نصوص أدبية

نصوص أدبية

(أبلغُ السكوتِ أن تصنعَ من الهدوءِ جسرًا، يعبرُ عليه الآخرُ.. فيجدُ نفسَه يبحثُ عن مرفأٍ لا عن معركة).. عبد الله الزعبي.

لَيْسَ كُلُّ سُكُوتٍ اسْتِسْلَامًا.

انْفَكَّ مشبك حمالة صدري وأنا أتحسس ظهري، فسقط ذلك الإبزيم الذهبي الرقيق — الذي لم يُختَرْ لقوامي، بل لقوام ليندا — واستقر في كفي هامدًا، بينما مرت في ذاكرتي أصداء ضحكتها كشظايا بلور مكسور. حينئذٍ، تعالى هدير قطارات منتصف الليل في برلين وطغى على كل صوت، بينما كانت شخصيتي المختزلة في تقمص السيناريو تؤدي الدور الذي أراده بإتقان. بيد أن شخصيتي الكامنة ظلت متوارية خلفها، متيقظة في ترصد صامت — ليس استسلامًا، بل استعدادًا متوثبًا للتحرك، كقوس مشدود على وشك الانطلاق.

مضت ثلاثة أسابيع، وكنت أظنّ أنَّ ما بيننا فنٌّ — فنُّه هو تحديدًا. لكنَّني الآن أتبينُّ مواضعَ التصدُّعِ بوضوح؛ أناملهُ تستقرُّ على نحر ليندا، واسمي الحقيقيُّ يكادُ يختنقُ في حنجرتِه كسطرٍ مُلقىً على قارعةِ الإهمال. كانت صفحاتُ النصِّ لزجةً نديةً، كأنها تبللت بأنفاس نبيذ، وحين باعدت بينها، تضاءلت حروف دوري المعاد كتابته، بينما اكتظت هوامشُ الصفحاتِ بملاحظاتٍ تفصيليةٍ عن ليندا — كزاويةِ معصمِها الدقيقةِ وهي تشعلُ سيجارة، والتجويفِ فوقَ نحرها حيثُ تتجمَّعُ خيوطُ الضوء. أما أنفاسي، فقد اختُزلتْ إلى مجرَّدِ تعليماتٍ أدائيَّة.

نشأت قصة حبنا عصيانًا، كنجوى مؤامرة في وجه عالمٍ يفرض الإذعان، أو هكذا خامرني الظنّ. مرّر زوجي أصابعه المرتعشة على حمالة فستاني. "ماذا لو نسينا ذواتنا قبل رفع الستارة؟" سأل، وإبهامه يتشبّث بالدانتيل بتوتر. ظل السؤال معلقًا بيننا كنصلٍ متأرجح في الهواء.

ضحكة إيلينا شقّت ضجيج الزفاف، حادّةً متوهجةً كلمعة فستانها الزمرديّ. قالت، "الرجال جامِعو النسوةِ," ثم أكملت، وإبهامها يترك أثرًا على نقطة نبضي، "ينسون رؤيتهن حقًا." في تلك الليلة، وضعتُ عود الفحم على فخذي — لا لاختبار مرونة بشرتي، بل لأرسم حدود ما أهدرتُهُ منّي. وعندما عثرتُ على صفحات السيناريو، كانت تفوح بِآثَارِ مَآقِيَ جَافَّةٍ... وتلمع كَحُلِيِّ أُمِّهِ — تلك الحواجز البرّاقة التي توهّمناها فنًّا.

تتبعنا حركات ممثلاتٍ على شاكلةِ إيلينا — "تلكَ..." تمتمَ في أذني، مُفترضًا أنني أعرفها. "أرأيتِ كيفَ تنبثقُ ابتسامتَها غيرِ مفتعِلة؟" لاحقًا، كنتُ أُطْبِقُ على المشبكِ الكسيرِ حتى يدمغ الذهبُ على كفيِّ خطوطًا باهتةً — تبدو كأهلةٍ صغيرةٍ، لعلَّها كانت في عوالمَ أخرى، هويتي.

غرزَ المشبكُ المكسورُ حدَّهُ في راحتي — لم يكنْ حادًّا بما يكفي لإسالةِ الدَّم، لكنَّهُ أيقظَ فيَّ يقينًا بأنني ما زلتُ أشعر. في الخارج، كانتْ قطارات الفجرِ تطلق صريرًا مكتومًا على مساراتها، بينما تخترقُ مصابيحُها ستائرَ غرفتنا بخطوطٍ عابرةٍ من الضوء. كانتْ تُضيءُ هيئةَ جسدِهِ متقوقعًا تحت الأغطية، وكتفاهُ مستديرانِ في نومِهِ ككتفي صبيّ. لم يكن صانعًا للأوهام، بلْ رجلٌ نسيَ كيفَ يشتهي دونَ نصِّ سيناريو مكتوب.

تذكرتُ مرسمَ إيلينا — كيفَ انصهرَ الشمعُ تحتَ أناملي الحارةِ في اللوحةِ المتشققة، فانثنتْ شفتاها بابتسامةٍ عارفةٍ، وقالتْ كمن يُلقي حكمةَ الأزل: "الحرارةُ تكشفُ عن الحقيقة." فكانتْ عيناها تُقرّانِ بكلِّ ما أدلينا بهِ من أكاذيبَ لذواتنا. كانَ عودُ الفحمِ المسروق يرزحُ في درجِ خزانتي كذنبٍ لم يُكفَّرْ عنه. لم أُقدِمْ على استخدامهِ بعدُ، بلْ ظللتُ أضغطُ بطرفهِ الحادِّ على فخذي بين الحينِ والآخر، كأني أختبرُ متانةَ بشرتي إزاءَ الألمِ.

ارتجفَ الغطاءُ قليلًا. "عُودي،" تمتمَ بها ثانيةً بصوتٍ أثقلَهُ النُّعاسُ وخلفَهُ ظلُّ شيءٍ آخر... لم يكُن طلبًا، بل استجداءً. ولأوَّلِ مرَّةٍ منذُ شهور، التقطتُ ذلك التَّمايُزَ الخفيَّ في نبرتِهِ.

التفتُّ عن المرآةِ والمشبكُ لا يزالُ مُحكمًا في قبضتي كشاهدٍ صامت. تعلَّقتْ بأسارير أصابعي ذرَّاتٌ ذهبيةٌ كغُبار طَلْعٍ ناعم. لاحقًا، سأنقشُ أثرها على صفحةٍ بيضاءَ من كرَّاسي المنسيَّة — لا صورةً لليندا، ولا له، ولا حتى لإيلينا، بل ظلًّا مُشعًّا لامرأةٍ تتبلورُ من عجينِ الشموع.

وفي ضوء المطبخِ البارد، انفرجتْ كفي فتناثرت الذرّات الذهبية على المنضدةِ — كلٌّ ذرة منها كشظيةٍ من بهاءِ ليندا المستعار. أطلقت آلةُ القهوةِ طقطقةً باهتةً، كصوتٍ لا يليقُ حتى بالسيناريوهاتِ التي لعبنا أدوارَها ذاتَ يوم. وحينَ ظهرَ في عتبةِ البابِ، استقرَّ بصرهُ على معصمي العاري — لا عبق ياسمين، لا دفء فانيليا — ثمّ هوى نحوَ عودِ الفحمِ المُهمَلِ قربَ سلّةِ الفاكهةِ. لم ينطقْ. ولم أنطقْ. لم يعدِ الصمتُ بيننا مجرّدَ فاصلةٍ، بلْ إزميلًا، يهشِّمُ آخرَ زيفٍ لما تظاهرنا به.

تقافزت الذرات الذهبية على سطح المنضدة مع مرور القطارات بصريرها العابر، فلم تعد كالأبراج السماوية، بل مجرد فتات متناثر. مررت بإصبعي بينها، تاركة أثرا ربما كان فيه انعكاس ليندا يلمع ذات يوم. أما خياله المرتسم على مرآة النافذة، فكان يرسل نبراتٍ عهدتها من نصوص طواها النسيان، غير أن القائم بباب الدار، لزم سكوتا كأنه قربان يقدم. ثم تدحرجت عصا الفحم بيننا لتستقر عند تفاحة مكدمة، تاركة بطرفها وَسْمَةً رمادية باهتة على قشرتها.

كان درج غرفة النوم مواربًا، احتضن في جوفه نصوصًا تفصيلية لنحر ليندا ذات مرة. وحين غاصت راحة يدي في المساحة الفارغة، لم يلامس بشرتي ذاك الانطباع المتخيل لنصوصه المصممة بدقة، بل شعرت بملمس الخشب العاري الخشن تحت أصابعي. وبقيت هناك آثار فحم خفيفة، كأصداء باقية من تعليماته للسيناريو التمثيلي — لم تعد فنًا، بل مجرد ذرات غبار تُنذر بالزوال.

كانت رسالة إيلينا المغلقة راسخة تجثم في جيبي كحمل من الذكريات، وبصمة إبهامها القرمزية تتلاشى بين أناملي المضطربة. تتبعت الوَسمةَ — ليست الضربة الجريئة التي طالما رسمتها على صورها، بل حافة تتضاءل، كحقيقة زلت من بين أصابعنا. تسللت أصابعي نحو نحري — لم يعد مشهدًا مرسومًا بعناية، بل مجرد التقاء جلد بعظم. وصار الدرج الخاوي يئن اتساعًا. كثيرًا ما يغفل الرجال جامعو النسوة عن رؤيتهن حقًا. وبقيت وسمة الفحم الرمادية على التفاحة تزداد عتمة كلما انسل ضوء الصباح من خلال الستائر.

وقف في المدخل، يحمل كوبين من القهوة — كوبه الأسود الخالص، وكوبي المحلى الذي توقف عن التظاهر بأني أحب مذاقه. تصاعد البخار بيننا كظل كل النصوص التي أحرقناها يومًا. وعندما تلامست أصابعنا خلال تبادل الحديث، لم أشعر بوله "ليندا" الاستعراضي، ولا بنظرة "إيلينا" المتحدية، بل بدفء السيراميك فقط، وارتعاشة خفيفة لنبضه العفوي.

لسعت القهوة لساني — مرارة رحبت بها بعد سنين من الأداء المصطنع. وبينما كنت أتجرعها، سرى الدفء ببطء نحو نحري، فلم يعد تجويفًا مرسومًا بدقة الفنان، بل مجرد حرارة تنتقل بين أنسجة سليمة. خارج النافذة، كانت عربات القطار تئن في مساراتها الصباحية بأنين ثقيل، ولم تعد أصواتها نغمة مصاحبة لانحلال عرى عشرتنا، بل نفسًا عاديًا لجسد المدينة النابض. وضعت الكوب بجوار التفاحة التي أحاط بقشرتها المجعدة هالة من أثر الفحم، وامتد الأثر كالظل، فمحا الحدود بين الجرح والفن، بين ما أهلكناه بأيدينا وما يمكن أن نشكله في المستقبل.

في الصمت الذي أعقب ذلك، أمسكت عود الفحم لآخر مرة. ليس لأترك أثرًا على بشرتي أو على سيناريوهات نصوصه، بل لأرسم ملامح ذلك الصباح — القهوة المرة، وضوء الفاكهة العليلة، ويديه اللتين توقفتا عن صنع الأوهام، واكتفتا بحفظ مسافة بيننا. تذبذب الخط قليلاً ثم استقر. في مكان ما، لا تزال رسالة إيلينا المغلقة تثقل كاهلي، لكن حقيقتها لم تعد بحاجة إلى تفسير — بل إلى تجربة معاشة فحسب. حين رفعت بصري، لم تكشف المرآة عن ذات متشظية، بل امرأة تتذوق ملح دموع لم تذرفها، وانعكاسها لم يعد متأخرًا، بل متسقًا مع نظرتها في انسجام هادئ.

امتد الصباح بيننا بلا سيناريو نص مكتوب. أصدر كوب قهوته رنينًا خفيفًا على سطح المنضدة — لم يعد جزءًا من مشهد مصطنع، بل شاهدًا على لحظة حقيقية. وضعت راحة يدي على المرآة، أحس من خلال الزجاج باهتزاز القطارات البعيدة وهي تدور في خطوطها الحديدية. كشف الانعكاس عن امرأة ليس في نحرها تجويفًا سوى تجويفها، ولم يحبس فمها إلا صمتًا أصيلًا الآن: ليس سيفًا، وليس جسرًا، بل السكون حيث يمكننا أن نلتقي أخيرًا. ليس كل سكوت استسلامًا — هذا الصمت، في النهاية، كان دعوة. خلفي، صدر صوت خفيف عندما قام عن الكرسي. لم ألتفت، لم يحن الوقت بعد، تركت الضوء يغطينا بلطافته الهشة - التفاحة الملطخة بأثر الفحم، وبخار القهوة الباقي، وذرات الذهب المستقرة في شقوق الأرضية كآثار جسر أحرقناه ثم أعدنا بناءه بتوازن. انتظار. ليس لرفع الستارة، بل لتجمع الشجاعة الهادئة للعبور.

***

عبدالله الزعبي

 

كانت تتسابق كل صباح، مع نسمات الريح التي تتماوج مع خصلات شعرها، وتراقب طلوع الشمس الذي يبدو لها كحدث كبير يحدث فرحا غير مفهوم بداخلها. كانت أمنيتها أن تظل للحظات تحت أشعة الشمس الوهاجة حتى تستطيع أن تستقبل اليوم بنفس جديد.  لكن ظروف عملها كانت كالسيف على رقبتها. التوقيت مهم في عملها. أصحاب البيت الذي تشتغل عندهم يرفضون أي تأخير أو تهاون مهما كان السبب.

من أحب اللحظات الى قلبها، ان تمشي والشمس ماتزال تستيقظ من سباتها الليلي. وتعشق تلك اللحظة التي تقف فيها عند الجسر وتهيم مع رائحة الشجر وصوت المياه ونور الشمس. كانت كعاشق ينتظر حبيبته. وتبتسم وتحضن كل الأشعة التي تخترق جسدها النحيل وتعيد اليه توازنه وحيويته. بديعة، هذا هو اسمها. فهي بديعة في التعامل مع الآخرين. هي من أسرة فقيرة، عملت كمساعدة بالبيت المتواجد في الطرف الآخر من المدينة. لكي تساعد عائلتها التي تتكون من أخ صغير وأب مقعد وأم تعبت من الخدمة في البيوت. كأنها تعيد حياة أمها رغما عنها. فتضطر عند كل صباح، أن تقطع الجسر من أوله الى آخره، لكي تصل الى مكان عملها.

كان صباحا ليس ككل الصباحات، وصلت عند الجسر واستقبلتها الشمس كاستقبال الضيف بعد سفر طويل. عادة، يكون الجسر صامتا الا من خرير المياه، وحفيف الأشجار. لا أثر لقدم بشري في تلك الساعة المبكرة. لكن هذا الصباح، رأت شابا، طويل القامة وقوي البنية. يخترق صمت المكان. واقفا لا يتكلم ولا يحرك ساكنا. كأنه يحمل سرا خطيرا.. في لحظة، بدأ يقترب من النهر دون أن ينتبه اليها. فتقدمت بديعة بشكل تلقائي نحوه وسألته:

- ممكن أسألك؟

التفت اليها ولم يجب. بل استمر ينظر الى المياه التي تجري من تحت قدميه. اقتربت منه رغم الخوف الذي يستوطنها وقالت له:

- لماذا تقترب من النهر؟ هل تريد السباحة؟

صمته أصابها بالتوتر والاضطراب. اقتربت منه أكثر وقالت له:

- السباحة ممنوعة هنا، فهي خطيرة جدا.

كأنها شجعته على الاستمرار في تنفيذ ما ينوي القيام به. وهنا حاول أن يتجاوز السياج بكل هدوء. وكانت بديعة، في حالة ذهول، لا تفهم ما يجب أن تقوم به. تحركت دون تفكير مسبق ومنعته من تجاوز السياج بكل قوتها حتى سقطا معا على الأرض.

امتلكها خوف شديد من نظراته، ووقفت بسرعة وابتعدت كأنها أدركت أنها تدخلت في شيء لا يعنيها. قالت له وهي تتأبط حقيبتها كتلميذة ذاهبة الى المدرسة وقالت له بصوت مضطرب:

- لا شيء يستحق. الانتحار ما هو الا وسيلة الضعفاء.

وتراجعت الى الوراء. تنتظر ردة فعله. وأخيرا انتبه الى وجودها ونظر اليها بنفس الهدوء وقال لها:

- من أنت؟

ابتسمت ثم أخفت ابتسامتها خوفا منه. وقالت له:

- اسمي بديعة، وأشتغل في أحد البيوت في الطرف الآخر من المدينة.

وهنا استغلت الفرصة وتشجعت وسألته:

- لماذا تريد أن تموت؟

وقف بشكل آلي، واتكأ على السياج.. وقال لها:

- الفقر. ثم تابع بعنف:

- من سمح لك بالتدخل؟

ارتكبت وغاب عنها الكلام. فهي لم تتعود على هذا النوع من الجدال. لا تعرف من الدنيا سوى البيت ومكان العمل. وطيبتها الزائدة جعلتها تحب مساعدة كل الناس. شعر بخوفها وقلقها. فتدارك الأمر وقال لها بصوت هادئ ويائس:

يبدو أنك طيبة، سأحكي لك قصتي.

"كنت عاملا في أحد المصانع بأجر يومي، ومن أجري الزهيد، كنت أبعث مبلغا منه الى أمي التي تعيش في بلدة بعيدة. وفي يوم، حاولت أن أفهم باقي العمال ان مالك المصنع يستغلنا بالعمل لساعات طوال دون الرفع من الأجر. فانقلبت الأمور علي، حيث وشى بي أحد العاملين وتم طردي. وظلت أمي تنتظر ذلك المبلغ الزهيد، حتى ماتت من الجوع والمرض. فاعتبرت نفسي المسئول عما حصل لها".

اقتربت منه وهي تحاول أن تساعده وتنزع عنه الحزن واليأس وقالت له:

- ليس الحل في الموت.

نظر اليها كأنه كان يريد ان يقول شيئا آخر، أو كان يحتاج الى من يكلمه حتى ينصرف عما في دماغه. وتابع وهو يرسم على شفتيه ابتسامة ساخرة:

- وهل تعتقدين أننا أحياء؟ هل تعتقدين أن الفقراء مثلنا أحياء؟

وهنا انتبهت الى الوقت الذي سرق منها دون أن تدري. تركته دون أن تكمل الحديث معه وأطلقت الريح لساقيها حتى لا تصل متأخرة.

حل الليل ونشر عباءته السوداء على المكان. لم يعد للجسر وجود، كان الليل ابتلعه. كانت هي هناك، بديعة، آتية من الطرف الآخر للجسر، متأخرة على غير عادتها. لا تهاب الليل ولا سواده. فهي تحفظ تضاريس الجسر كما تحفظ تضاريس جسدها. مشت مثقلة بما حصل لها. كأنها تحمل جبالا على كتفيها. كانت تبحث عن ذلك الشاب لكي تروي له قصتها أيضا. اعتقدت أنه مازال هناك. ولكي تقول له أنه ليس الوحيد الذي طرد من عمله. أو ربما لتحمله مسئولية طردها .لأنه لولا وجوده ذلك الصباح عند ذلك التوقيت، لما تأخرت وطردت. لم يتوقف دماغها عن التفكير، اقتربت من الجسر كما فعل ذلك الشاب، و جلست الليل كله عند حافته، كأنها تناجيه وتشكو اليه مصيبتها.

أشرقت شمس الصباح من جديد، انتشر النور في كل مكان. لمعان النهر وهو يتبع طريقه ولا يلتفت الى أحد. كان كل شيء يوحي بجمال وهدوء اللحظة. ظهر في الأفق، شاب طويل القامة وقوي البنية، يحمل كيسا وبعض الأمل في ابتسامته. جاء يشكرها على تواجدها في تلك اللحظة التي جعلته يفسح بابا للأمل. طال انتظاره، استقرت الشمس في كبد السماء، وبديعة غائبة، لا أثر لها. جلس عند حافة الجسر، وأخرج خبزا وحليبا من الكيس. في لحظة، توقف عن الأكل، وأثار انتباه قميصا يعرفه معلقا على السياج الذي كان سيتسلقه بالأمس. لم يفهم. ظل تائها وصامتا وشاردا، ويرفض أن يستمع الى صوت بداخله ينذر بمصيبة.

***

أمينة شرادي

آخر الأمر وصل صاحب الحظ السئ إلي. شاب في الخامسة والعشرين من عمره متَهم بجريمة قتل وسطو، لا تهمني التفاصيل والأسباب، فخلال حياتي الطويلة والتي لا أخمن كم تطول بعد أن يفارقني هذا المكان المعتم، فقد تعوّدت على ضوء المصباح، ينار وقتما يشاؤون. إنّه يقابلني قرب الباب. تحتي هوّة وفوقي سقف أحيانا تتخذه بعض العناكب والحشرات ملجأ، لا نافذة في الجدار، سوى بوابة حديدية تطلّ على غرفتي تفتح طول اليوم ثامّ بوابة غرفتي ذات القضبان لحادة المطلية بدهان أصفر ذات رؤوس سوداء.

لا أحد يدخل عليّ سوى صاحبي القديم الذي تعودت رؤية وجهه منذ أكثر من ثلاثين سنة. خلال تلك الفترة الطويلة عبر إليّ من البوابة ذات القضبان عشرات بل المئات من ذوي الحظوظ السّوداء.

كان آخر شخص، عاجزا عن النطق

ساهما

لا أعرف ذنبه

وليس بالضرورة أن أتذكّر اسمه

لقد مرّ بي كثيرون..

لا أذكر أسماءهم

غير أنّ آخر من يقدم يعيدني إلى ذكرى أول من جاؤوا به إليّ كان رجلا قي الخمسين مفتول الشارب، يلوح الغضب على وجهه.

سأله الضابط:

- ماذا تحب أن تشرب

فصاح هائجا كالثور الجريح:

- أخرس أيها الصعلوك.

وسأله رجل الدين:

ردد معي الشهادة:

فصرخ مهتاجا:

اخرس. إخرس لست بحاجة لك.

ازددت عجبا. أوّل حي ميت يقف على بعد خطوات مني يسلط، غير خائف، لسانه على المحيطين به. صمت الجميع وبقي بلعن ويسب. يشتم الدولة والحكومة والناس أجمعين.

لم أقرف منه..

واجه الموت بشجاعة متناهية

طلب أن يبقى وجهه مكشوفا فرفض صاحبي...

الأوامر كما يدعي في قرارة نفسه.

أحترمه، ولا أغضب من الآخرين الذين يتشاءمون منا. لست إلّا أدناة من أدوات القانون. لا أضيق بنفسي ذرعا ولا أضيق به.

أطبقت على سئ الحظ بكل قوة- شأني كل مرّة- احتضنته مثلما تحتضن أم صغيرها.. تململ لحظات سكنت حركة رجليه.. فأرخاني صاحبي ليسقط.

كان جميع الذين بعده ينهارون

قاتلون محترفون

هناك من اغتال وزيرا أو رئيسا

نساء قتلن أزواجهن

بعضهم قابلني بصمت

من ردد الشهادة فسمعت همسه

أو صلب أمام القسّ

من طلب جرعة ماء

ومن أعرض

 صامتون

أو ياكون

أحدهم انهار أمامي قبل أن يراقي إليّ...

هوى من بين يدي الشرطيين إلى الأرض أمامي، بقي صاحبي ينتظر، أما الشرطيّ عن اليمين فمال يحركه ي.. كان قد مات..

تحشب من الخوف قبل أن ألمسه

نادى الشرطي الآخر على الضابط الكبير

سيدي مات قبل أن يرتقي

فقال الكبير ذو النجمات الفضية اللامعة وسط الضباب الشاحب:

هي الأوامر، مادام القضاء أصدر حكما بالشنق، فلا بدّ أن يرتقي ويلتفّ الحبل على عنقه.

اشنقوه ميتا

كان هناك بعض التململ يجتاحني

أنا لا أتعامل مع الأموات

أريد أحياءً يرتقون إليّ

وصاحبي الممتلئ غيظا، ذو الشارب الكث والبطن الواسعة لا يبدي أي امتعاض، هي شغلته التي يأكل منها خبزا، سمعته يتحدّث عن نفسه لزميله الشرطي صاحب السجل الذي يدوّن الأسماء وساعات الموت. في المدخل المواجه لغرفتي أوّل يوم التقيته، فعرفت أنّه كان مخيّرا بين وظيفة صحبتي والبطالة. البلد يمرّ بأزمة خانقة، فأيّ موقع يمكن أن يحتلّه شاب لم يكمل الصفّ التاسع.. ؟

- لا بأس.. إنّه حظّك قد تشعر بالغثيان المرّة الأولى والثانية ثمّ تعتاد الأمر.

