئُ أملَ العيون، من خرائطَ هجرتْ أسماءَ مدنِنا واستبدلتها بترقيمٍ مُمِلٍّ يُناسبُ طُغيانَ النسيان؟

**

نُفتّشُ في وجوهِ المارّين عن شبهٍ لأبٍ كانَ يزرعُ القمحَ في الحناجر، لأمٍ كانتْ تُرضِعُ الشوقَ مع الحليب، لأخٍ لم يعرفِ الوداعَ إلّا حينَ شقّتْهُ الحدود. لكن لا أحد يُشبهُ أحدًا ولا أحدَ يُعيدُ أحدًا إلّا الله.

**

يا ربّ، أعدْ لنا أوطانَنا التي نحبّ، أعدْ لنا أحلامَنا التي شاختْ في العراء، أعدْ لنا أطفالَنا الذين كبروا بلا ملامح، وأمهاتٍ فقدنَ أسماءَ الندى، وأبناءً تاهوا في خرائطَ من لهب، اجعلْ من يدِك المعجزةَ التي لمْ تُخلَق بعد، واكسرْ جدارَ التهجيرِ العظيم، فما عادَ في القلبِ مساحةٌ أخرى للرحيل.

**

نحنُ العائدونَ إلى اللاعودة، الراحلونَ عن ظلالِ البيوت، المصلوبونَ على أسلاكِ الحدود، نكتبُ أسماءَنا على جدرانِ المجهول، وننتظرُ … أن يُطلّ الفجرُ من عينِ الله.

***

بقلم: كريم عبد الله

بغداد - العراق

في قرية تلوح

للنهاية "الحياة"

حيث الضحكات

(في مواسم الجفاف)

لم يعد الأطفال يلعبون

بالحبال ويغازلون البنات برقة

بل يلعبون بإشارات التلميح

يرسمون أشكال المسدسات

على أصابعم النحيلة

ويقلدون أصوات

الرصاص ببراعة

كأنهم يلعبون في سوح المقابر

حيث الحب أصبح جريمة

والبراءة ذكرى باهتة

في متاحف النسيان

في هذه القرية يولد

الأطفال بوجوهٍ متحجرة

يستعذبون ويتعذبون

بمهمة الجلاد ويمارسون

الموت في أحلامهم القاتمة

الأحبال التي كانت للقفز

صارت مشانق دامية

كالوقت الذي يصلب الأعمار

والضحكات التي كانت للفرح

صارت صرخات للموت

تقرح مسامع الزمن

***

الشاعر باقر طه الموسوي

نوم الشياطين،

نظرت يسار فتحسست من الشياطين تضحك ببهرجة تهكم، وجدتهم في نشوة التحدي والفوز. حينها لعنتهم صبحا وأيقظتهم باكرا انتقاما، ولم ألتمس منهم رد سلام الصبح حتى ولو بلغة موليير. تيمنت بالرجوع إلى الغرفة وليس إلى المنزل مادام هذه الأخير قد انتقم مني حين خرجت منه بلا كلام ولا ابتسامة. أول ما فعلت كررت الرجوع إلى الفراش وأنا ألعن ” السياسة والسياسيون، والروس واليابانيون، والدول الامبريالية بالجمع” ومن من زاد في الزمن المغربي ساعة ثابتة برحلة الشتاء والصيف.

صياح ديك الآلة،

لم أستسلم الليلة للنوم، لم ترتد عيوني نوما بثرثرة سلطة التفكير الممل المتكرر مثل الناسخ الأسود (كوبي كولي). لكن، من غفوة نوم صغرى أيقظني ناقوس ديك ساعة أيام زمان. توكلت على الله وقلت في نفسي (سبحان الله الذي أحياني بعد موتي الليلي) من غياهب سوء ذاكرتي، أني لم أتمتع بمذاق نوم لذيذ منذ أن وضعت تلك المرآة أمام سريري تراقبني وتعاتبني على الدوام.