قال ذلك شرطي المكتب، ورأيته ينهض، ثمّ يعود بقدحي شاي، فيسأله صاحبي:

كم مرة في الشهر أرخي العتلة؟

هذا حال لايمكن أن تتوقعه، يمكن أن يجلبوا لك أكثر من محكوم في يوم واحد وربما تظلّ أسبوعا تنتظر، العلم عند علّام الغيوب.

وحدث ماتوقعه عسكري السّجل، شعر بالغثيان بعد أن نفّذ حكما بأوّل صاحب حظ سئ.. ذهب إلى البيت مهموما...

دوار...

غثيان

يسمع وشوشة وصفيرا...

الدنيا تلوح أمامه صفراء باردة مثل وجه ميت سقط إلى الأرض مختنقا

وجوه الناس باهتة لا حياة فيها

واجهات المحلّات

السيارت

الصفرة تغطّي الأرض

في البيت منظره الغريب لفت انتباه زوجته. كان يعود -قبل أن ينفّذ المهمّة- مبتسما، يروي النكات، ذلك اليوم دعى الإرهاق والتعب.. قالت له لاتبال اليوم الأول صعب، ولن تبقى في السجن طويلا، بمرور الأيام تنتقل إلى المرور.. أو مكاتب التحقيق، أخفى السرّ وجعلها تعيش وهما كبيرا، لا يريد أن يعرف أحد أنه رفيق الحبل، بعض الدول تحكم بالمقصلة.. ملك فرنسا قطعوا رأسه.. الحبل أهون.. ولعل الحظ يبتسم له فيصبح ذات يوم في قسم المرور أو مركز قريب من بيته.

الحالة النادرة..

وأمين سجل زمن زمن الموتى يهوّن عليه... كلنا نموت ويأكلنا التراب، مصيرنا للدود، احمد الله على أنك حصلت على هذه الوظيفة، كثير من دول العالم ألغت عقوبة الإعدام.. وإلّا أين سنكون مثل القطط والكلاب السّائبة.... أنا نفسي تساءلت أين أكون أنا لو لم أكن في هذا الموقع.. مجرد حبل ينشر عليه الغسيل على كلّ نشر الغسيل لا يقلل من درجتي سأظلّ في علو أو تنزل درجتي حين يلفونني على الأكياس والرزم، ويربطون بي الحيوانات، ويقودون بي الكلاب، وكم فرحت يوم سمعت من صاحبي وأمين سجل الموتى في مدخل القبو أنّ دولة كبرى ألغت المقصلة.. بدت علامات الرضا على صاحبي ورفيقه.. قطع الرؤوس.. وقال أمين السجل وهو بشفط بعضا من كأسه:

لم يبق إلّا الحبل والسيف

فردّ عليه صاحبي:

. غدا لا يبقى إلّا الحبل سوف يلغون عقوبة ضرب الرقاب بالسيف

فقهقه الآخر وقال:

من هو صاحب الحظ الحسن الذي يصدر عليه حكم باليوم وغدا تلغى العقوبة.

فقال صاحبي متهكما:

ومن هو صاحب الحظ السئ الذي يعدم اليوم وفي غد تلغى العقوبة؟

على الرغم من النقاش الذي يسدّ الفراغ، سأظلّ أنا في مكاني، مع أنّ جدي كان يعمل في الخارج. دخل في سباق مع مقصلة المجرمين والملوك حينما كانت تعمل في أوج نشاطها. يروي عن نفسه أن الناس احتضنته ولفته على عنق رئيس الوزراء فسحلته في الشارع. كان يعمل في مكان واسع، أبي تحمّل المسؤلية نفسها في مكان ضيق معتم مثلي التف على رقبة رئيسٍ، ووزراءٍ، ومجرمين، لكن صاحبي المسؤول عن دفع سيئ الحظ إليّ يتساءل ما ذا لو ألغيت العقوبة بالمرّة؟ كيف يتمتع القاتل بالحياة بعد أن حرم آخرين منها، هل يصبح العالم في فوضي؟.

أبدا

يسأل الله ألا يعيش إلى ذلك اليوم..

غير أنّ اليوم الموعود ظلّ حلما أو كابوسا.. تحقق أخيرا بشكل آخر... كان آخر من خكم عليه بالإعدام شاب نحيف في العشرين من عمره.. لا أعرف جريمته ولا يهمني ماذا فعل..

آخر ماوقعت عليه عينا صاحبي

وآخر من لففت نفسي عبيه

قبل أن يصعد إليّ ويُزاح الكرسيّ من تخت رجليه

تعالى صراخه يهزّ الصمت...

بلل نفسه..

وانهار يستغيث

هبط إلى الأرض

فرفعوه

وهكذا

 انتهى صاحبي

وانتهيت

2

بعد الحادثة المشهورة

اختفى صاحبي بضعة أيّام..

خلت أنّه مرض أو أثرت فيه الحادثة الأخيرة ثمّ اكتشفت أنّي على وهم كبير..

ذات صباح فتح علي البوابة وتحسس المكان..

ليست الساعة ساعة إعدام.. دائما يجلبون القتلة والسّفاحين قبل الفجر..

تحسسني

وخرج

ثم خطى إلى الممر خلف البوابة الثانية لم بغلق البوابتين، وعلى الرّغم من العتمة إلا أنّي رأيت ملامحه القاسية منداة ببعض الغم.. جلس على الكرسي مقابل أمين سجل الموتى وهو ينفث نفسا عميقا

-لا تحزن كلنا ننتهي مثلما يريدون أنا أصغر منك بسنة وخدمت قبلك بستة أشهر أظنّ أنّ الدور يقدم عليّ بعد بضعة أشهر.

-تخيل كيف يمرّ الوقت عليك من دون عمل تجلس في البيت أم المقهى أم أين تذهب!

 فقال الآخر كأنّه يرى في صاحبي نهايته الموعودة:

-ألم تفعل شيئا كي يؤجلوا أمرك.

فأطرق لحظة وقال:

-خلال اليومين الماضيين اللذين غبت فيهما طرقت باب أكثر من مسؤول. منذ أن استلمت كتاب نهاية الخدمة المشؤوم.. وأنا ألفّ وأدور ولا من مجيب!

خطرت في بالي صور عديدة..

فهمت الوضع جيدا

سيأتي شخص جديد لا أعرفه..

مازلت أحتفظ بقوّتي.. قد أكون انحدرا من أضعف سلالة فأبناء عمومتي جاؤوا من مخلفات صناعية، وبعضهم انحدروا من معادن أمّا أنا فقد جئت من الألياف والخيوط سلالتي أقلّ مقاموة للعث، والدولة تصرّ أن تستخدمني ولا ترغب بقريب لي.. يرون أنّ الموت منذ القلب حدث بحبال من ليف.. والدولة محافظة لا ترغب في التغيير.. يزعجني أيضا أن يتغيّر صاحبي الذي عاشرته فترة طويلة، كنّا ثلاثة.. المقصلة وأنا والسيف.. وبقيت أنا والسيف.. لا أحب تقطيع الأجساد.. وسيذهب من يرفعني وينزلي إلى الأبد وربما يلغى السيف ذات يوم فأعود أتحكّم بالموت وحدي، ولا أجد أحدا أنسجم معه مثل شخص يغادر اليوم أو غدا.

أيّ شخص جديد يرافقني؟

كيف تكون ملامحه؟

صوته

شاربه

بدين.. ؟

وحين حلّت ساعة الفراق، دخل صاحبي الغرفة وجرد كل شئ، الملابس الحمراء.. الحبل الآخر الذي يحلّ مكاني، ونادى على أمين السجل فهرع إليه على عجل:

-هذا ما في عهدتي، هل تسمح لي بشئ؟

-أنا في خدمتك!

-سآخذ الحبل معي.

-هذا سهل سأكتب أنّ الدودة والعث شرعا فيه..

هو يظلّ معي للذكرى.

غمرني شعور بفرح جارف.

الزهو

الخيلاء

هي المرة الأولى التي أخرج فيها من غرفتي وأبتعد إلى الأبد. مثلما كان عليه حال جدي الذي سحلوا به مسؤولا كبيرا في الشارع ذات يوم. إنّه صاحبي الذي سينقلني معه إلى مكان أوسع وأكبر.

وكنت أغادر المكان ملفوفا بكيس من الكتان.

شعرت بيده ترفعني بحنو ونعومة من الكيس، ويضعني في زاوية من باحة الدار.

كان صامتا لا يكلم أحدا. هجر الحديث مع ابنائه، وترك عشرة الناس.

قالت له زوجته:

- عليك أن تفرح. ستجلس معنا طويلا. سنراك كل يوم. آن الوقت أن تستريح.

طوال عمله -كما عرفته- لا تفارق البسمة شفتيه، وعندما ينتهي من حالة إعدام يتنفس بارتياح ويضاحك أمين سجل الموتى الذي يصغره بعشرة أعوام. يرى كل من يجيء إليّ قاتلا أو مذنبا تتنازعه روح شيطانيه.. وحش يهدم الدولة ويشيع الفوضى. حالما ينفض يديه يكون قد أدّى دوره، وأطاع القانون. بيده أمان الناس وراحتهم، ولولا وجودي معه _ أنا آلته_ لشاعت الفوضى وعمّ الخراب. ويبدو أنّ سلوكه في البيت لا يختلف عنه في السجن..

مرح

ضحك

نشوة طرب

مع ذلك لايجرؤ أن يفصح عن مهنته، الجميع يعرفون أنّه شرطي بعمل في الدولة يطارد المجرمين والمهربين وعصابات الجريمة.

قال لها وهو يشير إليّ من بعيد:

- حبل الغسيل أصبح قديما.. سأغيره بآخر من الآن سأنشر الملابس بنفسي. لن أجلس من دون أيّ عمل في البيت.

- كما تحبّ

تقريبا،

بعدها دخل بصمت عميق.

كان يذهب إلى المقهى صامتا. يجلس وحده...

يحتسي كأسه

لا يسلم على أحد. يظنه الجميع أصيب بالخرس.. كأنّه لا يعترف بعمره وبالشيخوخة التي لا تستثني أحدا...

بضع دقائق ثمّ يغادر المقهى إلى الشارع يتطلع في الوجوه وهو مبحر في صمته.

عندها

أبقى على سطح المنزل وحدي...

الملابس تتأرجح تحتي

ولا أحد يجرؤ على لمسي أو الاقتراب منّي.

هكذا كانت أوامره.

أمّا أنا فقد اختلف الأمر معي كثيرا.. أصبحت بين جدارين.. وضعي الأفقي يجعلني في تراخ.. وهناك الأشياء الخفيفة تلتصق بي مثلما تلتصق الحشرات بجسد الحيوان.

كنت في وضع عمودي، يجعلني أكثر راحة.

أيام الغرفة المعتمة لففت نفسي على أجساد ثقيلة، ترتفع إلي تبقى لحظات تركل ثمّ ينزلني صاحبي معها.. ويرفعني مرة أخرى..

في الهواء الطلق والنور

عرفت أنّي لا أباشر عملا مارسه جدّي قبل عقود

هناك أشياء خفيفة تلتصق بي.. تلتف حولي مع الرياح تتأرجح حتّى يأتي صاحبي يرفعها.

أبقى لا أتحرك..

مكاني ثابت تحت الشمس

هي وظيفة أخرى فب الهواء الطلق.

ربمّا أستسيغها ذات يوم.

وحين يعود الى البيت من جولإته المعتادة في المدينة، لا يرتاح إلا إذا قام بنشر الملابس على الحبل.. يرتقي الدرج بهمة، وفي لحطات يكون على السطح..

قطعة قطعة ينشرها.... يثبّتها بالمشابك ثمّ يسحب كرسيّا قديما. يجلس عليه ويروح يتطلع فيها بنشوة غريبة وهي تتأرجح في الهواء.

هكذا دخل في الصمت

وقد خرج ذات يوم في جولته المعتادة، المقهى.. الشارع.. التطلّع في المياني ووجوه الناس مثل أيّ غريب كانت هناك قطع متناثرة من الغيوم لم تثر شكوكه..

لا أقول فجأة

إنّه أمر مقدّر أن تتجمع الغيوم المتناثرة، وتدبّ البرودة

لا يهمّ الوقت..

ربيع

خريف

شتاء..

ليس من المعقول أن أظلّ طوال عمري تحت أشعة الشمس والصيف الاهب..

هكذا

من دون إنذار هبّت زوبعة، وهطل مطر

رزاذ

تحوّل إلى انهمار ثقيل..

برودة تسري في عروقي

لحظتها

أيقنت أن الرطوبة تسربت إليّ ونبؤة أمين السجل عن العثّ تلاحقني..

جسدي كلّه يقطر

أظنّه كان في الشارع يتطلع في الوجوه، وعندما وصل السطح وقف عند البوابة يلهث والمطر يقطر من جبينه. تمتم بكلمات ما، وأمعن النظر بي.. حدّق طويلا..

حكّ رأسه

ثمّ

تقدّم نحوي

خلع طرفي من الحائط المجاور للجيران ولفني على يده بعدها خلعني من حائط الملتصق بباب السطح، هبط الدرجات، ودخل غرفته.

كان مازال معرضا عن الكلام.

اعترضته، قائلة:

هل تتناول طعامك الآن أم ترقد. (بهدوء أكثر) أنت مبلل.. ستصحو الشمس وتنشر الغسيل !

للمرة الأولى أسمعه ينطق:

لا توقظيني.. دعيني أرتاح..

شلّتها المصادفة، فأطلقت زغرودة خافتة، وصاحت وهي تطير من الفرح:

ها أنت تقدر على الكلام من جديد!

دخل الغرفة، أحكم أغلاق الباب. جلب كرسيا من أمام خزانة الملابس، وضعه تحت مروحة السقف.

صعد

أخذ أخذ يربطني بحديدة السقف ثمّ لفني بهدوء على رقبته..

بكلّ جرأة معهودة عنه.. دفع الكرسي يرجليه، كما لو أنّه يعامل قاتلا محترفا ساقوه إليه..

خلال ثوانٍ

تأرجح، وركل برجليه

هذه المرة كنت ثابتا في مكاني تحت السقف. أنتظر

رجلا ما

امرأة ما

تأتي لتجعله يهبط منّي.

رحت أنتظر

وأنتظر

لا أخاف يعد نبؤة العث فقد أدّيتُ آخر مهمة لي.

***

قصي الشيخ عسكر

16-20\9\2025

 

كان الصمت يلتفّ حوله كأفعى تتربص بلحظة الانقضاض، يداهم حلمه الذي غدا نبراسًا للحرية والعدالة، ويخنق قصائد آماله قبل ان تلوح في الأفق الضبابي. لم يكن يعنيه ما يملكه من جسد أو متاع سوى أنه وسيلة للتضحية، فقد كان يحمل فكرًا متّقدًا يتنفس وجع المظلومين، ويصرخ بصمت في وجه السفاكين.

وفي الضفة الجسدية من حياته، كانت مرارة التجربة تصارعه، ومرض الجسد يطارده كالشبح، يتسلل بين أحشائه ويعبر ممرات الدم. فقد كرّس هذا الجسد بالكامل من أجل قضية آمن بها حتى النخاع. أما الفكر، فكان هو النور الذي يقوده، والوسيلة التي بها يسعى لتحقيق الأهداف. تسلّحه بمبادئ راسخة وإيمان لا يلين مكّنه من الوقوف منتصبًا في مواجهة الأهوال، رغم ما كان ينهشه من الداخل.

عندما أحس أن أنياب الشر تحف به، والخطر يتربص عند كل زاوية، هبَّ مسرعًا استعدادًا للرحيل قبل الوقوع في الفخ كفريسة سهلة في فم الوحوش. فكانت ساحته قمم الجبال ووديانها، وهناك وجد نفسه في صفوف الأنصار ليكمل مسيرته في وجه العاصفة.

لم يعد العمل السياسي السري ممكنًا، فالمطاردة اشتدت. كانت القوات الأمنية تداهم البيوت بلا رحمة، تقتحمها في الليل كما لو أن الظلام نفسه صار شريكًا في المطاردة.

بعد سنوات من تواجده في قواعد الأنصار، خضع لعملية جراحية دقيقة في ظهره، حيث كانت أكياس مائية تضغط على عموده الفقري. لم تكن الجراحة ناجحة، فانفجرت تلك الأكياس وتسببت له بعجز كامل عن الحركة من وسطه إلى الأسفل.

لم يعد جسده يستجيب، واشتدت معاناته الداخلية كعاصفة لا تهدأ. صار طريح الفراش، شاحب الملامح، لكن في أعماقه ظلّ لهيبًا صارخًا يتّقد، تمتد ألسنته نحو العلا، متحديًا حدود الجسد.

حين خذله الجسد، لم يتراجع العقل. وحين خفت الصوت، ظلّ الفكر يصرخ في صمت.

دخل في غيبوبة الكفاح استمرارًا لدوره النضالي المتفاني الذي لا تواريه الرماد لتحقيق أهداف إنسانية طالما وهب حياته قربانا ليجعل منها جسرًا يمنح العابرين الشعور بالأمان نحو أهداف إنسانية طالما حلم بها.

الضوء الخافت المتسلل من أبواب السماء كان يمنحه نبضًا للتحدي، فقد كان كائنًا شديد البأس، اعتمد في مسيرته على ما يحمله في جمجمته من وهج لا ينطفئ.

لم يكن اليأس خصمًا قادرًا على اختراقه. كانت إرادته جدارًا من صخر، لا تهزه أعاصير البحر ولا تغرقه أمواج العزلة. ظلّ واقفًا، شامخًا، كأنما الجسد لا يعني شيئًا أمام صلابة الروح.

كان حميد إنسانًا هادئًا، متواضعًا، خطاطًا يتقن التنظيم والتصميم، ويمنح الأشياء من حوله ترتيبًا يحمل بصمته الخاصة.

لاحقًا وصل إلى السويد، كأنما يبحث عن هدنة لجسده المُنهك، بعد سنوات من الإهمال والمعاناة. ورغم كونه جليس الكرسي المتحرّك، فقد أدار شؤونه اليومية بنفسه، متحديًا قسوة الحياة بابتسامة لا تنكسر.

تزوّج من امرأة رائعة، لم تتخلّ عنه يومًا، كانت له سندًا في لحظات الانطفاء، ورفيقة في أيام الضوء. لكن السعادة، كما لو أنها كانت تخشى البقاء، لم تطل كثيرًا.

في أحد الأيام، وبينما كان حميد يجلس في كرسيه الأبدي، داهمه ألم مفاجئ، كأن الجسد قرر أن يُعلن استسلامه الأخير. كان يناهز الثانية والخمسين من عمره حين اقتيد إلى المستشفى، عمرٌ لا يُعدّ متقدمًا، لكنه كان كافيًا ليكتب النهاية. أُجريت له العلاجات، لكنه ظلّ مستلقيًا في ردهته الخاصة، يراقب الضوء وهو يتسلل من النافذة كعادته.

حين نادى الممرضة كي ترافقه لقضاء حاجته، بدا كل شيء عاديًا. لكن الوقت مرّ، ولم يخرج.

فتحت الباب، فوجدت الصمت قد احتضنه إلى الأبد. رحل حميد، تاركًا وراءه نافذةً لا تزال تسرّب الضوء، وكرسيًا لم ينسَ جلسته الأخيرة.

***

كفاح الزهاوي

ألعِمارة ُتحتَ لِحافِ الظهيرةِ نائمة ٌ

والشَخيرُ يُصَعّدُهُ خشَبُ الشُرُفاتْ

بكاءُ نوافِذ َمَخلوعَةٍ

بَارَحَها الضِحكُ

مُذ مَسَحَ  ُالدهرُ ما بَصَمَتهُ بأحمَرهِنّ

على لوحِها قُبَلُ الفتيات

كِسَرٌ من كؤوس مُهشّمةٍ

كأنّ السَلالِمَ مَرشُوشَة ٌبرذاذِ الضياءْ

غرَفٌ حينَ تُفتحُ أبوابُها

يَنفخُ السُلّ ما في مناخيرهِ من هواءْ

... هكذا يتنزّلُ من غرفةٍ في السطوح الغريبُ

شفيفاً لفَرطِ نحافتهِ

مثلَ قنينةٍ اُلبِسَتْ سِترة ًوحِذاءْ

ولكنهُ عندما يتعثّرُ

ترتجّ من تحتِهِ طبَقاتُ العِمارَةِ

والمُذنبون يقومونَ ركضاً من النوم للصَلواتْ

وقد تترجرَجُ أبنية ُالحَيّ طُرّاً

إذا هُدنة ُالصمتِ ما نُقِضَتْ

وشَنّ بسكرتِهِ (أبو مرتا) على النائمينَ حروبَ الغناء

... لم تكُ تلكَ بزلزلةٍ

يومَ أنْ مالتِ الأرضُ

واندفعَ الخائفونَ عراة ًإلى الطرقاتْ

ناسينَ زوجاتِهمْ يتصايَحنَ تحتَ أسِرّتِهِنّ

وتسْوَدّ فوقَ اللهيبِ قُدُورُ الحَسَاء

ففي السطح قد بدأ السابحون السُكارى

مسابقة َالغوص داخلَ كاسَةِ ماءْ

**

هكذا هو ينزلُ في دَعَةٍ ووَقار

مخافةَ َأنْ يتخلّفَ عن ظِلّهِ خُطُواتْ

ويفجأهُ زمنُ الغادرين

فيقطفُ آخِرَ ما في غصون سكينتِهِ من ثِمار

خُطوة ٌمُتثاقِلة ٌ، ثمّ أخرى

وبينهما غفوة ٌوانتظار

وقد تتجاوزُ رحلتُهُ بين غرفتِهِ في السطوح،

وبابِ عمارتِهِ سنواتْ

(هل غرفةً هيَ كانت؟

أم هي كانت مَصيدَةَ فار؟)

تدخلها غازياتٍ جيوشُ الحنين بخَيلٍ من الذكرياتْ

وبالرغم من أنها دونَ بابٍ

ومن دون نافذةٍ

بيدَ أنّ الملائكة َالهائمينَ تحاشَوا محارقها

مخافة َتَلسعُ أقدامَهم جمرة ُالحسراتْ

**

ألمدينة ُنائمة ٌ

والسُكُونُ هو القاتِلُ المُتنقلُ عبرَ قطاراتِ منتصفِ العُمر

حاملاً بحقيبتِهِ حُقنة َالإنتحار

في فُندُقِ الليل يغفو السُكارى بجرارة المنضدة

تُضخّمُ سَمّاعة ُالصمتِ مكبوتة َالحسراتِ

فترتدّ مثلَ دويّ انفجار

- أنينَ كَمانٍ يُقدّمُهُ العازفُ الكَهلُ

من غرفةٍ في السطوح

لزوّاره الأوفياءِ: الجداجدِ والقملِ ليلاً

دليلَ التزامٍ بحُسنِ الجوار

- ترجيعَ صافرةٍ كالتثاؤبِ يطلقعهُ الحَرَسُ النائمونَ

لعلّ لُحُونَ النعاس التي جمّدتهم

تسُدّ أمامَ اللصوصِ دروبَ الفِرار

- آهاتُ جسمين مُرتجفين

يذوبان فوق السرير ببعضهما

ويفوحانِ ابخرةً ولهيباً

فمثلَ الحديدِ تذوبُ الجسومُ،

وتُلحَمُ – لَصقَ الجُسُوم - بنار

**

حينَ يُغطّي سكارى الحدائِق بالعُشبِ احلامَهم

وينامون في الساقية

ويُسدَلُ في غرفةٍ فوقَ سَطح الظنون سِتار

وحينَ تُصِرّ – وإنْ لم تُمَسّ – سلالمُ من خشبٍ

اصابَ ارتعاشُ النجوم مساميرَها بالدُوار

يلمّ الغريبُ بكفيه أدمُعَهُ

نادماً أنهُ ظلّ ينسى مَدى العُمر تخميرَها في جِرار

وما زالَ منذ ثلاثينَ عاماً يُغني

كمن قُلِعَتْ سِنّهُ دون بَنجٍ

يُغنّي، ويبكي

فتُظلِمُ مما بأعماقِهِ من غيوم سماءُ النهار

***

شعر / ليث الصندوق

في حيٍّ قديمٍ من ضواحي مدينة كولن، يقع منزلٌ من طابقين بطرازٍ تقليدي، مميّزٌ بنوافذه الخشبية الواسعة وجدرانه من حجر البازلت، وحديقته الكبيرة، بشجرة الكرز المعمّرة. ورثته إريكا شولتسه عن زوجها الذي توفّي قبل سنوات، وترك لها البيت وبعض المال، والكلب مولي؛ لكنّ أقسى ما ورثته كان الوحدة.

إريكا في أواخر الستينيات، مدرّسة رسمٍ متقاعدة، تعتني بمظهرها وبصحتها، يبدو على وجهها أثر جمالٍ قديم، تصفّف، بوقارٍ، شعرها الذهبيّ الذي غزاه خيطٌ رماديٌّ. ملأت وحدتها بأمرين: التعلّق بكلبها مولي، الذي رافقها منذ خمسة عشر عاماً، والحرص على أمسيات السبت الثقافية، التي تشارك فيها حلقةٌ ضيّقة من صديقاتها وأصدقائها من زمن الدراسة.

كان مولي رفيق إريكا الوحيد، يرافقها في كلّ مكان، يستلقي عند قدميها، وهي تقرأ في كتابٍ في المساء؛ تتحدّث معه عن تفاصيل يومها، عن ذكرياتها، عن ابنتها التي رحلت إلى هامبورغ ولا تزورها إلا نادراً. تقول له بمزاحٍ، وهي تلمس رأسه: "لو لم تكن هنا، يا مولي، لكنت تحوّلتُ إلى تمثالٍ من حجر".

منذ عامين فقط سكن عندها سامر، شابٌّ سوريٌّ في أواخر العشرينيات، نحيلٌ؛ لكنه مستقيم القامة، بجبهةٍ عريضةٍ، ولحيةٍ خفيفة، معتدٌّ بذاته من غير تبجّحٍ، جاء من دمشق بعد رحلة لجوءٍ طويلةٍ وشاقّة.

تعرّفت إريكا على سامرٍ بطريقةٍ غير متوقّعة؛ كانت، كلَّ مساء، تتنزّه مع مولي قرب ضفّة الراين، وكان يلفت نظرها ذلك الشاب الغريب الذي يجلس دوماً على المقعد الخشبيّ، يقرأ كتاباً بصمتٍ واستغراق.

ذات مساءٍ خريفيٍّ، والنسمة خفيفةٌ محمّلة برائحة النهر، كان سامر يجلس كعادته على المقعد الخشبي غارقاً في أفكاره، لا يهتمّ بما حوله، اقترب مولي منه، ومدّ أنفه نحو ساق سامر العارية، فانتفض سامر فجأة، ودفع ساقه بعنفٍ دون وعي، لتصطدمَ بأنف الكلب الذي انسحب يعوي نحو صاحبته.  هرعت إريكا غاضبةً: "كيف تجرؤ على أن تؤذي كلباً مسالماً؟". ارتبك سامر، وراح يدافع عن نفسه: "لم أقصد. هو الذي فاجأني. لقد تحرّكت بلا وعي!". لكنّها لم تقتنع بدفاعه، ارتفع صوتها، وهدّدته بأنها ستستدعي الشرطة. كانت توبّخ سامر، بالقدر نفسه الذي تواسي فيه كلبها العزيز.

ظلّ سامر يكرّر اعتذاره، ويؤكّد إنه لم يقصد إيذاء الحيوان، حتى هدأ الموقف بعد جدالٍ طويل. في النهاية قبلت اعتذاره علـي مضضٍ، ولم تطلب الشرطة "رأفةً بحالك! لأنك لاجئٌ من الحرب، لن أزيد معاناتك بمشاكل مع الشرطة".

منذ تلك الحادثة، تغيّر كلّ شيء؛ صارت تجلس، أحياناً، إلى جوار سامر على المقعد الخشبي، تتحدّث معه بحذرٍ في البداية، ثمّ صارت تترفّق معه بالكلام مع مرور الأيام. عرفت قصة لجوئه والحرب في وطنه، لم تعد تخشى على مولي حين يقترب منه، بل لاحظت أنّ الكلب نفسه صار يأنس به. من هنا بدأت صداقةٌ صغيرةٌ بينهما، انتهت بعرضها له أن يستأجر الغرفة العلويّة في منزلها.

انتقل سامر للسكن في المنزل، توثّقت العلاقة بينهما. مع الوقت أصبح سامر جزءاً من يومها. لم يقتصر حضوره على دفع الإيجار، بل كان يشاركها في تفاصيل الحياة الصغيرة، يساعدها في قصّ عشب الحديقة، وتبديل مصابيح الكهرباء العالية، ويصلح ما يمكنه إصلاحه في البيت، وأحياناً يرافقها إلى مكتب البريد، أو يذهب معها للتسوّق، يحمل الأكياس الثقيلة، وصناديق زجاجات المياه. هذه التفاصيل جعلت وجوده مألوفاً بين ضيوفها وأصدقائها.

بالتدريج صار يشارك في أمسياتها الثقافية، وصارت إريكا تقدمه أمام ضيوفها بعبارةٍ نصف مازحة: "هذا سامر، ضيفي، ومثل ابني"، وبلباقةٍ وذكاء يصحّح قائلاً: "مثل أخيك.. أشعر أنك مثل أختي الكبرى"، تبتسم إريكا، وتضيف: "لقد صرتَ فرداً من عائلتي الصغيرة، أنا ومولي". يبتسم سامر بخجلٍ، متقبّلاً موقعه الجديد في تلك "العائلة الصغيرة".

كان سامر يشعر، أحياناً، أنّ وجوده في هذا المنزل هو تفصيلٌ رمزيّ، تكمل به إريكا لوحة حياتها، أكثر من كونه جزءاً أصيلاً من هذه الحياة؛ مع ذلك، تقبْل هذا الدور برضا وامتنانٍ عميق.

في إحدى أمسيات الشتاء، اجتمع الضيوف في صالة المنزل الدافئة. حيث انتشرت الشموع فوق الطاولة، تعكس ضوءها الخافت على الكؤوس الصغيرة، وعبق الجوُّ برائحة القهوة الطازجة. جلست إريكا بفستانٍ كحليٍّ، وقد زيّنت أذنيها بقرطين ثمينين من الفيروز، عزيزين على قلبها، ورثتهما عن والدتها. جلس مولي، كعادته، قرب قدميها كحارسٍ وفيْ صامت.

كان بين الحاضرين فولفغانغ أستاذ الفلسفة المتقاعد، وصديقتها القديمة إيزابيل، الممرضة المتقاعدة، وجارتها هيلغا، معلّمة مدرسة، بالإضافة إلى صحافي ألمعي يدعى رينيه، له مقالاتٌ في السياسة والهجرة.

بدأت الأحاديث كالمعتاد عن الفنّ والمسرح، وسرعان ما تحوّلت إلى السياسة. قال فولفغانغ وهو يحرّك كأسه: "أوروبا صارت مثقلةً أكثر من طاقتها... اللاجئون يزدادون، والأنظمة عاجزة عن دمجهم بشكلٍ حقيقي".

لم تعجب إريكا نبرةُ التذمر في كلامه، فبادرت بابتسامةٍ متماسكة: "أعترض قليلًا يا عزيزي، انظر إلى سامر مثلًا...  يتحدّث بطلاقة، وليس، فقط، بمواضيع يومية، ألا يشكّل هذا إضافة؟"، ثم التفتت إلى سامر: "حدّثنا، من فضلك، قليلاً عن نفسك، وبلدك".

اعتدل سامر في جلسته، رفع كتفيه بتواضع، وقال بلغةٍ ألمانية، ببطء من ينتظر حضور الكلمة، وضبطها قواعدياً قبل نطقها: "كنت أحضّر بحث الماجستير في الأدب في دمشق. لدي شغفٌ بالأدب والتاريخ. لكنّ الحرب قطعت كلّ شيء. هنا أحاول العمل والتعلّم من جديد".

تدخّلت هيلغا بابتسامةٍ متردّدة: "المشكلة ليست مشكلة أفراد... مدارسنا صارت مكتظّةً بالتلاميذ من أبناء المهاجرين. أخشى أن نفقد هويتنا؟"

التقط الصحفيّ كلامها وتابع: "هل سار أحدكم في وسط كولن ليلاً؟ الشباب المهاجرون يملؤون الشوارع حتى منتصف الليل. متى كانت شوارع المدن أماكن للسهر؟ كولن لم تعد كولننا!  مدننا بدأت تفقد هويتها. هذا إذا لم نتحدّث عن الأمان… من يستطيع أن يتأكّد من أيّ خلفية جاء هؤلاء؟".

ساد صمتٌ قصير. ارتسم القلق في وجه سامر، لكنه تمالك نفسه وتحدّث بلطف: "أفهم خوفك، يا سيدي. الحرب تجعل كلّ شيءٍ يبدو مضطرباً وغير آمن. لكن اسمح لي أن أقول: الشارع ليس هو مصدر القلق الوحيد على الهوية الثقافية. هل الإعلام بريءٌ من التأثير على الهويات الوطنية؟ على العموم، الهوية ليست شيئاً جامداً، إنها مثل نهرٍ بجري. حين تلتقي به جداول أخرى، يكبر ويصير أعذب؛ لكنه لا يغيّر مجراه".

رفع فولفغانغ حاجبيه وقال: "تشبيهٌ جميل... لكنّ النهر أحياناً يفيض ويغرق الأرض".

ابتسم سامر بخفّة: "صحيح؛ لذلك فالمجتمعات بحاجةٍ دائمةٍ إلى سدودٍ من العقلانية، والقوانين العادلة. أما أن نمنع الجداول عن النهر، فلن نتجنّب الفيضانات، بل سيجفّ النهر نفسه ويأسن".

تبادل الضيوف النظرات. لم يتكلم أحدٌ في الموضوع بعد ذلك، لكن كان جليّاً أنّ ردّه ترك أثراً واضحاً؛ ارتسمت الدهشة في وجه إريكا، ألقت نحوه نظرةً تفيض بالفخر، وبحركةٍ آليةٍ نزعت قرطيها ووضعتهما على منضدةٍ جانبية واسترخت في جلستها تربّت على شعر مولي المقعي بجانبها، متباهيةً باكتشافها: "ها أنتم سمعتم! مأساة هذا الشاب تذكّرنا بما نسيناه بعد سبعين سنةً من الحرب. نحن أيضًا كنّا لاجئين في زمنٍ ما".

ضحكت إيزابيل ثمّ علقت: "إريكا دائماً تحبّ تحويلَ النقاش إلى درسٍ إنساني!"

بعد ساعةٍ أو أكثر، كانت الضحكات تتلاشى حين بدأ الضيوف يغادرون. ظلّ سامر، زمناً، يساعد إريكا في ترتب الأكواب والأطباق. كانت سعيدةً بحضوره الذكيّ في الأمسية، وقبل أن تصعد إلى غرفتها، لاحظت أنّ أحد فرطيها مفقود، بحثت على الطاولات والمقاعد، وتحت السجادة الصغيرة بلا جدوى، ساورها شكٌّ ثقيل، حاولت أن تطرد الفكرة؛ لكنها عادت بقوة. تردّدت قليلاً، ثمّ اتصلت بالشرطة.

وصل ضابطان، أحدهما امرأة، فتّشا بدقة، صعدا إلى الغرفة العليا. ظلّ سامر صامتاً بذهول، يجيب باقتضاب، وقد صعقته الفكرة. نظر إلى إريكا، رأى في عينيها ارتباكاً وتردّداً، شعر بالخذلان، لكنه ظلّ يحيب عن أسئلة الضابطين بثقةٍ وهدوء.  لم يجدا شيئاً. اعتذر الضابطان بأدبٍ وغادرا. جلس سامر على سريره يشعر أنّه تلقّى طعنةً في قلبه. كان يعرف أنّ الشكّ سيظلّ يلاحقه، حتى لو أثبت براءته، لكن ما يحزّ بنفسه أكثر، أنّ إريكا التي قدّمته كابنٍ لها، متباهيةً أمام أصدقائها، وضعته في دائرة الاتهام من أول تجربة.

جلست إريكا حزينةً على الأريكة، ركض نحوها مولي يتمسّح بركبتيها، لمحت شيئاً يلمع في ثنايا شعره، شهقت: "القرط!". انتزعته برفق: "يا مشاغب! أخذتَ كنزي الصغير؟!"، ضحكت من قلبها، ثم نظرت حولها ولم تجد من يشاركها الضحك سوى صدى الجدران. تذكّرت سامر في الطابق العلوي، وشعرت بوخزةٍ من الأسى، فكّرت أن تصعد لتعتذر، ثم عدلت عن ذلك، وقرّرت أن تدعوه في الصباح لتخبره كيف وجدت القرط، وتخفّف عنه ثقل هذه الليلة.

استمرّت الأمسيات في منزل إريكا؛ لكنّ شيئاً في أعماق سامر تغيّر. صار قليل الكلام، لا يشارك في النقاشات كما كان؛ يكتفي بابّتسامةٍ صامتة، أو جملةٍ مقتضبة. فضّل الاكتفاء بأعماله الصغيرة في المنزل: جزّ عشب الحديقة، وإصلاح إطار نافذة، أو مسح الغبار عن مصباحٍ مرتفع، وترتيب حطب المدفأة. أما إريكا، فلا تزال تناديه "ابني"، دون أن تلاحظ الشرخ العميق الذي حفرته تلك الليلة في داخله.

***

قصة: منذر فالح الغزالي

Wachtberg, 24.08.2025

كانتْ منذَ الأَفجارِ الأولىِ،

منذُ بداياتِ التكوينِ،

آنيةً لزُهورِ الخَصْبِ،

فاكهةً في رَحِمِ الطّينِ.

*

بالأنوارِ تحفّتْ،

بالألوانِ المائيّةِ الزرقاءِ،

وبالأخضرِ الغابيّ،

كِتابًا مَفتوحًا صارتْ،

ألواحًا زيتيّةً،

قارئُها الخلقُ:

الطّينُ اللازِبُ والأحجارُ،

الماءُ الجامدُ والأنهارُ،

الغيماتُ الحُبلى،

وحُبيباتُ الأمطارِ.

*

للأشجارِ افترشتْ راحتَها،

وانبسطتْ... فانغرستْ فيها، اكتشفتْ

ما تُثخِنهُ الشهوةُ في ليلِ الإعصارِ.

*

الديناصوراتُ انقرضتْ فيها،

وما انقرضتْ فيها الآهاتُ،

لَمّا احتضنتْ من أغواهُ التفّاحُ،

مَن لفظتهُ الجنّاتُ،

مَن سكنتهُ الشهوةُ والصبواتُ.

*

بالكلماتِ احتفلتْ،

بالورقاتِ،

لِتُؤرِّخَ للعالَمِ

أخبارَ الهجراتِ الأولى والرّحلاتِ،

بَصماتِ الخطواتِ المشروخةِ

فوقَ أديمِ الصدرِ العالي،

بَوحَ الأصداءِ بعدَ رحيلِ الأصواتِ،

أنباءَ نبوءاتٍ شهِدتْ،

ومصيرَ حضاراتٍ،

أفراحًا ومسرّاتٍ،

وأنينَ مُعاناةٍ.

*

منذ العصرِ الحجريّ

حتّى بزوغِ الإنترنتِ،

في الأعماقِ،

كَتمتْ صوتَ البُركانِ،

وقالتْ للنيرانِ: تعالي!

حملتْ كلَّ سلالاتِ الصيرورةِ

فوقَ سريرِ الماءِ الجاري،

ولمفاتنِها غنّتْ موسيقى الريحِ

وأسراب الأطيارِ،

هَسِيس عَناصرِها في الأشجارِ،

خَرير مياهِ الأمطارِ،

للشمسِ، للخضرةِ،

رَقَصَتْ للأنوارِ.

*

لم تَعبأْ بالأقدارِ،

بِكِتاباتِ اللاهوتِ،

وبالأسفارِ،

بالآمالِ المُغتالةِ ليلًا ونهارًا،

في أحشاءِ مقابرِها طمرتْ

كلّ الفُجّارِ، وكلّ الأخيارِ،

كلّ الأشرارِ، وكلّ الأحرارِ،

كلّ سِجلاّتِ الأسرارِ.

*

صُلبَ الحلاّجِ،

ولم تُصلبْ فيه الأشواقُ،

حقلَ نِفاياتٍ صارتْ،

مدارَ خُصوماتٍ،

جسدًا أدمَتْهُ الألغامُ،

مجنونًا، من ثقبِ الأوزونِ،

تسلّلَ شبحُ الأورامِ.

*

أتراها تبكي زمنًا

كانتْ فيه عذراءُ،

بكارتُها لم يَطمِث إنسانٌ؟

أم زمنًا آتٍ،

قُربانًا ستكونُ فيه

لِزَوالِ الإنسانِ؟

***

بقلم :️ سليمان بن تملّيست - الجمهورية التونسية

جربة في 2012/12/28

......................

* "ألواح الأرضِ"، نصٌّ شعريٌّ يرسمُ رحلةَ الأرضِ والحياةِ منذ الانفجارِ الكونيِّ الأولِ حتى العصرِ الحديثِ.. الأرضُ تتحوّلُ إلى شاهدٍ حيٍّ على الطبيعةِ، والحضاراتِ، والفرحِ والمعاناةِ، بينما يتأمّلُ الشاعرُ مصيرَ الإنسانِ وعلاقته بالكوكبِ.. النصُّ يمزجُ بين الصورِ الشعريةِ الملحميةِ والتأمّلِ الفلسفيِّ، مع وعيٍ عميقٍ بالبيئةِ والتاريخِ.

الوهم نهر..

يأخذنا إلى فكرة العشق الابديّ..

ثمّة رغبة في عدم التّوقف عند إحدى الضّفتين...

يقول:

عند المصبّ.. نلتقي..

حين تكفّين..عن تأمّل الصّفصاف.. على الضّفاف...

نلتقي..

*

تقول:

كيف نصل..

مثقل انت بذاكرة.. تقتات على وجعك..

كيف روحي. تستسلم للتيّار عاشقةً..

وروحك معلّقة بالظّلال...؟

*

مازالت الضفة تغازلني

ومازال النهر يأخذني.. معلّقة انا.. بين بين

*

بينما "البحر بيضحك ليه"

*

الوهم نهر..

يأخذنا إلى فكرة العشق الابديّ..

ثمّة رغبة في عدم التّوقف عند إحدى الضّفتين...

يقول:

عند المصبّ.. نلتقي..

حين تكفّين.. عن تأمّل الصّفصاف.. على الضّفاف...

نلتقي..

*

تقول:

كيف نصل..

مثقل انت بذاكرة.. تقتات على وجعك..

كيف روحي.. تستسلم للتيّار عاشقةً..

وروحك معلّقة بالظّلال...؟

*

مازالت الضفة تغازلني

ومازال النهر يأخذني.. معلّقة انا.. بين بين

*

بينما البحر.. بعيدا

كان.. يضحك..!!

*

..بعيدا

كان.. يضحك..!!

***

حياة بن تمنصورت - تونس

 

ليس عندي

ما أنفقه على صمتي،

صمتي

كبرَ حتى صار له لسان

يسلُق به المارّين،

ويَصمني بما ليس عندي،

يكفرُ بالنِّعَم،

وينسى أنّي

احتضنته

مذ كان غَضًّا

لا يعرف غير العويل،

يبكي

لسببٍ أو من دون سبب،

تحمّلته،

ولمّا اشتدَّ عوده،

سلقني بكلماته،

وأورثني وجعًا

يمتدُّ من حنجرتي

إلى ظلّي،

حتى صرتُ غريباً

في بيتي،

يأمرني أن أخرس

حين أودُّ الكلام،

ويُطلقني في الطرقات

حين أودُّ الاختباء،

فعرفتُ

أنني لم أُربِّ صمتي،

بل ربّاني هو،

حتى صرتُ أنا

صوتَه العالي،

وصمتُهُ يبتلعني

كأنّي لا شيء سوى صدى

في حنجرة لا تُسمَع.

***

د. جاسم الخالدي

طافَ الفُلْكُ فحلّقَ سربُ شُهودِ الغربانِ

يبحثُ في ما بعدَ اليمِّ الطاغي عن مأوى

ظلّتْ غِربانُ الشؤمِ تحلِّقُ في عُمقِ اللاجدوى

حتى أعيتْ ماتتْ جوعا

تصرخُ لا سلْمَ على أرضٍ غطّاها الطغيانُ

يتعدّدُ أشكالا

فيها الإنسانُ ظلامٌ مسلولٌ ظمآنُ

أعمى يقتلُ أعمى

غطّاني الطوُفانُ وأفقدني وعيَ الوجدانِ

فليبقَ الطُوفانُ مليكَ عروشِ الأزمانِ

لا دينَ يؤاسي لا حُكمُ الأوثانِ

هل أنجبني سببٌ مجهولٌ أمْ بشرٌ مجبولٌ مثلي؟

لا أعجبُ لا أحتارُ

مثلي ينبتُ في شَجَرٍ مقطوعِ الأغصانِ

لا أغرقُ لا أطفو

حسبيَ أنَّ الواقعَ في الدنيا أعماني

جرّدني من تُحفةِ عرشِ محطّةِ أحزاني

أفقدني وعيَ سلامِ القبرِ النائي

الدُنيا لُعبةُ قطعِ الأوصالِ

وخرابُ الناموسِ الأزليِّ وإخراسُ الصوت العالي

الروحُ تصيرُ مُحالا

والسمتُ الغالي أوطأُ من قامةِ فحلِ النملِ

أقصرُ من نابٍ في فكِّ الأفعى ..

سأُجمِّدُ نفسي والحاضرَ والماضيَ والآتي

خشيةَ أنْ أفقدَ وزنيَ في باقي أجسادِ الأولادِ

والقيمةُ في مرآةِ الظلِّ سوادُ

تَرَفٌ يبقى والناعي صوتُ الصرخةِ في الميلادِ

ما خطبُ الراكبِ ظهرَ الأنواء

يحسبُ أنَّ البردَ يُغطي دَربَ الأشواقِ

لا يعرفُ أنَّ الشوقَ قصيرُ

وحصادَ القمحِ المسمومِ هراءُ

إبعثْ للراحلِ من صدرِ المُشتاقِ سلاما

خبِّرْ أني معطوبُ القلبِ أُعاني من فقدِ الأوزانِ

لا أمسي يدنوَحتّى ليؤاسي

ويُخفّفَ عنّي وطأةَ شقِّ الأنفاسِ عميقا

أين الماضونَ وهل مِنْ لُقيا في طيفٍ أو رؤيا

أنقذني [أَبَتي] إني مأزومٌ أتداعى وصفاً وصفا

تتهرأُ أقدامي ويهزُّ الجُدرانَ مُقامي

بارِكْ سيلَ الروحِ على مجرى مخضوبِ دموعِ الأجفانِ

طوّعتُ بناني فتهاوى سقفُ الحِرمانِ العالي

يشكو شِدّةَ خطفِ الأبصارِ

ويُعيدُ الكرّةَ فصلاً فصلا

لا خَفْقٌ ينتابُ ولا هُدْبٌ يرتادُ الأجفانا

أينَ الُلقيا ؟ هل مِنْ أملٍ في قطعِ الكفِّ العاصي

ويمورُ كما مارَ الوعدُ المشنوقُ بمُرِّ حِبالِ الأبراجِ

كَفكِفْ هذي البُشرى وتبارَ ومجهولَ الأسفارِ

بَشِّرْ أنكَ لا تُحصي أنفاسَ الأقدارِ

ما مرَّ يمرُّ سريعاً

فتعالَ نغضَّ الطرفَ حِدادا

طابَ الطُوفانُ وطالَ المدُّ العالي

فتعالتْ أصواتُ الغِربانِ تنادي بالرهبةِ والويلِ

وتهاوتْ أشرعةٌ فالريحُ الصْرصرُ إعلانُ

(هيئْ نفسَكَ لليومِ التالي)

اليومُ التالي حصّةُ فقدانِ الأهلِ

لا جُرفٌ يؤويكَ ولا مِرساةٌ تُحصي أنفاسَ الربّانِ

اليومَ عُبابُ

وطريقُ الأوبةِ عينٌ تتلو عيناً سوداءُ

والباقي في كهفِ الماضي أكفانٌ بيضٌ وبقايا أوهامِ.