مرآة فراش،

اليوم لم ألملم كلماتي بتمتمة دعاء صبح النهوض بتمامه من موضع فراش النوم، اليوم نظرت إلى المرآة التي أمامي فارتسمت صورتي متجهمة من حنق مغادرة النوم لمخيلتي باكرا. لم أمهل صورتي العبوسة بالتأمل بل فارقتها بالانسحاب بلا ردة عاثرة. تركت صورتي اللاصقة بالمرآة تتساءل: لما طلقتني صبحا بدون سلام ولا تحية مرفقة ببسمة؟

شاي أسود،

ليس من عادتي شرب عصير الشاي الساخن صبحا. لكن، ومادام المزاج غير مستوية أوتار نغمته الارتدادية، قررت شرب كأس شاي بدون نعناع مكناسي، فمادام هذا النعناع يحمل أثر الأدوية بكثرة المعالجة، فلن يدخل بعد اليوم براد صبحي. حين نظرت إلى كأس الشاي الصيني بالتأمل وجدته يميل إلى السواد و يكسر لون الصفرة المعتاد. تشاءمت من منظر الشاي الأسود ووضعته جانبا، وانسحبت هاربا من صبح المرآة المتجهمة، وكأس الشاي الأسود.

 مرآة الابتسامة،

ابتسمت أخيرا بعد استبعاد التجهم عن موضع سريري، لتخاطبني المرآة: ابتسم واطرب فلو قارنتها قضيت عمرك كله متألما. ضحكت من دعوتها إلى الابتسامة، فكان جوابي: كيف أطيق أن أتبسم وهي خانت عهودي؟ ورغما من ذلك تبسمت من ذكائها فهي تعرف خاصية نفسيتي بامتياز، وتساير أيام توتراتي الوجدانية، وتبحث عن اسم لحبيبتي ولو بحرف البداية.

تركت مرآة غرفتي الفرحة بالحياة، دون أن أرسم على زجاجها النير بسمة، ولا اسم حبيتي التي أخلفت وعدها لي بالوفاء. تركتها ولملمت بقايا قسوتي عليها، تركتها مع قصيدة إيليا أبو ماضي ومواضع الابتسامة والتجهم. أسرعت إلى عصارة النقط السوداء المتتالية من بن قهوتي المرة المذاق، حينها سمعت مول الهندية ينادي” الهندية والموس من عندي..”، ثم مول النعناع يردد لازمة ” نعناع مكناس”، لم أحفل بخطاب كذب البضاعة براح “بيو”، وارتشفت رائحة مهيجة من قهوتي بالتتابع السريع.

***

محسن الأكرمين

إلى الصقرِ الفدائي الذي رأى من جبالِ الضفةِ الشرقية فأوفى بعدما رأى

***

على جِسْرِ الكرامةِ حطَّ صَقْرٌ

جوانِحُهُ شَكَتْ ألَماً عظيما

*

(عُقابٌ) من ذُرى اليرموكِ آبا

كأوّابٍ محا ذنباً قديما

*

بَنى (الشاهينُ) في البلقاءِ عُشّاً

ومن قِمَمِ الجِبال رأى الجَحيما

*

رأى هَوْلَ القِيامَةِ من عُلُوٍّ

تُحِرّقُ نارُها الطِفْلَ اللطيما

*

رأى سودَ الظفائرِ نازفاتٍ

تغازلُ قُرْبها وَلَداً يتيما

*

رأى شيخاً غريقاً في دِماهُ

وأُمّا نزفُها غطّى الفطيما

*

رأى مَلِكَ البلادِ ينامُ رَغْداً

وقد خَبِرَ اللذائذَ والنعيما

*

ينادي زُمرةَ الشيطانِ حتى

تُذَبّحَ جارَها (الضيفَ) الرَجيما !!!

*

فَخُذْ كلَّ الديارِ وراءَ عَرْشي

وَذَرني أعبُدِ المُلْكَ العقيما

*

يجُدّدُ للعِدى أوفى سَلامٍ

فَحَسْبُ العَرْشِ أن يبقى سَليما

*

رأى عَرَباً سُكارى في البوادي

وحاديهم كَقاتِلِنا لئيما

*

كُثاراً إنّما كَغُثاءِ سَيْلٍ

تَيَبّسَ نخوةً فَغدى هشيما

*

رأى بعضَ المنابرِ نابحاتٍ

وشيخَ السوءِ نبّاحاً دميما

*

يَذُمُّ الواهِبينَ لها نفوساً

ويشمتُ في مصارعهم ذميما

*

رأى عُهْرَ الزعيمِ وداعميهِ

فشبَّ مغاضباً يهجو الزعيما

*

وحادي الركبِ للأنذالِ يسعى

خُلُوّاً من مواجِعِنا عَديما

*

بخيلاً نحو من جاعوا ولكن

جَواداً نحو قاتلهم كريما

*

يُقاسِمُ قاتلَ (القسّامِ) رزقاً

ويحسبُهُ شريكاً بل قسيما

*

رأى النهرَ المُقدّسَ في حِدادٍ

(ويَحْيى) يشتكي عطشاً أليما

*

يُعَمّدُ رأسَ (عيسى) في دمائي

وَينأى في بَراريها كَظيما

*

أ يسقي نهرُنا شَبَحاً هجيناً

لِيسقينا مع البلوى حَميما؟

*

وَهَلْ مسحَ المسيحُ صدورَ أهلي

وقد أمستْ أضالِعُهم رَميما؟

*

فَمعْذِرةً يَسوعُ على عتابي

فقبلَ صليبِكم خذلوا الكليما

*

توعّدَنا المُلثّمُ بعدَ يأسٍ

لنا سَيَصيرُ في الأُخرى خصيما

*

فَخُضْنا في خُصومَتِهِ فُجوراً

ولم يلمسْ بنا قلْباً رحيما

*

وكم لُمْنا المُحاصَرَ جاحِدينا

وَكلّا لم يَكُنْ فيها مُليما

*

رأى بجدارِ كعبتنا صُداعا

وعمَّ الحزنُ زمزمَ والحَطيما

*

رأى الرُكْنَ اليمانيَّ المُعَلّى

وحيداً سالكاً درباً قَويما

*

ينادي دونما جدوى هَلُمّوا

سَنسلكها طريقاً مُسْتقيما

*

فلم تسمعْ قبائِلُنا نِداءً

ولم نُبْصرْ بها شيخاً حَليما

*

رأى الوادي الخصيبَ يَسُحُّ دمعاً

ويبكي (غَوْرُها) شَجَراً هضيما

*

فليتَ البحرَ لم ينشقَّ يوماً

ولم يتركْ بها داءً وخيما

*

وليتَ التيهَ لم ينفضَّ حتى

يبدّدُ ذلكَ النسْلَ الأثيما

*

رأى كلّ الذي قلناهُ تَوّاً

فأشعلَ في مخالبه ضريما

*

نوى فإنقضَّ مفترساً عدوّاً

عُتُلّاً بعدَ ذلكَ بل زنيما

*

فِدائيٌّ رأى بعدَ اللَّتيّا

ضباعاً والتي : فغدا عليما

*

وصقرٌ طارَ من ضَفة لِأخرى

يُصلِّبُ تحتَ أجنحةٍ شَكيما

*

فَقدّمَ روحَهُ الثكلى خلاصاً

كفادٍ يرتجي ربّاً حكيما

***

د. مصطفى علي

 

في المساء،

يستيقظ الضوء من تحت الطاولة،

يتثاءب مثل كتابٍ نسي أحدهم أن يفتحه.

*

الكؤوس على الرفوف ترتعش بلمسة الهواء،

كأنها تسمع خبرًا لا تريد تصديقه.

*

المدينة تجلس على حافة النافذة،

تعد أنفاسها بحذر،

وتضع قناعًا من غبارٍ أبيض على وجوه المارة.

*

كنا نظن

أنّ الحجر سيكفّ عن التقيؤ دمًا من جدران البيوت،

وأن الأطفال سيكتبون أسماءهم على دفاتر نظيفة

بدل أن يعلّقوها على صمت القبور.