***

د. عدنان الظاهر

أيلول 2025

(مرثيّة كونية للأنثى التي لم تُترك لتكون إنسانة)

في البدءِ... لم تُخلق من ضلعٍ كما رووا، بل من ومضةِ نجمٍ، وشهقةِ ماء، ومن رغبةِ الحياة أن ترى وجهًا جميلاً كي تُحبّ نفسها. لكنّهم، منذ البدءِ، أقسموا أن يجعلوا منها سؤالًا لا يحقّ له أن يُجيب.

**

يا امرأةً، كلّ أرضٍ سقتها دماؤكِ ثم أنكروكِ. كلّ حضارةٍ صعدتْ على أكتافكِ، ثمّ دفنتكِ تحت أقدامها.

**

في الهند... حين يموت الرجل، يُحرق جسدُكِ معه، كأنّكِ لم تكوني إلّا ظِلّ رماده. وفي إفريقيا، يُنتزع منكِ الفجر، حتى لا تعرفي كيف تبتسمين حين تمطرُ الرغبة. وفي أوروبا، كنتِ تُباعين في أسواقٍ يتبادل فيها اللورداتُ مفاتيحَ الجسد كما يتبادلونَ الخيولَ المدلّلة.

**

وفي مصر، وُضعتِ بجوار المومياء، ليصحبكِ إلى الحياة الأخرى كأنّ موتَهُ أهمّ من بقاءكِ. وفي جزيرة العرب... أنتِ التي خُلقتِ من عارٍ يتوارثه الرجال، كأنّكِ سقطةُ المجد، ولستِ نبوءةَ الأرض. دفنوكِ حيّة، لا لأنكِ أخطأتِ، بل لأنّكِ تنفستِ.

**

آهٍ يا أنثى… كم مرّةٍ كنتِ زهرةً على كتفِ البركان، ثم قالوا: "هي السبب"؟ كم مرّةٍ سالَ دمكِ من شهوةِ سيوفهم، ثم قالوا: "الفتنة فيها"؟

**

وها أنتِ، حتى اليوم، تُجلدين بصمتك، يُصلبُ وجهكِ في شاشات الأخبار، ويُعاد تدويرُ مأساتكِ كأنها محتوىً ترفيهي، لا روحٌ تنزف.

**

لكنكِ، رغم ذلك، رُكنتِ في زاويةِ التاريخ، باسمِ القداسةِ أحيانًا، وباسمِ الرجولةِ أحيانًا أخرى، تارةً قدّيسةٌ يُرجمُ من يلمسك، وتارةً شيطانةٌ يُحرقُ من يحبّك.

**

ومع هذا… قمتِ من بين رمادكِ، في كلّ زمن، في كلّ لُغة، في كلّ طعنة، كنتِ النهوض. كنتِ التي تُرضعُ الحروبَ أطفالها، ثم تُهدهدُ في قلبها نواحَ الضحايا. كنتِ التي تُلملمُ الخراب، وتصنعُ منه بيتًا، وحلمًا، وقصيدة.

**

أيتها الخارجةُ من جحيمِ الإنسان، من فمِ الحضارةِ المشقوق، ما زلتِ تمشينَ بيننا كأنّكِ عارٌ لا يُغتسل، أو نبيّةٌ لم يؤمن بها أحد.

**

لكنّني أؤمن بكِ، كما يؤمنُ الطفلُ بالأم، كما يؤمنُ الجرحُ بالماء، كما يؤمنُ الليلُ بالنجوم التي لم تُطفأ.

**

سلامًا عليكِ، يا صديقةَ الألمِ والدهشة، يا صرخةَ الجبال، وحنانَ الأغصان، سلامًا عليكِ، في كلّ لغةٍ أُخفيتِ فيها، وفي كلّ جسدٍ أُرهِقَ باسمِ الحبّ.

**

سلامٌ على التي لم تُترك لتكون، لكنّها كانت… وستظل.

***

بقلم: كريم عبدالله - بغداد / العراق

 

فجأة، وفي غمرة من الحزم والعزم والحماس تدفق خلق كثير نحو الشوارع والأزقة والساحات.. كأنّ زلزالا عنيفا رمى بهم من وراء الجدران الأبواب والنوافذ والشرفات..

 يا إلهي، ماذا حدث؟ لماذا غادر أهل إيكوزيوم* البيوت والحوانيت والمقاهي والحدائق، وحتى المشافي والعيادات الخاصة؟ وكان من عادة الناس يوم الجمعة، وهو عطلة الأسبوع لجل الموظفين، أن يختفوا عن الأنظار.. وأن يناموا حتى ساعة متأخرة من الضحى.. يمارسون في نومهم عادات التثاؤب والتكاسل والشخير والتناسل والتمطط تحت الغطاء الدافيء.. وهي عادات محمودة بعد أسبوع من العمل والخصام والتعصب والسفر والانتظار والقلق ونزول الضغط الدموي وصعوده، وكثير من الآلام النفسية والجسدية..

 ليس من عادة المدينة أن تضج في هذا اليوم.. ثم ما بال الناس مجتمعون عند البريد المركزي؟ ماذا حلّ بهم؟ أهي أزمة سحب الرواتب كالعادة؟ لقد تعودت المدينة على الهدوء كل يوم جمعة.. فلا يخرج بعض أهلها إلاّ للصلاة عند منتصف النهار، والبعض الآخر فيخرج للتنزه على واجهة البحر، كون أنّ الحدائق نادرة، والمساحات الخضراء قد ابتلعها الإسمنت..أما السواد الأعظم، فيقبعون في البيوت، يمارسون القيلولة والشخير وأشياء أخرى...

تقول الحكاية، التي تشبه أساطير ما قبل التاريخ:

 إن أصواتا سُمِعت فجرا، وأمرت أهل إيكوزيوم بالمغادرة نحو الشوارع والساحات.. وبثت في نفوسهم شغف الخروج..

 ولم ير أحد لتلك الأصوات ظلالا، ولم تتبين ملامحها لأحد.. وكيف قدمت؟ ومن أين قدمت؟ وما مصدرها؟ أمن السماء أم من البحر أم من كهوف الأرض؟

 الحاصول، أنّ سكان المدينة، أصابتهم رغبة شديدة في مغادرة بيوتهم، وأشباه بيوتهم.. تلك الرغبة التي تتحول بسرعة فائقة إلى نوع من الجنون، يشبه جنون البقر، يصيب كل من رفض الخروج، او أبطأ فيه.. بل إنّ مجرد التفكير في عدم الخروج، يتحول إلى حكّة جلدية شديدة تشبه حكة الإكزيما ونوبة من القلق الذي يعقب عادة زلزالا عنيفا بعد منتصف الليل..

 وقال آخرون، إنّهم رأوا رؤيا واحدة موحدة، طوال الأسبوع الذي سبق تلك الجمعة.. والغريب أن الناس قد أصابتهم الدهشة، وهم يروون تلك الرؤيا الموحدة.. فكلّما رواها أحدهم قال آخر:

- لقد رأيت ذلك أنا أيضا ليلة البارحة أو ما قبلها.

 وهي ظاهرة غريبة وعجيبة.. أن يرى الناس رؤيا موحدة، وكأنهم على قلب رجل واحد.. وملخص الرؤية، أنّهم رأوا أنّ مدينتهم سيبتلعها البحر، إن لم يخرجوا لإنقاذها من الهلاك والفناء.. ليس مثلما حدث لمدن التسونامي.. بل إنّ مدينتهم ستهرول مسرعة ناحية البحر.. وترتمي في أعماقه.. وهي تعتقد أنّها سوف تبتلع البحر بما فيه.. لكن سيحدث العكس.. فقد ولد البحر قبلها بقرون.. كان هو السابق وهي اللاحقة.. هي الجزء وهو الكل.. والبحر ماؤه أجاج.. لا تستسيغ ماءه إلاّ مدن الملح.. ومن أجل ذلك خرجوا لدفع الكارثة عن مدينتهم.

 وصدّق سكان المدينة الرؤيا، وخرج منهم الرجال والنساء والشباب والشيوخ والعجائز، والرضع المحمولين بين الأيدي، وعلى الرقاب والكواهل، وحتى الأجنة التي مازالت في الأرحام، إلاّ شرذمة قليلة.. كذّبوا، وأبوا الخروج من بيوتهم..

و قالوا عن تلك الرؤيا:

- إنّها مجرد أضغاث أحلام لا غير.. ومتى كانت الرؤى يقينا.. ربما أكثر هؤلاء الحالمين من أكل الفول والبازلاء في موسم الربيع.. هههههه..

 وكان أن أصابتهم الحكة الشديدة.. واقتربوا من دائرة الجنون، بل وصاروا كأبقار مجنونة، لا يصلح لحمها ولا لبنها..

 وروى شاهد عيان عنهم، أنّهم فقدوا البصر والبصيرة.. ندم بعضهم، وتلاوموا، واشتدّ تلاومهم إلى حد الخصام والتنابز بألقاب الفسق. تدابروا وتقاطعوا، ولم يبق منهم رجل رشيد..

قال شاهد عيان:

- أنّهم، لمّا فقدوا السمع والبصر والفؤاد.. وسقط بين أيديهم. ادّعوا أنّ تلك الرؤيا، ماهي إلا سحر ساحر.. أراد أن يستوليّ على خيرات مدينتهم...بعد أن يقنع أهلها أنّه منقذهم من الغرق.. وأنّ البحر لا يبتلع مدنه الأصيلة..

و لمّا قيل لهم بالدليل والشاهد:

- ألم تروا كيف فعل المحيط بمدن في الشرق؟ ألم تشاهدوا ذلك التسونامي؟

قالوا، بنبرة الجدل العقيم:

- ذاك من عمل المحيط، وليس البحر.. بحرنا لا يأكل من لحم أبنائه، ولا يشرب من دمائهم.

 ونسوا آلاف الضحايا الحرّاقين الذين غيّبهم البحر، كما تغيّب أجهزة المخابرات ضحاياها في بلاد العُرب والأعراب.

 والغريب في الأمر – إضافة لعدم تصديقهم للرؤيا – أنّ حكماءهم، الذين منحوهم صكوك الهلاك والوباء نصحوهم بأكل نفايات دجاج التريسنتي ( الكهرباء )، من (الكاشير) والجبن، ليشفوا من سكرهم وكوابيس أحلامهم.. لكن حدث عكس ذلك تماما.. فقد اشتدّ عليهم مرض الجنون.. وأصيبوا بالكساح.. وفقدوا الذاكرة.. ونسوا محل وجودهم وزمانه..

و أضاف شاهد عيان:

- لقد أصابتهم حشرة " الطكوك "( 4 )، وتفاقم داؤهم، لمّا بقوا مصرين على تكذيب الرؤيا، وتساقط شعر رؤوسهم، فصارت قرعاء مثل أرض هجرها الماء.. وارتخت أطرافهم العليا والسفلى.. حتى عادوا لا يتحركون إلا زحفا على البطون أو الدبر...

 روى أهل إيكوزيوم الحقيقيون، الراسخون في الصدق والوفاء لمدينتهم، لا الوافدون، المزيّفون، الذين لا ظلّ لهم.. عن مدينتهم صفحات من عجائب البطولة والشهامة والإباء.. فهي، كما يقولون، مدينة لا يحكمها إلاّ الرجال الأحرار.. وكم حاول الغرباء من البدو والعجم استمالتها بشتى السبل والحيل والقسوة والمكر، لكنّها استعصت عليهم، وأذاقتهم مرارة الحنظل...

 اكتظت الشوارع والساحات بسيول بشرية.. لم تشهد مدينة إيكوزيوم مثلها قط من قبل.. كادت الأشجار والأحجار والجدران أن تسير في ركب حراكها.. وكانت أسراب من القطا والحمائم البيضاء والسنونوات تضفي على فضائها ألوانا من بهجة الربيع.. وبدت المدينة تعيش ربيعها الأخضر بعد عقود من اليباب..

 وانبسط البحر هادئا، ضاحكا، رومانسيّ الهوى، غارقا في لجّة الإغراء.. كان فيما يبدو، يعزف على أوتار الغواية، ويترنّم نسائم الانتظار.. كان عريسا ينتظر عروسه في ليلة الزفاف.. لكنّ إيكوزيوم، لم تترجل صوب البحر بفضل أهلها الشجعان، الأحرار.. ولم يبتلع البحر سوى المكذّبين بالرؤيا. فقد أقدموا على الزحف نحوه مثل السلاحف وكلاب البحر. وكانوا مأدبة نتنة لأسماك البحر.

 وعند الأصيل قاءهم البحر وأبصر أهل إيكوزيوم أسرابا من الغربان تنعق وتحوم على الشاطيء حتى أدركها الظلام.

 ونجت إيكوزيوم من الغرق والفناء، بفضل أهلها الشرفاء.

 (تمت)

***

بقلم القاص: علي فضيل العربي – الجزائر

..........................

هامش:

(1) إيكوزيوم: الاسم التاريخي لمدينة الجزائر، موقعها هو موقع حي القصبة في العاصمة الجزائرية الحديثة. ومن أسمائها: المحروسة، البهجة، الجزائر البيضاء.

 الطكّوك: حشرة تصيب الأبقار في زمن الربيع، فتهيّجها، وتحيلها إلى أبقار ناطحة، حرونة

 

مد يده مصافحا ثم دسها في جيب سترته. تلك النظرة الحائرة لم تفارق عينيه، كأن في الروح اضطرابا. شمالي الطبع كأنه رضع من غيم طنجة المالح. بياضه مشوب بحمرة وتحت الجفنين خطان أزرقان من فرط السهر.

جلسنا في المقهى قليلا ليفصح عن رغبته في تقاسم الحجرة الملحقة بقاعة الدرس. وعلى الطريق المتربة سرنا محملين بأعباء السفر. تكورت على جبينه حبات العرق كأن شمس الخريف لا ترصد غيره. حكى عن مواهبه في " العِشرة"، وانبساطه مع الإخوان لتمتين الصحبة. شر لا بد منه! حدثت نفسي المولعة بصمتها في كنف غابة البلوط.

تحوك ليالي الخريف همسنا فلا يسمع في الخارج غير عويل الريح. حديثه المقتضب يشوبه التردد. لم يفصح عن ماضيه إلا بعد مكالمة عاصفة:

- ضقت ذرعا بزيجة لا تحترم قواعد الاشتباك. لسذاجتي وضيق حالي لم أقلّب الأمر على وجوهه. قالت: هيت لك، فصحت: ما أجملك! ولُف الحبل بهوادة ليخنق رغبتي في الحياة. بين أربعينية ناضجة وغلام في العاشرة قربت نذور السعادة لكن..

بكى واشتكى ثم لوّح بخيار المحاصَر: علي وعلى أعدائي! جاريته قليلا وأنا أشتم هدنة سابقة في المقهى. كل روح تقول لا مساس قبل أن يهزمها التشظي. عليك أن تحفظ نسل آدم حتى وإن عشت الخطيئة مرتين.

- هاجِر، قلت، فأنت الشمالي المولع بالبحر والمرساة. ألق الشباك لعل حورية تسحبك إلى حلمها البلوري. في الضفة الأخرى فرص أخرى، وبلاد تأخذ لتعطي!

بكى واشتكى، ثم حكى عن سداد الديون، وبنوك تمضغ لحمه الحي منذ شهور. شر لابد منه! حدثت نفسي المولعة بصمتها في كنف الهموم. ليس على ظهرها مستريح. من يملك كمن لا يملك، سواسية نحن أمام تلك الهاوية التي تسحب العمر.

- أتدري، قلت، بأن الموظف هو صخرة سيزيف التي يحملها إلى القمة ثم تتدحرج في عبثية لا تنقضي؟ حياتك لن تمنحك فرصا أخرى ما دمت مصرا على رتابتك.  ستعثر على زوجة ودخل شهري، لكنك لن تجد السعادة مرتين!

كنت أقذف بالشمالي في غربة أرحب، حيث يُلمّع المرء إنسانيته ليحتمل العيش مع أعداء التاريخ والهوية. أثنى على رأيي لكن التردد يشلّ عزيمته. عوّل على استرداد نصيبه من مدخرات التهريب وسمسرة الأراضي. عليه وعلى أعدائه!

مضى أسبوعان قبل أن يهاتفني شاكيا غدر الزمان. من كانوا جيران الأمس تلذذوا بالفرجة على معركة صغيرة دارت رحاها على عتبة داره. تجردت الزوجة من كل معاني الشرف وهي تقذفه بكومة ملابس مما تبقى في دولابه. ترمقه نظرات الجيران بشماتة كأنه الجاني لا الضحية.

- ضحية؟ أجبتُ باستنكار وأنا أعيد على مسامعه عذر ضيق اليد الذي يبرر زيجة رمادية. البحر أوسع من الشباك التي صادتك طائعا لا مكرها. لكنها الحياة السهلة التي يطمح إليها جيلك ممن تلعب به الشَمول!

أرهفت السمع لوقع أقدام تبعثر سكون الليل. طرق خفيف على الباب ثم جسد متهالك يرتمي على الفراش. العينان مثقلتان بالسهر، بينما الشفتان تنفرجان عن حروف مُجهدة:

-- ريح شمالية عصفت بقاربي، لكني نجوت!

  ***

حميد بن خيبش

خيوط الشمس الذهبية تنتشر في كل زاوية من أركان المدرسة، تلمع على الطاولات وعلى وجوه الأطفال البراعم الصغيرة..

 معلمة الرسم مبتسمة، تراقب أصابع الأطفال التي تتحرك بين الفرشاة والألوان، وكأنها تعزف سيمفونية صغيرة على لوحة بيضاء..

جائزة اليوم ستذهب لأفضل رسام، يمزج الألوان بطريقة تعكس روح الحياة..

في ذلك اليوم، لم تكن المسابقة مجرد مزج ألوان؛ كانت نافذة للحياة، نوافذ صغيرة تُطل منها أحلام الأطفال، حيث تُكتب الفرحة على جدار المدرسة.. ثم تضيع، كما ضاعت الدار التي حلموا بها حين كبروا ولم يجدوها..

أنهى صابر لوحته ورفعها بفخر للمعلمة ولزملائه.. وطنه، المساحات الخضراء غابت، وألعاب الطفولة تبدّدت، وبقيت فقط مساحات الصغار.

كانت لوحة مختلفة، صامتة لكنها صادقة، تحمل ألم الوطن وشح الحياة فيه، لكنها في الوقت نفسه تعكس رؤية الطفل لعالمه ببراءة وصدق.

لم تكن المسابقة مجرد مزج ألوان، بل كانت نافذة لعيون الأطفال على الحياة، لكل حلم صغير، لكل فرحة ضائعة، لكل ذكرى ودار كتبناها على جدار المدرسة ولم نجدها بعد أن كبرنا.

رسم صابر لوحة مقابر.. بلون بني قاتم.

***

د. نسرين إبراهيم الشمري

 

كان الليلُ يُطبِقُ على الجهاتِ كلِّها كجدارٍ بلا أبواب،

والأرضُ ممدودةٌ مثل صفحةٍ من غبارٍ قديمٍ، لا يَجرؤ أحدٌ على الكتابة عليها .

غير أنّ في العظمِ صوتاً خفياً بدأ يَرتجُّ،

كأنه سحابة مرعدة لم تجد ارضها بعد،

صوتٌ يريدُ أن يتجسَّد،

أن يصيرَ خطواتٍ على الحصى،

أن يُثبت أنّ الحكايةَ تبدأ حين يُصرُّ إنسانٌ على أن يَصنعَ مقامَهُ بنفسه.

*

مشى… والظلالُ تَطوفُ حوله كذئابٍ من دخان،

والأحجارُ ترتفعُ أمامهُ كسؤالٍ يتجدّد عند كلِّ خطوة.

لم يحملْ خريطةً، لم يسألِ الغيمَ عن وجهة،

يريد إسترجاع الطريقِ القديم ،

وتطويعَ الأرضِ لتُقرَّ بوجوده.

*

وفي العراء، لمحَ كائناً صغيراً،

طفلاً يتيمَ الملامح،

يجلسُ على هامشِ الريحِ كأنّهُ ينتظرُ من يعترفُ به.

اقتربَ، فرآهُ مكسوراً، مطعوناً ،

طفلاً اغتيل إسمه بالصمت .

فعلم أنّهُ الشرف،

ذلك اليتيمُ الذي أهملهُ الجميع،

المطروحُ على العتبات،

الذي لا يُرفَعُ إلا بيدٍ تؤمنُ أنّ الاحتضانَ امتحانٌ للنار،

وأنّ النارَ لا تُحرقُ مَن وُلدَ ليصيرَ وقودَها.

*

مدّ ذراعيه وحملهُ إلى صدره،

فاشتعلَ الدمُ في عروقهِ،

صار أثقلَ، لكنّهُ أكثرُ امتلاءً،

وصارَ الجسدُ حجراً جديداً

وانقلبَ الطريقُ إلى ملحمة،

صارَ كلُّ حجرٍ كلمة،

كلُّ غبارٍ جملة،

كلُّ ارتطامٍ بياناً يكتبهُ بصوتٍ لا يَعرفُ التردّد.

*

لم يعدْ يسيرُ وحده،

كان يجرُّ خلفهُ ذاكرةً بأكملها،

ذاكرةَ السقوطِ والصعود،

ذاكرةَ الذين انحنوا،

والذين قاوموا،

والذين ناموا على أرصفةِ الانتظار.

كلُّ ارتعاشةٍ في جسده كانت صفحةً جديدةً

في كتابٍ لا يريدُ أن يُغلق،

وكلُّ صمتٍ حوله كان يشهدُ أنّ المكانَ يُولدُ الآن،

من خطى إنسانٍ يرفضُ أن يكونَ ظلّاً لغيره.

*

وفي الليل، حين تخلّت النجومُ عن الحراسة،

ظلَّ يسمعُ في داخلهِ صوتاً يُذكّرهُ ،

أنّ المكانَ ليس حدوداً مرسومةً بالحبر،

بل قَدَرٌ يُنتزعُ بالدمّ،

أنّ الشرفَ ليس وشاحاً يُعلَّقُ على كتفٍ،

بل جمرةٌ تُحتضنُ حتى لو أحرقتِ الجلد،

أنّ الكرامةَ ليست امتيازاً،

بل هواءً يساومُ عليه.

*

ومضى،

لا يتوكّأُ على وعودٍ،

ولا يستظلُّ بذاكرةٍ واهنة،

بل يصنعُ بنفسه سُلّماً من صوتهِ،

ويصعدُ بهِ نحوَ فجرٍ لا يُشبهُ ما عرفناه.

وعند الحافة،

حين ابتلعت السماءُ سوادَها وبدأت تُخرجُ لوناً جديداً،

وقفَ هناكَ كمن صارَ المكانَ نفسَه،

لا ضيفاً، ولا عابراً،

بل جذراً يُمسكُ الأرضَ،

وقصيدةً مفتوحةً على الدوام.

*

لقد أدركَ أنّ المسألةَ لم تكن رحلةً في الطريق،

بل رحلةً في ذاته،

أنّ كلَّ جدارٍ في الخارجِ ما هو إلّا صدى لجدارٍ في الداخل،

وأنّ الكرامةَ لا تُكتشفُ في الساحات،

بل في غرفةٍ سرّيةٍ بين الضلوع.

وأنّ من يحتضنُ الشرفَ لا يعودُ إنساناً فرداً،

بل يُصبحُ أمّةً تمشي على قدمين،

وفكرةً تتنفّس،

وأغنيةً لا تسكتُ حتى لو صمتَتْ الأرض.

*

و حين فتحَ الفجرُ نوافذَهُ،

كان واقفاً على العتبة،

ممتلئاً بالمعنى،

مُحتضناً ذلك الطفلَ الذي صارَ قلبَه،

مُمسكاً بمكانٍ لم يمنحهُ أحد،

بل انتزعهُ كما تُنتزعُ الحياةُ من بين فكّي الموت.