*

لكن الظلّ

يمد ذراعيه مثل أبٍ غائب،

يعانق ما تبقّى من العراء،

ويتركنا في منتصف الطريق،

نحدّق في لافتةٍ مقلوبة،

تقول:

هنا يبدأ وهم الارتقاء.

2

في الصباح،

تسقط الصحف على العتبات مثل طيورٍ ميتة،

تحمل أخبارًا

لا يجرؤ أحد على قراءتها بصوتٍ مرتفع.

*

النافذة تتنهّد،

تفتح عينيها على شارعٍ بلا أسماء،

تراقب عربات الخضار وهي تعود فارغة،

كأنها تحمل ذاكرة السوق وليس بضاعته.

*

الأمّهات يخبزن الخبز

بأصابع مرتجفة،

يضعن الملح كأنهن يذررن رمادًا على جسدٍ لا يبرد.

*

في المقهى،

الفناجين الصغيرة تصغي،

تشمّ رائحة البنّ

كأنها تبحث عن معنى لم يكتب بعد في أي كتاب.

*

كنا نظن أنّ الأرض سوف تنصت أخيرًا إلى صراخنا،

أن الأشجار ستنحني لتظلّل القوافل الهاربة من الدخان،

لكن السماء أغلقت بابها الأزرق،

وتركتنا نتسكع

تحت شمسٍ لا تفرّق بين القاتل والقتيل.

3

في الليل،

يجرّ القمرُ نفسه على السطح

مثل مصباحٍ قديم نسيَ كيف يضيء.

الأبواب تنام واقفة،

تحلم بخطواتٍ لن تعود،

والسلالم تئنّ من ثقل الغياب،

كأنها تحمل قوافل مجهولة

إلى مدنٍ لم تُرسم على الخرائط.

*

الأسماء التي كتبناها بالطبشور

على جدران المدرسة تلاشت مع المطر،

لكن صدى الحروف ما زال يركض في الرواق،

يبحث عن أطفالٍ لم يكبروا أبدًا.

*

كنا نظن

أنّ البشرية ارتقت،

أنها ستغلق عينيها أمام المذابح

كما يغلق العاشق باب بيته ليحمي لحظةً هشًّة من الضياع.

*

لكنّ الشاشات

تفتح أفواهها كل مساء على غزة ،

تمضغ الصور ببطء،

تبتلع المدن كحباتٍ صغيرة،

وتعيد لنا وجوهًا شاحبة كأنها مرايا متكسّرة،

تقول بلا صوت:

كل ما صدّقتموه لم يكن سوى أوهام.

***

مروان ياسين الدليمي

 

دمعي على وطني ما كانَ أجْمَلَهُ

الفارعُ

المُشْتَهى

المُشرِقُ

القَمَرُ...

دمعي على وطني المحسودِ ناظرُهُ

قد صيَّرتْهُ (الفتاوي) كلُّهُ عَوَرُ...

طِفْلٌ ومُخْتَبَلٌ رُكْنا إمامتهِ

والمؤمنُ المبتلى:

راضٍ ومُصْطَبِرُ...

الله أكبرُ مذُ عمَّ البلاءُ بنا

ما دعوةٌ لِأَبٍ ياربُّ تُعتَبَرُ

الله أكبرُ مُذْ جاعت جماعتهُ

ما عاد في قصعةٍ شِبْعٌ

ولا ثَمَرُ...

يا أيّها الخضرُ أدركْنا

سفينتُنا...تصبو لمسماركَ السامي وتنتظرُ...

يا أيّها (اللهُ) كلُّ الأنبياءِ بنا

تدعوكَ ضارعةً:

قد مسّنا الضَرَرُ

يا أيّها (اللهُ) أعطِ الخضرَ خِنْجَرَه ُ

ليُذبَحَ الطفلُ

هذا الأرعنُ

الأشِرُ. ..