***

مجيدة محمدي – شاعرة تونسية

أحببتها والحب يعصفه النوى

فغدا بقلبي جنة وجحيما

*

تأتي إليّ، وكل درب حينها

يغدو ربيعًا باهياً ونسيما

*

ما بين نبضي والهوى ميعادنا

ويفوح من همس اللقاء نعيما

*

وأظل أنظر في عيون حبيبتي

حتى أرى في عينها تسنيما

*

وأرى الوجود بحسنها متجملا

وعلى فؤادي حاكماً وحكيما

*

يسري الهوى في مهجتي تسبيحة

فتصير أنجم ليلنا ترنيما

*

أهوى سهاد الليل إن سهرت معي

وبدونها قلبي يصير كليما

*

كل الحروف أمام سحر حديثها

صارت نشيدًا، عزفة، تنغيما

***

فيصل النائب الهاشمي

قدمت أوراقها أمام القاضي ووقفت تنتظر حكمه العادل بقضيتها. عدّل القاضي نظارته وقرأ طلبها بهدوء وروية شديدة دون ان تظهر على وجهه أي تأثيرات سلبية أو ايجابية فقد تمر عليه الاف القضايا المشابهة لحالتها

وأخيرا التفت اليها قائلا:ـ

دعيني اسمع أسبابك المقنعة لطلب الطلاق من هذا الرجل الماثل أمامنا

بثقة عالية وقفت وهي تبتسم ابتسامة متفائلة ثم تمالكت نفسها وبدأت تروي قصتها. قائلة

سيدي القاضي: حين يشعر المرء بحمى تصيب عظامه يبادر الى أخذ مسكنات علاجية ليريح جسده المتعب ثم ينام بهدوء. ولكن ما عساه ان يفعل من أصيب بوجع روحه وطعنة كرامته. دعني أحدثك سيدي القاضي بما ابتليت به من هذا الرجل فقد عشت معه عمرا مديدا وغدا أبنائنا اليوم بعمر الشباب والحمد لله.

كنت أشعر بضنك العيش فتصيبني كآبة مقيتة كان هو من يخفف عني بقوله: ان غدا يوم آخر. كنت أصدقه بثقة عالية لأني أعتبره الجدار الذي يسند ظهري. وربما تسألني هل أحببته. ؟؟

أجيبكم نعم بالتأكيد ولكن قبل ارتدائه معطف أبي ريغال. والذي خان بيته كمن خان وطنه وقومه. واليوم ها انا أقف أمامكم وأقولها كل ذلك كان كذبة كبيرة وهباء مزقته المواقف وقد تأكدتُ من خيانته واكتشفت مدى براعته بفن التمثيل طيلة تلك السنين التي عشتها معه وكان يدعي انه المخلص العتيد وفي ختام جملتها كانت تتمتم بكلمة غبي وكررتها عدة مرات مما جعل القاضي يرفع يده اشارة منه لإسكاتها وبدا مستاء منها.

اما زوجها فاخذ يردد بخجل وقلق واضحين ان هذا غير صحيح انها ليست خيانة بل كانت لعبة للتسلية.

القاضي:ـ ما قولك أنتِ.

أجابته على الفور: سيدي القاضي يبدو انه تفاجأ كيف عرفت هذه المرأة التي يعتبرها برأيه مسكينة ومغفلة..

وكيف خانه ذكائه هذه المرة ولا يعرف كيف ينسج لها قصة أو اكذوبة جديدة تنقذه من هذا الموقف المخزي بحق نفسه قبل الآخرين فادعى انها لعبة..

سيدي القاضي لم أخبره بمعرفتي بهذا الموضوع الا أمامكم لذلك بهت وظل يتأبط أعذاره الباهتة..

الزوج:ـ أخذ يسعل سعالا شديدا احمر وجهه وبانت على جبينه حبيبات تعرقه وكأنه تعرض لأزمة قلبية فتوقف عن الكلام ثم جلس على أقرب أريكة.

ما زالت هي واقفة والدموع تنهمر فوق خديها مثل المطر حتى جعلت كل من في قاعة المحكمة يتماهى مع قصتها ويتعاطف معها في محنتها.

كأنها تحكي ما تعانيه بملامح وجهها ودون ان تطأطأ رأسها.قابلته حين وقف أمامها وهو في غاية الخجل..

 سيدي القاضي تأكدتُ من خيانته في أمور كثيرة يندى لها الجبين. أضمرتُ ذلك في نفسي وحافظتُ على هدوئي. الخيانة يا سادتي لا تعني أني ضبطته مع امرأة أخرى فقط بل هناك أمور كثيرة أسمها الخيانة مثل سرد القصص الوهمية لتبرير مواقفه والقسم الكاذب بكل مقدساته وبرؤوس أولاده...

ما الفائدة من الكلام وقد وقع المحظور وربما كان يقنع نفسه ليتبع قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) وان كانت بكل بشاعات الدنيا. غدت حياتي معه مسرحية هزيلة..

وبكل ثقة وطمأنينة وجهت سؤالها للقاضي الذي يصغي لها باهتمام بالغ لما تحمله كلماتها من وجع..

سيدي القاضي: بماذا تحكم لامرأة تكتشف مؤخرا ان سنوات عمرها قد ضاعت هباء مع رجل لا يستحقها أساسا انه أمر مثير للشفقة. اليس كذلك..؟؟

انتقلت لتحدثهم عن حادثة مجنون المدينة والذي تهجم على امرأة اجنبية في أحد المباني في (الكرفانات) التي ابتنتها الدولة لإكمال احد مشاريعها. ولولا تواجد بعض الحراس في موقع الشركة لنالت منه الكثير من الأذى ثم ليخبرهم هذا المجنون انها كانت لعبة.

وبسخرية تتساءل ، فهل تقادم السنين تجعل المرء أحمقا أو قريبا من حافة الجنون ليغدو مثل مجنون المدينة مثلا.؟؟؟.

وبالتأكيد يا سيدي القاضي انه نوّر بصيرتي وجعل مني امرأة أخرى وبصوت يتكسر وجعا قالت سأخبرك سيدي إنه تعرض في الماضي الى جلسات استجواب من قبل أمن النظام السابق ويدعي انهم اشبعوه ضربا وركلا وتحمل جسده اثار عصيهم وتعذيبهم بشتى أنواع التعذيب وشتموه بكل أنواع قذاراتهم التي تدربوا عليها. من اجل ان يتراجع عما امن به من مبادئ أو افكار سياسية. والتي كان يتبجح بها هنا وهناك

ان الرجل الذي امامي يا سادتي (وأشارت بيدها نحوه اشارة تدل على غضبها) هو صورة ممسوخة من ذلك الرجل الذي عرفته قبل عدة اعوام فربما اصيب بنوع من الخرف...

ساد صمت حزين. ودون ان ينطق هو بكلمة واحدة للدفاع عن نفسه لم يجد جوابا مقنعا يستعيد به ماء وجهه الذي أريق. فهرع الى خارج القاعة وروحه تئن ندما..

تابعت هي كلامها. اذن لا فائدة من الكلام وعليه سأطلب من سيادتكم الحكم العادل وان كان على حساب راحتي والدفء الذي من المفترض ان تتمتع به اي امرأة تعيش في كنف رجل محب ويرتدي ثوب الخجل من اي نقيصة تخدش كرامته بنظر زوجه التي شاركته عبء اشرس السنين واقساها ضراوة. لذلك كان قراري صائبا. ان أتركه والى الابد وأتحمل ثرثرة الاخرين وأسئلتهم..

ظل هو مضطربا بقميصه المتهدل وينفث دخان سيجارته.

وأخيرا. صدر حكم القاضي بالموافقة على قرار طلاقهما...

***

سنية عبد عون رشو

لمن يعانق الفراغ بالفراغ

تبقى فيه الكلمات صدى وجود

***

1. نوم المدينة

حين تنام المدينة في كفّي،

أحيا مرّتين في عيون القمر،

وأرحل إلى الفناء مع فجر كلّ يوم،

وأعود من رمادي طائرًا بلا جناحين.

**

2. الغياب

أبحث عن ظلّي بين أنفاس الطرقات،

وأكتب أسماء الغياب على جدران الصمت.

عائدٌ من المجهول أعلن عودة الخريف،

وعلى أعتاب الشتاء تمرّ الرياح من نوافذي

وتذرّ أوراقَ أيامي في الممرات القديمة.

**

3. الحنين

يحملني الحنينُ إلى صيفٍ لم يأتِ،

وأزرع في العتمةِ شتلاتِ ضوء

علّ صباحي يولدُ من بين أنقاض الغياب،

ويرجع الأمل من غبار الرماد

يمسح التعب عن الوجود، تتحطم الحدود والقيود.

**

4. الولادة الجديدة

فأتنفّس حرّيتي كما لو أنّي وُلدتُ الآن،

وأمشي نحو الأفق المبلّل بالندى.

أحمل في يدي شظايا حلمٍ قديم،

وأعيد تشكيله سماءً جديدة

تسكنها نجومٌ لا تعرف الأفول.

**

5. الفجر

ويعود صوتي من أعماق الصمت

يكتب البداية بعد النهاية،

ويزرع في جسد الليل فجري

الناهض من حنايا الغياب.

***

عبد العزيز قريش

فاس في:11/09/2025

أحبُّ انتصاري على النفسِ إلّا

إذا كنتِ نفسي أيا خيرَ نفسي

*

وليسَ انتصاري على خيرِ نفسي

سوى ذلّةٍ وانكسارٍ ونكْسِ

*

وإنّ انْكساري على يدِها و هْيَ

أنتِ انتصارٌ على جندِ يأسي

*

ويأسي أنا- شرُّ نفسي- وجُندي

هَواني وشكّي وخوفي وتَعْسي

*

فيا خيرَ نفسي اهْزمينيْ ولا

تترُكيني لأجنادِ يأسي وبأسي

*

فكم من حروبٍ خسرنا وكم من

بلادٍ وفيها جدودي وقدسي

*

وكم من ربوبٍ صنعنا وكم من

رؤوسٍ حملنا تبيعُ ببخسِ

*

و كم من حدودٍ عبرنا وكم من

بلادٍ لأجل رغيفٍ وفلسِ

*

ويا خيرَ نفسي اضربيني بنعليْ

ابتداء وليس انتهاء برأسي

*

ولا ترحميْ فيَّ ضعفًا بُعيْدَ

انكسارٍ ولا رفقَ بي أو بحسِّي

*

فحسّي بليدٌ أراهُ بهذي

البلادة يكفيكِ حتّى لكنْسِي

*

فلو كان يقْظا لما باعني حين

نام ليأسي مقابل كأسِ

*

مُضيفًا بذا النومِ بأسا ليأسي

لذا فهْو مثلي جديرٌ بطمْسِ

*

كأنّي بذا الخيرِ أنساك حتّى

طقوسَ الوغى بين دجْنٍ وشمْسِ

*

فما بعد هزم وكسر وضربٍ

بنعلٍ على أرؤُسٍ غير حبسِ

*

ولا تأبهيْ بقوانينَ جاءتْ

لإعلاءِ طقسٍ وإخضاعِ طقْسِ

*

وإغناءِ جنسٍ وإفقار جنسٍ

وإكرام لبسٍ و توبيخ لبسِ

*

وذاك دمُ الجوعِ يجريْ وقانو

نُهمْ خانسٌ خلفَهم فوقَ كُرسي

*

فإن متُّ قهرًا فقولي لقد ما

تَ من قبلِ هذا على يدِ يأسِ

*

وإذْ ذاكَ لا تدفنيني كما يُد

فَنُ الإنسُ ميتًا على يدِ إنسِ

*

بلِ اسْتَقْبلي وادفنيني بعيدا

عن الإنس دفن الحُبورِ لنحسِ

***

أسامة محمد صالح زامل

منذ أن رحل ساعي البريد، رحلت معه تلك اللمسة الدافئة، التي كانت تُطرّز الورق بالحياة. لم يعد هناك من يطرق الباب بخجلٍ، ولا من يسلّم القلب في مظروفٍ أنيق.

*

الرسائل الآن بلا رائحة، بلا دمعةٍ جافة على زاوية الورق، بلا أثر شفاهٍ قبّلت السطر الأخير. أصبح الحنين مجرّد إشعارٍ إلكتروني، والشوقُ... مجرّد نصٍّ يُقرأ ويُنسى.

*

ذلك الساعي، كان آخر الشعراء الذين يمشون على قدمين، يحمل في حقيبته قلوبنا ويضعها في صناديق باردة، ثم يغادر بلا ضجيج، كما يغادر الضوء آخر الغرف.

*

أين ذهبت تلك الأوراق التي كانت ترتعش بين أيدينا؟ كانت الرسالة تنام في الجيب ككائنٍ حي، تُخفيها تحت الوسادة، تشمّها كما يُشمّ الحنين في معطفٍ قديم، وتبكي، تبكي لأنك تلمس أثر اليد التي كتبتها.

*

الآن... الرسائل تكتبها أصابع باردة على شاشات لا تحفظ الذاكرة، تُرسلها الآلة، وتستقبلها العادة.

*

لقد تغيّر العالم، لم تعد المسافات طويلة بما يكفي لتولد اللهفة، ولا الأيام قاسية بما يكفي لتبرر الانتظار، أصبح اللقاء أسرع من الاشتياق، والكلمات أسرع من النبض.

*

أشتاق لرسالة تصل بعد عشرة أيام ويكون فيها خربشة قلب، وبقايا عطر، وغيمة من حنين.

*

يا ساعي البريد، عد إلينا ولو مرة، أحضر لنا رسالة واحدة فقط، رسالة لم تكتبها آلة، بل قلب.

*

رسالة تخبرني أن الحبيبة لا تزال تتعطّر بالحروف، وأن الانتظار لا يزال حيّاً في ركن من هذا العالم البارد.

*

عد... قبل أن يُصاب الشوق بالخرس، وقبل أن يتحوّل الحب إلى مجرّد تنبيه في شاشة الهاتف.

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

عالمي الصوفي لا يعترف إلاّ بالمنطق..

حاولتُ أن أخضع هواك لقوانينٍ واضحةٍ..

أن أثبت وجودك ضمن معادلاتٍ تتقبّل الحلّ..

كان اشتياقي دالةً يمكن قياسها، ونبض قلبي نتيجةً لمسلمةٍ يؤمن بها العاشق. انتهى الأمر ودونتك مبرهنةً على جدارِ قلبي.. لكنّ العشقَ — أيها السّيد العاشق يرفضُ الفرضياتِ المنطقيةَ، لا يُختزلُ في نظريّاتٍ، كلّما شيّدتُ برهاناً، تفلت من بين الرموزِ، وتسيل من بين العوارض، فصِرتَ خارجَ قوانينِ البرهنةِ، وكنتَ الحُكمَ والعلةَ..

قانونَ العشقِ الوحيدَ الذي لا يُفسَّرُ

بل يؤمَنُ به كأجملِ استثناء.

***

د. نسرين ابراهيم الشمري

مثنويات ورباعيات عربية

ستبتلع الأرض افعى

يقولُ المنجمُ في نوبةٍ للبكاءْ

ويرفعُ عينيهِ نحوَ السماءْ

ويتركُ في الأرضِ افعى المقولةِ بالفعل تسعى

**

على ضفةِ النهر خيالةٌ يهزجونْ

تقابلهمْ ضفةٌ يحرقُ الجندُ فيها رفاتَ أهالي السجونْ

**

لميزانِ هذا الزمانْ

لغتانِ، لأنَّ منازلَهُ كوكبانْ

**

جبالاً أرى، أَمْ ركامُ الحضارات هذا

يقولُ الى المرءِ: ما أخيبَكْ!

تُرَتَبُ، ثم تدمرُ مَنْ رتبَكْ

وتعودُ لتسألَ كيفَ، متى، ولماذا!!!

***

شعر: كريم الأسدي

سَكَـبَتْ حُرُوفي خَمْرَةَ الأقْـلَامِ،

واسْتَمْرَأَتْ فَوْقَ البَيَاضِ مُدَامِي.

**

شَهْدُ المَعَانِي في رَحِيقِ مِدَادِهَا،

وزُلَالُهَا الألفَاظُ نَهْرُ كَلامِي.

**

لُغَتِي عَرُوسٌ لِلبَدِيعِ تَبَرَّجَتْ،

وتَمَنَّعَتْ حِينَ اسْتَبَدَّ غَرَامِي.

**

مِنْ أَيْنَ لِي أَلَّا أَهِيمَ بِعِشْقِهَا،

بِالعَاشِقِينَ لِضَادِهَا وَاللَّامِ؟

**

وَطَّنْتُ نَفْسِي وامْتَطَيْتُ قَصَائِدِي،

جِسْرَ العُبُورِ لِسَالِفِ الأقْوَامِ.

**

فَوَجَدْتُنِي بَيْنَ الأَحِبَّةِ عَاشِقًا،

لِلشِّعْرِ، لِلشُّعَرَاءِ، لِلْخَيَّامِ.

**

وَرَأَيْتُنِي مِثْلَ الخَلِيلِ مُوَلَّهًا،

وَرَأَيْتُهَا خَفَّاقَةً أَعْلَامِي.

**

فَكَتَبْتُنِي، وَالقَلْبُ يَعْلَمُ أَنَّنِي

دُونَ الكِتَابَةِ يَسْتَحِيلُ مَقَامِي.

**

في ظِلِّ أَرْضٍ لا تَرُوقُ لِخَاطِرِي،

أَوْ قَدْ تَضِيقُ بِلَحْظَةِ الإِلْهَامِ.

**

فَاخْتَرْتُ "عَبْقَرَ" مَوْطِنًا لِمَشَاعِرِي،

أَرْضًا لِشِعْرِي، رَوْضَةً لِهُيَامِي.

**

عَلِّي أَرَى العَذْرَاءَ تُـمْطِرُ دَاخِلِي،

وأَرَى القَصِيدَ مُوَلَّهًا بِغَمَامِي.

**

وَسَلَكْتُ ما بَيْنَ الدُّرُوبِ جَمِيعِهَا،

مَا كَانَ مِنْهَا مُذْكِيًا أَحْلَامِي.

**

عَلِّي أُذِيبُ اللَّيْلَ في قَبَسِ الرُّؤَى،

وأُرِيحُ نَفْسِي مِنْ صَدَى آلامِي.

**

فَأَنَا الَّذِي وُلِّهْتُ بِالكَلِمِ الَّذِي

أُرْضِعْتُهُ مِنْ قَبْلُ، قَبْلَ فِطَامِي.

**

فَكَأَنَّهُ مُنْذُ المُخَاضِ تَمِيمَتِي،

وكَأَنَّنِي المِحْرَابُ، وهْوَ إِمَامِي.

**

وأَنَا الَّذِي ما زِلْتُ أُبْحِرُ نَاشِدًا

رَسْمَ الحُرُوفِ بِرِيشَةِ الرَّسَّامِ.

**

وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّتِي سَكَنَتْ دَمِي،

ضَمَّتْ خَيَالِي، وَاصْطَفَتْ أَنْغَامِي.

**

فَتَفَتَّحَتْ فيَّ البَرَاعِمُ، أَوْرَقَتْ،

وارْتَاحَتِ الأَزْهَارُ لِلأَنْسَامِ.

**

فَوَجَدْتُنِي بَيْنَ اخْضِرَارِ فُرُوعِهَا،

كَمْ أَرْتَوِي مِنْ ثَغْرِهَا البَسَّامِ.

**

نُطَفُ الرُّؤَى مِنْ سَلْسَبِيلِ مَجَازِهَا،

خَصَّبْتُهَا في غُصْنِهَا المُتَرَامِي.

**

فَانْسَابَ نَهْرُ الشِّعْرِ لَفَّ جَوَانِحِي،

وبِدَاخِلِي لَفَّ الحَرِيقُ رُخَامِي.

**

إِنْ عِشْتُ دَهْرًا لَنْ أَعِيشَ بِدُونِهَا،

مَا دَامَ نَبْضُ الفِكْرِ رَبْعُ خِيَامِي.

**

فَهْيَ الحَيَاةُ، ومَا احْتَفَيْتُ بِغَيْرِهَا،

وهْيَ انْبِعَاثِي مِنْ رَمِيمِ عِظَامِي.

***

بقلمك سليمان بن تملّيست

جربة الجمهورية التونسية

 

إلهٌ أنتَ يا فراتُ في نظري

وعُرْفي

في قاعِكَ أرى اللؤلؤ والمرجان يتجلّى

سلاماً أبعثُ لأرضِكَ أرضِ المروجِ

فالشوقُ كالموجِ يحتضنُ أضلعي

سلاماً لوردٍ أنيقٍ في الجرفِ

يعطرُ أعناقَ بنات الجنوب

لكَ في صميمِ الفؤادِ قيثارةٌ

تنبثقُ بالحاني وتعزف على أوتار ودادي

يندمُ "ندامة الكسعي" من يهجرُهُ

وينعمُ من يقطن قرب النهر

"الاسمر المعسول" يامن لا

أفارقُهُ طرفةَ عين فهو المعتصم

منذ مبعثي

ولستُ من أهل الرقاد

وأنما الإعجاب بالنهر الاسمر يجذبني لدوام التملّي

كيف غازلتكَ دجلة يافرات

حتى كونتما شطّاً من الذهب؟!

زاد البدرُ وميضاً والنجمُ سطوعاً

من جمال انبساطِ "موجكَ الثوري"

يانهرُ

قد طالت بقربك مناجاتي

وكم أنشدتُ أبياتاً من حزن أشواقي

وكم زار عيني السهرُ والسهادُ

حتى هب النسيم وأوقد صباباتي

كم من جائعٍ أكرمتةُ سمكاً

وكم أحييت من نخيل الفلاحين المتعبين

ولدتُ قربَ ضفتكَ حتى

طهُرت روحي وجسدي بمائك المقدس الكريم

***

باقر طه الموسوي

الشمس تسحب آخر خيط أحمر لها من فوق أسقف الموقف القديم، البحث عن سيارة تحملك الي قلب المدينة البعيدة أصبح الآن هو شاغلك الأهم حتي يمكن اللحاق بآخر ربع من جلسة العزاء المنصوبة علي حدود المدينة.

عرفته منذ سنوات بعيدة، كان يأتيني مع المريدين من رواد الليل، نعتلي سطح البيت القديم المجاور للصهريج ولضريح الشيخ الجليل.. نحتضن الكلمات ونلهث كالفراشات خلف مفردات النوروفي آخر السهرة كان يدندن بأغنيات كارم وفوزى ورشدى حتي يأتينا صوت الشيخ الأتربى من المسجد القريب مناشدا بأن الصلاة خير من النوم.

حين أريد الموت سوف أترك الزحام وآتى اليك لأموت كأوزوريس في أحراش الدلتا.. يضحك.. تنساب كلمات العتاب كنهر من الأحزان أمام الشارع المظلم الذي اختاره علي حدود المدينة منفى الى حين.. لم تكن تؤلمه غير ابتسامة أمانى التي ستفارقه كل صباح قبل أن يأخذ الطريق الى مبناه الحكومى الكئيب

عدد الركاب يكتمل، الرحله طويله والنسمات القليله الآتيه مع سقوط أوراق آخر أيام الخريف تخترق الأنف والصدر المتعب مع طائر الذكريات الأليمة

فى آخر لقاء على باب صيدلية الشفاء والغروب كطائر خرافى يفرد علي المدينة التي سكنتها الوطاويط أجنحته الداميه يسألنى: بتشوف جمال.. لم يعد يأتي الينا

أجيبه: الدنيا مشاغل.. الخط مقفول طول الوقت

تعاودنا الذكريات.. كان ثالثنا حين حاصرتنا الكلاب وأوحال الشتاء وعربة الدورية الزرقاء وأوراق الجريدة المطبوعة فى أيادينا تنتظر الصباح

يهز رأسه في أسى وهو يشاهد عمال الهدم يأتون على الجدران الباقية من المبنى الذى احتضن ثورة المدينة منذ مائة عام بينما كانت اجراس الكنيسة القريبة تدق لتشييع متنيح جديد

الصمت والسكون هو التابوت الذى نسكنه حين تطول بنا المسافات ويمتد بنا الطريق، لاشئ غير صوت العجلات فوق الأسفلت واختفاء النجوم خلف سحابات الأفق

فى أيامه الأخيرة أكدوا لي بأنه رغم ألمه الشديد كان يمسك العود ويغنى.. واستمر يسأل عنى وعن أمانى وجمال ويغنى.. والسيارة على حدود المدينة لاح وجهه من بعيد يعاتبنى.. مع اقترابى كان نفر قليل من ذويه يرفعون ماتبقى من كراسى ويطفؤن الانوار

***

قصة قصيرة

أيمن الخراط

 

ملامح وجه مأساوية.. تعابير جبين مكفهرة.. عينان غائرتان بنظرات غامضة متوقدة.. تجاعيد ناصية بائنة.. لم تفلح حلاقة الوجه للتو.. ولا تصفيف الشعر الأشيب من إخفاء مزاجه المتعب.. فابتسامته الباهتة مصطنعة.. كأنه يتجشأ من خلالها أوجاعا مزمنة.. راكمتها في ذاكرته تراجيديا الزمن.. فتركت ملامحها واضحة على محياه.. ماذا لو كان هذا الوجه المتعب يا ترى شاخصا أمام فكتور هيجو يوم أبدع البؤساء.. أو كان موديلا امام دافنشي للرسم بريشته يوم أبدع الموناليزا.. لكن صورة بعدسة جامدة لا تفرق في لقطتها بين الحس المرهف والبلادة.. أعطت ذلك الوجه الشاحب مع ذلك كله، ملامحه الحقيقية حقاً...

***

قصة قصيرة / نايف عبوش

سُميّة العربية

يا آلَ (ياسِرَ) أفدي البنتَ والوَلَدا

بالشعرِ عَلّي أفي الزيتونَ والبلَدا

*

نِعْمَ الذين بُغاةُ الأرض تحذَرُهمْ

لا سِيّما الوالدُ الأتقى وَمَنْ وَلَدا

*

زيتونةٌ لم تزلْ في الأرضِ ماكثةً

وظلَّ شانِئُها في بحرها زَبَدا

*

تمخّضتْ قابسُ التاريخ عن قَبَسٍ

ومِثْلُهُ (راشداً) هيهاتَ لمْ تَلِدا

*

عاشَ المحابِسَ والمنفى كَراهِيَةً

ورغمَ قسوتها لم يفقدِ الرَشَدا

*

أهدى الرعيّةَ من وجدانه حُلُماً

ساءَ الفلولَ فخاضوا في العماءِ سُدى

*

صالت عليهِ ذئابُ الليلِ عاويةً

فكيفَ في سَنَةٍ يستوفي ما وَعَدا

*

كانوا سُكارى بمالِ السُحْتِ من عَرَبٍ

كادَ الربيعُ هُنا يودي بهم كَمَدا

*

لم تُمهلوا رجلاً قاسى الأذى زمناً

وقد صبرتم على طاغوتكم أمَدا

*

لمّا رأى داءَها في الجذرِ منتشراً

داواهُ لكنّما داواهُ مُتَّئدا

*

فسارعت من رمالِ الشرقِ عاصفةٌ

وَبدّدتْ أمَلاً لمّا يَحِنْ بَدَدا

*

وقيسُ تونسَ منصوبٌ بها صَنَماً

واحسرتاهُ على عَبْدٍ لَهُ سَجَدا

*

بُشراكِ يا خيمةَ الأعرابِ حاملةً

سِكّينَ حارسةِ الأشياخَ والوتدا

*

وَأْدُ الربيعِ جرى قُدّامَ أعينِنا

هل يدري موْؤودها عنوانَ من وَأَدا ؟

*

أجلْ وحقِّكَ يدري كلَّ مَنْ غدروا

عندَ الظلامِ وبثّوا السُمَّ والمَددا

*

جاءوا به من فلولِ الجوْرِ مُسْتَتِراً

يحوكُ من لُؤمِهِا للثائرِ الصَفَدا

*

يرمي (سُميّةَ) بالبهتانِ يَحْسَبُها

تُسلّمُ السيفَ والقرطاسَ والزَرَدا

*

ألقى أباها بقعرِ الجُبِّ مُعتقداً

غيابةَ الجبِّ تطوي عنهما الجَلَدا

*

إذْ روحُ طاغوتها التمثالِ من خَشَبٍ

ما كانَ قيساً ولن يهْوى الديارَ غَدا

*

بلْ طارئاً جاءَ للساحاتِ من عدمٍ

أو مارِداً من حَشا التلمودِ قد مَرَدا

*

طفلُ الإمارَةِ إيّاها وَ دُمْيَتُها

وبا الدراهِمَ والأفيونِ قد صَعَدا

*

(سُميّةَ) القلبِ يا ترياقَ محنتنا

صوتاً يزخُّ رُؤىً للتائهينَ هُدى

***

د. مصطفى علي

1-  التمثال

ماذا افعلُ

لو كان التمثالْ

يتحدث عن سيرة صاحبه

أأقولُ لكم

ماذا قالْ ................؟

**

2- وجع

مازالتْ جيكور

تتذكر صورته الأولى

كان البدرُ .. بدشداشته البيضاء

يمشي

بين (بويب) وبين البيتْ

مثل حكاية حبّ

عن حزنٍ... مسرورْ

يمشي

ويدور... يدورْ

يتعثر في خطوتهِ

فيمدّ يداً

يتحسّس بعض الآلام

ويصيح بأعلى صوتْ

ماما ...ماما

فتهبّ الجّدة مذعورة

ولدي

ولدي

يسمعُ جدّته

يا ولدي: لا تخف الآنْ

أنت صغير ...ولطيفْ

لن تأتي في دربكَ

خضرة (أم الليف)

هي نائمة في البستان

وتخافُ تراتيلي

لا تخف الآن

لا تسقط ْ في النهْر

أنت الأجمل

أنت الكنز الشعرْ

- تأخذه بالرأفة

بين رفيف الأغصانْ

وتعود الى البيتْ

-    نم يا ولدي نمْ

يا بدر هنا. ..نمْ

أحلمْ.

يا ولدي...

لا تحلمْ الا في اجمل عمرْ

أو أسعد وقتْ ....!-

**

3- أحزان باب سليمان

مازال السيابْ

بالضوء الطالع

من باب سليمانْ

يحمل بين يديه سلالاً

من التمر

ورزمة اوراق (شبه كتاب)

منتظراً صاحبه سعدي

سيطلّ عليه

ويقرأ مرثية

لقرى ،

كل حدائقها

ومباهجها

غارقة

في بئر النسيانْ

**

4- هامش ضائع

مازال السيابْ

يمشي في طرقات تنبع ذاكرة

ويغني للفقراء

و وراء الليل النائمِ

كان على هامشهِ

يغلق باباً

يفتح شباكاً في بابْ

– يتذكر ..

ينسى .. يتذكر ثانية

ويغيب

وراء ظلال الماضي الملتفّ

بأزهار ذابلة

وتهاويل اساطير العشق الممنوع

في عبء الدرب الممتدّ وحيداً

– يتلّفتُ –

كم سنة سقطت ..؟

يتماسك ..ينطقُ باللغة العربية

سأطلّ على الزمن القادم

في شكل آخر

لا يدري الشعراءْ-

يستبدل وقفته

بالسير بأمطار .. وغيومْ

يدرك صوتاً عن بُعدٍ..

(تصفعه الريح إلى الريح):

سترى وجهك في قطرة

يدرك صوتاً ثانية

جيكور هي المأوى

بين مرافئ وحدته

يعرف سرّ المشي على القدمين

المشية بصمات العينين

كانت تمريناً

لكتاب لم يفتحْ

ينشر عطراً بخشوع، لقصائد غربته

في كل مكان

**

5 - وفيقة

مازال السيابُ

حزيناً

في جيكورْ

يجلسُ في الدرب

وحيداً ..في وهج الرؤيا

ورذاذ الشعر على الشفتين

يسأل أين ..؟

يتذكرّ وجه وفيقة

ينظر للشباك

- لابد لها ...!-

يتذكر..

يرسم كل ملامحها

يتأوّه

يبكي

ويضلّ طريقه ..!

**

6- اخت السياب

كان اسمها حياة

حديثها جميل

وقلبها

يشعّ بالحبّ النبيل

في زرقة الأفقِ

تصلّي للسماءْ

وتقرأ الفاتحة

لشاعر عبر مسافات الأسى

قد نضجت ثماره

وانتشرتْ زكية

من قلبه الرائحة

*

كان أسمها حياة

لكنها

على مشارف الرحيل ..!

تحلم بانبلاجة الصباح

شوقاً

الى البدر الذي

يلمّ اشتات المنى

في صحفٍ هناك

وقد ترنّ في خلايا

روحه قصيدة

فوق تراب المقبرة

في لغة جديدة ....

.....!

كان اسمها حياة

تمشي بلا ارتباك

لكنها

تبحث عن رماد حلم

قد مضى

وظلّ في الف صدى

يفتح في صمت الحزانى العاشقين

توهّج الضياء

*

حياة .. يا حياة

سيابنا مات

كوني كما شئتِ

وباركي الرحيلْ

مازال في الأصلابْ

سرّ الهوى

يولد ...  لا يموتْ

لا تحزني حياة  ... يا حياة

ها أنت ترحلين

نحو ذرى المجهول

في ليلة

تزحف للسراب

والريح في كل الجهات

تئنّ في أبعادها:

قد ماتتِ الحياة ...!

***

شعر: حامد عبد الصمد البصري

 

شَهقَاتُ الثَّلْجِ تَتَوسَّلُ نَافذَتي

ورُوحُكَ أَمَانَةٌ تَلْتَجِئُ بِخُلُودي

ما زال اللَّيلُ طَوِيلاً

سَأَرْسُمُكَ فَارِسَ حُلمِي

وأَعْزِفُكَ لَحْنِي الأَخير

أُطْرِّزُنِي عَباءةَ حنين

أُدَثِّرْكَ طوال العُمْرِ

لتَكُونَ عمْري وما بعده

عَبَقُ صِباكَ يُثِيرُ جُنُونِي

هَلُمَّ اِكْسِرْ بللَّورِي

اخْتَرِقْ تفَاصِيلِي

سأهربُ منكَ .. إليك

اجْرحْ بَحرِي بالغمام

واشْربْنِي حَسرةً حَسْرهْ

تَدحْرَجْ على نقائي

لا تغفُ حَبيبِي

لأرْتَشِفَ من عَينيْكَ السَّماءْ

وأشْتَمُّ فردَوْسَكْ

يا قِبلَةَ عشقي

دعْنِي أُمَارسْ طُقُوسِي كما أَشَاءْ

شَارِكْنِي عُنقُودَ الخُلُودْ

إنَّهُ يَسْتَعْذِبُ شَفَتَيْكْ

إليك رقَائقُ قَلْبِي

مُغمَّسَةً بِالنَّبِيذْ

إليكَ نَبْضُ اليَاسَمين

أنفَاسِي تَراتِيلُ الصَّدى

شَهَقَاتِي حُبْلَى

سَكْرَى في الدُّجَى

هلْ لذَاكِرتكَ سواحلُ

لأودعَ نوارِسِي علَى رمالها.

***

سلوى فرح - كنـدا

 

- صباح الخير.. كيف الحال عمي العزيز أبا خضير.. أراك مبكرا اليوم؟

قالها الرجل الذي اعتاد أن يبدأ كل صباح بتحية أبي خضير في نفس الوقت تقريبًا. قبل أن يفتح محلاً له لبيع الخضروات على الطرف الآخر من السوق.

- صباح النور، لو تترك عمك وشأنه لكان أفضل

- على رسلك عمي أبا خضير، أراك لا تتحمل مني كلمة؟

وبابتسامة تشي بتقبله للمزاح الثقيل الذي أدمن سماعه من صديقه العجوز

- لو كان أبو فراس هو من ألقى عليك تحية الصباح، هل كنت ستجيبه بهذه الحدة؟؟

- وهل ترى أنك وهو سيان، من مهازل الدهر أن تقارن نفسك به

أجاب "أبو خضير" وهو يخفي إبتسامة رضا خفيفة من ذلك التناغم المعتاد بينه وجاره العتيد..

ككل صباح، وضع علبته الكارتونية التي تحوي قناني صغيرة جدا من العطر على الطاولة، وأخذ يرصها بشكل يتيح للزبائن قراءة الملصقات التي تشير إلى أسماء العلامات الشهيرة في عالم الروائح الطيبة.

أراد جاره أن يشاكسه أكثر استدرارا لردوده اللاذعة

- تمنيت فقط أن أعرف ما الذي يفعله أبو فراس ليحتل كل هذه المكانة في قلبك، هل يحمل حجابا للمحبة مثلا؟؟

- أرأيت.. هل استوعبت الآن لماذا كنت أقول لك أنه من العار أن تقارن نفسك به، انظر يا هذا، أولا.. أبو فراس صديقي.. والأهم أنه عندما يمر علي لا يبدأ كلامه بالترهات التي تتحفني بها كل يوم، فعندما نتبادل الأحاديث، تكون عن أمور جادة، ومهمة، أكثر تعسراً من مستوى تفكيرك، عن أيام وذكريات عشناها وخبرناها وما زالت محفورةً في قلوبنا منذ سنين، أيام جميلة لم يقدر لها أن تستمر.. عدا هذا، يكفي أن عطره تكاد تتنسمه من أول الشارع.. هل تعلم.. وأشك أنك تعلم، كلما شممت العطر الذي يضعه أبو فراس تنتابني كل الذكريات التي تعيدني لتلك الأيام.

- ما هذا الكلام عمي العزيز.. (ضاحكا) كيف اختلقت كل هذا؟؟

- لك كل الحق والله.. أنى لك أن تفهم هذه الأمور، وأنت على ما أنت عليه.. ولكن مع هذا.. اقترب مني قليلا، لا تخف.. (ضاحكا) لن أضربك.

رغم أنه كان يعلم ان أبو خضير قد يفعلها، ولكنه تقدم نحوه معتمدا على ما كان عليه صديقه العجوز من مزاج رائق..

فتح أبو خضير قنينة صغيرة من العطر.. وبمرود زجاجي صغير اخذ بعضا منها وقربها من أنف صاحبه

- ماذا تشم؟

- هذا عطر "الـزيارة"

- الحمد لله هناك شيء ما تعرفه في هذه الحياة.. فعلا.. هذا عطر يدعى بالحضروي.. و الآن، ماذا مر بخاطرك؟؟

- بصراحة

- نعم.. تكلم

- تذكرت أيام كان والدي ووالدتي يصطحبوني معهم لزيارة المراقد المقدسة وأنا صغير.

- الله يرحمهما.. أرايت.. العطر ليس هواماً طافيةً في الهواء، العطر مخزن للذكريات.. وسجل للحياة.. ولكن ليس الكل من يعي هذا، عمك أبو فراس عندما يمر علي، عطره يعيدني إلى وقت كان فيه الكثير من الجمال والقليل من أمثالك

عاد الرجل مبتسماً إلى دكانه، فهو يعرف تماما ما يحمله أبو خضير من مودة له، بل للجميع.. وأن كلامه كله لا يعدو أن يكون مزاحا.. وإن كان من النوع الثقيل الذي تعود سماعه كل يوم.

أعاد أبو خضير رص قنانيه مرة أخرى، وغير في مواقعها عدة مرات، وهو الأمر الذي لم يفعله منذ أن أحتل زاويته المعروفة في مدخل شارع الرشيد قرب جامع الحيدر خانة، في دُكانه الصغير، الذي لا تتجاوز مساحته طاولة خشبية صغيرة، يضع عليها، إلى جانب الكثير من أعواد البخور، العطور التي يصنعها بيديه المعروقتين من خلال تخفيف عطور مركزة مقلدة بدورها من علامات تجارية معروفة.. كان يكدح كل يوم في بيع هذه الأشياء البسيطة، قانعا بالنزر الشحيح الذي يتحصل عليه منها، وما الذي يتوجب عليه أن يفعل غير هذا، فهو قد اعتاد الوقوف كل يوم في نفس المكان، يجتر ما تجود به العطور من ذكريات للكثير من الوجوه التي مرت من خلال أيامه المكرورة التي عاشها، وإن كان معظمها لم تعد تحمل له الكثير من السعادة، إن لم تكن تغرقه بالهموم

وحده من يبهجه بمروره وبعطره الذي يفوح من بعيد كعصافير من ضوء تتراقص حول المكان، أبو فراس.. التاجر الميسور الذي اعتاد المرور كل يوم من أمام طاولة أبي خضير بعد أن يركن سيارته في الكراج الملفق في آخر ساحة الميدان، وأدمن الوقوف قليلاً معه لتبادل الحديث.. أو لشرب الشاي الصباحي في بعض الأحيان، كان يحرص على شراء نفس النوع من العطر تاركا لأبو خضير متعة الشعور بصداقته وامتياز التبجح بأصالة عطوره رغم أنه يعرف بأنفه الحساس الفرق بين عطر أبي فراس الأصلي والغالي الثمين وعطره الباهت خفيف الثبات الذي يبيعه لكل من لا يقوى على ثمن العطر الذي يدوم.

كان الرجلان من عمر متقارب نوعا ما.. ويضعان العطر نفسه، مع اختلاف النسخ طبعاً، ويحتفظان بالنوع نفسه من الذكريات، وعاشا ذات الزمن، وكان أكثر ما يسعد أبا خضير هو عندما يتفوق على أبي فراس في تذكر حادثة ما أو نتيجة مباراة أو كلمات أغنية كانت رائجة في ذلك الزمن، فتلك الانتصارات الصغيرة تجعله ينسى لهنيهات معدودة الفوارق بينه وبين صديقه الذي يحب، والذي يذكره بما كان من الممكن ان يكون عليه لولا جور الزمان ووفاة والده واضطراره لترك الدراسة وخوض كل تلك الحروب التي جرته من تلابيبه نحو الوقوف في الزاوية نفسها طوال هذه السنين..

السوق مزدحمًا كالمعتاد، ولكن هناك شيء ما في الأجواء بدا مختلفًا. كان الناس يمرون مسرعين، وجوههم محملة بالملل، يملؤهم الأرق من رحلة الحياة التي لا تنتهي.. كثير منهم زبائنه الذين كانوا في الأغلب الوجوه نفسها التي يراها كل يوم، ولكن أبا خضير كان يرنو إلى الطريق الذي اعتاد أن يسلكه صاحبه، وأنفه كان يفتقد شيئا ما في الهواء الذي يحيطه.

- كيف الحال أبا خضير؟ أرجو أن يكون يومك طيبا؟

سأل أحد المارة وهو يقترب منه مسرعًا كي لا يتأخر عن عمله. كان وجهه يفيض بالتعب، وعيناه مليئتان، ككل الشغيلة، بالقلق من نهاية يوم قد لا تأتي كما يشتهي.

- الحمد لله ولدي العزير، الأمور طيبة، مثل كل يوم

أجاب "أبو خضير" بصوت هاديء، ولكنه لم يكن مقتنعا تماما بما قاله، فالحياة لم تكن "طيبة" كالمعتاد، هناك شيء ما أوقف روتينها الممل، روائح عديدة تجمعت بالهواء ذكرت أبو خضير بعطر الخشب المحترق في الليالي الباردة في تلك الحدود البعيدة، وروائح الأسفلت المشوي بنار الصيف أعادت إليه ذكريات الحروب التي استهلكت شبابه وقوته ورمته على هذا الرصيف

- ذكريات سيئة اليوم.. أين أنت يا أبا فراس؟

همسها أبا خضير لنفسه، وهو ينظر حوله في السوق، باحثًا عن ذلك الوجه الذي كان يحمل دومًا بعض الكلمات الطيبة.. تطير لسبب ما من قولها بصوت عال، ولسبب اخر لا يعلمه أيضاً تحاشى السؤال عن صاحبه الذي تأخر عن موعد مروره اليومي وهو ما كان يندر حدوثه

كانت الحياة في السوق -شأنها كل يوم- لا جديد فيها، ولكن "أبو خضير" كان مختلفًا. اليوم، فكر أكثر من المعتاد في الماضي الذي مرّ، وفي الوجوه التي مرت في خياله لأناس عبرت السوق بأحلام بسيطة، وبطون خاوية، وقلوب مليئة بالحكايات التي لم يَسمح لهم الزمان بسردها..، فيهم من بقي قابعا في مكان ما، وفيهم من اختفى للأبد..

فالسوق كان دوما محيطاً للأوجاع الصامتة..

- عافاك الله يا أبا خضير، أراك ساهما اليوم.. أين كنت؟؟

قالها أحد الزبائن الذين يترددون على السوق بشكل شبه يومي.

- بل أين كنت أنت؟

أجابه أبو خضير وهو يبتسم في وجهه، ولكن ابتسامته كانت باهتة بلا روح..

كان أبو خضير يراقب الوجوه التي تلمحها عيناه، يذكر بعضهم، ويستعيد معهم بعض الأسماء القديمة التي رحلت، والأحلام التي لم تتحقق.. وفي أغلب الأحيان، في خضم تأمله الطويل، كانت يده تمتد تلقائيًا إلى قناني العطر المرصوصة أمامه وكأنها تضغط على ذكرياته التي يبيعها للآخرين. العطر بالنسبة له أشبه بشذا الذكريات، يعيد رائحة الأوقات الجميلة التي ضاعت، والحكايات التي انتهت.

- الحياة لا تتوقف على أحد

أسرها في نفسه.. الناس مثل العطر، يمرون بسرعة، والريح تمسح آثارهم.

لكن ليس كل الناس تمحي الأيام صدى خطواتهم، وتبدد الريح عطرهم، كان أبو خضير يفتقد صديقه المقرب، الذي اعتاد أن يمر عليه كل يوم، يتحدث معه، ويذكره بالأيام الماضية، حين كان كل شيء أسهل، أو على الأقل، كانت الأمور تبدو كذلك. لكن اليوم، كان "أبو فراس" غائبًا.

***

لم يمر الكثير من الوقت حتى شاع الخبر، وأخذ الناس يتناقلونه بنوع من الأسى

- سبحان الله.. بالأمس كان واقفا هنا يشرب الشاي ويضحك

- يقال إنها جلطة لم تمهله الا ساعات

- لم يكن يبدو عليه المرض، إنا لله وإنا إليه راجعون

***

في الأيام التالية، كان السوق كئيبًا قليلاً أكثر من المعتاد.. ولكن الحياة كانت مستمرة، وحده "أبو خضير" كان يشعر أن السوق فقد شيئًا من روحه.. كانت رائحة العطور التي يبيعها تشبه رائحة الفقد، ممسوحة الذاكرة، مجرد روائح متنافرة تختلط بالذكريات الغائمة التي رحلت.. ولم يعد هناك طعم يميزها عن رائحة عوادم السيارات التي يضج بها المكان.. ولا شيء يمكن أن يعيد الزمان إلى الوراء

***

وكأنه قدر محتم، قرر "أبو خضير" بعد أيام أن يترك المكان الذي كان يراه هو وكل الناس منزلاً صغيرًا له. فالأمر كان بالنسبة له لا يطاق، رائحة السوق قد اختفت عن روحه إلى الأبد، وكان يراها الآن أشبه بمكان فارغ من جميع الألوان..

في صباح اليوم التالي، أخذ آخر قناني العطر التي صنعها، وأغلق زاويته، وسار مبتعدًا. قد يكون قراره مفاجئًا، لكنه كان يعلم أن الذكريات، مهما كانت جميلة، لا تستطيع أن تكون أكثر من عبير زائل.

- أبا خضير، لماذا؟ أين ستحط رحلك؟

سأله أحدهم وهو يراه يسير مبتعدًا.

- حان الوقت يا ولدي.. السوق فقد ذاكرته.. صار بلا روح..

أجاب "أبو خضير" وهو يبتسم بخفوت، وكأن الابتسامة هي آخر ما تبقى له من كل شيء.

قبل أن يترك السوق، كان عليه أن يأخذ معه ما تبقى من ذكرياته، ويترك خلفه قصة قد تروى لبعض الوقت، قصة رجل باع العطر ليشتري لحظات من الزمن الجميل، ولكن الزمن لم يمنحه فرصة لإعادتها.

***

جمال الهنداوي

إهداء

إلى بغداد…

يا سرَّ الحكمة في الجراح،

ويا أثر الغياب في الوجدان،

ويا روحًا تُبعث من الرماد نورًا سرمديًا.

***

في بغداد، يتكلّم القلب وتتوارى المشاعر خلف ارتعاشة النظر. في الفراغ الممتد بين السؤال والجواب، وفي صمت عام 2003، كان الصدق هو اللغة السرية التي تحمل ما تعجز الحروف عن حمله. ومن رحم ذلك الصمت أطلت فاطمة من صالات كلية الآداب. كانت شريكة في الحروف قبل أن تكون شريكة في الحب. نسجنا وعدًا بريئًا على الورق، كأن الكلمات بيت نعلّقه فوق الخراب.