***

د. لطيف القصاب

 

نَهَدَ القَمرُ

وَظِلَالُنَا فَارِغَةٌ حَتَّى مِنَّا

وُرَيْقَاتُ الجُورِي

تَهْذِي وَحِيدَةً

فُستُقَةٌ شَارِدَةٌ

بَيْنَ مَدَافِئِ اللَّيْلِ

تَتَلاَشَى فِي الشَّوْقِ..

**

صَفيرُ الذِّكْرَى..

أَنِينُ نَوْرَسَةٍ

**

لَسَعَاتُ الحَنِينِ

تَبْتَلِعُ شَهَقَاتِي

عَصَافِيرٌ تَرْتَعِشُ

**

أَنا فَتَاةُ الثَّلْجِ

عَلَى ثَغْرِكِ يَا شَامُ

أَذُوبُ لَهْفَةً

بَيْنَ يَاسَمِينِكِ

تَسْقُطُ بكَارَةُ قَلْبِي

**

أَحْمِلُ سَلَّاتِ السَّكِينَةِ إلَيْكَ

بِنُكْهَةِ البَرَاءَةِ

أَرْتَدِيْتك عِطْرَ بْقَائِي..

مِعْطَفَاً لِأنْفَاسِي

عَانِقْنِي بَعِيدًا

عَنْ تَرَاتِيلِ الفَنَاءِ

**

شَوَاطِئٌ تُسَافِرُ

مَعَ كُلِّ مَوْجَةٍ

البَحْرُ صَامِدٌ

العَدَمُ  أَسِيْرُ الوُجُودِ

وُجُودُنَا مَرَافِئُ

لَا اااااااااااااااتَرْحَل

***

سلوى فرح - كندا

 

أنا الطفل العابر للقارات

والفرح الساكن في قلوب العذارى

والمجد المنسي في لحظة عبير

هل تسمعني؟؟

أنا الفتى السابح في ملكوت الشوق

والشهوة البكر في مرابع الذات

همسة تتكرر

بَسمةٌ تتجدد

إِمساكٌ عن الغضب

تَجَاوُزٌ عن المَشَاعر الفاترة

إعلانٌ عن هُدنة مقيّدة

هل تسمعني؟؟

تريّثْ قليلا

أُخْبِرك

أنَّني عابرُ سبيل

قادم من بلاد الضَّباب

أبحثُ عن ملاذ

يستر غربتي

أستبقٌ الزمن لتجاوز محنة التفكير

في المجهول

تريّث

أُخبركَ

أنني صَنَّاجةٌ المنبوذين

وصعاليك أخر الليل

الساقطون من كُنَّاش الحالة المدنية

في لحظة سهو

هل تسمعني؟؟

أنا الكهل الذي "يسعل" في ناصيّة الشارع

أنتظر حافلة "المشبوهين"

وأتلهى بالحَفر في تجْويف حمأة الذاكرة

لن تتراجع الأيام عن جُورها

لن يأتي "غُودو"

وسيطول الانتظار

لن تهدأ الأمواج عن غدرها

لن يبلغ الحلم مداه

ويستمر ضنك السِّنين

هل تسمعني؟؟

التاريخ يشهد أنني خسرت الرِّهان

وأن الخريف يبتسم في وجهي

ويذكرني بأحلامي المنكسرة

وبقايا أشواقي التائهة

الأن

سأتراجع بهدوء عن رغباتي

الخفية

وأستسلم لطعم المرارة ولذة الحزن

سأطالب بجدولة أوجاعي

وإعلان إفلاسي

هل تسمعني؟؟

أيها الراقص على رعشات

قلبي

ها قد أعلنت ضعف قوتي

وقِلة حِيلتي وهواني على الناس

ها قد صرت سقط متاع

في كرِار الأيام .

وعلامة تعجب تحتاج لتعريف

في قواميس المهمشين

ها قد تسللت “برودة “ الحياة

إلى عظامي

وسكن الوهن أوتار عضلاتي

وخذلتني تداعيات السنين

***

محمد محضار

18 شتنبر 2025

 

في نصوص اليوم