لكن البلاد كانت تمضي عكسنا. الخرائط تمحو نفسها، والخوف يقطن العناوين ويطالب بولاء الأرواح. أحببنا كما يحب من لا يضمن الغد. وربما لهذا كان حبنا أجمل ما عرفته في عنفوان شبابي. لا لأنه اكتمل، بل لأنه ظل حيًا وسط الركام، مثل طريقة المدينة نفسها في البقاء.

كان والدها من أولئك الذين رفضوا أن يعلّقوا على باب بيته الرايات، مكتفيًا بالأسفار التي رآها مرايا للثقافة وذاكرة للروح. في الأعظمية ارتفع سقف بيتهم كدعاء معلّق، وتشبّعت جدرانه بعطر الخشب العباسي. أما فاطمة، فلم تكن تسكن بغداد، بل كانت بغداد تسكنها. تمر في شوارعها كقصيدة في وعي شاعر نائم، غامضة، مألوفة، وأصيلة. وكلما نظرت إليها، تردّد داخلي صوت نزار قباني:

أين وجه في الأعظمية حلو

لو رأته تغار منه السماء؟

لكن المدينة التي أنجبتها بدأت تنكّرها. غياب قريب لها، تهديد صريح لعائلتها، وصار الاسم الذي كان يفتح الأبواب إعلانًا للموت.

في مساء رمادي، جاءت فاطمة إلى عتبة شقتي. لم تحمل حقيبة ولا تفسيرًا.

"فاطمة!" نطقت اسمها كأنني أستعيده بعد دهر.

"أحمد..." همست، وكان صوتها مثقّلًا بصمت بغداد كلّه. "لم يعد في وسعنا البقاء."

"لكن... أين ستذهبين؟" سألت، وكان الارتباك يضيق بكلماتي.

نظرت إليّ بعينيها المرتعشتين وقالت "لم يعد هناك أين يا أحمد."

ثم أضافت بمرارة "اسم عائلتي صار إعلانًا للموت."

لم تنظر إلى عيني، بل إلى ما وراءهما، إلى أرض تكتب فناؤها بيدها. قالت أخيرًا

"يجب أن أذهب... هذه الحياة هنا لم تعد لنا."

وعرفت عندها أن الباب الذي تغلقه سطوة المكان، لا يُفتح بالحب.

منذ رحيلها، غرق كل شيء في سكون مهيب. الضوء خفت حتى صار كنداء بعيد، والهواء ظل محتفظًا بأثرها. لم تكن ذكراها فصولًا تمتد، بل ومضات خاطفة، ظل ورائحة ولمسة. كنت ألملمها كما يلملم المرء شظايا مرآة عساه يرى فيها ملامح نفسه من جديد.

في صباح بارد، جلست في مقهى رضا علوان في الكرادة، ذلك المكان الذي يجمع الكتب بالشناشيل والذاكرة. الزجاج الملوّن يحبس الضوء الشاحب كأنه يخشى أن يتسرّب، والجدران تهمس بظل المثقفين الذين مرّوا هنا. فجأة اهتز هاتفي برقم غريب. أجبت.

«أحمد؟»

لم يكن الصوت صوتًا، بل ندى الصباح ونفَس النهر وكل ما يذكّرني بها.

«فاطمة؟!» همست باسمها كمن يجيب على سؤال قديم.

قالت «لا تُغلق باب قلبك يا أحمد. الأمل باقٍ، حتى لو غابت شمسها. فرحيلي ثمن بسيط مقابل أننا لم نصبح مثلهم. كتبت لك رسالة ستجدها بلا اسم ولا توقيع، في كتاب الأدب الذي كنا نقرؤه معًا في كلية الآداب ونتبادله بين الحين والآخر. افتح صفحة ثلاثمئة وسبع وستين، وستجدها هناك. فالأسماء ثقيلة في زمن كهذا، وما يهم أن يبقى الأثر».

ارتجف صوتي «لكنني لا أرى سوى النهاية... لماذا؟ لماذا اخترتم هذا الطريق؟»

أجابت بصلابة هادئة «لم نختر الطريق يا أحمد... اخترنا فقط ألا نتبعهم.»

ثم صمتت. انقطع الخط. لم تكن مجرد كلمات، بل يد غائبة امتدت لتوقظني من سكوني.

بقي صدى صوتها يتردّد داخلي. مددت يدي إلى ذلك الكتاب الأدبي العتيق الذي يجاور نبضي، كتاب تقاسمناه قراءةً في مقاعد كلية الآداب وأروقتها. فتحته على الصفحة ثلاثمئة وسبع وستين، فإذا بورقة صغيرة تنتظرني. لم تحمل اسمًا ولا توقيعًا، لكنها بخطها:

«يا أحمد، لا تُغلق باب قلبك. الأمل في بغداد، حتى لو غابت شمسها. ستجدني في كل ما نجا من الرماد، في التفاصيل التي تُعيد لبغداد روحها كلما احترقت».

لم تكن مجرد رسالة. كانت يدًا غائبة امتدّت لتوقظني من رمادي. ومنذ ذلك الصباح، صار وجودها القاسم المشترك بيني وبين هذه الأرض. أسمعها في نبرة بائع، أراها في شجرة تعبُرها الريح، ألمحها في صمت عجوز يحدّق في دجلة كما لو ينتظر من لن يعود.

وذات مساء شتوي، مشيت بمحاذاة النهر. كانت قد تحوّلت إلى وشم داخلي يخفق، ثم إلى رؤيا. رفعت بصري، فإذا نجم يتكوّن على مهل، يخط اسمها بخفة الهمس. عندها فقط فهمت أن جرحها يسكنني كما تسكن المدينة جرحها.

فاطمة هناك، لا جسدًا، بل حضور ينثر الندى من كفها، ويضحك كما لو أنه يعيد الحياة لشيء انطفأ في داخلي. غيابها صار طقسًا يحمل وعدًا بأن الحب حين يصفو يُبعث في المعنى والمجاز.

وفي كل لحظة يخفت فيها الضوء، أصغي. وما زالت تُناديني من عمق الروح. وما زلت أجيب بقلب لا يعرف السكون.

***

عبد الله محمد شريف أحمد الزعبي

كاتب وباحث ومترجم من الأردن

مهداة "للذي يشبه الإنسان ولا يشبهني"

كنت احتسي قهوة المساء في شرفة شقتي القابعة في الطابق الرابع من عمارة " نور الهدى"؛ اسم خلد به المنعش العقاري ابنته الصغيرة الغالية عليه حد الهوس. وهو اسم محفظ بموجب القانون، لا يملك أحد نزعه عن هذه العمارة التي بدت عليها بعض الشقوق، لأن العادة جرت على طمس الجودة بمساحين الوجه. أجلس على أريكة هزاز أقرأ رواية "الكلام والصمت" التي لا تناسب عقلي ولا وجداني، لأنها كتخاريف شيوخ عصري، ولا تتماشى مع طموحاتي ولا تستجيب لتأملاتي وطموحاتي، فارغة من كل معنى، أوراقها تتراكم حبات رمل ساعة تروي ما كان وما لم يكن، أو، إن شئت، ما سيكون من علامات استفهام، وملامح حيرة في إمساك المعنى. بينما تغوص مقلتاي في مياه تلك الصفحات الذابلة المتعفنة، راودني غبش سبات، أسكن رموش عيني حيث وجدت نفسي:

أمشي الآن في دهاليز نفسي ومسارب روحي، وأقبية أعماق دواخلي أتعثر بظلي الذي لا يفارقني كاسمي وهويتي، أتهجّى أسماءً رحلت عني ومعجم لساني، وأحاديث لم تكتمل بعد أو لم تبدأ بعد بيني وبين وجودي. كل شيء حولي صارخ بالدلالة وعمق إشاراتها: الحياة لا تحتمل الطيبين والطاهرين والشرفاء، ولا تتسع للمفكرين والنقاد والمبدعين؛ حيث التفاهة والسخافة والسذاجة رائدة زماني. والصمت يبقى الملاذ الأخير لي ولمن رفض أن يتحول، في سياق التخلف والتردي الإنساني، إلى ذئب أو ثعلب أو أسد؛ أي لمن رفض أن يكون رمز الهيمنة والافتراس والتوحش والتغول أو يتحول إلى أكياس رمل في نادي الأسياد.

هل أنا شيخ حقًا؟ أم مجرد بقايا صرخة، أنين، أو احتجاج في زمن بلا آذان، زمن صنعه الجهل والفقر والعته؟ سؤال حارق يلاحقني كظلي، يمشي حيث أمشي، وربما يسبقني، وفي فمي صمت يثقل الكلمات، يحوّل المعاني إلى حروف بلا دلالة أو قوة أو قاموس.

أجلس أمام المرآة التي لم تعد تعكس سوى أشباحي وذكرياتي المحزنة. أبحث في التجاعيد التي حفرها إزميل الحياة على خريطة طريق بلا نهاية، كنفق الفناء، فلا أجد سوى تضاريس الخيبة في أطلس الأحداث، وبقايا خطواتها نحو المجهول، وهمهمات سكون يمسح أفواه المتعبين.

كل صوت في أعماقي يوشوش لي: "اصمت… فالكلام صار لغوًا، وعلامة فارغة، لا قيمة له إلا في سوق الوهم أو في متاجر السفالة والحقارة".

سؤال يلح عليّ حين أبحث عن ذاتيتي في الوجود: من أكون أنا؟ وأما أنتَ، فمن تكون؟ حتمًا لستَ أنا، ولا أنا أنا مهما كنتَ أنا أو أنتَ. نحن أشباهٌ متفرقة، أو نظائر صُنعت من الوجود بلا وجود، نازعة منه المعنى كلما آمنّا باستغراقه لنا، أو اعتقدنا أن الوجود مختزل في وجودنا …

أغمض عينيّ، ثم أهدأ، أتنفس صمتاً أثقل من الرصاص، وصدى كلام لم ينطق بعد، همسات فكر مدفونة في بقايا كتابات هامشية، لم تجمع بعد. ويداي ترتجفان فوق الورقة التي طال انتظارها لكتابة ما، لم تعد لها علامة ولا قيمة ولا تداول. أدير وجهي عن العالم الكئيب، وأغلق الباب خلفي بشدة. آخر ما أسمع منه ليس أصواتاً فحسب، بل رموزاً تحطم كل شيء فيكون خرابا وفناء في العدم: نباح كلاب غاب أو حراسة، يعلن عن افتراس الصغار، ضحكات ثعالب تحكي قصة الخديعة المستترة والمضمرة تحت رصيف اللباقة والمجاملة، وزئير أسود يقود إلى سلطة بلا رقيب ولا حسيب، واستبداد طاغ على الوجود، طاف على سطح العسس والعسكر وعدسات عيون الرقابة … أما أنا، فقد صرت ظلّاً يتجول بين علامات الفراغ والاستفهام، وحطام الكلمات، وبقايا تقارير المخابرات.

هل سأرحل الليلة من كل حرف وكلمة لأستوطن الجنون؟ أم سأبقى هنا صنماً بلا جسد، ولا روح، ولا معنى، حتى يتحول الصمت نصا نهائيا، شهادة على انكسار كل معنى؟ وانشطار الكتابة إلى شظايا وجود؛ لا أحد يعرف الحقيقة … حتى أنا لست كائنًا. أنا سؤال يتيم، يتخبط في متاهة المجهول، معلق بخمائل السقوط.

لكن ما أعلمه الآن أني أجلس في عزلتي ووحدتي ووحشتي، أراقب الليل يزحف على نافذتي، يحارب ظلال أشيائي وموجوداتي، يعيدها إلى الغياب في انتظار الشروق. فأشعر بشيء في أعماقي يرفض الموت والفناء، ويأبى إلا أن يحيا في رواق ذاتي.

كلما حاول الصمت أن يخنقني، أن يقتلني، سمعت في عمق روحي صدى صوت باهت، خافت، لكنه ناطق: "اكتب… لا تصمت. لا تترك بياضًا على صفحات الأيام الباقية. أعد بناء الوجود بالكتابة، مهما استغرق البياض العقول، واستوطن الوجود، وارتقى في الهبوط".

أنا وحدي الذي ينطق الصمت بأسمائي التي ليست أسمائي، لكنها استعارات من أسمائي، ويحكي قصتي ودلالة أوراق دفاتري، مفكرتي التي توقفت عن كتابتها منذ خلوت بنفسي، وانطويت على ذاتي، وهجرت كياني. أبحث عن قلم قديم في درج مكتبي، أفتحه، فيسيل منه حبر لم أعرف أنه مازال حيّاً منعشا، يعيد من جديد قدرة اللغة على مقاومة الوهم والسراب، وصراع الفوضى والعبث، وإحياء الموتى، بل إحياء ما هو أبعد من الموتى. فتخط يدي ما لم يخطر لعقلي، لكنه استقر في خلدي بهدوء: لن أكون ذئبًا ولا ثعلبًا ولا أسدًا ولا وحشًا مثلهم… سأكون أنا كما أنا: شاهدًا يدوّن ما كان وما هو كائن وما سيكون، حتى آخر نفس في جسدي المتعب، المثقل بهموم بلادي".

دلالة حريتي الفردية، واستقلال كياني، وصدق هويتي، تكمن في قدرتي على الاحتفاظ بإنسانيتي وسط غابةٍ من الرموز الكثيفة، المكدسة بالافتراس والتوحش، والمخنوقة بالطغيان وصلب الحرية والصلبان.

فجأةً شعرت أني أتنفس اللغة من جديد. ليست أي لغة، بل لغتي وحدي، عنواني المقيم في ثنايا روحي، وجوهر وجودي. العالم لم يتغير كما توهمت، لكنه انكشف نصًا مفتوحًا أقرأه بعين النقد، وأهدم أصنامه التي ابتلعته. صارت الكلمة سلاحي الوحيد في وجه ما يُملى ويُتلى، بها وحدها أبقى إنسانًا حراً مستقلاً، في زمن فقد الإنسان ذاته ومعناه ودلالاته، وصار شبه إنسان بلا عنوان.

ومع ذلك، يظل السؤال الحارق عالقًا في ذهني، كعلامة استفهام تتأرجح بين كل معنى ضائع وكل فرصة للكتابة، يذكّرني بأن الكلمة وحدها قادرة على إعادة ترتيب العالم والمعنى، وعلى طرح السؤال. سؤال الكينونة والهوية الذي يلازمني كلما فتحت دفتري أو مفكرتي، وينبعث من رماد الإلحاح:

يا ترى؛ من أكون؟ ومن تكون؟

أنا أنا، وأنتَ لستَ أنا. لكن، قد تكون أنا، لأننا أشباه توائم متقاربة، صيغنا وفق هياكل وركائز واحدة، متشابهة في الوجود، مختلفة في السراب، وهم يسري فينا باسم الوجود، محاصرٌ بخطوط حمراء تسلبنا المعنى. كلما أصبحنا جذور كلمات، أو بذور استنبات، أو شتائل مهجنة.

فهل وجودنا حقًا وجود، أم مجرد مجاز؟ أم أننا استعارات من أصل واحد، مصنوعون من طينة واحدة، سقَتها تربة التربية وكتب المدارس ومراجع القراءات؟ كلٌّ منا مصنعٌ حسب الطلب، موضوع في قارورة مختبر، أو قفص منتدى، أو علامة تجارية مسجّلة لدى محاكم الوهم الكبرى. هكذا يكون سؤال الوجود؛ بل، قل: سؤال الفناء.

***

عبد العزيز قريش

فاس في: 05/09/2025

وأطفأ الحب مصباحه

لم يعد هناك صدى في الربى

ولا طيف، ولا قبس

كأنه ظل ليل تلاشى في الدّجى

وما بقي في الصدر سوى ألم متخم

*

أين الوصال؟ وأين البوح الذي كان مزدهرًا؟

صار صمتًا والأنين ينهمر

ما عاد في القلب إلا وجع

والريح تتغنّج فيه

والحنين يختبئ خجلاً

*

يا سائلي عن هوى ضاعت معالمه

مات الغزل

فهل هناك متسع في الموت لهذا الألم؟

قد قيل إن قيسا ذهب للحج معتصمًا

يرجو الشفاء

وفي الكعبة له ولع جديد

*

لكنه عاد والدنيا تكابدُه

تلتهمه نار الوجد

رأى الجموع تفيض

والقلب يسأله

كيف يُمحى الغزل؟

*

قالوا تداوى

فقلت العشق مقتله

ومن يبتغي البعد يلتهمه الحزن

يغربه أو يشرقه

أقسمت

ما رأيت الأركان تحمل جرح فتى

إلا إذا كان فيها ذكر للحب أو مطلبه

*

يا ليت ليلى تعالج جرح عاشقها

فتواسيه القبل

لكنها غابت

والأرواح تغترب

ويا ليتني ألتقي من يقاسمني قربًا

وفي الأحلام نلتحم

***

د. آمال بوحرب

 

إهداء الى رفيقة عمري

منى "أمّ محمد"

***

تعَبُ الحياةِ حبيبتي لو لمْ تكُنْ

عيناكِ مبْلغَ رحلتي قتّالُ

*

لولاهُما ما رمتُ شيئًا من دنىً

عنْها الهَوا لوْلا الهوىْ رحّالُ

*

لولاهُما لم أنجُ من موتٍ لهُ

تعَبُ الخطى فوقَ الثّرى ميّالُ

*

عيناكِ وجهةُ جائلٍ لولاهُما

اسْتَبْقاهُ عُمْرَ الرّحلةِ التّرحالُ

*

كانَ انْطوى عُمرًا بغُربتهِ وما

كانت لِتشْحذَ صبرَها الآمالُ

*

وهيَ التي في صبرِهِ طلعَتْ ومِن

عينيكِ يُسقى عُمرُها الطُّوّالُ

*

كانَ انْقضى حُلُمًا بعُزلتِهِ وما

كانتْ لتُبطلَ حُكمَها الأغلالُ

*

تلكَ التي لما التقَتْ عينيكِ في

حلُمي ارْتأَتْ أن تُكسَرَ الأقفالُ

*

ما يبتغي منْ رحلةٍ لا تبتغي

عينينِ مُهْجَتُهُ هُما الصّلصالُ

*

وهُما الهوى فمُهُ الدّوا لفمٍ بلثـ

مكِ تسْترِدُّ به النُّهَىْ الأقوالُ

*

وهما الرّجا يدُهُ النّجاةُ لمن به

تتزاحمُ الأنفاسُ و الأحمالُ

*

وهما الهُدى يُهدي الطّريقَ لعاثرٍ

شغلَتْ جميعَ دروبهِ الأهوالُ

*

أهٍ لوِ اسْتكشفْتِ قلبيْ كُلّما

قَرُبَ اللّقا وتوازتِ الأميالُ

*

كنت التقيتِ به عيونَكِ حولَها

عِشقُ العيونِ كأنّه طبّالُ

*

كنت التقيتِ بمُهجتي ميّالةً

قد هزّها في وصفكِ الموّالُ

*

كنت التقيتِ بلهفةٍ أمسى بها

الدمُ بي كما لوْ هاجَهُ شلّالُ

*

عيناكِ رجفةُ راجفٍ لولاهُما

ماانفكّ من صِفَةٍ لهُ التمثالُ

*

لقّنتهِ درسَ الهوى فهَوى ومما

اسْتوقفَ المُتَعلّمَ الزّلزالُ

*

زلزالهُ حينَ اللّقا جراءَه

تبْدو الدُّنى وكأنّها أطلالُ

*** 

أسامة محمد صالح زامل

مع فنجان قهوة مقعر

شربت مرارة كهولتي

ومضيت أعدُّ بغضب

سلاسل انكساراتي

وكل ما ترتّب عن ذلك من سوء تقدير

وانفلات لا يقاس إلا بركام حيرتي

للمرة الألف ..

أسقط

أصرخ

بلا صوت

أشرب

من نبع الكآبة

أعلن

موت حلمي السريري

أفترش

الألوان والظلال

أستعير

بدلة  "TERGAL" القديمة

أنزل

لشوارع المدينة

أصافح

المساء المهادن

وأسأل

عن مقالة كتبتها بجريدة " المحرر "

الممنوعة

ودفعت ثمنها نقدا في ميزان الحسنات

2

عندما عدت إلى مسقط رأسي أخر مرة

مستني أوجاع الذكرى

وارتعشت روحي خجلى

تنسمت عبير الشوق الوردي

وأنا أعبر شارع " الأيام الخوالي"

غابة الكاليتوس هادئة

وأشجار العرعر تعانق المغاني

حبيبتي كانت تبزغ في الليالي المقمرة

نتقاسم الخطى ونحتفي برومانسية

الزمن والمكان

نشرب من ماء الحب الكِفاية

ونوزع همساتنا على عصافير المدينة

3

مدينتي تبرأت من خطواتي

أعلنتني متمردا وسلمتني

لمحاكم التفتيش

قيل في محضر التسليم

"مشاغب يقرأ الشعر في وقت السحر

يبحث عن الزمن الضائع تحت سقيفة بني ساعدة

ويسأل عن معطف غوغول  ومسخ كافكا

ويحرض على قراءة الثالوث المحرم

وينصت لكشك في أوقات الفراغ

وأحيانا يقرأ الروض العاطر في نزهة الخاطر

ويعَرّج على صحيح البخاري

ثم يختم برأس مال  ماركس "

4

في كل زقاق جاسوس يترصدني

وفتية يوزعون صُوّري

وشاهد زورٍ يقول:

" إنَّه يُعلّم الصبية لغة العصيان"

ويقرض الناس قرضاً غير حسن

أستطيع أن أقول أنني أمارس لعبة

الظهور والاختفاء

أكلم نفسي

أستعير قناعا

لإخفاء ملامح هزيمتي

وتمويه شخصيتي

أتوارى خلف خيال أحلامي

أرسم زهرة للنسيان

أرسم طريقا للغياب

ثم أختفي بهدوء

***

محمد محضار 1 شتنبر 2025

 

نَـصْـرُ الـعَـدالَةِ لَـمْ يَـكُنْ مَـجَّانَا

قَـطَـرُ الـعُـروبَةِ تَـدْفَـعُ الأَثْـمَـانَا

*

يــا عُــرْبُ هُـبّـوا لِـلـلِّقاءِ كَـأُمَّةٍ

كَـيْ تَـرْدَعُوا الـعُدْوَانَ وَالطُّغْيانَا

*

الـنَّصْرُ فـي ذي قارَ باتَ حَقيقَةً

حِـيـنَ الـقَبائِلُ نـاصَرَتْ شَـيْبَانَا

*

لَـبّـى الـمُثَنّى وَالـقَبائِلُ حَـوْلَهُ

وَسُـيُـوفُ بَـكْـرٍ تَـمْـلَأُ الـمَـيْدانَا

*

فـــازُوا بِـنَـصْـرٍ كــامـلٍ ومُـــؤَزَّرٍ

وَلجَيْشِ كِسْرَى أَطْفَأُوا النِّيرانَا

*

يـا عُـرْبُ عودُوا فَالمَصيرُ مُعَلَّقٌ

كَــيْ نَـصْـنَعَ الـتَّـارِيخَ وَالأَزْمَـانَا

*

يـا أَيُّـهَا الـعَرَبِيُّ قُـمْ نَـحْوَ العُلا

إِنَّ الـــعَــدُوَّ يُــهَــدِّدُ الأَوْطَــانَــا

*

فَانْهَضْ، بِلَادُ العُرْبِ تَنْتَظِرُ الفِدا

وَاصْرَخْ: كَفى ذُلًّا، كَفى خُذْلانَا

*

قَـدْ آنَ وَقْـتُ الـعِزِّ يُكْتَبُ صَادِقًا

وَنَــذُبُّ كُــلَّ مُـنـافِقٍ قَــدْ خَـانَا

*

إِنَّ الـعُروبَةَ لَنْ تَموتَ وَإِنْ غَفَتْ

فَـالْـفَـجْـرُ آتٍ يَــمْــلَأُ الأَكْــوانَــا

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

تُطلُّ الكَلِماتْ

مِن نافِذَةِ المَعْنَى...

مَحْفوفَةً بِغُرْبَتِها!!!

في واقِعٍ...

يَحْتَفِي باغْتِيالِها!!!

*

تَتَعثَّرُ في أفواهِنا...

متَوارية في صَدى القَولِ،

مبتلّة بالحِبْرِ،

لكنْ لا تُفَسِّرُها العُيونُ،

وتكتمُ بوحها الجُدْرانْ!!!

*

تَصِيحُ،

ولا صَدى...

تَنزِفُ،

ولا شَفَقٌ يُضَمِّدُ نُطقَها!!!

*

فَمَنْ يُعيدُ لِحُرُوفِها المعنَى؟

ومَنْ يَفُكُّ قُيودَها...

ويُهديها الزَّمانَ... كما تَشاءْ؟!

***

بقلمك سليمان بن تملّيست

جربة - الجمهورية التونسية

 

للغربِ أُعاكسُ مسرى شمس النبراسِ

لأُلاقي حبّاتِ الماسِ بقلبِ عروقِ تضاريسِ القِرطاسِ

في الغربِ الوجدُ المدُّ حنينُ

ونداءُ الضربِ على نقشِ الأوتارِ الخرساءِ

لا أملٌ لا ضوءٌ لا ماءُ

لا رمشةَ لا غمزةَ وصلٍ تُطفئُ وجدَ الخسرانِ

ناديتُ فلا ردَّ الماسُ ولا نبراسُ الردِّ القاسي

سأعودُ بخفقِ خفوفِ الطينةِ أدراجي

لأوالي رسمَ حروفِ الخيبةِ في لوحِ زمانِ النسيانِ

إني لا ذاكَ ولا أسعى فالوعدُ جبالٌ من خرقِ الأوهامِ

واللقيا حبّةُ قمحِ عِجافِ سنيِّ الطوُفانِ

أعرفُ موعودي وزمانَ الدقِّ على ساعاتِ الجُدرانِ

النوءُ الغضبانُ مصابي

لا شرقَ بدينِ الحقِّ الراقي لا غربُ

الخطُّ الواصلُ حدُّ البرزخِ نحو التوكيدِ

الحانةُ أرقى من قلبِ الصبِّ زمانا

لا تغربُ شمسٌ فيها إلاّ والنجمةُ في المشرقِ تجتاحُ البلدانا

صوتٌ أزليٌّ يسعى ليُبشّرَ بالنغمةِ في قانونِ الأوتارِ

ونداءٌ إنْ أنصفنا لا يُخفى

يحدونا أنْ نبلغَ بالشكوى أطرافَ الجدوى

هذي الرُقعةُ عنوانُ رموزِ الإيماءِ

أطبقتُ الأسنانَ على جذرِ الحُمّى

فانطلقَ الكوكبُ في أرجاءِ الكينونةِ مُشتقّاً ضوءا

يحلمُ أنَّ الآتي يأتي ليُغطي باقي الأشواطِ

أين الصرخةُ والنادي والمَندى؟

لا شئَ سوى ما يبقى من توقِ الهاري للعاري

ونِداءِ الصيرورةِ نحوَ قطوفِ الأعناقِ

فهَلُمَّ نُصَعّدُ ما في الخيبةِ من أنداءِ الأصداءِ

حُكمُ النادي قبضةُ ما يندى في سوقِ الأغيارِ

الناجي لا يندى .. يستحلبُ لُبَّ فقاعاتِ الضوضاءِ

غربٌ؟ تغريبٌ أمْ جُهدُ الفاتحِ للفوضى آفاقا

عَبثُ أوقفَ إقلاعا

مُهَجٌ تترصّدُ أخبارَ سخيِّ الأنواءِ

نادتْ فتصدّتْ ...

الصوتُ العالي نِدُّ الودِّ

صنوُ الرِحلةِ صوبَ أمازيغِ طروقِ مضيقِ زيادِ.

***

د. عدنان الظاهر

آب (أغسطس) 2025

لا شيء في العراق

يفرحنا بيوم

حتى الجسور قد غدت

ترعبنا بنوم

الناس في قلق

جسورنا ورق

و الف روحٍ تحتها بلحظة زهق!

لا شيء في العراق

سوى الذي نفاق

تزاحم الجميع للكراسي

و أشعلوا الأماسي

و حشّدوا الأصوات باللسان

لكي يكون واحدٌ

عضواً من البرلمان!!!

***

رعد الدخيلي

روحها في كل ليلة،

كانت تشتعل كشجرة ميلاد تحوَّلت غضاً ..

وأبصركما معا ً...

أنت والطيار الأمريكيّ الذي أحرقها ذات ظلم:

هو مبتهج بألسنة اللهب،

بينما تذبلُ كفاك منكفئةً بإشعال الحريق.

**

أظلّها بغيمةٍ ورديةٍ،

وأدار حولها الأنهارْ

فرشَ لها الأضواء والألوانَ

فضاءَ رقصةٍ مجنونةْ

لكنه هرب قبل اكتشافها أنه بلا ساعدين

**

وعدها بثوبٍ أخضرَ، ونزهةٍ نهرية

لكنه جرّها من يدها

وقذفها بحلة بيضاءَ في رابية.

**

كان منهمكاً بتصفية البلابل في غصون أشجاره،

وكانت الطلقةُ الأخيرةُ من نصيبها ..

كانت وهي تحتضر،

يعذبها حزنٌ غامضٌ في عينيهْ

**

قال لها .. إنهما في هدنة

ابتسمت في داخلها .

فهو لا يعرفُ أنها لم تخضْ حرباً قط

ولذلك تقوّس قلبُها في رحلة الرمان .

**

هو لا يعرفُ أمكنة نشوزها

إنها منهمكةٌ بهديل الينابيعِ

وشجى الرند والميسِ والعرارْ

ومأخوذة ٌبخطوط " ماتيس "

وأحصنة " كندانسكي"

بأجنحتها الهائمة في أروقة السماءْ

مهووسة بتباريح " تشايكوفسكي " وشمسه الهاربة

بغُصةٍ مجهولة

ونازفة في تنقيطات حزن "جورج سيرا"

ومرابع "جواد سليم "

وأجنة براعته التي انتُزعت في ظلِّ شجرٍ عاقر

وهم يشعلون ليلها باشتباك الوجد والوجع والحمى

حيث تدخل الحدائقُ صالة أساها

كي تضمدها بجروح القداحِ، وحنوِّ الملاذات.

ميلودي، ميلودي، ميلودي

في غفوة الرمان بظل نخلةٍ على ساعد شط العرب

هل بقي للعرب من شطٍّ يا سيدتي ...!

في اندغام الفرات بدجلةَ في لحظة كونية

على خاصرة الجرح

لحظةٍ تفتحُ ذراعيها لمطلع خلاصٍ لا يخلّص

ورسلٍ تخونْ

وأروقةٍ معتمةْ

**

دجلة يتطيَّر من غروبٍ يحتويها

يضمُّ شجراً دامياً يلوبُ في ضوء عينيها

يتفقّد عوزَها المسائيَّ لنشوةٍ ترتدي رقصة نجومها

وهي تتساقط عطشى

حول غزلانٍ عارمةٍ بفوضى المتاهاتْ

وأجنحةِ فراشاتٍ تبحث عن جحيم ينتشلُ عريها

من حفرِ الجليدِ ووديانِ المنافي

وأجنحة راقصاتِ " دوجا "

الصاعداتِ للسماء في شهقة باليه

من رحلة السواد في غسق " المعري وتيسان "

المخضبِ بدم "السهرورديِّ" المغدورِ بضربة حبْ

مرٌّ وجعُ الغيوم الهائمةِ في لؤلؤة روحها

دجلة خيمةٌ

دجلة قنديلْ

دجلة جمرةْ

دجلةُ نخيلْ

وتلاوينُ ربيع الموصلْ

دجلة شهقة أبي الخصيبْ

ولواعجُ ابنِ الفارضِ وإشاراتُ التوحيدي

وزنارٌ بغداديْ

**

تتسعُ ثقوبُ الروح أكبرَ فأكبر

تبتعدُ السماءُ، أكثرَ فأكثر

تبتعدُ عن مسلة الجروح نائيةً بأجنحة العطش

ومنتشلة سفن الحلم من أكفِّ الرياح

تمتدُّ الفضاءاتُ أبعدَ فأبعدْ

وتنثالُ التراتيل ..

دجلة مشهدُ حبٍّ خجولْ

دجلة أرجوانْ

دجلة انفتاحُ التفاح على بهاء السماءْ

دجلة حيرة المرايا

ولوعة الصدورِ

لاقتحام المحظورْ

دجلة ينتزعها من شِباك الوحشةِ

ليخبئها في زهرة رمانْ

وزهرةُ الرمان ملاذي

فنائي هي وقبري وحشري

وضالتي،

إن قبلتني فحسبي

مذهولةٌ شجرةُ الرمانِ عن عطرها بوجدها

وعن فتنتها بحزنها

ومنهمكةٌ بتغييباتِ " سيزانْ "

وإشراقاتِ "الجنيد " ولواعج " الحلاج ".

كان يشبك ساعديه فجراً على صدره ليصلي

لكنهم قطعوها.

سألتني أمي وخضرة عينيها مخضبةٌ بالدموعِ.

لماذا ..؟

بكيتُ، ولم أجد من يمسحُ الدموع.

ملتاعةٌ أنا بتأويلية " غني حكمت

ورافع الناصري وراكان دبدوب "

وموجعة بفضاءات " الرحّال "

وهو يختار فردوسَهُ تحت قبعةِ مجهولٍ

يوجعني وجعهُ

لكنه ظلَّ هائماً في أروقة السماءْ

لأن النجومَ طوقتْ قامته بنايات ماسها الأبديةْ

**

متأرجحةً على سلالم الحلم في رحلة سيزيفيةْ

بين " منيف وجبرا ".

ومقتولةً بلواعج "هايدن" وأنين "عمر خيرت"

وهما يحولانِ الحزنَ لسلالمَ .

وأجنحةٍ من عبيرْ

**

دجلة شجرةُ لوز تختبئ في ظلها الشقائقْ

تُسقى بكؤوسٍ مترعةٍ

من أوراد "ابن عربيٍّ وأبي يزيدْ"

لكنها تظلُّ تلوبُ بنايات حزنٍ يغورُ في ليلَك أساها

دجلة هديلُ سنبلةٍ عطشى

ووجعُ الهديلْ

دجلة ليلةُ سفرجلْ

شُرَفٌ وأروقةٌ وشناشيلْ

وإشاراتٌ ترقى،

تطلب الكلّ، وترفض شتات الأجزاء

تطالبُ،

وتأبى الوقوفَ على باب الرجاءْ

دجلة بيتُ الوجود

قال لها. مرفأٌ أنا، ومطلعٌ ومُرادْ

ووقفةٌ إن وقفتِها نجوتِ

سألته، كيف، وسلطةُ " الكاف " طاغوتٌ يجتاح الملكوت

قال .. لأني زيتُ السراجِ

وعسلُ سورةِ المائدةْ.

وغربة التين وجمرُ زيتونة

لم تبخل بنورها

صدقيني

شهامةُ المنفى أنا . قال لها،

ولوعة الأسئلة ولهفة الصيادينْ.

والتهلكة نجاةٌ معي

إن دخلتِها فتَحَتِ الحصونُ أبوابها

واشتعلت الأنهارُ وفار التنور

لكنه كان مذعورا بلبلاب يلفُّ عنقه،

ولذلك لم تصدق.

سألها بأسى الأطفال: لماذا ...؟؟

(في الطفولة يرتدي حلة ياسمينٍ

ويفوح بشذاها

في الطفولة تأخذه لصدرها ويتسعُ الكون

وهو في الطفولة ... تصمت،

كي تظلَّ محفوفةً بملائكة العرشْ)

**

لم تقل له: إنه لم يكن وطنا لأمنه،

ولا صديقا لحلمه،

و لا حميما لأسئلة الصيد والمنافي ...

ولذلك لم تصدق.

وكان السكون للحركةُ بالمرصادْ.

وكان العطبُ حليفَ صحاريه

ولأنه يحبُّ رملاً بلا أثرٍ ولا ذاكرة

ولا خطوطٍ تؤسس رهافة المعنى

رفض أن يشكل مروقَ لحظتها

حيث يشتبك الموتُ بالحبِّ بالميلادِ،

بزهرة رمانْ آبقة

وكانت الزهرة تمتلك قرارها

كانت تدرك أن التهلكة معه هلاكٌ طافحٌ بالهلاك.

رملاً متحركا يأخذها لهاوية غاربةْ

وموتاً بلا موت ...

**

دجلة يأخذها إليه من تهافت الحافاتْ

من صراخ الورد المشتعل في عينيها

من وجع الملائكة التي تشهقُ في بروقِ ماسها

من ذئابٍ تستيقظُ مبكرةً في جذوع شجرها.

من غزلانٍ تعدو في سرابٍ

يفصل بين التفاح والصحارى

في متاهات عبيرها.

من عبوةٍ ناسفة تندسُّ في يواقيت روحها

من سلالم الوجد وأروقة العذابِ التي

تلوب في مياه محنتها

كانت تصرخ وهي على حبال البرزخ

إلهي، من لي بأحذيةٍ لكل هؤلاء الحفاةْ..!!

**

تتساءلُ كيف انهمر الثلجُ من عيون شمس آب

ليستقرَّ زمهريراً في دمها.

مُحرقاً حقولَ القمح

وشجى النرجس وهمس الياسمينْ

باحثة عن جيمات الوجد في:

جور، جود، ووجعٍ وجوى،

وفي موجٍ،

وحتى مواجد الجحيمْ

تصمتْ ...

يقول دجلةُ .. أكملي.

وتقول جاء دورك كي تعتنقَ عقيدة

زهرِ الرمانْ.

خالصة من عناد الدم ومكابرة الوجدْ

وفاتحةً ذراعيها لأفقٍ يصلُ الأرضَ

بسماءٍ عاشرة

كي تُسلم في حومة الشهادة المفاتيحْ

فاليقينُ يَهديكَ إلى الحق،

والحقُّ هو الحب

والحبُّ هو المنتهى ...

فأيَّ قلاع الأرض تتسلقُ بصركَ

وهو في الجب

معلقٌ على حبال المكيدة

تقول له الناياتُ .. حاذرْ.!

لكنه لا يصدقْ.

يصمتُ دجلة الضائعُ بينَ

المنابع الغريبة والخلجان

دجلة موجعٌ بالصمت

مرهَقٌ بوَجَل الكلام

ترعبه البلابلُ المفتونة بالتحليق فيهربْ

دجلة لا يرفع أعلاما زائفةَ الهوية.

دجلة يقول لها .. تعبتُ من الأقنعة

لا تدرسوني في محاضرة النقدِ بها

بل من تلك المنابع القصية المرهونة لدى الطغاة

تتساءل في داخلها.

أليست الهويةُ من الهوى ...أم هي في القصدْ...!

تنصرفُ عن حوار الجذور لتقعَ في المحذور

يهوي رأسها في عصف ريحٍ تبعثرُ أوزارهْ

إقرأي له سورة النخيلِ كي يهدأ. قال لها.

لكنها قرأت سورة الرملْ،

سكتت السورة، ثم قالت: لا مفر

ما تزال العاصفة دائرةً في التيه .

والحقولُ شتاتْ.

ولزهرة الرمان أرقامٌ وآجالْ

الأولى تعبتْ بما عرفتْ

الثانية تهربُ مما تعرفْ

الثالثة ما تزالُ تشتبك في عدْوها خطوطُ السرابِ

بأقواس قزحْ

خذني لتموجاتِ قوسِ قزحٍ بعيدٍ

يلوب بمواجدكْ

قوسٍ ما زال يجمع شتاتَ ما تريد أن تعرفَ

لتتعلمَ من شيخها النفريِّ ..

كيف تحرقُ المعرفةُ المحبةْ،

ومن البسطاميِّ كيف تحييها ..

و" الجنة جنتان:

جنةُ النعيم وجنةُ المعرفةْ،

أما جنةُ النعيم فزائلة،

وخالدةٌ جنانُ المعرفة " يا مُريدْ.

ولذلك ظلت تسكنُ معرفةً لا تعطي الريحَ أعنتها

حين هربت من الساكن وصادقت الرياحْ.

كي يظل " تموزُ " العظيمُ راعيها

**

قالت له ذاتَ عذاب:

سأذهبُ إلى الجنة بدونكْ .

وعادت أصابعُ اللبلاب .

لكن المشهد لن ينتهيَ عند عروجه الكتوم

فألسنةُ اللهب ظلت تراود أصابعَ حزنه النحيلْ

المتخفي في نبيذ محنتها

والعارم بعطر ليلٍ يرتديها

لا وصية تهديها إليه غير الدخول في زهرة رمانْ ..

وأن يتلفتَ دوما

ليوقنَ أنَّ ثمة شيئاً يتوهجُ

ولذلك تعلمتْ ألا تصدقَ من قال لها: غادري

لم يعد في الوردة رحيق.

**

دجلة الهادي إلى صراط الحب

دجلة الزلالُ كحريره الموصلي

دجلة المشتعلةُ أمواجُه بزنابق الرحمة

دجلة يتحولُ على حين غرة لزوبعة من نارْ

تتصاعد أمواجه مراجلَ من لهبْ

تتضورُ أسماكه، وتضيع بالأضدادْ

دجلة شوكُ البراري

صهيلُ الجحيم في ليل اخرس

دجلة بشراسةٍ يبتلع قرصَ الشمس

يكسِّرُ قناديلَ الزوارق المرتمية في أحضانهْ

يغتصب بدر نيسان من جلال بهائهْ

يضحكُ من الكلمات المعجزات

يطلقها ملونةً كعصافير الجنة

ثم يرميها بالحجارة ..

ينتزع النجوم من أفلاكها

يشظيها بأصابع "جاك دريدا"،

حيث تندحر الينابيع

يبحث عن الثغرات ليفجرها،

ساخرا من حوارية "باختين" ونوافذ "جادامير"

ومن عنفوان "هيدجر"

وهو يتوّج الكلمة تاريخاً للوجود

الكلمة: تاريخ كن

الكلمة: شجرةُ الكينونة

بكلمة وكلمة وأخرى

مزخرفة على ورقة... "ابن نوفل"

و"القديس أوغسطين"

ومفتونة بماسة هولدرلين

" مايبقى يؤسسه الشعراء"

لا زمنَ يحتوي عريَ الجوع والعطش

لا زمنَ يحتويني

والجوعُ والعطشُ قدسُ الأقداس

إذ نحتويهما تسقط المحنُ في كفّيْ خلاص.

لا زمنَ يحتوي امرأةً ماردة ً تشتعلُ وتنهضْ

يصطادها دجلةُ ويرميها في القاع وتنهضْ ..

لا زمنَ يحتويني

أنا من يحتوي الزمن وعنجهية جبروته... أنا

أنا من تلفُّهُ بأنامل القلم وسطوة الظلالِ

الظلالُ التي ظل رقصها الليليُّ يغريني وأتبعه

بشهقةِ الروح ولوعة الملاذاتْ

وبجبروت كلمةٍ واحدة هي ... كنْ.

حيث تنهضُ لغتي

باذخةً من جذور الصحارى

ومعرشةً في مشاتل الكلام

باذخة تداري بحنوها ارتباك أصابع اللبلابْ

والكلمةُ وحدها غلالةُ الزمن،

مطرقتهُ التي تلعب به إذ تشاء

الكلمة التي تعرف حدود الفصلِ

بين المغامرة والمقامرةْ

والوصل بين الجرح والسكين

وتأبى الانصياعَ لحوارٍ مقطوع

يُكسّرها "دريدا" بالاختلاف،

يُرديها قتيلة الإرجاء

ورهينة نسيان لا يؤمن برِهانِ المهادنة

بلا أثرٍ هذه المرة ...

كأنها ما كانت أولَ الضياء فوق عتامة الغمر

قبل أن نبتكر حزن الشقائق وجرحَ الشيحِ

وخيانةَ البنفسج،

وقبيلَ حلول يأس الياسمين.

الكلمة التي يشرق بنورها شجرُ الكونِ

ويهفو بها الموج شاهقا من ساحلٍ لآخرْ

تسكرُ بها رقصة الظلالِ وتقفل عليها الروح شغافها

تلوبُ المراكبُ

وترتبك الشاراتْ:

أ،

حاء،

باء،

كِ

حروفٌ لا تأتلفُ.

ليس في شُرفة الاختلاف حسبْ،

بل في صليل التناقض.

تصطرعُ بين فتح الكاف وكسرها،

والكسرُ أقوى فقد كسر الطغاة والجبابرةَ

وأنزلهم عن عروش المنى..!

وجرّ الأملَ والألمَ وما حولهما،

وجرَّنا في الغاوين.

كسَرتنا الكسرةُ في مخاض التشكيل

حيث لا ضمةَ تؤوينا.

وتلك الحروفُ .... قدسُ الأقداس.

صارت كرةً تتدحرج على سُلمٍ

يصلُ عذابنا باردان الحقيقة

وحيث لا حقيقة إلا معكْ.

**

يلوي عنقَ الغزلان، دجلة

يرميها في غياهب جحيمه

يطوي الضفافْ

يجزُّ ضفائرَ الأرض التي أرهقها الطوفان،

يهدم منائرها

يقذفها في مراجلَ زئبقيةْ

يقتلعُ شجرَ الحلم، يُشعلُ حدائقَ الحكمةِ

يسحقُ بالزوبعة براءة الورد الناعم

على الضفتين

**

سورة " القارعة " تلاحقني

لا ضوءَ فوق زندي

لا غلائلَ وردٍ تلفّ نداء روحي

لا نشيدَ في الأعالي

قلائدُ الليل تنفرط ْ

أهي النجومُ قلائد الليلِ أم أقراطه

أم غصونُ الحكمة المصلوبة على الشناشيلْ

لا قمحَ في خوابي الشتاءْ

والبحرُ وحيدٌ في الليل ومنكفئٌ بين الخلجان

لكنَّ الصخرة بجلالٍ تغادرُ مرساها

باذخةً،

وعصيةً على السكوتْ

ولذلك ظلتْ تروي لليالي الشتاءِ

أسرارَ شجر الرمان.

آهِ .... أموتُ، لكن لا غرابَ يواريني.

لا أحدَ، لا أحدْ.

**

وأسألكَ، ما للخيانات مولعةٌ بالهجاء.

ومالي معرضةٌ عن هجائها

مادامت تمنحنا كلَّ هذا الوعيَ الفادح بالخساراتْ.

علليني إذنْ،

أيتها الرؤى الطالعة من صميم الخطيئةِ،

علليني

وكوني رؤوفة بخيباتهم.

ما دام الخلدُ لكِ، وليَ المجدْ

ودعيني أقتسم معك العذابَ وكواهلَ الاصطبارِ

ودقةَ الأسباب.

علليني ...

فمجدُ الميلاد لي ... أنا مريمُ السرِّ

ولهم الخطيئةْ.

لا احتاجُ من يواسيني

مادامت المعجزةُ ملءَ دمي

وبين ذراعيْ.

وفي دمه وعلى شفتيه بلابلُ تحتضر.

قلتُ له:

لم أمتْ لأنه رحلْ،

فرحيلهُ عقوبة شراسة الرمان في ليلةٍ موحشة

بل لأنَّ الألوان والأضواء غابتْ

ومال غيمٌ لعوبٌ وعدَ بعنبٍ وأفلاكٍ جديدة.

وبقمرٍ يلوّح بمناديلَ خضرٍ

في ليلٍ داكنْ ...

**

رحيله كان عقوبة انتظار لوز المنى

في شرفة مساءٍ جامح.

قلتُ له: ابتكرني،

كن غصوناً لمهارة وحشتي

فقال: رتبيني

لكنَّ الرعبَ ابتكره قبل شروق المياه.

ولم أعجبْ لان الغابة كانت تتسعُ للأضداد

فخرج ولم يَعُدْ.

**

ودجلةُ، دجلة ..

**

دجلةُ ليس ساعداً حريرياً يخاصر وجد البساتينْ

دجلة هاويةٌ تعتلي زبَدَ العذاب

وتتفرّجُ على خراب المدن

في الأصيل يعاود الاختناق بأصابع اللبلاب.

يذوي، ويهبط لقاعه الموجْ.

تنطفئ نيرانهُ.

ويغيبْ.

يترك على الضفة أرديةً تفوح بعطر دمي

**

" شانيل " ..

يا أجنحةً تطلقُ رسائلَ وغلائل ومناديل

لماذا يرحل هو وترتضين المساءلة

ذكريهِ إذن ...فما بين شهقة ورقصة

تنهض المدنُ مرة أخرى

مكللةً بأقواس قزحِ ما بعدَ الطوفان

تنتظرُ في ظل رمانةٍ جديدة

أغصانَ زلالٍ طالع ٍ من عروق دجلة الجديد ...

***

ا. د. بشرى البستاني

في نصوص اليوم